عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - د. هاشم نعمة

صفحات: [1]
1
شر الاستعمار لا يغتفر

ترجمة: د. هاشم نعمة

يعني استعمار جزر الهند الشرقية الهولندية العنف الهيكلي. ولهذا السبب، فإن اعتذار مارك روته (رئيس الوزراء الهولندي الحالي)(1) غير كاف، وفقا  لغويناوان محمد(2).
لا أتذكر التاريخ بدقة. ولكن بالعودة إلى الوراء، أدرك أنه لا بد أنه كان في وقت ما في شباط/ فبراير 1948. كان عمري سبع سنوات. في الليلة السابقة، كنت قد سمعت الراشدين يتحدثون عن شيء أطلقوا عليه اسم "هدنة". والآن أدرك أنهم لا بد أنهم كانوا يتحدثون عن اتفاق رينفيل، الذي كان يهدف إلى وضع حد للصراع المسلح بين مملكة هولندا وجمهورية إندونيسيا.
كان الجانبان يعلمان أن وقف إطلاق النار هذا لا يمكن أن يدوم أبدا. ولكن على الأقل كان الجو سلميا ليوم واحد. على أي حال، لم يكن هناك إطلاق نار في الليلة السابقة. كان هناك شعور عابر بالارتياح. كان الناس مبتهجين، ولكن كان هناك أيضا شعور غريب بعدم الارتياح.
سار الجنود الهولنديون في الشوارع في سيارات جيب مفتوحة وهم يحملون البنادق. في الوقت نفسه، كان سكان مدينتنا يعلقون بالفعل أعلاما حمراء وبيضاء على أبوابهم. حتى أنهم شعروا بالثقة الكافية للالتقاء في مجال مفتوح. ذهبت إلى هناك مع أمي. لم يبد أحد خائفا. في وقت ما، انطلق الناس معا يغنون أغنية "في 17 أغسطس| آب". كانت تلك أغنية ثورية جديدة، لم يعرفها سوى عدد قليل من الناس. ومع ذلك، رأيت امرأة، صديقة أمي والقادمة من منفاها في ديغول، تغني والدموع في عينيها.

سقوط قتلى

ولكن في النهاية، تبين أن اليوم لم يكن سلميا كما بدا لأول وهلة. عندما عدنا من الاحتفال في الميدان في فترة ما بعد الظهر، سمعنا من مدبرة المنزل سامبيات أن جنودا هولنديين يحملون البنادق جاءوا يقتحمون المنزل. بعد إزالة الأعلام الورقية للجمهورية الجديدة من سياجنا، أجبر جندي سامبيات على ابتلاع اثنين منها. ثم غادروا مرة أخرى.
في المساء، أخبرتني أمي أن الجنود الهولنديين أطلقوا النار على أربعة شبان في حقول الأرز في وقت سابق من بعد ظهر ذلك اليوم. ولم يكن هناك قتال. قالت أمي: "لم يكونوا حتى حزبيين". ومنذ ذلك الحين فصاعدا، أخذت كلمة "هدنة" معنى مختلفا تماما في منزلنا.
بعد قرن كامل تقريبا، في عام 2022، أدلى رئيس الوزراء الهولندي مارك روته ببيان نيابة عن حكومته. قال فيه: "عن العنف المنهجي من جانبنا، وهو عنف لم يتم الاعتراف به بالكامل حتى الآن، أقدم اعتذارا عميقا للشعب الإندونيسي نيابة عن الحكومة الهولندية".
أستطيع أن أفهم لماذا قدم هذا الاعتذار، لكنني لا أعرف ما إذا كان الشخص المناسب لتقديمه. ولد روته في عام 1967، بعد أكثر من عشرين عاما من محاولة هويب فان موك، نائب الحاكم العام لجزر الهند الشرقية الهولندية، خنق قيام الجمهورية الجديدة وممارسة العدوان العسكري ضد السكان. لا أعرف ما إذا كان روته لديه فهم جيد لتاريخ إندونيسيا وتعقيده. وهو ينتمي إلى جيل نشأ بعد سنوات من أمر الكابتن ريموند ويسترلينغ، القائد السيئ السمعة للقوات الخاصة (DST) التي تم نشرها ضد الانتفاضة، بتنفيذ الاعدامات السريعة بمئات الإرهابيين(3) في سولاويزي، والذي حاول القيام بانقلاب عسكري آخر ضد الحكومة الإندونيسية في عام 1950.
أفضل أن لا أرى اعتذار روته على أنه سياسة دون ضمير حي، بل باعتباره عملا سياسيا بالوكالة إذا صح التعبير. إنه ذنب بدون ألم. ففي نهاية المطاف، ليس لحكومته أي دور في هذا الفصل البشع من تاريخ هولندا الاستعماري، ويمكنه أن يقول بحق إن تاريخنا المتشابك، مثل غيره من التواريخ، كان بمثابة مسلخا في استعارة غامضة من هيغل ومن يدري بالضبط أين يقع هذا المسلخ.

عيب أساسي

نحن نصنع التاريخ ونخزن الذكريات الجماعية. لكن التأريخ له عيب أساسي: فهو يتطلب استخدام الكلمات والأسماء. وهو يستند إلى افتراض أن هناك اتفاقا عاما على معنى تلك الكلمات والأسماء: "الهولنديون" و "الإندونيسيون" و العنف".
يقوم المؤرخون بربطها معا لصنع قصص وإعطاء معنى لقيمة حرية الإنسان. إنهم يريدون أن يصدقوا أن الكلمات التي يستخدمونها ستؤدي إلى توافق في الآراء بشأن معناها. لكن اللغة معقدة.
تعني كلمة "هولندي" شيئا ما فقط إذا قارنته بشيء "غير هولندي" - وهذا لا حدود له. لن تتمكن أبدا من تحديد ما قد تعنيه كلمتا "الهولندي" و"الإندونيسي" بشكل كامل. لا يمكنك تعريف كلمة من خلال البحث عنها في القاموس أو في ويكيبيديا. كل كلمة تبقى دائما صعبة المنال. الهويات والأسماء والتسميات هي دائما عملية متحركة.
لذلك لا أقول شيئا جديدا عندما أقول إن كلمة "هولندي" في الأربعينيات من القرن الماضي كانت تعني شيئا مختلفا عما عليه في عام 2020. إن العلاقة بين الحكومة الحالية في لاهاي وويسترلينغ -الذي حاول بالمناسبة أن يصبح مغني أوبرا بعد تركه الجيش -هي تجريد كامل.
سألني أستاذ في جامعة ليدن(4) كان يعرف أن الحكم الاستعماري قد أرسل والدّي إلى المنفى إلى بابوا في الثلاثينيات وأعدم والدي في عام 1947، سألني ذات مرة: "هل ما زلت تكره الهولنديين؟"
"أنا لا أصدق ذلك"، أجبت مندهشا إلى حد ما.
أجاب: "سألتك لأننا نحن الهولنديين ما زلنا نكره الألمان".
كان الأستاذ شخصا مهذبا جدا. كان من غير المألوف بالنسبة له أن يستخدم كلمة “كراهية” للإشارة إلى الألمان. ولكن كيف يمكنني الحكم على مدى شدة الألم والإذلال والصدمة التي يعيشها المرء في ظل القمع النازي؟
"تجاربنا مختلفة"، أجبت.
التجارب دائما شخصية ومختلفة. كلها تتشكل من عالم محدود وغير دائم. لا أعتقد أن هناك شيئا اسمه "ذاكرة جماعية" يسجل فيها التاريخ بطريقة صحيحة. هذا ينطبق بشكل خاص على ما يمكن وصفه بأنه "عنف شديد" في الماضي. كلما سمعت أشخاصا يجلسون لتقييم ما حدث في الماضي، أسمع بيتا من شعر شيريل أنور يتردد في رأسي: "نحن – الكلاب التي يتم اصطيادها – لا نرى سوى أجزاء من القطعة التي نلعب فيها".

لا عشاء   

ومع ذلك، عندما يسألني شخص ما عن رأيي في بيان روته، أقول: "نعم، أنا أؤمن بالمغفرة". على الرغم من طبيعة الاعتذار الهولندي بصفته اختراع مفاهيمي، أتذكر دائما ما فعله مونجينسيدي. قائد حرب العصابات الشاب في ماكاسار الذي سامح الجنود الهولنديين قبل أن يعدموه في 5 سبتمبر/ أيلول 1949.
ولكن ماذا تعني عبارة "العنف الهيكلي المتطرف" في الواقع؟ الثورة ليست حفلة عشاء، كما قال ماو تسي تونغ ذات مرة. إنها تنطوي على الطموح والقتل. ينطبق هذا أيضا على سياسة القمع المعادية للثورة. في التاريخ الحديث للصين والجزائر وإندونيسيا، يمتلك الثوار وأعداؤهم مسالخهم الخاصة بهم. هذا لا يعني أن كل شيء غامض ولا يمكن الحكم عليه.
من الواضح بالنسبة لي ما تعنيه عبارة "العنف الهيكلي": فهي تشير إلى الاستعمار نفسه. الاستعمار مؤسسة شريرة، مبنية على الغطرسة والجشع، تستند إلى "أيديولوجية" استخدمت لتبرير معاملة الإندونيسيين (والعديد من الشعوب الأخرى في أماكن أخرى) على أنهم أقل من البشر وكعبيد لا ينتمون إلى البشر.
ولا أستطيع أبدا أن أغفر ذلك.

(1) المترجم
 (2) غويناوان محمد هو كاتب إندونيسي ومؤسس مشارك لمجلة تيمبو النقدية.
 (3)  هم ثوار يناضلون من أجل نيل استقلال بلدهم، ولكن ينعتون بالإرهابيين من قبل القوى الاستعمارية. (المترجم)
 (4) ليدن، جامعة عريقة في هولندا عمرها خمسة قرون تهتم بالدراسات العربية والإسلامية. (المترجم)
الترجمة عن: 25 Maart 2022 NRC Handelsblad


2
الكتابات الماركسية الجديدة
ترجمة: د. هاشم نعمة

تطورت الكتابات الماركسية الجديدة كمدرسة فرعية داخل الماركسية بقصد العودة إلى نسختها الكلاسيكية في تحليل التخلف في العالم الثالث*. ويُعرف التخلف الاقتصادي كعملية تكون سمتها الغالبة هي التدفق المستمر للفائض الاقتصادي المتولد في الهامش نحو الاقتصاديات الرأسمالية المتطورة. وتتميز الاقتصاديات المتخلفة بانخفاض معدل دخل الفرد وبمعدلات تراكم بطيئة. ويشرح بول باران بأن البلدان المتخلفة لديها أسوأ عالمين، الإقطاعي والرأسمالي، بحيث تسير عناصر استغلال الإقطاعية جنبا إلى جنب مع الرأسمالية. منذ أن توقفت الرأسمالية كقوة تقدمية، بات التطور الرأسمالي في الأطراف لا يمكن توقعه، إذ تهدر فئة مالكي الأرض الكثير من الفائض في استهلاك الكماليات، ويستثمر الرأسمال الأجنبي في المعتاد في استخراج المواد الأولية مثل التعدين والزراعة التجارية، وتهتم فئة التجار المحليين بالاستثمارات التي تتوفر على مخاطر قليلة نسبيا وذات عائد سريع.
حدد اندريه فرانك بعض مميزات الرأسمالية التي تسبب التخلف في بلدان العالم الثالث: استغلال الفائض من قبل فئة قليلة؛ استقطاب النظام الرأسمالي نحو مراكز المتروبول والتوابع في الهامش؛ واستمرار الطبيعة الأساسية للنظام الرأسمالي التي تتضمن استمرار هاتين السمتين حتى أثناء المرور بتغيرات ظاهرية متواصلة. وهو يؤكد بأن استخلاص الفائض من قبل الطبقة الرأسمالية يتم في الغالب من خلال التجارة. النتيجة، انتقد منظرون ماركسيون جدد فرانك لفشله في توفير تحليل طبقي للبنى الاجتماعية-الاقتصادية للهامش.
يشرح فرانك العلاقة بين المركز والهامش، ونتائجها على النحو التالي: يصادر المتروبول الفائض الاقتصادي من توابعه ويوجهها لتنميته الاقتصادية. وتبقى التوابع متخلفة بسبب نقص الوصول إلى فائضها ونتيجة الاستقطاب نفسه وتناقضات الاستغلال التي يدخلها المتروبول ويحافظ عليها في البنية الاقتصادية المحلية للتوابع. تكون التنمية الاقتصادية والتخلف وجهين متناقضين لعملة واحدة. كلاهما يمثل النتيجة الضرورية والتعبير المعاصر عن التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي العالمي. لا تتصف التنمية الاقتصادية والتخلف بسمات نسبية وكمية فقط، ففي أحدهما توجد تنمية اقتصادية أكثر من الآخر؛ تكون التنمية الاقتصادية والتخلف ذات سمات جذرية ونوعية، إذ أن كل منهما يختلف بنيويا عن الآخر، وذلك بسبب علاقته بالآخر. لقد نشأت في وقت واحد العملية التاريخية نفسها المتمثلة بتوسع الرأسمالية وتطورها عبر العالم واستمرت تولد كل من التنمية الاقتصادية والتخلف البنيوي.     
يشرح سمير أمين أن التخلف يتجلى بتدفق الفائض من خلال التجارة ومن خلال تشويه النمو الصناعي واضعافه في الأطراف. ويستغل المركز الأطراف ويحجب التنمية فيها من خلال هيمنة الاستثمارات في القطاعات الحديثة، والسيطرة على بنيتها واستخلاص الفائض على شكل أرباح تعاد إلى المركز، وكذلك من خلال التراكم البدائي المستمر الذي يتمثل في استخلاص الفائض عبر التبادل غير المتكافئ في التجارة العالمية.
يفسر أمين كذلك جوهر الصراع الطبقي ضمن تمييز المركز-الأطراف على النحو التالي: هذا يعني أنه في الاقتصاد ذاتي المركز autocentric economy** هناك علاقة عضوية بين مكوني التناقضات الاجتماعية، البرجوازية والبروليتاريا أنهما مندمجان في واقع واحد وهو الدولة. أما في الاقتصاد الخارجي فلا يمكن إدراك وحدة الأضداد هذه في السياق الوطني. هذه الوحدة تحطمت، ولا يمكن اكتشافها إلا على المستوى العالمي. ويعني التبادل غير المتكافئ بأن مسألة الصراع الطبقي يجب أن تؤخذ في الاعتبار بالضرورة على المستوى العالمي، وبأن المشكلات الوطنية لا يمكن اعتبارها ظواهر ثانوية مقترنة بالمسألة الأساسية المتمثلة بالصراع الطبقي المحض.
وعلى الرغم من تباين المساهمات الماركسية الجديدة من ناحيتي المحتوى والتركيز بدرجة معينة، إلا أنها تتفق بشأن الانقسام إلى مركز وأطراف، وبأن المركز يهيمن في النهاية على التجارة والاستثمار في الإنتاج، والذي يمنع بالتالي نشوء رأسمالية تنافسية محلية في الأطراف. لذلك، يجب أن تستبدل الوضعية الحالية بأخرى جديدة عبر الثورة الاشتراكية التي سوف تخلق ظروف التنمية الشاملة.
من ناحية أخرى، يجادل بيل وارن بأن العلاقة بين الدول المتقدمة والدول النامية أفادت الغالبية العظمى من سكان العالم، وأن عددا مهما من دول الأطراف قد تقدمت بنجاح عبر التصنيع من خلال نقل رأس المال والتكنولوجيا، والتنمية الرأسمالية الوطنية السريعة. يشرح كذلك أن هناك دليلا متوافرا على وجود تنمية مستقلة بنحو متزايد في العالم الثالث تماشيا مع أربعة معايير للتصنيع المستقل: إنتاج موجه لسوق السكن بشكل أساسي؛ إنتاج متنوع يشمل السلع الرأسمالية؛ تحكم في المالية المحلية؛ ابتكارات تكنولوجية محلية. وبالتالي، فهو يرفض برهان الماركسيين الجدد المتعلق باستغلال الإمبريالية وطابعها المتراجع. وهو، في الواقع، يشيد بالإمبريالية لدورها في التصنيع الأساسي والتحول الرأسمالي في العالم الثالث وهو يقترح كذلك أن معوقات التنمية لا تنشأ من العلاقات الحالية بين الامبريالية والعالم الثالث، ولكن تنشأ من الظروف الداخلية للعالم الثالث نفسه.
ينتقد وارن لينين على عكسه النظرية الماركسية بشأن المهمة التاريخية للإمبريالية كالآتي: إن وجهة نظر الماركسية التقليدية تجاه الإمبريالية باعتبارها تقدمية تم عكسها من قبل لينين في عمله “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، إذ قلب بشكل مؤثر وجهة نظر ماركس وانجلز حول صفة التوسع الإمبريالي، وأطلق لينين عملية أيديولوجية محت من الماركسية أي أثر للرأي القائل بأن الرأسمالية يمكن أن تكون أداة للتقدم الاجتماعي حتى في المجتمعات السابقة للرأسمالية.
يدافع وارن بالقول أن الإمبريالية تمثل جسرا للاشتراكية. ويبدو أنه يعتقد أنها تقوم بـ “مهمتها التاريخية” في تهيئة الأرضية لتحول النظام الحالي نحو نظام اشتراكي. لهذا السبب، لم ينتقد حتى الجوانب السلبية للإمبريالية ويضع اللوم على بلدان العالم الثالث.

* مثلا تم تطوير الإطار الهيكلي للمفاهيم الماركسية لتحلل الهجرة المعاصرة في البلدان الأقل نموا. (المترجم)
** يعني سمير أمين أنه في الاقتصاد ذاتي المركز يمكن أن يستمر التراكم دون توسع خارجي، وهو اقتصاد يمكن فيه استيعاب العلاقات الأساسية للنظام دون مراعاة العلاقات الخارجية. (المترجم)

الترجمة عن كتاب: Addis Alem balema, Economic Development and Democracy in Ethiopia (Erasmus University Rotterdam: 2003).                                                                                         
 


3
ملاحظات في العلاقة بين الديمقراطية والتنمية

د. هاشم نعمة

    لاحظ عالم الاجتماع الأمريكي سيمور ليبسيت لأول مرة عام 1959 بأن الديمقراطية ترتبط بالتنمية الاقتصادية. هذه الملاحظة ولدت كما كبيرا من البحث في موضوعات السياسة المقارنة ذات العلاقة. فقد جرى دعم هذه الفكرة والاعتراض عليها، ومراجعتها وتوسيعها، واهمالها وانعاشها. وعلى الرغم من إعلان الخروج بخلاصات من هذا النقاش إلا أنه لم تظهر نظرية ولا حقائق واضحة حول هذه العلاقة.
    ظلت العلاقة بين الديمقراطية والتنمية مثارا للنقاش وسط العلماء ويبدو أن هناك وجهات نظر مختلفة بشكل أساسي بشأن تأثير هذا التفاعل. من ناحية، يناقش بعض المنظرين بأن الديمقراطية والتنمية الاقتصادية يعزز كل منهما الآخر. من ناحية ثانية، يرى آخرون بأن الديمقراطية تضر بالتنمية. وما يزال البعض يؤيد فكرة عدم وجود علاقة ملموسة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية. علما أنه في العقود الثلاثة الأخيرة، حاول العديد من الباحثين تأكيد مواقفهم بشأن هذه العلاقة، لكن انتهوا إلى استنتاجات  متباينة. 
   يجادل بعض المنظرين أن الحكومة الديمقراطية هي الأنسب لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام. إضافة إلى ذلك، فإن العمليات الديمقراطية ووجود الحريات السياسية تولد الظروف الاجتماعية التي تكون ملائمة أكثر للتقدم الاقتصادي، إذ يستنتج البعض بأن هناك علاقة ثابتة وإيجابية بين التنمية الاجتماعية -الاقتصادية والديمقراطية، وهذا واضح من حالة  الكثير من الدول التي مرت بالتجربة الديمقراطية.       
   هناك مقاربة واسعة الانتشار تعتبر أن الديمقراطية هي ثمرة للتنمية الاجتماعية -الاقتصادية. ومن بحوث تجريبية لمجموعة مختلفة من البلدان قام بها ليبسيت خلص فيها إلى أن التنمية الاقتصادية تتضمن التصنيع، التحضر (ارتفاع نسبة سكان المدن)، مستويات عالية من التعليم وزيادة منتظمة في الثروة الاجمالية للمجتمع، وتكون هذه الشروط أساسية لديمقراطية مستدامة. وعلى الرغم من اتفاق هؤلاء المنظرين بأن الديمقراطية تتطلب مسبقا مستوى معينا من التنمية الاقتصادية، ولكن لا يوجد اجماع واضح حول هذا المستوى ونمط  التنمية الذي يخدم هذا الهدف، مع أنه يوجد اعتقاد واسع بأن الفقر يشكل عقبة أساسية أمام التنمية الاقتصادية والديمقراطية.
    إن نظرة عابرة للعالم ستظهر أن البلدان الفقيرة تميل لتكون ذات أنظمة مستبدة، بينما الدول الغنية تميل لتكون ذات أنظمة ديمقراطية،( توجد دول غنية لكنها ذات أنظمة مستبدة وهذا ينطبق على الدول ذات الاقتصاديات الريعية خصوصا) مع ملاحظة بأن الديمقراطية ترتبط بدون شك مع مستوى معين من التنمية الاقتصادية. ومع أخذ الأهمية المركزية للتنمية الاقتصادية بالاعتبار، ينبغي التمييز بين آليتين قد ولدتا هذه العلاقة وذلك بالتساؤل فيما إذا كانت البلدان الديمقراطية قد انبثقت على الأرجح من تطور اقتصادي في ظل نظام دكتاتوري أو ظهرت لأسباب أخرى غير التنمية، والملاحظ أنه تستمر الديمقراطية على الأرجح في البلدان التي كانت متطورة بالفعل. وكما لاحظ البولندي برزيورسكي وآخرون فانه يبدو من المعقول الافتراض أن الفقر يولد الفقر والدكتاتورية. كما أن انتشار فكرة التنازل عن ميزة من أجل الحصول على ميزة أخرى بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية لا يبدو سليما     .
    تعكس العلاقة القوية بين الديمقراطية والتنمية حقيقة أن التنمية تفضي إلى الديمقراطية. لكن يثار سؤال لماذا تقود التنمية بالضبط إلى الديمقراطية؟ هذا ما جرى مناقشته بصورة مكثفة من قبل الباحثين. بالطبع لم يكن نشوء المؤسسات الديمقراطية تلقائيا وذلك عندما يحقق بلد ما مستوى معينا من الناتج المحلي الإجمالي. ثم أن التنمية الاقتصادية تجلب تغيرات اجتماعية وسياسية وبالتالي تفضي إلى الديمقراطية إلى الحد الذي تخلق طبقة وسطى كبيرة ومتعلمة وواضحة، وأن يرافق ذلك حدوث تحول في قيم الناس ودوافعهم.
    أثيرت بعض الأسئلة ذات البعد التاريخي مثل من يسبق أولا الديمقراطية أم التنمية؟ وهل الديمقراطية شرط مسبق للنمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي؟ وهل ستكون الديمقراطية فقط قابلة للتطبيق وتتعزز عندما يكون هناك مستوى معين من التنمية قد انجز؟ وهل يجب أن تكون المجتمعات مؤهلة للديمقراطية أو تكون كذلك من خلال تطبيق الديمقراطية؟ وهل تكون التنمية الاقتصادية مستدامة بدون التطور السياسي والعكس بالعكس؟   
    حاليا، من الممكن أكثر مقارنة بالسابق قياس التغيرات الرئيسة والمدى الذي تقدمت فيه بلدان معينة. فقد جعل التحليل المتعدد المتغيرات من استطلاعات القيم ذلك ممكنا لفهم التأثير النسبي للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأشارت النتائج إلى خلاصة تقول بأن التنمية الاقتصادية تفضي إلى الديمقراطية بقدر ما تحدث من تغييرات هيكيلية معينة (خصوصا صعود قطاع المعرفة) وتغيرات ثقافية معينة. كما تؤثر الحروب، والاضطهاد والتغيرات المؤسساتية، وقرارات النخب وقادة معينين في ما يحدث، لكن تعد التغيرات البنيوية والثقافية عوامل رئيسة في نشوء الديمقراطية وبقائها.
    وهناك من يرى أنه من أجل تعزيز الديمقراطية نحتاج أن نتعلم من أخطاء الماضي. ولا يمكن للدمقرطة أن تتعزز بالاعتماد على النماذج الغربية فقط. إذ أن الدعم المؤثر للدمقرطة يجب أن يركز على المبادئ الديمقراطية العامة في سياق اجتماعي اقتصادي سياسي معين. علما أنه عندما  نتعامل مع الدول الهشة  فإنه من الخطأ الفادح نكران أهمية الشرعية، إذ أن نقص الشرعية يعد سببا لهشاشة الدولة.
    في الهند مثلا، لم تتغير نسبة السكان الذين يمكن تصنيفهم كفقراء بالمقياس المطلق بشكل جذري منذ الاستقلال. يعني هذا أن التجربة الهندية لا تؤكد توقع الأداء الجيد للأنظمة الديمقراطية بشأن الرفاه الاجتماعي في جميع الأحوال. إذ من ناحية بعد النمو تبدو الصورة أكثر تعقيدا قليلا: حيث كان هناك تأكيد على التصنيع، ولكن بسبب المعدل المنخفض للنمو في القطاع الزراعي، كانت النتيجة الإجمالية نموا ضعيفا إلى حد ما.
   بالنسبة إلى العراق، فقد جاءت تجربته الديمقراطية المتعثرة إثر احتلال، وكان البلد قبل ذلك منهكا بسبب الحروب الداخلية والخارجية والعقوبات القاسية التي فرضتها الأمم المتحدة بعد غزو الكويت من قبل نظام صدام حسين، إذ انتشر الفقر على نطاق واسع وتراجعت الخدمات والتعليم والصحة. ونتيجة تبني نهج المحاصصة الطائفية والإثنية الحاضن للفساد المالي والإداري بعد سقوط النظام، لذلك لم تنطلق تنمية اجتماعية-اقتصادية حقيقية ترافق التغيير السياسي وتعززه نحو بناء نظام ديمقراطي على الرغم من ارتفاع عائدات العراق من النفط، بل ظلت أغلب المصانع متعطلة والزراعة تتراجع، وتعزز التفاوت  الطبقي وتفتت النسيج الاجتماعي وضعفت الهوية الوطنية أمام انتعاش الهويات الفرعية، الطائفية والإثنية والقبلية والمناطقية. وكل هذه الأمور لابد أن ترتبط بعلاقة عكسية سلبية مع تعزيز الديمقراطية وتزيد من تعثرها وتشوهها.
    ونحن نعرف من تجارب المجتمعات أنه كلما انتشر الفقر والعوز وضعف الأمن فإن المطالبة بالحريات والحقوق السياسية تتراجع وتصبح الأولوية لمتطلبات الحياة الأساسية. وقد لاحظنا ذلك من شعارات انتفاضة تشرين 2019، التي ركزت في مضمونها على العدالة الاجتماعية ولم تركز على تعزيز الديمقراطية كنظام. بل هناك من يبحث عن منقذ حتى لو كان مستبدا عندما تتردى الأوضاع، وتجربة تونس شاهد على ذلك، إذ مهد ضعف التنمية الاجتماعية-الاقتصادية إلى عودة الاستبداد.
     أخيرا، هناك عوامل أخرى تؤثر في البناء الديمقراطي منها: الارث السياسي، أي هل كان البلد مستقلا أم خضع للسيطرة الاستعمارية (في كثير من الدول كانت الديمقراطية من ارث الاستعمار لكنها لم تستمر)، والتاريخ السياسي للبلد وعدد المرات التي حكم فيها من قبل الأنظمة المستبدة، والبنية الدينية والمذهبية والبنية الإثنية واللغوية، والبيئة السياسية الدولية ونسبة الأنظمة الديمقراطية في العالم خلال فترة معينة وغيرها.


4
العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية

د. هاشم نعمة
عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت صدر كتاب العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية من منظور البلدان المرسلة للمهاجرين بداية هذا العام، للأكاديمي والباحث د. هاشم نعمة فياض. ويقع الكتاب في 351 صفحة.
  باتت العلاقة المعقدة بين الهجرة الدولية والتنمية تحظى بالمزيد من البحث على المستوى الأكاديمي وعلى مستوى الدول والمنظمات المهتمة بهذا الموضوع؛ لكن يلاحظ أن هذا الاهتمام لا يزال ضعيفًا ولا يرقى إلى أهمية الموضوع في العالم العربي، على الرغم من أن هذه المنطقة تشترك بقوة في هذا الصنف من الهجرة وتتأثر بنتائجه الكثيرة والمترابطة. وهذا الكتاب مساهمة في سد بعض النقص في هذا الحقل.
   تتركز فرضيات الكتاب في نقطتين: الأولى، على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. الثانية، إذا ما استُثمر عنصر الهجرة الدولية بشكل مناسب يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية ، إلا أنه لا يكون بديلا لها.
    يبحث الكتاب في فصوله الستة، إضافة إلى مقدمة وخلفية نظرية في اتجاهات الهجرة الدولية ببعديها الزماني والمكاني على المستويين العالمي والعربي، ومقررات الهجرة الدولية على مستويي البلدان المرسلة للمهاجرين والمستقبلة لهم. ويحلل إشكالية العلاقة بين الهجرة والتنمية، وتحويلات المهاجرين وعلاقتها بالتنمية. ويعالج تأثيرات الهجرة الدولية خصوصًا في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي. ويتطرق إلى معالجات تتعلق خصوصًا بتنظيم الهجرة الدولية والاتفاقيات الدولية الخاصة بها واندماج المهاجرين. 
    من خلال الرصد والتحليل الذي جرى في ثنايا فصول الكتاب، نلاحظ  أن الهجرة الدولية باتت مكونا مهما من مكونات العلاقات الدولية سواء كانت هذه العلاقات اقتصادية أو سياسية أو ثقافية. وهذا يؤكد ما جرى توقعه في الخلفية النظرية بأن البرجوازية في النظام الرأسمالي في بحثها عن الأرباح واستخلاص الفائض من الطبقة العاملة، ستوسع آفاقها الجغرافية جاذبة بلدان الهامش نحو نظامها باعتبارها مزودا لليد العاملة الرخيصة والمواد الخام، وهذا ما حصل فعلا على نطاق واسع، عن طريق استعمار كثير من البلدان، خصوصا النامية منها، من قبل البلدان الأوروبية.
    لفترة طويلة، لم تعالج العلاقة بين الهجرة والتنمية بطريقة صحيحة على مستوى البلدان المرسلة للمهاجرين، إذ تحلل الدراسات بصفة أساسية تأثيرات الهجرة في بلدان المقصد، وفي حالات نادرة جدا تحلل هذه التأثيرات في البلدان المرسلة للمهاجرين. فقط  ثمة عدد محدود من الدراسات عالج تأثيرات الهجرة على الأجور والتفاوت، والنمو والرفاه الاجتماعي، والتأثيرات الاجتماعية التي تشمل صحة الأطفال، والتعليم ودور المرأة، وتأثير المهاجرين العائدين الذين اكتسبوا خبرة في بلدان المقصد، إضافة إلى العلاقة بين الهجرة والتجارة.
    يقود نقص التنمية إلى الهجرة، لكن تؤثر الهجرة أيضاً في نقص التنمية، ففي الدول التي تشهد زيادة في الدخل والإنتاج الزراعي تعكس الهجرة النجاح، وتستطيع تحويلات المهاجرين أن تجد الأرض الخصبة للمساهمة في التنمية. لكن في الاقتصاديات الراكدة والمخربة نتيجة فشل الأسواق، تعكس الهجرة التنمية الفاشلة، ومن المرجح أن تكون تأثيراتها الايجابية أكثر محدودية.
   الهجرة ليست علاجا للتنمية ولا شؤما عليها. لكن هناك طرقا لتعزيز مساهمة الهجرة في التنمية الاقتصادية في المناطق المرسلة للمهاجرين. هذه حقيقة، خصوصاً بالنسبة إلى الهجرة الدولية؛ لأن تحويلات المهاجرين تميل لتكون أكثر من تلك العائدة إلى الهجرة الداخلية.
   توجد علاقة ذات حدين بين الهجرة والتنمية، فهناك علاقة إيجابية وأخرى سلبية، حيث يمكن للهجرة أن تكون سبباً ونتيجة للتخلف في الوقت نفسه، بينما يزداد التخلف أو يقل نتيجة الهجرة، لذلك لا يمكن رؤية الهجرة بشكل مطلق على أنها عقبة في وجه التنمية أو إحدى استراتيجيات تحقيقها، إذ يعتمد تأثيرها على التنمية في الدول والمجتمعات كل على حدة، وعلى البيئات السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية لتلك المجتمعات التي تحدث فيها الهجرة، وكذلك يعتمد تأثيرها على خصائص المهاجرين وسلوكياتهم.
   من الواضح أن هناك عددا من الدراسات عالج موضوع العلاقة بين الهجرة والتفاوت أو عدم المساواة، وعلى الرغم من حقيقة أن الهجرة متجذرة بعمق في التفاوت المحلي إضافة إلى التفاوت العالمي، لكن ليس بالضرورة أنها تعمل على تقليل هذا التفاوت. إجمالا، هناك القليل من الاتفاق في الأدب الذي يعالج هذا الموضوع، إذ ثمة نتائج متباينة حول كيفية تأثير الهجرة في التفاوت، حيث تعتمد الدراسات بدرجة كبيرة على نمط التباين الموجود الذي يجري تحليله والمعطيات المتوفرة حوله وحجم التحليل، وأي ضعف في هذه العناصر يمكن أن يؤثر في النتائج التي تخرج بها دراسة التفاوت.
   ومن وجهة نظر النظام العالمي، فإن الهجرة الدولية تعد شكلا من أشكال التبادل غير المتساوي، فهي تعزز التنمية في البلدان التي يكون وضعها الاقتصادي جيدا في الأصل. وهي نظام لعرض العمالة. وبهذا المعنى، فالمهاجرون قوة عاملة مثل كل القوى العاملة، يجب أن يعاد إنتاجها. لكن ما يميز نظام عرض القوى العاملة الدولية عن عرض القوى العاملة المحلية، هي أن عملية إعادة إنتاج الأولى تحدث عبر الحدود الوطنية.
   هناك وجهتا نظر متعارضتان بشأن تأثير التحويلات في التنمية تسودان في الأدب الحالي المتعلق بالموضوع: واحدة متفائلة وأخرى متشائمة. يعتقد مؤيدو وجهة النظر المتفائلة بأن التحويلات يمكن أن تحفز التنمية بشكل مباشر أو غير مباشر. أما المدافعون عن وجهة النظر المتشائمة، فهم يسلطون الضوء على التأثيرات العكسية للتحويلات في التنمية.
    تتمثل المنافع الرئيسة للتحويلات (المحتملة والحقيقية) بالنسبة إلى البلدان المرسلة للعمالة في: تسهيل قيود التبادل الخارجي وتحسين ميزان المدفوعات، زيادة استيراد السلع الرأسمالية والمواد الأولية الموجهة للتنمية الصناعية، زيادة في عرض المدخرات والاستثمار في تكوين رأس المال والتنمية، التخفيف من تأثيرات ارتفاع الأسعار، خلق إضافات صافية للموارد، ارتفاع مباشر في المستوى المعيشي لمستلمي التحويلات، تحسن في توزيع الدخل  بالنسبة إلى الفقراء| المهاجرين الأقل مهارة.
     ثمة مسألة غاية في الأهمية تتمثل بتحقيق أقصى قدر ممكن من التأثيرات التنموية من التحويلات. وهي تشمل توفير الخيارات للأفراد لتمكينهم من استخدام هذه الموارد الخاصة لدعم الاستثمارات التنموية، ويكون في مركز ذلك الاهتمام البنية التحتية والطاقة الإنتاجية. علما أن تدفقات التحويلات هذه لا تستبدل الدور التنموي للخدمات الاجتماعية العامة، والتنمية الصناعية، والاستثمار في قطاع الصادرات، لأن هذه القطاعات تلعب دورا محوريا في الاقتصاد الوطني.
   إن الجدل الدائر في العديد من الدوائر الاقتصادية والسياسية في البلدان المرسلة للعمالة حول مكاسب ومغارم هجرة العمالة إلى البلدان العربية النفطية، يدور بصفة أساسية حول آليات تدفق وأنماط استخدام واستيعاب تحويلات العاملين في البلدان النفطية، إذ إن الحجم المطلق لتحويلات العاملين بالخارج لا يمثل بالضرورة رصيدا ايجابيا لمجهودات وبرامج التنمية في البلدان المرسلة للعمالة في ظل الآليات والأنماط السائدة لاستخدام هذه التحويلات. فهناك العديد من المظاهر السلبية والتشويهات التي لحقت بأنماط الاستهلاك والاستيراد والاستثمار في البلدان المرسلة للعمالة، ما يؤثر تأثيرا بالغا في أولويات برامج التنمية ونمط تخصيص الموارد في هذه البلدان.
   نعتقد أن فرضيات الدراسة قد تحققت، إذ على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية على المستويين الإقليمي والعالمي، ومنها الهجرة من البلدان العربية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. وقد تبيّن من البحث أنه إذا ما استثمر عنصر التنمية الكامن في الهجرة الدولية بشكل مناسب فإنه يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية، إلا أنه لا يكون بديلا منها.   
     أخيرا، يحتاج موضوع العلاقة بين الهجرة والتنمية على مستوى العالم العربي إلى مزيد من الجهود البحثية وبطريقة مركبة لكشف الإمكانيات الحقيقية الكامنة للاستفادة من موارد الهجرة في التنمية وتلافي السلوك الضار لهذه الموارد على الاقتصاديات الوطنية في البلدان المرسلة للمهاجرين، ويفترض أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين البلدان العربية المرسلة والمستقبلة للمهاجرين لإدارة الهجرة بما يجعلها أحد مكونات التنمية المستدامة.




5
عصر عدم الاستقرار القادم في أمريكا

ترجمة: د. هاشم نعمة

   لماذا يمكن أن تصبح قريبا الأزمات الدستورية والعنف السياسي هي القاعدة
    عندما أدى جو بايدن اليمين الدستورية كرئيس قبل عام، تنفس الكثير من الأميركيين الصعداء. وكان الرئيس دونالد ترامب قد حاول سرقة الانتخابات، لكنه فشل. وكان التمرد العنيف الذي حرض عليه في 6 يناير/كانون الثاني 2021 قد هز النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة حتى النخاع، لكنه تركه واقفا في النهاية.
    ولكن بعد مرور عام على رئاسة بايدن، لم يتراجع التهديد الذي تتعرض له الديمقراطية الأميركية. وعلى الرغم من نجاة المؤسسات الديمقراطية الأميركية من رئاسة ترامب، إلا أنها ضعفت بشدة. وعلاوة على ذلك، تحول الحزب الجمهوري إلى قوة متطرفة معادية للديمقراطية تعرض النظام الدستوري الأميركي للخطر. إن الولايات المتحدة لا تتجه نحو الاستبداد على الطريقة الروسية أو الهنغارية، كما حذر بعض المحللين، بل نحو شيء آخر: فترة طويلة من عدم استقرار النظام، تتميز بأزمات دستورية متكررة، وعنف سياسي متزايد، وربما فترات من الحكم الاستبدادي.
نجاة بأعجوبة

   في عام 2017، حذرنا في مجلة فورين أفيرز من أن ترامب يشكل تهديدا للمؤسسات الديمقراطية الأمريكية. كان المتشككون ينظرون إلى قلقنا على مصير الديمقراطية الأميركية باعتباره تنبيه لخطر بدون داعي. فقد ظل النظام الدستوري الأميركي مستقرا لمدة 150 عاما، وتشير أبحاث العلوم الاجتماعية إلى أن الديمقراطية من المرجح أن تستمر. إذ لا توجد ديمقراطية ناضجة - أو قديمة - مثل ديمقراطية الولايات المتحدة قد تعرضت للانهيار التام.
    لكن ترامب أثبت أنه مستبد كما هو معلن. وباتباع قواعد اللعبة لهوغو شافيز في فنزويلا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وفيكتور أوربان في هنغاريا، عمل ترامب على إفساد وكالات الدولة الرئيسة وتخريبها لأغراض شخصية وحزبية وحتى غير ديمقراطية. فقد تعرض المسؤولون الحكوميون المسؤولون عن إنفاذ القانون والاستخبارات والسياسة الخارجية والدفاع الوطني والأمن الداخلي وإدارة الانتخابات وحتى الصحة العامة لضغوط للعمل ضد منافسي الرئيس.
    ومع ذلك، عمل ترامب أكثر من تسييس مؤسسات الدولة. وحاول سرقة الانتخابات. فقد أمضى ترامب - الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي رفض قبول الهزيمة- أواخر عام 2020 وأوائل عام 2021 في الضغط على مسؤولي وزارة العدل والحكام والمشرعين في الولايات ومسؤولي الانتخابات على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي، وأخيرا نائب الرئيس مايك بنس،* لإلغاء نتائج الانتخابات بشكل غير قانوني. وعندما فشلت هذه الجهود، حرض حشدا من مؤيديه على السير في مبنى الكابيتول الأميركي ومحاولة منع الكونغرس من التصديق على فوز بايدن. إن هذه الحملة التي دامت شهرين للبقاء في السلطة بشكل غير قانوني تستحق أن يطلق عليها اسم: محاولة انقلاب.
    كنا نخشى، فشل الحزب الجمهوري في تقييد ترامب. وفي سياق الاستقطاب السياسي الشديد، توقعنا أن الجمهوريين في الكونغرس "من غير المرجح أن يسيروا على خطى أسلافهم الذين كبحوا جماح نيكسون". إذ أن ترجيح الولاء الحزبي من قبل مؤيدي ترامب على الالتزامات الدستورية، والخوف من التحديات الأولية أدى إلى التقويض من فعالية نظام تحكم أقوى بشأن إساءة استخدام سلطة الرئاسة: العزل. فقد تجاوزت انتهاكات ترامب انتهاكات نيكسون من ناحية حجم الأوامر. لكن عشرة فقط من الجمهوريين الـ 211 في مجلس النواب صوتوا لعزل ترامب في أعقاب الانقلاب الفاشل، وصوت سبعة فقط من أصل 50 جمهوريا في مجلس الشيوخ لإدانته.
    نجت الديمقراطية الأمريكية من ترامب – ولكن بالكاد. وقد تم إضعاف سلوك ترامب الاستبدادي جزئيا من قبل مسؤولين عموميين رفضوا التعاون مع انتهاكاته، مثل سكرتير ولاية جورجيا، براد رافنسبرجر، أو الذين رفضوا التزام الصمت بشأنها، مثل ألكسندر فيندمان، المتخصص في مجلس الأمن القومي. وقد عرقل العديد من القضاة، بمن فيهم بعض القضاة الذين عينهم ترامب نفسه، جهوده لإلغاء الانتخابات.
    كما لعبت الأحداث الطارئة دورا في هزيمة ترامب. إذ كان وباء كوفيد-19 بمثابة "لحظة كاترينا"**. وكما أدى سوء تعامل الرئيس جورج دبليو بوش مع آثار إعصار عام 2005 إلى تآكل شعبيته، ربما كانت استجابة ترامب الكارثية للوباء حاسمة في منع إعادة انتخابه. ومع ذلك، كاد ترامب أن يفوز. وكان من شأن تحول ضئيل في التصويت في جورجيا وأريزونا وبنسلفانيا أن يضمن إعادة انتخابه، الأمر الذي من شأنه أن يعرض الديمقراطية لتهديد خطير.
    وعلى الرغم من نجاة الديمقراطية الأمريكية من رئاسة ترامب، إلا أنها أصيبت بجروح بالغة بسببها. إذ في ضوء إساءة استخدام ترامب الشنيعة للسلطة، ومحاولته سرقة انتخابات عام 2020 وعرقلة الانتقال السلمي، والجهود الجارية على مستوى الولايات لتقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع، خفضت مؤشرات الديمقراطية العالمية سلم الولايات المتحدة بشكل كبير منذ عام 2016. واليوم، فإن نتيجة الولايات المتحدة في مؤشر الحرية العالمي لفريدوم هاوس أصبح على قدم المساواة مع بنما ورومانيا، وأقل من الأرجنتين وليتوانيا ومنغوليا.
تصاعد التهديدات

    لم تنه هزيمة ترامب في انتخابات عام 2020 تهديد الديمقراطية الأمريكية. لقد تطور الحزب الجمهوري إلى حزب متطرف ومعادي للديمقراطية، أشبه بحزب فيديس الهنغاري من أحزاب يمين الوسط التقليدية في أوروبا وكندا. بدأ التحول قبل ترامب. فخلال رئاسة باراك أوباما، نظر كبار الجمهوريين إلى أوباما والديمقراطيين باعتبارهم يشكلون تهديدا وجوديا، وتخلوا عن معايير ضبط النفس لصالح التصلب الدستوري - استخدام نص القانون لتقويض روح القانون. فقد دفع الجمهوريون بموجة من الإجراءات على مستوى الولايات تهدف إلى تقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع، والأكثر غرابة، رفضوا السماح لأوباما بملء الشاغر في المحكمة العليا بعد وفاة القاضي المساعد أنطونين سكاليا في عام 2016.
    تسارع التطرف الجمهوري في عهد ترامب، لدرجة أن الحزب تخلى عن التزامه بقواعد اللعبة الديمقراطية. إذ يجب على الأحزاب الملتزمة بالديمقراطية، على الأقل، أن تفعل شيئين: قبول الهزيمة ورفض العنف. وابتداء من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، لم يفعل الحزب الجمهوري أي منهما. رفض معظم القادة الجمهوريين الاعتراف بشكل لا لبس فيه بفوز بايدن، إما بتبني "الكذبة الكبيرة" لترامب علنا أو تمكينها من خلال صمتهم. وأيد أكثر من ثلثي الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب دعوى قضائية رفعت أمام المحكمة العليا سعيا لإلغاء انتخابات عام 2020، وفي مساء يوم 6 يناير/كانون الثاني،
صوت 139 منهم ضد التصديق على الانتخابات. كما رفض كبار الجمهوريين شجب العنف بشكل لا لبس فيه. ولم يحتضن ترامب الميليشيات المتطرفة وحرض على التمرد في 6 كانون الثاني/يناير فحسب، بل عرقل الجمهوريون في الكونغرس في وقت لاحق الجهود الرامية إلى إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق في التمرد.
   وعلى الرغم من أن ترامب حفز على هذا التحول نحو الاستبداد، إلا أن التطرف الجمهوري كان مدفوعا بضغط قوي من الأسفل. إذ أن الناخبين الأساسيين للحزب هم من البيض والمسيحيين، ويعيشون في الضواحي والمدن الصغيرة والمناطق الريفية. ولا يقتصر الأمر على تراجع المسيحيين البيض كنسبة مئوية من الناخبين، بل إن التنوع المتزايد والتقدم نحو المساواة العرقية قد قوضا أيضا وضعهم الاجتماعي النسبي. ووفقا لمسح أجري عام 2018، يقول ما يقرب من 60 في المئة من الجمهوريين إنهم "يشعرون وكأنهم غرباء في بلدهم". يعتقد الكثير من الناخبين الجمهوريين أن بلد طفولتهم يؤخذ منهم. وكان لهذا الفقدان النسبي المتصور للوضع تأثير متطرف: فقد وجد مسح أجري عام 2021 برعاية معهد أمريكان إنتربرايز أن 56 في المئة من الجمهوريين وافقوا على أن "طريقة الحياة الأميركية التقليدية تختفي بسرعة كبيرة لدرجة أننا قد نضطر إلى استخدام القوة لوقفها".
     تسارع تحول الجمهوريين نحو الاستبداد منذ رحيل ترامب عن البيت الأبيض. ومن أعلى إلى أسفل، تبنى الحزب الكذبة القائلة بأن انتخابات عام 2020 قد سرقت، لدرجة أن الناخبين الجمهوريين يعتقدون الآن بأغلبية ساحقة أنها صحيحة. وفي معظم أنحاء البلاد، عرّض السياسيون الجمهوريون الذين رفضوا علنا هذه الكذبة أو أيدوا إجراء تحقيق مستقل في تمرد 6 يناير/كانون الثاني حياتهم السياسية للخطر.
    وقد شن الحزب الجمهوري هجوما كبيرا على المؤسسات الديمقراطية على مستوى الولايات، مما زاد من احتمال حدوث سرقة للانتخابات في المستقبل. ففي أعقاب حملة ترامب "أوقفوا السرقة"، أطلق أنصاره حملة لاستبدال مسؤولي الانتخابات على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي الذين صادقوا على انتخابات عام 2020 - من سكرتاري الولايات إلى ضباط  دوائر الأحياء - بموالين لترامب الذين يبدون أكثر استعدادا لإسقاط فوز الديمقراطيين. كما اعتمدت المجالس التشريعية للولايات الجمهورية في جميع أنحاء البلاد تدابير لتقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع وتمكين المسؤولين على مستوى الولاية من التدخل في العمليات الانتخابية المحلية - تطهير قوائم الناخبين المحلية، والسماح بتخويف الناخبين من قبل مجموعات المراقبين البلطجية، ونقل أو تقليل عدد مراكز الاقتراع، وربما رمي بطاقات الاقتراع أو تغيير النتائج. ومن الممكن الآن أن تستخدم الهيئات التشريعية الجمهورية في ولايات متعددة في ساحة المعركة، ادعاءات تزوير لا أساس لها، بموجب تفسير فضفاض لقانون العد الانتخابي لعام 1887، لإعلان فشل الانتخابات في ولاياتها وإرسال قوائم بديلة من الناخبين الجمهوريين إلى الهيئة الانتخابية، وبالتالي مخالفة التصويت الشعبي. ويمكن لمثل هذا التصلب الدستوري أن يؤدي إلى سرقة الانتخابات.
    لم يفعل مجتمع الأعمال الأميركي، الذي كان تاريخيا دائرة انتخابية جمهورية أساسية، الكثير لمقاومة التحول نحو الاستبداد في أوساط الحزب. وعلى الرغم من أن غرفة التجارة الأميركية تعهدت في البداية بمعارضة الجمهوريين الذين رفضوا شرعية انتخابات عام 2020، إلا أنها عكست مسارها في وقت لاحق. ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن غرفة التجارة، جنبا إلى جنب مع الشركات الكبرى مثل بوينغ ، فايزر ، جنرال موتورز، فورد موتور، ايه تي اند تي، ويونايتد بارسل سيرفيس، تمول الآن المشرعين الذين صوتوا لإلغاء الانتخابات.
     إن التهديدات التي تتعرض لها الديمقراطية الأميركية تتصاعد. فإذا فاز ترامب أو جمهوري من التفكير نفسه بالرئاسة في عام 2024 (مع أو بدون تزوير)، فمن شبه المؤكد أن الإدارة الجديدة سوف تسيس البيروقراطية الفدرالية وتستخدم الأدوات الحكومة ضد منافسيها. فبعد تطهير قيادة الحزب إلى حد كبير من السياسيين الملتزمين بالمعايير الديمقراطية، يمكن للإدارة الجمهورية المقبلة أن تعبر الحدود بسهولة إلى ما أطلقنا عليه بالاستبداد التنافسي - وهو نظام توجد فيه انتخابات تنافسية ولكن إساءة استخدام سلطة الدولة تميل إلى الجهة التي تعمل ضد المعارضة.
معوقات الاستبداد

    على الرغم من أن تهديد انهيار النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة حقيقي، فإن احتمال الانزلاق نحو نظام استبدادي مستقر، كما حدث، على سبيل المثال، في هنغاريا وروسيا، لا يزال منخفضا. إذ تمتلك الولايات المتحدة العديد من العقبات أمام سلطوية مستقرة والتي لا توجد في حالات التراجع الأخرى. خذ هنغاريا تحت قيادة أوربان. فبعد فوزه في الانتخابات في عام 2010 على أساس برنامج قومي عرقي، قام أوربان وحزبه فيديس باختيار المحاكم والهيئات الانتخابية، وقمع وسائل الإعلام المستقلة، واستخدما التزوير، وأقر لوائح انتخابية جديدة، وغيرها من الخدع القانونية للتفوق على المعارضة. وقد حذر بعض المراقبين من  أن طريق أوربان إلى الاستبداد يمكن تكراره في الولايات المتحدة.
    لكن أوربان تمكن من تعزيز سلطته لأن المعارضة كانت ضعيفة وغير شعبية ومنقسمة بين الأحزاب اليمينية المتطرفة والاشتراكية. فضلا عن ذلك، ومع خروج البلاد مؤخرا فقط من الحكم الشمولي، كان القطاع الخاص ووسائل الإعلام المستقلة في هنغاريا أضعف بكثير من نظيراتها الأميركية. ولا تزال قدرة أوربان على السيطرة بسرعة على 90 في المئة من وسائل الإعلام الهنغارية - بما في ذلك أكبر صحيفة يومية مستقلة وكل الصحف الإقليمية - غير واردة في الولايات المتحدة. وكان الطريق إلى الاستبداد أكثر سلاسة في  روسيا، حيث كانت وسائل الإعلام والمعارضة أضعف مما كانت عليه في هنغاريا.
    وعلى النقيض من ذلك، فإن الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستبداد في الولايات المتحدة سوف تواجه العديد من العقبات الشاقة. الأول هو وجود معارضة قوية. وخلافا للدول الأخرى التي تتراجع عن الديمقراطية، بما في ذلك هنغاريا والهند وروسيا وتركيا وفنزويلا، تتمتع الولايات المتحدة بمعارضة موحدة تتمثل بالحزب الديمقراطي. فهي منظمة تنظيما جيدا وممولة تمويلا جيدا وقابلة للتطبيق انتخابيا (فازت بالأصوات الشعبية في سبع من الانتخابات الرئاسية الثمانية الأخيرة). فضلا عن ذلك، وبسبب الانقسامات الحزبية العميقة والجاذبية المحدودة نسبيا للقومية البيضاء في الولايات المتحدة، فإن المستبد الجمهوري لن يتمتع بمستوى الدعم الشعبي الذي ساعد في دعم الحكام المستبدين المنتخبين في أماكن أخرى. بل على العكس من ذلك، فإن مثل هذا المستبد سوف يواجه مستوى من المنافسة المجتمعية لم يسبق لها مثيل في الديمقراطيات المتراجعة الأخرى. وكما قال روبرت كاغان، قد يسعى الجمهوريون إلى التلاعب بانتخابات ذات نتائج متقاربة في عام 2024 أو إلغائها، ولكن مثل هذا الجهد من المرجح أن يؤدي إلى احتجاجات هائلة وربما عنيفة في جميع أنحاء البلاد.
    كما ستواجه حكومة جمهورية مستبدة وسائل إعلام أقوى وأكثر استقلالية، وقطاعا خاصا، ومجتمعا مدنيا. وحتى أكثر الحكام المستبدين الأميركيين لن يتمكنوا من السيطرة على الصحف الكبرى وشبكات التلفزيون والحد بشكل فعال من مصادر المعلومات المستقلة، كما فعل أوربان والرئيس الروسي فلاديمير بوتن  في بلديهما.
    وأخيرا، فإن المستبد الجمهوري الطموح سوف يواجه قيودا مؤسسية. وعلى الرغم من تسييس القضاء الأميركي بشكل متزايد، إلا أنه لا يزال أكثر استقلالية وقوة بكثير من نظرائه في الأنظمة الاستبدادية الناشئة الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، توفر الفدرالية الأمريكية ونظام إدارة الانتخابات اللامركزي للغاية حصنا ضد الاستبداد المركزي. إذ تخلق السلطة اللامركزية فرصا للمخالفات الانتخابية في الولايات الحمراء وبعض الولايات الأرجوانية، لكنها تزيد من صعوبة تقويض العملية الديمقراطية في الولايات الزرقاء.*** وبالتالي، حتى لو تمكن الجمهوريون من سرقة انتخابات عام 2024، فمن المرجح أن تكون قدرتهم على احتكار السلطة على مدى فترة طويلة من الزمن محدودة. قد لا تكون أميركا ذات نظام ديمقراطي متين بعد الآن، ولكنها تظل غير مضيافة للاستبداد.
مستقبل غير مستقر

    وبدلا من الاستبداد، يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو نظام غير مستقر. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يتسم بأزمات دستورية متكررة، بما في ذلك الانتخابات المتنازع عليها أو المسروقة والصراع الحاد بين الرؤساء والكونغرس (مثل الإقالة والجهود التنفيذية لتجاوز الكونغرس)، والقضاء (مثل الجهود الرامية إلى تطهير المحاكم أو اختيارها)، وحكومات الولايات (مثل المعارك الضارية حول حقوق التصويت وإدارة الانتخابات). ومن المرجح أن تنتقل الولايات المتحدة ذهابا وإيابا بين فترات الديمقراطية المختلة وفترات الحكم الاستبدادي التنافسي التي يسيء خلالها شاغلو المناصب استخدام سلطة الدولة، ويتسامحون مع التطرف العنيف أو يشجعون عليه، ويعملون ضد منافسيهم في اللعبة الانتخابية.
    وبهذا المعنى، قد لا تشبه السياسة الأميركية روسيا بل جارتها أوكرانيا، التي تأرجحت لعقود بين الديمقراطية والسلطوية التنافسية، اعتمادا على القوى الحزبية التي سيطرت على السلطة التنفيذية. وفي المستقبل المنظور، لن تنطوي الانتخابات الرئاسية الأميركية على الاختيار بين المجموعات السياسية المتنافسة فحسب، بل ستشمل أيضا خيارا أكثر جوهرية حول ما إذا كانت البلاد ستكون ذات نظام ديمقراطي أم نظام مستبد.
    وأخيرا، من المرجح أن تتسم السياسة الأميركية بالعنف السياسي المتزايد. إذ غالبا ما يولد الاستقطاب والمنافسة الحزبية الشديدين العنف، وفي الواقع، شهدت الولايات المتحدة ارتفاعا دراماتيكيا في عنف اليمين المتطرف خلال رئاسة ترامب. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ربما لا تتجه نحو حرب أهلية ثانية، إلا أنها قد تشهد تزايدا في الاغتيالات والتفجيرات وغيرها من الهجمات الإرهابية؛ انتفاضات مسلحة؛ هجمات الغوغاء؛ ومواجهات عنيفة في الشوارع – التي غالبا ما يتم التسامح معها وحتى التحريض عليها من قبل السياسيين. وقد يشبه هذا العنف ما عانته إسبانيا في أوائل الثلاثينيات، أو أيرلندا الشمالية أثناء الاضطرابات، أو الجنوب الأميركي أثناء إعادة الإعمار وبعدها.
    لا تزال الديمقراطية الأميركية في خطر. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لن تتبع على الأرجح مسار روسيا بوتين أو حتى هنغاريا في عهد أوربان، إلا أن الصراع المستمر بين قوى الاستبداد وقوى الديمقراطية قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المنهك -والعنف- لسنوات قادمة.
* قال بنس في 5 شباط| فبراير 2022، "الرئيس ترامب مخطئ. ليس لدي الحق في رفض نتائج الانتخابات. الرئاسة ملك الشعب الأمريكي والشعب الأمريكي وحده" وكان، يتحدث، ردا على التصريحات التي أدلى بها ترامب في 6 كانون الثاني| يناير 2022، وقال فيها إنه كان بإمكانه قلب نتيجة الانتخابات لو كان يريد ذلك .(المترجم)
* * نسبة إلى إعصار كاترينا. (المترجم)
*** الولايات الحمراء هي التي يصوت فيها أغلب الناخبين للحزب الجمهوري، أما الولايات الزرقاء فيصوت فيها أغلب الناخبين للحزب الديمقراطي، وفي الولايات البنفسجية لا يوجد تفوق لأحد الحزبين أي تجمع ناخبي الطرفين. (المترجم)

الترجمة عن: Foreign Affairs, 20 January 2022.



 




 

 



6
364 ألف مدني ضحايا حرب أمريكا على الإرهاب

ترجمة: د. هاشم نعمة

  تعترف الولايات المتحدة بأن غارتها بطائرة بدون طيار في كابول قد انحرفت عن هدفها. قرأت كارولين رويلانتس* في تقارير جديدة عن عدد القتلى المدنيين في حروب أمريكا.
  العودة إلى الموت والدمار. كما لاحظت، اعترفت الإدارة الأمريكية يوم الجمعة بأن الضربة الأخيرة بطائرة بدون طيار في أفغانستان لم تقتل أي من المتطرفين على الإطلاق، ناهيك عن منع هجوم جديد "وشيك". وبدلاً من ذلك، لقي عشرة مدنيين، بينهم سبعة أطفال، مصرعهم في 29 أغسطس / آب 2021، وتولى الجنرال ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الإقرار بـ "المسؤولية الكاملة".
  عادة، تحتاج واشنطن إلى وقت لا نهاية له للاعتراف بمثل هذا "الخطأ" – قتل موكب زفاف في اليمن بدلاً من طابور من المتطرفين- إذا أقر الاعتراف به على الإطلاق. الأمريكيون ليسوا وحدهم بأي حال من الأحوال في هذا الأمر، خذوا قتل المدنيين في هجوم شنته القوات الجوية الهولندية على الحويجة (العراق) في عام 2015**، والذي تمت مناقشته في هذه الصحيفة في تشرين الأول| أكتوبر 2019، وقد اعترفت الحكومة بالتورط به في وقت لاحق فقط. لكن بعد عشرة أيام من هجوم  الطائرة بدون طيار، قدمت صحيفة نيويورك تايمز صورة لما حدث بالفعل - لم يكن متطرفًا يحمل القنابل، ولكن قتل عامل طوارئ بالماء وغاز الطهي - ولم يكن لدى واشنطن من مخرج.
   قُتل الكثير من المدنيين في "الحرب على الإرهاب"، الحرب التي شنها الرئيس بوش الابن على الإرهاب الإسلامي رداً على هجمات القاعدة في 11 أيلول| سبتمبر. أكثر بكثير مما كنت أعتقد، وربما أنت أيضًا. في تقرير جديد (1 أيلول| سبتمبر)، يُحصي مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون ما مجموعه 363,939 إلى 387,072 حالة وفاة لمدنيين نتيجة الحرب المباشرة (ليس بسبب المرض أو الجوع) منذ 11 سبتمبر في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من مناطق الحرب ما بعد 11 سبتمبر. هذا هو على الفور أكبر عدد من قتلى الحرب؛ أكثر ممن قتلوا من مقاتلي المعارضة الذين جاؤوا في المركز الثاني (296,858 – 301,933) أو قتلى الشرطة والجيش الوطنيين أي حلفاء الولايات المتحدة الذين احتلوا المركز الثالث (204,645 – 207,845). 
   ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُنسب جميع الوفيات وسط المدنيين إلى الطائرات الأمريكية بدون طيار. أيضًا هناك أعمال عنف أخرى مرتبطة بالحرب - فكر في القصف الجوي الذي طال الدولة الإسلامية - والمعارضين أو الحلفاء (انظر الحويجة). إذ في وقت سابق من هذا الشهر، قدرت مجموعة أبحاث "الحروب الجوية" Airwars عدد القتلى المدنيين الناتج من الهجمات الأمريكية بنحو 22000، وربما ضعف ذلك.
   تمنح السلطات الأمريكية العليا الإذن على نحو متزايد لما تعتبر في الواقع عمليات قتل خارج نطاق القضاء. في ولايته الثانية، ضيق الرئيس أوباما من معايير استخدام القوة المميتة ضد الإرهابيين المشتبه بهم في أماكن أخرى. ثم جاء ترامب، الذي وسّع هذه المعايير على الفور مرة أخرى. وقد أدى ذلك إلى جعل عمليات الإعدام هذه طبيعية وزيادة في عدد القتلى المدنيين. ووفقًا لمكتب الصحافة الاستقصائية في لندن، سمح أوباما بـ 1878 هجوم بطائرات بدون طيار خلال السنوات الثماني التي قضاها في السلطة. بينما كان ترامب مسؤولاً عن 2243 هجوم بطائرات بدون طيار في العامين الأولين من رئاسته.
   كان بايدن يدرس المعايير لفترة من الوقت - هل يجب أن تكون أكثر صرامة أو حتى أكثر مرونة مما هي عليه الآن؟ يتم الآن تنفيذ الهجمات في حوالي عشر دول - هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من الهجمات، ربما في إفريقيا حيث أصبح أيضًا تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة أكثر نشاطًا؟ وقد دعا عدد كبير من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأخرى بايدن إلى إنهاء هذه الهجمات والتي لا تحل في نهاية المطاف أي شيء كما ثبت في أفغانستان.
  ومنذ ذلك الحين، اتبعت المزيد من الدول خطى أمريكا: إسرائيل وتركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر.
 * كارولين رويلانتس، هي خبيرة في شؤون الشرق الأوسط.
**  بحسب التقديرات الأمريكية قُتل 70 مدنيا في الحويجة، وكان القصف قد استهدف مخزن قنابل تابع لداعش كما ذكر، لذلك قررت هولندا إجراء تحقيق مستقل عام 2020، لكنه مازال بطيئا ويتعرض إلى معوقات.( المترجم)

الترجمة عن: NRC Handelsblad 20 September 2021
 



7
لماذا يحب الطغاة الانتخابات كثيرا؟

ترجمة: د. هاشم نعمة
تُجرى الانتخابات في كل مكان تقريبًا، لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية تتقدم، إذ بالنسبة إلى الأنظمة المستبدة، فإن لانتخابات توفر لها المصداقية والوصول إلى المساعدات المالية.
قبل ثلاثين عامًا، بعد انتهاء الحرب الباردة، كانت أجزاء واسعة من العالم تتطلع إلى الغرب كمصدر للإلهام، مع نظرة تشوبها الغيرة من ازدهاره الذي يحسد عليه. ولكن الآن، وفقًا لمنظمة فريدوم هاوس الرسمية، فإن عدد البلدان المحكومة بنظم ديمقراطية في العالم آخذ في التراجع بالفعل للعام الخامس عشر على التوالي.
لا يعني ذلك قلة في إجراء الانتخابات. على العكس تماما، لم يتبق سوى عدد قليل جدًا من البلدان التي لم تجر فيها انتخابات مطلقًا. وقد أبدت الأنظمة المستبدة إعجابًا بهذا الأمر، على الرغم من أنها عادة ما ترتب الأمر بطريقة تجعلها متأكدة من الفوز. "بهذه الطريقة يأملون في اكتساب المزيد من الشرعية لحكوماتهم"، كما يقول دانيال كالينجيرت، الذي أجرى أبحاثًا عن الديمقراطية لصالح فريدوم هاوس ويعمل الآن في كلية بارد في نيويورك. "جميع الدول شبه المستبدة تجري في الوقت الحاضر انتخابات وحتى العديد من الدول غير الحرة تفعل ذلك."
من روسيا وكوريا الشمالية وإيران إلى كثير من البلدان في أماكن أخرى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، تُجرى انتخابات أو شيء يشبه ذلك على الأقل. وغالبًا ما يسيطر القادة على وسائل الإعلام، وإذا لزم الأمر يسجنون سياسيي المعارضة مع بعض الترهيب للناخبين ليتمكنوا عادةً من الحصول على النتيجة "المناسبة". في بلد مثل زيمبابوي، هناك تلميحات في مثل هذه الحالات إلى أن المنازل ستُحرق إذا لم يصوت الناس للرئيس أو لحزبه. يسمى هذا الأسلوب بـ "هز علب الثقاب". إنه ناجح لأن الكثيرين ما زالوا خائفين من هجمات الحرق المتعمدة المدمرة السابقة ذات التوجه السياسي. وإذا لزم الأمر، فإنهم يزوّرون نتائج الانتخابات.
قال عالم السياسة البريطاني نيك تشيزمان، الأستاذ بجامعة برمنغهام والمؤلف المشارك لكتاب "كيف تزوّر الانتخابات": "بالنسبة إلى الزعماء المستبدين، يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة لجعل أنظمتهم أكثر استقرارًا". "إذا لعبتَ الأمرَ بشكل مفيد قليلاً، يمكنك تقسيم المعارضة في بلدك". والمثال الكلاسيكي على ذلك هو الرئيس الكيني موي الذي تمكن في التسعينيات من تقسيم المعارضة الموحدة باستراتيجية مدروسة.
تحب الأنظمة المستبدة الانتخابات لأنها تزيد من مصداقيتها الدولية. إذ يسهل عليها هذا التأهل للحصول على المساعدات المالية. يقول تشيزمان، المتخصص في شؤون إفريقيا: "في بلدان مثل إثيوبيا ورواندا، يتم التلاعب بالانتخابات بشكل متكرر على نطاق واسع". "يواصل الرئيس الرواندي كاغامي الانتصار بأغلبية غير معقولة. ومع ذلك، فهو ليس مستبعدًا دوليًا تقريبًا مثل إريتريا، على سبيل المثال، التي لا تجري انتخابات".
                                                 انتخابات مزيفة
 من خلال رفض الغرب انتقاد أنظمة مثل نظام كاغامي بسبب مثل هذه الانتخابات المزيفة، يقول تشيزمان إن الغرب يقوض مصداقيته ومصداقية الديمقراطية التي يروج لها. "إذا كنت تدعم بنشاط المعارضة في فنزويلا لأن الانتخابات لم تكن نزيهة، ولكن ليس في رواندا أو أوغندا، حيث أصبح الرئيس الأوتوقراطي موسيفيني حليف مفيد للغرب ضد الإرهاب، فسوف يلاحظ الناس أنك تكيل بمعايير مزدوجة وتعرف دول مثل روسيا والصين كيف تستغل ذلك جيدًا. هذا التناقض ضار للغاية".
كما خسر الغرب، في بعض الحالات، الفضل في الديمقراطية من خلال الضغط من أجل إجراء انتخابات في دول لم تكن ظروفها ناضجة لها. يقول تشيزمان: "إذا قمت بذلك على عجل، كما هو الحال في أفغانستان والصومال، فإن الانتخابات يمكن أن تخلق مشاكل أكثر مما تحل". هناك شيء مشابه يلوح في الأفق الآن في ليبيا، حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 كانون الأول| ديسمبر*. لم تتفق الأحزاب بعد على قانون الانتخابات ولا تزال البلاد تعج بالميليشيات المسلحة التي أوضحت أنها لن تقبل سوى فوز مرشحها. لذلك يبدو من المحتمل أن تندلع معارك جديدة.
يدرك كالينجيرت أيضًا أن الانتخابات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا لم يدرك الخاسرون النتيجة**. في الوقت نفسه، يشير إلى أن الانتخابات غالبًا ما تكون أهون الشرين. "يبقى السؤال: وإلا كيف ستختار القادة؟" في الانتخابات، يحصل المزيد من الناس على فرصة لاختيار ما يفضلونه. "في أفغانستان، بدون انتخابات، يكون البديل مجلس شيوخ القبائل، في حين حصلت النساء والشباب على فرصة التصويت".
                                             المفاجآت غير مستبعدة أبدا
على الرغم من ذلك، لا يمكن استبعاد المفاجآت في الانتخابات، كما يقول كالينجيرت. في دولة سريلانكا المستبدة بشكل متزايد، خسر الرئيس آنذاك راجاباكسا بشكل مفاجئ أمام منافسه في عام 2015، وفي زامبيا هزم مرشح المعارضة هاكايندي هيشيليما هذا الصيف الحاكم المستبد إدغار لونغو حيث كانت النتيجة مفاجأة للجميع. في ليبيريا وسيراليون، بعد الانتخابات التي أعقبت حربًا أهلية طويلة، بدأت عملية التحول الديمقراطي.
هناك اتجاه جديد مقلق من المنظور الغربي، تمثل في أنه بعد الانتخابات التي تواجه في حد ذاتها اختبار النقد، بدأت الحكومات في تغيير مسارها، كما هو الحال في المجر وبولندا والهند والبرازيل. فهي توسع صلاحيات الحكومة وتؤثر على استقلالية القضاء وتحد من حرية الصحافة. يقول كالينجيرت: "الديمقراطية تتآكل من الداخل".
ومع ذلك، يعتقد كالينجيرت وتشيزمان أن المستقبل للديمقراطية. وفقًا لـتشيزمان، يبدو أن الدول الديمقراطية تتطور بشكل أفضل على المدى البعيد من الدول ذات النظم المستبدة. يقول كالينجيرت: "تحاول دولة مثل الصين، بالطبع، إبراز قوتها الاقتصادية في الخارج، لكن ليس لديها نموذج يمكنها تصديره، ولا توجد لديها خلفية أيديولوجية يمكنها أن تلهم الآخرين بها. إنها مجرد دولة يحكمها أشخاص أقوياء".
 * تم تأجيل الانتخابات وليس من المعروف متى تجرى.(المترجم)
 ** هذا الوضع ينطبق على الأحزاب التي تراجعت نتائجها كثيرا في انتخابات مجلس النواب العراقي والتي جرت في 10 تشرين الأول| أكتوبر 2021، إذ رفضت النتائج وهددت بالتصعيد والآن يبدو أنها قبلت بالأمر الواقع بعد مصادقة المحكمة الإتحادية على نتائج الانتخابات.(المترجم)
الترجمة عن: NRC Handelsblad, 8 december 2021


8
لماذا يفشل التدخل الأمريكي دائمًا في الشرق الأوسط؟

ترجمة: د. هاشم نعمة

  التدخل الأجنبي والنتائج غير المقصودة تضمن فشل التدخلات الأمريكية. هذا ما قرأته كارولين رويلانتس* في كتاب "خسارة اللعبة الطويلة.**"
   كما وعدتُ، أعود إلى كتاب فيليب غوردون عن محاولات أمريكا الفاشلة خلال السبعين عاما الماضية لتغيير الواقع غير المرغوب فيه في بعض بلدان الشرق الأوسط (بما في ذلك أفغانستان)، أي تغيير النظام وتشكيله. يطلق على هذا التدخل بجلب الديمقراطية أو معالجة انتهاكات حقوق الإنسان، ولكنه غالبا ما يتعلق بالمصلحة الخاصة مثل القضاء على الخصوم المزعجين وتهديدهم المتصور. ويفلت حلفاء أمريكا دائما من الانتهاكات التي يرتكبونها طالما أنهم يشترون الكثير من الأسلحة الأمريكية أو يدعمون واشنطن. سأسمي فقط دول الخليج العربي والأردن، وماذا عن السيسي في مصر وسجناؤه السياسيين الستون ألفا؟
   لا يعني ذلك أنني أدعو إلى تغيير النظام هناك! وقد عنون غوردون كتابه بـ "خسارة اللعبة الطويلة: الوعد الكاذب بتغيير النظام في الشرق الأوسط"، وكانت وجهة نظره أن التدخلات الأمريكية تفشل دائما. غوردون نفسه هو الآن عضو في مجلس العلاقات الخارجية، ولكن بصفته مسؤولا حكوميا، كان آخر منصب له هو منسق البيت الأبيض للشرق الأوسط من 2013 إلى 2015، فقد حضر مداولات رفيعة المستوى بشأن مثل هذه التدخلات.
   مثال غوردون الأول هو إيران في عام 1953، حيث جرى الانقلاب على رئيس الوزراء مصدق، الذي قاده الشاه مباشرة، إلى الخميني والجمهورية الإسلامية، لذلك لم يكن ذلك نجاحا حقا. كما أن الكتاب يغطي أفغانستان في مرحلتين، الأولى من 1980 إلى 1989 والأخرى من 2001، والتي انتهت للتو إلى فوضى عارمة. وكذلك العراق ومصر وليبيا وسوريا. تختلف التدخلات الأمريكية، بالطبع، اختلافا كبيرا، من الغزو الكارثي للعراق للإطاحة بصدام حسين على أسس زائفة إلى الدعم المالي وتسليح المعارضة الضعيفة والمنقسمة ضد الرئيس السوري الأسد. وفي النهاية، وعلى الرغم من دعم واشنطن بقيمة مليارات الدولارات لكنها لم تؤد إلى سقوط الأسد لأنه لم يكن هناك خليفة مستقر وجاهز. لم يرد أوباما أن يسمع شيئا عن عمل عسكري أمريكي كما حدث عام 2011 في ليبيا بالاشتراك مع الحلفاء. ويعتقد غوردون، أنه محق في ذلك، فكل الدلائل تشير إلى أن الأمر في سوريا سينتهي بنسخة أكثر كارثية من ليبيا بعد القذافي.
    أوجه التشابه الهامة بين هذه التدخلات المختلفة تتمثل في فشلها. البداية تكون سهلة، لكن بعد ذلك ينشأ فراغ وصراع على السلطة وتدخل أجنبي معيق، انظر العراق، انظر أفغانستان، انظر ليبيا، وانظر أيضا إلى سوريا دون سقوط الأسد. للعملاء، سواء أكانوا حكوميين جدد أو مجموعات معارضة، مصالح خاصة بهم لا تتطابق مع مصالح الراعي الأمريكي. وهناك أيضا قانون النتائج غير المقصودة - استنتج الجيش الأمريكي أن إيران كانت الفائز الوحيد في القضاء على صدام. وأدى سقوط القذافي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها، مما تطلب مزيدا من التدخل الغربي؛ حيث باتت الجماعات الإرهابية القديمة والجديدة تستفيد من الوضع. من المهم أيضا أن واشنطن ليست لديها دراية كافية بالمنطقة مما سمح بخسارتها المناورة. كما أن هذا الأمر يكلف الكثير من المال أكثر مما كان يعتقد في الأصل.
   يقول غوردون إن إغراء التدخل لن يزول أبدا. "ولكن يمكن القول بأمان أن مثل هذا المسعى سيكون أكثر تكلفة، وأقل نجاحا، ومن المرجح أن تكون له عواقب غير مقصودة أكثر مما يدرك المدافعون عنه أو هم على استعداد للاعتراف به". نأمل أن يقرأ هذا الكتاب جميع كبار المسؤولين الأمريكيين (السابقين) الذين لا يزالون غير قادرين على مقاومة الدعوة إلى تغيير النظام في إيران. 

 * كارولين رويلانتس هي خبيرة في شؤون الشرق الأوسط.
** نشر الكتاب في 6 تشرين الأول 2020، الناشر: دار سانت مارتينز، نيويورك.(المترجم)

الترجمة عن: NRC Handelsblad, 30 Augustus 2021



9
في جنوب العراق، يعيشون على النفط ويموتون بسببه

ترجمة: د. هاشم نعمة

      يعتمد جنوب العراق على النفط، وهو يعاني بشكل كبير من غاز آبار النفط الذي يُحرق ويلوث الهواء. الشباب على وجه الخصوص معنيون بذلك. "إنه لأمر مرعب أن يعتمد اقتصادنا على النفط وأنه لا توجد خطة بديلة".
   صادق طاهر ضاحي يسير في بستانه في قرية نهران عمر العراقية، في أمسية دافئة في أيلول. من فوق أشجار النخيل تسمع زقزقة مئات من طيور السنونو. ولكن إذا استمعت جيدًا، فسوف تسمع أيضًا زئير اللهب. إنه يأتي من حقل نفط خلف الأشجار مباشرة. من صف من مشاعل الغاز، تنبعث أعمدة النار الكثيفة. لذلك أسود بعض النخيل نتيجة ذلك.
   يقول ضاحي البالغ من العمر 52 عامًا: "في البداية، كان هنا الكثير من الأشجار، لكن تم حرقها جميعًا". وحسب المزارع، فإن الحكومة العراقية لم تتدخل إلا عندما امتدت النيران إلى منزله. "منذ ذلك الحين، انخفض حرق الغاز، لكن حقلي دُمّر وماتت حيواناتي، بعضها من النار، والبعض الآخر من الغازات السامة ".
    يقول ضاحي أن الناس يموتون أيضًا نتيجة الانبعاثات، ويشير إلى المنازل البعيدة: "في كل أسرة تقريبا في هذه القرية في محافظة البصرة، يموت شخص بسبب سرطان الرئة أو مرض رئوي آخر. قبل ثماني سنوات، فقد هو أيضا ابنه بسبب مرض السرطان. كان عمره آنذاك ستة عشر عاما. ما زلنا نحتفظ  بملابسه وكتبه. لقد كان أفضل طالب في صفه ".
   هناك عدد قليل من الأماكن على وجه الأرض حيث لا يمكن تجنب الآثار المدمرة للوقود الاحفوري كما هو الحال في جنوب العراق. وفي البصرة، ترتفع درجات الحرارة بمعدل سبع مرات أسرع من أي مكان آخر في العالم. ففي الصيف، ترتفع بشكل منتظم فوق الخمسين درجة مئوية. الهواء ملوث للغاية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى غاز الميثان المنبعث من حرق الغاز. الأنهار تجف وهي مليئة بالنفايات الصناعية العائدة إلى  شركات النفط. ونتيجة لذلك، تم نقل أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفى بسبب التسمم في عام 2018، وفي قرية مثل نهران عمر، يعاني 6 في المئة من السكان من السرطان - ما يقرب أكثر من خمسة أضعاف المعدل العالمي.
   في الوقت نفسه، هناك عدد قليل من الأماكن التي تعتمد على الوقود الاحفوري مثل البصرة. وتشكل صادرات النفط من المحافظة أكثر من 95 بالمئة من عائدات الحكومة العراقية. عندما انخفض الإنتاج خلال ذروة جائحة كورونا، بات أكثر من خمسة ملايين عراقي تحت خط الفقر. لكن بدلاً من الاستثمار في الصناعات البديلة، انتظرت الحكومة العراقية أن يتعافى سعر النفط. نتيجة لذلك، وفقًا للبنك الدولي، يظل العراق الدولة الأسوأ استعدادًا والأكثر هشاشة في العالم في مرحلة تحول الطاقة.
   ومع ذلك، يجب أن يحين زمن هذا الانتقال، وهذا ما سيؤكده قادة العالم مرة أخرى يوم الأحد خلال قمة المناخ التي تستمر أسبوعين في غلاسكو*. وفقًا للعلماء، يمكن أن يقتصر الاحترار العالمي على 1,5 درجة فقط إذا كان العالم يستهلك نفطا أقل بأربعة أضعاف في عام 2050 مما هو عليه الآن. ولكن ماذا تعني هذه المهمة للدول المنتجة للنفط مثل العراق؟ وهل يمكن تصور مستقبل بدون نفط لسكان البصرة؟

                                                 لا درس في الاستدامة

    في أحد الفصول الدراسية بجامعة البصرة للنفط والغاز، هناك ستة طلاب على استعداد لمناقشة هذا الموضوع. لكنهم لم يسمعوا قط بقمة غلاسكو. تقول سلمى محمد البالغة من العمر 22 عامًا: "لا تتحدث وسائل الإعلام العراقية أبدًا عن تغيّر المناخ. علاوة على ذلك، فإن مناهجهم الدراسية بالكاد تولي أي اهتمام له. "ليس لدينا أساتذة متخصصون في الطاقة المستدامة."
    هذا لا يعني أن الشباب غير معنيين بتغير المناخ. قال مصطفى نائل، 22 عاما، "لا نفكر في  شيء غيره، لأننا في البصرة نعيش عواقبه كل يوم". "إنه لأمر مرعب أن نرى أن اقتصادنا بأكمله يعتمد على النفط وأن العراق ليس لديه خطة بديلة ". مريم نهاد ، 21 عامًا ، تومئ برأسها. "نحن قلقون بشأن وظائفنا ومستقبلنا. ربما يمكننا الاستمرار في الضخ لمدة 15 عامًا أخرى، ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ "
     إن للطلاب أفكارهم الخاصة بشأن الاستدامة. على سبيل المثال، تتحدث سلمى عن حملات زرع الأشجار، وتدافع طالبة أخرى، تدعى أم البنين، عن المزيد من الاستثمارات في ضغط الغاز (والذي يمكن استخدامه لتخزين الغاز الذي يتم حرقه الآن) ويتحدث مصطفى عن جعل عملية استخراج النفط أكثر استدامة. يقول: "لقد قرأت كثيرًا عن ذلك عبر الإنترنت". "نحصل على معلوماتنا بأنفسنا".
    لكن عراق بدون وقود أحفوري؟ "هذا لا يمكن تصوره". هذا ما يتوقعه مصطفى، خصوصا في العقود القادمة. ويرى أن هذا الهدف مبني أكثر من اللازم على المكانة المتطورة للبلدان المتقدمة. لا تنسى  أن التصنيع في أوروبا بني على الوقود الاحفوري. لا يمكنكم أن تتوقعوا منا تخطي تلك المرحلة. هذا يتطلب الكثير من الوقت والمال ".
   وهذه هي أيضًا رسالة وزير المالية العراقي علي علاوي، الذي حذر في مقال رأي نُشر مؤخرًا في صحيفة الغارديان البريطانية من أن العراق لا يمكنه التعامل مع تحول الطاقة بمفرده ويحتاج إلى مزيد من الدعم لتنويع اقتصاده. هذا الاقتراح ليس جديدًا، لأنه بالفعل في قمة المناخ في كوبنهاغن عام 2009، وعدت الدول الأكثر ثراءً بأن تخصص 100 مليار دولار سنويًا، اعتبارًا من عام 2020، لمساعدة البلدان النامية في تحول طاقتها. في الواقع، لا تزال الدول الأغنى تعاني من نقص 20 مليار، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الولايات المتحدة لا تفي بوعودها.
    بالإضافة إلى الطلبات، جاء علاوي بوعوده الخاصة. على سبيل المثال، أعلن الوزير هذا الشهر أن العراق يريد إنهاء حرق الغاز قبل عام 2025 ووعد بمزيد من الاستثمارات في الطاقة الشمسية. يأتي ذلك جزئيًا من شركات أجنبية، بما في ذلك شركة توتال الفرنسية للطاقة التي وقعت عقدًا بقيمة 27 مليار دولار مع الحكومة العراقية في بداية أيلول - بما في ذلك إنشاء حقل عملاق للألواح الشمسية في البصرة.
    لم يعلن بشكل علني المحتوى الدقيق لصفقة توتال. فالشركة نفسها تتحدث فقط ، في بيان صحفي، عن الاستثمارات في الاستدامة، لكن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ذكر أن شركة توتال ستضاعف إنتاجها ثلاث مرات تقريبًا في أحد حقول النفط في البصرة من 85,000 إلى 210,000 برميل يوميًا.

                                                         على جثتي

    قال مصطفى جبار سند، الناشط البارز في البصرة، الذي أدلى بتعليق نقدي بشأن صفقة توتال على صفحته في الفيسبوك في أيلول، إن أولئك الذين يطرحون أسئلة يمكن أن يتوقعوا مشاكل. بعد فترة وجيزة، أطلق شقيق وزير النفط النار على سيارته. وقال سند في مكتبه بالبصرة وهو يعرض لقطات بالفيديو للهجوم بواسطة هاتفه "يريدون قتلي". "وهم يفلتون من العقاب. وتم الافراج عن شقيق الوزير فور اعتقاله ".
     هذا يظهر أن النخبة السياسية في العراق مستعدة للقيام بأي شيء لحماية مصالحها النفطية. وبحسب رجل الأعمال محمد صادق، فإن هذا هو السبب الحقيقي في أن تحول الطاقة في العراق سيستغرق بعض الوقت. "لا يهمني كم من الوقت، لأنني خلال ذلك سأكون تحت التراب!"، وهو يضحك في بهو فندق في البصرة.
     يعرف صادق كيف تسير الأمور لأنه هو نفسه عمل لمدة 35 عامًا في شركة نفط البصرة، أكبر شركة نفط عراقية. ويقسم أنه لم يكن فاسدًا أبدًا، لكن بقية أماكن العمل تفعل ذلك. "في العراق، يفكر الجميع بقضاياه الخاصة، لا أحد يفكر في المصلحة الوطنية، هذا هو السبب في أن سياسيينا لا يهتمون بتغير المناخ ". قال الرجل ذو الشارب.
    ويعرف صادق أن شركات النفط العالمية تستفيد من هذا التراخي الفاسد. لقد شاهد ذلك مرات عديدة: عقودها مليئة ببنود مفصلة حول الاهتمام بالمناخ، ولكن من الناحية العملية، يتم التجاوز على القواعد بسهولة طالما أن الشركات تجري الاتصالات اللازمة مع السلطات العراقية. "بهذه الطريقة يمكن للجميع الاستمرار في جني الأموال."
    إذا حدث تغيير في البصرة، فمن المرجح أن يأتي من الأسفل. في خريف عام 2018، على سبيل المثال، نزل آلاف الأشخاص إلى الشوارع للمطالبة بمياه شرب نظيفة وتوزيع أكثر عدلاً لموارد النفط. كانت المظاهرات تمهيدًا لانتفاضة على مستوى البلاد بعد عام. ونتيجة لذلك سقطت الحكومة العراقية ودُعي لانتخابات مبكرة مطلع الشهر الجاري. وفي البصرة من بين آخرين انتخب الناشط مصطفى جبار سند الذي انتقد صفقة توتال عضوا في البرلمان.

                                                  أرض خصبة

    تقول فدوى توما، ناشطة المناخ التي بدأت حملتها بعد أن أصيبت والدتها بالسرطان: "هناك تغيير يحدث في العقلية ". تقول من مكتبها: "قبل بضع سنوات، لم يكن الناس يهتمون كثيرًا بالمناخ، لأن هناك ما يكفي  من المشاكل في البصرة". "ولكن الآن بعد أن تجاوزت، في الصيف، درجات الحرارة الخمسين  درجة مئوية ، زاد عدد المنتفضين أكثر فأكثر".

   ومع ذلك، وفقًا لتوما، لا يمكن لهذه المقاومة من الأسفل أن تنمو إلا إذا توفر المزيد من البدائل الاقتصادية لصناعة النفط. تقول: "نحن بحاجة إلى الاستثمار في السياحة والزراعة". "لأنه فقط إذا تم إنشاء المزيد من فرص العمل خارج قطاع النفط، يمكن للناس تصور مستقبل مختلف".
   إن الماضي يظهر أن هذا ممكن، هذا ما يعرفه قاسم المشاط، المهندس الزراعي البالغ من العمر 57 عامًا، يسير بجانب النباتات في حديقة وسط البصرة وإناء الري بيده، ويتذكر طفولته. يقول: "كانت لدينا أخصب تربة في العراق". "كانت الأنهار صافية لدرجة أنه يمكنك الشرب منها وكانت الحقول مليئة بآلاف أشجار النخيل. تمورنا صُدرت إلى جميع أنحاء العالم ".

   في محاولة لتقريب هذا العالم قليلاً، قدم المشاط اقتراحًا إلى مكتب الأمم المتحدة في البصرة. فكرته: أن يقوم كل ساكن في المحافظة بزراعة سبع أشجار. يقول المشاط بفخر: "وزير البيئة يأخذ اقتراحي إلى قمة المناخ في غلاسكو". "الآن نأمل أن يفعلوا شيئًا به. لأن زراعة 28 مليون شجرة هو عمل الحكومة وليس عمل المواطنين ".

    ومع ذلك، فقد بدأ بالفعل المزارع ضاحي في قرية نهران عمر من بستانه، يشير إلى قطعة أرض بور بجوار أشجار النخيل السوداء، حيث يبرز، من الأرض، ساق أخضر فاتح لشجرة نخيل. يقول: "لقد زرعناها هذا الربيع". "لن أستعيد ابني، لكن بهذه الطريقة نحاول إعادة الحياة إلى هنا".

* عُقد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (كوب 26) في غلاسكو في بريطانيا في الفترة 31 تشرين الأول- 12 تشرين الثاني 2021. (المترجم)

الترجمة عن: NRC Handelsblad, 28 Oktober 2021



10
يمكنك أن تشعر بجفاف الدلتا في العراق من حليب الجاموس

ترجمة: د. هاشم نعمة

    كانت أهوار جنوب العراق مهد الحضارة الإنسانية، إلا أن تغير المناخ و"الإدارة السيئة للمياه" يهددان هذا النظام البيئي الفريد.
  رعد حبيب الأسدي يحدق إلى الأمام مباشرة وهو ينزلق بزورقه الخشبي عبر هور الجبايش. يعلم الناشط المناخي العراقي أن هناك ثعابين سامة بين القصب، ولكن هناك أنواع من الطيور يتوق إلى رؤيتها. "هناك، هناك،  الطائر الرفراف!" يصرخ بحماس. "وهل تراه هناك؟ هذا هو طائر القصب البصري، الذي يسبت في كينيا ".
    كل حيوان يجعل قلب الأسدي ينبض بسرعة. في الشهر الماضي، كما يقول، رأى، لأول مرة، فأر نسوكيا المهدد بالانقراض (نيسوكيا بوني). قال الرجل البالغ من العمر 29 عامًا ذو اللحية والعيون الداكنة: "لم أصدق عيني". "كنا نبحث عن هذا الجرذ لمدة أربعين عامًا. والآن لدي صورته، هذا دليل على أنه لا يزال موجودا!"
   عند سؤاله عن مصدر حبه للأهوار، ظل الأسدي صامتًا للحظة. ثم قال: "إنها رابطة صوفية". "لا يمكنك أن تفهم ذلك حتى تكون قد ولدت مثلي بين الجاموس. إذن فأنت تنتمي إلى الماء وإلى الحيوانات ".
    يعتبر الأسدي نفسه من عرب الأهوار، وهم أقلية عرقية في جنوب العراق. عاش أسلافه في هذه الأهوار منذ آلاف السنين، حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات. حتى أنهم قد ينحدرون من السومريين الذين اخترعوا  الكتابة وأنشأوا أول حضارة بشرية (حوالي 4000-2000 قبل الميلاد). في عام 2016، أضيفت أهوار بلاد ما بين النهرين، بما في ذلك هور الجبايش، إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
   في الوقت نفسه، لهذا التراث التاريخي قيمة بيئية لا تقدر بثمن. تعتبر هذه الأهوار هي الأكبر مساحة في الشرق الأوسط وهي ضرورية للنظام الهيدرولوجي العراقي وللنظام البيئي البحري للخليج العربي. لا يعيش هنا أكثر من 30,000 من الجاموس فحسب، بل يعيش أيضًا عدد لا يحصى من الأنواع المحمية من الأسماك والثعابين والقوارض. بالإضافة إلى ذلك، تكون الأهوار مكان استراحة للطيور المهاجرة من جميع أنحاء العالم.

                                                     حقول النفط

     لكن كل هذا معرض لخطر الزوال، كما يتضح عندما يبحر الأسدي بزورقه إلى أطراف الهور ويربطه في سهل جاف. شقوق عميقة تشق الأرض المحروقة. يلوح عمود طويل من الدخان في الأفق. يقول الأسدي: "هذه هي حقول النفط في غرب القرنة". "من هنا تبدأ مشاكلنا".
    يقرع الأسدي باب العائلة الوحيدة التي ما زالت قادرة على البقاء هنا. مجموعة من الجاموس تحت أشعة الشمس أمام كوخها المسقوف بالقصب. في الداخل، يرقد عجل جاموس حديث الولادة على الأرض. بجانبه، امرأة ترتدي ثيابًا سوداء تجلس بين أواني حليب الجاموس، الذي تصبه في إناء كبير لصنع الجبن. بدأت مئات من الذباب الصغير بالفعل بالتذوق.
   "الحياة صعبة هنا" تتمتم المرأة التي تقدم نفسها على أنها أم أياد. تعجن بمهارة حليب الجاموس السميك في خصلات طويلة من الجبن. "قبل بضع سنوات كانت المياه مباشرة أمام منزلنا ، لكنها الآن تجف وتصبح أكثر ملوحة. إنها ستقتل جاموسنا وتنتج حليبًا فقيرًا. يمكنك تذوق ذلك من الجبن ".
     في زاوية الكوخ، يجلس سجاد يونس البالغ من العمر 19 عامًا على سجادة ويحدق إلى الأمام مباشرة. شعره ممشط إلى الخلف بالجيل. يقول المراهق بفخر عن تسريحته: "لقد عملتها في المدينة". "يعيش العديد من أصدقائي الآن هناك. يتعين علي البقاء هنا لمساعدة  والدّي. ولكن سأغادر في أسرع وقت ممكن".

