عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - Wadea Shamekh

صفحات: [1]
1

الصالون الثقافي العراقي  في سيدني  يحتفي بالشاعر والكاتب وديع شامخ

..............................

إحتفى الصالون الثقافي في منتدى الجامعيين العراقي –الاسترالي   بالشاعر  وديع شامخ  بأمسية  على  قاعة  اليزابيث في نادي الموانتيز  يوم الأحد المصادف 25 -5- 2014   The Elizabeth Room - Mounties club
. 101 Meadows Rd, Mt Pritchard
بحضور السيد باسم داود القنصل العراقي العام والسيد  أشرف  عبيد  ممثل القنصلية المصرية ،  وممثلو  المنظمات والاحزاب  والصحف والمواقع الإعلامية  في سيدني   مع جمهور  نوعي   كبير رائع  .
برنامج الامسية كان   حافلا  بفقرات متنوعة   من ضمنها  حفل توقيع روايته الأولى " العودة الى البيت " والتي صدرت طبعتها الثانية  عن دار ميزوبوتاميا  في بغداد ،  وقد   ساهم في   الأمسية   باقة من المبدعين العراقيين في سيدني ، وشاركهم فيها قامات عراقية باسقة في حقل الشعر والنقد   شكلت اقوالهم  شهادات  عن الشعر والرواية  القيت خلال  فقرات الاحتفاء .
في  مستهل   الإفتتاح  رحبت  مقدمة الامسية  " الشابة مينا شاكر "  بالحضور  شاكرة لهم  هذا التواجد  الرائع    قائلة :  "يسرّ  الصالون الثقافي   بإقامة هذا  الإحتفاء بالشاعر والكاتب  العراقي وديع شامخ  ، تتمة لنهجه في  ارساء تقاليد واعراف ثقافية راسخة  .. تتمثل في  التعريف بمبدعنا العراقي  تسليط الضوء على نتاجه  واسهاماته  في حقل الثقافة والابداع العراقي  في الداخل والخارج ، ورصد الظواهر  الثقافية  والفكرية  والجمالية عموما  والإشارة اليها وتبني  أماسي  وندوات  ونشاطات  لها  "
  ، ثم دعت الدكتور  أحمد الربيعي  رئيس منتدى الجامعيين العراقي – الاسترالي الى  إالقاء كلمته ،  فأعتلى الدكتور الربيعي المنصة  ليرحب بالحضور ويعرّف بالمحتفى به  وديع شامخ  وبالصالون الثقافي  ودوره  في تصدر  الحركة الثقافية في سيدني وأستراليا ..
الشاعر والناقد مكي الربيعي كان في مقدمة المتحدثين حيث ألقى شهادة  أدبية عن الشاعر  بعنوان "  قراءة استقصائية في تأملات وديع شامخ في  حقلي اشتغاله الشعري والروائي "  جاء فيها  : ليس سهلاً على الكاتبِ أن يحولَ مايتوفر بين يديهِ من كلماتٍ الى فعلٍ صادمٍ ، فتلك مهمةٌ بحاجةٍ الى معرفيٍ متسلحٍ بثقافة الشارع ، ( وأقصد بثقافةِ الشارع ) اليومي المتداول الذي تنتجه الحياة ، وماترشحُ عنه علاقاتِ الناسْ . أن التقاطَ الأشياء التي تقع خارج حدقة العين ، هو من أصعبُ مايواجه المثقف الموهوب ، ...لم يكن ( وديع شامخ ) انتقائياً في التقاطهِ للأحداثِ التي يتناولها في كتاباتهِ فحسبْ ، بل يذهبُ أبعدَ من ذلك ، عندما يلاحق التفاصيل الصغيرة في حياة الآخرين . ....: أن هذا الفتى البصري المجنون ، مفتونٌ بالبحث تحت رماد الأشياء عن جمرةٍ توشمُ أصابعهُ بلذةِ الاحتراقْ . الكتابة لدى ( وديع شامخ ) ، تدخل بعض الأحيان منطقة اللهو والهزأ من الحياة ، وماتفرزه من تضاداتٍ وتداعياتٍ ، وصولاً لمنطقةِ خرابهِ وخيباتهِ الشخصية ، وهو يستيقظُ على انهيارِ القيمِ الانسانيةِ ، وضياع حُلُمهِ في ابتكار وطناً يليقُ بأحلامِ الشعراءْ . وما نزوحهِ نحو كتابةِ الروايةِ ، إلا دليلٌ على أن اللغة الشعرية لديهِ لم تعد بمقدورها الافصاح عما يدورُ بخلدهِ من أحلام ورؤىً" 
بعدها  قرأت  المقدمة  نبذة تعريفية عن الشاعر مؤكدة "   إن    وديع شامخ  شاعر  أكلت الحروب  نصف قامته  ففرَّ هاربا   بِحُلمه  يكتبه  شعرا   في مجاميعه  " سائرا بتمائمي صوب العرش 95 البصرة،  ودفتر الماء، 2000 بغداد ، مايقوله التاج للهدهد 2008 دمشق، مراتب الوهم  2010  دمشق ..وله مجموعة تحت الطبع " مصور شمسي " .   تقول عنه   المبدعة الكبيرة لطفية الدليمي  "  البساطة الخادعة لدى وديع تقود الشعرية الكامنة في طوايا النص الى مديات رحبة تهب المتلقي مفاتيح النص , وتمضي غير آبهة بالظلال والتأويلات,  غير معنية بالإبهار والصدمة اللغوية التي يراهن عليها بعض الشعراء , , وديع يراهن على القصيدة في عزلتها , براءتها وشغبها وغربتها وبذلك يحتفي بجوهر الشعر ذاته. القصيدة في عزلتها , وبراءتها وشغبها وغربتها وبذلك يحتفي بجوهر
وطلب من الشاعر  قراءة   مقاطع شعرية . بمصاحبة عازف الكيتار كارليتو عكّام .. وقد   أفتتح الشاعر  قراءته  بنصوص  قصيرة  من الغزل   ومنها :
غزل ليس عذريا
أنا نعاسُ شارد
أطبقي علي  جفنيكِ
لنحلم مع
........
لأنكِ ماهرةٌ بإصطيادي
صرت ُ الطُعم والصنارة  ..
....................
لإنكِ الشتاء
صرت ُ معطفا
..................
لأنكِ الصيف
مسحت جبيني بساحل الحب 
وصليت ُ إستسقاءّ
................
لأنكِ الربيع
صرتُ فراشة ً
....
لأنكِ الخريف
صرتُ شجرة
........
لأنك ِ الفصول
تدَحرجت ُ على الأفق كي أقص ّ على العالم حكاية حبنا المديد
ثم ختم قراءته بمقطع من نص طويل بعنوان "  أحبك يأستراليا ":
كم أحبك   أستراليا 
  وانت   بلا حسب  ولا نسب 
بلا تاريخ  ولا مسلات غارقة في الوهم
أحبك هكذا
 قارة  دموعنا 
وقامات من عسل   
أحبك يا استراليا
لانك   أرض المنبوذين والسجناء   والخارجين عن قانون الكرة الأرضية
هكذا تساقطت الخطايا فأنبتت شجرة الحياة
...

ومن  أجل أن يكون الاحتفاء  غير  تقليدي ، كان للفنان  التشكيلي حيدر عباس   فقرة بعنوان " حكاية غلاف "   قدمته مينا شاكر بقولها " يرتبط  الغلاف بالعمل الادبي  ارتباطا عضويا  لتداخل الجمال الفني في التصميم للتعبير عن روح النص ، وهكذا كان لرواية العودة الى البيت حكاية خاصة  مع الأغلفة  وكيف استقر على اختياره الأخير ..  :  فهو   لم يكن صانع الحكايات وحده قد ختم الحلم  ، فكان هناك حالم يقابله   وهو صانع الأغلفة .  هذه الحكاية سيرويها  الفنان حيدر عباس الذي صمم غلاف الرواية   في الطبعة الاولى والثانية"
تحدث الفنان حيدر عباس عن اهمية الغلاف  بالنسبة للمتن الابداعي السردي او الشعري  عموما  وتجربته مع الشاعر شامخ    بقوله" بعد ان رشحتُ  مجموعة من اعمالي واشتغالي بمجموعة اخرى خاصة للرواية وتم اختيار واحد من اعمالي...لكني  دائماً انحاز الى فكرة  الجمال    بوصفه  خلاصاً...ولايهني اذا كان عملي او عمل فنان اخر لان الجمال في تصوري هو خلاص من اي شي قبيح او دنيوي..  لذا وقع اختياري انا على احدى منحوتات النحات الامريكي   " ثيودور 
  .اما غلاف الطبعة الثانية جاء الاختيار اسهل لي والى المؤلف لاننا لدينا تجارب  سابقة وتجمعنا ظورف وهموم واحلام مشتركة لاننا ننتمى الى جيل واحد .....وكان غلاف الطبعة الثانية هو اخر تجاربي وهذه التجارب خلاصة تجربة ممتدة ل25 من العمل الجاد في محارب الفن "
   مستخدما نماذج تطبيقية   لكل الاغلفة التي رسمها او اللوحات التي اختارها  وقد عرض اللوحات على  الحضور من خلال  شاشة سكرين كبيرة   امتعت الحضور كثيرا.
    عادت مقدمة الحفل  مينا شاكر  للقول " اليوم  يذهب الحلم بشاعرنا الى  ارتياد حقل الرواية  لتكون " العودة الى البيت "   والذي قال عنها   الناقد الكبير الدكتور حاتم الصكر ".. تثير رواية "العودة إلى البيت" للكاتب والشاعر العراقي المغترب وديع شامخ كثيراً من الأسئلة المتصلة بشعرية السرد الروائي، كالحدود الممكنة بين الرواية والسيرة الذاتية، ولغة الخطاب السردي ومدى توظيف العامية ليس في الحوار فحسب بل في مناطق الوصف والحدث أحيانا، والعلاقة بين الواقعي والفانتازي، والخيالي والوثائقي، والبعد عن الموضوع زمنيا؛ باسترجاع الوقائع عبر الذاكرة، ومكانيا لأن الكاتب مبتعد عن البصرة المكان الاول الذي تدور فيه الأحداث وافعال السرد.، كما تؤكد رواية وديع شامخ باحتدام تفاصيلها وانعكاسها على الشخصيات بانتمائها لقص ما بعد الحداثة في حاضر السرد ورصده للحظة عراقية استثنائية الالتباس، بالتحرر من الرسميات المؤطرة للسرد وشخصياته ولغته، وبالمزج الحر بين الرواية وما يجاورها من فنون"
وهنا طلبت من الشاعر أن  يقرأ  شهادته  بسؤالها "  كيف يكتب الشاعر روايته الأولى ""؟؟
عاد وديع شامخ   ساردا هذه المرة  وتلى شهادة  عن مرجعياته الاولى مكانا وتجربة وقراءة  والتي شكّلت الخلفية والظهير المعرفي لاسناد الموهبة . مبتدأ  من الخاص الى العام .. وجاء في شهادته " لم أتطفل على حقل السرد ،  جئتُ من الشعر  محمّلا  بسرهِ الدرامي  وخزينٍ كبير من الحكاياتِ  الشفاهية  على سطوح  الطين في محلة الجمهورية /  البصرة حيث ولدت بعد   الحكم  الجمهوري بثلاث سنوات !!!. الجمهورية" الفيصيلة سابقا "  .. لاحظوا نسق التحولات في الحياة العراقية .. المدينة الشعبية  التي  أمدتني بشيطان القص وأرواح عوالمه السرية ..  أتذكر الآن بوضوح  يداني زرقة  سماء  البصرة في تموز  القائض حين نذهب للسطح الطيني  عصرا ونرشه بالماء  ريثما يرحمنا بلمسة من نسائمه،    هناك نرتقي  السلم  الحجري  الملتوي ونحن نحمل  " دواشك القطن  ومخدات الريش ،  وشراشف  للغطاء"  نصعد  السلم ببراءة  عالية وفرح  غامر حيث  نتّحد بالطين ورائحة تبخر الماء  وريح الشرق البصرية ... ثم أنتقل الى  جانب آخر من المؤثرات  العالمية  والروائيين العالميين وصولا الى  السرد العربي   " تاج من  الحكائيين وجبال من الخيال   .. ورثت  منهم  بيضة الحكاية   وحيمن  التخصيب .، أصدقائي  " الطيب صالح / نجيب محفوظ/  عبد الرحمن منيف ، يوسف أدريس  .../ . الطاهر وطار ، محمد شكري ،   ..... فؤاد التكرلي ، غائب طعمة فرمان ،    لطفية الدليمي ، محمد خضير ، محمود عبد الوهاب .... علي بدر ،  عبد الكريم العبيدي / نصيف فلك  / خضير  الزيدي /   والكثير .. الكثير .، وكان  لشطحات المتصوفة  والعرفانية  الروحية  رافدا مهما في   إذكاء نار  الحلم  في  تكويني  الشخصي  كمؤلف للحلم  ، بعد أن كنت حالما وحسب"
 ولم تخلو الامسية  في تنوع فقراتها من الموسيقى ، حيث الموسيقى  غذاء الروح  ..  وقد   إستمعنا   الى مقطوعتين موسيقيتين    مع الموسيقار  عبد الله  خوشناو    بمصاحبة عازف الكيتار  كارليتو عكّام  .. حيث  اشتركا في تقديم  موسيقى  عذبة   و كانت  بشكل مقطوعتين منفصلتين ، الاولى  ابتدأها  بصولو على العود  الفنان خوشناو   في جولة موسيقية من مقطوعة  بعنوان "بغداد "   للفنان الخالد  " منير بشير "  وقطع أخرى من التراث العراقي  ومقاماته  الأصيلة . اما المعزوفة الثانية فقد كانت لمجموعة  مختارة من  الموسيقى والمقامات  الكردية  والاشورية   والتراث الموصلي .  وكان  عازف الكتيار كارليتو قد صاحب  خوشناو " بكورداته "  الرائعة  التي  اضفت جمالية  عالية  للمزواجة بين آلة  العود الشرقية الاصيلة والكيتار الغربي ..
ثم جاء دور الفنان  " متينا الريس" ليعرض  فلما بعنوان "  حصاد  وديع شامخ الإبداعي"  سلط فيه الضوء على أهم محطات الشاعر الابداعية  في رحلته المديدة منذ  مدينته البصرة  في جنوب العراق ومرورا ببغداد وعمان حيث استقر فيها سنوات   وقد استعرض الفلم لقطات من نشاطات  وديع شامخ في الشعر والميديا   والتأليف  في حقل التاريخ وغيرها ،  ورصد الفلم إنتقاله للعيش في غرب استراليا وفي ولاية " بيرث"  حيث كانت له نشاطات وأماسٍ  شعرية بصحبة شعراء استراليين  وعراقيين وعرب .. ومن  ثم ّ  عرض  الفلم  الى  رحلة  الشاعر الاخيرة في سيدني  وما اصدره  من مجاميع شعرية  والاحتفال  في رواية  " العودة الى  البيت "  من قبل إتحاد البصرة .. .. وكان الفلم  متميزا بأخراجة  وموفقا في اختيار النصوص والموسيقى  . 
مسك ختام الحفل كان  دعوة الشاعر  لتوقيع  روايته " العودة الى البيت "..، وهكذا بدء  الحضور بالتوافد على المنصة لتوقيع نسخهم  .. لقد كانت أمسية مميزة حقا  وذلك نتيجة تضافر جهود أعضاء  الصالون الثقافي  في الاعداد المناسب  والمشاركة بروح الفريق الواحد . كما كان لدعم منتدى الجامعيين العراقي  ممثلا بالهيئة الادارية وشخص الدكتور أحمد الربيعي بتقديم  كل الدعم لنجاح  هذا الحدث بدأ من تأجير  القاعة  في مكان  فاخر وليس انتهاء بتوفير كل مستلزمات الضيافة للحضور .
الامسية   شهدت جهود ا  مميزة  لحضور   الفنان سمير قاسم " مدير مكتب قناة العراقية الفضائي"     وتغطيته  التلفزيونية  الرائعة  ..  كما كان لحضور الفنان المصور الفوتوغرافي   "فراس  دبابنّة"   والذي  غطى الأحداث بكاميراته  موثقا وبشكل مبهر  فعاليات الامسية بصورِ   مميزة .
كما شهدت الأمسية تأبين الشاعرة " نشعه الجبوري "   التي  فارقتنا مؤخرا ،  ودعوة  لمساندة ودعم إذاعة " اس بي اس" النبر الرصين للتعددية  الثقافية  والنافذة التي  تطلّ  منها    مكونات المجتمع الاسترالي عبر 65  لغة .
أخيرا لابد من  تقديم الشكر الوافر  الى اعضاء الصالون الثقافي الذين كانوا  ركيزة اساسية  في نجاح الامسية "  الدكتور احمد الربيعي   رئيس المنتدى ،  المنسق فهيم السليم ، المهندي فراس  ناجي ،  الفنانة ليلي ، الفنان  حيدر عباس ،  الفنان عماد رحيم ، المخرجة  زهراء السماوي ، الفنانة اغنار ،  السيدة سميرة  علي   والسيد  حسن الناصري "
...


 

2
محمود البريكان .. راهب الشعر  الخالد

مهاد
 في  عام الفيل ، كان للشعراء معلقاتٌ  مقدسة ،   وفي عام  الخوف    ُقتل الشاعر محمود البريكان   
كان  الشاعر " اليوت "   يشمّ  رائحة الموت في نيسان ..
وكان السياب   يشمّ   الموت كلّ  يوم
ولكن البريكان إختار موته  في شباط
وكانت أشرّ ميته لشاعر في  27 شباط  .. 2002
.............................

في   تسعينيات القرن الماضي ، والحصار  يطحن  قامات العراقيين  ويعصر  أعمارهم  في طاحونتة  الدرداء .. كنّا  مجموعة  من شباب  البصرة  "  جابر خليفة جابر ، كريم جخيور ، عزيز داخل ، كامل فرعون ، طه  جبوري ، وديع شامخ "   نجتهد في عقد إجتماعات دورية  في بيوتنا  لمناقشة  موضوعات  تخص  الادب والفكر  والابداع عموما،  ورغم  كلّ  المنغصات  الواقعية  أو المتخيلة   من قبل سلطات  النظام  كنّا ننجز  عملنا بمتعة  وتحدٍ  نوعيين .
كنتُ  أسكنُ  يومها  في  منطقة الجمعيات " حي الخليج العربي "  وكان الدور عليّ في إلقاء محاضرة عن " قصيدة النثر .. تاريخها  ، جذورها العربية ، الغربية .. نماذج  تطبيقية " ، وبعد إنتهاء  الجلسة  التي إستمرت اكثر من ساعتين  وفرح الأصدقاء  بجهدي  .
  شعرت بالحاجة الى زيارة الشاعر الكبير محمود البريكان   لسبب ،لا اعرفه حتى هذه اللحظة،
 البريكان  الذي يسكن في منطقة الجزائر  في  عشار البصرة  ، والتي لا تبعد عن بيتي سوى بضعة كيلومترات  .. ولكنني لم ازره أبدا ، رغم أني من  المدمنين على قراءة  ما تناثر من بوحه  هنا وهناك .. وتقصي أخبار  صمته المهيب في زمن " الحناجر الطرية "  والمعدّة تماما  للطنين نيابة عن الذباب والفحيح بدلا من  الأفاعي  والتثعلب  بدلامن الثعالب والخرير بدلا من نقطة الحياء .
.....................................
لدّي عيب ظاهر- آنذاك-    لا استطيع الفكاك  منه  حتى  الآن  ،  وهو الخجل حدّ اللعنة  من  الأسماء   المشهورة والتقرب إليها ،  ومن هذا الداء السلبي  حرمت  نفسي من مرافقة الشاعر  رياض أبراهيم   الى بيت البريكان ، حيث جاء الراحل رياض  الى البصرة وإستطاع بجهد خارق أن  يخرج   الشاعر من صمته   ويحصل على ملف شعري مهم نشر في  مجلة أقلا م .
يومها  جاءني الصديق جابر خليفة ومعه الراحل رياض ابراهيم  الى "  محل عملي "  بناء على دعوتي لهما للغداء .. وهكذا  قضينا وقتا ممتعا دون أن أشير الى رغبتي بلقاء البريكان
يا لهذا الخجل " البصري "  الخارج   من صلب الحب ..
..........................................................

 غادر الجميع  المهرجان  وبقى البريكان  وحده  يرسم لمملكته  أفقا  ويلقم   الفنارات  ضوءا  بعد  كل ّ عتمة
كان البريكان شاعرا  متأملا ، أقرب منه  الى الموت من الحياة ..
معتكفا   كراهب
يتلصّص على  الحياة من كوة  في روحه ويحدس  ما سيأتي
شاعر رؤيا  ، في زمن  الحيطان الناطقة  بالشعارات ...
 أعددت ُ مائدتي وهيأت ُ الكؤوس
متى يجي ء
الزائر المجهول ُ ؟
أوقدت ُ القناديل َالصغار
ببقية ِ الزيت المضيء ِ
فهل يطول ُ الانتظار ؟
أنا في انتظار سفينة الاشباح ِ تحدوها الرياحْ
...........................................................................................
 ذات صيف  ومعي  أصدقاء الروح   ذهبنا الى  بيت  الشاعر الكبير  واللغز  المُحير   والمعلم النبيل .. محمود البريكان  في " معقله"
هناك رأيت  " أبو ماجد"   بدشداشة  بيضاء   وعينيه  المغلفتان بالريبة   والمحبة معا ..
قطعنا الفناء  الى   باحة الاستقبال  ،  وأرخينا  سدولنا   بترف  عالٍ
" كان بيت الشاعر  خالٍ  من أي  آثر   للمرآة "
جاء البريكان  بالشاي   وجلس بقربي .
قال  لي  بحب : ماذا  تكتب ؟
قلت محاولا ت في النثر
وتركت ُ البريكان   في مهب  الأصدقاء
وأنا   أتذكر  سهوي الكبير في محاضرتي عن قصيدة النثر،
لقد  كانت حياة البريكان قصيدة نثر حقا
..............................
لم ازره بعد  هذا أبدا ، لم أكن من مريديه
 أخاف من عدوى نصه
هو  ذهب للموت    وأنا  أواصل   الشعر قدرا
..........................................


 

3
" في التربية الوطنية "

يوم  كنّا صغارا  كانت هناك  وزراة  مختصة تسمى " التربة والتعليم "  ، وكان المعلمون  جنسا ً  من  هذه الطبيعة  المزدوجة "  تربية وتعليم " .. لذا شاع نموذج المعلم" النموذجي"  في حياتنا  ، نحن التلاميذ ..
فالمعلم نموذجي في حياته المهنية .. لانه معلم فقط ، ومربي أيضا ..  وليس  له  أجنحة ولا حناجر يطير بها سوى  هاتين المملكتين " تربية وتعليم " ..
وكان معلمنا أنيقا جدا ، حلوا  ،  مترفا  الى حد  ما ،  لا يتناهبه الفقر  ،  وإن صنف في باب " البرجوازية الصغيرة " / معلم من  عطر يذهب  الى   دوامه بكامل الاناقة ،  وله حصة في شاي الوطن  يجلبها "  فراش المدرسة " دون  عبودية ..
المعلم  "  البرجوازي الصغير "  يحمل منديلين "  واحدا  للبصاق ، وآخر لتنظيف  الأنف .. كي  يشعر التلاميذ " نحن "  أنه نموذجا  جدا في التربية والتعليم ..
.........................
من  محلة الجمهورية ، التي تقع جنوب القلب ، جنوب البصرة ، جنوب الدهور أيضا ..  هناك" وكّر الرفاق " على أعشساش الناس /   وهناك أيضا كان الصقر  يتصيد حمامة  الوطن البيضاء ،  رغم الهدنة السياسية /  المسماة ، جبهة وطنية "
هنا وهناك تراقص  الرفاق ،   وشربوا  كـأس  الوطن /  هنا وهناك .. أقاموا  للعراق   خيمة ممزقة / 
صاحب الجمل حمل الوطن بما حمل /  ونحن نننطر وطنا  مجعدا نازلا من حمير الحروب ..
وطن بلا طعم ولا لون ولا رائحة .. يسمونه وطنا .. ونموت لاجله ..
..........................
نموت ويحيا الوطن
صارت تجربة العراقيين  في الهروب من الحياة والهروب من الحلم ، والهروب  من  الأمل  أيضا  نموذجا  لخروج " المعلم "   من محنة" النموذج"
حروب لا تنتهي ،  وتربية  تهزل كل يوم وتعليم تُجزّ  ناصيته   قربانا على مذبح الأوهام ..
لا تريبة   ولا تعليم ..  هناك خيط " خاكي"  وهناك أجساد خاكية ، وهناك عقول "  خاكية " .. كلهم يرتدون بدلة واحدة .. يرتدون العراق  بخفة  لتدوين سيرتهم على  أفواه الناس قبل دفاترهم ..  من هنا  إنطلقت شرارة الحرب ، وشاعت ثقافة العنف  حيث  الأطفال يُلوحون للحرب ،  والطلائع يرتدون عدّة الموت ، والفتوة يهزوجون للوطن والقائد  بحناجر طرية جدا .. يقف  وراءها  مصوتون عتاة ، لزرع قنابل الحرب في أجساد وحناجر الطفولة والصبا   في العراق  ...
هكذا بدأ المعلم " الخاكي " يطفو على الدرس كاملا .. لتختفي قيم ٌ وتظهر آخرى .. لتمزق صفحة البراءة  وتشويه
 التربية والتعليم " معا .. ويبدأ درس الوطنية  بضمور ملامح الوطن والناس وبروز  بشاعة  الحزب ودمامل  القائد   وقيح النوايا ..
من هناك بدأ " رفاق التربية والتعليم الجددد"  يحفرون قبر العراق بخفة وهمة خاكية منقطعة النظير .. دقت أجراس الحرب الأهلية   فكان خرابا للجبهة الوطنية وآعتقال  رفاق الأمس واعدام  كل من يقف ضد ماكنة " التربية والتعليم " الجديدين ..!!!
وإستمر "  غراب " الحرب بالنعيب  ونفش " الحوم " ريشه لترقب " الجثث"  وهي تتكوم في ساحات الحروب .. " لاحقا ..
طغى المعلم الخاكي على صدر الحكاية وصار  ربان السفينة ومؤرشف تاريخها الجديد ، ومُعيد كتابة التاريخ كله ..
العراق يقترن دائما بتكرار البدايات ، لا نمو نوعي ولا تراكم  يقود لإفق آخر .. دائما نبدأ  من جديد  ينهار الأمس كلّه ويعاد تقويمه لصالح الحاضر "  الخاكي "  ليكون حمار  الأسفار للمستقبل المجهول ..
منذ أن دقت طبول الحرب في " ثمانينات " القرن الماضي  دخل العراق في بازار" الموت"  ، وصرنا على أعتاب تاريخ جديد ، تقويم حربي  لأيام العراقيين المشوية على سفود الحرب ..
عندما تختفي حمامة السلام عن سماء  وطن ، وعندما يغيب " المعلم  النقي "  وعندما يكون " الحشد " ظاهرة الحاضر ، فأعلم  أن هذا الوطن  سيذهب الى الهلاك .
وبهذه الثلاثية المريرة  توسع قبر العراقيين جدا وصار الموت حياتهم الأولى .... مات المعلم الأنيق ، وهاجر العراقيون الى الموت فرادا وزرافات والى المنافي خلاصا فرديا .. والى الخيار الأمَر ، البقاء  في أسوار السجن الأكبر المسمى "  وطن"..
وجاءت تسعينات القرن المنصرم لتزيد  عجاف العراقيين عجافا وذلة وجوعا وموتا  وحصارات لا تنتهي .. فتقيح الجرح   وأزرّق  الأمل .. وإختفى " المعلم ، ومعه  التربية "  في أزقة الجوع وسوق العمل الرخيص .. وانتعش بازار العهر الفكري ..
فقرأ الكثير " الفاتحة " على جسد العراق  المسجى  على طاولة التشريح  الوطني والاقليمي والدولي ..
ولكن ِشبّاك العراق يبقى مفتوحا وزيت القناديل غير ناضب .
...



4
الإبداع وعصا  السلطان
.............................

لكلَّ حقلٍ قوانينه، ومصطلحاته  ولاعبوه  وشروط اللعب وساحة  الملعب .. ولكلّ حقل  أيضا حكّامه  وموؤليه  ، وجمهوره ..
ومع   عشب  الحقول تنمو " الطفيليات " ،  الأعشاب الضارة  بأصنافها  معا .. ولكن نضارة الحقل تبقى سائدة  لأنها القاعدة  وليس الإستثناء ولأنها   القانون وليس  الإدعاء الباطل ..
ومع  كل  حقل  سلطة  وسطوة تشيران الى  العلاقة الجدلية والفعّالة  بين أطراف العلاقة ، السلطة  ليس عصا  ولا القانون سوطا  ولا  القاعدة  كامنة  للإلغاء ..
وفقا لهذا  العقد تنمو وتزدهر الحقول بنتاجها .. تتجاور وتتلاقح .. تختلف وتتفق .. وهي تسير بفردية عالية وأفق جمعي أيضا ..
لكن أخطر أنواع الطفيليات  في عشب الحقول  هي  "عصا السلطة" حين تكون  صافرة لحكم غير نزيه  وبدلة فضفاضة  لمهرج على مسرح  ، ولحن نشاز في  معزوفة  موسيقية ،  وضمير فاسد لمسؤول ، وعقدة نقص لحاملي فايروسات  العبودية ، ....
هذه  العصا  الخارجة من كيس حواة  السلطة ستكون مهمازا لشياطين الحقول  وبهلوانات  السلاطين ووعاظهم ، من ورائهم ومن أمامهم.
 عندما   تفرضُ  السلطةُ  شروطها  على  الحقل ولاعبيه  ستنتج عبودية دائمة وأشجارا  بلا ثمر ..
يقترن شرط   أيّة سلطة بوجود العاملين في الحقل، كأدوات للزينة  ومطيبات الطعام ومستلزمات للسهرة ، ومكياج لتصليح وجهها  الكالح المجعد  ..
هناك لاعبون وحقل  وقاعدة  ، وهنا عبيد وطفيليات  وعصا  وساحل من  رغوة  الرياء ..
.............................................
.
 لو طبقنا هذه  المفاهيم العامة على حقل من حقول  الانتاج الإبداع العراقي    وليكن الشعر مثلا  بعاميته وفصيحه ..  لوجدنا  أنه حقل فسيح وصائت ومتشابك كجذور " الثيل"، عشب  الأرض الأخضر، .. نرى حناجر طرية ، مؤجرة لصوت الآخر .. موكولة بالهذيان  عن الآخر..
حناجر لا تكف عن إلتهام الأصوات  وإبتلاع  الرؤى .. شفاها وتدوينا ..
هم شعراء حقاً ينطبق عليهم   شرط الدخول الى حقل الشعر ، لديهم هويات  مهنية  لا غش فيها ،وسيرة  ناصعة البياض كجبين  أملس من الحياء . وموهبة متقدة .،  ورغبة عارمة في محو  الكائنات والأشياء ..
شعراء  من خامة الحقل ..  أشد  إخضرارا  من   ملعب كرة قدم ، وأرهف من  شجيرات الزينة المتدلية  من  شرفات  قصور "السادة"و"المسؤولين" ! ..
..............................
 كيف يكون  للشاعر بحث في الرؤيا  ونص في الحداثة   ومقال  في  جدل العقل النقدي ، وله أسهم باشطة في سوق الثقافة   ومنتدياتها ،  وله  شأن أن قام وأن قعد ،  إن  غادر وان حضر .. شاغل الدنيا وماليء الناس ..
وهو عصا غليظة لسلطان أحمق .!!؟؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كيف يكون الشاعر العراقي  الحداثوي منشدا في خيمة دكتاتور خارج  من بقايا " داحس والغبراء" . وتلميذا  أرعن لعصارة  "  نفايات التاريخ ..؟؟
وكما كانت " صافرة" الحكم الباطل   " تتجنى على صانعي الفرح  الحقيقي . نرى قوافل من شعراء الحناجر الصفراء  تساهم وببرود كامل في إشاعة  " ثقافة العنف"  والإفتاء بشرعية موت الكائن البشري .
شعراء الحدائة " لبسوا الزيتوني دفاعا  عن بوابة الموت الشرقية ، وتعمّموا  انتصارا لثارات  السواد  .. أنهم في حفلة تنكرية قائمة .. ينزعون جلود  ضمائرهم كالحيات  ولكن السم ماثل  في  حناجرهم وأصواتهم ..  ..
 الشعراء الذين كانوا وصاروا حناجر مؤجرة  للردح  في مواسم السلطة وعصاها . أصبحوا  يمدون   " سوق "  الغواية ببضاعتهم وحسب الطلب ..
نص  يمجد الدكتاتور السابق ، ونص  يركع  لنار  الفتنة وسواها .
نصان في جامع واحد
نصان في حقل واحد
نصان من حنجرة واحدة .
 ....................
وعندما نتساءل بدهشة شعرية  ماثلة في جينات الشعر وشياطينه .. لماذا ُتكشر البراءة  أنيابها  ؟؟
سيجيب الشاعر الحنجرة .. إنها الحياة
ويجيب الشاعر القاتل .. إنها الاوامر
ويجيب الشاعر المرائي .. إنها التورية .
ويجيب الشاعر  البهلوان .. إنها لعبة وطلاء
لا  أحد يضع أعترافه   في  صحن الضمير ويصرخ ..
أنا  المسعور ، الموكول بالنباح في الحقل .. أنا الأصفر  الجاني ، أنا  الاخضر في دموع السبايا .
أنا القاتل  بعصا السلطة 
...............................
خرجت الافاعي  من أرواح   الشعراء قبل كيس الحواة...  لا لترقص  طربا  بل  لتلدغ  قصدا
لا لتنام في  الجحور بل لتحيا في   بحور الشعر ونهر قوافيه ..
الأفاعي الموزونة جدا   ُنثرت   جلودها   في  حقل الفوضى ..
فأنتجت سما  " وطنيا "
َحمَلّه الشعراء قميصا للفتنة .
هكذا  كان الشاعر  العراقي " الزيتوني "  سابقا " و" المعمّمم " حاليا :
كلاهما  يمتلك عصا  السلطة وصوتها . وصافرتها ..
بوسع  الحناجر هنا .. أن تكون   أبواق نحاس   لوجوه متجعدة  بعصا   السلطة  وحناجر  الشعراء..
 


.................................................................................
 
 

 
 
 

5
"الماكي ، زيباري ، النجيفي  "
هل ينبغي   إحراقهم  ؟؟؟

.............
المالكي  وجريمة الأمن  
الاولى : كلما حانت ساعتي اليومية لتنفس  الوطن  وسماع اخباره والتواصل معه .. شمّمت رائحة البارود والشواء البشري  والتراب المعجون بالدم ..
هامش : بعدما هلّلت الحكومة  للتغييرات  في الاجهزة الامنية والاعلان عن خطة جدية وجديدة  لمكافحة الارهاب ..  وطبّل سمسار الامن البرلماني حسن السنيد  بأن الارهابيين تنتظرهم ساعات عصيبة .. وبدأت عملية الصحراء لمطاردة الأرهابيين ..ولكن النتيجة ان اهلنا في  الحواضر تموت موتا ..  من بائع السكائر الى المحافظ وسطوته .. لم يخلص  من نار وشنار الارهاب إلا المبشرين بالجنة " الساكنون في المنطقة الخضراء" وهذا يحيلنا الى  سؤال عريض وكبير بحجم الجرح والدم والحزن العراقي .. " ان حجم وعدد وكفاءة تنفيذ الهجمات وتوزيعها ميدانيا على  محافظات العراق والخسائر  الكبيرة   بشريا وماديا الناتجة عن هذه العمليات تدل بوضوح على تورط جهات رسمية محلية وعربية ودولية كبرى . مثل هكذا جرائم منظمة تستطيع  خرق النظام الامني   للعراق وبهذه الجرأة  والعلانية لابد ان يكون لمسؤولين كبار في الحكومة والبرلمان العراقي  يد ملوثة بدماء شعبنا
والمالكي وحكومته "  الثقيلة الظل"  لا احد يحرك ساكنا  سوى الرد الإنفعالي وغير المسؤوال وتحميل الاطراف الاخرى " القاعدة ، فلول البعث .. "  الى آخر الجنجلوتية المالكية وزر كل الكوارث وهو وحكومته  ومسؤولي الامن والدفاع ملائكة السماء لا عيب فيهم ولا دنس..
دماء تسيل ورائحة العفن تفوح والمالكي يحتفظ بملفات القتلّه حفاظا على "  بيضة العملية السياسية"
!!!!!!!!!!!!!
تعالوا نفتح الجراح   للملح الوطني لان المالكي ذاهب ويبقى العراق
.....................
هوشيار زيباري  وجريمة الدبلوماسية

الثانية : العراقي  يذبح داخليا  ولا احد يستطيع وقف النزيف ، والكل يتعاون على ذبحه .. وهذه  المرة يذبح العراقي بسيف " الدبلوماسية العراقية "  والتي يقف على رأسها السيد زيباري " خال السيد  مسعود برازاني والذي يؤيد الانفصال عن العراق بشدة"
السيد زيباري يقف اليوم للتصريح  بأن العراق قد دفع للكويت " 41 مليار دولار عدا ونقدا ، من قيمة التعويضات التي  أقرت عل العراق نتيجة غزو " صدام حسين للكويت !!"  ويستطرد الوزير "  الكريم جدا " بأن ما تبقى من  المبلغ هو "  11 مليارفقط" والحكومة " مصرّة جدا " على دفعه لاننا قادرون  " يعني نحن  أغنياء" .. وسوف ندفع المبلغ بالكامل بحدود عام 2015 وبذلك نخرج كليا من  مقررات الفصل السابع "
هامش: هل وجدتم وقاحة  مثل هذه !!! وزير خارجية يتبرع بأموال العراق  دون كلام او عتب أو أمنية على الأ" شقاء" في الكويت ان يتنازلوا عن بقية المبلغ ويسعوا جاهدين لإخراج العراق من  الفصل الظالم / والذي لم يكن للشعب العراقي ولا لزيباري ولا المالكي اي ذنب في "  احتلال الكويت "
اليست هذه خيانة وطنية بالجانب المادي والدبلوماسي..
وقد يقول قائل ان هذه مهمة وزارة المالية . فأقول ان وزير المالية المستقيل  العيساوي  هو ايضا يمارس مهامه  الوطنية من منصبة الانبار !! ولكن يبقى وزير خارجية البلد عنونا كبيرا للحفاظ على مصالح بلده ..
السياسي  المفاوض هو من يضع وطنه في نصيب " السياسة فن الممكن" لوقرأ  التاريخ جيدا هذا  الرجل  لنجح في امتحان  الوطنية .. لكنه  آثر السلامة والوقوف على  التل ..
قل كلمة " يا زيباري"  للكويتيين  ان يطووا صفحة " صدام  والقزو .. القزو =  الغزو"
لاننا لسنا " قزاة " ولا غزاة" ..  بادلونا السلام
فزيباري  يذهب ويبقى العراق .

.....................

النجيفي  ومجزرة البرلمان

أما رأس برلماننا وقرة عين " الثورة البنفسجية "  ودموع العراقيين وبازار أصواتهم في سوق الصناديق  المشتراة .. لم يحرك ساكنا  في موضوع الأمن والمال العام والخارجية والداخلية ، إلا وراء كل قضيىة  مثارة له  نصيب منها  ولحزبه سهم ولقائمته  صيت ..
هذا الرجل لا يتحرك خطوة "  لله بالله " .. ميكافيلي دؤوب .. لتحركاته رائحة " شواط " دائما . يتخطى  دوره ويذهب لزيارة  قطر مثلا وهي تتنفس حقدا على العراق ، ويزور السيد مسعود بارزاني في وقت ذروة خلافه مع المالكي ، يثير قضية استدعاء المالكي والقادة الامنيين  دون اقتراح  أولي  بضرورة استقالة " لجنة الامن والدفاع في برلمانه " لانها الجهة الرقابية والتشريعية ..
هامش: النجيفي  سياسي مراوغ باع قائمته علانية  حين اعتلى منصب رئاسة البرلمان " حصة العراقية"  وادعى انه ملك العراقيين  ولكنه فشل ، وباع وساوم وراوغ  .. من أجل مصالح موقوته  ..
النجيفي عقبة   ثالثة في  الطريق العراقي نحو السلام ..
النجيفي يذهب ويبقى العراق
...............
خاتمة  
الشعب الحي  
بعد كل ّ هذا الموت.. هل من أصابع وسبابات  جريئة للإشارة للخراب ..  لا نريد  حربا ولا نفاقا سياسيا .
نريد سبابة تغمس في   حبر العراق ..  لتزيح هؤلاء القتلة والمفسدين  عن ساحة  قيادة العراق .. نريد  عراقا تصنعه السبابات البنفسجية في صناديق  الاقتراع ..
انهم الساسة  ومن  ورائهم  .. احذروهم جدا  في الانتخابات القادمة
.......................................



 



6

فن صناعة  الأعداء

وديع شامخ

لكلِّ إنسان رأي .. والإنسان محترم  بوصفه كائنا  يتنفس معنا نعمة الهواء ويشاركنا  في حصتنا الوجودية  من زرقة البحر  وصفرة الشمس ، يشاركنا الخير والشر .. لذا  فهو صاحب فكرة  وربما مشورته ملزمة الإنصات ، وهو صوت لابد أن نصغي  له، وحق  لابد لنا ان نقرّه ..وكذا فالإنسان له مناوئين وخصوم وأنداد ...
وألد أعداء الإنسان هو الجهل " الإنسان عدو ما يجهل"
لكن على الكائن البشري  أن يكون إنسانا اولا  لكي ُيسمع وُيحترم،  ومن أبسط شروط الإنسانية هو الإصغاء للآخر الند ، وليس البحث عن  أعداء دائميين .. شرط الانسان، أن يكون على صلة عالية بمقامه ومنزلته في المحيط الذي يعمل به ،  حتى لا يتجاوز عمقه كي لا يغرق في الوهم أو  ينفجر كما الضفدعة سابقا أو الحزام الناسف حاليا ,.
والرأي لكي يحترم يجب أن ينطلق من مقومات موضوعية ومهنية ومن خبرة  وثقافة  وحدس تاريخي  في  الشأن المراد الكتابة فيه ..
إذا توفر هذان الركنان وليس الشرطان  فلا بد من إحترام القائل  ورأيه ..
فلو ذهبنا الى المدونات لاهوتيا وبشريا،  سنجد الآخر الند حاضرا بشدة لمناقشة  الآلهة  ومعاندتها .. وظل كل طرف محتفظا برأيه  لحد الآن .. فمثلا صراع جلجامش وانكيدو انتهى الى  وفاق الانداد ..  كذلك الله والشيطان ، والمتنبي الشاعر الكبير له خصوم حتى ألف بها كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومة "... ومحنة أبي تمام مع عقول المتلقين كانت ماثلة ، وغربة ابي العلاء المعري تشهد على هذه  القطيعة ، وكذا طه حسين  وعلي عبد الرازق وعلي الوردي  وطليعة كبيرة من مفكري التنوير على مدار التاريخ القديم والمعاصر ..
لكلّ من المتبارين أو " المتباهلين " ححج وأسانيد  ومنطق  وأفق للحوار ومدار لفضاء البث والتلقي ، وجمهور من المؤيدين والمعارضين معا .
قد يحدث ميل لمزاج على آخر ، قد يحصل جور وظلم ، قد يحصل الإضطهاد والتعدي ..  وقد حصل  التجريم والتكفير على أشدة من قبل المؤسسة على المفكرين ..
لكن التاريخ دوّن ولو بأخبار آحاد أو ضعيفة وخجولة  وما زال التدوين ساريا  ,,  ليخبرنا  بماذا  حدّث المفكرون ولماذا أُدينوا .. فاصبحت لدينا خبرة ومعرفة في ماذا يعني الرأي وماهو  الأختلاف ..
إذن هناك دائما قوتان رغم اختلاف ذراع  المقاومة في الحقل ,, واختلال التوازن في الحكم ..
ولكني ارى العجب في الذي يجري الآن من قدرة البعض " الطارىء" " المنهزم  انسانيا"  وغير الناضج معرفيا ، والادعياء ، في مقارعة الآخرين ومصادرتهم بقسوة لا تدانيها  قسوة السيف  وجز الرقاب والمفخخات  واسحلة التدمير الشامل .. لان  صناعة الشر والهدم  لا تحتاج الى الكثير من  المهارات ..
وكما قال صاحبي : لكي تكون شاعرا الآن ما عليك سوى الحصول على جهاز كموبيوتر  وشبكة نت فقط ، والبقية تأتي ..
فهؤلاء للاسف وجدوا الحقل الخصب لنمو مواهبهم  في كسب الاعداء بشكل منقطع النظير ، هم ضد الآخر دائما دون  دراية او ثقافة او مقومات موضوعية لدخول الحقول .. انهم يمرحون تماما  في ارض الله الواسعة حارقين الزرع والضرع .. أقلام صفراء ونفوس ضامرة وجدباء .. لا حجة لهم ولا منطق .. تسوقهم مأرب لا تتعدى ارنبة انوفهم المسدودة عن شم  عبير الاخرين في روض الاختلاف الانساني ، في ضرورة الاختلاف لبلوغ الصورة الانسانية للمجتمع البشري غير المتطابق اطلاقا ..
إنهم نماذج متشابه  تصدر من نفق واحد، وترتوي من نفس المياة الآسنة ,, يعيشون في غابات أنفسهم المظلمة .
يؤسفني تماما إننا نتقاسم معهم حصتنا المتساوية من الأوكسجين والماء وجلال الطبيعة  وبهاء الإنسان ..  لست ضد أحد ولا ضد رأي  ..
بل أسجل اعتراضي  ضد مهنة صناعة  العدو  الدائمة .. في زمن نحن بأمس الحاجة الى صناعة الند الصديق ، القوي .
لاشك ان الفرق مائل وجليّ  بين إضطراب الحواس الانسانية وعبثها وانقيادها الى الشخصانية  والمناكفة المرضية،  وبين الانسان ذو الرأي العميق مهما اختلفنا معه ..
أين نحن من الإختلاف الذي ندعيه والحب الذي نتنطع به ..
أين هي رسالة  الحقول ومهنيتها   في الفكر والميديا عامة ..
لماذا يمتهن البعض تسقيط الآخر مجانيا وبناءً على رغبة مرضية ليس إلا..
الم أقل لكم إن الانسان عدو ما يجهل .. وأكبر  كبائره  جهله بنفسه وقامته  في المحيط  الرخو الذي يجد له متسعا ومتنفسا  لصناعة الأعداء.. مسكين هذا الكائن  الذي يحمل صفة الإنسان دون معرفة لسموها  وجلالها .. ولكن  المنابر  أصبحت مصدرا مجانيا ورخيصا  لصناعة الأعداء واشاعة روح التوتر السلبي والتأزم الشخصي ,, ألم نتفق على أن الإرهاب المعنوي : أو العنف الرمزي.. حسب تعبير التوسير" هو أقصى  درجات  العنف الذي يمارس على الانسان كيانا وفكرا.
ألم نتفق على تجفيف منابع الإرهاب  الذي له دين ووطن وقوم ..
دعوة أخرى لتجفيف منابع الكراهية والغاء الآخر .. دعوة يقودها الحب في الآختلاف ، والمعرفة في الجدل لخلق حالة من الأرتقاء والسمو بالانسان والفكر ، والنأي به عن التشكل السلبي والواحدية في الرأي .
ولنلبس  المحبة التي هي رباط الكمال .
...

7
وطن أم حلم .. منفى أم منأى ؟

وديع شامخ
  Wadea1956@yahoo.com


للوطن مرايا وسقوف وجدران وسطوح .. وللمنافي شموس واقنعة .
الوطن.. الصورة الاولى والشجرة الاولى والغرسة القلقة في حقل الكائن الغائم .. القلق ..
المنفى هو الارض المفترضة لهطول ماآحتبسْ ، وهو اللسان العارف بالغصّة والشهقة ، وبقايا الطفح الأحمر على الروح..
.. هو الهروب بالحلم الى اقصاه.
يالله .. أقصيني .. أُدنيني.. لا تأخذ بعضي ..
أدخلني في فلك قبل اللوح ومرايا الطوفان وحيلتكَ ..
انزلني يالله في اول محطة ...
فأنا مثقوب الروح وجسدي ينزّ بالتوبة والعفة ...
انزلني ياربي ، فانا مصاب بدوار البحر .. لا تجعلني اتقيأ ..
أنزلني فالوصايا على طرف شهقتي
إنزلني .. يالله
.................................

للوطن ناسه وصباحاته وأنينه وموته ،وهو مرتع الحلم وباب الذكريات وخزانة الصور، وحب ابنة الجيران ، وله ايضا عسله المغشوش وفراشاته المنتحرة في حومة التعاويذ ..
للمنفى اشراقة ومساء ، وزاد وبهجة .. لمن يتعلم النسيان.. -يا لها من نعمة-!!
إنزلني يالله .. إعتقني يا ربي
…………………….
لايمكن ان تكون في الوطن و ترنو الى المنفى إلا لخلل في العلاقة، اقصد عوقا ماثلا صارخا، لا تدركه هلوسة وطنية ، ولا زعيق مجاني ..
عندما يركبُ رأسك المنفى، المهجر ، البعد، النأي،.. فتذكر أنك في خانة القلق .
للوطن احلامه واضغاثها .. وللمنفى كوابيسه ايضا..
ربما كان المنفى حلما والوطن كابوسا.. ربما كان المنفى احلام يقظة في قلب الوطن.!!
ُملتبسٌ هو الانسان ، وضعيف ومكدود وملعون ، اذا َسحقت اضلاعه البضة مطرقة الوطن وسنادين الحنين..
يالله لا تجمعني مع كلب الطوفان ولسان الأخضر في قافلة النسيان
لا اريد ان اكون حمامة ، لا ثعلب في غابة ماء .
.......................
دائما زادي الحلم وزوادتي المغامرة، ركبتها ووليت روحي نحو مآلها .. لا اعرف حقا ان كنت الآن في الوطن ، ام في ": المنأى"
مطرقة تعوي بالمنفى –المهجر- النأي .. الابتعاد طوعا او كرها.

يا كير الحداد .... ابعد عني شرر السندان ، وكيل الطوفان ... يالله
...........................
هل يمكن ان نعيش هكذا في وطن او في " منأى" دون مزايدة وسوق للنخاسة ،دون دولة للداخلين وأمبراطورية للخارجين..؟
دون تعويذة للبقاء او ضريبة للخروج.. هل أصرخ عاليا وجسدي مقدّد بين داخل الحكاية وخارجها ؟؟
هل كان المنفى هو " المنأى ؟
أم أن الوطن عاقر يقترض ابناءه من خزائن الارض حين اينعت غلتهم وادسمت قرائحهم وأصلب عودهم هناك‘ بعد أن شتتهم في عجاف أيامه وفرقهم في محطات ليله الطويل !!
………………………..
مَنْ كان الزوادة ومن كان الزائدة!؟
شلالات من الأرواح اللائبة تحترق في دوامة النار والنور.. تتفحم في بداية النفق ، او تكون رتّاجا لباب لا ينفتح إلا على الريح..
هل الوطن ريح ونشور ، والمنأى جبل عاصم ...
هل الوطن طوفان والمنافى سفن وفلك ..وافلاك!؟
هل الوطن لوح محفوظ في خزائن الذي لا يأتي أبدا، والمنأى حقول بكر ُتمرغ فحولة المنحدرين من سيول النجاة؟
للحلم محطات واجنحة .. وللمنفى ابواب ونوافذ وحرائق وحقول ، وللمنأى عسس يشمون روائح الذي لا يأتي..
هل باض الوطن عيونه على الطرقات .. أ كنّا بيوضا بلا حضن حقا؟؟
هل يحتاج الوطن الى دليل أم الى أدلاء؟
لماذا كان الدليل قائما للرحيل ، للهروب ، للنأي ...
من يستطيع ان يحلم ويضع النقاط على الخارطة؟
منْ يهذي ويحمل لسانه ليذري زؤام ما حصدته النوافذ والنوايا والأشرعة؟؟ ..
من يعرّف الحلم .. الوطن .. خزانة الحياة؟
كلّ الطريق اليكَ عابق بالشوك .. كلّه يزحف .. يرتجف .. كيف الوصول ، والباب الواقف على شفتيك مقفول بالفحيح!!!
..........
لم تكن بابَ جَنةٍ لنحفظ مراسيم اليقظة والولوج....
لم تكن نافذة .. لنحفظ في جيبوبنا السرية سرّ الدخول...
لم تكن سرا ، لُنناوب الشفاه أصفرارها في متاهة القول..
لم تكن كلمة ، لنبعثر حروفها في طلاسم .. لنبتكر حوتا ونبتلعكَ.....
لم تكن أيها الغريب غير شجرة ... نعم شجرة .
التحف العابرون بفيئها، وتنملّت اصابع العاشقين على لحائها ..
ماذا يكتب الفرقاء في احلامهم ؟
على ايّة سبورة يغفو الحرف .. قبل ان تثمل اللغة ؟
على ايّ يقين أملس تكون طلسما ، وطاس حكاية ؟
وانت ما زلت بين الحلم وبين المنأى..مُفكِّرا في وطن يشحنك دهرا، لتشحذه ثانية...!!

..............
لا اعرف سعرك في سوق الحلم وسوق الصرف وماء الطوفان.....
لا أعرف مقاس قامتك ، وعرض أكتافك ، وطراوة جبينك
هل ما زلت تحمل جبينا يندى.. حين تعبرّ منحنيا أسوار مدينتكَ؟
...................
خمبابا .. يا ولدي مصطبة للراحة
والوحش القادم انتم .
.....................
لماذا يا جلجامش لا تحفظ وصايا الله ..
من وشى بكَ ؟
إنكيدو، حانة غفلتك.. أتونابشتم ، أفعى اليقظة !!؟
............
من ْ ياالله يذهب لفم الأمواه . وسر الأسرار
من يا ربي ؟
غير غريب .. يتعثر بوطن .. فيبني حانة
يتعثر بربه فيقيم معبدا
يتعثر بحلمه فيحرز تعويذة...
حقا أنه يتعثر بالطريق الى وطنه ..
ولا يريد حلّ اللغز ..
لماذا هو لغز إذن؟
أهو وطن أم حلم أم منأى؟؟

.....................................................................................
إستراليا - بيرث


8

بدر شاكر السيّاب .. رجل الشعر ونبيّ الألم ؟؟

وديع شامخ 
1
لك الحمدُ مهما استطالَ البلاءُ
ومَهْما استبدَّ الألمْ،
لك الحمد إنّ الرزايا عطاءٌ
وإنّ المصيباتِ بعضُ الكَرَمْ
ألم تعطني أنت هذا الظلام؟
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر؟
أتغضب إن لم يجدْها الغمام؟
شهور طوال، وهذي الجراح
تمزّق جنبيَّ، مثل المدى!
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح الليل أوجاعه بالرّدى
هذه مقطع من نصّ للشاعر العراقيّ الكبير بدر السيّاب، بعنوان سفر ايوب، أو لنقل من سفر السومري التراجيديّ الرافديني السيّاب .. هذا الإنسان الذي عاش منحوسا ومات مظلوما .. شاعر عاش حياته كومضة ومات غريبا حقا .. أبصر النور في جَيكور، القرية التي تغفو على ماء وحزن، وشبّ في البصرة مناجيا شناشيلها، ومطر ابنة الجلبي . كان من الكبار رغم صغر سنه، رائدا حقيقيا لشعر التفعلية، راهبا وناسكا في محراب الشعر ، طفلا بريئا في متاهة الحياة ودهاليزها المظلمة، من البصرة إلى بغداد، إلى بيروت، لندن، الكويت .. مدن شهدت ازدهاره الشعريّ وجذوة حداثته وريادته وشهدت أيضا جنونه وبراءته وأخرى شهدت مرضه وذبوله السريع .. لقد مرق بدر كالسهم الخاطف في هذه الحياة فلم يقارع الأربعين، وعاش سمانها وعجافها .. نعم كان كما المتنبي في قولته " أنا في أمة تداركها الله…. غريب كصالح في ثمودِ"
نعم كان السيّاب أطول من زمن وأجلّ من صدفة وأشدّ بريقا من هفوة، فلربما كان موته التراجيديّ كحياته التي كانت محط اختلاف وجدل. عاش حالما بالحبّ ومات حالما بموت مريح، ولم يحصل على الأمرين ..لا الحبّ الذي أكل جسده وأحاسيسه أثمر عن حبيبة، ولا الموت الذي يشتهي قد كان
................................
 ..

2


من ماء الله المقدّس ومن طين جَيكور، من مدينة الألم والشمس، خاصرة العراق وثغره، من البصرة وجنوبِها الأسمر الطاعن بالمحبّة كان السيّاب جرحا غائرا، وشمعة وقصيدة.
لا أريد هنا أن أكون راثيا، لأنّ بدر السيّاب لم يمت في محراب الشعر والذاكرة الجمعية الإبداعية، ولكني أريد أن أتساءل ؟؟ هل حقا مات السيّاب مرتين؟ هذا الرجل الذي ولد عام 1926 وتوارى في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 بالمستشفى الأميري في الكويت! حيث مرّ على الحياة كقوس قزح ومرق إلى القبر كعاشق مخذول.
هل حقا صدقت نبوءة الشاعر محمود البريكان بحقّ صديقه وخلّه، عندما حضر حفل افتتاح تمثال السيّاب على ضفاف شطّ العرب الخالد وكان النحّات نداء كاظم هو من أنجز التمثال، قال الراحل البريكان :" إن الشاعر يموت مرتين، مرة عندما يصدر ديوانه، وآخر عندما يقام له تمثال".
لاشكّ أنّ البريكان كان حاذقا في تساؤلاته. فهل مات السيّاب مرتين؟
عاش السيّاب حياته محاطا بجملة أوهام وحقيقة واحدة، وهم الحبّ ووهم السياسية ووهم الوجود القلق في الحاضنات وجمرها، وحقيقة  الشعر. .
أحبَّ كثيرا من النساء فلم تكن غير إقبال أمّ غيلان حقيقته التي لم يهرب منها، وخالط رجال السياسية ودعارة أسواقهم فتلوّث من كير نارهم ومات فقيرا غريبا بعيدا عن حقيقة المجد والسلطة والمال، أذرع الساسة وصولجاناتهم ..
من يتأمّل بحبّ وصدق حياة هذا الراهب القديس الشاعر سيجدها خارطة مثلومة، وقلبا مكلوما ..وبقايا أحلام .. استهلكها في حياة قصيرة لم يكن الغالب فيها إلا الشعر . فكان السيّاب رجل الشعر البارّ ونبيّ الألم . وعرّاب القصيدة العربية الجديدة، فقد ظلّ مخلصا لخروقاته في القصيدة الكلاسيكية إلى آخر عمره، ظلّ مخلصا لمشروعه التجديديّ والحداثويّ في حقل الشعر إلى النهاية، فلم تكن حياته عبارة عن سبق شعريّ زمنيّ بين قصيدته " هل كان حبّا " وقصيدة نازك الملائكة " الكوليرا" .. كان السيّاب أنشودة للمطر الشعريّ الدائم…
أتعلمين أيّ حزن يبعث المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريب إذا انهمر
وكيف يشعر الغريب فيها بالضياع ..
وكان يدق ناقوس الخطر:
ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع
مطر …. مطر … مطر
.....................................



3
ذكريات السبتي

يقول الشاعر الكويتي علي السبتي: (كنت معجبًا إلى حدّ كبير بشعر السيّاب، وعندما التقيته لأوّل مرّة في البصرة ازداد إعجابي به، وأصبح بعد ذلك من أعزّ أصدقائي، ثم باعدتنا الأيام، إلى أن جاء يوم وقع أمام عيني مقال منشور في مجلة (الحوادث) اللبنانية بقلم الأستاذ إلياس سحاب يتحدّث فيه عن بدر الشاعر المريض الذي لا يحصل على العلاج الكافي، وأنه مهمل في المستشفيات وطريق الموت يتّسع أمامه. لقد هزّ مشاعري هذا المقال، وتألّمت كثيرًا على بدر، فكتبت بدوري مقالا في مجلة (صوت الخليج) الكويتية، طلبت فيه من السيد وزير الصحة الكويتي أن يتبنّى علاج بدر في المستشفيات الكويتية، وفعلا اهتم السيد الوزير بما جاء في مقالي، حيث اتصل بي طالبا عنوان بدر للاتصال به.
وبعد أن وجدوا بدرا يتهالك في مستشفى البصرة الجمهوري نقلوه إلى الكويت في السادس من يوليو 1964 وكان في استقباله الأستاذ علي السبتي، وناجي علوش، والأستاذ فاروق شوشة، وقد أخذوه إلى المستشفى حيث تشكّلت لجنة طبية خاصة للإشراف على علاج السيّاب الذي جاء بكلّ تقاريره الطبية التي تشير إلى وضعه المرضي، ومن ضمنها تقارير مستشفى البصرة الجمهوري، ومستشفى (درم) البريطانية، مع تقارير أخرى من فرنسا."
*- وعند ظهيرة الخميس، الرابع والعشرين من ديسمبر 1964، خرجت من الكويت سيارة رقمها 20322 كويت متجهة إلى البصرة، وهي سيارة الصديق الوفي الشاعر علي السبتي، كانت تحمل جثمان الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب. واستدارت السيارة الكويتية نحو مقبرة الحسن البصري في الزبير بالبصرة، ولم يمش في تشييع الجثمان سوى ستة أشخاص، كان من بينهم الصديق الشاعر الكويتي الأصيل علي السبتي، وكان المطر الذي أحبّه بدر هو الآخر ضمن المشيّعين، فقد عانق جثمانه من الكويت حتى الزبير.!!!

...........................................

4
بدر ومناوئوه
أستطيع تشبيه الذين ناكدوا السيّاب في حياته شعريا مثل فلان وعلا ن، الذين أصدروا شهادة زور بحقّ الشاعر وثقافته وموهبته، ولكنهم لم يجرؤا على تهميشه شعريا، مثل ما حصل للشاعر الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني في القرن السادس الهجري (610 ـ 690 هـ) والذي كفّره معاصره الشيخ ابن تيمية حين قال صراحة (وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر!)، في حين رأى فيه شاعرا جيدا ،" وشعره في صناعة الشعر جيّد، ولكنه كما قيل لحم خنزير في طبق صينيّ").
..................................
5
السيّاب والحداثة

سؤال قد يبدو غريبا لمن يعرف الشاعر بدر شاكر السيّاب حقّ معرفة، ويعرف تماما من هو السيّاب وما موقعه الحقيقيّ في المشهد الحداثويّ في الشعر العربي المعاصر، ولكنه يبدو مألوفا جدّا لأولئك الذين أصيبوا بعمى البصيرة وصاروا لا يميزون بين الشاعر والبوق، والشعر والنحاس.

تلك معادلة صعبة لا ندّعي أنّ السيّاب قد حقّق حلمنا بها، ولم يدّع السيّاب نفسه هذا .. لقد كانت حياته الشعرية القصيرة واللامعة معا كفيلة بتأسيس منجزٍ نوعيٍّ في الشعر العربيّ، فالريادة في الشعر سيّابية بلا منازع، والحداثة في الشعر سيّابية بجدارة .. لقد كان الرجل من الكبار الذين تشهد الحقب التاريخية على تحقيق قفزات نوعية على أيديهم ، وبوجودهم .. فـإذا ما كان فرويد وماركس شارل بود لير، ورامبو، ومالارميه، مارتن لوثر، و ديكارت وأبو العلاء المعرّي .. وغيرهم القليل قد شكّلوا فواصل نوعية في مسيرة الحداثة الإنسانية، فالسيّاب في رأيي هو قطب حداثويّ بارع، والحداثة التي أعنيها هي المنعطف التاريخيّ في هذا الحقل أو ذاك .. نعم لم يكن السيّاب وليد الصدفة أو مرسلا من السماء، لقد كان نتاجا حقيقا لإرث ومتغيّرات كبيرة في الحقول الاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية، لكنه كان حامل الشعلة وسارق النار .. كان الأسد الذي هضم الخراف على حدّ تعبير بول فاليري . أو إذا كانت الحداثة بحسب تعبير رولان بارت، هي طوفان معرفيّ، وزلزال حضاريّ عنيف، وانقلاب ثقافيّ شامل… أو إنّها موقف عامّ وشامل ومعارض للثقافات التقليدية السائدة.. فالسيّاب قد ساهم جدّيا في إرساء هذه المفاهيم في حقل الشعر..
..................................................

