عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - Abdullah Hirmiz JAJO

صفحات: [1] 2
2
شكرا لغبطة أبنا البطريرك على طرح هذا الموضوع
وأنا مع تسمية شعبنا بالاسم الواحد (سورايى)
والاسم مشتق من لغتنا السورث وجميع فئات شعبنا تتكلم ذات اللغة عدا الأرمن يبقون مسيحيين أرمن
مع الاصرار على عدم ترجمة الأسم في أي لغة يكتب بها يبقى للمفرد
د (سورايا) وللجمع (سورايى)
وهذه التسمية ليست دينية بدليل عندما كان أجدادنا يذكرون أسمهم كانوا يقولون (أخني سورايى مشيحايى) وأيضا مسيحيي الدول الأخرى لا يسمون أنفسهم سورايى.
وتحية لكافة المتحاورين

عبدالله النوفلي

3
حقيقة أنها فاجعة وخبر محزن آلمني كثيرا، خاصة وكنت قد عرفت الفقيد عن قرب في السنوات الأخيرة.
وما بيدنا سوى أن نطلب له الرحمة من رب المجد وأن يكون سعيدا في جنات الخلد
ولأهله وذوية الصبر والسلوان
ليشرق نور الرب عليه

مع تعزينا القلبية لأخوتنا أمير وسامي المالح
عبدالله النوفلي

4
الأخ العزيز نزار
نقدم لكم تعازينا القلبية وكلنا أسف لما حصل طالبين للفقيدة الرحمة والسكن في جنات النعيم ولكم الصبر على المصاب فهذا هو حال العراق نأمل ان تصبح الأحوال أحسن في ظل وجود قيادات مخلصة تعمل من أجل شعبها. ثانية نقدم عزاءنا .

5
أستمارة المشاركة بالموسوعة
الغرض من هذه الموسوعة هو توثيق لتاريخ الشمامسة الكلدان ماضيا وحاضرا اينما كانوا في العالم والتعريف بمؤهلاتهم ونشاطاتهم


بيانات الشمامسة


اولا: العامة


الدولة


المدينة


اسم الابرشية


اسم الكنيسة


اسم الشماس


الرتبة الحالية


ثانيا: التفصيلية


سنة التولد


بلد الولادة


التحصيل الدراسي


ثالثا: الدرجات الشماسية


الدرجة


سنة نيل الدرجة


الكنيسة


الراسم


رابعا: الامكانيات


اللغات التي تجيدها


مقترحاتك لتطوير الموقع


اية افكار ومقترحات وملاحظات اخرى

ادخل معلوماتك أعلاه اذا اردت المشاركة في الموسوعة وأرسلها إلى عنونننا في عينكاوا أو الموقع الخاص بالشمامسة المذكور في الرد قبل هذا

6
أعزائي شمامسة الكنيسة الكلدانية أينما كنتم وفي أية أبرشية في العالم، في نيتي أعداد موسوعة أليكترونية حاليا بشمامسة الكنيسة الكلدانية كافة وحتى المنتقلون منهم إلى الأخدار السماوية وفق أستمارة تجدونها على الرابط التالي
والغرض من هذه الموسوعة هو أرشفة المعلومات عن الشمامسة لتكون بيد الباحثين ولحفظ حق كافة الشمامسة كي يذكرهم التاريخ وسوف نضع العمل أولا بأول على المواقع الأليكترونية ومنها موقع عينكاوا كوم المحترم، وللمتوفين منهم أرجو ممن يعرف عنهم أية معلومات كي يزودني بها سواء من أصدقائهم أو من أهلهم وسوف نذكر مصدر تزويدنا بالمعلومات عنهم.
وعن الألحان الطقسية فقد بدأت بترتيب الألحان حسب السنة الطقسية في الرابط أعلاه الذي دشناه مؤخرا، آملا أن يكون عملنا في الموسوعة والموقع مفيدا لأخوتي الشمامسة ولكنيستنا المقدسة
أخوكم الشماس عبدالله النوفلي

7
عزيزي الأخ برديصان
سأنقل رأيك حول ما كتب أخي مسعود كونه الآن مشغول وفي زيارة للعراق ووصلت تحياتك ونطلب من الرب أن تزدهر خدمة الشماسية سواء بما نقوم به أو ما يقوم به أخوة آخرون. تقبل خالص التحية

 

8
والشكر لك أخي عزيز يوسف متضرعا من الرب أن يبارككم آملا أن يكون عملي مفيدا لأخوتي المهتمين قبل أن اتطلع لتخليد أسمي لأن هذا ليس من أهتماماتي أصلا
تقبل فائق التقدير

9
أعزائي الشمامسة
قريبا وبعد الانتهاء من تحميل قانونا دموتوا وشوباحا دقالى دشهرا
سيتم أظافة عونيثا دقنكى لكل السنة الطقسية
فتابعونا مع المحبة والتقدير
[/color]

10
معرض رسوم أطفال أبنا شعبنا عن حرائق الغابات في سدني


بقلم : عبد الله النوفلي
نظمت (ܬܦܩܬܐ) التي تعرف باسم ملتقى سيدني الثقافي، معرضا لرسوم الأطفال يوم الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2013 وعلى قاعة لانتانا – أيدنسور رود. شارك فيه اربعة وخمسين طفلا من أطفال عوائل شعبنا برسومهم البديعة التي عبرت من خلال أنامل هذه البراعم المباركة مدى أحساسهم بالخطر الذي أحدثته حرائق هائلة في غابات وأحراش وحدائق وبيوت وممتلكات الكثيرين في مناطق مختلفة من أستراليا وكانت الحرائق الاخيرة في ولاية نيو ساوث ويلز، هو الموضوع ذو الحصة الأكبر في هذا المعرض التظاهرة. فالولاية هذه التي مركزها سيدني أحتبست فيها الأمطار وبدأ موسم الصيف بدرجات حرارة مرتفعة.
لقد شارك الأباء والأمهات وجمع من مثقفي شعبنا في هذه المدينة الأطفال بهجتهم وهم يرون لوحاتهم تحتل مواقع مميزة في صالة العرض، احدى قاعات مجمع لانتانا للمناسبات الذي وفر بدوره  تسهيلات رائعة مثلما هو دأبه اذ يوفر كل المستلزمات لاقامة نشاطات (تفقتا) الثقافية والفنية كل ثاني ثلاثاء من كل شهر . وقام بعض الاطفال بتقديم فقرات مسلية والعاب تابعها الجمهور صغارا وكبارا بمتعة وفرح.
وكان إعلام شعبنا قد سجل حضورا متميزا ليقوم كل من مندوب تلفزيون عشتار غازي ميخائيل ومندوب ومدير تلفزيون نينوى الالكتروني ريدمون زومايا وقاما بتغطية شاملة للفعالية  الاحتفالية، وقد اجريا لقاءات مع بعض منظمي معرض رسوم الاطفال اعضاء تفقتا ولقاءات مع الاطفال الذين قدموا خلاصة لافكارهم في اللوحات التي عرضوها في المعرض. لقد كانت هذه الفعالية مهرجانا للطفولة التي تستحق الاحتفاء بها وسند المواهب الفنية التي تظهر في اعمار مبكرة.
لقد كان بحق هذا المهرجان بأوقاته لحظات سعادة لا تنسى وقد تمنى الجميع تكرارها في المستقبل.
وهذه مجموعة من صور المعرض.
                  
 







































11
شكرا لك عزيزي الشماس سامي
ونطلب بركة الرب كي تعيننا لأكمال ما بذهننا من أفكار خدمة للغتنا الأم والحفاظ عليها خصوصا في دول المهجر
وكنت أتمنى لو كان لي معرفة بالموسيقى كي أضع الألحان لمرافقة هذه المقاطع،
وهذه دعوة لمن يمتلك هذه الموهبة.
تقبل خالص محبتي

12
أعزائي المهتمين بتعليم أبناءكم لغة الآباء وخصوصا من هم في المهجر لقد باشرت بأضافة بعض المقاطع البسيطة لتعليم حروف اللغة وكيفية نطقها آملا أن يكون هذا مفيدا لهم ولاستمرارية وجود اللغة مع شعبنا في المهجر

13
أعزائي
حول أضافة الألحان بطريقة Mp3 فهي موجودة كرؤوس الألحان والمذاريش فقط في مواقع عدة ومنها مار نرساي في السويد، لكنني أتبعت الطريقة الجديدة كي أساعد من ليس له كتاب الحوذرا كي يتعلم وبدون الحاجة للكتاب، أما عن التنزيل فهي مشكلة سرعة الانترنيت، وأنا مستعد لأرسال الديفيدي لك فقط أكتب لي عنوانك برسالة خاصة وحاليا عددها ستة والسابع في طور الانتهاء، لأن ما أقوم به ومعي بعض الأخوة الشمامسة هو عمل ضخم جدا وغير مسبوق وغايتنا تعليمية بحتة وليس جمال الصوت أو نقاوة التسجيل أو حتى القراءة التي يشوبها بعض الأخطاء، كما أن ملاحظة أخي الآخر حول أسلوب كتابة كلمة باعوثة كونها بالباء وليس واوا لكن عندما نضع حرف الدال قبل الباء فإن الباء يتم تركيخها لتتحول واوا، وأيضا ليس هذا هدفنا بل كما ذكرت هدفنا توفير طريقة لتعليم الشمامسة المبتدئين لطقسنا الغني حدا وكما تلاحظون فإن الألحان وصل عددها الألف والرقم مستمر بالزيادة، تقبلوا شكري الجزيل لملاحظاتكم ومحبتي الخالصة لكم

14
قصة جميلة ومؤثرة، عاشت أيدك أخي سلام ولتكن بركة الرب معك في كل حين

15
أعزائي الشمامسة والمهتمين بطقس كنيستنا الكلدانية
بعد أكمال أضافة عونيثا درمشا لكل السنة الطقسية سنباشر بأضافة قانونا دموتوا لكل احادات السنة الطقسية وأيضا الشوباحا لقالا دشهرا بصوت الشماس الدكتور توما كيوركيس هرمز، فانتضرونا

16
أخوتي الأعزاء : أبو سنحاريب
                   الشماس سالم
                    شكر من القلب لمداخلاتكم متمنيا أن نكون جميعا رسلا للمسيح
                    تقبلوا تحياتي

17
أعزائي المباركين الأخ عدنان خمو
                    والشماس رعد دكالي
                    ܘܩܫܘ ܑܒܪܗܡ ܢܘܪܘ
جزيل الشكر لكلمات الاطراء التي تفضلتم بها، للأسف ما يجري من سجالات بين بعض الأقلام المعروفة في الموقع يخرج أحيانا عن الحدود ويخرج أيضا عن الموضوعية، المهم لدى البعض هو أن ينتقد دون أن يعطي الحلول، ولكوني شماسا فيجب أن أكتب منطلقا من الايمان الذي أحمله وأحاول أن يكون ما أكتبه موافقا لما يريده المسيح منا وما أراه ملائما لأخوتي المسيحيين، ومن يقرأ المقال سيجد الكثير من المعاني المحشوة ما بين السطور، كي يفهم من يسير وراء قيصر فقط ويترك الله لأننا بحاجة لموازنة مواقفنا وننحاز إلى الله إن أقتضت الضرورة، فلا يوجد من لا يحب أصله ويريد لأصله أن يكون قويا ومزدهرا، لكن حقوقي تنتهي عندما تبدأ بالتأثير على حقوق غيري.
تقبلوا محبتي الفائقة

18
ما أحلى أن نجتمع معا
الآن وبعد أن أنقضت الزيارة المباركة لغبطة أبينا البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو والسادة الأجلاء أساقفة العراق المباركين لأبرشيتنا (أبرشية أستراليا ونيوزيلندة) المباركة والعزيزة، جعلتني أتذكر الترنيمة الجميلة والتي جعلتُ مطلعها عنوانا لمقالي هذا لأننا عشنا فترة الزيارة وكأن الروح قد أعد لها بعناية كون الزيارة جمعت نصف السينودس المقدس لكنيستنا الكلدانية مع شعب الله المؤمن والذي عانى الأمرين جراء الاغتراب وثمِل من مرارة الافتراق عن أرض آبائه وأجداده ليؤسس لهذه الأبرشية العزيزة، خصوصا عندما كانت كنيسة مار توما المحطة الأولى لآبائنا الأجلاء وكأني بتوما مُبشر المشرق مستمراً برحلته منذ ألفي عام وبرحلاته التبشيرية ماضيا قدما نحو أقاصي مشرق الأرض وذلك من خلال الآباء الذين حلّو بيننا مكملين ما بدأه رب المجد في فلسطين والذي سلمه لتلاميذه المباركين قائلا لهم: "اذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس." (متى 19:28)، وكان توما من الذين استلموا الرسالة وقصد بلدان مشرق الشمس، وهكذا كان خلفائه اليوم مستمرين ربما من دون قصد أو قد يكون بتخطيط من الروح حينما شرعوا بأول رحلة إيمانية راعوية للبطريرك المنتخب حديثا قاصدين بلدان مشرق الشمس وكأنه نفسه توما منطلقا ومتسلحا بالروح المعزي والمعين، وشتان ما بين الأمس واليوم لأن توما أنطلق ومعه مار أدي ومار ماري، ولكن مار لويس اليوم أنطلق ومعه مار شليمون ومار ميخا ومار ربان ومار أميل ومار بشار وانظم إليهم مار جبرائيل ليكون عددهم ثلاثة أضعاف مرافقي مار توما، ومعهم كان معاونوهم من الكهنة وكل هذا أشارة لأهمية المهمة التي أوكلها الروح لهذه الأبرشية الفتية.
فبعد أن فعلت الأحداث فعلتها بشعب المسيح في أرض ما بين النهرين وما يجاورها دافعة أياهم للهجرة بعيدا ... الأمر الذي بسببه أستقر عشرات الآلاف منهم في أقاصي الشرق من الكرة الأرضية ويؤسسوا لرحلة تبشيرية إيمانية لرسول المشرق توما واتباعه وخلفائه. فقد كنا في الأيام الماضية نعيش أياما كالتي عاشتها كنيسة كوخي الأولى ويحق لنا أطلاق تسمية كوخى على كنيسة مار توما الرسول بسدني لتكون كوخي الثانية، فقد كان منظرا سارا للناظرين إليه ولكل من يراقب تلك اللحظات المباركة التي التقى بها شعب المسيح وهو رغم برودة الجو والرياح القوية وقطرات المطر المنهمر، رغم كل هذا تحمل تأخر موكب غبطته المبارك والوقت ليلا لأن هذا الشعب كان يريد التعبير عن حبه لرسل المشرق؛ آباء الكنيسة وهم الذين قدموا كي يضرموا ويزيدوا حرارة الإيمان في قلوب وصدور وأفكار أبناء الكنيسة في أرض أستراليا، هذه الزيارة التي وضعت لمشروع البطريرك الجديد موضع التنفيذ مبتدئا بالخطوة الأولى في طريق الوحدة التي صلى من أجلها ربنا له المجد وخصوصا لتلاميذه "ولست انا بعد في العالم واما هؤلاء فهم في العالم وانا آتي اليك.ايها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين اعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن." (يوحنا 11:17) الذين لم يتركهم يتامى  بعد صعوده لأنه أرسل لهم المعزي "واما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يوحنا 11:26)، الروح الذي رتب لزيارة اليوم وجعلها لتكون في شهر العذراء مريم ووجهها أقاصي الأرض من جهة الشرق وكأن ألسنة النار قد وقفت على رؤوس جميع أخوتنا الذين استقبلوا الوفد المبارك وجلسوا معه واحتضنوهم واحدا واحدا وتبادلوا وأياهم القبل المقدسة.
إنه الروح الذي يعمل؛ فعلينا الاستمرار بالشعار البطريركي والتشبث بالأصالة والوحدة ولا ننسى التجدد، لأن الجمود يقودنا نحو الموت بينما التجدد يخلق حركة ويدفع بالحياة نحو الازدهار، لذلك علينا أن لا نتشبه بغيرنا الذي يتحدث ويُشغل نفسه بالأسلاف ولا شيء غير السلف، لأن أبناء اليوم فيهم من يضاهي ذلك السلف وفيهم القديسين وممن يستحقون لقب الرسول والتلميذ الصالح ليسوع المسيح.
إذا لتكن رسالة المسيح هي هدفنا الأول والأسمى قبل أي شيء والباقي يُعطى لنا ويزاد، وأقصد هنا الشؤون الزمنية البحتة، وكما انطلق أبينا أبراهيم من أور الكلدانيين "فخرجوا معا من اور الكلدانيين ليذهبوا الى ارض كنعان.فأتوا الى حاران واقاموا هناك." (تك 31:11)، ولم يتشبث ما أصبحنا نناديه بأبو الأنبياء بأصله وأرضه تلك أمام دعوة الله له لكنه أختار زوجة لأبنه أسحق من تلك الربوع حيث آبائه وأجداده كون الأصل يبقى ولن يستطع أحدا محوه، لكن المهم أن لا يكون الأصل حجر عثرة لدى أبناء اليوم لأننا يجب أن نعيش التجدد والأصالة وليكن عملنا بهدف أعلاء مجد الآب وبقوة خصوصا عندما نتحد مع كنائس المسيح الأخرى، لأن كنيسة المسيح ليست محصورة بشعب أو قومية أو طائفة لأنه قال تلمذو جميع الأمم وعمدوهم ...
ومن يهتم بالأمور الزمنية أيا كانت قومية أو مادية؛ عليه أن يترك الكنيسة كي تحمل ثقل التبشير بإنجيل المخلص لجميع الأمم وعلينا جميعا صون الكنيسة كي لا تهتم بالأرضيات كونه مرضا من أمراض العصر ولكي لا يكون سببا للخلاف والفرقة، بل على العكس يجب أن يكون توجهنا الزمني في خدمة الكنيسة وعملها ورسالتها كي نزداد قوة كشعب بأي أنتماء نكون وكي تزداد حرارة الايمان لدينا لأننا لا نريد لأخوتنا أن يغربلهم الشيطان "وقال الرب سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة." (لو 23:22)،لأن الشرير دائما يسعى كي يُفشل ما يبنيه أتباع يسوع، وأيضا يجب أن نكون حاملين لبشرى الايمان قبل أي شيء وفوق أي شيء "حاملين فوق الكل ترس الايمان الذي به تقدرون ان تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة." (أف 16:6)، فأمور الدنيا مغرية جدا مع أنني على ثقة بأن يوم الدين سوف لن يسأل الله أولئك الذين سيكونوا عن يمينه أو عن يساره عن انتمائهم المذهبي أو الطائفي أو القومي، لأنه يكون على أساس الصالحين و الطالحين "ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم." (متى34:25)، وهكذا سيكون الخراف عن يمينه والجداء عن يساره (متى 33:25) أشارة لمن يرث المُلك المعد من أبد الدهور، وأيضا لمن سيكون السماء مصيره فإنه بكل تأكيد سوف لن يجد منازل لهذه القومية أو لتلك لأن الجميع سيكونوا معا لا فرق بين أبيض أو أسود ولا تفرقهم القومية أو الطائفية.
ونعود للمرنم الذي قال: ما أحلى أن نجتمع معا بالروح يقول الرب لنا، ما اجتمع باسمي اثنان معا، إلا وهناك أكون أنا... وبفحصنا لكلمات الترنيمة لن نجد أي فوارق تذكر لأن هذه هي رسالة الروح وعلينا السمو على كل ما من شانه ان يفرقنا من الاجتماع، ولهذا كان لاجتماع أيار من 2013 شكل عنصرة جديدة، ونحن نكتب ذلك لأن المهتمين بالزمنيات كثر ونخاف أن يفعل بنا الرب كما فعل ببناة برج بابل "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الارض.فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دعي اسمها بابل. لان الرب هناك بلبل لسان كل الارض.ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الارض" (تك 7:11-9)، فأولئك الأسلاف كانوا ينشدون المجد الزمني، وذلك المصير لا نريده لنا بل نريد من الروح أن يمنحنا القوة كي نفهم ألسنة الآخرين ونعيش معا ونترك الماضي الذي فرقنا إلى كنائس وفرق ومسميات جميعها تقودنا نحو الضعف والانحلال وأصبحنا من جراء ذلك فرقا صغيرة لا يحترمها أحد، فاقدة للإرادة وتبكي على أطلال الماضي.
لنعمل اليوم كي نستثمر ثمار هذه الزيارة ومعانيها وعلينا عقد الحلقات النقاشية والدراسية بغية أستلهام كل معطيات الزيارة ووضعها في خدمة كنيستنا المباركة والتي كانت قد بوركت من قبل من قبل رب المجد عندما أصبح أحد تلاميذه الاثني عشر مبشرا لها وأيضا كونها تحمل أرث أبي الأنبياء أبراهيم وتحمل اسم عائلته وأرضه وأجداده. فهنا وقبل كل شيء علينا شكر الله على ما أفرزته العناية الإلهية لكنيستنا من فرصة كبيرة ورمزية وتاريخية، كانت فرصة لتبادل الخبرات ولتبادل المشاعر وللشحن بمعنويات جديدة لما تختزنه الذكريات مع غبطة أبينا البطريرك والسادة الأساقفة الأجلاء، فكانت المشاعر هي التي تتكلم قبل أن تنطلق الشفاه جعلت منا نتشبث أكثر بجذور كنيستنا وأصالتها، فالمحبة الخالصة هي التي كانت حاضرة وعاملة بين كنيسة أستراليا ونيوزيلندا وأسقفها الجليل وكهنتها والمؤمنين وما بين رعاتنا الزائرين الأجلاء. ليحفظ الله الجميع ويجعل روحه القدوس محركا ومنيرا ومقويا ومعزيا لجميعنا كي نجتمع معا دائما ويكون الاجتماع مفرحا ومثمرا.

الشماس عبدالله النوفلي
17 أيار 2013

19
عزيزي الأستاذ خوشابا سولاقا المحترم
من القلب أشكر مداخلتك المفعمة بمشاعرك الجياشة
حسب رأيي المهم أن نكون عناصر إيجابية في حاضر شعبنا وكنائسنا
باتجاه بناء مستقبل أكثر إشراقا
وذلك من خلال إستلهام إرث الأجداد
والمحافظة على ما تم تناقله شفهيا إلى اليوم
والقليل الذي سُجل منه فيما مضى
وأمام هذا يبقى الوقت والجهد أمرا ثانويا
تقبل محبتي وتقديري

20
أخوتي الشمامسة
سوف يتم تحميل أبيات قوم شبير للجمعة العظيمة قريبا
إلى ذلك أسترعي انتباهكم
لقرب هذه المناسبة الكبيرة

21
ديوان الوقف
بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الأدبية

لمعلومات القاريء العزيز، قبل عام 2003 لم يكن هناك للمسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين دائرة تعني بشؤونهم الدينية وأوقافهم، بل كان هناك قسما صغيرا في وزارة الأوقاف المنحلة يرعى شؤون الطوائف غير المسلمة في العراق وكان تحت تسمية: قسم رعاية الطوائف الدينية، أي أن وزارة الأوقاف السابقة كانت لا تعترف بغير المسلمين كديانات بل كان المُشرع حينها قد جزأ الديانات إلى طوائف، وكان هناك قانونا تحت تسمية نظام رعاية الطوائف الدينية رقم 32 لسنة 1981، ويجد القاريء العزيز تفاصيله على الرابط التالي:
http://wiki.dorar-aliraq.net/iraqilaws/law/4635.html
هكذا كان حال أبناء الديانة المسيحية مثلا حيث كان النظام المشار إليه يقسم المسيحيين في العراق إلى 14 طائفة دينية. حيث وردت تسمياتها في ملحق هذا النظام والذي كانت السلطات حينها قد صادقت عليه.
وبعد ألغاء مجلس الحكم لوزارة الأوقاف بقراره ذو الرقم 28 لسنة 2003 وأحلال ثلاث دواوين محلها أحدهما للوقف السني والثاني للوقف الشيعي والثالث للطوائف غير المسلمة، كان للهيئة الاستشارية للديوان الثالث والذي نحن بصدده وبعد عدد من الاجتماعات التي كنا نعقدها كل مرة عند طائفة معينة أتفقت على نبذ تسمية مجلس الحكم وأبدالها باسم آخر وأتفق عليه حينها: "ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى" وعدم ذكر أسم الإيزيديين والصابئة المندائيين حينها بسبب عدم وجود أوقاف رسمية لدى الديانتين لأن الأوقاف موجودة فعلا وبحجج رسمية لدى المسيحيين وليس انتقاصا من تلك الديانتين، فالايزيديين والصابئة المنادئيين لم يكونوا يملكون أملاكا موثقة بحجة من المحاكم كونها موقوفة للديانة وتحت تصرف الرئيس الأعلى للديانة أو من ينوب عنه في الموقع، ورغم ذلك ولدى الشروع بأعداد مسودة قانون الديوان تم الاتفاق لإدراج أسم الديانات الثلاث وأصبح الأسم بموجب القانون الجديد هو: ديوان أوقاف المسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين، ويجد القاريء العزيز نص هذا القانون على الرابط التالي:
http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=7534
وقد شرعه البرلمان العراقي مؤخرا خلال عام 2012 وكانت التسمية تحقق العدالة بين الديانات الثلاث ولو من حيث الاسم، ولمعلومات القاريء أيضا أن هذا القانون وكما كان نظام رعاية الطوائف قد حدد أهداف معينة على الديوان الالتزام بها ومنها: بحسب المادة (2) من القانون: 
يعمل الديوان على تحقيق الاهداف الاتية  :ـ
اولا : توثيق الروابط الدينية مع العالم الاسلامي بوجه خاص والعالم بوجه عام .
ثانيا : رعاية شؤون العبادة واماكنها ورجال الدين والمعاهد والمؤسسات الدينية بما يساعد على تقديم افضل الخدمات لابنائها .
ثالثا : دعــم ورعاية متولي الوقف لغرض ادارة واستثمار اموال الاوقاف المشمولة باحكام هذا القانون   .
رابعا : التشجيع والاسهام في فتح المدارس ودور الايتام والعجزة والمستشفيات .
خامسا : تأسيس مكتبات عامة لتكون مرجعا للباحثين .
وهذه المادة بالفقرة ثالثا، حددت بوضوح مسؤولية الديوان وهي دعم ورعاية متولي الوقف لأن الأوقاف المسيحية هي تحت تولية مسؤول الكنيسة المعنية؛ فمتولي الكلدان هو غبطة البطريرك ومتولي اللاتين هو مطرانها وهكذا لأن رئيس الطائفة كان من المفروض عليه هو الحصول على حجة تولية من المحاكم المختصة وكان في السابق يتم أستصدار مرسوم جمهوري بتعيينه رئيسا للطائفة ومتوليا لأوقافها، وبعد عام 2003 تغير الامر إلى أصدار أمر ديواني من مجلس الوزراء، وزمن مجلس الحكم صدر قرار من مجلس الحكم بخصوص البطريرك دلي، ولو أن مجلس الوزراء لاحقا وممثلا بدائرته القانونية وربما لقلة الدراية بوضع الطوائف كان يضع العراقيل أمام أصدار الأوامر الديوانية لمتولي أوقاف الطوائف كما حدث من معوقات أمام أصدار الأمر لرئيس طائفة الأرمن الأرثذوكس وطائفة الأرمن الكاثوليك لحدوث هذه المتغيرات حينها.
ومتولي الوقف له حرية التصرف فيما هو متولي عليه من أوقاف وقد أعفى القانون الجديد للديوان الأوقاف من أية رسوم او ضرائب بموجب المادة ( 12 ) التي تنص: تعفى الاموال الموقوفة للديانات المشمولة بأحكام هذا القانون من الضرائب والرســوم المنصوص عليها قـانـونا، ورب سائل بسأل هنا: ما هو دور الديوان إذا إذا كانت الاوقاف بعهدة السادة المتولين؟ وعن ذلك نود التوضيح لأن الديوان حاله هنا هو الرقيب على حسن التصرف وعدم التفريط بالأوقاف من سوء أدارة وغيرها من التصرفات أو الواردات الناتجة عن أستغلال أملاك الوقف، شريطة تقديم شكاوي بذلك، وحينها فقط يستطيع الديوان تشكيل لجنة لمحاسبة المتولي وذلك عملا بأحكام قانون أدارة الأوقاف ذو الرقم 64 لسنة 1966 بمادته الثالثة الفقرة (4) ويمكن القاريء مطالعة نص القانو على الرابط التالب:
http://www.iraq-lg-law.org/ar/content/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%B1%D9%82%D9%85-64-%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-1966-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84
وهذا القانون مُشرع منذ ما يقرب نصف قرن وليس اليوم وحدثت حالة خلال رئاستي للديوان حيث أساء أحد متولي الوقف الذري لطائفة الأرمن الذي كان يديره مناصفة مع الجمعية الخيرية ولكونه كان سليل العائلة التي أوقفت الوقف لفقراء ملة الأرمن ولظروف العراق بعد 2003 هاجر إلى أحدى دول الجوار وحاول بيع أملاك الوقف من هناك فاعترضت الجمعية الخيرية الأرمنية وقدمت شكوى بذلك، وعلى الفور تحرك الديوان عملا بالمادة المشار إليها أعلاه وتم تنحية المتولي وأناطة التولية الكلية بالجمعية الخيرية الأرمنية.
وللمعلومات أيضا فإن متولي الوقف لا يستطيع بيع الوقف أو أبداله إلا إذا تحققت مصلحة الوقف عملا بالمادة (6) الفقرة (1) من القانون أعلاه، وهذا يكون مثلا ببيع أملاك وشراء أخرى أحسن وأغلى، والديوان هنا هو من يتحقق من ذلك ويسمح بالاجراء، كما حصل لطائفة اللاتين وأملاكها في مدينة العمارة كون المؤجرين الذين كانوا يشغلون تلك الأملاك لم يكونوا يسددون أمولا تكون ذات مردود إيجابي وأيضا استغلالا لظروف العراق بعد 2003 وأمور أخرى حدت بمتولي وقف اللاتين بطلب الموافقة على استبدال الوقف في تلك المدينة بآخر وفي مكان آخر يكون ذا فائدة أكبر للطائفة وقيمة ما سيشتريه ستكون أكبر مما يبيعه الأمر الذي أزعج شاغلي تلك العقارات وأثاروا الموضوع وكأنه سوء تصرف للمتولي بالوقف الموكل لحجة ولايته.
إذا هنا يكون دور الديوان دورا ذو مسؤولية أدبية تجاه تلك الأملاك والأموال التي أودعها أصحابها بعهدة المتولين من أجل غايات روحية وغالبها من أجل الصلاة والحياة الأبدية للواقفين الأمر الذي لا يمكن للدولة القيام به، فأدبيا هنا تكون الدولة ممثلة بالديوان مسؤولة وحريصة لكي يأخذ كل ذي حق حقه وتتحقق العدالة. والديوان منذ تأسيسه في 3 تشرين الثاني 2003 قام باعمال أعمار وتأهيل للمباني وبناء أخرى جديدة وتأثيث للمباني بأحسن الأثاث فإنه كان يتم بناءا لطلب المتولي من الديوان، والأخير كان يلبي حسب خططه الموضوعة وحسب ما متاح أمامه من أموال رصدتها وزارة المالية لذلك، أي أن الديوان هنا ليس مسؤولا قانونيا عن الوقف مسؤولية مباشرة بل المسؤول المباشر هو متولي الوقف، وعند حدوث أنتهاكات محددة كالاهمال مثلا، ومثال ذلك الفديو الذي انتشر مؤخرا لكنيسة اللاتين في الشورجة وللاطلاع يمكن متابعة الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?featur...v=I3A40_Mie4I
وكان لورود مثل هذه الحالة المنتجة في 8 شباط 2013، كان على الديوان اتخاذ الاجراءات لمحاسبة المتولي وتشكيل لجنة من أجل ذلك عملا بأحكام قانون أدارة الأوقاف رقم 64 لسنة 1964 الذي أشرنا إليه سلفا بغية أثبات تقصير المتولي وأنذاره أو محاسبته لا أن يلجأ الديوان بألصاق تهم التقصير جزافا بموضفين سواء من لازال منهم في الديوان وهم لا ذنب لهم أو من ترك منهم المسؤولية منذ زمن، لأن تلك الكنيسة ولغاية عام 2010 كانت مشغولة من قبل طائفة الأقباط الأرثذوكس وكانت بحالة جيدة وتقام فيها الصلوات وفي تلك السنة انتقلت تلك الكنيسة لاستخدام أحدى طبقات مبنى الخدمات التي قام الديوان بتأهيله وتهيئة أحدى طبقاته ككنيسة للطائفة في منطقة بغداد الجديدة، وحينها فقط تركت كنيسة الأقباط تلك الكنيسة وأعادتها لطائفة اللاتين كونها مالكة لها، فكان من باب أولى أو من الواجب على متولي وقف اللاتين حرصا على الممتلكات التي هي تحت توليته أن يتقدم بطلب صيانة لتلك الكنيسة إن لم يتمكن هو من صيانتها ولم يكن الديوان قطعا سيهمل ذلك الطلب وذلك بغية بقاء ذلك الموقع معلما بارزا يضم على الأقل رفات أحد أعلام العراق وهو الأب ماري أنستاس الكرملي. والديوان أيضا ولمعرفته بالتقارير عبر شبكة الانترنيت بما هو حال الكنيسة من تردي وأهمال التحقق وأتخاذ القرار لأن ذلك قد حدث بعد 2010 حيث كان رئيس الديوان السابق قد طلب من رئاسة الوزراء حينها الاحالة على التقاعد وحصلت الموافقة وترك منصبه في كانون الثاني 2011، وبعدها لم يعد مسؤولا عما يحدث، فأين هو التقصير من كل هذا؟ أترك الحكم لمن يقرأ ويحلل ويكتشف...
فالمسؤولية ليست بالجلوس على الكراسي والاستفادة من أمتيازات المنصب بل هي بأعطاء المنصب حقه والإلمام بكافة جوانب المسؤولية وصيانتها وتحقيق الفائدة المرجوة كي يتقدم عمل الديوان ويتم أكمال مسيرة التقدم التي بدأت من الصفر في تشرين الثاني 2003 لتصل اليوم يتعامل الديوان بالمليارات وتحت تصرفه مبانٍ ضخمة كل ذلك في أقل من عقد من الزمان، لذلك المسؤولية كبيرة لإدامة زخم العمل فيقول المثل بلوغ القمة ليس بالأمر الصعب لكن المحافظة على البقاء في القمة في غاية الصعوبة، إذا أدارة الديوان اليوم أمام أمتحان صعب وعليها أثبات وجود بذلك.

