عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2 3
1
المنبر الحر / تونس ومفترق الطرق
« في: 16:43 25/08/2021  »

تونس ومفترق الطرق
عبد الحسين شعبان



ربما من السابق لأوانه إصدار حكمٍ نهائي وموضوعي على ما حصل في تونس بعد إصدار الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، قراراته بإقالة حكومة هشام المشيشي وحلّ البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، لكن ما هو ماثل للعيان أن ثمّة مرحلة جديدة قد بدأت ولا يمكن تقدير أبعادها أو التكهّن بنتائجها، الأمر الذي قد يثير إشكالات جديدة نظرية وعملية وقانونية وسياسية في المشهد التونسي بشكل خاص إزاء الموقف من الإسلام السياسي وإزاء الموقف من المشروع الإسلامي إقليمياً ودولياً، وهو ما قد يفتح باب المراجعة والنقد بشأن تقييم جديد لما سُميّ ب «الربيع العربي» وموضوع الانتقال الديمقراطي والتحوّلات التي أعقبته سياسياً ودستورياً.
وإذا كان انكسار حاجز الخوف بوصول اللحظة الثورية إلى ذروتها بعد انتفاضة سيدي بو زيد إثر حرق بو عزيزي نفسه وصولاً إلى العاصمة تونس، والتي توّجت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي وانتهاء فترة حكمه التي دامت ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، فإن الشرعية الجديدة التي يُفترض تأسيسها محلّ الشرعية القديمة لم يتمّ استكمالها وواجهتها عقبات جديّة بعضها يتعلّق بمساعي الثورة المضادة لوضع العصي في عجلتها وبعضها الآخر يتعلّق بعدم قدرة وأهلية وكفاءة النخب التي تولّت مقاليد الأمور بعد التغيير على إدارة الحكم بطريقة شفّافة ومقبولة بحيث تحظى  رضا الناس، ناهيك عن هشاشة وضعف المشروعية القانونية والمقصود بذلك حكم القانون في ظلّ محاولات الهيمنة على السلطة والحصول على الامتيازات والمغانم وتفشّي الفساد المالي والإداري على نحو مريع وغياب الحدّ الأدنى من الاتفاق والتوافق على مستقبل التطوّر والوحدة الوطنية.
وبغضّ النظر عن الموقف الدستوري من قرارات الرئيس سعيّد إلاّ أنه لجأ إليها بعد فترة خلافات طويلة تعمّقت بمرور الأيام وقادت إلى أزمة حقيقية بين أركان السلطة التنفيذية (الرئيس) و(رئيس الوزراء) والأخير قريب من حزب النهضة الإخواني، ولم يكن الفشل الذي مُنيت به الحكومة وحده أو الرغبة في احكتار السلطة، بل إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدّلات البطالة والفقر والركود الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع منسوب الهجرة غير الشرعية كان وراء اندلاع الأزمة. وفوق كل ذلك جاء انتشار وباء «كوفيد- 19» ليزيد الطين بلّة بحيث أصبحت تونس من الدول العربية الأكثر انتشاراً للوباء، ما كشف فشل المنظومة الطبية والإجراءات القاصرة المتبعة لتطويق المرض، الأمر الذي كان وراء إقالة وزير الصحة تمهيداً لانفجار الأزمة.
ولم تكن المؤسسة القضائية خارج دائرة الصراع، فقد كان الحديث يتصاعد داخل البرلمان وخارجه، وهو ما أدّى إلى أن تطفو الأزمة على السطح على نحو شديد وحاد، دون نسيان دور الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية وعلاقتها بالقوى المتصارعة، إضافة إلى قلقٍ عربي بشأن الإسلام السياسي ممثلاً في حزب النهضة، وهو وإن امتلك قدرات تنظيمية إلاّ أنه لم يمتلك عقولاً وكفاءات وقيادات إدارية تستطيع أن تقود الدولة، على الرغم من حصوله على أغلبية برلمانية في جميع الدورات الانتخابية، ناهيك عن مشروعه السياسي.
وقد كان البرلمان الذي ترأسه راشد الغنوشي في الدورة الحالية، وعلى مدى أكثر من عام في صراع دائم داخله ومع مؤسسة الرئاسة أيضاً، الأمر الذي عطّل التنمية وجعل البلاد تدور في دوامة لا مخرج منها، يضاف إلى ذلك تشتّت القوى التي تطلق على نفسها «مدنية» وتوزّعها على محاور بعضها متنافر مع البعض الآخر، ناهيك عن غياب برنامج وطني جامع لها ولو بمعايير الحد الأدنى والذي يمثّل مرحلة الانتقال وصولاً إلى التحوّل الديمقراطي.
وقد انعكس ذلك على خلافات دستورية حول صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب بسبب عدم وضوح أو التباس الأمر دستورياً أو أن تفسيرات وتأويلات ظلّت مصدر خلاف بين الفرقاء، فبين من يريد أن يعطيه صلاحيات أعلى ومن يريد اختزالها في الجوانب البروتوكولية، كانت الأزمة الاقتصادية تستفحل وأوضاع الناس المعيشية تزداد تدهوراً، فلم تعد ثورة الياسمين التي بدت واعدة، بل نموذجاً، وإذا بها هي الأخرى عرضة للتجاذب والشدّ والحلّ من جانب قوى مختلفة كلٌ منها يريد أن يقود المركب بنفسه ولصالحه حتى وإن أدى إلى الإخفاق.
فهل سينجح سعيّد في تشكيل حكومة كفوءة وجديرة من تكنوقراط بحيث يحتوي الأزمة السياسية، كما يمهّد الطريق لاحتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف حدّة الاحتقان المجتمعي، خصوصاً من جانب جيل الشباب؟ وهل ستكون الحركة السياسية بجميع صنوفها وألوانها جديرة باستيعاب هذا الدرس التاريخي، خصوصاً بعدم توظيف الدين لمصالح سياسية ضيقة؟ وهل ستدرك القوى الإقليمية والدولية أهمية الاستقرار في الأوضاع التونسية، خصوصاً وأن جارتها ليبيا لا تزال منذ عقد من الزمن في احترابٍ ونزاع مسلّح حيث تمّ تعويم الدولة وقاد إلى تفشّي مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب؟
إنها أسئلة برسم الحاضر فهل تعي النخب الفكرية والسياسية مخاطر الوقوف عند مفترق الطرق؟
drhussainshaban21@gmail.com

2
تركيا: مشروع الغاب.. للتحكم بمياه سوريا والعراق (4)

عبد الحسين شعبان
August 14, 2021
 
تدرك تركيا أن بإمكانها أن تضطلع بدور لا تستطيع “إسرائيل” القيام به، فهذه الأخيرة هي في نظر الشعوب العربية قاطبة عدو قائم وعدوان مستمر، على الرغم من محاولات التطبيع والضغوط الدولية؛ وفي المقابل، تتمتّع تركيا بمزايا عديدة وشعبها مسلم وموقعها استراتيجي وقواها البشرية كبيرة، وإمكاناتها الاقتصادية هائلة، فضلاً عن ذلك، فإن لديها علاقات تاريخية مع العرب وحكمت البلدان العربية وغيرها أكثر من 4 قرون ونيّف من الزمان.
وتمتلك تركيا ترسانة ضخمة من السلاح، فهي بلد مترامي الأطراف، حيث منحها العامل الجغرافي سيطرة على آسيا الصغرى والمضايق، التي تشكل معاً حلقة الوصل بين دول البلقان ومنطقة الشرق الأوسط، كما منحها أهمية استراتيجية تعود إلى حدودها الشمالية الشرقية مع الاتحاد السوفييتي (سابقاً)[1]، لذلك يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في الشرق الأوسط، لا تستطيع دولة غيرها أن تعوضه، وهذا الاعتقاد هو الذي حدّد بعض ملامح الاستراتيجية التركية في العقود الماضية، ولا سيّما بعد الحرب العراقية – الإيرانية.
إن مثل هذه السياسة وذلك الطموح في السابق والحاضر يفسر دور تركيا بالسلب أو الإيجاب، فهي تريد أن تلعب دوراً محورياً إقليمياً معادلاً أو حتى أكبر من دور إيران، وتسعى للحصول على نفوذ من خلال علاقتها بين العرب و”إسرائيل”، برغم ما تعرّضت له مؤخراً من إشكالات مع الأخيرة، كما تريد تأمين مصالحها القومية المتعاظمة والظهور بمظهر الدولة القائدة في المنطقة، خصوصاً بـ”إسلام معتدل”، وهو غير الإسلام الإيراني أو الإسلام الذي كان يدعو إليه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش وأبو بكر البغدادي، وقد تم تقديم الإسلام التركي باعتباره الأكثر قبولاً وانسجاماً مع مصالح الغرب، ومثل هذا التقدير يكاد يكون عاماً لدى أوساط مختلفة ومتعارضة أحياناً وفيه قدر من الحقيقة، لكنه تعرّض للتصدّع بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في 15 تموز (يوليو) العام 2016 وما أعقبها من إجراءات وملاحقات وصفت بأنها كانت عقوبات جماعية وتضمنت انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، حسب العديد من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وخصوصاً بتعاظم دور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وطموحاته التوسعية، التي تم انتقادها أوروبيا.
إن قطع المياه المتكرر من جانب تركيا والتي يتضرر منها كل من سوريا والعراق يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى “پروفة” دولية لقياس درجة رد الفعل العربي، علماً بأن تركيا ظلّت ترفض بحث الموضوع بصورة جدية مع سوريا والعراق حتى العام 1988
ولعلّ سياسة تركيا المائية هي جزء من استراتيجيتها العامة التي تحاول أن تمدّ أذرعها، لا سيّما باستخدام نفوذها المائي، ويعتبر سد أتاتورك (الذي تم إنجازه) واحداً من 21 سدّاً تم انجازها في جنوب شرقي تركيا مع مطلع الألفية الثالثة، وبلغت كلفة المشروع 45 بليون دولار، وهو ما أدى إلى نقص هائل في مياه نهر الفرات يقدر بـ 14 بليون متر مكعب، علماً بأن النقص الحاصل من التبخّر يساوي 3 بليونات متر مكعب.
ومشكلة نهر الفرات قديمة نسبياً وتعود إلى بضعة عقود من الزمان عندما أزمعت تركيا على تنفيذ مشاريعها لري جنوب شرقي الأناضول، وقد ساهم الخلاف السوري – العراقي في عدم اتخاذ موقف موحد رادع لتركيا في حينها.[2]
تبلغ سعة سد أتاتورك 48 بليون متر مكعب في حين تبلغ سعة خزّان سدّ الفرات في سوريا 9.3 بليون متر مكعب؛ وتسعى تركيا لزيادة الطاقة الكهربائية إلى الضعف من خلال المشروع والقيام بدور سلّة الغذاء من الناحية الزراعية لتمويل الشرق الأوسط، وذلك من خلال مشروع الغاب Gap. وكان الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال قد قال في وقت مبكر “سيأتي يوم نبدّل فيه برميل مائنا ببرميل النفط”.[3]
باشرت تركيا منذ العام 1985 بتنفيذ مشروع الغاب Gap الضخم على نهري دجلة والفرات ويتألف من 13 قسماً، 6 منها على نهر دجلة و7 على نهر الفرات ويغطّي ست محافظات تركية، ومن الناحية الفعلية، فإن تركيا ومن خلال هذا المشروع العملاق يمكن أن تتحكم بالمياه وتستخدمها لفرض سياسات واقتصاديات على كل من سوريا والعراق، خصوصاً حين تصبح أيضاً “سلة غذاء” لتزويد الشرق الأوسط بما يحتاج من مزروعات وفواكه وذلك بالضد من معاهدة هلسنكي التي تنظّم حقوق الدول المتعلقة بالأنهار الدولية لعام 1973 ومؤتمر الأرجنتين حول الموارد المائية لعام 1977، تلك التي تنظّم طرق الاستفادة من الأنهار الدولية وفقاً لقواعد الحق والعدل والحاجة الضرورية، وبما لا يؤدي إلى إلحاق ضرر بالسكان والممتلكات والبيئة وغيرها من الاستخدامات غير المشروعة.
ومن مبرّرات تركيا أن حوضي الفرات ودجلة هما حوض واحد وتقترح جدولة الاحتياجات وإدخال نهر العاصي السوري في حسابات تقاسم المياه وغيرها من الذرائع التي تصرّ على كونها فنية ولا تحمل أي هدف سياسي ولا تضمر إلحاق الأذى بالجيران.
إن قطع المياه المتكرر من جانب تركيا والتي يتضرر منها كل من سوريا والعراق يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى “پروفة” دولية لقياس درجة رد الفعل العربي، علماً بأن تركيا ظلّت ترفض بحث الموضوع بصورة جدية مع سوريا والعراق حتى العام 1988، خصوصاً باستغلال ظروف الحرب العراقية – الإيرانية والخلافات السورية – العراقية، لكن امتناع البنك الدولي من تقديم المساعدة لتركيا لحين التوصل إلى اتفاق لاقتسام مياه النهر هو الذي جعلها توافق على وضعه على طاولة المفاوضات.

إقرأ على موقع 180  البرهان وحميدتي: مواجهة مؤجلة

ويبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج إلى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سوريا والعراق والمخاطر والآفاق التي تنتظرهما.
فالفرات يروي ثلثي الأراضي المروية في سوريا ويوفر سد الفرات 70 % في المئة من حاجتها من الكهرباء ويولد طاقة بحدود 800 ألف ميغاواط سيتم تعطيلها عملياً، إضافة إلى إلحاق ضرر كبير بمشروع يوسف باشا الذي يؤمن ري 200 ألف هكتار ويولد طاقة بحدود 400 ألف ميغاواط.
يبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج إلى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سوريا والعراق
أما العراق، فإنه الأكثر ضرراً، فالفرات يروي 1.3 مليون هكتار (13 مليون دونم) من الأراضي الزراعية الجيدة، وتشرب منه 7 محافظات هي: الأنبار وبابل وكربلاء والنجف والقادسية والمثنى وذي قار، إضافة إلى 30 قضاء و70 ناحية وأكثر من 4500 قرية، ويبلغ عدد السكان المستفيدين منه نحو 14 مليون إنسان، ومع أن سد حديثة (القادسية) ومشروع سد الورار ومشروع سد الهندية، تتغذّى من النهر وتختزن المياه للاستفادة منها عند الحاجة وفي حال نقص المياه، إلاّ أنها لا تستطيع أن تسدّ النقص الذي يتسبب به انقطاع المياه، فضلاً عن أن ذلك أدى إلى التأثير على بحيرة الحبّانية التي تتغذّى من الفرات لمرّات عديدة، فهو مرتبط بمشروع بحيرة “وان”، وقد وصف سليمان ديميرال رئيس الوزراء التركي الأسبق المشروع بأنه “الوطن الذهب للقرن المقبل”.
لقد استغلت تركيا الوضع المتدهور في العراق وسوريا، لا سيّما باحتلال داعش أجزاء منهما للمضي في مشاريعها المائية في حوضي دجلة والفرات، بل تمادت في تدخلاتها بالشأنين السوري والعراقي، بإرسال قواتها إلى داخل البلدين والبقاء فيهما، تارة بزعم التصدّي لداعش والإرهاب الدولي وأخرى لملاحقة المسلحين الأكراد من حزب PKK، وهي ما تزال ترفض الانسحاب من الأراضي العراقية حيث توجد لها قاعدة عسكرية بالقرب من أربيل، حتى بعد هزيمة داعش عسكرياً، ناهيك عن مسعى فرض منطقة عازلة على الحدود التركية – السورية، بدعم من واشنطن وبحجة مواجهة الإرهاب، ولا سيّما بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من سوريا.
في السابق كانت كلّما تتعقّد العلاقات العربية – التركية تلتجئ تركيا للتلويح بالسيف النووي الأطلسي وبدور الشريك مع الدول الغربية (امبريالية الفرع) وبمصالحها في العالم العربي، وقد تبينت هذه الصورة عند انقلاب كنعان إيڤرين في أيلول/سبتمبر 1980 الذي رفع الطموحات إلى مرحلة التنفيذ، لكي تساهم تركيا بنفوذ أكبر في المنطقة، وخصوصاً في العالم العربي، وذلك من خلال ضغوطها على كل من سوريا والعراق فضلاً عن استمرار علاقتها مع “إسرائيل”.
ومن أهم الاتفاقيات الجديدة الموقعة بين “إسرائيل” وتركيا بعد حكم حزب العدالة والتنمية مشروع نهر مناوجات الذي يصب في البحر المتوسط شرق إنطاليا، حيث تم الاتفاق على قيام تركيا ببيع “إسرائيل” 50 مليون كم3 لمدة 20 عاماً بواسطة النقل البحري، وقد تم ذلك في العام 2004 وحتى بعد حادث أسطول الحرية العام 2010 لم يعلن عن إيقاف العمل بهذا الاتفاق.
المصادر:
[1] – تمتد الحدود التركية الجنوبية مع سوريا إلى نحو 877 كلم  ومع العراق إلى 331 كلم كما ترتبط بحدود مع إيران، إضافة إلى ذلك فإن المنطقة الشمالية الغربية من البلاد تعد موطئ قدم تركيا الوحيد في أوروبا حيث ترتبط بحدود مع بلغاريا ومع اليونان 269 كلم، إضافة إلى أن عدد نفوسها يتجاوز 82 مليون نسمة، كما تمتلك خبرة كبيرة في ميدان “القمع الداخلي والخارجي”.  وقد تجلّى الدور التركي بعد موجة ما سمّي بـ “الربيع العربي”، سواءً في ليبيا (دخولها على خط الصراع الأهلي وإرسال مرتزقة لدعم فريق السراج رئيس الحكومة ضد خصومه) أم سوريا (حيث كانت طرفاً أساسياً في الصراع الداخلي)، إضافة إلى مصر( دعم حركة الأخوان جهاراً نهاراً) وبالطبع فإن دورها في العراق ما يزال تقليدياً (الزعم بالدفاع عن تركمان العراق، إضافة إلى تجاوزاتها على الحدود الدولية، بل وإقامة قواعد عسكرية بزعم ملاحقة حزب العمال الكردستاني PKK)، وكانت في السابق تلعب مثل هذا الدور المزدوج، أي تأمين مصالحها الخاصة، إضافة إلى كونها جزءًا من الناتو وامتداداً له وقد وصفت هذا الدور في الثمانينات بـ “الإمبريالية الفرعية” ، وبقدر خصوصيته فإن له وجهاً أطلسياً،وهو ما يتجلّى خلال أزمات المنطقة فقد تحاقب نصب دروع صاروخية على الأراضي التركية مع انشغال العالم العربي بتداعيات الربيع العربي.
قارن: شعبان ، عبد الحسين – أمريكا والإسلام ، دار صبرا، نيقوسيا – دمشق، 1987.
قارن كذلك: شعبان ، عبد الحسين- العرب والجوار والعالم، محاضرة في مؤسسة الفكر العربي، دبي، 5-7/ كانون الأول/ديسمبر/2011.
[2] – قارن: حيدري، نبيل (الدكتور) تركيا- دراسة في السياسة الخارجية منذ العام 1945، مصدر سابق، ص 103.
[3] -انظر: شعبان، عبد الحسين – عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.
(*) راجع الأجزاء الأول والثاني والثالث من دراسة الدكتور عبد الحسين شعبان.


3
رسائل روسية إلى طالبان


عبد الحسين شعبان

 

بعد أن سيطرت «طالبان» على مدينة قندهار ثاني أكبرالمدن الأفغانية ، توجّهت إلى كابول التي استولت عليها بسهولة كبيرة حيث غادرها الرئيس أشرف غني الذي انتخب لرئاسة البلاد مرّتين خلفاً لحامد كرزاي ، وقال أنّ مغادرته حقن للدماء. وكانت «طالبان»  خلال الأشهر الأربعة الماضية وتزامناً مع إعلان انسحاب القوات الأمريكية تزحف بسرعة كبيرة على مواقع الحكومة الأفغانية، وعشيّة دخولها إلى كابول كانت قد استولت على زرنج عاصمة ولاية نيمروز ومحافظة قندوز التي يربطها جسرٌ للصداقة بطاجيكستان المجاورة (على بعد 65 كلم).
وكان مجرّد تقدّم طالبان وتوغّلها في العمق الأفغاني حتى قبل الوصول إلى العاصمة كابول  يقلق روسيا لاعتبارات كثيرة، فالتدخّل السوفييتي في أفغانستان والذي استمر نحو عقد كامل (1979 - 1989) قاد إلى فشل ذريع واضطرّت موسكو في عهد جورباشوف، أن تنسحب مهزومة مثلما هو الاحتلال الأمريكي الذي استمر لعقدين من الزمن (2001 - 2021). يضاف إلى ذلك أن نجاح «طالبان» قد ينعكس على إنعاش التيارات الإسلامية المتعصبة والمتطرفة لدى جيران روسيا خصوصاً، وتربطها حدود مشتركة مع طاجيكستان المتاخمة لها وهي من الجمهوريات السوفييتية السابقة والتي لا تزال تربطها علاقة وطيدة مع موسكو.
لهذه الأسباب زار وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، طاجيكستان، وأعقب زيارته مناورات مشتركة على مقربة من الحدود الأفغانية، كما استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إمام علي رحمن رئيس طاجيكستان وقبله صدير جباروف رئيس قيرغيزستان الذي عبّر عن اهتمام قيرغيزستان بالتعاون مع روسيا لضمان الأمن الإقليمي، في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظومة كومنولث البلدان السوفييتية السابقة، ومنظمة شنجهاي للتعاون. وأبدت موسكو استعدادها لدعم قيرغيزستان لتجاوز العقبات الإنسانية للنزاع الحدودي بينها وبين طاجيكستان.
وشملت الاتصالات الروسية، أوزبكستان؛ حيث زار رئيس أركان قواتها المسلحة، شهرت هالمحدوف موسكو وأجرى مباحثات مع فاليري جيراسيموف، وجرى الحديث عن خطط مشتركة مع أوزبكستان وطاجيكستان بهدف الرد على تزايد حدة التوتر في المنطقة والتحذير من تردي الأوضاع الأمنية في أفغانستان لضمان أمن دول آسيا الوسطى.
وتأتي هذه التحركات عشية وبُعيد الإعلان عن انسحاب قوات «الناتو» والولايات المتحدة من أفغانستان وسيطرة «طالبان» على الأراضي الأفغانية. ومن المحتمل إجراء مناورات مشتركة في الخريف المقبل بمشاركة مجموعة شنجهاي التي تضم الصين إلى جانب روسيا وبلدان آسيا الوسطى؛ حيث يتعاظم القلق بشأن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة من تطور الأوضاع الأفغانية على دول حلفاء روسيا الآسيويين.
وأعلنت روسيا صراحة في صحافتها أن هدفها هو «حماية الحلفاء من التهديدات العسكرية من جهة الجنوب» (أفغانستان) وهزيمة التجمعات المسلحة غير الشرعية. وكانت «طالبان» قد تقدمت باتجاه حدود طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان خلال شهر يونيو/حزيران المنصرم؛ حيث اضطرّت القوات الرسمية الأفغانية إلى الفرار بحثاً عن الآمان فيما وراء حدود هذه الجمهوريات، واضطرّت هذه الجمهوريات إلى إغلاق حدودها مع أفغانستان.
وكانت روسيا قد أكدت أنها سترد على محاولة غزو أراضي طاجيكستان بالتعاون مع قواتها في قاعدتها العسكرية رقم 201 الموجودة في المنطقة منذ الحقبة السوفييتية والمستمرة إلى الآن. (تموز/يوليو المنصرم). وكان الرئيس الروسي خلال مقابلته لإمام علي رحمن (مايو/أيار المنصرم)، قد أكد مساعدة حكومات الجمهوريات الوسطى في حماية أمنها من التهديدات الخارجية والداخلية. والتعبير الأخير تحذير مما سمّي بالثورات الملونة التي استهدفت عدداً من البلدان ومنها قيرغيزستان التي عاشت إرهاصات ما سمي «ثورة السوسن» عام 2005، علماً بأن موسكو تملك قاعدتين عسكريتين في طاجيكستان وقيرغيزستان، ويمكن استخدامهما ضد أي عدوان محتمل من جانب «طالبان»، والأمر لا يتعلق بالحلفاء فقط؛ بل يشمل أمن ومصالح روسيا، وخشيتها من امتدادات المتطرفين.
وترسل روسيا إلى المناورات في طاجيكستان أربع قاذفات بعيدة المدى فوق الصوتية إلى حدود أفغانستان، وهدفها كما تقول التدريب على شن غارات على معسكرات خفية ومستودعات ذخيرة لمقاتلين مفترضين، ولعل مثل هذا الإعلان هو رسالة روسية صريحة وواضحة إلى «طالبان»، وذلك بإعلانها عن إسناد قاذفاتها لطائرات ميج روسية طراز -29 يقودها ضباط تابعون لسلاح الجو الأوزبكي.
الجدير بالذكر أنه تم تشكيل قوات الانتشار السريع الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بتعداد 18 ألف جندي، وكل ذلك يجري في إطار قلق الكرملين إزاء التطورات الأخيرة في أفغانستان؛ حيث تراقب روسيا عن كثب كل ما يجري، كما تواصل اتصالاتها النشطة مع زعماء دول آسيا الوسطى، إضافة إلى بكين التي تشغلها هي الأخرى سيطرة «طالبان» على أفغانستان وتصاعد نفوذ القوى المتعصّبة والمتطرفة، فهي تخشى مثل روسيا امتداد ذلك إليها، خصوصاً أن ثمّة انتقادات توجّه إليها بخصوص تعاملها مع المسلمين الصينيين.
drhussainshaban21@gmail.com


4
لمناسبة الذكرى الأربعين لرحيل شمران الياسري (أبوكاطع)
البارومتر الساخر والمحرّض

عبد الحسين شعبان
أديب وأكاديمي


حين تجتمع السخرية بالتحريض يكون المشهد أبو كاطعياً
* مفارقة
ظل ماركس ينتظر أن يكتب انجلز تدقيقاته وتعليقاته ونقده على مخطوطة كان قد بعثها إليه، ولكن دون جدوى، وكتب له أكثر من مرّة ولكنه لم يتلقّ ردّاً إلاّ بعد فترة طويلة، حيث استلم مخطوطة موازية لمخطوطته ومعها ورقة من ثلاثة أسطر جاء فيها: أعتذر فلم يكن لدي الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبت هذه المخطوطة تعليقاً على مخطوطتك. انجلز.
 فقد كان إنجلز يعني أن التكثيف أصعب بكثير من كتابة نصٍ مطوّل، لأن عليه أن يلمّ إلماماً كبيراً بالموضوع، بل يتشرّب روحه، أي جوهره،  بمعنى لبّه.
 تذكرت ذلك حين هاتفني الصديق الشاعر فالح حسّون الدراجي طالباً نصّاً مني عن أبو كاطع الذي كنت قد نوّهت إلى مسألة الإحتفال بذكرى رحيله الأربعين منذ حين.  وهنا استجيب لطلب الدراجي ولكن بنصٍ طويل مستعيناً بفقرات مجتزأة من كتابي "أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة" الصادر  في لندن العام 1997 والمُعاد طبعه في بيروت العام 2017 (مزيّداً ومنقّحاً، حيث تم الإحتفاء به في نادي العلوية على نحو مهيب وبما يليق بمكانة أبو كاطع).
وكم تخيّلته وأنا على المنصّة في نادي العلوية، وهو يتسلّل إلينا متنكّراً ليهمس بأذني أحم.. أحم.. نادي العلوية مو بس إلكم، أصبح لنا حصّة أحسبه حصّة السادة أغاتي مثل نذر عياده لولاده... تذكرت ذلك المشهد الدرامي وأنا أستعيد ذلك اليوم التاريخي يوم عاد إلينا سالماً فلم يخبرني عن موعد مجيئه ولكنه كان يعرف موعد دفاعي عن أطروحتي للدكتوراه، فذهب مباشرة من المطار إلى منزلي وترك حاجياته الشخصية ومنها توجّه إلى كليّة الحقوق بانتظار أن يكون أول المهنئين لي بعد خروجي من القاعة. ولا أنسى منظره وهو يتكأ على الحائط بابتسامة عريضة وبيده غليونه ثم يفتح يديه ليحتضنني ويقبّلني وكان أول من ناداني بالدكتور. وقد كتب عن ذلك وعن أطروحتي في صحيفة طريق الشعب في حينها.
أقرب إلى مدخل
يوم وصلتُ دمشق في تموز/ يوليو 1980 كنت أول شيء أفكّر فيه هو الإتصال بالعزيز شمران الياسري "أبو جبران" (نجله الأكبر) أو حسب التسمية الأدبية والفنية التي اشتهر بها "أبو كاطع"، خصوصاً في برنامجه الإذاعي "أحجيها بصراحة يا بو كاطع" أو حسب تدليعاتنا له فنناديه بـ "السيد" أحياناً، ولأنني تركت منزلي له قبل ثلاث سنوات ونيّف في  براغ، بكل ما فيه حين عدت إلى العراق، فقد حاولتُ الإتصال برقم هاتفي القديم الذي بقيت أحفظه وإلى الآن " 120 520 "، ولكن لم يردّ عليّ أحد، ثم في مرّة ثانية أجابتني السيدة كلودوفا صاحبة المنزل بأن السيد النوفينارج (السيد الصحفي) كما كانت تناديه قد ترك المنزل.
وبعدها قال لي الصديق فاضل الربيعي الذي كان قد وصل من عدن إلى الشام أن لديه عنوان أبو كاطع، ويمكننا إرسال برقية له بالبريد، وحين أعطاني العنوان وقارنته بعنواني القديم عرفت أنه انتقل إلى منزل آخر بعد عمله في مجلة فلسطين الثورة بدعوة من السفير الفلسطيني عاطف أبو بكر أحد أصدقائنا الأعزّاء. وكتب  فاضل البرقية بنفسه أن صديقنا العزيز "شعبان" وصل سالماً كما ترك له رقم تلفون مؤقت لأحد أصدقائي أعطيته له ليدونه في البرقية.
بعد ثلاثة أيام رنّ الهاتف، وإذا به يسأل عني وبعد أن أخذتُ السمّاعة، فقال لي: الكليط يتكلّم  والهودار معي ونحن بانتظارك، وكان يقصد بالهودار موسى أسد الكريم، ثم دخل بالتفاصيل .. التأجيل ما بي صالح.. اليوم أفضل من بكرة.. توجّه إلى طرفنا بأسرع وقت ممكن ومكانك موجود ومحفوظ في القلب والعين. ثم تبادلنا الكلام والسلام معه ومع موسى أسد الكريم "أبو عمران" واتفقنا على اللقاء، لكن الأمور سارت بما لا تشتهي سفننا.
وحالت ارتباطاتي الجديدة دون السفر سريعاً، خصوصاً في  إطار عملٍ يومي والتزامات وكتابات كنت قد أخذت على عاتقي إنجازها. ويوم صدر كتابي "النزاع العراقي - الإيراني" وهو أول كتاب يصدر عن الحرب العراقية - الإيرانية من منظور غير حكومي، الأمر الذي أثار إشكالات غير قليلة بالنسبة لي، وحين هاتفته وكان قد قرأ الكتاب، قال "الله يستر" وبعد حين قال وصلتني الطراطيش، خصوصاً ما صاحب ذلك من اعتقال العائلة وترويعها وتعريضها لتهديدات لا حدود لها استمرت لأكثر من 20 عاماً.
اللقاء الموعود
اتفقنا على اللقاء في نهاية آب/أغسطس 1981، أي نهاية الصيف تقريباً، حيث قرّرتُ السفر وبتشجيع منه، فإذا بنفسه يأتيني ولكنّه محمّل على ظهر طائرة وفي تابوت وملفوفٌ بالعلم الفلسطيني والعراقي. لقد كان خبر نعيه الذي وصلني عن طريق الرفيق ثابت حبيب العاني مؤلماً فقد شعرت بغصّة في حلقي وكم بقيت ألوم نفسي لأنني تأخرتُ بالسفر لملاقاته؟ وكم كان لديه ولديّ من الحكايات لكي نتبادلها لكنها ظلّت حبيسة في صدورنا، فلم يبح بها لأحد حسبما قال لي في آخر مكالمة، كما أنني لم أبح بها لأحد بعد رحيله؟ نُقل جثمانه إلى بيروت ووريّ الثرى في مقبرة الشهداء، وكانت آخر زيارة لقبره مع الشاعر والفنان الصديق عمران القيسي قبل عامين، أي قبل مداهمة فايروس كورونا "كوفيد- 19" لنا.
الذئب اللئيم
حتى في ظروف بيروت الحزينة وأوضاعها المأساوية أستجير بأبو كاطع نفسه، وكم ردّدت مع نفسي ما كان يرويه عن "حاتم السلطان" "موتك بطر يا حاتم السلطان" أما كان له أن يتأخّر قليلاً؟ أما كان له أن ينتظرني بعد فراق دام أكثر من أربع سنوات؟ أليس ذلك من حقوق الصداقة أم أن الذئب اللئيم الذي يتربّصه فيزوغ عنه تارةً ويراوغه تارةً أخرى ويستمهله مرات ومرات، استعجله هذه المرّة بطريقة غادرةٍ فتربّص له وهو على قارعة الطريقٍ بين براغ وبودابست ذاهباً لزيارة نجله الأكبر جبران، فاصطاده بشراسةٍ، لكن روحه المضيئة صعدت إلى السماء وهي مطمئنّة وراضية مرضية .


وعي وإدراك
لقد أتقن "أبوگاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أو استدراجه لدائرة الإيهام،وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يفاجئه قبل الخاتمة بالعودة لدائرة السؤال،تلك هي حبكته الدرامية المتميّزة.
   وكان "أبوگاطع" قد تمكّن من أدواته وامتلك فنّ مخاطبة قلوب وعقول الناس، بلغة بسيطة وعميقة في آن، أقرب إلى "السّهل الممتنع"، عبّر عنها بثقة عالية وبأسلوب بارع خصوصاً حين تتعاشق مفرداته العامية مع الفصيحة في تناسق باهر وتلقائي ، مزاوجاً بين الحزن والفكاهة على نحو متماسك وغير قابل للفصل.
المثقّف والأسئلة
      وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفر" -على حد تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلاّ أنّ أسئلته المشاغبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسية والقوّة الناعمة والصراع الأيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حاد في زمانه.
   ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنية، لكنه باع عشرات، وربما مئات النسخ، حتى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تطبع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبوگاطعية" بامتياز، له براءة اختراعها.
   كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراع "مكتوم" بين قيادة "مسترخية" وقاعدة "مستعصية"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال علم النفس وعلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمن فيهم نفسه، حتى وإن اقتضى الأمر المغامرة، باحثاً في كل ذلك عن المغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.
جمهور وقيم
   لهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك عن القيم الجمالية التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرغم مما كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافية روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومكتسبة بما يمثل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف.
   ويمضي فرمان للقول: لقد وظّف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريّته ووضع كل ذلك في يد صديقه وأخيه الفلاح، ليلتمس مواطن الضعف والمأساوية في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصاً يمكن أن ترى وتجلب التعاطف، وتسجل تاريخاً لم يجرِ المؤرخون على تسجيله.
ضوء لا بدّ منه
لا زلت أعتقد أن أدب "أبوگاطع" لم يُدرس بعد ولم يُسلّط الضوء عليه بما فيه الكفاية، لا سيّما تفكيك "حسجته" (كيمياء لهجته المحكيّة) وقراءة ما وراء سطوره الملغّمة وتورياته حمّالة الأوجه، فضلاً عن سخريته المريرة واللاّذعة، ناهيك عن النكهة الشعبية النافذة التي امتاز بها، وطبعت جلّ أعماله الصحافية والروائية على مدى يزيد عن عقدين من الزمان.
والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمجاملة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودوره المتميّز على الرغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.
   ثم ألا ينبغي دراسة نصوصه التعبوية والتحريضية في إطار فصل الصراع ووسائل الدعاية المؤثّرة التي كان يستخدمها، والنقد الذي امتشق سلاحه بمهارة ودقة كبيرين، خصوصاً حين يعطّر كل ذلك بمسحة من السخرية والدعابة وخفّة الظل؟
تشاليز ديكنز العراقي
   لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبوگاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "الحمزة الخلف".
   لا أدري إلى أيّ حدٍّ - ونحن نستعيد "أبوگاطع" - يمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصة مدينتين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاّذعة وصوّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.
   وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبوگاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
   وكما يقول المتنبي:
وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ      وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء
   وكان الشاعر نزار قباني في إحدى زياراته للعراق، قد قال:
مرحباً يا عراق، جئت أغنيك      وبعض من الغــناء بكاء
   السخرية والحزن
لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلها مغلفة بالحزن الجميل، ولذلك كانت سخرية "أبوگاطع" تداف بالحزن اللذيذ. 
   إنّ سخرية مثل سخرية "أبوگاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
   لقد كتب "أبوگاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".
كاميرا بانورامية
لقد حاول "أبوگاطع" الكشف عن حياة مطوية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لا سيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.
وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبوگاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.
لقد عرّفتنا سخرية "أبوگاطع" مشاكل الفلاحين وبخاصة فلاحي الجنوب، وبالقدر نفسه عرفنا حجم الألم والمرارة من خلال المواجهة لواقعه، ومرّة أخرى وذلك عبر جوانب حيّة من حياة المجتمع وشخصياته حيث تمكّن "أبوگاطع" من ربط ذلك بهارموني دقيق التناسق، لاسيّما بمنظومة الريف، وفقاً لمعايير جمالية وصوراً واقعية، مكتوبة بحسّ درامي يعكس الواقع بكل ما عليه وما له.
   الشخص الثالث
حاول "أبوگاطع" استخدام ما اصطلح عليه الشخص الثالث أو "القصّخون" في المقاهي البغدادية أيام زمان أو ما يسمّى بالصوت الآخر أو "الفلتون" حسب  استخدام سميرة الزبيدي، وكان صوته الآخر هو الذي يعبّر عمّا يريد أحياناً، لكنه يجعل ذلك بمسؤوليته المحدّث، ومحدثه هو "خلف الدوّاح" مبدعه الباطني ومحاوره ومنولوجه وملهمه، إنه شخصية أوهم "أبوگاطع" قارئه بأنها وهمية وغير موجودة، لكنه في واقع الأمر كان شخصية واقعية، موجودة، دماً ولحماً كما يقال، إنه كَعود الفرحان الذي نشرنا صورته لأول مرّة في كتابنا "على ضفاف السخرية الحزينة"، ولعلّ بساطته كفلاح تصلح مدخلاً لتوظيفه من جانب "بوگاطع"، ناسباً إليها الحكمة والمعرفة والخزين الاجتماعي للحكايات والأمثال والأشعار والتجارب، فضلاً عن سرعة البديهة وطلاوة اللسان.
خلف الدوّاح "كعود "
   لقد رافق "أبوگاطع" في حياته الإبداعية شيئان لا يستطيع الاستغناء أو التفريط  بأحدهما: الأول - صحبته مع خلف الدواح وهي المرحلة الثانية، حيث كان اسم كعود قد شغل المرحلة الفنيّة الأولى، وكعود أو خلف الدوّاح هو رفيق الحرف وصديق الكلمة والثاني السخرية، فقد كان الضحك ملازماً له حتى وإن كان يتفجّر حزناً، لأن ذلك واحد من رهاناته ضد أعدائه التقليدين وضد خصومه البيروقراطيين، وعبر خلف الدوّاح والسخرية كان يجد التعبير المتميز عن القرية وحياة الريف العراقي دون اسقاطات أو رغبات في الكتابة عن قوم يحاول التعاطف معهم لأنهم يتعرّضون للظلم، وهي الصورة التي دائماً ما تتكرر عندما يكتب أحد المبدعين عن الريف، ولكن في حالة "أبوگاطع" إنه كتب من داخل الريف بكل تفاصيله وحيثياته بسلبياته وإيجابياته، بنقاط ضعفه ومصادر قوته، بقبحه وجماله، ولم يكتب عن الريف من خارجه، كما كان يكتب بعض أدباء المدينة، مثلما هي رؤية الأديب ذو نون أيوب " الأرض والسيد والماء" التي سبقت الرباعية بعقدين ونيّف من الزمان، ففي حين كان الأول أصيلاً في التعبير عن مشاعر الريف والفلاحين، كان الثاني دخيلاً لأنه من خارج البيئة الاجتماعية الحسّية المنظورة وذلك ما رصده الناقد مصطفى عبود.
السخرية والأقصوصة
   إنك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين "أبوگاطع" وبين السخرية، ففن وأدب وعمود "أبوگاطع"  الصحافي الذي انتشر شفيفاً خفيفاً كان لصيقاً بالسخرية اللاذعة الحزينة التي لم يعرفها الأدب العراقي عموماً، لكنها مع "أبوگاطع" اكتسبت شكلاً جديداً أكثر عمقاً وشمولاً وخفّة دم كما يقال. وبقدر سخرية "أبوگاطع" ، كانت الرواية شكلاً جديداً للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادة طازجة يحتويها عموده الصحفي وبقدر المتعة والضحك، فإنها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقاراً هائلاً، حتى وإن كنّا نضحك من الأعماق.
المعكّل بالمرقص
   حدثني في إحدى الليالي الخريفية عام 1976 وكان قد فرض على نفسه إقامة جبرية بسبب إلتباسات الوضع السياسي والحزبي، قائلاً إنه ضمن المشهد السائد يشعر مثل "المعكَّل بالمرقص (أي من يلبس العقال والكوفية- اليشماغ) وهو يراقص فتاة، وأردف قائلاً نعم أنه معكَّل بمرقص السياسة. وكان يسمّي علاقات تلك الأيام " عرس واوية" أي " زواج ثعالب" نظراً لتردّي العلاقة بين الأطراف السياسية، لاسيّما الحكومة وحلفائها.
   كان "أبوگاطع" يثير الكثير من الأسئلة، وقد تبدو للسامع أو للقارئ، إنها أسئلة سهلة، لكنها من السهل الممتنع، فالأسئلة السهلة هي أكبر الأسئلة وأخطرها: مثل الحرية والإيمان والإلتزام والتضحية والعنف والسلام والوفاء والتعايش وغيرها، أما لغته فكانت سلسة وقوية يطرّز فصحاه الخصبة بالعامية الجميلة، وبشيء من المرونة، فيحاور الدولة على لسان خلف الدواح وينتقد الأوضاع السياسية ويناقش الحركات والأفكار ويتمنطق بمصطلحات آيديولوجية وبحبكة درامية، كلّ ذلك مغلّف بالسخرية، لينتقل من حديث المجالس والشفاهة، إلى الكتابة، ومن الريف إلى المدينة، ومن هموم الفلاح، إلى مشاغل المثقف.
   وإذا كان غائب طعمه فرمان، روائي المدينة، ولاسيّما بغداد بحواريها وأزقتها، بنسائها ورجالها، بجوامعها وكنائسها وحاناتها وملاهيها وتطلعاتها نحو الحداثة والحرية، فإن "أبوگاطع" كان بحق روائي الريف بفلاحيه وإقطاعيه، بعاداته وتقاليده، بأنهاره وجداوله، بحياته البائسة وتطلعه نحو التمدّن والعصرنة والعدالة.
الحرية والتنوير
   كان عمود "أبوگاطع" الصحافي خطاً من خطوط المواجهة السياسية الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبي "أبوگاطع" وأدبه، لكي يتمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرأونه أيضاً، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة ذاتها، ولديهم أيضاً، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة "أبوگاطع"  حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسي والعكس صحيح، وكان موقع عمود في الصفحة الأخيرة من جريدة "طريق الشعب"، حيث يتربع " بصراحة" وهكذا كان القراء يبدأون بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخلية، كتب "أبوگاطع" "نزّلوك لو صعوّدك؟" أي لماذا تم نقل العمود، مع غمز ولمز!!؟.
   كان عمود "أبوگاطع" يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدون والبيروقراطيون من كل صنف ولون وفي كل زمان ومكان، وكانت شخصيته المملحة " خلف الدوّاح" ما يوازي شخصية حنظلة في ريشة الفنان ناجي العلي، فالقلم والريشة والشخصيتان الأثيرتان مثّلتا ذلك السحر الآخاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحرية والتنوير.
   عمود "أبوگاطع" الصحافي مثل كاريكاتير ناجي العلي، يمسّ الروح ويتألق مع العقل وينساب إلى الوعي عميقاً ولاذعاً، وعندما نقول خلف الدوّاح فأنت تقصد "أبوگاطع"، مثلما تعني ناجي العلي عندما نقول حنظلة، وفي كلا الحالين تعني: مقاومة الظلم والاستبداد والانحياز إلى الإنسان وحقوقه... ولا يمكن تصوّر حنظلة بدون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح دون الحديث عن الريف العراقي، والعراق ككل.
وجوه ومؤخّرات
   هي السخرية في الحالين إذاً: وجوه ومؤخرات، زهورٌ وتوابيت، طيورٌ وبنادق، مظلومون وظالمون، هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته، مثلما تصوره ريشة ناجي العلي يعكسه قلم "بوگاطع": السخرية المشتركة والهوّية المشتركة والأمل المشترك للمثقفين والمظلومين والمنفيين، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.
   لم يعرف العراق أدباً وكتابة ساخرة الاّ على نحو محدود، فمنذ العشرينيات وحتى الخمسينيات كانت هناك محاولات جنينية بدأت على يد نوري ثابت صاحب جريدة "حبزبوز"، ثم بدأت مع عبد الجبار وهبي وعموده " كلمة اليوم" في العام 1959 في صحيفة اتحاد الشعب الشيوعية، وكان شاكر مصطفى سليم قد نشر مسلسلاً ساخراً في "صحيفة الحرية" القومية التوجّه العام 1960 بعنوان " يوميات قومي متآمر"، وتشكّل كتابات أبو سعيد " عبد الجبار وهبي" وشاكر مصطفى سليم، ثنائياً لمن يريد التعرّف على تلك الفترة المضطربة والحساسة من تاريخ العراق، خصوصاً امتزاج النقد الاجتماعي بالسخرية السياسية.
   ويمكن الإشارة إلى الكتابة الصحفية الفكاهية، فضلاً عن الرسوم الكاريكاتورية في الخمسينيات، كما عكستها كتابات خالد الدرة في مجلة " الوادي" وصادق الأزدي في مجلة "قرندل"، وذلك ارتباطاً بحياة المدينة، ولاسيّما بغداد في جانبها الاجتماعي والسياسي، كما كانت هناك كتابات عكست شيئاً من السخرية في فترة الستينيات مثلما كان يعبّر عنها جليل العطية في جريدة "النصر" وغيرها، لكن السخرية الحزينة استحوذت على "بوگاطع"، واختتم هذه المقالة بمشهد كوموتراجيدي، خصوصاً وأنه في رواية " قضية حمزة الخلف" بدا أقل تأثراً بالآيديولوجيا، مما هو في الرباعية، التي حملت إيمانية شديدة وتقريرية روتينية وتبشيرية منحازة، لكن هذا التمثّل خفّ في بنيته السردية في قضية حمزة الخلف.


شرّ البليّة ما يُضحك
   ففي خضم المأساة يجعلنا "أبوگاطع" نردّد " شرّ البلية ما يضحك"، خصوصاً عندما يقدّم صوراً، متناقضة كومتراجيدية، فعندها يهجم "الحرس القومي" على القرية، حيث يتم تطويق البيت الذي يختفي فيه مطشر اليساري المطلوب من الحكومة، وإذ به يفاجئنا حين يُخرجه عارياً، حيث كان عند عشيقته "زينة!!
   ففي تلك الليلة كان بزينة رغبة للتعرّف على مذاق أصناف أخرى من الحب، شفتاها تنتزعان منه الوعي. كل الأشياء صارت في ذهنه ضلالاً باهتة. نسي أباه ونسي نوبة الحراسة (المكلّف بها)، لم يعد حقيقياً في الوجود إلاّ زينة وملمس جسدها، وعرف البخور النفّاذ وطعم شفتيها...
   لكن "أبوگاطع" مع استغراقه في هذا المشهد الرومانسي وحبكته الدرامية يصوّر لنا الوجه الآخر للدراما القائمة، فإذا بمسؤول مفرزة الحرس القومي يهتف فجأة: تقدّم، فيرتج بيت داود، حيث كان مطشر عند عشيقته، ولكي يحكم حبكته ويصل المشهد إلى ذروته، يُحدث المصادفة، فأفراد الحرس القومي جاءوا يقصدون بيت "عودة الكبر" الذي يقال أنه من الشيوعيين، بينما هم يهاجمون بيت داوود صاحبهم والمخبر لديهم عن طريق الخطأ، وهكذا تنكشف حكاية مطشر وزينة عن دون سابق ترصّد وإصرار، لكن اندلاع الرصاص وتعالي صوته، أدّى إلى خروج مطشر عارياً، واستطاع الهرب ووصل إلى بيته فرآه والده عارياً، وهذه مفاجأة أخرى في خضم المأساة الساخرة أو السخرية الحزينة لدى "أبوگاطع" بصورتها الكومتراجيدية.
ومنذ أواخر الخمسينات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطش إلى العدالة والغارق في وهم الآيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحاً وصحافة وثقافة وأدباً، حتي غدا اسماً يُشار له بالبنان.
      لم يكن "أبوگاطع" متفرجاً على ما يجري في الريف وحياة القرية، في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني، بل كان من الريف وكتب عنه، مقدماً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي، كمقطع من الدولة العراقية، التي أرّخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتى العام 1963 وفي روايته "قضية حمزة الخلف" في مرحلة ما بعد انقلاب 8 شباط 1963.
الريف ومفهوم البطولة
   يمكنني القول إن فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقى غير مكتوبٍ، ولربّما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة "أبوگاطع" الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيلية لالتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعيش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخرى. وبهذا المعني يصح قول مكسيم غوركي "التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان".
   لقد تطور مفهوم البطولة في روايات وحكايات "أبوگاطع"، ففي قضية حمزة الخلف خفّ أو ضعف فيها تأثير الايديولوجيا قياساً بالرباعية، رغم انه ظلّ يلقي بظلاله الثقيلة عليها، لكنها لم تعدْ "كلية القدرة" أسطورية، خارقة، ينسب إليها كل الصفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصية الإنسانية البسيطة، التي تحمل عناصر القوة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حد تعبير الجواهري في قصيدته المهداة إلى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهي تذكّرنا بغريغوري بطل رواية شولوخوف "الدون الهادئ" المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحب والفحولة، المتنقل بين القوزاق والجيش الأحمر والأبيض وبالعكس!
   إن كتّاباً ساخرين إلى جانب "أبوگاطع" الذي كان الأكثر شهرة وابداعاً بينهم، بحاجة إلى دراسات وأبحاث جادة للدخول إلى عالمهم الداخلي الروحي وتقويم ونقد نتاجاتهم وسخريتهم أمثال: عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) وعموده الشهير "كلمة اليوم" في صحيفة "اتحاد الشعب" بعد ثورة 14 تموز 1958، وشاكر مصطفى سليم، الذي كان يكتب في صحيفة "الحرية" مسلسلاً بعنوان "يوميات قومي متآمر" وقبلهما خالد الدرّة وكتاباته المتمّيزة في "مجلة الوادي" وصادق الأزدي في "مجلة قرندل". وفي مرحلة الثلاثينات اشتهر الكاتب الساخر نوري ثابت ومجلته "حبزبوز". واذا كانت السخرية فنّاً رفيعاً فهي تعبير عن موقف مسؤول من الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان كارل ماركس يردّد: إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً.
   "أبوگاطع" رغم شعبيته الاّ انه كان رجلاً "مرفوضاً"، باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبية الضيقة... لأنه كلّما كان يلامس تجربة كان يلغمها بالأسئلة... الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج أورويل "مزرعة الحيوان" و"رواية 1984" أو عند "أبوگاطع"  في "مملكة الضبع الأكبر".
نحن بحاجة إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب...
 


5
في "مملكة" الجواهري
مقدّمة كتاب كاني ياسين آل جواد
بقلم عبد الحسين شعبان(*)

من الإهداء حتى آخر كلمة في الكتاب ينبض قلم الكاتب كاني ياسين آل جواد، بالجواهري، متولّهًا بمحبّته وعاشقًا عذريًّا لكل ما يتعلّق بمعشوقه، مقتفيًا أثره ومستمتعًا بحكاياه ونوادره، واقفًا إلى صفّه في معاركه بإعجاب وانبهار، وهكذا يحاول الدخول إلى مملكة الجواهري التي يتمنى أن يعيش فيها ولا يخرج منها مطلقًا، ويعتبر ذلك أُمنية من أُمنيات حياته التي كثيرًا ما راودته نفسه عنها حتى استحالت إلى واقع.
و"مملكة الجواهري" ليست سوى مملكة الشِّعر والمغامرة والتحدّي وتلك حياته المليئة بالاحتمالات التي يصعب تكهّنها ليس فقط على الصعيد الشِّعري والإبداع الأدبي بصفته عالَمًا شعريًّا، بل "عوالم شعريّة" وإنّما على المستوى الشخصي أيضًا، فالجواهري شخصيّة حسّاسة، وأستطيع القول إنّها بالغة الحساسيّة وله مِزاج خاص، ولذلك فالاقتراب منه يعني الاقتراب من عالَمٍ مأزوم، وكلُّ مُبدع كبير هو إنسان مأزوم بالطبع، فما بالك حين يكون بوزن الجواهري وبحجم مُنجزه الشِّعري وعُمق تراثه، وهو الحامل صولجان الشِّعر امتدادًا للمُتنبّي.
لقد حاول كاني آل جواد حين أعدّ سرديّته عن الجواهري أن يؤشّر إلى ذلك أو لبعضه، بعد أن اختزنت مكتبته بما قيل وكتُب ونُقل وسُمع عن الجواهري تحريرًا أو تفوّهًا، وهو ما حاول تجميعه وإعداده كمادّة توثيقيّة، وتلك ميزته الأولى. أمّا ميزته الثانية فهي أنّ الكاتب يقدّم نفسه قارئًا ومتذوّقًا ومُعجبًا، مع أنّه بذل جهدًا كبيرًا في إعداد كتابه الذي جمع فيه ما توفّر لديه ما كُتب عن الجواهري، فقد توقّف عند مذكّراته (جزءان) كما استند في عرضه إلى بعض النصوص ومُقتبسات لعدد "ممّن يُشار إليهم بالبَنان وممّن زاملوه وعايشوه وكانوا قريبين إليه" كما يقول، ويعدّدهم كالآتي: محمد حسين الأعرجي في كتابه "الجواهري دراسة ووثائق"، وعبد الحسين شعبان في كتابه "الجواهري: جدل الشعر والحياة"، وهادي العلوي: دراسات نقديّة أعدّها فريق من الكتّاب، وصباح المندلاوي في كتابه "الليالي والكتب" وخيال الجواهري في كتابها: "الجواهري - النهر الثالث".
ومن خلال هؤلاء ونصوصهم، يحاول التسلّل بشغفٍ إلى صومعة الجواهري كما يقول، ويتغلغل بمودّة في عالمه ولا يريد مفارقته، حيث ظلّ يجمع فصول كتابه وُيدوّن ويُتابع ويُشاهد ويقرأ كل ما يتوفّر بين يديه عنه، محاولًا التعريف بأشهر قصائده، وتلك ميزة الكتاب الثالثة، مقتفيًا أثر "الجواهري في العيون من أشعاره" الذي صدر في العام 1986 في دمشق عن دار طلاس لكاتب السطور وذائقته الشِّعريّة بالتعاون مع الشاعر الكبير ومقدّمته المؤثّرة، وهو ما أصبح يُنقل عنه ويُقتبس منه ويُعدّ مرجعًا للدارس والباحث والمهتم والمتذوّق لشعر الجواهري، خصوصًا وقد حظيَ برضا الشاعر نفسه وموافقته والاستئناس برأيه واستمزاجه.
وميزة الكتاب الرابعة استنادًا إلى ما تقدّم هي تأرخة معاركه الشعريّة والشخصيّة من خلال قصائده، حيث تشكّل عمارة الشاعر الشعريّة التي يرتفع بناؤها لأكثر من 20 ألف بيت "تدوينًا حقيقيًّا" يضاف إلى مذكّراته، فقد اختصم الجواهري وتصارع وانقلب وتواصل وتناقض وغضِب وأصفح وعبّر عن همومه وأحزانه وأفراحه، وكلُّ ذلك يمكن أن يشكّل مادّة حقيقيّة للدراسة النقديّة لتاريخ العراق السياسي والاجتماعي والثقافي وتطوّر مدارسه الفكريّة حاول أن يعكسه آل جواد مُعدّ الكتاب.
وفي هذا الخصوص كان يمكن للكاتب أن يتوقّف عند كتابين مُهمّين للمفكّر حسن العلوي وهما: "ديوان العصر" الذي صدر عن وزارة الثقافة السورية في عام 1986، وكتاب "الجواهري - رؤية غير سياسية" الذي صدر في لبنان زحلة 1995، وكنت قد كتبت عن كتابه الأول "ديوان العصر" مشيرًا إلى أن بحق يعتبر واحدًا من أهم الدراسات النقديّة التفصيليّة التي صدرت عن الجواهري. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى دراسة جبرا ابراهيم جبرا وإبراهيم السامرّائي وداود سلوم وسليم طه التكريتي وعبد الكريم الدجيلي.
استند آل جواد بشكل خاص في كتابه على ثلاثة مصادر أساسيّة هي: "مذكّرات الجواهري" (جزءان) وهي مهمّة جدًّا، إضافة إلى كتاب كريمته د. خيال الجواهري "الجواهري - النهر الثالث" مثلما استعان بكتاب صباح المندلاوي - "الليالي والكتب"، وهو جولة في ذائقة الجواهري الأدبيّة التي نتعرّف من خلالها إلى نظرة الجواهري للكثير من زملائه المُبدعين العالميّين مثل بيكاسو وبابلو نيرودا وهمنغواي ولوركا وماركيز وغيرهم، وهو ما كنت قد أشرتُ إليه في كتابي "الجواهري - جدل الشِّعر والحياة" (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997)، إضافةً إلى ما جئتُ عليه من تفاصيل في كتابيَ الموسوم "كوبا - الحلم الغامض" الصادر عن دار الفارابي، بيروت 2011.
أمّا الأسماء الواردة في الاقتباسات التي أشار إليها فقد جاءت من خلال إعداد كتاب د. خيال الجواهري، وشملت باقةً من الأدباء والكتّاب العراقيّين والعرب، لعلّ أبرزهم طه حسين الذي قال عن الجواهري: إنّه البقيّة من التراث العربي الصحيح، وصلاح عبد الصبور الذي اعتبره السلسلة الذهبيّة الأخيرة من الشعر العمودي، إضافةً إلى أمين الأعور الذي أطلق عليه اسم "النهر الثالث" منذ العام 1963، ومحمود درويش وأدونيس ونزار قبّاني وعبد الرحمن منيف وآخرين.
كما شملت قائمة الأدباء العراقيّين: سعدي يوسف ومظفّر النواب وهادي العلوي وحميد المطبعي ومحمد حسين الأعرجي وجبرا ابراهيم جبرا وفوزي كريم ورشيد الخيّون ومالك المطلبي وغزاي الطائي وعناد غزوان وحميد هدّو وحنّون مجيد ومحمد بحر العلوم وعبد الرزاق الربيعي وأحمد النعمان، ومير بصري وإبراهيم السامرائي وعبد اللطيف أطيمش ونجاح العطّار وعبد الحسين شعبان وآخرين. وكان يمكن استذكار بعض مَن كتبَ عن الجواهري مثل عبد الغني الخليلي وزاهد محمد وجليل العطيّة ورواء الجصّاني وآخرين، إضافةً إلى أطروحات أكاديميّة في عدد من الجامعات.
وفي الواقع فإنّ الغالبية الساحقة التي كتبت عن الجواهري كانت بعد وفاته في 27 تموز/يوليو 1997 حيث تمّ دفنه في دمشق في مقبرة "الغرباء" بالقرب من مقام السيّدة زينب. وكان الجواهري قد وُلد في النجف العام 1900م، (وهناك روايات أخرى تقول إنّه وُلد في العام 1897 أو العام 1899 أو العام 1903)، وتحدّر من أُسرة عريقة في العِلم والأدب نُسبت إلى كتاب عنوانه "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام" لمؤلّفه جدِّه الأقدم الشيخ محمد حسن أحد أكبر فقهاء عصره، ويُعتبر كتابه واحدًا من ثلاثة كتب مهمّة لا يمكن اجتياز مراحل الاجتهاد دون دراستها، ومن عنوان الكتاب أخذت العائلة إسمها.
لقد كانت ولادة الجواهري قبل ولادة الدولة العراقية بأكثر من عقدين من الزمان، حيث تأسّست المملكة العراقية في 23 آب/أغسطس 1921، فقد باشر بكتابة أُولى قصائده قبل كتابة دستورها "القانون الأساسي" الذي صدر في العام 1925 بعدّة سنوات، وهكذا وعلى مدى قارب ثمانية عقود من الزمان كانت "مملكة" الجواهري تزدان وتزدهر وتتّسع وتتألّق بروائع ضمّتها دواوين عديدة منذ صدور ديوانه الأوّل "ديوان بين الشعر والعاطفة" العام 1928، وديوانه الثاني "ديوان الجواهري" العام 1935. وقد أصدر في العام 1949 ديوانه الجديد، الجزء الأول، كما صدر الجزء الثاني في العام 1950، وصدر الجزء الثالث في العام 1953. وفي العام 1965 صدر له ديوان "بريد الغُربة" في براغ، وصدرت إضافة إلى طبعة بغداد، طبعتان جديدتان لدواوينه، الأُولى عن وزارة الثقافة السوريّة في العام 1979 والثانية عن دار العودة في العام 1982، وتُعتبر مجموعة "الجواهري في العيون من أشعاره" بمثابة مختارات من شعره وذائقة أدبيّة خاصّة لأهمّ القصائد والأبيات من القصائد مقسّمة إلى عشريّات: ابتداءًا من العشرينات وحتى أواسط الثمانينات، وصدرت في دمشق العام 1986.
ونال الجواهري عددًا من الأوسمة، منها: وسام "طوق الكفاية الفكرية" من جلالة الملك المغربي الحسن الثاني العام 1974، وجائزة "اللوتس" (جائزة كتّاب وأُدباء آسيا وأفريقيا) 1975، وجائزة سلطان العويس للإنجاز العلمي والثقافي ووسام الاستحقاق الأردني من جلالة الملك الحسين بن طلال العام 1974، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة تقديرًا لتراثه ومواقفه، دمشق 1995.
وحسب ما يتتبّع كاني آل جواد حياة الجواهري من خلال قصائده، فقد كان الشاعر لا يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه وأن يعيش كلّ لحظة ولا  يرغب بتبديد ثانية واحدة، وهو بقدر ما يريد الدنيوي فإنّه يسعى إلى الأُخروي أيضًا، أي يريد الحاضر والمستقبل والحياة والخلود. وكنت قد استعرتُ تعبيرًا للروائي الروسي مكسيم غوركي بخصوص الجواهري الذي كان نصف عقله وربّما نصف إبداعه يعيش في المستقبل للقادم الجميل الذي يريده شفيفًا ومعافى وأزرقًا مثل لون البحر الذي يحبّه، فقد ساهم الشِّعر في رسم أو إعادة تصوير حياتنا بتفاصيلها وشخوصها وتاريخها ومعالمها لا بنكهتها الواقعيّة وحسب، ولكن بإطارها المتخيّل والواهم أحيانًا، مشتملًا على رائحة حبٍّ ومذاق تحدٍّ وجِوار أضداد وتناقض حاد، وتلك شكّلت سِمةً من سِمات القصيدة الجواهريّة.
وقد جمع الجواهري في شخصه حزمةً من الشعراء المبدعين تمتد لحقبٍ شعريّة تاريخيّة كاملة وربّما لقرون، لكأنّ جذوره ممتدة من الفترة الأمويّة - العبّاسية على حدِّ تعبير الشاعر سعدي يوسف، والتي شغلت القرن العشرين بكامله، في مغامرة ممتدّة بهرمونيّة جمعت التناقض المحبّب بتناسق باهر مع التحدّي الفائق، وحين يجتمع التناقض والتحدّي يُصبح المشهد جواهريًّا.
إنّه "سادن" الأضداد و"ملك" التحدّيات وفي ذلك سرّ استثنائيّته المُفعمة بإبداع استثنائي فريد ومتميّز وهو ما حاول كاني ياسين آل جواد أن يبرزه، وهو القائل:
   ولم أرَ في الضدائد من نقيضٍ
            إلى ضدٍّ نقيض من ضريبِ
وحين يستحضر الشاعر عملاق الشِّعر في داخله بأدواته المطواعة بين يديه وبلهجته الجميلة وأنفاسه المتغضّنة بالشِّعر وأصابعه الممدودة فيقول:
   أنا العراق، لساني قلبه
      ودمي فُراته وكياني منه أشطارُ
والتناقض والتحدّي يجتمعان باتّساق فريد بالصعود والنزول وبالجوانب المشرقة والمُعتمة وبنقاط
 القوّة والضّعف الإنسانيّة، كلّ ذلك يمتزج في كأس الجواهري الذي يقول:
   يا نديمي وصُبَّ لي قدَحًا
         ألمَسُ الحُزنَ فيه والفَرَحا
هكذا جمع الجواهري الحزن والفرح في كأسٍ واحدة، تلك التي يريدها من النديم وهو جدَل الحياة المُقترن بالموت، فالجواهري الذي عشِق الحياة وتعلّق بها وبكلّ جنونها لا يصمد أمام إغراء التحدّي.
يقول الجواهري:
   وأركبُ الهَول في ريعان مأمنةٍ
         حبّ الحياة بحبِّ الموتِ يُغريني
وفي قصيدته المُهداة إلى جمال عبد الناصر (بعد وفاته) يجمع المجد والأخطاء، فيقول:
   أكبَرْتُ يومَكَ أن يكون رثاء
         الخالدون عهدتهم أحياء
   لا يعصمُ المجدَ الرِّجال وإنّما
         كان العظيم المَجدَ والأخطاءَ
   تُحصى عليه العاثرات وحسبُهُ
         ما كان من وثباتِهِ الإحصاءَ
ما يريد أن يقوله آل جواد في استعراضه الشيّق وتتبّعه لمسيرة حياة الجواهري، أنّ الجواهري شاعر تجاوز زمانه ومكانه، بل إنّه ضاق ذرعًا بالمكان والزمان حتى وإن كانت الآراء والتقييمات قد اختلفت حوله إلّا أنّها تلتقي حول نتاجه الإبداعي وتميّزه واستثنائيّته ورياديّته وعبقريّته، ولذلك أصبح يمثّل رمزيّة الشِّعر وطُهريّة القصيدة ونزاهة الكلمة، وكان الجميع حكّامًا ومحكومين يقتربون منه لأنه مثّلَ نبض العراق المتناقض الحاد الطيّب، فقد حمِلَ في روحه عناد طفلٍ بريءٍ ومشاكس في الآن، فقد سعى إلى تجاوز المألوف والعادي من الأشياء إلى ما هو خارق أو يقترب من المستحيل في التمرّد والسلوك والنّفي والترحال، والأهمّ في الإبداع الشِّعري، وظلَّ مُبحرًا  بسفينته ينتظر القصيدة مثل غيمةٍ فضّية تنقدح مثل شرارة البرق التي تخطف البصر كما قالت عنه الدكتورة نجاح العطّار، وحين تهبط عليه "اللحظة الشِّعرية" يُطرب لها ويُغنّيها فتخرج القصيدة طازجةً شهيّة مثلما يخرج رغيف الخُبز من التنّور فيفتح الشهيّة للجمهور ليدوّي مثل إعصارٍ عاصف.
بيروت - الجناح - 12/12/2020
(*) أديب وناقد ومؤلف لأكثر من 70 كتابًا  في قضايا الفكر والقانون والسياسة والمجتمع المدني والأديان والثقافة والأدب، بينها كتابه الموسوم "الجواهري في العيون من أشعاره" وذلك بالتعاون مع الجواهري الكبير، وكتابه "الجواهري - جدل الشِّعر والحياة"، وهما كتابان مرجعيّان لا غنى عنهما لدراسة الجواهري، إضافة إلى أنّه أكاديمي ونائب رئيس جامعة اللاعنف - بيروت.  (الناشر)
* نشرت في جريدة الزمان العراقية في 13 آب - أغسطس 2021

6
سعدي يوسف:
الدهشة الأولى والحداثة الشعرية الثانية

عبد الحسين شعبان*





"الشعر أداة ديناميكية ونواة فعّالة من شانها أن تتجاوز تمثيل الأشياء والأفعال، باعتبار ما ينبغي أن تكون عليه".
أرسطو
*****
بقيتُ مشدوداً طيلة أسابيع وأنا أتابع خبر مرض سعدي يوسف، فما أن كتبت إقبال محمد علي رفيقته المخلصة "سعدي يصارع المرض... هو الذي رأى كل شيء، فغنّي بذكره يا بلادي" حتى تيقنت أن الذئب الذي ظل يترّصده سنوات طويلة سيتمكن منه، فقد دخل أحد المستشفيات في لندن في 4 نيسان/إبريل 2021 متأثراً بمضاعفات سرطان الرئة الذي ظل متكتمّاً عليه لحين، وفضلّ أن يُكابده وحده بكبرياء وشموخ، كي لا يُقلق الأصدقاء ويشمّت الأعداء. ثم رحل في 13 حزيران/يونيو 2021 عن عمر ناهز الـ87 عاماّ، كان حافلاً بالشعر والكتابة والإبداع والتمرّد والمنفى.

سأرحلُ في قطارِ الفجرِ
شَعري يموجُ،
وريشُ قُـبَّـعَـتي رقيقُ
تناديني السماءُ لها بُروقٌ ويدفعُني السبيلُ بهِ عُـــروقُ
سأرحلُ...
إنّ مُقتـبَــلِـي الطريقُ
سلاماً أيها الولدُ الطليقُ!

لم يكن سعدي يوسف المولود في "أبو الخصيب"- محافظة البصرة في العام 1934 شاعراً فحسب، بل إنه حالة شعر، فلم يكن يكتب الشعر، بل كان يتنّفسه. والشعر بالنسبة له هو الحياة بسليقتها وتلقائيتها، على حد تعبير الشاعر الكبير محمود درويش، مثلما الحياة هي الشعر، خصوصاً حين يندغم ما هو خاص بما هو عام، ويتشابك الذات بالموضوع.
يعدّ سعدي من أبرز شعراء الحداثة الشعرية الثانية مع أدونيس ومحمود درويش، إذا اعتبرنا أن الحداثة الشعرية الأولى ممثّلة بنازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، وقد واصل ولوج طريق الحداثة منتقلاً من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر، مازجاً بين الغنائية بالسرديّة على نحو غير متكلّف في إطار بلاغة جديدة شكلاً ومضموناً، متخذاً أشكالاً جديدة وجوهراً جديداً، ربما غير مألوف في إطار معمار فنيّ دقيق.
وحسب ما يقول سعدي نفسه: الشعر ساحة مفتوحة وكل تجريب فيها ممكن مثلما كل الأشكال ممكنة ولا وجود لشكل فريد، بل إن الأشكال تتعدد في القصيدة وتلك ميزة غنى واكتناز. وهكذا ترى قصيدته مكتظّة بالصور إلى درجة أنه يتداخل هو ونصه أحياناً في لقاء حميم وحوار متصل مع الروح، حيث تمكّن من تقريب اليوميّ والمألوف والعادي والإنساني إلى قيم شعرية مثيرة وأليفة، وبقدر زهد اللغة وبساطتها، لكنها في الوقت عينه تحتاج إلى وعيّ لفهم طبيعة العلاقة بين اليوميّ والتاريخي والعابر والخالد والحاضر والمستقبل.
لعل قصيدة سعدي يوسف تلامس الحياتيّ، المعيش، المنظور، الملموس والحسيّ، الفيورباخيّ إذا جاز التعبير، وهي بقدر فردانيتها فإنها عامة أيضاً، حيث القيم الجمالية. ويحاول سعدي إشراك المتلّقي في قصيدته، بما هو آنيّ ومباشر ومحسوس، وهكذا ترى مفرداته تتعلق بحياتنا.
منذ أن قرأتُ مجموعته الشعرية "الأخضر بن يوسف" لم أُشفَ من قصيدة سعدي، فقد شعرت أنه يكتب باسمنا أو باسم كل واحد منّا أو حتى دون أن يسألنا فهو يمثّلنا ويعبّر عنّا، وهكذا انفتحت ذائقتي الشعرية على نحو جديد من الشعر.
بقيتُ مغرماً بها مندهشاً بنصّه الباذخ، لأنني شعرت أنني أمام  شاعر من نوع مختلف، وكلما كنتُ أقرأ قصيدة جديدة أشعر بقناعة جديدة، إنه يخاطبني أنا بالذات ويلامس فردانيتي حيث كان يتحدث بلغة مختلفة خارج الإيقاع المفخّم.

يبلّل ماؤه طعم الوسادة في ليالي النوء والحسرة
ويأتي مثل رائحة الطحالب أخضر الخطوات يمسح كفّي اليمنى
بغصن الرازقي أفق
أنا النهر
ألست تحبني
أو لمْ ترد أن تبلغ البصرة؟
بأجنحة الوسادة
أيها النهر
أفقتُ…أفقتُ
فوق وسادتي قطرة
لها طعم الطحالب إنها البصرة

وإذا كانت قصيدة السيّاب ملحميّة ذات إيقاع قويّ ومطرزة بالأسطورة واللغة المفخمة، فإن قصيدة سعدي يوسف مباشرة وآنيّة ومعيشة، بما فيها من رشاقة وأناقة وجمال، وبما فيها من ادهاش وعفوية وبقدر ما يكون نصّه مدهشاً، فإن الدهشة الأولى كانت شخصه، وهي تبقى ملازمة لك حتى بعد عقود من الصداقة، وغالباً ما كان سعدي يفاجئنا بنص جديد ولغة جديدة وسلوك جديد.
حين قرأت الأخضر بن يوسف حدست من يكون؟ إنه سعدي نفسه، الذي عاش في الجزائر، في بيت جزائري، مبتدعاً إسم الأخضر وهو إسم شائع في الجزائر، والخضرة كما قال لي هي دليل الحياة والجمال، وهو ما استوحاه من محيطه، أما ابن يوسف فليس سوى سعدي بذاته.
يقول عن تجربته الجزائرية أنها أعطته فسحة للتأمل، فبعد أن أعتقل وعذّب في العام 1963 إثر انقلاب شباط /فبراير ترك البلاد بعد إطلاق سراحه، وكانت وجهته الأولى بيروت ـ كما هو حال أغلب المنفيين العرب ـ الغزالة الخضراء التي تُسابق الزمن نحو الضوء، ومنها ارتحل إلى الجزائر1964، واستمر فيها لغاية1971. وفائدة المنفى الأخرى أنه بدأ اطلالة جديدة، حيث قرر امتلاك ناصية اللغة الفرنسية بعد الإنكليزية، إضافة إلى اللغة الأم "العربية". وقد تآلف سعدي في المنافي التي زادت على ثلثيّ عمره الإبداعي، بل أصبح المنفى جزءً عضويّا من حياته ولغته ومجالاً رحباً للتعرّف على الذات والآخر، أمماً وشعوباً وأصدقاء ولغات وعادات وثقافات.
وكنت قد سألته في مسامرة شاميّة وأخرى قبرصية عن مصادره الروحية وبمن تأثر في مشواره الأول، وقد كرر أكثر من مرة أن أستاذه الأول هو بدر شاكر السيّاب، وقال في أحد المرات لو عاش بدر لكان الشعر قد تغيّر. وأثنى عليه كيف حوّل قريته جيكور إلى عمارة مقدسة أقرب إلى كاتدرائية أو جامع مهيب، وأشار إلى أنه تعلّم من السيّاب: الوفاء للبيئة وبشكل خاص للطبيعة، بما فيها من بشر وشجر وحجر.
وفي حوار متلفز مع الإعلامي والكاتب محمد رضا نصر الله، قال: الأسئلة التي قدّمها بدر شاكر السيّاب ما تزال قائمة، وكنت قد استطلعت رأيه، أيقصد: الحرية والمساواة والجمال؟ أضاف والعدل. وقد حاول السيّاب الإجابة عنها بطريقته الخاصة، لكن هذه الأسئلة أخذت تتوالد، وللأسف فإن الرحيل المُبكر للسيّاب قطع المرحلة الأولى إلا أن  الأسئلة التي تركها لناـ وسيبقى بعضها لما بعدناـ حاولنا ونحاول الإجابة عليها بطريقتنا الخاصة أيضاً.
عن بيئة أبو الخصيب والبصرة عموماً، وهي ذاتها بيئة السيّاب، جيكور والبصرة، يقول سعدي أنها غابات النخيل وشمس القرى، وهو ما اكتنزه، حيث الجداول والنُهيرات والفضاء الشاسع والدهشة الأولى، ويضيف: لقد كانت الحياة الثقافية في البصرة بما فيها أطرافها أبو الخصيب وجيكور بيئة نشطة وحيوية وحسّاسة، وهي بيئة مفتوحة تتقبل الجديد مثلما تتقبل الاجتهاد والحداثة وحركة التيارات الاجتماعية الراديكالية.
وأظنها كانت بيئة ملائمة للتفاعل مع الآخر، وهي متواصلة مع بيئة البصرة تاريخياً التي شهدت حركات احتجاج واسعة في التاريخ الإسلامي، فهي ملتقى المواصلات الإقليمية والدولية، حيث طريقها سالك إلى الجزيرة العربية، ناهيك عن علاقتها بالبحر، فهي طريق الهند والصين وجنوب آسيا، إضافة إلى شرق أفريقيا والسواحل الجنوبية للجزيرة، مثلما هي السواحل الإيرانية القريبة.
وينحت سعدي مصطلح "تنافذ الثقافات" على هذه العلاقات المتشابكة، والمقصود بذلك تواصلها وتفاعلها وتداخلها.
تأثّر سعدي بعدد من الشعراء المصريين واللبنانيين في بداية مشواره الشعري الرومانسي، منهم علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي، وتأثر بإلياس أبو شبكة وصلاح الأسير، لكن القصيدة بدأت تكتمل على يديه، وتأخذ شكلها الهندسي الجديد، وخصوصاً الانشغال بالتفاصيل منذ مطلع الستينيات، حيث بدأ الكتابة بلغة مبتكرة، مستحضراً ما هو حسيّ، مستبطناً جوهراً جديداً، موّلداً صوراً جمالية جديدة، لاسيّما بوضع يده على الحياة المعيشة، بما تملك من قيم مجازية متراكبة ومتشابكة وذات دلالات رمزية ونصاعة شعرية.
النافذة والساقية والبستان والحانة والعائلة والنهر والمرأة والأشياء التي نعرفها ونصادفها يوميّاً، حوّلها سعدي يوسف إلى لحظة شعرية أثرّت في مخيالنا وأعادت رسم ذاكرتنا على نحو جماليّ غير مألوف من قبل. وبقدر ما كانت لغته هادئة فإنها متوّهجة سرعان ما تتوّغل إلى العقل، مستدعيّة التفكير، راسمة بريشة فنان أصيل لوحات بألوان مختلفة، مازجاً اللون باللون في هارموني تفرّد في صنعه، فقد تراه يتحدث عن يانيس ريتسوس وهو في معرض تناوله للسيّاب، وعن لوركا والمقصود إليوت.
إن شعر سعدي يحتاج أن يُقرأ أكثر من مرة، ففيه تأملات تحتاج إلى قراءة متأنيّة لاسيّما ما يحتويه من تنويع وغنى وبساطة وتفرّد. وقد حاول سعدي كسر مرآة الشعر خارج دوائر الانفعال وخارج التجديف، وكانت اللغة شيفرته الخاصة إلى ذلك ووسيلته، حيث عاش للشعر وحده مُخلصاً له على نحو شديد.
ولذلك ليس من العدل تناول سعدي باللوم بسبب مقارباته الفكرية وخيباته السياسية وخروجه عن جلده أحيانا، فلم ينجُ شاعر عربي قديم أو معاصر، وإن بدرجات متفاوتة من الشطحات بما فيها الخروج على المألوف، لكن الجوهر لديه ونعني به الموقف من الإحتلال ـ حتى وإن عبّر عنه بطريقة غير مقبولةـ كان سليماً، فما قاله الشاعر تبرؤاً من وطنه، وأثار ضجة حوله هو مقلوب الصورة ومعكوس المعنى، فهو يريد عراقاً غير ما هو قائم على التقاسم الطائفي والإثني والزبائنيّة السياسيّة والمغانم.
وقد أطلق على نفسه لقب "الشيوعيّ الأخير"، مثلما فعل أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، حيث وقّع بيانات مع شخصيات عراقية وعربية تدعو إلى رفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني، والدفاع عن الوطن على الرغم من موقفه المناوئ للديكتاتورية والاستبداد.

يا بلاداً بين نهرين
بلاداً بين سيفين
أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتاً ولو يوماً، ممّراً للغزاة؟
فريسةً أخرى؟ أكان عليكِ أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبتِ؟
عليك يا أرضي السلام
عليك، يا أرضُ، السلام...

وفي ديوان "صلاة الوثني" الذي صدر بعد الإحتلال، يستعيد سعدي يوسف ملحميته الشهيرة "إعلان سياحي إلى حاج عمران" 1983، حيث يقول:
يا ليل أين الصفا؟
أين إنطفأ المأمول؟
أرض السواد إنتهت للشوك والعاقول
كل الجيوش إقتضت منها وحال الحول
يا حسرتي للضمير المشترى المقتول!

ترك لنا سعدي يوسف عمارة شعرية قوامها 35 مجموعة شعرية، و10 أعمال شعرية مترجمة لكبار الشعراء العالميين، وترجمات لـ 14 رواية عالمية، وروايات وقصص وكتابات نقدية زدات على 8 كتب، إضافة إلى 6 مجموعات مترجمة بلغات أجنبية. كما هناك دراسات وإطروحات أكاديمية عن تجربته الشعرية.
دفن سعدي يوسف في مقبرة هاي غيت (لندن)، وقد تنّقل في المنافي العديدة: الكويت، الجزائر، دمشق، بيروت، عدن، نيقوسيا، بلغراد، باريس، عمان.. وإستقر في سنوات العمر الأخيرة في لندن.
* أكاديمي وأديب عراقي




7
السودان- على طريق المصالحة
عبد الحسين شعبان
-1-
   "لقد جمعت السيمفونية كل النغمات المتعارضة والمتكاملة والمتخالفة والمُتّحدة في آنٍ  معاً لتعطي قصيدة ملحمية تضاهي نشيد رولاند في نسخة سودانية، وبهذا أصبحت الحركة تياراً جارفاً لا يمكن صدّه" هذا ما كتبه البروفيسور محمد الحسن ولِدْ لبات ، في وصف حركة الاحتجاج السودانية التي أطاحت بالرئيس عمر حسن البشير الذي حكم السودان 30 عاماً (1989-2019)، حيث أنعشت أغنية "أنا سوداني" ليالي المعتصمين لتضيء حلكة الظلام وتنشر الضياء... لتشكّل توليفة تبعث روحاً جديدة تبشّر بعصر جديد، كما يقول.
   ولد لبات خبير دولي مختص بقضايا الوساطة وحلّ النزاعات في مناطق الحروب الأهلية والعدالة الانتقالية ، وعمل في العديد من الدول الأفريقية مكتسباً خبرة واسعة وتجربة غنية، ولا سيّما من خلال تولّيه عدّة مناصب منها : وزيراً للخارجية وسفيراً ورئيساً لجامعة نواكشوط ، وفوق كل ذلك فإنه يمتلك لغة عربية صافية ، إضافة إلى إتقانه اللغتين الفرنسية والإنكليزية ومعرفته بلغات محلية عديدة، ناهيك عن كونه قانوني ضليع وفقيه دستوري ذو أفق فسيح مثل صحراء موريتانيا بلاده الفسيحة.
-2-
   لقد وظّف الكاتب كل مؤهلاته تلك من أجل التوصل إلى مصالحة بين الفرقاء السودانيين، مدنيين وعسكريين، وحاول أن يعكس تجربته الباذخة تلك في كتاب مهم بعنوان "السودان - على طريق المصالحة"، والكتاب سردية جميلة أقرب إلى رواية بحبكة درامية  طعّمه بحكايات وقصص ومقابلات وحوادث وأسرار وتاريخ وخفايا وخبايا، دلّت على معرفة عميقة بالأوضاع السودانية دون أن يبتعد عن المعايير الأكاديمية والبحثية.
    وكان قد كُلّف من جانب الإتحاد الإفريقي وبدعم من إثيوبيا ، إثر اندلاع أزمة سياسية عميقة في السودان حول المستقبل بين القيادات المدنية التي فجّرت الشرارة الأولى للثورة والقيادات العسكرية التي ساهمت في حسم مسألة التغيير، وكادت الأزمة أن تؤدي إلى الصدام بين المجموعتين، حيث تشبّث العسكريون بمواقعهم في النظام الجديد، في حين أراد المدنيون عملية التغيير شعبية بامتياز لإنجاز التحوّل الديمقراطي.
   لم تكن عملية التغيير يسيرة أو حتى مضمونة النتائج، خصوصاً وقد عاش المجتمع السوداني فترات طويلة في ظل أنظمة استبداد وحكم عسكري، حيث حكم محمد جعفر النميري من العام 1969 حتى أطيح به في حركة شعبية العام 1985 وهي امتداد لثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت بحكم الجنرال عبود العام 1964 ، لكن انقلاباً عسكرياً جديداً استلم مقاليد الحكم في العام 1989 وتعتّق فيه، وخلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس البشير فيها شهدت البلاد حركات تمرّد وأعمال عنف، ناهيك عن انشطارها وانفصال جنوب السودان العام 2011 باستفتاء شعبي بعد حروب دامت من العام 1956 دفعت البلاد أثمانها الباهظة بشرياً ومادياً ومعنوياً، كما تعرّض فيها الشعب السوداني لأعمال قمع شملت قطاعات واسعة من النساء والمثقفين والفنانين والمجموعات الثقافية "الأقليات" والشرائح الاجتماعية المهمّشة فضلاً عن محاولات "تديين" المجتمع ومصادرة الحريات وتقليص الحواشي الديمقراطية وهجرة أصحاب الكفاءات والأدمغة.
-3-
   يطلعنا الكاتب بأسلوب شائق وشفيف ولغة متوهجة بالشعرعلى فكرة الوساطة وسياقاتها وإنضاج ظروفها ومساراتها وتحدّيات المرحلة الانتقالية ويتناول بعض التساؤلات حول المستقبل، وهذه المفردات مثلّث العناوين الأساسية للكتاب، ومن خلاله نتعرّف على الدور الذي قام به في الوصول إلى النتائج المرجوة دون ادعاء أو غرور، بل بالوقائع والأسماء والمحصّلات، بما فيها من توترات ومحاولات عرقلة أو وضع عقبات من شأنها الحيلولة في منع التوصل إلى توافق يؤدي إلى المصالحة عبر الوساطة.
    والوساطة تعني حل الخلافات بطريقة سلمية وعبر أشخاص أو جهات تقوم بهذه المهمة يثق بهم المتصارعون، وهي فرع جديد يدرّس في الجامعات والمعاهد العليا، وقد اعتمدناه في جامعة اللاّعنف (بيروت) وهو يجمع بين القانون والسياسة والإدارة والثقافة والاجتماع  والدبلوماسية وفن التفاوض ، وذلك في إطار توفيقي وجامع بحثاً عن المشتركات، بحيث يصل الجميع إلى الاعتقاد أن الكل رابح، ومثل هذا الاختصاص يستخدم في حل الأزمات الدولية الكبرى مثلما يمكن تطبيقه على الأزمات والنزاعات الأهلية الداخلية ، بما فيها بين جماعات وأشخاص أحياناً.
   ومن النتائج المهمة في التجربة السودانية هو أن إفريقيا هي التي تولّت هذه المسؤولية وتمكنّت من النجاح فيها بالتعاون مع شركاء دوليين، ويعود ذلك لأسباب منها أنها تعرف مشاكل الإقليم وهي منحازة لمصلحته وتشعر بمسؤولية إزاه على خلاف بعض الوساطات البعيدة فكرياً واجتماعياً ونفسياً عن أجواء الصراع ومشاكل المجتمعات التي تريد التوفيق بين فرقائها المتصارعين، ناهيك عن أغراضها السياسية أحياناً .
-4-
   وبتقديري إن كتاب "السودان - على طريق المصالحة" يصلح أن يدرّس في الجامعات العربية وفي جامعات البلدان النامية عموماً ، خصوصاً تلك التي عانت من أزمات وحروب أهلية، بهدف تهيئة مستلزمات التحوّل الديمقراطي، وبالطبع ليس لاستنساخ التجربة أو اقتباسها، وإنما الإفادة منها كقواعد عامة ودروس بليغة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف كل مجتمع وشعب، وفي كل الأحوال وحسب معرفتي المتواضعة، يبقى الكتاب مرجعاً نظرياً وعملياً مهماً، علماً بأن المراجع الأكاديمية والعلمية قليلة على هذا الصعيد ، لا سيّما تلك التي تضمّنت تجارب عملية ميدانية قريبة من واقع مجتمعاتنا . ولعلّ تقويم رئيس جمهورية مالي الأسبق البروفسور عمر كوناري رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي الأسبق يعطي القارئ فكرة موضوعية عن مثل هذا الدور الوسيط الذي صاغه مؤلف الكتاب والمفاهيم التي قدّمها وتمكّن من خلالها إضافة إلى براعته الوصول إلى حلول جنّبت السودان الانزلاق إلى نزاع أهلي، لا سيّما بعد قناعة الفرقاء جميعهم.
   على الوسيط أن يصغي إلى جميع الفرقاء وأن يستمع إلى الكثير من الشهادات الشفوية والمكتوبة ويقرأ العديد من الوثائق ويطّلع على المعطيات من مصادرها الأصلية وهو ما فعله المؤلف حين حاور المجلس العسكري الانتقالي وكذلك إعلان قوى الحرية والتغيير، إضافة إلى تجمع المهنيين ومنظمات سياسية ومهنية واجتماعية عديدة،غطّت الطيف السوداني الاجتماعي والسياسي والثقافي وهو ما وفرّ له  زاداً سميناً حاول أن يقسّمه على أطباق متساوية وبتكافئ بعد أن طبخه على نار هادئة دون استعجال أو تسرّع، وحسبما يقول : على الوسيط أن ينثني دون أن ينكسر ، مثلما عليه التحلّي بالتواضع والصبر.
   لقد تعلّم ولد لبات كما يقول من نيلسون مانديلا الذي عمل معه ومع العديد من قادة إفريقيا ، فضائل التعالي على الضعف البشري المتمثّل بالأنانية والعجز عن التسامح وروح الانتقام وجدارة المصالحة خدمة للأمة، وحاول أن يوظفها من خلال وساطته السودانية، مبتعداً عن كل ما له علاقة بالغطرسة أو التكبّر أو ادعاء المعرفة أو الانحياز أو الانجرار إلى المغريات أو فقدان الثقة بالأطراف المتصارعة ، أو التسّرع للوصول إلى النتائج ، فالجهل صنو للغرور ، أما المعرفة قرينة التواضع وذلك يعني الاقتراب من الموضوعية والإبتعاد عن الذاتية والأحكام المسبقة.
   أدركُ أن الوساطة عملية شاقة ومعقدة وتحتاج إلى باع طويل لتحديد معالمها ومراحلها وإجراءاتها وصولاً إلى إعلان نتائجها بقناعة من جميع الفرقاء، كما تستوجب التعرّف العميق على الأطراف واحترامها وكسب ثقتها ، مثلما تقتضي "التحكم باللسان وفي الجَنان" أي الحركات والإشارات، أما المصالحة فهي ضرورة اقتناع الجميع بأنه لا أحد يستطيع بناء البلد لوحده، الأمر الذي يقتضي قبول الآخر واحترامه وضرورة وجوده، فضلاً عن التسامح والاعتراف بالخطأ وهو ما اعتمده ولد لبات بمهارةٍ وحكمةٍ وبعد نظر ، وبقدر ما يتم اعتماد قواعد علمية وأكاديمية ووسائل إقناعية، فإنه يحتاج إلى فهم اجتماعي وثقافي وديني لطبيعة المجتمع وتراكيبه المختلفة بطبقاته وفئاته الاجتماعية وأديانه وقومياته ولغاته وتاريخه بما فيه نقاط قوته وضعفه في الآن، أي وضع  خريطة مشاكله على بساط البحث القديمة منها والراهنة ، إضافة إلى تصور بعض تضاريسها المستقبلية، وهو ما فعله الكاتب بجدارة  في وساطته السودانية الملقّحة بتجارب كونية.
-5-
   ذكّرتني اللغة الموسوعية التي كتب بهذا السفر بالصديق باهي محمد الذي أسماه الروائي عبد الرحمن منيف "عروة الزمان"، الصحراوي الجميل التي تنقّل في العالم العربي حاملاً لواء العروبة والوحدة والتحرر : من موريتانيا إلى الجزائر ومنها إلى بغداد ودمشق، فالمغرب وكان مستقره باريس التي كان يجوبها مشياً على الأقدام ، متاعه بضعة كتب وحفنة قصائد وذاكرة ذهبية، ولكن قبل كل شيء محبة لا حدود لها للناس والأصدقاء والثقافة ، مثلما هي محبة الأصدقاء له، وحاول ولد لبات كسب ثقة الفرقاء ، بل ومحبتهم وإقرارهم بالدور الإيجابي النزيه الذي يقوم به .
   المصالحة هو ما نحتاجه في عالمنا العربي وهي تبدأ من رياضة روحية مع النفس لتنتقل إلى الآخر، جوهرها التسامح وقبول الآخر وحلّ الخلافات باللاّعنف، ولو قدّر لي أن أرشح كتاباً للقراءة قبل كل حركة تغيير أو احتجاج شعبي يستهدف التحوّل الديمقراطي، لرشّحت كتاب "السودان- الطريق إلى الوساطة" الذي هو بمثابة دليل عمل ومرشد بما قدّمه من إطارات لحلول بعضها كان مستعصياً أو أن التوصل إليها  كان صعباً ومعقداً ولم يمرُّ بسلاسةٍ، بل هو أقرب إلى الإستحالةِ كما تصوّره البعض، وإذا به من خلال التفاهمات والتوافقات والثقة يصبح ممكناً ، بل واقعاً .
نشرت في مجلة المستقبل العربي، العدد 510، السنة 44، آب/ أغسطس 2021

   المؤلف        :    محمد الحسن ولد لبات
   عنوان الكتاب :    السودان: على طريق المصالحة
   إصدار          :    المركز الثقافي للكتاب
                   بيروت ، الطبعة الأولى ، 2020
                  423 صفحة من القَطع الكبير.
   