6
لماذا أُحبُّ السيّاب؟؟؟؟

أحبّ السيّاب لأنّني أؤمن أنّ الشعر حبّ قبل كلّ شيء.. لا منازعات شخصية ولا كشف حساب سياسيّ رخيص ..

أحبّ السيّاب لأنّه نبيّ مطرود من أمّته، منذ أن تنفّس الحياة على ظلال النخيل في جيكور القرية الوادعة ..وحتى موته غريبا في مقبرة الحسن البصري.

لم تكن التماعة السيّاب الشعرية الكبرى في قصيدة هل كان حبّا ،  والذي تنازعه الشاعرة نازك الملائكة في قصيدة الكوليرا .. محض صدفة ، لقد كان السيّاب شاعرا مخلصا لمشروعه الذي بدأ في تلك القصيدة، بينما تراجعت نازك وآخرون عن المشروع التجديديّ في القصيدة العربية الحديثة.

نحن نعرف السيّاب شاعرا في كلّ منجزه الذي بدأ من مجموعته أزهار ذابلة 1947م. أعاصير 1948 أزهار وأساطير 1950م. فجر السلام 1951 حفار القبور 1952م. قصيدة مطوّلة المومس العمياء 1954م. قصيدة مطوّلة الأسلحة والأطفال 1955م. ،أنشودة المطر 1960. المعبد الغريق 1962م. منزل الأقنان 1963م. شناشيل ابنة الجلبي 1964م. وإقبال .. لقد كسر السيّاب في شعره النوعيّ أحد أضلاع القصيدة العمودية الفراهيدية، ويعد هذا إنجازا كبيرا. مع بداية الستّينات نشر السيّاب ديوانه "أنشودة المطر" الذي انتزع به الاعتراف نهائيا للشعر الحرّ من القراء وصار هو الشكل الأكثر ملاءمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السيّاب موقع الريادة بفضل تدفّقه الشعريّ، وكذلك للنفس الأسطوريّ الذي أدخله على الشعر العربيّ باستثماره أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، وجيكور قريته، وبويب النهر الذي حوّله إلى أسطورة. وتخلّلت سنوات الشهرة صراعات السيّاب مع المرض ولكن لم تنقص قامته الشعرية وبدأت ملامح جديدة تظهر في شعره وتغيّرت رموزه من تمّوز والمطر في "أنشودة المطر" إلى السراب والمراثي في مجموعته "المعبد الغريق" ولاحقا توغّل السيّاب في ذكرياته الخاصّة وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية في "منزل الأقنان" و"شناشيل ابنة الجلبي"

وكان السيّاب كلّما أقترب من الموت يبدو حميما ووادعا، لقد كان يتمنّى في هذيانه في المستشفى الأميري الكويتي ،يقرأ الشعر بالانكليزية ويتمنّى الرجوع إلى بغداد ليأكل السمك المسكوف …. يا له من طفل كبير ..

الموت يقرع والسيّاب يتشبّث بالحياة..
لهذا أحبّ السيّاب .
………………….
خاتمة
هو بدر تّم في سماء الشعر … وعندما تأخذك المقادير لزيارة قبر السيّاب في مدينة الزبير جنوب البصرة، وفي مقبرة الحسن البصري ستجده وادعا في حضرة الشيخ البصري، لن تجد لقبره آثارا شاهقة ولا ذهب يسوّر شاهدته .. ستجد رخامة علاها الصدأ مكتوب عليها.. هذا بدر بن شاكر السيّاب ولد عام 1926 وتوفّي في عام 1964 في ليلة مطيرة لم يحضر من المشيّعين إلا ستّة … مات صاحب المشروع الحداثويّ الشعري الكبير في الأدب العربيّ وكان المطر هو مشيّعه الكبير .. وهذه هي سمة الكبار الذين لا يستمدّون عظمتهم من قبورهم الفارهة وخرافاتهم .. لقد كان الموت صنو السيّاب في حياة القصيرة كحياة نبيّ برداء إله..

انه مسيح الشعر وصليب الألم.
...

9
أوراق  خضراء  من  شجرة الذاكرة

وديع شامخ

إرتبطت الذاكرة  بوجود الإنسان ، وتفرّد بها عن سائر المخلوقات ، إنتاجا ودرسا ، لأن الذاكرة درس مديد لمن يريد التعلّم والتذكّر والتأمل ..
الذاكرة تشير الى تاريخ ما .. إنسان فرد ، مجموعة  ،  شعب ، أمة ،  حقب  زمنية في أمكنة  متعددة .. . الأسوياء منّا نحن معشر البشر الذين  نعيش فضاء  الانسانية  .. نتجاور طوعا وكراهية ،   نتقرب وننأى ، نحب ونكره ، نحارب ونسالم .. معادلات لا تنتهي  يمرّ بها الانسان  والمجتمع .. وبين كل هذا  تكون الذاكرة ، فردية أم جمعية  كأسفنجة تمتص كل لحظة  ونأمة  في " الزمنكان " لتسجلها في دفتر " الوارد والصادر "  في  مشوار العمر .
الذاكرة البشرية لا يمكن التعويل عليها  في حقول كثيرة  كالإقتصاد مثلا ، لان القوم في هذا الحقل  عمليون  جدا ولهم حكمة تقول " سجل سيء خير من ذاكرة باشطة"  .. والناس في حقول مجاورة  لا تريد ذاكرة ، بل تريد حسابا وكتابا ..............
الذاكرة البشرية صنو الإنسان الخصب ، لأنه لا ينتصب إلا بطوقي نجاة الحياة البشرية السوية .. ذاكرة و نسيان ... وكلا وجهي العملة يحتاجهما البشر  لمواصلة الحياة ..
.........................................
البعض  يصرُّ  على العيش في الذاكرة .. َيجترّ منها ما يريد ، في اللحظة والمكان المناسبين له .. وآخر يريد إمحاء الذاكرة ..
الذاكرة سوط الضمير  إذا كانت محملة بالرزايا والفضائح والمكائد ..
والنسيان داء لمن أدمن العيش في مقامة الماضي..
الماضي زمن إنتهى ..  والحاضر زمن نعيشه والمستقبل أفق نحدسه ونعيش لاجله ..
..أين تكون الذاكرة مفيدة.. وكيف  يكون النسيان  فعّالا؟؟
 
............................................
في المشهد الثقافي العراقي  بمعناه العام " الثقافة بوصفها حقلا واسعا لإنتاج الجمال والمعرفة  والرياضة والفنون  والآداب والإعلام .. الخ"  تجتاحنا حمّى التصريح  الصاخب   بالِسير والتواريخ والبطولات  لأناس  جلّ ما وصلوا اليه أن يكونوا على قدر كبير من المكر والدهاء وربما  الوهم الكبير  ، والرهان على النسيان الجمعي ، بوصف الناس مصابون بذاكرة مثقوبة  لا ُتعمر طويلا ، ولا تقدّم كشوفات حساب نهائية  لهؤلاء ، فلقد استثمروا فضاء " التيه"  وباشروا ببناء  يوتوبيات من صنع خيالهم القاصر وأوهامهم ، في محاولة بائسة لإقناع ما يمكن  إقناعه ، بوجود هؤلاء الكائنات أحياء على قيد  الذاكرة والنسيان معا .
محنة حقيقية أن يكون سوق " التاريخ"  قد  أقفل  بواباته وأسدل ستائره  أمام أوهام  هؤلاء  " الباعة " في بازار اللعب على الحاضر برسم الماضي ، والإثنين معا  برسم المجهول.. والذي يتاجرون بصياغته كمستقبل  قابل للتحقيق  على مقاسات أكاذيبهم . .. 
............................
بعد إنفتاح عالم الفكر على مناخات  وآفاق واسعة بحكم ثورة الاتصالات الحديثة .. فقد غدا كل شيء بضاعة بمعناها التداولي ، أي أن هناك بائع وهناك طوابير من المشترين .. وهناك ُمرسل و ملايين ينتظرون الرسالة... وفي السوق " سوق المجتمع" حيث يعرض الجميع بضاعتهم  وينادي أصحاب الأصوات العالية، ويشير أصحاب العضلات المفتولة على بضائعهم بشكل مخصوص.. يصيحون بحناجر صفراء .. ويطلقون  ذباب عقولهم الفاسدة على موائد الفكر الحيّ  ليفسدوا  بذلك  نعمة الأنتاج والتلقي ،،، الإمتاع والمؤانسة ..
.........................................

يحلو للكثيرين  أن  يقتطعوا  فرصة العمر كلّه لا لعمل بنّاء،  ولا لمراجعة نقدية  للماضي والحاضر معا .. بل ان هؤلاء المعاقين بالرؤيا  يسعون الى بسط خطاب جديد  وهو " البكاء على الإطلال" وإستدرار العواطف  بخطاب مظلومية على ماضٍ ولىّ زمانه ورجاله  ، وهذا الخطاب  ساهم بشكل فعّال  في شيوع نمط من الحنين السلبي  للعيش  في مقامة الماضي .
ماضٍ  كالح الملامح ، لا تستطيع ايّة ذاكرة  أن تطمئن اليه   بحكم سطوة " المخيال الشعبي"  والروايات الكاذبة  والرواة الكذبة ..
والمظلومية مرض إجتماعي  ينشط في حقل غياب المنهج العلمي في درس الذاكرة والتاريخ .. والإنحياز الى  الحياة  المعاقة .. الحياة التي تعاني من نقص واضح في فهم جدلية   العلاقة بين الماضي والحاضر ، الذاكرة والنسيان ..
لقد  بات خطاب المظلومية يعيش متنكرا  بين الذاكرة العاطلة وصنوها النسيان ، والغرض الأكيد هو الحنين الى عودة حياة السلطان،، الدكتاتور وأعوانه من بطانة الماضي والسيادة ثانية على   حاضر رمينا  أنقاضه  وراءنا  ومضينا .

.......................................
الوشاية ...  كمقصلة

يحدثنا تاريخ العَسس ، إن  المهمة الرئيسة  لهؤلاء الناس  هي الوشاية ، الوشاية  التي تعادل الموت  تماما ، أو  الأقصاء / التهميش أن لم يكن الموت . هكذا نتائج كانت مبعث غبطة السلاطين من وشاتهم ، والولاة من عسسهم ، والشرطة من جواسيسهم ، والدولة  المبرقعة  بالحداثة من  مدخلات الحداثة  ومخرجاتها ، وهي تفخر بطابور طويل من الاجهزة المخابراتية والإستخارتية والشرطوية والأمنية بشقيها   الواقعي  والافتراضي  .....  .. حتى غدا عمل الواشي  هو المحرك الجديد لحماية  وديمومة  هكذا أنظمة وسلاطين . فأصبحت العلوم الاجتماعية  مطيّة لدوائر المخابرات  لمعرفة هواجس الناس وتطلعاتهم ، وكذا أصبحت  النكات والملفوظات المجانية والبريئة  للناس في الشوارع والأسواق ، والزفرات والشهقات  بمثابة مقياس  آخر لجس نبض الشعوب وإستطلاع الرأي فيها .. وقد أصبحت مهمة " الواشي" بمرور الزمن وتطور المجتمعات  مهمة" وطنية!!" بإمتياز لما تمثله من مجس إستشعار وجرس انذار لكل  نيّة مسبقة للمساس في حياة االسلاطين والإنظمة .. والدول والحكومات  فاسدها وصالحها .
وفي سياحة تاريخية   سنجد " العسس" أو " الوشاة"  طبقة من الناس لهم إستعداد شخصي لامتهان  هذه المهنة ، يغذيها  طبيعة العائلة والبيئة والزمن  الذين ينتمون اليه .
من خلال الواشي  السريّ .. سنجد أن مهمة التنصت واستجلاب الأسرار أمر مألوف جدا  يمارسه  المكلفون  بهذه الوظيفة بمهنية وإنضباط عاليين ، وتزداد كفاءة هؤلاء " الوشاة "  كلّما أمعنوا في إرتداء الاقنعة في  الزمان والوسط المناسبين..
ولكن لماذا نتحسس من العسس  إذا كان دورهم ووظيفتهم وأكل خبزهم " الحلال"  يقع في دائرة " الهمس " .. لماذا ننأى من العسس بجلودنا  ونطعمهم خير بضاعة لتطمين سلاطينهم  بأن الدولة بخير ، والمواطن  بطران ومتذمر دائما ؟؟
لماذا  نقسّم الناس  أصنافا " قتلة ، جزارين ، ضحايا ... وما بينهما واش"
الواشي مهنة مقلقة حقا  لأنه  لا يقل عن الجلاد  شراسة،   وقطعا لا ينتعش سوقه إلا بوجود عطب في الذاكرة  ونسيان مطبق .. الواشي يراهن على  غفلة العقول .. والسلاطين تعيش على  وفرة " الوشاة"!!
والأغرب  في الأمر هو   وجود " الواشي"    من شريحة   المثقفين ، وهو أمر مقلق  وبشكل جديّ ، ليس لان المثقف من سلالة  نازلة من سماء الملائكة ، بل لأن المثقف أخطر الناس  توافراً على موهبة  تبرير أعماله ، فهو  لم يكن  " واشيا"  فقط بل ومبررا ومسوقا لعمل  الوشاية  بوصفه عملا إنسانيا  ونخبويا وحضاريا وووووو... وفي كلّ  الاحوال هناك ذاكرة ميتة يرافقها ضمير عاطل عن العمل .
الواشي يتنعش كثيرا بغياب الذاكرة الفعّالة  وسيادة النسيان ، لإنه قادر على العمل بجد ومثابرة وهمّة في كلّ زمان....
........................................................................................

كم مرة حاولت أن أتجاوز  النظر الى الوراء ممتثلا لقول مأثور مفاده  " لا تلتفت الى الوراء ابدا" ولكن هذا الشعور بدأ بالتهالك حالما شعرت انني في الهزيع الأخير  من َسنة كنت أتنفسها  وأعيشها ,, بحلوها  ومرّها ، الرغبة غلبت الوصية فقررت الإلتفات الى الوراء بحب ودون غضب كما يريد فيلسوف آخر " التفت وراءك بغضب " .. لماذا  لا التفت بحب  وأقرأ ما فاتني في أوراق الرزنامة  .. أقلّب شجرة عمري  وأسجل على لحائها  إعترافاتي... ..
النظر الى الوراء يعني أنك ذاهب الى الأمام " المجهول"،  بعدّة كافية  من الضمير غير الموخوز  والقلب غير المثقوب والقامة غير الملتوية .. النظر الى الوراء يجعلنا نتعلم درس التذّكر الفعال وصولا الى النسيان  الأكثر بهاءً في حياة الكائن البشري " السوي" .. نتذكر كي نرمم ذوتنا بالحب وننسى كي تبقى  حدقات عيوننا  شاخصة الى المستقبل " الأمام"..
كلما فتحت صندوق أيامي وبعثرت  ذكرياتي .. لم أجرؤ على شطب واحدة من أخطائي  وذنوبي وحماقاتي .. نعم أتذكرها جميعا ولم أغلق  عليها صندوقي  ، لن اشمّع قلبي كأيّ قاتل محترف  ، لا أستطيع غرس شجرة آثامي  وسقيها بدم بارد .. أقرأ هفواتي ببراءة دائمة  وأعيد قراءتها  بندم كي لا تنعقد الأخطاء قلادة على  عنقي  ، ولا تنسج سيرة الماضي قصة لا نهاية لها، أنا  كاتب أخطائي وماحيها ، وأنا مرتكب الحماقات  وغاسل  قلبي منها.. ..
أريد  أن أدوّن في ذاكرتي قاموسا  للنقاء والبهاء .... أنحت في بيت عقلي أصدقاء من عسل ، وأزين جيد  ضميري  بمجسات  ناصعة التحسس ...
هكذا أتصور يومي الجديد خالٍ من لبلاب الرياء وبشاعة الإنسان التي أودع ضميرة وقلبه في خان  بعيد...! ...
أريد النظر للماضي بجرأة واضحة  ليكون حاضري واحة خضراء لبلوغ الأمام " المستقبل "  بأقل الخسائر الإنسانية .. بروح باسلة  ، لا تلهث وراء صبواتها .. ولا تنحني  لمقاسات جاهزة. ..
أريد أن  أرى قامتي في مرأة  لا أخجل منها أبدا .. ..
اني أحاول تخطي الوراء للوصول الى " أمام"  يليق بالإنسان الحر .. صانع المستقبل .. صانع السلام .. مالك نفسه  في رؤية متوازنة بين ماضٍ مضى، وحاضر يلفظ ليله لمستقبل  اليوم الجديد.. هي دورة إستحالة الكائن الفعّال في الزمان والمكان ..
 لا وجه لنسخ وإستنساخ  الزمن  ، ولاحياة للعبيد  لانهم لا يستطيعون  رؤية الأشياء والكائنات وصيرورة التاريخ إلا عبر أغلالهم وأحلام ساداتهم . .




10
عندما يُكرّم  العراقي

منتدى الجامعيين العراقي الاسترالي ُيقيم عرسا عراقيا   في سدني ..
وديع  شامخ
قليلة هي ساعات الفرح في حياة العرقيين ، وكأنهم ُنذروا للحزن  دائما .. وهكذا تبدو صورة العراقي في حياته المكدودة ، اذ يفنيها  باحثا  عن الإستحقاق الذي يليق  به في  حياته قبل مماته  ، لأن المشاع لدينا، وان حصل، هو تكريم العراقي المبدع بعد وفاته  ..  ومما زاد طين العراقيين بلّة هو  شيوع ثقافة تكريم الأموات ، وكأن الموت هو الحل السحري لتسليط الضوء على المبدعين وبناة العراق  .
وفي أمسية رائعة نظمها  منتدى الجامعيين العراقي الاسترالي في سدني يوم الأحد 2/12/2012، إذ  قام بتكريم مبدعين عراقيين  أحياء ، في حفل رائع وبسيط،  إفتتح الأمسية الدكتور أحمد الربيعي رئيس المنتدى بكلمة رحب فيها بالحاضرين وبأكاديميي العراق الكبار  حيث  مرّ فيها على ماآل اليه وضع نظرائهم ومجمل الجسم الاكاديمي والعملية التعليمية ومسيرة الخلق والإبداع في الوطن الأم بعد 3 حروب عدمية و13 عاما من الحصار الظالم وعقود من الحكم الشمولي، وأشار الى موجات الهجرة للعلماء والكفاءات التي تواصلت تحت وطاة ذلك كله وبالإقتران بابشع عملية تصفية طالت المئات من أفضل العقول والكفاءات في عملية "تطهير لانظير لها،، وختم د الربيعي كلمته بنداء من 5 نقاط لحماية الكفاءات الوطنية وضمان حقوقهم في حياتهم االعملية وبعد تقاعدهم".
ثم  قدّم الأستاذ "مارتن بابا خان" خبير الأنواء الجوية والمحاضر في جامعة نيوكاسل محاضرة  تناولت ظاهرة التصحروالجفاف التي يتعرض لها العالم بشكل عام والعراق بشكل خاص حيث قدم شرحا ً لأسباب هذه الظاهرة وتداعياتها وسبل مواجتها والتقليل من أضرارها. 
وبعد المحاضرة  كان جمهور الحاضرين على موعد مع عزف على آلة القانون  مع الفنان المبدع  محمد صالح الذي أطرب الحاضرين ونقلهم الى أجواء عراقية تحمل بين طياتها رائحة التراب العراقي ونسائم دجلة وصورا ً من أرض الوطن القريب البعيد.
بعدها  تناوب على منصة التكريم  نخبة رائعة وباقة عطرة من زهور العراق بعطورها الفواحة  .. من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات  وكفاءات في إختصاصات متنوعة . أفنوا زهرة شبابهم في الدرس والمثابرة والتحصيل والإجتهاد ليحصلوا على أعلى الشهادات والمراكز العلمية  ليكونوا في خدمة بلدهم العراق ..ولكن للأسف ما شهدناه  في حفل التكريم ، هو قصص حزينة ومواقف تبعث على الأسى والحيرة تجاه هذه الكفاءات وعقوق حكومات العراق  بأحتضانهم  والإستفادة من طاقاتهم  وعقولهم الجبارة في بناء عراق متقدم علميا وحضاريا ،
 لقد شهدنا قامات سامقة في حقول العلم  المعرفة والهندسة والفنون  يجمعها حب العراق  وخدمته ، والتهميش  والظلم الذي طالهم ايضا . مبدعون أفنوا زهرة حياتهم في خدمة وطنهم  في مجالات عملهم المتنوعة ، أدمنوا حب العراق،  ولكن  قسوة الحكومات في الزمن الديكتاتوري المقبور وهذا الزمن الجديد  ايضا  ساهمت في إبعادهم القسري عن وطنهم وحضنهم الأول ..ومرتع  صباهم وحكايات أحلامهم ..
  إنهم كفاءات مرموقة  إعتراهم الإحباط  واليأس  فيما عانوه في وطنهم بعد أن عادوا إليه وهم محملون بحلم كبير  للمساهة في بناء العراق الجديد .. عراق يواكب العالم  المتحضر ، عراق يحترم كنوزه وطاقاته البشرية ، ولكنهم للاسف  أصيبوا  بخيبة وإحباط شديدين ، وكانت شهاداتهم على منصة التكريم تفيض حزنا ومأساة، لاقِبَل لشعب في العالم المتقدم والمتخلف  معا في التعامل الرخيص وغير المسؤول مع هؤلاء  العقول  الرصينة في شتى نواحي الحياة .. 
وراء كل  شهادة تكريم قصة  طويلة من النجاح والتحدي والأصرار ، كانت القامات العراقية تتوالى على منصة التكريم وهي تفصح للعالم  كلّه قصة عراقيين  أجادوا  وإمتهنوا النجاح  في كلّ السبل ووفقا لإختصاصاتهم المتنوعة .. ولكن وراء هذه الشموع المنيرة في سماء الوطن والانسانية هناك غصّة بعمق الجرح  وشهقة  مكبوتة تبحث عن صدر الوطن الدافيء . هناك  خلف حكايات التحدي العراقي والنجاح والتقدير وأوسمة المجد على صدور هؤلاء العلماء والمبدعين ، هناك ندبة في الروح ، إلا وهي هذا الجفاء والجحود الماثلين من قبل  وطنهم العراق  ، بأهله ومسؤوليه .. فكلما أراد العراقي  أن يكون شمعة مضيئة في ليل وطنه  البهيم ، جاءت رياح العبث واللامسؤولية  لتطفيء  لهب هذه الأرواح  المشعة والفاعلة ..
قصص من خوالد الذكر  سمعناها  من  أفواه  المبدعين وهم يشيرون الى شهادتهم  وتجاربهم وخبراتهم   وكيف حصلوا على هذا المجد بكد العمر الطويل ، ولكن الوخزة في خاصرة الكلام .. وطنهم يبدي عقوقا  غريبا في إحتضانهم شباب وشيبا ..
لعل الكثير منهم كانوا  قد تركوا الوطن آبان فترة الحكم الدكتاتوري السابق ، ومع بشائر التغيير الجديد وعودة الروح للعراق ـ لكن العلّة بقيت مائلة تماما في التعامل مع الكفاءات والعلماء .. لقد كان لكلّ من هؤلاء  المكرمين قصة حزينة مع  وطنه .. وكأن العراق ظل   طاردا لابنائه المخلصين ، والمجتمع العراق هو بأمس الحاجة الى خبرات  هؤلاء  الكواكب  في سماء الإبداع  والبناء والإعمار ، في زمن الخراب الطويل  الذي طال المجتمع العراقي في بنيته  التحتية  وشيوع الأمراض المجتمعية في جسد العراق وعقله  آبان فترة شيوع  الأمراض الطائفية  وغيرها ..
رأيت دموعا ساخنة وراء كلّ  حكاية .. بطلها حب الوطن  والوفاء له !!!
 .. المبدعون يريدون  العودة كأبناء بررة وليسوا  بضالين ، ولكن حدقة عين الوطن ضاقت  وفمه لا يطيق الإبتسامه بوجوهم ، وحدوده عازفة عن
إستقبال قاماتهم السامقة ..
لماذا  يجحد الوطن  حق أولاده ؟؟
 والنملة حتى النملة تعتز بثقف الارض!!!
من الدائن ومن المدين ؟؟؟
إننا  هنا نحمل الحكومة العراقية الحالية والبرلمان العراقي وكلّ المنظمات والشخصيات المعنية ،مسؤولية أهدار الوقت والتأخر في إحتضان هؤلاء الكنوز الثمينة ، ، نطالب المجتمع العراقي كلّه بإنصافهم ورد  حقهم المهدور ليس بمنّة ولا مكرمة من أحد  بل استحقاقا  لحق  مغتصب ومنتهك  من قبل الحكومة الحالية وسابقاتها !!!.
ومن الجدير ذكره أن السيدة سحر كاشف الغطاء والتي تألقت بعفويتها  في تقديم الإحتفال،  قد ألقت قصيدة مؤثرة تناغمت مع الجو العام  للإحتفال ، جاء فيها:
 
رحلوا
لا لهم عدد فيحصى
ولا أسماء فتذكر
جوائزهم شاهد القبرِ
أسمٌ...تأريخ ميلاد ...وآخر للوفاة
و "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي لربك راضية مرضية"
أقلامهم...حقائبهم...غافيات
أوراقهم ظلت تحلق كأقمارٍ
عصية على الموت.

ثلاثة و عشرون عراقي وعراقية  من نسيج العراق وفسيفسائه  المدهش ., نالوا التفاتة جميلة من لدن منتدى الجامعيين العراقي الاسترالي ، والتي أرجو ان تكون منهج عمل ثابت ومستمر في تكريم العقول العراقية المبدعة في حياتها ، ويجب ايضا أن لا يقتصر التكريم على نخبة المبدعين في المجالات  الطبية والهندسية  والعلمية فقط ، بل يتخطاها الى الإحتضان والتركيز أيضا على  الطاقات الأدبية المبدعة في حقل الشعر والسرد والتشكيل  والفنون والرياضة ، لأن العراق لا يطير بجناح العلم والمعرفة الخالصة وحدها ..
وعاد الفنان المتألق محمد صالح  وعلى آلة القانون  ثانية ليكون خير مسك لختام الاحتفال   وليطرب الحاضرين  بعزف المقطوعات الموسيقية والتي صاحبها الحاضرون بالغناء في ليلة عراقية بإمتياز .
وهذه قائمة الزهور المُكرّمة  بروائحها المتنوعة :
1-   د سعيد اسطيفان
2-    د رمزي برنوطي
3-    د نجلاء برنوطي
4-    د ليلى جنو
5-    د نافع جنو
6-    د هشام الجابري
7-    د عبد الرضا الزهيري
8-    البروفسور ابراهيم السهيلي
9-    السيد لفتة عامر
10-   البروفيسور نجدت عزيز
11-   د حكمت عسكر
12-   البروفيسور معن خليل العمر
13-   د خالد عوني
14-   البروفيسور سمير عبد الرحيم عيواص
15-   د خلف المالكي
16-   السيدة مركريت مانوكيان
17-   السيد ماجد المباركي
18-   د ثامر المهنا
19-   البروفسور طه ناجي
20-   د بول نادر Paul Nader
21-   السيد غازي هرمز
22-   د شابا هرمز
23-   د بهيجة الونداوي

................................................................................


11

في كل يوم لنـا قيامة





قراءة في رواية "العودة الى البيت" للروائي العراقي وديع  شامخ




ناصر قوطي

يعود بنا الشاعر والروائي وديع شامخ في روايته الصادرة عن دار ضفاف الموسومة “العودة الى البيت” ليذكرنا ان لكل منا قيامته التي اختارها بمحض ارادته وكذلك اسقاطاته وهفواته، بطولاته وختياراته وفي النتيجة يلملم التراكمات، ويؤرشفها ليعود بنا الى الرحم الاول، مدينته الاثيرة – البصرة- ليسترجع، عبر تحولات مهمة وخطيرة في التاريخ، الكثير من الاسماء والوجوه التي تجذرت والتصقت بذاكرة المدينة شناشيلها، وجاداتها المتربة، وانهارها.

 رواية شامخ "العودة الى البيت" هي عودة الى الرحم الاول عبر استرجاع لذاكرة تحتضر، لدى الكاتب تلك التراكمات من التفاصيل الدقيقة التي انطمرت في شغاف الروح، فهو يبث في المدينة الموشكة على الغرق روحها القديمة، يضيؤها من خلال استباق موتها، وهي الرابضة هناك في روحه ومنفاه بكل مضانها،، رواية شامخ ترصد التحولات المخيفة والمختفية التي لم تقتصر على البنى الطوبغرافية، بل عبرت كل التشوهات التي مرت على وجوه ناسها، من البسطاء والمثقفين، والمناضلين، وكل الذين يحلمون بصناعة وخلق مشهد جديد  لمدينة تغرق، وتنحدر الى الحضيض. ان ذاكرة الكاتب في الراوية  -المونتير- تسترجع من طواهم غبار الزمن والنسيان، وتسترجع في الوقت ذاته حيوات عدة من الذين تركوا بصمة لا تمحى على جدران بيوتات مدينته وطرقاتها والاسواق والانهار، نهاراتها القائظة، واناسها بكل مستوياتهم المعرفية وطموحاتهم المحبطة، التي اجهضتها سطوة وعسف الديكتاتوريات المتعاقبة.

 
استخدم الكاتب تكنيكاً اقرب الى الريبورتاج الصحفي، وهذا التكنيك قد استخدمه العديد من الكتاب العرب والاجانب، وهي تذكرنا برواية "قسطنطين جورجيو" في روايته"الساعة الخامسة والعشرون"، الكاتب يؤرشف لتاريخ من التحولات بكل هولها واسقاطاتها. وتعد وثيقة صادقة بكل تفاصيلها، لمدينة تنحدر وشخوص عاشوا على ارض الواقع، وهي تعد سيرة ذاتية للكاتب، سيرة تضمنت اسماء عدة من المناضلين والمثقفين والفنانين الذين وضعوا اللبنات الاولى من اجل ترسيخ المفاهيم الانسانية الحقة، في جيله على الاقل ،وفي المراحل التي مر بها الكاتب. الرواية تشتغل على المسكوت عنه، المقموع من اعتى الانظمة شمولية. وبعد ذلك ماآلت إليه المدينة من خلال وعيه وقراءته الفاحصة التي لم يستطع الابتعاد عنها لانها تسكن وجدانه.. رواية -العودة الى البيت-  تستقطب كل التحولات التي مرت على مدينة، مدينة بقدر ما تنفتح على وطن تبقى اسيرة من تابوات واقصاءات، قديمة وحديثة وهي تشير باصابع مرتعشة الى مواطن عدة من الخلل الذي اوصل – ليس مدينته فحسب الى الخراب – بل الوطن باسره هذا المسح للذوات وللشخوص التي غيبتها طوامير الانظمة التعسفية، والتي تبدأ من الاستاذ.. ناظم" مدرس مادة الكيمياء وهو يصف الحياة بانها كيمياء، كذلك مدرس الفيزياء، "زيا إيليا" المشكك في المخلص او المنقد، وبين هذا وذاك، كانت روح الروائي – الكاتب السيري تتأرجح بينهما، وتتوق إلى ان يتعلم المسرح والتمثيل "كنت ارقص (الهيوه)، وكان حلمي ان اقف امام يوسف العاني، وخليل شوقي وزينب وناهدة الرماح، وزكية خليفة الزيدي وسامي عبد الحميد في عمل مسرحي كبير. (ص/ 7-8) هذا الحلم كان يريد به ان يطرح شخصية مهمة هي شخصية (جوهر سعيد) الذي ولد عام 1875 في محلة جسر العبيد في البصرة القديمة والذي توفي عام 1924، خيارات البطل تنتهي وهو يذرف دموعه مع اخيه لفساد حلميهما، لانهما لم ينتسبا الى أرواحهما ولم يحققا ما كانا يصبوان إليه، نتيجة لتعسف السلطة. ثمة شخوص حية ترتقي وتصعد في المتن الروائي، وتؤرشف لمرحلة من الاسى والحيف، وتعري في الوقت ذاته الاقصاءات، فما بين السخرية والمرارة،  تنبثق مواقف شخوص الرواية، وتحديها للزيف، ومقاومتها للتعذيب. توزع المتن الحكائي للرواية على عنوانات عدة، كل عنوان له بطل حقيقي على ارض الواقع، له لكنته الخاصة، له مرارته وسخريته، وهذا يحسب للعمل الروائي، كما تتداخل  احداث التاريخ الماضي مع احداث الواقع الآني، ويظل المونتير –الراوي- شاهداً على احداث اقل ما يقال عنها انها كارثية، نتيجة لمصادرة ذات الفرد ، فهو يسخر مرة وهو الشاهد الوحيد على الاحداث- ويرفض مرة بمرارة "دائماً تتفق العامة على القتل والنهب والسلب، قال المونتير" (ص/29) هذه المشاهدة او المشهد الذي طالما تكرر في بلدان العالم الثالث، يطفح في متن الرواية بشكل صارخ وعارٍ، (قال المونتير ضاحكاً: كنا في جيش من المغول مثل ما يقول السائق حقاً،  ونحن نخرج من حلقة تبادل الاقنعة في فلة الحبيبة الشامية الرائعة في احدى ضواحي عمان الراقية!!.هل الحياة علامة فارقة في الطريق الى الموت؟هل نحن مطرودون من الحياة هذان السؤالان واسئلة كثيرة اخرى في متن الرواية تطرح علامات استفهام كثيرة حول ماهية الوجود، حتى ان الراوي، يتعدى حدود عالم الفنطازيا، بل يتعدى ذلك، ويكاد يقترب الى لا معقولية ما يحدث بالرغم من أن هذه الاحداث وقعت حقاً على ارض الواقع، الرواية باختصار شديد تؤرشف –بلغة متهكمة –لتاريخ من الضيم والاسى والصراعات صراع الفرد مع خياراته، وصراعه مع المهيمنات الاجتماعية والانظمة القمعية، وهي تعد -الرواية- وثيقة صادقة لواقع فاسد يطمس كل خيارات وطموحات الناس المشروعة، وهي رواية جديرة بان تقرأ بدقة، وبالرغم من اعتمادها الواقع المحض غير أن اللغة التي استخدمها الكاتب والتكنيك المستخدم الذي اعتمد مرة الفلاش باك، ومن ثم العودة الى المونتير الشاهد الوحيد، حول فساد الارواح والامكنة.  

 

12
المنبر الحر / قبو الذات المظلم
« في: 20:12 24/10/2012  »
قبو الذات المظلم

وديع شامخ

إن تعريف الشيء يعني ..   أما  وضعه في إطاره المحدود المناسب ، أو  نحت تابوته معا .. وفي هذا إشكال بيّن .. فمن هو الشيء القابل للتعريف ؟؟ هل هو شيء ما ، مادي مخصوص ... أم هو الإنسان ؟
هذا سؤال في غاية التعقيد .. ويحتاج الى عمق ورؤيا في توضيح الإلتباس  المشاع في حقل  التعريف  والتخصيص   ...
فإذا ما فرضنا أن  الماء الذي نشربه وهو أصل الحياة كلها ،  يتوافر على تحديد كيمياوي بحصره بين " ذرتين هايدروجين وذرة أوكسجين  "  ويعضده  التعريف الإخر بوصف الماء  "خالي من الطعم واللون والرائحة"   وبهذين التعريفين  وضعنا الماء في مكانه المناسب لوظيفة واحده وهي " شرب ماء صافٍ" لادامة الحياة الانسانية .. وبهذا  يمكن أن نحدّ  الماء بسجن ما ، لكن  الماء يتعدى  حدوده الكيمياوية  والمختبرية .. لوجوده في الطبيعة وبنسبة تصل الى حوالي  75%  من حياة الكون بأسره .. فللماء سيرته الذاتية  التي ُيدوّنها المختبر  والأفق معا ..  وللماء صيرورتة  في " المطر،  وهو زرقة البحر وزرقة الموت.. وهو ساحل  للعاشقين، ورؤى  المتصوفة .. بالماء كلّ شيء كان وبه  نكون  ..  وللماء نتائج في الأرض .. طوفانا  ، وفي السماء قوس قزح .. فمن يستطيع تحجيم الماء  بتعريف !!!
اذا كان هذا حال الماء ، فما بالنا بالانسان الذي هو سيد الماء  .. وسيد  الخليقة  ومبرر وجودها .. فالحياة كم تساوي دون وجود البشر ..؟؟
يذهب الإنسان  بعيدا في تخريفاته  للوصول الى تحديده وتحجيمه   بتجربته الذاتية  فقط، وهي أقصر حلقة وأضيق فضاء  من الوصول به الى التحديد .. والى التعريف  .. لأن الإنسان مجبول  على الطيران بجناحين ، اولهما التجربة الذاتية ومدخلاتها،  والتجربة العامة بوصفها  وعاءً إجتماعيا تفاعيلا ، يتميز عن غيره من الكائنات بعقله التوافقي  والمتشكل من مكونين ، الذات  والموضوع .. الانا وما تفرزه  والآخر  وما يقوله  ..
لايمكن للانسان أن يتمدّد على وسادة الذات  وحدها لينام ويحلم ..
في هكذا إمتحان  وفرز،  نرى الذات المتورمة   تدور على  نيرها  وتستمرأ  صوتها ، مغلقة أذنيها وقلبها الى  صوت العالم  الموضوعي .. فالأسطورة تطير بجناحين ، الإيديولوجي  واليوتوبي .. والانسان هو محصلة لإسطورته الخاصة  ولا يريد الطيران حتى بجناح واحد .. لا يريد ان يتوافر على أذنين  للسمع .. تراه مجبولا على  حياة " الكهف الصالح"   و" كهف ذاته" ، وبهذا يفقد الانسان خاصيته  بوصفه منمط على تجربة عرجاء تسير في حقول الغام الحياة وفضائها اللانهائي .
  يضع الإنسان  تجربته الذاتية كَحلّ  وحيد لرسم خارطة الطريق لحياته .. متناسيا  وعن عمد  التجربة  الانسانية بكليتها لصياغة إنسان متوازن ..  يدخل  الى جوف نفسه  مذعنا الى  صوته القادم  من منظمومة مغلقة  ، لأن التجربة الذاتية لا يمكن لها أن تحدد الأفق،   بل هي تسير بالكائن الى متاهات،  بسبب قصرها  وعجزها على أن تكون حكمة أو  دليلا ..وبوصلة معصومة .. بل تكون سجنا  قاتلا   .
لذا  ستكون التجربة الذاتية وَهمٌ  وسراب  لانها لا تنمو  وتتصالب  في تفاعلها مع الذوات الآخرى ، العالم الموضوعي .. لإنتاح معرفة تامة الجناحين والأذنين .. ذات... لها القدرة على الإبداع الذاتي وَتقبّل  الاختلاف المثمر الفعّال  ، نتيجة لتلاقح الانسان بذاته  والآخر بحقوقه وعقوقه .
...............................
الإنسان  الموسوم  بذاته الخاوية يقع دائما في إشكال الاسئلة .. لأنه لا ينمو بها ... لا يريد سماع الأجوبة .. إلا  تلك التي تأتي من " قبو ذاته "   أو من  صدى باهت له  . وهنا   لا يفوح عبير  الأسئلة  بالجدل  والحوار  .. بل رائحة البصل المنبعث  من  " قبو البصل " ذاته  !!
حيث النسوة يقلّمن أصابعهن  بمرور " يوسف "  الجميل حدّ اللعنة .
وتكون  الذات مؤولة  لأحلامها  ومنعزلة عن الحلم الجمعي ..
؟......................................................................
بهذا السياق فشلت التجربة الذاتية للإنسان  وخصوصا الذي يعيش في مجتمعات العقد الإجتماعي والديمقراطيات  وانفتاح الأفق وسيولة المعلومة وحرية الإستنتاج  ، فشلت،  في أن تقدّم   الذات  فاعليتها الانسانية المبدعة  لانها لا تقاوم  الحد المشروع للتفاعل مع الآخر ، الشريك  ، المندغم ، الحبيب... الخ ..
ذات صفراء تخاف من المشاركة  والتفاعل .. تريد الإنطلاق من ذاتها وهي عاجزة عن تعريف ذاتها  أصلا وتسويق نموذجها ..
في الحقل الاجتماعي يحصل هذا النوع السلبي  بمؤازرة جيوش من " الخدم ، المطيعين ، المريدين ، الإمعات  السلبيّين في الإستجابة والتحدي.." .. وليت خطورة هذا النمط السلبي  بقيت عند حدودها الإجتماعية  وطقوسها المحصورة في التعريف .. ولكننا نجدها وللأسف قد  تحولت الى  نمط  يراد له ان يشاع في حياتنا   العامة بثرائها وتنوعها .. حياتنا التي  تبدأ بالذات ولا تنتهي بها .
....................................
إذا كان الماء مجرد  مادة  لإدامة الحياة فقط   بوجودها الشكلي  وبهذا يكتفي الماء في حصر تجربته  الخالية من اللون والطعم والرائحة للمشاركة الإنسانية في تجارب ذواتها  .. فأن الانسان لا يكن وسمه  بسيمياء  " تاتو" معينة  لانه ليس حاصل جمع وليس نتاج قسمة وليس   تناقض ضرب الأعداد .. لايمكن للانسان بتجربته الذاتية أن ينتج قوانينَ  أبعد من أرنبة أنفه .. وبهذا يحفر قبره بيده ..  هذا الانسان الدعيّ   يريد أن يطير بتجربتة  الذاتية وحدها .. وتلك  بشارة سيئة  لوصول الإنسان الى المجانية .
..........................
وإذا ما نقلنا  التجربة الإنسانية بوصفها شرطا  لوجود الإنسان في محيطين " ذاتي وموضوعي"  وسيكون الشعر  أيضا بحاجة الى الطيران .. وليس الى التعريف  والتحديد ..
 الشاعر الاسباني لوركا رغم عدم ادعائه الحكمة،   قال : إن الشكل والمضمون وحدهما لا يصنعان شعرا لأن الشكل هو اللحم والمضمون هو العظم ..أما الابداع فهو هاجع وراءهما في النخا ع ....
أين نخاع  التجربة  الكليّة  .، هل في التجربة الذاتية ونتائجها، أم في  نخاع  الكيان الكلي للتجربة بفضائها  الواسع ، المتعدد ، المختلف ، المؤتلف ...، بوصفها أفقا وليس سجنا.
النخاع يعني الخلاصة النوعية  لوجود  تجربة إنسانية ناضجة  .. ليست مبنية على الجر والفتح  والكسر  بمقتضى ذات  متورمة  .. بل بمحمول أفق شامل ..
تلك هي حكاية النائم في "  صومعة " الذات .. وحكاية الذي لا يشم غير  رائحة أبطيه ، وهو يعني  العفن السائل من   تجربته الذاتية  كمعطى أولا وأخيرا  ..!!!!!

................................................................................................... .





13
أدب / وشم
« في: 16:26 07/10/2012  »
وشم

وديع شامخ

الى همنغواي حتما


   جفّ  البحرُ .. وطبشورك على السبورة ، أخضر  وريان ؟؟
جفّ  الريق.... أيها  المعلم ، وعَبَر  التلاميذ على إرجوحة الأبجدية ..
يلوكون شمسهم،  ويبلعون قمرا قد  َرسَمْتّه قاع الظلمة ..
أيها المعلم .. عصاك  وشما  على جسدي .. والبحر الفاغر للمعجزات ، طوى ماءه ومضى ...
 أنت سيد   البحر  ولغة  الروح .
أوقفتنا في  الصف كأسنان المشط  ، وقلت للريح أن لا تعبث  بخصلاتنا .
 جفّت الأيام  ، ونام التقويم ، وشخر الزمن طويلا ..
وأفِقّتَ  .. .. تتلو على الخراب سورة البحر ، وعلى  عصاك  شرنقة  الأبجدية .
...........................................

في الظلمة .. في قيعان المعنى .. في التيّه .. أيها البحر ..
الشرفات يتلصصن على   النوايا
والرمل  كما هو .. يرسم الأقدام  ذكرى  ، ويمحو الخطوات ..
 سائرون .
أيها المعلم .. .. نزرع سبورتك  بآثامنا ، وتُطهّر  خطايانا .
..........................

وشم على الرؤى ، وشم على الروح ..
قضبان  من  سلالة  الأوطان المرمية  في القلوب ..
أوطان مرسومة على الظهور كسياط لاهبة .. وشمس لاتكف عن الضحك من غموضنا .
..........................
لا المعلم   يَدلك جسد  الأبجدية
ولا البحر يمشطٌ  مساءَ خرافِتنا
وحيدون .. مثل  الله في سماء بعيدة
قريبون مثل شيطان يمسد  شعورنا 
...............................
ايها المعلم
 افرك الصدأ  ..
عن رؤانا  التي تكلست بالملح.... 
عن عيوننا التي  ذوت في مناحل الشمس
.أيها البحر  .... الشيخ  .
 شاخ المعلم ،
مضينا على رملك نتهجى أبجدية السير الى الحياة ..
 ...

14


غيمة في رأسي
الى  ما يكوفسكي  طبعا




وديع شامخ



يومها كان النهار طويلا جدا
تأخر الليل  على  غير عادته..
لذا أطلّنا الطواف حول الشمس  ، حملنا قرابين الندم ، وَتقدمات السلامة .. لوليدنا الغائب  الليل ..
أطالت الشمس  رقصتها على جراحنا الفاغرة .. نشرت  دماءنا  على  خيوط  شعاعها ...
لم يأتِ ظلال  ارواحنا  لتسكتين  ..
تأخر كثيرا على موعدنا   اليوم
.............
طال نهارنا  حتى عاد بلا طعم ولا رائحة
والشمس تتلوى بين ضلوعنا  كأفعى الحواة ..
رؤوسنا تطلّ  ببلاهة على الضوء الذي كان فوق الحاجة ، وأكثر من الطاقة .. وأقل درجة من السر
...................
الاسرار التي نروم  دفنها في جبة صاحبنا الليل   كادت أن تفسد ..
الاسرار رطبة وموبوءة  ولا حاجة لها لشمس طويلة الشعر .
ونحن  رهائن بين شمس الفضائح وأسرار القبو
...................
كان يومنا قبوا  نمارس خلاعتنا الباذخة على جدرانه .. نرسم أوهامنا  على أرضه الرخوة ..
لكنها الشمس إبنة النهار وملكة التعري والفضائح ، أطاحت  بناموس  السكون ..
صاخبة وحارقة عيون الشمس وهي تجلس على صدر  النهار ..
النهار  :  صاحب  الوشايات  ومرآة الكائن الوحشية .. النهار  الذي ُيقيم كرسي  الملوك ، ويدهن  حيطان الشبهات بمرارة الارواح .
النهار الداعر ، المراهق ،  ينتظر ليله  .. ويتلوى  أمام الشمس القائضة بيومها المديد..
لماذا  يتمدد النهار على رابعة  اسراري طويلا ..
............................

تأخر الليل  ..  خازن الاسرار ..   والعسس  في  صنابير المياه.
تأخر الندم والشمس  تركل  قرابيننا  السائحة ..
 الشمس مكيدة  تُشمّع  جناحي حلمي ..
أنا الجالس على كرة الارض ..
.....................
جاء الليل  من بئر سجنه .. يتوكأ  على عصا   الريبة ..
يسأل عنّا  بعينين معصوبتين ..
نحن رعايا البلّل والشبهات
نحن ركام الذي مضى برقا ، ولم يمطر
نحن الرعد في ثنايا الصمت ..
جاء الليل ليحلم معنا .. في نهار ..
نهار يرتدي الشمس  شوقا ..
ويضع على قلبه مظلة النجاة ....
..........................................
يومها كان رأسي مثقلا   بالغيوم
غيومممممممممممممممممممممممممم
غيوم مممممممممم
لكنها غيوم في رأسي فقط
........................................


15
المنبر الحر / انقذوا شارع الرشيد
« في: 09:56 01/09/2012  »
عراقيون  ولكن ...... بعد هذا الفاصل

انقذوا شارع الرشيد


وديع شامخ


لا يتناطح عنزان أجربان على أهمية  الشوارع في حياة المدن .. لان المدن شوارع وساحات  وبنايات  ومتنزهات  وخدمات ووووو...
فمن الشوارع  تثبت هوية المدن .. وبغداد مدينة حبلى بالشوارع  ولكن  قيمة المدنية وأفق هويتها  التاريخية  ينسب الى شوارعها القديمة  كما هي  في متاحفها  ومفكريها وشعرائها وادبائها ورياضيها   وساستها .... وشارع الرشيد  أهمّ  وأقدم  شارع في مدينة بغداد . هو شارع  يضم اشهر المقاهي  ك" الزهاوي وحسن عجمي " وغيرها ، وفيه عبق التاريخ   وطراز العمارة المميز للبنايات القائمة فيه  .. نراه اليوم جريحا  ينزف وهو أسير  لعبة  شدّ الحبل   بين أمانة  بغداد  وحكومتها المحلية..
اليس من العيب تماما ان تعجز الحكومة العراقية ، وعلى حد تصريح برنامج بث من قناة العراقية الحكومية  مؤخرا ، بأن اللجنة المكلفة   لانقاذ وتطوير شارع  الرشيد  قد وصلت الى  طريق مسدود  لان هذا الشارع  وما سبتته التغييرات  في شكله  ووظيفته  اصبح من المحال إنقاذه  .. فبدلا من الحفاظ على طابعه التراثي وطابع البيوتات والمحلات والمقاهي والمطاعم والمطابع ..  والصناعات  التي كانت تشكل عموده الفقري ،  استُبيح الشارع ليكون  خانا لكل صنعة غريبة  من حدادة ونجارة الخ .. هذا غير  التهديم العشوائي او المنظم للبيوت والمحلات وتحويلها الى ورش صناعية!!
ترى كيف يفكر السادة والمسؤولين في بغداد بلا شارع الرشيد !!؟؟
كيف يمكن تصور  هؤلاء المسؤولين وهم يتناطحون من اجل مآرب  شخصية وجهوية وحزبية  ودينية  طائفية  ضيقة ورخيصة جدا  ، وترك هوية بغداد وعنوانها  " شارع الرشيد" وهو يترنح تحت   مزاج " الببروقراطية الادارية" والفساد الانساني  بين الاجهزة المختصة لانتشال هذا  الصرح  التراثي الكبير من  سبات الحكومة ....
"في  الوقت التي حصلت موافقة الحكومة الى تحويل قاعدة الامام علي في الناصرية الى مطار مدني بواقع 60 مليار  دولار ..  وغيرها من المشاريع غير  المهمة جدا أزاء شارع الرشيد" ..
لوكنت ُ  مكان رئيس الوزراء لاجلت السفر الى ايران لحضور قمة طهران وحمل مبادرة  سلام  لتسوية المشكلة السورية !!!..  لو كنت مكانك ، لذهبت الى شارع الرشيد واقمت في احد  فنادقه،   حتى ينتهي الجدل حول مشروع تخليص الشارع من أزمته  ورجوع هويته العراقية البغدادية  الأصيلة ..
وإذا  كان الرشيد هارون  وهو ما سميّ على اسمه هذا الشارع  لا يلاقي هوى  بنفس حكومتنا  لاسباب طائفية   فلا ترجعوا الى  درس صدام في  محاولته  لتغيير أسم  شارع ابي نواس الى شارع الخلفاء ، والى تدمير مدينة بابل الاثرية  وتراجعها  من " مدينة آثارية مشمولة برعاية اليونسكو والمنظمات الدولية ، الى مدينة سياحية بائسة!!"
 على الحكومة والشعب العراقي تحمل مسؤولياتهم أزاء هذا الهدر المتعمد  والجهل والتجاهل لانقاذ هذا المَعلم البغدادي ، وقلب بغداد القديمة  النابض بعبق التراث والتاريخ العراقي الوطني ..
شارع الرشيد ذاكرة عراقية حيّة  لابد من انتشاله من دائرة  الاهمال واللامبالاة  ، والعمل الفوري على تشكيل لجنة وطنية من الاخصائيين وعلى أعلى المستويات  الفنية والحرص الوطني   و بصلاحيات  واسعة ومدعومة  بأموال  ومخصصات  كافية   للشروع الفوري في انقاذ  شارع الرشيد البغدادي من هذا الجرح الغائر في صدره .
على الاعلام العراقي  والمثقفين  والنخب العراقية  المخلصة  تنظيم حملات احتجاج  واقامة الندوات الجماهيرية من اجل نشر الوعي البيئي والاحساس الوطني  بقيمة  هذا الشارع  البغدادي  المستباح ..
..........................................


قانون العفو العام
.............
لا أدري من اين تأتي الوقاحة  بعليّة قوم العراقيين واعني " السادة المتسمرين على كراسي المسؤولية   من الجهات التشريعية والتنفيذية  والقضائية ،  واللجاجة والخفة وقلة الذوق والحس الوطني   التي تصل الى  اشغال الحياة العراقية  بأمل إصدار " عفو عام وشامل"  لنزلاء السجون العراقية !!!
وجه الغرابة ليس في دراسة الوضع الانساني  الذي يعانيه  السجين  الذي ارتكب خطأ  ما  وقد أخذ فترة مناسبة  في الجزاء واثبت انه  جدير  لمغادرة السجن والالتحاق بركب المجتمع العراقي  لمواصلة مسيرة البناء والاعمار ...
ولكن الطامة الكبرى أن هؤلاء  الاكابر في الدوائر العليا  للسلطة العراقية  يريدون عفوا عاما  وشاملا .. يتساوى فيه القاتل والارهابي والمجرم   واصحاب السوابق  والجرائم الخطيرة  والذي تلطخت أيديهم  بدم الشعب العراقي  مع مرتكبي  حوادث السير وغيرها من  الجنح أو الجرائم المخففة وغير الماسة  بحياة العراقي  وحدود العراق   وقيمه الوطنية العليا  وخطوطه الحمراء.
لماذا  يزعق هؤلاء الساسة في قاعة البرلمان العراقي   للتبشير بولادة قانون  العفو المشبوه ؟؟، والذي نشمّ وبقوة رائحة  الاجندات الخارجية  واموال البتروردولار الصفراء القادمة من خارج الحدود ومن النوايا المريضة لبعض السياسيين  لمحاولة إخلاء سبيل الأرهابيين وعصابات الدم .
ألم يتعض هؤلاء السادة والساسة  من  الاضرار الوخيمة التي خلّفها العفو العام والذي أصدره المقبور صدام حسين قبل سقوطه  ، وما أحدثه القتله الذين كانوا يقبعون في السجون من ضرر وأذى  للمجتمع العراقي  عندما إنخرطوا  في عصابات الموت  والسطو  والتجنيد من قبل مثيري الفتن الطائفية والدينية  والاحزاب  والمنظمات الارهابية ..؟؟؟
نحن مع حق العراقي  في محاكمة عادلة  وقضاء فترة محكوميته في ظروف انسانية عادلة وعدم امتهان كرامته وتأهيله في السجن واعداده نفسيا وبدنيا  لحين  إتمام محكوميته ، للانخراط في المجتمع  كعضو فاعل ، وليس مع  مكافأة القتلة والارهابيين  بشمولهم بعفو عام وشامل !!
 على مجلس النواب العراقي والكتل السياسية الانتباه الى هذا الفخ  للحيلولة دون تمرير مثل هذا القانون  الذي يسيء الى حرمة الدم العراقي والاستهتار  بالثمن الغالي الذي دفعه شهداء الوطن  شبابا  وشيوخا ،،نساءً واطفالا .
ارجو ان لا تكون صرختنا في وادي سحيق ..
...


16
أدب / أسمالي غير صالحة للميراث
« في: 16:16 06/08/2012  »
أسمالي غير صالحة للميراث
 
وديع شامخ
 
واقفا على دكة الروح.. أشيرُ الى الأصابع المرتجفة.. الأجساد الخالية من ظلها ، الشمس الخارجة من مدارها..
المرايا وخسوف الكائن في ظلِ.. ظلَه..
أيتها الحنجرةُ .. التي تتصيدني بمآلها…
ساعةًً على مقام النوى.. وأخرى على هوى الروح
هناك تأكل الأشباحُ قمرَ الحكاية
……….
لا كاهن يتورد بالقرابين
لا معنى لدوران الأفق في جبة الأسماء
الأسماء
تقف خلف النوافذ
مرّةً لتختمَ سيرتها بالموت..
مرة ً
لإبتكار صنارة الخلود
……….
كل ما حولي إستنساخ
كل من حولي إستنساخ.
وهمٌ يقارع خرافة
الشيخ يُشذّب ذقنه بالمريدين
والطابور يموء بحنجرة واحدة…
طنين طويل لا يقصُّ رِجل ذبابة
عواء بحجم غابة..
ثمة أوراق خضراء تتدلى من نافذة الروح
الشمسُ غارقة في نشرها على حبال التوبة…تجفيف منابعها..
هناك ُتلقى أسمالي المَهيبة في محيط الشبهات…
إذ لا وارث لها…


17
أدب / دمع على فأس الحطّاب
« في: 21:12 04/08/2012  »


دمع  على  فأس الحطّاب


وديع شامخ



(1)
في الطريق إلي البيت
في الطريق إلي الروح،
ثمة ذئابٌ تتربص
وكلما أدخل فيّ
أنحني للذئاب..
وأرفع كأسي لأطفئ غابة الإنسان
(2)
دائماً أعتقُ أشباهي والمريدين
لأتحرر من عبودية مبتكرة
(3)
يا أخي السوط..
أنام على فتوي، وأصحو على طريقة..
منتظراً أقواماً تجيء أو تهبط،
هاربةً من فزعها..
أين أعلق ملابسهم يا أخي .!!
والبيت مشجب للوصايا والبنادق والسياط
(4)
نخرجُ من بيضة الحكاية
لنجد السؤال
من يسبقُ من؟
جدي لم يك قرداً..
جدتي ليست دجاجة
بعد أنتصاب عمودنا الفقري،
علينا الهروب من الغابة وأسئلتها..
(5)
لا أعداء ليّ
أنهم أعداء أنفسهم دائماً
(6)
أنا..النكرة المعطل بأتفاق الفقهاء
كلما عرفني أحد، طالهُ العطب
الجمهور فرحٌ
وكلما جاء دوري
تسيل دماء المنتج
(7)
صديقي اللدود
حياتي هدية لأحلامك
هل تعّدنُي ان لا تموت بتشمع الحواس
(8)
درس الريش
بلغتُ الحكمة في النص الأربعين
فعلمني البياض شراهة السواد
سقطت أسناني الدائمة
فرممت الحروف دردي
كنتُ ألثغُ بأسنان اللبن وسواها،
علمني السواد من أين يبدأ الطريق
(9)
خيول
تُذكرني بالفتوحات ونكهة المارلبورو
بسيجار وزير الصحة، المدمن على ترويض النكهة
والفتوحات
(10)
قالوا: الجوعُ كافرٌ
أقول: الكافر لا يجوع
قالوا: الفقير ظامىء
قلت: لمن
...: للسيف والبريق
أقول: اللهُ معنا
قالوا: هذا الذي نبحثُ عنهُ
قلت: حقاً أن الجوع سيف والكفر مجاعة
(11)
إليها
قلبي الأبيض يخربش سوادا علي الورق
يُسطرُ وصيةً
صدقيها/ تعويذة
والأطفالُ هناك سينامون بهدوء
(12)
(ثلثُ واحد يكفي)
يقودني إلي كماله المفترض
فأحضر(انكيدو) ليبدد الوهم
ذهبت إلي (صاحبة الحانة) لأتلو مزاميري
إلي (اورشنابي) لأقايضه العبور
(إتونابتشم) وأنا أشتركنا في الخديعة
أوكلنا للأفعي إنجاز حكمتها
هو (أبي) يقودني إلي الكمال..
خلّد الدود حكايتهُ
فكيف إرث الحكاية المعطوبة الثلثين؟

(13)
إليها أيضاً
ليّ أسئلتي ولها البياض
كأننا نحوك مؤامرةً
لإسقاط عرش الجواب
(14)
غزلٌ خالص
جميلةٌ أنتِ،
حتى كأن الله قد كلّت يداه
لسعفكِ الظليل لون ضلالي،
ما لهذا السر يربطني كما حبل المشيمة؟
يلتفُ حولي
فأموت حباً
(15)
غزلٌ في طوفان
رنّ القلبُ، رفعت الهاتف
أيّ رقمٍ يا امرأة
أيّ قلبٍ تحملين..؟
الزمنُ تُزلهُ الأنامل
كيف أنت؟
كيف أنتِ..
إبتلت أذناني وأبتدأ الطوفان
(16)
لم أقصد الطوفان
خجلٌ يا إلهي
خرجتُ بأبغض الحلال ــ وطني ــ قاصداً
أقصي المدن
سعيتُ، فشربوا دمي
أكلوني حياً قبل المغيب
والخنازير نفقت في أهوار سومر
والطريق إلى بغداد معبدٌ بالقبور الدارسة
(17)
ينشدون لك..
وأقول: الصواب في حافظة النقود
(18)
الرصيفُ للسابلة..
والشارع للتكنولوجيا
والشرفات يؤممُّها اللبلاب
والسماء لحمولة الطائرات
متي يذرق العصفور علي رأسي
لأقاضي السعد في جنة عدن
(19)
عربة الحياة
تعال يا أبي..
لقد تاه الحصان وأنتحرت البغال
إشارات المرور والطبيعة تبتكرُ لنا
وهماً من الحنين لسلالتنا
عربةٌ تتقدم الحصان
تعال يا (أبونا)
الأمهات أغرقت الأرض بالدموع
تعال يا أبي لإنقاذ العربة من نزق
الخيول والطبيعة.
(20)
نصائح خارج نصية
قالوا: انك غافلُ فأجتنب الناس
قلت: أي ناس
قال واحدهم: خذ من خيارهم بريبة
ذهبت إلي السوق لأتبضع المعاني سلالاً
وسلالات،
احضرت كأساً ومعصرة
أضفت ثلجي فماعت المعاني
أمل في شراب آخر، يا شيخنا الجاحظ
(21)
وجوه
يصافحون بأذن السبابات.
بحولها يسبحون والمقامات لأهلها
علي سعر الصرف يشحذون في بورصة الأوطان
مع (القيصر) في ما.. لهُ وما للهِ
وحين يكبر الفقراء
ينتظمون كسرب نملٍ ينتظر معونة الشتاء
(22)
الوجوه ذاتها
بلا ملامح
يرددون (صباح الخير) في كل زمان،
يلقون (عليك السلام) وطبول الحرب علي
(جيدهم)
عيونهم زرقاء كزرقة الموت
لكنهم يعبرون الحبال علي اخضر المرور
(23)
إيها الوطن القاعدة
يُلحنون في نطقك
يتكرر النشاز
فيصبحون الخطأ الشائع
(24)
إيها الآتي من ورطة العقل
قاسمناك العبث وفاءً للجنون
قُلنا للفراشات، أن يقّرن في بيوتهن
ثملتَ
بلا ثمانين جلدةٍ
إيها الآتي من رطانة الجنون
تقرحتْ ظهورنا من سياط العسس
تعال محارباً دائماً..
أو دع الفراشات تحترق
(25)
سيرة لقطرة الجبين
أ ـ فتحتُ (كتاب الناس) فأندلق الثعلبُ ضاحكاً
بلل الحروف أكل الوجوه ضاحكاً.. ضاحكاً
غلقت الكتاب..
و(أمين المكتبة) يطالبني بحياءٍ
أغلقْ هاتفك المحمول
ب ــ قرأت (كتاب الناس) فأمطر جبيني
أجفف عرقي بورقة المحارم..
وأقول للأخري
أين قطرة الحياء..؟
ج ــ ذهبتُ إلى الناس حاملاً القطرة الواحدة
فأحضروا فُلكاً وغراباً وحمامة
أشهرت جبيني فألقوا بدراويشهم والطريقة
دال ــ حاملاً (القطرة) نفسها
ولجتُ المكتبة العامة
سجلتُ أسمي المستعار وعمري المركون في
ساعة الدخول وبصمتُ..
قرأتُ فثملت
جاء الثعلب وعجيزتهُ متورمة بمفاتيح المدينة
سلّمني (القطرةُ) التي أودعتها في الإمانات
وهو يكتم ضحكة (أخرا) على عرق الجبين
(26)
لو حمل الشاعرُ ذاكرةً
لأصبح جلاداً
آهٍ إيتها النخلة
لا تعترفي عليّ بظلك
فأنا مشغول بغزل الجذور


18
إعرف نفسك
محاكمة سقراط نموذجا
وديع شامخ


مهاد
قد يبدو من المستغرب  أن َتحمل المعرفة البشرية سرها من خلال الموت.. الموت الذي يعني  موت الآخر " الغريم ، الند" .. لكن موت  الآخر يؤدي الى إنبثاق قيمة عامة للحياة ، تتضمن معرفة الكائن بنفسه وبالآخر المقصي " الميت".
الموت هنا فكرة جسدية والمعرفة فكرة عقلية ورحية  .. فالميت هو مقصي جسديا بحسب القانون الذي  ُطبق عليه  ..ووفقا لقرار  القضاة الذين نطقوا بالحكم ، المقيد تنفيذه  بآلية  معلومة  الأداة  .. ولكن الموت الجسدي والذي يفسر أقصاءً لجسد الند ، الغريم ، سوف يكون مبعث إنتاج  أسئلة وجودية عميقة جدا  سوف  تطال حقيقة الموت  ذاته كنهاية .
ومن خلال النفي " الموت" والإثبات " الموت " أيضا ..  هناك جملة من التفاصيل  التي يمكن  من خلالها الوصول الى شعور الجاني والضحية  معا ..  لنأخذ مثال المعلم سقراط  الذي قُتل   قبل أكثر من الفين سنة .
ربما كان درس " جلجامش وأنكيدو" يستحق الريادة في البحث عن سر الخلود  ومحاولة الإنتصار على الموت  بطريقة الحصول الى الأسرار الإلهية  . ولكن  درس سقراط  أهمل تماما موضوعة الخلود الجسدي  وسره .. بل  ذهب سقراط  لتفعيل السؤال الفلسفي عن الوجود والكائن .. وكان سقراط مشاكسا " ندا"  عنيدا .. لنخبة "أثينا" بكل مستويات إنتاجها العقلي  والعاطفي .
.......................
مشهد 

الإسم : سقراط بن سوفرونيسكوس ..
الصفة : معلم وفيلسوف  أغريقي  عظيم ..
التهمة :   إفساد عقول الشباب وطرح أسئلة محرجة للجميع .
هيئة الحكم : "ميليتوس" و"أنيتوس" و"بوليقراط"  من الطبقة الأرستقراطية  في أثينا .
نص الإتهام : "إلى متى سيبقى هذا الهرِم الخرِف يثير أسئلته السخيفة ويحاول إحراج الجميع ... لم يسلم من لسانه أحد .. لا الشعراء ولا المسرحيون ولا حتى الاستراتيجيون - وهم القيادة العسكرية العليا في أثينا والمكونة من عشرة أشخاص"
وسيلة الإتهام : "في السوق جاء الصوت الجهوري للمنادي حليق الرأس قوياً وواضحاً لفت انتباه الجميع إليه... ووقف يتلو البيانات الرسمية والأحكام القضائية عليهم" سقراط بن سوفرونيسكوس .. إن عليك المثول أمام المحكمة العليا في أديون في الشكوى المقدمة من قبل ميليتوس بن ميليتوس ".
..لم يحرك سقراط ساكناً وإنما أخذ الأمر ببرود وثقة .... وكان المنادي يذيع أحكاما آخرى " آيونيس بن ستراتون .. متهم بتوجيه الإهانة للأماكن المقدسة المرتبطة بديميترا .. الحكم.. إعدام..
آكريب بن هويسيبوس.. متهم بقطع شجرة الزيتون المقدسة .. الحكم .. إعدام!!..فلان بن فلان .. ............إعدام.."  أحكام قرقوشية  في فضاء السوق .
رأي المشتكين : أحدهم " إن أكثر ما يقلقني هو حماس الشباب لتبني أفكاره .. ولا أخفيكم أيها الأصدقاء بأن ابني واحد منهم ...أنا قلق للغاية...،  أخر يقول :   لقد  سرق سقراط  مني  الأضواء  وأنا الكاتب المسرحي المرموق!!.
الحكم : الموت ..
طريقة التنفيذ: لقد كانت " المحكمة العليا في أديون" كريمة جدا مع سقراط ، فأعطته خيارات متعدد  لموته .. " يعتقدون الموت  هو النهاية القصوى للإقصاء / لذا كان هذا العرض السخي ".
سقراط يرفض دعوته  تلاميذه للهرب  ويوافق  على  تنفيذ الحكم ، مختارا " السم " كوسيلة لموته .."
إستدراك:  " أعتقدُ أن إختيار السم من قبل  سقراط يمثل فعلا مضاد للموت الجسدي الذي اراد الخصوم  له ، لان تناول السم يأتي بطريقة الإرادة الشخصية "  كأس يتم شربه بإرادة واعية  مشتركة بين الجسد والعقل معا  وليس كالمقصلة مثلا ."
إن سقراط أسقط الموت كعقوبة  من يد الحاكم ، وحوله الى إداة معرفة لادانة الحاكم والانتصار للمعرفة ليس بصفته  ضحية .. وانما بصفته  سؤالا مشاكسا حرا  غير قابل للموت .
...........................................
سؤال  المَتن

لقد أنتج سقراط في موته قيما معرفية في دروب الحق والخير والجمال .. أمات جسده  .. ولكنه حلّق عاليا  في  معرفة النفس " إعرف نفسك" ..وهو بداية الجدل الإنساني مع خرافة التجهيل ..  تجهيل الآخر بنفسه أولا ... اعتمادا على  إعلان مضبّب حول الذات .. اعلان يستمد  قوته من غفلة الأخرين ، ميوعتهم ، وعبوديتهم .. لذا إنتصر سقراط للموت الذي يؤدي الى إثارة الأسئلة بمعرفة الذات مفضلا التواري الجسدي ، ومخلصا الى حقيقة الحضور العقلي والروحي ..
 لقد فضل سقراط الحضور في الذات  وليس على موائد ومسارح الأخرين .. حتى أنه صمت  تماما ولن يتكلم  ويدافع عن نفسه ، لانه كان يعيّ  تماما ان موت جسده " وهو مطلب المشتكين" سوف لن يحقق لهم ما أرادوه .. لان سقراط أينع أسئلة خصبة في معنى الحوار الجدلي والفعال .. وليس الإصغاء السلبي  لآخرين لا تجربة لهم ولا حياة .. سوى مهمة الاقصاء المنظم للآخر بالحيلة  وسواها ..
كان سقراط يعي تماما  أن كأس السم  لا يلغيه روحيا وعقليا .. بل أن الموت سيكون معادلا لحضور الفكر .. لحضور الجدل والاسئلة . أكثر مما يثيره الحضور الفيزيقي من نتانة وخفة .
.. ومن الطريف جدا أن سقراط طلب من سجانه .. أن يسكب قليلا من السم قربانا  للآلهة .. ولكن السجان رفض وقال له: السم في الكأس  مخصص فقط لموتك .. وبهذا فأن سقراط  قد تناول قربانه كاملا دون شفاعة ..
المعرفة التي أطلقها  سقراط  هي معرفة معجونة بالروح والإيثار  ضد الإقصاء .. ضد وجود الجسد " ميتا"  بهيئة الحي .  .. المعرفة  التي أثارها سقراط في مجتمع " أثينا "  هي  الإنصات الى صوت الروح الداخلي  وليس الإنشغال  بتواطأت  ومخادمات إجتماعية " نفعية " .. الإصغاء الى الآخر وفقا لسقراط  يعني التعريف أولا بماهية " الندّ، الغريم" .. وعندما  سعى سقراط  الى الموت  فانه اقرّ حوارية  من  نمط آخر .. ليس حوار الضحية والجلاد .. ليس  حضور القوي  وغياب   الضعيف . ليس موت سقراط  هو الانتصار أو الضعف ..  بقدر ما هو  إقتراح   لألق الفكرة .إذ ان الفكر لا يمكن أن يموت ..
كان سقراط قد عقد العزم  الإخلاص للسؤال " لواجبه الفلسفي" ولو كلفه الغياب المؤقت  بوجوده  جسدا .. وهو كان مخلصا لإزعاج السلطات كما يقول " سارتر ، لاحقا " إن  مهمة المثقف الأساسية هي ازعاج السلطات" والسلطة مع سقراط هي الآخر الذي لا يمكن الاصغاء اليه  ومحاولة فهمه لانه كان عارفا طبيعة  " الند"  الذي لا يطرح شيئا للتأمل والمعاينة ، بقدر ما يلزم سقراط والآخرين  بالتسليم  له فقط.
وهذا الوهم الذي يقع فيه الكثير من المنتجين " المنتفخين بذواتهم" قبل إمتلائهم من الآخر .. هنا  سوف يكون الإصغاء لهؤلاء ضرب من العبث المعرفي والأخلاقي معا .. لانه يشيعون ثقافة " العبد والسيد" في الإصغاء .. وليس الانتصار الى قيمة الحوار بوصفه إثارة زوابع ، وحلول بركانين ضد  اليقين  الذي يُطرح  بدم بارد وبمعية مريدين سفهاء ، لايملكون  ألسنة  ناطقة وعقول ، بل رؤوس  لا تجيد سوى الإيماءة تصديقا .، والإبتسامة  الباهتة  تسليما .
.. كان سقراط يعرف تماما قبل فولتير " أن تحرر السذّج من الأغلال التي يبجلونها  قضية غاية في الصعوبة" ..
ولكن عظمة سقراط  تجلّت في أنه  كان  مزعجا  جدا للآخرين.. الذين  لا يمكن الإصغاء لهم  دون مشاكسة وإحراج .. إخلاصا لرسالة  الدرس الفلسفي والإنساني  والتاريخي معا .
لقد مات جسد سقراط  ولكنه بقي خالدا في فكره وأسئلته التي لا تصدأ ..
...................................