عبدالله النوفلي
2013

22
أعزائي المتابعين
أود أعلامكم
بأنني سأضيف بعد عونياثا دواساليقي
عونيثا درمشا لجميع أيام السنة الطقسية تباعا
أتمنى لكم الفائدة

23
عام مضى وعام جديد يأتي
أستراحة العام الجديد
أتقدم من قارئي العزيز وأستميحه عذرا كي أتمتع باستراحة قصيرة من الحلقات المتسلسلة عن ذكريات العراق التي جعلته يعيش معي فيها والحلقات التي سبقتها لأكثر من عام مضى كي أستغل قدوم عام ميلادي جديد بالرقم 2013 وأكتب شيئا عن هذا الحدث الذي يتكرر علينا كل سنة في مثل هذه الأيام؛ منا من يحتفل ويفرح وآخرين يعيشون في همومهم وتطول عليهم الساعات ولا يعرفون كيف يُمضون وقتهم لأسباب شتى، فهذا الوضع كان أيضا في العراق وعشنا خلاله أياما كنا نخرج للشوارع بعد منتصف الليل كي نزور اهلنا ونهنئهم بالعام الميلادي الجديد، أو كي نشارك الآخرين أحتفالاتهم من خلال مزامير السيارات والرقص في الشوارع حتى الصباح، وفي بعض مناطق بغداد كان السير في شوارعها صباح اليوم الأول من العام الجديد محفوفا بالمخاطر لكثرة القناني الزجاجية المكسورة فيها وهي من مخلفات الاحتفال في الليلة الأخيرة من العام الذي مضى.
إن غاية ما تتمناه الشعوب هو حصولها على لقمة العيش من أجل أستمرار الحياة والأمن لكي يهدأ البال ويستقر وينطلق الأنسان نحو العمل والأجتهاد بغية تحقيق الأهداف التي يخططها لعائلته ولمستقبله عملاً بالقول المأثور "لكل مجتهد نصيب". نتكلم عن هذا ونحن على أعتاب توديع عام عشناه بكل تفاصيله الحلوة والمرة والى أن تدق الساعة وعقاربها تنطبق على الرقم (12) ليلاً معلنة ميلاد عام جديد الذي هو يكتب التاريخ في كل سنة.
 بلا شك أن عام واحد في عمر السنين لا يعتبر بالرقم الكبير الذي يقلقنا لكن الذي يقلق الجميع هو مضي ايام هذا العام دون أن نترك بصماتنا عليها أو تترك ايامه أثراً في ذاكرتنا او التاريخ لنجد أنفسنا وقد خسرنا هذه الفترة الزمنية المحددة، والطامة الكبرى عندما نلحق سنة بسنة أخرى لتصبح عقداً أو عقود من السنوات وعندما نقف في محطة معينة وننظر خلفنا عندها نجد أنفسنا أننا ما كنا سوى مراوحين في ذات المكان وعندما ننظر الى الأمام نجد الآخرين قد سبقونا في فترات زمانية ومكانية كبيرة .... !!! عندها لا يفيد الندم ولا تنفع كل الجهود لأن عجلة الزمن لا يمكن أعادتها الى الوراء مطلقاً.
فمن له أذنان ليسمع فليسمع، ومن له عينان تبصران ليرى ويفهم حكمة الله جلت قدرته عندما خلق كل شيء في ستة أيام ورأى أن كل شيء كان حسناً وكان القمة في هذا الخلق هو خلق الأنسان لأنه كان على صورة الله ومثاله، وزينه بالعقل الذي لا يوجد نظيره لدى كافة الخلائق الأخرى، فهذا العمل الالهي يستوجب منا نحن البشر ترجمته على أرض الواقع بأحسن وأبهى صورة لكي نكون أهلاً أن ندعوه (أبانا) ونكون له أبناء من خلال عدم أضاعة الوقت والأجتهاد لكي نستثمره خير أستثمار وان نختصر الخطوات بالأستفادة مما وصلت أليه الشعوب وما توصل اليه الأخرون في مجال العلم والثقافة والفن والرياضة وكافة ميادين الحياة.
ولا بأس أزاء ذلك ان نقف هنيهة لمراجعة الذات وتقويم المسيرة حتى نكمل القادم من العمل بأكثر همة وأحسن حال. فحياتنا وحياة أي واحد في المجتمع يجب أن تكون موضع مراجعة وتقييم مستمر كي يتم تشخيص الخلل والنجاح أيضا؛ الخلل كي يتم تجاوزه والنجاح كي يتم تقويته باتجاه النجاحات الباهرة الكثيرة، وعندها لا نكون قد طمرنا الوزنة التي وهبها الله لنا عندما خلقنا في هذه الدنيا ولا نكون نتحجج في الظروف القاهرة والمشاكل والسلبيات التي هي سلاح الضعفاء نحو أقناع الآخرين في حالة وصولهم لنقطة الفشل، لأننا دائما ما نردد أن الله قد قال لنا: "منك حركة ومني بركة" ولا أدري مصدر هذه الجملة لكنها فعلا تنطبق على واقعنا، فلو بقينا قابعين في ذات المكان ولا نبارحه سنبقى هكذا إلى ما شاء الله لا نبارحهه لو لم نحاول نحن تركه والانتقال إلى مكان آخر، وهكذا كان حال المريض الذي كان ينتظر لحظة تحريك مياه البرُكة (بركة شيلوحا) كي ينزل إليها في تلك اللحطة وينال الشفاء، كما يروي لنا كتاب الحياة، ولأنه كان مُقعدا لم يكن باستطاعته أستغلال اللحظة ليسبقه إليه غيره.
وهكذا نحن (سورايي) العراق الذين ممكن أن نعتبر أنفسنا سكنة أرض ما بين النهرين الأصليين إن لم نلتفت في كل عام إلى حالنا ونعمل إلى أصلاح الخلل الذي وصلنا بموجبه لواقع اليوم الذي نعيش فيه في الشتات ومن بقي على أديم الرافدين إلى اليوم يتطلع قدما للهجرة حاله حال من سبقوه، فبقاء الوضع هكذا سيكون من شانه اندثار كل الرموز التي شدتنا إلى تلك الأرض ومحوها كي تبقى آثارا يزورها المهتمون فمنهم من يلتقط صورا أو منهم من يبكي على أنهار بابل التي تركها بنيها، أو يزور نينوى حيث بقيت أسوارها مهدمة لا يوجد من يرممها ويقويها...  وسيعيث الغرباء فيها فسادا ويلوثوها بثقافات غريبة وربما الأرض أيضا ستتكلم بلغة غير مفهومة أيضا ونحتاج حين زيارتها إلى من يترجم لنا كي نتفاهم.
. أننا ننظر للعام الجديد 2013 بنظرة تفاؤليه بان الديمقراطية سوف تترسخ في بلدنا وان الخير سيعم بأذن الله وسوف ينال الجميع من خيرات هذا البلد وتعود أرض السواد تدر لبنا وعسلا، ويقف الجميع على خط واحد ومستوى واحد مع جميع سكان الأرض لا فرق بين الأبيض والاسود او عربي على كردي او المسلم على مسيحي ... ايزيدي ... صابئي  إلا من خلال العمل والأخلاص وكما يقول الكتاب إن الأكرم عند الله هو الأكثر تقوى وأيماناً هكذا نتطلع الى ان يكون أبناء كل الديانات السماوية والمؤمنين منهم؛ الأخلص للوطن والأكثر تضحية لننال في النهاية بالتكريم الذي يليق بالمجتهدين.
تهنئة قلبية مفعمة بالأمل لجميع المحتفلين بالعام الجديد وخصوصا سورايي العراق ومواقعنا الاليكترونية بكوادرها النشيطة وقراءها المخلصون وجميع الأخوة الآخرين في بلدنا العراق  خاصة وان السنة الميلادية هي مناسبة للتوقف ولإعادة الحسابات ومراجعة الذات. اَملين من رب المجد أن ينعم بخيراته على الجميع وعلى وطننا الغالي (العراق) باليمن والبركة والأمان .
عبدالله النوفلي
2013

24
ليبارك الرب بأعمال جوقتكم أيها الأخ العزيز، ولا أستطيع القول سوى أن أدعوا لكم منه تعالى أن يمدكم بالصحة والعافية كي تستمروا على ذات النهج كي يتجدد طقسنا ويحيا ويستمر، ونحن في الوقت الذي نطلب هذا نتمنى لكم ولمن معكم كل التوفيق وكل عام وانتم بألف خير

25
أخي أخيقار
شكرا لتعقيبكم الجميل
ولمناسبة الميلاد المجيد
أتقدم بأحر التهاني لكم ولكافة أخوتي الشمامسة
والمهتمين بأحياء طقس كنيسة المشرق
متمنيا للجميع الصحة والسلامة
وكل عام والجميع بخير

26
أخي بالرب أبو سنحاريب
لتكن بركة الله ونعمة الابن القدير معك دوما
شكرا لما جاء بتعليقك، وبحق نحن شعب واحد نتكلم لغة واحدة وإن أختلفت اللهجات، لكنني بعملي هذا أقوم بتوثيق ألحان أحدى فروع كنيسة المشرق التي هي الكنيسة الكلدانية وهو عمل كبير ويستغرق وقتا طويلا وكما تلاحظ لحد اليوم تم أضافة أكثر من 490 لحنا وهناك الكثير بالانتظار لأن ترتيبها كي تظهر لمن يتابع يحتاج إلى وقت وجهد، أما من حيث طباعة هذا العمل على ملفات وورد فإنه يعني طباعة كل الحوذرا التي تتألف من أكثر من 3000 صفحة وأعتقد أنه عمل صعب حاليا، لكنني بالفعل قد طبعت رؤوس الألحان ومذاريش السنة الطقسية وإن أحببت أرسل لي أيميلك الخاص كي أرسلها لك مع الفونت كي تتمكن من فتحها في كومبيوتر الخاص بك أو أرسلها ك بي دي أف ويمكنك عندها فتحها دون الفونت، وسأعمل بعد الانتهاء من العمل على طبعها على شكل أقراص دي في دي كي تكون في أيدي المهتمين ولحد الآن طبعت جزئين كل واحد بحدود أربعة كيكا بايت. تقبل محبتي
الشماس عبدالله

27
لجميع الأخوة المهتمين:
لقد بدأت بأضافة عونيثا دواساليقي لجميع أحدات السنة

بصوت الشماس

أسحق مرقس المنكيشي

أتمنى لكم طيب الاستماع والاستفادة

28
ذكريات من الماضي العراقي القريب (23)
الفساد مستمر والدمار مستمر والشعب يأنُ وما من أحد يخفف عنه معاناته، وهذه أجهزة الأعلام تكتب وتشرح كل شيء، وجريدة الواشنطن بوست الأمريكية ليست الوحيدة ولا الأخيرة كما هو حال الفاينينشيال تايمز البريطانية وغيرها كثير ، فقد نقلت تلك الجريدة عن عراقيين كثيرين قولهم وللأسف بأن حياتهم كانت أكثر أمانا وكانوا أكثر رخاء قبل عام 2003، ومهما كانت هذه المعلومات غير دقيقة او بعيدة في جوانب معينة كونها صادرة من قصص لأناس يطلبون اللجوء في الدول المانحة لحق اللجوء لكن يبقى جانب منها صحيحا أو قريبا من الصحة، لأن ما دفعه العراقيين من ثمن كان باهضا جدا ناهيك عما دفعته قوات التحالف في العراق من خسائر رغم أن جنود الاحتلال رسميا لم يعودوا موجودين على أرض العراق وأن وجد بعض منهم فوجودهم لمهمات معينة يحددها الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة، فكاتب تقرير هذه الجريدة (Kevin Sullivan) ، يتحدث عن البناء الجديد ومحلات لم تكن مألوفة للعراقيين كما لم ينسى أن حافلات نقل الركاب ذات الطابقين والتي اشتهرت بها بغداد كما هو حال عاصمة بلاد الضباب (لندن) قد عادت كي تنتقل بين أحياء بغداد وتقطع شوارعها جيئة وذهابا، لكن هذا الكاتب يستذكر بأن خطوة معينة ومثقلة إلى الأمام، تقابلها خطوات فيها سفك للدماء وبوحشية وكذلك الفساد المستشري في كل مكان.
ولكن يجب الانصاف أن عنف اليوم ليس كما كان في الأعوام 2005 – 2008، لكن مع ذلك تنقل التقارير دائما عن مفخخات تنفجر وعبوات هنا وهناك وقتل باللاصقات والخطف والكثير من أشكال العنف والدمار ، وما تفجيرات يوم 23 تموز 2012 التي حصدت أكثر من مائة شخص وأضعاف هذا الرقم من المصابين بجروح مختلفة سوى مثال بسيط لما يحدث على الأرض، حيث كان ذلك اليوم الأكثر دموية منذ عامين مضت.
وفي المقابل نجد تصدير النفط تتحسن معدلاته وأسعار النفط عالميا منتعشة الأمر الذي يعني أن واردات العراق هي كذلك أيضا، لكن السؤال هو أين الأساسيات التي يحتاجها الانسان العراقي؟ من كل هذه العائدات، فلازالت التقارير تكتب عن مدارس من الطين وأخرى تفتقر لأبسط مستلزمات الراحة أو أبنيتها متهرئة، والمياه المخصصة للشرب تفتقر للشروط الصحية الدولية، والكهرباء مازال شبه مفقود، وحرّ العراق وصل إلى معدلات غير مسبوقة حتى ان الحكومة اضطرت لأعلان عطلة رسمية ولعدد من الأيام حفاظا على صحة الانسان من آثار الحر الجمة، ونجد الكثير من سهام النقد توجه باتجاه الحكومة كونها مقصرة في هذا الجانب!!!
ونجد بين الصحفيين من يصف بغداد بمدينة الدمار والقوات المسلحة المنتشرة في كل زاوية وشارع وكذلك بكثرة الانقاض الموجودة في كل مكان ولا تجد فيها شارعا نظيفا خاليا من الحفر، وقد يكون الانتعاش الاقتصادي الذي نقرأ ونسمع عنه غير منظور للعامة غالبا لأن الوجه المشرق غالبا ما لا تتطرق إليه أجهزة الاعلام، لأن هناك الكثير من المحلات التجارية الحديثة ومراكز التسوق التي تسير وفق النهج الموجود في الدول المتطورة، وأيضا نجد وكالات لبيع السيارت الحديثة وتصاميم حديثة للبيوت والعمارات ونوادٍ اجتماعية وصحية وكذلك يشهد منتزه الزوراء تطورا ملفتا للنظر حيث تم وضع ألعاب حديثة لزوار هذا المرفق المهم في العاصمة، ويتزايد في العراق استخدام الهواتف النقالة على نطاق واسع وتجد في المحال التجارية في العراق أحدث موديلات هذه الهواتف المنتجة في العالم ومن بينها أجهزة الآي فون الشهيرة، كما تجد شركات كثيرة توفر خدمة الانترنيت السريعة لزبائنها وهكذا تم خلق منافسة بين هذا الكم الكبير من الشركات وكان الرابح هو الانسان العراقي الذي يلمس رخص الأسعار قياسا لما موجود في دول العالم حيث تعتبر الاتصالات في العراق وخصوصا الدولية منها من أرخص الأسعار مقارنة بدول العالم الأخرى.
لكن الرشوة منتشرة أيضا وبشكل ملفت للنظر حيث تعتبر الوسيلة الوحيدة للحصول على عمل أو رخصة بناء أو عقد حكومي، بحيث أن منظمة الشفافية الدولية أدرجت العراق في المرتبة 175 من أسوأ 183 بلد في المسح السنوي الذي أجرته للفساد عام 2011، وبجانب آخر فإن صندوق النقد الدولي يتوقع ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي من 9ر9% في عام 2011 إلى 1ر11% عام 2012 ويتوقع هذا الصندوق لعام 2013 أن يرتفع هذا المعدل إلى 5ر13% وهذه الأرقام تؤشر بأن العراق هو أحد البلدان التي ينتظرها مستقبل واعد وربما أسرع من نمو الصين التي تحضى بنسبة نموها الاقتصادي 2ر9% لعام 2011. وكل ذلك يعود لارتفاع الوارد من الصادرات النفطية إلى ما يعادل المائة مليار دولار في السنة الأمر الذي يدفع بالكثيرين للتساؤل أين تذهب كل هذه العائدات؟ لعدم لمس معظمهم لفوائد هذا الكم الكبير من العوائد.
وفي المدن العراقية تجد بسهولة سحابة من الدخان المتصاعد من عوادم السيارات جنبا إلى جنب مع الغبار المشبع برائحة كريهة، أحيانا رائحة البنزين وأحيانا أخرى حرق النفايات بشكل عشوائي، ينضم إليها الماء الملوث فذلك يشكل ثلاثيا قاتلا للعراقيين في هذا الصيف اللاهب. وكذلك تجد قناني المياه من المفترض أنها معدنية لكنها معبأة من  صنابير مياه الإسالة ومغلفة بليبلات ملونة ومطبوعة في أزقة مطابع منطقة البتاوين وما لا نعرفه في هذا الجانب، حكايات  عجيبة غريبة تحدث أمام كل مسؤول ومواطن ، ولا نعلم أسباب السكوت ،هل هي عملا  بالمثل القائل "السكوت من ذهب"؟ وهذه الأسباب تقودنا للسؤال عن سبب تلوث الماء في العراق؟
وعن هذا السبب يمكننا القول أن تلوث الماء بسبب قدم شبكة توزيع المياه (الاسالة) وعن هذا يقول سلام منصور دكتوراه في التلوث  البيئي - الجامعة المستنصرية لـ("المدى" صحيفة في العراق): قِدَم الشبكات الناقلة لمياه الشرب في العراق، التي تحتاج الى ثورة تغيير من الاساس وبشكل كامل لان  التصميم الأساسي يعتمد نظام التصميم الجانبي،  في حين انه يجب أن يكون شبكيا والذي لا توجد فيه أي نهايات، وإذا استسلمنا لهذا الأمر الواقع نجد بان شبكات نقل المياه الصالحة للشرب (إن كانت صالحة) والمنقولة، من مشاريع التصفية الى المناطق المختلفة قد تعرضت إما للتلف أو التكسر بسبب نفاد عمرها التصميمي الذي تجاوز في بعض مناطق بغداد الخمسين عاما أو انها تعرضت للتلف بسبب الأعمال الإنشائية الأخرى كمد كيبلات الهاتف والكهرباء والاتصالات وأنابيب مياه الصرف الصحي (المجاري)، التي أصبحت رفيقا دائميا لمياه الشرب المستخدمة من قبل المواطن، لذلك نجد بان التكسرات الناجمة عن الأسباب التي ذكرناها أعلاه تسببت في تلوث مياه الشرب المنقولة بواسطة الأنابيب المخصصة لهذا الغرض، ونجد أن الكثير من مناطق بغداد وخاصة أطرافها تأخذ مياهاً ملوثة.
وعن الماء الصافي والصرف الصحي فإن المواطنون في العراق يعبرون عن رأيهم بخصوص استخدام مياه القناني بالقول  بأنه استنزاف مبطن لأموالهم، ويعتبروا أن مشكلة تلوث مياه الشرب عولجت بواسطة قنانٍ مختلفة الأشكال والأنواع، لكنهم مضطرون إلى اللجوء إليها لسد عطش أفواههم وإرواء أجسادهم . فقد أشار أحد المواطنين وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية  بقوله: أنه ينفق يومياً ما مقداره خمسة آلاف دينار (بحدود خمسة دولارات) لشراء علب المياه المعقمة لأطفاله فقط ،فلا يمكن الاطمئنان وتسليمهم إلى المرض بسهولة لكون الامراض منتشرة بشكل مخيف. ويستمر بالقول بأن عائلته وقبل شهر قد اصيبت، واحدا تلو الاخر، بمرض التيفوئيد والاطباء اكدوا ان اصابتهم كانت بسبب شرب مياه الاسالة فما العمل وانا ليس بمقدروي توفير المال الكافي لشراء الماء لعائلة متكونة من 8 افراد لكن ما باليد حيلة، واضاف هذا:  أن منطقة حي الشهداء في بغداد لا تختلف عن بقية مناطقها الأخرى بقدم أنابيب توصل مياه الإسالة.
فحي الإعلام يعاني ذلك أيضا وقبل مدة قصيرة امتزج الماء الصافي (إن كان صافيا) مع مياه الصرف الصحي وبعد إخبار بلدية قاطع الرشيد التي عالجت الموضوع بمدة زمنية قياسية، أسبوع تقريبا، فهل يمكن الان الاطمئنان على صحتنا؟ البكتريا والطفيليات يبدو أنها منتشرة وبكثرة في مياه الشرب المفترض أنها صحية ويتم فحصها باستمرار من قبل الجهات الرقابية، بينما علقت موظفة وتسكن منطقة علاوي الحلة قائلة :لا يملك جميع المواطنين  المال الذي يمكنهم من  شراء قناني المياه المعدنية او شراء فلاتر لتصفية مياه الإسالة لذا فان الذي لا يملك الاثنين فلا طريق له  بكل الأحوال إلا شرب  المياه غير المعقمة فالبكتيريا والطفيليات تبقى ضيفا عزيزا على صحة المواطن المغلوب على أمره. 
ومواطن آخر من سكنة منطقة البتاوين يقول: لماذا نستغرب من  انتشار معامل بيع المياه المعدنية في جميع أنحاء العاصمة ولا يكاد شارع او محلة يخلو أو تخلو من محل صغير علقت على واجهته يافطة معمل ملأ وبيع قناني المياه المعدنية، والحقيقة ان البعض منها غير خاضع للشروط الصحية و نحن واثقون ان القناني تملأ بالمياه العادية من دون غسلها او تعقيمها والمتضرر هو المواطن العراقي.
غلق المعامل مؤقتا  تجارة ازدهرت ببيع هذا النوع من القناني  خاصة في تقاطعات المرور والمحال التجارية، غير أن هذا لم يحل مشكلة تلوث المياه ما دام بإمكان أي شخص أن يفتح معملاً لإنتاج وبيع المياه، بعيداً عن الضوابط والمواصفات الصحية وخاصة في المناطق البعيدة والتي تكون غير خاضعة لأي نوع من الرقابة من اي جهة حكومية، وإغلاق معامل في منطقة الحسينية والعبيدي ومدينة الصدر والأمين الثانية وحي الرشاد  والمشتل والمنصور من قبل الأجهزة الأمنية خير دليل على أن البعض من المعامل تنتج الماء الملوث وليس النقي ،لكن هذه المعامل تفتح بعد إغلاقها بأيام! ومصادر في الجريمة الاقتصادية على علم بكل هذا وتقول: أن هناك معامل أهلية غير خاضعة للضوابط الصحية تقوم بملء القناني بمياه الحنفية وإعادة بيعها من دون غسلها وتعقيمها، فضلا عما تفرزه الآلات المستخدمة من مواد تترسب مع المياه، وتضيف هذه المصادر انه نتيجة لغياب الرقابة الصحية، استغل البعض من ضعاف النفوس والحالمين بالربح السريع على حساب حياة المواطنين الفرصة فانشأوا معامل خاصة بتنقية مياه الشرب، لا تحمل أي إجازة صحية، وهذا ما شجعهم على الاستمرار في العمل خاصة وإن هناك إقبالا واسعا على شراء قناني المياه خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة

وهذا وغيره ما سنستمر في الكتابة عنه في القادم من المقالات.
... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012

29
الاخ العزيز شمس الدين كوركيس،

بفرح وسعادة كبيرين تلقيت الخبر المفرح مقدما لكم  ارق التهاني واحلى التبريكات ... بمناسبة نيلكم شهادة الماجستير ،بدرجة امتياز، والمعنونة : حقوق (الكلدان السريان الاشوريين )، في المعاهدات والمواثيق الدولية والدساتير العراقية.
متمنين لكم دوام الخير والتقدم ...
أخوكم عبدالله النوفلي

30
ذكريات من الماضي العراقي القريب (22)
كلما يستبشر العراقيون خيرا حول الأمن والأمان يظهر أمرا جديدا يعيدهم إلى نقطة الصفر لتبدأ سلسلة المآسي والأحزان المصاحب معها القلق الذي يجعل من الحياة جحيما حقيقيا، وكأن التنعم بالحرية مثل باقي شعوب الأرض لم يعد أمره ممكنا في العراق، لأن الارهاب قد تجذر وتنوعت أساليبه وأشكاله، فها هي التقارير تتحدث عن الخطف ولصنف الفتيات تحديدا الأمر الذي لم يكن شائعا قبل عام 2007 على أقل تقدير لأن الاحصائيات تشير لوجود 68 فتاة مخطوفة وبمختلف الأعمار لتلك السنة، ولو أن الأرقام ربما هي أكبر لأن عوائل كثيرة لا تخبر السلطات المختصة عن ذلك لأسباب عدة ومن أحدها خوفهم من العار الذي قد يصيبهم لو تعرضت ابنتهم للاغتصاب وما شابه ذلك، لكن الأمر واقع وحالات كثيرة موثقة خصوصا في تقارير منظمات حقوق الإنسان الكثيرة والمنتشرة في أرجاء العراق، فالمخطوفات بأعمار مختلفة منهن في سن الطفولة وأخريات في سن الشباب، وقد تنشط اليوم في بغداد لتختفي بعد ذلك وتنشط في محافظة أخرى، وكم من عائلة تمنت الموت ولا تمر بهكذا موقف وخصوصا أمنيتهم هذه لمن يطالها الخطف ويتمنون عودتها جثة هامدة لأن ذلك أفضل من عودتها وهي ملفوفة بالعار رغم ما يدفعه الأهل من فدية لحرية مخطوفتهم.
وجاء في التقارير أسماء بحد ذاتها مثل (حنين 16 عاما) وهي طالبة في الصف الثالث المتوسط وكذلك (مروة 13 عاما) والمختفية منذ ثلاثة أشهر، والأسماء كثيرة وفقط الأمر المختلف هو عُمر المختطفة الذي وحسب تحليلات الشرطة أن هناك عصابات مختصة لا تخطف من أجل الفدية بل هناك مسألة المتاجرة بالأعضاء البشرية أو للاتجار بالفتيات وتحويلهن لسوق الدعارة وتسويقهن إلى الدول المجاورة. وكذلك من بين الأهداف لاستخدام المخطوفات للحمل والولادة وبيع المولود لمن يدفع أكثر ومن العوائل التي لا تنجب، وحسب مصدر الشرطة فإن مثل هذه العصابات موجودة منذ زمن بعيد لكن لم تكن لها مرتعا خصبا في العراق، لكن على ما يبدو أن ذلك قد حصل ونشط سوقه في العراق حيث هناك من يتعاون مع هذه العصابات ويسهل أمرها من العراقيين.
ويحدث كل هذا بينما الجهات الأمنية همها الأكبر هو مكافحة الجريمة وتقليل الارهاب وحوادث التفجيرات والمفخخات ومحاولة أيقاف هذا النوع من الدمار، لكن علينا القول أن ما يحدث ليس فقط من مسؤوليات رجال الأمن، لأن المسؤولية هي عامة ومشتركة مع الجميع كي تكون عيون الجميع ساهرة وحريصة على سلامة الجار والقريب، لأن على ما يبدو أن جهود الشرطة ليست كافية لردع هؤلاء المجرمين، وهناك أيضا منضمات المجتمع المدني التي يجب أن يكون لها دورا مهما ونشيطا في المجتمع الذي تحمل اسمه. وأن الأمر يحدث في الشوارع العامة وأمام منظر المارة ومرأى نقاط السيطرات المنتشرة بكثافة أحيانا، وهنا أتذكر يوما كيف كنت مارا في شارع الغدير ببغداد عندما شاهدت أحدى العصابات التي دخلت على أحد المحال وقامت بسحب أحدهم ووضعته في صندوق السيارة دون أن ينجده أحد ولا حتى أنا لأننا كنا عُزل من أية قطعة من السلاح، وأفراد العصابة مسلحة ويتطاير الشر من عيون أفرادها!!! ودائما تقود ضحاياها إلى جهات مجهولة ولا من يتابعها ويلقي عليها القبض ويحاسبها.
وكأن الأمر لا قانون ليحاسبه في القانون العراقي رغم وجود مواد قانونية للمحاسبة فيه لكن لم ينص على عقوبة محددة لمثل هذه الجرائم الأمر الذي يعتبر نقص تشريعي خطير، ففي القانون العراقي نجد أن عقوبة من يختطف طفلا بغرض التجارة أو غيره فإن عقوبته لا تزيد عن السجن لمدة 15 سنة، وخصوصا إذا كان الخطف بالاكراه او الحيلة، (وأي خطفٍ يكون بدون أكراه؟!!!!!!!!!!!)، وهناك عقوبات محددة ومشددة لجريمة الاغتصاب واللواط وهتك الأعراض قد تصل عقوبتها للاعدام ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، وكل هذا والعراق قد وقع على الاتفاقيات الدولية التي تنظم حقوق الأطفال ودرء الأخطار التي يتعرضون إليها.
وإذا خرجنا من العاصمة جنوبا باتجاه الحلة مدينة الآثار الشهيرة وكما ذكرنا في حلقة سابقة عن مستشفى بوسط بغداد فإننا نرى ذات الشيء يتم عمله في مستشفى في قضاء الحلة ومن يدري ربما مدير تلك المستشفى التي في بغداد قد تم نقله إلى مستشفى في الحلة ، وكتب أحدهم في أحد المواقع أن واقع هذه المستشفى ينطبق عليه المثل القائل (من بره هلّه هلّه، ومن جوه يِعلَم الله)، وللمعلومات فإن نفوس هذه المحافظة يربو على المليون وثمانمائة ألف إنسان منتشرين في مركز الحلة وأقضية المحافظة ونواحيها وقراها، وتشير الاحصائيات بأن مركز الحلة وحده ربما فيه مليون إنسان، وشيء مؤكد أن هذا الكم الهائل من البشر بحاجة للخدمات الإنسانية المتواصلة، والجانب الصحي واحد من هذه الخدمات وربما أهمها.
فشهود عيان يتحدثون بأن صالة العمليات في هذه المستشفى صغيرة وإذا تم أشغالها بعملية ما فما على المرضى الآخرين سوى الانتظار، يعني إن كان لمريض زائدة دودية ملتهبة سيقضي نحبه وتنفجر الزائدة خصوصا إذا كان في الصالة مريضا يتم أجراء عملية جراحية طويلة الأمد له!!!! وزائر ردهة الطواريء يشاهد حالات كثيرة مكتضة هناك منها بسبب الحوادث الأمنية ومنها جراء الاختناق او التسمم أو حوادث السير، وتعددت الأسباب لكن المرض موجود ومنتشر ويزداد مع كل الأسف.
ولو انتهت معاناة المريض من تلك الصالة الوحيدة فإن معاناته لن تنتهي فالمصعد عاطل او معطل؟ فقط الله يدري، وإن أحتاج المريض لدواء يسكن له الألم فإن الصيدلية الأهلية هي الملجأ الوحيد لشراء الدواء، وقبل عدد من السنين تذكرت أحدهم رحمه الله الذي رقد في المستشفى لإجراء عملية ما وكان الوقت ليلا ومنع التجوال موجود والحالة الأمنية وقتها لم تكن تسمح بالخروج أو لكون الصيدليات مفتوحة لوقت متأخر فإن ذلك المريض قضى نحبه وهو في مستشفى بالعاصمة لعدم حصوله على الدواء المطلوب بعد العملية!!! ووقتها كانت هذه المستشفى من المستشفيات الخاصة في جانب الكرخ من بغداد.
وهذه مستشفى الحلة أيضا وبعد كل هذه السنوات تستعين بالصيدليات الأهلية من خارجها كي يحصل المريض على حاجته منها، فلماذا لا توفر المستشفى الدواء ويطالبون المريض وذويه لاحقا بأجرة الدواء إن كان ذلك يعسر توفيره على نفقة المستشفى او الدولة؟ ولو خرَجت خارج المستشفى ستجد أرصفتها جديدة ومنسقة ونظيفة وبنظرة بسيطة لمكاتب الإداريين فيها ستجدها جديدة وانيقة وكذلك حال الأسيجة ويتم الصرف حسب أقوال المتطلعين ببذخ على المباني والمكاتب بينما عندما يأتي دور التدريب على الأجهزة أو شراء الجديدة فإن الصرف متعثر هنا، فمن المسؤول؟ فما يريح المريض مهمل والمصاعد معطلة وصالة العمليات ضيقة وربما صالات الولادة هي كذلك أيضا، أليس الإنسان أهم من الحجارة؟
كل هذا وأرض العراق غنية بكل شيء، ليس بالنفط وحده لكن بالثروة المعدنية وكذلك الزراعية وبالنهرين الخالدين دجلة والفرات، هذه الأرض يأتيها الحجاج من كل جهات الأرض مِنهم من يريد التبرك وأداء واجب ديني ومنهم كي يستكشف أمرا معينا ومنهم لزيادة في المعرفة، وشهد العراق الكثير ممن نسميهم المستشرقين كونهم مهتمين بالعلوم الشرقية ويعملون للتنقيب عن آثاره وسبر غور الحضارة التي كانت يوما معلما للدنيا كلها.
وتجد الكثير من الزوار يذرفون الدموع الحارة وهم بجوار قبر الإمام الفلاني أو الصحابي أو الولي أو رجل الله الصالح او طلبا لشفاعتهم وعونهم في الشدائد راجيا مرور أزمته بسلام، لكن اليوم كل تلك الأماكن المباركة أصبحت هدفا للأشرار دون تمييز لمن تعود سواء للمسلمين؛ سنة او شيعة، أم للمسيحيين، والهدف كما يبدو هو، محو وأزالة هذا الأرث الخاص برجالات العراق والسلف الصالح ويجردوا بلدنا من هذه الميزة، لأنهم يروننا نزداد أيمانا كلما تقربنا منها ونزداد قوة كلما تذكرنا أسلافنا، فهذه الأرض وسامراء قبل سنوات كانت هي الضحية التي تحملت كثيرا من وزر الشر الذي اقترب من ضريح أو مقام الإمامين العسكريين وهدفهم هو  دراس هذا المقام والعمل على أزالته من الوجود، فقد وجه له الأشرار ضربتين موجعتين في عامين متتالين، ولم يكتفوا بتفجير القبة بل ألحقوها بالمئذنتين أيضا، إنهم يخافون حتى من حجارة أطلال هذه المراقد ويريدون سلبنا رموزنا، إنهم يريدون لنا الاقتتال وأن تُزرع الفتنة البغيضة بيننا حتى نذهب في الطريق الذي لا رجعة فيه!!! لقد بانت المخططات وكلنا تتذكر أبو ناجي هذه التسمية التي أطلقها شعبنا على المستعمر الإنكليزي في بدايات القرن الماضي حيث كان يستخدم سياسة فرق تسد ويخلق المشكلات ليخرج منها سالما، هكذا يأتي أيضا محتل اليوم بذات الأسلوب ويريد تفريق اللحمة وأبعاد الأهل عن بعضهم البعض، فمن كان يرتبط بسنية وهو شيعي أو بالعكس هذا الأمر بالنسبة لهذه السياسة غير مقبول لأنه يقرّب أبناء البلد الواحد ويوحدهم من خلال عوائل وزيجات مختلطة تختلط بواسطتها الدماء مع المذاهب وتتوحد بالإيمان وحب الله والوطن، ونتيجة لذلك يصبح العراق قويا متماسكا!!! 
وكيف للصهيونية أن ترضى بذلك ؟ إنهم يحاولون أقصى جهدهم لكي يتقاتل أخوة الماضي وأهل الحاضر بغية أضعاف العراق وانزوائه بعيدا لا يقوى حتى لمداواة جروحه، فضربوا مرقد الشيخ عبدالقادر حتى يثيروا أهل السنة على الشيعة وضربوا مرقدي سامراء لإثارة أهل الشيعة على أهل السنة كما ضربوا الكنائس حتى يثيروا المسيحيين على المسلمين، واليوم كما الأمس القريب أيضا فما الفلم المسيء الذي أنتجته الصهيونية على الأرض الأمريكية إلا صفحة جديدة تريد بها قوى الشر أن يتقاتل المسلم مع المسيحي وأن تسود الفوضى الدول الاسلامية كي يلهونها بهذه الأمور ولا تنظر هذه الدول بفاعلية إلى المستقبل كي يكون أكثر أشراقا بواسطة الالتفات للعمل الجاد والمفيد للبناء والتطور، إنهم يعملون جاهدين لتفتيت هذا البلد وجعله دويلات صغيرة .. ضعيفة .. وذلك من خلال خلق العداوات بين القوميات؛ عرب .. أكراد، تركمان .. كلدان .. آشوريون .. وغيرهم وما مشكلة كركوك وسهل نينوى إلا قنابل موقوتة قابلة للتفجير ساعة فشل الورقة الطائفية، فإنهم إن فشلوا هنا فسيستخدمون الورقة الأخرى.
إن الفساد ماضٍ ومستمر بالاستشراء وكلنا أمل ان الله سيحفظ بلدنا ويبعد عنه الشر والأشرار كي ينعم بالمحبة وبالسلام والأمن وسيخيب ضن الدخلاء والأشرار وستعود خفافيش الضلام كي تعتشعش في الظلام لأنها لا تقوى النور ولا تستطيع الظهور.
وعن ذلك وغيره سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة وللذكريات بقية.

