المحرر موضوع: الهوية في الدراما العراقية.. (أحلام السنين) ومسلسات أخرى انموذجاً  (زيارة 60 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عمر السراي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 143
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الهوية في الدراما العراقية..
(أحلام السنين) ومسلسات أخرى انموذجاً
عمر السراي

أولاً:
أن يكون الشيء (هو) (هو)، أو أن يكون الشيء (غيره)، مفهومان واضحان للهوية، يجمعان (المطابقة) و(الاختلاف) للتمييز واكتساب السمة القارّة أو المتغيّرة.
ولعدم الإيغال في التنظير، بما لا يحتمله مقال بسيط، يمكننا اختصار الهوية على الرغم من سعة تدرّجاتها المعرفية - عند الحديث عن الدراما - بصورة الشخصية وانتمائها القومي أو العرقي أو الجنسي أو الديني....الخ.
والحديث هنا، حديث (عن) الهوية، بمعنى تقصّيها، إذ سيتم إرجاء الحديث (في) الهوية للجانب الفني آخر هذه المقالة.

ثانياً:
يشير الباحث والموزّع الموسيقي مصطفى كمال في رسالته لنيل درجة الماجستير في الموسيقى، لدور السلطة في شيوع إيقاعات دون سواها، فقد شاع إيقاع الجورجينا إبّان الحكم العثماني وامتدَّ ليلقي بظلال وجوده في الحكم الملكي العراقي، والجورجينا إيقاع تركي، بينما شاع إيقاع المقسوم تزامناً مع الحكم القومي للعراق، والمقسوم إيقاع عربي هيمنت عليه المدرسة المصرية، أما بعد عام ٢٠٠٣ فقد شاع إيقاع الهيوا، والهيوا من الإيقاعات الجنوبية العراقية الخالصة، خصوصاً في أحد أفرع تلويناته؛ لذا نجد أن الإيقاعات تسير على خطى السلطة. وباعتماد هذه الفرضية في عالم الدراما التلفزيونية، نجد أن المسلسلات تتبع سلطة منتجيها، فالمسلسلات البدوية والريفية والمدينية خيارات للمموّل الذي يريد نشر فكره، إذ لا شيء بريء في عالم العروض والشاشات.

ثالثاً:
أصرّت معظم المسلسلات البدوية العراقية أو المشتركة عراقياً وعربياً في زمن النظام السابق أو الحالي على أن تظل شخصيات المسلسل البدوي في عزلة عمّا سواها، وهنا لا ضير من أن يكون الصراع بين الخير والشر مألوفاً وغير مثير للحساسية، فالقبيلة البدوية فيها الصالح والطالح، والرصين والسفيه، وبكل المستويات من زعيم القبيلة إلى أصغر فرد، والشخصية في بيئتها غير مستغرَبة، ولا في مجال مقارنة مع سواها من الشخصيات المختلفة عنها عرقياً.
شهدت الدراما العراقية بعد عام ٢٠٠٣ عدداً جيّداً من المسلسلات الريفية باللهجة الجنوبية، وكان أشهرها يحمل طابعاً كوميدياً، وإذا كانت (التراجيديا) أرسطيّاً، محاكاة لفعل نبيل تامٍّ، فإن (الكوميديا) أرسطيّاً، محاكاة لفعل رذيل، وفي ذلك نقطة سؤال عميق..!
أما المسلسلات الجادّة الأخرى، فقد كانت تصرُّ على تقديم الريف مختلطاً بالمدينة للتركيز على الهوّة الطبقية بين المستويين الاجتماعيين.
بقراءة سريعة للنوعين من المسلسلات نلخّص ما يلي:
- تقديم الريفي الجنوبي المعرّف بهوية لهجته، كائناً بسيطاً ساذجاً هزليّاً في المدينة.
- تقديم الريفي الجنوبي المعرّف بهوية لهجته، كائناً متعدد الخصال، ولكل شخصية سمة، مع طغيان الهزل أيضاً حتى داخل بيئته نفسها.
- التركيز على الريف الجنوبي حصراً.
- عزل الشخصية البدوية داخل بيئته لضمان عدم مقارنته مع أبناء المدينة.
- نسبة الشخصيات الهزلية في المسلسلات البدوية ضئيلة أو شبه معدومة.