19
اللغة... سلاح دمار فتّاك

وديع شامخ

لاأعرف  لماذا يحضر  التضاد والمبارزة بين  البيدر والحقل  عندما نتكلم  عن دور المنجل  .. فكأن الحقل  نوايا والبيدر  قطاف .. وما بينهما منجل ..  يحمله شخص ربما لا علاقة له  بالحقل والبيدر  معا ...
شخص كل مواصفاته أنه منجل ..  حتى  أنه يحيلني الى  تعريف " الساندويش" أو " اللفه" عراقيا   .. وفق  إجتهاد المجمع العربي اللغوي  لإقتراح  عبارة  " الشاطر والمشطور  وبينهما  كامخ"  !!
تخيلوا معي .. أنك في مدينة عربية  وتريد أن تأكل شيئا سريعا وهو  ما يدعي ب" الفاست ميل "  عند بلاد الإفرنجة ، ووفقا للسانك العربي الفصيح  البليغ  .. فأنت مطالب  بتلاوة هذه الجنجلوتية ،  والتي هي من إقتراح " سدنة اللغة "  وكهنتها ..
مثل هذا التعقيد  وليس التقعيد  اللغوي  .. لا يقف عند حدود اللغة   بأبعادها النحوية والصرفية والبلاغية والإملائية .. .  بل  يتعداه  وبزحف  غير مقدس من اللغة ومدلولاتها  وجهازها الإصطلاحي العتيد  الى حقول أخرى  إجتماعية وسياسية وأخلاقية  وبطريقة تعسفية تماما ، لاتقل إحراجا لمستعمليها  مثل التعريفات " المُتحفية " التي يقدمها المجمع اللغوي ..  لمفردات أعجمية دخلت الى اللغة العربية . فالتلفزين يصبح المشواف ، والراديو ، المذياع ، والسينما .. السيما .. .. الخ
وكان من أخطر ما سمعت من شيخ  سلفي يصف التلفزيون ب" المفسديون "  كناية على دور التلفزيون أو المشواف، في تخريب عقول الشباب  .. ولو قيض لهذا الشيخ وبطانته  وعامته أن يكون لهم الحكم  فسوف لا يترددون بجعل مشاهدة  التلفزيون في خانة  الكبائر من الذنوب  التي تستلزم القتل علانية  .
فكلمة الدجال مثلا تخرج من ردائها اللغوي لتلبس لبوس مجتمعياُ مُقنعا يدل  على الوقار  والهيبة  وربما القداسة عند البعض .. فنفس الكائن البشري يستطيع وفقا لمتطالبات  السوق السياسية  أن يتحول من دجال الى رجل سياسي لامع  ..وكذا فأن البهلوان يخرج من رداء السيرك وأجوائه الى الحضور بشدة تحت الأضواء متلحّفاً  قناعا آخر تمنحه اللغة  مباركتها  عبر مستخدميها ، وتطلق عليه وصفا آخر ..ليتحول  الى " قديس" أو شيخ عشيرة  أو مرجع ما  !!
.............................
وللغة  أيضا مستوى دلالي  مهم يتعدى حدودها  الإستعمالية اليومية " التداولية" على رأي علماء الالسنية الحديثة . ومنها يقفز الينا  شاعر يعمل برتبة منافق  وبوق  لحاكم سابق  الى عضو برلمان نشيط بحجة تغيير الدلالة !! فالحاكم الجائر مضى زمانه ، وأصبح شرعا في عداد الموتى  لذا لزاما أن  يرث الشاعر السابق  منجزات وخيرات كلّ المتحولين من زملائه في  الحقل السياسي. انها لعبة  المواريث ، والتي تدخل اللغة بفقّهها  لتعطيل حدود القصاص من الشاعر المنافق  لتدخله جزافا ومن " سم الابرة " الى حقل الورثة ، وربما سيصبح ناشطا  في حقل حقوق الإنسان ، أو  داعية لحقوق  السجناء السياسيين !!
أليس تحول " مجرم عرس الدجيل " وجزارها  هو علامة على خيانة اللغة للتوصيف .. فهذا القاتل كانت يحمل رتبة سياسي ، وناشط في حقوق الإنسان !!!  يلتقي كبار ساسة العراق ، ويحمل شهادة أكاديمية في الحقوق  .. !!
وهكذا يتحول الكائن وفقا لممكنات اللغة وسوفان مصطلحاتها  وتبعيتها  الذيلية الى مصدر القوة ورعب  في نفس اللحظة التي كان يحمل فيها صفة " إنسان" !.
..........................
في باب الفحولة  والتأنيث ... دائما يحضر البطل  المتّوج بالسلطة،  فحلاً جهبذاً ، عازفا مقتصدا عن الحياة الأنثى ، اللعوب وملذاتها ، مناضلا  دخل السجون ..  ولكنه وفقا  لمنطق الحياة الجديدة تراه راكبا  هواه ، يعيش في ترف باذخ ، يخلط في تسمية الأشياء ، ويعتلي الكرسي مقصلة للآخرين  الذي كانوا له عونا  فأصبح صديق الأمس عدو اليوم .. وجزار البارحة ضحية اليوم ... وهكذا ُتستدعى  اللغة لتلعب  لعبة  العهر في تبديل وإحلال الصفات والمسميات ..
ولدينا من الامثلة ما يشيب لها الولدان ..  اتذكر منها  أن كلمة " رفيق" عند ساسة العراق القدامي سوف تتبدل في أيّة لحظة الى كلمة " خائن" ، ومثلما هو رفيق يعيش بحبوبة الممكن السياسي سيتحول الى " خائن"   بقوة لغوية  لا تسويها في المقدار ولا  تعاكسها في الاتجاة تماما  أيّة شفاعة ..  تنفلت اللغة من معيارها البشري في التوصيف لتصبح إشارة للجرم والتجريم والقتل ..  وسبحان مغير الأحوال ، ومقلّب القلوب ...
......................
اللغة تظلم المنجل  .. لإنها تحضره كأداة قطع لا علاقة له بالحقل والبيدر.. وكأن المنجل وشاية البيدر الى الحقل .. كأن المنجل جزار الحقل لصالح البيدر وأصحابه .. هذه  العلاقة  مصدرها اللغة بكون وظيفة المنجل " قص" أو قطع وقطاف  ، وليس جني وحصاد وخير ...  ومن  مفردة  قطاف  إستعار الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته الشهيرة هذا  التوصيف  اللغوي للحصاد، حين  دخل  العراق واليا   ، محذرا العراقيين  من سوء العاقبة ..."أرى أن رؤوساً قد  أينعت وحان قطافها "
وهنا ساوى بين السيف والمنجل ورقاب العباد والحقل  ، والإنتصار السياسي   وبيدر الحصاد الإنساني ..
فالحجاج بن يوسف الثقفي  والي العراق وممثل أمير المؤمنين عند البعض ، وهو قاتل الشيعة  عند الآخرين .. وهو سياسي محنك ورجل دولة من الطراز الأول في المفهوم الحديث لإدارة الدول  ..
بهكذا طاغية  وبغيره .. وبوجود كهنة تقليديين  لحراسة اللغة من إنفلاتها الإنساني  ودلالتها الواخزة .. ستكون اللغة مطية  لمن يملك زمام قاموسها ..
هي دعوة للخروج  من نفق اللغة حين ُتؤسر  بين نفق قاموسها .. وتداعيات مستخدميها ..
.................................................................................


20
عراقيون ..... ولكن بعد هذا  الفاصل

وديع شامخ

1

إنقذوا  المدرسة المستنصرية  من "مكاره الأخلاق "

تتصف الشعوب  المدنية  والمتحضرة معا  في ميزة الحفاظ على  ميراثها التاريخي  وثرواتها الأدبية  ورموزها الفكرية  ومزاجها المحلي الفلكلوري ، وتعمل بجد  على مدّ جسور التواصل  بين القديم والحديث  لغرض  بناء مستقبل متنور .. ومن أهم  الشواهد  في حياة الشعوب  هي  الآثار الخالدة والتي انتجها العقل البشري في حقب تاريخية بعيدة .. ولقد اجتهدت الإنسانية في سنّ قوانين حماية  الآثار والأماكن التراثية، وكذلك إنشاء منظمات دولية فاعلة  لمتابعة  ودعم جهود الافراد والحكومات  بهذا الصدد..
 لذا حرصت الدول على الاهتمام بتراثها  وأنشأت هيئات ووزارات خاصة معنيّة بهذا الحقل ، وتخصّص الدول والهيئات الدولية  أموالا طائلة  من أجل بقاء هذه الآثار بحالة جيدة  عن طريق حمايتها من عبث العابثين والسارقين ، وصيانتها دوريا  بأساليب  حديثة وخاضعة لمعايير دولية  وبيد صنّاع مهرة ..
لو تقصينا  دول الجوار لوجدنا أن المملكة الأردنية الهاشمية قد ساهمت في  وضع مدينة البتراء من ضمن المدن التاريخية وقد حظيت برعاية  منظمة اليونسكو الدولية وفازت بالمركز الثاني في المسابقة العالمية لعجائب الدنيا السبع  ولقد ساهم الملك عبد الثاني شخصيا  بأنتاج فلم للترويج للأردن سياحيا وتراثيا تاريخيا  ، وفي مصر  خصص البنك الدولي مبلغ " 150" الف دولار لصيانة آئار الأقصر بهود مؤسسات مصرية  .. وفي لبنان  هناك " مغارة جعيتة" والتي تسعى الحكومة اللبنانية جعلها من عجائب الدنيا السبع،  وقد شارك الرئيس اللبناني وجمهور من الساسة والفنانين للترويج للمغارة  عالميا  .. ولكننا نلاحظ بسهولة وببلادة وببداوة واضحة  حولّت الحكومة العراقية في عهد الطاغية صدام " مدينة"  بابل التاريخية الأثرية  :" ومن عجائب الدنيا سابقا،  من مدينة أثرية الى مدينة سياحية نتيجة عبث وأستهتار السلطات العراقية  بالشكل التراثي لهذه الصروح والحواضر العظيمة والتي تضمها مدينة بابل !! فصدام بنى قصورا  وجعل إسمه في كل طابوقة .. وغيّر شكل المدينة  الأثري .. وبهذا خسر العراق  جزءا حيويا من إرثه التاريخي العظيم .
......................
المدرسة  المستنصرية المستباحة
ومع التدهور الدراماتيكي  في عراق اليوم وغياب السلطة المركزية القوية القادرة على ضبط  وتنظيم  حياة الإنسان  وضمان حريته أولا .. فلا بد ان يرافق هذا الخلل والخرق الأمني فرصة نادرة للعابثين واللصوص  بممتلكات الشعب التاريخية ..
 فلقد راعني  كثيرا، أن أشاهد بمعية أصدقائي الفنانين "  حيدر عباس وفيصل السعدي"  ما قدمه  تلفزيون العراق من برنامج  يتابع المسلسلات والتي ستقدم من على شاشة القناة العراقية في  شهرمضان  ..  فقد  شاهدنا بذهول  لقطات من مسلسل" بعنوان " "مكاره في الأخلاق "  ولا أريد التعليق على عنوان المسلسل  المقرف" ، ولكننا دهشنا من جرأة ووقاحة ولا مسؤولية القائمين على المسلسل   وبكافة مستوياتهم   في إتخاذ " المدرسة المستصرية " مكانا للتصوير "  أو " لوكيشن " كما يرطنون  بلا معرفة  ولا خجل.  .. يستريح فيه الفنيون  والممثلون .. يسرحون ويمرحون وبكامل عددّهم ومعداتهم .. ومستلزمات كل مشهد ، من طباخات غاز وآوانٍ فخارية  وُبسط  فلكلورية ، و كتب تجثم بترهل على رفوف الجدران .. عوائل تسكن ، وربما يتم الطبخ والنفخ .. كاميرات، معدات وديكورات مضافة .. كل هذا في صرح آثاري تاريخي مهم .. في مدرسة المستنصرية  .. هذه المدرسة العريقة  وحسب المصادر فأنها " تأسست في زمن العباسيين في بغداد عام 1233 على يد الخليفة المستنصر بالله، وكانت مركزا علميا وثقافيا هاما،  تقع في جهة الرصافة من بغداد، حيث شيدت "المستنصرية" على مساحة 4836 متراً مربعاً تطل على شاطئ نهر دجلة بجانب "قصر الخلافة" بالقرب من المدرسة النظامية، وكانت تتوسط المدرسة نافورة كبيرة فيها ساعة عجيبة غريبة، تعد شاهداً على تقدم العلم عند العرب في تلك الحقبة من الزمن تعلن أوقات الصلاة على مدار اليوم، وتتألف المدرسة من طابقين شيدت فيهما مائة غرفة بين كبيرة وصغيرة إضافة إلى الاواوين والقاعات. . ظل التدريس قائما في الجامعة المستنصرية أربعة قرون منذ ان أفتتحت في سنة (631هـ/1233م) حتى سنة (1048هـ/1638م)، وان تخلل ذلك فترات انقطاع، كانت الأولى في أثناء الاحتلال المغولي لبغداد سنة (656هـ/1258م) وتوقفت الدراسة فيها قليلاً، ثم عاد إليها نشاطها من جديد؛ حيث استؤنفت الدراسة في نفس السنة، وظلت الدراسة قائمة بالمستنصرية بانتظام بعد سقوط بغداد نحو قرن ونصف من الزمن...، .
 توقفت الدراسة بها وبغيرها من مدارس بغداد؛ بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين الأولى سنة (765هـ/1392م) والأخرى في سنة (803هـ/1400م)؛ حيث قضى تيمورلنك على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثيراً من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغداد عدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرها من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة بعد غزو تيمورلنك نحو قرنين من الزمن حتى أفتتحت للدراسة عام (998هـ/1589م)، ولكن لم تدم طويلا فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048هـ/1638م)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفية في مكانها، وكانت مدرسة الآصفية من مرافق المدرسة المستنصرية، وجدد عمارتها الوزير داود باشا والي بغداد في عام (1242هـ/ 1826م)، وسميت بالآصفية نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان وأخيرا  استعادت دائرة الآثار العراقية ملكية المدرسة المستنصرية عام 1940.
أجريت أول أعمال صيانة للمدرسة 1960م.
هكذا تجازى المدرسة المستنصرية " ذاك الصرح العظيم والذي أختاره هولاكو للقول الفصل بين العدل والكفر أو  حول المفاضلة بين الكفر مع العدل وبين الأسلام مع الجور بأفضلية الكافر العادل على المسلم الجائر إذ  قال المؤرخون القريبون من الحدث:  جمع هولاكو العلماء بالمستنصرية لذلك الامر ، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب وكان رضي الدين علي ابن طاوس حاضراً المجلس، وكان مقدماً محترماً فلما رأى أحجامهم تناول الفتيا ووضع فيها تفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر "
..............
خاتمة السوء

في لبنان منعونا من التصوير في مغارة جعيتة، وذلك خوفا من فلاشات الكاميرات على هذا الصرح من التخريب التاريخي  ، وفي استراليا وفي دار الاوبرا  الحديثة العهد جدا ، لا يسمح لك بأستخدام المسامير اطلاقا لعمل ديكورات على مسارحها .. بل ان المؤجر للبيت  الإسترالي لا يحق له بدق مسمسار على الحائط الابموافقة " المالك"..  وهناك أمثلة كبيرة  ومشرّفة  لبلدان ومدن حافظت على تراثها وارتقت به الى مصافات عالية  تليق ببناء المجتمع وفقا لتراتبية  متوازنة..
اي ظلم يركتبة كادر مسلسل " " مكاره من الاخلاق"  بحق  المدرسة المستنصرية؟؟.. فإذا كانت  العامة  واللصوص والسوقة والحكام ، بكافرهم وعادلهم .. لا يحترمون آثارنا ..  فمالهم الفنانون يمارسون قتلا مجانيا لصرح تاريخي ؟؟
اين هيئة الآثار ؟؟ اين السلطات .. أين العراق ؟؟؟؟؟
............................................







21
عراقيون .. ولكن  بعد  هذا الفاصل

وديع شامخ

برطله  واللعب بنار العراق


جاء في الخبر  أن  مؤسسة الوقف الشيعي في محافظة الموصل قد أعدت العدّة لبناء مسجد وانشاء أكاديمية إسلامية " شيعية" .. على مساحة من الارض تتجاوز ال4000متر!!، ومهما  تعددت وتباينت  الأراء والنوايا  في الزحف الشيعي " المقدس"  نحو  شمال  العراق  ..فهناك أسئلة مهمة  تثار حول  مهمة " الإخوة" في الوقف الشيعي لصحوة متأخرة ، للأسف تماما  تزامنت مع مشارط القوى المحلية والأقليمية والدولية  لتشريح العراق  وشرذمته .. 
السؤال المهم : اين كان الوقف الشيعي  من هذه الحراك المشبوه تماما والذي يتعلق بتغيير ديمغرافي  قسري  لمنطقة  هويتها عراقية خالصة  وأفقها المحلي " مسيحي" ، كما هي مدن كربلاء والنجف والكاظيمة,, مثلا .. وكما هي " سامراء  وتكريت وعانه ".. والاخوة  هناك  يتعرضون لجرائم قتل مروعة ، ولا ذنب لهم سوى الإنتماء للعراق  أولا والبقاء به ثانيا ، وحمل صليبهم كهوية روحية ثالثا ...
أين  كانت الحكومة العراقية  بوصفها قوة تنفيذية  من وقف هذه الاذى  ورفع الحيف عن المسيحيين من جنوب العراق الى شماله؟؟
أين الاخوة في برلمان العراق .. من هذا الذبح المجاني  لإخوتهم في الهوية العراقية " المسيحيون"  وهم  يقتلون بدم بارد  في كنيسة " سيدة النجاة"  وغيرها ..؟؟
هل تريدون تجاوز التاريخ العراقي ، والمسيحيون هم بناة العراق الأوائل , ولهم شرف التواجد الفعلي في أطوار الحقب الإسلامية  التي توالت على حكم  العراق ،  كشعراء ومترجمين وأطباء وفلاسفة ...الخ " ؟؟
هل نريد تذكير " السادة" و" المسؤولين " عن موقع المسيحيين كملح لأرض العراق  وحجارته الحيّة..
إلا يكفي  ان المسيحيين   يفخرون بهويتهم العراقية  أولا  .. ليأتي الآخرون بهوياتهم  الجزئية ".. دينية ,, قومية . طائفية .. ايديولوجية"   من أجل فناء هذا الجنس  العراقي الطاهر .
فإذا كان وجود " الشبك"   المسلمين   يقتضي وجود " جامع  أو " حسينية"  فذاك تابع   لصلاحيات الحكومة  المحلية  ومحافظة  الموصل  وضمن اجراءات إدارية وقانونية تضمن لكل عراقي   الحق في ممارسة طقوسه   الدينية  ضمن فضاء مكاني  معين ..
ولكن الخوف يكمن .. ووفقا للقاعدة الفقهية الإسلامية  " بتجنب الاضرار " التي تحدث لو أخذ  كلّ طالب ولاية .. ولايته .. وكما يقول السيد المالكي  على سبيل المثال  فقط .. " ان وجود قبر صدام صام حسين في قرية العوجة  لا يضرنا .. بقدر ما أن يكون  مبعثا للفتنة" .
كان الحل السياسي المطروح من  قبل بعض القوى السياسية المسيحية  " بسهل نينوى"  كملجأ  آمن للمسيحين من  بطش إخوانهم  العراقيين وسواهم ..  طرح  لا يقل عنصرية عن طرح قتلتهم ، فالمسيحيون ليسوا  حيوانات  آيلة للإنقراض ينبغي الحفاظ عليها في " محميات" ..
حتى جاء الحل " الشيعي" وعضده النشاط  غير المسبوق للسيد الشاب عمار الحكيم  بزيارته  الميدانية المقلقة تماما  ، والتي تشير ضمنا الى وجود " قوة"  ونيّة  للتدخل في تحويل  الواقع   الديمغرافي  وحتى العقائدي لمدينة برطلة .
وإذا ما تجاوزنا  رغبة  المسيحي في بناء كنيسة  في مدن عراقية خالصة قوامها  الإسلام  .. لضرر ما  سيلحق الأمة  العراقية .. فلماذا   يتوسع المد الشيعي   بوجود أكاديمية إسلامية" شيعية الهوى"  !!
إلا يكفي المسلم  " الشبكي"  أن يكون له جامع يصلي به  / أو حسينية "  يبكي بها ويلطم"   حتى يطالب بأكاديمية !! " هل هي حوزة " رابعة " تقام في شمال العراق ؟؟
ثم أين كان نشاط الوقف الشيعي   " المنفلت من سلطة الدولة العرافية " ، والوقف السني" المنفلت  من سلطة الدولة العراقية" ... أين  بقية الأوقاف  .. يا أرباب دولة العراق   المتخفية في جلابيب "
 السادة " و " المسؤولين ، من قضية غاية في الأهمية .. وهي التقسيم الثنائي لسطة الاوقاف وفقا لمفهوم  إسلامي محض  ؟؟
أين   دور  النواب  المسيحيين والذين حصلوا على ثقة  أبناء مناطقهم ..  من هذا السعار  المجنون حول برطلة ؟؟ اين دورهم في البرلمان ، إذ لم نسمع مطالبتهم  بعقد جلسة خاصة لمناقشة هذا الموضوع العراقي الخطير  في مجلس النواب أو تعليق عضويتهم ،  وإضرابهم عن الحضور لجلسات  المجلس   وفضح كلّ المؤامرات بالدليل والبرهان أمام  أجهزة الاعلام !!.. لم يحدث كلّ هذا .. فلتكن " برطلة"  إذن  عراقا  آمنا  وموحدا ونموذجا  مصغرا  لبناء عراق أكبر .. كما هي " كركوك " نموذجا "  أنضج  لرؤية عراق  متعدد ومتنوع ..
برطلة  هي حدود الله ، كركوك هي  سور العراق .. بغداد  هي العراق كلّه  ..

22
النصف  المليان في كأس الإخوان ...
تجربة مصر نموذجا
وديع شامخ
بعد أن  أطاحت  شعوب الربيع العربي  بأنظمتها الديكتاتورية الجائرة .. جاء من يحصد حنطة ربيعها .. ويترك للثوار حصرم  كرومها ... ولكن التجربة المصرية في فوز الإخوان  قد اخذت منحى آخر ... فلقد تسابق كلّ الطامحين ..الى حكم المحروسة مصر ، فرقاء وغرماء ، أعداء الأمس ، أصدقاء اليوم .. وكان للقضاء المصري اليد القوية، " ولا أقول الطولى"، في  الإشراف الفعال  على لجم  السعار الذي كان مستشريا بين المتنافسين والمتنافحين .. ولعل  خروج المرشح الاسلامي " حازم أبو أسماعيل " "  وخروج " رجل المخابرات " عمر سليمان "  لإسباب قانونية محضة ،  يشكلان  أبرز الصدمات القوية للسائرين بقوة نحو حلم قيادة الجمهورية المصرية الثانية ..
كما كان لعدم  حصول السيد عمرو موسى  الأمين العام السابق للجامعة العربية ، الاصوات الكافية لخوض الجولة النهائية  أمر مهم ومؤشر على  أن المصريين " ومن ورائهم" ووفقا لمراكز القوى قد حسموا المنافسة بين التيار  الإسلامي " بما يتكيء  على منجزات ثورة شباب الميدان" ومرشحهم الدكتور محمد مرسي ، والفريق احمد شفيق  لما يمثله من  " إنقاذ ما يمكن انقاذه " لعودة  السلطة  وعجلة الزمن المصري الى  لحظة " مائعة" تماما..  الفريق شفيق يعبر عن أصوات المنتمين الى النظام السابق ، وملايين اخرى لها حق الريبة والشك في التوجه الاسلامي  في حكم مصر العلمانية تماما و " أم الدنيا"  وصانعة الملوك ، والفنانيين ، ومنشأ المسرح والطرب . مصر السياحة... الخ.
........................
بعد سجال إنتخابي ، أحسَنَ –الإخوان-   إدارة حملتهم بكل الوسائل  السياسية وغيرها  .. للفوز بمنصب الرئاسة المصرية  وبفارق ضئيل جدا ، وهذا ايضا انتصار للديمقراطية  والتسليم بمضارها أيضا ، وكما يقول تشرشل " الديمقراطية سيئة ، ولكنها ليس أسوأ من بقية الانظمة" .
بهكذا " أضعف إيمان "  توجت التجربة المصرية سجالها الإنتخابي بفوز الدكتور السلفي  محمد مرسي رئيسا لمصر .. والأجمل أن غريمه قد سلّم تماما في النتيجة  رغم دفوعه السابق عن أحقيته في الرئاسة .. الفريق شفيق أول من هنأ  الرئيس المصري ، وهذه خصوصية مهمة لتجربة الإنتخابات  وربما هي رسالة  خفية الى أن ،  فوزك  في الانتخابات هو فخ نصبناه لك،  نحن العسكر ومن خلفنا ..  فانت رئيس " منزوع الدسم "  وربما  ستشكل المعارضة نفسها  وتكون في موقع القرار  في البرلمان بعد حل الاغلبية الإسلامية . وهذا ما سيقوم به الفريق أحمد شفيق بعد رجوعه من أداء فريضة العمرة " للملكة العربية السعودية ، مرورا بدولة الامارات" .. إذ سيشكل حزبا سياسيا  يسكون له الثقل النوعي في الحياة السياسية المصرية . لاسيما وأن الرئاسة المصرية قد  إتختار  الفريق طنطاوي لوزراة الدفاع  مع بقاء العسكر واجهزة المخابرات  السابقة في مواقعهم  لحين إعادة  إنتخاب مجلس الشعب المصري وذلك إشارة تطمين الى الدول الإجنبية بعدم الخوف من النموذج الإسلامي المصري ..  أو الشراكة الديمقراطية ما بين "الجندي والدولة"  عل حد  تعبير صاموئيل هانتنغتون .
...................
المعارضة   المُنظمة ..
رغم ميل نتائج الإنتخابات الى كفة الإسلام السلفي ، ولكنها تمثل خيار الشعب المصري وعلينا إحترامه تماما .. وكان من مزايا هذا الخيار أن المعارضة المصرية  لم  يعلو صراخها، ولم ينساقوا الى سفك الدم والتهديد والوعيد ، بل اكتفوا بالتهنئة  للمنتصر  وهذا سياق حضاري آخر تقدمه التجربة المصرية .
والأهم أن  اللاعبين في المشهد السياسي إرتضوا  للواقع  الديمقراطي أن يأخذ مداه .. فلن يطلب الفريق أحمد شفيق   منصبا  في الحكومة  ولم تشير الدلائل الى حد الآن الى وجود نيّة  لتشكيل حكمومة شراكة وطنية أو محاصصية . لقد شكلوا اغلبية سياسية حاكمة ومعارضة سياسية خارج الحكم .  اليس هذا هو النضج الأولي .. والذي تجلي في أول ظهور لرئيس مصر  في لقائه مع قادة العسكر.. فالرئيس السلفي  الذي سيحل وثاقه من حزبه ويكون  مشاعا للمصريين قد دعا الى تكليف نائبين له ، احدهما من الاقباط والاخرى أمرأة ، كما أن القسم الرئاسي سيقدمه : محمد مرسي "  أمام هيئة قضائية  وليس أمام أيّة جهة دينية أو مدنية أخرى.
لم يعد الرئيس المصري قويا بما فيه الكفاية ، وهذا إقرار مهم للحد من سلطة  الأسلاميين  السياسيين ومن خلفهم ،   الذين يجيدون تماما سرقة نتائج الثورات وتجييرها الى مصالحهم ، كما أنهم  تمرسوا في إستخدام الديمقراطية كسلّما للوصول الى السلطة وأحكام السيطرة عليها بكل الوسائل المشروعة وغيرها لضمان بقائهم الأبدي في السلطة  وعلى  مختلف المستويات .. وقد يعتبر البعض أن سلسلة الاجراءات الدستورية التكميلية التي أصدرها العسكر المصري بخصوص تحجيم صلاحيات الرئيس في موضوعات غاية في الاستراتيجية ، انما جاءت  ربما بتوافق أو تناغم خفي بين العسكر والإخوان  ، وهي  رسالة مشتركة  لتطمين الآخرين .. لأسباب  عديدة منها :
1-   فشل الإخوان في حصد نسبة مرتفعة، كما كانوا ُيلّوحون ، اجبرهم مؤقتا على التنازل والرضوخ " تكتيكيا"  للوصول الى الحكم  بأي ثمن .
2-   فشل  العسكر في الإستيلاء العلني  على السطة  والإكتفاء بوجود مرشح لهم ينافس بقوة ويقلق  الآخرين " كالفريق شفيق"..
3-   لقد فهم جميع الفرقاء رسالة المجتمع المصري  والمجتمع الدولي .. فَقبل المرشح الأخواني  مساعدين  له من الاقباط والنساء  بعد ان كانت خطبته بعد الفوز اسلامية صرفة " لقد وليت عليكم ولست  بخيركم "
4-   اثبت المصريون انهم شعب قابل للتعامل مع كافة الممكنات بإيجابية  وسلمية معا .
5-   أغلب الظن ان العسكر المصري  قد تلقى رسائل خفية  تفيد بأن فوز الإخوان هو أقل الخسائر على المجتمع المصري  بشروط  قد قبلها المعسكر السلفي .
6-   أغلب الظن ان صناع القرار قد اكتفوا بهذه المنازلة الرئاسية ممّنين النفس بالفوز بمقاعد السلطة التشريعية  لاحقا  وتحجيم الدور الإسلامي تشريعيا ورقابيا ..
7-   لابد للرئيس المصري ان يقطع رسميا انتمائه للاخوان  وهذا عامل مهم سيقلّل من صلاحيته الحزبية.
8-   الجميع في العملية السياسية قدم التهنئة والاعتراف بالنتائج رغم تلويح الفريق مرسي " بملايين البطاقات المزورة "سابقا .
9-   الثقة بالقضاء المصري ورضوخ الجميع الى القرارات  الختامية الصادرة  عنه  دون ايّ  إعتراض  .

..............
سياسو العراق والتجربة الإخوانية

بعد هذه التجربة المصرية الفتية في عصر " جمهورية مصر الثانية" .. وهي  التجربة الإسلامية القلقة في حصاد خريف الديكتاتوريات العربية  بعد تجارب تونس وليبيا  ،نلاحظ بروز ممكنات إجتماعية وسياسية تثبت عدم  وجود توافق بين الدين وقيادة الدولة ، وهو المفهوم العلماني الذي ارساه النموذج التركي  في الشرق الأوسط ، منذعهد  القائد أتاتورك عام 1919  عندما أزاح العسكر آخر خلفاء  الدولة الإسلامية العثمانية .. وحتى  آخر  رئاسة  تركية إسلامية بقيادة حزب إسلامي ،  تنازل عن إصوله الشرعية . فقد إحتفظت التجربة التركية بطابعها العلماني  وميلها الى النصف الأوربي " الكافر" وهذا يتمثل في سعيها الحثيث في الانضمام  الى أحلاف  عسكرية  للكفار" مثل حلف الناتو عسكريا ، والانضمام إقتصاديا  الى قوة أوربا ممثلة بالاتحاد الأوربي .. الخ
من هاتين  التجربتين  ..أين نجد العقلية الإسلامية  والقومية  والوطنية  العراقية في قيادة البلاد الى بر الأمان ؟؟
بعد أول ثورة حقيقية  بسقوط دكتاتور العصر، صدام حسين عام 2003  سنجد  ان غرماء العملية السياسية لم يجدوا  طريقا صحيحا لتثبيت أسس المقارعة والمنازلة السياسية .. فلم  يتوافقوا على  حكم  هيئة الإنتخابات في  إستحقاق الفائز الانتخابي ، ولم يستطيعوا عبر  نماذج الالتواء على قرارات هيئة الانتخابات بتشكيل الكتلة البرلمانية الغالبة وحقها في الإستئثار بتشكيل الحكومة .. فلا القوة الغالبة  بكل مكوناتها " الشيعية والكردية وبعض القوى المتناثرة"  ولا القوة  المنهزمة  أن يشكلا طريقا لحل وجود تباشير التجربة الديمقراطية في التداول السلمي للسلطة ..
فشلوا جميعا ، وفشل المشروع العراقي الوطني السياسي .. ووصل الامر بأصدقاء وحلفاء الأمس الى التنابز  والإستقواء بتحالفات محلية مريبة وأخرى أقليمية  أكثر شراسة  في النظر الى المشكل العراقي ..
إن طرح  موضوع  الديمقراطية على الشعب العراقي وتحميل الساسة والقوى الخارجية هذا المآل  هو تجني على النصف المهم والفاعل في العملية السياسية عموما ، وهو الشعب " جمهور المنتخبين ".. هذا الجمهور الذي أثبت سلبيته  ومخادمته وخنوعه  لمشاريع الساسة وعلى اختلاف  مشاربهم الدينية والقومية ..
لكن الأكيد أن يتحمل السياسي بوصفه العامل النخبوي في  طرح وتمثيل وإنتاج رغبة الجمهور في شكل الحكم الذي يريدونه .. وما يحصل في العراق الآن من تخبط في المفاهيم  بين بناء الدولة  الدستورية  وادارة الحكومة التنفيذية وصل بالغرماء الى حد مهين جدا ..
فبدأت المؤامرات تحلّ محل الحوار ، والتصفيات السياسية تحلّ محل الالتفات الى الدستور وسبل  إصلاح ما  هو معطوب منه ..
المشكل العراقي معقد وشائك ولكنه ليس محال .. إذا ما توافرت لدى الاطراف المتنازعة رغبة وقوة  في رؤية عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي  حر .. رؤية عراق  دستوري  يحترم العدالة وفقا لمفهوم " مونتسيكو: بوصفها الفصل بين السلطات .
..............................................................
 



23
الغالب والمغلوب … ثقافة الإحتراب في المشهد الإبداعي العراقي

وديع شامخ

Wadea1956@yayoo.com

مهاد

الحديث عن الغالب” المركز” يرتبط منطقيا بوجود مغلوب ” هامش” ما ، كما يشير الظل بداهة الى الضوء وجودا فيزيقيا أو سببّا مفترضا ومتخيلا ، وفي كلا الحالين لا يمكن للهامش أن يكون منفردا ومخلوقا من عدم فالهامش السياسي مثلا وراءه قوة إقصائية تزيح الخصوم من موقع التأثير والسيادة الى موقع التبعية ، يسترشد بعقل مركزي منظم ومسلح بنظرية تتمتع بإستراتيجية عامة وتكتيك خاص.
 طريق السياسي معبد بالهامش ، فالهامش بالنسبة الى السياسي هو الجمهور أو الرعية ، وإن بدت ظاهريا هي المادة الأولية لنجاح السياسي فانها أخيرا ستكون طبقة مهمشة غير متحصلة على نتائج أفعالها سواء عن طريق صناديق الإنتخابات أو في المساهمة في التغيير السياسي لإنظمة الحكم كجنود مجهولين دائما . وكذا القائد العسكري الذي ُيتوج إنتصاراته عبر مادة الحروب وحَطبها الجنود المهمشين المغلوبين والمجهولين أيضا .
 وبقدر تعلق الأمر بالسياسي العربي والعراقي الآن وهوامشهم، وليس بهامش واحد.. يتعلق الأمر برجل الدين وهوامشه في الإقصاء وطريقه هو ” الفتوى”. فالفتوى سلاح فتاك لتهميش وإقصاء وتكفير وتخوين الأخرين وكذا حال المتنفذين في الحياة على المستويات الإجتماعية والإقتصادية .. الخ.
 الحياة السياسية برمتها أسيرة للبراغماتيا وذاكرتها ” ميكافيلية ” ، والحياة هناك سمحت بتكتل قوة الطرد أكثر من قوة الجذب .. فالمجتمعات العربية السياسية تتحصن بقوتها الطاردة أصلا وخصوصا مع المختلفين عنها ، وبالتالي سيتشكل جمهور من العاطلين عن الفعل وهم ما يدعوون ب” المهمشين” .
فلابد لنا أن نعيّ حجم وكم المهمشين كرها وطوعا .
ولكن ماذا عن الحقل الثقافي، وماذا عن الفاعلين به ؟؟ .
 لو قدمنا الأعذار للسياسي ورغبته العارمه في تهميش واقصاء وغلبة المناوئين والاعداء وما جاد به القاموس السياسي من مفردات لإقصاء الاخرين ، ولو بحثنا عن عذر لرجل الدين في إصدار فتواه لتجريم وقتل الآخرين بقصد الحفاظ على بيضة الدين واجتماع الأمة !
 فبماذا نبرر للمثقف تهميشه للأخرين وشيوع مبدأ الغَلبة، وكيف يمكن توصيف ضحايا ” الديكتاتورية الثقافية “؟

المشهد الثقافي بين المركز والهامش
“الغالب والمغلوب


في المشهد الثقافي العراقي شاع نموذج ” جرير والفرزدق ” ففي كل مرحلة لابد من توافر نقيضين لتمثيل الصورة الكلية للمشهد ، أو تفعيل الصراع لتأليب الجمهور للإنقسام الى طرفي معادلة حربية وفئوية تماما ، فلو أخذنا الشاعرين العراقيين والمفكرين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، سنجدهما وبرغم دعواتهما التحررية وتحديهما للدين وتابواته ، فانهما ظلا يمارسان َسوق القطيع الى جانبهما وحيازته تهميشا للشاعر الآخر ولجمهوره أيضا ، فكان للرصافي أنصاره وللزهاوي مريدين أيضا، رغم الوعي الهائل والثقافة العالية التي يتمتعان بها، فالرصافي قد كتب أهم كتابين صدرا بعد موته وهما ” الشخصية المحمدية والرسالة العراقية “.. والزهاوي له كتب وأراء مهمة في قضية المرأة بين السفور والحجاب، والفلسفة والشعر والعلوم مثل ،الجاذبية وتعليلها، الظواهر الطبيعية والفلكية، والدفع العام وغيرها .
 لكن الإحتراب بينهما كان مستعرا حتى أدى الى تدخل الملك فيصل الأول ، لفضّ النزاع في وليمة أقامها على شرفهما .
 ومن إحتراب الرصافي والزهاوي وقبله وبعده ، نشأ نوع من العصاب في الثقافة العراقية ، ضد كل ما هو جديد أو مبتكر وشيوع نظرية ” الغالب والمغلوب” ، وهذا يعود برأيي لان الحقل الثقافي العراقي لم يزل يحمل التأثيرات السياسية أو الدينية أو القبلية ، أي أنه حقل طارد وبإمتياز ، ودليلي الى هذا إن التجديد الشعري الذي حمله شعراء الريادة “بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ” قد قوبل بتحفظ وتشكيك من قبل المشتغلين في الحقل الإبداعي العراقي أو على الأقل التشكيك والتقليل من أهمية الإنجاز في مسيرة التطور النوعي للأشكال الشعرية العربية ، كما هو حال الإحتراب بين الأجيال الثقافة العراقية ، وخصوصا الشعرية، دليلا على نزوع شخصي وجماعي للتمايز والتميّز وغمط حق الآخرين ، وهو نوع من ” التهميش الثقافي” الذي لا يقلّ قسوة وهمجية عن ” التهميشات في حقول الحياة المتنوعة ”

الأجيال الشعرية في العراق وإحترابها

يشير د. علي الوردي عالم الإجتماع العراقي الكبير،الى ان الشخصية العراقية تعاني من إزدواجية بحكم مرجعيتها الملتبسة بين البداوة والمدنية وهذا يؤدي الى إنتاج شخصية أو مجتمع قابل لأن يكون حاضنة أو يساهم في إنتاج حاضنة لممارسة الإقصاء والتهميش للآخرين . والشعراء لم يختلفوا كثيرا عن غيرهم بهذا التوصيف ، فلو فحصنا مسيرة الحقل الإبداعي العراق وفق تقسيماته العشارية والمسماة بالأجيال ” كل جيل بعشر سنوات كما يدّعون !!” سنجد أن الإقصاء والتهميش ساريين على وتيرة متصاعدة لإلغاء جهود السابق وطالت حتى الجهود التأسيسة للرواد في الشعر العراقي أبان الأربعينات من القرن العشرين والحقبة التي تلت الرواد في الخمسينات من القرن المنصرم، سنجد أن التقسيم العشائري – العشاري- ، والسياسي قد ساد على المشهد الشعري العراقي ، ونشأت ظاهرة الأجيال الشعرية وفق التقسيم الزمني ، جيل الخمسينات ، الستينيات ، السبعينات الثمانينات ، والتسعينات . ولقد شهد هذا الاصطراع حربا” غير مقدسة”
 الستينيون يعتقدون بانهم جاؤوا من العدم وهم الحلقة الذهبية في الشعر العراقي ، ولا أحد سواهم، وكذا جاء الجيل السبعيني وهو يحمل رغبة السلطة وتحديها ، وكذا فعل الثمانينيون في الحروب، والتسعينيون في الحروب والحصارات .
 ولكن ماذا عن الشعر ؟
 يريدون للشعر أن يكون لقطيا مهمشا تتناهبه قبائل الأجيال وأهواء السياسة دون الفحص العميق والإشارة الصائبة لجهود المبدعين عموما من غير الإقتصار على “عشائر شعرية ” إن صح القول، فالشعر العراقي يعاني من قطيعة وتهميش حقيقيين نتيجة لإحتراب الشعراء وسعيهم غير “الإبداعي والأخلاقي” الى تعتيم المشهد على أقرانهم سواء في دراساتهم وكتبهم التي ناقشت موضوع الأسماء الشعرية وأهميتها في المشهد الشعري العراقي ، أو حتى في حواراتهم أو مقالاتهم التي تعتمد على ذاكرة منخورة مصابة بداء التناسي المتعمد لجهود وطاقات إبداعية لا يمكن أن يحجبها قلم منصف أوعقلية خالية من مرض الجيلية ، ناهيك عن الزعيق والنعيب من الذين نضبت عدّتهم أو أنكشف زيف أدائهم في المشهد الشعري العراقي عندما ذهبت العوامل المساعدة الخارجية” الحارج إبداعية”! لوجود هؤلاء في حقل الثقافة . لكن الجزء الآخر من الحقيقة أن الأجيال الشعرية برأيي هي تقسيمات نقدية تاريخية تخدم الدارس في موضوع تاريخ الأدب ولا تؤرخ لكشف ودراسة المجسات النوعية لتطورالشكل الشعري في العراقي ، كما أن القلة المنتجة والمبدعة والتي ربما كانت منضوية تحت لواء هذا الجيل أو ذاك أو المتحررة أصلا من هذا التحقيب القسري قد تحررت من هذا الوهم وهي تنجز مشاريعها الإبداعية بشكل فردي خالص ، وهذا ما ينسجم مع روح الإبداع الحقيقية

خاتمة

إن التقسيم الجيلي للمشهد الشعري العراقي يمثل تعسفا في رأيي للتصور النوعي الشعري العراقي ، فلو أخذنا شاعرا كبيرا مثل بدر شاكر السياب لم ينضج شعريا في قصيدته التجديدية ” هل كان حبا ” والتي كتبها في اربعينيات القرن المنصرم ، بل في الخمسينيات وبقصائد راقية مثل المومس العمياء وغريب على الخليج ، وبداية الستينات في قصيدته الرائعة ” سفر أيوب”. وكذا الحال ينطبق على تجربة النضج الشعري لدى الشعر عبد الوهاب لبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف .. وآخرون ..
 إذن قصة الإجيال منحولة من إصلها ، حتى لو أدعى بعض ممثليها من أن وجود الإجيال في الثقافة العراقية : جاء نتيجة لخلو الثقافة العراقية من مدارس ومراحل منتظمة كما شهدته الثقافة الأوربية .
 بعد التغيّرات المهمة في بنية المجتمع العراقي إجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وسايكولوجيا حيث توجت عصارتها آبان فترة التسعينات ، إذ حلّ الخراب التام في الحياة العراقية ،لاحظنا تخطي الشعراء لمفهوم الجيل وتطلعهم الى إنتماءات أكثر فردانية منها الى الجماعة في توصيف المشهد الشعري العراقي أو في البحث عن فضاءات إبداعية لكتابة نصوص بطرائق تتخطى ما كان متعارف عليه في الكتابة الشعرية ، فلم تعد قصيدة النثر أو نصوص الومضة او النص المفتوح وحدها هي الإقتراحات الجمالية للأداء الشعري، بل حاول الشعراء منفردين خلق عوالمهم الشعرية ضمن فضاء أكثر حرية مستفيدين لاحقا وبعد التغيير السياسي المهم في العراق عام 2003، من كل الممكنات المتاحة السمعية والبصرية والتلاقح مجددا مع تجارب العالم بوصفه قرية صغيرة .
 إن عام 2000 في العراق لم يحمل معه مصطلح ” الجيل الألفيني مثلا ” بل أفرز نزوعا نحو فهم جديد لوظيفة الشعر من لدن الشاعر والجماعة معا .
 كما أن الصوت الصارخ لفرسان الأجيال السابقة قد صمت الآن تماما على مستوى التنظير ، وبدأ الجميع بمراجعة حساباتهم أمام الشعر وحده ، فمنهم من صمد َ وجادت قريحته منفردة بنصوص مهمة ومجاميع تؤشر لعافية شعرية ، ومنهم من طواه النسيان شعريا ولكنه ما زال يبحلق بوقاحة في إنثيالات يريد لتاريخه الجيلي أن يشفع لها في سوق الشعر ومرابده ومرابطه! ،ومنهم من غادر الشعر بشجاعة نادرة ووجد نفسه في فضاءات تعبيرية أخرى .
 الإبداع عموما يحمل حصانة ضد التجيير والحيازة والإستحواذ، وهذا ما يجعل الشاعر الفرد يؤمن بتفرده فردا مبدعا منبوذا أو مغلوبا ، خير من وجوده رقما أو أسما في قائمة لا تشير له ولا تعنيه ، سواءً كان عنوانها جيل ، جماعة ..
الشاعر والمبدع الحقيقي عموما لابد أن يعيّ أن وجوده لا يرتبط شرطيا بمركز أو هامش ، ولا بجيل او جماعة .. الخ، انما سر وجوده وخلوده معا في صياغة أسئلته الوجودية الخاصة وسره الحقيقي هو نصه الإبداعي .

24
من يحرس المحروسة .. مصر ؟؟

وديع شامخ

بعد أن أغلقت صناديق الاقتراع وبدأ عد وفرز أصوات  الناخبين المصريين ، في رحلة  الإنتخابات الرئاسية النهائية ، والتي توصل اليها كل من  السلفي الإسلامي الدكتور محمد مرسي ،  والذي يعتبره البعض مرشح الثورة .. والفريق أحمد شفيق  وهو مرشح المؤسسة العسكرية ومن " فلول" النظام السابق وفقا للمصطلحات الاقصائية العربية الجديدة .
ولقد كان للمرشحين  الفرصة الكاملة والناجزة للفوز ، لإسباب كثيرة ومتشعبة ، سوف أتوقف عند  أهمها:
-   1- إن نظام حسني مبارك  لم يقدم طواله فتره حكمه و التي ناهزت الثلاثين عاما  نموذجا للحكم المدني الديمقراطي  - التعددي ، فكان الفساد مستشرٍ تماما من رأس  هرم السلطة الى قاعدتها ..
-   2- خلال فترة الإنظمة الشمولية .. يضمحل الحس الوطني  والانتماء الى الشعب ليحل بديلا عنها  الولاء الشخصي  الطائفي ، القومي ، العقائدي .. الديني .. الخ .
-   3- خلال فترة حكم العسكر  تعودت الشعوب  على  مبدأ الطاعة المنظمة .. وعند الانفلات منها تكون الفوضى  بكل تجلياتها .
-   4-  ثبت من خلال الدرس التاريخي في الربيع العربي  أن الطغاة يحتمون بالدين ، لذا يشاع عمليا النموذج الديني  بعد زوالهم .
-   ..
-   وبقدر تعلق الأمر بمصر  فأن  تاريخ مصر  الحديث سوف لن يسمح  بشيوع الظواهر صدفة .. دون مقدمات .. لان تجربة  مصر حملت في ثناياها خروج  الرئيس المصري  من الحكم نتيجة لمطالب الشعب  مع ضغط من المؤسسة العسكرية ، والتي  هيمنت على حاضر  اللحظة الراهنة ، والوصول بها الى  خواتيم مأمونة  دون المساس ، بمصالح  أمريكا واسرائيل   تحديدا !
العكسر بعد رحيل مبارك الطوعي ،و القسري معا .. اصبح لهم  اليد الطولى . ومارسوا  عنفا اقسى بكثير من  الذي مورس  من قبل النظام السابق  حيال المعارضين.. ولنا شواهد كثيرة في مناطق الاحتقان الطائفي  في محافظات مصر ذات  الهويات الدينية المختلفة ، لذا فأن  المجلس  العسكري غير مبرأ  الذمة تماما  في نتائج الانتخابات .. رغم  أن الرئيس السابق  حسني مبارك ذهب الى نهايته المحتومة دون  تواطيء بين العسكر والدستور والقضاء .. وهذا  يحسب للمستقبل المصري ..
بهذا الإشكال  يخوض المجتمع المصري  إنتخابات رئاسته !!

...................
من  يفوز العسكر أم اللحى!؟.
لايمكن إختصار الشعب المصري بهذه الثنائية  المقيتة .. ولكن الواقع يفرز ظواهر علينا التعامل معها  بواقعية  ..
  وبما أن  الحديث  عن فوز أحد قطبي الرحى في مصر لرئاسة الجمهورية  يدخل في باب الاحتمالات والظن ، لعدم صدور تقرير رسمي من  المحكمة المختصة بأصدار قرارات النتائج .. كما ان التوقعات التي أصدرتها مؤسسات غير رسمية  لا يمكن التعويل عليها في ظروف مصر الحالية  لتعاضد وتشابك المصالح في  إعلان النتائج دون وجود ايّة موضوعية ومهنية لتلك المؤسسات .. وأيضا لغياب الخبرة  الكافية  لمؤسسات استطلاع الرأي العام  العربي  للتوقع  أو البت  في النتائج .
لذا سيبقى منصب  رئيس مصر غامضا حتى  النطق الرسمي بأسمه وصفته ..
ومهما يكن من أمر النتيجة،  على الشعب المصري أن يتقبل الأمر بروح وطنية ويتجنب تجارب  الكثير من أمثلة الربيع العربي  بدمويتها  وخساراتها الفادحة بشريا وماديا  ..
ولكن المثير للامر أن الاخوان المسلمين  قد بكّروا بالاعلان عن فوز مرشحهم ، لا لنتيجة  ثقتهم بشعبيتهم وقبولهم من قبل المجتمع المصري ، بل لانهم أحسنوا لعبة الهجوم الإستباقي ، لإجهاض أية محاولة تقول عكس ذاك .. وهذا ما يجيده الاخوان المسلمين نتيجة لانضابطهم التنظيمي  وقدرتهم العالية على كسب  العواطف  والتلويح بالانتصار لمظلومية  الفقراء  والمهمشين  والتلويح العاطفي لنصرة الدين  .. وربما رمي اليهود  في البحر!!.
ولكن الوجه الاخر للحقيقة يقول : انهم عمليا  اعتدوا على حق غرمائهم في المشاركة الانتخابية قبل  الاستحقاق الرسمي لاعلان النتائج.
ولكن  المرشح أحمد شفيق  ورجال حملته لهم رأي آخر تماما .. فمنذ  ظهور الرجل بشكل لافت للإنتباه في المراحل الاولية للانتخابات  ووصوله الى مرحلتها النهائية ، وصدور  أمر القضاء ببراءته  من تهمة " فلول النظام السابق" ، فقد دخل الرجل في مرحلة  التنافس الوطني وخلفة قوى وجماهير عريضة  يحركها هاجس الظن السيء بالاسلاميين  وتجربتهم في الحكم ، ولاسيما في المجتمع المدني المصري ..
كما أن لقرار القضاء المصري بحل مجلس النواب الأثر  الإيجابي الكبير  لقدرة مصر على تجاوز محنتها  في اسباغ الهوية الاسلامية ، وهذا  ما عمل به مجلس النواب  ذو الاغلبية الاسلامية ، حيث سادت اللحى  ومنطقها .. وصار الآذان يسمع من قبة البرلمان !!!
.....................................................
احترازات المجتمع المصري .. والمجلس العسكري

بغض النظر عن  النتائج  الرسمية  لفوز ايّ من المرشحين  ، لأن ميزان القوى كان قاب قوسين لمصلحة السلفيين  وتحول ثانية  الى الصوت المصري العام دون حيازة من جهة مخصوصة .، إذ  يبدو ان الشعب المصري  قد تحصن من فوز الاسلاميين  أو الفريق أحمد شفيق معا  .. وذلك نتيجة حزمة اجراءات  إتخذها  المجلس العسكري  وهي  مكملةً للإعلان الدستوري، ورهنت الموافقة على إعلان الحرب، أو تدخل القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن، وحماية مؤسسات الدولة من أية اضطرابات قد تنشأ، بموافقة «المجلس الأعلى للقوات المسلحة»؛ ما يعني، فعليا، أن الرئيس لن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة
أي ان  " العسكر" ومن ورائهم  مصريا   ودوليا،  قد ضمنوا للرئيس القادم " منصبا شرفيا" .. وهذا ما يضر الاسلاميين  في حالة فوز مرشحهم : محمد مرسي" ، ولا يؤثر على رؤية " احمد شفيق " لانه غير معني تماما في  إعلان الحروب وتحرير فلسطين ... الخ.

وبهذين الاحترازين من المجلس العسكري ، وانا اعتقد انهما من مصلحة الشعب المصري ، الذي أختار الطريق السلمي للتعامل مع أسرائيل ، والمعتمد  بشكل مهم على المساعدات الامريكية ..  سيكون المرشح السلفي " منزوع  الدسم والفعالية" .. كما أن حل مجلس النواب المصري  سيتيح للشعب المصري ترتيب أوراقة والافاقة من صدمة " زوال الديكتاتور"،  للتفكير الحقيقي في مستقبله التشريعي والرقابي  عبر  إنتخاب مجلس نواب متوازن يمثل الرؤية العامة للمجتمع المصري المتحضر والمدني والمسالم ..
.............................................................
خلاصة ..
على المصريين أن يثبتوا  لانفسهم أولا  وللربيع العربي ثانيا .. أن تجربتهم لها خصوصية   لايمكن ان تكون نسخة مشوهة من تجربة  تونس او ليبيا .. كما أن حكم " مبارك" لا يمكن ان يكون  وصفة ناجحة ومطمئة لشعوب الجوار ومنها " اسرائيل " وأمريكا   كما يعتقدون ، بل ان  حركة الثورة المصرية  الجديدة ستكون لمصر الجميع .. لان التصريحات القادمة من خارج الحدود المصرية ، وتحديدا من فلسطين ، حيث تشير الاخبار الى أن   محمود الزهار  القيادي في حركة حماس يقول "إن مقر المجلس التشريعي في مدينة غزة «سيكون عاصمة الدولة الإسلامية الكبرى». ورأى أن «المرحلة المقبلة ستشهد دورة حضارية جديدة ستزول فيها الحدود» التي وضعها الاحتلال «لأن تلك الحدود لا تحدد الجنسيات والهويات».  فهل يقرب هذا «الوصول الإخواني» هذه الدولة؟..
أعتقد أن هكذا مزايدات سيعيها الناخب المصري والنخب  السياسية  الوطنية ، وبضمنهم  الاسلاميين أن انتصروا لمصر ولمستقبل الشعب المصري وتعاضدوا في النهوض بدولتهم  العلمانية والوطنية والديمقراطية والتعددية .
غير ذاك سيكون صعود أي مرشح من الطرفين  نذير شؤم  وسابقة لا تليق بصناع ثورة مصر وشبابها  في ميدان التحرير ..
............................................................
 