8
العدالة الانتقالية الدولية

عبد الحسين شعبان
لم يتبلور مفهوم "العدالة الانتقاليّة الدوليّة" بعد، ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي المعاصر. ولم تفلح جهود ومبادرات الدول المتضررة في إقناع المجتمع الدولي لتبنيّ هذا المفهوم.  كما أن المجتمع المدنيّ في هذه الدول لم يبادر، بما فيه الكفاية، في إطار دبلوماسية شعبية موازية للدبلوماسية الرسمية لينشأ رأياً عاماً ضاغطاً يكون أقرب إلى محكمة ضمير.
وكانت ألمانيا قد اعترفت بماضيها الاستعماري في غزو ناميبيا، وفرنسا بمسؤولياتها عن الإبادة في رواندا 1994. كما أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون اعترف في 3 مارس/آذار2021 بوجود انتهاكات وتعذيب في الجزائر راح ضحيته المحامي علي بومنجل على يد الجيش الفرنسي وهو جزء من مطالبات جزائرية باعتذار فرنسي، كما اعترفت بلجيكا بجريمة اختطاف آلاف الأطفال مختلطيّ العرق خلال الحقبة الاستعمارية، وكذلك أقرت هولندا بمسؤولياتها عن تجارة الرقيق خلال الحقبة الاستعمارية. كل ذلك يجعل من التحرّك لتقنين فكرة العدالة الانتقالية الدولية ضرورة ملحة لتنقية العلاقات الدولية، وخصوصاً لحلّ المشاكل التاريخية العالقة.
تقوم فلسفة العدالة الانتقالية على خمسة مبادئ رئيسية:
أولها، كشف الحقيقة، فما الذي حصل وكيف ولماذا؟ إضافة إلى معرفة الظروف التي تمت بها تلك الارتكابات.
ثانيها: المساءلة للمرتكبين الذين أصدروا الأوامر أو قاموا بالتنفيذ.
 ثالثها، جبر الضرر المادي والمعنوي لإبقاء الذاكرة حيّة، خصوصاً بإطلاق أسماء الضحايا على الأماكن العامة مثل المدارس والمكتبات والنوادي والساحات والشوارع، وإقامة نصب تذكارية، كي لا تذهب تلك الذكريات الماسأوية إلى دائرة النسيان، بل تبقى في دائرة الضوء والذاكرة.
رابعها، تعويض الضحايا أو عوائلهم عما لحق بهم من أذى وألم وغبن وأضرار.
خامسها، إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية كي لا يتكرر ما حصل.
ويترّكز الهدف في جانبين، الأول: في عدم إفلات المرتكبين من العقاب لأن مثل تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، والثاني: تحقيق المصالحة بمعناها الشامل عبر إجراءات قانونية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغيرها، وبالطبع فليس هدف العدالة الانتقالية الانتقام، وإلاّ ستكون عدالة انتقامية، وإنما هو الوصول إلى تسويات مجتمعية لتحقيق التعايش السلمي وترميم الحياة السياسية وفقاً لمبادئ التسامح والسلام ونبذ استخدام العنف وسيلة لحل الخلافات واحترام حقوق الإنسان.
وإذا كانت تطبيقات العدالة الانتقالية بدأت بُعيد الحرب العالمية الثانية وتطورّت خلال نصف القرن الماضي حيث اغتنت بتجارب العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا وبعض البلدان العربية ولاسيما المغرب، فإن هذا المفهوم يكتسب بُعداً دوليّاً اليوم، بمعنى أنه لا يشمل الارتكابات التي حصلت داخل دولة ما، بل ارتكابات قامت بها دولة ضد شعب أو مجتمع في دولة أخرى.
المقصود بذلك معالجة آثار الانتهاكات والتجاوزات والجرائم لحقوق الإنسان على المستوى الدولي، والهدف هو ذاته الذي جسدته مبادئ العدالة الانتقالية على المستوى الوطني، ويتلّخص بالوصول إلى المصالحة الشاملة وتنقية الحياة بين الدول وترميم علاقاتها  وتحسينها بحلّ المشاكل الناجمة عن ارتكابات الماضي بسبب الهيمنة الاستعمارية أو الإحتلال أو الحروب أو النزاعات التي سببّت إلحاق الضرر بشعوب البلدان التي تعرّضت للانتهاك.
ويمكن الإشارة إلى مبادرة مغربيّة رائدة جديرة بالتقدير، فمنذ عقد ونيف من الزمن ينشط "مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام"، للوصول إلى صيغة تتبنّاها مؤسسات المجتمع المدني في الدولة المنتهَكَة حقوقها وفي الدول المنتهِكَة للحقوق، وذلك ضمن حراك حقوقي وقانوني دولي. تم التعبير عنه في "إعلان طنجة" كخلفيّة تأصيليّة لمدونة بإشراك الفرقاء من الطرفين على قاعدة المشترك الإنساني وحقوق الإنسان.
والمبادرة، التي حظيت اليوم بدعم جهات حقوقيّة مغربية هي "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمركز المغربي للديمقراطية والأمن" لا تبحث في الماضي، بل هي بحث في المستقبل بهدف إجلاء صورة الماضي الذي شهد تاريخاً مشتركاً لعلاقات غير متكافئة، سواء مع إسبانيا أو فرنسا، وذلك باقتراح وسائل وسُبل جديدة لحلّ الخلافات على أساس حقوقي وإنساني توّفره مبادئ العدالة الانتقالية الدولية. ويتطلّب ذلك الاعتراف بالأخطاء والممارسات السلبية والانتهاكات، والعمل على تحديد المسؤولية وجبر الضرر والتعويض وإصلاح النظام القانوني والعلاقات بين الفرقاء.
ولا يستهدف الأمر مساءلة الشعوب وتحميلها وزر السياسات الاستعمارية أو محاولات الهيمنة والاستعلاء والعنصرية وفرض الاستتباع والخضوع على الآخر، إنما يتطلّب نزع صاعق التفجير بتسوية إنسانية وقانونية عادلة بإنضاج الظروف المواتية لتقبّل حلول طويلة الأمد على أساس المصالحة وليس الانتقام أو الثأر.
ويحتاج ذلك إلى جهد ونشاط واسعين لقطاعات المجتمع المدني كافة والفاعليات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية لخلق رأيّ عام دولي لبلورة مفهوم العدالة الانتقالية الدولية ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي.
ويمكن اقتراح مشروع اتفاقية دولية تتبنّاها الجمعية العامة للأمم المتحدة تبادر إليه الدول المتضررة كجزء من تحرّك دبلوماسي وقانوني، يسهم فيه المجتمع المدني، كمُكمّل للدبلوماسيّة الرسمية في إطار مرجعية استباقية ووقائية لترصين القيم الإنسانية والحوكمة الرشيدة على المستوى الكوني.








9
الشاعر حسن عبد الحميد
ومجموعته الشعرية "حين تنكَرّ الموج ... لضحكات القوارب"

مقدمة بقلم : عبد الحسين شعبان*



"نحتاج إلى الفن حتى لا تميتنا الحقيقة"
نيتشه

   يُعرف الشاعر من نبرته الأولى حين يغتسل بالضوء في خيال أصيل متسلّقاً الغيمة، ملتمساً قمراً وردياً بغواية عين مدربّة على النظر خارج حدود المألوف، حيث تُعزف عند جداول الرغبة الموسيقى بأصوات مرئية  ليشرئب النرجس والجمال في صهوة التشهّي والحضور.
   "حين تنكرّ الموج ... لضحكات القوارب" هو عنوان مجموعة شعرية لحسن عبد الحميد طلب مني أن أكتب مقدمة لها ؛ ومع أننّي أعرفه فناناً وإعلامياً وناقداً ومختصاً بعلم النفس وكاتب قصص للأطفال، إلاّ أنني فوجئت به شاعراً ، له صوته الخاص مثلما لقصيدته رائحتها المتميّزة بلغتها المتوهجة مثل موجات البحر وموسيقاه، فاللغة ليست مجرد أداة حسب مارتن هايدغر، بل إنها ما يضمن "الموجود" في إطار الوجود بما تمتلكه من دلالة وتحقّق.
   وكان آخر ما كتبه حسن عبد الحميد وأثار إنتباهي قصيدة إثر حادث انفجار المرفأ في 4 آب (أغسطس) 2020 والموسومة "آه ... بيروت"، حين تفجرّت لحظتها في داخله مشاعر حادة ، بل ينابيع دفّاقة من الألم والحزن، ذلك الذي يدفن الغبطة والرجاء، ويكفّن الكرامة والفرح، هذا الذي تطاير حتى غاب مع الأشلاء والثياب.
   ولأنه إنسان حساس وشاعر تدهشه أي لفتة إنسانية فقد تأثر إلى حدود كبيرة يوم جاء إلى بيروت للدراسة في جامعة اللاّعنف، وكانت دهشته تكبر ساعةً بساعة، خصوصاً حين ارتبط بعلاقة حب معطّر مع بيروت غائصاً في تلابيبها باحثاً في حقل اللؤلؤ عن الجمال والسلام والأمل،في تلك المدينة التي ما أن تدخلها حتى تشعر بنثيثها اللذيذ وريحها الخفيفة المنعشة، التي عادة ما تسبق المطر وتفوح منها رائحة زكيّة تملأ الحارات والمقاهي والأمكنة والكتب .
   وبالرغم مما عانته المدينة من استلاب معتّق، لكنها ظلّت بحروفها المنيرة تتهجّى قصائد الحب وتلوذ بالعشق وهو ما يظهر على الوجوه وفي الشفاه والكؤوس وما بين السطور، باستثنائية عجيبة.
   بأبعاد روحية وأثر عقلي وانفعال حسّي كتب حسن عبد الحميد قصيدته البيروتية، تلك التي كان يريد فيها أن يؤاخي بين الجرح والحلم والبحر والبرق والبحر والغابة والبحر والجبل والبحر والتاريخ، في "أحلى مدن الله / حتى أضحى بَهاء الكون سكونْ" ، وبهذا الكبرياء والخشوع في آن ، أراد أن يعبّر عن هول الحقد " وما قدمت به نيران الشر/ وجلجلة  الطاغوت في إدانة للكراهية والقسوة وأدواتهما التي حرثت أرض الفجيعة والألم، لحجب الشمس والبحر "وصباحات أغاني ... فيروز " .
   ليس ذلك سوى تبشيع ساخر من القدر اللعين حسب شكسبير ومن سخرية التاريخ وفقاً لماركس "بيروت/وجع الروح.../حين تنوح.../بنايات البوح/وتخطّ على جدران العالم، لبنان.../أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان حيٌ ... لا يموت".
    مثلما اهتزّت بيروت كانت القصيدة ترتعش بين أصابع حسن عبد الحميد، بل إن سبابته ارتفعت بوجه الريح تخاطب السفائن المهاجرة والمهجورة التي حاولت أن تفتح أشرعتها في بحر ملغوم أتعبه ضوضاء وهموم  وضباب موهوم.
   وعلى الرغم من كل ما حصل فقد ظلّت بيروت التي لا يمكن إلاّ أن تُدخلك في تفاصيلها وتُشاركك في أحلامها، حين تهطل فيها السماء ورداً وعطراً، لتسقي فيه حدائق الروح وبساتين الأمل ، حيث الدروب مفتوحة إلى الشمس وأمواج البحر والحساسين الجميلة وأشجار البلوط واللوز والكستناء.
   من لم يبكِ بيروت فلا قلب له ومن عاشها ولم يحبّها لا عقل له، تلك المدينة الأليفة التي تحتضن الغرباء والمثقفين والمتمردّين والصعاليك وترفع راية العز والإعتراض، التي لم تتعلّم إلاّ أن تقول "لا"، وكأن حسن عبد الحميد حين يبكي بيروت يريد أن يقتفي أثر الشاعر الإسباني الكبير لوركا الذي يقول "أنا الظل الهائل لدموعي" فبكى نفسه وبكى بيروت، البشر والشجر والحجر.
   ولعلّ أغلب قصائد مجموعة حسن عبد الحميد تسير على هذا النسق من الرهان محاولة تعميد شجرة الذاكرة بماء المعرفة المتراصفة مع الوعي لتتخذ من الحدث مُرتكزاً في ترسلّه لاختراق خلجات الشاعر في قاعها وكينونتها وأفقها .
   توزعت المجموعة إلى نصوص مكتوبة بين عامي 2016 ومنتصف 2020، وجاءت قصائدها  مسكونة بهواجس التشبّث بالحياة أمام جائحة كورونا "كوفيد - 19" حيث داهم الفايروس الغامض والمخيف البشر في كل مكان، وقد كتب معظمها في عنكاوا (إربيل) التي يقول عنها "إنها بلدة لها سطوة الحضور" وفيها نصوص مهداة إلى زها حديد ويتداخل فيها الشعر بالنثر برؤى صوفية أحياناً من بغداد إلى بيروت ومن بيروت إلى بغداد.
      ... لك ترجمان الشعر
         يتمايل مطراً
      ... حين تفصحين
                        عمّا خبأت لؤلؤات الشوق
                       من بيروت ... إلى بوابة الدنيا
                                         !!... بغداد
   
   إن مجموعة حسن عبد الحميد "حين تنكّر الموج... لضحكات القوارب"  وقصيدة  "آه ... بيروت"  هي رسالة وفاء وحب إلى بيروت المدينة العصيّة التي ستنهض مثل طائر الفينيق من بين الرماد وحسب بابلو نيرودا "قد يقتلون الأزهار كلّها لكنهم لم يمنعوا حلول الربيع"، إنها كتابة بالروح، بل بالدم والقلب والعقل.

   وقال لي بين النطق والصمت
          برزخٌ فيه
    قبر العقل
   وفيه قبور الأشياء
   حسبما يقول النِفري،ولعل حياتنا ستكون أكثر سقماً لولا الشعر، فهو النبع والرؤية والحلم.

 ـــــــــــــــــــــ
*مفكر وأديب وناقد، عضو إتحاد الكتاب العرب (دمشق) وعضو إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين (بغداد) - له نحو 70 كتاباً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والمجتمع المدني والثقافة والأدب، حائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - 2003).(نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان - بيروت ) ورئيس مجلس أمناء المعهد العربي للديمقراطية (تونس)  -الناشر

*وقّع الشاعر مجموعته في احتفالية افتتاح صالون 15 الذي أسستهُ الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار في بيروت (2-8-2021)

10
عبد الحسين شعبان يكتب: الانتخابات العراقية والخريطة السياسية

28 تموز/ يوليو 2021
موقع الأمصار
أربك القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر المشهد السياسي والانتخابي وذلك بالإعلان عن عدم ترشيح تياره للانتخابات نظراً لما يتمتع به من نفوذ شعبي، خصوصاً في الوسط الشيعي فضلاً عن امتلاكه فصيلاً مسلحاً منضوياً في إطار الحشد الشعبي باسم “سرايا السلام”.
وقد جاء ذلك الإعلان بعد حريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي أودى بحياة نحو 100 قتيل وجريح، وبعده تفجير مدينة الصدر، وقبلهما حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد، إضافة إلى ذلك مقتل الناشط المدني إيهاب الوزّاني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في مدينة كربلاء، في 8 مايو/أيار2021 الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في الشارع العراقي.
وكان الوزاني قد نجا في وقت سابق من محاولة اغتيال قُتل على إثرها زميله فاهم الطائي (ديسمبر/كانون الأول 2019). وقد نفّذ الهجوم مسلحون يستقلّون دراجات نارية وبأسلحة مزودة بكاتم للصوت. كما تعرّض صحافي مدني يدعى “أحمد حسن” في مدينة الديوانية بجنوب العراق إلى حادث اغتيال، بعد 24 ساعة من اغتيال الوزّاني، أصيب على إثره بجروح خطيرة.
وباستثناء تفجير مدينة الصدر التي أعلن “داعش” عن مسؤوليته، لم تدعِ أية جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال. كما لم تكشف التحقيقات الحكومية واللجان التي شكّلتها عن هوّية المرتكبين والجهات التي تقف خلفهم، ليتسنّى تقديمهم إلى العدالة، وهو الأمر الذي ظلّت حركة الاحتجاج التشرينيّة التي اندلعت في العام 2019 تطالب به، خصوصاً وقد سقط فيها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح، من دون أن تظهر أي نتائج لمعرفة حقيقة ما حصل. وما زال الجناة طلقاء ومستمرون في ارتكاباتهم طالما يتم الإفلات من العقاب.
المزاج الشعبي
أثرّت هذه الحوادث على المزاج الانتخابي المتعكّر بالأساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والأخرى استعراضاً للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الآخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس؛ يُضاف إلى ذلك استمرار ظواهر هيمنة “المال السياسي” و”مراكز النفوذ” التي كوّنتها المجموعات الحاكمة داخل أجهزة الدولة ومع بعض القوى التقليدية الدينية والعشائرية، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي الداعم الاستقطابات السياسية.
وأعطى مثل هذا الأمر انطباعاً بأن نتائج الانتخابات سوف لا تكون أفضل من سابقاتها، أي أن التغيير الذي راهن ويراهن عليه البعض بمن فيهم محتجي تشرين، ما زال بعيد المنال، وهو رأي أخذ يتردد بصوتٍ عالٍ. فالبيئة السياسية والأمنيّة ما تزال غير آمنة لإجراء انتخابات حرّة نزيهة، وبإشراف دوليٍّ مُحْكمٍ. وقد عز مثل هذا الرأي انسحاب الصدر وإعلانه عدم ثقته بالحكومة المقبلة والحكومة الحالية.
ومن الطبيعي أن تحذو حذو الصدر قوى أخرى كان أولها الحزب الشيوعي الذي كان متحالفاً مع تيار الصدر في إطار كتلة “سائرون”، فأعلن عن مقاطعته الانتخابات لعدم توفر الظروف المناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وفي الغالب سيقتفي إثر قرار الصدر قوى أخرى، خصوصاً إن لم يتراجع عن موقفه، علماً بأن الأوضاع العامة ازدادت سوءًا والحالة المعيشية والصحية والأمنية مستمرة بالتدهور.
يستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن البيئة التشريعية القانونية والأداء البرلماني هما دون مستوى الحد الأدنى المطلوب، كما أن الإدارة الانتخابية غير مستقلة، والمقصود بذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلا الجهاز القضائي يملك قراره بالكامل، ولا حتى المرشّح متحرّراً من التأثيرات والناخب هو الآخر عرضة لمختلف الضغوطات، كما أن الرقابة لمنظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية ليست على درجة من الفاعلية لإنجاز انتخابات نزيهة وحرة، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن توفير رقابة دولية فعالة وذلك خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض”جولة الحوار العراقي – الأمريكي الرابعة، واشنطن في تموز/ يوليو 2021”.
فقد كانت التجارب الانتخابية جميعها مُرّةً وطالتها يد التزوير، إلى درجة عزوف المواطن عنها الانتخابات الأخيرة، حيث لم يشارك أكثر من 20٪ من الذين يحق لهم الانتخاب في التقديرات المتفائلة.

دعوات مبكرة للمقاطعة
لهذه الأسباب، برزت دعوات لمقاطعة الانتخابات، حتى قبل حصولها، بوصفها “غير شرعيّة”، بل وصل الأمر إلى وصم العملية السياسية برمّتها بأنها “غير شرعية”، خصوصاً باستمرار النفوذ الإيراني والأمريكي، وتأثيرهما المباشر على القوى والمجموعات السياسية، ناهيك عن استمرار ظاهرة السلاح المنتشر خارج نطاق القانون وعدم تلبية مطالب “حركة تشرين” بمساءلة المتسببين في هدر دماء المحتجّين.
وعلى الرغم من إعلان قوى وشخصيات عن مقاطعاتها للانتخابات فإن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، وغالبية القوى السياسية، وخصوصاً منظومة 9 أبريل/نيسان المشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003 ما تزال تعتبرها الوسيلة الوحيدة والمضمونة للمنافسة، وهي ما تعوّل عليه، كما أن بعض الشباب في الحراك التشريني لم يجدوا وسيلة سواها للتغيير، لذلك حاولوا تجميع أنفسهم لخوض الانتخابات لمنافسة القوى المهيمنة، لأن مقاطعتها ستعيد القوى القديمة التي صادرت المشهد السياسي واستحوذت على الامتيازات إلى مواقعها، وهي على معرفة ودراية وخبرة بعد تجارب انتخابية أربعة، فضلاً عن وجودها بدواونيّة الدولة وبيروقراطيتها وتمتلك المال والسلاح.


الكاظمي والترشيح
هل سيبقى الكاظمي في رئاسة الوزارة لو تم تأجيل الانتخابات إلى أجل معلوم أو مجهول؟ سؤال يراود الباحث والمحلل، خصوصاً بعد إعلان الصدر عن عدم المشاركة بالانتخابات. وحتى ولو جرت الانتخابات هل يمكن تشكيل حكومة في ظل معارضة لأكبر كتلة سياسية في العراق؟ علماً بأن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أعلن عدم ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية، وهو ما يُحسب له.
كما أن اختياره لموقعه جاء في ظرف سياسي ملتبس ومريب كمرشح تسوية لعدم تمكّن القوى المهيمنة على السلطة من التوصل إلى مرشح بديل بعد “إقالة” أو “استقالة” حكومة عادل عبد المهدي. وفي ظل تصاعد الصراع الأمريكي- الإيراني وانعكاساته عراقياً، وعلى الرغم من وعوده خلال العام المنصرم، بضبط السلاح المنفلت ومنع استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، والأمريكية خصوصاً في المنطقة الخضراء، ووضع حد للفساد ومحاسبة المفسدين وتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات مبكّرة، إلا أنه لم يتمكّن من التقدم جدّياً على هذا الطريق، وظل يقدّم خطوة ويؤخّر أخرى. فما الذي سيحصل؟ وكيف ستتوزّع الخريطة السياسية الانتخابية، والتحالفات التي ستعقبها؟
وكان من المقرّر إجراء الانتخابات يوم 6 يونيو/حزيران، إلّا أن ثمة أسباب فنية (عدم تهيئة البنية التحتية للانتخابات) ومالية (تأخر إقرار الميزانية) وقانونية (عدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية) وسياسية تتعلق برغبة بعض القوى الفاعلة، أو عدم استعدادها الكافي، حال دون إجرائها، فتمّ تأجيلها إلى يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، علماً بأن هناك من يشكّك بإمكانية إجراء الانتخابات أصلاً في ظل الأوضاع المعقدة، وحسب الدستور، فإن الموعد الاعتيادي للانتخابات هو كل أربع سنوات، وسيصادف في الربع الأول من العام 2022، أي بعد أقل من 6 أشهر من الموعد الثاني الذي من المقرر إجراء الانتخابات فيه.
ومع إغلاق باب الترشيح، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أنها صادقت على 44 تحالفاً و267 حزباً، حيث بلغ عدد المرشحين 3523 مرشحاً، منهم 1002 مرشحاً عن التحالفات و1634 عن الأحزاب، أما عدد المرشحين المستقلين فهو 887، ومن ضمن المجموع الكلي للمرشحين روعيَت الكوتا النسائية بواقع 25 بالمائة، أي 963 امرأة، علماً بأن 25 مليون عراقي يحق لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة في 83 دائرة انتخابية لاختيار 329 نائباً، وفقاً للقانون الجديد الذي يأخذ بمبدأ الفوز بأعلى الأصوات.
الدورة الخامسة
يُذكر أن الانتخابات الحالية هي الخامسة وتقرّرت على وقع الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الإدارة وتدهور الخدمات، وتفشي الفساد، واستشراء البطالة، وتردي الواقع المعيشي والحياتي، خصوصاً في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والمذهبي. وكانت الانتخابات الأولى والثانية قد أُجريت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق (2005 و2010). أما الانتخابات الثالثة، فقد نُظِّمت في العام 2014، وأعقبتها الانتخابات الرابعة في العام 2018.

صورة المشهد الانتخابي
كيف سيكون المشهد الانتخابي في انتخابات العام 2021؟ وهل ما تزال تدور في فلك “الترويكا” (الشيعية – السنّيّة – الكردية)، أم ثمة تغييرات ستجري عليها؟ ولكي نقرأ تضاريس الخريطة الانتخابية وطوبوغرافية التحالفات في ظل المنافسة الماراثونية، يمكن أن نقرأ جدول القوائم والكتل الانتخابية، كما يأتي. وقبل أن نحدد معالم القوى المتنافسة لا بد من القول أن غياب التيار الصدري ستكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى. أما القوى الحالية فهي:
القوائم الشيعية، وتضم:
كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وهي الكتلة الأكبر في البرلمان الحالي، وكانت تطالب “بأحقيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ويعتبر الصدر الرقم الأصعب في المعادلة الشيعية والرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية عموماً. وذلك قبل مقاطعته الانتخابات.
كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وقيس الخزعلي، أي حركتي بدر وصادقون، وهي من الكتل القويّة المقرّبة من طهران، وتمتلك إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية، وتعلن رفضها المباشر لبقاء القوات الأجنبية في العراق، استناداً إلى قرار البرلمان الذي اتخذه في مطلع العام 2020، وهي من القوى التي لها حضور كبير في الحشد الشعبي.
كتلة دولة القانون، بقيادة نوري المالكي، رئيس الوزراء لدورتين (2006 – 2014)، ومعه حزب الدعوة، إضافة إلى حزب الله العراقي، المقرّب من إيران أيضاً، والذي يعتبر قوة مسلحة ضاربة وجزء من الحشد الشعبي.
تيار الحكمة، برئاسة السيد عمّار الحكيم، المتحالف مع كتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية)، وكتل صغيرة أخرى، وقد سجّل في رصيد العبادي تمكّنه من إلحاق الهزيمة بداعش في نهاية العام 2017، مع ملاحظة نقد الكرد لموقفه من استفتاء كردستان الذي دعا إليه مسعود البارازاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وربما كان ذلك أحد أسباب عدم توليه دورة رئاسية جديدة.
المجلس الإسلامي الأعلى، بقيادة همام حمودي، بالتحالف مع منظمة العمل الإسلامي، وقد تراجع أداءه بعد تأسيس تيار الحكمة من جانب السيد عمار الحكيم وخروجه من المجلس الذي كان يترأسه.
وهكذا فإن المشهد الشيعي أصبح متشظّياً ومفتتاً، بعدما كان موّحداً، يحتل أكثر من نصف البرلمان ككتلة قوية، لا سيّما عند تأسيسه باسم “البيت الشيعي” (2005). وسيزداد ضعفاً إذا ما غاب تيار مقتدى الصدر.

 
القوائم السنّيّة
وتتوزّع على ثلاث تجمّعات أساسية:
الكتلة الأنبارية، بزعامة رئيس البرلماني الحالي محمد الحلبوسي، ويسعى لتمثيل السنّيّة السياسية أو جناحها الأكبر وذلك بدعم من الشيعية السياسية والإثنية الكردية السياسية.
كتلة صلاح الدين، وهي تضم بعض سنّة الأنبار بمن فيهم رئيس حزب الحلّ جمال الكربولي، المتفرّع من كتلة الحلبوسي، والملتفّة حول رجل الأعمال خميس الخنجر، الذي يقود تحالف عزم العراق، حيث انضم إليه كتلة سنّة ديالى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.
الكتلة الموصلية، ويقودها نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الأسبق أسامه النجيفي، بالتحالف مع رجل الأعمال جمال الضاري (المشروع الوطني للإنقاذ).
وهكذا، فإن المجموعة السنّيّة هي الأخرى متشظّية وغير موحّدة، بل أنها مختصمة.
القوائم الكردية
قائمتان رئيستان، تتوزعان تقليدياً وتاريخياً بين حزبين أساسيين، أولهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانيهما: الاتحاد الوطني الكردستاني.
أما الكتل الانتخابية فهي:
تحالف كردستان بقيادة لاهور شيخ جنكي ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير “كوران” التي أسّسها القيادي الكردي ناوشيروان مصطفى والتي تعتبر قطباً جديداً سرعان ما حفر له أساساً في إطار التيار الكردستاني.
كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتضم مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تدور في فلكه، وله نفوذ واسع، حيث يمثّل نجيرفان البارزاني رئاسة الإقليم ومسرور البارازاني رئاسة وزراء الإقليم.
الحركة الإسلامية الكردستانية، أعلنت مقاطعة الانتخابات لعدم وجود ضمانات كافية لانتخابات نزيهة.
الكتل خارج الترويكا
ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علّاوي، رئيس الوزراء الأسبق، المتحالف مع صالح المطلك (جبهة الحوار)، وقد بدأ نفوذه ينحسر بعد أن حصل على 91 مقعداً في العام 2010، لكنه لم يتمكّن من تشكيل الوزارة التي حاز عليها غريمه نوري المالكي للمرّة الثانية، بقرار من المحكمة الاتحادية حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر في الدستور (قبل الانتخابات أم بعدها)، علماً بأن إيران كانت تعارض تولّيه هذا المنصب. ومن المحتمل بعد انسحاب الصدر قد يتردد في المشاركة بالانتخابات، علما أنه أعلن عدم ترّشحه شخصياً.
قوى مدنيّة أخرى
هناك مجاميع وقوى مدنية غير منتمية إلى الترويكا، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي كان متحالفاً مع السيد الصدر في إطار كتلة سائرون، وفاز في انتخابات 2018 بنائبين، لكنهما استقالا بعد حركة تشرين الاحتجاجية، وقد تحالف لخوض هذه الانتخابات مع كتل صغيرة أخرى. ولكنه انسحب بعد مقاطعة تيار الصدر. وهناك بعض الكتل التي تمثّل مجاميع إثنّية أو دينيّة، فضلاً عن مرشحين مستقلين فرادى أو متحالفين مع كتل أخرى، سواء في إقليم كردستان أو في عموم العراق، إضافة إلى كتل ومرشحين محليين في محافظاتهم أو مُدُنهم.
الانتخابات ودستور المكوّنات
إذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع العراقي، أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، فضلاً عن انتشار السلاح خارج دائرة القانون والعدالة، ووجود الميليشيات والتنمّر على الدولة، العاجزة عن لجم أعمال الانفلات على الرغم من محاولاتها. وقد أعلنت بعض القوى مقاطعتها للانتخابات بعد تمادي القوى المسلحة في استهداف النشطاء وعدم قدرة الدولة على وضع حد لذلك، وهو ما سيؤثر على نتائج الإنتخابات.
وتعتقد هذه القوى أنّ مجرد المشاركة في الانتخابات في ظل النتائج المحسومة سلفاً، سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 أبريل/نيسان2003، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. وقد وردت عبارة المكوّنات في ديباجة الدستور مرّتان، وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142.
ولعل مثل هذه الرؤية تعني تراجع عمليّة التغيير التي راهنت عليها بعض القوى عبر “خيار الانتخابات” المقبلة بالصورة التي ستجري فيها والآليات التي تعتمدها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، والظروف غير المطمئنة التي تغرق فيها البلاد، وستعني المشاركة حسب بعض وجهات النظر الشبابية من قادة حركة الاحتجاج تبديداً للتضحيات الجسام، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر.
وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها “السياديّة”.

لبننة العراق
إن استمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، وهو ما يجعلنا نستحضر التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان، حيث ظلّت تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989. وهكذا يتم تكرار تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل”.
ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله، بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها، على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن، في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب وضعف الدولة بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة.
الثورة في صندوق الاقتراع
إذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة، وربما يدفع بالمجتمع العراقي إلى المزيد من القنوط والتشاؤم، لا سيّما في ظل أزمة اقتصادية حادة، وتدهور الخدمات الصحية باستمرار جائحة كورونا، وتراجع مستوى التعليم وازدياد نسبة البطالة والفقر. وهذه العوامل جميعها تساعد على استفحال التعصّب ووليده التطرّف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً، أي الانتقال من التفكير إلى التنفيذ، وحين يضرب عشوائياً يصير إرهابا وإرهاباً دولياً، إذا كان عابراً للحدود.
لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولاسيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدو الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.


الانتخابات والانتقال الديمقراطي
ظلّت الانتخابات أكثر العناصر تحدّياً وحساسية، سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ستكون مؤثرة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصاً الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، وثانيهما: فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها من قواعد وآليات وممارسات.
وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعداً أكثر ثقلاً ووزناً، لا سيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا.
ومنذ التسعينيات تعاضدت ثلاث عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية؛
الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية؛
والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديموقراطية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام نحو ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994، وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطوّر التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختياراً فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلاً شاغلاً لا سيّما لمرحلة الانتقال، خصوصاً بعد ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.
لقد وصلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية”، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلاً عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال، إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية، الأمر الذي اقتضى ويقتضي الانتقال إلى الشرعية الدستورية وهذه تتطلب رضا الناس أي الشرعية السياسية، وحكم القانون أي “المشروعية القانونية”.
واستناداً إلى ذلك يمكن القول أنه لا توجد “انتخابات ديمقراطية” دون التمتّع بالحقوق السياسية وهذه الحقوق تعني: الحق في التعبير، الحق في التظاهر، الحق في التجمع، الحق في التنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والحق في المشاركة، وكذلك لا يمكن قيام انتخابات ديمقراطية في إطار قانون انتخابات غير ديمقراطي أو تعسفي، ولعلّ الكثير من النقد وجه إلى الدستور العراقي والنظام الانتخابي لعدم احترام المعايير والالتزامات الدولية بتنظيم الانتخابات دستورياً وقانونياً، كما هي منصوص عليها في المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي وعدم ثقة المواطن الفرد بالنظام السياسي ككل، لعزوف نسبة كبيرة ممن يحقّ لهم التصويت، لعدم ممارسة حقوقهم والإدلاء بأصواتهم، والأمر لا يخص العراق وحده، بل يشمل العديد من البلدان العربية والبلدان الفقيرة التي تجري فيها انتخابات بنسبة تصويت منخفضة جداً.
__________
الأصل في هذه المادة دراسة للباحث نشرت في "مجلة الديمقراطية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام "القاهرة" عدد تموز/يوليو 2021.

11

28 تموز/ يوليو 2021
أربك القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر المشهد السياسي والانتخابي وذلك بالإعلان عن عدم ترشيح تياره للانتخابات نظراً لما يتمتع به من نفوذ شعبي، خصوصاً في الوسط الشيعي فضلاً عن امتلاكه فصيلاً مسلحاً منضوياً في إطار الحشد الشعبي باسم “سرايا السلام”.
وقد جاء ذلك الإعلان بعد حريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي أودى بحياة نحو 100 قتيل وجريح، وبعده تفجير مدينة الصدر، وقبلهما حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد، إضافة إلى ذلك مقتل الناشط المدني إيهاب الوزّاني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في مدينة كربلاء، في 8 مايو/أيار2021 الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في الشارع العراقي.
وكان الوزاني قد نجا في وقت سابق من محاولة اغتيال قُتل على إثرها زميله فاهم الطائي (ديسمبر/كانون الأول 2019). وقد نفّذ الهجوم مسلحون يستقلّون دراجات نارية وبأسلحة مزودة بكاتم للصوت. كما تعرّض صحافي مدني يدعى “أحمد حسن” في مدينة الديوانية بجنوب العراق إلى حادث اغتيال، بعد 24 ساعة من اغتيال الوزّاني، أصيب على إثره بجروح خطيرة.
وباستثناء تفجير مدينة الصدر التي أعلن “داعش” عن مسؤوليته، لم تدعِ أية جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال. كما لم تكشف التحقيقات الحكومية واللجان التي شكّلتها عن هوّية المرتكبين والجهات التي تقف خلفهم، ليتسنّى تقديمهم إلى العدالة، وهو الأمر الذي ظلّت حركة الاحتجاج التشرينيّة التي اندلعت في العام 2019 تطالب به، خصوصاً وقد سقط فيها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح، من دون أن تظهر أي نتائج لمعرفة حقيقة ما حصل. وما زال الجناة طلقاء ومستمرون في ارتكاباتهم طالما يتم الإفلات من العقاب.
المزاج الشعبي
أثرّت هذه الحوادث على المزاج الانتخابي المتعكّر بالأساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والأخرى استعراضاً للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الآخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس؛ يُضاف إلى ذلك استمرار ظواهر هيمنة “المال السياسي” و”مراكز النفوذ” التي كوّنتها المجموعات الحاكمة داخل أجهزة الدولة ومع بعض القوى التقليدية الدينية والعشائرية، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي الداعم الاستقطابات السياسية.
وأعطى مثل هذا الأمر انطباعاً بأن نتائج الانتخابات سوف لا تكون أفضل من سابقاتها، أي أن التغيير الذي راهن ويراهن عليه البعض بمن فيهم محتجي تشرين، ما زال بعيد المنال، وهو رأي أخذ يتردد بصوتٍ عالٍ. فالبيئة السياسية والأمنيّة ما تزال غير آمنة لإجراء انتخابات حرّة نزيهة، وبإشراف دوليٍّ مُحْكمٍ. وقد عز مثل هذا الرأي انسحاب الصدر وإعلانه عدم ثقته بالحكومة المقبلة والحكومة الحالية.
ومن الطبيعي أن تحذو حذو الصدر قوى أخرى كان أولها الحزب الشيوعي الذي كان متحالفاً مع تيار الصدر في إطار كتلة “سائرون”، فأعلن عن مقاطعته الانتخابات لعدم توفر الظروف المناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وفي الغالب سيقتفي إثر قرار الصدر قوى أخرى، خصوصاً إن لم يتراجع عن موقفه، علماً بأن الأوضاع العامة ازدادت سوءًا والحالة المعيشية والصحية والأمنية مستمرة بالتدهور.
يستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن البيئة التشريعية القانونية والأداء البرلماني هما دون مستوى الحد الأدنى المطلوب، كما أن الإدارة الانتخابية غير مستقلة، والمقصود بذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلا الجهاز القضائي يملك قراره بالكامل، ولا حتى المرشّح متحرّراً من التأثيرات والناخب هو الآخر عرضة لمختلف الضغوطات، كما أن الرقابة لمنظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية ليست على درجة من الفاعلية لإنجاز انتخابات نزيهة وحرة، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن توفير رقابة دولية فعالة وذلك خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض”جولة الحوار العراقي – الأمريكي الرابعة، واشنطن في تموز/ يوليو 2021”.
فقد كانت التجارب الانتخابية جميعها مُرّةً وطالتها يد التزوير، إلى درجة عزوف المواطن عنها الانتخابات الأخيرة، حيث لم يشارك أكثر من 20٪ من الذين يحق لهم الانتخاب في التقديرات المتفائلة.

دعوات مبكرة للمقاطعة
لهذه الأسباب، برزت دعوات لمقاطعة الانتخابات، حتى قبل حصولها، بوصفها “غير شرعيّة”، بل وصل الأمر إلى وصم العملية السياسية برمّتها بأنها “غير شرعية”، خصوصاً باستمرار النفوذ الإيراني والأمريكي، وتأثيرهما المباشر على القوى والمجموعات السياسية، ناهيك عن استمرار ظاهرة السلاح المنتشر خارج نطاق القانون وعدم تلبية مطالب “حركة تشرين” بمساءلة المتسببين في هدر دماء المحتجّين.
وعلى الرغم من إعلان قوى وشخصيات عن مقاطعاتها للانتخابات فإن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، وغالبية القوى السياسية، وخصوصاً منظومة 9 أبريل/نيسان المشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003 ما تزال تعتبرها الوسيلة الوحيدة والمضمونة للمنافسة، وهي ما تعوّل عليه، كما أن بعض الشباب في الحراك التشريني لم يجدوا وسيلة سواها للتغيير، لذلك حاولوا تجميع أنفسهم لخوض الانتخابات لمنافسة القوى المهيمنة، لأن مقاطعتها ستعيد القوى القديمة التي صادرت المشهد السياسي واستحوذت على الامتيازات إلى مواقعها، وهي على معرفة ودراية وخبرة بعد تجارب انتخابية أربعة، فضلاً عن وجودها بدواونيّة الدولة وبيروقراطيتها وتمتلك المال والسلاح.


الكاظمي والترشيح
هل سيبقى الكاظمي في رئاسة الوزارة لو تم تأجيل الانتخابات إلى أجل معلوم أو مجهول؟ سؤال يراود الباحث والمحلل، خصوصاً بعد إعلان الصدر عن عدم المشاركة بالانتخابات. وحتى ولو جرت الانتخابات هل يمكن تشكيل حكومة في ظل معارضة لأكبر كتلة سياسية في العراق؟ علماً بأن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أعلن عدم ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية، وهو ما يُحسب له.
كما أن اختياره لموقعه جاء في ظرف سياسي ملتبس ومريب كمرشح تسوية لعدم تمكّن القوى المهيمنة على السلطة من التوصل إلى مرشح بديل بعد “إقالة” أو “استقالة” حكومة عادل عبد المهدي. وفي ظل تصاعد الصراع الأمريكي- الإيراني وانعكاساته عراقياً، وعلى الرغم من وعوده خلال العام المنصرم، بضبط السلاح المنفلت ومنع استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، والأمريكية خصوصاً في المنطقة الخضراء، ووضع حد للفساد ومحاسبة المفسدين وتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات مبكّرة، إلا أنه لم يتمكّن من التقدم جدّياً على هذا الطريق، وظل يقدّم خطوة ويؤخّر أخرى. فما الذي سيحصل؟ وكيف ستتوزّع الخريطة السياسية الانتخابية، والتحالفات التي ستعقبها؟
وكان من المقرّر إجراء الانتخابات يوم 6 يونيو/حزيران، إلّا أن ثمة أسباب فنية (عدم تهيئة البنية التحتية للانتخابات) ومالية (تأخر إقرار الميزانية) وقانونية (عدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية) وسياسية تتعلق برغبة بعض القوى الفاعلة، أو عدم استعدادها الكافي، حال دون إجرائها، فتمّ تأجيلها إلى يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، علماً بأن هناك من يشكّك بإمكانية إجراء الانتخابات أصلاً في ظل الأوضاع المعقدة، وحسب الدستور، فإن الموعد الاعتيادي للانتخابات هو كل أربع سنوات، وسيصادف في الربع الأول من العام 2022، أي بعد أقل من 6 أشهر من الموعد الثاني الذي من المقرر إجراء الانتخابات فيه.
ومع إغلاق باب الترشيح، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أنها صادقت على 44 تحالفاً و267 حزباً، حيث بلغ عدد المرشحين 3523 مرشحاً، منهم 1002 مرشحاً عن التحالفات و1634 عن الأحزاب، أما عدد المرشحين المستقلين فهو 887، ومن ضمن المجموع الكلي للمرشحين روعيَت الكوتا النسائية بواقع 25 بالمائة، أي 963 امرأة، علماً بأن 25 مليون عراقي يحق لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة في 83 دائرة انتخابية لاختيار 329 نائباً، وفقاً للقانون الجديد الذي يأخذ بمبدأ الفوز بأعلى الأصوات.
الدورة الخامسة
يُذكر أن الانتخابات الحالية هي الخامسة وتقرّرت على وقع الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الإدارة وتدهور الخدمات، وتفشي الفساد، واستشراء البطالة، وتردي الواقع المعيشي والحياتي، خصوصاً في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والمذهبي. وكانت الانتخابات الأولى والثانية قد أُجريت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق (2005 و2010). أما الانتخابات الثالثة، فقد نُظِّمت في العام 2014، وأعقبتها الانتخابات الرابعة في العام 2018.

صورة المشهد الانتخابي
كيف سيكون المشهد الانتخابي في انتخابات العام 2021؟ وهل ما تزال تدور في فلك “الترويكا” (الشيعية – السنّيّة – الكردية)، أم ثمة تغييرات ستجري عليها؟ ولكي نقرأ تضاريس الخريطة الانتخابية وطوبوغرافية التحالفات في ظل المنافسة الماراثونية، يمكن أن نقرأ جدول القوائم والكتل الانتخابية، كما يأتي. وقبل أن نحدد معالم القوى المتنافسة لا بد من القول أن غياب التيار الصدري ستكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى. أما القوى الحالية فهي:
القوائم الشيعية، وتضم:
كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وهي الكتلة الأكبر في البرلمان الحالي، وكانت تطالب “بأحقيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ويعتبر الصدر الرقم الأصعب في المعادلة الشيعية والرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية عموماً. وذلك قبل مقاطعته الانتخابات.
كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وقيس الخزعلي، أي حركتي بدر وصادقون، وهي من الكتل القويّة المقرّبة من طهران، وتمتلك إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية، وتعلن رفضها المباشر لبقاء القوات الأجنبية في العراق، استناداً إلى قرار البرلمان الذي اتخذه في مطلع العام 2020، وهي من القوى التي لها حضور كبير في الحشد الشعبي.
كتلة دولة القانون، بقيادة نوري المالكي، رئيس الوزراء لدورتين (2006 – 2014)، ومعه حزب الدعوة، إضافة إلى حزب الله العراقي، المقرّب من إيران أيضاً، والذي يعتبر قوة مسلحة ضاربة وجزء من الحشد الشعبي.
تيار الحكمة، برئاسة السيد عمّار الحكيم، المتحالف مع كتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية)، وكتل صغيرة أخرى، وقد سجّل في رصيد العبادي تمكّنه من إلحاق الهزيمة بداعش في نهاية العام 2017، مع ملاحظة نقد الكرد لموقفه من استفتاء كردستان الذي دعا إليه مسعود البارازاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وربما كان ذلك أحد أسباب عدم توليه دورة رئاسية جديدة.
المجلس الإسلامي الأعلى، بقيادة همام حمودي، بالتحالف مع منظمة العمل الإسلامي، وقد تراجع أداءه بعد تأسيس تيار الحكمة من جانب السيد عمار الحكيم وخروجه من المجلس الذي كان يترأسه.
وهكذا فإن المشهد الشيعي أصبح متشظّياً ومفتتاً، بعدما كان موّحداً، يحتل أكثر من نصف البرلمان ككتلة قوية، لا سيّما عند تأسيسه باسم “البيت الشيعي” (2005). وسيزداد ضعفاً إذا ما غاب تيار مقتدى الصدر.

 
القوائم السنّيّة
وتتوزّع على ثلاث تجمّعات أساسية:
الكتلة الأنبارية، بزعامة رئيس البرلماني الحالي محمد الحلبوسي، ويسعى لتمثيل السنّيّة السياسية أو جناحها الأكبر وذلك بدعم من الشيعية السياسية والإثنية الكردية السياسية.
كتلة صلاح الدين، وهي تضم بعض سنّة الأنبار بمن فيهم رئيس حزب الحلّ جمال الكربولي، المتفرّع من كتلة الحلبوسي، والملتفّة حول رجل الأعمال خميس الخنجر، الذي يقود تحالف عزم العراق، حيث انضم إليه كتلة سنّة ديالى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.
الكتلة الموصلية، ويقودها نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الأسبق أسامه النجيفي، بالتحالف مع رجل الأعمال جمال الضاري (المشروع الوطني للإنقاذ).
وهكذا، فإن المجموعة السنّيّة هي الأخرى متشظّية وغير موحّدة، بل أنها مختصمة.
القوائم الكردية
قائمتان رئيستان، تتوزعان تقليدياً وتاريخياً بين حزبين أساسيين، أولهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانيهما: الاتحاد الوطني الكردستاني.
أما الكتل الانتخابية فهي:
تحالف كردستان بقيادة لاهور شيخ جنكي ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير “كوران” التي أسّسها القيادي الكردي ناوشيروان مصطفى والتي تعتبر قطباً جديداً سرعان ما حفر له أساساً في إطار التيار الكردستاني.
كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتضم مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تدور في فلكه، وله نفوذ واسع، حيث يمثّل نجيرفان البارزاني رئاسة الإقليم ومسرور البارازاني رئاسة وزراء الإقليم.
الحركة الإسلامية الكردستانية، أعلنت مقاطعة الانتخابات لعدم وجود ضمانات كافية لانتخابات نزيهة.
الكتل خارج الترويكا
ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علّاوي، رئيس الوزراء الأسبق، المتحالف مع صالح المطلك (جبهة الحوار)، وقد بدأ نفوذه ينحسر بعد أن حصل على 91 مقعداً في العام 2010، لكنه لم يتمكّن من تشكيل الوزارة التي حاز عليها غريمه نوري المالكي للمرّة الثانية، بقرار من المحكمة الاتحادية حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر في الدستور (قبل الانتخابات أم بعدها)، علماً بأن إيران كانت تعارض تولّيه هذا المنصب. ومن المحتمل بعد انسحاب الصدر قد يتردد في المشاركة بالانتخابات، علما أنه أعلن عدم ترّشحه شخصياً.
قوى مدنيّة أخرى
هناك مجاميع وقوى مدنية غير منتمية إلى الترويكا، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي كان متحالفاً مع السيد الصدر في إطار كتلة سائرون، وفاز في انتخابات 2018 بنائبين، لكنهما استقالا بعد حركة تشرين الاحتجاجية، وقد تحالف لخوض هذه الانتخابات مع كتل صغيرة أخرى. ولكنه انسحب بعد مقاطعة تيار الصدر. وهناك بعض الكتل التي تمثّل مجاميع إثنّية أو دينيّة، فضلاً عن مرشحين مستقلين فرادى أو متحالفين مع كتل أخرى، سواء في إقليم كردستان أو في عموم العراق، إضافة إلى كتل ومرشحين محليين في محافظاتهم أو مُدُنهم.
الانتخابات ودستور المكوّنات
إذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع العراقي، أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، فضلاً عن انتشار السلاح خارج دائرة القانون والعدالة، ووجود الميليشيات والتنمّر على الدولة، العاجزة عن لجم أعمال الانفلات على الرغم من محاولاتها. وقد أعلنت بعض القوى مقاطعتها للانتخابات بعد تمادي القوى المسلحة في استهداف النشطاء وعدم قدرة الدولة على وضع حد لذلك، وهو ما سيؤثر على نتائج الإنتخابات.
وتعتقد هذه القوى أنّ مجرد المشاركة في الانتخابات في ظل النتائج المحسومة سلفاً، سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 أبريل/نيسان2003، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. وقد وردت عبارة المكوّنات في ديباجة الدستور مرّتان، وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142.
ولعل مثل هذه الرؤية تعني تراجع عمليّة التغيير التي راهنت عليها بعض القوى عبر “خيار الانتخابات” المقبلة بالصورة التي ستجري فيها والآليات التي تعتمدها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، والظروف غير المطمئنة التي تغرق فيها البلاد، وستعني المشاركة حسب بعض وجهات النظر الشبابية من قادة حركة الاحتجاج تبديداً للتضحيات الجسام، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر.
وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها “السياديّة”.

لبننة العراق
إن استمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، وهو ما يجعلنا نستحضر التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان، حيث ظلّت تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989. وهكذا يتم تكرار تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل”.
ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله، بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها، على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن، في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب وضعف الدولة بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة.
الثورة في صندوق الاقتراع
إذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة، وربما يدفع بالمجتمع العراقي إلى المزيد من القنوط والتشاؤم، لا سيّما في ظل أزمة اقتصادية حادة، وتدهور الخدمات الصحية باستمرار جائحة كورونا، وتراجع مستوى التعليم وازدياد نسبة البطالة والفقر. وهذه العوامل جميعها تساعد على استفحال التعصّب ووليده التطرّف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً، أي الانتقال من التفكير إلى التنفيذ، وحين يضرب عشوائياً يصير إرهابا وإرهاباً دولياً، إذا كان عابراً للحدود.
لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولاسيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدو الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.


الانتخابات والانتقال الديمقراطي
ظلّت الانتخابات أكثر العناصر تحدّياً وحساسية، سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ستكون مؤثرة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصاً الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، وثانيهما: فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها من قواعد وآليات وممارسات.
وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعداً أكثر ثقلاً ووزناً، لا سيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا.
ومنذ التسعينيات تعاضدت ثلاث عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية؛
الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية؛
والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديموقراطية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام نحو ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994، وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطوّر التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختياراً فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلاً شاغلاً لا سيّما لمرحلة الانتقال، خصوصاً بعد ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.
لقد وصلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية”، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلاً عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال، إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية، الأمر الذي اقتضى ويقتضي الانتقال إلى الشرعية الدستورية وهذه تتطلب رضا الناس أي الشرعية السياسية، وحكم القانون أي “المشروعية القانونية”.
واستناداً إلى ذلك يمكن القول أنه لا توجد “انتخابات ديمقراطية” دون التمتّع بالحقوق السياسية وهذه الحقوق تعني: الحق في التعبير، الحق في التظاهر، الحق في التجمع، الحق في التنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والحق في المشاركة، وكذلك لا يمكن قيام انتخابات ديمقراطية في إطار قانون انتخابات غير ديمقراطي أو تعسفي، ولعلّ الكثير من النقد وجه إلى الدستور العراقي والنظام الانتخابي لعدم احترام المعايير والالتزامات الدولية بتنظيم الانتخابات دستورياً وقانونياً، كما هي منصوص عليها في المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي وعدم ثقة المواطن الفرد بالنظام السياسي ككل، لعزوف نسبة كبيرة ممن يحقّ لهم التصويت، لعدم ممارسة حقوقهم والإدلاء بأصواتهم، والأمر لا يخص العراق وحده، بل يشمل العديد من البلدان العربية والبلدان الفقيرة التي تجري فيها انتخابات بنسبة تصويت منخفضة جداً.
__________
الأصل في هذه المادة دراسة للباحث نشرت في "مجلة الديمقراطية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام "القاهرة" عدد تموز/يوليو 2021.

12
سليم الحص: الضمير والكلمة


"يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه"
سليم الحص

مرّتان قدر لي أن أشارك بهما الاحتفاء بدولة الرئيس سليم الحص، الأولى- حين طلب مني تجمع اللجان والروابط الشعبيّة إلقاء كلمة بمناسبة تكريمه، وذلك في أيار/مايو2012. ومع أنني لم أحضر الاحتفالية إلا أنّني أرسلت كلمة بالمناسبة أرفق نصّها في خاتمة هذه المقالة*.
والثانية، حين قدّر لي أن أشارك في اختيار"المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة" لسليم الحص باعتباره "شخصية حكم القانون والإدارة الرشيدة"، في إطار لجنة ضمّت كلاًّ من د. وسيم حرب، د.عصام سليمان، د. عصام نعمان، د. ساسين عساف، وكاتب هذه السطور، وذلك في العام 2018، وأتشرّف بكوني عضواً في مجلس أمناء المركز.
وقد وضعت هذه اللجنة تقريراً خطياً يستعرض مبادىء ومؤشرات حكم القانون التي تم اعتمادها لقياس أداء الرئيس الحص، ورصد مدى احترامه والتزامه بهذه المبادىء سواء بمواقفه أو قراراته أثناء توليّه المناصب العامة والحكوميّة. وقد بيّن هذا التقرير مدى عمق التزام الرئيس الحص قولاً وفعلاً بمبادئ "حكم القانون".
وكنت قد تابعت باهتمام بالغ مسيرة سليم الحص وهي حافلة بالعديد من المنجزات، خصوصاً حين أصبح رئيساً للوزراء للفترة من 1976 ولغاية العام 2000 حيث رافق كلاّ من رؤساء الجمهورية: إلياس سركيس وأمين الجميّل وإميل لحود، كما شغل وزارات، هي: الصناعة والنفط والإعلام والاقتصاد والتجارة والتربية الوطنية والفنون الجميلة والعمل والخارجية والمغتربين، إضافة إلى انتخابه نائباً عن بيروت لدورتين: في العام 1992 والعام 1996.
وضمن هذا السجل الحافل يُعتبر الحص ابن الدولة وخبيراً معتقّاً بجميع مفاصلها، إضافة إلى عمله في إطار المجتمع المدني بعد تركه العمل في الدولة، حيث شغل عدة مواقع منها رئيس مجلس أمناء المنظمة العربية لمكافحة الفساد التي تأسست في العام 2005 بمبادرة من نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية ودعوة كريمة من د. خيرالدين حسيب ومركز دراسات الوحدة العربية، وكان أمينها العام وما يزال د. عامر خيّاط، ويشرّفني أنني عضو في مجلس أمنائها.
إذا أردنا أن نرسم شكل لبنان العابر للطائفية والمذهبية، فيمكن أن نتخيّل شخصية سليم الحص بما تحمل من نقاء وصفاء سريرة وطيبة، وتلك تمثّل ملامح لبنان الذي نحبّه ونتمنّاه. وتعبّر تلك الصورة عن "ضمير لبنان" الحيّ والنابض بالوطنية والعروبة، ومثل تلك الصفات كانت غالبة على مجمل سلوكه خلال توليّه العديد من المناصب الرفيعة.
وقد عمل الحص على إعلاء شأن الدولة خلال ترؤسه لخمس حكومات لبنانية ضمن ما هو متاح من إمكانات وظروف وتحديات وضغوط، وهو القائل "لدينا الكثير من الحريّة والقليل من الديمقراطية"، لأنه يدرك أن الديمقراطية كأسلوب وإدارة حكم تتطلب قوانين وأنظمة ومؤسسات ديمقراطية وفصلاً للسلطات وقضاء مستقل ورقابة وشفافية، وهذه لن تتحقق إلا بقيام دولة أساسها الحق والمواطنة، ودولة من هذا القبيل تقوم على الحرية التي لا غنى عنها كأساس للمواطنة المتكافئة والحيوية، ومساواة ضرورية في جميع المجالات، لأن المواطنة لا تستقيم دون مساواة، وهذه تتطلّب عدم التمييز القانوني والواقعي أيّ المجتمعي المعلن والمُضمر، وتحتاج إلى عدالة ولاسيّما اجتماعية، وإلاّ ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة، ولكي تكتمل صورة المواطنة، فلا بد من شراكة ومشاركة في اتخاذ القرار، وخصوصاً فيما هو مصيري من الشؤون العامة، وفي توليّ الوظائف العليا دون تمييز، أي شراكة في الوطن الواحد، وبهذه المنظومة يمكن الحديث عن مواطنة وعن توّجه ديمقراطي باحترام حقوق الإنسان، وكان الحص يدرك أن ذلك يتطلّب ثقافة وممارسة في آن، وربما يحتاج إلى تطور طويل الأمد.

فلسطين في القلب

في اليوم التالي لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي العام 2000 توّجه الحص  وكان رئيساً للوزراء، مع أعضاء مجلس الوزراء لعقد جلسة في مدرسة بنت جبيل المُحررة، وكانت تلك خطوة شجاعة وجريئة، وفيها رمزية كبيرة، ناهيك عن تحدٍ وفعل مواجهة ثقافية، علماً بأنه كان في أشد لحظات الحرج حين اجتاحت إسرائيل الجنوب في "عملية الجليل" المعروفة في عام 1978وهو كان في سدة المسؤولية، وهو المعروف عنه وعلى طول تاريخه تأييده للمقاومة ورفضه للمشاريع الاستسلامية، تلك التي تريد "تحييد" لبنان تارة بحجة تجنيبه الصراع في المنطقة، أو كي لا يكون "ساحة مفتوحة" له، أو بزعم عدم "تكافؤ القوى"، وغير ذلك من الكلام الحق الذي يُراد به باطل.
كان رأي الحص أن أس المشاكل في المنطقة هو الاستعمار الاستيطاني حيث تتوّسع "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى القدس التي تعتبر قطب الرحى بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، ولذلك عارض اتفاقيات أوسلو العام 1993 من منطق أنها لم تستجب للمطالب الفلسطينية والعربية في حدها الأدنى، خصوصاً قيام دولة وطنية فلسطينية على حدود الرابع من حزيران /يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية وتأمين حق العودة في إطار حق تقرير المصير.

الطائفيّة

تُعتبر الطائفيّة أحد ألد أعداء الحص، وعلى الرغم من أن النظام الطائفي مكرّس عُرفاً وبصورة أخرى قانوناً ضمن اتفاق الطائف 1989- وهو الاسم الذي تُعرف به "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني"، التي وُضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، وذلك بوساطة سعودية في 30 أيلول/سبتمبر1989 في مدينة الطائف وتم إقرارها بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر1989 مُنهيّاً الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً- إلا أن الحص لم يُسجّل في تاريخه أيّ موقف يحمل في ثناياه بُعداً طائفياً، في جميع مراحل حياته، سواءً حين تولّيه المسؤولية أو حين يكون خارجها، ولعل ذلك ما جعله شخصية جامعة وموّحدة بين مختلف الفرقاء السياسيين.

مذكرات الحص

النزاهة لا تستقيم أحياناً مع الاستقطابات الطائفية والمذهبية، فما بالك إذا كان النظام طائفياً، فثمة محاولات جرت لإزاحة الحص عن المشهد السياسي باسم الطائفة أحياناً. وفي مذكراته الموسومةSalim El Hoss: For Truth And History -2000: Experiences in Governance 1998 "للحقيقة والتاريخ- تجارب الحكم ما بين 1998 و2000"، يتناول المحاولات التي تعرّض لها لاغتياله سياسياً بقوله "لقد حاولوا اغتيالي لإزالتي من ذاكرة البلد، ولكن خدمتي لوطني هي أغلى ما أملك وأترك لأحفادي. ولستُ نادماً على شيء، ولم أعمل لنفسي، ويداي لم تتسخا وضميري مرتاح".
أما الجهات التي حاولت إزاحته فهي جماعات لبنانية مختلفة، بعضها جرّاء مواقفه العروبية الرافضة للحلول الاستسلامية حيث كان موقفه داعما للمقاومة دائماً. والبعض الآخر المتورط بالفساد، ناهيك عن منافسات حول التمثيل السياسي لبيروت دون أن ننسى دور الأجهزة الأمنية السورية التي كانت متحكمة بالقرار اللبناني كما هو معروف.
وعلى الرغم من توافقه مع الرئيس إميل لحود إلا أن مذكرات الرئيس الحص تبيّن اختلافهما حول العديد من الأمور. وبسبب استقلاليته وتقديمه المصلحة اللبنانية على ما سواها تعرّض مرة أخرى لعملية اغتيال راح ضحيتها مرافقون له، كما تعرّض إلى تهديدات مباشرة وغير مباشرة من جهات مقرّبة من الأجهزة الأمنيّة السورّية.
وأخبرني الصديق الدكتور وسيم حرب أنه وفريقاً معه التقطوا الإشارة التي صدرت عن الرئيس الحص، وهي أقرب إلى شيفرة لا طائفية فقرروا العمل معه وإلى جانبه بحماسة واندفاعة كبيرتين، إلا أن الظروف لم تكن لتسمح بتطوير حالة عابرة للطائفية وتقاسم الوظائف، وهو ما أكدّه الدكتور عصام نعمان الذي عمل وزيراً في حكومة الحص وهو أحد المقربين الأساسيين منه. وكان الحص على رغبته في إنجاز عملية التغيير بالتدرج، إلا أنه كان يدرك المخاطر الجمّة التي تحيط به وبفريقه. ولذلك كان شديد الحرص والمسؤولية على فريقه الذي كان يحاول تنبيههم خشية حصول المحذور.
وعلى الرغم من تقدير الحص لمواقف سوريا، إلا أنه يشير إلى اختلافاته معها، وهو ما يذكره في الفصل الخاص الموسوم "بين سوريا وبيني"، ولعل ذلك كان مصدر احترام من جانب الرئيس حافظ الأسد الذي كان يقدّر نزاهة الحص ووطنيته وعروبته.
وعن آخر معركة انتخابية خاضها حتى وإن لم يكن مضطرا كما يقول، لكنه أراد طرح برنامج لمعالجة المشكلات الداخلية فضلاً عن مواجهة الهجمات الإسرائيلية التي سبقت الانسحاب في العام 2000.

زيارات ومشاركات

أذكر أنني زرته ثلاث مرات في منزله المتواضع ببيروت: مرة مع مجموعة شخصيات عربية كانت تشارك في مؤتمر ببيروت، وثانية برفقة الدكتور خيرالدين حسيب، وثالثة مع وفد من المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة برفقة الدكتور وسيم حرب.
كما شاركتُ معه في عدد من المؤتمرات داخل لبنان وخارجه، منها مؤتمر في الشارقة (الإمارات)، وأخرى في الدوحة (قطر)، وكنتُ في كل مرة أعجب بكلامه وإتزانه وحكمته وعمق تجربته فضلاً عن تواضعه وهدوئه. وكنت أنظر إليه من زاويتين: الأولى: كونه أستاذا للاقتصاد في الجامعة الأميركية ببيروت وظّف علمه لخدمة بلده. والثانية: كسياسيّ مستقل تمتّع بكفاءات إدارية نادرة ملّحها بظرافة شخصية استخدمها كوسيلة لتلطيف الأجواء في المواقف الصعبة. وهو ما يرويه الدكتور عصام نعمان عن خفّة دمه وسرعة بديهته.

الزهد "رئيساً"

اليوم، يعيش الرئيس الحص في منزله المتواضع في حيّ عائشة بكّار ببيروت، بعيداً عن الاستعراضات التي يقوم بها بعض السياسيين في لبنان، لجهة الحمايات والحراسات وقطع للطرقات. وعلى الرغم من ظروفه الصحية الصعبة ظل يستقبل أصدقاءه بين الفينة والأخرى، وقلبه على بيروت الجريحة التي أراد لها البعض تبديل ثوبها.
لم يعمد الحص إلى تأسيس حزب تابع له، ليستفد منه بعد خروجه من السلطة، ولم يفعل ذلك وهو في قمة السلطة أيضاً، فبقيّ زاهداً ومترفعاً وراقيّاً في تعامله، كما ظل حريصاً مثلما هو معروف على كونه ابن الدولة الحقيقي وخادمها الفعليّ، دون التفكير بأي امتياز خارج حكم القانون، فقد آثر أن يخدم لبنان بعيداً عن الحزبوية والتحزّب، ويكاد يكون من رجالات الدولة القلائل الذين عملوا حقيقة وواقعاً لإصلاح ما يمكن إصلاحه في بلد نظامه قائم على التجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية.

* سليم أحمد الحص (20 كانون الأول /ديسمبر 1929)، وتزوج من ليلى فرعون (توفيت عام 1990) ولهما ابنة وحيدة: وداد.

من مؤلفاته:
The Development of Lebanon's Financial Market (بيروت، 1974)
نافذة على المستقبل (بيروت، 1981)
لبنان على المفترق(بيروت، 1983)
نقاط على الحروف (بيروت، 1987)
حرب الضحايا على الضحايا (بيروت، 1988)
على طريق الجمهورية الجديدة (بيروت، 1991)
عهد القرار والهوى (بيروت، 1991)
زمن الأمل والخيبة (بيروت، 1992)
ذكريات وعِبَر(بيروت، 1994)
للحقيقة والتاريخ (بيروت، 2000)
محطات وطنية وقومية (بيروت، 2002)
نحن والطائفية (بيروت، 2003)
عصارة العمر (بيروت، 2004)
صوتٌ بِلا صدى(بيروت، 2004)
تعالوا إلى كلمة سواء (بيروت، 2005)
سلاح الموقف (بيروت، 2006)
في زمن الشدائد لبنانياً وعربياً (بيروت، 2007)
ما قل ودلّ (بيروت، 2008)
***
* كلمة تحية بمناسبة تكريم الدكتور سليم الحص
السيدات والسادة تجمّع اللجان والروابط الشعبية – مكتب المؤسسات الاجتماعية
أيها الحفل الكريم،
تحية حارة ومن خلالكم أحيّ الشخصية الوطنية العروبية الكبيرة الدكتور سليم الحص وأتمنى لاحتفالكم المهيب النجاح والتوفيق، وللدكتور الحص الصحة والسعادة، ولأمتنا العربية العزّ والسؤدد.
إن مبادرتكم بتكريم الدكتور الحص تستحق التقدير، ففي تكريمه تكريماً لمعاني الوطنية الحقة والعروبة الصادقة والإنسانية المخلصة، فقد أفنى الرجل حياته مكافحاً ومنافحاً عن حقوق العرب، ليس في لبنان فحسب، بل في جميع البلدان العربية، وخصوصاً دفاعه الذي لا يلين عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، تلك الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرّف أو التنازل تحت أي مبرر كان.
ولهذا فإن مبادرتكم هي مبادرة كريمة للمُثل والقيم التي ناضل من أجلها طويلاً الدكتور الحص، وإذْ أحييكم على هذا الاختيار، فإنما أعتبر هذه المبادرة تمثلنا جميعاً، وهي باسم كل من آمن بطريق الأمة العربية ومشروعها النهضوي الحضاري في الحرية والكرامة والاستقلال والتحرر وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري. ولعل هذه هي الأهداف العامة للربيع العربي، حيث عانت بلداننا وأمتنا طويلاً من الهيمنة الأجنبية ومشاريعها الإمبريالية – الصهيونية، ومن الاستبداد والديكتاتوريات والقمع المعتّق، وآن الآوان لتعزيز مساهمتها ودورها، في اللحاق بركب العالم المتمدّن، وفي ظل القيم المشتركة للإنسانية!
لعلها خسارة لي في عدم حضور هذه الفرصة التاريخية والاستماع إلى كلمات وشهادات لمفكرين وقادة رأي وسياسيين مرموقين بحق الدكتور الحص، وعذري أنني كنت مرتبطاً في وقت سابق بمواعيد خارج لبنان، لهذا أقدّم اعتذاري، ولكم منّي خالص المودّة والاحترام وللدكتور الحص الصحة والسعادة.
ومعاً مع الدكتور الحص على طريق الحق والعدل والقيم الوطنية والإنسانية، تلك التي عمل وضحّى من أجلها، فكراً وكتابة وممارسة وخلقاً رفيعاً، سواءً كان في مسؤولياته الرسمية، أو في مهماته الشعبية، وتسنّى لي مثل الكثيرين من الذين يحضرون احتفالكم، التعرّف عليه منذ سنوات، فوجدت فيه التواضع الجمّ والإخلاص المنقطع النظير والنزاهة والاستقامة اللتان لا حدود لهما وعفّة اللسان والنبل، فضلاً عن مخزونه المعرفي الوفير ومساهماته الاقتصادية والحقوقية الرصينة، التي أغنى بها المكتبة العربية، وصدق من أطلق على الرئيس سليم الحص "ضمير لبنان".
تحية لدولة الرئيس الحص وتحية لاحتفالكم، وشكراً لمنحي فرصة مخاطبتكم،
أصافحكم بحرارة
د. عبد الحسين شعبان
أيار/2012




13
الإعدام معنًى ومبنًى

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   
   أدركُ صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الإشكالي، بسبب الاصطفافات المسبقة والقيود والتفسيرات الدينية والعقائدية، لكنه لاعتبارات إنسانية وقانونية وأكاديمية لا بدّ من فتح حوار هادئ وعقلاني حول الموضوع ، إذْ لا ينبغي إهماله أو السكوت عنه، طالما يمثّل وجهة نظر موجودة ولها مبرّراتها .
   وإذا كان القاتل يستحق العقاب وهو أمرٌ مفروغ منه، فهل القبول بالقتل هو " العقوبة العادلة"؟ والقتل بغض النظر عن الأسباب يتناقض مع مبدأ " حق الحياة" المحور الأساسي في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما وهبه الله للبشر، فكيف يمكن سلبه، فهل قتل القاتل يحقّق العدالة؟ وهل جريمة " القتل اللّاقانوني" يقابلها "القتل القانوني"، وهل يوصل ذلك إلى العدالة؟
   وحسب وليد صليبي المفكّر اللّاعنفي ومؤسس جامعة اللّاعنف "جريمتان لا تولّدان عدالة" وعلى غرار ذلك سبق أن كتبتُ "رذيلتان لا تنجبان فضيلة" و"حربان لا تنتجان سلاماً" و"عنف مقابل عنف، لا يحقّق أمناً". وعلينا البحث عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية والعنصرية للجرائم، فضلاً عن منظومة التربية والتعليم والقيم المتوارثة بما فيها من اشتباكات عشائرية وقبلية.   إن إنزال عقوبة الإعدام لن تعيد الحياة للمقتول، إذْ لا يمكن ردّ القتل بالقتل، ولعلّ مثل هذا الأمر سيترك تأثيراً اجتماعياً خطيراً بأبعاده الثأرية والانتقامية، فضلاً عن إشاعة أجواء من الحقد والكراهية، ليس بين المتخاصمين وعوائلهم فحسب، بل في إطاره الاجتماعي الأوسع وامتداداته وترابطاته المختلفة.
   وإذا كان حكم الإعدام ليس من السهولة النطق به بشكل عام، وخطيراً إلى درجة كبيرة، فما بالك إذا وقع خطأ في الحكم، فكيف يمكن تصحيحه بعد أن يتم تنفيذه، خصوصاً وإن القضاء، أي قضاء حتى وإن كان نزيهاً ومحايداً ومستقلاً عرضةً للأخطاء التي يذهب ضحيتها الأبرياء. وعلى الرغم من قلّة عدد المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام في عالمنا العربي والإسلامي، إلّا أن ثمّة توجّهات أخذت تتسع تأثراً بالحركة الحقوقية العالمية، المطالبة باستبدال عقوبة الإعدام، حفاظاً على الحق بالحياة والتمييز بين العدالة والانتقام.
   الإعدام قتل عن سابق إصرار وتصميم وهو وضع حد لحياة إنسان بموجب حكم قضائي، ولذلك توجّهت 142 دولة من دول العالم البالغ عددها 193 لإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها، وكانت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة قد أصدرت قراراً برقم 2857 في العام 1977 خاطبت فيه العالم بضرورة تقليل عدد الجرائم التي تفترض اتخاذ عقوبة الإعدام، وأصدرت بعد ثلاثة عقود من الزمان (2007) قراراً يقضي بتعليق عقوبة الإعدام مع متابعة العمل لإلغائها. ويُعتبر الاتحاد الأوروبي منظمة خالية من عقوبة الإعدام Death Penalty Free  بموجب ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد، الذي نصّ على "رفض قبول أي عضو (دولة جديدة) في عضوية الاتحاد، إذا كان الإعدام ضمن نظامه القضائي".
   وإذا كان سجل البلدان العربية والإسلامية حافلاً بإصدار عقوبة الإعدام وتنفيذها، فإن الصراع ما يزال قائماً ومحتدماً  بين دعاة وقف وإلغاء عقوبة الإعدام وبين دعاة التمسك بها، وهو صراع بين تيار ديني محافظ في الغالب وتيار حقوقي ومدني، وإن كان داخله من يبرّر تنفيذ عقوبة الإعدام باعتبارها إجراءً ثورياً رادعاً، وغالباً ما سلكت الأنظمة التي أطلقنا عليها التحررية أو الاشتراكية طريق تنفيذ عقوبة الإعدام على نحو أكثر اتساعاً وبخفّة غير معقولة، راح ضحيتها المئات، بل الآلاف من المعارضين حتى وإن كانوا بالأمس من أركان النظام وأعمدته الأساسية.
   الإعدام عنف. حتى وإن كان وسيلة للعقوبة، وهذا العنف قتلٌ. فهل القتل الثاني هو التعويض عن القتل الأول أم أن الهدف هو العدل والحق وتعويض الضحايا أو عوائلهم وردع الجريمة؟ تلك هي الفلسفة وراء المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام. فهل الموت يمكن أن يكون قصاصاً للموت؟ أي الموت ضد الموت، ومسألة مثل تلك تحتاج إلى تفكير عميق فالوسيلة جزء من الغاية، وحسب المهاتما غاندي، إنها مثل البذرة إلى الشجرة، ولا وسيلة للقتل بحجة عدالة الغاية، وإذا كانت الغاية بعيدة، فالوسيلة ملموسة وآنية، تلك التي لا ينبغي أن تتعارض مع الغاية.
   إن إلغاء عقوبة الإعدام يحتاج إلى وقتٍ طويل. لكن اتخاذ قرار بوقف تنفيذها، هو ما أقدمت عليه عدد من البلدان العربية، مثل المغرب والجزائر وموريتانيا ولبنان وغيرها، وتبقى الحاجة إلى إعادة النظر بالنظام التربوي والتعليمي لنشر ثقافة اللّاعنف كفيل برفع وتعزيز الوعي بالقانون وبالثقافة الحقوقية، انطلاقاً من القيم الإنسانية. فالضمير بهذا المعنى هو "القانون الأسمى" حسب ديفيد ثورو، ولهذا لا بدّ أن يكون يقظاً، وهو ما يمكن أن يولد قناعة فردية ومجتمعية، علماً بأن الإيمان بالدين يساوي عمل الخير بأبعاده الأخلاقية، لا لتبرير القتل، فالأديان هي للسلام وليست للعنف أو للانتقام.
   وكما جاء في كلام كونفوشيوس "نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر" .


14


 