                                                 انحسار المياه

     ليست هذه هي المرة الأولى التي تجف فيها الأهوار، كما يقول الأسدي. ويشير إلى هضبة حجرية على بعد مسافة قليلة. يقول: "كانت المدرسة التي درس فيها والدي موجودة هناك". "هذه جزر صغيرة بها مبان من القصب في كل مكان، تمامًا مثل البندقية! حتى أنه كان هناك قارب يعمل كمستشفى يأتي لزيارتك ".
     صدام حسين وضع حد لذلك. لم يثق ديكتاتور العراق بالثوار الشيعة الذين بدأوا هنا خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) وقرر معاقبة عرب الأهوار بشكل جماعي. في أوائل التسعينيات، قام بتجفيف المنطقة عن طريق تحويل مياه نهري دجلة والفرات بشبكة واسعة من السدود والقنوات. في الوقت نفسه، قام بقصف السكان.
    فر تقريبا كل عرب الأهوار، ما يقرب من ربع مليون شخص. وجفت 90 في المائة من الأهوار ومات حوالي 100,000 من الجاموس. لم يجرؤ والدا الأسدي على العودة حتى عام 1999 وكانوا من الأوائل. يتذكر قائلاً: "كنت آنذاك في الثامنة من عمري. كانت المنطقة تبدو صحراء."
   ومع ذلك، عادت الحياة ببطء. بعد سقوط صدام عام 2003، فتح عرب الأهوار السدود وبدأت المنطقة تغمر مرة أخرى. اتضح أن بذور النبات الجافة كانت قادرة على الإنبات. وفي وقت قصير جدًا، خرج القصب من القاع مرة أخرى، وتبعت بقية الطبيعة ذلك.
     لكن الأسدي يخشى أن تختفي الأهوار، هذه المرة،  إلى الأبد. يقول خبير البيئة، الذي قام بحملة من أجل الأهوار منذ أن كان عمره 16 عامًا وأسس منظمته الخاصة لهذا الغرض في عام 2015: "كان الدمار الذي سببه صدام مروعًا، لكننا على الأقل تمكنا من إعادة توجيه المياه في ذلك الوقت". "أما الآن فهذا غير ممكن، لأن المياه العذبة تنفذ ببطء."
    هذا النقص في المياه العذبة له أسباب عديدة. إذ ترتفع درجات الحرارة في العراق سبع مرات أسرع من أي مكان آخر في العالم. ونتيجة لذلك، يقل تساقط الأمطار وتتبخر المياه من الأهوار بشكل أسرع، مما يؤدي إلى الجفاف والتملح. هذا الأخير يعززه ارتفاع مستوى سطح البحر في جميع أنحاء العالم، مما يتسبب في تقدم المياه المالحة من الخليج العربي نحو الأهوار.

                                                  مشاريع السدود

    كان عام 2021 أيضًا عامًا جافًا بشكل استثنائي في المنطقة بأكملها. في إيران نزل الناس إلى الشوارع للمطالبة بمياه الشرب النظيفة، وفي العراق ارتفعت درجة الحرارة بشكل منتظم فوق 50 درجة مئوية في الصيف، وفي سوريا سُجل أسوأ جفاف منذ 70 عامًا. وحذرت وكالات الإغاثة هذا الصيف بأن في البلدين الأخيرين وحدهما، يواجه 12 مليون شخص خطر ندرة المياه والمحاصيل المخيبة للآمال.
     في العراق وسوريا، تفاقم الجفاف بسبب مشاريع السدود الكبيرة في إيران وتركيا. على سبيل المثال، فإن سد إيلسو في جنوب شرق تركيا، والذي دخل حيز التشغيل في عام 2020، يمكن أن يخفض مياه نهر دجلة بشدة لدرجة أن العراق يفقد نصف إمداداته المائية، وفقًا لوزير الموارد المائية العراقي السابق. قال الأسدي "هذا لا يحدث فقط في العراق". انظر فقط إلى معركة المياه بين مصر والسودان. في كل مكان نرى أن الجفاف يؤدي إلى بقاء الأصلح ".
     لكن وفقًا لتون باينينس، وهو ناشط مناخي بلجيكي مقيم في العراق وأحد مؤسسي مجموعة عمل "أنقذوا نهر دجلة"، يرى أن الحكومة العراقية كثيرًا ما تلقي اللوم في مشكلة المياه على السدود الأجنبية. يقول: "هذه أيضًا طريقة للتهرب من المسؤولية الخاصة". المشكلة الأكبر هي إدارة المياه السيئة في العراق. يمكن لبنية تحتية أفضل أن تحدث فرقًا حقًا، لكن هذا لا يحدث، كل مرة، بسبب الفساد والافتقار التام لرؤية بعيدة المدى".
    ومع ذلك، فإن باينينس أكثر تفاؤلاً قليلاً من الأسدي في ما يخص مستقبل الأهوار. وأن السنتين الماضيتين، وفقًا له، أقل جفافا نسبيًا مقارنة مع الجفاف الشديد لهذا العام. علاوة على ذلك، يعتقد أنه يمكن توفير الكثير من المياه بسلسلة من الإجراءات غير المعقدة للغاية، مثل إدخال تقنيات زراعية أكثر اقتصادا، وإعادة استخدام المياه الصناعية وإنشاء محطات تحلية المياه.
                                                  السياحة البيئية

    فمن المهم بشكل خاص أن لا يغادر عرب الأهوار بشكل جماعي. "إن  هذا النظام البيئي يعتمد على السكان الذين اعتنوا به منذ آلاف السنين"، كما يقول باينينس، الذي يدعو بالتالي إلى السياحة البيئية، على نطاق صغير، في المنطقة لتزويد السكان المحليين بمنظور اقتصادي. وهناك ميزة إضافية تتمثل في أن عرب الأهوار يمكنهم أن يعلموا الزائرين كيفية التعامل مع الطبيعة. هذا بالتأكيد ليس ترفا لا لزوم له في العراق ".
    خارج بلدة الجبايش، المستوطنة الصغيرة التي تقع في قلب الأهوار، بدأ الأسدي بالفعل متحفه الخاص. يعرض في قاعة كبيرة من القصب جميع مجموعاته من السنوات الست الماضية، من الزوارق القديمة والملابس التقليدية إلى الطيور المحنطة. أمام المتحف ترى تمثالا لجاموس، وفي الخلف علق لوحات للجاموس. يضيف : "يبقى  حيواني المفضل."
    لم يتلق الأسدي أي مساعدة من الحكومة حتى الآن. ويقول أن السلطات المحلية تسخر منه بالأخص وتحاول الحصول على المال بمجرد أن يستقبل زوارًا أجانب. ويقول الناشط: "إنهم لا يفهمون لماذا يعد تغير المناخ هاما. لهذا السبب قاموا بنشر إشاعات بأنني مهووس بالجاموس".
   يبدو أن الأسدي لا يهتم لذلك. ويخلص إلى أن "هؤلاء الناس يعتقدون أن الله خلق العالم ولذا فإن كل شيء  سيكون على ما يرام، لكنني أفضل أن أفكر أن الله أعطانا دماغًا حتى نتمكن من حماية مخلوقاته".

الترجمة عن: 2021 NRC Handelsblad 14 Oktober




11
الفكر الإسلامي ... قراءة معاصرة
د. هاشم نعمة
   نُشرت كتابات غير قليلة بشأن التجديد في الفكر الإسلامي. وقُدمت قراءات جديدة وفق منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، من منطلق أن هذا التجديد بات حاجة ملحة تتطلبها تطورات الحياة المعاصرة في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية وحتى الروحية منها، لكن القليل من هذه الكتابات الجادة عالجت الموضوع من داخل المنظومة الفكرية الإسلامية وباستخدام منهجياتها العقلية وليس من خارجها. وينطبق هذا الأمر على كتابات الباحث الإسلامي الجاد أحمد القبانجي؛ لذلك اخترنا تقديم قراءة عن أحد كتبه الموسوم "الإسلام المدني"، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009. يقع الكتاب في 484 صفحة.
    يضم الكتاب سبع مقالات كما يسميها الكاتب، وهي ليست مقالات كما هو متعارف عليه ولكنها في الواقع فصول مطولة تتضمن عناوين فرعية كثيرة وجاءت تحت العناوين الرئيسة الآتية: المباني النظرية للمجتمع الديني والمدني، المجتمع المدني وحقوق الإنسان، الحريات السياسية والدينية في المجتمع المدني، الإسلام والنظام الديمقراطي، الإسلام المدني، تطبيق الشريعة أم سيادة القانون، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الأول، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الثاني.
                                                        مقدمة
    يشير المؤلف في المقدمة بأنه إذا تجاوزنا الرؤية المثالية للسلفيين إزاء التراث والحضارة الإسلامية في الماضي البعيد وما تتضمنه من انغلاق فكري تجاه الحضارة البشرية الجديدة، وتحركنا لدراسة النموذج الحضاري الذي أفرزته التجارب الحديثة بلغة واقعية وأدوات عقلية، أمكننا التوصل إلى قناعة نظرية وعملية بأطروحة "المجتمع المدني" فيما تمثله من انسجام مع مبادئ الدين وحقوق الإنسان والقيم الإنسانية العليا، ويتركز موضوع هذا الكتاب بالحديث عن هذه الأطروحة الحضارية وما تتضمنه من مفاهيم ومبادئ، وما تقوم عليه من أسس ومرتكزات فكرية وفلسفية من قبيل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، الفردية، دور المؤسسات والأحزاب، الليبرالية وأمثال ذلك... (ص 11).
    ويرى أن مقولة "الإسلام المدني" تقع مقابل ما يسمى بـ "الإسلام التقليدي" و"الإسلام السياسي"، وأن من خصائص الإسلام المدني ومقوماته محورية العلاقة القلبية مع الله (أي التجربة الدينية)، وما يترتب على ذلك من قبول مبدأ التعددية الدينية وصلاحية العقل البشري للتشريع بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان والحضارة الجديدة، ومن خلال هذا البحث يتبيّن بطلان ادعاءات انصار الإسلام السلفي والإسلاك السياسي وعدم انسجام ادعاءاتهم  مع العقل البشري المعاصر وما أفرزه التطور الحضاري من قيم ومبادئ وثقافة إنسانية (ص 13). 
   ويستشهد القبانجي بقول سعيد البزاز الوارد في مقدمة كتاب "في الطبيعة الشرية" لعلي الوردي، بأن لابد أولا من الانتقال من الآخرة المعنوية المجردة التي يمثلها الانتماء القلبي وحسب إلى الآخرة المادية التي يمثلها التكامل والتضامن الاجتماعي الذي انتجته المدنية، فالآخرة المعنوية قد تدع المجموع متشبثا بأذيال الوهم، سواء كان وهم القوة أم وهم النصر، أم وهم التفوق، أم وهم النقاء.  في حين أن الآصرة المادية ونتائجها تفرض نظاما كاملا للحياة، تتأسس فيه علاقات إنتاج تتجاوز النمط البدائي إلى ما هو مؤهل لتكوين مجتمع مركب تتقابل فيه المنافع والحاجات والواجبات والحقوق، وهو أمر يحفز الدافع الفردي في الأداء، ويخلق مقاييس للتفوق تتناسب مع الكفاءة ونوع الخدمة العامة ودرجتها فينصف الجهد بدلا من أن يجري المنح المجاني للمراتب على أساس النسب والنقاء القبلي المزعوم (ص 19-20).   
     لا ثبات مطلق في جميع موارد الشريعة، بل إن الإسلام قد جاء بسلسلة من القضايا والقيم العامة دون أن يجعلها في إطار معيّن وقالب خاص. ومجرد أن يتحرك النبي محمد في أجواء خاصة من أعراف القبائل العربية وينزل القرآن على مجتمع تحكمه تقاليد بدوية وتكون أحكامه منسجمة مع ظروف ذلك المجتمع القديم، لا يعني بالضرورة أن مثل هذه الأحكام دائمة ومطلقة ويجب على كل مجتمع بشري أن يكيّف نفسه مع هذه الأحكام والقوانين، لأن المفروض أن تنسجم القوانين مع المجتمع وحاجاته وثقافته لا أن ينسجم المجتمع مع تلك القوانين.
                                                  حقوق الإنسان
   اعتاد أصحاب العقل السلفي السني والشيعي على النظر إلى حقوق الأنسان المطروحة من قبل الأمم المتحدة، بنظرة سلبية وأنها حقوق زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، وأن المسلمين غير محتاجين للاعتراف بهذه الحقوق، فالدين الإسلامي والشريعة السماوية لم تترك شيئا من حقوق الإنسان المشروعة إلا ذكرتها، أي أن ما كان صحيحا من الحقوق المذكورة في لائحة حقوق الإنسان فقد ورد في الشريعة السماوية حتما، وما لم يرد فيها فهو باطل ولا حاجة لنا به.
    ومنهم من تحرك نحو الاستفادة من هذه اللائحة بعد أن لم يجد ما توقعه من حقوق في مفاهيمنا الدينية، وعمل على التوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامي وسماها "حقوق الإنسان الإسلامية" و يلاحظ مثل هذا التحرك في أروقة منظمة المؤتمر الإسلامي أيضا.
    خلاصة القول، يؤكد المؤلف إننا لا نرى أي تعارض بين الحقوق الفطرية للإنسان المذكورة في لائحة حقوق الإنسان وبين الحقوق المذكرة له في الشريعة الإسلامية، ولو تعارضت هذه الحقوق مع الحقوق الواردة في الفقه وفتاوي علماء المسلمين لوجب الأخذ بمعطيات حقوق الإنسان العالمية لتطابقها مع الفطرة والوجدان من جهة، ولكون فتاوي الفقهاء لا تمثل الوحي في الحقيقة، بل هي فكر بشري وصياغة فقهية لما فهمه هؤلاء الفقهاء من النصوص الدينية التي قد تكون واردة في قضية خارجية معينة وليس لبيان حقيقة مطلقة وقانون أبدي يتعالى على الزمان والمكان. إن ما يقرره الفقهاء من فتاوي في هذا الميدان هي أحكام ظنية واجتهادية قد تخطيء وقد تصيب (ص 85-86).
    فمثلا في مسألة المرتد عن الإسلام يصرح صاحب الجواهر والمحقق الحلي في الشرائع: لو حصلت للمسلم شبهة في دينه حتى وإن كان متولدا في بلاد الغرب ولم تسنح له الفرصة في تعلم العقائد الإسلامية وأنكر على أثرها بعض العقائد المتسالم عليها بين المسلمين فيجب قتله بمجرد رجوعه إلى بلاد المسلمين حتى لو تاب ورجع إلى الإسلام وتبرأ من قولته الشنيعة ألف مرة!! (ص 135-136).
   علما أن القرآن لا يتعرض لهذه المسألة اطلاقا مع أنه بيّن حكم ما هو دونها في الخطورة والأهمية كحد الزاني والسارق والقاذف وغيرهم، وفي المقابل نقرأ العديد من الآيات التي تؤكد حرية الإنسان في المعتقد والدين من قبيل: "لا إكراهَ في الدينِ قد تبيّنَ الرشدُ من الغيّ" (ص 407).
   والغريب أن هؤلاء الفقهاء ومن تابعهم من الإسلاميين الأصوليين برغم التزامهم بمثل هذه الفتاوي المخجلة، لازالوا يتشدقون بأن الشريعة الإسلامية قد أقرّت للإنسان والبشرية أجمع جميع الحقوق المشروعة أكثر مما ذُكر في لائحة حقوق الإنسان العالمية وأفضل !!
                                              الحريات السياسية والفكرية
    لم يكن نمط الحريات السياسية مطروحا في أجواء الفقه الإسلامي بمثل هذه الصياغة الحقوقية والفلسفية الحالية. ومن هنا تعتبر هذه المسألة من المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي حيث ينبغي على الفقهاء دراستها في إطار مفاهيم جديدة عن الحرية والعدالة ووفق مقاييس تنسجم مع تطور الآفاق المعرفية للإنسان المعاصر. أما الحرية المتداولة في التراث الديني فهي حرية من نمط آخر، يُراد بها، في الكتب والدراسات الفلسفية والكلامية الحرية إزاء الجبر والتي تعني "الاختيار" في دائرة الفعل الإنساني، فيبحث هناك عن أن الإنسان هل هو حر في أفعاله، أو مجبور عليها كما في مذهب المجبرة؟ (ص 113). 
     ويطرح المؤلف مسألة هاما تتعلق بالمعتقدات الدينية التي تحولت إلى تابو وخطوط حمراء لا تسمح للفكر أن يتحرك ويطرح علامات استفهام حول أية مفردة من مفردات العقيدة مهما كانت صغيرة. وقد لبس رجال الدين ورموز المؤسسة الدينية ثياب حراس العقيدة وشرطة السلطة الدينية التي لا تقل استبدادا وتعسفا عن السلطة الرسمية وعملوا على إسكات علامات الاستفهام التي تمسّ من قريب أو بعيد امتيازاتهم واعتباراتهم القدسية التي اكتسبوها من خلال التخلف العام وتراجع الوعي لدى غالبية الناس. ومن هنا يفقد الإنسان حريته طواعية بعد أن فقدها إزاء السلطة الزمنية كرها (ص 122-123).
   ويستشهد الباحث بالنائيني الذي يذكر إن  الاستبداد الديني أخطر أشكال الاستبداد، بل إن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني حيث إن الأول يفتقر إلى المقومات الكفيلة بالحفاظ عليه، فهو مهدّد دائما بالانهيار لأدنى سبب، في حين أن الأمة تكون في الثاني مضلّلة ومخدوعة وتحسب أن ما يصدر عن رجل الدين المستبد من لوازم الدين، بينما هو نزعة فردية يتظاهر بها المتلبسون بزي الرئاسة الروحية بعنوان الدين، والفئات غير الواعية من الناس تطيعهم باندفاع وثقة (123-124).
   وكما يشير المفكر نصر حامد أبو زيد إن: "من أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية فيما يتعلق بالإسلام ذلك الاستخدام الأيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية أو سياسية أو شخصية"(1).   
   ينطلق الإصلاح الحقيقي من تشغيل الناس لعقولهم والتحرك في خط الوعي. ومن هنا كان الإسلام المدني كما يذكر المؤلف متناغما مع العقل ومتطابقا مع الوعي بينما نرى أن أغلب رجال الدين في التيار السلفي والسياسي يسعون دائما إلى التعتيم على الوعي وقولبة الذهنية المسلمة بقوالب جامدة على النصوص من خلال عملية غسل دماغ رهيب مستخدمين أدوات دينية صارمة لا تسمح للعقل أن يتحرك ولا للفكر أن يطرح علامات استفهام حول الحالة الثقافية المزرية والانحطاط الأخلاقي والسياسي للمسلمين (ص 236-237).
     إن أتباع الديانات المختلفة في بداية ظهورها كانوا يعيشون الانفتاح على الآخر والحوار معه من أجل تحويل الدعوة الجديدة إلى واقع حي، ولكن هذه الحالة الحضارية تأخذ بالنضوب والفتور حالما يتحول الدين من إيمان قلبي مشحون بالعواطف الدينية والقيم الأخلاقية إلى هوية شخصية للفرد والمجتمع ويصبح الإسلام في المجتمعات الإسلامية عبارة عن عنصر من عناصر الهوية المجتمعية، وتتحول المؤسسات الدينية إلى كيانات رسمية تهدف إلى الاحتفاظ  بوجودها وقداسة أفرادها من خلال الدفاع عن الدين بما هو دين الهوية لا بما هو إيمان قلبي يدعو الإنسان إلى الانسجام مع خط الرسالة والقيم الأخلاقية.
   إن النصوص الدينية جاءت لمعالجة بعض العقبات والمشاكل التي كانت تعيشها المجتمعات القديمة وتتحدث في خطابها الديني بلغة ذلك العصر بكل ما يحفل به من ثقافات وعلاقات وتقاليد وأعراف. أما الدين الإسلامي فلم يلزمنا بالتعبد بكل ما ورد في الشريعة حتى مع تغيّر مقتضيات الزمان والمكان والعرف، وبديهي أن الأحكام الشرعية إنما ترد على موضوعاتها المعينة لها بالخصوص، فاذا تغيّر الموضوع يتغير الحكم، أي أن الموضوع علّة للحكم كما هو ثابت  في البحوث الفقهية (ص 135-136).
     الخطأ الذي وقع فيه أصحاب العقل الأصولي هو أنهم جرّدوا الأحكام الشرعية من مكانها الواقعي الذي شُرعت له وأرادوا زرعها في أجواء متباينة تماما عن الأجواء المناسبة لها، والسبب الذي دفعهم إلى الوقوع في هذه الفوضى الفقهية وجمودهم على النصوص هو عدم تمييزهم بين الدين والشريعة، فكما يرون أن الدين الإسلامي يصلح لكل زمان ومكان فكذلك الشريعة الإسلامية.
    إن القيم والتصورات وأساليب الادراك والتقييم وأنواع السلوك المتولدة عن الخطاب القرآني تختلط في الحياة العملية (بواسطة أداء الطقوس الفردية والجماعية) بقيم وتصورات الرأسمال الرمزي القديم السابق على القرآن والسائد في الجزيرة العربية. إنها تختلط به من أجل تشكيل عادات متأصلة وجبَّارة تمتلك الفرد أكثر مما يمتلكها وتشكل نوع حركاته ومواقفه الجسدية ومخياله أنها تحد من حريته في الفكر والممارسة(2).
  الرؤية الأخيرة للدين تجتمع مع مبدأ "التعددية" في واقع المجتمع المدني فليس هناك عداء مع أحد من المذاهب والأديان الأخرى فكلها تصل إلى الحق، أي أن الإيمان المبني على أساس التجربة القلبية يستوعب في دائرته التعددية في المذاهب والأديان. وهذا لا يعني النسبية في الحق كما يتوهم اتباع التيار السلفي أو الأصولي، بل النسبية في فهم الحق. فالمسلم له قناعاته ومعتقداته ولكنه مع ذلك لا يرى في إيمان الآخرين بدينهم ومذهبهم مندوحة ولا يتهمهم بالكفر والشر وأنهم اتباع الباطل ومن أهل النار وما شاكل ذلك، لأن لكل طائفة دينية أدلتهم وقناعاتهم التي توصلهم إلى الحق لو تحركوا بدافع الوجدان وعنصر الخير في واقع الإنسان (ص 229-230).   
                                            الإسلام والنظام السياسي
     لم يرد في القرآن تأكيد وتقرير أسلوب نظام الحكم، بل ورد التأكيد على العدالة في الحكم، وكان القرآن لا يرى في تعيين أسلوب نظام الحكم أنه من شؤون الدين، بل يرى أن توضيح القيم والمثل المرتبطة بالحكومة هي من شأن الوحي والدين.
   عندما كان النبي محمد في مكة ولمدة ثلاثة عشر عاما لم تنزل عليه آية واحدة تتحدث عن أمور سياسية وشريعة معاملاتية رغم أن ثلثي القرآن نزل في هذه الفترة بالذات. ألا يعني هذا أن مسألة النظام السياسي في الإسلام ليست من ذاتيات الدين وغير صادرة عن الله، بل تمثل حالة طارئة على الدين خاضعة للظروف الخارجية والمتغيرات الاجتماعية؟ ( ص 458).
    في السابق لم يكن الفرد يدعي أن له حقا في السلطة والنظام السياسي سوى ما يراه أهل الحل والعقد في عملية الشورى والتي تقترب كثيرا من النظام الارستقراطي وحكومة الاشراف والنبلاء أو الحكماء والفلاسفة بحسب نظرية افلاطون، ولكن المتغيرات الكثيرة التي عاشتها المجتمعات البشرية في العصور المتأخرة خلقت مفاهيم جديدة وحقوقا مستحدثة ومصالح اجتماعية لم تكن في السابق، وبما أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، كما يقول الفقهاء، فالأحكام التي كانت صالحة لمجتمعات ماضية سوف لا تكون كذلك لمجتمعات لاحقة نظرا لتغير المصالح والمفاسد في هذه المجتمعات، وهذا يعني تبدل موضوعات الأحكام وبالتالي يستدعي تبدل الأحكام نفسها.
    كان مفهوم النظام الديمقراطي مغيبا عن دائرة المفكر فيه لدى الذهنية المسلمة، ولذلك لا نجد لهذه الكلمة عينا ولا أثرا في التراث العربي الإسلامي على الرغم من انتقال كم هائل من علوم اليونان ومصطلحاتهم الفلسفية إلى أجواء الفكر الإسلامي في العصور الأولى للنهضة الحضارية للمسلمين. أما بالنسبة إلى علماء التيار الإسلامي التجديدي فلا يرون أن الديمقراطية تتقاطع مع الإسلام، بل العكس من ذلك، فهي الأسلوب الوحيد الذي يحقق أكبر قدر من العدالة ومراعاة حقوق الإنسان.
    مفهوم الطاعة المطلقة للسلطان وتسويغ الخنوع والاستبداد هو ما قرره أحمد بن حنبل في فتواه: "من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين" (ص 418).     
    مثلا رأينا الحكومة الإسلامية في أفغانستان بعد استيلاد طالبان على الحكم في الفترة 1996-2001، تقتصر في تطبيق وتجسيد العدالة الإسلامية على فرض العزلة على النساء ومنع الموسيقى والجلد وقطع الأيدي وقطع الرؤوس للمخالفين في ظل استمرار نزف الدم والحروب الداخلية بين الأحزاب الإسلامية والفئات المتناحرة على السلطة حتى زاد عدد القتلى والجرحى والخراب الاقتصادي أضعافا مضاعفة عما كان عليه الشعب الأفغاني في عهد الحكم الماركسي (ص 223). وها هي طالبان تعود إلى الحكم بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قوتها، وهناك خشية كبيرة من ممارستها نفس النهج الوحشي.
    على صعيد التشريع والقول بوجود قواعد كلية في الشريعة تكفي لسدّ الفراغ القانوني في عملية التشريع والتقنين في الحكومة الإسلامية، فمن الواضح أن جميع ما ذكر من قواعد وأصول كلية هي قواعد وأصول عقلية متوفرة لدى جميع دوائر التشريع والتقنين في المجتمعات البشرية، فلسيت هي إسلامية بالأصل حتى يقال بأن الشريعة الإسلامية جاءت بكل صغيرة وكبيرة في مجال التشريع ولا حاجة لأعمال الفكر والعقل في هذا المجال، فمن لا يعلم من العقلاء أن قاعدة "أوفوا بالعقود" هي قاعدة يسير عليها جميع عقلاء العالم في جميع المجتمعات من أول التاريخ البشري ولحد الآن.
    ويثير المؤلف مسألة هامة وهي أن القانون الأفضل هو الذي يراعي العدالة بشكل أفضل، والعدالة هي المطلوب بالأصل، والقانون بمثابة آلية وأسلوب لإحقاق الحق. وهذا لا يعني أن الشريعة المذكورة في كتب الفقه بإمكانها تطبيق العدالة المطلقة على أرض الواقع وأنها هي الأفضل بشكل مطلق كما يزعم اتباع التيار الأصولي، لأن مقتضيات الواقع المتغيّر قد تفرض حلولا وأحكاما تنسجم مع معايير العدالة بشكل أفضل من الأحكام الشرعية حيث نلاحظ مثلا وجود بعض التمييز في الأحكام الشرعية بين الرجل والمرأة وبين المسلم وغير المسلم، والسادة والعبيد وغير ذلك، وهذه الأمور لا تتطابق مع معطيات القانون المدني الحديث الذي ينطلق من أرضية للحقوق الاجتماعية والسياسية تقوم على المساواة بين أفراد المجتمع (ص 245-246). 
    إن القرآن نفسه نسخ بعض احكامه وجاء بأحكام أخرى في فترة زمنية وجيزة نظرا لتغير الظروف والحالات في دائرة العلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإسلامي الأول. حتى عدّ السيوطي في الاتقان واحدا وعشرين موردا من موارد النسخ في القرآن، ووصل عددها عند ابن الجوزي 247، وعند ابن حزم 214، وعند ابن بركات 210 موردا. والقرآن يصرح بجواز النسخ حيث يرد: "ما نَنَسخ من آية أو نُنسِهَا نأتِ بخير منها أو مِثلها". وقد ورد عن علي بن أبي طالب قوله لقاض: "اتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت" (ص 255-257).
     هناك خلط موهن في كتابات الإسلاميين بين خاتمية الدين وخلوده وبين تاريخية الشريعة حيث ظنوا أن الدين الإسلامي لكونه خالدا وأبديا إلى يوم القيامة. فكذلك الشريعة الإسلامية صالحة لجميع المجتمعات البشرية إلى يوم القيامة، وهذا اشتباه كبير ولا دليل عليه، وحتى عندما نلاحظ  أدلة هؤلاء الكتاب نرى أنهم يستدلون على استمرارية الشريعة الإسلامية بمسألة الخاتمية وخلود الدين، وهذا هو منشأ الخطأ والخلط.
                                                  ولاية الفقيه
    إن المستفاد من عدم بحث علماء الإسلام نظرية ولاية الفقيه في كتبهم العقائدية والفقهية، بل عدم قبول الكثير منهم بهذه النظرية، أن هذه المسألة لا تشكل أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه، ولكن أنصار الإسلام السياسي سعوا بجدية إلى إقحام هذه المسألة في الدين وما هي من الدين لإضفاء شيء من القداسة الدينية عليها. إذ يقول الخميني في كتابه الحكومة في الإسلام "وكمقدمة للبحث أرى من الضروري الإشارة إلى أن الحكومة الإسلامية امتداد لحاكمية الله، وامتداد للولاية والسلطة التكوينية وربوبية الله" (ص 330-331).
   في الفكر الشيعي لا تستمد سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة من الأمة، إنما سلطته إلهية، بحيث أن الرادّ عليه رادا على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله وهو على حدّ  الشرك بالله، ورغم أن الأمة هي التي تساهم في عملية اختيار الإمام الاّ أنه بعد هذا الاختيار سيأخذ موقعه وإمامته باعتباره نائبا للإمام المعصوم ووكيلا عنه (لا عن الناس!) في إدارة شؤون الأمة مما يعني أن السلطة ستكون مستمدة من سلطة الله الذي هو مصدر كل السلطات.
     فإذا علمنا أن الخط السياسي لتحرك المسؤوليين والأحزاب وطبقات الشعب لابد وأن يكون وفق ما يراه المرجع صلاحا للأمة، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية السياسية كما يقول محمد باقر الصدر، فحينئذ ندرك جيدا أبعاد الحكم الفردي والاستبدادي الذي تصوغه لنا هذه النظرية الدينية حيث تتحول جميع المؤسسات والأحزاب والفئات السياسية إلى كيانات رسمية محنطة في قوالب معينة لرؤية فقهية اجتهادية واحدة لا تسمح للفكر أن يتحرك من موقع النقد والاعتراض، وليس لجهة أو فئة قانونية حق محاسبة المرجع ومراقبته ومؤاخذته، فلا يسأل عن شيء وهم يُسألون.   
     بما أن الحكومة تستلزم التصرف بأموال الناس وتقييد حريتهم وتحديد حقوقهم فالأصل الأولي في هذه المسألة أن "لا ولاية لأحد على أحد" و"الناس مسلطون على أموالهم" كما ورد في القواعد الفقهية، فلا حكومة لأحد على أحد ألا برضا نفسه وطيب خاطره، وهو معنى أن الحكومة يجب أن  تكون برضا الناس وموافقتهم لتكون مشروعة (ص 390).
     عند البحث في هذه المسألة من جذورها التصورية نرى أن عنصر الاستبداد كامن في جذور النظرية وفي تصور دعاة الحق الالهي في السلطة حيث يقررون حقيقة أن ولاية الفقيه ليست من نوع الوكالة أو النيابة عن الأمة أو عن المعصوم، بل هي من نوع ولاية العقلاء على المحجورين أو ولاية الكبير والقيّم على الصغار! يقول الخميني : "ولاية الفقيه أمر اعتباري جعله الشارع كما يعتبر الشرع واحدا منا قيمّا على الصغار، فالقيّم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية" (ص 422-423).
   ويذكر القبانجي التهافت السافر في مواد الدستور الإيراني الذي يقرر منهاجه أن السيادة لله وحده، ومن جهة أخرى يفوض أمر هذه السيادة لرجال الدين، وفي ذلك يقول عبد الله أحمد النعيم: تعكس المادة الرابعة وغيرها من مواد الدستور الإيراني غموض موقف الشريعة من مبدأ السيادة، فمن جهة نجد أن المادة الثانية تذهب إلى أن الجمهورية الإسلامية هي نظام يقوم على الاعتقاد بأن "لا إله إلا الله، وأن السيادة لله وحده، وقبول حكمه، وضرورة إطاعة أوامره" ومن جهة أخرى نجد أن السيادة التي يفرد الله وحده بها يترجمها الدستور إلى وصاية علماء الدين، وبالتالي يثور السؤال: ما جدوى الحديث عن سيادة الله وحده إن كان البشر هم الذين يمارسونها عملا؟ (ص 463).
      لم يكن الاقتصاد الإسلامي في المشروع الإيراني بأحسن حالا من الموقف العسكري حيث وجد المسؤولون الإيرانيون أنفسهم مضطرين إلى اتباع سياسية النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على الفائدة الربوية في البنوك وخصخصة المصانع والشركات الحكومية وبيعها إلى القطاع الخاص. وفي السياسية أيضا تم الابتعاد عن المبادئ والأصول الدينية واتخاذ عنصر المصلحة، أي مصلحة النظام كمعيار للعلاقات الرسمية مع الدول الأخرى والتغافل أو الغاء ما طرحه الخميني من شعارات في أول الثورة من الاعتماد على الشعوب والاهتمام بمصلحة المستضعفين في العالم وتصدير الثورة وأمثال ذلك، وحلت محلها التعامل مع الدول على أساس المصالح لا على أساس المبادئ. وليس من المعلوم أنه سيأتي يوم تتبدل فيه المصلحة وإذا بإيران تقيم علاقات مع أمريكا وإسرائيل، ويتساءل لمؤلف هنا: ماذا بقي من أسلمة النظام أو ما هي الغاية من الحكومة الإسلامية إذا كانت تعتمد في جميع أمورها وشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على محور المصلحة؟ (ص 224-225).
الهوامش
1-   نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، ط 1 (الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 2010)، ص 27.
2-   محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط 3 (بيروت: مركز الانماء القومي، 1998)، ص 103.
   
   
   
       

12
التطرف اليميني بات مقبولا على نطاق واسع في هولندا

ترجمة: د. هاشم نعمة

    لم يعد التطرف اليميني، على عكس الماضي، يؤدي إلى العزلة الاجتماعية. إذ باتت أفكاره لها صدى في السياسة، بحسب طالبة الدكتوراه نيكي ستركنبورخ. 
    يُسأل الناشط اليميني المتطرف هانز عما سيغيره في هولندا إذا وصل إلى السلطة. "إذا اضطررت إلى تطبيق كل آرائي العرقية، هاها فسيكون ذلك حقًا حمام دم كامل." تتنهد صديقته وهي تهز رأسها من على الأريكة ، "لا أعتقد أنك ستكون قائدًا محبوبًا أيضًا."
   إنه مشهد من الكتاب الجديد للصحفية السابقة ستركنبورخ، المعنون "لكن لا يمكنك قول ذلك". تصف فيه أن أشخاصًا مثل هانز انتهى بهم الأمر إلى عزلة اجتماعية قبل 25 عامًا. يُظهر البحث العلمي أن أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة والراديكالية السابقة مثل مركز الديمقراطيين وحزب المركز 86 (تأسس هذا الحزب عام 1986 وحُل عام 1998)(1)غالبًا ما فقدوا وظائفهم وزوجاتهم، ولم يبق لهم سوى القليل من الأصدقاء.
    وتشير ستركنبورخ، التي ستدافع عن درجة الدكتوراه عن اليمين الراديكالي والمتطرف في هولندا يوم الأربعاء، إلى أن هذا الأمر بات مختلفا في الوقت الحاضر. كان هانز في الماضي عضوًا في مجموعات النازيين الجدد مثل اتحاد الشعب الهولندي والدم والشرف. اليوم، هو ناشط مستقل يشارك في جميع أنواع الاحتجاجات اليمينية المتطرفة. في إحدى المرات، حاول هو وأصدقاؤه منع حافلة مجموعة عمل إلغاء بيت الأسود (هي مجموعة عمل هولندية تسعى لإلغاء ما تعتبره تفسيرا عنصريا خلال احتفالات بابا نويل السنوية بعيد الميلاد)(2). بعد بضعة أسابيع، شارك في مظاهرة مناهضة للفاشية وذلك لإثارة الشغب.

                                                     لم نتوقع منك ذلك

     
يحكي هانز في الكتاب أن مديره في العمل شاهده في إحدى المظاهرات في التلفزيون، لكن هذا لم يسبب له أي مشاكل. "أوه، لم نكن نتوقع منك ذلك". وبحسب ستركنبورخ، فإن هذا ينطبق على معظم عشرات النشطاء الذين تحدثت إليهم. وهي تقول: "إن بيئتهم تشجعهم بدلاً من أن تثبط عزيمتهم". ستركنبورخ هي نائب رئيس قسم التحليل في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب. وهي ترى من خلال احتجاجات كورونا، أن هناك دليلا إضافيا على ادعائها بأن المتطرفين اليمينيين مقبولون على نطاق واسع اليوم؛ هناك، يسير المواطنون المحترمون بشكل أخوي إلى جانب أعضاء في مجموعات يمينية متطرفة مختلفة وهم يصرخون "نحن هولندا".

                                         المتظاهرون المناهضون لكورونا


   تقول ستركنبورخ: "كان ذلك غير وارد في التسعينيات". تشير إلى مقتل ماريان فاتسترا في عام 1999 في كولوم في مقاطعة فريسلاند. إذ سعى مركز الديمقراطيين والحزب الوطني الجديد إلى الانضمام إلى السكان الذين كانوا يبحثون عن الجاني في مركز لطالبي اللجوء. هؤلاء الناس لم يكونوا سعداء على الإطلاق بذلك؛ لأنه لا أحد يريد أن يُحسب على هذه الجماعات.

    وبحسب ستركنبورخ، لا يزال عدد الناشطين اليمينيين المتطرفين في هولندا لا يزيد عن 250. لكن التصريحات المتطرفة من قبل السياسيين، وفقًا للباحثة، أخرجتهم من عزلتهم. لا يتردد صدى أفكارهم فقط مع الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب الحرية ومنتدى الديمقراطية، ولكن أيضًا مع أكبر حزب حكومي هو حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية. (هو حزب رئيس الوزراء الحالي مارك روته الذي هو في هذا المنصب منذ عشر سنوات، وحصل حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في آذار| مارس 2021 على أكبر عدد من المقاعد لكن ذلك لا يؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده إلا ضمن إتلاف يضم أحزاب أخرى)(3).

   في مجلس النواب، تمت مناقشة العلاقة المزعومة بين الشعوب ونسبة الذكاء، ويبدو أن الوزير ستيف بلوك (وزير الخارجية السابق)(4) اشار في اجتماع خاص إلى أن الشعوب المختلفة لا يمكنها العيش معًا، وقد طرح رئيس حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية السابق كلاس دايكهوف، خططًا لمعاقبة الأشخاص في الأحياء التي تعاني من مشاكل بشكل أكثر صرامة.
     في عملها الجديد في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب، قالت ستركنبورخ إنها ستبقى بمعزل عن التحليلات السياسية بشأن اليمين المتطرف. إذ أن مبدأ البحث العلمي هو أنك لا تؤذي من تتحدث معه. لذلك أنا لا أقول "شكرًا لك على إخباري بكل شيء عن اليمين المتطرف والراديكالي وبعد ذلك سأعمل لصالح الحكومة".

1- المترجم
2- المترجم
3- المترجم
4- المترجم

الترجمة عن: NRC Handelsblad 18 Mei 2021




13
المنبر الحر / رأسمالية الكوارث
« في: 16:17 20/06/2021  »
رأسمالية الكوارث
د. هاشم نعمة
   طالما حظي النظام الرأسمالية الحديث والمعاصر بالكثير من البحث والدراسة من جانب المفكرين والباحثين في شتى صنوف المعرفة. ومن هذه الكتابات الرائدة ما كان استباقيا أي توقع ما يحصل من تفاعلات وافرازات نتيجة هيمنة النظام الرأسمالي اقتصاديا وسياسيا على أرجاء واسعة من العالم. وتأتي في الصدارة كتابات كارل ماركس وفردريك أنجلز وخصوصا في المؤلف الأشهر رأس المال. وأيضا في كتابات الماركسيين الجدد وما حفلت فيه من تحليلات واستنتاجات لما تفرزه هيمنة النظام الرأسمالي من  استغلال لمآسي الشعوب وكوارثها.
     ومن بين الكتب المهمة ذات المنحى اليساري، كتاب "رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية"، لمؤلفه الصحفي الأسترالي الجنسية الألماني الأصل أنتوني لوينشتاين، ترجمة أحمد عبد الحميد، والصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة في تشرين الثاني| نوفمبر 2019، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. يقع الكتاب في 439 صفحة.
    ينقسم الكتاب إلى جزأين يضمان سبعة فصول أضافة إلى المقدمة والخاتمة. وقد عالجت فصول الكتاب الآتي: باكستان وأفغانستان: البحث عن حرب جديدة، اليونان: نحن مجرد أرقام ولسنا بشرا، هايتي: إن قال أحد هنا إنهم حصلوا على مساعدة، فتلك أكذوبة، بابوا غينيا الجديدة: اكسروا عظامنا ولكنكم لن تُحطّموا أرواحنا أبدا، الولايات المتحدة: أرض الأحرار صارت دولة السجون، المملكة المتحدة: إنها الاستعانة بمصادر خارجية للعنف، أستراليا: إن كان قلبك ينبض، فلديك وظيفة في سيركو.
                                                         مقدمة
    يكشف الكتاب الوجه القبيح للنظام الرأسمالي، ويُسقط القناع الذي يتخفى وراءه هذا النظام لكي يستمر في ممارساته لاستغلال الشعوب الضعيفة في العالم، والاستفادة من المآسي الإنسانية للاجئين والكوارث الطبيعية والحروب والصراعات من أجل التربُّح، ومواصلة النهب الممنهج لخيرات هذه الشعوب ومواردها، واستنزاف ثرواتها الطبيعية لمصلحة الحكومات الغربية والشركات المتعددة الجنسية.
   هذا الكتاب يهدف إلى إحداث صدمة، واستفزاز، وإماطة اللثام عن عالم تطور خُلسة، ولكنه يهدف أيضا إلى الإصرار على أن البدائل ممكنة، هذا ما يقوله مؤلفه.
     الحقيقة أن الكاتبة الكندية نعومي كلاين كانت أول من صاغ  مصطلح "رأسمالية الكوارث"، وذلك في كتابها الأفضل مبيعا عام 2007، بعنوان "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث"؛ ففي هذا الكتاب ترى كلاين أن برامج الخصخصة، وتخفيف الرقابة الحكومية أو إلغاءها، والاستقطاعات الكبيرة في الإنفاق الاجتماعي غالبا ما تُفرض بعد وقوع كوارث ضخمة، سواء كانت هذه الكوارث طبيعية أو من صنع الإنسان، حيث "يحدث هذا كله قبل أن يتمكن ضحايا الحرب أو الكارثة الطبيعية من تجميع أنفسهم والمطالبة بما هو لهم"(ص 18).
    عندما شارك مات تايبي في "تظاهرة العمل"، التي نظمتها "حركة احتلوا وول ستريت" المناهضة للرأسمالية عام 2012، قال في كلمته للمتظاهرين: "هذه المؤسسة المالية العملاقة تُعَد الرمز المطلق لنوع جديد من الفساد على أعلى المستويات في المجتمع الأمريكي: فهذا الفساد يميل إلى خلق مصاهرة بين السلطة التي تكاد تكون بلا حدود للحكومة الفدرالية والمصالح المالية الخاصة التي يتنامى تركَّزُها وباتت غير مسؤولة على نحو متزايد"(ص 14).
    يجوب صندوق النقد الدولي كل بقاع العالم، بمؤازرة من النخب الغربية والدول ذات التسليح القوي، سعيا وراء خصخصة مواردها وحثها على فتح أسواقها أمام الشركات المتعددة الجنسيات، والحقيقية أن المقاومة لهذا الدواء المر هي السبب الوحيد الذي أدى إلى أن تصبح مساحات كبيرة من أمريكا اللاتينية أكثر استقلالية منذ عام 2000. والخصخصة الجماعية التي تنشا نتيجة ذلك – وهي ما تعد حجر الزاوية في السياسية الخارجية الأمريكية- تَضمن تفشي الفساد في أنظمة الحكم الأوتوقراطية. وتعرض برقيات ووثائق الخارجية الأمريكية التي سربها موقع "ويكيليكس"، أمثلة لا حصر لها في هذا الشأن، من بينها تلك التسريبات المتعلقة بمصر إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. والبنك الدولي متورط في ذلك بالقدر نفسه، وهو بالمثل فوق المحاسبة؛ ففي عام 2015، اعترف البنك بأنه لم يكن لديه أدنى فكرة عن أعداد الأشخاص الذين أُجبروا على ترك أراضيهم حول العالم من جراء سياساته الخاصة بإعادة التوطين. هذه المسألة لم تحتل عناوين الأخبار بالقدر الكافي ولم يحرك أحد ساكنا. 
    إن النجاح الاستثنائي الذي حققه كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"،(1) والذي يجادل فيه بأن الخلاف الاجتماعي هو النتيجة المحتملة لازدياد عدم المساواة، يشير إلى أن عموم الناس يعرفون أنه توجد مشكلة، وأنهم يبحثون عن تفسيرات واضحة لها (ص 17).
    الادعاء القائل بأن "العالم ساحة معارك" يعكس أيديولوجية عسكرية سلك نهجها كل من الإدارات الديمقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة. وتعززت وجهة النظر هذه من خلال وثائق ويكيليكس التي نُشرت عام 2010، والتي كشفت عن عدد كبير من عمليات قتل وقعت في السابق ولم يُبلَّغ عنها، وقد ارتكبتها قوات مخصخصة تابعة لأجهزة مخابراتية وأمنية كانت تعمل في مناطق الصراع في أفغانستان والعراق. ومثل هؤلاء الأشخاص الأشباح يعملون في الظل في عشرات الدول، حيث يرتكبون عمليات الخطف، والاستجواب، والقتل لأشخاص يشتبه فيهم ومن دون أي مراقبة. إن شركات المرتزقة، المبررة من قبل الدولة بحجة أنها ضرورية لمكافحة الإرهاب، قد أُدمجت تماما في حرب أمريكا التي لا نهاية لها.
   من الصعب إغفال استنتاج يمكن أن نخلص إليه مفاده أن الحروب غالبا ما تندلع للسبب الرئيس ذاته المتمثل في تحرير أسواق جديدة وطيعة، ومع احتمال أن تستمر الحرب على الإرهاب عقودا، فلن يكون ثمة نقص في الأعمال التي يمكن تأمينها. وحتى الأمم المتحدة ذاتها تعتمد بنحو متزايد على شركات مرتزقة غير خاضعة للمساءلة، مثل "دين كورب"، وشركة "جي فور إس" وهما شركتان لديهما سجلات مريبة.
                                                أفغانستان وباكستان
    قبل غزو أفغانستان عام 2001 بقيادة الولايات المتحدة، كانت طالبان هي التي تحكم البلاد. وكان نظام طالبان همجيا، ولكن لم يمنعه ذلك من التفاوض مع شركة الطاقة الأمريكية "أونوكال" بشأن إدارة خط أنابيب تركمانستان – باكستان - الهند والذي يمر عبر البلاد؛ فقلما كان التطرف حجر عثرة أمام رأسمالية الكوارث. وبعد الغزو باتت أفغانستان هي المكان المثالي لازدهار اقتصاد الحرب. والواقع أن هذا الخط والذي كان من المقرر افتتاحه عام 2018، كان القصد من إنشائه نقل الغاز من بحر قزوين في نطاق استمرارية حديثة لطريق الحرير.
   كان لشركة "دين كورب" حضور كبير في أفغانستان والعراق، حيث استحوذت على نسبة 96 في المئة من عائداتها السنوية البالغة 3 مليار دولار من الحكومة الأمريكية. وحدث هذا على الرغم من إخفاق الشركة في تنفيذ أي آليات جادة بشأن التشاور مع السكان المحليين الذين كانوا يعملون لديها، واعتمدت، بدلا من ذلك، على إقامة علاقات خاصة والتي تضمنت استمرار المحسوبية والمحاباة. لقد باتت الخصخصة راسخة للغاية في الدولتين إلى درجة أن موضوع إسناد الخدمات العامة المتأثرة إلى مؤسسات عامة نادرا ما يُطرح حتى للمناقشة في دوائر الحكومات الغربية.
   لقد أحدث الاحتلال الأمريكي لأفغانستان تغيرا عميقا في البلاد، وكان في معظمه تغيرا نحو الأسوأ، ففي مدينة قندهار اليوم نخبة أفغانية أَثرت بفعل الاحتلال الأمريكي، وتتوجس خفية من المستقبل.
    الصورة الأكبر كانت تتمثل في ان حامد كرزاي قد نُصّب رئيسا لأفغانستان عام 2004 من خلال انتخابات غير ديمقراطية، ثم أُعيد انتخابه في تصويت صوري زائف عام 2009 مقوض بعمليات تزوير لأصوات الناخبين، وهو ما ثبت عبر أدلة واسعة الانتشار. وكان انتخاب المرشح البديل لكرزاي عام 2014 عملية ملتوية أدت إلى حالة من عدم اليقين، على الرغم من انتصار الزعيم المؤيد لأمريكا، أشرف غاني، والذي رتبت له الولايات المتحدة.
   هناك طرق لا تحصى استخدمتها واشنطن بعد 11 سبتمبر 2001 وكذلك الأفغان للقتال في معارك محلية، والقضاء على أعداء في حين خلقت أعداء جدد، وضمنت انبعاث حركة طالبان المهزومة وعودة الروح إليها. ويكتب أناند جوبال "صارت الدولة متورطة في الجريمة، وتحولت إلى واحدة من أكثر الدول فسادا في العالم، فاسدة تماما مثل أمراء الحرب الذين سعت إلى تطويقهم وإجهاضهم" (ص 49).
   ازدهرت رأسمالية الكوارث أيضا في باكستان، جارة أفغانستان. فهنا أيضا، كانت الأعمال المتعلقة بالأمن الخاص والمعلومات الاستخباراتية قد توسعت بنحو كبير منذ هجمات 11 سبتمبر، لاسيما أن الصراع الداخلي العنيف كان يغذي الوحش الكامن في الشركات العسكرية الخاصة. وقد ساعد على ذلك التقاطع المألوف حاليا بين الحكومة والمؤسسات العسكرية والمتربحين، ويذكر المؤلف: أطلعني صحافي بارز في كراتشي على قائمة تضم اثنين وستين من كبار الشخصيات السابقين في الجيش الباكستاني ممن يعملون الآن لدى الشركات العسكرية الخاصة، ولكنهم حافظوا على صلات وثيقة مع زملائهم القدامى (ص 75).
     استطاعت الشركات العسكرية الخاصة أن تنمو في باكستان لأنها كانت خاضعة بالكاد للنظم والقوانين. إذ نشرت صحيفة "إكسبرس تربيون" عنوانا رئيسا مدويا يقول "الشركات الأمنية الخاصة تعمل بموجب قانون الغابة"(ص 76) حيث زعمت الصحيفة أن ما لا يقل عن 500 من هذه الشركات تعمل في باكستان. كما أفادت تقديرات بأنه كان يوجد ما يصل إلى 300 ألف من العاملين في مجال الأمن الخاص هناك.
                                                      اليونان
    إن منطق التقشف أعطى تفويضا بشيطنة أقليلة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. وأكملت رأسمالية الكوارث المهمة. حيث أفسدت كلا من المُهمشين وهؤلاء الذين يسعون إلى ظلمهم. وفي اليونان نجد أن كثيرا من الحكومات قد ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الشركات إلى درجة يستحيل معها وجود سياسة تتسم بالشفافية.
    يوثق المؤلف حجم المعاناة التي يعيشها اللاجئون المحتجزون في اليونان وفي لقاء مع بعضهم في أحد مراكز الاحتجاز يذكر: قال لنا هؤلاء "نحن نعاني هنا" وفي يونيو عام 2014 حدث إضراب جماعي عن الطعام احتجاجا على أمر وزاري جديد يسمح باحتجاز اللاجئين إلى أجل غير مسمى، ودعمته بصورة غير رسمية تلك التعليمات القاسية التي أصدرها الاتحاد الأوروبي. وجاء في جزء من بيان عام 2013 أصدره اللاجئون ما يلي: "مع استمرار الاحتجاز المنهجي والمفتوح، نحن نتعرض للذبح على يد الحكومة اليونانية. إنهم يُضيعون حياتنا، ويغتالون أحلامنا وآمالنا داخل السجون. وهذا يحدث بينما لم يتركب أي واحد منا أي جريمة"(ص 90).
    ويشير المؤلف: في أثناء إقامتي في اليونان تحدثت إلى عدد لا حصر له من الصحافيين الذين أخبروني بأن مشكلة خصخصة نظام احتجاز اللاجئين قلما حظيت بالاهتمام المطلوب في وسائل الإعلام المحلية. "يجب أن تتحمل الدولة المسؤولية عن توفير الرعاية الصحية والأمن لأن الدولة هي من تسجن هؤلاء الأشخاص"، هكذا حاججت كوتسيوني (ص 100).
    الواقع أن أعمال المراقبة والتوثيق للمهاجرين قد ولدت صناعة كبيرة. وتولى الاتحاد الأوروبي  مسؤولية العمل مع شركات قد كانت لديها الرغبة القوية في تطوير التوسع في طرق تُستخدم في التصدي للجحافل اليائسة من المهاجرين. ص 123
    كان المواطنون اليونانيون يعرفون حق المعرفة كيف سببت سياسة التقشف تدمير نظام الرعاية الصحية لديهم. كما أن السياسات النيوليبرالية(2) أثرت في المهاجرين وعامة السكان على حد سواء، ذلك أن التخفيضات الهائلة لرأسمالية الكوارث في الخدمات العامة والاجتماعية قد أنتجت قلة من الفائزين.
    ولعل من السخرية أنه في بلد تهيمن عليه رأسمالية الكوارث إلى هذا الحد، أبدى حزب الفجر الجديد الفاشي معارضة تتسم بقوة البلاغة للخصخصة، ولكن في الواقع إنه يؤيد كل رأسمالي كبير في اليونان. وفي البرلمان صوت أعضاء الحزب ضد فرض ضريبة زهيدة على أصحاب السفن. علما كانت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية قد ساندت بنحو علني حزب الفجر الجديد ونهجه الفاشي.
    رأسمالية الكوارث التي تتخفى وراء ستار التقشف سببت ضررا اجتماعيا غير مسبوق. فقد ارتفعت معدلات الانتحار في اليونان، حيث وجدت دراسة أجرتها جامعة بوتسماوث أن 551 رجلا قتلوا أنفسهم "فقط بسبب التقشف المالي" إبان الفترة 2009-2010. وواصلت هذه الأرقام ارتفاعها في السنوات التالية.
   باتت روسيا بوتين رمزا للإعجاب لدى أقصى اليمين في أوروبا، من فرنسا إلى المجر واليونان والمملكة المتحدة. وبالنسبة إلى البعض في أوروبا، كان النظر إلى الشرق، باتجاه الصين وروسيا والشرق الأوسط، ورفض منطق بروكسل، احتمالا جذابا على نحو متزايد.
    بيد أن رياح التغيير هبت في اليونان، إذ إن الفوز الساحق وغير المسبوق الذي حققه حزب "سيريزا" من تيار اليسار في الانتخابات عام 2015 كان بمنزلة توبيخ لسنوات سياسة التقشف الملهمة من الاتحاد الأوروبي، في حين تعثرت الأحزاب القديمة. وفي ليلة الانتخابات نشر حزب "بوديموس" اليساري الإسباني تغريدة جاء فيها: "أخيرا، أصبح لدى اليونانيين حكومة، لا مبعوث للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل" (ص 95). فقد كانت الانتخابات نقطة تحول هائل بالنسبة إلى بلد لم يحدث قط أن اختار سكانه، وبنحو جاد، سياسة تقدمية بمثل هذه الأعداد الضخمة. فبعد عقود تُجوهلت فيها مصالحهم، استطاع حزب "سيريزا" الاستفادة من موجة الاستياء في أوساط الشباب - الذي وصل معدل البطالة وسطهم إلى 60 في المئة- واستثمار هذا الاستياء ضد الفساد والتهرب الضريبي من جانب الأقلية الحاكمة.
                                                       هايتي
    كان أعضاء أسرة دوفاليه الحاكمة معادين بإخلاص للشيوعية أثناء الحرب الباردة، ولذلك أغدقت عليهم واشنطن الدعم المالي بسخاء. وبفضل الدعم المالي والعسكري الذي كانت توفره القوة الكبرى حُكمت هايتي بقبضة من حديد، حيث سُحقت المعارضة، وكُممت الصحافة، كما قُتل عدة آلاف من الأشخاص. وبعد أن أخذ بيبي دوك زمام الحكم من والده وأعلن نفسه "رئيسا مدى الحياة"، بدأ تنفيذ سياسات نيوليبرالية بلا رحمة، وهو ما أدى  إلى أن ترسخ الدولة حالة الفقر.
    وقد كتب شفارتز أن هايتي لديها تاريخ قاتم عقودا طويلة من غزو المنظمات غير الحكومية للبلاد، وهو شيء مماثل للمبشرين. وفي الثمانينيات، تحولت هذه المنظمات إلى حكومة أمريكية كاملة، وإلى مقاولي مساعدات إنسانية. ولم يطرأ سوى تحسن قليل من ذلك الوقت.
     بدأ تقريبا الاندفاع المحموم من قبل الشركات الخاصة بمجرد انتهاء الزلزال الذي ضرب البلاد عام 2010، وهو ما كان يعني في نهاية المطاف أن نسبة مئوية صغيرة للغاية فقط من مساعدات مالية بقيمة 1,8 مليار دولار، قدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، قد وصل إلى جيوب المواطنين العاديين، وفي "قمة هايتي"، التي عقدت بفندق فاخر في ميامي، بعد شهرين من الزلزال، راحت شركات مقاولات خاصة، من بينها شركة "تريبل كانوني" - التي استحوذت على عقد شركة "بلاك ووتر" سيئة السمعة في العراق في عام 2009- راحت تتزاحم من أجل اغتنام الفرص.
   رأت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أن هناك فرصا لمساعدة الشركات في كل منهما على جني أرباح عن طريق بناء مصانع ملابس لشركات مثل "وول مارت" في مناطق فقيرة في هايتي. وكان هذا كله بالضبط أحدث تجسيد لنموذج قديم منهك أخفق في تقديم فوائد طويلة الأمد إلى السكان المحليين، ولكنه قدم، بدلا من ذلك، عمالة رخيصة إلى الشركات المتعددة الجنسية.
                                                   بابوا غينيا الجديدة
    في هذا البلد، تأجج الغضب تجاه منجم بانجونا منذ ميلاده في أواخر الستينيات، وهو الغضب الذي كان يعزى جزئيا إلى استغلال شركات أسترالية لمعادن البلد طوال عقود. وبحلول عام 1975، عندما حصلت بابوا غينيا الجديدة على استقلالها من أستراليا، كان التشغيل الكامل للمنجم هو أكبر كاسب في البلاد لا يعتمد على المساعدات. وقد اسهم المنجم بنسبة 20 في المئة من الميزانية الوطنية للدولة، على الرغم من أن المنجم كان، في الوقت ذاته، يدمر أي فرصه لاستدامة الموارد. غير أن مواطني بوجانفيل التي يقع فيها المنجم، وعلى الرغم من معاناتهم من الدمار البيئي، قد حصلوا على أقل من 2 في المئة من الأرباح لمساعدة مجتمعاتهم.
     لسوء الحظ أنه من اليوم الأول للاستقلال، فإن بابوا غينيا الجديدة كانت تملك القليل من القدرة على المساومة في تعاملاتها مع شركات التعدين والأخشاب الأجنبية التي كانت متحمسة لاستغلال الموارد الطبيعية الوفيرة في البلاد. حيث أدت المرحلة الانتقالية إلى سن قوانين متساهلة منحت الشركات الأجنبية نفوذا هائلا لم تكن ثمة ضرورة له مكنها من السيطرة على دولة غير منظمة إلى حد كبير.
   في أواخر الثمانينيات، استمر الغضب الهادئ في الغليان، وطالب جيش بوجانفيل الثوري بالاستقلال عن بابوا غينيا الجديدة، وبوضع نهاية للضرر البيئي الذي سببه المنجم. وقد أُغلق المنجم عام 1989 بعد عمليات تخريب مستمرة نفذها الجيش الثوري، غير أن الصراع المرير استمر ثماني سنوات أخرى، والذي أسفر عن مقتل ما بين 15-20 ألفا من السكان المحليين (نحو عُشر سكان البلاد)، حيث كان معظم هذه الوفيات ناتجة أساسا عن الحصار الذي فرضته بابوا غينيا الجديدة والقتال. كما تعرض إقليم بوجانفيل لدمار اقتصادي. وكان هذا ثمن الضربة التي وجهها الجيش الثوري ضد الاستعمار متعدد الجنسيات، وهو مثال نادر لشركة تعدين -بوجانفيل للنحاس المحدودة- كانت مرغمة على قبول الهزيمة على الرغم من حصولها على الدعم من حكومتين.
    كان هذا شكلا من أشكال رأسمالية الكوارث: شركات مفترسة - مدعومة بأموال المساعدات الأجنبية والامتيازات الضريبية، ومعزولة عن الفحص والتدقيق من جانب وسائل الإعلام أو النقد  السياسي- كانت تعمل فقط لتحقيق المنفعة لأصحاب المصلحة الدوليين، ومنعت أمة من الممارسة الفعلية لاستقلالها.
    إن وجود بابوا غينيا الجديدة المستقلة حقا لم يتحقق عام 1975. ذلك أن رأسمالية الكوارث كانت مترسخة وتضرب بجذورها في النظام الجديد منذ البداية، وهو ما تتحمل أستراليا مسؤولية كبيرة عنه. لكن استقلال البلاد في القرن الحادي والعشرين ممكن بالتأكيد.
                                                 الولايات المتحدة
     تحبس أمريكا نسبة من سكانها في سجن كبير، تعد الأعلى بالمقارنة بأي دولة أخرى في العالم. فهي تعكف على تشغيل نظام يتسم بشيطنة الأمريكيين الأفارقة والمهاجرين على نطاق غير مسبوق. ففي غصون ثلاثين عاما، ارتفع عدد سكان السجون من 300 ألف إلى أكثر من مليوني شخص.
   من جانبها رأت شركات السجون الخاصة في ذلك كله فرصة فريدة لجني أرباح مالية هائلة من وراء ذلك الانفجار في أعداد الرجال والنساء خلف قضبان السجون. وقد مُني اعتقاد في أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي بأن الحبس الجماعي ربما يكون الحل لمشاكل أمريكا الاجتماعية بالفشل الذريع- ولكن لا تخبر بذلك الشركات التي تجني أرباحا. علما تزايد عدد السجون الخاصة في جميع أنحاء البلاد عشرين ضعفا منذ التسعينيات.
   أحد آثار رأسمالية الكوارث هو الحد من الرقابة الهامشية للولاية، وهو ما سمح لمسؤولين بإبرام تعاقدات خارجية للحصول على خدمات كانت ذات مرة تحت سيطرتها.
    استخدمت "الصناعات الإصلاحية في ولاية واشنطن" نزلاء السجون أنفسهم لصنع الملابس والأثاث، وسُمح بتقييد السجناء بسلاسل إلى المقاعد. وذُكر بشكل عرضي أن الشخص المذنب قادر على الجلوس والعمل بسهولة تحت قيد كامل. رغم الاعتراف بأن نزلاء السجون كانوا يتقاضون أجورا زهيدة للغاية مقابل أداء عملهم.
   النظام متلاعب به ليُفيد شركات مثل "سي سي أيه" وهناك أمثلة أكثر مما يمكن الاستشهاد به هنا لإظهار عدم استعداد الشركة لفرض الحد الأدنى من معايير الرعاية، بينما كان تزييف السجلات من الأمور الشائعة. إذ داب مركز الاحتجاز التابع لهذه الشركة ووزارة الأمن الداخلي عل رفض التحقيق في انتهاكات مستمرة بحق المحتجزين، ومن ثم انفضت قضايا من دون عقاب، وكانت تتضمن حالات ولادة لسجينات قبل الموعد المحدد للوضع، لأن حراس الشركة قد تجاهلوا صرخاتهن طلبا للمساعد( ص 261).
   إن إمكانية إصلاح جاد للأحكام ظلت بعيدة المنال، لأن مقاولي السجون يمارسون ضغطا على مشرعين لحملهم على إصدار أحكام قضائية أكثر صرامة، وهو ما يؤدي إلى تحسين عائداتهم.
                                                  المملكة المتحدة   
     في المملكة المتحدة، خفضت الحكومات المتعاقبة من المعونة القانونية لطالبي اللجوء وتركت الآلاف منهم من دون أن تكون لديهم فرصة حقيقية للنجاح فالنظام مصمَّم لضمان ترك طالبي اللجوء في طي النسيان، بينما يعمل على إثراء ذلك العدد الذي لا حصر له من الشركات التي تتربح منه.
   وكانت مارغريت تاتشر قد جادلت بسذاجة أو خبث، بأن الخصخصة كانت علاجا ناجعا لمجتمع محطم، وأن المديرين سيصبحون منارات مضيئة للفضيلة. وقد أظهرت الإخفاقات الكارثية لطبقة الأعمال العالمية أثناء الأزمة المالية عام 2008 الخطر الذي يمثله تنفيذيون مجهولو الهوية كانوا يديرون العالم. 
   "جي فور إس" شركة عملاقة، حيث تعمل في 125 دولة ولديها 657 ألف موظف، والتي تضمن عملها حراسة السجناء في سجون تديرها إسرائيل في فلسطين. وفي عام 2014، توقعت الشركة تحقيق نمو ضخم في الشرق الأوسط، خصوصا في مصر وبلدان الخليج.
   عام 2013 كشفت "مؤسسة الاقتصاد الجديد" أن بريطانيا قد شهدت في الآونة الأخيرة أكبر انخفاض في مستويات المعيشة منذ العهد الفيكتوري، وهو ما أثر بشدة في عمال القطاع العام والنساء. وكانت الحقائق البسيطة لهذا التقشف المجنون كافية للإشارة إلى أن شيئا ما كان خاطئا بشكل مروع في السياسية الحديثة.
     إن تقديم المنافسة في السوق بوصفها أولوية على جودة الرعاية الصحية قد بات هو الإعداد الافتراضي للقوى التي تدفع من أجل خصخصة وكالة الخدمة الصحية الوطنية، وذلك في مواجهة المعارضة القوية من الخبراء الطبيين والجمهور.
   تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطيين الأحرار حاولوا إظهار معارضة شديدة للاتجاه المتنامي لرأسمالية الكوارث. ففي  عام 2014 تعهد الحزب بحماية غابات بريطانيا من الخصخصة، لكن تصريحاتهم البلاغية في هذا الصدد لم تتوافق مع الواقع. وفي العام نفسه، سُرّب ملف أظهر أن واحدا من كل خمسة سياسيين من المحافظين والديمقراطيين الأحرار تلقى تبرعات من أفراد كانوا يحثون على خصخصة وكالة الرعاية الصحية.
    يمكن القول بأن النموذج الديمقراطي الغربي المتمثل في بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا لم يكن ديمقراطيا على الإطلاق. وهو بذلك يحرم ملايين الأشخاص عن طريق الحد من الخيارات والمناقشات الاقتصادية. وكان نعوم تشومسكي صائبا حين جادل بأن "الولايات المتحدة لديها بنحو أساسي نظام قائم على حزب واحد والحزب الحاكم هو حزب مجتمع الأعمال"(ص 286).
                                                       أستراليا
   في غضون أكثر من عقدين، زادت كمية الأموال التي جمعها المقاولون بنحو كبير. فقد كانت هذه هي الظروف المثالية لازدهار رأسمالية الكوارث. ذلك أن شركات دولية مثل "سيركو" و"جي فور إس" - وهي شركات متعددة الجنسيات ليست لديها مساءلة فعليا في البرلمان الأسترالي - قد باعت كفاءتها لحكومات أسترالية متعاقبة، على الرغم من أنها أخفقت بشكل روتيني في توفير الرعاية لموظفيها أو لطالبي اللجوء. وبينما كانت هذه الشركات تمارس ضغوطا خلف الكواليس للحصول على مزيد من العمل فإنها لم تضطلع بدور مباشر في السياسات الأسترالية المحلية. وكان هذا شيئا نموذجيا ونمطيا بالنسبة إلى الثقافة المعولمة للشركات. المسؤولية النهائية عن المخالفات والانتهاكات تقع على مسافة تبعد آلاف الكيلومترات في بريطانيا. وهو ترتيب مناسب لكل من الشركات والحكومة.
    في أستراليا لدى شبكة أستراليا الحديثة لطالبي اللجوء تاريخ دنيء. إذ إن وضعها بوصفها دولة استعمارية ارتكبت أعمال إبادة ضد سكانها الأصليين يفسر جزئيا المخاوف من الغرباء غير البريطانيين.
    صدرت أستراليا ثقافة مخصخصة إلى مراكز الاحتجاز في الخارج. فقد أدارت شركة "سيركو" بعض المرافق في جزر كوكس، في حين حصلت شركة "جي فور إس" في البداية على عقد لإدارة موقع في جزيرة مانوس. وكان سكان جزيرة ناورو يتقاضون أربعة دولارات في الساعة من شركات المقاولات للعمل في أحد المركز هناك - وهو أقل عشر مرات من الأجر بالساعة الذي كان يحصل عليه مواطنون أستراليون في المرفق نفسه.
   وكانت شركة "ترانسفيلد" تجني أموالا أكثر كلما طال بقاء اللاجئين وراء القضبان. وفرضت الشركة سياسة شديدة القسوة على موظفيها العاملين في جزيرتي ناورو ومانوس، حيث أخبرتهم بأن ثمة إمكانية لإقالتهم من العمل بناء على من يتابعهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو لكونهم جزءا من جماعة أو حزب معارض لسياسات أستراليا تجاه اللاجئين.
   منذ عام، كانت أربع شركات قد حصلت على أكثر من 5,6 مليار دولار من العمل في صناعة الاحتجاز. وفي تصريحات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" كشف ريتشارد هاردينج الذي شغل منصب كبير مفتشي السجون لمنطقة غربي استراليا، عن جوهر المشكلة بقوله: "هذه الشركات العالمية مثل سيركو هي أقوى من الحكومات التي تتعامل معها"(ص 340).
    ذلك أن كل واحد من اللاجئين يمثل قيمة نقدية. كما أن قضاء شهور وسنوات في مكان بعيد، يديره في كل يوم حارس غير مبالٍ أو عنصري وظفته شركة خاصة، ضاعف من الشعور باليأس. فاللاجئون من التاميل والأفغان والعراقيين، من بين جنسيات أخرى، انتقلوا من جحيم سلطوي واستبدادي إلى متاهة بيروقراطية، في بلد افترضوا خطأ أنه عادل وديمقراطي.
   ويختتم المؤلف الكتاب بالقول "رأسمالية الكوارث هي أيديولوجيا عصرِنا لأننا سمحنا لها بأن تكون كذلك. ولكن بوسعنا تغيير ذلك. ينبغي أن يكون هدفنا هو إيجاد نظام اقتصادي أكثر مساواة وديمقراطية تُمثلنا تمثيلا حقيقيا (ص 374)."
الهوامش
1-   للمزيد راجع: توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين (القاهرة: التنوير، ب. ت).
2-   للمزيد حول الليبرالية الجديدة راجع: أشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، ط 1 (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2008)،خصوصا الفصل السابع المعنون خرافة السوق ذاتي التنظيم، ص 317-337.
 

14
شركات النفط تتعرض الآن لضغوط من جميع الجهات

ترجمة: د. هاشم نعمة

    يتزايد الضغط على عمالقة النفط والغاز من قبل المستثمرين والبنوك وحتى من الوكالة الدولية للطاقة لزيادة عملية الاستدامة في مجال الطاقة بسرعة. 

      يتنامى في المجتمع حاليًا عدم الثقة في النوايا الحسنة لشركات صناعة النفط والغاز. ألا تعرض العالم للخطر باستراتيجيات أعمالها أم يمكنها تقديم مساهمة مهمة في حل أزمة المناخ؟
   في الحياة الواقعية، تتعرض الشركات العاملة في مجال الطاقة "الأحفورية" لوصمها بالعار بنحو متزايد وتُجبر على مواجهة الشباب المهتمين الذين يخرجون إلى الشوارع بأعداد كبيرة، والمنظمات البيئية التي ستلجأ إلى المحاكم لملاحقة هذه الشركات. وحتى الحلفاء القدامى، المستثمرون، يتشككون بنحو متزايد فيما إذا كانت أموالهم "في النفط" لا تزال آمنة.
   في هذا الأسبوع  كان ثمة هجومًا إضافيا مباشرًا من قبل الوكالة الدولية الطاقة ذات النفوذ الكبير (IEA). هذه المنظمة التي دائما ما ترضي الصناعة الأحفورية، تأسست قبل نصف قرن لمنع إمدادات النفط من التعرض للتعثر المستمر. لكن في التقرير المعنون "صفر فقط لعام 2050"، دعت الوكالة الدولية الطاقة شركات النفط إلى التوقف عن البحث عن حقول غاز ونفط جديدة، لأنه لم يعد من الممكن استخدامها. أي إذا أرادت البشرية الاحتفاظ بفرصة للحد من الاحترار العالمي بدرجة ونصف مئوية كحد أقصى في نهاية القرن.   
   لقد هز هذا الهجوم من قبل الوكالة الدولية الطاقة عالم النفط. ففي الماضي، طالبت الجماعات البيئية فقط في مقترحاتها الأكثر جذرية بإنهاء فوري للبحث عن موارد نفط وغاز جديدة. وفجأة جاء هذا الطلب من داخل ذات الدائرة.
   صُدم العديد من الخبراء وقالوا إن اقتراح الوكالة الدولية للطاقة كان غير مجدٍ. كانت توقعات الوكالة الدولية للطاقة السابقة بعيدة كل البعد عن الدقة، كما كتب المحلل اليميني فيل فلين في موقع إنفستينج دوت كوم على الإنترنت. ووفقًا لنائب رئيس معهد البترول الأمريكي، فإن أي خارطة طريق لانبعاثات صفرية صافية ستشمل "الابتكار المستمر واستخدام الغاز الطبيعي والنفط".
   لقد استجابت شركات النفط ببطء شديد للتغييرات الضرورية في الماضي، كما كتب جريج موتيت. وهو خبير بريطاني في تحول الطاقة في المعهد الدولي للتنمية المستدامة ذي الشهرة الواسعة .(IISD) علما أن "بريتيش بتروليوم BP هي شركة النفط الوحيدة التي لديها هدف محدد قصير الأجل لتخفيض إنتاج النفط. لكن الأمر استغرق 23 عامًا حتى وصلت الشركة إلى ذلك. لأنه في وقت مبكر من عام 1997، قالت الشركة إنها تأخذ مسألة تغيّر المناخ على محمل الجد. لذا فهي بطيئة للغاية. ولا تزال شركات النفط تنكر عن علم أو بغير علم، خطورة أزمة المناخ والدور الذي تلعبه منتجاتها فيها".

                                            أسئلة المناخ والمساهمون


   ومع ذلك، فإن السؤال يتمثل في ما إذا كان بإمكان القطاع الحفاظ على هذا الموقف الدفاعي لفترة طويلة. كان هذا واضحًا بالفعل خلال اجتماع مساهمي شركة شل عبر الإنترنت هذا الأسبوع. خلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات تقريبًا، كان ثمة نقاش بالكاد حول الموضوعات المألوفة مثل توزيع الأرباح أو سعر السهم أو سعر النفط. كانت أسئلة المستثمرين تدور اكثر حول الطاقة المتجددة والاحتباس الحراري وانبعاثات مجموعة شل من ثاني أكسيد الكربون.
   بدأ الاجتماع بداية رائعة يوم الثلاثاء بخطاب ألقاه رئيس مجلس إدارة شل المنتهية ولايته تشارلز هوليداي. ذكر فيه كيف أنه قبل ست سنوات، عندما طُلب منه تولي المنصب، أمضى ثلاثة أشهر في جولة في مجموعة شل الدولية. في سنغافورة دخل في حديث مع موظف، إذ سأله "ماذا تريد مني أن أفعل عندما أصبح مديرا؟" لم يكن على رجل شل أن يفكر طويلا. إذ أجاب، "ابنتي البالغة من العمر 13 عامًا تخجل من أن والدها يعمل في شركة شل. أريدك أن تغير ذلك".
    شعر هوليداي أن مهمته قد أنجزت. قال إن شركة شل قد تغيرت بالفعل. خذ على سبيل المثال خطة التحول التي يجب على شركة النفط والغاز جعلها خالية من الانبعاثات خلال ثلاثين عامًا. "إذا كانت تلك المرأة البالغة من العمر 19 عامًا موجودة هنا، فسأعطيها خطتنا الانتقالية وأقول: اقرئي هذا. ربما تريدي  أن تتبعي خطى والدك ".
    لكن جزءًا مهتما من المساهمين طالب يوم الثلاثاء باستدامة أسرع مما تقترحه شركة شل في خطة التحول. كانت خيبة أمل كبيرة لمجلس الإدارة، وفقًا لشركة شل، أن الحركة "الزائدة عن الحاجة" لحركة (أتبع هذا) Follow This، والتي تدعو شركات النفط إلى الامتثال لاتفاقية باريس، تلقت دعمًا من ما لا يقل عن 30 في المائة من المساهمين. هذه النسبة هي ضعف ما كان عليه الحال عام 2020.
      شل ليست استثناء. إذ تضاعف أيضًا عدد المستثمرين الذين يطالبون بخطوات إضافية نحو الاستدامة في فترة زمنية قصيرة في شركة بريتيش بتروليوم البريطانية. كذلك تم في كونوكو فيليبس الأمريكية دعم اقتراح قدمته حركة (أتبع هذا) هذا الشهر من قبل غالبية المساهمين.
     "إننا نطلق على هذا التحول أوقات مهمة"، يقول الأستاذ الجامعي في روتردام، ديرك لورباخ، المتخصص في التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ووفقا له، يمكن التنبؤ بالأنماط في وقت مبكر. "يمكنك أن ترى أن النظام يتعطل ويتعرض لمزيد من الضغط. قد يستغرق ذلك وقتًا طويلاً، ولكن عند نقطة معينة ينشأ توتر داخلي ثم تختفي الشرعية الاجتماعية". يرى لورباخ أن هذا يحدث في صناعة النفط، ولكن أيضًا في الزراعة وصناعة السيارات التي حاولت إيقاف التغيير "بفضائح انبعاثاتها.
    وفقًا للورباخ، يبدأ التحول عادةً هامشيا. "بدأت حركة (اتبع هذا) صغيرة جدًا في اجتماعات المساهمين في شركات النفط. إن القليل من الذين لديهم تحليل جيد طويل الأمد هم بذور التغيير. هذا في حد ذاته ليس تحولا، تمامًا كما كان عليه الحال في عدد قليل من الألواح الشمسية. لكن هذه التطورات جزء من عملية بحث اجتماعي عن نظام مختلف ".
    يمكن أن يؤدي هذا إلى ولادة شركات جميلة من جديد. تحاول بعض الشركات تأخير هذا التحول لأطول فترة ممكنة، ولكن هناك أيضًا أمثلة لشركات بدأت عملية التحول الخاصة بها. مثل أورستيد وشركة المناجم الهولندية التي تطورت إلى شركة متخصصة في المواد الكيميائية الدقيقة (قطاع من الصناعات الكيميائية يهتم بتصنيع المواد عالية الجودة مثل الأدوية والمنظفات والأصباغ والالكترونيات وغيرها)*، بينما استبدلت شركة أورستيد الدنماركية النفط والغاز باستخدام طواحين الرياح.
    وفقًا لرئيس شركة شل فان بيردن، لا يوجد تحول حقيقي حتى الآن. ففي مقابلة معه في موقع بلومبرج غرين عام 2020، سُئل عما إذا كان يرى التطورات الحالية في سوق الطاقة على أنها "تحول فوضوي". هذه العملية هي خوفه الكبير. يقول فان بيردن ، مشيرًا إلى أزمة كورونا: "ما يحدث الآن فوضوي، لكنه ليس تحولا".
    لخفض استخدام الوقود الأحفوري بمقدار الربع  كما يقول، "هناك حاجة إلى إجراءات صارمة. عليك أن تحبس الناس. عليك إغلاق الاقتصاد. إنه يوضح حجم التحدي، ومدى تعقيده، وماذا ستكون العواقب إذا كنت تريد حقًا التخلص من النفط والغاز بطريقة مبسطة".

                                               مخاوف بشأن الأصول العالقة


    سواء كان الأمر بسيطًا أم لا، يفقد النفط والغاز ببطء موقع قوتهما في عالم الطاقة. هذا الأمر مرئي أيضًا من قبل المستثمرين. منذ أكثر من عشر سنوات، بدأت كاربون تراكر Carbon Tracker، وهي مؤسسة فكرية مالية مستقلة، في التحذير من الأصول المتعثرة، والمخاطرة في الاستثمار في الوقود الأحفوري الذي لن يتم تعويضه أبدًا. كان الأمر مضحكا بعض الشيء، حتى حذر مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، البنك المركزي البريطاني، في تشرين الأول| أكتوبر 2015 من الأزمات المالية بسبب تغيّر المناخ.
     بعد كارني، يشير البنك المركزي الهولندي أيضًا بانتظام إلى مخاطر تغيّر المناخ. ففي مقابلة مع صحيفة NRC، حذر أولاف سليبن عضو مجلس إدارة البنك الأسبوع الماضي من التغييرات المفاجئة إذا لم تسرع هولندا في سياستها المناخية. "بصفتنا أوصياء على الاستقرار المالي في هولندا، فإننا نشعر بالقلق حيال ذلك".
     نشر موقع بلومبرج يوم الأربعاء الماضي تحقيقًا في استثمارات البنوك في الطاقة. وجاء في العنوان: "لقد دعمت البنوك دائمًا الوقود الأحفوري على حساب المشاريع الخضراء - حتى هذا العام". فمنذ إبرام اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، تم إنفاق ما لا يقل عن 3000 مليار يورو على الوقود الأحفوري، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما تم إنفاقه على المبادرات المستدامة. لكن المؤسسات المالية الكبرى البالغ عددها 140 مؤسسة التي شملتها الدراسة التي أجراها بلومبرج قد استثمرت بالفعل 203 مليار دولار (166 مليار يورو) في الطاقة المتجددة هذا العام - مقابل 189 مليار دولار للمشاريع الأحفورية. يقول محللون إن ذلك قد يكون نقطة تحول. علما في عام 2021 تم الاستثمار في الطاقة المستدامة بقدر ما تم استثماره في الطاقة الأحفورية.
    قال موتيت الخبير في المعهد الدولي للتنمية المستدامة: "المشكلة في البلدان الغنية والاقتصادات الناشئة ليست نقص الاستثمار في الطاقة، ولكن الاستثمار في الأنواع الخاطئة من الطاقة". "كلما كانت الإشارات أوضح من الحكومات والمؤسسات مثل الوكالة الدولية للطاقة، زاد تركيز المستثمرين على الطاقة المتجددة. وفقًا لبحث علمي حديث فإن التكاليف المطلوبة لهدف 1,5 درجة مئوية تتوافق تقريبًا مع المبلغ الذي يجب ألا نستثمره بعد الآن في الوقود الأحفوري ".
    كما يتعين على المستثمرين المؤسسيين الهولنديين مثل صناديق التقاعد أن يحسبوا بنحو متزايد استثماراتهم في عالم النفط. إن ترك أو إلقاء نظرة انتقادية هو الآن سياسة صندوق الرعاية الصحية،  ثاني أكبر صندوق معاشات تقاعدية. ففي عام 2019 وحده باع الصندوق حصصًا في أكثر من 50 شركة نفط وغاز، بما في ذلك إكسون موبيل وغازبروم وبتروبراس. وقالت جوان كيليرمان رئيسة صندوق التقاعد: "نحن ندرك أن شل رائدة في هذا العالم". ومع ذلك ، "لا نعتقد أن استراتيجية شل تذهب بعيدًا بما فيه الكفاية".
    لذلك صوت صندوق الرعاية الصحية (لأول مرة) لصالح حركة (أتبع هذا) وضد خطة التحول التي قدمتها شل لمساهميها للحصول على المشورة كأول مرة. حازت هذه الخطة على دعم ما يقرب من 90 في المائة من المساهمين. وفقًا لرئيس مجلس الإدارة هوليدي، هذا "دليل قاطع على الدعم" لإدارة شل.
    كانت نتيجة التصويت الثاني دعم بنسبة 30 بالمائة لاقتراح حركة "اتبع هذا". من الناحية العملية، يتطلب هذا تقييدا سريعًا للانبعاثات، الأمر الذي من شأنه أن يغيّر من استراتيجية شل بشكل كبير. تقول الشركة نفسها إنها ستكون محايدة مناخياً بحلول عام 2050، لكنها ليست ملتزمة بخفض الانبعاثات السابقة. بعد الاجتماع، صرحت شل في بيان مكتوب بأنها "أحيطت علما" بنتائج كلا التصويتين. في غضون ستة أشهر، تهدف مجموعة شل إلى الوصول إلى "فهم كامل" لأسباب حصول حركة (أتبع هذا) على الكثير من الدعم. وسيتبع ذلك تقديم "تقرير رسمي للمستثمرين".

                                               لا تزال الحكومات مترددة


    على الرغم من مشكلة المناخ الملحة، فإن الحكومات المسؤولة في النهاية عن الحد من غازات الاحتباس الحراري، تتخلى عن الإجراءات الصارمة. وفقًا للبروفيسور ديتليف فان فورين من أوتريخت ، المنتسب أيضًا إلى وكالة التقييم البيئي الهولندية، يجب اتخاذ الإجراءات بسرعة للبقاء في حدود 1,5 درجة مئوية من الاحترار. وقال مؤخرًا في سيمنار (أتبع هذا): "مع انبعاثات سنوية تبلغ 43 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون عام 2019، يتبقى لدينا حوالي عشر سنوات"، لتحقيق الهدف.
    السؤال ليس ما إذا كان ذلك ممكنًا من الناحية الفنية، كما يقول خبير المعهد الدولي للتنمية المستدامة ، موتيت. وفقا له، فإن سيناريوهات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وتقرير الوكالة الدولية للطاقة الأخير يظهران أن ذلك ممكن. "السؤال هو ما إذا كان ذلك ممكنًا من الناحية السياسية. تظهر دول مثل الدنمارك وكوستاريكا وأيرلندا أن ذلك الأمر ممكن ".
     لكن العديد من الحكومات لا تزال مترددة في التعامل مع صناعة الوقود الأحفوري. وهذا يفسر أيضًا الدعاوى القضائية العديدة ضد شركات النفط: إذا لم تقم الحكومة بذلك، فسيقوم بها المواطن من خلال المحاكم. في قضية أورخندا، خلص القاضي إلى أن الدولة الهولندية لم تفعل ما يكفي لحماية مواطنيها من آثار تغيّر المناخ. في ألمانيا، قضت المحكمة الدستورية بأنه يجب على الحكومة بذل المزيد من الجهد للحفاظ على حياة البلاد للأجيال القادمة. وقالت المحكمة إن ألمانيا ستطلق كميات كبيرة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري حتى عام 2030 بحيث أنه في الوقت التالي "ستتعرض تقريبا كل أنواع الحريات التي تحميها الحقوق الأساسية للخطر". كما أن شركات النفط تقف أو وقفت أمام المحاكم في النرويج وبلجيكا والولايات المتحدة. والأربعاء المقبل سيصدر الحكم في الدعوى القضائية التي رفعتها حركة الدفاع عن البيئة (في هولندا)** ضد شركة شل. ( صدر الحكم من محكمة لاهاي في 26 مايس| أيار 2021 وطلب من شل أن تتخذ على الفور تدابير للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون)*** إن من مطالبات الحركة البيئية أن تجعل مجموعة شل عملياتها التجارية تتماشى مع اتفاقيات باريس.
    يجد لورباخ أنه من المدهش أن الحركة البيئية لم تعد وحيدة. من سيكون القوة الدافعة وراء تحول الطاقة؟ "يمكنك الآن رؤيتها قادمة من جميع الجهات. قبل عشرين عامًا، كان قطاع الطاقة شيئًا ينظمه بضع مئات من المهندسين الرجال". يلعب عالم المال الآن دورًا، والقضاء والنقابة أيضًا. و"يعمل اتحاد نقابات العمال في هولندا الآن على خطة مستقبلية خضراء لشركة تاتا ستيل Tata Steel. وأصبح المجتمع نفسه ذا أهمية متزايدة وذلك باشتراكه في النقاش بشأن المناخ ".
    الحجة التي سمعناها كثيرًا بأننا ما زلنا بحاجة إلى النفط والغاز لعقود لاستمرار العالم لا تترك انطباعًا لدى لورباخ. "هذه هي رواية شركات الطاقة لدعم موقفها. يمكن أن تستمر التطورات بسرعة إذا زاد الدعم العام لها. الالتزام السياسي آخذ في الازدياد، ويتم تطوير التكنولوجيا... هذا هو بالضبط ما أظهرته وكالة الطاقة هذا الأسبوع ".
     يوافق جريج موتيت ذلك. ويكتب: "مثل الأنظمة الطبيعية، تمتلك الأنظمة البشرية نقطة تحول". "أعتقد أن سيناريو الوكالة الدولية للطاقة الجديد سيجعل العالم أقرب خطوة إلى نقطة التحول المجتمعي، حيث لن يطرح أحد فكرة الاستثمار في الطاقة الأحفورية."

* المترجم
** المترجم
*** المترجم

الترجمة عن: NRC Handelsblad 22-23 Mei 2021






15
المنبر الحر / الفقر كأيديولوجيا
« في: 19:54 03/05/2021  »
الفقر كأيديولوجيا
ترجمة: د. هاشم نعمة

    يتضمن مفهوم الفقر أحكاما معيارية تتعلق بالهوية الاجتماعية ضمن رؤية ما يجب أن يشكل نظامًا اجتماعيًا عادلًا. في الواقع أن تحديد الهوية الاجتماعية عادة ما يكون مرتبطًا بالسياسات الفعلية ووسائل الدعم الاجتماعي، أنه يقع أيضًا في ميدان الاقتصاد السياسي ويخضع لعلاقات القوة التي تتغلغل فيه. تنطبق هذه النقطة على جميع الإحصاءات الاجتماعية إلى الحد الذي تعتمد فيه على الأصول الاجتماعية والمؤسسية. ومع ذلك، تعتبر إحصاءات الفقر أيديولوجية على وجه الخصوص بالنظر إلى الدور المركزي الذي تلعبه فكرة الفقر في الأيديولوجيات المعاصرة المرتبطة بالتطور الرأسمالي.

   إن عدم تسييس ظاهرة الفقر، سواء من ناحية المفاهيم أو المقاييس نفسها أو من ناحية طريقة توظيفها في مختلف برامج التنمية، يعمل على حجب هذه الطبيعة الأيديولوجية المتأصلة. علاوة على ذلك، فإن محاولات الابتعاد عن الجوانب المالية لا تحل مشكلة عدم التسييس ولكن يمكن القول إنها تزيدها تعقيدا وتعسفا وغموضا. وقد أدى توافق الآراء في مختلف اجندات التنمية العالمية، ولا سيما الأهداف الإنمائية للألفية وأهداف التنمية المستدامة (العائدة للأمم المتحدة)* إلى خنق النقاش السياسي، ومن ثم منح اليد العليا للأصوات الأكثر قوة من الناحية المؤسسية والسياسية ضمن هذه الصراعات السياسية.

   على وجه الخصوص، تم تنظيم مشروع إنشاء إحصاءات الفقر العالمية بطرق مختلفة لإضفاء الشرعية على المرحلة الأخيرة الخبيثة من الرأسمالية التي يشار إليها بشكل مختلف باسم "الليبرالية الجديدة" أو بشكل أكثر تلطيفًا باسم "العولمة". تشير الليبرالية الجديدة نفسها إلى المشروع السياسي لرأسمالية عدم تدخل الدولة. ومع ذلك، فقد امتزجت مع توجهات متزايدة ذات سمات محافظة والتي تكاد تكون فيكتورية بطبيعتها، من حيث أنها تركز على تأديب سلوك الفقراء في كثير من الأحيان، بأسلوب العقاب. في حين أن هذا الدافع  من التدخل ذي السمة العنصرية ليس ليبراليًا بشكل خاص، إلا أنه يتناسب مع ما يعرضه كيلي بوضوح على أنه الطريقة التي اعتمد بها المشروع النيوليبرالي الجديد على سلطة الدولة وتدخلها بدرجات كبيرة. والسبب في ذلك يعود إلى أن المشروع النيوليبرالي كان موجهًا بشكل أساسي نحو حماية حقوق الملكية الخاصة (إنشاءها واستخدامها بحرية، بما في ذلك الأصول المالية). وبالتالي فإنه يتضمن أيضًا سمات محافظة، لا سيما فيما يتعلق بحماية النظام الطبقي السائد على عكس الليبرالية الكلاسيكية التي كانت أكثر ثورية في سعيها إلى تفكيك النظام الأرستقراطي القديم.

    شهدت الفترة النيوليبرالية المعنية تعرض أجزاء كبيرة من جنوب العالم لأزمات عميقة ومتكررة
وتنفيذ برامج التكييف الهيكلي لأكثر من عقدين، إلى أن سمحت ظروف زمن الازدهار منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا ببعض التأجيل لهذه البرامج، وإن كان ذلك ضمن بيئة متغيرة تتسم بحركة رأس المال عبر الوطني بالكامل ووفرة التمويل. هذا هو النظام الجديد الذي تسعى الأيديولوجية السائدة إلى إضفاء الشرعية عليه من خلال سرديات الفقر. إذ جرى استخدام بيانات الفقر بطرق مشكوك فيها في كثير من الأحيان لتعزيز السرديات السائدة لهذا الماضي القريب كواحدة من آليات التحرير التدريجي المؤقت، وبالتالي فإن السياسات التي جاءت معها كانت واحدة من السياسات الناجحة لكن بحذر. في الواقع يمكن القول أن أعدادًا كبيرة من الناس حول العالم لا يشعرون أن هذا هو الحال، لذلك فإن هذا يغذي لديهم ردود الفعل السياسية ضد هذه الرؤية. ومع ذلك، تشير الاتجاهات الأخيرة إلى أن الحركات الشعبوية اليمينية الصاعدة كانت أكثر نجاحًا في التقاط هذا الشعور من اليسار (مع بعض الاستثناءات). لذلك فإن هذا التوجه له تأثير في تعزيز التوجهات المحافظة التي تتماشى بشكل مثير للسخرية مع المشروع النيوليبرالي، على الرغم من أن الكثيرين يزعمون أن هذا يمثل موتا لليبرالية الجديدة. 
 
   تتمثل المسألة الكبيرة الأخرى أيضا في هذه الفترة بالصعود الدراماتيكي للصين التي تقدم سردًا أيديولوجيًا مختلفًا. في الواقع، يجري تنظيم إحصاءات الفقر في الصين لدعم التنمية الحكومية. علما هناك بعض الجدل بشأن ما إذا كان ينبغي اعتبار الصين ذات توجه نيوليبرالي. لكن لم يكن لذلك تأثير كبير في المزيد من دراسات الاقتصاد السياسي وتأثيراتها على السياسة الاقتصادية الفعلية، حيث لا تعتبر الصين ذات توجه نيوليبرالي بالمعنى التقليدي. ومع ذلك  فقد تم نسج قصة الصين في الخطاب السائد عن الفقر بدرجة كبيرة من خلال التأكيد على تحريرها من اقتصاد ماوي مغلق. علما تتجنب هذه الرواية عمومًا الإرث والسيطرة المستمرة للدولة بدرجات قوية والنزعة التنموية التي تقودها والتي تفسر جزءًا كبيرًا من تجربة الحد من الفقر في البلاد (ومن المفارقات، أن سيطرة الدولة يتم استحضارها عندما يجري انتقاد البلد بسبب التلاعب بالعملة أو التجارة).
     
     تتعلق المسألة المركزية الأخرى بالتركيز على المقاييس المطلقة المستخدمة في جداول أعمال التنمية العالمية الحالية - بما في ذلك ما يسمى بالمقاييس متعددة الأبعاد - وهو نتاج تحيز السياسة نحو استهداف الفقراء في توفير الخدمات الاجتماعية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العديد من هذه المقاييس قد جرى تصميمها لدعم هذا  الغرض. ومع ذلك، فإن السبب الأكثر دقة هو أن المفاهيم والمقاييس المطلقة ليست مناسبة تمامًا لتعكس قيمة أشكال التدابير الأكثر عالمية. علما يجري تبني أولوية سياسة الانتفاع على حساب المساواة، من خلال معالجة الفقر أولاً بدلاً من معالجة الآثار المؤسسية التي تحدثها هذه النفعية والتي تميل إلى تشجيع الفصل العنصري على حساب التضامن العابر للطبقات.
 
    في الواقع، في ظل المناخ السياسي العالمي الحالي، يكمن الخطر في أن التوجه الأيديولوجي المحافظ المذكور أعلاه يصبح أسلوبا عقابيًا بصورة متزايدة باستخدامه أساليب استهداف الفقراء والتي من المفارقات كانت قد طورتها حكومات "اليسار الجديد" السابقة. هناك بالفعل مؤشرات على ذلك، ربما تم تمثيلها بشكل مثير للإعجاب من قبل إدارة ترامب.  وذلك من خلال استبدال المقاييس الحالية للفقر في الولايات المتحدة بمقاييس "الاستهلاك"، أي تلك المستخدمة بكثرة في برامج التحويلات النقدية في البلدان النامية (أي التحويلات المرسلة من المهاجرين في الخارج)**. فقد ادعت الإدارة مؤخرًا أنه لا يوجد أكثر من 250,000 شخص يعيشون في ظروف الفقر المدقع في الولايات المتحدة، إزاء تقدير بلغ 18,5 مليون ورد في تقرير للأمم المتحدة أو تقديرات تعداد الولايات المتحدة لعام 2016 البالغة 41 مليون شخص يعيشون في فقر (ليس فقرًا مدقعًا). إن التحرك الفاعل للقضاء على التوثيق الإحصائي الرسمي للفقر في الولايات المتحدة هو جزء من الجهود التي يبذلها الجمهوريون في الكونغرس لإضافة متطلبات العمل بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتلقون قسائم الطعام، والمساعدات الطبية، وإعانات الإسكان، ومن ثم العمل على إجراء تخفيضات في المساعدات الاجتماعية بشكل عام. في المملكة المتحدة، هناك اتجاه مماثل لجعل الائتمان الشامل الذي يجمع ست مزايا مختلفة، يتمثل بدفع مبلغ شهري واحد، ليصبح ذلك وبصورة متزايدة أسلوبا عقابيًا وأيضًا وسيلة لخفض فوائد الرعاية الاجتماعية بصورة مؤثرة. في الواقع أن "الائتمان الشامل" يشبه فكرة الدخل الأساسي الشامل ويوضح السهولة التي يمكن بواسطتها بأسلوب خبيث تخريب الأفكار السياسية العائدة لليسار الاشتراكي الديمقراطي من قبل اليمين. وبهذا المعنى، فإن التحيزات في مفاهيم الفقر ومقاييسه، والتي قد تبدو في بعض الأحيان غير ضارة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى منحدرات خطرة عندما يتغير المناخ السياسي. لذلك علينا أن نأخذ التحيزات الضمنية على محمل الجد.

    يتمثّل الدليل الآخر في أن مقاييس الفقر المطلقة ليست مناسبة تمامًا لتعكس الانتاج الديناميكي للفقر ضمن عمليات التحول الهيكلي الحديثة، وذلك لعدة أسباب تتعلق أساسا بالطبيعة النسبية للفقر في العصر الحديث. والنتيجة هي أن مثل هذه المقاييس المطلقة تنزع بصورة عامة إلى التقليل من شأن تزايد الفقر بمرور الوقت. إن عدم الملاءمة هذا يرتبط جزئيًا بالتعسف المتأصل في الاختيار الذي يتضمنه قياس الفقر، وهي معضلة متأصلة ومستعصية يجب الاعتراف بها علنًا بدلاً من الافتراض أنها يمكن أن تنتهي من خلال التطور التقني.

    مع ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أن الاتفاق الحالي لفهم الفقر المدقع وقياسه، بما في ذلك
المقاييس متعددة الأبعاد، مثل تلك التي تم تبنيها رسميًا من قبل الأهداف الإنمائية للألفية ثم أهداف التنمية المستدامة، لا تزال متجذرة إلى حد كبير في تصور الحد الأدنى من الاكتفاء المعيشي، على الرغم من إدراج بعض المؤشرات عن عدم المساواة في أهداف التنمية المستدامة. في حين أن هذا التوجه لا يزال ساريًا في سياقات معينة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالمجاعات المعاصرة (مع التنبيه إلى أن تقييمات الجوع هي أيضًا نسبية وتعسفية). علما تغيرت سمات  الاحتياجات الاجتماعية الأساسية بشكل عام - غالبًا بشكل جذري - ضمن التحولات المرتبطة عادةً بالتطور الرأسمالي الحديث، والتحول الديموغرافي والتحولات الأخرى ذات الصلة، جنبًا إلى جنب مع تطور المعايير الأساسية المرتبطة مثلا بمعرفة القراءة والكتابة ومستويات التعليم، أو متوسط العمر المتوقع والجوانب صحية.

    على سبيل المثال، من النتائج الأخرى، هي استمرار ظاهرة الجوع على الرغم من ارتفاع الدخل وتراجع فئة قليلي الدخل، وهي من بين مظاهر التنافر الأخرى أو عدم الانسجام التي كانت موضوعا لنقاشات متكررة في العقود الأخيرة. فبدلاً من إلقاء اللوم على الفقراء بسبب خيارات الاستهلاك السيئة، فإن التفسير الأكثر وضوحًا لهذا التنافر هو أن خطوط الفقر لا تواكب ببساطة التحولات الجارية في الاحتياجات الاجتماعية، حيث تكتسب الاحتياجات غير الغذائية الأسبقية بصورة متزايدة على الاحتياجات الغذائية. لذلك يتم الحد من استهلاك الطعام، لأنه من الاحتياجات التي يمكن الحد منها، مقارنة بغيرها من الاحتياجات الأكثر مرونة. وهذا هو الحال عندما يجري خصوصا تحويل سبل العيش إلى نقود وسلع بالكامل، كما هو الحال عمومًا في المناطق الحضرية. ونتيجة لذلك، يمكن أن يحدث استهلاك غير كافٍ للأغذية في سياقات بعيدة عن وضعية الكفاف في الوقت الذي يمكن للدخل أن يسمح تقنيًا باستهلاك كافٍ للغذاء، بعيدًا عن الاحتياجات الأخرى. وبالتالي، فإن خطوط الفقر المتأصلة في مفهوم الحاجة إلى الغذاء تميل إلى التقليل من أهمية هذه التحولات بمرور الوقت. 

    بعبارة أخرى، فإن المعايير التقليدية المستخدمة حاليًا في هذه المقاييس المطلقة (للفقر)*** يتم تعريفها بصورة ضئيلة للغاية لدرجة أنها تصبح قديمة أساسا بمرور الوقت في مجرى التحولات الهيكلية المرتبطة بالتنمية، خصوصا التحضر. لذلك، قد يكون تراجع معدلات الفقر، بدرجة أقل أو أكثر، انعكاسًا لواقع تأخر المقاييس المعيارية بصورة متزايدة عن مواكبة تطور الاحتياجات الاجتماعية الملحة للفقراء. إن هذه المسألة تعد مشكلة خصوصا عندما يتم استخدام هذه المعايير لتحديد عتبات "إخراج" الفقراء من نطاق الدعم والمساعدة. في الواقع، يمكن إثارة نقطة مماثلة تتعلق بالعتبات المستخدمة للتمييز بين البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، وهي أن هذه العتبات منخفضة للغاية، ومن ثم تعطي مظهرًا زائفًا لما يسمى بالانتقال إلى الشريحة الدنيا للبلدان ذات الدخل المتوسط.

* المترجم
** المترجم
*** المترجم

الترجمة عن كتاب:
Andrew Martin Fischer, Poverty as Ideology: Rescuing Social Justice from Global Development Agendas (Crop: 2018).


     

   

     

     
     
       


16
الانتعاش الاقتصادي العالمي وشيك، ولكن ليس في البلدان الفقيرة

ترجمة وإعداد: د. هاشم نعمة

   تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن الضرر الناجم عن أزمة كورونا ليس بنفس مستوى الضرر الذي تسببت فيه الأزمة المالية لعام 2008. لكن هذا ينطبق بشكل خاص على البلدان الغربية.

  التعافي الاقتصادي العالمي من أزمة كورونا جار، لكن توزيعه غير متساو؛ إذ البلدان النامية والناهضة على وجه الخصوص هي الأكثر تضررا من البلدان الصناعية. نشر ذلك صندوق النقد الدولي (IMF) في تقريره نصف السنوي عن آفاق الاقتصاد العالمي، والذي صدر يوم الثلاثاء 6 نيسان| أبريل 2021.

  تحسنت الآفاق الاقتصادية العالمية بشكل طفيف، لكن التباينات بين الدول تبدو كبيرة؛ إذ تأتي الولايات المتحدة في المقدمة، ومن المرجح أن تعوض الضرر الناجم عن كورونا هذا العام. أما بالنسبة إلى معظم البلدان الأخرى، يحدث هذا لكنه سيتأخر كثيرا. وستعمل إسبانيا أو إيطاليا، بقطاعيهما السياحيين الكبيرين في هذا الاتجاه، لكن ذلك يمتد إلى عام 2023 على الأقل.

    وبحسب صندوق النقد الدولي، في العام الماضي، تم تقديم مبلغ هائل قدره 16 ألف مليار دولار (13500 مليار يورو) من المساعدات الاقتصادية من قبل جميع دول العالم - في شكل مساعدات أو على سبيل المثال، بصورة تأخير دفع الضرائب. بدون هذا الدعم، لكان معدل الركود الذي حدث (بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي العالمي 3,3 في المائة) أكبر بثلاث مرات.

    بالنسبة إلى البلدان الغربية، فإن الأضرار التي لحقت بها أقل من الأضرار التي تسببت بها الأزمة المالية لعام 2008. ومع اقتراب التعافي، فإن وضع البلدان الناهضة والنامية يتسم بالخطورة بدرجة أكبر؛ إذ هناك خطر يتمثل في أن أسعار الفائدة في البلدان الصناعية التي ظلت منخفضة للغاية في الوقت الحالي، سترتفع مع تقدم الانتعاش الاقتصادي. يمكن أن يحدث هذا بشكل خاص في الولايات المتحدة. في هذه الحالة، يمكن أن تتوجه التدفقات المالية الدولية إلى البلدان الغربية، مما يتسبب في جفاف التمويل في البلدان الناهضة، ومن ثم حدوث أزمات.

                                                 الانتعاش غير المتكافئ

   قالت جيتا جوبيناث كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي يوم الثلاثاء 6 نيسان| أبريل 2021، إن هذا الانتعاش غير المتكافئ هو ما يقلق صندوق النقد الدولي. ويقدر تراجع رفاهية الفرد بسبب الوباء بمتوسط 2,3 في المئة في البلدان الغربية، و 4,7 في المائة في البلدان الناهضة (وحتى 6,1 في المائة إذا لم يتم تضمين الصين) و 5,7 في المائة في البلدان النامية. ولأول مرة منذ مطلع القرن، يظهر المزيد من الفقراء المدقعين في جميع أنحاء العالم، حوالي 95 مليون مقارنة بالتنبؤات السابقة للوباء.

   في العام الماضي، وافقت مجموعة العشرين (أهم البلدان بالنسبة للاقتصاد العالمي) بالفعل على وقف سداد ديون البلدان ذات الدخل المنخفض. وهذا الأسبوع، تم إدراج هذه المسألة على جدول أعمال الاجتماع الربيعي الذي تعقده مجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي.

    كما أن زيادة مقدار حقوق السحب الخاصة (SDRs) من صندوق النقد الدولي التي تتمتع بها البلدان  مطروحة الآن على طاولة النقاش. وتتكون حقوق السحب الخاصة- وهي العملة الاحتياطية لصندوق النقد الدولي- من سلة من العملات القوية (الدولار واليورو والجنيه والين والرينمينبي الصيني). وتتمتع كل دولة من الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي بإمكانية الوصول إلى مقدار من حقوق السحب الخاصة، والتي تكون بمثابة ضمان لقرض سريع يمكنها الحصول عليه من الصندوق، دون شروط كثيرة.

    قد يكون كثير من البلدان النامية والناهضة في ورطة بسبب الوباء وبسبب قروضها المستحقة بالفعل من العملات القوية أو قد تحتاج إلى مزيد من التمويل في المستقبل. ويمكن أن تؤدي زيادة مقدار حقوق السحب الخاصة التي تشكل أساسًا نوعًا من احتياطي النقد الأجنبي الإضافي إلى التخفيف من أعباء هذه البلدان.

    تتمثل النقطة المهمة في أن حقوق السحب الخاصة يتم توزيعها بما يتناسب مع حجم اقتصادات البلدان الأعضاء. لذلك سينتهي الأمر بالبلدان ذات الدخل المنخفض بحصولها على 21 مليار دولار من مجموع 650 مليار دولار تعهدت مجموعة العشرين بدفعها لصندوق النقد الدولي مؤخرا.

    قالت كبيرة الاقتصاديين جوبيناث إن السيناريوهات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم تعتمد بشكل كبير على مسار الوباء ومعدلات التطعيم. فالأهم هذا العام، وفقًا لصندوق النقد الدولي، هو تلقيح أكبر عدد ممكن من الأشخاص في أسرع وقت ممكن. سيتم في معظم البلدان الصناعية، الانتهاء من هذه العملية بحلول صيف هذا العام. لكن لن تكون كثير من البلدان النامية مستعدة لذلك حتى نهاية عام 2022.

    طالبت جانيت يلين وزيرة الخزانة الأمريكية في خطاب ألقته يوم الاثنين 5 نيسان| أبريل 2021 بإقرار حد أدنى لضريبة الشركات على مستوى العالم. إذ ترغب الولايات المتحدة في أن تقوم بلدان مجموعة  العشرين ذات الاقتصاديات الأكثر أهمية في العالم، بمناقشة هذا الموضوع في اجتماعها هذا الأسبوع.

    يرتبط الاقتراح هذا بخطة إدارة بايدن الضخمة المخصصة للبنية التحتية التي خُصص لها 2300 مليار دولار أمريكي والتي سيجري تمويلها من خلال زيادة الضرائب على الشركات الأمريكية. لذلك، يجب رفع ضريبة الشركات في الولايات المتحدة من 21 في المائة إلى 28 في المائة. ويمكن أن يساعد تحديد حد أدنى لمعدل الضريبة العالمي على الشركات في منع الشركات الأمريكية من اللجوء إلى البلدان الأخرى إذا تم رفع معدل الضريبة في الولايات المتحدة.

  على الرغم من أن صندوق النقد الدولي يؤيد تحديد حد أدنى للضريبة على مستوى العالم وفقًا لجوبيناث، فإن هذا يهدف أساسًا لمنع التهرب الضريبي ولضمان قدرة الدول على تمويل نفسها بشكل كافٍ. وأشارت إلى أن التخفيض الضريبي الأمريكي في عام 2017 في عهد ترامب، أعاد عددًا قليلا من الشركات إلى الولايات المتحدة مما كان متوقعًا. على العكس من ذلك، قد تؤدي الزيادة  في الضريبة إلى انتقال أعداد أقل من الشركات خارج الولايات المتحدة.

   بالنسبة إلى هولندا، يقدر الصندوق بأن النمو الاقتصادي سيكون بنسبة 3,5 في المائة هذا العام. وهذه النسبة أكثر بكثير مما توقعه مكتب التخطيط المركزي الهولندي الأسبوع الماضي، والذي جاء عند 2,2 في المائة فقط. علما ليس في الغالب أن تختلف التوقعات كثيرًا فيما بينها.

الترجمة: عن NRC Handelblad, 7 April 2021



17
المنبر الحر / نكران الثقافات
« في: 17:24 05/04/2021  »
نكران الثقافات
د. هاشم نعمة
    نتيجة استمرار تيارات الهجرة في السنوات الأخيرة وخصوصا اللجوء من البلدان النامية ومنها البلدان العربية إلى البلدان الأوروبية، أثار هذا الموضوع الكثير من النقاش في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية وحتى الأكاديمية وتركز حول اندماج المهاجرين وآفاقه ومعوقاته في مجتمعات بلدان الاستقبال. ومساهمة في إطلاع القارئ على جانب من الأبحاث الأكاديمية الجادة التي عالجت هذا الموضوع، أخترنا تقديم قراءة عن كتاب "نكران الثقافات" لمؤلفه عالم الاجتماع الفرنسي هوغ لاغرانج، ترجمة الباحث سليمان رياشي، والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2016. يقع الكتاب في 399 صفحة.
     يضم الكتاب أثني عشر قسما أو ما يشبه الفصول تتناول إضافة إلى مقدمة المترجم والمدخل الآتي: الصدام وارتداداته في الشمال، الارتدادات في الجنوب، بطالة انتقائية وتمييز، الانحرافات والدراسة والإرث العائلي، العائلات الأفريقية في فرنسا والتقاليد، الجيل الثاني أمام الحداثة، الذكورية والثقافة الفرعية والانحراف، السياسات المناطقية والتنوع الثقافي، السياسات الحضرية والاختلاط الاجتماعي، نشاط النساء والتمكين، الإدراج، خلاصة وملحق.
    يعالج الكتاب مشكلة اندماج المهاجرين العرب والأفارقة والآسيويين في البلدان الأوروبية، خصوصا فرنسا. فهو يعكف، على دراسة وتحقيب الهجرات المتتالية في ضوء حاجة الاقتصاد الفرنسي إلى اليد العاملة الأجنبية خلال فترة الازدهار الاقتصادي التي أعقبت الحرب العلمية الثانية. ويتبنى المؤلف مصطلح "العقود الثلاثة المجيدة" إشارة إلى فترة الازدهار وكذلك فترات الركود وتفاقم مشكلات البطالة وتبدّل المزاج الرسمي والشعبي تجاه الهجرة والمهاجرين، ويتناول بالتفصيل تطورات السياسية الرسمية وفق تعاقب "اليسار" و"اليمين" على السلطة ونقاط التقاطع والفصل بينهما، مشيرا إلى حدود التمايز كلما وجد إلى ذلك سبيلا.
    يشير المؤلف في المقدمة إلى أن الطبقات الشعبية المحلية المهددة بالبطالة وبهشاشة أوضاعها وبتدني مداخيلها وحقوقها التقاعدية، تبدي غضبها الذي يستهدف، من ضمن آخرين، مهاجري الجنوب، فيصبح هؤلاء أكباش فداء ويتلقون مباشرة، عبر ردّات الفعل الكارهة للأجانب، الاحتجاج السياسي الجمعي. علما، في أوروبا، تجلت صدمة العولمة بصعود السياسات الهوياتية وإقفال الحدود وتطوير أيديولوجيا أمنية. وفي العقود الأخيرة، كنا شهودا على تزايد حدة كراهية الأجانب، وعلى تطور حركات شعبوية تنتمي إلى أقصى اليمين. ونما التمييز في الأحياء السكنية مع تزايد الاستقطاب والتمسك بالعادات، وضَعُفَ الاختلاط في الأماكن العامة (ص 23).
     من أجل فهم الإشكالات في أحياء المهاجرين، برز تفسيران في فرنسا. الأول يدّعي أن هذه المناطق قد تكون مسرح تفكك العائلات وتبدل أوجه التضامن التي تتعذر معالجتها من خلال المساعدة الاجتماعية السخية: أزمة في السلطة الأبوية، إفراط في التساهل التربوي، نقص الرغبة في الدراسة، بوصفها عوامل شائعة ناجمة عن ذلك التفكك.
    أما التفسير الثاني فيشدّد على الانطواء على الذات بين المهاجرين القادمين من أفريقيا وتركيا على نحو خاص. إن هذا التفسير يضع في المقدمة خطر الانحرافات الجماعاتية، فيرى فيها بذور الاحتجاج على القانون العام والقيم الجمهورية. ووفق هذا الفهم، فإن هذه الأحياء تخضع شيئا فشيئا للعادات والتقاليد القادمة من مكان آخر والتي تعتبر غير متلائمة مع المبادئ الأساسية للمجتمعات الغربية. وهذا في نظر السكان الأصليين تعبير عن رفض الاندماج لا يمكن التساهل معه: فالجماعات المهاجرة أو المتحدرة عن الهجرة تكون مذنبة لعدم "سلخها ذاتها" عن ثقافتها الأصلية، وبقائها خاضعة لما يُفترض أنه إيعازات صادرة عن عادات وممارسات مناقضة جذريا للمعايير الأولية لمجتمع الاستقبال.
      إن شعور أوروبا بأنها تتعرض لاجتياح الجنوب وجد سنده بالقلق أمام عالم مفتوح، وقد انتشر هذا الشعور وأثّر بشدة في الرأي العام كما في المشرّعين المدفوعين بحرصهم على مراعاة قلق المحيط، فأخذوا بالعبارة الشهيرة لميشال روكار "لا تسطيع فرنسا أن تستقبل كل بؤس العالم"، متناسين القسم الثاني من العبارة "... ولكن عليها أن تعرف أن تأخذ حصتها بنزاهة" (ص 65).
      لقد تطور شيء من جنون الحصار، وأصبحت شنغن(1) شعارا لأوروبا- القلعة، ووافقت الأحزاب كافة، باستثناء أقصى اليسار والخضر، بهذا القدر أو ذاك، على الإقفال التام للحدود(2). وبدل أن يدفع الاتحاد الأوروبي باتجاه السياسات الأكثر تقدما، بات القاسم المشترك الأصغر هو القاعدة. في أيامنا هذه، كما في روما القديمة، هناك دوائر من الهشاشة المتنامية: في المركز هناك وطنيو البلاد، ثم الرعايا الأوروبيون، يليهم المقيمون من خارج الاتحاد الأوروبي، ثم القادمون من خارج الاتحاد وغير المقيمين، ثم طالبو اللجوء...الخ. وفي نهاية الإطار الخارجي، على الحافة القصوى يقف المهاجرون غير القانونيين (الذين من دون وثائق).
     في فرنسا، كان الأجانب الأكثر شبابا حاضرين بنسب مرتفعة في سجلات العاطلين عن العمل في الأحياء الفقيرة. وبصرف النظر عن أصولهم، وصلت معدلات بطالة الشباب إلى نسب تبعث على الدوار في الأحياء الحساسة(3) منذ نهاية الثمانينيات. وهذا يعني في الواقع أن معظمهم متحدرون من المهاجرين.  لقد دفعت العائلات المهاجرة الضريبة الأقسى للانكماش. وعلى الرغم من الإنكار إلا في صفوف اليمين المتطرف، فقد بدأت تُمارس أفضلية التوظيف الوطني بصورة مواربة ولكنها شديدة الوضوح. ففي كل مكان بدأت البطالة تتخذ شكلا مكانيا واثنيا.
     في الأحياء الحساسة يحاول الناس تجنّب الاختلاط الإثنوثقافي أكثر مما يتجنبون الاختلاط الاجتماعي. وبحسب المؤلف، نحن لسنا بمواجهة تمايز كان دائما موجودا بدرجة تقل أو تزيد بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة، ولكننا أمام رحيل اجتماعي اصطفائي ضّخم الفصل العرقي. إن تحليل الديناميات الديمغرافية للفترة 1990-1999 يظهر ما يتعدى التمزق الاجتماعي: تراجع ديمغرافي في مناطق، وارتفاع نسبة السكان المتحدرين من الهجرة الأفريقية. وفي السين أفال عاشت الأحياء التي شهدت نموا ديمغرافيا قويا بين 1975-1982، المحصلة الأكثر سلبية للهجرة خلال 1990-1999. ومن أصل خمسين تجمعا سكانيا في فال دو سين، حيث أجرى الباحث الاستقصاء، فإن الأحياء التي خسرت سكانا هي تلك الأكثر ازدحاما بـ "المهاجرين".  إذ يجري ترك أحياء الرسامين ميليه وديغاس، والأطباء كلود برنار، وغيرها (ص 132).
    وضع الغوت دور وهو حي شعبي ليس استثنائيا، إنما هو عنوان لحي شعبي في مدينة كبيرة، حيث يعيش الكوادر وأصحاب المهن الثقافية أو الفنية على مقربة من العائلات المهاجرة من أصل أفريقي من دون أن يتشارك أطفالهم المدارس نفسها ولا أمكنة الترفيه نفسها.
  في تقرير عن الشرطة والأقليات سلط جوبار وليفي الضوء على فوارق مهمة مرتبطة بالملبس والمظهر العرقي وبمزيج من الاثنين في عمليات المراقبة على الطريق العام في باريس قريبا من محطات القطار وفي أمكنة العبور الكثيف. أما تحليلات جوبار المنطلقة من أسماء العائلات وعلاقتها بمخالفات الإهانة والتمرد في محكمة مولان، فتظهر تمييزا في إدانات "السود" و"المغاربيين" الذين ينالون عقوبات بالسجن أطول بمرتين تقريبا مما يناله "الأوروبيون" على المخالفات نفسها. وهذا تحيز ظاهر ومهم. لكن هذه الدراسة حول أحكام العدالة لا تظهر تحيزا ثقافيا واضحا في الأحكام عندما يتم الأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة بكل وضع: السوابق، المثول أمام المحكمة من عدمه.
    يرسم الفصل المكاني للأجانب بدقة شديدة خريطة اضطرابات عام 2005 في فرنسا، في الواقع لم تكن معنية بهذه الاضطرابات جميع أحياء السكن الاجتماعي ذات النسب العالية من عائلات الأجانب الكبيرة الحجم، أو ممّن هم دون سن العشرين. وإذا اعتمدنا فصل السكان الأجانب في أحياء المدن الحضرية الحساسة، بوصفه مؤشرا للاضطرابات، يمكن أن نستخلص أن احتمال حصول اضطرابات ينخفض إلى النصف في المدن التي يضعف فيها الفصل، ويصل إلى 80 في المئة في المدن التي يرتفع فيها نسبيا مؤشر انفصال سكان الأحياء الحضرية الحساسة عن باقي المدن. ولكن الفصل والعزل لا يستنفدان فهم المصاعب الدراسية وانحرافات الأطفال والمراهقين المتحدرين من الهجرات الأفريقية والتركية.
     يتناقض بقوة توزيع مرتكبي الجنح المفترضين، وكذلك الفجوة في الإنجازات المدرسية في الصف السادس، تبعا لأوضاع الأهل الاجتماعية والمهنية. فالمراهقون الذين يعاني آباؤهم من بطالة دائمة، أو عاطلون عن العمل في أعمار تقل عن الستين عاما، يفوق مستوى انحرافاتهم على نحو محسوس انحرافات أولئك الذين يتحدّر أهلهم من أوساط شعبية غير هشة، بل حتى أولئك الذين آباؤهم من الكوادر المهنية أو من أصحاب المهن الوسيطة. وبعد امتحانات البروفيه(4) في المدارس، فإن أكثر من 30 نقطة من النسبة المئوية، تفصل معدل نجاح أبناء الكوادر والمهن الوسيطة، عن الأطفال الذين يعيش آباؤهم في حال بطالة أو المعلنون أنهم عاطلون أو متقاعدون.   
    يطرح المؤلف فرضية تتعلق بالفروق بين الشبان المتحدرين من الهجرة الأفريقية والهجرة الآسيوية إلى فرنسا، ويتساءل لماذا نحن أمام تضخم الإخفاقات من جهة، وتضخم النجاحات المدرسية والاجتماعية-الاقتصادية من جهة أخرى؟ الجواب معقد، كما يقول. ولكن إذا أخذ في الاعتبار مراهقين قادمين من أوساط اجتماعية متشابهة، يبدو من الصعوبة تجنب أسئلة الدوافع والقيم. ويقول على مستوى التعميم الشديد هذا، نجدنا مرغمين على صوغ فرضية التوجه نحو "النجاح المدرسي" المدعومة ثقافيا لدى الآسيويين. توجه من هذا النوع لا نجده على هذا المستوى لدى الأفارقة. فقد أظهرت دراسات عديدة أن الشبان الآسيويين يستفيدون من عادات عائلية شديدة التضامن، وفي الوقت نفسه شديدة التطلب من كل أعضائها، وهي مؤاتية للنجاح المدرسي (ص 171).   
     أفترض أن الشعور بالمهانة وغياب الاعتراف يكتسبان قوة خاصة، لأن أوجه اللامساواة المرتبطة بالاستحقاق والجدارة في مجتمعاتنا، كما يذكر المؤلف، تقوم على أساس كونها عادلة، بينما النجاح في مباراة المساواة والجدارة مرسوم سلفا جزئيا، بسبب العوامل المورثة: الجنس، الوسط الاجتماعي، والأصل الثقافي. وبقدر تدخّلها باكرا، وتركها حيزا ضيقا لعمل كل فرد، تكرّس اللامساواة الصعوبات المدرسية المبكرة. 
    ارتبطت البطالة الضخمة والانتقائية بمكان السكن والأصول العرقية، حيث انخفضت معدلات النشاط، وازدادت تبعية سكان الأحياء الحسّاسة لتغيير مواقعهم الاجتماعية. كما أن اشتداد الفصل بين بعض مجموعات المهاجرين- وخصوصا المجموعات المغربية والتركية وسود الساحل في أفريقيا من جانب، والسكان المحليين من جانب آخر- قوى التباين في العادات والسلوك. أليس هذا ما يشرح عميقا كيف أن الأحياء الحضرية الحساسة، وكذلك المعازل في المدن الخاضعة للفصل في أمريكا الشمالية قبل ثلاثين عاما، تشكل أماكن تَمركُز الاضطرابات الحضرية.
     تطورت منذ ثلاثة عقود نزعة تجدُّد التقليد في أوساط الجيل الثاني من المهاجرين من أفريقيا الساحل وتركيا والمغرب على نحو خاص. على الصعيد الديني، كما في موضوع الزواج وتصوّر الأدوار ذات العلاقة بالجنس، فإن العديد من متحدري المهاجرين تبنوا مواقف مغرقة في تقليديتها، عابرين في الاتجاه المعاكس طريق جيل آبائهم في سبعينيات القرن العشرين. الشبان ممن هم في حال إخفاق دراسي على نحو خاص، محشورون في توتر مزدوج: إنهم مهمشون وغير موثوق بهم في المجتمع، وعليهم أن يستعيدوا احترامهم لأنفسهم. ومن أجل ذلك عليهم تأكيد ذواتهم في مواجهة المجتمع الذي يحط من قدرهم. وهذا يحرّك فيهم التأكيد الهوياتي والديني(5).
   خلال عقدين أو ثلاثة، نرى أن مدن الهجرة لم تتحول إلى الفردانية الحديثة، بل على عكس ذلك باتت معوقات الحرية فيها مقبولة على نطاق واسع من الجيل الجديد، كما لو كانت أمرا طبيعيا.
   للمقارنة، طور وليام ويلسون القريب من الديمقراطيين، في كتاب له صدر عام 1987، تحليلات كان لها تأثيرا قويا في الولايات المتحدة. لقد رفض فكرة أن الانحرافات في المعازل تحيل إلى تعطل وظيفي نوعي في العائلات السوداء، مع أنه سجل تشوهات قوية فيها. لقد الحّ حينها على واقع أن تفكك هذه العائلات يتم بقدر ما تختفي مواقع العمل في مراكز المدن، حيث يسكن السود الفقراء، وحيث الطبقة الوسطى السوداء كانت تهجر الأحياء الآخذة في التحول إلى معازل. وقد اعتبر التغيرات في بنية الاستخدام عاملا مقررا في تفكك العائلة هذا. وكانت قراءته متركزة أولا على العوامل الاقتصادية (ص 251-252).
   إن السمات الخاصة للمجتمعات الأوروبية التي كانت مضمرة، وقليلا ما كانت مرئية، ولكن الحاضرة حتى في المجتمعات المنسجمة مثل السويد وفرنسا غداة الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم منظورة من خلال حضور المهاجرين من ثقافات أخرى.
   في الثمانينيات، حاول اليسار في فرنسا الذي كان في السلطة أن يواجه، وبحق، قضايا البطالة والعجز التربوي والنقص في الاختلاط الاجتماعي في الأحياء. واستهدف وضع القواعد لسياسة تستهدف معالجة هذه النواقص عبر تشجيع مشاركة السكان. وبما يشبه قطيعة شبه جذرية مع التفسيرات التي تركز على البعد الفردي للانحرافات، فإن جزءا من اليسار ركز مبكرا على موضوع الأمكنة، فشار إلى إهمال الأحياء التي يجب النهوض بها، وتوفير أجوبة تشاركية تعتمد تفعيل مسؤوليات القائمين على الأمن والسلامة كافة، ومسؤولي السكن والمدارس، وبطبيعة الحال الشرطة والعدالة. إنها سياسات تعتمد مجموعة مهمة من إجراءات المساعدة على إيجاد الوظائف المخصصة للمناطق المأزومة.
    وبحسب المؤلف هناك العوائق الاجتماعية القوية التي لم نستطع أو بالأحرى لم نرد التطرق إليها في التقارير الرسمية. فسبب الإخفاق النسبي لسياسات المدينة يتمثل برفض الفصل بين أهداف الاختلاط الاجتماعي والاختلاط الثقافي، على ما في ذلك من استخفاف بساكني الأحياء الفقيرة والعائلات المهاجرة وأطفالها. فمع اتساع المسافة الفاصلة والإقصاء يستحيل الدمج (ص 294).
   واحد من عوامل إخفاق التمكين غير ناجم عن عجز في الوسائل، بل عن فقدان ثقة المستفيدين المحتملين الذين لا يشكّلون جزءا من الترتيبات الاجتماعية. وتصدم السياسات المحلية اليوم بارتياب الفاعلين المحليين المنبثقين عن المجتمع المدني، وهو ارتياب يتأتّى من الادراك السلبي المتكوّن لديهم من السياسة الشاملة تجاه مهاجري الجنوب. ويتساءل المؤلف، "هل في الإمكان أن نطور عملية  الاندماج ونحن نشهر في وجه المرشحين للهجرة إلينا تهديدات الإقصاء؟" ( ص 321).
    بقي معدل الامتناع عن التصويت في الانتخابات في مدن المهاجرين قويا. إن نتائج الانتخابات المناطقية لعام 2010 التي تشكل امتدادا لحالة الامتناع عن التصويت في الانتخابات السابقة، يجب أن تُوقظ المجتمع الفرنسي أكثر مما تفعل السياسات المحروقة، كما كتب لوك برونر. فمع معدلات امتناع تتجاوز الـ 70 في المئة من المسجّلين، عبّر سكان الأحياء الحساسة عن شعورهم بأنهم خارج الحياة الانتخابية وخارج النظام السياسي وخارج فرنسا.
    مع نهاية القرن الماضي باتت البلدان الأوروبية، وبدرجات متفاوتة، مجتمعات متعددة ثقافيا وتمتلك قوة محدودة وترى ميزتها المقارنة تخسر وسط عالم متعدد الاقطاب. فهذه المجتمعات لم تعد تمتلك الانسجام الذي صنعه التاريخ من خلال إعادة التشكُّل وسياسات الدمج التعسفية. وحملت الهجرات الحديثة من الجنوب تقاليد متباينة. ويشير المؤلف، نلاحظ في أوروبا خلال العقود الأخيرة ردتَي فعل: تتمثل الأولى بكونها ردة فعل على التحديث الذي تسرّب إلى العادات في عموم القوس العربي-الإسلامي. ويمكن إدراك ردة الفعل هذه، في جزء كبير منها، بوصفها ردة فعل لاحقة على السيطرة الاستعمارية ورفض الصدارة الغربية. أما ردة الفعل الثانية، فتتمثل في حركة انكفاء أخلاقي تنتشر في هذه المنطقة والبلدان الغربية أيضا. وقد تزاوجت هذه العوامل عبر التوترات بين المهاجرين والسكان الأصليين في أوروبا. وفي هذا السياق عفى الزمن على نماذج الاندماج الأوروبية الي شكّلت مرجعية الدولة-الأمة المنسجمة، وكانت حصيلة التاريخ في القرنين الماضيين.
  يرى البعض أن الشبان المغاربيين غير مندمجين، بل يصعبون على الاندماج. ويرى آخرون، على عكس ذلك، وهم صراحة من دعاة التعدد الثقافي، يؤكدون أن الاندماج الثقافي للشبان المتحدرين من هجرة المغرب العربي(6) أمر منجز. ومن أجل دعم هذا التأكيد، يشيرون إلى الموقع الذي لا يمكن تجاهله والذي يحتله الشبان المغاربيون في بعض المجالات مثل الراب والهيب هوب والبريك دانس والكوميديا، وفي ميادين الرياضة، وبدرجة متواضعة في مجال السينما والأدب، حتى لو كان اختراقهم للحياة السياسية وللتلفزيون حديث العهد. ولكن، وفق هؤلاء الكتّاب، فإن الاندماج الثقافي للشبان المتحدرين من الهجرة لا يعني اندماجا كاملا، لأن الأبعاد المختلفة-الاقتصادية والسياسية والثقافية- ليست مترابطة بصورة طبيعية.  ويؤكد د. بيروني أن ما يفصل بين المهاجريين المغاربيين والسكان الأصليين، ليس العجز عن الاندماج الثقافي، بل عن الاندماج الاقتصادي والسياسي (ص 325-326).
    يبدو ضروريا أن نكفّ عن التفكير كما يقول المؤلف باعتبار خصوصيات مجتمع الاستقبال مسألة قابلة للتعميم. فمعاييرنا هي معايير خاصة بالحداثة الغربية، وهي ليست حتى تعبيرا عن العالمية. كما أن المعايير الثقافية للمجتمعات التي قَدِمَ منها المهاجرون لها أيضا خاصياتها. ثم إن الهجرة ليست مواجهة بين مجتمعين، بل مشكلة جماعات وجب عليها عندما غادرت بلدانها، أن تُعيد بناء أشكال جديدة من المخالطة الاجتماعية (ص 360).
   إن ترميم الصلات وتعزيزها بين سكان مدن الهجرة والمؤسسات يفترضان مسبقا اعترافا سياسيا، وبالتالي نقديا. وما يجزّئ المجتمع هو أزمة ثقة المهاجرين بالمؤسسات وبالمواطنين الآخرين. فسلطة الخطاب المعادي للأجانب، وأشكال الأفضلية، وأشكال التمييز، واتساع عمليات التدقيق تبعا للون البشرة (سود) و(عرب)، أمثال فاقعة محفورة عميقا في الممارسات الإدارية. ويذكر المؤلف، يُظهر سلوكنا اليومي أننا لا نريد سكن الأحياء ذاتها، ولا تلقي العلاج في المشافي ذاتها، ولا إرسال أطفالنا إلى مدارس "هؤلاء الناس" ذاتها. والمسافات التي يحتفظ بها السكان الأصليون، بصورة متعمدة بهذا القدر أو ذاك، حيال المهاجرين القادمين من جزر الأنتيل وأفريقيا وتركيا، والذين استقروا في أرضنا منذ أجيال عدة أحيانا، ساهمت فعليا في التقليل من جودة الخدمات، خصوصا المدارس في أحياء المهاجرين. ولن يكون في المستطاع التغلب على هذه العوائق إلا بصورة غير مباشرة، عبر التشجيع، وباتباع سياسة عامة تعير اهتماما للفروق الثقافية، وتطوير نخبة مهاجرة في هذه الأحياء أو في جوارها.
الهوامش
1-   تضم منطقة شنغن حاليا 26 دولة أوروبية، وقد الغت هذه الدول التنقل فيما بينها بجوازات السفر، أي أصبحت دولة واحدة لهذا الغرض، وتعود تسميتها إلى توقيع الاتفاقية في شنغن في لوكسمبورك عام 1985.
2-   حول تناقض السياسة الأوروبية بشأن الهجرة، راجع: محمد الخشاني، "التحولات الديموغرافية في البلاد العربية واتجاهات الهجرة إلى أوروبا"، استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب الخامس (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 30-58.
3-   المناطق الحضرية الحسّاسة، تسمية أُعطيت للأحياء التي كانت موضوع سياسات المدينة.
4-   المقصود امتحانات نهاية المرحلة المتوسطة.
5-   للمزيد راجع: فرايزر إيغرتون، الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة، ترجمة فادي ملحم (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، خصوصا الفصل الثاني الذي يعالج مسألة اغتراب المهاجرين في بلدان الهجرة، ص 39-76.
6-   للمزيد حول الهجرة من المغرب العربي إلى أوروبا راجع: هاشم نعمة فياض، هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا: هولندا نموذجا، دراسة تحليلية مقارنة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 26-48.   
   

   

18
مفاهيم نظرية في الهجرة الطلابية
د. هاشم نعمة
 
    الهجرة السكانية قديمة قدم وجود الإنسان، إلا أن نظرياتها تُعدّ جديدة. ففي الخمسينيات من القرن العشرين، انتقلت نظريات الهجرة من النماذج الميكانيكية البحتة إلى نظريات أكثر تطورا. وعلى الرغم من أن كارل ماركس لم ينشر أي نظرية خاصة بالهجرة، فإن أعماله تتضمن مفاهيم مفصلة حول نزوح العمل نحو المدن. كذلك أشار إلى أن البرجوازية (الطبقة الصناعية)، في بحثها عن الأرباح واستخلاص فائض القيمة من الطبقة العاملة ستوسع آفاقها الجغرافية جاذبة بلدان الهامش نحو نظامها باعتبارها مزودا لليد العاملة الرخيصة والمواد الخام، وهذا ما حصل فعلا على نطاق واسع من خلال الاستعمار. إلا أن الملاحظ أن نظريات الهجرة الجديدة اهتمت بالتنظير لهجرة العمالة غير الماهرة، في حين ظلت هجرة الكفاءات تعاني من نقص التنظير وينطبق هذا أكثر على الهجرة الطلابية. ولعل ذلك يعود إلى أن هجرة العمالة غير الماهرة كانت بأعداد ضخمة، بينما ازدادت أهمية الصنفين الآخرين من الهجرة من الناحية الكمية والنوعية في السنوات الأخيرة.

     كانت الحركية الدولية للطلاب، قد ازدادت منذ عام 2000؛ إذ ارتفعت أعدادهم، عالميا، من 2,1 إلى 4,5 مليون، خلال الفترة 2000-2012(1). وثمة اتجاه متزايد للطلاب العرب للدراسة في الخارج؛ إذ أرتفع عددهم من 160,419 عام 1998 إلى 281,575 عام 2011(2) وإلى 323,340 عام 2013(3). نحاول هنا تسليط الضوء على بعض المفاهيم النظرية المتعلقة بالهجرة الطلابية على قلتها.

              ثمة نقاشات نظرية متباينة تحاول فهم الهجرة| الحركية الدولية للطلاب. وقد لخص كلير مايج Clare Madge وآخرون هذه النقاشات في ثلاثة مسارات رئيسة: يرتبط المسار الأول بحركية الطلاب الحديثة من خلال منظور أدب الهجرة، ويكتشف المسار الثاني الهجرة الطلابية الدولية ISM بوصفها جزءا من الحركية الكلية وعولمة التعليم العالي، بينما يركز الثالث على القضايا البيداغوجية التي تنشأ عن حركية الطلاب(4) المتزايدة على المستوى الإقليمي والعالمي.
اُستخدمت نظريات الطرد والجذب لتفسير الهجرة الطلابية. ووفقا لنظرية الطرد، توفرت للبلدان النامية خيارات قليلة بعد نيلها الاستقلال في الستينيات غير بعث الطلاب للدراسة في الجامعات الأجنبية. حينذاك، كان معظم البلدان تعاني من نقص العمالة الماهرة التي تحتاجها للعمل في الوظائف الحكومية، والجامعات، والقطاعات الأخرى. في حين كانت البلدان ذات الحجم السكاني الكبير، خصوصا تلك التي كانت مستعمرات بريطانية، لديها جامعة أو جامعتين عند الاستقلال، ومعظمها لديها عدد قليل من حاملي الدكتوراه، ولا تقدم تدريبا متقدما؛ لذلك، ومن أجل تعزيز التنمية رأت البلدان النامية أن الدراسة في الخارج تعتبر وسيلة لتنمية رأس مالها البشري. ولإنجاز ذلك، استثمرت الكثير في منح الدراسات العليا في الستينيات لتمكن الآلاف من مواطنيها من دراسة المرحلة الثالثة في بلدان الشمال.
   في نهاية السبعينيات، برزت أدلة متنامية تشير بأن كثيرا من الطلاب الذين تمتعوا بالمنح الدراسية لم يعودوا إلي بلدانهم الأصلية بعد إكمال دراستهم. النتيجة، تنامي القلق بأن الدراسة في الخارج باتت"تستنزف" قادة المستقبل من البلدان النامية(5) بما فيها العديد من البلدان العربية ومنها العراق.
             هذه النتيجة تتوافق مع اُستخدم الاقتصاد السياسي، على نحو واسع، لتحليل هجرة الطلاب باعتبارها نزيفا للعقول خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. إذ يُنظر إلى الطلاب على أنهم يمثلون بوادر الهجرات الماهرة؛ حيث إن لتحركاتهم تأثيرات أكبر من مجرد اشتراك عدد منهم فيها. ويُنظّر هذا المنهج لكل من مكان الإرسال والاستقبال بالتزامن، وضمن الإطار التحليلي ذاته. إذ يربط التفاوت البنيوي الذي يدفع إلى الهجرة أماكن الإرسال والاستقبال، ربطا عضويا. ويمتد هذا التفاوت إلى الماضي، ويستفيد من التكوين التاريخي، خصوصا من السيطرة الاستعمارية؛ حيث يتوجه طلاب المستعمرات السابقة إلى البلدان التي كانت تمثّل مراكز الإمبريالية، وهذه الحالة تديم التفاوت الذي نشأ خلال الفترة الاستعمارية. لذلك، يناقش بيتر كيل Peter Kell وجيليان فوغل Gillian Vogl بأن القوى الاستعمارية السابقة، استخدمت هذه الارتباطات مصدرا للطلاب الدوليين للحفاظ على هيمنتها، وعلى تبعية جديدة للمستعمرات السابقة؛ إذ يأتي كثير من الطلاب، الذين يختارون الدراسة في فرنسا مثلا، من البلدان الفرانكفونية، والتي كانت مستعمرات فرنسية(6)، كما هي الحال بالنسبة إلى بلدان المغرب العربي.
               كذلك عولجت الهجرة الطلابية العابرة للحدود الوطنية، أيضا، من خلال الاتحادات الطلابية العابرة لهذه الحدود، والتي توفر الصلات على المستوى المحلي، وعلى مستوى الشتات، وظلت قيد البحث باعتبارها وحدات من الهجرة العابرة للحدود الوطنية، وجهات فاعلة سياسيا عبر هذه الحدود. تدمج هذه الاتحادات الفضاءات الاجتماعية المتعددة في الحرم الجامعي، وهي تسمح بملاحظة كيفية تشكل التوجهات المختلفة وديناميات السلطة أو النفوذ ما أسمته سيلا بن حبيب  Seyla Benhabib الخطابات العابرة للحدود لتكرار الديمقراطية(7)؛ أي إمكانية  نقل التجارب الديمقراطية من البلدان المتقدمة إلى بلدان الأصل عبر الهجرة الطلابية. وهذه مسألة يتداخل فيها الكثير من العوامل البنيوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تخص مجتمعات الأصل، ولا يمكن النظر إليها بهذه البساطة.
    من جانب آخر، حللت دراسات الحركات الاجتماعية، الاتحادات الطلابية كعوامل سياسية مؤثرة في مقاومة الطغيان والاضطهاد في سياقات جيوبولتيكية مختلفة. وسلط علماء الهجرة الضوء أيضا على التأثير الإيجابي للطلاب المهاجرين في العملية الديمقراطية في بلدانهم الأصلية.
    يمثّل رسم خريطة خطابات الاتحادات الطلابية العابرة للحدود الوطنية بشأن الديمقراطية، ومتابعة نتائجها تحديا منهجيا. وأثبت البحث أن المهاجرين يعززون نقل الديمقراطية على المستوى غير السياسي. ومن خلال عمليات التبادل المنظر لها في أدب التحولات الاجتماعية، فإن هذا التواصل يمكن أن تنتج عنه تأثيرات متعددة وبعيدة المدى(8) في بلدان الأصل.   
    عندما يناقش منظرو رأس المال البشري المحفزات الكامنة لقرار الهجرة، يشيرون غالبا إلى أن التعليم يفتح العالم للأفكار ولفرص التقدم. ووفقا لهؤلاء، يُنظر إلى الهجرة باعتبارها حسابا اقتصاديا مصمما لتعزيز وزيادة كامل إمكانيات المهاجر، إلى الحد الأقصى، خصوصا باستخدام المهاجر للتحصيل الدراسي، ومستوى المهارة والعمل لكسب أجور أعلى، ومن ثم تحسين مستواه المعيشي. هذا الإطار يفترض أن العمالة العالية المهارة تنجذب نحو العمل في المراكز الصناعية والاقتصادية، حيث الوظائف مضمونة نسبيا، مقارنة بحالة عدم الهجرة. إذ يجلب التعليم باعتباره رأس مالا بشريا عائدا كبيرا إلى الذين يمارسون مهاراتهم خلف الحدود(9).
     لكن لا يعمل معظم المهاجرين بشكل طليق عالميا، حتى أولئك المتسلحين برأس المال الاقتصادي والبشري المهمين، إذ تتشكل وتتحدد أعمالهم واختياراتهم من جانب العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى السياقات الثقافية والسياسية-الاقتصادية التي تؤطر حياتهم. حيث يبقي كثير منهم على شبكات اقتصادية واجتماعية قوية عابرة للحدود، ويتواصل بشكل متكرر ويسافر إلى بلده الأصلي خلال دراسته في الخارج(10).
    يشير العلماء إلى أن الدراسة في الخارج تمثّل إستراتيجية مهمة للحركية الاجتماعية، والهيبة، والتقدم الوظيفي عالميا، بالنسبة إلى كثير من العائلات الآسيوية. إلا أن وجهة النظر هذه تختلف بعض الشيء عن السياق الأوروبي الذي يقترح بأن المحفزات الأصلية للدراسة في الخارج تتراوح بين ممارسة الفردانية عبر التجربة الشخصية، والبحث عن الغنى الثقافي واكتساب مهارات معينة مثل التمكن من اللغات أو الرغبة بالسفر.
     تم التركيز قليلا في الأبحاث المعاصرة على قرارات الهجرة، إذ جرى التركيز أكثر على الحركية الدولية للطلاب بعد حصولهم على الشهادة الجامعية، والانجاز المهني المبكر للعلماء. وقد أكد البحث إن الروابط الاجتماعية مثل الشراكة والأبوة أو الأمومة يمكن أن تكون مؤثرة للغاية في قرارات الحركية المرتبطة بتحقيق الانجاز المهني؛ إذ يكافح كثير من الباحثين الشباب للموازنة بين رغبتهم في تحقيق الإنتاج العلمي الأفضل ووضع عائلاتهم وحياتهم الشخصية(11).
    يمكن أن تتباين الهجرة الطلابية تبعا لعدد من الموجهات التي تساعد في فهم تنوع أنماطها. وتتمثل واحدة من القضايا الاصطلاحية المثارة، في ما إذا يمكن التمييز بين "هجرة" و"حركية". إذ من المؤكد، ينزع الأدب والنقاش السياسي بصفة متزايدة في أوروبا، لتفضيل المصطلح الأخير. على اعتبار أن الحركية تلقي الضوء أيضا على الحركة المتضمنة بالهجرة، بدلا من التمييز بين أماكن الإرسال والاستقبال ووجهات نظرهم(12).
   أخيرا، تبقى الدراسة في الخارج ضرورة معرفية وعلمية، للاستفادة منها في نقل المعارف والخبرات الجديدة على أن تكون ذات منافع متبادلة، وأن لا تكون على حساب استنزاف كفاءات البلدان النامية. وعلى الأخيرة أنجاز تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة كي تكون مركز جذب لطلابها الدارسين في الخارج.
    نظرا لتنوع أصناف الهجرة الطلابية وتعقد مساراتها في ظل العولمة، فهي تستدعي توجيه المزيد من الجهد العلمي المستمر على مستوى الجامعات ومراكز الأبحاث للتعمق في البحث والتنظير لإنتاج ما هو جديد لفهم وتفسير آليات عمل هذه الظاهرة بشكل أفضل.
الهوامش
1- OECD, International Migration Outlook 2014, pp. 26-30.
2- Samia Satti O. M. Nour, Migration of International Students and Mobilizing Skills in the MENA Region, Working Paper Series (Maastricht: 2014), p. 11.
3- الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2017، الهجرة في المنطقة العربية وخطة التنمية المستدامة لعام 2030 (2018)، ص 44-45.
4- Russell King & Parvati Raghuram, “International Student Migration: Mapping the Field and New Research Agendas,” Population, Space and Place, vol. 19, no. 2 (March| April 2013), p.128.
5- Mary M. Kritz, “International Student Mobility and Tertiary Education Capacity in Africa”, International Migration, vol. 53, no. 1 (2015), pp. 31-32.
6- Parvati Raghuram, “Theorising the Space of Student Migration,” Population, Space and Place, vol. 19, no. 2  (March| April 2013),  pp. 144-145.
7- Tamirace Fakhoury, “Transnational Immigrant Narratives on Arab Democracy: The Case of Student Associations at UC Berkeley,” International Migration, vol. 53 no. 3 (2015), p. 10.
8- Ibid., p. 10.
9- John A. Arthur, African Diaspora Identities: Negotiating Culture in Transnational Migration (Lanham: Lexington Books: 2010), pp. 42-43.
10- Kate Geddie, “The Transnational Ties that Bind: Relationship considerations for Graduating International Science and Engineering Research Students”, Population, Space and Place, vol. 19, no. 2, March| April (2013), p. 198.   
11- Ibid., p. 199.
12- King and Raghuram, p. 129.   

 


19
العشيرة والدولة في بلدان عربية وإسلامية

  د. هاشم نعمة
   أثارت موضوعة العلاقة بين العشائر| القبائل والدولة خصوصا في البلدان النامية ومنها العربية الكثير من النقاش في أوساط الباحثين والأكاديميين والكتاب في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل العودة القوية للانتماءات الفرعية القبلية والإثنية والدينية والطائفية التي شهدتها بلدان عربية ومنها العراق. وفي محاولة للتعرف على جانب من هذه النقاشات اخترنا تقديم قراءة عن كتاب "العشيرة والدولة في بلدان المسلمين"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2019. يضم الكتاب أحد عشر بحثا قيما كُتبت بمنهج أكاديمي، لمجموعة من الباحثين العرب والأجانب، وتندرج البحوث في قسمين: الأول، العشائر| القبائل، الإسلاموية والدولة، ويضم ثلاثة بحوث، والثاني، العشائر والقبائل في مناطق النزاعات، ويضم بقية البحوث. الكتاب من تحرير وإشراف الدكتور هشام داوود، وترجمة رياض الكحال ونبيل الخشن ومراجعة سعود المولى. ويقع الكتاب في 336 صفحة.
     يشير داوود في المقدمة إلى أن الكتاب يطمح إلى تقديم توصيف خصوصي لكل حالة تندرج ضمن الإطار العام المذكور، وهو كتاب مؤلف بطريقة تسعى إلى الإضاءة، والإضاءة هنا ضرورية وغير مسبوقة، على بعض جوانب المسألة العشائرية في المجتمعات العربية والإسلامية المنخرطة اليوم في صراعات ونزاعات عنيفة. عمل الكتاب بداية على تحليل العشيرة| القبيلة بوصفها بنية مجتمعية سياسية، وعلى تبيان على ماذا تقوم "استمرارية" هذا الثابت العشائري و| أو تبيّن أنه كان على قطيعة مع ما عرفناه منه في القديم. ثم انصب الاهتمام على تحليل العلاقة بين العشائر| القبائل والدول من جهة، وبينها والحركات الإسلامية المحلية والعالمية من جهة ثانية.
                                             العشائر| القبائل والدولة
    شجعت القوى الاستعمارية في المغرب والسودان الهويات القبلية بشكل رسمي، ونجحت بشكل بارع في تشكيل إدارة عشائرية بهدف كبح جماح الحركات الوطنية. وبنتيجة ذلك، فإن الحكومات التي تشكلت في تلك البلدان بعد نيلها الاستقلال أعلنت قطيعة أيديولوجية مع الماضي الاستعماري بحلّ العشائر| القبائل بصفتها ترتيبا إداريا. مع ذلك، احتفظت الهويات العشائرية بأهميتها السياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي.
   قد تكون العشيرة| القبيلة في بعض الظروف المعاصرة عنصرا مؤسسا يحفظ هوية وطنية عصرية وليس ذخيرة من الماضي فحسب، أو أثرا بدائيا للتنظيم الاجتماعي، كما يشعر أبناء المدن العرب غير المتحدرين من شبه الجزيرة العربية. وقد تعايشت عشائر الشرق الأوسط إما مع السلطة الملكية أو الدولتية، وإما استُخدمت كممالك معارضة. وشكل زعماء العشائر| القبائل في الماضي أحيانا سلالات ملكية في الشرق الأوسط، لكنها مع ذلك لم تكن تُدار بحسب المبادئ العشائرية.
    تستند دول عدة حاليا كما في السابق إلى العشائر بدل معارضتها. فقد أكد معمر القذافي أنه صاغ هويات ليبية جديدة. مع ذلك، فإن المنظومة السياسية والأمنية في ليبيا ارتكزت دائما على التوازن بين جماعات قبلية، تماما كما كانت عليه الحال في عهد الملك إدريس السنوسي  (حكم 1951-1969) ومن سبقه في الحقبتين العثمانية والاستعمارية.
   يذكر ديل ف. إيكلمان أسر لي وزير خارجية دولة في شبه الجزيرة العربية، بأنه فخور بمنشئه في مجتمع عشائري، وبأن موظفي وزارته هم في أغلبيتهم من العشيرة نفسها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوفد المرافق لتنقلات ملك الأردن في الخارج؛ ففيه تمثيل للعشائر الأردنية الرئيسة والحمولات الفلسطينية والأقليات العرقية والطائفية للبلد.
    دافع محمد سياد بري (الذي حكم الصومال بين 1969-1991) وصدام حسين (الذي حكم العراق بين 1979-2003) عن القوانين التي تمنع أن يذكر أمام الملأ العشيرة| القبيلة والهويات العشائرية| القبلية للفرد، مع أنهما بقيا طوال عهديهما مدركين بعمق أهمية تلك الروابط.  ص 24 وقد عاد الأخير لإنعاش هذه الروابط فيما بعد كما سنرى لاحقا.
    قضى المرجع محمد صادق الصدر (1943-1999) وقتا طويلا في العمل مع عشائر جنوب العراق(1)، وفي التوفيق بين العرف العشائري والشريعة (يُنظر كتابه: فقه العشائر). وفي رأي بارام، "كان ذلك مقاربة منه لتقوية سنده الشعبي أكثر من كونه حركة دينية"(ص 33).
    ربما كانت العشائر أكثر مناعة إزاء الحركات الدينية الأصولية. وكما لاحظ أندرو شرايوك، فإن العشائر الأردنية ما دامت تربط الإسلاميين بالفلسطينيين، فإنها لن تتأثر بالتطرف الديني. وعلى الرغم من الجهود المبذولة من بضع جماعات دينية، خصوصا الأخوان المسلمين، لتكييف البنى العشائرية والعمل ضمن تلك البنى، تبقى العشائر الأردنية منيعة نسبيا من تأثيرهم. في ما يعتقد بأنه الصورة الإجمالية الأكثر كمالا حول عشائر العراق المعاصر. تتوافق هذه النتيجة تماما مع دور الزعماء العشائريين| القَبَليين في مناطق أخرى من العالم وتلمح للأهمية المحدودة التي توليها الأوساط العشائرية للزعماء الجهاديين.
    إذا كانت القبائل والسلطة القبلية في إيران قد تزعزعتا بشكل قوي ومنظم في القرن العشرين ما قبل الثورة، فإنهما تلقيان في الأقل انبثاقا موقتا منذ الثورة الإيرانية. لن تُضع السلطات الثورية من جانبها فرصة، عن قناعة أو عن حذر، لمدح القبائل، وذهب الخميني إلى درجة وصفهم بـ "كنوز الثورة" و "ذخائر الثورة" (ص 49).
    لم يدم مع ذلك شهر العسل هذا سوى مدة من الزمن، بحسب جان بيير ديغار. فبعد عشرين عاما من تأسيس الجمهورية الإسلامية، تم توطين بدو إيران الرحل بشكل شبه كامل -والكثير من تنقلاتهم قد استُبدل بحركات انتجاع لقطعان الماشية يرافقها الراعي فحسب- ونزع عنهم الطابع القبلي، بعد تدمير مؤسساتهم التقليدية بشكل شبه كامل أو إهمالها.
    في الجزائر لا تتمتع أشكال التنظيمات القبلية (عرش، قبيلة) سوى بوزن هامشي في الحياة السياسية، وتمثل أنواع التنظيمات العشائرية الأقلية في الجزائر حاليا؛ والمجتمع الجزائري هو مجتمع خال من العشائرية في أغلبه. إن السياسات الاستعمارية (حرب، نزع الملكيات العقارية، بروليتاريا) وسياسات ما بعد الاستقلال قد أدت إلى اختفاء القبائل في مقاطعات الشمال، بينما لا تزال أشكال التنظيم العشائري موجودة في المناطق الجنوبية وهي مناطق قليلة السكان.
    خلال حقبة الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطنية) من عام 1962 إلى عام 1989، بقيت الخطابات الأيديولوجية مبهمة نوعا ما في ما يتعلق بالقبائل في الجزائر. كانت ترفض فكرة أن شعب الجزائر هو شعب قبلي، لكن "القيم القبلية" كانت توسم بالكمال المثالي، أو بشكل دقيق، القيم الاجتماعية التي كانت تُنسب إلى التنظيم القبلي. ففي اجتماع سياسي عام 1968، صرح الرئيس هواري بومدين بأن جزائر القبائل لم تكن سوى ابتكار استعماري.
    في شباط| فبراير 2004، وضعت يومية وهران في عنوان رئيس أن قبائل تيديكلت تدعم الرئيس بوتفليقة. وفي شباط| فبراير 2005، وفي ملف لمجلة الإكسبرس خاص بالشبكات في الجزائر، يرد هذا المقطع "ليذهب إلى الجحيم من لا توجد عنده قبيلة يتكئ عليها!" (ص 64).
   في الحقيقة، لا يعني اعتماد الأشخاص لمرجعية العالم القبلي بأن هذا الأخير موجود بشكل ملموس. لكن الاستخدام العام لتلك المفردات يحضّ على الاعتقاد بأنها في آن واحد جواب لأسباب خيالية وملموسة. يؤدي هذا الإقرار بالنتيجة إلى التساؤل عن أسباب استمرارية أو تذكية مشاعر الانتماء القبلي. إن تنشيط حجة القبيلة يظهر بشكل خاص في ظروف انتقالية محددة، لإرساء أشكال من التعبئة الجماعية، وإعطائها الشرعية. ولا يترتب على ذلك أن القبيلة تبدي تعبئة سياسية دائمة.
   ويذكر يزيد بن هونات، ليست الجزائر البلد الذي تتمتع فيه القبائل بوزن على الساحة السياسية، على الرغم من مقدرتها على ذلك محليا في مناطق السهول العالية والمناطق الصحراوية. إذ تبقى الحقيقة العشائرية مختلفة تماما عن تلك التي تتناقلها وسائل الإعلام.
                                        العشائر والقبائل في مناطق النزاعات
   في أفغانستان، لم يكن الدخول في الحرب الأهلية اعتبارا من عام 1979 يدل على "عودة القبلية"، بل إنه شجع على بروز نخب جديدة استمدت شرعيتها من الإسلام أو من القومية العرقية. تعتبر الحرب ناقلة للتسييس: لم تكن تدار الحرب من زعماء القبائل بل بشكل أساسي من علماء دين يرأسون أحزابا سياسية وقادتهم الميدانيين. في المحصلة، كان دور القبائل في الاضطرابات السياسية خلال السنوات الثلاثين الماضية محدودا، وأي تاريخ معاصر لأفغانستان يعتبر القبيلة لاعبا مرجعيا في اللعبة السياسية هو تاريخ لا سند له بحسب جيل دورونسورو.
    تتشكل النواة الأولى لطالبان من الملالي، الذين كانوا غالبا في المدارس نفسها وتناهض أيديولوجيتهم الأصولية القانون القبلي. وخلال الفترة التي كانت فيها طالبان في السلطة (1996-2001)، كانت علاقاتها بزعماء القبائل سيئة عموما. ويلاحظ أن أشكال التضامن المحلي داخل طالبان هي أكثر تعبوية من الانتماء إلى إثنية البشتون في حد ذاتها. وقد شكلت طالبان مجموعات محاربة من قبائل مختلفة، وكانت تعير أهمية للخريطة القبلية والعرقية لتوسيع نفوذها.
    حاولت الولايات المتحدة -أسيرة الإدراك الخاطئ للقبائل- استخدام هذه الأخيرة ضد طالبان، لكن ما يمكن أن يبدو اعترافا أو تدعيما للسلطة القبلية، يعمل في الواقع كتبعية تؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير النظام القبلي. في الواقع، تُفرض هذه المحاولات على القبائل التي لا تستطيع التشكيك في ممثلي الدولة، ولا معارضة طالبان. لكن سواء عادت طالبان إلى كابل أو أن حلا سياسيا آخر برز على السطح بعد مغادرة قوات التحالف، فإن موقع القبائل في اللعبة السياسية لن يكون إلا هامشيا، وبشكل أساس كشبكة تضامن في المؤسسات أو كلاعب في ألعاب سياسية محدودة جدا.
   في باكستان، إن دعم كامل القبائل تقريبا لعناصر القاعدة بشكل فاعل أو سلبي قد شكل عنصرا ظرفيا مواتيا لحركة طالبان على اعتبار أن عناصر القاعدة كانوا يحظون بمكانة الضيوف. إن الانحياز إلى الطرف الضعيف من وجهة نظر البشتون يقوي الإحساس بالشرف عند الفرد.
    أعاد المجتمع القبلي هيكلة نفسه حول المقاتلين الذين نجحوا حيث أخفقت الحكومة والمؤسسات التقليدية، وتوصلوا إلى إرساء جيوب سلطة بديلة. لقد راهنوا على غضب الجماهير إزاء الفوضى العامة والجريمة وأصبحوا بذلك سلطة أخلاقية بديلة. لقد استُبدلت البنية القبلية ببنية دينية مفروضة، هي نفسها مبنية على تفسير محلي للشريعة التي تولي أهمية كبيرة للعرف السائد محليا. لقد أسس طالبان باكستان مراكز بديلة للإدارة القضائية وفض النزاعات، ودفن دور الأعيان القبليين حين أعلن عن تطبيق الشريعة الإسلامية جنوب وزيرستان في آذار| مارس 2006.
     لقد نُقِض العقد الاجتماعي القبلي، ويعتبر أفول الأعيان المحليين أحد التغييرات الرئيسة في المناطق القبلية المذكورة. فمنذ عام 2004، اغتيل عدة مئات من الأعيان المحليين في وزيرستان بسبب الاشتباه فيهم بالتجسس لمصلحة الولايات المتحدة أو الحكومة الباكستانية، وغادر كثيرون المنطقة ولجأوا إلى المدن. ويؤكد أفراد نخب البشتون الذين يرفضون قبول التغيير الاجتماعي بأن النسيج الاجتماعي القبلي لا يزال على حاله، وسيعاد العمل به حين يتم التخلص من طالبان. تجسد هذه النخبة القيادية فكرة الإبقاء على نظام يفاقم الفقر ويحرم الشعب من نيل فرصته في الارتقاء الاجتماعي. وبحسب مريم أبو ذهب، يمثل الجهاد في نظر الشباب القبليين المهمشين وسيلة لتطوير السلطة الحالية التي لا يمكن تقويضها في رأيهم بطريقة أخرى.
   في اليمن، بغض النظر عن الادعاء بالانتساب إلى سلسلة النسب البعيدة -التي هي بلا شك "وليدة الخيال" إلى حد بعيد- فإن النظام القبلي اليمني يبدو أقل تأثرا "بعلاقات الدم" منه إلى الانتماء إلى إقليم جغرافي محدد لم تتطور حدوده في نهاية المطاف إلا قليلا خلال قرون عديدة. يلاحظ بول دريش في هذا الصدد مدى غياب خطاب الغزو عند القبائل اليمنية. ومن ثم يشكل استقرار الإقليم وما ينجم عنه من استقرار لأسماء الأمكنة خاصية يمنية تمنح علماء الآثار والتاريخ معلومات قيمة.
   وعلى الرغم من استناد القبلية إلى قانون شديد الترابط يسمح بالإجابة عن حالات عديدة، فإنها تبقى من وجهة نظر عدد لا بأس به، مرتبطة بـ "الفوضى" وغياب النظام. في هذا الخصوص، تبقى الخطابات السائدة للدولة مزدوجة المعنى وتجعل من القبيلة مصدر عجز السلطة عن السيطرة على أراضي البلاد وتأمين الخدمات العامة لمواطنيها، في الوقت الذي ساهم فيه النظام باستمرارية المتغير القبلي في النظام السياسي.
   في هذا المنحى كانت الاستمرارية بين نظام الإمامة السابق، الذي كان هو أيضا رهن حماية القبائل إلى حد بعيد، والجمهورية واضحة. إن انحياز تلك القبائل القاطنة في المرتفعات إلى جانب الجمهورية خلال الحرب الأهلية هو الذي منح الاستقرار للنظام المؤسساتي ورسخ النظام الجمهوري في الستينيات. منذ ذلك الحين، تم إدراج البنى القبلية، أو في الأقل بنى القبائل القاطنة في المرتفعات، في النظام السياسي، مستفيدة من نظام زبائني تطور خلال عهد علي عبد الله صالح. وبعيدا من تقدمية سلفه إبراهيم الحمدي الذي اغتيل عام 1977، أو النظام الاشتراكي لليمن الجنوبي الذي جعل من النخب التقليدية تجسيدا للتخلف، دعم صالح مباشرة البنى القبلية.
    إذا، يتحمل القادة السياسيون من دون شك، وفي طليعتهم صالح قسطا من المسؤولية في استمرار تلك الصورة. لم يتوقفوا قط في الواقع عن استخدام القبائل وتحويلها إلى وسطاء ورهانات لسلطتهم في آن واحد. ففي لقاء شهير خصصه لمجلة أسبوعية سعودية عام 1986، أكد صالح: "تشكل الدولة جزءا من القبائل، وشعبنا اليمني هو تجمع قبائل" (ص 124). لقد وضع بهذا الشكل متغيّر القبيلة في صلب هوية بلده.
    مع ذلك، لا يمكن اختزال المجتمع اليمني بمجرد ديناميات دولة ذات نظام جمهوري تستغل القبائل وتستغلها القبائل؛ تلك القبائل المتحدرة بشكل أساسي من مرتفعات اليمن الشمالية الغربية. إذ، إن هيمنة هذه المناطق القبلية على باقي المناطق ليست كاملة. على الرغم من غياب الإحصاءات الجدية حول الموضوع، فمن الممكن أن لا يخص الواقع العشائري في النهاية سوى أقلية عددية. فمن الحجرية في جبال تعز حتى المناطق الحضرية مثل عدن وصنعاء مرورا بحضرموت وتهامة، هناك بنى أخرى راسخة تستحق من دون شك أن يوليها الباحثون عناية أكبر.
    لقد تراجعت المرجعية القبلية إلى حد بعيد، لأسباب تاريخية وديمغرافية، في اليمن المنخفض حول مدينة تعز وفي عدن وريفها. إذ، شجعت الهجرات الداخلية والخارجية إلى منطقة تعز المزدحمة بالسكان، وإلى الحجرية، على نشوء أشكال بديلة للتنظيم، وعلى تكوّن الهويات المحلية حول وحدات حضرية صغيرة.
    هناك علامة أخرى على أزمة الزعامة القبلية، إذ لم تضع انتفاضة عام 2011 المناوئة لنظام صالح الشخصيات القبلية البارزة في الواجهة. فوجدت تلك الشخصيات نفسها تلهث وراء الانتفاضة، أو تحاول أن تجير لمصلحتها حركة بدأها شباب المدينة بشكل أساسي. ولم يلق اقتراح الوساطة في آذار| مارس 2011 الصادر عن صادق الأحمر شيخ مشايخ حاشد أي صدى حقيقي وهذا له مدلوله. وهكذا فالمجتمع اليمني ليس قبليا فحسب، بل متأثر أيضا بالدرجة نفسها بمراجع عدة متعلقة بالهوية، لا تنافس أو لا تلغي بعضها بعضا بالضرورة، وإنما تزيد من تعقيده وغناه، كما يشير لوران بونفوا.
     في ليبيا، كان نظام القذافي يعمل وفق صيغة تستبعد كل أشكال المأسسة، إذ لجأ النظام، من أجل شرعنة سلطويته الشعبية وشخصنته، إلى تطوير خطاب معاد للدولة وترويج ثقافة تحدي الدولة. كان هذا المفهوم النافي للدولة يُستكمل ويُسوغ بإشادة ملتبسة بالقبيلة، تزدري في الوقت نفسه الحقائق القبلية التي تنتقد بأنها بالية. وفي الممارسة العملية، كان أدوات التحكم المؤسساتية وتفكيك هيكليتها يعوض، جزئيا، بتسليم وسائل الاتصال بالسكان والتفاوض معهم لجهاز قبلي، تناط به بهذه الطريقة وظيفة سياسية غير مسبوقة على هذا المستوى. وبهذا فإن تفكيك هيكلية أدوات التحكم المؤسساتية والاستعانة بأدوات مستمدة من الواقع القبلي كانت العناصر المكملة لإستراتيجية هيمنة غرضها تحاشي المجتمع المدني، بحسب علي بن سعد.
   عند اشتداد موجة الاحتجاج التي اجتاحت تونس ثم مصر، تحدث القذافي عن الهوية القبلية كنقيض للمجتمع المدني. ففي 28 كانون الثاني| يناير 2011، أعلن القذافي في خطاب متلفز "إن مفهوم المجتمع المدني غير قابل للتطبيق في ليبيا". فليبيا طبقا للقذافي، "مدنية بالكامل" على عكس الغرب حيث يتميز "مجتمع حكومي رسمي عن مجتمع مدني (يتشكل) من مؤسسات غير حكومية" (ص 182).
    شكل كثير من الشبان المثقفين، الذين درسوا في الخارج أو الذين قدموا خصيصا من بلاد الشتات كي ينظموا إلى حركة الاحتجاج، إطار الحركة وواجهتها في أثناء شهورها الأولى. وحين فُرض على السكان طريق الكفاح المسلح، ظلت الحركة الثورية تنظم على قاعدة خليط اجتماعي واسع لا وزن فيه للأصل قبلي، كما يشهد على ذلك تشكيل الكتائب، وهي وحدات مقاتلة ثائرة ذات مستوى يماثل السرية.
   بينما يدفع عدم اليقين الليبيين إلى الرجوع إلى البنى القبلية وبنى الجماعات، بما يشمل الرجوع إليها مع إعادة بنائها، تظهر الكيانات المحلية في يومنا هذا على الأرض كأجهزة وحيدة للإدارة. وقد فرضت نفسها على هذا النحو لأن الهبة الشعبية كانت بفعل عمليات تعبئة متفرقة على أساس مناطقي، لم يترك لها التدخل الأجنبي، السريع والقوي، وقتا كافيا كي تتحد. وتحاول هذه الكيانات، أن تموقع نفسها، وأن يكون لها وزن لدى حكومة طرابلس الجديدة. ويؤدي هذا الوضع من عدم اليقين ومن إعادة التشكيل غير المستقرة للحقل السياسي والاجتماعي إلى زيادة حدة التنافس بين الجماعات من أجل الوصول إلى قنوات السلطة الوطنية مستعينة في ذلك بتعبئة الانشقاقات الفئوية التي كان نظام القذافي يستخدمها.
    في العراق، لم ينجح التحديث في إزالة العشيرة من المشهد الاجتماعي والثقافي(2)، مع أنه أضعف العشيرة وأرغمها على التراجع إلى المقام الثاني، بحيث وجدت نفسها محرومة من دورها السياسي. ولم تكن الدولة العراقية تتقبل إخضاع الفرد سياسيا لبنى أخرى غير الدولة ذاتها.
    مع الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، كان الملاحظ أن الطابع العشائري يعاد فرضه من فوق (أي من السلطة) على المسرح السياسي والاجتماعي. وكان ضم الأفراد إلى عدد من أجهزة الدولة ووحدات النخبة من الجيش يجري أساسا بمراعاة الأصول العشائرية والجهوية، إلى حد أن وحدات عسكرية وأجهزة شرطة واستخبارات أصبحت متطابقة على نحو تام تقريبا مع العشيرة. ولئن كانت الستينيات والسبعينيات قد تزامنت مع مرحلة إخضاع العشيرة للدولة والتي أطلق عليها هشام داوود "دولنة العشائر"، فإن الثمانينيات والتسعينيات دشنت "إعادة عشرنة الدولة" (ولا سيما في وظائفها الإكراهية). وقد رافق هذا المنحى الاجتماعي-السياسي عامل ذو مغزى، هو نشر أدبيات كثيرة ذات طابع نصف علمي، في عهد صدام حسين من أجل الإشادة بدور العشائر.
    في الحقيقة، اعتُرف علنا بدور العشائر وشيوخها أثر غزو الكويت وانتفاضة 1991. ولئن كانت الثمانينيات مؤشرا على عودة العشائر إلى المسرح السياسي، فإن ذلك لم يكن يسمح بعد بتأكيد أن الواقع العشائري كان يحدد بنية الشأن العام. وقد كانت التسعينيات، مرحلة الانتقال الرمزية التي كان شيوخ العشائر خلالها يقدمون الولاء لصدام حسين، هي الحقبة التي شكلت فيها العشائرية الركيزة الرابعة لنظام البعث، بعدما أضيفت إلى نوع من الإسلام المسيس وإلى العروبة والماضي المجيد لبلاد ما بين النهرين. ونتيجة لذلك، استعاد كبار رجال الدولة أسماءهم المرتبطة بعشائرهم. وسمح تراخي القيود هذا باكتشاف أن عددا كبيرا من عناصر الحرس الجمهوري الخاص، ومن المسؤولين في الأجهزة الأمنية، ومن أفراد الحرس الشخصيين المقربين من صدام، أضافوا لقب "الناصري" إلى أسمائهم (وهذا اللقب مشتق من البو ناصر، وهي عشيرة صدام حسين).
    بعد احتلال العراق عام 2003، وبعد شهور من التأرجح، لم تكن القوات الأمريكية خلالها قد وضعت في حسابها المتغير العشائري، عادت العشيرة إلى الظهور، ليس كأداة للحكم، بل كبنية اجتماعية-سياسية يُستند إليها في الاستراتيجيا العسكرية. وفي تشرين الثاني| نوفمبر 2003، أي مع بروز أولى المصاعب الحقيقية، تضمن مستند صادر عن قيادة القوات الأمريكية في العراق، وصفا لإمكانيات العشائر في إطار سياسة إعادة الإعمار، ولكن هذه المرة بطريقة فيها مبالغة.
    كُلف المقدم آلن كينغ، بالاتصال بالعشائر، وعيّن رئيسا لمكتب الشؤون العشائرية (المسمى رسميا مكتب التوعية الريفية). وحاول أثناء وجودة في العراق ما بين آذار| مارس 2003 وتموز| يوليو 2004، أن يقيم بشتى الوسائل علاقات تعاون مع كبار الزعماء العشائريين في منطقة بغداد.
     حاول رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، استخدام التجربة الأمريكية مجددا، لكن بدرجة أقل من النجاح. كان يشاهد يوميا لدى شيوخ العشائر،وكانت حكومته توزع الأموال بسخاء وتقدم الدعم السياسي للأشخاص الأكثر إخلاصا (كانوا يسمون مجالس الإسناد). في المقابل، كان المالكي يتوقع بالطبع الإخلاص والولاء لشخصه وسياسته. إلا أن المالكي، مع أنه كان يمثل الدولة العراقية على مستوى معين، كان يبدو في الحقيقة زعيما للطائفة الشيعية. وقد أدت لعبة الهويات السياسية هذه، التي كان منطلقها المركز إلى تشويش العلاقة بين العاصمة والضواحي العشائرية، ما دفع عددا من العشائر العربية في المناطق السنية إلى إتباع سياسة التسويف والمماطلة، بينما انضم عدد آخر من العشائر (الأصغر حجما) بشكل كلي أو جزئي إلى داعش.
     وفي الخلاصة يذكر داوود "تظل العشيرة، في نظر السلطات السياسية والعسكرية وكذلك التحالف الدولي (ولا سيما الولايات المتحدة)، فاعلا مفيدا على الصعيد المحلي أو في الحالة المعاكسة، فاعلا يزعزع استقرار النظام المحلي. وتحتاج عشائر اليوم، كي ترسخ دورها كفاعل، إلى دعم الدولة إذا كانت الدولة تتمتع بالوجود والهيمنة، وإلا فإنها ستحتاج إلى دعم القوى الأخرى في المنطقة، وربما إلى دعم مباشر من الدول الغربية مثل الولايات المتحدة"(ص 228).
   وأخيرا، يشير سعود المولى في خلاصة نظرية إلى أن الأشكال الطائفية والعشائرية السائدة في المشرق العربي كما في المغرب ليست علاقات مترسبة من الماضي، متناقضة مع الأنماط السياسية والاقتصادية السائدة، بل على العكس من ذلك تماما، فهي علاقات سياسية واقتصادية مباشرة في آن واحد. ذلك أن هذه الكيانات لا تقوم على علاقات إنتاج محددة بل على علاقات رواج. ولم ينشأ في هذه الكيانات نشاط رأسمالي، بل إن علاقات الإنتاج القديمة دُمّرت ولم تُستبدل، أي إنه لم يجر الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط آخر، ولم يكن لعملية الاستبدال تلك منحى تكثيف الأنشطة الإنتاجية وتحديثها، بل على العكس تماما من ذلك.
الهوامش
1- للمزيد حول العشائر العراقية راجع: عبد الجليل الطاهر، العشائر العراقية (بيروت: مكتبة الحضارات، 2011).
2- للمزيد حول دور العشيرة في العراق راجع: هشام داوود، "المجتمع والسلطة في العراق المعاصر"، في المجتمع العراقي: حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات (بغداد| بيروت: معهد الدراسات الإستراتيجية، 2006)، خصوصا الصفحات 167-191.
   
   


20
قراءة في كتاب "الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة"*
       د. هاشم نعمة
    بات تكرر وقوع الأعمال الإرهابية في البلدان الغربية خصوصا في أوروبا من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة، يستقطب الكثير من الاهتمام من قبل الكتاب والصحفيين والسياسيين والرأي العام، لكن ثمة القليل من الأبحاث الأكاديمية الرصينة التي تعمقت في تحليل الأسباب الجذرية لصعود الجماعات السلفية المقاتلة في الغرب. وإسهاما في هذا النقاش الهام اخترنا تقديم قراءة عن الكتاب المذكور لمؤلفه الباحث الدكتور فرايزر إيغرتون، ترجمه عن الإنكليزية فادي ملحم والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2017. اتبع المؤلف منهجا أكاديميا في التحليل والاستنتاج، واستند إلى الكثير من المصادر ذات الصلة، إذ غطت 60 صفحة من صفحات الكتاب البالغة 288.
    يضم الكتاب مقدمة وستة فصول وخاتمة. وجاءت عناوين الفصول على النحو الآتي: مُلّا مجنون أم مقاتل من أجل الحرية؟، ما هي مشكلة هؤلاء الناس، يأخذنا إلى كل مكان: دور المخيال السياسي، وسائط المعلومات الشاملة وتكوين المجتمع المقاتل، حركة الانتقال من الفعلي إلى الأيديولوجي، لماذا أنا؟ دور السرديات الأوسع والوسطاء.
    يذكر المؤلف في المقدمة أن هذا الكتاب يهتم أساسا بالسلفية المقاتلة في الغرب. ويلامس أيضا قضايا أخرى ذات علاقة بالإرهاب. فالإرهاب خصوصا نموذجه هذا، يشكل موضوع الساعة. وهو يدخل ضمن إطار منهجي محدد، تقوم فيه ظواهر قليلة بأسر الخيال الشعبي لمدة طويلة. فالسلفية المقاتلة  أصبحت واحدة من أبرز الظواهر المثيرة للجدل في الحياة السياسية المعاصرة، بعدما حفّزتها بشكل خاص هجمات 2001 في الولايات المتحدة، وزادها قوة المزيد من القتل في مدريد ولندن وأمستردام وباريس. ودعمتها قصص عن كثير من التهديدات الأخرى التي يُنوى تنفيذها، أو التي حيل بينها وبين التنفيذ. لكن على الرغم من ذلك، وربما بسبب خطورة هذا الموضوع، لا تزال الخلافات حوله مستعرة في مسائل مختلفة مثل دور الدين، وتأثير المظالم السياسية، ومستوى الاندماج الاجتماعي، وطبيعة تهديد هذا النوع من الإرهاب ومداه. هذا ما نلمسه في الواقع، حين نجد أن معظم المحللين في هذا المجال لا يتفق في شأن أبرز العناصر المكونة للسلفية المقاتلة، والتهديد الذي تشكله.
                                                      تفسير الدّين   
   يدّعي السلفيون المقاتلون أن ما يحركهم أو يحفزهم هو تعاليم الإسلام، ويشددون على أنهم يعيشون ويموتون من أجل الواجب الديني. يبدو أن أفعالهم تعطي مصداقية أكبر لمزاعم كهذه، مع وجود كثير من الأمثلة عن نساء ورجال مصممين على الذهاب إلى الموت، بسبب اعتمادهم تفسيرا معيّنا للإسلام.
    المشكلة هنا تكمن أن الاقتباس من الإسلام أو من أي دين آخر، يعني أن هذا الدين هو كيان من السهل تحديده وفهمه، في حين توجد مجموعة من النصوص التي تشكل معا تعاليم العقيدة الإسلامية، من الضروري تفسيرها وتحليلها أيضا. إذ إن من الممكن تفسير الآيات العنيفة التي يدّعي السلفيون المقاتلون أنها غير قابلة لأي تفسير بديل، بشكل مختلف، كما هو الحال في كل المفاهيم الدينية التي تعتمد على النص والدروس التاريخية، وذلك أمر يمكن أن يتسبب في اختلافات كبيرة. فعلى سبيل المثال، يشدد الشيخ المصري محمد سيد طنطاوي على السياق الذي وردت فيه هذه الآيات؛ فبالنسبة إليه وإلى آخرين، لا يمكن حمل هذه الآيات على محمل مستقل، عمومي وشامل، بل يُنظر إليها في سياقها التاريخي. فهي لا تدعو إلى شن حرب متواصلة على غير المسلمين، لكنها تسمح للنبي محمد بالدفاع عن نفسه في المدينة.
    منذ مئات السنين كان المسلمون يعيشون في وئام اجتماعي وسياسي واقتصادي مع جيرانهم اليهود والمسيحيين، حيث تُظهر معاملة المسلمين لليهود بأن التسامح الديني(1) كان هو القاعدة وليس الاستثناء. وتُعتبر الأندلس المثال الواضح على هذا الأمر، وهناك غيره من الأمثلة: العباسيون في بغداد، والفاطميون في القاهرة، والعثمانيون (الذين استقبلوا اليهود السفرديم المطرودين من إسبانيا عام 1492).
              ويرى المؤلف أن البحث في النصوص والتعاليم الدينية، للحصول على تفسيرات مباشرة عن الإرهاب يُعد أسلوبا غير مفيد؛ فبالإمكان إيجاد كثير من الدعوات التي ترفض العنف، إلى جانب تلك التي تدعو إلى العكس. وتتوافر لكل منها حجج متباينة كليا. بالنسبة إلى السلفية المقاتلة، يقع دور الدين في السردية الخاصة التي يُبلّغ عنها الشرع، من دون أن يوجبها، لكنها تصاغ لديهم وفقا لأشكال الفهم السياسي الذي يريده المقاتلون. ويجب فهم الجوانب الدينية والسياسية للقتال على أنها موجودة في سردية خاصة جدا، ترى في الغرب عدوا للأمة التي يشكل المقاتلون جزءا منها، الأمر الذي يستدعي بحسب تأويلهم ردا عنيفا جدا.
                                                              الاغتراب البنيوي
              منذ حوالي نصف قرن، أعطى روبرت نيسبت دورا مركزيا لـنظرية الاغتراب في علم الاجتماع المعاصر، واعتبر أنها "وصلت إلى درجة كبيرة من الأهمية." ويُعتبر هذا الادعاء صحيحا في كثير من الكتابات عن السلفية المقاتلة في الغرب اليوم. ويصف كثير من الكتّاب مبدأ الاغتراب بأنه حاسم وخطِر لفهم هذه الظاهرة. لكن لسوء الحظ لم يجر توضيح معنى الاغتراب دائما، ولا الأثر المحتمل الذي يسببه. وهناك في الحقيقة شقان رئيسان في عملية التنظير للاغتراب في السلفية المقاتلة، الفردي والبنيوي.
                ويؤكد المؤلف أن الفكرة القائلة إن الاغتراب البنيوي يفسّر الانتقال إلى الراديكالية، ثم التشدد والقتال لاحقا، تحظى بدعم ملحوظ يتجاوز دعم الاغتراب الفردي. ويعتمد هذا التفسير عدد من المحللين الأكثر دراية في مجال السلفية المقاتلة. وهو تفسير يعتمد بقدر كبير على فكرة الاغتراب الجيلي التي تشدد على جذب السلفية المقاتلة فئة الذكور من الشباب على نطاق واسع. ويشير التحليل المستند على الجيل إلى أن جاذبية السلفية المقاتلة تكمن في الأوضاع غير المسبوقة التي يعيشها شباب هذه الفئة. وبحسب أوليفيه روا هناك ثلاث فئات: الجيل الثاني من الشبّان الذكور، والشبّان الذين جاءوا إلى الغرب من شمال أفريقيا أو منطقة الشرق الأوسط للعمل أو الدراسة، والمتحولون دينيا من (الأقليات العرقية غير المسلمة، مجرمون سابقون من ذوي البشرة السمراء أو من منطقة الكاريبي والذين أسلموا في السجن، مدمنون على المخدرات وجدوا في الإسلام خلاصا من الإدمان، أو أشخاص انظموا إلى رفاقهم المسلمين بعد تبنّيهم الكفاح والقتال). وهم عادة يعتنقون نمط الحياة الغربي، ويبتعدون عن التيار الرئيس للمسلمين.
              يجد المقاتلون أنفسهم بعيدين في الوقت نفسه عن جيل أهلهم، وعن المجتمع الأوسع الذي يعيشون فيه. وفي هذا يقول روا: نحن لا نتعامل مع ردة فعل جماعة مسلمة تقليدية، بل مع إعادة صياغة دينية ملائمة لثورة عامة يقوم بها جيل هائم، يتأرجح بين جذوره الثقافية والحياة الغربية. ويصف معلق آخر "الراديكاليين اليوم بالسلالة الجديدة. وهم لا يثورون ضد مجتمعهم فحسب، بل ضد جماعتهم الخاصة نفسها، وزعمائها التقليديين"(ص57- 58).
              لا يتفق المحللون الذين يعتمدون نهج الاغتراب البنيوي بشأن السبب الذي يدفع هؤلاء الشبّان إلى الشعور بالاغتراب. فيرى معظمهم أن المسلمين الغربيين(2) يعانون الرفض العرقي، وأن السلفية المقاتلة تقدم إليهم ملجأً من هذه المعاناة.
              تشكل فكرة الإقصاء العرقي في المجتمعات التي يعيشون فيها، والتي شهدت ولادة كثيرين منهم، الجانب الأكثر شعبية في منهج "الاغتراب البنيوي". من المرجح أن يكون المهاجرون السابقون قد تعرضوا لمثل هذه المعاناة، لكن شعورهم بها لم يكن على قدر شعور أبنائهم الذين يمتلكون توقعات بمستقبل أفضل، تفوق كثيرا توقعات آبائهم. فالأبناء الذين ولدوا في المجتمع الغربي لم يتوقعوا أن يتعرضوا للإجحاف الذي تعرّض له آباؤهم، ولم يقبلوه. وقام بعض الكتّاب والمحللين بشرح تفصيلي لهذا الإقصاء، فقدم كيبيل مثالا جيدا عن هذه الفكرة بقوله "لا دماء مسلمي شمال أفريقيا التي سُفكت فيما هم يقاتلون مع الجيش الفرنسي في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا العَرق الذي بذله العمال المهاجرون منهم، خلال عيشهم في أحول سيئة جدا لإعادة أعمار فرنسا (وأوروبا) في مقابل أجور زهيدة بعد عام 1945، لا تلك الدماء ولا هذا العَرق ساعدا أولادهم على الشعور بأنهم مواطنون في فرنسا أو في أوروبا"(ص 60).
    وفقا لهذه المقاربة تُثبت السلفية المقاتلة فاعليتها؛ فهي تقدم هوية إلى أشخاص يتساءلون عن الهوية الخاصة بهم، بعدما شك فيها الآخرون وازدروها. أما في الحلقات السلفية، فيتم تذكيرهم دائما بأن عرقهم يتفوق على جنسيتهم، وبأن مسقط رأسهم أو عرقهم أو دينهم، أهم من البلد الذي يعيشون فيه. ويردّ هؤلاء الشبان على لغز اللاأدري، فيكتشفون لأنفسهم هوية جديدة، مؤكدة للذات وعابرة الأوطان، وهي أنهم مسلمون.
    بحسب هذه المقاربة المهمة، يعتمد الكثير من الكتّاب المعروفين في هذا المجال الفكرة القائلة إن النقص في الهوية يدفع نسبة من الشبان المسلمين إلى البحث عن هوية بديلة، أو يحملها على تقبل بديل يُقدَم إليهم. ويرى خوسروخافار أن الاغتراب يقود إلى التطابق مع أقلية مسلمة راديكالية، ومن ثمة إلى شعور بالصداقة والتعاطف القويين مع مسلمين آخرين يعانون الظلم والاستبداد في مكان آخر من العالم. ومعاناة المسلم وتهميشه في المجتمع، يتراءيان له كانعكاس لمعاناة المسلمين في العالم كله. وتقوم أسباب المعاناة هذه، وهي الالتزام بالإسلام الحق، وعدوانية الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، بترسيخ تصور ما عن علاقة نقية بين أبناء الدين الواحد. ويرى المؤلف أن شعبية هذه المقاربة الرائجة، والمعرفة الكبيرة التي يتمتع بها دعاتها، يجب ألا تحجبا المشكلات الكبيرة التي تلتبس بها. وهي مشكلات، في حال اجتماعها، تقوّض جديا مفهوم الاغتراب كتفسير وحيد لنهج الكفاح المتسم بالقتال.
    عالج ماركس ودوركهايم (الذي يستخدم مصطلح التفكك الاجتماعي)، وسارتر وغيرهم مسألة الاغتراب وقاموا بدراسات تطبيقية على نحو مفيد حول مفهومه. لكن ما قام به أولئك الكتاب اللامعون، يختلف اختلافا كبيرا عن استعمال كثيرين اليوم لمفهوم الاغتراب في سياق الحديث عن السلفية المقاتلة. فنادرا ما يوضح مستعملو هذا المفهوم اليوم ما الذي يريدون قوله حين يطبقونه على هذه الظاهرة. وليس المقصود هنا أن الاغتراب لا يشكل أحد العوامل التي يمكن أن تساهم في التشدد، بل الإشارة إلى أن استعمالاته السابقة، لا تُظهر ماهيته بوضوح، أو كيف يعمل ويؤثر.
    يشدد المؤلف على أنه قُدم القليل من الأدلة التجريبية لدعم الادعاءات التي تقول إن الشعور بالاغتراب يؤدي دورا أساسيا في السلفية المقاتلة. ولم يُنجز أي تحقيق منهجي حول طريقة وأشكال اغتراب السلفيين، وكيف أصبحوا كذلك، أي حول الادعاء التفسيري الرئيس الذي يقدمه كثير من المحللين.
   يوضح بيب في تقرير منهجي عن الانتحاريين، إن قليل من هؤلاء كانوا "مهمشين اجتماعيا، ومجرمين مجانين، أو حتى فاشلين... ذلك أن معظمهم يمتلك شخصية تتناسب مع شخصية معاكسة تماما: فهم طبيعيون من الناحية النفسية، ويتمتعون بأوضاع اقتصادية تفوق المتوسط في مجتمعاتهم، ويندرجون جيدا في الشبكات الاجتماعية"( ص 67).
    يقود هذا الأمر إلى نقطة فلسفية أوسع. فالاغتراب هو حالة معقدة ومتباينة ومتغيرة إلى حد كبير. وهو موجود بدرجات؛ إذ يختلف في البنية والعمق لدى الأفراد المختلفين، ولدى الفرد الواحد أيضا، في الوقت نفسه. فالقول إن أحدهم يشعر بالاغتراب هو اختصار لشيء أكثر تعقيدا. وإذا كان من الضروري التعاطي مع هذا التعقيد في التحليل أو غيره، فيجب إدراكه إدراكا كاملا والتبصر فيه. وهذه مهمة صعبة جدا، في نظر المؤلف، ولم تحصل في الكتابات الخاصة بالسلفية المقاتلة.
                                               دور المخيال السياسي
     لم يكن أبادوراي أول من أشار إلى دور المخيال وأهميته السياسية؛ ففي كتابه (الجماعات المتخيلة)، يصف بندكت أندرسون كيف سهّل التقارب بين الرأسمالية وتكنولوجيا الطباعة على الناس -أولئك الذين لم يلتقوا من قبل، ومن غير المرجح أن يلتقوا في المستقبل- عملية تخيّل أنفسهم جزءا من الجماعة نفسها، على الرغم من إقامتهم في أماكن متباعدة، ومن اعتمادهم أساليب حياة مختلفة. ووفقا للمنطق الذي يعتمده أندرسون، يمكن أن تقود هذه التغيرات في الأوضاع الكامنة إلى صعود أوهام سياسية بديلة، وهذا مهم جدا لفهم السلفية المقاتلة اليوم.
   يذكر المؤلف أنه يجدر التشديد هنا أن المخيال السياسي ليس رحلة في الخيال، لكنه غير محدد ماديا. هناك أوضاع مختلفة تحدد كيف ينظر الأفراد إلى العالم، وكيف يعتبرون أنفسهم جزءا من هذا العالم. فمن خلال النقل الشامل للأخبار والحوادث بـ "اللغة المحلية أو القومية"، أصبح بإمكان الناس اعتبار أنفسهم فرنسيين أو ألمانا مثلا، وإضفاء هوية مشتركة على الآخرين في أماكن بعيدة، وفيما يتعلق بالأمة المقاتلة وليس بالدولة-الأمة، أصبح السؤال: ما هي العوامل التي تُسهل على الأفراد بناء المخيال السلفي المقاتل؟ إن المخيال السياسي السلفي يشتد حين يتخيل المجاهد نفسه مدافعا عن المسلمين في العالم. ويتكون هذا المخيال ويصير فاعلا عندما تجتمع حوادث عالمية منوعة، وتتداخل مع حوادث محلية. وأصبح هذا ممكنا في المرحلة الراهنة من الحداثة المعولمة.
     كتب الكثير من الكتّاب عن التحول الدراماتيكي بين الزمان والحيّز (الفضاء المكاني)، وتأثير هذا التحول ما بين الحيّز والمكان. واعتمد هؤلاء الكتّاب عل ما سبق من الكتابات. وكان كارل ماركس قد توقع  منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، "قضاء الزمان على الحيّز" لأن "رأس المال يخترق بحكم طبيعته أي حاجز في الحيّز المكاني ... للسيطرة على الكرة الأرضية وأسواقها". وفي منتصف القرن الماضي وصف مارتن هايدغر مرحلة بروز "اللامسافة" و"إلغاء كل إمكان لبعد المسافة"(ص 84).  وقبل نصف قرن، كان من الممكن اعتبار هذه التأكيدات سابقة لأوانها. لكن الكثير منها تحقق، نتيجة تغير العلاقة بين الفضاء والمكان.
    يُعتبر الحنين إلى الماضي، أمرا شائعا في جميع المجتمعات. ومن الممكن ألا ينجم هذا الحنين مباشرة عن ذكريات موضوعية بالكامل، لكنه يتشكل من ذاكرة حوادث معيشة ومختارة، وينمو بتأثيرها. يرتبط الأمر كثيرا بالإعلام وحركة الانتقال اللذين ينشآن سياسية حنين تعتمد على شيء آخر غير التجربة. في الواقع ينطبق هذا الوضع على السلفية المقاتلة، إذ تقود ظاهرة اضمحلال الحدود الجغرافية (نزع الصفة الإقليمية) إلى تصور مجتمع سياسي بلا حدود إقليمية. ومع تراجع أهمية الموقع الجغرافي، أصبح بالإمكان خلق موقع جغرافي خيالي، حيث لا تعود هوية المرء مرتبطة بالمكان الذي، ما عاد بدوره، مرتبطا بمعرفة المرء وخبراته. لا يعتبر السلفي المقاتل -وهو نتاج المخيال السياسي- أن الأمة من وحي الخيال. علما تأتي فكرة الأمة، وهي مركزية في مشروع السلفية المقاتلة، من وهم يقود إلى الحنين، لكنه حنين بلا ذاكرة. وتسمح حركات الانتقال الكبرى للناس بتغيير مستمر في هوياتهم، وتعرضهم لمجموعة أكبر من الاحتمالات التي يمكن أن تؤثر في مخيالهم السياسي. وليس هناك أفضل من السلفية المقاتلة لإظهار هذه الصورة.
    إن التصورات السياسية للسلفيين المقاتلين في الغرب اليوم ليست حنينا إلى عالم تركوه وراءهم، بل هي إعادة تخييل لعالم لم يشاهدوه من قبل، وليس موجودا إلا في مخيلتهم الجمعية. وتُعتبر وسائل المعلومات الشاملة العامل الأساس في هذه العملية، وهي التي تسهل إنشاء مشروع سياسي منفصل عن تجربة حية أو معيشة. فلم يكن أعضاء مجموعة هوفستاد (نسبة إلى مدينة لاهاي) يهتمون كثيرا بالحوادث الجارية في المغرب، مسقط رأس معظم آبائهم، إلا إذا تلاءمت مع نظرة السلفية المقاتلة، وشكلت جزءا من معركة وجودية بين الإسلام والغرب، إذ كانت اهتماماتهم عالمية أكثر منها محلية.
                                                تكوين المجتمع المقاتل
     يقول أحد المحللين، الذي أنجز بحوثا كثيرة عن المواقع السلفية على الإنترنت: إن "التواصل مع متعاطفين آخرين ينشىء نوعا من المجتمع الافتراضي، وشعورا بالوحدة والانتماء إلى جماعة وقضية. ويعكس ظهور المواقع المقاتلة على الإنترنت، خصوصا غرف التواصل بلغات أخرى غير العربية، كالإنكليزية والفرنسية والهولندية والسويدية: أولا، حاجة (المجاهدين في الشتات) إلى أن يكونوا جزءا من المجتمع الجهادي. ثانيا، أهمية الإنترنت في إنشاء مثل هذه المجتمعات" (ص 128). ويؤدي الدخول إلى المنتديات المقاتلة ومجموعات التواصل، إلى المشاركة في مجتمع محدد، وتأكيد هوية هذا المجتمع، وهوية الفرد كونها جزءا منه. هذه ظاهرة وصفها القليل من المحللين، ومنهم سيجمان  الذي قال: "ما عاد المجتمع الافتراضي مرتبطا بأي دولة أو شعب، ويتوافق هذا الوضع مع الأمة السلفية الأسطورية"(ص 129).
     لا تعود سطحية المعرفية الدينية إلى فقر فكري لدى السلفيين المقاتلين، ولا إلى العقيدة التي يعتمدونها، لكنها تُظهر أن ارتباط أكثر الغربيين الذين ينضمون إلى هذه العقيدة، إنما هو ارتباط عاطفي وليس فكريا. والصور هي التي تشجع عملية الارتباط وتمكّن لها.
    تعتبر حالات الانتقال الكثيرة في حياة السلفيين المقاتلين جزءا مهما من الإجابة عن لغز انتمائهم. فانخلاعهم المكاني يعزز من إمكان اعتمادهم رؤية للعالم غير منتمية إلى مكان أو إقليم. وساهم ذلك في تمكينهم من تخيّل أنفسهم جزءا من جماعة عالمية تتجاوز سواها من الجماعات وتتخطاها. الرؤية غير المنتمية إلى أي أرض أو إقليم، التي يعتمدها السلفيون المقاتلون، هي رؤية في شأن مجتمع افتراضي منفصل بشدة عن تصورات الأرض| الإقليم، ومثل هذا المجتمع هو أمة متخيَّلة. ولا يهتم السلفيون المقاتلون الغربيون بتقسيم العالم بلدانا أو انتماءات إقليمية؛ فعالمهم ينقسم إلى "مسلمين وكفار".
    لا يبدو غريبا القول إن اهتماماتهم ليست إقليمية؛ إذ لا تنحصر أهمية هذه البلدان في أراضيها الإقليمية. فالدفاع عن أفغانستان والعراق والبوسنة، في نظرهم ليس دفاعا عنها كبلدان في ذاتها، بل هو دفاع عن الكيان الذي تشكل جزءا منه. وما يهم هنا هو الأمة وضرورة الدفاع عنها.
   لم تظهر السلفية المقاتلة من العدم؛ فهي فرع أيديولوجي منبثق من ثقافات مسلمة أوسع، ولا يُمكن فهمها دون فهم تلك الثقافات، أو من دون فهم السياق الذي يضع المقاتلون أنفسهم فيه. ينطبق هذا مثلا على المتمردين في العراق كما يسميهم المؤلف، أولئك الذين يبنون على السرديات الثقافية الشائعة بين سكان المناطق التي يسعون إلى الحصول على الدعم منها. ويستعينون بموضوعات سياسية وعاطفية لها حضورها في ثقافات العرب والمسلمين وتقاليدهم في العراق(3) والعالم. وتعتمد روايات المتمردين على ثلاث مسائل: الإذلال والعجز بسبب التواطؤ والخلاص بالإيمان والتضحية.
الهوامش
1- للمزيد حول التسامح واللاتسامح في التراث الإسلامي، راجع: محمد أركُون، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟ ترجمة وتعليق هاشم صالح،  ط 4، بيروت، دار الطليعة، 2009، ص 229-271.
2- حول وضع المسلم الغربي| وضع المسلم العربي راجع: تهامي العبدولي، أزمة المعرفة الدينية، ط 2، دمشق، الأكاديمية الثقافية العربية الآسيوية ودار البلد، 2005، ص 60-64.
3- للمزيد راجع العمل الهام: فالح عبد الجبار، دولة الخلافة التقدم إلى الماضي ("داعش" والمجتمع المحلي في العراق)، ط 1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، خصوصا الفصل التاسع: شيوخ وعشائر، دولة الخلافة والمجتمع التقليدي، ص 259-325.


         
                         

21
الظاهرة الدينية من علم اللاهوت إلى علم الأديان المقارن
       د. هاشم نعمة
    طالما كانت العلاقة بين الأديان وخصوصا ما يُطلق عليها بالأديان السماوية مثارا للجدل منذ تاريخ بعيد إلى وقتنا الحاضر، لكن يجري النقاش في غالب الأحيان من منطلقات تعبر عن الخلفية الدينية للمحاور؛ لذلك كثيرا ما اكتنف الحوار التحيز الضيق وتفضيل دين على آخر، أو تفضيل مذهب على آخر، وهذا كثيرا ما غذى ويغذي التطرف الديني والمذهبي والطائفي الذي نعيش فصولة المدمرة والمروعة حاليا على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تدعي امتلاكها الحقيقة الدينية كاملة. وإسهاما في النقاش حول هذا الموضوع الهام اخترنا تقديم قراءة عن كتاب "الظاهرة الدينية من علم اللاهوت إلى علم الأديان المقارن" لمؤلفه حمّادي المسعودي، وهو باحث تونسي متخصص في الدراسات المقارنة للأديان، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط| بيروت، 2018. يقع الكتاب في 336 صفحة. أتبع المؤلف في كتابه هذا منهجا أكاديميا، وتميز بالحياد والموضوعية على الرغم من حساسية البحث في هكذا حقول معرفية خصوصا في عالمنا العربي.
   يضم الكتاب المذكور أربعة فصول ومقدمة عالجت: مدخل نظري: من علم اللاهوت إلى علم الأديان، العهد القديم في النصوص الإسلامية، العهد الجديد في النصوص الإسلامية، متخيل النبوة وعالم ما بعد الموت في الأديان الكتابية، وخاتمة.
   يشير المؤلف في المقدمة إلى أن من لا يقارن لا يعرف، وستظل نظرته ضيقة للأمور ومحصورة بنطاق تراثه ودينه فقط، ولكن للأسف إن البحوث المقارنة وكذلك التعليم المقارن بين الأديان والثقافات المختلفة ليست واردة الآن في مجال التقسيم الشائع للموضوعات الدراسية ولا في برامج التعليم الثانوي ولا حتى الجامعي. كل جهة تكتفي عموما بتدريس دينها أو تراثها كأنه حقيقة مطلقة ولا شيء غيره في العالم! ولهذا السبب يستخدم المتطرفون نصوصا موضوعة بمنأى عن أي تحليل نقدي من أجل خلع المشروعية على الحروب المتكررة بين أعداء في المجتمع نفسه، أو بين دول مختلفة.
                                                      مدخل نظري
    إن مرحلة اندماج الذات في موضوعها لم تدُم نتيجة تقدم الفكر البشري، فانفصلت الذات عن الموضوع، وصار الإنسان ينظر إلى المقدس باعتباره مسألة مستقلة جديرة بالدراسة العلمية، فنشأ منذ القرن التاسع عشر علم الأديان المقارن، والدراسات المقارنة في الأديان، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، والأنثربولوجيا الدينية... وقد بينت جميع هذه المباحث كيف تحولت الظاهرة الدينية من شعور كامن في ذات الإنسان تجاه المقدس إلى دراسة علمية لذلك الشعور الخفي. 
   علم اللاهوت مداره خطاب الإنسان حول الله، وهو ينطلق من مسلمات وبديهيات يتبناها العالِمُ في هذا المجال، دون أن يعتريه فيها شك ولا تسأل، ويعتقد هذا العالِمُ أن الديانة التي يعتنقها هي وحدها التي تتصف بالحق والصدق والأصالة، وما سواها باطل وكذب أو مقتبس من نصوص دينية سابقة، أو هو كلام مُحرف، وبعبارة أخرى يمكن أن نقول: إن علم اللاهوت علم معياري تكون نزعته مشروطة دائما بالإيمان بحقائقه الخاصة به، فيكون بذلك مُقصِيا غيره بطبيعته، وهم لئن اتسم بنزعة عقلية جدالية في معالجة مواضيعه فإنه يدور في فلك الوثوقية والدفاع والتبرير والتمجيد. ص
   أما مصطلح علم الأديان فيرجع الاستعمال الأول له إلى المفكر الألماني ماكس ملر عام 1867. وفي الفترة نفسها نادى أ. بورنوف في فرنسا بتأسيس علم الأديان، وقد ألف كتاب أسماه بـ "علم الأديان". والملاحظ أن المفكرين الفرنسيين كانوا يميلون إلى استعمال مصطلح "تاريخ الأديان" ثم مصطلح "التاريخ المقارن للأديان".
   ويذكر المؤلف أن موضوع علم الدين| تاريخ الأديان| التاريخ المقارن للأديان لا يتعلق بإبداء الرأي في مدى تقدم الفكر البشري نحو اكتساب حقيقية ما ورائية أو لاهوتية، وإنما يسعى على النقيض من ذلك إلى تجاوز المعطى التجريبي للوقائع الدينية ليُدرك الفهم الداخلي للمقدس المعيش، لذلك كان ينطلق من دراسة مختلف الأنظمة الدينية المعروفة؛ لكي يَدرُسَ بناها الأساسية من طقوس وأساطير وعقائد ورموز؛ ليدرك في النهاية تحليل المضامين التي يعيشها الإنسان المتدين ذاتيا، فهو يهتم بجميع ما آمن به الإنسان في مجال المقدسات (ص 24).
   ويثير المسعودي نقطة في غاية الأهمية تشير إلى أن دارس الأديان الذي يتبنى المنهج المقارن عليه أن ينتبه إلى ما يمكن أن يكون كامنا في الكثير من أوجه الائتلاف من تنافر؛ لأن الكثير من عناصر التماثل الظاهر تحمل دلالات تباين داخلي؛ ذلك أن الدين للاحق إذا ما اكتفى بتكرار الدين السابق جزئيا أو كليا انصهر فيه، وفقد شروط بقائه جزئيا أو كليا، وأن كل الدين نشأ في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وجغرافية مخصوصة تأثر بها، وفعلت فيه، فولد مُحمّلا بأماراتها، معبرا عن أحلام الناس وآمالهم ورؤاهم الموصولة بالوجود وبوضع الإنسان في الكون وبعلاقته بالمعبود، فلئن قالت الديانات التوحيدية الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام) بالإله الواحد، فإن تصورها لهذا المعبود الواحد كانت مختلفة فيه اختلافها في طريقة عبادته حتى أن الكثير من الجدل وسوء التفاهم والخلاف نشأ من هذا التصور.
   لكن الاختلاف بين الأديان لا يتبيّن فقط عندما نقارن دينا بدين آخر؛ بل يمكن أن يتجلى لنا عند مقارنة فرقة بأخرى، أو مذهب بمذهب آخر، وفي هذه الحالة يكون الاختلاق كامنا في الدين الواحد، وهو اختلاف يرجع إلى اختلاف الرؤى والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في قراءة النصوص الدينية المؤسسة، كما قد يرجع، بالنسبة إلى الكثير من الفرق الإسلامية، إلى تسييس الدين، أو توظيف الديني في السياسي، ويُعد هذا من أخطر التوجهات التي يمكن أن ينزلق فيها الفكر الديني، وتنشأ عنها نزاعات وحروب دامية.
   إن البحث المقارن ينبغي على دارسه؛ لكي يكون بحثا موضوعيا، أن يلتزم بالحياد الديني أثناء إجراء المقارنة بين دين وآخر، أو بين ظاهرة وظاهرة دينية أخرى تنتمي إلى دين مخالف، وهذا يقتضي من الباحث المقارِن أن يتخلى عن نزعة المفاضلة بين الأديان، فلا يمجد دينا ويهجو دينا آخر، ولا يقول بأصالة الأول واقتباس الثاني من الديانات السابقة وتحريفه.
    وينبه المؤلف إلى وقوع أصحاب مصنفات الفرق في التراث الإسلامي في مزالق أيديولوجية وعقدية عندما تكلموا في كتبهم على أديان الآخر المخالف في الملة، فحصروا الصحة والحقيقة والشمول في الإسلام، ونعتوا الأديان الأخرى بالتحريف والباطل والمحدودية، متخذين من دين الذات معيارا به تُقاس سلامة الديانات الأخرى وجدواها وإيمان أتباعها، غير عابئين بمختلف الظروف التي نشأت فيها تلك الأديان، ولا المراحل التاريخية التي مرت بها، على الرغم من أنهم كانوا يؤمنون بأن الأديان التوحيدية الكبرى لها مصدر واحد، وأن الوحي، الذي ابتدأ مع أنبياء بني إسرائيل واختتمه نبي الإسلام، هو الوحي عينه.
    وقد رأى الكثير من الباحثين العرب المسلمين والمستشرقين شبها كبيرا بين علم اللاهوت الغربي وعلم اللاهوت الإسلامي، فكلا العلمين ينهض على الإيمان وإبعاد الشك وعلى التفسير والاستدلال والتمجيد والدفاع واعتماد النصوص المقدسة وسنّة القدماء مصادر لمباحثهم وردودهم.
  والملاحظ أن مصنفات علم الكلام(1) ومصنفات الملل والنحل لم ترقَ بالبحث في الأديان إلى تأسيس علم خاص
 بهذا المجال المعرفي، على الرغم من أصحابها عالجوا بإسهاب الأديان الكتابية وغير الكتابية، ولم ينشأ، إلى يومنا هذا، علم للأديان ولا للأديان المقارنة في العالم العربي والإسلامي، على الرغم من حاجة مجتمعات هذه البلدان المؤكدة لهذا العلم. 
                                      العهد القديم في النصوص الإسلامية 
    ورد لفظ "التوراة" 17 مرة في القرآن المدني، ومرة واحدة في القرآن المكي، والقرآن عندما يُطلق هذا اللفظ إنما يقصد الخمسة الأولى من أسفار (العهد القديم)، وهي التكوين، والخروج، والعدد، واللاويون، والتثنية، والتوراة تعني عند المفسرين المسلمين الوحي المنزل على النبي موسى، والعودة إلى هذه الأسفار مهمة جدا في فهم المسلمين للنص القرآني؛ لأن نصوصها حاضرة بكثافة عجيبة فيه من جهة، ولأننا نرى، من جهة أخرى، أنه لا يوجد نص ينهض من فراغ، وأن النص الديني بصفة عامة، والنص المقدس بصفة خاصة، نص تتداخل فيه النصوص والثقافات والحضارات، وهو دائم الانفتاح على مطلق الدلالات.
    أسندت جميع النصوص الدينية القديمة فعل الخلق إلى ذات متعالية ليست من جنس البشر (الإله إنليل في الثقافة السومرية، الإله مردوخ في الثقافة البابلية...). لكن ينبغي أن نلاحظ أن عملية خلق الكون في النصوص القديمة كانت نابعة من الحركة المادية والفعالية الحياتية للآلهة؛ فالإله يتحرك ليصنع أو يخلُق في النصوص السومرية والبابلية. أما في النصوص التوراتية والقرآنية، فإن عملية الخلق كانت نتيجة الكلمة الخلاقة والأمر الإلهي "كُن فيكُن" (ص 74).
   يبدو الإله التوراتي إلهاً شديد الشهوة للحم المشوي، مشتهيا رائحة البخور تعبقُ في "قُدس الأقداس". وهكذا خلق الإنسان آلهته صورة منه ترتد إليه كل حين في شهواته وحواسه وأفعاله وطلباته، ولكي يُضفي على هذه المطالب شرعية فتجد سبيلها إلى التنفيذ أسقطها على الآلهة وصعّدها إلى السماء.
    أما الإله القرآني فلم يكن مفرطاً في طلباته القُربانية، وقد يكون ذلك راجع إلى وعيه بفقر المؤمنين، فلم يسُنَّ لهم سوى أضحية سنوية بمناسبة فريضة الحج تكون من الغنم أو المعز أو الإبل أو البقر. وطقوس هذه الأضحية لا تتم في فضاء المؤسسة الدينية كما هو الشأن في القرابين التوراتية، وإنما تُمارس في الفضاء العادي للعائلات.
   كثيرا ما تتبدى لنا في التوراة خاصة، وفي العهد القديم عامة، إن الفاعل ذا القرار هو النبي موسى وليس الإله يهوه، حيث يقوم النبي بدور المُعدّل بين الإله والشعب، ويحُدُّ من جبروت الذات المتعالية، فهل هي حكمة الأنبياء التي فاقت الحكمة اليَهوهية (نسبة إلى يهوه) أو هي حكمة مؤلفي النصوص المقدسة اليهودية التي اجتهدت لتكون العلاقة بين النبي والشعب متينة جدا؟ فالنبي في هذه الأمثلة يبدو أقرب إلى الشعب من الإله وأمتَنَ صلة بهم منه، لذلك كان يسعى إلى إبطال القرار الإلهي القاضي بإفناء الشعب.
   لقد أضفى الإنسان على الإله في النصوص المقدسة صفات البشر، لذلك يظل الكائن المتعالي قريبا جدا من الذات البشرية. وقد يعبّر ذلك عن مرحلة من تاريخ البشر لم يتخلص الإنسان فيها من التصور المادي الحسي لمعبوده؛ لذلك صاغ إلهه على شكل صورة مزدوجة تجمع بين الإنسان والإله. فاليهود لم يعرفوا في أسفارهم المقدسة التمثل المتعالي للإله؛ إذ بقي هذا التصور حسيا تجسيديا لم يرق إلى التمثل الذهني المجرد. ويؤكد هذا المنحى في تصور الإله طلبهم من موسى أن يُريهم الله رؤية عينية. وقد عبد اليهود آلهة في صورة مجسّدة حتى بعد تعرفهم إلى الإله يهوه إله الإنقاذ والخلاص (عبادة العجل أثناء غياب موسى).
                                     العهد الجديد في النصوص الإسلامية

    إن جوهر المسيحية في القرآن هو بشرية عيسى، وقد أكدها الوحي الإسلامي بشدة، فهو بشر ينحدر من سلالة البشر شأنه شأن آدم، فهو ابن مريم، كائن مخلوق وعبد مربوب. ما ورد في القرآن على لسان عيسى ينفي عنه وعن أمه الألوهية، ويبرز منزلته الحقيقية، وهو هنا لا يعلم الغيب إلا ما يعلّمه الله، وهو لا يُعلّم الناس إلا ما أُمِرَ به. ومصيره البعث يوم القيامة بعد موته، لكن دوره في العقاب والثواب منفيّ، وهو لن ينهض بإدانة الناس في الآخرة مثلما تذهب إلى ذلك المسيحية الإنجيلية؛  لأن الحساب موكول إلى الله وحده. لقد نقل القرآن عيسى من مرجعية مسيحية هو مركزها وحجر الزاوية فيها إلى مسيحية قرآنية لا يمثل فيها سوى عبد مربوب مكرم بالنبوة، فيكون القرآن بذلك قد قوض أسس مرجعية لتنهض على أنقاضها مرجعية جديدة صلتها بالنص الأصلي غير متينة.
   ويحول القرآن نهاية عيسى تحويلا جذريا ويوجهها وجهة أخرى تختلف تماما عن تلك التي رسمتها الأناجيل، فيُخالف نصوص العهد الجديد والرؤية اليهودية في هذا المآل الذي صار إليه عيسى عندما ينفي أن تكون نهايته بتلك الطريقة، ويرسم له نهاية يُقوض فيها أسس المرجعيتين اليهودية والمسيحية، ويُحمّلها أبعادا غير تلك التي أرادتها النصوص المسيحية، فالمسيح لم يقتُله اليهود، ولا هم صلبوه، (ما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم) وإنما نجا من الموت صلبا  ورفعه الله إليه فانتصر على الأعداء المناوئين، لكنه لم ينتصر على الموت، ولم يقهره مثلما تذهب المسيحية إلى ذلك.
    ويرفض القرآن مقولة التثليث التي تؤمن بها المسيحية،رفضا قاطعا، وإن  كان يفهم التثليث على غير ما تقصده المسيحية من هذا المصطلح. فالقرآن يُفند مقولتين جوهريتين في المسيحية: البنوّة والتثليث. وقد ربط الإسلام الولد أو الابن بضرورة وجود علاقة جنسية بين الذكر والأنثى لكي تنشأ الولادة، فالعلاقة إذا علاقة بيولوجية جسدية، وهذا ما لا يمكن أن يكون مقبولا في التصور القرآني لله، فالله في المنظور الإسلامي لا يمكن أن يكون له ولد| ابن لأنه ليس له زوجة أو صاحبة. لقد فهم المسلمون معنى البنوة في دلالتها الحقيقية البيولوجية، بينما أكد المسيحيون أنهم لا يقصدون هذا المعنى عندما يتكلمون على البنوة. 
   إن علماء اللاهوت المسيحيين، وهم يدرسون المسيحية من خلال القرآن، يتصورون أن محمدا كان يعتمد، أثناء حديثه عن المسيح، على النصوص الإنجيلية القانونية، وعلى ما صدر عن المجامع الكنسية من قرارات، لذلك نسبوا إليه تحريف هذه النصوص وتشويهها. لكن ما هو مغيّب في هذا التصور أن النصوص الإنجيلية المكتوبة لم تكن متوافرة بكثرة في البيئة التي نزل فيها الوحي الإسلامي، وما يمكن أن يكون شائعا في الأوساط العربية آنذاك هو ما كان يتناقل مشافهة من التراث الديني المسيحي، ويبدو من خلال كلام القرآن عن المسيحية أن ما كان يُتداول من هذه الديانة لم يكن ينتمي إلى النصوص الإنجيلية القانونية وحدها، وإنما اشتمل حتى على النصوص غير القانونية مثل إنجيلي الطفولة وتوما، واحتوى كذلك على مقولات بعض المفكرين والفرق المسيحية. 
    إن أسّ الإيمان المسيحي وجوهره ليسا كتابا مقدسا ولا شريعة، وإنما شخص يسوع المسيح الذي يمثّل الله ويبرزه ويكشف عنه بطريقة نهائية. ويذكر هانس كينغ أن هذه الرؤية المسيحية، التي تجعل من المسيح جوهر الإيمان دون الكتاب المقدس، تمثّل فارقا جوهريا بين المسيحيين والمسلمين، فالمسيح يحتل لدى أتباعه منزلة القرآن لدى المسلمين، فهو "كلام الله المتجلي بشكل بشري" (ص 127).
   من البيّن أن كل قراءة تتأثر بالمحيط الثقافي الذي نشأت فيه، ولا يشذ القرآن عن هذه القاعدة، فما كان قد حدث داخل الكتاب المقدس حدث كذلك في القرآن؛ إذ لم يقع الاكتفاء بتقبل تقليد قديم صافيا وببساطة، وإنما تم تحيينه وإعادة تأويله على ضوء التجارب الحاضرة، فقد طبق محمد على حاضره الخاص ما سمع حول يسوع تماما كما طبّق المسيحيون عددا من نصوص العهد القديم على المسيح (النبوات)، وكان معناها الأصلي مختلف تماما، وعظمة يسوع كلها تكمن، لدى محمد، في كون الله عمل بواسطته باعتباره عبدا مُرسلا من الله.
   فقد حمَّل الإسلام المفاهيم المألوفة في الديانتين السابقتين مضامين جديدة من ناحية، وأبطل الكثير من المقولات الدينية السابقة خاصة في الديانة المسيحية من ناحية ثانية، فالقرآن يعيد الإطار العام الذي توافر في الديانتين السابقتين، لكن الإطار المُعاد يُملأ بمضامين جديدة، لذلك لن يكون مجرد استرجاع للقديم بقدر ما هو صياغة جديدة للعديد من التصورات الدينية السابقة، فهو يعدّل الرؤى حول العالم والألوهية والنبوّة واليوم الآخر، ويسترجع شخصيات العهد القديم والعهد الجديد طبقا لتصور جديد ينأى بها عن التصور الديني السابق، وهذا التصور الجديد لا يمكن أن يُعزا إلى سوء فهم للدينين السابقين، ولا معرفة محمد السطحية بالكتاب المقدس كما ذهب إلى ذلك كارل بركلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية). 
   ويحلل المؤلف مكونا مفصليا هاما في الأديان، عندما يشير إلى أن الأسطورة تمثّل شكلا ثابتا في كل دين، فلا يمكن أن نتصور ديانة خارج الأسطورة، وهي بنية أساسية في كل دين، لكنها تختلف باختلاف الديانات والبيئة الثقافية التي نشأ فيها كل دين، فلكي يكون للدين أتباع لا بد من أن يُبنى على جملة من التصورات يكون للمتخيّل حظ وافر فيها، تبدأ في الغالب بربط علاقة تواصل مع عالم الغيب ودنيا الشهادة من خلال الوحي أو الإلهام، وقد تتدعّم بالمعجزات والخوارق ومختلف تجليات العجيب النازل من السماء، والمجترح على وجه الأرض، فإذا كانت الأسطورة مكونا أساسيا من مكونات النص الدينيّ، هل لهذا النص أن ينهض إذا ما عَمَدنَا إلى نزع الأسطورة عنه ولم نُبق منه إلا ما يتناغم ومقتضيات التاريخ والواقع؛ أي ما يكون مدركا بالعقل خاضعا لمبدأ السببية: عليّة الحدث، وهي القاعدة الجوهرية التي يُقيم عليها العلم في العصر الحديث تصوره للعالم؟ (ص 144) يتساءل المسعودي.
                                                      متخيل النبوّة 
     إن الخيال هو مصدر كل وحي، وليست الذات الإلهية هي التي توحي إلى الأنبياء، وإنما ذات النبي هي التي تلهم، ولما كان الوحي إلهاما اختلفت مادته من نبي إلى آخر باختلاف المزاج والثقافة والوضع الاجتماعي والاقتصادي والبيئة لدى لكل واحد من الأنبياء، وقد لون كل نبي الوحي بلونه الخاص، وأضفى عليه بعضا من ذاته، فإذا كان النبي "ذا مزاد مرح تُوحى إليه الحوادث التي تعطي الناس الفرح مثل الانتصارات والسلام... وعلى العكس منذ ذلك إذا كان النبي ذا مزاج حزين تُوحى إليه الشرور كالحرب والعذاب" (ص 212). 
   تتجلى الاستقلالية الذاتية العجيبة في شخصية المسيح من خلال النظر في مرجعيات الكلام الذي يخاطب به أتباعه، فبينما يسعى غيره من الأنبياء إلى تأكيد أن ما يتفوهون به  ذو مصدر آلهيّ متعالٍ ليضفوا على خطابهم مصداقية، فإننا لا نجد في حال المسيح مثل هذا العناء، فهو لا يحيل إلى مرجعية متعالية؛ بل أنه يؤكد أن الكلام كله نابع من ذاته، والأفعال صادرة عن إرادته، والمعجزات آتية عنه دون أن يرجعها إلى قوة خارجة عن ذاته، لذلك نجد تواترا للعبارات الآتية: الحق أقول لكم ... أما أنا فأقول... (ص 231)
     يمكن أن نميّز في كلام الأنبياء بين مستويين من القول: ما هو صادر عن الذات الإلهية؛ أي الوحي أو الكلام المقدس. وما هو صادر عن النبيّ الإنسان؛ أي الكلام البشري، لكن هذا الفصل غير جائز في حال المسيح؛ ذلك أن كل ما يصدر عنه مقدس. وظاهرة الفصل جلية بوضوح في الإسلام بين كلام الله| القرآن وكلام النبي| الحديث، حتى أن محمدا نفسه كان ينبّه على هذا الفصل عندما نهى بعض أصحابه عن تدوين ما كان يتفوّه به في أحواله العادية؛ أي عندما يكون في غير حالات الوحي، خوفا من أن يلتبس كلامه ويختلط بالقول الإلهي. وعلى الرغم من أن السنة النبوية المحمدية تفسّر في العديد من نصوصها كلام الله، ظل القرآن أعلى منزلة والمصدر الأول في الأحكام والتشريعات والأخلاق والعبادات، لذلك ظل الفاصل المادّي قائما بينها وبين نص الوحي.
    تذكر مصنّفات علوم القرآن ثلاثة آراء تحدد مختلف المواقف حول مصدر الوحي، يقول أولها بألوهية المصدر لفظا ومعنىً، والثاني بألوهية المعنى وبشرية اللفظ، والثالث بألوهية المعنى ومَلَكية اللفظ (اللفظ صاغه المَلكُ). ويذكر المؤلف إلى أن ما يهمّنا من هذه الآراء القول الثاني، وفيه أن القرآن نزل معنى على محمد، وأنه صاغ تلك المعاني بلغة العرب (ص 239-240).
    ومن الجدير بالذكر، عالج الفيلسوفان الفارابي وابن سيناء مسألة النبوة، وكلاهما يرجع الدور الأساس في بلوغ هذه المرتبة إلى عمل القوة الإدراكية "الباطنة" المسماة بـ "المتخيلة". ذلك يعني أن مفهوم النبوة في فلسفتيهما يختلف عن مفهومها الإسلامي الصافي(2).
                                                        خاتمة
    في الخاتمة يتوصل المؤلف إلى خلاصة هامة وهي ضرورة استفادة الدراسات العربية والإسلامية من مناهج العلوم الإنسانية بصفة عامة، ومن منهج علم الأديان المقارن بصفة خاصة، بعد أن أضحى من اليقين أن النص القرآني والنصوص التي دارت عليه في مختلف الحقول المعرفية نُصوص جامعة احتوت داخلها على روافد نصّية مختلفة المرجعيات والثقافات. وقد صار من اليقين أيضا أن فهم النصّ القرآني والنصوص الحوافّ يقتضي العودة إلى نصوص سابقة تاريخيا للتراث العربي والإسلامي لتبيّن النصوص المستحضرة من ثقافات أخرى وكيفية استحضارها والتحويلات التي أُلحقت بها لتنسجم وطبيعة الثقافة والبنية الاجتماعية والاقتصادية التي انتقلت إليها تلك النصوص.
   إن الأديان يستعير بعضها من البعض الآخر، وأنها تشتمل على قواسم مشتركة دون أن ينصهر أحدها في الآخر، وأن الحقيقة الدينية ليست مطلقة، لذلك لا يمكن أن تكون مقصورة على دين دون دين، وأن كل دين يحمل جوانب من الحقيقة وليس كل الحقيقة. ومن شأن هذا التصور أن يجعل قارئ النصوص المقدسة متفهما لما بداخلها من تشابه وتباين دون السقوط في الأحكام المعيارية الممجّدة لدين الذات والمستهجنة لدين "الآخر". وهذا يمثّل أحد الأسس، التي ينهض عليها العلم المقارن للأديان، وهو الحياد الديني الذي بغيابه تغيب الدراسة العلمية الموضوعية للمسألة الدينية (ص 296).
    أخيرا، نحن إزاء بحث أكاديمي قيّم بذل فيه الباحث جهدا كبيرا في التحليل والمقارنة والاستنتاج وعاد إلى الكثير من المراجع ذات الصلة، وهو جدير بالقراءة المتمعنة خصوصا في ظل أوضاعنا  الحالية التي يسود فيها التزمت الديني والمذهبي والطائفي.   
1- للمزيد حول علم الكلام راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية، المجلد الثاني، الجزائر| بيروت، دار الفارابي، 2002، ص 389-441.
2- المصدر نفسه، المجلد الرابع، ص 255، وللمزيد راجع الصفحات 255-259   
         

22
قراءة في كتاب "كركوك: جدل الأرقام والسرديات
مأزق الانتخابات في سياق تحولات ديموغرافية حالة انتخابات مجلس المحافظة"*
                                                                                                           
د. هاشم نعمة
    كُتب لملف كركوك أن يكون من الملفات الساخنة، والذي يدور الصراع بشأنه على خلفيات طبقية-اجتماعية وقومية وسياسية وحزبية وفئوية وشخصية، بدلا من أن تكون كركوك نموذجا للتنوع الثر القومي والديني وللتعايش والسلم الاجتماعي.
   ونظرا إلى أهمية هذا الملف على صُعد متعددة، ولما يختزنه من صراعات قد تتفجر في أوقات ما، ولتسليط الضوء على هذه المسألة الشائكة، اخترنا تقديم قراءة عن الكتاب المذكور لمؤلفه الدكتور خليل فضل عثمان، وهو أكاديمي وباحث، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2018، لعل ذلك يُسهم في حدث الفاعلين السياسيين على إيجاد تفاهمات حقيقية تصب في مصلحة سكان كركوك خصوصا، ومصلحة العراق عموما، وتخرج هذه المسألة من المأزق الحالي. يقع الكتاب في 196 صفحة. أتبع المؤلف في كتابه هذا منهجا أكاديميا، وتميز بالحياد على الرغم من حساسية هذا الملف.
   يضم الكتاب توطئة ومقدمة وستة فصول وخاتمة وتوصيات بعنوان بحثا عن مخرج من النفق المظلم. وجاءت عناوين الفصول على النحو الآتي: كركوك وتحولات الدولة والهوية في العراق، وكركوك في متاهات التغيير الديمغرافي، وصعود لجنة المادة (140) وهبوطها، واتجاهات النمو السكاني في كركوك، وكركوك في سرديات المظلومية والظالِمِية العراقية، وجدليات الانتخابات وحق الاقتراع.
    يذكر المؤلف في التوطئة إن القضايا التي أرخت بظلالها على العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد بعد عام 2003 كثيرة ومتنوعة. ولكن أيا من هذه القضايا لم تُثِر قدرا من الاهتمام، بل والمخاوف على مصير العراق برمته، كما أثارته مسألة كركوك. فالصراع على محافظة كركوك، الذي طالما أججته مزاعم متنافسة في شأن هويتها، يضرب بجذوره عميقا في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. وقد وجد هذا الصراع تربة خصبة في أجواء الانقسام السياسي الحاد الذي ساد البلاد، منذ الإطاحة بنظام صدام حسين؛ بحيث باتت مسألة كركوك محل تجاذب ومزايدات بين غرماء العملية السياسية في العراق. إن مساعي الأطراف السياسية الكردية منذ عام 2003 الرامية إلى ضم كركوك إلى إقليم كردستان، قد اصطدمت بأنواع متعددة من الرفض من العرب والتركمان والحكومة المركزية. ومع تصلب مواقف الأطراف المتنازعة، تنامت المخاوف من أن تتحول كركوك إلى برميل بارود مهيأ للانفجار في أي وقت.
    يشير عثمان إلى أن الحديث عن انتخابات مجلس محافظة كركوك يتسم بمسحة من الخيبة؛ إذ إنه يفصح عن فشل متكرر في إجراء هذه الانتخابات جراء انعدام التوافق بين مكوناتها، فقد أطلت كركوك على كل موسم انتخابي ما بعد 2003 عقبة كأداء يستعصي حلها، فكان التأجيل غالبا ملاذا لاذت به الحكومات المتعاقبة بسبب عجزها عن التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأطراف، وتتيح إجراء  انتخابات لمجلس المحافظة.
    إن استمرار رواسب الانتماءات ما قبل الوطنية خلال العهد الملكي، لم يتطور إلى نكوص تام نحو الهويات الفرعية. كان الزمان زمان طغيان الأيديولوجيات الراديكالية، بطبعتيها القومية والماركسية، على وقع انتصار الثورات الاشتراكية في العديد من البلدان، واتساع رقعة حركات التحرر الوطني. ولئن دل صعود الأيديولوجيات الراديكالية في العراق على شيء، على مستوى ديناميات حراك الهويات وتصادمها وتفاعلها في تلك الحقبة، فإنما يدل على تقدم الانتماءات الفكرية على الهويات الفرعية ما قبل الوطنية.
   وعن الأحداث الدموية التي عرفتها كركوك يوم إحياء الذكرى السنوية الأولى لثورة 14 تموز، يذكر المؤلف "يمكننا الجزم بأن كما هائلا من الأحقاد الطبقية كان يعتمل ويفور في ذاك اليوم المأساوي من تموز| يوليو 1959 في صدور مرتكبي العنف بحق التركمان. فلقد شكل التركمان تاريخيا عماد طبقة كبار ملاك الأراضي والتجار وشريحة المتعلمين في كركوك، وكان بينهم عدد لافت من الموظفين في مكاتب شركة نفط العراق في كركوك، في حين أن أكثرية الكرد فيها كانوا من الفلاحين المعدمين أو العمال الكادحين من أصول ريفية" (ص 38).
   دخلت كركوك دائرة الجدل حول الفدرالية الذي أججه إقرار النظام الفدرالي في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية عام 2004، ومن ثم في الدستور العراقي الدائم عام 2005 شكلا تنظيميا إداريا للبلاد. وفي حين استمر الكرد في المطالبة بضم كركوك إلى إقليم كردستان، تصاعدت في الوسط التركماني المطالبات بتحويل كركوك إلى إقليم خاص، أو أن تكون ضمن إقليم تركماني على شكل قوس يمتد من تلعفر في محافظة نينوى على الحدود العراقية-السورية حتى مندلي في محافظة ديالى على الحدود العراقية-الإيرانية، مرورا بكركوك وطوزخورماتو في محافظة صلاح الدين، ويُعرف باسم "تركمن إيلي" أي "وطن التركمان". في المقابل، مال العرب في كركوك إلى رفض الفدرالية بشدة، خشية ضم كركوك إلى إقليم كردستان. وهكذا بدت كركوك في خضم هذا الجدل شكلا حادا من أشكال تحكم الهويات الفرعية في مجريات الحياة السياسية والاجتماع السياسي في عراق ما بعد 2003، وسعيها المحموم لتأكيد وجودها وإلغاء كل ما عداها.
                                                   التغيير الديمغرافي
   التغيير الديمغرافي في كركوك فعل سياسي؛ أي هو نتاج سياسة مرسومة بقصد إعادة تشكيل الخريطة السكانية للمحافظة. فعلى الرغم من وجود اتفاق باعتماد سياسة ممنهجة كانت ترمي إلى "تعريب" كركوك، لكن الرؤى تتباين حول نقطة البداية التي شرعت فيها مشاريع التغيير الديمغرافي في كركوك. فلقد تبنى بعض الأكاديميين والسياسيين الكرد والغربيين موقفا يعزو الزيادة في نسبة العرب في كركوك إلى السياسات الحكومية المقصودة، والتي سعت لضمان سيطرة الحكومة المركزية على نفط كركوك عبر توطين العرب وتشجيعهم على الاستقرار فيها.
   وفقا لهذا المنظور الموغل في هواجس مُستلة من عصر القوميات، بكل ما يضج فيه من سرديات مظلومية الأنا الجمعية بحسب المؤلف، يجري شطب كل العوامل الأخرى التي قد تكون مثّلت حوافز لانتقال أشخاص وعائلات من شتى مناطق العراق إلى كركوك من قبيل فرص العمل المجزية التي خلقها اكتشاف النفط في كركوك عام 1927، أو النقل الوظيفي، أو للاستفادة من كفاءات إدارية في إدارة ثروة وطنية.
    لا شك اعتمد نظام البعث سياسات مختلفة لتغيير الواقع الديمغرافي في كركوك لصالح العرب، بما في ذلك تقديم حوافز ترمي إلى تشجيع أعداد كبيرة من العرب، ومعظمهم من السكان الشيعة في جنوب العراق ووسطه، على الانتقال إلى كركوك والإقامة فيها. وفي أواسط السبعينيات، وتحديدا عقب انهيار الحركة الكردية المسلحة، اعتمدت الحكومة العراقية إجراءات توخت تغيير الحدود الإدارية لكركوك، ومن ثم تركيبتها السكانية. وأضفت سلسلة من المراسيم الجمهورية على هذه التعديلات الإدارية غلالة من الشرعية القانونية. 
   إلى جانب ذلك، وزعت السلطات على أعتاب التعداد السكاني العام عام 1997 استمارات "تصحيح القومية" على السكان الكرد والتركمان  والكلدو-آشوريين في مسعى يرمي إلى إجبارهم على تغيير قوميتهم إلى العربية. وكان الطرد من البيوت جزاء الرافضين ملء تلك الاستمارات. وقدمت الحكومة حوافز لتشجيع سكان كركوك على "تصحيح قوميتهم" إلى العربية.
   في أعقاب سقوط نظام صدام حسين، باتت كركوك أسيرة هذا الماضي الأليم. وساد التباهي بالقوة العددية للمكونات السكانية. وجاء ذلك موصولا بتنامي الرغبة في أوساط الكرد والتركمان خصوصا، في تصحيح ما جرى من تغييرات ديمغرافية إبان حقبة حكم حزب البعث.
  ما أن سقطت مدينة كركوك بلا قتال في أيدي قوات البيشمركة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني في 10 نيسان| أبريل 2003، حتى بدأ الكرد بالتدفق إلى المحافظة. ولم تسلم كركوك من حالات السلب والنهب التي شهدتها مناطق واسعة من العراق في أعقاب سقوط النظام. وتواردت تقارير في تلك الفترة عن عمليات طرد وتهجير قسريين للعرب من بعض مناطق المحافظة. وشهدت كركوك تدفقا آخر للكرد في الفترة التي سبقت انتخابات كانون الثاني| يناير 2005، والتي شملت ثلاثة اقتراعات متزامنة لاختيار أعضاء كل من الجمعية الوطنية الموقتة، ومجالس المحافظات، والمجلس الوطني الكردستاني الذي هو بمنزلة السلطة التشريعية في إقليم كردستان. وقدم الحزبان الكرديان الرئيسان جملة من الحوافز لإقناع المهجرين من أكراد كركوك بالعودة إلى المحافظة. 
                                               لجنة المادة (140)
    في ضوء المرارات الذي خلفته محاولات "تعريب" كركوك وما صاحبها من انتهاكات وتهجير، وحتى القتل، لم يكن مستغربا أن تحتل مسألة كركوك، وغيرها من المناطق التي باتت تُعرف لاحقا بـ " المناطق المتنازع عليها"، موقعا متقدما في المداولات التي شهدها العراق لصياغة دستور دائم بعد عام 2003. وأفلحت ضغوط الأكراد، وتجاوب أطراف شيعية فاعلة في العملية السياسية، في إدخال مادة في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الذي أُقر في آذار| مارس 2004، دستورا موقتا للبلاد إلى حين صياغة الدستور الدائم الذي جرى الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول| أكتوبر 2005 تعالج التغيير الديمغرافي في كركوك. لذلك سعت المادة (58) من قانون إدارة الدولة لإزالة ما لحق كركوك وغيرها من المناطق من إجحاف، تمثل بالتغيير الديمغرافي إبان النظام السابق، وأدرجت سلسلة إجراءات لمعالجة هذا الإجحاف.
    لم يكن أمام السلطات العراقية متسع من الوقت لتطبيق كل بنود المادة (58) قبل سن دستور دائم. كما أن مؤسسات الدولة كانت منهكة ومتهالكة وتفتقر إلى الموارد والكفاءات اللازمة لتطبيقها، فضلا عن طبيعة الماد الخلافية، وما تثيره من حساسيات. وكذلك تداعي الوضع الأمني. وهكذا جرى ترحيل المادة (58) إلى الدستور العراقي الدائم. فقد ألزمت المادة (140) السلطة التنفيذية في العراق بتنفيذ كل بنود المادة (58) وحددت لذلك سقفا زمنيا هو 31 كانون الأول| ديسمبر 2007.
   وبغية تنفيذ المادة (140) شُكلت "لجنة المادة 140" في 9 آب| أغسطس 2006 بموجب الأمر الديواني رقم (46) الذي أصدره رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. وشكلت اللجنة من 9 أعضاء، وهم 3 كرد و3 شيعة بينهم تركمانيان و2 سنة عرب وواحد كلدو-آشوري. وفي بداية تأسيس اللجنة كان يترأسها الأستاذ حميد مجيد موسى (سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي حتى المؤتمر الوطني العاشر) ثم رأسها لاحقا الأستاذ رائد فهمي وزير العلوم والتكنولوجيا الأسبق. وقد طرأت عدة تغيرات على هذه التركيبة على مر السنين.
    وأدت الخلافات بين مختلف الأطراف حول صلاحية العمل بالمادة عقب التاريخ المنصوص عليه لإنهاء عملها إلى توقف اللجنة فعليا عن إصدار قرارات، باستثناء القرار رقم (7) الصادر بتاريخ 12 تموز|يوليو 2009 القاضي بـ "إعادة الراغبين من العوائل المُرَحلة والمُهَجرة والمُهاجرة الذين رُحلوا وهُجروا من المناطق المشمولة بأحكام المادة (140) من الدستور في وسط وجنوب العراق نتيجة سياسات النظام السابق" (ص 87).
   إن المدة الزمنية التي حُددت لتنفيذ المادة لم تكن كافية على الإطلاق لحل القضايا والملفات التي توخت حلها في إطار مسار قانوني ودستوري معقد من أبرز سماته - شأنه في ذلك شأن أي مسار قضائي أو شبه قضائي- البطء في التنفيذ. كما أن ربط كركوك بمناطق متنازع عليها غير مُحددة بدقة جعل حل موضوع كركوك أشد تعقيدا. فالمادتان (58) و(140) لا تشيران إلى حدود المناطق المتنازع عليها، بحيث لا شيء يمنع منطقيا إدراج مناطق أخرى في العراق، ليست موضع مطالبات كردية، ضمن المناطق المتنازع عليها. وقد تحولت اللجنة بمرور الزمن إلى هيكل فارغ يشله انعدام المخصصات المالية. فاللجنة التي يرأسها حاليا هادي العامري لم تعقد اجتماعا لها منذ أكثر من سنتين (وقت صدور الكتاب).
                                         جدلية الانتخابات وحق الاقتراع
    يزداد سؤال أوزان المكونات ثقلا في المواسم الانتخابية، فالجدل بشأن التركيبة الديمغرافية في كركوك انسحب جدلا وخصاما ونزاعا حول تحقيق تمثيل مُنصِف للمكونات في مجلس المحافظة، وتحديث سجلات الناخبين في المحافظة، وتحديد من يحق له أن يدلي بصوته في انتخابات أو استفتاء يُجرى فيها. فالنزاع حول حق الاقتراع في كركوك، بكل ما يتسم به من تعقيد، يغدو شائكا أكثر لأن من المنطقي جدا افتراض أن قوائم الناخبين نفسها المُستَخدمة في الانتخابات ستُعتَمَد أيضا في الاستفتاء المثير للجدل على الوضع النهائي لكركوك. وأدى الجدل المحتدم المتواصل حول حق الاقتراع دورا في استثناء المحافظة من انتخابات مجالس المحافظات في عامي 2009 و2013، بحيث إنها لم تشهد إجراء انتخابات لمجلس المحافظة منذ عام 2005. لم يكن ذلك مفاجئا في عراق ما بعد 2003، حيث الهويات والانتماءات الضيقة لا تصغي سوى لهواجسها ومخاوفها، وحيث يسود مفهوم ضيق للتمثيل في المجالس المُنتَخبة يُنظَر وفقا له إلى الممثلين المنتخبين على أنهم يعملون لصالح مجموعاتهم العرقية والطائفية بدلا من الصالح العام وعموم الناخبين في دوائرهم الانتخابية.
    وعند إمعان النظر في عدد المسجلين في قوائم المستفيدين من الحصص التموينية في محافظة كركوك يُلاحظ أنه شهد ارتفاعا قدره 438001 شخص بين كانون الأول| ديسمبر 2003 ونيسان| أبريل 2009. والمُلاحظ أن وتيرة التسجيل في بعض مراكز التموين سجلت ارتفاعا كبيرا خلال هذه السنوات الست، علما أن هذه القوائم هي من يتم اعتمدها في سجل الناخبين نظرا إلى عدم وجود تعداد سكاني عام جديد في العراق منذ عام 1997.
    وتبدت مؤشرات على مظاهر شابت هذا النمو في سجل الناخبين في كركوك. فوفقا لبيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، شهد سجل الناخبين في كركوك خلال عملية التحديث التي أجريت قبل الاستفتاء على الدستور في تشرين الأول| أكتوبر 2005 زيادة بمعدل 45% مقارنة بالمعدل العام للزيادة في البلاد البالغ 8,2%. وتواصلت المخالفات في تحديث السجل في الفترة الفاصلة بين الاستفتاء على الدستور وانتخابات مجلس النواب في كانون الأول| ديسمبر 2005، ففي 7 تشرين الثاني| نوفمبر 2005، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن تدقيقا لسجلات الناخبين في كركوك كشف عن وجود قرابة 86 ألف اسم أضيف "بأساليب لا تتواكب مع الإجراءات المعتمدة، وقد وجدت المفوضية أن هذه العملية هي محاولة متعمدة لتزوير العملية الانتخابية" (ص 162). وأعلنت المفوضية أنها سوف تزيل تلك الأسماء من سجل الناخبين في كركوك.
   إن إلقاء نظرة فاحصة على جدول سجل الناخبين، يتبين أن عددا من المراكز شهد قفزات هائلة في التسجيل، وخصوصا بين عامي 2004 و2005. أما الصورة الكلية للتغيرات التي طرأت على أعداد الناخبين المسجلين في كركوك، فلا تبعث على الاطمئنان؛ إذ شهد عدد الناخبين المسجلين ارتفاعا بمعدل 27,99% بين كانون الثاني| يناير 2005 وأيلول| سبتمبر 2005.  وهذه القفزة لا يمكن بأي حال أن تكون ناجمة عن زيادة طبيعية في عدد السكان؛ بحيث تُضاف أسماء الأفراد الذين يبلغون السن القانونية للاقتراع إلى سجل الناخبين، وإنما هي إلى حد بعيد، نتاج للزيادة المفاجئة في عدد السكان الناجمة عن عودة المُهجرين الذين رُحلوا إبان حكم صدام حسين.
    يحيلنا ذلك كله، معطوفا على الكم الهائل من حالات الخلل التي اعترت عملية تحديث سجل الناخبين إلى فرضية حدوث محاولات مُمنهجة لزيادة عدد الناخبين المسجلين، لا بل حشو سجل الناخبين. وما قامت به مفوضية الانتخابات قبيل انتخابات 15 كانون الأول| ديسمبر 2005 من شطب أسماء وجدت خللا فنيا في تسجيلها كان قاصرا عن تبديد هذا الانطباع بعدم عدالة عمليات التسجيل ونزاهتها؛ لأنه إجراء لا يعالج كثيرا من أساليب الغش وحالاته التي لجأ إليها بعضهم في تسجيل الناخبين. هذا فضلا عن أن المفوضية لم تعتمد آلية لتحديد الأشخاص الحقيقيين - والمفترض أنهم كُثُر-  الذين يحق لهم الاقتراع في كركوك، والذين ارتكبوا أخطاء غير متعمدة في ملء استمارات التسجيل أدت إلى شطبهم من السجل.
    أُنشئت لجنة برلمانية بعنوان "لجنة المادة 23 من قانون انتخاب مجالس المحافظات"، وضمت نائبين كرديين، ونائبين عربيين، ونائبين تركمانيين، ونائبا مسيحيا واحدا، للعمل على تنفيذ بنود المادة، تتضمن مراجعة البيانات الديمغرافية الخاصة بكركوك، بما فيها السجل الانتخابي. إلا أن اللجنة التي اتفِق على أن تتخذ قراراتها بالتوافق أخفقت في تقديم تقرير موحد إلى مجلس النواب، لعدم تمكن أعضائها من تجاوز الاختلافات والتباينات في مواقفهم حول طرق حل الملفات العالقة، ومن ثم عمد ممثلو كل مكون على حدة تقديم تقرير منفصل، يتضمن رؤى المكون (بالأحرى رؤى النخب السياسية التي تدعي تمثيلها للمكونات) حول هذه الملفات ومقترحات لسبل معالجتها.
    في أتون متقد بلهيب الاتهامات المتبادلة بالغش والتزوير للتأثير في عمليات الاقتراع، ما جعل من المتعذر شمول كركوك في أي انتخابات تالية لمجالس المحافظات. وكان الدفع في اتجاه استثناء كركوك من الانتخابات اللاحقة صادرا عن كيانات وشخصيات تمثل المكونين العربي والتركماني، في حين أن الموقف الكردي ظل مصرا على شمول كركوك في انتخابات مجالس المحافظات أسوة بسواها من المحافظات.
    يختتم المؤلف الكتاب بالقول "أمام هذا الواقع الذي تتحول فيه الدورات الانتخابية لمجالس المحافظات في العراق إلى مناسبات لإعادة إنتاج المأزق الكركوكي على نحو أشد تعقيدا، نجد أنفسنا أمام سؤال ملح أشد من أي وقت مضى: هل من سبيل لإخراج كركوك من أعتى مآزقها؟" (ص 175).
* نشرت القراءة في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 413-414، تموز| يوليو 2020
   
 
 
   
 
   
   
   

23
العدالة الاجتماعية... مقاربات فكرية*
                                                                                           
د.هاشم نعمة
                                                      مقدمة                           
    العدالة الاجتماعية مصطلح واسع الاستخدام، يتضمن مسائل خلافية على مستوى المفهوم والتطبيق. وهو محل لصراع فكري وأيديولوجي، منذ وقت بعيد، لأنه يعكس جانبا هاما من الصراع ذي المضامين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لذلك نراه قد انعكس في كتابات مفكرين وباحثين من فروع معرفية مختلفة ممن اهتموا بهذه الموضوعة وما يرتبط بها من مفاهيم. الغرض من هذه المقالة هو مناقشة أبرز المقاربات الفكرية لهذه الموضوعة، لعلها تكشف لنا عن بعض المضامين الفكرية والأيديولوجية التي ارتبطت بها.
    هناك الكثير من التعاريف للعدالة الاجتماعية، لكن اخترنا هنا أيراد تعريف الأمم المتحدة لعله يضمن منحى محايدا؛ إذ فسرت مفهوم العدالة الاجتماعية عام 2006، باعتباره توزيعا منصفا ورحيما لثمار النمو الاقتصادي. وإن هذه العملية يجب أن تضمن احترام النمو المستدام الذي يندمج مع البيئة الطبيعية،  وترشيد استخدام الموارد غير المتجددة، وأن تتمكن أجيال المستقبل من التمتع بأرض جميلة ومعطاء.  بعد ذلك تم تحديد ست نقاط خلل رئيسة، والتي يمكن أن تضعف بشدة من استمرارية العدالة الاجتماعية والسلام. تشمل هذه النقاط، التفاوت في توزيع الدخل والممتلكات، فرص الحصول على العمل، والمعرفة، والصحة والأمن الاجتماعي، بالإضافة إلى المشاركة والارتباط المدنيين.
   وقد نجحت الجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة عام 2014، من الوصول إلى إجماع إقليمي حول تعريف العدالة الاجتماعية، يشمل حقوق متساوية والوصول إلى الموارد والفرص للرجال والنساء، مؤكدة على الاهتمام الخاص بإزالة العوائق التي تعيق تمكين المجموعات المحرومة من استثمار إمكانياتها للمشاركة في صنع القرار الذي يحكم حياتها. في هذا التعريف تتركز العدالة الاجتماعية في مبادئ المساواة والإنصاف والحقوق والمشاركة(1). وهكذا نرى أن هذا التعريف ذو طابع قانوني، وبالرغم من أهميته الراهنة إلا أنه لا يعكس الأسباب الحقيقية للتفاوت الاقتصادي والاجتماعي الذي هو جذر ضعف أو انعدام العدالة الاجتماعية.
     وفقا لتايلر وسميث (1998)، هناك علاقة قوية بين تصور أو فهم العدالة الاجتماعية وبين شعور الناس وحكمهم على ما هو "صواب" و"خطأ"، "أخلاقي" و"غير أخلاقي". فعندما يشعر الناس أن القرارات عادلة، فهم يكونون سعداء للتعاون مع بعضهم البعض، يدعمون المجموعة ويقبلون قرارات السلطة، وعندما يشعر الناس بالظلم والحيف، فإن استجابتهم يمكن أن تكون الاحتجاج أو الثورة أو التخريب.(2) وهناك الكثير من الأمثلة عبر التاريخ بمراحله المختلفة تؤكد هذا الاستنتاج.
                                               المقاربة الليبرالية         
    الليبرالية رؤية للإنسان والمجتمع والسياسة والاقتصاد، وهي تعتمد في رؤيتها هذه على نظرة خاصة للإنسان تتصف بكونها ذرية أو تفتيتية، حيث ترد المجتمع إلى أفراد، وتنظر إلى هؤلاء الأفراد على أنهم ذرات مستقلة عن بعضها. ولا تختزل المذاهب الليبرالية المجتمع إلى أفراده وحسب، بل هي كذلك تحمل تصورا خاصا عن الفرد. فالفرد لديها كائن بيولوجي بصفة رئيسية، يصدر عنه سلوكا مشروطا بالرغبة في حفظ بقائه. ولذلك كانت نظريات توماس هوبز (1588-1679) وجون لوك (1632-1704) حول الطبيعة البشرية الإرهاصات الأولى لعلم النفس التجريبي في القرن التاسع عشر(3) وما تلاه من كتابات سارت على ذات النهج.
    مجتمع القرن السابع عشر الذي عاش فيه هوبز ولوك هو أول مجتمع يضفي على الرغبة قيمة ملزمة وينظر إليها على أنها عقلانية ومشروعة. والسبب في ذلك يرجع إلى أن الظرف الاجتماعي والتاريخي آنذاك كان في حاجة إلى تبرير التغيرات الجديدة الحادثة على مستوى الاقتصاد والتي كانت تتطلب من الفرد الزيادة الكبرى في ثروته والسعي نحو الحصول على المزيد منها باستمرار، ذلك لأن قيم الزهد والتقشف والقناعة والرضا بالقسمة والنصيب لم تكن تصلح في مجتمع برجوازي ناشئ يسعى لزيادة الثروة. وبذلك كان النظام الاقتصادي الناشئ بحاجة إلى محفزات فردية للعمل، ولم يكن هناك أصلح من النظرة الليبرالية عن الطبيعة الإنسانية باعتبارها رغبة لا متناهية، والتي تترجم اجتماعيا إلى الرغبة في الامتلاك اللامحدود(4) والتراكم المستمر للثروات.
    تضم الليبرالية الاقتصادية في إطارها الواسع الفكر السياسي لليبراليين الإنكليز في القرن السابع عشر، وعلى رأسهم توماس هوبز وجون لوك، والاقتصاد السياسي الكلاسيكي وخاصة مدرسة آدم سميث التي تضم ريكاردو وجيمس ميل وإبنه جون ستيوارت ميل وتوماس هل جرين، كما تضم الاقتصاد النيوكلاسيكي كله المعروف بالمدرسة الحدية(5) ابتداء من بداياته الأولى لدى المدرسة النمساوية التي أسسها كارل منجر ويوجين فون بوم، والجيل الثاني من هذه المدرسة والذي يضم فون ميسز وهايك، ومؤسسي الاتجاه النيوكلاسيكي من غير النمساويين أمثال جيفونز ومارشال في انكلترا ووالراس في العالم الناطق في الفرنسية، بالإضافة إلى المدرسة الأمريكية في الاقتصاد النيوكلاسيكي والتي تضم جون بيتس كلارك وميلتون فريدمان وبول صامو يلسون(6).     
    لقد أسس العقد الاجتماعي(7) لنظام سياسي يتساوى فيه الناس (المواطنون) أمام القانون، أي يتساوون في التمتع بالحقوق السياسة من دون تمييز بحسب الدين أو الجنس أو الأصل الاجتماعي. لكن الليبرالية التي اهتدت إلى هذا الحل، الذي فتح الباب أمام التطور الديمقراطي، تركت مسألة الحقوق الاجتماعية-الاقتصادية للمنافسة، أي لم تؤمن للجميع الحقوق الاجتماعية بمثل ما أمنت الحقوق السياسية. لذلك كان للماركسية الفضل في أنها شددت على أن المواطنة التي تساوي المساواة السياسية لا تكتمل إلا بالمساواة الاجتماعية، أي المساواة في الحقوق الاجتماعية-الاقتصادية(8). وسنعود إلى المقاربة الماركسية للعدالة الاجتماعية بشيء من التوسع.
    عالج مفكرون معاصرون العدالة الاجتماعية باعتبارها فرعا للتوزيع. واحد من الأنصار الأكثر شهرة لهذه الفكرة هو جون رولز في كتابة "نظرية العدالة"؛ إذ اعتبر فكرة العدالة إنصافا وكانت مركز نظرته الفلسفية للعقد الاجتماعي. وقد طور بعض المنظرين أكثر هذه الفكرة عن طريق ربطها بالحاجيات التي يحتاج إلى توزيعها وأنماط هذا التوزيع. وآخرون ناقشوا بأن العدالة الاجتماعية تتطلب التخلص من الهيمنة المؤسساتية والظلم(9) الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
    يقول رولز في هذا الصدد "أردتُ التوصل إلى تصور في العدالة يقدم بديلا نظاميا معقولا عن المذهب النفعي، الذي ساد بشكل أو بآخر لفترة طويلة في التقليد الأنكلو-ساكسوني من التفكير السياسي. والسبب الرئيس الذي دفعني لإيجاد مثل هذا البديل هو الضعف، كما أعتقد، في العقيدة النفعية كأساس للمؤسسات الديمقراطية الدستورية. على وجه الخصوص، لا أعتقد أن المذهب النفعي يستطيع تقديم تفسير مرض للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين كأفراد أحرار ومتساوين، وهو متطلب ذو أهمية أولى مطلقة من أجل تفسير المؤسسات الديمقراطية"(10). وقد تصدى للمذهب النفعي بالنقد أيضا مفكرون وباحثون كُثر خصوصا الباحثين الماركسيين.
    ويشير رولز إلى أن العدالة إنصافا ليست نظرية تعاقدية تامة؛ إذ أنه من الواضح أنه يمكن التوسع بالفكرة التعاقدية إلى اختيار نظام أخلاقي كامل، بمعنى نظام يتضمن مبادئ جميع الفضائل وليس العدالة فقط. إن الوضع الأصلي(11) هو الوضع الاجتماعي المبدئي المناسب الذي يضمن أن تكون الاتفاقات الأساسية التي يتم التوصل إليها منصفة. هذه الحقيقية هي التي تقود إلى تسمية "العدالة إنصافا". ومن ثم يعد الوضع الأصلي، هو التأويل الفلسفي الأكثر تفضيلا لوضع الاختيار المبدئي من أجل تحقيق الغرض وهو القيام بصياغة نظرية في العدالة(12).
   بوصف رولز مفكرا أمريكيا معاصرا، فإن نظريته عن العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن السياق الليبرالي الغربي العام، ولاسيما أنها "صورة للمذهب الليبرالي السياسي"، كما يشير إلى ذلك. فقد أدت الليبرالية، بفعل تناقضاتها وفلسفتها النفعية، إلى تعاظم كثير من مظاهر الظلم المتمثل في التفاوت الحاد بعد تصاعد التوجه الليبرالي الجديد وبداية التراجع عن برامج الرعاية الاجتماعية. وبات كل من الاستقرار الاجتماعي والسياسي، موضع قلق مما دفع رولز إلى التفكير بنموذج تعاقدي جديد، يتم التوافق فيه على مبادئ عامة للعدالة التي يرجى من العمل وفقا لمقتضياتها، التخفيف من حدة المظالم المتراكمة، بالانتقال بفلسفة العقد الاجتماعي إلى مستوى أكثر تجريدا عبر ما سماه "الوضع الأصلي"(13) ، وهذا التجريد يجعل من كتاباته في العدالة الاجتماعية هلامية وغير ملموسة.
    إن تأثير كانت في رولز وجهه نحو اتخاذ موقف "الأنانة" أو "الذاتية الحتمية" الذي يفيد التركيز الحصري على المجتمع الأوروبي-الأمريكي واتخاذ نظرة محدودة إلى الواقع الإنساني ككل؛ فهو يسعى فحسب إلى معالجة الصعوبات التي يعانيها المجتمع الليبرالي من دون أن يأخذ بالاعتبار كون هذا المجتمع لا يشكل سوى جزء من العالم المتعدد الثقافات.
    العدالة مرتبطة ارتباطا وثيقا بموازين القوى في المجتمع، أي طبيعة العلاقات الاجتماعية. الاستغلال، واستغلال دول لأخرى، والرأسمالية المعولمة والمتوحشة كما نعيشها اليوم، هي كلها شرور تسكت عنها نظرية رولز للعدالة وتُغّيبها عن النقاش، مثلما أنها لا تخصص سوى حيز ضيق للفئات الاجتماعية الثلاث الراجحة في النقاشات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية: "الأعراق-الطبقات-النوع"(14).
   مثّل السجال الفكري بين الماركسيين وأنصار نظرية رولز واحدا من أغنى النقاشات في الفلسفة السياسية المعيارية في العقود الثلاثة الأخيرة. فبعد نشر كتاب نظرية العدالة لرولز اعتبر الكتاب اليساريون (ولا سيما الفلاسفة الماركسيين) أن منظور رولز لم يذهب بعيدا كفاية، ما جعل تصوره للعدالة التوزيعية على وجه الخصوص، محور هجوم شرس. إذ أكد المعارضون الماركسيون لرولز أن مقترحاته المؤسساتية لا تمثل سوى تبريرات للترتيبات الاجتماعية القائمة، ما دامت اقتراحاته للمؤسسات العادلة لا تُبنى سوى على إجراءات "إعادة توزيع الدخل"، لا على "إعادة توزيع رأس المال"(15). 
     ظل التناغم الليبرالي الداخلي غير متحقق دائما، ولم تكن البدائل المطروحة لحل المشكلات الناجمة عن مبدأ عدم تدخل الدولة بمنأى عن التناقضات، ولاسيما أن تطبيق مبدأ عدم التدخل على المستوى الاقتصادي من شأنه التأثير سلبا في قيمة المساواة التي لا شك في أن عدم مقاربها يفقد قيمة الحرية معناها، ويحول دون الانتفاع منها. الأمر الذي جعل مشكلات الليبرالية وتناقضاتها مرتبطة، في جانب كبير منها، بالاقتصاد وعلاقته بالدولة؛ إذ يجب أن تمتنع الدولة عن التدخل في الشؤون الاقتصادية، وفق مبدأ "دعه يعمل"، وهو ما من شأنه العمل وفقا لقوانين السلوك البشري التي تمتلك آلياتها التنظيمية الطبيعية. ويسري ذلك على السوق التي تنظم ذاتها تلقائيا وفقا لآلياتها، ولاسيما آليتي العرض والطلب. لذا لا حاجة، والحال هذه، إلى تدخل الدولة لأن "يدا خفية" بحسب تعبير آدم سميث (1723-1790)، من شأنها تحقيق العدل والخير الكلي للمجتمع من دون أن يكون ذلك من ضمن مقاصد المشاركين في النشاط الاقتصادي، فهم يتصرفون بدافع الحرص على مصالحهم الخاصة، لا الحس بقيم التضامن والغيرية. فكل شيء ما عدا الجيش ومؤسسات إنفاذ القانون يجب أن يترك لاتفاق وتعامل المواطنين، والذي عبر سميث عن إمكان الوصول إلى أبعد منه، عندما قال إن "الدولة تحتمل قدرا كبيرا من الدمار"(16). لقد أثبتت الأزمة المالية والاقتصادية التي اندلعت عام 2008 والتي ما زالت تداعياتها مستمرة بطلان نظرية الليبرالية الجديدة، بل ظهرت أصوات حتى الرسمية منها في الولايات المتحدة وبلدان أوروبية تطالب بالمزيد من تدخل الدولة لوقف تداعيات الأزمة.
    عالجت نظريات الحركات الاجتماعية الجديدة على وجه الخصوص شروط تشكل الهوية الجماعية، وانبثاقها والعمل الجماعي لحركات العدالة العالمية في العالم المعاصر. هذه النظريات ظهرت استجابة للتغيرات في الأهداف، والاستراتيجيات. وقد ظهر جمهور أنصار الحركات الاجتماعية نتيجة للعولمة ذات التوجه الليبرالي الجديد. وعلى الرغم من أن الحركات الاجتماعية قد لا تزال تسعى من أجل الأهداف السياسية والاجتماعية، لكن بالنسبة إلى الحركات الاجتماعية الجديدة هناك تأكيد كبير على بناء الهويات الجماعية وإضفاء الشرعية عليها من اجل التضامن، وتقوية العزيمة للتعبير عن المقاومة. وقد جرى التنظير للقاعدة التنظيمية للحركات الاجتماعية الجديدة والذي أشار بأنها أكثر تشتتا، وتنوعا، وسيولة وتعقيدا في بنيتها مقارنة بالهياكل الأكثر تحديدا وثباتا العائدة للمنظمات الحركية السابقة مثل الحركات العمالية(17) وغيرها من الحركات على المستوى الوطني والعالمي.     
                                                المقاربة الماركسية
     حديثا، كان هناك الكثير من الجدل تركز بشأن ماركس والعدالة الاجتماعية؛ إذ أصبحت مسألة ما إذا كان ماركس لديه نظرية بشان العدالة الاجتماعية أم لا مسألة مركزية في النقاش. حتى الآن، تركز كثير من النقاش عموما بشأن تفسير وتعريف ضيق جدا للعدالة. لذلك، كان هذا التعريف هو الذي قرر مسار مناقشة هذه الموضوعة، بداهة.
   هناك من يرى أن ماركس لم يناقش العدالة بحد ذاتها، إذ لا توجد نظرية موسعة بشأنها، لكنه استخدم مصلحات أخلاقية مثل "نهب"، "سرقة" "استغلال"، وهكذا، لوصف استيلاء الرأسمالي على فائض القيمة. ومن خلال استخدام أوصاف الإدانة الأخلاقية يمكن أن نرى نظرية ضمنية للعدالة الاجتماعية تستند إلى معاير أخلاقية متعالية وعالمية تتعلق بالأحكام الاجتماعية ونقدها. علما أن ماركس انتقد العدل وصلته القريبة بالآليات القسرية لأجهزة الدولة، وانتقد فكرة حياد الدولة، وذلك عندما تستند مبادئ العدل على معايير أخلاقية، غير قانونية، وعامة(18).

     وإذا عدنا إلى البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس وانجلز والذي صدر عام 1848 واخترنا منه بعض المقولات، نرى أنها تشير إلى مفاهيم ترتبط بصميم العدالة الاجتماعية منها: "البرجوازية... حولت الطبيب ورجل القانون والكاهن والشاعر والعالم، إلى أجراء في خدمتها."، "الفروق في الجنس والسن لم يعد لها شأن مجتمعي بالنسبة إلى الطبقة العاملة، لم يعد هناك سوى أدوات عمل تختلف كلفتها باختلاف السن والجنس."، "العامل، ما أن يستغلّه صاحب العمل، وما أن يدفع له أجره، حتى تنقض عليه القطاعات الأخرى من البرجوازية: مالك البيت والبقال والمرتهن إلخ..."، "الشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيدي خواص، تكوين الرأسمال وإنماؤه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور."، "الشيوعية لا تجرد أحدا من تملك منتجات مجتمعية، بل تنتزع فقط القدرة على استعباد عمل الغير بواسطة هذا التملك"(19).

    انتقد ماركس نظرية الدولة العائدة إلى هيغل في "مساهمة في نقد فلسفة القانون لهيغل" (1843) و كانت هذه واحدة من أولى كتاباته الرئيسة والتي ركز فيها على تأسيس نظريته في العدالة الاجتماعية. ووفقا لماركس، لم يبحث هيغل أبدا في طبيعة الدولة الحديثة في المجتمع الليبرالي، لكنه فقط حلل مفهوم أو جوهر الدولة كما هو متصور في الوعي، وكما هو فكرة مثالية في العقل. وإن هيغل لم ير التناقضات العميقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. وبواسطة دمج العناصر الطبقية للمجتمع المدني بالوظائف المختلفة للدولة، يفترض هيغل بأنه تغلب على التضاد في وحدة الدولة وانسجامها(20).
     رفض ماركس في كتاباته الأولى كلا من المثالية السياسية لهيغل والنظرية الليبرالية والحقوق الطبيعية لهوبز ولوك، عندما بدأ بتطوير الخطوط العريضة لنظريته، بشأن العدالة الاجتماعية. وفي نقده الدقيق للحقوق الطبيعية والتحرر السياسي، سيرفض ماركس الحقوق الاقتصادية والملكية، في حين يقبل الحقوق السياسية للمواطنين والمشاركة في الدولة الليبرالية كبداية للتحرك نحو رؤية أوسع واشمل لتحرر الإنسان ونيل حقوقه. وإن روح الأخلاق التي توحد المواطنين مع الجنس البشري ليست هي الدولة الليبرالية، وإنما الاشتراكية والديمقراطية. وسيستخدم ماركس رؤيته هذه في الديمقراطية في وضع نظريته في القانون الطبيعي والعدالة الاجتماعية(21)، علما أن ماركس استخدم التعريف القانوني الأول للعدالة، الذي طوره لوك، والذي يؤكد الحقوق الطبيعية والعدالة القانونية كأساس في نقده الجوهري في رأس المال، في حين استخدم الفلسفة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية كأساس أيضا في نقده الدائم لرأس المال من خلال كتاباته(22) الغزيرة والتي غطت موضوعات كثيرة.   
     قضى ماركس كثير من وقته في الرد على لوك وغيره من الكتاب بشأن طبيعة الدولة البرجوازية ليبيّن عدم جدوى أي تحرر سياسي أو سن قوانين تتعلق بالمواطنة بالنسبة إلى حالة اليهود؛ إذ ذكر أن أي حرية في فرنسا أو ألمانيا لن تكون سوى تحرر السوق ورأس المال تجاه زيادة الإنتاجية والتفاوت الطبقي. تركيز ماركس كان واضحا؛ إذ الغرض الحقيقي من وراء نقده لتحرر اليهود هو إيصال رسالة بأن الحقوق الطبيعية للإنسان والتحرر السياسي، هي ببساطة أمور قليلة جدا. وإن التحرر السياسي يختزل الإنسان، من جانب كعضو في المجتمع المدني، مستقل وكفرد أناني، ومن جانب آخر، يختزله إلى مواطن، شخص معنوي. في النهاية، هم (يقصد اليهود) فقط يتحررون إنسانيا نحو شكل جديد من العبودية الاقتصادية أو الإكراه الاقتصادي، وبأن الحيف أو الظلم لا يعكس حقيقة وصدق الإنسانية. كان ماركس واضحا عندما قال إن فشل الثورة الفرنسية يقع في الرغبة بتغيير طبيعة القوانين والحقوق في الدولة، لكن ترك العلاقات الاجتماعية للمجتمع المدني دون تغيير. ويشير إلى أن المشاركة الكاملة للناس تحدث فقط  من خلال تجاوز تناقضات الليبرالية، عندما يشارك كل عضو في المجتمع في الحياة الاقتصادية والسياسية بشكل كامل، وعندما يكون هناك توازن منسجم بين الحاجيات الإنسانية والقوة مع مجتمع أخلاقي (فضيلة) وديمقراطية. لقد شكلت نظرية الحقوق السياسية وحقوق الإنسان الأولية فقط بداية بحث ماركس للعدالة الاجتماعية(23) والتي يشير كثير من كتاباته إليها ضمنا.
    خلال حياة ماركس، سيوسع فهمه لحقوق الإنسان وتحرره، وهو يتحرك من الحقوق السياسية للمواطنين (الاجتماع وحرية التعبير وحرية الفكر)، إلى الحقوق الاقتصادية للمجتمع الديمقراطي (حقوق متساوية، توزيع عادل يستند إلى حاجيات الإنسان، الحق في إنشاء تعاونيات، ملكية العمال)، إلى الحقوق الاجتماعية للاشتراكية (التعليم، دولة الرعاية الاجتماعية، الضمان الاجتماعي، والبنية الاقتصادية التحتية). وبأن الحقوق تشكل الجزء الأساسي من العدالة الاجتماعية، وهي لا تهبط من الله، ولكنها موجودة في الطبيعة الأخلاقية والديمقراطية الاقتصادية والسياسية. وتكون الحقوق بدون المجتمع المدني جزءا من تحرر الإنسان التي تؤكد على الحرية باعتبارها تقرير مصير مبدع وخلاق في مكان العمل والمشاركة الديمقراطية. وعلى الرغم من أن الحقوق تعد مهمة عند ماركس منذ وقت مبكر، لكنها تمثل فقط جزءا صغيرا من نظريته الواسعة بشأن العدالة. وقد أهتم كثيرا ببحث التضمينات الواسعة للقانون الطبيعي العلماني. على الرغم من أنه لم يستخدم التعبير ربما بسبب دلالاته اللاهوتية والفلسفية(24) لأن مفهوم العلمانية نشأ في البداية في داخل الكنيسة ولكنه تطور وتخلص فيما بعد من مضامينه السلبية.           
   ربما في إمكان المرء القول إن ما يؤسس الاشتراكية، في نظر غرامشي، ليس التحول الاشتراكي بالمعنى الاقتصادي -أي الاقتصاد المخطط والمملوك للمجتمع- على الرغم من أن ذلك هو بوضوح أساسها وإطارها، وإنما ما يؤسسها هو التحول الاشتراكي بالمعنى السياسي والاجتماعي؛ أي ما قد أطلق عليه عملية تشكيل عادات الإنسان الجمعي التي ستجعل السلوك الاجتماعي تلقائيا، لكنه واع أيضا، وتنفي الحاجة إلى جهاز خارجي يفرض تلك القيم(25). ويمكن أن نقول إن هذه الرؤية تنطبق على تجربة البلدان الاشتراكية، وهي أحد أسباب فشلها.

    في الفكري الكلاسيكي القديم، كان يتعذر التمييز بين المجتمع المدني والدولة، حيث إن كليهما يُشير إلى نموذج من الترابط السياسي يحكم الصراع الاجتماعي. وكان هيغل في مقدمة النقاد الأوائل الذين ركزوا على اللامساواة والصراعات التي احتدمت بين المصالح السياسية داخل المجتمع المدني، وتطلبت رقابة دائمة من الدولة كي يبقى المجتمع "مدنيا". وقد تناول ماركس هذا الموضوع بشكل أوسع، ورأى أن المجتمع المدني ما هو إلا أداة ثانية لتوسيع نطاق مصالح الطبقة السائدة في ظل الرأسمالية. وتلاه في ذلك غرامشي الذي "قد يكون بمفرده هو المسؤول عن إحياء مصطلح المجتمع المدني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية". ومع أن غرامشي عبّر عن فكره في إطار الماركسية، إلا أنه توصل إلى بعض النتائج المختلفة عن معلّمه الفكري. فالمجتمع المدني من وجهة نظر غرامشي هو موقع التمرد ضد ما هو تقليدي، بالإضافة إلى كونه ساحة لإقامة هيمنة ثقافية وأيديولوجية، تتجلى من خلال العائلات، والمدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام والجمعيات الطوعية أيضا. وقد بلغ المجال العام أعلى مستويات الوضوح في أوروبا خاصة، من خلال عمل يورغن هابرماس الذي جمع بين التقليد الماركسي الذي يكشف عن الهيمنة في المجتمع المدني والتقليد الليبرالي الذي يؤكد على دوره في حماية الاستقلال الفردي، وحاك نسيجا من هذه الخيوط المختلفة في سلسلة معقدة من البُنى النظرية حول "الفعل التواصلي" و"الديمقراطية الاستطرادية" و"استعمار عالم الحياة". فبالنسبة إلى هابرماس وآخرين من المنظرين النقديين، يعرف المجتمع المدني السليم بأنه المجتمع "الذي يسيّره أفراده من خلال معانٍ مشتركة" تُرسى ديمقراطيا عن طريق بُنى تواصلية في المجال العام. وتتردد أصداء هذه الأفكار اليوم لدى مُنظرين وناشطين يساريين يعتبرون المجتمع المدني حلبة للسياسة التقدمية أي أنه "الأساس الاجتماعي لمجال عام ديمقراطي يمكن من خلاله تفكيك ثقافة اللامساوة"(26)، لذلك يتم التركيز على العمل وسطه في النضالات المطلبية والسياسية من قبل قوى اليسار العالمي.
                                                        التفاوت
    عندما تُبحث العدالة الاجتماعية، لا بد من بحث التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، لأنه يشكل جوهر هذه الموضوعة، ومؤشرا بالغ الأهمية على مدى تحقق العدالة الاجتماعية من عدمه. وعبر التاريخ تم بحث التفاوت من زوايا مختلفة، ومن مفكرين وباحثين مختلفين، انطلاقا من مرجعيات فكرية متعددة تعكس جانبا من الصراع ذي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وسنركز هنا على مشهد التفاوت في الفترة المعاصرة.   
    على الرغم من أن مسألة كيفية قياس التفاوت في الثروة والدخل تبقى أيضا موضوعا للنقاش. لكن هناك اتفاق واسع بأنه بعد فترة من انخفاض التفاوت استمرت حوالي أربعين سنة خلال القرن الماضي، كان التفاوت قد شهد ارتفعا حادا في الولايات المتحدة في الثلاثين سنة الماضية(27). فقد قال ألن غرينسبان الرئيس السابق للبنك المركزي الأمريكي (2007) "إن تزايد النمو كان في مصلحة الفئات ذات الدخول العالية في المقام الأول، أما العمال الذين يحصلون على دخول لا تزيد على المتوسط المتعارف عليه فإنهم في وضع لا يحسدون عليه أبدا. إن هذه الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى توترات اجتماعية عظيمة، لا بل يمكن أن تفضي إلى انقلابات اقتصادية جذرية"(28). وجاء هذا التحذير قبل اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية بقليل عام 2008.
    وفي ألمانيا، في الوقت الذي كشف فيه استطلاع للرأي على أن ثمانين في المئة من رؤساء الشركات يؤكدون أن الأمور تتسم بالعدالة في ألمانيا، يرى ثلاثة أرباع المواطنين أن الأوضاع  السائدة لا تتسم بالعدالة أبدا. ويرى أحد ممثلي "مراكز الرأي" في برلين ما يراه المواطنون. ويبني هذا الشخص، وجهة نظره هذه على الأحاديث الكثيرة التي أجراها مع كبار موظفي الشركات. فوفق وجهة نظره، فإن كثيرا من هؤلاء فقدوا الروح الضرورية لمشاركة المجتمع في أحاسيسه. فهدف هؤلاء الرؤساء يتمحور حول الربح -في المقام الأول- ونادرا ما يدور حول المسؤولية الاجتماعية. وحين يلومهم المرء على طرائق تفكيرهم هذه، فإنهم يبررون موقفهم بزعم مفاده أنهم: مجبرون على الانصياع لحركة أسواق المال(29). وهذه الحالة لا تنطبق على ألمانيا فقط، وإنما تنطبق على البلدان الرأسمالية عموما خاصة بعد تبني مذهب الليبرالية الجديدة.
      وعلى مستوى العالم وخصوصا النامي منه، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن حوالي ملياري شخص يعيشون حالياً في أوضاع هشة، متأثرة بالنزاعات، منهم أكثر من 400 مليون تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 سنة. كما تشير إلى أن خلق فرص عمل وتوفير نوعية أفضل من المهن وتحسين فرص الوصول إلى الأشغال لـ40 في المئة ممن هم في أمس الحاجة للعمل، كفيل بزيادة الدخل العام والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر تماسكاً وإنصافاً، عصيّة على الصراعات العنيفة وقادرة على التصدي للتحديات التي تلي الصراعات.

    علما أنه لا يمكن أن يُدرَس الفقر منفصلا عن العدالة الاجتماعية، سواء تم التركيز على المقاربة النفعية "توافر الخيرات" أم على المقاربة الاقتدارية "توافر القدرات". وإذا لم يكن في الإمكان تجاهل أبعاد الفقر الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فإن فهم الظاهرة فهما سليما يهدف إلى إلغائها أو الحد منها على الأقل، باعتبارها مسألة سياسية. يعني وجود الفقر يمثل فشل السياسة أو انعدامها، فما عسى أن يكون فشل السياسة غير انعدام العدالة الاجتماعية على وجه الخصوص؟(30).   

     هناك من يرى أن التفاوت الاقتصادي يمثل إشكالية بالنسبة إلى العدالة، ما لم تضبط أو توازن تأثيراته من قبل قوى أخرى. القوى الأخرى يمكن أن تشمل الضريبة وأنظمة تحويل الملكية التي تضمن معيارا أساسيا لائقا للحياة للجميع (وتخفض التفاوت بشكل مباشر)، سياسات الاقتصاد الكلي التي تعزز العمالة الكاملة، القوانين التي تحدد أو تقيد المبالغ التي يمكن أن ينفقها المرشحون في الانتخابات، أو القوانين التي تحدد حقوق الملكية وتجعل صفقات الأسواق قانونية وبطرق تمنع التفاوت الحالي، من أن يمنع الأقل ثروة من المنافسة اقتصاديا(31) وبالتالي زيادة مستوى التفاوت.
     إن إعادة توزيع الاستهلاك، هي حاجة ملحة في مجتمعات فيها ناس كُثر غير قادرين على كسب دخل كاف لحمايتهم من العوز، كما بينت تجربتا الأرجنتين والبرازيل الحديثتان فإن السياسات الاجتماعية التي تدعم استهلاك الفقراء، يمكن أن يكون لها أثر قوي في الحد من الفقر، لكن إعادة توزيع الاستهلاك ليس لها أثر يمكن تمييزه في توزيع إمكانيات كسب الدخل.
    إذن، هناك حاجة لإعادة صياغة أجندة البحث المتعلق بتوزيع الدخل؛ إذ إن التركيز شبه الحصري على إعادة التوزيع من خلال الضرائب والتحويلات يعد عملا مضللا فكريا وسياسيا، ما نحتاج لفهمه هو كيف يتغير توزيع إمكانيات الكسب مع الوقت، ولماذا تستمر حالة عدم مساواة إمكانيات الكسب بعناد لفترات زمنية طويلة؟ نحن بحاجة للتركيز ليس على "إعادة التوزيع" بل على المساواة، كما أن مثل هذا التركيز يستدعي فحص جميع السياسات العامة وليس فقط سياسات التوزيع التي تهدف التأثير في عمليات توزيع الدخل المستقبلية. إن الشعارات الصائبة هي "النمو الداعم للفقراء"، "تنمية مع مساواة". إذ يلزم التفكير بسياسات التنمية التي تركز على زيادة دخل الفقراء(32) وعدم استبدالها بسياسات مساعدة الفقراء.
                                                      ***           
    أخيرا، بالنسبة إلى العراق فإن الأحزاب الإسلامية الحالية لا تؤمن بالعدالة الاجتماعية لا من حيث المفهوم ولا من حيث التطبيق، وذلك استنادا إلى مرجعيتها الفكرية، والدليل على غياب العدالة الاجتماعية اندلاع انتفاضة تشرين الأول 2019 العارمة التي هزت بعمق كامل المنظومة السياسية والفكر الاجتماعي، وتخطت البُعد الطائفي لتؤكد أن البُعد الطبقي هو مفتاح التغيير. إن إلحاح الحزب الشيوعي العراقي على طرح هذه الموضوعة أمر صائب، لكن بدون أن تتغير موازين القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية يصعب الحديث عن تحقيق جوانب أساسية من العدالة الاجتماعية، ويبقى الضغط الشعبي والاحتجاج والتظاهر أساليب لابد من ممارستها لإجبار القوى المتنفذة على تبني -على الأقل- بعض السياسات الداعمة للعدالة الاجتماعية ومن ثم تقليل مستوى الفقر والعوز.         
الهوامش
1- ESCWA, Social Justice Matters: A View from the Economic and Social Commission for Western Asia, Beirut: 2019,  pp. 3-4.
2- Paul Kriese & Rondall E. Osborne (eds.), Social Justice, Poverty and Race, Amsterdam/New York: Rodopi, 2011, p. 44.
3- أشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، ط 1، القاهرة: رؤية، 2008، ص 19-20.
4- منصور، ص 21.
5- تذهب نظرية المنفعة الحدية إلى أن أول وحدة من السلعة تحوز على أعلى قيمة؛ إذ يكون الاحتياج لها شديدا وبالتالي يكون سعرها أعلى، ويقل احتياج الفرد مع الوحدة الثانية والثالثة من السلعة نفسها، وبالتالي تقل قيمة كل وحدة زائدة حتى نصل إلى وحدة أخيرة تحوز على أقل نفع، وبالتالي أقل سعر ممكن تصوره. ويذهب الاقتصاد النيوكلاسيكي إلى أن الإنتاج ينظم حسب أقل سعر وفق هذه النظرية. راجع منصور، ص 117-118. 
6- منصور، ص 14-15.
7- نسبة إلى كتاب جان جاك روسو، العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي الذي صدر عام 1762.
8- عبد الإله بلقزيز، "في الماركسية: مراجعات أولية"، النهضة، العددان 17-18 شتاء-ربيع 2019، ص 62-63.
9-  ESCWA, pp. 3-4.
10- جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، دمشق: وزارة الثقافة، 2011، ص 12.
11- للمزيد حول الوضع الأصلي راجع أيضا: جون رولز، العدالة كإنصاف، إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، ط 1، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009، ص 105-111.
12- رولز، نظرية في العدالة، ص 45-46.
13- محمد عثمان محمود، العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في نموذج رولز، ط 1، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص 55-56.
14- مراد دياني، حرية- مساواة- اندماج اجتماعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام، ط 1، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص 153، 155-156.
15- دياني، ص 135-136.
16- محمود، ص 61-62.
17- David Fasenfest (ed.), Engaging Social Justice: Critical Studies of 21st Century Social Transformation, Leiden|Boston: Brill, 2009, p. 51.
18- Georg E. McCarthy, Marx & the Ancients, Savage, MD: Roman & Littlefield, 1990, pp. 249, 251.
19- كارل ماركس وفريدريك أنجلز، بيان الحزب الشيوعي، ترجمة عصام أمين عن الألمانية، 1987.
20- Georg E. McCarthy, Marx and social Justice, Leiden: Brill, 2018, p. 106.
21- Ibid., pp. 108-109.
22- Ibid., p. 111.
23- Ibid., pp. 148-150.
24- Ibid., p. 151.
25- إريك هوبزباوم، "غرامشي والنظرية السياسية"، ترجمة محمود هدهود، تبيُن، العدد 26، المجلد 7، المجلد الثامن، خريف 2018، ص 120.
26- راجع: مايكل إدواردز، المجتمع المدني: النظرية والممارسة، ترجمة عبد الرحمن عبد القادر شاهين، ط 1، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015، ص 24، 26-28.
27- Helen M. Stacy & Win-Chiat Lee, Economic Justice: Philosophical and Legal: Perspectives, Dordrecht: Springer, 2013, pp. 161-162.
28- أولريش شيفر، انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود، ترجمة عدنان عباس علي،عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2010، ص 311.
29- شيفر، ص 322.
30- للمزيد حول الفقر راجع: منوبي غبّاش، "فكرة الفقر وواقع الفقراء"، عُمران، العدد 30، خريف 2019، ص 82-83 وما بعدهما.
31- Helen M. & Win-Chiat, pp. 161-162.
32 - أدام بسيفورسكي، "الديمقراطية وإعادة التوزيع والمساواة،" ترجمة حسن بحري كامل، الثقافة العالمية، العدد 170، مايو-يونيو 2013، ص 77-78.
 