25
الآخر... وداء الشرق العضال

وديع شامخ

مهاد

الحياة نهر  يجري وعجلة الزمن تتقدم الى الأمام ، لا عودة الى الوراء ، لاتوقف لرقاص الساعة ... كما أن الحياة ليس مقوسة بين " مزدوجين " وغير مجيّرة لأحد ،
لكلّ منّا حصته المنصوص عليها زمنيا ومكانيا ووفقا لاستحقاقات  قانونية ، إجتماعية وأخلاقية .. لا حق لأحد  بسرقة حصة الآخر  في الهواء والماء والأرض والشمس ...
لا أحد له الحق في فرض قوانينه ونظامه  .. الحياة قمة تتسع لكلّ المتسلقين .. فيها من التباين والإختلاف والإندماج والتناغم والتباعد والتقارب ..
فالبعض يرى أن الحياة جهاد  لفرض الرأي وكما جاء في أحد قصائد الشاعر احمد شوقي الذي يقول " قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحياة عقيدة و جهاد "
ومثل هذا النمط سنرى الكثير ممن يعتقدون الحياة كوة صغيرة في جدار عقائدهم ورؤاهم فقط .
بينما يرى آخرون الحياة هي أن تعيش يومك بكل بهائه،  كما يرى غوته " لنبدأ الحياة كل يوم من جديد كما لو أنها بدأت الآن " وبهذا الانتصار للحاضر تصبح الحياة اكثر مرونة في الإنطلاق الى آفاق رحبة دون سجون وقيود مرهونة بماض تليد أومجيد .
ولكن الحقيقة الأكيدة، إن للحياة منطقها الواسع وأفقها المتعدد وطيفها الملوّن .
كما أن الحياة ليست بهذا الطراز المبهج  دائما ، فهي تعب وجد ونضال ومعاناة  حتى يتمنى المرء احيانا مغادرتها سريعا . أو الشكوى من التشبث بها كما جاء على لسان الشاعر الفيلسوف " ابو العلاء المعري" بقوله :
"تعب الحياة كُلها فما أعجب إلا من راغب في ازدياد"
تلك هي الحياة ونواميسها وناسها .
...........................
الآخر في الحياة
مثلما تحمل الحياة تنوعها وقوس قزحها ، يأتي الآخر حاملا هوياته المتنوعة ،  حاملا روحه وعقله وضميره ، ليرسم خارطة للتعايش معك " أنت " ، فكيف يبدو لك هذا الآخر ؟؟
هل هو جحيمكَ..  فردوسكَ،  أم مطهرك؟؟
تلك ثلاثية من المناخات والأمزجة قد َصنفت الآخر مسبقا  دون الخوض معه في صناعة أفق مشرق لحياة تحمل في ثناياها آفاقا واسعة للألتقاء .. فالقواسم المشتركة بين بني البشر أكثر بكثير من الإختلافات لو أُحسن التعامل مع الظاهرتين  ..
فالمشترك والمختلف هما قطبا الحياة المتوازنة .. دون إختلاف بناءٍ  ننتج أشباه كائنات ، مسوخاً ، مُقلدين ، ُمريدين ، أفاكين .. وأبواق شائعات ..
 كما أننا دون مشتركات  سوف نصبح قطائع حيوانية في مملكة الإنسان المتوحش .. فالآخر صنوك .. ، الرفيق ، الحبيب ، الزوجة ، الأخ ، الصديق .. المكان ..
الحياة ليست شهوة نركبها لحظة ونغادرها وهي ليست موجة نتحاشاها ونحن نبحر في قوقعة ذواتنا المنغلقة ..
.......................................
الآخر في مرآتك
في درس" نرسيس" نرى ضبابية ونزوع  طفح الذات البشرية برائحتها الكريهة نحو الآخر .. لاشيء في محيط " نرسيس"  سوى ذاته المنتفخة في سراب الماء .. وهكذا غدت " النرجسية " مرضا نفسيا خطيرا  خرج من حقل الإحتفاء بالذات الى حقل تحطيم الآخر وإقصائه ومحوه ..
المرآة الذي أعني هي  رمز لمعيار  الكائن  الذي  من خلاله" يزن" وينظر للأخرين ويحاكمهم ..لانه لا يرى سوى هويته الغالبة  وسحنته السائدة  وقوامة المنتصب، وعقيدتة المهيمنة ، وخطابه  الأوحد.
 كان " اينشتاين " العالم الفيزياوي الكبير يرى  أن " وحدها الحياة التي يحياها المرء من أجل الآخرين هي حياة ذات قيمة" ،  و "فولتير"  يقول  "قد أختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد أن أموت دفاعًا عن رأيك."
ولكننا مصابون بداء الشرق العضال، داء سرطاني ، أميبي .. لاشفاء منه  إلا بأستئصال حاضناته ومغذياته  الفكرية والإجتماعية والأخلاقية  والسياسية ...
علينا تحطيم مرآتنا .. وهدم آبار نفوسنا الصفراء ..
الآخر الشريك .. الآخر الصانع . الآخر الندّ .. الآخر المختلف .. هو السبيل النموذجي لبناء حياة  قابلة لرؤية آخر في عين مليئة بالحب .
.................................
خاتمة
للحياة غايات وأهداف لا ُتختصر برغبة ونزوة إقصائيتين في التعامل مع الآخر .. ولا هي دعوات مجانية على أن الحياة الحقيقية موجودة في مكان آخر .. وأن النأي عنها والزهد بها  هو المجد .
الحياة إبنة المخلصين لها  .. الذين لهم سلسلة متواصلة من ماضيهم وحاضرهم الى مستقبلهم .. الحياة  لا يحتكرها  أحد أو عقيدة ، ولا تسعى الى الإنتقام .. إنها ابنة المحبة .. ولكنها أيضا تملك ذاكرة باشطة ، لا تسمح  لخفافيش الظلام أن يُعرشوا على أشجارها الباسقة ، ولا لحناجر النشاز ان تتخذ من قصبها "نايات" للعزف على  مقامة الموت دائما  ..
الحياة  فعل وليست ردة فعل، صوت وليست صدى ، أفق وليست جدار .. الحياة منطق وليست نزوة ..  الحياة حقل  خصب  ومدار للبذار وساحة للجدل  الفعّال ..
الحياة نهر لا نعبره مرتين .. لحظة إنجاز لا يمكن تكراراها بنمط  محدود ..
غير هذا تكون .. كما يقول شاعرنا
لقد أسمعت لو ناديت حيا ** ولكن لا حياة لمن تنادي *
...

...







26
عراقيون ... ولكن بعد هذا الفاصل


وديع شامخ

الطاولة المستديرة  ساسة العراق و
 سأترك الأصل الإسطوري أو الحقيقي  لنشوء رواية الطاولة المستديرة  في التاريخ ، وأذهب الى  رواية  علم النفس ، فالطاولة المستديرة هي واحدة  من تجاربها حول فحص البشر  على مستوى التلقي والتداول  لحكاية واحدة  ، خبر ٌ يتم تداوله  بين أشخاص يجلسون على  طاولة مستديرة،  إذ يتم الهمس في أذن  الجالس الأول َخبر ما  .. ويُطلب منه أن ينقله الى الآخر.. وهكذا حتى تتم الدائرة ويصل الخبر مرة ثانية الى السامع الأول .
  ولقد تم إكتشاف مهم جدا ، وهو أن الخبر حين ينقل من شخص الى ثانٍ ،  تتم اضافة أو طرح  معلومة  على الخبر الأصلي  من قبل الشخص  مستلم الخبر ، حتى بلغ العجب حين  انتهت الدائرة ووصلت  الحكاية  الى ناقل الخبر الأول.. إذ أن  الخبر صار  مختلفا  نهائيا ومثقل بحكايات وتأويلات غير موجودة في نسخة الخبر الأول ...
بين الأول والأخير بون شاسع من التصديق والتكذيب .. في الطاولة المستديرة   ُيفحص الكائن عبر مسموعاته وإضافاته .. ومن فضائل الطاولة المستديرة أيضا انها بلا رئيس أو زعيم يتصدر الجلسة ويهيمن على الجماعة بخطابه  وشروطه .. والحق أن
ساسة العراق يشتركون مع جلساء الطاولة المستديرة في الإضافة والتأويل  والانصات الى الوشاية فقط..   كل واحد سمع الحكاية الأولى وأشاعها .. ولكنه لم َيسلم من الإضافة عليها،   عبر  مصدر الإضافة الخارجي  وفقا لإنتمائه السياسي  و شروط الممول الخارجي أو الداخلي  ..
.................................
حكاية سحب الثقة نموذجا
لنأخذ قضية " سحب الثقة " من حكومة المالكي   ونطبقها  على مفهوم الطاولة المستديرة ..  فجميع الفرقاء لهم أراء تتباين أو تشترك وفقا لمصالحهم وأهوائهم ومرجعياتهم  الوطنية والأقليمية والدولية  وربما " الإلهية " أيضا .. حسب تصريح السيد  مقتدى الصدر الأخير  في تعليقه  على  أن أمر سحب الثقة  هو " مشروع عراقي  وإلهي!!" .
 اللعبة الآن  تريد أن تصل الى طريق  مسدود بعد أن وجه  رئيس الحمهورية " مام جلال" الى فرقاء سقيفة أربيل  بانه " في حلّ من هذا الموضوع لعدم توافر الشروط القانونية  له والمتمثلة بتوفر أصوات النواب الكافية  لسحب الثقة ، بعد ان سحب أحد عشر نائبا  تواقيعهم وتعليق  أثنان آخران لتوقيعهما ، وهو مضطر الى الاستقالة من منصبه اذا ما واجه ضغوطا  أكثر من قبل " جماعة أربيل" .. وهو يشير بشكل ضمني الى جهود غرماء العملية السياسية الى الانتقام من " المالكي شخصيا" متوعدين بجمع تواقيع كافية لسحب الثقة ..  في حين ان " المالكي  "  يشير الى مناوئيه بالجلوس الى الطاولة المستديرة !!!
وقد وصل الأمر  الى أن الرئيس طالباني  كذّب  أياد علاوي.. في قضية  طبخة إزاحة المالكي سياسيا  والتي كانت  غير ناضجة .. لذا  أظهر لنا المطبخ السياسي  العراق ، وجبات عسيرة الهضم ..  وأبرزها " الإصرار على زوال المالكي"  وكأنه الطامة الكبرى ، ومخرب العباد.
المشكلة أن فرقاء العملية السياسية لا يريدون الإمتثال والجلوس على  طاولة الحوار الوطني المستديرة ، لأن هذه الطاولة بقدر ما تسمح بالتأويل والإضافة  فأنها  ُتجرّد رؤساء القوائم من سيادتهم وسلطانهم  وتصدرهم للطاولات المربعة والمثلثة .. الخ.
الطاولة المستديرة تعني " عراقيا " الجلوس كمحاورين متكافئين في الحقوق .. بطرح كل ما يتعلق بأداء الحكومة والمالكي شخصيا  وفقا للدستور  الموجود حاليا  والمقرّ والمعترف به من قبل  معظم أطراف العملية السياسية .. 
الطاولة المستديرة الآن تمثل الحل الأكثر واقعية  لتدارك المزيد من الوشاية والاضافة والتأويل القادمين من خارج الحدود العراقية.

...................
الدم العراقي  الرخيص
يقول الفيلسوف كارل بوبر: "ترتكز الحضارة أساسا على تقليص العنف" وهذا، في رأيه، هو الهدف الرئيسي الذي ينبغي أن تسعى إليه الديمقراطية. ويشير إلى حرية الأشخاص غير مضمونة في المجتمع إلا بقدر ما يتخلى جميع الأشخاص عن استخدام العنف: "تتطلب دولة القانون اللاعنف الذي هو نواتها الأساسية"
قد يعلم ساسة العراق وسادتهم ومسؤوليهم ، أن الافراط والإصرار  على  إستمرار الإحتقان السياسي والفرقة  والتباعد  في رؤية قيادة دفة الحكومة ، هو السبب المباشر والرئيسي  لهذا الثمن العظيم الذي يدفعه المواطن العراقي  بيد عصابات الدم  ومافيات الإتجار بالإرواح البشرية  وسيادة مبدأ العنف  .. وهو ما حصل في الأيام القليلة السابقة  وبمناسبة الزيارات " المليونية "!! وما شهدناه بألم وحزن  من الإستهتار بالدم العراقي  الكريم ، و بحياة العراقي عموما ،   الذي قضى  أكثر من أربعين عاما ضحية مجانية  في دائرة " جمهوريات الخوف  والإستبداد" .
 هل هذا كلّ ما  في جعبتكم  ياساسة  العراق ؟؟
أليس إختلافكم وتناحركم، وهبوب رياح المرجعيات الأقليمية والدولية على مشاريعكم  وأجنداتكم السياسية هو السبب الرئيسي لهذا الدم العراقي المجاني ؟؟
.............................................
يبدو أن  الساسة في العراق  قد أصابهم الهلع  من الجلوس  على طاولة واحدة .. ، حيث لا يتاح   لهم ممارسة  هواياتهم الرئاسية مع مريديهم  وعبيدهم  فقط ، دون أنداد  فاعلين  .
الطاولة المستديرة  تعني أن الاشخاص المجتمعين  سيكونوا على درجة واحدة .. ينصتون  الى الجميع .. لهم حصة واحدة في الحديث .. ولهم  علاقة بمبدأ  الطاولة  في  الجهل بالآخر " والناس أعداء ما جهلوا"، لذا يخاف الساسة في العراق فقدان  مركزيتهم في الطاولة  المستطيلة ، حيث الرؤساء على الكراسي .. يقولون ولا يسمعون ..
والطاولة المستديرة  تمدّ  المجتمعين  بعامل الشفافية والقرب .. وهذا ما لا يريده حكام العراق الجدد .. !!!
عجبا أن الساسة والسادة  مصابون  بداء مرضي  يركز على  الإنقضاض على  شخص ما ، دون ولوج أبواب مشرعة   لمحاسبة  الحكومة "المالكية" تحت قبة البرلمان عبر الإستجواب .. وهو سلاح ماضٍ وفعال  ومرئي للجميع ..
أم ان سلاح البرلمان فيه من الفضائح  أكثر من الستر  مهتدين بمقولة " أذا بليتم فأستتروا"!!!وبتأويل مشوه ..
رضينا لكم التأويل والتقول والإجتهاد السياسي / ولكن بالتأكيد سوف لن  يستمر هذا  الدجل طويلا .
السياسي العراقي مطلوب منه أمام الشعب إثبات  نزاهته أولا  .. قبل استخدام سبابته الشخصية  والجمعية  ، وقوة مرجعيته  لإدانة وتسقيط  الشركاء..
وللشعب العراقي بعمومه  درس خاص لابد من تجاوزه .. في إنتخاب هكذا  شخصيات لاتستحق أن تكون  في مقدمة الحياة العراقية ، بتعددها وتنوعها وغناها   الوطني  والإنساني  ...
...................

 
 


27
مضار الديمقراطية  وقرفها ...

وديع شامخ

الشيء المقرف في الديمقراطية .. أنك مضطر لسماع الحمقى
رينيه ديكارت .
..................
مهاد
في تاريخ الجنس البشري  نلاحظ  تطورا كمياً ونوعيا  للوصول بالعقل الى قامته، ولخروج الإنسان من غابته السوداء  وإنتصابه  جسديا وروحيا .. ولقد ساهمت كلّ الحقول في رفد هذا الوليد الإنساني  الساكن على هذا الكوكب الأرضي بكل المنشطات  والمثبطات معا  ..وبعد أن تجاوزت الخليقة  الإنسانية معاركها في النشوء والإرتقاء ، وإنتمت الى التطور العام  ، بحسم الأمر بين مدرستين فكريتين كبيرتين وهما :  المدرسة المادية " الملحدة" والتي تؤمن بأسبقية المادة على الفكر ، والمدرسة المثالية " المؤمنة" والتي تؤمن بأسبقية الفكر على المادة.
ونتيجة لهذين الإفرازين نشأت عقد ومعارك ومناظرات ومهاترات  لم يزل صداها قائما ، ورنينها يصمّ الآذان .. ولكن كلا المدرستين رغم ضراوة تناقضهما فكريا  لم تُحمّل  معتنيقها قوة الأنتقام وارادة  التهميش ، وظلت  أفكار المدرستين موضع  نقاش وجدل  في حقل الدرس  النظري المحض، حتى جاء الحقل السياسي / الديني  متطفلا  على إنجازات العقل البشري  ومجيّرا أياها الى مصلحته  ونفوذه الأيديولوجي ، فبدأت معركة أخرى فتحت جبهتها  عقائد  وعقليات  طحلبية نشأت بشكل طارىء  نتيجة لإختلال موازين القوى السائدة  في السيطرة على الكائن البشري سياسيا.
.................
مسيرة الديمقراطية
الديمقراطية واحدة من المفاهيم الكبرى التي أنتجها العقل البشري  وخصوصا العقل الأغريقي  بوصفها " حكم الشعب لنفسه "
ولكن المصطلح تحُوّل وأخذ دلالة أخرى خارج حقل نشوئه ، وحيازة أخرى خارج مفهومه . فالديمقراطية بدلا من حكم الشعب لنفسه ، تحولت  الى آليات إقتراع  أملتها الأغلبيات السياسية .. فصارت الديمقراطية : "حكم الأغلبية" من خلال  تنافس  قارٍ مكتوب في دستور معلوم ، وله قوانين ساندة تضمن تنفيذ عقد الشراكة مع الآخر بشفافية ونزاهة معقولتين   ..
وهكذا تدرّج مفهوم الديمقراطية, فبدلا من  الحكم  الشعب لنفسه  وفقا  للمفهوم  الأغريقي صارت الأغلبية  لعبة سياسية محضة  .. ومن الأغلبية نشأ فراغ إنساني حقيقي حوّل مفهومها ومدى سلطتها على " الأقلية".. وهذا الإزدواج لم تعاني منه  كثيرا  الديمقراطية الغربية حيث نشأت هناك وتربى  الناس على إستعمالها  بشكل سلمي ودوري بكل شفافية ، وأصبح حكم الأغلبية  لا يعني سيادة مطلقة أو جور وظلم ُتطبقه الأكثرية  بحق الأقلية ، بل هو مسؤولية الأغلبية السياسية في الحفاظ  على حقوق الأقلية ، أو بشكل أدق ، مسؤولية الأغلبية في تطبيق  الدستور وحفظ  النظام  خلال فترة فوزها في  تسلّم مقاليد  الحكم ، وهذه الفترة لها مدى واضح و محدود غالبا .
أما الديمقراطية في شرقنا " العتيد ،تحديدا حيث لم تنشأ  بشكل تراتبي وحضاري منظم ، إذ إستلمناها  كوصفة غربية جاهزة.
 صار مفهموم الديمقراطية  معضلة تحتاج الى حلول .. فقد أعتبرت هيمنة الأغلبية على مصادر القرار هي  السمة الماثلة في ديمقراطيتنا الهشة، فالأغلبية تسيطر على المجالس البلدية  ثم مجلس  الشعب " الوطني ، البرلمان.. "  ، ومن نفوذ الأغلبية في هذه السلطة التشريعية الحاسمة ستكون لهم القوة في تنصيب  حكومة أو رئيس جمهورية ، وفقا لنوع وشكل الحكم السائد في تلك الدولة .
لذا نرى زحفا مخيفا وغير مُطمّئِن  من قبل الأغلبية وهي تسحق بعجلتها كلّ شيء يقف خارج  مشروعها الأيديولوجي – الديني ، ودليلها  قوة الأغلبية والتي تحدث دائما في ظل فراغات سياسية حاسمة في تاريخ الشعوب وهي  تتهيأ للإنتقال من مرحلة الديكتاتورية الى مرحلة الحكم الديمقراطي التعددي !
وبالتالي  ستكون الأغلبية أداة قهر رسمي وقانوني لحقوق بقية أبناء الشعب أو ما يسمى خطأ :" بالاقليات " وهو مفهوم عنصري تماما  تم استحداثه في شرقنا العتيد  لإعادة صياغته بشكل  طائفي أو ديني وغير إنساني تماما .. لان الأغلبية  وفقا للمفهوم الغربي تعني أولا وأخيرا أغلبية سياسية محضة .. وما حلّ بعد قطاف السلفيين لثورة الشباب العربي في ربيعهم العربي  وإسقاطهم للديكتاتوريات خيرُ مثال على إغتصاب  معطيات ونتائج الثورات  والسطو على أحلام الشعوب .
....................
مخرجات الديمقراطية العربية ثقافيا

 ومن أسوأ مخرجات الديمقراطية على الطراز الشرقي – العربي ،هو بروز نماذج من  المتطفلين لا صلة لهم إطلاقا بفن وموهبة  قيادة المفاصل  التنظيمية تشريعيا وتنفيذيا ، لأن المحاصصة الطائفية مثلا في العراق ستجلبهم الى شَغل تلك المناصب دون توفر الحد الأدنى من مؤهلات هذا المنصب ، أو ما يحدث  في عموم دول الربيع العربي  من  مهازل وصول أناس  ،غير جديرين أطلاقا،  الى مستوى برلمان  في دول حضارية مثل تونس أو مصر ، وهم عمليا وفكريا ينتمون  الى عقلية القروسطية المظلمة  بكل تراكماتها .
فمثلا يرشح  لمنصب وزير ثقافة العراق، وما تعنيه الثقافة العراقية من ثقل نوعي كبير، رجل كلّ تاريخه لا يتعدى كونه  " خطيب جامع" ، وبعد فترة قصيره يدان  بتهم دعم الأرهاب ويهرب من العدالة وهو الآن حر طليق وضحاياه لم يجف  دمهم بعد. ومن هذا الحقل  المحاصصي بأسم الديمقراطية سوف تشاهد مدراء عامين في وزارة الثقافة  هم أقرب الى رؤساء المافيات ، وكذلك  ترى من حصاد هذا الحقل  ان تنشأ صحف ومجلات ودوريات ، وعليها قائمون ورؤساء تحرير لا يفقهون شيئا من أصول اللعبة الأعلامية" الميديا الحديثة" ، ولا يتمتعون بأيّة مهارات ومواهب ، ولا بشهادات أكاديمية تتيح لهم تبوأ هذه المراكز المفصلية الحساسة في حقل الثقافة والاعلام .. ويصح بهم قول المتنبي :
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدو له ما من صداقته بدُّ
 ولم يكتف العراقيون والعرب عموما  من أستنساخ مشوه للتجربة الغربية الديمقراطية والإستفادة من أطرها العامة وتطويعها محليا ، بل تمادوا الى نقل التشوهات الى بلدان مهاجرهم ومنافيهم .. فصار لكل جالية  أمراضها الوطنية المنقولة والمستنسخة من أمراض أوطانهم الأولى .. 
فترى الزحف غير "المقدس" لإناس لا شغل لهم سوى تبوأ مناصب صحفية أو جهات إفتائية أو غيرها .  إذ يقوم هؤلاء بتسميم منظّم لرعاياهم والمريدين  من الجاليات .. يتخندقون ويتحزبون ، مللّا  ونِحلا ضد كل صوت آخر وفكر حر..
حفلة جماعية يشارك فيها الصحافي الخانع  الجاهل بمؤزارة رجل الدين المتخلف  والداعية العنصري والطائفي ، لتشكيل قوة بازارية ضاغطة أولاً.. تتخللها رسائل عنف خفيفة مؤشرة الى قص إجنحة الصوت الحر .
ونتيجة لعطالة هؤلاء من صحافيين ورؤساء تحرير ومؤسسات طائفية ودينية وحزبية فانهم  يحاولون إيقاف عجلة التاريخ في دول آوتهم من ظلم بلدانهم ، وإحترمت  الانسان فيهم   وقدمت لهم كلّ شيء يحفظ كرامتهم وأمنهم .. ولكن مخرجاتهم كانت " عصابات صحفية ، مؤسسات مشبوهة  لتصدير الجهل والتخلف ، سموم   قادمة من عمق كهوف أرواحهم  المنخورة ".
والحقيقة الأكيدة أن هؤلاء هم من  نتائج ومثالب الديمقرطيات  أيضا .. ولابد لي في الختام أن أتذكر طيب الذكر الشاعر الحداثوي الكبير  نزار قباني وهو يرثي ثقافتنا  بقوله :
ثَافَتُنَا فَقَاقيعٌ مِنَ الصَّابُونِ وَالوَحْلِ
فَمَا زَالَتْ بِدَاخِلِنَا رَوَاسِبُ مِنْ أَبِيْ جَهْلِ
وَمَا زِلْنَا نَعِيْشُ بِمَنْطِقِ المِفْتَاحِ وَالقِفْلِ
نَلُفُّ نِسَاءَنَا بِالقُطْنِ، نَدْفُنُهُنَّ فِي الرَّمِلِ
وَنَمْلُكُهُنَّ كَالسِجَّادِ كَالأَبْقَارِ فِي الحَقْلِ
وَنَهْزَءْ مِنْ قَوَارِيْرَ بِلا دِيْنٍ وَلا عَقْلِ
وَنَرْجِعُ آخِرَ اللَّيْلِ، نُمَارِسُ حَقَّنَا الزَّوْجِيَّ كَالثِّيْرَانِ وَالخَيْلِ
نُمَارِسُهُ خِلالَ دَقَاِئقٍ خَمْسٍ بِلا شَوْقٍ وَلا ذَوْقٍ وَلا مَيْلِ
نُمَارِسُهُ كَآلاتٍ تُؤَدِّي الفِعْلَ لِلْفِعْلِ
وَنَرْقُدُ بَعْدَهَا مَوْتَى، وَنَتْرُكُهُنَّ وَسْطَ النَّارِ، وَسْطَ الطِّيْنِ وَالوَحْلِ
قَتْيْلاتٍ بِلا قَتْلِ. بِنِصْفِ الدَّرْبِ نَتْرُكُهُنْ
يَا لَفَظَاظَةِ الخَيْلِ!
قَضَيْنَا العُمْرَ فِي المَخْدَعْ
وَجَيْشُ حَرِيْمِنَا مَعَنَا، وَصَكُّ زَوَاجِنَا مَعَنَا، وَقُلْنَا: اللهُ قَدْ شَرَّعْ.
لَيَالَيْنَا مُوَزَّعَةٌ عَلَى زَوْجَاتِنَا الأَرْبَعْ
هُنَا شَفَةٌ، هُنَا سَاقٌ، هُنَا ظُفْرٌ، هُنَا إِصْبَعْ
كَأَنَّ الدِّيْنَ حَانُوْتٌ فَتَحْنَاهُ لِكَي نَشْبَعْ
تَمَتَّعْنَا بِمَا أَيْمَانُنَا مَلَكَتْ، وَعِشْنَا مِنْ غَرَائِزِنَا بِمُسْتَنْقَعْ
وَزَوَّرْنَا كَلامَ اللهِ بِالشَّكْلِ الذِيْ يَنْفَعْ، وَلَمْ نَخْجَلْ بِمَا نَصْنَعْ!
عَبَثْنَا فِي قَدَاسَتِهِ، نَسِيْنَا نُبْلَ غَايَتِهِ، وَلَمْ نَذْكُرْ سِوَى المَضْجَعْ
...


28

زوجة الظواهري ... بازار  الجهاد ..... والربيع العربي

وديع شامخ
مهاد

مرّ الحوار الإنساني وعبر تاريخه المديد بجملة من الإنعطافات النوعية، أنضجتها  خبرات على مستوى الزمن والاثر  المكاني ..وقد كان للتكنولوجيا  الباع  الطويل في إثراء الحوار البشري عبر المكتشفات  الفذة  والتي سمحت للبشر في الكرة الإرضية أن يكونوا سكنة  القرية الكونية حقا .
العالم وفقا للأثر التقني هو وجود إفتراضي ، أي أن الكائنات فيه تسير وفق نظام عام ما  .. لا وفقا لنظام مخصوص.. أعني أن  الإكتشاف التقني لا علاقة له بالمرسل ولا بالرسالة ولا بالمرسل اليه ..  إن مهمته  توفير  الطريق الأسرع لوصول الكلام  الى جمهور من المتلقين  في أرجاء العالم .
ومسؤولية الإنسان تنحصر في القدرة على إستعمال الممكن التقني  فقط  دون مسؤولية التقنيات عن  ماهية الرسالة . ولتكنولوجيا الإتصالات الأثر البالغ  في نقل الوقائع والأحداث والتي تؤدي الى تغييرات في وجهات النظر الشعبية او الرسمية حيال مختلف الظواهر ..
وفي  ظاهرة الربيع العربي والتي إنعقد العزم عليها  لتأشير مرحلة خريف " البطاركة العرب " الدكتاتورية العربية ، ووصول  الشعوب الى مرحلة الحكم الديمقراطي ، نلاحظ حضور تكنولوجيا نقل الخبر والمعلومة حاضرا وبشدة ، اذ رأينا  تداعي حلم الشباب العربي  بوصول السلفية الإسلامية المتخلفة الى سدة الحكم عبر أساليب  متنوعة أغلبها باطل ، ولكنه كان مجازا من وجه نظر الديمقراطية والتي لا يفهم العرب منها غير الوصول الى الحكم  بمفتاح حكم الأغلبية للإقليات وأقفال الباب على الآخرين لاحقا   في الوصول الى الحكم   !!
.............................................
أميمة  وثقافة القتل

كان لتنظيم القاعدة  الحصة المعلنة في   حصد نتائج الربيع العربي  عبر التناغم الفكري الواضح بين موقف القاعدة الفكري والسلفيين ، فكان زواج متعة  تحقق على سرير مخملي  ، كان ضحيته الشعوب وأملها في غياب  الظلم  وإشراق الحق ..
وقد استخدم السلفيون  والقاعدة معا التكنلوجيا  بشقها  الاتصالاتي  خير  استخدام  في الاستحواذ  وقطف نتائج ثورة الشباب .. استمالوا   الناس البسطاء بعواطف دينية  رخيصة ، بمساعدة وبمباركة قوى اقليمية ودولية !!
تعالوا معي نتصفح  ما فجرته زوجة ايمن الظواهري القائد المتوج لتنظيم القاعدة  من قنبلة  خطيرة ، رمتها  عبر  وسائل  الاعلام وتكنولوجيا الاتصالات .. فقالت  بغير حياء من "كهف وجودها "الى العالم  لتهنيء  النساء العربيات  وكما نشر  في المواقع الاسلامية  وغيرها وجاء الخبر "
 "هنأت زوجة زعيم القاعدة ايمن الظواهري في رسالة نشرها موقع اسلامي الجمعة، المسلمات لمساهمتهن في الربيع العرب وطالبتهن بتربية اولادهن على ثقافة الجهاد.
وقالت أميمة حسن زوجة الظواهري في النص الذي نشره موقع الفجر "أهنئ جميع المسلمات على هذه الثورات المباركة،
وتابعت "وصيتي الى كل اخواتي ان تربين اولادكن على حب الجهاد وشهادة الله اكبر وتغرسن فيهم حب الدين وحب الموت في سبيل الله (...) لتربي كل ام مسلمة صالحة ابنها على انه صلاح الدين، ولتقول له انت من سيعيد امجاد الاسلام وانت من سيعيد بيت المقدس".
واضافت "اوصيكن بالتمسك بحجابكن في كل مكان وفي كل المجالات في الجامعة ومكان العمل (...) الحجاب هو هوية المرأة المسلمة...".
وطلبت منهن حث ازواجهن على "الافراج عن المعتقلات اينما كانوا (...) ومنهن ارامل شهيدنا اسامة بن لادن اللواتي يعانين واطفالهن من السجن في باكستان...".
ويشير هذا التصريح الاخير الى ان الرسالة وجهت قبل ترحيل باكستان ارامل بن لادن واولاده في اواخر ابريل الى السعودية"
زوجة الظواهري اباحت لنفسها ان تنقل رسالة غاية في الدموية  ، وغاية في الأعتداء على الحياة الانسانية  بغرس تربية الموت والجهاد الذي يعني قتل الآخر  المختلف .. قتل الآخر المختلف  .. وهي بالتأكيد لا تتحدث من فراغ ، فلها مرجعياتها  في الكتاب والسنة .
....................................................
مزاد بشري مرعب

جاء في الصورة والصوت  أن دعاة إسلاميين سلفيين   يظهرون في مزاد علني .. ليس لبيع سلعة ما ,, أو للاعلان عن مبادئهم   ودعوة الناس الى اعتناق  دينهم ،  أو  تنفيذ حكم الله في المرتد أو المنافق  .. الخ ..
رأيت مزادا غريبا : بازارا"  يظهر فيه شخص يعرض ولده للبيع  برتبة جهادي سيستخدم لتفجير نفسه في  مكان مخصوص " سوريا الآن" .. ويبدأ  المزاد على رقبة وحياة الصبي  الذي اعلنه  الرجل " ابوه" .. ويعلو الصراخ  والتلويح، فيبدأ  المزاد  ب" .. 1000 ريال سعودي" ... وحتى وصول  سعر الشاب الى مليون  ريال ..  فعلا  التهليل والتكبير .. واشتدت  المنازعة  لتشجيع الحاضرين بالتبرع .. فرفع السعر الى  مليون  ومئة  ريال .. وهكذا تباعا   يعلو صوت  المعلن  وبطريقة  بهلوانية لاتمت الى  الانسانية بشيء..  لرفع سعر موت الصبي المعروض  .. .. تصوروا " صاحب المزاد"  يلّون صوته  ويستحث الهمم لرفع  سعر الضحية .!!.
دهشت حقا  من أب  يقف  في مزاد لبيع إبنه  لا لعلة  الجوع أو الحاجة .. وحتى العهر..  بل لحاجة المجاهدين لجثة " ُتفجر"  بين الناس . كان المزاد مرعبا "" الله واكبر "   ارتفع  أخيرا  سعر الضحية  الى " مليون ونصف ريال " .. هكذا توقف المزاد على سعر الضحية " الشاب خالد"  مع تهاليل  الحاضرين بمباركة الاب  ببيع ابنه علنا .. ليكون في قافلة الشهداء  من أجل  الدين  ومن أجل رسالة  الله  ...
هكذا رأى العالم  الفيديو  / هكذا كان إستخدام  رسالة تكنولوجيا الاتصالات  يصل الى هذا الحدّ المقرف  ، والبعيد جدا عن حدود نشر الرسالة  الإنسانية  بإختلاف  تمثلاتها ..
فكل من سيدة القاعدة الأولى   وحفلة  مزاد بيع الشاب .. قد  ظهرتا   الى العالم  علنا  ، وبكل وضوح  وشفافية ..
.........................................
خاتمة السوء

اليس هذا قهر جمعي  يمضي الى زرع نتائج  خطيرة في بناء مجتمع  عصابي ومصاب  بالانفصام القهري ..!!  هل من حق  القتلة  أين يكون لهم  الحضوة  في إستخدام وسائل الاتصالات وثمرة العقل البشري المسالم ؟؟
ايّ مجتمع سَيبنى  في ظل سيادة عقل القاعدة  من دعوة السيدة الأولى  برضع الاطفال ثقافة الموت بدلا من حليب  الامهات الطاهر  وانتهاج  ثقافة حب الحياة  وبناء المسقبل .!!؟؟
أي مجتمع  سيكون  والشباب  يعرضون في مزاد علني " وبسعر مادي معلوم " لغرض مواصلة الجهاد في سبيل الله !!  أهكذا تكون خاتمة الانسان في عرف القاعدة والسلفيين ؟؟  اليس من حقنا الدعوة الى  تجفيف منابع الفكر الديني الإرهابي   مكانيا وزمانيا ..
أليس هي  خاتمة السوء ان يوضع  الإنسان في خانق  لا حق له في إختيار حياته وموته معا !!؟؟
أي ربيع عربي  سيحلّ  في ظل صيف  الأفاعي ؟؟
............................................................................
 

.



29
مبارك يرتدي بدلة السجن الزرقاء
وديع شامخ
بعد أن تم النطق بالحكم المؤبد على السيد محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر السابق ، بناءً على لائحة الإتهام الموجهة إليه لمسؤوليته المباشرة في إراقة دماء المصريين أبان أحداث " ثورة الميدان" ، والتي تمخضت عن تنحي مبارك عن السلطة . وبين مصدق ومكذب ، وبين مؤيد و معارض ..
أثبت القضاء المصري كلمته أزاء هذا الفرعون الأخير .. وبطريقة حضارية ، رحل الرئيس السابق الى مقره في سجن " طره المركزي" بإلزام قانوني لترك مقره السياحي السابق في أحد المصحات الطبية والتي تقارب في رفاهيتها ، أجمل المنتجعات السياحية .
فقرار القضاء المصري له نتائج ملموسة على ارض الواقع ، فبعد نقل مبارك الى سجن حقيقي ، مارست الجهة التنفيذية صلاحيتها في إجبار مبارك على إرتداء زي السجن الرسمي ، وهو عبارة عن بدلة زرقاء وإعطائه رقما خاصا كسجين دائم .. بعدما كان مبارك يتميز عن جميع المتهمين في قفص العدالة بلباسه المدني .. ولو بحثنا للقضاء المصري عن عذر في تمييز حسني مبارك عن الآخرين ، هو أنه متهم فقط ، والمتهم برىء حتى تثبت إدانته ، وهذا محض دلال لمبارك يُحسب ضد القضاء.. ولكن صدور الحكم المناسب بحق الرجل الفرعوني الاخير قد أزاح كل لغط عن دلال الريس، فهو الآن يرتدي بدلة السجناء وينفذ عقوبة السجن المؤبد .. وهذا بحد ذاته انتصار لارادة الشعب المصري ، وشجاعة القضاء في الابتعاد عن التأثيرات الداخلية والخارجية .. العاطفية أو غيرها .
ومع وجود مبارك في السجن الجديد " او في مستشفى السجن الجديد تحديدا " والذي أعد بشكل مناسب لاستقبال شخصية كانت مهمة " مثل مبارك" فان الشعب المصري أثبت انه شعب لا يريد التشفي وقتل مبارك أو التمثيل بجثته .. كما فعلت شعوب أخرى .. رغم التظاهرات التي عمت ساحة الميدان والتي تطالب بإنزال اقسى العقوبات عن مرتكبي الجريمة بحق الثوار في ساحة الميدان .
ربما سيكون للمصرين الحق في تسويق فرعونهم السابق بطريقة لا تخلو من صناعة النجم المصري ، حتى ولو كان برتبة مجرم ..
ولكن الأكيد أن مبارك الذي صحا متأخرا من لعنة الفراعنة قد واجه القضاء المصري دون رد فعل ابدا .
وكعادة الرجل في تقبل الصدمات فقد أجهش مبارك بنوبة بكاء وهو يردد " حسبي الله حسبي الله .. لقد خدمت هذا البلد كثيرا" ولكن خدمة البلد لا تعفي مبارك أوغيره من الإمتثال الى القانون عند قيامهم بجرم ُمثبت .

................................
من سير محاكمات الرئيس مبارك سنجد أن المحكمة لا تحمل صفة " محاكمة القرن الواحد العشرين" كما وصفت إعلاميا .. وهي محض فقاعات مصرية ..لاننا لم نشهد غير رجل
ممدّد على السرير لم ينطق بكلمة واحدة سوى تأكيد وجوده في المرافعة أو نفيه للتهم ..
رجل مصر وآخر فراعنتها ، لم يتفوه بكلمة ابدا ، وهو الذي كان ملء العين والسمع .. هو شاغل الدنيا واللاعب رقم واحد في قضية الشرق الأوسط من فلسطين الى شط العرب .. الرئيس مبارك الذي أسقط عتاة القادة العرب بقمم عربية ليس آخرها قمة القاهرة ، وكان عرّاب خلاص الكويت من إحتلال صدام حسين ..
مبارك الذي لم يناقش ولم يعترض ابدا على سير المحكمة ، وهو ايضا رضخ لقبول الحكم بوجه صارم وعينين تتخفيان خلف نظارات سوداء .. كأن يراد له ان يكون مومياء حقا .
مبارك المستلقي الآن في مستشفى السجن ، والصامت الأبدي والذي يرتدي البدلة الزقاء ، يذكرني تماما بقضية مهمة .. وهو ان الرئيس كاسترو قد علّق على إرتدائه الزي الزيتوني العسكري دون سواه .. بالقول : الزي العسكري يضمن لي الكثير من الوقت والذي أصرفه للبحث عن ربطة العنق وتناسق الالوان ..
ذهب كاسترو من السلطة بطريقة توافقية وتحرر من اللباس الاوحد .. وهو يمارس الكتابة الحرة بشهية ممتازة .
ولكن مبارك  على إرتداء زي السجن الأزرق بعد أن كان يلبس ويخلع ما يطيب له ويشتهي ..
سيكون عند مبارك المتسع من الوقت لكتابة مذكراته وكشف اسراره وأسرار سواه .!! إذ ليس من المعقول ان لا يكون له ما يقوله للتاريخ ..
.................................................................................................
في هذا المقام ومن حالات الهستيريا التي تصيب الرئيس السابق مبارك في تلقيه الأنباء غير السارة ، نستطيع قراءة درس الطغاة ، الذين لا يقرأون التاريخ و عبره وصيرورته وحتميته ، ولا يتمثلونه درسا خلاّقا . رغم ان مبارك لا يمكن ان يقارن بصدام حسين في وحشيته مثلا أو القذافي وغيره ولكن مبارك هو نتاج النسيج المصري المتنور ، وبالتالي فأنني اناقش مبارك كديكتاتور مصري .
يتشابه الطغاة في قراءة الجانب الذي يزكيهم ويجعلهم غير قادرين على فهم جدلية التاريخ والامتثال الحضاري للدستور .. وفي مصر خصوصا هناك قضاء يتميز بأستقلال معقول ، وهناك حرية نسبية للمجتمع وللصحافة والمعارضة .. لكن مبارك لم يقرأ التاريخ جديا وخصوصا ان حركة التغيير والثورات العربية قد طالت المنطقة واقصت طغاة وهدمت عروش.. ولو كان لمبارك ان يستعجل الاستجابة للمطاليب الشعبية المشروعة في تنصيب نائب له والخروج من السلطة مبكرا لما حصل له هذا المصير .. وهو الذي إعترف بأنه أخطأ في عدم قبول دعوة دولة خليجية لترك الحكم والعيش هناك مرفها ومكرما ..
ولكن والحق يقال ان حسني مبارك رغم تنازله المتأخر عن السلطة لم يحاول الهروب هو وعائلته وتجنب هكذا مصير ، وربما يعود إصراره على البقاء، هو جزء من هيمنة العقلية القديمة في العودة الى السلطة ثانية !! لاسيما ان جولة الانتخابات الرئاسية المصرية والتي سبقت النطق بالحكم قد حملت مفاجأة من العيار الثقيل وهي صعود المشير أحمد شفيق رئيس الوزراء السابق وزميل مبارك الى المستوى النهائي لحسم الرئاسة مع مرشح الاخوان المسلمين !.
الطغاة لا بد ان يذهبوا لانهم خارج حركة التاريخ .. خارج مفهوم العدالة الانسانية .. وعلى مصر أن تستعد لحقبة

30
عراقيون .... ولكن بعد هذا الفاصل
 السياسة  .. فن الممكن الوطني، أم  طبخ  سريّ للمكائد؟ .

وديع شامخ

أولا :  عمرو موسى والمطرب شعبان
تعتبر مصر من الدول التي  كانت تمتلك الثقل النوعي في  المحيط السياسي العربي والدولي ، وما حدث في مصر بعد ربيع ثورة " ميدان التحرير" ، دعا البعض الى الإستفادة من التجربة المصرية والتي احتفظت بخصوصيتها ، فهي الثورة الوحيدة التي  تنحى رئيس نظامها بشكل قانوني ، وهو الآن تحت حكم القضاء المصري ، وهذا خلاف ما حصل لكل ثورات الربيع العربي،  إذ مات حكّامها  شرّ ميته، أو غادروا السلطة بهرب مهين ، أو  تقبلوا الإزاحة بحل لا يقل عن التنحي  بشيء..
ولكن المشترك العربي  في ربيع مصر أن الشباب خسروا المواقع القيادية  والمفصلية في تجربة انتخابات مجلس الشعب ، لصالح السلفيين الإسلاميين ، وهذا متوقع جدا لإن الشباب لا يملكون  الخبرة والا  المال ولا الدعم اللوجستي من جميع الأطراف  الخاسرة آنذاك ومنها السلطة والمعارضة .
لذا كان رهان الإنتخابات الرئاسية  إختبارا ثانيا  لقدرة الشعب المصري " المتحضر جدا"  على تجاوز الخيبة في سرقة الثورة والإلتفات الى انتخاب رئيس مصري يمثل الأمة المصرية بثراء  مجتمعها وطنيا وقوميا ودينيا  وسياسيا .. الخ ..
وقد رشح كل من أمتلك شروط الترشيح ، وكان القضاء المصري حازما في إستبعاد  مرشحين لأسباب  مهنية جدا  تعلقت في عدم توفر شروط الدخول الى الإنتخابات الرئاسية ولم تستثن  السيد عمر سليمان رئيس المخابرت السابق ونائب الرئيس مبارك الأخير لاخطاء فنية ، ولا السيد  الاخواني جدا، لأسباب تتعلق بإزدواج جنسية والدته " امريكية – مصرية :"  وغيرها من الأسباب الفنية البحتة والتي تمخضت عن وجود  مرشحين قانونيين  في السباق ..
وكان عمر موسى  والفريق أحمد شفيق  هما المرشحان اللذان  ينتميان بدرجة أو اخرى الى النظام السابق .. ولم يتم "اجتثاثهما " على الطريقة العراقية !!!.. وكذا ممثلو الاخوان المسلمين والتيار الناصري .. الخ.
فقد عمد عمر موسى للنزول الى الشارع ومعه المطرب  الشعبي " شعبان"  .. ولكن الطريف في الإمر أن المطرب شعبان وابنه قد كانا على طرفي نقيض في تأييد المرشحيين  " شعبان يناصر عمر موسى.. وهو الذي قال فيه اغنية مشهورة" بحب عمرو موسى وبكره اسرائيل " . أما  ابن شعبان فكان مع أحمد شفيق ، وعندما أُذيعت نتائج الجولة الأولى  بفشل عمر موسى بالحصول الى النسبة التأهيلية للمرحلة الثانية .. فقد ذهب شعبان فورا للإعتذار من ولده وقال : سوف يكون صوته في المرحلة القادمة  لأحمد شفيق
  ، وهذا ما فعله عمرو موسى عندما تنحي عن  ميدان السباق الرئاسي دون ضجة إعلامية تاركا  السباق يجري وفق أصوله ..... ذلك هو درس حصاد الساسة في فن الممكن الوطني  وبالطرق القانونية .. وكذا صمتَ  باقي المرشحين  عند كلمة اللجنة المشرفة .  
..................
ثانيا:  ماذا يحدث في حراك العراق السياسي ؟
عندما يتأسس اي عمل  بشكل صحيح على المستوى التنظيري والممارساتي ، سوف تتم الإجراءات العملية لديمومة المؤسسات بإنسايبة ومرونة  وقانونية  أيضا ..
ولكن ما حدث في العراق سياسيا ، لا يقع ضمن حقل الممارسة في ظل دولة  مدنية حضارية ذات أصول وفصول في إدارة الحكم بأبعاده  الثلاث " تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا".. فهناك أزمة دائمة تترافق مع كلّ انفراج منظم والبدء بتأسيس دولة مؤسسات عراقية .. الغالب في هذه المنغصات والتحديات هي جهات عربية وأقليمية ودولية .. ومما يؤسف له أن يكون اللاعب  السياسي  العراقي هو حلقة الوصل وضابط الإرتباط لتلك الجهات بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
فالأزمة السياسية العراقية المستديمة بين فرقاء العملية السياسية في العراق  قد تخطت مفهوم الخلاف والإجتهاد في  الرأي ووصلت الى مراحل متقدمة من " كسر العظم" .. ولم يتورع الساسة جميعا في اشهار اسلحتهم  المتنوعة والقاء كل أوراقهم على طاولة اللعب من اجل اسقاط الآخر المختلف !  وهذا يمثل برأيي  عودة الى عشائرية ضيقة في الحل ، وانتقاما لا يليق  بمسيرة العراق الجديد، ولا بساسته كأسلوب  لتسوية المشكلات .
................
ثالثا  : في معنى حل الأزمات ..
لا توجد أزمة  سياسة دون حلّ ، اذا ما توافق أطراف النزاع على وجود أرضية للحوار والمكاشفة والملاسنة  معا .. في إطار دستوري و جدل حضاري ..
فبعد حلحلة أزمة رئيس الحكومة " نوري المالكي" الحالية  بفعل قوة تجمع المالكي  وتصدع جبهة مناوئيه ،  وفشل كل الاجتماعات  المعارضة له  ،الى حد هذه اللحظة، بقدرتهم العملية على سحب الثقة من المالكي وحكومته .. صار الحديث الآن بشكل خجول عن تراجع الأطراف المتحسمة  للنيل من المالكي شخصيا ، وهو خطأ  أشرنا اليه في مقالاتنا السابقة وتنبأنا بأن الرهان على سقوط المالكي شخصيا هو إهدار للدم والزمن العراقيين .. لأن القادم هو نتيجة أخرى للمحاصصة وإبن التجمع الذي أنجب المالكي  وحاز توافقا وطنيا على تنصيبه ..!
فالمشكلة الوطنية لا تتوقف عند تبديل الماكي .. المشكلة في تغيير الإستراتيجية الوطنية  عند اللاعب السياسي العراقي ، كرديا وشيعيا وسنيا .. الخ . لأن الوقائع أثبتت فشل الجميع في  " إدارة  المعارضة " في إطارها القانوني السليم .. وثبت أن السياسي العراقي غير ناضج لتشكيل ما يسمى ب" المعارضة البرلمانية" أو تشكيل حكومة ظل ، تنتظر المعارضة فيها الى الفوز الشرعي بالإنتخابات لتكون بديلة حكومة لا بديلة دولة ... وهذا هو مقتل من أعظم مقاتل الساسة في العراق ، لانهم لا يمتلكون أفقا استراتيجياً لبناء دولة عراقية .
وأكاد أجزم بأن العراق والدولة العراقية الحديثة الديمقراطية  الفيدرالية الموحدة هو الضمانة الأكيدة لكلّ الأطراف بما فيهم الأكراد ..لأن الأحلام الإنسانية  في تأسيس دول ذات طابع قومي محض  .. تبقى أحلاما مشروعة جدا  ولكنها عسيرة على التطبيق في المستقبل المنظور تحديدا ,, فلماذا يراهن السياسي على ما هو مجهول بما هو معلوم وملموس ، ولماذا ينافق السياسي لإطالة الأزمات ؟؟
.................
رابعا : عندما  أحرقت  ثورات ربيع  الحلم الانساني في الدول ذات الاغلبية العربية  وهو ما سمي " بالربيع العربي "  اعتى الديكتاتوريات  حربا أو سلما .. لم يكن بفعل نضوج داخلي لشروط الثورة في تلك  البلدان ، فقد تناوبت  حظوط   النضج داخليا وخارجيا   على انجاز  مهمة اقصاء الماضي .. ولكنه ماض ٍ ظل يتشبث بأهداب الحاضر .. لذا صار لزاما على  الربيع ان يحرق  الفصول ..
لكنها السنة  والسنّة العربية لا تريد مغادرة تقويمها .. هناك زمن بطيء يعتاش ويبطل رقاص الساعة الجديدة .. هناك فلول وبقايا ظلام لا يغادر العقول ..  هناك أمل ُمقعد  لأصحاب الأمس .. ربما يتلمسون رجوعه  ظنا أو واقعا في  الأجندات .
................

خامسا : مام جلال رئيس أم مختار طرف !!؟؟
هناك في العراق  رئيس  تحول الى " مختار طرف" بدلا من أن يكون رئيسا عراقيا للجميع .. نراه  يتسابق مع المتسابقين في السعي للحصول على  مكتسابات سياسية فئوية  تخص جماعات معينة دون النظر بأفق وطني  لقيادة الحوار السياسي العراقي للوصول الى بر الامان ..سيما وان رئيسنا " مام جمال" لا يمتلك الكثير من الصلاحيات في ظل  نظام الحكم الوزاري ولكنه يتحرك بقوة  خلفيته الحزبية والقومية ,, لذا صار وللاسف، نموذجا غير ناضج في إدارة أزمة الحكومة مع أقليم كردستان وبعض القوائم العراقية .. وهذا مستغرب جدا من الرئيس الذي كان " جنتلمان " في حلول الكثير من القضايا السياسية !!
لانريد ل" مام جلال" أن يكون مختارا " لطرف ما" بل يجب أن يكون رمزا وطنيا ، يؤجل عنوانه القومي والحزبي  طالما هو على  دفة رئاسة العراق .. فليس حريّ بالرئيس أن يكون طباخا  أو شاهدا على المكائد السياسية الضيقة  ..
فالسياسة يا مام جلال " وانت أعلم بها " هي فن الحصول على الممكن .. والممكن الآن هو العراق وليس القومية والحزب .. فالعراق المعافى الموحد الديمقراطي الفيدرالي  هو الصمام الأول لكل العراقيين .. أم لديك  رأي آخر !!؟؟؟
..............................


31
أريد جثة  ولدي  ... فقط ....!

وديع شامخ
" الى المدافن الجماعية وعراق لا يكف عن النزيف"
في المأثور الشعبي العراقي، وعندما يعجز الإنسان عن إثبات حقوقه  فأنه  يتوصل الى حلول إنهزامية محضة  تمليها عليه قوة الآخر المُستبد ،  فلسان حاله يقول :"   جزّنا  من العنب .. وإنريد سلّتنا .." ، وهذا هو آخر مفعول الجور ، ونهاية يأس الضحية .
في حياتنا  العامة يخضع ُ الأنسان لقَدرهِ المفروض غصبا بالكثير من الأمور العملية والواقعية  .. فهو يستسلم لرجل الدولة  وهو يسحقه عن طريق رجل مرور َنزق  .. ويسحقه في المستشفى نتيجة لفساد إداري ومهني ، ويندحر في محكمة الأحوال الشخصية لأنها  سمحت لطليقته بأخذ حق الوصايا على الأولاد رغم قصور عقلها وتوفر كلّ الأدلة الطبية على منغوليتها .. وكذا تخسر المرأة حق تربية أولادها بقضية َنصب من رجل سكير وعربيد وسفاح ومجرم يعرف مفاتيح لعبة القضاء .
كلّ  هذا يحصل .. بل يحصل المزيد  في حياتنا الواقعية  والإنسانية  لأننا محكومون بالنار والحديد ، ولاننا  بشر أيضا  ونحب الحياة كثيرا، لذا فيأتي  تشبثنا فيها دائما من الباب الخلفي؟؟
نريد الحياة ولكننا نقصد موت الآخر .. نريد  الرفاهية ولكننا نعني أفقار الآخر .. نريد الشهرة  ونحن نقصد تهميش الآخرين ..
كلّ هذا يحدث لأن باب الحياة موضع  تأويل وتفسير وإجتهاد ، فالشيء المادي الملموس حسيّا سيتحول الى  رجس أو طهر في نفس اللحظة .
يتحول القتل الى بطولة والقاتل بطلاً ، والجبن شريعة وحكمة وسنّة متبعة، والشجاعة رعونة  وتهور  ... وكلنا سنساهم في حفل التطهير الجمعي لذاوتنا الخاوية .. للقاتل فينا ، والضحية وهي تدور حولنا ونحن نلّوح لها  بالسكوت .
كلّ شيءٍ جاهز للقبول .. الحرب الرعناء وهي تسرف في شراهتها ، الأمهات يمزقن  ثيابهن ..  لعتاب الله  .. لعقوق الأبناء ،  لخيبات الزمن ، لبوار الأرحام ....
كل شيء يحدث ..
 النول لا يكون طوع صاحبه .. الِسجاد لا يحتفي  إلا بالسائرين عليه بأحذيتهم اللماعة وعقولهم الباشطة  بالمكر والحيل والدجل ..
كلّ هذا  يحدث يوميا  ولا غبار على واقعية حدوثه .. أما  أن  َتقبل الأم موت وليدها ..   فليست فكرة معقولة تماما لإرتباط الأم بعواطفها الجياشة بأبنائها  . ولكنها في عراق " المدافن  الجماعية " ولا أقول المقابر " لأن المقابر معروفة العنوان والتقاليد أيضا ، أما الدفن فهو عشوائي" .. في عراق المدافن بدت  فكرة  تقبل الأم لموت  أبنائها في غاية المعقولية  ، والأعجب جدا أن الأمهات جزعن من  البحث عن سبب الموت ومقاضاة الجناة  للوصول الى  مقايضة الفرح بتسليم الجثة !..
الأم العراقية ستكون فرحة جدا ومتنازلة عن حقوقها  وحقوق الضحية . بل ستدفع الأم والوالد والعائلة معا  ثمن الرصاصات التي أعُدم بها ابنهم  شرط أن يسلموهم جثته  فقط..
لم يجري إطلاقا  في أيّ عرف بشري، مثل هذا التعسف على الخيال قبل الحقيقة .
نعم جلجامش دفن أنكيدو  ليتعلم درس الموت ..
ولكنها الأم " التي عجزت عن تفسير موت إبنها " في ظل أسباب الديكتاتوريات وانتصاب أصنامهم  وبقاء كراسيهم ..  نعم
الأم أرادت مساومة رخصية جدا ..
أعطوني جثة ابني .. مقابل السكوت عن سب قتله .. عن سبب الظلم ومصادره .، هل سمعتم  بهكذا معادلة غير متكافئة ؟؟
هل تقرون  بهذه القسمة الضيزى؟؟
في العراق  .. نعم في العراق .. حدث هذا ..  أمٌّ عجزت عن إثبات  براءة إبنها .. فتقبلت الجثة قربانا لصبرها .. ولكن الأشداء  من أبناء وطني   لم يعطونا جثة الأبناء ..، هم يخافون من الموت والميت معا ..
أعطوني جثة إبني  فقط ؟؟؟؟؟؟
ايّةُ مأساة  تقف وراء خراب النفوس وخراب العقول وشحة العواطف الإنسانية ؟
هل من المعقول أن تكتفي المرأة بولدها ميتا  دون تهمة .. لمذا تريد الجثة ؟
أيُّ سببٍ يقف وراء غريزة الأمومة  وتخلّيها عن القصاص ؟
هل كان العراقيون حكماء ورحماء .. كما الأم التي قايضت دموعها بالصمت وجثة ابنها بالفرح ..
أيّ كارثة تحلّ علينا   نحن الشهود ... القتلة ؟؟
نعم أنا اقصّ عليكم  متوالية المدافن الجماعية  :
يحكى إننا من عائلة تمتلك لسانا سليطا وإرثا عاليا  في التصدى للإرهاب وللحكّام والجور..،
في عام 1981 وبتوقيت صيف البصرة اللاهب ، داهمتنا قوة  من أمن صدام  والقوا القبض على أخي  صبري شامخ،
ومن يومها ضاعت  جثته  وأنقطع  ذكره ..
كنا ننتظره طيفا ، وكانت أم فراس تنتظره فارسا لأحلامها ..
وكان  تلاميذه في ثانوية الجمهورية  ينتظرونه،  كان الجيران ينتظرون أيضا ..
كانت الأرض والسماء تنتظر أخي صبري ..ولكنه لم يعد..
فتوخينا   التقيّة .. وقلنا  لهم .. أعطوناه ميتا .. فأبوا ، أخبرونا  بموته  بوثيقة  فقط .. وقالوا  لنا:"  .. لا مجلس عزاء .. لا عويل ، لا جزع .. هم يصادرون حتى  دموعنا ويحرمونا من  الحزن ..
َفلذنا بالسكوت .. نطالب بالجثة  كي نكذب فيها آخر الأمنيات ..
نريد جثته كي نشم عطره الأخير  ونرسم لوجهه آخر صورةٍ في ذاكرتنا ..
وربما نريد أن نبقيه في أحضاننا زمنا .. لأننا نشعر بالموت أيضا .. كي نتفسخ معا
لكنهم  .. يعرفون مفعول الموت ..  فرفضوا تسليمنا الجثة !
يا الله  ..  كلهم ...  يخافون حتى  من  الجثث  .. ودموع الأمهات جهرا .
.........................
 

32

عراقيون .... ولكن بعد هذا الفاصل
وديع شامخ
 
فصل في الحقوق والعقوق الوطنية ..

