الاخبار و الاحداث > أخبار العراق

مصطفى الكاظمي أمام مهمة "انتحارية"!

(1/1)

Janan Kawaja:
مصطفى الكاظمي أمام مهمة "انتحارية"!
منصب رئيس المخابرات أفضل من منصب رئيس الوزراء في عراق تنازع المال والصلاحيات.
ميدل ايست أونلاين/ عنكاوا كوم

مصلحتي أين؟
ربما أدرك رئيس جهاز المخابرات العراقي مصطفى الكاظمي مقدما، أن ما جرى من محاولات قوى سياسية شيعية لترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء هو فخ من أفخاخ قادة العملية السياسية، قد نصب له، للإيقاع به، وليس رغبة من الرجل بأن يتولى هذا المنصب في قرارة نفسه.

وتشير كل الدلائل التي تصب في مصلحة السيد الكاظمي أنه لو ترك الفرصة فعلا للسيد عدنان الزرفي لأن يمضي بترشيحه، ولا يكون الكاظمي الورقة التي تشهرها الكتل السياسية الشيعية الكبيرة بوجهه، أو حولوه الى مصدر تهديد للزرفي، لكان له أفضل، ولحافظ على موقع ريادي مهم مثل جهاز المخابرات، الذي لن تضاهيه من حيث الأهمية كل المناصب الأخرى، حتى لو كان منصب رئاسة الوزراء، وقد كان الرجل قد رفض الترشيح من قبل أكثر من مرة، بل لم يتفق عليه احد بينهم أصلا.

والمعروف أن مصطفى الكاظمي، بالرغم من أنه يعرف كل أوراق الساسة وألاعيبهم، وهو يملك من الملفات السرية الكثيرة عنهم، ما يضعه في موقف القوي، لكن شخصيته الأقرب الى الهدوء والدبلوماسية، وهو ليس من المحسوبين على أخطبوط العملية السياسية وصراعات أحزابها وقواها، بحسب مراقبين، لا تتيح له ان يواجه وحوشا كاسرة تتربص به الفرص للانقضاض على كرسي السلطة في أي وقت، وربما يكون هو مجرد ورقة تمرير مؤقتة للانقضاض على كرسي السلطة في وقت لاحق، كونها قد تريد من ترشيح الكاظمي، كسر شوكة رئيس الجمهورية، الذي أغاضهم وأشعل نار غضبهم، عندما تم تمرير السيد عدنان الزرفي خارج ارادتهم، وهم الذين شنوا ضده حربا ضروسا لن تنتهي فصولها في وقت قريب.

أجل.. أن منصب مدير جهاز المخابرات من حيث الأهمية يوازي مناصب الرئاسات الثلاث مجتمعة، وهو لن يضيف الى الرجل منازل أكبر، ربما سوى تشريفية بعد أن تجد فيه الكتل السياسية بدون إستثناء، حتى من بينها السنية والكردية، أنه قد يكون من وجهة نظرها، فرصة لها للحصول على ما وضعت من سيناريوهات مطالب، تجد في الكاظمي أنه قد يحققها لهم، وبخاصة انها ستعد نفسها هي صاحبة الفضل عليه، بالرغم من انه يدرك في قرارة نفسه، أن "إخوة يوسف" يكيدون له، ولم يكن جادين فعلا، في أن يلعبوا معه بحسن نية، وربما سيكون مصيره مصير يوسف الصديق بأن يلقى في وقت لاحق في غياهب الجب.

ويدرك القاصي والداني أن من يتولى منصب رئاسة الوزراء في العراق، لابد وأن يضع في الحسبان أنه أمام "عملية انتحارية" ليس من السهل مواجهة تعقيداتها واخطبوطها الاقليمي والدولي والمحلي وصراعات السلطة حتى بين أقرب المقربين من عتاد قادة العملية السياسية، وبخاصة من الطرف الشيعي، الذي يتحكم بمساراته شخصيات مثل المالكي، العامري، الحكيم، الصدر، والخزعلي مع مجاميع مسلحة ترفض الإنصياع علنا لسلطة الدولة في ظل أي رئيس وزراء يتولى مقاليد السلطة في العراق، إضافة الى تعقيدات العلاقة مع ايران والجماعات الموالية لها، وتعقيدات العلاقة مع الولايات المتحدة والصراع الذي يحتدم بين الطرفين على أرض العراق، والتي لها الكلمة الفصل في حلبة الصراع، وهي أي الجماعات المسلحة تبقى فوق كل سلطة وفوق كل قانون أو دستور، ولعقد من السنين على الأقل، وان أية محاولة لتحجيم أدوارها تبوء بفشل ذريع، من أول محاولة للإصطدام بها، أما اكبر أكذوبة صدقها العراقيون هي أن السلاح لا بد وان يكون تحت سيطرة الدولة، وهم أنفسهم من يحملون هويات الدولة ومن يسيطرون على سوق السلاح، والمقصود بالسلاح خارج الدولة هي المكونات الاخرى التي لا يحق لأي منها أن يكون بمقدورها حمل السلاح.

وينبغي أن يدرك السيد مصطفى الكاظمي أن المهللين لمجيئه والمرحبين بمقدمه، بعد ان تنتهي أزمة ترشيح الزرفي وربما يسقطه ساسة الشيعة الكبار، أو يتم تمريره، هم منافقون من الدرجة الأولى، وغير ميالين بالمرة للتعامل معه، بالرغم من انهم قد يرون فيه، بسبب طبيعته الهادئة والدبلوماسية، كما قلنا، فرصة لكي يكون بمقدورهم إضعاف دوره ومكانته إن تولى مقاليد السلطة، وهم يجدون فيه ضالتهم في ان يكونوا هم سادة المشهد السياسي وهم من يديرون لعبة كراسي العملية السياسية وعمليات الهيمنة، ويحاولون فرض إملاءاتهم عليه، لانه يعدون أنفسهم بأنهم المتفضلين عليه، وما على الكاظمي الا أن يساير رغباتهم إن قبل بمنصب رئاسة الوزراء، الذي يدرك الكاظمي أنه تحول الى منصب تشريفي ليس له أية قيمة من الناحية الاعتبارية، بل أن منصب مدير جهاز المخابرات هو أعلى بكثير وأهم من منصب رئاسة الوزراء، واكثر واجهية وتأثيرا في صنع القرار.

كما أن السيد الكاظمي، لن يكون على شاكلة من تولوا ادارة أجهزة مخابرات، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأميركي السابق جورج بوش (الأب). فبوتين مثلا هو سياسي وقيادي محنك في صفوف الحزب الشيوعي الروسي، قبل أن يتولى قيادة هذا الجهاز وهو مدعوم من قيادته السياسية العليا، وحظي بمقبولية كبيرة، وبقي لسنوات طوال، رئيسا لروسيا، وتلاعب بالدستور الروسي أكثر من مرة، لضمان بقائه في منصبه، لكن ليس بمقدور الكاظمي أن يتولى ادارة بلد، لايجد فيها من يدعمه سياسيا، بل سيجد نفسه وحيدا في سفينة على وشك الغرق، من كثرة حبائل المكر والخداع من ساسة محنكين، عرفوا كيف يتشبثون بكراسي السلطة ويرسمون أدوارها على راحتهم، وقد يخفق السيد الكاظمي في أول محاولة للاصطدام معهم، وبخاصة بشأن تعقيدات العلاقة مع ايران والولايات المتحدة، التي تعد عملية التوازن بينها من أصعب الأمور على الاطلاق، كون المطلوب منه ان ينفذ رغبات إيران على طول الخط، في وقت سيضغط الاميركان للحيلولة دون تحويل العراق مرة اخرى الى تابع لايران.

ولو كنت مكان السيد الكاظمي، لفضلت البقاء مديرا لجهاز المخابرات، وأكون في أكثر الأجهزة سطوة وفاعلية ومكانة، والساسة هم من يتملقون للجهاز ويسعون للتقارب معه وعدم الاصطدام به، بدل أن أقدم حياتي قربانا لشهية الطامعين بكراسي السلطة والذين لاتفوتهم أية فرصة للتنكيل ببعضهم البعض، عندما تصدم مصلحتهم مع مصلحة الطرف الآخر، حتى تجري بينهم رحى حرب ضروس، لن تنتهي في وقت قريب، وان التوافق الشكلي الذي جرى بينهم على السيد الكاظمي أقرب الى حيلة المضطر نكاية بالزرفي وبرهم صالح، الذي رشحه رغما عن أنف ساسة الشيعة وخارج ارادتهم، وهي تعد من وجهة نظرهم "القشة التي قصمت ظهر البعير" في العلاقة بين برهم صالح وقادة ساسة الشيعة، الذين عدوا خطوة الرئيس برهم صالح على أنها إعلان حالة الحرب عليهم، ومن الممكن ان يخرج فلك العملية السياسية ودفة سفينتها وتغرق في مستنقع السقوط.

وقبل هذا كان الكاظمي نفسه محل إتهام خطير بأن له علم بمحاولة إغتيال سليماني والمهندس، وهو ربما من سهل للأميركان مهمة الوصول اليهما، وشنوا ضده حربا شعواء، هددوه أكثر من مرة، بإعتباره تواطأ مع الاميركان، بحسب إتهامهم له، في بيانات من جماعات مسلحة موالية لايران، الى أن إضطر الرجل لإصدار بيان شديد اللهجة ضد من يوجه له أو لجهازه الإتهام في عمليات كهذه، نافيا أن يكون لديه أية صلة بالموضوع، بل وهدد من يتهمه بأن يتم إحالته الى المحاكم لينال جزاءه، لكن دائرة الاتهام ضده لم تتوقف.

في ظل كل تلك المعطيات، يبقى من الأفضل للسيد الكاظمي أن يحافظ على بقية حياته، ويبقى تاريخه ناصعا، وغير متورط في "حرب الكبار"، وهو الذي لم تكن مؤهلاته سوى صحفيا، إرتقى مجد الصعود الأمني، بين ليلة وضحاها، وربما ساعدته الأقدار على عبور المحنة، لأن أغلب من تولوا أجهزة المخابرات من الإعلاميين في سنوات وعهود سابقة، في العراق، حصدوا المرارات، ولم تكن مهمتهم سهلة بكل تأكيد، كما أن مصيرهم يبقى على كف عفريت، والرجل لا يبدو أنه يريد تقديم حياته قربانا لنزوات حيتان السياسة الآخرين، وليس له في منصب كهذا لا ناقة ولا جمل.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة