المحرر موضوع: حوار دكتور شعبان لجريدة الوطن القطرية‬  (زيارة 156 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الحسين شعبان

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1158
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عبد الحسين شعبان
نائب رئيس جامعة اللّاعنف
والمفكر العراقي


•   لا ينبغي نسيان برنارد لويس وهنري كيسنجر وإيغال ألون وعوديد نيون ومشاريع التقسيم.
•   مع قيام " إسرائيل" بدأ مشروع الحداثة الجنينية في العالم العربي بالتدهور والتراجع والانتكاس.
•   من باب المندب إلى بنغازي ومروراً بالخليج وبغداد ودمشق وبيروت الهدف واحد والعدو واحد والمواجهة واحدة .
•   المواطنة الحاضنة للتنوّع والإقرار بالتعددية وحق الاختلاف كفيلة بتحقيق ما تصبو إليه مجتمعاتنا من حرية ومساواة وعدالة وشراكة.

القاهرة – الدوحة
محمد حربي

حذّر الدكتور عبد الحسين شعبان ، المفكر العراقي ونائب رئيس جامعة اللّاعنف من المخاطر التي تهدد الدول العربية بسبب عوامل التغلغل الخارجي ومحاولات زرع الفتن والانقسامات خاصة في ظل مخططات التقسيم وما بلوره عوديد ينون مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون  في "وثيقة كيفونيم" مطلع العقد التاسع من القرن الماضي .
وقال شعبان لمناسبة الذكرى الـ 72 لتأسيس دولة "إسرائيل" 15 مايو (أيار) 1948، إن مشاريع التقسيم أصبحت متوالية وعلى وجه التحديد بعد العام 1982 وكانت وثيقة كيفونيم بعنوان "استراتيجية إسر ائيل في الثمانينات" التي نظرت إلى العالم العربي باعتباره "برج من ورق" واضعة نصب عينها الحيلولة دون حدوث أي تقارب بين الدول العربية وبعضها البعض، ولا حتى وحدة وطنية داخل البد الواحد، مع تسريع الخطوات في المشروع الصهيوني الاستيطاني الاحتلالي التوسعي الذي تقرر في مؤتمر بال (بازل – سويسرا)1897 لتأسيس الدولة اليهودية وفقا لعرّاب الحركة  الصهيونية وكتابه " دولة اليهود" تيودور هيرتزل، وكانت الخطوة الأولى على هذا الصعيد اتفاقية سايكس – بيكو لتقسيم البلاد العربية 1916 وأعقبها وعد بلفور العام 1917.
وقد نشرت صحيفة الوطن القطرية  بعددها الصادر في يوم الخميس 14 مايو (ايار) 2020 المصادف 21 رمضان 1441 ، فقرات من الحوار الموسّع والشامل الذي أجراه مع د.شعبان الصحافي المصري محمد حربي، وفيما يلي نص الحوار مع مقدمته والأسئلة والأجوبة.
*****

-   جريدة الوطن القطرية(القاهرة)
أوجّه إلى سيادتكم باقة أسئلة متداخلة ومتّصلة وأرجو الإجابة عليما بما تملكون من خبرة ومعرفة، فضلاً عن رؤية استشرافية للمستقبل، كما أرجو أن تسلطوا الضوء على المخاطر التي تهدد الأمة العربية ومستقبلها.
