المحرر موضوع: تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي – نظرية ابن السوداء  (زيارة 161 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل علي الابراهيمي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 29
    • مشاهدة الملف الشخصي
تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي – نظرية ابن السوداء



ابن السوداء

( السبئية ) او ( اصحاب عبد الله بن سبأ ) هي التهمة التي طالما ساقها بعض الكتاب المخالفين للتشيع ضد من يشايع ( علي واهل بيته ) , او من يدعي العصمة في الائمة من ذرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله . وبالتأكيد هي تهمة لا تستقيم مع ما يملكه مذهب التشيع من عقائد راسخة ذات براهين ساطعة , وفلسفة عالية , ومسانيد تأريخية محكمة .
لكن على كل حال , وانا في بعض حالات البحث والمطالعة كانت تصادفني بعض الكتابات والنصوص عن ( السبئية ), التي لا التفت الى تدقيقها كثيرا , لأنها عادة ليست في صميم تلك الابحاث , غير اني وفي بعض المرات جمعت شيئا من تلك الكتابات في ذهني , فخرجت عليَّ صورة اخرى عن حقيقة اتهام الشيعة بهذه التهمة , وفرضت عليَّ سؤالا , مفاده : ( اذا كان عبد الله بن سبأ شخصية وهمية , لماذا اختار مبتدعوها لها هذا الاسم ؟ ) .
وانا قبل ان اجيب عن هذا السؤال , سوف احاول ان اراجع مع القارئ بعض الآراء الاسلامية وغير الاسلامية المختلفة حول حقيقة وجود هذه الشخصية وصفاتها , ثم اصيغ رأيي الذي اراه منطقيا جدا حول الاسباب الكامنة وراء اختراع هذه الشخصية , وبهذا الاسم ( عبد الله بن سبأ ) .
ان ملخص رواية المثبتين لوجود هذه الشخصية في التأريخ الاسلامي على النحو التالي : ( بأنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الاسلام في عصر عثمان واندسَّ بين المسلمين وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مُبشّراً بأنّ للنبيّ محمد (ص) رجعة، كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ علياً هو وصيُّ محمد (ص) كما كان لكلّ نبيٍّ وصيُّ، وأنّ عليّاً خاتم الاوصياء كما كان محمد (ص) خاتم الانبياء. وأنّ عثمان غاصب حق هذا الوصيّ وظالمه فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله. وسمّوا بطل قصّتهم (عبداللّه بن سبأ) ولقّبوه بـ (ابن الامة السوداء) وزعموا أن (عبداللّه بن سبأ) هذا بثّ في البلاد الاسلامية دُعاته وأشار عليهم أن يُظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والطّعن في الاُمراء. فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين … ) ومن هنا ولد مذهب التشيع , على رأيهم .
وابتدأ هذا الادعاء منذ زمن الطبري , وهو اول راوٍ للاسم المدعى , الى وقت تبنيه رسميا على يد السلفية الوهابية . ولعل اشهر ما كتبه السلفيون اليوم – غير ما كتبه احسان الهي ظهير – هي رسالة الماجستير للباحث سليمان بن حمد العودة بعنوان ( عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ) .
اما المستشرقون الذين تبنوا هذه الدعوى فقد اخذوا جميعاً – على التحقيق – عن الطبري وراويه سيف بن عمر , ومع ذلك فهم عاشوا ذات التناقض الذي عاشه اصحاب هذه الدعوى من المسلمين .
يقول ولهاوزن في كتاب الدولة الاموية وسقوطها : (( وللمتطرّفين أسماء مختلفة لا تدلّ إلاّ على ظلال لا قيمة لها من المعاني، وكانوا أوّلاً يُسمّون السبائية. ويقول سيف بن عمر: إنّ السبائية كانوا منذ أوّل الامر أهل الشرّ والسوء في تاريخ حكم اللّه، هم قتلة عثمان، فتحوا باب الحرب الاهلية، وأسّسوا فرقة الخوارج الثوريّة، وتولّد عنهم انهيار الاسلام. أمّا مكانتهم في التاريخ فبلغوها أوّل الامر بواسطة المختار، وإن كانوا قد وُجدوا قبل ذلك. وكان موطنهم الكوفة وضواحيها، وليسوا من العرب وحدهم، بل معظمهم من الموالي، وهم يعتقدون بتعاليم ابن سبأ في تقمُّص الارواح ولا سيّما عودة روح الرسول (ع) في آل بيته. تلك صفاتهم الاساسية. وقد نبذهم العلويّون أبناء فاطمة بنت الرسول (ع) اُولئك الذين تمسّكوا بأساس الاسلام القديم والعُروبة فارتبط السبئية بابن لعلي من زواج ثانٍ اسمه محمد بن الحنفية نسبة لاُمه. ثم إنّ ابنه أبا هاشم عبداللّه ـ الذي كان ( تافهاً ) كوالده ـ أضحى يعتبر وريثه في الامامة حتّى إذا توفّي أوصى بالإمامة لمحمد بن علي العباسي، إلى قوله: فمن مُؤَلِّهي ابن الحنفية ولد مؤلّهو ابنه وهم الهاشمية ولم تنطفئ السبئية في الكوفة بانطفاء المختار، بل ظلّوا في الحلقات الدنيا.