عبدالله النوفلي

31
جزيل الشكر للأخوة: مناهل وعزيز، متمنيا لهما التوفيق والصحة الدائمة

32
شكرا لك أخي الشماس سرهد
وما قمت وما زلت مستمرا بالعمل فيه
أتمنى أن تلحقه خطوات أخرى من أخوتي الشمامسة الآخرين
لكي نجعل من هكذا أعمال أثراءا لطقسنا الجميل
كما وسأستضيف أخوة لي من الشمامسة
كي يؤدوا بعض الألحان الطقسية بصوتهم
وسأضيفها أيضا للمجموعة التي بدأت بها
تقبل محبتي
أخوك الشماس عبدالله

33
أخوتي المتابعين
لقد تم أضافة قلثا لجميع أحادات السنة الطقسية
وكذلك تشبوحتا دموتوا لكل السنة الطقسية
والجديد قادم باستمرار فتابعونا

34
ذكريات من الماضي العراقي القريب (21)
لم يكن التغيير المناخي الذي يشهده العراق وبقية دول المنطقة وربما مناطق أخرى من العالم أمرا عابرا ويحدث بمحض الطبعية؛ وحسب أجتهاد البعض وتحليلاتهم، فقد أشار خبير في دائرة الانواء والرصد الزلزالي التابعة لوزارة النقل العراقية لموقع قراءات ان الدائرة تمتلك ادلة تثبت ان ارتفاع درجات الحرارة في البلاد هو بفعل فاعل وليس امرا مناخيا طبيعيا، متوقعا ان تصل درجات الحرارة الى (70) درجة مئوية خلال السنوات الثلاثة القادمة. وأضاف المتحدث قائلا: ان الدائرة ومن خلال مختصين في هذا المجال استطاعوا بعد جهود مضنية وعلى مدى اكثر من خمس سنوات، الحصول على الادلة الدامغة التي تبثت تورط دولا بعينها بالتحكم بالمناخ العراقي، مضيفا ان خبراء المناخ يرجعون ارتفاع درجة الحرارة بهذا الشكل الغريب الى وجود طاقة صناعية تم توجيهها عبر مركز "الأبحاث في مجال الترددات العليا للشفق القطبي الشمالي" واختصاره (HAARP) باعتباره المركز الوحيد القادر على افتعال زلازل وفيضانات وأعاصير ورفع وخفض درجات الحرارة التي تبدو طبيعية.
واكد المصدر ان مناخ العراق بدأ بالتغير نحو حار جاف صيفا ولمدة تتجاوز الثمانية اشهر وشتاء يكاد يخلو من الامطار في اغلب مناطق العراق عدا اقليم كردستان نوعا ما بعد ان كان في ثمانينيات القرن الماضي عبارة عن اربعة فصول، صيف حار رطب وربيع معتدل وخريف تنخفض فيه درجات الحرارة لتمهد دخول الشتاء البارد الممطر، متوقعا ان تصل درجات الحرارة في مناطق البلاد الى سبعون درجة مئوية خلال الثلاث سنوات القادمة. ومتوقعا أن تكون النتائج كارثية لهذا التغيير في المناخ العراقي الأمر الذي سينعكس على أمن غذاء المواطن وصحته، وهكذا نجد الكثير من مناطق العراق بدأت تميل للتصحر والزراعة الديمية شبه ميته والأنهار الرئيسية بدأت تركيا وأيران وسوريا بالتحكم بما يدخل إلى العراق منها، وكنت حول هذا المصير قد قرأت تحليلا قبل عقد من السنين بأن الحرب القادمة في المنطقة ستكون حربا بسبب المياه !!!
وهكذا تزداد قسوة الطبيعة على العراقي وربما هذه تجعله يفقد بعضا من المزايا التي كان يتحلى بها وبدأ يميل للقسوة المفرطة أحيانا بينما نجد الغرباء والأجانب طيبون ورحماء  ويتعاملون مع الجميع برفق وحنان ونتعجب كثيرا عندما نختلط بهم لأننا قد افتقدنا لهذا التعامل حتى في بيوتنا ومع أهلنا  لكننا نجد في المقابل حتى من بين المؤمنين من يدعو بالشر على غيره حتى لو كان مؤمنا بما يخالف إيمانه لكن الاثنين يؤمنون بالإله الواحد الأحد، نعم هذا يحدث اليوم في العراق، والدعاوي مختلفة فقد يكون النعت بالكفر أو الدعوة بالموت والترملـ أو ان يزلزل الله الأرض تحت الأقدام .... ومن أمثال هذه الدعوات الكثير وحدث ولا حرج، ونسي هؤلاء المؤمنين بأن بدل هذه الدعوات لو تم الدعاء باتجاه ان ينصرنا الله على الأمراض المعدية كالسرطان والإيدز وغيرها الأمر الذي يجعل البشرية تعيش حال أفضل مما هو عليه اليوم، فربما لكان الله يستجيب لمثل هكذا دعوات لأنه سبحانه وتعالى يقبل توبة التائبين ولا يرضى بأن تهلك نفس من عباده الصالحين كما أننا لا يمكننا أن ندين البشر الآخرين لأن الله هو الديان الأوحد وهو الذي يعلم بكل خفايا الأمور.
نعم نحن نملك أرقى المباديء السماوية لكن السؤال هو من يعمل بها ويطبقها على أرض الواقع؟ فلو كان ذلك مطبقا فلماذا هذا القتل والدمار والتخلف والدعاء نحو الهلاك والدمار؟ ونحن نكتب الكثير من اللافتات التي تقول ممنوع ... لكن تبقى بدون تطبيق بينما لا نجد مثل هذه في الدول المتقدمة لكن الجميع يطبقها دون رقيب وحتى في البيوت، ففي استراليا مثلا يُمنع التدخين تحت سقف، فنجد حتى في البيوت الخاصة عندما يدخن أحدهم نجده يخرج إلى الحديقة أو أمام المنزل كي يدخن هناك !!! وهنا لا من رقيب يحاسبه لكنه يطبق القانون لأن في ذلك حفاظا على صحة أهل بيته، فالمسألة هي مسألة وعي ليس إلا. وفي العراق نجد التدخين في كل مكان وحتى في المستشفيات وغرف المرضى، فالجميع يدخنون؛ زوارا وممرضين وأطباء بل قد تجد أيضا الأطفال الصغار يدخنون!!! وهذه طامة كبرى فهؤلاء هم أمل المستقبل، فكيف سيكون هذا المستقبل؟
ويوما كنت في زيارة لأحدى مستشفيات العاصمة بغداد ورأيت الجهود الحثيثة لتجميل مدخل تلك المستشفى فقلت في نفسي إن كان الأمر في المدخل هكذا فكيف سيكون الداخل؟ لكن شتان ما بين تفكيري وما بين الأمر الواقع، حيث الحدائق الداخلية مهملة وبدل التراب النظيف لحدائق المستشفى فقد كانت مليئة بالحصى وكل ما من شأنه أن تموت النباتات ولا تنمو فيها مطلقا، كما أن القاذورات منتشرة بشكل لافت، فليكن الله بعون المرضى الذين يقصدون تلك المستشفى التي لا تبعد عن مركز بغداد كثيرا. 
فإن كانت المصادر المسؤولة عن الصحة بهذا الشكل؛ فكيف تكون صحة الإنسان في العراق إذا؟ بينما نجد العالم يتسارع وبخطوات كبيرة نحو اكتشاف العلل والأدوية لأصعب الأمراض ويقدم الخدمات المجانية للمرضى رغم تكاليفها الباهضة في تلك البلدان لا بل يتابعون المريض حتى في بيته، فهذا مريض مسن في فرنسا وبعد أن يأس حتى أهله من شفائه لكن المستشفى لم تيأس وبقيت تتابعه حتى استفاق وتكلم رغم أن قلبه توقف مرة لبرهة من الوقت، وبعد أن تحسن وضعه وملّ البقاء في المستشفى جهزوا غرفته في بيته كما أن تكون في المستشفى وخرج وكانت الممرضة تزوره يوميا كي تتابع حالته، بينما نحن وفي مستشفياتنا الحال غير هذا والمريض يواجه الموت في كل لحظة.
ومرة كنا في زيارة لمريض في دار التمريض الخاص وقبل عقد من الزمان فوجدته قد جلب معه مبردة كي تكيف له غرفته، وهذا في العاصمة أما في أحد الأقضية البعيدة وكان الوضع شتاءا فقد شاهدت مريضا يدخل المستشفى هناك ومعه الصوبة والبطانية لأن الوضع كان هذه المرة شتاءا!!! فكيف لنا بهكذا أوضاع أن نلحق بركب الدول المتقدمة وعلى قول المثل الشعبي (ويصير براسنا خير؟).
وما تكلمنا عنه حول المستشفيات والواقع الصحي في العراق ما هو إلا النزر اليسير جدا عن الحالة الحاصلة فعلا على الأرض، ورغم أن التطبيب في العراق هو من أرخص الطب في العالم ويمكنك مراجعة الأخصائي مباشرة وينعدم ما يسمى بطبيب العائلة ونظام الرعاية الصحية رغم وجود الكثير من العيادات الشعبية وصرف الأدوية للأمراض المزمنة بشبه المجان لكن مسألة تداول الأدوية أيضا مسألة جديرة بأن نطرحها هنا، فزيارة لأرصفة بغداد الجديدة فستجد بسهولة من يجلس على الرصيف فارشا بضاعته وبينها أدوية مختلفة، منها المسكنات ومنها مضادات الإلتهابات والأبر المختلفة وحتى أدوية مقوية للجنس تجدها هناك حيث حر الشمس وأتربة الجو وكل ما يجعل من الأدوية تفسد بأسرع وقت هذا إن لم تكن فاقدة الصلاحية أصلا!!!
فأين صحة المواطن من كلما يجري على الأرض، وإن تركنا الرصيف ودخلنا الصيدليات فسنجد هناك تجارة من نوع خاص، لأن الصيدلي أخذ يجزأ علبة الحبوب إلى عدد الأشرطة الموجودة فيها ويبيعها على أساس الشريط، وعندما تسأله عن العلبة الكاملة فإنه يضرب عدد الأشرطة بسعر الشريط الواحد كي يعرض عليك سعرها، والمريض لا حول له ولا قوة لأن الدواء لا يستطيع التمهل بشرائه، وما يقوله الصيدلي لا يمكن التعامل عليه، وتجد في صيدلياتنا أدوية من مناشيء كثيرة وعندما تنشد السعر المنخفض فعليك بالدواء الهندي، أما إذا كنت متمكنا فقل له أريد من المناشيء الأوربية عندها سيكون سعر الدواء بالدولار ...
أما إذا نزلنا إلى الشارع وأردنا تأجير سيارة تكسي فيجب أن يكون لدينا الصبر وقوة التحمل والقدرة على التعامل والمناورة في الكلام لأن الحالة سائبة وبيد أصحاب التكسي ولا يوجد العداد كما هو الحال في دول كثيرة وليس أيضا من الدول المتقدمة فهذه موجودة في الأردن وفي سوريا أيضا رغم أن السائق في تلك البلدان يحاول أن يعاملك كي لا يسير على العداد أو يقول لك مباشرة بأنه لا يسير على العداد خصوصا عندما يكون مطمئنا بأن مراقبة شرطة المرور معدومة في ذلك الوقت، لكن عندنا هي مسألة مساومة بينك وبين السائق وعليك أن تجلس بجانب السائق لأن لو فعلتها وفتحت الباب الخلفي لثار عليك السائق وأعتبرك تهينه و(تستنكف) الجلوس إلى جانبه، هذا أصلا إن كانت سيارته نظيفة وتحافظ على ملابسك التي تريد الوصول بها إلى مبتغاك بصورة لائقة لوجود موعد مهم أو زيارة أو ما شابه.
وشوارع العراق في كل مدنه تفتقر للإشارات الضرورية كي تقودك إلى مبتغاك كما ينعدم وجود جهاز الدلالة (أو ما يسمى في الغرب Navigator) الذي يقودك إلى هدفك بسهولة ويسر وعندما تصل يقول لك لقد وصلت إلى هدفك، حتى لو كانت هذه المرة الأولى التي تزور تلك المنطقة، لكن في العراق حتى لو كان مثل هذا الجهاز موجودا لانفجر من الحالة الموجودة على الأرض حيث سيكون من المحتم على منتجيه أن يحدثوا معلوماته في كل يوم على الأقل لأن شوارعا تغلق وأخرى يتم فتحها بصورة فجائية، فمتى نصل نحن بحيث نفتح الانترنيت على الخارطة ونبحث عن العنوان ونطلب له أن يستخرج لنا دليل رحلتنا من مكاننا إلى الهدف؟ هذا ماهو العالم واصل إليه اليوم، بل أيضا هناك مواقع أليكترونية عديدة تعين المواطن بالوصول إلى هدفه حيث تعطيه الخيارات وما على المواطن سوى أن يضع وقت وصوله إلى هدفه كي يجد قائمة من الخيارات سواء أن يركب باصا عاما أو قطارا أو مشيا على الأقدام ومحسوب ذلك بالدقائق حتى يتم تأمين الوصول حسبما يريده الإنسان.
فالانسان هو الثروة الكبرى وجميع الدول تفعل ما بوسعها كي تحافظ عليه وتجعله سعيدا غير مهموم كي يبدع في علمه بل نجد دولا كثيرة تهرع لنجدة الإنسان أينما حلت الكوارث والزلازل وترسل الفرق الطبية والمعونات الإنسانية والمتطوعين وتبحث بين الأنقاظ فربما تجد ناجيا يكون يوما ما معينا للإنسانية، بينما نجد العراق أو دول المنطقة بعيدين عن ذلك وإن فعلوا فهم يكتفون بإرسال الخيام والمعونات الطبية، لكن نسوا هؤلاء بأن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فوجود الأيدي الماهرة بهذه الظروف مهم جدا كي يتم أزالة آثار الدمار ومحوها والعودة للحالة الطبيعية، لأن الحال هو واحد فاليوم إن حصل زلزال في الجزائر سيكون غدا في هاييتي أو أمريكا أو المكسيك أو أيران، وعلى الجميع أن يعملوا وكأن المصاب هو مصابهم. وكيف يتم ذلك ونقرأ اليوم في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2011، أن ثلاثة بلدان عربية بين البلدان العشرة "الأكثر فساداً" في العالم وهي الصومال والعراق والسودان،  كما أظهر أن الصومال احتلت المركز الأول في الدول الأكثر فساداً في العالم تلته أفغانستان ثم العراق وميانمار والسودان وتركمانيا وأوزبكستان وتشاد وبوروندي وأنغولا.

كل هذا وغيره ما سنستمر بالكتابة حوله ... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012

35
ذكريات من الماضي العراقي القريب (20)
إن الفوضى في الرياضة لا تختلف عنها في التعليم ولا في مفاصل الحياة العامة كلها في العراق، حيث كان القبول في الجامعات قبل عقد من الزمان ولازال هو وفق المعدل الذي يحصل عليه الطالب في امتحان البكلوريا للدراسة الاعدادية، لكن في أي بلد من البلدان لا يصبح المعدل أكثر من 100%؟ فأي متابع علمي لا يوافق على هذا لأنه أمر غير ممكن لكن العراق قد شهده. وحتى في الصناعة لا يمكن أن تكون الكفاءة حتى 100% لوجود خسائر في العملية الانتاجية ويقاس النجاح كلما أقتربنا من الرقم الكامل 100%.
لكن شهدت العقود الماضية مزايدات بين القيادات الصناعية للحصول على مكتسبات وهو تحقيقهم أرقاما تفوق الرقم الكامل!!! نفس الشيء الذي حصل لطلاب الدراسة الاعدادية حيث نال منهم أكثر من الرقم الكامل نتيجة مكتسبات ليست من حقهم ومنها: إذا كان أبوه مدرسا أو معلما فله 5% أضافية وإذا كان خريج المناطق الفلاحية فله 5% أخرى وإذا كان صديقا للريس فله ... وهكذا يوجد في سنوات من حصل على معدل 85% ارتفع معدله بقدرة تلك القرارات إلى 105%!!!
ونتيجة ذلك كنا نلمس بأن المستوى الدراسي في المدارس الابتدائية وصعودا نحو الجامعة بدأ يتدهور وبدأ المعلمون والمدرسون يبحثون عن التدريس الخصوصي لأن رواتب الموظفين أصبحت لا تساوي شيئا فقد حدثني أحدهم الذي ترك العمل عام 1994 وقد كان مهندسا، فقال أنه عند تركه للعمل بعد خبرة 18 سنة من العمل كان يتقاضى 800 دينار عراقي وقتها، وقال محدثي بأن وكيل الوزارة التي كان ينتمي إليها قد أرسل بطلبه عند معرفته انه قد ترك العمل وكان موعد لقائهما في الدوام المسائي. وقد مرّ محدثي بأحد الأسواق القريبة من الوزارة التي كان يقصدها ولمح وقتها أسعار المواد المثبتة على المواد المعروضة وبقت قسما من تلك الأسعار عالقة بذهنه، وبعد أن أستقبله الوكيل الذي على ما يبدو كان على معرفة تامة بمستوى ذلك المهندس وقد حاول جهده كي يثنيه عن قصده بترك الوظيفة وكان قد قدم له (حامض) ضيافة له، وبعد أن أكمل الوكيل حديثه، كان جواب محدثي له: أستاذ آخر راتب تقاضيته كان (800) دينار وقبل وصولي لمقابلتكم شاهدت في محل للمواد الغذائية قطعة السعر المثبتة على طبقة البيض (30 بيضة) حيث كان السعر هو (800) دينار مما يعني أن عائلتي (والحديث لصديقي) حصتها من الراتب بيضة واحدة في اليوم وأردف صديقي بقوله ماذا نفعل بالبيضة الواحدة هل نقدمها للفطور أم في الغداء أم في العشاء؟؟!!!
وبعد ذلك لم يستطع وكيل الوزير أن يقول لمحدثي سوى أشرب الحامض وروح الله وياك فإن الموظف وقتها كان ممن تحلُّ عليهم الرحمة ونتيجة ذلك ازدادت الرشاوي وبحث المعلمون والمدرسون عن الدروس الخصوصية. وكي ينالوا مبتغاهم فإنهم لم يكونوا يقدمون لطلبتهم العلم الكافي كي يبحث أولياء أمور الطلبة عن المدرسين الخصوصيين وهكذا كان لكل مدرس عددا من الطلبة وصل بعضهم ليفتح الصفوف في بيوتهم أو في بيت أحد الطلبة المتمكنين، ثم وصل الأمر لاحقا بأساتذة الجامعات ليلجأوا هم لذلك عندها أصبحت الشهادة لا تساوي شيئا ولم تعد حتى الدول المجاورة للعراق تعترف بشهادة العراقيين. واليوم نجد في المهجر من يحمل شهادة الاختصاص في حقل الطب وهو لا يجد من يعمل لديه ولا حتى العيادات الطبية لأن شهادتهم غير معترف بها وإن أرادوا تعديلها عليهم العمل بصورة مضنية ويؤدوا الامتحانات المرهقة والمكلفة ماديا كي يجتازوا الامتحان ويبدأوا مرحلة البحث المضني عن العمل الذي أصبح صعبا هو الآخر نتيجة وجود خريجين كثر في دول المهجر مما قلل فرص العمل كثيرا لخريجي ما وراء البحار.
ومما يزيد الطين بلة في الجامعات هو القبول الخاص الذي كان من حصة أعضاء القيادة والمسؤولين الكبار والذين لم يكن مستواهم العلمي يؤهلهم لدخول كليات علمية مهمة كالطب والهندسة لكن سلطة آبائهم جعلت من الأساتذة يخشون أفشال هؤلاء الطبة بل علمت من أحد الأساتذة الذي كان يحمل الدكتوراه في الجغرافية وكان مشرفا على أطاريح الدكتوراه لعديد من الطلبة بأنه في أحيان معينة يقوم بنفسه بأعداد الاطروحة وأعطائها للطالب كي يدرسها ثم يقدمها أثناء المناقشة!!! ( وما لم يقل صديقي ذاك هو أن من يعد له الاطروحة هو بنفسه كان ابن مسؤولا مهما ولا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يضع له درجة الفشل في أطروحته)، كما أن شاشة أحدى القنوات العراقية سابقا عرضت مناقشة أطروحة لشهادة عليا لأحد أبناء الذوات حينها الطالب الباحث وجه كلامه للأساتذة المشرفين بالحرف الواحد وكان موضوع الاطروحة سياسيا على ما يبدو: أخواني أريد ألفت نظركم لموضوع جدا مهم وعليكم الانتباه إليه والتمسك به ... !!! وكان كمن يبدو أنه يُصدر الأوامر لأساتذته، فكيف بهم يجعلونه فاشلا؟
وهذا الأمر مازال على ما يبدو إلى اليوم موجودا رغم أن جامعة بغداد وصل تسلسلها الى الرقم 601 عالميا حيث يوجد نظام القبول على النفقة الخاصة وأغلب من يبحث عن القبول الخاص يكون من هؤلاء الخريجين وخاصة من يتخرج من الكليات الأهلية التي غالبا مستواها ضعيف، فنجد لهؤلاء العديد ممن يتوسط لهم كي يتم إنجاحهم بل وصل الأمر في بعض الأحيان بجعلهم يؤدون الامتحان أدوارا عدة ليس فقط الدور الثاني بل الثالث والرابع و و و  إن ذلك الأسلوب ما هو إلا حلقة مفرغة وأضاعة للوقت وللجهد والمال مما أدى ليكون المستوى العلمي ينحدر سريعا نحو الحضيض!!! وأزاء ذلك لم يتبقى سوى أن يتم تبليغ الأساتذة بأن لا رسوب لطلبتهم كي يتم أعفائهم كما حدث للبعض في الجامعات العراقية.
وعندها لا سامح الله لو حدث ذلك سيتساوى الطالب المجد والجاهل بينما كنا نجد سابقا بأن من يُرقن قيده وخصوصا في الدراسات العليا لن يتم قبوله مجددا لأنه أخذ فرصته فيها وعليه الانتظار لخمس سنوات أخرى كي يتمكن من أعادة المنافسة للقبول. وعندها أيضا كان للشهادة العراقية قيمة وتقبلها حتى أرقى الجامعات العالمية. بل كان المتخرج من جامعات غير عراقية وفي أحيان كثيرة عند الموافقة لإكمال دراسته في العراق هو ان يتم قبوله في مستوى أدنى وبصف أو صفين أقل مما كان عليه في تلك الدول، لكن بعد الحصار الذي فُرض على العراق ومنذ عام 1991 لم يعد أحد يعترف بالشهادة الصادرة من الجهات العراقية إلا بعد خوض امتحانات مريرة لإثبات المستوى العلمي والحصول على التعديل.
ولكون جامعاتنا تعتمد الأسلوب العلمي الرصين فقد كان لنا علماء ومفكرين بارزين وأطباء كان يقصدهم الكثيرين من دول الجوار للاستشفاء لديهم كسعد الوتري مثلا وأمثال هذا كثيرين جدا لم يعد لدينا أمثالهم اليوم نستطيع تشخيصهم او الكتابة عنهم، فالكثير من العيادات والمستشفيات تُدار من أطباء ذوي خبرة قليلة ومقيمين أما الأختصاصيين فقد ابتعدوا إما بسبب الخوف أوالقتل أو الهجرة!!!
ونتيجة ما مرّ به العراق فقد تم تطبيق نظام الاستضافة لدى الكليات الموجودة في المناطق الأكثر أمنا، ولم يكن سبب الأمن هو دائما ما ينشده الطلبة عند طلبهم الاستضافة إنما أحيانا يبحث عن كلية تسهّل عملية أعطاء الدرجات فيقصدها الطالب كي ينال معدلا عاليا عند التخرج!!!، كما أن شائعة موجودة بين أوساط الطلبة عن كلية معينة بأن لا رسوب فيها مطلقا فيقصدها أولياء أمور الطلبة كي يتوسطوا لقبول أبنائهم فيها!!! أليس هذا أسلوب للنيل من شرف المهنة والأمانة العلمية، ونحن نحمل المباديء التي تقول: (من غشنا ليس منا)، أليس هذا سرقة لجهد الطلبة المجدين والمجتهدين، أليست مبادئنا السماوية تقول: ( اما السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، كما أن أساتذة معينين بدأوا اللجوء لإنجاح الطلبة من أمثال هؤلاء أبناء الذوات كي ينالوا حضوة ويتم تنسيب طلبة آخرين كي يشرفوا عليهم ويحصلوا على المال الوفير!!! وما هو حاصل فعلا أن أمثال هؤلاء هم الذين يتبوأون رئاسة الأقسام في الجمعات!!!
وكما كان سوق مريدي سابقا يمنح من يشاء ما يشاء من الشهادات والوثائق؛ فاليوم على ما تنقله لنا الأخبار توجد كليات ومعاهد تعمل ذلك لكن بطريقة منظمة ومرتبة وبالأوراق الرسمية لكن كل شيء مقابل ثمن، وكأني بهؤلاء ينادون على بضاعتهم اللي يريد شهادة للبيع فليأتِ!!! لكن من تربى على المباديء الصحيحة عليه أن يرفض هذه الأساليب ويبتعد عنها لأنها سبب تدهور العملية العلمية وانهيار التعليم في العراق، ففي المجال العلمي ليست الكمية هي الهدف بل النوعية، ومجالات الابداع كثيرة وفي كافة الميادين فليس بالطب والهندسة وحدهما يتقدم الانسان بل ممكن لرسام أن ينال الدكتوراه ويصبح علما يشار إليه بالبنان.
والغش كان منتشرا بكل شيء أيضا، وكان علينا الشك بكل من نتعامل معه، فربما نشتري علبة ما ولزيت الطبخ الصلب مثلا لنجد الزيت هو فقط الطبقة العليا وتحته شيء آخر لا يمت للزيت بصلة!!! أو أن تشتري عبوة من وقود السيارات من باعة الأرصفة لتجده ممزوجا بكمية من الماء ويحرمك من نعمة استخدام السيارة لحين تصليح ما يخلفه الماء من الأضرار الجسيمة فيها.  كل ذلك يحدث وبلدنا يعتبر مهد أبينا أبراهيم أبو الأنبياء أو أنه خليل الله  ومدينة أور شاهدة على أول الخطوات التي حباها هذا الأب المبارك في طفولته وهو بالفعل قد قدّس هذه التربة الخالدة ونأمل ان تكون كذلك ويتخلص بلدنا من كل هذا الكم الهائل من الشر لأن بين حناياه الكثير من المزارات والأضرحة فأينما تذهب شمالا وجنوبا شرقا أو غربا ستجدها مما يدل أن العراق قد أكرمه الله بهؤلاء كي يكون حجة صالحة لذوي البشر.
أرض العراق غنية بالكثير من الأمور المادية والمعنوية، وما علينا سوى استغلال هذا الإرث الجبار لصنع مستقبل زاخر ومشرف لأبناء العراق.... وهذا ما سنستمر بالكتابة عنه لاحقا.

