المحرر موضوع: كوميديا عند قبر الترك، حكاية من الزمن البعيد... كتابة : الأستاذ سالم الجبوري  (زيارة 255 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 656
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من الماضي البعيد......كوميديا....عند قبر...الترك.........
في العام 1957...من القرن الماضي...ذهبنا كالعادة من كل موسم دراسي...الى مدينة الشرقاط...كي نحلق رؤوسنا استعدادا للذهاب الى المدرسة..لمواصلة حياتنا الدراسية حيث تعتبر حلاقة الرأس..من اولى الاستحضارات الاساسية المطلوبة لمواصلة العام الدراسي..اضافة الى بعض الثياب والملابس النظيفة التي تفرضها وتؤكد عليها الادارة المدرسية كل بداية عام دراسي...وكان ذهابنا للحلاقة ينطوي على امرين متناقضين...احدهما حلو...والاخر مر...اما الحلو فهو المصروف النقدي الذي نأخذه من اهلنا بحجة الحلاقة وهو ( مئة) فلس....وهي كثيرة علينا انذاك ونعتبرها موسما ماليا مزدهرا لقلة النقود في ذلك الوقت وتخلف الحياة..وصعوبة العيش...وكانت اجرة الحلاقه في ذلك الوقت ثلاثون فلسا...فيفيض لدينا سبعون فلسا نتمتع بها ايما استمتاع...!!!  فنأكل لفة ( حلاوه شكريه ) بخبز البيت الابيض ( صفر) من دكان المرحوم ( خليل الجرجيس ) الذي يضع مصطبة نظيفة في دكانه..يقابلها حب الماء البارد النظيف..في كوب معلق بحمالة الحب..هو الاخر نظيف جدا...ويغري للاستمرار بشرب الماء دون توقف...ويكون سعر هذه اللفه عشرون فلسا فقط...فيتبقى لنا من مجموع المصروف..درهما..اي ..خمسون فلسا..وهذا هو فوزنا العظيم من هذه الرحلة الشاقة والممتعة في ان واحد...حيث نأتي الى الشرقاط..ذهابا وايابا..مشيا على الاقدام...لعدم وجود سيارات وكراجات محدده للذهاب والعودة في ذلك الوقت..الا عن طريق الصدف البعيدة الاحتمال...ونذهب ونعود في الطريق القديم الشاق والطويل ولا نبالي لذلك..نحن الفتيان السعداء..بالصحة والعافيه والخالين..من الهم..والمسؤولية الحياتيه...وكان معي في هذه السفرة الممتعه ..كل من الشيخ جاسم الحسين الحمادي الذي كنت واياه..كالاخوة تماما وكنا لا نفترق..الا عند انفضاض النهار..وانتهاء ساعات اللعب مساء والذهاب الى اهلنا للنوم..ثم..يبدأ صباحنا من جديد..ونعود لكل شئ تركناه مساء الامس..وهكذا..كانت تدور ايام عمرنا..وكان معنا ايضا المرحوم ارحيل الوهيب..والمرحوم صالح المحمود العبدالله الحجاجي...اما الجانب المر..وغير الممتع فهي صفحة الحلاقة ذاتها..فنحن غير معتادين عليها وعلى طقوسها ( ميز تواليت واسع وعريض..وعليه مختلف العدد الغريبة علينا..مقصات مختلفه..مكائن حلاقة غريبة الشكل .. امواس حلاقة بيدات وطويلة ومخيفة..اقداح صغيرة فيها محلول ابيض..فرش حلاقة ..قناني عطر لا نألفها ولا نعرف مابها...حزام جلدي معلق...يسن الحلاق امواسه فيها ويتفنن بحركاته اثنائها..مرايات كبيرة جدا..تظهر اشكالنا من الامام والخلف...صور كبيرة جدا..تكاد تنطق لعدد من الفنانين لانعرف شيئا عنهم..كرسي غريب الشكل نجلس عليه..بلا اعتياد...ملاءات غريبة..يلف صدورنا ورقابنا بها وروائح ومطهرات لا تألفها انوفنا..مزيج بين المنعش والمقزز لنا...هدوء مخيف..وصمت مطبق..وحلاق يتأمر بطرا ويرتدي صدرية بيضاء..كأنها زي رسمي لا نعرف مرتبته وكان ذلك الحلاق ( الطاغيه) هو المرحوم ( احمد السلطان العبيدي ) الملقب ( احمد الحلاق) ...وكان هو الحلاق الوحيد في الشرقاط..