عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - د. شوان نافع خورشيد

صفحات: [1]
1
هل هناك دكتاتورية يمكن ان تمهد للديمقراطية؟
د شوان نافع خورشيد
قد يعتقد الكثيرين بان الديمقراطية قائمة في العراق ولان الحالة التي نراها في العراق مزرية فهذا يعني بان الديمقراطية قد فشلت، ولذلك علينا ان نبحث عن البديل. بداية أرى انه من الأنسب ان اكشف اوراقي مسبقا. انا مع الديمقراطية. لا اعتقد بان ما لدينا هو الديمقراطية بشكلها الصحيح. ولا اعتقد بان بناء الديمقراطية الصحيحة سيكون هينا. واعتقد بان الدكتاتورية التي قد تطرح كبديل للديمقراطية خيار سيئ الا في حالة واحدة.
لنفترض جدلا باننا يأسنا من تحقيق الديمقراطية السليمة ولذلك فليس لدينا خيارا غير الدكتاتورية. المشكلة هي؛ دكتاتورية من (اية قيادة واية ايدلوجية)؟ لاشك بان كل جماعة سيعتقد الدكتاتور المنتمي اليها سيكون الأنسب. وحتما سنختلف. وماذا سيحدث اذا اصر كل جانب على مرشحه. اعتقد النتيجة ستكون حربا اهليا. قد نجد من يستسهلون الحرب وسيزعمون بانها ستكون قصيرة. ولكن هناك احتمال بان تكون طويلة وتبقى غير حاسمة كما هي في الصومال واليمن وسوريا.
ولكن ماذا لو قامت قيادة في الجيش عادلة وغير منحازة وتحظى بالشعبية في صفوف الجيش وخارجه بعملية مباغتة وسيطر على الوضع وماذا لو تزامنت تنفيذ الانقلاب مع خروج الجماهير الى الشوارع مؤيدا، وادى استعراض الدعم الى ردع المناوئين من اللجوء الى السلاح؟ الن يكون مثل هذا السيناريو كفيلا بتوفير الحل؟ اعتقد انه ليس كذلك. هناك من يعتقد بان عبدالكريم قاسم كان زعيما فذا يتوفر فيه الكثير من الشروط التي كانت ستجعل منه الدكتاتور المثالي. ولكن كان من الواضح بان قاسم لم يدرك بان عليه ان يكون او لم يتمكن من ان يكون مثل صدام لكي يتمكن من التخلص من امثال عبدالسلام عارف. بمعنى اخر لو لم تأت الى السلطة بطريقة ديمقراطية وعليه لم تحظى بالصلاحيات دستوريا، فعليك ان تكون مثل صدام وستالين. هذا، ولكن بتعبير مختلف، هو ما قاله لنا ميكافيللي قبل خمسة قرون. 
وهنا قد يرد محاور: وما ضر طريقة صدام؟ الم يكن العراق دولة قوية؟ كلا طبعا. حتى لو اغفلنا المجازر التي كان يقترفها، فان طريقته أدت الى اضعاف الشعب نفسيا، وعلمهم الخوف والخضوع والانانية، وفرض عليهم الجهل بحيث واصبحوا غير ابهين للمصلحة العامة وذلك ما سهل تحولهم الى شركاء في الفساد او ادوات بيد المليشيات. الدكتاتوريات تحتاج الى  تحتاج الى رعايا جهلة، انانيين، معدومي الثقة بأنفسهم وبالأخرين ومعدومين اقتصاديا، باستثناء حاشية واهل القائد وزبانيتهم. أي ان ما نحن نحصده اليوم زرع في عهد صدام والجمهوريين الاخرين من قبله. 
ولكن مع ذلك لا نستطيع ان ننفي إمكانية مجيء قيادة دكتاتورية قد تخلق الأرضية لمجيء الديمقراطية. فلدينا التجربة الكورية الجنوبية وحتى تايوان وسنغافورة الى حد ما.
في عام 1948 اشرف الأمم المتحدة علي انتخابات فاز فيها ريي سينغمان Ree Syngman، وقام حزبه، وللمفارقة يسمى بالحزب الليبرالي، بتزوير الانتخابات لصالحه في عام 1960. هذا ما سبب خروج مظاهرات طلابية ضده. وردت الشرطة باطلاق النار عليهم. وهذا ما جر مظاهرات أضخم ، وارغم الرئيس على التنحي. ولكن الأمور لم تستقر لخليفته المدني. في عام 1961 قام مجموعة من الضباط بقيادة بارك جونغ هيي Park Chung Hee بانقلاب عسكري. في عام 1963 استقال من الجيش وترشح للرئاسة وفاز ثلاثة مرات متتالية ولكنه اغتيل في عام 1979 على يد مدير استخباراته. كان بارك ضابطا في الجيش الياباني ولربما كان شيوعيا لفترة ما، كما يقول اندرو سالمون Andrew Salmon.   بمعنى كان يمكن اعتباره وصوليا او حتى مشبوها. ومع هذا استتبت له الأمور لأنه لم يتعرض الى رفض جدي لا من قبل الضباط الاخرين من الجيش ولا من المدنيين، بالرغم من ان الإدارة الامريكية كانت تنصح بإلتدخل ضده، كما يقوله مارك تكولا Mark Tokola اعتمادا على الوثائق المسربة من ارشيفات الحكومة الامريكية. 
بداية عمد بارك الي ازاحة الضباط المنافسين له من بين رفاقه من قادة الانقلاب وضباط آخرين ممن لم يطمئن لميولهم. وهذه الخسة هي ما يجب ان نتوقعها من كل قيادي فطن يأتي الى للسلطة عن طريق القوة. ولكن بارك يعتبر ايضا صاحب اعظم مساهمة في نهضة كوريا الجنوبية قافزا بها من مرتبة افقر الدول العالم الى منصة تتيح لها التطور الى مصاف اعظم اقتصاديات العالم. ورغم هذا الإنجاز علينا ان لا نتوقع بانه كان محبوبا ومدعوما من قبل الجميع او حتى الاغلبية. فهو ادخل تعديلات على الدستور لكي يتيح لنفسه البقاء في السلطة لولاية ثالثة، وواجه المظاهرات الطلابية بالعنف وضيق على المعارضة وفي النهاية أعلن حالة الطوارئ وعلق البرلمان ليكون دكتاتورا فعليا. وبالإضافة الى كل هذا، فانه يعتبر مسؤولا مباشرا او غير مباشر عن عمليات هدر حقوق واقتراف جرائم ضد المتشردين والمتسولين، والأطفال السائبين وبعض الطلاب المناهضين. 
بمعنى اخر لا يمكن ان نتوقع دكتاتورية مثالية. وعادة لا يتم التحول الى الديمقراطية برعاية ومباركة الدكتاتوريين وانما بالرغم عنهم. فلقد اضطر خليفة بارك اللواء جن دوو-هوان  Chun Doo-hwanالى الاستقالة بعد أن حاول هو الاخر ان يقوم بنفس دور سلفه وبعد ان قتل المِئات من الطلبة. أي ان الدور الأعظم للتحول الديمقراطي تلعبه الشعوب وليس الدكتاتوريين.
السؤال المهم هنا هو: ماذا يؤهل بعض الشعوب لأن تتحول الى الديمقراطية وشعوب اخر عاجزة عن ذلك؟ هذا سؤال عام ولا يقتصر على كوريا او العراق. فكل الشعوب العالم قاطبة كانت ترزح تحت ملكيات ذات سلطات مطلقة.
باعتقادي ان الشروط ادناه هي حاسمة.
أولا، توفر استقلالية اقتصادية للمواطنين. السياسة الاقتصادية بارك جون هيي أتاح للمواطنين الكوريين الاستقلالية الاقتصادية. في العراق بما فيه إقليم كردستان، لا تتوفر مثل هذه الاستقلالية. هناك طبقة رأسمالية في العراق الا انها شريكة للحكام. وهذه الطبقة تتعامل مع العقارات او التجارة أي انها غير منتجة واغلب اصول ثرواتها هي الاختلاس من المال العام. ليس هناك اقتصاد صناعي وزراعي منتج. وعلاوة على ذلك فان المال المختلس يمول تجنيد أدواة قمعية وقتلة مأجورين والكثيرين من "المثقفين" ليكونوا مطبلين للحكام. مسألة ضرورة وجود استقلالية اقتصادية للمواطنين لا تعني بان الرأسمالية هي شرط للديمقراطية. المقصود هو توفير وضع لا تتمكن فيه الحكام من ارغام المواطنين للرضوخ عن طريق الابتزاز الاقتصادي. 
ثانيا، التزام النخبة السياسية بايدلوجية تحتضن كل الهويات ولا تقصي فئة تختلف اثنيا، او دينيا او جنسيا او عنصريا و لأفكارهم الفلسفية. امثلتي للأيديولوجيات الاقصائية هي الايديولوجيات الدينية، والقومية، والشيوعية. عندما اتى بارك الى الحكم فانه لم يتبنى ايديولوجية اقصائية. بل انضم الى الإطار الليبرالي السائد. ولذلك فان معياره للحكم الجيد كان الازدهار الاقتصادي وهو ما قام به لكي يحظى بالشعبية. الايديولوجيات الاقصائية تتبنى اهداف تعتبرها اسمى وانبل من الحقوق الفردية واهتمامها بالتطور الاقتصادي يرتبط بكسبها للقوة وغالبا مع ينخرطون سياسة التسلح وتحدي قوى يعتبرونهم أعداء. في العراق أصبحت الايديولوجية العربية هي السائدة وكان طبيعيا ان تقصي الكرد وغير العرب من السلطة. وهذا ما سهل سلب ممتلكاتهم وظائفهم وحتى حياتهم. وهذه الحالة كانت تعمل كمفقس للناقمين على السلطة المركزية العراقية وتحويل بعضهم الى مجندين في الحركة الكردية المسلحة التي قامت بعد 1961 بالرغم من مآخذ كثيرة للكثيرين حول طبيعة الحركة وافاق نجاحها. ولكن طبيعة وجغرافية المنطقة والحكومة العراقية والحركة الكردية المسلحة لم تكن لتسمح لا للحركة والكردية ولا الحكومة العراقية بالانتصار الكامل. بل أدت الى خلق حالة حرب دائمة وخافتة، ما كانت لها ان تنتهى من غير تدمير كل قرى كردستان وإخضاع السكان في المجمعات القسرية او دفنهم. وهذا ما كان يقوم به صدام حسين. ولولا تورطه في حرب الكويت فانه باعتقادي كان بمستطاعه انهاء الوجود الكردي كليا في العراق.
بمعنى آخر ان المسبب الأكبر لاندلاع الحرب الاهلية في العراق كان اسقاط النظام الليبرالي في 1958 وفرض الأيديولوجية العربية القومية في بلد متعدد الاثنيات ولان العقل السياسي العام وكذلك منظري هذه الأيديولوجية كانوا غافلين كليا عن مسالة ضرورة تبني طريقة سلمية لتنظيم الصراع على السلطة. وما زاد الطين بلة هو ان التعبير السياسي الكردي والعراقي بشكل عام اخفق في تنظيم حزب يدعوا الى إزالة تاثيرات الأيديولوجية العربية من جسم السياسي الحكومي. بل اصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني التعبير الوحيد عمليا (في البداية على الأقل، ولم يكن الجناح المنشق منه مختلفا في ايديولوجيته). وهذا الحزب، بكلا جناحيه، لم يكن بمستوى مهمة اصلاح الوضع بحيث ينهي الاضطهاد القومي. المقصود هنا هو ان ما كان يتوجب القيام به هو رفض الدكتاتورية، المطالبة باسترجاع النظام الليبرالي. مثل هذا الحل كان سينهي الاضطهاد القومي ويوفر على الشعب العراقي كل المآسي التي عانها منذئذ.
الشرط الأيديولوجي له أهمية أخرى. فهناك ايديولوجيات (في الحقيقة كل الأيديولوجيا مع عدا الليبرالية) يمكن ان تستعمل بسهوله كأداة للإخضاع، والتجهيل. فهذه الأيديولوجيات تفرض ما تفترضها كحقائق وتمنع او تمنع او تعرقل التفكير الحر والتنهل من العلم من مصادر اخرى. ما يساعد هذه الأيديولوجيات للقيام بهذه المهمة، كما قيل أعلاه، هي انها تبخس حياة الفرد باسم المبادئ العليا. وهذا ما يدخل الذعر والرهبة في نفوس كل من لم يسلب حياته. وفي مرحلة لاحقة فان الرعية سيتحول الى تابع للايديولوجية ويعمل كجزء من القوة القمعية، يمارسه ضد من لم يرضخ بعد.
وهناك فائدة أخرى للايديولوجيات الاقصائية لقياداتها. اذ إن ارضاخها للرعية وكذلك أعضاء الحاشية والمساعدين يهيئهم لقبول توريث السلطة. بعكسه لا يتم التوريث في ظل الليبرالية.
الشرط الثالث للتحول الديمقراطي، هو ظهور فئة سكانية مستعدة لكي تخرح للنضال. لقد لعب الطلاب في كوريا الجنوبية الدور الأعظم في التحول الى الديمقراطية من خلال خروجهم الشوارع. وعندما اصبحوا يتعرضون الى البطش والقتل على يد شرطة جن دوو-هوان  Chun Doo-hwanخرج اهاليهم للاحتجاج ايضا. ولكن انتاج الكم الهائل من الطلاب وخاصة الجامعين كان من ثمار النظام الدراسي الفعال الذي أقامه بارك لتزويد النهضة الاقتصادية بالكادر البشري المتعلم والكفوء. النظام التعليمي في العراق متهالك وبشكل مقصود، على ما اعتقد. مع ذلك هناك طلبة مثقفين وفعالين سياسيا. ولكن ليس هناك من يدعمهم ويحميهم فيموتون ويُنسون.
ان اهم نقاط هذا المقال هو كالاتي:
لقد ذكرت ثلاثة شروط رئيسية للتحول الديمقراطي.
خطر الأيديولوجيات الاقصائية هي انها تعطي العذر للقادة بان يمارسوا تصفيات دموية هائلة ومروعة.
هذه الأيديولوجيات تفتقر الى الوعي بأهمية امتلاك طريقة لتنظيم الصراع على السلطة بطريقة سلمية. ولذلك فان تبني هذه الأيديولوجيات تؤدي الى نشوب صراع دموي على السلطة. 
الرأسمالية قد تؤدى الى التهيئة للديمقراطية ولكنها عندما يكون المال في أعوان السلطة فإنها ستمنع الديمقراطية.
قد تكون بعض الدكتاتوريات مساعدة للتحول الديمقراطي. الا ان شروط توفر الدكتاتورية الجيدة صعبة.
وفي كل الأحوال فان معرفتنا بشروط التحول الديمقراطي سيغنينا عن الدكتاتورين.