وللذكريات بقية.
عبدالله النوفلي
2012

36
ألف مبروك أخي أبو ستيفن لقد فرحت كثيرا للخبر وأتمنى لك التوفيق دائما تقبل محبتي

37
أهنيء قداسة مار أدي على رسامة الراعي الجديد كما أهنيء الخوري العزيز طيماثيوس على الثمرة التي قدمها لمذبح الرب متمنيا لهم جميعا الصحة ولكنيسة المسيح الازدهار الدائم مع محبتي الأخوية لهم
عبدالله النوفلي

38
ذكريات من الماضي العراقي القريب (19)
إن الفوضى التي عاشها العراق ومازال في بعض من مفاصله لم نكن نحلم حتى بحدوثها بهذا الكم الهائل لما خلفته في جميع مرافق الخدمات والدوائر وما رافقه من عمليات القتل والغدر، وكما معروف لدينا عند حدوث جريمة معينة كنا نستغرب وقوعها وكان واحدنا يقول للآخر (قابل أحنا بتكساس) أشارة للمدينة الأمريكية التي على ما يبدو كانت مشهورة بتفشي الجريمة ووجود العصابات فيها، ولكن تلك الأيام التي كنا نستغرب وقوع جريمة ما في مجتمعنا فيها، قد وصلنا إليها ولم يعد الاستغراب حاصلا مما يحدث، أي أن المحتلين قد أدخلوا معهم عاداتهم وتقاليدهم. وكم من مرة سمعنا بأن لقوات الاحتلال قوات بذاتها يسمونها بالوحدات القذرة أي التي تقوم بواجبات محددة تعتبر (قذرة) تخدم سياسات معينة للمحتلين رغم أن ما سمعناه لم يكن مؤكدا لكن من كان يروي لنا القصص كان يدعمها ببعض المشاهد لما حدث كي تبقى القصص مقنعة؛
فكثر الحديث أن قوات من المحتلين في الساعة الفلانية كانت موجودة في رأس الزقاق وبعد رحيلها من هناك حدث انفجار، أو انهم فجرا كانوا على طريق معين يبحثون أو يعملون كي يتفاجئ الناس بحدوث أنفجار لعبوة ناسفة أو ما شابه من القصص التي لا نعرف مدى صحتها، لأن الحديث قد كثر وتشعب وحتى ذهب بعض الذين يتحدثون إلى أن لا يوجد سيارة مفخخة بل أن صواريخ تطلقها طائرات عن بعد كي تفجر سيارة متوقفة في مكان ما ويعتقد الناس بأنه أنفجارا لسيارة مفخخة، ولكن الأيام أظهرت أن السيارات الملغمة موجودة بل ازدادت الأعمال القذرة وكان فاعلوها ليسوا من الاحتلال بل من العراقيين ومن العرب الذين أعتقدوا أنهم يحاربون الكفر والكفار على أرض العراق، لكن هؤلاء الوافدين معتقدين أنهم يجاهدون في سبيل الله قد نسوا بأن ذات المحتل موجود على أرضهم وإن كان بأشكال مختلفة وكان عليهم أولا محاربته على أرضهم قبل تكبدهم عناء الرحيل، ولكن دماء العراقيين جراء ما كانوا يفعلون كانت تنزف دون رحمة ومن يذهب ضحية لأفعال من يعتقد أنه يجاهد في سبيل الله كان الجواب بأنه سيكون في الجنة وأن أفعال أولئك قد سرّعت من أيصاله للجنة فلم يخسر بل ربح!!!
وهذه الأعمال جعل من السلطات ان تعمل على البحث عن مخرج للإرهاب ومنعه من تحقيق أهدافه وكلما كان يتفنن الإرهابيون بخططهم كان رجال الأمن يتفنون بردهم كي يمنعوا الجريمة ويحدوا من أثرها على الناس وكانت فكرة الجدران الكونكريتية أحدى أفكار الحد من الارهاب، ولكي لا تكون هذه الجدران صمّاء فقد أصبحت واحة خصبة للرسامين المبتدئين أو لطلبة كلية الفنون الجميلة كي يرسموا عليها ما يحلوا لهم، أضافة إلى أنها أصبحت مكانا للأعلان عليها أو حتى للتندر أحيانا كما ذكرنا مرة عن الاعلان الذي انتشر كثيرا عبر الايميلات الشخصية وكان مكتوبا على أحد هذه الجدران مفاده (حلاقة هاني أطفر وتلگاني)، فقد كانت هذه الجدران بمثر أو مترين أو حتى بثلاثة أمتار ارتفاعا وهي مكونة من الكونكريت المسلح فقد أحاطت أحياءا بكاملها أو شوارعا عدة فشارع محمد القاسم عبر منطقة الدورة أحيط بها وكنا عندما نستخدم هذا الشارع وكأننا نسير عبر نفق لا نرى شيئا مما هو خلف تلك الجدران، كل ذلك كان بسبب انتشار أعمال العنف والاطلاقات النارية وأعمال الاغتيال والقنص الذي أجبر السلطات الأمنية بأحاطة سيطراتها المنتشرة بكثافة في شوارع المدن بالجدران أيضا لأن قنص أفراد السيطرة حدث في أحيانا كثيرة.
ولم تعد هناك فرحة يعيشها ابن العراق أو مكانا آمنا يمضي فيه يوم عطلته فقد أغلقت المتنزهات حتى بدون أمر رسمي لعدم ارتيادها من قبل الناس وكذلك جزيرة بغداد وجزيرة الأعراس أما برج المأمون فقد بقي معطلا وشبه مقفرا لسنوات عديدة بعد 2003 دون أن تلتفت أيادي من يهتم بالاعمار أو تجميل بغداد له وكنا نرى قمة البرج حيث المطعم الدوار وقد تكسر زجاج نوافذه وتم تغطيتها بألواح الخشب، الطريقة القديمة التي كان يلجأ إليها أهلنا عند حدوث تحطم لزجاج النوافذ وبصورة وقتية ريثما يتم شراء الجديد وتركيبه!!!
لكن أمانة بغداد عملت جاهدة لتنظيف المدينة وجعلها لائقة بالعراق الذي هو مهد حضارة سومر وأكد وبابل... فتم تنظيف الكثير من المساحات الفارغة وحتى الجزرات الوسطية للشوارع العريضة تم تحويلها لأماكن خضراء ومتنزهات محلية يلجأ إليها أبناء المنطقة لتمضية أمسيات بل أوقات من السمر والضحك يلهو خلالها الأطفال بالألعاب البسيطة التي تم نصبها هناك، كما اهتمت الامانة بمتنزه الزوراء ببغداد وأصبح ملجأً مهما لعوائل بغداد خصوصا أيام عطل الأعياد بحيث من شدة الازدحام عليه كانت الشوارع القريبة منه تُغلق، لكن رغم هذا كان التخلف كثيرا ويصعب وصفه.
فقد أفادت التقارير ومنها ما نشرته مجلة "فورين بوليسي" الامريكية في تقرير لها، عن بقاء العراق ضمن البلدان التي تحتل المراتب العشر الأولى من بين الدول الأكثر فشلا ضمن 177 دولة في العالم. وذلك في عددها لشهر حزيران 2012 وقالت المجلة أن من بين مجموع الدول الأكثر فشلا هناك 37 دولة في مرحلة الخطر، وكان أبرزها 10 دول مرتبة عدديا من 1 إلى 10 هي: الصومال وتشاد والسودان وزيمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفغانستان والعراق وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا وباكستان. واعتمد التقرير على مجموعة من المعايير العالمية من أبرزها الديمقراطية السائدة في البلد، وتماسكه العرقي والثقافي، والمستوى الاقتصادي والتعليمي، ومدى حرية وسائل الإعلام، وحقوق الإنسان، والاحتجاجات وشكاوى المواطنين من أوضاعهم المعيشية، إلى غيرها من المؤشرات. وقد وضع مقاييس التصنيف خبراء اعتمدوا فيه على الأخبار الواردة من 90 ألف مصدر خاصة من وسائل الإعلام حكومية وغير حكومية، أو المنظمات الإنسانية من 177 دولة.
ولا يهمنا مدى مصداقية خبر هذه المجلة لأننا نرى الأمور على أرض الواقع وما تكلمنا عنه فيما مضى وما سنتكلم لاحقا كله يشير إلى صحة هذا التقرير، والعالم كان يتابع مع نهاية تموز 2012 أحداث دورة لندن الأولمبية الذي خرج منها العراق خالي الوفاض ولم يكن مع المشاركين بخروجهم حتى خفي حنين!!! والأمر من ذلك ما نشرته أحدى الصحف البريطانية (التيلگراف) من ترتيب الدول الأسوأ في نشيدها الوطني حيث كان نصيب العراق هو السابع فيها وشملت القائمة الدول التالية:
1.   كوريا الشمالية
2.   أورجواي
3.   اليونان
4.   اسبانيا
5.   الجزائر
6.   كولمبيا
7.   العراق
8.   بوركينا فاسو
9.   كازخستان
10.   الكونغو الديمقراطية.
فقد كان العراق حتى بنشيده الوطني متخلفا حسب رأي الجريدة رغم أنه يحمل بمعانيه الكلمات الجميلة وله لحن جميل جدا لكن ربما مسألة أذواق من أعد التقرير لم تعجبه مضامين النشيد أو موسيقاه لأنه لم ينشر مع التقرير أسباب اختيار هذه الدول كأسوأ بنظرهم!!!
وللرياضة كلام كثير خاصة وإن العالم للتو قد انتهى من متابعة حصاد آلاف الرياضيين في دورة لندن الأولمبية ففيه من الشجون ما لا يمكن حصره في مقال مقتضب، فحالها ليس بعيدا عن كل ما يحل بحال العراق ويجري على أرض الواقع، فلم يكن يعني حصول العراق على كأس أسيا عام 2007 أي تطور قد حصل في البنية التحتية للرياضة ولا تطورا في عقول المسؤولين عنها أيضا، وأيضا وصول العراق إلى المركز الرابع في أولمبياد أثينا لا يخرج من هذا الاطار أبدا، لأن من يتابع برامج القنوات الرياضية العراقية والتقارير الخارجة من العراق يستطيع الحكم بأن البنية التحتية لرياضة العراق هي بحال سيء جدا، وأول استنتاج لما حصل عليه العراق من بطولات مؤخرا ماهو إلا لوجود نخبة موهوبة من اللاعبين هي التي حققت كل شيء ولم يكن لا لفيرا ولا لمن أتى بعده أو ربما من قبله دور فيما حصل، فملاعبنا مازال في عدد من محافظات العراق ترابية وإن كانت مزروعة بالنجيل الأخضر فهو غير منتظم وبذلك يصبح عائقا أمام أبداع اللاعب في الملعب، فملعب الشعب الذي بقياس الزمن أصبح عجوزا وقد تجاوز عمره الستين عاما لازال الملعب الوحيد الدولي لكن ليس بمواصفات الدولي هذه الأيام بل أيام زمان لأن لولا الترميمات الأخيرة التي تم أدخالها إليه لكان قد تحول إلى أنقاض وربما هجره اللاعبون إلى الساحات العامة، ونظرة أوسع من ذلك نجد ملعب الكشافة الهرم لا يصلح لشيء وملعب ميسان (الدولي) الذي تم تشييده وربما لم يشهد أجراء مباراة دولية واحدة عليه لكي يتم هجره هو الآخر والملاعب الأخرى في البصرة وكركوك والنجف والموصل ليست بحال أفضل من ملاعب بغداد!!!
فكل عمل ينطلق بقوة إن كان أساسه قوي ولديه من الجذور ما تمكنه من الصمود والازدهار والإتيان بثمار جديدة دائما، لكن ماذا يحصل اليوم، فدولا عدة كانت لا تفكر حتى بالتعادل مع العراق نجدها اليوم بعبعا أمام الفريق العراقي: فلم تكن مبارة العراق مع الاردن أو عُمان تنتهي بأقل من ثلاثة أهداف كفارق نجد اليوم العراق يحلم ويفرح لو خرج معهما متعادلا!!! فلماذا تقدم الآخرون ونحن نتأخر؟
المسألة واضحة جدا فهناك تخبط كبير في العمل الرياضي، وهناك ربما قيادات في الرياضة تعمل من أجل مصالحها الشخصية أكثر من عملها لمصلحة العراق الوطنية وجميعنا تابع ما آل إليه حال اتحاد كرة القدم وتدخلات الاتحاد الدولي وتمديد رئاسة الاتحاد السابق وقيادته لعمل الكرة من خارج الحدود وتشبث تلك القيادة بمواقعها مستندة لمساندة الاتحاد الدولي أكثر من استنادها لدعم الشارع العراقي ومساندته، وربما كان لتلك القيادة شيئا من العذر نجهله، لكن الحصاد كان واضحا وهو تدهور حال كرة القدم، ولازال الوضع مستمر إلى اليوم وقد مضت عقود كثيرة من الزمن وفرقنا الرياضية تلعب خارج أرضها دون وجود تدخل رسمي أو إتحادي لحلة الموضوع وأعادة الوضع إلى طبيعته، ونجد كوادر العراق تعمل وتتفوق على الكثير من مثيلاتها في دول الجوار والعالم والعراق لا يستفيد منها بل يهملها دون مبرر والملايين من الدولارات تذهب لمدرب ليس بجعبته سوى اسمه الكبير وفي المقابل لم يقدم شيئا للرياضة العراقية، في الوقت الذي يقدم فيه مدربون عراقيون لفرقهم النجاحات تلو النجاحات!!! فلا فرق فيما تعانيه الرياضة عما يعانيه العراق ككل.
والمجتمعات وتطورها يُقاس بالتقدم العلمي في معظم ميادين الحياة ومنها الرياضة والجامعة وكثرة الجامعات أو كبر قاعدة الرياضة لا يعني التطور بل ربما يأتي بنتائج عكسية إذا كان الأمر غير مدروس ومهيأ له كل المستلزمات، فليست الكمية هي الهدف بل النوعية، وفي رواية لأحدهم أن وزارة الخارجية العراقية في عقد التسعينات اجرت امتحانا شاملا بسيطا للمتقدمين للعمل فيها فكانت اجابات كثير منهم مخزية ومنها على سبيل المثال (من هو حمورابي)؟ فكانت الاجابة انه احد الخلفاء الراشدين !!! فكيف سيمثل هذا عراق الحضارات إن كان بهذا الجهل الذي من المفترض أن طالبا في الدراسة الابتدائية هو الذي يتمكن من أجابة هذا السؤال؟
   وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في حلقاتنا القادمة
وللذكريات بقية.
عبدالله النوفلي
2012

39
ذكريات من الماضي العراقي القريب (18)
نقوم بتوثيق ما تسعفنا به الذاكرة رغم أن كم هائل من المعلومات موجود أصلا في الشبكة الدولية للمعلومات عما حصل ويحصل باستمرار في عراقنا الجريح، لكن ليس كل ما يتم كتابته صحيحا أو ذو مصداقية كافية كي نستفيد منه في كتاباتنا، أو ربما كتب للإيقاع بهذا الطرف أو ذاك، هو ربما هو من نسج خيال كاتبه أو استنتاجات شخصية، لكن ما نكتبه في كثير منه هو معلومات شخصية أو نقلا عن أناس مقربين نثق بهم أو ما مررنا به خلال فترات الكتابة نكتبه كي يكون عبرة للأجيال القادمة، كي لا تقع في ذات الأخطاء التي وقع فيها جيلنا الحاضر، وفي هذا السياق يكون التوثيق ضروري جدا آملين أن تكون الأجيال التي تعقبنا أكثر حكمة وفطنة  وتنأى عن نفسها وتجنب بلدها الأهوال والمصائب وتنتقل من الحرب إلى الحب، وبدل سماعها دوي الانفجارات تسمع زقزقة العصافير، ويعود العراقي يستمع للأغاني الأصيلة وينتج الفن الراقي، وتعود المقاهي العريقة ليست لتضييع الوقت بل للحديث ولتبادل الآراء ولامتصاص تعب يوم طويل، أو لكي نجد طلابا يدرسون في زاوية منها يتابعون بذلك تحصيلهم العلمي حينا ويتسامرون حينا آخر، فكم من تلك المقاهي كان موجودا وكنا نقصده كي نمارس هوايتنا المفضلة في لعبة الشطرنج وغيرها.
لكن أيامنا جعلت الأمور تحدث بصورة عكسية، فالطالب يعيش هموما لا يمكن تحملها، فمدرسه في المدرسة يحاول بكل وسيلة كي يدفعه لأخذه مدرسا خصوصيا، هذا الأمر أثقل كاهل العوائل العراقية، فقد تفشت هذه الظاهرة؛ وأعرف طالبا مُجدا ومجتهدا وكان له موقفا مع أحد أساتذته وهو في الصف السادس الاعدادي، حيث جلب نتيجة الفصل الأول وهو في الكاد قد أخذ درجة (50) في احد الدروس، الأمر الذي أثار عائلته كونهم يعرفون مدى حرص ولدهم وذكائه، ورغم تأكيدات الولد لعائلته بأن ذلك بسبب موقف المدرس ونياته المبيتة، فقد ذهب والده للمدرسة كي يستفسر عن أحوال ابنه من ذات المدرس، فوجد ذلك الأستاذ الذي نتحدث عنه وقال له أنه متأكد بأن ولده شاطر لكنه يشعر وكأنه يشرد ذهنه في الصف وقد أعاد احتساب الدرجات من أجله عدة مرات كي يوصل درجته إلى الخمسين ولا يصدمه ونصح والده بأن ولدهم بحاجة لمدرس خصوصي إن كانوا ينتضرون منه معدلا جيدا في الامتحانات العامة!!!
لكن ذلك الولد أقنع والديه بأن ما قاله المدرس ليس صحيحا، وكان أن انتظرت العائلة حصاد ابنها ونتيجته الامتحانية حيث حصل على معدل عالٍ أهله ليدخل كلية مرموقة وكانت درجة البكلوريا بذلك الدرس هي (99) وأصبح ذلك المدرس مشهورا بين أساتذة الخصوصي كونه كان مدرسا لذلك الطالب رغم أنه مارس كل تلك الألاعيب مع طالبه لكنه كان يذكر بفخر طالبه الذكي لاحقا أمام الطلبة الآخرين الذين صدّقوا ألاعيبه !!! وما هذا المدرس إلا نموذجا واحدا من الآلاف الذين أفسدوا العملية التعليمية في العراق وخربوها وأثقلوا كاهل أولياء أمور الطلبة بمبالغ كان من الأجدى بها لو ذهبت لانجاز مهام ضرورية للعائلة وللمجتمع، من ذلك نجد الطالب مهموما باستمرار، لأنه قد لا يصل إلى مدرسته بسبب قطع الطرقات أو بسبب أعمال تخريبية أو يصلها وهو مهموم حزين لفقدان صديق أو لأمر حدث لأسرته، ورغم كل تلك المصائب أضيف إليها مسألة الدروس الخصوصية التي جعلت من المدرس لا يعطي مهمته السامية كمربي للأجيال في مدرسته الرسمية بقدر ما يوليها في مدرسته الخاصة في البيت.
ووصل أمر هذه الدروس حتى لطلبة الجامعات!!! ومن ذلك نجد اليوم بأن شهادات العراق لا يعترف بها دوليا ويتم أخضاع الطالب لامتحانات معقدة بغية التأكد من مؤهله لأن كل شيء اليوم مكشوف ويعرفه العالم أجمع، ناهيك عن عمليات التزوير التي اشتهر بها (سوق مريدي) ببغداد، فقد روى لي صديقا عن أحد معارفه الذي كان خريجا في أحد المعاهد المهنية، وقد نوى ذلك الخريج السفر بعيدا فقصد ذلك السوق حيث حصل منهم على وثيقة تؤكد كونه خريجا من أحدى الكليات الهندسية!!! وفعلا وثق ذلك بترجمة وثيقته من مترجم قانوني وسافر بعيدا حيث أنه كما روى لي صديقي يعمل على حسابه الخاص وكمهندس!!! في بلدان الاغتراب لأن هذا الامر حدث منذ زمن ولم يكن أمر التزوير قد افتضح بعد بهذه الكثافة أو أن ما يحدث للحقل العلمي والأكاديمي لم يكن قد افتضح أمره، وما هذا سوى مثالا من الآلاف التي جعلت من المستوى العلمي ينحدر للحضيض.
وإن نتحدث اليوم عن الجانب العلمي والثقافي فحري بنا أن نتحدث عن بنايات السينما في العراق التي تحولت إلى بنايات مهجورة لا يرتادها سوى المراهقين والعاطلين والذين في نفوسهم غايات معينة أو ربما تجد الكثير منها قد أغلق بعد أن طغى الستلايت وأفلام السي دي على هذا السوق من جانب وما يحدث أيضا من أعمال التفجير والزمن المحفوف بالمخاطر من جانب آخر، وكلنا يتذكر تلفزيون الشباب الذي كان يعرض الأفلام المشهورة في العالم فور انتاجها ومنها على سبيل المثال لا الحصر (فلم تايتانك) الذي تم عرضه عددا من المرات رغم أن دولا لم تعرضه السينمات فيها بعد لأن الزمن وقتها كان العراق يرزح فيه تحت الحصار وكان البث أرضيا، وكان يتم البث لفقرات البرامج دون ضوابط فقد شاهدنا من خلال تلك الشاشة لأبرز نتاج السينما العالمية وهكذا ساهمت هذه الأحوال في وأد السينما العراقية الأمر الذي حدا بأصحاب تلك البنايات لتحويلها وجعلها مسارح، وأية مسارح ؟ وما نوع المسرحيات التي كان يتم عرضها؟ لقد كانت عبارة عن تهريج في تهريج ويغلب العرض الأصوات العالية، ومن كان يعتقد في نفسه أنه ممثل كوميدي ويحاول أضحاك الناس كما كان يفعل الفنان المعروف (عادل أمام) مثلا، فكنا نجد فنانينا يحاولون أضحاك الناس بافتعالهم بعض المشاهد  مما أصبحنا نعتقد بأن المتفرج يضحك على الفنان رغم احترامنا للكثير من الأسماء التي لم تركب تلك الموجة واحتفظت لنفسها بالرصيد الفني الراقي لأن العديد ممن أصبح فنانا في ليلة وضحاها كان فنانا في التهريج والصراخ وعندما كنا نشاهدهم في اللقاءات التي يتم أجرائها لهم تلفزيونيا نجدهم يتعثرون في الكلام ويتلعثمون ولا يستطيعون نطق جملة واحدة صحيحة، لأننا كنا نتعجب من ثقافة الفنان المصري أو اللبناني، بينما كنا نتحسر من ثقافة فناني التسعينات مثلا.
وحال الفنانين هذا ليس مستغربا في بلد شهد حربا من العالم ضده؛ حربا كانت تسميتها في العراق حرب ال (33) دولة، فقد أجتمعت كل هذه الدول لتقف بالضد من العراق وومن بين تلك الدول دولا عربية لطالما كان العراق مصدر عيش للكثير من أبنائها حيث كانوا يتواجدون على أرضه ربما بالملايين منهم لكن حينها أصبح الجميع ضد العراق وكان العراق يعتقد أنه على صح في موقفه!!! وبعد التدمير للبنى التحتية والاقتصادية الهائل الذي نتج منها تبعه حصار دولي خانق دفع بالعراقيين لجر الحسرات دون أمل منظور بتحسن الأمور وهكذا عاد العراقيون لممارسات أجدادهم حيث كانت التكنولوجيا معدومة وكنا نعيش حياة البداوة بل أن مشاريع شهدها العراق أبان الخمسينات أصبحنا نتمنى لو يتم إيجاد مثيلاتها في الصناعة، فتم تدمير كل شيء وكل ما يتم انتاجه يكون الغش أحد مكوناته فحتى الشوارع لم تسلم من الغش في مكونات التبليط، والماء الذي كنا نستلمه عبر أنابيب الاسالة كان مخلوطا بالأطيان ناهيك عن التلوث الذي لا أعرف مقداره ولا أستطيع التحدث عنه لعدم التأكد منه، لذلك لجأنا إلى التصفية البيتية بمواد معروفة والتعقيم ومن ضمنها حبوبا كنا نشتريها من الصيدليات كي نكون في مأمن في العواقب وتكون الخطورة في شرب مياه الاسالة بأقل ما يمكن.
وحديثنا عن الماء يجرنا للحديث عن الحصة التموينية التي كان العراق يفتخر أنه وفرها لأبنائه واستمر على توفيرها رغم الحصار الدولي!!! لكن الكلام عن مفردات تلك الحصة ونوعية ما فيها من مواد وحده يحتاج لكتابة صفحات كثيرة عنها، لأنها كانت رديئة فعلا فمادة الطحين مثلا كنا نستلمه وهو مملوء بشوائب لا نعرف ما هي ولا أحد كان يخمن ماهي الخلطة المستخدمة في انتاج ذلك الطحين، ناهيك عن الكثير من المرات التي كنا نحس بطعم العفونة الذي ينبعث من الخبز المنتج منه حيث ازدهر سوق الخبازات وكانت العوائل تأخذ الطحين لهن مع الخُمرة اللازمة كي تقوم تلك المرأة المجتهدة بعجنه وخبزه مقابل ثمن لمن لا يعرفون هذه المهنة، وبعد أن ازداد الطلب على تلك الخبازات بدأن يستخدمن المواعيد في الاستلام والتسليم وبعده تطور الأمر أن يكون العجن من قبل العوائل وتستلم الخبازة العجين بدل الطحين كي توفر الوقت، وفي ذلك أيضا دخل الغش حيث كم من مرة نستلم أعداد الخبزات التي نشك بعددها لأن في نفس كمية المرة السابقة قد استلمنا عددا مغايرا مما كان يجعلنا نشك بأن الخبازة بدأت توفر لنفسها عددا من الأرغفة كي ربما تبيعها للناس وتوفر لنفسها مبالغ مالية، وبعد أن تفاقم الوضع بدأت المخابز تستلم طحين الحصة وتعوضه بالخبز الأبيض الذي جعل من تلك المرحلة تبشر بخير للعوائل لكن كان ما نستلمه عن الكيلو الواحد من الطحين هو أربعة أرغفة وبالحجم الصغير الذي لا يمت بالرغيف العراقي بصلة!!!
فقد دخل الغش في كل شيء وتطور الأمر لاستلام الصمون بدل الرغيف وخصوصا بعد أن تم تطبيق مبدأ النفط مقابل الغذاء حيث حنَّ المجتمع الدولي على العراقيين وسمح بذلك الاجراء حيث ظهر ذلك جليا على الحصة التموينية وبدأنا نستلم الطحين المسمى (صفر) لكن العوائل عبرت مرحلة الخبز في البيوت إلى تبديل طحين الحصة بالصمون أو الخبز حيث كنا نضع كيس الطحين لدى الأفران ونستلم حصتنا منه صمونا أو خبزا يوميا وهو يفتح لديه سجلا بذلك كي يخبرنا بعد حين أن حصتنا من طحين الحصة قد انتهت وعلينا الشراء، ولتعقيد ذلك بدأنا ببيع كيس الطحين للأفران كليا وقمنا بالشراء ما نحتاجه بدلا عنه وفي هذا لجأ أصحاب الأفران لجعل سعر كيس طحين الحصة رغم جودته أخيرا في الحضيض كي يزيدوا من أرباحهم!!!
وكل ذلك كان لسان العراقي مكمما بالكامل ولا يقوى للتصريح بأي شيء خوفا من العواقب، وليس اليوم أفضل من البارحة، فقد ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته يوم  12 تموز 2012 إن مشروع قانون جرائم المعلوماتية العراقي من شأنه تقييد حرية التعبير وسيكون في حالة تشريعه خرقا للقانون الدولي، وتهديد كل من الصحفيين والأفراد الذين يكشفون عن وقائع فساد والنشطاء السلميين. لأنه يشتمل (القانون الذي لم يصدر بعد) على أحكام فضفاضة مبهمة تسمح للسلطات العراقية بأن تُنزل عقوبات قاسية بمن يعبرون عن آراء تراها الحكومة تهدد المصالح الحكومية أو الاجتماعية أو الدينية. وقالت هذه المنظمة إن على مجلس النواب العراقي ألا يوافق على هذا القانون دون أن يراجع القيود الواردة فيه على حقوق الفرد العراقي أو أن يلغيها. ويفيد التقرير بأن "قانون جرائم المعلوماتية العراقي: قانون سيئ الصياغة ويشتمل على عقوبات وحشية تنتهك حقوق إجراءات التقاضي السليمة وحرية التعبير" ويتكون التقرير من 16 صفحة. وخلص التقرير إلى أن مشروع القانون جزء من جهد أوسع تبذله السلطات لقمع المعارضة السلمية من خلال تجريم المشاركة المشروعة للمعلومات من قبل النشطاء. وقد ناقش مجلس النواب القانون المقترح للمرة الأولى في 27 يوليو/تموز 2011، ومن المقرر أن يناقشه مرة أخرى في يوليو/تموز 2012.
وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مشروع القانون هذا يعطي السلطات العراقية أداة جديدة لقمع المعارضة، لا سيما على الإنترنت، التي يلجأ إليها الصحفيون والنشطاء العراقيون بشكل متزايد التماساً للمعلومات ولفتح ساحة النقاش. وقال: على مجلس النواب في العراق رفض القوانين التي تقوض الحريات المكفولة بموجب دستور العراق الصادر عام 2005".
وقالت المنظمة إن قيود مشروع القانون الشاملة على المحتوى تشمل عقوبات جنائية وحشية متطرفة من شأنها إسكات أصوات المعارضة. فإن المادة 3 من مشروع القانون تُنزل عقوبة السجن المؤبد وغرامة مالية ضخمة على من يستخدم "عمداً" أجهزة الحاسوب وشبكة المعلومات في "المساس" بمصالح البلاد "الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية العليا" دون تعريف لهذه المصالح.
كما تخرق المادة 3 حرية العراقيين في تكوين الجمعيات، إذ تنص على عقوبة السجن المؤبد على التعامل مع "جهة معادية بقصد زعزعة الأمن والنظام العام أو تعريض البلاد للخطر". هذه المادة قد تكون سنداً لمقاضاة أي شخص يتعامل مع منظمة أو حركة أو حزب سياسي تراه الحكومة "معادٍ" بسبب انتقاد هذه الجماعة للحكومة أو سياساتها، على حد قول هيومن رايتس ووتش.
القانون على صياغته الحالية يقوض ضمانات الدستور العراقي الخاصة بحرية التعبير وحرية التجمع، ويخرق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعراق دولة طرف فيه. فإن العهد الدولي ينص على أن "لكل إنسان حق في حرية التعبير... في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين". المعايير الدولية لا تسمح بالقيود على المحتوى إلا في ظروف جداً ضيقة، مثل حالات السب والقذف والتشهير ضد أفراد أو الخطاب الذي يهدد الأمن الوطني. القيود لابد أن تكون واضحة التعريف ومحددة وضرورية ومتناسبة مع التهديد. ولكون العراق دولة طرف في العهد الدولي، فلابد أن تضمن السلطات العراقية "الحق في حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالح [الفرد]". يسمح العهد الدولي بقيود على هذه الحريات، لكن على أن تكون بموجب نص قانوني وتكون ضرورية "في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو لحماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم".
تبين التقرير أن مشروع القانون المذكور جزء من نمط من القيود المتزايدة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع. ففي مايو/أيار 2011 وافق مجلس الوزراء العراقي على مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والتجمع والتظاهر السلمي الذي يشتمل على أحكام تجرم الخطاب السلمي بعقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات. ومنذ فبراير/شباط 2011 وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات عنيفة عديدة ارتكبتها قوات الأمن العراقية وعصابات مجهولة، ضد متظاهرين سلميين يطالبون بحقوق الإنسان وتحسين الخدمات وإنهاء الفساد.
فاليوم نريد التعامل كما في الأمس وبدلا من استخلاص العبر من الماضي المقيت والنظر إلى مجتمع أفضل وأزهى وأحسن للعراقيين نرى البعض يحاول تمرير مثل هذا القانون الذي ذكرنا بعض من أحتاجاج منظمة حقوق الانسان الدولية عليه، فمتى نستخلص العبر من كلما حدث ويحدث؟

