المنتدى الثقافي > إعلام الفكر والفلسفة

شؤون الحياة المعاصرة ج1- بين الجيل القديم والجيل الجديد؟!

(1/1)

يوحنا بيداويد:
شؤون الحياة المعاصرة ج1- بين الجيل القديم والجيل الجديد؟!

بقلم يوحنا بيداويد
4 نيسان 2020
نشر هذا المقال في العدد 27 من نشرة "نسمة الروح القدس" التي تنشرها ارسالية الروح القدس للسريان الكاثوليك في ملبورن بمناسبة عيد القيامة في زمن وباء كرونا 2020

شؤون الحياة المعاصرة (1)
بين الجيل القديم والجيل الجديد؟!

هناك صراع خفي على نار هادئة يحصل في مجتمعنا بين الجيلين، جيل الكبار الذي هاجروا من ارض الوطن، وبين الجيل الجديد المولود في المهجر او الذين وصلوا اليه يافعين. اما سبب هذا الصراع هو التغير الذي حصل في البيئة والنظام الاجتماعي والقوانين الجديدة في الدول الغربية مقارنة بقوانين المجتمع الشرقي، كما تشكل الإنجازات الحضارية المدهشة التي حققها الانسان عن طريق التطور التكنولوجي والثورة التي احدثتها في وسائل التواصل الاجتماعي مثل الموبايل والفيسبوك والانستكرام وتويتر والايميل والمواقع الالكترونية العامل الأكثر تاثيرا على التبيان بين الجيلين، عند الجيل الجديد أصبح عالمنا عالما لحظويا، بعد ان زال من اذهانهم عقدة الخوف من الطبيعة وكوارثها بينما تعود الكبار اتخاذ الحذر من الطبيعة التي كانت مصدر القلق لهم.

 أصبح الهدف الأول للجيل الجديد (بعضهم) تحقيق النشوة الانية Excite Moment، وفجأة أصبح التاريخ الذي هو ذاكرة الأجيال (مخزن المعرفة الفكرية والتجريبية) كله عديم القيمة، أصبحت كل النتائج (أي المعلومات) التي استخلصها الانسان عبر التاريخ من تجاربه في سلة المهملات!، ونسى الناس ان التاريخ هو أكبر معلم للجميع.

هذه النشوة المفرطة التي يمكن ملاحظتها في طريقة التفكير لدى البعض من الجيل الجديد، من خلال اختياراتهم الفجة وملابسهم الممزقة التي تدل على انهم ضجروا من كساء أجسادهم بصورة غريبة، تهرب البعض منهم من الاجتهاد وتحقيق النتائج العالية، بل البعض ينبذ أي معرفة لا تمت باي علاقة في حياتهم اليومية.
 
 الامر يختلف عند كبار السن (المهاجرين)، فحينما يعود الكبار الى ذكرياتهم ويتذكرون بشغف وحسرة تلك الايام سواء كانت في المدينة او في القرية، حيث كانت القوانين والمفاهيم والعادات والتعاليم الدينية ثابتة، صلدة، مستقرة، غير معرضة للتغير نتيجة الظروف مثل التهديد او التجديد او التحريف. على الرغم من ان التميز والابداع فيها كان محدودا بل شبه معدوما، لكن راحة البال متوفرة مثل وفرة هواء السماء. كل شيء حولهم يجلب لهم الاطمئنان، فحينما كانت الشمس تشرق كانت الناس تشعر انها إشارة رضى من إلههم عن أعمالهم!

  لا أحد يمكن ان يتصور مدى سعادة افراد العائلة، حينما كانوا يعودون الى البيت في المساء بعد يوم مضني في العمل اليدوي، ويجتمعون حول مائدة الطعام، ويمارسون تلك الطقوس المقدسة في حينها، فخطر الطبيعة والبيئة والغزاة في ذلك الزمان يجعلهم ان  يمارسوا عبادتها!  في تلك الأيام التي كان لكلمة رب العائلة مكانتها، حيث كان كل واحد مؤمن بان الاخلاق والضمير وعدالة السماء كفيلة بإبعاد الشر.

