المحرر موضوع: مصطفى الكاظمي، حاكم آخر للقهر والظلام أم حارس أمين لشعب ووطن فقدَا الأمل والوئام  (زيارة 68 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 306
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مصطفى الكاظمي، حاكم آخر للقهر والظلام أم حارس أمين لشعب ووطن فقدَا الأمل والوئام
لويس إقليمس
 بغداد، في 11 أيار 2020
أُسدل الستارُ عن تاريخ أتعس رئاسة وزارة ولائية محصصاتية فاسدة حكمت العراق بلا غيرة ولا كرامة ولا شهامة وبالطريقة المخجلة وبوصمة العار التي استحقتها حقًا. ففي عهدها طار ما تبقى من النعم السماوية التي حبا بها الله أرض الرافدين وشعبها. فكان الإيغالُ في الفساد مادة دسمة لكلّ مَن استطاع إلى ذلك سبيلاً، وتسابقَ الذيول والموالون زيادة في الولاء للجارة الشرقية "الأرجنتين". في حين صار بيع المناصب سبيلاً سهلاً وبازارًا مفتوحًا ومرتعًا مباحًا للإثراء غير المشروع أكثر من سابقاتها من الوزارات الشيعية الحاكمة منذ 2003. أمّا فرض الإرادات والفتوّات على أيدي مافيات السلطة وزعاماتها السياسية الإسلامية والطائفية فقد ازدهرت علاماتُها وبامتياز مشهود.
كما صار القتلُ والسلبُ والاغتيالُ من السمات البارزات على عهدها وأسلوبًا آخر للقمع وترويع ثوار الانتفاضة وملاحقة النشطاء واغتيال الشرفاء من الوطنيين الأحرار من أصحاب الرأي والمطالبين باسترداد الوطن المسلوب. وفي عهدها أيضًا، اشتدّ السأم وعمّ الاستياء بسبب سوء الأوضاع الأمنية والخدمية والاجتماعية والتربوية التي سادت ويسّرت أمرَ مصادرة القرار الوطني على أيدي فئات منفلتة مسلحة أذنت لنفسها فرض سطوتها الميليشياوية بحكم ما جنته في ماضيها المخجل من مال سياسي وجاه حكومي ونفوذ مدعوم بغطاء دينيّ من مرجعيات وشخصيات دينية مازال بعضُ تأثيرها قائمًا لغاية الساعة. ثم جاء دور الجائحة، طاعون العصر القاتل والمخيف الذي هاجم الأرض وما فيها، سواء بفعل الطبيعة أو بتدخل خليقة الله، ليكون إشارة مشتركة من لدن السماء والأرض على الحاكم الفاسد ومَن والاهُ حينما عدّ هذا الأخير نفسه ومَن ناصره وسانده  معصومًا بغطاء الدين والمذهب والحزب الطائفي. وهنا، ما كان من المحكوم المغلوب إلاّ التزام الصمت خشية ومخافة أو الانزواء ضعفًا وقهرًا أو المغادرة غير آسفٍ على أحواله التعسة ومن دون انتظار لما سينجلي عنه الوضع بعد اشتداد الأزمات وتكرارها من دون بصيص أمل في نهاية النفق المظلم.
هل بانتْ تباشيرُ الأمل؟ 
لغاية الآن لم يتبيّن بعد الخيط الأبيض الناصع من الخيط الأسود الناشز مع أولى أيام الكابينة الجديدة. وعلينا انتظار ما ستكشفه الأيام القلائل القادمات كي نتصوّر مصير كابينته ونتبيّن شكل ومستقبل حقبة سابع حكومة تسوس البلاد منذ السقوط واحتلال العراق بالطريقة الظالمة التي ساقها المحتل الأمريكي ولحقته بسببها لعناتُ السماء والأرض وشتائم المواطن الصابر الطيّب إلا ما شذّ من حاقدي القوم والمتزلفين والمنافقين والدجالين واللاهثين وراء النفوذ والسلطة والمال والجاه لأسباب شخصية أو فئوية أو طائفية وما كان في أصولها وجوارها من كارهي الحق ومحبي الباطل. فقد توهم هؤلاء القوم ممّن أمعنوا في تسريع القضاء على النظام السابق بالطريقة المخجلة وغير الأخلاقية التي حصلت، أنهم على حق عندما داسوا على كرامة الوطن وسهّلوا للغازي وطءَ أرض السواد وبلد إبراهيم أبي الأنبياء وأرض الأئمة والقديسين الصالحين والطيبين من أهل دجلة والفرات. 