*****
 إلى أي مدى هناك علاقة بين مخططات تفتيت الدول العربية ؟  ما يجري في اليمن وليبيا وقبل ذلك في العراق وما يُراد له لسوريا، هل هي من بين أحلام " إسرائيل" الكبرى وفقاً لما جاء في وثيقة عوديد نيون؟ وهل في ذلك امتداد لـ " نظرية الفوضى الخلاقة" لكونداليزا رايس ؟ أين موقع "إسرائيل" من هذه المعادلة وتداخلاتها وذيولها؟

د. شعبان

   يمكنني القول أن الحداثة الجنينية انتكست  وتعثّرت في ثلاث دول لها منزلة كبيرة في العالم العربي، لا ينهض إلّا بنهوضها، وهي مصر وسوريا والعراق تلك التي شهدتها في مرحلة ما قبل الثورات والانقلابات العسكرية، حيث تعثرت مشاريع التنمية والإصلاح والدمقرطة ، وذلك لأسباب داخلية وأخرى خارجية، فالأولى سببها شحّ الحريات واحتكار العمل السياسي والنقابي وسياسات التسلّط وعدم الاعتراف بالتنوّع والإقرار بالتعدّدية وحق الاختلاف، ناهيك عن صعود العسكرتاريا والهجرة من الريف إلى المدينة والترييف الذي حصل لمدن وحواضر عريقة، الأمر الذي أدى إلى تغييرات سسيولوجية وسيكولوجية عميقة في مجتمعاتنا ، والثانية محاولات القوى الخارجية الاستعمارية فرض الاستتباع عليها والتحكم بمصائرها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، وزاد الأمر بعد قيام " إسرائيل" وشنها عدوانات متكررة على الأمة العربية.
   وقد أدّت تلك السياسات إلى نكوص في مبادئ المواطنة الحاضنة للتنوّع وقادت إلى عوامل الاحتراب والنزاع الداخلي، وقد لعبت القوى الخارجية على هذا الوتر الحساس، باستغلال عوامل الضعف الداخلية، وكانت مشاريع التقسيم مروراً بالتفتيت والتجزئة تتجدّد مع تجدّد عوامل الافتراق والصراع الداخلية والعربية - العربية، لاسيّما وثمة خطوط حمراء تم وضعها لمنع أي تقارب بين سوريا والعراق، وبين مصر والسودان وبين الجزائر والمغرب وغيرها.
   برنارد لويس والتقسيم المنتظر
   ولعلّ من أبرز هذه المشاريع هو مشروع المؤرخ بر نارد لويس (1916-2018) الذي رسم خريطة العالم العربي مقسمة إلى 41 كياناً وسمي " مشروع تقسيم الشرق الأوسط" الذي بدا العمل عليه في العام 1979، كما ذهب هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق ومستشار الأمن القومي إلى القول في العام 1975 " علينا أن نقيم دويلة وراء كل بئر نفطي في العالم العربي"، لأنه يرى في التقسيم ومشاريع الدولة الأقوى بين دول تمثّل "أقليات" في الشرق الأوسط لتصبح " الدولة المدلّلة والمهيمنة" الأكثر تقدماً علمياً وتكنولوجياً وتمدناً في محيطها " المعادي" الذي سيضطر ليعترف لها بالتسيّد.
   وكشف إيغال آلون في العام 1982 عن الأهداف الاستعمارية الاستيطانية للعدوان "الإسرائيلي" في 5 يونيو (حزيران) 1967 الهادفة إلى تقسيم العالم العربي والتوسع على حسابه حين قال: واجبنا استيطان " اسرائيل" الكبرى... وأن من يشك في هذا يضع علامة استفهام حول " العقيدة الصهيونية" وقد بلور المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لاحقاً هذه الآراء باستراتيجيتهم حول الشرق الأوسط وعلى أساسها نفّذوا غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، حيث دمّروا الدولة العراقية وفتحوا الباب على مصراعيه لاندلاع الصراع الطائفي  وانفلات العنف واستشراء الإرهاب الذي لم يتوقف عند حدود العراق.
   وهكذا امتد الصراع إلى سوريا واليمن واستمر وجوده المعتّق في لبنان، بل تعدى ذلك إلى بعض دول الخليج ودول الإقليم مثل إيران وتركيا والباكستان وأفغانستان وفي شذرات منه إلى الهند، مثلما وصلت  بعض شظاياه إلى المغرب العربي، ولاسيّما حين وضعت ليبيا في المختبر الإمبريالي لمركّبات التقسيم، الأمر الذي أصبح تهديداً واضحاً وخطيراً للأمن العربي ولاستقرار مجمل دول الإقليم.