أولأَ : في  باب  حق  الميت  على وطنه
عندما كنتُ في دمشق مؤخرا، قمت بزيارة  قبور أبناء بلدي المبدعين المقيمين  في مقبرة الغرباء وهم  " الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ، الشاعر مصطفى جمال  الدين  ، المفكر هادي العلوي .. حيدر بن الشاعر سعدي يوسف  وغيرهم الكثير .. رأيتهم  ينامون بغير سلام في مقبرة الغرباء.." .. نعم بغير سلام لأن سبب غربتهم في دنياهم وآخرتهم قد انتهت عمليا بسقوط طاغية العصر" صدام حسين"   فلماذا هم هناك ..غرباء في حياتهم  ومماتهم  !!.
لماذا لم تعمل وزراة الثقافة  في الحكومات المتعاقبة، بعد التغيير، على نقل رفات هؤلاء المبدعين  والذين هم  منارات  بارزة في المشهد الثقافي والحضاري  الإنساني قبل العراقي ؟؟
لماذا  يتأخر أو ينسى السياسي العراقي دور هؤلاء الرواد في مقارعة الطغيان ؟؟  لماذا ُتخصص الحكومة العراقية  مهرجانات دعاية وأعلانات  لرعايتها  حقوق شهداء المدافن الجماعية وهذا حق جدا  .. وتتغاضى عن شهداء المقابر  الفردية  المعروفة المكانة والهوية !!
هل نذّكر الساسة والسادة معا  في عراق اليوم  بقصة  الكاتب  دانتي  صاحب الكوميديا الإلهية  وهي من أهم  الملاحم   الشعرية  والفكرية في الأدب الإيطالي، حيث  يرى الكثيرون بأنها من أفضل الأعمال الأدبية في الأدب على المستوى العالمي  وهو كما تشير المراجع  "مولود في  مدينة فلورنسا الإيطالية عام 1265م ، من عائلة تتحدر من النبلاء الرومان،. وعلى الرغم من أن عائلة دانتي كانت تملك بعض الأراضي في ريف فلورنسا فإنه عاش حياة بالغة التواضع. فقد ماتت أمه وهو في السادسة من عمره، وتزوج والده أليجيري ثانية، ولكن دانتي لم يكن سعيدا معهما ولا مع أشقائه. ثم مات والده وهو في الثانية عشرة من عمره، تاركا له ديونا تقضّ المضاجع.
 أما من الناحية السياسية فقد عاش دانتي في فترة من أشد فترات الصراع السياسي على الساحة الأوربية عامة والإيطالية خاصة. فقد عاصر خاتمة الصراع المرير بين البابوية والإمبراطورية الذي كان قد إندلع قبل مولده بقرنين من الزمن، حيث نجحت البابوية أخيرًا في القضاء على أسرة الإمبراطور فردريك الثاني (ت1250م) الذي كان يقود مشروعا ضخما لتحضير أوربا،  وربما أسهمت هذه الأحداث جميعا في تكوين الوعي السياسي عند دانتي، فقد أحب مدينته فلورنسا وبلده إيطاليا حبا جما، وقد تجلى ذلك في السياسة التي انتهجها عندما عمل عضوا في المجلس البلدي الذي كان يحكم فلورنسا، وكان حلمه الذي ناضل من أجله، قولا وفعلا، طوال حياته، هوالوحدة الإيطالية. ولكن أعداء هذه الوحدة، وفي مقدمتهم البابوية والأمراء المتحالفون معها، ناصبوه العداء وتربصوا به الدوائر. وبالفعل تمكنت البابوية من دفع حكومة فلورنسا الموالية لها من تلفيق تهم باطلة ضد دانتي ومن ثم الحكم عليه عام 1203م بالنفي من فلورنسا ومصادرة أملاكه.. وكانت جريمته الحقيقية هي أنه كان يعمل من أجل وحدة أمته..
 وعاش دانتي بقية حياته مشردا في إيطاليا. فبعد أن أمضى فترة قصيرة في ضيافة أمير فيرونا، استقر به المقام في بلاط أمير رافنا، الذي كان شاعرا وكريما ويدرك قيمة دانتي الفكرية. وعلى الرغم من أن حكومة فلورنسا سمحت عام 1315م، بأن يعود دانتي إلى فلورنسا بشرط أن يطلب المغفرة علنا، فإنه رفض هذا العفو المشروط واعتبره إهانة لكرامته. مات دانتي في رافنا عام 1321م ودفن فيها. وقد نُقش على تابوته «ليست فلورنسا بل أهواء السياسة التي حكمت عليه بالنفي الدائم». وأدركت فلورنسا - ولكن بعد مضي عقود طويلة - أنها ارتكبت ظلما شديدا في حق ابنها العبقري، فشيدت له قبرا رمزيا في كنيسة كروتشي عام 1829م، اشتمل على تمثال لدانتي وهو جالس ومتوَّج بإكليل من الغار وقد نُقش في أسفله عبارة «مجدوا الشاعر العظيم"».
متى نستفيق حقا  لنُطرّز الوطن  بأرواح المبدعين  الذين كانوا مشاعل وهدى لحياة حرة وكريمة للعراقين ودفعوا الثمن غاليا .
لماذا ينسى  الفقهاء " أمانة الارض"  سيما وأن مقبرة الغرباء في حي السيدة زينب قد أوفت بعهدها  وحفظت  رفاة  العراقيين ..  فلماذا طال المقام بهم هناك ؟؟؟؟؟؟؟؟

...................
ثانيا : في باب حق الغناء والمغني  في الوطن 
جاء في الخبر  " قرر مجلس محافظة البصرة "مجددا" منع إقامة الحفلات الغنائية على مسارح وكازينوهات وقاعات الفنادق في المدينة في خطوة عدها اغلب المثقفين إعادة إلى حجب ومصادرة للحريات بعد سنوات من فرض القانون والقضاء على المليشيات في آذار 2008.  وقال رئيس مجلس محافظة البصرة صباح البزوني : 
 "إن قرار المجلس كان واضحا وهو منع الحفلات الغنائية الماجنة التي تقام في المحافظة، وأضاف البزوني وهو عضو عن ائتلاف دولة القانون أن المنع جاء فقط لتلك الحفلات الغنائية وقد تم إرسال كتب لمنظميها نخطرهم بالمنع وان السبب يعود كون المدينة تعد محافظة!، وزاد أن المنع هو فقط للحفلات الغنائية الماجنة وليس لجميع الحفلات الأخرى كون المجلس يدعم الحفلات الشعرية والمسرحية والحفلات التي تكون لغرض تنشيط الواقع الثقافي في المدينة"
من جانب آخر كشفت مصادر مقربة من مجلس المحافظة إن القرار جاء على خلفية  إقامة ابن لعضو في المجلس حفلة بمناسبة خاصة في فندق البصرة الدولي وحضرها بعض أعضاء المجلس الذين ابدوا امتعاضهم من وجود الغناء في الحفلة، وزادت المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها ، أن "هذا الإمتعاض ولّد غضبا لدى بعض أعضاء المجلس المنتمين إلى أحزاب دينية وصدر القرار"
 راعني كثيرا ونحن  نعيش في القرن الواحد والعشرين أن  تصدر هذه الفتوى من مجلس محافظة !! وليس من دور افتاء شرعية ..
علما أن السيد البزوني نفسه  كان قد صرح  تصريحا  ناريا   بخصوص مهرجان المربد الشعري التاسع  والذي يدعو فيه الى اقامة المهرجان برعاية الحكومة المحلية ..!!!!
 هل  يعقل  أن يصل الإستهتار بحقوق  المجتمع المدنية  الى هذا الحدّ . ثم اين معيار السادة في مجلس المحافظة في قضية  الغناء الماجن وسواه ، وماذا يعنون بإجازة الحفلات الشعرية  والمسرحية !!!"  وهذا يدل  على حضيض حضاري حقيقي ، اذا مالفرق بين المسرح والشعر والغناء ؟؟
تعالو ا معي لنقرأ ماحدث مع الراحلة وردة الجزائرية  ونرى البون الشاسع  :
 جاء في الخبر أيضا : ان الجزائريين كانوا مستائين جدا من الطريقة التي نقل بها جثمان المطربة  الراحلة وردة الجزائرية من مصر الى الجزائر،  وفي خبر آخر..  يقول "من المسؤول عن إهانة جثمان الفنانة الراحلة وردة عند نقله من مطار مصرالى الجزائر ؟
بالرغم من أن السلفيين الإسلاميين قد تصدروا المشهد مؤقتا في مصر  ولكنهم لم يستطيعوا  الغاء تقاليد حضارية في  احترام   الفنان .. لذا جاء تكريم وردة الجزائرية في القاهرة موضوع  حب  من قبل الشعب والحكومة المصرية والتي بعثت التابوت الى الجزائر- ملفوفا بالعلم المصري والجزائري-   الجزائر التي انتصرت على السلفيين  .. وكان استقبال جثمان وردة المطربة الكبيرة .. هو مناسبة حقيقية للإنتصار على المد الظلامي  في الجزائر وإعادة الإعتبار لوردة بوصفها مطربة الشعب .
ولكن  الجزائريين  إنزعجوا كثيرا من طريقة نقل جثمان وردة ، وهو ما اعتذرت عنه السلطات في مطار القاهرة فورا .. والقت بتبعيتها على السفارة الجزائرية ..، وما زالت الصورة التي نشرت لجثمان الفنانة وردة في مطار القاهرة تثير استياء جمهورها في العالم العربي، وليس فقط الشعب الجزائري،  وقد اشتعلت الانتقادات القاسية بحق المصريين بسبب طريقة نقل الجثمان عبر رافعة في مطار القاهرة ..، واعتبر المنتقدون " أنّ ذلك إهانة لحرمة الفنانة الراحلة" ، فيما اعتذر بعض المصريين عبر وسائل اعلام جزائرية عن الطريقة التي تم نقل بها الجثمان، واعتبروا " أنّ ما حصل عائد إلى جهل رجال أمن المطار بجثمان السيدة وردة "، وقدّموا اعتذاراً للفنانة الراحلة وردة، كما  لاَم بعض الجزائريين سفارتهم على الطريقة المهينة التي تم بها شحن التابوت.
تخيلوا الفرق  بين المشهدين  وبأي زمن نحن نسير  والمحرمات تحيق بنا من كل حدب وصوب ..
...............


ثالثا:  في باب  الذئب و دم  يوسف   في العراق ..
بعد وصول السيد المالكي الى سدة الوزارة بحيلة شرعية قانونية ، أقرتها المحكمة الإتحادية العليا  بحصولة على  الكتلة الاغلبية في البرلمان ، وهو التفاف واضح على أحقية القائمة العراقية في الفوز ، ولكن العراقية إمتثلت  للامر الواقع  ممنية النفس بوجود  قائدها السيد علاوي على رئاسة أحد الهيئات :" لابد ان يكون رئيسا أيضا " ، وهذا ما حصل في " سقيفة  أربيل " الأولى  ، وهو اجتماع  أداره الحليفين الكردي والشيعي بمهارة  سياسية تامة ، ومن ابرز مقررراته  استحداث مجلس  وطني للسياسات العليا .. سيكون السيد علاوي على رأسه .. ولكن  هذه القرارات تميعت  وغاب صداها  بعد ان أطمئن الفرقاء الأقوياء في البرلمان بأن علاوي قد بلع الطعم  تماما ..
ولكن السياسة لم تدع معتنيقها للراحة .. فقد استجدت الخلافات داخل البيت الشيعي، ومن ثم الى الخارج من التآلف الكردي  ضمن جملة استحقافات وطنية  لم تكن كركوك والنفط وحدود صلاحيات اقليم كردستان إلا على رأس هذا المسائل الخلافية ، فعمد السيد برزاني على استغلال الظروف السياسية المناسبة ، وهذا حقه ، فكانت سقيفة اربيل الثانية ، والحقتها : سقيفة النجف . في بيت مقتدى الصدر .. الذي كان قويا جدا في اضافة نقاط مهمة على اجتماع اربيل الثاني .. بدى السيد مقتدى وهو في غاية الشحوب والضعف بعد ان فشل المجتمعون في داره على سحب الثقة من المالكي ومثلما كان مقررا في " عطوة" الخمسة عشر يوما ..!!! الذي أعطوها للحكومة بشكل مثير للدهشة .
وبدأ تلويح السلطة المركزية يفتح ملف  السيد مجيد الخوئي .. وبهذا فشلت سقيفة النجف  الثالثة .. من بدايتها  لعدم حضور البارزاني  وعلاوي معا .. ربما لاستشعارهما بالنتائج سلفا ..
من  بيت السيد طالباني الى ولائم السيد الجعفري  ، و من ديوانية الصدر، وبراني  هذا  المسؤول ومضيف ذاك الشيخ تتداول  القضية الوطنية العراقية بهذا النمط .. وتحاك الدسائس السياسية .. فنرى في كلّ جولة خاسرا ورابحا ، ولكن النتيجة  النهائية ان العراق هو الخاسر الكبير  للتمادي غيرالمنطقي  في لعبة إدارة الأزمات من قبل  الفاعلين السياسيين .." ألم تلاحظوا غياب السيد السيستاني عن هذه الزوبعة!!
هل من المعقول ان تكون هذه البيوت أو " السقائف  " هي القاعدة الملزمة لحل مشاكل الحكومة العراقية ؟؟
هل من الممكن أن تكون " الملفات" الأمنية السرية هي سلاح الساسة لاسقاط بعضهم البعض.
هل من المنطقي أن نبتعد عن القانون  والقاعدة ونخضع  لحكم الشواذ والازمة والتوافقات والمحاصصات ..
أم علينا الالتفات الى الدستور أولا .. نصلح ما تضمنه من فقرات خلافية ومطاطية .. نبعد عن دستورنا صفة " حمال الوجوه " .. لنسعى الى جعله   مجموعة قوانين حضارية ومدنية تستوعب التطور الهائل الذي تمر به البشرية الساكنة في كوكبنا الارضي..
نحدد بوضوح  مانريد . برغبة وقوة .. لان العراق يستوعب جميع  الحقوق وفيه من الارض والمال  والزرع والضرع ما يشبع قارات العالم..
نحن أزاء مشكلة  الخلل في إدارة  الحكومة  في ظل غياب تقاليد الدولة  العصرية .
المالكي هوصنيعة المحاصصة الوطنية بأمتياز !! وإن ازاحته ليس هو الحل  السحري ، فسيجيء الجعفري  او غيره ، وهكذا يخسر العراقي زمنه ودمه  معا ..
أين دور برلمان العراق  المنتخب الرقابي،  أزاء تخلف المالكي وحكومته  من أداء دورهم  التنفيذي ؟؟
لماذا لا يقوم المجلس بأستضافة أو استجواب المالكي بشكل قانوني وشفاف  تكون نتيجته سحب الثقة عنه من داخل قبة البرلمان أن  ثبت التقصير ؟؟
بغير هذه الرؤية  سندفن العراق بأيدينا .. ولا أحد بريء من دم يوسف العراقي لاحقا ..
..................................................................................................


رابعا: في باب  جلد الشارب ثمانين جلدة ..
شاهدت بحزن تام ، فرح رجال الشرطة العراقية وهم يقفون  أفرادا و زارفات  حول سيارة مواطن عراقي  تَحمل شحنة من المشروبات الكحولية !!  الشرطة وقادة المحافظة انتصروا  كثيرا ، وكأنهم   بهذا الفتح العظيم  قد  انعشوا الحياة في الحلة وقضوا على الارهاب فيها ، ومنعوا الفساد الأمني والإداري ،.. كلهم تجمعوا حول هذا السائق المسكين  الذي حمل بسيارته مشروبات كحولية ؟؟ وهو غير مخالف للدستور العراقي والذي ينص على حقوق الإنسان وحريته الشخصية  في  هذا الشأن..  وفي بغداد حاضرة  حكومة  المالكي ، هناك بارات وملاهٍ ومحلات لبيع الخمور .. فلماذا تكون المحافظة "مالكية"   أكثر من الملك ..
من أين جاءت شرطة الحلة والمسؤولين فيها بسلطة  منع ممارسة الناس لحقوقهم المدنية .. واذا كان أهل الحلة الكرام  قد أبدلوا جلودهم .. ومضوا مع خفافيش الظلام  لتنفيذ أجنداتهم  فهذا  شيء غير معقول تماما  لأننا نعرف الحلة  وشعابها  ..
والسبب الراجح أن الذين سيطروا على هذا الكنز هم  أفراد جهات تنفيذية  لا حول لهم ولا قوة .. سوى التهليل على طريقة أسيادهم
أليس من الأولى أن تمر هذه الشحنة بسلام ولنرقب  السكارى بعدها   لنجلدهم ثمانين جلدة !!!!!!!!!!!!!!!
.. أم ان الحمولة ذهبت الى  السادة والمسؤولين والذين هم خارج حدود الشرع والقانون ؟
هل أذكركم بقصة الشاعر  إبراهيم بن هرمه ..مع الخليفة العباسي ..!!!
هل نعطل حدود  الله .. أم نذهب الى  فهم الله بطريقة إنسانية ؟؟
.........................................................

33
الشاعر وديع شامخ...

- الهجرات والتحولات الداخلية نفسيا هي صنو روحي القلقة ,,
- المنفي بالنسبة لي معادلة وجودية وليست مناسبة للرثاء
- الحرية ليست مفهوما سلعيا  أو منتوجا سياسيا .. الحرية نزوع إنساني  متأصل .
- من أجمل أخطائي .. حُسن تعاملي مع الحرية غريزيا
- الأدب الكردي..  أدب وأبداع إنساني قبل أن يسجن في  قوميته ...
- الشوفينية العربية عبر أنظمتها ساهمت   في تُغيب وتهميش  الإبداع الكردي
- أتنفس حياتي برئة خالية من ثاني أوكسيد الدجل والرياء  والإنقطاع السلبي عن  الآخر.


حاوره في سيدني: عبدالوهاب طالباني
عرفته صوتا  شعريا  متجددا من خلال  قصائده المنشورة هنا وهناك ، ولكنني  تعرفت عليه أول مرة وجها لوجه  في ملاذنا الآمن الاسترالي ، وكان لي شرف  القاء شهادة في شعره أثناء حفل توقيع كتابين له في سيدني اقامته  جريدة بانوراما ، وعند محاولتي كتابة بدايات الحوار سائلا اياه من هو وديع شامخ كان جوابه انتفاضيا ، وكان لا بد ان يكون هكذا ، واحببت ان يكون هكذا ، فقال وكأنه يقرأ احدى قصائده:
- السؤال فيه من الاستفزاز  وحب المعرفة معا .. مجهولية وديع شامخ عندك َ   تضع السؤال  في  خانة القلق  السقراطي   أعرف نفسك  أو عرّف نفسك  الآن  ؟
  نسبة لي  . . عند معاينة التاريخ الشخصي للكائن لابد من وجود ذات مبدعة   ,ونصوص عارية .. لكن الفيصل برأيي هو وجود حقل  للفصل ..
قلت له ،   لنعيد صياغة السؤال .. في أي حقل يشتغل وديع شامخ ، واي ثمار  تشير إليه ...ومن ثمارهم .. تعرفونهم . كما يقولون
قال :
- انا كائن أكلت الحروب  والحصارات نصف حلمه  ، وزرعت الغربة في خاصرته وطنا  لايكف عن الأسئلة.
في حقل الذات و عبر موشور ثلاثي الابعاد أم عبر مرقاب كوني  لملاحقة مصهر العقول في طرس واحد.
وتساءل: هل نضع لوديع شامخ جذورا ضاربة في حلم جلجامش للهروب من انسانيته  نحو الالوهية ، ونصف اخرى لادميته نحو الخل  الوفي  " انكيدو" .
هكذا بدأت الاسئلة تتسلقني ، وتسطو على قوامي .
انا ابن الدرس ..من اواخر القدر رُسمت  ليّ صورة كصورة الله "
عندما أفقت على الدنيا : تقول أمي :  انني لم أكن احتمل " القماط" رغم صرختي التقليدية  بولوج  العالم بعد نزولي من رحم أمي.. كنت  وعلى عهدة والدتي أمد يدي من القماط  واتخلص  من حبالي وقيدي البيضاء .. وتلك عادة رافقتني.الى الآن. من عادتي رمي الاغطية  عني حتى في زمهرير الشتاء.. يبدو انني  لا اتروض  ولا احب القيود ..
  لذا كانت الهجرات الداخلية نفسيا والتحولات  هي صنو روحي  .. فحملت طفولتي واندهاشاتي وخوفي  معي في جعبتي لكي أعلن رسالتي للعالم عبر البراءة  والاسئلة .. بقيت طفلا  منذ ولادتي في  مدينة  الجمهورية  في   البصرة .

وانتقلت الى مكان اخر في دنيا وديع شامخ الى الجذور فقال:


- أنا نخلة جنوبية  جذورها ضاربة في كل الكون  ومنذ سومر  فأنا كائن مائي سومري   .. ولكني أيضا  ابن المنابع الصافيه من جنوب الجسد الى شمال الروح  .. لا اتذكر اول نص كتبته  لانني لا اؤمن بالبدايات في الفنون الابداعية ، لان الزمن هنا سائل ولا تعرف بالتحديد اين كانت البداية : هل من رحم الام ام من رحم الحياة ؟
- نصوصي ،  هي ولادتي الدائمة . انا ابن الصيرورة، وقد  يختلف المهجر عن سواه في حياة الكثيرين  لأسباب مادية أو مزاجية صرفه .. لكن المهجر نسبة الي وفر لي تجربة ثانية في حياتي الانسانية والابداعية .. المهجر ليس معادلا لاجترار الحزن والنواح على الوطن المفقود .. انا اعيش في علاقة جدلية مع  جذوري  ومع قامتي حيثما أكون .. لا اشعر بالقطيعة ..
  أتنفس حياتي برئة خالية من ثاني أوكسيد الدجل والرياء  والانقطاع السلبي عن  الآخر.
وديع شامخ كائن  أكلت  الحروب كبده  وتنفست المأساة  حياته وهو عنقاء تعاود البريق انسانيا ونصيا كلما أراد أصحاب  الزمن المائع ان يسبدوا بزمانيتي الكبرى .

واخذنا الحوار الى بدايات الصعقة فسألته:
- اللحظة الشعرية ، او بداية صعقة اللاشعور..كيف تصفها؟
- اللحظة الشعرية  وفقا للفيلسوف الفرنسي  غاستون باشلار هي لحظة ميتافيزيقة  تغيب فيها موازين العقل  ، وينطلق العقل  البشري الى شحذ كل قواه لانتاج  نوع من البضاعة غير النمطية والتقليدية .. فالقعل البشري يصدر يوميا آلاف الاوامر للكائن البشري لكي ينظم حياته الفيزيقه وربما النمط  المتوارث الميتافيزيقي   في وجود العقل النشط الصاحي ، او في تلافيف اللاوعي  حينما ينام الكائن مستسلما لقوة عقله أو لا وعيه  ومرجعياته.
في الابداع ليست هناك أوامر يومية نمطية  يصدرها العقل  اليومي ، هنا  يحتاج الكائن الى " اللحظة الميتافيزقية "  لحظة الخلق .. لحظة يتحول فيها الانسان  الى متأمل ومنصت نوعي الى صوت داخلي لا يُشبه  اي صوت في الجوقة .. هناك  حيث الصوفي  يسمع صوت الله .. سيصل الشاعر الى امتلاك ناصية اللغة  بهذا الصوت . الابداع لحظة امتلاء ونشوه لا تستوعبها   قواميس اللغة وأنماط الحياة التقليدية. الابداع ليس مشروطا بنمط ونظام صارم محدود .. هو الطيران بأجنحة لا تعرف التنميط والتدجيين .. والابداع ايضا متعة ولعبة معا  حين يصل الى مرحلة النضج بيد الصانع الماهر .. الابداع رسالة مفتوحة للتأويل من قبل منتج  عليم  وبريء  معا .

- كيف تتصور قراءة المتلقي لما وراء نصك ؟ هل تحسب له حسابا عند خوضك في سبر مخيلتك وتحويل  تجليات حلمك الى نص ابداعي؟


- اذا رجعنا  الى الكتابة بوصفها فعلا ابداعيا فرديا خاصا ، فالقراءة هنا  تعني  التعدد في كشف المعنى .. نظريات النقد في التلقي والاستجابة الحديثة اتاحث للقارىء ان يحتل مركزا مهما في العملية الابداعية ، فالقارىء هنا هو معادل  لمهنة المنتج  ، وهنا تنشأ  علاقة جدلية وفاعلة  جديدة  بين القاريء والمنتج او الكاتب لا تخضع لشروط  المنتج القديمة بهيمنته الواضحة على النص منذ لحظة كتابته الى وصوله بيد القاريء.
أنا  لا اخضع لمعايير اخلاقية أو سياسية .. الخ،  في انتاج نصوصي الشعرية تحديدا ..  أكتب النص ربما للمتعة والجمال  او لارسال رسالة . المهم ان القارىء لا يضع ضغطا على أصابعي وعقلي في انتاج النص .. ولكني سأكون  بالتأكيد عرضة لمزاج وثقافة القاريء عندما أطلق نصوصي .. لحظة اطلاق النص  في فضاء الإتصال  ووصوله الى المتلقي هي اللحظة التي أموت فيها  ويبدو كل شيء خارج عن سيطرتي ليبدأ النص في إقامة حوارية  مع القاريء وفقا للمهيمنات النصية المبثوثة ، ووفقا لإشارات النص  وفهم القاريء لها .

الشاعر  وديع شامخ  معروف عنه اهتمامه بالنقد الادبي ...، - اين انتاجك من عملية النقد ؟ وانت لك باع كبير في موضوعة النقد؟
- عندما انتهي من نشر مجموعة شعرية او أيّ اثر كتابي فقد اكون  قد تخلصت من سلطة الانا ويصبح بداهة ملك الاخر ، وربما سأكون متشظيا لقراءات او صمت الاخرين .
وفق تجربتي لم يسكت الاخرون عني  سواء شفاهيا او كتابيا .. فلقد تناولت الكثير من الاقلام النقدية تجربتي الشعرية ....
 فمنذ اول مجموعة شعرية صدرت لي عام 1995 وهو " سائرا بتمائمي صوب العرش "  وبرغم صدورها في نسختين  من مطابع  جامعة البصرة لانني لم احصل على موافقة وزراة الثقافة والاعلام حينذاك .. ولكن النسختين تناسلتا بالاستنساخ  وقد كتب عنها الناقد والشاعر ريسان الخزعلي دارسة مهمة  بعنوان " النور في قصيدة الظل" وهو يشير الى التهميش الذي طالني ، كما كتب و أشاد الاصدقاء نقادا وأدباء  بالمجموعة واعتبروها رسالة مهمة لاثبات صوتي الشعري الخاص، أما المجموعة الثانية وهو " دفتر الماء" فقد صدرت عام 2000 في بغداد عن دار مدى ، فقد لاقت رواجا  عند الكثيرون.. اتذكر منهم  الشاعر حسين حسن ، ريسان الخزعلي ، علي عيدان عبد الله ، ناظم السعود ، الدكتور حسين سرمك ، والدكتور اسماعيل الربيعي و المرحوم سليم السامرائي  ، وربما أتذكر بمحبة رأي الشاعر والناقد المهم   عبد الرحمن طهمازي  الشفاهي والذي أكد لي انها  تجربة شعرية  ناضجة تماما.
عندما تركت العراق بداية عام  2001   الى الاردن ومنها الى الاستقرار في استراليا  حيث اصدرت مجموعتين وهما "مايقوله التاج للهدهد عن دار التكوين في دمشق عام2008 والاخرى  " مراتب الوهم " عن دار الينابيع في دمشق عام 2010  ،  وقد كانتا محط اهتمام نقدي رائع  من قبل نقادنا والادباء معا ..فقد كتب من بيروت الناقد العربي جورج  جحا أستاذ الادب العربي في الجامعة الامريكية ببيروت  مقالا مهما عن  التاج والهدهد، وكذلك كتبت المبدعة الكبيرة لطفية الدليمي ، والدكتور حسين سرمك ، وريسان الخزعلي ، ومنذر عبد الحر ، ومكي الربيعي ،والناقد رياض عبد الواحد ،وجمال حافظ  واعي ، وجمال البستاني ، وكريم الثوري، وفائز الحداد  .... وقد أقام  أدباء البصرة حفلا تكريميا خاصا لصدور المجموعة إذ نظموا امسية احتفائية في مقهى الادباء في العشار  وشارك فيها العديد من الاصدقاء المبدعين ومنهم  الشاعر المبدع حسين عبد اللطيف والناقد حاتم العقيلي والناقد خالد خضير والشاعر  حبيب السامر واخروم  اقف  تحية لهم .. حيث كان هذا الحدث محطة مهمة في حياتي للوفاء الكبير من قبل الاحبة المبدعين بتجربتي وانا بعيد عنهم .. وهذا يعني انني حاضر معهم بقوة النص رغم  البعد الجغرافي ..
كما اقيمت لي امسيات في سدني بمناسبة صدور المجموعتين   من قبل مؤسسة أور الثقافية اذا قدم الامسية المترجم محسن بني سعيد وشارك فيها الشاعر مكي الربيعي وتم مسرحة نصوصي  من قبل الفنان عباس الحربي ليقدموا مونودراما  جميلة شارك في ادائهما عباس الحربي ومنير العبيدي وأميل عامروسامي شينه..
واخر احتفاء بالمجموعتين هو الحفل الكبير الذي اقيم برعاية جريدة بانوراما،  وقد تحدث عن تجربتي كل من الشاعر المبدع غيلان والصحفي المعروف عبد الوهاب الطالباني والشاعر مكي الربيعي والشاعر شوقي مسلماني .


- سؤال تقليدي ولكني ازعم انه قد يكون مهما: ماذا اضافت السنوات التي قضيتها في المهاجر الى مخيلتك وتجربتك الابداعية؟
- لا اعتقد هذا سؤلا تقليديا  لسبب بسيط، ان المهجر عند البعض  هو سجن وابعاد واقصاء .. بينما يمثل لي  حقلا جديدا  لبذار  وفتح .. وسوف أسرّك  ايها الصديق، أن ايامي في المهجر كانت خصبة جدا .

كلّ خطوة في الحياة هي إضافة نوعية لتجربة الكائن الباحث عن ينابيع الجمال، وإن رافقتها خسارات كمية هنا وهناك، فالحياة إذ تبدو قفصا كبيرا  فهذا ما لا يليق بالمبدع الحر، لذا فأن التحول والصيرورة هي صنو القلق  الإنساني بغض النظر عن مجال وأفق هذه التحولات، مكانيا  وزمانيا..  وفي مسعى الكائن المنتج للبحث عن يوتوبياه، يصطدم دائما بمتطلبات السكون والدعة،  وإيثار السلامة والوقوف على التل..الخ، فترى الناس مختلفين في تفسير أمر الرحيل مكانيا وزمانيا، أو حتى في البقاء والإستقرار. مبدعون كبار إستمروا في البقاء في أوطانهم ولم يتلوثوا في مسيرتهم الإبداعية وسوف أبدوا متعسفا لو ذكرت أسماءً واهملت أخرى في العراق، حيث هناك الذين كافحوا ببسالة من أجل بقائهم على قيد الحياة الإبداعية فاعلين منتجين.
أما عن المنفى وهو مفهوم نسبي إذ يبدأ من صراع الإنسان مع نفسه ولا ينتهي بخروج الكائن الى فضاءات ومدارات كونية مكانية وزمانية نائية. وما أُصطلح عليه بالمنفى هو ليس إمتيازا،  بل خيارا قد إستثمره البعض للخروج من سم الإبرة، وهو خيار إنساني محض وعذاب وليس وسام تميّز على الاخرين.. فاذا ما كان المنفى بهذه الصفة فهو فرصة مضافة وتجربة قد لا تمنحها لك الظروف التي إرتحلت منها مكانيا وزمانيا.. أنا أتكلم بتجرد انساني كبير دون مزايدات سياسية أو نضالية فارغة، رغم اهميتها وحقيقيتها عند البعض، كما أعتقد أن الغالبية  هم ضحايا وليسوا أبطالا. مثلا وجودي خارج العراق هل هو منفى أم منأى؟.. تلك أسئلة انطلقت من نص كتبته في البصرة أواسط التسعينيات قلت:
”تفتق قلبي وابتدأ موسم الهجرات،
وقلت:" قلقي حرث والفرات سائغ للرواة"
المنفي إذن.. بالنسبة لي معادلة وجودية وليست مناسبة للرثاء، إنها تجربة البحث عن آفاق واسعة لإثراء التجربة الكامنة والمشروع القادم، وليس البحث أو السفر فقط.
المنافي مقرونة ببسالة فردية لأنها خلاص فردي كما الإبداع نفسه رغم  كلّ ما يحيطها من مسلات من دموع وذكريات لا تنشف على مجامر الذاكرة، فهل كان جلجامش تعيسا لهروبة من الملك والسلطان والجبروت،  لا.. كان له هدف للبحث عن الخلود، كان يمكن لجلجامش أن يخلد وهو داخل أسوار أوروك والعذارى  ولكنه فضل الترحال،  فهل كان منفيا؟
المنفى هو نتيجة منطقية لكلامنا عن ثنائية السياسي والمثقف، لا بد أن يكون منفيا داخل نفسه وخارج وطنه. أما عنيّ شخصيا فقد نضجت تجربتي في كل خطوة أبتعد فيها عن المؤثرات الضاغطة على حياتي النصية، إجتماعيا واقتصديا وسياسيا.. فانا أحب الوفرة والرخاء والحرية،  وأبتعد جاهدا عن كل سبيل يوقفني عن الوصول الى هذا المجد.
المنفى ليس براقا دائما، كما يعتقد البعض ولم يكن بمتناول اليد،  أضعنا الكثير من أجل الوصول إليه، وأنا متشبث بأظافري للاستفادة القصوى من هذا المناخ لغة وتقاليد وانفتاحا على  عالم آخر.. المنفى إثراء للوطن أذا فهمنا معادلة مهمة ”الوطن هو أبناءه".

- الحرية ..ما  موقعها من العملية الابداعية؟

- عزيزي الحرية ليس مفهوما سلعيا  او منتوجا سياسيا .. الحرية نزوع انساني  متأصل ..ومن أجمل اخطائي هي حسن تعاملي مع الحرية غريزيا ..أذ  انتميت الى الحرية بوصفها مفهوما انسانيا قبل كل شيء .. مثلما يحمل الانسان ملامحه  أحمل حريتي .
في العملية الابداعية  بوصفها دورة استحالة النص والانسان . تدخل الحرية في مرشحات  عديدة  أولها  قدرة الإنسان  وفطرته  ونزوعه الى الذهاب  للافق ، هناك حيث يلقي الشاعر بسهمه ليصيب كبد الحقيقة الغائبة  و يشير الى اسئلة ..بلا حرية لا يمكن انتاج نص حر وجمالي وانساني بإمتاز .. وقد شهدت حقب الدكتاتورية في العراق  نشوء ظاهرة  الكدية والمدائح من قبل وعاظ وشعراء السلاطين ، في الجهة المقابلة انتج شعراء الهامش نصوصها برمزيه عالية  وأقنعة عميقة للتخلص من الرقيب ومقصه والسياف وسيفه.
الشاعر والمبدع عموما عندما يساوم على حريته  أزاء انتاج النص سيكون هو ونصه بضاعة رديئة وتالفة ومفسدة للذوق وشهادة زور تاريخية ووصمة عار في جبين منتج  النص والمرحلة التي ساهمت في احتضان هكذا منتجين .


- ما الجدوى من كل هذا الهم؟ هل هو قدر الشعراء؟
لا جدوى بالمفهوم الاقتصادي الصرف .. لكن الجدوى ان تجد  جسدك وهو يحتمل روحك  النافرة بجدارة ..  اما قدر الشعراء  فهو قدر اخر .. قدر لا يوصفه الاباطرة والساسة  والمنجمون معا .. قدر يتوافر على قيمة جمالية خالدة ...  قد يكون القدر على طريقة المتنبي
 ..أنام ملىء جفوني عن شواردها ...... ويسهر الخلق جراها ويختلف .
أو قد يكون على طريقة  الحلاج بقولته :أقتلوني  ياثقاتي ، ان في موتي حياتي .. وحياتي في مماتي .
ولكن المؤكد جدا أننا مقبلون على زوال جسدي  فيزيقي لابد ان نقاومه .. والشعر أحد  الممكنات  بيد  الشاعر الصانع لفعل شيء ما  أزاء اندثاره .

- كانشغال ابداعي ، ما الذي يشغلك هذه الايام؟
 أذهلني جوابه عندما بدأ قائلا:

يشغلني الانتهاء من  اسئلتك   اولا ..هههههههههههه.
وبعد .. يشغلني  أكثر من مشروع  .. الاول هو اصدار روايتي  الاولى " العودة الى البيت" التي سترى النور قريبا  عن  دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع ،  والثاني هو ترميم نصوص مجموعتي الخامسة " تحت بيت العنكبوت"..   مع اهتمامات يومية تتعلّق  وتتعالق بوجودي كائنا   في اسرة ومحيط ومجتمع .. انا الان  أتذكر الشاعر الفرنسي  بودلير وهل هو  على خطأ  عندما   تحدث عن اخصاء المبدع ..
المشروع الابداعي يحتاج الى عمر بأكمله حقا .

- هل لكم اطلاع على الادب الكوردي ...فماذا تقول عنه؟

بالتأكيد لدي اطلاع على تجربة الادب الكردي شعرا ورواية وموسيقى وغناء وتشكيل .. ولكن للاسف  انني لا اجيد اللغة الكردية، لذا تراني اتتبع واتسقط اخبار المشهد الابداعي الكردي عبر ما يترجم الى اللغة العربية وتحديدا ما يصلني كمؤلفات مطبوعة او عبر النت  .
الادب الكردي..  أدب وابداع انساني قبل ان يسجن في  قوميته ....وقد ساهمت الشوفينية العربية عبر انظمتها ان تُغيب وتهمش  الابداع الكردي  وخصوصا في مناطق  تواجد الاكراد في سوريا وتركيا وايران والى حد ما العراق .
ففي حقل الشعر اقرأ في تاريخ  الشعب الكردي تجارب عريقة ابتدأت منذ  رباعيات بابا طاهر الهمذاني (935-1010م),. أذ يقول
لقد غرستْ شجرةُ الحزن جذورَها في روحي

فأناجي أمام عتبة الملكوت ليل نهار

أيها الشباب! أدركوا قيمة حياتكم..

لأن الأجل كالحجر.. و الإنسان كالزجاج
!
 حتى بدأت تحولات صوفية وعرفانية باطنية  جاءت على يد الملا أحمد الجزيري (1407-1481م.. وبعده  أحمد خاني (1650-1706م). ولأول مرة في تاريخ الشعب الكردي يترجم خاني قلق شعبه المكبوت.
     
ثم  هناك بيره ميرد (1867-1950م) وحمدي (1876-1936م) وأحمد مختار (1897-1935م) وفائق بيكه س (1905-1948), ونوري الشيخ صالح (1896-1958) وآخرون. ثم جاءت تجربة عبد الله كوران  في النصف الثاني من القرن العشرين  وهي  تمثل 
      النموذج الجدديد  في الأدب الكردي والتي حاول  التحرر من القيود الشكلية التي خضع لها الشعر الكردي القديم ،لاسيما تلك القيود العروضية .
        ثم تأتي تجربة الشاعر المعاصر شيركو بيكه س الشعرية  والتي يقول عنها النقد "  كانت تجربة محافظة و خلاقة في الوقت ذاته, فمن الناحية الأولى تمثل إدامة القلق المولد عن الذاكرة الكردية المتقصية عن الفاعلية التاريخية، وإدامة الإيقاعات الهجائية التي استخدمها كوران لأول مرة في بنائها الحر لتصوير البنية المكانية الكردستانية، التي تتسم بالتنوع والتكرار، لكنها تصبح هذه المرة عند شيركو مأوى جبلياً لحماية وجود الإنسان الكردي،  لاسيما عندما تضيق به السهول, ويتهدد وجوده الفيزيائي.. ومن الناحية الثانية, تمثل تجربته إبداعاً في فضاء اللغة الكردية، الذي يتمدد لا ليتسع للملفوظات فحسب, بل للمحسوسات والمرئيات ومخزونات الذاكرة أيضاً..
      فإذا كان كوران قد تمكن من توظيف الطبيعة الكردستانية وعناصرها الفنية توظيفاً جعل من قصائده لوحات حافلة بالجبال و الينابيع ومشاهد اللقاء مع الحبيب، بشكل يستحق بجدارة أن نسميه رسام الطبيعة الكردستانية, وريشته الكلمات"
كما كان الشاعر المبدع لطيف هلمت معاصره  استطاع ان يرسم خطا حداوثيا   في مسيرة الشعر الكردي .. اعجبتني تجرته الايروتيكية كثيرا .  ولقد تسنى لي مؤخرا ان أطلع على تجارب  شعر الشباب الكردي  أذ التقيت في سدني بالشاعر الشاب الرائع فريد مخموري والذي ادهشني بحسه الشعري العميق ووعيه التاريخي ،كما تعرفت على  المشهد الشبابي الكردي ، فهناك اسماء مؤثرة مثل .. فريد سامان، هه ردي قادر ، عبد الرحمن بيلاف ، عبد الحميد زيباري .. ومن الشابات اعجبت كثيرا  في شعر نيكار نادر وبجرأتها العالية  والعميقة .. وكذلك كزال أحمد .. واعتقد ان المشهد الشعري الكردي اكبر من اتتبعه .
وفي حقل الرواية اتابع المشهد واعرف اسماء تشكل صدارة  المشهد  منهم "أبراهيم أحمد ، محمد موكري، خسرو الجاف ، وهذا الرواية تعرفنا عليه في بغداد وقرءنا رواياته ، وكذلك فرهاد بيريال ، عبد الله السراح ، عزيز ملا رش واخرون ..
لقد استفاد الكورد من اجواء الحرية  بعد عام 1991 فصاروا مشاعل مهمة لبناء ثقافة وطنية عبر بناء مؤسسات مهنية لحماية المبدعين أو احتضان المبدعين والترويج لنتاجهم عبر معارض الكتاب المستمرة ..
- لا يوجد مقدس في الشكل الشعري  .. كيف تقرأ  هذا الجملة ؟
هذا سؤال مهم وحيوي، فلو تتبعنا نشوء وتطورالأشكال الإبداعية عبرالتاريخ، سوف نراها قد مرّت بفترات من التراكمات الكمية داخل الشكل الشعري المعين، ويكون التجديد أو التحديث من داخل الشكل الشعري ذاته كما حصل في تجارب الشعراء العباسيين مثل "أبو نواس، بشار بن برد، سلم الخاسر، أبو تمام، المتنبي، أبو فراس الحمداني، دعبل الخزاعي، أبو العتاهية، أبو العلاء المعري، البحتري، مسلم بن الوليد، العباس بن الأحنف، الحسين بن الضحاك.. إلخ" والذين أعتبروا من المولدين أو المجددين في العمود الشعري من خلال إزاحة الاهرامات الطللّية والغور في نحت البيت الشعري بطرائق مبتكرة لم يشهدها الشعر العمودي من قبل، وكما جاء في بيت لأبي نواس يسخر من شعراء الإطلال، اي أنه  يضع الحجر  الأساس   للسؤال القادم  عن مصير العمود الشعري وضرورته على مستوى الشكل  أولا، بقوله:
قل لمن يبكي على رَسمٍ درسْ
واقفا ما ضر لو كان جلسْ
وإستمرت فترة التجديد من داخل الشكل العمودي قرون عديدة، تخللتها جهود الشعراء الأندلسيين وتنويعاتهم الشكلية والمضمونية مثل المعتمد بن عباد وإبن زيدون وإبن رشيق، وابن زريق...وكذلك في الموشحات مثل لسان الدين بن الخطيب وإبن قرمان.. الخ، وصولا الى  جهود ودعوة الشاعر والمفكر العراقي الكبير معروف صدقي الزهاوي بالتخلي عن القافية والتي وصفها "بالذيل" لانه كان متأثرا بنظرية  النشوء والإرتقاء "لداروين".
 بعدها حدثت تغييرات نوعية وتجارب جريئة تطاولت على الشكل الشعري العمودي وكانت لبنات مهمة في التحضير لقبول المولود الجديد والذي أصطلح عليه خطأ  بـ"الشعر الحر". فهناك جهود علي أحمد باكثير وجماعة أبولو والمهجريين، حتى جاء دور الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وزميلته الشاعرة العراقية نازك الملائكة في قصيدتيهما "هل كان حبا، والكوليرا : ليدقا جرس الإنذار لولادة شكل شعري جديد وهو ما أميل الى تسميته بـ"شعر التفعلية" لأن الكتابة الشعرية الجدية لم تتحرر من سطوة أوزان العروض العربي تماما،  وقد زامنهما الشاعر عبد الوهاب البياتي ليشكلوا ما أصطلح عليه في الأدبيات العراقية "جيل الرواد" وكانوا ومن معهم روادا  فعلا ساهموا فيما بعد "ما عدا نازك الملائكة التي لم تكمل مشوارها التحديثي" بتأسيس  مناخ جديد  في الشعر العربي الحديث، وتوالت جهود شعراء العربية في الخمسينات والستينات لتبلور مرحلة أخرى لإنبثاق شكل جديد مختلف تماما وهو ما أصطلح عليه خطأ في تقديري أيضا "قصيدة النثر"،  في حين أراه مع أخرين هو "الشعر الحر"  لتحرره التام من الوزن والقافية واعتماده المطلق على تحقيق الشعرية بأستخدام  تقنيات شكلية ولغوية مغايرة والاستفادة من كل ما هو متاح من الفنون والأداب المجاورة وأقربها السرد والسينما والمسرح.. الخ.  ولا بد من التنويه هنا الى جهود الشاعر نزار قباني في رغبته بإزالة الشحوم والزوائد عن جسد القصيدة  كما يقول هو، وعلى ما أتذكره  في حوار له مع منير العكش يقول : أريد للقصيدة أن ترتدي تي شيرت وترنيشوز  وتقفز... أي أن القباني  مع تحرر الشعر العربي من الأعباء التي لازمته طويلا.  كما كان للشاعر والمفكر ادونيس الدور المهم مع الشعراء يوسف الخال، انسي الحاج، توفيق صايغ، محمد الماغوط، و"مجلة شعر"، في تبني حركة النشر وعرض التجارب الحداثية للشعراء المنتمين لهذا اللون من الشعــر، وهي الحاضنة المهمة لهذا لشكل الشعري الجديد،.  وفي العراق كان لجماعة كركوك أثرهم الماثل في شيوع "الشعر الحر"  في المشهد الشعري العراقي، هذا غير جهود كبيرة وتراكمات من الشعراء الذين جاؤوا فرادى، أو تم  تصنيفهم وفقا للمفهوم النقدي العراقي بتوصيفهم بالأجيال، لقد ساهم الجميع في رسم صورة الوليد الجديد،  وقد عانى الشعر الجديد من هجمة شرسة حول شرعيته كلون جديد في حقل البوح الشعري العربي، وكان دعاة رفض هذا الشكل ينطلقون في الغالب  في الإتهامات من منظور خارج إبداعي، فتارة يوصف هذا " الشكل الشعري " بانه وليد حركات شعوبية هدامة تريد النيل من العروبة وعنوان بيانها وبلاغتها، وسيطرة الهامش على المركز، وهو الشعر العربي  الذي يمثل واحد من المهيمنات المركزية لسطوة المركز، وتارة يوصف الشعراء بأنهم عجزوا عن كتابة الشعر الموزون والى غير ذلك من الاتهامات  التي لم تصمد أمام ولادة ونضج " الشعر الحر "، وهذا هو ما أنتمي إليه بوصفه البوح الأكثر عمقا وتدفقا وجمالا لترجمة رؤيتي الشعرية نصوصا ثم أن الشعر الحر، هو الفضاء الأكبر لتمثّل تجارب شكلية متعددة كالنص المفتوح وغيرها من الاقتراحات الجمالية التي سوف  تجد الأرضية  الصلبة كي تمارس وجودها كأنواع شعرية تمتلك شرعيتها الشعرية الخالصة.

هذا الحوار لم يتم بين ليلة وضحاها ، فقد اخذ منه ومني ثلاث جلسات واتصالات وايميلات ..كانت اخر جلسة لنا في مقهى انيق تديره عائلة بوسنية ، في احدى ضواحي سيدني ، كل الشكر للشاعر والكاتب وديع شامخ ، وكان ان شاركنا في الحديث الشاعر الشاب فريد مخموري كما تبرع بالتقاط الصور الخاصة بالحوار وله الشكر الجزيل .
...............


اصداراته
الشاعر وديع شامخ غزير الانتاج ليس في مجال الشعر الذي هو ملعبه و حقل ابداعه الجميل ، انما له حضور كبير  في مجالات  ادبية ومعرفية اخرى  ايضا ، وقبل ان نرصد انتاجه في المجالات الاخرى نرى انه اصدر في مجاله الابداعي  الشعري :
*- سائرا بتمائمي صوب العرش ...  البصرة، عن دار المأمون ، جامعة البصرة ..عام 1995
*- دفتر الماء...  بغداد ...  عن دار مدى عام 2000
*- ما يقوله التاج للهدهد .. دمشق .. عن دار التكوين  2008
*- مراتب الوهم .. دار الينابيع .. دمشق .. 2010

وله مخطوطات شعرية:
(تحت بيت العنكبوت)
 (كيف أرسم حلما في دائرة الرأس)
وكتب الشاعر وديع شامخ  رواية بعنوان " العودة الى الببت" هي تحت الطبع وستصدر عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، وله رواية اخرى تنتظر الطبع بعنوان " شارع الوطن".
 
في حقل التاريخ أصدرت عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان
2003..(الإمبراطورية العثمانية من التأسيس الى السقوط) -*
  2005.. (تاريخ الإندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة)-*

*- تناولت تجربته الشعرية العديد من الأقلام النقدية العراقية، في مقالات ودراسات نشرت في معظم الصحف والدوريات الثقافية العراقية ، والمواقع الالكترونية.
*-- كتبََ الكثير من الدراسات والنقود الأدبية والمقالات السياسية والتي نشرت في معظم الصحف والمجلات العراقية والعربية.

34

المربد ..بداوةَ  مربط ، أم حضارة مهرجان ؟؟

وديع شامخ


بعد ان إنتهت جلسات مهرجان المربد الشعري التاسع بسلام ، صار لزاما عليّ ان أدلو بدلوي حول  آليات إشتغال  نسق ثقافي عراقي ، له تاريخ مهم في ذاكرة العراقيين والعرب الشعرية،  وهو مهرجان المربد الشعري  .. فالمربد  يفترض زمنيا  ونوعيا أن يكون  قد  تعدى طفولة ومراهقة  القائمين عليه ليصبح راشدا  في المتن وحوله وخارجه ..
أنا الآن  أكتب  بهدوء تام، ودون زوبعة  الملامات والتقريع، والفقاعات الإعلامية والتشهير الشخصي ..
سوف أناقش بحب وبمسؤولية معا ، المهرجان: بمستوياته ، الإدارية   والفنية  والأخلاقية  معا .
 فإذا كان المربد يرتبط ب"مرابط العرب.. ومرابدهم "  أيام  بداوتهم ..فأن لتلك البداوة  تقاليدها  بالضيافة والكرم والسخاء حدّ ذبح الحصان الوحيد لأخينا طيب الذكر " حاتم الطائي"  ..ولكني أعني بالبداوة تحديدا هي "المضاد "الواقعي للحضارة كما يشير الدكتور علي الوردي  او  على تعبير شتراوس :" النيء والمطبوخ" في الانثروبولجيا في كتابة الفكر البري .. فمن أين  نأخذ المربد  الحالي .. أمن أسمه وعنوانه  " مربد" أو مربط.. أم من محتواه شكلا ومضمونا أو من آليات اشتغاله  ؟؟
...................
  صار المربد مجموعة من المصائر المتقاطعة  والمصالح المتوافقة  بين وزراة  الثقافة وإتحاد أدباء  بغداد ، وآخرها  في إتحاد البصرة  الذين بذلوا جهدا خيرا في دعوة أسماء كثيرة  لها ثقلها الشعري وتجربتها " المهمشة " في ظل النظام السابق .
ولكن أمور الدعوات  بفقر دمها  صارت تذكرني بأرزاق المعركة عندما  كنّا نخوض حربا ساخنة مع ايران..  وفيها تكون الأرزاق القادمة منذرة بشؤم قادم وهجوم وشيك .. ارزاق سمينة  وشهية .. ولكن بريقها وشهيتها وكميتها تخفّان كلما تقدمت حلقات التوزيع حتى تصل الى ملاجئنا المتقدمة  عبارة عن شبح فواكة وطعام بارد ، حتى علّق أحد جنودنا آنذاك  بدعونا" نلتقط صورة مع الموزة الوحيدة  التي وصلت حضيرته  المؤلفة من 5 جنود" !!
 فدعوة المربد كما وصلتني أولا من الإتحاد المركزي دعوة سمينة  تحمل في ثناياها أصولا ثابتة في تحمل نفقات السفر والإقامة ..وبعدها جاءت الدعوة الثانية من وزراة الثقافة / دائرة العلاقات العامة ، وهي تؤكد ما تقوله الدعوة الأولى بتحمل كافة نفقات السفر والإقامة .. مع الرجاء أن نرسل  نسخا  من  صورة جوازاتنا  كي يتسنى لهم الحجز، بل أن الدلع والدلال وصل الى تحديد خط الرحلة وتحمل مصاريف التذكرة أّذا ُقمنا  بحجزها والتوجه الى العراق لإستلام ثمن التذكرة كاملا !ّ .. فأوفيت بالتزاماتي الإدارية مع تمنياتي أن تكون رحلتي على طائرة الإمارات أو الإتحاد لتوفر خدمات ممتازة سيما وإن الرحلة من سدني الى بغداد  تقارب ال23 ساعة .. وسار كل شيء على مايرام  ، وتلقيت من  الشاعر ابراهيم الخياط، إميلا،  يفيد بوصول رسالتي  مع الشكر..
ولكن الوقت المقرر لبدء المهرجان بدء يقترب بشدة ونحن نعيش في بلدان بعيدة ولها تقاليد ثابتة تشير على المسافر أن  يفي  بجملة التزامات  مع الحكومة ورب العمل  ومع الطبيب وانتهاء بالعائلة وتنظيم شغور مكانك لديهم ..
ولكن الأخوة  في عراق المربد، قد صمتوا صمتا مريبا .. فأتصلت بالسيد كريم جخيور رئيس إتحاد البصرة  فأكد لي أن كل شيء على مايرام والوزارة ستُنفذ التزامها .. وبعد يومين أخريين كررت الإتصال بالزميل كريم الذي بدا مُحبطا  تماما من مستجدات لم تكن على طاولة إجتماعهم في وزارة الثقافة حين تمت دعوة الأدباء ،
!!وفحوى الجديد أن وزارة الثقافة  قد قلصت مبلغ السفر الى 1000 دولار فقط !! علما ان مبلغ تذكرة السفر من سدني الى العراق تتجاوز الفين  دولار ..

أنصف ضيافة ونصف حقيقة  ونصف......؟؟؟؟؟؟
هل من المعقول أن تسير الأمور هكذا مع أدباء عراقيين  مدعوين الى المشاركة في صياغة جمال أبهى للمربد !!؟
والأعجب أن هذا  التصريح الشفاهي لوزارة الثقافة  هو الذي تأسست عليه قضية الحضور  من عدمه، إذ لم تصلني ايّة رسالة  تؤكد استبيان رأيي  في قبول  الدعوة أو رفضها،  بعد المستجدات التي حدثت  في ظل هذا العرض الخارج عن أخلاقيات البداوة والحضارة والمدنية معا !!
هل من المعقول أن تصمت الوزراة والإتحاد  بشقيه المركزي والمحلي بالإتصال بالمدعوين وإطلاعهم على ظروف التنصل عن شروط دعوتهم الأولى !!
إذن ليس هناك تقليد عراقي  رصين يحفظ للمربد، كمهرجان  ذي تاريخ عريق،  هيبته وللمدعوين  كرامتهم .. !!
أتعرفون أيها القائمون  على الدعوات إنكم سببتم  لي ضررا ٍ كبيرا ،  من جراء تخلف الإجراءات  الإدارية  وتعثركم المدني مصحوبا  بشحة اللياقة الحضارية ..  فكنت طوال الأيام التي وردتني فيها الدعوة  منخرطا تماما في التحضير للسفر ، وما تعنية كلمة تحضير، من أبعاد نفسية وحسيّة ، لسفر طويل وبعد سنوات  طوال من فراق العراق   ..
أيّة آليات تعمل في وزارة الثقافة وإتحادنا العتيد" إتحاد الجواهري "  لدعوة الناس لحضور مهرجان  عريق .
فإذا ماوجدنا العذر لوزراة الثقافة  بوصفها وزراة "تافهة "وفقا لمقاييس السيادة المحاصصية كما يقولون ، فهل نلتمس العذر الى الاتحاد المركزي المعنيّ تماما بالامر ثقافيا وابداعيا !!!
وأذا  أعفينا  وزير الثقافة بصفته الشخصية لأن عمل المهرجانات إداريا، يقع تحت مسؤولية الوكلاء والمدراء العامين .. فهل أن السيد الوزير، لم يسمع شيئا عن شحة:  الخير والضيافة وجحود الأهل  وتنصلهم من إستقبال مبدعيهم من خارج الوطن ، وهم ممن طالهم  التهميش والاقصاء في ظل الحكم السابق ؟؟
  ألم يكن لسعادة الوزير من فسحة  وقت لسماع  رأي  مستشار مخلص ليضع قضية عدم الوفاء والإخلال بشروط الدعوات أمامه ليكن حكما فيصلا ؟؟
.. وهل أن السيد الوزير الذي يحمل صفتين لاعلاقة لهما ببعضهما " ثقافة ودفاع"  قد جعلته مصابا  بالانفصام الوظيفي والحساسية من الثقافة " لا سامح الله" كما كان " كَوبلس وزير
 هتلر يقول: " عندما أسمع بالثقافة  أتحسّس مسدسي"
 أم كان وزيرنا  ضحية مكائد الوكلاء  والمدراء العامين وغيرهم  .. في إبتكار آليات متوافقة عليها  لا علاقة لها بوزير الثقافة  .
السيد وزير الثقافة ، بصفته العسكرية يشرف على صفقات سلاح  بملايين  الدولارات  وهو حق للدولة العراقية في صيانة امنها .. ولكنه يخذل المثقفين والشعراء  بصرف تذاكر سفر  بمبالغ بائسة جدا ، والقضية هنا تعدّت حدود المال وفرق الصرف  .. بل انها دخلت في حدود الإهانة الانسانية تماما  وحدود كرامة الوطن أيضا .. فالشعب المسلح عسكرتاريا  لا يجيد الدفاع عن وطنه ، إن لم يكن  متسلحا بجمال  بناء الأوطان.
فالعراق لا يبنى ابدا  بالجماجم .. والوطن لا يسور بمدونات الموت ..
اليس هذا يعني ان الابداع والثقافة بضاعة بائرة في زمن نريد  بناء الدولة العراقية على مرتكزات قوية وصحيحة ، والثقافة أحد هذه القوائم لكل دولة حديثة . ..، اليس هذا هدم لطرف ثقيل في حوار المجتمع ؟؟
ثم أين جهود زملائي في إتحاد البصرة  وموقفهم الحازم ضد هكذا تصرفات  مجانية وغير مسؤولة  والمربد ينعقد في أرض البصرة ..... العتب شديد ، لانني تابعت المربد  وتمنيت أن أكون هناك مع قامات عراقية وعربية لأصدقاء أعتز بهم شخصيا وابداعيا .
......................

خلاصات .. كي لا ننسى
1- وصلني كتاب  الدعوة الأول من قبل الاتحاد المركزي .. دون رقم  ولا تاريخ .. ولا توقيع من أيّة  جهة،  وهو بداية الشك  في الصدق  بالإجراءات التنظيمية .. ولكن حسن النوايا  هو عنواني ..  وجاء التأكيد من دائرة العلاقات الثقافية  في وزارة  الثقافة  يؤكد  الدعوة  وهو بلا توقيع ايضا .. ولكن المشترك  في الكتابين هو  أن الوزراة سوف تتحمل كافة مصاريف السفر والإقامة !!
2-  قال الصديق  رئيس أتحاد البصرة  كريم خجيور في معرض تصريحاته عن مؤتمر المربد الحالي  بقوله :"نحن حريصون على ان تكون دورة هذا العام تختلف عن الدورات  السابقة من خلال التنظيم ونوعية المشاركة". وانا أعتقد انه يقصد تنظيم عمل المهرجان ، ولكن التنظيم يحمل في طياته  " الدعوات"  فلا يمكن الفصل بين  دعوات المشاركين وتنظيم اعمال المهرجان .  فهل كان تنظيم الدعوات مكملا حقا للتنظيم الميداني !.؟؟
3-  يبدو ان امر الدعوات صار داءً عضالا يطال  مهرجان المربد ، حيث انني كنت من المدعويين في العام المنصرم  أيضا وقرأت أسمي في الصحافة دون أن توجه لي دعوة رسمية ..وكنت أتمنى  على الاخوة بتصحيح وتجاوز الأخطاء التي رافقت الدعوات في العام الفائت ولكن الذي حصل هو الأسوأ هذا العام وكأن لا عبرة ولا خبرة .
4- أن أمر الألتباس في دعوات هذا العام  لم يحدث معي شخصيا فقط ، فهناك ايضا الناقد والمترجم سعيد الغانمي  والشاعر حسن النواب ، وكذلك الفنان والشاعر محمد سعيد الصكار وربما آخرون .. وأما الدورة السابقة فقد حصل ذات الأمر مع الشاعر والمثقف المبدع صلاح  نيازي وقد كتب عنها مقالة   شرح فيها كلّ شيء ، ولكن لاعبرة ولا خبرة للذين يقيمون على أمر التنظيم !!
5- نلاحظ غياب التنسيق بين عمل  الهيئة العليا لادارة المهرجان   واللجنة التحضيرية  في البصرة ، إذ لا يمكن ان تصدر قرارات لاحقة عن ما هو متفق عليه في الهيئة العليا للمهرجان .. وخصوصا ان لا طوارىء كبيرة في الأمر وخصوصا أن العراق دولة نفطية وغنية وأمواله تهدر ذات اليمين وذات الشمال ، ولكن عندما تصل الى الثقافة والأبداع تبدأ سياسية شد الاحزمة على البطون والتقشف !!!
6-  قال لي صديق عراقي مبدع يعيش في استراليا ، انه دعي الى  الامارات العربية المتحدة ، فوصلته الدعوة قبل شهر وفيها اختيار تغيير الموعد ، وعندما وصل الى مطار ابو ظبي وجد شخصا ينتظره .. واصطحبه الى سيارة ليموزين فارهة  ليحط  به الى احد فنادق الدرجة الاولى " خمسة نجوم " ... ولعل ذلك عبرة وخبرة لزملائي وأحبتي في الوزارة والاتحادين المركزي والمحلي .. ولكي لا ننسى .

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
المرفقات
السادة المحترمون

تهديكم وزارة الثقافة اطيب تحياتها


نظرا للمكانة التي نقدرها فيكم ..يشرفنا ان ندعوكم الى مهرجان المربد الشعري التاسع للفترة من 9-11 /5/ 2012
ونامل ان نجد استجابة طيبة منكم .
وفي حال موافقتكم سنرسل لكم الدعوة الرسمية مع ارسال نسخة من جواز سفركم وبيان خط سير الطائرة وستتحمل الوزارة نفقات الاقامة وتذاكر السفر , وستدفع ثمن التذكرة لكم حال وصولكم الى بغداد ..
وفي حال عدم تكمنكم من تلبية دعوتنا يرجى ابلاغنا قبل يوم 2012/5/3 لنتمكن من اجراء اللازم


مع التقديــــر


دائرة العلاقات الثقافية
وزارة الثقافة / جمهورية العراق
 


35
المنبر الحر / في بيتنا فأر
« في: 22:53 07/05/2012  »
في بيتنا فأر

وديع شامخ

بالرغم من جمال أستراليا وتنوع مصادر البهجة  والسلام  فيها ، إلا اننا الذين  جئنا  من بلدان الشمس والنفط  وشحة الحب  والحرية ، من بلدان القهر الجمعي .. نحن  سكنة هذه البلاد الرائعة  المُحصنة  من إنفلونزا الوطنية  ومنغصات القومية  وأوبئة الحداثة العالمية .. نحن   نعاني من هجمات خارج السيطرة من قبل  حشرات  تفسد متعتنا ، وحيوانات  تقلق طمأنينتنا .. لاتبدأ من البق والحرمس ولا تنتهي بالأفاعي والقوارض ..  لأن هذه البلاد  ،كما قيل لنا ،  ونحن نهاجر إليها  بأنها  كانت غابة  كبيرة .. ثم صارت  سجنا لقوة الانجليز  وبعدها صارت  جنة لنا  ..  وأن أكثر هذه الحيوانات  حميمية  هي الفئران .. التي تتسرب الينا من الحدائق الفارهة التي تحيط ببيوتنا الآمنة تماما .
وزائري الليلي كان فأرا يشاغلني  ويقلق راحتي  عندما أكون في شدة الانغمار بالكتابة أو القراءة أو الإستماع .. يخرج  من سم  حائط صلد لا ثغرات فيه .. يقلقني .. فأذهب صباحا لشراء مصائد الفئران ، سيما تلك التي تعتمد على القتل الرحيم .. وهي عبارة عن قطع من  مقوى الكارتون أو البلاستك  المعزز بالصمغ القوي ..اضع  الفخ  المصمغ  في طريق الفأر المزعج .. أصطاده برحمه وارميه في سلة المهملات .. أرمي الفأر الصريع  واعود كقاتل وسفاح الى مساحة الورق لامارس كتابة الشعر . والنثر .. والمقالة ..وأدعوا  الناس للسلام والمحبة والغفران !
ياله من فأر عجيب يفضحني تماما .. يفضح  شاعريتي لانني تلذذت بالقتل ، يفضح موضوعيتي في القول .. ان للحيوانات حقوقا  كما لنا حقوق ..
ويفضح براءتي  عندما رميت الفأر القتيل خطأً في "برميل الريسكال"  وهو برميل مخصص لرمي القمامة التي تتكون من مواد ورقية وبلاستيكية يمكن اعادة صناعتها .. "لاحظوا البطر الذي نحن فيه .. برميلان للقمامة" !!!.
 عذبني ضميري تماما  لان دم الفأر القتيل سوف يختلط مع   المواد التي سوف تعاد صناعيا ويستفاد من نفاياتها .. اي جرم ارتكبته عندما مزجت دم الفأر اللعوب  مع قوة المواد في استعادة الحياة واستخدامها ثانية  من قبلنا ..
ربما سيعود دم الفأر  مع قنينة ماء باردة  أشتريها صيفا  لتطفيء عطشي  وانا ارى هذا الفأر يطالبني بدمه  .ربما سيكون  لحم الفأر في علبة سردين او لحم معلب .. سيمدُّ لسانه ويطعن بكل محرماتي في أكل لحم الميت  ، القتيل ..
الفأر صار ملعبه " عبي" وصرت أخشى من شرب الماء من الحنفية لانني ربما  سأشرب دم الفأر .. أخشى من أكل اللحوم  ، وأخاف من لبس الجلود كي لا يخرج الجرذ من بين أصابعي  .. فكرت أن أكون قطة تلتهم الجرذان والفئران دون تأنيب ضمير، فوجدت في التاريخ ما يعضد خيالي واقعيا إذ تقول الوثائق البريطانية وعلى ذمة خالد القشطيني" ان بريطانيا اعتمدت على القطط في حماية مراسلات الدولة  ووثائقها من هجمات الفئران والجرذان .. وكما جاء في كتاب سري للغاية من وزارة الاشغال الى وزارة البريد تقول : من المستحيل عمليا الحصول على رجال مختصين بصيد الفئران طالما إستمرت هذه الحرب  والوسيلة الوحيدة  المطروحة أمامنا هي في الاعتماد على المصائد وعلى القطط البريطانية .." لكن التاريخ يكتبه المنتصر ولو كان قطة ..
قلقي يتورم .. والفأر الذي شيعته  يعلمني  الاحتفاء بقامته .. هو يعرف انه  سيموت على يدي ، ولكنه  لن يسمح لي بقبره على هواي ..الفأر الميت في برميل الزبالة  .. هو المآل  المناسب له  كما أعتقد .. ولكنه الآن يلقنني درسا لأني بتُّ أفترض مع صحوة ضمير متأخرة بأن لهذا الفأر عشيرة أو حزبا  أو نائبا في برلمان أو مسؤولا في أجهزة أمن الدولة  أو " سيد كبير"  يتوعدوني كلّهم  بالثأر ويطالبون  بالقصاص العادل مني  ،  أو ربما سيكون للفأر عائلة  قد سحقت مستقبلها فرمّلت زوجته وأيتمت أطفاله .. يا للخزي  أن أكون بهذا الموقف المهين ، وأنا المدافع والمنافح عن حقوق الإنسان  والحيوان والطبيعة ومعجب جدا بحزب الخضر لتبنيه مشروع المحافظة  البيئة  .. ومعارضا للأحزاب الدينية الطائفية والقومية .. أنا الداعية السليط اللسان  عن  حقوق المرأة والطفل والشيخ !!؟ كيف أفسر ما حدث لي .. هل هو تصرف طبيعي  وقرار سليم  أن أقُدم على قتل هذا الكائن الضعيف ، أم انه أمر طبيعي ومشروع ومن باب الدفاع عن النفس وحماية  البيت  والأمن العائلي  .. هذا الموضوع تصَّدر اهتمام الفقهاء في الشرع والقانون  .. فمنهم من أجازه  ومنهم  من حرمه وجاء فريق ثالث ليقول بكراهيته على الأحوط وجوبا .. وقد تشبّث الفرقاء الثلاثة  بأرائهم وفقا لحماسهم المنقطع النظير عن إسلوبهم في إيتاء الحجة وإستنباط الحكم ، ولكن فريقا رابعا  قد أجاز قتل  الفأر  بدم بارد  لتورط  هذا الكائن في إفساد العباد والأمة  عن دورها الرسالي !!
وبين مشرع وفقيه، وقانوني  ورجل شرطة .. تاه دم الفأر بين القبائل .. لكنه لم يته من مساحة تفكيري .. لان درس الفأر علّمني أن أكون حكيما في إغلاق نوافذي  وأبوابي أمام الزائر الغريب وأدفن أسراري واوراقي في مقام يليق بها ولن أترك أفكاري نهبة للعابثين  وأوراقي ُملكا مشاعا للأخرين .. علّمني الفأر القارض أن أقلم أظافر غفلتي  وأصحو على حراسة مملكتي . كي لا أدع ضميري يفتك بي وأنا أقدم على رعونات تقضّ مضجعي وتعبث بسلامي.
الفأر هو أيّ منا  في لحظة الإنقضاض على المشاع والمفتوح  والمباح دون حصانة ولا حرمة  .. الفأر هو أنا أو أنت ..
...