عبد الحسين شعبان:
التصدّع بالهوّية العراقية الموّحدة ما زال سارياً

گولان میدیا July 11, 2021 مقابلات خاصة
 
*الهوّية الموّحدة لا تلغي الهوّيات الفرعيّة
* مستقبل الدولة العراقية مرهون بالمواطنة والتكافؤ
* جريمتان لا تنتجان عدالة وعنفان لا ينجبان سلاماً
مقتطف: في إطلالة جديدة للباحث والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عبر (كولان) يطرح كعادته من خلالها العديد من الأفكار الجديدة التي تشغل المواطن العراقي، إضافة إلى النخب الفكرية والثقافية والحقوقية، وهي أفكار تتسّم بروح الشعور بالمسؤولية والجرأة والنقد. وتسلط الضوء على العديد من المشكلات الحقوقية والسياسية فيما يتعلق بالدستور وألغامه وتفسيراته وتأويلاته والانتخابات المقبلة ومآلاتها وسيناريوهاتها المحتملة، كما يتناول موضوع الفيدرالية وآفاقها، ويدعو إلى تعزيزها وترسيخها بمزيد من الفهم المشترك والحوار والثقافة الفيدرالية، وإرادة سياسية موحدة.
إنه حوار يفتح آفاقاً جديدة من خلال إجابات غير تقليدية راهنة ومستقبلية، مُجدّداً موقفه التاريخي من دعم الشعب الكردي وإيمانه بالإخوّة العربية -الكردية، وبالمشترك الإنساني.
وقد إلتقته مجلة (كولان)على هامش زيارته لإربيل وخلال محاضرته في "معهد البحوث والتنمية" التي كانت بعنوان "جيوبوليتك الشرق الأوسط واللحظة العراقية الراهنة".
أجرى الحوار: فرهاد محمد (إربيل( رئيس التحرير
* نشرتَ في الآونة الأخيرة كتابا بعنوان "الهوية والمواطنة- البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة"، وقد أثار اهتماما كبيراً، وطبع مرتين خلال فترة قصيرة، كيف يمكن أن تسلّط الضوء على الأزمتين الرئيستين اللتين يعاني منهما العراق، ونقصد أزمة الهوّية العراقيّة وأزمة المواطنة؟ وهل من الممكن أن نجد حلاً لهاتين الأزمتين في المستقبل المنظور أم أنهما مستمرتان لحين وصول العراق إلى حالة من الفوضى العارمة التي يغرق فيها؟
 -تصدّعت الهوّية الجامعة بفعل عوامل عديدة تراكمت مع مرور الزمن، خصوصاً أنها شهدت نمطاً من العسف والاستبداد وعدم الاعتراف بالهوّيات الفرعيّة، ناهيك عن محاولات التسيّد وفرض الاستتباع، الأمر الذي ولّد ردود فعل شديدة للتفلت من الهيمنة والتهميش من جهة، ومحاولة الانبعاث والتمسك بالخصوصية إلى درجة الانعزال أحياناً من جهة ثانية. وفي كلتا الحالتين- والمقصود الهيمنة أو ضيق الأفق والإغلاق- كانا قد أضعفا الشعور بالانتماء المشترك إلى هوّية موّحدة ومواطنة فاعلة ومتكافئة.
والهوّية تقوم بالأساس على الثقافة واللغة والتاريخ المشترك وأحيانا الجغرافيا، أيّ العيش في مكان جامع، فإذا كان ذلك ما يجمع عرب العراق، فإنه هو ذاته ما يجمع كرد العراق أيضاً، الأمر الذي يقتضي المساواة في إطار العيش معاً وفي ظل مواطنة موّحدة، مع احترام الخصوصيات الإثنية واللغوية والسلالية والدينية وغيرها وكل ما يتعلق بخصائص المجموعات الثقافية وهوّياتها وتراثها وعاداتها وتقاليدها وآدابها وفنونها، ناهيك عن حقوقها المشروعة والعادلة.
إن التصدّع الذي أصاب الهوّية الموّحدة في ظل نظام الاستبداد والتمييز ألحق أضراراً خاصة بالهوّيات الفرعيّة، لا سيّما محاولات تهميشها أو الانتقاص منها بزعم أنها "أقليات" وقد إنعكس ذلك كرد فعل سلبي وغير عقلاني على العملية السياسيّة التي قامت بعد الإحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، والتي تمثّلت بتأسيس مجلس الحكم الإنتقالي الذي تكوّن من 25 عضواً، جرى تقسيمهم وفقاً لنظام محصصاتي طائفي إثنيّ حيث، مُنح فيه الأغلبية للشيعة (13 عضواً)، والمقصود الشيعية السياسية، و(5) للسنيّة السياسية، و(5) للكرد، و(1) للتركمان، و()1 للكلدوآشوريين. وجرى الأمر على هذا المنوال في إطار نظام أقيم على والزبائنية السياسية والمغانم الطائفية والإثنية.
وإنتهج الدستور الدائم الذي تم الإستفتاء عليه في إطار جدول أمريكي(15 تشرين الأول/أكتوبر 2005) ذات المنهج، وأجريت أول انتخابات على أساسه في (15 كانون الأول /ديسمبر) من العام نفسه، وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد حدّد فترة انجازه إلى (15 آب /أغسطس من العام 2005) قبل هذا التاريخ، أقول إقتفى هذا الدستور ذات التوجه التقسيميّ باعتماده على مبدأ المكوّنات الذي جاء كصيغة تقسيميّة طبعت الدستور وحيثياته، إذ ورد مصطلح المكوّنات في المقدمة (مرتان) والمواد 9 و12 و49 و125 و142. وليس ذلك سوى إعلان صريح وواضح عن صيغة محاصصة طائفية- إثنية بإطار قانونيّ، بحيث أصبح التشبث بالمكاسب الطائفية والإثنية والحزبية أمراً مقبولاً وعرفاً سائداً ومكرّساً بدستور، وذلك على حساب الهوّية العراقيّة الموّحدة. ناهيك عن الهويات الفرعيّة التي أخذت هي الأخرى تضيق على نفسها بسبب منافسات وإنقسامات حزبوية غير مشروعة في الكثير من الأحيان، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على عناصر المواطنة المتصدّعة أصلاً.
فالمواطنة تقوم على مبادىء الحريّة، ولا مواطنة حقيقيّة وفاعلة وحيوية دون حرّيات، والحرّيات ليست فوضى، بل احترام حقوق الآخر على قدَم المساواة وعدم التجاوز عليها بزعم الأغلبية أو الأفضليّة أو ادعاء امتلاك الحقيقة أو غير ذلك. كما تقوم المواطنة على مبدأ المساواة وستكون ناقصة وغير كاملة دون مساواة تامة وشاملة وقانونيّة وفي المجالات المختلفة. ولا مواطنة سليمة وفاعلة دون مساواة. كما أن التمييز وعدم المساواة يشوّه المواطنة ويعرّضها للتصدّع. والمواطنة تستوجب العدالة، ولاسيّما العدالة الاجتماعية، وستكون المواطنة ناقصة ومبتورة بغياب العدالة، علما أن المواطنة لا تستوي مع الفقر. وتفترض المواطنة عاملاً مهمّاً وأساسيّاً وهو الشراكة والمشاركة، والمقصود بالشراكة الوطن الواحد وعلى قدم المساواة والعدل والحرية، أما المشاركة فهي تعني الحق في توليّ الوظائف العليا دون تمييز بسبب اللون أو القوميّة أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسيّ أو الخيار الفكري.
الخطوة الأولى لاستعادة الهوّية العراقيّة الموحدة والجامعة والمتسامحة والعادلة والمستقرة، تبدأ بإقرار صيغة قانونيّة لـ"المواطنة المتساوية" والمتكافئة، وذلك بإجراء تعديل شامل للدستور، واستبعاد صيغة التقاسم الطائفي - الإثنيّ التي اختبأت وراء مصطلح المكوّنات، والتي لا تعني سوى المُحاصصة التي كانت أحد أسباب فشل العملية السياسية. ولعل اقرار مبادىء المواطنة في دولة تعتمد قواعد الحق وحكم القانون دون أيّ تمييز ولأي سبب كان، سيكون أحد عوامل استعادة الهويّة العراقيّة الموّحدة في مجتمع متعدد الثقافات.
أرى من الصعوبة بمكان حاليّاً الوصول إلى صيغة مماثلة، كالتي نتحدّث عنها، في المدى المنظور، لعدم توّفر إرادة سياسية موّحدة، ولأن هناك قوى ومجموعات طائفية وإثنية مستفيدة من الصيغة الحاليّة، وعكسها ستخسر الكثير من مصادر نفوذها وقوّتها، ولذلك ستحاول التمّسك بصيغة المحاصصة وعرقلة أيّ جهد لإستعادة الدولة لأحد مصادر قوّتها الأساسيّة حتى لو ادعت أنها ضد نظام التقاسم الطائفي والإثني، إلا أنها تعمل ليل نهار على الإبقاء عليه. وأود هنا أن أشير إلى أن بعض مواد الدستور جامدة ويصعب تغييرها دون توافق سياسيّ مُسبق. وهذا كما أشرت صعب إن لم يكن مستحيلاً دون تغييرات جذرية وجوهرية تشمل إعادة النظر بمجمل النظام السياسيّ.
*في البداية إذا نحن نتحدّث عن "رجل دولة" في العراق يكون قادراً على اتخاذ القرار... هل توجد برأيك صفة "رجل دولة" ضمن إطار السياسيين العراقيين داخل العملية السياسية؟ وهل يفتقد العراق كبلد لمثل هذه المواهب مثل الدول الأخرى، وهو بلد الحضارات؟
ـ كمراقب ومتابع للوضع السياسيّ في العراق، يصعب عليّ أن أتحدث عن "رجل دولة" أو "نساء دولة" في إطار ما نعرفه من مبادئ علم الإدارة الحديث، خصوصاً لمن يتولى المسؤوليّة لاسيّما السياسية في العراق. والذين إستلموا مقاليد الأمور بعد الإحتلال وبمساعدته لم يعملوا بمجملهم سابقاً في الدولة، ولم يتعرّفوا على دواوينها ونُظمها وطرائق عملها، ولم يتعلّموا خلال ذلك فترة وجودهم في السلطة، بل انغمسوا في الصراعات، ناهيك عن المنافسات والمناكفات والحصول على الإمتيازات والمغانم، ولم تكشف لنا تجربة الـ18عاماً عن شخصيات وازنة يمكن الإشارة إليها في هذا المجال، والأمر يعود بحسب وجهة نظريّ إلى عدد من الأسباب:
أولها، إن التشكيلة التي وصلت إلى سدة الحكم كانت بفعل عامل خارجيّ، والمقصود بذلك الإحتلال، لاعتبارات خاصة به وباستراتيجيته، ولم تعتمد على الخبرة والتجربة والكفاءة، بل على الولاء وربما على التبعية في الكثير من الأحيان.
وثانيها، أن المجموعة التي حكمت العراق خلال الفترة الماضية، لم يكن لها رؤية واضحة عن كيفية بناء الدولة، وعكست المناقشات التي أوردها استطلاع "منتدى بحر العلوم" و"معهد العلمين" بشأن "أزمة العراق سيادياً"  بعد مرور هذه الفترة الطويلة، عن فقر الخلفيّة الفكريّة والتعويليّة على الخارج، ولاسيّما بعد سنوات من توليّ 5 رؤساء وزراء، و5 رؤساء برلمان. ويمكننا القول إن الأطروحات التي قدّمها القادة السياسيون الذين أداروا البلد عكست منهجاً قاصراً وفهماً محدوداً لمسألة السيادة داخلياً وخارجياً. وبكل المعايير لم يترّشح مفهوم البناء والتنمية المستدامة خلال فترة توليهم المسؤولية، بل غرقت البلاد بالفساد الماليّ والإداريّ والغنائميّة والامتيازات على حساب تدهور الوضع المعاشي والصحيّ (خصوصاً في ظل جائحة كورونا) والتعليمي والخدمي، فعلى الرغم من نحو بليون دولار (ألف مليار دولار أمريكي) كانت واردات العراق من النفط إلا أنها تبددت وهُدرت دون أن يعود مردودها على المواطن، بل إن نسبة الفقر حسب إحصاءات الأمم المتحدة قاربت من ربع سكان البلاد وظل العراق يعاني من شح الماء الصافي في الكثير من المناطق، إضافة إلى النقص الفادح بالكهرباء.
وثالثها، إن الإجراءات التي أقدمت عليها سلطة الإحتلال، ولاسيّما في حلّ الجيش وقانون الاجتثاث، خلقت فوضى عارمة، حيث أخذت مجاميع ما دون الدولة تصبح ما فوقها بفعل ذلك، مثل المرجعيات الدينية والعشائرية والجهوّية والحزبيّة وغيرها، والأمر صار عرفاً يكاد يكون سائداً، فلا تتشكل حكومة دون قول فصل لبعض الشخصيات الدينية المؤثرة في النجف، مثلما لها القول المسموع في بقاء الحكومة أو زوالها حتى وإن قامت بانتهاكات خطيرة وجسيمة، في حين أن الدولة الحديثة والمعاصرة والتجارب الديمقراطية، حتى في جنينيتها تفترض إعلاء شأن الدولة لكونها فوق جميع المرجعيات والتي من واجبها احترامها ورعايتها ودعمها، وذلك طبقاً للقانون واعتماداً على حكمه في ظل قضاء يتمتع بالكلمة العليا في الفصل بالمنازعات التي تنشأ.
وحتى لو كان بلدنا في بداية الطريق وعانى سنوات طويلة من الاستبداد والديكتاتورية، إلا أن المؤشرات المنظورة لا تشي بأن ثمة خطوات على هذا الطريق، وحتى لو أُعلنت بعض التوجهات الصحيحة، إلا أن الاعتبارات السياسيّة والحسابات الضيقة تحول دون ذلك، وسرعان ما تصاب بالتلكوء، إن لم يكن المراوحة والعجز.
لبناء مختبر ومطبخ وعقل الدولة من رجال ونساء، سواءً في المواقع الأولى أو ما تحتها من مستشارين ومدراء وأصحاب قرار وخبرة وكفاءة يفترض تعزيز قيم الدولة، من خلال وجود مؤسسات، تعتمد الكفاءة خارج الدوائر الضيقة كالمحسوبية والمنسوبية والأتباع والمُوالين أولاً. ثانياً، الاحتكام إلى القانون الذي يُعد المرجع الأساس والخلفيّة التي لا غنى عنها لتسيير أمور الدولة، عبر موظفين أكفّاء يملكون قدرة استنباط الأحكام وتكييفها ضمن المشهد العام بما يحقق العدل والإنصاف مع الحرص على حقوق الجميع دون تمييز.
ثالثاً، استقرار الأوضاع، فكيف لصاحب القرار أن يتخذ قراراته وهو تحت تهديد السلاح أحياناً، إذ أن انتشار السلاح خارج القانون ووجود مجموعات مسلحة يُعيق إتخاذ القرارات الصحيحة، الأمر الذي يفرض إخضاع حق امتلاك السلاح واستخدامه للدولة ومؤسساتها النظاميّة حصراً، وإلا فإنّه لا يستطيع أن يقوم بمهماته على أكمل وجه.
رابعاً، لا يمكن اتخاذ القرارات بحرّية ودون ضغوط في ظل نظام المحاصصة الطائفية- والإثنية لأن الأساس في صيغة من هذا القبيل هي دون الدولة، وتعني فيما تعنيه تقديم الولاء على حساب الكفاءة، وهذا الأخير سيجلب الموالين أيضاً، وسيقف عائقاً أمام نشوء كفاءات ورجال دولة أو نساء دولة طالما يقدّم الولاء على الكفاءة. أي أنه يستبعد الموظفة أو الموظف الكفء والمخلص للدولة والوطن، مقدماً عليهما الانتماء الطائفي أو والإثني أو العشائري أو الحزبي أو الجهوي أو غير ذلك من الانتماءات الضيقة.
أختم الجواب على سؤالك المهم بالقول يمكن لبلدنا وهو غنيّ بالكفاءات وصاحب حضارات عريقة نشأت على أرضه، أن يُحقق تنمية مستدامة عبر اعتماد حكم القانون في ظل مؤسسات ومواطنة سليمة ومواصفات للموظف العموميّ ولاسيّما للخبراء والمستشارين أساسها الوطنية الكفاءة، بعيداً عن الدوائر الضيقة التي تحمل فيروسات التعصب، وهذا الأخير إذا ما استفحل يصير تطرّفاً، والتطرّف إذا تحول إلى سلوك ينتهي إلى العنف، والعنف إذا ضرب عشوائيّاً يصبح إرهاباً، وإذا ما تخطى الحدود واستهدف خلق رعب وفزع وهلع وإضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المجتمع والفرد بالدولة يصبح إرهاباً دوليّاً.
*حاليّاً يتحدّث بعض المراقبين والسياسيين عن حالة الدولة واللاّدولة، والأمر له علاقة بإشكالية الهوّية العراقية كدولة، ماذا تقول من جانبك كمثقف ومفكر بذلك؟ وكيف تنظر إلى هذه الحالة في العراق؟ وما هو مستقبل العمليّة السياسيّة؟
- ما تزال الدولة تترنح منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 ولم تستقر أو تتخذ اتجاها نحو الاستقرار، لأسباب خارجيّة وأخرى داخليّة، فالسيادة ظلت معوّمة ومجروحة منذ غزو قوات النظام السابق للكويت في العام 1990 وصدور قرارات دوليّة تفرض عقوبات بحق العراق، ولم يتم استعادة السيادة كاملة حتى بعد زوال الأسباب.
السيادة تعنيّ بسط الدولة سلطانها على جميع أراضيها ومواطنيها، أيّ أن تكون سلطتها على كامل ترابها الوطنيّ، فالأرض أحد عناصر السيادة، والحكومة هي العنصر الثاني، أيّ وجود سلطة تتمتع بقدرتها على فرض قوانينها وأنظمتها على مواطنيها، أما الشعب فهو العنصر الثالث، وهذا يعني وجود حكومة مؤهّلة وقادرة على فرض قوانينها وسلطتها على جميع مواطنيها. والحكومة إذا حظيت بثقة الناس وقدّمت منجزاً، فإنها ستتمتع بالشرعية السياسية، وإذا طّبقت حكم القانون فإنها ستحظى بالمشروعية القانونية.
ومثل هذا الأمر يغيب عن بلدنا لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، فقد عاش العراق ظروف احتلال عسكري حتى نهاية العام2011، وإن بقيت تأثيراته تعاقدياً أو تعاهدياً بإتفاقية الإطار الإستراتيجي. وعاد الأمر إلى طاولة النقاش والجدل المحتدمين إثر استقدام قوات أمريكية وأخرى تابعة للتحالف الدولي بعيد احتلال "داعش" للموصل في العام 2014 وتمدده إلى نحو ثلث الأراضي العراقية، وبعد طرده في نهاية العام 2017 بدأت بعض القوى تتحدث تلميحاً أو تصريحاً بضرورة خروج القوات الأمريكية من العراق.
وقد اتخذ البرلمان العراقي قراراً بذلك في مطلع العام 2020 إثر مقتل قاسم سليماني قائد قوات القدس وأبو مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي، على الرغم من استمرار الاختلاف في الموقف إزاء ذلك عراقيّاً، فممثلي التحالف الكردستاني لم يحضروا جلسة التصويت، وكذلك من يسمون أنفسهم ممثلين عن السنّة.
ليس هذا فحسب، بل إن النفوذ الإيراني تغلغل في العراق بشكل كبير، وأصبح منذ العام 2003 مؤثراً في القرار العراقي، ولا سيّما بعد العام 2005، وذلك حين استعرت الفتنة الطائفيّة، بعد تفجير مرقديّ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء العام 2006، حيث أخذت تتشكل مجموعات مسلّحة مدعومة من إيران إلى درجة أصبحت قوة توازي قوة الدولة وتتغوّل عليها أحيانا.
وعلى الرغم من انضوائها بعد تأسيس الحشد الشعبي تحت قيادة القوات المسلّحة إثر احتلال الموصل، إلا أن ثمة استعراض للقوة وممارسة لها خارج نطاق الدولة والقانون، تقوم بها القوى المسلحة والميليشيات بما فيها قصف السفارات ومواقع القوات الأمريكية والدوليّة العسكرية، وهو ما أثار ويثير لغطاً كبيراً حول مستقبل الدولة العراقية، في ظل انتشار السلاح ووجود التشكيلات المسلحة، والتي يطلق عليها البعض "الميليشيات الولائيّة".
*لنأخذ فرضية تطبيق الدستور العراقي، الذي لم يُطبّق حتى الآن ولا تلوح في المستقبل القريب إمكانية تطبيقه، فهل نحن أمام حالة تشاؤم بأن الدولة تتجه لتتحول إلى جمهورية إسلامية على غرار إيران مثلاً؟ وماذا عن النسيج الفسيفسائي للمجتمع العراقي؟
- هناك فرق بين التشاؤم واليأس، وإذا كان كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، إلاّ أن الأمر لا يدعو لليأس، طالما تستمر إرادة التغيير والمقاومة، ولكن هذه تحتاج إلى حشد قوى وجهود وتعبئة وتنظيم طاقات، مثلما تحتاج إلى إرادة سياسية ووعيّ مجتمعيّ مناقض ومناهض لوحدانيّة الخيار الضيق باسم الدين أو الطائفة أو القومية أو غير ذلك..
بتقديري المتواضع، إن الدستور هو أس المشاكل، فما بالك حين لا يُطبق، سنكون حينها أمام فوضى واتفاقات هشّة وتوافقات ظرفيّة سرعان ما يتم الانقلاب عليها، خصوصاً بفعل التدخلات الخارجية وولاءات بعض القوى أو تأثرّها أو تعويلها على العامل الخارجي في التغيير.
العراق ليس إيران، وتاريخ الحركة الوطنية في العراق يختلف عنه في إيران، والنسيج العراقي المجتمعي مختلف أيضاً، ودور القوى الدينية كذلك، ناهيك عن العامل الطائفي. فعلى الرغم من أن الشيعية السياسية حكمت العراق نحو 16 عاماً، أيّ منذ العام 2005 ولحد الآن وشاركت بدور متميز منذ الاحتلال عام 2003، إلا أنها ازدادت عزلة حتى عن الوسط الذي تدعيّ تمثيله، وإلا بماذا تفسر انتفاضة تشرين/إكتوبر2019، والتي ما تزال مستمرة وإلى اليوم؟ وإن خفت بريقها، لكن مطالبها ما تزال قائمة، ويمكن أن تتجدد، وهي في الغالب في المناطق الشيعية بالأساس، في الناصرية والنجف وكربلاء والحلة والديوانية والسماوة والعمارة والكوت والبصرة، ناهيك عن بغداد، وهي تعبّر بما عكسته من مطالب عن حقوق العراقيين بمختلف انتماءاتهم، وهي لا تختلف عن مطالب الكرد ومطالب المناطق الغربيّة في الرمادي وصلاح الدين إضافة إلى ديالى وكركوك وغيرها.
العراقيون بشكل عام وخارج الطبقة السياسية المستفيدة، وإن اختلفت مشاربهم، يدعون إلى محاربة الفساد الماليّ والإداري وكشف المفسدين ومساءلتهم وتقديم قتلة المتظاهرين إلى القضاء، كما يطالبون بانتخابات حرّة نزيهة وقانون انتخابي أكثر ايجابية من القانون الحاليّ، وكذلك يدعون إلى حصر السلاح بيد الدولة والضرب بقوة على يد المسلحين خارج القانون، ولعل إعادة النظر أو تعديل أو حتى إلغاء الدستور هو جزء من تفكير النخبة الفكرية والثقافيّة والحقوقية، لاسيّما بعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود، خصوصاً بعدم تطبيقه، والاختلاف بشأن تفسيراته وتأويلاته المتناقضة، ناهيك عن عدم إمكانية لوضعه موضع التطبيق. وهو على مساوئه وألغامه، إلا أنه احتوى مبادىء إيجابية وسليمة فيما يتعلق بالحريات والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن هناك مواد أخرى شكلّت ألغاماً وكابحا عطّلت وتعطل من تطبيق هذه المواد.
* العلاقات بين إقليم كردستان والحكومة الفيدراليّة في بغداد يجب أن تنظم في إطار الدستور العراقي، لكن بغداد تمنع إرسال حصة الإقليم وتضع عقبات في الميزانية، ما هو برأيك مستقبل العلاقات بين بغداد وإربيل، لاسيّما في ظل عدم التفاهم بين الحكومة والإقليم؟
- المشكلة تكمن في الدستور، فقد تقرر أن تكون الدولة العراقية فيدرالية (اتحادية) وهو أمر جيد، وينسجم مع واقع ومطامح الشعب الكردي، لكنه أمر جديد بحاجة إلى تربية وتعليم وتفاهم وثقة ونصوص واضحة من خلال مؤسسات، إضافة إلى حكم القانون، فحتى الآن لا توجد أقاليم، باستثناء إقليم كردستان، ولم يتأسس المجلس الاتحادي، كما نصّ عليه الدستور، وصيغت بعض الفقرات بشكل يسمح بتفسيرات وتأويلات متناقضة ومتعارضة، مثل المادة 111 و112 بخصوص النفط والمصادر الطبيعيّة، وهناك جدل حول المادة 140 بشأن كركوك والمناطق المتنازع عليها كما وردت في الدستور، إضافة إلى المادة  142، وكذلك يمتد الخلاف  بل والنزاع إلى صلاحيات حكومة الإقليم في ظل الدولة الاتحادية، ومنها حالة تعارض دستور الإقليم مع الدستور الاتحادي، وكل هذه الأمور بحاجة إلى تفكّر ودراسة ومعرفة وثقة وتفاهم يأخذ بنظر الاعتبار المصالح المشتركة في ظل دولة اتحادية منسجمة مع نفسها أولاً،  فضلاً عن قناعات المجموعات الثقافيّة وثقتها بطبيعتها لا أن تكون دولة تحكمها الصراعات والنزاعات والإستقطابات التي تُضعفها.
لقد انتقلت الدولة العراقية من دولة مركزية بسيطة حين تأسست في العام 1921 إلى دولة لامركزية اتحادية (فيدرالية) بعد العام2003، وتكرّست في دستور العام 2005، بعد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004). لكن هذه الصيغة لم يتم تفعيلها وظلت عرضة للنقد وعدم الرضا من الطرفين، بل ولعموم القوى والتيارات المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة، وإلا كيف يمكن تصوّر حجب حصة الإقليم من الرواتب والواردات التي يفترض أنها لا تكون محط مساومة، لأنها تتعرّض لقوت الناس ومصادر عيشهم، أما الخلافات فيمكن أن تُحلّ برأس بارد وقلب حار كما يُقال. وبخصوص تصدير النفط والحصص المُتفق عليها والشفافية في ذلك فينبغي وضعها في إطار حلول بعيدة المدى تأخذ مصالح الدولة بنظر الاعتبار ومستقبل المواطن العراقيّ ولا بد هنا من تشريع قانون للنفط وهو الذي بقيّ قيد المناقشة وفي الأدراج منذ عقد ونصف من الزمن، والأمر يتعلق أيضاً بمستقبل المواطن في الإقليم، وتأمين الاستقرار في البلاد بشكل عام.
الصيغة الفيدرالية الراهنة وصلت إلى طريق مسدود، ويمكن القول أنها أقرب إلى الإخفاق بسبب عدم وجود فهم مشترك لها، ناهيك عن النقص في الثقافة الفيدرالية، بل وعدم الإيمان بها أو التعامل معها باعتبارها صيغة مؤقتة، وهناك من ينتظر إعادة القديم إلى قِدمه، أي العودة إلى الدولة المركزية. في حين هناك من يتطلع إلى الانفكاك عن الدولة المركزية وصرامتها وعسفها.
ما كنت أؤمن به، وما أزال، يقوم على ركنين أساسيين:
أولهما: الأخوّة العربية-الكردية، وكنت قد دعوت إلى أول حوار عربي_كردي، وذلك قبل نحو 3 عقود من الزمان، وفي إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أترأسها في لندن، وتبقى هذه الصيغة قابلة للتفعيل والإضافة والتطوير باستمرار إرتباطا بالحقوق الإنسانية والعلاقة بين الشعبين الصديقين، ولاسيّما بين النخب ويمكن استحضار حوار مثقفي الأمم الأربعة (الترك والفرس والكرد والعرب)، وكان هذا المشروع الذي بدأ في تونس بمبادرة كنت قد دعوت إليها منذ عقد نيف من الزمان قد لقيت صدى كبيراً وأهمية أكبر باحتضانها من جانب سمو الأمير الحسن بن طلال، الذي نظم لقاء مهماً في عمان في 22/7/ 2018 تحت عنوان "أعمدة الأمة الأربعة".
وثانيهما: حق تقرير المصير للشعب الكردي انطلاقا من إيماني القانوني والقول بالفكرة الكونية لحق تقرير المصير بما فيه الإتحاد الاختياري الأخوي أو تكوين كيانية مستقلة (دولة) تكون ظهيراً وداعماً لدول المنطقة في اطار النضال المشترك والأهداف المشتركة وعلاقات الصداقة والتضامن، خصوصاً بين العرب والكرد ضد الأعداء المشتركين.
وإذا ما أريد لصيغة الفيدرالية أن تستمر وتتعزز وتترسخ لا بد من إعادة النظر بجوانبها المختلفة عبر تفاهم بين القوى السياسية وحوار مجتمعيّ بعيد المدى يأخذ المصالح المشتركة بعين الاعتبار، وإلا ستكون هذه الفيدراليّة، كما وصفها الصديق المفكر البروفسور شيرزاد النجار وهماً، وهو محق بذلك، خصوصاً إذا ما أخذنا صيغ الفيدراليات واختصاصاتها على المستوى الكوني، وهي موجودة ومطبّقة في نحو 30 بلداً.
لا بد من إجراء مراجعة وتدقيق ووضع صيغ جديدة معقولة ويمكن تطبيقها بروح الثقة المتبادلة وغير خاضعة للمناوشات اليوميّة والمزايدات السياسية الانتخابية وغير الانتخابية أو الارتياح الشخصية، بل وضع صيغ قانونية وتفاهم شامل ومصالح تجمع إربيل ببغداد في ظل دولة موحدة ومستقرة بموزايكها المتعايش وهوياتها الفرعيّة والجامعة.
إذا استمر الوضع كما هو حالياً، فإن الأزمة ستفرّخ أزمات أخرى، وهذه ستكون مُستحكَمة، بل ستتحول إلى بؤرة من بؤر الصراع المستدامة، لاسّيما حين تلتف حولها مصالح مكتسبة أو محاولات لإلغاء ما هو متحقق في ظل استمرار عدم الثقة بين السلطة في بغداد التي يفكر بعض أركانها بطريقة مركزية شديدة الصرامة أحياناً، وبين بعض القوى في الإقليم التي تفكر بطريقة بعيدة عن تصوّر بغداد، لدرجة الانفكاك حين يصبح التفاهم مستحيلاً، الأمر الذي يخلق هوّة تتسع مع مرور الأيام ويصعب ردمها، وتوقع ومآلاتها.
*هناك هدوء بين المكونات الرئيسية (الكرد والسنة والشيعة) حاليّاً، لكن الخلافات داخل البيت الشيعي قائمة لاسيّما بين التيار الولائي وبين التيار الشيعي غير الولائي والأبعد عن إيران؟ ما هو رأيك أن مرجعية النجف تساند الأخير؟ وهل يمكن أن تتحول الخلافات إلى حرب أهليّة بين التيارين؟
- تعرف تحفظيّ على مصطلح المكونات، وسبق وأن ذكرت ذلك في معرض تحفظي على الدستور، وكنت قد كتبتُ كتابين بينت ملاحظاتي حول الدستور وألغامه ومشكلاته الراهنة والمستقبليّة، وذلك لإيماني أن الدستور هو القانون الأساس الذي يُحدد طبيعة نظام الحكم وشكل الدولة وسلطاتها وحقوق مواطنيها وحرياتهم. وقد احتوى الدستور ألغاماً خطيرة كانت وراء العديد من الأزمات العاصفة التي شهدتها، وباستمراره فإن الهوة ستتسع وتزداد عوامل عدم الوحدة والاستقرار في جوفها، خصوصاً في ظل التدافع على المصالح والامتيازات والانقسامات الطائفية والإثنيّة، دون أن ننسى العاملين الإقليمي والدولي الذين يستمر تأثيرهما على نحو شديد وبصورة مباشرة أو غير مباشرة.
والأمر لا يشمل الشيعية السياسية وحدها، وإنما يمتد إلى ما إصطلح عليه خطأً مقصوداً "المكونات"، وإذا كان ما سُميّ بـ"البيت الشيعي" قد تأسس عشية إنتخابات العام 2005 فإنه ظل ًبيتاً بلا سقف ولا جدران، وهكذا كان التفكك والتآكل قد أصابه بسبب الصراعات والمنافسات الحادة بين الجماعات المكوّنة له، خصوصاً على الزعامة ومراكز النفوذ والامتيازات، وليس عبثاً أن يتهم الجميع الجميع بالفساد وسوء الإدارة، ويحمّل كل فريق الآخر المسؤولية عما آلت إليه الأمور، والأمر يشمل الفرق الأخرى المشاركة في الساحة السياسيّة. وإذا كان السيد السيستاني، وهو أحد المراجع المتنفّذين في النجف قد دعم ما سُميّ بالتحالف الشيعي، فإنه نأى بنفسه بعد ذلك بسبب الأخطاء والخطايا التي وقع فيها هذا التحالف، الأمر الذي أفقده الكثير من عناصر صدقتيه، خصوصاً حين كان في المعارضة، وأدت ممارسته في الكثير من الأحيان إلى انتهاكات سافرة وصارخة لحقوق الإنسان، بل زادت حتى على ممارسات النظام السابق في العديد من المجالات، لاسيّما الفساد المالي والإداري والسياسي، ناهيك عن الشحن الطائفي ومحاولات التسيّد وإملاء الإرادة.
وإذا كانت ثمة أجنحة في الحشد الشعبي، بعضها سُميّ بالولائي المقرّب من إيران والحليف الأشد معها، فإن هناك "حشود" أخرى بعضها قريب من مرجعية السيستاني، وبما أن خطر "داعش" قد اضمحل، خصوصاً بعد تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرته، فإن الملّح في الأمر يتطلّب تعزيز وتقوية القوات المسلحة العراقية: الجيش، وقوات الشرطة، والمخابرات والأجهزة الأمنية والإستخبارية وشرطة المرور والنجدة ومكافحة الجريمة، ناهيك عن جهاز مكافحة الإرهاب، وهو ما يعوّل عليه كقوة نظامية هدفها حماية الوطن وأمنه وسيادته.
وأظن أن أية صيغة موازية سوف تخلق نوعاً من التعارض والتصادم، - حتى وإن ألحقت بالجيش نفسه، لاسيّما إذا اختلفت مرجعياتها. وأعتقد أن مرجعيّات النجف ليست بحاجة إلى جناح عسكري يحميها لأنها بحماية الدولة وإحترامها وتقديرها، وذلك واجب على الدولة وقواتها الأمنيّة.
وسواء كان وجود الجناح القريب من السيستاني أو الفريق القريب من إيران أو غيرهما ضرورة لدعم القوات المسلحة ضد خطر "داعش"، فإن تلك الضرورة التي أملتها الحاجة لتأسيس الحشد الشعبي قد استنفذت أغراضها، ويمكن لأفراده الانتقال إلى المؤسسات المدنيّة والخدميّة، لاسيّما لمن يصلح منهم، لكي لا يخلق أيّ تعارض أو مراكز قوة يتم استغلالها لإضعاف الدولة تارة باسم الولائيين وأخرى بالضد منهم، وستبقى الخلافات قائمة بحكم المنافسة.
وعلى الدولة أن لا تتهاون في ذلك وأن تبسط سلطانها على جميع أراضيها ومواطنيها وتحقق سيادتها الداخلية والخارجية وتحميّ حدودها من أي تدخل أو تهديد، فتلك إحدى وظائفها الأساسية، وإلا لماذا هي إذن دولة إن لم تستطع ذلك، وخصوصاً حماية أرواح وممتلكات المواطنين؟
*قاد عدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ إلى اغتيال مرشحين وناشطين مدنيين وصحافيين، وهذا ما أثار غضب الشارع العراقي، وقد رفعت تظاهرات الأسابيع المنصرمة شعار "من قتلني"، وهو مطلب شعبي، وهناك أطرافاً سياسية دعت إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة، فهل ستؤدي هذه الأوضاع إلى تأجيل الانتخابات؟
 ـ أعتبر غضب الشارع مشروعاً، فإن لم تستطع الحكومة وقف القمع والاغتيالات ومحاسبة المسؤولين، فماذا تنتظر من الشارع غير الاحتجاج، وحمداً لله فإن الأمور لم تتطور إلى عنف وعنف مضاد، وقد تحلىّ المتظاهرون بوعيّ عالٍ وإرادة قوية ولم ينجرّوا إلى العنف الذي حاولت قوى معلومة ومجهولة جرّهم إليه. وقد تمتع المتظاهرون برباطة جأش وصبر وثقة بالنفس وقاوموا الرصاص بصدور عارية، فعنفان لا يولّدان سلاماً وجريمتان لا تنجبان عدالة، ورذيلتان لا تنجبان فضيلة.
الانتخابات تحتاج إلى أجواء طبيعيّة وسلميّة وآمنة وإلى ضمانات للمرشح والناخب وإلى وضع حد للتزوير والتلاعب. وقد كانت إنتخابات العام 2018 أقرب إلى المهزلة، ولم يشارك فيها أكثر من 20% في أحسن الأحوال بحسب تقديرات كثيرة معتمدة.
وحتى لو جرت الانتخابات، فالقانون الانتخابي الجديد تم تفصيله لمصلحة المجموعات الكبيرة التي توزعت على المناطق، وستحاول ابتلاع الكتل والشخصيات المستقلة، علماً بأن الكثير منها لا يعوّل على الانتخابات، بل إنها مُحبَطة ومتشائمة من النتائج التي تقول عنها أنها معلبّة ومعروفة سلفاً، حتى سيتم تدوير الزوايا واستبدال أشخاص من الاتجاه والتوّجه نفسه، فهل سيؤدي ذلك إلى التغيير المنشود الذي دفع المتظاهرون أكثر من 700 شهيد ونحو 20 ألف جريح بسببه، أم أن "شرعيّة" القوى الحاكمة سيتم تكريسها في ظل نظام محاصصاتي يقوم على الزبائنية والمغانم تحت عنوان "ديمقراطية التوافق"؟.
هذه الأخيرة إذا كانت صالحة فإنها لفترة انتقالية ولدورة أو دورتين انتخابيتين، وليس إلى ما لا نهاية بحيث بات عرفاً رئاسة الجمهورية للكرد، والبرلمان للسنيّة السياسية، ورئاسة الوزراء للشيعية السياسية، والوزارات السيادية كالخارجية والمالية والداخلية والدفاع والعدل موّزعة على ما يُطلق عليه "المكونات" فمن لم يلحقه التوزيع الثلاثيّ للرئاسات يضع عينه على الوزارات السيادية شرطاً للتوافق، خصوصاً من القوى المتنفذّة.
وهناك ثلاث احتمالات قد تظهر في المشهد السياسي خلال الأشهر القادمة وفقاً للدراسات المستقبلية للعلوم السياسية:
أولها: تحسن الوضع وانتخابات في ظل رقابة دولية ومنافسة شديدة تفتح ثغرة في مجلس النواب لصالح قوى لم تجرّب حظها في الميدان، وإن كان الأمر محدوداً، لكن قد يشكّل خرقاً وإن كان بسيطاً في الميدان.
وثانيها: بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا يعني تراجعه بعد مراوحة، وقد يستغرق الأمر دورة أخرى جديدة بعد دورة تشرين القادم، إن تم إجراء الانتخابات فيها أو حتى إن تأجلت لغاية العام 2022 بحيث تُجرى في موعدها الاعتيادي.
وثالثها: تدهور الوضع بحيث يصعب معه إجراء الانتخابات حتى بموعدها، وقد يكون للصراع الأمريكي- الإيراني دوره في ذلك، خصوصاً إذا احتدم، علماً بأن هناك قوى عراقية مقربة من إيران ستحاول استهداف المصالح الأمريكية، ومثل هذا الأمر يعقّد المشهد السياسي. (وقد تؤدي الخلافات الداخلية إلى نزاعات واحترابات وصراعات شيعيّة-شيعيّة، وسنيّة-سنيّة، وكرديّة-كرديّة). مما أمر سيُنذر بمخاطر جمّة على العراق ودول الإقليم بحكم الترابط والمشتركات. وينبغي على العقلاء أو من تبقّى منهم أن يفكر لا بمصلحة الطائفة أو الإثنية أو الجهوية أو العشائرية أو المجموعة الحزبية التي ينتمي إليها لأن التفتت التشظيّ أو الانقسام سيشمل الجميع بلا استثناء ولا أحد يستطيع أن يعفيّ نفسه من المسؤولية أو يتجنّب العواصف.
 https://gulanmedia.com/ar/story/264117/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86:-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%91%D8%B9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%91%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%8B
*نشر هذا النص باللغة الكردية على حلقتين في مجلة كولان بتاريخ 5 و11 تموز/يوليو 2021. وقد أجرى الحوار رئيس التحرير فرهاد محمد.
 


15
لبنان: الارتطام الكبير
عبد الحسين شعبان
منذ أواسط العام 2019 يتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي اللبناني على نحو مريع، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستكون النتيجة الحتميّة لمثل هذا الانحدار هي الارتطام بالقاع، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد رسميّاً يساوي 1500 ليرة لبنانية، ووصل اليوم إلى 18 ألف ليرة. ومن يدري فقد يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، فتصبح العملة اللبنانية بلا قيمة في ظل أزمة اقتصادية خانقة أوصلت ما يزيد على 50% من اللبنانيين إلى حافّة الفقر، وكل ذلك يجري دون أن يرّف جفن للمسؤولين والمتحكّمين في مصير البلد. فهل سيسقط هذا البلد الجميل- الذي تغنّى به الشعراء والفنانون والأدباء والكتاب والعشاق والحالمون والمجانين- في الهاوية أم ثمة من سيبحث عن حبل نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
الأزمة تكبر والشق يتّسع، فالكهرباء تطلّ على الناس كهلال العيد، والمازوت والبنزين والمحروقات حديث الجميع، حيث الطوابير أمام محطات الوقود لأكثر من كيلومترين، وأحياناً يتم الانتظار على أمل الحصول على بضعة ليترات، لكن دون جدوى، والمخالفات والحوادث المرورية في ذروتها، حيث يستمر عدم تشغيل الإشارات الضوئية بحجة الاقتصاد في الكهرباء، والأوساخ تملأ الشوارع، ودوائر البلدية تكاد تكون عاجزة، لأن أجر العاملين انخفض إلى درجة غير معقولة، بحيث أصبح من يتسلّم راتباً شهرياً بحدود 800 ألف ليرة، لا يساوي أكثر من 50 دولاراً لشهر كامل، وإذا ما عرفنا الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية وجميع السلع والبضائع، فهذا يعني أن سُبل العيش أصبحت ضيقة، بل تكاد تكون مستحيلة، وطريق الحصول على لقمة عيش شريفة عسير وغير سالك.
وإذا ما رُفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والبضائع، فإن الأسعار ستحلّق بطريقة "سوبرمانية"، وهي الآن بعيدة عن الواقع المَعِيشْ، وخصوصاً في مجاليّ الأدوية والأغذية بتآكل رواتب الموظفين جرّاء التضخّم في الأسعار، وباستمرار الفرق بين السعر الخاص للصرف(3900) للدولار والسعر الحقيقي غير الثابت والمتصاعد.
ويقول خبراء مطلّعون إن المصارف هي المستفيد الأول من هذا الفارق، إضافة إلى كبار التجار، فالمعاملات مع مصرف لبنان المركزي تتم على السعر الرسميّ بما فيها رساميلها وشراؤها للدولار وتسديد القروض المتوّجبة عليها والتلاعب بحسابات المودعين بالدولار. وإذا ما تم إقرار البطاقة التمويلية التي يُتوّقع أن يُقرها مجلس النواب فإن الأسعار سترتفع على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سيؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بالناس وحقوقهم ومستقبلهم.
وإذا كان هناك من يعتقد أن العلاج هو بتثبيت سعر الصرف الذي يمكن أن يخفف من غلواء الأزمة، فالأمر أعمق وأعقد من ذلك، لأنه يتعلّق بالإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والقانوني والتربوي وبنظام الحكم والانتخابات، وكل ما يتعلّق بالرسوم والضرائب، حيث لا توجد خطة حكوميّة، ناهيك عن عدم وجود حكومة أصلاً تستطيع اتخاذ قرارات جريئة بكسب ثقة المجتمع الدولي واسترداد مكانة لبنان المالية والمصرفية.
إن استمرار الحال على ما هو عليه يعني التوّغل في المجهول، لاسيّما في غياب إرادة سياسيّة موّحدة، وهذه للأسف الشديد ما تزال مُعطلة وغائبة وتتجاذبها أهواء ومصالح شتى: إقليميّة ودوليّة، طائفيّة وحزبيّة، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة والتستّر على الأتباع والمريدين، طالما أن النظام يقوم على "الزبائنية" السياسيّة المرتكزة على المغانم والامتيازات.
ومع استمرار خطر جائحة "كورونا" وترديّ الحالة المعيشية وغياب خطة للإصلاح، تلوح في الأفق مخاطر تفكك وتفتت وسيناريوهات أقلها مُخيفاً بشأن مستقبل لبنان، خصوصاً بتعويم سلطة الدولة وازدياد حدة التوتر المجتمعي وارتفاع منسوب الجريمة المُنظمة وعمليات التهريب والاتجار بالبشر ومظاهر التعصّب والتطرّف وحالات العنف والإرهاب المنظّم وغير المنظم، حيث هوجم العديد من المصارف وخرّبت واجهاتها كما حصل مؤخراً مع البنك اللبناني- السويسري، مما أُضطر المصارف لإغلاق أبوابها احتجاجاً على ذلك.
وتستمر التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى درجة أن بيروت تبدو خارجة لتوّها من الحرب، وما يزال مشهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الفائت 2020، يقضّ مضاجع الجميع وهو شاهد على ما وصل إليه سوء الإدارة والفساد وغياب الشفافية والانغلاق السياسي حدّ الاستعصاء.
الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، وإن لم تتم معالجة أسبابه وجذوره، فإن الارتطام الكبير سيحصل -لا سمح الله-، وعندها سوف لا يكون أحدٌ بمأمن من الكارثة، ومثل هذه النتيجة عرفها اللبنانيون بعد حرب طاحنة استمرت 15 عاماً، انتهت باتفاق الطائف العام 1989. فهل سيقرأ السياسيون والمتنّفذون الدرس الجديد أم سيتركون الحبل على الغارب؟، و"لاتَ ساعة مندم".
ولا بد من القول إن هذه الرؤية مهما بدت متشائمة إلا أنها ليست يائسة، وبقدر تقديمها صورة واقعية دون تجنٍ أو مبالغة، فهي في الوقت نفسه تقطر ألماً على هذا البلد العربي الفريد الذي يتمتع بحيوية ونشاط وإبداع لا حدود له، ومثلما كان واحة حرّية لا بد أن يستمر ليصبح مشروع ازدهار، وهي مسؤولية جسيمة.






16
عبد الحسين شعبان:
 شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
حاوره: أحمد عبد المجيد (الزمان)
مضى على آخر لقاء مباشر لي مع الدكتور عبد الحسين شعبان، أكثر من 18 شهراً. رأيته في بيروت التي كانت تشع بأنوارها وتغرق بلون البحر، الذي تحتضن أمواجه كثيراً من الذكريات وتخفي أسرار ما كان يدور في حجرات فندق (سان جورج)، وحديثاً في شرفات فندق "فور سيزونز"، وفي أحدى جولاتي مع الدكتور شعبان أطربني صوت فيروز المنبعث من مذياع سيارته، فتذكرت إن المفكرين وكبار الباحثين بشر أيضا، تأخذهم العواطف الى تخوم الشباب وأيام (الشقاوة)، ولم يكونوا بالجدية التي هم عليها اليوم، وبالانشغالات التي تصرفهم عن العناية – أحيانا –  بألوان اللوحة الماضوية التي هرب بريقها، فتحول إلى حلم باهت لا ملامح له ولا اثر.
* ما يجمع أساتذتي في الإعدادية طيبة القلب وحب التلاميذ
* شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
* استمع إلى فيروز ووردة وأم كلثوم واستمتع بالموسيقى الكلاسيكية
* إحتفظت بعلاقة ودية بالبياتي يوم تعرفت إليه في القاهرة مطلع 1969
* أنا تعددي بإستثناء فلسطين والفقراء
* الأسفار ثلاثة والأخيرة سفر  التيه والحيرة
* حب الناس سعادتي والعمل وأسداء الخير مصدرها الأساسي
* هاجسي لا يتجسد بشخص بل بظاهرة الغدر
* السيرة الذاتية شديدة القسوة لكنها ليست هتكاً للاسرار.

وقلت، في نفسي، أن هذا الرجل، وأنا صامت جالس إلى جواره في المقعد الأمامي في السيارة، يعيش على أطياف من الذكريات، لكن لا احد نبش فيها ولا حاول إخراجها من القمقم يقول الأديب اللبناني جبران خليل جبران (أحترس من ذكرياتك، فالوجع يزورك مرة واحدة ولكنك لا تتوقف عن زيارته). وغالبا ما يعمد الذين يجرون حوارات صحفية معه، يستنطقونه بقصد استدراج فكره ورؤاه السياسية والفلسفية، متناسين أن قلبه مازال ينبض، وهو مفعم بالألم وسهر الليالي والحرمان، وان ملائكة الحب تحوم حوله، ولاسيما في خلوته أو تحت تأثير كأس من النبيذ احتساه في ركن من أركان شارع الجميزة البيروتي، الضاج بالحركة والعنفوان والمزدحم بالسكارى والصبايا. وعملياً فان شعبان دأب على اختيار زاوية عند مطعم شعبي اسمه (مشاوي مار مخايل) يضع مناضده على قارعة الطريق، ويحرص شعبان على دعوة المقربين منه إلى هذا المكان، لنفض متاعب القدوم من بغداد أو الشام إلى المدينة التي اتخذها محطته الأخيرة بعد أن جاب مدناً وعاشر عواصم.

* * *

بعض الأشخاص تتمنى لو انك لم تصادفهم في حياتك، وبعضهم تتعرف عليه وتمضي معه رهطاً من حياتك، ويمض وتمضي دون أن يترك في مشاعرك أثرا أو في روحك بصمة. أما أفضلهم على الإطلاق فهم الذين تهبط صداقتهم عليك من السماء، فترتبط بعلاقة وطيدة بهم فيتركوا في روحك عطراً وفي نفسك شذى الوفاء والقصص الحميمة. وعبد الحسين شعبان من هذا الطراز. وذات مرة قلت له، وأنا على تواصل شبه يومي معه عبر الهاتف، (دكتور.. أعاتب نفسي أحيانا بالسؤال، لماذا لم أتعرف إليك قبل عقود من الزمان؟) . ويضحك معبراً عن سمات شخص نادر الوفاء يمزج المرح بصدق الكلام.

ويوم كنا نتجه إلى (الجميزة)، الشارع الذي يروق له وسط بيروت، راودني فضولي الصحفي فرفعت عن علاقتنا بعض (الكلفة) واقترحت عليه إجراء حوار غير تقليدي، ليس كعشرات وربما مئات الحوارات التي أجريت معه واتسمت بجدية مفرطة تنظر فيها الأسئلة إلى الحياة وكأنها فواجع بشرية وعنف مفرط وثأر تاريخي حسب، أو كأنها تقتصر على رؤى ماورائية، لا حيوية فيها ولا صفاء إنساني أو كما يظنون أنها حكاية تراجيدية تكشف وجودنا البشري الضعيف. رأيت أن يكون حواري مع عبد الحسين شعبان، الإنسان والمفكر، صائد المفردات والمصطلحات والعابر من الكفاح بأنواعه، إلى المرح واللاشقاء بأنماطه والسخرية من الأقدار، حلوها ومرها . وهكذا ولد جزء من هذا الحوار، بينما كان شعبان يمارس رياضة المشي، قرب انتصاف الليل، على رصيف كورنيش بيروت، تاركاً لساعة الكترونية يرتديها، قياس خطوات المسافة التي يقطعها ذهاباً واياباً كل يوم، أما الجزء الآخر فقد ولد في حضن الحجر الصحي من الجائحة، بعد أشهر من بقاء الأسئلة في الأدراج، وسفر شعبان إلى لندن، لتلقي الجرعة الثانية من اللقاح ضد كورونا:

* ما الذي تركته من عقلك الباطن في النجف؟

–الروح تسكن هناك، حتى وإن سكنت النجف في قلبي. وعلى غرار الموسيقار البولوني شوبان "العقل في باريس والقلب في وارشو"، أقول القلب في النجف والعقل مهاجرٌ. وإذا كانت باريس قد منحت شوبان الشهرة حيث تربّع على عرش البيانو والإبداع الموسيقي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، بعد باخ وموزارت وبيتهوفن، فإن وارشو منحته تلك الروح المتوهّجة، حتى توزّعت بين عشقه وموسيقاه.

* ما شكل الصف الدراسي الذي جلست فيه للمرّة الأولى؟

– مدهش بخشوع وناطق بالبهاء ومفعمٌ بأريج الأمل… إنه اللبُّنة الأولى التي قادتني لعالم المعرفة الشاسع والبلانهايات.

* ما هو أول كتاب قرأته؟

– اعترافات أرسين لوبين "اللصّ الظريف"، ولاحقاً عرفت أن المؤلف هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.

* ما هي أول قصيدة حفظتها؟

– ربما للشاعر معروف الرصافي التي يقول فيها:

أنا بالحكومةِ والسياسة أعرف/ أَأُلام في تفنيدها وأعنّف

عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ/ كل عن المعنى الصحيح محرّفُ

* ما هو أول وجه رأيته وما زال عالقاً في عقلك ووجدانك؟

– وجه الوالدة المنير نجاة حمود شعبان ووجه الوالد المشرق عزيز جابر شعبان، وحين أستعيد المشهد، فكأنهما انفلقا عن تكوينٍ واحد، وأصبحا جسمين ولكن بروح واحدة.

* صف لي معلماً تأثّرت به؟

– سأصف لك ثلاثةً لأنهم يكمّلون بعضهم البعض:

الأول – عبد الرزاق الساعدي، وهو أوّل مَن علّمني فك رموز الحرف (الصف الأول الابتدائي).

والثاني – رؤوف الشيخ راضي، الذي حبّبني باللغة العربية وبدرس الإملاء (الصف الثالث الابتدائي) وكلاهما في مدرسة السلام.

والثالث – الشيخ يحي الجواهري وهو أحد المتمكنين من اللغة العربية وفقهها، وقد درست على يديه في الإعدادية: النحو والصرف والإعراب وكتابة الشعر(الصف الرابع الثانوي).

وكان الأول سمحاً جداً، والثاني حازماً جداً، والثالث عصبياً جداً، وما يجمعهم طيبة القلب وحبّ تلاميذهم وتفانيهم من أجل تعليمهم.

* أي الطيور أحببتها في صباك ولماذا؟

– الحمام والبلابل والعصافير وما زلت أحبّها لأنها أليفة وتغريداتها جميلة.

* ما الذي يُذكّرك بامرأةٍ شغفت بها؟

–  رائحتها وابتسامتها وغنجُها.

* هل تستمع إلى أغنيات الريف، ومَن هو مطربك الريفي الأول؟

– أحياناً… أحب الاستماع إلى مطرب الريف الأول داخل حسن، ثم إلى المطرب الشعبي للأغنية الحديثة الياس خضر.

* ما أنواع الموسيقى التي تستمع إليها؟

– الموسيقى الكلاسيكية وبشكل خاص سيمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي ودفورجاك… وبالأخص أحب الاستماع دائماً إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، والسيمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، والسيمفونية الرابعة  لدفورجاك.

* وأي المطربين تستمع إليهم عادةً؟

–  فيروز بالدرجة الأولى، وأحب الاستماع إلى عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ووردة الجزائرية.

* لماذا تميل إلى الشاعر الجواهري من دون سواه؟

–  أميلُ إلى الأدب بشكلٍ عام والشعرُ بشكلٍ خاص، وميلي إلى الجواهري الكبير لأنه أحد أبرز أركان الشعر الكلاسيكي في القرن العشرين، بل آخر عمالقته. وهذا الميل محكوم بالذائقة الشعرية من جهة، وبالعلاقة والصداقة التي ربطتني مع أبي فرات لنحو ثلاث عقود من الزمان من جهة أخرى. وقد سبق لي أن قلتُ وقبل التعرف المباشر على الجواهري أنه عاش في بيتنا (لأن كلُّ ما يخصّه وما كان ينشرُه من قصائد ودواوين وما يكتب عنه موجود في بيتنا، ويتداوله الأعمام والأخوال) كما كان معنا في مدرستنا "الخُورنَق" حيث كانت قصيدته التي حيّا فيها ثورة 14 تموز/يوليو 1958 مفتتح فصلنا الدراسي الأول، وهو موجود في مدينتنا النجف (واقعاً وليس مَجازاً) حيث نشأ فيها.

وللأسرة الجواهرية مكانة علمية منذ جدّه الأقدم محمد حسن صاحب كتاب "جواهر الكلام في شرائع الإسلام"، الذي اكتسبت منه الأسرة اسمها.

والأكثر من ذلك أننا عشنا في مدينتين حبيبتين لسنوات عديدة هما براغ في السبعينات، ودمشق في الثمانينات، وكنا على تواصلٍ مستمر، مثلما إلتقينا في لندن في التسعينات.

وقد أصدرتُ عنه كتاباً بعنوان: الجواهري في العيون من أشعاره" في العام 1986(بالتعاون معه)، كما أصدرتُ عنه كتاباً في العام 1997 الموسوم "الجواهري – جدل الشعر والحياة" (طُبع ثلاث طبعات).

* وماذا عن علاقتك بشعراء آخرين؟

–  احتفظت بعلاقة ودّية مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرّفت عليه في القاهرة في مطلع العام 1969 وبلند الحيدري حيث عملنا معاً في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضواً في المجلس الاستشاري، وكذلك بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النوّاب والشاعر كاظم السماوي والشاعر رشدي العامل والشاعر والروائي فاضل العزاوي، كما ارتبطت بصداقة مديدة مع الشاعر سعدي يوسف، وهو "شاعر التفاصيل الصغيرة"، وقد غيّرت قصيدته منذ مجموعته الشعرية "الأخضر بن يوسف ومشاغله" 1972 ذائقتنا الشعرية، وآمل أن يتسع الوقت للكتابة عنه وهو المبدع الذي لا تُدرك بوصلته، وهو في نظري أحد أبرز شعراء الشعر الحديث بعد بدر شاكر السيّاب وجيل الروّاد، ويشكّل مع محمود درويش وأدونيس أهم ثلاثة شعراء عرفتهم اللغة العربية، منذ ستينات القرن الماضي، علماً بأنه غزير الإنتاج، شعراً وترجمة ونقداً، إضافة إلى رواية واحدة بعنوان "مثلث الدائرة"، وعشرات الدراسات ومئات المقالات.

كما كانت علاقتي وثيقة بعدد من الشعراء الشعبيين مثل شاكر السماوي وعزيز السماوي وكاظم إسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف.

وأود هنا أن أنوّه إلى العلاقة المتميّزة مع عشرات من الأصدقاء من جيلنا والجيل الذي أعقبنا وهم شعراء مرموقين، وبشكل عام اطلعت على الشعر العراقي بمدارسه المختلفة.

* كيف شربت كأسك الخمري الأول؟

– مثل الريح الخفيفة المعطرة والمنعشة، وما زال طعم الكأس الأول لذيذَ المذاق وأشتاق إليه.

* هل تحنّ إلى صديق قديم أَثير إلى قلبك؟ من هو؟

– السيد صاحب جليل الحكيم، صديق العمر والشيوعي الأول والأنقى، متمنيّاً له الصحة وطول العمر.

* عدّد لي ثلاث صفات تتمنّى في كل إنسان؟

– الشجاعة والأمانة والوفاء، وهي منظومة متكاملة وأي اقتطاعٍ لجزءٍ منها يخلُّ بالآخر.

* أيام السجن، ماذا كان يشغل بالك فقط؟

–  لم أسجن. بل اعتقلت عدّة مرات، وما يشغلني كان وما يزال هو المستقبل.

* أيّهما أقرب إلى قلبك… ابنتيك أم زوجتك؟

–  الإبنتان قطعة من قلبي وروحي، والزوجة من خارجه، ويمكن أن تدخل وتخرج، وهكذا هي الحياة. وتبقى مكانة الأبناء متميّزة.

* ماذا يمثّل الشقيق بالنسبة إليك، وهل وجدته فعلاً فيه؟

– التكامل والوفاء… نعم هو ما وجدته فيه.

* أي البلدان أحبّ إلى نفسك؟

– أنا تعدديّ، كما تعلم، باستثناء فلسطين والفقراء، فأنا أحاديّ كما قال صديق عني. فبعد العراق (النجف وبغداد، الروح ومسالك الطير) الأقرب إليّ هي سوريا، وفي دمشق المدينة الناعمة كحرير الصين كان تكويني الثاني، وقد كتبت عنها نصّاً أدبياًّ بعنوان "الشام هي التي علّمتني حب الصباح"، وأنا أردّد دائماً أنني "سورا قي".

أما بلاد التشيك، ففي براغ تتقاطع طرق الحب وتلتقي جداوله، وكتبت نصاً أدبياً عنها بعنوان "براغ وثمة عشق"، ويبقى لبنان مانحاً الحواس عطراً وجمالاً، حيث الخزامى واللافندر، وفي بيروت يتجدّد العشق، هكذا هي أرخبيلاته وشواطئه، وقد كتبت نصاً أدبياً عن بيروت حين تم تكريمي من قبل الحركة الثقافية في انطلياس.

* ألهذا السبب أنتَ في بيروت؟ ولماذا غادرت لندن؟

–  بيروت أقرب إلى المزاج، وأكثر دفئاً وألفة وحميمية، وهي ملتقى المثقفين والمنفيين والصعاليك والعشاق. أما لندن فرغم ايجابياتها، خصوصاً الحرية والأمان، فإنها أبعد وأبرد، إضافة إلى ارتباطي بعقود عمل جامعيّة في بيروت منذ سنوات طويلة.

* أنت كثير الترحال والأسفار.. أيهما تفضل ركوب البحر أم البرّ أم الجو؟
–  حسب ابن عربي فالأسفار ثلاثة:  "سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه"، وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وهو لا معنى له، وسفري شخصياً هو سفر الروح التي ظلّت معلّقة هناك، وهكذا تراني هائماً وغير مستقرّ، مرتحلاً مع كتبي وأسبابي ولواعجي.
وفي السفر فوائد كثيرة، فإضافة إلى المغامرة والاكتشاف، ففيه الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها. وهو يمنحك مرونة في التعامل مع الآخر، وقدرة أكبر على التسامح والتواصل والصداقة وكل ما هو مشترَك إنساني. وفي السفر اكتشاف للذات أيضاً وحسب الشافعي فيه تفريج همٍّ، وقد يكون طلب علمٍ.

* ما أحسن رواية قرأتها؟
–  دونكيشوت لسرفانتس، وهي مصنّفة من أعظم الروايات العالمية.
* ومن هو أعظم روائي؟
–  أستطيع القول دوستويوفسكي وتولستوي وماركيز. وهؤلاء من أفضلهم.

* وأفضل روائي عربي؟

–  نجيب محفوظ بالطبع، كما يعجبني عبد الرحمن منيف.

* وماذا عن أفضل روائي عراقي؟

–  أحب قراءة غائب طعمة فرمان ويشدّني فؤاد التكرلي وأستمتع بقراءة شمران الياسري "أبو كاطع"، وأقصوصاته وحكاياته.

* أي همٍّ يغمرك بالألم والأسى والحزن؟ وكيف تستطيع الهرب من انشغالاته؟

– أكبر الأحزان هو الظلم على المستويات كافة، وأشعر براحة نفسية حين أنتصر لمظلوم أو أساعد ضحية، وكم كنت منسجماً مع نفسي حين تمكّنت من مساعدة لاجئين فارين من العراق أو من عدد من البلدان العربية.

* مرأة… صحيفة… أم صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟

– تعدديتي متواصلة مع الكتاب والمرأة والنبيذ ورياضة المشيّ والصديق، وهي متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة، يكمّل بعضها بعضاً.

* ماذا تقول في الصداقة والصديق؟

– حسب أرسطو: الصديق إنسان هو أنت… إلاّ أنه بالشخص غيرك. والصداقة أفضل العلاقات الإنسانية. وأساسها كرم العهد والتضحية.

* هل أنت سعيد وما أبرز سمات السعادة في رأيك؟

– نعم سعيد جداً، وحبّ الناس وحب العمل وحب الخير هي مصدر سعادتي الأساسية.

* أي أغنية تطاردك أينما حللت؟

-أغنية الياس خضر والتي هي من ألحان طالب القرة غولي والكلمات قصيدة لمظفر النوّاب:

روحي ولا تگـلها شبيج ..وآنت الماي

مگطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروگة حرك روحي

وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي

ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت

گالولي عليك هواي

ياثلج اللي ما وجّيت

وأحياناً أغنية سعدون جابر وألحان كوكب حمزة، والكلمات للشاعر زهير الدجيلي:

عيني ياعيني ياهوى الناس

قداح وشموس وعصافير

ياليل ومعاشر نواطير

مرات ياخذنه الهوى اثنين

مرات تحضنه البساتين

ومرات تنسانه الدواوين

ومرات نسأل عالوفه وين

لكن هوانه .. هوى الناس

* والأغاني الأجنبية؟

– أغنية فرانك سيناترا Stranger in the night.

وأحياناً أغنية كارل غوت المغنّي التشيكي O MAMI وهو المعروف بصاحب
"الصوت الذهبي".

* وأنت تقود سيارتك هل ندمت على عدم الوقوف إزاء مشهد صادفك؟

– نعم، حين يعتدي رجل على امرأة تسير معه وسط الشارع أو يعنّف أحدهم متسوّلة سورية اقتربت منه، وهي التي قذفتها ظروف الحرب والحصار إلى الهجرة.

* هل ثمة شبح يطاردك أحياناً؟ صف لي شكله أم هواجسك منه؟

– لا يتجسّد بشخص، بل بظاهرة هي الغدر، وهي وسيلة الجبناء، ومنعدمي الضمير.

* كم مرّة وقعت بالحب؟

– لا يوجد تصنيف للحب وليس ثمة أرقام أو أعداد بالنسبة لي. الحب واحد، فقط تتقاسمه عدّة نساء، ولكل امرأة زمانها ومكانها، وحتى وإن تداخلت الأزمنة والأمكنة أحياناً، فيبقى الحب واحداً، وهو الذي ينتصر.

* وماذا عن الحب الأوّل؟

– لا يوجد حب أول وحب أخير، فكل حب هو أول بالنسبة إليّ، والحب واحد تتقاطع فيه الطرق وتتقارب المصائر وتتشابك العواطف وتختلط الأحاسيس.

* ما علاقة القلب والعقل بالحب؟

– العشق بالقلب وهو بالعين أيضاً، وحسب بشار بن برد بالأذن أحيانا، والقلب والحاستان أول العاشقين، أما العقل فهو يؤنسن العشق ويؤطره، فليست كل عين ترى، على حد تعبير ابن عربي، ويمكن القول وليست كل أذن تسمع.

وهكذا فالعشق ندى الروح وعطر القلب.

* كيف يأتيك الحب؟

– مثل شلال ضوئي وسرعان ما يكون له سلطان على القلب وفيه تتطهّر الروح، ويدخل العقل في حوار مع القلب، واتحادهما على موقف موحد، يبعث في المرء نوعاً من الطمأنينة والرضا، وحين أكون في مثل هذه الحالة تراني أنام بعمق، وأتنفس بعمق، وأعمل بعمق.

* هل هناك دين متسامح وآخر غير متسامح.

– الأديان أكثر رحمة وتسامحاً من البشر، والإنسان هو من يحاول أن يوظّفها باتجاه الشر والتعصب والتطرف والعنف والإرهاب.

* هل تؤمن بالله؟

– علاقتي بالسماء قوية، وتأتيني إشارات غامضة باستمرار وأشعر معها بالطمأنينة والسلام، وكل ذلك خارج دائرة الطقوس والشعائر والغيبيات، وإنما هي علاقة روحية وجدانية عقلية.

* متى تكتب سيرتك الذاتية؟

– السيرة الذاتية شديدة القسوة على كاتبها وكذلك على القارىء وهي ليست هتكاً للأسرار أو انتقاصاً من الآخر أو فضحاً لخفايا النفس أو تلميعاً للصورة، إنها خلاصة تجربة قيمية وصميمية، وقد تكون فرصة للمراجعة خارج دائرة الإساءة للأموات أو إيذاء للأحياء. إنها فرصة تأمل وهدوء ونقد موضوعي.

* ماذا تتمنى؟

– أن يسود السلام واللاّعنف، وأن تنعم بلادنا العربية، بل والعالم أجمع، بالحرية والتنمية وأن نستطيع التعايش فيما بيننا على أساس المشترك الإنساني، وأن نسـهم كما كان أسلافنا في ركب الحضارة الكونية.

 
حاوره: أحمد عبد المجيد

17
صداقة (الزمان) من لندن إلى بغداد
                                                                           
عبد الحسين شعبان
لعلّي كنت من أوائل المتابعين لصدور صحيفة الزمان في لندن، حيث تأسست في العام 1997 وصدر عددها الأول في 10 نيسان/إبريل، واليوم يصل إصدارها إلى العدد رقم 7000 وهي في عزّ عطائها وارتقائها وتجدُّدها. ومثل هذه المناسبة تدعو للتأمل والتدبّر والنقد، أولاً  - لتقييم ما تحقّق من منجز حقيقي، وهو منجز منظور وقائم وكبير، وثانياً -  للأفق الذي تفتحه لإعادة القراءة بهدف استشراف المستقبل.
ولا بدّ أن نأخذ سمات الصحيفة وطابعها منذ أعدادها الأولى، لجهة مهنيتها واستقلاليتها وعلاقتها بقضايا التقدم والحداثة، حيث ساهم وضوح رؤية مؤسسها ورئيس تحريرها الصديق سعد البزاز، في توجّهها وتعميق مسيرتها، حتى تصلّب عودها وأصبحت مدرسة حديثة بمنهجيتها والتزامها بقيم الحرية.
وسبق لي أن ذكرت أنني سألت الأستاذ البزاز حين أخبرني برغبته في إصدار صحيفة متميّزة في لندن التي كان قراؤها يتوزّعون على ثلاث صحف كبرى لكل منها لونها الخاص، واتجاهها المتميّز، حيث كانت جريدة "الشرق الأوسط" أول صحيفة عربية في لندن، والحياة ذات النكهة اللبنانية ، والقدس العربي المهتمة بالشأن الفلسطيني والبعيدة عن الاتجاهات الرسمية، والعرب المحدودة الانتشار آنذاك.
قال البزاز أنه يريدها صحيفة عراقية بنكهة عربية مفتوحة للأقلام الشابة وغير التقليدية أو المحترفة، ولا أخفي سراً أنني كنت قد شكّكت بإمكانية نجاح صحيفة بهذه المواصفات في أجواء لندن الثقافية والإعلامية التي تضج بالمعارضات والاتجاهات المتضاربة، فكيف برجل خرج لتوّه من عباءة الإعلام الرسمي يريد إقامة "مملكته المستقلة". ولعل جزءا من شكوكي كانت تنصرف إلى القرّاء أيضاً بحكم الاصطفافات الحادّة. ولكن سعد البزاز تجاوز تلك العقبات وواجه التحديات مغامراً على طريقته، طارقاً أبواباً لم يطرقها قبله أحد، فحقق نجاحاً منقطع النظير. بل إن بعض مَن هاجمه في البداية، عاد ليطلب ودّه. وقد تعامل البزاز بأريحية وجنتلمانية، وبكل انفتاح وتسامح من دون أية حساسيات أو مواقف مُسبقة، وتلك كانت رسالة الصحيفة الأولى التي هي إعادة بناء الجسور وترميم العلاقة بين العراقيين وبينهم وبين أشقائهم العرب، وقد احتل مكانه بجدارة كما احتلت الصحيفة موقعها بجدارة أيضاً.
انطلقت "الزمان" من مفهوم الاهتمام بالشأن العراقي في إطار الشأن العربي، أي جعل الاهتمامات العراقية جزءا من الاهتمامات العربية، وعدم الانكفاء على القضايا العراقية. فالعروبة الحضارية هي هوّية لغوية وثقافية جامعة ومفتوحة، حتى وإن تباينت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين البلدان العربية، لكن هناك ما يقرّبها للتكامل والتواصل والمصائر المشتركة، خصوصاً وأن اللغة واحدة، والتعبير عنها في الأدب والشعر والقصة واحد، لأن اللسان واحد، حتى وإن كان لكل مفردته وأسلوبه وذوقه، مثلما لكل فرد خصوصيته في هذا الإطار.
وعلى الرغم من أن القضايا العراقية كانت تقع في قمة أولويات صحيفة الزمان وشواغلها، لكن البزاز أدرك ببعد نظر ورؤية متقدمة، إضافة إلى علاقته المتميّزة، أن ثمة صورة أكبر، على العراقيين رؤيتها، وهي عالم عربي واسع وعالم إسلامي كبير وعالم إنساني شاسع. وإن ما تحقّق خلال ما يقارب ربع القرن الماضي، يعود في جزء منه إلى هذه الرؤية الإستشرافية، خصوصاً في ظل العولمة وتأثيراتها وامتداداتها، وقد عمل باكراً على التفكير بعراق محتمل، وعالم عربي متغير، وعالم متواصل وسريع لا ينتظر.
ولم تكتفِ الزمان بالانشغال بالخبر اليومي والطازج، بل خططت لما هو أبعد واستراتيجي، وكان لها قصب السبق فيه لعلاقة البزاز السابقة بأصحاب القرار ومعرفته  بآليات عمل الدولة، فضلاً عن صلته بالمثقفين والأدباء التي اكتسبها بمهارة خلال عمله المهني، لذلك فكّر بالاهتمام بقضايا أبعد من الخبر الصحفي، من نشر ثقافة الحوار والسلام والتعايش، إضافة إلى الأدب والفن وتشجيع المبادرات على هذا الصعيد، وصولاً إلى قضايا التنمية واقتصاد المعرفة والعلوم والتكنولوجيا.
فالصحافي حسب ألبير كامو هو مؤرخ اللحظة، والصحافة هي "صاحبة الجلالة" كما يقال أو السلطة الرابعة، والأمر في ظل الثورة العلمية - التقنية، وثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتال" يصبح أكبر بكثير، لأن  الإعلام يؤثر في الرأي العام، بل أصبح قادراً على صنعه، فما بالك حين نكون على أعتاب الثورة الصناعية بطورها الرابع.
وإذا كانت الهوّية العربية بارزة في الصحيفة فإنها لم تنس الهوّيات الفرعية، وتوقّفت عند أبواب الشراكة والمشاركة، من خلال الدعوة إلى المواطنة المتساوية والمتكافئة، في إطار التكامل وليس التنافر، والتنوّع في الوحدة، والحق في الاختلاف، بفتح باب للتنوير والحداثة من خلال الإقرار بالتعددية والتنوع وحرية التعبير.
ولعل أهم ما ميّز الصحيفة أنها كانت خارج دوائر الأيديولوجيا وهي مفتوحة للجميع، طالما تمسّك هؤلاء بشروط الكتابة والحوار والاحترام، وقد اهتمت بالبنية الأخلاقية للقيم الصحفية، وبقدر كونها إطاراً موحداً إلاّ أنها تمتاز بتعدّد الأصوات داخلها، حتى وإن ميّزت نفسها، وأظن أن ذلك كان أحد عوامل نجاحها، خصوصاً بالابتعاد عن المحاور والنمذجة  والتنميط وتصنيف الآخر على نحو مُسبق لاعتبارات عرقية أو دينية أو طائفية أو سياسية أو غير ذلك، في منهجية تربوية انفتاحية.
كما ساهمت في إثارة قضايا مهمّة وملفات شائكة حتى وإن كان له موقف إلاّ أنها كانت منفتحة على المواقف الأخرى فاسحة في المجال لحوار على صفحاتها تتلاقح فيه الأفكار. ومن تلك الموضوعات: القضية الكردية وقضية الحصار الدولي وقضية الطائفية وموضوع الاحتلال والدستور والاتفاقية العراقية - الأمريكية، والانتخابات وقضايا العنف والإرهاب وتنظيمات القاعدة و"داعش"، إلى التراث الثقافي والآثار العراقية والصروح التاريخية، إضافة إلى اهتمامها بالشباب والمرأة وبالمدينة العربية وعمرانها ومدنيتها. وأعتقد أن كتّاباً بدأوا أولى كتاباتهم في صحيفة الزمان وأصبحوا لاحقاً كتّاباً معروفين.
ويعود ذلك النجاح إلى رؤية مؤسس "الزمان" وصاحبها والفريق العامل معه في لندن، سواء الصديق الكاتب والروائي فاتح عبد السلام صاحب القلم الرشيق والكلمة المؤثرة، أو الراحل نضال الليثي وآخرين، وفي بغداد الدكتور أحمد عبد المجيد الصحافي اللامع والكفاءة المهنية العالية.
وإذا كنت قد كتبت في "الزمان" منذ تأسيسها وإلى الآن، وبكثافة أكبر خلال السنوات العشر ونيّف المنصرمة، فإنني إذ أحيي ذكرى صدورها متمنياً لها استمرار تألقها وازدهارها، فثمة ملاحظات لا بدّ من التوقّف عندها. وأقصد بذلك ومن دون مجاملةٍ، بذل جهد أكبر كيما تظهر الصحيفة بمهنية عالية ولغة سليمة، فقد لاحظت تسرّب بعض المواد  التي لا ترتقي إلى المستوى الذي وصلته الصحيفة، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التدقيق. أقول ذلك كصديق حريص على استمرار صحيفة "الزمان" التي جمعت أقلاماً مبدعة ومثّلت نموذجاً صحافياً راقياً.




18
بايدن - بوتين وألغام الحرب الباردة*
عبد الحسين شعبان
   كان الخبر الأبرز في القمة الروسية - الأمريكية التي التأمت في فيلا "لا غرانج" التاريخية في جنيف هو: لا حرب باردة جديدة بين البلدين، وهو ما صرّح به بايدن، مشيراً "أنّ مثل هذه الحرب لا تصّب في مصلحة أحد"، وهذا يعني أنّ آفاقاً جديدة بدأت تأخذ طريقها إلى تحسين العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي شهدت "حرباً باردة" متصاعدة و"صراعاً أيديولوجياً" حاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانفضاض التحالف المعادي للفاشية والنازية، إلى نهاية الثمانينيات، حيث تهاوت الأنظمة الاشتراكية بلداً بعد آخر، وانهار الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية العام 1991 منشطراً إلى 15 دولة، بعضها أصبحت حليفة للغرب وعضواً في حلف الناتو و عدواً شديداً لروسيا. وكان الجانبان قد اتفقا مسبقاً على عدم توقيع أيّة وثائق في ختامها. واكتفيا بمؤتمرين صحفيين منفردين.
    وصرّح بايدن خلال مؤتمره الصحفي أنّ علاقات موسكو مع واشنطن يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون وفقاً لقواعد أساسية يلتزم بها البلدان. وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية قد شهدت توتراً شديداً إثر شنّ بايدن حملة شعواء قبل أسابيع من لقاء قمّة جنيف ضد روسيا، متهماً رئيسها بالفاشل، وقبلها اتهمه بالقاتل، الأمر الذي أدّى إلى عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف لدى واشنطن إلى موسكو للتشاور في مارس/آذار 2021 في حين غادر السفير الأمريكي جون ساليفان موسكو بعده بشهر واحد، لكن بايدن خلال المباحثات أكدّ لـ بوتين أنّ أجندة الولايات المتحدة ليست معادية لروسيا، لكن أيّ رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً للدفاع عن الديمقراطية، وفي جواب لأحد الصحافيين قال: المسألة تتعلق بالمصالح.
    واتفق الرئيسان على تطبيع العلاقات وإعادة السفيرين إلى كلِّ من واشنطن وموسكو، والبحث في الخطوات اللاحقة في مجال الرقابة على الأسلحة بهدف خفض مخاطر نزاع غير متعمّد، وهذا ما سيتم بحثه في إطار حوار ثنائي، تمهيداً لاتفاق شامل واستراتيجي حول الرقابة على الأسلحة. وقد شملت المباحثات أهمية التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية - الاستراتيجية (ستارت 3).
    وناقش الرئيسان موضوع الأمن السيبراني والاتهامات الأمريكية القديمة - الجديدة  فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، التي تقول واشنطن أنّ هناك من يقف وراءها من داخل روسيا. وأعلن بايدن أنّه سلّم نظيره الروسي 16 قطاعاً حيوياً (الطاقة وإمدادات المياه وغيرها...) التي لا يمكن المساس بها وأنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات الاعتداء على سيادة الديمقراطية الأمريكية، وستردّ على أيّة  محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها، وهي تمتلك القدرات الضرورية لذلك، ولمّح إلى حقول النفط الروسية وماذا سيكون ردّ فعل بوتين لو هوجمت سيبرانياً؟
    وتطرقت المحادثات إلى الملف الأوكراني الذي أكدّ بايدن دعم بلاده لسيادة أوكرانيا، في حين أكد بوتين التزامه باتفاقيات مينسك للتسوية الأوكرانية، كما أبدى بايدن قلقاً بشأن الوضع في بيلاروسيا.
    أمّا بالنسبة للشرق الأوسط، فقد اتفق الرئيسان على فتح ممرات إنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وعدم تمكين إيران من الحصول على الأسلحة النووية، وبحثا تطورات الوضع في أفغانستان لمنع انتعاش الإرهاب بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاتفاق مع حركة طالبان (فبراير/شباط 2020) وعرض بوتين المساعدة على بايدن في هذا المجال.
    أمّا بشأن حقوق الإنسان فقد جرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأمريكية، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومنع عسكرتها وكذلك احترام حقوق الإنسان في روسيا ومسألة المعارض الروسي أليكسي نافالني، حيث لفت بايدن الانتباه إلى أن عواقب وخيمة ستحدث إذا توفي في السجن، وكان نافالني قد أدين بتهمة اختلاس أموال قبل سنوات عديدة وخفّض الحكم مع وقف التنفيذ، وأيضاً دعا بايدن إلى إطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم بالسجن في روسيا، وربط ذلك بمصير استثمارات أمريكية واسعة في روسيا.
    وكان الرئيس الأمريكي قد حقق بعض أهدافه قبل لقاء قمة جنيف بانعقاد قمّة الدول السبع الكبرى، حيث وضع المواجهة الصينية في مقدمة أولويات التحالف الغربي، خصوصاً بعد ترميم العلاقات الأمريكية - الأوروبية التي تزعزعت خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب. ووضع زعماء الدول السبعة مشروع "بناء عالم أفضل" في مواجهة سياسة الصين، لاسيما بمساعدة الدول الفقيرة، وهي خطة قد لا ترتقي إلى خطة "الحزام والطريق" التي قطعت الصين شوطاً غير قليل في تنفيذها.
    وعلى الرغم من أن بايدن وهو يواجه بوتين كان يضع نصب عينه التحالف الصيني - الروسي، فإنه في الوقت نفسه يعرف أنّ الصين أكبر مُصدّر لأوروبا وثاني مستورد منها، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد للانضمام إلى واشنطن في المواجهة الاقتصادية المحتملة أو حرب باردة جديدة مع الصين بدلاً من روسيا؟




19
التنمية وفايروس التمييز
ع. الحسين شعبان
ما تزال مجتمعاتنا تعاني من آفات خطيرة مثل التخلّف والجهل والأمّيّة والفقر والمرض. وهذه تحتاج لمواجهتها إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية، ولا سيّما قيم الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والمشاركة والشراكة، إذْ لا يمكن بناء المجتمعات وإنجاز مشاريع التنمية بزعم أفضليات هذا الدين أو ذاك، أو أحقّية هذه الطائفة أو تلك، فلن يتحقّق التقدّم المطلوب بالإقصاء أو التهميش الأيديولوجي، سواءً باسم الدين أو القومية أو مصالح الكادحين، خصوصاً بإدعاء امتلاك الحقيقة، بل والحق في احتكارها،  ولعل كلّ جهة أو جماعةٍ أو طائفةٍ تصوّر نفسها، وكأنها الفرقة الناجية "المبشّرة بالجنّة" حسب تعبير المؤمنين، أو الطليعة المقدامة حسب الأيديولوجيا السياسية اليسارية.
لقد صرفت مجتمعاتنا سنوات طويلة، ولا سيّما بعد إحرازها على الاستقلالات في معارك داخلية محتدِمة، تارةً باسم حقوق "الأغلبية" السائدة، وأخرى باسم "الأقلية" المهضومة، وثالثة بدعوى "الأيديولوجيا"، ورابعة تحت عنوان اختيار "طريق التنمية". واحتربت القوى والتيارات السياسية فيما بينها، مرّة بين "الملكيين" و"الجمهوريين"، وأخرى بين القوميين والشيوعيين وثالثة بين الدينيين والعلمانيين. كما شهد العالم العربي صراعاً دينياً وطائفياً، مرّة لإقصاء المسيحيين أو تهميشهم، وشمل الأمر بقية المجموعات الثقافية التي تسمّى مجازاً بـ "الأقليّات"، ومرّة ثانية بين "الشيعة" و"السنّة"، ومرّة ثالثة بين مجموعات إثنية أو لغوية أو سلالية، وجميعها تتعلق بهدر الحقوق وعدم تحقيق المواطنة المتساوية من دون تمييز أو استعلاء.
وفي المجتمعات المتعددة الثقافات، دينياً وقومياً وإثنياً، ولغوياً، ومنها بلداننا العربية وبعض البلدان الإسلامية، أكّدت التجربة أنه لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بهذه المجتمعات والبلدان من واقع التخلّف إلى واقع التقدم، إلا بالتعاون بين مختلف التكوينات. فالأوطان تُبنى بالسلام والاستقرار والتعايش. وكان دستور اليونسكو قد أكّد: "لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام"، والأمر يحتاج إلى حوار وتفاهم لحل المشكلات الوطنية والاجتماعية، وتوافق وطني في ظل سيادة القانون.
ولعلّ بلداً صغيراً نسبياً ومتخلّفاً مثل ماليزيا تمكّن وخلال ثلاثة عقود من الزمان، التحوّل إلى دولة صناعية قادرة على المنافسة في السوق العالمية، بفعل قيم التسامح والسلام والعيش المشترك بين المجموعات الثقافية المختلفة المسلمة والبوذية والمسيحية والهندوسية وأتباع ديانات قديمة أخرى.
لم يكن وصول بلد مثل ماليزيا إلى النجاح المطلوب عبر فتاوى تكفّر هذه المجموعة الدينية على حساب تلك أو تعلّي هذه الطائفة على حساب طائفة أخرى، بل كان بالتوجه - وعلى نحو صارم - لوضع مسافة واحدة من الجميع، ولم يكن ذلك من دون عناء أو أخطاء أو حتى شبهات فساد، لكن المشروعية القانونية كانت هي الضامن للنجاح وللشرعية السياسية.
كما لم تكن لدولة كبرى مثل الصين أن تحقّق القفزة النوعية الهائلة في التقدّم بالكتاب الأحمر لـ ماوتسي تونغ ووصاياه، بل كان الانصراف إلى العلم والتكنولوجيا وتعديل شروط الإنتاج وعلاقاته بالقوى المنتجة، هو الذي ساهم في تحقيق التراكم المطلوب، فضلاً عن نظام إدارة سليم، وإرادة سياسية فاعلة.
وهكذا فإن التساوق مع منجزات العلم والتكنولوجيا وتوظيفها بشكل صحيح وعلمي هو الذي حقق المنجز التنموي.
لقد أكّدت التجارب التنموية أن إحراز التقدّم يتطلب علماء في الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب، وليس تكديس أعداد من خريجي المدارس الدينية هم أقرب إلى العاطلين عن العمل منهم إلى منتجين، كما ليست حاجة المجتمع إلى كوادر تتخرّج من المدارس الحزبية لا عمل لها سوى الأوامرية البيروقراطية، وهؤلاء وأولئك دائماً ما يميلون إلى التعصّب ووليدِه التطرّف. والأخير يصبح عنفاً إذا صار سلوكاً وانتقل من التفكير إلى التنفيذ. فما بالك حين تتبنّاه الدولة، سواء باسم "الثورة الثقافية" أو الإيمانية المُؤدلجة، باسم "التكفير والهجرة" أو "ولاية الفقيه" أو "العودة إلى السلف الصالح" حسب داعش وأخواتها، فإن تأثيراته السلبية تكون كبيرة على المجتمع، لا سيّما إذا تم ضخّه عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة السائدة، ناهيك عن القوانين الناظمة للاجتماع السياسي.
يقول مهاتير محمد عن تجربة ماليزيا: "لقد قررنا أن نعبر المستقبل بمباركة كل المكوّنات العرقية والدينية والثقافية من دون الالتفات إلى عذابات ومعارك الماضي، فنحن أبناء اليوم... ومن حقّنا أن نتمتّع بخيرات هذا الوطن".
أما الصينيون فبعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ 1976، وانتهاء "الثورة الثقافية"، ذات البعد الأيديولوجي الدموي، فإنهم توجّهوا إلى بناء القدرات بإرادة قوية وطموح كبير، وخلال أربعة عقود من الزمان نافست الصين الولايات المتحدة القوة الأكبر والأكثر تقدماً في العالم.
وفي الحالتين الماليزية والصينية، لم يكن الاعتبار سوى للعلم والتكنولوجيا وهما ما نحتاج إليه في بلداننا العربية والبلدان الإسلامية، خارج دوائر التزمت والتشدّد والغلو الديني والطائفي، الذي ضرب فايروسه بلادنا بالصميم أكثر من فايروس كورونا، وأحدث تمزّقاً وتفتّتاً في بنية مجتمعاتنا، ونحن لما نكن قد شفينا بعد، من فايروس الأيديولوجيا الذي هيمن علينا وتوغّل فينا لسنوات طويلة.



20
"التسامح واللاعنف".. ندوة حوارية في شبكة الإعلام

بغداد- واع- ملاذ الأمين
عقد مركز  الشبكة للدراسات والبحوث الستراتيجية ندوة حوارية بعنوان "التسامح واللاعنف" ، حاضر فيها الباحث والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان بحضور مجموعة من الاكاديميين والكتاب وممثلين عن دواويين الأوقاف الدينية وعدد من المحللين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.
وقال عضو مجلس الأمناء الدكتور علاء الحطاب الذي أدار الندوة لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن " شبكة الإعلام العراقي ومن خلال مركز الدراسات والبحوث يستضيف الأكاديميين مع النخب المتخصصة لفتح حوارات جادة مهمة تسهم في تطور المجتمع بعد طرحها للرأي العام من خلال مؤسساتها "، موضحاً، أن "المجتمع العراقي بحاجة جادة لفهم معنى التسامح واللاعنف وقبول الآخر ، لأجل البناء والإعمار وضمان التقدم للاجيال".
من جانبه أشاد الدكتور عبد الحسين شعبان "بتوجه شبكة الإعلام العراقي نحو بحث قضايا التسامح وقبول الآخر وطرحها للنقاش ليس في دوائر النخبة فقط وانما في طبقات المجتمع الأخرى لتكون منهجاً وتربيةً وأساساً للتقدم والبناء والحضارة".
وأضاف ،أن " العنف في المجتمعات يقوم استناداً إلى التعصب الذي ينتج عنه التطرف،وهذا الأخير عندما يتحول الى سلوك يكون عنفاً ،عندما يستهدف الضحية ، ويكون إرهاباً عندما يضرب عشوائياً ويسقط ضحايا آخرون من المواطنين السلميين ،وبذلك تسجل هذه الجرائم ضمن الجرائم ضد الانسانية "، موضحاً ،أن "ثقافة التسامح بإمكانها أحداث تغيير كبير في التعايش السلمي وقبول الآخر من خلال فتح الحوارات والجدال والنقاش تحت شعار إن لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة".
وتابع شعبان ،أن "التسامح خيار ستراتيجي لانقاذ المجتمع من الارهاب والعنف والتعصب، ولابد من احترام وقبول الآخر وحرية الفكر والضمير "، مبيناً أن "المجتمع العربي برزت فيه القاعدة وداعش وجبهة فتح الشام الذين يزعمون انهم يمتلكون الحقيقة وهم يلغون الآخر ويزدرونه لذلك فان المجتمع عليه أن يبحث عن سبل جديدة لنشر افكار التسامح وقبول الآخر في حواراته مع هذه المجاميع وامثالها ".
وأشار الى أن "التفكير بامكانية ترميم الحياة الداخلية  يتطلب اشاعة ثقافة السلام والحب وقبول الآخر والسعي لإقرار قوانين العدالة التي لاتميّز بين مواطن وآخر على أساس عرقي أو طائفي أو على أساس الجنس مع نبذ الأعراف والقاليد البالية المتناقضة مع التسامح وتهميش الآخر والبدء بتربية النشء الجديد على مبادئ حب الآخر بتعاون الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني ".
على الصعيد نفسه اوضح مدير مركز الدراسات والبحوث حليم سلمان ،أن " توجه المركز نحو اجراء حوارات مع الباحثين والاكاديميين المتخصصين في مجالات توعية المجتمع يستهدف جذب الراي العام نحو التعاون لحل المشاكل التي تهدده وتؤخر عمليات البناء والإعمار"، لافتاً إلى أن "المركز لا يبتعد عن دوره كمؤسسة اعلامية متخصصة لنشر البحوث الإعلامية ووسائل تطورها ،وانما يسعى من خلال هذه النشاطات الى تثقيف المجتمع وتنبيهه للمخاطر التي تحيط به".


21
المنبر الحر / العروبة والقومية
« في: 21:30 02/06/2021  »
العروبة والقومية
عبد الحسين شعبان
هل العروبة "هوّية" أم حركة قومية؟ هو سؤال غالباً ما يُحدث التباساً لدى المتلقّي، بل وفي بعض الأحيان لدى المعنيين، الذين لا يفرّقون بين العروبة والقومية. وإذا كانت اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك، الأساس في الهوّية، فإن القومية فعل سياسي له برنامج ذو شحنة أيديولوجية، ويزداد الأمر تكريساً حين تنشئ نظاماً سياسياً. وقد تكوّنت الحركة القومية العربية في نهاية القرن التاسع كرَدّ فعلٍ دفاعي عن الهوّية، ضد سياسات التتريك التي اتبعتها الدولة العثمانية، وفيما بعد وقفت ضد سياسات الاستعمار الغربي.
وبالعودة للتاريخ فإن العروبة ولغتها سبقت الإسلام، حسب المؤرخ عبد العزيز الدوري، وحين جاء الإسلام ترسّخت العروبة لأن لغة القرآن كانت عربية، ويذهب محمد عابد الجابري للقول بثنائية العروبة والإسلام، والعربي هو من يصبح عروبياً بنزوعه إلى الوحدة الثقافية، وبالعودة إلى التاريخ فالعرب العاربة أو العرب المستعربة يجمعهم اللسان. أما العروبة فهي امتداد حضاري تاريخي، ورابطة تتصل بالثقافة المشتركة من تبادل المعرفة والأدب والفن والعلم والتراث، وهي رابطة موضوعية لا يمكن إنكارها وليس لها بعداً أيديولوجياُ، أو أنها برسم السياسة.
ووجهة النظر هذه دعوة لاستنهاض العروبة الثقافية مقابل "العروبة العرقية"، أي المتعصّبة على الطريقة البسماركية، لعدم واقعيتها وتخلّفها، وأخذت تحلّ محلّها فكرة العروبة الجامعة والمنفتحة والمتجدّدة والإنسانية والحضارية، وتتقلّص الأفكار القومية المضادّة لها، حيث اكتسبت فكرة العروبة بُعداً واقعياً بعيداً عن الطوباويات المثالية. وبحسب الياس مرقص فالأمة لغة قومية (أساس الهوّية العربية)، وتاريخها هو تناضد طبقات.
ووفقاً لهذا المنظور، فالعروبة رابطة وجدانية وشعورية وإنسانية جامعة وهي ليست ثابتة بمعنى سُكونية، بل متطوّرة وحركيّة، وهي ليست كاملة أو نهائية، بل هي متفاعلة مع محيطها في الإضافة والحذف والتطوير والتغيير، كونها حيوية ومعاصرة وراهنة ولا يمكنها أن تعزل نفسها عمّا يجري حولها وفي العالم أجمع.
وبهذا المعنى فالعروبة ليست سرمدية وتماميّة ومقفلة، مثل بركة راكدة، بل هي على العكس من ذلك أرخبيل مفتوح تتفاعل مع غيرها وتؤثر فيه وتتأثر به ارتباطاً بالتطورات الكونية، والأمر ينطبق على جميع الهوّيات. وهكذا فإن أمر اختلافها ليس مفتعلاً، وإنّما واقعي، يرتبط بالحداثة والمواطنة والحقوق الإنسانية،  التي هي نتاج تطور منذ أمرؤ القيس، مروراً بالمتنبي وابن خلدون وصولاً إلى جبران خليل جبران وطه حسين ومحمد مهدي الجواهري.
وفي الأندلس كان المعتمد بن عباد وابن طفيل وابن باجة وابن حزم وعباس بن فرناس رمزاً للعروبة في صعودها وانفتاحها على ما حولها، مثلما كانت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تأكيداً على خصوصيتها ووجودها الثقافي عبر جورج أنطونيوس وشكيب إرسلان ورشيد رضا وآل البستاني وأمين الريحاني وصولاً إلى ساطع الحُصَري، استمراراً للومضات الأولى لحركة الإصلاح وإرهاصات النهضة التي ابتدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي والشيخ محمد حسين النائيني، حيث ظل سؤال النهضة مطروحاً بركنَيه الأساسيين: الحرية والتنمية، والمطلوب هو إعادة اكتشاف عناصر القوة في العروبة وتجديدها وأنسنتها وتحصينها بالتنوّع وقبول الآخر والإقرار بالتعددية والحق في الاختلاف، وهو ما أخفقت الحركة القومية العربية من بلوغه في مرحلتها الأولى ما بعد الاستقلالات العربية.
ومنذ عصر النهضة حتى يومنا هذا، سادت تيارات فكرية وسياسية عديدة قومية وإسلامية ويسارية، صعوداً وهبوطاً، لكنها لم تستطع إنجاز مشروع يتمتع بأركان هوّية منفتحة ومتماسكة في الآن، ولعلّ ما يحسب لـ مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسه الراحل خير الدين حسيب لما له من عقلية رؤيويّة مستقبلية هو جمعه كوكبة لامعة من المثقفين والباحثين والمتخصصين العرب، لبلورة الخطوط العريضة لــ مشروع نهضوي عربي مستقبلي جديد، أساسه التحرّر السياسي في مواجهة الاستعمار، والتنمية المستقلة في مواجهة التبعية والتخلّف، والوحدة العربية في مواجهة التفتت، والديموقراطية في مواجهة الاستبداد، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والتجدّد الحضاري في مواجهة التغريب وتوظيف التراث إيجابياً.
ومن القضايا الحساسة التي تواجه العروبة موقفها من القوميات الأخرى والتنوع الثقافي في مجتمعاتنا، فخطاب التعصّب الذي حمل شفرة أيديولوجية قاد إلى التطرّف، وحين أصبح الأخير فعلاً وسلوكاً تحوّل إلى عنف، وحين ضرب عشوائياً صار إرهاباً، ومقابل التعصّب والاضطهاد، كان رد الفعل ضيق الأفق والانعزالية القومية. الأمر الذي يحتم الاعتراف بالآخر والإقرار بالشراكة بدلاً من الإقصاء والتهميش، وإعادة النظر بالموقف من المجموعات العرقية والدينية واللغوية على أساس المواطنة وليس العرق، وإلا سيكون الجاحظ وابن المقفع وابن سينا والفارابي وابن رشد وأبو نؤاس وقبل ذلك سيبويه ونفطويه وبشّار بن بُرد وصولاً إلى قامات معاصرة، خارج دائرة العروبة. فليس النسب والعصبية القبلية هي التي تقوم عليها العروبة وإنما اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك.
العروبة الحضارية هوّية ثقافية لغوية منفتحة على التنوّع والتفاعل والتجدّد ولذلك فهي مشروع لم ينجز بعد، حسب قسطنطين زريق، وانتاجه يحتاج إلى وعي جديد وحامل اجتماعي جديد يمثل روح الأمة.

22
في الحاجة إلى التسامح» للباحث عبد الحسين شعبان

د. رنا أبو ظهر*

الدكتور عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عراقي، له أكثر من سبعين كتاب ومؤلَف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي - الإسرائيلي، والإسلام، والمجتمع المدني وحقوق الإنسان. له مساهمات عديدة في إطار التجديد والحداثة والثقافة والنقد.
هو نائب رئيس جامعة اللاعنف، انشغل في قضايا المجتمع المدنيّ والأديان، والدساتير والقوانين الدوليّة، بما فيها النزاعات والحروب ومسائل التسامح واللاّعنف، حتى أصبح رائداً من رواد نشر ثقافة الحوار والتسامح.
وها نحن اليوم أمام أجدد اصداراته «في الحاجة إلى التسامح... ثقافة القطيعة وثقافة التواصل».
كتاب يبدأ بسؤال «لماذا تحتاج منطقتنا الى التسامح أكثر من غيرها؟ لنجد الإجابة على هذا السؤال من خلال طرحه للأمور بطريقة سلسة ومنطقية استعرض فيها كيف تطوّرت فكرة التسامح وتعززت مكانتها لدى نخب فكرية وسياسية وثقافية ودينية الى أن أصبحت حالة ملحّة بسبب سيادة الكراهية والانتقام والنزاعات ومحاولة إلغاء الآخر وخاصة بعد أن انتشر الارهاب في العديد من دول منطقنا العربية والذي حاول أن يدمّر الفكر الحضاري والإنساني والتراثي وليحل التعصب والتطرف كلغة سائدة بدل الحوار والتسامح.
يؤكد الكاتب على أن الثقافة الجديدة التي نحن بحاجة إليها تقوم على مفاهيم مختلفة فالقوة لا تعني استخدام العنف بل تعني التمسّك بالحق وتأكيد قيم المواطنة والمساواة.
ولقد تناول بأسلوبه الرائع تطوّر التسامح وتطوّر القوانين والأنظمة الدولية وخاصة في مجال اللاعنف والحوار والتسامح والسلام، حتى أصبح هذا الكتاب أشبه بدستور أممي لنشر رسالة التسامح في العالم وبين الأمم.
فها هو مجدداً الأكاديميي والمفكر العربي الكبير د. شعبان، يتحفنا بمزيد من انتاجاته الفكرية والحضارية. كان دوماً له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتغيير والتسامح والديمقراطية والمواطنة وتعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة إنشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصاً من خلال وسائل الإعلام. ولد في مدينة النجف الأشرف (العراق) لأسرة عربية كبيرة، عريقة ومتأصلة.
لأفكاره وطروحاته دور كبير فى تغيّر نمط التفكير فى فترة مهمة من حياة الأمه العربية.
إنه الباحث في القضايا الاستراتيجية العربية والدولية ومختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والمجالس الثقافية والإعلامية.

بالنسبة له تأكيد قيم التسامح لا تعني غضّ الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، يعتبر ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن إغراء الاقصاء أو اللاتسامح، إلّا إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
تناول في كتابه حالة التسامح ونشر ثقافة التسامح التي تتطلب رفض التطرف والتشدد، وتوسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، والحق في التعبير.
التسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي، فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وحسب إعلان مبادئ التسامح التي صدرت عن اليونسكو «إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد...»، وهكذا فالتسامح يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ التعصب.
منذ إعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا السبب.
رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرّست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لا سيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً، على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي، لا سيما بعد إقراره قانونياً.
توقّف الكاتب عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.فقيم التسامح لا تستقيم بدون قيم المساواة والعدالة وعدم التمييز والحق في المشاركة وقبول الآخر.
كان قد سبق للدكتور شعبان أن عالج مواضيع مهمة في كتبه وكان قد صدر له العديد من الكتب حول التسامح لعل أهمها كتاب «فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي» حيث عالج الإفتراء على الإسلام بأنّه دين ينفي التسامح ويعزِّز بعض ما يسمَّى إرهاباً، حيث فضح المؤلِّف هذا الخطأ القائم على الجهل والتعصب والتحيز، محتكِماً إلى القرآن والسنَّة وسِيَر الخلفاء وحوادث التاريخ والفكر الإسلامي، بالاستناد إلى الجوهر الديني والدفاع بالحجَّة والشواهد.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا أن نتعاطى معه على هذا الأساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، بل بالحق في العيش بسلام ودون خوف، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء الآخر.
أخيراً لا يسعني إلا أن أقول إن هذا الكتاب يعتبر مرجعية لكل مواطن عربي.

 * المستشارة الدولية والمنسقة العامة للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني/ مقره النرويج.


23
المنبر الحر / عن الإرهاب كظاهرة
« في: 18:02 29/05/2021  »
عن الإرهاب  كظاهرة
                           
عبد الحسين شعبان
أثارت أحداث حي الجرّاح في القدس وما أعقبها من اندلاع صراع مسلح أودى بحياة ما يزيد عن 280 شهيداً فلسطينيًا ونحو 1500 جريحاً الجدل القانوني والسياسي حول ما المقصود بالإرهاب الدولي، علماً بأن هذا الموضوع شغل العديد من المحافل والمؤتمرات الدولية وعلى مدى عقود من الزمان، والسبب ليس في صعوبة التوصّل إلى إيجاد تعريف من جانب الخبراء القانونيين والسياسيين والدبلوماسيين، بل يعود إلى اختلاف مصالح الدول والجهات والقوى وتعارض إيديولوجياتها.
   وفي الكثير من الأحيان يختلط مفهوم "الإرهاب الدولي" بمفاهيم أخرى لاعتبارات سياسية وتبعاً للجهة المستفيدة منها، فالقوى المتنفّذة في العلاقات الدولية تحاول تكييف بعض قواعد القانون الدولي لصالحها، إلى درجة أنها تعتبر بعض حركات التحرّر الوطني التي تناضل من أجل حق شعوبها في تقرير المصير ونيل الاستقلال "قوى إرهابية"، متنكّرةً لمضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالدفاع عن النفس.
   رصد الباحث أليكس شميد في كتابه "الإرهاب السياسي" وجود ما يزيد عن 100 تعريفاً "معتمداً" لمصطلح الإرهاب، وحسب المفكر الأميركي "نعوم تشومسكي" فالإرهاب يعني محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف أو أعمال العنف بهدف تحقيق أغراض سياسية، سواء كان الإرهاب فرديّاً أم تمارسه مجموعات أم دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة.
   ولأن تعريف الإرهاب مهمّاً لجهة التأطير القانوني، فإن الدول الكبرى والنافذة لا تريد الوصول إلى تعريف جامع مانع كما يُقال، لأن ذلك يحول دون استخداماتها لأشكال مختلفة من العنف قد ترتقي إلى الإرهاب، ولهذا السبب فهي تسعى إلى إبقاء التعريف عائماً وغير محدد، مع العلم أنّ مضمونه وجوهره ينطبق على توصيفه.
   وقد عبّر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عن رفضه التلميحات التي تريد ربط الإسلام بالإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية الإجرامية، وهو أمر يحتاج إلى فهم عقلانيّ للموقف من العنف في جميع الأديان والأمم والبلدان واستخداماته السياسية... فليس دمغ الآخر بالشيطانية سبباً كافياً للكشف عن جذور الإرهاب وفي عزل الإرهابيين أو ردعهم أو إبطال عملهم.
   وعلى الرغم من غياب تعريف للإرهاب، وتمييزه عن أعمال العنف "المشروعة" المنسجمة مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فإن قواعد القانون الإنساني الدولي تحظر معظم الأفعال المرتكبة في النزاعات المسلحة المتّسمة بسمة الإرهاب. ولا بدّ من التمييز بين المدنيين والمحاربين، مثلما ينبغي حماية الأعيان المدنية وتفريقها عن الأهداف العسكرية، وكذلك حظر الهجمات المتعمّدة أو المباشرة أو العشوائية، إضافة إلى استخدام "الدروع البشرية" وأخذ الرهائن، حيث تنصّ المادة 33 من اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، وتحظر المادة 4 من البروتوكول الإضافي الأعمال العدوانية، وذلك بهدف حماية الأفراد والسكان المدنيين من العقوبات الجماعية، كما يحظر بروتوكولا جنيف الأول والثاني لعام 1977: أعمال العنف أو التهديد الرامية أساساً إلى بثّ الذعر بين السكان المدنيين، مثل القتل والقنص وشنّ الهجمات وغيرها.
   ومع أنّ هناك نقصاً في القواعد القانونية فيما يتعلّق بأوقات السلم إلّا أنّ هذه الأعمال تخضع للقوانين الوطنية مثلما تخضع لقواعد القانون الدولي، وخصوصاً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان بغضّ النظر عن دوافع مرتكبيها، وبإمكان الدول اتخاذ تدابير عديدة لمنع أو قمع الأعمال الإرهابية عن طريق الجهد الإستخباري وتعاون الشرطة والقضاء وتسليم المجرمين والعقوبات الجنائية والتدقيقات المالية وتجميد الأصول والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية فيما يتعلّق بالدول المتّهمة بمعاونة الإرهابيين المشتبه بهم.
   ومثلما أثار مصطلح الإرهاب الدولي جدلاً واسعاً، فإنّ الحرب العالمية عليه زادت من حدّة الاختلاف بشأنه، والمقصود بذلك وصف عدد من التدابير والإجراءات الهادفة إلى مواجهة العمليات الإرهابية ومنعها. والاستشكال يقوم على التفريق بين المصطلح البلاغي والإعلامي والمعنى القانوني والدلالي بشأن النزاع العالمي المسلّح، خصوصاً وأنّ الإرهاب ظاهرة ولا يمكن شنّ حرب ضدّ ظاهرة، وهي حرب ضدّ طرف غير محددّ الهُويّة في نزاع مسلّح، ولذلك فالحرب العالمية على الإرهاب تثير تشوّشاً والتباساً وقد يمكن توظيفها سياسياً، والأدقّ بتقديري، الحديث عن مكافحة الإرهاب بأشكاله المتعددة وأسبابه المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والإثنية وغيرها، بما فيها الإحتلال والإلحاق والضم.
   وإذا كانت أدبيّات الأمم المتحدة بشأن الإرهاب لم تعالج النقص في التعريف، الذي بقيَ ضبابيّاَ، فإن مهمة مكافحة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين أصبحت أكثر تعقيداً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وخصوصاً بعد النشاط المحموم الذي قامت به تنظيمات القاعدة وداعش وأخواتهما، التي زادت المسألة التباساً، ففي حين تركّز بعض القوى السائدة على الإرهاب الفردي وأعمال الانتهاك التي تقوم بها مجاميع إرهابية، فإنها تغض النظر عن إرهاب حكومات أو دول، مثلما حصل في الحرب على غزّة التي دامت أحد عشر يوماً.





24
حازم نهار
شكرًا دكتور عبد الحسين، أريد أن أذهب إلى الحضور لتلقي أسئلتهم ومداخلاتهم:
 
عصام دمشقي
مساء الخير دكتور عبد الحسين، وتحياتي للجميع، أنا سعيد بالاستماع إليك مرة ثانية، لم أقابلك منذ 14 سنة، في أربيل وقتها. في الحقيقة إن تعريفك للثورة لطيف وأغراني، من حيث إنها عملية مثل الحب، لا يأتي مرة واحدة، بل يأتي تدريجًا، لكن يمكن الحديث أيضًا عن شيء اسمه النظرة الأولى، والنظرة الأولى في وضعنا قد تكون إسقاط النظام القائم؛ فإسقاط السلطة القائمة هو البداية، وإن كان هذا لا يعني حلّ المشكلات كلها، إذ ستظهر لدينا مشكلات كثيرة، مثل الأمية، والمرأة، والدين والطائفية، وغيرها من المشكلات، لكن من دون هذا الإسقاط ستتوقف الصيرورة. هذا الإسقاط أين يقف اليوم؟ في الحقيقة إنه واقف عند طرف إما هو عسكري أو خارجي، ففي مصر كان الطرف عسكريًا، ولو ظل مرسي والإخوان المسلمون في الحكم كان يمكن لصيرورة الثورة أن تستمر، وفي ليبيا الصيرورة لا تزال مستمرة، أما في العراق فما يوقفه حاليًا هو طرف خارجي إيراني أكثر من الأميركي، فالأميركي هو طرف خارجي فحسب، أما الإيراني فيمكن النظر إليه بصفته متفاعلًا مع البنية الداخلية العميقة للشعب العراقي، الدينية والطائفية، وهنا تكمن صعوبته.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما تطرقت إليه حضرتك بخصوص الدول الشرقية، وما تختلف به عنا. صحيح أنه توجد فروقات في البنى الثقافية والتعليمية والحضارية، لكن الفارق الأساس كان دور الاتحاد السوفياتي، ففي هنغاريا سنة 1956 فشلت الثورة، وفي 1968 فشلت في التشيك، لذلك ما أدى إلى نجاح الثورات في أوروبا الشرقية هو تراجع الاتحاد السوفياتي وانهياره.
حتى المهاتما غاندي، على الرغم من سلميته المعروفة، لم يكن له أن ينجح سلميًا أبدًا، لو لم يكن هناك طرف آخر يتمتع، كما يقول هو نفسه، بدرجة من الضمير والحرية، فمثلًا غاندي اعتقله البريطانيون وأخرجوه، فهل هذا هو حال النظام السوري وغيره من الأنظمة العربية؟ إذًا القصة تتعلق أيضًا بالطرف الآخر، وبالظرف الخارجي.
 
حبيب إبراهيم
مساء الخير جميعًا، شكرًا لميسلون، وشكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان. سؤالي يخصّ الواقع السوري. بعد عشر سنوات، هل تعود الكارثة في سورية إلى أسباب مجتمعية تتعلق ببنية المجتمع السوري المنقسم قوميًا وطائفيًا ومذهبيًا، أم تعود إلى العقلية الأمنية العسكرية للنظام الاستبدادي، أم إلى الإثنين معًا؟ لدي هنا سؤال افتراضي: بعد كل ما حدث، فيما لو نجحت الثورة في إسقاط النظام، هل ستكون تطبيقًا لمقولة “الثورة حفر في العمق”؟ بمعنى هل كان بإمكاننا القول إن الثورة انتصرت بسقوط النظام، خاصةً بعد ما شاهدناه من خطابات كراهية مقرفة جدًا في أوساط النظام وأوساط المعارضة؟ وأيضًا بالنسبة إلى مصطلح الربيع العربي، هل هو مصطلح يعكس حقيقة ما حصل؟ وشكرًا لكم.
 
محمود الحمزة
مساء الخير، وشكرًا لميسلون على هذه الندوة الطيبة، شكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان المفكر المرموق الذي نعتز به جميعًا، وعلى مقارباته الاستراتيجية والفكرية العميقة لوضع الربيع العربي والثورات.
لدي ما أقوله، وهو في منزلة التفكير بصوت مرتفع، وينتهي بسؤال: لقد تحدثت دكتور عن التقاء العامل الذاتي بالموضوعي، أو الظروف الموضوعية والظروف الذاتية، فهل يعني هذا، مثلًا، أن الثورة في سورية كانت غير ناضجة؟ طبعًا الأسباب الموضوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية موجودة، لكن ما أفكر فيه الآن، هل كانت الأداة، أي النخب، ليس النخب الثقافية فحسب التي تحدث عنها الدكتور حازم، بل أيضًا النخب السياسية، قاصرة؟ وهل كان المثقفون قاصرين عن فهم طبيعة الوضع في سورية، ولم يستطيعوا أن يقدِّموا حلولًا أو أفكارًا لإنجاح الثورة مثلًا؟ أم أن هناك عوامل أخرى أودّ أن أسمعها منك، خصوصًا إذا قارنا وضعنا بثورة أكتوبر وقول لينين إن الثورة يجب أن تقوم اليوم، ليس غدًا. فهل هناك شروط قوية جدًا، في ضوء هذه العبارة المكثفة، تخصّ العامل الذاتي الذي هو أداة الثورة، كانت غير متوافرة في عدد من بلدان الربيع العربي، خاصةً سورية. فهل كان مثلًا لعدم وجود حزب يقود الثورة، أو قيادة، كما جرى في الثورات الأخرى، دورٌ ما؟
في الحقيقة، نحن السوريين نقف اليوم محتارين أمام مشكلة كبيرة؛ بعد كل هذه التضحيات العظيمة من الشعب السوري، وبعد كل هذه الوحشية من النظام وحلفائه، وبعد كل هذا التخاذل الدولي أمام الكارثة التي عاشها ويعيشها السوريون، هل ما تزال النخب الثقافية غير قادرة على التقدم خطوة إلى الأمام للخروج من هذه الأزمة، وتقديم رؤية ناجحة، ليست نظرية فحسب، فعندما نتحدث في الفلسفة والفكر، تبقى الأمور أسهل قليلًا، لكن عندما ننتقل إلى الواقع العملي نجد أن هناك صعوبات قد نكون كلنا مقصرين وعاجزين عن فهمها، ولذلك اصطدمنا بعقبات لم نستطع تجاوزها؟
 
هنادي زحلوط
سلامات دكتور عبد الحسين، ودكتور حازم، كان لدي سؤال حول طبيعة الثورة، هل الثورة هي فعل سلمي خالص، وفي حال أُجبِر بعض المنضمِّين إلى الثورة على حمل السلاح، لأي سبب من الأسباب، لحماية أهلهم مثلًا، أو حماية أنفسهم، هل هذا يبطل ويسقط الصفة الثورية عنهم، وعن الثورة نفسها؟
 

عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أنا أشعر أن هذه الإضاءات والإضافات هي تعميق لهذا الحوار المفتوح، الذي نفكر فيه بصوت عال، وبقلب حار، ورأس بارد، كما يُقال، ومن هذه الزاوية أبدأ من عند الأستاذ محمود حمزة: علاقة العامل الذاتي بالعامل الموضوعي؛ أحيانًا يتراءى لنا أن العامل الذاتي ناضجٌ، وأن العامل الموضوعي ربما أكثر نضجًا. بعد التغييرات التي حدثت في أوروبا الشرقية عام 1989، خاصةً مع انهيار جدار برلين في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، بدأت تكرّ مسبحة الأنظمة الاشتراكية السابقة، الواحد بعد الآخر، وكان الاعتقاد أنه بدأت مرحلة جديدة للنظام العالمي، الجديد، وستؤدي هذه المرحلة إلى انهيار جميع الأنظمة الشمولية، لكن مثل هذا الاعتقاد كان وهمًا. فعلى الرغم من توافر العامل الموضوعي، ومن توافر الرغبة في عملية التغيير لدينا، إلا أن رياح التغيير انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، لعدم توفر عوامل مساعدة أخرى؛ فإضافة إلى العامل الذاتي الغائب، كان العامل الموضوعي الخارجي ناقصًا، حيث إن الغرب لم يكن مستعدًا لإجراء تغيير في منطقتنا، في حين أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإجرامية الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة، بدأ الغرب يفكر في إجراء بعض التغييرات، فبدأ يدعو إلى إعادة النظر في الأنظمة التعليمية، والمناهج الدراسية، وبدأ يدعو إلى تنقيح بعض وجهات النظر، في هذه القضية أو تلك، وبدأ حديث عن التغيير، حتى أنه درب أعدادًا من أوساط المجتمع المدني، بزعم أنه يريد إنجاز عملية تغيير، لكن العامل الذاتي لم يكن متوافرًا، فقد حطمت أنظمتنا، إلى حدود غير قليلة، العامل الذاتي، وصفّت العديد من الأحزاب والقوى، أو أصبحت في المنافي، ولذلك لم يكن هناك حاضن اجتماعي لعملية التغيير على الرغم من توافر العامل الموضوعي بدرجة ما.
أظن أن هذه مسألة مهمة، حتى عندما نتحدث عن موضوع الانتفاضة الذي وردت الإشارة إليه، دعوة لينين إلى الانتفاضة، وتحديد موعد لهذه الانتفاضة، تحت عنوان أن هذه الانتفاضة لا تتقدم ساعة ولا تتأخر ساعة، وعلينا اختيار اللحظة الثورية لتحقيق عملية الهجوم، ومن ثمّ تحقيق مطالب الانتفاضة.
أتذكر أنني في عام 1989 كنت ألقي محاضرة في براغ ، فدعاني السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح إلى إلقاء محاضرة عن الانتفاضة، انتفاضة عام 1987-1988 التي كانت مستمرة خلال إلقائي للمحاضرة، وقد تحدثت في حينها عن فن الانتفاضة، وهل هي علم أم فن، وكيفية التوفيق بينها، كعلم وكفن، في الآن ذاته، وكيف يمكن جمع العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، وهل يمكن أن تنطبق الانتفاضة على بلد محتل مثل فلسطين؟ وهل يمكن أن نطلق انتفاضة الحجارة على الانتفاضة الفلسطينية؟ فظهرت من داخل القاعة مثل آهة، أو آهات؛ أي انتفاضة؟ فقط في العلم الماركسي يجري الحديث عن انتفاضة. في الحقيقة، يجري الحديث عن الانتفاضات وفق المواصفات اللينينية، وكأن المواصفات اللينينية تصلح لكل العصور وكل الأوقات، في حين أن علينا استنباط الأحكام وفقًا للمعطيات الفكرية والتاريخية، آخذين في الحسبان ظروف بلداننا ومنطقتنا وخصوصيتنا. هذه مسألة أعتقد أن التوقف عندها مهم جدًا، وسأتوقف عند قضية التغيير الذي حصل في أوروبا الشرقية.
صحيح أن الحب من أول نظرة، أحيانًا، يولِّد نوعًا من الإعجاب، لكن الحب الحقيقي يكون عبر المعايشة والمساكنة والتواصل والمعرفة والتواصل، وهو يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تراكم، إذ يبقى الحب من أول لحظة خادعًا أحيانًا، فهو إعجاب رومانسي عذري بعيد عن واقع عملية الحب الحقيقية، التي هي تفاعل، وتواصل، وتراكم، وتعاشق، واندغام، بمعنى التغلغل في الآخر، وبمعنى معرفة كينونة الآخر، وصيرورة هذه العلاقة الإنسانية. هكذا هي الثورة كما أوصّفها.
في أوروبا الشرقية، لنتوقف عند التجربة، عندما حدثت عملية التراكم في بولونيا، والتي استمرت عشر سنوات، منذ احتجاجات نقابة تضامن عام 1980، حتى حصل التغيير عام 1989، وبهذا المعنى حصل التغيير سلميًا، وحصل بتحول شمل جزءًا من الطبقة السياسية التي كانت مشاركة ومتشددة ضد عملية التغيير، لكنها اضطرت إلى الاستجابة لعملية التغيير عندما حدث اختلال في توازن القوى، وكنت أتمنى أن يحدث مثل هذا الاختلال والتوازن في عددٍ من البلدان، بحيث تكون عملية التغيير بمشاركة من داخل الدولة نفسها، وضمن عملية تراكم، وتواصل، وبقناعات، خصوصًا عندما يختل توازن القوى.
حدثت أيضًا عملية تغيير في هنغاريا، انحاز فيها جزء من السلطة لجانب المعارضة، فاتفقوا على تحضير دستور جديد، وإجراء انتخابات، وفي الانتخابات فازت القوى الصاعدة التغييرية، وفاز أيضًا جزء من القوى القديمة، ولذلك أطلقت على عملية التغيير في هنغاريا وفي بولونيا “فقه التواصل”، أي أن الدولة واصلت نفسها بإجراء عملية تغيير عبر حلقة مركزية انتقلت فيها السلطة من هذا الطرف إلى الطرف الآخر، وانتقلت سلميًا.
في تشيكوسلوفاكيا، كان التغيير في البداية أقرب إلى فقه القطيعة، لكن في اللحظة الأخيرة انحاز جزء من السلطة لجانب المعارضة، فحصلت عملية التغيير، ولذلك لم تشهد هذه البلدان انتقامات، ولم تشهد كراهية، ولم تشهد عمليات ثأر أو كيدية أو محاكمات كبيرة كما حصل في بلدان أخرى.
حصلت عملية التغيير بطريقة سلسة، وسلمية، وللعوامل التي ذكرتها سابقًا؛ القضاء على الأمية، دور الدين ضعيف، دور المرأة، التقدم الاجتماعي، البيئة الحاضنة كانت مهيئة داخليًا وخارجيًا.
في حين إنه في ألمانيا الديمقراطية، أصرت ألمانيا الاتحادية على أن عملية التغيير لن تتم إلا وفقًا لقوانين ألمانيا الاتحادية، وألغت 41 عامًا من عمر ألمانيا الديمقراطية، ومن قوانينها التي كانت تحكم بها، وحوكم بعض الذين اتُّهموا وفقًا لقوانين ألمانيا الاتحادية، في حين أنهم كانوا يعيشون في ألمانيا الديمقراطية، لكن على الرغم من ذلك عولجت المسألة من زاوية العدالة الانتقالية، وعندما نتحدث عن العدالة الانتقالية، نتحدث عن خمس قضايا:
المساءلة، فلا بدّ أن تكون هناك مساءلة للجميع، ولكل من ارتكب الجرائم. ولا بدّ أن نأخذ في الحسبان المراتب، وأن يكون هناك بعد المساءلة كشف الحقيقة، ماذا حصل، لماذا حصل، وكيف حصل، ومتى حصل، ووفقًا لأي اعتبارات حصل، ثم لا بدّ من جبر الضرر، وإبقاء الذاكرة حية، وتسمية مدارس ومدن وشوارع ومكتبات وشوارع وساحات عامة بأسماء الذين قدموا حياتهم ثمنًا لعملية التغيير، والذين أسَّسوا لعملية التنمية، وغير ذلك.
ثم هناك التعويض المادي والمعنوي للضحايا، أو أسر الضحايا، ثم تأتي عملية إعادة ترميم الأنظمة القانونية، والدستورية، والأمنية، والقضائية، كي لا يتكرر ما حصل، على أن نأخذ الجميع بالتسامح، دون الإفلات من العقاب، لكن أيضًا دون انتقام، بحيث لا تتحول العدالة إلى عدالة انتقامية، بدلًا من أن تكون عدالة انتقالية.
في الواقع، لا بدّ من معالجة خطاب الكراهية، وقد تحدث صديقي الدكتور حازم عن انبعاث مستجدات لم نكن نعرفها في مجتمعاتنا العربية. أنا عشت في سورية، وأعتز بانتمائي السوري، وأقول دائمًا أنني سوراقي، ولا أستطيع التفكير في العراق بعيدًا عن تفكيري بسورية، ولا العكس، لذلك أشعر أن هذا البلد هو بلد واحد متواصل، متداخل، متشابك بعضه ببعض، ولذلك لم نكن نشعر بمثل هذه النزعات الكريهة التي بدت، فهل يعقل أن مسلمًا يقتل مسيحيًا؟ لم يحصل هذا في تاريخ سورية، ولم يحصل حتى في العراق، أن يقتل عربي كرديًا، أو أن يقتل كردي عربيًا، لكونه عربيًا أو كرديًا، لكن كان هناك صراع بين الحكومات والحركات الكردية التي تناضل من أجل مطالبها، كما كانت هناك مطالب كردية في سورية في حاجة إلى أن تؤخذ في الحسبان، قانونيًا ودستوريًا، ولذلك فإن هذه النزعات انفجرت مجتمعيًا، ومن هذه الباب قلت إن الثورة تظهر أنبل ما فينا، وفي الوقت نفسه تظهر أقبح ما فينا. في قاع المجتمع، وفي الدرك الأسفل من المجتمع. عندما تظهر مثل هذه النزعات اللاوطنية ينبغي أن تكون الوطنية دائمًا هي السقف الذي يؤخذ في الحسبان، حتى بالنسبة إلى الذي يريد أن يتحدث في المعايير الأوسع والأبعد، سواءً في جانبها الاجتماعي، أو جانبها الديني، أي لا بدّ أن يكون المرء وطنيًا في الأساس، ثم ينطلق نحو مشروعه الفكري.
أعتقد أن مواجهة خطاب الكراهية بخطاب جديد هو خطاب التسامح هو أمر ضروري، ففي الحقيقة كلنا خطاؤون. يقول فولتير: نعم نحن بشر خطاؤون، وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضًا بالتسامح، وعلينا أن نقرب المسافات فيما بيننا، وعلينا أن نقدم نقدًا ذاتيًا، أين أخطأنا، وكيف أخطأنا، ولماذا أخطأنا. كيف يمكننا أن نتفق على (بلاتفورم جديد)؟ سموها جنيف 1 أو جنيف 10، المهم أن بحدث تحول سياسي بطيء، هادئ، بعيد المدى، لكن في الاتجاه الصحيح الذي يلبي مطامح الشعب السوري بالدرجة الأساسية.
استخدام السلاح، يؤسِّس لشيء آخر، وحتى امتلاك السلاح، تحت أي عنوان. فامتلاك السلاح يوازي استخدام السلاح، وإذا كنت تمتلك قنبلة نووية، فهذا يوازي استخدامك للقنبلة النووية حتى لو لم تستخدمها، لذلك فإن إسرائيل جن جنونها عندما أراد العراق أن يبني مفاعلًا نوويًا للأغراض السلمية، في حين هي نفسها تمتلك قنابل نووية منذ عام 1955 في ديمونة، إذ أُنشِئ فيها مفاعل نووي بمساعدة فرنسا، ولديها ما لا يقل عن مئة رأس نووي في الوقت الحاضر، لكنها تصاب بالهيستريا فيما لو أراد بلد من البلدان، خاصة البلدان العربية، أن يقيم مفاعلًا نوويًا للأغراض السلمية، وليس الحربية.
أقول كلما طرقت الثورة طريق السلم، كلما حمت نفسها بضمانات داخلية، مجتمعية، وبضمانات إقليمية ودولية، وهذه التجارب الآن، تجارب أوروبا الشرقية، وتجارب العديد من دول أميركا اللاتينية أيضًا، أخذت منحىً جديدًا.
من منا لا يتذكر كيف عمل بينوشيت في تشيلي، عام 1973 حدث الانقلاب الشهير ضد السيلفادور ألاندي.. قُتِل السيلفادور ألاندي.. دخل عشرات الآلاف السجون.. امتلأت المنافي بالتشيليين.. قُتِل 3000 إنسان تحت التعذيب، ووصل الطرفان إلى طريق مسدود بعد 15 عامًا، لا بينوشيت الديكتاتور الشرير استطاع القضاء على حركة التغيير، ولا حركة التغيير بالكفاح المسلح استطاعت إسقاط بينوشيت أو إطاحته، فاتفق الطرفان، المعارضة والسلطة، الديكتاتور وخصومه، على إجراء انتخابات، وعلى سنّ دستور جديد، ليس ديمقراطيًا إنما فيه نفحة ديمقراطية، وهذا الدستور يحمي الجلاد من المساءلة مدة عشر سنوات، ويحمي كل الذين ارتكبوا الجريمة والتعذيب الذي لا يسقط بالتقادم مدة عشر سنوات، وعندما حصل هذا الاتفاق حصلت الانتخابات وفازت المعارضة تدريجيًا، ولذلك فإن شعار أميركا اللاتينية الآن، التي حصلت في سبع بلدان منها انتخابات ديمقراطية، هو: الثورة في صندوق الاقتراع، فصندوق الاقتراع الآن يوازي سلاحًا من الأسلحة، وهو يحتاج إلى مستلزمات، ويحتاج إلى ضمانات، ويحتاج إلى توفير بيئة آمنة.
 
حازم نهار
لدينا ثلاثة أسماء أخيرة تريد طرح أسئلة أو تقديم مداخلات.
 
عمر حداد
مساء الخير، وشكرًا جزيلًا للدكتور عبد الحسين شعبان، ولمؤسسة ميسلون، وللأستاذ حازم نهار، لدي سؤال قد يكون خارج الإطار المحدّد، لكنه ليس بعيدًا بالمعنى العام:
قد تؤثر التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم الحديث إلى حدٍ كبيرٍ في إنتاج هويات جديدة، وإحداث تغيرات في شكل الدولة، بحكم التغير المناخي، وتغير شكل الشركات، وشكل وسائل الإنتاج، وظهور شركات عابرة للدولة. السؤال هنا: إلى أي مدى تبقى أسئلة الربيع العربي، أو أهداف الربيع العربي، التي تنتمي إلى العصر الحداثي، أسئلة راهنة، في وقت يتجه فيه العالم نحو أسئلة ما بعد الحداثة، وهل يمكن ردم هذه الهوة أو الفجوة، بين ما يطرحه العالم من أسئلة أخلاقية وفلسفية وفكرية جديدة، وبين ما نتعثر في تحقيقه من أسئلتنا التي تنتمي إلى عصر قد يكون مضى، خصوصًا في إطار قول الدكتور، وهو محق طبعًا، إنه قد يكون أمامنا كمجتمعات عربية عدة عقود لإعادة الأمور إلى المسار الصحيح، وإنجاز تحولات باتجاه تحقيق أهداف هذا الربيع العربي؟
 
فايز القنطار
تحياتي، شكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان على هذا التحليل القيم جدًا والعميق جدًا، أودّ أن أتدخّل في نقطتين: النقطة الأولى حول العنف، أنا أوافق، وكنت ضد استخدام العنف منذ البداية في الثورة السورية، وبقيت في الميدان حتى عام 2013، لكن هل تعرف يا دكتور أن النظام السوري لا يشبه إلا ذاته، فما يصح خارج سورية، لا يمكن تطبيقه في سورية على الإطلاق، فمن يصدِّق في هذا العالم أن هناك نظامًا سياسيًّا يعتقل أبناء بلده ويعذبهم بالجملة حتى الموت، يعتقل شباب الجامعات، والشباب المسالمين، وشباب الكفاءات العلمية، الذين لم يرتبكوا جرمًا سوى أنهم طالبوا بالتغيير الديمقراطي. هل تعرف عدد الضحايا الذين ماتوا في سجون الأسد تحت التعذيب من قبل موظفين يتقاضون رواتبهم من دم الشعب السوري وتحت شعار وعلم الجمهورية السورية؟ هذا وضع غير مسبوق في التاريخ المعاصر؛ أن يتصرف نظام على هذا النحو، هذا فضلًا عن استخدام السلاح الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل ضد البنى المدنية.
لقد فرِض العنف فرضًا على الشعب السوري، وحُشِر السوريون في زاوية ضيقة، فكنا نقول النظام يريد أن يجرنا إلى العنف ولا نريد أن نذهب إلى حيث يريد، لكن ذلك بات مستحيلًا في مرحلة من المراحل.
النقطة الثانية، عندما قارنت أوضاع التحولات التي حدثت في أوروبا الشرقية، مع ما يحدث في المنطقة العربية، أنا أوافقك على الكثير مما تفضلت به، لكن هناك ظرف تاريخي مختلف، فوضع المجتمع الدولي منذ ثلاثين سنة كان مختلفًا عن الواقع الحالي، والثورات العربية أتت في زمن صعب تمرّ فيه البشرية في مأزق كبير إن صح التعبير، وهذا كله أثر في عدم تمكن ثورات الربيع العربي من تحقيق إنجازات. القضية الأساسية أيضًا، أنك ركزت على العامل الداخلي، والعامل الذاتي، وهذا بالتأكيد أوافق عليه، وله دور كبير، لكن حجم الدول الخارجية التي تدخلت، خاصةً في سورية، كان غير مسبوق، فوجدنا في بداية الصراع المسلح أن النظام أوشك على السقوط بعد سنة ونصف، على الرغم من آلته العسكرية التي تُعدّ ثاني أقوى جيش في منطقة المشرق، وهذا استوجب دخول أكثر من 16-17 فصيلًا إيرانيًا لمساندة النظام السوري، وهذه أيضًا تعرضت في عام 2015 للهزيمة ما استدعى تدخل قوى كبرى. وأمام حجم هذا التدخل غير المسبوق لا يوجد إمكانية لتحقيق انتصارات في هذه الظروف، على الرغم من أن الشعب السوري قد دفع ثمنًا باهظًا.
 عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أنا أقصد في حديثي عن العنف واستخدام العنف، حتى وإن جرى بطريقة أو أخرى، دفاعًا عن النفس، أو أي شيء من هذا القبيل، أنّ وضع العنف كأسلوب، أو استخدام العنف كأسلوب، قد أدى إلى فتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي؛ حصل جرى التدخل التركي، ثم التدخل الأميركي، وبالطبع قبل ذلك التدخل الروسي والإيراني، تحت عنوان العنف والعنف المضاد، من هذا الطرف أو من ذاك الطرف، وهو ما جرَّ البلد إلى احتراب له أول وليس له آخر. لاحظوا أن هذا العنف أدى إلى تهجير أكثر من 10 مليون سوري، فأكثر من 6 مليون سوري مسجلون اليوم على قائمة المنظمات الدولية كلاجئين، وقد يوازي هذا العدد أو أقل منه بقليل عدد النازحين داخل سورية، وربما أكثر، وهذا كان أحد أسبابه استخدام العنف والعنف المضاد.
دعني أقول أيضًا إنني عندما أعرض تجربة لبلد من البلدان، فهذا ليس بهدف اقتباسها، أو تقليدها، أو استنساخها، إنما الاطلاع عليها للاستفادة منها، ولمعرفة صيرورة الصراع في هذا البلد أو ذاك، لمعرفة ما يمكن الأخذ به، أما ما لا ينطبق على حالتنا فيمكن إهماله أو تركه.
أما من حيث كون التغيير عملية تتعلق بالحداثة أو ما بعد الحداثة، خصوصًا في ظل التحول العالمي باتجاه العولمة، فيمكن القول فعلًا إننا الآن في ظل أوضاع جديدة في العالم، وعلى أعتاب الثورة الصناعية الرابعة، بل إن العالم قد دخلها بالفعل، ودخل مرحلة الذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة مختلفة عن كل الـ 50 سنة الماضية، أي أن السنوات الخمس أو الستّ الأخيرة تعادل كل الـ 50 سنة الماضية بكل ما فيها من تطور مهم. ّ
ونعود هنا إلى صديقنا إلياس مرقص، عندما ربط الثورة بعملية التقدم، فهذا من الممكن أن يكون سلاحًا ذا حدين الآن: سلاح لمصلحتنا أو لمصلحة التغيير، وقد يكون سلاحًا ضد عملية التغيير، فكيف تكون عملية التغيير إذا كان الفكر الذي تستند إليه، والخطاب الذي تروِّج له خطابًا ماضويًا لا يتعلق بالحاضر، وليس له علاقة باستشراف المستقبل.
انتقد كثيرون أدونيس عندما قال كيف أستطيع أن أدعم حركة احتجاج، أو ثورة، أو انتفاضة، تخرج من المساجد، لكن أدونيس قصد بذلك أن الخطاب الذي انطلقنا منه، كان جزء كبير منه خطابًا ماضويًا، وهذا الخطاب الماضوي له أساس، انبعث مجددًا في ظل خلخلة النظام الاجتماعي والسياسي في منطقتنا، وفي بلداننا. حصل هذا الأمر في ليبيا، وحصل في اليمن، وحصل في مصر، ولذلك ليس عبثًا أن يفوز الإخوان المسلمون في انتخابات ديمقراطية، وأن يصلوا إلى السلطة، أما القوى الحداثية والقوى التقدمية والمدنية، فهي لم تستطع أن تفرض وجودها، بحكم القمع المعتق طويل الأمد من جهة، وبحكم أن بعضها تخلّى عن دوره، وأخذ ينظّر بعيدًا عن الناس من جهة أخرى، في حين أن القوى الدينية كانت تعيش وسط المجتمع، ومتغلغلة في عمق النسيج الاجتماعي، وملبِّية للحاجات اليومية للناس أحيانًا، وإن كانت بسيطة، وهذا كله ساعدها في الوصول إلى السلطة.


25
حوار مع عبد الحسين شعبان
حوار مع عبد الحسين شعبان؛ إعادة قراءة فكرية للربيع العربي بعد عشر سنوات على اندلاعه



إدارة الحوار: حازم نهار
في بداية الجلسة الحوارية، رحّب الدكتور حازم نهار بالدكتور عبد الحسين شعبان، وعرّف به، وألقى الضوء على مسيرته الحافلة بالعطاء، وذكر عددًا من إنجازاته الثمينة في مجالات عديدة ومتنوعة، الفكرية والسياسية والحقوقية والمدنية:
عبد الحسين شعبان 
شكرًا دكتور حازم على هذه المقدمة التي أستحقها ولا أستحقها، والتي جاءت على جوانب مهمة من تجربتي الفكرية والثقافية، وأودّ أن أقول إننا إذ نتحدث عن تجاربنا أحيانًا، نتوقف قليلًا عند بعض جوانب النقد، والنقد الذاتي أيضًا على هذا الصعيد، ومن هذا المنطلق سأتناول موضوع الربيع العربي، في قراءة جديدة للمستجدات والمتغيرات التي رافقت تجربة الربيع العربي بعد عشر سنوات، وهي تأملات فكرية كنت قد قلت بعضها في السابق، وأعيد تأكيد هذا البعض مجدّدًا، كما أنني أتوقف عند بعض جوانب النظر والإعادة والتصحيح والتغيير في اتجاه قراءة جديدة تنطلق من أحوال الحاضر بعد مرور عشر سنوات.
دعني أقول لك دكتور حازم، وللذين يحضرون معنا هذه الجلسة التأملية الفكرية الحوارية، إنني يمكن أن أقارب المسألة من أربع أو خمس زوايا.
لو قاربنا هذه المسألة من زاوية المؤرخ، فيمكن الحديث بربط هذه الحادثة إلى جانب تلك، وهذا الموقف إلى جانب ذاك، لاستخلاص بعض الاستنتاجات المتعلقة بالربيع العربي، ولكن التاريخ كما تعلمنا من شيخنا الكبير هيغل، مراوغ وماكر، وخادع أحيانًا، فليس كل ما يكتب وكل ما يقال يمكن أن يوصل إلى النتائج المرجوة، لكننا إذا أردنا أن نتناول المسألة من الزاوية الإعلامية، أي أن نؤرخ للحظة بحسب ألبير كامو، فاللحظة لا تعكس حقيقة ما جرى، وما يجري، وحقيقة الرؤية المستقبلية لعملية التغيير والإنجاز المنشودة.
أما إذا أردنا أن نتناول البحث من زاوية السوسيولوجيا، وفقًا لابن خلدون، أو أوغست كونت، أو ماكس فيبر، أو علي الوردي، أو غيرهم، فإن السوسيولوجي لا يتنبأ بالأحداث، وإنما يحلل ما هو قائم بعد مرور مدة زمنية معينة ليتوصل إلى قراءة استنتاجية للمستقبل.
ربما يمكن التوقف عند الرؤية الحقوقية لموضوع التغيير، والحراك الشعبي، أو الانتفاضة، أو الثورة، فمن زاوية الحقوقيين، يمكن رؤية ما له علاقة بشرعية نظام الحكم أو عدم شرعيته، ومن زاوية المشروعية أو عدم المشروعية. فعندما أقول من زاوية الشرعية، فأنا أقصد قضيتين مركزيتين أساسيتين: الأولى هي رضى الناس، إذ لا شرعية حقيقية من دون رضى الناس، أما الشرعية الثانية فهي ما يمكن أن يُقدَّم من منجز حقيقي على صعيد الواقع العملي، وهذا يتعلق بشرعية أي نظام، وأي سلطة، وأي حركة، وأي تيار فكري أو سياسي، أما المشروعية فلها علاقة بحكم القانون، ومدى الاقتراب أو الابتعاد من حكم القانون. أحيانًا تسير الشرعية بعيدًا قليلًا عن المشروعية، فإذا اتحدت الشرعية مع المشروعية سنتوصل إلى استنتاجات مهمة جدًا: رضى الناس من جهة، والمُنجَز، وحكم القانون، وهذا ما تطمح إليه حركات التغيير التي كانت شعاراتها شعارات مبسطة لكنها في عميقة جدًا، شعارات تتحدث عن الحرية، عن المساواة، عن العدالة، وهذه لعمري قضايا محورية طرحتها حركة النهضة الأولى، أو حركة الإصلاح الأولى، في القرن التاسع عشر، وهي لا تزال قائمة إلى الآن.
سؤالان مركزيان يرتبطان ببعضهما بعضًا، ولا يمكن فصلهما: سؤال الحرية، وسؤال التنمية، والتنمية تتضمن مواطنة سليمة، والتي تقوم بدورها على أربعة أركان أساسية، فهي تقوم على الحرية، وتقوم على العدالة، وتقوم على المساواة، وتقوم على الشراكة والمشاركة، والتنمية تختلف عن النمو الاقتصادي، حيث يمكن لبلد معين أن ينمو اقتصاديًا، وقد حصل أن بلداننا حققت نموًا اقتصاديًا في العديد من المجالات، خصوصًا العراق، سورية، مصر، الجزائر، واليمن، لكنها لم تستطع أن تحقق التنمية المنشودة، بمعناها الحديث، أي التنمية الشاملة، بمعناها السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والقانوني، وإصلاح الفكر الديني، أو المجال الديني، ومن ثمّ إصلاح الخطاب الديني، وإصلاح منظومة التعليم والتربية، فضلًا عن منظومة الإعلام، ومنظومة المجتمع المدني، ومنظومة القضاء، وكل ما يتعلق بعملية التغيير، وهذا ما حصل أيضًا في البلاد الاشتراكية السابقة، التي حققت نموًا اقتصاديًا، لكنها لم تتمكن من تحقيق تنمية شاملة ذات أبعاد إنسانية، وهو ما تطلق عليه أدبيات الأمم المتحدة تسمية “التنمية المستدامة”، بما يعني فتح خيارات جديدة للناس، وفتح هذه الخيارات تتوقف عليه عملية التقدم الاجتماعي والاقتصادي في جميع الميادين التي جرى الحديث عنها.
بهذا المعنى دعني أقول لك، إن عملية التغيير، والثورة، هي عملية مركبة، وعملية متداخلة، عميقة، فالثورة مثل الحب، لا يمكن أن يأتي مرةً واحدة، إنه يأتي تدريجًا، ويأتي بالتراكم، ويأتي بالممارسة، ولهذا يبقى الحب عصيًا على الفهم، تمامًا مثل الثورة؛ هي لا تأتي دفعةً واحدة، ولا تأتي مجهزةً أو كاملة أو نهائية، هي عملية تراكمية، وهي “بروسيس” طويل الأمد، وهي على حدّ تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ: الثورة ليست نقرًا في السطح، وإنما حفرٌ في العمق، والحفر في العمق يختلف عن النقر في السطح. نطلق هذا التعبير الأخير على عملية تغيير جزئية، أو على انقلاب، أو على تحول ليس تحولًا جذريًا عميقًا بعيد المدى يترك تأثيرًا، أما الحفر في العمق فهو يحتاج إلى زمن، ويحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تراكم، ولهذا واجهت حركة التغيير طائفة من المنعرجات والمنحدرات والعقبات والعوائق، وتعرضت خلال مسيرتها إلى انكسارات، ولم تستطع ككل ثورة السير بصورة مستقيمة، وإنما كانت هناك دروب وعرة، ومفاجآت عديدة، ولا سيّما عندما دخل العنف والسلاح إليها، وأحيانًا بالضد من إرادتها، فأُجبِرَت عليها، أو اضطرت إليها، أو تناغم بعض أفرادها مع هذا التوجه، الذي لم يكن من كينونتها الأولى.
هنا علينا أن نفكر بالدرس التاريخي، والدرس التاريخي يتطلب التوقف عند ما حصل، أين نجحنا؟ وأين أخفقنا؟ وما أسباب الإخفاق؟ وما أسباب الفشل؟ ومن ثم ما السبيل لإنجاز عملية التغيير من دون الخسارات التي حصلت طوال هذه السنوات العشر؟ أكانت في البلدان التي حصل فيها التغيير، أو تلك التي أُنجِزَت فيها المرحلة الأولى من عملية التغيير، بانتهاء الأنظمة واستبدالها بأنظمة جديدة، أو في البلدان التي لم تنجح فيها عملية التغيير، بل سارت في دروب إلى درجة التيه أحيانًا، وفي طريق استخدام العنف والسلاح، والاحترابات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والاستثمارات الأجنبية السلبية، التي آذت شعوب هذه البلدان، وأقصد بالتحديد، سورية، وليبيا، واليمن، وغيرها.
هنا أيضًا، لا بدّ من التوقف عند موضوع “بنية النظام العربية”، ولا سيّما الصراعات الداخلية التي عاشها ويعيشها النظام العربي الرسمي من جهة، وانعكاساته المجتمعية، ففي الغالب تأتي المُعارَضات على قدر ما تسمح به الأنظمة، وبهذا المعنى تكون أحيانًا صور بعض المعارضات وجهًا آخر لبعض الأنظمة، ولا سيّما تلك التي تراهن على اعتبارات أخرى غير الهوية الوطنية الجامعة التي لا بدّ من التمسك بها، لأنها تمثل وتجسد رؤية وطنية حقيقية لعملية التغيير، وهذه لعمري مسألة مهمة.
عندما يتّحد العامل الذاتي مع العامل الموضوعي، أي عندما تتوافر الحاضنة الاجتماعية الذاتية، وتلتقي مع الظرف الموضوعي، داخليًا وخارجيًا، ويحصل التراكم، ربما تحصل عملية التغيير بسلاسة أكبر في معظم الأحيان.
بماذا اختلفت حركة التغيير في مجتمعاتنا عن مجتمعات أوروبا الشرقية، أي البلدان الاشتراكية السابقة، وحتى عن بعض دول أميركا اللاتينية؟ في الحقيقة، تلاقت في تلك المجتمعات الحاضنة الاجتماعية للتغيير، الفئات التقدمية، مع الكنيسة، التي لعبت دورًا تحريريًا، سمي لاهوت التحرير، من أجل إنجاز عملية التغيير، والتخلص من أنظمة، والإتيان بأنظمة، أكثر انفتاحًا، بدساتير حديثة، أوصلت هذه البلاد إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وقطعت الطريق إلى حدود معينة على العامل الخارجي، الذي عاث في بلداننا فسادًا لا حدود له.
في أوروبا، يمكنني القول إنه يوجد أربع أو خمس مسائل أساسية امتازت بها علينا: المسألة الأولى، لا توجد أمية في أوروبا الشرقية، فكل أوروبا الشرقية كانت قد قضت على الأمية منذ حين، بسبب النظام الاجتماعي والسياسي السابق، وهذه مسألة تُسجل لمصلحة عملية التغيير، في حين أن الأمية ما تزال ضاربة الأطناب في مجتمعاتنا، بل إنها ازدادت في السنوات الأخيرة، ويكفي أن أقول إن أكثر من 70 مليون أمي يعيشون بين ظهرانينا في العالم العربي، أي إنهم يساوون أكثر من 20 في المئة تقريبًا من مجتمعاتنا العربية، هذا ما يتعلق بالأمية الأبجدية، أما الأمية التكنولوجية، فحدث دون حرج.
أما المسألة الثانية، فهي أن دور الدين كان ضعيفًا في أوروبا الشرقية، فيما لا يزال دور الدين في مجتمعاتنا قويًا، بل إنه انقسامي في الكثير من الأحيان، بسبب الصراعات الطائفية، والمذهبية، المتخلفة. وكانت المسألة الثالثة أن للمرأة حقوقًا في أوروبا الشرقية ليست متوافرة في بلداننا، لا على الصعيد القانوني، ولا على الصعيد الاجتماعي، ولا على صعيد العمل، والمساواة في الأجور، والرواتب، وغير ذلك من القضايا.
أما المسألة الرابعة فهي أن التقدم الاجتماعي، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، كان قياسًا ببلداننا متقدمًا إلى حدود كبيرة، بل إن هنالك استعدادًا لقبول الجديد، ولقبول عملية التغيير مجتمعيًا، ولذلك كانت الهبة شاسعة، واسعة، عميقة، في تلك البلدان.
أضيف إلى ذلك المسألة الخامسة التي تتمثل بأن دول الجوار الأوروبي كانت تمتاز ببنية ديمقراطية قابلة لعملية التغيير، في حين أن البنية التي تعيشها مجتمعاتنا ودول الجوار التي حولنا ليست مهيئة لقبول عملية التغيير، لأنها هي أيضًا تحتاج إلى عملية إعادة نظر، وتغيير، وعملية مراجعة نقدية جادة.
لهذه الأسباب أقول إن التغيير كان هناك سلسًا، وكان سلميًا، وكان بعيدًا عن عوامل التعصب والتطرف التي شهدناها بعد مدة قصيرة من عملية التغيير التي شهدتها مجتمعاتنا، خصوصًا مع صعود التيار الديني الطائفي الذي تربع على سدة الحكم في بعض البلدان، وشكل كابحًا كبيرًا لعملية التغيير.
لكن، على الرغم مما حصل، فإن الانتفاضات حتى لو تلكأت، أو تعثرت، أو تراجعت، أو ارتكست، أو نكصت، هي مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر، وهي ريح منعشة، ستأتي أكلها آجلًا أم عاجلًا، والأمر يحتاج إلى زمن، وإلى تراكم، وإلى قراءة جديدة، وإلى نقد جديد، فلم تمر الثورة الفرنسية بطريقة سلسة، فقد قُتل، خلال السنوات السبع الأولى، أكثر من أربعة ملايين إنسان، لكن النتائج جاءت بعد مئة عام، أو أكثر من مئة عام، خصوصًا في ما يتعلق بهيكلية الأنظمة باتجاه الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتلك هي قيم إنسانية ما زال العالم يتحدث عنها إلى يومنا هذا.
لقد عانت مجتمعاتنا العربية، وعانى فكرنا العربي، من الركود، والاتكالية، والتعويلية؛ إذ كانت مجتمعاتنا غير منتجة فكريًا، وفقدت الكثير من عناصر الحيوية، وأدت، أو قادت، إلى نكوص في الإبداع والابتكار، بل إننا عشنا في الماضي، محاولين اجترار الماضي بكل تقليدية، واستكانة. الأمر يحتاج إلى قراءة جديدة، بعقل منفتح، ومرونة حركية ضرورية، خصوصًا بالتوقف عند موضوع العنف الذي صاحب بعض الحركات، باعتباره مستلزمًا من مستلزمات التغيير، وماذا لو لجأت القوى الحاكمة إليه، فما السبيل لتلافي الانخراط فيه؟
أكتفي بهذا القدر، وأترك للدكتور حازم الحديث، وللأخوة الذين يحضرون معنا في هذه المنصة، وشكرًا.
 
حازم نهار
شكرًا دكتور عبد الحسين على هذا العرض، وفي الحقيقة إن ما تفضلت به يحرض على النقاش على المستوى الفكري في نقاط عديدة جدًا.
فمثلًا فكرة أن الثورة هي حفر في العمق، وهي كذلك فعلًا، فكل الثورات التي حصلت على امتداد المنطقة العربية، أعتقد أنها حفرت في العمق، لكن نتائج الحفر في العمق، أنتجت إلى السطح مسألتين مهمتين، أعتقد أنهما كانتا حاسمتين في مسار الربيع العربي: هذا الحفر في العمق أظهر لنا الدولة العميقة في كل بلد عربي، وعندما ظهرت الدولة العميقة إلى السطح، التي من الممكن أن تكون أحيانًا العسكر، وأحيانًا أخرى منظمات ومؤسسات بيروقراطية، ومدنية، وإلى غير ذلك، أعتقد أنها استدعت وأظهرت إلى جانبها المجتمع العميق، ما يعني أننا ظهرنا خلال السنوات العشر الماضية وكأننا لا نعرف بلداننا ولا نعرف شعوبنا. ظهرت كل العيوب العميقة ضمن المجتمع.
هذه الثورات التي حفرت في العمق، وأظهرت إلى السطح، الدولة العميقة، والمجتمع العميق، كيف يمكن لها، مقارنةً بأوروبا الشرقية، أن تنتج دولًا طبيعية وشعوبًا طبيعية؟
عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أعتقد أن هذا جوهر الفكرة الرئيسة التي وددت التوقف عندها في هذه المراجعة، خصوصًا ما أنتجه حركات التغيير، أو الانتفاضات، من قضايا جوهرية، تحتاج إلى إعادة نظر، في الكثير من الأحيان، حول بعض المسلَّمات.
إلى وقت قريب، كنا نقول، ونردِّد، بتنغيم أحيانًا، أن لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية، ولا نظرية ثورية من دون طليعة ثورية. لاحظ أن حركة التغيير تجاوزت مثل هذا المفهوم الكلاسيكي الذي تحدث به لينين قبل نحو ثمانين أو تسعين أو مئة عام. لقد ضمر دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين العقائديين في حركة التغيير الأخيرة، ولم يعد أحد ينتظر أن يستلم التعليمات من الوكر الحزبي، أو من مقر هذا الحزب أو ذاك، أو حتى من صاحب هذه العمامة أو تلك، وإنما كانت حركة الشارع حركة عميقة في اتجاه التغيير، وهي نقيض للدولة العميقة، ونقيض للمجتمع العميق، الذي ظهرت عيوبه لاحقًا.
أي ثورة في الكون، وكل الثورات في العالم، أخرجت أنبل ما في الإنسان من كينونة، وأظهرتها إلى السطح، التضحية، التفاني، الشجاعة، البسالة، نكران الذات، الاستشهاد…إلخ. وأظهرت كذلك أحقر ما في البشر، من وسائل، ومن خسة ودناءة.
كل الثورات في العالم هكذا، لذلك حدث نوع من الاستقطاب والاصطفاف، وهذا الاصطفاف دفع بالثوريين الحقيقيين، وبدعاة التغيير الحقيقيين، أحيانًا، إلى الخلف، وتصدر المتطرفون الصراع، فأصبح صراعًا بين دولة عميقة، مع جزء من المجتمع العميق، في نقض الدولة العميقة، وكأن هذا العمق انقسم إلى قسمين، واحترب فيما بينه، وبقي الذين يريدون التغيير الحقيقي، والذي يسعون سلميًا إلى تطوير المجتمع، وإلى إيصاله إلى جادة الصواب، وإلى منصة التغيير الحقيقية، خارج الملعب، لا يريد أحد أن يلعب معهم، بسبب اعتدالهم، وبسبب رغبتهم الحقيقية في التغيير، وهذه مسألة يجب التوقف عندها.
لم تعد الرومانسية القديمة كافية لأن تدفع الناس للمشاركة، إنما بشعارات بسيطة، عبر الانترنت، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان الناس يجتمعون في المحتشدات، وكأن الأمر يذكرنا بعصر ماركس، وعصر المداخن حيث هبت جماهير العمال والناس مجتمعين لتحطيم الآلة التي سحبت منهم أعمالهم، والتي أدت إلى دفعهم إلى جادة البطالة.
لم يكن هناك قائد ملهم في كل الثورات، ولم يكن هناك زعيم لا يصله النقد، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما كان هناك نوع من التشاركية، ونمط جديد من الممارسة الاجتماعية، بالشعارات المبسطة، خصوصًا أن الثورة، لم تتخذ بعدًا تآمريًا كما تجري عادةً الانقلابات العسكرية، والأعمال العصبوية، التي تقوم بها حركات، في جنح الظلام. بل كانت حركة احتجاج، علنية، سلمية، واضحة، محددة، في التوقيت، وفي المكان، وفي الزمان، وهذا لعمري أمر جديد نحن في حاجة إلى التوقف عنده.
لم تكن الثورة ذكورية، فقد ساهمت المرأة بصورة كبيرة جدًا في موضوع التغيير، استنادًا إلى مبادئ المواطنة، والمواطنة طُرِحَت هنا بصورتها المبسطة، بعيدًا عن “الصفصفات”، وبعيدًا عن التعويذات، التي سمعناها على مدى عقود من الزمان، والتي تعارضت فيها الوطنية مع التغيير الاجتماعي أحيانًا، ما أنتج أنظمة استبداد شمولية. تعارض التغيير الاجتماعي مع الوطنية ماذا سينتج أيضًا؟ سينتج تعويلية على الآخر، وهذا أمر تخطته هذه الحركة.
تطرح هذه الحركة أيضًا إشكالية قديمة في الفكر اليساري الكوني، ففي العام 1905 دار حديث، بل تبادل نقد، بين بليخانوف ولينين، فقال بليخانوف، وهو أبو الماركسية والمنظر الأكبر فيها، للينين إن استخدام العنف كان مثل لعب الأطفال، مستنكرًا ذلك، فأجابه لينين، العقل الثوري الداعي إلى التغيير العنفي، إن استخدام العنف لم يكن بما فيه الكفاية، بمعنى أنه كان علينا أن نستخدم العنف على نحو أشد وأعمق وأكثر. هذا الأمر لا يزال يناقش لدينا أيضًا، هل نستطيع أن ننجز عملية التغيير سلميًا؟ خصوصًا في ظل اختلال توازن القوى. وماذا لو تمسكنا بعملية التغيير السلمي إلى النهاية؟ هل سنصل إلى ما وصلنا إليه؟ أم ثمة تغييرات وضغوط ربما ستحصل؟ لا أتحدث أنا من جانب التفاؤل المفرط، ولا أريد أن أناقش المسألة من جانب التشاؤم المحبط، وإنما أقول إن اللحظة الثورية تنبغي قراءتها على نحو دقيق، وإلا يمكن أن تؤدي إلى إجهاض مشروع التغيير، ومن ثمّ تعطيل عملية الثورة، وربما وضع عقبات جديدة أمامها لعقد أو عقدين أو حتى ثلاثة عقود من الزمان.
ربما ماوتسي تونغ يجيب عن هذه المسألة من زاويته العنفية أيضًا، إذ يقول إن الثورة ليست مأدبة، أو كتابة مقالات، أو رسم صورة، أو تطريز ثوب، بل هي عمل عنيف تلجأ إليه الطبقات.
لو أخذنا هذا الكلام على محمل الجد، وأبعدنا العنف، لأن المرحلة اختلفت، يمكن أن نصل إلى ما قال به ماوتسي تونغ؛ إنه ما إن تنضج الظروف الموضوعية متّحدة مع الظروف الذاتية، فإنه في لحظة التلاقي هذه ستكون الشرارة قد امتدت لتحرق السهل كله، أي إنها ستصل إلى النهاية.
بالسلاح، في تقديري، ستكون الدولة العميقة أقوى، وبالعنف، ستكون الدولة العميقة أجدر، وبالتبرير ستكون الدولة العميقة أقدر. والدولة العميقة لا يهمها حين يتم استخدام وسائل تتذرع بها، أو تتعكز عليها، لتبرير غاياتها، بزعم أن هذه الحركة مرتبطة بالخارج، وأنها ممولة أجنبيًا، وأن التدخل الخارجي يريد تهديد وحدة البلاد، وسيادتها، ويريد الانتقاص من الهوية، بتدمير الهوية، وتقزيم سياسة هذه الدولة، وبالتالي جعلها عرضةً للتفتت، وعرضةً للتقسيم، والتشطير، خصوصًا باستخدام وسائل غير قليلة.
 
حازم نهار
في الحقيقة، ما تفضلت به، هو ما حصل خلال المرحلة الماضية في سورية، أي صعدت الدولة العميقة، وصعد المجتمع العميق، وخرج المجتمع المدني، والمجتمع السياسي، خارج المعادلة السياسية في سورية.
في سياق إعادة قراءة تجربة السنوات العشر الماضية، على الرغم من أنه لم يمض بعد وقت طويل، كي نقدم قراءات، أو سرديات، أقرب إلى الموضوعية، هناك مشكلة نعانيها دائمًا في قراءة التاريخ، وأعتقد أن المستبدين يعرفونها، ويستندون إليها.
فمثلًا، يُعدّ بسمارك، بالنسبة إلى الألمان، وفي سياق التاريخ الألماني، الشخص الذي وحّد ألمانيا، وهو الذي بناها، لكنه في زمنه لم يترك وسيلة من وسائل الشر إلا واستخدمها. ما أريد الإشارة إليه هنا هو اختلاف النظرة إلى بسمارك في زمنه عن النظرة إليه في سياق التاريخ الألماني.
والسؤال هنا، إذا أردنا أن نعيد قراءة تاريخ الربيع العربي خلال السنوات العشر الماضية من منظور رؤية إلياس مرقص إلى مفهوم الثورة، عندما ربط بين الثورة والتقدم، بمعنى أن أي ثورة إذا لم تنتج التقدم لا يبقى اسمها ثورة، فهل يمكن استخدام هذا الميزان في إعادة قراءة التاريخ، تاريخ الثورات، من جانبنا نحن الذين ما زلنا ممتلئين عقلًا وقلبًا ووجدانًا بالربيع العربي؟
 
عبد الحسين شعبان
أشكرك جدًا على هذه الإشارة، خصوصًا أنها ذكرتنا بالصديق إلياس مرقص، وأحيي أيضًا مؤسسة ميسلون على استحضارها في ملف خاص، في العدد الأول من مجلتها (رواق ميسلون)، الصديق إلياس مرقص بعد ثلاثين عام على وفاته، وأقول دائمًا إن أعمال إلياس مرقص في حاجة إلى إعادة طباعة، وتنقيح، وإعادة قراءة، وحبذا لو عُقدت حولها أكثر من ندوة، في جوانبها الفلسفية، أو الفكرية، أو الثقافية، فضلًا عن رؤيتها الاستراتيجية، فقد كان إلياس مرقص رؤيويًا، وكان نصف عقله ربما يعيش في المستقبل، وقلت، وأقول مرة أخرى، إنه سبقنا بأكثر من عقدين من السنوات، في استنتاجاته، وفي تحليلاته، وفي رؤيته، وفي نقده. ومن هذه الزاوية يمكن أيضًا أن ننقد المعارضة، خصوصًا أن بعض أطرافها انجرت إلى العنف، أو وافقت عليه، أو عدَّته من مسؤولية الطرف الآخر، سواءً في اليمن، أو ليبيا، أو سورية، أو غيرها.
بقدر ما تكون عملية التغيير معقدة ومركبة، ويكون لها خصوم أشداء وأقوياء، فعليها أن تربط دائمًا الوسيلة بالغاية، فلا غاية شريفة وعادلة من دون وسائل شريفة وعادلة، أي لا يمكن أن توصلك وسيلة خسيسة وإجرامية إلى هدف سامٍ ونبيل. يقول المهاتما غاندي، إن الغاية إلى الوسيلة هي مثل البذرة إلى الشجرة، لأنهما مترابطتان، البذرة والشجرة، فالبذرة من الشجرة، والشجرة من البذرة، وهكذا فهما متلاحمتان، لا يمكن فصلهما، كما الوسيلة والغاية.
لاحظ أن المهاتما غاندي كان قائدًا للمقاومة المدنية السلمية، ومثَّل رمزية كبيرة بتبنيه قضية اللاعنف، واستطاع أن ينتصر باللاعنف على أكبر إمبراطورية في العالم آنذاك، المملكة المتحدة (بريطانيا)، وحصل على الاستقلال في عام 1947، عبر نضال مرير، وجَسور، وشجاع، بلا حدود، واستطاع أن يحرِّض ملايين البشر ليقفوا معه في قضية اللاعنف، وقد حاولت بريطانيا أن تجره إلى العنف في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في ذلك، وهو الأمر الذي حرض حتى الرأي العام البريطاني، والعالمي، لتحقيق النصر في مواجهة الآلة الحربية البريطانية.
ليس هذا فحسب، بل دعني أستذكر معك أيضًا شخصية ريادية، في قضية اللاعنف أيضًا، وهو من الهند الكبرى، اسمه عبد الغفار خان، وعبد الغفار خان هو غاندي المسلم، أسَّس جيشًا لاعنفيًا قوامه مئة ألف، وكان أنصاره يتسابقون ليقدموا صدورهم للرشاشات البريطانية التي كانت تحصد منهم بالعشرات، في مقاومتهم السلمية اللاعنفية، وقد دفع ثلث عمره الذي قارب التسعين عامًا، في السجون، سواءً السجون البريطانية قبل الاستقلال، أو السجون الباكستانية لاحقًا، بعد انفصال الهند عن الباكستان، لكن شعبه وهو من قبيلة (البيشتونغ) استقبله استقبال الأبطال في باكستان، ومنحته الهند جائزة الدولة، أول مرة تُمنح لشخص غير هندي، فهو باكستاني الأصل بحسب الجنسية، ومن أصول أفغانية، وسارت مسيرة كبرى، لدفنه في أفغانستان بعد وفاته في عام 1988.
هذه التجربة، في تقديري، تجربة مهمة، وتجربة نقدية أيضًا للمسار، إذ لا يجوز أن نعلق كل شيء على الآخر، بل يجب أيضًا أن نبحث عن نواقصنا، وعن ثغراتنا، وعن مثالبنا، وعن عيوبنا، وعن استسهال علاقتنا مع الدول الأجنبية، وعن ضعف الوطنية أحيانًا، وبهذا المعنى نحن نحتاج أيضًا إلى ترميم الخطاب الفكري والثقافي لحركة التغيير، لأنه خطاب لم يعد يصلح في ظل الاصطفافات والاستقطابات الجديدة، وأدى، على أقل تقدير، إلى استمرار الصراع لسنوات غير قليلة، الأمر الذي أنجب فوضى، وأنجب انهيارًا في المنظومة السياسية الإنسانية والأخلاقية، ومزق النسيج الاجتماعي، وظهرت النعرات العصبية، الطائفية، والمذهبية، والإثنية، والهويات الفرعية التي يفترض أن تحترم وتقدر في إطار الهوية الجامعة، المانعة، باحترام حقوقها السياسية، والإدارية، والثقافية، كجزء من المكون الاجتماعي في العديد من بلدان المنطقة.
في تقديري، إن الاشتغال على الإنسان يحتاج إلى وقت، ولذلك ربما ستتأخر عملية التغيير التي كنا نحسبها قاب قوسين أو أدنى، لعقد آخر، وربما لعقدين من الزمن، وعلينا أن نتوقف خلال هذه المدة لنحدِّد ماذا نريد، وكيف يمكن أن يستمر (بروسيس) التغيير من دون توقف، لكن بوسائل وأساليب جديدة.
وفي رأيي، لا بدّ من إعادة السؤال مجدّدًا: قبول التنوع، والتعددية، في هذا المجتمع، بمعنى حرية الاختيار، وتوسيع خيارات الناس، هذا سؤال مهم وهو سؤال القرن التاسع عشر أيضًا، سؤال محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، والطنطاوي، والكواكبي، وخير الدين التونسي، وغيرهم، الذين دعوا إلى دولة مقيدة بدستور، فيها قانون، وفيها نظام. بعد قرن ونصف من الزمان، لا بدّ من توسيع عملية التغيير، وهذا يصب في عملية التنمية، وهذا هو التغيير الناعم طويل الأمد؛ إذا لم نكن نحن، جيلنا، أو حتى الجيل الذي يلينا، قادرًا على إنجاز عملية التغيير، فعلى أقل تقدير ينبغي لنا أن نرسم خطًا طويلًا للتغيير الذي يمكن أن ينجز بعد عقد أو عقدين من الزمان.
لا بدّ من توفير بعض المستلزمات، أولها التعليم، فلا بدّ من القضاء على الأمية، والقضاء على الأمية هو المسمار الأول في يافوخ التخلف، في العالم العربي، وتغيير التعليم يحتاج إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية، وإعادة النظر في أنظمة التعليم، وفي طرائق التدريس، وفي علاقة الطالب بالأستاذ، وفي حرية التعبير، هذا كله جزء من إنجاز عملية تغيير التعليم، وهذا كله يحتاج إلى عملية تغيير طويل المدى، بطيئة ربما، لكنها بالتراكم ستؤدي إلى تغيرات نوعية أكيدة، ولا سيّما  إذا ارتبط هذا بتوفير أوضاع صحية أقرب إلى عملية التقدم، أي توفير مستلزمات الصحة للناس، والحفاظ على صحة الناس.
لا ينبغي العمل فحسب على الشعارات الكبرى، فنحن نبدأ من إسقاط النظام أحيانًا، وننسى عملية تبليط شارع، أو بناء مستوصف، أو تحسين بناية مدرسة، وتوفير الخدمات البلدية، والخدمات البيئية، وتحسين أنظمة الإدارة، أو غير ذلك من المسائل المطلبية التي لو راكمتها مدة زمنية طويلة، ربما ستعيد لعملية التغيير قدرتها وفاعليتها، ، وهذه المسائل قد يصطف معك فيها جزء من أجهزة الدولة فيما تذهب إليه، ويخفف من المركزية والصرامة الشديدة، وأحيانًا تستطيع أن تفكِّك ما تريد، لكن خلال مدة زمنية طويلة، ولا سيّما  إذا ارتبط الأمر بحكم القانون، وبإصلاح منظومة القضاء، وبتحسين نظام المعلوماتية، واقتصاد المعرفة، وهذا كله قد يحتاج إلى أوضاع طبيعية، لا إلى أوضاع استثنائية، أو أوضاع حرب أهلية، أو غير ذلك.
في خلاصة الأمر أقول، تبقى التنمية، والاشتغال على الإنسان، مسألة ضرورية، قد لا يكون الحسم متوافرًا، وقد يكون الحسم أحيانًا خطرًا، ولا سيّما أنه قد يؤدي إلى الانشطارات، وإلى الافتراقات، وإلى التمزقات، وإلى تحطيم الوحدة الوطنية، وتمزيق النسيج الوطني، ولذلك لا بدّ لكل حريص في السلطة والمعارضة، من التفكير في البدائل السياسية الممكنة، التي يمكن التوقف عندها.
ربما يكون خطابًا من هذا النوع خطابًا عموميًا وغير شعبوي. نعم إنه خطاب نابذ للعنف، ونابذ للطائفية، والتعصب الإثني، وهو خطاب يأخذ في الحسبان جميع الحقوق، خصوصًا في بلدان متعددة القوميات، ومتعددة الثقافات، إذ لا بدّ من الانتباه إليها في رؤية مستقبلية دستورية قانونية تؤسِّس لدولة يطلق عليها البعض دولة مدنية، ويمكن أن يسميها البعض الآخر دولة قانونية أو دولة حديثة عصرية، يمكن أن تنتج شيئًا جديدًا، مختلفًا عما هو قائم.
 
حازم نهار
شكرًا دكتور، في الحقيقة كنت أريد أن أنتقل إلى أسئلة الحضور، لكن في سياق حديثك، أغراني سؤال عن مسألة الخطاب الثقافي، فأنا أرى مثلًا أنه في ظل الهزائم والانكسارات، هناك دور مهم، وأساسي، ومركزي، للمثقفين، وهناك أهمية كبيرة لإطلاق ثورة ثقافية. أذكر مثلًا أن محمد حسنين هيكل تحدث عن الوضع في مصر بعد هزيمة الـ 67، إذ أشار إلى أن صحيفة الأهرام تحولت إلى منتدى ثقافي، وإلى جبهة ثقافية، يشارك فيها المثقفون المصريون والعرب من كل التيارات، وكانت الأسئلة والجدالات بينهم تدور دائمًا حول الهزيمة، كيف حصلت، ولماذا حصلت، وكيف يمكن تجاوزها، وما أدوار الفئات الاجتماعية المختلفة، وما أدوار المثقفين، والسياسيين، وغير ذلك.
اليوم، ما زال مسار الربيع العربي قائمًا، لكن بعد مرور عشر سنوات على انطلاقه، أنا أشعر أنه لا توجد، على المستوى الثقافي في كل بلد عربي، وعلى المستوى العربي بشكل عام، إعادة قراءة ثقافية، ولا توجد جبهة ثقافية، البعض يسميها الحصن الأخير، وأنا في رأيي هي الحصن الأول والأخير. أنا أتحدث عن الثقافة، والجبهة الثقافية، وأعتقد، كما يقول ياسين الحافظ، لا خوف على مجتمع توافر على إنتلجنتسيا واعية ومنظمة.
أصبحنا نحسد هزيمة الـ 67 بسبب ما أنتجته من مثقفين كثيرين أعادوا قراءة التاريخ والثقافة والخطاب بصورة نقدية، مثل صادق جلال العظم، وسعد الله ونوس، وياسين الحافظ، وغيرهم، ما أدى إلى حدوث تطورات فكرية هائلة ردًا على الهزيمة، فهل يمكن اليوم القيام بإعادة بناء الحقل الثقافي، أو الفضاء الثقافي؟
 
عبد الحسين شعبان
أعتقد أن القضية الأولى في هذا الشأن، أنه لا بدّ من فتح حوار، الحوار ضروري جدًا، حوار بلا شروط، حوار مفتوح، بلا تخوين، بلا اتهامات، حوار أساسه ولحمته الأساسية هو سؤال ما العمل، وكيف يمكن إنجاز عملية تغيير، بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأعتقد أن هنالك صراعًا داخل النخب نفسها، أي أن النخب الثقافية والفكرية منقسمة: قسم منها كان يخشى من انحلال الدولة، ومن الفوضى، ومن انكشاف مدى علاقتها واستفادتها من الأوضاع القائمة، وقسم آخر لم يكن يعنيه شيء، وكان يريد إنجاز التغيير بأي ثمن. لا هذا ولا ذاك أظنه يمثل جوهر المثقف الحقيقي بالمفهوم الغرامشي، المثقف العضوي؛ فالمثقف العضوي وفقًا لغرامشي هو الذي ينطلق من تشاؤم الواقع وتفاؤل الإرادة، وبهذا المعنى كان يمكن للنخب أن تتبنى موضوع الحوار، خصوصًا أن بعضها، كما قلت، كان قد وقف في البدايات خارج دائرة الانحياز لرأي الناس، ولِما يطالب به الناس، بزعم إما أنه غير سياسي، أو خارج دائرة السياسي، أو أنه تكنوقراط، أو ربما خشيةً على الوطن من الانحلال والتمزق، لكن بعضهم الآخر غالى أيضًا في توجهاته ولم يكن يهمه أي شيء، واندفع أحيانًا للتعاون مع جهات أضرّت بعملية التغيير، وهذا الأمر في حاجة إلى إعادة نقاش، وإلى إعادة رؤية.
عانى المثقف، تاريخيًا، من أربع سلطات أساسية كابحة، دُجِّن المثقف، واضطر بعضهم إلى إحراق البخور للسلطان، مثلما اندفع بعضهم الآخر للتعاون مع الخارج من دون ضوابط ومعايير. عانى المثقف من سلطات استبداد طويلة الأمد أحيانًا، وعانى من سلطة الدين، من السلطة الثيوقراطية الدينية الكابحة، وعانى من سلطة المجتمع في الكثير من الأحيان، تحت عناوين العشائرية والقبلية والمناطقية وغير ذلك، وعانى أيضًا مما سمي بسلطة التقاليد، وهذه التقاليد ثقيلة في كثيرٍ من الأحيان، لذلك فإن إعادة النظر في الخطاب الثقافي ضرورة، وكل إعادة نظر في الخطاب الثقافي لا بدّ أن ترتكز على إعادة نظر في الخطاب الديني، ولا يمكن إعادة النظر في الخطاب الديني أو الخطاب الثقافي إلا بإعادة النظر في الفكر الثقافي، وفي الفكر الديني، وإعادة النظر في الثقافة السياسية، وفي السياسة الثقافية. هناك تلازم بين المسائل؛ لا بدّ الآن من معرفة كل قضية كيف تؤثر على المثقف. أنا مثلًا رسام، كيف أثرت حركة التغيير فيّ؟ أين اللوحة؟ أين المسرحية؟ أين الفيلم السينمائي؟ أين الموسيقى؟ أين الكتاب النقدي؟ أين البحث الاجتماعي السوسيولوجي؟ أين المجتمع المدني أيضًا؟ هناك حالة من النكوص، والنكوص تعمّق مع العنف، فما أن اندلع العنف، حتى ارتكست وسائل التغيير السلمية لمصلحة قضية العنف، والعنف دفع بحركة المجتمع المدني، وبقوى التغيير الحقيقية إلى الخلف، خصوصًا تراجع الحواضن الاجتماعية لعملية التغيير، لذلك فوجئنا وأنت أشرت بذكاء كامل إلى أنه ليس المطلوب الحديث عن الدولة العميقة فحسب، بل الحديث أيضًا عن المجتمع العميق، فهل هذا المجتمع هو فعلًا الذي عشناه ونعرفه ونزعم أننا كنا نناضل من أجل تغييره؟ أم أنه مجتمع آخر؟ ظهرت المظاهر الأنانية، والسرقات، والاستحواذ على المال الخاص والعام، والتدمير، وعدم الشعور بالمسؤولية، والنعرات الطائفية والمذهبية، والنعرات الدينية العنصرية. لقد حدث نوع من الخلط، والاشتباك المجتمعي، الذي يحتاج إلى فرز، وإلى عملية بناء، قد تستغرق عقودًا من الزمان.
وأنا لاحظت وألاحظ ما حصل للمجتمع العراقي بسبب الحروب التي عاشها، حيث عاش المجتمع العراقي ثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية، ثم كانت عملية احتلال الكويت، المغامرة اللامسؤولة، والتي لم يكن لها أي مبرر، والتي أعقبتها حرب قوات التحالف ضد العراق عام 1991، ثم عاش الشعب العراقي حصارًا دوليًا جائرًا مدة 12 عامًا، ومنذ عام 2003 إلى الآن عاش احتلالًا مزدوجًا ومركبًا، وبتدخلات خارجية عميقة، من جهة قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية وقوات التحالف الدولي، ومن جهة وجود إيراني وذراع إيراني مؤثر في العراق بحيث أصبحت الدولة العراقية والحكومة العراقية والمؤسسات العراقية منشطرة بين هذين الاتجاهين، وضاعت الهوية الوطنية العراقية، وضاعت الوحدة الوطنية العراقية، في ظل هذه التجاذبات الخارجية الخطرة، إلى درجة أن عملية التنمية ظلت معطلة طوال هذه السنوات. العراق وصل عام 1978 إلى أن يفاخر بأنه وضع حدًا للأمية، وكاد يقضي عليها وفقًا لليونسكو، وتقدم في ميدان التعليم، وفي ميدان الصناعة والزراعة والبعثات وغير ذلك، لكن الانحدار بدأ منذ الحرب العراقية الإيرانية، وإلى اليوم نحن لم نخرج من هذه الدوامة.
يمكن بناء سورية غدًا، وبناء اليمن، وبناء ليبيا، ولكن كيف يمكن بناء الإنسان؟ بناء الإنسان هو الأساس، ولا يمكن أن يحدث أي تحول من دون الإنسان، لذلك أقول مرةً أخرى، إن الأمر يحتاج إلى تراكم، ربما طويل، وبنفس طويل، وبرؤية بعيدة المدى، وبالتراكم يمكن أن يُعاد بناء الإنسان، وأن تعاد التنمية المستدامة.
 

26
المنبر الحر / الحزبية والحزبوية
« في: 20:05 19/05/2021  »
الحزبية والحزبوية
عبد الحسين شعبان
توقف "جون بول سارتر" عند ظاهرة  "افتراق السياسة عن الفكر"، حين عبّر عن ذلك بما معناه، هل يجب أن أقول الحقيقة، فأخون البروليتاريا أم يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟
وكانت جامعة أكسفورد قد نظّمت ندوةً في العام 2003 في إطار "مشروع دراسات الديمقراطية" حول "الديمقراطية في الأحزاب الثورية"، وفيها قدّمتُ بحثاً بعنوان "حين تزدري السياسةُ الفكرَ"، خلاصاته كيف يتم تبرير التجاوز على المبادىء والأفكار بزعم الضرورات السياسية والحزبوية، وإذا كان هناك من حاجة ماسّة ومستمرة لتكييف الفكر كي ينسجم مع الواقع، وهو ما نُطلق عليه البراكسيس، فإن ذلك لا يعني تعارضهما أو تعاكسهما، بل توافقهما وتقاربهما.
لقد فقدت الأغلبية الساحقة من الأحزاب السياسية في عالمنا العربي ألقها الذي كانت تتمتّع به في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتدريجيًا أخذ لونها يبهت وصوتها يتحشرج ووهجها يخفت، وهو ما أظهرَته بشكل صارخ حركة الاحتجاج الواسعة التي أُطلق عليها "الربيع العربي" قبل عقد من الزمان، والأمر يعود لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.
الأولى تتعلّق بانتهاء الصراع الأيديولوجي بشكله القديم وتبدل ظروف الحرب الباردة، التي توجّت بهدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989.
الثانية تتعلق بفقدان الحماس الشعبي وعزوف الشباب عن الانخراط في صفوفها، إلى درجة أصبح بعضها منتدًى للمسنين والمتقاعدين الذين يعيشون في الماضي، وتحوّلها إلى أحزاب محافظة وتقليدية.
لعب العاملان الموضوعي والذاتي دورهما في الحال التي وصلت إليها الأحزاب القديمة، القومية والشيوعية، إضافة إلى الأحزاب الدينية، بل أن بعض الانتقادات التي كان يوجهها بعضها إلى الآخر وقع هو فيها، من المحسوبية والمنسوبية والفساد والتسلّط، فهي لا تتورّع من التزوير أو تسكت عنه أو تمالئ أحياناً إذا كان يأتي إليها بمنفعة أو لبعض المحسوبين عليها. فالعلماني أصبح طائفياً والطائفي أخذ يتحدّث بالدولة المدنية والقومي  والأممي لم يجدا ضيراً من قبول التعامل مع قوى خارجية، بل إن العديد منهم انكفأ ليصبح محليّاً، بل متذرّراً في هوّيته الفرعية، فهذا يتحدث عن المظلومية التاريخية، وآخر يتناول حقوق "المكوّن" وثالث يضع انتمائه الإثني فوق الانتماء الوطني، كما دخلت إليها العشائرية والوراثية.
لم تستطع هذه الأحزاب لأسباب القمع المعتق الذي كانت تتعرّض له وعمليات الإلغاء والاستئصال والتهميش وشحّ الحريات بالدرجة الأساسية أن تتنفّس هواءً ديمقراطيّاً، لا سيّما استمرار نهج الاستبداد لعقود من الزمان، ولأسباب فكرية وعملية، لم تتمكّن من تقديم بديل مقبول، بل استخدمت الأساليب نفسها في الكثير من الأحيان، في معادلة ملتبسة، ظلّت تطرح أسئلة عديدة: هل المعارضات وجه آخر للسلطات؟ فإذا كانت رحيمة وسَمِحة، فستراها عقلانية وسلمية، والعكس صحيح. وتلك واحدة من مفارقات السياسة.
ولأن الأحزاب عانت من اختلال العلاقة بين الأعلى والأدنى، والأغلبية والأقلية، وغاب عنها حرية التعبير بزعم المركزية ووحدة القرار، فقد احتجب النقد والنقد الذاتي، وعانت من مركزية بيروقراطية صارمة واتكاليّة وتعويليّة فكرية مهيمنة، الواضح في أحزاب السلطة والمعارضة، حيث تكرّرت الانقسامات والانشقاقات وحركات الاحتجاج  لقمع الرأي الآخر.
والأكثر من ذلك، فإن الحزبوية تقدّمت على الهُويّة الوطنية في الكثير من الأحيان، بزعمها أن الحزب متقدّم على الوطن، وفي الكثير من الأحيان، تمّت التضحية بالعديد من أعضاء الحزب ذاته ومن أخلص الوطنيين بسبب النهج الأُحادي الإطلاقي بتبرير ادعائها امتلاك الحقيقة والأفضليات، علماً بأن أية أيديولوجية مهما كانت إنسانية فإنها لا تمنع من ارتكاب جرائم أو انتهاكات بحجة مصلحة الحزب المتقدمة على مصلحة الوطن والأمة، وفي تاريخنا العربي مثلما في التاريخ العالمي هناك أمثلة على مجازر ارتُكبت بحق قيادات وكوادر، بل وشعوب اقتيدت إلى النحر بحروب ومغامرات، لتحقيق مصلحة الحاكم أو الزعيم أو المسؤول، إما لعنعنات أو لجهل أو لسوء تقدير.
وغالباً ما دخلت حزبويات في صراع تناحري كان الوطن فيها هو الضحية، خصوصاً في ظل شحّ حرية التعبير ونظام الطاعة والهيمنة والأبوية الذي يستمد قاعدته من أيديولوجيات شمولية ظلت تحكم الأحزاب من داخلها، وحكمت المجتمع من خارجه، وأدّت إلى كوارث هائلة.
لقد تربّت النخب الحزبوية في أجواء السرية والحرمان والفاقة وحين اقتربت من السلطة، أية سلطة،  فرّغت الكثير من عقدها للتعويض عن ذلك، مستخدمة أساليب من أشدها قسوة وفظاظة إلى أكثرها مكراً وخبثاً، الأمر الذي يحتاج إلى إجراء مراجعةٍ نقدية للسياسة الحزبية والحزبوية السياسية، والهدف أنسنة الحياة السياسية.
ومن العبث أن نحاول مدّ الوقائع لتكون مطابقة لسرير بروكرست، حسب الميثولوجيا اليونانية، حيث يسعى الحزبوي لجرّ صاحبه حتى يهلك إذا كان السرير طويلاً، أما إذا كان صاحبه أطول فيعمل على اقتطاع أرجله لتأتي تصوّراته ونزعاته الإرادوية متطابقة مع الواقع. وفي كلا الحالين فالخسارة فادحة، ولا بدّ من الإقرار بذلك والتعامل مع الواقع كما هو، لتجنيب البلاد صراعات لا طائل منها، وخصوصاً التنكر للحقيقة. وتلك إحدى المعضلات التي تواجه المثقف الحزبي والسياسة الحزبوية.

27
المنبر الحر / دكتاتورية السوق
« في: 22:26 12/05/2021  »
دكتاتورية السوق
عبد الحسين شعبان
شهدت نهاية الثمانينات من القرن الماضي تحوّلاً كبيراً في العلاقات الدولية، توّج بانهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، الذي كان إيذاناً بانتهاء عهد الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وولادة ما سُمّي بـ "النظام العالمي الجديد"، بقيادة الولايات المتحدة، وقد تجاوز هذا التغيير الجوانب السياسية والثقافية ليمتدّ إلى الحقل الاقتصادي والاجتماعي في إطار ما أُطلق عليه "نظام العولمة".
والعولمة في أبسط تعريفاتها تعني: تيسير انتقال المعلومات والسلع والأموال والأفكار والعادات الاجتماعية والثقافية من الدول الصناعية المتقدّمة إلى أنحاء العالم، الأمر الذي يترتّب عليه انفتاح الأسواق وزوال الحواجز الجمركية وتقليص نفوذ الدولة الوطنية، لا سيّما في ظل الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتيل"، والتي حقّقت تقدّماً هائلاً وغير مسبوق في مفهومَي الزمان والمكان، بحكم تحوّل العالم إلى "قرية صغيرة" متفاعلة على نحو متشابك، خصوصاً في الطور الرابع من الثورة الصناعية.
وأصبحت النيوليبرالية المرجعية الفكرية للعولمة، التي تقوم على عناصر عديدة أساسها اعتبار السوق الكيان المهيمن للرؤية الاقتصادية على نحو شبه مقدس وحرية تكاد تكون شبه مطلقة، وذلك بتحرير أسعار السلع والخدمات وخصخصة المجالات الحكومية ومشاريع القطاع العام، وإعادة النظر في دور الدولة لجهة إلغاء بعض واجباتها السابقة في رعاية المواطنين وتخلّيها عن دورها الاجتماعي والاقتصادي من جهة، وإلغاء وظيفتها في ضبط السوق، بتوسيع مجالها في حريّة انتقال السلع والخدمات والأفراد بلا مجهود من الداخل والخارج، أي بإغفال البُعد الاجتماعي لمفهوم العدالة واعتماد البقاء للأقوى اقتصادياً، وهكذا يصبح السوق في خطاب العولمة السياسي والثقافي هو الأساس.
والأمر لا يتوقف عند الجوانب الاقتصادية والسلع المادية، ولكن يمتد إلى الأبعاد الثقافية العميقة في التشكيل النفسي والقِيَمي للإنسان والمجتمع. وهكذا فالعولمة لا تستهدف الهيمنة الاقتصادية فقط، بل إنها تسعى لوضع اليد على الأنساق الثقافية المختلفة، وصبغها بلون مجتمع السوق، بحيث يتحدّد كل شيء في المجتمع بسعر السوق، حتى القيم الإنسانية والعلاقات بين البشر، لا سيّما تحت تأثير الإعلام الضخم والمفخِّم، ووسائل التواصل الاجتماعي. وكان فرانسيس فوكوياما المنظّر الأمريكي من أصل ياباني قد بشّر بذلك بكتابه: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، معتبراً نمو الليبرالية الغربية الشكل النهائي لنظام الحكم.
واستندت ثقافة العولمة على أربع محاور أساسية وهي: نمط الاستهلاك وثقافته،  ونموذجها الأول: في الطعام المكدونالد، وذلك عبر دعاية غير مسبوقة. والثاني: ثقافة دافوس، القائمة على نخب من رجال أعمال وطامحين لبلوغ القِمّة، والثالث: ثقافة العقل أو النادي الثقافي، وأساسه شبكات أكاديمية ومؤسسات غير حكومية أو ما يسمّى بـ "المجتمع المدني"، المتأثر بالأفكار التي تروّج إليها المؤسسات الغربية وأيديولوجياتها غير البريئة، والرابع: الحركات السياسية المتأثّرة بالغرب والانفتاح، والداعية إلى مفاهيم عابرة لـ الوطنية والسيادة والاستقلال وحق تقرير المصير ومفاهيم العدالة الاجتماعية.
واعتمدت  الليبرالية على أدوات استخدمتها بشكل مؤثّر وفاعل مثل: الشركات المتعدّدة الجنسيات أو ما فوق القومية، والمؤسسات الاقتصادية العالمية، كـ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحكومات الدول الكبرى وأدواتها مثل اتفاقية التبادل التجاري الحرّ والمناطق الحرّة وبرامج إعادة الهيكلة، إلى درجة أن الليبرالية الجديدة فرضت نفسها كفكرة مسيطرة وقوة مهيمنة متجاوزة الهوّة بين الشمال والجنوب، وبين الدول الغنية والفقيرة، وأصبح انتقال اللاجئين من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني أحد مظاهر التغيير من دون أن تتهاون في مساعيها لاستتباع الدول والشعوب تحت مزاعم مناهضة الإرهاب الذي هو نتاج للتعصب ووليده التطرّف والعنف، وتحت شعار محاربته، تعمل على تأمين مصالحها، ولا سيّما بالهيمنة على الموارد الطبيعية وتأمين سيطرتها الاستراتيجية وحماية حلفائها.
وتناست الليبرالية شعاراتها التي بشّرت بها في الثلاثينات بالانتقال من دولة الحماية ودولة الرعاية إلى "دولة الرفاه" وفق النموذج الكينيزي، لأنها أصبحت تهدد المستقبل. ولعلها كانت مجرد "تراجع تاكتيكي" أيام الحرب الباردة، ورضوخاً لبعض مطالب الحركة الشعبية والعمالية في البلدان الرأسمالية.
هكذا سيكون غالبية سكان العالم خارج إطار المنافسة، لأن العولمة بطبيعتها تنحاز إلى الأغنياء على حساب باقي فئات المجتمع، فيزداد تركيز الثروة في أيدي الأقلية وتتسع الهوّة بين البشر، تحت عنوان البقاء للأصلح استناداً إلى نظرية داروين وتهميش الأقل قدرة، أي نزع البعد الأخلاقي عن عملية التنمية بحيث تصبح قوى السوق مساوية لقوى الطبيعة، وعلى الجميع الإذعان لها والتكيّف مع قوانينها، فلا مكان للتخلّف والفقر في هذه الغابة اللّاإنسانية، وذلك ما ينعكس اليوم على الصراع الأميركي - الصيني.
وإذا كان هناك وجه آخر للعولمة يقوم على عولمة الثقافة والحقوق والتكنولوجيا، لكن قوى السوق وديكتاتوريته ستشكّل رادعاً لعدم التراكم والتأثير على مسارها، بحكم جبروتها الاقتصادي ووسائل الإعلام الضخمة، التي تملكها، إضافة إلى ترسانة السلاح في إطار تقسيم ظالم وأنماط استهلاكية سريعة وموحّدة. فحتى الأحلام والأماني والأذواق والسلوك وأشكال الحياة ستكون منمذجة.



28
كوبا أمام مفترق طرق
عبد الحسين شعبان
طوى المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الكوبي (أبريل/نيسان 2021) صفحة طويلة من تاريخ كوبا "الثوري" امتدّت لأكثر من ستة عقود من الزمان حكم فيها فيديل كاسترو الزعيم التاريخي من العام 1959 ولغاية العام 2008، وأعقبه شقيقه راؤول كاسترو الذي تولّى منصب الأمين العام للحزب من العام 2011 إلى العام 2021، وقرّر الخلود إلى الراحة والتقاعد السياسي مفسحاً في المجال للجيل الجديد لتولّي المناصب العليا، لا سيّما بعد تعديل الدستور (ديسمبر/ كانون الأول 2018) الذي اعترف بالملكية الخاصة وإدارة مشاريع اقتصادية صغيرة للمواطنين وسمح للاستثمار الأجنبي.
اختار المؤتمر ميجيل دياز كانيل أميناً عاماً للحزب (60 عاماً) وكان قد شغل منصب رئيس الوزراء الذي استحدث في العام 2018. وهكذا يتم الانتقال بصورة سلمية وسلسة من "جيل الثورة" إلى "جيل الدولة"، فهل ستشهد البلاد تطوّرات جذرية أم أن التغيير سيكون عابراً؟
ولكي يُطمئن كانيل "الحرس القديم" غرّد عشية انعقاد المؤتمر قائلاً: "إنه مؤتمر الاستمرارية" مؤكّداً على أن الخطوط التوجيهية لن تتغيّر. وتعتبر كوبا إحدى البلدان الخمسة الشيوعية المتبقية في العالم (الصين، كوريا الشمالية، فيتنام، ولاووس)، وقد عانت من حصار أمريكي ومحاولات اختراق وإطاحة بسبب خيارها الاشتراكي، كما كانت أحد أسباب التوتر خلال فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ونجم عنها ما عُرف أزمة الصواريخ (أكتوبر/تشرين الأول 1962)، وظلّت هافانا مصدر قلق لواشنطن في عموم أمريكا اللاتينية.
ومع أن صحيفة "غرانما" الناطقة باسم الحزب، عنونت افتتاحيتها "مؤتمر كوبا ينعقد" مع صورة لفيديل كاسترو حاملاً بندقية، إلّا أن المؤتمر ناقش قضايا عقديّة كثيرة باحثاً عن "حلول انتقالية"، خصوصاً وأنها تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة ومزمنة، تفاقمت خلال تفشي وباء كورونا، إلى درجة أصبحت الشوارع خالية من السيّاح الذين كانوا يتوافدون إليها، وازداد نقص المواد الغذائية شحّة، والطوابير أمام المتاجر طويلة والأسعار مرتفعة ولم ينفع معها زيادة الرواتب، وبدأ نوع من التذمّر شهد احتجاجات لفنانين ومجموعات من المجتمع المدني استغلّتها المعارضة مستفيدة من العقوبات المتفاقمة التي تعاني منها.
وخلال العقد ونيّف الماضي حاولت كوبا أن تتوجّه بحذر وتدرّج باتجاه الانفتاح على الأنترنت والهاتف النقّال والاستثمار الخارجي محاولة الالتفاف على نظام العقوبات الأمريكي، المطعون به من جانب الأمم المتحدة، ومستفيدة من سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتخفيف من الضغوط التي تتعرّض لها، إلاّ أن مجيء الرئيس دونالد ترامب عطّل من مهمة تطبيع العلاقات بل مارس أقسى درجات الضغط عليها، ولا سيّما في العام 2019، حيث باشر بحجب أعداد السفن المتوجّهة إليها لغرض السياحة، وقام بـإغلاق وكالة "ويسترن يونيون" للتبادل المصرفي وتحويل العملات، حيث كان الكوبيون الذين يعملون بالخارج يقومون بإرسال المبالغ إلى أقاربهم.
حين صدر كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، 2011) جئت فيه على خمسة حروب عاشتها كوبا وانتصرت فيها، وبقي أمامها "حربان"، أولهما الحرية وثانيهما التكنولوجيا. وما لم تنتصر بهذين الحربين فإن استمرار الوضع على ما هو عليه سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالعالم متجه إلى الإقرار بالتعددية والتنوّع وتوسيع دائرة الحريات ولا سيّما حريّة التعبير، فلم تعد سياسة "الحزب الواحد" مقبولة أو منطقية، مثلما لا بدّ لها من ولوج عالم التكنولوجيا، إذْ ليس من المعقول بقاء الوضع على ما هو عليه. والتكنولوجيا تحتاج إلى رأسمال وهذا الأخير يحتاج إلى بنية تحتية وهياكل ارتكازية وإمكانات وتسهيلات، خصوصاً وأن سياسات الحصار الظالم جعلتها جميعها متهالكة ومتآكلة.
بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا 1923 ألقى لينين محاضرة قال فيها: إننا انتصرنا ولكن مَن يبني روسيا؟ أليس الرأسمال؟ وهذا لن يأتي إلا بشروطه وليس بشروطنا ولذلك ابتدع مشروع "رأسمالية الدولة".
ما ينتظر "جزيرة الحرية" ليس تغييراً فوقياً أو استبدالاً شكلياً، فهذا الشعب الذي اجترح عذابات لا حدود لها يحتاج إلى تغييرات جذرية، وإن كانت تدرجية في إطار التوجّه الاشتراكي، فــ كوبا جزء من العالم المتحرك وأرخبيلاته المفتوحة على بعضها، لا سيّما في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، فقد غاب القادة الكارزميون مثل كاسترو وقبله جيفارا واليوم تقاعد راؤول الذي عاش بجلباب أخيه. ويبقى أمام كارنيل السير بالدولة الاشتراكية بالتدرج ولكن بالضبط، نحو العلم والتكنولوجيا في أجواء أكثر حرية وانفتاحاً، في مراكمة ما هو متحقق في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والرياضية، في إطار مشروع "تجديد الثورة" وفقاً لمبادىء المشروعية الدستورية وحكم القانون وشرعية المنجز السياسي والثقافي، والتخلص من البيروقراطية الحزبية، كيما تكون كوبا أكثر قدرة في مواجهة التحديات "القديمة - الجديدة"، وأكثر ثقة بالمستقبل، خصوصاً بالعلم والتكنولوجيا. وكان بليخانوف الذي يسميه لينين "أبو الماركسية"، هو الذي قال أن حامل التغيير هو الأنتلجنسيا والتكنولوجيا، وذلك قبل قرن ونيّف من الزمان، وأعتقد أن هذا الرأي هو الأكثر انطباقاً على واقع كوبا الراهن.