تساؤلات قد تثار، ولكن اجوبتها لم تطرح هنا وستكون مواضيعا لمقالات لاحقة.
الم يعط صدام حسين الحكم الذاتي للكرد؟
 ولماذا ورط صدام حسين نفسه في حرب الكويت؟
 الاقصاء مورس بحق الشيعة العرب أيضا فكيف تفسر على أساس الاقصاء القومي؟
ماذا عن حق تقرير المصير للشعب الكردي؟
showan.khurshid@gmail.com

 

2
الوضع السياسي الحالي في العراق وطبيعة الأحزاب المتنفذة
كيف يمكن حل مشاكل العراق السياسية؟
د. شوان نافع خورشيد
 
 
هناك سؤلان يجب علينا الإجابة عليهما. الأول هو كيف يمكن قراءة الوضع الحالي؟ والسؤال الثاني كيف يمكننا من إيجاد الحالة التاريخية التي قد تؤدي بنا الى اقامة نظام معتمد على حفظ توازن بين المتنافسين وتنظيم سلمي وعادل للصراع على السلطة، او تحست؟
إذا قارنا سنوات ما بعد سقوط صدام مع الوضع الحالي نرى تحولا واضحا.
الحركات العلمانية والديمقراطية اختفت تقريبا، وطغت الحركات الدينية (مسلحة بطريقة مباشرة او غير مباشرة) على الساحة السياسية في الوسط والجنوب، اما في كردستان العراق فنرى بان الأحزاب التي كانت تمتلك السلاح سابقا بقيت مهيمنة، بالرغم من فضح مدى انخراطهم في الفساد والتجاوز على حقوق الانسان.
كل هذه الحركات الدينية والقومية استغلت سلاحها والفرص الأولية التي سنحت لها وتمكنت من نهب كميات هائلة من المال العام واستثمرت قسم من المال المنهوب في شراء ذمم البعض وحولت اعدادا كبيرة من الاشخاص الى مرتزقة مستعدين لقتل من يشاركونهم الوطن.
هذه الحركات لم تعرف شيئا عن الديمقراطية. فقياداتها اعتمدت وتعتمد على أسلوب احتكار السلطة (أي طريقة اسلتص) مع معارضيها على السلطة ضمن إطار أحزابها. ولذلك فليس في وسعها غير ان تستعمل اسلتص ضد خصومها خارج أحزابها، فمن يمارس العنف والتعسف سوف لن يتحمل المسائلة ان كانت داخل الأحزاب او خارجها. اي انه من الخطأ ان نتوقع الديمقراطية من مثل هذه القيادات. وهذه القيادات عندما تشترك في السلطة المركزية فان هدفها على الاغلب هو ان تستحوذ على أكبر قدر من المال والسلاح والحصص في السلطة واختراق هذه السلطة بحيث تجعلها مشلولة تجاه هذه الأحزاب. وهذا ما يمكنها ليس فقط من المحافظة على نصيبها من القوة والنفوذ بل وتعززهما على امل ان تصبح القوة الأولى او على الأقل الشريك الذي لا يستغنى عنه.
ولكن ما هو سبب اضمحلال الحركات العلمانية والديمقراطية في العراق والكثير من الدول؟ المال وحتى السلاح لوحدهما لا يكفيان لتفسير ضعف هذه الأحزاب. فقد كان هناك علمانيين اختلسوا الملايين وكان لديهم مسلحين او كان بإمكانهم تجنيد مسلحين ولكنهم بقوا ضعفاء.
احد الأسباب الرئيسية هو عدم التأكيد بان الديمقراطية من غير الليبرالية (او منظومة فكرية تضمن توازن القوى) غير ممكنة وان الليبرالية يجب ان تحكم العلاقات في الدولة وربما الأهم من ذلك داخل الأحزاب. كان على دستور الدولة ان تؤكد على هذا الموضوع. ولأهمية الأحزاب لمستقبل الدولة وحياة المواطنين، كان ينبغي إنشاء هيئات خاصة تتابع هذه المسائل. (هذا لا يعني هذا بان الليبرالية هي المنظومة الفكرية الوحيدة التي تتمكن من دعم تحست ولكنها الوحيدة حاليا.)
يعرف مرجع اكسفورد الليبرالية بانها أيديولوجية سياسية تتمحور حول الفرد، باعتبار انه يمتلك حقوقًا ضد الحكومة، بما في ذلك حق المعاملة حسب إجراءات قانونية، والمساواة في التمتع بالاحترام، وحرية التعبير والعمل، والحرية من القيود الدينية والأيديولوجية. وضمن هذا التعريف الاولي، يذكرنا مرجع أكسفورد بان الليبرالية تنتقد من قبل اليسار على أنها إيديولوجية السوق الحر، مع عدم توفيره لقيود ضد تراكم الثروة والسلطة في أيدي القلة، وعدم توفيره لأي تحليل للطبيعة الاجتماعية والسياسية للأفراد.  وتنتقد من اليمين الليبرالية  باعتباره غير حساس بشكل كاف لقيمة المؤسسات والعادات الراسخة، أو للحاجة إلى البنية الاجتماعية والقيود في توفير أطر للحريات الفردية (Liberalism. Oxford Reference). أي ما يهم في الليبرالية هو ليس الجانب الاقتصادي وما يخص الاعتقاد بان هدف الحياة هو تحقيق السعادة، بل حرية الاعتقاد، حرية التعبير، وضمان الحماية القانونية على أساس المساواة بين الجميع.
ولكن عند وجود حركات او أحزاب قوية لا تؤمن بهذه الحريات فان الديمقراطية سوف لن تتوفق. وهذا ما يلاحظه ايضا فوكوياما بقوله ان ’أنواع التنوع التي تستطيع المجتمعات الليبرالية إدارتها بنجاح ليست بلا حدود. إذا كان جزء كبير من المجتمع لا يقبل المبادئ الليبرالية بنفسه ويسعى إلى تقييد الحقوق الأساسية للآخرين، أو عندما يلجأ المواطنون إلى العنف للحصول على ما يريدون، فلن تكون الليبرالية قادرة على الحفاظ على النظام السياسي‘ (Fukuyama, 2022, p. 34). ما قيل يعني بان وجود قوى غير ليبرالية تتنافس على السلطة ضد الأحزاب ليبرالية ستؤدي في النهاية الى خسارة القوى الليبرالية.
السبب الثاني للخسارة هو ضعف الأيدولوجية الليبرالية فكريا. القصد هنا ليس ضالة أهميتها. فبرأي فإن إسهام الليبرالية في الحضارة الإنسانية لا يجاريه شيء. ولكن الظاهر هو اننا نحمل الليبرالية أكثر مما في وسعها. ويقول رايموند جيس:
في الأصل، لم يكن لليبرالية أي طموح لأن تكون عالمية بمعنى الادعاء بأنها صالحة للجميع، ولكل مجتمع بشري، أو ان تزعم بتقديمها إجابات على جميع الأسئلة المهمة في الحياة البشرية. لا توجد نظرية معرفية واحدة مطورة بوضوح لليبرالية الكلاسيكية، ولكن يبدو أن الليبرالي يجب أن يعتقد بأن الآراء الليبرالية يمكن إستنتاجها بسهولة من قبل البشر الذين ليس لديهم خبرة خاصة أو موقع ذو امتياز معرفي. إن المثل الأعلى لليبرالية هو فلسفة سياسية ملتزمة عمليًا، وتتقشف بشدة من الناحية المعرفية والأخلاقية [بمعنى انها لا تقدم الكثير حول أسس الاخلاق، بل في الحقيقة انها تعتقد بان البشر لا يتمكنوا من الاتفاق على ما هو احسن حياة]. هذا، في أحسن الأحوال، مشروع صعب للغاية وربما ميؤوس منه تمامًا. لذلك ليس من المستغرب أن يستسلم الليبراليون مرارًا وتكرارًا لإغراء تجاوز الحدود التي يضعونها لأنفسهم بشكل مثالي ومحاولة جعل الليبرالية فلسفة كاملة للحياة‘ (Geuss,2002).
وفي الجملة الافتتاحية حول الليبرالية في موسوعة  ستانفورد الفلسفية، يقول كورتلاند وجاس وشميت بان ’الليبرالية هي أكثر من شيء. عند أي فحص دقيق، يبدو أنه ينقسم إلى مجموعة من الرؤى ذات الصلة ولكن المتنافسة في بعض الأحيان‘ (Courtland et al, 2022).  هذا الانقسام متوقع فالليبراليين يستندون على العلم، والعلم في تطور دائم. يلاحظ  فوكوياما بان الليبرالية كانت ’منذ البداية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمنهج معرفي مميز، وهو منهج العلوم الطبيعية الحديثة‘ (Fukuyama, 2022, p. 182). وجون لوك، الذي يعتبر أبا لليبرالية، كان طبيبا، وكان له ايمان راسخا بالعلم وإمكانية ’استخدام العقل ، للوصول ’إلى الحقائق الأخلاقية الأساسية‘. غير انه لم ينجز نظرية أخلاقية ليبرالية بنفسه (ٍRogers, 2022). المقصود هنا هو ان الليبرالية لم تقدم كنظرية متكاملة ولم تزعم بانها عالمية. ولان اسسه علمية وقد عانت من الانقسام الداخلي فليس لها مرجع اعلى مثل الأديان ليتكلم باسمها. وهي في تطور دائم. واعتماد الليبرالية على العلم يعني بانه ليست لها نظرية متكاملة اخلاقية وتاريخية وسياسية تماما كما ان العلوم الإنسانية لا تعطينا أجوبة نهائية وموحدة. أي ان الفراغات الموجودة في البنية النظرية لليبرالية لا تعطي انطباعا بقوة الليبرالية، وخاصة عندما تأتي خطابات اتباع الأديان والايديولوجيات وكأنها نابعة عن اليقين. وما يزيد صعوبة الليبرالية في البلدان النامية هو اقتران الحكومات الليبرالية في الماضي بالسياسات الاستعمارية.       