   خطة عوديد ينون: وثيقة كيفونيم
   أعود إلى الخطة التفصيلية لعوديد ينون Odid Yinon التي قدّمها إلى مؤتمر " قسم المعلومات/ الإعلام للمنظمة الصهيونية العالمية" والتي أطلق عليها "وثيقة كيفونيم"  وقد قام بترجمتها إلى اللغة العربية يهودي غير صهيوني، حيث تم تسريبها خلال العدوان "الإسرائيلي" على لبنان واحتلال العاصمة بيروت (حزيران/يونيو/1982). ويعود اسمها إلى اسم المجلة التي نشرتها وهي " مجلة كيفونيم" وتعني " اتجاهات " في عددها الصادر في فبراير/شباط/1982 تحت عنوان "استراتيجية إسرائيل للثمانينات"، والمجلة هي لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية في القدس.
   لقد تجدّد الاهتمام بمخططات التقسيم بعد احتلال العراق وكانت معاهد الدراسات والأبحاث الغربية قد اشتغلت عليه عقوداً من الزمن، وللأسف فإن النخب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة أحياناً لم تدرك مخاطر النهج السياسي والاجتماعي الذي سارت عليه ولاسيّما بتشجيع عوامل الفرقة الداخلية، إضافة إلى سياسات التسلط وضعف المواطنة والشعور بالانتماء لهوية موحدة وهدر الحقوق والحريات، مما شجّع عوامل الاحتراب الديني والطائفي والإثني، خصوصاً في ظلّ غياب مبادئ المواطنة المتكافئة، وعدم المساواة واستمرار التمييز وضعف مبادئ الشراكة والمشاركة، وهي العناصر الأساسية للمواطنة الحيوية.
   والأمر يمتد إلى فلسطين أيضاً، فمنذ العام 2007 وغزّة محاصرة على نحو شامل ويستمر تغذية عوامل الاحتراب بين  حماس وفتح  ويشمل ذلك جميع مؤسسات السلطات الوطنية الفلسطينية وم.ت .ف، ومثل هذا الأمر كان في صلب وثيقة " كيفونيم " التي قررت أن الأردن " المملكة الأردنية الهاشمية " هي فلسطين الشرقية، وعلى الفلسطينيين أن يقيموا دولتهم فيها ولتحقيق ذلك لا بدّ من ترحيلهم إليها مع إعادة توزيع السكان المقصود بذلك المستوطنين (المستعمرين) في فلسطين المحتلة ليكونوا بأمن من المخاطر، وكان قانون الجنسية : الإسرائيلية" و" الدولة اليهودية النقية" التجسيد العملي لهذه الأفكار والتي تبلورت في العام 2018، وهي باختصار ليست سوى ترانسفير فلسطيني جديد،  لإخلاء فلسطين من بقايا أهلها الأصليين الذين يزيد عددهم حالياً عن 20% من السكان ليحلّ محلّهم مستوطنون يأتون من أصقاع الدنيا ليطردوا أصحابها الحقيقيين والتاريخيين ويحرموا من "حق العودة" وليمنعوا من رؤية " القدس" إلى الأبد، طالما قررت الكنيست وبدعم من واشنطن أنها " عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل".
   برج من ورق
   ويتلخص مشروع عوديد ينون في أن العالم العربي هو " برج من ورق" أقامته بريطانيا وفرنسا، وأسست كيانات على أساسه، وهي قضية مركزية اشتغلت عليها الحركة الصهيونية، لمنع قيام أي تقارب عربي- عربي وأي وحدة وطنية داخلية على مستوى كل بلد عربي، فضلاً عن التقدم بخطوات في مشروعهم الاستيطاني الاحتلالي التوسعي الذي تقرر في مؤتمر بال- بازل _سويسرا) 1897 لتأسيس الدولة اليهودية وفقاً لعرّاب الحركة الصهيونية وكتابه "دولة اليهود" ثيودور هيرتزل 1896، وكانت الخطوة الأولى على هذا الصعيد اتفاقية سايكس- بيكو لتقسيم البلاد العربية 1916 وبعدها الحصول وعد بلفور العام 1917 "بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين" ومن ثم قرارات مؤتمر سان ريمو 1920 بوضع العديد من البلدان العربية تحت الانتداب، حيث تم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني 1922، وهكذا أدخلت عصبة الأمم في صلب المشروع الصهيوني ومن بعدها الأمم المتحدة بإصدارها القرار رقم 181 لعام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين ، بمساندة الدول الكبرى واعترافها بالكيان الصهيوني عند قيامه في 15 مايو/أيار /1948.