24
قراءة في كتاب "الجيش والسياسة... إشكاليات نظرية ونماذج عربية"*
                                                                                     
د. هاشم نعمة
   كثيرة هي الكتب التي عالجت موضوعة الجيش والسياسة في العالم العربي، ومنها ما صدر في العراق أو خارجه، خصوصا بشأن ثورة 14 تموز عام 1958، ولكن يندر أن نعثر على كتب تناولت الجانب النظري لهذه الموضوعة المفصلية. لذلك اخترنا تقديم قراءة عن الكتاب المذكور لمؤلفه الدكتور عزمي بشارة، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2017. يقع الكتاب في 224 صفحة. يضم الكتاب ثلاثة فصول تناولت: الجيش والحكم عربيا: إشكاليات نظرية، وفشل بوتقة الصهر العسكرية وبروز الولاءات ما قبل الوطنية في الجيش، الحالة السورية، وتحولات الجيش المصري.
    يذكر المؤلف في المدخل بأن الكتاب يبحث في العلاقة بين الجيش والسياسة، ويتناول هذه العلاقة، وتحديدا تدخل الجيش في الحكم، لا بوصفها خطأ أو عارضا من عوارض الابتلاء العربي، بل بوصفها نتاجا لمراحل تاريخية ولطبيعة الدولة العربية وصيرورة نشوئها وبنيتها وعملية التحديث فيها.
                                            الإطار العام
     تنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أنه لا يوجد جدار فاصل بين الجيش والسياسة بحكم تعريفهما. وللجيوش في الدول النامية والمستقلة حديثا دور في بناء الدولة، وفي فرض تماسكها قبل أن تنجز مرحلة بناء الأمة. وتُظهر الدراسة نتائج استمرار الجيش في الحكم من دون أن تُنجز عملية بناء الأمة، إذ يتحول في هذه الحالة إلى قوة قمعية، تدافع عن النظام القائم، أي عن سلطتها وامتيازاتها، وتفرض الوحدة من الأعلى، أو خارج المكونات الاجتماعية، من دون إنجاز عملية بناء الأمة.
    يصل منظرو التحديث في شأن حكم الضباط، من أمثال مانفريد هلبيرن (المتخصص بالشرق الأوسط) وشيلز وهنتنغتون، إلى درجة أنهم ينسبون إلى العسكر دورا تاريخيا نهضويا؛ إذ يشبههم هنتنغتون ببروتستانت غرب أوروبا من ناحية تقديمهم قيم الاستقامة والولاء الوطني، وهي التي يمكن تسميتها بمناقبية جيل الضباط في مراحل مبكرة من بناء الدولة الوطنية. أدى مثل هؤلاء الضباط دورا في البرازيل والمكسيك في نهاية القرن التاسع عشر، واعتمد حلفاؤهم من الإنتليجنسيا الفلسفة الوضعية في تنمية المجتمعات المتخلفة. فالانتقال من الملكية التقليدية إلى بريتورية(1) الطبقة الوسطى يتوسطه العسكر أيضا كأكثر القوى حداثة وتماسكا في بيروقراطية الملكيات المركزية. في هذه الحالة تقع الملكيّة عادة ضحية هؤلاء الذين قوتهم وعززت نفوذهم خدمة لأهدافها، ويؤدي الضباط دورا تحديثيا في البداية؛ إذ يقومون بإصلاح اجتماعي-اقتصادي وعملية اندماج وطني وتوسيع المشاركة السياسية، ليس بوسائل ديمقراطية، بل من خلال تعبئة الجماهير سياسيا، الأمر الذي جرى في بدايات حكم الضباط في العراق ومصر والجزائر، وحتى في سوريا في المراحل الأولى للانقلابات؛ إذ سمحت في مراحلها الأولى (قبل حكم البعث) بنوع من التعددية السياسية.
     وبحسب هنتنغتون، يبدو تدخل الجيش في السياسة جزء لا يتجزأ من التحديث السياسي بغض النظر عن القارة أو البلد. ولا يقبل البحث عن أسباب الانقلاب في الجيش نفسه، أو في أخلاقيات الخدمة المدنية فيه وخلفيات الضباط الاجتماعية، خلافا لمجهود يانوفيتس في علم الاجتماع العسكري. ففي رأيه أن أسباب الانقلاب ليست عسكرية، ولا يجدر بالباحث أن يحاول تشخيصها في المؤسسة العسكرية ذاتها،. فالأسباب، في رأيه، سياسية وكامنة في "بنية المجتمع المؤسسية". التدخل العسكري في السياسة عنده تعبير عيني عن ظاهرة عامة في المجتمعات غير المتطورة. ففي هذه المجتمعات تفتقر السياسة إلى الاستقلالية والتماسك والقدرة على التكيف، وتصبح جميع القوى الاجتماعية والمجتمعات متورطة مباشرة بالسياسة العامة. والمجتمعات ذات الجيوش المسيسة، مصابة بالتسييس في مكوناتها الاجتماعية كلها. ولهذا يظهر الجيش البريتوري في التاريخ. حيث لا تهتم قطاعات المجتمع المختلفة بالسياسة المتعلقة بمهماتها، أو بمصالحها مباشرة فحسب، بل أيضا بالسياسة بشكل عام. ويرى بشارة ربما يُتكأ على هذا التحليل من دون تمحيص لتبرير تدخل الجيش بالسياسة بصفة عامة وبالحكم بصفة خاصة، في كثير من دول العالم وفي البلدان العربية. ويشير بأن هذا التحليل ليس صحيحا ولا محايدا. وإن سبب تورط الجيش في السياسة هو هشاشة بنية الدولة ومؤسساتها وضعف الوحدة الداخلية في كيان لم يستقر كدولة حديثة بعد. وتتجلى الهشاشة هذه في العزوف عن السياسة.
    ويذكر المؤلف أن الجيوش العربية بُنيت في ظل مراحل الاستعمار القصيرة نفسها، حيث تحكمت ببنيتها مقاربات دول الانتداب وفهما لبنية المجتمعات العربية، ولا سيما بنيتها الطائفية والقبلية. ويستثنى الجيشان العراقي والجزائري من ذلك إلى حد بعيد؛ إذ استقل العراق مبكرا، ونشأ تواصل فعلي بين ضباطه وضباط الجيش العربي، أما الجيش الجزائري(2)، فظل حتى حكم الرئيس الشاذلي بن جديد استمرارا لجيش التحرير. وقام الشاذلي بمحاولة بنائه على أسس عصرية.
   إن المشكلة في حالة البلدان النامية، ولا سيما البلدان العربية، هي أن تطبيق "الاستقلالية المهنية" للجيش قد يكون مجرد زعم، لتحقيق استقلالية جيش فعلا عن المؤسسة السياسية، حيث يكون وزير الدفاع نفسه عسكريا، ويتصرف الجيش بميزانيته من دون رقيب أو حسيب ويدير علاقات حتى مع الخارج من دون المرور بالحكومة، ويصبح جل همه الحفاظ على امتيازاته التي ربما تتسع لتشمل إقرار سياسات الحرب والسلم. وهي ظاهرة عرفتها مصر في ظل حكم حسني مبارك.
    معلوم أن قيادات الجيش في الدول الديمقراطية غالبا ما تكون مطلعة على قضايا السياسة الخارجية والداخلية، وقادرة على إجراء تقويمات وتوقعات، ربما يُطلب رأيها المتخصص بهذه القضايا، لكن الجيش يأتمر بأوامر مؤسسات منتخبه، تمثّل سيادة الدولة. والفرق بينه وبين الحكومة أنه يخدم سيادة الدولة بغض النظر عمن انتُخب للحكم، أي إن الحكومة بالنسبة إليه لا تتغير بتغير الحزب الحاكم. إذ ليس الموضوع تسييس الجيش بقدر ما هو خضوعه لحكومة منتخبة، سواء أكان مسيسا أم لا. ومن المفترض التمييز بين تسييس الجيش وتحزبه؛ فمن الممكن أن يكون الجيش مسيسا، بفعل تسييس قادته، أو أفراده بوصفهم مواطنين، لكن لا يجوز أن يكون متحزبا، حيث يسمح للعمل والتنافس الحزبيين في داخله. 
     إذا كان خطر الدولة الثكنة،أي عسكرة المجتمع قائما في الدول المتطورة، فإن الخطر في الدول ذات البنية المتخلفة معكوس، ويتجلى بضعف المؤسسات وعدم تمكن المجتمع من إنتاج وحدته بالتفاعل الجدلي مع مؤسسات الدولة، إلى درجة فرض النظام عليه من خارجه. فالتماسك الوطني ليس بنيويا داخل المؤسسات، ولا ينبع منها. هنا يُفرض فرضا عبر تمثله بواسطة الجهاز الأكثر تنظيما وهو الجيش؛ أي يصبح الجيش التجسيد الحقيقي للدولة، وليس ذلك كونه عسكريا، بل لأنه المؤسسة الوطنية الأقوى والأكثر حداثة وتنظيما. وهي تظهر كذلك خصوصا بعد حصول تطورين: الأول، إضعاف البنى والمؤسسات التقليدية؛ والثاني، فشل المؤسسات السياسية الحديثة مثل الأحزاب والبرلمانات الحديثة التكوين في ملء فراغ الشرعية، والحفاظ على تماسك المجتمع والدولة الحديثة التكوين، والتي نشأت قبل عملية بناء الأمة.
    في رأي بشارة يخلق الميل إلى التدخل منذ تأسيس الجيوش الحديثة وارتباطها بفكرة الدولة؛ إذ بدت كأنها تمثل الدولة في مقابل الجماعات والفئات، والواحد في مقابل التعدد، والنظام في مقابل التشتت والمصلحة العامة في مقابل المصالح الجزئية للقوى الاجتماعية والسياسية. وهي فوق كل هذا، تملك القوة. والحقيقة أن هذا قد يكون صحيحا إذا كانت مهمة الجيش مؤقتة لتحقيق السلم الأهلي، حيث يضع نفسه في خدمة الدولة بعد تنفيذها. ومن دون ذلك يفصل خيط رفيع بين ادعاء الجيش أنه يمثل المصلحة العامة، وأن يصبح هو المصلحة العامة، وبين ادعائه أنه يُجسد الدولة وأن يكون هو جسدها، وبين تمثيل الوحدة الوطنية في مقابل التعددية، أو أن يدّعي أنه هو "الواحد الأحد".
    الأمر مرتبط إلى حد بعيد بتماسك الدولة ووحدتها في تركيبها وتعدد وظائفها ومؤسساتها. فالدولة الهشة غير المستقرة والضعيفة المؤسسات، تدفع الجيش إلى أن يجسد كيانها من خارجها لفرضه بالقوة.
     ارتبطت انقلابات الضباط الصغار الراديكاليين المتأثرين بالأيديولوجيات التي افتتحتها ثورة 1952 في مصر بأزمة المرحلة الليبرالية وهشاشتها، وعدم تمكّن النظام التعددي الحزبي من الاتفاق على السقف الوطني المتعلق بطبيعة البلد ونظام الحكم، كي تُدار التعددية في إطار الاتفاق الدستوري، والعجز عن حل المسألة الزراعية وقضية الفلاحين، والفشل في مواجهة الاستيطان الصهيوني في فلسطين الذي تجلى في هزيمة عام 1948. المشكلة هي أن حتى في حالة الإخلاص فعلا لقضية بناء الدولة الوطنية والتحديث، كما في حالتي عبد الناصر وهواري بومدين، ونضيف نحن هنا عبد الكريم قاسم، يصعب جسر الفرق بين الطموح والواقع، وبين حجم الأهداف غير المحددة ومستوى القائد وكفاءته والقدرات المحددة لأي إنسان، بين شعبيته الحقيقية وتمثيله للعموم وضيقه بأي منافس، بين الواحدية المزعومة والنزعات الفردية مثل الميل إلى الشعبوية وحب الظهور وتقديس الشخصية والارتياب والشك برفاق الدرب.
    يرى المؤلف يصعب التوصل إلى نظرية وقانون يضبطان علاقة الجيش بالحكم وتصرفه فيه؛ فالجيوش تختلف باختلاف المراحل التاريخية ودرجة تطور المجتمعات والعقائد السائدة وبنية الجيش الاجتماعية وغيرها. وعلى الرغم من إعجاب أمثال بكر صدقي وحسني الزعيم وحتى جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم، وأديب الشيشكلي وإن كان بدرجة أقل، بأنموذج أتاتورك وتقليده في بعض الأمور، فإن الفرق شاسع بين قيادة جيش تقود حملة عسكرية ضد الاحتلال وتؤسس جمهورية حديثة قوامها نخب حديثة صاعدة داخل النظام نفسه كما في حالة أتاتورك، وأخرى مؤلفة من ضباط راديكاليين من الرتب الوسطى والدنيا في انقلابها على النظام الملكي ثم في سلسلة منازعاتهم وتنافسهم على القيادة والرئاسة.
                                                  نماذج عربية
    في البريتورية الأوليغارشية، حين تحكم البلاد طغمة من أصحاب النفوذ، الضباط أو غيرهم، يأخذ الصراع على السلطة شكل انقلابات بلاط يُستبدل فيها حاكم من الطغمة نفسها بحاكم آخر(3). ويأتي التهديد الأكبر لهذه الطغمة من نشوء فئة الضباط المتعلمين المدرّبين، وتوسع الفئات الاجتماعية التي يتحدرون منها، لتشمل فئات اجتماعية لم يصل أبناؤها إلى هذه المراتب في الماضي. الضباط في هذه الحالة هم أكثر الفئات حداثة في المجتمع، إضافة إلى المثقفين، ويتحالفون مع الإنتليجنسيا ضد الأوليغارشيا. هنا يجري الانتقال من انقلابات البلاط إلى الانقلابات الراديكالية أو الإصلاحية. هكذا يمكن، على سبيل المثال، صوغ الفرق بين الصراعات النخبوية في العراق قبل ثورة 14 تموز عام 1958 وبعدها.
     لقد ارتبط الانقلاب الأول في تاريخ العسكرية العربية الجديدة بعد انهيار الدولة العثمانية، ونشوء نظام الدول المستقلة (سياسيا بموجب معاهدات)، أو الواقعة تحت الحماية والانتداب في المنطقة، بالعسكرية العراقية.  إنه انقلاب بكر صدقي عام 1936(4) الذي تلقى دعم جماعة "الأهالي". حيث بعد وفاة الملك فيصل الأول عام 1933 حصل فراغ في الحكم، وازدادت قوة رؤساء الوزارات، فاحتدم الصراع على هذا المنصب في الوقت ذاته. كان هذا حال صراع ياسين الهاشمي على النفوذ مع الملك غازي وحكمت سليمان.
   يمثل انقلاب بكر صدقي أول محاولة من النخب السياسية العراقية للزج بالجيش في خلافاتها والاستعانه به لحسمها. فالأحزاب السياسية في العهد الملكي مثال مهم لنخب سياسية غير ناضجة، ولا تتحلى بالمسؤولية الوطنية للقيام بدور تحديثي، فقسم كبير من أفرادها لم يكن سوى روابط مصالح وشخصيات اجتمعت في أحزاب لغرض المشاركة في الحكم، وليس بهدف تنفيذ برنامج أو مشروع. وهو سلوك الأعيان السياسي بعد الاستقلال. هذا في مرحلة كانت فيها الأحزاب الحقيقية أيديولوجية الطابع ومُنعت من العمل، ويأتي في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي.
    في حالة ضباط ثورة 14 تموز 1958(5)، يمكن القول إنهم جميعهم اتفقوا بدرجات متفاوتة على الدعوة للقومية العربية. وكان عبد السلام عارف أكثرهم حماسة للوحدة، أما عبد الكريم قاسم ومحي الدين عبد الحميد، فمالا إلى قومية أكثر ليبرالية وإلى التشديد على الوحدة الوطنية العراقية. ويبدو من مذكرات عبد الوهاب الأمين تحديدا أن مجموعة ضباط 14 تموز كانت تؤمن فعلا بحكم ديمقراطي برلماني، وبالحاجة إلى الانتقال إليه بعد القضاء على النظام الملكي وإقامة حكومة مدنية مؤقتة. كما أن تلك المجموعة أيدت سياسة عدم الانحياز خارجيا، وفي الواقع تشابهت إلى حد ما مع الضباط الأحرار في مصر، سواء في إيمانهم (أو للدقة ادعائهم الإيمان) بالديمقراطية، أو في تنكرهم لها لاحقا. لم يكن للضباط أيديولوجيا محددة، فبعضهم كان متأثرا بفكر الحزب الوطني الديمقراطي الليبرالي التوجهات، كما في حالة عبد الكريم قاسم ومحيي الدين عبد الحميد، وبعضهم بالفكر القومي العربي المشرب بالإسلام مثل عبد السلام عرف وناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري الذي كان معارضا لتأثيرات الحزب الشيوعي العراقي على عبد الكريم قاسم، وكان وصفي طاهر وإسماعيل علي قريبين من الشيوعيين، ووسيطين بينهم وبين عبد الكريم قاسم، أما صالح مهدي عماش فكان متأثرا بفكر البعث. وكذلك في حالة الضباط الأحرار المصريين، كان الصراع بينهم صراعا على الزعامة.     
     في سوريا، استند حزب البعث في انقلابه عام 1963 إلى نخب عسكرية تنتمي في جذورها إلى الريف السوري. وكانت هذه النخبة التي يحصرها حنا بطاطو في ضباط اللجنة العسكرية البعثية الذين تقلدوا مناصب قيادية في الحزب والدولة بين عامي 1968 و1969 من طوائف مختلفة، ومن محافظات مختلفة، لكن أغلبيتها من أصول ريفية، أكانوا ملاكا كبارا أم متوسطين أم فلاحين صغارا.
    وبشأن الجيش العقائدي يُمكن تقسيم هذه المرحلة إلى مراحل فرعية عدة متداخلة. لكن المؤلف ركز علي فترتها التكوينية والمؤسسية نظرا إلى ما لها من دور مؤثر في التطورات اللاحقة للمؤسسة العسكرية السورية وعلاقتها بالمجتمع، ونظّر لها التقرير العقائدي للمؤتمر القومي السادس لحزب لبعث عام 1963 تحت اسم "بعض المنطلقات النظرية"، بعد حسم الصراع مع الناصريين واحتكار السلطة. وجرى تجسيد هذه الصيغة النظرية بشكل مؤسسي في ما عُرف بـ "تبعيث الجيش" وفق عقيدة رسمية قومية. أما الضباط المهنيون الذين رفضوا الانتماء الحزبي، فاعتُبروا "رفاق سلاح" لا "رفاق عقيدة". وسرعان ما فُككت مجموعات "رفاق السلاح"، أو أُحيلت إلى مواقع مكتبية وتدريبية هامشية. وبحلول النصف الأول من الثمانينيات، لم يبق منهم إلا عدد محدود للغاية.
  في بلاد الانقلابات العسكرية، مثل العراق وسوريا، لم يحكم الجيش الدولة في العقود الأخيرة. والضباط الذين قاموا بالانقلاب الأخير في كل من العراق (1968) وسوريا (1970)، جعلوا نصب أعينهم أن يكون انقلابهم آخر الانقلابات، وذلك ببناء جيش مستقر ذي تراتبية هرمية واضحة وموال للنظام، ويخضع لرقابة أجهزة استخبارات حديثة ومتطورة، وتتغلغل فيه منظمات الحزب الحاكم. ويشرك النظام ضباط الجيش الكبار في بعض المشاورات، ويُعيّن بعضهم في مناصب سياسية بعد إنهاء الخدمة، أو خلال خدمتهم كما في عضوية القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا، المهم أنه يشركهم في حصة من الثروة والنفوذ، ويُغدق عليهم ويمنحهم امتيازات كثيرة تضمن ولاءهم، كذلك يُفسح المجال للرتب الأدنى (يصح هذا في حالة سوريا) للاستفادة من شبكات الفساد، والتهريب وغيره.
   في مصر لم يهدف جمال عبد الناصر إلى إقامة دكتاتورية عسكرية، بل أراد حكما جمهوريا شعبويا مسنودا من الجيش. ولأنه أدرك من تجربته الخاصة أهمية الجيش السياسية ودوره الانقلابي المحتمل، رغب في إبعاد الجيش عن التدخل المباشر في السياسة. أما الضباط الذين انتقلوا إلى العمل السياسي من مجموعة الضباط الأحرار، فطلب منهم خلع بزاتهم العسكرية. لكنه خلافا لمحمد نجيب، لم يرغب في عودة كاملة للجيش إلى الثكنات وإقامة حكم مدني تمثيلي. ويلخص هذا الموقفُ المركّب التناقض التاريخي الرئيس لعلاقة الجيش بالسياسة في مصر منذ ثورة يوليو (1952). إذ بقى السياسيون في عهود يوليو عسكرا بثياب مدنية، لكن الجيش كمؤسسة يفترض ألا يتدخل في السياسة، بل يبقى على ولائه لهؤلاء العسكر السابقين، فهو الضامن الرئيس لاستقرار النظام. وانعكس هذا التناقض في شكل صراعات قادت العسكريين السابقين في الحكم إلى محاولة تأسيس قواعد شعبية من خارج الجيش تشبه الحزب السياسي للنظام. فأقام الضباط الأحرار الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1962. وفي الحالتين السورية والعراقية، كما في الحالة المصرية، يمكن القول إن الجيش كان خاضعا للحكام المدنيين من أصول عسكرية، لكنه في العراق وسوريا مسيس وحزبي.
     لاحقا قام أنور السادات بمتابعة تعزيز مكانة مؤسسة الرئاسة وصلاحياتها على حساب الجيش، فغير قادته بشكل متواتر لم تعرفه مصر من قبل. وما لبث النظام أن احتاج الجيش في ضبط المعارضة بعد اتفاقيات كامب ديفيد، أو ما سُمي ناصريا "بالجبهة الداخلية"، وهي تسمية تشي بأن البلاد في مرحلة حرب في الداخل والخارج.
   في عهد مبارك جرت تسوية كبرى صار بموجبها وزير الدفاع الرجل القوي داخل الجيش فحسب. ونشأ كيان سياسي للضباط غايته الحفاظ على الامتيازات التي تتعلق بالجيش واقتصاده ومواقع ضباطه المتقاعدين الذين يُعينون في مناصب رسمية. في المقابل، تُرك للرئيس شؤون حكم مصر، وإدارة البلاد بالتعاون مع المخابرات والمؤسسة الأقوى في الداخل، أي الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية. ولم ينف هذا للحظة أن الجيش ظل القوة الرئيسة، وصاحب المقدرة إذا أراد تفعيل قوته(6)، كذلك ظل الأكثر شعبية لدى الجمهور لابتعاده عن السياسة. هذا البعد، إضافة إلى الانغلاق الذي يمنع عين الجمهور الفاحصة من نقده، سمحا له بالحفاظ على صورة "طاهرة" خلافا لصورة أجهزة الأمن الأخرى، ودوائر السلطة في الحزب والعائلة الحاكمة، الملطخة بالحقائق والشائعات عن ممارستها، ذلك لأنها في تماس مباشر مع الشعب.
الهوامش
1- التسمية تعود إلى المصطلح الروماني في وصف الحرس البريتوري المرابط في روما، الذي كان يتدخل في السياسة فيُنصب القياصرة ويعزلهم. راجع الهامش في الكتاب نفسه، ص 56.
2- كان لموقف الجيش الجزائري دورا حاسما في استقالة عبد العزيز بوتفليقة في 2 نيسان 2019، بعد احتجاجات شعبية واسعة رفضت ترشيحه للرئاسة لفترة خامسة.
3- يمكن عد الانقلاب العسكري الذي أطاح بعمر البشير في 11 نيسان 2019، بعد احتجاجات شعبية حاشدة طالبت برحيل النظام وإقامة دولة مدنية ديمقراطية من هذا النوع من الانقلابات.
4- حول انقلاب بكر صدقي وموقف الحزب الشيوعي العراقي منه، راجع: حنا بطاطو، العراق، الكتاب الثاني، الحزب الشيوعي العراقي، ترجمة عفيف الرزاز، بيروت، 1992، ص 93-98.
5- للمزيد حول ثورة 14 تموز 1958، راجع: حنا بطاطو، العراق، الكتاب الثالث، الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، 1992.
6- ما يؤكد هذا أن الجيش فعل دوره وعزل الرئيس محمد مرسي عام 2013، بعد مظاهرات حاشدة طالبت برحيله، وأنتخب عبد الفتاح السيسي رئيسا عام 2014، وكان قائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع في عهد مرسي.


 
 


25
قراءة في كتاب "نحو نقد العقل الإسلامي"*
                                                                                                     
د. هاشم نعمة
   من المعروف أن المشروع الفكري الكبير للمفكر الجزائري اللامع محمد أركون تمحور حول نقد العقل الإسلامي. وقد صدرت له العديد من الكتب المهمة في هذا المجال. واخترنا هذا الكتاب الذي يحتوي خمس دراسات من آخر وأحدث ما كتبه، بحسب الباحث هاشم صالح الذي ترجم وقدم لهذا الكتاب، إضافة إلى ترجمته كتب أخرى ضمن هذا المشروع. وتتأكد جدة موضوعات الكتاب من أن طبعته الأولى صدرت في تموز| يوليو 2009 عن "دار الطليعة" في بيروت، في حين توفي محمد أركون في أيلول| سبتمبر 2010. يقع الكتاب في 310 صفحة.
    إضافة إلى المقدمة العامة المطولة والمهمة التي كتبها صالح بعنوان "محمد أركون ومشروعه الفلسفي الكبير: تفكيك الانغلاق التاريخي" يضم الكتاب خمسة فصول عالجت: التاريخ النقدي العميق للفكر بصفته أشكلة لمفهوم الحقيقة؛ مفهوم العقل الإسلامي؛ مسألة الحقوق الإنسانية في الفضاء التاريخي المتوسطي؛ بلورة لمفهوم ما معنى كلمة "إسلام" عبر التاريخ منذ لحظة القرآن وحتى اليوم؟ والأديان التوحيدية على أفق عام 2008.
   ويرى المترجم أن مشروع المستقبل ليس نقد العقل العربي، كما يرى محمد عابد الجابري على الرغم من التقدير لجهد المحاولة ولبعض النقاط الإيجابية فيها. إنما هو مشروع نقد العقل الإسلامي التقليدي. لأنه لا يوجد شيء اسمه عقل عربي أو تركي أو إيراني وإنما يوجد عقل إسلامي أو ديني بالأحرى مثلما يوجد عقل علمي أو فلسفي أو وضعي، وبينهما قطيعة الحداثة. وبالتالي فالعقل البشري واحد عند جميع الشعوب. فقط هناك شعوب تحررت من العقل اللاهوتي الغيبي الطائفي القديم كشعوب أوروبا الغربية مثلا، وشعوب لم تتحرر منه بعد. وهذه هي حالتنا. وبالتالي فالشعوب تمر بعدة مراحل من التطور العقلي والفكري. آخرها المرحلة العلمية الفلسفية وهي أعلى درجات العقلانية. ويرى أن الجابري لم يتجرأ على مواجهة المشكلة اللاهوتية وجها لوجه فقرر خوض المعركة مع العقل العربي لا العقل الإسلامي. وهذا الموقف مفهوم لأن للسلفيين التقليديين سطوة على الشارع ويستطيعون تهديد أي مثقف وتخويفه. ويقول ثم إنه، مع احترامي له، لا يمتلك التكوين المنهجي الكافي ولا العدة المفهومية والمصطلحية للقيام بنقد العقل الديني في الإسلام. ويرى أن أركون وحده من بين كل المثقفين المسلمين أو العرب يمتلك ذلك.
    في الواقع، إن هدف أركون الأخير هو التوفيق بين الإسلام والحداثة مثلما فعل أبن رشد في وقته عندما وفق بين الإسلام والفلسفة الارسطوطاليسية، ومثلما فعل فلاسفة التنوير في أوروبا عندما أجبروا المسيحية ورجال الدين على تقديم تنازلات كبيرة للعقل والحداثة العلمية الصاعدة. ولكنهم لم يستطيعوا التوصل إلى هذا المكسب الكبير إلا بعد أن فككوا اللاهوت المسيحي القديم وكشفوا عن تاريخيته وشروطه البشرية. ومعلوم أن هذا اللاهوت كان يقدم نفسه وكأنه إلهي معصوم تماما كالفقه القديم في الإسلام. ومعلوم أيضا أن اللاهوت القديم يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، المقدسة المتعالية، التي لا تُناقش ولا تُمس.
     يشير أركون إلى أن موضوع الفصل الأول يستحق أن يعالج مجددا ليس فقط من قبل البحث العلمي الأساسي والمحترفين من حراس الحقيقة الدينية والحقيقية الميتافيزيقية الكلاسيكية (أي رجال الدين والفلاسفة التقليديين)، وإنما أيضا من قبل المواطنين. فالحقيقة تخص الجميع. ومعلوم أن هؤلاء المواطنين مدعون بانتظام للتصويت من أجل انتخاب ممثلي الشعب وخلع المشروعية على السلطة السياسية على كافة المستويات...الخ. وبالتالي فإن لهم الحق في معرفة الحقيقة أو المشاركة في صياغتها وبلورتها. إن كلمة الحقيقة تدعى في اللغة اليونانية "أليتيا"، أي ما هو غير مخبوء، أو ما يحيلنا إلى الفكرة المتكررة للمكشوف المعرى. والحقيقة موجودة في كل فكر ديني، وقد استعيدت بواسطة أدوات أخرى للبحث والتفكير من قبل الفكر الحديث الذي يعتقد أن الله هو موضوع للمعرفة من جملة موضوعات أخرى. وبالتالي فهناك فرق بين الفكر الديني والفكر العلمي أو الفلسفي الحديث من مسألة الحقيقية.
    يقول المؤلف بصفتي مؤرخا للفكر الإسلامي فإني أعترف بأني كنت قد واجهت مشكلة الحقيقة الدينية  بالمعنى الكبير والمثالي المطلق للكلمة في مواجهة الحقيقة العلمية والفلسفية عندما تعمقت في دراسة المرحلة الكلاسيكية من تاريخ الفكر العربي الإسلامي (750-1300 ميلادية). والشيء الذي يدعو للعجب والمفارقة هو أن هذه المجابهة الخصبة بين كلتا الحقيقتين في تلك المرحلة البعيدة من التاريخ قد توقفت مع انتصار الفكر السكولائي التكراري وبخاصة اللامبالي بصعود الحداثة في أوروبا منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. فقد تغلبت الحقيقة الدينية كليا على الحقيقة الفلسفية أو العلمية في العالم العربي والإسلامي منذ الدخول في عصر الاجترار والانحطاط. وهذه المفارقة تحولت إلى تراجيديا جماعية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين مع ظهور أشكال الأصولية "للحقيقة" الدينية. وهي أشكال ظلامية متعصبة أدت إلى كوارث في الداخل والخارج.
    ينبغي العلم بأن تسميات سنّة، شيعة، معتزلة، أهل الحديث، أهل الرأي، جهمية... الخ، كانت تدل في البداية على مواقف فكرية متحركة لا جامدة ولا ثابتة. لقد كانت تدل على مواقف متغيرة طبقا لرهانات الصراعات الدائرة على مسألة "الحقيقية الدينية" أو "الدين الحق". كما كانت هذه الفرق تتموضع داخل فضاءات سياسية في طور التشكل إبان القرون الأولى للإسلام. ولم تجمد ولم تثبت كليا إلا لاحقا.
   الواقع أن العقل الإسلامي كان تعدديا في البداية وجدليا تفاعليا(1)، وكان مرتبطا بالواقع الاجتماعي والتاريخي بل وحتى الجغرافي. وذلك لأن العقول المتنافسة الأكثر نشاطا ظهرت بشكل خاص في منطقة إيران- العراق- سوريا بين القرنين الأول والخامس للهجرة. واللافت للانتباه هنا أن الغرب الإسلامي لم يُصب إلا بشكل مؤقت وعابر بالتوتر الإبداعي والثقافي الخلاق على عكس منطقة الشرق الأوسط التي عاشت هذا التوتر بشكل أكثر قوة وكثافة. والشيء اللافت جدا أيضا للانتباه هو أن انبعاث الهوية اللغوية والثقافية لإيران بدءا من القرن الحادي عشر الميلادي من جهة، ثم السياسة السنية للسلجوقيين من جهة أخرى، كانا قد حبذا حصول الانقسام الشيعي| السني وظهور الارثوذكسية السنية والشيعية المنفصلتين. وبالتالي فالانغلاق لم يأت من طرف واحد وإنما من طرفين. وعندئذ أصبح العقل الإسلامي أحادي المذهب، فقيرا مدقعا. وذلك على عكس الفترة الكلاسيكية حيث كان لا يزال تعدديا خصبا يسمح بحرية الاختلاف والتنوع والمعارضة.
                                               قراءة الإسلام السياسي       
   إن الإسلام السياسي الحالي يدعي الانتماء إلى نظام عقلي يحيلنا إلى مدونات الاعتقاد الإسلامي القديمة الخاضعة هي أيضا إلى ضغوط وجودية بالأخص أيديولوجية من الحذف والانتخاب والاختيار داخل التراث الإسلامي. أنه، أي الإسلام السياسي والحركات السلفية المرتبطة به، يحيلنا إلى تراث مبتور ومبتسر وجزئي أكثر ما يحيلنا إلى العقل الكلاسيكي المبدع. أنه يحيلنا إلى العقل التكراري الاجتراري الذي ساد عصور الانحطاط والذي تلا المرحلة الكلاسيكية المبدعة.
    هكذا نلاحظ أن الإسلام السياسي يعاني من قطيعتين كبيرتين: قطيعة مع عصر النزعة الإنسانية العقلانية التي تألقت آنذاك لفترة، وقطيعة مع أفضل ما أنتجته الحداثة الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.
    ويشدد أركون بالقول ينبغي العلم بأن الإسلام السياسي الراديكالي السائد حاليا جاهل تماما بالمكتسبات الفكرية الهائلة للعقل الحديث. إن هذا الإسلام السلفي الراديكالي المغرق في طقوسيته الشعائرية، إن هذا الإسلام التبسيطي، الدوغمائي، الذي فرض نفسه على المجتمعات العربية والإسلامية بعد السبعينات من القرن الماضي يريد أن يقنعنا بأنه سيعيد الإسلام "الحقيقي الصحيح" المتضمن في القرآن والسنة النبوية إلى سابق عهده ومجده. وهذا المزعم الأسطوري أو غير الواقعي الذي يستعصي على التحقيق التاريخي يرتكز على عدة مسلمات تخص بالدرجة الأولى المكانة التاريخية للمدونة الكبرى للاعتقاد الإسلامي أي: القرآن، والسنة النبوية، زائد الشريعة. وهكذا يعودون بنا إلى الوراء بعيدا: أي إلى عصر الفتنة الكبرى التي اندلعت بين المسلمين الأوائل. إن الماضي البعيد لا يزال حيا ومنتعشا في أذهان المسلمين حتى اليوم، أو قل في المخيال الديني الجماعي لهم. لا يزال الماضي هو الذي يتحكم بالحاضر وليس الحاضر بالماضي على عكس ما هو سائد في الأمم المتطورة.
    لا بد من دراسة العلاقة التفاعلية الوثيقة بين تقهقر الحياة الفكرية والعلمية في العالمين العربي والإسلامي ككل من جهة، والصعود الهائل للحركات الأصولية الشعبوية الفاقدة لأي مشروع سياسي حديث من جهة أخرى. يذكر أركون  لا نستطيع هنا أن نوفي هذا الموضوع الشاسع حقه من البحث والدراسة. سوف نكتفي فقط برسم الخطوط العريضة لكيفية اكتشافه: أي اكتشاف هذا المجال المجهول من تاريخ المجتمعات المجبولة حاليا بالظاهرة الإسلامية بكثافة هائلة وأكثر من أي وقت مضى. إنها مجبولة بالحدث الإسلامي أكثر مما هي مجبولة بالحدث القرآني بكثير، لأن ما يؤثر عليها هو التراث الإسلامي المتأخر بالدرجة الأولى وليس القرآن والتراث الكلاسيكي المبدع. فالحركات الأصولية تنسب نفسها إلى ابن تيمية عموما والتراث المتأخر لا إلى العقل الإسلامي الكلاسيكي التعددي الغني فكريا وثقافيا والذي ساد حتى موت ابن رشد.
         يؤكد المؤلف ينبغي أن نفهم الوضع في شموليته، أن ندرس ونحلل آثار التناقضات الناتجة عن الحداثة وذلك عبر تجلياتها من خلال الثقافات المختلفة التي لا تستقبلها بشكل متساو أو بنفس الحماسة والتمثل والهضم كما يفعل الغرب. من خلال هذا التحليل المعمق نلاحظ أن الابستيمولوجيا التاريخية تأخذ كل أهميتها وصحتها ومتانتها. ينبغي العلم بأن التعصب السياسي الأعمى للأصولية المتسمة بالإرهاب في "الإسلام" ما هو إلا عبارة عن تجسيد تراجيدي لما يدعوه أركون بالتثليج الأيديولوجي. بمعنى أن الأصولية ناتجة عن جمود الفكر في الإسلام طيلة قرون عديدة. وهو تثليج أو جمود يحصل في البلدان التي تشكل اختلافها أو خصوصيتها بواسطة حكايات تأسيسية أسطورية قومية أو دينية هي أكثر استلابا للذاكرة الجمعية والفردية مما هي تحريرية.
                                     جمود الفكر الإسلامي وتجلياته   
   يفترض عدم الخلط هنا بين العقل الإسلامي الكلاسيكي والعقل الكلاسيكي في السياقات الإسلامية. فالأول ديني محض، أما الثاني فيشمل الديني وغير الديني، ومجمل ما يدعى بالعلوم العقلية وبالتالي الفلسفة والعلوم الطبيعية والدنيوية غير الدينية. إن هذا العقل الكلاسيكي لا يقوم بمواجهة صدامية ضد العقل الديني ولكنه يتمايز عنه من حيث استقلاليته الذاتية النسبية بالقياس إلى الوحي. هذا الوحي ينحصر أساسا بالعلوم المدعوة دينية أو نقلية أي تقليدية. ويمكن للعقل الديني أن يذهب إلى حد الاشتباه بعلم الكلام لأنه في نظرة  يعطي مكانة زائدة عن الحد للعقل الارسطوطاليسي المنطقي. يضاف إلى ذلك أن العقل الديني الإسلامي يدين الفلسفة بخصوص موضوعات معينة كقدم العالم والسببية ومكانة النفس بعد الموت والقوة المفكرة والعقل. أنظر كتاب أبو حامد الغزالي الشهير "تهافت الفلاسفة" الموجه ضد الفارابي وابن سينا أساسا.(2)   
      يقوم العقل اللاهوتي بتلاعب يتمثل في الافتراض بوجود استمرارية بنيوية وتماثلية معنوية بين الزمكان الأولي الأصلي الذي لُفظت فيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لأول مرة، وبين الزمكانات المتغيرة أو الظروف الاجتماعية المتغيرة التي يتم فيها الاستشهاد بهذه الآيات والأحاديث على مر التاريخ بعد أن أصبحت نصوصا مكتوبة. هنا يقوم المسلم التقليدي بعملية الانتقال والمطابقة وكأن الأمر طبيعي لا غبار عليه. إنه يقوم به من دون طرح أي سؤال على شروط إمكانيته وصحته وبالأخص صلاحيته. يتساءل أركون، لماذا أقول ذلك؟ لأنهم عندما يستشهدون بآية قرآنية أو حديث نبوي فإنهم ينتقلون فجأة من حالة الكلام الحي المتفجر المرتبط بتجربة داخلية فريدة لا تُختزل ولا تُعاد ولا تُستعاد (هي هنا تجربة النبي الذاتية عندما كان يتلفظ بهذه الآيات والأحاديث لأول مرة ضمن ظروف مختلفة عن كل ما حصل لاحقا) إلى حالة مختلفة تماما. كما أنها تجربة فريدة من نوعها ولا تتكرر لأنها مرافقة لعمل جماعي محدد، هي هنا تجربة النبي التاريخية وأتباعه. يتم الانتقال من حالة هذا الكلام الحي المتفجر إلى حالة المضامين المحفوظة عن ظهر قلب أو المسجلة كتابيا والتي يستشهد بها المسلمون بعد موت النبي بألف وأربعمائة سنة! هنا يحصل إسقاط لهذا الكلام النبوي الحي على تجارب وحالات وأزمنة أخرى ذات حيثيات وأبعاد مختلفة بالضرورة. 
    كلما فقد العقل الإسلامي الكلاسيكي قواعده الاجتماعية الحضرية الموجودة في المدن والأطر السياسية لتحققه زاد انتشار الدين الشعبي. المقصود بالأطر السياسية لتحققه هنا المراكز السياسية الكبرى للإمبراطورية العربية الإسلامية كبغداد والري وسواهما. وكانت قوية نسبيا ومشعة ثقافيا إبان العصر الكلاسيكي قبل أن تفقد رونقها وتدخل في عصر الانحطاط لاحقا. بعد أن فقد العقل الإسلامي الكلاسيكي دعم الطبقات البرجوازية التجارية السائدة في منطقة إيران-العراق والأندلس في القرن التاسع والعاشر للميلاد ساد التدين الشعبي الفقير ثقافيا. وهكذا بدءا من القرن الثالث عشر راح المجال الفكري للعقل الإسلامي الكلاسيكي يضيق ويتقلص لكي يحل محله عقل مدرسي تكراري اجتراري.  وهذا العقل الضيق المفتقر فكريا راح يدير شؤون الدين الشعبي المختزل أكثر فأكثر في تجلياته الطقسية الشعائرية العبادية الخاصة بكل فئة عرقية- ثقافية.
   يذكر المؤلف ينبغي تسجيل ملاحظة مهمة : وهي أن السلالة الصفوية التي حكمت إيران بين 1501-1786 كانت معاصرة للسلالتين العثمانية والمغولية. وقد فعلت مثلهما عندما أممت الدين أو صادرت المذهب الشيعي. وعلى هذا النحو أصبح الدين الإسلامي بكلا مذهبيه تابعا للدولة. وأصبح رجال الدين الشيعة المسيطرون في خدمة السلطة والدولة الصفوية تماما كما حصل في الجبهة السنية. ولكن معارضة الفقهاء الشيعة للمتصوفة "والفلاسفة" السائرين في خط الحكمة الإشراقية لم تمنع هؤلاء الأخيرين من المحافظة على أماكن كلامهم وتعليمهم ومدارسهم. وهذا لم يحصل في الجبهة السنية، حيث في جهة الأندلس والمغرب الكبير منع الفقهاء المالكيون أي تدريس للفلسفة وأي ذكر لابن رشد. وعلى هذا النحو ترسخ في إيران أكثر من الأوساط السنية ذلك الانقسام الدائم بين المعرفة الظاهرية والمعرفة الباطنية، بين الكلام العقلاني والعرفان الروحاني. أما التمييز بين العقل والنقل والإشراق- العرفان- الباطن بصفته خطا ثالثا ومستوى معينا من مستويات المعرفة فقد تقلص وذبل وأصبح عبارة عن حد فاصل معرفي وأيديولوجي. وهذا يعني أن الفلسفة العقلانية على الطريقة الارسطوطاليسية والرشدية اختفت من إيران أيضا ولم تبق إلا الفلسفة الإشراقية التي تعتمد على الشطحات الخيالية أكثر مما تعتمد على العقل.
    ينبغي الإشارة أيضا إلى المسؤولية الثقيلة التي تتحملها الدولة العثمانية. فقد اكتفت خلال حكمها بتعميم فقه المذهب الحنفي على شتى أرجاء الإمبراطورية الواسعة، متجاهلة بذلك أهمية الثورات السياسية والتشريعية والفكرية والعلمية التي حصلت في أوروبا إبان تلك الفترة والتي أعطتها الوسائل الضرورية لتفوقها على العالم الإسلامي ولتوسعها في العالم. بمعنى آخر فإن الإمبراطورية العثمانية لم تفعل شيئا يذكر للسير على درب الحضارة والعلم والفلسفة والتقدم. وبالتالي فهي المسؤولة عن حالة التأخر المريعة لتركيا وغير تركيا بالقياس إلى أوروبا. لقد أكتفت طيلة أربعة قرون بالتكرار والاجترار في معظم الأحيان. لذلك فتركة السلطنة العثمانية ثقيلة جدا. ويرى أركون أن هذا ما صعب من عملية العلمنة التي تبناها أتاتورك.
   بالنسبة إلى ألإسلام لم تستطع لا الكتابة الإيمانية ولا الكتابة العلمية النقدية حتى الآن أن تفرضا إشكاليات جديدة وموضوعات مبتكرة قادرة على تجاوز المواقع التراثية القديمة الراسخة، وذلك عكس ما حصل لليهودية والمسيحية بنسختيها الكاثوليكية والبروتستانتية في النطاق الحضاري المتقدم والمسارات التاريخية لأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. فهاتان الديانتان استفادتا كثيرا من هذه الإشكاليات والموضوعات التجديدية ومن تطبيق المناهج الحديثة عليهما إلى درجة أن القراءة التنويرية العقلانية تغلبت على القراءة التراثية القديمة لديهما. وهذا لم يحصل في الإسلام للأسف حتى الآن. لذلك اضطرت المسيحية أن تهضم عدة ثورات فكرية وعلمية وفلسفية في حين توقف الإسلام عن التطور منذ القرن الثالث عشر ولم يهضم أي شيء جديد تقريبا.
   ينبغي العلم أن القرآن صامت(3) منذ عام 632 ميلادي، تاريخ وفاة النبي. ولكن الأجيال المتلاحقة من المسلمين أو الفاعلين الاجتماعيين هي التي تجبره على النطق ويتكلم. إنهم يجبرونه على التكلم لتلبية رغباتهم وآمالهم وهمومهم الملحة العاجلة المفروضة عليهم من قبل التاريخ. لذلك يُسقطون عليه رغباتهم وأمانيهم وتصوراتهم وهلوساتهم سواء كانت موجودة فيه أم لا. وهذه التفسيرات والتصورات الفردية أو الجماعية تأتي لكي تضخم إلى ما لا نهاية تلك المدونة النصية الكبرى للحدث الإسلامي.
  نحن نشهد عودة الشعبوية الدينية أكثر مما نشهد انبثاق ثقافة جديدة عن الأديان أو معارف جديدة مضيئة محصلة عن طريق العلوم الاجتماعية والإنسانية في مجال الأديان خصوصا. نحن نشهد عملية تفكيك وإعادة تركيب للعقائد الدينية حيث إن الوظائف الأيديولوجية أو الديماغوجية الارتكاسية للتدين تتغلب أكثر فأكثر على تعميق القيم الروحية والأخلاقية.
   فيما يخص علم التاريخ النقدي الاسترجاعي، فقد حصلت محاولات جادة وواعدة في الساحة العربية الإسلامية مع مسكويه ثم بالأخص مع ابن خلدون ولكنها أُجهضت للأسف في نهاية المطاف مثلما حصل للفلسفة. وعندما اكتشف المستشرقون ابن خلدون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صُدموا وذُهلوا ولم يكادوا يصدقون ما يقرأون من كنوز معرفية. وراحوا يحتفلون به بصفته المفكر العبقري الذي مهد الطريق لعلم الاجتماع والانثربولوجيا. 
   أخيرا، هؤلاء الذين يحنون إلى الوراء، إلى ذلك العصر الذهبي للعلوم الدينية، يجهلون هنا أيضا معنى المشروع الكبير لنقد العقل الإسلامي وضرورة المرور به بأي شكل من الأشكال. فالاجتهاد القديم لم يعد نافعا ولا كافيا على الإطلاق. وحده نقد العقل الإسلامي بالمعنى التفكيكي والأركيولوجي العميق قادر على مواجهة المشاكل المطروحة الآن على المجتمعات العربية والإسلامية.
الهوامش
(1) للمزيد راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية: المعتزلة، الأشعرية، المنطق، المجلد الثاني، وتبلور الفلسفة، التصوف، إخوان الصفا، المجلد الثالث، ط 2 (الجزائر| بيروت: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار| دار الفارابي، 2002).   
(2) للمزيد راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية: الكندي- الفارابي- ابن سينا، المجلد الرابع، ط 2 (الجزائر| بيروت: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار| دار الفارابي، 2002).
(3) كان علي بن أبي طالب هو من أعلن مفهوم "المصحف الصامت"، أي المنطوق بتأويل الرجال، في رده على مبدأ "لا حكم إلا لله" الذي رفعه من رفضوا قبول التحكيم في معركة صفين.
   

26
العالم العربي
دراسات في المتغيرات السكانية ونظرياتها

د. هاشم نعمة

   عن دار غيداء للنشر والتوزيع في عمان| الأردن، صدر مؤخرا كتاب بعنوان "العالم العربي:
 دراسات في المتغيرات السكانية ونظرياتها"، للباحث د. هاشم نعمة فياض. يقع الكتب في 337 صفحة من القطع الكبير.

    تتزايد الحاجة باستمرار إلى البحوث المعمقة في مجال الدراسات السكانية في العالم العربي. نظراَ إلى أن فهم آليات المتغيرات السكانية وتأثيراتها المترابطة والمتبادلة التأثير في البنى الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية يمثل محوراً رئيسياً بالغ الأهمية في بناء رصيد معرفي يساهم في رسم وتنفيذ وتقييم أي خطط علمية مدروسة لانطلاق التنمية الاجتماعية - الاقتصادية الشاملة للقضاء على ظاهرة الفقر والعوز ونقص الخدمات الصحية والتعليم... والمنتشرة بدرجات متفاوتة في الدول العربية.
     يتكون الكتاب من أربعة فصول، هي في الأساس بحوث أكاديمية كُتبت في أوقات مختلفة، وارتأينا جمعها في كتاب واحد لتكون في متناول المتخصصين والباحثين والقراء عموما.
    يدرس الفصل الأول نظرية التحول الديمغرافي، المفهوم والتطبيق: دراسة تحليلية مع إشارة خاصة إلى الدول العربية، ويضم مقدمة والدراسات السابقة المتعلقة بالموضوع وعرض لأبرز النظريات السكانية ذات العلاقة ويتضمن تحليل أفكار ومراحل نظرية التحول الديمغرافي، والتحول الديمغرافي في الدول العربية، ومدى تطابق التحول الديمغرافي في الدول النامية والعربية مع النظرية، والنقد الموجه إلى النظرية المؤيد والمُعارض، ثم ينتهي الفصل بخلاصة  تلخص أبرز نتائج التحليل.
         يبحث الفصل الثاني في تطور مستوى الخصوبة السكانية في حالة العراق؛ إذ تقوم الدراسة بتحليل التغيرات التي حدثت في ذلك المستوى زمانياً ومكانياً خلال العقود الأخيرة. وذلك بالنّظر إلى التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والحروب الداخلية والخارجية التي شهدها البلد طوال هذه العقود؛ والتي لابدّ أن تؤثر في سلوك الخصوبة، وتنعكس على التنمية. وتدرس التوزيع الجغرافي للخصوبة على مستوى الحضر والريف، والمحافظات، كما تعمل على تعليل التباين في هذا التوزيع أن أمكن ذلك. وتبحث في المتغيرات المتبادلة التأثير، التي حدّدت سلوك الخصوبة، والتي تتمثّل في التالي: الزواج، والبنية العمرية، والهجرة الداخلية والخارجية، والوفيات، والسياسة السكانية، وحجم الأسرة، ووضعية المرأة، والتعليم، والمهنة، والدين، والحروب. وهي تستخدم نظرية التحول الديمغرافي للاستفادة منها في التحليل والاستنتاج. وقد أجرت الدراسة مقارنات بين البلدان العربية والنامية والمتقدمة؛ من أجل كشف أوجه الشبه والاختلاف في تطور الخصوبة، والعوامل المؤثرة فيها. وخرجت في النهاية بخلاصة.
   أما الفصل الثالث فيهدف إلى رصد وتحليل حجم واتجاهات هجرة الكفاءات من البلدان العربية والتحولات التي شهدتها في السنوات الأخيرة، ويفحص مقرراتها، وتأثيراتها. ويطرح عددا من المعالجات للتعامل مع هذه الظاهرة. وتكمن أهمية الدراسة في إنه في السنوات الأخيرة، ومع حدوث تحول كمي ونوعي كبير في بنية تيارات الهجرة لصالح هجرة الكفاءات؛ وبما أن هذه الهجرة بدأت تستقطب البحث على مستوى مؤسسات البحث العلمي والمنظمات العالمية المهتمة بالهجرة، لذلك فإن البلدان العربية بحاجة إلى مزيد من البحث المعمق لهذه الهجرة، لأنها باتت تشترك ـ بقوة ـ في تياراتها وتتأثر في نتائجها الكثيرة المتشابكة والمتبادلة التأثير، والتي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر ـ وإنْ بدرجات متفاوتة ـ في إعاقة التنمية الاجتماعية - الاقتصادية التي تنشدها هذه البلدان.
  ويحلل الفصل الرابع أسباب موجات الهجرة السكانية التي أعقبت غزو الكويت واتجاهاتها وأنماطها وتأثيراتها ويفحص خصوصا ما تركته من تغيرات في البنى السكانية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان الخليج العربي، والدول المرسلة للمهاجرين. وكمقدمة تساعد البحث في الوصول إلى نتائجه جرى التعرف على حجم العمالة المهاجرة وبنيتها وأهميتها من الناحية الاقتصادية لبلدان الخليج العربي ولبلدانها الأصلية.   
 



27
دراسات في الدين والدولة
د. هاشم نعمة
  عن المركز العراقي للدراسات والبحوث المتخصصة في بغداد صدر كتاب بعنوان "دراسات في الدين والدولة" للباحث د. هاشم نعمة فياض. يقع الكتاب في 208 صفحة من القطع الكبير. يضم الكتاب مجموعة من الدراسات الاجتماعية-السياسية المتعلقة بالدين والدولة والتي كانت موضوعاتها في السنوات الأخيرة مثار اهتمام سواء على مستوى الرأي العام أو على مستوى البحث الأكاديمي في العالم العربي خصوصا. وهي تعالج الفكر الطائفي والدولة، التطرف الديني، الحركات الدينية والنهج البراغماتي، نقد العقل الديني، العلمانية، الدولة المدنية الديمقراطية، الفدرالية، الحركة الشيوعية في العراق، المؤسسات المالية وعلاقتها بالدولة في البلدان الرأسمالية، الليبرالية الجديدة والوظيفة الأيديولوجية للدولة، القوى الاجتماعية الفاعلة في الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية، آفاق ومحددات الإسلام السياسي في بلدان الانتفاضات الشعبية، والتفاعلات الدولية إزاء الانتفاضات الشعبية. هذه الدراسات كُتبت في أوقات مختلفة، وارتأينا جمعها في كتاب واحد لتكون في متناول الباحثين والدارسين والقراء عموما. وأدناه موجز لموضوعات الكتاب.
     أثار موضوع ادلجة الدين وتسيسه وتوظيفه للدفاع عن مصالح طبقية وفئوية وشخصية الكثير من الحوار والنقاش على المستوى الفكري والسياسي والثقافي، وذلك بغية تحليل وفهم وتفسير هذه الظاهرة، ومدى انعكاساتها وتجلياتها وتأثيراتها في صيرورة تطور المجتمعات، وبناها السياسية في البلدان العربية والإسلامية. ولعله من المفيد هنا لفهم سياق تطور هذه الظاهرة وانعكاساتها، تحليل الخلفيات التاريخية والاجتماعية- السياسية والفكرية التي غذتها وما زالت تغذيها، وتأثيرات ذلك في بناء الدولة. وهذا ما حاولت دراسة "الفكر الطائفي والدولة" معالجته.
    شغلت موضوعة التطرف الديني الكثير من اهتمامات الباحثين والمفكرين في العلوم الاجتماعية والإنسانية في السنوات الأخيرة، استنادا إلى مرجعيات ومنهجيات مختلفة، سواء على مستوى العالم أو على مستوى المنطقة العربية، نتيجة تصاعد موجة التطرف الإسلامي بشكل غير مسبوق. لذلك تبنت دراسة " التطرف الديني ... جذوره الفكرية وأبرز تجلياته" تحليل صيرورة الجذور الفكرية للتطرف الإسلامي وأبرز تجلياته المعاصرة، لعل هذا يساعدنا في فهم بعض أسباب تطور هذه الظاهرة وتفكيك خطابها.

     نمت الحركات الدينية الإسلامية بشقيها السني والشيعي، بشكل ملحوظ، في العالم العربي والإسلامي، في العقود الأخيرة، نتيجة العديد من الأسباب، وعلى الرغم من تعدد هذه الحركات، إلا أن هناك ما هو مشترك في مرجعيتها الفكرية وفي خطابها السياسي، لكن ما يثير الملاحظة، هو تغير خطابها بحسب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما عالجته دراسة "الحركات الدينية بين الخطاب الأصولي والنهج البراغماتي".

       يشكل النقد مكونا مهما من مكونات الإنتاج الفكري والإبداعي، ودونه يصيب الركود والجمود المنظومات الفكرية والمعرفية ومنها الفكر الديني. وقد كرس مفكرون وباحثون جهودهم العلمية لنقد الفكر الديني ومنه الإسلامي لجعله متوافقا مع متطلبات وتطورات الحياة المعاصرة وما تشهده من تغيرات وتحولات سريعة في فترات قصيرة فما بالك عبر فترات طويلة الأمد. ومن هؤلاء المفكر محمد أركون الذي كرس حياته العلمية المديدة حتى وفاته عام 2010 لمشروع نقد العقل الإسلامي وتجديده مستخدما المناهج الحديثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن كتب أركون المهمة "قضايا في نقد العقل الديني... كيف نفهم الإسلام اليوم؟"، والذي ارتأينا تقديم قراءة عنه؛ لأنه في نظرنا كتاب قيم جدير بالقراءة المتمعنة.

    تجري عملية منظمة ومقصودة في أحيان غير قليلة لتشويه مفهوم العلمانية وإلحاق النعوت السلبية به بدوافع سياسية أو أيديولوجية أو دون قصد نتيجة قلة الإطلاع على تجليات العلمانية في تجاربها المطبقة في الكثير من البلدان. وهذا ما يجعل مفهومها يشوبه الكثير من الضبابية في نظر العموم. وفي محاولة لاستجلاء جوانب من صيرورة العلمانية وأبعادها الفكرية والاجتماعية والسياسية تأتي دراستنا "في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم" لعلها تسهم بما هو مفيد في هذا الجانب الهام.   
   تكتسب موضوعة بناء الدولة المدنية الديمقراطية في بعدها النظري والتجريبي أهمية  استثنائية في واقع العراق الحاضر. حيث يدور الصراع على أشده سلماَ وعنفاَ بين القوى السياسية من أجل إعادة بناء الدولة العراقية، وفق مصالحها الطبقية والطائفية والقومية والإقليمية والدولية. ولذا حري بنا ونحن نتبنى المشروع الوطني الديمقراطي الذي يمهد الطريق لبناء أسس هذه الدولة، أن نتعمق ببحث هذه الموضوعة للتعرف على سيناريوهات التحول الديمقراطي ومقومات الدولة المدنية الديمقراطية ومعوقاتها. وهذا ما درسته موضوعة "الدولة المدنية الديمقراطية- مقوماتها ومعوقاتها".
      تهدف دراسة "الدولة المدنية الديمقراطية بديل الدولة الفاشلة" إلى تسليط الضوء على بعض المفاهيم النظرية المتعلقة بالدولة وعلاقتها بالمجتمع في البلدان النامية، ومعاينة الدولة الفاشلة من حيث المفهوم والمقررات، وتفحص بعض مقومات الدولة المدنية الديمقراطية لإنتاج نوع من المقارنة بين الدولتين، لتأكيد أن خيار الدولة المدنية هو الممكن والوحيد لإنقاذ الدولة العراقية من الانحدار أكثر في صنف الدولة الفاشلة التي تنطبق الكثير من مميزاتها عليها حاليا.       
    تحتل مسألة الفدرالية، حيزاً مهما، من اهتمامات القوى والأحزاب السياسية على شتى مشاربها، ومرجعياتها الفكرية، وكذلك الرأي العام العراقي. وقد برزت بقوة، بعد تغيير النظام، عام 2003، والسير في العملية السياسية، وأصبحت جزءاً من الصراع الدائر حول إعادة بناء الدولة العراقية، وتحقيق المكاسب لهذا الطرف أو ذاك في هذا البناء الجديد. ويبدو هناك تشوش وعدم وضوح على مستوى المفهوم والصلاحيات التي تتمتع بها الأقاليم الفيدرالية لا على صعيد الرأي العام فقط بل على صعيد القوى والأحزاب السياسية ونخبها. ومن هنا تأتي أهمية الحاجة للمزيد من البحث المعمق في محاولة لفهم مفهوم الفدرالية ومسيرة تطبيقها وتطورها سواء على مستوى تجربة الدول المتقدمة أو النامية أو العراق. وهذا ما تناولته بالبحث دراسة "الفدرالية: المفهوم والتطبيق".
     تكتسي أهمية خاصة قراءة كتاب "من أرشيف جمهورية العراق الأولى: الحركة الشيوعية في تقارير مديرية الأمن العامة 1958-1962 دراسة تاريخية سياسية" لأنه يؤرخ بالوثائق لفترة عاصفة من تاريخ العراق التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958 والتي ارتبطت بتنامي دور الحزب الشيوعي  الجماهيري ومحاولة سلطة عبد الكريم قاسم تحجيم هذا الدور والذي ساهم بدوره في نجاح انقلاب 8 شباط الأسود عام 1963 ووأد  الجمهورية الأولى. إن هذه التداعيات السياسية وما تلاها ساهمت بدرجة كبير في رسم ملامح التطور السياسي المضطرب في  العراق خلال العقود اللاحقة وإلى الوقت الحاضر.
      تأتي أهمية كتاب "انهيار الرأسمالية... أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود"، في تقديرنا من أن مؤلفه يؤمن بالعدالة الاجتماعية في ظل النظام الرأسمالي. وبذلك فهو من الناحية الأيديولوجية لا يمكن وصفه خصماً أو متحاملاً على هذا النظام كما درجت العادة على وصف الكتاب والمفكرين الماركسيين في تصديهم لتحليل الأزمات البنيوية للرأسمالية. ومع ذلك يقر المؤلف أنه مهما اختلفت الأجوبة حول أسباب الانهيار الاقتصادي الذي حدث عام 2008 فإن ثمة حقيقة لا اختلاف عليها أبداً: وهي أن العصر الذهبي، الذي تمتعت به البلدان الصناعية الغربية منذ التسعينات، قد صار في ذمة التاريخ. وإن النظام الرأسمالي المحرر من القيود يقف الآن على عتبة الهاوية.
   تكمن أهمية قراءة كتاب "الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية" في المنهج العلمي الأكاديمي الذي اتبعه المؤلف في التحليل المعمق والاستنتاج. وقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية وتداعياتها العاصفة التي يمر بها العالم والتي بدأت من الولايات المتحدة وانتقلت إلى بقية الدول في نفس عام صدور الكتاب (2008) لتؤكد صحة الاستنتاجات التي خرج بها المؤلف بالرغم من أنه لم يعالجها. وبهذا يعد الكتاب مصدرا مهما للأكاديميين والباحثين والدارسين وعموم القراء المهتمين بهذا الموضوع.

     طرح اندلاع الانتفاضات الشعبية في العديد من البلدان العربية الكثير من الأسئلة ذات الأبعاد النظرية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن أسباب اندلاعها وقواها الفاعلة وتزامنها في هذا الوقت بالتحديد. وبما أن الانتفاضات يقتضي دراستها بأبعادها المتعددة المركبة والمتبادلة التأثير التي خلقت حالة التراكم الذي أدى إلى اندلاعها وتسهيلا للبحث يمكن تناول بعض محاورها الهامة مثل المحور الذي تم اختياره عنوانا للدراسة "القوى الاجتماعية الفاعلة في الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية".
    أثار صعود قوى الإسلام السياسي، في الانتخابات التي أعقبت نجاح الانتفاضات في إسقاط بعض رؤوس الأنظمة في البلدان العربية أو صعودها في الانتخابات التي تلت إجراء بعض الإصلاحات الدستورية والسياسية؛ العديد من الأسئلة، والكثير من النقاشات حول أسباب ونتائج وآفاق تطور هذه الظاهرة، ولامست هذه النقاشات المرجعية الفكرية للإسلام السياسي فيما يتعلق بموقفه من الدولة وشكل بنائها. وهذا ما حاولت دراسة "آفاق ومحددات الإسلام السياسي في بلدان الانتفاضات الشعبية" مناقشته.
      حظيت الانتفاضات التي اندلعت في عدد من البلدان العربية باهتمام وتفاعل وردود أفعال إقليمية ودولية واسعة ربما لم تحدث بهذا المستوى لأي من الانتفاضات والثورات التي سبقتها على المستوى العربي. لذلك ارتأينا في دراسة "التفاعلات الدولية إزاء الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية" تحليل هذا العامل الذي سيبقى مؤثرا بقوة على المدى القريب والمتوسط بالأخص على الرغم من أن العوامل الداخلية تبقى المحرك الأساس فيما حدث ويحدث.



28
في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم
د. هاشم نعمة
    بات مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم التي تثير الالتباس والتشوش والخلط على المستوى الفكري والديني والسياسي والاجتماعي والثقافي، خصوصا في ظل تبني الكثير من القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني فكرة بناء دولة مدنية ديمقراطية، سواء على مستوى العالم العربي عموما أو العراق خصوصا. وذلك نتيجة الفشل الذريع -على كافة الصعد- الذي منيت به تجارب الأحزاب الإسلامية التي استلمت السلطة أو شاركت فيها في بعض البلدان العربية والإسلامية. وتجري عملية منظمة ومقصودة في أحيان غير قليلة لتشويه المفهوم وإلحاق النعوت السلبية به بدوافع سياسية أو أيديولوجية أو دون قصد نتيجة قلة الإطلاع على تجليات العلمانية في تجاربها المطبقة في الكثير من البلدان. وهذا ما يجعل مفهومها يشوبه الكثير من الضبابية في نظر العموم. وفي محاولة لاستجلاء جوانب من صيرورة العلمانية وأبعادها الفكرية والاجتماعية والسياسية تأتي دراستنا هذه لعلها تسهم بما هو مفيد في هذا الجانب الهام.   
                                    في أصل مفهوم العلمانية
    استخدمت كلمة علماني في اللغة الرومانية "سيكلوم" بمعنى الزمني، والدنيوي، والمتغير والنسبي وما شابه ذلك للإشارة إلى معنى العالم أو الدنيا. أما في السياق اليوناني فقد استخدمت بمعنى الزمن والدهر أو الحقبة من الزمن. وقد استُعمل نعت علماني، ومنذ وقت مبكر داخل الكنيسة،(1) للدلالة على طبقة رجال الدين الذين يقومون على خدمة الشؤون الدنيوية لعامة المتدينين، وذلك تميزا لها عن طبقة الرهبان والقساوسة المتفرغين لشؤون العبادة بصورة كاملة وبمعزل عن الشؤون الدنيوية. ولكن بدءا من القرن السادس عشر بدأت كلمة علمانية تتخلص تدريجيا من حمولتها السلبية منذ مرحلة النشأة، فلم يعد إذن نعت علماني يحيل على ما هو أقل مكانة روحية أو منزلة دينية واجتماعية، بل صار يدل على ما هو جليل ورفيع: أي المدني، الدنيوي، الزمني، النسبي، مقابل ما هو كنسي وديني مما بدأ يفقد شحنته الإيجابية شيئا فشيئا. ومنذ القرن الثامن عشر، شاع المصطلح على نطاق واسع، واتسع ليدل على انتقال شخص من المشغل الديني إلى المدني، ثم اكتسب المصطلح فيما بعد معنى اجتماعيا وسياسيا واضحا.(2) وهذا يشير بوضوح إلى أن المفاهيم يمكن أن تتغير دلالاتها وفقا للتغيرات التي تحدث في البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنشأ فيها وتتفاعل معها.   
   إن مفهوم العلمانية لا ينفصل عن جملة مفاهيم فلسفية أخرى، تتكامل معه وتُتممه، وينسج معها خطاب التنوير الليبرالي في أشكاله المختلفة والمتطورة، من قبيل مفاهيم الملكية، والمواطنة، والتعاقد الاجتماعي، والتسامح، والحرية، والتقدم. وقد تكاملت هذه المفاهيم في دائرة التاريخ الأوروبي، وعكست ملامح لا حصر لها من الصراع التاريخي والنظري في أوروبا. وقد توج هذا الصراع بالثورة الفرنسية في مجال الصراع السياسي التاريخي، كما توج بفلسفة التنوير النقدية في مجال تاريخ الفلسفة. وكان لكل من فلسفة التنوير والثورة الفرنسية نتائجهما المعروفة في التاريخ الواقعي، وتاريخ الأفكار والعلوم والفنون في أوروبا الحديثة والمعاصرة.
    أما في العالم العربي فقد استعمل مفهوم العلمانية لأول مرة في دلالته الفلسفية التنويرية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.(3) ومنذ ذلك الحين ما زال موضوعا للسجال السياسي والفكري المتشعب بين مؤيديه وخصومه من القوى الأصولية والمحافظة.
                                      صيرورة العلمانية
     العلمانية في الممارسة والفكر لم تولد جاهزة كأي تجربة إنسانية، وإنما مرت بالكثير من المخاضات والصراعات ذات الأبعاد الطبقية والفكرية وذلك تبعا للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نشأت في ظلها وأثرت وتأثرت فيها.
    العلمانية هي نتاج عملية تمايز اجتماعي بنيوي وتغير في أنماط الوعي كصيرورة تاريخية، وهي صيرورة تمر بها المجتمعات كافة. وطبيعة صيرورة العلمنة التي مرت بها المجتمعات هي التي تحدد ليس طبيعة العلمانية التي تنتج فيها، وموقعها ومدى هيمنتها فحسب، بل طبيعة أنماط التدين أيضا.
    تنحو العلمانية إلى جعل مرجعيتها مرجعية قيمية ومعنوية "معيارية" غير دينية. وتشمل الصيرورة التي تقود إلى هيمنة هذا الموقف في الفكر والسياسة والعلم والاقتصاد، كما تمر عبرها القيم والأخلاق، وكذلك المؤسسات والممارسة الاجتماعية.
     في الحداثة وحدها سميت هذه الصيرورة "علمانية" أو "علمنة" بالمعنى الضيق للكلمة. بينما هي، جزء من صيرورة تاريخية تسبق الحداثة. إنها صيرورة تاريخية طويلة تمتد إلى ما قبل تسميها عملية علمنة، تماما كما تعود أصول الدولة الحديثة إلى نويات الدولة المركزية، ولاسيما في القرن السادس عشر إلا أن تطور الدولة عملية تاريخية طويلة. لذلك فالعلمانية صيرورة تاريخية من التمايز في مجالات المعرفة، وفي البنى الاجتماعية، والممارسة الاقتصادية والعلمية والسياسية. وهي تتخذ شكل انعطاف حاد عشية العصر الذي نسميه الحداثة، وذلك بسبب الثورات العلمية والصناعية والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى(4) والتي كانت تتفاعل مع التحولات الاقتصادية العالمية الكبرى التي شهدتها تلك الفترة.
    بالنسبة إلى تجربة الغرب، يناقش ستيف بروس بأن تراجع الانتماء الكنسي ومواظبة الحضور إلى الكنيسة يمكن تفسيره بالتغيرات التي رافقت انبثاق المجتمع الحديث. وهناك خصوصا ثلاثة عوامل اجتمعت لتجعل الغرب علمانيا بصورة رئيسية، وهي تتمثل في: التشظي الاجتماعي؛ تفكك العلاقات الاجتماعية القديمة والعقلنة.
    بالنسبة إلى التحول الأول في الأوضاع الاجتماعية، يحدده بروس بالتحول من الجماعات المتماسكة المغلقة، والقرى إلى مجتمع مجزأ متنوع، إلى الدولة القومية الحديثة. هذا التشظي يتوافر على عدد من العناصر. ففي الجماعات الإقطاعية ما قبل الحديثة، كانت الكنيسة مسؤولة عن عدد من النشاطات الرئيسية. فهي مسؤولة عن التعليم، والشؤون الاجتماعية، والرعاية الصحية، ولها آراء مؤثرة في العمليات الاقتصادية. ومع قدوم التحديث أصبحت هذه النشاطات تدريجيا من اختصاص المتخصصين. لذلك فقدت الكنيسة سيطرتها الشاملة. وقد تولى المهنيون مثل المعلمين، والممرضات، والأطباء، والعاملين في المجال الاجتماعي مسؤولية العمل في المجالات التي كانت في السابق من مسؤولية الكنيسة. وباتت المعايير المهنية التي يعمل وفقها هؤلاء المهنيون مطابقة للتوجه العلماني.
     إلى جانب تشظي الأدوار هذا بدأ الناس ينقسمون إلى مجموعات طبقية أكثر تحديدا. بينما في عصر الإقطاع، كانت تقسيمات المجتمع ثابتة ومعترف بها. وعلى الرغم من وجود تفاوت كبير في نوعية الحياة لكن كان الكل يعيش على مقربة من الآخر. ومع قدوم التحضر (توسع المدن) والتصنيع، بدأ المجتمع بالتشظي. وسيكون هناك ناس ينتمون إلى طبقات مختلفة ويعملون في أماكن مختلفة؛ لاسيما الطبقة العاملة التي ملأت المصانع.
    وقد أثرت التغيرات الاجتماعية في البنية العقلية للسكان. حيث قاد التصنيع إلى انهيار النظام الإقطاعي وبالتالي تقدم شعور أكبر بالمساواة والديمقراطية. كذلك فإن انهيار المجتمع الإقطاعي ذي التراتبية الصارمة حيث تتوفر فيه الكنيسة على الدور المهيمن والقوي، ولد التشظي الاجتماعي الذي سار يدا بيد مع مبدأ الفردية والمساواة.(5)
     يناقش بروس أيضا بأن معظم الناس لم يتخلوا عن الدين لأنهم درسوا داروين، أو تعاطفوا مع غاليلو أو اقتنعوا بالانتقادات الموجهة للكتاب المقدس. لأنه عندما جرت النقاشات الفكرية حول العلاقة بين سفر التكوين والتطور، كان هؤلاء قلة مختارة. لكن هذا لا يعني بأن العلم لم يكن له تأثير على الكنيسة. ما حدث في الواقع أن العقلية العلمية همشت الكنيسة، لأن هذه العقلية تتعامل بعمليات السبب والتأثير. وتبحث عن الأجوبة والحلول التي هي بالكامل تعود إلى عالم الطبيعية، وتهجر العوالم الخارقة للطبيعة.(6)
    من الشائع وصف المجتمعات الغربية بأنها علمانية، إذ يفترض الزعماء الدينيون، والصحفيون، والسوسيولوجيون والسياسيون وغالبية الناس الذين لهم مصلحة عابرة في هويتهم الدينية والثقافية، بأن الغرب علماني. طبعا، هناك استثناءات ملاحظة عن هذا السياق، حيث تتحدد الأقليات خصوصا الجاليات المهاجرة بأن لها هويات دينية قوية. وهذه تبقى استثناءات على اعتبار أن الغرب يُعد علمانيا بشكل رئيس. هناك في الواقع ثلاثة أمور تُقصد عادة عندما يتم وصف الغرب بأنه علماني:
   الأول، هو استمرار تراجع المؤسسات  المسيحية، حيث أن عدد الأشخاص الذين يذهبون إلى الكنيسة كل يوم أحد في تراجع. وبجانب التراجع العددي هذا، هناك تراجع في الوضع الاجتماعي لهذه المؤسسات. فمن النادر أن يتم استشارة الزعماء الدينيين كأصوات عامة وبشكل رسمي.
     الأمر الثاني، هو الحديث بطريقة علمانية في الفضاء العام. المقصود هنا أن النقاشات تجري في الغالب على أساس تصورات علمانية في الإعلام، والمدارس والجامعات، وبشكل عام بين الناس وفي أماكن العمل والمنازل. لذلك غالبا ما يتم التعامل مع الدين كقضية رأي خاص وليس كحقيقة عامة. لقد قاد التمييز بين المعتقدات الدينية الخاصة والحقائق العامة إلى استبعاد اللاهوت، باستثناء عدد قليل من القضايا مثل الزواج وتعميد الأطفال ودفن الأحباب التي تتم في الكنيسة. حتى التفجيرات التي شهدتها بعض البلدان الغربية تجري مناقشة أسبابها على أساس علماني. تعزى أسباب هذا التطور غالبا إلى صعود شأن الفلسفة الليبرالية والمناهج العلمية الحديثة الناجمة عن عصر النهضة وحركة التنوير الفلسفية. علما كانت معتقدات المفكرين الليبراليين والعلماء الغربيين البارزين في الغالب مسيحية، ولكنهم هم أنفسهم قوضوا القوة الفكرية لمسيحية القرون الوسطى.
   الأمر الثالث الذي يوصف فيه الغرب بأنه علماني، يتمثل في الملاحظات النقدية التي توجه إلى الهيئات الدينية والزعماء الدينيين. فقد جعلت علمانية الغرب منه استثناء بالنسبة إلى الاتجاهات الدينية في بقية العالم. إن استدعاء العلمانية الغربية هنا هو في جزء منه لعقد مقارنة بمناطق أخرى. حيث مازالت المسيحية تمثل قوة ثقافية وسياسية في الكثير من بلدان أفريقيا، وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. فضلا عن ذلك تنمو في هذه البلدان، ولا تتراجع، في تباين ملحوظ مع ما يحدث في الغرب. ويتمتع الإسلام  بقوة كبيرة في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية في البلدان الأفريقية والآسيوية الأخرى وفي بلدان الشرق الأوسط(7) التي هي في الغالب بلدان عربية.
    ويمكن  أن نستخلص من ذلك، إن العلمانية هي الثمرة الطبيعية لتطور الحضارة، وما يرافقها من ارتفاع في مستوى استخدام العقل، وتراكم المعرفة وترسيخ الميول والمشاعر الدنيوية والمادية. فهي لا تتحقق بقرار رسمي وإنما تواكب نمو المدنية. ويمكن القول أن العلمنة تنحو في الحالتين إلى أن تكون التعبير عن نمط  من العقلانية يعكس حركة الحياة الجديدة، عقلانية السياسة والتنظيم الجماعي، وعقلانية الوعي وتنظيم الحياة. إنها التعبير عن تعاظم استخدام العقل والملكات الإنسانية الأخرى.(8)
    مع ذلك لم تكن العلمانية نسخة واحدة طبقت في الدول الغربية، إذا نرى هناك تباينات في هذا التطبيق، بحسب الظروف السياسية والاجتماعية في كل بلد، فمثلا لا يزال نظام التعليم الهولندي الرسمي يتوفر على مدارس ذات توجه كاثوليكي وبروتستانتي وأخرى ليس لها توجه ديني، علما يحق لجميع الطلاب الدراسة في جميع هذه المدارس بغض النظر عن خلفياتهم الدينية، مع هذا تظل هولندا بلدا علمانيا. كذلك ما زالت ملكة بريطانيا تترأس الكنيسة مع أن هذا البلد من أكثر البلدان الأوروبية علمانية. ونجد في الدستور الإيطالي واليوناني نصوصا تخص الدين، ولكن في كل الأحوال يظل هذان البلدان علمانيين.
                                        التأطير النظري
     غدت مناقشة انبثاق العلمانية في الغرب من خلال دراسة التاريخ الاجتماعي من أكثر الطرق شيوعا. ويكون في قلب هذا النقاش الكثير أطروحة العلمانية. وقد كان الشكل المعاصر لنظرية العلمانية قد طور خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين من قبل علماء مثل بيتر بيرغر وبريان ولسون، على الرغم من أنه يمكن القول بأن النظرية تعود إلى القرن التاسع عشر وإلى شخصيات مؤثرة مثل كارل ماركس، ودوركهايم، وكمت. وأكثر حداثة، فإن صاحب الدليل الموثق والواضح لأطروحة العلمانية هو ستيف بروس(9) الذي سبق ذكره. وجوهر ما يناقشه هو أن تراجع المسيحية يعود إلى التغيير الاجتماعي الذي مرت به المجتمعات الأوروبية، علما يعتقد ماركس أن العلمانية ولدت في الرأسمالية لكنها تكتمل فقط في مرحلة الشيوعية.
      تتسق نظرية العلمانية مع نظرية الحداثة التي تقوم على نحو ما يقول منظروها في العصر الحديث، بدءا بهيغل ومرورا بماكس فيبر، وانتهاء بمدرسة فرنكفورت، وخصوصا في جيلها المتأخر مع هابرماس، على عقلنة المنظورات والسلوكيات الفردية، وما يصاحب ذلك من عقلنة البنى العامة للمجتمع، لصالح نظرة وضعية، أي الانتقال نحو العلمانية باعتبارها قرين العقلنة بمعناها الواسع.
      وتتأسس النظرية على أطر نظرية تحدد بموجبها هوية ومضمونا للديني والعلماني على السواء، فهي تعيد رسم حدود الدين وتضبط مجالات فعله مثلما ترسم حدود العلماني ومواقع اشتغاله، فهي مثلا تحدد حضور الدين في ما يسمى بالحقل الخاص، مقابل مجال عام محكوم بالقيم العلمانية،(10) كما أشرنا إلى ذلك.¬¬¬¬¬¬
     والعلمانية من وجهة نظر فيبر ليست مجرد تحول في مستوى الوعي والمنظورات، بل هي، أولا وقبل أي شيء، حركة تاريخية كاسحة وجامحة تربك مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة. فهي ليست مجرد رؤية للكون ذات منحى دهري تبناها بعض المفكرين والفلاسفة، ولكنها بالدرجة الأولى هي تجسيد حي ومتلاحق لدهرنة البنى الاجتماعية والاقتصادية. ويرى فيبر أن العصر الحديث في جوهره عصر علماني، ليس لأن ثمة مجموعة من الفلاسفة أو المفكرين قد نادوا بالعلمانية، بل لأن البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تستطيع بطبعها أن تتعايش مع المؤسسات الدينية.(11) علما لا زالت طروحات فيبر تتمتع بأهميتها وتعد مرجعا للكثير من دارسي العلمانية.
    لقد طرحت العلمانية، كنظرية، بمعنيين؛ الأول إجرائي سياسي، يتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والدولة عموما ومضمونه الحقيقي نزع القدسية عن نشاط وممارسة الدولة والحكام، وإخضاعهما للمناقشة العقلية والمسؤولية والمحاسبة. والثاني فلسفي يفيد إدارة الرأسمال الفكري وتنظيم العلاقات داخل العقل نفسه بين مصادر القيم والرموز المختلفة القديمة والحديثة، الدينية والعلمية، الروحية والمادية.(12)       
     ويذكر برهان غليون "إذا كانت العلمانية كواقعة تاريخية تعكس تطور نمط معين من العقلنة الموضوعية والعملية في الممارسة الاجتماعية السياسية، فإن العلمانية كنظرية أو كمفهوم إجرائي ليست إلا محاولة لإجلاء حقيقة هذه العقلنة وتبيان أسبابها ومآلها".(13)
    الواقع الذي تسعى العلمانية كنظرية ووسيلة فهم أن تدلنا عليه، والتي تحاول بوصفها برامج تغيير وإصلاح، أن تساعدنا على تنظيمه والتغلب عليه، ليس هذا الواقع هو النشاط الديني، الذي تقوم بتنظيمه المفاهيم والمعايير والقيم والعلوم الدينية. ولكنه واقع الخلط بين الدين والسياسة، بما هم خلط غير منتج ومظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية السياسية القرسطوية، ومصدر من مصادر فسادها وخراب الدولة فيها. ويتجلى هذا الخلط في إدخال المعايير والقيم الدينية في الممارسة السياسية، كما تجلى في تداخل سلطة الكنيسة وسلطة الدولة، والتضحية بالحريات المدنية لصالح سيطرة السلطة الروحية، وما نجم عن كل ذلك من حروب مدمرة دينية ودينية- سياسية استنزفت الجهد البشري على مدى قرون طويلة(14) سواء في أوروبا أو في مناطق أخرى.
    هذا لا يعني أبدا أن نظرية العلمانية التي وجدت في السياق الغربي لا يمكن تطويرها وتعديلها لتأخذ في الاعتبار البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية للمجتمعات المختلفة التي تروم تبني العلمانية ومنها المجتمعات العربية والإسلامية.
    وعن العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، لم يتردد الباحث البريطاني فراد هليداي في القول لا توجد ديمقراطية دون علمانية. أما الفيلسوف الأمريكي جون رولز، فقد جعل من العلمانية رافعة ضرورية من روافع النظام الديمقراطي القائم على ما أسماه "الوفاقات المعقدة"، في حين شدد زميله رتشارد رورتي على أهمية العلمانية باعتبارها مرتكزا أساسيا لتأسيس فضاء عام مفتوح، بعيدا عن الغيبيات واصفا إياها بالقوة "الكابحة للحوار".(15)
    إذن، لا يمكن أن يكون النظام ديمقراطيا دون أن يكون علمانيا، ولكن ليس العكس صحيحا، فيمكن أن يكون النظام علمانيا دون أن يكون ديمقراطيا، ولنا في تجارب كثيرة دليلا على ما نقول، مثل الأنظمة الاشتراكية السابقة التي كانت علمانية إلى أقصى الحدود، ونظام بورقيبة في تونس، ودكتاتوريات عديدة في العالم تبنت العلمانية.   
                                  العلمانية والعالم العربي
      كانت أوروبا منذ القرن السادس عشر تتسلق سلم الاكتشافات العلمية، والابتكارات الفكرية، والمأسسة السياسية، والتنمية الاقتصادية، أما العالم العربي فقد كان يتراجع. ومنذ أواسط القرن التاسع عشر بدأت أوروبا بامتلاك تأثير ثقافي ملموس في المنطقة. لذلك عند هذه النقطة دخل مفهوم العلمانية النقاش الفكري، ومن هناك بدأ نموذج ثقافي جديد بالدخول حيث تم تبنيه من قبل المتحمسين والمعجبين بالغرب أو أنه فُرض بالقوة من قبل السلطات الاستعمارية. وعلى الرغم من أن القوى الأوروبية الاستعمارية مثل فرنسا وبريطانيا جاءت إلى العالم الإسلامي بدوافع طموحاتها الإمبريالية، لكنها كانت موضع إعجاب من قبل نخبة تتكون بشكل رئيس من مثقفين ذوي تعليم غربي، وذلك في سبيل إحراز التقدم العلمي والثقافي في نظرهم. وقد تركز النقاش الأول حول العلمانية في العالم العربي بشكل رئيس حول العلاقة بين الدين والدولة، وحول مدى ملاءمة النجاحات الأوروبية في العلوم والتكنولوجيا وأسلوب الحكم(16) للمنطقة. 
    بات فكر التنوير واحدا من الأطر النظرية المرجعية الموجهة للفكر العربي المعاصر. وقد بلور المصلحون المصريون والشوام في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، اختيارات فكرية تدعو إلى قيم التنوير، وتسلم بأهمية مفاهيم ومبادئ عصر التنوير، في تطوير الفكر العربي والواقع العربي، وذلك انطلاقا من دورها العام في تطور الفكر الإنساني.
    ومن أبرز هؤلاء المثقفين المتحمسين لفكر التنوير يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر فرج أنطون، وشبلي شميّل، وأديب إسحاق، وسلامة موسى، ولطفي السيد، وعلي عبد الرازق، وطه حسين. وقد ساهم كل هؤلاء بدرجات متفاوتة في إنجاز تأويل إيجابي لفكر التنوير داخل فضاء الفكر العربي المعاصر(17) على الرغم من أن بعضهم قد تراجع عن بعض مواقفه نتيجة الهجوم والتهديد اللذين شنتهما القوى الأصولية ضدهم مثل طه حسين وعباس محمود العقاد.   
    فيما يتعلق بمدى ملاءمة العلمانية للعالم العربي يذكر عزمي بشارة إذا كانت العلمانية تقوم على فهم الظواهر بقوانينها، والتعامل مع الدنيا من دون الحاجة إلى إقحام الغيب، وإذا كان تجليها يتمحور حول قضية التعامل مع الدولة بموجب آليات السياسة الدنيوية، حيث لا تسيّرها اعتبارات دينية. وإذا كانت نتاج صيرورة تمايز في الوعي، وبين المؤسسات تسمى العلمنة، فإنها بمعانيها هذه ليست خاصية ثقافية للغرب. والفرق بين المجتمعات العربية والإسلامية بهذا الخصوص هو في نمط حصول هذا التمايز، لا في وجود أو عدم وجود تمايز في الوعي والمؤسسات بين الديني وغير الديني. فالتمايز بين المجالات الاجتماعية والمؤسسات، والتفكير العلمي والديني، من علامات التطور عموما، لا من علامات التطور في أوروبا وحدها.(18) وهذه نظرة منطقية تتقاطع مع ما تطرحه القوى الأصولية بأن العلمانية خاصية غربية ولا يمكنها أن تتلاءم مع العالم العربي.     
     ويذهب محمد أركون أبعد من ذلك، إذ يشدد أنه ينبغي أن نتجنب خطأ شائعا جدا في الأدبيات الاستشراقية، وعند المسلمين على السواء، والذي يقول بأن الإسلام لم يعرف أبدا في تاريخيه التفريق بين الزمني والروحي. هذه فكرة منغرسة في نفوس المستشرقين وعند الجمهور الغربي ككل. يجب التخلص فورا من هذه النظرية.
    لقد وجدت في السابق في المجتمعات المدعوة إسلامية تجارب يمكن أن نصنفها بالعلمانية. لكن هذه التجارب لم تصل إلى درجة الوعي الواضح بذاتيتها، ولم تلق في يوم من الأيام لها تنظيرا.
    إن الإشكال النظري الذي طرحته مسألة إعادة إنتاج نموذج "تجربة مكة والمدينة" لم يُحل أبدا في تاريخ الإسلام بالشكل المشروع ومن وجهة نظر ثيولجية. هذا ما يدعو إلى التأكيد بأن السلطة على مدار التاريخ الإسلامي كله كانت سلطة زمنية مضبوطة أو "موجهة" من قبل السيادة الدينية. هذه حقيقة مهمة جدا عكس التصورات الكبرى التي رسخت في أذهان الجماعات الإسلامية،(19) وخصوصا أحزاب الإسلام السياسي وفي مقدمتها الأخوان المسلمون الذين يعدون العودة إلى الخلافة الإسلامية هدفهم الأسمى. 
    كانت الدولة الإسلامية في البداية تبحث عن تسويغ ديني. هذا لا شك فيه، لكن في الواقع، أن تلك الدولة هي في الأساس علمانية بحسب تعبير أركون، أهم هذه الأمثلة تلك الرسالة المتعلقة بإنشاء الدولة وبنيانها والتي كتبها ابن المقفع عام 750 م. ورسالته هذه ليست إلا استلهاما لتنظيم الدولة الساسانية التي وجدت قبل الإسلام بزمن بعيد. وفي الواقع، فالدولة العباسية المؤسسة عام 750 م ليست إلا صورة منسوخة عن بنية الدولة الساسانية.
    يحدد ابن المقفع في هذه الرسالة بنى الدولة ومؤسساتها، أي بنى الدولة العباسية وذلك دون الرجوع إلى الدين. يتناول الكاتب قضايا محسوسة ومادية تماما مثل أسلوب حكم سوريا والعراق، وكيفية إعادة الأمن إليهما، وقد نتج عن ذلك قرارات تخص الجيش والشرطة والقضاء. إن ابن المقفع يشرح ذلك بكلمات وتعابير وضعية تماما ودون الاستعانة بالفكرة الوهمية للقانون الإسلامي. إننا هنا بإزاء وثيقة تاريخية لا تُدحض تبين كيفية نشوء الدولة الجديدة التي واجهت مشاكل عديدة خاصة بأية دولة جديدة. حدث هذا ضمن منظور علماني بحت(20) بحسب الباحث نفسه الذي يرى أن الإسلام يقبل العلمانية.
     وفي هذا السياق يشير سمير أمين في مناقشته لـ "الطوبى العلمانية والطوبى الإسلامية"، إلى أنه قد تبلور في تاريخ الإسلام اندماج السلطة والدين، وكذلك تأويل جديد للإسلام يجعله أيديولوجيا دنيوية إلى جانب كونه عقيدة دينية. وعلى ضوء هذا الواقع أقيمت مؤسسة دينية شبيهة إلى حد كبير بمؤسسة الكنيسة، مكونة من علماء وفقهاء ورجال دين بأشكالهم المختلفة. إلا أن هذه المؤسسة نبعت مباشرة من السلطة عينها. فيعود المزج بين الدين والدولة إلى هذه العصور، لا إلى ما سبقها من تاريخ الإسلام.(21) وهذه الرؤية تنفي ما يروج له الكتاب الإسلاميون بأن تاريخ الإسلام لم يعرف مؤسسة دينية شبيهة بالكنيسة، ولذلك لم تظهر العلمانية في المجتمعات الإسلامية كما ظهرت في الغرب لأن هذه المجتمعات ليست بحاجة لها.
     ويذكر رجل الدين المتنور أحمد القبانجي بأنه لا بد من استحضار العلمانية ومقولة فصل الدين عن السياسة والاعتقاد بأن الحكومة بشرية وزمنية، وأن الدين ليس من شأنه التدخل فيما هو دنيوي لأن الأمور الدنيوية من الاقتصاد والسياسة تعود للبشر بما هم بشر عقلاء يتحركون في دائرة إشباع رغباتهم وحاجاتهم الدنيوية بأدوات العقل والعلم بدون الحاجة إلى الاستمداد من الدين والوحي.
    وليس فقط أن الإنسان المعاصر لا يحتاج إلى تعليمات الدين والشريعة في إطار التقنين والتشريع، بل إن ذلك غير ممكن إطلاقا، لأن الدين يتضمن أمورا ثابتة ويهتم بحاجات الناس المشتركة والفطرية والتي ترتفع فوق الزمان والمكان، في حين أن حاجات الإنسان الدنيوية وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية - التي تُسن القوانين على ضوئها- متغيرة باستمرار وداخلة ضمن الزمان والمكان. ولهذا لا بد من الاعتماد على أدوات العقل والعلم في تشخيص هذه الحاجات والعمل على مواجهة المشكلات ومعالجة المتغيرات بروح متحركة تنطلق من دراسة الواقع المتغير وحاجات الفرد والمجتمع الدنيوية، وصياغة قوانين ومقررات تتواءم مع هذه الحاجات وتنسجم مع هذه المتغيرات في حركة الحياة(22) المتجددة دائما خصوصا في ظل تسارع التطورات العلمية والتكنولوجية العاصفة مقارنة بحالة الركود التي كانت تعيشها المجتمعات الإنسانية في السابق.
    نرى الجماعات الإسلامية الأصولية ترفض العلمانية وتعدها انحرافا وكفرا عن صحيح العقيدة الإسلامية، وأنها لا يمكن أن تنسجم مع البنية الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية للمجتمعات العربية والإسلامية، على اعتبار أن منشأ العلمانية غربي، وكأن الحضارات في تاريخها لم تعرف الأخذ والعطاء والتلاقح الثقافي المثمر. وهو ما تؤكد عليه هذه الجماعات ذاتها وتتفاخر به باستمرار بأن الحضارة الأوروبية أخذت الكثير من الحضارة العربية الإسلامية. فإذا كانت هذه الحضارة قد أعطت فلماذا لا يمكن لها أن تأخذ؟ إذا افترضنا أن العلمانية خاصية غربية وهذا ما لا يتفق حوله جميع الباحثين، إن محاججة هذه الجماعات ضد العقل والمنطق والتاريخ.
     فيما يخص إدعاء الجماعات الإسلامية أن العلمانية في الغرب مقرونة بالإلحاد، نورد هنا مثالا من بريطانيا التي يُعتقد في كثير من الأحيان أنها واحدة من البلدان الأكثر علمانية في أوروبا الغربية، لكن يُظهر الإحصاء السكاني الذي أجرته الحكومة عام 2001، أن 72% من السكان يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون، بل في بعض المناطق، مثل شمال شرق وشمال غرب انكلترا، هذه النسبة ترتفع إلى 80% و78% على التوالي. على العكس من ذلك، يذكر 15,5% بأن لا دين لهم. وأظهرت دراسة في 1999-2000 صورة مشابهة لهذه المعطيات على مستوى أوروبا.(23)
     نرى باستثناء التبرير التاريخي المباشر الذي يعلل فيه السلفيون موقفهم من الغرب، لا نجد في نصوصهم أي محاولة في تأسيس موقف نظري نقدي من فلسفة التنوير في أوروبا، وغالبا ما كان يتم في نصوصهم هجاء هذه الفلسفة، أكثر من نقدها بأساليب النقد الفلسفي والمناظرة العقلية، وهذه مسألة واضحة في نصوص جمال الدين الأفغاني وسيد قطب(24) وغيرهم من أقطاب المفكرين الإسلاميين.     
     إن هذه الجماعات تنطلق من نظرة سكونية إلى بنية المجتمع وكأنها بنية ثابتة على الدوام، ولا يمكن لها أن تتغير على الرغم من التطورات الهائلة التي شهدها العالم في المجالات الفكرية والعلمية والتكنولوجية والتي لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى بمنأى عنها.
     تفترض المقاربة التجريبية استمرار سير المجتمع طبقا للقواعد الجارية من اللحظة المدروسة. إلا أن التاريخ يثبت عدم ثبات تلك القواعد التي تحكم المجتمع. فما كان يبدو "طوباويا" في عصر، ومتناقضا تماما مع قواعد سير المجتمع وبالتالي مستحيل الإنجاز، يصبح ممكنا في عصر تال. فمثلا: إذا كان أحد قد تقدم باقتراح العمل طبقا لمبدأ الحرية الفردية والانتخاب من أجل اختيار مؤسسة الحكم في القرن الثالث عشر في أوروبا أو الشرق الإسلامي أو الصين لكان هذا الاقتراح قد وسم بطابع طوباوي أكيد، وغير واقعي، بل متناقض مع "طبيعة البشر"... الخ. بيد أن العمل حسب هذه القواعد قد أصبح الآن طبيعيا!(25) بل أكثر من ذلك، أن الأحزاب الإسلامية سنية كانت أم شيعية التي كانت ترفض الديمقراطية كنظام حكم اضطرت إلى إدخالها في برامجها السياسية منذ التسعينات من القرن الماضي، ووصل بعضها إلى السلطة في بعض البلدان العربية عن طريق آليات ديمقراطية غربيةّ خصوصا الانتخابات! ولكنها ظلت تنظر إلى الديمقراطية كآليات فقط للوصول إلى السلطة وترفض فلسفتها في مجمل نواحي الحياة.
    في الواقع، هناك عوامل كثيرة تقف وراء تراجع العلمانية في العلم العربي، إلا أن هناك عاملا مهما ساعد على إحداث هذا التراجع يعود إلى أن الفكر العلماني لم يظهر في سياق أو أعقاب حركة فكرية فلسفية نقدية شاملة، حركة أعملت أدواتها النقدية في شتى المجالات، في القيم والدين والسياسة والاجتماع؛ وحاولت أن تصل إلى فهم أعمق للقضايا المختلفة التي ترتبط بهذه المجالات، وأن تستشف العناصر المكونة لطبيعة القيم والدين والسياسة. باختصار، إن العلمانية ظهرت في ظل شروط لم تساعد على ربط فهمنا لها بفهم متطور لطبيعة السياسة والاجتماع وما يتصل بهما(26) من علاقات متبادلة التأثير.
     إذن نحن بحاجة إلى العلمنة التي تعتمد مبدأ النقد، وتشكل رغبة في تعقل شروط السلطة، مع توجه عام يتوخى تأسيس المجال السياسي كمجال معرفي مستقل عن الافتراضات الإيمانية الغيبية، تعتبر مطلبا سياسيا تاريخيا ملحا بالنسبة إلى واقع صراعات السلطة في العالم العربي. أما الوعي بدلالتها الفلسفية والتاريخية فإنه يدعم المسعى للديمقراطية، ويساهم في تأصيل معاني الديمقراطية بالتفكير في طبيعة الدولة، أسسها ومقوماتها، من أجل أن نتمكن من بناء فلسفة سياسية تفهم وتعقل المجال السياسي في واقعنا، وهو ما يعني نفي المفارقات التي يكرسها الفكر السياسي العربي بإغفاله مبدأ مقاربة القضايا السياسية في جذورها وضمن شروطها الخاصة والعامة.(27)
   أخيرا هل نحن في العراق بحاجة للعلمانية؟ نعم بما أن مشروعنا الوطني الديمقراطي يتمثل ببناء دولة مدنية ديمقراطية، الدولة التي تعلي من قيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية وتحفظ للدين مكانته وتبعده عن التلوث بأدران المصالح الحزبية والفئوية والشخصية الضيقة. هذه الدولة لا يمكن لها أن تقوم بمهامها هذه بفعالية إذا لم تتبن العلمانية التي هي تجربة إنسانية قابلة للتطور والتكيف والإغناء.
الهوامش
1-   ذكر ذلك أيضا الباحث فالح عبد الجبار في إحدى المقابلات التلفزيونية.
2-   راجع رفيق عبد السلام، في العلمانية والدين والديمقراطية: المفاهيم والسياقات، ط 1، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2008، ص 20.
3-   راجع كمال عبد اللطيف، التفكير في العلمانية... إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي، ط 1، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2007، ص 54.
4-   راجع عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص407-408.
5-   Graeme Smith, A Short History of Secularism, London|New York: I. B. Tauirs, 2008, pp. 45-46.
6-   Graeme, p. 49.
7-   Graeme, pp. 1-6.
8-   راجع برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، ط 5، الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 2011، ص 332.
9-   Graeme, p. 42.
10-   عبد السلام، ص 23-26.
11-   عبد السلام، ص 67-68.
12-   غليون، ص 332.
13-   غليون، ص 326.
14-   غليون، ص 328-329.
15-   عبد السلام، ص 67-68.
16-   Azzam Tamimi, Islam and Secularism in the Middle East, London: Hurst and Company, 2000, p. 17.
17-   عبد اللطيف، ص 27.
18-   عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، ط 1، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015، ص 54-55.
19-   راجع محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط 3، بيروت: مركز الإنماء القومي، المركز الثقافي العربي، 1998، ص 280-281.
20-   أركون، ص 295-296.
21-   سمير أمين وبرهان غليون، حوار الدولة والدين، ط 1، الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996، ص 101-102.
22-   راجع أحمد القبانجي، الإسلام المدني، ط 1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2009، ص 25-26.
23-   Graeme, pp. 1-6.
24-   عبد اللطيف، ص 31.
25-   أمين وغليون، ص 84-85.
26-   عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، ط 2، بيروت: دار الساقي، 1998، ص 6.
27-   عبد اللطيف، ص 93-94.