29

شعبان في خصوصياته .. بعيداً عن الإنشغالات الفكرية قريباً من واقع الحال – أحمد عبد المجيد
مايو 1, 2021

  روحي في بيروت وان سكنت النجف في قلبي
شعبان في خصوصياته .. بعيداً عن الإنشغالات الفكرية قريباً من واقع الحال – أحمد عبد المجيد
الحب يأتيني كشلال ضوء ويكون له سلطان على القلب
مضى على آخر لقاء مباشر لي مع الدكتور عبد الحسين شعبان ، اكثر من 18 شهراً . رأيته في بيروت التي كانت تشع بأنوارها وتغرق بلون البحر ، الذي تحتضن امواجه كثيراً من الذكريات وتخفي اسرار ما كان يدور في حجرات فندق (سان جورج) ، وحديثاً في شرفات فندق فور سيزونز ، وفي احدى جولاتي مع الدكتور شعبان اطربني صوت فيروز المنبعث من مذياع سيارته ، فتذكرت ان المفكرين وكبار الباحثين بشر ايضاً ، تأخذهم العواطف الى تخوم الشباب وايام (الشقاوة) ، ولم يكونوا بالجدية التي هم عليها اليوم ، وبالانشغالات التي تصرفهم عن العناية –  احياناً –  بألوان اللوحة الماضوية التي هرب بريقها ، فتحول الى حلم باهت لا ملامح له ولا اثر .
* ما يجمع اساتذتي في الإعدادية طيبة القلب وحب التلاميذ
* شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
* استمع الى فيروز ووردة وام كلثوم وأستمتع بالموسيقى الكلاسيكية
* إحتفظت بعلاقة ودية بالبياتي يوم تعرفت اليه في القاهرة مطلع 1969
* انا تعددي بإستثناء فلسطين والفقراء
* الأسفار ثلاثة والأخيرة سفر  التيه والحيرة
* حب الناس سعادتي والعمل وأسداء الخير مصدرها الأساسي
* هاجسي لا يتجسد بشخص بل بظاهرة الغدر
* السيرة الذاتية شديدة القسوة لكنها ليست هتكاً للاسرار.
وقلت ، في نفسي ، ان هذا الرجل ، وانا صامت جالس الى جواره في المقعد الامامي في السيارة ، يعيش على اطياف من الذكريات ، لكن لا احد نبش فيها ولا حاول اخراجها من القمقم يقول الاديب اللبناني جبران خليل جبران (أحترس من ذكرياتك، فالوجع يزورك مرة واحدة ولكنك لا تتوقف عن زيارته). وغالبا ما يعمد الذين يجرون حوارات صحفية معه ، يستنطقونه بقصد استدراج فكره ورؤاه السياسية والفلسفية ، متناسين ان قلبه مازال ينبض ، وهو مفعم بالالم وسهر الليالي والحرمان ، وان ملائكة الحب تحوم حوله ، ولاسيما في خلوته او تحت تأثير كأس من النبيذ احتساه في ركن من اركان شارع الجميزة البيروتي ، الضاج بالحركة والعنفوان والمزدحم بالسكارى والصبايا . وعملياً فان شعبان دأب على اختيار زاوية عند مطعم شعبي اسمه (مشاويش مار مخايل) يضع مناضده على قارعة الطريق ، ويحرص شعبان على دعوة المقربين منه الى هذا المكان ، لنفض متاعب القدوم من بغداد او الشام الى المدينة التي اتخذها محطته الاخيرة بعد ان جاب مدناً وعاشر عواصم .
* * * *
بعض الاشخاص تتمنى لو انك لم تصادفهم في حياتك ، وبعضهم تتعرف عليه وتمضي معه رهطاً من حياتك ، ويمض وتمضي دون ان يترك في مشاعرك اثراً او في روحك بصمة . اما افضلهم على الاطلاق فهم الذين تهبط صداقتهم عليك من السماء ، فترتبط بعلاقة وطيدة بهم فيتركوا في روحك عطراً وفي نفسك شذى الوفاء والقصص الحميمة . وعبد الحسين شعبان من هذا الطراز . وذات مرة قلت له ، وانا على تواصل شبه يومي معه عبر الهاتف ، (دكتور .. اعاتب نفسي احياناً بالسؤال ، لماذا لم اتعرف اليك قبل عقود من الزمان ؟) . ويضحك معبراً عن سمات شخص نادر الوفاء يمزج المرح بصدق الكلام .
ويوم كنا نتجه الى (الجميزة) ، الشارع الذي يروق له وسط بيروت ، راودني فضولي الصحفي فرفعت عن علاقتنا بعض (الكلفة) واقترحت عليه اجراء حوار غير تقليدي ، ليس كعشرات وربما مئات الحوارات التي اجريت معه واتسمت بجدية مفرطة تنظر فيها الاسئلة الى الحياة وكأنها فواجع بشرية وعنف مفرط وثأر تاريخي حسب ، او كأنها تقتصر على رؤى ما ورائية ، لا حيوية فيها ولا صفاء انساني أو كما يظنون انها حكاية تراجيدية تكشف وجودنا البشري الضعيف . رأيت ان يكون حواري مع عبد الحسين شعبان ، الانسان والمفكر، صائد المفردات والمصطلحات والعابر من الكفاح بانواعه ، الى المرح واللا شقاء بانماطه والسخرية من الاقدار ، حلوها ومرها . وهكذا ولد جزء من هذا الحوار ، بينما كان شعبان يمارس رياضة المشي ، قرب انتصاف الليل ، على رصيف كورنيش بيروت ، تاركاً لساعة الكترونية يرتديها ، قياس خطوات المسافة التي يقطعها ذهاباً واياباً كل يوم ، اما الجزء الاخر فقد ولد في حضن الحجر الصحي من الجائحة ، بعد اشهر من بقاء الاسئلة في الادراج ، وسفر شعبان الى لندن ، لتلقي الجرعة الثانية من اللقاح ضد كورونا :
* ما الذي تركته من عقلك الباطن في النجف؟
–  الروح تسكن هناك، حتى وإن سكنت النجف في قلبي. وعلى غرار الموسيقار البولوني شوبان “العقل في باريس والقلب في وارشو”، أقول القلب في النجف والعقل مهاجرٌ. وإذا كانت باريس قد منحت شوبان الشهرة حيث تربّع على عرش البيانو والإبداع الموسيقي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، بعد باخ وموزارت وبيتهوفن، فإن وارشو منحته تلك الروح المتوهّجة، حتى توزّعت بين عشقه وموسيقاه.
* ما شكل الصف الدراسي الذي جلست فيه للمرّة الأولى؟
– مدهش بخشوع وناطق بالبهاء ومفعمٌ بأريج الأمل… إنه اللبُّنة الأولى التي قادتني لعالم المعرفة الشاسع والبلا نهايات.
* ما هو أول كتاب قرأته؟
– اعترافات أرسين لوبين “اللصّ الظريف”، ولاحقاً عرفت أن المؤلف هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.
* ما هي أول قصيدة حفظتها؟
– ربما للشاعر معروف الرصافي التي يقول فيها:
أنا بالحكومةِ والسياسة أعرف/ أَأُلام في تفنيدها وأعنّف
عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ/ كل عن المعنى الصحيح محرّفُ
* ما هو أول وجه رأيته وما زال عالقاً في عقلك ووجدانك؟
– وجه الوالدة المنير نجاة حمود شعبان ووجه الوالد المشرق عزيز جابر شعبان، وحين أستعيد المشهد، فكأنهما انفلقا عن تكوينٍ واحد، وأصبحا جسمين ولكن بروح واحدة.
* صف لي معلماً تأثّرت به؟
– سأصف لك ثلاثةً لأنهم يكمّلون بعضهم البعض:
الأول – عبد الرزاق الساعدي، وهو أوّل مَن علّمني فك رموز الحرف (الصف الأول الابتدائي).
والثاني – رؤوف الشيخ راضي، الذي حبّبني باللغة العربية وبدرس الإملاء (الصف الثالث الابتدائي) وكلاهما في مدرسة السلام.
والثالث – الشيخ يحي الجواهري وهو أحد المتمكنين من اللغة العربية وفقهها، وقد درست على يديه في الاعدادية: النحو والصرف والاعراب وكتابة الشعر (الصف الرابع الثانوي).
وكان الأول سمحاً جداً، والثاني حازماً جداً، والثالث عصبياً جداً، وما يجمعهم طيبة القلب وحبّ تلاميذهم وتفانيهم من أجل تعليمهم.
* أي الطيور أحببتها في صباك ولماذا؟
– الحمام والبلابل والعصافير وما زلت أحبّها لأنها أليفة وتغريداتها جميلة.
* ما الذي يُذكّرك بامرأةٍ شغفت بها؟
–  رائحتها وابتسامتها وغنجُها.
* هل تستمع إلى أغنيات الريف، ومَن هو مطربك الريفي الأول؟
– أحياناً… أحب الاستماع إلى مطرب الريف الأول داخل حسن، ثم إلى المطرب الشعبي للأغنية الحديثة الياس خضر.
* ما أنواع الموسيقى التي تستمع إليها؟
– الموسيقى الكلاسيكية وبشكل خاص سمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي ودفورجاك… وبالأخص أحب الاستماع دائماً إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن، والسمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، والسمفونية الرابعة  لدفورجاك.
* وأي المطربين تستمع إليهم عادةً؟
–  فيروز بالدرجة الأولى، وأحب الاستماع إلى عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ووردة الجزائرية.
* لماذا تميل إلى الشاعر الجواهري من دون سواه؟
–  أميلُ إلى الأدب بشكلٍ عام والشعرُ بشكلٍ خاص، وميلي إلى الجواهري الكبير لأنه أحد أبرز أركان الشعر الكلاسيكي في القرن العشرين، بل آخر عمالقته. وهذا الميل محكوم بالذائقة الشعرية من جهة، وبالعلاقة والصداقة التي ربطتني مع أبو فرات لنحو ثلاث عقود من الزمان من جهة أخرى. وقد سبق لي أن قلتُ وقبل التعرف المباشر على الجواهري أنه عاش في بيتنا (لأن كلُّ ما يخصّه وما كان ينشرُه من قصائد ودواوين وما يكتب عنه موجود في بيتنا، ويتداوله الأعمام والأخوال) كما كان معنا في مدرستنا الخُورنَق حيث كانت قصيدته التي حيّا فيها ثورة 14 تموز/يوليو 1958 مفتتح فصلنا الدراسي الأول، وهو موجود في مدينتنا النجف (واقعاً وليس مَجازاً) حيث نشأ فيها.
وللأسرة الجواهرية مكانة علمية منذ جدّه الأقدم محمد حسن صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرائع الإسلام”، الذي اكتسبت منه الأسرة إسمها.
والأكثر من ذلك أننا عشنا في مدينتين حبيبتين لسنوات عديدة هما براغ في السبعينات، ودمشق في الثمانينات، وكنا على تواصلٍ مستمر، مثلما التقينا في لندن في التسعينات.
وقد أصدرتُ عنه كتاباً بعنوان: الجواهري في العيون من أشعاره” في العام 1986) بالتعاون معه)، كما أصدرتُ عنه كتاباً في العام 1997 الموسوم “الجواهري – جدل الشعر والحياة” (طُبع ثلاث طبعات).
* وماذا عن علاقتك بشعراء آخرين؟
–  احتفظت بعلاقة ودّية مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرّفت عليه في القاهرة في مطلع العام 1969 وبلند الحيدري حيث عملنا معاً في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضواً في المجلس الاستشاري، وكذلك بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النواب والشاعر كاظم السماوي والشاعر رشدي العامل والشاعر والروائي فاضل العزاوي، كما ارتبطت بصداقة مديدة مع الشاعر سعدي يوسف، وهو “شاعر التفاصيل الصغيرة”، وقد غيّرت قصيدته منذ مجموعته الشعرية “الأخضر بن يوسف ومشاغله” 1972 ذائقتنا الشعرية، وآمل أن يتسع الوقت للكتابة عنه وهو المبدع الذي لا تُدرك بوصلته، وهو في نظري أحد أبرز شعراء الشعر الحديث بعد بدر شاكر السيّاب  وجيل الروّاد، ويشكّل مع محمود درويش وأدونيس أهم ثلاث شعراء عرفتهم اللغة العربية، منذ ستينات القرن الماضي، علماً بأنه غزيز الانتاج، شعراً وترجمة ونقداً، إضافة إلى رواية واحدة بعنوان “مثلث الدائرة”، وعشرات الدراسات ومئات المقالات.
كما كانت علاقتي وثيقة بعدد من الشعراء الشعبيين مثل شاكر السماوي وعزيز السماوي وكاظم اسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف.
وأود هنا أن أنوّه إلى العلاقة المتميّزة مع عشرات من الأصدقاء من جيلنا والجيل الذي أعقبنا  وهم شعراء مرموقون، وبشكل عام اطلعت على الشعر العراقي بمدارسه المختلفة.
* كيف شربت كأسك الخمري الأول؟
–  مثل الريح الخفيفة المعطرة والمنعشة، وما زال طعم الكأس الأول لذيذَ المذاق وأشتاق إليه.
* هل تحنّ إلى صديق قديم أَثير إلى قلبك؟ من هو؟
– السيد صاحب جليل الحكيم صديق العمر والشيوعي الأول والأنقى متمنياً له الصحة وطول العمر.
* عدّد لي ثلاث صفات تتمنّى في كل إنسان؟
–  الشجاعة والأمانة والوفاء، وهي منظومة متكاملة وأي اقتطاعٍ لجزءٍ منها يخلُّ بالآخر.
* أيام السجن، ماذا كان يشغل بالك فقط؟
–  لم أسجن. بل اعتقلت عدّة مرات، وما يشغلني كان وما يزال هو المستقبل.
* أيّهما أقرب إلى قلبك… ابنتيك أم زوجتك؟
–  الإبنتان قطعة من قلبي وروحي، والزوجة من خارجه، ويمكن أن تدخل وتخرج، وهكذا هي الحياة. وتبقى مكانة الأبناء متميّزة.
* ماذا يمثّل الشقيق بالنسبة إليك، وهل وجدته فعلاً فيه؟
– التكامل والوفاء… نعم هو ما وجدته فيه.
* أي البلدان أحبّ إلى نفسك؟
– أنا تعددي كما تعلم باستثناء فلسطين والفقراء فأنا أحادي كما قال صديق عني. فبعد العراق (النجف وبغداد، الروح ومسالك الطير) الأقرب لي هي سوريا، وفي دمشق المدينة الناعمة كحرير الصين كان تكويني الثاني، وقد كتبت عنها نصاً أدبياً بعنوان “الشام هي التي علّمتني حب الصباح”، وأنا أردّد دائماً أنني “سوراقي”.
أما بلاد التشيك، ففي براغ تتقاطع طرق الحب وتلتقي جداوله، وكتبت نصاً أدبياً عنها بعنوان “براغ وثمة عشق”، ويبقى لبنان مانحاً الحواس عطراً وجمالاً، حيث الخزامى واللافندر، وفي بيروت يتجدّد العشق، هكذا هي أرخبيلاته وشواطؤه، وقد كتبت نصاً أدبياً عن بيروت حين تم تكريمي من الحركة الثقافية في أنطلياس.
* ألهذا السبب أنت في بيروت؟ ولماذا غادرت لندن؟
–  بيروت أقرب إلى المزاج، وأكثر دفئاً وألفة وحميمية، وهي ملتقى المثقفين والمنفيين والصعاليك والعشاق، أما لندن فرغم أيجابياتها خصوصاً الحرية والأمان، فإنها أبعد وأبرد، إضافة إلى ارتباطي بعقود عمل جامعية في بيروت منذ سنوات طويلة.
* أنت كثير الترحال والأسفار.., أيهما تفضل ركوب البحر أم البرّ أم الجو؟
–  حسب ابن عربي فالأسفار ثلاثة:  “سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه”، وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وهو لا معنى له، وسفري شخصياً هو سفر الروح التي ظلّت معلّقة هناك، وهكذا تراني هائماً وغير مستقرّ، مرتحلاً مع كتبي وأسبابي ولواعجي.
وفي السفر فوائد كثيرة، فإضافة إلى المغامرة والاكتشاف ففيه الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها. وهو تمنحك مرونة في التعامل مع الآخر، وقدرة أكبر على التسامح والتواصل والصداقة وكل ما هو مشترَك إنساني. وفي السفر اكتشاف للذات أيضاً وحسب الإمام الشافعي ففيها تفريج همٍّ، وقد يكون طلب علمٍ.
* ما أحسن رواية قرأتها؟
–  دونكيشوت لسرفانتس، وهي مصنفة من أعظم الروايات العالمية.
* ومن هو أعظم روائي؟
–  أستطيع القول دوستويوفسكي وتولستوي وماركيز. وهؤلاء من أفضلهم.
* وأفضل روائي عربي؟
–  نجيب محفوظ بالطبع، كما يعجبني عبد الرحمن منيف.
* وماذا عن أفضل روائي عراقي؟
–  أحب قراءة غائب طعمه فرمان ويشدّني فؤاد التكرلي وأستمتع بقراءة شمران الياسري “أبو كاطع”، وأقصوصاته وحكاياته.
* أي همٍّ يغمرك بالألم والأسى والحزن؟ وكيف تستطيع الهرب من انشغالاته؟
– أكبر الأحزان هو الظلم على المستويات كافة، وأشعر براحة نفسية حين أنتصر لمظلوم أو أساعد ضحية، وكم كنت منسجماً مع نفسي حين تمكّنت من مساعدة لاجئين فارين من العراق أو من عدد من البلدان العربية.
* مرأة… صحيفة… أم صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
– تعدديتي متواصلة مع الكتاب والمرأة والنبيذ ورياضة المشي والصديق وهي متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة، يكمّل بعضها بعضاً.
* ماذا تقول في الصداقة والصديق؟
– حسب أرسطو: الصديق إنسان هو أنت… إلاّ أنه بالشخص غيرك. والصداقة أفضل العلاقات الإنسانية. وأساسها كرم العهد والتضحية.
* هل أنت سعيد وما أبرز سمات السعادة في رأيك؟
– نعم سعيد جداً، وحبّ الناس وحب العمل وحب الخير هي مصدر سعادتي الأساسية.
* أي أغنية تطاردك أينما حللت؟
-أغنية الياس خضر والتي هي من ألحان طالب القرة غولي والكلمات قصيدة لمظفر النواب:
روحي ولا تگـلها شبيج ..وانت الماي
مگطوعة مثل خيط السمج روحي
حلاوة ليل محروگة حرك روحي
وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي
ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت
گالولي عليك هواي
ياثلج اللي ما وجيت
وأحياناً أغنية سعدون جابر وألحان كوكب حمزة، والكلمات للشاعر زهير الدجيلي:
عيني ياعيني ياهوى الناس
قداح وشموس وعصافير
ياليل ومعاشر نواطير
مرات ياخذنه الهوى اثنين
مرات تحضنه البساتين
ومرات تنسانه الدواوين
ومرات نسأل عالوفه وين
لكن هوانه .. هوى الناس
* والأغاني الأجنبية؟
– أغنية فرانك سيناترا Stranger in the night.
وأحياناً أغنية كارل غوت المغنّي التشيكي O MAMI وهو المعروف بصاحب “الصوت الذهبي”.
* وأنت تقود سيارتك هل ندمت على عدم الوقوف إزاء مشهد صادفك؟
– نعم، حين يعتدي رجل على امرأة تسير معه وسط الشارع أو يعنّف أحدهم متسوّلة سورية اقتربت منه، وهي التي قذفتها ظروف الحرب والحصار إلى الهجرة.
* هل ثمة شبح يطاردك أحياناً؟ صف لي شكله أم هواجسك منه؟
– لا يتجسّد بشخص، بل بظاهرة هي الغدر، وهي وسيلة الجبناء، ومنعدمي الضمير.
* كم مرّة وقعت بالحب؟
– لا يوجد تصنيف للحب وليس ثمة أرقام أو أعداد بالنسبة لي. الحب واحد، فقط تتقاسمه عدّة نساء، ولكل امرأة زمانها ومكانها، وحتى وإن تداخلت الأزمنة والأمكنة أحياناً، فيبقى الحب واحداً، وهو الذي ينتصر.
* وماذا عن الحب الأوّل؟
– لا يوجد حب أول وحب أخير، فكل حب هو أول بالنسبة إليّ، والحب واحد تتقاطع فيه الطرق وتتقارب المصائر وتتشابك العواطف وتختلط الأحاسيس.
* ما علاقة القلب والعقل بالحب؟
– العشق بالقلب وهو بالعين أيضاً، وحسب بشار بن برد بالأذن أحيانا، والقلب والحاستان أول العاشقين، أما العقل فهو يؤنسن العشق ويؤطره، فليست كل عين ترى، على حد تعبير ابن عربي، ويمكن القول وليست كل أذن تسمع.
وهكذا فالعشق ندى الروح وعطر القلب.
* كيف يأتيك الحب؟
– مثل شلال ضوئي وسرعان ما يكون له سلطان على القلب وفيه تتطهّر الروح، ويدخل العقل في حوار مع القلب، واتحادهما على موقف موحد، يبعث في المرء نوعاً من الطمأنينة والرضا، وحين أكون في مثل هذه الحالة تراني أنام بعمق، وأتنفس بعمق، وأعمل بعمق.
* هل هناك دين متسامح وآخر غير متسامح.
– الأديان أكثر رحمة وتسامحاً من البشر، والإنسان هو من يحاول أن يوظّفها باتجاه الشر والتعصب والتطرف والعنف والارهاب.
* هل تؤمن بالله؟
– علاقتي بالسماء قوية، وتأتيني إشارات غامضة باستمرار وأشعر معها بالطمأنينة والسلام، وكل ذلك خارج دائرة الطقوس والشعائر والغيبيات، وإنما هي علاقة روحية وجدانية عقلية.
* متى تكتب سيرتك الذاتية؟
– السيرة الذاتية شديدة القسوة على كاتبها وكذلك على القارىء وهي ليست هتكاً للأسرار أو انتقاصاً من الآخر أو فضحاً لخفايا النفس أو تلميعاً للصورة، إنها خلاصة تجربة قيمية وصميمية، وقد تكون فرصة للمراجعة خارج دائرة الإساءة للأموات أو إيذاء للأحياء. إنها فرصة تأمل وهدوء ونقد موضوعي.
* ماذا تتمنى؟
– أن يسود السلام واللاّعنف، وأن تنعم بلادنا العربية، بل والعالم أجمع، بالحرية والتنمية وأن نستطيع التعايش فيما بيننا على أساس المشترك الإنساني، وأن نسـهم كما كان أسلافنا في ركب الحضارة الكونية.




30
زيد الحلّي: شعبان على مائدة عبد المجيد
زيد الحلي
 شعبان، هو الدكتور عبد الحسين شعبان، الكاتب والمفكر المعروف، وعبد المجيد، هو د. احمد عبد المجيد الصحفي والاكاديمي، والمائدة هي اللقاء المهم الذي جمعهما على صفحات جريدة "الزمان" الدولية اليوم (الاحد 2/ 5 / 2021)..
ليس جديدا، القول ان فن الحوار الصحفي، هو من الفنون الصحفية الصعبة، والذين امتلكوا ناصيته، قلة قليلة من مبدعي الصحافة والاعلام، واعني هنا، الحوار الذي اكتمل بناؤه من جميع النواحي الاعلامية، فهو شيء من كل شيء، بمعنى انه يمثل روحية المقال الصحفي، وقوة التحليل، وفكرة العمود، وعمق الاستطلاع، وبلاغة الاسلوب، واستقصائية المعلومة، وامتلاك حدس الاستنطاق .. هو يشمل كل الفنون الصحفية .. ومن هذه المدرسة، تسجل ذاكرتي اسماء الأساتذة محمد حسنين هيكل في كتاباته الصحفية الخاصة بلقاءاته في صحيفة " الاهرام " وكتبه، وسليم الزبال في مجلة " العربي " الكويتية، ومفيد فوزي في التلفزيون، وغيرهم .
لقد وجدتُ في الموضوع الذي قرأته بشغف على صفحات جريدة" الزمان" اشراقة ضوء في مفهومية الرؤية الصحفية ، تمثلت بأركان إعلامية ، تمنيت ان تسود صحافتنا، بعيدة عن الطريقة، المتمثلة بوضع السؤال وانتظار الجواب عليه كما يتم حاليا، فكتابة اللقاء الصحفي عملية مركبة، إن لم نحسن ادارتها، فإنها تكون مجرد اسقاط فرض، او سدا لمكان في صفحات الجريدة .
لقد سبق ان نوهت في كلمة سابقة، الى اسلوبية د. احمد عبد المجيد في كتابة اللقاءات المهمة التي اجراها ويجريها، وهي اسلوبية تتجه إلى غربلة الحقائق الملتقطة، ضمن تحليل منطقي يتلمس خطوطها بأمانة وثقة، وربط المقدمات بالنتائج بخيط دقيق لا يكاد يستبين، مؤلفا ما بين أطراف الكلمات المبعثرة، متدرجا من التفصيل إلى التركيز ومن التركيب إلى التحليل.. وهذا برأيي المتواضع هي الصيغة المثلى لهيكلية اللقاء الصحفي ..
شخصيا، ارتبط بوشيجة عالية المتانة مع الدكتور، المفكر د. عبد الحسين شعبان ، ومن النادر ان لا نتكلم اسبوعيا مرة او اكثر عبر الهاتف، وحواراتنا الشخصية، هي عمق الاعماق في فهم الرؤى، ومكنونات الظروف، لكن والحق يقال، ان د. احمد عبد المجيد، سبر اغوار د. شعبان، وقدم لي، انا القريب من الاثنين، طبقا لذيذا من المعلومة، من خلال حوار صحافي حقيقي، كان استنطاقاً صامتاً، وتوضيحاً لغوامض وكشف مجاهل، وتصوير ما خفي بإطار الحقيقة .
فرحتً بالحوار جدا .. فهنيئا لكما د. شعبان ود. احمد، والتهنئة الاهم للقراء الذين شاركوا مائدتهما .
 
زيد الحلّي


31
تحلّى الحوار الي أجراه الزميل د. أحمد عبدالمجيد مع د. شعبان والمنشور في جريدة الزمان عدد يوم " الاحد " 2 مايس /2021 بنكهة وخزات إنسانيّة أنستْ " عبدالحسين " محنة أن تتلبس الإنسان المعرفة  والفكر صِرفاً  و قد تحيله – في كثير من  أحايين -  حجراَ...
" لو أن الفتى حجرُ "
                      طرفة بن العبد
شعبان في كنف الزمان
حسن عبدالحميد
مَاهيتَ في طلعِ نَ خيل عُمركَ ...طفلاً حاسر الوعي  تذاهل يهيمُبحثا ًعن " عبدالحسين" عسى تُعيد له سلالة الروح ...  سخي لك  البوح المترامي في أصقاع النسيان  ... كُنتَ كما طيف قديس شاء  يزف الشارة لكل من يلقاه...
سِرتَ مع الذكريات مسرى الريح ...نسيماً كانت أم هدير غضب...حتى كنتَّ تنقط عسلاً في أجساد نساء تلك الريح ... إريتنا بعض مَلامحهِن... في حواركَ" الثوريّ " هذا مع أحمد عبدالمجيد...في كنف الزمان- الجريدة ،وانت تتهامس لمساً لذكاء عاطفي – رومانسي الهوى ، و الهول
حوت ما لم تحويه إجاباتك   من قبل جُلّ حوارتك...
تقدّمك الإنسان فيه بخطوات قلب ناصح...كما لو كان حبيس انشغالاتك.. وزلازل افكارك... ونجوى رؤاك...و سخاء همومك على مدى ما عشتْ
تسامرت مع نفسكَ وكنت في الوجدان تمرح...بل وتغني كما ليلٍأفاق على كأس فارغة...لم تشفع ملأها موسيقى شوبان
هكذا... وبمنزلة ودِ سحيق  ، وجدتُ فيك الإنسان يتسلّى طفولةً ...وإنتشاء رخيماً ،  و تشاء مع الكثير من خرق جدار الوصايا...و " تحطيم المرآيا " ربما وصولا للعقوق الذي زاحم المنطق..حتى خَرّالأخير صريع أمالآك... ما برِحت  تتحققّ ... وإن صحت كسلى...والغير منها لم يزل ينوء بهاخارج  أفلاك  الرؤيا...
هكذا يتحكّم  فيك الوضوح ،  فيما الخفايا و الهدايا تستعر حين ينبش أرضها محاور لَحوح يَصرّ  على فضح ما كنت يريد ُ أنت ان تقوله ...بعد أن أشقاكَ  كتمانه... نِير ضغط الظروف و ما يُحيك و تنسج  ... على  منوال هديّ ما سارت عليه  أيام الحياة..
تمتعثُ بأثر تأثير الصدفة... متى تجدُ  نفسها في قيافة سؤال ملحاح كأستحقاق دين قديم طال زمن سداده..
هكذا نلمس شغاف العقول المجاهدة ، تعدل على معاندة واقع ألمها الممض...تستجير محلّقة باجنحة من غبش طفولة...وكُحل أحلام حب ٍّ ما أن يفيق حتى يتوسده طفح  حُلم أخر...
أتممني حوارك بزهاء أحمد... جرعة من  نزعة و فزعة ما كنت أحيا أن أراك تقيّاً ، راهباً بمحراب هذا البهاء وأنت تستذكرُأ ما ختزنت ذاكرتك ...تستجلب  منها  لتحيي  بعض رفات ذكرياتك ...و لو على أقل من مهل جريان نهر الأيام والأماني وخسارة العمر رخيّا حين تحياه وحيداً... مكدوداً ،،، مكتظاً بحشود محبيك...النبلاء منهم ، والفقراء  من أقرانك  ،أؤلئك ممن إستجاروكَ ذات شوق ...أوحاجة ... أوشقاء...
الهمتني مسارات إستذكاركما ...جنونات قصائد  ... عن إمكانيّة أمل الطمأنينة بان تجد من يقتنع بها...عن النساء اللوتي  تختصرهن بجلل امراة واحدة ، حتى كانت دنيا منفيّةً  من بخل سراب..
حوار سخيّ التلويح بمناديل لا تتُقدّم فيها ثنايا الوداع ولا تأّخّر... عن  مُرّآة أي معنىً   لدواعي غياب ، أو ملمح  تغييب  ، لمن شاغلوكَ وسامروكّ
لقد أخذتنا لنراك في النجف تلميذاً ...دام عنود موهبته... و أوفىلمن درّسوه وأسقوه لذوعة ولذة  طعهم حرفها الأول ... فصار قاموساً يطوف مُدناً و أقانيم و زهو فراديس بأجيج نيران رغبات تعدّدتْ بها الذات حتى تماهت  نحو ذواتٍ لغيرها...من تلك التيأبتكرت عالم " شعبان " الذي نسكنه...ونحرص أن نكون فيه سلاماً ...كما يريد هو ...  و معه نحن – إيضاً- نريد ، بل نطمح ...
ح.ع.الحميد
اربيل- عنكاوا
2مايس/ 2021


32
المحامي والشاعر جليل شعبان الحميري القحطاني
في ذمّة الخلود

تنعي أسرة آل شعبان الحميرية القحطانية فقيدها المحامي والشاعر جليل شعبان الذي وافته المنيّة يوم الخميس 29/4/2021، عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، فقد ولد في النجف العام 1937 ودرس فيها وأكمل دراسته الثانوية في الاعدادية المركزية ببغداد، وتخرج من كلية الحقوق العام 1958، وعمل في التجارة وفي المحاماة، ثم تولّى إدارة الدائرة القانونية والعلاقات العامة في مصرف سومر الأهلي. له مجموعة شعرية واحدة مطبوعة بعنوان "بين الأرز والنخيل"، والعديد من القصائد الأخوانية وفي المناسبات المختلفة.
والده المرحوم حمود شعبان: أحد التجار المعروفين وعضو غرفة التجارة منذ العام 1950،

شقيقاه: المرحوم الأستاذ ناصر، والمرحوم الأستاذ رؤوف شعبان (النائب الأول لرئيس غرفة تجارة بغداد لمدة 12 عاماً).

أولاده: الدكتور أصيل (طبيب أسنان).
والأستاذ أسعد شعبان (مصرفي).
والفقيد عمّ كل من التاجر سمير والأستاذ منير والأستاذ أميرشعبان.
والدكتور عقيل والمهندس علي والأستاذ عدي شعبان.
وإبن عم المرحوم الدكتور ناهض شعبان.
وهو خال
الدكتور عبد الحسين شعبان

والأستاذ حيدر عزيز شعبان

والمهندس علي والتاجر عبدالله شعبان

والمهندس سلام والأستاذ حسن والأستاذ حافظ والتاجر غالب شعبان.

وإبن عمّة المحامي حسن والمؤرخ حسين محمد شعبان.
وقد نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب، ونعته رابطة المجالس البغدادية بقولها: "فقدت المجالس البغدادية أحد أركان ثقافتها، وبالخصوص مجالس الشعر  باف والربيعي وعبد الرزاق محي الدين والخاقاني والغبّان وآمال كاشف الغطاء"، وأعلنت الحداد على روحه لمدة ثلاث أيام. ونعاه كذلك مجلس الغبّان معزّيا الساحة الثقافية بفقدان علم من أعلام الثقافة والأدب.
وعزّى بوفاته بيت شمران الياسري  الثقافي (أبو گاطع)، وجاء في رسالة التعزية "يتقدم بيت شمران الياسري الثقافي وأعضائه بأحر التعازي إلى آل شعبان، برحيل الشاعر والمحامي الأستاذ جليل شعبان (أبا أصيل) الذي منحنا من قلبه وروحه ووجدانه الكثير".
ونظراً لظروف العراق الحالية، لا سيّما استمرار مداهمة جائحة الكورونا، فقد قررت الأسرة عدم إقامة مجلس الفاتحة، واكتفت بتوزيع نفقاتها على الفقراء والمحتاجين، وهي تتلقّى رسائل التعزية على العناوين الآتية:


بغداد - الأستاذ أسعد شعبان
                                   009647901342237

الأستاذ سمير شعبان
                                    009647700715356

هولندا - الدكتور أصيل شعبان
                                       0031645772380

بيروت - إيميل الدكتور عبد الحسين شعبان
drhussainshaban21@gmail.com


لروحه السلام ولكم حياة خالية من المكاره والأحزان


33
روسيا والسيناريو الجورجي في أوكرانيا
عبد الحسين شعبان
   هل يُعتبر الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية استعراضاً للقوة أمام إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أم محاولة لتكرار السيناريو الجورجي؟ سؤال ما زالت الدبلوماسية الدولية تبحث عن جواب له لدى الولايات المتحدة والإتّحاد الأوروبي، وهو يأتي في ظلّ استمرار نظام العقوبات ضدّ روسيا بسبب سياساتها في دول الجوار، ولا سيّما بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا، ناهيك عن التعامل مع المعارض الروسي أليكسي نافالني، أو على الصعيد الدولي في ما يتعلّق بـ الجبهة السورية تحديداً، وفي جبهة ليبيا أيضاً، وزاد الطين بلّة تجميع قوات عسكرية في مدينة فورونيغ على الحدود الأوكرانية، الأمر الذي أثار قلقاً كبيراً لدى الأوكرانيين وتساؤلات أمريكية وأوروبية مريبة عن الأهداف التي تسعى إليها موسكو من هذا التحشيد غير المسبوق.
   و ذكرت جين ساكي المتحدّثة بإسم البيت الأبيض أنّ عدد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا هو أكبر من أي وقت مضى، بما فيها في العام 2014، في إشارة إلى ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم إليها، وهي غالبية سكانّها من الروس في استفتاء نظمّته بعد السيطرة عليها، بدعوى تاريخية أنّ خروشوف (الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي حينها)، هو من قام بإهدائها إلى أوكرانيا لتعزيز الوحدة الروسية - الأوكرانية، علماً بأن شبه جزيرة القرم منطقة استراتيجية بين البحر الأسود وبحر آزوف، وتنافست عليها في أواسط القرن التاسع عشر دولاً مثل بريطانيا وفرنسا للحدّ من طموحات روسيا في بلاد البلقان، واندلعت فيها حرب القرم، مثلما دارت فيها معارك طاحنة في الحرب العالمية الثانية ، ولا سيّما في مدينة سواستابول، ضدّ الغزاة الألمان، وكان الشاعر الجواهري قد نظم قصيدة يُمجّد بسالتها في العام 1943.
   ومع أجواء التوتّر هذه، أعلنت تركيا أنّ واشنطن أرسلت سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود عبر البوسفور، وهذا يعني أنّ الأمور تُنذر بما هو أشدّ وأسوأ، لا سيّما وأنّ كييف تتّهم المجموعات الموالية لـ موسكو بخرق وقف إطلاق النار واتفاق السلام بينها وبين هذه المجموعات، والتي تمّ التوقيع عليها في العام 2015.
   وكان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قد دعا حلف الناتو إلى وضع خطّة لإنضمام أوكرانيا إليه، وهو ما تعارضه موسكو بشدّة وتعتبره عملاً عدائياً موّجهاً ضدّها، وقام عقب ذلك بيومين (8 نيسان/أبريل الجاري)، بزيارة شرق البلاد لتفقّد قوات الجيش على الجبهة  وقالت موسكو على لسان المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنّ الوضع مضطرب وغير مسبوق في إقليم دونباس، وإنّها ستتّخذ خطوات لحماية المدنيّين في حالة نشوب أي قتال شرقي أوكرانيا. وإذا ما اندلعت المواجهة، فهذا يعني إنفجار الأزمة بين موسكو من جهة وواشنطن وحلف الناتو من جهة أخرى، وسيكون الأمر امتحاناً جديداً لمستقبل علاقة روسيا بالغرب.
   إنّ التحركات الروسية الأخيرة هي رسالة شديدة اللهجة إلى كييف، والتاريخ قد يُعيد نفسه، ففي العام 2008 في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا، كان السيناريو ذاته كما تقول روسيا بأنّها اكتشفت استعدادات جورجية لإجتياح أوسيتيا الجنوبية، حيث تتمركز قوات حفظ السلام الروسية، والتبرير ذاته أنّ الرئيس الجورجي حينها ميخائيل ساكاشفيلي لقي وعوداً من واشنطن بدعمه، وهو الأمر ذاته الذي يتكرّر اليوم بشأن دعم الناتو وواشنطن لأوكرانيا، وحيث تحتفظ القوات الروسية بحشد على الحدود في إطار مناورات عسكرية، فإنّها يُمكن استخدامها بصورة عاجلة في حالة حدوث أي اختلال في المستوى الميداني، في سيناريو مشابه للسيناريو الروسي في جورجيا.
   فهل تستمرّ كرة الثلج بالتدحرج مرّة أخرى في أوكرانيا مثلما تدحرجت في جورجيا؟ وما يلفت النظر أنّ العقيد بريتاني ستيورات كان على رأس وفد أمريكي في زيارة لإقليم دونباس، وكان يرتدي بدلة عليها شارة تتضمّن صورة جمجمة وعبارة "أوكرانيا أو الموت"، وهي لأحد ألوية الجيش الأوكراني، الأمر الذي يحمل رسائل عديدة إلى موسكو، فهل ستكون أوكرانيا بؤرة توتّر لحرب كونيّة بين واشنطن وموسكو؟
   إنّ اقتراب كييف من الناتو، كان أحد الأسباب المباشرة لوضع روسيا يدها على شبه جزيرة القرم في العام 2014 ، والتي تعتبرها جزءًا من مجالها الحيوي على الرغم من كونها "دولة مستقلّة" منذ العام 1919، لكنّ موسكو بعد تأسيس الإتحاد السوفياتي في العام 1922، اعتبرت الدول التي انضمّت إليها "محدودة السيادة"، وهي اليوم تعارض إقامة علاقات مع خصومها كي لا تكون خنجراً في خاصرتها.
   فهل ستزيد بروكسل عقوباتها على موسكو أكثر من العام 2014، والتي لم تنفع معها إعادة القديم إلى قدمه في أوكرانيا؟ وقبل ذلك في العام 2008 في السيناريو الجورجي؟ وحتى لو أكّد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن على دعم الولايات المتحدّة الثّابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها؟ ولكن ماذا ستفعل على الأرض عملياً وكيف سيتمّ ترجمة ذلك في ظلّ الترسانة النووية الروسية؟ هل بإرسال مساعدات وأسلحة لدفع أوكرانيا إلى الحرب؟ أم ستكون النتيجة تكرار السيناريو الجورجي في أوكرانيا؟



34
                           14/4/2021
   
   معالي الأستاذ أحمد أبو الغيط الموقّر،
   الأمين العام لجامعة الدول العربية


تحية واحتراماً،

   نتوّجه إليكم بأخلص التمنيات بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وننتهز هذه الفرصة لنبعث إليكم برسالة "الرابطة العربية للقانون الدولي" الموّجهة إلى الأمين للأمم المتحدة، وذلك بهدف الإطّلاع عليها وضمّ الجهود العربية إلى بعضها البعض لبلورة رؤية مشتركة لتحرك دبلوماسي دولي، ولا سيّما في الأمم المتحدّة للدفاع عن القضايا العربية العادلة والمشروعة وفي القلب منها القضية الفلسطينية، التي رافقت التنظيم الدولي منذ نشأته قبل أكثر من 100 عام، وما تزال لحدّ الآن كمشكلة دولية قائمة.
   وإذ نخاطب معاليكم، فإنّنا نقدّر مكانة جامعة الدول العربية ودورها كمنظمة إقليمية دولية عريقة، تمتلك علاقات واسعة وخبرة غنية، ولها ممثليات في العديد من الدول الكبرى من أجل ضمّ الجهود إلى بعضها والتعاون مع منظمات مهنية لها وزن وثقل دولي، بهدف تحقيق ما ورد في رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي وذلك بمناسبة مرور 100 عام على انعقاد مؤتمر سان ريمو، وهو المؤتمر الذي منح بريطانيا "حق" الإنتداب على فلسطين، ووافقت على هذا القرار عصبة الأمم، ونجم عنه مشكلة دولية تفاقمت مع مرور الأيام، ولا سيّما بالتغيير الديموغرافي القسري الذي مارسته سلطة الإحتلال منذ العام 1948 وإلى اليوم.
   ونستعيد بهذه المناسبة، مرور 20 عاماً على انعقاد مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) العام 2001، وما حقّقه الجهد العربي المشترك من نجاح في إدانة الممارسات الإسرائيلية، وتتذكرون دعم نحو 3000 منظمة حقوقية ومدنية دولية الذي حظيَ بها ذلك القرار، وقد كان لنا شرف المشاركة في المؤتمر والتنسيق والتعاون مع منظمات وهيئات دولية عديدة، إضافة إلى جامعة الدول العربية وبعض الحكومات للوصول إلى ما تحقّق.
   نأمل بجهودكم وبالدور الذي تقوم به جامعة الدول العربية في الميدان الدبلوماسي الدولي، أن يأخذ مضمون رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي طريقه إلى التنفيذ، خصوصاً بحشد الأشقّاء ومساندة الأصدقاء لدعم الحقوق العربية العادلة والمشروعة، وفي المقدمة منها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة الدولة المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف.
   ننتهز هذه الفرصة لنعبّر لمعاليكم، عن خالص تمنياتنا لكم بالصحة ولشعوبنا العربية وجامعتها الموقّرة العز والسؤدد، ونأمل أن نتسلّم ردّكم الإيجابي.
   تقبلوا فائق الإحترام،

   الدكتور جورج جبور                  الدكتور عبد الحسين شعبان

مرفقات:

-  رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي إلى الأمين العام للأمم المتحدة.


نسخة منه إلى:

1- إتحاد المحامين العرب
2- إتحاد الحقوقيين العرب
3- إتحاد الصحفيين العرب
4- إتحاد الكتاب العرب
5- المنظمة العربية لحقوق الإنسان
6- منظمة التضامن الأفروآسيوي

***




المؤسّسون:
1 -    د. جورج جبور         (رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة وخبير مستقل في مجلس                   حقوق الانسان) - سوريا.
2 -   أ. تهاني محمد الجبالي      (مستشارة ونائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا) - مصر.
3 -   أ. عمر محمد زين      (أمين عام اتحاد المحامين العرب سابقاً) - لبنان.
4 -   أ. علي الضمور         (قاضي وأمين عام اتحاد  الحقوقيّين العرب) - الأردن.
5 -   د. خالد شوكات         (وزير سابق ورئيس المعهد العربي للديمقراطية) - تونس.
6 -   أ. ضياء السعدي      (نقيب المحامين العراقيّين) - العراق.
7 -   د. حسن جوني         (أكاديمي وخبير دولي) - لبنان.
8 -   د. إياد البرغوثي         (رئيس الشبكة العربية للتسامح) - فلسطين.
9 -    د. محمد المالكي      (رئيس مركز دراسات الدستورية والسياسية) - المغرب.
10 -   د. محمد المخلافي      (وزير الشؤون القانونية سابقاً، محامٍ وأستاذ جامعي) - اليمن.
11 -   د. أحلام بيضون      (أستاذة جامعية) - لبنان.
12 -   د. شيرزاد النجار      مستشار ورئيس جامعة سابقاً - العراق/إربيل.
13 -   أ. نور الإمام         (محامية وخبيرة مستقلة) - الأردن.
14 -   الشيخ ودّ الحمدي      (نقيب المحامين الموريتانيّين) - مورتانيا.
15 -   د. رائق الشعلان         (أكاديمي - جامعة دمشق) - سوريا/الجولان المحتل.
16 -    د. نزار عبد القادر صالح   (المدير التنفيذي لمعهد جنيف لحقوق الإنسان) - السودان.
17 -    د. عبد الحسين شعبان      (أكاديمي، مدير عام المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني) -                   العراق.

35
رسالة من الرابطة العربية للقانون الدولي
إلى الأمين العام للأمم المتحدة


   سيادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المحترم،

   تحية واحتراماً نبعثها إليكم بإسم "الرابطة العربية للقانون الدولي"، وبعد:

   لا يصحّ أن يمرّ هذا اليوم التاسع عشر من نيسان /أبريل دون مخاطبتكم، ففي مثل هذا اليوم قبل مائة عام بدأ انعقاد مؤتمر سان ريمو (ايطاليا)، في الفترة من 19 إلى 25 نيسان /أبريل 1921، وحضره الحلفاء الرئيسيون في الحرب العالمية الأولى، وإتّخذ هذا المؤتمر قراراً، وافقت عليه عصبة الأمم، نجم عنه مشكلة دولية تفاقمت مع مرور الأيام وما تزال إلى اليوم، ونعني بذلك المشكلة الفلسطينية .

   لقد منح مؤتمر سان ريمو بريطانيا "حق" الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها، وقامت هذه بإشراف من عصبة الأمم،ولاحقاً بإشراف من منظمة الأمم المتحدة العام 1948، بعملية تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنها تهجير شعبٍ من وطنه، وحرمانه من حقّه في تقرير مصيره.

   لعلّ المشكلة الفلسطينية ما تزال قائمة وراهنة ببعدها الإنساني والأخلاقي، الذي يستفزّ الضمير العالمي، وقد تُوّجت مؤخراً بفضيحة أخلاقية كبرى قمتم بإدانتها ألا وهي إقدام الولايات المتحدة بالموافقة على إعلان ضمّ الجولان السورية إلى دولة الإحتلال الإسرائيلي، وقبلها شروعها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلّة خلافاً لقرارات الأمم المتحدّة، وقواعد القانون الدولي.

   وإذا كان في السابق مثل تلك الأمور يُجيزها القانون الدولي التقليدي، فإنّ الأمر قد تغيّر ولم يعد القانون الدولي المعاصر كما تعلمون يسمح بضمّ الأراضي قسراً أو كنتيجة للحرب، بل إنّه أصبح أكثر شمولاً من الناحية الإنسانية، ولذلك فما قامت به سلطة الإنتداب يُعتبر من منظور الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي جريمة ضد الإنسانية، ولاسيّما أساليب التغيير الديموغرافي القسري التي قامت بها، وما تزال تلك السياسة مستمّرة وتقوم بها سلطة الإحتلال.

   يا سيادة الأمين العام، إنّ رسالتنا هذه التي نوّجهها إليكم بإسم الرابطة العربية للقانون الدولي، هي دعوة لكم كي تعملوا الفكر وتجروا الإستشارات المناسبة لتحقيق ما هو واجب إنساني وينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة. وبهذه المناسبة ندعوكم إلى إفساح المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في جنيف، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، ونأمل أن تنتظم أعمال هذه الفعالية الحقوقية في تموز/يوليو 2022، وهو مناسبة الذكرى الأليمة لمرور مائة عام على تصديق عصبة الأمم على صكّ الانتداب في فلسطين.

   أمّا عنوان الندوة المقترح فهو الآتي:"الانتداب على فلسطين: هل هو جريمة ضد الإنسانية؟". وبالطبع يتيح الطابع الاستفهامي للعنوان المجال لمن لا يرى في ما جرى جريمة يتيح له المجال للتعبير عن رأيه.

   سيكون من دواعي الغبطة أن نتسلّم ردّكم الذي نأمل أن يكون إيجابياً، علماً بأنّ العديد من المنظمات المدنية والشخصيات القانونية والحقوقية تدعم وتؤيد مثل هذا التوّجه، سواءً على الصعيد العربي أم على الصعيد الدولي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

                        الرابطة العربية للقانون الدولي
                        السبت 10 - نيسان/أبريل - 2021



36
الياس مرقص: مُثقّفٌ قرأ الماركسية بطريقة غير طقوسية
عبد الحسين شعبان

"قرأ الياس مرقص الماركسية لا بطريقتها الطقوسية أو المدرسية أو المسلكية أو الذرائعية، بل باعتبارها منهجًا حيًّا وقابلًا للنقد؛ لقد قرأها بعقل منهجي-نقدي للوضعية السائدة، ولعلّه كان أكثر "ماركسية" من الماركسيين الرسميين الذين حملوا صولجان الماركسية ولبسوا قبعاتها، لكنهم ظلوا خارج صومعتها وبعيدين عن روحها وجوهرها وملكوتها"

ع.ش
عن كتاب "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"

I

   حين أعلمني د.حازم نهار أن مجلة "رواق ميسلون" التي ستصدر حديثًا ستخصص العدد الأول منها للذكرى الثلاثين لرحيل المفكر الياس مرقص (26 كانون الثاني / يناير / 1991) ودعاني للانضمام إلى هيئتها الاستشارية التي تضم شخصيات عربية مرموقة، استجبت باعتزاز وتقدير لسببين:
الأول-لأن صديقنا الياس مرقص لم يأخذ حقه من القراءة والنقد، على الرغم من منجزه الفكري والثقافي وما رفد به المكتبة العربية من مؤلفات ودراسات وأبحاث وترجمات جلّها تضمنت اجتهادات وآراء نافذة.
   ولعلّها مناسبة لاستعادة مفكر بحجم الياس مرقص والتعريف به كجزء من العمل على إعادة طبع مؤلفاته وكتبه، سواءً المجموعة الكاملة أم مختارات منها، إذْ نحن اليوم أحوج ما نكون إليها، خصوصًا وأنه سبق مرحلته بربع قرن من الزمان أو ما يزيد، في حين حظي مفكرون أقل شأنًا منه باهتمام أكبر بحكم انتمائهم إلى جهات حزبية وسياسية، حكومية أم غير حكومية، تبنّتهم وقدّمتهم إلى القرّاء بحياتهم أو بعد مماتهم.
والثاني-إنها فرصة شخصية مناسبة للتّوقف ولو سريعًا عند الدور التنويري للياس مرقص، وكنت قد جئت على ذكره في مناسبات عديدة مشيدًا بدوره الذي سبقنا في المراجعة والنقد للماركسية، محاولًا قراءتها على نحو أشد ارتباطًا بالواقع، كما ربطتني علاقة صداقة طيبة بالياس مرقص خلال الثمانينات وتبادلنا وجهات النظر والآراء إزاء مشاكل الحركة الشيوعية والأزمة في حركة التحرّر الوطني العربية، كما جمعتنا مؤتمرات ولقاءات وأنشطة وفاعليات عديدة، وسأحاول في هذه الإطلالة السريعة، وهي أقرب إلى الخواطر والاستذكار، أن ألقي ضوءًا على بعض أفكار وآراء الياس مرقص أحد أبرز روّاد الماركسية بطبعتها "الحرّة" غير الحزبوية، تلك التي حاول تقديمها للقرّاء العرب مع إخضاع ممارستها للنقد والتصويب والاجتهاد.
II
"المثقف الأول" وخالد بكداش
   أسبغ الزعيم الشيوعي الكبير خالد بكداش وصف "المثقف الأول" على الياس مرقص لثقافته الموسوعية وعمقه الفلسفي وتبحّره بدراسة الماركسية من مصادرها الأصلية وقدرته على استنباط الأحكام انطلاقًا من الواقع وليس إسقاطًا عليه، فضلًا عن تمكّنه من إدارة الحوار والنقاش والسجال والجدل وصولًا إلى الحقيقة، بمعنى طرح الأسئلة الشائكة بدلًا من القبول بالأجوبة الجاهزة، وعلى حدّ تعبير الشاعر الكبير سعدي يوسف "النهايات مفتوحة دائمًا والبدايات مغلقة" فقد كان يمتلك باعًا طويلًا وصبرًا غير محدود، وهو ما تعكسه كتبه ومؤلفاته وترجماته وتدقيقاته. وكان بكداش ثاقب البصيرة في اكتشاف الشاب الوسيم والأنيق القادم من بروكسيل مستشرفًا أفقه الفكري ودأبه ومطاولته على القراءة والكتابة والنقد.
   لكن خالد بكداش الذي يُعرف بعميد الشيوعيين العرب، ولاسيّما لدى الدوائر الأممية منذ الثلاثينات غيّر رأيه لمجرد الاختلاف وبروز نزعات استقلالية ورؤية اجتهادية لدى مرقص، فعاد وخلع عنه هذا الوصف، ليتم اتهامه بالعمالة للمخابرات المركزية الأمريكية، ولعلّ مثل هذا الاتهام له علاقة بنمط التفكير الستاليني الذي كان سائدًا ولهيمنة الأفكار الشمولية وادّعاء إحتكار الحقيقة والزعم بالأفضلية على الآخر، فالحزب على حق دائمًا أخطأ أم أصاب، فما قيمة الفرد (العضو الحزبي) واجتهاداته طالما تتعارض مع ما تريده قيادة الحزب (العارفة بكل شيء).
   وهذه هي الحالة السائدة في جميع التنظيمات الشمولية "الكلّانية" التي اقتفت أثر التنظيمات الشيوعية، سواء كانت قوميّة أم إسلامية، حيث يتم معالجة الاجتهادات والاختلافات والخلافات داخل المنظومة الرسمية للحركة الشيوعية بطريقة التهميش والإقصاء مع سيل من الشكوك والاتهامات التي تصل إلى التحريم والتجريم، وبمثلها اتُّهم أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي بسبب وجهات نظره وتوجهاته التّجديدية، والتي مثّلت فريقًا من كادر الصّف الثاني الذي ارتقى سلّم القيادة بعد المؤتمر الثاني للحزب (تموز/يوليو 1968) بتوجهات مختلفة عن القيادة التاريخية ممثلة بالرفيق خالد بكداش.
   والمسألة لا تتعلّق بمحاولة النيل من خالد بكداش الذي يتمتّع بمكانة مرموقة في تاريخ الحركة الشيوعية العربية والعالمية، لكن ذلك جزء من الحديث عن نواقصها وثغراتها وعيوبها، ناهيك عن نمط التفكير السائد والعقلية المهيمنة، فضلًا عن ممارسات وانتهاكات لا يجمعها جامع مع الأفكار المُعلنة.
   وثمّة أسباب فكرية وعملية أخرى لمثل هذا السلوك، يعود بعضها إلى ظروف الصراع الإيديولوجي في عهد الحرب الباردة بشكل خاص والمنافسة بين المعسكرين، فكل منهما يخفي عيوبه عن الآخر ويظهر مزاياه، ويستخدم الصالح والطالح والحق والباطل أحيانًا، طالما يقرّبه من هدفه حتى وإن لجأ إلى وسائل غير مشروعة وطرق ميكافيلية أحيانًا، بزعم أن هدفه نبيلٌ وإنسانيٌ على عكس عدوّه وخصمه، الأمر الذي يعطي لنفسه الحق باستخدام جميع الوسائل للوصول إلى الهدف النبيل، خصوصًا وأن العدو يستخدمها قلا بأس من الردّ عليه بالمثل.
   ويخطأ كثيرون بفصل الوسيلة عن الغاية، فمهما كانت الأفكار سامية وإنسانية ونبيلة إلّا أنها ليست معصومة ضد الارتكابات والانتهاكات للحقوق والكرامات الإنسانية، بل إنها ذاتها يمكن أن تصبح أداة حتّى للجريمة بزعم أن الحقائق المطلقة لصالحها مثلما تُقرّر الحتمية المستقبلية للتاريخ، فما قيمة الخطأ أو حتى الانتهاك لحقوق الفرد في ظل هذه التبريرات التي كان الياس مرقص شديد الحساسية إزاءها؟
   هكذا تصبح قرارات الزعيم أو القائد أو الأمين العام "القانون"  الذي يجب أن يخضع له الجميع، فما بالك حين يكون مكتبه السياسي خلفه من المطيعين في الغالب وهو الآخر تصبح قراراته ملزمة تُطبق بطريقة عمياء أحيانًا، علمًا بأن الأنظمة الداخلية للأحزاب الشيوعية وجميع الكيانات الشمولية مُستمدة من كتاب لينين : ما العمل؟ الصادر في العام 1902، والتي تُلزم العضو الحزبي بالخضوع والتنفيذ اللّاشرطي لقرارات الهيئات العليا والأقلية للأكثرية تحت عنوان المركزية الديمقراطية، التي تتحوّل بالواقع العملي إلى مركزية صارمة وشديدة البأس، تحت مبررات العمل السرّي أو مؤامرات العدو أو محاولات الاختراق الخارجية، ولعلّ ذلك ما واجه الياس مرقص وهو في بدايات حياته السياسية؛ وهو يسمع الحديث عن الرواسب الطبقية للبرجوازية الصغيرة، فضلًا عن تأثيرات الدعاية الامبريالية، لينتهي الأمر إلى اتهامه بالعمل لصالحها بعد طرده من الحزب في العام 1957.
   ربّما بسبب الأجواء "الإيمانية" التبشيرية السائدة وقلّة الوعي وشحّ فرص التعبير، يحجم الكثير من الشيوعيين عن رفع لواء النقد أو راية الاختلاف، حتى وإن توصّل بعضهم للحقائق ذاتها، لأنهم يخشون من العقوبات والاتهامات، فضلًا عن الأساليب التي تتّبع للتشهير والتشويه والعزل، وذلك لمنع تكوين نواتات صلبة فكريًا وسياسيًا تكون سابقة خطيرة للمواجهة والمجاهرة بالرأي، وغالبًا ما تنتهي تلك إلى الانشطارات والانقسامات، وهكذا يستمر جيل من الماركسيين بعد جيل يدفع الثمن باهظًا حيث يسود التّعصب والتّزمت والغلو والتهميش والإلغاء وتغييب النقد الصّادق والمراجعة المخلصة.
   من هؤلاء القلّة الذين لم يبالوا في التحدي والمواجهة كان الياس مرقص الذي امتشق سلاح النقد وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف السامية وفقًا لمنهجه الجدلي القائم على البراكسيس وليس المنهج التجريدي، في حين ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون حقيقيون في منظومة البروقراطية الحزبية ولفّهم النسيان بعد الصمت، سواءً بقوا داخلها أم اعتبروا خارجها، وتحملوا صنوفًا من الأذى والهوان بسبب آرائهم واجتهاداتهم. والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل أن الأنظمة التي حكمت باسم الشيوعية ارتكبت مجازر وأعمال إبادة حقيقية لا تقتصر على الإدارات الحزبية أو الملاكات والكوادر المتقدمة أو النخب الثقافية والفكرية فحسب، بل شملت جميع من يُشك بولائه، ومن الأمثلة على ذلك محاكمات ستالين الشهيرة في الثلاثينات، حيث أطاح برؤوس كبيرة اتُهمت بالعمل لصالح الأجهزة المعادية وفي مقدمتهم بوخارين الذي كان يسميه لينين "محبوب الحزب" فقد أعدم هو وابنه بالتهم الملفقة نفسها، والحال ذاته حصل في البلدان الاشتراكية السابقة، ناهيك عن الثورة الثقافية في الصين 1965-1976 والتي جسّدت ازدراء الفكر والثقافة لصالح السياسة الأنانية الضيقة الأفق.
   لم يكن الياس مرقص حزبيًا مسلكيًا وتقليديًا يتلقى الأوامر والتعليمات الحزبية وينفذها بحذافيرها ويستلم المطبوعات ويوزعها ويسدد الاشتراكات الشهرية ويجمع التبرعات فحسب، بل كان صاحب رأي ومجتهد وله وجهات نظر بما يحصل. وكانت ومضاته الفكرية ولمعاته الاجتهادية قد أخذت تتغلغل إلى المنظمة الحزبية في اللاذقية، حيث كان قد تلقى دروسه الأولى في الشيوعية خلال دراسته في بروكسيل يوم كان طالبًا يدرس علم الاجتماع والتربية، وخلال دراسته ارتبط بعلاقة مع طلبة سوريين شيوعيين يدرسون في بلجيكا، وحين عاد إلى سوريا في العام 1952 وعمل مدرسًا للفلسفة في مدينة اللاذقية (مسقط رأسه) انضم رسميًا إلى الحزب الشيوعي السوري-اللبناني في العام 1955.
   خلال وجوده القصير برز كمثقف متميز وقد تمكن من إحداث جدل ونقاش للتجديد والتغيير في المنظمة الحزبية في اللاذقية، الأمر الذي اعتبرته اللجنة المركزية بقيادة خالد بكداش خروجًا على التقاليد الحزبية وقواعد التنظيم اللينيني وأوامر القيادة "الستالينية"، ولعلّ ظاهرة مثل تلك تعتبر من الكبائر التي قد تؤدي إلى إحداث تصدّع في خط التفكير السائد، لذلك اتُّخذت الإجراءات السريعة والعاجلة ضدّه احترازًا بما يمكن أن يحصل من تفشي واستشراء هذه الظاهرة، فقررت القيادة حل اللجنة المنطقية وتأسيس قيادة جديدة لها تابعة للتوجيهات البيروقراطية والمركزية الصارمة كما أخبرني الياس مرقص بطريقته الفكاهية وابتسامته المحبّبة، وحين سألته والنتيجة ماذا حصل؟ أجاب كان لابدّ من طرد هذا "المشبوه" المتسلّل إلى صفوف الحزب والذي يريد تخريبه، لاسيّما محاولته إضعاف الثقة بالقيادة التاريخية، وهذا ما حصل في العام 1957، وما زاد الطين بلّة كما يقول أن ثمة ملاحظات كانت قد تبلورت لديّ بخصوص المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي 1956، وكنت قد عبّرت عنها على شكل أسئلة انتقاديه، تمّ اعتبارها نوعًا من التشكيك بمكانة بلد لينين وحزبه البلشفي الذي كان خالد بكداش يردّد أن مقياس شيوعية الشيوعي تتحدّد بمدى إخلاصه للإتحاد السوفييتي وحزبه الشيوعي.
   
   III
فرج الله الحلو وقصور النظر الحزبوي
   استعدت ما حصل قبله لفرج الله الحلو (سالم) القائد الشيوعي اللبناني الذي تحفّظ على قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة، فاتُخذت عقوبات بحقه وتم تنحيته من جميع مسؤولياته لاحقًا، لاسيّما حين تفاقمت الأمور (حزيران / يونيو / 1951)، وكانت هذه العقوبة تحصيل حاصل لمواقف انتقاديه أخرى في قيادة الحزب الشيوعي السوري-اللبناني، فقد جرى التآمر عليه بإرساله إلى باريس ولندن في مهمة خاصة وتمّ تعيين نيقولا شاوي بدلًا عنه وتحت إشراف خالد بكداش، وهو ما يندم عليه شاوي لاحقًا كما يذكر كريم مروّة.
    جدير بالذكر أن فرج الله الحلو اضطر لاحقًا إلى الإذعان وأجبر على تقديم نقد ذاتي، هو أقرب إلى "الجلد الذاتي" بإدانة نفسه وسلوكه البرجوازي الصغير وغرقه في حمأة الانتهازية وتحدّث بمرارة ووخز الضمير عن وقوعه تحت تأثير الميول الكوسموبوليتية الرجعية الغريبة عن عقلية الطبقة العاملة وموقفه المخزي من الاتحاد السوفييتي من قرار التقسيم كما قال بالنص الذي نشره يوسف الفيصل في كتابه "مواقف وذكريات"، وهو نص أقرب إلى رسالة "النقد الذاتي" التي كتبها زكي خيري القيادي الشيوعي افتراءً على نفسه وتقريعًا لها بعد معاقبته في العام 1962 بتهمة التكتل ضد قيادة السلام عادل ، وهو ما كانت تقتضيه التقاليد الحزبية الثقيلة والّاإنسانية.
   لم يكن موقف فرج وحده ضد التقسيم الذي تحمّل بسببه أعباءً كثيرة، بل إن سكرتير الحزب الشيوعي السوري رشاد عيسى الذي يأتي بمرتبة ثانية بعد خالد بكداش في دمشق ظلّ رافضًا لقرار التقسيم وقد وجّه رسالة يعتذر فيها عن تحمّل المسؤولية الحزبية بعد إعلان معارضته لقرار التقسيم، الأمر الذي تمت محاسبته عليه حيث إتُّخذ قرارًا بفصله لمدة عام لحين أن يقدّم نقدًا ذاتيًا، وحين امتنع عن ذلك، جرى فصله والتشهير به، وقد نشرت صحيفة الحزب " نضال الشعب" قرار الفصل؛ وقد ظل رشاد عيسى على مسافة بينه وبين الحزب لحين وفاته، لكن المؤتمر السادس للحزب صحّح موقفه منه (شباط / فبراير / 1987) واتخذ قرارًا بـإلغاء الفصل، وهو القرار الذي إتُّخذ بحق الياس مرقص أيضًا أي بعد عقود من الزمان، وقد أطلّ كريم مروّة في كتاب بعنوان "الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث" على قضية رشاد عيسى التي تناولها يوسف فيصل بالتفصيل.
IV
المثقّف الراقي والإعتداد بالنفس
   قبل فصله كان الشاب المتحدّر من أسرة لاذقانية عريقة يطرح أسئلة عويصة في وسط مقتنع بطريقة أقرب إلى الإيمانية، وهي أسئلة بحمولة نقدية، لم تلق إجابات شافية في نفسه فقد  كان قد درس كانط ونظريته المعرفية وأعماله الأساسية مثل نقد العقل الخالص "المجرد" ونقد العقل العملي، فضلًا عن كتاباته في التنوير والأخلاق والدين، كما قرأ ديكارت صاحب نظرية الشك المعرفي الذي يعتبر عرّاب الفلسفة العقلانية الحديثة وهو القائل: "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، الأمر الذي كانت الأسئلة تتوالد عنده، وبقدر ما كانت الإجابات شحيحة أو غير مقنعة كان يزداد حيرةً، فما بالك حين يتم التشهير به بعد ذلك، وهو المكلّف بالإشراف على منظمات حزبية في جولات تثقيفية طاف فيها على مدن وأحياء عديدة ملاحظًا انخفاض مستوى الوعي وتدني الإلمام بأبسط مبادئ "الماركسية" والافتقار إلى المعلومات الأساسية، فضلًا عن تغليب الأوامرية البيروقراطية على الجدل والمنطق والعقل، بحجة الضبط الحديدي والتنظيم الفولاذي.
   لم يقبل الياس مرقص وهو صاحب الرأي المستقل أن يُستغفل عقله وأن يطيع ما لا يرتضيه من سياسات تلقينية وتعليمات فوقية بعضها بدائية، فما بالك حين يتعلّق الأمر بالفكر والممارسة، وكان بدافع من حسن النية قد اقترح توسيع دائرة الديمقراطية الحزبية على حساب المركزية الشديدة التي كانت تطبع الحياة الحزبية لدرجة أشبه بالتنظيمات العسكرية، كما اقترح وضع نظام داخلي جديد، ملفتًا النظر إلى موضوع عبادة الفرد ، لاسيّما ما تركت القيادة الستالينية من أساليب بوليسية وامتداداتها على الحركة الشيوعية برمتها، كما انتقد الماركسية السوفييتية أو "المسيفتة" على حد تعبيره ، وظلّ يدعو إلى تعريب الماركسية، أي جعلها تبحث في واقع العالم العربي وليس بطريقة مجردة أو اقتباسية لأوضاع لا تشبه أوضاعنا، وكان يدعو إلى عدم تجاهل الشروط الموضوعية لتاريخ الأمم والشعوب.
    وفي حديث مطول مع الياس مرقص ونحن على الطائرة عائدين من طرابلس (ليبيا) إلى الشام قلت له "هل يمكن البحث عن تأسيس فكر اجتماعي عربي ماركسي جديد؟ وهنا تناول موضوع البنية الروحية لموروث الشعوب وبيّن أهمية آليات الفهم والتأويل الفلسفي لها بحيث لا نركن إلى القطيعة العقلية مع موضوع الهُويّات والانتماءات القومية وإلا فإننا سنتحدث عن مجتمعات لا نعرفها، قلت له وكيف السبيل للتوليف بين الهويّات العامة الجامعة والهويّات الفرعية؟ فأردف قائلًا في إطار قوانين عامّة نحتاج إلى الاعتراف بالحقوق التي تترتب وفقًا لاحترام الخصوصيات والتّنوع والتعدّدية، ولا ينبغي أن نأخذ النصوص على علّاتها، بل نُخضع كلّ شيء للنقد، لأن النصوص لابدّ لها أن تتكلم وإلّا ستكون جامدة أي بلا روح، وبالتطبيق والممارسة ستكون لها دلالة ومعنى، لاسيّما إذا كانت متساوقة مع المنهج الجدلي، وبالطّبع فلكل تجربة ظروفها وخصوصيتها.
   وهنا أدون رأيي الـذي تبلور خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية، والـذي مفاده أننا تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية للقوى والأحزاب الإسلامية أو "الإسلاموية" وأدرنا ظهورنا للتراث العربي-الإسلامي، كما أهملنا موضوع الانتماء التاريخي لشعوبنا واعتبرناه من اختصاص قوى وأحزاب قومية في الغالب أو "قوموية" وبعضها لم يكن بعيدًا عن ترسانة الفكر الأوروبي، وقد استطاعت هذه الأحزاب والقوى تجيير مسألة العروبة لصالحها، بل إنها سحبت الشارع أحيانًا إلى صفها، وهي بعيدة كل البعد عن تحقيق مستلزمات العروبة بتعبيراتها الحضارية والثقافية والارتقاء بمتطلباتها كرابطة طبيعية لأبناء الأمّة وليست ايديولوجيا أو نظام، فما بالك حين انفردت بادعاء الوعي التاريخي بأهميتها كهويّة خاصة ومكوّن أساسي هي من يعبّر عنه ويزعم تمثيله.
   كتبت ذلك منطلقًا من ذات الأرضيّة التي وقف عليها الياس مرقص بما مفاده أنني كنت أعجَب أن شيوعيًا كرديًا يعتزّ بكرديته "كراديتي" ولا يقابله شيوعي عربي الاعتزاز ذاته بعروبته، والأمر كان يحصل لي بذات الدهشة حين أقابل شيوعيًا روسيًا أو تركيًا أو إيرانيًا أو فرنسيًا يعتزّ كل منهم بقوميته في حين لم نكن نجد وسيلة إلّا وحاولنا الانتقاص من الانتماء القومي لاسيّما العربي متبرعين له للآخرين، ولذلك كررت في مناسبات عديدة اعتزازي بعروبتي وكأن الأمر جزء من التعويض عن الحرج الذي يسبّبه أصحابنا الشيوعيين "الأقحاح" حين نتكلّم عن العروبة، دون أن يعني ذلك عدم احترام حقوق القوميات الأخرى، لاسيّما حقها في تقرير مصيرها، وتلك كانت الأرضية التي وقف عليها الياس مرقص.
V
اللقاء مع الياس مرقص
   كانت تلك الموضوعات الأولى التي ابتدأت حواري مع الياس مرقص في العام 1981 حين استكمل تعارفنا، وكانت شهرته قد سبقته وقد قرأت له قبل ذلك وتوقفت بإعجاب عن الكثير من الأطروحات التي بلورها، وكان ذلك اللقاء مدعاة لقراءة العديد من كتبه وحواراته فيما بعد، وخصوصًا الحوار الممتع والشيّق والعميق الذي أجراه الصديق جاد كريم الجباعي مع الياس مرقص، وهو حوار استراتيجي بعيد النظر قدّم فيه أطروحاته الفلسفية على نحو ما أفاضت به تجربته، واطلعت كذلك على حوار غير منشور أجراه طلال نعمة مع مرقص صدر بكتاب وللأسف لم يتسنى لي مراجعته مؤخرًا.
   في أواسط الثمانينات سألني عن أوضاعنا، خصوصًا بعد الاختلاف في المواقف بشأن الحرب العراقية-الإيرانية وقضايا سياسية وتنظيميّة أخرى فضلًا عن بعض القضايا الفكرية، فأجبته "الحال من بعض"، فخاطبني قائلًا: كنت أتصور أن الحال لديكم أفضل، فإذا بكم مثلنا، وهكذا "كلّنا في الهمّ عُرب"، يبدو أن أمراضنا مزمنة وعدواها تنتقل من بلد إلى آخر ولو أنكم في المنافي، وذكرني كيف تعرّض بعد فصله إلى الضرب، مرّة في اللاذقية وأخرى في الشام، وحين عرف ما حصل من تجاوزات وانتهاكات قال: الستالينية متأصلة فينا يا رجل، فهل يعقل إن يتم اتهامي بالعمل لصالح  المخابرات المركزية الأمريكية وفي الوقت نفسه لصالح المخابرات المصرية، لأنني كنت معجبًا بقيادة جمال عبد الناصر وخصوصًا أطروحته الوحدوية بعد تأميمه قناة السويس؟
الياس مرقص: الحاجة إلى قراءة جديدة
   بعد قراءة جديدة لآراء الياس مرقص أستطيع أن أقسمها إلى مرحلتين:
الأولى – من أوساط الخمسينات، حيث بدأ بالتأليف والترجمة وتمتد هذه الفترة إلى أوساط السبعينات، ومن أهم مؤلفاته "الستالينية والمسألة القومية" (مع آخرين) و"نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري" و"نقد الفكر المقاوم".
الثانية – من أوائل السبعينات وحتى وفاته مطلع العام 1991 حين انكبّ على ترجمات كتب فلسفية قاربت 30 كتابًا شملت :هيغل وماركس وفيورباخ ولينين وجورج لوكاش ومكسيم رودنسون وماوتسي تونغ وروجيه غارودي، وقد أنشأ "دار الحقيقة" للنشر، وأصدر في العام 1981 "مجلة الواقع" في بيروت، وقد دعاني للكتابة فيها، وحين أنجزت بحثًا كانت المجلة قد انقطعت عن الصدور بسبب الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982، كما ساهم في تأسيس "مجلة الوحدة" مع نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، في العام وقد دعاني وناجي علّوش للكتابة فيها، 1984 وقد ساهمت فيها بعدّة أبحاث ودراسات، وكانت تصدر من الرباط (المغرب) من "المجلس القومي للثقافة العربية"، كما شاركت في ندوات نظمتها أو تعاونت في تنظيمها مع جهات أخرى وذلك في دمشق وأثينا وطرابلس وبيروت.

VI
البراكسيس و"جرد الواقع"
   انشغل الياس مرقص بدراسته الواقع التي يسميها الصديق د.عبد الله التركماني "جرد الواقع"، ولم يهتم بالنظرية فحسب، بل بالتطبيق "البراكسيس" وأي نظرية تبقى "مجردة" دون فحصها بالواقع، وهو معيار صحتها من عدمه وقرب الهدف من الواقع أو بعده عنه، خصوصًا علاقة الغاية بالوسيلة، فلا غايات شريفة دون وسائل شريفة، ولا غايات عادلة دون وسائل عادلة، وإذا كانت الغاية مجردة وبعيدة المدى فإن الوسيلة آنية وملموسة، وأحيانًا تتشابه الغايات، لكن تختلف الوسائل، وهو الأمر الذي يميّز غاية عن أخرى أي بقدر اتساق الوسيلة بالغاية، فذلك سيكون دليل صدقية أخلاقية ومعيارية مبدئية، فالعلاقة بين الغاية والوسيلة ينبغي أن تكون مثل العلاقة بين البذرة والشجرة حسب المهاتما غاندي أي أنها علاقة عضوية وموضوعية وجدلية فلا انفصال بينهما.
   وتوصل مرقص إلى إدراك ذلك ليس عبر النظرية فحسب، بل من ملاحظة الواقع وفي التطبيق العملي (البراكسيس)، فقد درس التاريخ والفلسفة، وكما يُقال أن التاريخ أبو العلوم أمّا الفلسفة فهي أمهم، وبالطبع فلكل علم فلسفة مثلما له تاريخ، كما درس الاقتصاد والاجتماع والمنطق وعلم النفس واللاهوت والفن، ودون أن يهمل الرياضيات، وهو ما جعله مثقفًا موسوعيًا بامتياز دون ادعاء أو حب الظهور.
   لم يهتم الياس مرقص بالمجتمع ويهمل الفرد، وهذا خطل الكثير من النظريات الاشتراكية الماركسية وغير الماركسية، في حين أن الدعوات الليبرالية بالغت بدور الفرد وأهملت المجتمع وهذا خطأ آخر وإنما انشغل بالمجتمع والفرد في آن، والمجتمع مكوّن من أفراد، بينهم مشتركات عامة مثلما بينهم مختلفات خاصة، ولذلك خصّص حيّزًا من دراساته لبحث موضوع "الحق في الاختلاف" باعتباره حقيقة موضوعية، وهو ما عرضه جاد الكريم الجباعي بتطبيقه على الهويّة الجامعة وذلك بالقول " المجتمع الذّي تتحقّق فيه الهويّة القوميّة هو مجتمع التعدّد والاختلاف والتناقض أو التعارض الذّي يصنع التاريخ الداخلي للأمّة" ولذلك فاختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب والأقاليم هو السمة المميّزة للمجتمع، لأن المجتمع الذي يلغي حرية الفرد يلغي حريته ذاته.
   ويحتاج الأمر حسب مرقص إلى المزيد من الاعتراف والحرية على المستويين الخاص والعام، وقد ميّز بين الفلسفة والأيديولوجيا، فالأولى عنده هي نظرية المعرفة وهذه الأخيرة بالضدّ من الأيديولوجيا، وهي الأخرى ليست حاملة للحق مثلما نقيضها ليست حاملة للباطل (الاشتراكية وعكسها الرأسمالية) وحسب تعبيره "ليس الأيديولوجيا هي التي تنقصنا، بل المعرفة والثقافة والاخلاق والمنطق."
VII
رُكنا المشروع النهضوي لـ الياس مرقص
   يقوم المشروع النهضوي العربي للياس مرقص على ركنين أساسيين هما:
أولهما- الوحدة العربية وهي حسب وجهة نظره ضرورة تاريخية لا غنى عنها للتقدم العربي، ولكنها لوحدها ليست كافية، ولا بدّ من مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي خاص لها، أي أن تكون الوحدة العربية التّي كرّس لها جزءً مهمًا من مشروعه: اجتماعية الأهداف وديمقراطية الوسائل، وثانيهما- العدالة الاجتماعية وتوفير مستلزمات عيش كريم للمواطن للقضاء على الاستغلال وتحقيق الوفرة المادية والرفاه الاجتماعي.
   ولكن ما السبيل للوصول إلى تحقيق ذلك؟ يقول الياس مرقص: إن الأمر يتعلّق ببناء الوعي العربي، وهذا البناء لا بدّ أن يستند إلى ثلاث رافعات هي: الاولى- الإنسانية والثانية- العقلانية والثالثة- الديمقراطية.
   ثم يتساءل من ينجز عملية الوحدة؟ هل الحزب أم الطبقة أم الفئة المعنية؟ يقول مرقص: الوحدة تنجز عبر حركة الأمة وليس حركة طبقات أو فئات أو أحزاب، ويحتاج الأمر إلى مواجهة التخلّف والتجزئة ودون ذلك لا يمكن إحداث التراكم المطلوب، بما فيه مواجهة الإمبريالية والاحتلال الصهيوني.
   إن الوحدة حسب مرقص "عملية مركّبة" لا تُتَّخذْ بقرار لإلغاء الظروف والاختلافات، سواء بالتوحيد "القسري" العسكري أم بعدم الاعتراف بالتمايزات، وإنما تؤسس الوحدة على الاختلاف والتعدّد، وهو اختلاف بين المجتمعات العربية واختلاف بين الأفراد في كل مجتمع.
   لقد انطلق الياس مرقص بمشروعه النهضوي من الفكري وصولًا إلى السياسي، وحسب تعبيره إن بلادنا لن تنهض إلّا إذا تغلّب فيها الفكري"العقلاني" على السياسي أو السياسوي، والسياسة وإن كانت تعني فعل الخير، فإنّها في نهاية المطاف لا بدّ لها أن تنطلق من العقل والعقلانية، ولذلك يصبح الفلسفي شقيق السياسي، والاجتماعي شقيق المنطقي.
   كابد الياس مرقص من هيمنة السياسة على الثقافة، خصوصًا في الفترة الجدانوفية التي رفعت لواء ما سمي بـ"الواقعية الاشتراكية""، وكان ضد حرق المراحل وفي هذا الأمر كان أقرب إلى بليخانوف الذي انتقد "اشتراكية الدولة" وهي الوجه الآخر لرأسمالية الدولة "السياسة الاقتصادية الجديدة NEP" ، واعتبر مرقص أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن سببه البريسترويكا وإنما السياسات المتّبعة ونقص الحرّيات.
VIII
على هامش الحوار القومي-الماركسي
   في جلسة مطوّلة امتدت إلى الثالثة صباحًا في منزلي بدمشق (المزّة) حدثني عن علاقته بالمفكر ياسين الحافظ التي بدأت في العام 1953، وذلك استكمالًا للحوار الذي دار بيننا في طرابلس، وقد سألته عن هذا التلاقح بين العروبة والماركسية فأشار إلى ما كان يردده الحافظ عن الثورة من "إنها حفرٌ في العمق في حين أن الانقلاب نقر في السطح" وذلك بالعودة إلى موضوع حرق المراحل وأحيانًا استخدام أساليب قسرية ولاإنسانية لتبرير عملية التحول الثوري المنشود بزعم أن العنف أحيانًا ضرورة لا غنى عنها، وهو الأمر الذي دفع روزا لوكسمبورغ لانتقاد لينين وتروتسكي بقولها: الثورة ليست حمّام دم ولكن شيء آخر مختلف وإن دكتاتورية حفنة من السياسيين ستؤدي إلى الهمجية في الحياة العامة وإلى الإرهاب وإعدام المعارضين".
   كان ذلك الحديث على هامش الحوار القومي-الماركسي الذي التأم في طرابلس الغرب (ليبيا) في أواسط الثمانيات والذي شارك فيه نخبة متميزة من السياسيين والمثقفين من التيارين بينهم على ما أتذكر:جورج حاوي وجورج بطل (لبنان) ود. عمر علي (رئيس الدائرة الأيديولوجية في اليمن ورئيس الجامعة) أديب ديمتري(مصر) عبدلله العياشي(المغرب)، عربي عواد (فلسطين)، الياس مرقص(سوريا) وعبد الحسين شعبان(العراق).
   ومن القوميين والنّاصريين بتوجهاتهم المختلفة شارك كل من: محمد فايق، كامل الزهيري (مصر)، عبد الرحمان النعيمي (الجبهة الشعبية في البحرين)، تيسير قبعة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، إنعام رعد(الحزب السوري القومي الاجتماعي) ونجاح واكيم (لبنان)، ناجي علوش(فلسطين) وطلال ناجي (الجبهة الشعبية-القيادة العامة) وسمير غوشة وخالد عبد المجيد(فلسطين- جبهة النضال الشعبي)، عوني صادق (فلسطين)، السفير الفلسطيني في طرابلس(فتح) وممثل عن الجبهة الديمقراطية، وأحمد سالم(اليمن).
   كما حدثني عن لقاءات خاصة مع علي صالح السعدي بصحبة ياسين الحافظ في الستينات من القرن الماضي وكيف تم تأسيس "حزب العمّال الثوري العربي" من قبل مجموعة من البعثيين العراقيين ومن تأثّر بهم ممن تمّ طردهم عشية انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر1963 في العراق ومنهم محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وحميد خلخال وحمدي عبد المجيد الذي تحدّث عن بعض مزاياه.
   وكنت قد اصطحبته إلى منزلي بعد أن عرفت أنه سيبقى في الشام إلى اليوم الثاني لعدم وجود سيارة(حافلة) إلى اللاذقية، فقلت له ستبقى في بيتك، وهكذا توجهنا من المطار إلى المنزل، وبعد أن استرحنا قليلًا عرضت عليه الذهاب إلى مطعم أبو صيّاح العجلوني بالربوة وهو مكان تاريخي كان يلتقي فيه القوميون العرب في الخمسينات كما هو معروف، وكنت أتردد عليه أحيانًا، وفعلًا ذهبنا إلى المطعم وأكلنا وشربنا وتحاورنا، وعدنا إلى المنزل لنستكمل الحوار، وقد استيقظ صباحًا ليتوجه إلى كراج السيارات، وبعد ربع ساعة اتصل بي مهدي الحافظ وكان قد وصل الشام يوم وصولنا إليها، فسألني أين كنت فقد حاولت الاتصال بك عدّة مرات يوم أمس فأخبرته بأنني عدت من طرابلس  ومعي الياس مرقص فقال لي كنت أود التعرف عليه، فقلت له لقد غادر إلى اللاذقية قبل قليل، وإذا كنت ستخبرني في المرة القادمة عند مجيئك فيمكننا الذهاب إلى اللاذقية واللقاء به وسنأكل السمك اللّذيذ في مطعم سبيرو الشهير على البحر.
رحيل حزين يختلط بالحزن على بغداد
   وصلني خبر وفاة الصديق مرقص حين كانت الطائرات الأمريكية تقصف بغداد، حيث كانت الحرب قد اندلعت في 17 كانون الثاني/ يناير 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت التي احتلتها قوات النظام السابق في( 2 آب/اغسطس، العام 1990)، وأدّت إلى تدمير العراق وفرض حصار دولي جائر عليه.
   كل شيء كان غائمًا ومضببًا وحزينًا، إلّا أن موت صديق ومفكر بمنزلة الياس مرقص كان له حزن خاص، فهذا الرجل الذي غادرنا سريعًا، وهو لم يتجاوز الستين إلّا بسنتين، وكان في ذروة إنتاجه وعطائه وقمّة تألّقه الفكري والإبداعي، اتّسم بصفات الكبار من العلماء فكان متواضعًا وبسيطًا ومتسامحًا ومحبًا للخير،امتاز بالانفتاح على جميع التيارات متجاوزًا الحساسيات والبلوكات القائمة، بل حاول أن يفتح قناطر بينها من خلال مقارباته وحواراته.
   رحل الياس مرقص وهو نظيف الفكر ونظيف القلب ونظيف اليد ونظيف اللسان ونظيف الهندام، رحل المثقف النظيف وهو نموذج للمثقف العضوي الذي تحدث عنه المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي. ولعلّ الوفاء لذكراه هو إعادة طبع أعماله وجعلها بيد القارئ العربي وقد يكون لقراءتها الراهنة نكهةٌ جديدة، خصوصًا أنه سبقنا في آرائه واجتهاداته، وتلك فضيلته الأولى وهو الذي استحق لقب "المثقف الأول".
***



37

سيادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المحترم،

تحية واحتراماً نرسلها إليكم بإسم "الرابطة العربية للقانون الدولي"، وبعد:

لا يصحّ أن يمرّ هذا اليوم التاسع عشر من نيسان 2021 دون مخاطبتكم، ففي مثل هذا اليوم قبل مائة عام بدأ انعقاد مؤتمر إتّخذ قراراً أنتج بموافقة عصبة الأمم عليه، مشكلة تتفاقم منذئذ، وما تزال هي مشكلة فلسطين .

لقد منح المؤتمر بريطانيا "حق" الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها، وقامت بريطانيا بإشراف من عصبة الأمم، ثم بإشراف من منظمة الأمم المتحدة عام 1948، بعملية تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنها تهجير شعبٍ من وطنه.

قد يقال: هذا أمر تاريخي يعالجه المؤرخون، ولكنّه أمر إنساني لأن المشكلة ما تزال راهنة وقد تُوّجت مؤخراً بفضيحة أخلاقية كبرى قمتم بإدانتها ألا وهي خطوة أقدام الدولة الأولى في تمويل المنظمة التي تتوّلون إدارتها بالموافقة على إعلان ضمّ قسم من أرض سورية إلى أرض كيان قائم بالاحتلال هو "إسرائيل".

قد يقال: كان القانون الدولي يجيز تصرفات كالتي قام بها الإنتداب في فلسطين، إلا أنّ القانون الدولي تقدم وأصبح أكثر شمولاً من الناحية الإنسانية، وإنّما قامت به السلطة الإنتدابية هو بمعيار شرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي يُعتبر جريمة ضد الإنسانية، ولاسيما أن أساليب التغيير الديموغرافي القسري التي نفّذتها السلطة الإنتدابية، ما تزال مستمّرة تقوم بها السلطة القائمة حالياً في فلسطين.

وكما تعلمون يا سيادة الأمين العام كان القانون الدولي لا ينكر شرعية الإسترقاق، لكنّ من المرفوض حتماً أن يتساهل اليوم أي أحد مع مثل هذا السلوك، ولا يصح أن يمضي هذا اليوم دون مخاطبتكم يا سيادة الأمين العام.

إنّ هذه الرسالة التي نوّجهها إليكم بإسم الرابطة العربية للقانون الدولي، هي دعوة لكم لكي تعملوا الفكر وتجروا الإستشارات المناسبة لكي يتم ما هو واجب إنساني ألا وهو إفساح المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في جنيف، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، ونأمل أن تنتظم أعمال هذه الفعالية الحقوقية بتاريخ تموز/يوليو 2022 وهو ذكرى مرور مائة عام على تصديق عصبة الأمم صكّ الانتداب على فلسطين.

أما عنوان الندوة المقترح فهو التالي:"الانتداب على فلسطين: هل هو جريمة ضد الإنسانية؟". وبالطبع يتيح الطابع الاستفهامي للعنوان المجال لمن لا يرى في ما جرى جريمة يتيح له المجال للتعبير عن رأيه.