رابعاً:
تقدّم المسلسلات سرداً، والسرد شريحة متخيَّلةٌ تسير بموازاة الواقع، دلالتها مغلقة بنيوياً، لكنها مفتوحة تأويلياً، لذلك سيتم مبدأ فتح (النص/المسلسل) ليمثّل خطاباً، فمبدأ التداول هو الحاكم في العمل الدرامي، وكذلك للتلقي ونظرياته دور في قراءة أي عرض تلفزيوني، كون التلفزيون وسيط عرض جماهيري، لا مناص من التأثر بهيمنته حتى من دون قصد.
س/ هل أساءت المسلسلات العراقية للشخصية الجنوبية؟
للإجابة عن هذا السؤال سيتم تحليل نماذج من مسلسلات الموسم الحالي، لعل أهمها مسلسل أحلام السنين للكاتب والروائي شوقي كريم حسن، إخراج علي أبو سيف، والتي أثارت ضجّة بهذا الخصوص، ومن الممكن تلخيص الموقف إزاء بعض تفاصيلها بما يلي:
- يأمر الشيخ ساجت الفالح (محمود أبو العباس) بجلب شابّين صديقين مستضعفين تكلّما ضدّه إلى مضيفه، وإمعاناً في إذلالهما، وكسر هيبتهما وصداقتهما، يهددهما بالقتل، ولن يبقي على حياتيهما إلا إن قام أحدهما بتمثيل دور كلب ينبح ويسير على أربع متّجهاً لزميله، ليعضّه.
وفعلاً يجري هذا الحدث المؤلم، ويشكل نكسةً نفسيةً للشابّين مما يضطرهما لمغادرة القرية.
بتحليل بسيط، يحمل هذا المشهد هجوماً على الهوية الجنوبية، فعلى الرغم من سلطة الشيوخ القامعة في زمن ما، إلا أن جمع ثلاث شخصيات سيئة في مشهد واحد من دون وجود شخصية ضد، تمثل رؤية (الآخر) تكريس لخصال سيئة، فالفاعل (الشيخ) شخصية تنتمي لجادّة السوء بجبروته، والضحيتان ينتميان لجادّة السوء أيضاً باستخذائهما أمامه، مع وجود شخصيات (كومبارس) وثانوية، وقفوا في زاوية الصمت مؤيدين للبطش والانكسار ومتضاحكين، فجاء المشهد ناقلاً لفكرة رديئة تقدّم صورة العشيرة في مضيفها، وكأنها في ثكنة للمافيا، حيث شيوع الصفات المتدنّية، وكان على صانعي المسلسل مراعاة التوازن في المفاصل الجزئية كلها لعدم شيوع فكرة التجاوز على قيّم مكرّسة عبر الزمن.
- يأمر الشيخ ساجت الفالح بجلب زوج حسين الساجت / الممثلة (هناء محمد) إلى مضيفه، بعد هجوم أولادها عليه وهربهم، وتحميله دم المقتول زوجها.
ولابتزاز أبنائها وودفعهم للتسليم له، يأمر بجلبها مقتادةً بإهانة، وبعد حوار يأمر بحبسها مع المواشي.
بتحليل بسيط للمشهد يجد المتابع أن ما جرى سيشكل صدمةً وانتفاضةً للمنتمي لأعراف العشيرة والمؤمن بها. فاقتياد المرأة من قبل الرجال ظاهرة غير مألوفة جنوبياً، وإدخالها للمضيف وإهانتها، فحبسها مع المواشي، كل ذلك إهانات مكثّفة تعرّضت له هويّات معروفة وهي: (هوية المرأة، هوية العشيرة، هوية المضيف/بوصفه مكاناً عُرف عنه أهميته لدى أبناء العشائر).
وفضلاً عن ذلك، وفي صدد الموازنة بين طرفي المشهد، نجد أن لا اعتراض سُجّل من قبل الحضور إلا عن طريق (الملا) الشخصية الدينية، وقد تم طمس هويته الدينية حين جُعل اعتراضه كون المرأة المقتادة هي ابنة عمّه، وليس لتعاليم الدين من وازع للاعتراض، وفي كل الأحوال، كانت جهة الاعتراض في المشهد ضعيفةً جداً مما أثار حساسيةً كبيرة.
- في مسلسل (غايب في بلاد العجائب) تظهر شخصية ابن العم صبيّح (علي داخل) وهي شخصية ريفيّة جنوبية معرّفة بلهجتها، تزور ابن عمها في المدينة (كاظم القريشي) وتمارس هذه الشخصية الجنوبية مساوئ عدة، من نفاق اجتماعي واعتداء على العائلة وعلى الجيران، وقلّة غيرة تجعله يتحدّث عن زوج ابن العم المديني في المقهى، كما تظهر الشخصية الجنوبية قذرة إذ تتوجه للطعام من دون غسل يدين، وتفرض نفسها بقباحة.
يدور سؤال في ذهن المشاهدين، هل قدّمت الدراما العراقية شخصية ريفية تنتمي لغير جهة الجنوب أو شخصية بدوية سيئة عند زيارتها للمدينة؟
الجواب/ شاعت مشاهد تقديم الشخصية الريفية الجنوبية بصفات غير جيدة في مسلسلات عدة، وعند البحث عن شخصيات أخرى نازحة من بيئتها لبيئة المدينة، نجد ندرةً في ذلك، وفي مسلسلات هذا العام، تم رصد مشهد في مسلسل (عائلة خارج التغطية) يظهر صبّاغاً ينتمي لهوية غربية عراقية، بدلالة الإمالة اللهجية في لسانه، واللطيف في الأمر أن شخصية الصبّاغ العامل كانت متفوقة تقنياً على أبناء البيت الذي يعمل فيه، مما يجعله في هوية الهيمنة الحضارية، بغض النظر عن كونه أجيراً.
- في مسلسل (بنج عام) تم تقديم حلقة تدور أحداثها في جحر لداعش الإرهابي، يقوم الأمير فيه ببيع الجواري لجرذان داعش، ومحور الحلقة يتحدث عن جارية يبيعها لمرّات عدّة، وتسام سوء العذاب.
الحبكة سليمة وغير متجاوزة، إن كانت عامةً، لكن الاعتداء على الهوية جرى حينما خصصت الحلقة الجارية بكونها (أيزيدية)، فضلاً عن الحوارات غير المدروسة التي تسيء من خلال فم أمير داعش الإرهابي للأيزيديين كلهم.
تم تقديم المشهد بسخرية، لكنها سخرية جادّة في تسديد سهامها، ولأن الجرح الأيزيدي مازال حارّاً، فمن غير اللائق مناقشته بهذه الطريقة، كما أن توثيق المآسي لا يتم عن طريق تذكير الضحية بما يحرجها بهذه الطريقة. ولو اعتمدت الحلقة تغييب هوية الجارية، لمضى الأمر سليماً، فالإشارة المكثّفة للجزء مشروع إما للإشادة أو للتسقيط، وهنا كان المشهد جارحاً لهوية دينية عانت ما عانته على مر الزمن.

خامساً:
يقدّم هذا القسم من المقالة نتائج تعتمد حكم القيمة لمسلسل (أحلام السنين) إخراج علي أبو سيف، وقصة وسيناريو وحوار شوقي كريم حسن، القاص والروائي الذي نبارك له هذا العمل بدءاً، آملين تواصل أعماله نحو كل ما يخدم الثقافة والأدب والفن.
وقد يعترض بعض القرّاء على الذهاب إلى إعطاء حكم القيمة، في دراسة تدّعي الحياد موقفاً نقدياً، وسيكون الجواب، ان هذه المقالة اعتمدت انفتاح النص بوصفه تداولاً، فهو مسلسل تلفزيوني، فضلاً عن النزوح نحو نظريات التلقّي، فكاتب المقالة هنا قارئ يحاول ملء فراغات النص بما يمتلكه من أدوات نقدية، ولتخليص الرؤى سيتم اعتماد النقط في الطرح وكما يلي:
١. القرية مكان مغلق، وهويتها محسومة التبعية لجهة معروفة واقعياً، وعند اعتماد هوية القرية في المسلسل، بذكر مدينة (الطار) واللهجة الجنوبية، يجب أن تكون الحركة حذرة حرصاً على عدم المساس بهوية خاصة.
٢. أفصح المسلسل عن المدينة التي تدور فيها الأحداث، وهي مدينة (الطار) في محافظة ذي قار، لكن اللهجة المعتمدة كانت خاصة بمدن محافظة ميسان، والفرق بين اللهجات المتقاربة لا يفقهها إلا القريبون من البيئتين.
٣. وقع المسلسل في فخ المساس بالهويات الخاصة، فعلى الرغم من أن الأحداث منقولة من خمسينات القرن الماضي إلينا، إلا أن هناك مبدأً في النقل من التاريخ، هو أن تعدد الرؤى يقود الكاتب إلى الاختيار، وهو مصيب في اختياره، لكن اختيار الكاتب من بين الآراء يجعله في منزلة المتبنّي لما ينقل.