36
المنبر الحر / المختصر... المفيد
« في: 15:51 26/04/2012  »
المختصر... المفيد

وديع شامخ

في حياتنا العامة مع الناس وفي حقول عملنا المختلفة ، نجتهد  معا لخلق أكبر ما نستطيع من توافق  .. ونسعى جاهدين بكل ما أوتينا من قوة بأسٍ  وحكمة وطيبة قلب ودبلوماسية معا  ، لكي  نكون لطفاء ، نمد جسور الوصل والمحبة فيما بيننا، رغم الهوة  التي تفصلنا ، وهذا هو نظام البشرية في توافقها الإجتماعي والإنساني معا..  وكلما اقتربت الجماعات البشرية في محل إشتراكها من بعضها وتلازمت وقتا طويلا  صارت لها  لغة خاصة ، مختصرة وموجزة وقصيرة الإرسال وغير مكلفة .. وسيكون حصاد الناس من هذه اللغة المقتصدة الإشارية  مزيدا من التفاهم  وعدم الهدر في الحب والوقت معا .
فمثلا  أن التحية بين الناس قد اختصرت من " جنجلوتية طويلة "  تبدأ بأسم الله ولعن الشيطان  الى مجرد كلمة لطيفة  وربما إشارة وهي تكفي تماما للتعبير عن المشاعر ، وبالتالي تحول قاموس التحايا بين الناس الى نظام إشاري .
فالجيل الحديث الذي يعيش بيننا  قد أختصر حياته ومتطلباته  في نظام  المختصرات ..من السلام الى الختام .. فكلمة" هلو او هاي .. الخ " مع  ابتسامة معبّرة  كافيه جدا للتعبير عن مودة اللقاء دون عناء التطويل والمجاملات السمجة وهز الأيادي  هزا شديدا وتبويس اللحى والأكتاف  والجباه ..دون طعم ولا لون  ولا رائحة  إنسانية حميمة .
بل أن  وراء هذا الإحتفاء المفرط  ثعلب يلبط في عبّ هذا أو ذاك .
.......................
الحياة الإنسانية  الآن  تميل الى المختصرات .. الى إختصار الزمن  والعواطف  والأفكار .. والعالم كله يتجه الى القرية الصغيرة والأفكار السياسية الكبرى والمكونات السياسة الدولية تميل الى  الإندماج  في تحالفات  مجتمعية  ذات قيمة إقتصادية  أولا، غير تلك الأحلاف  اليديولوجية  والعسكرية  والتي كانت تشطر الغرب والشرق  وتؤسس جدرانا،  لا تبدأ  بجدار برلين ولا تنتهي   بسور الصين العظيم .. العالم الأوربي أختصر الكثير من الرطانات الوطنية والكرامات القومية  فسعوا الى إنشاء تكتل أوربي سميّ بالاتحاد الأوربي، جاهدت دولة أسلامية مثل تركيا جهادا مميتا من أجل الدخول في هذا المختصر العلماني  الصليبي !!!!!..
كما أن الدول العربية قد مارست هذه الصورة المستنسخة  لبناء تجمعات  مثل " مجلس التعاون الخليجي  الذي تأسس العام 1981 من الدول الخليجية الست " المملكة العربية السعودية، دولة الامارات العربية المتحدة ، الكويت ، البحرين ، قطر وسلطنة عمان".   في حين  إن إنضمام الأردن واليمن والمغرب  للمجلس ، كان  دليلا على وعي درس التكتل والإندماج وضرورته  مستقبليا .. وهي الدول التي أعفيت مؤقتا ولحد الآن من زوابع الربيع العربي ..
أي ان المختصر لا يمكن أن يكون مفيدا جدا إلا إذا  احتوى على عناصر قوته الحقيقية  والتي تحمل معنى وجودها  من داخل الكيان أولا  وليس مفروضة من الخارج  دائما  .
...................................................
في حياتنا الإجتماعية ونحن نصغي الى الناس ، لا نحبذ الخطابات الطويلة  بناء على خبرتنا السيئة مع الخطيب  ومنبر الخطابة .. لأننا في منطقة الشرق العربي والغرب العربي والأفريقي  إعتدنا على خطابات دينية وسلوكية وسياسية تمتد على حياة المجتمع فتُغطي  اللسان والعين والفم  بغبار كثيف .. خطابات ماكرة في الإستحواذ على الحواس  وتحفيزيها  وفقا للمطولات .
الإختصار إتفاق  والمطولات فضاء للثرثرة والعي والفهاهة .. الإختصار موضوع فكري منظم  وجهد يشترك فيه الجميع  بينما الإجماع مادة الرعاع  والتغييب الفكري والعاطفي .
...............................
في حوار العاشقين ،  سنجد  أن الحب يزدهر في الاختلاف أولا، ثم في الصمت إذ  يكون الصمت مؤشرا عاليا على لحظة إختمار للإختصار ..الاختصار المفيد هو ما تفرزه  العلاقات والعقول المنتجة في حقلها ..
نحاول في أحلام  اليقظة  أن  نستعيد النماذج التي تختلف معنا لقتلها رمزيا  ، والتخلص من آثارها الاجتماعية  والعاطفية والسياسية لكي نتخلص من سطوة  الهذيان  واللغو .
........................................
قال  المتصوف  الشهير عبد الجبار النفري " إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة "   أي  أن الناس يختصرون لغتهم  في التفاهم كلما زاد إقترابهم فيما بينهم .. وهذا أس خطير  في الحياة  تترتب  عليه  خلاصات غاية في الخصوصية  .. الرؤيا تعني المشترك  وهي دال  والعبارة مدلول .. اي أن الرؤيا  كدال عام  والعبارة كمدلول ذهني  مخصوص  يفترض أن كل الذين يشملهم الكلام  هم في حصانة المفيد من المختصر ..
لذا فأن الذي يريد أن يكون في باب المختصر المفيد، عليه أن يتعلم  السباحة في أفق الرؤيا أولا .. لكي يعبر الى جسر الدلالة والاشارة .
...........................
عندما  أقرأ مطولات  العرب  وخُطب قادتهم  وداء النسيان  الذي يصيبهم  في الوفاء  لما قالوه ..  أذهب الى المختصر لكي أنجو من  رطانة القول وسوء النية معا ..
هكذا سقط القول وصاحبه  وبقيت الإشارة ..
سقط صدام حسين   لعدم إجادته فن المختصر المفيد وأهماله لإشارة الضحية .. وهكذا سقطت الديكتاتوريات العربية  كما  أحجار الدومينو تراتبيا ..
سقط الشاعر  لأن المنصة أخذت صوته  وأستحوذت على حنجرته وقامته ..
سقط الداعية  لأنه  لم يعرف فن الصمت في حضرة الآخرين .
سقط  المعلم  لأن  سواد السبورة أعلى من بياض طبشوره ..
تسقط الحياة  لأنها معلقة على قرن ثور  شرطا ..
المختصر والمفيد  هما  الحلم الذي نسعى  له  درسا  في حياتنا ..
................................

 

 


 

 

37
المنبر الحر / أقنعة الكائن
« في: 15:57 17/04/2012  »
أقنعة الكائن

وديع شامخ

القِنَاعُ  في اللغة هو : ما تُغطِّي به المرأَةُ رأسَها وهو غشاء القلب أيضا  ،  وما ُيستر به الوجه ، وجمع القناع : قُنع وأَقنعة  كما جاء في المعجم الوسيط ،  وجاء القناع ليلبسه الرجل أيضا  فصار بهلوانا  وهو ما لم تشر له المعاجم اللغوية،  بل إنزاح الى حياتنا سائلا لزجا  أوغازا متساميا.
كما أن اللغة  كانت ذكيه في كشفها للقناع  فنقول : كَشَفَ القِنَاعَ عَنْ أَلاَعِيبِهِ" : أَظْهَرَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، كما جاء القناع  حجابا، وخمارا.
 وآخر البلوى أن يكون القناع  " نقابا" ..
والنّقاب ما تنتقب به المرأة ، يقال : إنتقبت المرأة وتنقّبت : غطّت وجهها بالنّقاب . ويعرّف إبن منظور النّقاب بأنّه : القناع على مارن الأنف ، ثمّ يقول : والنّقاب على وجوه ، قال الفرّاء : إذا أدنت المرأة النّقاب إلى عينها فتلك الوصوصة ، فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النّقاب ، فإن كان على طرف الأنف فهو اللّفام.  وأضاف إبن منضور  : إن الوصواص يعني البرقع الصغير.
............................
أقنعة التجميل  أو الماسك)) ولم يكن القناع  هو حصة المرآة في حجابها ، بل صار  لها زينة وطبّا،  ومنها  ما يقال  عن وصفات للبشرة
حيث تضع المرأة على  بشرتها  أقنعة للخروج ببشرة صافية  تسر الناظرين .. ومن هذه الأقنعة: قناع خميرة البيرة للبشرة الجافة الشاحبة، قناع العسل والفيتامينات لتغذية البشرة ونضارتها، قناع الشعير ـ للبشرة المُجهدة، قناع السبانخ ـ للجلد الرقيق 
قناع الزبادي والطين ـ لعلاج حب الشباب والبشرة الدهنية، ماسك الخضروات ـ لمختلف أنواع البشرة، قناع البرتقال والعسل ـ المُنعِش للبشرة، قناع الدقيق والعسل ـ الوصفة المفضلة للأميرات والجميلات في الماضي، ماسك العسل.. للبشرة الخشنة وحبوب الوجه 
قناع الجزر ـ للبشرة الحسّاسة، قناع الطماطم ـ للبشرة الدهنية، قناع الخيار ـ لعلاج شحوب الوجه،قناع النشا ـ لعلاج المسام الواسعة 
قناع الزبادي والخيار ـ لتبييض الوجه،قناع ماء الورد ـ للبشرة الدهنية وعلاج المسام الواسعة،قناع النعناع ـ لعلاج مختلف عيوب البشرة
قناع الموز واللبن ـ لمقاومة التجاعيد،ماسك الكمثري ـ علاج ممتاز للبشرة الجافة،قناع خميرة البيرة ـ لمشكلة جفاف البشرة في الشتاء 
قناع المقدونس ـ للبشرة التي تجمع بين الجفاف والدهنية .
يا لهذه الأقنعة .. كُلها تُستخدم  لإزالة الغشاوة  عن الجلد وتجميل الوجه، ولكنها لا تزيل أدران القلوب  ولا ترشق اللسان ولا تداوي ضغينة النفوس   ؟؟

..........................

 وهناك اقنعة الكاتب حين إنغماره في الكتابه .. فالكاتب هنا محصلة لمرجعيات وتجارب حياتية وقرائية وروحية مختلفة ساهمت جميعها في تكوين تجربته واختمار لحظة الكتابة .. لكن الكاتب يبقى مُقنّعا حتى اكتمال " الحفلة التنكرية " على حد تعبير القاص العراقي الكبير محمد خضير ، ودعوته للكتّاب بنزع أقنعتهم بعد الإنتهاء من  الحفل .. فالكاتب غير الحصيف هو الذي ُيبقى على  القناع  بعد اتمام مهمته في الكتابه . لأن الآخرين سوف يقتحمون  أقنعته  ويعروها  جهارا امام الملأ  .. من  خلال نصوصه التي ستكون شاهدة عليه وفاضحة له
....................................
وللسياسي أقنعة  مختلفه يرتديها  حينما  تدعو الحاجة الى ذلك .. فهو أبن اللحظة ومكائدها .. وهو أبن فن الممكن بكل تجلياته في الحياة .. كممثل مبهر أمام الكاميرات وخلفلها .. وهو أبن الدسائس والعسل والخنجر وكواتم الصوت وجوقة المطبلين .. كلها أقنعة يرتديها السياسي  في الزمان والمكان  المفترضين  لوجوده  فاعلا  مستترا .
....................
وبما أن الحياة مسرح كبير، ولكل إنسان أقنعته،  يرتديها وفقا  لمتطلبات  دوره  .. ومدى أهمية هذا الدور في قصره وطوله ، في خيره وشره .. في  إلتصاقه بالوجه دائميا أو مؤقتا ..
فوجدت أشرّ الكائنات تلك التي تتقنّع بإنتظام عجيب .. حتى صار القناع لها عنوانا وهوية ثابتة .. غاب الوجه  وحضر القناع، وأختفت  الملامح وبانت  المطامح ، ضمرت الإبتسامة وطفحت  تكشيرة الذئب .. إنتصر الفحيح  على التغريد .. وجلس السارق  على كرسي الأمانة ، والوغد تمنطق في بوق الوطنية . فالويل كل الويل لمجتمع  يتكلم فيه الذين لا يعرفون ويصمت فيه الحكماء.. والويل كلّه ان كانت السكين هي الفاصل في العدل .
قال الشاعر بلند الحيدري :
العدلُ أساس الملك
 كذب ..كذب .. كذب
إن تملك سكينا  فَلكَ الحقَ في قتلي .
وصدق شاعرنا ، فالُملك أصبح أساس العدل .. وهذه خاتمة الأقنعة .
غادر العقل وحضر  الحمق ، وإستتر  الضمير  وتسنم الكرسي   تقديره نحوا وصرفا  وواقعا  ..
في حضور السلطة والبطش يحضر القناع بقوة ..
      
   
   >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>   


38

داء العراق  والبهجة الناقصة ...

وديع شامخ
1
طوال الأيام المنصرمة داهمت سماء سدني  غيوم ثقيلة سوداء  وأمطار شديدة وعواصف مزعجة حتى جاء    السبت زف بشرى الشمس الساطعة والطقس الدافىء.  .  السبت ليكون مناسبة لنا أن  نخرج لزيارة أحد السواحل  فذهبنا  الى ساحل "شيلي بيج" حيث   يمتاز هذا الساحل  بجمال الطبيعة وعمل الانسان المنظم به  كما هي حال سواحل سدني المطلة على المحيط الهادي.. ولعل أجمل ما لفت نظري ونحن  نتمتع  بخدمات هذا الساحل وهو وجود  بركة صخرية مخصصة  للسباحة  الآمنة" روك بول"  وهي عبارة عن مساحة حصرت بالصخر من ساحل المحيط لتكون منطقة آمنة للعوائل لغرض السباحة دون منغصات من  الأمواج الهادرة أو بعض السمك المضر " جلي فش". وانا أسبح  مع ولدي الصغير  وعوائل الأصدقاء  في هذا الرحم الآمن من الساحل رأيت الامواج المتدافعة  من المحيط الهادىء  كأنها ديناصورات متراكبة تسعى بشهوة نادرة لابتلاع كل ما يصادفها ، رأيتها تتكسر عند وصولها بركتنا الآمنة والاطفال والناس فرحون بوصول ذبالة تلك الأمواج  الهادرة المدمرة .. رأيت المجتمع حكومة وشعبا يتكاتفون  لإنشاء حضن دافىء ومحمي من الكوارث والمخاطر والمنغصات .. فراح بي الخيال الى " العراق " ياله  من داء غريب يداهمني كلما هممّت بالبهجة .. فتذكرت العراق وهو أمام السيل الهادر من الموجات السياسية والطائفية والدينية والمذهبية ، سيل جارف من  سموم دول الجوار ونفاثات المحيط الأقليمي ، والعراقي أعزل لا حول له ولا حاضنة .. يموت هناك الناس بالمجان . والناس هنا بوفرة نادرة من الأمن .. تطلعت الى السماء فوجدت طائرة تراقب الساحل  من خطر وجود أسماك القرش أو أي تهديد  ينغص العوائل  في محيط البركة أو خارجها  حيث  الشباب يرقصون على  الأمواج في زلاجاتهم .. انهم يتسلقون الموج بلاخوف  وبمتعة وتحدي .
وفي العراق السماء ملبدة بالدسائس والظنون .
........................
2
أين أنت  يا علي الوردي ؟؟؟
عندما خرجنا  من البركة ،ذهبت لممارسة  رياضة المشي  والتطلع على معالم الساحل..  رأيت الناس فرادى وزرافات في حركة دائبة للمشي والرياضة والمتعة ، الأسمر يحتض الشقراء، والسوداء تتأبط الأشقر.. الغني  في بيته المطل على الساحل  يتناغم مع  الفقير الراجل  في متعة الحياة  .. والطريق يتسع لكل المشاة ..وأجمل الفتيات  بزي البحر  يتقافزن نشوة وحبورا كفراشات  على صخور هذا الساحل  الفريدة في تشكّلها...   فوقفت لأجفّف  عرقي وأنا أسمع أخبار  بلاد ما بين النهرين وهي  تذبح شبابها   بتهمة  عبادة الشيطان   "الايمو"
منْ  َنصّبكم  خلفاءً لله في ارضنا .؟؟
المخيف في الأمر ان هؤلاء الفتية يقتلون بطريقة همجية جدا  بواسطة عصابات متعطشه للدماء  تسحق رؤوس الشباب" بالبلوك" وهو طابوق إسمنتي يستخدمه العراقيون في بناء البيوت .. ياالله أدوات البناء تستخدم للهدم والقتل .. والأغرب من هذا نجد رجال الدين  يمرون على هذه الظاهرة بداوعي الاستنكار والرفض والشجب لوجودها، مع إعلانهم  في  عدم التورط بالقتل ، ولكنهم من طرف خفي يشيعون ثقافة القصاص  بوصفهم لهذه الظواهر بانها خارجة عن منظومة الأخلاق  والمجتمع ونموذج الانسان الصالح  في مقاساتهم   المقدسة !!
أين أنت يا علي الوردي .. لكي ُتحلل هذه الظاهرة بكل حيادية وعلمية  كي نخرج بخلاصات إنسانية علمية عن  سبب وجود هذه الظاهرة ونتائجها ..لماذا ينوب رجل الدين عن رجال الاجتماع وعلم والنفس للتصدي لهذه الظواهر ؟؟.حتى أن بيانا للسيد مقتدى الصدر يطلب من القانون  أن يأخذ مداه في محاسبتهم !
 هكذا وصل السل الى العظم .. من أدخل  رجل الدين في شؤون القضاء .. وهل ثبت أن الشباب متهمون حقا لكي يحالوا الى القضاء ؟؟.
شباب بشعور طويلة وملابس ضيقة " بوري" ويستمعون الى موسيقى خاصة .. هل هذه الأركان التي تجتمع في الشخص تخلص الى وقع جرم  ما .. أم إنها في إطار الحريات الشخصية  تحديدا  والذي كفلها الدستور العراقي !!  تذكرني  طريقة قتل الشباب الشنيعة  بظاهرة أبو طبر في السبعينات ، وظاهرة جز رؤوس النساء  في آواخر التسعينات في بغداد  من قبل فدائيو صدام وقائدهم عدي  بسيوفهم الباشطة،  لنوايا  متعددة  .
لماذا يصاب العراق بظاهرة تكرار  الوقائع الكارثية،  والتلكؤ  في التطور الطبيعي في مسار الحياة ؟؟.
ومن أسخف  حكايات  الحكومة العراقية وتبريراتها  غير المقبولة  ، أنها ألقت المسؤولية  كاملة على تنظيم القاعدة  وحارث الضاري  لإفشال  عقد مؤتمر القمة العربي القادم في بغداد!!
إنها   الإسطوانة  المشروخة   دائما .
.........................
3
حان موعد الغداء  فذهبنا  الى كوخنا  وهو ضمن بنايات جميلة صغيرة على هيئة  أكواخ  أعدت لهذا الغرض  على الساحل ..  وبعد الغداء جلسنا نتمتع بمنظر  المراكب الشراعية  وهو تطفو كنوراس على سطع البحر بعد هدوء نسبي للامواج .. إنهم يستغلون كل لحظة للوصول بالمتعة الى أقصاها ..
نزلت مع صديقي  " فراس دبابنه " الى صخور الساحل ليُطلعني على حقيقة لم أعرفها اطلاقا .. بين الصخور هناك حشائش ونباتات لا توحي  بأي شيء سوى  انها نباتات .. ولكن الصديق  الصّياد شرح لي كيف أن الصيادين  يستثمرون  وجود الحيوانات الكامنة  في هذا النباتات  واخراجها من قمقمها  ليستعملها الصياد  طعما لاصطياد السمك .. إنهم يستخدمون كل شيء  من أجل الخروج بصيد وفير ..
..  صفنت طويلا ..  وتراءى  لي صياد العراق  حيث يكون  الإنسان طعما لاصطياد الناس والطبيعة والنظام .. هناك يفخخ الانسان نفسه  لاصطياد  الحياة ..
......................
4
في نهاية الرحلة مساءً  جاء شباب بعمر الورود  ليحتلوا كوحنا  بسلام ومحبة ، وهم سيصطادون السمك  ويحتفلوا بالصيد .. يجمعون  السمك  ويشتركون في مائدة شهية وطازجة . وعند تباشير الفجر يغادرون الساحل للإحتفاء بالحياة ثانية..
 ولكن بلاد  النهرين يهددها الجدب في مائها  الموتور في شفاه لا تعرف الوفرة .. إنهم مفخخون حد اللعنة  لا يطوون يومهم بلا دم ..
لماذا  تتّبعني لعنة العراق .. أهو وطن أم لعنة ؟؟
أنا مصاب بداء العراق  ... يا لفجيعتي ..
 البهجة ناقصة  دائما .
.........................


39
داء العراق  والبهجة الناقصة ...

وديع شامخ
1
طوال الأيام المنصرمة داهمت سماء سدني  غيوم ثقيلة سوداء  وأمطار شديدة وعواصف مزعجة حتى جاء    السبت زف بشرى الشمس الساطعة والطقس الدافىء.  .  السبت ليكون مناسبة لنا أن  نخرج لزيارة أحد السواحل  فذهبنا  الى ساحل "شيلي بيج" حيث   يمتاز هذا الساحل  بجمال الطبيعة وعمل الانسان المنظم به  كما هي حال سواحل سدني المطلة على المحيط الهادي.. ولعل أجمل ما لفت نظري ونحن  نتمتع  بخدمات هذا الساحل وهو وجود  بركة صخرية مخصصة  للسباحة  الآمنة" روك بول"  وهي عبارة عن مساحة حصرت بالصخر من ساحل المحيط لتكون منطقة آمنة للعوائل لغرض السباحة دون منغصات من  الأمواج الهادرة أو بعض السمك المضر " جلي فش". وانا أسبح  مع ولدي الصغير  وعوائل الأصدقاء  في هذا الرحم الآمن من الساحل رأيت الامواج المتدافعة  من المحيط الهادىء  كأنها ديناصورات متراكبة تسعى بشهوة نادرة لابتلاع كل ما يصادفها ، رأيتها تتكسر عند وصولها بركتنا الآمنة والاطفال والناس فرحون بوصول ذبالة تلك الأمواج  الهادرة المدمرة .. رأيت المجتمع حكومة وشعبا يتكاتفون  لإنشاء حضن دافىء ومحمي من الكوارث والمخاطر والمنغصات .. فراح بي الخيال الى " العراق " ياله  من داء غريب يداهمني كلما هممّت بالبهجة .. فتذكرت العراق وهو أمام السيل الهادر من الموجات السياسية والطائفية والدينية والمذهبية ، سيل جارف من  سموم دول الجوار ونفاثات المحيط الأقليمي ، والعراقي أعزل لا حول له ولا حاضنة .. يموت هناك الناس بالمجان . والناس هنا بوفرة نادرة من الأمن .. تطلعت الى السماء فوجدت طائرة تراقب الساحل  من خطر وجود أسماك القرش أو أي تهديد  ينغص العوائل  في محيط البركة أو خارجها  حيث  الشباب يرقصون على  الأمواج في زلاجاتهم .. انهم يتسلقون الموج بلاخوف  وبمتعة وتحدي .
وفي العراق السماء ملبدة بالدسائس والظنون .
........................
2
أين أنت  يا علي الوردي ؟؟؟
عندما خرجنا  من البركة ،ذهبت لممارسة  رياضة المشي  والتطلع على معالم الساحل..  رأيت الناس فرادى وزرافات في حركة دائبة للمشي والرياضة والمتعة ، الأسمر يحتض الشقراء، والسوداء تتأبط الأشقر.. الغني  في بيته المطل على الساحل  يتناغم مع  الفقير الراجل  في متعة الحياة  .. والطريق يتسع لكل المشاة ..وأجمل الفتيات  بزي البحر  يتقافزن نشوة وحبورا كفراشات  على صخور هذا الساحل  الفريدة في تشكّلها...   فوقفت لأجفّف  عرقي وأنا أسمع أخبار  بلاد ما بين النهرين وهي  تذبح شبابها   بتهمة  عبادة الشيطان   "الايمو"
منْ  َنصّبكم  خلفاءً لله في ارضنا .؟؟
المخيف في الأمر ان هؤلاء الفتية يقتلون بطريقة همجية جدا  بواسطة عصابات متعطشه للدماء  تسحق رؤوس الشباب" بالبلوك" وهو طابوق إسمنتي يستخدمه العراقيون في بناء البيوت .. ياالله أدوات البناء تستخدم للهدم والقتل .. والأغرب من هذا نجد رجال الدين  يمرون على هذه الظاهرة بداوعي الاستنكار والرفض والشجب لوجودها، مع إعلانهم  في  عدم التورط بالقتل ، ولكنهم من طرف خفي يشيعون ثقافة القصاص  بوصفهم لهذه الظواهر بانها خارجة عن منظومة الأخلاق  والمجتمع ونموذج الانسان الصالح  في مقاساتهم   المقدسة !!
أين أنت يا علي الوردي .. لكي ُتحلل هذه الظاهرة بكل حيادية وعلمية  كي نخرج بخلاصات إنسانية علمية عن  سبب وجود هذه الظاهرة ونتائجها ..لماذا ينوب رجل الدين عن رجال الاجتماع وعلم والنفس للتصدي لهذه الظواهر ؟؟.حتى أن بيانا للسيد مقتدى الصدر يطلب من القانون  أن يأخذ مداه في محاسبتهم !
 هكذا وصل السل الى العظم .. من أدخل  رجل الدين في شؤون القضاء .. وهل ثبت أن الشباب متهمون حقا لكي يحالوا الى القضاء ؟؟.
شباب بشعور طويلة وملابس ضيقة " بوري" ويستمعون الى موسيقى خاصة .. هل هذه الأركان التي تجتمع في الشخص تخلص الى وقع جرم  ما .. أم إنها في إطار الحريات الشخصية  تحديدا  والذي كفلها الدستور العراقي !!  تذكرني  طريقة قتل الشباب الشنيعة  بظاهرة أبو طبر في السبعينات ، وظاهرة جز رؤوس النساء  في آواخر التسعينات في بغداد  من قبل فدائيو صدام وقائدهم عدي  بسيوفهم الباشطة،  لنوايا  متعددة  .
لماذا يصاب العراق بظاهرة تكرار  الوقائع الكارثية،  والتلكؤ  في التطور الطبيعي في مسار الحياة ؟؟.
ومن أسخف  حكايات  الحكومة العراقية وتبريراتها  غير المقبولة  ، أنها ألقت المسؤولية  كاملة على تنظيم القاعدة  وحارث الضاري  لإفشال  عقد مؤتمر القمة العربي القادم في بغداد!!
إنها   الإسطوانة  المشروخة   دائما .
.........................
3
حان موعد الغداء  فذهبنا  الى كوخنا  وهو ضمن بنايات جميلة صغيرة على هيئة  أكواخ  أعدت لهذا الغرض  على الساحل ..  وبعد الغداء جلسنا نتمتع بمنظر  المراكب الشراعية  وهو تطفو كنوراس على سطع البحر بعد هدوء نسبي للامواج .. إنهم يستغلون كل لحظة للوصول بالمتعة الى أقصاها ..
نزلت مع صديقي  " فراس دبابنه " الى صخور الساحل ليُطلعني على حقيقة لم أعرفها اطلاقا .. بين الصخور هناك حشائش ونباتات لا توحي  بأي شيء سوى  انها نباتات .. ولكن الصديق  الصّياد شرح لي كيف أن الصيادين  يستثمرون  وجود الحيوانات الكامنة  في هذا النباتات  واخراجها من قمقمها  ليستعملها الصياد  طعما لاصطياد السمك .. إنهم يستخدمون كل شيء  من أجل الخروج بصيد وفير ..
..  صفنت طويلا ..  وتراءى  لي صياد العراق  حيث يكون  الإنسان طعما لاصطياد الناس والطبيعة والنظام .. هناك يفخخ الانسان نفسه  لاصطياد  الحياة ..
......................
4
في نهاية الرحلة مساءً  جاء شباب بعمر الورود  ليحتلوا كوحنا  بسلام ومحبة ، وهم سيصطادون السمك  ويحتفلوا بالصيد .. يجمعون  السمك  ويشتركون في مائدة شهية وطازجة . وعند تباشير الفجر يغادرون الساحل للإحتفاء بالحياة ثانية..
 ولكن بلاد  النهرين يهددها الجدب في مائها  الموتور في شفاه لا تعرف الوفرة .. إنهم مفخخون حد اللعنة  لا يطوون يومهم بلا دم ..
لماذا  تتّبعني لعنة العراق .. أهو وطن أم لعنة ؟؟
أنا مصاب بداء العراق  ... يا لفجيعتي ..
 البهجة ناقصة  دائما .
.........................


40
الفخّار  ُيعيد لي هدوئي

 
وديع شامخ



زمنٌ  يتجعدُ  في يدي

  ُيريد  أن يختصرني في كرمة .. فأحضرتُ له الدنان .. والكرّامين .. ،الحقل  والسكارى 
وفتحت له  تاريخ  ما تعتّق في العشق  ..
.....
 
زمن يتلوى في يدي
أمطرتُ  له ثعابين  بقامة الهلع
وأقمتُ  له كرنفالا  من الُنصب والتماثيل ورغوة الإلهة .
فأستجار بغيري ..
..........
 زمن يتلصص على شفتيّ
أتصلت بالبوليس  السري ،
هربَ  عاريا  من عطري  الى بريّة النزق.
.......
زمن يتوكأ  على عصا  فأقمتُ له مأتما من  حجارة  القبور
 فمضى يتعثر  بين الموت  والشاهدة.

..................

  أرقبُ   النهاية ...

نهاية الأشباح  وهي تتوهم حلمي
نهاية الصدى  الذي لا يخرج من فمي
نهاية الجدار  الذي يُسيّج  نزوتي

نهاية المرآة التي  تشير  لي وتؤطرني  ولا تمضي ..
........................
 زمن  من صدأ  الروح
وخواء ..
شحة القلوب  وبقايا  الألم
كيف أستبدل  إبتسامتي  بتكشيرة الذئب ؟؟
كيف .. تتحجر عيناي  في غابة السؤال ..!
زمن سائل   وأجساد رخوة 
..........

صاحبي  الماثل في  حضرة الدهشة  يناوبني على  قلقي
كيف نفرش للزمن  حصانا  وقيلولة معا ...؟؟
هو يغفو على الأسئلة
وهو يترنح  على أبوابنا
من قال للسؤال  أن يرتدي ذيل العقرب ؟؟
من قال  للمجسات أن تنحني  لمصائد السم ..
.....................
هكذا أبتسم .. أكشر،  أو أهذي
الزمن يلبط في الماء ويطير في اليابسة  ويتلوى على السرائر

كيف ننجو منك .. أيها  اللغز ..
الفخّار ُيعيدني خزفا  آخر؟
الفخّار  يعيد لي هدوئي ...
...........





41
براري  واسعة  لجموحي

وديع شامخ

 اليومُ هو الإثنين " عطلة الحلاقين "  وأفكاري تحتاج الى تشذيب ..
حلمتُ أني أطير  وتلك  بشارة  محزنة .
كيف أقودني الى مدينةٍ ....؟؟
الكاهن َيتلمّس لحيته ..
والملك تاجه ،والصوفي عَطالته  الدائمة.
وأنا نافر.. أريد أن أقصّ حكايتي  دون لحيةٍ  ولاصولجان .؟؟
................
اليوم  .. أقفُ على باب المدينةِ
أسأل النادل َ عن  خمرةٍ  معتّقة  بلا ظنون .:.
أسأل  المتسول   عن  آخرِ   الحاجة .
أركلُ الوقت ، أوقظهُ  من نومتهِ ..
......
اليومُ
أقفُ على ساعةِ  المدينة ..
مداعبا عجينَ الخبازين َقبلَ  قيامته ..
سارحا  في رغبتي  لزيارة متحف ..
...........
المدنُ متاحف،  والحاِلمُ   مُنقّبٌ  عظيم ..
أسري في  شوارع الشهود.. وأشقُ  صدورهم .
تلكَ هي مهنةُ الباحثِ عن الحلاق في " إثنين "  النواميس.
..............

أرغب  في زيارة المصاهر  لأن النحاسَ  صنوَ العجين ..
أصدقائي على بواباتِ المدينة ..
صاروا تماثيلَ  .
آه  كم  يعذبني حلمي .. أن أراهم  مطارقَ  للأبواب .
....................
اليوم هو  الإثنين ..
يبدأ  القصاب يومه  بالدم ،،
والحاكم   مَسلته   بقيامة الناس..
وأنا أريدُ لحلمي  أفقا ....
...... ُأريد  كاهناً بلا لحيةٍ  ولا سواد  ..
ُأنشد  عقلاً   بلا ماضٍ  َيخرجُ من توابيت العمائم والوصايا ..
 ... صديقا  لا يضع   ثعلباً  تحت  إبطه ،، عسلا على  آواخر الكلام .
..................
اليومُ   يومنا ...
المدينةُ زبدةٌ سائحةٌ على رغيفٍ ساخن
وأنا أتزحلقُ لأصلَ  اليّ......
َمنْ يدلّني  عليّ ؟؟؟؟؟
.................................................



42


أوجاعي عالية الهمة



وديع  شامخ


استراليا – سيدني

أُصبتُ  بداء  السكري
ربما ليذكرني  بالأيام الحلوة .
ينام في شراييني دسم جاثم
ليذكرني بسنواتي السمان !
وبعد أن بلغت ُسن الحكمة .. طرزت الحياة على  ظهري  ثلاثة " دسكات  "
لأن الحروب تَحسد بقائي منتصبا الى  هذه الساعة !
كلّ هذه الأوجاع  وأنا أسير فوق أرض الله بأثنين ولا أتوكأ .
.............................

لديّ  من الصبوات ما يعيدني الى صوابي ..
ومن الََسورات ما يخلط الماء بالزيت الطافي على ماء البئر..
هناك فقط  يعصر " النرجسيون "  وجوههم ويذهبون الى فراشهم  بآدمية ملساء
َمنْ يرى منْ ؟
.......................
أدمنت  أمراضي
  قال الحكيم :  إن تكن سعيدا فلا تبارح الألم ..
وأن  فاضت الأيام من يديكَ،  َفدع الحكمةُ  تسيرُ بك  
......................
لا أتوب كطفل مفطوم من الثدي
ولا أنحني للعصا  كي تلتهم قوامي
ويَعلم الزمن أيضا ، أنني لم أستبح  الأيام سبايا
أنا  أتفقد صرة دوائي ،  وأقيس ضغط  الدم لأتجنب المالح من القول
........................

أوجاعي تعرفني  
 وأنا أرسمها  طريقا
أعلُّم نفسي : الأوجاع مسرات..
 كي أدّخر للحكمة  كبريائها ..
وأعّلم  نفسي : أن السنوات البالغة البياض قد  أفسدها الملح
......................

ثلاجتي  يتقاسمها الغذاء والدواء
وأنا أكابر  لإبطال الاشاعة ..
لَديّ هناك  وشما على الروح  
وهنا يحط على كتفي كطير سعدي
َمنْ يحجب ُمنْ ؟؟
..................


 أتذكر عسل أيامي
وأضع  إبهامي في فمي ..
لا أعرف :
ندما أم عودة لطفولة كاملة الدسم
أضع يدي على ظهري
لأتفحّص تأريخي وأدللّ الصبوات الرائبة في قوامي
......
أيامي  واخزة والزمن نول
أريد أن أتحسّس التقويم
أضع شارة الدخول
من حلو الأيام الى زبدها الطافي
من عصا الزمن الى  قيافة اليوم
سأغزل سجادةً من العيون ، وعصا من المآرب ، وزمناً من الخطايا ..
سأفترش الأصدقاء والخبر ..
السكري والكوليسترول وضغط الدم
ثلاثية  إبتكرتها الحروب ... والقدور الفائرة  على ثلاث ..كي ُتطفيء حسدها أمام  عِلاتي .
  ثلاثية الحب، كي لا يطير الذي " الهناك" ...
أو َيدمن الآخر  النقر على شفتي هنا ..
ثلاثية ... كي أموت وأنا أفقأ دماملي ... وأهش أوجاعي
العالية الهمة ..
...





43
المالكي  يستغيث  ..

تعال  يا مام   .... ساسة العراق أيتام

وديع شامخ
 
لم تكن وفقا لدستور العراق الجديد  صلاحيات مهمة لرئيس الجمهورية  سوى كونه منصبا شرفيا..  َكبلوه وفقا للمحاصصة بنواب فاعلين  وفقا لولائم الطائفية  وشكلوا ما ُسمي بمجلس الرئاسة ..   لذا فان المام جلال قد علم حدوده الدستورية وقال يوما : نريد عقد الجنتلمان ..
اي أن تكون له سلطة غير مستمدة من الدستور بل من وجوده الشخصي في النضال من أجل سقوط الدكتاتورية في العراق ، كما أنه قائد حزب كردي له ثقل مهم  في التحالف الكردستاني والذي يشكل " بيضة القبان " في العملية السياسية في العراق دائما  .
إذن السيد الطالباني يعرف حجم تأثيره خارج منصبه الرسمي  ويعرف تماما ان وجوده في بغداد ربما كان  رغبة من غريمه البارازني  لإبعاده عن أقليم كردستان  وتحجيم دوره وبالتالي دور حزبه الوطني الكردستاني في قيادة  دفة  أقليم كردستان.
المام جلال  الذيَ صرح انه لم يترشح لولاية ثانية  ولم يفعلها  ليتفرغ لكتابة مذكراته  ، والتي ربما  ستكون أكثر أثرا من دوره السياسي .
الطالباني الذي عشق بغداد وعاش  فيها ريعان شبابه  طالبا في كليتها وعاشقا لآدابها وصحافتها  خلافا لحليفه  البارازاني الذي  صرح بانه لم يحب بغداد  ولم يعتذر عن  تصريحه ..
...................

بين حب بغداد أو بغضها كان للسياسة القول الفصل في وجود مام جلال في القصر الرئاسي الذي  لم يحلم به كما قال يوما " ان منصب عضو برلمان كان أقصى إمنياتي "
لذا فالرجل ومن خلال ممارسته لعمله لم يكن يوميا رئيسا شرفيا ، بل كان محورا مهما في الصراع السياسي الساخن  بين  غرماء العملية السياسية  وقد نجح بشكل كبير في الخروج من أزمات مهمة في التوسط والتأثير لتقريب وجهات النظر أو  الوصول الى خواتيم غير كارثية على الأقل بسبب  ثقله الحزبي!  .
................

العملية السياسية في العراق  مهمة وطنية  تحتاج الى عمق الرؤيا  وليس الى مزاج   الاطياف السياسية ..
لكن الطالباني الرئيس  قد إختار الإقامة في كردستان وتحديدا في السليمانية  ليكون موطن جذب  ربما  للخارجين عن القانون لزيادة رصيده في التأثير في العملية السياسية  العراقية   وفي أدق مراحلها  بعد خروج القوات الامريكية !.

ترك الرئيس بغداد لا  لعلّة صحية أو تهمة سياسية .. إرتضى أن يستوطن كردستان ربما ليرتب مستقبله ومستقبل حزبه في الخارطة السياسية  ما بعد تقاعده من مهنة الرئيس ..  ربما يريد التعاضد مع شريكه البارازني في التوحد لإيقاف صف المعارضة الكردية المتنامية للزحف على السلطة  القوية بيد الحزبين الديمقراطي و الوطني الكرديان  ..
............................

بغداد بلا  رئيس

في أغرب تصريح اسمعه،  إذ دعا  السيد المالكي  رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة  والأمين العام لحزب الدعوة  والمعروف بصلابته السياسية الواسعة ، الرئيس مام جلال للعودة الى  بغداد  لحلّ الأزمة السياسية القائمة الآن .. والتي فحواها وملخصلها هروب نائب الرئيس  طارق الهاشمي الى كردستان واعلان عصيانه على القانون العراقي  بمباركة  وبضيافة كريمة من الرئيس الطالباني، الذي يدعو الى ان تتخذ العدالة مجراها  في قضية نائبه الهاشمي جهرا  .. ولاندري ما هو مفهوم العدالة والقانون في رأي مام جلال ؟؟
سيما وأن الهاشمي قد نقل مقترحا لنقل محاكمته من اقليم كردستان الى كركوك  مشككا  بقانون بغداد  ؟؟
ماالذي يرمي اليه الهاشمي ؟؟
ولماذا يصمت البارزاني  من التعليق سوى "أن قضية الهاشمي لها بعد سياسي وآخر قانوني لا أستطيع التعليق في الوقت الحاضر"
...............

المالكي يدعو الطالباني للحضور الى بغداد .. اليس هذا طلبا غريبا ؟؟
لماذا يريد المالكي توريط المام جلال .. وهل عجز حقا عن معالجة الامر للوصول الى قبلة ساسة العراق الجديد  الى السليمانية  بعد النجف وحوزة السيستاني  ؟؟
المالكي يرمي الكرة الآن في حضن التحالف  الكردستاني  لدوره الجديد في إيواء الخارجين عن التوافق السياسي قبل القانون .
أهي لعبة جديدة لرمي الكرات بين المركز  والاقليم ؟؟
اليس دعوة المالكي للمام الطالباني  بالرجوع الى  بغداد هو التباس مفهومي  في  فهم  ممارسة السلطة  وفقا  لرؤية دستورية  واضحة
.............
.
  هل يحتاج العراق دائما الى رمز وسلطة   لحل  المشاكل ؟؟
هل نحن في مرحلة الرجوع  الى الرمز  والغاء الدستور ؟؟
أم  نحتاج الى  وقفة دستورية لتحصيح ما التبس في دستورنا الأول الدائم .
نحتاج الى إعادة صياغة  الحياة السياسية العراقية وفقا لمقتضيات دستور يواكب التطورات وليس نصا مقدسا يتذرع به الساسة وفقا لأهوائهم .
بهكذا فهم  دستوري سيكون الجميع ازاء واجباتهم ومسؤولياتهم معا .
 ولا حاجة لنا بصراخ  لاستغاثة  رئيس هنا أو سيد هناك ..
قطار العراق  الجديد يسير على سكة من حديد الإرادة العراقية  وصلب دستورها .
.........................................................






 



44
المالكي .. الهاشمي .. المطلك .. فساد الدهر وترقيع العطار


وديع شامخ

مهاد

لاشك أن خروج القوات الأمريكية  قبل آوان نفاذ الإتفاقية المبرمة بين حكومة المالكي والسيد أوباما  في نهاية العام الحالي 2011 أثار لغطا كبيرا .. فبين ِفرح ومهلل لعودة السيادة للعراق في  حلم  مفاده، رؤية عراق حر تعددي فيدرالي  ديمقراطي جديد ُيبنى  وفقا لمشروع  سياسي عراقي وطني يكون الدستور الدائم  فيه هو الفيصل والحكم ، وبين مشكّكين دائميين  تقودهم نظرية المؤامرة في النظر الى كل زوايا الحياة .. وهناك طرف ثالث  شكلّ  لديه الإنسحاب الأمريكي العسكري الفعلي صدمة مروعة لانه  قد بنى  إستراتيجيات مستقبله ورؤيته للعراق  وفق نظرية البقاء الأزلي الأمريكي وإتخاذ المقاومة المسلحة مهنة دائمة لتمرير مشروعات سياسية وعقد صفقات تجارية بأزهاق أرواح العراقيين حيثما توافرت لها القوة والفرصة .
طرف رابع كافح بضراوة سلمية لخروج الأمريكان وفقا للبديل السياسي الواقعي الأمثل للتعامل مع وجود القوات الأمريكية  وقد أنجز هذا الطرف سعيّه  السياسي  بإقناع الإدارة الإمريكية بالايفاء بوعودها بالانسحاب العسكري .
مثل هكذا محصلة لإطراف أربعة سوف تقودنا الى إشكالية واقعية سياسية  للنظر الى حاضر العراق بعد الخروج العسكري الإمريكي .
الحاضر العراقي الآن  بقيادة سياسة عراقية أشرفت وأدارت ملف التعامل مع القوات الإمريكية .
وهذه إلاشكالية أنتجت أنماطا مختلفة من ردود الفعل ، وكان الخطر الأكبر هو السعي  الى إختصار المشهد العراقي كاملا  ومصادرته من قبل  جهة سياسية مخصوصة .. هذا القلق قد بانت ملامحه من خلال الصراع الذي طغى على سطح الحكومة التنفيذية والمتمثلة في هيئة الرئاسة  ورئاسة الوزراء.
عضو هيئة الرئاسة السيد طارق الهاشمي  ونائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات صالح المطلك  والسيد المالكي رئيس الوزراء هم أطراف هذه المعادلة غير الموزونة  في حاضر ومستقبل العراق بعد انسحاب  القوات العسكرية الإمريكية . لماذا حدث هذا ولمصلحة من؟؟
...................

طارق الهاشمي  ومهنة الإرهاب 

إن دخول السلطة القضائية العراقية بقوة في حسم ملفات الإرهاب أو الفساد وغيرها  يمثل خطوة متقدمة تحسب لصالح السلطة القضائية في العراق  الجديد ، حيث يكون القضاء غير ُمجيّر  لأيّة  جهة أو طرف أو شخصية ، وماحصل مع السيد الهاشمي يمثل الخطوة الصحيحة لفضح أوراق الجميع مهما بلغ موقعهم الوظيفي أو السياسي .
لقد سبقت مذكرة التوقيف للهاشمي إعترافات لبعض أفراد حمايته تفيد بتورطه شخصيا وأعضاء مكتبه وخاصته في عمليات إرهابية .. سفك فيها الدم العراقي .. بلغت حدا أن صاحب حزب الأمة  العراقي  مثال الالوسي قد أتهم الهاشمي بتسهيل هروب أسعد الهاشمي  قاتل  أولاده .   وبغض النظر عن نوايا المالكي في تسقيط خصومه كما يدعي البعض  حقا أو باطلا ..
فأنني أرى ان السيد طارق  الهاشمي صار موضع شبهة  قضائية جنائية  يجب على السيد نائب رئيس الجمهورية أن يواجهها بمسُؤولية عالية  وُيثبت للقضاء انه بريء حسب ما جاء في إدعائه في المؤتمر الصحفي الذي عقدة في أقليم كردستان العراق !
الادهى والأمر أن الهاشمي المعروف برده القوي لكل إتهام يوجه لقائمته ولحزبه  سمح لنفسه أن يكون  طوع رجال أمن  ينزوله من الطائرة المتوجهة الى السليمانية بمعية النائب الثاني لرئيس الجمهورية  خضير الخزاعي ويعتقلون بعض من إفراد  حمايته ليسمحوا له بركوب الطائرة بعد ساعتين تقريبا ..!!
هل يصح أن يتعرض مسؤول كبير في الحكومة العراقية  ويبقى مستسلما لقدره دون ممارسة صلاحياته  ورفض مغادرة بغداد  والتوجه الى القضاء كما يفعل كل بريء لإثبات براءته ، سيما وأن الهاشمي يملك من الحصانة  الرسمية والقوة السياسية بما يكفي  للمواجهة، وإذا صح الخبر، عن وجود مقايضة سياسية  بين الهاشمي والأقاليم السنية  ، فعلى الهاشمي  أن يكون أكثر قوة  لوجود أوراق ووقائع ثبوتيه  لتورط المالكي والقضاء في   التورط  لإصدار مذكرة التوقيف القانونية ، لكن الهاشمي الذي طار من بغداد ربما في شعور غامض  وهو غير مصدق ، انه سيحط في كردستان ..بعد صدور  مذكرة توقيفه  من قبل  القضاء العراقي ..
ُترى  ماالذي حصل ؟؟
السيد الهاشمي يقسم بأغلظ الإيمان ببراءته من التهم المنسوبة اليه والتي أدلى بها  بعض رجال حمايته .. لم يستطيع أن يفند إلاتهامات  ويبعد نفسه عن الشبهات ، بل أوقع نفسه في خانق  جديد وهو نقل ملف التحقيقات الى كردستان .
الهاشمي العربي الإسلامي  والذي لم يؤمن بسلطة الأقاليم وينتصر لسيادة المركز ونزاهة القضاء العراقي قبل أيام .. يعود لينسف ما بناه العراقيون من جهود لبناء دولة القانون والدستور .. الهاشمي يشرخ الدستور ويشكك بالقضاء وهذا من حقه تماما لو َمثل أمام القضاء بما أوتي من قوة وسلطة لتبديد الصورة التي رسمها له القضاء العراقي أو غريمه المالكي مثلا ..
لا نريد  نهاية للسيد الهاشمي مثل الذي حصل مع "  حارث الضاري ، عدنان الدليمي ، مشعان الجبوري ، ومحمد الدايني  وغيرهم ".. على العراقيين ساسة وجمهور ان يتجهوا الى أعلاء صوت القانون .. ولا أحد فوق القانون . وعلى الغرماء السياسيين أن يقدموا للقضاء ما بأيدهم من وثاثق تدين كلّ مسؤول من هرم السلطة كالمالكي الى رئيس الجمهورية ..
علينا تفعيل دور القضاء وكما نرى من فعالية لدور مجلس النواب الرقابي والتشريعي ..
أنشروا غسيلكم يا ساسة  العراق .. فالعراق الجديد لا يستقيم بالدسائس والخديعة والمؤمرات .
كما أن على  حكومة الاقليم أن  لا  تكون حاضنة وورقة للضغط على الحكومة المركزية .
على حكومة أقليم  كردستان  أن تمتثل دستوريا لتسليم المتهم طارق الهاشمي  للحكومة المركزية .. ولا تتورط في  إشعال الازمات ..
………………………………………….



صالح المطلك
 ….. في الحفرة


لقد كان وجود السيد صالح المطلك في موقع المسؤولية  مبعث قلق وشك وريبة  لما يحمله هذا الرجل من تاريخ غير بريء بالانتماء الى الماضي العراقي  البعثي .. ولكن صوت المحاصصة كان أقوى فحصل المطلك  على منصب رفيع في الحكومة العراقية  وهو نائب  المالكي  لشؤون الخدمات ..
هذا موقع يتيح  للمطلك ان يكون فاعلا في تنفيذ السياسة الخدمية  الحكومية للعراقيين .. ولكن الرجل الذي بدا اكثر ليونة وشفافية في أول أيام خدمته  ووصف الحكومة  مرارا بالمتناغمه وأثنى على جهود رئيسه المالكي وطاقم العمل الوزراي.. وهو بهذا شريك سياسي  ومسؤول عن الحكومة ايضا . نراه ينقلب وبشكل غير  مهني ويصرح  للأعلام بأن رئيسه المالكي "دكتاتور لا يبني، بينما كان صدام حسين دكتاتورا يبني وعمر العراق"!!
كان بإمكان المطلك أن يوجه نقده لرئيسه ضمن سياقات  العمل في الحكومة العراقية ، ويسجل كلّ ملاحظاته  على إدارة المالكي  ونقلها الى البرلمان أن  حصل شيء غير قانوني عبر قائمته العراقية ،
 هل يعقل أن يكون استخدام الديمقراطية بهذا الشكل الساذج والمستفز؟؟
صالح المطلك  القيادي في القائمة العراقية وّقع على إستقالته من منصبه قبل أن يقيله المالكي  رسميا وفقا  لنص المادة 78 من الدستور العراقي التي  تمنح الحق لرئيس الوزراء إقالة نوابه والوزراء ويرسل الإقالة إلى مجلس النواب لغرض المصادقة عليها".
وتنص المادة 78 من الدستور العراقي على أن "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب"
..............

خاتمة

 لسنا مع المالكي أو سواه ، ولامع  الذين يبحثون عن حلول توافقية " طمطمه القضايا" وحلحلة  الأمور طائفيا " 
.. أنا مع إنتصاب بناء الدولة العراقية الدستورية الحديثة .. الدولة ذات التقاليد الراسخة  في توزيع السلطات الثلاث بعدالة وفصل تامين .  فإذا كان  " مونتيسكو" يقرّ أن العدالة هي فصل السلطات ، فنرى ان اللعب  بنار المحاصصة والطائفية في مستقبل الدولة العراقية حدّ أحمر لا يجوز  تجاوزه .. فإذا  كان بين المطلك والهاشمي  والمالكي  خيوط سرية  وثارات وعداوات  .. لا نريد أن تطفو على سطح العراق الجديد .
نريد دستورا مع قوة تنفيذية لحمايته  .. نريد ثقافة الإمتثال الى القضاء ليس بالضرورة أن يكون الماثل  مجرما  .. علينا أن نتحلى بثقافة المتهم  بريء حتى تثبت إدانته ,   قبل  المثول  الى قوة العشيرة والحزب والطائفة  .
 إننا شهود لمرحلة جديدة تحتاج الى الانتماء الى مفهوم الدولة والحكومة
   
...................................................
   
 




45



الى محمود عبد الوهاب  في  القبر..

"شعرية العمر الذي إنتهى"


وديع شامخ



 حين لفظت َأنفاسكَ  وودعت الحياة التي تحب وتشتهي،  َحملكَ  مُحبوك  وطلابك ورفاق دربك الطويل  في ضمائرهم  وقلوبهم  قبل  أكتافهم  في موكب تشييع يليق بك ايها الكبير ..

وانتَ تنهي إطلالتكَ على الحياة التي  وطأت غمارها قبل أثنين وثمانين عاما .. نكون قد  فُجعنا  بتوديع علم من أعلام الحياة الإنسانية والإبداعية والإخلاقية  العراقية والعربية  ..
هل سترقد  محشورا في قبر يضيق بقامتك  يا عاشق الحياة الأول !!؟

سوف تكون أمسيتك  الأولى قي "مقبرة الحسن البصري" حافلة بالشعر وأسئلة الوجود  وقلقها ، حيث سيُحييّ لكَ  بدر بن السياب ومحمود البريكان  صديقا عمرك ، اللذان سبقاك   لكأس المنية، .. أمسية لتبديد وحشة الليلة الاولى .. وسنرفع نحن تلاميذك  أنخابا من خمرة العيون و نبيذ القلب  بصحتكم  ..
هنيئا  لك شيخنا الحسن البصري  بمريدٍ عاشق كمحمود بن عبد الوهاب .

اليوم إنتهت قصة الحياة التي كافحتَ لتلسقها  بكلّ  مجدها  وشقائها  ، بخيرها وبقحطها ، بجمالها وتكشيرة أنيابها .. مضيت الى الضفة الاخرى من الزمن .. لكنك ستخلد هنا أبدا ....

خمسون عاما  أنتظرتَ وأنتظرنا لنرى مجدك في " رائحة الشتاء" .. كم كنت وفيا وأمنيا  وقلقا  على الأدب والقصة تحديدا لتصبر كلّ هذه السنين  لولادة أبنك  السردي البكر ..
أيها الفتى الذي أغتسل بماء الجمال  سحرا  وتمرأى بطين الجنوب قامة .. كنت حالما كبيرا وحكيما عتّقتَ الزمان في  روحك َ  لينضح  قلمك  " رغوة السحاب"  رواية ...
أشمّكَ اليوم رائد حكواتيا متفردا  تنحت  القصة بأزميل روحك وطراوة موهبتك  بدقة متناهية ..
سانتظر " شعرية العمر" كتابك َ الذي سيصدر بعد أيام .. أنتظرك في رواية " سيرة بحجم الكف"  لارى كيف أختصرت قبل الموت ،سيرةً  طويلة لحجم كف  .. ربما ستكون نبؤة  لحجم  قبرك الآن  ..
ها أنت تضع رأسكَ الجليل  المتوقد جمالا وخيرا وأدبا  داعيا  دود الأرض لطبق شهي .. بعد أن كنت فاكهة الجلسات ونور القلوب ورائد الدرس  وفارس  القص!!!
أيّ شعورٍ  يخالجني وأنا  أرقب من بعيد بعيد نعشك المهيب وصورتك الكبيرة  وحناجر الأصدقاء المتيبسة وعيونهم الدامية وهم يذهبون بك الى حيث تعلم ونعلم ..
أأتذكر نوادرك في  مواقف مماثلة كنت فيها مشيعاً لاحبائك ؟؟ أأتذكر طاقتك  الخلاقة لتحويل الحزن الى أسئلة مرحة  ودعابات مرّة؟؟
لم يخبرني الأصدقاء عن أخر الكلمات التي نطقت بها  قبل رحيلك  ولكن الأكيد انك كنت ساخرا من هجوم  الكبد والكلى على صفاء حياتك..
أعتقد أنك كنت تسخر من تجاعيد  وجهكَ  كما كان الشاعر الحطيئة يهجو وجهه .. وتقول في سرك :
أرى اليوم لي وجهاً فلله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله !!
 حاشاك قبحا ولكنك ساخرا من كلّ شيء ولكن بمحبة عالية ..
، كما كنت ساخر يوم أُصيبت أختك  الحبيبة ب" جلطة الدماغ" !!!
حزنيّ عليك أعمق من خيوط الشمس لأنك  شعلة من حب ..
حزني عليك اليوم يتخطى مصيرك الوجودي الحتمي  ..  لأستشرف صومك عن الزواج  وإنجاب ذرية بايولوجية فتزوجت الحياة وأخلصت لها أيما أخلاص وجنون  معا .
لم تنقطع يا أبن عبد الوهاب عند ربك َ كما يقولون  ، لستَ أبترا  ولا أقطعا  أبدا .. أنت الولود الولود حتى في موتكَ. .
كنت تلد كلّ يوم معنى  وتزرع في كلّ  قلب  شهقة  وفرحة . كانت سبورتكَ مديدة لولادة الأجيال  .. يا أدم "البصرة "  ونوح" العشار".
لا أرثيك أبدا لإنك َ حيّ  في عمق شعورنا  ..
لأ ابكيك لأن بحر دموع لا يوازي غيابك
سأدعو  ظرفاء البصرة  وكبيرهم كاظم الحجاج  أن يحفظوا العهد ويصدروا كتابا عن نوادر محمود بن عبد الوهاب  لانها شاهدة على  تاريخ وأحداث وهي وثيقة  لها وزنها  التاريخي والإجتماعي والجمالي .
أطلب من صنوك وتوأم روحكَ   الكبير محمد خضير  أن يشرف على" تراث محمود ومقتنياته وملابسه ومكتبته  واقلامه  وارشيفه  وكل شوارده  .. لتكون مادة اساسية عندما يتحول  بيته الى متحف  لاحقا .. "
محمود كنت كائنا استثنائيا بمرورك في هذه الحياة .. لنجعل من غيابكَ  الطارىء  وجودا  يليق بكَ .
أيها المعلم .. الصديق .. المربي .. الحكواتي .. الظريف .. المشاكس .. البطل .. الضحية .. الجثمان  المسجى  للصلاة  المعقوفة  لمآربها ...
يا محمود  بن عبد الوهاب .. أنت أمام صاحب الموت  فلا تكتم ُظرفكَ .. ولا تضع روحك في برزخ ..    
هكذا  سأتذكرك لا أُرثيك  :
 " في عام 2001 ،يوم السبت من شهر آب .. نشرت ُفي جريدة الزمان نصا عنوانه " حديقة الأصدقاء"  وكنت أنتَ مع مجموعة من الاصدقاء . بدر السياب .. محمد خضير .. محمود عبد الوهاب ، خالد عبد الزهرة ، قصي الخفاجي ،  فايق حنون ، وهو جزء من مشروع شعري طويل انتظر انجازه ..
قلت فيك " محمود عبد الوهاب :
من صحنك أكلّ تلاميذ البصرة " لسان اللغة"
كنت فينا  القطار الصاعد .. نفتح الشبابيك لنشمّ "رائحة الشتاء".
سبورة بخمسين جناح .. ايها العابر الاستثنائي .. تركتنا  وحّّلقت – يا سندباد البصرة  الطائر- بعيدا  عن الحياة التي تبغي
ما علّمتكَ المدن أن تكون أنت  وما خدعتك الحكمة بثمارها ..
أنت حلو ومرٌّ
يعبرون كلهم .. وتبقى " العابر الإستثنائي"
لم يتعشى  العشاء الأخير ..
لن يشي به أحد .. لأنه سارق  أخر ورقة  من الحياة .."

في عام 2000 بدأت بكتابة روايتي " العودة الى البيت" وانهيتها عام 2004 وكان " لمحمود عبد الوهاب حصة الاسد فيها " والرواية  ستصدر قريبا .
هل أبكيك .. نعم ..  
هل أوفيت َ حقك َ....
لا  
أنت خسارتنا الجمعية ..  
كيف ُنرمّم  الخلود ؟؟

.......................................................................................




  


 

46

محمود عبد الوهاب فتي البصرة الذهبي

لا يليق بكَ السرير.. ليس رثاءً

وديع شامخ

 أنتَ عابر إستثنائي  في الحياة النصية والواقعية معا ، إستطعت َ بقوة  إنسانيتكَ العالية  ورؤيتك  الجمالية  أن تحتل حيزا مؤثرا في الحياة البْصرية  والمشهد الإبداعي العراقي والإنساني عموما ..
محمود بن عبد الوهاب الفتى الذهبي  أبن البصرة البار،  ومن أهم الشهود والفاعلين في ولادة الحركة  الإبداعية  العراقية  والعربية  الحديثة  شعرا ونثرا ..
زاملت السياب والبريكان وكل رواد الشعر العربي الحديث ، وشاركتَ  أساطين النثر العراقي  منذ فترة الخمسينات في  إنتاج ابداع متميز .. أنت  الفتى  المتمرد والطوح معا .
 ذهبت  للحصول على الدكتوراه  من جامعة كامبريدج في بريطانيا، لكنك عدّت بسبب  وفاة أمك . ثم كررت  المحاولة و سافرت إلي مصر لتلتحق بجامعة عين شمس والحصول علي الدكتوراه منها . لكنك  قطعت الدراسه وعدّت  إلي البصرة، وقد كان  محمود  يقول  لنا عن سبب  عدم جديته في الحصول على اللقب العلمي " الدكتور" إذ  انه لا يستطيع أن يحتمل اسمه  كمبدع مسبوقا بقفص  كعبارة  " القاص الدكتور محمود عبد الوهاب ".  وهو ما قاله لنا عند حضورنا  مناقشة رسالة الماجستير  للقاص  لؤي حمزة عباس في أحد قاعات كلية الاداب – جامعة البصرة .. في  أواسط تسعينيات القرن المنصرم.
وعلى الرغم من أن محمود عبد الوهاب كان قاصا  لكنه عمل في المسرح  وأخرج مسرحية " أهل الكهف " لتوفيق الحكيم عام 1957ومسرحية "عرس الدم " للوركا ومسرحية " سوء تفاهم " لكامو عام 1958. واشترك مع الشاعر كاظم نعمة التميمي عام 1973 في تقديم برنامج " مسائل ثقافية " لتلفزيون البصرة. كما مارس ترجمة القصة والرواية عن الانكليزية في الخمسينات فترجم " قطة في المطر " و " المخيم الهندي " و" العجوز على الجسر " لهمنغواي، و"" هروب " و " سارق الحصان " لكادويل، و" سارق عربة الشحن " لمورافيا .
لم يتورط محمود  في لعبة الإنتفاخ في الشهادات العليا والنوم فيها  ..  فرجع الى البصرة  أبنا للنص والحياة .
في عدستي الذهنية  وذاكرتي  صورا وملامحَ  لهذا الرجل  المبدع  الشفاف حد اللعنة والأنيق تماما والمتحضر بجدارة  والمديني بأمتياز..