   اليمن -  البئر العميقة
    وبخصوص اليمن فقد أحبط مشروع الوحدة الحاكمة بين الشطرين والذي ظلّ هدفاً للقوى الوطنية اليمنية في الشمال والجنوب حيث تحرر الأخير من ربقة الاستعمار البريطاني بانتصار ثورة ردفان العام 1967 بقيادة "الجبهة القومية" وهي تنظيم تمتد أصوله إلى حركة القوميين العرب، التي تحوّلت إلى تحالف واسع ضم ثلاث قوى أساسية هي: القوميون العرب،التشكيلات البعثية والتشكيلات الشيوعية واليسارية تحت اسم  " الحزب الاشتراكي اليمني" وقد تحققت الوحدة في العام 1990، ولكنها حسبما يبدو لم تكن على أسس متينة وديمقراطية، وكانت تجربتها في السنوات الأربع التي تلتها هشة وضعيفة، وبدلاً من زيادة لحمة التقارب وإزالة العقبات التي منعت ذلك، فإن عوامل الاختلاف والاحتقان كانت مثل النار تحت الرماد، وسرعان ما ارتفعت وتيرة الصراع وزادت حدته، لاسيّما في ظلّ سياسات التمييز التي اتبعها الحكم تدريجياً وأدى ذلك إلى تركيز السلطات وتعتّق موقع الرئاسة دون منازع أو تداولية أو تناوبية، ناهيك عن سوء الأوضاع وغياب الحد الأدنى من العدالة والحقوق.
   وقاد ذلك إلى حراك شعبي اضطر فيه الرئيس علي عبدالله صالح وبضغط سعودي إلى التنازل عن الحكم ، لكن ذلك لم يطفئ نار الصراع الذي زاد استفحالاً فسرعان ما اندلع القتال بتشجيع عوامل إقليمية جديدة دخلت على الخط مثل دعم إيران للقوى التي سيطرت على السلطة " أنصار الله - الحوثيون" مقابل دعم دول الخليج للقوى الأخرى المخلوعة التي سميّ "بالشرعية"، واشتعلت عوامل الاحترب داخلياً وليس بمعزل عن التداخلات الدولية والإقليمية سواء قبيل "عاصفة الحزم" أو بُعيدها، والحرب ما تزال مستمرة منذ نحو 5 سنوات (منذ العام 2015) واليمن بئر عميقة لا يمكن إدراك ومعرفة كنهها وعمقها ومفاجآتها . واليوم توزعت إلى مناطق نفوذ، وزاد الأمر من المشكلة الجنوبية التي تداخلت فيها عوامل الصراع الإقليمي حتى بين الحلفاء، ناهيك عن مطالبها الخاصة والمشروعة.
   وبغض النظر عن ادعاءات كل فريق، فلا بدّ من الركون إلى حلّ سلمي وبالمفاوضات، فحوار سنة أفضل من ساعة حرب، وبالحوار والتفاهم ووضع المصالح الوطنية العليا يمكن التوصل إلى حلول بمساعدة الأمم المتحدة وقراراتها وبدعم من المجتمع الدولي ، لأن بقاء الكارثة مستمرة يعني تدمير هذا البلد العربي العريق بتراثه وحضاراته وامتداداته العربية، خصوصاً وأن تفشي وباء كورونا وتدهور الأوضاع الصحية والمعاشية بسبب الحصار ينذر بكارثة إنسانية حقيقية وهي كارثة مهددة بالانفجار والتمدد خارج الحدود.