السبب الثالث، عدم التأكيد على ضرورة قبول المنهج العلمي والفلسفي كأداة لحسم الخلافات الفكرية والمعرفية. نعرف بان العلم والتكنولوجيا الناتج عنه هو ما جعل التقدم والرفاهية في حياة الإنسانية ممكنا. اسهام اخر للعلم هو انه طريقة لحسم الخلاف الفكري. الخلافات العلمية دائمة الحدوث. ويتمكن اي شخص من اتخاذ موقف من هذه الخلافات، ويدلي بدلوه كما يقال. الا ان حسم الخلافات لا يتم عن طريق قهر البعض للبعض. قد يحدث ان عالما هنا او هناك يرغم على قبول رأي محدد حتى ضد قناعته، الا المجتمع العلماء واسع. فقد تنفع الرشوة او الإرهاب مع شخص لفترة قصيرة. الا إنهما لا ينفعان مع الجميع وللابد. وبشكل عام فان الحسم ان تم فانه سيكون عن طريق التجربة وتقييم التنبؤات التي تستند منطقيا على نظرية ما. اما النظريات غير العلمية فلا تعتمد على أرضية تجريبية. ولذلك فان حسمها لا يتم الا اذا التجأ مناصروه الى أساليب غير أخلاقية مثل الإرهاب، او شراء الذمم او العنف.
التفكير الفلسفي ضروري أيضا لإنه الأداة لكشف التناغم او التناقض في الأفكار التي تشكل جزء من منظومة فكرية. وقد نستطيع ان نضيف الى مهمة اخرى الى مهام الفلسفة الا وهي السعي الى تكوين رؤية كونية شاملة بربط مدلولات الاكتشافات العلمية او الافتراضات الدارجة في عصورهم. فأفلاطون، وارسطو، وهوبز، ولوك وروسو، وهيجل، وماركس جميعهم انجزوا ذلك. وأخيرا، الفلسفة مثل العلم تبقي الباب مفتوحا دائما للنقاش، والنقد والتطوير، والنقض. اذن يجب على الأحزاب العلمانية ان تؤكد على ضرورة قبول بالأساليب العلمية والفلسفية في النقاش. فليس من المعقول ان نطلب حظر الأفكار غير علمية. فنحن لا نتمكن حتى من معرفة ان كانت نظرية علمية او غير علمية من غير اخضاعها للنقاش والتجربة. ولكن علينا ان نطالب من الجميع الأطراف ان لا تعترض على معالجة افكارها بالطريقة العلمية والفلسفية. هذا يعني بان على حزب يهدف الى تحقيق الديمقراطية ان تدافع عن حق المناقشة والتدقيق في الأفكار والمعتقدات طالما تستعمل هذه الأفكار والمعتقدات في سبيل كسب افراد المجتمع ومن خلاله كسب السلطة. وحزب علماني ويهدف الى الديمقراطية ويتخلى عن هذا المطلب فسوف يجد نفسه يخسر امام الأحزاب غير الليبرالية. فقيادات هذه الأحزاب كما ذكرت في مقالتي الأولى تتعامل مع معارضيهم من داخل احزابهم بطريقة احتكار السلطة. بسبب هذه الممارسة فلن تكون قادرة فكريا واخلاقيا من مواجهة الخصوم بطريقة علنية ومباشرة، بل يجب ان تلجأ الى الترهيب، العنف او شراء الذمم او عقد الصفقات في جلسات مغلقة داخل الأحزاب ومع الأحزاب او القوى الاخرى. ومع ذكر الجلسات المغلقة، يمكن ذكر وضع كوميدي وصل اليه احزابنا. فنري بان هذه الأحزاب قيادة وقواعد وكوادر منهمكون دائما في اجتماعات مغلقة، وهم يدخلون الاجتماعات المغلقة حتى إذا لم يجدوا شيئا ليناقشوه (وهذا ما يحدث للأعضاء في القاعدة، وهذا ما يجعلهم يبحثون عما يمكن ان يناقشوه، وهذا ما يطبع نفسياتهم ولذلك فهم يتصرفون وكأنهم مشغولين في اجتماع مغلق).
السبب الرابع، ولربما الأكثر أهمية، هو ان هذه الأحزاب تخلق انفصاما او معرفيا اعتمادا على ستة أمور: الأولى انها تخلق خطابات وتضع رموزا وافكارا معينة في مرتبة التقديس. قد لا يشترط حزب علماني غير ليبرالي عبادة خالق كما تفعل الأحزاب الدينية، ولكن العلمانيين أيضا يضعون اسلافهم من القياديين كقدسين، وتبنى لهم اضرحة لتتحول الى مزارات مباشرة. وحتى وتشخيصهم للهدف الرئيسي للصراع، كان يكون قوميا، او طبقيا (بالنسبة الى الأحزاب الشيوعية، مع ان هذه الأخيرة صارت في عداد المندثرين)، يطرح كحقائق لاتقبل النقاش.
ثانيا، تشترط الاحترام تلك الخطابات ليس فقط على أعضائها، بل وحتى على المنافسين المحتملين. بمعنى آخر لا يسمحون بإجراء نقاش حول المواضيع التي يطرحونها وكأنها حقائق مؤكدة.
ثالثا، تطرح وتؤكد على قراءة خاصة للتاريخ بحيث يحط من شان الاخرين ويرفع من مقامهم الذاتي.
رابعا، التعمد بالاعتماد على العوامل النفسية والبدنية لفرض اطروحاتهم. فحسب الظرف السائدة فانهم قد يحاولون المعاتبة، او الرد الغاضب ،او استعمال العنف او الاستمالة لكي يكسبوا المعارض الى جانبهم او على الأقل كسب سكوته. وفي كل الأحوال فان تصرفهم سيعتمد على افتراض مبطن بان المقابل او الناقد قد تجاوز عليهم او لم يظهر إحساسا كافيا لشعورهم "الرقيقة للغاية".
خامسا، هذه الأحزاب لا تسمح لأعضائها ليس فقط بان تتفاهم مع المنتقدين، بل ولا تسمح لهم حتى بالاختلاط بهم ومصادقتهم. أي ان أعضاء هذه الحركات لا يمتلكون الحرية، بل يتحولون الى مجندين موكلين بالقيام بأمور محددة، ومنها تجنيد الاخرين، إرهاب النقاد ومعاقبتهم او تهميشهم، رصد حركات الاخرين، المساهمة في الانتخابات بحيث يسوقون المناصرين للانتخابات ويحبطون ويعرقلون وصول المناهضين للصناديق، وبالطبع مزاولة أكبر قدر من التلاعب في الانتخابات. ومقابل المثول لإرادة القيادة، يتم مكافأة الاعضاء بطرق شتى، قد تكون ماليا او نفسيا (الاهتمام المتزايد بهم) او قد تكون مناصبا او حتى السماح لهم بالتجاوز على أملاك وكرامة من هم ليسوا بتابعين للحزب. أي ان هذه الأحزاب تخلق حواجز سيكولوجية لتفصل بين الموالين والأخرين. اما في حالة الفشل بالقيام بما يعتبر واجبا، فإن العضو يتعرض الى عقوبة قد تتفاوت ما بين القتل حتى النبذ.
سادسا، تبني أخلاقية تطبق ضمن الجماعة واخلاقية خارجها. وهذا واضح فهذه الأحزاب تسمح لنفسها بنهب مقدرات الدولة والتجاوز على حقوق وكرامة الافراد غير الأعضاء. سلطات معظم قيادات الأحزاب والحركات المتنفذة حاليا تعتمد على الانفصام المعرفي والعلاقة المصلحية التي تكونت بين هذه القيادات وقواعدها.

لا يمكنني مناقشة كل المؤلفين الذين حاولوا تفسير الفشل في إقامة الديمقراطية او حتى الدفاع عن الديمقراطيات الراسخة.
ولكن اكتفي بان اناقش واحدا من اشهر الفلاسفة الأمريكيين، فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama. ففي كتابه اصل النظام السياسي منذ ما قبل التاريخ الى الثورة الفرنسية (2011، ص15-16 ) يقول بان اقامة نظام ليبرالي ديمقراطي ناجح تحتاج الى توفر ثلاثة شروط: (1) وجود دولة مركزية قوية تحتكر السلاح بيدها، (2) إحلال حكم القانون بمعنى بان القانون ينطبق على الحكام والرعية بدون تمييز، (3) والقدرة على المحاسبة وذلك بتوفر سلطة اعلى مثل الناخبين في ظل الديمقراطية او مجالس لنواب عن طبقة ذات امتيازات مثل برلمان بريطانيا قرن السابع عشر الذي تمكن من فرض الملكية الدستورية على الملك. والمثل الأعلى للنظام الليبرالي الديمقراطي هو دانمارك وهو بلد حقيقي/اسطوري يتمتع بتوفر كل الشروط المذكورة توا بشكل متوازن. الان ان المشكلة، كما يقول فوكوياما هي باننا لا نعرف كيف نصل ببلد لان يكون مثل دانمارك. بل وحتى الدانماركيين أنفسهم لا يعرفون كيف وصلوا الى ما هم عليه في دانمارك (فوكوياما، 2011، ص 14). اهتمام فوكوياما منصب على دارسة تاريخية لكيفية تمكن دولا معينة من توفير او فشل في توفير تلك الشروط.
ولكن كما هو واضح مما جاء أعلاه، فان تفسيري لتعثر او فشل إقامة الديمقراطية تعتمد على مدى معرفتنا بالطريقتين الرئيسيتين لتنظيم الصراع على السلطة. أي ان الدول الليبرالية الديمقراطية والقوى التي تبنت مشروع بناء الديمقراطية في العراق وبلدان أخرى لم تكن مزودة بالمعرفة المناسبة ولم تتمكن من التعامل مع وردم العثرات على طريق الديمقراطية. فبناء الديمقراطية يعتمد على ما يفعله المواطنين والمسؤولين.
في مقالتي الأولى كانت محاور مناقشتي كالاتي. أولا، الحاجة للسلطة (وليست الدولة) متأتية من الحاجة الى الاخلاق. ثانيا ان المسالة المحورية في السياسة هي الحاجة الى تنظيم الصراع على السلطة وليست الدولة (شيء لم ينتبه اليه لحد الان في تاريخ الإنسانية، على ما اعتقد). والظاهر ان سبب تعثر فهمنا للسياسة وكذلك تقويض المساعي لبناء الديمقراطية هو التركيز على كيفية بناء ما يسميهم فوكوياما الشروط الثلاثة لإقامة النظام الليبرالي الديمقراطي. بينما كان ينبغي تحويل نقطة التركيز الى مستوى أوطئ الى حيث يدور الصراع على بين.  ثالثا، الطريقتين الرئيسيتين لتنظيم الصراع على السلطة. (هذه النقطة أيضا تختلف عما يناقش في الكتابات السياسية حيث نجد وصفا لأشكال الدول والأنظمة ومكونات الدول). من المعلوم ان السلطة تنشأ ضمن اية وحدة اجتماعية بشرية، إذا كان لها ان تبقى. والصراع على السلطة هي أيضا حتمية. واي كان الإطار التنظيمي للوحدة الاجتماعية (ان كانت دولة او مجموعة أصدقاء او عائلة) فان وجود الصراع سيحتاج الى تنظيم، وسوف لن يكون غير الخيارين امام المتنافسين ضمن الوحدة الاجتماعية. بمعنى اخر، فان الخيار في النهاية سيكون اما احتكار السلطة ومعه كل الممارسات السلبية المرتبطة بها. او، إذا تمكنت النخبة ضمن الوحدة الاجتماعية من منع احتكار السلطة ومنع استعمال العنف، توزيع السلطات وهذه الطريقة تنتج عنها بناء الديمقراطية بغض النظر عن مستوى الوحدة اقتصاديا او تعدديتها سكانيا. وعليه فان الجزء الأخير من هذه المقالة ستتناول الخطوات العملية التي نحتاجها الى إقامة الديمقراطية.