تلك الأيام التي لا زال يعشقها كبار السن، رغم قساوة الطبيعة فيها وقلة مواردها والامراض والجهل الذي كان منتشرا بينهم، بينما يراها أبنائنا في هذه الأيام أياما سوداء وشقاء، ايام البؤس والفقر والقحط الذي كان يسود كل جوانب حياتهم.

في النتيجة لا الإباء (لمهاجرين) مقتنعين بطريقة تفكير الجيل الجديد والقرارات وقيم الحضارة الحديثة التي يسيرون خلفها، فهم يرونها فجة بعيدة عن الطريق الصحيح، لان اغلب قراراتهم سريعة مبنية على المزاج اللحضوي.

ولا الأبناء (الجيل المولود في المهجر) يملكون الصبر والاستعداد لقبول الاعتقادات او المبادئ والقيم القديمة البالية، ولا هم مستعدون لتقييد عقولهم (فكرهم) بقواعد عفا عليها الزمن وشرب، لانم يؤمنون من حقهم العيش بحرية وان الحياة فرصة واحدة لا تكرر.
في الختام اود ان اجلب انتباه الجيلين الصغار والكبار (الآباء) ان هذا الصراع يعطينا إشارة مهمة لا يمكننا العبور عليه عبور الكرام، هناك خطر على علاقة التواصل بين الجيلين، حيث حصلت فجوة بينهما، وإنها تزداد في كل يوم، فالكبار لا يقبلوا بكل ما تنتجه التكنولوجيا لأنه يؤدي الى ازدراء ونبذ وزيادة كراهية لكل ما هو قديم مهما كان صالحا او مهما او جوهريا. وفي نفس الوقت يجب ان يقبل الكبار الواقع الذي نعيشه، فلكل جيل حضارته (معطياته الضرورية او متطلباته)، لهذا التعصب والانغلاق من قبل الطرفين لا يأتي باي نتيجة بالعكس يؤدي الى تأزم العلاقة بين الجيلين.

 هنا يأتي دور الواعيين والمثقفين والمسؤولين في تفادي انقطاع التواصل بين الجيلين، على الرغم من معرفتنا الاكيدة ان عقارب الزمن لا ترجع الى الوراء، لكن أهمية العادات والتقاليد والقيم والمناسبات التي هي محطات فارقة في التاريخ هي مهمة جدا في قضية التواصل بين الاجيال، لهذا نرى عند الشعوب المتقدمة تكون سيرة الابطال (بكافة انواعهم) من المقدسات (القديسين)، لأنها تحمل هويتها  (الانا الفردية)  وهوية (الانا الجماعية).

من ليس له هوية لا يحسب له وجود او اهمية في حضارة اليوم! وان ترتيب الأمم من حيث أهميتها يُقاس بأهمية انجازات عظمائها الفكرية والعلمية.

في الختام نتمنى من الجيل الجديد، لاسيما من لهم الثقافة المشتركة بين الجيلين، العمل على ردم هذه الهوة، عن طريق الاطلاع ودراسة سيرة اجدادهم وبطولاتهم وحماية عاداتهم وارثهم الايجابي والتواصل معهم. 

في نفس الوقت على الجيل الكبار قبول التجديد كعملية حتمية تجري في التاريخ بصورة طبيعية، وان رفضها يعني التعصب والانغلاق ومن ثم التخلف عن المجتمع الذي أصبح كله يعيش في قرية صغيرة.

كما نطلب من المؤسسات الدينية والثقافية مثل الجمعيات والنوادي و الحلقات الثقافية مثل الاخويات تنظيم ندوات مفتوحة لمناقشة هذه العلاقة وكيفية تصحيح مسارها بصورة موضوعية، لأنها ضرورية جدا، فاهميتها مثل اهمية رابط المشيمة الذي يربط الطفل بأمه حينما يكون رحمها، كذلك تواصل الطفل مع مجتمعه امر ضروري في هذه الزمن الصعب، كي يتغذى ويتعلم منه بصورة فطرية.


تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة