المحرر موضوع: الأمُـة العراقيّة : وريثة سومر وبابل وآشور (2)  (زيارة 659 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل دانيال سليفو

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 63
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
من الطبيعي والمعقول جداً أن يرث الشعب العراقي وبجميع قومياته وأديانه جزءأ لا يستهان به من الحضارة والمقومات المؤسسة للحضارة النهرينية العريقة في بابل وأشور إنطلاقاً من سومر وأكد ، كما أن كشف تفاصيل ذلك الميراث في خضم الحالات الاجتماعية والاعتقادية والأيدلوجيات والمرجعيات المتفاعلة حالياً في داخل النفس العراقي لا يقلل من شأن هذه الشريحة او تلك الا اذا ارادت لوي الحقائق تحت ذريعة ( الشعب المختار ) و ( خير أُمة ) والخصوصية والفردانية الضيقة والمقيتة الواهية .. فالحقيقة الحضارية التي يمكن لحواس العراقي الأصيل ادراك تفاصيلها لن تخيف احداً، بل بالعكس فانها تُضيف وتثُري جميع الشرائح والمكونات الإجتماعية, بل ان الغنى والثراء الحضاري العراقي, يضيف لجميع المرجعيات القومية والدينية والمذهبية ما لم ولن يكون في تصورها إن بحثت بتجرد وحيادية مخلصة عن عراقيتها وعن كينونتها المتجذرة فيها , اذا انطلقت بشفافية وتجرد من المفاهيم المسبقة والكليشيهات الجاهزة في بحثها عن هويتها الحضارية الناصعة عبر الدهور . كما إن الغاية المتوخاة من عملية البحث عن الذات, ان لم تكن مرتبطة بالمستقبل المضئ للعراق الحديث القادم, او لايجاد الحلول لمشاكلنا وأزماتنا، فانها ستتحول الى عمل بحثي نخبوي بائس وعقيم يضاف الى مجموعة الكتب الراكدة في الادراج وعلى الرفوف والى الندوات والمحاضرات للتنفيس عن النفس, أو كرسالة وطنية سياسية باهته تخاطب نخبتها الموالية من أجل رفع العتب وإملاء فراغات المنهاج والنظام الداخلي لكتلها !, وستصبح حتماً معزولة عن نبض النسيج الإجتماعي الشعبي للغالبية .. فلنسأل أنفسنا عن ماهية الأمة العراقية أولاً , ثم عن أفضل السبل للوصول اليها وأحياءها وكشف الغطاء عنها, وعن الوظيفة التي ستتحق منها والغاية المتوخاة من ذلك كاهداف متساوقة مع المظاهر والاماني الوطنية.
الأمة العراقية ..هو انتماء حضاري ووجداني موروث في عمق الشخصية العراقية عبر الآف السنين, والكثير من تفاصيلها مكبوتة ومخبئة في اللاوعي الجمعي, وتظهر بصيعة عادات ومفردات غير مُكتشفة , وتخرج الى العلن بقوة مساوية لمدى الاستعداد والقابلية لفهمها واستيعابها لماضي العراق الحضاري مقارنة بما هو متفاعل في الراهن , من  نبذ وكره الفساد والمحسوبية والمحاصصة والموالات للأجنبي , وبالتالي  تصبح العملية مماثلة لعودة ( الإبن الضال ) الى حضن الأرض الأُم لإحياءها والإرتواء من جديد من حليبها الأصيل , والقبول  بهويتها ليستمد منها طاقته وشحنته الموجبة للبناء والتقدم والتطور. ليكون قوياً وخارقاً  كإنسان جديد خلاّق . ثم يبدأ يشعر بانتمائه وولائه إلى أمة ودولة وشعب  ، وولائه اليها تجعله يستمد منها كرامته وإحترامه قبل الإنطلاق للتعامل مع  الشعوب والأُمم القريبة والبعيدة ومع ما هو خارجي وغريب عن جسد الأمة ، فهوية الإنسان ونمط تفكيره مستمد بالضرورة من أمته التي ينتمي إليها.
 وحين العودة الى مصدر كلمة الأمة في اللغة الآرامية السامّية ( لغة الديانات الإبراهيمية و لغة السيد المسيح ) التي سبقت و كوّنت ( السوريانية والعبرية والعربية ) نجدها تعني ( الوطن والدولة والشعب ) , وعلى أنها مجموعة من الناس الذين يرتبطون فيما بينهم بجامع مشترك أو عدة جوامع ، والأصل المشترك ، والدين ، والتاريخ ، وما إلى ذلك ، وهو مشروع حضاري متكامل , ينسجم مع نفسية العراقي ويتفاعل إيجابياً مع الخارطة الجيوسياسية للمنطقة الى حد كبير , وعلينا في الراهن وبعد سلسلة من الكوارث المحيطة بالوطن ان نهظم الدرس ونتعلم وندرك بان المطلوب رؤى ومواقف جديدة , متسلحة بالعلم والتكنولوجيا لفهم التراث الديني والاجتماعي- الوطني ومراحل تطور اللغة والمفاهيم المرتبطة بها ومصادرها وتاثيراتها المشتركة , وكذلك ايجاد التاريخ الحقيقي والذي تم تحويره وتزويره من قبل الأخرين وسحبه الى ما يحقق مصالحها. وهي عملية ليست بالصعبة ان توفرت الارادة الحرة المستقلة , وحب الأرض والأنسان مهما كانت عناوينه و مسمياته وانتماءاته .
وأخيراً .. لن نغالي إن قلنا إن العقائد والمذاهب الفكرية المتفاعلة داخل العراق , لن تقدر على فهم حقيقة مرجعياتها الفكرية , الا من خلال جعل إنتمائها الى عراق سومر وبابل وآشور , وجعلها  كالبوصلة والمرآة و ( الباندورا ) الدقيقة لإستعارة عظمة مفاهيمها من خلال فهم الحضارات المتعاقبة على أرض العراق منذ فجر التاريخ والى اليوم , وكأننا نقول بتعبير آخر : مستقبل العراق الحقيقي يرتبط جدلياً بالعودة الى ماضيه الحضاري العريق !. بنظرة جديدة وتفسير جديد , لإيجاد خطة عمل وخارطة طريق مبتكرة ودقيقة للولوج الى المستقبل الواعد .

نُشر الموضوع في جريدة المعارضة العراقية ( المؤتمر) عام 2002 مع بعض التعديل.