٤. ما يحسب للمسلسل تمتّعه بطابع استعراضي لبيئة الأهوار، ويتجسّد ذلك من خلال حركة الكاميرا في مشاهد مكرّسة بطلتها البيئة فقط، وهوية اللقطة فيها، هوية مكانية مفتوحة/ أليفة / غير معادية.
٥. الإخراج متقن، في صناعة رؤيته للعمل، يرتكز على محورين: التصوير والمونتاج، والفضل الأكبر للتصوير، فحركة الكاميرا مدروسة ومعبّرة ودالّة، لا يكتنفها الغلط إلا قليلاً، والتعامل مع الإضاءة تعامل أكاديمي، وما كان للمسلسل أن يكون ناجحاً، وممتلكاً لمواصفات العرض في الشاشات العربية المعروفة، لولا فريق العمل الإيراني المتمثّل بمدير التصوير (فاردين ناصر) ومرافقوه من المصورين وخبراء الإضاءة، ومتخصصو الصوت (علي عبد الحسيني) و(بهنام عبد الله عباس آبادي) وغيرهم، والماكيير الإيراني أيضا، ولعل المفصل الأهم لنجاح الإخراج وترتيبه هو وجود المدير الفني (همام معصومي) ومساعد المخرج (مهدي مسعودي).
٦. شارة المقدّمة الموسيقية مؤثرة والموسيقى التصويرية معبّرة، وجاء ذلك من تمكّن المؤلف الموسيقي السوري (ماهر غلاييني).
٧. ظهور مفرح للوجوه الشبابية الجديدة، وبأداء مائز، فقد قدّم (علي دعيم) و(بيداء المعتصم) أثراً كبيراً يبشّر بولادة ممثلين قديرين، فضلاً عن (سارة البحراني) و(أحمد شنيشل) و(زينب العاني) بدرجة أقل، وهنا أودُّ أن أحيي وجهين كان لظهورهما جمال من خلال أداء أفخر أنا به شخصياً، وهما الممثلتان الشابّتان (أساور عزت) و(ملاذ عبد السلام)، وسبب فخري بهما لأنهما طالبتاي في معهد الفنون الجميلة، أتمنى استمرار ألقهما.
٨. ثمة ضعف في ملاءمة الأزياء للبيئة، فضلاً عن حاجة المسلسل لمشرف عادات وتقاليد، ولمشرف لهجة أيضا.
٩. اعتماد الكرافيك في رسم مشاهد مرور القطار أضعف هذه اللقطات، كما أن كلاسيكية أحجام اللقطات كانت السمة المميزة، فالإكثار من اللقطات العامة ظل مهيمناً، في حين ان المسلسلات الحديثة باتت تستخدم تقنيات اللقطة السينمائية بكثرة، مع التركيز على اللقطات القريبة (كلوز) و(بك كلوز)، مما يعطي انطباعاً بليغاً لدى المشاهد، فضلاً عن خدمة الممثل وتفجير نجوميته أكثر بهذه اللقطات.
١٠. سيظل الجدل دائراً بخصوص النص؛ مستواه وموقفه، وهذا ما لن يجد له المتابع حلاً، إلا في ظل قوانين تشترط الموافقة على العروض قبل بثّها، لكن التعويل سيظل على ضمير الفنان وهو يقدّم رؤيةً لوطنه تجسّد القيم الحسنة ما استطاعت ذلك.
١١. أتمنى على من يعمل في الدراما العراقية، أن يعتمد على منجم الروايات العراقية، ففيها من الحكايات ما سيفتح بوابة النجاح، وفصل وظائف (الكاتب) عن (السيناريست) عن (كاتب الحوار)، لتحقيق رؤى متعددة تعلو بالأعمال.
١٢. أخيراً.. لقد حققت مسلسل (أحلام السنين) مثالاً للهوية ليس على مستويي الشكل والمضمون فحسب، إنما امتدت الهويات القومية لتتوحد في رحاب هوية فنية واحدة؛ فالقصّة عراقية، بمال إنتاجي سعودي، وبتقنية إيرانية..
نعم لقد ذهب الزمن الذي نُسأل فيه من أية دولة أنت، ليحلَّ الزمن الذي نُسأل فيه من أية شركة أنت.
* * *