ولكن يمكن القول، أنّ بعض تباشير الخيروالوعي والأمل قد لاحت في الأفق مع أولى خطوات أقدم عليها الكاظمي بالنظر في شأن أول ظاهرة فساد وظلم تمسّ شرائح المتقاعدين الذين أفنوا سنيّ حياتهم في خدمة الوطن، وهم جديرون بالاهتمام والرعاية الفضلى على مَن سواهم ممّن يسوسون البلاد وينهبون ثرواتها ويثرون من السحت الحرام على حساب الشعب. وانطلاقًا من هذه المبادرة الطيبة، ومِن سواها ممّا بدر لغاية الساعة بإعادة الكرامة الوظيفية للشرفاء من موظفي الدولة السابقين من مدنيين وعسكريين، قد نستدلّ على حسن نواياه وعزيمته بالتحلّي بسمة القائد الماكر الصادق والحاكم العادل القاسي الذي يجمع في جعبته وفكره وأسلوبه ما بين الوداعة والحماسة معًا، إلى جانب شدّة المراس في التعاطي مع الأزمات والمشاكل العديدة والتحلّي بمزيّة النزعة الفلسفية في معالجة شؤون الدولة وبسرغة التنفيذ الجادّ في برنامجه الحكومي الذي يلائم جزءًا من المرحلة. وهذه فرصتُه في تقويم المعوجّ وترميم الممزّق وإصلاح الرتق الكبير الذي طال العراق دولة وشعبًا.
ومازلنا ننتظر منه المزيد من الجرأة والشجاعة في معالجة الكسور، وما أكثرها، وفق الأولويات المطلوبة، بدءًا من اتخاذ قرارات جريئة لمعالجة الجائحة الصحية، ومداواة العجز المالي وتوفير السيولة النقدية الكافية لإدامة حياة فئات كثيرة تعتمد في عيشها وإدامة لقمتها على الدولة الريعية. وهذا قد يتطلب من ضمن الفرضيات مجابهة جريئة مع أصحاب الزعامات السياسية النافذة وأرباب المافيات القاسية التي اعتادت الهيمنة على مقاليد السلطة من خلف الكواليس والتي تدير دفّة الحكم العميق منذ تشكيل أول حكومة محاصصاتية مقيتة أدت إلى خراب البلاد وتمزيق نسيج أهل العراق الطيبين حين تغوّل العديد من ساسة الصدفة لحاقًا وتحولوا إلى ديناصورات فاسدة لا تخشى لا من إله ولا من عبده، ولا من صاحب كرامة وطريقة، بل صاروا يشكلون الصورة السيئة لأهل البلد في الداخل والخارج. وفي انتظاره ملفات كثيرة، لعلّ أولى أولوياتها التهيئة الصائبة لانتخابات مقبلة قد لا تكون قريبة ومبكرة كما ترقب الكثيرون، ومنهم مطالبات ساحات الاعتصام. لكن الأهم فيها أن يُعاد النظر في تشكيلة تكوينها غير المقبولة أساسًا من قضاة وبالطريقة التي حصلت وسُنّت توافقًا وحفظًا لمصلحة أحزاب السلطة التي رهنت نجاحها بهذه التوليفة المشبوهة. 
ومن الأمور المهمة الأخرى التي ينتظرها المواطن تنفيذه الوعد المقطوع بتطبيق القانون وفق مسطرة مستقيمة الخطى لا تقبل التمييز والتفرقة والمحاباة ولا التجنّي لصالح جهة على حساب أخرى. أما الأزمة الاقتصادية المستفحلة بسبب ما أنتجته سياسات الحكومات السابقة بسبب فقدانها لاستراتيجية وطنية تنقذ البلاد من الاعتماد على الاقتصاد الريعي لمبيعات النفط غير المستقرة، فهي ستكون من أصعب الاختبارات لقدرة كابينته في التعامل مع نقص النقد الأجنبي والسيولة المحلية. وهذه لا يمكن التخاص منها إلاّ بالتعاون والتشاور مع القطاع الخاص منبع الاختصاص والخبرة والمغيَّب في الحكومات المتعاقبة لأسباب في نفس ساسة الصدفة. وهنا ينبغي حثّ الوزارات والشركات غير المنتجة للعمل على تسخير جهودها واتخاذ قرارات حازمة وحكيمة تؤدي إلى تحويل الشركات العاطلة إلى أخرى منتجة ورابحة تساهم في تعزيز اقتصاد البلاد وامتصاص البطالة. وهنا يأتي دور القطاع الخاص بأخذ دوره الطبيعي في تسيير عجلة الاقتصاد والانتاج والإبداع. فهذا ما عرفناه فيه إذا توفرت النية وساد العزم وبدأت ماكنة الانتاج تؤتي ثمارها الطيبة. حينئذٍ سيتعافى البلد من مرضه الاستهلاكي والاستيرادي الذي عوّده عليه ساسة الأحزاب الاسلامية التي تحكم البلاد منذ السقوط خدمة للجارة الشرقية وبلدان المنطقة ومَن في حلقتهم.

