المحرر موضوع: فندق( امباسادور) وحكايات لاتنسى كتابة الأستاذ عدنان أبو أندلس  (زيارة 58 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 484
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
فندق " Ambassador " ومطعم راوندوز " والطريق في حكاياتٍ لا تُنسى .
 عدنان أبو أندلس
        للرفقة التي كُنا نحنُ عليها  في تلك الرحلة ، لها طعمها الخاص الذي لا يغيب عن الأذهان ، ولا يمكن نسيانهُ  البتة ، إن كان ذلك مع صُحب  يحملون نفس الطبائع التي تحملها ، المكسب بأنك لا تتحسس أو تتوجس من ذلك اطلاقاً ، وبفرحٍ غامر تلقينا دعوة  من لدن اتحاد أدباء العراق " أنا والأديب فاروق والشاعر سداد والقاص موشي " لمؤتمر السرد المزمع انعقادهُ في بغداد  للفترة من  21-12 ولغاية 22 -12-2018 ، ومن مبدأ التواصل والتفاعل كتعريف لاحق بالمستجدات التي نتوق لها ، لذا لبينا الدعوة بمسرةٍ  ،  وقررنا بعدها ان يكون موعدنا للذهاب  قبل يوم ، كي ننعم باستراحة تبدد عنا تعب الطريق ، وفعلاً ؛  ومن أمام منزل القاص موشي بولص  في " عرفة "  القديمة  كانت  محطتنا للتجمع ؛ ومن ثم الانطلاقة الى بغداد  ،  ومن طبع الشاعر " سداد " أن يستأجر سيارة خاصة  في كل دعوة لمهرجان ما لغرض توصيلنا ثم اعادتنا في يوم متفق عليهِ  .
- في ضحى خميس ذلك اليوم  المشمس من بواكير الشتاء، كانت السيارة واقفة بانتظاري  ، وحينما صعدت  حييتهم بالتحية الصباحية ، وجلست في المقعد الخلفي ، وحين  تفقدتُ " موشي " لم أجدهُ ، سألت عنهُ فلم القي جواباً يُذكر، سوى قهقهات مخنوقة تبدر من صاحبي " فاروق وسداد " أخذتُ حقيبتي ووضعتها خلفي في المكان المخصص ، ولمحتُ حقيبة " فاروق " الصفراء " الكبيرة  التي طافت مدن كثيرة في أوربا وغرب آسيا وشطرا من  شمال إفريقيا  ، والتي جلبها من  إحدى العواصم حسب اعتقادي خلال جولاته المكوكية في تلك المدائن ، ومن طبع فاروق يهتم بتعدد الملابس في السفر ، يضع فيها الوفرة لكن لا يرتديها وتعود الى البيت كما هي بقالبها . وحين حدَقتُ أكثر ولمحتُ أُخرى  تشبه حقيبة  " موشي " وللشك الذي ساورني  ، ومن باب الفضول فتحتها  لأتأكد ، وحين فتحتها عثرتُ على عُلب سجائره النادرة "  pine" التي تشكلُ لنا حكايات طويلة  معها ، قلتُ مع نفسي  جزماً من أنهُ ذاهبٌ معنا  ، يستحيل أن يُثنيهِ أي شيء ما دام " o2 " موجوداً فهناك تبعٌ لهُ  ، لكن تساءلت مع نفسي ؛ ربما عدَل عن رأيهِ بالذهاب إثر التندرات  والمغالب التي يسمعها  منا ، والتي نطلقها عليهِ في أكثر الأحيان  .
      وفي تلك الأثناء خرج الينا " موشي " يرضع من سلوتهِ  بكل شهية ، صعد وجلس بجانبي ، سارت بنا السيارة تشق طرق مدينتنا حيثُ المقصد " بغداد " وبدأت الحكايات المُحببة عن السيجارة التي يدخنها ، مرةً يشاركنا الحديث ومرات يتغافل عن ذلك ويمضي في شرود وتيهان  مفتعل ، وعلى هذه الحالة فإذا  مدينة " الطوز " على مرأى  العين  ، مالت بنا السيارة وتوقفت أمام أحد المطاعم حسب عادة سواق الخطوط في كل المدن حيثُ وجبة الأكل مجاناً لأنهم يجلبون الزبائن لهم ، ترجلنا منها ودخلنا المطعم لأجل شرب الشاي ، لكنني شعرت بالجوع لأني لم أتناول كفايتي من الإفطار  ، جلستُ وناديتُ  النادل ما عندك من الإفطار وأخذ يعُد كذا ....وكذا وعندي " قليَة " موصلية ، تذكرت هذه الأكلة الصباحية اللذيذة التي تناولتها قبل عدة عقود حين كنتُ جنديا في مدرسة المشاة  في مدينة الموصل "  وادي حجر " ، قلتُ هاتها ، الذين معي اكتفوا بشرب الشاي وقليلاً من شوربة العدس ، بعد قليل جاءني بـ ماعون فرفوري كبير مملوءٌ حتى أذنيه بالثريد ، وعليهِ قطعاً من اللحم يكفي لـ أربعة أشخاص " أكولين " ، دعوتهم لمشاركتي؛  فلم يتشهوا ، أما أنا فقد وقعتُ في ورطة التبذير ، أخذتُ كفايتي وتركتها لحالها دون شهية ، لكن جاءني النادل مسرعاً ،  وبتوصية من الصُحب  ، قال  احدهم : وضبها لهُ على طريقة المصريين ، وضعها في ماعون شفاف سفري ودسها في كيسٍ اسود ، عندها خرج موشي على عُجالة " لكشك الشاي " كي يتناول ذلك ويدخن خلسة عن أنظارنا ، نهضنا نتبعهُ وكان قد دفع الحساب والى اليوم لم أعرف ما سعر تلك الوجبة التي دفعها  ، وهذا ديدنهُ في كل سفرة .