خلاصة وبرنامج عمل
يمكن تلخيص ما قيل أعلاه كالتالي. 
1.   اهم محور في السياسة هو كيفية تنظيم الصراع على السلطة. الصراع يحدث على كل مستويات الوحدات الاجتماعية والسياسية. هذه مسألة لم ينتبه لها المفكرون السياسيون ولربما تفسر الصعوبات السياسية التي نعاني منها. ويحتاج كل فرد ان يدرك هذه المسألة. فهي تمس حياة الكل في كل خطوة في حياة الانسان.
2.   يحتاج بناء الديمقراطية الالتزام كل فرد في المجتمع بالابتعاد عن معالجة الصراع على السلطة عن طريق احتكار السلطة، والتمسك بتنظيم الصراع عن توزيع السلطة والحوار المفتوح.
3.   لكي يتمكن حزب من بناء الديمقراطية فعليه ان تلتزم أولا بطريقة تحست لتنظيم الصراع في داخل صفوفها. أي ان المواطنين سيحتاجون الى مراقبة المكثفة لما يجري داخل الأحزاب وخارجها.
4.   ولضمان تبني تحست كأسلوب لتنظيم الصراع ينبغي ان تساهم كل افراد الشعب لمنع ممارسات احتكار السلطة وخاصة استعمال العنف البدني، واللفظي. أي ان علينا ان نبني ثقافة شعبية جديدة.
5.   نبذ والابتعاد عن أي الاحزاب او حركات لا تتبع مبدئ تحست.
6.   اعتماد العلم والفلسفة كمناهج لإدارة الحوار. بمعنى ان من يدخل لحلبة الصراع على السلطة عن طريق أفكار وعقائد عليه أيضا ان يقبل معالجة تلك الأفكار بالطرق العلمية والفلسفية. دون ذلك فان تلك الأفكار ستكون اسسا لخلق الانفصام الفكري. على المتعاملين مع الأفكار كأسلوب للتعبئة السياسية ان يقبلوا أيضا بان السخرية مشروعة عندما تكون أفكارهم غير منطقية وهزيلة. ومن يعتقد بان اطروحاته يجب ان تعامل بقدسية عليه ان لا يستخدمها في سبيل المكاسب الاقتصادية والسياسية.
7.   الليبرالية بالرغم من نقاط ضعفها تمكنت من تقديم شيئا مميزا لأن مبادئها تسند توازنا بين المتصارعين على السلطة. اهمية الليبرالية تتمثل في انها تحافظ على توازن لقوى افراد النخبة المتنافسين على السلطة. وعليه فان البديل لليبرالية هي ثقافة شعبية تمنع التعسف والعنف البدني واللفظي. 
8.   الليبرالية لا تتمكن من مواجهة العقائد، ولذلك فإنها تخسر عندما تكون هناك مؤسسة سلطوية غير ليبرالية في داخل الدولة. والليبرالية ضعيفة أيضا لإنها لا تقدم نظرية لتفسير الظاهرة السياسية.
9.   قد تتمكن الأحزاب الدينية او تلك الملتزمة بأيديولوجيات أخرى المساهمة في العملية الديمقراطية، ولكن بشرط ممارسة أسلوب تحست في تعاملاتها الداخلية وقبولها بإخضاع افكارها ومعتقداتها ومقدساتها للتحليل والنقد العلميين. وعليها ان تعرف بان اقحام المقدسات والعقائد فأنها هي المسؤولة إذا واجهت النقد وحتى السخرية. وإذا كانت لا تستحمل ذلك فالأولى بهذه الأحزاب نفسها ان تجنب مقدساتها التعرض للمساءلة بعدم اقحامها في العملية السياسية. 
10.   العمل في سبيل إقامة الديمقراطية واجب أخلاقي على كل انسان، لان البديل سيؤدي عاجلا او آجلًا الى الكارثة.
11.   ان الطريقة المطلوبة هنا لا تعتمد على المظاهرات والصدامات، بل يحتاج منا (أي كل فرد يرغب في حياة كريمة له وللآخرين) لا أكثر من ان نتواصل مع مجندي الأحزاب ونحاول ان نقنعهم بنيل حريتهم وكرامتهم ورفض الانانية وعدم القبول بالارتزاق من المال المسلوب من الشعب. ويحتاج أيضا بان نمنح أنفسنا الحق في ابداء الرأي وتعرية الأفكار التي تخلق الانفصام المعرفي. ويجب ان نعرف بان اخفاقنا في هذا سيتركنا نتمرغ في مآسينا لعشرات السنين.

•   Courtland, Shane D., Gerald Gaus, and David Schmidtz, "Liberalism", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2022 Edition).
•   Fukuyama, F (2012). The Origins of Political Order_ From Prehuman Times to the French Revolution-Farrar, Straus and Giroux.
•   Fukuyama, F (2022). Liberalism and its Discontents. Profile Books.
•   Geuss, R. (2002). Liberalism and Its Discontents. Political Theory, 30(3), 320–338. http://www.jstor.org/stable/3072588.
•   Liberalism. Oxford Reference. Retrieved 5 Sep. 2022, from https://www.oxfordreference.com/view/10.1093/oi/authority.20110803100103823.
•   Rogers, G. A.J. (2022, August 29). John Locke. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/biography/John-Locke


3

المشكلة الأساسية للسياسة وبداية العثرات السياسية في العراق الحديث
د. شوان نافع خورشيد

