المحرر موضوع: سابقة " ناكورنو قراباخ " هل هي فاصل بين مرحلتين ؟  (زيارة 146 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صلاح بدرالدين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 811
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
سابقة " ناكورنو قراباخ " هل هي فاصل بين مرحلتين ؟
                                                                                       
صلاح بدرالدين

منذ أكثر من أربعة عقود وتحديدا مابعد تسلط الخميني على مقاليد الحكم بايران وتصدير ثورة الدعوة المذهبية الشيعية الى كل مكان يتواجد فيه آتباع المذهب من بلدان وقارات ذلك الحدث الذي شد انتباه المفكرين الذين يحسنون تقييم ومتابعة مثل تلك الظاهرة الفجة الخارجة عن مألوف قواعد القانون الدولي ومبدأ التعايش الإنساني وحتى عن الأعراف والتقاليد الدينية .

 ومالبثت توجهات وممارسات نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأجهزته الأمنية وميليشياته المسلحة أن أثارت المزيد  من القلق الى درجة الخوف من نتائج مايرسم له على مصير الأجيال والعيش المشترك بين الشعوب خصوصا وأن وصول الخميني الى طهران من مقره الفرنسي وبطائرة – الخطوط الجوية الفرنسية – لم يكن ليتم لولا وقوف قوى كبرى غير مرئية وراء العملية والتي على الاغلب هي من خططت لارسال مصدر الشر وتسليم المنطقة وشعوبها الى المصير الدموي المجهول .

  من المرجح أن من وقفوا وراء إيصال الخميني الى سدة الحكم بايران كانوا على علم بانه يشكل الردة المضادة في الثورة الإيرانية التي اشعلتها شعوب ايران وقواها الوطنية والديموقراطية وهي من حققت الانتصار على نظام الشاه وليس جماعة الخميني من ظلاميي القرون الوسطى ورجال الدين الذين كانوا يخدمون نظام الشاه وكانوا يعلمون أيضا ان طغمة الخميني ستقمع أصحاب الثورة الحقيقيين والمنظمات الثورية من ( فدائي الشعب – ومجاهدي الشعب والتيارات اليسارية والليبرالية والبعض من ممثلي الطبقات الوسطى )  وستصفي قيادات الثورة ونشطائها وستقضي على آمال الشعوب الإيرانية الرازحة تحت نير الاضطهاد القومي وستتحول ايران الى بؤرة لنشر الشر والفتن واشعال الحروب المذهبية .

   الامر الآخر الذي شد انتباه المتابعين منذ تلك الأيام هو أن الجوهر في الدعوة الخمينية التي انطلقت تحت عنوان الشيعية السياسية قومي فارسي وفي خدمة النزعة القومية التوسعية المستمرة منذ الامبراطورية الصفوية مرورا بحركة ( بان ايرانيزم ) التي مولها وغزاها كبار الضباط وأصحاب المال ووجهاء البازار واوساط البلاط الشاهاني .

    ومن اجل تسريع العملية وتحفيز اتباع المذهب الشيعي للمشاركة الى درجة الاستعجال للوصول الى الجنة الموعودة ؟!! كان لابد من استنباط أسباب ودوافع وعلى شكل مخاطر محدقة من الطرف السني المقابل الذي يحمل وزر( قتل الحسين ؟! ) لذلك قام نظام الولي الفقيه الخميني بدعم واسناد أكثر الحركات والمجموعات السنية تشددا من القاعدة مرورا بمجموعات بن لادن  والظواهري والزرقاوي وانتهاء بالبغدادي ،  الى جانب ضخ وقود ايقاظ الردة المذهبية السنية المكملة الموازية لها بالمنطقة وما نشأ من اصطفافات مذهبية حادة بحيث بات الانتماء المذهبي في مكانة الأولوية على حساب القومية والوطن .

    فتحول العربي الشيعي العراقي واللبناني واليمني والخليجي عموما  الى صف الشيعي الفارسي مقابل انحياز العربي السني ( ولو بمشاعره ) لسياسات دول الخليج وتركيا حتى لو لم تكن متوافقة مع المصالح الوطنية والقومية بل ظهرت تيارات تدعو الى احتضان مقاتلي ( الخلافة الإسلامية ) واحتضانهم من أجل صد الهجمة ( الرافضية الشيعية ؟! ) .

    وفي الساحة الكردية وعلى سبيل المثال انتقل الكردي الشيعي الإيراني الى صف النظام منذ انطلاق مقاومة الحركة الكردية لنظام الخميني ، وواجه بالوقت ذاته الحركة الكردية ، وتغيرت قيادة قنديل لل ب ك ك من غالبية سنية الى غالبية علوية – شيعية تماشيا مع الاستقطاب المذهبي ، حتى في العراق غادر قادة معروفون من الكرد الفيليين في بغداد الحركة الكردية صوب تنظيمات الكتل الشيعية وأصبح نجل أحد سكرتيري – الحزب الديموقراطي الكردستاني – السابقين  معتمدا للتنظيمات الشيعية الموالية لطهران الى درجة تنصيبه مديرا لاحدى البنوك الإيرانية بالعراق وشملته العقوبات الامريكية لتلك الأسباب .

     وقد شهدت الحركة الكردية السورية بعض النماذج القليلة وبشكل مختلف لدى أفراد معدودين من الكرد العلويين في علاقاتهم مع أوساط النظام والتي اتخذت مسارا أمنيا بحتا حيث قد نتابع الحديث فيه مستقبلا اذا دعت الحاجة .
  هل هو انتقال من استراتيجية – الاستقطاب الديني المذهبي – الى استراتيجية – توازن المصالح - ؟

    بعد مايقارب  النصف قرن تحدث سابقة فريدة من نوعها والتي تجلت بوضوح  في مسالة الصراع على – ناكورني قراباغ – حيث تركيا السنية تقف الى جانب آذربايجان الشيعية ذات الأصول التركية ، أي بعكس المسار السائد حتى الان  بمنح الأولوية للانتماء القومي على حساب المذهبي وتصطف ايران الشيعية بمسافة اقرب مع أرمينيا وأبعد من آذربايجان الشيعية  مما يعد اختراقا للمألوف خلال الحقبة الأخيرة .
   أما روسيا المسيحية  فتقف في موقع اقرب الى آذربايجان المسلمة منها الى أرمينيا المسيحية ( التي من المفترض أن تكون الراعية لها ) فقد أشرفت على وقف اطلاق النار والفصل بين المتقاتلين والاتفاق الذي يصب لمصلحة – باكو -  الذي اعتبره رئيس أرمينيا بمثابة – تجرع للسم - فهل هذا مؤشر للعودة  الى استراتيجية توازن المصالح الاقتصادية ؟ .
     قبل نحو ثلاثين عاما أطلق  الرئيس الجورجي الأسبق والقيادي السابق في الحزب الشيوعي السوفييتي ووزير خارجيته – أدوارد شيفرنازدة – خلال توديعه الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي شعار ( توازن المصالح ) بدلا من الصراع وسباق التسلح تمهيدا  لتصحيح العلاقات الدولية والابتعاد عن الدوافع الآيديولوجية  والبحث عن المشتركات حيث السلام والاستقرار والرخاء  لمصلحة الجميع .

   فهل يعود فرقاء الصراع الدائر في الدولتين السوفيتيتين السابقتين الى الاسترشاد بما طرحه رفيقهما وجارهما ؟ وهل هناك نهج جديد يتسم بالمرونة والاعتدال والافاق الواسعة بديلا عن نهج التعصب الاعمى للهويات الدينية والقومية والمذهبية الضيقة على صعيد العلاقات بين الدول والشعوب ؟ ويتحول الى اتجاه عام في مستقبل العلاقات بين الدول والشعوب في المنطقة في ظل تحولات اعمق واوسع تنتظره البشرية وخصوصا في الشرق الأوسط الذي طال انتظار شعوبه لبزوغ فجر التجديد والتطوير والخلاص من الفتن الطائفية ومخططات جناحي الإسلام السياسي  التي تدفع الشعوب ثمنها بل تشكل وقودها ، واحلال السلام وحل قضاياه المستعصية والتفرغ لحل المشاكل والبناء والتنمية  ؟ .

    والسؤال الذي لايغيب عن الاذهان : لماذا تركيا بالذات أحد أطراف هذه السابقة الأولى والفريدة وهي تقاد الان من حزب ورئيس محسوبين على نهج الإسلام السياسي ؟ ثم لماذا ايران أيضا وهي زعيمة الشيعية السياسية ؟ هل لكونهما منهكتان  ومحاصرتان  ؟ أم هناك نوع من التنسيق بين طهران وانقرة في سياق المبدأ ذاته : توازن المصالح ؟   أم أن مانطلق عليه سابقة مجرد حدث عابر لن يتكرر مرة أخرى ؟ .
    وفي سياق متصل وبعلاقة وثيقة مع الحدث ومن اجل تنوير القارئ لابد ان نعيد الى الاذهان أن الزعيم السوفييتي – لينين – قرر انشاء جمهورية كردستان الحمراء ذات الحكم الذاتي عام ١٩٢٣ تابعة لمركز حكومة آذربايجان - في منطقة – ناكورنو قراباخ – وعاصمتها – لاجين – ودامت ستة أعوام قبل ان يجهز عليها – ستالين – ويهجر سكانها الكرد البالغ عددهم حينذاك ٣٧١٢٠  ٧٢٪ من نسبة السكان ، وفي عام ١٩٩٢ وفي اوج الصراع الأرميني – الاذربيجاني حاولت – يريفان – استخدام الكرد ضد الآذريين  فاعلنت عن جمهورية – لاجين الكردية – ونصبت المرحوم – وكيل مصطفاييف – رئيسا ولكن ذلك لم يدم الا شهورا .