ولا يختلف المذهب الباطني للهاشمية ـ كما يعرضه الشهرستاني ـ أيّ اختلاف عن مذهب ابن سبأ، فالمؤامرة العباسية تشابه تمام المشابهة مؤامرة السبئيين ـ كما يصفها سيف ـ ومركز قيادتها في الكوفة أيضاً. فمن الكوفة كانت تنتشر دعوتها إلى خراسان. إنّ الحركة في كلتا الحالتين دعمها الموالي الفُرس ووُجّهت ضدّ العروبة في الاسلام، وهكذا نرى التوافق بين العبّاسيّين والسبئيين يمتدّ إلى جميع النقاط المهمّة إلى المذهب وطريقة الدعوة ومكان الحزب وتكوينه)) .
ومن الواضح ان الذي يقرأ كلامه دون ان يعرف اسمه سوف يتصور ان المتحدث هو احد سلفية الوهابية اليوم ! . والرجل كما يبدو كان حريصا على دولة الاسلام ونجاتها من مؤامرات السبئية , حتى انه نسي ان يربط بين الحلقات التأريخية لظهور من يسميهم بالسبئية , وان يعالج المتناقضات في مرويات من ينقل عنهم حول فرقة السبئية ! . ونسبة قتل عثمان اليهم وحدهم تجني ، فقد اشتركت قريش – كما اشترك المهاجرون والأنصار – في حصاره ودمه  .
والحقيقة ان ما نسبه هؤلاء المتبنون لدعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ من قدرات وامكانيات سياسية واقتصادية واعلامية وحنكة ودهاء لهو ما لم يتوفر لأعظم الشخصيات بل المنظمات والدول على مر التأريخ , فهذه الشخصية التي غيرت مجرى الاحداث في صدر الاسلام , واثرت في كل الامصار والاصقاع المتباعدة , لتحدث ثورة الصحابة ضد عثمان , لهي كفيلة بالقضاء على النبوة والاسلام في مهدهما لو تبناها اليهود منذ البداية ! . ولو تقبلنا دعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ , وانها قامت بما رووه عنها , واثرت في اعاظم الشخصيات الاسلامية بالموافقة والمخالفة , وصارت هي المحرك العملي في الدولة الاسلامية , لكان من اللازم علينا ان نسيء الظن بمجمل الصحابة الذين اداروا دفة الدولة الاسلامية عبر الحكم او المعارضة , لانهم كانوا من السذاجة – وحاشاهم – بحيث يتلاعب شخص واحد بهم وبمقدرات دولتهم , التي انتجتها الرسالة المحمدية , رغم انه لم يسلم الا في ايام عثمان , وكان يهوديا !.
وبالتأكيد ان النتيجة الاخيرة غير مقبولة اسلاميا , وتدل دلالة واضحة على ضعف متن هذه الدعوى وسذاجتها , ولكن الحلقة الاضعف كانت هي المستند التاريخي لدعوى وجود هذه الشخصية , وقد تكفل ببيانه جملة من الباحثين من السنة والشيعة على حد سواء , وابرزهم :
الدكتور طه حسين في كتابه علي و بنوه صفحة 518: إن أمر السبيئة و صاحبهم إبن السوداء إنما كان متكلفا منحولا, قد اخترع بآخره حين كان الجدال بين الشيعة و غيرهم من الفرق الاسلامية فأراد الخصوم الشيعة أن يدخلوا في اصول هذا المذهب عنصرا يهوديا, إمعان في الكيد لهم و النيل منهم .
الدكتور عبدالعزيز الهلابي الاستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض في كتاب عبدالله بن سبأ صفحة 26 يقول: و على أية حال, فسيف ( و هو راوي قصة إبن سبأ كما سيأتي) أراد طعن الشيعة في الصميم و ذلك بنسبة مذهب التشيع إلى يهودي حاقد على الإسلام يريد تقويضه من الداخل و أن افكار الشيعة (المعتدلين منهم و الغلاة) ليست سوى أفكار هذا اليهودي .
و قال في صفحة 71: الذي نخلص اليه في بحثنا هذا أن إبن سبأ شخصية وهمية لم يكن لها وجود و يدل على أن عبدالله إبن سبأ شخصية وهمية مختلقة و هو أن كل الاحاديث التي ذكرت فيها قصة عبدالله إبن سبأ تنتهي إلى سيف بن عمر التميمي المتوفي سنة 180 هــ .
وكذلك تبعهم من باحثي اهل السنة في نفي وجود هذه الشخصية جملة آخرون , منهم : علي سامي النشار و حامد حنفي داود و محمد كامل حسين .
ومختصر اعتراض الباحثين السنة :
1 – إن كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا
2 – إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنه وضاع
3 – إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض : في منتهى البلاهة والسخف .
4 – عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمار وغيره
5 – قصة الإحراق وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر
6 – عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان ، وقد انتهى طه حسين إلى القول : أن ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج

اما الباحثون الشيعة فقد فندوا الدعوى جذريا , والقوا بها نهائيا الى مزابل التأريخ , بأجماع تحقيقي , ولعل ابرز باحثيهم :
الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه ( هوية التشيع – فصل : عبد الله بن سبأ ).
السيد مرتضى العسكري في كتابه القيم والمتين ( عبد الله بن سبأ ) .
وملخص اعتراضات الباحثين الشيعة :
1 – التناقض في مرويات الناقلين لدعوى عبد الله بن سبأ : قال الطبري : كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام )). أما أبي زهرة وفي كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية قال : (( عبد الله بن سبأ كان يهوديا من أهل الحيرة ، أظهر الإسلام )). فهو في هذه الروايات تارةً من أهل الحيرة وأخرى من أهل صنعاء ، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء ، بينما يذهب ابن طاهر البغدادي في الفرق بين الفرق و الأسفرايني في كتابه التبصير في الدين أن ابن السوداء شخص آخر ليس عبد الله بن سبأ .
ومحمد فريد وجدي في دائرة المعارف قال : ( السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في الانتصار لعلي وزعم أنه كان نبيا ثم غلا فزعم أنه الله ودعا إلى ذلك قوما من أهل الكوفة فاتصل خبرهم بعلي فأمر بإحراق قوم منهم ، ثم خاف من إحراق الباقين أن ينتقض عليه قوم فنفى ابن سبأ للمدائن ، فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه ليس المقتول عليا وإنما هو شيطان صور على صورته وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي ، وكان ابن السوداء في الأصل يهوديا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد ( ص ) فلما سمعوا ذلك قالوا لعلي إنه من محبيك فرفع علي قدره وأجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله فنهاه عبد الله بن عباس فنفاه إلى المدائن ) ..
وفي هذه المقتطفة : أنه من أهل الحيرة لا صنعاء ، وأنه ابن السوداء وأن الإمام علياً خدع به ، وأنه ادعى النبوة لعلي ، ثم ادعى له الألوهية وإلى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب ولكن كيف يمكن بعد ذلك أن نجمع بين كونه ينسب له الألوهية ثم يجعله وصيا لمحمد : أترك تقدير هذا إلى العقول الجبارة كمحمد فريد وجدي ونظائره ممن يقود خطى الجماهير في دروب الثقافة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ،بينما رأينا الطبري وجماعة معه يقولون إن دعوته اقتصرت على الغلو في علي والانتصار لحقه وكل ما يدور حول علي فقط نجد جماعة من المتأخرين يذهبون ومعهم أسانيدهم طبعا إلى أنه كان في كل بلد له دعوة خاصة ، يقول محب الدين الخطيب بأسانيده التي ذكرها : ومن دهاء ابن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي ( ع ) وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة ، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير..
2 – إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنه وضاع .
يقول عنه ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها
ويقول عنه ابن معين ضعيف الحديث فليس فيه خير .
وقال ابن حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي .
وقال عنه أبو داود صاحب السنن ليس بشيء .
وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف .
وقال عنه السيوطي إنه وضاع .
وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الاثبات .  .
وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه : سيف بن عمر متروك اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا

3 – أن ابن السوداء هو في الحقيقة عمار بن ياسر (الذي كان يشتمه الأمويون وقريش بعبارة ابن السوداء معيرين إياه بسواد أمه سمية )، وموقفه من طلحة والزبير وعائشة وقبلها من عثمان بن عفان هو ذاته الموقف الذي ينسبونه لعبد الله بن سبأ.