المشكلة السياسية في العراق هي نفس المشكلة التي واجهتها البشرية منذُ أقدم العصور. انها مشكلة الصراع على السلطة السياسية.
خرج الانسان الحديث من افريقيا، حسب أحد التقديرات، منذ حوالي 60 ألف سنة. الا ان بداية الانتقال للزراعة كمصدر أساسي لقوتهم كانت ليس أكثر من 12000 سنة (مع انهم عرفوا الزراعة قبل هذا التاريخ بـحدود 10000 سنة (Snir, 2015). وأول دولة لهم كانت في سومر في العراق الحديث قبل 5300 سنة. ولكن ظهور الانسان الحديث Homo sapiens  حدث قبل 300 ألف سنة. اذن لماذا حصل كل هذا التأخير. لماذا لم يتمكن الانسان من مزاولة الزراعة وإقامة الدول منذ بداية ظهورهم كنوع حيواني؟
كان ذلك بحسب تقديري لقلة قدراته الأخلاقية او امكانيته في فرض الاخلاق. فمزاولة اية حرفة او زراعة تطلب من الاخرين احترام العاملين وعدم نهبهم عن طريق القوة او التحايل.
أي ان إمكانية انتاج الموارد تتطلب ليس فقط القدرات التكنيكية، بل وكذلك الأخلاقية. ويبدو ان المنافسة من اجل البقاء أعطت الأفضلية لمن تمكنوا من انتاج مواردهم او تمكنوا من الدفاع عن منتجي الموارد وهذا ما سمح بإقامة الزراعة البسيطة.
في الأماكن التي كانت تستطيع إيواء اعداد كبيرة من المزارعين، مثل احواض الأنهار، وكان صعبا على السكان الإفلات من الرضوخ لسلطة ما (ان كان ذلك بسبب عدم بقاء أماكن غير مأهولة او لكون الأماكن المحيطة مأهولةً بجماعات معادية) ظهرت الدول الأولى. واتاح ظهور الدولة فرصة لتقدم العلم والحضارة.
يعرف ماكس فيبرMax Weber الدولة على انها ’ مجتمع بشري يدعي (بنجاح) احتكار الاستخدام المشروع القوة الجسدية او العنف داخل مقاطعة معينة‘ (Munro, 2013). قد لا يدل ظهور الدولة على احراز تقدم في القدرة الأخلاقية. لو كان الامر كذلك لما احتجنا لا الى مؤسسة تلوح باستعمال القوة، ولكنه يدل على نمو إمكانية خاصة متمثلة في قدرة قيادات معينة ومعاونيهم من تقديم انفسهم كأصحاب صلاحية للقرار وحرمان او تجريد الآخرين او معظمهم من حكم انفسهم بأنفسهم وتحويلهم الى رعية، ومنعهم من فرض اراداتهم على الرعايا الاخرين، باستثناء عندما يفعلون ذلك بتخويل ولصالح السلطة. اعتقد الفيلسوف البارز توماس هوبز بان ظهور الدولة نابع من عقلانية الانسان. فالإنسان اذا وجد نفسه في الحالة الطبيعية حيث لا دولة ولا حتى اخلاق تحمي الناس من بعضهم البعض، واذا انتبه هذا الانسان الى وضعه المزرى في حياة مرعبة، قاسية ودموية وقصيره فانه فهو سيفضل اخضاع نفسه طواعية للحكم المطلق للطاغوت او اللوثيان مقابل الحياة في امان وسلام. (Sorell, 2022). ورفض جون لوك السيادة المطلقة للحاكم واراد ان يحتفظ الرعية بحقوق تمكنه من محاسبة وازاحة الحاكم. بالنسبة للوك الحاجة الى حاكم ذوو سيادة تنبع ليس لان الانسان هو كائن اناني وعنيف بطبيعته، كما افترضه هوبز، بل لأنه ’بطبيعته حر ومتساوٍ بموجب قانون الطبيعة، ولا يخضع إلا لإرادة "الخالق ذوو الحكمة اللامتناهية". ويترتب على كل شخص الامتثال لهذا القانون وفرضه على الاخرين. وهذا هو الواجب الذي يعطي الإنسان الحق في معاقبة الجناة. ولكن إعطاء حق المعاقبة لكل شخص، تحت ظروف الحالة الطبيعية، قد يؤدي إلى الظلم والعنف. معالجة هذه المشكلة يمكن ان يتم بأبرام البشر لعقد مع بعضهم البعض للاعتراف بحكومة مدنية لها سلطة تنفيذ قانون الطبيعة بين مواطني تلك الدولة‘ (Duignan, 2010, p.128).  أي ان المشكلة هي فقط الغلو او الخطأ الذي قد يحصل جراء تطبيق قانون الطبيعة.
العقد الاجتماعي شيء افتراضي. وقد نعتقد بان دولا مثل الولايات المتحدة الامريكية تشكل امثلة تطبيقية له ولكن حتى في هذه الحالات فالمتفقون كانوا نخبة مثقفة وصغيرة جدا بالنسبة لبقية سكان الولايات الذين لم يكن لهم أي مساهمة في المشاورات حول دستور الدولة. الا ان الولايات المتحدة يمكن ان يعتبر مثالا لدولة نوقشت دستورها على العلن وقدمت من اجلها طروحات لمفكرين ليبراليين بارزين. النمط المألوف لإقامة الدول، برأي، يبدأ بتالف شلة صغيرة من الأصدقاء ضمن عشيرة او مجموعة اثنية؛ يعبرون عن عدم رضاهم على الوضع القائم والحاجة الى التغيير؛ او يتبنون عقيدة معينة التي تدفعهم الى عدم قبول بالأمر الواقع؛ يتفقون على عمل ما؛ قد تحدون السلطات، وهي خطوة ضرورية لكسب الشهرة؛ يستعملون طرق مباشرة او غير مباشرة لأعلام الناس حول مدى نبلهم وطيبتهم، كرم اخلاقهم، اخلاصهم اللامتناهي في خدمة المضطهدين، ايمانهم بالمساواة بالمحبة. الا ان جانب آخرا تنكشف عنهم متى ما تحقق الانتصار لهم ومنها: ان الأصدقاء والاحباب باتوا يقتلون بعضهم البعض في سبيل السلطة. هناك غلاظة وقسوة واستغلال لامتناهية في سلوك القادة. الوصول الى القيادة ليست مفتوحة للكل، بل انها مقتصرة لفئة معينة فقط وخاصة لعائلة الزعيم الأوحد. القيادة تفضل اتباعا وخدما وليس اخوة وانداد. الادعاءات حول النبل والأخلاق الرفيعة والنادرة مازالت قائمة ولكن عمليا ليس في المنال. سيكون هناك خاسرين ورابحين. الخاسرين يقتلون وينهبون وستنهب حتى نسائهم وتوزع على الاتباع. الاتباع يكافئون، ولكن يطالب منهم ان ينسوا المساواة والعدالة والمحبة بين البشر جميعا، بل ان يفترضوا بانهم افضل من الاخرين. ان يميزوا بين "نحن" و"الاخرين،" بحرص كبير، وان لا يختلطوا بهم. يدعوا النبل ويحتقروا الاخرين "وضيعين، اشرار، حاقدين"، الخ. الواضح ان معظم الدول التي أقيمت على أساس الأديان والأيديولوجيات الشيوعية والقومية تنتمي الى هذا النمط.
ولكن النمط الأمريكي مختلف. فبالرغم من الانتقادات التي توجه اليها عن حق او باطل، فهي تمكنت ليس فقط من تجنب النكوص عن وعود مؤسسيها، بل ان دائرة العدالة والمساواة (التي كانت موعودة للكل ولكن متوفرة تطبيقيا للبعض فقط) أصبحت اكثر شمولا. ومع ذلك فإن المكاسب الامريكية أصبحت مهددة حاليا.
اذن فلنسأل ما هو مصدر التهديد للديمقراطية؟ لماذا التناقض بين الواقع وحول توقعات النظرية التي تفترض العقلانية وقبول المساواة؟ لماذا تظهر عقائد تدعوا الى التفرقة وحتى الحقد والاقتتال؟ الجواب علي هذا السؤال يحتاج الى تغيير فهمنا للسياسة برمتها.