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012

40
ذكريات من الماضي العراقي القريب (17)
إن العراقيين اليوم يفتقدون كثيرا لأيام كانت المودة والرحمة هي السائدة لأنهم كانوا يتذكرون ويطبقون قول القرآن الكريم: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، الكهف/110"، وكان الجميع يبحث عن عمل الصالحات وكنا نجد أيام معينة في السنة وحسب المناسبات في معظم شوارع المدن العراقية من يقوم بالطبخ وتقديم طبخه للمحيطين به من الجوارين مبتغين الحصول على لقاء ربهم بنفوس راضية مرضية وبغية إطعام الفقير والمحتاج رغم أن المناسبات التي بسببها كان يتم الطبخ كانت تخص فئة دون أخرى من الشعب العراقي، لكن كانت الغاية نبيلة وكان الجميع يشتركون بغية أثبات أن (القوم التعاونت ما ذلت)، لكن رغم ذلك كان هناك من يتربص لهذه الممارسة النبيلة ويحاول أحداث البلبلة أو التأثير عليها لمنعها، لكن هيهات لقوى الأرض أن تستطيع أيقاف ما هو مصدره من الله، لأن لو كان ذلك مصدره من الناس لكان قد توقف وزال تأثيره منذ زمن بعيد.
إن واقعنا العراقي يتطلب منا القول الصحيح والسديد وعدم لبس القناع والتمويه أو الكلام بأوجه عدة لأننا فعلا مبتلون اليوم بأمثال هؤلاء الموجودون في كل زمان ومكان ويدّعون الحق وهم بالوقت عينه يعملون الباطل وهم بأفعالهم يبتغوم ما للدنيا ويخدعوا من يستطيعون خداعه وخاصة السذج، ونجد الكثير من سياسيي اليوم يمارسون هذا النهج لكنهم يتناسون قول الله في سورة النساءء9 " فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً "، لكن الأمر وصل بحيث سفارة الولايات المتحدة تحاول اليوم فضح ما يقوم به السياسيين وكشفت جانبا مما يقومون به حيث تم الكشف عن تقرير منسوب لمصادر مطلعة في السفارة الأمريكية في العراق أن أجمالي الثروة المالية من الساسة العراقيين وقواهم النافذة تبلغ (700) سبعمائة مليار دولار!!! وذكرت أسماء بعضهم وأرقام ثروتهم، وببساطة ممكن أن يسأل المواطن العراقي من أين جمع هؤلاء هذه الأرقام الخيالية خاصة ولم تمضي بعد عشر سنوات على التغيير الذي جلب هؤلاء إلى السلطة في العراق، والمصادر كانت مادة كتبت بموجبه وكالة (أور نيوز) حيث أوردت أن المال ليس وحده ما يمتلكونه الساسة بل هناك أموال غير منقولة مثل العقارات والسندات والحصص في الشركات ولم يترك التقرير جهة دون ذكرها.
وفي المقابل نجد أن البرلمان يقف عاجزا عن أقرار وتشريع قانونا للأحزاب لأن في فقرات مثل هكذا قانون هو الكشف عن مصادر تمويل الحزب بحيث تكون الشفافية هي التي تحدد أطار التعامل في هذا المجال، لكن البرلمانيين بعجزهم هذا والأحزاب بثرواتهم التي ذكر التقرير جانبا منه رغم عدم التأكد من مصداقيته، يشكل كل هذا خرقا فاضحا للدستور، وعلينا التساؤل أيضا أين الجهات الرقابية العاملة من كل هذا؟ وما هو دور هيأة النزاهة  وديوان الرقابة المالية؟ أم أن وجود هاتين المؤسستين هو للاقتصاص من الموظفين الصغار الذين لا سند لظهورهم  أم أن للأقوياء كل شيء حلال والضعفاء معرضون للمساءلة دائما وهنا تنطبق مقولة غوار الطوشي في أحدى تمثيلياته عندما ذكر أنه بلع قرشا فظهر بالأشعة وهناك الذين يبلعون الملايين من القروش ولا تظهر بأشعتهم أية أدلة على فعلتهم تلك!!!
وفي نفس السياق تدور اليوم في بريطانيا عملية الكشف عن حقيقة الذراع السحرية التي كلفت العراق 85 مليون دولار ومئات الضحايا حيث اتهمت الشرطة البريطانية ستة اشخاص ببيع معدات يزعم انها وهمية للكشف عن المتفجرات الى العراق. وقد وجهت ست تهم الى جيمس ماكورميك (55 عاما) تتصل بالاحتيال وهو مدير شركة أعمال الحراسة (ايه.تي.اس.سي) ومقرها بريطانيا التي باعت أجهزة للكشف عن متفجرات لدول من بينها العراق. وقال أندرو بنهال نائب رئيس شعبة الاحتيال بالنيابة العامة البريطانية إن ماكورميك مثل امام المحكمة اليوم لينفي الاتهامات ووضع رهن الحبس الاحتياطي لمدة أسبوع بينما يمثل الخمسة المشتبه بهم الآخرون امام قضاة التحقيق الاربعاء المقبل. وأشار إلى أنّ هذه التهم ترتبط بصنع وترويج وبيع مجموعة أجهزة الكشف عن المواد يعتقد انها وهمية إلى بلدان بينها العراق في الفترة بين 15 من كانون الثاني (يناير) عام 2007 و12 تموز (يوليو) عام 2012.
وفي الوقت نفسه لم نجد تحركا حقيقيا في العراق للتأكد من تلك الأجهزة التي مازال أفراد نقاط التفتيش يحملونها بأيديهم رغم أن الكثير من التقارير الإعلامية تحدثت عنها، ورغم أن المفتش العام في وزارة الداخلية العراقية عقيل الطريحي حققق في شراء هذه الاجهزة التي باعتها شركة ايه تي اس سي قبل سنتين وتبين له أنها أجهزة "لا تعمل" وأنها بيعت بثمن مبالغ فيه. واقترح ألا يشتري العراق هذه الأجهزة مبيناً ان الفساد يكتنف هذه الصفقة وأنه أشار الى ذلك ورفع تقريره الى وزير الداخلية ولكن الصفقة تمَّت. ونتائج ذلك نجد الكثير من التفجيرات تحصل في المدن العراقية رغما عن أنف هذه الأجهزة ولم تحد من أنشطة الارهابيين كما لم تكن سببا في حقن دماء العراقيين وأبعاد المآسي عنهم. والبريطانيين تحركوا لكون شركة بريطانية هي التي باعت وكبير خبراء المتفجرات في الجيش البريطاني يقول عن بيع هذه الأجهزة أنه عمل "لا أخلاقي قطعا" فاستخدامها سيؤدي إلى شعور زائف بالأمان قبيل مقتل المئات. ولكن تصريحا مشابها وحادا من أي مسؤول عراقي باتجاه كشف الحقائق وحقن الدماء لم نلمس وجوده رغم بحثنا الطويل في وسائل الأعلام وفي الشبكة الدولية للمعلومات.
هذا بعض من حال العراق خلال السنوات الماضية في جانب أمني مهم المفروض أن يكون لحقن دماء أبنائه لكن النتائج كانت عكسية وملايين الدولارات ذهبت لجيوب اناس هم رهن الاعتقال في بريطانيا والتحقيق معهم، ولكن في العراق خبرات كبيرة وعقول لو تم استغلالها بالشكل الأمثل لكان من الممكن تطوير مثل هكذا أجهزة ذاتيا دون الحاجة لاستيرادها من الخارج، لكن دائما وحسب قول المثل: مغنية الحي لا تطرب، أو أن النبي إلا وهو مرذول في مدينته أو بين شعبه، لأن التقارير الاعلامية أفادت مؤخرا بأن هناك 100 ألف عالم وأكاديمي ودبلوماسي وطبيب وعسكري عراقي محرومون من حقوقهم المدنية، بسبب قرارات بريمر الذي ألغى وزارات بكاملها ولم تكن هجرة العقول على هذا النطاق الواسع قد عرفها العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لكن السياسات الخاطئة في الفترات المتعاقبة هي التي دفعت بهذا الكم الهائل من العراقيين لمغادرة العراق إما بحثا عن فرصة عمل أو تفاديا للقتل أو الخطف أو الاعتقال. فقد بدأت موجات هجرة العقول العراقية بشتى اختصاصاتها بشكل محدودة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حتى اتسعت خلال الحرب العراقية الايرانية 1988/1980 مرورا بحرب الخليج الثانية 1991 . غير ان اعداد المهجّرين من نخب العراق وكفاءاته تصاعدت بشكل لافت حتى بلغ ذروته بعد احتلال العراق عام 2003 . وسجلت الاعوام التي تلت الغزو- تحديدا خلال فترة العنف الطائفي في الاعوام 2006/2005 /2007 ومازالت رغم انخفاض منسوبها - هجرة الآلاف من نخب العراق تفاديا لاستهدافها ما دفعها للبحث عن مكان آمن لتفادي الوقوع بالمحظور .
وشهدت سنوات العنف الطائفي مقتل واختطاف نحو عشرة آلاف من نخب العراق في تخصصات الطب بكل فروعه واساتذة الجامعات والعسكريين والدبلوماسيين والاعلاميين ورجال الدين. وادى هذا الى استهداف هذه الشرائح التي كانت عمود هيكل الدولة العراقية وديمومة استمرارها الى مغادرة العراق الى دول الجوار العربي واوروبا وامريكا وكندا وبريطانيا بحثا عن ملاذ آمن ومستقر. وطبقا لاحصائيات متطابقة فقد بلغ عدد العراقيين ومن ضمنهم النخب والكفاءات والعلماء الذين هاجروا الى دول الشتات بعد غزو العراق نحو اربعة ملايين توزعوا على قارات العالم . في الوقت الذي كان من المفروض  على الدولة أن توفر الرعايا والاحتضان للكفاءات العراقية والاستفادة من خبراتهم ولاسيما ان العراق بحاجة الى خبرة هؤلاء في شتى الميادين. وتفيد تقارير غير مؤكدة بأن عدد الاطباء في تخصصاتهم بالشتات يبلغ نحو "30" الفا يعانون من محنة الغربة وان المئات من الكفاءات الطبية سقطوا شهداء على أيدي جهات مجهولة كانت تستهدف افراغ العراق من ابنائه الذين كان لهم الدور في بنائه وتقديم افضل الخدمات الطبية للعراقيين .
وتعد هجرة العراقيين إلى الخارج، بأعداد كبيرة، ظاهرة حديثة إذ لم يعرف تاريخ العراق المعاصر مثيلاً لها باستثناء هجرة اليهود العراقيين إلى إسرائيل بعد قيامها في 1948- 1951 حيث كانت أعداد قليلة تهاجر إلى الخارج. فقد بلغ عدد العراقيين في الخارج 40984 وذلك في تعداد 1957، وانخفض قليلاً في تعداد 1965 حيث بلغ 40818 منهم 29892 في الكويت، أي بنسبة 73,3%. وهاجرت أعداد قليلة من الكفاءات العلمية في العقود التي تلت تأسيس الدولة العراقية عام 1921 بسبب ضعف دوافع الهجرة إضافة إلى قلة أعداد الطلبة الدارسين في الخارج. فقد بلغ مجموع البعثات العلمية العراقية في الخارج 9 فقط في السنة الدراسية 1922-1923 وهي أول سنة تظهر فيها إحصاءات رسمية تخص هذا الجانب. وأعلى عدد سجل في الأربعينيات كان 258 في سنة 1946-1947 وفي الخمسينيات 234 في سنة 1951-1952.
وتزايدت أعداد الطلبة الذين درسوا في الخارج ولم يعودوا بعد 8 شباط 1963. فبلغت أعداد الذين درسوا في الخارج 6954 في كانون الثاني 1965، وتخرج 367 من معاهد التعليم العالي خارج العراق سنة 1964-1965. ويشير تعداد 1965 إلى وجود 3145 شخصاً يحملون الشهادات العالية في الخارج منهم 503 يحملون شهادة أعلى من البكالوريوس أو الدبلوم، و269 يحملون شهادة الدكتوراة في مختلف التخصصات. ويتضح أن النسب الأعلى للخريجين العراقيين غير العائدين للفترة 1958-1970 تركزت في الدول الغربية 83% من المجموع بالأخص الولايات المتحدة وألمانيا الغربية سابقاً وبريطانيا. وتراوحت نسبة التخصصات العلمية من المجموع لغير العائدين بين 66,7% في دول أوربا الشرقية  و92,1% في ألمانيا الغربية. وطبقا للمؤسسة المذكورة التي استندت اليها الدراسة فان اليونسكو اكدت أن العراق من ضمن سبعة بلدان عربية يهاجر منها كل عام 10,000 من المتخصصين كالمهندسين والأطباء والعلماء والخبراء وأن 50% من حملة الشهادات الجامعية الأولى "البكالوريوس" في العلوم الهندسية و90% من حملة الدكتوراة هم خارج العراق .
وفي الثمانينيات ازدادت هجرة الكفاءات بسبب الحرب العراقية- الإيرانية. وقد امتنع الكثير من الطلبة الذين أكملوا دراستهم في الخارج من العودة إلى العراق في هذا العقد بسبب عدم رغبتهم في التجنيد في ساحات القتال رغم من أن الكثير منهم قد أرسل لإكمال دراسته في الخارج على نفقة الدولة. وقد تصاعدت أعداد طالبي اللجوء العراقيين في الدول الصناعية بعد السماح بالسفر أثر توقف الحرب العراقية- الإيرانية في عام 1988. ففي عام 1989 بلغت 3901 شخص وهذا الرقم مرتفع مقارنة بالسنوات السابقة. أما في أوروبا فقد بلغت 24750 وذلك خلال الفترة 1980- 1989 موزعين في 15 دولة.
وفي التسعينيات من القرن العشرين شهد العراق هجرة كثيفة غير مسبوقة شملت الكثير من الكفاءات بسبب اجتياح الكويت عام 1990 وما نتج عنه من اندلاع حرب الخليج الثانية وفرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على العراق، وتوجه الكثير من الكفاءات بالأخص أساتذة الجامعات إلى الدول العربية بالأخص ليبيا حيث كانت نسبة العراقيين مرتفعة بشكل لافت للنظر في جامعاتها وكذلك إلى اليمن والأردن ودول أخرى.
ويذكر التقرير انه غادر العراق بين 1991-1998 أكثر من 7350 عالماً تلقفتهم دول أوروبية وكندا والولايات المتحدة وغيرها، ومنهم 67% أساتذة جامعات و23% يعملون في مراكز أبحاث علمية. ومن هذا العدد الضخم هناك 83% درسوا في جامعات أوروبية وأمريكية أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو في أوروبا الشرقية ويعمل 85% من هؤلاء في تخصصاتهم. وهذا النزوح لعدد كبير من الكفاءات عالية المهارة في فترة زمنية قصيرة قلما شهدته بلدان أخرى.
و يقدر عدد أفراد الجالية العراقية في بريطانيا والولايات المتحدة بأكثر من نصف مليون. فطبقا لتصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في آذار 2003 بلغ عدد العراقيين في بريطانيا 350 ألفا. وعلى افتراض أن 5% من هؤلاء من الكفاءات والكوادر، فإن عدد الكفاءات العراقية في الحقول العلمية المختلفة يبلغ على أقل تقدير 25 ألف شخص. ويعمل عدد كبير من الكفاءات العراقية في الحقول العلمية المختلفة في بريطانيا والولايات المتحدة. وطبقا للسجلات الطبية البريطانية فإن عدد الأطباء العراقيين العاملين في المستشفيات البريطانية يقدر بحوالي 3000 طبيب في جميع التخصصات. و مازال عدد كبير من الكفاءات يعملون في مجالات أخرى غير مجالات تخصصاتهم.
وتشير بعض الإحصاءات إلى إن أكثر من 4000-4800 طبيب عراقي هاجروا إلى دول غربية بعد 1990. وقد أقرت الحكومة العراقية عام 1999 بأن عدد الأكاديميين وأصحاب الكفاءات العلمية الذين تركوا العراق وأقاموا في الخارج زاد على 23,000. وبسبب الهجرات الجماعية للعراقيين، وبضمنهم الكفاءات العلمية.
ويلاحظ أن سبب الهجرة لغالبية العراقيين حسب مسح اجرته المؤسسة المذكورة عام 2009 كان العنف الطائفي او البحث عن عمل فيما قدرت عدد الضحايا من الاساتذة الجامعيين بنحو 230 استاذا جامعيا عراقيا اغتيلوا منذ دخول القوات الأجنبية إلى العراق وحتى ذلك التاريخ، وتشير التقارير إلى أن هناك كارثة حقيقية يعاني منها قطاع التعليم في العراق بسب عمليات الاستهداف المتكررة ،التي طالت 230 أستاذا جامعيا اغتيلوا حتى الآن نتيجة عمليات العنف التي تشهدها البلاد فيما راح 820 طبيباً بين قتيل وجريح ضحايا عمليات العنف خلال تلك الفترة ما أثر بشكل سلبي ليس على عمل الوزارة فحسب بل حتى على سير الدراسة في الكليات الطبية علما أن المؤسسات الطبية التي كان يشغلها هؤلاء الأطباء أغلقت تماما بسبب الهجرة. و تراجع الخدمات الصحية في العراق.

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

41
ذكريات من الماضي العراقي القريب (16)
نعم فإن المواقف الصحيحة والنبيلة للشعب العراقي وتكاتفهم مع بعض كانت هي الضمانة الأكيدة لهذا الوطن الذي كان مهدا للحضارات ومنه بدأ أبراهيم أبو الانبياء رحلته بالخطوة الأولى من أور الكلدانيين كي يعلن بدأ مخطط الله لخلاص البشر من العبودية وقيود الخطيئة وكي يعرف الناس أنه هو الإله الصمد خالق السماوات والأرض وخالق الناس شعوبا وقبائل كي يتعارفوا ويتعاونوا ويَصِلوا الأرحام مع بعضها ويعلموا فيما بينهم بأن أكرمهم عند ربهم هو أتقاهم لا الأكثر أثارة للمشاكل. وكذلك بين الأكرمين من يعمل بجد وأخلاص من أجل أخوته وبالتالي من أجل وطنه.
فقد تكلمنا كثيرا عن الكهرباء ومشاكله والانقطاعات المتكررة والتجهيز الشحيح به للمواطنين، ومؤخرا نشرت شبكة أصوات العراق نقلا عن البرلمانية (سوزان السعد) والتي هي عضوة في لجنة النفط والطاقة في البرلمان العراقي قولها وهي تتهم وزارة الكهرباء بالفساد المفضوح في استخدامها للمحطات الغازية، مبينة أن هذا الفساد مثبت بالأرقام، مؤكدة ان استخدام هذه المحطات يمثل هدرا للمال العام. وقالت ان "استخدام المحطات الغازية لا يتلاءم مع البيئة الصحراوية السائدة في العراق وحتى في أوربا فهي محطات ساندة للمحطات النووية والكهرومائية ولا توجد دولة في العالم تعتمد على المحطات الغازية كمحطات أساسية باستثناء العراق".
وقالت أيضا ان "هناك محددات للمحطات الغازية فهي لا تصمد امام العواصف الترابية الامر الذي يتطلب اضافة منظومات وهذه المنظومات ترفع كلفة المحطة، كما ان المحطات الغازية مصممة حسب المواصفة الحرارية الاوربية فهي مصممة للعمل على درجة حرارة مثلى تتراوح مابين 15-25 درجة مئوية وهي تنطفيء كليا بدرجة حرارة 45 مئوي (وصلت الحرارة هذا الصيف لسنة 2012 أكثر من 50 درجة حتى أعلن أحد الأيام عطلة رسمية في العراق بسبب ارتفاع الحرارة) وهذا يعني انها لا تعمل في اجواء العراق في اشهر الصيف ولتجاوز ذلك نحتاج الى اضافة منظومات تبريد و هذه تكلف مبالغ طائلة و ترفع سعر الكلفة الكلية لانتاج المحطة الى اكثر من 6ر1 مليون دولار للميغاواط". واضافت ان "عدم توفر الغاز في العراق في الوقت الحاضر وعدم توفر شبكة انابيب لنقل الغاز لهذه المحطات يجبر وزارة الكهرباء على تشغيل هذه المحطات بالنفط الخام او الوقود الثقيل (النفط الاسود) مع اضافة مواد كيمياوية للوقود كمحسنات وهذه تكلف مبالغ طائلة، ويرفع كلفة انتاج الميغاواط الى اسعار خيالية رغم ان العراق دولة نفطية، ناهيك عن ان تشغيل هذه المحطات بوقود النفط الخام او الوقود الثقيل سيؤثر على العمر التصميمي للمحطات ويخفضه الى النصف فضلا عن خفض الطاقة الانتاجية الى النصف، وإلى الهدر بالوقود".
وأشارت الى انه "بحساب جدوى العملية الانتاجية للطاقة الكهربائية في مثل هذه المحطات نجد ان محطة بطاقة 750 ميغاواط تستهلك 33 الف برميل وقود في اليوم: وهذا يعني بالأرقام 33000 برميل. والسنة فيها 365 يوم. فعملية حسابية بسيطة وكما يلي: 100 دولار للبرميل = يكون الناتج بالكلفة هو 204ر1 مليار دولار اي ان كلفة انتاج الكيلواط/ ساعة = 3ر18 سنتا في حين ان الكلفة الحقيقية للكيلواط يجب ان لا تتجاوز 4 سنتات". وذكرت النائبة ان كلفة انتاج الكيلواط /ساعة والتي هي 3ر18 سنت، يضاف لها كلفة محسنات الوقود وأيضا كلف تشغيلية من رواتب المشغلين و ادوات احتياطية وعمليات ادامة، ويجب ان تضاف كلفة انشاء المحطة وانبوب الوقود الناقل فضلا عن انخفاض الطاقة الانتاجية الى النصف ويضاف الى ذلك انخفاض العمر التصميمي للمحطة الى ما دون النصف لتصل الكلفة الى حوالي 0.5 سنت اضافية للكيلو واط و هو رقم خيالي لا يوجد مثيل له في العام.
واشارت الى انه وفق حسابات الهدر فان محطة انتاجها 750 ميغاواط تستهلك يوميا 33 الف برميل اي ما يعادل 44 برميلا في اليوم للميغاواط الواحد والمحطات التي تعاقدت عليها وزارة الكهراء مع شركة (جنرال الكترك الامريكية ) 7000 ميغاواط و محطات شركة (سيمنس الالمانية ) 3500 ميغاواط أي ما مجموعه 10500 ميغاواط والواحد من هذه يستهلك 44 برميلا مما يعني أن الاستهلاك الكلي لهاتين المحطتين سيكون 10500 ميغاواط = 462000 برميل /يوم = 2ر46 مليون دولار /يوم = 86ر16 مليار دولار في العام وهذه كلفة الوقود فقط و ليست الكلفة التشغيلية.
وخلصت النائبة في البرلمان إلى القول: لذلك ينبغي ان تعتمد وزارة الكهرباء بدلا من ذلك محطات تعمل بوقود ارخص مثل الوقود الثقيل ( النفط الاسود) اذ ان سعر الطن 70 دولارا (وهو سعر شراء وزارة الكهرباء من وزارة النفط) .
ومن تصريحات هذه النائبة نجد العلة الرئيسية في مسألة الكهرباء التي عانينا منها كثيرا ولا زلنا وأهلنا إلى اليوم، والأمر المثير للاستغراب أن لدى العراق مبالغ من عائداته النفطية تفوق كثيرا ما لدى دول أقل غنى من العراق وتلك الدول لديها الكهرباء على مدار الساعة وربما فائض تقوم بتصديره عبر ربط شبكتها بالدول التي تجاورها، والكهرباء هو واحد من المجالات التي تسلب العراقي مدخراته وتجعله يعيش على اللالة والمهفة ويعاني من الحر والبرد ولا يتحرك جفن لمسؤولي هذه الوزارة رغم تبديل وزيرها وتعاقب وزراء آخرين لكن الواقع لم يتغير كثيرا وكان في الأيام الأولى ما بعد السقوط عمل المجاميع المسلحة عذرا لهذه الوزارة بالتلكوء كون الأبراج الناقلة للطاقة يتم تدميرها بشكل مستمر، ولازال هذا العذر مستمر إلى اليوم.
وأليكم هذا الخبر الذي نُشر مؤخرا حول الموضوع في يوم 12 حزيران 2012 حيث أفاد مصدر في شرطة محافظة ديالى، الأربعاء، بأن سبعة أبراج لنقل الطاقة الكهربائية شمال بعقوبة دمرت بتفجيرها بعدد من العبوات الناسفة، فيما اعترفت وزارة الكهرباء باستهداف ثلاثة. وقال المصدر في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "مسلحين مجهولين فجروا، صباح اليوم، عدداً من العبوات الناسفة استهدفت سبعة أبراج لنقل الطاقة في أطراف ناحية العظيم (60 كم شمال بعقوبة)، مما أسفر عن تدميرها بالكامل". وأضاف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن "قوات من الشرطة طوقت أماكن التفجيرات وفتحت تحقيقاً لمعرفة الجهة التي تقف وراءه".
في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الكهرباء مصعب المدرس لـ"السومرية نيوز" أن "التفجيرات أسفرت عن استهداف ثلاثة أبراج فقط في منطقة انجانة بناحية العظيم في ديالى"، مبيناً أنها "أبراج للضغط الفائق 400 كي في وتنقل الطاقة الكهربائية من بيجي إلى بغداد". وأضاف المدرس أن "برجين دمرا بشكل كامل ويحملان الأرقام 198 و204، أما الثالث فقد تضرر بشكل جزئي ويحمل الرقم 197"، مؤكداً أن "الملاكات الفنية للمديرية العامة لنقل الفرات الأعلى التابعة لوزارة الكهرباء باشرت بأعمال التصليح وتحويل الخطوط إلى أبراج الطوارئ". وأشار المدرس إلى أن "أعمال التصليح ستستغرق يومين، كما سيتم نصب أبراج دائمية خلال أكثر من أسبوع"، مشدداً على أن "هذه التفجيرات لن تؤثر على الطاقة الكهربائية في بغداد أو باقي المحافظات، خصوصاً أنه يمكننا المناورة بنقل الطاقة عبر خطوط بديلة".وتشير مصادر أمنية في ديالى ومركزها مدينة بعقوبة، 55 كم شمال شرق بغداد، إلى أن العام الجاري شهد خمسة هجمات استهدفت أبراج الطاقة الكهربائية في المحافظة. وهذا مسلسل لا ينتهي إذا جمعناه مع ما صرحت به النائبة نستطيع القول بأن في ظل هذا الوضع وهذه التصرفات سيبقى العراق يعاني لسنوات طويلة من مشكلة الكهرباء فهنيئا لأصحاب المولدات الأهلية كون رزقهم سيستمر إلى حين طويل فلا تخافوا، وشؤما لنا نحن العراقيين لأن استنزاف جيوبنا وجهدنا وعيشنا في ظروف صعبة مستمر ولا أمل في الأفق.
وهكذا أوضاع سببت الكثير للنفسية العراقية وكانت السبب في زيادة التوتر والعصبية لدى الأفراد وهذه جعلت أمر الإلفة والمحبة والتسامح في قلق خاصة وإن المشاكل محيطة بنا من كل صوب وقد لا تعرف جارك ومن هو ومن أين ولماذا أتى وسكن بجوارك خاصة وإن التحولات في المنازل تحدث بكثرة بيعا أو إيجارا، فالمبالغ التي تم الاستيلاء عليها أبان أعمال السلب والنهب بدأت تظهر، وأزدهر سوق الشراء والبناء لوجود سيولة رهيبة لدى الناس وطبعا ليسوا كلهم بل اناس معينين.
فبيت كان بجوار البيت الذي كنت أسكن به وفي منطقة مهمة من بغداد، هذا البيت كان قد بناه صاحبه الذي كان مهندسا معماريا مرموقا، بناه لنفسه، وللقاريء التصور كيف سيكون البناء خصوصا إذا تذكرنا المثل القائل (طبلجي والعرس لإبنه)، هذا المهندس اضطر لبيع بيته بعد أن جعلته الأوضاع يعيش في الاغتراب ومن أشتراه قام (بتفليشه) إلى الأرض وحوله إلى أنقاض رمى بها بعيدا لكي يعيد البناء مجددا والبناء الذي بناه لم يكن طبيعيا كونه لم يقم بحفر الأسس للبيت وإنما أتى بالسبيس وحدل طبقة بحدود نصف متر فوق سطح الأرض ثم وضع قالبا من الخشب وسلحه بالحديد وصب الأسس ومن ثم دفن الأسس وهكذا فالعملية يعرفها الكبار جيدا لأننا جميعا مررنا بها أيام العز فأصبحت البتلو بارتفاع متر أعلى من البيوت التي بجوار ذلك البيت وهكذا كان صب الطابق الأرضي مع ستارة البيوت المجاورة!!! أي أن خلاصة القول أنه قام فقط بالتبذير لوجود مال كثير لديه، لأن حتى العاملين في عملية بناء ذلك البيت الذين كنت اتحدث معهم أثناء عملية البناء كانوا مستغربين ذلك لأن البناء القديم لم يكن بحاجة أصلا للتفليش!!!
ومبادئنا السماوية توصينا باحترام الجار لأنه فعلا يكون في بعض الأحيان أقرب من الأخ لأنني هنا أيضا أتذكر جاري في منطقة الدورة الذي دخل لصا إلى بيته يوما وجميع من في البيت كانوا نياما ولكنهم أحسوا به فضرب بسلاحه صاحب البيت طلقة جاءت بمعدته وأمعائه وكنت انا وولدي الذين نقلناه إلى مستشفى اليرموك فجر أحد الأيام وعملنا له اللازم وأدخلناه غرفة العمليات قبل أن يصل أخوته ويكملوا المهمة، هكذا يكون الجار أقرب من الأخ في مثل هكذا حالات فيجب على الإنسان أن لا يستغني أبدا عن جاره ويتواصل معه لكن ضروفنا في العراق جعلتنا نقطع الصلة مع الجار أو نجعلها أقل ما يمكن خوفا من حدوث ما لا يحمد عقباه، أقول ذلك لأنني أتذكر عادات أهلنا في السابق الذي إذا جاء ضيفا عندهم لا يعرفونه فإنهم يقومون بواجب الضيافة ولا يسألونه عن حاجته إلا بعد مضي ثلاثة أيام على ضيافته كي يكون الضيف مرتاحا ولا يشعر بالضيق وكأنهم يقولون له يا ضيفنا إن زرتنا فأنت رب البيت ونحن الضيوف!!! فأين أصبح بنا الدهر وأين وكيف أضعنا هذا الموروث العظيم وبدلا من تلك الرحمة والمودة أدخلنا أنفسنا وأهلنا أنفاقا مظلمة ومن سأم هذه الأوضاع لملم أوراقه ورحل بعيدا وأصبح يجر الحسرات باستمرار وهو يراقب الأحداث التي تمر يوميا على العراق وتحمّل من أجل الوصول لهدفه الكثير من الأزمات والمعاناة لأن الكثيرين الذين يستقلون القوارب للوصول إلى دولة ما يكون مصيرهم الغرق وتبتلعهم مياه البحار ويكونوا ضحية للمهربين فهم كانوا يبحثون عن حلم والحلم الذي بان لهم لم يكن سوى سراب بعينه لم يصلوا إليه وهلكوا عوضا عن الحرية التي كانوا يأملون الحصول عليها.
إن العراقيين اليوم يخافون حتى التزاور فيما بينهم لأن هذا يتطلب منهم التحرك والخروج إلى الشارع والأماكن العامة و و و ، وهذه كلها تحمل الكثير من المخاطر وقد يصاب الانسان بأذى شخصي من عبوة أو طلق ناري أو إنفجار أو حتى من الأشرار الذين يتربصون بالأناس الطيبين، فكم من سيارة تم سرقتها وأحيانا امام اعين أصحابها ودوائر المرور لا تستطيع فعل شيء ورغم التبليغ وتأشير السرقة في كومبيوتر المرور لكن لم نسمع في أحيانا كثيرة أن الشرطة استطاعت أعادة السيارة المسروقة إلا إذا كانت قديمة وسارقها هو الذي يقضي بها حاجته ثم يتركها مركونة في مكان ما فيتم التبليغ عن سيارة متروكة وتاتي الشرطة كي تجدها، وهذا موضوع به الكثير من الذكريات والشجون الأمر الذي سنستمر بالكتابة عنه في الحلقة القادمة.

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

42
سلامات لأبونا ميسر وللدائرة المالية لأوقاف الكلدان ولجميع من كان في الكنيسة وخصوصا من الحراس، متضرعا إلى الله القدير أن يحفظ الجميع من كل سوء وأن يضع حدا لهذه الأحزان التي مازال بسببها الشارع العراق والمسيحيين خاصة يعطون من دمائهم أنهارا

