المحرر موضوع: من الماضي البعيد.... كتابة سالم الجبوري  (زيارة 162 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 622
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من الماضي البعيد.....ورطه...في هذه...الاثناء.....
في خمسينات القرن الماضي...كانت تنتشر الكثير من الالعاب..والهوايات..بين الصغار والكبار...لقلة العمل..ومحدودية العيش..وقلة المؤثرات..والحوافز...وفقدان رؤية افق الطموح..والمثابره..بسبب الجهل والتخلف..مما يؤدي الى ثبات..واستقرار الحياة..عند حدود نمط بسيط للعيش والعمل...ممايؤدي الى حالة من الميل الشديد..للهو..واللعب وفق ماهو متاح...من ادواتها...ومجالاتها...
ومن هذه الالعاب التي كانت سائده انذاك هي ( اچعاب) وهي هواية جمع لها واكتناز...ولعب فيها يقتضي ربحها او خسارتها..حسب نوع وظرف كل طريقة للعب لوجود عدة العاب فيها مثل (ارمه...عنيش..عنيه)...وقد برعت انا وعدد من ابناء جيلي بهذه اللعبه والهوايه..علما كان يلعبها الكبار والصغار على حد سواء..ولكن كل على حده ..اي لايلعب الكبار مع الصغار...كان عندي خزين كبير منها كسبته باللعب...وتعرف القريه..ان هناك خزين كبير جدا لدى الاخ العزيز (محمد الحماده) ابن المرحومه الحاجه (دبيه الصحن) حصل عليها بطريقة الجمع المستمر والمتواصل ونعرف انه لا يلعب من خساره ابدا...وانه قام ب(وسمها) بعلامه خاصه مميزه كي يتعرف عليها في حالة فقدانها لكي يستردها (عنوة) اذا تعرف عليها وشاهدها في الملاعب المعروفة يومذاك...وكانت احدى ملاعبنا المفضله والواسعه والامنه يومها..هي (الفسحة الغربيه) للقريه..والتي كان فيها عدد قليل جدا من البيوت( وهم..السيد محمود...وعمامي المحمد الحمادي...والمحمود العبدالله الحجاجي...والملا علي الحسين...وخوالي الغضيب الحسن البطاوي....والحمادة الاحمد (ادبيات) والعلي البطاوي..وفضيل الخليف ..رحمهم الله جميعا)....
وذات...يوم نيساني جميل..ذهبنا انا وابن عمي المرحوم (محمد موسى العلي الفتيح) الذي كنا لا نفترق عن بعضنا الا نادرا جدا...ذهبنا الى ملاعب الفسحه..نبحث عمن يلعب معنا...وعادة لا احمل معي الا عددا قليلا من الچعاب لأنني لا اخسر الا نادرا جدا..وكنت بارعا ومحظوظا بهذه اللعبه..ودائما اخرج..ببضعة منها..واعود بعدد وفير اضيفه الى خزينتي (العامره) التي كنت اتباهى بها امام اقراني من الاولاد الصغار...وصلنا لملاعب الفسحه..ولم نجد احدا فيها..يلاعبنا...جلسنا ندردش ونضحك..وبعد قليل وصل الينا..اخينا...محمد الحماده...وعلى غير عادته..قال...هل تلعبون؟...قلنا له..نعم...اخرج كل منا وحداته..وباشرنا اللعب بلعبة (ارمه) وهي سهلة..وسريعة الربح...والخساره..وهي تتوقف على الحظ اكثر منها على فن اللعب....
وبدأت المباراة والمنازله...المثيره...غلبته وخسر مامعه منها...انفعل وقال..لن تغادروا..سأذهب للبيت واجلب معي عددا اخر لنلعب...فرحنا وقلنا له..اذهب..نحن بأنتظارك..