حكمة وحماسة ووداعة
لعلّ من سمات القائد الفذ والحاكم الناجح، أن يسوس الرعية بالوداعة والحكمة وشيء من القسوة والعدل. وهذا يرتّب عليه أيضًا شيئًا كثيرًا من الحماسة والشدّة في معالجة شؤون البلاد والعباد من دون  التفرّد بالقرار والعناد في الرأي. فالاستشارة أمرٌ لا بدّ منه، حين يكون الاعتماد على حكماء القوم الحقيقيين غير الانتهازيين، وما أكثرهم في القطاع الخاص من أهل الداخل أو خارجه، من أصحاب الخزين الكبير في الفكر والهندسة والاستشارة والاقتصاد والسياسة والعلم والتربية والأخلاق ممّن لم تهتمّ بهم الحكومات المتعاقبة. فقد فضلت حكومات الفساد الطائفية المتعاقبة ركنَ أرباب القطاع الخاص المنتج والمبدع جانبًا تحسبًا من تفوق هذه الفئة التي ماتزال تلقى محاربة من هؤلاء الساسة ومن زعامات الدكاكين الاقتصادية للأحزاب التي ترى في تقربهم من مفاصل الدولة ومن مقترحاتهم قضاءً على أفعالهم السيئة في الإثراء وخطرًا على تعوّدهم سياسة التغوّل على المال العام وعلى الإدمان على الفساد، مؤثرين بقاءَ حال البلاد على ما هي عليه من دون تنمية وتطور وإصلاح حال. ومن سخريات القدر إيمانُ بسطاء القوم بماكنة الساسة العاملة من دون كلل ولا ملل على إقناعهم بما سيدرّ عليهم المستقبل من ازدهار ورفاهة في حالة صبرهم وإطاعتهم العمياء لحكامهم المتورطين حتى النخاع بالضحك على ذقونهم باسم الدين والطائفة وتحت عناوين مغلوطة وساذجة توصي بإطاعة أولي الأمر، حتى لو تحول كلّ الشعب إلى جيوش من الجياع والعاطلين والشحاذين.
في برنامجه الحكومي، نستشف وجود تقارب في الرؤية مع جزءٍ مما طرحته ساحات الانتفاضة التشرينية والشارع الثائر من مطالب، ومنها حصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة القتلة وملاحقة الميليشيات المنفلتة التي تعربد بسلاحها على طريقتها وتسرح وتمرح من غير حساب ولا حدود، ووضع اليد على أدوات الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة بغير حقّ. وهذه كلُّها ملفات تنتظر المراجعة والحسم وعدم التأجيل، كما كان يحصل في الحكومات السابقة. وطالما أنّ الحديد ساخن، فما على دولة رئيس مجلس الوزراء سوى الطرق بيد من نار كي يعود الحق لأصحابه والماردُ إلى رشده والمجرم يأخذ حسابه وعقابه الذي ينتظره. فالمسطرة المستقيمة لا تتحمل الزوغان والثني عن الخط المستقيم. فهذه وما سواها هي من صلب مسؤولية إعادة هيكلة الدولة العراقية بأسلوب وطنيّ صادق. ولتكن البداية الأولية البسيطة على عهد الكاظمي، رغم أنّي لم أسمع به من قبل ولا أعرف عنه الكثير. لكنّ مَن يتولى جهازًا مخابراتيًا وطنيًا مثل العراق، لا بدّ أن يكون لديه ما يكفي من وداعة وحسم وحماسة بغية الوصول بحال البلاد والعباد إلى الهدف الوطني الأسمى بإعادة اللحمة الوطنية إلى سابق عهدها، وفرز الزؤان غير الأمين الذي لا ينتمي إلى الوطن وأهله، وإعادة ماكنة الاقتصاد بالاعتماد على القدرات الانتاجية للمعامل والمصانع والشركات المعطلة، وإيقاف التلاعب بالمال العام ووضع حد لفساد أحزاب السلطة وأدواتها في توزيع المكارم والمرتبات العالية لمّن لا يستحقونها من فضائيين ومدّعي النضال والسجناء السياسيين والرفحاويين، وتقليل نفقات مؤسسات الدولة وعلى رأسها الرئاسات الأربع وأصحاب الدرجات الخاصة والنواب وتخفيض حماياتهم وتحجيم سياراتهم، إن لم يكن بقطع كلّ هذه الامتيازات غير الضرورية. فالمسؤولية خدمة وتكليف  قبل أن تكون تشريفية وامتياز ومكاسب. من هنا لا حاجة ولا مبرّر لكلّ هذه الضوضاء والبهرجة والامتيازات.
عسى مثل هذه الدعوات الصادقة وغيرها من جانب أصحاب الفكر والقلم والثقافة ومن أرباب الاقتصاد والعلم والشهامة تلقى آذانًا صاغية، فيعود الوطن إلى سموّه وكرامته وترتسم الابتسامة على أفواه مَن ظلمهم الدهر وقهرتهم السلطات ويحظى الجميع بحقوق عادلة ومتساوية في ظلّ دستور مدنيّ جديد يراعي الرعية بالسواء والعدل والأهلية.