43
ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى
بعض مما في الذاكرة

قرأت مؤخرا في موقع عينكاوا دوت كوم كلاما أحزنني كثيرا لأنه جاء بصيغة عامة وغير موثق ولا يعتمد على معلومات صحيحة لابل يجافي الحقيقة ويخالفها تماما، لأننا عندما نتكلم عن فترة سابقة فذلك يعني بأن كل الأرقام والبيانات موجودة ونستطيع وضعها أمام القاريء لا أن نتكلم جزافا وبالعموميات، ولكي يكون القاريء العزيز في الصورة الكاملة أحيله إلى اللنك التالي لكي يعود للبدايات معي ويعلم كيف تم أنشاء الديوان
http://www.ankawa.com/cgi-bin/ikonboard/topic.cgi?forum=48&topic=32162
لأن قبل عام 2003 وبالتحديد قبل 3 تشرين الثاني 2003 لم يكن هناك ديوانا بأسم(ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى) وبعد ذلك التاريخ ولفترة قصيرة كنت أنا الموظف الوحيد المعين بلا غرفة ولا كرسي او طاولة ولا موظفين وفي ظرف العراق آنذاك حيث أقرب المقربين لي لم يهنئونني بسبب تردي الأوضاع الأمنية وخوفهم أن أكون ضحية لذلك حالي حال الكثيرين ممن شغلوا مثل تلك المناصب، وفعلا كانت أحدى الجهات قد وضعت كل من عينهم مجلس الحكم على قائمة الاغتيالات، ولولا عناية الله وزيارتنا لجهة بعينها أدى لرفع أسمنا من تلك القائمة وبمحض الصدقة لكون أحد ممثلي الكنائس الذين تم تعيينهم لاحقا معي كان على علاقة صداقة مع أحد مسؤولي تلك الجهة فرتب زيارة لنا لهم وكانت الصدفة خير من ألف ميعاد!!!
ولمعلومات القاريء حتى حزيران 2004 لم يكن لنا موازنة بل كنا نستلم رواتبنا من الوقف الشيعي حيث على ما يبدو أن ذلك الوقف كان يصرف من موازنة وزارة الأوقاف السابقة المنحلة، وكنا نداوم حينها في غرفة المنظفات التي استلفناها من المقر الوقتي للوقف الشيعي في منطقة الشواكة، وكان حينها من أصبحنا موظفين في الديوان نُعدُّ على عدد الأصابع، وبعد هذا التاريخ تمكنا من أيجار دار للوقف في منطقة 52 تتألف من 13 غرفة، وقمنا بتأثيثها وتشكيل نواة صغيرة من الحمايات والبدأ بتعيين الموظفين وهذا أخذ منا السنة الأولى من عمر الديوان وبعد سنتين تمكنا من شراء بناية من أربعة طوابق وسرداب هو عبارة عن طابق كامل هو الآخر وبها قرابة المائة غرفة والتي يشغلها مقر الديوان حاليا وقمنا بخدمة كل الطوائف والأديان دون تمييز وكنائس بغداد قاطبة تشهد للتأثيث والاعمار والبناء وكذلك أبرشية ألقوش بكنائسها والأديرة هناك وقره قوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة وبحزاني والشيخان وكركوك والبصرة والناصرية والديوانية وغيرها من مناطق تواجد المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وخصوصا أرض التعميد ببغداد والشيخ عادي في الشيخان.
فقد قمنا قربه بأنشاء دار ضيافة فخم من طابقين كلفة بناء هيكله بحدود المليار عراقي والتأثيث بمبالغ أضافية وتركته بعد أن أكتمل البناء والتشطيب في نهاية 2010، كما كان لنا مشروعا لتسييج المقابر الايزيدية أكتمل قبل تقاعدي وهذا أيضا للأخوة الأيزيديين وتم أعمار دار المجلس الروحاني في الشيخان بأكثر من 120 مليون دينار عراقي وتأثيثه وتزويده بالمولد الكهربائي الحديث، أضافة إلى تطوير قاعة مزار الشيخ عادي بحال فخم يليق بالزائرين وراحتهم، ومن قام بالعمل هم مهندسون أيزيديون أنفسهم، وعندما شهدت منطقة سنجار لعمليات تخريب ساعدنا عوائل شهداء 311 شهيدا بمواد عينية، هذا بالاضافة لما كنا نمدهم به من آثاث وهدايا للمزارات الدينية بين حين وآخر وافتتاحنا لأول مكتبة عامة في بحزاني ومدها بالكتب بالملايين وتعيين موظف خاص لها وتم افتتاحها حينها بحضور مستشار رئيس الجمهورية السيد عيدو بابا شيخ باحتفال بهيج. هذا بعد أن كنا قد افتتحنا أول ممثلية للديوان تحولت بعد ذلك إلى شعبة خارج مركز الديوان في مدينة بعشيقة وكان فيها آنذاك أكبر عدد لموظفين في شعبة خارج الديوان وبعد أن تم استحداث تلك الشعب لاحقا ولفترة طويلة.
أما ما عملناه للصابئة المندائيين فهو كثير أيضا ولو أنه لا يلبي كل الطموحات لكن العمل وفي ضل الأوضاع المتردية كان يسير حثيثا إلى أمام فقد بنينا دارا حديثة للمركز الثقافي المندائي في القادسية من بغداد مع التأثيث وتزويده بالانترنيت، وأيضا تحديث أرض التعميد بصورة شاملة وتزويدها بالمنشئات الحديثة والمضلات الملونة والكابينات كي تكون لائقة بالمناسبات الدينية للأخوة الصابئة المندائيين وتم عمل ما يشبه شلالا في الموقع وزرع الحدائق كي تكون خضراء جميلة. كما كنا نقدم المساعدة الممكنة لمجلة آفاق مندائية كي تستمر بالصدور وأيضا طبعنا كتاب الكنزا ربّا المبجل بأعداد كبيرة وقدمانه مجانا لرئاسة الطائفة. ولم يكن العمل في بغداد بل عملنا مع الصابئة امتد للبصرة حيث كانت لنا فيها شعبة برئاسة موظف صابئي وكان في الوقت نفسه شيخا من شيوخ الصابئة وأيضا في الناصرية والديوانية وغيرها من أماكن تواجد هؤلاء الأخوة.
وعن المسيحيين فقد كان لنا شعبة للديوان في ألقوش ابتدأت بغرفة أجرناها من المطرانية ومن ثم أجرنا بيتا مستقلا وقمنا بتأثيثه بأحسن الآثاث ومده بعدد من الموظفين وقد بسط خدمات الديوان في مدينة ألقوش نفسها بجميع كنائسها والأديرة وبوابة الربان هرمز شاهدة اليوم لعمل الديوان هناك وكذلك تأثيثنا للدير الجديد (دير مار يوسف) الذي فيه حاليا راهبات يخدمن الطالبات اليتيمات، وكذلك عملنا انتقل من ألقوش إلى تلسقف وباقوفة وباطنايا وتلكيف عبر هذه الشعبة وأديرة الراهبات في تللسقف وباطنيا شاهدة لما قدمناه لهم إلى اليوم وقاعة المناسبات في كنيسة باقوفة أيضا ومشغل راهبات القلب الأقدس بتلكيف.
وفي قرةقوش كان لنا شعبة أخرى وبيت مؤجر آخر وأعمال تقدم من خلالها لكنائس قرة قوش وكرمليس وبرطلة وكنا نسعى لتكوين شعبة أخرى في برطلة لتكثيف جهودنا في تلك البلدة لكننا لم ننجح إلى حين تركي الديوان وكذلك الأوضاع المتردية في الموصل المركز ولم تشجع أحدا من المسيحيين أن يكون ممثلا لنا هناك وسيادة مطران الموصل أميل نونا شاهد على ذلك لأنني طلبت منه عدة مرات أن يبحث عن موظفين مسيحيين من أبرشيته كي يكونوا ممثلين لنا هناك ولم تنجح المساعي لحين تركي الديوان أيضا، وأعمالنا في قرةقوش ومن خلال دار الكهنة وكنيسة مار كوركيس وغيرها لازالت شاهدة لعمل الديوان وأيضا تأثيث كلية مار أفرام والمولدات الكهربائية الحديثة وغيرها تبقى شواهد لا يمكن أزالتها كما تم أزالة معظم أخبار الديوان عن الفترة التي رأست فيها الديوان من موقعه الأليكتروني على الرابط التالي:
http://cese.iq/akhbar/arch_akhbar/ar_akhbar_t.htm
وخصوصا للأعوام 2010 نزولا، هذا الموقع الذي كنا ننشر من خلاله كل شيء حتى أرقام الصرفيات على المشاريع أولا بأول تعزيزا للشفافية قد تم رفعها منه وأزالة ومحو تلك الصور المشرقة التي كنا نوثق بها عملنا للأسف تم رفعا تزويرا للتاريخ كي يأتي يوم ويتم أتهام الرئاسة السابقة بالتقصير وعدم تنفيذ الموزانة ونحن في أحدى السنوات حصلنا على كتاب شكر بتوقيع وزير التخطيط لإنجازنا كامل الموازنة وزحفنا على الموازنة التكميلية وكنا أحدى ثلاث داوئر في الحكومة العراقية التي تنجز ذلك، وكل ذلك ولم يكن عدد موظفي الديوان على الملاك الدائم قد ارتقى للرقم (100) ونخدم هذه الرقعة الواسعة لتواجد مؤمنينا في مساحة العراق، وفي كركوك أيضا لدينا أعمال لا يمكن ازالتها كما حدث في الموقع الأليكتروني كمندى كركوك وتأثيث شعبة ببيت مستقل للديوان هناك ومدنا الكنائس بحاجاتها من المولدات الكهربائية والتأثيث أو الاعمار.
أما بغداد وحدها فقد حولناها إلى ورشة كبيرة دخلت بها جميع الكنائس للتنافس نحو الاعمار وجددنا بصورة شاملة عدد منها وتبقى هي أيضا شواهد للعمل المخلص والشفاف وكذلك بنائنا لمدرسة ابتائية حديثة وأكمالنا لمركز الخدمات لطائفة أخرى (الأقباط) وهو متعدد الطبقات وأيضا التفاتنا للعمل في دار العجزة في كمب سارة للأرمن الأرثذوكس وشمل التحديث حتى الحدائق وبنائنا لدار ملحق بالمطرانية هناك وأيضا كنيسة ساحة الطيران التي شهدت أعمالا من صبغ وتجديد الأرضيات والساحات والثريات، ودارا للبطريكية في كمب سارة وتجديد كنيسة مريم العذراء لكنيسة المشرق القديمة، ومركزا للتعليم المسيحي لكنيسة سيدة النجاة ومار يوسف للكلدان في الكرادة وللسريان في المنصور.
ويستطيع زائر واحد يقوم بزيارة لكنيسة مار بهنام وتحديدا للقاعة الكبيرة أسفل بناء الكنيسة ليجد هناك مرور الديوان وعمله الرائع في كل شيء، وأيضا تجديدنا لدير للآباء المخلصين في الكرادة وأعمالنا في مطرانية الأرمن الكاثوليك، ولم يكن هذا فقط بل كنيسة زيونة للسريان الأرثذوكس ودار الرعية في الغدير أيضا شهدت عمل مكثف للديوان، وكنيسة المشرق الآشورية كان لها نصيب كبير أيضا من أعمالنا وكنا مهندسنا لمشاريعها هو أحد كهنتها الذي كان يحمل في الوقت نفسه شهادة في الهندسة المدنية،
والديوان رغم كل هذا استمر بإنماء قوة الحماية فيه بحيث أضطررنا لتأجير مقر منفصل لهم وأيضا تم تأجير بناية مستقلة لمديرية المسيحيين وأخرى لمفتشية الديوان، وكل هذا حدث في بضع سنوات وتكلمنا عما قمنا به باختصار شديد وكنا محاطين بجميع أمراض الشعب العراقي وعيننا يجب أن تكون مفتوحة كي لا يتم غشنا من هذا المقاول أو ذاك المهندس وكي يصل ما تخصصه الدولة بأمانة لهدفه وهذا من جهة أم من جهة أخرى فإن الأوضاع الأمنية كانت تعوق العمل بأحيان كثيرة وخصوصا في المناطق الساخنة كالبياع مثلا والذي أخر أعمال الاعمار لكنيسة حافظة الزروع فترة من الوقت، وأيضا كنا نطبع عددا من الكتب سنويا لمؤلفي شعبنا ونقدمها مجانا للمؤلف ولمن يتابع اعمالنا وكنا نصدر مجلة نصف سنوية (صدى النهرين) يبدو انها توقفت منذ تركي الديوان مطلع عام 2011، وأيضا كنا قد نصبنا أذاعة FM كاملة مع نصب برج البث وتهيئة كل المستلزمات في مقر الديوان في الكرادة وكنا فقط بحاجة لتردد رسمي ننطلق من خلاله كي نغطي بغداد بالبث الديني للأديان التي نمثلها لكن تلك الاذاعة لم ترى النور رغم مضي سنتين لتركي الديوان إلى اليوم.
وأي منصف يجب أن يرى الصرح الذي وصل إليه الديوان من لاشيء وخلال سنوات قصيرة ويقارن ما وصل إليه بحال الدولة العراقية ومن ثم يتكلم لأن الكثيرين ممن كانوا يزورون الديوان كانوا يتعجبون من التنظيم والنظافة والعمل الشفاف إلى درجة كانوا ينقلون ملاحظاتهم لكتلهم السياسية كي تحذو حذو الديوان وتحسن من حال الوزارات التي تمثلها بالحكومة، وأبسط كلام كانوا ينقلونه لنا بأنهم حال دخولهم الديوان وكأنهم دخلوا دائرة تعود لدولة أجنبية لأن النظام والترتيب لم تألفه دوائر الدولة وكان جميع المنتسبين يظهرون وجها بهيا للديوان أينما تواجدوا وكان المهندسون يعملون بجد وأخلاص وكل العاملين دون تمييز وكانت لجان الرقابة المالية متواجدة معنا على طول الخط وتقدم تقاريرها الدورية وكذلك كان دور مفتش عام الديوان ولجانه وموظفيه الذين كان لهم الحرية بالوصل إلى أي ملف أو موظف.
وبهذه المناسبة أقدم شكري لجميع من عمل معي خلال تلك الفترة وخصوصا لمن كان منذ التأسيس والفترة التي تلته ومنهم من أصبح اليوم متقاعدا أو تعرض للخطف والتهديد وأضطر لترك الديوان والذهاب بعيدا وأخص بالذكر منهم الأخ العزيز ميشائيل أول من تم أختطافه بسبب عمله بالديوان وكذلك شهداء الديوان من قوة الحماية الذين أعطوا حياتهم وهم يعملون في أداء واجبهم في ظروف صعبة أو من تعوَّق منهم وأيضا شهداء الديوان في كنيسة سيدة النجاة فلتكن الراحة الأبدية لهم وكلنا امل أن يكون رب المجد قد أشرق بنوره عليهم اليوم وهم ينعمون في السماوات.
وفي يوم خروجي متقاعدا من الديوان وجهت رسالة لجميع المنتسبين كي يتعاونوا ويعملوا بجد كما كانوا معي ولكي يستمر الديوان بعمله ويتقدم إلى أمام وهكذا هو أملي إلى اليوم لأنني انظر إلى الديوان كونه بيتي الثاني وثمرة من ثمرات عملي خلال عمري الذي شارف على انتهاء العقد السادس منه، وأنتظر أن يُفرحني الديوان بانجازاته اللاحقة ويكمل النشاطات التي ساهمنا بوضع حجر الاساس لها ومنها مقر بطريركية بابل الكلدانية وغيرها وكذلك المشاريع التي كان القسم الهندسي قد أكمل دراستها ووضع كل الوثائق اللازمة لأعلانها والبدء بتنفيذها. وأوجه التحية لكل من عمل معي طالبا من رب المجد لهم السلامة والصحة والنجاح في حياتهم وأعمالهم وأيضا أوجه التحية لكل رجالات الدين الذين آزروني في عملي ومدوني بملاحظاتهم القيمة ساعدتني كثيرا لدفع العمل بهمة أقوى إلى امام.
.

عبدالله النوفلي
2012

44
لجميع أخوتي المتابعين والمهتمين فإنني أقوم حاليا بأضافة المذاريش لجميع السنة الطقسية في ذات الموقع وسيكون دوما فيه كلما هو جديد تقبلوا محبتي

45
ذكريات من الماضي العراقي القريب (15)

المال الذي كان ولايزال بيد العراقيين أصبح مصدراً للكثير من المشاكل، وفي بعض أوقات الحصار الدولي على العراق في التسعينات من القرن الماضي أصبحت قيمة العملة العراقية دوليا صفرا ولا تتعامل معها بورصات أو محلات الصيرفة أو البنوك الرسمية في الخارج ولا تضع أمامها أية قيمة أزاء العملات الأخرى، بل أن أسم العملة العراقية تم رفعه تماما من قائمة العملات، فقد كان العمل عند التجار العراقيين وحسب العملة العراقية يتم بوزن العملة لمعرفة كميتها لأن العد كان مضيعة للوقت فقد كان التاجر يحتاج إلى (گواني ) كي ينقل العملة ويشتري بضاعته، وبسبب ضخ العملة المزورة للسوق العراقية فقد اختلط الأمر على الجميع لأن التزوير كان يتم حتى من العراقيين أنفسهم، لكون العملة ورقية وبمواصفات أمنية ضعيفة ولدخول الكومبيوتر الحديث وأجهزة التصوير والطباعة الملونة فقد سهلت كل هذه للكثيرين مسألة التزوير، وسمعت مرة من أحدهم بأن مزورا ما طلب منه ألف دينار صحيح ويعطيه مليونا من المزور مقابله!!!
ولقد تعامل مع ذلك حتى الموظفون في المصارف بسبب قلة المرتبات والنفوس الضعيفة بحيث كان يتم دس بعض الوريقات من المزورة في رزم المبالغ التي يتم تسليمها لمن يريد سحبها من المصارف، كما أزدهرت مسألة أعطاء أكرامية لأمين الصندوق بغية أن يعطي للساحب عملة صحيحة أو من الحجم الكبير ولا يعطي له الخردة!!! لقد كانت محفظات العراقيين منفوخة من المال لكنه بدون قيمة، حتى أصبحنا نضعه هكذا في الجيب دون محفظة لأن لا توجد محافظ تستطيع حفظ رزم بكاملها (الرزمة من مائة ورقة) فكنا نضع الرزمة في الجيب كي نخرج للتسوق أو لشراء حاجة ما.
ورغم المحاولات الكثيرة لتطويق هذه المسألة فقد فشلت جميعها رغم أن السلطات المصرفية عملت مع بدايات الألف الثالث بضخ عملة بمواصفات أمنية أفضل لكن المشكلة كانت كبيرة ولا يمكن التخلص منها بسهولة وإثر تغيير هذه العملة بعد الاحتلال ارتاح العراقيون قليلا لأن العملة الجديدة فيها من المواصفات الأمنية الجيدة الكثيرة بحيث يصعب تزويرها أو يكون المزور منها واضحا ولا يصعب التعرف عليه، لكن أين العملة العراقية وتزويرها من تزوير الدولار الأمريكي مثلا الذي هو الآخر شهد هذه الحوادث وكنا نسمع بأن هذه الطبعة أسرائيلية أو أيرانية أو ... وكانت الكوارث التي تحدث للعوائل عند تمرير ورقة المائة دولار المزورة إليها كبيرة لأن الدولار وصل سعره إلى حدود الثلاثة آلاف دينار عراقي!!! (كان الدولار يوميا يساوي ثلث الدينار العراقي الواحد)!!! بحيث لم يعد الدينار الواحد ينفع بشيء وحتى وصلت قيمته إلى (جكليتة) واحدة!!! وأيضا الفاخر من الجكليت طبعا كان يقال بأن ورقة الدينار لا تنفع إلى لف الجكليتة به أي حتى ورق تغليف الجكليتة كان أغلى من الدينار الواحد!!! هكذا خسر الكثير من العراقيين أموالهم وبات ما يملكونه لا يساوى شيئا لأن العملة كانت تتدهور داخليا سريعا والدولار الذي كان في مطلع التسعينات يساوي رسميا وحسبما يبيعه البنك المركزي بثلاثة دنانير سياحيا ارتفع رويدا رويدا حتى وصل بعد ثلاث سنوات إلى المائة دينار وعندها بدأ الصعود للدولار بقفزات مخيفة إذ لم يعد الصعود دينارا دينار واحدا بل بالمئات وكم من تاجر أصبحت تجارته بين ليلة وضحاها تساوي الملايين بسبب سعر صرف الدولار الذي كان يحقق قفزات غير متوازنة، لكن عام 1995 شهد تدهورا بسبب مخاوف التجار ولم يتم كشف الحقائق حينها حيث كان إلى ذلك الوقت التاجر يحسب ثمن بضاعته بالدينار العراقي، ولكن بعد الهزة المالية التي تعرض لها الدولار وهبوط قيمته بصورة فجائية من 3000 دينار للدولار وصل في باديء الأمر إلى 500 دينار الأمر الذي أضاع الكثير من الأموال والجهود خاصة وإن الكثيرين كانوا يخزنون الدولار لأن فيه عملة عراقية كثيرة.
لكن أيام معدودة جعلت الكثيرين يتراكضون لبيع ما لديهم من الدولارات لأنهم ضنوا وقتها بأن الدينار قد يستعيد قوته ويعود إلى سابق عهده، لكن كل ذلك كان مجرد فقاعة في الهواء إذ سرعان ما بدأ الدولار يرتفع ويستعيد ما فقده الأمر الذي دفع بالتجار إلى اعتماد الدولار أساسا لأسعار المواد وقبل أن يبدأ البيع في ذلك اليوم يستفهم عن سعر الدولار في البورصة (مقابل معرض بغداد او في سوق السيكاير في شارع الكفاح) فقد كانت مناطق معينة ومعروفة للتداول ومعرفة سعر الصرف قبل أن يلجأ البنك المركزي في السنوات الأخيرة لعملية المزاد اليومي بغية السيطرة على سعر الصرف والمحافظة على قيمة الدينار العراقي وجعله مستقرا يتراوح بين 1150 و1250 وهكذا استقرت أحدى مآسي الشعب العراقي بعد معاناة سنين كثيرة.
ورغم كل تلك المآسي وعندما كان العراقيون يجتمعون في مجالسهم المعتادة كان يبادر الجالس بتحية ضيفه بعبارة (الله بالخير)، هذه العبارة الجميلة التي تميز بها شعبنا عن باقي الشعوب العربية ونحن صغارا لم نكن نعرف المعنى الكامل لها إلا بعد أن كبرنا وعرفنا أنها في الصباح تعني (صبحكم الله بالخير) وفي المساء تعني (مساكم الله بالخير)، وكان بموجب ذلك محور حديث العراقين وفاتحته يبدأ بالسلام هذه الكلمة التي افتقدها أهلنا كثيرا في عقود كثيرة من الزمن رغم أن الظاهر كان أن الجميع يتكلم عن السلام والمفروض أن يكون العمل أيضا نحو تحقيقه لأن الكلمة تعني عدم الاقتتال وهي أيضا تأتي معاكسة عن كلمة ومعنى الحرب واليوم أصبح السلام هو شغل العراقيين الشاغل ولكنه على الأقل ليست مشكلة لدى الناس المؤمنين الصابرين الذين إن سألتهم عن حالهم يقولون مباشرة (زينين)، ونشكر الله أو الحمد لله فهؤلاء قد عاهدوا الله كونهم يقولون الحق ولا تأخذهم في قوله لومة لائم أو هجمة حاقد أو سهام الأشرار والمتربصين بغية وأد الابتسامة عن وجوه العراقيين .
لكن ما نحن عليه اليوم وقبل عقد من الزمان ربما أثر في نفوس كثيرين وبدّل من طباعهم وتغير ديدن حياتهم فقد أصاب القلوب والضمائر ضررا كبيرا والناس قد تبدلت وأصبح الإنسان الصادق والمؤمن يحسّ وكأنه غريب في زقاقه أو محلته وبين الناس المحيطين به وكأن المخلص والأمين يتم أعتباره غريبا أو من كوكب آخر لأن ببساطة يقال له (يمعود أنت بيا زمان)!!! لأن الباطل أصبح حقا والحق تحول إلى باطل وهذه طامة كبرى، فمن هول ما عاشه العراقيون انعدمت حتى مبادرات الرحمة ومساعدة المحتاج في الشارع أو في الطرقات والأماكن النائية، فكم من حالة من هذه توقف الإنسان كي يقدم العون لمن يسأل منه ليكتشف أنها عصابة تسلب منه سيارته أو ما يحمله من مقتنيات ثمينة، فتكرار هذه الحوادث جعلنا لا نتوقف لأحد في الطريق خوفا من أن يصيبنا أذى من مثل الحوادث التي كان معارفنا وأصدقائنا يروونها لنا.
وهذه الأفعال لم تكن من شيمة العراقي كونه كان يقدم العون والمساعدة لمن يصادفه في الطريق وكم من مرة تعرضتُ لنفاذ البنزين في سيارتي الخاصة لكونها قديمة ومقياس الوقود فيها عاطل ولا يوجد أدوات أحتياطية لكي أصلحه وكان يقف لي أناس طيبون كي يعطوني من الوقود ما يكفيني للوصول إلى محطة الوقود وملأ خزان سيارتي، وعند محاولتي تسديد ثمن ذلك الوقود لمن قدم لي المساعدة كان يرفض قبولها وهو يقول أريد الثواب عن ذلك فقط ولا شيء غير ذلك، كانت تصرفات أناس يؤمنون بربهم ويعملون من أجل الثواب ويشكرونه على إنعاماته معهم وهو القائل (لإن شكرتم لأزيدنكم) لكن بعد ما حل بأهلنا في العراق تغلبت هموم الدنيا على كل شيء وغابت الكثير من التصرفات الجميلة واختفت كما تضيع الموسيقى الهادئة مع ضجيج الموسيقى الصاخبة أو ضجيج الأسواقات الشعبية ومناداة الباعة للإعلان عما بحوزتهم من بضاعة.
وهكذا بالفعل كانت ساحة الباب الشرقي (ساحة التحرير) حيث أصبحت فيها الأرصفة والفراغات أسواقا لبضائع مختلفة منها الجديد ومنها المستعمل، وفي بعض الأحيان كان يُطلق عليها سوق الحرامية لأن ما كان يتم سرقته كان من الممكن أن تراه معروضا على تلك الأرصفة وفي أيام ما بعد السقوط أصبح هذا المكان مرتعا خصبا لبيع كل شيء من الأسلحة والأعتدة وأجهزة الكومبيوتر والمواد الاحتياطية والألبسة وكذلك الأقراص المدمجة التي تحتوي على أفلام كانت ممنوعة سابقا ومسرحيات كانت قد مُثلت في دول الجوار وأيضا كان هناك أقراصا مدمجة أباحية وصورا، أي كان لزائر ذلك السوق أن يجد ضالته من كل شيء كما أن النشالين كانوا متواجدين هناك وما يُطلق عليهم بالقفاصة وعندما كنت تدخل في تلك (المعمعة) الموجودة كان من المفترض أن تكون حريصا على ما في جيبك من مال ومستمسكات، كما ازدهرت حينها وفي نفس السوق أصدارات أجازات السوق وهويات الأحوال المدنية للنماذج الرسمية منها وبأختام الدوائر الرسمية ذاتها حيث كان من مارس السلب والنهب قد استولى على ضالته وما كان لطالبها سوى صرف بعض الآلاف من الدنانير والتي لم تكن تتجاوز الخمسة دولارات حينها كي تحصل على وثيقة رسمية، وربما أصبح هذا السوق فرعا لسوق (مريدي) المشهور الذي كان موقعه في مدينة الصدر (الثورة سابقا) وهذا الأخير كان في فروعه الخلفية متخصصون بأصدار كتب رسمية تؤيد ممارسة الخدمة أو أنهاء الخدمة العسكرية أو وثائق دراسية و ... لكن كانت الفوضى سيدة للموقف آنذاك في كل مدن العراق وليس بغداد لوحدها.
ونتيجة تلك الأوضاع وما تلاها لم نعد نشعر بنفس المودة التي كانت تجمع العراقيين كما أننا لم نعد نلمس ألفة في التعامل إذ سادت الخشونة محلها وأزدهرت سوق الشقاوات والذين يدّعون انتمائهم لهذه الحركة أو تلك وكل بيده العصا لمن عصا أمرهم، ويوما أردت أن أضع سيارتي في مكان عام قرب سوق بغداد الجديدة وكان هناك سيارات كثيرة متوقفة في ذلك المكان ففوجئت بشباب يمنعون وقوفي وعند استفساري عن السبب ضحكوا وقد بينوا لي أن المسألة مزاجية ولو لم ألبي أمرهم حينها لربما حصل ما لا يمكن أن يُحمد عقباه!!!
فأصبح الجار غريبا عن جاره ويخافه ويتحسب منه كثيرا وطبعا لم يكن الجميع كذلك لأن يوما وعندما اشتدت الهجمة على المسيحيين وكان جاري مسلما مؤمنا جاء إلى باب بيتي قائلا لي بالحرف الواحد إن هذا البيت هو بيت أخوك (وكان يقصد بيته) ومتى ما أحسست بأي خطر مهما كان قليلا ما عليك سوى أن تأتي وتدفع الباب وتدخل!!! إنه موقف من أبا أوس العزيز لا يمكن أن أنساه أبدا ما حييت. وتصرف جاري لم يكن الوحيد بين تصرفات أخوتنا العراقيين المسلمين الآخرين، فبعدما شهدته الساحة العراقية الكثير من أعمال التهجير والاضطهاد شملت المسيحيين خصوصا كان للشرفاء والعراقيين الأصلاء الدور الريادي في تضميد جراح أخوتهم، فبعد أن تم تهجير أكثر من 1300 عائلة مسيحية من الموصل وذلك في شهر تشرين الاول من عام 2008 وتم قتل ما لا يقل عن 15 شخصا منهم، حينها برزت دعوات من الكثير من الجهات لدعم موقف المسيحيين وتثبيتهم في أماكنهم وعدم اضطهادهم أو تهجيرهم فقد زار الوقف المسيحي والديانات الأخرى حينها وفدا كبيرا يمثل عشائر الأنبار داعما ومطالبا بأن يحضر المسيحيين للأنبار كي يوفروا هم للمستهدفين الحماية، وذهب الأمر بأحد الشيوخ حدا أبعد عندما قال إذا جاؤوا عندنا سنجعل من المحافظ في الأنبار أن يكون مسيحيا!!! وهذه الكلمات وإن كانت للتشجيع والدعم المعنوي لكنها كلمات تجعلنا نقتنع بأن ما حدث وسيحدث لاحقا ماهو إلا حدثا طارئا سرعان ما يزول.
وبعد حادثة كنيسة سيدة النجاة يوم 31 تشرين الأول من عام 2010 والذي كان مجزرة حقيقية بحق المسيحيين، جاءنا الأمل من محافظة النجف هذه المرة حيث دعا مجلس المحافظة فيها المسيحيين الخائفين والذين يفكرون بالملاذ الآمن لهم بالمجيء إلى النجف حيث عبر المجلس عن استعداده لتوفير العون والسكن والعمل والدراسة للطلبة بغية طمأنة المسيحيين بأن لهم أهل في تلك المحافظة يحرصون على حياتهم ومستقبلهم، وإذا ذكرنا الموقفين في الحادثتين لا نستطيع نسيان موقف حكومة كردستان أبدا لأنها في جميع الأوقات كانت تفتح أبواب منطقة الحكم الذاتي وتستقبل المسيحيين على أراضيها وتوفر لهم المعونات وتوفر الدعم الذي يمكنها تقديمه لهم وحسب أمكانياتها المتوفرة. ووجدنا بأن المسلمين يشاركون المسيحيين في مراسم العزاء وكأنهم قد فقدوا أعزاء لهم وكان للكلمة التي ألقاها سماحة السيد عمار الحكيم في يوم تشييع جثامين ضحايا سيدة النجاة الأثر البالغ في نفوس المسيحيين فقد بكا معهم وشاطرهم الحزن.
هذه هي المواقف الصحيحة والنبيلة للعراقيين نأمل أن تبقى وتتعزز وتستمر كي يعود العراق قوة واحدة مترابطة وقوية ويعمل من أجل البناء والتطور والازدهار.


... وللذكريات بقية   
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

46
ذكريات من الماضي العراقي القريب (14)
وفي خضم كل هذا الكم الهائل من المآسي التي لا يمكن حصرها بسهولة وتذكّر التفاصيل الدقيقة حولها، تمر علينا خلال شهر آب ذكرى تفجير مبنى وزارة الخارجية الذي شهده الأربعاء الدامي يوم 19 آب 2009 حيث راح ضحيته أكثر من خمسين شهيدا وما يقارب من الخمسمائة جريحا والعديد منهم بجروح خطرة.
لقد هز ذلك الانفجار الذي حدث قبل ظهر ذلك اليوم ورصدته كامرات المراقبة التي كانت محافظة بغداد قد نصبتها في بعض الأماكن المهمة من بغداد وتم بث شريط أوضح نوع السيارة وحمولتها التي كان قد تم التمويه عليها بخزانات الماء البلاستيكية التي انتشر استعمالها في بغداد في السنوات الأخيرة، وحسب قول السيد وزير الخارجية هوشيار زيباري فإن حمولة تلك الشاحنة كانت بحدود طنين من المواد المتفجرة التي جعلت مبنى الوزارة ذو الهيكل الكونكريتي الثقيل والتصميم الجميل يترنح وكأن هزة أرضية حدثت وكان ترنح الطبقات العليا بحدود 14 سنتيمترا حسب قول السيد مسؤول الاعمار في الوزارة.
لقد كان ذلك الانفجار فاجعة لعشرات العوائل وقد تم وضع أسماء الضحايا على جدار في الوزارة كي تبقى تلك الأسماء شاخصة في الذاكرة لأن كل منها بكل تأكيد كان ممتلئا بالأفكار والآمال، وبسهولة يمكن للسائل أن يسأل أي من منتسبي هذه الوزارة عن قصص تلك الأسماء وما كانت تخطط له لمستقبلها حيث كان من بينها من ستتزوج خلال أيام، وآخر كان يحلم بأن يصبح سفيرا أو قنصلا ويدرس وقتها في معهد الخدمة الخارجية بجد ونشاط، كذلك قنصلا مهما وخبيرا في شؤون الدولة التي يعمل فيها  و و و ... القصص كثيرة لكن الأحلام تم وأدها.
أي أن الانفجار الذي نفذه الأشرار كان يستهدف وأد العلامات المضيئة التي كان العراق قد بدأ بإيقادها وخصوصا كانت النية تتجه حينها لفتح أكثر من أربعين سفارة جديدة للعراق في اربعين بلدا من العالم، تلك الخطوة التي كانت تُدخل الأمل في قلوبنا بعودة العراق إلى أخذ مكانته الدولية الصحيحة.
ويومها لم يكن هذا الانفجار هو الوحيد الذي شهدته بغداد فقد كانت هنالك سلسلة منها بدءا من العاشرة صباحا وخلفت بمجملها 96 شهيدا ومئات الجرحى وأصابت مبانٍ حكومية عديدة وخلق الرعب في قلوب الناس خاصة وأنه كان وقتها يشير إلى الفراغ الذي تركه أنسحاب القوات الأمريكية يوم 26 حزيران من نفس العام وفق المخطط المتفق عليه مع الحكومة العراقية في تلك السنة، وكالعادة تلت تلك السلسلة التي شهدها الاربعاء الدامي موجة من توجيه الاتهامات لهذه الجهة أو تلك وتم الاشارة إلى دول بعينها بأصابع الاتهام كون المنفذين أو معداتهم مرت عبر تلك الدول، كما ان مواقع أليكترونية نشرت بيانات تتبنى جهات معينة تلك العمليات وتعدها غزوة من غزواتها وكأن في العراق شعب من الكفار يحل قتلهم أو غزوهم أو أراقة دمائهم!!! وكانت الضحية الرئيسية في ذلك اليوم هما مبنيا وزارتي المالية والخارجية أضافة لاستهداف منطقة الصالحية وشارع حيفا ومناطق أخرى متفرقة، وهكذا شاهدنا كما شاهد العالم كله كيف يتم الاعتداء على العراقيين بدم بارد ودون وازع من ضمير، فما ذنب الموظف والكاسب من كل هذا؟ ولماذا يتم حرمان هؤلاء الضحايا من فرصة الحياة والاستمرار بالعطاء من أجل بناء الذات الشخصية والبلد؟
هكذا كانت بغداد في صبيحة ذلك اليوم وهي تعاني من مشهد مأساوي وتودع قافلة من الضحايا الأبرياء رغم كل المعاناة المختلفة التي كنا نعيشها حينها فقد كان الحصول على وقود السيارة يتطلب منا الوقوف لساعات كثيرة في الطابور؛ فمحطة وقود ملعب الشعب كان طابورها يمتد مرورا بطريق محمد القاسم السريع ودخولا باتجاه زيونة وحتى جسر الربيعي حيث كان يستمر ويعبر الجسر باتجاه ساحة الواثق في أحيان كثيرة، ومحطة الباب الشرقي ساحة الطيران كان طابورها يصل إلى المنطقة المقابلة لمعلب الشعب ويدخل هناك فيما بين الأفرع الضيقة للمنطقة.
وعلى القاريء تصور كم من الوقت يقضيه السائق كي يحصل على الوقود اللازم لسيارته، واستنادا على هذه الحالة فقد ازدهرت السوق السوداء لمادة البنزين وكنا نرى باعته واقفين على الأرصفة وبيدهم ما يتعرف السواق عليه (محگان) كونهم يملكون البنزين ومستعدين لتعبئته في السيارة مقابل مبالغ وصلت لأكثر من 250% من السعر الرسمي له والذي وصل حينها إلى 450 دينار للتر الواحد رسميا. وكان السائق محضوضا إذا حصل على الوقود السليم الغير مغشوش، ومما زاد الطلب على هذه المادة عدم وجود كهرباء وطنية مما يُجبر البيوت إلى تشغيل مولدات منزلية بغية إنارة ضلمة الليل ومن أجل التواصل مع العالم عبر معرفة ما تبثه الفضائيات أو لتشغيل الحاسبات الشخصية وتصفح شبكات الانترنيت العالمية.
وهكذا وبلدنا منتج رئيس للبترول في العالم ولكن المواطن يعاني من شحة البنزين والمشتقات النفطية، الأمر الذي كان له الأثر بتخفيف زحام الشوارع لأن ببساطة لم يكن للسيارات وقود كافٍ كي تسير وفق ما يشتهي سائقها، ورغم كل ما مر بنا كان جواب العراقي ومازال عندما تسأله عن حاله يجيبك (زين) والحمد لله، وماشية، وكأن الأمور تسير بصورة طبيعية، فالعراقي لم يتعود التذمر ويقتنع بحاله ويشكر الله على إنعاماته كونه صبورا جدا، وكان يتبادل الطرائف مع أصدقائه كي ينسى همومه منطبقا علينا المثل القائل (شر البلية ما يضحك)، فقد عدنا عقودا من السنين إلى الوراء، وخصوصا باستخدام (المهفة) التي كان العراقيون يتندرون فيما بينهم أو من يبيعها بتسميتها (السبلت اليدوي)، تيمنا بالوسيلة الحضارية الموجودة وهي split unit فماذا تنفع هذه المهفة اليدوية أزاء جو تصل فيه الحرارة أكثر من (50)درجة مئوية تحت شمس صيفه اللاهب.
وقد قرءنا في القوانين الدولية بأن الإنسان غير مسموح له للعمل إذا وصلت الحرارة (50) مئوي فكيف إذا كانت الدرجة أعلى من ذلك وفي ظل ضروف عدم توفر الكهرباء، والغبار الخانق فمهما كان تبليط الشوارع مبنيا على الأسس العلمية والصحيحة كنا نجده يغلي عند الظهيرة ويتموج أزاء ثقل عجلات الشاحنات الكبيرة خصوصا، بحيث يصبح الشارع متموجا وغير صالحا لسير العجلات بعد فترة وجيزة من تجديد تبليطه، الأمر الذي كنا نعاني منه قرب السيطرات وخصوصا لسيطرات الطرق الخارجية، فلو لا تسير السيارة ببطيء شديد في تلك المنطقة لحدث ما لا يمكن حمد عقباه، لأن الحادث واقع لا محالة، ولو تأملنا طريق بغداد كركوك مثلا وكان هنالك تقريبا سيطرة كل 15 – 20 كلم عليه، وهنا علينا تصور كم من الوقت يحتاجه الإنسان ليقطع هذا الطريق الذي كنا نستغرق في قطعه قبل 2003 ساعتين وربع، في تلك الأيام أصبح هذا الطريق لا ينتهي بأربع ساعات إلا بشق الأنفس.
ومما زاد مشاكل الطرق الخارجية هو مرور أرتال قوات الإحتلال عليها وقطعها للطريق وقتما تشاء حتى لو كان من أجل أن تتحدث دورية مع أخرى مارة بعكس الاتجاه وكان على السيارت المدنية أن تقف مسافة بعيدة عن الرتل وتنتظر رحمة الله وأحيانا عندما تلحق بالسيارة رتلا سائرا بذات الاتجاه فينبغي على السيارات المدنية أن تخرج إلى كتف الطريق وتفسح المجال للرتل العسكري بالمرور!!!
ورغم كل ذلك كنا نعمل ونكتب ونذكر العالم بما يحصل وكان المهاجرين يسطرون القصص لمنظمات الأمم المتحدة عما حدث لهم وعن الأمور التي تهدد حياتهم، وكان بعض المسؤولين في تلك المنظمة ربما يصدقون القصص أو لا يصدقونها فيبقى العراقيون ينتظرون لسنوات عالقين في دول الجوار العراقي ولا أمل يلوح في الأفق وكم من أخوتنا قضى نحبه وهو في طريقه لدول المهجر؛ فمنهم من دُفن في سوريا وغيرهم في الأردن أو لبنان أو تركيا، ومن كان حظه سيئا التهمته أسماك البحر وهو راكب مركبا متهرئا يوفره له المهربون فينتهي به الأمر للتحطم من قوة الأمواج لتكون نهاية مأساوية للكثيرين الذين تفتقدهم عوائلهم إلى اليوم وضاع أي أثر لهم.
والعراق بتصديره النفط رغم عدم بلوغه الأرقام التي يجب أن يصدرها حسب ما يمتلكه من احتياط النفط العالمي، لكن حكومتنا هذه السنة 2012 رصدت نحو 11 ترليون من الدنانير العراقية متضمنة تخصيص تريليوني دينار لمشاريع وزارة الكهرباء، ونحو تريليون ونصف للبطاقة التموينية، وتريليون لوزارة الدفاع، إضافة إلى 830 مليار دينار لتعويضات الكويت. وأشار علي الدباغ المتحدث الرسمي باسم حكومة العراق إلى تخصيص 40 ألف درجة وظيفية، تضمنت 24 ألف درجة لوزارتي الدفاع والداخلية، فيما توزعت الدرجات الأخرى على وزارات وهيئات الدولة لتثبيت ذوي العقود الذين تم تعيينهم سابقا. في حين كان مجلس النواب العراقي قد صوت فى شهر شباط على موازنة عامة للعام الجاري 2012 بلغت مبالغها ما يعادل 100 مليار دولار.
ورغم كل ذلك يعيش نحو ربع سكان العراق تحت خط الفقر نتيجة الحروب والأزمات السياسية وسوء توزيع ثروات البلاد حيث أشارت أرقام بعثة الأمم المتحدة في العراق إلى معاناة 23% من العراقيين البالغ تعدادهم بحدود الثلاثين مليونا من آثار الفقر، وتحاول الحكومة وحسب التقارير الإخبارية تخفيض هذه النسبة إلى 16% حتى عام 2014، وهذه النسبة في ضوء أمكانيات العراق تعتبر مرتفعة كثيرا.
فمحافظات العراق عدا كردستان بأجمعها تحصل بحدود 5% من الموازنة السنوية والباقي يتم توزيعه حسب معايير الحكومة المركزية، وفي ضل غياب الاستثمار الصحيح للأموال العراقية وعدم وجود عدالة في توزيع الموارد حسب النسب السكانية للمحافظات سيبقى العراقيون يعانون بسبب سوء الادارة وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ووجود فساد مالي كبير جعلت من العراق في ذيل القائمة الدولية من حيث الشفافية والنزاهة، ومن جراء ذلك أصبح العراق عبارة عن طبقتين؛ ثرية والتي تعتاش على أموال الدولة من ذوي النفوذ والسلطة وأصحاب القرار، وطبقة معدمة أو فقيرة تعيش على هامش الحياة في بلد يعتبر من أغلى بلدان العالم من حيث موارده النفطية وما تضمه أرضه من كنوز لم يتم استخراجها إلى اليوم.
وبالرغم من كل هذا نجد أن مزادا يجري بصورة منتظمة في البنك المركزي العراقي لبيع الدولار الامريكي وسوق هذه العملة رائجة بكثرة في عموم العراق وقيمة الدولار مرتفعة تصل في صيف 2012 إلى 1250 دينار للدولار الواحد، ولكثرة الطلب على هذه العملة نجد أن البنك المركزي قد حدد مبلغا قدره عشرة ملايين دولار يوميا لكل مصرف له رأس مال قدره 250 مليار دينار عراقي، وهذه العملة مخصصة لمن يرغب بالتحويل الخارجي للتجارة أو للأموال الخاصة.
والبنك يحاول جاهدا مكافحة عملية غسيل الأموال إذ أنه قد أعد استمارة خاصة يدون فيها الراغب بالتحويل مصدر عملته وسبب التحويل و معلومات أخرى، والبنك في طريقه لصرف نحو 200 مليون دولار يوميا ورغم ذلك يحاول منع أية محاولة لتهريب العملة خارج البلاد حيث حدد البنك المركزي مبلغ عشرة آلاف دولار يُسمح للشخص الواحد أخارجها معه عند سفره، والبنك الذي نجح بعد عملية التغيير من أخفاض قيمة الدولار وأيصالها لحدود 1150 دينار نجده اليوم عاجزا رغم كل الاجراءات لأن قيمة هذه العملة في السوق ترتفع إلى الرقم الذي ذكرناه آنفا.
وقد يكون لما تعانيه دول الجوار العراقي من حصار دولي السبب في ذلك كونهم ربما يلجئون للسوق العراقية لتوفير العملة الصعبة بشتى الطرق حتى إن كان ذلك يتطلب ضخ عملة مزورة ليكون المواطن العراقي هو الضحية الذي كان يوما ينظر بورقة العملة باتجاه الشمس كي يحدد صحتها من زيفها أو لجأ يوما إلى أجهزة تم توفيرها في الأسواق كي يتأكد من النخلة والفسفورة والخط، التي كانت كل هذه يوما علامات مخفية تحمي تزوير العملة، لكن العراقي دائما كان الضحية لأن الكثير من التعاملات تتم بسرعة ولا يتمكن الانسان حمل ذلك الجهاز معه أينما ذهب فكانت العملة المزيفة تنتشر ومن كان يزور المصارف لإيداع ما بحوزته كان يتفاجأ بوجود الكثير من تلك العملة بين رزمات ما يحمله من مال، والأكثر غرابة كان في بعض الأحيان يقول البعض أنه مصدر ما بيده من مال هو المصارف ذاتها، وأيضا هذه المصارف كان فيها الكثير من القصص التي ربما سأنتي لذكرها في القادم من كتاباتنا في الحلقات القادمة.