   ليبيا والتقسيم الفعلي
    وأعود إلى ليبيا، فقد حكمتها قيادة فردية خارج دائرة التصنيف العلمي أحياناً حسب مواصفات الباحث في العلوم القانونية والسياسية، لمدة زادت على 41 عاماً، وحاول نظام القذافي قطع خط التطور التدرجي الذي كانت عليه ليبيا قبل الفاتح من سبتمبر/أيلول/1969 واختفت مظاهر الدولة بالتدرج أو بقت هيكلياتها قائمة ، لكنها فارغة وخاوية، وحلّت محلها الأوامرية التسلطية والارتياحات الشخصية والانقلابات المزاجية وغياب المؤسسات بحجة "الشرعية الثورية" حيث تم ازدراء «الشرعية الدستورية» لتأسيس مشروعية جديدة وفقاً لسياقات الكتاب الأخضر.
   وساهم الحراك الشعبي الذي انطلق من بنغازي في إحداث تصدّع في المؤسسة الحاكمة وأدى ذلك إلى الإطاحة بها، وذلك عبر تدخلات وقصف من جانب دول حلف الأطلسي، لتدخل ليبيا مرحلة الفوضى والتصدّع والانحلال، حيث برزت النزعات التقسيمية وأعيد مشاريع قيل أن الزمن عفا عليها ومنها أعني المشروع الثلاثي الانشطاري أو التفتيتي الذي كان أساساً مشروعاً فيدرالياً في العهد الملكي مع اختلاف أغراض ذلك العهد عن العهد ما بعد الإطاحة بالقذافي.
   واليوم وبعد معاناة استمرت نحو 9 سنوات ترى البلاد في حالة حرب بتداخل إقليمي تركي وعربي متنوّع الأغراض، وكل اتخذ موقعه ومبرراته في دعم هذا الفريق أو ذاك وفي تمويله وتسليحه والدفاع عنه، وليس بعيداً عن ذلك المشاريع القديمة الإيطالية والأمريكية والفرنسية المتداخلة مع العوامل الإقليمية، وحتى اليوم فليبيا تعاني من التشظي وتعطيل التنمية  وغياب الاستقرار وتبديد المال العام ونهب النفط وتسخير كل شيء من جانب كل طرف للقضاء على الطرف الآخر.
   وإذا كانت ثمة عوامل خارجية مساعدة على استزراع الخلافات وتغذية الخصومات وإثارة النعرات وتشجيع الاستقطابات ، فإن خدر النخبة السياسية والفكرية والثقافية وعدم شعورها بالمسؤولية الوطنية إزاء المخاطر التي قادتها مصالحها ونزاعاتها إلى استمرار هذا النزيف والذي لو بقي لحين، فإنه سيصبح واقعاً وهكذا تسهم هي من حيث تريد أو لا تريد وبوعي أو عدم وعي ولكن بخمول للضمير في تشطير ليبيا بالخرائط القائمة على الدم والتي ستحسم بعضها ساحات القتال.
   سوريا: التفاحة الأثيرة
   وتبقى سوريا جرحاً فاغراً، وبغض النظر عن التقاطعات السياسية والمواقف المسبقة، فإنني أتحدث عن العودة إلى " منطقة الضمير" وهي منطقة واضحة في الحق وطاهرة في الهدف، خصوصاً حين يختلط الحق بالباطل والأخضر باليابس والأبيض بالأسود والسياسة بالقانون والمصالح بالقيم، وكي لا نضيع في التفاصيل الصغيرة والتناحر والتكاسب، لا بدّ من التذكير إلى أن هذا البلد المتمدن والمتحضر والذي رفد الحضارة البشرية منذ آلاف السنين ، يعاني من حصار دولي جائر وهو جزء من حرب إبادة ناعمة وطويلة الأمد، مع أن الحرب الخشنة التمزيقية والمتداخلة إقليمية ودولياً ما تزال مستمرة وكان الكونغرس الأمريكي قد اقترح قانوناً في العام 2016 وعُرف باسم " قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين" ونصّ على فرض عقوبات اقتصادية ومالية وعلمية وتكنولوجية على سوريا. وصوّت عليه 86 من مجلس الشيوخ الأمريكي مقابل 8 رفضوا، علماً بأنه يسيطر عليه الجمهوريون، وقد وقع الرئيس  دونالد ترامب على القانون الذي يبدو أنه سيدخل حيّز التنفيذ في يونيو/حزيران/ القادم 2020 وإذا ما طبقت هذه العقوبات بالكامل ستكون أقرب إلى الحرب الإبادية التي شهدها العراق منذ العام 1991 ولغاية العام 2003 حيث جرى تمزيق نسيجه الاجتماعي ووحدته الكيانية وإضعاف قدرته على المواجهة ، فسقط مثل التفاحة الناضجة بالأحضان.