       اتخذنا أماكننا وسارت بنا تلثم الطريق وتواصلت أحاديثنا ثانيةً عن العُلبة السحرية التي يأخذ منها واحدة ونشمها من بعيد ، وحين لاحظ ذلك فنح النافذة كي لا نشمها بحجة عدم ازعاجنا بالدخان ، ومن دفقات الريح التي تعوي في الخارج تتسرب الينا بعضاً منها ، صاح بهِ " فاروق ": سد النافذة ترى قد سرت البرودة حتى العظم . ونحنُ على هذه السيرة الى أن وصلنا تخوم مدينة " الخالص " توقفت بنا وترجلنا منها حيثٌ مكان الشاي ، لكن " فاروق " اندفع أمامنا  وولج الدكان وجلب لنا بسكويت وعصائر وعلبة سجائر وقدمها لي من النوع التي يرغبها " موشي " قائلاً : واحدة بواحدة ، دعهُ يتضجر ويغار منك ، ناداني " موشي "  بعد رشفةً من الشاي : دعني أراها ربما تختلف عن سجائري ، وحين قدمتها لهُ كي يشاهد ماركتها ، وضعها في جيبهِ قائلاً : ببرود يشي الى الضحكة ، هذه لا تلائمكم دعوها وشأنها ، وبالكاد ومع كل التوسلات والإلتماسات ناولني واحدة ثم سحبها مني بعد قليل ، قائلاً : إني أخشى عليك من تبديل سجائرك وربما تُصاب  جراء ذلك بـ  " قحة " تلازمك طويلاً لاسيما والفصل شتاء ،  ضحكنا  من تلك النصيحة ُ بكل اريحية للأعذار التي يمتلكها ببديهية حاضرة . سرنا وتواصل الحديث عنها ، وبين همس ونتفاً من التبريرات ولم  نكن ندري بأنفسنا إلا بـ طوق"  بوب الشام "  حدود بغداد ، ثم دار الحديث عن تخصيص الفندق والحجز فيهِ  وعن مشاويرنا عصرية هذا اليوم و.و . وصلنا فندق السفير " Ambassador Hote " الذي يقع على شارع ابي نؤاس ، واجهتةُ من الطراز القديم والرصين اشبه بفنادق " لندن " من حيث التصميم المعماري ، أمامهُ حديقة وشجيرات غريبة ، وقد خصصت لنا غرفتين متجاورتين تشرفان على نهر دجلة ، واحدة تجمعني بـ موشي ، والأخرى  تجمع فاروق وسداد . بعد أن استرحنا قليلاً واستبدلنا ملابسنا ، جاءني سداد وفي نيتهِ زيارة صديق لهُ في اليرموك أو الصليخ كما أعتقد ، ولكوني متعب قلت لهُ : مازال وعثاء الطريق يرهقنا ولم يتبق من النهار الا القليل ، دعنا من هذه المهمة ونؤجلها لليوم التالي ، اقتنع ونزلنا للمطعم الذي يقع خلف الفندق ويبان من قطعتهِ التعريفية بـ راوندوز ، أخذنا نصيبنا من وجبة الغداء المشكل لغاية في أنفسنا ، ثم سرنا خطوات راجلة لكننا قد حسبنا المسافة بعيدة وقد استأجرنا " تاكسي " لتوصلنا الى باب اتحاد الأدباء ، قابلنا أصدقاء كُثر هناك وبقينا لوقت متأخر رجعنا نتأبط اصدارات عدة من الأدباء ،  وصلنا الفندق وتسامرنا لوقت متأخر بحديث منوع عن الأدب والسرد وتارة عن سيجارة موشي ، رقدنا في اسرتنا وقد بان علينا  التعب ، في اليوم الثاني نزلنا للصالة التي تقدم الفطور الصباحي ، تناولناهُ على عجل بغية الذهاب واللحاق  بإفتتاحية المؤتمر ، بعد فترة كُنا هناك نسمع أحاديث مختلفة عن أحاديث السجائروالسرد والعصائر  ، وفي الظهيرة نعود الى مطعمنا نتناول الوجبة الرئيسة فيهِ ،  بعدها نعود لمكان إقامتنا نأخذ قسطاً من الراحة ثم نعود مجدَداً عصراً لجلسات المؤتمر ، وهكذا طيلة المدة التي قضيناها هُناك ، في اليوم الثاني طلبتُ رخصة من الصُحب بالسفر الى مدينة " شهربان " كي ازور بيت أختي ، ودعتهم لكن دون مشتهاة توأمي " موشي"   بذلك ، استأجرتُ " تاكسي " لكراج النهضة ، ومن هناك تقلني السيارات الى جهتي المقصودة ، بتُ ليلتي مع بيت أختي ، وفي اليوم التالي  رجعتُ مع هطول الأمطار الغزيرة طول الطريق ، وصلتُ قبل الظهيرة وكان صاحبي ممتعضاً من الزيارة قائلاً : تركتني وحيداً في الغرفة الموحشة ، وفي ختامية المؤتمر كانت هُناك مداخلات عن سردية المشاركون ، جلسا " موشي وسداد "  في المقدمة ، أما أنا وفاروق اتخذنا مكانا قصياً  لنا في المقاعد الأخيرة من القاعة ، وفجأة سمعتُ أحد النُقاد وعلى ما أعتقد د. جاسم خلف الياس ، وكذلك ناقدة  من النجف  يذكران قصص موشي القصيرة جداً  في ورقتيهما النقديتين ، استأذنت من فاروق كي اشارك في باب المداخلة ، وقد ردَ :  " يمعود دروح خلصني " ، روح ، مكرراً ذلك بضحكة ،   وفي ختام الجلسة فُتح باب المداخلة وقد أدلى " سداد " وهو يقعد بمكانهِ ، ببعض الملاحظات التي ركزت عليها الندوة ، ثم لحقهُ موشي وارتقى  المُنصة شارحاً بعضاً من تجربتهِ القصصية ، وحين وصلني الدور، قال لي مقدم الجلسة  : الراحل  " محمد علون جبر " أهلاً أبي أندلس ؛ وقد همس لي ،  الوقت أمامك دقيقة واحدة ، لكن سأعطيك  دقيقتين ؛ لأنك من منطقة " عرفه "حالياً ،  وأنا من منطقة " عرصة " سابقاً  لا تفصلنا سوى سكة القطار، كانت مداخلتي عن الصورة الفوتوغرافية الجامدة في قصص موشي ، وتحدثتُ بذلك وفق المدة المُحددة  المعطاة لي ، وحين نزلتُ من المنصة أسمعني الإشادة بعض الجُلساء ، وكذلك القاص موشي ، غير أن فاروق أجابهُ بضحكة طويلة يا أخي ما هذه التهنئة !.. أصلاَ هو مسحك بالأرض وضحكنا معاً ، بعد انتهاء المؤتمر ومراسيم الختام والتوديع ،  أخبرنا " سداد " بأن هُناك دعوة لمأدبة عشاء لنا من قبل د. عزالدين المحمدي ،  اعتذر " فاروق " لأنهُ كان يشعر بالتعب أصلاً ، حقيقة لم أود الذهاب لأني أكتفي بليل بغداد في ساحة الأندلس ، ولم أود مفارقتهِ  صاحبي بهذه الحالة التي هو فيها  ، بل غادرا " سداد وموشي " وبقينا نحن  الأثنين في قاعة النادي ، بعدها نهضنا نسوح في ليل بغداد وعرجنا الى ساحة الأندلس وتناولنا وجبة " فاروق "  الشهية ، ثم رجعنا لمأوانا نجرجر أرجلنا التعبى ، وفي ساعة متأخرة عاد الينا سداد وموشي وسهرنا ليلة متأخرة كما تُسمى عند  الأدباء بـ ليلة الوحشة ، كانت تلك الرحلة حافلة بالتَواد الحق ، وفي  وقت الفجر قلما أصحو لأن سلطان النوم يأخذني بعيداً ، لكني هذا اليوم صحوتُ باكراً  من صوت المؤذن في صوب الكرخ والذي يتهادى الى مسمعي ، نهضتُ وصليتُ الفجر وتطلعتُ على وجه " موشي " الذي  كان يغُط بنومٍ عميق وقد بانت ملامحهُ وكأنهُ طفل بريء تاركاً على المنضدة التي تفصل سريرينا  عُلبة سجائره ، تناولتها ووجدتها فارغة ، همستُ مع نفسي أيا بـ...... اقتربت من الشباك أكثر لأطل على بغداد وشاطئي دجلة والتي كان يغطيهما الضباب الشفيف ف  والأضواء تسطع وتتراقص على سطح الماء كأروع منظر لم ألفه منذ زمن بعيد .