4 – ان جملة الخلاف بين الصحابة كان موجودا قبل الزمن الذي وضعت فيه شخصية عبد الله بن سبأ , ولعل اشهر صور الاختلافات كانت حادثة السقيفة وحرق دار فاطمة ابنة الرسول الاعظم واغتيال زعيم الانصار سعد بن عبادة وسلب فدك ورفض بني هاشم للخليفة الاول وتبعهم على ذلك قسم كبير من الانصار وقتل عمر بن الخطاب ورفض غالبية الصحابة تولية الطلقاء من بني امية على الامصار الاسلامية واستئثار عثمان بالثمين من الغنائم والفيء لبني عمه ونبذ الصحابي الكريم أبا ذر الى الربذة من قبل عثمان , الخ من احداث سبقت وجود هذه الشخصية في تأريخ الصراع .

وانا الآن اترك الخوض في حجج الفريقين , لوضوح تهافت هذه الدعوى وضعف متنها وسندها , ولكني مع ذلك اقر بان مذهب الشيعة كان مذهبا سبئيا , ولكن على نحو آخر , والسبئية التي اريدها ليست هي السبئية التي يريدها المتهمون للشيعة بالانتساب لعبد الله بن سبأ اليهودي .

ان في خلق تهمة السبئية وجه آخر , كان هو السبب الاساس في اختراع اسم ( عبد الله بن سبأ ) . ان هذه الشخصية هي بالتأكيد وهمية , لكن جذورها حقيقية , لا بما نسب اليها من معتقدات كاذبة تم صناعتها على ايدي تجار الكتابة للسلاطين , ولكن بما نسب اليها من تشيع لعلي . وينقل السيوطي في تدريب الراوي انه كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثير منهم واباحها طائفة وفعلوها منهم علي وابنه الحسن  .

ان واضع هذه الشخصية كان عالما بالتأريخ ومسار الاحداث التي رافقت نشوء الدولة الاسلامية , ومن هنا قرأ بصورة جيدة حقيقة الاقوام التي آوت الرسول محمد ونصرته , بعد ان خذلته قريش – سوى بني هاشم وبعض الافراد المتفرقين – , وكذلك درس بصورة ذكية واقع الاقوام التي نصرت وصيه علي بن ابي طالب , وجمع النتائج ليخرج بحقيقة مبهرة مفادها : ان محور الحركة الاسلامية ونشاطها كان يرتكز على جملة من القبائل كلها ترجع الى نسب واحد هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان , و في اهم تلك البطون تركز الانتماء للإسلام المحمدي ومن ثم التشيع لعلي بن ابي طالب , وهو بطن ( الازد ) , فمنه كان ( الاوس والخزرج ) الذين ناصروا محمدا و آووه , والذين اصر زعيمهم ( سعد بن عبادة ) الّا يبايع للخلافة الا علي بن ابي طالب , حتى تم اغتياله في الشام , ونسب قتله الى الجن , لكن اولئك الجن لم يستطيعوا ان يقتلوا ولده قيس بن سعد , الذي ظل مناصرا لعلي بن ابي طالب في كل معاركه , ومنهم كان النخع ومذحج وهمدان , الذين ناصروا عليا وشايعوه , و منهم كان قائد القوات المسلحة العلوية مالك الاشتر النخعي ,الذي قال فيه الامام علي ما مضمونه ( كان لي مالك كما كنت لرسول الله ) , وتبعه على الثورة ابنه ابراهيم بن مالك قائد جيوش المختار بن عبيد الثقفي , للأخذ بثأر الحسين بن علي , والنخعيون كانوا اهم اسباب الانتصار في معركتي اليرموك والقادسية , ومنهم هانئ بن عروة زعيم مذحج , الذي رفض ان يوالي بني امية حتى استشهد على يد عبيد الله بن زياد , ومنهم آل المهلب الذين تزعموا ثورات متتالية على الدولة الاموية في الاهواز وجنوب العراق , ومنهم حنظلة بن ابي عامر غسيل الملائكة صاحب ثورة المدينة على طواغيت بني امية , ومنهم عمرو بن الحمق الخزاعي , ومنهم … الخ .
وقد كانت قبائل اليمن الازدية بين الديانات التوحيدية الابراهيمية واليهودية والمسيحية , اما في العراق فقد كانوا على المسيحية , وهذا مميز آخر , يجعلهم يفضلون على غيرهم لو تم القياس . وما ذكرناه لا يريد ان يلغي دور قبائل وانساب اخرى ناصرت علي بن ابي طالب , بل نحن نتكلم في محور حركة هذه النصرة , فهناك قبائل كثيرة لم تقل اقداما في نصرته .