   وإذا كانت واشنطن قد استثنت روسياً سابقاً من عقوباتها، وركّزت على إيران، فإن هذا القانون سيضع المؤسسات الروسية عرضة للعقوبات ابتداء من الجيش الروسي إلى صناعة الأسلحة وصناعة الطاقة.
   وعلى من يريد لسوريا الخير بغض النظر عن توجهاته وخلفياته السياسية ورأيه بالنظام أو معارضيه، لا بدّ أن يضع التجربة العراقية نصب عينيه ، تلك التي حوّلت العراق إلى معسكر لاجئين، فضلاً عن لاجئين في أصقاع الدنيا بعد حروب ودمار وحصار ثم احتلال.
   ولا بدّ من العودة إلى طاولة الحوار والبحث عن سبل وقف نزيف ومعاناة الشعب السوري الذي تحمل ما لا يُحتمل، سواء عبر جنيف أو سوتشي  لتهيئة سبل انتقال سلمي لعملية سياسية تدرجية تأخذ بنظر الاعتبار الهوية السورية العامة الوطنية والموحدة والشاملة، مع احترام الخصوصيات القومية والدينية ومراعاة ذلك دستورياً والإقرار بحقوقها السياسية والإدارية وبما يتناسب مع شرعة حقوق الإنسان الدولية، ومثل هذا الأمر يمكن أن تكون على قاعدته بناء أسس ثقة جديدة ووطيدة وبضمانات دولية ووفقاً للقرارات الدولية التي توافق عليها الأطراف المختلفة.
   إن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا وانهيار سعر الليرة أمام الدولار يكمن في جزء كبير منها في تأثيرات الحصار الأمريكي والغربي والإقليمي الجائر، فضلاً عن مخلفات العنف والإرهاب الذي كان نتاج عملية تعصب ووليده التطرّف والذي ساهم في تمزيق النسيج السوري وإثارة النزعات الدينية والطائفية والمذهبية، تلك التي خطط لها برنارد لويس وعوديد في مشروعيهما لتقسيم سوريا إلى 6 دويلات: كيانية سنية في دمشق وكيانية سنية أخرى في حلب، وكيانية في الساحل والجبل علوية وكيانية كردية في القامشلي وعفرين، إضافة إلى كيانية درزية تتصل بالكيانية الدرزية اللبنانية، إضافة إلى كيانية حاجزة بين سوريا والعراق: تضم دير الزور وأجزاء من محافظة الأنبار ليكتمل مشروع تعويم الدولة وتحويلها إلى كيانات متناحرة وضعيفة، ولاسيّما بغياب جيشها "الجائزة الكبرى" التي ظلّت إسرائيل تحلم بها.
   وإذا كانت الأيادي الخارجية قوية ومؤثرة في ما يحصل في عالمنا العربي، فإن العوامل الداخلية وضيق الصدر وقصر النفس وضبابية الرؤية وتقديم المصالح الذاتية الأنانية على مصلحة الوطن والأمة، هي عوامل لا يقل تأثيرها عن العوامل الخارجية، إن لم يزد، علماً بأن التغلغل الخارجي ومحاولة زرع الفتن وتشجيع عوامل الانقسام ما كان له أن يحدث لولا النفوس الضعيفة والمصالح الضيقة وضعف المواطنة والانكفاء على تغليب الهويّات الفرعية على حساب الهويّة الجامعة التي عليها احترام جميع الهويّات وتلبية حقوقها على أساس المساواة  ومبادئ الشراكة والمشاركة.