ذهب وعاد ومعه كمية كبيرة من الچعاب الطازجه التي لم يمسها هواء..ويرافقه هذه المره اخيه الاكبر منه ابراهيم الحماده( ابو مجيد) اطال الله في عمره ...عدنا الى اللعب بنفس اللعبة والوتيره...فخسر محمد الحماده..كل ماجلبه من الچعاب...فسيطر عليه الحنق..والغضب الشديد..فقال.. لن تغادرون..سأذهب للبيت واجلب المزيد...انتظروني..وقال لأخيه ابراهيم..لاتسمح لهم بالمغادرة حتى اعود..ووعده ابراهيم خيرا...جدير بالذكر..ان ابو مجيد كان اكبر منا ويحمل بيده عصى مخيفه..وراح يتمثلها..ويتفحصها ويرمينا بنظرات تنم عن شر مستطير...ووعيد لا تحمد عقباه ان مجرد..فكرنا بالهروب..الى اهلنا بهذا الفوز الكبير....
جاء محمد هذه المره...وصعقنا بالمفاجأه..جلب معه ظرفا  كاملا من (القرع الجبالي) كان يفرغ داخله..ويجفف بعنايه فيصبح ظرفا او قارورة لحفظ الاشياء العزيزه..ويبدو انه يمتلك العديد منها لخزن (دولته) من الچعاب...افرغ امامنا ظرفا كاملا بتحدي وكان معه اخيه المرحوم (احمد) وقال هيا..الى اللعب...اليوم لعب للصبح(كانت الدنيا ضحى) ..والله ماتروحون..الى ان استرد ماخسرته...عندها فقط...ادركت اننا اصبحنا...في ورطه...ووضع لا نحسد عليه رغم اننا الرابحون...فقد قرأت..ماوراء الاكمه...بدأنا اللعب فخسر كل (ظرف القرع) سريعا...بدأ يرتجف ويستشيط غيضا...وغضبا...لن تذهبوا..انتظروا...سأذهب للبيت واعود...لا تفرحوا..سأسترد ماخسرته...لامحاله...لا تسمحوا لهم بالذهاب..مخاطبا اخوانه بحزم..ولهجة امريه..فقد كانوا لايردون له كلمه..ويينفذون مايريد..وكأنه اكبرهم...رغم انه هو الاصغر...ولكنه مدلل امه...وهم يهابونها ويخافون منها...بشده...فبدأوا يلوحون لنا بالعصي الغليظة والكبيرة المخيفه...لا ذهاب...ولا مغادره...وبدأت تتطور الورطة الكبرى..وتتعقد...وهم ينظرون بلوعة واسى الى اكوام ماربحناه..من چعاب اخيهم..وهي مكدسة في جيوبنا..واذيال ثيابنا التي اعياها الاحتواء....بعد قليل عاد محمد وهو يحمل ظرفين..من الچعاب..ويرافقه هذه المره اخيه الاكبر فرحان رحمه الله وبيده ( توثية غرب) نستعيذ بالله من شكلها...(ملعوكه) ...ضربة واحده منها...تكفي لحل اية معضلة..او مشكله..او فض اي نزاع...وبيد قوية...لاترحم....اذن ...اجتمعت العائلة علينا برمتها...ولم يتبقى سوى خالتي الحاجه ( دبيه الصحن) رحمها الله...وعرفت ان ما ربحناه..او سنربحه...ضاع هباءا...فقد كبرت اللعبه...وتعدت الخساره..خط القبول بها من طرف الخاسر....لانها تعدت حدود النسبيه في خسارة اية لعبه...ونحن محاطون بقوة لا تتيح لنا...فرصة الهروب...بما كسبنا...بدأت تدابير الحلتتقاطر..وتتوارد الى ذهني..للخروج من هذه الورطة الكبيره...سالمين منها مع قليل من الربح...وبدأت اقنع نفسي بتدبيرها...والقبول بها...عرف ابن عمي قلقي وما افكر به فهمست في اذنه قائلا...خذ كميه من الچعاب التي ربحناها وتسرب بخلسة وهدوء...وابتعد عني..وقل لي من بعيد ان اهلك الان يسألون عنك...