المحرر موضوع: قطار (التسلومة) قصة من الزمن الماضي... كتابة الأستاذ سالم الجبوري  (زيارة 258 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 660
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قطار ( التسلومه ) ...كرنفال كل شهر.....!!!؟
***********************************
في بداية الخمسينيات من القرن الماضي...كنا اطفالا صغارا لا نعي شيئا من الحياة..غير اللعب..والاكل والشرب والنوم وربما احيانا..معاونة الاهل..في رعي الاغنام والمواشي...وكنا نحن ابناء قرية الخضرانية الطينية الجميلة ..الغافية على شاطئ دجلة العظيم..نجوب حاوي الجرناف..ونختلط احيانا مع ابناء بقية القرى..عند محطة قطار الجرناف..التي كانت هي المعلم الحضاري العصري الوحيد...بكل قطاراتها..ومنشآتها الحيوية المهمة..ثم تلتها عدة سنوات..حتى كبرنا وسجلنا في مدرسة محطة قطار الجرناف..من كل ابناء القرى حيث تأسست اول مدرسة هناك...عدا مدرسة الاجمسة اقصى شمال الحاوي وهي بعيدة عن كل القرى..عدا ..العبدان..والشبالي.وكنا نجتمع في غالب الاحيان في هذه المحطة..نمارس مختلف الالعاب السائدة انذاك..والتي غالبا ماتنتهي بالعراك بين ابناء القرى في نقابية مناطقية في عقول الاطفال انذاك...وكان اجمل وامتع كل ايام التواجد في المحطة...هو يوم ( التسلومة ) وهو يوم استلام رواتب عمال السكك الحديد في كل العراق...وكنا ننظر الى العمال وهم يتجمعون بأنتظار وصول قطار ..التسلومه...
الذي يحمل رواتبهم وهو محروس بعدد من افراد الشرطة المدججين بالسلاح والمتوترين بوقوفهم ومراقبتهم للجميع اثناء تنزيل اكياس النقود..وبداية العد والتوزيع والنداء على اسماء العمال فردا فردا..ونحن مذهولين من شدات النقود وكل فئاتها الورقية والمعدنية ونتحسر على فئات النقود المعدنية اكثر من الورقية لاننا لا امل لنا في امتلاكها وان كل تعاملاتنا بالفلسانات الحمر..والعانه..والقران والعشرة فلوس..
اما ابو الفلسين..فهي فئة لها فخامة كبرى ومن يملك منها هو ذو حظ عظيم...كنت انا كالمعتاد ابحث عن اهلي واقاربي الذين يستلمون الراتب لكي يعطوني مايجودون به مثل كل شهر...وهم المرحوم ..اخي ( حميد الملالي ) وابن عمي المرحوم ( خلف المحمد الحمادي ) ...وكان ما يعطيه لي كل واحد منهم يتراوح بين 150 ..الى..200 فلسا...فافرح بها فرحا عظيما...واظل اقتصد بها مترفا ومرفها عن غيري حتى يأتي الراتب الاخر...وهكذا...وكان قطار التسلومه فيه شئ من التميز والغرابة عن باقي القطارات..ابتداءا من حراسته التي كنا نراها مشددة جدا بأثنين من الشرطة المدججين بالسلاح الى شكل القطار وقلة عرباته واختلاف نوعها..وكذلك وجود عربة بالخلف غريبة الشكل..هي عبارة عن حانوت فيه اشياء وحاجات تشتري منها الناس..ولكننا لم نكن نعرفها..وتبين انها بعض العصائر..والمشروبات الكحولية والغازية والتي عرفناها لاحقا بعد ان اصبحنا شبابا..اضافة الى انواع السيكائر وكل انواع الحلويات التي لا نفكر بها نحن ابدا لارتفاع سعرها...
كان راتب ..التسلومة..هو مصدر للرفاهية والترف والنعيم لعوائل عمال السكك الذين يعيشون ببذخ وترف كما كنا نحن نراهم بهذه النعمة العظيمة..ولا ننسى ان معظمهم كان مدين الى المرحوم الحاج ( اعشوي عبد الوهاب ) صاحب اكبر دكان في الجرناف ويكاد يكون الوحيد..وهو اقرب الى مستوى الاسواق منه الى الدكان..فيقوم العمال بالتسوق منه بكل ما يحتاجون انذاك..الطحين البومباي..السكر..الدهن..الجاي..وكل انواع الاقمشه..والمستلزمات البيتيه...الى ان يأتي الراتب...
وجدير بالذكر كان يذهب الى محطة القطار..ويجلس جانبا وبيده سجل دكانه لديون العمال..فيستحصل امواله منهم في المحطة عند وصول قطار التسلومه..واستلام رواتبهم...
كنا نحسد اولادهم الذين ينعمون بحياة من الرفاهية والترف بمعايير ومقاييس ذلك الزمن...لانهم اصحاب راتب...وكان ذلك الراتب لا يتجاوز 20 دينارا ولكنه كبير في ذلك الوقت..ومع مرور الزمن وتطور الحياة وكثرة الوظائف..والعسكريين اصبح راتب عمال السكك ضئيلا..ولم يعد يسد حاجاتهم الاساسيه لولا مساعدة اولادهم الذين كبروا وتوظفوا..او عملوا بالزراعة لاسناد مداخيل عوائلهم وتوفير حياة افضل لهم...
سلاما..سلاما...ذلك الزمن الجميل...سلاما الف سلام.......