ان عمود الجيش والمتشيعين لعلي بن ابي طالب كان من قبائل الازد المنتسبين الى ( سبأ ) , لذلك شكلت هذه القبائل عقدة تأريخية لدى كل الذين اغتصبوا الخلافة وحولوها الى ملك عضوض , لا سيما مع ثوراتها التي لا تهدأ حتى يومنا هذا , حيث لازالت هذه القبائل تشكل المكون الاساس لجنوبي العراق , ومنها اليوم جملة من العوائل الدينية المهمة مثل ( آل كاشف الغطاء ) و ( آل شيخ راضي ) و ( آل اليعقوبي ) , وكذلك كانت هذه القبائل محور التشيع لعلي في اليمن , فاغلب الزيدية او الزيود ينتمون لقبائل همدان وخولان وبعض قبائل مذحج الشماليـّة, و والاشعريون الذين بنو مدينة قم لتكون واحدة من معاهد العلم ونشر التشيع في العالم كانوا اخوة الازد من ( سبأ ) , وكذلك الشيعة في جنوب لبنان ( جبل عامل ) هم من عاملة بن سبأ بن يشجب بن قحطان , الى غيرها من البلدان.

لقد قرأ واضع شخصية ( عبد الله بن سبأ ) حروف المستقبل , من خلال سجل الحاضر لديه , لكنه لم يستطع ان يصرح بما توصل اليه , لأنه سيطعن حينها بالأفاضل من الانصار والكثير من الصحابة , لذلك عبّر عن هذه الحقيقة بفكرة لا تثير الشبهات حول دوافعها , فخلق شخصية مجهولة وعامة ليس لها اسم سوى ( عبد الله ) , وما اكثر ( عبيده ) ! , لكن عبد الله هذا لا ينتمي الى الازد , لأنه نسب قريب يمكن كشفه , لكنه ينتمي الى سبأ عموما , التي كانت محور الرفض لكل ظالم قام حكمه على الاغتصاب , لذلك ( سبأ ) الاب المفترض للاسم المدعى لا ترجمة شخصية له . ومن وجهة نظر المختلق للفكرة ان ( عباد الله ) هؤلاء هم السبب في كل فتنة .

ومن هنا ايضا يمكن لنا تفسير ورود عبارة ( السبئية ) – وليس ( عبد الله بن سبأ ) – في اتهام من يوالي علي بن ابي طالب قبل مرويات ( سيف بن عمر ) و ( الطبري ) . وكذلك يمكننا ان نفهم الآن سبب كون قادة السبئية هم اجلاء الصحابة والتابعين . ومن جميل ما ينسب الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب قوله في الازد :

الأَزْدُ سَيْفِي عَلَى الأَعْدَاءِ كُلِّهِمُ
وَسَيْفُ أَحْمَدَ مَنْ دَانَتْ لَهُ العَرَبُ


قَوْمٌ إذا فاجأوا أَبْلَوا وإن غُلِبُوا
لا يحجمون ولا يدرون ما الهربُ


قوم لبوسهم في كل معترك
بيضٌ رقاقٌ وداوُدية ٌ سُلَبُ


البيضُ فوق رؤوس تحتها اليلبُ
و في الأنامل سمر الخطَّ والقضب


وأَيُّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ لَيْسَ لَهُم
فيهِ مِنَ الفِعْلِ ما مِنْ دُونِهِ العَجَبُ


الأَزْدُ أزيَدُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ
فضلاً وأعلاهم قدراً إذا ركبوا