ولا تستطيع التأخر اكثر من ذلك...وانتظرني عند علي الجبوري رحمه الله( علي الجبوري كان رجلا من القريه والعشيره..اصيب بالجذام وفقد بصره...وشوه وجهه فغطى رأسه كاملا بقناع لايرى من رأسه اي شئ..وكان يجيد الانكليزيه بطلاقه لأنه كان يعمل في احد منشأتهم عندما اصيب بهذا المرض..فعاد الى ديرته وقريته...وبنى له اهله سكن صغير جدا مجاور الى دار المرحومه الحاجه ( صبحه العبد) رحمها الله..وكان محورا لكل تجمعات اللعب بأنواعه...لعدم وجود اي حرج عنده لعدم وجود عائلة لديه..ويسكن بمفرده...) وقلت سأتيك الى هناك...فعلها ابن عمي محمد رحمه الله...فنادوه من بعيد....هل اخذت شيئا من چعابنه معاك؟ فرفع يديه من بعيد...قائلا...تعالوا...فتشوني...فصدقوه...واذنوا له بالانصراف...بدأت العب معهم ..بكل عبثية..ولامبالاة..راغبا ان يستردوا ماكسبته منهم..بل مستعجل عليه...وراح اللعب يدور...بلا اي حماس ورغبة مني...وهم في اشد حالات الحماس والنشوه..وهم يرون اللعب صار يجري لصالح استرداد خسارتهم...انتهى اللعب بأسترداد اخر چعب لهم عندي وتجدر الاشاره ان جميع چعابهم مصبوغه باللون البني الغامق..ونسميه صبغ ( عروگ) للتعرف عليها بسهولة اذا فقدت...نهضنا...وفتشوني خشية ان اكون قد اخفيت قسما مما كسبته في جيوبي...ولم يشاهدوا..غير چعابي المختلفة بوضوح...عن چعابهم المعرفه...اعادوا تعبئة الچعاب في اواني وظروف القرع دون تدقيق وحساب...فهي كثيرة جدا وبالمئات..وانا اتحسر عليها...فقد كانت لي قبل قليل وكسبتها بجدارة...واعدتها لهم قسرا وحياء..ودفعا للمشاكل...فأنا بطبعي لا اميل للمشاكل والمناكفه بكل اشكالها.....تركتهم وتبعت ابن عمي محمد عند علي الجبوري لألحق ببقية ماظفرنا به من المكسب...وصلت اليه ووجدته يضحك فرحا...فقد كان عددها 45 چعب...ففرحت كثيرا ولكن خطرت ببالي مسألة اخرى...كيف نتخلص من لونها الموسومة به؟ فسألت علي الجبوري...هل لديك صبغ جوهر ؟ اجابني...نعم...اخذت عقدا من الجوهر..واذبته بالماء في علبة متروكة فارغه...ووضعت كل الچعاب التي كسبتها فيه...ونشرتها على حرارة الشمس لمدة نصف ساعه وجفت تماما...وتقاسمناها..انا والمرحوم..ابن عمي ابو رياض...بعد ان اطمأنينا انها لم يعد ممكنا التعرف عليها...
وعلى مدى الوقت...راح محمد الحماده يتنقل بين اماكن اللعب...ويدقق جيدا بكل چعب...وعلى مايبدو انه ادرك ان هناك نقصا في خزينته ولم يستعيد كل ماخسره في اللعب معنا...راح يتابعنا في الملاعب وكلما تعرف على واحدة منها...خطفها صائحا..والله هذه من چعابي...ويهرب...
ويبدو ان الصبغ الازرق للجوهر...لم يتخلل بعض اجزائها وبقيت تلك الاجزاء بنية الى جانب اللون الازرق فيسهل له التعرف عليها..وخطفها..والهروب بها...كالغزال...وكان سريعا جدا...لا يقدر احد اللحاق به...فأسترد ماتبقى من چعابه...بهذه الطريقه....الخاطفة....المدهشه....
رحم الله من توفى واطال بعمر من  لازال حيا...وطوبى لذلك الزمن...والماضي...الجميل............
.