سيكون من دواعي الغبطة أن نتسلّم ردّكم الذي نأمل أن يكون إيجابياً، علماً بأنّ العديد من المنظمات المدنية والشخصيات القانونية والحقوقية تدعم وتؤيد مثل هذا التوّجه، سواءً على الصعيد العربي أو على الصعيد الدولي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

                        الرابطة العربية للقانون الدولي
                        السبت 10 - نيسان/أبريل - 2021



38
بابا الفاتيكان في العراق: أي رسائل؟
عبد الحسين شعبان

" فلتصمت الأسلحة وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة" هكذا بدأ قداسة البابا فرنسيس كلامه أمام رئيس جمهورية العراق د. برهم صالح. ودامت زيارته ثلاثة أيام (8-5 آذار/ مارس/ 2021) وكانت قد ابتدأت من بغداد إلى أور مسقط رأس النبي ابراهيم الخليل (أبو الأنبياء) ومنها الى النجف (مرقد الامام علي) للقاء السيد علي السيستاني وبعدها إلى الموصل التي شهدت دماراً وخراباً ووحشيةً لا تُصدّق على حدّ تعبيره اثر احتلال داعش في 10 حزيران (يونيو) العام 2014 والذي استمرّ لثلاثة اعوام ونصف، واختتم زيارته بصلاة مفتوحة في بارك سامي عبد الرحمن في إربيل.
تعتبر زيارة البابا إلى العراق تاريخية بامتياز لاعتبارات كثيرة:
- أوّلها:  أنها أول رحلة للبابا خارج الفاتيكان بعد تفشي وباء كورونا " كوفيد 19" في مطلع العام 2020، ولذلك فإن قراره بإختيار العراق جاء بعد دراسة وتمحيص لاعتبارات عراقية وإقليمية ودولية، مثلما هو لاعتبارات دينية لتأكيد علاقة الفاتيكان بالنجف.
- ثانيها: أنّها الزيارة الأولى للحبر الأعظم إلى العراق، فقد أخفق قبله اثنان من رؤساء الكنيسة الكاثوليكية في زيارة العراق، حيث ألغى البابا بنيدكتوس السادس عشر زيارته إلى أور لأسباب أمنية، في حين لم يرحّب النظام السابق بزيارة البابا يوحنّا بولس الثاني، وقد توقّع كثيرون أن يتمّ إلغاء الزيارة لأنها تأتي في ظرفٍ عصيب صحي ونفسي وسياسي واجتماعي وأمني في العراق، إضافةً إلى مداهمة الوباء، فضلاً عن استمرار الاحتجاجات الشعبية، كما وأنّ القصف من جانب المجموعات المسلّحة خارج القانون ما يزال هو الآخر  مستمراً على  السفارة الأميركية والمنطقة الخضراء، الأمر الذي قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، يُضاف إلى ذلك أنّ تفجيرات حصلت في قلب بغداد (ساحة الطيران) عشيّة زيارته (يناير / كانون الثاني 2021) وكانت أوساط عراقية محدودة جداً قد وضعت علامات استفهام على الزيارة ذاتها معتبرة أنّ لها طابعاً دينياً وإعلامياً ظاهرياً وكانت باطنيّاً ذو أبعاد سياسية واقتصادية.
- ثالثها: ان اختيار البابا زيارة العراق وتوجيه رسائل عديدة منه يعني فيما يعنيه أنّ العراق يشغل مكاناً مهماً في الاستراتيجيات الكونية السياسية والروحية، وهي التي دفعت قداسته إلى الإصرار على زيارته في حين أنّ هناك دولاً مهمة لم يقم البابا في زيارتها مثل روسيا والصين.
- رابعها: إنّ الزيارة بحدّ ذاتها تعني رسالة تضامن مع العراق ككل، خصوصا بعد معاناته لسنواتٍ طويلة من حروب ومغامرات وحصار واحتلال وارهاب.
- خامسها: إنّها حملت رسالة تعاطف وتساند ودعم للمسيحيين في محنتهم المستمرّة، وهؤلاء شعروا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الظلام والفوضى والتهجير، وأنّ الفاتيكان يقف بكل ثقله معهم وبقوّة، كما حملت ذات الرسالة إلى الايزيديين الذين عانوا أشدّ المعاناة والتي ما تزال مستمرّة، وهي رسالة للأخوّة الانسانية وللتضامن الإنساني.
- سادسها: إنّ الزيارة هي ضدّ التعصب ووليده التطرف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ وصار سلوكاً سيؤدي إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً، وحين يستهدف خلق حالةٍ من الذعر والهلع لإضعاف ثقة الدولة بنفسها وإضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة يصير ارهاباً دولياً.
- سابعها: أنّها رسالة ضد الطائفية والتمذهب والدعوة للمساواة والتسامح والسلام، فالعراق كبلد يمتاز بالتنوّع الديني والقومي والسلالي واللغوي، مثلما يمتاز بالتعددية والهويات الفرعية، والتي كانت متعايشة ومنسجمة في التطور التاريخي وعلى مدى قرون من الزمان، الأمر الذي يحتاج إلى تعزيز المواطنة المتساوية والمتكافئة دون تمييز أو تهميش أو استعلاء.
- ثامنها: الرمزية الكبيرة التي تحملها الزيارة، حيث أراد البابا تأكيد أنّ وعد البابا يوحنا بولس الثاني لا يزال حاضراً وأنّه شخصيّاً يريد الايفاء به، ولا سيّما بتأكيد أنّ مسقط رأس النبي ابراهيم هو العراق وأنّه عراقي، وليس عبثاً أن يقول البابا مخاطباً العراقيين "جئتكم حاجّاً" في حين يحجّ إلى الفاتيكان ملايين المسيحيين الكاثوليكيين، ويُمثّل قداسته أكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسيحي.
لقد أخطأ النظام السابق حين اعتذر عن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني العام 2000، وكان جواب البابا أن رقّى بطرك الكلدان الكاثوليك إلى رتبة الكاردينالية بحيث أصبح لمسيحيّ العراق حقّ الإنتخاب والترشيح لمنصب البابوية عبر الكاردينال ساكو، علماً بأنّ البابا بولس الثاني في حينها استهجن إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن الحرب على العراق باعتبارها "حرباً صليبية"  واعتبرها حرباً غير مبررة أخلاقياً ودينياً، وهو الأمر الذي أدّى إلى فتور العلاقة بين واشنطن والفاتيكان.
- تاسعها: اللقاء التاريخي بين النجف والفاتيكان، حيث التقى البابا بالسيد علي السستاني أحد أبرز المراجع الشيعة، في تأكيد غير منظور أنّ مرجعية الشيعة هي في النجف تحديداً وليست في قم أو في مكان آخر، والزيارة استمرار ومواصلة للقاء التاريخي بين أهمّ مرجعين روحيين في العالم، يوم اجتمع في أبو ظبي البابا فرنسيس بالدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وكنت آمل أن يزور البابا مرقد الإمام علي  لما له من اعتبارية رمزية وروحانية إنسانية للمسلمين بشكل خاص والمؤمنين بشكل عام، خصوصاً وهو الذي جسّد بُعداً انسانيّاً في رسالته يوم خاطب عامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي بقوله: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
- عاشرها: إنّ الزيارة وما تمخضّت عنه صبّت في مشروع التلاقي المسيحي - الاسلامي والعيش المشترك معاً في المجتمعات المتعددة الثقافات وعلى المستوى العالمي، فالإنسان أخ الإنسان وقد خلقهم الله جميعاً وفقاً للأديان الإبراهيمية والتوحيدية، ولذلك عليهم أن يأخذوا بعضهم بعضاً بالتسامح وعلى أساس المساواة والكرامة والأخوّة الانسانية، وهو ما جسّدته وثيقة أبو ظبي في 4 شباط (فبراير) 2019 والتي تبنّتها الأمم المتحدة في 22 كانون الأول (ديسمبر) 2020 حيث اعتبر يوم 4 شباط (فبراير) من كل عام يوماً عالمياً للأخوّة الانسانية، بتأكيد حريّة المعتقد والحق في الاعتقاد واحترام هوية كل ديانة لأن الجميع تحت سقف الأخوّة وذلك بتجسيد قيم السلام والتسامح، وهو ما تمنّاه البابا للعراقيين إثر زيارته التاريخية.
إذاً، فلتصمت الأسلحة حسب الحبر الأعظم، ولتكن رسالة الدين وفقهه لخدمة البشر عبر الاخوّة والتفاهم والعيش المشترك بغضّ النظر عن الدين والمذهب واللغة والقومية واللون والجنس، والأصل الإجتماعي وهو ما يُمثّل جوهر الفكرة الكونية للحقوق الانسانية.
لقد احتفى العراقيون بمختلف مشاربهم وإتجاهاتهم وأديانهم وقومياتهم وأفكارهم بالبابا واعتبروا الزيارة مناسبة للفرح والغبطة ولإظهار مشاعر المحبة، وليس الدين سوى الحب، وذلك تعويضاً عن الموت والدمار والتفجيرات والدماء والسبي والخطف، وقبل ذلك الحروب والحصار والاحتلال، هكذا استُقبِلَ البابا بالرقصات والملابس الشعبية والاندفاع لملاقاة الضيف الكبير الذي تشرّفت أرض العراق بحضوره.
وقد استعدت بهذه المناسبة احتفاء النجف بالمفكر المسيحي الأمريكي من أصل لبناني "أمين الريحاني" واستقباله الحار قبل 100 عام تقريباً (1922) من طرف المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والمراجع الآخرين من أمثال: الشيخ عبد الكريم الجزائري والشبيبيان الشيخ محمد رضا والشيخ جواد، وكان الجواهري الكبير قد أنشد حينها:
      أرض العراق سعت لها لبنان       فتعانق الإنجيلُ والقرآن
وليس عبثاً أن يكتب البابا وبعد مغادرته العراق (8 آذار / مارس/ 2021) : "العراق سيبقى في قلبي أطلب منكم جميعاً أيها الاخوة والأخوات الأعزاء، أن تعملوا معاً متحدّين من أجل مستقبل سلام وازدهار لا يهمل أحداً ولا يميّز أحداً" فعلى الرغم من جلبة الدمار والدماء فقد كان مشهد أشجار النخيل التعويض الرمزي للشموخ الذي رآه البابا وعبّر عن ذلك بأنه يمثّل رمزية الوطن في النمو وفي إتيان الأثمار، وهكذا أيضاً هو الأمر بالنسبة للأخوّة، لكي لا تُحدث ضوضاء لكنها تُثمر وتجعلنا ننمو، كما قال. وقد ترددّت الأجواء بعطر كلماته:
•   الأخوة أقوى من القتل
•   الرجاء أقوى من الموت
•   السلام أقوى من الحرب
•   المحبّة هي قوّتنا
إنّها قيم جديدة للأخوّة واللّاعنف: فالردّ على الحرب ليس حرباً أخرى، والردّ على السلاح ليست أسلحة أخرى، الجواب هو الأخوّة، وبالتالي المحبّة. لعلّ ذلك بمثابة برنامج عمل لكل من يتوق إلى تحقيق قيم السلام والتسامح والعدل، وينبغي أن يتحوّل إلى خطط ملموسة يتمّ الاعتماد عليها بالتربية والتعليم وإعادة النظر بالقوانين والأنظمة السائدة وإصلاح المجال الديني عبر مواطنة حقيقية وبعيداً عن أي إقصاء أو انتقاص للحقوق الإنسانية.


39
ثقافة المواطنة وفكرة الدولة
عبد الحسين شعبان
لم تترسّخ، فكرة المواطنة في الدولة العربية الحديثة بعد، سواءً على الصعيدين النظري أم العملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة)، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسّسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي.   
وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة كمنجز بشري كبير الأهمية، خصوصاً لجهة حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة بمعناها الحديث ارتبطت بتطوّر الدولة، ولا سيّما خلال القرون الثلاثة الماضية، والأمر يتعلّق بالأبعاد الفكرية والحقوقية والقانونية ووظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة.
ومنذ القرن الثامن عشر اعتمدت فكرة المواطنة بالدرجة الأساس على بناء الدولة، بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد وقيمة الحرّية، بما فيها حرّية السوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوّراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطوّر مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.
    أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى حقوقه المدنية والسياسية التي جرى التوسّع فيها تدريجياً. وقد وجدت هذه الحقوق تأطيراً وتقنيناً دولياً بعد التطوّر الذي حصل على الصعيد العالمي بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948، وقد حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيّما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية، وهو ما شهدته المجتمعات الغربية التي تبلورت فيها الفكرة بعد صراع طويل وتراكم كبير.
1- معاصرة وحقوق
وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمّةٍ في طريق تأمين الحقوق والحريّات المدنية والسياسية، وسارت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحرّيات بالعدالة، وهو الأمر الذي نطلق عليه عنوان "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم على:
أولاً: قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
وثانياً: قاعدة الحرّية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية لجميع الحقوق، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملّك والتنقل وعدم التعرّض إلى التعذيب... إلخ .
وثالثا- قاعدة العدالة بجميع صنوفها وأشكالها، وفي جوانبها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمع الفقر لا تستقيم العدالة، ومع هضم حقوق المرأة ستبقى العدالة ناقصة ومبتورة، ومع التجاوز على حقوق المجاميع الثقافية الإثنية والدينية وغيرها، ستكون العدالة مشوّهة، ولعلّ مقاربة فكرة العدالة يمكن أن يتحقّق من خلال التنمية، وهو ما نقصده "التنمية المستدامة": السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية إلخ، المستندة إلى قاعدة الحرّيات والحقوق المدنية والسياسية، تلك التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لا سيّما التعليمية وتأمين حقوق المرأة و"المجاميع الثقافية" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
رابعاً- قاعدة المشاركة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة أو اللون أو المنشأ الاجتماعي، إذ لا مواطنة حقيقية دون الحق في المشاركة والحق في تولّي المناصب العليا دون تمييز لأي اعتبار كان.
وعلى أساس هذه الحقوق يمكن أن تتعايش هويّات مصغرة (فرعية) مع الهويّة العامة في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق "الأغلبية" من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، على أساس التكامل والتكافؤ والتكافل والمساواة، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب. لقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيّمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق "الأقليات"، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك .
وإذا كانت الحرّية قاعدة أساسية للجيل الأوّل لحقوق الإنسان، لا سيّما فكرة المساواة في الكرامة والحقوق، وبخاصة الحق في الحياة وعدم التعرّض للتعذيب وحق اللّجوء وحق التمتّع بجنسية ما وعدم نزعها تعسفاً، وحق الملكية، إضافة إلى الحقوق والحريات الأساسية، فإن الجيل الثاني لحقوق الإنسان، ارتبط بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص لحقوق الإنسان الصادر عام 1966 والتي تشمل حقوق العمل والضمان الاجتماعي والتعليم وحقوق المرأة والطفل والمشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من منجزاتها وغيرها.
أما الجيل الثالث لحقوق الإنسان فهو يستند إلى الحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من الثورة العلمية – التقنية. ويمكن اعتبار الجيل الرابع ممثلاً بالحق في الديمقراطية، خصوصاً بإجراء الانتخابات والحق في التنوّع والتعدّدية واحترام الهويّات الخاصة، لا سيّما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر بانهيار الكتلة الاشتراكية وتفكيك دولها وبخاصة الاتحاد السوفيتي.
وكان مؤتمر باريس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1990، قد وضع أساساً جديداً لشكل العلاقات الدولية ورسّخ هذا الاتجاه مؤتمر برلين (حزيران – يونيو) 1991 بعد حرب الخليج الثانية، بتأكيد: التعدّدية والتداولية وتشكيل مركز دائم لمراقبة الانتخابات وحرّية السوق، رغم أن القوى المتنفّذة حاولت توظيف هذا التوجه العالمي الإيجابي لمصالحها الأنانية الضيقة .
ولعلّ انكسار رياح التغيير التي هبّت على أوروبا في أواخر الثمانينات عند شواطئ البحر المتوسط، كان بسبب سعي القوى الدولية المتسيّدة في توجيه الأحداث طبقاً لمآربها السياسية ومصالحها الاقتصادية دون مراعاة لحقوق شعوب ودول المنطقة، الأمر الذي عطّل عملية التغيير، تلك التي جرت محاولات لفرضها من الخارج، ولكن على نحو مشوّه خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول ( سبتمبر ) 2001 الإرهابية التي نجم عنها احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003.
ومثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين المواطنة والدولة، وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة المواطنة ببعدها الكوني وأساسها الحقوقي الإنساني قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لا سيّما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية .
المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن – الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حرّيته، الأساس في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتعّزيز مبادئ المساواة والحرّية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوّع والتعدّدية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني في الحقوق والواجبات، وليس بالانقسام أو التشظي أو التمييز.
وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزّز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمّق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوّة رصد من جهة للانتهاكات المتعلّقة بالحريّة والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، الأمر الذي يجعله شريكاً فعّالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لا سيّما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية ، مرتقية السلم المجتمعي والأمن الإنساني، خصوصاً بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار، والمواطن كإنسان في ظلّ الحق والعدل.
ومثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقاً عنها. ورغم وجود تجارب "دولتية" أو ما يشابهها في الحضارات القديمة لدول المنطقة، وخصوصاً حضارة وادي الرافدين، وحضارة وادي النيل، وصولاً إلى العهد الراشدي الأوّل وما بعده، أو عند تأسيس الدولة الأموية بدواوينها ومراتبيتها التي توسّعت وتطوّرت في ظلّ الدولة العباسية، وفيما بعد في إطار الدولة العثمانية في الفترة الأخيرة من تاريخها، حيث تأثّرت بمفهوم الدولة المعاصرة في أوروبا وبالأفكار الدستورية والقانونية الحديثة، لا سيّما بفكرة المواطنة التي اغتنت في القرن العشرين، باعتبارها "حقاً" من الحقوق الأساسية للإنسان.
وإذا كان مفهوم المواطنة جنينياً في الدولة العربية – الإسلامية، فإن هذا المفهوم وتساوقاً مع التطوّر الفقهي على المستوى الدولي، اكتسب بعداً جديداً في الدولة العصرية ومنها الدولة العربية، على الرغم من النواقص والثغرات التي ما تزال تعاني منها قياساً بالتطوّر الدولي. وقد تكرّس مبدأ الحق في المواطنة في أواسط القرن العشرين، خصوصاً بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهدين الدوليين، الأول: الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني: الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران في العام 1966 والداخلان حيّز التنفيذ العام 1976، إضافة إلى العديد من الوثائق الدولية، التي أكّدت: أنّ لكل فرد في أي مكان من العالم الحق في أن تكون له صلة قانونية بدولة من الدول.
ويستخدم مصطلح المواطنة في القانون الدولي، الذي يوازيه مصطلح الجنسية بالتبادل فيما بينهما، حين يتم الحديث عن منح الأشخاص الحق في حماية دولةٍ ما إلى جانب حقوقٍ سياسيةٍ ومدنية، تلك التي تشكل ركناً أساسياً في هويّة الفرد – الإنسان، ويمكن تعريف المواطنة الحيوية أو العضوية بأنها " الحصول على الحقوق والتمتع بها بصورةٍ عادلة".
وإذا كان الحق في المواطنة قد ضمنه القانون الدولي، الذي حظر حرمان أي شخصٍ من مواطنته أو جنسيته التي أكّدتها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصّت على أن: لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية ولا يجوز حرمان إنسان بصورةٍ تعسفيةٍ من جنسيته ولا من حقه في تغييرها، إلاّ أن ذلك لم يمنع من بقاء ملايين البشر في جميع أنحاء العالم بدون جنسية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ الحق في المواطنة، بغض النظر عن أن حالات انعدام الجنسية قد تنشأ من التعارض في القوانين ونقل تبعية الإقليم أو حالات الزواج أو وجود تمييز أو عدم تسجيل المواليد أو إسقاط الجنسية  .
ولعلّ المثل الأكثر سفوراً في العالم العربي، هو تهجير الفلسطينيين منذ العام 1948 وإسقاط حقّهم في وطنهم، وبالتالي جعلهم عرضةً لحالات انعدام الجنسية. ولا شكّ أن انتشار حالات اللاجئين وسوء أوضاعهم هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء مكتب للمفوضية السامية للاجئين كإحدى وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عنهم وللحد من ظاهرة انعدام الجنسية.
وقد عرف الوطن العربي حالات كثيرة من المواطنة المنقوصة، تلك التي تشمل أفراداً أو مجموعات بشرية، وذلك بهضم حقوقها أو استلاب إرادتها أو حرمانها من الحصول على "الحق في الجنسية"، كما حصل للمهجرين العراقيين، لا سيّما عشيّة وخلال الحرب العراقية – الإيرانية وقسم كبير منهم من الأكراد الفيليين، إذْ انتزعت منهم جنسيتهم وصودرت أملاكهم في العراق بحجة التبعية الإيرانية، ولم يُعترف بهم في إيران أيضاً، فعاشوا دون جنسية ودون وطن ومواطنة، وهناك حالات أخرى في سوريا، تلك التي يطلق عليها اسم "المكتومين" وغالبيتهم الساحقة من الأكراد السوريين الذين لم يحصلوا على الجنسية، وبالتالي على حقوق المواطنة، وأما حالات "البدون" فهي معروفة في الكويت وبعض دول الخليج التي حرمت عشرات الآلاف من حقوق المواطنة.
إن الكثير من حالات وإشكالات الحرمان من الجنسية في العالم العربي، شملت رجالاً أو نساءً، ولا سيّما الأبناء بسبب الزواج من أجانب، أو من فلسطينيين أو أشخاص بلا جنسية أو في حالات الطلاق، الأمر الذي جعل الأبناء بلا جنسية، إذْ أن الغالبية الساحقة من قوانين البلدان العربية لا تسمح بالحصول على الجنسية عن طريق الأم، الأمر الذي خلق مشاكل لا تتعلّق بالحقوق المدنية والسياسية حسب، بل بالحق في التعليم والتطبيب والعمل والإقامة، وغير ذلك.
وقد أدركت العديد من الحكومات أنه لم يعد بإمكانها اليوم التملّص من حالات المساءلة بموجب القانون الدولي بإلغاء أو سحب أو حجب حق المواطنة عن الأفراد والجماعات الذين يمكنها إثبات وجود علاقة حقيقية وفعّالة بينهم وبين بلدهم، سواءً عن طريق رابطة الدم "البنوّة" للآباء، على الرغم من أن العديد من البلدان العربية ما زالت تحجب هذا الحق عن الانتساب إلى جنسية الأم، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعطي مثل هذا الحق، إضافة إلى إمكان الحصول عليه عن طريق ما يسمّى بـ"الأرض"، أي "الولادة" في الإقليم، أو حتى الحصول على جنسيته ومواطنته لاحقاً أو اكتساب الجنسية، نظراً للإقامة الطّويلة والمستمرّة والتقدّم بطلب إلى السلطات المسؤولة عن ذلك .
وإذا كان انشغال النخب العربية بفكرة "الأمّة الإسلامية" أو "الجامعة الإسلامية" في القرن التاسع عشر وربما في بدايات القرن العشرين، فإن الانبعاث القومي العربي بدأ يتعزّز لاحقاً، حيث بدأت النخبة الثقافية والتنويرية الإسلامية والعلمانية، الاهتمام بالفكرة الحديثة عن الدولة التي تعتبر المواطنة أحد مظاهرها الأساسية، فالشعب والحكومة والأرض والسيادة أركان الدولة وعناصر وجودها، التي تستقيم وتتعزّز في ظلّ احترام الحقوق والحريّات وتكريس مبدأ المساواة الكاملة والمواطنة التامّة في إطار سيادة القانون.
وبالإمكان القول إن الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصراً واستعلائياً في نظرته إلى المواطنة و"الأقليّة"، وهذه النّظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة، فـ"الأقلية" قومية أو دينية حسب وجهة النظر هذه، قد تكون "متآمرة" أو "انفصالية" أو تاريخها غير "مشرّف" أو "مسؤولة عن كوارث الأمة" أو غير ذلك من الأفكار السائدة التي تأخذ الأمور بالجملة وعلى نحو سطحي، دون الحديث عن جوهرها لا سيّما: الحقوق والمساواة والحرّية وتكافؤ الفرص والمواطنة العضوية القائمة على قاعدة العدل. وقد أضعفت هذه النظرة من مفهوم المواطنة، خصوصاً في ظل ضغوط اجتماعية لتشكيلات ما قبل الدولة، وهي في الغالب مسنودة بالمؤسسة التقليدية العشائرية والدينية في الكثير من الأحيان.
واستندت الدولة العربية الحديثة حتى في إطار ما يسمّى بـ"الأغلبية" على بعض النخب "الأقلويّة" على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، ولذلك أصبحت دولاً "سلطوية" أو "تسلّطية"، لا سيّما بغياب مبادئ المساواة وتهميش "المجاميع الثقافية" وحجبها عن حق المشاركة، والهيمنة على "الأغلبية" وإبعادها عن الحكم، والاستعاضة عن ذلك بأقلوية ضئيلة، على حساب مبدأ المواطنة.
وظلّ المجتمع العربي يعاني من الموروث السلبي بما فيه الديني الذي جرت محاولات لتوظيفه سياسياً بالضدّ من تطوّر فكرة المساواة والحرّية والعدالة، وصولاً للمواطنة الكاملة والتامّة باتجاه المواطنة العضوية أو الديناميكية، خصوصاً في النظرة الدونية إلى المرأة، وعدم الإقرار بالتعدّدية السياسية والفكرية والاجتماعية والقومية والدينية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ المواطنة .


2-  المواطنة والدولة : التاريخ القانوني
يعود جذر كلمة المواطنة إلى الوطن، وهذا الأخير يكاد يكون ملتبساً أو متماهياً مع مفهوم الدولة، فالدولة هي الإطار التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وبالطبع فهي تختلف عن نظام الحكم أو الحكومة بمعنى السلطة.
الوطن هو "المتّحد" الجغرافي الذي تعيش فيه مجموعات بشرية، قومية ودينية وسلالية ولغوية متنوعة ومختلفة. أي هناك (شعباً) يسكن في أرض (الإقليم) ولديه سلطة أي (حكومة) ويتمتع بالسيادة، أي بحقه في حكم نفسه بنفسه. وهذا المفهوم أقرب إلى فكرة الدولة العصرية.
والوطن بهذا المعنى ليس علاقة عابرة أو ظرفية أو مؤقتة، وإنما هو مجموعة العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية المحدّدة في إطار هويّة معيّنة عمودياً وأفقياً، فكل إنسان لا بدّ أن يولد في وطن أو أن يكون موجوداً فيه أو منتمياً إليه، ولكن الإنسان لا يولد مواطناً، بل يكتسب هذه الصفة داخل مجتمعه وفي إطار حدود ما نطلق عليه الدولة بالمفهوم الحديث من خلال مشاركته واعتماداً على مبادئ الحرّية والمساواة والعدالة.
والمواطنة في نهاية المطاف هي مجموع القيم الإنسانية والمعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما نطلق عليه مصطلح المواطنة العضوية .
أما مفهوم الجنسية الذي يرتبط بالمواطنة بوصفها رابطة قانونية وسياسية وأداة للتمييز بين الوطني والأجنبي، فلم يظهر إلاّ في وقت متأخر ويرجعه البعض إلى بداية القرن التاسع عشر ، وقد تعاظم الاهتمام بذلك بتوفير الحماية الفعالة للأفراد.
وإذا كانت الرابطة بين الفرد والجماعة سابقاً تقوم على اعتبارات دينية أو تاريخية "انحدار من أصول معينة" أو الإقامة في رقعة جغرافية بصورة استقرار دائم، فإن العلاقة اتخذت شكلاً آخر في الدولة الحديثة، لا سيّما في إطار فكرة المواطنة.
ففي العهود القديمة كانت الأسرة هي التي تمثل الخلية أو الوحدة التي يجتمع في نطاقها الأفراد، وعن طريق تجمع الأسر تنشأ العشيرة أو القبيلة التي تجمع الأصول العائلية والديانة والاستقرار.
أما مفهوم الأجنبي سابقاً فهو يختلف عن مفهوم الأجنبي حالياً، ففي تلك العهود كان مفهوم الأجنبي هو كل من لا يرتبط مع أفراد القبيلة أو العشيرة بالعوامل المذكورة، مما كان يمكن اعتباره عدواً يستحق القتل أو خصماً يستوجب إبعاده، وظلّت العوامل والأسس العرقية سائدة حتى بعد اجتماع العشائر أو القبائل في مدينة واحدة يحكمها شخص أو مجموعة أشخاص كما هو شأن أثينا وسبارطة، وإذا ما أردنا العودة إلى أبعد من ذلك، فيمكن البحث في الحضارات القديمة، سواء في بلاد الرافدين أو في بلاد النيل أو الحضارة الصينية القديمة والحضارة الهندية القديمة، أو غيرها.
في كتاب "القوانين" يخضع أفلاطون القانون لصالح المجتمع أكثر مما يخضعه للأخلاق السامية المجرّدة. أما أرسطو ففي كتابه "السياسة"، فإنه يؤكد على ضرورة أن تكون القوانين رشيدة وتلائم "مجتمع الدولة" .
كان المواطنون في بعض المدن اليونانية يتمتعون بحقوق المساواة أمام القانون Isnomia واحترام متعادل للجميع Isotimia وحقوق متساوية في التغيير Isogoria، وتلكم هي الحقوق الأساسية التي أصبحت معروفة في عالمنا المعاصر .
لكن ذلك لم يمنع التمييز بين السادة (النبلاء) وهم المواطنون والعبيد وفئة ثالثة هي المحاربون أو الجند. وقد اعتقد اليونانيون بتفوقهم على سائر الشعوب لذلك كانت الحروب والفتوحات هي أساس العلاقة مع الغير، الآخر، الأجنبي.
أما الرواقيون وهم الذين اهتموا بالكون والأخوة العالمية فقد حاولوا أن يربطوا هذه "الحقوق" بعقل الكائن البشري، في محاولة لتحجيم التمييز.
وفي العهد الروماني فقد كان التمييز بين ثلاثة طوائف:
1- المواطنون، وهم الرومان من سكان عاصمة الإمبراطورية.
2- الرومان خارج مدينة روما، ويطلق عليهم اللاتينيون، وإن كان لهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، إلاّ أن الأمر يتوقف على تجنيسهم.
3- البرابرة أو طائفة الأجانب، وهم سكان المناطق المحتلة الذين يخضعون للإمبراطورية الرومانية، فهؤلاء يتبعون لقانون خاص بهم يسمى قانون الشعوب Jus Gentium وهو يعتبر استمراراً لفكرة القانون الطبيعي اليونانية التي اقتبسها شيشرون من الفلسفة الرواقية، بالتأكيد على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه  وفي الواقع فلم يكن رعايا الشعوب يتمتعون بأية حماية قانونية.
وفي القرون الوسطى وبعد تفتّت المجتمع اليوناني – الروماني، لعبت الكنيسة بإمكانياتها وتنظيمها دوراً كبيراً في تنظيم المجتمع، حيث قال القديس أوغسطين الذي عاش في القرن الخامس، وأنتج أعمالاً متميزة أن "العدالة الحقة" لا توجد في دولة ملحدة، مميزاً بين Concordia و Justicia أي بين "العدالة والحق".
وخلال فترة هيمنة الإقطاع ازداد ارتباط الفرد بالأرض بحيث أصبح الشخص تابعاً للإقطاعية التي يحكمها أمير أو سيد إقطاعي يملك الأرض ومن عليها. ففي هذه الحالة اختفى التمييز الذي كان سائداً بين المواطن أو الوطني والأجنبي، حيث كانت سلطة الإقطاعي تنسحب على سكان المقاطعة بكاملها، وكان حكم كل أجنبي أن يغادرها خلال فترة محددة بموجب أمر من الإقطاعي، لكن الأمر اتخذ منحىً آخر بصعود الأنظمة الملكية التي ألغت النظام الإقطاعي، وأصبح الأشخاص يرتبطون بالملك الذي يعتبر حاميهم والمدافع عنهم، في حين كانوا يدفعون له الضرائب ويؤدون الفروض العامة، مرتبطين بشخصه على نحو دائم وأبدي لا انفصام فيه. وقد اتسم عصر النهضة وبخاصة القرنين السادس عشر والسابع عشر باتساع ساحة الفكر السياسي والقانوني لمفكرين كبار مثل جان بودان في فرنسا وهوغو غروشيوس في هولندا وهوبز ولوك في انكلترا وغيرهم.
فقد اهتم بودان بفكرة السيادة في حين أعار غروشيوس اهتمامه للقانون الدولي ولفكرة الدولة والقانون، مؤكداً أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي، وذهب هوبز إلى تأكيده على تلازم الحرّية والضرورة وينبغي على الحاكم أن يسدّ احتياجات الرعية.
أما جان جاك روسو الذي هيأت أفكاره للثورة الفرنسية وبخاصة كتابه "العقد الاجتماعي" ومونتسكيو وكتابه "روح القوانين"، فقد اتخذ اتجاهاً آخر، فحسب روسو في نظرية العقد الاجتماعي، أن للأفراد حقوق قبل أن يكونوا في مجتمع منظم، وأن بعض هذه الحقوق غير قابلة للتصرف وعلى الدولة مراعاتها ليس بسبب شروط العقد حسب، بل بسبب طبيعة الإنسان، في حين دعا مونتيسكيو إلى فصل السلطات باعتباره حجر الزاوية في تحقيق الحرية مشدداً موضوع الرقابة على السلطات، بينما أكّد روسو على مفهوم سيادة الشعب، وإذا كان الناس يولدون غير متساوين، فإنه بموجب العقد الاجتماعي يصبحون متساوين. وقد ذهب الفيلسوف الألماني كانط إلى تأكيد مفهوم الحرية الأخلاقية للإنسان ودور العقل مشيراً إلى إلزام الفرد ببعض التقييدات على حريته تأميناً لحرية الغير .
3 –     الإسلام: جنينية الدولة والمواطنة
إذا كانت هذه المقدّمات ضرورية للتفريق بين حقوق المواطن وحقوق الأجنبي في موضوع الجنسية والمواطنة، فلا بدّ من وقفة سريعة عند تطوّر مفهوم المواطنة في الإسلام، خصوصاً في إطار الدولة العربية – الإسلامية، فالدولة في عهد النبي محمد  بلورت وبخاصة عبر القرآن الكريم قواعد جنينية سياسية ودينية وقضائية لتنظيم المجتمع، كما ساهمت السنّة النبوية أي أحاديث الرسول  في الإجابة على الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع الإسلامي.
وتطوّر الأمر في عهد الخلافة الراشدية وبخاصة في عهد الخليفة أبو بكر التي دامت نحو سنتين. وترسخت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سواءً ما يتعلق بقضية العطاء في الغنائم أم بامتيازات المواطنة وبخاصة المحاربين، حيث اعتمد الخليفة الأول مبدأ المساواة دون اعتبار للقدم والدخول في الإسلام أو القرابة من النبي  أو البلاء في الحرب من أجل الإسلام، الأمر الذي خلق إحساساً اسمياً بالمساواة، شجع العديد من غير العرب على الالتحاق بالجيش الإسلامي  .
أما أمور القضاء فقد جرى تقاسمها بين الخليفة عمر بن الخطاب  وقضاة متخصصون عيّنهم لهذا الغرض، كما استحدث منصب مسؤول بيت المال، وسنّ عمر عدّة قرارات، منها مراتبية للإعطيات، كما أوجد ديواناً خاصاً بالجند، مشدّداً على مبدأ القِدَم في الإسلام، والبلاء في خدمته، والانتماء العربي كمعيار للمواطنة أو لمفهوم الجنسية المعاصر.
واتّخذ الخليفة الثالث عثمان بن عفان  التصنيف الذي اتبعه عمر بن الخطاب  دليلاً للانتماء والمواطنة، بل زاد في تضييقه خصوصاً بشأن تفضيل دور قريش التي نالت حصة الأسد في إعادة التعيينات السياسية والعسكرية، وهو النهج الذي حاول الإمام علي  التوقّف عنده، إلاّ أن اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين معاوية، أثّر في عناصر الاستقطاب والولاء، وقد شعر بعض الموالين بالغبن الشديد، بالرغم مما قدّموه للإسلام، فقد جرى "التمييز" بحقهم، في حين دعا الإسلام ويدعو إلى المساواة وفقاً لقول الرسول "لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" و"الناس سواسية كأسنان المشط". وهؤلاء رغم "إسلامهم وإسهامهم في دفع الديات والمشاركة في القتال وفي الأمور العامة، فقد أُغلقت دونهم في القرن الأول للإسلام على الأقل الوظائف التي تعني الولاية لا غير، كالإمارة والقيادة والقضاء، وأن تولي بعضهم القضاء فقد ندر من تولى مناصب إدارية وعسكرية هامة" .
وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً يسعى لبسط نفوذه على العالم أجمع، إلاّ أنه رغم نزعته الإنسانية فقد كان ينظر إلى العالم في علاقاته الدولية انه منقسم إلى قسمين:الأول دار الإسلام والثاني دار الحرب، فالدار الأولى تعني الأقاليم التي يبسط المسلمون عليها ولايتهم، وتضم إلى جانب المسلمين أشخاصاً من غير المسلمين، وهم الذميون والمستأمنون. الذميون هم أهل الكتاب، فضلوا الاحتفاظ بديانتهم الأصلية مقابل دفع الجزية، ولذلك فهم مواطنون يتمتعون بالحماية والعيش بأمان، ولكن بشروط في كنف الدولة الإسلامية.
أما المستأمنون، فهم القادمون من دار الحرب إلى دار الإسلام أي إنهم "أجانب" دخلوا إلى دار الإسلام بإذن من الدولة الإسلامية سواءً كان لغرض التجارة أم غيرها  . أي أن هناك فرقاً بين الذمي والمستأمن، فالذمي من رعايا الدولة الإسلامية، احتفظ بدينه مقابل الجزية والأمان، أما المستأمن فهو الذي جاء من دار الحرب لظرف خاص أو طارئ أو مؤقت، والمستأمنون ليسوا مواطنين أو من رعايا الدولة الإسلامية.
ودار الحرب هي التي لا تمتد إليها الولاية الإسلامية، ولا تُطبق فيها الشريعة الإسلامية، بل إن لها نظامها الخاص، وقد انعقدت بين دار الإسلام ودار الحرب معاهدات سلام أو هدنات وأطلق عليها (متعاهدة) أو أنها تكون في حالة حرب مع الدولة الإسلامية.
وإذا كانت هذه المقاربة لمفهوم وتطوّر الجنسية كوجهة نظر معاصرة لفكرة المواطنة أو الرعوية أو غيرها، فإن المفهوم الحديث للجنسية في العالم العربي، لم يظهر إلاّ في سنوات متأخرة بفعل الاحتكاك مع أوروبا وبقصد التمييز بين مواطني الدولة الإسلامية وغيرهم من الأجانب.
وإذا كان مصطلح "المواطنة" و" المواطن" citizen (أي الفرد المشارك في الشؤون المدنية والسياسية بحرية) غريباً تماماً في الإسلام على حد تعبير برنارد لويس فلم تعرفه اللغات العربية والفارسية والتركية، حيث يرجع ذلك إلى غياب فكرة المشاركة للمواطنة، وفكرة المشارك للمواطن، لكنّ هناك من يعتبر وجود المسلم رديفاً لكلمة المواطن الحديث، وهو المصطلح الإسلامي الذي يعني انتماء الفرد في بدايات المجتمع الإسلامي والتمتّع بعضوية كاملة وفورية في المجتمع السياسي بالمعنى الإيجابي للمواطنة النشطة على كونه مسلماً  .
وكان الإسلام الأول وبخاصة في عهد النبي يولي اهتماماً كبيراً لرأي المسلمين، الذين كانوا يعبّرون في لقاءاتهم اليومية لخمس مرات (أوقات الصلاة) في مقر الحكومة أو البرلمان في الجامع (بمشاركة نسوية ملحوظة) عن تبادل الرأي والاستماع إلى رأي المسلمين والردّ على تساؤلاتهم، حيث كان بمقدور أي فرد إثارة أية قضية يرغب فيها، لكن توسّع وانتشار الدولة الإسلامية وامتداد سلطانها إلى أقاليم بعيدة وبخاصة العراق ومصر، اضطرّ هؤلاء إلى تصريف أمورهم بأيديهم بعيداً عن الرأي اليومي والحوار المستمر بين مركز الدولة وقيادتها العليا وبين المواطن، وتدريجياً بدأت البيروقراطية والمؤامرات السياسية تبعد المواطن (المسلم) عن المشاركة في تصريف أمور الدولة .
وظلت فكرة التمييز بين حقوق "المسلم" و"الغريب" أو "المقيم" من غير المسلمين مستمرة حتى العصر الحديث، حيث تداخلت ايجابيا لصالح الأخير بفعل ضغوط غربية للحصول على ما يسمى بنظام الامتيازات Capitulation من الدولة العثمانية للأجانب وبخاصة للمسيحيين، حيث كان الغرب يعلن الرغبة في توفير حماية خاصة لهم ورعاية مصالحهم الدينية والسياسية، وهو ما أعطى انطباعاً أحياناً بأن غير المسلمين الذين حظوا بدعم الغرب تجاوزوا خط الدفاع عن مبدأ المواطنة الكاملة أو المتساوية مع غير المسلمين، إلى الحصول على امتيازات تحت حماية القوى الأجنبية، علماً بأن حلف الفضول، الذي نعتبره مع الدكتور جورج جبور أول رابطة لحقوق الإنسان (590 – 595 ميلادية) أكّد على التزامات لفضلاء مكة المجتمعين في دار عبدالله بن جدعان، فحواها: أن لا يدعوا مظلوماً من أهل مكة (أي مواطن) أو من دخلها من سائر الناس (أجنبي) إلا ونصروه على ظالمه وأعادوا الحق إليه، وقد تأسّس الحلف إثر ظلامة لحقت بتاجر يمني في مكّة، فاجتمع الفضلاء لنصرته.
ويعتبر حلف الفضول الحلف الوحيد الذي أبقاه الرسول  بعد قيام الدولة الإسلامية من بين أحلاف الجاهلية، وقد جاء على لسان النبي يقول: شهدت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو أنني دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت .
ربّما يعود جزء من ذلك إلى أن بعض المواقف الإسلامية لم تكن "توافق" أو تؤيّد فكرة إقرار مبدأ المواطنة الكاملة صراحة لغير المسلمين، وهو الموقف الذي انعكس لدى البعض من موضوع القوميات والأقليات الدينية والإثنية واللغوية والمذهبية أحياناً، ولعلّ موقف بعض القوى التقليدية المتشددة كان الأقرب إلى هذه المواقف، ونعني بها الموقف الملتبس والذي لا يقر مبدأ المساواة التامة والاعتراف بحقوق الغير في المواطنة الكاملة ضمن القواعد المعترف بها في القانون الدولي ولوائح ومواثيق حقوق الإنسان .
يمكن القول إن تطوراً بطيئاً حدث باتجاه إقرار حق المواطنة الكاملة لدى بعض المفكرين الإسلاميين، على الرغم من أن المسألة لا ترتقي إلى الحق الدولي المنصوص عليه في لوائح حقوق الإنسان، وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من المفكرين الإسلاميين مثل فهمي هويدي وطارق البشري وسليم العوّا وأحمد كمال أبو المجد وراشد الغنوشي ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله  وغيرهم.
ورغم محاولات التجديد فإن الاتجاه الإسلامي السائد ما زال ينتقص من مبدأ المواطنة الكاملة التي يقصرها على الانتساب الديني والإقامة، فالمسلمون غير المقيمين في الدولة الإسلامية وغير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، وربما يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الإسلامية، لكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلم مناصب رئيسية في الدولة مثل رئاسة الدولة ورئاسة القضاء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها .
أما التجربة الإسلامية، فيمكن التوقف عند الثورة الإسلامية الإيرانية التي أحدثت في العام 1979 انعطافاً جديداً  استلام الإسلام السياسي للسلطة، حيث أنشأت مؤسسات متساوقة مع الموجة "الديمقراطية": برلمان وانتخابات رئاسة ومنذ انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية خرجت من مرحلة الثورة، لتدخل مرحلة الدولة، ولم يكن ذلك بمعزل عن صراع سياسي وفكري حاد داخل أوساط التيار الديني، وقوفاً ضد التيار الإصلاحي الذي قاده السيد محمد خاتمي، في ظل تصاعد موجة شديدة للتيار المحافظ الذي يحاول إحباط خطط التغيير والإصلاح... إلخ، لكن شرط الدستور الذي نصّ على التحدّر الفارسي واجه انتقاداً شديداً لاستثنائه المسلمين غير الفرس في الترشّح لرئاسة الجمهورية، ناهيكم عن الشروط الخاصة بولاية الفقيه أو مجلس صياغة الدستور أو تشخيص مصلحة النظام، وهو ما ينتقص من مبدأ المواطنة والمساواة.
أما التجربة الثانية فهي التجربة السودانية التي جاءت إلى الحكم عام 1989 وقد سارت نحو تقليص التعددية السياسية والفكرية والدينية واللغوية عملياً، لكن الدستور أقرّ في العام 1998 حاول الانفتاح باتجاه إقرار مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الدين، لكنه ظل محافظاً من حيث الجوهر على الخصائص العامة لتوجهات الحكم الإسلامي، وهو على غرار دستور إيران يحتوي على بعض الشروط الإسلامية التي تقر بصيغة للمساواة النظرية دون أن ترتقي إليها فعلياً أو تقاربها .
   ولعلّ تطوراً خطيراً  حصل في مصر بعد ثورة 25 يناير العام 2011 والإطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك، حيث نجح "الأخوان المسلمون" في الانتخابات وحاولوا "أخونة" الدولة و"أسلمة" الدستور، الأمر الذي أثار ردود فعل شديدة ضد هذا التوجه، فقد سعوا إلى قيام دولة دينية محكومة بالشريعة وإن كان بالتقسيط، ولأنهم كانوا أغلبية في لجنة صياغة الدستور، فقد حاولوا فرض توجههم ، وبالفعل  فقد تم الاستفتاء على الدستور العام 2012  في ظلّ هيمنة شديدة على المشهد السياسي التي كرّست نهج الإقصاء والانعزال الذي اتسم بالغرور وعدم الواقعية.
   وهو ما دفع الشعب المصري لتصحيح مسار الثورة في 30 حزيران (يونيو) والتي توجت بعملية التغيير التي قادها الجيش في 3 تموز (يوليو) 2013. وهكذا تم إلغاء دستور الأخوان بعد استفتاء جديد على دستور آخر أعدّته لجنة دستورية متنوّعة ضمّت 50 عضواً، حيث تم عرضه على الاستفتاء في العام 2014 فحاز على الأغلبية الساحقة (98% من المصوتين الذين بلغت نسبتهم 38%)  .
   أما في تونس ، فعلى الرغم من أن حزب النهضة كان قد فاز بالانتخابات إلا أنه كان يخشى أن يتكرر معه المشهد الأخواني المصري، ولهذا السبب حاور وداور وناور لإبعاد شبح تنحيته ، علماً بأن الدستور التونسي الذي تم إقراره في 26 كانون الثاني (يناير) 2014 يعتبر متقدماً على جميع الدساتير العربية ، خصوصاً بإقراره صيغة الدولة المدنية، وكان ثمرة من ثمرات دينامية المجتمع المدني التونسي التي ضمّت بشكل أساسي اتحاد الشغل ونقابة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .
   وفي العراق  فقد تحوّلت الدولة العراقية بعد العام 2003 من دولة بسيطة إلى دولة مركّبة ومن دولة مركزية إلى دولة اتحادية " فيدرالية"، وذلك وفقاً لـ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور الدائم فيما بعد، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005 . وعلى الرغم من أنه اشتمل على إيجابيات تتعلق بالحقوق والحريات ومبادئ المواطنة واستقلالية القضاء وتداولية السلطة وإقرار التعددية، لكن الألغام التي احتواها والقنابل الموقوتة التي في داخله يمكن أن تنفجر في أية لحظة، خصوصاً في ظلّ فشل العملية السياسية التي تأسست منذ الاحتلال إلى لحظة كتابة هذه الدراسة .
   فحتى الآن ثمة عقبات جدّية داخلية وخارجية وقفت في طريق تحقيق المواطنة المتكافئة من أبرزها صيغة المحاصصة الطائفية والإثنية التي كرّسها الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر في مجلس الحكم الانتقالي، والتي تم تثبيتها في الدستور الدائم تحت عنوان "المكوّنات" وهي التي وردت في الديباجة (مرتان) والمواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى وجها آخر للصيغة الأولى.
   وقد أكّدت حركة الاحتجاج الواسعة في العديد من البلدان العربية منها اليمن وليبيا وسوريا وآخرها في العراق ولبنان أن المواطنة لا تستوي مع المحاصصة، مثلما لا تستقيم الهويّة العامة الجامعة بالمحاصصة أيضاً، فالمواطنة والهويّة موجودتان أساساً في المجال العام المشترك للحياة اليومية في الأحياء والشوارع والجامعات وأماكن العمل والمرافق العامة والخدمات في الصحة والتعليم والإدارة والبيئة والبلدية وكل ما يشكّل مشتركاً للجميع، ففي تلك المجلات المدخل الحيوي الجامع للمواطنين وللهوّيات المختلفة المؤتلفة والمندرجة في إطار مواطنة متكافئة، وهو ليس شأن الدولة فحسب، بل شأن المجتمع أيضاً وقواه المحرّكة، ويمكن أن يسهم به المجتمع المدني، فالشأن العام بحاجة إلى تربية أيضاً، أي الشعور بالمسؤولية والمشاركة في كل ما حولنا، من احترام القواعد الناظمة للعلاقات إلى معالجة المشكلات بالحوار والسلم، إلى وضع  الخطط والبرامج لحياة نوعية أفضل.
   وفي الختام فإن أي مواطن معني بثلاث قضايا: علاقته بالدولة كيف تؤطر، ثم مشاركته في اتخاذ القرار، أي وفق أي صيغة دستورية، وأخيراً مسؤوليته كعضو فاعل في المجتمع ودوره في المشاركة الحيوية، باعتبار أن كل ما يدور في الدولة والمجتمع أمور تعنيه. وتتكوّن هويّة المواطنين من السمات المشتركة والجامعة خارج دائرة الأيديولوجيات والأديان والطوائف، وهي هويّة غير استناسبية وغير دوغمائية أو أيديولوجية، بل عفوية تلقائية صميمية ، من خلال المشتركات والقيم التي يجتمع المواطنون عليها، وبالطبع فاللغة ركن أساس من أركانها والذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والدين والعادات والتقاليد والآداب والفنون التي نشأوا عليها.
   أما صفة المواطنة فهي تلتصق بالمدنية وهو ما جاء في لسان العرب، فالوطن هو المشترك ومكان الإقامة ، سواء ولد فيه الإنسان أم لم يولد، والمواطنة أساسها المعايشة والمشاركة في هذا الوطن، أي المشاركة في العيش معاً، والتي يترتب عليها مسؤوليات اجتماعية وثقافية تتجاوز مسألة الأرض، لأنها تشمل العلاقات ونمط العيش والتفكير والحقوق، ناهيك عن شكل من أشكال الارتباط في إدارة الشؤون العامة ، وتحتاج هذه إلى برامج عمل ثقافية وتربوية وتعليمية لتحديد مكوّناتها وأسسها مثل: العلاقة بالمكان، العلاقة بالأشخاص الذين يسكنون هذا المكان ، العلاقة بمن يحكم هذا المكان ويدير الشؤون العامة أي علاقة المواطن بالدولة وذلك جزء من ثقافة المواطنة التي ينبغي أن تنمّا من خلال تنمية فكرة الدولة وتعزيز مشروعيتها بسيادة القانون وشرعيتها من خلال رضا الناس ومنجزها التنموي .







40
ظلّت طنجة الحلم الذي يُداعب عيونه
الجواهري وحكاية "طوق الكفاية الفكرية"
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي

في تموز (يوليو) 2019 لبّيتُ دعوة كريمة من "مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغيّة بطنجة" المعروف بـ"مهرجان ثويزا" للمشاركة في مجموعة محاضرات عن "كارل ماركس... اليوم" مع نخبة من مفكّرين ومثقّفين مغاربة وعرب، بينهم عبدالإله بلقزيز وفوّاز طرابلسي ونور الدين العوفي. وما أثار انتباهي في تلك المدينة التي أطلق عليها الشاعر الكبير الجواهري "مدينة الغنج والدلال" والتي أزورها على نحو مستمر منذ ربع قرن من الزمان هو الاحتفاء الكبير بماركس وتفاعل الجمهور المتطلّع إلى رؤية استشرافية نقدية جديدة له ولأعماله أيضًا وللتجربة السالفة بما لها وما عليها من محاولة تلمّس طريق جديدة وأساليب جديدة.
عودة ماركس
وكنتُ قد بدأت محاضرتي الموسومة "عودة ماركس" بالحديث عن الشاعر محمد مهدي الجواهري، وقصيدته عن طنجة التي "ينطلق الليل من جفنيها وينفرج الصبح عن نهديها" وقد وعدت القارئ العودة إلى حكاية الجواهري مع المغرب المثيرة والملتبسة خلال زيارته اليتيمة  تلك العام 1974، والتي حرّكت بعض الأوساط لتوجيه انتقادات شديدة للجواهري، تارة لاتّهامه بأنّه مدّاح الملوك وأخرى ليساريّته، مثلما استهدف بعضها دقّ إسفين بينه وبين السلطة في بغداد التي دعته للعودة من غربته التي دامت 7 سنوات عجاف على حدِّ تعبيره، وكرّمته ومنَحته راتبًا شهريًّا يرقى إلى راتب وزير في تلك الأيام، ولأنّ ذلك أغاض بعض الأوساط داخل السلطة وخارجها، فانبرى قسمٌ من الأدباء والمثقّفين العرب، بتحريض وتأليب مباشر أو غير مباشر لشنّ حملة عليه، وهو ما سنأتي للحديث عنه.
أمّا قصيدته عن طنجة فيقول فيها:
للهِ دَرّكِ "طَنْجُ" مِن وطنٍ      وقفَ الدلالُ عليهِ والغنجُ
الليل عن جفنيك منطلق       والصبح عن نهديك منفرجُ
تتخالف الألوان في شفق      ويلمّـها غـسق فـتـنـمزجُ
قلتُ مقتفياً أثر الجواهري في تلك الأصبوحية التمّوزيّة أنّ طنجة التي تحتفي اليوم بعودة ماركس، وإن تخالفت الألوان في شفقها، لكنها تعود وتلتئم في غسقها بامتزاج عجيب، وهكذا هي الرؤى حول ماركس، الذي يبقى الحلقة الذهبية الأولى في "التمركس" وبين "الماركسية" من بعده، أي "المادية الجدلية" وصنوها "الماديّة التاريخيّة"، خصوصًا بالبراكسيس والتجربة العمليّة وما أفرزته، بما ينسجم ويتناسق مع تطورات عصرنا وعلومه، علماً بأنّ العالم يدخل اليوم الطور الخامس من الثورة الصناعيّة في ظلّ العولمة، بتكنولوجيا الإعلام والمعلومات وثورة الاتصالات والمواصلات والقفزة الرقميّة "الديجيتيل" والتحوّل في "منظومة القيم في العصر الرّقمي"، وهو عنوان آخر لقراءة ماركس... اليوم.
محمد شكري
لا يمكن ذكر طنجة دون استحضار الروائي المغربي محمد شكري "الشحرور الأبيض" وغوايته، وخصوصًا روايته الذائعة الصيت "الخبز الحافي" التي اشتهرت مثل حياته المثيرة، فضلًا عن "مطعم اللونغوستينو" الذي كان مستقرًّا له، خصوصًا في آخر أيّامه لقربه من شقّته والذي أصبح لاحقًا "مطعم الخبز الحافي" وهو أقرب إلى متحف يضم آثار محمد شكري ويؤرّخ لحياته لما فيه من وثائق ورسائل وصداقات وقصاصات، وفي كل زيارة لي إلى طنجة لا بدّ أن أحتسي كأساً من النبيذ فيه؛ وبالمناسبة فقد كان المهرجان المتوسطي قد أعدّ حلقة أكاديميّة لنقد أعمال محمد شكري، وقد تسنّى لي حضورها كاملة والاستماع إلى المناقشات الراقية التي تخلّلتها.
لم يكن الجواهري وحده المعجب بطنجة والراغب للإقامة فيها، فقد سبقه فرانسيس بيكون الفيلسوف ورجل الدولة الإنكليزي (1561 - 1626) وتينيسي ويليامس الكاتب المسرحي الأمريكي (1911 – 1983) وترومان كابوتيه الروائي الأمريكي (1924 - 1984) وصموئيل بيكيت الكاتب الأيرلندي (1906 - 1989) وجان جنيه الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي (1910 - 1986) ورولان بارت الفيلسوف الفرنسي (1915 - 1980) وويليام بوروز الكاتب الأمريكي (1914 - 1997) وباول بولز المؤلف والمترجم الأمريكي (1910 - 1999).
عروسة المغرب
في طنجة يتعاشق البحران حيث يلتقي البحر المتوسط مع المحيط الأطلسي(باب العبور إلى القارتين) وبالقرب من مالاباطا (رأس المنارة) و"مغارة هرقل"، وفوق التلال المتعرّجة، يواجهك فضاء لا حدود له فحتّى الشمس، ولا سيّما وقت الغروب، تتحول إلى كرة برتقالية متوهجة مائلة إلى الاحمرار، أمّا الغيوم فلونها فضّي مطعّم باللازورد، ويبقى سوق طنجة الداخلي مقصد السيّاح حيث رائحة السمك تفوح من جانبيه، مثلما يكتظّ الباعة بشتّى الأنواع من البضائع والسلع والعطور والبهارات والأقمشة والمصنوعات الشعبية والثياب الجميلة.
مقهيان
مقهيان لا يمكن زيارة طنجة دون الجلوس فيهما، وقد يطول هذا الجلوس ويتكرّر، أحدهما وسط المدينة "كافّيه دي باريس" قبالة القنصليّة الفرنسية، وفيه واجهة خارجيّة مطلّة على الساحة وعلى شارعين متّصلين بها، مثلما لها أماكن جلوس داخليّة، وقد علمت أنّها  مسجّلة في قائمة اليونسكو ضمن الأماكن التراثية المطلوب الحفاظ عليها، وقد كان الجواهري الكبير معجباً بها وقارنها حينها بمقهى سلوفانسكي دوم التاريخي أو مقهى أوبزني دوم في براغ، على الرغم من أنها ذات نكهة أخرى.
وهناك مقهى "الحافة" الذي يطالع مضيق جبل طارق والذي كتب محمد شكري روايته "الخبز الحافي" فيه، وكان العديد من الأدباء قد زاروا هذا المقهى التاريخي الشهير ومن هؤلاء ألبرتو مورافيا ولوركا وجاك كروال وجان جنيه وشون كونري وبول بولز والطاهر بن جلون وأدونيس وسعدي يوسف وبلند الحيدري ومحمود درويش ومارسيل خليفة وآخرون، كما ارتاده الجواهري متطلّعًا إلى أُفق لا حدود له باتجاه الأندلس التاريخيّة وشاعرها ابن زيدون الأندلسي، حيث كان يرى من هناك إسبانيا بأضوائها التي لا تبعد أكثر من 20 كلم.
استذكار
استعدّت مع الشاعرة والمستشارة الثقافية المغربية وفاء العمراني زيارة الجواهري إلى المغرب، وما تركته من أجواء إيجابية،  وسألتني عن بعض الملابسات التي سمعتها، وبالضبط ماذا حصل وكيف ولماذا؟ وذلك في جلسة بحضور الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار، التي هي الأخرى مغرمة مثلي بالمغرب عموماً وبطنجة وأصيلة خصوصاً، حيث يختلط الأدب بالفكر والبحر والجمال بالحرية والفن، وكان جوابي لهما أن تلك الزيارة والحفاوة الكريمة من المملكة المغربية أثارت ردود فعل معاكسة لدى بعض الأوساط العراقية والعربية، التي حاولت النيل من الجواهري همساً أو جهارا،ً وبالنميمة تارةً وأخرى بالتأليب حسداً، مثلما تركت ندوبًا غير قليلة على الجواهري ومزاجه، وظل مهجوسًا بردّة الفعل التي تسبّبت بها تلك الحملة، لا سيّما محاولات الإساءة الرخيصة والاستهداف المقصود.

أصل الزيارة - أصل الحكاية
الحكاية كما رويتها في كتابي "الجواهري جدل الشعر والحياة" وأحتفظ بتفاصيل أخرى أنّ موسى أسد الكريم "أبو عمران" أخبر الجواهري، بأن الدكتور بهاء الدين الوردي، وهو من عائلة الورد الكاظمية المعروفة، يريد التعرّف عليه واللقاء به، ولأن هناك كثرة كاثرة كانت تكدّر على الجواهري خلوته وتقطع عليه تأملاته وتداهمه أحياناً في المقهى ودون موعد وحتى دون أن يعرف مَن هم، فقد اعتذر، وحين كرّر موسى أسد المحاولة، غضب الجواهري جدًّا وأقفل السمّاعة بوجه الكريم، قائلًا له: لست فِرجة ليأتي الناس ويلقون النظر عليَّ، وكنت حينها في منزل الكريم القريب من منزل الجواهري في منطقة بتشيني – براغ (6)، لكنّ ذلك لم يثني الكريم من محاولة الاتصال بالجواهري مرّة أخرى، وحاول أن يشرح له علاقة الضيف بعالم الاجتماع عليّ الوردي، الأمر الذي استشاط الجواهري غضبًا أكثر وانفعالًا أشّد، علمًا بأنّني حذّرته من ردّة فعل الجواهري وانفعالاته، لكنّه حاول للمرّة الثالثة انطلاقًا من معرفته بالجواهري و"ميانته" معه، وثقته بنفسه وقدرته على إقناعه، وبالفعل نجح بذلك، فقد طلب من الجواهري الاستماع إليه إلى النهاية قائلًا له: إنّ بهاء الدين الوردي أديب أيضاً وقد عاش في فرنسا ودرس فيها وتخرّج منها وهو يحمل الجنسيّة المغربية ومقيمٌ في المغرب منذ تخرّجه في العام 1955 ومتزوج من فرنسية، إضافة إلى كونه طبيباً للعائلة المالكة واختصاصه بالأمراض النسائيّة، وهو في زيارة إلى براغ ويدعوك لزيارته في المغرب.
مطعم كوزموز
وبعد تردّد وانتظار حزم الجواهري أمره فبادر هذه المرّة هو إلى دعوة الضّيف وزوجته ومعهما أبا عمران إلى مطعم "كوزموز" القريب من منزله على العشاء، وقد استلطف الجواهري تلك الجلسة الحميمة وكرّر الوردي دعوته المفتوحة للجواهري لزيارة المغرب. وبعد عدّة أسابيع سأل الجواهري أبا عمران عن الدعوة، وبادر الأخير للاتصال بالسفير العراقي نعمة النعمة الذي أصبح وكيلاً لوزير الخارجية بعد ذلك سائلًا إيّاه بطريقته المملّحة: "هل تذهب الطائرة العراقية من براغ إلى كازابلانكا؟"، وهنا فهِمَ السفير اللمّاح، القصد وأوضح له أبا عمران أنّ الجواهري يروم زيارة المغرب، فقال له بالحرف الواحد: إذا قرّر الجواهري زيارة المغرب، فالطائرة العراقية ستصل بالطّبع إلى هناك بكل ممنونية وبعد أيّام أرسل تذكرة بدرجة رجال الأعمال للجواهري من براغ إلى الدار البيضاء ومنها العودة إلى براغ، وبالطبع ليس على الطائرة العراقية.
حين تحدّد موعد السفر أعطى الجواهري خبرًا للوردي عبر موسى أسد الكريم بموعد وصوله، والأخير بحكم علاقاته الوثيقة وصداقاته المتنوّعة ومكانته في المغرب تواصل مع الصحافة، لدرجة أنّ الجواهري فوجئ باستقبال مهيب وغير متوقع في المطار، واعتبرته وزارة الدولة للشؤون الثقافية والدينية ضيفًا عليها، في حين كان هو يرغب بزيارة شخصية. وتلك أصل الحكاية، وقد قوبل الجواهري بحفاوة بالغة واهتمام غير عادي، بما في ذلك من جانب البلاط، وقد أقام له الأديب الحاج امحمد أبا حنيني حفل عشاء بمنزله في 17 حزيران (يونيو) 1974 المصادف 27 جمادى الأولى 1394هـ، دعا إليه نخبة متميّزة من رجال الفكر والثقافة والأدب احتفاءً بالشاعر، كما حضر بعض الوزراء وعدد من سفراء الدول العربية.
طوق الكفاية الفكرية
وباسم جلالة الملك الحسن الثاني وشّح الوزير أبا حنيني الجواهري بوسام "طوق الكفاية الفكرية" وألقى كلمة عبّر فيها عن الأثر البالغ الذي خلّفته زيارة الجواهري للمغرب، وبادله الجواهري بكلمة جوابية عبّر فيها عن شكره لجلالة الملك على هذه الالتفاتة الكريمة، وألقى قصيدة بهذه المناسبة، كما تلقى تهاني الحاضرين، وكان قد شرع حينها بنظم قصيدة جديدة.
وجاء في كلمة "أبا حنيني":
 حضرة الشاعر الأعزّ الأكرم، شاعر المجد وشاعر اللّفظ وربّ المعاني الدقاق محمد مهدي الجواهري؛ كلّفني صاحب الجلالة الحسن الثاني أطال الله عمره وأبقى الخافقين ذكره أن أُنيط بعنقك"طَوق الكفاية الفكرية" تقديرًا منه لآثارك وكفايتك، وهو العاهل الأديب العالم بأسرار الإبداع أيّة ما كانت مرابعه ومغانيه وأزياؤه ومبارحه... فما أعظم سعادتي بهذا التكليف وهذا التشريف؟
ويواصل أبا حنيني كلمته بالقول: ... لأنّك أغنيت لغة آبائك وعشيرتك وأعليت مكانها بين اللغات ورفعت مقامها إلى ذروة الاعتزاز وقمّة الابتهاء وأنت تجلو وترسم المشاعر وتبث الحقائق والخواطر وتنشر الأفكار والألحان وتنظم اللئالي والجواهر، كما يعبّر عن لقاء المغرب بالعراق مخاطبًا الجواهري بالقول "في شخصك الباسط جناحيه على بلاد العروبة من أقصاها إلى أقصاها، وفي أشخاص محبّيك وأخوتك من هذا الوطن الذي ظلَّ عبر القرون وسيظلّ بعون الله على مدى العصور معقلًا حصينًا من معاقل العروبة ومركزًا مرموقًا من مراكز إشعاع الفكر والثقافة".
واختتم كلمته البليغة بقوله: "سيطول ذكرك بيننا أيّها الأخ الأعزّ الأكرم وسيمتدّ بامتداد الأجيال والأزمان وما أجدر هذه البلاد التي أصفت لك المودّة وأخلصت لك الإعجاب أن تذكرها فيما تذكر من أقطار ويحدوك الحنين إلى العودة والمآب...".
وردّ الجواهري بكلمة مؤثّرة وبليغة جاء فيها:
 "سيّدي ممثل جلالة الملك المعظّم.. يا معالي الأستاذ الجليل الوزير الأديب العالم أبا حنيني، إنّ لساني لقاصر عاجز عن التعبير عمّا تجيش نفسي به من أحاسيس ومشاعر وعواطف يزدحم بعضها البعض ويطفئ الواحد منها على الآخر، وأنّ مثل هذا الموقف الكريم النبيل الذي تقفونه منّي ممثّلين به تكرّم صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني العظيم عليَّ فيما يشرّفني به من هذا الوسام الرفيع "وسام الكفاءة الفكرية" وسام من ملكٍ جليل، هو بحدِّ ذاته شرَفٌ عميم، فكيف به وهو يحمل معه شرفًا ما أعظمه وما أجلّه، شرف أنّ حامله المتشرّف به ذو كفاءة فكرية، وأنّ الذي يشهد عليها هو أعلى مقام في هذا الوطن المغربي العظيم الزاخر بكل الكفاءات الخيّرة النيّرة وفي كل مجالات الفكر...".
وبعد أن أعرب عن قبوله تسلّم هذا الوسام الرفيع، شكرَ صاحب الدعوة أبا حنيني على الحفاوة وقال: إنّ هذه المناسبة الكريمة والتي حسبتها كرَمًا وحسبي تكريمًا أن تكون على يدكم وفي هذه الدار العامرة مع التماسة برفع ما لمستموه بأنفسكم من انفعالات معبّرة بما لا يعبّر عنه اللسان ولا القلم إلى مقام صاحب الجلالة.
ثمَّ أنشد الجواهري:
يا سيّدي... صاحب التاج الذي اعتمرت
            به الخلائق من فهر ومن مضرِ
ويـا وديـعـة اقـبـال مـحـمّـدة
                             بـهـا تنزل " آيا" مُحكم السّور
ويا حفـيـظ حـضـارات مـورقة
                            ما زلت تطلع منها أطيب الثمرِ
تبقى... وتبقى مدى الآمـاد نافـحـة
                            بما نفحت بها من ذكرك العطرِ
قلّدتني من نجوم الفـكـر أروعـهـا
                           فليجزينّك عـنه أروع الفـكـرِ
وما عسى أن يقول الشـعـر في ملـك
                           غنى به شعراء البدو والحضـر
*****
يـا أيـّهـا الحـسـن الثاني... يئلنها
                           ولاة عهدكَ من أخلاقك الغـرَرِ
عهدتني قبل أن ألـقـاك مبـتـكـرًا
                           أما لديك فإنّي غير مبـتـَكـَرِ
لم ألِف صورة حسن اسـتـجـاش بها
                           إلّا وعندك منها أحسن الصـور
ما عاقني غير لطف مـنك قـيّـدنـي
                           إني لفَرطِ ابتهاج منه لـم أطـرِ
سلـمتَ ذُخـر تـراث أنت رونـقـه
                           يا خير مـدّخرٍ... عن خير مدّخرِ
هنا.. هنا.. يا رسول الشِّعر في خـضل
                           من الجنائن مدح ملهم... نـضـِرِ
في ظل ملك يعيد الشِّـعر مـزدهـرًا
                            وظل شعب لهديٍ منه مـزدهـرِ                   
"أرح ركابك من أين.. ومن عـثـر
                            كفاك جيلان محمولًا على خطـر"ِ

وقد اقتبس البيت الأخير من قصيدته الرّائيّة الشهيرة التي ألقاها في الاحتفال الذي أقيم له في كازينو "صدر القناة" في 3 كانون الثاني (يناير) 1969 بعد عودته من منفاه وكان قد حظي باهتمام رسمي وشعبي منقطع النظير.
 ويبدو أن قصيدته "المغربية" أثارت حفيظة، بل غيض بعض المتربّصين ضدّه وكان الجواهري حينها قد قرّر الإقامة لبضعة أشهر في المغرب على الرغم من الحملة التي حرّكتها أيادٍ خفيّة لكنها كانت معروفة، فقد كتب غالي شكري مقالة مدوّية بعنوان "سقوط آخر العمالقة"، وكتب آخرون بأسماءٍ مستعارة مثل "حمدان القرمطي"، وإن ندم بعضهم كما عرفت، وكانت الأجواء السياسية السائدة مشجّعة على تلك الحملة، خصوصًا وقد أزعجها اهتمام الحكومة المغربية من أعلى مقاماتها إلى شتى الهيئات الثقافية والاجتماعية والشعبية بالجواهري، الذي لم ينظم قصيدة بهذا المستوى بأركان الحكومة العراقية، الأمر الذي كانت هناك مقارنات مستترة تجري داخل الوسط الرسمي السياسي والثقافي، ناهيك عن العداء الخفي والمعلن بين بغداد والرباط بحكم توجّهات البلدين في تلك الفترة، وقد وصلت أصداءه إلى الجواهري وهو في المغرب فنظّم قصيدة ألقاها في 20 أيلول (سبتمبر) 1974 بعنوان "تحية: ونفثة غاضبة" في مسرح محمد الخامس بالرباط، وكأنّه يستبق الردّ فيها على المستغلّين والنهازيّين كما كان يسمّيهم:
سماحًا إن شكا قلمي كلالا       وإن لم يُحسنِ الشعرُ المقالا
وإن راحت تُعاصيني القوافـي      بحيثُ الفضلُ يُرْتَجَلُ ارتجالا
أتبغونَ الفُتوةَ عند هِمّ         على السبعينَ يتّكلُ اتكالا
فما شمسُ الظهيرة وهي تَغلي      كمثل الشّمس قاربت الزّوالا
وقلتُ لحاقدينَ عليّ غيظًا      لأني لا أُحبّ الاحتيالا
هَبُوا كلّ القوافِلِ فـي حِماكُمْ      فلا تَهْزَوا بمن يَحْدُو الجِمالا
ولا تَدَعُوا الخصامَ يجوزُ حدًّا      بحيثُ يعودُ رُخْصًا وابتِذالا
وما أنا طالبٌ مالًا لأني      هنالِكَ تاركٌ مالًا وآلا
ولا جاهًا، فعندي منه إرثٌ              تليدٌ لا كجاهِهِمُ انتِحالا
وبعد عودته إلى براغ وصادف أن جمعَتنا ضهيرة في سلوفافسكي دوم بحضور موسى أسد الكريم، وكان الجواهري شديد الغضب وحاد الانفعال، وبعد إلقاء التحية عليه والجلوس أخرج من جيبه رسالة شديدة اللهجة ضمنها تعريضًا بهؤلاء "المنافقين" كما أسماهم وبمن أوعز لهم عملية التجديف والتحريف كما أطلق عليها؛ وحين سألناه ما الذي حصل بالضبط؟ أجاب إنه قابل المعروف والإحسان والتكريم بالشكر والامتنان، وهذه إذا صدرت عن لسان شاعر تأخذ شكل قصيدة وإن خرجت من أفواهكما أو أقلامكما تأتي على شكل رسالة شكر وعرفان بالجميل، وسألنا أليس كذلك؟ وكان جوابنا نعم بالتأكيد. وبعد عدّة سنوات أعدتُ السؤال عليه بخصوص قصيدته عن محمد بن الرئيس البكر، فأوضح موقفه بالكامل بقوله: كما تعرف أنّ (الجماعة) كرّموني في حينها وعوملت بشكل خاص "استثنائي"، وقد كتبت بدافع "الوحدة الوطنيّة" والتئام الشّمل، بل إنّ ظروف المرحلة والواقع السياسي كانت تفرض بعض التوجّهات. وسبق أن أجابني على سؤالٍ سابق بذات القصد بقوله: لم أكن حينها خارج مزاجي وطموحي إلاّ مرة واحدة وهي التي قال عنها في حوارٍ نشرته قبل نحو ربع قرن: لم أغتصب ضميري سوى مرة واحدة والمقصود بذلك قصيدة التتويج التي كتبها يوم اعتلاء الملك فيصل الثاني عرش العراق العام 1953 والتي يقول في مطلعها:
ته يا ربيع بزهرك العطر الندي
                    وبصنوك الثاني ربيع المولد
ولكنَّه كتب بعدها قصيدة رائعة بعنوان "كفارة وندم" العام 1953 وقد نشرت في جريدة الرأي العام في 20 حزيران (يونيو) 1954 التي يقدِّم فيها نقداً ذاتياً جريئًا حيث يقول في مطلعها:
سيبقى-ويفنى نيزكٌ وشِهاب-
                 عروقٌ أبياتُ الدماءِ غِضابُ
إلى أن يقول في كشف حساب وتعنيف للنفس ومحاسبة لها في قصيدة "غاشية الخنوع" التي نظمها في العام 1956 في حفل تأبين شهيد الجيش السوري عدنان المالكي ومطلعها:

خلفتُ غاشية الخنوع ورائي 
                  وأتيت أقبس جمرة الشهداءِ
إلى أن يقول في النقد الذاتي:

حاسبت نفسي والأناة تردُّها
                  في معرض التصريح للإيماء
بيني لعنت فلست منك وقد مشى
                   فيك الخمول ولست من خلطائي
ماذا يميزك والسكوت قسيمة
                   عن خانع ومهادن ومُرائي
أبأضعف الإيمان يخدع نفسَهُ 
                 من سنَّ حُبَ الموت للضعفاء؟     

ما أنت إذ لا تصدعين فواحشا
                إلا كراضيةٍ عن الفحشاء   

وعاد ليحدثني بموضوع الشاب محمد نجل الرئيس البكر فقال الجواهري: لقد قُتل بحادث سيّارة مؤسف وقد ربطتني به علاقة خاصة ولم أقل كلمة يُشمّ منها رائحة التملّق، وقد كتبت رثائيّة له عام 1978، فما العيب في ذلك؟ وأنتم كنتم في جبهتكم الغالية فرحون. وكان الجواهري على حقّ تماماً، ولكن للأسف لم يدافع أحد من موقع اليسار حينها عن الجواهري يوم شُنت الحملة عليه وفضّلت أوساطنا السياسية والثقافية الصمت وكأنها غير معنية بالأمر. جدير بالذكر أنّ مطلع القصيدة المذكورة (الخاصة بمحمد البكر) كان مؤثّرًا وهو الذي يقول فيه:
تعجـّلَ بـِشرَ طلعتـِكَ الاُفولُ       وغالَ شبابـَك الموعود غولُ
أمّا بشأن مقالته للردِّ على المتخرصين ومن يقف وراءهم كما أسماهم، فقد حاول موسى أسد الكريم ثنيه من نشرها ونجح بالفعل، إلّا أجواء غضبة الجواهري ظلّت مسيطرة عليه حتى بعد انقضاء فترة من الزمن، وظل يستعيدها بشكل مباشر أحياناً وبأشكال غير مباشرة في الغالب، وعبرّ عنها في مذكراته الموسومة "ذكرياتي" (جزءان، دار الرافدين، دمشق، 1988).
جدير بالذكر أنه في العام 1975 نشر قصيدته الرائيّة والموسومة "آليت" والتي يعود فيها إلى الحملة التي استهدفته، حيث يقول:
آليتُ أُبرِدُ حَـرّ جمري       وأديلُ من أمر بخمرِ
آليتُ أمتحنُ الرّجولةَ       يوم مَلْحَمةٍ وعُسر
ومُساومين على الحروف   كأنها تنزيلُ ذِكر
مَدّوا لعُريانِ الضميــرِ      يدًا بزعمِهِمُ تُعرّي
مـــاذا تُعرّي إنّـهـا      شِيَةُ الحُجول على الأغر
ومخنّثٍ لـم يُحتَسَـبْ      في ثيّبٍ خُطبتْ وبِكر
أقعى.. وقاءَ ضميرَه      ملآن من رِجسٍ وعُهرِ
كذُنابِ "عقربةٍ" لهـا سُمّ       على العَذَبات يجري
غالٍ كأرخصِ ما تكونُ      أجورُ غيرِ ذواتِ طُهر
لم يُعلِ قدريَ مدحُه      وبذمّهِ لم يُدنِ قدري
ثم يقول:
ومبارزينَ سلاحهم
                  أن لست ندَّ ذوات ظفرِ
أمنوا بعصمة صافح
                عن كاشفي السوءات نكرِ
مثل "الفواحش" يحتميـ
                  ــــن بفحشهن، بأي سترِ
مستعبدين توارثوا
                حقب التملك، والتسرّي
ومُسخرين فهم لدي
              ــــك وهم عليك! لقاء أجر

   وفي غمرة تلك الأجواء نظم الجواهري قصيدته الاقتحامية الأخرى: "أزح عن صدرك الزبدا"، التي نشرتها مجلة الرابطة الأدبية في النجف (تشرين الثاني/نوفمبر 1975)، انتقد العصر المليء بالزّيف والخداع وتحدّث عن سموّ النفس والكبرياء والشعر، وهو يعتبرها من أعزّ قصائده
   أزح عن صدرك الزبدا      ودعه يبث ما وَجدا ...
   ولا تكبت فمن حقب      ذممتَ الصبر والجلدا
ويصل في القصيدة إلى ذروة الكبرياء والشموخ:
   أأنت تخاف من أحدٍ      أأنت مصانعٌ أحدا
   أتخشى الناس، أشجعهم      يخافك مغضبًا حردا
   ولا يعلوك خيرهم         ولست بخيرهم أبدا
   ولكن كاشف نفسًا      تقيم بنفسها الأودا ...
   تركت وراءك الدنيا      وزخرفها وما وعدا
   ورحت وأنت ذو سعة      تجيع الآهل والولدا…
   وأعتقد أن قصيدته الموسومة "رسالة إلى محمد علي كلاي" نظمت في تلك الأجواء الانفعالية في براغ العام 1976 وكان أبا عمران يردّدها بصوته الرخيم ويطلب شمران الياسري "أبو كاطع" إعادتها أو إعادة بعض أبياتها، حتى أن "الدكتور" عمران نجل موسى أسد الكريم وكان حينها فتىً وهو لا يُتقن العربية، لكنه ظل يردّد بعض مفردات قصيدة محمد علي كلاي لكثرة تكرارها من قبلنا مثل "زندٌ بزند" و"فداءُ زندك" وهو يعتقد أن المقصود هو صديقنا عصام الحافظ الزند، وكثيراً ما كنّا نتبادل بعض كلمات هذه القصيدة من باب السخرية الحزينة، ففي مقدّمتها يقول الشاعر "تلاكم وخصمه فهزمه وأدماه ... فحاز على إعجاب العالم وملايينه" والتي جاء فيها:
يا مُطْعِمَ الدنيا وَقَدْ هُزِلَتْ
                    لحمًا بشـحمٍ منـه مقطوبِ
شِسْعٌ لنعلِكَ كلّ مَوْهِبةٍ
                وفداءُ "زندِك" كلّ موهوبِ
وصدى لُهاثِكَ كلّ مُبتَكَرٍ
                من كلّ مسموعٍ ومكتوب
   ***
يا سـالـبًا بجِمـاع راحتِـهِ
                  أغنى الغنى، وأعزّ مسلوبِ
ما الشعرُ؟.. ما الآدابُ؟.. ما بِدَعٌ
                   للفكر؟.. ما وَمَضاتُ أُسلوب؟
شِسْعٌ لنعلِكَ كلّ قـافيـة
               دوّتْ بتشـريـق وتـغـريـب
       * * *                      
يا سيّدَ " اللّكَماتِ" شـامخـةً
                       تهـزا بمنسـوبٍ ومحسـوب
        ***           
يا سيّدَ "اللّكَماتِ" يَسْحَرُها
                    ذهبًا، بِذِهْنٍ منهُ مَشبوبِ
نحنُ الرعيةُ.. عِشْتَ من مَلِكٍ
                  بِمفـاخِـرِ "العَضَلاتِ" معصوب
زَنْدٌ بزندٍ.. والورى تَبَعٌ
                  لكما، وَ عُـرْقُوبٌ بعُرقوب
مَرّغْهُ.. مَزّقْ ثوبَ سَحْنَتِهِ
                    رَقّعْهُ من دَمِهِ بِشُؤبوبِ
لَدّغْـــه بـالنّـغَـزاتِ لاذعـةً
                    ما لـم يُـلدّغْ سُـمّ يعسوبِ
سَلِمَتْ يداك.. أأنت صُغْتَهما
                      أمْ صوغُ ربّ عنك محجوبِ
        * * *
شسْعٌ لنعلِكَ كلّ موْهبةٍ
                   وَفِداءُ زندِكَ كلّ موهوبِ

وفي حوار لي معه في الثمانينات (منشور جزء منه في كتابي عن الجواهري - جدل الشعر والحياة) يقول الجواهري: لقد كشفت عن نفسي وبنفسي بسبعة مجلّدات دون تضخيم للذات، بل كنت كما أنا، أحب وأتحدى وأردّ الجميل وأذكر المعروف، حتى وإن اختلفت أو اختصمت أو أخطأت أو تطرّفت، وأشدّد مرّة أخرى لو كان هناك الناقد النظيف والأديب النزيه والكفوء بالمعيار الأخلاقي الذي تحدّثت عنه، لكان قد أعفاني من كتابة المذكّرات وكل شيء فيها موجودة في المجلّدات السّبعة.
وخاطبني الجواهري:
أريدك أن تتذكر شيئاً مشابهاً لما قلته عن المتنبي العظيم، فقد انتقد نفسه وكشفها وعنَّفها في موارد الغضب. ربمّا يكون ذلك غير معروف كثيراً أو لا يتردد على أفواه الناس، حيث ابتلى المتنبي بكافور مثلما ابتلينا أنا وأنت وغيرنا بمن ابتُلي بهم بما يضطرنا الواقع أو مجتمعاتنا بأن نبتلى بهذا الموقف أو بهذا الشخص أو بهذه المرحلة "وأن نقول فيه ما لا يستحق وأن نندم على ذلك وأن نكفّر عنه" فالمتنبي العظيم له غضبات نادرة، فحين ترك سيف الدولة وقصد كافور وكيف كان ذاك وكيف كان هذا، ثم كيف ندم على ذلك بالقول:

وغادرتُ خير الناس طراً بشرِّهم
فعاقبني المخصيُ بالغدر جزيةً
      وأصدقهم طرّاً بأكذبهم طرا
لأن رحيلي كان عن حلبٍ غدرا

ويمضي الجواهري بالقول: أستطيع في هذا الميدان أن أعدِّد لك الكثير من الشواهد والنقدات والغضبات وأنا فخور بها أيَّما فخر لأنني واجهت الأمور بشجاعة، عندما كتبت قصيدة "كفارة وندم" في عام 1953، وكلّ ما كتبته وما قلته كان ناجمًا عن قناعةٍ، سواء كنتُ مصيباً أم مخطئاً باستثناء تلك الحادثة،(يقصد قصيدة التتويج) وأكرّر أنها كانت مجرد قناعات رغم ما لحق بي من تشويهات أو تأويلات لهذه القطعة أو تلك القصيدة أو لهذا البيت أو ذاك، فهناك الكثير من الأشياء لا تزال قائمة عندي فيما يعدّه الآخرون مدخلاً للانتقاد والتعريض والشك، لكنني حتى هذه الساعة مازلت مؤمناً بها.
قلت للجواهري في الحوار المنشور يا أبا فرات: النقد الذاتي قوة وشجاعة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون في الجبل الشامخ ثمة مغارات أو كهوف أو انحناءات أو انكسارات، لكنه يبقى مع ذلك جبلاً شامخاً واضحاً للعيان، يراه المرء من بعيد بعلوِّه وكبريائه.
 وبالطبع فالمريدون والمحبّون لا يريدون أن يروا الأخطاء والنواقص، حتى وإن كانت بسيطة وطبيعية، ويحاولون تنزيه من يحبّون ويميلون له، أمّا الناقمون والكارهون فلا يرون بمن يكرهونه ويحقدون عليه سوى تلك الثغرات والمثالب ، حتى وإن كان صاحبها عبقرياً وأخطاءه صميمية تتعلق بقناعة أو اجتهاد، فالبشر خطاؤون حسب فولتير وعليهم أن يأخذوا بعضهم البعض بالتسامح، لأن التعصب والتطرف يبعدان المرء عن العقلانية والموضوعية ، وتلك المسألة تتعلّق بالسلوك الإنساني والانحياز العاطفي بالحب أو بالكراهية، وحين ينتقل هذا السلوك إلى دائرة السياسة أو الثقافة أو الإبداع سيكون أكثر حدّة من المجالات الأخرى، والظاهرة الجواهرية بما امتلكت من عبقرية ليست بعيدة عن تلك التجاذبات.
وأستطيع القول أنه لا يوجد مثل هذا الاندغام بين شاعر عظيم وحالة شعرية متجسّدة في إنسان من لحم ودم، وأكثر من عبّر عنها هو الجواهري نفسه في قصيدته عن الزعيم المصري الكبير جمال عبد الناصر الذي جمع المجد والأخطاء بقوله:


أكبرتُ يومكَ أن يكون رثـاء    
                          الخالدونَ عهدتهم أحيــاء
   لا يعصمُ المجدَ الرجال وإنمـا    
                          كان العظيمُ المجد والأخطاء
   تُحصى عليه العاثرات وحسبهُ
                      ما كان من وثباته الاحصاء

لعل الجواهري يعبّر عن نفسه في هذه القصيدة، التي كان يتمناها لو قيلت بحقه، إذا لم يكن هو قائلها بحق عبد الناصر، وكنت قد سألته لو لم تقل هذه القصيدة بحق جمال عبد الناصر بحق من ستقولها، قال كنت أريد أن يقولها أحد بحقي فقد جمعت المتناقضات. وبتقديري أن كلّ تلك المتناقضات هي التي صنعت إسم الجواهري بما فيه من ألق وعنفوان وهو الإسم الذي صار يعرف به فيما بعد كأحد أعظم المبدعين العالميين في القرن العشرين.
   لقد ظلت طنجة مثل الحلم الذي يداعب عيون الجواهري ويأتيه بين الفينة والأخرى وكم كان يُمنّي النفس بالعودة إليها، وحين وصلته دعوة للمشاركة في احتفالية مئوية الشاعر الأندلسي ابن زيدون هتف قلبه إنها طنجة مرة أخرى على الرغم من هواجسه المعروفة والتي تمت الإشارة إليها وبين التردد بالموافقة أو الاعتذار من المشاركة جاءه خبر تأجيل الاحتفال فحمد الله على ذلك، لكن طنجة ظلت عالقة بذهنه حتى أيامه الأخيرة، وكما يقول الشاعر سعدي يوسف:
 لست أنا من يوقظ طنجة
 من قال الحلم ينام؟

                 




41
خير الدين حسيب: الرجل الذي رحل إلى المستقبل

عبد الحسين شعبان

   "كان نصف عقله يعيش في المستقبل" هذا ما قاله الروائي الروسي مكسيم غوركي عن زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية فلاديمير إليتش لينين، وهو ينطبق إلى حدود غير قليلة على مفكرنا خير الدين حسيب، فعلى الرغم من إنجازه مشاريع باذخة فكرية وثقافية وأكاديمية، ليس من السهولة بمكان أن يسجّل أحدها في رصيد شخص واحد فما بالك حين تجتمع فيه، إلّا أنّ ذلك كان نصف ما يفكّر به حسيب، بل ويخطّط له حتى أيامه الأخيرة، فقد كانت أحلامه تكبر مع مرور الأيام وتتّسع ، وحسب بن عربي "كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة" وكلّما كان منجزه الفعلي يتحقق ويتعمّق، كان ينفتح على مشاريع عمل جديدة وخطط مستقبلية بعيدة المدى، جامعاً على نحو دقيق بين الفكر والممارسة (البراكسيس)، في سقف بلا حدود ينطلق من "المشروع النهضوي العربي"، بعناوينه الستة الأساسية، والذي رعاه حتى صار عوده صلباً، وظلّ على مدى عقدين من الزمان يُسقيه من ماء روحه، في نقاش مفتوح تطويراً وتعديلاً وتحسيناً وإضافةً وحذفاً وتصويباً، بالتعاون مع نخبة لامعة من المفكرين والمثقفين العرب وكوكبة متميّزة من المعنيين بالدراسات الإستراتيجية المستقبلية، وهي ميزة لمفكرنا لا يضاهيه فيها أحد.
واحد لكنّه مجموع
   اجتمعت في شخص خير الدين حسيب الثقافة الاقتصادية الراقية من خلال دراساته واختصاصاته، ولا سيّما في "المالية العامة" منذ أن تخرّج من جامعة كامبريدج، وثقافة سياسية حالمة أساسها "العروبة الثقافية" التي تقوم على الإيمان بنهضة الأمّة العربية ووحدتها وفي القلب من ذلك تحرير فلسطين، خصوصاً وقد تعزّزت تلك الروافد في لحظة توّهج وازدهار لحركة التحرر الوطني في الخمسينات، فضلاً عن تأثره بالرئيس جمال عبد الناصر الذي جمعته معه صداقة حميمة في الستينات من القرن الماضي، ويُضاف إلى هذا الهارموني  صرامةً أكاديمية وبُعد نظر ورؤية للمستقبل، فضلاً عن شخصية كارزمية إدارية وعملية من الطراز الأول، وذلك في إطار توجّه اكتملت جوانبه بالتدرّج والتطوّر والنقد والنقد الذاتي والمراجعة.
    ومن ذلك حاول قراءة الواقع بما هو ممكن وغير ممكن، وفي بعض الأحيان طلب حسيب المستحيل ليقبل بالممكن وفقاً للمثل الفرنسي الذي غالباً ما يردّده المفكّر الماركسي السلوفيني سلافوي جيجك، فكان يسير دائماً عكس اتجاه الريح، وقد كرّس لقضية الوحدة العربية جلّ حياته ووصفها بالقضية الأكثر نُبلاً من قضايا الوجود العربي، وهو ما جعله مهندس فكرة الوحدة العربية بعد رحيل عبد الناصر، وقد بدأ بتحويلها من أماني وأحلام إلى مشاريع عمل مستقبلية، منطلقاً من فشل التجارب الوحدوية وهو ما أفضى به في حوارات خاصة مع كاتب السطور، وليس عبثاً أن يُطلق على المجلة التي أسسها لتكون بإسم مركز دراسات الوحدة العربية الذي أسسّه في العام 1975 اسم "المستقبل العربي" وهي من أكثر المجلات العربية المعمّرة، وقد احتفي بها مؤخراً بصدور العدد 500 منها (أي 500 شهراً)
العروبة والعدالة
   جناحان حلّق بهما حسيب خلال مسيرته المتميّزة، أولهما العروبة، وهذه نمت كرابطة من شعور وجداني بالانتماء، فضلاً عن رابطة حضارية وحقوقية، وثانيهما العدالة الإجتماعية، التي تبنّاها خلال زيارته إلى منطقة الأهوار في جنوب العراق تحضيراً لإعداد أطروحته للدكتوراه في بحث ميداني حيث اكتشف البؤس الذي يعيشه أبناء هذه المناطق والتي لا يمكن أن تلتحق بركب الحضارة والتقدّم ومواكبة مناطق البلاد الحضرية دون تحقيق العدالة، ولذلك كانت العدالة ركناً مركزياُ من أركان مشروعه النهضوي.
   وستكون المواطنة مثلومة وغير كاملة دون تحقيق العدالة الاجتماعية، وأدرك حسيب لاحقاً أنّ العروبة والعدالة لا يمكن تحقيقهما دون انجاز التحرّر السياسي والاستقلال الاقتصادي، لا سيّما بتحقيق التنمية المستدامة وبتوظيف التراث بما فيه من ايجابيات من أجل الانبعاث الحضاري كي يكون في خدمة المستقبل، وبالطبع فلن يتمّ ذلك إلّا في إطار رضا الناس وعبر قناعاتهم وإرادتهم الحرّة وخياراتهم، بعيداً عن إسقاط الرغبات على الواقع، وهكذا أصبحت الديمقراطية السياسية صنواً لا غنى عنها للديمقراطية الإجتماعية بعد أن كانت مؤجلة في إطار المشروع القومي العربي الهادف والطموح لإنجاز الوحدة العربية، مثلما كانت الديمقراطية خارج دائرة الحضور في المشروع اليساري والماركسي، حيث أكّدت التجربة العملية أنّه لا يمكن تحقيق الاشتراكية دون الديمقراطية.
   ومن هذا المنطلق وبعد مرارات وخيبات ووحدات ناقصة ومبتورة ومشوّهة فكّر حسيب أنّ الطريق القويم لتحقيق الوحدة العربية لا بدّ أن يمرّ عبر العلم والعمل الأكاديمي بتحضير دراسات وأبحاث وقراءة للتجارب الوحدوية الكونية، والتدقيق في أسباب الفشل والتراجع والنكوص، فاتّجه لتأسيس مركز متخصص يُعنى بالأساس بدراسات الوحدة العربية ومستقبلها، وأدار هذا المركز بعد أن انفكّ من عمله مع الإسكوا، وقبل ذلك التدريس في جامعة بغداد، ليتفرّغ للمركز الذي حظيَ بمكانة وهيبة كبيرتين عبر اسم الدكتور حسيب والرعيل الأول الذي عمل معه.
   وعقد عشرات الندوات والمؤتمرات للغرض ذاته، ونظم العديد من ورش العمل والحلقات النقاشية والجلسات الحوارية لرفد مشروعه التنويري على المستوى العربي وفي دراسة ذلك على مستوى كل بلد عربي، ناهيك عن المشتركات الإنسانية الجامعة والمصائر المشتركة، فضلاً عن الاختلافات الواردة والمحتملة.
إصرار
   لم تتوقّف المجلة أو تُغلق أبواب المركز على الرغم من الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً (1989-1975)، وحتى خلال "الاجتياح الإسرائيلي" للبنان ومحاولة احتلال العاصمة بيروت، العام 1982، استمرّ المركز في عمله والمجلة في الصدور في مطلع كل شهر بالرغم من الظروف التي مرّت بها البلاد، ولم يكن ذلك سوى جزء من صلابة حسيب وجلده وصبره، وتعتبر المجلة الأعمق مستوى والأكثر رصانة بين المجلات الفكرية والأكاديمية العربية، بما فيها تلك التي تصدر بدعم من حكومات.