دراسة السياسة في الجامعات تبدأ بعرض لتعاريف حول ماهي السياسة والسلطة والدولة والايديولوجيات ومكونات الدولة وأنواع الانظمة وسيجد بان هناك العشرات التعريفات والنظريات، والاختلاف بين ما يطرح يتفاوت من القليل الى التناقض. وبشكل عام فان ما نقرأه في كتاب مداخل السياسة هو تسجيل انطباع او وصف مشاهد لهذه الظواهر. فاول ما ندركه ونحن نتأمل السياسة هو أوجه الظاهرة السياسية مثل السياسة نفسها، الدولة، السلطة والايديولوجيات وهكذا. ما نفتقده في دراسة السياسة هو تشخيص العامل الذي بتفاعله يؤدي الى ظهور هذه الأوجه.
من وجهة نظري، ان المسألة المحورية في السياسة هي كيفية تنظيم الصراع على السلطة. الصراع على السلطة تحدث داخل كل الوحدات البشرية، من العائلة الى شلة أصدقاء الى الدول وما بين الدول. من غير التنظيم قد تتفاقم الأمور وتصل أحيانا كثيرة الى العنف الداخلي او الاقتتال الداخلي وتشتت وحتى انتهاء الوحدة الاجتماعية. قصدي هنا ليس التعبير عن وجود الصراع على السلطة. ما لم يتم الانتباه له هو كيفية تنظيم الصراع على السلطة.
إن وجود كيانات سياسية واجتماعية يعني بان هناك طرق معينة لتنظيم الصراع على السلطة. واعتقد بان هذه الطرق تندرج تحت نمطين أساسيين.
الأولى هي الاعتماد على احتكار السلطات بيد قائد يقلص الى ابعد الحدود احتمالات نجاح الآخرين في تحديه وهذه الطريقة اسميها بطريقة احتكار السلطة كوسيله لتنظيم الصراع على السلطة (اسلتص)، وهي تتطلب: أولا، تركيز القدرات العسكرية (احتكار السلاح وقيادة المسلحين)؛ والمعلوماتية او الاستخباراتية؛ والاقتصادية (التحكم بـ او الاستيلاء على اكبر قدر من ما يدر الموارد الاقتصادية المال العام، بما فيه تجفيف منابع اقتصاد المعارضين او حتى المعارضين المحتملين)؛ والفكرية (السماح للموالين فقط ان يعرضوا نتاجاتهم الفكرية وتنظيراتهم الأخلاقية)؛ وحتى الجنسية (تحديد من تمكن الزواج بمن وعدد الزيجات وشروط الزواج، والسماح للرجل بالتحكم بالمرأة كتنازل للرجل لكسب ولاءه).
ثانيا، إعطاء المناصب الحساسة للموثوقين بهم او لمن يرتبطون معهم بصلة الرحم باعتبار بان الاقرباء يرتبطون بالمصلحة الوراثية المشتركة.
هذا الاسلوب يؤدي في النهاية الى ظهور الملكيات بسبب تكون عائلة متنفذة ومسيطرة، المَلَكيات ظهرت في كل الأنظمة التي اعتمدت على طريقة تنظيم الصراع على السلطة عن طريق احتكار السلطات والموارد. فهي ظهرت ضمن الدول الدينية والشيوعية والقومية. وهذه الطريقة تؤدي أيضا الى ظهور تفاوت طبقي حيث الموالين يتحولون الى الطبقة الثرية. اما الآخرين ان كانوا معارضين او الفئات التي تعتبر غير مهمة سياسيا (ومن ضمنهم النساء لإنهن غير فعالين في القتال) فسوف يسقطون الى القاع في الهرمية الاجتماعية.
ثالثا، اضعاف الرعايا نفسيا واخلاقيا ومعرفيا (عن طريق حرمانهم من المعرفة، والاعتزاز بالنفس، ومعاملتهم بازدراء، وعدم السماح لهم بإنجاز ما قد يفتخرون به ويكسبون احترام الاخرين).
رابعا، تبني منظومة فكرية (دين او أيديولوجية) والاعتماد على القاعدة الاجتماعية التي تقبل بتلك المنظومة الاجتماعية وتفضيلهم على الاخرين واحتقار غيرهم. السماح بقلة قليلة من المنظرين الموثوقين بان يبتوا في أمور الدين او الأيديولوجية. التزمت في فرض الصيغة "الرسمية" او المعتمدة من قبل السلطة. وهذه وسيلة لحماية وحدة الوحدات الاجتماعية والعسكرية. منع تحدي الفكر الرسمي. المسألة الفكرية مهمة فوجود أساس فكري او عقائدي موحد ضرورة لوجود سلطة موحدة. والقبول او حتى الافراط بإعلان الولاء للفكر هو ضروري لغربلة واستثناء غير المنسجمين مع السلطة.
خامسا، الاستعداد والتهيئة للقيام بكل الاعمال لا أخلاقية والعنيفة والدنيئة. ولذلك فاغلب الذين يغلبون في الصراع هم الأشخاص الغلاظ والقساة. اما من كانوا يتعففون عن الضلوع في الاعمال الدنيئة فانهم كان يخسرون الصراع وفي بعض الأحيان أبشع خسارة.
طريقة تنظيم الصراع على السلطة عن طريق الاحتكار هي الأقدم والأكثر اتباعا من قبل الانسان. وهذه الطريقة اتخذت اشكالا ومسميات عديدة مثل الاستبداد، الدكتاتورية، الشمولية. هذه الطريقة سهلة للإفراد الذين قد يجدون أنفسهم في مركز سلطة. ولكنها تحتاج الى سياسيين من ذوي نفسيات خاصة. يجب ان يتمكنوا من التلاعب بمقدرات ومشاعر الاخرين، وان لا يرتبطوا عاطفيا او أخلاقيا بالآخرين حتى لا يجدوا في أنفسهم مانعا من التضحية او ابادتهم متى ما اقتضت الحاجة. باختصار هذه الطريقة تحتاج الى الشخصية الميكافيلية (الاختلاف بين ما اطرحه هنا وبين تعليمات ميكافيلي للأمير هو انني اربط بين الطريقة الميكافيلية واحد الاسلوبين الرئيسيين لتنظيم الصراع على السلطة. واسلوبه لا يصلح للطريقة الثانية لتنظيم الصراع على السلطة، كما سنأتي الى ذكره بعد قليل. ومن يتمكن من القيام بهذا الدور يجب ان يمتلك غرورا كامنا بأفضليته ودونية الاخرين او انه مكلف بدور تاريخي او حتى كوني. ولهذا فان الاناس الطيبين لن يتمكنوا في قيادة كيان سياسي يعتمد على اسلتص.
الكيانات التي تقوم على مثل هذه الطريقة قد تدوم لقرون عديدة، ولكن ستسقط في النهاية بسبب طبيعة النظام الذي يعتمد على حرمان معظم أعضاء المجتمع من الحرية والارادة، والمعرفة، وحتى من احترام الذات. وهو أسلوب ينتج شخصيات هزيلة ومهزومة نفسيا لا تقوى على المبادرة والدفاع عن النفس ودولتها.
لقد لاحظ ابن خلدون بان الدول التي كانت تنشا في عصره لا تدوم لأكثر من ثلاثة او أربعة أجيال. وعزى ذلك الى طبيعة الحضارة التي تؤدي بالطبقة الحاكمة الى الفساد. ولاحظ أيضا بان حكام هذه الدول يلتجئون الى تجنيد المرتزقة وقد فسر ذلك بان الجنود السابقين يفقدون عصبيتهم القبلية بسبب الترف والفساد (ّIbn Khaldun, Al-  Muqaddimah, 380-377). ولكنني هنا أعزو سقوط الدول الى طريقة تنظيم الصراع على السلطة التي تؤدي الى كسر شخصية الفرد، واحتكار السلطات والأموال، واعزو تجنيد المرتزقة الى نمو العداء بين الجنود القدامى او السكان المحليين ضد الطبقة الحاكمة وذلك لالتجاء الأخيرة الى احتكار السلطة وتجريد الاخرين منها.
الا ان الالتجاء الى السلاح كأداة للإرضاخ يؤدي الى انتقال السلطة الى المسلحين. نرى هذا بوضوح في العهد العباسي للدولة الإسلامية، حيث كانت المرتزقة هم من يختارون الخلفاء ويزيحونهم من السلطة. وهم أيضا كانوا في صراع مستمر فيما بينهم. ومن منطلق هذه النظرية يمكن ان نشير الى خلاف ثالث مع ابن خلدون. فهو اعتقد بان كل الكيانات السياسية آيلة الى السقوط في النهاية. ولكن لا نحتاج الى افتراض ذلك من منطلق هذه النظرية بشرط ان تلتزم الكيان السياسي بالطريقة الثانية لتنظيم الصراع على السلطة والتي سناتي الى ذكره بعد ادناه.
 