يَا مَعْشَر الأَزْدِ أَنْتُمْ مَعْشَرٌ أُنُفٌ
لا يضعفون إذا ما اشتدت الحقب


وفيتم ووفاء العهد شيمتكم
وَلَمْ يُخالِطْ قديما صِدْقَكُمْ كَذِبُ


إذا غَضِبْتُمُ يَهَابُ الخَلْقُ سَطْوَتَكُم
و قد يهون عليكم منهم الغضب


يا مَعْشَر الأزْدِ إِنِّي مِنْ جَمِيْعِكُمُ
راضٍ وأنتم رؤوس الأمر لا الذنب


لَنْ يَيْأَسَ الأَزْدُ مِنْ رُوْحٍ وَمَغْفِرَة ٍ
وَاللُه يَكْلأُهُم مِنْ حَيْثُ ما ذَهَبُوا


طِبْتُم حَدِيثا كما قَدْ طابَ أَوَّلُكُمْ
والشَّوْكُ لا يُجْتَنَى مِنْ فَرْعِهِ العِنَبُ


و الأزد جرثومة إن سوبقوا وسبقوا
أو فوخروا فخروا أو غولبوا اغلبوا


أَو كُوثروا كَثروا أو صُوبرُوا صبروا
أو سُوهِموا سَهَموا أو سُولِبوا سَلَبوا


صفوا فأصفاهم الباري ولا يته
فلم يشب صفوهم لهو ولا لعب


من حسن أخلاقهم طابت مجالسهم
لا الجَهْلُ يَعْرُوْهُمْ فيها ولا الصَّخَبُ


الغَيْثُ ما رُوِّضُوا مِنْ دُوْنِ نائِلِهِمْ
و الأسد ترهبهم يوماً إذا غضبوا


أندى الأنام أكفّاً حين تسألهم
وَأَرْبَطُ النَّاسِ جَأْشا إنْ هُمُ نُدِبوا


فَاللُه يَجْزِيْهِمُ عَمَّا أَتَوا وَحَبَوا
بِهِ الرَّسولَ وَمَا مِنْ صَالِحٍ كَسَبُوا


من هنا يمكن ان ننطلق لنقول : ان كل الشيعة سبئية بالانتماء او التأثر , لكنهم سبئية سبأ بن يشجب , لا سبئية عبد الله بن سبأ اليهودي المختلق  . ولقد ولي علي بن ابي طالب القضاء عن الرسول للقبائل السبئية لأكثر من سنتين  .
وقد اقترن اسم الامة الآرامية نتيجة لهذا كله بمصطلح السبئية ، لا نسبة دم ، بل نسبة ثقافة . فقد اختارت الغالبية في الحضارة الآرامية التي ذكرناها في مبحث خاص ان تكون سبئية الثقافة علوية الهوية إسلامية الدين .
لذلك حين أرسل زيادُ بن ابيه الصالحين ( حجر بن عدي الكندي ) واصحابه الى معاوية بن ابي سفيان كتب : ( إن طواغيت من هذه الترابية السبئية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا الجماعة جماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم . وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي الستر والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا ... )  . علماً ان ( الخيار والأشراف وذوي الستر ) الذين شهدوا زوراً على الصحابي الجليل حجر بن عدي – الذي كان ممن كاتب عثمان معترضاً على سياسته - هم ذاتهم من قادوا الجيش ضد الحسين بن علي في كربلاء .
ولذلك كله فقول ورواية ان رسول الله بعث علي بن ابي طالب بسرية الى اليمن – كما في الطبقات الكبرى لابن سعد  – مغلوط جداً ، بثلاثة ادلة ، ان الرواية ذكرت انه دخل ارض مذحج ، ثم همدان ، وهما من قبائل العراق الكوفية ، والثاني ان ارض اليمن كانت حينها للحميريين وآل ذي يزن وغيرهم ، ولم تذكرهم الرواية ، والثالث ان وفد ملوك اليمن أتى رسول الله في السنة التاسعة للهجرة مقراً بالإسلام ، اَي بعد تاريخ تلك السرية او قبلها ، وأرسل النبي معهم مجموعة تفقههم في الدين على رأسها معاذ بن جبل ، ومجموعة أخرى لاحقة على رأسها عمرو بن حزم الأنصاري ، ولو كانوا اسلموا قبل ذلك ما صح امر هذه الوفود وهذه البعثات   ، وان كانوا اسلموا بعد هذه الوفود ما صح امر السرية والمواجهة معها ، لا سيما ان همدان الْيَوْمَ تعادل ثلثي قبائل اليمن . إنما الامر شبهة تاريخية ، اذ لم يفرِّق الرواة بين اليمانية في العراق وبين اليمن الجنوبي . ومنه نعرف ان علياً دخل العراق في زمن الرسول وبأمره . وان قول الرواية – على اختلافها – بانه قتل بضعة أشخاص من مذحج ثم جاءوه مسلمين امر فيه نظر ، فمذحج من القبائل الكبرى ذات البأس الشديد ، ولم تكن لتهتز لثلاثمائة فارس أتوها او بضعة رجال قتلوا منها . لكن يبدو ان التلفيق السلطوي حشر انفه هنا ايضاً . وما يعضد هذا الاستدلال ان همدان اسلمت كلها في يوم واحد بين يدي علي بن ابي طالب ، مما جعل رسول الله يسجد شكراً لله ويقول ( السلام على همدان )  .
ولهذا كله نجد ان صحابية سبئية مخلصة جداً هي ( أسماء بنت عميس ) لم تفارق أهل البيت مطلقاً ، حتى يوم كانت زوجة لابي بكر ، بل وأنجبت ولداً لابي بكر كان من المخلصين لعلي بن ابي طالب هو ( محمد بن ابي بكر ) ، وكان لها شرف غسل بنت النبي فاطمة الزهراء دون الامة ، وحين منعت خصوم فاطمة من الدخول عليها ، ومنهم ام المؤمنين عائشة ، كانت اول سبة رأتها عائشة وأول نبز نبزتها به حين شكتها للخليفة الأول هو انها ( خثعمية ) ، وخثعم من أنمار السبئية  . وحين هيج الأشعث بن قيس الكندي بعد أخذ الراية منه يوم صفين واعطائها لربيعة نسبوا ان أهل اليمن الأشتر النخعي وهاني بن عروة المذحجي وعدي بن حاتم الطائي تكلموا في أمره . ومن الواضح ان هؤلاء كانوا من سكنة العراق  .