29
الدولة المدنية الديمقراطية بديل الدولة الفاشلة*
  د. هاشم نعمة
         يحتدم الصراع على أشده سلما وعنفا في العراق بين الأحزاب والقوى والكتل المتنفذة منذ سقوط النظام عام 2003 على شكل بناء الدولة، وتخلط المفاهيم والمسميات عن هذا الشكل عن قصد أو بدونه، وقد ساهمت في ذلك طريقة تغيير النظام بواسطة الاحتلال، حيث افتقد هذا التغيير للمشروع الوطني الديمقراطي، وكذلك ضبابية بعض مواد الدستور الذي أقر عام 2005، والثغرات التي تضمنها، لذلك تحاول كل جهة تفسير مواقفها تجاه هذه القضية الأساسية بناءً على مرجعياتها الفكرية والسياسية ومنحدراتها الطبقية والاجتماعية. هذه المقالة مساهمة لتسليط الضوء على بعض المفاهيم النظرية المتعلقة بالدولة وعلاقتها بالمجتمع في البلدان النامية، ومعاينة الدولة الفاشلة من حيث المفهوم والمقررات، وتفحص بعض مقومات الدولة المدنية الديمقراطية لإنتاج نوع من المقارنة بين الدولتين، لتأكيد أن خيار الدولة المدنية هو الممكن والوحيد لإنقاذ الدولة العراقية من الانحدار أكثر في صنف الدولة الفاشلة التي تنطبق الكثير من مميزاتها عليها حاليا.       
                                       مفاهيم نظرية
     انطلق جويل مغدال عند مقاربة الدولة والمجتمع في كتاباته من تساؤل عن عجز الدول النامية عن تحقيق تطلعات شعوبها بعد الاستقلال، فتوصل إلى أن قدرة الدولة على الضبط الاجتماعي، وفرض السياسات على القيادات المجتمعية التقليدية تدعم قوتها في مواجهة المجتمع، مقابل ما يفرضه واقع ضعف الدولة من اعتماد سياسات هدفها البقاء والحفاظ على الوضع الراهن. وأكد في مراجعته للنظرية أن الدولة ليست ذلك الكيان الهيراركي الموحد، وإنما تتضمن عناصر للقوة تتكامل بهدف التحكم في القوى الاجتماعية التقليدية التي تتحدى سلطتها. وبالتالي، تتبع الدولة سياسات إدماجية أو إقصائية بهدف مواجهة هذه التكوينات الاجتماعية، وضبط حركتها. ويرتبط عدم الاستقرار لدى مغدال باختلال علاقات القوة بين الدولة والتكوينات الأولية في المجتمع، في إطار الدولة الضعيفة والمجتمع القوي، حيث تخفق الدولة في تحقيق الضبط الاجتماعي، وتقع في علاقات صراعية مع المجتمع الذي يبدأ في تشكيل مؤسسات موازية للدولة، لملء مساحات الفراغ الناجمة عن ضعف الدولة، فتحاول هذه تعويض ضعفها بممارسات تعسفية.

     هناك نموذج الدولة الفاشلة في الدول النامية، وتعزى التسمية إلى خصائص هذه الدول، ومنها: المالك|العامل، ويقصد بها الانقسامات الطبقية التي تم التعبير سياسيا عنها بتأسيس الأحزاب العمالية والاشتراكية. إلا أن هذه الانقسامات اكتسبت زخما متصاعدا عقب نهاية الحرب الباردة بانتشار الفقر عالميا. ويترتب على ذلك أن المجتمعات في الدول النامية تتسم بانقسامات اجتماعية متقاطعة ومتداخلة، لأنها تتصف بالتعددية المعقدة ذات الأبعاد الإثنية، والطائفية، والدينية، واللغوية، الأمر الذي أدى إلى إخفاق سياسات الصهر التي اتبعتها النظم الحاكمة، بعد الاستقلال لتحييد آثار التعددية، وإلى إخفاق وظيفة الاندماج الاجتماعي(1).  ويتجلى هذا بوضوح في بعض البلدان العربية التي تشهد نزاعات إثنية ودينية وطائفية مدمرة.

     تستهدف القوى الساعية إلى التفكيك نقل الصراع في داخل النظام الواحد؛ فإحياء الهويات العرقية يعجل في زوال الدولة الوطنية لتغليب الكيانات الإثنية المتعددة، ولا يدور الصراع غالبا بين القوى الإثنية في شأن خلافات حضارية أو رؤى حداثية، بقدر ما يكون للاستئثار بسلطة الدولة. وربما يبدو نقل الصراع إلى داخل الدول بعد تفكيكها أمرا ممكنا، وأداته إذكاء العوامل الكامنة لإحداث التناقضات المجتمعية المحلية، باعتبار أن نشوء بعض هذه البلدان ومجتمعاتها لم يكن قائما على الأسس التقليدية الراسخة في بناء الدول ومجتمعاتها، الأمر الذي أضعف ترابط نسيجها الاجتماعي وتوازناتها المجتمعية، ونقع في بعض هذه البلدان على تباينات قومية أو عرقية أو دينية أو طائفية. وعند سيادة حكم الأغلبية الإثنية، الذي ربما يرافقه إقصاء الآخر، لا تُعد هذه السياسات حلا لنظام الحكم، بقدر ما تزيد المشكلة تعقيدا بفعل تنامي سيطرة أحد هذه التكوينات على نظام الحكم والمجتمع المدني، وغالبا ما تقود هذه السيطرة إلى إحدى حالات الاستبداد(2) والتي سادت في الكثير من البلدان النامية ومنها البلدان العربية.

    تعكس البنية الاجتماعية، أكثر أو أقل، الملامح المميزة للبنية الاقتصادية. ولأن الاقتصاد في الدول النامية يتميز بالطابع الثنائي، أي التعايش الغريب أو الشاذ بين أسلوب الإنتاج ما قبل الرأسمالي وأسلوب الإنتاج الرأسمالي، تكون بنية المجتمع غير متجانسة بشدة. فالقطاعان الاقتصاديان المتناقضان مع مميزاتهما المختلفة بدرجة كبيرة هما، القطاع ما قبل الرأسمالي والقطاع الرأسمالي، يمثلان قطبين متعارضين مع ممارستهما قوة الجذب والطرد فيما بينهما، فيؤدي هذا إلى وجود أصناف لا تحصى من التكوينات الاجتماعية.
    يتناقض ذلك كله على ما يبدو، لكن في الواقع يتوافق مع قلة الوضوح في الحدود الطبقية، وبالتالي تخلف الوعي الطبقي أيضا. في الواقع، سيكون من الخطأ الاستنتاج أن بقاء عدد كبير من مكونات المجتمع ما قبل الرأسمالي، أو حتى من حصتها الكبيرة نسبيا في المجتمع ككل، يجعلنا أمام صنف من المجتمعات غير المتمايزة، وبأنها أكثر تجانسا من المجتمعات المتقدمة. فتعايش القطاعين يشير إلى درجة لا تضاهى من عدم التجانس مقارنة بتاريخ المجتمعات الأوروبية، بمعنى أن القطاع ما قبل الرأسمالي الذي تجسد في قرون من التخلف تمكن من البقاء في قطاعات كبيرة من المجتمع، بينما في المجتمعات الغربية المتقدمة ظهرت المكونات الحديثة أو بالأحرى الجديدة والأكثر تقدما إلى حيز الوجود، بشكل معتاد من داخل المجتمع، من خلال التحول التدريجي للمجتمع، حيث اصطدمت أولا بالمكونات القديمة كلها التي ما زالت مسيطرة ( ليس متفوقة في العدد فحسب بل في السلطة كذلك) قبل أن تتمكن من الوصول إلى السلطة. هذه السلطة تأكد ثباتها بعدما نمت القوى الجديدة، نتيجة تعمق المزيد من التحولات في بنية المجتمع. فكان نشوء "القطاع الاجتماعي الحديث" ووصوله إلى السلطة مرتبطين ارتباطا وثيقا بتحول القطاع "التقليدي"، ومن ثم  أصبح القطاع "الحديث" مهيمنا وله اليد الطولى(3)، أي أن هذه العملية نجمت عن تراكمات موضوعية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.               
    إذن، ظهرت في الدول النامية عناصر المجتمع الحديث إلى حيز الوجود، كقاعدة عامة، لا من التطور الذاتي الداخلي للمجتمع بواسطة الانفصال التدريجي عن المجتمع القديم، بل مثل الأشكال الرأسمالية الجديدة للاقتصاد، فرضت من الخارج، من دون أن تكون لها أي علاقة عضوية سابقة، نشأت في مفاصل بنية المجتمع القديم بعيدا عن تدخل البيئة الخارجية. إن اختراق الرأسمالية الأجنبية، الذي أخذ طريقه عموما من خلال أوضاع العدوان الاستعماري، عوق التطور الطبيعي والتحول للمجتمعات الأصلية، جاعلا من المتعذر قطعا أن تأخذ هذه العملية مجراها وتتطور بوتيرة تقررها القوانين الداخلية وتطورها(4)، وهذا ينطبق بدرجة غير قليلة على موضوع بحثنا.
    هناك فرضية مضمونها أن في الاقتصاد الريعي لن يكون في الإمكان بناء أي تجربة ديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه عالميا، فالتناقضات بين الديمقراطية والاقتصاد الريعي تناقضات بنيوية وليست عابرة لأنها تتعلق ببنية الدولة الريعية وطبيعتها التي لا تولد المقومات لبناء الديمقراطية. فقد بينت التجربة التاريخية أن الاقتصاد الريعي يؤدي إلى تراجع تدريجي للاقتصاد الإنتاجي الزراعي والصناعي، وإلى تدني أهمية العمال الزراعيين والصناعيين الأمر الذي يفضي موضوعيا إلى ضعف القوى الاجتماعية المساندة لاستراتيجية التنمية والتقدم الاجتماعي(5)، ومن ثم ضعف القوى المساندة لبناء دولة مدنية ديمقراطية.     
    بعد المنعطفات السياسية التي ينجم عنها تغير النظام السياسي فإن ارتفاع مستوى التغيير الاجتماعي يفضي إلى توليد مطالب ومهام جديدة، غالبا ما لا تتناسب مع إمكانيات النظم الجديدة، مما يتسبب في إحداث مشاكل الاندماج التي تكون شديدة الحدة قد تصل إلى درجة المواجهات المسلحة. يبقي مثل هذا الوضع المجتمعات مجرد رعايا لا تشارك بشكل حقيقي في العملية السياسية، لا سيما في ظل ضعف مؤسسات الدولة، الأمر الذي يشكل تربة خصبة للعودة إلى الانتماءات الأضيق، وتكريس العزلة، وتبلور الاستقطاب، وتلاشي الطابع التعددي لصالح الأحادية، ومن ثم تحفيز العنف(6)، لذلك قد تواجه تلك المجتمعات خرائط إثنية، ودينية، وقبلية جديدة. وهذا ينطبق بدرجة غير قليلة على الوضع في العراق نتيجة غياب المشروع الوطني الديمقراطي لبناء الدولة بعد تغيير النظام الاستبدادي.         
                                   مفهوم الدولة الفاشلة
    بدأ استخدام مصطلح الدولة الفاشلة أكاديميا في التسعينيات من القرن الماضي، بالتعريف الذي قدمه (هيلمان) و(رانتر) عام 1993 للتعبير عن فشل الدولة، وذلك بعجزها عن القيام بوظائفها على مستويات مختلفة. ووفقا لهذا التعريف، صنف الباحثان الدولة الفاشلة إلى ثلاث مجموعات؛ تضم الأولى دولا انهارت فيها المؤسسات الحكومية بالفعل (مثل الصومال). ومجموعة ثانية تشهد حالة من الصراع الداخلي الحاد (مثل إثيوبيا). ومجموعة ثالثة تفتقر إلى القدرة على الإدارة الكفوءة للدولة، وتحديدا الجمهوريات الناتجة عن تفكك الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا. وقد أثار هذا التعريف حالة من الجدل الأكاديمي حول المفهوم، وهل الفروق بين تلك المجموعات الثلاث تتيح وضعها جميعا في إطار تصنيف واحد، أم أنه يمكن تصنيفها بأنها دول ضعيفة أو هشة، أو فاشلة أو غير ذلك من الاجتهادات التي جعلت المفهوم أكثر غموضا عند أول ظهور له؟
    هناك العديد من التعريفات للدولة الفاشلة لا يتسع لمجال لذكرها جميعا هنا، يمكن من خلالها استخلاص الخصائص الأساسية للدولة التي يمكن أن توصف بالفشل وهي: وجود تحديات داخلية حادة تهدد بقاء الدولة ذاتها، أو بقاء نظامها السياسي؛ وجود حالة من العنف السياسي الشامل، أو صراع مسلح لا تتمكن الحكومة من احتوائه؛ وجود عجز في مؤسسات الدولة للقيام بوظائف الحكم، أو عجزها عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين، مثل النظام، والأمن، والسلام، والاستقرار... إلخ؛ وجود تشكك في قدرة النظام الحاكم على تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية. ولكن هذا لا يعني خلو هذا المفهوم من الإشكاليات(7). مع ملاحظة أن معظم هذه الخصائص إن لم تكن جميعها على الرغم من الإشكاليات المثارة بصددها تنطبق على حالة الدولة العراقية حاليا.
                                   مقررات فشل الدولة
     إن تعدد وتقاطع الهويات الفرعية في المجتمع، وإخفاق الدولة في أداء وظائفها بإدارة التعددية، لا سيما مع فشل نماذج الصهر الاجتماعي، يؤديان لفقدان ثقة المواطن في الدولة، وارتكانه لهوية جماعته الفرعية العرقية، أو المذهبية، أو الدينية، بما يؤدي لشيوع التعارض في المصالح المولد للعنف. وتتصاعد حدة هذه المعضلة مع تلاشي الولاء للدولة والمواطنة، وتصاعد الولاءات القومية، والدينية، والمذهبية، والقبلية كتعويض عن الولاء للوطن، وكإطار للحفاظ على وجود المواطن وأمنه، بما يؤدي لتفكيك المجتمع لوحدات متناحرة تتقاتل على تقسيم مناطق النفوذ، والسلطة والثروة.
    ويتمثل البعد الأكثر خطورة في معادلة العنف الهوياتي في ضعف الدولة، وتصاعد أوجه الخلل الهيكلي في أدائها لوظائفها، أو انحيازها لصالح أحد الفرقاء المتصارعين، بحيث تتورط في دوامة العنف الهوياتي كأحد أطرافه، بما يفقدها رأسمالها السياسي القائم على الحياد المفترض في إدارة الصراعات المجتمعية.
   ويرى (أمارتيا صن) أن الهوية الجماعية تقود إلى العنف فقط عندما تقترن برؤية منفردة بامتلاك الحقيقية المطلقة، والرؤية المتعالية للذات مقابل الأخر، بينما تتوارى الانتماءات الإنسانية المتعددة على اتساعها في خضم تلك الرؤية الأحادية. كما أن اختزال الهوية في البعد العقائدي القائم على الانغلاق على الذات يؤدي لتهيئة المجال لتأجيج العنف عل أساس الهوية(8)، كأن تكون قومية أو دينية أو طائفية أو مناطقية، وهذا ما نلاحظه في العراق خصوصا بعد سقوط النظام السابق.   
     إن تفكيك الدولة سيواجه بحالة هلامية الدولة، حيث يصعب معها بناء نظام سياسي، ولا سيما في حالة غياب البنى المؤسسية، وتزداد هذه الحالة تعقيدا عندما يكون بناء ذلك النظام من خارج الدولة وليس من داخلها. بمعنى آخر، أن دخول متغيرات خارجية (الرأسمالية الجديدة) بالمساهمة في تفكيكك الدولة في إحدى مراحل تاريخ بنائها كما في العراق، ليس بالضرورة أن يكون بمقدور تلك القوى إعادتها وفقا لغايات رأسمالية حداثية، كما تشير خطاباتها المعلنة؛ إذ تعطي هذه الخطابات أحيانا دلالات خاطئة (مضللة) حول مسألة الحرية والديمقراطية وسيادة مفاهيم الدولة الحديثة، إنما الأكثر احتمالا في حالة غياب مفهوم الدولة ومؤسساتها هو سيادة حالة عدم التوازن في المتضمنات الرئيسة لمكون الدولة في المدى المنظور في أقل تقدير(9). وهذا ما تمر به الدولة العراقية نتيجة افتقاد الكتل السياسية المتنفذة رؤية حداثية لبناء دولة المؤسسات دولة المواطنة الحقة بكل متضمناتها الدستورية والقانونية.     
    أدت محاولات فرض الديمقراطية عن طريق لاحتلال في العراق إلى تعقيدات لا نهاية لها. فعملية التحول الديمقراطي لها معطياتها وشروطها الداخلية التي يتعين توفيرها وإنضاجها، وهو ما يستغرق فترة زمنية طويلة نسبيا، خاصة في دولة مثل العراق تتسم بتنوع بنيتها العرقية والدينية والطائفية من ناحية، وطول فترة التسلط والاستبداد فيها من ناحية أخرى. كما أن مجرد الإطاحة بنظام متسلط في المنطقة لا يعني النجاح التلقائي في إحداث التحول الديمقراطي، حيث إن أحد العوامل الحاسمة في هذا السياق هو مدى نجاح قوة التدخل في إعادة بناء وهيكلة مؤسسات الدولة ووضع البنية الأساسية للتحول الديمقراطي، وهو أمر تحكمه اعتبارات عديدة، في مقدمتها الأوضاع الداخلية في العراق(10) وأهداف وغايات المحتل الأساسية وهنا ينطبق الأمر خصوصا على الولايات المتحدة الأمريكية.
   على الرغم من كثرة الحديث عن إعادة الأعمار في العراق، إلا أن ما تحقق على أرض الواقع محدود ومتواضع بكل المقاييس. وإذا كان هذا الأمر يمكن تفسيره في ضوء الأوضاع الأمنية، إلا أنه لا ينفي حقيقة أن هناك مشكلات ارتبطت بعملية إعادة الأعمار ذاتها، وبخاصة ما يتعلق بخطط إعادة الأعمار، وعمليات تمويلها وإدارتها، ناهيك عن حجم الفساد المرتبط بهذه العملية. وهذه الأوضاع خلفت مشكلات وتحديات جديدة تعقد بكل تأكيد عملية بناء مؤسسات ديمقراطية(11) فاعلة ومعبرة شرعيا أصدق تعبير عن توجهات وطموحات وأماني المجتمع العراقي الذي عانى لعقود من تسلط الأنظمة المستبدة.
    فيما يخص حنين قوى الإسلام السياسي للخلافة بحسب برهان غليون، فقد ساهم ارتباط الدولة العربية بالتبعية والخوف وعدم الاستقرار، فما كان لهذه الدولة، كما تجسدت بالفعل، أي كدولة القهر والحزب الواحد والإحباط، أي دولة نفي الحرية وتجديد مفاهيم التمييز والاستعباد، أن تقضي على ذكرى الإمبراطورية العربية الإسلامية القديمة. ولكنها عملت بالعكس على إحيائها وإضفاء طابع أكثر مثالية عليها بقدر ما كانت الدولة الوطنية تظهر العجز المزدوج عن شروط الاندماج الحقيقي في الحضارة(12) الإنسانية والحداثة سياسيا واجتماعيا وثقافيا وحل مشاكل الأمن الداخلي والخارجي والرد على العدوان بأشكاله المختلفة.
    ومن نافلة القول إن بناء شرعية السلطة على الدين، يضع المجال السياسي خارج أي نوع من أنواع التعاقد الذي يقوم عليه قوام الدولة الحديثة، ويقضي -حكما- بإخضاعه إلى فئة تستأثر به دون غيرها بحجة إنفرادها بهذا الحق الديني. وإذا كان الأمر يتعلق هنا بنظم سياسية معدودة فهو يتعلق أيضا بفريق كبير من المعارضة السياسية يكاد برنامجه يُختصر في شعار بناء الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. وهكذا، إذا كانت السلطة الثيوقراطية تصنع عوائق في وجه أي انتقال ديمقراطي باسم الدين، فإن بعضا من المعارضة يساعدها في تغذية تلك العوائق وإعادة إنتاجها للسبب نفسه! وفي الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو إمكانية تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي يكون محط توافق(13)على المستوى السياسي والاقتصادي الاجتماعي من قبل جميع القوى والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
    تثير إشكالية القطيعة والتواصل بين الدولة الحديثة في العراق والبنية العشائرية جدلا فكريا قبل أن يكون بحثا اجتماعيا. فقد استمرت روح العشيرة في العراق في التحكم نسبيا في العلاقات الاجتماعية بما هو خارج حدود المدن الرئيسة، وصمدت باعتبارها رابطة تضامنية، وتعززت في الظروف السياسية التي شهدها العراق بعد عام 1980 باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، وبشكل خاص حرب عام 1991 التي نتجت عن غزو الكويت، حيث تداعى الأمن وتقلصت سيطرة الدولة لتنكفئ في بغداد وبعض مراكز المدن، فعادت الدولة لترعى شيوخ العشائر ووجوهها البارزة ولتبعث تضامن القبيلة باعتبارها رابطة لها وظيفة اجتماعية وقيمية في الدفاع عن المخاطر الخارجية والداخلية. وبعد عام 1991، أعيد تشكيل ثقافة الانتساب القبلي والبحث عن الأصول والأنساب، وإعطاء أدوار محددة لرؤساء القبائل، داخل البنية العشائرية في قضايا تتعلق بفض المنازعات والخلافات المحلية، وتشجيع قيادات شابة جديدة في أن تأخذ دورها داخل النسق الاجتماعي(14). وهذا ينطبق على ما أطلق عليه الباحث العراقي كريم حمزة بـ "تخادم الدولة والمشيخة"(15). وقد تعزز هذا الاتجاه أكثر بعد تغيير النظام عام 2003 وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة أو تراجع دورها وضعف الأمن والاستقرار مما أدى إلى الاحتماء بالعشيرة للمحافظة على الوجود. وقد عززت الكتل السياسية المتنفذة هذا التوجه من خلال استثمار العلاقات العشائرية وتوظيفها سياسيا للفوز في الانتخابات المحلية والبرلمانية من خلال شراء الأصوات بشكل يكاد يكون علنيا.   
   قد تحجم فئات مجتمعية عن المشاركة في الحياة العامة مثل الشباب، أو تواجه عقبات تحد من مشاركتها مثل المرأة. وفي كلتا الحالتين يصبح من الصعوبة إفراز كوادر قيادية، فمشاركة الشباب والمرأة هي جزء لا يتجزأ من تأهيلهم لتحمل مسؤولية قيادة مجتمعاتهم. ومن الملاحظ في البلدان العربية ضعف دور الشباب وعزوفه عن المشاركة، حيث أدى الميراث السياسي إلى غياب الاندفاع للمشاركة، وهي مشكلة لا تقتصر على تولي المناصب الرسمية أو المشاركة في الحياة السياسية فحسب، بل تتعدى ذلك إلى البعد عن ممارسة العمل التطوعي، إيمانا منهم بأن معايير الولاء تسمو على معايير الكفاءة والأداء، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى غياب النخب الشابة عن المؤسسات السياسية والمجتمعية، أو تسطيح فكر هذه النخب في حالة انضمامها إلى أي إطار مؤسسي. وينطبق المنطق ذاته على المرأة التي لا تزال تناضل من أجل الحصول على حقوقها، حيث لا تزال الثقافة العربية تحتوي في أجزاء منها على مثبطات للإبداع(16) مرتكنة إلى مرجعيات دينية وتقليدية ومناطقية والتي تقلص في النهاية من مساحة مشاركة المرأة بشكل فاعل اجتماعيا وسياسيا حتى لو اعتلت مناصبَ عليا تشريعية وتنفيذية في مؤسسات الدولة، ومثال العراق واضح في هذا المجال حيث يتعامل معظم الكتل السياسية المتنفذة وخصوصا الإسلامية منها مع دور المرأة لملء المناصب المتولدة عن نظام الكوتا.
                                 في مقومات الدولة المدنية
    لعل التوجهات الأساسية للفكر الغربي ابتداء من القرن السابع عشر (لوك، هوبز، كانت، سبينوزا، روسو، فيخته، ... إلخ) كانت تصب في التفكير في كيفية نزع الطابع المطلق عن السياسة وفصل اللاهوتي عن السياسي حتى لا يتدثر ويتعلل به، ثم في كيفية ربط السياسة وقضايا المجتمع بمبدأ التعاقد (لا بمبدأ الاستلهام العلوي) وإدراج القضايا السياسية في نطاق التشريع والقانون أو الانتقال من المنظور اللاهوتي السياسي إلى المنظور التشريعي القانوني، وبالتالي تحويل المشروعية الثقافية من الأعلى إلى الأسفل ومن السماء إلى الأرض، أي إلى التاريخ الحي وربطها بالشرعية التمثيلية والقانونية والمواطنة وسيادة الشعب(17). وقد ساهم ماركس مساهمة كبرى في هذا الميدان، لكن منهجه في التحليل استند إلى المادية التاريخية وليس إلى التصورات المثالية. ولم تمر هذه الأفكار من دون مقاومة شديدة من قبل الكنيسة والشرائح المحافظة، ولكن في النهاية انتصرت هذه الأفكار بعد أن جرت غربلة التراث الديني ونقده بمنهج تاريخي، أي نزع الطابع المقدس عنه ومن ثم تحييد الدين عن السياسة. وقد مثل هذا نقلة نوعية كبرى ساهمت في إرساء أسس الدولة المدنية والتي احتاجت إلى وقت طويل كي تترسخ في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية. 
    والدليل على ذلك فقد استغرق ترسيخ مبادئ الديمقراطية والحرية في بريطانيا والولايات المتحدة فترة طويلة قبل إنشاء المؤسسات الديمقراطية. وتوضح دراسة التاريخ الأمريكي أن مائة وخمسون عاما من البناء البطيء لمؤسسات ديمقراطية محلية في المستعمرات الثلاث عشرة قد سبقت صياغة دستور شبه ديمقراطي. ومر قرن وربع قرن أخرى قبل أن يتم تحقيق ما يمكن أن يطلق عليه "ديمقراطية كاملة". وطوال هذه الفترة كانت الديمقراطية للأقلية من البيض الذكور الذين كانوا يتمتعون بحق المواطنة(18)، أي كان هناك تمييز مؤسساتي جنسي على مستوى البيض وعنصري ضد المواطنين السود والملونين.
   إن ما نشاهده من مرجعية ليبرالية عقائدية، ومنها الحريات الفردية، الاجتماعية منها والاقتصادية في ممارسة الغرب وامتداداته الحضارية للديمقراطية أحيانا، هي مسألة تاريخية تعود إلى أن الديمقراطية تطورت في العصر الحديث في مجتمعات ذات مرجعية ليبرالية، الأمر الذي جعل الممارسة الديمقراطية في هذه الدول تتأثر باختيارات وعقائد المجتمعات التي نشأت فيها، ولذلك فإنه من الطبيعي أيضا أن تتأثر مرجعية الممارسة الديمقراطية باختيارات وعقائد المجتمعات الأخرى التي تنتقل اليوم إلى نظم حكم ديمقراطي.
   وإذا كانت للمجتمعات تفضيلاتها، فإن نظام الحكم الديمقراطي له بالضرورة مقوماته أيضا، ولذلك فإنه لا بد لكل شعب يريد تفكيك الاستبداد أن يقوم مفكروه وقادته السياسيون بإجراء مقاربات جوهرية تزيل التعارض بين ما يسمى ثوابت مجتمعهم ومقومات نظام الحكم الديمقراطي، وذلك بالتركيز على جوهر كل منهما بعد إزالة ما علق بكل منهما من شوائب الممارسة التاريخية(19) المتراكمة نتيجة قرون من هيمنة الثقافة الدينية التراثية النصية المحافظة دون أن تخضع للنقد المنهجي التاريخي لترك ما بات في عداد التراث الميت الذي لا يواكب تطور الحياة ومستجداتها.
   من المقومات الرئيسة لبناء الدولة المدنية الديمقراطية وجود المجتمع المدني الذي يعد بمؤسساته أحد أعمدة النظام السياسي والمجتمعي. ولا توجد ديمقراطية حقيقية بدون دور فعال لهذه المؤسسات، وهذا الدور لا يقتصر على خدمة المجتمع فحسب، بل يتعدى ذلك إلى إفراز الكوادر القيادية وتدريبها على القيادة، ليصبح المجتمع المدني المخزن الذي لا ينضب للقيادات الجديدة، والمصدر المتجدد لإمداد المجتمع بهم. إلا أن هذا الدور، بالرغم من أهميته، لم يتم الاهتمام به بالقدر الكافي، في ظل المناخ السياسي السلبي الذي كان سائدا قبل مرحلة الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية. وقد ساعد على ذلك القيود القانونية التي عرقلت حركة هذه المؤسسات، ما جعل بعضها يدخل في معركة مع النظم الحاكمة لإثبات شرعيته، واتجه البعض الآخر إلى الخنوع. وقد أدى هذا في نهاية الأمر إلى  تركز مهام مؤسسات المجتمع المدني في الجانب الخيري والحقوقي، وهو الأمر الذي أضفى عليها نوعا من الهشاشة انعكست بصورة أو أخرى على المهام المنوط بها تنفيذها(20)، علما أن هذه المؤسسات استُغلت على نطاق واسع من قبل الحركات الإسلامية في النشاطات المشار إليها لتوسيع قاعدتها الاجتماعية خصوصا وسط الفئات الفقيرة.
    تبنى كثير من المفكرين الحديث عن العدالة الاجتماعية ومؤشراتها، بحسبانها هدفا أسمى، يتوخى النظام الديمقراطي تحقيقه داخل المجتمع. وثمة عدد من المؤشرات المهمة الدالة على مدى تحقق العدالة الاجتماعية منها: المساواة في توزيع الدخل، بناء على تصنيفات كالوضع الاجتماعي والاقتصادي، والمهنة، والنوع. والمساواة  في توزيع فرص العمل؛ ففي الدول المتقدمة والنامية، على حد سواء، صار توزيع فرص العمل هو المحدد الأساسي لتوزيع الدخل، وهو المؤشر الرئيس للعدالة الاجتماعية. والمساواة في حق وإمكانية الحصول على المعرفة، وهي ما يتعلق بمعدلات دخول المدارس والجامعات، وما يتعلق بجودة التعليم في المؤسسات والمناطق المختلفة، بحسبان التعليم مصدر الحصول على العمل ومؤشر على الحراك الاجتماعي. والمساواة في توزيع الخدمات الصحية، والأمن الاجتماعي، وتوفير البيئة الآمنة، وجودة هذه الخدمات. والمساواة في فرص المشاركة المدنية والسياسية، فطريقة تنظيم السلطة وتوزيعها بين مؤسسات المجتمع المختلفة تؤثر في كيفية رؤية المواطنين، وإيجاد مكانهم في السلم الاجتماعي، ومؤشر على العدالة الاجتماعية وجودا وعدما.
     غير أنه من المهم الإشارة إلى أن العدالة الاجتماعية لا تعني المساواة المطلقة، أي أنها لا تعني المساواة الحسابية في حصص أفراد المجتمع من الدخل أو الثروة. فمن الوارد أن تكون هناك فروق في هذه الحصص، بالتوافق مع الفروق والقدرات الفردية بين الناس. بيد أنه من المهم أن تكون اللا مساواة بين الناس في الدخل أو الثروة مقبولة اجتماعيا، بمعنى أنها تتحدد وفق معايير بعيدة عن الاستغلال والظلم، ومتوافق عليها اجتماعيا(21)، على الأقل في مرحلة معينة. وهذا ما لا نلاحظه مثلا في العراق، حيث اتسعت الفجوة بين الثراء والفقر لذلك انعكست في اتساع نطاق الاستياء الشعبي، وترسخ الفساد المالي والإداري في جميع مفاصل الدولة، وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية مع ارتفاع معدل الفقر وتفشي وباء الفساد بمختلف تلاوينه.               
    فيما يتعلق بالجدل الدائر في الأوساط السياسية والأكاديمية حول طبيعية التغيير الديمقراطي في العالم العربي، وحدود دور كل من العوامل الداخلية والخارجية في هذه العملية. وبالرغم من أن هذه الإشكالية ليست جديدة، إلا أنها اكتسب زخما كبيرا عقب هجمات 11 أيلول| سبتمبر 2001، فبرز تيار عريض في الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية راح يؤكد أن سياسات وممارسات النظم التسلطية الاستبدادية في الشرق الأوسط هي المسؤولة عن خلق بيئات ملائمة لتفريخ المتطرفين والإرهابيين الإسلاميين الذين يناصبون الولايات المتحدة، والغرب عموما، العداء، ومن ثم فإن تحقيق الديمقراطية في هذه المنطقة يمثل مدخلا أساسيا لمحاصرة جماعات التطرف والعنف والإرهاب وتجفيف منابعها(22). طبعا هذا الطرح لا يمثل الحقيقية كاملة، فكما هو معروف فقد رعت ودعمت الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة الأنظمة المستبدة، واستثمرت التطرف الديني لتوظفه ضمن سياستها المسماة بـ "احتواء الشيوعية" خصوصا في فترة الحرب الباردة وما دعم التطرف الديني في أفغانستان وغض النظر عنه في عدد من الدول إلا أحد أبرز الأمثلة على هذه السياسة.       
    دليل آخر في هذا الاتجاه، هو أن القوميين المتشددين في عهد الرئيس (جورج دبليو بوش) رأوا إن انشغال الولايات المتحدة في العراق ليس لإقامة جنة عدن للديمقراطية ولكن لهزيمة المتمردين الإرهابيين. ونموذجهم في ذلك أفغانستان. لكن ازدراء بوش الطويل لفكرة بناء بلد والفشل الأولي لدفع مرؤوسيه لوضع خطة لإعادة بناء العراق كل ذلك جعله يقع في خانة القوميين المتشددين(23)، أي لم يعد بناء نظام ديمقراطي في العراق من أولوياته.
                                                  استنتاجات
-   قادت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت تغيير النظام عام 2003، وصراع الكتل المتنفذة على السلطة والثروة والتي افتقدت المشروع الوطني الديمقراطي لبناء الدولة العرقية إلى إنتاج ما يُطلق عليه بالأدبيات السياسية بالدولة الفاشلة.
-   لا سبيل لوقف انحدار الدولة العراقية أكثر في هذا الصنف من الدولة دون رؤية واضحة لبناء أسس دولة مدنية ديمقراطية إتحادية تعتمد المواطنة، تكون بدايتها القطيعة التامة مع نظام المحاصصة الطائفية-الإثنية المنتج المستمر للأزمات والفشل.
-   لا بد أن يرافق التحول الديمقراطي تحول من الاقتصاد الريعي الأحادي الجانب إلى اقتصاد إنتاجي متنوع زراعي صناعي، لأن ذلك سيعزز هذا التحول اجتماعيا وسياسيا.
-   هناك قطاعات واسعة من الجماهير غير المنظمة تتوق لبناء الدولة المدنية، لكن خلط المفاهيم والمسميات بصددها عن قصد والذي تتبناه القوى الإسلامية يخلق نوعا من الضبابية حول  مفهومها، لذلك هناك ضرورة موضوعية لا تقبل التأجيل وهي أن ينسق جميع القوى والأحزاب والشخصيات ذات التوجهات المدنية الديمقراطية جهودها في سبيل خلق تحالف واسع لتغيير موازين القوى في الانتخابات القادمة ولو نسبيا.
الهوامش
1-   راجع محمد عبد الله يونس، "إشكالية الاختزال: الاتجاهات الجديدة لظاهرة عدم الاستقرار داخليا وخارجيا"، ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 197 (يوليو 2014)، ص 8-9.
2-   سالم توفيق النجفي، أزمة الدولة القومية المعاصرة.. التفكيك والاندماج، في الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 13.
3-        Jozsef Nyilas (ed.),Theory and Practice of Development in The Third World, translated from Hungarian (Budapest: 1977), p. 125.
4-   Nyilas, pp. 125-126.
5-   صالح ياسر، "الريوع النفطية وبناء الديمقراطية - الثنائية المستحيلة"، الثقافة الجديدة، العدد، 363 (كانون الثاني 2014)، ص 39-42.
6-   مي مجيب، "الاستبعاد البنيوي: الانتماءات الأولية كمدخل للعنف بين الدولة والمجتمع"، ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 193 (يوليو 2013)، ص 9.
7-   دلال محمود السيد، متلازمة التدهور: بحثا عن مقاربة نظرية لفشل الدولة في الشرق الأوسط، ملحق تحولات إستراتيجية، السياسة الدولية، العدد 208 (أبريل 2017)، ص 7.
8-   أمارتيا صن، الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة (الكويت، يونيو 2008)، نقلا عن مجيب، ص 12.
9-   النجفي، ص 19-20.
10-   علاء عبد الحفيظ، "التحول الديمقراطي في الدول النامية والسلام الدولي"، السياسة الدولية، العدد 181 (يوليو 2010)، ص 16.
11-   حسنين توفيق إبراهيم، "العوامل الخارجية وتأثيرها في التطور الديمقراطي في الوطن العربي"، في الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك،  (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 155.
12-   راجع برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، ط 5 (الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 2011)، ص 206.
13-   عبد الإله بلقزيز، "الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: العوائق والممكنات"، في المسألة الديمقراطية في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 143.
14-   صباح ياسين، "صحوة العشائر العراقية... خلفيات المشهد: اغتيال الدولة وتغريب المجتمع"، في العراق تحت الاحتلال تدمير الدولة وتكريس الفوضى، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 198، 202-203.
15-   للمزيد راجع كريم حمزة، "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، عُمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 19 (2017)، ص 89-118.
16-   داليا رشدي، "اختلال الهياكل: متى تنشأ أزمة القيادة في النظام السياسي؟" ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 196 (أبريل 2014)، ص 11.
17-   محمد سبيلا، "في الأسس الفكرية لليبرالية"، قضايا معاصرة، العدد الثاني (ربيع 2017)، ص 15.
18-   عبد الحفيظ، ص 16.
19-   علي خليفة الكواري، "نحو مفهوم جامع للديمقراطية في البلدان العربية"، في الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 103-104.
20-   رشدي، ص 10.
21-   حسن سلامة،" السيطرة البديلة: الارتباط بين غياب العدالة الاجتماعية والعنف الانتقالي"، ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 193 (يوليو 2013)، ص 16.
22-   إبراهيم، ص 145.
23-   مجموعة من الباحثين، دراسات اجتماعية-اقتصادية معاصرة، ترجمة هاشم نعمة فياض (بغداد: دار الرواد، 2015)، ص 52.


30
الحركات الدينية بين الخطاب الأصولي والنهج البراغماتي
د. هاشم نعمة
نمت الحركات الدينية الإسلامية بشقيها السني والشيعي، بشكل ملحوظ، في العالم العربي والإسلامي، في العقود الأخيرة، نتيجة العديد من الأسباب التي لا يتسع المجال لتحليلها هنا، وعلى الرغم من تعدد هذه الحركات، إلا أن هناك ما هو مشترك في مرجعيتها الفكرية وفي خطابها السياسي، لكن ما يثير الملاحظة، هو تغير خطابها بحسب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد يبتعد خطابها خصوصا السياسي منه، قليلا أو كثيرا عن مرجعيتها الفكرية، بعد أن يخضع للتبرير والتسويغ. وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه لا تنفرد به هذه الحركات، ففي حالات غير قليلة تكون هناك مسافة بين المرجعية الفكرية والخطاب السياسي للأحزاب والحركات العلمانية، أيضا. ويمكن أن يندرج ذلك ضمن ما يوصف بالمهام الاستراتيجية والمهام التكتيكية. لكن تكون المفارقة أكبر وأشد بالنسبة إلى الحركات الدينية لأن مرجعيتها الفكرية تؤمن بالثابت والمطلق وليس بالمتحرك والنسبي.

مقدمات تمهيدية
     
إذا عُدنا إلى الوراء، تبدو نفعية أحمد بن حنبل (164- 241 هـ)، مؤسس التيار المتشدد في الإسلام السني واضحة في موقفه من مخالفيه، فقد سكت عن انتهاكات الخليفة جعفر المتوكل تجاه أهل المذاهب والأديان الأخرى. وأجاز الصلاة خلف الفاجر والفاسق. وحاول تصفية خصومه بهدوء، من مسلمين وغير مسلمين. ومع أنه إذا رأى مسيحيا أغمض عينيه، إلا أنه كان يقبل التداوي من طبيب مسيحي (1). وسنلاحظ أن هذا النهج النفعي سيسم الحركات الدينية طيلة القرون اللاحقة.
قبل القرن العشرين، احتفظ كل من المذهب الشيعي والمذهب السني بتفكيره السياسي التقليدي الموروث - مبدأ (الإمامة) الشيعي ومبدأ (الخلافة) السني - سواء في النظرية أو في التطبيق. فمبدأ (الإمامة) الكلاسيكي يحصر الشرعية بـ (الإمام الثاني عشر)، أي المهدي المنتظر. وبالمقابل، يثبت مبدأ (الخلافة) شرعية الحاكمية في شخص عربي من قريش. ولم يواجه هذان المبدأن إلا تحديا من جانب أقلية صغيرة، تمثلت بالخوارج الذين كانوا يدعون إلى حق جميع المسلمين في تولي منصب (الخليفة) أو (الإمام) بصرف النظر عما إذا كانوا ينحدرون من قريش أو لم يكونوا (2). بيد أن هناك أمثلة شتى على قبول "العلماء" و"المجتهدين"، بعد قرون، بالحكام الفعليين الذين لم تتوفر فيهم مثل تلك المعايير، وقد ملأت الأمثلة صفحات التأريخ السياسي السني والشيعي منذ القرون الوسطى حتى أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين (3). ويمثل هذا بجلاء موقفا براغماتيا واضحا تجاه السلطة السياسية ونفوذها، ومن ثم يضعف هذا الموقف من الخطاب والمرتكزات الفكرية للإسلام السياسي المعاصر، الذي يؤكد دائما على وجود نموذج خالص للحكم يمكن تمثله من تاريخ الإسلام.
من جانب آخر، تكمن فكرة التعارض، من وهم التلازم بين عصرية المعرفة و"عصرنة" التراث. علما وحدها السلفية الحديثة تأخذ بهذا التلازم، عمليا، حين هي تستدرج مفاهيم الماضي إلى الحاضر على أساس الزعم بأن معارف عصرنا كلها موجودة هي ذاتها في الماضي، ومنقولة عنه بلغة الحاضر، وأن ليس شيء منها لم يوجد في التراث. إن الدعوة إلى "تحديث" التراث بمعنى تماثل مفاهيم الماضي مع مفاهيم الحاضر، هي بصرف النظر عن ابعادها الطبقية، متعارضة بل متناقضة، من الناحية الفلسفية، مع الاتجاه المادي التاريخي، كمنهج، في فهم علاقة الحاضر بالماضي، ثم علاقته بالتراث. الكشف عن الاتجاه الفلسفي الذي تتضمنه هذه الدعوة ينطوي على نظرة ميتافيزيقية (سكونية) إلى التاريخ تضعه في حلقة مفرغة، في حين أن المنهج المادي التاريخي ينظر إليه في حركة حلزونية صاعدة تخضع للقوانين العامة لحركة تطور المجتمعات البشرية بما يتداخل فيها من القوانين الداخلية لتطور كل مجتمع على حدة (4)، أي لا توجد مجتمعات معينة تشذ عن قوانين التطور الاجتماعي العامة هذه كونها تعتنق دينا أو معتقدا معينين.
ورغم الموقف "النفعي" الواضح من التراث – او ربما بسببه - لا يتورع الخطاب الديني عن التفاخر بالجانب الذي يرفضه من التراث. ولكن هذا التفاخر ينحصر في مجال المقارنة بين أوروبا القرون الوسطى وبين حضارة المسلمين، وكيف تأثرت أوروبا بمنهج التفكير العقلي عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية. وهذا يعد مبررا يطرحه الخطاب الديني يسمح للمسلمين بـ "استيراد الثمرات المادية" للتقدم الأوروبي والثورة الصناعية بوصفها "بضاعتنا رُدّت إلينا". لكننا لا نأخذ عنها سوى ذلك من "كفر"، المقصود هنا العلمانية، لأن أوروبا قطعت ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الإسلامية. وهكذا يخضع الإنجاز الأوروبي لمثل ما خضع له التراث من انتقائية ونفعية (5)، تتصور أنها تستطيع أخذ ما تريد وترك ما لا تريد بغض النظر عن فعل قوانين التطور الاجتماعي التي تحكم مسيرة المجتمعات الإنسانية سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية وإن بدرجات.
نجد تناقضا شبيها، عند المفكر الإسلامي سيد قطب الذي يرحب بالعلم والمنهج العلمي ويقول بوجود صلح قديم بين المنهج الإسلامي وبين العلم والحضارة الصناعية. في الواقع يذهب سيد قطب إلى أبعد من ذلك في افكاره التوفيقية؛ فيرد المنهج العلمي التجريبي إلى روح الإسلام ويعتبر الإسلام الأساس الذي قامت عليه النظرة التجريبية الحديثة. لكن بعد مفاخرته هذه نراه يرفض رفضا باتا أهم النتائج التي توصل إليها هذا المنهج لأنها تتناقض مع العقائد الدينية. أنه يرفض نظرية التطور العضوي مع أنها توجت البحوث العلمية في علم الحياة، ونظرية فرويد مع أنها من اهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية. ويرفض الماركسية مع أنها أهم نظرية شاملة في العلوم الاجتماعية والاقتصادية في العصور الحديثة. لذلك نراه يرد على كل ما تمخض عن المنهج العلمي من نُظم ونظريات علمية وسياسية واقتصادية واجتماعية ذلك على الرغم من يقينه أن الجذور التاريخية لكل ذلك تمتد إلى المنهج الإسلامي (6). علما أن كتابات سيد قطب التي تتسم بالتطرف، تعد مصدرا مهما للتثقيف من قبل الحركات الإسلامية السلفية السنية مثل الأخوان المسلمين والشيعية مثل حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي.
بحسب نصر حامد أبو زيد فإن القراءة التوفيقية بين الحداثة والدين هي قراءة تلفيقية، وهو يعتبر أن رواد النهضة الفكرية الدينية لم يتحلوا بالجرأة الكافية لقطع الحبل بين الحداثة والدين. ويرى أن مراجعة الأسس الفكرية للتأويل هي التي ستعيد فتح باب الاجتهاد والقضاء على الأوهام والخرافات. واعتبر أن المؤسسة الدينية المهيمنة تتجاهل سياق النص والظروف الموضوعية المحيطة به، وتلجأ إلى الإرهاب الفكري لردع أي محاولة للنقد أو لفضح التناقضات في خطابها الديني. فكل شيء يتم تبريره عبر المبدأ الأساس، أي "الحاكمية الإلهية" التي تنفي استعمال العقل البشري، وهو مفهوم صاغه أبو الأعلى المودودي الباكستاني، وتبناه سيد قطب جاعلا منه ركيزة لفكر الأخوان المسلمين (7)، وتبنته الحركات الدينية الأخرى، ايضا.
إن من خصائص الأزمة العامة المستحكمة في الحيات العربية الراهنة وأعراضها صعود وانتشار وهيمنة تيارات فكرية ارتدادية لا عقلانية تتناول فكريا وفلسفيا جميع المسائل من مواقع العداء للعقل والتقدم والعلم. وفي الواقع تقوم بعض هذه التيارات، عن وعي تام، بالتنظير الفلسفي والفكري العام لنوع من اللاعقلانية القروسطية السابقة على الحداثة في حياتنا باستخدام ذكي احيانا وغير ذكي في أحيان أخرى، لآخر ما انتجته اللاعقلانية الأوروبية في مرحلة ما بعد الحداثة من أدوات فكرية ومفاهيم فلسفية وتصورات نظرية (8)، لذلك نراها تقع في تناقضات كثيرة على مستوى الفكر والخطاب.
لقد حدث تغير فيما يخص الإسلام السياسي المعاصر أو الحركات الأصولية. فهذا الإسلام لم يعد يهتم بتطوير الفعالية الفكرية والتفسيرية للدين كما كان يفعل الإسلام الكلاسيكي. فالعمل السياسي هو الأهم بالنسبة إلى الإسلام المعاصر، إنه يتغلب على كل اعتبار آخر؛ إنه يتغلب على ضرورة إبداع فكري مرافق للممارسة الدينية أو الشعائرية، كما ويتغلب على أولوية البُعد الروحي المؤدي إلى التواصل مع الله. إن الحركات الأصولية الحالية لم تعد تفكر إلا بالقوة والسلطة، أو الوصول إلى السلطة بأي شكل. وهنا تحصل القطيعة بينها وبين الإسلام الكلاسيكي الذي شهد تعددية عقائدية بين مختلف المذاهب الإسلامية من سنية وشيعية ومعتزلة وفلاسفة... إلخ. هذا كله انتهى بالنسبة إلى الإسلام المعاصر (9)، الذي تبنت بعض فصائله المتطرفة (10) إقامة الدولة الإسلامية بالقوة المسلحة وببحور من الدماء والدمار الشامل لمقومات الحضارة. وهذا ما تفعله "داعش" و"القاعدة" اللتان تناسلتا فكريا مما يسمى بالحركات الإسلامية المعتدلة مثل "الأخوان المسلمين".
وبحسب برهان غليون، الحقيقة أن العلاقة بين الدين والدولة كانت في التاريخ الإسلامي علاقة تعايش لا اندماج. وكانت علاقة صعبة أيضا ولم تكن انصهارا أو ارتباطا عضويا كما يبدو الأمر. فقد أدى إخضاع الدين للدولة، منذ البداية إلى إنكفائه على المجتمع والجماعة والتجائه إليهما في مواجهة الدولة ونقله الجزء الأكبر من مهام السياسة وبرامجها وأهدافها إلى الجماعة والأمة حتى صارت هذه الأخيرة أكثر تحريكا للمشاعر من الدولة، بل فوق الدولة.
وبالعكس من ذلك، كان تحويل الدين إلى دولة، وبالتالي إخفاقه في تنظيم وتسيير منابع الايمان والفضيلة الأخلاقية هو الذي أدى في الغرب المسيحي، وكرد فعل اجتماعي، إلى انتزاع السياسة من الدين، وتركيزها كليا في الدولة. وهكذا صرنا نميّز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني (11). طبعا إلى جانب ما ذُكر، هناك اسباب أخرى مهمة  قادت إلى هذا التحول منها الصعود الاقتصادي للبرجوازية في أوروبا وتطلعها إلى احتلال مواقع في السلطة السياسية تتناسب مع هذا الصعود، وكذلك النزاعات الطائفية الدموية المدمرة بين الكاثوليك والبروتستانت والتي امتدت طويلا، وساهمت في خلق قناعة بضرورة تحييد الدين وتبني العلمانية.
إن من أهم التحديات التي تواجه مجمعاتنا ذلك الاستخدام الإيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعية فئوية أو سياسية أو شخصية. وسواء تم هذا الاستخدام من قبل جماعات سياسية بعينها، أو من قبل أنظمة وسلطات سياسية فاقدة للشرعية الاجتماعية والسياسية والقانونية، فالنتيجة واحدة: تحويل الإسلام إلى أداة من الأدوات واختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيوية متدنية (12)، تحت الشعار الذي يرفع دائما من قبل الحركات الإسلامية بأن الإسلام دين ودولة.
من خلال إلقاء نظرة على بعض التحولات التي شهدتها خطابات الحركات الدينية وممارساتها، سيتبيّن لنا بجلاء أن هدف هذه الحركات الرئيس هو السلطة، وهو هدف دنيوي، ولكن يتم تغليفه بإطار ديني لاستغلال ما يتمتع به الدين من هيبة ومكانة، وما له من مواقع قوية في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية.

تجربة العراق

في الجانب الشيعي، يُذكر أن محمد باقر الصدر وضع تسعة أسس يقوم عليها الحزب الإسلامي، وهو حزب الدعوة، عُرفت بالأسس، ووصفت أيضا بالمرتكزات النظرية. من هذه الأسس التسعة ما يتعلق بالدولة الإسلامية، وهنا يرد بأن كل دولة لا تقوم على عقيدة أو قاعدة الإسلام هي دولة كافرة، مثل الدولة الشعبية والرأسمالية، والحكم على المسلمين هو القضاء عليها بالطرق التبشيرية السلمية أو الجهادية المسلحة. كذلك على المسلمين هدم الدول اللائي بلا عقيدة، قامت على أهواء الحكام، فهي دول كافرة أيضا. أما الدولة المرضية فهي القائمة على عقيدة الإسلام. ويغلب على الظن أنها الحاكمية نفسها. لكن الصدر لم يتحدث عن نوع تلك الدولة، هل هي تقوم على الشورى أم ولاية الفقيةّ! وكيف سيكون التجاذب فيها بين المذاهب، فمن دون النظر في هذه الأمور تبقى الدولة الإسلامية غير متحققة (13) من الناحية العملية. علما أن حزب الدعوة ظل بعد تأسيسه العام 1959 ولسنوات ذا نظرة عالمية فيما يخص أهدافه، لكن فيما بعد بات تركيزه محليا يخص العراق. وعلى الرغم من أن هذه المرجعية، لا تقر الديمقراطية، فقد ادخل حزب الدعوة تغييرا في برنامجه بقبول ممارسة آليات الديمقراطية، كما فعلت العديد من الحركات الإسلامية في العالم العربي في التسعينات. وبعد تغيير النظام العام 2003، دخل حزب الدعوة مع الأحزاب الشيعية الأخرى العملية السياسية بقوة، وبسبب من حيازته على رئاسة الوزراء لأكثر من ثلاث دورات انتخابية تغلغل في جميع مفاصل الدولة، لذلك بات يتمتع بالسلطة والثروة والنفوذ القوي، وهي أمور تتعارض بالأساس مع مرجعيته الفكرية القائمة على قيام الدولة الإسلامية.
وفي الجانب السني، فإن أول محاولة لتأسيس تنظيم سلفي كانت في بداية الستينات من القرن الماضي، عندما عَمِد مجموعة من السلفيين، إلى تأسيس "جماعة الموحدين" السلفية، متأثرين بتجربة الإخوان المسلمين التي أنتجت الحزب الإسلامي في العام 1960. وقد عمد التنظيم في وقت لاحق إلى إنشاء تنظيم عسكري ضم بعض القيادات العسكرية والأمنية السلفية، كما عمد من خلال تلك القيادات إلى إدخال بعض الطلبة من السلفيين إلى الكلية العسكرية. وإن بعضا من أولئك الضباط، خصوصا في الحرس الجمهوري، كانوا مشاركين في انقلاب 17 تموز 1968 (14) الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة.
لكن ظلت الدعوة السلفية في العراق محدودة ليس في مدى انتشارها وحسب، وإنما في طبيعة الخطاب النظري الذي تعتمده أيضا. فقد ظل تأثير علماء الدين في السعودية حاضرا بقوة، باتجاهاته المختلفة: الخط الرسمي، والخط الحركي، والتيار الإصلاحي المتمثل بسلمان العودة وسفر الحوالي (15).
وفي مواجهة مرحلة ما بعد تغيير النظام السابق العام 2003، وبحسب رشيد الخيون، كان الحزب الإسلامي العراقي أكثر القوى السنية الدينية هدوءا واتزانا؛ حيث لم يغوه شعار المقاومة المسلحة تحت ضغط القوى القومية والدينية العربية، ومنها الأقرب إليه من جماعات إخوان المسلمين في مصر والأردن، بل كان على خلاف مع تشدد "هيأة علماء المسلمين" تجاه الواقع السياسي، والمشاركة فيه. وقد برر الحزب مشاركته في الحكومة بالآتي: "قررنا المشاركة على أساس أن غيابنا هو ضرر أكبر، متمثل بغياب دور السنة العرب عن المشاركة في تشكيل مستقبل العراق، في هذه المرحلة الحرجة من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يفقدنا التأثير المباشر لإحباط المساعي التي تريد إضفاء الشرعية على إبقاء المحتل في عراقنا الحبيب. وهذا يدفع بضرر أصغر هو المشاركة بهذه الحكومة الانتقالية الجديدة، وسنعمل على إسداء النصيحة لهذه الحكومة والتفاعل معها بطريقة تخدم مصالح شعبنا..."، علما أن الحزب أصدر بيانا يوم الإعلان عن الحكومة المؤقتة في 1 حزيران 2004، برئاسة إياد علاوي، شاكيا من أنها حكومة علمانية (16). إذن، تغير الخطاب السياسي للحزب خصوصا، بعد 2003، وانخرط بقوة في العملية السياسية، وتبوء قادته مناصب عليا في الحكومة ومجلس النواب ومؤسسات الدولة الأخرى،  ومارس هذا الحزب نهجا براغماتيا في الجمع بين السلطة والنفوذ والمال، فيما تدعو مرجعيته الفكرية إلى إقامة الخلافة الإسلامية التي لا جامع يجمعها مع الديمقراطية. إذن تنظر الحركات السلفية إلى الديمقراطية كآلية للوصول إلى السلطة وليس كمنظومة فلسفية تؤطر التطور السياسي والاقتصادي والثقافي والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان للمجتمعات الإنسانية.
لقد تعرض السياسي العراقي ذو الايديولوجيا الدينية في الشهور الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق إلى تناشز معرفي حاد بين منظومته القيمية التقليدية القائمة على رفض القيم الغربية الديمقراطية المؤمنة بتداول السلطة وحتمية الحكم بحسب الشريعة الإسلامية وحدها، وبين سلوكه المتعطش للسلطة والمضطر لمجاراة الشعارات الديمقراطية.
إن هذا التناشز الحاد ما كان له أن يُحلّ أو يخفض من الناحية السيكو - سياسية إلا على يد أفراد بمواصفات شخصية محددة، شكلوا بسلوكهم النفعي نخبة سريعة النمو خارج الهوية الوطنية العراقية، سيّست بسرعة الموروث المتخلف الكامن في الهوية الطائفية بشقيها (17) الشيعي والسني من خلال تبني نظام المحاصصة الطائفية الذي يضمن لهذه النخبة الاحتفاظ بمواقعها السياسية والاجتماعية والطبقية في جميع مفاصل الدولة والمجتمع.

ثلاثة نماذج إقليمية

في إيران، ساهم قيام دولة إسلامية بعد نجاح الثورة الشعبية العام 1979 في التأثير في موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، وغذّى نمو الحركات الإسلامية شيعية كانت أم سنية، بل أصبح هذا النموذج من الدولة ملهما لبعض الحركات الإسلامية. وهذا يستدعي تقييم التجربة في جانب الفكر والخطاب.
أعلن الامام الخميني في نظريته "ولاية الفقيه" نقل صلاحيات وسلطات الإمام المهدي المنتظر كلها إلى الولي الفقيه بما في ذلك حق إقامة الحكومة الإسلامية مكان الإمام الغائب. وبعد نجاح الثورة، أُدخلت نظرية ولاية الفقيه في الدستور الإيراني حيث أسس الخميني أول مرة في التاريخ حكومة إسلامية في دولة مدنية حديثة. ولم تكن مساهمة الخميني تقتصر على هذا فحسب، إذ أعلن أن الولي الفقيه الذي يرأس حكومة إسلامية تصبح سلطته نافذة على سائر الفقهاء الآخرين. وخطوة الخميني هذه شكلت ضربة قاسية للمرجعية الشيعية (18). علما أن هذه النظرية لم تكن محل إجماع من قبل مراجع الشيعة، وبقيت موضع نقاش على اعتبار أنها لا تتلاءم بشكل كامل مع أصول عقيدة الشيعة الإمامية.
وفي محاولة للتكيف مع مستجدات الحياة على مستوى الفكر والممارسة وللتخفيف من حدة التناقض بين المرجعية الفكرية والخطاب السياسي، يطرح بعض المفكرين الإيرانيين أفكارا تتناول هذا الجانب، منهم محمد جواد لاريجاني المختص في الفلسفة الغربية وهو على دراية واسعة بها، ومؤلف كتاب "التدين والحداثة"، ويمكن إجمال آرائه في ثلاثة جوانب دينية واجتماعية سياسية وفلسفية هي: مشروعية الحكومة الإسلامية وفعاليتها المستمدة من جدل الفلسفة والسياسة والدين والواقع؛ تبدل علوم الدين وخضوعها لاجتهاد وتحيين مستمرين عبر مختلف العلوم والمعارف؛ مستقبل الثورة والحكومة الإسلامية وولاية الفقيه.
لم يكن بوسع لاريجاني أن يفكر في حلول لهذه الجوانب إلا عبر انجاز مفاهيمي حداثي من جهة وعبر توظيف وإقحام. فمن وجهة نظره، لا يمكن أن يحدث فعل دون إيجاد صلة ضرورية بين التحولات المعرفية التي تحدث في العالم والقضايا العملية المطروحة في إيران، ومن ثم لا بد من توظيف يبدأ بزرع الفلسفة في علم الكلام أو تحويل المعارف وطلب إقحامها في الدين عموما. وما دام الأمر يتعلق بتسيير الحياة فإن الايديولوجيا الأساسية المتمثلة بالربط بين المعارف تصبح مشروعة تماما، على الرغم من أن الأمر لم يكن يهم تدبير شؤون الناس بقدر ما يكون توظيف المعارف الحديثة لتدبير شؤون الدين وحل أزمته (19) التي تستعصي كلما ظل فهم النصوص الدينية جامدا وبعيدا عن الأخذ بعين الاعتبار الإطار التاريخي الذي انتجت فيه.
في مصر، يُجمع السواد الأعظم من شيوخ السلفية السياسية على تحريم المشاركة السياسية على أرضية الديمقراطية التي تتراوح نظرتهم إليها من اعتبارها كفرا صريحا إلى اعتبارها أداة لا باس بها من أجل "تحقيق غايات أخرى". ولعل أهم هذه الغايات الأخرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الشريعة.  بيد أن ما يبدو محيرا هو قبول السلفيين بالمشاركة السياسية واستخدام أدواتها وهي التي كانت مرفوضة بل محرمة ثولوجيا وفقهيا. فكان الموقف من دخول الانتخابات وتكوين الأحزاب وعقد التحالفات السياسية، مرفوضا ومحرما والذي وصل عند بعضهم إلى درجة الشرك (20). وهنا يكمن النهج النفعي بشكل واضح.
في الواقع، كانت الحركات السلفية أكثر التيارات الإسلامية معارضة لانتفاضة 25 يناير في مصر. وكانت هذه المعارضة جزءا من فكرها الذي يرفض أي خروج على الحاكم. حيث صرح ياسر برهامي، أحد زعماء الدعوة السلفية قائلا: "نرى عدم المشاركة في تظاهرات الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير. وكلام المشايخ واضح جدا وذلك لأن الأوضاع مختلفة بين مصر وتونس". كذلك قال محمد عبد المقصود، أحد كبار رجال التيار السلفي، في عقب اندلاع الانتفاضة: "نحن نحرم الخروج الذي يسفك دماء ويؤدي لفساد. وتحريم الخروج بدأه القرطبي والنووي وابن حزم وذلك لدرء الفتن". كما أصدر الداعية السلفي محمد السيوطي بيانا في 5 شباط/ فبراير يعارض التظاهرات ويدعو إلى طاعة الحكام "وإن بلغوا في العسف والجور حد ضرب الرعية وأخذ أموالهم"، وأضاف داعيا إلى قتال المتظاهرين: "يجب قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام" (21) والمقصود هنا بكل وضوح طاعة حسني مبارك.
بيد أن الموقف قد تغير بشكل جذري في مرحلة ما بعد الانتفاضة في مصر، وهو تغيير وإن لم يصرِّح به قادة التيار السلفي إلا أن ممارساتهم وأفعالهم تدل وتبرهن عليه. فالشيخ عبد المنعم الشحات الذي لا يمل من التصريح برفض الديمقراطية باعتبارها "حراما وكفرا"، في حين أنه كان أول من استخدم أدواتها حين خاض الانتخابات البرلمانية من أجل الحصول على مقعد برلماني. جاء تبرير هذا التحول تحت ذريعة القاعدة الذهبية "المصالح والمفاسد" التي باتت أشبه بحصان طروادة الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام السلفيين للحضور في المجال العام (22). وتتوج ذلك بتشكيل الأخوان المسلمين لحزبهم "الحرية والعدالة" في العام 2011، وتشكيل التيار السلفي لحزب النور الذي حصد حوالي ربع المقاعد البرلمانية في أول انتخابات، وهو الذي لم يؤيد الانتفاضة الشعبية ولم يشارك فيها.
في تونس، على الرغم من سبق حركة النهضة إلى المزاوجة بين الإسلام ومكتسبات الحداثة، وتشريعها قيام دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، وإقرارها بضرورة تداول السلطة، وبضرورة إقامة العدالة الاجتماعية، وتأمين حقوق المواطنة، فإنها لم تعبر صراحة عن التخلي عن عدد من المبادئ الأساسية التوجيهية التي تضمنتها أدبياتها عند تأسيسها في مطلع الثمانينات، فوثيقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسية" الصادرة في حزيران/ يونيو 2012، استبقت على محتوى التصور الفكري والعقدي والأصولي الذي اعلنه مؤتمر عام 1986 لحركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا)، بل اعتُبر هذا البيان "وثيقة رسمية من جملة الوثائق التي تحدد هوية الحركة". وبذلك فإن التصور الوارد في الوثيقة فيه تلبيس للديني بالدنيوي وتعامل مع المجتمع بتنويعاته المختلفة وفق خلفية عقائدية منغلقة، ومقاييس معيارية ميتافيزيقية تبقى محل خلاف، ولا تتماشى ومبدأ المواطنة والحرية الفكرية باعتبارها شأنا شخصيا، لذلك تعتبر هذه النصوص متأخرة عن حركة المجتمع وغير منسجمة مع خط التحديث الإسلامي الذي تدعي النهضة الريادة فيه (23). على الرغم مما اعلنته حركة النهضة مؤخرا عن رغبتها بالتحول إلى حزب سياسي، وفصلها بين الجانب الدعوي والسياسي غير أن اختبار حقيقة هذا التوجه تبقى على المحك في خضم ميدان الممارسة والصراع والعمل السياسي والاجتماعي المحتدمين.
وفي ما يخص الموقف من حقوق المرأة، فإن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، أعلن في بعض المناسبات أن حركته لن تعمل على إقرار مبدأ تعدد الزوجات، لكنه صرح في مناسبات أخرى بموقفه الأصلي المؤيد لتعدد الزوجات. ولا يُعد هذا غربيا عنه؛ ذلك أنه يسعى إلى أن يحقق المعادلة الصعبة، وهي إرضاء المجتمع التونسي من جهة، وتطمين المرأة بشكل خاص، وعدم التصادم مع النص القرآني الذي يجيز التعدد من جهة أخرى. وهذا ما جعل معارضيه يصفون موقفه بالارتباك والالتباس، ويعللونه برئاسته لجنة الدفاع عن تعدد الزوجات خارج تونس (24). وهذا الموقف في حقيقته لم يكن ارتباكا بقدر ما هو يعكس موقفا براغماتيا للاستفادة من الأجواء التي وفرتها الانتفاضة الشعبية وسقوط نظام ابن على المستبد لحصد المزيد من المكاسب السياسية ومن ثم التمتع بالسلطة والنفوذ.
ومن جانب آخر، ومن خلال الممارسة السياسية لممثلي حركة النهضة، فهم وإن دافعوا خلال الحملة الإنتخابية التي سبقت انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عن مكاسب المرأة وقانون الأحوال الشخصية والدولة المدنية؛ فإن نائبات الحركة في المجلس التأسيسي فاجأن الجميع بالتصويت ضد حق المرأة في أن تترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، وذلك في سياق مناقشة اللجنة المتخصصة بشروط الترشح للرئاسة (25). وهذا مؤشر إلى ما اشرنا إليه بالنهج البراغماتي الذي تمارسه الحركات الدينية ومنها النهضة.
أخيرا، إن تبرير التباعد بين الخطاب والمرجعية الفكرية عند الحركات الدينية، وتأويل النصوص ومراجعة المتفق عليه، بهدف ما يسمى بـ "الإصلاح الديني"، فإنه في الواقع يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح: ذلك لأنه جانب الصواب في تشخيص الداء، وهو تغلغل ما يوصف بـ "نظرية الحتمية الدينية" في وعي المسلمين وتمكُّنها منه، وما أدى إليه ذلك من الابتعاد عن المنهج التاريخي في تحصيل العلم، واستنباط قوانين التطور السياسي والاجتماعي (26). إذن، المطلوب دراسة التراث الإسلامي دراسة شاملة بمنهج تاريخي نقدي، لغربلته وتمييز الصالح منه عما تجاوزه الزمن وصار في عداد التراث الميت والمعيق للتطور.

استنتاجات

- يساهم ضعف البنية الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والثقافية، وغياب التنمية المستدامة في المجتمعات العربية والإسلامية، في ديمومة الحركات الإسلامية، ويعطيها مادة للتوظيف الديني والسياسي.
- تتمثل الإشكالية الأساسية بعدم إقرار الحركات الدينية الأصولية بتاريخية النصوص الدينية، ومناسبة ظهورها، وبحركة وتغيّر الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي للمجتمعات العربية والإسلامية زمانيا ومكانيا.
- إن التبرير الذي تلجأ له الحركات الدينية بالنبش بالتراث من أجل تعليل شقة التباعد بين خطابها الأصولي وخصوصا السياسي منه ومرجعيتها الفكرية، يُضعف مع مرور الوقت من مصداقيتها، ويعمل على تقليص نفوذها الاجتماعي والسياسي والثقافي.
- سيخلق التوظيف المستمر للدين بالسياسة، مزيدا من التعقيدات على مستوى الخطاب والمرجعية الفكرية، وسيؤسس ويراكم مزيدا من المطالبات لتحييد الدين عن السياسة ومن ثم فصلهما مستقبلا.
- تقع على عاتق الكتاب والباحثين اليساريين والديمقراطيين مهمة كشف وإبراز التناقض الذي تقع فيه الحركات الدينية في محاولتها تأويل وتبرير تعارض خطابها السياسي مع مرجعيتها الفكرية، وتبيان أن جذر هذا التعارض يعود إلى محاولات هذه الحركات الوصول إلى السلطة بأي ثمن.
- يمثل مصطلح "دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية" الذي تتبناه بعض الحركات الدينية، محاولة للالتفاف على هدف قيام دولة مدنية ديمقراطية، لأنه بدون هذا التلازم، يمكن أن تكون الدولة المدنية مستبدة سواء بغطاء ديني أو عسكري أو غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) راجع: رشيد الخيون، الأديان والمذاهب بالعراق، ط 2 (كولونيا، بغداد: 2007)، ص 447.
(2) واضح إن ظهور الخوارج يعبر عن موقف سياسي واجتماعي وطبقي، إضافة إلى الأسباب الأخرى، وهو رفض حصر السلطة والنفوذ في قريش، والدليل على ذلك، ما ورد في نهج البلاغة حيث أن علي بن أبي طالب اشار إليهم بـ "اعراب بكر وتميم"، أي ينحدرون من هاتين القبيلتين وليس من قريش.   
(3) راجع: فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة أمجد حسين (بيروت، بغداد: 2010)، ص 467 - 468.
(4) للمزيد راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية - الإسلامية، المجلد الأول، ط 2 (الجزائر: 2002)، ص 33 - 34.
(5) راجع: نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، ط 3 (الدار البيضاء، بيروت: 2007)، ص 43.
(6) راجع: صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، ط 10 (بيروت: 2009)، ص 29 - 30.
(7) زياد حافظ، "المفكرون العرب الجدد في الإسلام"، الآداب، العدد 7 - 8 تموز/ يوليو - آب/ اغسطس (2009)، ص 63.
(8) راجع: صادق جلال العظم، ذهنية التحريم، ط 5 (دمشق: 2007)، ص 154
(9) راجع: محمد أركُون، قضايا في نقد العقل الديني، ط 4 (بيروت: 2009)، ص 174.
(10) حول التطرف الديني راجع مقالنا "التطرف الديني ... جذوره الفكرية وأبرز تجلياته"، الثقافة الجديدة، العدد 378 - 379 تشرين الثاني 2015، ص 93 - 103.
(11) برهان غليون، نقد السياسة: الدين والدولة، ط 5 (الدار البيضاء، بيروت: 2011)، ص 99 - 100.
(12) راجع: نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، ط 1 (الدار البيضاء، بيروت: 2010)، ص 27.
(13) راجع: رشيد الخيون، تاريخ الإسلاميين وتجربة حكمهم في العراق، في مجموعة مؤلفين، الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي... اتجاهات وتجارب (بيروت: 2013)، ص 664.
(14) راجع يحيى الكبيسي، السلفية في العراق: تقلبات الداخل وتجاذبات الخارج في الظاهرة السلفية ... التعددية التنظيمية والسياسات (الدوحة: 2014)، ص 98.
(15) يحيى الكبيسي، ص 108.
(16) رشيد الخيون، تاريخ الإسلاميين وتجربة حكمهم في العراق، ص 656 - 658.
(17) فارس كمال نظمي، الأسلمة السياسية في العراق... رؤية نفسية، ط 1 (بغداد: 2012)، ص 19 وما بعدها، وقارن مقالنا "الفكر الطائفي والدولة"، الثقافة الجديدة، العدد 367 تموز 2014، ص 8 - 18.
(18) فرح كوثراني، محمد مهدي شمس الدين ونقد ولاية الفقيه، في مجموعة مؤلفين، ص 282 - 285.
(19) راجع: تهامي العبدولي، أزمة المعرفة الدينية، ط 2 (دمشق: 2005)، ص 239 - 240.
(20) راجع: خليل العناني، التيارات السلفية في مصر: تفاعلات الدين والأيدولوجيا والسياسة في مجموعة مؤلفين، ص 137 - 138.
(21) راجع: محمد السيد سليم، الأداء السياسي للتيارات الإسلامية في مصر منذ ثورة 25 يناير، في مجموعة مؤلفين، ص 415 - 416.
(22) خليل العناني، ص 137 - 138.
(23) راجع: أنور الجمعاوي، الإسلاميون في تونس وتحديات البناء السياسي والاقتصادي للدولة الجديدة: قراءة في تجربة حركة النهضة، في مجموعة مؤلفين، ص 475 - 476.
(24) راجع حمادي ذويب، الإسلاميون في تونس وقضايا المرأة بين مطرقة النص وسندان الواقع، في مجموعة مؤلفين، ص 530.
(25) المصدر نفسه، ص 535 - 536.
(26) حازم قنديل "الحتمية الدينية والمنهج التاريخي"، الآداب، مصدر سابق، ص 88.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "الثقافة الجديدة"
العدد 386   
كانون الثاني 2017


31
       
     
التصحر يعيق  التنمية في العالم العربي...أبعاده البيئية والاقتصادية والاجتماعية

    صدر عن دار غيداء للنشر والتوزيع بعمّان| الأردن عام 2017، كتاب بعنوان " التصحر يعيق  التنمية في العالم العربي...أبعاده البيئية والاقتصادية والاجتماعية"، تأليف الباحث د. هاشم نعمة فياض. يقع الكتاب بـ 270 صفحة من القطع الكبير. وأدناه موجز الكتاب.
                                                 
   يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول، عالج الفصل الأول مدخلا لدراسة التصحر شمل تعريف التصحر، مؤشرات التصحر، حالات التصحر، درجة خطورة التصحر. ودرس الفصل الثاني تطور التصحر في العالم العربي. وفي الفصل الثالث تم تحليل العوامل الطبيعية (المناخ، التعرية، النباتات والحيوانات، الرمال المتحركة) والعوامل البشرية (الضغط السكاني، نمط استخدام الأرض الذي يشمل: الأفراط في قطع الأشجار، الضغط الرعوي، الضغط الزراعي، مشكلة تملح التربة) المسببة للتصحر. وبحث الفصل الرابع نتائج التصحر البيئية والاقتصادية والاجتماعية وتأثيراتها على عملية التنمية. وأما الفصل الخامس فدرس بالتفصيل أساليب مختلفة لمكافحة التصحر شملت: المسح البيئي، حماية الغابات، ضبط الزراعة البعلية، ضبط الاستخدام الرعوي، ضبط استخدام المياه، وقف التعرية، تثبيت الرمال المتحركة، استخدام أساليب زراعية جديدة، وخفض فقد وهدر المواد الغذائية.

    في السنوات الأخيرة، باتت ظاهرة التصحر تستفحل في العالم العربي، بأبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك فهي تمثل أحد المعوقات الجدية أمام التنمية المستدامة التي ترنو لها البلدان العربية. علما أن اغلب المناطق المعرضة للتصحر تقع في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

   كان راب أول من عرف التصحر بمفهومه الشامل عام 1974 بأنه يمثل "انتشار الظروف والحالات البيئية الشبيهة بتلك السائدة في الصحراء في المناطق الجافة وشبه الجافة؛ نتيجة تأثير الإنسان والتغيرات المناخية". وقد بقي تعريف التصحر لفترة غير قلية أيضا موضع نقاش من قبل هيئات الأمم المتحدة المعنية، غير أن احدث تعريف اقر عام 1994 ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ينص : التصحر يعني تدهور الأرض في المناطق القاحلة وشبه القاحلة و في المناطق الجافة و شبه الرطبة الذي ينتج من عوامل مختلفة تشمل التغيرات المناخية والنشاطات البشرية.

     تتمثل أهم المؤشرات الطبيعية  للتصحر في : غزو الكثبان الرملية للأراضي الزراعية، تدهور الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار، تملح التربة، إزالة الغابات وتدمير النباتات الغابية، انخفاض كمية ونوعية المياه الجوفية والسطحية، تدهور المراعي، انخفاض خصوبة الأراضي الزراعية، اشتداد نشاط التعرية المائية والهوائية، زيادة ترسبات السدود والأنهار واشتداد الزوابع الترابية وزيادة كمية الغبار في الجو.  ويمكن استخدام هذه المؤشرات وغيرها في تعيين حالة أو وضعية التصحر في المناطق المختلفة من بلداننا العربية. وقد حددت الأمم المتحدة أربع حالات للتصحر هي: التصحر الشديد جدا، التصحر الشديد، التصحر المعتدل، التصحر الطفيف.

    شهدت ظاهرة التصحر انتشارًا واسعًا في العالم العربي على وجه الخصوص؛ بسبب الإفراط في استغلال الموارد الطبيعية، خصوصًا المائية والأرضية (مراع وغابات وأراض زراعية) وذلك طوال حقب عديدة، ومما زاد في اتساع رقعة التصحر هشاشة النظم البيئية وسيادة المناخ الجاف وقلة المياه. لذلك بات تدهور الأراضي نتيجة التصحر مشكلة مهيمنة خلال عقد التسعينات؛ حيث أغلب الأراضي إما تصحرت أو باتت معرضة للتصحر. إذن يجتاح التصحر الأرض في البلدان العربية بهذه المعدلات المتسارعة في الوقت الذي يتطلب زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني لتأمين جزء مهم من الأمن الغذائي على الأقل لمواجهة النمو السكاني وارتفاع مستويات المعيشة.

    يعاني جميع البلاد العربية من مشكلة الجفاف، ولاسيما من الحساسية المفرطة للتصحر. وتساهم الفترات الجافة التي تحدث من وقت لآخر، في إشاعة ظروف التصحر؛ إذ تؤدي إلى تناقص الغطاء النباتي ومن ثم تعرية وجرف التربة، وانخفاض المواد العضوية والمعدنية وبكلمة أخرى انخفاض الطاقة الحيوية للأرض بشكل حاد، خاصة عندما تكون هناك كثافة سكانية عالية واستخدام مفرط للأرض. ورغم استمرار التصحر، سواء في الفترات الجافة أو الرطبة، إلا أن أثره يكون أكثر خطورة في الفترات الجافة.

    تنشط عملية تعرية التربة حينما يضمحل الغطاء النباتي أو يزول، فتنكشف الطبقات العليا السطحية من التربة، وتتعرض لجرف المياه، وأكتساح الرياح. وبما أن الأراضي في البلدان العربية الصحراوية أو المتصحرة هي أراضٍ قاحلة فهي معرضة بصورة دائمة لتأثير التعرية المائية والهوائية. وتؤدي 
تعرية وجرف التربة إلى إزالة الطبقة الخصبة والتي من الصعب تعويضها خلال فترة زمنية قصيرة. وهذا أحد الأسباب التي تقف أمام تطور الإنتاج الزراعي ومن ثم توسع التصحر.

    لعل المناطق المتصحرة والأكثر عرضة للتصحر في العالم العربي هي المراعي الطبيعية التي
تمتد على مساحات شاسعة، وقد أدى الرعي الجائر إلى اختفاء النباتات المفضلة للرعي والأقل مقاومة
وحلت محلها النباتات الأقل استساغة والأكثر مقاومة للرعي. ومع استمرار الرعي المكثف وإجبار الحيوانات على استغلال هذه النباتات المتدنية بيئيًا، أصبحت أراضي المراعي شبه عارية وتدهورت نباتاتها وتربتها.

    تنتشر الرمال المتحركة في معظم أرجاء العالم العربي، وهي تغزو المناطق المجاورة، عاملة على إشاعة التصحر، وتسبب مشاكل بيئية واقتصادية واجتماعية وعمرانية. وفي الوقت نفسه، فإن الرمال المتحركة الناتجة من زوال الغطاء النباتي تعد واحدة من أخطر نتائج التصحر نتيجة تأثيراها السلبية على كل الجوانب الحيوية للحياة.

     أجمع المؤتمرون في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالتصحر، إن السبب الرئيسي في تطور عملية التصحر هو النشاطات البشرية التي تعمل على تعطيل الأنظمة البيئية في الأراضي الجافة وشبه الجافة. أي بمعنى آخر، أن التصحر ظاهرة بشرية بالدرجة الأولى، وأن الإنسان هو صانع التصحر. إن ما يؤكد دور الإنسان الرئيسي في صنع التصحر هو أن للأنظمة البيئية في المناطق الجافة وشبه الجافة قابلية على التكيف حتى مع تأثيرات فترات الجفاف الطويلة؛ حيث عندما تعود الأمطار إلى وضعها الأعتيادي ينمو النظام البيئي بدون أي تغير ظاهر.

     حدد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالتصحر أرقاماَ حرجة للكثافة السكانية الريفية كمؤشر على الضغط السكاني على الأرض؛ فأعتبر 7 نسمة في كم² في المناطق الجافة، و20 نسمة في كم² في المناطق شبه الجافة، كحد أقصى لا يجب أن تتعداه. وإذا طبقنا ذلك على الكثافة الريفية في العالم العربي، نجد أن الكثير منها قد فاق هذه الأرقام.

    يقصد بالضغط الرعوي تحميل أراضي المراعي عددا من الماشية أو أنواعا معينة منها لا تتفق وطاقة هذه المراعي على تغذيتها. والملاحظ أن تصحر الأراضي الرعوية لا يؤثر في الإنتاج الحيواني فقط لكنه يعجل بحدوث سلسة من الوقائع تؤثر في كل النظام البيئي، مثل قلة أو زوال الغطاء النباتي، وما يصاحبه من تعرية التربة وزيادة خطر انجرافها. وهذا غالبا ما يقود إلى انخفاض في الإنتاجية الأولية بشكل يتعذر معالجته. ومن ثم يضعف من إمكانية البيئة على التعويض النباتي.

    يقصد بالضغط الزراعي تكثيف استخدام الأرض بالزراعة أو تحميل التربة اكثر من طاقتها الحيوية، حيث يؤدي ذلك إلى حدوث تدهور في التوازن البيئي وإشاعة التصحر. وهناك اشكال متعددة لاستخدام الأرض تسهم بهذه النتيجة.

   في الواقع يعد تملح التربة من المشكلات الكبرى التي واجهت الزراعة المروية عبر تاريخ المجتمعات الزراعية، ومنها المجتمعات العربية التي تتوفر على أنهار مهمة وخصوصا، في المناطق التي تقل فيها الأمطار بحيث لا يمكن الأعتماد عليها في إدامة النشاطات الزراعية. وهو -أي تملح التربة- من المسببات الرئيسية التي تدعم تمدد التصحر في العالم العربي بنسب متفاوتة. ويتركز انتشار الترب المتأثرة بالملوحة في المناطق الجافة وشبه الجافة، إذ قدرت مساحتها في العالم العربي بـ 8,35 مليون هكتار. وتؤثر ملوحة التربة في الإنتاج الزراعي، حيث تتراوح معدلات الإنتاج بين صفر و40% في التربة الشديدة الملوحة، وصفر في التربة الشديدة الملوحة جدا.

     للتصحر العديد من النتائج ذات التأثير المتبادل، أبرزها النتائج البيئية والاقتصادية والاجتماعية، والتي قد تتفاوت أبعادها وحدتها من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى من مناطق العالم العربي؛ بسبب الاختلاف النسبي في العوامل الطبيعية والبشرية المؤثرة، والتباين في البنية الاجتماعية-الاقتصادية ومصادر الدخل الوطني.

    تتمثل النتائج البيئية للتصحر بأشكال متعددة، وهي تعبير عن اختلال النظم البيئية، حيث أن استخدام الإنسان للموارد الطبيعية هو استهلاك لموارد البيئة، ومن ثم فإن نوعية الاستخدام وكثافتها إما أن تؤدي إلى تدهور البيئة أو تحافظ على توازنها. وتلاحظ مظاهر تدهور البيئة ومنها التصحر في مناطق عديدة من العالم العربي. ويتمثل ذلك في تدهور الحياة النباتية والحيوانية وتدهور التربة والمراعي وتقلص الأراضي الزراعية أو التي يمكن استصلاحها، ونقص في المياه وتدهور نوعيتها وخصوصا أرتفاع نسبة ملوحتها وزحف الرمال وزيادة العواصف الغبارية.

   تتمثل النتائج الاقتصادية المباشرة للتصحر بما حددته الأمم المتحدة في مسحها لحالة البيئة في العالم حيث ورد : يؤثر تدهور الأرض وتصحرها في قدرة البلدان على إنتاج الأغذية، وينطوي بالتالي على تخفيض الإمكانيات الإقليمية والعالمية لإنتاج الأغذية، كما انهما يسببان أيضا في إحداث العجز الغذائي في المناطق المهددة، مع ما لذلك من آثار على الاحتياطات الغذائية وتجارة الأغذية في العالم. ونظرا لأن التصحر ينطوي على تدمير للحياة النباتية ونقصان مجموعات نباتية وحيوانية كثيرة، فهو أحد الأسباب الرئيسية لخسارة التنوع البايولوجي مما يقلل من فرص إنتاج الأغذية. وهذه الاستنتاجات تنطبق على مناطق عالمنا العربي.

   تتمثل النقطة الأولى للانطلاق في تقييم التأثيرات الاجتماعية للتصحر في معرفة عدد السكان الذين يعيشون في المناطق الجافة ومعدل نموهم. أما الخطوة التالية فتتمثل في تحديد توزيع تأثيرات التصحر وسط سكان هذه المناطق، بسبب أن ليس كل الذين يسكنون هذه المناطق سوف يتأثرون بالتصحر. وهناك ارتباط وثيق بين الهجرة والتصحر، ظهرت نتائجه في العالم العربي، وقد تسبب في نزوح قسري من الريف إلى المدن، مما أدى إلى معاناة المهاجرين التي تجلت في عدم القدرة على التأقلم مع ضرورات السكن في المدن، والإجهاد الاجتماعي للتجمعات السكانية. علما تتفاقم آثار تدهور الأرض وتصحرها في سنوات الجفاف وهذا يدفع المزيد من الناس لترك أراضيهم  والهجرة أو اللجوء إلى مناطق أو بلدان أخرى. فقد قُدر أن ملايين من سكان العالم العربي في القسم الأفريقي قد تأثروا بهذه الأوضاع البيئية وأصبحوا لاجئين حيث أخذ يطلق عليهم بـ "اللاجئين البيئيين" ومن البلدان التي تأثرت بشدة بهذه الظاهرة الصومال والسودان وموريتانيا.

    رغم إدراك خطورة التصحر، إلا ان وسائل مكافحته في بلداننا العربية لم ترق بعد إلى مستوى التهديد الذي يمثله على شتى الأصعدة البيئية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والحضارية والسياسية. لذا بات من الضروري إعطاؤه مكان الصدارة في خطط التنمية. تتطلب مكافحة التصحر وضع خطط واضحة المعالم تتضمن أهداف مباشرة تتمثل في وقف تقدمه واستصلاح الأراضي المتصحرة وأخرى تشمل إحياء خصوبة التربة وصيانتها في المناطق المعرضة للتصحر. ويتطلب الأمر تقويم ومراجعة الخطط بصورة مستمرة لتلافي ما هو غير صالح ونظرة بعيدة المدى وإدارة رشيدة لموارد البيئة الطبيعية على جميع المستويات وتعاون عربي وإقليمي ودولي فعال مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود حلول سريعة لهذه المشكلة.

    يمكن أن تختلف وسائل مكافحة التصحر من بلد عربي إلى آخر باختلاف مسببات وسرعة عمليات التصحر ونتائجها ولكن هناك أوجه شبه فيما بينها منها المسح البيئي الذي يتم من خلاله تقدير الطاقة الحيوية للأرض ويعد المقدمة الضرورية لأي خطط تستهدف مكافحة التصحر. وبما أن بلداننا العربية بصورة عامة تفتقر إلى الأبحاث والدراسات والمعطيات التفصيلية الدقيقة عن طبيعة النظام البيئي من ناحية وأبعاد مشكلة التصحر وتطورها من ناحية أخرى، لذا والحالة هذه فإن الأمر يقتضي الاسراع بإجراء المسوحات البيئية ووضع نتائجها أمام الباحثين والمخططين قبل الإنطلاق في مكافحة التصحر.
   بما أن عملية قطع الأشجار والشجيرات تساند عماية التصحر، لذلك أصبحت صيانة وحماية وتنمية الغابات أسلوبا مهماَ لمكافحة التصحر. ويبدو ان حماية الغابات وإعادة تشجيرها كأسلوب لمكافحة التصحر لا تزال في طور التجربة في البلدان العربية. حيث رغم المشاريع المنفذة أو التي في طور التنفيذ فهي تعتبر أعمالا متواضعة بالمقارنة مع التدمير الذي حصل والحاصل في الغابات. ويفترض أن يكون هناك تعاون عربي أوثق في هذا المجال خصوصاَ إذا عرفنا أن بعض البلدان العربية تعوزها الموارد المالية لتنفيذ مشاريع صيانة الغابات.
     من أجل ضبط الزراعة المعتمدة على الأمطار، فإن الأمر يتطلب الحد من توسع هذا النوع من الزراعة تجاه الأراضي الأقل ملائمة من ناحية كمية الأمطار الساقطة. إذ أن هذا التوسع يؤدي إلى تدهور التربة والنظام البيئي. ويعزى التوسع هذا إلى ضغط النمو السكاني المستمر. وقف هذه الظاهرة يمكن معالجته من خلال تحسين الأساليب الزراعية، واستخدام ما يناسب المناطق الجافة وشبه الجافة منها.

    إن الطريقة التي تدار بها المراعي تحدد إلى حد بعيد كفاءتها الإنتاجية وصيانتها. فباستثناء ما تتعرض له المراعي من تكرار الجفاف، فإن كل المشكلات الأخرى التي تواجه تنميتها الطبيعية يمكن معالجتها عن طريق الإدارة العلمية، والتي تضع المراعي الطبيعية في إطار منظومة التنمية المستدامة بيئيا. وهناك العديد من الإجراءات التي يمكن تبنيها ومن أهمها: تطبيق اساليب الاستثمار والإدارة المحسنة للمراعي من خلال الاستزراع الموسع (بالشتل والبذر) وتطبيق التقنيات المختلفة لزيادة الانبات والنمو والإنتاج باستخدام طرق معينة للحراثة، والاستغلال الرشيد لمياه الأمطار، واستخدام التقنيات الملائمة لتثبيت الرمال. والتحسين الوراثي لأصناف الحيوانات المحلية الواعدة بالانتخاب أو التهجين لزيادة الكفاءة الانتاجية مع الحفاظ على القدرة على التأقلم مع الظروف البيئية في مناطق الانتشار التقليدية. وتعزيز القدرات البشرية في المجالات المشار إليها، وخدمات التوعية والإرشاد.