الطريقة الثانية لتنظيم الصراع على السلطة تنشا عندما تتعاون النخبة في الكيان السياسي لتحافظ على فاعلية كيانها المشترك، من غير ان تسمح باحتكاره بأيد فرد من الافراد. سأسمي هذه بطريقة توزيع وحماية السلطة لتنظيم الصراع على السلطة (تحست للاختصار). هذه الطريقة تحتاج الى حصول حالة توازن حيث تتعاون النخبة فيما بينها لإقامة توازن بين المتنافسين على السلطة، من غير ان تُسمَح باستعمال العنف (الذي هو وسيلة لخلق عدم توازن في لانه يؤدي اما الى إفناء الغريم، تعطيله جسديا او نفسيا او ترهيبه). نخبة كهذه، ستدرك أيضا بان عليها ان تعتمد على التصويت لكي تستطيع ان تقرر الأمور الحيوية، ومنها من سيحكم، وكيف يحكم. أي بعكس النظام القائم على طريقة الاحتكار فان نجاح النظام كهذا يحتاج الى شخصيات غير ميكافيلية وغير انانية يقبل الخسارة من غير التخلي عن دعم النظام. نستطيع ان ندرج الديمقراطية اليونانية القديمة و الليبرالية الديمقراطية الحديثة ضمن أساليب ’تحست‘ بمعنى انه يمكن لهذه الطريقة ان تتخذ اكثر من شكل واحد. ولربما قد نجد طريقة حتى أفضل من الليبرالية الديمقراطية (ساترك المقارنة بين ما اطرحه والليبرالية الديمقراطية الى المقالة القادمة). وفيما يلي ادرج ثلاثة ملاحظات توضيحية للطريقة تحست وانهي المقالة مع بعرض تفسير ملخص جدا للازمة في العراق الحديث منذ أواخر الخمسينات من منطلق هذه النظرية. 
 الأولى هي ان إقامة هذه الحالة من غير تخطيط مسبق صعبة الى ابعد الحدود. صعوبة طريقة تحست تفسر ظهورها مرتين فقط في التاريخ الإنساني. المرة الأولى في اليونان القديمة والثانية في بريطانيا بعد1689، كما قيل أعلاه. غير ان بوادر التحول نحو طريقة تحست كانت تظهر في بعض البلدان. فعادة التحول الى تحست يبدأ مع انتزاع بعض السلطة من المركز. وقد تتجسد في نشوء مجالس محلية قوية لحد كاف لتستطيع ان تفرض نفسها على السلطة مركزية؛ ظهور حركة فكرية باعتبار ان سلطات اسلتص لا تسمح بالحرية الفكرية؛ وحتى النمو الاقتصادي للسكان يمكن ان يعتبر كبادرة لتحول معين باتجاه تحست. ووفقا لهذا التشخيص فيمكننا من ادراج روما في مرحلتها الجمهورية، فقد كان لها مجلس شيوخ قوي، وهي الفترة التي اقترنت باهتمام قوي بالفلسفة والحضارة اليونانية، الا ان توازن القوى اختل لصالح القادة العسكريين ويبدو ان ذلك كان نتيجة لاستيلائهم على أموال المجتمعات التي كانوا يدحرونهم في المعارك. وربما مرت الدولة العباسية في مثل هذه المرحلة أيضا في عهدي هارون والمأمون وشهدت الدولة تقدما فلسفيا وعلميا واقتصاديا كبيرا. الا ان الخلفاء اللاحقون أصبحوا يستقدمون المرتزقة لفرض حكمهم الاستبدادي. واصبحت مدينة فلورنس جمهورية تحكمها مجلسا محليا ذو صلاحيات واسعة، ولكن عائلة مديجي تمكنت من استرجاع الاستبداد. ونفس الشيء يمكن قوله بخصوص جمهورية هولندا. بمعنى آخر ان التحول نحو الديمقراطية وتحقيقها وثم المحافظة عليها هي أمور صعبة. ويتطلب توفر عدة عوامل ليس اقلها الفكر والاهتمام الفلسفي لدى السكان والتزامهم بعمل مستمر في سبيل منع احتكار السلطة وتفكيكها ان حدث ذلك. 