ومن سبأ جبل عامل أو جبل عاملة أو جبال عاملة في جنوب لبنان وهي قبيلة (عاملة ) بن سبا . هبط عاملة هذه الجبال وسكنها وبقيت ذريته فيها . ويسمى أيضا جبل الجليل وجبل الخيل. وهو اسم لصقع واسع يتراوح عرضه بين ستة فراسخ وثمانية أو أكثر وطوله نحو اثني عشر فرسخا مشتمل على عدة قرى ومدن وكله معمور ليس فيه خراب ويحده غربا البحر المتوسط وشرقا الحولة ووادي التيم والبقاع وبعض جبل لبنان وجنوبا فلسطين وإذا صح إن تشيع أهله من عهد أبي ذر صاحب رسول الله ص كما يدل عليه النقل المشهور المأخوذ يدا عن يد ووجود مساجد فيه تنسب إلى أبي ذر فأهله [ من ] أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة [ وأهل العراق ] . ومر في طرفه ناصر خسرو الرحالة الفارسي المعروف سنة 437 فقال عن صور ان أكثر أهلها شيعة مع أنها كانت معروفة في القديم بالتسنن. وهو مشتمل على قرى وبلدان كثيرة تنبو عن الحصر كل أهلها شيعة إمامية إلا ما ندر ومن مدنه صيدا وصور ومن بلدانه تبنين وهونين والصرفند وآبل وقدس والشقيف وارنون وهذه كلها لها ذكر في الكتب والآثار وأكبر مدنه اليوم صيدا ثم صور وأكبر قراه النباطية وبنت جبيل والخيام وكثرت فيه العلماء من القرن السادس إلى اليوم اما قبل ذلك فحالته العلمية مجهولة. وفي مجالس المؤمنين: جبل عامل ولاية من أعمال الشام معمور مشهور مشتمل على قرى وبلاد تنبو عن الحصر وبالجملة تجلى أنوار الرحمة الآلهية شامل لأهل جبل عامل ونور المحبة من نواصي إيمانهم ظاهر ولا يوجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الإمامية وجميع أهله من الخواص والعوام والوضيع والشريف يجدون في تعليم وتعلم المسائل الاعتقادية والأحكام الفرعية على طبق مذهب الإمامية وفي التقوى والمروءة والفقر والقناعة يقتدون بطريقة مولاهم المرضية ومع تسلط الرومية فلهم همة في نشر مذهبهم  .