     باتت ندرة المياه العذبة من أخطر المشاكل التي تعانيها منطقتنا العربية. وربما تشكل إدارة المياه المستخدمة في الزراعة أكثر التحديات جسامة فيما يخص استدامة استخدام الموارد الطبيعية، إذ تستحوذ الزراعة على نسبة عالية جدا، من استخدام المياه، نحو 78% من مجموع سحب المياه العذبة في بلدان منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. علما في كثير من بلدان هذه المنطقة، تتجاوز نسبة المياه المستخدمة في الزراعة 100% من الموارد المائية المتجددة.

     بما أن سوء استخدام المياه هو أحد مسببات التصحر، لذلك فإن مكافحة هذه الظاهرة تقتضي الحرص الشديد في استخدامها، وذلك من خلال إتباع وسائل ري وصرف اكثر فعالية مثل الري بالتنقيط الذي ثبتت فعاليته في بعض البلدان. كذلك يمكن التوسع في أسلوب الري بالرش الذي بدوره يقلل من المياه المستخدمة والعمل على تقنينها في المناطق المروية وفق حاجة المحصول وطبيعة تركيب التربة حتى لا يؤدي الإفراط في استخدامها إلى تملح التربة وتغدقها.

     تكون طريقة الارواء كفوءة أيضا، عندما لا تتسبب في أي زيادة في مستوى المياه الجوفية، ومن ثم زيادة كمية الأملاح التي تتراكم في التربة، وانخفاض في إنتاجية الأراضي المزروعة، وهذا يعني أن اختيار طريقة الري الكفوءة يتوقف على ما تحققه من توازن في قيم الاحتياجات المائية الفعلية وبين كمية المياه التي يتم تجهيزها بشكل يوفر محتوى من الرطوبة للتربة.

     من الإجراءات التي تساهم بفعالية في استخدام المياه بكفاءة عالية وتكافح التصحر: استنباط اصناف من الحبوب وانواع وراثية من مختلف المحاصيل تتسم بكفاءتها العالية في استعمال المياه وتحمل الجفاف والحرارة المرتفعة وذات كفاءة عالية في الاستفادة من ارتفاع تركز ثاني أكسيد الكربون. وإعداد سيناريوهات تركيب المحاصيل بما يتناسب مع ترشيد استخدام المياه وتعظيم الاستفادة من وحدة المياه المستخدمة وتنظيم الدورات الزراعية ومواعيد الزراعة. وتنظيم الدورات التدريبية وإعداد الكوادر ورفع كفاءة المختصين والمعنيين في قطاعات المياه والأراضي لمجابهة آثار التغير المناخي، وأثره على الأمن الغذائي للبلدان العربية.

     تعد المياه الناتجة عن معالجة الصرف الصحي مصدرا مهما في الدول التي تعاني ندرة المياه، خصوصا أن نظم المعالجة الحديثة قادرة على إنتاج المياه المعالجة للشرب حسب معايير منظمة الصحة العالمية، علما يجري استخدامها حاليا بالزراعة والمطلوب التوسع بهذا الاستخدام.

    من الإجراءات التي تحد من التعرية المائية والهوائية إقامة الأحزمة الواقية ومصدات الرياح حول مناطق الزراعة المروية والمطرية بقصد تخفيف أثر الرياح على التربة. وتحسين المراعي من ناحيتي حماية أراضيها من التعرية وإضافة نباتات رعوية معمرة تتيح نمو الكلأ في السنوات شحيحة المطر خاصة. وترك فضلات المحاصيل الزراعية منشورة فوق سطح التربة خاصة في أوقات الأمطار حيث تساهم المواد العضوية بأكبر نسبة في تماسك التربة. كذلك يجب الابتعاد عن الحراثة العميقة لأنها تؤثر في تماسك التربة. وهناك طرق أخرى لوقف التعرية قد تختلف نسبيا من بلد عربي إلى آخر تبعا لتباين نوع التعرية والتربة والتضاريس وكميات الأمطار الساقطة وغيرها.
     يمثل استخدام النمذجة الرياضية في دراسة الظواهر الطبيعية أحدى الخطوات الأولى لنمذجة التعرية الريحية في المنطقة العربية، إلا أنه لم يتم اعتماد وتطبيق نموذج رياضي يساعد في تقدير شدة حركة التربة بفعل الرياح وكمية التربة المنجرفة من منطقة معينة. يفترض بالبلدان العربية الاستفادة من هكذا ابحاث متطورة، علما أنها تمتلك الكوادر وخصوصا، المتخرجة من الكليات والمعاهد الزراعية الكثيرة. 
    بما أن الرمال تغطي مساحات واسعة من العالم العربي، وهي تمثل أحد العوامل التي تساهم في اتساع التصحر، لذا يقتضي الأمر التصدي لانتشارها والعمل على تثبيتها بل وزراعتها كي تتحول إلى مصدر يسهم في زيادة الانتاج. وتتبع أساليب مختلفة لتثبيت الرمال في البلدان العربية، منها إقامة الحواجز ومصدات الرياح وإقامة اسيجة من سعف النخيل لتقليل طاقة نقل الرياح وتغطية الكثبان الرملية بالنباتات الميتة واستخدام المواد النفطية والكيمياوية والطرق الميكانيكية مثل فرش طبقة من النشارة أو التبن على الأرض مع القار. وتستخدم أيضا الطرق البيولوجية والتي تعد واحدة من أفضل الطرق لحماية المناطق المأهولة بالسكان من حركة الرمال من خلال زراعة الأشجار، والشجيرات، والحشيش،  وغيرها. وهناك أمثلة جيدة على تثبيت الرمال في العديد من البلدان العربية.

     من الأساليب الزراعية التي تحد من الضغط على الأراضي الزراعية وتساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحد بالتالي من التصحر هي زراعة المحاصيل المعدلة وراثيا. وكانت مصر أول بلد عربي استخدم هذا النوع من الزراعة على مستوى تجاري. حيث وافقت الحكومة على زراعة الذرة الصفراء المقاومة للحشرات. وبدأت زراعة القطن المعدل وراثيا في السودان، وبلغ نحو 92% من القطن المزروع في السودان عام 2013 من هذه السلالة. ومن الأساليب الزراعية الأخرى المهمة استخدام نظام اقتصاديات الزراعة الحيوية-الملحية، وتعود أهمية ذلك إلى أن التصحر يرتبط بدائرة الفقر وأنظمة الزراعة الهامشية. وهناك ست مجموعات مختلفة من الأنظمة الحيوية-الملحية تم تجريبها في شبه الجزيرة العربية لتوفير فرص كسر دائرة الفقر، وزراعة الصحراء وإصلاح الأراضي المتملحة.




32

     صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة| بيروت، سنة 2016، كتاب "نيجيريا: دراسة في المكونات الاجتماعية-الاقتصادية"، لمؤلفه د. هاشم نعمة فياض، يقع الكتاب في 399 صفحة من القطع الكبير.
    يتكون الكتاب من ستة عشر فصلًا موزعة في قسمين، إضافة إلى المقدمة؛ فرضيات الدراسة؛ الدراسات السابقة؛ مفاهيم نظرية، عالج القسم الأول منهما: الملامح التاريخية؛ بناء الدولة؛ البنية الإثنية؛ البنية الدينية؛ النمو السكاني؛ الهجرة الداخلية والتحضر (توسع المدن)؛ الهجرة الخارجية؛ التوزيع الجغرافي للسكان؛ العلاقات الخارجية، ومنها العلاقات مع العالم العربي. وعالج القسم الثاني الزراعة؛ الغابات والثروة الحيوانية؛ النفط والغاز الطبيعي؛ الثروة المعدنية؛ الصناعة؛ النقل والمواصلات؛ التجارة، الداخلية والخارجية.
    ومما ورد في الكتاب، إن قلة ما كتب عن نيجيريا باللغة العربية، كما لاحظنا في أثناء قيامنا بجمع ما تمكّنا من الوصول إليه من المصادر والمراجع والبيانات المتعلقة بهذا البلد، دفعتنا إلى مواصلة البحث والكتابة عنه، لشعورنا بأن هذا العمل قد يساهم في ملء بعض الفراغات في المعرفة الأكاديمية المتعلقة بالمكونات الاجتماعية- الاقتصادية لنيجيريا.

  أما ما دفعنا إلى اختيار هذا البلد للكتابة عنه، فهو أهميته على كلٍّ من المستوى الإقليمي والقاري والعالمي. فنيجيريا تتميز بموقع استراتيجي، وبوزن سياسي واقتصادي مهم؛ حتى أصبح لها صوت مسموع في المحافل والمنظمات الإقليمية والدولية، ولا سيما في مجال الدفاع عن القضايا العادلة لدول القارة الأفريقية. وكثافتها السكانية تُعدّ الأكبر بين سكان القارة. وهي من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية التي صار اسمها الاتحاد الأفريقي منذ عام 2001، وهي عضو في مجموعة دول الكومنولث، وفي منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك. وتربطها بالعالم العربي علاقات جيدة سياسية واقتصادية وثقافية. يضاف إلى هذا أن مواقفها مشهودة في تأييد القضايا العربية العادلة، خاصة القضية الفلسطينية. وتعيش فيها حتى الآن جاليات من البلدان العربية، تتمتع بوزن اقتصادي واضح.

  تواجه نيجيريا مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية وإثنية ودينية متشابكة شبيهة بتلك التي يواجهها بعض البلدان النامية ومنها العربية، إضافة إلى ذلك، هناك إرث مشترك بين هذه البلدان يتمثل بما خلّفه الاستعمار من تأثيرات متشعبة، ما زالت تعانيها المكونات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذا لعله من المفيد تحليل هذه المكونات بالنسبة إلى نيجيريا للاستفادة من بعض تجاربها وتلافي ما هو غير ناجح ومعوّق في بناء الدولة المدنية والمجتمع والسير في عملية التنمية الاجتماعية-الاقتصادية.




33
قراءة في كتاب "قضايا في نقد العقل الديني"
                                                                                     
 د. هاشم نعمة
      يشكل النقد مكونا مهما من مكونات الإنتاج الفكري والابداعي، ودونه يصيب الركود والجمود المنظومات الفكرية والمعرفية ومنها الفكر الديني. وقد كرس مفكرون وباحثون جهودهم العلمية لنقد الفكر الديني ومنه الإسلامي لجعله متوافقا مع متطلبات وتطورات الحياة المعاصرة وما تشهده من تغيرات وتحولات سريعة في فترات قصيرة فما بالك عبر فترات طويلة الأمد. ومن هؤلاء المفكر محمد أركون الذي كرس حياته العلمية المديدة حتى وفاته عام 2010 لمشروع نقد العقل الإسلامي وتجديده مستخدما المناهج الحديثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية. كذلك من الذين بحثوا بعمق بهذه الموضوعة صادق جلال العظم، ونصر حامد أبو زيد، وفرج فودة، ومحمد شحرور وغيرهم. ورغم أن أبحاثهم القيمة تهدف إلى نفض الغبار عن التراث الإسلامي وغربلته لإبراز ما هو مشرق وصالح وترك ما عفى عليه الزمن وبات في عداد التراث الميت، رغم ذلك نجد القوى المحافظة والسلفية تشهر في وجوههم التكفير لتلجم كل تفكير حر متفتح.
   ومن كتب أركون المهمة "قضايا في نقد العقل الديني.. كيف نفهم الإسلام اليوم؟" ترجمة وتعليق هاشم صالح، والذي ارتأينا تقديم هذه القراءة عنه. يضم الكتاب الموضوعات الآتية: إشارات تمهيدية، مقدمة المترجم، كيف ندرس الإسلام اليوم؟، خرق الحدود التقليدية، زحزحتها عن مواقعها، تجاوزها، الإسلام المعاصر أمام تراثه والعولمة، إضاءة الماضي لفهم الحاضر وفهم المستقبل، التسامح واللا تسامح في التراث الإسلامي، الممكن التفكير فيه والمستحيل التفكير فيه في الفكر الإسلامي المعاصر، تشكّل الأصولية، التفاوت التاريخي، وتوليد فكر نقدي جديد عن التراث، المثقفون العرب والغرب: عصر التنوير، الحداثة، وما بعد الحداثة، الظاهرة الأصولية وإشكالاتها. الكتاب صادر عن دار الطليعة، ببيروت، الطبعة الرابعة، 2009، عدد الصفحات 335. أنه كتاب قيم جدير بالقراءة المتمعنة.
      يلح أركون على دراسة الظاهرة الدينية كموضوع نظري والاهتمام بدراستها اهتماما شديدا في المجتمعات الإسلامية عربية كانت أم غير عربية. وهذه القضية العاجلة لا تنطبق على المجتمعات الغربية المعاصرة كما المجتمعات الإسلامية. لماذا؟ لأن هذه المجتمعات الأوروبية او الغربية تجاوزت الحالة الدينية للوجود وانتقلت إلى المرحلة العلمانية الحديثة. فقد حجم الفعل التاريخي للبرجوازية من التجاوزات السياسية أو النفسية-الاجتماعية للمؤسسات الدينية، أو قل لجمها وأوقفها عند حدها. ثم تلتها البروليتاريا وزادت في تحجيم التجاوزات الأيديولوجية للدين المسيحي.   
     إذا نظرنا إلى التاريخ نلاحظ أن الفلسفة قد تحدّت اللاهوت لفترة طويلة من الزمن ونافسته من أجل السيطرة العقلانية على الحقيقية. لقد مثلت الفلسفة الجهد الكبير الذي بذله العقل من أجل التوصل إلى استقلالية ذاتية كلية في أعماله النقدية. فالتراث الديني كان يفرض مقولاته بشكل قاطع ويشل العقل عن العمل تقريبا، حتى نهضت الفلسفة واستطاعات أن تحرر العقل من اسر القيود. وكان ذلك في العصر الكلاسيكي الأوروبي على يد ديكارت وسبينوزا وكانت... ثم ظهرت العلوم الإنسانية بعدئذ وساعدت الفلسفة على القيام بعملها، بل كادت أن تحل محلها مؤخرا. واضطر علم اللاهوت ذاته إلى استخدام مقولات العقل النقدي ومنهجياته لكي لا يبدو متخلفا أو منقطعا عن العصر. وكل ذلك تحت ضغط العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية. هذا في حين أن اللاهوت الإسلامي لا يزال غاطسا في مناخ القرون الوسطى.
     فقد أُتيح لأوروبا ما لم يُتح لغيرها. أُتيح لها الامتياز التاريخي في أن تكون أول مكان في العالم، بل والمكان الوحيد، الذي جرت فيه مواجهة طويلة وحاسمة بين نموذجين، الأول الدين بصفته ذروة روحية تخلع الشرعية على الدولة أو السلطة، أما النموذج الثاني فهو السياسة الدنيوية التي تبحث عن شرعيتها الكاملة في التصويت العام. وانتهى الصراع لصالح النموذج الثاني الذي يدعى بنظام الحداثة. فقد انتصر فلاسفة التنوير على رجال الدين في أوروبا. 
    إن المكتسب العلمي الذي حقتته الحداثة لا يزال يُشكل اللا مفكر فيه بالنسبة إلى لفكر الإسلامي المعاصر. المقصود بالنسبة للفكر كما يمارسه علماء الدين المسلمون في وقتنا الحاضر. كما ويشكل اللا مفكر فيه بالنسبة لكل أولئك (من مسلمين وغير مسلمين) الذين لا يزالون منغلقين داخل ما كان قد دعاه أركون بالسياج الدغمائي المغلق. ويقصد به السياج المشكل من العقائد الإيمانية الخاصة بكل دين والتي أُبقيت بمنأى عن كل تفحص نقدي أو علمي بسبب استخدام استراتيجية الرفض من قبل المؤمنين التقليديين. المقصود بذلك رفض العلم بحجة أنه اختزالي، والتأكيد على الطابع الذي لا يُختزل للروحانيات، ثم رفض الحق في الاختلاف الديني، أي في اعتناق دين آخر، ثم تغليب الوحي على كل معرفة بشرية.. إلخ. 
     ينبغي التخلى عن التحقيبات الزمنية الخادعة التي تفرضها علينا الكتب المدرسية، بل وحتى الكثير من الدراسات الأكاديمية والجامعية. فهي تسجننا داخل تحقيب ايديولوجي لتاريخ الفكر العربي-الإسلامي. ويعتقد الباحث أنه ينبغي تطبيق علم الاجتماع والأنثربولوجيا التاريخية على تاريخ الفكر الإسلامي لكي نتوصل إلى تحقيب آخر أكثر مصداقية وقربا من حقائق التاريخ والتركيبة الفعلية لهذه المجتمعات. هناك استمرارية ابستمولوجية بين أول تبلور لصيغة الإسلام في القرون الهجرية الأولى وبين الصيغة التي يتخذها الخطاب الإسلاموي الأصولي السائد حاليا. وهي استمرارية طويلة جدا وتلفت الانتباه حقا. المقصود هنا أن التدجين الاجتماعي للفرد الإسلامي لا يزال مستمرا حتى اليوم كما كان عليه الحال قبل ألف وأربعمائة سنة! وأن أنماط الإدراك والتصور، وأنماط المحاججة والتأويل ورؤية العالم لا تزال هي هي. بمعنى يمكننا التحدث عن "ابستميه" أصولية مدهشة في استمراريتها وطول أمدها وقدرتها على الانبعاث والتجييش حتى الآن. علما أن مصطلح "ابستميه" كان ميشيل فوكو قد بلوره لتحقيب الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة وحتى اليوم. وقد ترجمه هاشم صالح بنظام الفكر العميق أو الأركيولوجي.
    الدراسات والمنهجيات التي ينتجها علم الاجتماع التاريخي قادرة على تعرية اللغة القديمة لكتب التراث الإسلامي وتفكيك بنيتها الداخلية، والكشف عن حجم الأسطرة أو الأدلجة التي تمارسها تحت عباءة المفردات والمصطلحات الدينية. وهي مفردات تبدو ظاهريا منزهة ولا غبار عليها، ولكنها في الواقع تخفي تحتها كل لعبة الهيمنة والسيطرة. والدليل على أن الخطاب التراثي أو الديني القديم كان ينطوي على شحنات أيديولوجية أو مضامين سلطوية مقنَّعة ومخفية جيدا تحت رداء المعجم الديني، هو أن خَلَفه الخطاب الأصولي الحالي يستخدم الطريقة نفسها.
    إن التراث ليس إلا معنى واحدا من جملة معان أخرى، وأنه ليس أزليا ولا أبديا. وإنما قد يتعرض للتحول، والتجدد، والتغيّر بفعل العوامل التاريخية. وبالتالي فإن تطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث العربي-الإسلامي سوف يثير هزة كبيرة. وبالتالي فإن التحرير الكبير لجماهير المسلمين لن يحصل إلا بعد دفع هذا الثمن.
    يرفض الكثير من المسلمين المتخصصين بالعلوم الدقيقة تطبيق المناهج النقدية الحديثة على التراث. إنهم يرفضون تطبيقها خارج نطاق اختصاصاتهم العلمية (كالفيزياء، والكيمياء...). والشيء المدهش واللافت للانتباه هو تكاثر عدد الأصوليين في أوساط المهندسين والأطباء والفيزيائيين...إلخ. فكان الاعتقاد السائد أن التخصص العلمي يبعد عن التعصب فإذا به يُقرّب منه، بحسب تعبير أركون. والمقصود بكلمة أصولي هنا ذلك الشخص الذي يرفض وضع أصول "الإيمان" على محك النقد والدراسة التمحيصية.   
    إذا لم يعد المؤرخ إلى الماضي البعيد فإنه لن يفهم الحاضر القريب. ينبغي القيام بهذا العمل الضروري والحاسم من أجل إعادة تأويل كل معجم المفاهيم والمصطلحات الموروث عن الماضي، أي كل التراث الديني في الواقع. ونعلم أن هذا المعجم مستعاد من قبل الحركات الشعبوية والإسلاموية الحالية دون أي تأويل أو تفكير أو تجديد، أنه مستعاد كما هو بشعاراته وألفاظه وأوامره ونواهيه! إذا لم نقم بهذا المسح التاريخي الشامل للماضي فإننا لن نستطيع تجديد النقاشات الجارية حاليا حول الفصل بين الدائرة الروحية| والدائرة الزمنية، بين المقدس| والدنيوي، بين المشروعية العليا| والسلطة السياسية. 
   تقوى المسلمين الأوائل وغيرتهم الشديدة على النبي وورعهم، كلها اشياء أدت إلى محو الصفة التاريخية عن هذه الشخصية وتحويلها إلى شخصية تقديسية مضخمة لا علاقة لها بالتاريخ تقريبا. وقد تولدت هذه الشخصية الجديدة في زحمة الصراع الحامي الذي دار بين مختلف الفئات الإسلامية في العصور الأولى. وبالتالي من الأفضل والأهم أن ندرس كيف تركبت تلك الصورة الأسطورية، بمعنى أن ندرس استراتيجيات الصراع على السلطة بين المسلمين الأوائل، وإبداع خيالهم الخلاق الذي ركب تلك الصورة التبجيلية المزيَّنة، وحاجات الأوساط الاجتماعية والمؤسسات الجديدة التي كانت قد أخذت تظهر في تلك الفترة والتي كانت بحاجة إلى تركيب هذه الصورة "الفوق تاريخية" للنبي. علما أن القرآن والأحاديث النبوية تشير بوضوح إلى الطابع البشري لشخصية النبي محمد. 
     لقد وصلت الأمور من التأزم إلى درجة لم نعدْ نستطيع أن نكتفي فيها بمجرد "إصلاح ديني" يتم داخل الأطر التقليدية لإصلاح القرن التاسع عشر. لا. نحن الآن بحاجة إلى ثورة فكرية حقيقية تذهب إلى أعماق الأشياء وتغيّر منظورنا جذريا للتراث. وهكذا بدلا من أن يستمر التراث كقوة معيقة تشدنا إلى الخلف في كل مرة، يُصبح قوة تحريرية تُساعدنا على الإقلاع والانطلاق الحضاري. ولكن هذا لن يتم قبل القيام بمسح تاريخي شامل للتراث. وهذا ما فعله أركون منذ أكثر من اربعين سنة من خلال مشروعه "نقد العقل الإسلامي" بالمعنى الألسني والتاريخي والأنثربولوجي والفلسفي لكلمة نقد.
     إن تأجيل نقد التراث الإسلامي يفسح المجال لنشر رواسب العصور الوسطى على مستوى شعبي واسع وتعميمه في كل البلدان العربية والإسلامية. ويساهم في هذا النشر النظام التعليمي السائد الذي يتعارض مع المكتسبات الأكثر رسوخا لعقل التنوير وفلسفته. وهذا ما اطلق عليه بالاستخدام الأيديولوجي للتراث. فالتراث ليس مدروسا لذاته ومعروضا ضمن سياقه التاريخي وإمكانياته، وإنما يعودون إليه لتلبية حاجات الحاضر ولتقويله ما لا يستطيع قوله، وهنا تكمن المغالطة التاريخية أو الإسقاط بالمعنى الحرفي للكلمة.   
    لا يمكن أن تدحض كلام السلفيين المعاصرين بالنظريات الفلسفية الغربية. يُمكن أن تدحضه بكلام الشق الثاني من التراث الإسلامي ذاته، هذا الشق الذي بُتر وحُذف منذ أكثر من عشرة قرون بحد السف... وهذا البتر هو الذي أدى إلى انهيار العقلانية العربية-الإسلامية في العصر الكلاسيكي، بعد أن كانت قد شهدت صعودا رائعا ومدهشا.                       
    كيف يمكن أن نفسر انبثاق الإسلام من جديد كنموذج أعلى للعمل التاريخي في عصرنا الحاضر، نموذج تتبعه الملايين وتعتقد بصلاحيته المطلقه حتى في هذا القرن الحادي والعشرين. بل إن الجماهير الشعبية تُطالب بهذا "الإسلام" بكل حماسه وعنف، إنها تطالب به اليوم أكثر من أي وقت مضى، وفي مختلف البيئات والأوساط الاجتماعية، وعلى قاعدة التصور الأسطوري لا التاريخي للقرآن والحديث النبوي. يقول الباحث لا يمكننا أن نجيب عن هذا السؤال إلا إذا أجرينا دراسة مقارنة مع ما يدعونه بالاستثناء المسيحي. فالمقارنة هي التي تضيء الحالتين. وبالمقارنة تتبين الأشياء. وهنا نكتشف نواقص التاريخ العام للأديان، هذا التاريخ الذي يكتفي بالسرد الوصفي المتسلسل لوقائع التجليات اليهودية، والبوذية، والمسيحية، والإسلامية... للعامل الديني.
     أن نفكر ولو للحظة واحدة بالانعكاسات المدمرة الناتجة عن القراءة الحرفية الفظَّة للقرآن، هذه القراءة التي تفرضها اليوم الحركات الإسلاموية المتطرفة. وهي إذ تفرضها تمنع التطور أو تشل حركة المجتمعات الإسلامية، عربية كانت أم غير عربية، عن هذا التطور. إنها تجمد النص في لحظة معينة وتحول بالتالي دون انخراط هذه المجتمعات في العصر الحاضر أو إيجاد صيغة توفيقية مناسبة للتصالح مع الحداثة العالمية.
     لماذا ننطلق من الظاهرة الإسلامية ومن تلك الفترة بالذات؟ ليس من أجل دحض قطب الجهاد عن طريق الدفاع عن إسلام أصلي، صحيح، يختلف عن الإسلام الأصولي الجهادي. وبحسب تعبير أركون، فنحن لسنا من دعاة التبجيل والتبرير. ولا نعتقد بوجود مثل هذا النموذج الإسلامي الأصلي الذي يمكن أن يشكل البديل الفعال والوحيد لنموذج الحداثة. هذا يعني أن التمييز بين الإسلام الحقيقي أو الأصلي والإسلام الجهادي العنيف لا يصمد أمام الامتحان على عكس ما يدعي التبجيليون المسلمون. فالصيغ الأصولية أو الجهادية للإسلام كانت متضمَّنة في النصوص التأسيسية.
      كانت المحاولات الأكثر تعقيدا واصطناعا للتوفيق بين تعاليم الوحي الديني وتعاليم الفلسفة الإغريقية قد جرت على يد ابن رشد بالنسبة إلى المسلمين، وموسى بن ميمون بالنسبة إلى اليهود، وتوما الأكويني بالنسبة إلى المسيحيين الكاثوليك. (الأول توفي عام 1198 م، والثاني عام 1204 م، والثالث عام 1274 م).
    لقد رفض التراث السني هذا الخط الفكري وفضّل التركيز على صورة الإسلام الإخائي الودي، والطقسي الشعائري، والشعبي. وأما التراث الشيعي فقد اتبع خط الفلسفة الإشراقية أو الصوفية-الباطنية. أما اليهود فقد وجدوا لهم ملجأ وملاذا في الدين الحاخامي والطقسي الشعائري المتأثر قليلا أو كثيرا بالصوفية الباطنية (أي تفسيرهم للتوراة صوفيا ورمزيا كما كان يفعل الأقدمون). وحدهم المسيحيون الأوروبيون واصلوا مسيرة التقدم عن طريق مقارعتهم أو مواجهتهم المستمرة للنجاح المتزايد للبحث الفلسفي والاكتشافات العلمية. وبالتالي فقد تجددت عقيدتهم بسبب هذه المقارعة أو بسببها. وهذا ما لم يتح لليهود أو للمسلمين أو للمسيحيين الشرقيين. ثم ظهر مارتن لوثر لكي يحدث انشقاقا داخل المسيحية عندما وضع حدا للأستاذية العقائدية الكاثوليكية وأعطى الفرد المسيحي حق تأويل الكتابات المقدسة بنفسه أي بدون المرور بهرمية الكنيسة أو رجال الدين. ويعتبر المؤرخون أن المذهب البروتستانتي يُشكل المرحلة الأولى من مراحل الخروج على الدين الكهنوتي التقليدي.
    الفترة الطويلة الممتدة من القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر من حياة المجتمعات العربية والإسلامية كانت قد أُهملت دراستها زمنا طويلا. وعندما كان يتحدث المؤلفون عنها فإنهم كانوا يفعلون ذلك بشكل سطحي في الكتب المدرسية قائلين بأنها عصر انحطاط، أو سبات طويل، أو جمود أو عودة إلى الخرافات الشعبية. لا ريب في أنها احتوت كل ذلك، ولكنها تستحق دراسة معمقة وشاملة. لماذا تستحق كل هذا الاهتمام؟ لأن المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة ناتجة عنها مباشرة. وبالتالي فلا يُمكن فهم المشاكل الحالية إن لم تُفهم تلك الفترة. وفي زمن الامبراطورية العثمانية الطويل لم يضاف شيئا جديدا إلى الثقافة أو الحضارة أو الفكر. ولم يساهم الأتراك في تشكيل الحداثة التي ابتدأت انطلاقتها في ذلك الوقت، وإنما ظلوا على هامش التاريخ مكتفين بقمع الشعوب الإسلامية الأخرى التي تشكل الامبراطورية، ومكتفين باستغلالها وجبي الضرائب الباهظة منها.
     لو نجح التنوير الإسلامي، لما ظهرت الأصولية وملأت الشارع والبيت والمدرسة والجامعة وكل شيء... لو أن الحداثة الفكرية – حتى في صيغة القرن التاسع عشر- استطاعات أن تفكك أطر الفكر التقليدي لما شهدنا انتشار هذه الممارسات المتطرفة والخطابات العتيقة في الوقت الحاضر. والدليل على ذلك أن المسيحية الأوروبية عاجزة عن توليد حركات أصولية بمثل هذا الحجم والضخامة. لماذا؟ لأن عقل التنوير مر من هنا، ولأن منهجية النقد التاريخي أصابت المسيحية في العمق وعزَّلتها ونفضت عنها ركام القرون. وهذا ما لم يستطع النهضويون العرب أو المسلمون أن يفعلوه بالنسبة إلى التراث الإسلامي. رغم الاحترام لجهودهم وجهود شخصية كبرى مثل طه حسين. وبالتالي فالتنوير الإسلامي لا يزال أمامنا وليس خلفنا. ينبغي الإشارة أنه بعد ظهور حركة الإخوان المسلمين في الثلاثينات من القرن العشرين، فإن المثقفين الحداثيين خافوا وتراجعوا. وراحوا يقدمون التنازلات للتيار التبجيلي التقليدي الذي أخذ يكتسح الشارع. هذا ما تجلى في كتابات العقاد بل وحتى في كتابات طه حسين. 
      لقد حدث تغير فيما يخص الإسلام السياسي المعاصر أو الحركات الأصولية. فهذا الإسلام لم يعد يهتم بتطوير الفعالية الفكرية والتفسيرية للدين كما كان يفعل الإسلام الكلاسيكي. فالعمل السياسي هو الأهم بالنسبة إلى الإسلام المعاصر؛ إنه يتغلب على كل اعتبار آخر؛ إنه يتغلب على ضرورة إبداع مرافق فكري للممارسة الدينية أو الشعائرية، كما ويتغلب على أولوية البُعد الروحي المؤدي إلى التواصل مع مطلق الله. إن الحركات الأصولية الحالية لم تعد تفكر إلا بالقوة والسلطة، أو الوصول إلى السلطة بأي شكل. وهنا تحصل القطيعة بينها وبين الإسلام الكلاسيكي الذي شهد تعددية عقائدية مدهشة بين مختلف المذاهب الإسلامية من سنية وشيعية ومعتزلة وفلاسفة... إلخ. كما وتميز الإسلام الكلاسيكي بانفتاح فكري وعقلي عالي المستوى، وباهتمامه الكبير بالتجربة الروحية الصوفية. هذا كله انتهى بالنسبة إلى الإسلام المعاصر.
      ينبغي أن يرى الباحثون الغربيون الذين اهتموا بدراسة الأصولية الإسلامية في السنوات الأخيرة، أن عنف الأصولية السياسية (سواء كانت مكسوة بالغلاف الديني أو لا) ليس فقط مرتبطا بعوامل داخلية غير مُسيطر عليها، وإنما أيضا يُمثل ردا على القوى التفكيكية للعولمة المفروضة من قبل استراتيجيات التوسع الاقتصادي والتكنولوجي للقوى الكبرى؟
    لا ينبغي للمؤرخ بعد الآن أن يهتم فقط بالسلطة المركزية وكتابة تاريخها وتاريخ القطاعات المدجنة التابعة لها، وإنما عليه أن يكتب تاريخ من لا تاريخ لهم: كل الفئات المهمشة والتي كانت حتى أمد قريب خارجة عن نطاق السلطة المركزية.
    إن إعادة دمج "الفئات المهمشة" داخل التاريخ العام للمجتمعات العربية والإسلامية يتيح لنا أن نفهم بشكل أفضل هذه الحركات الشعبوية الإسلاموية. كما ويتيح لنا أن نوسع التحليل ونفهم سبب استخدام الإسلام في فترات متقطعة وعلى مدار التاريخ كسلاح سياسي.
     بما أن الإسلام يُعتبر من قِبل الباحثين الغربيين بمثابة المثال المضاد للمسيحية، أي الذي لا يقبل إطلاقا التفريق بين الدين والسياسية. وهي نظرة مفروضة من قِبل الأصوليين الإسلاميين والأدبيات الاستشراقية في آن معا، وبخاصة الأدبيات السياسية التي انتشرت مؤخرا كالفطر في فرنسا والولايات المتحدة وغيرها عن "الإسلام الراديكالي". فهي تدعم تلك الفكرة القائلة بأن الإسلام دين ودنيا بشكل لا ينفصم. وهذا ما تُؤكده الحركات الأصولية ذاتها وإن يكن لأسباب أخرى. فالأدبيات السياسية الأوروبية تعتبر ذلك نقصا في الإسلام أو عرقلة للتطور. في حين أن الحركات الأصولية تعتبر ذلك علامة على اكتمال الإسلام وتفوقه على المسيحية. فالإسلام في رأي أركون يسمح بالعلمنة والحرية والتمييز بين الدين والسياسة عل عكس ما يتوهم الجميع. 
     
         
     
           

34

    صدر عن دار الرواد المزدهرة ببغداد عام 2015، كتاب يحمل عنوان "دراسات اجتماعية-اقتصادية معاصرة" لمجموعة من الباحثين، ترجمة د. هاشم نعمة فياض، ومما ورد في الكتاب:

 

    في السنوات الأخيرة، نُشرت بحوث ودراسات ومقالات معمقة وذات مستوى أكاديمي، وفق منهجيات متعددة، بالأخص باللغة الانكليزية، عالجت مواضيع مختلفة تندرج ضمن الدراسات الاجتماعية- الاقتصادية، على مستوى العراق، والعالم العربي، والعالم، ومواكبة لما يكتب، وحرصا على الإطلاع عليها، قمنا بترجمة عدد منها في فترات مختلفة، لعلنا نساهم في سد بعض النقص في المكتبة العربية في المواضيع المبحوثة. وتسهيلا للاستفادة منها من قبل الباحثين والدراسين والقراء عموما، ارتأينا جمعها ونشرها في هذا الكتاب. وقمنا بترتيب محتويات الكتاب بحسب معالجته للجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والبيئية والسكان والهجرة. وقد حرصنا على تثبيت المراجع والمصادر المترجم عنها بلغتها الأصلية في نهاية كل موضوع، بشكل يسمح لكل من يرغب بالاستزادة بالرجوع إليها.

     بالجانب التاريخي، وفي كتاب "المدينة في بلاد ما بين النهرين قديما" يرد بأن دراسة المدن في هذه المنطقة يفترض أن تأتي في مقدمة أولويات المؤرخين المهتمين بحضارتها، إلا أن عددا قليلا منهم أعطى اهتماما خاصا لهذا الموضوع، علما كانت المدينة لآلاف السنين تقرر اوجه حضارة ما بين النهرين. ولم تشهد هذه المنطقة فقط انبثاق أول حضارة مدنية في التاريخ بل كانت كذلك ذات مجتمع أكثر حضرية (مدينية) في زمانها. 

     وفي كتاب "الحياة اليومية في بلاد ما بين النهرين قديما"، يتبين أن البنية الاجتماعية والطبقية في بلاد ما بين النهرين كانت تقوم على الاقتصاد حيث ينقسم المجتمع إلى مجموعتين الأولى تضم أولئك الذين يملكون وبالأخص الأراضي والثانية تضم التابعين إلى الأثرياء من الفقراء والمعدمين. وفي مجال الابتكار تفوق البابليون على جيرانهم في الشرق الأدنى القديم في معرفتهم بالفلك والرياضيات. واحتفظ البابليون والآشوريون بسجلات مفصلة لملاحظاتهم عن مواقع وحركات الأجرام السماوية وغير ذلك من الإنجازات العلمية.

     بالجانب السياسي، يضم الكتاب عددا من الدراسات والمقالات منها ما تخص السياسة الرسمية المعلنة للدول الغربية تجاه الحرب العراقية-الإيرانية وهي البقاء على الحياد وعدم تزويد كلا الطرفين بالأسلحة. لكن هذه السياسة كانت منافقة لان الواقع كان غير ذلك تماما. فقد كانت الدول الغربية تزود الطرفين بالأسلحة لكي تتواصل الحرب أو تنتهي بدون نصر واضح لأي طرف. وهذا ما يتم كشفه بالأدلة الموثقة. ومقالة "صدام يغتال رجل دين" التي تبين كيفية تصفية صدام حسين لمعارضيه.

    وتبرز مقالة "أولوية بوش في العراق ليست الديمقراطية"، أن الديمقراطيين والمحافظين الجدد خارج الإدارة الأمريكية كانوا يعتقدون بأن أمريكا يمكن أن تكون في أمان إذا سارت بقية دول العالم على المفهوم الأمريكي. وطبقا لذلك فهم يفضلون نشر المزيد من القوات الأمريكية وصرف المزيد من الأموال من أجل بناء عراق مستقر وديمقراطي، في حين لا يشاطر القوميون المتشددون هذه الرؤية وهم يعتقدون بأن أمن أمريكا يتطلب في المقام الأول هزيمة أعدائها واجتثاث التهديدات التي تواجهها.

    ويرد في كتاب "أمريكا عند مفترق طرق.."، أن منظري الفكر المحافظ الجديد اقترحوا في السنوات التي كانوا فيها خارج السلطة قبل انتخابات عام 2000 أجندة السياسة الخارجية الأمريكية التي تتضمن تغيير الأنظمة والهيمنة المُحسنة والتفرد الأمريكي لتكون علامة فارقة في السياسة الخارجية لإدارة بوش.
 
    وتعالج دراسة "الفدرالية في أوروبا وأمريكا اللاتينية.." تجارب الفدرالية مع التركيز على الجانب النظري، علما أن هذا النظام حظي بقدر كبير من المعالجة والاهتمام في السنوات الأخيرة. رغم أن المؤسسات الفدرالية لم تكن بالتأكيد جديدة، لكنها أصبحت أكثر بروزاً نتيجة تأثيرات مترابطة لأربعة اتجاهات واسعة الانتشار ومتزامنة تقريباً: الدمقرطة، الليبرالية الاقتصادية، اللامركزية ومساوئ النزاعات الداخلية المسلحة.

    وتفحص مادة "النفط والفدرالية.. حالة نيجيريا" السعي لتطبيق النظام الفدرالي كوسيلة لدمج المكونات السكانية المختلفة في المجتمعات التي تتميز بالتنوع من أجل بناء نظام حكم موحد، وفي نفس الوقت بقاء الهويات الإثنية تتمتع باستقلالها، وهنا يتم التركيز على العلاقة بين عوائد النفط والفدرالية.
    ويتضح من كتاب "ظاهرة طالبان .. أفغانستان 1994-1997"، أنه منذ أن اجتذبت طالبان اهتماما دوليا نشر الكثير عن اصلها وتوجهاتها وإمكانياتها. وعبر الكثير من المراقبين عن آرائهم في قوة وضعف طالبان. لكن لم تنشر دراسة شاملة، حول هذه الظاهرة الجديدة، التي ظهرت بشكل مفاجئ في الأفق الأفغاني.  لذلك تعرض الدراسة تقييما لأصل حركة طالبان وأسباب نجاحها وإخفاقاتها وتأثير التقسيم الإثني على مستقبل أفغانستان.
    وفي كتاب" السياسة الأوروبية في تحول" يرد بأنه جرى تحديث المؤسسات السياسية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية حيث تحولت السلطة من البرلمان إلى المؤسسات التنفيذية. على افتراض أن ذلك يساهم في سرعة وتماسك صناعة القرار السياسي. وقد صممت البرلمانات لتمثل مختلف المصالح لخلق نوع من التوازن في المجتمع.   
   وبحثت دراسة "القوة السياسية لوسائل الإعلام الاجتماعية.." في انتشار الانترنت منذ أوائل التسعينات، حيث نمت شبكات السكان المرتبطة به في العالم من ملايين قليلة إلى مليارات. وخلال نفس الفترة، أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة للمجتمع المدني على مستوى العالم، مع إعطاء أمثلة من بلدان مختلفة عن مساهمة هذه الوسائل في تغيير الأنظمة السياسية.

    وفي دراسة "فهم ثورات 2011 .. ضعف الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط "يتم التعمق في بحث أسباب موجة الانتفاضات التي اجتاحت الشرق الأوسط ويشار إلى أن لها تشابها ملحوظا مع الزلازل السياسية التي حدثت في الماضي، مثل ما حدث في أوروبا عام 1848. لكن انتفاضات عام 2011 قاتلت شيئا مختلفا تماما يتمثل بدكتاتوريات "سلطانية". ورغم أن هذه الأنظمة تبدو وطيدة، في الغالب، لكنها في الحقيقة تكون شديدة التأثر، بسبب من أن الاستراتيجيات التي استخدمها للبقاء في السلطة جعلتها هشة، وغير مرنة.

     وبالجانب الاقتصادي، بحث كتاب "الدولة والمجتمع: مسألة التحول الزراعي في العراق.." دور الدولة في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدها الريف العراقي والمجتمع العراقي بشكل عام منذ بداية القرن العشرين. ويحاول المؤلف تحديد مدى تدخل الدولة في التحول الزراعي واكتشاف تأثير الدولة في صياغة شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الريفية. ويبين كيف أن التحول الزراعي هو جزء من عملية اكبر للتحول البنيوي تتضمن تغيرات كبيرة في اهتمامات الدولة وعلاقاتها بالتنمية الاقتصادية والقطاع الزراعي.  لقد شجعت الدولة توغل الرأسمال الخاص في الزراعة بواسطة توفير محفزات مختلفة. وهذا لم يأخذ طريقه بدون تدمير الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية لبرامج الإصلاح الزراعي.

    وعالجت مادة "الاقتصاديات العربية.. الشفافية والعولمة وأزمة المياه " المؤتمر العالمي الذي عقد تحت عنوان "التطورات الاقتصادية الجديدة وتأثيراتها على الاقتصاديات العربية" والذي بحث في المحاور الرئيسية الآتية: العولمة والإقليمية، أزمة المياه والبيئة، التغيرات التكنولوجية والنتائج الاقتصادية لعملية السلام.

    وفي مادة "ملاحظات في جغرافية التنمية والتخلف" تمت الإشارة إلى أنه منذ فترة طويلة اهتم الجغرافيون وعلماء الاجتماع الآخرون بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي الموجود سواء بين الدول أم بين المناطق. وقد ساهمت اعمالهم في فهمنا للتنمية، لكن المساهمة المميزة للجغرافيين تتحدد بأنهم ينظرون لعملية التنمية بإطارها الواسع والشامل والذي يدمج الخاصيات البشرية والبيئية للبلد مع إرثه التاريخي الفريد وعلاقاته مع البلدان الأخرى.

     وتُظهر مقالة "العولمة تعمّق عدم التوازن" بأن للعولمة منافع كثيرة بالنسبة للبعض ولكن بالنسبة لغالبية سكان العالم تعني فقط مزيداً من الفقر. وبأن خصخصة قطاع المعرفة لا يقود بصورة اوتوماتيكية إلى المنافسة. فكثير من التحولات قادت في السنوات الماضية إلى المزيد من احتكار المعرفة. 

     وتناولت دراسة "رأسمالية الدولة عصر يتشكل .." التطورات الأخيرة التي اعقبت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، حيث في الولايات المتحدة، وأوروبا، والكثير من دول العالم المتقدم، تهدف الموجة الأخيرة لتدخل الدولة التخفيف من أضرار الركود الاقتصادي العالمي الحالي واستعادة الاقتصاديات المريضة لعافيتها. في حين أن طبيعة التدخلات المماثلة في الدول النامية حيث تسيطر الدولة بقوة على الاقتصاد تشير إلى رفض إستراتيجي لعقيدة السوق الحرة.

     وبحثت دراسة "الرأسمالية وعدم المساواة"، في تزايد التفاوت، في كل مكان من العالم الرأسمالي ما بعد الصناعي. ورغم اعتقاد الكثيرين في صفوف اليسار، فإن هذا التفاوت لا ينتج من السياسة، ولا السياسة من المتوقع بمقدورها أن تعكس ذلك، لأن المشكلة ذات جذور أكثر عمقا. حيث أن التفاوت يكون نتاجا حتمي للنشاط الرأسمالي، وتوسع تكافؤ الفرص يزيد منه فقط.

     وفي جانب البيئة والتنمية، لخصت مادة "التنمية المستديمة في المناطق الجافة" البحوث التي قدمت في المؤتمر العالمي حول التنمية الصحراوية في دول الخليج العربي، حيث توزعت البحوث إلى ثمانية محاور؛ شملت الأفاق العالمية والإقليمية، الخليج وتأثير الحرب، تقييم السيطرة على تذرية الرمال والكثبان الرملية والاستشعار عن بعد وتطبيق نظام المعلومات الجغرافية، تقييم وإدارة وتحسين الأراضي الهامشية، إدارة وتحسين المياه والتربة، إدارة وحماية التنوع البايولوجي (الأحيائي) والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية.

    وتناولت مادة "الملامح المميزة لمشاكل البيئة في المرحلة الحالية" ما تميزت به العقود الأخيرة، من التدهور الحاد في مكونات البيئة الطبيعية؛ لذلك تظهر الأهمية الاجتماعية والاقتصادية الجديدة لمشاكل البيئة أن علاقات الانسان بالطبيعة قد دخلت في مرحلة من التطور ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى حاضر ومستقبل الاجيال القادمة، إضافة الى آفاق تنمية القوى المنتجة على المستوى الوطني والعالمي، ومن هنا تأتي المطالبة بسياسات لحماية البيئة تأخذ في الاعتبار الجانب السياسي الدولي منها.

    وحللت دراسة "المتغيرات المناخية الأخرى.." عملية خفض انبعاثات مواد الكربون الممتص الخفيف (يعرف الكربون الأسود) والغازات التي تكون الأوزون مجتمعة، هذه الملوثات التي تشكل تأثيراتها المدفئة حوالي 40-70% من تلك العائدة لثاني أكسيد الكربون. إن الحد من وجودها في الغلاف الجوي هو أسهل وأرخص، وهذا الاقتراح يمكن تحقيقه من الناحية السياسية أكثر مقارنة بالمقترحات المألوفة أكثر لإبطاء تغير المناخ وسيكون له تأثيراً فورياً.

     وفي جانب السكان والهجرة، عالج كتاب "أوروبا: قارة واحدة وعوالم مختلفة.." التطورات الديمغرافية في أوروبا في المستقبل التي سوف يكون لها تأثيرٌ رئيسيٌ على الظروف الاقتصادية والاجتماعية. فازدياد شيخوخة السكان مثلا سيؤثر في أنماط الاستهلاك وطلب الرعاية الاجتماعية والتقاعد وعرض العمل. ونمو السكان له تأثير على ظروف البيئة الطبيعية وعلى سوق السكن بينما الزيادة في السكان ذوي الأصول الأجنبية سوف يكون لها نتائج اجتماعية بعيدة المدى. وتمت مناقشة سيناريوهين للسكان للنصف الأول من القرن الواحد والعشرين شملت 33 بلدا أوروبيا.

     وحلل كتاب"المهاجرون والتمييز العنصري.. الجزائريون في فرنسا 1900-1962" بعمق العلاقة المتبادلة بين الاستعمار والهجرة. حيث درس وضعية الجزائريين في فرنسا من ناحية الهوية الوطنية والجذور التاريخية للعنصرية تجاههم. فخلال العقود الأخيرة أصبحت الهجرة إلى فرنسا، واندماج الأقليات الاثنية، والعنصرية موضوعات مركزية في السياسة الفرنسية. ويدور النقاش السياسي المكثف حول مستقبل الأقليات الإثنية (العرقية) وهل سوف تندمج تدريجيا في المجتمع الفرنسي أو تكون جيوب عسيرة الهضم تهدد وحدة الشعب الفرنسي.

     وأشارت مقالة "الهجرة السكانية وتجارة البشر في الشرق الأوسط" إلى أن الهجرة في هذه المنطقة نادرا ما تحظى بتغطية الإعلام الغربي، حيث يرتبط "الشرق الأوسط" بشكل نموذجي بقضية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وجيوبولتيك النفط أو أكثر حداثة بالحرب في العراق. هدف هذه المقالة  اثبات أن هناك اهتماما متزايدا في المنطقة بموضوع الهجرة خصوصا تجارة البشر منها.

    وعالجت مقالة "الهجرة السكانية وظاهرة العولمة" التغيرات التي حدثت في طبيعة حركية السكان بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين مدعومة بشكل رئيسي بالعولمة الجارية ونتائجها غير المباشرة السياسية والتكنولوجية والاقتصادية. فقد شهدت علاقات المناطق التي كانت مرتبطة مع بعضها بواسطة الهجرة الدولية توسعا وباتت أكثر تعقدا من خلال أشكال مختلفة من حركية السكان نتجت عن التغيرات في أسلوب الحياة والاستهلاك والتحولات الاقتصادية والسياسية.
 


35
التطرف الديني .. جذوره الفكرية وأبرز تجلياته*
                                                                                                  د.هاشم نعمة
     شغلت موضوعة التطرف الديني الكثير من اهتمامات الباحثين والمفكرين في العلوم الإجتماعية والإنسانية في السنوات الأخيرة، استنادا إلى مرجعيات ومنهجيات مختلفة، سواء على مستوى العالم أو على مستوى المنطقة العربية، نتيجة تصاعد موجة التطرف الإسلامي بشكل غير مسبوق. هذه الموجة التي مهدت لها وغذتها ظاهرة العودة إلى الدين بدءا من سبعينات القرن العشرين تقريبا. ورغم تعدد أشكال التطرف الديني، إلا أن ما تم التركيز عليه خص الإرهاب، خصوصا، المسلح منه المتمثل بالقتل العمد الذي يطال القوات المسلحة والمدنيين الأبرياء على نطاق واسع على يد الجماعات الإسلامية المسلحة التي ترفع شعار بناء الدولة الإسلامية والعودة إلى الخلافة من خلال الجهاد، وبالأخص منظمة القاعدة وتنظيم داعش أو ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام وبوكو حرام في نيجيريا. ونحاول هنا تحليل صيرورة الجذور الفكرية للتطرف الإسلامي وأبرز تجلياته المعاصرة، لعل هذا يساعدنا في فهم بعض أسباب تطور هذه الظاهرة وتفكيك خطابها.
                                         جذور السلفية
     مفهوم السلفية المتعارف عليه بين أوساط السلفيين، حاليا، في حقيقته، ضارب في جذوره في أعماق التاريخ الإسلامي، وساهم في توليد أيديولوجية متطرفة أخذت أبعادا سياسية خطيرة ازدادت تشددا مع تقدم الزمن إلى أن وصلت ذروتها في أقصى مظاهر العنف والدموية على يد الجماعات الإسلامية المسلحة المنادية بالجهاد في سبيل الله تحت راية هذا المفهوم. وبالعودة إلى الوراء، فقد كان لأحمد بن حنبل الذي عاش في بغداد في الفترة (164-241 هـ) الدور البارز في صناعة هذا الفكر وشحنه بقوى التطرف مكنته من الحفاظ على بقائه وضمان صيرورته للوصول إلى مرحلة محمد بن عبد الوهاب ومن ثم إلى عصرنا الحالي.
    الحقيقة التي يرفض تاريخنا الاعتراف بها تكمن في أنه عندما اعتمد ابن حنبل على أصول الشافعي الذي تتلمذ على يده في قراءة النص وجعل السنة وحيا ثانيا وتمسكه بتفسير التنزيل بالنص فقط، فقد أسهم بشكل كبير في الحجر على العقل. وتبعه ابن تيمية الذي عاش في الفترة (661- 728 هـ) ضمنها الفترة العصيبة التي تمثلت بالغزو المغولي، ونهب بغداد وسقوط الخلافة العباسية. وقد ألف ابن تيمية الكثير من الكتب، وجاءت أكثرها للرد على الصوفية أو الشيعة أو الأشاعرة، أكد فيها على عقيدته المبنية على منهج السلف بالاكتفاء بالنص، وعدم إعمال العقل إلا في حدود ما تسمح به النصوص دون تجاوزها. لكن هناك كتابات أخرى سخرها للحديث عن الجهاد والتكفير، وتعتبر مرجعا ملهما للحركات السلفية الجهادية المعاصرة، من بينها مجموع فتاواه الضخم،(1) وبالأخص المجلد الحادي والعشرين الذي تحدث فيه عن الجهاد. وألف كتابا آخر بعنوان "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" والكتاب رغم صغر حجمه إلا أن له عظيم الأثر على الفكر السلفي الجهادي المعاصر، لأنه يتناول علاقة الأمير برعيته في ظل الشريعة، ويشدد على تطبيق الحدود بشكل حرفي، ويولي بالمقابل موضوع الجهاد اهتماما مميزا ويعظم من شأنه.(2)
     لذلك، فابن تيمية حسب تعبير عزمي بشارة، ينتمي إلى نمط تفكير فقهي يرى أنه لا توجد معايير أخلاقية يحاسب بموجبها الفعل؛ فثمة دائما مبدأ ما في الشريعة الدينية يشتق منه ما يجب عمله، وتخضع له الأخلاق. وثمة أنماط أخرى من التدين الشعبي والمؤسسي وحتى الأصولي تنطلق في فهمها للدين من منطلقات أخلاقية، أو على الأقل تمنح القرار الأخلاقي استقلالية أكبر.
     والهدف السياسي المتطرف هو الذي ينفي الواقع المناقض للفكرة. ويُعدّ للساعين إليه بديلا للأخلاق، ويشغل مكانة مبدئها الأعلى، بحيث تشتق منه، أو هو هدف يخضع الأخلاق له بصورة كاملة، بحيث لا يتمتع المعيار الأخلاقي بأي استقلالية عن الهدف السياسي.(3) وهناك من يرى أن تطرف ابن حنبل أسهمت به طريقة الخلفاء العباسيين في فرض عقيدة المعتزلة التي تبنوها بالأخص المأمون بالقوة رغم عقلانيتها؛ ولهذا سميت في التاريخ محنة ابن حنبل لأنه رفض الرضوخ لهذا الفرض وسجن، مما خلق تعاطفا معه من قبل الناس. أما تطرف ابن تيمية ربما يعزى بأنه كان رد فعل ونتاجا لمرحلة تاريخية محددة تمثلت بمتطلبات مقاومة الغزو المغولي، لذلك يفترض أن يُقرأ بهذا الإطار لا أن تنسحب مقولاته على كل العصور كنصوص مقدسة مجردة من تاريخيتها ومغذية للتطرف.
                                         الوهابية والقطبية
    تزعم الحلقة التالية من تاريخ الفكر التكفيري محمد بن عبد الوهاب، الذي عاش في الفترة (1703-1792 م) بمنطقة نجد. ويعتبر مؤسس التيار الوهابي السلفي الذي تبناه آل سعود فيما بعد. ويعتبر كتابه "التوحيد" أهم الكتابات التأسيسية لمذهبه، إذ حظي بالشهرة والانتشار والجاذبية بين أوساط الجماعات السلفية، على الرغم من غياب أي تجديد جذري فيه. والكتاب مليء بالاستشهادات والاقتباسات التي تؤكد مرجعيته الحنبلية المتشددة.
    يبدو التناقض ظاهرا في المذهب الوهابي الذي يشدد من جهة على التوحيد والإخلاص لله وحده، والبراء من كل من حكم عليهم بالكفر أو النفاق ومعاداتهم بالقلب واللسان والفعل؛ غير أنه من الناحية السياسية، نراه يتراخى في إظهار الرفض والتمرد على الحكام، بل يوصي بالصبر على جورهم وإتباع أوامرهم وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم. ومرد ذلك أنه وافق على أن يتم تبني مذهبه تحت راية السيف لبناء مملكة تتخذ هذا المذهب كأيديولوجيا تؤسس كل سياسة المملكة وتشريعاتها، بالمقابل اشترط أن تضمن هذه السلطة استمرارية هذا المذهب. لكن تم من جهة أخرى صرف كل الطاقات التكفيرية ضد كل من هم خارج هذه الدائرة الأيديولوجية، مع أن هذا المد التكفيري لم يتجاوز في البداية السعودية، ثم اتسع ليصل العالم كله بظهور السلفية الجهادية.
    إن التطور الذي ساهم في بروز السلفية الجهادية كتيار جديد نتج عن امتزاج عناصر أساسية من المذهب الوهابي السلفي بعناصر أساسية من الفكر الأيديولوجي لسيد قطب. وقد أدت عملية المزاوجة والتوفيق هذين بين أيديولوجيا الحاكمية لسيد قطب وعقيدة "الولاء والبراء" الوهابية إلى خلق ديناميكية حركية في الجماعات الإسلامية، ضد الآخر مسلما كان أم غير مسلم، إذ يكفي فقط أن يكون خارج دائرة الجماعة كي يُحكم عليه بالكفر والردة سواء كان هذا الآخر فردا أو مؤسسة أو هيئة حكومية، وبعدها عرف هذا الثنائي السلفي- القطبي تطورا جديدا بتكفير المجتمعات والدول المعاصرة ممن لا يؤمنون بهذه الأيديولوجيا بما في ذلك المجتمعات الإسلامية، والحكم عليها بالجاهلية والإفتاء بجواز سفك دماء أفرادها،(4) وهذا ما نفذته وتنفذه الجماعات الإسلامية المسلحة حاليا. ومن المعروف أن السلفية التقليدية لا تسمح بالخروج على الحكام حتى لو كانوا ظالمين، في حين تبنت السلفية الجهادية مبدأ الخروج على الحكام.
    وربطا بذلك، وعلى الجانب الشيعي، كانت ثقافة حزب الدعوة، وهو حزب إسلامي عقائدي، من الكتب ذاتها التي يتثقف بها الإخوان المسلمون، وهي من تأليف قادة الإخوان المسلمين، حيث أن جانبا كبيرا من التثقيف الحزبي كان يجري بمطالعة كتب سيد قطب: في معالم الطريق، وفي ظلال القرآن، ومؤلفات أبي الأعلى المودودي، وهو من أعلام المسلمين الهنود المعروفين. وهذا يعني أن الحاكمية، بحسب المنطق السني موجودة في اهداف هذا الحزب.(5) ومعروف أن سيد قطب يعد من منظري الإخوان المسلمين، وقد شكلت كتاباته الأساس الفكري للجماعات الإسلامية التي تتبنى العنف. ويقر بعض قادة حزب الدعوة أن مفهوم الحاكمية أخذ حيزا مهما من النقاش داخل الحزب. ولكن رغم هذا الاشتراك في المفهوم إلا أنه لم يخف فيما بعد التباين والافتراق العميقين في التوجهات الأيديولوجية بين هذين الطرفين السني والشيعي، وهذا ما أسهم في زيادة حدة التطرف الطائفي وانتقاله إلى المجال العام.
                                          التقديس واستبعاد العقل 
    بحسب محمد أركون، إن مسألة التسامح في الإسلام مطروحة في الواقع المعاش بشكل ضمني، ولكن غير منظّر لها من وجهة نظر نقدية. بمعنى أنه لا توجد كتب (أو قوانين) تنصّ عليها في اللغات الإسلامية كالعربية والفارسية...الخ. لماذا هذا النقص؟ لأنها تدخل في دائرة اللا مفكر به بالنسبة للفكر الإسلامي الذي يظل واقعا تحت تأثير المناخ العقلي للقرون الوسطى. وهي ليست المسألة الوحيدة التي يستحيل التفكير فيها وإنما هناك مسائل أخرى عديدة جدا يستحيل التفكير فيها حتى الآن، لأن ذلك يعتبر انتهاكا للمحرمات أو "المقدسات" وما أكثرها!(6) والتي يجري ترديدها يوميا على مسامع الناس  بالأخص في المساجد ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية.   
     إذن يجرى تحويل أقوال السلف واجتهاداتهم إلى "نصوص" لا تقبل النقاش، أو إعادة النظر والاجتهاد. بل يذهب الخطاب الديني إلى التوحيد بين تلك الاجتهادات وبين الدين في ذاته. وبعبارة آخرى يقوم الخطاب الديني باستثمار آلية "التوحيد بين الفكر والدين" في توظيف هذه الآلية. أما بالنسبة لآلية " تفسير الظواهر بردها إلى مبدأ واحد"، فإنها موجودة بذاتها في ذلك الجانب من التراث الذي يستند إليه الخطاب الديني المعاصر. ومن الواضح أن الخطاب الديني يتعمد تجاهل جانب آخر من التراث، يناهض هذه الآلية، وهذا في حقيقته يمثل "موقفا" نفعيا أيديولوجيا من التراث، موقفا يستبعد منه "العقلي" والمستنير ليكرس الرجعي "المتخلف". والحقيقية أن هذا الموقف النفعي من التراث في الخطاب الديني يساعده في توظيف آلية "إهدار البعد التاريخي" للتراث.
    وقد كان الأمويون- لا الخوارج على عكس ما يروج له الخطاب الديني المعاصر- هم الذين طرحوا مفهوم "الحاكمية" بكل ما يشتمل عليه من دعوى فعالية النصوص في مجال الخصومة السياسية وخلافات المصالح، حيث احتاج النظام الأموي إلى تثبيت شرعيته على أساس ديني يتلاءم مع مبدأ "الحاكمية" الذي غرسه، فكانت مقولة "الجبر"التي تسند كل ما يحدث في العالم- بما في ذلك أفعال الإنسان- إلى قدرة الله الشاملة. ثم تحول هذا المبدأ من بعد، وتطور مع تطور الفكر الأشعري، في سياق تطور حركة الواقع والفكر، حتى أنتهى إلى إهدار قانون "السببية". وإذا كان الفكر الأشعري قد حاول في مجال الفعل الإنساني أن يقيم نسبة ما بين الفاعل والفعل أطلق عليه اسم "الكسب" فإنه في مجال الطبيعية، يجعل العمل لله مباشرة.(7)   
    إن العقل الإسلامي الأرثوذكسي هو الذي خلع القدسية على التراث المبلور بشكل بشري-تاريخي. ثم يعود هذا التراث في خط الرجعة بدوره لكي يخدم العقل الأرثوذكسي، وذلك عن طريق المحافظة الصارمة على هذه المسلمات البديهية. وتتم هذه المحافظة عن طريق إلزام كل مؤمن بتقديم الطاعة لنظام العقائد واللا عقائد المحددة في كل عقيدة أرثوذكسية.
    إن البنية الدامجة، الشمولية المعقدة لهذا النظام هي التي تتيح سجن العقل داخل السياج العقائدي المنغلق. وفي الواقع هذا السياج متشكل ومهيمن في جميع الأديان التوحيدية. ويصبح العقل فيه خاضعا للتراث الأرثوذكسي "أو الرسمي" المقدس. ويتحكم فيه هذا التراث ويسيطر عليه أكثر فأكثر كلما مر الزمن وزاد من تقديس هذا التراث ونزع كل صبغة تاريخيه عنه. وعندئذ يخضع العقل البشري لجدلية صارمة تفصل بين المسموح التفكير به والمستحيل التفكير به.
    والحقيقية بالنسبة لهذا العقل، هي واحدة لا تتجزأ. فهي فريدة من نوعها ومعصومة ومقدسة ومصونة إلى يوم الحساب. وبالتالي فهي تستحق، من منظور اصحابها أن يضحى من أجلها بكل التضحيات. ولذا فإنهم يلجأون من أجلها إلى العنف المباشر، دون أي تردد أو تعقل. العنف مرتبط بالتقديس والتقديس مرتبط بالعنف، وكلاهما مرتبطان بالحقيقة أو بما يعتقدان أنه الحقيقة. والحقيقة مقدسة وتستحق أن يسفك من اجلها الدم!(8) وهذا ما تستند إليه الجماعات الإسلامية المسلحة حاليا في تبريرها الإيغال في صنوف التعذيب والقتل البربرية واللا إنسانية. 
     كان العالم أبو بكر الرازي (865-923 م) الذي تناول المقدس والأوصياء عليه، قبل قرون، قد اصاب كبد الحقيقة عندما تحدث حديثا ينطبق على الكثير من أصحاب الفتاوي في وقتنا الحاضر الذين يصدرون الفتاوي عن جهل ويساهمون في سفك دماء الأبرياء، مبررين ذلك بما ورد بالتراث الإسلامي. وهذا يتبين من نصه المدهش الآتي: "إن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد، ودفعوا النظر والبحث عن الأصول، وشددوا فيه ونهوا عنه، ورووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانة، وتوجب الكفر على من خالف الأخبار التي رووها. من ذلك ما رووه عن أسلافهم أن: الجدل في الدين والمراء فيه كفر، ... وإياكم والتعمق فإن من كان قبلكم هلك بالتعمق. إن سئل أهل هذه الدعوى عن الدليل على صحة دعواهم، استطاروا غضبا، وهدروا دم من يطالبهم بذلك، ونهوا عن النظر، وحرضوا على قتل مخاليفهم. فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان، وانكتم أشد انكتام... وإنما أتوا من هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم، ومر الأيام، والعادة واغترارهم بلحى التيوس المتصدرين في المجالس: يمزقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات، وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان؛ وبرواياتهم الأخبار المتناقضة".(9)
                                                     الإرهاب
    يمكن القول إن نقطة البدء في فهم تصاعد الإرهاب تتمثل في فهم مسألة انتشار الكراهية في المنطقة العربية، هذا  الاصطلاح ذاته، تعرض للكثير من التنظير، خاصة من قبل علماء النفس، ذلك أنه من المفاهيم التي ترتبط بمكونات فكرية ونفسية. فمن أكثر التعريفات الشائعة للكراهية أنها تعبير عن طبيعة المشاعر الإنسانية التي قد تنفر من الآخر أيا كانت طبيعته شخصا، مؤسسة، دولة، سياسة معينة، مذهبا، ...الخ. وتتجلى الكراهية في مظاهر متعددة، مثل خطابات الازدراء، والتكفير، والتخوين للآخر، انطلاقا من انتمائه، الديني أو العرقي، أو السياسي، أو الجغرافي، أو الطبقي، أو الثقافي، أو المهني...الخ، وتنتقل في مرحلة أخرى إلى سلوك عدواني تجاه الآخرين.(10) وما يهمنا هنا الكراهية الناتجة بسبب الانتماء الديني أو الطائفي والتي يمارس على اساسها الإرهاب بكل اشكاله والذي يعد التجلي الأبرز والأخطر للتطرف الإسلامي في عصرنا الراهن.
     يمثل الإرهاب أحد اشكال العنف، وكان الاختلاف بائنا بين المشتغلين بعلوم السياسة والاجتماع، وفقهاء القانون، وسائر المعنيين بالشأن الإرهابي حول مدلول الإرهاب، وسماته، وبواعثه، والحقبة التاريخية التي تؤرخ لبزوغ تلك الظاهرة، واستشراء مظاهرها، واستفحال خطرها. إن هذا الاختلاف حول مدلول الإرهاب وتاريخه، لا يعود فحسب إلى الخلط بين مفهومي الإرهاب والعنف، وإنما قد يعود كذلك إلى اختلاف المرجعيات الأيديولوجية، أو الدينية، أو الانتماءات القومية للباحثين، أو حتى اختلاف المصالح بين الدول، بل وتباين الرؤى السياسية بين الجماعات والتنظيمات الفرعية المشكلة للمجتمع الواحد، ولا سيما ذلك الاختلاف القائم في كثير من النظم بين النخبة الحاكمة والفئات المعارضة لها على نحو قد يؤدي إلى نعت كل الفرقاء للآخرين بالإرهاب.(11) فعلى سبيل المثال، نعت ولفترة غير قليلة كفاح حركات التحرر الوطنية من أجل استقلال دولها وتحرر شعوبها بالإرهاب من قبل الدوائر الاستعمارية المعادية لهذا التحرر، وكذلك من قبل الفئات الاجتماعية-السياسية التي ترتبط مصالحا بهذه الدوائر.
   ومن أبرز الأمثلة للتعريف القانوني للإرهاب القرار رقم 49|60 للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994، حيث قدم توصيفا للإرهاب، مفاده: إن الأعمال الإرهابية التي تهدف إلى إشاعة الرعب في صفوف العامة، أو جماعة من الأشخاص، أو حتى أشخاص محددين، تحقيقا لأهداف سياسية، هي أعمال لا يمكن تبريرها، مهما تكن المبررات التي تتذرع بها، أو تستند إليها، سياسية أو فلسفية، أو عقائدية، أو عرقية، أو دينية، أو غير ذلك من الذرائع.(12) وإلى جانب هذا التعريف، هناك عدد من التعريفات الأخرى الصادرة عن دول أو منظمات أو باحثين متخصصين تصب في محاولة إيجاد تعريف شامل للإرهاب، لذلك يظل هذا المصطلح في طور عملية التعريف لتعدد وتداخل وتعقد العوامل الداخلة فيه كما أشرنا.         
    يتفق الكثير من المحللين على أن الانتقال النوعي من الإرهاب القديم إلى الإرهاب الحديث تم خلال تسعينات القرن العشرين وتحديدا بالهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، ثم هجوم جماعة أوم شينريكيو الدينية اليابانية على مترو الأنفاق في طوكيو باستخدام غاز السارين السام عام 1995. ومن أبرز خصائص الإرهاب الجديد التعصب الديني المتجسد غالبا في الجماعات الإسلامية المتطرفة.(13) ومن أجلى مظاهره ما تنفذه داعش والقاعدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبوكو حرام في نيجيريا من قتل همجي، والذي توسع نطاقه في الأخيرة ليشمل الدول الأفريقية المجاورة في الفترة الأخيرة.   
                                                 تجربة العراق
     في الجانب الشيعي، قيل أن محمد باقر الصدر وضع تسعة أسس يقوم عليها الحزب الإسلامي، وهو حزب الدعوة، عُرفت بالأسس، ووصفت أيضا بالمرتكزات النظرية. من هذه الأسس التسعة ما يتعلق بالدولة الإسلامية، وهنا يرد بأن كل دولة لا تقوم على عقيدة أو قاعدة الإسلام هي دولة كافرة، مثل الدولة الشعبية والرأسمالية، والحكم على المسلمين هو القضاء عليها بالطرق التبشيرية السلمية أو الجهادية المسلحة. كذلك على المسلمين هدم الدول اللائي بلا عقيدة، قامت على أهواء الحكام، فهي دول كافرة أيضا. أما الدولة المرضية فهي القائمة على عقيدة الإسلام. ويغلب على الظن أنها الحاكمية نفسها. لكن الصدر لم يتحدث عن نوع تلك الدولة، هل هي تقوم على الشورى أم ولاية الفقيةّ! وكيف سيكون التجاذب فيها بين المذاهب، فمن دون النظر في هذه الأمور تبقى الدولة الإسلامية غير متحققة(14) من الناحية العملية.
    وفي الجانب السني، لم يعرف العراقيون السلفية الجهادية قبل عام 2001، فلم تظهر أية مؤشرات حقيقية على تأثر السلفيين العراقيين بالتطورات المتعلقة بالتنظيرات السلفية، وإن كان البعض يشير إلى تأثر على المستوى الفردي بالهجرة والتكفير. ولكن هذا التأثر الفردي ظل محدودا ولم يتحول إلى ظاهرة. صحيح أن عقد الثمانينات شهد بعض التفجيرات التي استهدفت محال بيع المشروبات الروحية، وبيع التسجيلات الموسيقية، لكن ذلك ظل لا يعبر عن اتجاه منهجي واسع النطاق.
    كان النموذج الأول الذي نقل تجربة جماعات الجهاد الإسلامي، إلى العراق، هو تنظيم "أنصار الإسلام" الذي أنشأه الملا فاتح كريكار في السليمانية. وقد أعلن عن تشكيله في كانون الأول| ديسمبر 2001 نتيجة اندماج ثلاث مجموعات هي "جند الإسلام" و"حركة التوحيد" و"حماس الكردية". واتخذ التنظيم من منطقتي الطويلة والبيارة، قرب الحدود العراقية-الإيرانية، مكانا له. وقد قام أربعة من أنصاره بأول عملية مسلحة عام 2001 عندما قاموا بمهاجمة أحد الأندية التي تقدم المشروبات الروحية بالمتفجرات، في بغداد، وقد قُتل في هذه العملية أحد المنفذين المدعو ظافر الدباش، وتم إلقاء القبض على الثلاثة الآخرين، وحُكم عليهم بالإعدام.(15)       
      إذا كان من الأسباب الرئيسية التي اسهمت في نمو التطرف الإسلامي قد تمثل في فشل الدولة الوطنية التي اعقبت نيل الاستقلال الوطني في سائر البلدان العربية حيث قام النظام السياسي للدولة على الاستبداد وغياب التعددية والعدالة والمساواة والتهميش والإقصاء الاجتماعي والسياسي، ففي حالة العراق فإن التحول الحاسم في نشوء وتوسع وتوطد نفوذ الجماعات الإسلامية المتطرفة جاء بعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003، حيث تفاعلت جملة من الأسباب في صنع ونمو التطرف من أبرزها الاحتلال نفسه الذي مثل انتهاكا صارخا لسيادة دولة رغم كل التبريرات التي قيلت لتسويغه، حل المؤسسات العسكرية والأمنية، بناء العملية السياسية على أساس المحاصصة الطائفية- الإثنية، وما رافقها من نهج طائفي في إدارة مؤسسات الدولة، غياب المشروع الوطني الديمقراطي لبناء الدولة المدنية التي يشعر فيها المواطنون بأنهم متساوون بالحقوق والواجبات، تعمق الاستقطاب الطائفي المجتمعي وبروز الإنتماءات الفرعية بقوة إلى السطح، التدخلات الإقليمية الواسعة واستقواء أحزاب السلطة بدعم الخارج، كل ذلك أسهم في نشوء ردة فعل قوية وخلق حواضن اجتماعية واسعة للجماعات الإسلامية المتطرفة مثل "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" وسليلته فيما بعد الدولة الإسلامية (داعش) وغيرها من الجماعات المسلحة. ولم تنفع كل الإجراءات الأمنية في الحد من نفوذ هذه الجماعات؛ لأنها كانت قاصرة على هذا الجانب، واستندت على بعد طائفي، ولم ترافقها معالجات جذرية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ضامنة لمبدأ المواطنة، بل مع مرور الوقت سيطر تنظيم داعش على مساحات شاسعة من العراق. 
    كان وما زال العنف هو الوسيلة الأولى والوحيدة لهذه الجماعات في تنفيذ ما تراه جهادا وواجبا شرعيا، وقد وجدت في بعض الفتاوي إباحة للقتل حتى لو كان السبب الاختلافات الفقهية، وكذلك الفتاوي التي تجيز قتل الكفار الأصليين، وهم في حالة العراق القوات الأجنبية، أو "الكفار" المرتدين، أي المتعاونين، وأن أدى ذلك إلى قتل "الترس"، أي "معصومي الدم" من المسلمين الأبرياء الذين يمكن أن يسقطوا عرضا، نتيجة العنف المستخدم. ومن المعروف أن "مسألة الترس" تعود في جذورها إلى ابن تيمية، والتي قال بها أثناء غزو المغول(16) وتبنتها الجماعات الإسلامية المسلحة الحالية بنطاق أوسع وبأبشع أشكالها نتيجة استخدامها التكنولوجية المتطورة التي تتيح لها قتل أكبر عدد من الناس، والتي لم تكن متوفرة زمن ابن تيمية!
                                                بوكو حرام
      أعلن عن ظهور حركة بوكو حرام في نيجيريا للمرة الأولى في تموز|يوليو 2009، رغم أن بدايات تأسيسها تعود إلى تاريخ أسبق. وقد ثار جدل واسع حول جذور هذه الحركة، ومصادر قوتها في جذب أعداد كبيرة من الشباب إلى صفوفها في شمال البلاد. ويمكن فهم أيديولوجية حركة"بوكو حرام" من تفسير اسمها. فكلمة "بوكو" تعني بلغة الهوسا "الغرب" أو "الأجنبي". أما حرام، فتعني محضورا أو ممنوعا، وبالتالي فإن اسم الحركة يعني أن الوافد الأجنبي أو الغربي محرم. لذلك، يجب استبعاد كل مكونات الدولة الحديثة، والعودة إلى الدولة الإسلامية في هيئتها التي كانت عليها في الماضي. حيث ترى الحركة أن القيم الإسلامية تتعارض مع القيم الغربية، وأن الأمة الإسلامية تتعرض لمخاطر كثيرة نتيجة التأثيرات الغربية التي تعد مصدرا للشر. ولكبح جماح هذا الشر، لابد من القضاء على مؤسسات الدولة الحديثة، مما يفسر استهداف مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية والمنشآت الرسمية أهدافا للتدمير من قبل "بوكو حرام".(17) أي أن الحركة ترفض العلمانية، والديمقراطية، والتعليم الغربي، والغربنة، وتشكل كل هذه محاور رئيسية في فكرها. وهي بذلك تتوافق فكريا مع تنظيم القاعدة المتطرف. والدليل على ذلك إعلان الحركة أنها قد التحقت بتنظيم القاعدة.
    إذن ترتكز الملامح الفكرية للحركة حول عدد من الأصول الفكرية، أهمها العمل على تأسيس دولة إسلامية فى نيجيريا بالقوة المسلحة، والدعوة إلى التطبيق الفورى للشريعة الإسلامية فى جميع الولايات النيجيرية، وليس تطبيق الشريعة فى الـولايات الاثنتى عشرة الشمالية، وكذلك عدم جواز العمل فى الأجهزة الأمنية والحكومية فى الدولة. وتدعو إلى تغيير نظام التعليم فى نيجيريا. وبشكل عام، فإن فكر بوكو حرام هو فكر أقرب إلى التكفير.(18)
    منذ تموز| يوليو 2009، شرعت الحكومة النيجيرية بحملة كبيرة ضد الأرهاب المتمثل في بوكو  حرام في شمال البلاد والعاصمة أبوجا. لكن هذه المحاولات فشلت للتصدي للإرهاب بدرجة كبيرة.(19) وفي مايس| مايو 2010، تم الإعلان من قبل ولاية بورنو بأن بوكو حرام تعد منظمة غير شرعية.(20)
   وقد أعلن زعيم الحركة "أبو بكر شيكاو" عن قيام "دولة إسلامية" في الأراضي التي استولت عليها في شمال شرقي نيجيريا، حيث صرح الرجل فى مقطع فيديو "نحن في دولة خلافة إسلامية، وليست لنا علاقة بنيجيريا، ونحن لا نؤمن بهذا الاسم". ولم يذكر شيكاو ما إذا كانت الخلافة هي جزءا من دولة الخلافة التي أعلنها تنظيم "الدولة الإسلامية" في أجزاء من العراق وسوريا، أم لا،(21) ولكن في 7 آذار|مارس 2015 بث تسجيل صوتي نسب للرجل يعلن فيه مبايعته لزعيم داعش أبو بكر البغدادي. 
      ويلاحظ أن صعود "بوكو حرام" كان تعبيرا عن مجموعة من المشكلات المحلية المرتبطة بالواقع التاريخي، والإثني، والاقتصادي، والسياسي في شمال البلاد، أكثر من كونه صرعا "دينيا"، وأن مطالبة بوكو حرام بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع ولايات الشمال كانت محاولة لتأكيد الهوية الدينية لهذا الإقليم، إلا أن الأساليب التي اعتمدتها الحكومة في التعامل مع الصراعات الطائفية، وفي مواجهة حركة بوكو حرام، عكست حالة الضعف وسوء التخطيط التي تتسم بها أعمال هذه الحكومة، مما زاد من إصرار بوكو حرام على مواصلة عملياتها ضد مؤسسات الحكم والكنائس، وفتح مجالا للتدخلات الخارجية، خاصة الأمريكية والأوروبية، في شؤون نيجيريا، بل في منطقة غرب أفريقيا ككل، خاصة بعد ما هددت الحركة في شباط| فبراير 2012، باستهداف المصالح الأمريكية في البلاد، بسبب ما وصفته بالتدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية.(22) والملاحظ أن التدخل الخارجي قد يساعد في الحد من توسع نفوذ الجماعات المتطرفة مرحليا إلا أنه يساهم في انتشار أفكار التطرف على اعتبار أن هذا الدعم موجه لمساندة حكومات لا تمتلك قاعدة اجتماعية واسعة وشرعيتها باتت محل تساؤل.
  يلعب البُعد الدينى والعرقى!(23) دوراً فى تنامى حركة بوكو حرام، وانتشارها بصورة واضحة، خاصة فى ظل الاشتبكات الدينية والعرقية فى البلاد، حيث تطرح بوكو حرام نفسها كمدافع عن الإسلام والمسلمين ضد المسيحيين، مما خلق نوعا من التعاطف من بسطاء المسلمين، سرعان ما يترجم إلى تقديم المساعدة، أو حتى الانخراط في الحركة،(24) علما يتركز المسلمون في شمال البلاد والمسيحيون في جنوبها والذي يعد أكثر تطورا من الشمال.
 إن معالجة التوترات والنزاعات والتطرف والعنف الدينيين في نيجيريا لا تكفي معها الحلول الأمنية فقط، وإنما تحتاج إلى حزمة من الإصلاحات البنيوية العميقة الاجتماعية- الاقتصادية والسياسية والثقافية وتحقيق العدالة الاجتماعية، بشكل متوازن، في  مجتمع يتسم ببنية إثنية معقدة، ومحاربة الفساد المتفشي، وخاصة ما يتعلق بالمورد الأهم وهو النفط، وإعلاء قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان، والابتعاد كليا عن توظيف النزاعات الدينية والإثنية لأغراض سياسية وانتخابية واقتصادية وإقليمية كون النظام في نيجيريا فدراليا.
الهوامش   
1-   نشرت هذه الفتاوي في السعودية عدة مرات.
2-     راجع محمد شحرور، الدين والسلطة.. قراءة معاصرة للحاكمية، ط 1، بيروت، 2014، ص 65-70، وحول السلفية قارن حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية، المجلد الأول، ط 2، الجزائر، 2002، ص 28-37.   
3-   عزمي بشارة، " في ما يسمى التطرف"، سياسات عربية، العدد 14، أيار| مايو 2015، ص 18.
4-   محمد شحرور، مصدر سابق، ص 71-77.
5-     راجع رشيد الخيون، "تاريخ الإسلاميين وتجربة حكمهم في العراق"، في: الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي...اتجاهات وتجارب، ط 1، بيروت، 2013، ص 644.
6-   راجع محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني... كيف نفهم الإسلام اليوم، ترجمة وتعليق هاشم صالح، ط 4، بيروت، 2009، ص 230.
7-   راجع نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، ط 3، الدار البيضاء| بيروت، 2007، ص 39-41، وللمزيد حول الفكر الأشعري راجع حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية، المجلد الثاني، ط 2، الجزائر، 2002.   
8-     محمد أركون، مصدر سابق ، ص 232-234.
9-   النص مع بعض الإختصار نقلا عن صادق جلال العظم، ذهنية التحريم..، ط 5، دمشق، 2007، ص 229-230.
10-   خالد حنفي علي، "البيئات الحاضنة للكراهية في المنطقة العربية"، اتجاهات نظرية، ملحق السياسة الدولية، العدد 199 يناير 2015، ص 4.
11-   أحمد محمد وهبان، "اتجاهات تحليل ظاهرة الإرهاب..الأصول التاريخية والمفاهيمية"، السياسة الدولية، العدد 199، يناير 2015، ص 22-24.
12-   المصدر نفسه، ص 33.
13-   المصدر نفسه، ص 22-24.
14-   رشيد الخيون، مصدر سابق، ص 664.
15-   راجع يحيى الكبيسي، "السلفية في العراق: تقلبات الداخل وتجاذبات الخارج"، في: الظاهرة السلفية.. التعددية التنظيمية والسياسات، ط 1، الدوحة، 2014، ص 101- 105.
16-   المصدر نفسه، ص 109.
17-   أميرة عبد الحليم، "الغرب الأفريقي: نيجيريا بين الداخل الديني والخارج النفطي"، السياسة الدولية، العدد 188، أبريل، 2012، ص 142. وللمزيد حول نشأة وتطور وفكر بو كو حرام راجع Marc-Antoine Perouse de Montclos, Boko Haram.. Islamism, politics, security and the state in Nigeria, Leiden, 2014.
18-   علي بكر، "القاعدة" الأفريقية: مستقبل تنظيم "بوكو حرام" في شمال نيجيريا، 4-12-2011، مجلة السياسة الدوليةhttp://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2/100/1962/%D8%AA%D8%AD%
19-   Hussein Solomon, “The African state and the failure of US counter-terrorism initiatives in Africa: The cases of Nigeria and Mali”, South African Journal of International Affairs, vol. 20, No. 3, 2013, pp. 427-428.
20-   Europa Puplications, Africa South of the Sahara, London, 2011, p. 937.
21-   علي بكر، "بوكو حرام والخلافة الإسلامية.. التأثيرات الداخلية والإقليمية"، السياسة الدولية، 10-10-2014،  http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2/105/4894
22-   أميرة عبد الحليم، مصدر سابق،  ص 143-145.
23-   للمزيد حول البنية الإثنية والدينية في نيجيريا راجع كتابنا نيجيريا: دراسة في المكونات الاجتماعية-الاقتصادية، الذي سيصدر قريبا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت| الدوحة.
24-   علي بكر، "بوكو حرام والخلافة الإسلامية"، مصدر سابق.
* الثقافة الجديدة، العدد 378-379 تشرين الثاني 2015

         