ثانيا، هذه الطريقة لاتفترض وجود برلمانات او حتى دولا مع انها لا تعترض بالضرورة على البرلمانات او الدول طالما يتم تطبيق شكل من اشكال تحست. التصويت لاتخاذ قرار يصبح ضروريا عندما لا يصل جماعة الى اجماع. ولكن مجرد التصويت لن يكون مهما، اذا لم يكن هناك توازن قوى بين المتنافسين على السلطة.
ثالثا، أهمية الليبرالية تنبع من انها فكر يضمن عند التطبيق قدرا مهما من التوازن فى قوى المتصارعين على السلطة. فحق الحياة يعني الحماية ضد العنف، وحق التعبير عن رأي يعني إعطاء حماية إمكانية التعبير عن الرأي وبالتالي بتحد أصحاب السلطة. وحق الامتلاك يترجم كأساس للتخلص من الابتزاز الاقتصادي من قبل القوي ضد الضعيف. ولكن حقوق المنصوصة في الليبرالية حقوق عامة وغير محددة. فحق التعبير عن الرأي الليبرالي غير محدد، ولكن الكثير من القوانين تمنع بعض ممارساتها. فمثلا التعديل الأول في الدستور الأمريكي يسمح ببعض التقييدات كمنع التحريض، والتشهير، واستخدام للأطفال في الأفلام الإباحية (Volokh, 2020).
وهنا يمكن ان نلاحظ بان التقييدات تطبق على ما يخل بتوازن القوى. فالتحريض والتشهير يهدفان الى اما الاخلال بالتوازن عن طريق الحاق الضرر الجسدي بالمستهدف او الى تجريده من الدعم الاجتماعي. واستغلال الأطفال جنسيا هو تعبير عن استغلال لحالة الافتقاد الى التوازن في القوى مفقود. بمعنى اخر نستطيع ان نفهم الليبرالية على انها أداة فكرية لتحقيق شيء من التوازن.
ما طرح أعلاه يمكن اعتباره اقتراح لتغيير كيفية فهمنا للسياسة. ولكن اخر نقطة سأذكرها هنا ستكون حول العراق. وبالتحديد، ماذا يفسر التاريخ الدموي في النصف الثاني للقرن الماضي حتى بداية هذا القرن. النظرية التي طرحتها تستطيع تقديم تفسير بسيط. وهو ان القيادة العسكرية التي نفذت الانقلاب على الملكية. كانت تجهل ضرورة التفكير المسبق بطريقة تنظيم الصراع على السلطة. وهذا الجهل هو ما جعلهم يتخبطون ثم ينغمسون في قتل بعضهم البعض وتدمير العراق. التشكيك بالليبرالية الديمقراطية والجهل حول مسألة تنظيم الصراع على السلطة سهلت التجاء زعماء الأحزاب وخاصة حزب البعث الى اسلتص. اما النظام الملكي فانه أقيم على غرار النظام البريطاني وبالرغم من كل عيوبه (والعيوب تكتنف كل الأنظمة الديمقراطية في العالم) فانه كان ينظم الصراع بشكل سلمي مقبول جدا وهو ما مكن العراق من التقدم. واعتقد بان لولا كارثة الجهل التي يطلقون عليها ثورة 14 تموز فان العراق كان سيصبح في مصاف الدول الأكثر تقدما في العالم.
المقالة التالية ستتناول الوضع السياسي الحالي في العراق وطبيعة الأحزاب المتنفذة.
 
•   Duignan, B.  Modern Philosophy From 1500 Ce to the Present (The History of Philosophy) (2010).
•   Ibn Khaldun (2015).  Al Muqaddimah (2015), Trans. Franz Rosenthal, edi. Dawood. Princeton.
•   Munro, A. (2013, March 6). state monopoly on violence. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/topic/state-monopoly-on-violenc
•   Sorell, T. (2022, August 30). Thomas Hobbes. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/biography/Thomas-Hobbes
•   Snir, A.; Nadel, D.; Groman-Yaroslavski, I.; Melamed, Y.; Sternberg, M; Bar-Yosef, O.; Weiss, E. The Origin of Cultivation and Proto-Weeds, Long Before Neolithic Farming. PLOS ONE, 2015; 10 (7): e0131422 DOI: 10.1371/journal.pone.0131422
•   Volokh, E. (2020, October 15). First Amendment. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/topic/First-Amendment.


4
ارائي حول الاستفتاء والاستقلال
د. شوان نافع خورشيد
حسب نظريتي الدولة القومية شئ خاطئ.    ولكن عندما تنقسم العالم الى دول قومية فلا يمكن ان ننكرها على قومية واحدة فقط.
لكن ينبغي هنا ان اعرض بعض مضار الدولة القومية.
المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية وسويسرا هي دولا قومية وكذلك العراق القديم (زمن صدام) والحالي وسوريا القديمة والسعودية والمغرب وتركية. لكن لا يمكن انكار الاختلاف الشاسع بين المجموعة الاولى (الغربية) والثانية (الشرق الاوسطية) وهناك فرق لا ينكر بين العراق في عهد صدام والحالي. ولنسأل انفسنا٬ من لا يفضل أنظمة المجموعة الغربية على الانظمة الشرق الاوسطية؟
باعتقادي ان الفرق بين المجموعتين يعود بشكل رئيسي الى كون الاولى هي أنظمة ليبرالية ديمقراطية. 
ولنسال انفسنا اي نوع من انظمة ستكون عليه نظامنا القادم؟
اعتقد بانه سيكون دكتاتورية وقومية او كما يسمى في بعض الاحيان قومجية.
الدكتاتورية والقومية مرتبطتان.
لان معيار القوميين دائما هو "المصالح العليا" للقومية فانهم على الدوام يتمكنون ان يقولوا بان المصالح القومية يجب ان تتقدم على تحقيق الديمقراطية. لكن النتيجة هي دائما خسارة الوطن واستغلاله من قبل المتسلطين.   
مع ان الكثيرين ينكرون٬ فان الايدلوجية السائدة بيننا هي القومية. انها تنعكس في ان الكل يريدون اسم كردستان. مع ان هذا الاسم سيجعل الكثيرين مواطنين من الدرجة الثانية. إذا لم يكن لدينا هذه التعصب القومي فلربما لم نكن نواجه اي تناقض مع اخواننا التركمان او المسيحيين والعرب. نعم ان هناك دولا عديدة تتسمى باسم مجموعات اثنية (السويد، فرنسا وتركيا) ولكن شيوع شئ لا يجعله صحيحا.
لربما يقال اليس في الاخرين (من العرب والتركمان والمسيحين) قوميين وعنصرين. قد يكون ذلك صحيحا. ولكن إذا التجأ احدنا الى العشائرية او القبلية هل نقابله بان نفعل نفس الشئ ام يتوجب علينا ان نوضح له بان ما يفعله خطأ؟
وبالطبع كما ان لدينا بعض القادة من ذوي الثقافة الضحلة يستفيدون من النزعة القومية فيوجد لدى القوميات الاخرى نفس الانماط.
المشكلة الكبيرة التي تسبب جراء اتباع الايدلجية القومية (وكذلك الدينية) هي انها تخلق حكم تسلط العائلي. ولذلك فان من يتوق الى دولة قومية من غير الاكتراث الى الليبرالية الديمقراطية سيكتشف بان ما تحقق هو حكم عائلة واستشراء الفساد السياسي.   
ان توقعاتي هنا هي استنتاجات مستندة على نظريتي. وعلي ان اعاملها كما نتعامل مع القوانين الطبيعية حتى يتبين خطأ النظرية. والغاية هنا ليست معاداة اي جهة. 
لا يكترث الكثيرون (سواء العامة٬ ومن يعتبرون انفسهم مثقفين، والقادة الساسين) بالنقاط التي ذكرتها هنا، ولانني اعتقد باننا غير مهيئين لانشاء دولة (وهذا مرده الى عدم توفر الخصائص المطلوبة في قيادتنا) وخاصة عندما لا نجد من يسندنا في المجتمع الدولي (وقد يكون سبب ذلك هو معرفتهم بما نحن عليه) فانني ارى من الانسب ان لا اقحم نفسي في هذه الحملات الجارية حاليا.
______________________________
نظريتي منشورة بصيغة غير متبلورة كليا في كتابي الموسوم Knowledge Processing, Creativity and Politics يمكن الحصول على PDF هذا الكتاب مجانا. على الرابط https://www.facebook.com/groups/1057747780949553/

وهو صفحة Reason , Equality ,Tolerance
وضمن ما نشر سترى (110406 galley.pdf)
110406 galley.pdf
باختصار النظرية تقول بان  تطورت ماكنة جينات انفعالية (حسب Richard Dawkins كل الكائنات الحية هي مكنات لجيناتها) لكي تبني لنفسها كوة بيئية اعتمادا على المعرفة المكتسبة فاننا نتمكن من التنبأ بسايكلوجية ذلك الكائن وكذلك الظواهر الاجتماعية التي تنتج عن تفاعله مع اقرانه ومن ضمن هذه الظواهر هي السياسة٫ المجتمع ذا التركيب المعقد، الاخلاق، والايدلوجيات، والتاريخ السياسي.


صفحات: [1]