صورة أولى

في مطلع سبعينيات القرن العشرين ، كنت أحد طلاب الصف الأول المتوسط  ، وكان محمود  مفتشا تربويا إختصاصيا.. زارنا يومذاك  في درس  اللغة العربية ، وبدّد  خوف  مدرسنا  في تقييم مستواه   ..
أسكته بأدب ومضى يتكلم عن المكتبة المدرسية وضرورة تواجدها في المدارس .. مدرسنا كائن نائم  في النحو .. واللفيف المفروق واللفيق المقرون  والمنصوبات والممنوعات من الصرف.. الخ..
ومحمود عبد الوهاب أبن الحياة   والمنقّب الحساس عن المواهب  إختار  موضوع الإنشاء  ليناقشنا  عن دور القراءة في تشكيل الموهبة لكتابة أثر ما ، في  يوما ما.
رجل مستقبلي بأمتياز  وها نحن خرجنا من معطف درسه .

 
..................

صورة ثانية

 محمود عبد الوهاب  يتحرر من وظيفة المفتش  ليتقاعد برتبة " مبدع عظيم" .
 إنها الحقيقة المعجونة بالفنطازيا ، محمود عبد الوهاب يحرقه الوقوف في  حضرة  الصمت ، وحياة الهامش .. لذا صار  فاعلا في رصد المدينة والناس.. انه حكواتي بأمتياز ، وظريف  لا يعمل بشروط التقيّة . هو من ظرفاء البصرة الكبار الذي لا ُيشبه الصعاليك في تشردهم ولا الشطارين في  مكائدهم .. انه الظريف الذي يعمل على كوميديا الموقف في الحياة .. لانه يحب الحياة ويريدها أجمل لذا فهو يسخر من الأموات في الحياة  ويقول لبعض الذين اعتزلوا الحياة : لو وضعت شهادة وفاة بجوارهم سيصبحون أمواتا رسميا ..  وعندما سألته : لماذا تعيش معهم  قال:  (أنا المشترك وضعا  والمختلف صقعا)
طرائفة واقعية بأمتياز  تخترق العقل والمنطق  بقدرتها على الضحك من أحرج المواقف ..وأهل الادب   في البصرة يحفظون نوادره العذبة المليئة بالحياة ..


......................



مشهد ثالث

محمود عبد الوهاب يركب القطار الصاعد الى بغداد .. يرقب  المدينة ويعاين الناس عبر مجسات الكائن الاستثنائي ،  يرش  " رائحة الشتاء" على قامة  الصاعدين والنازلين ..إنه  خازن الحكمة ، كان يحدثنا نحن تلاميذه  عن المستقبل أكثر من أيّ شيء ،وعندما كبرنا صار صديقنا يستأنس بأرائنا وينصت كتلميذ نجيب الى تعليقاتنا على ما يَكتب .. عندما نشر قصة "عابر إستثنائي" رأيته في العشار وأبديت وجهة نظري المتواضعة عن زمان ومكان القصة  فكان فرحا جدا في مستوى التلقي  ومنفعلا تماما مع قراءتي ، كما كان  حيويّا يجوس كل جديد في النقد ونظريات النقد الحديثة والمعرفة الشاملة  واصدر كتابا  بعنوان " ثريا النص" وعشرات المقالات في الشأن الابداعي عموما .


........

لقطة  رابعة


محمود  المعلم الفاضل ، المبدع .. طلّق السياسة وأحزابها  بعد خيبة عمله  مع اليسار العراقي  والذي أودى به  للعمل كقاطع تذاكر في أحد سينمات البصرة  في الستينيات.  هكذا هجر محمود باب السياسة مفضلا شباك الحلم ..  إنتصر الرجل للانسان وهمومه وجماله معا .. لم  يساكن الحكام ولم يسعى الى مجالستهم  فحقق  الشرط الإبداعي الجمالي  لنصوصة وجنّب قامته الإنحناء الذليل .. لقد راهن على ما يتبقى فكان له ما أراد.

.....


الواقعة  الخامسة

  حين بلغت سن الرشد ، الحروب أكلت جسدي ،  وأورثتني  قلة الأدب ، وفائض الحلم معا .
 رأيته في شارع الوطن  قامة  مهيبة ... فشاركته كأس الخمرة  في نادي إتحاد البصرة وبعدها بسنين في نادي إتحاد بغداد.. ..

كسرت الخمرة خجلي  فبدأ موسوم البوح .
صار محمود صديقي :

أتلو عليه  الرأي في  قصته .. فيستقيم منصتا ..  وأقرأ  له الشعر وأهديه  شيئا .. فيقرأ  بحب  ويعُلق بدراية  الحكيم الخبير .
أصبحنا أصدقاء  ..  ليس لفضيلة بيّ  /  لكنه كبير جدا  ويمتص الهذيان .

وحين غادرت البصرة  واستوطنت بغداد ، كنت أراه  أبن الحياة  البار نصيا وواقعيا  ..
من مقهى حسن عجمي الى نادي إتحاد الأدباء  هو درس متصل  للأنسان   الذي  يقطف من يد الله أخر ورقة  للنشور.
كنا نستقبل محمود في بغداد  وهو يسخر من  بعض جلاس  مقهى حسن عجمي ،أدباء التزلف والمجاملات  قال لي ضاحكا: عجيب  أمرهم في الصباح يمرون متجهمين ويؤدون التحية برسمية عالية ، وحين أراهم في  نادي الاتحاد  ليلا يتحولون الى كائنات ودودة حد القرف!!

نعم يا محمود هذا دورهم النهاري الرسمي ، وأما الليل والخمرة فهما كفيلان بكشف الازدواج ..



 اليوم السادس..

عندما  فاضت روحي  في العراق ونضجت بداخلي فكرة الخروج  ، رجعت الى البصرة لأكمل إجراءات  إستحصال الجواز كوني من أهل البصرة .. واثناء وجودي هناك التقيت  الصديق المعلم محمود عبد الوهاب أكثر من مرّة  كانت آخرها برفقة المبدع الكبير محمد خضير صديق محمود وتوأم روحه  وكان الصديق القاص كريم عباس زامل  معنا ونحن نتمشى  في شارع كورنيش العشار ، ومحمود يعلّق بذات الروح المرحة  عن أعقد الأشياء  وأكثرها  سوداديه  في ذلك الزمن العراقي  ..
 وعند وصولنا الى تمثال الشاعر بدر شاكر السياب ، ألحت عليّ رغبة  في أخذ صورة لنا مع السياب  ، إستأذنت الاصدقاء" محمود ومحمد وكريم " في  الوقوف لإلتقاط صورة ... نظر محمود خلفه ورأى السياب . فسحبني من يدي بود وقال لي : وديع لنصور هناك ،واشار الى اشجار صغيرة وورود في الجانب الآخر من شارع الكورنيش . عرفت بحدسي  ما يريد ..وأنسقنا جميعا الى رغبته .. عرفت أنه لا يريد  الأنعتاق الى الماضي .. الى الموتى .. الى الذكرى حتى ولو كان  السياب 
أنه أبن  الحياة المتدفقة ، الماضية الى مستقبلها ..
 قبل أن أغادر البصرة للسفر الى عمان ألتقيته  لأعطيه نسخته من الصورة الورقية  :أخرج قلمه الحبر الأسود الأنيق  وكتب على ظهر الصورة  أسماءنا .. من اليمين .. محمود عبد الوهاب ، محمد خضير .. وتوقف قائلا :  وديع شامخ أم لديك اسما ثلاثيا ، قلت وديع شامخ فقط
قال : هذا يكفي وضحك .. وكتب ..
لينتهي بكتابة أسم " كريم عباس زامل .
خط أنيق جدا .. لرجل أنيق الروح والمعرفة والابداع .
.......

اليوم السابع

غادرت البصرة والعراق حيث كانت " عمان "  الملاذ  الوحيد أمام العراقي الخارج من ظلمة الحياة هناك ..
بقيت على أتصال بأخبار الكبير محمود ، وحين سافرت الى إستراليا لم تنقطع علاقتي به روحيا أو نصيا .. فقد أصدرت كتابين شعريين ، وصلت  له عن طريق الصديق  المبدع خالد خضير الصالحي .
حتى جاء  في الخبر  أن محمودا  ارتقى السرير .. ورأيت صورته وهو مسجى ..  على صفحة  الفيسبوك لصديقنا  البصري الكاتب محمد عطوان .
لا يمكن أن ارى محمود  بهذه الهيئة ، رغم إيماني بالموت وصاحبه ..
 هل أكمل الله عمله يا محمود  في اليوم السادس ليستريح بك
ينقلك اليه .. ليستمع الى  نوادرك ..؟؟
 ربما هي  روعة الخالق في  مجالسة المبدعين  العاقين من أبنائه ..
ُقبلة أطبعها على يديك الرشيقتين،  على سبورة الصف زمانا وسبورة الروح الآن ..
قبلة أطبعها على خديك الورديين
على شعرك الثلجي كهامة جبل
  الآن يا محمود هو درس أنكيدو من جديد
وخيبة جلجامش..
أيها العراقي  حدّ اللعنة والانسان حدّ اللامعقول ..
أخذت زمنك بعافية  وأناقة .
كنت معطفا  بلا قيود لتلاميذك ، وقلبا بلا أسوار للإصدقاء .
نمّ هنيئا وتمتع بقيلولتك البصرية..
فالشمس  هناك أحلى .. حيث سألتقيك  على الكورنيش بلا أصنام .
سأجيئك لا تتأخر في قيلولتك
السرير لا يليق بك .
 وآخر يوم في  شجرتكَ  ستقطفه من يد الله..


.....................................................................



 

47
القذافي .... مَن هو الجرذ حقا؟؟

طغاة  العرب  بين الحُفر ومجاري الصرف الصحي..



وديع شامخ

 
في متابعات مصورة نَقلت إلينا القنوات الإخبارية مقتل الطاغية المجنون معمر القذافي، وهذا  أمر مفرح تماما ، لا بمعنى الفرح  بموت إنسان له الحق في الحياة، ولا تشفيا .
لكن القذافي كما غيره من الطغاة ذَهب الى موته بيده ، فأصبح الموت خير هدية للشعب الليبي الذي سوف يظل قلقا لوجود القذافي حيّا  لما يمتلكه هذا المجنون من أموال ومرتزقة وعشيرة  سوف تسبب  بلا أدني شك مشاكل محتملة أمام قيام دولة ليبيا الحرة والديمقراطية .
مات القذافي وكان يحلم بالبقاء في السلطة الى آخر العمر،  حيث خرج يصف شعبه بالجرذان ويطاردهم  : " زنكه ..زنكة.. دار دار"..  متوعدا  بحرقهم !
لكنه صار يفقد نفوذه كلّ يوم ويكتشف الشعب الليبي والعالم كلّه كم كان هذا الإمبراطورعاريا جدا من كل غطاء .. العقيد  " قائد ثورة الفاتح ، ملك ملوك افريقيا ، وقائد الجماهيرية الليبية الديمقراطية الاشتراكية العظمى"  ..يظهر مذهولا والدماء تغطي وجهه وهو أسير بيد شباب الثورة الليبية،  ذليلا غير مصدق ما يحدث ويردد بيأس  " خيركم .. خيركم .. شو في "!!
بدأ العد التنازلي  لإفول مملكة القذافي بعد أن تمّ تقليم أجنحة قوته العسكرية من قبل قوات حلف الناتو .. وكانت الأيام تمر والطاغية المجنون ُيضيّع كلّ فرصة للخروج مع أسرته بأقل الخسائر لشعبة وله شخصيا .. وظل يرفض ويتوعد ويعربد ويزبد كما كان  صدام حسين حيث كان مصيره الموت شنقا بعد أن ألقي القبض عليه  في حفرة  مهينة  .. يا لها من نهاية بشعة ومستحقة لطاغية بغداد والعصر الحديث حينما هرب من المواجهة العسكرية  واختبأ كالجرذي بحفرة بعد أن كان العراق ُملكا عضوضا له ولابنائه ولمن والاه..
لم يعيّ الحكام العرب الدرس جيدا ، وأولهم القذافي  الذي صرح في مؤتمر القمة الذي عقد في دمشق 2008 وهو يتحدث عن ضرورة الكشف عن ملابسات إعدام صدام حسين ، ووجه كلامه للقادة العرب يومذاك  بعبارته الشهيرة " الدور جاي عليكم".
القذافي الذي عملّ جاهدا على إرضاء الغرب وخصوصا بعد حادثة " لوكربي"  فقدم كل ملفات برنامجه النووي ومدافعه العملاقة للأمريكان ، وكذلك عوض بسخاء ضحايا حادث لوكربي، لكنه  لم يستطيع  الخلاص من القصاص ، لان عصر الطغاة العرب  أفل ولا رجعة له ...
 لقد جاء الدور سريعا على زين العابدين بن علي ، الذي حسم أمر رحيله مبكرا لما يملكه من حساسية بوليسية، ففر الى السعودية وجنب تونس شر القتال . ثم جاء الدور الى الاخ الأكبر  حسني مبارك  والي مصر ، الذي لم تسعفه الحيلة للهروب بجلده رغم تخّليه عن السلطة متأخرا ، وهو الآن بين يدي القضاء المصري ممددا على سرير  لم يتفوه بكلام غير جملتين ،واحدة تؤكد حضوره للمحكمة " موجود يا فندم "  وغيرها " انا انفي كل التهم الموجهة اليّ" بعد أن كان مبارك " ربان مصر" أم الدنيا ورجل التوازن السياسي في منطقة الشرق العربي

.................


الطغاة وخرافة الشجاعة

يجب أن نعرف أولا ان طغاة العرب هم صنيعة غربية وتحديدا أمريكية ، وهذا ماجاء في قول  علي صالح السعدي القيادي البعثي الكبير بقولته " جئنا بقطار أمريكي"، ثم نتذكر ما قاله  ولي العهد السعودي عبدالله  آنذاك في مؤتمر قمه عربي للقذافي " وانت منو جابك غير الامريكان؟"
فالسر في قوة الطغاة ليس عبقريتهم  ولا حضورهم الشخصي أو الحزبي ،والعشائري .. الخ.
إنما السر في قوة  الغطاء الذي يقف خلفهم .
 القذافي الذي مات عمليا كطاغية منذ أن ارتفع الصوت الليبي بلا خوف من السلطان  نتيجة لبداية "عصر ما بعد الخوف العربي"،  واليوم يموت  جسديا  وكما جاء في الخبر " ان الرجل وجود في سرداب وهو مصاب اصابة بليغة حيث فارق الحياة وهو في الطريق الى مصراته، وكما هو متوقع من جبن الطغاة  أن الرجل وبشهادة الثوار الذين اعتقلوه لم يبدّ اية مقاومة وسار الى موته مستسلما لقدره.. ومهما أختلفت الروايات في مقتله .. يبقى السؤال المهم : هل يمتلك الطغاة كلّ هذه الشجاعة لتقبل الموت وترك كلّ الخيارات الباذخة والمتاحة  لهم  والتي تجنبهم هذا المصير ؟؟
سنذهب الى صدام حسين وهو تلميذ الطغاة العاق وإستاذهم لاحقا،سنجد أن الرجل لا يثق بالإمريكان ويؤكد مطاردتهم له قانونيا حتى عند خروجه من العراق ، وهذا ما جاء في تصريحه لمحاميه خليل الدليمي !  كما أن صداما ترك مسدسه بلا طلقات وسلّم نفسه للقوات الامريكية بجبن فاضح  ، وأكد  صدام قوة الامريكان للقاضي العراقي بقوله " لولا الامريكان لا تستطيع انت وابوك جلبي الى هنا"! .. يعني أن صداما كان مهرجا أمام العراقيين  وهو يعرف قوة أسياده!!
 ولنا في درس الأمريكان مع شاه إيران محمد رضا بهلوي خير دليل على إرتباط قوة الحاكم  بالدعم الخارجي – الامريكي تحديدا- .
عندما تجرد صدام من قوته على يد أسياده،  ذهب الى حفرته كالجرذ  وتم إصطياده  بشبكة من دولارات خضراء ، يعرف الأمريكان  حياكة خيوطها .
وهكذا سقط القذافي في أنابيب الصرف الصحي في سرت  وبلع الطعم  وهو يشهد أن مملكته أفلت وطالع النحس  سيرافقه اينما حلّ ..
لاشك انه كان يريد الحياة التي يراها في نظاراته ولكن  شمس الحرية كانت وستظل أقوى من  الطغاة ، لقد راهن القذافي على إحتمالات ذهنية  وليست واقعية  فوقع في الشباك  المخصصة له.
حاكم اليمن اليوم " علي  غير الصالح "  يرى نهاية الحكام فيقاتل للحصول على ضمانات أمريكية وأوربية له ولجلاوزته  ضمانا  للعيش وعدم الملاحقة بعد التخلي عن السلطة .
ماذا كان يريد هذا الطاغية اليمني .. يريد هروب  من المساءلة القانونية .. وحماية لكل من والاه ..
يريد  ان يعيش  ليس على طريقة زين العابدين  ولا حسني مبارك ، ولا يريد  الموت على طريقة صدام حسين والقذافي ، انه يريد  الحياة  بمنصب ديكتاتور أزلي .
هكذا يعيش الطغاة  في خيالهم ولكنهم في الأخير سيخضعون  خانعين طائعين  لقوة الأمر الواقع .

أما السيد بشار الأسد حاكم سوريا  فله  فسحة زمنية معقولة لإستيعاب  الدرس قبل فوات الآوان تماما ..
.....................


 

الشعوب ومرحلة ما بعد الطغاة


لاشك أن إنهيار إنظمة عربية حديدية قد شكّل صدمة لايمكن إستيعابها بسهولة من قبل المواطن البسيط الذي تكرست لديه فكرة القائد الضرورة، القائد البطل ، القائد الملهم . كما أن المستفيدين من تلك الانظمة سيظلون أبواقا صارخة للتبشير بعودة الماضي ، وترهيب الناس بحجة  مقاومة الاستعمار والإحتلال وغيرها ..
ولكن الدرس الإنساني قد بلغ كماله  ولا بد من  الإعتراف بغروب زمن الطغاة ، وهذا الأمر  ُيرتب  على الشعوب مسؤوليات جسيمة في عهد ما بعد الطغاة .. على  شعوبنا  اليوم  أن تستوعب المرحلة التاريخية الجديدة ولن تسمح لقوى أيديولوجية دينية متشددة أن تسحب البساط من الثوار وتغنم  إنتصارهم  وتجيره لصالحهم .. وهذا ما حدث في تونس ومصر وبدأت تباشيره في ليبيا حيث  كشّر التيار الإسلامي عن أنيابه للفوز بالسلطة  وهذا أمر متوقع جدا  إذ لا حرية ولا ديمقراطية دون دفع اثمان غالية ، فليس المهم أن تتسيد التيارات السلفية الإسلامية  المشهد اليوم رغم خطورته على مستقبل شعوبنا، فالديمقراطية هي التي أوصلت هتلر والنازية  الى سدة الحكم مثلا، ولكن الشعب الالماني إستوعب الدرس لاحقا و كما نراه بهذه العافية اليوم .
المهم جدا أن نركز على صياغة دستور مدني يمثل عقدا اجتماعيا ضامنا لحقوق الجميع  في  الحقوق والواجبات ، يجب ان يكون الشعب مصدر السلطات وليس عقيدة دينية أو تعليم أيديولوجي ما .. الدستور الدائم  هو ضمانة الشعوب بعد  عصور الديكاتاتوريات .
علينا أن لا نتحجر بتوصيفات سياسية جامدة في علاقتنا مع الآخر  الذي ساعدنا للخلاص من هذه الأنظمة ، لأن النظام العالمي يحتاج الى إعادة صياغة العلاقات داخليا وخارجيا .
والدرس الليبي كان ثمينا  في توصيف علاقتنا مع الآخر " المنقذ".


...............................


 

48
عراقيون ..ولكن بعد هذا الفاصل     
 
السيادة الوطنية وأمراضها


وديع شامخ
Wadea1956@yahoo.com




مهاد

تعاني المجتمعات الخارجة من حكم الإنظمة الشمولية من أمراض مستوطنة وأخرى مستحدثة ، وبهذا الإزدواج  سيكون المواطن المشطور سلفا عرضة لإنشطارات أميبية لا حصر لها، تنتجها  مشروعات المزايدة السياسية  وفقا لقدرة المعارضة السابقة على إنتاج خطاب يتصل بقوتها  على المناورة  للوصول  الى السلطة ، أو بوجودها في مقاعد المعارضة التقليدية في البرلمان ،
لكن الواقع الحقيقي والمستقبل الحياتي  للشعب العراقي  الخارج من نفق الديكتاتورية  والواصل توا الى أول شعاع  لشمس الحرية  يعاني من نقص في كمية أوكسجين الحياة  الديمقراطية، سيما في مفاصل العميلة السياسية الجارية – جري السحلفاة- للوصول الى مشروع عراقي وطني للإجابة على الاسئلة المطروحة  على القضايا  المعلّقة، من أدق تفاصيل الحياة اليومية للعراقي كالخدمات وغيرها وصولا الى الملفات الساخنة ومنها وجود القوات الأجنبية العسكرية، وعلاقتنا  بدول الجوار  .
سندخل الى مناقشة بعض الملفات الساخنة التي تمس حياة المواطن العراقي ومستقبل العراق عبر كشف رؤية الساسة العراقيين وتحديدا تحت قبة البرلمان ..
مالذي يحدث ..وهل حقا أن البرلماني العراقي يشعر بقيمة المسؤولية  المناطة به شكلا ومضمونا  وهل كان السياسي العراقي على مستوى التحديات والأسئلة الوطنية والأقليمية والدولية ؟؟
.................................................


الإنسحاب  الأمريكي .. وضبابية المشروع العراقي

لا شك ان إنسحاب القوات الأجنبية من العراق يشكل تفهما واعيا  للعراق وللمشروع الوطني  لمجابهة مرحلة ما بعد " وجود القوات  الأجنبية" " أو ما تسمى بقوات الإحتلال ..  لما يمثله وجود هكذا قوات من إتهام واضح في قصور الساسة العراقيين عموما  بعدم وجود مشروع وطني عراقي  ناضج لأحلال  بديل عراقي واقعي  ناضج لإدارة دفة الحياة، كما أن وجود هذه القوات يشكل عبئا إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا يمكن للعراقي أن يتحمل هذه المسؤولية الوطنية بجدارة وأمانة .     

 ولكني عندما تابعت بإهتمام مناقشة البرلمان العراقي لموضوع إنسحاب القوات الامريكية من العراق في الوقت  المحدد لها في نهاية هذا العام 2011، لاحظت العجب في طرح النائب العراق  " ذكرا كان أم أنثى" لرأيه في مناقشة قضية إنسحاب  القوات الأمريكية  من العراق ، إذ  تناوبت حرائر العراق الملفعات بالسواد على الكلام " أقصد العويل " بإدانة هذه القوات الغازية والمحتلة والدموع تنهمرعلى خدود البرلمانيات المتحدثات على مصيرنا المأساوي تحت ظل الإحتلال  والحراب الأمريكية ، لقد بكت نائبة وهي ترفع مظلومية " ملائية " وأخرى تساندها والتصفيق يرتفع ويرتفع ، حتى جاء الكلام لرجال  البرلمان من أعضاء الكتل الى رئيس كتلة كبيرة مهيمنة  ليلقي على الملأ محاضرة عن نعمة التحريرمن ربقة أمريكا في كوبا  الى اليابان والمانيا  أو غيرها ولينتصر للشعوب المحررة..لكن الدكتور إبراهيم الجعفري  وقع  في خطأ تاريخي لمقابلة القوات الامريكية بقوات صدام في الكويت!! ويرتفع التصفيق وكأننا في حفلة " تطهير جماعي " .
لقد تسابق الخطباء(أقصد النواب)  تحت قبة البرلمان العراقي  بإنتاج خطاب إنشائي عاطفي صرف، نعرف دوافعه ونواياه.. ووفقا لتصورنا الوطني،فكان لابد من مناقشة أمر خطير مثل رحيل القوات الأمريكية  التي أسقطت  النظام الديكتاتوري والذي جاءت بالإخوة في مجلس النواب الى عروشهم البهية ، وكان" المام جلال طالباني" أكثر وضوحا في تصريحه مرّة بالقول " علينا أن نقدم لهذه القوات الورد .. ونقول لهم شكرا لانكم خلصوتنا من صدام حسين  ونودعهم  بسلام"  وهذه قناعة السيد طالباني  نقلتها  بإمانة .
 كنت أتمنى أن تكون قراءة المشهد برؤية وطنية واقعية  لمسألة وجود القوات الأمريكية في العراق الآن عبر أفق إستراتيجي وطني وليس  فورة وحماسة خطابية  تكتيكية قصيرة النظر.
السؤال الآن هل العراق بقواته الجوية وطيران الجيش  والبرية والبحرية  وقوى الإمن الداخلي  والجهد المخابراتي والإستخباري الوطني قادر على تحمل المسؤولية كاملة؟؟
هل هناك مشروع سياسي عراقي وطني موحد لتمكين الحكومة العراقية من مواجهة التهديدات الخارجية من  دول الجوار كأيران التي تمعن في إختراق سيادة العراق أمنيا من الداخل بوجود عملاء جهاز مخابراتها " اطلاعات " ودوره القذر في تهديد السيادة ، كما أن قصفها المستمر للقرى العراقية في شمالنا يهدد تحديا لسيادتنا الوطنية والفيدرالية معا !!
كما أن تركيا تسرح وتمرح في حدودنا وتقتل العراقيين الأكراد بحجة مطاردة الكرد الأتراك  ، ولا أحد يرفع سبابته في برلمان المحتجين والبكائين على السيادة .. وحدودنا الغربية مع سوريا والسعودية تمثل خطرا ماحقا في دخول الإرهابيين وتمويلهم لتنفيذ جرائم  كبيرة بحق العراقيين ، وجارتنا الأخت الصغرى الكويت  ماضية في تنفيذ مشروع ميناء مبارك ، وما أدراك ما ميناء مبارك .. الذي تتعامل  الحكومة العراقية  معه بهدوء دبلوماسي أملس  وبطء في تنفيذ ميناء الفاو الإستراتيجي .. وزارة الخارجية مبتسمة جدا حتى وصول" السل  الى العظم"  ووزارة النقل تقول ان هذا الميناء يشكل خطرا على سيادة العراق المائية ، وتقرير ميناء مبارك لم يناقش بشكل جدي في برلمان العراق !!
مثل هذه المخاطر الواقعية هل كانت أمام البرلماني العراقي  وهو يناقش السيادة  والكرامة في موضوع القوات الأمريكية!؟
كنتُ اتمنى أن يكون الحديث أولا عن رؤيتنا الوطنية وفقا لبرنامج واضح يبدأ أولا باستدعاء رئيس الوزراء العراقي السيد المالكي بوصفه القائد العام للقوات المسلحة ومعه ممثلين من كل صنوف القوات المسلحة والمسؤولين  في الأمن  المخابراتي والإستخباري وفي جلسة علنية  تحت قبة البرلمان لفهم الواقع الحقيقي للجدوى أو عدمها من  وجود القوات العسكرية الأمريكية بعيدا عن معطيات  التشدق بالسيادة  والحرية  ونحن نعرف أن أغلب الأخوة  في البرلمان  يتنعمون في ربيع المنطقة الخضراء وحماية " الأمريكي عسكريا وسياسيا"
لم يتحدث برلماني عراقي بأفق عراقي وطني صرف  دون املاءات أو ولاءات لهذه الجهة أو تلك محلية كانت أم اقليمية أو دولية .. حتى أن العماء  الوطني جعل من المتحدثين في موضوع رحيل القوات الامريكية بهسترية " بكائية" تشعرك أن هؤلاء يعيشون على مسافة بعيدة عن العراق ومأساته الوطنية ، فمنذ عام 2003  وما رافق سقوط الديكتاتور من نشوء إضطراب وفراغ إمني خطير دفع العراقي دمه وماله  قرابين لا تنتهي الى اليوم ، فهل يشعر المسؤول العراق بهذا الدم العراقي الثمين؟

الحكومة العراقية  تتوسل العشائر لحماية قوافل الحجيج!!

 الفجوة  التي نراها  جليّة بين موقف أغلب النواب البراغماتي والموقف العملي الذي يجب أن تقدمة الحكومة العراقية كما أسلفنا، دعانا ملاحظة موقفين متناقضين:  أولاهما تصريحات المسؤولين الحكوميين عن الملف الامني من أن قواتنا العراقية غير جاهزة كليا لتسلم الملف الامني الداخلي والخارجي ، ومما يؤيد كلامهم ان الحكومة العراقية ممثلة بالسيد صالح المطلق نائب رئيس الورزاء وبمعية وزير المالية رافع العيساوي توجها الى عشائر الانبار  لتأمين الطريق البري للحجاج !!
ولقد كان خطاب كلّ من المطلك ورافع العيساوي وزير ماليتنا  ناريا جدا  .. وفحواه رسالة إستنجاد  يقدمها المطلك  بمعية العيساوي للعشائر لتأمين طريق الحجيج!!؟
فهذا هذا  حال حكومة لا تستطيع تأمين طريق قوافل حجاج  بعددهم المحدود!؟
  فكيف نطمئن الى كفاءة قواتنا العراقية في تحمل  مسؤولية الملف الأمني إذن . كما أن أحد المسؤولين في لجنة الأمن في مجلس النواب يصرح بأن قواتنا الجوية غيرمؤهلة تماما ولاسيما طيران الجيش الذي لم يثبت ايّ فاعلية  في تعقب الإرهابيين وحماية خطوط النفط ... الخ.
 فكيف نصدق نوابنا في حماسهم بخروج جميع القوات الأمريكية- وكان التيار الصدري أكثر تطرفا في رفض منح الحصانة حتى للمدربين الامريكيين إذا ما بقوا لتدريب العراقيين وتأهيلهم- !  كيف سنصدق السادة النواب ومنهم ال" السبعين" الذين سيذهبون جوا ذهابا وأيابا  للحج  وبحماية القوات الأمريكية  طبعا ، ويتركون إخوتهم حجاج " بيت الله الحرام "  في " شوارب" قبائل الأنبار الشجعان  وبمساعدة لوجستية حتما من  القوات الامريكية الصليبية  الكافرة!!؟
..........................


خاتمة السوء


 إن التعامل مع الملف الإمريكي يتطلب  المزيد من الحكمة  وتقدير القوة الذاتية  وعدم الإنجرار  الى مهاترات ومزايدات وبكائيات ، لان أمريكا تمتلك القوة العسكرية والسياسية معا في العراق لتقرير مصالحها ، لاسيما بعد ما رأينا من قوة أمريكا ودورها في صنع الربيع العربي وإزالة أعتى الانظمة .. فهل نتوقع أن أمريكا ستخرج هكذا خالية الوفاض من العراق ؟ وهل يمكن ان نتخيل أن أمريكا  َقدمت الى العراق من أجل سواد عيون الأكراد والشيعة وإزالة مظلوميتهما ، هل نتوقع من أمريكا التي خسرت مليارات الدولارات والآلاف من جنودها في العراق  ان تخرج هكذا  بخفيّ حنين ؟
هل نتصور أن  التجارب الأمريكية في فيتنام وافغانستان  غير ماثلة أمام عيون الساسة الأمريكان للخروج من العراق بمكاسب مجزية؟
سيما وأن  قوة وتأثير الدول المناهضة للمشروع الأمريكي  والغربي عموما في الشرق الأوسط الجديد لم تعد بفاعليتها السابقة بعد سقوط الأنظمة العربية  والمصير الذي ينتظر الأخرى مثل سوريا ، بل أن أن الأمر وصل الى دول الخليج .. وهذا ما حدا بإيران للبحث عن بديل إستراتيجي  عن سوريا  كالسودان مثلا .
 لانريد المزايدة بخصوص رحيل القوات الامريكية  كما فعل النواب الأفاضل ولا مع الكرم الكبير الذي قدمة السيد الطالباني أزاءهم ، نريد موقفا  يستشرف الأفق العراقي الوطني  دون الوقوع في مستنقع المحاصصة  القومية والمذهبية وجني أرباح الحقل والبيدر معا ..
نريد موقفا مسؤولا ينظر الى مصالحنا الوطنية  وحاجتنا الى الآخر بشكل مهني بحت والمحاولة القصوى للوصول والحصول على أقصى ما يمكن الحصول إليه  من الجانب الأمريكي  .
على القوات الأمريكية أن تؤمن حماية العراق لأن هذا من صلب مسؤوليتها " كقوات إحتلال" وعندما ترحل  وفقا لاتفاقية الجلاء وبتوقيتها المحدد نهاية هذا العام  فإننا يجب أن نطمئن على قدرتنا الوطنية على إستلام دفة الملف الامني كاملا .
لقد رأينا أن قواتنا لم تكن بهكذا مستوى وهو، ليس عيبا في نوعية المقاتل العراقي ، ولكن السياسي العراق كان بهلونا في اللعب على حبال السيادة ونائما في المغانم الآنية وشعاره" أغنم من الحاضر " . لذا صار لزاما على العراقيين أن ينظروا بعين الريبة الى نوابهم في البرلمان  لانهم لم يثبتوا جدارة أبدا في تعاملهم مع الأفق الوطني الاستراتيجي .
أمامنا خيارات سياسية وطنية مهنية وعملية وواقعية وإستراتيجية ، وأخرى سياسية نفعية  تكتيكية ، الأولى تنتصر للعراق وطنا وشعبا  مصلحة وافقا مفتوحا للتعامل مع الآخر بمسميات جديدة تناسب مع المرحلة التاريخية التي نمر بها   .. والأخرى تنتصر للسيادة والكرامة والعزة وما  سينفتح علينا من قاموس الصحراء .
أيّ خاتمةٍ نريد ؟ 
تلك مسؤولية الشعب العراقي وهو يثبت أهليته الكاملة  في التعامل مع حاضره ومستقبله .
.............................................. 

49
عراقيون ... ولكن بعد هذا الفاصل

عرس الدجيل...  واقعة الدم العراقي المجاني

وديع شامخ
                                                              مهاد

تابعت بقرف وحنق شديدين  برنامجا بثه تلفزيون العراق قبل أيام حول العصابة الإجرامية التابعة  الى – تنظيم دولة العراق الإسلامية- والتي نفذت عشرات الجرائم بحق العراقيين الأبرياء.. ولكن الذي لفت إنتباهي هو تفرد أعضاء هذه العصابة بكونهم من خريجي الكليات والمتعلمين ولاسيما المتهم الرئيسي  فراس حسن الدليمي الذي يحمل بكالوريوس في القانون والسياسة من جامعة بغداد وشهادة ماجستير في التاريخ من معهد التاريخ العربي وعنوان أطروحته " مدحت باشا ودوره في نهضة العراق "!!،  وهو ناشط في منظمة حقوق الإنسان، ومسؤول لجنة متابعة شؤون السجناء، وله صلات طيبة مع أكابر الساسة وشيوخ الدين العراقيين!!.
 أعرف أن العراقيين لهم مع الدم والموت صحبة قديمة، منذ إسطورة خليقتهم البابلية وحتى تاريخهم المعاصر، فمن مَلك ُيقتل الى ولي عهد يُسحل و رئيس وزراء يمثل في جثته .. هكذا إبتدأ عصر الثورات في حياة العراقيين منذ العام  1958، ولاحقا أعراس الدم الثورية جدا والبعثية  في الثامن من شباط 1963 الى عصر الحروب الطاحنة والحصارات الظالمة في مجيء البعث الثاني عام 1968 ولغاية الآن . والدم العراقي هو القاسم المشترك في كل هذه الحماقات السوداء. كما لا يغيب عن البال شهوة الرعية والرعاع  وحميّتهما في السفك والقتل والفرهود انسياقا وراء محرضيها من الأحزاب والأيديولوجيات الدينية والطائفية في التنكيل العلني بالخصوم وحرق جثثهم وتعليقها على أعواد المشانق أو أعمدة الكهرباء ، والاستحواذ على ممتلكات الناس في حفلة تطهير عامة أُطلق عليها إسم " الفرهود".

..........................

القبض على الفرح

 سبعون عراقيا جَمعهم الفرح في زفة  تتقدمهم سيارة العروسين  "البي. أم . دبليو " البيضاء المزركشة بالالوان والبالونات ،  فيما يتقاسم بقية السيارات، خمسة عشر طفلا  ينتسبون الى رجال ونساء تلك الزفة العراقية القادمة من منطقة الدجيل وهو في طريقهم الى إتمام مراسيم العرس.
 ُتوقِفهم سيطرة وهمية نصبها أفراد تنظيم دولة العراق الإسلامية وتذهب بهم الى طريق شاطىء التاجي شمال  بغداد ، وتحديدا الى  " مضيف الشيخ محجوب وهو من عشيرة الفلاحات "  ربما كان في ظن أصحاب العرس بانهم سيستضافون  من قبل الشيخ العربي الشهم !  وكانت الضيافة عربية وإسلامية بأمتياز شديد!
 إقتادوا  الضحايا  السبعين  الى "المضيف"  ليتلقوا الإستضافة  بعزلهم الى جماعات " نساء ورجال واطفال"..

دجلة الخير..  نهر أم مقبرة ؟؟

بدأ المجرمون  بقتل الأطفال وبطريقة شنيعة جدا وذلك بربطهم بصخور كونكريتية والقائهم في نهر دجلة !
كما أن الرجال قد ُقتلوا بدم بارد بعد أن أعدموا رميا  بالرصاص  وتم القائهم في دجلة أيضا... يا دجلةالخير ؟؟..
وأما النساء  فجاء دور الفحولة العربية والاسلامية  المجيدة جدا لإغتصابهن .. نعم إغتصبوا النساء لتكملة الأجر والذهاب الى جنة عرضها السماوات والارض!
  ومن العجب ان هؤلاء الرجال وعلى  سنّة القتلة لم يكتفوا بميزة الجهاد بل وميزة جهادية أخرى وهي القاء جثث النساء  في نهر دجلة  أيضا !

الرجال الصناديد لم يبق في حوزتهم غير " العروس وعروسه" .. تصوروا ايّة  مأسأة يشهدها  عروسان في ليلة  الفرح .

الجامع  مكانا  للإغتصاب

لم يكتف الشيخ العربي الهمام  " محجوب" بقضاء فعل الضيافة  بقتل الأبرياء من الأطفال والرجال  والنساء بعد إغتصابهن، أراد هذا الشيخ  العربي الهمام أن ينقل العروسين الى مكان أكثر قداسة وهو" الجامع"، وتم نقل العروسين  فعلا  الى جامع  قرية الفلاحات " جامع بلال الحبشي". وفي  سرداب الجامع جييء بالمفتي  الجليل !!
وأصدر حكما شرعيا  بإغتصاب  العروسة ، وهكذا وفي جامع الله !!.. نفذ ثمانية رجال أشداء من تنظيم الجيش الاسلامي  فعل الاغتصاب بعروس أمام زوجها ..!!
أيّ سؤال  نطرحه على الله الذي يؤمنون به.. وهو  ينظر الى  الضحية  وهي  تتمرغل بدمائها وحيامن مغتصبيها ؟
أيّ سؤال نطرحه على المفتي  وعلى سنّته... وزوج الضحية يساءل الشرف العربي الرفيع ؟؟
 ومن الغريب ان المفتي الاسلامي  لم يسترح لصراخ  الزوجة المغتصبة  وزوجها واقف  ويشاهد الجريمة ، بل أجاد في استنباط  الحكم الشرعي وهو " قتل الزوج والزوجة والقائهما في  نهر دجلة أيضا  !!"
أنهر أنت أم مقبرة!!؟؟
وحتى يكتمل المشهد  الدموي.. كما أشار سفاح الدجيل فراس الدليمي : إن  القتلة   قصّوا نهديّ المرأة  ورموها في النهر!.
لماذا قصّوا نهديها ، هذا من علم ربهم  والراسخون في القتل وشرب دم الأبرياء!!
............

 
جوائز  القتلة ؟؟
 
إن التوصيف اللغوي للقتل تحديدا ينصرف الى " قتل النفس البشرية"أو في أجلّ اعترافات اللغة هو " زهق الأرواح"..وبما أن الروح البشرية ليست سوقا لدهاقنة الإمحاء للروح والجسد معا ،فالكائن البشري لا يمكن ان يتحول هكذا فجأة الى قاتل شرس إلا ووراء ذلك التحول مرجعيات نفسية وبيئة مناسبة توفرها العقيدة الدينية أو السياسية  وغيرها من العوامل  ليكون الانسان مهيأً لتقمص هذا الدور الوحشي والسادي البشع .
ومن أمثال هؤلاء الذين ينتمون الى المنظمات الدينية الإرهابية فأن العلّة تكمن في النصوص المقدسة التي يؤمنون بها والتي تبيح لهم الإفتاء المجاني بقتل الأخرين دون التفريق بين بريء وغيره.. بين أطفال ونساء ورجال عزّل وبين مقاتلين في المعسكر المضاد!
إن الإرهاب الذي شهدناه وخبرنا شرّه في العراق جاء الكثير منه على يد منظمات دينية إسلامية ولاسيما تنظيم القاعدة ، إذ كان قتلة أهل هذا العرس خير خلف للسلف الصالح الذي كان يقتل الناس بدم بارد وينكح زوجاتهم في نفس اللحظة كما حدث في قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويره وإغتصاب زوجته في نفس اللحظة ،  كما انهم كانوا خير خلف للاقتداء بقادتهم الذين يحملون الشهادات العليا في الهندسة والطب وسواها من العلوم في تنظيم القاعدة خصوصا .
من هنا نستنتج أن الارهاب له حاضنة مخصوصة وله جنس محدود وله دين وله أتباع أشداء وعلينا أن لا ننخدع بفريّة أن الارهاب لا دين ولا جنس ولا له، كي يختلط  حابل الدم بنابل الانسان  العراقي .. ويهدر دمه الطاهر بالمجان .
هناك  تفسير يقول ان هؤلاء الضحايا من أهل الدجيل دفعوا ثمن مقتل المقبور صدام حسين الذي حوكم واعدم على خلفية ما فعله بأهل الدجيل من واقعة مأساوية اندرجت ضمن جرائم القتل العمد ضد الانسانية . وهذا قول يُرجح وجهة نظرنا بأن القتلة ليسوا إلا كائنات مغسولة الدماغ بفعل مؤثر خارجي أخلصوا له  وهو جائزتهم الضامنة  سواء في حياة ماجنة هنا أو جنة هناك  فيها من المسرات ما يعوض موتهم ان تعرضوا له من قبل  سلطة الحق والقانون .






خاتمة

اخيرا أود أن أشير الى أن  السيد حسن الشمري" وزير الأوقاف العراقي" الذي خرج يوم أمس بتصريح ، يعلن فيه ان الوزراة سوف لن تتأخر لحظة عن تطبيق الحكم  بعد اكتسابه الدرجة القطعية، وهذا شيء مهني و حسن يدل على احترام الوزارة لمسيرة القضاء العراقي في تعامله مع الجرائم والمجرمين ، ولكن السيد الوزير كان سباقا الى نتيجة الحكم، كما انه كان  ميالا  الى رغبة  خاصة  في تنفيذ حكم الاعدام في موقع  الجريمة ..  الذي  سوف يرجعنا الى شريعة الرغبة الشخصية في الانتقام وهذا ما لا يليق بنا ونحن نؤسس لبناء دولة قانون وعدالة .. دولة  يحكمها القانون فقط . وليس رغبات آنية .
عندما ننصاع الى رغبة  المتضررين  فنحن نعيد دورة الصراع  وشروط  الغابة .
نحن نريد القصاص من الجناة وفقا للقانون ، دون التورط  في انتاج  ممارسة مشابه لما فعله الجناة.  لا نريد حفلة تطهير جماعية للتشفي لكي لا  تستمر دورة العنف والثأر .
............................................................................
 










50
عراقيون .. لكن بعد هذا الفاصل

وديع شامخ                                                                                                           

ميليشيات على جرح العراق


مهاد

يبقى العراقٌ مائدةً للجميع ، َتنورا يفور، نجمة ساطعة ، قمرا مثلوما ،حكاية لا تنتهي  وحلما لا يصدأ .العراق عراقنا نحن أحفاد السومريين والاكديين والبابليين والاشوريين ..و المعتزلة والمتصوفة ،أحفاد الملاحدة والمناطقة والزنادقة  والقرامطقة، أحفاد الجور ومسلات الدم، أخلاف الخلفاء والحكماء، ، الجهلاء والبلهاء والعيارين والشطارين ،أحفاد  كلّ ماضٍ لا نأسف عليه  ، كل لحظة من التاريخ ،نحن صنّاع الحاضر ومؤولوا المستقبل .
 العراق جغرافية روحية وليس تابوتا لعهد مكاني ، ليس لأحدٍ أن يرث ناسوته ولاهوته..
ولا نريد الإقتراع على جلبابه الممزق فوق صليب الزمن.
العراق درس  مديد ، سبورة لا تصدأ ..
مَنْ يحمل روحه ؟؟
ْمن يحمل طبشورة ؟
ْمن يرث  قصاصة ؟
....................

الجرح الأول

"مجاهدو خلق"

 
 كانوا ورقة في شجرة  نظام صدام البائد.. تاجرَ وهاترَ بها،  واستثمر الوضع الإنساني للكثير منهم، وانتصر بهم على " العدو المشترك، إيران " في حرب ضروس دفع الشعبان العراقي والإيراني  ثمنا باهظا، ولم يجنِ العراق غير وهمٍ  كارتوني  زيّن للطاغية بأنه هو الأقوى .
والحق أن هذه المنظمة كانت اليد الطولى لنظام صدام في وأد وتفتيت إنتفاضة العراقيين في 1991 وخصوصا في محافظة ديالى " وأنا شاهد حيّ على وجود  الدبابات في شوارع ديالى والخالص من قبل أفراد هذه المنظمة" وهم يحظون بعناية خاصة من قبل الحكومة البعثية على مستوى التجهيزات والتغذية والتسليح ،.كما أن لهذه المنظمة مقر مركزي يحتل بناية في قلب بغداد لا أحد  يجرؤ على الإقتراب منه، وعندما سقط صدام لابد، ومن المنطقي أن  يرحلوا معه تاريخيا ،سياسيا وواقعيا ، لأنهم لم يحملون صفة اللاجئين لا على المستوى الإنساني ولا السياسي. ..
وان على قادتهم السياسيين: مسعود رجوي وزوجته اللذين رحلا الى فرنسا أن يعلنوا افلاسهم السياسي  ويتركون الناس لحالهم الإنساني، وبذا سيكون مصير الأفراد مرهونا بإرادة الفرد واختياره في الرجوع الى وطنه أم في الهجرة الى بلد اخر  .
إن وجودهم في العراق الآن، ودون الخوض في   " التأثير الإيراني"، هو وجود غير شرعي إطلاقا ، سيما وأن "مجاهدي خلق" لم يسّلموا دباباتهم وأسلحتهم الثقيلة إلا للإمريكان .. وانهم ظلوا ينكرون شرعية الحكومة العراقية ، وحتى أن ساسة من العراق يحتلون الآن مواقع مهمة  في الدولة كانوا  يشتركون في احتفالات مجاهدي خلق ويتضامنون  معها ، ويدخلون الى معسكراهم  بودًّ عميق ، متناقضين مع منهج العملية السياسية  العراقية والذين  هم يشتركون فيها علنا، ويجنون أرباحا من وراء ظهر العراق .
إذن لابد من رحيل إنساني لهؤلاء عن العراق  ورحيل من كان ورائهم من العملية السياسية العراقية، ورحيل القوات الأمريكية أيضا  في وقت يحدد الشركاء " الأمريكي العراقي" . الوقت الناضج تماما للعراقيين كي يكونوا  قادرين فعلا على تسلّم كلّ الملفات من الجانب الأمريكي،، وليس التلويح بخروج القوات الأمريكية  أمرا للإستهلاك السياسي المحلي والمتاجرة بمغازلة  الجارة الشرقية  التي تمتد على جرح العراق من خط التالوك  في شط العرب الى أقصى قمة من جبال كردستان العراق!!
.........................
الجرح الأسود

ميليشيات الوطن

 في الشأن الوطني ، الناس منا ونحن منهم  يأكلون من خير العراق بعد أن شهدوا قَحطه وذاقوا المرّ مثلنا من الحكم الدكتاتوري البائد، نزفوا دماءً طاهرة على طريق  حرية العراق ، وكان منهم العلماء والعوام ، ولكنهم وبعد إشراقة الحرية في العراق أسسوا جيشا في زمن الفراغات الأمنية وغياب الدولة والقانون  معا . وصاروا  ميليشيات غير قانونية ، أوجدها ظرف محدود ومخصوص، ميليشيا تنسب الوهم الى الواقع وتعالج  الأمور بالحديد والنار .. حكموا الناس في بلدة عراقية مقدسة في زمن محدد جدا  فوجدنا في أثرهم  محاكم شرعية وإعدامات عشوائية وقبورا بلا شواهد ..  تحولوا الى جيش مفخخ بالنوايا ،مؤدلج من وراء الحدود والأسوار.
لصاحب الجيش الشاب " مقتدى"  سُبات لا يدانيه مكر الحيات،  وله سطوة على ناسه كمحضر أرض السواد  في سطوة الثقفي الحجاج ، يصفهم بالجهلة وهم يوغلون سمعا وطاعا !!
يقتات صاحبهم من عباءة التاريخ زادا للشهوة والسلطة  معا ، والعبيد يقفون في الطوابير إيذانا بالنشور ثانية .
يحرقون العراق على فحم نزواتهم ..
ويشربون الحاضر بمزاج  رائق.. يحملون أكفانهم رمزا للموت فقط، في الوقت الذي ُيولد العراق من خلف عجاف الزمن ..
الميليشات َتنورٌ  والعراق سمكة  تقاوم البقاء في ضحالة النهرين ..
 أثارني فعلا  منظر المظاهرات المليونية التي  يقودها أصحاب الجيش " اللاقانوني"  تطالب برحيل "الإحتلال القانوني" أو ظهور المهدي" عفوا أعني جيش المهدي" ثانية ! وكأن ميليشيات المهدي هي البديل النوعي عن العراق حكومة وشعبا ودستورا وجيشا لمقاومة واجبار "الاحتلال " إن لم يرحل !!!!المفارقة الكبرى أن هؤلاء القوم يمتلكون أصواتا مهمة في برلمان العراق " تحت الإحتلال!!" وُيوصفون دائما " ببيضة القبان"  لترجيح دفة الرابح في تشكيل الحكومة العراقية! ، والإنكى من هذا أن التيار الصدري لم يخرج  للتظاهر مع  الشعب العراقي الذي انتفض في ساحة التحرير في بغداد وكافة المحافظات وتصرف ب" تقيّة سوداء" أزاء هدير صوت الشعب الرافض للفساد الحكومي والدستوري في جمعة الغضب العراقي !. أين كانت هذه التظاهرات المليونية التي أرعبت " حكومة المالكي ، والنواب ، وكل الرئاسات "؟؟ والتي جعلت  السيد المالكي  يظهر مرتبكا ويطلب من المتظاهرين، مهلة قدرها  100 يوما أو  " عطوة" في المصطلح العشائري الجنوبي ، لإرجاع الحق الى إصحابة وتصحيح كل المسارات الخاطئة!
تخيلوا حجم هذا الارتباك من لدن السيد المالكي وكذلك ما صدر عن الرئاسات الاخرى من مواقف غاية في المراهقة السياسية .
لمذا تَُساق الملايين  الى التظاهر الآن وليس غدا..؟؟ أهي  حكاية فقهية شرعية  لا أحد يفهم خيوطها إلا الله والراسخون في علم  الحوازات خارج حدود  جرح  العراق الطويل.؟؟!! 
 
...............................
الحبر السري

الأحلام الوطنية وهي تتأرجح بين شك و يقين.
يصبحُ الوطن  السبورة الملساء  والمخالب من كلّ أسلاف العراق ..
مخالب وطنية
مخالب دينية
أظافر أقليمية
كوارث دولية
مجاعات ، أوبئة ، حروب ، حصارات ..
الحبر السري يكتب سيرة ظاهرة:
للذين كسروا قلب العراق وبنوا مسلات
للذين: كانوا نشازا على أوتار  قيثارة السومري.
للذين شربوا في جماجم العراقيين كؤوسا من نبيذ الإنتصار.
للذين أقعوا في حقول القمح وبالوا على البيادر.
...........


إحذروا وصايا الجمر  القادم  من وراء الزفرات..
والذين يتناسلون  في جبة الله.
إحذروا" الخلق" والذين ناموا في رداء الموت.
أخلعوا " أقنعة الوقاية" لا ترجموا  النحل.
إخلعوا رداء الحشمة  أمام الذي قام مقام الله.
إنشروا عطركم   لتقتلوا رائحة الميليشات العطنة.
................
حبر الروح
 
به ِ إكتبوا خلاصةََ الطريقِ ..
 به .. تناوبوا الوقوف على العراق كي لا تُفسدكم الوصايا
إكتبوا عراقا بوسعَ الحلمِ، وعلى كف الواقع .. إرسموا ظلا  تنامون فيه..
لا تبالغوا  في الغفوة تحت أشجار الوطن ..
 أرفعوا الحب شارة ، والعراق أيقونة الجميع
.............................................

   

 


51
أُفول المُلك العضوض
تأملات سيمولوجية  لصور إحتضار الكراسي

وديع شامخ
 Wadea1956@yahoo.com


الصورة الأولى

في صورةٍ ناطقةٍ غريبة تفحّصتها، الملك السعودي الشاحب، يجلسُ كما يستوي الملوك على العروش عادةً، خَلفه الشعب وأمامه المشايخ  ينصتون ،وخلفَ الشعب والمشايخ معا  هناك السيّاف ورجال حمايات تبتعد قليلا أو كثيرا من السيف .
الملك يلّوح بسلطانه الموروث ويتعثر في طريقه الى الله ..
. هل  تخلى عن كلامٍ مبين  " إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ"،أم أن الملك حانت نهايته بعودة العالم " كقرية كونية"
الملك يعتذر عن سيل الألقاب التي رافقت مسيرته " يرفض الملك السعودي لقب" ملك القلوب ،ويعلن أن الله هو اَلمَلك "!!!
الملك أعلن إستعداده لتقبل مصيره بشكل ميتافيزيقي، وتلك بشارة أخرى  لتثبيت  حق  الناس أو " الله" في الحكم .




الصورة الثانية

صورةُ جندي من جيش ملك ملوك أفريقيا وقائد ثورة الفاتح من الأكاذيب ، الأخ الزعيم معمر القذافي..، في لحية غير مشذبّة  وأسنان مبعثرة، ينظر ببصره فقط الى طائرات الموت كي يرى مستقبله الأكيد.
الجندي الليبي الهُمام لا يريد التصديق أن زعيمه الأوحد  سيموت يوما!
أنه عبد لا يستطيع تصديق نهاية سيده
ولا سيد يريد تكذيب نهايته
عبد وسيد لا يريان النهاية .


الصورة الثالثة

صدام حسين  وهو يقول لجنوده " لا تخافوا من طائرات الشبح الامريكية ، الراعي العراقي  سيحملُ حفنةَ رمل ويعمي بها بصر الطيّار"

صدام حسين وجدوه في حفرة ومعه  مسدس بغير إطلاقات  ودولارات خضراء رطبة  ، ومرافق صحية بلا صرف ، هناك  "سطلين" من الماء لا تكفي لمعالجة إسهال يستمر يوم واحد.
لا وصايا ،لا حُكم ..لا خطابات مضجرة .  لحيةٌ كثة قذرة لا تطير منها الفراشات !! جثة تعفنت تأخر َقبرُها كثيرا .



الصورة الرابعة

الرئيس الشرعي جدا المصري المبارك  حسني مبارك!!
يرفع سبابته متوعّدا ونذيرا ..
" ياأولاود  لا تعلبوا  اللعب ده"
والأولاد داسوا على دم  الوقت ،  وأحرقوا الوصايا
هم في ميدان التحرير أحرار، وهو يمكث صامتا " في شرم الشيخ"
محاصرا ذليلا وكسيرا .
لابد أنه يتذكّر ما قاله لطاغية العراق  يوما " إنها أمريكا  يا صدام"

الصورة الخامسة

الرئيس اليماني عبدالله " غير الصالح" أبدا ، يلوكُ أيامه  َحدّ القات. 
الرعية  تزحف  ,, تزحف  بالقات وغيره ..
والرئيس اليمني يُجاهد لحلاقة  لحيتة  بيده ، يريد الخروج من فوهة المدفع،

يشتهي  أن يُبعث بعيدا عن منطق العصر  ليذهب الى متاهته  الصحراء وأصل العروبة ،حيث يتوج ملكا لنسبة  التليد!!!!!!!!


الصورة السادسة

الحناجرُ تبحلقُ في الفضاء
الوجوه ملساء من مراياها
المعنى في الجبِّ..
الصورة  يكتنفها الضوضاء،
"الغوغاء" يرسمون الكرسي  ويطوفون حوله..
هل هم غوغاء حقا ؟؟
  أنتم ترسمون الكرسي وتجلسون عليه ..
لا تطوفوا حوله،
لان الكراسي من خشب ،  والإرضةُ قابلة للإنبعاث..
لا تطوفوا لأن " الحجر " أسود ثانية
لا تطوفوا
 إحذروا غَفلة  الساعات والساحات
تعالوا نرسم قوس قزح .


الصورة السابعة

دعوا الكراسي تذهب لبغيتها.....
  دعونا نشعل مائدةً من ذهب الكلام ، نُطلّق فضةَ الصمتِ
آن وقت الكلام ..
تعالوا نجتمع على موقد نشعله بأرواحنا
بشموعنا ، نستحضر أحلامنا  المستحيلة ..
دعونا نستريح 
حان وقت الجمال ..
حان وقت الإنتفاض على الذاكرة المشلولة
دعونا نغني
دعونا نغني كثيرا
لأن سر سقوط الكراسي هو الغناء.
الغناء سر الروح وبوابة البوح.

الصورة الثامنة

من أسفل التقويم الى بطن المدن الرخوة
ننام كثيرا خلف الظلال
الإطار أكبر من الحلم
مقبرة أم صورة؟
تلك من حكاية الواقف في الطابور .
لاحلم يرفرف  على مقامه،
ولا صورة  تُحنّطهُ.
.............................................

الصورة التاسعة

عطشٌ مديدٌ والماء في الخبر .
سرابٌ والسماء تمطر آلهة ...
طريق مليء بالذكريات
 سؤال ،... أم فخ ؟؟
صورة في أعلى الإفق  يا صديقي
أنت الذي علّقتني،أم نحن في الطريق الى الوهم .


الصورة العاشرة

كنا نسبح  فينا .. أيها الصديق السابح  معي
 تتوهمني طوطما ، وأتلمسك  ملحا يؤججُ  الحكاية .
كنت تروي :  إننا على الصراط
َمنْ  ُُيغني على الجرح  الذي لا يستقيم ؟

كنتَ تتدلى على القول ، وأنا أشذب فضولي
أيها الواقف على  ظلي   دعني أطير.........
...............

الصورة  المنفردة

في المرايا  . الملوكُ والُملك. 
في الصورة،،، طفلٌ  يتأرجح للوصول الى القُبلة .
 رجلُ "يناوش" الشمسَ حزنه قبل النضوج.
لكن التاريخَ  باشطٌ ،.... وليس بالخبز وحده  يحيا الإنسان.
القصاب يَلفُ اللحمَ  بأوراق التاريخ ...!
سلاما أيتها الأيام المنتوفه  في مهبّ  الكوابيس

 
اللحن الحادي عشر
أيها الحزن .............
قف طويلا . سأودع قامتي
أوثثُ للأخطاء الكبرى منزلة .
أنحتُ لكم حلميّ  صنما..
أذهبُ ...
أذهبُ للمراعي كي أعيد  أخي " أنكيدو"
وأرفع سبابتي للسماء .
 ان لا تمطر " جلجامش" آخر.
........................
اللوح الثاني عشر

أدم..  يا آدم   
...........
أيها الملوك .. أرضعوا من غلّة الندم .
 يا بني آدم .. يا مغفل التاريخ
يا كاتبَ المسلاتِ  بعنادٍ  بليد،
الصورة من خلفكِ  تتحمّضُ في المختبرات .
 وأنت آدم  الخطّاء
 وأبن آدم الخطّاء 
دع الصُوُر تتعفن على حائط  صبواتها..
إبتسم
إضحك
أرفع سبابتكَ..
الحزنُ لا لون له
الماء لا طعم له
.....................
.....................
الصورةُ الأخيرةُ تنزعُ إطارها... وتسحلُ كائناتَها الى العدم !!
...


52

الغالب والمغلوب ...