36
الرأسمالية وعدم المساواة*

ترجمة: د. هاشم نعمة
                                                                                           
     هيمنت على النقاش السياسي الأخير في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الديمقراطية المتطورة الأخرى قضيتان هما: تنامي التفاوت الاقتصادي وحجم التدخل الحكومي لمعالجته. وقد اظهرت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2012 والمعارك المتعلقة بمسألة "حافة الهاوية المالية" بأن القضية المركزية لليسار اليوم تتركز على زيادة الضرائب الحكومية والانفاق، كمقدمة لعكس التفاوت الطبقي المتزايد، في حين تتركز القضية المركزية لليمين على تخفيض الضرائب والانفاق، أوليا لتعزيز الدينامية الاقتصادية. وكل طرف يقلل من شأن أو من قلق مخاوف الطرف الآخر، ويبدو أن كل طرف يعتقد بأن سياساته التي يرغب بتنفيذها هي كفيلة بتعزيز الرخاء والاستقرار الاجتماعي. لكن كلاهما على خطأ.
     في الواقع، التفاوت، يزداد في كل مكان من العالم الرأسمالي ما بعد الصناعي. لكن بالرغم من اعتقاد الكثيرين في صفوف اليسار، فإن هذا التفاوت لا ينتج من السياسة، ولا السياسة من المتوقع بمقدورها أن تعكس ذلك، لأن المشكلة ذات جذور أكثر عمقا ومن العسير تعريفها بشكل عام. حيث أن التفاوت يكون نتاجا حتمي للنشاط الرأسمالي، وتوسع تكافؤ الفرص يزيد منه فقط – بسبب من أن بعض الأشخاص والمجموعات يكونون ببساطة قادرين بشكل أفضل من الآخرين على استغلال الفرص للتطور والتقدم الذي توفره الرأسمالية. ورغم ما يعتقده الكثير في صفوف اليمين، فإن مشكلة التفاوت هذه هي مشكلة كل شخص ليس فقط أولئك الأشخاص الذين يعملون بشكل سيء أو أولئك الملتزمون أيديولوجيا بالمساواة- بسبب من أن اليسار إذا لم يعالج، تفاقم التفاوت وعدم الثقة بالاقتصاد فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تأكل النظام الاجتماعي ويولد ردود فعل شعبية عنيفة ضد النظام الرأسمالي ككل.
     خلال القرون القليلة الأخيرة، ولّد انتشار الرأسمالية قفزة هائلة في التقدم الإنساني، وأدى إلى ارتفاع مستويات المعيشة بشكل لا يمكن تصوره وإلى تنمية غير مسبوقة لكل انواع الإمكانيات البشرية. ولكن أنتجت الدينامية الفعلية للرأسمالية عدم الأمان جنبا إلى جنب مع إنتاجها للمنافع، ولذلك واجه تقدمها دائما مقاومة. في الواقع، الكثير من التاريخ السياسي والمؤسساتي للمجتمعات الرأسمالية كان قد شهد محاولات لتخفيف أو اخماد الشكاوي من حالة عدم الأمان، لكن فقط كان إنشاء دولة الرفاه الاجتماعي الحديثة في منتصف القرن العشرين، قد مكن الرأسمالية والديمقرطية في النهاية من أن تتعايشا في وئام نسبي.
     في العقود الأخيرة، نتج عن التطورات التي حصلت في قطاعات التكنولوجيا، والمال، والتجارة الدولية موجات وأشكال جديدة من عدم الأمان في الاقتصاديات الرأسمالية القائدة، جاعلة الحياة تتسم بعد المساواة ومشكوك فيها بشكل متزايد ليس فقط بالنسبة إلى الطبقات ذات الدخل المنخفض والطبقة العاملة بل يشمل ذلك الكثير من أفراد الطبقة الوسطى كذلك. لقد أنكر اليمين إلى حد كبير وجود المشكلة، في حين طالب اليسار باجتثاثها من خلال العمل الحكومي، وبغض النظر عن التكاليف، فإن كلا النهجين غير قابل للاستمرار أو من غير الممكن تطبيقهما على المدى البعيد. إن الأنظمة السياسة الحاكمة المعاصرة في الدول الرأسمالية تحتاج إلى القبول بفكرة أن التفاوت وعدم الأمان سيستمران كونهما نتيجة حتمية لعمليات السوق، وأن تجد طرق لحماية المواطنين من عواقبهما- في حين تظل الرأسماية، بصورة من الصور، تحتفظ بالدينامية التي تنتج المنافع الاقتصادية والثقافية الواسعة في المقام الأول.
                                       تسليع وتهذيب
      الرأسمالية نظام من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية يتميز بالملكية الخاصة، وتبادل السلع والخدمات بحرية من قبل الأفراد، واستخدام آليات السوق للسيطرة على إنتاج وتوزيع السلع والخدمات. بعض عناصر الرأسمالية كانت موجودة في المجتمعات البشرية منذ عصور، ولكن فقط في القرنين السابع عشر والثامن عشر، برزت الرأسماية بقوة في أجزاء من أوروبا وفروعها في أمريكا الشمالية. وخلال التاريخ، كانت معظم الأسر تستهلك معظم الأشياء التي تنتجها وتنتج معظم ما تستهلكه. وفقط من هذه النقطة بدأت غالبية السكان في بعض البلدان تشتري معظم الأشياء التي تستهلكها وتفعل ذلك بالعائدات التي تحصل عليها من بيع معظم ما تنتجه. 
     إن نمو توجه الأسر إلى السوق وما اطلق عليه لاحقا بـ "المجتمع التجاري" ترتبت عليه آثار عميقة في كل أوجه النشاط البشري من الناحية العملية. فقبل الرأسمالية، كانت الحياة تحكم من خلال المؤسسات التقليدية التي همشت اختيارات وقدرات الأفراد إلى بنى طائفية، وسياسية، ودينية مختلفة. وقد أبقت هذه المؤسسات عملية التغيير في اضيق الحدود، ومنعت الناس من تحقيق الكثير من أوجه التقدم ولكن أيضا حمتهم من الكثير من تقلبات الحياة. وقد منح ظهور الرأسمالية الأفراد المزيد من  السيطرة والمسؤولية على حياتهم الخاصة من أي وقت مضى- ولكنها قدمت على حد سواء التحرر و الفزع، مما سمح بحدوث كل من التقدم والتراجع.
     التسليع – التحول من نشاطات لغرض الاستخدام الخاص إلى نشاطات لغرض البيع في السوق المفتوحة- سمح للناس باستخدام وقتهم بصورة أكثر فعالية، متخصصين في إنتاج ما هو جيد نسبيا وشراء أشياء أخرى من الناس الآخرين. وقد استخدمت الأشكال الجديدة من التجارة والصناعة تقسيم العمل لإنتاج الأدوات المنزلية الشائعة بأسعار رخيصة وأيضا وفرت مجموعة من المنتجات الجديدة. وكانت النتيجة، كما لاحظ المؤرخ جان دي فريس ما يسميه المعاصرون بـ "نهضة الميل إلى العقل"- توسع الاحتياجات الشخصية والنظرة الشخصية الجديدة للضرورات. هذا التوسع المستمر في الاحتياجات كان موضع نقد الرأسمالية من روسو إلى ماركوز باعتباره يمثل سجن البشر في قفص من الرغبات غير الطبيعية. لكن هذا التوسع قد أشاد به أيضا المدافعون عن السوق من فولتير فصاعدا باعتباره يوسع من مدى القدرات البشرية. إذ يمثل من وجهة النظر هذه، تنمية الاحتياجات والضرورات الأسمى والإيفاء بها، جوهر الحضارة.
    بسبب من إننا نميل للتفكير في السلع باعتبارها أشياء مادية ملموسة،  فنحن كثيرا ما نغفل مدى الإبداع وعلى نحو أكثر التوزيع الرخيص للسلع الثقافية الجديدة التي وسعت نطاق ما يمكن أن يطلق عليه وسائل التثقيف الذاتي. وتاريخ الرأسمالية يشمل أيضا تاريخ توسع المواصلات، والمعلومات، و التسلية- أشياء يقتضي التفكير بها وحولها.
     وقد كانت من بين السلع الحديثة الأولى الكتب المطبوعة (في المقام الأول،عادة الكتاب المقدس)، حيث تراجعت اسعارها وزادت وفرتها وكانت اهميتها  من الناحية التاريخية، هامة جدا أكثر بكثير كما يقال من انتشار ماكنة الاحتراق الداخلي. وهكذا، ومع انتشار ورق الصحف، أيضا، جعل ذلك من الممكن ظهور الصحف والمجلات. وهذه أدت بدورها، إلى ظهور أسواق جديدة للمعلومات والأعمال لجمع وتوزيع الأخبار. في القرن الثامن عشر، كان وصول الأخبار من الهند إلى لندن يستغرق شهورا؛ في حين، تحتاج إلى لحظات حاليا. وقد جعلت الكتب والأخبار من الممكن توسيع ليس فقط وعينا لكن أيضا تصوراتنا، وإمكانياتنا على التعاطف مع الآخرين وتصور العيش لأنفسنا وفق طرق جديدة. وهكذا، مهدت الرأسمالية والتسليع لكل من الجانب الإنساني ولأشكال جديدة من الابتكار الذاتي.
     خلال القرن الأخير، توسعت وسائل الثقافة من خلال اختراع تسجيل الصوت، والفيلم، والتلفزيون، ومع انتشار الانترنت وأجهزة الكمبيوتر المنزلية، انخفضت تكاليف اكتساب المعرفة والثقافة بشكل دراماتيكي. وقد وفر توسع وسائل الثقافة الإمكانية ليكون هناك تقريبا توسع لا يمكن تصوره في ميدان المعرفة.
                                                 قضايا العائلة
     قادت الرأسمالية إلى توفر فرص أكثر لتنمية القدرات البشرية، مع ذلك، لم يكن كل شخص قادرا على الاستفادة الكاملة من هذه الفرص أو التقدم حتى لمرة واحدة. حيث منعت العوائق الرسمية أو غير الرسمية التي تعيق تحقيق المساواة في الفرص، تاريخيا، فئات مختلفة من السكان على سبيل المثال، - النساء، والأقليات، والفقراء- من الاستفادة بشكل كامل من إيجابيات الرأسمالية. ولكن مع مرور الوقت، قلت أو زالت هذه العوائق بشكل تدريجي، في العالم الرأسمالي المتقدم، بحيث باتت الآن الفرص متاحة أكثر فيما يتعلق بالمساواة، من أي وقت مضى. لذلك، يستمد التفاوت الموجود حاليا، بدرجة أقل من حالة الفرص غير المتكافئة مقارنة بما تلعبه الكفاءة غير المتكافئة من دور في استثمار الفرص. وتنجم القدرة غير المتكافئة، في المقابل، من الاختلافات في الامكانيات البشرية الكامنة التي تبدأ مع الأفراد وفي الطرق التي من خلالها تمكن وتشجع العائلات والمجتمعات الطاقات البشرية على النمو.
    دور العائلة في تشكيل كفاءة الشخص وميوله للاستفادة من وسائل الثقافة التي توفرها الرأسمالية من الصعب المبالغة به. فالعائلة ليست فقط وحدة للاستهلاك والتكاثر البيولوجي. ففيها أيضا يجري الإعداد الرئيسي للأطفال إجتماعيا، وحضاريا، وتربويا، وفيها يتم تطوير العادات التي تؤثر في مصائر الأطفال اللاحقة كأشخاص وكفاعلين في السوق. 
                                           دينامية وانعدام الأمان
    في معظم التاريخ، كان المصدر الأولي لانعدام الأمان البشري يتمثل في الطبيعة. في مثل هذه المجتمعات، كما لاحظ ماركس، كان النظام الاقتصادي يتسم بالاستقرار والركود. أما في المجتمعات الرأسمالية، فهو على العكس، موجه نحو الابتكار والدينامية، لخلق معرفة جديدة، ومنتجات جديدة، وطرق جديدة للإنتاج والتوزيع. كل هذه المتغيرات حولت مصدر عدم الأمان من مجال الطبيعة إلى مجال الاقتصاد.
      وقد لاحظ هيغل في عشرينات القرن التاسع عشر بأن وضع الرجال في المجتمع التجاري كان يستند إلى نموذج المعيل - ربة البيت، حيث أرتبط شعور المرء بقيمة ذاته والاعتراف من قبل الآخرين بالحصول على الوظيفة. وهذا فرض مشكلة، بسبب أنه في السوق الرأسمالي الديناميكي، كانت امكانية حدوث البطالة غير مشكوك فيها. لذلك فإن تقسيم العمل الذي نتج عن السوق كان يعني بأن الكثير من العمال الذين يمتلكون مهارات وكانوا متخصصين بشكل عال باتوا مؤهلين للعمل في مجال ضيق فقط. وقد خلق السوق تحولا في الحاجيات وزاد من الطلب على منتجات جديدة، وهذا يعني انخفاض الطلب على المنتجات القديمة. وبات الرجال الذين كانت حياتهم مكرسة إلى دورهم في إنتاج المنتجات القديمة بدون عمل وبدون تدريب يسمح لهم بالحصول على عمل جديد. وقادت مكننة الإنتاج أيضا إلى فقدان الوظائف. ومنذ البدايات الأولى، اتسم ابتكار وإبداع الرأسمالية الصناعية بانعدام الأمان بالنسبة إلى القوى العاملة. 
      رسم ماركس وانجلز الدينامية الرأسمالية، وانعدام الأمان، وتحسن الاحتياجات، وتوسع الإمكانيات الثقافية في البيان الشيوعي:
   "البرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد.  فالصناعات القومية الهرمة دُمرّت و تدمَّر يوميا لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها، في البلد نفسه فحسب، بل أيضا في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتجات أقصى البلدان والأقاليم. ومحل الاكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والإنعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، وتقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم".
     في القرن العشرين، سيوسع الاقتصادي جوزيف شومبيتر هذه النقاط مع ملاحظته بأن الرأسمالية تميزت بـ "التدمير الخلاق" حيث حلت منتجات وأشكال جديدة من التوزيع والتنظيم محل الأشكال القديمة. على عكس ماركس، الذي رأى بأن مصدر هذه الدينامية يتمثل في سعي الرأسمال للتراكم      (على حساب، الطبقة العاملة)، ركز شومبيتر على دور المقاول أو المتعهد كونه مبتكر والذي عرض السلع الجديدة واكتشف أسواق وأساليب جديدة.
     قادت الدينامية وانعدام الأمان اللتان نشأتا في القرن التاسع عشر في الرأسمالية الصناعية إلى إنشاء مؤسسات جديدة من أجل تقليل حالة عدم الأمان، تشمل هيئات ذات مسؤولية محدودة، لتقليل مخاطر المستثمِر، والنقابات العمالية، لتعزيز مصالح العمال؛ وجمعيات المساعدة المتبادلة، لتوفير القروض وتأمين الدفن؛ والتأمين على الحياة التجارية. وفي العقود الوسطى من القرن العشرين، واستجابة للبطالة الضخمة والحرمان الناتجين عن الكساد الكبير ( والنجاح السياسي للشيوعية والفاشية، الذي اقنع العديد من الديمقراطيات بأن الكثير من انعدام الأمان يشكل تهديدا للديمقراطية الرأسمالية نفسها)، تبنت الديمقراطيات الغربية دولة الرفاه الإجتماعي. حيث ابتكرت دول مختلفة مجموعة معينة من البرامج، وكذلك تبنت دول الرفاه الإجتماعي الجديدة في العموم وبشكل جيد، برامجا تشمل التأمين لكبار السن والبطالة وإجراءات مختلفة لدعم الأسر.
     إن توسع دولة الرفاه الإجتماعي في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية أخذ طريقه في الوقت الذي كانت فيه الاقتصاديات الرأسمالية في الغرب تشهد نموا سريعا. لذلك جعل نجاح الاقتصاد الصناعي من الممكن سحب الأرباح والأجور للأغراض الحكومية من خلال فرض الضرائب. ساعد أيضا التركيب السكاني لفترة ما بعد الحرب، حيث ساد نموذج المعيل-ربة البيت للعائلة، باعتدال معدلات المواليد العالية مما خلق نسبة ملائمة بين العمالة النشطة والمعالين. وتوسعت فرص التعليم، كما قبلت جامعات النخبة بشكل متزايد الطلاب على قاعدة تحصيلهم الأكاديمي وإمكانياتهم، وبات المزيد والمزيد من الناس يواصل دراسته في معاهد التعليم العالي. وبدأت تسقط عوائق مشاركة النساء والأقليات الكاملة في المجتمع كذلك. ونتيجة لكل هذا كان هناك توازن مؤقت شهدت خلاله الدول الرأسمالية المتقدمة نموا اقتصاديا قويا، ومعدل تشغيل عال، ومساواة اجتماعية- اقتصادية نسبية. 
                                  الحياة في الاقتصاد ما بعد الصناعي 
    كل هذا التقدم، قد تظلل بمميزات الرأسمالية الدائمة المتسمة بالتفاوت وانعدام الأمان. عام 1973، لاحظ السسيولوجي دانيال بيل بأنه في العالم الرأسمالي المتقدم، كانت المعرفة، والعلم، والتكنولوجيا تقود التحولات إلى ما يصطلح عليه بـ "المجتمع ما بعد الصناعي." كما حلت الصناعة في السابق محل الزراعة كمصدر رئيسي للعمل، ناقش دانيال بيل، بأن قطاع الخدمات قد حل الآن محل الصناعة. في مرحلة ما بعد الصناعة، في الاقتصاد القائم على المعرفة، يعتمد إنتاج السلع المصنعة على المدخلات التكنولوجية أكثر من اعتماده على مهارات العمال الذين بنوا وركبوا المنتجات فعليا. هذا يعني انخفاضا نسبيا في الحاجة إلى القيمة الاقتصادية لعمال المصانع الماهرين وشبه الماهرين - كما حصل في السابق انخفاض في الحاجة إلى قيمة العمال الزراعيين. في مثل هذا الاقتصاد، تضم المهارات المطلوبة المعرفة العلمية والتكنولوجية والقدرة على التعامل مع المعلومات. في غضون ذلك، فاقمت ثورة تكنولوجيا المعلومات التي اجتاحت الاقتصاد في العقود الأخيرة، من هذه الاتجاهات فقط. 
     تأثيرنا الحاسم في صعود الاقتصاد ما بعد الصناعي تم استنادا إلى وضعية وأدوار الرجال والنساء. وقد استندت الميزة النسبية للرجال في الاقتصاديات ما قبل الصناعية والصناعية في جزء كبير منها على قوتهم البدنية الأقوى- شيء ما بات الطلب عليها الآن أقل من أي وقت مضى. أما النساء، فعلى العكس، سواء بسبب وضعهن البيولوجي أو بسبب التنشئة الاجتماعية، يتوفرن على ميزة نسبية فيما يتعلق بالمهارات البشرية والمعية عاطفية، جعلتهن يصبحن بشكل متزايد أكثر أهمية في اقتصاد يتوجه إلى الخدمات البشرية أكثر من توجهه إلى إنتاج الحاجيات المادية. وقد توسع جزء من الاقتصاد الذي تستطيع النساء المشاركة فيه، وأصبح عملهن أكثر قيمة- يعني هذا أن الوقت الذي ينفق في المنزل بات الآن على حساب الإمكانيات الأكثر ربحا المتأتية من قوة العمل المدفوعة الأجر.
     لقد قاد هذا إلى زيادة استبدال نموذج الأسر ذات المعيل الذكر- ربة البيت الأنثى بنموذج الأسر ذات الدخل المزدوج. وقد مال كلا من المؤيدين والمنتقدين لتوجه النساء نحو الاقتصاد المدفوع الأجر إلى المبالغة بالدور الذي لعبته في هذا التحول النضالات الايديولوجية المستندة إلى نظرية المساواة بين الجنسين، في حين قللوا من أهمية الدور الذي لعبته التغيرات في طبيعة الإنتاج الرأسمالي. حيث أصبح ممكنا جزئيا إعادة توزيع العمالة النسائية من الأسرة من خلال وجود سلع جديدة خفضت من وقت العمل المنزلي الضروري (مثل مكائن الغسل، المجففات، غسالات الأواني، سخانات المياه، المكانس الكهربائية، أفران الميكروويف). وأدى الجزء الأكبر من الوقت المخصص لنشاط التسوق، بدوره، إلى طلب جديد على السلع الاستهلاكية الموجهة للأسرة التي تحتاج إلى عمل أقل (مثل الأطعمة المعبئة والمعدة) وتوسع المطاعم والأكلات السريعة. وقد قاد هذا إلى تسليع الرعاية، بحيث بات الشباب، وكبار السن، والعجزة يتطلعون بشكل متزايد لا إلى الأقرباء بل إلى المرافقين المدفوعي الأجر.
                                            تزايد التفاوت
     هذه الاتجاهات الاجتماعية لفترة ما بعد الصناعة كان لها تأثيرا كبيرا على التفاوت. حيث أن جزءا اساسيا من الأسر التي تكون في النهاية المنخفضة للسلم الاقتصادي، لم يتضاعف دخلها على الإطلاق- لأنه رغم نمو الأجور النسبية للنساء إلا أن الأجور النسبية للأشخاص الأقل تعليما والطبقة العاملة شهدت انخفضا، هذه الأخيرة قد ينظر إليها على أنها أقل وأقل صلاحية للزواج. وفي الغالب، تجعل محدودية رأس المال البشري مثل هؤلاء الرجال أقل قابلية للتوظيف وتجعلهم أيضا مرغوب بهم أقل من بين رفاقهم، وأيضا، تتدهور في بعض الأوقات الصفات الشخصية للرجال الذين يعدون في عداد البطالة بشكل دائم. ومع قلة اللجوء إلى طاولة المفاوضات، يعتبر مثل هؤلاء الرجال أقل ضرورة- جزئيا لأن المرأة تستطيع أن تعتمد الآن على التموين من دولة الرفاه الاجتماعي كمصدر إضافي مستقل من الدخل، رغم أنه ضئيل.
    في الولايات المتحدة، من بين التطورات اللافتة أكثر في العقود الأخيرة كان التقسيم الطبقي لأنماط الزواج وسط طبقات المجتمع ومجموعاته الإثنية المختلفة. فعندما خففت قوانين الطلاق في الستينات من القرن الماضي، حدث ارتفاع في معدلات الطلاق وسط جميع الطبقات. لكن في الثمانينات، نشأ نمط جديد يتمثل في انخفاض الطلاق وسط فئات السكان الأكثر تعليما، في حين استمرت معدلات الطلاق في الارتفاع وسط فئات السكان الأقل تعليما. إضافة إلى ذلك، كانت الفئات الأكثر تعليما والتي تعمل بشكل جيد أكثر فرصتها في الزواج أكثر احتمالا، في حين كانت الفئات الأقل تعليما فرصتها بالزواج أقل احتمالا. ونظرا لدور العائلة باعتبارها حاضنة للرأسمال البشري، فإن مثل هذه الاتجاهات تمتلك تأثيرات ممتدة مهمة على عدم المساواة. وقد أظهرت الكثير من البحوث بأن الأطفال الذين يتربون من قبل الآب والأم في رابطة مستمرة فهم  من المحتمل أكثر أن يطوروا الانضباط الذاتي والثقة بالنفس اللذان يجعلانهم ناجحين في حياتهم، في حين الأطفال –خصوصا الأولاد- الذين يتربون في أسر وحيدة الآب أو الأم ( أو أسوأ من ذلك، الأسر التي تكون فيها للأم سلسلة من العلاقات المؤقتة) فإن ذلك يتوفر على خطر أكبر من النتائج السلبية.     
    كل ذلك أخذ طريقه خلال فترة زيادة فرص المساواة للوصول إلى التعليم وزيادة التقسيم الطبقي المتعلقة بمكافآت عالم التجارة أو السوق، كلاهما زاد من أهمية رأس المال البشري. ويتمثل العنصر الأول من رأس المال البشري في القدرة المعرفية: سرعة المقدرة العقلية أو الأفكار، القدرة على الاستدلال وتطبيق أنماط مستمدة من الخبرة، والقدرة على التعامل مع التعقيدات العقلية. أما العنصر الثاني فيتمثل في المهارات الشخصية والاجتماعية: الانضباط الذاتي، الأصرار، والمسؤولية. ويتمثل العنصر الثالث بالمعرفة الفعلية. كل هذه العناصر تصبح بشكل متزايد حاسمة للنجاح في السوق أو عالم التجارة في الفترة ما بعد الصناعية. وقد لاحظ الاقتصادي برنك ليندسي في كتابه الذي صدر حديثا "الرأسمالية الإنسانية"، بأنه بين 1973-2001، كان متوسط النمو السنوي للدخول الفعلية فقط 0,3 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في خمس الجزء السفلي من توزيع الدخل في الولايات المتحدة، مقارنة مع 0,8 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في الخمس المتوسط، و1,8 بالمائة بالنسبة إلى أولئك الأشخاص في الخمس الأعلى من توزيع الدخل. وتسود أيضا، أنماط مشابهة إلى حد ما في الكثير من الاقتصاديات المتقدمة الأخرى.
     لم تتسبب العولمة بهذا النمط المتزايد من العوائد غير المتكافئة لرأس المال البشري لكنها عززته. وقد ميز الاقتصادي مايكل سبنس بين "سلع قابلة للتداول" والخدمات، التي يمكن استيرادها وتصديرها بسهولة، وسلع"غير قابلة للتداول" لا يمكنها ذلك. وعلى نحو متزايد، تستورد السلع القابلة للتداول والخدمات إلى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة من المجتمعات الرأسمالية الأقل تقدما، حيث تكون كلفة العمل أقل. وبما أن السلع المصنعة والخدمات الروتينية تكون مصادرها خارجية، لذلك تشهد أجور غير الماهرين وغير المتعلمين نسبيا في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة المزيد من الانخفاض، إلا إذا تمكن هؤلاء الأشخاص بطريقة أو بأخرى من العثور على فرص عمل مجزية في القطاع غير القابل للتداول. 
                                      تأثير التمويل الحديث
      تزايد التفاوت، في غضون ذلك، قد ترافق مع تزايد عدم الأمان وقلق الناس بات أكبر بشأن السلم الاقتصادي. وكان أحد الاتجاهات الذي ساهم في هذه المشكلة هو تمويل الاقتصاد،(أي الاعتماد على حركة توظيف رؤوس الأموال السريعة أكثر من الاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي، المترجم)، في بادئ الأمر نشأت في الولايات المتحدة، ما وصفه الاقتصادي هايمان منسكي بـ "رأسمالية إدارة الأموال" وأطلق الخبير المالي الفريد رابابورت على هذه الوضعية بـ "رأسمالية الوكالة."
    في وقت متأخر من الثمانينات، كان التمويل عنصرا أساسيا في اقتصاد الولايات المتحدة. وكانت تجارة الأسهم والسندات (سوق الأوراق المالية) تتكون من المستثمرين الأفراد، الكبار أو الصغار، الذين يضعون نقودهم في اسهم وسندات الشركات اعتقادا منهم بوجود فرص جيدة للربح على المدى الطويل. أيضا كان رأس المال الاستثماري متوفرا من البنوك الاستثمارية الرئيسية في وول ستريت ونظرائها من البنوك الأجنبية. كل ذلك بدأ يتغير بسبب أن رؤوس الأموال الكبيرة أصبحت متوفرة للاستثمار ليتم التعامل بها من قبل مديري الأموال المهنيين بدلا من مالكي رؤوس الأموال أنفسهم. 
     أحد مصادر رأس المال الجديد هذا كانت صناديق التقاعد. حيث  في العقود التي اعقبت الحرب، عندما ظهرت الصناعات الأمريكية الرئيسية في الحرب العالمية الثانية كاحتكارات تمثل القلة مع منافسة محدودة وأسواق كبيرة ومتوسعة في البلاد وخارجها، سمحت لها ارباحها وآفاقها المستقبلية بتبني خطط التقاعد المحددة لفائدة العاملين، مع المخاطر التي تنطوي عليها والتي تتحملها الشركات نفسها. ومن السبعينات فصاعدا، وبسبب من أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أكثر تنافسية، باتت أرباح الشركات غير مؤكدة أكثر، وحاولت الشركات ( فضلا عن مؤسسات القطاع العام المختلفة) تحويل الخطر من خلال وضع صناديق التقاعد التابعة لها بأيدي مدراء الأموال المهنيين، الذين توقعوا توليد ارباح إضافية منها. لذلك أصبح دخل التقاعد للعاملين الآن لا يعتمد على أرباح أصحاب العمل لكن يعتمد على نصيبهم من صناديق التقاعد.
    كان هناك مصدر أخر لرأس المال الجديد يتمثل بالجامعات ومنح المنظمات غير الربحية الأخرى، التي نمت في البداية بفضل التبرعات لكنها توقعت مزيدا من النمو وبشكل متزايد اعتمادا على أداء استثمارتها. وأتى مصدر أخر لرأس المال الجديد من الأشخاص والحكومات في العالم النامي، حيث قاد النمو الاقتصادي السريع، مترافقا مع ميل أو استعداد كبير للتوفير والرغبة في آفاق الاستثمار الأمن نسبيا، إلى حدوث تدفقات مالية كبيرة نحو النظام المالي للولايات المتحدة. 
    لقد حفزت هذه الفرص الجديدة جزئيا، البنوك الاستثمارية التقليدية في وول ستريت لتحويل نفسها علنا إلى شركات تداول - وهذا يعني، أنها، بدأت في الاستثمار ليس فقط بأموالها الخاصة لكن أيضا بأموال الناس الآخرين- وربطت مكافآت شركائها وموظفيها بالأرباح السنوية. كل ذلك خلق نظاما ماليا تنافسيا عاليا، يسيطر عليه مدراء الاستثمار المتعاملون برؤوس الأموال الكبيرة المقامرة، التي توظف على اساس قدرة المدراء المفترضة للتفوق على أقرانهم. وقد قادت بنية المحفزات في هذه البيئة مدراء الصناديق أو الأموال إلى محاولة تعظيم العائدات قصيرة الأجل، وهذه العملية تجري وصولا إلى المسؤولين التنفيذيين في الشركات. وقد خلق الأفق الزمني المتقلص إغراءا لزيادة الأرباح بشكل فوري على حساب الاستثمارات الطويلة الأجل، سواء في البحث والتنمية أو في تحسين مهارات القوى العاملة في الشركات. وبالنسبة إلى المدراء والموظفين، كانت النتيجة زبد مستمر يزيد من إمكانية فقدان العمل وانعدام الأمن الاقتصادي.
                                       التباين في تحصيل المجموعات
    في دول أوروبا الغربية (على وجه الخصوص دول أوروبا الشمالية) التي تتوفر على  مستويات أعلى بكثير من المساوة مقارنة بالولايات المتحدة تميل إلى أن يكون سكانها أكثر تجانسا من الناحية الإثنية. في حين، جعلت الموجات الأخيرة من الهجرة الداخلة الكثير من المجتمعات المتقدمة ما بعد الصناعية أقل تجانسا من الناحية الإثنية، حيث يبدو تقسيمها أيضا وعلى نحو متزايد على طول خطوط المجموعات، إذ تظهر بعض المجموعات المهاجرة أنماطا مرضية أكثر مقارنة بالسكان الأصليين، في حين يكون أداء مجموعات أخرى أسوأ. في المملكة المتحدة، مثلا، يميل أداء أطفال المهاجرين الصينيين والهنود ليكون أفضل من أداء السكان الأصليين، في حين، يميل أداء أطفال المهاجرين السود من الكاريبي والباكستانيين ليكون أسوأ. في فرنسا، يميل أداء المنحدرين من فيتنام  ليكون أفضل، في حين يميل اداء أولئك المنحدرين من شمال افريقيا ليكون أسوأ. في إسرائيل، يميل أداء أطفال المهاجرين الروس ليكون أفضل، في حين يميل أداء أطفال المهاجرين من أثيوبيا ليكون أسوأ. في كندا، يميل أداء أطفال الصينيين والهنود ليكون أفضل، في حين يميل أداء ذوي الأصول الكاريبية والأمريكية اللاتينية ليكون أسوأ. يمكن تفسير الكثير من هذا التباين في التحصيل الدراسي من خلال التباين في الخلفيات الطبقية والثقافية للمجموعات المهاجرة في بلدانها الأصلية. ولكن بسبب من أن الجاليات نفسها تكون بمثابة ناقلة أو حاضنة لرأس المال البشري، لذا يمكن للأنماط هذه أن تستمر عبر الزمان والمكان.
   في حالة الولايات المتحدة، تلعب الهجرة الداخلة دورا أكثر في مفاقمة حالة التفاوت، إذ تميل الدينامية الاقتصادية للبلاد، والانفتاح الثقافي، والموقع الجغرافي لجذب بعض المهاجرين الأفضل والألمع تعليما وكذلك أولئك الأقل تعليما. وهذا يعمل بدوره على رفع وخفض الدخل في السلم الاقتصادي.
                                 لماذا لا يكون التعليم دواء شافيا؟
     تنامي التعرف على زيادة التفاوت الاقتصادي والتراتب الإجتماعي في المجتمعات ما بعد الصناعية من الطبيعي أن يقود إلى مناقشات حول ما الذي يكن عمله حيال ذلك، وفي السياق الأمريكي، يكون  الجواب تقريبا من جميع الجهات بسيطا: التعليم.
    يركز أحد خيوط هذا المنطق على الدراسة في الكلية. فهناك فجوة متنامية في فرص الحياة بين الأشخاص الذين أكملوا الكلية وأولئك الذين لم يكملوها، ويوجد برهان حول هذه الوضعية، لذلك يجب أن يتوجه أكبر عدد من الناس قدر الإمكان إلى الدراسة في الكليات. لسوء الحظ، رغم أن نسبة عالية من الأمريكيين يواصلون دراستهم في الكليات، لكن ليس بالضرورة أنهم يتعلمون أكثر. حيث أن عددا متزايدا منهم يكون غير مؤهل للعمل بمستوى شهادة الكلية، ويترك الكثير منهم الكلية بدون اكمال درجاتها العلمية، ويحصل آخرون على الدرجات العلمية لكن معاييرها تكون أقل بكثير مما كان يتم فهمها على أنها شهادة جامعية.
    لكل هذه الأسباب، يبدو أن التفاوت في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ينمو وبشكل حتمي، على الأقل في الوقت الراهن. في الواقع، تشير احدى أقوى نتائج البحث الإجتماعي والعلمي المعاصر إلى أن الفجوة بين الدخول العالية والمنخفضة للأسر قد ازدادت، وبأن فجوة التحصيل الدراسي وإنجاز العمل بين أطفال هذه الأسر قد ازدادت أكثر.
                                        ما الذي يجب عمله؟
      تستمر الرأسمالية في الوقت الحاضر بإظهار فوائد ملحوظة وفرصا مستمرة أكبر بالنسبة إلى التهذيب الذاتي والتنمية الشخصية. ومع ذلك، تأتي الآن أكثر من أي وقت مضى، تلك الإيجابيات مترافقة مع سلبيات، خصوصا تنامي التفاوت وانعدام الأمان. وكما لاحظ ماركس وانجلز بشكل دقيق، أن ما يميز الرأسمالية عن الأنظمة الإجتماعية والاقتصادية الأخرى هي " الثورة المتواصلة في الإنتاج، الاضطرابات المتواصلة في جميع الأوضاع الإجتماعية، وعدم اليقين الدائم والهياج."
    تتمثل احدى العلاجات المحتملة لمشكلات تنامي التفاوت وعدم الأمان ببساطة بإعادة توزيع الدخل من أعلى الاقتصاد إلى أسفله. مع ذلك، تتوفر هذه الطريقة على عقبتين. تتمثل الأولى في أنه بمرور الوقت، تؤكد القوى التي تقود تعاظم التفاوت ذاتها. وتتمثل العقبة الثانية في أنه عند نقطة معينة، ينتج عن إعادة التوزيع استياء كبير يعيق القوة المحركة للنمو الاقتصادي. وتكون درجة معينة من إعادة توزيع الدخل ما بعد السوق من خلال فرض الضرائب ممكننة وضرورية، ولكن لا يمكن تفادي النزاع، ومن ثم، فإن ذلك لن يحل المشاكل الأساسية.
    يتمثل التحدي الذي يواجه السياسة الحكومية في العالم الرأسمالي المتقدم في كيفية المحافظة على معدل من الدينامية الاقتصادية يعمل على توفير منافع متزايدة للجميع في حين تستمر الحكومة في معالجة إدارة دفع ثمن برامج الرعاية الإجتماعية المطلوبة بنجاح لجعل حياة المواطنين من الممكن احتمالها في ظل ظروف تنامي التفاوت وانعدام الأمان. وستتعامل بلدان مختلفة مع هذا التحدي بطرق مختلفة، بسبب اختلاف أولوياتها، وتقاليدها، وحجمها ومميزاتها الديمغرافية والاقتصادية. لكن يمكن أن تكون نقطة البداية المفيدة رفض كل من سياسة الامتيازات وسياسة الاستياء وتبني رؤية حصيفة لما تنطوي عليه الرأسمالية في الواقع، خلافا لتمجيد متعبديها وشيطنة منتقديها.
المقالة بقلم البروفسور د. جيري مولر، من مواليد عام 1954، أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤلف كتاب "العقل والسوق: الرأسمالية في الفكر الغربي." 
الترجمة عن مجلة:Foreign Affairs, Volume 92, Number 2, March| April 2013.   
 *نشرت في مجلة "الثقافة الجديدة"، العدد 373، أيار 2015.       


37
ملاحظات في جغرافية التنمية والتخلف

ترجمة: د. هاشم نعمة
    منذ فترة طويلة اهتم الجغرافيون وعلماء الاجتماع الآخرون بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي الموجود سواء بين الدول أو بين المناطق. وقد ساهمت اعمالهم في فهمنا للتنمية، بتعريفها عموما بأنها عملية من خلالها تُحسن الدولة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها وكذلك معرفة حصيلة هذه العملية. وتبنى العلماء من مختلف التخصصات مثل الاقتصاديين، والسسيولوجيين، والانثربولوجيين ومن علم السياسة وجهات نظر مختلفة لدراسة التنمية؛ لكن المساهمة المميزة للجغرافيين تتحدد بأنهم ينظرون لعملية التنمية بإطارها الواسع والشامل والذي يدمج الخاصيات البشرية والبيئية للبلد مع إرثه التاريخي الفريد وعلاقاته مع البلدان الأخرى.
      وبالرغم من أن المصطلح يستخدم على نطاق واسع، لكن مفهوم التنمية باعتباره عملية قد تغير عبر الوقت ولا يزال مثيرا للجدل للغاية. وكانت فكرة التنمية قد أصبحت فكرة عامة في الخمسينات من القرن العشرين عندما بدأ الكثير من المستعمرات السابقة بالحصول على استقلاله. وبالنسبة لهذه البلدان، فإن نجاح خطة مارشال في أوروبا التي اعقبت الحرب العالمية الثانية أصبحت نموذجا يحتذى به. كنتيجة، ركزت التنمية في الخمسينات والستينات على نمو الناتج الوطني الإجمالي لكل شخص من خلال الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الرئيسية ومشاريع البنية التحتية، التبادل التقني، والتعويل على الأسواق المفتوحة. طريقة التنمية هذه أو هذا النموذج  اصطلح عليها بـ "التحديث" وكانت قد ارتبطت باسماء علماء مثل والتر روستو، الذي كتب مقالة مؤثرة للغاية بعنوان "مراحل التنمية الاقتصادية" عام 1959. 
     في السبعينات بات واضحاً، بأنه بالرغم من جهود عقود من الزمن، لم يشهد الكثير من بلدان العالم الثالث نمط التنمية المتوقع بحسب نظرية التحديث. في الواقع، في العديد من هذه البلدان، ساءت أوضاع الفقر والتفاوت. وبدأت مجموعة اخرى من العلماء تؤكد بأن التحديث ببساطة قد عزز من الأنماط التاريخية الاستعمارية، لأن الطريق الوحيد للبلدان الفقيرة لتنمية رأسمالها المستثمر كان يتمثل في الاستمرار في تصدير المحاصيل الزراعية والمواد الخام إلى الدول الصناعية. وقد أكد الكتاب مثل فرانك بأن هذا الوضع قد اطلق عملية التخلف بسبب من أن اسعار صادرات القطاع الأولي من البلدان الفقيرة كانت تتجه للانخفاض عبر الوقت، في حين هذه البلدان مضطرة لدفع اسعار عالية مقابل الواردات الصناعية من الدول الصناعية. وقد استخدم والرشتاين هذا الإطار ليتوصل إلى أن "النظام العالمي" يضم المركز، وشبه الهامش والهامش، مكانيا يتمثل نمط الدول الصناعية  "أو المركز" بالدول التي تطورت على حساب العالم الثالث أو بلدان "الهامش" التي تزود هذه الدول بالمواد الخام. أما بلدان شبه الهامش فكانت تلك التي تشترك بمميزات مشتركة مع كلا المجموعتين من الدول. واستنادا إلى فرانك ووالرشتاين، فإن طبيعة النظام العالمي تقضي على جهود بلدان الهامش لتنمية اقتصادياتها.
    هذا النقد الموجه لمشروع التحديث اصطلح عليه بأشكال مختلفة منهج البنيوية، التبعية أو منهج الأنظمة العالمية. وهو يقترح أنه بدلا من نمو الصادرات الأولية، ينبغي أن تسعى بلدان الهامش لتصبح معتمدة على نفسها في إنتاج السلع المصنعة بواسطة فرض ضرائب عالية أو تعريفات على السلع الصناعية المستوردة، مترافقة مع تأميم الصناعات الرئيسية كوسيلة لكسر دائرة الاعتماد على دول المركز. وعلى نطاق أوسع، يستخدم مصطلح البنيوية، في الوقت الحاضر، للإشارة إلى أي منهج يقر بأن التفاوت في التنمية ناجم عن النظام العالمي المترابط والذي تكون فيه التنمية في بعض البلدان على حساب البلدان الأخرى. ومقالة غرانت وناجمان المعنونة "إعادة قياس التنمية غير المتوازنة في غانا والهند"، مثال جيد لوجهة النظر هذه، حيث أشار الباحثان بأن اتجاهات العولمة المعاصرة فاقمت عمليات التنمية غير المتوازنة في غانا والهند. 
   في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات نتج عن انهيار الإتحاد السوفيتي التحول إلى نهج السوق الحرة في الكثير من البلدان الاشتراكية والشيوعية السابقة. وقد سقط نموذج الدولة المركزية للتنمية الذي دعا له البنيويون باتجاه زيادة الاستياء، وتحول سياسة التنمية إلى الليبرالية الجديدة، مع التأكيد على خفض حجم الحكومة، وخصخصة الصناعات التي تملكها الدولة، والتوقف عن ضبط الاسعار والمساعدات، وتعزيز الصادرات من خلال تخفيض قيمة العملة. هذه الحزمة من الوصفات السياسية، اصطلح عليها بالتكيف الهيكلي، قد دُعمت بقوة من قبل الوكالات الدولية المانحة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باعتبارها إجراءات صعبة ولكنها تمثل "دواءا" ضروريا لتمكين البلدان النامية من تقوية اقتصادياتها. في الوقت الحاضر، وبعد أكثر من عشرين سنة على برامج التكيف الهيكلي ظهرت فقط نتائج مشكوك فيها في معظم الحالات، لذلك بدأت بالتزايد الانتقادات الموجهة لهذا النهج.
     أخيرا، اقترح عدد متنامي من العلماء مناهجا بديلة للتنمية تتجاوز ثنائية البنيوية مقابل الليبرالية الجديدة. مقالة آ. ببنغتون ود. ببنغتون المعنونة "بدائل التنمية: الممارسة، المعضلات، والنظرية"، تفحص معرفة التنمية البديلة. حيث ينتقد الباحثان نظريات التنمية البديلة بالقول بأن علماء التنمية يجب عليهم التعامل مع السياسة العالمية الحقيقية. هذه المقالة أيضاً تتناول دور المنظمات غير الحكومية في عملية التنمية. البعض يسأل فيما إذا يمثل تزايد دعوات المشاركة والبحث عن بدائل للتنمية تغييرا حقيقيا، أو أنه مجرد إعادة تعبئة بسيطة لمفهوم التنمية دون معالجة القضايا البنيوية الأساسية للتفاوت والفقر. 
    رد فعل آخر على فشل الإصلاح الاقتصادي المستند إلى الليبرالية الجديدة كان قد تمثل في صعود "الجغرافية الاقتصادية الجديدة". والمفارقة الكبيرة هي أن أكبر عدد من العلماء الباحثين في هذا الحقل الفرعي الذي برز بسرعة هم اقتصاديو التنمية، وليس الجغرافيون. وقد دعا الاقتصاديون العاملون في هذا الميدان إلى إعادة اكتشاف أهمية الجغرافية وهم يستخدمون هذا المنهج لتفسير لماذا يشهد بعض مناطق العالم الجنوبية أداءا باهتا في التنمية رغم الاصلاح الاقتصادي المستند إلى الليبرالية الجديدة. ويشير الكثير من الجغرافيين بأن هذا المنهج يمكن أن يحيل اساس الاختلاف في أداء التنمية إلى "الطبيعة". وهذا يمثل مشكلة بسبب أنه يحجب التباينات القوية الموجودة داخل وبين الدول، والعلاقات التجارية غير العادلة، التي تمتلك تأثيرا هائلا على مسارات التنمية. هذه البراهين المعارضة ملخصة بشكل دقيق بمقالة بعنوان "الجغرافية، الثقافة، والنماء" للباحث اندريس أوبنهايمر.
    من هذه القراءات يصبح واضحا بأنه لا توجد نظرية واحدة يمكن أن تفسر بشكل كامل لماذا توجد تباينات جغرافية في التنمية عبر العالم. ومع ذلك، اخذ هذه النظريات مجتمعة، يزودنا بمادة غنية عن الكثير من العوامل التي تساهم في التنمية، وكذلك يفيدنا بتعريف هذه العملية الذي يوصف بالمهمة المعقدة، ويستفزنا للاستمرار بالبحث في هذا الميدان الهام.

الترجمة عن كتاب:  William G. Moseley et al.,(eds.)The Introductory Reader in Human Geography (Malden, Oxford, Victoria: Blackwell Publishing, 2007)             
         

39
الفكر الطائفي والدولة*
د. هاشم نعمة
      أثار موضوع ادلجة الدين وتسيسه وتوظيفه للدفاع عن مصالح طبقية وفئوية وشخصية الكثير من الحوار والنقاش على المستوى الفكري والسياسي والثقافي، وذلك بغية تحليل وفهم وتفسير هذه الظاهرة، ومدى انعكاساتها وتجلياتها وتأثيراتها في صيرورة تطور المجتمعات، وبناها السياسية في البلدان العربية والإسلامية. وتم ذلك وفق مناهج متباينة، ساهم بعضها عن قصد أو بدونه  في اخفاء الخلفية الاجتماعية- الاقتصادية- السياسية الحقيقة لبروز الطائفية عبر مراحل تاريخها الطويل. وقد توسع النقاش والبحث بمديات أوسع، بعد أن وصلت إلى السلطة احزاب الإسلام السياسي، في بعض البلدان العربية التي شهدت سقوط رؤوس انظمتها، نتيجة الانتفاضات التي اندلعت فيها. هذا المعطى الجديد ساهم في المحصلة النهائية، في إعاقة إعادة بناء الدولة على أساس مدني ديمقراطي، ولعله من المفيد هنا لفهم سياق تطور هذه الظاهرة وانعكاساتها، تحليل الخلفيات التاريخية والاجتماعية- السياسية والفكرية التي غذتها وما زالت تغذيها، وتأثيرات ذلك في بناء الدولة.
    بدايات الإسلام السياسي
       بدأ التيار الأصولي أو السلفي يترسخ وينتصر منذ القرن الثالث عشر الميلادي، وهو ليس من اختراع اليوم. فالأصوليون الحاليون لهم جذور في الماضي. وهم يترعرعون داخل أرضية مؤاتية ومناسبة، أرضية تم التمهيد لها منذ زمن طويل. من هنا يكمن سر قوتهم وانتشارهم السريع. إن الاتجاه الذي انتصر عبر التاريخ تمثل في المذاهب السنية من جهة والمذاهب الشيعية من جهة اخرى. ولكن المذهبين السني والشيعي تعرضا لجمود خطير أو لتقلص فكري خطير بدءا من القرن المذكور، على حد تعبير محمد أركون. واستمر ذلك حتى يومنا هذا. وهذا الانغلاق التاريخي لم يدرس بشكل علمي من قبل المفكرين المسلمين.
     والملاحظ لا تزال أصول الفقه وأصول الدين تدرس حتى اليوم في كليات الشريعة والمعاهد التقليدية كما كانت تدرس في القرون الوسطى! بل أن هذه الأصول كانت تدرس في العصور الوسطى الأولى بشكل أفضل مما هي عليه اليوم. لأنه كانت تحصل آنذاك مناظرات بين المذاهب الشافعي والحنفي والمالكي، بل وحتى بين المذهبين السني والشيعي، وظلت المناظرات تحصل بشكل سلمي حتى القرن العاشر الميلادي، أي أثناء الفترة التعددية المبدعة من عمر الحضارة العربية- الإسلامية. ثم اختفى الحوار السني- الشيعي بعد القرن الحادي عشر وانتصار السلاجقة الأتراك الذين دشنوا العزلة التاريخية بين المذاهب الإسلامية، واقفلوا باب الاجتهاد وقضوا على التعددية العقائدية. ولذلك يؤرخ لعصر الانحطاط ببداية عهدهم)1) والذي استمر إلى وقتنا الحاضر، ويتجلى بالأخص في التقوقع المذهبي والطائفي وأخطر ما فيه استثماره لتحقيق أغراض سياسية- اجتماعية نفعية.
    وحسب الباحث الإسلامي أحمد الكاتب، هناك انقسام آخر في بنية المجتمع، نتج لا بسبب الاستبداد، بل بسبب الفكر الطائفي الذي يمزق الناس بين شيعة وسنة. مصدره ينبع من الفكر القديم الموروث، الذي هو فكر ميت حاليا. يعتمد على معارك تاريخية منقرضة وبائدة. إنه صراع وهمي، أسبابه سياسية مصلحية، وبالتأكيد لا دينية. حيث أن الإيمان بنظرية تاريخية، حول أحقية فلان بالخلافة على فلان، منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، لا يستدعي الخلاف مع الآخرين. وربما كان "رجال الدين" بالمعنى المتعارف عليه اجتماعيا، أي رجال المذاهب وسدنة الفكر القديم، أبعد الناس عن عملية الإصلاح، خصوصا إذا كانت تلك العملية تهدد مصالحهم الاقتصادية والسياسية.(2) وهذا إقرار واضح من باحث متمرس بالبعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي للطائفية.     
       بدأت ارهاصات الإسلام السياسي بعد ما سمى بالصحوة الإسلامية التي قادها جمال الدين الأفغاني(3) وتلامذته مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي  وغيرهما، غير أن الأول لم يكن ينادي بالدولة الإسلامية أو ما يعبر عنه بالإسلام السياسي الذي تتبناه الأحزاب الإسلامية كإيديولوجية، بل كان يدعو إلى نظام الخلافة العثمانية ويؤيدها مع الدعوة إلى بعض الاصلاحات. ولكن بعد أن رأي رجال الاصلاح أن هذه الصحوة لا بد لها من إيديولوجية تقوم بتأطير المسلمين وأفكارهم، وبعد أن أدركوا جيدا أن الإسلام التقليدي لا يتوافر على عناصر التحضر وأهمها تشكيل الدولة الإسلامية، عملوا على أدلجة الدين والبحث في التراث عن مقدمات وعناصر تشكيل النظام السياسي الإسلامي.
     إن أول من طرح هذا المشروع هو عبد الأعلى المودودي الباكستاني الذي عاش الصراع الديني الهندي الباكستاني المرير وطرح مسألة الدولة الإسلامية التي تقوم على أساس تطبيق الشريعة مقابل الحركات العلمانية في الهند التي تبنت الطابع الغربي في صياغة نظامها ودساتيرها. ومنه انتقل المشروع إلى مصر حيث تبنته حركة الأخوان المسلمين وبعض المفكرين الإسلاميين أمثال سيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي وغيرهم من رموز الإسلام السياسي.
      وبالنسبة للشيعة فقد بدأ الإسلام السياسي بالتحرك والنمو من خلال كتابات محمد باقر الصدر والسيد حسين فضل الله وعلي شريعتي والخميني الذين دعوا إلى إقامة الدولة الإسلامية بعد أن وجدوا أن التشيع التقليدي لا يكفي لممارسة دور الريادة والقيادة في اطار التنافس الحضاري بين الشرق والغرب. وكان التشيع التقليدي عازفا عن تولي السلطة وهمه الأول ترسيخ عقائد الشيعة والرد على خصومهم من الوهابية، و بدأ علماء الدين المشار إليهم بالدعوة إلى تشكيل حكومة ونظام سياسي يستوحي مقوماته من النصوص الدينية والتراث الإسلامي، بعد ورود الثقافات والايديولوجيات إلى البلاد الإسلامية وتأثر الكثير من المثقفين بها وامتدادها في الوسط الجماهيري وخاصة بالنسبة إلى انتشار الفكر الشيوعي، أحس هؤلاء العلماء بضرورة وجود ايديولوجية إسلامية أي أدلجة الدين تصد هذا التيار وتملأ الفراغ الفكري والعقائدي لدى الشباب.(4) لذلك تأسست أحزاب إسلامية شيعية وسنية على أساس طائفي مستفيدة من هذه المرجعية الفكرية الدينية كما في الحالة العراقية.
     والملاحظ أن الإسلام السياسي في العراق لم يستطع في العقود الخمسة الأولى من عمر الدولة العراقية تشكيل بنية سياسية مؤثرة، بل أن تأثيراته انحبست في المناسبات الدينية والمدارس الفقهية والفتاوي الشرعية. وساهمت تأثيرات الأحزاب السياسية العلمانية على الكتل الشعبية في صياغة هوية وطنية عراقية شكلت سدا كبيرا أمام نمو وتطور الطائفية السياسية(5) في تلك الفترة.
      ساهم ظهور الأحزاب الإسلامية بإذكاء الطائفية وتعميقها، وبما أن الطائفية فعل تفتيتي، فهي لا تتوقف عن ممارسة فعاليتها عند نقطة معينة محددة، قد تبدأ من نقطة ما، لكنها تنفجر ما لم يتم محاصرتها بأسرع وسيلة. المهم أن الطائفية تمارس تفتيتها لكل ما هو بناء ونظام حتى تصل إلى الإنسان ذاته فتشطره إلى نصفين، قوتين متقاتلتين تبادلا للسيطرة والعنف. والملاحظ في البداية كان الارتداد إلى الأصول والجذور، إلى "التراث" الذي يمثل بالنسبة للبعض حماية من عراء الهزيمة، وكان عند البعض الأخر موضوعا للتأمل والدراسة والتساءل. ومع تنامي فعل التفتيت الطائفي ينحسر كل تيار في خندق خطاب مغلق لا يعترف بالخطاب الآخر ولا يدخل معه في حوار مباشر. في الخطاب الطائفي النقيض – الذي يحمل شعار الإسلام- تنعكس كل الصور، وتتضخم الأنا تعويضا عن الهزيمة والتبعية، وتتحدد الهوية على أساس "الدين"، ويتم اضطهاد الآخرين(6) باعتبارهم اعداء وأحد اسباب تخلف الأمة وإعاقة نهوضها.
     يمكن القول أن الطائفية هي نتاج تفاعل عوامل سياسية- اقتصادية- اجتماعية ذات مساس مباشر بحياة الفرد اليومية، امتزجت مع تهديدات أمنية للهوية الثقافية للمجتمع، وتراكم مشاعر العجز والإحساس بالضعف، والفشل، والإحباط، والخوف أو انعدام الشعور بالأمن . لتشكل توجهات اجتماعية تعصبية نحو الآخرين الذين يختلف معهم الطائفي في تفسير المعتقدات الدينية. وهي حالة تتمسك بتفسير مدرسة فقهية واحدة للدين، بوصفه التفسير الوحيد المعبر عن اساسيات الدين. والطائفية كظاهرة اجتماعية وحركة سياسية لا يمكن عزلها عن موجة التدين و التأسلم، أي استخدام الدين في السياسة لتحقيق اغراض دنيوية لاعلاقة لها بالدين، أو حسابات الآخرة.(7) ولهذا نرى النخب السياسية الطائفية تسعى من اجل تحقيق المزيد من المكاسب السياسية، وتوظيفها للحصول على المزيد من المكاسب المادية لتقوية نفوذها الاجتماعي وموقعها الطبقي، وهذا المسار ببساطة يتنافى مع الجانب الروحي المفترض المتمثل بطلب دخول الجنة!     
   
الطائفية والدولة العراقية
     بعد قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ورغم ان العراق نال استقلاله من بريطانيا عام 1932، إلا أن السياسة الداخلية كانت في العهد الملكي حتى ثورة 14 تموز 1958 تدار من قبل البريطانيين والضباط العثمانيين السابقين، السنة، والعائلة المالكة (الشريفيين). في حين أن نواحي عديدة من الحياة السياسية العراقية في ظل الحكم الملكي، كانت تعكس الدوافع المختلفة لهذه المجموعات الثلاث، فإنها كانت تتشاطر قدرا من المصلحة المشتركة في محاولتها تحجيم موقع الإسلام الشيعي في العراق. واستمرت محاولة الدولة لتحجيم الإسلام الشيعي بعد سقوط الملكية عام 1958، لتبلغ هذه المحاولة ذروتها في ظل البعث(8) عبر إقامة دولة بوليسية شمولية سيطرت على كل مفاصل المجتمع. رغم أن هذا التحجيم خف كثيرا في السنوات الأولى لثورة 14 تموز، وهذا يعود إلى التغيرات التي حدثت في بنية النظام السياسي، وتوجهات قيادة الثورة غير الطائفية، وإلى تنامي دور اليسار الواسع وبالأخص الحزب الشيوعي العراقي في الساحة السياسية. 
     وحسب حنا بطاطو من الحقائق المثيرة للاهتمام، والنابعة من تجاور الملامح الدينية والاجتماعية للعراق في العهد الملكي في العشرينات من القرن الماضي كانت درجة القربى القائمة بين الولاء الطائفي والموقع الاجتماعي في أجزاء مختلفة من جنوب البلاد ووسطها. وباختصار فإن ثنائية السنة-الشيعة توافقت إلى درجة غير ضئيلة مع الانشقاق الاجتماعي الاقتصادي العميق الجذور. ولا يمكن تأكيد أو انكار أن التباينات الطبقية هنا كانت هي الأصل، وكانت التباينات الدينية هي الفرع. وقد تغيرت اتجاهات علاقة الطوائف بالطبقات، خلال العقد الأخير من العهد الملكي. فبين سنتي 1947-1958 وصل أربعة من الشيعة إلى منصب رئاسة الوزراء. والواقع أن ارتفاع الموقع الاقتصادي للشيعة هو ما يفسر إلى حد كبير التغير الذي حصل في منزلتهم الاجتماعية، وهو ما دفع في الوقت نفسه باتجاه زيادة حصتهم في سلطة الدولة. ومع هذا أن التماثل بين الانقسامات الطائفية والطبقية لم يكن كاملا أبدا، فكان هناك سنة فقراء جدا، وأن هؤلاء وفقراء الشيعة كانوا إخوة في الشدة.(9) وهذا يعكسه بجلاء التعايش والتمازج الاجتماعي السلميين لجميع المكونات الدينية في عموم العراق.
    إذن لا يمكن انكار أن المسألة الطائفية لها جذورها العميقة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921، حيث ولدت ككيان هش متصدع لم يمتلك أسسا للاندماج الوطني، مما انعكس في ممارسات ذات طبيعة طائفية تم التعبير عنها بسبل الحرمان والاحتكار والاقصاء، انبتت في جسد الدولة، ونخرت في نسيجه الوطني، وأضعفت من وحدة المجتمع واستقراره. إن الإقرار بذلك هو البداية الصحيحة للحل المتمثل في إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة تعتمد المواطنة، ونظام حكم ديمقراطي يلتزم بتحقيق المساواة بين مختلف العراقيين، بغض النظر عن انتمائهم الديني والقومي والسياسي، ويقوم على أساس الوحدة الوطنية والعدالة ودولة القانون والمساءلة.(10) هذا التوجه في بناء الدولة والنظام السياسي يعكسه بوضوح المشروع الوطني الديمقراطي الذي طرحه الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 2007، والذي لم تتعامل معه الكتل السياسية الطائفية المتنفذة بجدية؛ لأنه يقف بالضد من مصالحها القائمة على تعميق الاستقطاب الطائفي واستثماره سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
      ولحسن الحظ لا يوجد ذكر أو إشارة إلى السنة أو الشيعة في أي من الدساتير العراقية، بما فيها الأخير الذي أقر عبر استفتاء شعبي عام 2005، فهاتان الكلمتان بالتحديد هما في طي الكتمان أو الخفاء، كما لو كانت الهوية الطائفية مخجلة ومشينة. وكانت التصورات التوحيدية المستندة إلى العروبة تنزع الشرعية ايضا عن كل خطاب طائفي. ساهم الجميع إذن في تواري الهويات الطائفية التي اخذت تميل إلى الاضمحلال دونما إقصاء واستهجان. لكن التضامن المحلي والعائلي والعشائري سيظل هو المنحى الرئيسي لطائفية غير معترف بها، حيث  سيسهم ذلك التضامن أيضا في حجبها وإخفائها. و لم يطالب النظام السياسي الذي أنشئ عام 1921 على نحو صريح، بأي شكل من أشكال التمييز الطائفي. وهكذا ففي داخل تصور هوية الدولة العراقية كمنت قواعد تمييز غير معترف به، بحيث لا بد من النبش عميقا للعثور على آثاره الجلية. والواقع أن التمييز الطائفي لم يكن متخفيا وراء نظام سياسي قام بمأسسة التمييز فحسب، بل كان محظورا عن أنظار أجيال بكاملها أيضا سواء من المستفيدين منه أو من ضحاياه،(11) لكنه سيظهر بقوة إلى السطح بعد سقوط النظام عام 2003 نتيجة تفاعل جملة من العوامل المحفزة له.   
      بعد سقوط النظام، عمقت سياسة الولايات المتحدة من الانقسامات الطائفية والإثنية، عندما بادرت إلى تشكيل مجلس الحكم على هذا الأسس، وكأن المجتمع العراقي ينقسم إلى كتل سنية وشيعية وكردية متجانسة وثابتة لا تعرف الحراك الاجتماعي والسياسي والطبقي داخلها، وهو منطق يخالف قوانين حركية البنية الاجتماعية- الاقتصادية وصراعاتها في أي مجتمع دع عنك مجتمع يمر في طور الانتقال إلى الحداثة. إن هذا التقسيم لم يأت اعتباطا، وإنما الغرض منه اضعاف النسيج الاجتماعي، وتفكيك بنية الدولة العراقية، وتحويلها إلى دولة طوائف ضعيفة بحيث تظل هذه الطوائف أو بالأحرى قياداتها تحتاج دائما لدعم الولايات المتحدة، التي تظل ممسكة بكل خيوط اللعبة تحقيقا لمصالحها الجيواستراتيجية في العراق والمنطقة.   
     وبعد تعاقب الحكومات العراقية التي قادتها الأحزاب الإسلامية، واستمرار هذه الأحزاب ممسكة بالسلطة، وهذا ما عكسته نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2014، ومن أجل الهروب من مواجهة المشاكل الاجتماعية الفعلية للمجتمع في لحظة تطوره الملموسة، تؤسس إيديولوجيا الخطاب الطائفي نسقا مجردا، وتساهم بالتالي في تعطيل حركية الواقع الاجتماعي وفهم تناقضاته الكبرى من خلال التأكيد الدائم، بشكل مضمر تارة ومكشوف تارة أخرى، على أن مشكلة العراق اليوم هي مشكلة طائفية وليس مشكلة سياسية – اجتماعية، وأن حلها يعني حلا لكل مشكلات العراق الأخرى. هكذا يتم اختزال الأسئلة المتعلقة بالأزمة المجتمعية والسياسية العميقة في جواب أحادى الجانب هو " التمييز الطائفي" و "مظلومية الطائفة"، و " التوازن الطائفي"، وان إلغاء هذا التمييز وهذه المظلومية كفيل بحل مشكلات العراق !.(12) هذا الخطاب، في الواقع، يعيد إنتاج الطائفية ولا يمكن أن يكون ابدا حلا لها.
    وعن علاقة الدولة بالطوائف، تسعى النخب السياسية الطائفية أن تكون الطوائف كيانات مستقلة منغلقة قائمة بذاتها، ولا تقوم علاقات اجتماعية سوى بين الطوائف، ولا يمكن لمثل هذه العلاقات أن تتحدد إلا كعلاقات طائفية. وهي في وجودها الكياني هذا بالذات بحاجة إلى الدولة التي تؤمن لها ديمومة وجودها. إذن الدولة في هذا المنطق الطائفي، تكون شفيعة الطوائف، وكفيلتها. والدولة بدورها، تكون بحاجة إليها، فلو لم تكن الطوائف، لما وجدت الدولة(13) الطائفية بالطبع. هكذا يعزز كل طرف وجود الآخر تبادلا للمصلحة. 
      تعد المسألة الطائفية في العراق إحدى العقبات الرئيسية التي تقف أمام التجانس الاجتماعي والإجماع الوطني، والوفاق السياسي، والتي تعرقل التوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية تنهي الأزمة الوطنية العميقة، وإلى إعادة بناء الدولة والمجتمع. والطائفية بمعنى المذهبية العقائدية بحد ذاتها، كتعبير عن اجتهاد أو رؤية محددة في الدين، قد لا تكون هي المشكلة، إذا ما تم النظر إليها في حدود التنوع والتعدد المذهبي، لكنها تغدو مشكلة خطيرة حين تتحول إلى نظام سياسي يلغي أو يضعف الهوية الوطنية، ويقوم على أساس المحاصصة، دون اعتبار لمفهومي المواطنة والشراكة وحقوقهما وواجباتهما. ولقد اثبتت التجارب أن نظاما قائما على المحاصصة الطائفية السياسية يؤدي لا محالة إلى خلق حالة طائفية بكل أشكالها الفردية والمؤسساتية والثقافية والاجتماعية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من سلوكيات وتحيزات واصطفافات، تتجاوز الحياة الشخصية والخيارات الفردية، لكي تنعكس في النشاط العام وميادين العمل على شكل احتكاكات وأحيانا صراعات قاتلة(14) وهذا يتمثل بوضوح في الحالة العراقية الراهنة بكل تجلياتها.
     إن حل مشكلة هوية الدولة في العراق تكمن في تبني المشروع الوطني الديمقراطي الذي يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تعددية. ومن المفيد في هذا الصدد أن نذكر من التجارب السابقة لنا أن العلمانية لم تكن مجرد تعبير عن رغبة مزاجية لبعض الأفراد أو المجموعات الفكرية أو السياسية، بقدر ما كانت عبارة عن حل عملي فرضته الحروب الدينية التي شهدتها عموم أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر. حيث مرت القارة على امتداد مائة وثلاثين سنة متتالية (1559-1689) أي منذ ظهور البروتستانتية في شمال أوروبا، ثم محاولة امتدادها نحو الوسط، باضطرابات سياسية وحروب دينية مفزعة. ففي فرنسا مثلا امتدت حروبها بين 1562- 1598 قبل أن تتجدد مرة أخرى في القرن السابع عشر، مخلفة وراءها ركاما هائلا من القتل والتدمير والانتقام المتبادل بين الكاثوليك والطائفة البروتستانتية الكالفينية. لذلك كانت العلمانية في صورتها العامة عبارة عن تسويات تاريخية فرضتها هذه الحروب.(15) وإلى جانب هذه الحروب، هناك عوامل أخرى تمثلت في التحولات البنيوية التي شهدتها البنية الاجتماعية-الاقتصادية، وصعود البرجوازية التجارية وثم الصناعية وانتهاء دور الإقطاع كل هذه العوامل مهدت لتبني الدول الأوروبية للعلمانية وتحييد الدين عن السياسة.
مشروع تقسيم العراق
     تصاعدت في دوائر أمريكية دعوات إلى "تقسيم هادئ" للعراق على أساس طائفي وإثني. وطرح جون بايدن مشرعه المعروف بتقسيم العراق إلى ثلاثة اقاليم شيعي وسني وكردي. ويثور السؤال التالي: ما هي فرص أن يثبت تقسيم "هادئ" للعراق أنه اقل عنفا من تقسم الهند عام 1947؟ الذي ما زالت نتائجه تتفاعل إلى الآن، وبالأخص تأزم العلاقات الدائم بين الهند والباكستان، إذ يرى الكثير من خبراء العلاقات الدولية أن هذا التقسيم يعد بمثابة الخطوة الأولى في تأجيج العنف على نطاق أوسع يشمل العراق والدول المجاورة.
      تاريخيا لم تكن الكيانات الإدارية التي شملت عراق اليوم مستندة إلى هوية طائفية وإثنية. ومن غير الممكن في أي فترة معينة خلال 1300 عام من حكم الإمبراطورية الإسلامية الحديث عن كيانات إدارية معترف بها بأنها شيعية أو سنية أو كردية خالصة. لذلك لم يكن للولايات الثلاث العراقية في العهد العثماني مظهر طائفي خاص علما أنها دامت ثلاثين عاما فقط!. وكان في بغداد شيعة أكثر مما كانوا في البصرة، بينما كانت الموصل أساسا ولاية تضم الكرد والعرب والتركمان والإيزيديين والمسيحيين وآخرين. وعندما فكر البريطانيون قليلا إبان الحرب العالمية الأولى في الفصل بين ولايتي البصرة وبغداد، كان تفكيرهم يرتبط بأهمية البصرة الاستراتيجية بوصفها المدخل إلى الهند، ولم يكن له أي شأن بالحسابات الطائفية(16) آنذاك.
      إن عدم الفصل بين ما هو طائفي ومذهبي وما هو إستراتيجي وسياسي من شأنه أن يشعل المنطقة العربية ويقلبها رأسا على عقب. فالخلط المتزايد بين الاختلافات السياسية والخلافات المذهبية والعقائدية من شأنه أن يفتت النسيج الاجتماعي بشكل قد يصعب التخلص من آثاره سريعا كما يحدث في العراق منذ عام 2003. ومن شأن بناء الهويات السياسية على أسس طائفية ومذهبية أن يعمق الخلافات الإقليمية التي سيصبح تجسيرها لاحقا أمرا في غاية الصعوبة خاصة مع إراقة الدماء الكثيرة.
   والآن لم يعد الفصل بين البعدين الداخلي والخارجي للمسألة الطائفية أمرا ممكنا بعدما تداخلا وتشابكا طيلة الفترة الماضية. لذا لم يكن غريبا أن يصف بعض الساسة والباحثين الغربيين ما يحدث الآن في المشرق العربي باعتباره انهيارا لترتيبات معاهدة سايكس- بيكو التي جرى الاتفاق عليها قبل قرن تقريبا وكانت سببا في ظهور النظام العربي بصورته الراهنة(17) وما رافق هذا النظام من صراعات ابرزها ما يتعلق برسم الحدود التي رسمت بشكل اعتباطي يلبي المصالح الجيواستراتيجية للدولتين المستعمرتين بريطانيا وفرنسا.
  نموذجان
      يعد النموذج اللبناني الذي يتبنى الطائفية السياسية، نموذجا صارخا من حيث تداعياته المدمرة على بناء مؤسسات الدولة والمجتمع، وإنتاجه المستمر للأزمات السياسية والأمنية والمجتمعية، علما هناك في الكتل الطائفية المتفذة في العراق من يعتبر هذا النموذج مثاليا، في حل اشكاليات توزيع السلطة والثروة والنفوذ! لذلك، من الناحية العملية، فإن تجربة العملية السياسية في العراق بعد سقوط  النظام باتت تسير باتجاه لبننته، لأن هذا النموذج يخدم مصالح النخب السياسية الطائفية، ويعطيها المزيد من النفوذ والقوة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. فما هي جذور ومكونات هذا النموذج؟   
    من المعروف في الستينات اخذت الجماهير في لبنان تشعر بوطأة الصراع الطبقي بصورة متزايدة ومتبلورة وحادة. علما أنه ينتمي الكثير من المسلمين إلى الطبقة الكادحة والفقيرة وإلى الشريحة الدنيا من متوسطي الحال، بينما يشعر المسيحيون أن النظام الاجتماعي القائم هو نظامهم باعتبار أنهم المستفيدون منه أكثر من غيرهم في تسخيره لخدمة مصالحهم. ومن المسلم به أن الفئات الإسلامية المرتاحة ماديا والمشاركة في الاستفادة من النظام القائم تقوم بدور هام في لترويج لشعارات سياسية-اجتماعية  مثل "بناء الجسور بين الطبقات" و"التفاهم والأخوة والمحبة". وحين تترجم هذه الشعارات إلى لغة الدين والطائفية تكون النتيجة الحوار الإسلامي- المسيحي، والتوافق بين الطوائف. وهذا الحوار هو محاولة تفاهم بين قيادات لشرائح اجتماعية –مسيحية ومسلمة- تملك الثروة ووسائل إنتاجها في البلاد وهي بذلك متنفذة ومسيطرة. والغاية النهائية من كل هذه الجهود هي المحافظة على النظام الطائفي القائم بكل مضامينه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باسم الدين وغير الدين، وتغطية للصراع الطبقي المحتدم في المجتمع اللبناني وتحويلا للأنظار عنه،(18) رغم أنها لم تنجح دوما في هدفها هذا.

      وقد أخذ الجميع من إيديولوجي البرجوازية اللبنانية بمقولة، أن لبنان فريد من نوعه، في تركيبه الطائفي. حيث أن الفريد غير قابل للتغيير أو التغير، إنه الجوهر ابدا. لا يدخل في دائرة العام، ولا في دائرة عقله، فله عقله دون غيره. الم يكن بيار الجميٍل يردد دوما (الصيغة الصيغة، إنها فريدة حرام أن تتغير).

    لكن بعد سنوات من الحرب الأهلية، وبعد أن عجزت القوى الفاشية من فرض نظامها، أخذت تتأكد، في صيرورة هذه الحرب، ضرورة تغيير النظام السياسي القائم، كشرط لانتهاء الحرب، وأخذت مقولة الفرادة، تفقد وظيفتها في الدفاع عن هذا النظام، وفي الاسهام في تأمين ديمومته، من حيث أنها، في حقل الدلالات المحددة بحقل الصراعات السياسية الإيديولوجية الطبقية، وبتطوره، بدأت ربما تعني التحنط في صيغة جامدة.(19) غير أن اتفاق الطائف عام 1989 الذي نجح في وقف الحرب الأهلية، لكنه لم يعالج اسبابها الحقيقة والكامنة في بنية النظام السياسي وأزماته، الناتجة من تبني نهج الطائفية السياسية في الحكم، لذلك نرى الوضع اللبناني هشا ومتوترا باستمرار وقابلا للاشتعال على نطاق أوسع، وما يتم التوصل إليه من حلول بين النخب السياسية الطائفية إنما هو محاولة تجميل مؤقت للنظام الطائفي.

     إما في نموذج الإسلام الشيعي الإيراني الذي اقيم بعد سقوط نظام الشاه عام 1979 على أساس طائفي، حيث ينص الدستور الإيراني على تبني المذهب الجعفري، فقد اصبحت الدولة خادمة المؤسسة الدينية لأنه لها السلطة العليا، وبما أن منصب القائد العام أهم من منصب رئيس الجمهورية وللأول حق عزل الثاني، أي أن الدولة أداة المؤسسة الدينية. على هذا الأساس فإن مهمة المؤسسة الدينية هي ترويض الدولة أولا لخدمة استمراريتها، والدولة في تحالف مع المؤسسة تؤمن كذلك استمرارية الأولى، والشعب يخضع لترويض مضاعف، من جهاز الدولة والمؤسسة الدينية في نفس الوقت، وكلاهما يبرر شرعيته ويؤكدها بطريقته في حال التنابذ.
       تثبت المؤسسة الدينية لأتباعها أنها لا تتحرك في السياسة ولكنها تنقلب عليها متى ضيموا، وبهذا المعنى فهي تحافظ على أهمية رمزية في وعي الشعب الإيراني وعمق استراتيجي في التحولات الاجتماعية والسياسية، إنها تعلو على الزمان، فالقائد وجماعته من خارج الزمان لا يخطئون ولكن السياسي ضرورة أن يخطئ، ولا بد من رده عن خطئه. حيث يكون ذلك أكثر المواقع لاستمراريتها، إنه موقع الفاعل الرقيب، يدير المتغيرات دون ان يتغير.
     امتلاك المؤسسة الدينية كل وسائل السلطة ليس عمليا وليس في صالحها، فهناك قيادة عامة وخاصة، أي قيادة الولي المطلقة وقيادة رئيس الجمهورية المقيدة. يسعى ذلك لجعل الأولى مقدسة، والثانية مكشوفة مفضوحة، تنتخب الثانية فتتكشف كل خفاياها وعيوبها، وتمتنع الأولى عن ذلك لأنها هبة الله!.(20) علما أن الخميني قد عدل من أفكاره عن الحكومة والحكم نتيجة لممارسته قيادة الثورة أولا، ثم الدولة - طوال عشر سنوات- ثانيا، إلا أنه حافظ على تصوراته الأساسية عنهما: فالقائد حاكم مطلق تتجمع في يده السلطات كلها، ويتدخل في الشؤون العامة جميعا، رغم وجود أجهزة متخصصة لها. وفي الواقع لم يكن اعترض الخميني على إضافة "الديمقراطية" إلى اسم الجمهورية الإسلامية اعتراضا شكليا، عندما صرح بأنه لا معنى لإضافة هذه الصفة، لأن الإسلام ديمقراطي بطبعه، بل هو اعتراض فكري اساسا، فالديمقراطية تستند على تفويض الشعب، بينما حصل هو على تفويضه من الله!(21).     

      لهذا النموذج تناقضاته الداخلية ونقاط ضعفه، ابرزها انعدام التعددية السياسية، مما يعني أن النظام مع مرور الوقت يبدأ بفقد شرعيته، ويزيد هذا من المطالب بالتغيير، وما الحركات الاحتجاجية التي شهدتها إيران في السنوات القريبة الماضية، والتي قمعت بشدة إلا تعبير عن بوادر تفجر هذه التناقضات التي إن عادت يمكن أن تكون أكثر جذرية، ويمكن أن لا تطالب بإصلاح النظام من داخله فقط وإنما بتغييره ببديل مدني ديمقراطي.

الهوامش
1-   للمزيد راجع محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، ط 4، بيروت، 2009، ص 327-330.
2-   راجع مقابلة مع أحمد الكاتب، مجلة الآداب البيروتية، العدد 7-8 تموز 2009، ص75- 78.
3-   كان الأفغاني غير متزمت في عقيدته الدينية وفي سلوكه، والملاحظ أن أصحابه ومريديه كانوا من أديان وطوائف شتى، فكان فيهم المسيحي واليهودي والبهائي والازلي والسني والشيعي والمجوسي والملحد. وكان على الرغم من أصله الشيعي لا يتعصب للتشيع تعصبا أعمى بل هو ينتقد السنة مثلما ينتقد الشيعة. راجع علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 3، 2004، ص 350-351. 
4-   للمزيد راجع أحمد القبانجي، الإسلام المدني، ط 1، بيروت، 2009، ص 215- 231.
5-   راجع لطفي حاتم، "جذور الإسلام السياسي في العراق وتياراته"، الثقافة الجديدة، 324، السنة 2008، ص 28.
6-   للمزيد راجع نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف ... قراءة في خطاب المرأة، ط 4، بيروت، 2007، ص 55-73.
7-   راجع موسى الحسيني، "الطائفية في الوطن العربي: تعريفها وأسبابها"، المستقبل العربي، العدد 408، شباط| فبراير 2013، ص 195-197.
8-   راجع اسحق النقاش، شيعة العراق، ترجمة عبد الاله النعيمي، ط 1، دمشق، 1996، ص 145-146. وبالعودة إلى الوراء، زمن الدولة العثمانية، يذكر على الوردي عندما فتحت المدارس الحديثة في العهد الحميدي لم يدخل الشيعة أبناءهم فيها، لسببين الأول كانت الدولة لا تحبذ دخول الشيعة إلى المدارس لكي لا يطمحوا بالوظائف الحكومية، وكان الشيعة من جانبهم بالأخص علماء الدين يحرمون المدارس ويعدونها مفسدة للدين والاخلاق، غير أن هذا الموقف قد تغير فيما بعد، حيث أسست في البداية مدارس جعفرية خاصة. وفي هذا الصدد يقول كامل الجادرجي في مذكراته "كانت الطائفة الشيعية تعد في زمن السلطان عبد الحميد - والحقيقة في زمن الدولة العثمانية- أقلية تنظر إليها الدولة بعين العداء، فلم تفسح لها مجالات التقدم في أية ناحية من نواحي الحياة. ولا يقبل منها فرد في وظائف الدولة إلا ما ندر وعند الضرورة القصوى. وحتى في مدارس الدولة الاعدادية القليلة كانت توضع العراقيل في طريق دخول أبناء هذه الطائفة فيها فأدى ذلك كله بطبيعة الحال إلى انعزالها وسلوكها الاعمال الحرة كالتجارة والصناعة والزراعة وما إلى ذلك من أعمال لا علاقة لها بالحكومة..." راجع علي الوردي، مصدر سابق، ص 292-295.   
9-   للمزيد راجع حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، ط 1، بيروت، 1990، ص 65-71.
10-   صلاح النصراوي، "المصالحة والوفاق الوطني في العراق .. دروس من تجارب الآخرين"، السياسة الدولية، 177، يوليو 2009، ص 249.
11-   راجع جان بيير لويزار،" الحد الطائفي للمسألة العراقية"، في كتاب المجتمع العراقي حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات، ط 1، بغداد- بيروت، 2006، ص 210- 218
12-   لنحذر... الطائفية لن تكون أبدا خيارا نصطف معه!، لجنة العمل الفكري المركزية، آذار 2013.
13-   للمزيد راجع مهدي عامل، في الدولة الطائفية، ط 3، بيروت، 2003، ص 20-22.
14-   صلاح النصراوي، مصدر سابق، ص 248- 249.
15-   راجع رفيق عبد السلام، في العلمانية والدين والديمقراطية.. المفاهيم والسياقات، ط 1، الدوحة، 2008، ص 26-27. من المفيد أن نذكر هنا أن الفيلسوف الهولندي سبينوزا تصدى في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" الذي نشر عام 1670 دون أن يحمل اسم المؤلف، لنقد الفكر الديني من داخله وبنصوصه، وشمل ذلك التوراة والانجيل، وعالج تأسيس الشروط الفعلية للدولة الحديثة التي تضمن حرية الاعتقاد وحرية التفلسف. وقد تعرض لهجمة شديدة من قبل الكنيسة الكاثوليكية والأوساط اليهودية والقوى الرجعية، ونعت بالملحد رغم أنه لم يكن كذلك. للمزيد راجع أحمد العلمي، "المسألة الدينية في فلسفة سبينوزا"، مدارات فلسفية، 18 لسنة 2009، ص 121-137.
16-   راجع ريدار فيسير، الهوية الطائفية والصراع الإقليمي في العراق: وجهة نظر تاريخية، في كتاب العراق تحت الاحتلال، ط 1، بيروت، 2008، ص 181-184.
17-   خليل العناني، "الانقسامات الطائفية والدينية في دول الثورات العربية"،شؤون عربية، 154 صيف 2013، ص 121.
18-   للمزيد راجع صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، ط 10، بيروت، 2009، ص 44.
19-   مهدي عامل، مصدر سابق، ص 5-6.
20-   راجع تهامي العبدولي، أزمة المعرفة الدينية، ط 2، دمشق، 2005، ص 112-117
21-   راجع سليم عبد الأمير حمدان، "الإسلام- الدين والسياسة: الموقف الشيعي"، الثقافة الجديدة، 295، لسنة 2000، ص 82-83.
 




40
         
بيان صادر عن اجتماع لجنة التنسيق بين الأحزاب الوطنية العراقية في هولندا



       عقدت لجنة التنسيق بين الأحزاب الوطنية العراقية في هولندا يوم 19 حزيران 2014 اجتماعا كرس لدراسة التطورات الخطيرة والمتسارعة الحاصلة في بلدنا جراء احتلال داعش والقوى المتحالفة معه عدة  محافظات ومدن وعلى اكثر من محور وما تبعه من انهيار عسكري سريع ومفاجئ.  إن هذا التداعي يعد محصلة لعوامل وثيقة الصلة بالاوضاع السياسية والاقتصادية وانعدام الثقة بين الاطراف السياسية والفتور الحاصل بين الاقليم والمركز وتعمق النتائج المدمرة لنهج المحاصصة الطائفية وسياسة الاقصاء والتهميش واستشراء الفساد بكافة انواعه  واختلاق الازمات اضافة  الى التدخلات الاقليمية والتي لا تنسجم مع مصالح شعبنا.

    إن لجنة التنسيق بين الاحزاب تهيب بكافة الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقوات المسلحة  والقوى الامنية المحلية والبيشمركة الى الارتقاء الى مستوى التحديات التي تواجه بلدنا  لكسر شوكة قوى الارهاب تزامنا بتوفير المستلزمات السياسية للحل وذلك  لتجنب انزلاق بلدنا إلى اتون حرب اهلية. اننا في الوقت الذي ندين الارهاب نرى ضرورة معالجة التدهور الحاصل في العملية السياسية والابتعاد عن سياسة الاقصاء والتهميش، واحترام الدستور واقامة حكومة وحدة وطنية وباقصى سرعة للخروج من الفراغ الدستوري وايلاء الاهتمام بالمواطنين وصيانة ارواحهم وتجنيبهم اثار المعارك العسكرية،  ومحاسبة جميع المسؤولين عما حدث في المؤسسة العسكرية والامنية، دون الاكتفاء بمحاسبة عدد من الضباط، وتقديم المساعدات الانسانية العاجلة لمئات العوائل النازحة.

     ونناشد  الدول الاوروبية والعربية والاسلامية ومنظمات حقوق الانسان الدولية وخاصة في هولندا  بالاسراع بالقيام بدورهم الانساني بارسال المساعدات الانسانية  من   الطعام والدواء وتوفير المستلزمات السكنية السريعة والمعونات الصحية للاطفال والنساء والرجال المسنيين.

     كذلك تقف لجنة التنسيق بين الاحزاب الوطنية العراقية  ضد التجييش الطائفي لكافة الاطراف، وتثني على موقف المرجعية الهادف الى وحدة الشعب العراقي والوقوف ضد الارهاب، ونطالب بالابتعاد عن تسييس فتوى المرجعية الدينية في التطوع لدعم القوات المسلحة ضد الارهاب، وندين التصريحات الطائفية  والشوفينية التي اصبحت مصدرا لارهاب المواطنين واضعاف معنوياتهم.

   وتطالب ايضا لجنة التنسيق بضرورة المحافظة  وتامين الامان والسلام لمكونات الشعب العراقي الاصيلة   المتواجدة في مناطق الصراعات وخاصة من المسيحيين (الكلدانيين والاشوريين والسريانيين) والايزيديين والصابئة المندائيين والشبك والكاكائيين وغيرهم من المكونات التي تشكل القزح العراقي الجميل. 
   
    واتفقت لجنة التنسيق في الاسراع  باجراء الاتصالات من اجل كشف  الاوكار والخلايا النائمة لداعش وتحركاتهم في المملكة الهولندية، واتخاذ الاجراءات  للحفاظ على شبيبتنا من الامراض والسموم الفكرية للارهاب.

-الاتحاد الوطني الكردستاني
-الحزب الشيوعي الكردستاني
-الحزب الديمقراطي الكردستاني
-المجلس الاعلى الاسلامي
-الحزب الشيوعي العراقي
-الاتحاد الاسلامي الكردستانى
- وحضر ضيوف الاجتماع
-التيار الديمقراطي العراقي
-حركة التغييرالكردية/

 


41
بلاغ عن الملتقى الفكري السادس لمنظمات الحزب الشيوعي خارج الوطن
    نظمت لجنة العمل الفكري لمنظمات الحزب الشيوعي العراقي خارج الوطن في الفترة 30 أيار -      1 حزيران 2014، في مدينة كولن الألمانية، الملتقى الفكري السادس، بحضور ممثلين عن منظمات السويد وبريطانيا والمانيا وهولندا والدنمارك وبولندا. وتدارس الملتقى موضوعة " الطائفية السياسية ودورها في إعاقة بناء الدولة المدنية الديمقراطية " والتي تضمنت المحاور التالية:                       
-   مفهوم الطائفية السياسية، تحليل جذورها الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية.
-   الإسلام السياسي، أسباب صعوده، نتائجه، آفاقه ومحدداته، ومدى تأثير ذلك على الأوضاع في بلادنا.
-   الاقتصاد العراقي كونه اقتصاداً ريعياً، دوره في النظام الطائفي، وكيف يساهم في الهيمنة الطائفية.
-   المشروع الوطني الديمقراطي، كبديل لمشروع الطائفية السياسية، مقوماته الفكرية، والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية.
    أُفتتحت جلسات الملتقى بالوقوف دقيقة صمت تمجيداً لشهداء حزبنا والحركة الوطنية، والإستماع الى كلمة منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ألمانيا، وكلمة لجنة العمل الفكري لمنظمات الخارج، ورسالة لجنة العمل الفكري المركزية التي تمنت للملتقى النجاح والمساهمة الجادة في اثراء المساهمات والمناقشات والجدل في هذه الموضوعة الهامة.  وأشارت إلى إنه لأمر طيب ان تنعقد هذه الفعالية للمرة السادسة على التوالي، الأمر الذي يؤكد على حيوية القضايا المطروحة واصرار الرفاق والرفيقات العاملين في المجال الفكري على عقد هذه الفعاليات، رغم كل الصعوبات، لتكون ليس مجرد فعاليات استعراضية تقليدية، بل محطات مهمة للقاء و تبادل الرؤى والافكار وتقديم مقاربات واجتهادات تعكس التنوع الثري لفكرنا ضمن اطار الوحدة.
   حظيت مجموعة المداخلات التي قدّمت والتي عالجت العديد من المحاور المطروحة ومن زوايا وتحليلات متنوعة، بنقاشات جادة، أضفت على اجواء الملتقى الاغناء والحيوية.
وفي الختام قيم المشاركون عالياً الملتقى الفكري السادس والجهود التي بذلت لعقده، وتقديم الشكر الى منظمة الحزب في ألمانيا على استضافته.
لجنة العمل الفكري لمنظمات الخارج
2 حزيران 2014



42
الدولة المدنية الديمقراطية- مقوماتها ومعوقاتها
                                                                                                 
د. هاشم نعمة
                                                                                                                     
      تكتسب موضوعة بناء  الدولة المدنية الديمقراطية في بعدها النظري والتجريبي أهمية  استثنائية في واقع العراق الحاضر. حيث يدور الصراع على أشده سلماَ وعنفاَ بين القوى السياسية من أجل إعادة بناء الدولة العراقية، وفق مصالحها الطبقية والطائفية والقومية والإقليمية والدولية. ولذا حري بنا ونحن نتبنى المشروع الوطني الديمقراطي الذي يمهد الطريق لبناء أسس هذه الدولة، أن نتعمق ببحث هذه الموضوعة للتعرف على سيناريوهات التحول الديمقراطي ومقومات ومعوقات الدولة المدنية الديمقراطية، وأن نعمل على التثقيف بها على أوسع نطاق ممكن مقابل نقيضتها دولة المحاصصة الطائفية-الإثنية، في ظل بنية اجتماعية -اقتصادية متخلفة، وغياب يكاد يكون تاماً لثقافة البناء الديمقراطي، نتيجة العزلة التي عاشها العراق وهيمنة فكر الحزب الواحد.
     تاريخيا لم يجرب العراق مشروعا ديمقراطيا بالمعنى الدقيق للكلمة. لقد عانى من اجله طويلا، وتحول من حيث كونه قيمة وغاية إلى جزء جوهري في وعيه السياسي، لكنه لم يتغلغل في وعي الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية إلى ما يمكنه أن يكون مرجعية فكرية وسياسية واجتماعية وأخلاقية. أي أن الديمقراطية من حيث كونها مبدأ لم تتحول إلى جزء من تاريخ الدولة. على العكس كانت الدولة في صراع عنيف مع مبدأ الديمقراطية. مما جعل منها محل تخوين وتجريم افقدها القدرة على النمو الطبيعي، كما افقد القوى السياسية قدرة استيعاب مضمون الديمقراطية بالشكل الذي يجعلها معقولة ومقبولة. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التاريخية والسياسية والأيديولوجية الكبرى لهزيمة المشروع الديمقراطي في العراق، كما تكمن فيه أيضا مقدمات التعقيد الهائل للانتقال إليها(1) بعد سقوط النظام بواسطة العامل الخارجي.
تعريف الديمقراطية
      تعبر الديمقراطية عن مفهوم تاريخي اتخذ أشكالاَ وتطبيقات متعددة في سياق تطور المجتمعات والثقافات. وتقوم فكرتها الأساسية على حكم الشعب وممارسته الرقابة على الحكومة. ويتمثل جوهر الديمقراطية في توفير وسيلة منهجية وحضارية لإدارة المجتمع السياسي بغية تقدم المجتمعات. وظهرت في شكلها المبكر مع ازدهار الحضارة الإغريقية ونشوء دولة المدينة. ومورست بشكل مباشر واقتصرت على الأقلية من الأحرار دون العبيد والنساء وفي ظروف عدم الفصل بين السلطات. وظهرت الديمقراطية الحديثة نتيجة الأفكار التي انبثقت عن فترة النهضة الأوروبية. ولم تظهر بالمعنى الليبرالي إلا في القرن الثامن عشر عندما بشر المفكرون الغربيون بفكرة المساواة.(2) وكان روبرت دال من أهم دارسي الديمقراطية المعاصرة في الغرب قد أعاد تعريفها بأنها نظام حكم الأكثرية. ويرى أن هذا النظام يتميز بخاصيتين أولهما أتساع حقوق المواطنة لتشمل كافة المكونات السكانية وثانيهما يتضمن حق المواطن في تنحية أعلى مسؤول في الدولة من منصبه من خلال التصويت في الانتخابات.(3)
      إن الحديث عن تبلور مفهوم تاريخي للديمقراطية ينبغي ألا يقود إلى النظر إلى الديمقراطية كنموذج نظري جاهز يمكن تطبيقه في أي مكان. حيث لا تزال الديمقراطية تخضع للظروف التاريخية وتتكيف مع معطياتها. لذلك فهي مفهوم حي متغير ومتبدل يعكس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمعات ويبرز مطالبها.

    والديمقراطية مسيرة طويلة ومستمرة وليست نظاماَ يولد منذ البداية كاملاَ وأن هناك خطوات ومراحل يمكن ملاحظتها في التطور الديمقراطي ومن المفيد جداَ للبحث العلمي ألا يتجاهلها ولا ينكر أي عنصر مهما كان بسيطاَ وجزئياَ في مسيرة التحول.(4) وتتطلب الديمقراطية فترة نضوج مناسبة وصبراَ ونفساَ أطول في حالة المجتمعات الأقل تطوراَ مثل العراق.

سيناريوهات التحول الديمقراطي
    لا يوجد طريق واحد لإنجاز التحول الديمقراطي، فالتجارب السياسية في جنوب وشرق أوروبا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، في العقود القليلة الماضية، تشير إلى طرق ومداخل مختلفة. كما أن الدراسات الأكاديمية انتهت إلى تقديم قائمة طويلة من الأسباب التي تفسر الانتقال إلى الديمقراطية في تلك التجارب. ولعل تعدد العوامل المؤثرة في عمليات الانتقال، وتفاوت آثارها باختلاف المكان والزمان يفسران إلى حد كبير ظهور أكثر من سيناريو للتغيير والانتقال للديمقراطية.
   
      فهناك مدخل الخروج من الاستعمار إلى الحكم الديمقراطي مباشرة، كما حدث في الهند وماليزيا. وقد شهدت هذه الحالات بعض أعمال العنف بشكل دوري. إلا أن نجاح العملية السياسية وقادة الاستقلال واختياراتهم استطاع منع انفجار الاوضاع وفشل الانتقال. أما المدخل الثاني، فهو الانتقال التدريجي من نظام حكم الفرد أو القلة إلى نظام ديمقراطي. وقد شهدت معظم هذه الحالات اعمال عنف بدرجات متفاوتة. إلا أن توافق قادة الانتقال، ونجاح التحول الديمقراطي، وبناء مؤسسات الحكم الديمقراطي، أسهمت في استقرار الأمور. ويتمثل المدخل الثالث، في انهيار نظم حكم الفرد أو القلة، وإقامة نظام ديمقراطي. وعادة ما يصحب هذا قدر من العنف. فانهيار أنظمة الحكم القديمة عادة ما يتم من خلال التظاهرات والاحتجاجات قد تتطور في بعض الحالات إلى أعمال عنف، وثورات مسلحة وانقلابات عسكرية.(5) ويندرج سقوط النظام في الحالة التونسية والمصرية والليبية ضمن هذا المدخل. وهناك المدخل الرابع، وهو التدخل الخارجي الذي يتضمن صورا متعددة، منها الضغوط الدبلوماسية والاستخباراتية، والأدوات الاقتصادية المشروطة، والتدخل العسكري المباشر لتغيير نظام الحكم. وغالبا ما يترتب على استخدام هذا الأسلوب الكثير من أعمال العنف(6) كما حدث ويحدث في افغانستان والعراق، وهو دليل على صعوبة نجاح هذا المدخل وخاصة في الدول النامية. 

      لذلك فإن بناء الدولة المدنية الديمقراطية في العراق لابد أن يعكس سمات البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية للمجتمع وتوازن القوى السياسية، وتكون له خصوصية بقدر معين تتناغم مع هذه البنية، والتي يعاد تشكيلها كلما تعمقت مسيرة البناء الديمقراطي.   

المقومات

    عندما نتحدث عن المقومات السياسية- الاجتماعية لبناء الدولة الديمقراطية فهذا يعني بشكل عام مجموعتين من العوامل: العوامل الذاتية والموضوعية. الأولى تعين للحركة أهدافها وقيمها التي تناضل من أجل تحقيقها وتغيير الواقع الموضوعي للوصول إليها. أما الثانية التي لا تقوم أي حركة متميزة ومنظمة من دونها أي البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تخلق الحركة وتشترط  تطورها وتعين آفاق عملها. ويكمل هذان العاملان بعضهما بعضاَ كما يتوقف أثر كل واحد على الآخر. وإذا لم يجتمعا معا لا يمكن إحداث أي تقدم حقيقي على هذه الجبهة. فقد يسمح النضج النظري والسياسي بإحداث تغييرات ديمقراطية سريعة تساهم في إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتقليل من الفوارق الطبقية أي في تغيير الشروط الموضوعية لممارسة الديمقراطية. وعلى العكس قد تساهم الظروف الموضوعية المفاجئة أو الناشئة من تراكمات بطيئة في إحداث طفرة فكرية. وهذا يعني أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق دون محتوى اجتماعي واقتصادي وثقافي خاص بها.(7) وبهذا الصدد يذكر الدكتور عامر حسن فياض بأن ضعف الطبقة الوسطى في العراق يجعل مقومات وجود واستمرار البناء الديمقراطي ضعيفة وهو ما يضع أمام استيطان الديمقراطية الليبرالية في البلاد شرطين هما (الوعي) الذي يضطلع به المثقفون وشرط الحكم ومؤسساته الديمقراطية المصاغة وفق الصيغة الدستورية البرلمانية.

     وهناك مقومات عامة مشتركة أخرى بين أنظمة الحكم الديمقراطية. وهذه قادرة على استيعاب ثوابت المجتمعات التي تتخذ من الديمقراطية منهجا ونظام حكم. وتتمثل هذه في أربعة:

     أولها، الشعب مصدر السلطات نصا وروحا وعلى أرض الواقع، وأن لا تكون هناك بشكل ظاهر أو مبطن وصاية لفرد أو لقلة على الشعب أو احتكار للسلطة أو الثروة أو النفوذ.

    ثانيها، المواطنة الكاملة المتساوية الفاعلة، واعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات من دون تمييز بسبب الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي أو الجنسي أو أي اعتبار سياسي أو اجتماعي آخر. ويذكر ماكيفر بهذا الصدد أن مبدأ المواطنة هو أهم اكتشاف تحقق في أوروبا، وبفضله تحولت الصراعات المدمرة والحروب الأهلية بين الشيع الدينية إلى صراع سلمي.(8) علما إن ميلاد مبدأ المواطنة في الغرب تم بشكل تدريجي من خلال الثورات السياسية والثقافية والاجتماعية المتتالية التي امتدت ثلاثة قرون على الأقل. وتميزت عملية البناء هذه بالصراعات بين مختلف القوى المتعارضة المكونة للمجتمعات الأوروبية، مثل التجار ورجال الدين وغيرهم. فالمواطنة من حيث هي حركة تاريخية تهدف باستمرار إلى توسيع مساحة مشاركة المواطن في الحياة العامة.(9) وتؤكد تجربة العراق"استحالة نجاح أي نهج يقوم على الاستئثار والاقصاء والتهميش. كذلك عدم إمكان اقامة دولة القانون والمؤسسات من دون اعتماد المواطنة المبرأة من ادران التخندق الطائفي".(10)

    ثالثها، التعاقد المجتمعي المتجدد الذي يتم تجسيده في دستور ديمقراطي ملزم لكل مواطن، بما فيهم الحاكمين. ويتجلى ذلك المبدأ في المشاركة الفاعلة للمواطنين في وضع الدستور وتعديله وفقا لاحتياجات الاجيال المتعاقبة. وفي العادة يوضع الدستور من قبل جمعية تأسيسية منتخبة. (11) إن الدستور الديمقراطي ليس مثالياَ ولا هو نموذج موحد في جميع الدول الديمقراطية على الرغم من اعتماده على المبادئ الديمقراطية ومراعاته لتطورات الفقه الدستوري بل يجب أن يكون عقداَ سياسياَ واجتماعيا يراعي الواقع ويأخذ في الاعتبار ضرورات التوافق السياسي. فلكل مجتمع ظروفه الخاصة ومرجعياته الثقافية. كما أن لكل مرحلة من مراحل الممارسة الديمقراطية ظروفها الخاصة ومتطلباتها. والدستور يجب أن يكون محصلة توافق على قواسم مشتركة من خلال عملية التفاوض السياسي بين القوى المقتنعة بضرورة السيطرة على مصادر العنف والساعية إلى إدارة أوجه الاختلاف سلمياَ وفق شرعية دستورية تحتكم جميع الأطراف لها.(12)

   رابعها، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتحقيق التوازن بينها. بحيث تستطيع كل سلطة أن توقف الأخرى. لاسيما السلطتين التشريعية والتنفيذية عند حدودها إذا ما تجاوزت حدود سلطتها القانونية. أما السلطة القضائية فيمكن أن يكون دورها أوسع وأقوى في وجه السلطتين التشريعية والتنفيذية بالنسبة للأولى عن طريق الرقابة على دستورية القوانين والثانية عن طريق مراقبة مشروعية الأعمال الإدارية وعندها يتحقق قول مونتسكيو " السلطة توقف السلطة" وهو القائل أيضاَ " إذا اجتمعت سلطتان أو أكثر في يد واحدة انعدمت الحرية ولو كانت في يد الشعب ذاته". ولم تأخذ الدساتير الحديثة بنمط واحد في توزيع السلطات إذ جرى الأخذ بأنماط  تتناسب مع الفكر الدستوري السائد في كل دولة حسب ظروفها السياسية والاقتصادية  والاجتماعية وقد حل محل الفصل التام بين السلطات أشكال أخرى حديثة تقوم على فكرة التعاون بين السلطات وهي تتفاوت في أظهار القوة أو التوازن فيما بينها. لكن هذا لا يعني أن للجهة القوية سلطة رئاسية على السلطات الأخرى.(13)

    خامسها، ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وفيما بينها. وهي ضمان لممارسة الأحزاب المحتمل وصولها إلى السلطة، للديمقراطية. وهي كذلك مؤشر على إمكانية تجذر الممارسة الديمقراطية في المجتمع واستيعابها في الثقافة السياسية قيمة ومعيارا أخلاقيا. نظرا لما توجده هذه الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من رأي عام مستنير وما تشيعه من قيم التسامح وقبول الآخر والاحتكام إلى نتائج الممارسة الديمقراطية ومنها الانتخابات(14). وقيام الأخيرة بممارسة الرقابة على السلطات الثلاث.

     قد لا يكون هناك خلاف في أن وجود الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ليس مجرد مسألة عددية، وإنما مسألة نوعية. إذ ترتبط أولا، بمستوى الوعي والنضج السياسي والفكري والتنظيمي لهذه الأحزاب والمنظمات. ثانيا، بمدى فهم طبيعية المرحلة التاريخية للمجتمع ومدى استجابتها إلى مختلف التحديات الداخلية والخارجية. أي مدى قدرة هذه القوى على إعادة تشكيل بنى المجتمع ومؤسساته السياسية والاجتماعية والثقافية التي تضمن تفعيل الأسلوب الديمقراطي وفق المعايير الدولية. وثالثا، إعادة تأسيس منظومة قيمية وسلوكية حول آليات المشاركة في السلطة السياسة. كما تنتج عنها شبكة من التوازنات والتحالفات الجديدة بين القوى السياسية حسب تنوع مرجعياتها الفكرية والأيديولوجية(15). وإذا تحقق ذلك فإنه يضمن نجاح بناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية.

    وفي حالة العراق، وكما يحدد المشروع الوطني الديمقراطي للحزب الشيوعي العراقي، يتطلب الأمر العمل الجاد لبناء اوسع تحالف سياسي بين القوى والاحزاب والكتل، التي تتوافق على المفردات الاساسية لهذا المشروع لإقامة الدولة الديمقراطية الفيدرالية. وكذلك يتطلب اصلاح العملية السياسية وتطويرها، بتخليصها من المرتكزات والتوجهات والممارسات الطائفية، وتوسيع قاعدتها الاجتماعية عبر الانطلاق بثبات على طريق المصالحة الوطنية، ومعالجة الملفات وإصدار القوانين الاساسية واتخاذ الاجراءات ذات العلاقة بروح الحرص على المصالح العليا للشعب والوطن.
    واعتماد اسلوب الحوار والمرونة والتنازلات المتبادلة من قبل جميع الأطراف، بعيداً عن لغة التشدد ونزعة التفرد والتحسس المفرط إزاء النقد، وصولاً إلى إعادة بناء وتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق التوافقات الوطنية التي تقتضيها ظروف بلادنا الدقيقة. فخلاف هذا النهج لا يقود سوى إلى مزيد من الاستقطابات والاحتقانات الطائفية والحزبية الضيقة(16)، التي تنسف اسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية.
المعوقات

       بعد سقوط النظام عام 2003، عززت سياسة الولايات المتحدة من الانقسامات الطائفية والإثنية، عندما بادرت إلى تشكيل مجلس الحكم على هذا الأسس، وكأن المجتمع العراقي ينقسم إلى كتل سنية وشيعية وكردية متجانسة وثابتة لا تعرف الحراك الاجتماعي والسياسي والطبقي داخلها، وهو منطق يخالف قوانين حركية البنية الاجتماعية- الاقتصادية وصراعاتها في أي مجتمع دع عنك مجتمع يمر في طور الانتقال إلى الحداثة.
     اثبتت التجارب أن نظاما قائما على المحاصصة الطائفية السياسية يؤدي لا محالة إلى خلق حالة طائفية بكل أشكالها الفردية والمؤسساتية والثقافية والاجتماعية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من سلوكيات وتحيزات واصطفافات، تتجاوز الحياة الشخصية والخيارات الفردية، لكي تنعكس في النشاط العام وميادين العمل على شكل