المشروع النهضوي العربي
   ثمّة منجزات كبرى لا يستطيع أحد إلّا الاعتراف بها وبالدور المتميّز الذي لعبه حسيب، فإضافةً إلى إنشاء المركز الذي وضع خططه وبرامجه، بل هو من كان المبادر إلى فكرته، فإنّ إنجاز المشروع النهضوي العربي الذي جمع الأهداف الأساسية للأمة العربية ووضعها في وثيقة متكاملة ومتداخلة سداها ولحمتها الوحدة العربية. وأعتقد أنّ هذا الانجاز يعبّر كما أراده عن لقاء التيارات الثلاث الأساسية: القومية العربية ، واليسارية والماركسية، والإسلامية.
   وقد أسّس المؤتمر القومي العربي ليكون الحامل لهذا المشروع الكبير الذي يحتاج إلى تعاون وطني شامل على مستوى كل بلد عربي وعلى المستوى القومي العربي، وأراد لهذا المشروع أن يكون مرجعية فكرية تضمّ الشخصيات المتميزة، وهو ما كان في بداياته، كي لا ينشغل بالهموم اليومية وبعض الصراعات الجانبية التي تحدّ من طموحه.
   لقد كان تفكير حسيب أن يكون المؤتمر القومي العربي نواة لما أطلق عليه "الكتلة التاريخية" وهي الفكرة التي سبق أن دعا إليها المفكر الماركسي انطونيو غرامشي، وقد سبق لي أن ناقشت فكرته على صفحات " مجلة المستقبل العربي - خير الدين حسيب: الرياضة النفسية والمثقف الكوني والكتلة التاريخية - العدد 454 كانون الأول / ديسمبر 2016 " مفرّقاً بين تحالف سياسي يجمع التيارات الثلاث وبين فكرة الكتلة التاريخية التي قصدها غرامشي، وإن كان هذا التحالف هشّاً وغير مكتمل، وهو تحالف بحاجة إلى المزيد من الحوار والنقاش والتكافؤ، فضلاً عن بحث الإشكاليّات الحقيقية بشفافيّة ومصارحة، وذلك ليكون بمثابة تحالف استراتيجيّ، بعيد المدى. وقد بيّنت التجربة أنّ مجرد الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة يدفع هذا الفريق أو ذاك لاتخاذ مواقف لا تتّفق مع جوهر فكرة التحالف، وأوضح دليل على ذلك، محاولة الإخوان المسلمين الانفراد بالسلطة في مصر واضعين برنامج التحالف أو حيثيّات المؤتمر القومي - الإسلامي على الرف.
   وإذا كان المؤتمر القومي العربي الذي أسّسه خير الدين حسيب إنجازاً كبيراً، فالأمر بحاجة إلى تعميق مرجعيته الفكرية وتوجّهه المستقبلي البعيد المدى، وتثمير المشروع النهضوي العربي بدراسات وأبحاث للمستجدّات والمتغيّرات، والأمر يشمل أيضاً المؤتمر القومي الإسلامي، وكنت أحبّذ لو أُطلق عليه اسم " المؤتمر العربي - الإسلامي" لتأكيد علاقة العروبة بالإسلام، وهو جوهر فكرته الأساسية.
الديمقراطية
   يمكنني القول أنّ حسيب من أوائل المفكرين العرب الذين طرحوا مسألة الديمقراطية، بل أنّه نظّم ندوة كبيرة في قبرص العام 1983 بعنوان " أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" ولم تكن الديمقراطية حينها مطروحة مثلما هي اليوم، وبالتالي فإنّ فكره المستقبلي كان يتطّلع أبعد مما يرى الكثيرون، وقد قدّم يومها الطيب الذكر حسين جميل بحثاً عن "حقوق الانسان في الوطن العربي" ولم تكن تلك مسألة مطروحة أيضاً مثلما هي عليها اليوم، وعلى هامش المؤتمر تأسست "المنظمة العربية لحقوق الانسان" العام 1983 ولم يكن أيّ بلد عربي يسمح بالترخيص لها للعمل الشرعي والقانوني، وإن ظلّت في القاهرة إلى العام 2000 موجودة فعلياّ de facto لحين الاعتراف بها قانونيّاً de jure والتوقيع معها على بروتوكول تعاون من جانب وزارة الخارجية المصرية.
   وأسسّ أيضاً "المنظمة العربية للترجمة" و "المنظمة العربية لمكافحة الفساد" و "مخيّم الشباب العربي"، ولم يبخل في دعم منظمات عربية عديدة تُمثّل العمل العربي الوحدوي المشترك عبر المؤسسة الثقافية والصندوق العربي، وهذه كلّها من بنات أفكار خير الدين حسيب. كما دعم تأسيس منظمات عديدة مثل "الجمعية العربية للعلوم السياسية" و "الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية" و "الجمعية العربية لعلم الاجتماع". وبالطبع فإنّ هذه المؤسسات جميعها وجميع مؤسسات العمل العربي تحتاج إلى تعميق وتعزيز الديمقراطية داخلها أيضا، والأمر بحاجة إلى التربية على الديمقراطية، وتأكيد قبول التنوّع والتعدديّة والحق في الاختلاف.
على اللائحة الصهونية السوداء
    لجميع الأسباب المذكورة، كثيراً ما تكرّر اسم حسيب في تقارير دولية واستخبارية إمبريالية وصهيونية، بصفته الأب الروحي للقومية العربية والمحرك الأساسي للفعاليات والأنشطة المناهضة لهما، إضافة إلى ربط بلدان المشرق العربي ببلدان المغرب العربي، ومن أقصى المغرب في موريتانيا إلى أقصى بلدان الخليج كان العالم العربي شغله الشاغل، وحاول أن يكون سلاحه الكتاب والكلمة معرّفاً العالم بواقعنا العربي، وعالمنا العربي بمكانته العالمية، خصوصاً حين تتوّحد بلدانه، ويذكر الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد أنّ حسيب كان يتردّد على عدن لتقديم النصح والمشورة لجمهورية اليمن الديمقراطية، وهي التي كانت محطّ رعايته كرجل قومي عربي واقتصادي كبير، مثلما حضر قبله إلى عدن الخبير الاقتصادي محمد سلمان حسن الذي ساهم في وضع قوانين التأميم في عدن بما فيها لمصفاة عدن. وكان حسيب وحسن من الخبراء العراقيين الذين ساعدوا اليمن في المجال الاقتصادي.
   لا أنسى كيف استقبلني الموريتانيون بالترحاب لمعرفتهم علاقتي بخير الدين حسيب الذي بنى لهم صرحاً ثقافيّاً وكان يزوّدهم لسنوات طويلة بمطبوعات المركز مجاناً. مثلما كان يرفد الجامعات العراقية بإصدارات المركز ومجلته مجاناً، خلال فترة الحصار الدولي الجائر على العراق 1991-2003، وقد نظّم أكثر من مؤتمر ضدّ الحصار، وكان أحدها في لندن 1998 قدّمتُ فيه بحثاً بعنوان "الحصار الدولي وتشريع القسوة" وكان من تحظير الصديق ضياء الفلكي.
 النفط
   لم يسلم حسيب من العداء من جانب الجهات الصهيونية والإمبريالية وذلك بسبب مواقفه النفطية ولا سيّما من مشروع اتفاقية ايراب مع فرنسا العام 1967، وقد لعب دوراً مهماً في تأسيس "شركة النفط الوطنية" العام 1964 وأصبح في السنوات الأخيرة أكثر قناعةً بأن النفط هو محور الصراع الإستراتيجي السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني في المنطقة بما فيه "الصراع العربي - الصهيوني" والموقف من القضية الفلسطينية، وتأكد له أنّ اقتراب أي دولة أو نظام حكم منه يعني الدخول في معركة مكشوفة أو مستترة مع الإمبريالية وشركاتها الاحتكارية العملاقة، والتي هي "دولة داخل دولة" كما يُقال.
   وقد ردّد على مسامعي أكثر من مرة، إنّ ما حصل للزعيم عبد الكريم قاسم ونظامه الوطني هو بسبب القانون رقم 80 العام 1961 الذي استعاد 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الشركات الاحتكارية، مثلما كان أحد أسباب احتلال العراق والقضاء على نظامه هو النفط أيضاً، فلم يغفر له الإمبرياليون خطوته الراديكالية الوطنية بتأميم النفط العام 1972، ووجدوها فرصة ثمينة إثر الخطأ الإستراتيجي بمغامرة اجتياح الكويت العام 1990.
الطائفية
   هناك من ينسب تهمة الطائفية للدكتور حسيب، بل يحاول إلصاقها به، لا سيّما لربط ذلك ببعض توجهات الرئيس عبد السلام محمد عارف، ولكنني أقولها للتاريخ أنني لم ألمس لا من قريب ولا من بعيد أي توّجه طائفي لديه على الإطلاق لا في السابق ولا في الحاضر، بل إنّه كان مترفّعاً عن مثل هذه الأمور، ويعتبر الاقتراب منها مساسٌ بثوابت الأمّة، وهو ذاته يعتبر الرئيس عبد السلام محمد عارف في بعض تصرفاته ميّالاً للطائفية، وهو ما سبق أن ذكره وما دونته عنه في حواراتي المطوّلة معه، المنقطعة والمتصلة، منذ سنوات.
   ودليلي على ذلك، موقفه من إيران التي لا يعتبرها عدوّاً ثابتا،ً بل يريدها صديقاً محتملاً وذلك من خلال البحث عن المشتركات أوّلاً في إطار احترام السيادة وعدم التدّخل بالشؤون الداخلية، ولا سيّما حين يكون العراق قويّاً وضمن مشروع عربي موّحد، والأمر ذاته في العلاقة العربية - التركية، وقد عمل لفتح حوارات عربية - ايرانية وعربية - تركية منذ وقت مبكّر، ولعلّ إحدى البوصلات في توّجهه هذا، هو القضية الفلسطينية والموقف من العدو الصهيوني.
   كانت علاقة حسيب وطيدة ومتطورة مع حزب الله اللبناني، وبالذات مع السيد حسن نصرالله الذي يكّن له احتراماً شديداً في إطار مشروع دعمه للمقاومة مع وجود التمايز بشأن بعض القضايا اللبنانية والعربية. وقد أقام علاقات صداقة مع رجال دين شيعة مثل آية الله السيد أحمد الحسني البغدادي وآية الله الشيخ جواد الخالصي لموقفهما من الاحتلال الأمريكي للعراق وأعرف أنّه طبع كتباً أو دعم طبعها خاصةً بإصدارات تتعلق بـ "الفكر الشيعي"، وذلك تشجيعاً للحوار والتنوّع. أمّا الموظفون لديه فإنهم من ألوان دينية ومذهبية مختلفة وأشكّ أنّه يعرف هويّاتهم الضيّقة، لأنّه باختصار لم يكن معنيّاً بذلك، وقد كان أحد أركان مكتبه وإدارته لنحو ربع قرن عبد الاله النصراوي، الشخصية العروبية المعروفة.
الاحتلال
   اندفع حسيب في مشروع مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 وتصرّف بطريقة أقرب إلى المعارضة أحياناً، ولم يكن التمييز سهلاً بين مواقفه وبين مواقف المركز، وأُدركُ أنه انطلق في ذلك دون أي طموح سياسي كما حاول البعض الغمز إلى ذلك من قناته، بل وحتى دون أن يفكّر في أن يكون له أيّ موقع سياسيّ في جميع الظروف وكان قد تخلّى عن ذلك منذ اعتقاله في العام 1968، مسخّراً جميع إمكاناته للبحث العلمي ولدراسات الوحدة العربية المستقبلية، لكنّ مواقفه كانت وجدانيّة ضميريّة، إذ لم يستطع هضم  أن تقع "بلاد الرافدين" مجدّداً تحت الاحتلال الأمريكي بعد أن تخلّص العراق من الاحتلال والنفوذ البريطاني في العام 1958.
   حاول حسيب أن يجمع معارضات مختلفة من التيار الصدري إلى هيئة علماء المسلمين، ناهيك عن وسط بعثي وقومي وبقايا تنظيمات قديمة وبعض الشخصيّات السياسيّة أو التي كان لها موقعاً إدارياً في الدولة، وعقد أكثر من مؤتمر لذلك، وكان قد دعاني إلى جميعها، لكنني اعتذرت عن حضور أي منها لأسباب بيّنتها له في جلسة مصارحة بحضور الصديق صلاح عمر العلي وكان رأينا أنّ المعارضات الخارجية تكون عرضةً للتداخلات الأجنبية وهي ظاهرة عامّة، وقلت له أنا أعرف المعارضة العراقية السابقة وكنت أول من نبّه لمخاطر التعويل على المشروع الخارجي وانسحبتُ منها في وقت مبكّر (1993)، فهل تريدني بعد هذه الأعوام الطويلة العودة إلى ذات المربّع؟ باختصار وتواضع أقول، إنّ المعارضات القائمة تتطلّع هي الأخرى إلى "العامل الدولي" كما تطلّعت سابقاتها إلى تداخلات خارجية لكي تضع الأمور لصالحها، وكل ذلك كان على حساب الوطن والمواطن.
   لقد كان رأيي أنّ خير الدين حسيب بنى صرحاً ثقافيّاً وفكريّاً وأكاديمياً شامخاً وهو مركز دراسات الوحدة العربية ونحن جميعاً نفخر بمنجزه خصوصاً بإصداراته التي قاربت نحو 1000 كتاب في مختلف قضايا الفكر والثقافة والأدب والعلم والمعرفة المختلفة، أفلا يكفي هذا لخدمة العراق؟ أمّا إذا اقتضى الأمر بحث الموضوع العراقي فيمكن تنظيم ندوة من مختصين ومن تيارات مختلفة لبحث القضايا التي يواجهها العراق وتقديم plattform  يمكن أن تتبنّاه أيّة جهة مناهضة للإحتلال من داخل العراق، بدلاً من معارضات تأكلها الصراعات وتتراشقها الاتهامات المتبادلة وتمتدّ يد الجهات الخارجية للعب فيها والعبث في مصائرها.
الدستور و الدستورانية
   كان حسيب مهموماً بوضع مشروع دراسات لمستقبل العراق، وقد كلّفني لإعداد دستور عراقي في مؤتمر كبير نظمّه المركز وشارك فيه عشرات من الشخصيات العربية والعراقية الأكاديمية والثقافيّة والسياسيّة، وشرعتُ في لجنة ألّفها تضمّ كل من: يحيى الجمل وخير الدين حسيب ووميض عمر نظمي وخليل الكبيسي وعصام نعمان، وقد نوقشت المسوّدة في عدّة جلسات حتى تمّت الصياغة النهائية التي شاركني فيها نعمان، وقد استشكلتُ في موضوع المسألة الكردية ومبدأ حق تقرير المصير والفيدرالية، وقد كان رأيه إنّ مثل هذا الحق يقرّه للكرد في سائر الأقطار التي يوجدون فيها، وخصوصاً في تركيا وإيران وليس في العراق وحده، كي لا يكون العراق عُرضةً للتداخلات الإقليمية، وكان يعتقد أنّ مشروع الحكم الذاتي الموسّع بصيغة لامركزية هو المناسب في الوقت الحاضر، وبعد جدل طويل وتباين في وجهات النظر بقينا عند حدود تلك الصيغة.
   كما كلّفني بكتابة قانون انتخابات وقانون أحزاب ضمن مشروع دراسات العراق المستقبلية الذي كان يعتقد أنّه يمكن أن يكون بديلاً لما بعد الاحتلال، وقد نوقش المشروعان في إطار لجنتين منفصلتين وتمّ إقرارهما، ونُشر المشروع الكامل بما فيه الدستور المقترح في كتاب صدر عن المركز ضمّ الموقف من الاحتلال وتبعاته القانونية وقضايا الجيش والنفط والإعلام والقضية الكردية وغيرها.

دستور اتحادي
   على الرغم من التراجع العربي وذبول صيغة الدعوة السياسية للوحدة العربية، إلّا أنّها ظلّت قائمةً، بل شديدة الحضور في عقل خير الدين حسيب، حيث كان يأمل أن يأتي ظرف يمكن تحقيقها باتفاق دولتين عربيتين أو أكثر، ضمن حلمه الدائم حاضراً ومستقبلاً، وقد كلّفني بكتابة مشروع الدستور الإتحادي العربي بمشاركة من محمد المجذوب ومعن بشور وعصام نعمان ويحيى الجمل ورغيد الصلح وخير الدين حسيب، وكان يتابعني وكأن الوحدة العربية  تدّق على الأبواب، وأنّ ما ينقصها هو هذا الدستور.
   واستمرّ الأخذ والردّ في المشروع والنقاش حوله لمدة قاربت نحو ثلاث سنوات حتى تمّ إقراره بصيغته النهائية التي أعددتها والتي تمّت الموافقة عليها، وأذكر ذلك لأنّه لم يكن حسيب يكّل أو يملّ من سؤال عن كل شاردة وواردة قانونية أو سياسية أو إداريّة أو اقتصاديّة، بل أحياناً لا يكتفي بذلك خلال الاجتماعات، فيتّصل بي في المنزل وفي أوقات مختلفة ليتأكد من صياغة الفقرة أو الجملة التي اتفقنا على تدقيقها، وتلك عادته التي ظلّ يحرص عليها بدأب ومسؤولية وجلد ذاتي لا حدود له. كان يتابعني حين أقصّر في إجراء تعديل أو الدعوة إلى اجتماع أو إعداد محضر لإنجاز المشروع.
   وكان يأمل بتوجيه الدعوة إلى أكثر من 120 شخصية عربية لمناقشته، وقد أعددتُ لائحة كاملة بالأسماء من مختلف البلدان العربية من أساتذة وفقهاء القانون الدستوري وشخصيات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية ولها ممارسة عملية، وأتذكر أنّه كان حريصا على حضور بعض الشخصيات الكردية أيضا، فضلا عن مشاركة مختلف التيارات السياسية، ولكنّ المشروع تأجل بسبب استقالته من مواقعه الإدارية في المركز في العام 2017.
قواعد روبرت للديمقراطية
   أذكر هنا حادثة طريفة لها دلالة مهمة للعقلية الإدارية التي يتمتّع بها حسيب، فقد طلبني في إحدى المرات على عجل، واتفقنا أن أكون عنده في ظهر اليوم التالي بعد أن قال لي أنّ الموضوع لا يحتمل التأجيل، وفاجئني حين جاءت السكرتيرة ووضعتِ حزمة أوراق كبيرة وضخمة أمامي (قاربت 450 صفحة) وخاطبني هذه الأوراق أريدها كتاباً قائلاً: أنّه مترجمٌ وحين بحثتُ عمّن يمكن أن يضعه بصيغة عربيّة مقبولة للقارئ العربي اهتديتُ إليك لخبرتك في هذا الميدان، وأرجوك أن توافق على التكليف، فقلت له أنّني لست مترجماً وعمل من هذا النوع قد يكون أصعب من الترجمة.
   وبعد أخذ وردّ، أقنعني على أن أعدّ الصياغة العربية فيما يتعلّق بقواعد روبرت للديمقراطية الموضوعة في كتاب بكل اللغات الحيّة الّا اللغة العربية التي هي أحوج ما تكون إليها، والكتاب لا غنى عنه لأي برلمان أو حزب أو جمعية أو نقابة أو شركة أو مؤتمر أو اجتماع، علماً بأنّ هذه القواعد تطوّرت عبر أكثر من 200 عام حتى استقرّت على صيغتها التي هي الأخرى مفتوحة وقابلة للإضافة بالتراكم وتواتر الاستعمال.
   بعد نحو ستة أشهر أنجزتُ العمل الذي استفدت منه و استمتعتُ به وقد أخذ مني نحت المصطلحات وتبيئتها أو توطينها كما يُقال نحو ثلاثة أشهر، لكي لا يكون أي تعارض بينها فيما إذا وردت ما يدلّ عليها في مكان آخر. بعد أقلّ من شهرين أرسل لي أبا طارق كتاب شكر على جهدي مع خمس نسخ هديّة من المركز ورجاءً حاراً بكتابة تقريظ للكتاب الذي أعددته لنشره في مجلة المستقبل العربي، وبالفعل حصل ذلك ونُشر في أول عدد صدر للمجلة، ومثل تلك المجهودات "والمونات" لا يقدر عليها شخص سوى خير الدين حسيب، أمّا عنوان الكتاب فقد كان "قواعد النظام الديمقراطية" مع عنوان فرعي "قواعد روبرت التنظيمية للإجتماعات" وهو من ترجمة دكتور عبدالله بن حمد الحميدان، ومن تأليف هنري إم. روبيرت الثالث و وليام ج. ايفانز ، ودانييل إيتش.هونمان، وتوماس ج. بالش، وقد صدر في العام 2005.
الرحيل إلى المستقبل
   أخيراً وفي يوم 12 آذار (مارس) 2021 رحل خير الدين حسيب وحيداً ومكسوراً عن عمر ناهز 92 عاماً، بسبب الأوضاع العامة والخاصة، خصوصاً في ظلّ اجتياح وباء كورونا " كوفيد - 19" العالم أجمع، واضطرار الجميع إلى التباعد الإجتماعي، فـ "الولادة والموت تجربتان في الوحدة" كما يقول الشاعر المكسيكي أكتافيو باث الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1990، فنحن نولد مستوحدين ونموت مستوحدين. وقد بقيَ خلال السنوات الأخيرة جليس الدار موّزعاً بين كتبه وشذرات من مذكراته وذكريات عطرة كنت أحاول تقليبها معه، وسأتوقف لاحقاً عند ذلك حين يُسعفني الوقت، علماً بأنني كنت قد وجّهتُ له باقة أسئلة عن محطات مهمة في حياته ومشروعه الفكري وبعض القرارات الحاسمة التي كان له اليد الطولى فيها العام 1964 وإدارته للمؤسسة الاقتصادية وعمله محافظاً للبنك المركزي وقرار تأميم المنشآت الإقتصادية أو ما سمّيَ بـ القرارات الإشتراكية، وعلاقته بمصر والتنظيم الطليعي وصلته بـ أمين هويدي (السفير المصري في العراق) وموقفه من الشيوعيين وغيرها من القضايا، وإن لم يستطع الإجابة عليها تحريرياً، فقد أخذتها على لسانه شفاهاً ودوّنتها وقرأتها عليه.
   على الرغم من الصورة الخارجية المعروفة عن خير الدين حسيب والتي تتّسم بالحزم والإرادة الحديدية والقرارات الإدارية الصارمة والاجتهادات الشخصية الحادّة التي لا تخلو من بعض الإرتياحات، إلّا أنّه كان يحمل قلب طفل صغير عاطفيّ لدرجة كبيرة وبسيط، بل في غاية البساطة، لكنّ طريقة حياته وأسلوب عيشه جعلت من العمل والعمل والعمل نظرية حياة بالنسبة له، أخضع من أجلها كل شيء لدرجة اعتبر المركز أحد أبنائه وكانت كريمته الصغرى زينب تقول له أنّ لديك 4 أبناء وليس ثلاثة، بل أن المركز كان من أكبر أبنائه وفي الصدارة دائماً وهو على لسانه في كل المناسبات، لدرجة التوّله والعشق والتماهي بينهما.
   لقد تسنّى لي خلال السنوات الأخيرة أن أزوره أسبوعياً، بل لأكثر من مرة في الأسبوع أحياناً وربما في بعضها لأكثر من مرة في اليوم لأطرد عنه الوحشة ولأخفّف عنه آلام الزمن وعذابات الشيخوخة وجحود البعض وغدره، وفي كل مرّة كنتُ أُفاجئ بأنّه لم ينقطع لحظة عن التفكير بالمستقبل، وكأنّه سيعيش عمراً لا ينتهي.
   ومثلما ابتدأت مقالتي هذه بالحديث عن علاقة حسيب بالمستقبل فقد كانت آخر رسالة كتبها لي تتعلّق بإصدار كتاب جديد وكأنّه ما زال في عزّ شبابه يفكّر بالمستقبل، وأنشر هنا نص رسالته بتاريخ 13/1/2021 (مرفقاً) (بشأن مأسسة العمل الفكري القومي العربي).
 


   وقبل رحيله بنحو عشرة أيام اتصل بي فجراً (حوالي الساعة الرابعة إلّا ربعاً) ليسألني متى أعود من لندن، حيث ذهبت لأخذ اللقاح (Vaccine) فأبلغته بعد ثلاثة أيام، وما أن حطّت الطائرة حتى استلمتُ مكالمة منه طالباً تحديد موعد اللقاء، وأبلغته بعد انتهاء الحجر الذي سيستمر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع اتصلتُ به فكان متعباً ونائماً وعاودت الإتصال لأكثر من مرّة خلال اليومين اللاحقين دون جدوى إلى أن اتصلت بي زوجته السيدة شيرين لتبلغني الخبر الحزين.
   عاش حسيب بشجاعة وشموخ وإباء، ولم يتنازل حتى لجلادّيه حين اعتقل في قصر النهاية، بل أنّه في وقت لاحق وحين وصل إلى بيروت في العام 1974 مارس رياضة نفسية ليتخلّص مما أسماه بالكراهية والحقد والإنتقام، واضعاً قضية الوطن والأمّة العربية والعروبة الثقافية في المقدمة متجاوزاً محنته الشخصية، وحين رحل كان براحة بال واطمئنان وثقة بأنّ مستقبل الأمة العربية رغم النكبات والهزائم العربية سيكون بخير وأن المشروع النهضوي العربي الذي عمل عليه سيفتح الطريق إلى المستقبل ولربّما كان يراه كشلال ضوئي، وهكذا عاش خير الدين حسيب ومات وهو يفكّر بالمستقبل، بل كان يعيش فيه ويقيناً أنّه رحل إليه.نُشرت في جريدة الزمان العراقية (بغداد - لندن) يوم السبت 20-3-2021.
 


42
بيني وبين نفسي
حكايات من الأرشيف الشخصي للحركة الشيوعية العراقية
مقدمّة كتاب محمد السعدي: بقلم عبد الحسين شعبان(*)

- I -
حين طلب منّي الرفيق محمد السعدي "أبو بيدر" كتابة مقدّمة لكتابه الجديد "بيني وبين نفسي - حكايات من الأرشيف الشخصي للحركة الشيوعيّة العراقية"؛ عدت إلى قراءة كتابه السابق "سجين الشعبة الخامسة"، لارتباط الكتابين بتجربة شخصيّة لمناضل في صفوف الحركة الشيوعية، سواء في حركة الأنصار أم في ظروف العمل السرّي، في فترة من أخطر المراحل السياسيّة في تاريخ العراق؛ ولعلّ تجربته الغنيّة هي جزء من تجارب شخصية لمناضلين شيوعيين في مستويات مختلفة، ومن مواقع عمل عديدة، تبقى بحاجة إلى دراسة ومراجعة وتمحيص وتدقيق ونقد لأخذ العِبرة منها بما لها وما عليها.
ويروي محمد السعدي كيف وقع في فخّ الاستخبارات العسكرية في العام 1987 بخديعة أو تواطؤ أو قُصر نظرٍ على أقلّ تقدير، لا فرْقَ في ذلك فقد كان لُقمة سائغة بيدِ الخصم، ليجد نفسه "نزيلًا" في الشعبة الخامسة لمدة 87 يومًا تعرّض فيها لأنواعٍ شتّى من التعذيب، وضغوط جسدية ونفسية اضطر فيها الاعتراف بمهمّته والكشف عنها، حيث اقتيد إلى "محكمة الثورة" مع 7 أو 8 أشخاص من حزب الدعوة، ومن حُسن الصُدف كما يقول أن تأجّل البتّ في قضاياهم، فأعيدوا من حيث أتوا لتتمّ مساومته بإطلاق سراحه مقابل التعهد بالعمل لصالح الاستخبارات العسكرية، وهي طريقة اتّبعت في الكثير من الأحيان مع من يلقى القبض عليهم، خصوصًا ممّن كانوا يتوجّهون إلى داخل العراق لإعادة بناء التنظيم، وفي الكثير من الأحيان كان هؤلاء تحت عين الأجهزة الأمنية بأنواعها واختصاصاتها التي غالبًا ما كانت تخترق خطوطًا حزبيّة وتتغلغل فيها وتسهّل مهمّاتها لتكون في حدود السيطرة باللحظة المعنيّة، وقد استدرجت إدارات حزبية متقدمة وهيّأت لها أماكن إقامة و"بيوت حزبية" راصدة جميع تحرّكاتها واتصالاتها متعقّبة أثرها، في أكبر عمليّة اختراق في مطلع التسعينات.
كتابَا الرفيق أبو بيدر جعلاني أتوقّف عندهما، في مراجعة محطات مهمّة من تجربته الشخصية، خصوصًا وأنّهما يكمّلان بعضهما البعض ويتداخلان أحيانًا في بعض التفاصيل، بل أنّ تكرار المشاهد يجعلك تتصوّر أنّك تقرأ في كتاب واحد، وإن جاء كتابه الذي أتحدّث عنه ليستعيد فيه طفولته ونشأته وحياته في قرية "الهويدر"، حيث بساتين البرتقال والأشجار الباسقة، والمقاهي الشعبية والأصدقاء وحركة الناس، لينتقل إلى بدايات وعيه السياسي واندفاعاته وحماساته وتطلّعاته ومدارسه في إطار تأمّلات سوسيولوجيّة ولفتات ذكيّة ومواقف لا تخلو من أخطاء ومراجعات ونقد، ومن ثمّ تناول بدايات نشاطاته الطلّابية والنواتات الحزبية والمواجهات المباشرة وغير المباشرة في إطار الاصطفافات السياسية في القرية مع البعثيّين ومنظّماتهم أيام الجبهة الوطنية التي انفرط عقدها في أواخر العام 1978 والثلث الأول من العام 1979.
ولعلّ المرحلة الثانية من نشاطاته وحركّيته جاءت حين انتقل إلى بغداد للالتحاق بالجامعة في العام 1980 والتي تداخلت مع الحرب العراقية - الإيرانية، حيث انتظم في نواةٍ شيوعية أطلق عليها "منظمة الصدى" ليلتحق بقوات الأنصار في العام 1983، وهنا يستعيد أسماء الشهداء ويُعدّد المواقع والقرى الكردية وخطوط التواصل وحياة الأنصار والصعوبات التي يمرّون بها والبطولات التي يجترحونها والتضحيات التي يقدّمونها، ثمّ يخبرنا عن تكليفه بالتسلّل إلى بغداد في مهمّات خاصّة يستغرب هو الآن تنفيذها بكل رحابة صدرٍ وكأنّه يتوجّه إلى نزهة، في حين أن الموت كان ينتظره عند أيّ منعطف أو محطة ولأيّ خطأ يقوم بارتكابه أو سهو يقع فيه، ويذكر الحِرمانات التي عاشها دون أن ينسى تلك الرومانسية الحزينة التي لم تتركه، ودون أن يهمل الأخطاء والعيوب والإخفاقات والبيروقراطية وإسقاط الرغبات على الواقع.
ويتوقف السعدي بذهول أحيانًا عند بعض المحطات المهمّة في تجربته الفتيّة، حين التقى بعض قادة الحزب الذين كان يسمع عنهم، ومنهم أمين عام الحزب الأسبق بهاء الدين نوري (من العام 1949 وحتى العام 1953) الذي تمّ عزله ومقاطعته اجتماعيًّا والتشهير به، وكيف كان "يخاطر" بالذهاب إليه والإلتقاء به، ويستعرض بشكل متفرّق حيثيّات ما حصل في بشتاشان حين شنّ الاتحاد الوطني الكردستاني "أوك" هجومًا غادرًا ضدّ أنصار الحزب الشيوعي راحَ ضحيّته عشرات الرفاق ويتناول الحساسيات التي حصلت جرّاء مواقف البعض الضعيفة.
أمّا بخصوص المؤتمر الرابع للحزب فيتناول تعقيداته وملابساته وما أثاره من انقسامات، خصوصًا في التحضير له حين ألقى عزيز محمد (الأمين العام للحزب حينها) كلمة قال فيها "اجتمعنا ليُلغي نصفنا النصف الآخر"، واتّضح أنّها خطّة للتضحية والتفريط بقيادات تاريخية وكوادر متقدّمة ومجرّبة بسبب وُجهات نظرها الفكرية والسياسية، لا سيّما بصدد الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، كما يسلّط الضوء على الاختراقات العديدة لأجهزة المخابرات والأمن العراقية التي تمّ اكتشاف بعضها والتحقيق مع عدد من المتّهمين بعد إخضاعهم للتعذيب، حيث اعترفوا بتعاونهم مع الأجهزة العراقية، وصدر قرار بإعدامهم دون أن يذكر مصدر هذا القرار ومَن قام بتنفيذه لكنّه يلمّح له، علمًا بأن ثمّة أسماء تردّدت على هذا الصعيد من خلال روايات عديدة لم يتمّ الإفصاح عنها أو كشفها على الرغم من مرور ثلاثة عقود ونيّف من الزمان.
وبعد إطلاق سراحه بالمساومة المذكورة وجدها فرصة مناسبة للهرب في اليوم التالي والوصول إلى مدينة كفري في كركوك حيث حلّ ضيفًا على عطاالله الطالباني مدير بلديّتها الذي كانت تربطه به علاقة سابقة عبر نجله آشتي رفيقه الذي كان يلتقيه في المعهد البريطاني في بغداد، وهناك التقى مكرّم الطالباني (القيادي الشيوعي السابق) وقصّ عليه ما حصل له، فشجّعه على ذلك ونصحه بالابتعاد عن كل ما له علاقة بتلك الأجواء، وهكذا إلتحق بالجبل مرّة أخرى ليروي ما جرى له لقيادة الحزب وللرفيق طه صفوك (أبو ناصر) الذي اعتُبر من العشرة "المبشّرين بالجنّة" الذين اختارهم عزيز محمد ليصبحوا أعضاء في اللجنة المركزية دون أن يعلن عنهم بحجّة العمل السرّي، لكن الدنيا ضاقت بالسعدي بعد أشهر وأخذ يفكّر بترك موقعه والتوجه إلى الخارج فعسى أن يجد في حياته الجديدة ما يعوّضه عمّا تعرّض له وما خسره وما عاناه خلال اعتقاله، إلّا أنّه فوجئ بعدم تقديم أيّ مساعدة له، فاتّخذ قراره بعبور الحدود إلى إيران معتمدًا على نفسه وعلى بعض الأنصار من أصدقائه ومن بيشمركة الأحزاب الكردية، ومن هناك رتّب أموره ووصل إلى سوريا واستقرّ فيها لبضعة أشهر وحصل على جواز سفر يمنيّ بواسطة عامر عبدالله ومنها توجّه إلى براغ ومن الأخيرة إلى السويد طالبًا اللجوء السياسي ليستقرّ في مدينة مالمو منذ العام 1989 وحتى الآن، وهي رحلة شاقة ومضنية قطعها مئات الرفاق الذين وجدوا أنفسهم في المنافي البعيدة بعد تبدّد أحلامهم وتشتّت شملهم.

- I I -
 أربع ملاحظات أساسية أتوقف عندها خارج الآراء السياسية أو الحزبية التي وردت في الكتابين، سواء بالاتفّاق أو بالاختلاف أو بالتناول والتقويم.
أوّلها - الكتابان عرّفاني بالرفيق محمد السعدي أكثر ممّا أعرفه، وكنت أوّل مرّة قد تعرّفت عليه بواسطة الرفيق عامر عبدالله الذي استقبله في الشام ليستمع إلى تجربته المؤلمة، فضلًا عن كون الشهيد الجنرال خزعل السعدي خاله، إضافةً إلى معرفة لاحقة بواسطة الرفيق طه صفوك "أبو ناصر"، واكتشفت أنّ لديه رغبة في التعلّم وحبّ المعرفة، والمعرفة حسب كارل ماركس تعني "الذهاب للقاء بالواقع". وقد حاول السعدي في الكتابين أن يعرض تجربته بأسلوب قصصي لا يخلو من حبكة دراميّة واستخدم الحكاية بطريقة موحية، وقد جاء الكتابان بصيغة مجموعة حكايات أو قصص أو حتّى أقصوصات منفصلة ومتّصلة أحيانًا في إطار هارموني متآلف ومتخالف أيضًا، وهو أسلوب استخدمه للتخفيف من عبء الكتابة بمعناها الحرفي والمهني دون أيّ ادّعاءات أو تضخيم للذات.
وثانيهما - امتاز محمد السعدي بجرأة وشجاعة نادرتَين بكتابه الأول والثاني، حين اعترف بالكثير من أخطائه ومثالبه وعيوبه، ومنها تعاونه مع أجهزة الاستخبارات العسكرية حين تمّ اعتقاله وذلك إنقاذًا لنفسه بعد أن لم يتمكن من الصمود في التعذيب إلى النهاية، حيث قرّر قبول عرض الاستخبارات بعد أن رفضه في السابق بإصرار، ولكنّه في الوقت نفسه قرّر تضليلها ثمّ الهروب في أوّل فرصة سُنحت له إلى الجبل مرّة ثانية وإخبار الحزب بجميع التفاصيل التي جرت له، خصوصًا وأنه يمتلك خزينًا هائلًا من المعلومات عن بعض من أُلقي القبض عليهم وتعاونوا مع الأجهزة الأمنية، ويعتقد أنّ قسمًا منهم أخفى المعلومات عن الحزب وهو ما يزال يعمل في مواقع متقدّمة دون أن يبلّغ عن ذلك، علمًا بأنّ من يُلقى القبض عليه وتتم مساومته ويوافق على ذلك يُطلق سراحه بسرعة ليعود إلى وضعه الطبيعي وكأنّ شيئًا لم يكن، حيث يكون نقطة استقطاب لكشف المزيد من الذين يكلّفون بمهمات داخل العراق فيكون تحت علم وبصر الأجهزة الأمنية.
وكما يقول أبا بيدر فإن الغالبية الساحقة من الذين توجّهوا إلى الداخل وقعوا في شرك الأجهزة الأمنية، قسم منهم استشهد والقسم الآخر أُطلق سراحه باتفاقات معها، وعلى هذا الصعيد يذكر العديد من الأسماء وبعض مهمّاتها واستدراجاتها، وتحفظُ ذاكرته أسماء عشرات الشهيدات والشهداء الذين ذهبوا ضحيّة الغدر والخيانة وضعف اليقظة، ويتناول أخطاء بعض إداريّي الحزب وصراعاتهم ومنافساتهم غير المبدئية التي سهّلت على هؤلاء الذين عملوا لمصلحة الأجهزة الأمنية التحرّك بحرّية، بل إن البعض كان يُبدي إعجابًا بشجاعتهم، ولولا بعض المصادفات لكان هؤلاء قد استمرّوا وألحقوا أضرارًا لا يعلم بها إلّا الله مُستدرجين عشرات آخرين من الرفاق.
وثالثها - أنّه ينتقد تجربته، لا سيّما مشاركته في التحقيق "الحراسة" ضدّ آخرين أو قبوله بفكرة تعذيب آخرين لانتزاع اعترافات منهم، سواءً كانوا يعملون لمصلحة الأجهزة الأمنية أم رفاق اتّهموا بالتكتل أو الاحتجاج ضدّ ممارسات بيروقراطية وسياسات خاطئة، كما حصل للضحيّة المغدور مشتاق جابر عبدالله "من مدينة الثورة" واسمه الحركيّ "منتصر" الذي استشهد تحت التعذيب على أيدي رفاقه، وستّار غانم "سامي حركات" الذي استشهد خلال تسلّله إلى الداخل على يد المخابرات العراقية، وأحمد الناصري "أمين" الذي هو أحد الشهود الأحياء على ما حصل له ولرفاقه من سوء معاملة وتعذيب، وسبق له أن روى قصته ومفارقات تعذيبه على أيدي البعثيّين وعلى أيدي رفاقه الشيوعيّين. ويذكر محمد السعدي عددًا من الأسماء التي شاركت بالتعذيب أو التحقيق وفي اتخاذ القرارات صراحةً أو تلميحًا، وكان الرفيق قاسم سلمان "أبو الجاسم" قد عرض أدوات التعذيب والوسائل التي استُخدمت لانتزاع اعترافات من الرفاق المعارضين أمام الرفيق عزيز محمد (الأمين العام الأسبق) في اجتماع أمام جمع من الرفاق الأنصار، وهو ما تمّ تداوله في حينها ونشرته بعض المطبوعات الحزبية.
ورابعها - إنّه يشخّص عددًا من المسؤولين عن النواقص والعيوب والثغرات بما فيها الأمنية إمّا لعدم خبرتهم أو قلّة معرفتهم أو حتى جهلهم، ناهيك عن أنّ بعضهم يريد تحقيق مكاسب أو منجزات ليُدرج ذلك في سجلّه الشخصي. ويعرض السعدي حكايات وقصصًا عن الاختراقات وبدائيّة التعامل معها، حيث يتناول سذاجة بعض المسؤولين وانفصالهم عن الواقع، ناهيك عن "المغامرة" بالرفاق تحت عنوان إعادة التنظيم، وحسب بعض التقديرات، فإنّ بضع عشرات من هؤلاء غيّبوا في السجون ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن، بمن فيهم رفيقات بطلات، دون أن تكون النتائج مُجزية، وكان يمكن ادّخارهم لليوم المناسب. وهكذا لم تكن حسابات الحقل منسجمة أو حتى متوازية مع حسابات البيدر، ولكن الغريب هو الإصرار بعد كل هذه الخسائر على إرسال الرفاق إلى الداخل كما يقول.

- I I I -
في الكتابين دعوة للنقد الذاتي لكشف الحقيقة ومصارحة الرفاق والاعتذار لمن تمّت الإساءة إليهم أو لعوائلهم في حالة استشهادهم، والكفّ عن مثل هذه الأساليب التي لا تخدم إلّا أعداء الحزب والشيوعيّة، وقد عبّر السعدي عن انتقاده الشديد لمن أنكر أو سكت معتبرًا ذلك تواطؤًا لا بدّ من كشفه وقد بدأ بانتقاد نفسه على ذلك، ويأمل أن يتحلّى آخرون بالشجاعة ليقولوا الحقيقة وهو ما استوضحتُهُ منه، وحسب شكسبير "فالحقيقة تُخجل حتى الشيطان"، وقد وجدت في اعترافه بأخطائه وندمه على القيام بذلك فضيلةً، وكما يقال "فالاعتراف بالخطأ فضيلة" وهو أوّل الطريق للمصارحة والمكاشفة بممارسة رياضة روحية مع النفس للتطهّر وعدم تكرار ما حصل.
ومهما كانت المبادئ سامية إلّا أنها تتعرّض للتشويه حينما تتحوّل إلى أيديولوجيا "صمّاء" وهي ما تستخدمه إدارات الأحزاب لتبرير انتهاكاتها، سواء كانت في السلطة أم خارجها، ولفرض هيمنتها، فحتى الأحلام الوردية واليوتوبيا ليست معصومة من ارتكاب الآثام والجرائم، ولعلّها ذاتها تصبح أداةً للجريمة طالما تضع الفكرة بمقام أسمى من الإنسان، وهذا الأخير حسب كارل ماركس "أعظم رأسمال"؛ ووفقًا للفيلسوف الإغريقي بروتوغراس "الإنسان مقياس كل شيء". ولعلّ التبرير بامتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات يُعطي المسوّغ لبعض المتأدلجين باستخدام جميع الوسائل للوصول إلى غاياتهم عن طريق العنف أو الخداع والكذب والتدليس، إضافة إلى استغلال "إيمانيّة" و"براءة" البعض الذين يعتبرون ما يرِدهم "حقائق مطلقة" حتى دون أن تستفزّهم طوابير الضحايا، فالأمر ليس مهمًّا بقدر المستقبل المنشود.
وباختلاف الفعل عن الفكرة السامية أو القصد الأصلي تتّسع دائرة الافتراق بين الغاية والوسيلة، فلا غايات شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، فالوسيلة من شرف الغاية، علمًا بأنّ الوسيلة ملموسة وعملية في حين أنّ الغاية بعيدة ونظريّة وحسب المهاتما غاندي رائد المقاومة المدنية اللّاعنفية "الوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة" أي أنّهما مرتبطان عضويًا ولا يمكن فصلهما. 
بتقديري إنّ الممارسة هي مصدر كل حقيقة ومعيارها وفقًا لماركس، لأن النظرية لا تنفصل عن الفعل وهي حسب وصفه "توصل المجتمع إلى الوعي بذات المجتمع"، والممارسة تمثّل "حياة الفكرة" مثلما الأخيرة "دليل الممارسة" ومفتاحًا لكل الأقفال.

- IV -
إذا كان الرفيق أبي بيدر قد عانى أشد المعاناة وتركت تجربته تلك ندوبًا نفسيّة وجسديّة على حياته اللاحقة، إلّا أنها فتحت عينه على آفاق جديدة، وهو ما يتّضح من بعض استنتاجاته، سواء التي توصّل إليها أم تلك التي تترشّح من بين السطور، ومنها ما جدوى مثل تلك المغامرات؟، حيث تبقى تعتصر قلبه على فقدانه مقاعد الدراسة في كلية الآداب "قسم اللغة الروسية"، ويتذكّر عدد من أساتذته بمن فيهم حياة شرارة التي ودّعها حين قرّر الصعود إلى الجبل فعلّقت "إنت همْ راح تهرب مثل جماعتك؟" وهي الأخرى كانت عانت من مرارة علاقتها الشيوعية مع البيروقراطية الحزبية عند دراستها في موسكو، وضياء نافع وجليل كمال الدين ومحمد يونس الساعدي.
 لكنّ التعويض الأهم لكل تلك العذابات والمظالم بما فيها من ذوي القُربى "رفاق الدرب" جاءه من الحبيبة والزوجة التي مسحت دموعه ونوّرت حياته وأزهرت مستقبله، وكانت بمثابة البلسم الذي داوى جروحه، حيث ظلّ لسنوات، بل لحدّ اليوم يستيقظ مرعوبًا وفزِعًا حين يشاهد كوابيسًا مخيفة في أحلامه، ليجد زوجته (جنان) إلى جانبه، فتهدّئ من روعه وتناوله قدح ماء ليلتقط أنفاسه ويستعيد توازنه، خصوصًا بلمسة دافئة وكلمة حلوة.
- V -
تجربة محمد السعدي تُقرأ دون إسقاطات مُسبقة بالـ"مع" أو "ضد"، وحتى خارج نطاق السياسة لأنّها تجربة إنسانية وهي تصلح أن تكون فيلمًا دراميًّا بغضّ النظر عن سوداويّتها، فثمّة كوّة ضوء ويقظةٍ لأملٍ جديد وروح جديدة. إنها تجربة حيّة لنصيرٍ وشيوعيّ رواها بصدقيّة كما أعتقد، وسيكون مفيدًا لمن عايشه في تلك الفترة أن يدلي بدلوه بما تناوله من حكايات وسرديات، إن كان إضافة أو حذفًا أو تصحيحًا أو تدقيقًا أو حتى تخطئةً، لأنّني أعتقد أنّها تجربة تستحق القراءة والنقد هي ومثيلاتها، فقد حاول عرضها بطريقة لا تخلو من عفويّة وخارج دائرة القيود والتستّر.
لم يُهمل السعدي نقاط ضعفه ولم ينشغل بتلميع شخصه، ولم يدّعِ بطولة، بل عرضَ بعض مغامراته تلك بتلقائيّة لا تخلو من براءة وطفوليّة لاعتقاده أنه كان يقوم بعملٍ مهمّ يؤدّيه بإخلاص كواجبٍ محبّب، ولو استعدنا الزمن فإنّ ما فعله في تلك الأيام باعتباره عملًا اعتياديًّا سيتوقّف عنده كثيرًا، بل سيتردّد أكثر وربّما سوف لا يُقدم عليه لأنّه قد لا يجده ضروريًّا، بل إنّه انجراف غير محسوب النتائج، وتلك واحدة من دروس الحياة.
بتقديري، ليس المهم الحركة، بل لا بدّ معرفة ما الهدف من الحركة؟ وماذا يمكن أن تنتج؟ وكيف يمكن تحقيق الهدف؟ وهل الأساليب المُستخدمة تنسجم مع الواقع والتطوّر؟ فقد كانت الخسائر تكبر دون نتائج ملموسة تُذكر، وأستعيد هنا قولًا أثيرًا كان عزيز شريف (أبو عصام) غالبًا ما يردّده بعقلانيّته المعروفة: "نحن الشيوعيّين مثل واحد راكب درّاجة لا يريد أن يتوقف خوفًا من الوقوع ويبقى يتحرك بكل الاتجاهات، ولكن دون هدىً خشية من التوقّف"، أقول ذلك لأن على القائد السياسي أن يراجع نفسه باستمرار وخطط عمله وأساليبه وتكتيكاته كل يوم، بما لها وما عليها، خصوصًا وأن متغيّرات عديدة وسريعة تحصل وظروفًا وأوضاعًا كثيرة تتبدّل، وعليه التفكير والتحرك بطرق واقعيّة ورسم سياساته في ضوء المتغيّرات.
"أيّها السائر ليس ثمّة طريق... السّير يصنع الطريق... كلّ شيء يمضي... كلّ شيء يبقى" حسب الشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو الذي توفّي في فرنسا هاربًا من حصار قوات فرانكو إلى مدريد بعد نشوب الحرب الأهلية الإسبانية؛ ولذلك على قيادات الأحزاب أن تبتدع طُرقها الخاصة بما في ذلك اختلاف مرحلة عن أخرى، فما كان يصلح لزمن الرفيق فهد ربّما لم يعد يصلح في زمن الرفيق سلام عادل، وما هو صالح في العهد الملكي ليس صالحًا في العهد الجمهوري على سبيل المثال، كما أنّ ما هو صالح للعهد الجمهوري الأول لم يعد مناسبًا لعهديّ البعث، سواء بالستراتيجيّة أم بالتكتيكات، وما يصلح في مواجهة أنظمة وطنية بما فيها فرديّة أم ديكتاتورية، ليس هو ما يصلح لمواجهة الاحتلال، فتغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان.
في كتاب محمد السعدي ثمّة دهشة مستمرّة لكلّ ما حصل، وهي دهشة كبيرة ما تزال تتوالد أحيانًا، فقد كان يقيس حياته بما يحصل في قرية "الهويدر" وإلى حدٍّ ما في محافظة ديالى "بعقوبة" وحتى بغداد التي تردّد عليها طالبًا أو متسلّلًا ليعيد بناء التنظيم الجديد لم يعرفها كثيرًا، لكنّ قنديل الطفولة الذي بداخله يريد أن يبقى مضيئًا، وإذا به "لا يضيئ زنزانة خالية، بل يضيء كتابًا" حسب باشلار، فتلك الباقة من الحكايات والمرويّات أراد لها أن ترى النور، في منولوج داخلي بينه وبين نفسه ولمن يرغب في قراءتها؛ أو أنه كان يقيس حياته بملعقة القهوة وفقًا للشاعر ت.س.إليوت، وإذا بالحياة أكثر إدهاشًا وأشدّ تعقيدًا من كلِّ ذلك في مواجهة الجمال للقُبح والخير للشرّ والعدالة للظُلم والحقّ للباطل والعمران للخراب، لكن الخطأ والخطيئة ومحاولات إذلال الإنسان وجدت طريقها إلى تلك الدروب الوعرة والألغام الكثيرة والمرايا المحطّمة والمصائر المُحزنة، وهو ما يكشف عنه في أرشيفه الشخصي.

(*) أكاديمي ومفكّر من الجيل الثاني المجدّدين العراقيّين والعرب، ويُعدّ من روّاد حركة المجتمع المدني العربية، وحائز جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة 2003) بدفاعه عن الحقوق والحريّات، ولا سيّما في المجالين العربي والدولي. له أكثر من 70 كتابًا ومؤلّفًا بدءًا من حقل اختصاصه الأساسي في القانونين الدولي والدستوري إلى حقول الفكر والسياسة والثقافة والأدب والأديان، كما له مساهمات وانشغالات خاصة بقضايا التجديد والتنوير والحداثة والفكر الاشتراكي والأديان والتسامح واللّاعنف. ومنذ مطلع الستّينات عمل في صفوف الحزب الشيوعي لكنّه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية ولم يلتزم أُطرها التنظيمية التي تمرّد عليها. ويُعدّ من المثقّفين الماركسيّين الإشكاليّين الذين سلكوا طريق التجريب متخلّيًا عن اليقينيّات الإيمانية مختارًا طريق العقل والأسئلة والنقد، لا سيّما محاولاته إعادة قراءة الماركسية وتجاربها العملية.  )الناشر)


43
المجتمع المدني ... استلحاق أم استحقاق؟
   
عبد الحسين شعبان
   حين صدر كتابي «المجتمع المدني- الوجه الآخر للسياسة» أهديته إلى ثلاث شخصيات عراقية متميّزة هي: عالم الاجتماع علي الوردي مجدّد المدرسة الخلدونية، لشجاعته الفكرية وأبحاثه الريادية في سبر أغوار المجتمع العراقي والشخصية العراقية، وعبد الفتاح إبراهيم أحد أبرز مؤسسي تيار جماعة الأهالي اليساري لدوره في الدفاع عن قيم المجتمع المدني، وأديب الجادر نقيب المهندسين العراقيين الأقدم وأحد أبرز مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان ورئيسها لاحقاً لدوره القيادي المتميّز والنزيه في حركة المجتمع المدني العربي. والكتاب بقدر ما يدرس المجتمع المدني وسماته ومقوّماته فإنه يسلط الضوء على بعض ألغامه واختراقاته، ولذلك حمل عنواناً فرعياً موسوماً بـ "نوافذ وألغام"
    أخذت فكرة المجتمع المدني العربي بالتداول في ثمانينات القرن الماضي على نحو محدود، وانتشرت واتسعت وتطوّرت، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، بصيغتها القديمة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وعلى نحو سريع تأسست عشرات الآلاف من المنظمات على امتداد الوطن العربي مثلما حصل في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي طرح أسئلة حول موقع المجتمع المدني وفلسفته ودوره ومصادر قوته وعناصر ضعفه، علماً أن المصطلح ذاته لا يزال يثير التباساً وإبهاماً يتوزّع بين التوقير والتحقير وبين التقديس والتدنيس، وفي أحسن الأحوال ينظر إليه البعض بصفته أقرب إلى الكماليات والترف الفكري منه إلى الحاجة الماسّة في ظل حروب ونزاعات وعنف وإرهاب وتداخلات خارجية إقليمية ودولية، فضلاً عن أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية طاغية.
    يمكن القول إن فكرة المجتمع المدني حظيت بمكانة خاصة في الدولة الحديثة، والأمر يتعلق بمستويين، أولهما- نشأتها وتطورها، لاسيّما موضوع الحرية الفردية وشرعية نظام الحكم ودرجة تمثيله للناس وآلية اختيار المحكومين للحكام (أي تداولية السلطة). وثانيهما تطور فكرة الحداثة ذاتها كمشروع متطلع للمستقبل، علماً أن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني علاقة معقدة ومركّبة ومتداخلة في الكثير من الأحيان.. فهل هي علاقة استلحاق أم علاقة استحقاق؟ وهل هي علاقة عدائية أم تصالحية؟ وبالتالي هل هي علاقة تصارعية أم تكاملية؟ أي هل هي علاقة استتباعية أم تشاركية؟ وهو ما يتحدّد بطبيعة نظام الحكم ومدى قوة المجتمع المدني ليكون تكميلياً وليس تبعياً.
    وحسب هيغل فإن العقد الاجتماعي ينشئ مجتمعاً مدنياً يتمايز عن الدولة قوامه الأفراد الأحرار، في حين يرفض ماركس الفكرة التي تقول إنه يمثل الحقل الثالث بين الدولة والفرد، انطلاقاً من الحلم الإنساني الذي يتجلى بإزالة الفوارق بين المجتمع والفرد والدولة، وهو ما يجسّد فكرة التحرر الإنساني. أما دو توكفيل فيعتبر مهمة المجتمع المدني المكوّن من جمعيات ومنظمات طوعية هي حماية الدولة من الانزلاق في التجاوز على حقوق الأفراد، وقد سعى غرامشي لإعطاء مفهوم المجتمع المدني نكهة أخرى جديدة ذات أبعاد معيارية، باعتباره الفضاء للتنافس الإيديولوجي من أجل الهيمنة بميله إلى التوسط بين الدولة والفرد.
    وهكذا فليس هناك مطابقة بين المجتمع المدني والدولة، وإنما هو أقرب إلى حالة مفاصلة، في إطار جدلية تمثل سيرورة حيوية يمكن ملاحظتها في التطورات التي حصلت في العديد من البلدان في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا في العقود الثلاثة ونيّف المنصرمة.
    لقد كانت لحظة تحرّر المجتمع في أوروبا والغرب عموماً من أسْر الكنيسة ومن تبعات نظرية الحق الإلهي في الحكم، الخطوة الأولى على طريق قيام مجتمع مدني على أساس فكرة التعاقد بين الدولة والمجتمع وفقاً للإرادة الحرّة، وذلك بالسعي إلى تأصيل نظرية الإرادة الاجتماعية القائمة على التعاقد، حيث يتنازل فيه الأفراد عن حرّياتهم الكاملة لصالح الدولة، وهو ما دعا مونتسكيو لتصوّر حالة من التوازن بين الدولة والمنظمات الاجتماعية والسياسية، وهذا التوازن يجعل حكم القانون ممكناً، أي أن المجتمع المدني يتمايز عن السلطة ويكون خارجها في إطار حكم القانون، فهل مثل هذا الدور واقع في ظروف المجتمع المدني العربي؟
    إن المجتمع المدني العربي ما زال ناشئاً وهو في طور التكوّن وفي بعض البلدان لا يزال جنينياً وأقرب إلى الإرهاص، ولا يزال في بداية طريقه يسعى للحصول على الاعتراف والترخيص القانوني، حيث تتبلور مطالبته بالإصلاح والمشاركة في عملية التنمية. وأعتقد أن ذلك جزء من مسار كوني لا يمكن لأي بلد عربي أن يعزل نفسه عنه، فالعالم العربي لا يعيش في جزر معزولة، وإنما يتفاعل مع محيطه.
    ولكي يسلك المجتمع المدني الطريق الصحيح فإنه ينبغي عليه الفصل بينه وبين العمل السياسي واتباع نهج سلمي مدني وعلني نابذ للعنف وخاضع للقوانين والأنظمة المرعية، كما لا بدّ من وضع مسافة بينه وبين السلطات الحاكمة من جهة وبينه وبين المعارضات من جهة أخرى، وللحفاظ على استقلاليته يحتاج إلى حصانة وطنية لعدم اختراقه، لاسيّما بتحديد أولوياته من العلاقة بجهات التمويل الدولية، كي يصبح استحقاقاً وليس استلحاقاً.
drhussainshaban21@gmail.com   

44
منذر الشاوي: ذاكرة جيل أكاديمي
حين تتلاقح الفلسفة بالقانون

غادرنا البروفيسور منذر إبراهيم الشاوي في 24 شباط (فبراير) 2021 عن عمر ناهز الثانية والتسعين، حيث وُلِدَ في العام 1928 في محلة الأعظمية ببغداد، وعاش فتوته في منطقة الصالحية بالكرخ، وقد نعته أوساطاً أكاديمية ومهنية عديدة بينها نقابة المحامين العراقيين.
ويُعدّ الشاوي من أهم فقهاء القانون الدستوري في العراق، إضافة إلى سليمان فيضي وخليل اسماعيل وعبد الحميد القشطيني واسماعيل المرزة ومحمد علي آل ياسين وعبدالله اسماعيل البستاني، كما يعتبر من أبرز فقهاء القانون الدستوري العرب من أمثال مصطفى كامل وثروت بدوي وعبد الحميد بدوي ويحيى الجمل وطعيمة الجرف ومحمود حلمي وعثمان خليل وسعد عصفور ومحمد المجذوب ومنير العجلاني ومصطفى البارودي وكمال غالي، وقد رفد المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات والدراسات الرصينة، إضافة إلى منجزاته العملية، حيث يعود له الفضل في مبادرة تأسيس المعهد القضائي في العام 1976 والذي صدر قانونه بالقرار رقم 33 والذي يهدف إلى إعداد مؤهلين لتولّي الوظائف القضائية ورفع المستوى القانوني للعاملين في دوائر الدولة الرسمية وغير الرسمية.
وبحكم موقعه ودوره الفعلي كان الأبرز في بلورة فكرة إصلاح النظام القانوني في العراق الذي صدر بقانون رقم 35 لسنة 1977 والذي أقرّ التزام الوزارات وأجهزة الدولة وهيئاتها ومؤسساتها لتحقيق ذلك بالتنسيق والتعاون مع وزارة العدل، كما ساهم في كتابة الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 في لجنة مؤلفة من عدد قليل من الأعضاء وكذلك قانون الحكم الذاتي لعام 1974 ومشروع الدستور العراقي الدائم لعام 1990 الذي لم يرَ النور، حيث تم نشره قبل ثلاث أيام من غزو الكويت(2 آب/ أغسطس/ 1990) وطواه النسيان بعد ذلك،
وقد سبق لي أن ناقشتُ تلك المشاريع من موقع النقد باستفاضة في كتابَيَّ الأول - "المحاكمة: المشهد المحذوف من دراما الخايج" 1992 والثاني - "عاصفة على بلاد الشمس" الصادر في العام 1994، وعدتُ أيضاً لمناقشتها بصورة موّسعة في كتابي الموسوم ،"الدستور والدولة من الاحتلال إلى الاحتلال"  في العام 2005 وذلك في نقدي للمشاريع الدستورية التي طُرحت بعد الاحتلال من "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" عام 2004 إلى "الدستور الدائم" الذي أستفتيَ عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005 وأجريت الانتخابات على أساسه في كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.
 وبغضّ النظر عن الاختلاف في التوجه والرؤية وزاوية النظر والخلفيات الفكرية إزاء تلك النصوص الدستورية والقانونية وفلسفتها ومقاصدها والأهداف التي تقف خلفها والجهات التي تخدمها، فقد كان الشاوي جزءًا من مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد والواحدية والاطلاقية وكان هامش حرية التعبير محدوداً إن لم معدوماً،  وعلينا أن لا ننسى ذلك عند التوقف عنده أو عندها، وحاول أن يفلسف رؤية السلطة القانونية ضمن سياقات السلطة النافذة وتوجهاتها المعلنة وإيديولوجيتها السائدة في مراحلها المختلفة، حيث عمل وزيراً للعدل من العام 1974 ولغاية العام 1988، وعاد إلى وزارة العدل بعد إعفاء "شبيب المالكي" من العام 2000 إلى العام 2003 كما شغل منصب وزير التعليم العالي من العام 1988 ولغاية العام 1991.
وخلال تلك الفترات عمل مستشاراً لرئاسة الجمهورية من العام 1994 ولغاية العام 2000 وقبلها مستشاراً في مكتب السيد النائب صدام حسين لوضع الخطط والبرامج لتطوير مناهج الدراسات العليا.
وفي جميع المواقع التي شغلها وعمل فيها كان يتمتع بصدقية واستقامة وحرص ومسؤولية وحاول أن يحتفظ لنفسه بهامش من الاجتهاد في حدود الممكن والمسموح به، وكان يُدرك الأرضية التي يقف عليها ويقيس المسافة بدقّة بينه وبين قمة الهرم من خلال ذكائه الحاد وحكمته وبُعد نظره وصبره.
استحقّ منذر الشاوي أن يكون عضواً في المجمع العلمي العراقي لمنجزاته الأكاديمية وذلك منذ العام 1979، وأستطيع القول أنه كان صاحب فلسفة وعلم غزيرين، لا سيّما في القانون وحاول أن يضّخ فلسفته القانونية من خلال "قانون إصلاح النظام القانوني" الذي عبّر عن فلسفة السلطة في مرحلة تأسيسية من مراحلها المهمة، التي استهدفت إعادة طبع الحياة السياسية بما تناسب مع توجهاتها التي صبغت حركة التحرر الوطني في مرحلة من مراحل تطورها تأثّراً بالتجربة الاشتراكية العالمية ومحاولة تقليدها أو استنساخها ضمن ظروف العالم الثالث والأوضاع الخاصة في بعض بلدانه.
كان الشاوي مقبلاً على الحياة و"عيّشاً" كما يقول اللبنانيون، وقد كان لا يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه لأخذ قسطاً من لذائذها وفوائدها، وكان متذوقاً للأدب والفن والموسيقى والجمال، قارئاً منفتحاً وناقداً عارفاً لحيثياتها وله عينٌ بصرية خاصة بالرسم والنحت، وهو من القلائل الذين عرفتهم من الأساتذة الذين يوّلون الجانب الثقافي اهتماماً خاصاً، ولولا استغراقه بالعمل المهني والوظيفي الذي أخذ جُلّ وقته، لكان منذر الشاوي فقيه قانوني أقرب إلى قلم الأديب وحبر الناقد، وقد حاول أن يُطعم كتاباته القانونية بذلك، خصوصاً وقد كان تأثيرات الوجودية في مرحلتها الاولى الستينية قوية عليه، وحاول أن يجد روافداً بين فلسفة القانون والثقافة والفن، وهو ما عكسه في سنواته الأخيرة، خصوصا وأنّ روحه الحرة وانفتاحه وتألق شخصيته كانت في هذا الاتجاه.
العلاقة بين الطالب والأستاذ
أُعجبتُ والعديد من زملائي بشخصية منذر الشاوي الكارزمية وفكره التنويري ودعوته إلى الحداثة وارتباط ذلك بفلسفة التغيير، بل أنه كان يمثّل لجيلنا نمطاً جديداً من الأساتذة، الأنيق، الوسيم، المستقلّ، غير التقليدي، المنفتح، المشجّع على الحوار، القريب من الحس والشعور بالتجديد، وكانت حصته الدراسية منتدىً للحوار والاثارة ومنها مواضيع يشتبك فيها القانون بالسياسة، وهذه بالفلسفة التي كان يميل إليها، فضلاً عن الأدب والفن والسينما والمسرح، ولم ننسى حياة الناس ومعاناتهم أيضا في أجواء كانت متوفرة إلى حدود معينة في جامعة بغداد في أواسط الستينات. وغالباً ما كنا نلتقي بساحة الكلية بعد انتهاء محاضرته أو كلّما كانت الشمس ساطعة والجو معتدلاً وذلك في أكثر الأيام، وكان دائما ما يتحلّق حوله العديد من الطالبات الجميلات. وبالمناسبة فتلك الفترة حرص فيها الأساتذة على لقاء الطلبة مثلما كان يفعل ابراهيم كبة ومحمد عزيز وخير الدين حسيب وطارق الهاشمي وآخرين.
درسنا على يديه القانون الدستوري (نظرية الدستور) ثم القانون الدستوري (نظرية الدولة)، وأعتقد أنه أدخل فرعاً جديداً أو حاول ذلك بعنوان "نظرية الدولة والقانون" ويعتقد وهو على حق إنّ الفلسفة أمّ العلوم، ولذلك لكل قانون فلسفة، وبالطبع فلكل قانون تاريخ أيضاً وهو ما كنّا نناقش فيه أيضاً من خلفياتنا بشأن المادية التاريخية، وهكذا فالفلسفة والتاريخ ركنان أساسيان لأي علم ولأي موضوع، واذا كان الشاوي أحد الأساتذة الذي أثّروا في توجهي الأكاديمي، فقد كان للدكتور حسن الجلبي الذي درّسنا القانون الدولي، وكان من أكثر الأساتذة تشدّداً، هو الآخر لعب دوراً في اختياراتي القانونية لاحقاً، وهو ما حاولتُ أن أشتغل عليه في دراساتي العليا التي انتقلت من العلوم السياسية والاقتصادية إلى العلوم القانونية الدستورية والدولية.
 وحين عُدتُ إلى العراق بعد حصولي على الدكتوراه في العام 1977 نصحني الدكتور صفاء الحافظ الذي كان عضواً في ديوان التدوين القانوني بزيارة منذر الشاوي في وزارة العدل، لاطلاعه على اختصاصاتي، خصوصاً وكان يعرف علاقتي الخاصة به، وقد اتصلتُ بالوزارة فإذا بمدير مكتبه أحد زملائي وصديق عزيز لي وهو إدهام خميس الضاري،  وهو قريب الشيخ حارث الضاري، وكنت كلما ألتقي الشيخ حارث الضاري يرد ذكر إدهام. وفي اليوم التالي، كنتُ في مكتبه وكم كان يُصغي إليَّ باعتزاز وغبطة، إلى أنني درست "نظرية الدولة والقانون" في "معهد الدولة والقانون" التابع لأكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، وهي أرقى مؤسسة علمية، وكنت حينها الطالب العربي الوحيد الذي تخرّج من المعهد علماً بأنني درستُ في الوقت نفسه "فلسفة القانون" واخترت القانون الدولي كاختصاص، وكاختصاص دقيق "المعاهدات الدولية المتكافئة وغير المتكافئة"، ولا أنسى أنّه أثنى على توجهات بلدان أوروبا الشرقية ومناهجها القانونية ودراساتها الأكاديمية التي اعتمدت فلسفات كلّانية بشأن وحدة القانون باعتباره تعبيراً عن مصالح الطبقات القابضة على السلطة، وهو ما حاول العراق اقتفاءه في تجربته السياسية والقانونية، وللأسف فإنّ التجربتين الأصل والفرع لم تكونا ناجحتين.
وسألني ماذا أنا فاعلٌ بخصوص العمل؟ فقلت له لديّ تعيين مشروط من جامعة بغداد كلية القانون يبدأ بعد إنهاء الخدمة الإلزامية، فقال: لنا حديث آخر بعدها، وأرجو أن تتّصل بي بعد الإنتهاء من إدائها واذا حصل أي تأجيل أو انتداب يمكن أن تعلمني بذلك فشكرته على اهتمامه.
الانتخابات الطلابية
تعمّقت صلتي بمنذر الشاوي عشية الانتخابات الطلابية (ربيع عام 1967) وسألني ماذا أنتم فاعلون؟ قلت له نمدّ أيدينا للتعاون مع الجميع فعسى أن نتمكن من عقد "جهة طلابية" وكان ذلك شعارنا، لكن الأمر لم يتحقق لإشكاليات وعُقدٍ سابقة، فضلا عن محاولة تضخيم الحجوم، وفضّل كل فريق أن ينزل الانتخابات بمفرده، وعلى الرغم من تخوّفنا من احتمالات الصدام إلّا أنّ الأمر تمّ بسلاسةٍ واعتياديةٍ نسبياً باستثناء ما حصل في كليتي الحقوق والتربية الرياضية التي انسحبنا منها بسبب أعمال شقاوة وتهديدات، وفعلنا ذلك احتجاجاً.
ومع ذلك كانت النتائج أن أحرزنا 80% من الأصوات و76 من المقاعد الانتخابية، وهذا ما كان مفاجئاً حتى لنا، بل مفارقة حقيقية، فقد كانت التقديرات التي توّصلنا إليها قبل الانتخابات بأننا يمكن أن نحصل على 20-25 %، وإذا بنا نعبر أكثر الاحتمالات تفاؤلاً، ويعود السبب في ذلك إلى أننا نزلنا بقائمة موّحدة وشعارات مهنية واخترنا أفضل الوجوه الاجتماعية وقد انضمّ إلى قائمتنا مجموعة يسارية يُطلق عليها اسم "المنظمة العمالية" وأصولها من حزب البعث وقد انشقّت عنه في مطلع الستينات وأسسّت كتلةً بإسم "الكادحين العرب" التي كان يقودها قيس السامرائي الذي كان قد درس معنا بعد عودته من انكلترا ليستكمل دراسته في جامعة بغداد، وقد فاز عدد من الذين تمّ ترشيحهم معنا وتحت اسم قائمتنا. أمّا السبب الثاني فإن الآخرين كانوا متفرقين ومنقسمين، وأننا كنا نمثل الطرف الأكثر تماسكاً وتنظيماً وتطلّعاً نحو الحداثة وتوجهاً للتغيير في الشبيبة الطلابية المتطلّعة دائما إليه.
واحترنا في الأمر لا سيّما بعد إلغاء نتائج الانتخابات في اليوم التالي، وكان المبرر أن "القوى الشعوبية" بدأت ترفع رأسها كما كتبت صحيفة عراقية كانت تبرر فعل الحكومة في الغاء نتائج الانتخابات، التي كنا نأمل أن تكون "بروفة" لإنتخابات عامة، كما وعد حينها رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، وكان خير الدين حسيب وهو الآخر أستاذ في كليتنا حينها، قد طلبني ليستفسر كيف حصل ذلك؟ وبصوتٍ عالٍ سألني: هل هو جمهوركم أم تنظيم قويّ لكم؟ وقلت له وهو ما كتبته قبل سنوات في مراجعةٍ للتجربة "مجلة المستقبل العربي" 2013: أنّ مسؤوليتنا ستصبح أكبر وأننا حتى لو حصلنا على 99% فإننا لن نستطيع أن نقود الإتحاد أو البلاد دون تعاون وطني عام وتلك هي قناعتي التي كانت تتعزّز مع مرور الأيام، فالتعددية والتنوّع من طبيعة المجتمع العراقي التي لا بدّ من أخذها في عين الاعتبار.
كان الشاوي حريصاً على التعاون الوطني ونصحنا بتكرار مبادرة اللقاء مع الآخرين، وهو الأمر الذي عدنا إليه بقوة برفع شعاراتٍ جبهوية بعد عدوان حزيران (يونيو) 1967، وخصوصاً كان شعارنا "كل شيء إلى الجبهة"، بل رددّ بعضنا "كل شيء من أجل الجبهة" وهو حوار بمنولوج داخلي لدينا انفجر لاحقاً بانقسام الحزب الشيوعي  إلى كتلتين متنازعتين  "القيادة المركزية" و"اللجنة المركزية"، وكم كان متعاطفاً مع الطلبة في الإضراب العام أواخر العام 1967 وأوائل العام 1968 ، خصوصاً بعد سقوط جرحى في كلية التربية إثر مداهمةٍ بوليسية.
وازدادت لقاءاتنا مع الشاوي وكنا على وشك التخرّج، وأتذكّر أنّه دعانا مرّة في "مطعم عمّو الياس" على الغذاء، وذلك تحضيراً لفكرة تأسيس "الجمعية العراقية للعلوم السياسية" على الرغم من أنّه وضع نفسه خارجها، وكانت الاتصالات الأولى مع القيادي البعثي محمد محجوب وتمّ الأمر في الأسابيع الأخيرة لتخرجنا. وعند قيام انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 كانت الجمعية قيد الانشاء، وأتذكر أنها اختارت جمعية الحقوقيين كمقرّ لها أيضاً.
لقاء مع ليلى خالد
من الأماسي التي نظمتها الجمعية حتى قبل انتخاباتها التي جرت في العام 1969 ، هو استضافة ليلى خالد واسمها الحركي"شادية أبو غزالة"، والتي ستُعرف باختطاف الطائرة الأميركية TWA في 29 آب (أغسطس) 1969، وبلغت شهرة واسعة بعد محاولة اختطاف طائرة العال الإسرائيلية المتوجهة من أمستردام إلى نيويورك (6 ايلول / سبتمبر/ 1970) وقد قُتل زميلها النيكاراغوي باتريك أورغويللو على متن الطائرة وتمّ احتجازها في لندن حين هبطت الطائرة اضطراراً، وقد انعقدت صداقة بيني وبينها إضافة إلى صداقتي مع زوجها المناضل والكاتب فايز الرشيد.
وحينها تعرّفت يومها على رفيقها عدنان جاسم البيّاتي المعروف باسم "باسم العراقي" والمسؤول عن مطار الثورة واختطاف الطائرات في عمّان والذي رصدت له الأجهزة الأمنية الأردنية عشرة الآف دينار لمن يُلقي القبض عليه حيّاً أو ميتاً. وعدنان أو "باسم العراقي" كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، وضابطاً سابقاً برتبة ملازم أول في الجيش العراقي وحُكم عليه لمدة ثلاث سنوات بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وبقي في سجن نقرة السلمان. وحين أُطلق سراحه غادر العراق بعد فترة وإلتحق بحركة المقاومة الفلسطينية واشتغل مع الجهة الشعبية لتحرير فلسطين وتنظيم العمليات الخارجية بقيادة وديع حداد. وكنت قد التقيته في العام 1975 في براغ، وقد سألته إلى متى سوف تبقى على هذه الحال من التّرحال؟ فقال لي: أنها مهمّة واحدة وسأستريح.
 وبعد عدة أسابيع اعتقلت الأجهزة المصرية عدنان البيّاتي الذي كان قادماً من ايران بجواز سفر سعودي وتمّ كشف المهمة وهي اغتيال شاه ايران (محمد رضا بهلوي) خلال زيارته إلى برلين، وقد أنكر أنّه عراقي، فقامت السلطات المصرية بتسليمه إلى المملكة العربية السعودية التي حكمت عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن انفرادي وقد قابلت والدته الرئيس المصري محمد أنور السادات مرتين ووعدها خيراً، وبعد انتهاء محكوميته أُطلق سراحه العام 1978 بتدخل من الحكومة العراقية. وعاد إلى العراق، ثمّ غادر إلى بيروت، ومنها إلى عدن ثم عاد إلى العراق وتوفي هناك.
كانت إدارة الشاوي للندوة التي عقدتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية متميّزة كالعادة، وطرح أسئلة شارك فيها عدد من الأساتذة والمعنيين وإن لم يكن العدد يزيد عن 15 مشاركاً، فقد كانت ندوة نخبوية بامتياز عن مركز المقاومة في القانون الدولي، والحق في الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى التفريق بين المقاومة والإرهاب، والإرهاب الأسود والإرهاب الأبيض والأحمر، ولم يكن إرهابا أخضراً حينها، وغيرها من مواضيع حركة التحرر الوطني وأساليب الكفاح، ولا سيّما الكفاح المسلّح . وكانت تلك إحدى  مميزات الشاوي غير القابلة للحصر، فهو يفاجئك بآراء ووجهات نظر متقدمة، ويثير أسئلة أقرب إلى الشك والشغب الفكري أحياناً، والهدف هو تفعيل التفكير وتنشيط الحوار وتعميق الجدل بعيداً عن النصيّة أو الإيمانية أو ادعاء امتلاك الحقيقة، وتلك كانت إحدى مواصفاته في الستينات، سواء خلال إلقائه محاضرات أو أثناء الحوار معه.
الصحافة
أتذكر أنه في أحد الدروس سألنا ما هي أهم جريدة في العراق، قال أولّهم اليقظة و آخر البلاد وثالث الزمان ورابع المنار وخامس العرب وسادس الثورة العربية وسابع الجمهورية، وقلت أنا اتحاد الشعب التي لم تعمّر طويلاً كجريدة علنية، وسألني هل هي جريدة سرية الآن؟  قلت له ما يوازيها، ثمّ سألني خارج الصف ماذا تعني؟ فقلت له: اسمها الحالي "طريق الشعب" فقال على الرغم من أنني لم أكن في العراق يوم صدرت (اتحاد الشعب) الّا أنّ الأعداد القليلة والتي لا تتجاوز أصابع اليد التي اطلعتُ عليها، وأنا في فرنسا، كانت تشير إلى مهنيتها ورصانتها وتنوّع موادها وغنى الثقافة فيها بغضّ النظر عن الاختلاف مع توجهاتها، فقد كانت أكثر مدنية وحداثةً وتنويراً. وهو الرأي الذي فاجئنا حينها، في تعليقه داخل الصف وذلك في لحظة وضوح وصراحة. وبعد الانتهاء من المحاضرة، بادرتُ للهمس في أذنه إذا كنت راغباً في ايصال طريق الشعب فيمكنني أن أوفر لك ذلك، وأتذكر أنني زوّدته لأكثر من مرة بها وكلما توفرت الظروف، وما كنت أفعله مع آخرين.
جمعية العلوم السياسية
ما عزّز علاقتي بمنذر الشاوي هو الحوار معه لإقناعه بترؤوس الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكنت أذهب إلى بيته مساءً مع مسؤول الحركة الاشتراكية العربية "صباح عدّاي" واشترط موافقة البعثيين، وقلنا له بالطبع فذلك أمر لا غنى عنه، ونحن نطمح بائتلاف وطني واسع يشارك فيه الأكراد أيضا، وبالطبع كان زهير يحيى من المتحمسين لرئاسته للجمعية، وهو أحد القيادات البعثية المتنوّرة والمثقفة، وكنت قد جئتُ على ذكر مزاياه أكثر من مرة، وارتبطت به بعلاقة صداقة منذ العام 1966 بعد عودته من لندن ومواصلة الدراسة معنا، وكان عضواً في فرع بغداد، وأصبح في المؤتمر القطري الثامن عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث (مرشحاً احتياطيّا)، وهو من الشخصيات التي تستحق الثقة والوفاء، وقد توفي في ظروف غامضة في السبعينات والتقينا الشاوي وأبلغناه دعم البعثيين وحماستهم لرئاسته وهم والحقيقة تُقال، كانوا الأكثر نفوذاً في الجمعية، فاشترط أن يكون الأمين العام (صادق الأسود) وهو أقرب إلى اليسار، فوافق الجميع.
والتقينا عدّة لقاءات حيث مثّل الحركة الاشتراكية سمير العاني وصباح عدّاي وكنت ألتقي هاني إدريس أيضاً للغرض نفسه، امّا حزب البعث فبعد لقاءات عديدة مع زهير يحيى الذي كان مسؤولاً عن تنظيمات وزارة الخارجية وأصبح مسؤولاً عن مدينة الثورة ثمّ نُقل الى الموصل كمسؤول أول فيها أوكل الأمر إلى حامد الجبوري، الذي التقينا به لقاءً واحداً في وزارة الشباب، ثمّ تفرّغ للمهمة الصديق مجبل السامرائي سفيرنا في أوسلو قبل تقاعده (أعيد بعد الاحتلال للعمل الديبلوماسي). ومثّل الأكراد طيّب محمد طيّب وصلاح عقراوي وكانا من مجموعة المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني (ابراهيم أحمد - جلال الطالباني)، والأمر قبل بيان 11 آذار (مارس) 1970، أما الحزب الشيوعي فقد مثّله (كاتب السطور) واتفقنا على أن يكون منذر الشاوي الرئيس وصادق الأسود أميناً عاماً وأحد البعثيين (مجبل السامرائي) وأحد الشيوعيين (كاتب السطور) نواباً للرئيس أو حتى بصفة أعضاء إذا اتفقنا على (الرئيس والأمين العام وأمين الصندوق) ويأتي كل طرف منّا بعضو مستقل (ويكون العدد 9) واتفقنا على ذلك، واستبشر البعثييون بالتحالف الأول الذي حصل على الصعيد المهني.
 وقبل الإعلان عن موعد الانتخابات قانونياً، هاتفني الشاوي وطلب حضوري إلى منزله (القريب من منزلي في العطيفية) وكذلك بالقرب من منزل صباح عدّاي وحين قلتُ له هل أبلغ صباح عدّاي؟ قال لي تعال لوحدك في الثامنة وأبلغه بالحضور في التاسعة مساءً. وذهبت إليه وكان يرتدي سترة النوم (الروب) فوق القميص والبنطلون، وجلستُ أمامه وكان يُحدّق عاليا، فقال لي: أنني أعتذر عن الترشيح وفوجئتُ بالخبر، بل وقع عليّ كما هي الصاعقة ، فقد بذلنا محاولات دامت لأكثر من ثلاثة أشهر لترتيب القائمة، وهكذا انسحب الأسود أيضاً وكان التشكيل لاحقاً ضعيفاً، فرشحنا من جانبنا نعمان شعبان واحتياطي أحد الشخصيات على ملاكنا لعدم موافقتهم على ترشيح السيّدة رجاء الزنبوري، وكان الأخير قلقاً وغير مستقرّ، وقد أبلغت الرفيق ماجد عبد الرضا حينها بشأنه، فقلت له أنّه الآن معنا وصديق لنا ويدفع تبرعات مستمرة منذ ثلاث سنوات، لكنه إذا تمّ الضغط علينا قليلاً فسينسحب، وإذا ازداد سينتقل إلى الطرف الآخر، وهو ما حصل بالفعل فقد تسلّق المواقع سريعاً.
ويضحك معي جليل الشيخ راضي، حين قال لي مرة: لقد أمضيت في حزب البعث ما يزيد عن ربع قرن، ولست سوى عضوا، فكيف أصبح "صاحبكم" عضو شعبةً وتلك واحدة من مفارقات الوضع السياسي وربما يوجد مثلها الكثير ما بعد الإحتلال فقسم من الذين عملوا في تنظيمات حزب البعث أو الصف الوطني أصبحوا كوادر متقدمة لدى الأحزاب القائمة وانتقلوا من ضفّة إلى أخرى، بل أنّ بعضهم أصبح الأكثر تطرفاً، ورشّح صباح عدّاي عن القوميين وصلاح عقراوي عن الأكراد وأصبح الرئيس طه الحديثي (ماجيستير علوم سياسية) واختزلت المناصب الأخرى إلى صفة عضو فقط.
   قال لي منذر الشاوي في الخلوة بيني وبينه: نحن نريدها جمعية حقوقية فكرية ثقافية ونريد اصدار مجلة حرّة ونريد اثارة مواضيع للنقاش والجدل، والجو العام لا يسمح بذلك، لذلك قررتُ الابتعاد وهذا الأمر بيني وبينك، وما سأقوله لصباح والآخرين أنني متفرغ للكتابة ولدي مشاريع أخرى.
كان ذلك قبل أن يستدعى ليشارك في صياغة الدستور العراقي المؤقت  (تموز/ يوليو/ 1970) ومن ثمّ توكل إليه المهمات الرسمية التي قام بها بجدارة بغضّ النظر عن الرأي فيها، وأظنّه اقتنع في تلك الظروف أن السبيل لكي يكون دوره أكبر وأكثر تأثيراً هو بالانتماء إلى حزب البعث، سواء كان الأمر طوعاً أو اضطراراً وقد تمّ الأمر على مراحل و بالتدرّج، فالظروف العامة كانت تميل بهذا الاتجاه، وعمل في المكتب المهني وكان مسؤوله لفترة شبيب المالكي، علماً بأن المؤسسات والمنظمات المهنية كلها تابعة للمكتب المهني، بما فيها الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكان آخر مسؤول للمكتب المهني عبد الغني عبد الغفور، وبالعودة إلى الجمعية العراقية للعلوم السياسية التي نشط فيها لفترة  وميض عمر نظمي، كما ساهم في تأسيس "الجمعية العربية للعلوم السياسية" في قبرص، وأصبح أميناً عاماً لها، وقد ترأس منذر المطلك عضو المكتب المهني الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكان أن التقيته في مؤتمر ديربن بجنوب أفريقيا 2001 رئيساً للوفد العراقي الذي ضمّ الصديق رياض عبد العزيز النجم والصديق نعمان شاكر نقيب المحامين الذي تعرفتُ عليه لأول مرة وثائره العاملة في الطاقة الذرية التي تعرفتُ عليها ولم ألتقِ بها لاحقاً.
ويومها فاجئني منذر المطلك ملاطفاً ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قلت له أنا الذي أسأل ما الذي أتى بك أنتَ إلى هنا؟ فقال صرنا مثلكم " مجتمع مدني" ثمّ سألته بعد ذلك ماذا تقصد؟ فقال: أنني رئيسٌ للجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكانت الجمعية قد انضمّت إلى جمعية الحقوقيين العراقيين بعض اعتقال بعض أعضائها بمن فيهم من الهيئة الإدارية وابتعاد الأفراد المحسوبين على المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970، لكنها حسبما يبدو عاودت النشاط كمنظمة مهنية مستقلة، فرويتُ له كيف تأسست الجمعية وما هي التحضيرات الأولى واللقاءات التمهيدية ومن ثمّ الحوارات للوصول إلى صيغة مشتركة وتلك حكاية أخرى لا بدّ من التوقف عندها في وقتٍ لاحقٍ، ويهمني أن أنوّه هنا إلى ما سمعته من المطلك والنجم من معاناة إنسانية وشخصية وعامة كانا يعيشانها وتلك تحتاج إلى سردية خاصة كنت قد وضعتها ضمن مشروعي النقدي.

في عمّان
بعد أن تعرّض منذر الشاوي إلى احتجاز في بغداد العام 2005 قال أنّ أحد طلابه من المتطرفين في النظام السابق كان وراءها، وذلك حين تمّ ترشيحه ضمن مجموعة ما يسمّى بالمكوّن السّني حيث أضيف  15 عضواً إلى لجنة صياغة الدستور الذي وضع مسوّداته نوح فيلدمان  وقام بتنقيح بعض أجزائه بيتر غالبرايت، ولاطفته هنا أين سيكون موقع منذر الشاوي؟ قال: تلك غلطةٌ لم أقدّر أبعادها، وبعدها اضطرّ إلى الهجرة إلى عمّان التي عاش فيها منذ العام 2005 ولغاية وفاته، ولعل خطوة قبوله الانضمام إلى تلك اللجنة كانت خطوة خارج السياق وهي تتعارض مع ما عمله طيلة ما يزيد عن ثلاثين عاماً في أعلى المواقع الحكومية والادارية، وفي عمّان عاش حياة بسيطة أقرب إلى التقشف في شقة متواضعة كنت قد زرته فيها أكثر من مرة، بعد أن زارني عدّة مرات في الفندق وأهداني كتبه الجديدة وكنتُ مسروراً مثلما هو باستعادة العلاقة، وكان صاحب دار ورد محمد الشرقاوي هو الذي يقوم بطبع كتبه، مثلما طبع لي أكثر من كتاب وأدوّن هنا اهداء أحدها لي بخطّه الجميل وحروفه الأنيقة "إلى المفكر العربي الأخ الدكتور عبد الحسين شعبان مع فائق الود والاعتزاز منذر الشاوي الأول من حزيران 2008"، وحين تدهورت صحته ولا سيّما بعد وفاة زوجته "أمّ النعمان" كنت أزوره في المنزل بصحبة أحد الأصدقاء وفي أحد المرات بصحبة الدكتور حسن البزاز كما أتذكّر.
في آخر لقاء لي معه في عمّان ومنذ نحو سنتين تقريباً من وفاته، في تموز (يوليو) 2019 كان متعباً وبدا نحيفاً بذاكرة مشوشة، زرناه مجموعة من طلبته اجتمع بعضها عن طريق الصدفة في لقاء فكري وضمّت المجموعة البروفيسور عامر حسن فياض (مدير مكتبه قبل سفره للعمل في ليبيا) والبروفيسور شيزارد النجار والدكتور نجدت عقراوي والدكتورة خانزاد أحمد، وكانت الرغبة الجماعية الاتصال باستاذهم القديم وقد اتصلتُ به وأبلغته بذلك وسألته إذا كان وضعه الصحي يسمح بالزيارة، فرحّب باللقاء وطلب مني الأسماء فذكرتها له.
وبما أنه كان يعيش وحيداً فقد طلب حضور أحد طلبته القدامى وزميله في الوزارة لاحقاً الذي كان يتردد عليه وهو سمير الشيخلي وزير الداخلية الأسبق، الذي كان باستقبالنا وتمتدّ علاقتي بالشيخلي إلى أواسط الستينات، وكان آخر لقاء بيننا في نهاية العام 1969 أو مطلع العام 1970، وكان اللقاء مع الدكتور منذر الشاوي ممتعاً وشيّقاً كالعادة، وحين تقدّمت منه إحدى زميلاتنا لالتقاط صورة تذكارية، قلت لها اقتربي منه، بل والتصقي به فإنه يحبّ الحلوات، فضحك الشاوي من القلب لهذه الأجواء المملّحة الذي ذكّرته بالماضي الجميل، وحلّت تلك الضحكة في ذاكرتنا كلّ ما التقينا نتذكّرها بمودة وشعور الامتنان لاستاذنا.
هشام الشاوي: سجل حافل
ربطتني علاقة شخصية بشقيقه هشام الشاوي خرّيج جامعة أكسفورد، وكان حين يتحدث بالانكليزية لا يمكنك تمييزه عن الانكليز، وهو ما فاجئ به الصحفيون الأجانب في المؤتمر الصحافي الذي عُقدَ في لندن اثر انتقاله للمعارضة في ربيع العام 1993 ، وبعد أن عمل سفيراً في كندا وقد وصل في الفترة ذاتها حامد الجبوري، وبالمناسبة فقد درّسنا هشام الشاوي "الدبلوماسية" في السنة الرابعة من الدراسة العام 1967، وكانت علاقتي قد توطدت في لندن خلال الأشهر القليلة التي مكث فيها قبل اضطراره المغادرة إلى المملكة العربية السعودية، وفيما بعد في الرياض.
كان هشام الشاوي يختلف عن منذر فقد كان قومي الهوى لدرجة المحافظة أحياناً، وقد أسسّ مع المحامي يوسف الخرسان "الرابطة القومية" وعمل معهما لفترة الشاعر عدنان الراوي، الذي سبق أن أُسقطت عنه الجنسية العراقية في العهد الملكي، لكنها ظلّت منظمة على الهامش، وقد استوزر كوزير للتعليم العالي ووزيراً للشؤون الخارجية في السبعينات، وأدخل كقومي إلى الجهة الوطنية مع دكتور نزارالطبقجلي الذي هو الآخر أقرب إلى التيار القومي والذين عملوا تحت هذه المظلة.
ويمتاز هشام الشاوي بمسألتين لا يضاهيه فيهما أحد: الاولى: لغته العربية الصافية، وكان متمكنّا منها وبارعاً في استخدامها، حيث كان يرفض الحديث بالعامية لأي أمر وفي أية قضية، وكان الرفيق عامر عبدالله الذي زامله في الوزارة شديد الإعجاب به وفي الوقت نفسه يحاول مناقشته بشأن اللغة ودورها ووظيفتها كما أخبرني وقد التقاه في لندن أيضا. والثانية: معرفته بتاريخ العشائر فهو من العبيدات ويستطيع بسرعة خاطفة أن يُظهر لك شجرة العائلة وأين يمكن أن تلتقي مع العبيدات؟ وحين سألني عن أصل شعبان، فأجبته أنّه الجد السادس القاضي عبدالله الشعبان رئيس الخدمة في حضرة الإمام علي، والأصل حميري قحطانيٌّ من جبل النبي شُعيب في اليمن، فأكمل لي المشهد وذلك خلال دعوته لي في الرياض بفندق الإنتركونتننتال وفي كل زيارة لي للرياض لم أكن أتردد من اللقاء بأبو الحكم لما في حديثه من علم وفائدة ومتعة. وآخر لقاء لي معه في عمّان في مطعم بالصدفة ثم عرفت أنه توفي بعد بضعة أشهر 2013، وهو أصغر من منذر بسنتين.