ويتحكم برقاب الجميع..بلا مجاملة ولا ملاطفة..وكان يبدو عبوسا..قاسي الملامح ..فظ القلب ...غليظ المعاملة مع زبائنه..خاصة الصغار..ويتعسف معنا الى ابعد الحدود..وكان احيانا يضربنا على رقابنا اذا تحركنا اثناء الحلاقة (كفخات) ويتلذذ بذلك بصمت مخيف...اجمالا..كانت عملية الحلاقه..شكلا من اشكال التعذيب الذي نذهب اليه تطوعا ( مكرهين) حيث مدرستنا تريد ذلك...انتهينا..من الحلاقة..اكلنا لفاتنا عند المرحوم خليل الجرجيس...وقفلنا راجعين الى اهلنا..مشيا على الاقدام الى وادي الجرناف...مررنا بالطرق النيسمية الترابية من جانب بستان وقصر الشيوخ ( قصر عجيل الياور) ذلك الصرح المخيف انذاك..وذلك البستان العامر المزدهي بكل انواع الفواكه..والمحروس..بسياج من الاسلاك الشائكة واشجار شوك البحر التي تدثر هذه الاسلاك..ونمر من جانبه مع ظل الاشجار الوارفة نحتمي من شمس الظهيرة ونمشي بحذر شديد..وكأننا نمر من جانب معسكر لقوات عسكرية محتله..وننظر الى الثمار الناضجة المتدلية على اشجار السياج..ولا نجرأ ان نمد ايدينا اليها لنقطع شيئا منها نأكله...لخوفنا من المجهول..ولأدب فينا تربينا عليه..رغم انه لم يكن هناك في المكان اي شخص يمكن ان يمنعنا او ينهانا عن ذلك..ولكن..كما ذكرت..هي التربية والاخلاق فينا..اضافة لهيبة المكان..والخوف من المجهول..ومكانة صاحب المكان...انذاك...مشينا..ومشينا..فوصلنا الى مكان قرية ( شكرا) حاليا...وكانت الارض قفراء..وجرداء من كل شئ..لايوجد فيها..غير اشجار ( السلماس) البرية الكثيفة والثعالب والارانب...واليرابيع..المتقافزة يمين ويسار الشارع ..في البعيد عنه..وهي تتلاهث من هجير الحر والعطش..وتبحث عن طرائدها بخفة..ونشاط...ووصلنا الى المعلم الوحيد في هذه الارض المكشوفة المجللة بالسراب وسنا حر اواخر شهر اب..الملتهب...الا وهو قبر ( الترك) الذي له قصة متداوله بين اهل الشرقاط ..لا مجال لذكرها هنا....جاءت سيارة المرحوم ( حسين المصلح) وهو رجل كريم ومعروف بين الناس..وله مكانة كبيرة في الوسط الاجتماعي..وكانت سيارته حديثة جدا..ويعمل بها اجره بين الموصل..والشرقاط..لنقل الركاب والمسافرين..وكان وحده في السياره...وعبرنا وهو يخفف من سرعته..ثم عاد الينا راجعا..وسألنا: اين تذهبون؟ قلنا: للخضرانيه..ثم قال تصعدون النفر عشرة فلوس؟ ..قلنا له: لأ...فذهب متباطئا...ثم رجع الينا على الخلف قائلا: تصعدون النفر خمس فلوس؟ ..واجبنا عليه..لأ..فذهب...مشى قليلا..ثم عاد وسألنا : تصعدون النفر بفلس واحد؟ ..قلنا له..لأ...ثم ضحك وقال..( جعل هالروس تعطل...تلاچعون بهالحر..وبفلس واحد ماتصعدون ؟ اصعدوا اركبوا...بلاش ياالله) ففرحنا واندفعنا الى داخل السيارة الفارهة الانيقة..واستمتعنا بركوب ارستقراطي لا نعرف سره وخفاياه...ووصلنا الى المكان الذي نريده..وكنا نتمنى ان يطول الطريق دون ان يصرح احد منا بذلك...وترجلنا عند طريق الخضرانيه..فقال المرحوم حسين المصلح..مناديا على الشيخ جاسم بكل لطف..( انا عرفتك من البداية وكنت اتلاطف معكم..ووصلتكم الخاطر والدك...سلم لي على ابوك الشيخ حسين الحمادي..سلاما كثيرا..وقل له فلان...يسلم عليك) ..وهكذا انتهت واحدة من رحلات الصبا..والفتوة...رحم الله الشيخ حسين الحمادي واسكنه فسيح جناته..ودام الجاه واهله..ورحم الله كل من ورد ذكره في هذه القصة الماضيه...وتحية لذلك الزمن الجميل..الذي يعطر...ذاكرتنا...دائما......