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com


47
أخي مؤيد
تقبل محبتي، وبكل تأكيد أيام الدورة - ميكانيك لن تنسى من ذاكرتي كوني أصبحت شماسا محترفا هناك وكان إلى جانبي شمامسة كبار أكن لهم كل أحترام وأنا مدين لهم أيضا بما أعرفه. تقبل خالص التحية

48
ذكريات من الماضي العراقي القريب (13)
تكلمنا في الحلقة الماضية نتفا عما حصلت عليه جامعة بغداد من تقدم ولو انه ليس بمستوى الطموح أن تحتل أعرق جامعة في العراق المرتبة 601 على مستوى العالم، ومن المخجل أيضا أن لا يكون هناك بين خريجيها من حصل على جائزة علمية معروفة كجائزة نوبل طوال سنين عمرها المديد، لأنني سبق وأن زرت جامعة كيوتو في اليابان وكانت تلك الجامعة تفتخر بخريجيها الذين حصلوا على جوائز نوبل عدة، وتضع صورهم وسيرهم الشخصية في أماكن بارزة، عكس ما يحدث في العراق حيث العلماء عندنا يُضطهدون ويخطفون او يتم ابتزازهم هذا إذا لا يتم تصفيتهم وعلى أضعف الإيمان كي يضطروا الهجرة بعيدا. وغالبا ما ترحب الدول القابلة للهجرة بهؤلاء كونهم يأتون إليها جاهزين ولا تصرف تلك الدول شيئا عليهم.
لكن الغريب بأن سنة 2012 قد خلت من العلماء العراقيين الذين لجأوا لتلك الدول فما هو السبب؟ هل لم يعد هناك علماء كي يهاجروا؟ أم تحسنت الظروف واقتنع علمائنا بواقعهم وقرروا البقاء كي يستفاد وطنهم من خبرتهم، أم أن منعا مبطنا قد تم وضعه لسفر هؤلاء؟ الأمر الأخير أستبعده لأن لا قيود موضوعة على سفر أي أحد في العراق اليوم إلا لو كان مطلوبا للقضاء والقضاء يقرر عدم سفره لحين حسم قضيته، على عكس ما كان في السابق، حيث كان يُكتب في جواز سفر الموظف أنه موظف حكومي، لذلك فعندما يرغب ذلك الموظف السفر كان يستوجب عليه أبراز أمر موافقة دائرته أو أمرا بالايفاد كي يتم السماح له في السفر، أما إذا كان من أفراد القوات المسلحة فقد كان الأمر مختلفا فعليه حصول موافقة مراجعه العسكرية، ومن كان برتبة عقيد فما فوق كان ممنوع من السفر كليا إلا بعد أحالته على التقاعد ومضي فترة طويلة على ذلك بغية التأكد أنه لم يعد يتذكر شيئا من أسرار خدمته العسكرية وتنظيماتها!!! هذا كان حال العراقي في تلك الأيام.
لكن بالأمس القريب احتفلت الصحافة العراقية لمضي أكثر من 140 سنة لتأسيسها والدستور العراقي فيه مادة واضحة تكفل حرية الصحافة والاعلام (المادة 36 ثانيا)، لكن التقارير تفيد بوضع القيود دائما أمام الصحفيين كي لا يتمكنوا من نقل الحقائق، والأخبار تنقل لنا باستمرار نتفا من هذه الأخبار.
ومؤخرا نقلت إلينا التقارير بأن استخبارات الحلة اعترضت سبيل مراسلة صحفية وتم اقتيادها لمبنى دائرتهم والتحقيق معها واحتجازها لساعات دون مبرر قانوني والصحفية التي تحمل اسم (التفات حسن) وهي مراسلة لوكالة أنباء بغداد الدولية!! ورغم أن تلك الوكالة يقع موقعها في بغداد لكن ذلك لم يشفع للمراسلة، وبقيت ثلاث ساعات محتجزة لحين التعرف على هويتها!!! تصوروا ثلاث ساعات استغرقت عملية التعرف على هوية الصحفية، وفي الدول المتقدمة لا يستغرق ذلك سوى ثوانٍ معدودات.
والسيد رئيس الوزراء كان صريحا في احتفالية نقابة الصحفيين لذكرى تأسيسها بأن للصحافة الحرية المطلقة ولا يقبل بسجن أو معاقبة صحفي بناءا على عمله الصحفي، لكن مع كل ذلك كان للعمل الصحفي في العراق شهداء اعتلى بهم العراق القمة في عدد الضحايا في هذه المهنة بين دول العالم والأمثلة كثيرة ورغم أن الأرقام المنشورة لم تصل للحقيقة بذلك  كون المأساة أكبر مما تم نشره، فقد أعدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان على موقعها في الشبكة الدولية للمعلومات وعبر الرابط التالي:
http://anhri.net/iraq/makal/2006/pr0501.shtml
بأن عدد الذين تم قتلهم على أيدي مسلحين مجهولين او ميليشيات في العراق من الصحفيين كان 69 صحفيا و21 صحفيا لقوا حتفهم اثناء تواجدهم في اماكن حدثت فيها انفجارات نفذها مجهولون
و17صحفيا قتلوا بنيران القوات الأمريكية  وصحفيان قتلا بنيران القوات العراقية وخلصت هذه الشبكة القول بأن الصحفي العراقي مستهدف من كل الأطراف المتنازعة دون استثناء ونشرت تلك الوكالة أسماء وأماكن حدوث هذه الحوادث يمكن التعرف عليها من خلال الرابط أعلاه، لكن نقيب الصحفيين العراقيين الاستاذ مؤيد اللامي في حديثه لموقع http://arabic.rt.com/prg/telecast/49768/ قال أن أكثر من 250 صحفيا عراقيا تم قتلهم لحد الآن ولازال رغم ذلك البرلمان يماطل بسن قانون حماية الصحفيين وهو بذلك يتحمل مسؤولية أراقة دماء الصحفيين. فواقع واحد لما يسمونه بالسلطة الرابعة هو أيضا واقع مزرٍ كذلك شأنه شأن قطاعات كثيرة في العراق الجريح والمستمر جرحه بالنزف إلى ما لا يمكن تحديد أمده بعد.
والأمثلة على هذا الجرح ونزفه كثيرة فالشاب حيدر بعمر 17 عاما فقد ذراعه وهو جالس بشقته نتيجة مناوشات عسكرية قريبه من شقته أضافة لفقدانه الرؤيا بعينه اليمنى وصرف الكثير من المبالغ دون جدوى تذكر، ومعاذ عمره 26 عاما يتحدث بأن روحه وعقله وتفكيره قد ماتا ويذكر بأنه كان سيتزوج لكنه أصبح عاجزا وبعدت المسافة بينه وبين عذراء الفتاة التي كان سيتزوج بها لأنه أصبح عاجزا عن المشي وبذلك ليس أهلا للزواج. ورزاق ذو ال 54 عاما فقد ساقه بانفجار وبقيت ذكرى ذلك الحادث حاضرة أمامه وكأنها تحدث الآن كما يقول لأنه يتذكر وجود الكثير من الجرحى في الحادث الذي فقد فيه رجله، وفلاح ذو ال31 عاما ذهب ضحية للمجرمين وهو يهم بفتح محله وكانت ساقه أيضا عرضة لعدد من الاصابات، وسيف 18 عاما كان هدفا للأمريكان وهو في طريقه للمستشفى كي يتعالج من الحمى لكنه اليوم يكره أخوته الذين لديهم رجلين وهو بواحدة، وهذه ليست سوى أمثلة قليلة من آلاف مثلها بل أكثر قسوة منها جعلت من الجرح دائم النزف، وحتى أصبح للعراق منتخبات للمعوقين كثيرة ومنها ما يحصل على بطولات عالمية؛ فمن أين أصبح لدينا هذا الجيش من المعوقين؟ أليست كلها نتاج هذه الأحداث المؤلمة ونتائج عن الحروب الكثيرة التي خاضها العراق بناءا على رغبة قادته!!!؟
جميع هذه الحالات أصبحت عالة اولا على نفسها وثانيا على غيرها هذا عدا مَن فقد حياته وترك عائلة يتيمة وأطفلا بلا أب يرعاهم وهم يشعرون بفقدان حنان أبيهم لهم، هذا الحنان الذي لا يمكن تعويضه أبدا الأمر الذي سيترك آثارا خطيرة على بناء شخصيتهم في المستقبل، والعراق رغم كل هذا يعوم على بحيرة من النفط، ومعظمنا يتذكر كيف كان لتر البنزين يُباع ب (20) فلسا ويومها كنأ نملأ خزان البنزين في سياراتنا بأقل من دينار واحد.
وأتذكر أيضا كيف كان الين الياباني قيمته أقل من فلس واحد واليوم نقرأ في النشرة الاقتصادية العراقية قيمته أكثر من 13 دينار عراقي!!! (الدينار يساوي 1000فلس)، ويوما وهذا كان في بداية الثمانينات من القرن الماضي أرسل لي أخي الذي كان يدرس في المملكة المتحدة مبالغ مالية كي يساعدني بها وكانت بعملة كويتية، فقمت بأبدالها دينارا كويتيا بدينار عراقي لكن نشرات الاخبار بالأمس ذكرت بأن الدينار الكويتي يعادل أكثر من 4000 دينار عراقي!!! وإن عرجنا إلى الدولار الأمريكي الذي كان الدينار قبل عقود يعادل أكثر من ثلاثة دولارات أمريكية، نجده اليوم الدولار الأمريكي يعادل 1250 دينار عراقي، فإلى متى يبقى الاقتصاد العراقي وعملته بهذا المستوى؟ وأين جهابذة الاقتصاد في العراق ولماذا يُستنزف العراقي عندما يسافر خارجا وهو يرى بأن ما يحمله من مبالغ لا تنفع شيئا ولا يمكنه المطاولة في السياحة كثيرا لأن سرعان ما تنفذ المبالغ التي يحملها خصوصا وان بطاقات الائتمان الآلية التي يحملها أفراد شعوب الكثير من الدول ليتمكنوا من سحب المبالغ الموجودة في  أرصدتهم وهم بعيدين عن بلدانهم الأمر الذي لم يطبق بهذه الآلية بعد في العراق!!!
لقد كان العراق أرخص دول المنطقة وربما العالم وكان السوق العراقي يشهد بيع الخضروات بأسعار زهيدة جدا وكان ربما أرخصها ما نسميه وحش الطاوة (الباذنجان) الذي كان يباع الكيلو الواحد بخمسة فلوس وسمي بهذا الاسم لكونه يغزو وجبات الطعام العراقية بسبب رخص ثمنه وخصوصا في أيام الصيف المرتفع بدرجات الحرارة وكان حينها يعتبر قوت الفقراء لأن ربما لو ذهبت للسوق قبل الغلق لكنت تشتريه بأرخص من ذلك بكثير، لكن واقع اليوم يشير للأسعار بآلاف الدنانير وكأن الباذنجان يتم استيراده بالعملة الصعبة وهكذا غيره من الخضروات والفواكه رغم وجود الكثير من المستورد لدى الباعة لكن يبقى المنتج العراقي له طعمه الخاص التي يفتقدها غالبية العراقيين العائشين بدول المهجر وهم يذهبون بعيدا كثيرا عندما يقولون بأن مذاق اللحم العراقي لا يمكن إيجاده في أي بلد آخر!!!
لقد كنا في السابق وخصوصا أيام الحصار الدولي على العراق وما قبله نتحسر على كل شيء وكان كل شيء يتم الحصول عليه بعد وقوف طويل في الطابور وإذا كانت فرصتنا جيدة ووصل لنا الدور فحتى بيض المائدة كنا نحصل عليه بشق الأنفس ناهيك عن الأمور الضرورية الأخرى لقد علمتنا ظروف العراق كي نعمل كل شيء في البيت حتى معجون الطماطة وخصوصا في موسم انتاجها المزدهر صيفا وهبوط أسعارها أضطرتنا الظروف كي نزور علاوي البيع بالجملة ونختار مجموعة من صناديقها بأسعار الجملة ونعود ونحن فرحين لبيوتنا وكأننا حصلنا على غنيمة قيّمة لأننا سوف نعمل المعجون للسنة كلها خصوصا وكانت الشمس كفيلة بتكثيفه ومن كان له الخبرة في خزنه كان ذلك يعتبر من المونة للسنة كلها، وليس هذا فقط بل تم عمل كل شيء منزليا حتى الصابون والجكليت والجبن بأنواعه المختلفة أضافة لتربية الدجاج وحفر آبار المياه في حديقة المنزل وغيرها من التصرفات التي أضطر العراقي للقيام بها لأننا كنا نجهل ما سيحدث في الغد خاصة وأن بلدنا كان كثير الحروب ودائم الحذر لأن التهديدات كانت كثيرة.
ويوما وفي ظل انعدام البنزين في محطات الوقود أضطر أهلنا لاستخدام ما يتوفر منه في قناني الغاز حيث كانوا يفرغونها قبل تبديلها وأعادة ما كانوا يحصلون عليه لتعبئته في خزان السيارة كي يتمكنوا التنقل بها الأمر الذي سبب الكثير من الحوادث التي ذهب ضحيتها الكثير من أهلنا، كما ان ضروف العراق وما كان يحدث في الشمال جعل من الحكومة المركزية أيام ذاك بفرض حالة من الحصار الاقتصادي على تلك المنطقة وكأن أهلها ليسوا بعراقيين ولهم من الحقوق وعليهم من الواجبات ما تفرضه القوانين والمواطنة، وهذا الأمر خلق حالة مزدهرة من التهريب وخصوصا لمشتقات البترول والغاز التي كان يُمارس نشاطها ليلا بين المناطق الحدودية لكردستان خاصة وكان الدفع حينها بالدينار الذي كان يُسمى (السويسري) العملة الأصلية للعراق قبل أعادة طبعها محليا وكان يقال حينها أن العملة المطبوعة محليا لم تكن تمتلك غطاءا لها بالعملة الصعبة كما كان حال العملة الأصلية أي المسماة بالسويسرية، ولا أعلم إن كان أمرا مضحكا أم مبكيا حيث أشيع حينها أن مسؤولا كبيرا سأل المسؤول عن تشييد جسر الطابقين في بغداد كم كانت كلفة الانشاء حيث كان جوابه لذلك المسؤول: سيدي صرفنا طنين من الورق وطن من الأصباغ!!! وكان يقصد الورق والأحبار التي صرفت لطبع العملة المحلية !!! وهو طبعا لم يكن ربما يعلم بالمساويء الاقتصادية لضخ تلك العملة على الاقتصاد العراقي الذي جعل عملته في الحضيض وسبب ذلك رُفعت عملة العراق من سوق الأوراق المالية والعملات التي تتعامل بها البنوك المهمة وأصبح العراقي معزولا لا حول له ولا قوة لأنه لا يستطيع الخروج من العراق لأن جيبه نظيف وفارغ وعندما يقرر الهرب عليه أن يتحسب لأنه سيكون لاجئا يعيش على ما تدر عليه المنظمات الانسانية، زد على ذلك الرسوم التي كانت الدولة تفرضها على العراقي عندما كان يرغب بالحصول على تأشيرة سفر وكانت حينها 400 ألف دينار عراقي ولم يكن أمر توفيرها سهلا للجميع وأيضا كان موظف الجواز ينظر لمن يريد الحصول على تأشيرة السفر نظرة من الصعب وصفها وكأنه عميل أو يريد الهرب أو أي شيء آخر فكانت المعاملة مزرية رغم دفع الكثير من الرشاوي في سبيل انجازها بسرعة.

وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة
... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

49
أشكر أخوتي الأعزاء
الشماس بطرس آدم
الأخ سلام مروكي
الأستاذ نعمت يوشوع الشابي
أخي العزيز مسعود هرمز النوفلي
لمداخلته التي أغنت الموضوع
أشكركم أخوتي وأشكر جميع الأخوة الذين مازالوا مستمرين بالدخول والاستفادة من الألحان راجيا من روحانيات هذه الصلوات أن تعين كنيستنا في هذا الزمن الصعب وأن نكون جميعا معاونين لها كي تبقى مبنية على الصخرة وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، فنحن الكنيسة وجميعنا مسؤولون عن ديمومتها واستمراريتها ولا نضن أبدا أن الكنيسة محصورة بشخص إنسان ما مهما كانت درجته، لأننا جميعا الحجارة الحية التي نكون ونكمل بنائها، فلنعمل بهذا الطريق ونطلب بركة الرب القدير لجميعنا.
عبدالله النوفلي

50
وصلني عبر البريد من الأخ مسعود هرمز النوفلي هذا التوضيح لمساعدة المهتمين في متابعة الألحان ومرادفاتها أنشره أدناه:


الحان الطقس في كتاب الحوذرا

ܩܠ̈ܐ ܕܫܘܚܠܦ̈ܐ

هذه الحان الطقس الكنسي لمجموعة الشوحلابات الموجودة في كتاب الحوذرا من صفحة 2 الى صفحة 209 ، يُنصح القُراء الذين يشكون ضُعفاً في اللغة السريانية ( السورث) ان يقوموا بدراسة المجموعة في الكتاب من البداية حتى النهاية ومُطابقة الألحان مع اشرطة الكاسيت المتوفرة للآباء الكرام. انها مصدراً للفائدة والمُتعة معاً، ولا ننسى ان هناك الحان طقسية اخرى عدا ما هو مذكور ادناه
الأعداد والطبع: ܡܣܥܘܕ ܗܘܪܡܙܕ


51
الشكر الجزيل ومن القلب لأخوتي:
رعد دكالي
الشماس أفرام أسكندر الهوزي
قشو ابراهيم نيرو
برديصان

إن ردودكم تذكرني بالأيام الجميلة التي كنا نقضيها معا لخدمة مذبح الرب، نتمنى ان يكون كل منا شمعة يساهم بأضاءة المذبح حيث يكون وأن يأخذ هذا الطقس الرواج الذي يليق به وكل منا مسؤول عن ذلك وإن لم يكن بفضائية كقول العزيز برديصان فالانترنيت مكان خصب ومؤثر حيث ينتشر باللحظة في كل أرجاء المعمورة، ولمعلومات أخوتي فإن قناتي على اليوتيوب الموجودة على الرابط أدناه
http://www.youtube.com/channel/UCRMU1Rj_nv-y58fave1DFuw?feature=mhee
ثالث عدد من المشاهدين لها هم من السعودية، لكم مني كل الحب
أخوكم الشماس عبدالله النوفلي

52
من أعماق القلب أشكر أخوتي الذين سبقوا هذا الرد:
أمل أزريا
الشماس موفق هرمز يوحنا
ليون برخو
ألياس متي منصور
يوحنا بيداويد
مسعود هرمز النوفلي
الشماس الدكتور وليد القس اسطيفان
أشكركم أخوتي الأحبة على كلامكم المشجع، وأتمنى أن يبقى طقس كنيستنا ويزدهر وأن تظهر مبادرات أخرى لأحيائه خاصة ونحن في زمن التكنولوجيا الحديثة التي يجب أن يكون لطقس كنيستنا حصة منه، وأطلب من رب المجد أن يحفظكم بأمن وأمان وسلام وأن يشملنا برحمته الواسعة. كما وأشكر موقع عينكاوا وأدارته المخلصة التي ساهمت بظهور واسع لهذا العمل من خلال الأخ أمير المالح والأخ الشماس سامي القس شمعون الذي كان المبادر الأول لوضع هذا العمل في صدارة الموقع كي يطلع عليه كل المهتمين، وللمعلومات فإن العمل ما زال قفي بداياته وسيكون هناك جديد كثير يوميا. كما ولدي قناة على اليوتيوب بأسم (Shamas Abdullah) وهناك أيضا مستمر بضخ المزيد من النتاجات في هذا الاتجاه.
أخوكم الشماس عبدالله النوفلي

53
عبد الله النوفلي يوثق الالحان الطقسية للكنيسة الكلدانية بالطريقة التعليمية



تتميز كنيسة المشرق بكافة أشكالها الكلدانية .. السريانية .. الآشورية بطقس فريد يحج إليه المستشرقون كي يزدادوا روحانية مما فيه من ألحان شجية حفظتها لنا الكنيسة طوال عمرها منذ مجيء الإله الرب؛ المسيح له المجد إلى أرضنا وتأنسه مثلنا بعد أن أخذ جسدا من البتول مريم.
وقد برز عبر تاريخ الكنيسة آباء عظام ومعلمين خلدهم التاريخ الكنسي بدورهم الكبير في ترتيب ووضع هذا الكم الهائل من الأشعار والكتابات وجعله طقسا كنسيا يملئون به ساعات النهار وأناء الليل بعد أن جعلوا سفر مزامير داود حلقة مركزية معها ليخرج لنا مميزا ورائعا خصوصا للرهبان والكهنة والشمامسة والمستمعين من المؤمنين، وحينها كانت لغة هذه الألحان مفهومة للجميع وكانوا يمضون الوقت الطويل دون تعب أو ملل، وكم من الغربيين بحثوا ووضعوا الأطاريح حول روحانيات آبائنا الأوائل ومنهم يوحنا الدلياثي وغيرهم ونجد إلى اليوم منهم موجودين بقرب كنيسة المشرق كي يستمروا بالاستماع والبحث.
وأعمدة هذه الأشعار التي لُحنت كي تكون سهلة للحفظ وللترتيل كان معلم الكنيسة مار أفرام السرياني ومار نرساي ويعقوب السروجي وغيرهم كما أن بعض هذا الألحان وضعها آبائنا الأوائل وهم في طريقهم للذبح دون خوف حفاظا على مسيحيتهم ومنهم البطريرك الشهيد مار شمعون بر صباعي الذي لديه الترتيلة المشهورة (ܐܦܢ ܫܠܚܝܬܘܢ) حيث كان يشجع رفاقه في الايمان الماضون للذبح، بأن ملابسهم الخارجية وحياتهم الأرضية لا تعني شيء أمام المجد الأبدي الذي ينتظرهم بعد ظفرهم بأكليل الشهادة.
وتخليدا لهذا الإرث الخالد وأكمالا لما سبقني فيه من المرتلين العظام أمثال المطران أفرام بدي وبابكا ويوحنا جولاغ وغيرهم كثير فقد قمت بتسجيل الألحان الطقسية ومازلت مستمرا في محاولة لتسجيل كافة الطقس الموجود في كتبنا الكنسية تباعا، واليوم أقوم بتحويله ليكون تعليميا لا يحتاج فيه المتعلم للكتب التي أصبحت نادرة وصعُب الحصول عليها خصوصا بعد تشتت أخوتنا المشرقيين في بقاع الأرض، آملا أن أكون قريبا من الطريقة الصحيحة في الأداء وأن يكون عملي مفيدا للمهتمين، وفي الوقت ذاته أرجو أن تكون هذه الألحان ذات فائدة روحية في الحياة الأبدية لمن كان يوما سببا في تعلمي أياها بدأ من جدي وأبي رحمهما الله والشمامسة الذين عملت برفقتهم طوال السنين التي مضت من عمري.
ولتكن بركة الله القدير مع جميع المهتمين والمتتبعين وليتمجد اسم الرب يسوع في كل زمان ومكان.

للمشاهدة والاستماع للالحان الطقسية للكنيسة الكلدانية انقر هنا :






سيرة حياة الشماس عبدالله النوفلي

الاستاذ عبد الله النوفلي  من مواليد عام 1953، شماس في الكنيسة الكلدانية، رسم شماسا رسائليا عام 1989
مهندس خريج  من الجامعة التكنولوجية عام 1976 قسم الميكانيك
عمل مهندسا في وزارة الري لغاية 1994
عمل في كلية بابل للفلسفة واللاهوت
وكان مسؤولا لشؤون الطلبة فيها منذ عام 1999 وحتى انتقال الكلية إلى مدينة عينكاوا عام 2006
شغل منصب رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى منذ تأسيسه عام 2003 ولغاية طلبه الاحالة على التقاعد مطلع عام 2011
عمل في دائرة اللغة السريانية في المجمع العلمي العراقي بعد عام 2003
لديه العديد من الكتب منها المطبوعة ومنها ما تحت الطبع
وله المئات من المقالات في الصحف والمواقع الالكترونية.
حاليا مدير تحرير مجلة نوهرا دمذنحا الصادرة من أبرشية أستراليا ونيوزيلندا الكلدانية
وكاتب في الجريدة العراقية الصادرة في سيدني.