 ثقافة الإحتراب في المشهد الإبداعي العراقي


وديع شامخ

Wadea1956@yayoo.com

مهاد


الحديث عن الغالب" المركز" يرتبط  منطقيا بوجود مغلوب " هامش" ما ، كما يشير الظل بداهة الى الضوء  وجودا فيزيقيا أو سببّا مفترضا ومتخيلا ، وفي كلا الحالين لا يمكن للهامش أن يكون منفردا ومخلوقا من عدم  فالهامش السياسي مثلا وراءه قوة إقصائية  تزيح الخصوم  من موقع التأثير والسيادة الى موقع التبعية ، يسترشد  بعقل مركزي منظم ومسلح  بنظرية تتمتع بإستراتيجية عامة وتكتيك خاص.
طريق السياسي معبد بالهامش ، فالهامش بالنسبة الى السياسي هو الجمهور أو الرعية ، وإن بدت ظاهريا  هي المادة الأولية لنجاح السياسي  فانها أخيرا ستكون طبقة مهمشة غير متحصلة على نتائج  أفعالها سواء عن طريق صناديق الإنتخابات أو في المساهمة في التغيير السياسي لإنظمة الحكم كجنود مجهولين دائما . وكذا القائد العسكري الذي ُيتوج إنتصاراته عبر مادة الحروب وحَطبها الجنود المهمشين المغلوبين والمجهولين أيضا .
وبقدر تعلق الأمر بالسياسي العربي  والعراقي الآن  وهوامشهم،  وليس بهامش واحد.. يتعلق الأمر برجل الدين وهوامشه في الإقصاء وطريقه هو " الفتوى".  فالفتوى سلاح فتاك  لتهميش وإقصاء وتكفير وتخوين الأخرين وكذا حال المتنفذين في الحياة  على المستويات الإجتماعية والإقتصادية .. الخ.
الحياة السياسية برمتها أسيرة للبراغماتيا  وذاكرتها " ميكافيلية " ، والحياة هناك سمحت بتكتل  قوة الطرد أكثر من قوة الجذب ..  فالمجتمعات العربية  السياسية تتحصن بقوتها الطاردة  أصلا وخصوصا مع المختلفين عنها ، وبالتالي سيتشكل جمهور من العاطلين عن الفعل وهم ما يدعوون ب" المهمشين" .
 فلابد لنا أن نعيّ حجم وكم المهمشين كرها وطوعا .
 ولكن ماذا عن الحقل الثقافي، وماذا عن الفاعلين به ؟؟ .
لو قدمنا الأعذار  للسياسي ورغبته العارمه في تهميش واقصاء وغلبة  المناوئين  والاعداء  وما جاد به القاموس السياسي  من مفردات لإقصاء الاخرين ، ولو بحثنا عن عذر لرجل الدين في إصدار فتواه  لتجريم وقتل الآخرين بقصد الحفاظ على بيضة الدين واجتماع الأمة !
فبماذا نبرر للمثقف تهميشه للأخرين  وشيوع مبدأ  الغَلبة، وكيف يمكن توصيف ضحايا " الديكتاتورية  الثقافية "؟


المشهد  الثقافي  بين المركز والهامش
"الغالب والمغلوب"


في المشهد الثقافي العراقي شاع نموذج " جرير والفرزدق " ففي كل مرحلة  لابد  من توافر نقيضين  لتمثيل الصورة الكلية  للمشهد ،  أو تفعيل الصراع لتأليب الجمهور للإنقسام الى طرفي معادلة حربية  وفئوية  تماما ، فلو أخذنا الشاعرين العراقيين والمفكرين  جميل صدقي  الزهاوي ومعروف الرصافي، سنجدهما وبرغم دعواتهما التحررية  وتحديهما للدين وتابواته  ، فانهما ظلا يمارسان َسوق القطيع الى جانبهما وحيازته  تهميشا للشاعر الآخر ولجمهوره أيضا  ، فكان للرصافي أنصاره وللزهاوي مريدين  أيضا، رغم الوعي الهائل والثقافة العالية التي يتمتعان بها، فالرصافي قد كتب أهم كتابين صدرا بعد  موته  وهما " الشخصية المحمدية والرسالة العراقية "..  والزهاوي له كتب وأراء مهمة في قضية المرأة بين السفور والحجاب، والفلسفة والشعر والعلوم مثل ،الجاذبية وتعليلها، الظواهر الطبيعية والفلكية، والدفع العام وغيرها .
لكن الإحتراب  بينهما كان مستعرا حتى أدى الى تدخل الملك فيصل الأول ، لفضّ  النزاع  في وليمة أقامها على شرفهما .
ومن إحتراب الرصافي والزهاوي وقبله وبعده ، نشأ نوع من العصاب في الثقافة العراقية ، ضد  كل ما هو جديد أو مبتكر وشيوع نظرية " الغالب والمغلوب"  ، وهذا يعود برأيي لان الحقل الثقافي العراقي لم يزل يحمل التأثيرات السياسية أو الدينية أو القبلية ، أي أنه حقل طارد  وبإمتياز ، ودليلي الى هذا إن التجديد الشعري الذي حمله شعراء الريادة  "بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي " قد قوبل بتحفظ وتشكيك من قبل  المشتغلين في الحقل الإبداعي العراقي أو على الأقل التشكيك  والتقليل من أهمية الإنجاز  في مسيرة التطور النوعي للأشكال الشعرية العربية ، كما هو حال  الإحتراب  بين الأجيال الثقافة العراقية ، وخصوصا الشعرية، دليلا على نزوع شخصي وجماعي للتمايز والتميّز وغمط  حق الآخرين ، وهو نوع من " التهميش الثقافي" الذي لا يقلّ قسوة وهمجية عن " التهميشات في حقول الحياة المتنوعة "


الأجيال الشعرية  في العراق  وإحترابها

 يشير د. علي الوردي عالم الإجتماع  العراقي الكبير،الى ان الشخصية العراقية  تعاني من إزدواجية  بحكم مرجعيتها الملتبسة بين  البداوة والمدنية  وهذا  يؤدي الى إنتاج شخصية أو مجتمع قابل لأن يكون حاضنة أو يساهم في إنتاج حاضنة  لممارسة الإقصاء  والتهميش  للآخرين . والشعراء لم يختلفوا كثيرا عن غيرهم بهذا التوصيف ، فلو فحصنا مسيرة الحقل الإبداعي العراق وفق تقسيماته العشارية والمسماة بالأجيال " كل جيل بعشر سنوات  كما يدّعون !!" سنجد أن الإقصاء والتهميش ساريين على وتيرة متصاعدة لإلغاء جهود السابق   وطالت حتى الجهود التأسيسة للرواد في الشعر العراقي  أبان الأربعينات من القرن العشرين  والحقبة  التي تلت الرواد في الخمسينات من القرن المنصرم، سنجد أن التقسيم  العشائري – العشاري- ، والسياسي قد ساد على المشهد الشعري العراقي ، ونشأت ظاهرة الأجيال الشعرية وفق التقسيم الزمني ، جيل  الخمسينات ، الستينيات ، السبعينات الثمانينات ، والتسعينات .  ولقد شهد هذا الاصطراع حربا" غير مقدسة"
الستينيون يعتقدون بانهم جاؤوا من العدم وهم الحلقة الذهبية في الشعر العراقي ، ولا أحد سواهم،  وكذا جاء الجيل السبعيني وهو يحمل رغبة السلطة وتحديها  ، وكذا فعل الثمانينيون في الحروب، والتسعينيون  في الحروب والحصارات .
ولكن  ماذا عن الشعر ؟
يريدون للشعر أن يكون لقطيا مهمشا تتناهبه قبائل الأجيال وأهواء السياسة  دون الفحص العميق والإشارة  الصائبة  لجهود  المبدعين عموما من غير الإقتصار على "عشائر شعرية " إن صح  القول،  فالشعر العراقي  يعاني من  قطيعة وتهميش حقيقيين  نتيجة لإحتراب الشعراء وسعيهم غير "الإبداعي  والأخلاقي" الى تعتيم  المشهد  على أقرانهم  سواء في دراساتهم وكتبهم التي ناقشت موضوع الأسماء الشعرية  وأهميتها في المشهد الشعري العراقي ، أو حتى في  حواراتهم أو مقالاتهم التي تعتمد على ذاكرة منخورة  مصابة بداء التناسي المتعمد لجهود وطاقات إبداعية لا يمكن أن يحجبها قلم  منصف أوعقلية  خالية من مرض  الجيلية ، ناهيك  عن الزعيق  والنعيب  من الذين نضبت عدّتهم  أو أنكشف زيف أدائهم في المشهد الشعري العراقي  عندما ذهبت العوامل المساعدة الخارجية" الحارج إبداعية"!  لوجود هؤلاء في حقل الثقافة  . لكن الجزء الآخر من الحقيقة أن الأجيال الشعرية برأيي هي  تقسيمات نقدية تاريخية تخدم الدارس في موضوع تاريخ الأدب ولا تؤرخ لكشف ودراسة المجسات النوعية لتطورالشكل الشعري في العراقي ، كما أن القلة المنتجة  والمبدعة والتي ربما كانت منضوية  تحت لواء  هذا الجيل أو ذاك أو المتحررة أصلا من هذا التحقيب القسري  قد تحررت من هذا الوهم وهي تنجز مشاريعها الإبداعية بشكل فردي خالص ، وهذا ما ينسجم مع روح الإبداع الحقيقية 


خاتمة

إن التقسيم الجيلي للمشهد الشعري العراقي يمثل تعسفا في رأيي للتصور النوعي الشعري العراقي ، فلو أخذنا  شاعرا كبيرا مثل بدر شاكر السياب لم ينضج  شعريا  في  قصيدته التجديدية " هل كان حبا " والتي كتبها في اربعينيات القرن المنصرم ، بل  في الخمسينيات وبقصائد راقية مثل المومس العمياء وغريب على الخليج ، وبداية الستينات في قصيدته الرائعة " سفر أيوب". وكذا الحال ينطبق على تجربة النضج  الشعري لدى الشعر عبد الوهاب لبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف  .. وآخرون ..
إذن قصة الإجيال منحولة من إصلها ، حتى لو أدعى بعض ممثليها من أن وجود الإجيال في الثقافة العراقية :  جاء نتيجة لخلو الثقافة العراقية من  مدارس ومراحل منتظمة كما  شهدته الثقافة الأوربية . 
بعد التغيّرات المهمة في بنية المجتمع العراقي  إجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وسايكولوجيا حيث توجت عصارتها  آبان فترة التسعينات ،  إذ حلّ الخراب التام  في الحياة العراقية ،لاحظنا تخطي الشعراء لمفهوم الجيل وتطلعهم الى  إنتماءات  أكثر فردانية منها  الى الجماعة  في توصيف المشهد الشعري العراقي أو في البحث عن فضاءات إبداعية لكتابة نصوص بطرائق تتخطى ما كان متعارف عليه في الكتابة الشعرية ، فلم تعد  قصيدة النثر أو نصوص الومضة او النص المفتوح  وحدها هي الإقتراحات الجمالية  للأداء الشعري، بل حاول الشعراء منفردين خلق عوالمهم الشعرية  ضمن فضاء  أكثر حرية  مستفيدين لاحقا وبعد التغيير السياسي المهم في العراق عام 2003، من كل الممكنات المتاحة السمعية والبصرية  والتلاقح مجددا مع  تجارب العالم بوصفه قرية صغيرة .
إن عام 2000 في العراق لم يحمل معه  مصطلح " الجيل الألفيني مثلا " بل أفرز نزوعا نحو فهم جديد لوظيفة الشعر من لدن  الشاعر والجماعة معا .
كما أن الصوت  الصارخ لفرسان الأجيال السابقة  قد  صمت الآن تماما على مستوى التنظير ، وبدأ الجميع بمراجعة حساباتهم أمام الشعر وحده ، فمنهم من صمد َ وجادت قريحته منفردة  بنصوص مهمة ومجاميع تؤشر لعافية شعرية ، ومنهم من طواه النسيان شعريا ولكنه ما زال يبحلق بوقاحة في إنثيالات  يريد لتاريخه الجيلي أن يشفع لها في سوق الشعر  ومرابده ومرابطه! ،ومنهم من غادر الشعر بشجاعة نادرة ووجد نفسه في فضاءات تعبيرية  أخرى .
الإبداع  عموما  يحمل  حصانة  ضد التجيير والحيازة والإستحواذ، وهذا ما يجعل
الشاعر الفرد يؤمن بتفرده  فردا مبدعا منبوذا أو مغلوبا ، خير من وجوده رقما أو أسما في قائمة لا تشير له ولا تعنيه ، سواءً كان عنوانها جيل ، جماعة ..
 الشاعر والمبدع الحقيقي عموما  لابد أن يعيّ أن وجوده لا يرتبط شرطيا بمركز أو هامش ، ولا بجيل او جماعة .. الخ، انما سر وجوده وخلوده معا في صياغة أسئلته الوجودية الخاصة وسره الحقيقي هو نصه الإبداعي  .

’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’
 



53
عراقيون .... ولكن بعد الفاصل
جمعة  العراق العظيمة


وديع شامخ


مهاد

بعيداً عن  كلّ النتائج التي تمخضت عنها أحداث  جمعة العراق  في شباط 25 ، 2011 ، نستطيع القول بوضوح إن العراقيين قد تجاوزوا َعتبة عصر الخوف بجدارة تامة ، وصاروا على الطريق الصحيح للمطالبة بحقوقهم ومقارعة مواطن الفساد والظلم  ..كما أن تظاهرة العراقيين لم تتوقف على مكان وزمان محدّدين، إذ طال المد العراقي الغاضب العراق من أدناه الى أقصاه ، وهذا مؤشر مهم جدا لخروج العراقيين من خانة الوصايا  سواء من طرف الحكومة أو من غيرها .
جمعة 25 شباط العراقية،  قالت وبلسان شعبي مبين : إن العراقيين قد عرفوا الطريق الى الحرية وكرامة العيش وبخطوة ناضجة جدا، هذه الخطوة ستكون الدليل الواضح  للسير على طريق الحرية وإكتساب الأهلية  للحصول على "إجازة الشعب بمقاضاة الحاكم ".
ما قام به شباب العراق في " الجمعة العظيمة"،  يعني أن الخبز والحرية والحقوق ليست هبات ولا مكرمات، بل حق ُينتزع ، وشرع  يُسن ، وتقليد لا يٌخرق .
من جهة أخرى أثبت الحكام في العراق وعلى مختلف مستوياتهم " أقول الحكام وليس المسؤولين لتشابهة الدلالة  في الإمعان  في الظلم ". إنهم خائفون جدا، ومرتعبون ، ومتحسسون جدا من المصير الذي سيطالهم  بفعل القصاص الوطني العراقي العادل. وهذا مؤشر مهم أيضا  لقدرة الشارع الوطني العراقي  بإستعادة هيبته في سقوط الحكام والحكومات  بشكل سلمي .
أثبتت أحداث الجمعة العظيمة في العراق أن الحرية والخبز معا يحتاجان الى تضحيات ِجسام ، وأن الحرية وعي للضرورة ،" والخبز= كل ممكنات الحياة " شرط  لإستقامة الكائن في وجوده الإنساني .
جمعة العراق ، تخطت تاريخها في الإنصات الى مدونة الخطيب الديني المشروخة والنائمة في الماضي  وإتجهت الى الحاضر  والمستقبل معا  ، وهذا ما أقلق  مواقع صناعة القرار كافة ،  فقرروا الإجهاز على الحلم  في رابعة النهار.

 .
....................






الدستور العراقي والشرط الديني

الدستور  توافق إنساني  بين أطراف تتفق على ضرورة العيش في مكان وزمان معيّنين، لذا فمن الطبيعي أن يكون الدليل العام للشعوب المتحررة من نير الظلم، وإن السير الصحيح الى مثل هذا العقد الإجتماعي سيكون  ضمانة للجميع من الوقوع في مهاوي التحزب والتخندق وسحب  صياغة الدستور الى أهواء ونزعات  تسيطر تدريجيا على مبدأ التوافق الجمعي .
 تبعا لهذا المبدأ نرى أن الدستورالعراقي قد خرج من قاعدة التوافق  وجاء متوافقا مع  خانة المصالح لفئة معينة ومخصوصة، ولم ُيمثّل حلم العراقيين جميعا ، لذا صارت الفجوات الانسانية العراقية وحاجة العراقي  ناقوسا يقرع بالخطر  .
 من هذه الفجوة الدستورية نشأ  الخلاف بين مفهوم الحكم والمسؤولية ، بين الحقوق والواجبات والخلط بين المواطنة والتبعات الطائفية.
لقد  أعلا  الدستورمن شأن   طبقة دينية  مخصوصة " اكليروس"  وجعلها في مقام سامٍ!  فنتج عن هذا التحيّز الواضح ،ان هذه الطبقة " الدينية "  أخذت الآن مكانة  أكثر مما  تستحقها  بل تجاوزت المرجعية الدينية حدودها الفقهية والدينية الطائفية أو رسالتها المخصوصة، الى تحدي المجتمع وخيارته السياسية والعملية بعمومها  وصار المرجع الديني  قِبلة السياسي والمسؤول العراقي،  ونشأت حاشية خطيرة من  " سماسرة " للتوسط  بين الخطاب الرسمي الحكومي وبين المصلحة الوطنية  وفقا لقرار المرجع الديني، وليس الى الشرعية الدستورية الوطنية العراقية.
بهذا الخلط الغريب  صار المواطن العراقي  مقسوما  في وطنيته  في الإنتماء بين الحكومة  والمرجع الديني .

..............


المرجع الديني والتقيّة


  ماحدث في " الجمعة العظيمة " في العراق كان خارج التوصيف السياسي التقليدي لإحتواء أو شراء الأصوات.
  لم يرضخ الشارع  تماما الى الحكومة ولا الى أيّ صوت أخر  سوى صوت العراق ، وهذا أمر إيجابي جدا، الشارع العراق والحكومة  يتناطحان على شرعية  قيادة المواطن العراقي  في سؤاله  المرير / الحقوق ، الواجبات .
كانت الحكومة تلعب  لعبة القط والفأر والشعب  يريد  أن يخرج من هذا التوصيف ؟
ولكن  القاسم " الديني" قد  قصم ظهر  الحقيقية  للوصول  الى السؤال .
 لقد أثبت الديني  أنه خارج  حقوق الإنسان ، إلا عندما يتعلق الأمر بمصلحة دينية ضيقة !
في مجال " الحوزة والمراجع"   أرادوا  تثبيت هذا الحق : الإلهي"  وصاروا في موقع " التقية"
ليس هم في حكم المسؤول ، وصاروا في موقع المتفرج  الأمين !!!
صارت المراجع الدينية  تسلب حق الشارع في إكتشاف الخطأ ، وقد أثبتت الوقائع  ان الشارع  العراقي  أكبر من المراجع السياسية والدينية معا .
 السؤال الجليّ   هو : لماذا لم تطلق " المرجعية"  تهديدا  حازما صريحا للحكومة قبل بدء التظاهرات وتلزمهم في احترام الناس في  التعبير عن مشاعرهم وبشكل سلمي ومتحضر ؟
لماذا كان بيان مكتب السيد السيستاني مُضبّبا  وغير صريح قبل بدء التظاهرات وبعدها  مما يفهم منه عدم رضاء " المرجع الاعلى" من هذه الممارسة الحضارية السلمية الراقية للتعبير عن الرأي !!
وكذلك السيد اليعقوبي ، والنجفي ، وغيرهم من صمت الكثير  !! ثم جاءت الطعنة النجلاء من لدن السيد  مقتدى الصدر ب" واقعة الاستبيان والاستفتاء على التظاهرات " لامتصاص الغضب الشعبي  وهو من كان يدعي بأنه نصير المظلومين !!؟. وأعطاء الحكومة مدة ستة اشهر " منحة من سيادته" أو في الحقيقة إمتثالا لرأي المرجع الساكن في قم الإيرانية وهو السيد الحائري!!!
 منذ متى والمراجع الدينية تستفتي الناس في شؤون دينهم ودنياهم ؟
اليست  هذه " تقية" سياسية فات أوانهم  وفسدت صلاحياتها  في عراق اليوم ..؟
 أسئلة  خطيرة وكبيرة  ترفع أمام طبقة "الاكليروس " الطافحة على وجه العراق،  علّها تعيد حساباتها  عندما يتعلق الأمر بشأن العراق ومصالحه الوطنيه،  كما أن العجب يساورنا من اختفاء  "علماءالسنة" الذين بحّت أصواتهم  في التحريم والتجريم والاقصاء والتهميش ومعاداة الاستعمار والامبريالية ..  لم  نسمع منهم غيرهذا التوافق الغريب مع  خطاب السلطة " وأطيعوا الله ورسوله  وأولي الإمر منكم "!
الذي حدث في " جمعة العراق العظيمة " سيكون  نهجا متصاعدا  للمطالبة بأكبر مما أرادوه شباب الفيسبوك العراقي الرائعين  وسوف  يكون حصادهم وفيرا  ولم يستثنوا أحدا من القصاص العادل مستقبلا
.........

 الشباب يُسقطون المفاهيم  والحكّام معا


في التوصيف السياسي والواقعي  هناك بعض الفروقات الشكلية  بين حالات  ثلاث يُعبّرُ فيها الناس عن رفضهم  أو قبولهم  لشيء ما.
 التظاهر يعني عموما التحرك الجماهيري العفوي للتعبيرعن الرفض أو القبول لظاهرة سياسية  أو إجتماعية  واقتصادية ...الخ.
أما الانتفاضة  فهي مرتبطة شرطيا  بشعور عفوي و مسيس معا  للخروج  عن نمط حكم معين دون الإشتراط بتوافر النضج الخارجي ، أما الثورة فهي تجمع بين نضج الشرطين الداخلي  والخارجي لتحقّقها .
 هذه المفاهيم السياسية لم تعد صالحة للإستخدام في عالم اليوم ، فتنحي  مبارك في مصر لا ينطبق عليه شرط الثورة،  وكذلك هروب بن علي من تونس، وكذا الطريق الى سقوط  الانظمة العربية .
إن  مفهوم الثورة قد إشتمل  على " المظاهرة والانتفاضة معا"  .
هذا الدرس المهم يجب أن تعيه الحكومة العراقية ، لإن  تظاهرة الشارع العراقي تعني غدا الثورة بكل نتائجها ، وما حصل  في " جمعة العراق العظيمة" هو المشهد الأولي  والتمرين السلمي والحضاري الذي قوبل بشكل همجي  وصلف من قبل الحكومة  على مستوى الرد العسكري العنيف والإعتقالات  التي طالت  الشرفاء من ابناء  العراق  مثقفين وصحفيين وعامة الناس، كما كان خطاب الحكومة الرسمي  كما جاء في كلمة المالكي سيء للغاية  ولايمثل  أدنى درجة من النضج السياسي للتعامل مع ظاهرة حضارية ودستورية  وهي وليدة لنتاج التحول السياسي في عراقنا الجديد ، الذي يُفترض أن المالكي وغيره من ساسة العراق في موقع المسؤولية  هم جزء حيوي من هؤلاء الشباب الغاضبين على ضياع حلمهم في عراق ديمقراطي وحياة كريمة.
 
..................................


خاتمة السوء

لقد ذكرت في مقالة سابقة عن موضوع التظاهرة وتحت  عنوان " عصر ما بعد الخوف" ما نصه" في ساحة التحرير نريدها ذاكرة حيّة  ومدنية وحضارية  لافراز إستفادة العراقيين من تجاربهم  السابقة  في صنع  الديكتاتوريات ، نريد شعارات  حكيمة وواقعية ومستمدة  من الراهن العراقي ومتطلباته ومستشرفه للمستقبل ،  لانريد شعارات التخوين الشخصية ..
ليكن شعارنا ..
“يسقط الفساد الوطني" أولا.
وحتى لا نقع في فخ الأحزاب السائدة ومن  يريد التصّيد في الماء العكر وخلط الامور، نقول : إن العراقي اليوم لابد من تذكّر أن " تكرار البدايات " أو استنساخ تجارب الآخرين ليس من مصلحة العراق أولا . وعلى الآخر المتربص بنا لا بد من الإدراك  أن عصر الخوف قد  إنتهى  .. وبدأ  عصر جديد  َقلَب كل الحسابات السياسية ، والعراقيون  أدرى  بمصالحهم  العليا".
وقد تحقّق  جلّ ما حدسته ، إذ أثبت العراقيون أنهم  أصحاب رسالة وطنية سلمية ، وكانت شعاراتهم عراقية وطنية وواقعية ، وأنهم قد  تذكّروا ما حصل لهم في انتفاضة  أذار 1991،  لم يريدوا إسقاط  السيد  الطالباني ولا السيد المالكي ، لأن  تجربتهم السابقة قد أسقطت الصنم الصدامي ، رفعوا أصواتهم من أجل الحياة الإنسانية للعراقي في عصر ما بعد  الخوف.
ولكن الحكومة ارتعبت وترنحت من الخوف واصدرت ردود فعل قاسية  أصطبغت بالدم العراقي الطاهر، وهذا  حدث لن يمرّ بسهولة  وسوف يحاسب بشدة من كان وراء هذه الافعال  الشنيعة والممارسات القذرة للتصدى لعراقيين ُعزل إلا من حناجرهم الملتهبة بحب العراق..
الى السيد  المالكي تحديدا  بوصفكَ المسؤول الأول عن إدارة الحكومة وأنت القائد العام للقوات المسلحة  ، نقول لقد أثبت العراقيون في تظاهراتهم بانهم غير مندسين وغير مجيّرين  لصالح البعث أو القاعدة .. لذا فأن دمهم في رقبتكَ ورقبة جهازكَ التنفيذي ، وأن الذين أعتقلوا من الاحرار  سيشكلون شهادة حيّة عن  لا دستوريتكم في التعامل مع الصوت الأخر .
الى مجلس النواب رئيسا وأعضاءً عليكم التحرك السريع بوصفكم جهة تشريعية ورقابية  لإستدعاء المالكي وقادة اجهزته الامنية  لمساءلتهم  في  جلسة علنية  تبث  مباشرة من قبل قنوات التلفزة الوطنية .
كان يمكن لايّة حكومة عاقلة  ومتزنة  وتمثل مصالح شعبها أن تفتخر كثيرا  بهؤلاء الشباب وبحدة وعيهم الوطني سيما وانهم لم يبلغواغيرالحدود الدنيا  للعيش الكريم ، وأن أغلب هؤلاء الشباب قد  ولدوا في رحم الديكتاتورية السابقة ، وكان عهد  نورهم للخروج من النفق المظلم  هو يوم سقوط الصنم العراقي في ساحة الفردوس، انهم جديدوا العهد  بعصر النور ، فكان لابد للحكومة ان تفخر بهم  وتنزل معهم الى الساحات  لتفعيل  العمل الوطني
ولكن الفرح العراقي  لا يتم أبدا إلا  بدم عراقي مراق، نذورا أو أضحيات ..
لماذا  كُتب على العراقي  ومنذ " قصة الخليقة البابلية " والتي تقول: إن العراقي جُبل من طين  معجون بدم إله سفيح!!!!!!!!!!!
إذا كان لابد من الدم  فالدم العراقي الآن ثمنه غالٍ جدا ..

وقد  قلت في مقالتي السابقة " إذ كان الدستور العراقي هو الثمرة التي سنشترك معا في قطافها ، أُريد لها للأسف أن تكون" بقرة مقدسة"  لفئة معينة  يشرب من حليبها حتى الثمالة  دعاة الطائفية والعرقية والمذهبية ..، فالدستور إذن هو عقدنا الإجتماعي وهو ثمار نضالنا الطويل وهو حصاد أرواح الشهداء وهو هويتنا الأولى وعنوان  مدنيتنا وتأسيس لحضارتنا  وعصارة عقولنا ، فعلينا أولا أن ندافع عن هذا المنجز الإنساني الكبير "
 لتكن خطوتنا الثانية إسقاط الفجوات الدستورية،  لمنع نشوء سلالات من الحكام والحاشيات والمرجعيات  تنام في  بيوت العنكبوت وتتحكم في العراق وأهله!!.
 
...



54
عراقيون .....  ولكن بعد هذا الفاصل
عصر ما بعد الخوف

وديع شامخ
Wadea1956@yahoo.com


-1-

 شيء من الذاكرة


  التاريخ العراقي المعاصر يشير الى حدوث أكثر من ثورة ومظاهرة  وإحتجاجات جماهيرية ضد الأنطمة التي توالت على حكم العراق سواء في العصر الملكي أم في العهود الجمهورية  التالية ، ولو عدنا الى التاريخ القريب جدا  وخصوصا في عام 1991، يوم  حصلت إنتفاضة عراقية هزت أركان أعتى ديكتاتور في العالم وهو " صدام حسين"، إذ  سقطت 14 محافظة بيد المتظاهرين ولم يبق غير بغداد وبضع محافظات ، وكاد الطاغية صدام أن  يسقط لولا أن الإنتفاضة العراقية لم تفرز قادة حكماء لكي  يصيغوا برنامجا سياسيا واضحا ومُطمئنا للأطراف الدولية والأقليمية والعربية المجاورة، وكان هذا عاملا مهما  " في إنهاء هذه  الإنتفاضة" ، فقد  إنحدرت الشعارات الى الغلو الديني وإستحواذ الخطاب الديني الشيعي تحديدا على هوية المنتفضين ، وكانت الشعارات  المرفوعة قد أخافت الجميع بما فيهم العراقيين"، مما جعل الأطراف الدولية " أمريكا تحديدا" تسحب  جيوش التحالف التي وصلت الى مشارف  بغداد " منطقة الكوت " مغيّرة رأيها في تعيير صدام كما كان الهدف المعلن من قبل الرئيس بوش الأب، وبهذا يكون العامل الخارجي  سببا رئيسا  في  وأد إنتفاضة العراقيين ، وتمديد حياة الرئيس صدام حسين الى أجل  مسمى ومعلوم  قوامه نضج الشرط الداخلي وتهيئة الأرضية الدولية لإسقاط  صدام الى الإبد. وهكذا نُحرت إنتفاضة العراق،  وكانت تجربة رائدة في تخطي حاجز الخوف من أقسى ديكتاتورية شهدها العصر الحديث ولكن للأسف  لا أحد من المحيط العربي أستفاد  من هذه الشرارة لإنها  فشلت بفعل عامل خارجي " دوليا  واقليميا وعربيا" .
في عام 2003 إختلف الوضع تماما لإن صدام حسين بات في حكم الميت ، نتيجة لنضوج العامل الخارجي بسيادة أمريكا المطلقة على مقدرات ومفاتيح القرار في  أعلى هيئة دولية ، كما أن المعارضة العراقية قد نَشطت أو " نُشِطَتْ" لكي  تقوم بدورها في إعطاء الشرعية للعامل الخارجي" القوة" مع إستعداد  الشعب العراقي  فطريا لتقبل أي تغيير بعد أن توالت النكبات والخيبات والمجاعات على العراقيين في زمن البعث الصدامي   ، وبدأ العمل وشهد يوم 9 نيسان 2003  سقوط الصنم العراقي ، وكان هذا الإنتصار الكبير بفعل نضج العامل الخارجي الذي لم يكن ناضجا وادى الى وأد انتفاضة العراقيين 1991 .
نخلص الى القول إن التجربة العراقية هي  الرائدة في إنتفاضتها أو ثورتها في التغيير ، ولكي أستطيع  الجزم أن سقوط الصنم العراقي كان الشرارة  والوعيد لنضج العامل الخارجي" القوة" ، وهذا ليس أطراءً لهوى عراقي ، انما لإقرار حقيقة تاريخية ، لم تستوعبها الأنظمة الديكتاتورية العربية  ولا الشعوب العربية معا .



2-

 سقوط الصنم العراقي  وجزّ اللحى

في أول رد فعل عربي بعد سقوط الصنم العراقي  من دكتاتور صديق لصدام حسين وهو الرئيس اليماني علي عبد الله الصالح الذي  صرخ قائلا " يجب ان َنحلق لُحانا قبل أن يَحلقها لنا  الأمريكان" وهي إشارة الى واقعة الحفرة " التي كان القائد الفذ صدام حسين مختبأ بها ، وجاء رد الفعل الثاني  من " أبو ليبيا القذافي " بنزع لباسه النووي أمام العالم وتسليم " مدافعه  وسر قوته" الذي كان يضمرها لمحاربة إسرائيل، الى  أمريكا ".
لكن الدور الإيراني  البغيض  في العراق  قد  أخّر وصول  شرارة إزاحة الأصنام العربية  والمساهمة   في أطالت  أعمارهم وهم  يمرون  في حالة "  الموت السريري".
نعم  أستطيع القول أن السنة الأولى بعد زوال الصنم العراقي  شهدت هزة عنيفة  في عالم  الإنظمة العربية  الشمولية ، ولكن عدم نضج المشروع السياسي الداخلي  العراقي  وتشظي ولاءات رموز المشروع  العراقي  الى أهواء طائفية وعربية وأقليمية ، مع الخلط الحاصل في  رؤية الإمريكان  لواقع العراق ما بعد التغيير، هذان العاملان قد ساهما  كثيرا في  تأخر شيوع تجربة النموذج العراقي كمرحلة لتأسيس ديمقراطية الدولة والمجتمعات .
هناك عامل مهم يجب أن لا ننساه في تهيئة الشعب العراقي  للعيش في مرحلة " الطواريء" الدائمة إلا وهي سقوط تجربة الدولة العراقية بمفهومها الدستوري والمدني بعد مجيء العسكرتاريا  الوطنية منذ الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الى  سلسلة الإنقلابات الدموية البعثية  في العهدين 1963، وعام 1968. وخلاصة القول في التجربة العراقية  أن رحيل صدام حسين  قد أسس لمرحلة جديدة وهي ما أطلقُ عليها " مرحلة ما بعد الخوف" وهي الشرارة الحقيقية الكامنة والظاهرة معا في  جسد الديكتاتوريات  العربية،  وهي المنسجمة مع نضج العامل الخارجي في مرحلة  التخلي عن مساندة الإنظمة الشمولية
.............................................................

3-

نماذج عربية  لرحيل الطغاة

قبل الذهاب الى تجربتي  تونس ومصر وَتسلم العسكر القيادة  لابد من َتذكّر تجربة السودان للحقيقة والتاريخ ، والإشارة القوية الى دور المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب ، الذي تسلّم مقاليد السلطة بعد إنقلاب عسكري في السودان بأمرة ضباط على رأسهم الفريق تاج الدين واللواء عثمان عبد الله وتقلد رئاسة المجلس الانتقالي عام 1985 إلى حين قيام حكومة منتخبة. وقد سلّم سوار الذهب مقاليد السلطة للحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة رئيس وزرائها / الصادق المهدي - ورئيس مجلس سيادتها / أحمد الميرغني وبعدها اعتزل العمل السياسي .
انا هنا أريد تذكّر آليات إنتقال السلطة بشكل سلمي ورائع لحكومة مدنية بعد سقوط النميري  ، وفيها أثبت سوار الذهب  بأنه رجل وطني  والقوات المسلحة يمكن أن تكون وطنية بأمتياز دون أن تكون سلطة بيد الطغاة، إذا ما توافر لها قيادة عسكرية وطنية مثل المشير " سوار الذهب ورفاقه  في المجلس الإنتقالي " وعقيدة وطنية لا تبعية لحاكم أو سلطان ..   نرجو أن تكون نتائج  تجربتي تونس ومصر حقيقة واقعة  تؤدي الى إنهاء حالة سيطرة العسكر والرجوع الى الحكم المدني  وشيوع الديمقراطية الحقيقية  وتلبية مطاليب الشعبين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ..الخ.
..........................................
4


التظاهرات في  العراق  مطلب وطني أم عدوى  ؟

بعد موجة التظاهرات الجماهيرية  في  كل من تونس ومصر  ودور الشعوب " الشباب" خصوصا في التغييرات المهمة التي أدت الى اقصاء بن علي ومبارك ، حدثت نتائج  عفوية في عواصم عربية  مثل صنعاء والجزائر والبحرين " أقول عفوية لإنها  لم تخرج بفرمان حكومي أو مؤمراة دولية " ، وهناك دعوات ونوايا للمعارضة في ليبيا و سوريا  لدعوة  المجتمعات الى التظاهر ولكن السلطة في هاتين الدولتين " ليبيا وسوريا" ما زالت قوية ومسيطرة  لحد الآن ... ولكن لتظاهرات في إيران قد طالت  المقام المقدس  والتعرض على  شخص السيد " الخامئني" شخصيا .!!! وهذه إشارة حسنة جدا.
في العراق وبعد مسار التجربة السياسية  منذ سقوط الصنم في 2003  وحتى العام الحالي ، نعتقد إن العراقيين قد حققوا الخطوة الأولى  في الطريق الى مستقبلهم ، وأعني  بالخطوة الاولى هي الدستور وما ترتب عنه من تنظيم السلطات ، وقد شهد العراق أيضا إنتحابات تشريعية  َشابها الكثيرمن اللغط  والتزوير حول مصداقيتها  ، ولكنها شكّلت خبرة للناخب العراقي" وليس للناحب! " رغم عوامل التغييب الدينية والقومية والإقليمية التي  فُرضت على الناخبين لصالح "الناحبين أبدا " .... " الناحب : من النحيب هو البكاء، واللبيب بالإشارة يفهم  ".
ومن حصيلة العميلة السياسية العراقية،  برزت عندنا سلطات قضائية وتشريعية وتنفيذية  لها  فعل مستقل معقول ، وهناك رئاسات " الوزراء  والجمهورية والبرلمان" وربما فيما بعد ، المجلس الوطني الأعلى للسياسات الذي ينتظره السيد أياد  علاوي بفارغ الصبر ، وهذا ما يراد له  تقلّيص من  سلطة المركز السابقة" صدام حسين" ، نعم هذا حصل ولنا عليه الكثير من القول والشك والريبة والإنتقاد الحاد ، مما نتج عن هذه المؤسسات العراقية من فساد وطني أولا  سيقود الى سلسلة من أنواع فساد لا حصر لها .
ولكن المهم في تقديري إن التجربة العراقية مختلفة  في تركيبها السياسي  لإنها نتيجة حصاد تجربة سياسية بعد سقوط الصنم العراقي ، وهو ما لم يحصل في التجارب العربية  في كل من تونس ومصر  وما سوف يليها ...
إذ كان الدستور العراقي هو الثمرة التي سنشترك معا في قطافها ، أُريد لها للأسف أن تكون" بقرة مقدسة"  لفئة معينة  يشرب من حليبها حتى الثمالة  دعاة الطائفية والعرقية والمذهبية ..،
فالدستور إذن هو عقدنا الإجتماعي وهو ثمار نضالنا الطويل وهو حصاد أرواح الشهداء وهو هويتنا الأولى وعنوان  مدنيتنا وتأسيس لحضارتنا  وعصارة عقولنا ، فعلينا أولا أن ندافع عن هذا المنجز الإنساني الكبير .
لذا ونحن أزاء تجربة  سياسية عراقية واقعية فيها من الاورام والدمامل ، نعرف  أسبابها  تماما  ومنها  شيوع المحاصصة الطائفية في المشهد السياسي العراقي ، شيوع الولاءات المزدوجة للسياسي العراقي  بين الداخل والخارج، غياب المشروع الوطني والإلتفاف على الدستور في الكثير من المفاصل الحيوية ، نعرف إن رئيس  الجمهورية لا تكمن قوته  بسلطة الرئاسة بل لكونه منتميا الى كتلة كردية !! ولنا من الإشارات الكثير التي تدل على ترهل  الحكومة العراقية   وفسادها الإداري والمالي والأخلاقي.
ولكن السؤال المهم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هل التظاهرات التي ننادي بها للخروج  مصابين بعدوى الأشقاء  هي ضرورة  لإستنساخ التجربة ، أم ان التظاهرات سوف يكون لها  دور آخر ومهم ويتناسب مع حاجة العراقيين للتظاهر .
الإحتجاج والتظاهر حق مشروع للناس بعد كل هذه الآلآم  وإجهاض الحلم العراقي بعد التغيير ولكن كيف نتظاهر وما هي شعاراتنا ؟؟؟؟
هل نريد إسقاط حكومة المالكي؟
هل نريد ‘إسقاط البرلمان ؟
هل نريد إسقاط  الرئيس الطالباني ..
هل نريد محاربة الفساد وملاحقة المفسدين .
هل نريد خبزا ، وليس بالخبز وحده يحيا الانسان .
هل نريد  خمرا ؟؟
هل نريد أن نتنفس هواءً نقيا ؟
هل نريد رخاءً يليق بنا كدولة نفطية غنيّة جدا؟؟
هل نريد حصتنا من النفط  كمواطنيين  عراقيين من الدرجة الاولى ومن النوع المدني!
نعم كلّ هذه المطالب مشروعة وواجبة التنفيذ وكان لها ان تتحقق  قبل هذا التاريخ ، وكان لابد  للمظاهرات ان تخرج  لاسقاط الساسة الذين توانوا عن تشكيل الحكومة الحكومة العراقية لشهور عديدة، ولكن الزمن العراق " مائع" دائما .. وما أريد التأكيد عليه هو أن  زمن الخوف قد مضى منذ عام 1991 وبعد 2003 تحقق للعراقي حلمه في الإستفاقة من الكابوس الطويل ، لذا فأن التظاهرات اليوم يجب ان تكون بمستوى هذا الوعي والتضحيات العراقية الجسيمة ، ويجب ان تكون لتظاهراتنا نكهتنا العراقية الخاصة، نريد التظاهر ليس في ساحة التحرير فقط ، نريد مظاهرات تشمل العراقيين جميعا  ضد فقرات الدستور التي  سمحت  بهذا الخراب السياسي في العراقي .
التظاهرات العراقية نريدها شاملة من الشمال الى الجنوب ، لانننا كعراقيين  لابد لنا  من حصاد ثمار سقوط الصنم العراقي  كاملة ،لا نريد التظاهرات أن تكون لهوا ومزاجا  يختلط فيه المتصدر للسلطة مع الضحايا. 
نريد ثورة حقيقية ضد الفقرات اللاحضارية  في الدستور العراقي  وخصوصا الفقرة الثانية والتي تقول:
المادة (2):-
اولاً :ـ الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ اساس للتشريع:
أ ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
 سنقول لا للفقرة الثانية . يجب ان نسقط هذه الفقرة كي يستقيم عمود الدولة العراقية بكامل الجسد العراقي .
علينا أن نرفع شعار حماية  المواد الدستورية  من الخيانة ، كما تشير :
- المادة (18):-
رابعاً :ـ يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصباً سيادياً أو امنياً رفيعاً، التخلي عن اية جنسيةٍ اخرى مكتسبة، وينظم ذلك بقانون. !!!
خامساًً :ـ لا تمنح الجنسية العراقية لأغراض سياسة التوطين السكاني المخل بالتركيبة السكانية في العراق.
 ليكن شعارنا : على المسؤولين الكبار والذين  يحملون" الولاءات المزدوجة"  قبل الجنسيات المزدوجة أن يغادروا الكراسي فورا.
علينا أن نرفع شعار  مستقى من الدستور لكي نكون منصفين :
المادة (19):-
أولاً :ـ القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون.
.........
علينا أن  نرفض التكتل الطائفي والديني  ونرفض  هذه المادة  من الدستور والتي تنص:
المادة (10) على  أن:-
"العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها." .
وذلك لإننا في الطريق الى بناء دولة علمانية عصرية  لا مقدس فيها سوى " العراق والعراقيين".
.............
 في ساحة التحرير نريدها ذاكرة حيّة  ومدنية وحضارية  لافراز إستفادة العراقيين من تجاربهم  السابقة  في صنع  الديكتاتوريات ، نريد شعارات  حكيمة وواقعية ومستمدة  من الراهن العراقي ومتطلباته ومستشرفه للمستقبل ،  لانريد شعارات التخوين الشخصية ..
ليكن شعارنا ..
" يسقط  الفساد الوطني" أولا .
وحتى لا نقع في فخ الاحزاب السائدة  ومن  يريد التصّيد في الماء العكر وخلط الامور ، نقول : أن العراقي اليوم لابد أن يعي أن " تكرار البدايات " أو استنساخ تجارب الاخرين ليس من مصلحة العراق أولا . وعلى الآخر المتربص بنا لا بد أن يعيّ أن عصر الخوف قد  إنتهى  .. وبدأ  عصر جديد  َقلَب كل الحسابات السياسية ، والعراقيون  أدرى  بمصالحهم  العليا .
...
 










55
زين الهاربين " بن علي" 

شجرة الدكتاتورية  بين  مسرح القسوة  وواقع  النار !


وديع شامخ
Wadea1956@yahoo.com

 يتذكر التونسيون ما قاله الرئيس السابق الحبيب بورقيبه للرئيس المخلوع  زين العابدين بن علي  يوم كان قائدا للأمن، قال له : "إسكت يا بهيم يا بتاع البوليس"
لكن البهيم بن علي َلقن سيده درسا وأقصاه عن سدة الحكم  حين بلغ بورقيبة من " العمر عتيّا وصار خَِرفا " ، ويقال إنها طبخة مخابراتية أمريكية جريا على عادتنا العربية في نظرية المؤامرة !! .ولكنها على  الإقل " طبخة شهية" حقّقت ل" بهيم البوليس" َتصدر دفة الحكم .. ولكن السؤال هنا .. هل بلغ" الفهيم بن علي " سن الرشد ؟
هل تعلّم درس إدارة شؤون الناس  وهل منحته  " الأريحية المغاربية " في عزل الولاة ، حكمة التعامل مع  كرسي الحكم بوصفه  تكليفا لخدمة الشعب  وليس تشريفا .. وهل شفعت له " طبخة المؤامرة " أن  يكون " حويطا" لشم  رائحة  الشواء  ... وهل كان يتوقع أن تكون هذا الرائحة  ليست  من صنع " مطابخ المخابرات " بل جاءت  من  جسد المواطن التونسي ، بائع  الخضار " بوعزيزي" الذي سوف يؤسس لثقافة شواء  الأجساد  قربانا لسقوط الأصنام ، وكأننا أمام تراجيديا  القرابين المنحورة على كراسي السلاطين !!!
......................................
ويتذكر التونسيون أيضا ما قاله  الحبيب بو رقيبه عن أبناء  قرى تونس  بأنهم " أولاد الحفيانيه"، وهو  نفس  اللقب  الذي أطلقه  صدام حسين " دكتاتور العصور" على العراقيين  بانهم حفاة !!
َمنْ وصفهم بورقيبه بالحفاة هم أهل " سيدي بو زيد"  وقراها ، الذين تصدوا  للإحتلال الفرنسي ، ولكن بورقيبه نسى فضلهم كما هي عادة  الحكام الطغاة  حين يتصدرون  سدّة الحكم .
بل إن هؤلاء " البلهاء" الحكّام قد اصبحوا العيّنة  الإحصائية  الملائمة للإستنتاج بأن العرب مصابون بفقدان الذاكرة ، وهو ما أشار اليه أحد القادة  الإسرائيلين في معرض حديثه عن التحالفات أو المعاهدات مع الدول العربية والقاضية بشأن أمن دولة أسرائيل بوصفها دولة الخطوط الحمراء .
...............................
أتذكر الآن قائمة الطغاة والبغاة ..  أتذكر بوكاسا أحد  ملوك افريقيا، وثلاجته المليئة باللحوم البشرية والتي  كان  يفضل أكلها مع أطايب المشروبات ، وهو ما يماثل  فساد بن علي وبطانته .. أتذكر جوزيف بروس تيتو،  ونظارته الذهبية  وبؤس  الشعب اليوغسلافي آنذاك،  وهو ما يشابه بن علي  وولعه  بتصفيف الشعر وقيامه بعميلة  تجميل لانفه  والذي لم يسعفه للأسف لشم روائح شواء " بو عزيزه"! ، أتذّكر هتلر  وهو يستخدم  " السياند" لوضع  حد لنهاية  الكلب ، لانه لا يثق حتى بموته !!
أتذكر ستالين وهو يَقلق التاريخ  .. أتذكر الحجاج بن يوسف الثقفي وهو ينتظر موسم قطاف الرؤس وجز  اللحى.. أتذكر .. أتذكر .. .. وأقف عند " زين الهاربين" الدرس الآخر  للحكّام الذين تفننّوا في مغازلة الكراسي والاستماته للبقاء  حدّ القطرة الأخيرة من حيائهم الناضب  أصلا !!
...............................

يتحدث إنطوان أرتو المسرحي الفرنسي الكبير عن اسلوب مسرحه الغريب، وكان البيان الأول  بعنوان (مسرح القسوة) حيث تحدث فيه عن ضرورة أن يكون  لتأثير المسرح  كالنار المُحرقة!!، وكانت وسيلة تعبيره هي الصورة المشهدية القاسية التي تشكل قوة عليا طاغية. وفي  كتابه " المسرح وقرينه " تحدث عن تأثير المسرح على  الجمهور  كما هو تأثير مرض الطاعون .
 لكن  بائع الخضار  بو عزيزي من أهل " سيدي ابو زيد" أراد  لرائحة شواء جسده  أن تكون  رسالة واقعية  تنتشر كالنار في هشيم شجرة الديكتاتوريات .
 يالعظمة  المسرح الفرنسي الذي  جعل " الرئيس ساركوزي" يمتنع عن إعطاء تأشيرة لزين الهاربين بن علي لدخول  فرنسا !!
 ويا لعظمة الحياة .. أمام  شواء الجسد البشري واقعيا .
فهل هي ثقافة  الشواء؟
 شواء الجسد أم الروح ؟
أم هي رسالة جديدة  لتذكير العقل العربي الحاكم  والنائم  في يقين الكراسي .
....................................

ِمن أهم ما أفرزته تجربة " أولاد الحفيانية " في تونس إنها كانت ثورة جياع ، وثورة إنسانية خالصة وخالية من ثاني أوكسيد السياسة ومكائد الجوار ومطابخ  المخابرات .  بدأت من " سيدي بو زيد" والقرى الصغيرة التي  ترقد آمنة على مقربة من سفوح الجبال مثل " الاعتزاز والنصر "  أو "الرقاب ، والمكناسي ، والمزنة ، ومنزل بوزيان " .
لم يكن " البهيم بتاع البوليس " مقنعا في أدائه كرئيس..  ولم يستمع الى  صراخ  الجياع حتى جاء النذير .
أتذكّر أن العراقيين دفعوا بحورا من الدماء ولم يهتز لعرش" صدام" شعرة ، ودفعوا من  ماء الحياء  حتى بلغت من الذلّة والهوان  شأن لا يدانية خزي آخر..
وكان َقَدر هؤلاء الطغاة البغاة أن يلقوا حتوفهم على أيادي " أولاد الحفاة" لأن الحفاة يمتلكون  ذاكرة باشطة وألم يوخز ضمائرهم وبطونهم كلّ يوم .
..........................................

درس الشواء  البشري بكل تجلياته الإنسانية  وعمق تراجيديته وسوداويته،  ورغم نجاحه  في الحقل التونسي في حصد رأس الكرسي ، لكني لا أحبذ أن يكون سنّة متنّبعة ،لان نجاحه في تونس أقتضى توفر بيئة حاضنة لقبول هذا القربان وإشعال ثورة بيضاء أفضت الى القضاء على رأس الفتنة وبطانته رسميا، وهذا لايمكن  تكراره لاختلاف الحاضنات المجتمعية والسياسية  في أماكن أخرى عربية وغيرها ما زال الديكتاتور يتربع على صدور الناس ، وعلى الشعب التونسي الرائع  أن  يضع نصب  عينيه الأهداف النبيلة التي مات من أجلها " الشهيد بو عزيزة"، ولا ينجر الى ألاعيب الساسة وأهواء المصالح ونفوذ المتربصين في الداخل والخارج، فإذا ما هرب " زين الهاربين " فلا يجب أن نتوقع ظهور الملائكة .. فهناك مصالح ومطامح أكبر من الوطن والناس ورائحة الشواء الآدمية .

.................................................

قلتُ في مقطع شعري ، "أتذكر  أيامي المشويّة على سفود الحروب"
وكنت أعتقد  أنني بلغت نهاية الإستعارة القصوى في المقابلة بين  تقويم  الأيام والشواء على السفود، وكنا في العراق نشوى على السفود ويموت منا في اليوم ما يعادل  صدمة زلزال  ولاأحد كان يسمعنا..
إن من أفضع أخطاء الديكتاتور العربي أنه بلا ذاكرة فعّالة ، وهي لعمري من أجلّ محاسنه من جانب آخر ، لان الذاكرة قبر لمن ينام فيها وحقل لمن يزرعها . فصدام حسين مثلا لم يستطع الفكاك من حلمه " أو كابوسه " في البقاء في القوة " وليس في  الحكم " حتى جاءت الصدمة مزلزلة وعلى قدر وهمه  في البقاء، لان الشعب العراق قد عجز عمليا وداخليا في إزاحته .
 ولو أن مواطنا عراقيا " أحرق نفسه " إحتجاجا على صدام  ونظامه  فإنه لم يشكل نموذجا  ثوريا  للشعب العراقي الذي كان في "جحيم سقر" طوال عهد البعث الصدامي ،كما أن هذه الجثة المتفحمة  سوف تكون نذير شؤوم  لعائلة وعشيرة المحترق إحتجاجا!.
رائحة محمد بوعزيزي  نريدها رائحة الإنسان العاقل الفاعل ، الإنسان الذي يعيش ضرورة ويموت إضطرارا ، لا الإنسان الذي يحيا  إضطرارا ويموت ضرورة وناموسا.
.........................................


..

56
عراقيون .. ولكن بعد هذا الفاصل  " كولاج صحفي"

المسيحيون لا  ينقرضون..... حذار .. حذار .. 
 

وديع شامخ
Wadea1956@yahoo.com


مهاد

لم تكن الهوية الدينية هي  المصدر الرئيسي لتعريف المواطن العراقي على طوال تاريخه المعاصر والذي إبتدأ منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 على الأقل، وأنا لا أزعم عدم بروز صراع ديني او طائفي او مذهبي بل كانت هذه الصراعات ماثلة للعيان أحيانا  أو مبطنة وخفية في معظم أدوار الدولة العراقية تبعا للظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية السائدة في كلّ حقبة من تاريخ   العراق  .
العراقي مواطن  لا يختلف عن أي إنسان في الإرض يعيش في كنف دولة له هويته الوطنية الغالبة معنويا وماديا ، أي أن الهوية الوطنية  هي مصدر التعريف الأول للمواطن العراقي ، وما عدا ذلك فله بالتأكيد مجموعة من الهويات  الجزئية ، فهناك هوية قومية واخرى طائفية وثالثة دينية وقبلية  وحزبية وربما مهنية .. الخ .   هذه الهويات الجزئية المتعددة  تتناسب  في الأهمية  وفقا  لوعي حاملها ودرجة حساسيته وإنتمائه  لأيٍّ منها .
 لمصلحة مَنْ.. يتم تسويق الهويات وخلطها  وتعويمها !!؟
.......................................

هل الدين هوية  وطنية ؟؟؟

ربما يثير  هذا السؤال علامات إستفهام متعددة ، وتناقضا مع حديثنا في السطور الاولى  في كون الدين هوية جزئية ، ولكني تعمدت طرح هذا السؤال لإن مفهوم الهويات لم يعد بهذا التسلسل الذي أؤمن به  وطرحته في " المهاد" ، كما ان المعضلة الاخرى جاءت من خلال  تحويل الهوية الدينية من محيطها الروحي والشخصي في العلاقة مع الله الى حقل أخر له شروطه المختلفة تماما ، وهو الحقل السياسي! فالدين أو العقيدة الدينية أو الانتماء الروحي له شروطه في هذا الحقل لا يمكن ترحيلها الى حقول أخرى تتناقض تماما مع عمل الحقل الروحي الديني.
الصراع الديني في العراق الآن هو نتاج خلط مفهومي وأدائي بين الأولويات الإنسانية للعيش المشترك في ظل مجتمع متنوع وفسيفسائي مثل المجتمع العراقي وبين الإنحياز الى خطاب ديني يقضي  بالسيادة على الإرض والسماء ، ومصادرة حقوق الكائن البشري عبر تسويق خطاب ديني – سياسي  له الحق في تجاوز مفهوم تعايش المجتماعات  في ظل عقد إجتماعي توافقي حر وهو " الدستور " بحسب جان جاك روسو الذي يذهب في  كتابه (العقد الاجتماعي) " إلى أن هذا الفرض (الحريات والحقوق) ممكن التحقيق عندما تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شعبا واحداً، وأن تحل القانون محل الإدارة الفردية وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله وهذا هو البند الوحيد للعقد الاجتماعي إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل القانون، والقانون ارادة الكل تقر الكلي أي المنفعة العامة وأن الشعب لا يريد إلا المنفعة العامة. فالإرادة الكلية مستقيمة دائماً ومن يأب الخضوع لها يرغمه المجتمع بأكمله". ، وليس على مبدأ الاغلبية الحاملة لهوية  دينية جزئية ، حتى ان القاضي عبد الجبار المعتزلي  يقول " إن الكثرة ليست من إمارات الحق ، ولا الأقلية من إمارات الباطل" .
الهوية الدينية الاسلامية فرضت مرتين على المواطن العراقي ، مرّة لوجود هويات أخرى جزئية مناظرة لها أزاء الهوية الوطنية العراقية، وأخرى عندما يحلّ رجل الدين محل رجل الدولة"ولوفي السر !! " كما هو حاصل في تدخل المرجعيات الدينية في العراق في أدق تفاصيل  المجتمع العراقي المتعدد والمتنوع ، وهذا ما نتج  عنه فقرات قانونية سنّت في الدستور العراقي لتثبيت حق الدين الاسلامي كمصدر وحيد للتشريع ، وأيّ نص في الدستور يعتبر باطلا اذا تعارض مع الشريعة الاسلامية .. كما أن المراجع الدينية  هي رموز وطنية مفروضة على الجميع كَفلها الدستور ، وحتى العتبات المقدسة ومزارات أولياء الطوائف الاسلامية لها خصوصية في الدستور!
فهل الدين هوية وطنية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

........................

المسيحية هوية روحية

لم تَطرح المسيحية نفسها على إنها  هوية خارج حقلها ، وهذا ليس عائدا الى عامل تفوق العقل الغربي  ووضع الدين ورجاله في أطار الكنيسة، رغم صحة هذا القول أزاء ممارسة الكنيسة الغربية وتعاونها مع الحكام  في أكثر من دول اوربا ، ولا الكنيسة الشرقية كانت " بريئة جدا" من رغبتها في الحصول على مكاسب سياسية .  إن الامر الواضح في البناء الروحي للمسيحية ومفاهيمها البنيوية  هو أن  لا تسمح لهذا التداخل بين الرسالة الروحية  والحكم السياسي .. إن سر روحانية المسيحية تتأتي من دعوة مؤسسها " يسوع "  وحديثه " أعطوا ما لقيصر لقيصر .. وما  لله لله " و" مملكتي ليست من هذا العالم " ... الخ .  هذا التنظير والتقعيد  المبدئي الذي تحمله الروح المسيحية هو الذي جنّبها في العراق وفي الشرق أيضا ان تسقط في أحابيل وحقول الساسة .
لذا فالمسيحية هوية روحية جزئية  ترفد الهوية الوطنية  بكل ما يجعل معتنقها أن يكون  مواطنا حقيقيا لبلده ، مواطنا  مواليا لروح المواطنة .

................................

َمنْ  ينقرض...  العراق  أم المسيحية ؟؟

 لم  نفترض ان المسيحيين هم أولاد الله المختارين ، وهم  الأعَْلون في الأرض  ! وليسوا هم خارج الشعب العراقي  في أفراحه وأتراحه ، وقد أثبت التاريخ العراقي بقديمه وحديثة  مساهمتهم الجديّة  في بناء العراق ، ولهم أبناء عاقين أيضا، أيّدوا الحاكم  الظالم  وإنتصروا لثقافة الظلم ،  وربما تمادوا وصاروا " أكثر ملكية من الملك " ، ولكن المسيحية ظلت هوية روحية  والمسيحي لم يشهر يوما سيفا لبناء دولته الدينية ، لم يطالب بحقوق مخصوصة  في الدستور إلا تلك التي تكفل له حقوق المواطنة ، أصابهم  ما أصاب العراق  لانهم مواطنون عراقيون وليسوا تبعيات  وجاليات ..
هذا يقودنا الى  السؤال المهم ، أذا  كان  المسيحيون  عراقيين  أصلاء ، فلماذا يبدأ  التقعيد النظري  السياسي والديني العراقي الآن  لوصفهم  بتوصيفات تجانب حقيقة المواطنة بوصفها  التعبير عن الانتماء للوطن ، تارة  يصف الخطاب السياسي العراقي المبطن بالديني  ب" الاخوة المسيحيين " او " شركاء في الوطن"  أو ما يسمى ب" المكون المسيحي" وغيرها من الصفات الطائفية الرائحة  والتي تزكم  الإنوف الوطنية العراقية ، وكأن السادة في دفة الحكم في العراق واحزابهم الغالبة  قد أختاروا أن يحفروا قبرا للعراق ، عبر توزيع هويات " الموت" . فوصف المسيحيين بالإخوة  له معنى سياسيى أخر وهو القدرة على الاستغناء عن الإخوة  أذا اقتضت مصلحة الدين ذلك ولهم في  النصوص القرآنية  والسنن أسوة حسنة ، ووصف المسيحيين بالشركاء هو وصف ثعلبي سياسي  يعني بالإمكان الإستغناء عنهم في أيّ وقت مناسب ، كما أن وصفهم ب" المكوّن" هو  إقصاء علني لحين انتهاء دورهم في مسرحية   تأثيث الحق لصالح الأغلبية الدينية الاسلامية
إن الخطاب السياسي  المقترن بالديني  سوف يساهم في حفر قبر العراق  إذا ما أصر على  بناء دستور ديني أو يكون الدين السوط الماثل على الظهور و الانفاس ..

.........................
 
دعوات لرحيل المسيحيين !!

 المسيحي هو عضو فاعل ومواطن من  الدرجة الأولى في المجتمع العراقي  كما هو حال  كل أعضاء المجتمع العراقي .  فما تدعو له المنظمات الإرهابية " بكل نوايا مموليها "  لرحيل المسيحين  أمر يدعو الى مساءلة " السادة " و" المسؤولين"  في العراق  أولا  والمجتمع العراقي برمته أيضا.
أذا كانت الهجمات الآن بالوعد والوعيد تطال المسيحيين  من قبل منظمات  إرهابية علنية ، فهو إجراء طبيعي جدا  لطبيعة الخطاب الديني الاسلامي  المتشدد  سواء أكان سنيّا أم شيعيا ، لان هذا التطرف سوف تجابهه الحكومة العراقية  بحزمة إجراءات جبرية لمعالجة الأمر ، وربما تنتصر القوات المسلحة العراقية وكل الإجهزة الامنية لإبطال  العمليات المسلحة ضد المسيحين .. ولكن من يوقف الخطر الفكري الماثل في تكفير الناس في عقيدتهم  .. هذا هو الخطر الحقيقي ..
فإذا ما كان الدستور العراقي هو المصدر الذي يشير الى تهميش وإقصاء العراقيين خارج خيمة  وهيمنة  القيم والافكار والعقائد الدينية " الإسلامية "  فهل يحق  لنا لوم متطرف هنا او حركة هناك تمارس  القتل  والإجلاء للعراقيين بعد أن وجدوا في دستور الاسلام وبعض فقرات الدستور  العراقي  ما يشير الى  وجود المسيحيين كمواطنين من الدرجة العاشرة !!؟؟
 هل يحق  لنا مساءلة  القتله بحق البشرية وهم  ينتمون الى خطاب  وتربية وأرضية خصبة لنمو شريعة القتل والتفكير ؟
إن دعوة المسيحيين  للرحيل من العراق  يعني أن العراق يدنو من حتفه  كوطن للعراقيين  جميعا .
ومن الغريب أن تبرز أصوات من المسيحيين خارج العراق تدعو أهلهم  في العراق الى الهجرة والنفاذ بجلودهم  من سعير الحرب  الطائفية والموت المجاني الذي يطالهم في كل اراضي العراق ،  وهم بهذا ينطلقون من حب  وحسن نيّة وتقدير واقعي لموقف المسيحيين في العراق، ولكن الوجه الاخر للأمر يرينا غير هذا ، فالهجرة من الوطن شأن ذاتي يجب أن  يقرره من هم الذين  يكتوون بنار الموت هناك ، كما أن الانتصار الى خيار الهجرة وحده دون النظر الى بقية الخيارات يمثل  وجه نظر أحادية لا تصمد أمام بقاء المسيحيين في الداخل ،و قَبلَ دعوة المسيحيين للهجرة يفترض القيام بحملة كبيرة يساهم فيها عراقيو الخارج جميعا وبخاصة المسيحيين أفرادا ومؤسسات واحزابا   لفضح  كل الجرائم  بحق المسيحيين وتشخيص مرتكبيها  وتحشيد الدعم الدولي  للضغط على الحكومة العراقية والقوات الامريكية للحفاظ على حياة المسيحيين ، وتعريف العالم بكل ملابسات الحقوق الوطنية والإنسانية للمسيحي العراقي ، كما يجب التركيز ايضا على دعم المسيحيين في العراق  بكل الوسائل المادية والمعنوية  لتمكينهم من الوقوف بحزم ضد محاولات إقصائهم وتهميشهم في المشهد العراقي الآن  وفي المستقبل.

......................................



خاتمة .

 إن إثبات  الحقوق الوطنية لجميع العراقيين عبر دستور عادل  سوف يلغي  سيادة الهويات الجزئية على الهوية الوطنية العراقية ، انه ليس حلما  مستحيلا ، طالما نمتلك  القدرة والعزيمة والإصرار على المطالبة بتحقيقه ، وإذا ما كان هذا دور المجتمع العراقي ونخبه الثقافية والسياسية اولا ، لكن دورالمسيحيين ونخبهم السياسية والثقافية  والدينية  في الداخل وجالياتهم في  الخارج بتشكل قوة ضغط فاعلة  سيكون له الدور الأكبر في تفعيل  قضية تهجير المسيحيين  أو محاولة لتهجيرهم من إرضهم العراقية .
أن لدور المسيحيين  الدؤوب  على اختلاف  مذاهبهم الدينية والقومية  واتحاد  خطابهم  يمثل خطوة جادة في الطريق الصحيح لتدارك  الخطر الكبير الذي يواجه المسيحيين .
واعتقد ان بوادر إتحاد الخطاب المسيحي بدأت مشجعة عبر تداول مصطلح " الكلدو- اشوري"  او " الكلدو – اشوري – سرياني" وان  لم يُقعد  عمليا ويعتمد  كخطاب موحد لجبهة سياسية  بين  الطوائف المسيحية  في المسار السياسي، ولكني أرى في  شيوع هذه المصطلح  حتى ولو شفاهيا سيكون  له  اصداءً طيبة للعمل المسيحي  العام  من أجل  أن لا يكون العراقي  نهبا لرغبة طائفة أو دين  أو أهواء  سياسية .. الخ  إن تفعيل جبهة العمل  من أجل إحقاق الحقوق للعراقي عامة والمسيحي خاصة يمثل إعادة لتوازن القوى وعدم السماح  لإنفراد جهة دون أخرى  وانتصار لميزان العدالة العراقية الذي لا نريد لاي جهة ان تكون " بيضة القبان" فيه.
إن تثبيت حقوق المواطنة في إطار دستوري  شرعي مدني ، سيبعد عنا شبح خطاب المظلومية  لايّ جهة ، هذه المظلومية التي شكلت الآن خطابها القسري والسائد  على كل المجتمع العراقي  ونحن لا نريد أحتمال المزيد من  نتائج  هكذا خطابات مظلومية من قبل أعضاء  المجتمع العراقي عامة .
..............

صفحات: [1]