منذر الشاوي في سطور
تخرّج الشاوي من كلية الحقوق في بغداد، العام 1951 ونال دبلوم العلوم القانونية في العام 1954 والدكتوراه في العام 1956، وحصل على درجة شرف في دكتوراه الدولة من جامعة تولوز حيث كان الفائز الأول في الاطروحات العام 1961 ، ودرّس في جامعة بغداد ونال درجة الاستاذية في العام 1973 وكان استاذاً في المعهد القضائي 1977- 1988 وقال لي القاضي رزكار أمين الذي كان أول قاضٍ لمحاكمة صدام حسين واستقال احتجاجاً على تدخلات خارجية كما أفاد، أن أكثر أستاذ استفاد منه هو منذر الشاوي، وفرح كثيراً حين عرف علاقتي الطيبة به، كما درّس في جامعة النهرين (صدام سابقاً) من العام 1992 ولغاية العام 2002.
ومن أهم مؤلفاته:
      - نظرية الدستور (1964)
      - نظرية الدولة (1966)
      - القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية في العراق
      - فلسفة القانون (1994)
      - المدخل لدراسة القانون الوضعي 1996
      - الدولة الديمقراطية في القضية السياسية والقانونية
      - تأملات في الثقافة والقانون
      - فلسفة الدولة 2013
      - تأملات في فلسفة حكم البشر
      - القانون والحياة 2008
                  ***
رحل الشاوي وحيداً ومكسوراً في عمّان وفي ظروف جائحة كورونا التي جعلت من التباعد الاجتماعي قانوناً ينطبق على المجتمع، وهكذا وريَ التراب في عمّان في ظرف استثنائي، ويحتاج منا نحن طلبته وزملاؤه وأصدقاؤه والمعنيين بقضايا الحقوق والقانون والفلسفة والثقافة الاهتمام بتراثه وجمعه، فعسى أن نفيه حقّه وهي دعوة لإقامة احتفالية له عند مرور عام على وفاته.
      



45
المنبر الحر / ستارت - 3
« في: 21:29 04/02/2021  »
ستارت - 3
عبد الحسين شعبان
   كان برنارد باروخ مستشار الرئيس الأمريكي هاري ترومان  أول من استخدم مصطلح "الحرب الباردة" في 16 إبريل (نيسان) عام 1947 ، التي تعني المجابهة العالمية الجيوسياسية والإقتصادية والآيدولوجية بما فيها الحرب النفسية ووسائل القوة الناعمة الإعلامية والثقافية والرياضية ضد الإتحاد السوفيتي السابق ، وبعده جاء خطاب ونستون تشرشل  الذي ألقاه في مدينة فولتن بولاية ميسوري الأمريكية ، ومع أنه لم يكن حينها رئيساً لوزراء بريطانيا ، لكن فكرته سرت مثل النار بالهشيم حين طرح تشكيل حلف عسكري للدول الإنكلوساكسونية بهدف "مكافحة الشيوعية" وكان ذلك ترسيخاً لفكرة الحرب الباردة ، حيثُ تأسس حلف الناتو في العام 1949 وبالمقابل أُنشأ حلف وارشو في العام 1955 من جانب الإتحاد السوفيتي وحلفائه .
   وقد دامت الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية نهاية الثمانينات ، وشهدت سباقاً محموماً للتسلح على الرغم من محاولات الطرفين البحث عن فرصٍ لتخفيض ترسانة الأسلحة عبر معاهدات واتفاقيات دولية جماعية أو ثنائية دون أن تخلو من عقباتٍ وكوابح تعكّر صفو علاقات "التعايش السلمي" وتزيد من سباق المنافسة التسليحية والتي كان آخرها ما عُرف بـ "مشروع حرب النجوم"الذي خصصت له واشنطن ترليوني دولار ، وكان ذلك أحد أسباب فشل الإتحاد السوفيتي وتفكّكه في تلك المنافسة غير المتكافئة التي جرّته إليها الولايات المتحدة، خصوصاً في عهد الرئيس ريغان، إضافة إلى أسباب إقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها .
   خلال شهر فبراير (شباط) الجاري 2021 سينتهي مفعول إتفاقية ستارت - 3  التي تمّ التوقيع عليها في 18 إبريل (نيسان) 2010  بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف ،وقد توصّلت واشنطن إلى "إتفاق مبدئي" مع روسيا على تمديدها لخفض ترسانة الأسلحة النووية ، علماً بأنها كانت قد طلبت من الصين الإنضمام إلى المفاوضات التي يشهد برنامجها النووي نموّاً مطرّداً، لكنه لا يقارن من حيث الحجم  بالترسانتين الأمريكية والروسية ، حيث تمتلكان نحو 93 % من القنابل النووية في العالم ، ويدرك الطرفان إن من شأن عدم تمديد المعاهدة رفع جميع القيود المتبقية على نشر رؤوس حربية نووية ، وكذلك الصواريخ والقاذفات القادرة على حملها، مما سيؤدي إلى تأجيج سباق التسلح، ويزيد من حدّة التوتر ويعيد الأجواء إلى مناخ الحرب الباردة .
   ولعلّ فوز جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس أوباما حين تم التوقيع على ستارت - 3 إلاّ أنه يعتبر روسيا العدو الرئيس والأول للولايات المتحدة ، أما الصين فيعتبرها منافساً وليس عدواً ، الأمر الذي قد يجعل العلاقات الروسية - الأمريكية تعيش أوقاتاً صعبة، على الرغم من توفّر الفرصة لتمديد إتفاقية نيوستارت - 3 ، وكان قد عبّر عن نيّته في تمديد المعاهدة خلال حملته الإنتخابية .
   تعتبر ستارت - 3 ، واحدة من 9 إتفاقيات نووية وقّعتها موسكو مع واشنطن خلال العقود الماضية ويعود تاريخها إلى ستينات القرن الماضي، ومن أهمها معاهدة منع التجارب النووية وهي معاهدة متعددة الأطراف تمّ التوقيع عليها العام 1963 وما تزال سارية المفعول ، إضافة إلى معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية لعام 1963 وهي معاهدة متعدّدة الأطراف تم تمديدها في العام 1995 وهي مفتوحةٌ وغير محدّدة بزمن .
   ومن المعاهدات الثنائية بين البلدين معاهدة سالت - 1  و ABM و سالت - 2 ، الأولى تم التوقيع عليها في العام 1972 لغرض تجميد عدد قاذفات الصواريخ البالستية العابرة للقارات بين البلدين (لمدة 5 سنوات) في حين أن الثانية منعت إنشاء درع مضاد للصواريخ ، أما الثالثة (سالت - 2) فقد تم التوقيع عليها العام 1979 بشأن الأسلحة النووية ، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ، إضافة إلى معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى التي تمّ التوقيع عليها في العام 1987 بين دونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف ، وهي المعاهدة التي انسحب منها دونالد ترامب في فبراير (شباط) 2019 ، ومن المعاهدات المهمة ستارت - 1 (1991) و ستارت - 2 (1993) التي لم تدخل حيّز التنفيذ ، وتكمن أهمية ستارت - 3 بتحديد عدد الرؤوس النووية بـ 1550 رأساً ، وهي خاصة بالأسلحة الهجومية ، وقد أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إستعداد بلاده لتمديد المعاهدة ، كما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أهمية تمديد ستارت - 3 ، وذلك خدمة للسلم والأمن الدوليين .
   وسيؤدي تمديد المعاهدة إلى تفعيل نظام الرقابة النووية وتخفيف حدّة التوتر في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادي وإقامة نظام مؤتمن في مجال التكنولوجيات، بما يطمئن واشنطن من إلتزام  موسكو بأحكام المعاهدة ، ويطمئن موسكو من حسّاسيتها بنصب صواريخ نووية في بولونيا وأوكرانيا وتشيكيا وعلى حدود روسيا .



46
شعبان: نجدّد الدعوة لإنهاء الحرب في اليمن

   وكالات - خاص / العواصم العربية (المحرر الثقافي)

   قال الدكتور عبد الحسين شعبان في تصريح له أن مجموعة السلام العربي جدّدت دعوتها لإنهاء الحرب في اليمن مبديةً استعدادها لوضع كامل إمكانياتها وطاقاتها وخبراتها من أجل ذلك ، لتهيئة مستلزمات حوار جاد ومسؤول يمكن أن يكون تحت رعاية جامعة الدول العربية وصولاً إلى تحقيق مصالحة شاملة تضع اليمن على طريق السلام الدائم والوطيد، كجزءٍ عزيزٍ من أمّته العربية .
   وأشار شعبان إلى أن التوصل إلى صيغة تسوية سلمية مهمةٌ وطنيةٌ يمنيةٌ وعربيةٌ وإنسانيةٌ بإمتياز، وذلك مقدمةً لا غنى عنها لتحريم استخدام السلاح في حل الخلافات وإعتماد وسائل الحل السياسي وصولاً إلى تحقيق مصالحة وطنية تعالج آثار الحرب المدمّرة وترمّم علاقات أبناء الوطن الواحد وتحقق مبادئ المساواة والعدل في ظلّ مواطنةٍ متكافئةٍ ونظامٍ يكفل للجميع حقوقهم الكاملة وبما ترتضيه إرادة اليمنيين الحرّة والموحدّة شمالاً وجنوباً.
   جدير بالذكر أنه في مارس (آذار) المقبل 2021 ستكون الحرب في اليمن قد أنهت عامها السادس ، دون أن تلوح في الأفق إمكانية جادة وحقيقية لإنهائها تلبية لمطامح الشعب اليمني المتطلّع إلى السلام والأمن والحرية والتنمية . وكان وفداً من مجموعة السلام العربي قد قابل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في القاهرة مطلع الشهر الجاري بشأن الجهود التي تبذلها المجموعة لتحقيق السلام والأمن في سوريا وليبيا واليمن.
   وقد أصدرت مجموعة السلام العربي بهذه المناسبة نداءً وقّعه 36 شخصية عربية بينهم الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد (اليمن) ودولة رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد السلام المجالي ودولة د. عدنان بدران (الأردن) والسيد عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح (فلسطين) والوزير السابق عدنان السيد حسين (لبنان) والوزيرة السابقة مكفولة بنت أكاط (موريتانيا) ومعالي فلح النقيب وزير الداخلية (العراق) والأستاذ صالح قوجيل عضو المجلس الوطني (الجزائر) والدكتور محمد الرميحي (الكويت) والدكتور باقر النجار (البحرين) والدكتورة هبة جمال الدين عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية (مصر) والسيدة مريم الصادق- المهدي - نائب رئيس حزب الأمة (السودان) والسيد سيف المسكري أمين عام مساعد للشؤون السياسية لمجلس التعاون الخليجي (عُمان) والسيد محمد عبد السلام العبّاني رئيس المؤتمر الوطني (ليبيا) والدكتور حلمي الحديدي - رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفرو آسيوية (مصر) ومعالي وزير الثقافة الأسبق سمير الحباشنة (الأردن)- المنسق العام للمجموعة.


47
أزمة العراق سيادياً
مشروع معهد العلمين وملتقى بحر العلوم للحوار
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
توطئة
   حسناً فعل معهد العلمين وملتقى بحر العلوم للحوار، حين حاولا استشراف " أزمة العراق سيادياً" وذلك من خلال مناقشة رؤية خمسة رؤساء سابقين لمجلس الوزراء تعاقبوا على دست المسؤولية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، العام 2003، وهم كل من : د. إياد علاوي ود. ابراهيم الاشيقر (الجعفري) وأ. نوري المالكي ود. حيدر العبادي  وأ. عادل عبد المهدي.
   وكان سدى هذه المبادرة ولحمتها هو موضوع السيادة ، سواء بإجاباتهم أو بمشاركة رؤساء مجلس النواب السابقين أيضاً، إضافة إلى  شخصيات أكاديمية وثقافية وسياسية، والهدف من ذلك تقديم رؤية نقدية تحليلية  للإجابات المذكورة، على أن تلتئم ندوة لجميع المشاركين للتوصل إلى استنتاجات وتوصيات ليصار إلى تعميمها على أصحاب القرار، ثم لنشرها كاملة باللغتين العربية والانكليزية.
   المبادرة
   تكتسب هذه المبادرة أهمية بالغة  للأسباب التالية:
أولاً- إنها تعيد طرح القضايا ذات الطبيعة الإشكالية النظرية والعملية في ما يتعلّق بالسيادة ارتباطاً بالنظام السياسي وآفاق العملية السياسية التي تأسست على قاعدته ، خصوصاً بعد حركة الاحتجاج الشعبية التي بدأت في 1 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2019، والتي ما تزال مستمرة.
وثانياً- إنها تنشغل بموضوع السيادة ومدى تحققها عملياً بعد أكثر من 17 عاماً من الاحتلال، وهو أمر مهم ومطلوب، خصوصاً بعد تصويت مجلس النواب على إخراج القوات الأجنبية كافة، إثر مقتل قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الإيراني وأبو مهدي المهندس أحد أبرز مسؤولي الحشد الشعبي  يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2020 على يد القوات الأمريكية ، مع الأخذ بنظر الاعتبار المواقف المتعارضة من وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بشكل خاص، والقوات الأجنبية بشكل عام، بما فيها توغل القوات العسكرية التركية المستمر والمتكرر، إضافة إلى قواعدها العسكرية التي أقامتها في العراق، ناهيك عن التغلغل والنفوذ الإيرانيين.
وثالثاً- إنها تضع هدفاً لهذه المراجعات يتلخص في إمكانية التوصّل إلى مشتركات واستنتاجات وتوصيات، لاستعادة السيادة العراقية التي ظلّت منقوصة ومجروحة ومعوّمة  منذ غزو قوات النظام السابق للكويت في 2 آب (أغسطس)  1990، وحرب قوات التحالف الدولي في 17 كانون الثاني (يناير) 1991 لتحرير الكويت، وما أعقبها من فرض حصار دولي شامل على العراق، حيث زاد عدد القرارات التي صدرت بحقه  أكثر من 75 قراراً دولياً (نحو 60 قراراً منها  قبل الاحتلال والبقية بعده) ويعدّ بعضها خرقاً سافراً للسيادة وبعضها الآخر تقييداً لها أو انتقاصاً منها أو تعويماً لممارستها.
ورابعاً- إنها تشتبك باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي تم توقيعها في الوقت نفسه مع الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 والتي انتهى مفعولها في 31/12/2011، حيث اضطرّت القوات الأمريكية إلى الانسحاب من العراق لأسباب عديدة، منها ما تكبدّته من خسائر بشرية ومادية ومعنوية ، ناهيك عن ضغط الرأي العام  الأمريكي والعالمي ، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة .
   السيادة والقرارات الدولية
   إذا كان موضوع السيادة وممارستها قد ورد مشوشاً في الإجابات المختلفة، سواءً عدم المجيء على ذكره أو الإتيان عليه بصفته موضوعاً "نظرياً"، وأحياناً اختلط مع مواضيع أخرى أو أنه ارتبط بمفهوم " المكوّنات" وبعض تفسيرات الدستور المختلفة، دون التوقف عند الجوانب العملية التطبيقية (البراكسيس)، فإن مثل تلك الالتباسات القانونية الفقهية والسياسية وردت هي الأخرى في القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، بدءًا من القرار 1483 الصادر في 22 أيار (مايو) 2003، والذي أعلن انتهاء العمليات الحربية وتعامل مع الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال، والقرار 1500 الذي صدر في 14 آب (أغسطس) 2003 الذي اعتبر مجلس الحكم الانتقالي "خطوة مهمة في تشكيل حكومة عراقية معترف بها دولياً وتتولّى ممارسة السيادة "، أو القرارات الأخرى بما فيها القرار الذي سبقه ونعني به القرار 1490 الصادر في 3 تموز (يوليو) 2003، أو القرارات التي تلته ، ولاسيّما القرار  1511 الصادر في 16 تشرين الأول (اكتوبر) أو القرار 1518 الصادر في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 وجميعها صدرت ضمن الفصل السابع.
   كما صدر القرار 1546 في 8 حزيران (يونيو) 2004 ضمن الفصل السابع أيضاً (بعد إلغاء مجلس الحكم الانتقالي ) ودعا إلى حكومة عراقية مؤقتة مستقلة وتامة السيادة لها كامل المسؤولية والسلطة بحلول 30 حزيران (يونيو) 2004، لكن القوات المحتلة استمرت في العراق بامتيازاتها وحصاناتها الكاملة بجيوشها والمتعاقدين معها، علماً بأن القرارات السابقة  تعاملت مع القوات المحتلة نظرياً على أقل تقدير، بوصفها المسؤولة عن إدارة العراق وضمن  الفصل السابع الخاص بالعقوبات (من المادة 39 إلى 42 من ميثاق الأمم المتحدة)، إلّا أن صدور القرار 1546 أعاد وضع الفصل السابع قيداً جديداً في عنق العراق المقيّد أساساً بنحو 60 قراراً كانت قد صدرت قبل الاحتلال كلّها كانت ضمن الفصل السابع، باستثناء القرار 688 الذي صدر في 5 نيسان (أبريل) 1991 وهو القرار اليتيم والتائه والمنسي من سلسلة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، وهو القرار الخاص بوقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق وكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين.
   إذا كان العراق قد استمر في الرضوخ مكرهاً لتنفيذ الالتزامات الدولية، فإن المحتل تحرر من التزاماته بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها وأصبح حرّاً طليقاً من القيود، بزعم مطاردة الإرهاب الدولي الذي فتحت الحدود أمامه، حيث تم تمديد مهمة القوات الأجنبية بالقرارات 1637 في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005  و1723 في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 والقرار 1790 الصادر في 18/12/2007 الذي مدّد بقاء القوات الأجنبية إلى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
   وقد تغيّرت الوضعية القانونية للقوات الأمريكية التي ضغطت لتوقيع اتفاقية العام 2008 لتكريس شرعية وجودها، فبعد أن كانت "قوات محتلة" تحولت إلى فريق في قوة متعددة الجنسيات بقيادتها متعاقدة مع الحكومة العراقية ، أي أن "الاحتلال العسكري" تحوّل إلى "احتلال تعاقدي" أو تعاهدي ، وامتلكت القوات الأمريكية حرّية استخدام الأراضي والأجواء والممرات المائية لمواجهة أي خطر يتهدّد السلم والأمن الدوليين، أو يعرض الحكومة العراقية أو دستورها ونظامها الديمقراطي للتهديد ، فضلاً عن مواجهة الإرهاب الدولي.
   وهكذا أنشأت عدداً من القواعد العسكرية وتصرّفت بحرّية بما فيها القيام بارتكابات شنيعة لحقوق الإنسان، سواء في السجون أو من خلال المواجهات المباشرة تحت زعم ملاحقة الإرهابيين دون الحاجة إلى اتباع الإجراءات التي يتطلبها وجود قوات عسكرية في أراضي دولة أجنبية متعاقدة معها، الأمر الذي يتنافى مع قانون المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، ولاسيّما اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لعام 1969 التي تفترض أن يكون الاتفاق بين طرفين متكافئين وعلى أساس الإرادة الحرة دون أن يشوبه أحد عيوب الرضا، وليس كما هو واقع الحال بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه.
   وبالطبع فقد تجاوزت الولايات المتحدة على قواعد القانون الدولي بما فيها المتعلّقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لبروتوكولي جنيف لعام 1977 المتعلقة بالحرب وآثارها؛ الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية ، مستندة بذلك إلى قواعد القانون الدولي التقليدي الذي أصبح من تراث الماضي والذي يقوم على مفهوم "الحرب الوقائية" أو " الحرب الاستباقية" ، علماً بأن القرار 1373 الذي صدر في 28 أيلول (سبتمبر) 2001 عقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة إثر تفجير برجي التجارة العالميين، قد أعاده إلى الواجهة، بأن أعطى الحق في شن الحرب فيما إذا شعرت الدولة أن ثمة تهديداً إرهابياً وشيك الوقوع أو محتمل.
   واستندت واشنطن إلى ذلك حين احتلت أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، بزعم العلاقة بالإرهاب الدولي، إضافة إلى امتلاك العراق أسلحة دمار شامل ، بما فيها غاز الانثركس، الذي اتضح زيف تلك الدعاوى، وهو ما كشف عنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش  بعد أن مشّطت القوات الأمريكية العراق طولاً وعرضاً.
السيادة الداخلية
   وإذا كان ذلك يشمل مفهوم السيادة الخارجية للدولة العراقية،  فإن من يمتلك السيادة الداخلية في العراق أخضع لتوزيع طائفي وإثني منذ مجلس الحكم الانتقالي وكرّس للأسف قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 آذار (مارس) من قبل 2004 والذي ثُبّت في الدستور الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) العام 2005، والذي تحدث عن ما يسمى بالمكوّنات ، وذلك في المقدمة (مرتان) وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى نظام سياسي يقوم على مبدأ المحاصصة والتقاسم الوظيفي.
   وأعتقد أن ذلك بدأ يتحسّس منه العديد من القوى والشخصيات، بل إن بعضهم يعلن براءته منه ويحاول البحث عن الممكنات لتغييره أو لوضع حد له ، لأنه في الواقع أوقع البلاد في ورطة حقيقية أنتجت نظاماً مشوّها يقوم على الزبائنية السياسية والحصول على المغانم، لاسيّما في ظلّ ضعف مرجعية الدولة وعدم تطبيق حكم القانون وولّدت هذه المحاصصة:  الفساد المالي والإداري واستشراء العنف والإرهاب، لاسيّما بشيوع ظواهر التعصّب ووليده التطرّف التي لعبت سنوات الاستبداد والدكتاتورية في ظل النظام السابق ، إضافة إلى الحروب والحصار دوراً كبيراً في تغذيتها، خصوصاً بانتشار السلاح والاستقواء به عبر ميليشيات وقوى مسلحة باستخدام أجهزة الدولة أحياناً أو قوى منفلتة من خارجها.
   وبالطبع كلّما كانت الدولة صاحبة سيادة كاملة كلّما تمكنت من اختيار نظامها السياسي والاجتماعي بحرية كاملة بما فيها السيطرة على الموارد الاقتصادية، والعكس صحيح أيضاً كلما كانت الدولة مثلومة السيادة أو منتقصة أو مبتورة، كلّما اضطرّت للرضوخ للقوى المتنفّذة فيها، سواء على المستوى الخارجي الإقليمي أم الدولي أم على المستوى الداخلي، دون أن يعني ذلك الانعزال عن المحيط الدولي والعلاقات الدولية، التي ستترك تأثيراتها سلباً وإيجاباً على سيادة الدولة واستقلالها.
ما السبيل لاستعادة واستكمال السيادة ؟
   لاستعادة السيادة كاملة على المستوى الخارجي يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بعلاقتنا الدولية، فعلى الرغم من وجود قوات أمريكية ودولية بطلب من الحكومة العراقية إثر هيمنة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، فإنه بانتهاء هذه المهمة ينبغي انتهاء وجود هذه القوات، خصوصاً وأن البرلمان اتخذ قراراً بذلك بتاريخ 5/1/2020 ، ولا بدّ من تحديد سقف زمني لتنفيذه وإلّا بقي الأمر مفتوحاً، علماً بأن القوات الأمريكية مارست منذ العام 2003 وحتى الآن أعمالاً تتنافى والسيادة العراقية، بما فيها القيام ببعض الأعمال العسكرية بالضد من إرادة الدولة العراقية التي لم تحسب لها أي حساب، كما حصل في تحليق طائرات فوق مطار بغداد وتعقب عناصر تعتبرها إرهابية، منهم من له مسؤوليات في أجهزة الدولة العراقية .
   وللأسف فإن الموقف من وجود القوات الأمريكية ليس موحداً، فالتحالف الكردستاني لم يحضر في التصويت على جلاء القوات الأجنبية، وكذلك التحالفات والقوى السنيّة بأسمائها المختلفة، بل على العكس من ذلك، فإنها تعتقد أن وجود القوات الأمريكية ضرورة لمواجهة داعش من جهة وتدريب القوات العراقية من جهة أخرى، فضلاً عن وجودها سيكون عامل تقليص للنفوذ الإيراني في العراق، وغيابها سيعزز من دور ما يسمى بالقوى الشيعية والنفوذ الإيراني المتعاظم ، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلن لكن ذلك واقع الحال، في حين أن القوى القريبة من إيران والتي يسمى بعضها بالولائية  تصرّ على خروج هذه القوات، بل ويقوم بعضها بقصف مواقع للقوات الأمريكية بما فيها السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، خارج إطار القوانين والأعراف الدبلوماسية والتزامات الحكومة العراقية التي يدخلها في حالة حرج وتناقض.
   ومن مظاهر انخرام السيادة العراقية هو زيارات مسؤولين أمريكان بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاعدة العسكرية الأمريكية في عين الأسد شمال بغداد في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2018 دون إشعار الحكومة العراقية ، ناهيك عن طلب إذنها، وكما زار وزير الخارجية مارك بومبيو القاعدة يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والأمر مستمر ومتكرر منذ العام 2003 ولحد الآن.
   ولاستكمال السيادة العراقية على جميع الأراضي العراقية فيتطلب الأمر أيضاً الطلب من تركيا مغادرة الأراضي العراقية وتفكيك قواعدها، وليس حجة وجود قواعد حزب العمال الكردستاني PKK  سوى ذريعة لا يمكن قبولها لأنها تتعارض مع مبادئ السيادة ، ولابدّ من إعادة النظر بجميع الاتفاقيات التي تسمح للقوات التركية بالتسلل داخل الأراضي العراقية منذ العام 1984. كما إن استكمال السيادة يتطلب إعادة بحث الاتفاقيات المائية مع تركيا بما يضمن تأمين حقوق العراق وحصته وفقاً لقواعد القانون الدولي فيما يتعلق بالأنهار الدولية، ومثل هذا الأمر ينطبق على إيران، وبسبب استفراد الدولتين واستغلالهما ضعف العراق وتعويم سيادته قامتا بعدد من الإجراءات التي من شأنها حرمان العراق من موارده المائية بما يلحق ضرراً بالغاً بالسيادة والمصالح الوطنية العراقية.
   أما بشأن التغلغل الإيراني الناعم  والنفوذ السياسي الهادئ ، فلا بدّ من اعتماد استراتيجيات جديدة وفقاً للمصالح العراقية أولاً لكي لا يكون العراق ساحة للصراع الأمريكي - العراقي، وثانياً لكي لا يكون جزءًا من المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة، وثالثاً  يستطيع أن يقيم علاقات متوازنة مع دول الجوار غير العربي من جهة ومع الدول الأجنبية الأخرى، فضلاً عن إعادة بناء العلاقات العربية على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وبروح السلم والأمن والإخاء وعدم الاعتداء وحل المشاكل العالقة بالطرق السلمية والدبلوماسية وفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
   أما بخصوص السيادة الداخلية ، فيتطلب إعادة النظر بالنظام السياسي ككل والخطوة الأولى تبدأ من الدستور، إما بإلغائه وسنّ دستور جديد أو بتعديله جذرياً، علماً بأن ما ورد فيه من حقوق وحريات واعتماد مبادئ المواطنة هي أمور جيدة ومتقدّمة ، لكنها تقدّم بيد لتقيّد في اليد الأخرى، فضلاً عن العديد من القوانين التي شرّعها البرلمان، والجانب الإجرائي في ذلك اعتماد الآليات الواردة فيه، خصوصاً بإجراء مراجعة شاملة كان لا بدّ من القيام بها خلال أربعة أشهر بعد انتخابات العام 2005 .
   والأمر يتعلق أيضاً بعلاقة السلطة الاتحادية بالإقليم من حيث الصلاحيات، بما فيها المواد الخاصة بالنفط وتنازع القوانين على أساس قواعد النظام الفيدرالي المعمول به دولياً في أكثر من 40 بلد، وقد تحتاج هذه الأمور إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع من قوى ومنظمات وشخصيات أكاديمية وثقافية وحقوقية ومن مختلف التوجهات الفكرية والاجتماعية، والهدف هو تحقيق السيادة الكاملة وبناء نظام سياسي على أساس المواطنة العابرة للطوائف والإثنيات والحاضنة للتنوّع والقائمة على أساس التكافؤ والمساواة والشراكة والمشاركة والعدل الاجتماعي، وهنا لا بدّ من تحديد الأولويات والتدرج فيهان خصوصاً في ظل إرادة وطنية شاملة .
ــــــــــــــــــــــــ   
* نشرت هذه المساهمة في كتاب من إعداد وتقديم د. إبراهيم محمد بحر العلوم الموسوم "أزمة العراق سيادياً" ، دار العلمين للنشر والعارف للمطبوعات ، إصدار ملتقى بحر العلوم للحوار ، العراق ، الكوفة - النجف الأشرف، 2021 .
   والبحث  جزء من مشروع يناقش 5 رؤساء وزارات هم : إياد علاّوي وابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومنظورهم للسيادة ، كما يناقش منظور 5 رؤساء برلمان هم : حاجم الحسني و محمود المشهداني و إيّاد السامرّائي و  أسامة النجيفي و  سليم الجبوري ، وشارك في الحوار شخصيات أكاديمية وفكرية وثقافية وسياسية في  5 محاورٍ شملت النظام السياسي والوعي بأهمية العوامل الإقليمية والدولية وإدارتها  والمصالح الوطنية والتّوازن الإقليمي الدولي وكيف تعاطت حكومات ما بعد العام 2003 مع مبادئ السيادة.

48
فريضة التسامح وفرضيّاته
عبد الحسين شعبان

حين يرتقي التسامح ليصبح فريضة من الفرائض فهذا يعني أنّه راهني وحاجة ماسّة ولا غنى عنها، بل ضرورة ملحّة بقدر ما هو خيار لتيسير حياة الفرد والمجتمع والدولة، وعكسه سيكون اللّاتسامح بمعنى التعصّب ووليده التطرّف والعنف والإرهاب، ناهيك عن العنصريّة والشوفينيّة والاستعلاء والهيمنة وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، والزّعم بالحق في احتكارها.
وإذا كان البشر خطّائين على حدِّ تعبير فولتير، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح، فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وليس هناك أفضليّة لبشر على آخر بسبب صفاته البيولوجيّة أو عرقه أو دينه أو جنسه أو لغته أو لونه أو أصله الاجتماعي، والبشر مختلفون باختلاف أشكالهم وصفاتهم وقوميّاتهم وأديانهم ولغاتهم وأجناسهم وانتماءاتهم وأصولهم الاجتماعية وأهوائهم وأمزجتهم وأذواقهم، لذلك يقتضي أن ينظر كلّ منهم إلى الآخر بالاحترام والقبول والتقدير والانفتاح والتواصل وحرّية الفكر والضمير والمعتقد، وهو ما جاء في الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن منظّمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في العام 1995 والذي تقرّر فيه اعتبار يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام يوماً عالميًّا للتسامح.
ولأنّ مجتمعاتنا تعاني نزعات الإقصاء والإلغاء والتهميش، فنحن أشدّ ما نكون إلى التسامح كخيار استراتيجي لقطع الطريق على القوى المتعصّبة والمتطرّفة والعنفيّة والإرهابية التي لا تؤمن بالحوار والتواصل بين الثقافات وأتباع الأديان والمذاهب وصولاً إلى المشترك الإنساني، ليس هذا فحسب، بل إنّ ما نشهده من إساءات لديننا الحنيف ومجتمعاتنا العربية الإسلاميّة، يدفعنا للبحث عن السبل الكفيلة لنشر ثقافة التسامح وتعميمها، والأمر لا يتعلّق بمجتمعاتنا فحسب، بل بامتداداتها للجاليات العربيّة والمسلمة في أوروبا والغرب، ولعلّ ما حصل من عمليات إجراميّة مؤخّراً في باريس ونيس وفيينا خير دليل على ذلك، بما فيها ردود الفعل السلبيّة التي تتّهم العرب والمسلمين بالجملة بالإرهاب، لأنّ دينهم يحضّ على ذلك كما ذهبت إلى ذلك الموجة الشعبويّة العنصريّة الجديدة، التي عبّر عنها خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون إثر مقتل المدرّس الفرنسي بالطريقة الفجائعيّة المعروفة.
المقصود من اعتبار التسامح فريضة، لأنّه يعني الوئام في سياق الاختلاف واتّخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحقّ الآخرين من التمتّع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية المعترف فيها عالميًّا، ولذلك لا ينبغي التذرّع والاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان، كما لا ينبغي بحجّة مواجهة اللّاتسامح تقليص الحقوق المدنيّة والسياسيّة أو التجاوز على عقائد الآخرين أو دمغ مجموعات ثقافيّة بالإرهاب أو تقييد الحقوق والحرّيات بما فيها الإعلامية.
اعتقادان خاطئان سادا ضدّ فريضة التسامح، الأوّل - الذي يقوم على الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) باعتبار تعاليمه تحمل فيروسات العنف والإرهاب، وقد صار مثل هذا الاعتقاد جزء من المتخيّل الجمعي في الغرب، والثاني - الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) باعتباره شراً مطلقاً ويتم ازدراؤه من جانب الإسلامويين والمتعصبّين لدينا، ومثل هذين الرأيين يقومان على أيديولوجيا مسبقة تلك التي تشيطن الآخر بنظرة إسقاطيّة أساسها الكراهية والاستعلاء.
وإذا كان عالم التسامح مرتبطاً أيضاً بالحداثة والمدنيّة والعقلانية فكيف السبيل للولوج إليه؟، وفي هذا الصدد نقول هناك 10 فرضيّات أساسية إذا ما أخذت بها المجتمعات والبلدان واعتمدت كقواعد قانونيّة يمكن تهيئة بيئة صالحة لبذر التسامح وإروائه ليصبح شجرة باسقة وهي الإقرار بـ: أولاً - نسبيّة المعرفة، وبالتالي تجربة الخطأ والصواب، وكان أوّل من دعا إلى ذلك سقراط وطوّر الفكرة بعده فولتير؛ وثانياً - لا عصمة من الخطأ، فحتّى العلماء يخطأون، وليس لبشر عصمة طالما هو يعمل فهُ يخطىْ؛ وثالثاً -عدم امتلاك الحقيقة، والكل يحاول مقاربتها من خلال النقاش والجدل، ورابعاً - التعدّدية والتنوّع للأديان والقوميّات والبلدان والمجتمعات والأفراد؛ وخامساً حق الاختلاف باعتباره حقيقة فائقة وسيكون البحث عن التطابق مجرّد وهْم مثلما سيكون كل إجماع مصطنعاً بإلغاء الفروق. وسادساً، الموقف الإيجابي من الآخر، وهو دليل حضاري لقبول فكرة التسامح؛ وسابعاً عدم التمييز الذي ينبغي أن يكون على قاعدة المساواة والعدل في التشريع والقضاء والإدارة أي "حكم القانون" الذي عبّر عنه مونتسكيو بقوله: (القانون مثل الموت لا يستثني أحداً)، أي يسري على الجميع حكّاماً ومحكومين؛ وثامناً -  المساواة صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وقد جاء في القرآن الكريم أن البشر متساوون في الكرامة الإنسانيّة وورد في سورة الإسراء "تكريم بني آدم"؛ وتاسعاً نشر التسامح من خلال التربية والتعليم للمراحل المختلفة كفلسفة وثقافة، إضافة إلى دور الإعلام والمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
وأخيراً، وعاشراً - ضرورة إصلاح المجال الديني، ومن خلال إصلاح الفكر الديني يمكن إصلاح الخطاب الديني، وعلى غرار هوبز: كلُّ إصلاح مفتاحه الفكر الديني، وإذا ما سادت هذه الفرضيّات وأصبحت واقعاً يمكن الحديث عن فريضة التسامح من خلال فلسفته وثقافته ووجوده في الحياة اليومية والاجتماعية على صعيد كل من المجتمع والفرد وعلى الصعيد الدولي أيضاً، كقيمة أخلاقيّة مثلما هو قيمة اجتماعيّة وقانونيّة.



49
المنبر الحر / شطحات ماركس
« في: 17:01 16/01/2021  »
شطحات ماركس
عبد الحسين شعبان

في استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـBBC في مطلع الألفيّة الثالثة كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّينيّ إلّا وترك ماركس شيئاً عنده، لكن ذلك لا يعني أنّه دون أخطاء أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة لدرجة اعتبارها أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية أو القرآنية، ويذهب البعض أكثر من ذلك إلى تنزيهه من الأخطاء، بل يضعه خارج دائرة النقد، سابغاً عليه نوعاً من المعصوميّة؛ في حين إنّ تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.
في العام 1984 كتبتُ في مجلّة "الهدف" خاطرة تأمّلية بعنوان "بروموثيوس هذا الزمان" جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، وذلك بمناسبة وفاته (14 مارس/آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم ولمصالحهم لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب "أوروبا العجوز" فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين، فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته  كمعتقدات "منزّلة"، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، ناهيك عن روح العصر.
ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس؛
أولاها - موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته "التمدينيّة"، ولعلّ الفضل في إطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان "الماركسية والجزائر" كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس، علماً بأن الطبعة الروسية كانت قد حذفت فقرات منه لأنها صادمة ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة وتقديره المخطوء للإستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة أو شعوب متخلّفة" بوصفها: بدوًا، قطّاع طُرق، لصوصًا، وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية والثقافية والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات. ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان ونهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.
بتقديري إن فترة بقاء ماركس في الجزائر للاستشفاء من 20 فبراير/شباط إلى 2 مايو/أيار 1882 لم تكن كافية لمعرفة معمقّة للمجتمع الجزائري، وانطلق في حكمه من "المركزية الأوروبية" التي هيمنت على تفكيره والرأسمالية الصاعدة فيها، حيث قام ماركس بتحليل قوانينها بدقّة كبيرة مشخّصاً عيوبها ومثالبها ونظامها الاستغلالي على نحو عميق وعظيم.
ثانيتها - موقفه المتناقض من تقرير المصير، فعلى الرغم من أنّه هو الذي صاغ فكرة "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا" ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الامبراطوية النمساوية - المجريّة، والسبب حسب وجهة نظره أنّهما "شعبان رجعيّان" وضعيفان وصغيران ويمكن أن يقعا تحت هيمنة الروس وسيكون نجاحهما في الظّفر بذلك تقوية لدور روسيا بتشجيع من فرنسا، وسيتم توظيفهما ضدّ ألمانيا المتطوّرة صناعيًّا، وهي نظرة خاطئة قامت على فرضيات اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني التحرّري.
وثالثتها - كان موقفه المُلتبس والخاطئ من ايرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنجلز بتاريخ 23 أيار (مايو) 1856، يقول "لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة"، وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنكليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى أن تقطع الطبقة العاملة الإنكليزية علاقتها مع ايرلندا بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة، وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا فلن يتمّ تغيير الأوضاع في ايرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في العام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ ايرلندا.
وباستثناء المنهج فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات أو المتاحف، حتى وإن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.



50
الكابيتول وصورة أمريكا
عبد الحسين شعبان
   سدّد مشهد اقتحام أنصار الرئيس دونالد ترامب مقر الكونغرس ومبنى الكابيتول ضربةً قاسيةً وموجعةً لصورة أمريكا التي ظلّ العالم ينظر إليها باعتبارها "منارةً للديمقراطية" بغض النظر عن الاختلاف بشأن سياساتها الخارجية وحروبها إزاء الشعوب.
   وبقدر ما أثار الأمر صدمةً كبيرةً للأمريكيين على المستويين الرسمي والشعبي فإنه أوقع الجميع في حالة من الذهول والحيرة، لاسيّما على المستوى الدولي، سواء لحلفاء واشنطن ومريديها مثلما لخصومها وأعدائها، لأن مثل ذلك السلوك الذي انتهجه ترامب للتشبث بالسلطة والتشكيك بنتائج الانتخابات ومن ثم دعوة أنصاره للتظاهر بهدف الضغط على الكونغرس لعدم التصديق على فوز غريمه جو بايدن بمنصب الرئاسة، لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة وربما في تاريخ الديمقراطية الغربية.    وقد شبّه هايكو ماس وزير الخارجية الألماني ماحصل بحريق الرايخشتاغ (البرلمان الألماني في برلين 27 شباط/فبراير 1933 ) خلال الحقبة النازية، كما وصفت صحيفة لاريببليكا الإيطالية ما حدث يوم 6 كانون الثاني/يناير الجاري بـــ"الزحف على روما" بقيادة بنيتو موسوليني (نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1922 ) ليس هذا فحسب، بل وردت ردّات فعل غاضبة على ما حصل في الكابيتول على لسان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن ورئيس الجمهورية الفرنسي ايمانويل ماكرون والكثير من زعماء العالم، كما تندر الكثير من السياسيين والإعلاميين بوصف ما حصل مشبهين إياه بما يجري في العديد من بلدان العالم الثالث تلك التي غالبًا ما يُهرع الدبلوماسيون الأمريكان للتنديد بها ومطالبة الحكومات باحترام نتائج الانتخابات والمعايير الديمقراطية المعروفة.
نظرتان مختلفتان إزاء ما حصل من هجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي؛
النظرة الأولى- عاينت الأحداث من باب الشماتة والمناكفة بسبب تأثرها السلبي من سياسات الرئيس ترامب وضغوطه وتهديداته غير المألوفة.
 والنظرة الثانية- قلّلت من أهمية ما حصل باعتباره أمرًا عابرًا وأن واشنطن ستستعيد عافيتها بــ"الديمقراطية".
   النظرة الأولى اعتبرت ما حصل أزمةٌ للنظام الرأسمالي العالمي، ولاسيما الأمريكي وهي أزمة دورية ومستمرة وما حصل إحدى حلقاتها المهمة وهي دليل تدهورٍ وانحدارٍ ونكوصٍ، في حين أن النظرة الثانية اعتبرت قوّة النظام الأمريكي ورسوخ ديمقراطيته كفيلة بتجاوز ما حدث بلحاظ رد فعل الرأي العام الأمريكي القوي والحازم ضد التجاوزات والانتهاكات التي اعتبرت تحديًا للديمقراطية بما فيها من بعض أنصاره وقياديين في حزبه.
   وبغض النظر عن وجود مؤسسات تستند إلى قوانين وقضاء مستقل ورقابة ورأي عام مؤثر وإعلام حرّ ومجتمع مدني نشيط، إلّا أن دور الفرد يبقى مهمًا ومؤثرًا في إطار منظومة النظام السياسي والقانوني الأمريكي الذي يمنحه الدستور صلاحيات كبيرة، فخلال فترة رئاسة ترامب وسياسته الشعبوية وقصر نظره وعدم تفهمه لقواعد السياسة الدولية، أقدم ودون وعي بمخاطر ذلك، على نشاط محموم لتدمير القانون الدولي وتجاوز قرارات الشرعية الدولية بما فيها بشأن القدس الشريف والخروج عن الأعراف الدبلوماسية الدولية والعلاقات التجارية وتقاليدها وزعزعة الثّقة بوسائل التعامل التجاري وابتزاز الشعوب، وتجيير ذلك لصالح السياسة الأمريكية الأنانية الضيقة ولفئة متنفذة من الطاقم المحيط به، وكان ذلك يعني تدمير صورة أمريكا.
   كما ساهمت سياسة ترامب في خلخلة السلم المجتمعي في الولايات المتحدة مكرسًا نهجًا عنصريًا استعلائيًا وهو الذي تمّ وضع حدٍّ له منذ العام 1964 في إطار المطالبات بالحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ الذي اغتيل في العام 1968، وإن بقيت شوائب وذيول عنصرية كثيرة من الناحية العملية إلّا أن الرئيس ترامب حاول تغذيتها، الأمر الذي أدّى إلى انتشار الأعمال العنفية وارتفاع موجة العداء للأجانب، فضلًا عن بناء جدار مع المكسيك وتقليص الهجرة ومنع مواطني 7 بلدان من دخول الولايات المتحدة.
ولعبت شخصية ترامب النرجسية وتعطشه للسلطة وغروره وتعامله بالسياسة من موقع التجارة إلى إحداث صدع كبير في جدار الديمقراطية الأميركية العريقة انعكس سلبًا على الفكرة الديمقراطية لدى أوساط كثيرة ودفع جهات عديدة إلى المطالبة باتخاذ إجراءات قانونية لعزله حتى قبل انتهاء المدة القانونية المتبقية من حكمه( 20 كانون الثاني/يناير 2021 ) وهي سابقة لم تحصل في تاريخ الولايات المتحدة، خصوصًا اتهامه بعدم أهليته العقلية، وهو الذي حكم الولايات المتحدة أربع سنوات، وكان لاعبًا أساسيًا على المستوى العالمي، متخذًا قرارات خطيرة ومصيرية غيّرت من صورة الولايات المتحدة، والأكثر من ذلك هناك من طالب بتقديمه إلى القضاء بتهمة تحريض الرأي العام لاقتحام الكونغرس وقبل ذلك الضغط على سكرتير إدارة ولاية فرجينيا وتهديده وترغيبه، بل والتوسل إليه لتغيير نتائج الانتخابات لصالحه، وهو ما نشرته صحيفة الواشنطن بوست.
   لم يقف الديمقراطيون ضد ترامب فحسب، بل إن جمهوريين ومن أخلص أتباعه وقفوا ضده بما فيهم وزيرة التربية بيتسي ديفوس ووزيرة النقل يلين تشاو اللتان أعلنتا عن استقالتهما وعدد آخر من موظفي البيت الأبيض، إضافة إلى نائبه مايك بنس الذي كان له الضلع الأكبر في توجه الكونغرس لاقرار نتائج فوز بايدن.

51
الانتخابات العراقية وتدوير الزوايا
عبد الحسين شعبان
أعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم 6 يونيو (حزيران) 2021 موعداً لإجراء الانتخابات التي كانت إحدى المطالب التي رفعتها ساحات الاحتجاج منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول العام 2019، وكانت بعض الكتل والكيانات السياسية قد أعلنت عن استعدادها لخوض الانتخابات طارحة "أحقّيتها" في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ولا سيّما كتلة سائرون بقيادة مقتدى الصدر باعتبارها تمثّل "الكتلة الأكبر" في البرلمان الحالي، إلّا أنّ هناك أوساطاً شعبيّة بدأت تشكّك في إمكانية إحداث تغيير بواسطة الانتخابات لوحدها دون إجراء إصلاحات جذريّة في بُنية النظام السياسي والقانوني، فهل ستؤدي الانتخابات إلى تحقيق الأهداف المنشودة لحركة الاحتجاج الواسعة التي قدّمت أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح ومعوّق؟ أم أنها ستعمّق الأزمة بتدوير الزوايا؟
وإذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح "الشرعيّة" للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 نيسان (إبريل)، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ "المكوّنات" التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة.
وهذا يعني هزيمة عمليّة التغيير عبر "خيار الانتخابات" القادمة بالصورة التي جرت فيها والآليات التي اعتمدتها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً وتبديداً للتضحيات الجسام التي اجترحتها حركة الاحتجاج، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر. وظلّت الائتلافات الثلاثة "راسخة" بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها السياديّة.
إنّ ذلك يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، واستمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة، وقد ظلّت التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989، حيث تكرّر تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ"الثلث المعطّل".
 ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب والتغوّل على الدولة، بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة، لذلك انحسرت جاذبيّة الانتخابات، حتى أن انتخابات العام 2018 لم يشارك فيها سوى 20% من مجموع الناخبين، فلم يعُد الصندوق الانتخابي أملاً في التغيير، لأنّ ما يخرج عنه بالتزوير أو حسب الاصطفافات التي يوفرها القانون الانتخابي كان يعيد إنتاج الطبقة السياسية ذاتها.
وإذا كان شعار "الثورة في صندوق الاقتراع" وهو عنوان كتاب لي عرضت فيه تجارب دولية منذ التسعينات في أمريكا اللاتينيّة والبلدان الاشتراكية السابقة، إضافةً إلى نجاح نيلسون مانديلا بالفوز في انتخابات ديمقراطية أدّت إلى وضع حدّ لنظام الفصل العنصري الذي دام ما يقارب ثلاثة قرون من الزمان، فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة؟
لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولا سيّما العُرف المعتمد تحت عنوان "التوافق" الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدوا الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.



52
شعبان: السلام العربي فرض عين وليس فرض كفاية فحسب

خاص - وكالات (المحرر الثقافي)
أكّد الدكتور عبد الحسين شعبان العضو المؤسس لمجموعة السلام العربي ونائب رئيس جامعة اللّاعنف أنّ مجموعة السلام العربي ترحّب بجميع المبادرات العربية لتحقيق المصالحة والسلام بين الأشقاء العرب، وإن أيّ خطوة حتى ولو كانت بسيطة على هذا الطريق فإنّها بالتراكم ستؤدي إلى تنقية الأجواء باتجاه إعادة اللُحمة إلى الجسد العربي الذي يعاني من الانقسام.
وكانت المجموعة قد بادرت منذ ما يزيد عن عامين للاتصال بجميع الأطراف العربية ذات العلاقة، سواء في اليمن أو ليبيا أو سوريا أو فلسطين أو مجلس التعاون الخليجي، ودعتها إلى تسويات سلمية لقطع الطريق على القوى المتربّصة وذلك باعتماد الحوار وسيلة لتعظيم الجوامع وتقليص الفوارق باتجاه الهدف المشترك دعماً للحل العادل للقضيّة الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه وطنه وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
جدير بالذكر أن مجموعة السلام العربي أصدرت نداءًا رحّبت فيه بانفتاح القاهرة على طرفَي المعادلة الليبية في طرابلس وبنغازي وما صدر من إشارات عربية إيجابية بشأن الملف السوري وصولاً للحل السلمي للأزمة في إطار وحدة الدولة السورية، وثمنّت المجموعة المبادرة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لعقد اجتماع لمجلس التعاون الخليجي وتسوية الخلافات داخله، وأعربت عن أملها في أن تكون هذه المبادرة مقدّمة لعقد قمّة عربية استثنائية وتاريخيّة تكون المصالحات والوئام العربي الشامل أساساً لها، كما دعت مجموعة السلام العربي إلى تفعيل دور جامعة الدول العربية؛ وحذّرت من اندلاع نزاع مسلّح في المنطقة، حيث ستكون أقطارنا العربية في عين العاصفة وإنّ أيّ عمل عسكري سوف يزيد الأمور تعقيداً والحروب اشتعالاً.
هذا وقد وقّع البيان 35 شخصيّة سياسية وثقافية من مجمل الأقطار العربية، وقد صدر بمناسبة العام الجديد 2021 معرباً عن الأمل في أن يزيل العام الجديد غمّة الوباء وأن يكون عام سلام وتوافق عربي.

نصّ البيان والموقّعون:
في العام الجديد آمال وبشائرَ/ وئامٍ عربي مُنتظر العواصم العربية تتقدم مجموعة السلام العربي إلى الدول العربية بخالص التهاني بحلول العام الجديد حيث يحذوها الأمل المقرون بالدعاء إلى الله أن يعم السلام والأمن والوئام أقطارنا العربية العزيزة.. أنه سميعٌ مجيب. إن مجموعة السلام العربي وهي تراقب التطورات التي تمر بها منطقتنا، لَتَخشى من أي عمل عسكري في الخليج العربي لأن ذلك سيعود بالدمار والخسران على أقطارنا العربية في الخليج، كونها في عين العاصفة بل وأن هكذا عمل عسكري سوف يزيد الأمور تعقيداً، ما يُصعب أمكانية التعامل بإيجابية مع قضايانا المعلقة وحروبنا المشتعلة في اليمن وسوريا وليبيا.
إن مجموعة السلام العربي، وفي الوقت الذي تُثمن به مبادرة خادم الحرمين الشريفين "الملك سلمان بن عبد العزيز "لاجتماعِ مجلس التعاون الخليجي بكامل أعضائه إلى جانب مصر، لَتأمل النجاح لهذا اللقاء وتسوية الخلافات داخل مجلس التعاون ومصر، وإعادة اللُحمة إلى الجسد العربي الذي يعاني الانقسام والتشظّي والضعف، وأن تكون هذه المبادرة ونجاحها مقدمةٌ إلى عقد قمةٍ عربية غير روتينية استثنائية وتاريخية، تكون قمة المصالحات والوئام العربي الشامل. حيث تُدعى إليها أطراف المعادلات المُتعارضة في فلسطين وفي اليمن وسوريا وليبيا، تحت يافطة إرادة وقف الحرب والانقسامات في هذه الأقطار، والاتفاق على أُطر جامعة تقوم على تثبيت مبدأ وحدة هذه الأقطار ومؤسساتها وإشاعة السلام والأمن. وأن تقوم القمة المقترحة بوضع خطة شطرها الأوّل إجتثاث الإرهاب الذي يُخيّم على سَمائِنا العربية وشطرُها الثاني يقوم على وقف تدخل القوى الإقليمية والدولية خدمةً لأجنداتها في شؤوننا العربية، وشطرها الثالث والأهم أن يقف العرب جميعاً وراء مبادرتِهم في قمّة بيروت، وأساسُها قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتُها القُدس والانسحاب الإسرائيلي وإزالة الاستيطان. وإننا نأمل من الدول العربية أن تُبادر إلى مثل هذا العمل خصوصاً وأن بشائر المُصالحات تتمثّل بقمةِ الخليج ومصر التي هي على الأبواب، وكذلك إنفتاح القاهرة على طرفي المعادلة الليبية في طرابلس وبنغازي وما صدر من إشارات عربية إيجابية نحو الملف السوري والحكومة السورية في دمشق. وبغضّ النظر عن اختلاف المواقف والاجتهادات بشأن الحل العادل للقضية الفلسطينية فإن ذلك لا يعني تخلّي العرب عن موقفهم الثابت من القضية الفلسطينية والداعم لكفاح الشعب العربي الفلسطيني لنيل حقوقه الوطنية المشروعة.
إنّ مجموعة السلام العربي، وأُمتنا العربية تودعُ عاماً كان مليئاً بالأحداث المأساوية، لتدعو الله سبحانه، أن يُزيل غمة الوباء وأن يكون هذا العام عام سلامٍ ولقاءٍ وتوادٍ عربي.. إنه سميع مجيب. والله ومصلحة العرب من وراء القصد.


الأعضاء الموقّعون:

1. السيّد علي ناصر محمد – رئيس جمهورية اليمن الأسبق.
2. الدكتور عبد السلام المجالي، رئيس جمعية الشؤون الدولية، رئيس وزراء أسبق- الأردن
3. الدكتور عدنان بدران – رئيس وزراء أسبق - الأردن.
4. السيّد عباس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح – فلسطين.
5. المهندس فلح حسن النقيب، وزير الداخلية الأسبق – العراق.
6. الدكتور رفيق عبد السلام، وزير خارجية تونس الأسبق ورئيس الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية - تونس.
7. السيّد نبيل بنعبد الله، وزير سابق- المغرب.
8. الدكتور عدنان السيّد حسين، رئيس الجامعة اللبنانية سابقاً - وزير سابق – لبنان.
9. المهندس مروان الفاعوري، الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية - الأردن.
10. الدكتور أكرم عبد اللطيف، عضو المجلس الوطني – فلسطين.
11. الشيخ قصي اللويس، رئيس مجلس القبائل السورية – سوريا.
12. الدكتور عبد الحسين شعبان، كاتب ومفكر – العراق.
13. الدكتورة مكفولة بنت آكاط، أستاذة جامعية ووزيرة سابقة – موريتانيا.
14. الدكتور حلمي الحديدي، رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية - مصر.
15. السيّد محمد عبد السلام العباني، رئيس المؤتمر الوطني الجامع الليبي.
16. الدكتور عاطف مغاوري، نائب رئيس حزب التجمع المصري، عضو مجلس النواب، كاتب ومفكر – مصر.
17. السيّد محمد شفيق صرصار، رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات سابقاً - تونس.
18. الدكتور محي الدين المصري، مفكر وكاتب، مندوب الاردن الدائم/مساعد مدير عام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم سابقاً – الأردن.
19. السيّد سيف المسكري، أمين عام مساعد للشؤون السياسية – الأمانة العامة لمجلس التعاون - عُمان.
20. الأستاذ صالح قوجيل، عضو المجلس الوطني – الجزائر.
21. الدكتور محمد طلابي، كاتب ومفكر – المغرب.
22. السيّد حسين فضلي، سفير سابق – اليمن.
23. السيّد محمد عمر بحاح، سفير سابق - اليمن.
24. السيّد علي محسن حميد، سفير سابق - اليمن.
25. الدكتور محمد الرميحي، مفكر وأستاذ جامعي - الكويت.
26. الدكتورة أوغاريت يونان، أكاديمية وباحثة – لبنان.
27. السيّدة  رندة سنيورة - أكاديمية وباحثة – القدس – فلسطين.
28. الدكتور باقر النجار - كاتب – عضو مجلس الشورى البحريني سابقاً – البحرين.
29. الدكتورة موضي الحمود – وزيرة التربية والتعليم سابقا - استاذة اكاديمية-الكويت.
30. الدكتور حنا عيسى - الامين العام للهيئة الاسلاميه المسيحيه لنصرة القدس – فلسطين.
31. الدكتورة هبه جمال الدين – عضو المجلس المصري للشؤون الخارجيه - مصر.
32. الدكتور عبد الحميد الأنصاري – عميد كلية الشريعة والقانون، كاتب ومفكر - قطر.
33. الدكتورة فريدة العلاقي – سفيرة ليبيا سابقاً في الأتحاد الأوربي – ليبيا.
34. الدكتور أحمد عتيقة – الرئيس التنفيذي – المؤسسة العربية للأستثمارات البترولية ( أبيكورب) – ليبيا.
35. السيّدة  مريم الصادق المهدي – عضو مجلس النواب سابقاً – السودان.
36. المهندس سمير حباشنة - رئيس الجمعية الأردنية للعوم والثقافة، وزير الداخلية الأسبق - الأردن/ المنسق العام للمجموعة.


53
عبد الحسين شعبان: حوار عن اللجوء واللاجئين
*اللجوء حقّ إنساني ينبغي احترامه
*حقوق الإنسان لها أهميّة خاصة في حياة المهاجرين
*على دول الشمال احترام تعهّداتها في ميدان حماية اللاجئين
*ينبغي على الدول الشرق متوسطية - الأوروبية الإيفاء بالتزاماتها وإعادة النظر بقوانينها

أجرى موقع "أجيال القرن 21" مقابلة خاصة مع الكاتب العراقي المتخصّص في القانون الدولي، الخبير في حقوق الإنسان، والذي له ما يزيد عن 50 كتاباً في السياسة والفكر، منها: "الهُويّة والمواطنة"، "جدل الهُويات في العراق"، "النزاع العراقي الإيراني".
وفي هذا الحوار الشيّق والمثير، تحدّث شعبان عن واقع اللاجئين في المجتمعات الغربية، وآثار الهجرة غير الشرعيّة، والجوانب القانونية المتّبعة من قبَل الدول المستقبِلَة، فضلاً عن قواعد القانون الدولي واتفاقيات حقوق اللاجئين، كما تناول الإشكاليات التي يطرحها واقع المهاجرين واللاجئين، تلك التي تتعلّق بمفاوضات تُجريها بعض البلدان حول عودتهم الى بلادهم.
*****
□ حاورته: أورنيلّا سكّر لموقع "أجيال قرن 21"
س 1: لماذا يثار موضوع الهجرة غير الشرعية اليوم بالتحديد، ولماذا هناك تباين في المواقف الأوروبية؟
ج 1: ظلّ موضوع الهجرة غير الشرعية موضوعاً ساخناً على المستوى الأوروبي بشكل خاص والغربي خلال السنوات العشر المنصرمة بشكل عام، حتى وإن كان الأمر مطروحاً على بساط البحث قبل ذلك، لكنّه ازداد خلال العقد الماضي، ارتباطاً مع موجة ما سمّي بالربيع العربي، حيث شهدت الشواطئ العربية والإفريقية والحدود الإقليمية والدولية هجرة غير مسبوقة، وترافق ذلك مع صعود تيّار يميني عنصري شعبوي في العديد من البلدان الغربية، وخصوصاً في البلدان الاشتراكية السابقة التي تشكّل ممرًّا للهجرة غير الشرعية، مثل المجر وسلوفينا وسلوفاكيا والتشيك وغيرها، إضافة إلى صعود موجة كُره الأجانب في النمسا وإيطاليا وهولندا وفرنسا وإلى حدّ ما في بريطانيا، فضلاً عن بعض البلدان الاسكندنافية، في حين كانت ألمانيا أكثر انفتاحاً وقبولاً للهجرة، وقد شهدنا ذلك خلال الهجرة السورية الجماعية قبل بضع سنوات، دون أن ننسى الدور التركي الذي قام بفتح الحدود البرّية والبحريّة باتجاه اليونان ودول أوروبا.
ولعلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم في العام 2008 وما بعدها لا تزال آثارها مستمرة، هي التي كانت أيضاً وراء توجّه بعض البلدان الغربية لوقف الهجرة أو تخفيضها إلى أقل حدٍّ ممكن، بما فيها الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي قرّر بناء سياج يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك، ناهيك عن تقليص معدّلات الهجرة القانونية، ثمّ قراره العنصري بمنع مواطني عدد من البلدان من دخول الولايات المتحدة، وهو قرار ينمُّ عن صعود موجة عنصريّة تتّسم بروح الكراهية.

س 2: أين الإخفاق في قضية الهجرة غير الشرعية؟
ج 2: لا يمكن وقف الهجرة غير الشرعية كلّياً، ولكن يمكن تنظيمها وتقنينها، خصوصاً وأنّ اللاجئين لأسباب سياسية تمنحهم قواعد القانون الدولي المعاصر حقوقاً لا يمكن تجاهلها أو التنكّر لها. وهو ما تؤكده قواعد القانون الإنساني الدولي والشُّرعة الدولية لحقوق الإنسان والعديد من المعاهدات والاتفاقات الدوليّة التي وقّعت عليها البلدان الأوروبيّة، ولا سيّما اتفاقية حقوق اللاجئين الدولية العام 1951 وملحقها العام 1967، إضافةً إلى عدد من الاتفاقيات الأوروبية.
إنّ عدم التنسيق والتعاون واختلاف التوجّهات بين البلدان الأوروبية وصعود التيّار الشعبوي اليميني العنصري وعدم احترام قواعد القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، هو الذي كان سبباً في إخفاقها من استيعاب الهجرة من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، ومن دول العالم الثالث إلى الدول الصناعية المتقدّمة، ناهيك عن مسؤوليات الدول الغنية إزاء الدول الفقيرة، سواء بسبب سياسات الاستعمار القديمة أم السياسات الإمبريالية الجديدة ونهب ثروات الشعوب، بحيث ساهمت في نشر بذور التعصّب في تُربة صالحة لولادة ابنُهُ التطرّف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ يصبح عنفاً، وإذا ضرب عشوائيًّا يصير إرهاباً وإرهاباً دوليًّا إذا كان عابراً للحدود، وهدفه خلق الرعب والفزع وعدم الثقة بالدولة من جانب المجتمع والفرد، إضافة إلى عدم ثقة الدولة بنفسها، في حين أنّ العنف يستهدف الضحيّة بذاتها ولذاتها. ولعلّ الفقر والأُميّة والتخلّف وأسباب اقتصادية واجتماعية وعنصرية وإثنية وفكرية وثقافية ودينيّة وطائفيّة ولُغويّة وسُلاليّة وغيرها هي التي كانت وراء اختلال التوازن وغياب العدالة، سواء على المستوى المحلّي أم على مستوى العلاقات الدولية.

س 3: أين الإخفاق في السياسات الأوروبية تجاه التعاطي مع الهجرة غير الشرعية وما هي البروتوكولات التي يعملون على إصلاحها اليوم كسياسات إصلاحية في أوروبا للتعاطي مع ملف الهجرة والمهاجرين في أوروبا؟
ج 3: أنقل لك رأياً لوزير العدل والشرطة السويسري ويمكن تطبيقه عمليًّا على الوضع الإنساني السوري واللاجئين والمهاجرين بشكل عام. يقول وزير العدل والشرطة السويسري الأسبق آرنولد كولر مخاطبًا لاجئي كوسوفو الألبان: لو كنّا مكانكم لكنّا فررنا نحن أيضًا. ولعلّ عبارة مسؤولة وواقعية كتلك تفسّر التدفّق المفاجئ لملايين اللاجئين السوريين الذين اضطرّوا إلى اللجوء بسبب النزاع المسلّح وأعمال العنف والإرهاب التي اندلعت في العام 2011 والتي استمرت بفعل عوامل دوليّة وإقليميّة وداخليّة بالطبع.
لم يكن أمام السوري المدني في منطقة النزاع المسلّح سوى الهرب من التدمير والأعمال الوحشيّة والقصف، الأمر الذي طرح مشكلة اللاجئين السوريين على بساط البحث أمام المجتمع الدولي تلمّسًا في الحماية التي توفّرها الاتفاقيّات الدولية، ولعلّ الصراع المحتدم كان هو السبب وراء الهجرة القسريّة لملايين السكّان، إضافةً إلى ملايين النازحين داخل سوريا، لاسيّما في مناطق النزاع، وخصوصًا الشيوخ والنساء والأطفال، وقد تمكّن قسم منهم طلب الحماية في دول الجوار والقسم الآخر اختار المنافي البعيدة لدول الشمال الأوروبي، وهو ما أحدث إشكالات حدوديّة وسياسيّة، بين تركيا واليونان وعدد من دول أوروبا بما فيها المجر والنمسا وسلوفاكيا وتشيكيا وألمانيا وغيرها، إضافة إلى بعض الدول الاسكندنافيّة، حيث استخدم ملف اللاجئين السوريّين ورقة للصراع الإقليمي والدولي، فضلًا عن الصراعات الداخليّة لوجود تيّارات عنصريّة شعبويّة يمينيّة متطرّفة في العديد من بلدان أوروبا.
وأختتم ذلك بالقول: إنَّ وضعًا معقّدًا مثل هذا الذي يعيشه اللاجئون السوريّون يجعل ثمّة مسؤوليّات مضاعفة على عاتق المجتمع الدولي، وخصوصًا على الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لحماية السلم والأمن الدوليّين وإطفاء بؤر التوتر وحلّ النزاعات بالطُرق السلميّة، وحماية اللاجئين، طبقًا للشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان ولاتفاقيّات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، والمقصود بذلك بروتوكولَي جنيف: الأوّل - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة؛ والثاني - الخاصة بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، مع التأكيد على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق اللاجئين لعام 1951 وملحقها العام 1967.
س 4: لو دققنا مليًّا في موضوع الهجرة غير الشرعية اليوم ودخلنا في النشأة والأسباب والعوامل، برأيك اليوم في القرن الحادي والعشرين ما هي دوافع وأسباب المهاجرين إلى الهجرة غير الشرعية لماذا وصفت بالهجرة غير الشرعية أولاً، ولماذا يهاجرون؟ هل لأسباب متعلقة في الاقتصاد؟ لأسباب اقتصادية، لأسباب ثقافية رفاهية أم لتحصيل مكاسب وشروط حياة للذات؟
ج 4: في كتابه "تأملات المنفيين" يعرّف الصحافي البريطاني جون سمبسون المنفي بالقول "هو الشخص الذي لا ينسجم مع مجتمعه" ثم يعدد ستّ مجموعات من المنفيين لأسباب سياسية أو دينية أو قومية أو قانونية "ملاحقة المحاكم المدنية"، أو نفسية أو اقتصادية أو غير ذلك. ولعل كتاب سمبسون يذكّرنا برسالة الجاحظ "الحنين إلى الأوطان" (الجدّ الأقدم للمسلمين)، خصوصاً بتدفق المجموعات والكتل البشرية الهائلة اليوم والهروب الجماعي بسبب الحروب الخارجية والنزاعات الداخلية المسلحة والخوف من الإضطهاد الإثني والديني والمذهبي، بأبعاده الإنسانية: السياسية والاجتماعية  والاقتصادية والثقافية.
وكان فرانسيس فوكوياما قد حذّر من تعاظم مشكلة المهاجرين واللاجئين في عالم ما بعد "نهاية التاريخ" الذي ابتدعه في آواخر الثمانينات معلناً ظفر الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي على المستوى العالمي، معتبراً مشكلة تدفق اللاجئين من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغنيّ إحدى التحديّات التي تواجه العالم المعاصر.
واستكمل هذه الرؤية صموئيل هنتنغتون الذي اعتبر أن العدو المحتمل والتحدي الأساسي لعالم ما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية هو "الإسلام" الذي يشكل خطراً لسيادة الليبرالية على المستوى الكوني، وفقاً لنظريّته "صدام الحضارات وصراع الثقافات" مع تعاظم مشكلة اللاجئين والمهاجرين، لا سيّما موضوع الهُويّة والاندماج وتفرّعاتهما بمعنى الخصوصية الثقافية والقومية والدينية مقابل الشمولية العالمية التي تمثّل الليبرالية الجديدة على المستوى الكوني.
إن هذه المسألة تثير إشكاليات حقيقية ومعاناة فعلية، ثقافية واجتماعية ونفسية بالنسبة للمنفي أو اللاجئ أو بالنسبة لمجتمعه الجديد، وخصوصاً للشباب، وإذا دخل الدين عنصراً في الموضوع فإن هناك الكثير من عوامل عدم الاندماج الموضوعية والذاتية قد تدخل على الخط ويزداد الأمر تعقيداً بالنسبة للمرأة في ظل العقلية الشرقية والأبوية الدينيّة التقليدية التي تظل تفعل فعلها في حياة المهاجرين والمنفيين لوقت طويل، وربّما تتجدد بأشكال وأساليب تزيد من التمسك بها على نحو يبدو كثير الغرابة والتعقيد.

س5: ماذا تقول الاستطلاعات اليوم الأخيرة حول دراسات الهجرة والمهاجرين؟
ج 5: إن دراسة قضايا الهجرة والمهاجرين تظهر على نحو واضح وجليّ وربما صارخ، مسألة الهُويّة والخصوصية وإشكاليّاتهما في المجتمع الجديد، وخصوصاً بالنسبة للجيل الثاني، وقبل ذلك تبدأ المشكلة مع شبكات ووسائل الانتقال المشروعة وغير المشروعة، حيث يتعرّض المهاجرون واللاجئون إلى طائفة من الابتزاز وإلى عقبات وعراقيل قد تكون خطرة وقد تؤدي بالبعض إلى فقدان جزء من العائلة، ثم يبدأ اللاجئ بمواجهة المشكلة الأكبر مع البلدان المضيفة (المستقبِلة)، خصوصاً التكيّف مع الحياة الجديدة بما فيها من قوانين وعادات وتقاليد وأنظمة وضوابط بعضها غريب عليه لدرجة كبيرة، وقد يواجه تحدّيات لم تخطر على باله على نحو محموم فيه الكثير من المفارقات.
لعلّي هنا أتذكّر رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني "رجال في الشمس" في الحديث "عن رحلة النفي أو الهجرة أو اللجوء". كيف قُدّر لهؤلاء الرجال الذين بقوا في الصهريج ينتظرون موتهم ببطء ويأس ودون حتى حراك، فبدلاً من فتح باب الفرج، انفتح لهم باب القبر بكل صمته وظلامه. وبإيحاء كنفاني الذي كان منولوجه الداخلي عالي النبرة، يخاطب هؤلاء الرجال لماذا لا تصرخوا؟ لماذا لا تدقوا كي يسمعكم مَن بالخارج؟
كان خوفهم الأساسي يتركز على اكتشافهم من جانب سلطات الحدود العراقية - الكويتية وهم يجتازون مفرق سفوان، هو الذي دعاهم إلى الصمت والإذعان وإلى الموت انتحاراً إذا جاز التعبير. إن صمتهم وعدم حراكهم سببه الخوف من ضياع فرصتهم في الهجرة، فبعد النفي الأوّل من الوطن كان البحث عن منفى جديد مؤقت ولو للعمل ولم يخطر ببالهم أنهم يرحلون هذه المرّة إلى المجهول، إلى العالم الآخر.
إن مأساة الفلسطيني التي صوّرها غسان كنفاني ببراعة تتكرر يومياً وبصورة دراماتيكية مرعبة أحياناً، ويكاد لا يمر أسبوع أو شهر إلا ونسمع موتاً جماعياً، غرقاً أو اختناقاً أو ضياعاً، فالكوارث الطبيعية وحراس الحدود والشواطئ يقفون بالمرصاد، والمشهد يستمر: قوارب وبواخر وحافلات وقطارات .. مهرّبون وسماسرة، ضحايا ومنفيون، سجون واحتجاز... وقصص لا تنتهي عن بلدان الرعب والحروب والجوع وهدر الكرامة.

س6: اليوم، الانتهاكات حول حقوق الإنسان كيف يُنظر إلى ملف الهجرة غير الشرعية من وجهة نظر حقوق الإنسان وأين الإخفاق في القانون الدولي وحقوق الإنسان؟
ج 6: لقد تطوّر فقه القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي بشأن اللاجئين والمهاجرين بما فيها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومع ذلك فما تزال الكثير من الأسئلة والإشكاليات ذات البُعد الإنساني والقانوني قائمة، سواء ما يتعلّق ببلدان الجنوب المُصدّرة للجوء والهجرة أم لبلدان الشمال المُستقبِلَة للاجئين والمهاجرين. وتحاول بعض دول الشمال الغنيّ التملّص من التزاماتها بشأن اللاجئين والمهاجرين بما فيها مساعدة بلدان الجنوب على تحقيق تنمية من شأنها أن تحدّ من ظاهرة الهجرة وتستوعب أبناء الجنوب للعمل والتخلّص من البطالة والقضاء على الأُميّة والتخلّف.
وإذا كان ميثاق برشلونة الذي تمّ التوقيع عليه عام 1995 بين دول الشمال وبين بلدان الشرق الأورومتوسّطية لإقرار حرّية نقل البضائع، إلّا أنّه يستثني نقل البشر، فإنّه يقود فعليًّا إلى ممارسة سياسةٍ انتقائية في الاختيار وازدواجية في المعايير، خصوصاً بتقسيم اللاجئين إلى أوروبي وغير أوروبي "جنسيات أخرى"، وعلى هذا الأساس تكون الفوارق والتمايزات، وأحياناً بين مسيحيين وغيرهم في حين تبرز مشكلة اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات الأوروبية الجديدة ممّا يؤدي إلى شعورهم بالعُزلة وقد يقودهم إلى التعصّب ووليده التطرّف والعنف في مواجهة ظواهر العنصرية وكُره الأجانب وضعف التعليم وخيبة الأمل.
لقد كانت اتفاقية أمستردام العام 1997 والتي دخلت حيّز التنفيذ العام 2004 لتحقيق فكرة أوروبا دون قيود ودون حدود، بحيث يسهل انتقال اللاجئين، حيث يتم فحص طلب اللجوء وفقاً لذلك إضافةً إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومع ذلك ليس هناك من وصفة سحرية نهائية بشأن الحاجات المتنامية للاجئين.
اللجوء حقّ إنساني يكفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، ولا يمكن إعادة طالب اللجوء إلى بلده طالما استشعر باحتمال تعرّضه لاضطهاد سياسي أو ديني أو قومي أو غير ذلك واضطر إلى الهرب، إذْ أن إعادته بالقوّة قد يؤدي إلى تعرّضه للتعذيب أو الأذى أو حتى خسارة حياته، وفي ذلك مسؤولية على الدول المُستقبِلة.
إن حقوق الإنسان لها أهمية خاصة في حياة المهاجرين لأنه بسببها اضطروا إلى الهجرة كما أنها تؤثر على حياتهم في المهجر أيضاً، بل إنهم شديدو الحساسية إزاء خرقها أو التجاوز عليها، ولهذا فإن احترام دول الشمال لتعهداتها في ميدان حماية اللاجئين والمهاجرين والمنفيّين مسألة في غاية الأهمية وهو ما ينبغي لدول الشرق الأوروبية المتوسطية وبخاصة دول الشمال وضعه موضع الاعتبار.
وعلى دول الجنوب التي لا بدّ من احترام حقوق الإنسان وإعادة النظر بقوانينها وأنظمتها وممارستها التي تنتهك هذه الحقوق، التعامل مع المجموعات البشرية الكبيرة من طالبي اللجوء من مواطنيها الأصليين، ليس باعتبارهم أعداء وإن اختلفت بهم السُبل السياسية أو المناهج الفكرية أو المنحدرات القومية أو الدينية أو غيرها، ولا بد هنا من مدّ الجسور وأخذ مصلحة البلدان الأصلية وعلاقتها مع الدول المضيفة بنظر الاعتبار وتفعيلاً للثقافة الجديدة برفدها بثقافة الأصل وتشجيع الحوار الثقافي والمعرفي وفقاً لأسس حضارية تقوم على أساس تعدّدية الهُويّة واحترام الخصوصيات والبحث عن المشترك الإنساني، الأساس في أي ثقافة وحضارة. ولا بدّ أيضاً لدول الجنوب من التوقيع على اتفاقية جنيف لعام 1951 وملحقها في العام 1967 بشأن حماية اللاجئين.

س 7: هل تعتقد أن قضية الوجود "الإسرائيلي" اليوم في المنطقة أو إشكالية "إسرائيل" هي شبيهة إلى حدّ ما بقضية المهاجرين والهجرة غير الشرعية في أوروبا باعتبار أن اليهود والشتات كانت معضلة أوروبية؟ هل هي هذه قضية غربية أم قضيّة عربية بالدرجة الأولى، فكيف تعلّق على هذا الموضوع من حيث التوصيف ومن حيث الإشكالية؟
ج 7: لا علاقة لموضوع الهجرة والمهاجرين واللاجئين بموضوع إنشاء دولة "إسرائيل" إلّا إذا أخذنا ما قامت "إسرائيل" بتهجير الفلسطينيين وترحيلهم ونفيِهِم عبر سياستها المعروفة بـ"الترانسفير" لتجلب محلّهم اليهود من أصقاع الدنيا، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي لإصدار قرار رقم 194 بشأن الحق في العودة في العام 1949، والذي ما تزال "إسرائيل" تتنكّر له وتضع العراقيل أمامه، بل إنها تستمر في قضم الأراضي والاستيطان فيها ضد ما يسمّى بـ"الشرعية الدولية" وخلافاً لقواعد القانون الدولي.
إن مأساة اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية لم يكن العرب مسؤولون عنها وإنّ ما تعرّضوا له على يدِ النازيّين لا يمكن حلّه على حساب العرب والفلسطينيين، ولذلك لا تجوز المقارنة أو التشبيه، فحتّى قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947 هو قرارٌ لا ينسجم مع القانون الدولي ويُلحق ضرراً بليغاً وتاريخيًّا بحقوق الشعب العربي الفلسطيني، الذي تجاوزت فيه الأمم المتحدة عليها بمنح نصف أراضي فلسطين أو ما يزيد عليها إلى "إسرائيل" التي تعهدّت باحترام حقوق الإنسان كشرطٍ لقبولها في الأمم المتحدة، لكنها تجاوزت على ذلك منذ اللحظة الأولى، وهي ما تزال مستمرة منذ تأسيسها في 15 أيار/مايو 1948 كبؤرة للعدوان والحرب والعنصريّة.



54
كتاب وحكاية: مذكّرات صهيوني
يوميّات إيغون ريدليخ في معسكر تيريزين

حين استضافني "اتّحاد الأدباء والكتّاب" في العراق (بغداد 20/12/2017) للحديث عن تجربتي الفكريّة والثقافيّة، فضّلتُ الكلام عن الكُتب ومن خلالها سردتُ شيئًا عن رحلتي مع الحرف والكلمة، وكان ممّا جئت عليه هو الكتاب الذي نحن بصددِه وأعني به "مذكّرات صهيوني"، وهو عنوان وضعتهُ لمقالات بقلم ييرجي بوهاتكا، الكاتب والصحافي (كما ورد في تعريفه) والموسومة "عندما كشف النقاب في يوميَّاته" أو "عندما تحدّث في يوميّاته" والتي عرضَ فيها برؤيةٍ نقديّة مذكّرات أو الأصحّ "يوميَّات" إيغون ريدليخ عضو قيادة المنظمّة الصهيونية ماكابي هاكير في معسكر تيريزين.
جدير بالذِّكر أنَّ التقريظ لمذكّرات ريدليخ كان قد نُشر في مجلّة تريبونا(1) Tribuna "المنبر" وعلى أربع حلقات، وقد لفتت انتباهي إليها إحدى المُستشرقات لمعرفتها باهتماماتي بالقضيّة الفلسطينيّة، فبادرتُ بترجمتها وإعدادها للنّشر، وكان ذلك عشيّة عودتي إلى العراق بانتهاء دراستي وقد أرجئت النّشر في حينها لالتحاقي بالخِدمة العسكريّة الإلزاميّة، ولكن يدُ الزمن كانت قد عبثت بها بعد مصادرة مكتبتي و3 مخطوطات من جانب الأجهزة الأمنيّة  كنت قد جهّزتها للطبع في حينها، وذلك عند كبْس منزلي بعد مغادرتي بغداد إلى المنفى مرّة أخرى.
في دمشق خطرت ببالي فكرة إعادة ترجمة النص المذكور لإعداده للنشر، خصوصًا لِما له من دلالة فكريّة وعمليّة في ظرف يستوجب فيه معرفة بعض الحقائق التي ظلّت خافية إلى حدٍّ ما، فما بالك حين يتمّ الكشف عنها هذه المرَّة وعلى لسان أحد قادة المنظّمات الصهيونية. وكنت قد اتّصلت بالصديق موسى أسد الكريم "أبا عمران" لمساعدته في تأمين النصّ المذكور فقام مشكورًا بإرسال الأعداد الأربعة من مجلّة تريبونا، على الرغم من مضيِّ سنواتٍ على صدورها(2).
أعدتُ قراءة التقريظ المكتوب من جانب ييرجي بوهاتكا على نصِّ إيغون ريدليخ فوجدتهُ أكثر إثارة ممّا قرأته في المرَّة الأولى، ولذلك توقّفت بتأمُّل عنده لأكتب تقديمًا له، أشبه بخريطة طريق: كيف يُقرأ النص؟ وما هي الاستعارة الدلاليّة منه؟ وكيف يمكن توظيفه نضاليًّا كجزء من الكفاح ضدّ الصهيونيّة على الجبهة الفكريّة والحقوقيّة والقانونيّة، لا سيّما على المستوى الدبلوماسي والدولي وبشكل خاص على صعيد المجتمع المدني العربي؟
منذ مطلع الثمانينات كنتُ أكتب مادّة أسبوعيّة لمجلّة "الهدف" الفلسطينيّة التي أسّسها غسّان كنفاني وأعقبه فيها بسّام أبو شريف ومن بعده صابر محي الدين، وقد بَدأَت علاقتي الحميمة مع مجلة "الهدف" منذ لقائي الأّول واليتيم مع غسّان كنفاني في العام 1970 في بيروت، علمًا بأنَّني كنت على علاقة وطيدة بالجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين وبالمقاومة الفلسطينيّة منذ العام 1967 في بغداد، وتعزّزت واستمرّت بالعديد من قيادتها ورموزها ومناضليها إلى يومنا هذا، ولذلك قرّرت نشر المادَّة في مجلّة "الهدف"، وحين علِمَ بها الصَّديق هاني حبيب مدير التحرير حينها خصّص لها مكانًا متميّزًا في المجلَّة، وسعى للاعتناء بإخراجِها لتظهَر بما تستحقّه، كما قام بنشر خبر عنها قبل نشرها، إدراكًا منه لأهميّتها للنضال الفلسطيني.(3)
ما إن اكتمل نشر المادّة الموسومة "مذكّرات صهيوني" على خمس حلقات (خصّصتُ الحلقة التعريفيّة الأولى للمُقدِّمة) حتى هاتفني الأخ والصديق تيسير قُبّعة(4) عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية ومسؤول العلاقات قائلًا "الحكيم بدّو يشوفك" فما رأيك أن نلتقي عنده على الغداء؟ واتّفقنا على موعد والتقينا في مكتب العلاقات مع الدكتور جورج حبش، الذي استمع بصورة مفصّلة لشروحات قدّمتها عن اليوميّات "المذكّرات" ومعسكر تيريزين الذي كنت قد زرتهُ وكذلك معسكر أوشفيتز الذي سبق لي أن زرته أيضًا كما سيأتي ذكره، وعن موقف البلدان الاشتراكية السابقة من الصهيونية والنشاط الصهيوني، وكان حينها قد تأسّست اللجنة الاجتماعية السوفييتيّة لمناهضة الصهيونيَّة" بمبادرة من يوري أندروبوف الذي تولّى الأمانة العامّة للحزب الشيوعي السوفييتي، لكنّه لم يستمرّ طويلًا فقد وافتهُ المنيّة سريعًا، كما تطرّقنا إلى موضوع تأسيس "اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379" على هامش ندوة نظّمها "الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين"، بمبادرة من الدكتور جورج جبّور وكاتب السطور، وأصبح جبّور رئيسًا لها وكاتب السطور أمينًا عامًّا(5).
واستفسر الحكيم عن إمكانيّة الحصول على نصِّ المذكّرات "اليوميّات" الأصليّة كاملةً وبلُغَتِها الأصلية، خصوصًا وقد استوقفه وجود إيغون ريدليخ في معسكرَي تيريزين وأوشفيتز (أشهر المعسكرات النازيّة) والذي تعاون مع جهاز الغاستابو لنحو أربعة أعوام، ومع ذلك فقد تمَّ إعدامه هو وزوجته وابنه في العام 1944 دون أن تشفّع له الخدمات الكبرى التي قدَّمها للنازيّة بما فيها تعاونه ضدّ أبناء جِلدته بالتواطؤ على إرسالهم إلى المجهول مقابل إرسال بضع عشرات أو مئات من اليهود القياديِّين والمتموِّلين إلى فلسطين، علمًا بأنَّه لم يُخفِ شعوره بالخجل والعار الذي يترشّح من نصوص اليوميّات المكتوبة بعناية فائقة على الرغم من أجواء الرعب واليأس وتبدُّد الآمال الخادعة.
وقد توقّف الدكتور جورج حبش عند المعلومات المثيرة والصادمة التي وردت في "اليوميّات" والتي كتبها إيغون ريدليخ خلال مسؤوليّاته الإدارية العديدة في معسكر تريزين، لا سيّما تلك التي تتعلّق بالصّفقة اللّاأخلاقية بين النازيّة والصهيونيّة، والتي تضمّنت التضحية بعشرات الآلاف من اليهود مقابل وعودٍ زائفة. وقد تمّ العثور على تلك المذكّرات في سقفٍ لأحدِ البيوت الحجرية في شارع غودوالدوف في مدينة تيريزين العام 1967 على يدِ عمّال بناء، وقد كانت الدَّهشة كبيرة جدًّا، فمع  أن "المذكرات" كُتبت بطريقة حذرة خوفًا من وقوعها بِيَد جهاز الغاستابو، لكنها تفصح عن الكثير من المعلومات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالإيحاء أو التلميح أو قراءة ما بين السطور بتأويلٍ للنصّ أو تفسيره، وحتى لو جاء المضمون يتعلّق بالإدارة أو التنسيق مع المحتل، لكنه يكشف التعاون والتنسيق بين القيادات النازية والقيادات الصهيونية، فيما يتعلق بمأساة اليهود الذين كانوا يغيّبون بالآلاف ويُرسلون إلى حتفهم بمساومات يشعر ريدليخ بالذات بخجله منها.
وبقدر ما تبيِّنُ اليوميّات دوره فهي تعبّر عن طريقة التفكير الصهيونية الخاصة بالتربية والتعليم والتنشئة والعلاقات وغير ذلك من وسائل ميكافيليَّة يتمّ فيها تبرير الوسيلة بزعم الوصول إلى الغاية، علمًا بأن الغاية هي من شرف الوسيلة، ولا غاية شريفة إن لم تكن الوسائل شريفة، وحسب المهاتما غاندي فالوسيلة إلى الغاية هي مثل البِذرة إلى الشجرة، فهما مترابطان عضويًّا ولا يمكن فصمهما.(6)
كنت أتوقّع أنَّ الحصول على نصّ اليوميّات عمليّة سهلة ويسيرة، ولذلك أجبتُ الدكتور حبش بترجيح إمكانية تأمينها، ولكنّني فوجئتُ بصعوبة ذلك بعد الاتصال بصديقنا القديم موسى أسد الكريم والطلب إليه توفير نسخة من نصّ المذكّرات باللغة التي كُتبت فيها، علمًا بأنَّ مُحدّثي من براغ أبلغني بعد أسبوعٍ من تكليفه الصداقي أن ييرجي بوهاتكا هو اسم مستعار لضابط كبير ومسؤول عن ملف النشاط الصهيوني في "تشيكوسلوفاكيا" وكان قد أُقيل من منصبه العام 1968 ثم سُمح له الكتابة بإسمٍ حركيّ لم يتمّ الكشف عنه. والتقى الكريم بزوجته التي كانت تعيش في إحدى المصحّات بعد وفاته بعامين، وحاول الحصول على نسخة من المذكّرات حتى وإنْ دفع ثمنها، وكانت تلك إشارة من الدكتور حبش، لكنّها بعد أن وعدتهُ عادت واعتذرت من الاستجابة لطلبه، ثمَّ امتنعت عن الحديث في الموضوع، بل إنها تهرّبت من مقابلته وأوعزت إلى عاملة الاستقبال في المصحِّ الطلب منه عدم الاتصال بها رغم المحاولات العديدة التي بذلها(7).
وخلال زيارتي إلى براغ في العام 1985 بعد انقطاعٍ دامَ نحوَ ثماني سنوات استفسرتُ من الصديق حسين العامل الكاتب والمُترجم العراقي المُخضرم فيما إذا كان لديه معلومات عن ييرجي بوهاتكا، خصوصًا وأن لديه علاقات متميّزة مع الإدارات التشيكية حيث عاش في براغ منذ أواسط الخمسينات، وبعد تدقيق أبلغني أنَّ ييرجي بوهاتكا كان قد ألّف كتابًا عن "النشاط الصهيوني في الدول الاشتراكية"، واستلم حقوقه البالغة 50 ألف كورون آنذاك، وهو مبلغ لا بأس به في حينها، وقام بتصحيح المسوّدات، واطّلع على صورة الغلاف وعلى الكتاب مطبوعًا في المطبعة، لكن الكتاب اختفى قبل يومين (من صدوره)، إلّا أنّه لم يتعرّف على اسمه الحقيقي الذي ظلَّ لُغزًا مجهولًا، ونقلتُ تلك المعلومات إلى الدكتور حبش الذي أصيب بدهشة وذهول مثلي وربّما أكثر منّي، لا سيّما أن ذلك جرى في ظلِّ النظام الاشتراكي السابق.
وأعود إلى أصل الحكاية فحسب موسى أسد الكريم يكون ييرجي بوهاتكا قد توفّي بين العام 1982 و1983، وإن زوجته كانت ما زالت على قيد الحياة، حيث تعيش في مصحّة خارج براغ، وأغلب الظنّ على ما أتذكّر في كارلو فيفاري، وقد واصلتُ خلال العقود الثلاثة ونصف الماضية، السؤال عن ييرجي بوهاتكا، لكنّني لم أعثر حتى الآن على ما يُستدلّ عليه على الرّغم من التنقيبات العديدة عنه. وحسبما يبدو فقد ظلَّ يحمل اسمه المستعار بدلًا من اسمه الحقيقي، وإن كانت بعض المقالات قد كُتبت، فهي بهذا الاسم وليس باسم آخر، ولم أعثر على من التقاه أو تحدَّث إليه أو عرَفَ شيئًا عنه، وقد سألت الرفيق نعيم الأشهب والرفيق مازن الحسيني القياديَّان في الحزب الشيوعي الفلسطيني والعاملان في تشيكوسلوفاكيا منذ عشرات السّنين، وكذلك سألت موفّق فتّوحي رئيس الجالية العراقية، والرفيق نزار طرابلسي القيادي في الحزب الشيوعي السوري والتشيكي حاليًّا، إضافةً إلى نوري عبد الرازق الذي قضى ردحًا من الزمن في تشيكوسلوفاكيا، وكُلُّهم لم