المحرر موضوع: لحظة من الفزع والرعب في الزمن الماضي... كتابة الأستاذ سالم الجبوري...  (زيارة 132 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 625
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لحظة من الرعب....والفزع.......!!!؟؟؟
******************************
عام 1963 غضب النهر الخالد ( دجلة ) ..وطاف بنا يجرفنا الى امتداد سلسلة جبال مكحول في قرية الخضرانية...في وادي الجرناف الاخضر البهي الجميل...يحطم كل بيوتنا..وكل مرابعنا الطينية الجميلة في قريتنا الرائعة التي كانت تغفو على جرف شواطئه النقية الوديعة...اصبنا جميعا بالفزع الذي لم نشهده بكل عصورنا وايامنا...هرعت الناس بكل ارتباك الى جمع حاجياتها الثمينة..الحلال..الفرش والاغطية..ذخيرة طعام او اكل وشرب..الدجاج والطيور..في لحظة تبدو فيها ان احدا لم يعد قادرا ان يسيطر على اي شئ...وسيلة النقل هي الدواب والسير على الاقدام...لا غير..وهناك سيارتان فقط هي التي تتولى مساعدة القرية في انقاذ مايمكن انقاذه.هما سيارة المرحوم الشيخ حسين الحمادي..وبيك اب المرحوم خليفة الطة الوسمي ( ابو هوية ) وقد استبسلا  استبسالا لا حدود ولا مثيل له على الاطلاق...واتذكرهما جيدا..كيف كانا قد ربطا ( كوفياتهم ) على شكل عمائم..ويصولون ويجولون في سياراتهم لانقاذ العجائز وكبار السن وفقراء القرية وكأنهم جنود في معركة يذودون عن خنادق الخط الدفاعي الاخير في ارض المعركة المصيرية في مفاهيم الحرب والسوق الشامل...كانوا يبحثون عمن تقطعت به السبل في الخلاص من هول الكارثة وفيهم من يبكي وبدأ الفرار بجلده ناسيا كل شئ خلفه..فيتلقفونه هو وبعض مؤونته ويهبون به الى الجبل
تهدمت البيوت..وتهاوت اتعاب وجهود السنين..وغرق من غرق من المواشي وضاع ماضاع من الحبوب والمؤونة وفرش البيوت...واستقر الجميع على ( السور ) والجبل..وكنت انا وامي من انقذهم المرحوم الشيخ حسين الحمادي..حين رأنا انا ابكي على مكتبتي العامرة باشكال من الكتب..وامي لديها عدد من الدجاجات ( امهات الكرك ) وافراخها...لاتعرف طريقة لانقاذهم..ولا اعرف انا طريقة لحمل كتبي..جاء مسرعا وصرخ بنا : اركبوا ..اسرعوا..انهدم الابيض..والمياه ثلاثة امتار علوها اسرعي يا ام عبدالله...تعالي معك سالم اغلا من المال كله...
ركضنا وقفزنا في حوض سيارته الحديثه شفروليت 1963 الاخضر الانيق..وانطلق بنا الى الجبل كالصاروخ..وكنت ارى الماء الطائش لنهر دجلة قادم من جهة الابيض مثل عاصفة رمادية غاضبة...وبأرتفاع ثلاثة امتار تقريبا ومسرعا وله صوت مخيف مرعب..قدرت انه لو تاخرنا عشر دقائق لهلكنا حتما...استقر الجميع..على ظهر الجبل..في فوضى عارمة حتى اننا نرى احيانا بيض الدجاج يتدحرج على السفوح ولا ندري لمن يعود...كان الربيع مزدهرا..بكل رخاء..والارض مدثرة بكل جلال وجمال بكل انواع الورود...والكعوب الغض ينادي لمن يريد ان يأكل وكان ناضجا بعمر ( الخريط ) الغض الطري حتى اجراسه تؤكل بعد نزع اشواك اجراسها الغضة...كنت في الرابعة عشرة من عمري...تجولت في وادي ( المعارة ) المطل على وادي الجرناف العملاق بالجزيرة..وتذكرت حكاية امي عن ولادتي..هنا في هذا المكان..قالت: كنت احصد في حزيران وولدتك هنا وانا احصد..وعدت بك ملفوفا بزبونها ( صايتها )
الشريفة..وسط ذهول الاقارب...رحت اقطع كميات من كعوب الجبل اللذيذ...وجمعت منه اكواما بجانبي وتمددت بأتجاه الشمس ابحث عن شئ من الدفئ حيث كان نيسان وبعضا من برودة ذلك الزمن...رحت اتأمل الكارثة والحدث وافكر بجد عن مصير غرفتي وكتبي ومكتبتي واشيائي وانا اقشر سيقان الكعوب واقضمها هي واجراسها اللذيذة الممتعة وافكر مسترخيا بكل ماحولي وماحل بالناس جميعا بشئ من الطفولية والرجولة...وفجأة تدوي من فوقي مرعدة مسرعة طائرة ( هليوكبتر ) عسكرية من طائرات الانقاذ التي تحوم فوق وادي الجرناف الذي تحول الى بحر مترامي الاطراف..
اصبت بالهلع لانها كانت واطئة جدا كادت ان تلامس الارض ومرقت من فوقي..فاصبت بالفزع والخوف فانا لم ارى شكلها حتى في الصور قبل تلك اللحظة..وكان شكلها مخيفا للغاية عدا صوتها المرعد المرعب المخيف...ركضت بأتجاه الناس بكل سرعة ..مهلوعا مرعوبا...وفقدت التركيز..لا اعرف ماهذا الشئ الذي مر من فوقي واتلف نزهتي الهادئة الوديعة..وبعد قليل جلت بناظري الى وادي الجرناف الغارق بالمياه ولم تعد القرى موجودة ومسحت من الارض..ورأيت تلك الطائرة وهي تحوم فوق المياه بحثا عن ناجين مازالوا على قيد الحياة كي تنقذهم من الغرق والموت...وعادت الى نفسي الطمأنينة من جديد...سلاما تلك الايام...والسنين...سلاما.....