54
ذكريات من الماضي العراقي القريب (12)

نعم لا نريد للعراق أن يعيش على كف عفريت ولا للعراقيين العيش بقلق لأنهم لا يعلمون متى يأتيهم الخبر المفجع فمن قضى نحبه منهم كثير جدا والذين ينتظرون منهم هم البقية أي جميع الشعب العراقي وهذه مأساة ما بعدها مأساة وتراجيديا مؤلمة وفاجعة لم تحدث حتى لبلد المليون شهيد كما كنا نسميه (الجزائر) ابان ثورة ذلك البلد ضد المستعمر الفرنسي.
لكن أرقام العراق خلال العقود الماضية فاقت كل أرقام دول الجوار بل دول المنطقة ككل، فقد استبشر العراقيون بقدوم الديمقراطية وممارستهم لها وكانت فاتحة ذلك انتخابات محدودة لانتخاب الجمعية الوطنية الأولى المكونة من 100 عضو ولم تكن انتخابات بمعنى الكلمة بل ممثلين لكيانات ومثقفين وجمعيات والتي انبثق منها برلمان مصغر كان له أهداف محددة وهي كتابة الدستور والتصويت عليه والتمهيد لانتخابات الدورة الأولى للبرلمان وهذه التي قاطعها بعض من مكونات الشعب العراقي وجرت في 30 كانون الثاني 2005 وفعلا أكملت هذه الدورة مسودة الدستور العراقي وعرضته للاستفتاء الشعبي بتاريخ 15 حزيران 2005 الذي مهد بعد قبوله من الشعب لانتخابات عامة والتي جرت في 15 كانون الأول 2005 وخرج منها برلمان ب 275 مقعد.
وشاب هذه العملية الكثير من ألأقاويل كونها جرت وفق القائمة المغلقة ولم يكن للناخب سوى اختيار قائمة معينة من مجموعة اسماء موجودة له في ورقة الانتخاب، فكيف لبرلمان يتم انتخابه بهذه الطريقة أن يمثل الشعب خاصة وأن الناخب لا يعلم من الذي ينتخب سوى اسم القائمة التي ينتمي لها أو التي يؤمن بأنها ستخدم مصالحه أو تمثل جهة معينة يحترمها أكثر من غيرها أو ... والكثير من الأسباب التي تكون سببا باختيار النائب لمن يمثله، فمرة كنت حاضرا في أحد المراكز الانتخابية التي جرت في الثمانينات من القرن الماضي وكانت امرأة لا تجيد القراءة أو الكتابة تريد الادلاء بصوتها واختيار من يمثلها فسمعتها حينها تقول لمن يساعدها بالاختيار أن يكتب أولا المرشحين الذين ينتمون للعشيرة التي تنتمي إليها وهنا اتحفظ على ذكر الاسم وبعدهم طلبت منه أن يكتب الأسماء التي يرغب هو بكتابتها!!!
فأي ديمقراطية هذه وكيف يكون حال مجلس النواب الذي تم اختياره على هذا الأسلوب، وفي حالنا الحالي سمعت أحدهم وهو يروي قصة لأحد كبار السن وهو يقوم بألقاء قصيدة وهو يبكي بأن الجهة الفلانية (قشمرتهم) وانتخبوا على شرفها نوابا لا أخلاق لهم، طبعا لم أسرد هنا البيت الشعري كما رواه ذلك العجوز، وهذا دليل مباشر عن التأثير العشائري والمذهبي والأثني وحتى الديني بالناخبين لذلك نجد في برلمان اليوم أمراض كثيرة يعجز السياسيون لايجاد الحلول لها لأنه ابتدأ أولا بحالة مرضية فكيف له أن يكون مشافى وبصحة جديدة؟!!!
فحالة الديمقراطية في العراق لا يمكن أن تكون بحال أحسن من حالة المجتمع عموما، فأفراد المجتمع العراقي عموما مصابون بأمراض نفسية وعصبية وتوترات مختلفة لا يمكن لأي باحث أو مختص أحصائها هي أو الآثار المترتبة عنها، فكيف يكون مسيحيي الموصل مثلا يوم الثالث من حزيران عام 2007 عند سماعهم مقتل الأب الشهيد رغيد كني وثلاثة من شمامسة كنيسته (كنيسة الروح القدس) في الموصل، وكان الأب الشهيد مع الشمامسة؛ بسمان يوسف داود و وحيد حنا أيشوع و غسان عصام بيداود وبعد أن أنهوا للتو صلوات ذلك الأحد وأثناء خروجهم من الكنيسة ممنين النفس أنهم سيستمرون بتقديم الخدمات الإيمانية للمؤمنين خاصة والأب الشهيد كان قد انهى قبل فترة قليلة دراساته الدينية وقفل عائدا لبلدته العزيزة الموصل ولم يكن الأربعة عارفين بأن نهاية حزينة تنتظرهم بعد أكمال الصلوات وعلى بعد مئات الأمتار عن الكنيسة ولم يجرؤ أحد بنجدتهم لأن الأشرار حينها أحاطوهم بالعبوات الناسفة آملين ألحاق أكبر الأذى بالمسعفين والذين يهرعون لتقديم النجدة للضحايا.
كان هذا الحادث حلقة من الحلقات التي استمرت بعد ذلك، لكن لابد لنا من ذكر شهيد آخر كان فاتحة شهداء الإيمان في الموصل ألا وهو الأب الشهيد بولص اسكندر الذي خطف يوم 9 تشرين الأول من عام 2006 ووجد مذبوحا يوم 11 من الشهر نفسه ليكون عميد شهداء الموصل والذي لحقته بعد ذلك كوكبة أخرى منهم من خطف وتم الافراج عنه ومنهم من قضى نحبه أيضا وكان المطران الشهيد بولس فرج رحو وباقة من أبناء الكنيسة النجباء حيث تم اختطافه بتاريخ 29 شباط 2008 وهو للتو قد انهى مراسيم درب الصليب في الكنيسة التي كان يقدم الخدمة فيها ووجد جثة هامدة يوم 13 آذار من العام نفسه، وكل هذه الحالات لم تجد أذنا صاغية من المسؤولين الأمنيين للبحث والتقصي عن المسببين وتقديمهم للعدالة كي تهدأ النفوس وترتاح لأن هذا المسلسل استمر وبأشكال عدة حتى تم أجبار الآلاف لترك الموصل طلبا للنجاة بعد تهديدات علنية للجميع وبمكبرات صوت كانت تجوب الشوارع، وكأن الموصل أيامها كانت كلها بأيدي الأشرار والضحايا يستنجدون ولا من مجيب.
لذلك قلنا أن العراقيين جميعا لم يسلموا من مختلف الأمراض وخصوصا النفسية منها فكل من يستمع ويعيش هذه الأخبار لا يمكنه إلا أن يقلق ويحتسب للطواريء لأن قادم الأيام كان مجهولا فالشعب كله أصبح ضحية وكشاة يساق للذبح ولا يعرف ساعة نحره أو ساعة خطفه أو تعرضه للأذى فالنار كانت مستعرة وتلتهم كل من يصاف طريقها دون تمييز، فمن يقرأ مقالتي هذه ربما ينعتني بالمتشائم الذي يحاول تذكير العالم بتلك المآسي التي حدثت لكن الحقيقة يجب أن يعرفها حتى أجيالنا القادمة كي يتعلم منها الجميع الدروس ولا يقعون بذات المصير الذي عاشه جيلنا على أقل تقدير، فكان من الأمور الطبيعية مشاهدة سيارة للشرطة (بيكب) وهي تحمل الضحايا مسرعة باتجاه مبردات الموتى في المستشفيات كي يتم حفظهم هناك ريثما يعلم أهالي الضحايا بما حصل لذويهم ويتعرفوا على الجثة ويستلموا قريبهم، وكانت قلوبنا تمتليء بالحسرات لهذه المناظر المؤلمة ونحن نعلم بأن المغدورين الموجودين بتلك السيارات ليسوا سوى أهلنا وأقاربنا، وحتما لهم الأب والأم التي ستذرف دموعا كثيرة وأولاد ربما أصبحو في غقلة من الزمان يتامى بدون معيل!!!
بتنا نتحسر لسماع الأخبار الحسنة والمفرحة لانعدامها ويجب علينا أن نصبر كما يقولون لأن عملية التغيير لا تأتي بسرعة ولا يمكن محو جراحات الماضي بسهولة فعملية الهدم سهلة وسريعة لكن عملية البناء صعبة ومعقدة وبطيئة، هكذا فقد حملت لنا الأخبار في شهر حزيران 2012 بأن جامعة بغداد العريقة قد دخلت ضمن قائمة الأفضل 700 جامعة في العالم حيث حصلت على التسلسل 601 على جامعات العالم ضمن التنصنيف لسنة 2011 ولمن يريد التأكد من هذا الخبر عليه الرجوع للرابط التالي:
http://www.topuniversities.com/institution/university-baghdad
وهذا خبر يدخل الأمل في قلوبنا لأن أساس المجتمعات الرصين يبدأ من التعليم وكلما كان التعليم يسير وفق أسس علمية رصينة ولا يقبل تدخلات الطارئين على العملية التدريسية ولا تقبل الغش والمحاباة وتعتمد على العلم ومدى البحث في مضماره والغوص في تفاصيله هو الأساس للتقييم فإننا بهذه الحالة سوف نحصل على المراتب الأكثر تقدما على مستوى العالم، وقديما وعودة لزمن الحجاج بن يوسف الثقفي(ان الحجاج كان دائم السب لأهل العراق في خطبه، فكثيرة خطبه التي يذكر فيها أهل العراق بشكل سيئ، والتي يرى فيها العراقيون إساءة إلى اليوم. فدائماً كان يذكرهم: "يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق...." إلى آخر خطبه، والتي يمعن فيها في ذكر صفاتهم: "فإنكم قد اضجعتم في ... الضلالة..."، وغير ذلك من الخطب الكثيرة فيهم، كراهة منه لهم، (وستجد عزيزي القاريء في نهاية هذه المقالة رابطا يوصلك بنص أحدى خطب الحجاج في أهل العراق).
 فهذا عندما كان يريد أيذاء أحدى الطوائف وقتها قال لمن معه: أبنو دور عبادتهم وأهدموا مدارسهم لأنه قد شخص العلة تماما حيث أن المدارس هي الي تبني وتثقف وتدفع بالمجتمعات إلى أمام وإلى الرقي والرفعة، فجامعة بغداد التي يزيد عمرها على نصف قرن كان لها الدور الريادي في تأسيس النهج العلمي الرصين وتخريج العلماء والاختصاصيين بمختلف المجالات وخصوصا في مجال الطب الذي كان فيه للأطباء العراقيين الباع الطويل حتى أن بعض الإمتحانات للقبول في الجامعات البريطانية كانت تجرى في العراق، لكن حماقات الماضي وأهماله دفعت بواقع هذه الجامعة للانتكاس والتقهقر إلى الوراء بحيث أصبحت الشهادات التي تمنحها غير معترف بها حتى في دول الجوار العراقي والخريج عليه أن يخضع للامتحانات المعقدة كي يحصل على اعتراف بشهادته إن أراد أكمال تحصيله العلمي خارج العراق.
وكم من الخريجين اليوم في دول المهاجر يحلمون أن يمارسوا اختصاصتهم العلمية لكن هذه المسألة تقف حجر عثرة أمامهم، ولا تفعل جامعاتنا إلى اليوم أي شيء ينفع خريجيها لأن هذه أيضا من مسؤولياتها الوظيفية تجاه من أعطتهم الشهادة، لأن جامعة أخرى في العراق لا تفعل شيئا يذكر وخصوصا لكلية الطب فيها كي يتم أدرجها ضمن قائمة الكليات التي يعترف بها المجلس الطبي العالمي ولذلك نجد أن الأردن لا تعترف بخريجي الطب من تلك الجامعة ورغم محاولة البعض لتذكير من بيدهم المسؤولية بذلك أن المسألة ليست بذات التعقيد ولا تتطلب جهدا كبيرا من أجل أدراج أسم الجامعة في قائمة ذلك المجلس لكن أسمعت إن ناديت حيا ولا حياة لمن تنادي.
وهكذا يتم غبن حقوق الطلبة وتذهب جهودهم العلمية والتي بذلوها خلال الدراسة أدراج الرياح، فكم من مهندس اليوم في المهجر يعمل في مهن بعيدة جدا عن اختصاصه، وحتى في العراق فإن جميع الاختصاصات عملت في مهن كثيرة ومنها المتعبة كالبنجرجي وبائع السيكاير أو بائعا في البسطيات، ويوما شاهدت طيارا مدنيا أصبح بائعا للقماش في سوق الكرادة ببغداد والأمثلة لا تعد ولا تحصى بحيث أصبحت الشهادة للكشخة فقط وربما يتم اعتبار الخريج بالمسكين لأن شوارع الشيخ عمر وغيرها من مواقع العمل والصناعية منها تشهد رجالا بلا تحصيل علمي ويعملون وهذا جيد لكن الخريج يتحسر أحيانا على مورد عيش يليق بمكانته.
لذلك نريد لكل مفاصل الحياة في العراق أن تبدأ بالعمل وفق سياق مدروس وعلمي كي تجني يوما النتائج وكي نستعيد على الأقل المكانة التي كنا فيها يوما وتعود بغداد عاصمة للثقافة وليس للقراءة فقط بل للانتاج وللبحث والتطوير وقديما عندما كانوا يقولون إن القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ!!! لا نريد لبغدادنا أن تكون مهمتها اليوم القراءة فحسب بل للبحث وللتأليف وللنشر كي يكون لنا شخصينتنا المتميزة وتبدأ بغداد وباقي مدن العراق بكتابة حضارة جديدة، حضارة يكون لها تأثير وفعالية في كل محيطها لا أن تكون هامشية لا يلتفت إليها أحد ولا يهتم بها أحد خصوصا الوضع الذي أصبح عليه العراق منذ أربع عقود مضت.
 ففي السبعينات حيث كنت أدرس الجامعة حينها كانت منهجنا مصادق عليها من اليونسكو، وكان لنا مدرسين من أوربا ودول أسيا كالهند والباكستان ومن مصر وكان كل هؤلاء يحملون درجات علمية عالية جدا باختصاصهم، كما أن أساتذة كانوا يدرسون في جامعات انكلترا عادوا كي يعطونا آخر المبتكرات العلمية وكانت مكتبة جامعتي التكنولوجية تزخر بآخر الإصدارات العلمية التي تنتج عن دور النشر المعروفة كما كان دار الكتب بجامعة بغداد يوفر للطلبة الكتب العلمية الحديثة كي يتابعوا تعليمهم والتطور الحاصل في مجال اختصاصهم لأن حينها لم يكن الإنترنيت قد انتشر عندنا، وكان يتم تعويضنا بالمجلات العلمية حيث كنت أتابع أحداها وأشتري جميع الأعداد التي تصل المكتبة التي كنت اتابع الشراء منها، كان وقتنا حينذاك مكرسا للعلم والبحث والدراسة كما كان أولياء أمورنا لا يكلفونا بشيء سوى أن ندرس ونجتهد، لا كما يحدث اليوم فإن الأب يبعث بأولاده كي يعملوا وهم صغار وعلينا التمعن كم مرض اجتماعي خطير موجود في الشارع وعندما يدخله هذا الصبي الصغير الغير محصن فماذا تكون النتائج؟
النتائج تكون ما وصلنا إليه اليوم من فوضى وقتل ودمار واستهتار بأعراض وأموال الناس وممتلكاتهم وحتى فوضى في السياسة، فحتى ما يتفق عليه سياسيونا لا ينفذونه بحجة أن الاتفاق ليس دستوريا!!!، وإن كان كذلك فلماذا الاتفاق من البداية ولماذا يتم أشغال الشارع به وبمضمونه أم أن الأمر أنفذ منه ما أستفيد منه وما لا أريده أتحجج بعدم دستوريته، هل هذا هو العراق الذي نريده؟ والذي نبحث ونكتب ونجهد أنفسنا كي يرتقي وينهض ويكون له مكانته اللائقة تحت الشمس!!!
خطبة الحجاج في العراق
ولمن يريد التعرف وقراءة خطبة الحجاج كاملة أدعوه لزيارة الموقع التالي
http://ar.wikisource.org/wiki/%D8%AE%D8%B7%D8%A8%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%AC_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة
... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

55
ذكريات من الماضي العراقي القريب (11)

إن جموع العراق اليوم بحاجة كي تقوم بترتيب أوراقها مجددا وتستفيد مما توفر لها من مناخ تحلم به شعوب كثيرة، فيجب أن يتوقف العنف والقتل والارهاب، وعلى كل فرد عراقي أن يسأل نفسه سؤالا محددا: لماذا كل هذا؟ وما ذنب جاري وأخي وأهلي؟ أليس من المفيد أن نلتفت إلى أحوالنا ونبني بلدنا؟ ألم نستفد من دروس عشر من السنين العجاف التي عشناها بمرارة معا، فلابد اليوم أن تكون قد تبلورت لدينا رؤية لعراق أفضل مما ننحن عليه، فهل يعقل أن لا يتم الاتفاق على وزيري الدفاع والداخلية في الحكومة لحد اليوم رغم مضي سنوات على الانتخابات، بل من المفروض أن نكون اليوم في مرحلة ترتيب أوراقنا لانتخابات جديدة؟!!!، هل يُعقل أن يتم منع العراقي من دخول بعضا من أراضيه تحت أية ذريعة كما كان العمل عليه في السابق بعدم التمكن من الملكية في بغداد مثلا إلا لمن كان مسجلا في أحصاء 1957، وكان هذا مثار سخرية من الجميع فولدي مثلا كان قد ولد في بغداد ودرس وتخرج من جامعاتها وعمل في أحدى مستشفياتها، ولكون والده مسجل في ذلك الاحصاء في محافظة نينوى فليس له حق التملك في بغداد!!!
فقد كان بلدي يمر بحالة فريدة لا مثيل لها في العالم والجميع يشعر بحالات من اليأس وعدم قدرتهم لإحداث التغيير لأن سلطة قمعية كانت ترصد الجميع وتعرف تحركات الجميع بحيث كان الأخ يخاف الكلام والبوح بما في صدره لأخيه او زوجته أو حتى أبيه، وعرض تلفزيون العراق كيف أن أبا قتل ابنه حتى يرضي حاكمه!!!، فكانت الحياة لا طعم لها وحتى مواكب الأعراس لم تكن لتُدخل البهجة في نفوس من يراقبها بل على العكس كان الخوف هو المسيطر لأن الطلقات النارية التي كانت تصدر من المحتفلين كانت تسبب في أحيان كثيرة أصابات وقتل تقلب العرس إلى مأتم!!!.
وشهد بلدي ارتفاع بمعدلات الطلاقات بين المتزوجين الذين يفشلون بصون العش الزوجية ويقدمون الإخلاص والأمانة والعهود لشريكهم كي يستمر زواجهم ويبقى إلى الأبد وهنا أتذكر كم من الوقت تبذل عصافير السماء لبناء أعشاشها وتبقى الأم أمينة على فراخها حتى تعلمهم الطيران، لكن الآباء اليوم يتركون أطفالهم يلعبون في الشوارع ويلهون بالقاذورات وهم شبه حفاة وتحيط بهم أكوام من القمامة التي لا يفوح منها سوى رائحة المرض ونتوقع ممن يعبث بها الإصابة بمختلف الأمراض المعدية فقد شاهدت يوما شتائيا باردا طفل بمعر الورد في بلدة السدة يسحب عربة قد ثبتها على عنقه فقد كان صغيرا جدا ورجليه حافية!!! فأي بشر نحن الذين نسمح بطفل يسير بهذه الطرقات وفي ظل البرد القارس وحافٍ!!!؟. فالحيوانات تحتضن صغارها مدفوعة بالغريزة التي وضعها الخالق فيهم، الم يضع الله في البشر ذات الغريزة مضافا إليها الحب والحنان الذين نفتقدهم اليوم ونرى كيف تتفكك الأسر، ذات المرض الذي نقلناه معنا إلى دول المهجر وهنا بدعم من الأنظمة التي تدفع مالا أكثر للمفصولين عن الزواج مما تدفعه للزوجين الذين يعيشون معا!!! فقد دخلنا زمنا جديدا نفتقد به للأواصر الحقيقية التي تربط الزوجين وتصون بيتهما كي يكون عشا سعيدا يلهوا به الأطفال ويملؤونه سعادة ومحبة.
فعراقنا ومنذ زمن ليس بالقصير يعيش حالة حياة الغابة حيث القوي يأكل الضعيف، وكما كان السركال يُخضع الفلاح لخدمة الأقطاعي يوما، هكذا اليوم يوجد الكثيرين الذين وتحت مسميات غيرها يسخرون البشر لخدمة أهداف وأغراض أخرى ليبقى الإنسان العراقي يخدم ويخدم وحتى أنه لا يحلم بقوانين الغابة لأن الأسد هناك عندما يشبع فإنه يترك جميع الحيوانات تعيش بسلام، لكن الانسان الشرير اليوم في العراق يبحث عن ضحية جديدة باستمرار ليُرضي غروره ونزواته، وربما يشعر بالفرح والسعادة عندما يرى الجميع تتراكض خوفا وهلعا وتغلق على أنفسها أبواب بيوتها محاولة أبعاد الأذى عنها.
فقد وصلنا إلى صيف 2012 والعراق بلا كهرباء تذكر وحتى اليوم الوعود مستمرة وأعلان البشارة بتشغيل هذه الوحدة أو تلك المحطة وبأن طاقتها سوف تغطي تشغيل كذا ساعة لتلك المحافظة لكي نتفاجىء في اليوم التالي بأن المنظومة كلها قد توقفت والعذر جاهز...  والمليارات تذهب والمحصلة أن العراقي يصرف الآلاف من  الدنانير شهريا كي يستطيع الحصول على خمسة أمبيرات يشغل بها مروحة هوائية أو ثلاجة يشرب من خلالها الماء البارد في صيف العراق اللاهب.
وقديما كان الإنسان يستعمل أسطح المنازل كي يهرب إليها ليلا ويحصل على بعض من الهواء العليل بعد عناء يوم حار لكن اليوم حتى هذه السطوح محرمة على العراقيين لأن الأشرار قد يتسلقون الأسوار ويقبضون على من هم في السطوح ويقودونهم نحو الداخل مرغمين كي يعطونهم كل غالٍ ونفيس بالقوة!! لذلك نجد العراقيون اليوم أسيري الغرف ويحكمون أغلاق الأبواب ليس بالأقفال فقط وإنما مدعومة أيضا بالسلاسل الحديدية الضخمة. وهناك سببا آخر أيضا هو الموجات المتتابعة من الأتربة التي تضرب طول البلاد وعرضه وتحيل النهار ليلا ولساعات كثيرة تتعب فيها ربات البيوت التي ترى بين لحظة وأخرى أن البيوت قد امتلأت من الغبار والحدائق المنزلية والممرات قد غطتها طبقات من الرمال، وعليها أن تنظف كل هذا لأن بقائها سيعني أدخالها إلى داخل البيوت نتيجة التنقل والحركة، فالطبيعة قد أضافت جهدا ليس بسيطا على ربات البيوت العراقيات.
لقد عاش العراقيون وتعايش مع أرقاما مثل 3×3 أو 2×4 أو 1×6 أو 1×12 وهلم جرا وهذه أرقاما للبرمجة الكهربائية وكان أحسنها عندما يتساوى الرقمين لأن الرقم الصغير كان يشير دائما لفترة تجهيز الناس بالكهرباء مقابل الإنقطاع الذي كان يمثله دائما الرقم الأكبر هذا إذا لا تنقطع الكهرباء عن البيوت لأيام متتالية عند حدوث خلل أو تخريب في الشبكة، التي أصبحت هذه معينا للمسؤولين بأعطاء الأعذار عن تلك الانقطاعات، ومما زاد الطيب بلة في هذا المجال تحكم حكومات المحافظات بالكهرباء المنتجة في محافظاتها ومحاولة السيطرة على الحصة الأكبر ضاربين بعرض الحائط ما يسمى بالسيطرة المركزية (السيطرة المركزية: وُجدت كي تسيطر على عموم الشبكة الكهربائية وتتابع المنتج مع الأحمال الحاصلة وتقوم بتوزيع الجهد على المحطات بحيث لا تحصل انقطاعات أو انطفاء تام للشبكة الوطنية) وتوزيعها العادل للكهرباء على الجميع ولو أن هذه العدالة غير موجودة فهناك الكثير من المسؤولين والمناطق والمرافق الخدمية التي تنعم بالكهرباء المستمرة ومعها طبعا ما يحيط بها من المنازل التي (تُجطل) بطريقة غير قانونية على الشبكة وتسحب من الكهرباء التي تغذي تلك المناطق!!! ونتيجة غياب أو تغييب السيطرة المركزية نشهد ما يسمى بالانطفاء العام للشبكة وعند حصوله تنقطع الطاقة الكهربائية كليا وهذه تحتاج إلى ساعات طوال كي يتم اعادة تشغيل المحطات وأدخالها ميدان العمل والتجهيز.
واليوم ليس مختلفا كثيرا عن البارحة فقد أبشرت وزارة الكهرباء منتصف حزيران 2012 المواطنين بعودة الأستقرار للمنظومة الكهربائية بعد الخلل الذي أصابها خلال الساعات الماضية حسب قول الناطق الرسمي لوزارة الكهرباء (مصعب المدرس) مبشرا الناس بأن الاستقرار سيحدث في عمل المنظومة الكهربائية في عموم المحافظات بعد تمكن ملاكات وزارته من تجاوز حالة الاطفاء التام!!! الأمر الذي حدث نهاية الاسبوع، لكن من يستطيع أن يثبت للعراقيين أن هذه الحالة طارئة ولا تحدث مجددا؟ ولم ينسى هذا الناطق بزرع الأمل في النفوس كونه أعلن عن تشغيل منظومات جديدة معلنا في الوقت نفسه أن مجمل الإنتاج بلغ 6950 ميغاواط وأنه سيصل بعد أيام إلى ثمانية آلاف ولم ينسى هذا الناطق أيضا أن يتحدث عن المستقبل لأنه وعد بأن يصل الانتاج من الطاقة إلى رقم تسعة آلاف لكن في تموز المقبل ولم يذكر تموز أية سنة لكون كل سنة بها شهر تموز رغم أنه كان يقصد تموز 2013.
إن العالم يتطور بسرعة جنونية لكن العراق إن لم يكن واقفا في محله فإنه يتراجع إلى الوراء، فنجد العالم حتى مسألة جمع القمامة مرتبة ويستفادون منها ويزودون المنازل بأنواع من براميلها مرتبة حسب الألوان كي تفصل البيوت مهملاتها حسب نوعية الحاوية لأن ذلك وبعد جمعه يكون مؤهلا بعضه لأعادة التدوير والتصنيع كي يستفاد منه المجتمع مجددا، لكن العراق لازال فيه حاويات جمع القمامة التي تكبس كل شيء وتنقله إلى ذات المكان الذي له رواده الدائميون والذين يبحثون فيه عما يستطيعون نقله لكي يتم أعادة تصنيعه مجددا كعلب المشروبات الغازية والنايلون والأخشاب وغيرها وهناك أحياء في بغداد مختصة بهذه التجارة التي تدر على أصحابها الربح الوفير لكن من أين ؟ لأنه يأتي من جهد أطفال صغار يعملون تاركين دراستهم ويعرضون أنفسهم للإصابة بالأمراض كي يجمعون مالا قليلا لهم ولأسرهم!!!
من يرى العراق اليوم يعتقد بأنه ماضٍ بقوة نحو التخلف فلازالت الحيوانات تجوب الشوارع المهمة منها لنقل المحروقات ومنها للنقل العام ومنها حتى كي ترعى على القمامة التي أصبح في كل زقاق وشارع مجمعا لها!!! لأن العراقيين تم توجيههم يوما لتربية الدجاج في المنازل وشهدت الحصة التموينية توزيع عدد منها لكل أسرة وهكذا أصبحنا نعيش مع الدجاج في ذات البيت آملين كل صباح أن نرى بعض البيضات العزيزات وقد جادت بها دجاجاتنا علينا ونُقيت أنفسنا بها أو نزين مائدة الإفطار ببيض العيون الذي يعشقه العراقي!!!، وهذه التجربة كان لها قصص بحد ذاتها فكم من بيت صحا يوما ليجد أن دجاجاته قد تم الاستيلاء عليها وسرقتها وقد ضاع كل جهده وأمله ببيض جديد مع الصباحات المشرقة!!!
نحن في العراق بحاجة لتنمية الشعور بالحاجة إلى التعاطف الموجود غريزيا في الإنسان كي يمكننا من قهر العذاب والمعاناة والعزلة، فحسنا كان يعمل أهلنا في حالة المصائب والوفيات عندما كانوا يجتمعون عند أهل المتوفي ويجلسون ويتكلمون كي يسلونهم، والمسيحيون يطلقون إلى هذا المجلس اسم (التعزية) ويُطلق عليه المسلمون مجلس العزاء الذي أخذ اسم (الفاتحة) تيمنا بالسورة القرآنية التي يتلونها عن روح المتوفى، فهذه تعبر عن التعاطف مع ذوي المتوفي كي يعبرون وأياهم تلك الحالة ويعودون إلى حياتهم الطبيعية، فالإنسان عندما يُعزل عن أهله وأصدقائه يصبح معزولا وكأنه يدور ككوب منفصل في فلك خاص به وأن الكون كله لا يبالي به، لكن الإنسان ليس هكذا ففلكه ليس له وحده لأنه كائن أجتماعي وقديما قال حكماؤنا (الجنة بدون أوادم ما تنراد)، وعندما يشعر أحدنا بالآخر فإن الآخر يشعر بقيمته ويحس بوجوده وتحدث حالة من التجاذب بين البشر وهكذا يصبح المجتمع أكثر قوة وتماسكا، لا كما نحن عليه اليوم في العراق، فقد غاب عنا هذا التماسك وقد أضعنا اللحمة التي تربطنا كون الشك قد دخل انفسنا وفقدنا الثقة؛ أحدنا بالآخر فنشك بكل شيء حتى بالطارق الذي يسأل حاجة ما منا ولقد نسينا كل القيم والعادات الاجتماعية التي كانت تزين أفعالنا، وقد أحللنا العنف محلها فقد شهد الأسبوع الثاني من حزيران 2012 في العراق ربما أسوأ ما شهده العراق من أعمال عنف فالانفجارات بالعشرات والضحايا بالمئات وبشرٍ كانوا يمنّون النفس برضى الله من خلال زيارة إيمانية أصبحوا ضحايا برمشة عين حصدت أرواحهم سيارات مفخخة وتفجيرات هنا وهناك!!!
فهل نتعلم من المحن التي مررنا بها الدروس ونستنتج الصحيح الذي يجب أن ننهجه بعد كل هذا الدمار الذي حصل وهل ستلوح في الأفق نهاية واضحة لكل هذا؟ يجب أولا أن لا نيأس ولا يتعب بحثنا عن قوة العطاء الدائم هذا العطاء الذي تصحبه العاطفة والشعور الإنساني الصميمي الذي غايته الانسان ورفعته وهذه الغايات التي لو سلكنها ستفيض علينا بالكرامات كبيرة كانت ام صغيرة ستكون كل هذه سيلا يجرفنا ويغير حالنا نحو حال مغاير لما نحن عليه اليوم لا بل سنشع للشعوب والدول المحيطة بنا وسيشعر أحدنا بدفيء الآخر وعطفه وحنانه، وسنحدد بدقة حاجتنا الواحد للآخر وعدم أستطاعتنا بالتفريط بحياة أي منا لقيمته الكبيرة لنا، وبذلك سيضيء الأمل مجددا وسيكون لحياتنا معنى مختلفا عما نحن عليه اليوم.
لا نريد للعراق أن يعيش على كف عفريت كونه لا يعلم في أي لحظة أو دقيقة يأتيه نبأ مفجعا ولا نريد لأخوتنا في العراق بأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر،
وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

56
قناتي على اليو تيوب حيث الألحان الطقسية لكنيسة المشرق الكلدانية بطريقة تعليمية على الرابط التالي
http://www.youtube.com/channel/UCRMU1Rj_nv-y58fave1DFuw?feature=mhee

57
ذكريات من الماضي العراقي القريب (10)
إن قلمي ليرتجف ما بين أصابعي وليس أحيانا وإنما غالبا وأنا أعصر فكري لأتذكر أمورا في غاية الألم عشتها بنفسي واطلعت على تفاصيلها شخصيا وأحاول اليوم ترتيبها كي يطلع غيري عليها ونمسك برأس الخيط بغية أن نعمل سوية مع المخلصين العراقيين لصون بلدنا وحمايته من تكرار تلك المآسي. فالعراق بحاجة إلى حركة تُغير كل شيء وتحول حالة السراب لديمقراطية اليوم إلى ديمقراطية حقيقية، ومن حالة تبديد ثرواته إلى استثمارها وتقوية البنى التحيتية كي تأتي الأجيال القادمة وتجد أرضا صلبة تستند عليها، تغييرا من تقتيل لأبناء العراق إلى صون دمائهم وتحصين أبدانهم ضد كل أنواع الألم، فنحن بحاجة للجميع شيبا وشبابا، طلابا وفلاحين، عمالا ومهندسن، أطباءا ومحامين، الجميع يجب أن يعملوا نحو التغيير، كي تصب كفاءاتهم باتجاه واحد هو أعمار العراق ورفعته بين الأمم.
فقد طال صبرنا ولا أريد لأخوتي العراقيين التعود للحال السيء بل أريد أن تكون تلك الحالات أمرا طارئا يزول كي تنجلي شمس ساطعة تطرد خفافيش الظلام وتجعلهم يعودون إلى اوكارهم خائفين هلعين آملين عودة الأمن والنظام لبلدي وأن يعيش أبناء أغنى بلد في العالم كما يجب وتعود بغداد إلى تسميتها السابقة؛ بغداد دار السلام، وينتهي الرعب الذي أدخلناه لقلوب شعوب كثيرة وخصوصا عند سماعهم باسم بلدنا كونهم يتذكرون كل القصص والأفلام التي سجلتها كامرات عديدة منها الصحيح ومنها المزيف والمفبرك، فقد مررتُ بذات التجربة قبل أكثر من عقدين من الزمان وأنا كنت حينها دارسا في أحد البلدان البعيدة عندما لاحظ فريق تلفزيوني كان موجودا حيث كنت بأنني غريب عن بلدهم لأن الملامح بسهولة يتم تمييزها في ذلك البلد وعندما تقربوا مني ولديهم مايكروفون مربوط لاسلكيا بمكبرات الصوت مستفسرين عن أسمي واسم بلدي بلدي؟، وعندما نطقت باسم العراق ابتعدوا فورا عني امتارا عدة خوفا من هذا الاسم المرعب!!!
فمسلسل الرعب استهدف الجميع كما أسلفنا في الحلقة الماضية فلم يسلم : السني .. الشيعي .. الكردي .. العربي .. الكلداني .. السرياني .. الآشوري .. التركماني .. الصابئي ولا الإيزيدي وكل أطياف العراق الآخرين، فقد كانت مغارة العذراء في كنائس العراق تشهد زيارات عدة من جميع أهلنا ومن مختلف أطيافهم كي يتضرعوا لها ويطلبوا منها غاياتهم وقلوبهم يملأها الإيمان بأن سيدة نساء العالمين ستستجيب لهم ويعودون وقلوبهم مطمئنة ويستبشرون خيرا وغالبا ما كنا نسمع القصص التي تتكلم عن نيل المراد بعد تلك الزيارة والكثير كان يتكلم بحماس عن أمثال تلك القصص، وكنا نتحدث مع أصدقائنا عن سبب ذلك وكان هؤلاء يشرحون لي عن مكانة العذراء في الإسلام وكيف أن القرآن الكريم قد أفرد سورة باسمها وهي الوحيدة باسم امرأة فيه (سورة مريم) وقد لا تجد مكانا يضاهيه لأية امرأة أخرى غيرها كون الاسلام أعتبرها خير نساء العالمين وأحسن أربع نساء الجنة وهناك الكثير في هذا المجال لا مجال لسرده كونه ليس في صلب موضوعنا، وهناك الكثير من المراجع يمكننا بسهولة الرجوع إليها وخصوصا في زمن العولمة الذي نحن فيه.
فتاريخ العراق يشهد بأن التآخي كان عنوان لعيش مشترك ما بين المسيحية والإسلام فهم قاتلوا الغزاة بصورة مشتركة وبنوا الحضارة معا ولم يسجل التاريخ واقعة واحدة اضطهد مسلموا العراق مسيحييه إلا في حالات كان الأجنبي طرفا فيها، ووجدنا في التاريخ أن خليفة المسلمين كان يحرص لحضور احتفالات النصارى وخاصة في عيد الشعانين التي كانت تجرى في البيع والأديرة أي أنه كان يشاركهم في الأفراح والمسرات تماما كما كان يواسيهم في الأحزان التي كانت تلم بهم. وكان المسيحيون أفراد كثيرين في جيش صلاح الدين الأيوبي عندما قاتل الغزوات الأفرنجية التي أخذت اسم (الحروب الصليبية) مدافعين بذلك عن بلدهم ووطنهم أمام غزو المعتدين حيث معا استطاعوا قهر الأعداء وتلقينهم درسا لن ينسوه هم وأحفادهم مدى التاريخ.
واليوم نجد المسيحيين في العراق مع أخوتهم يقفون معا لصون العراق وضد الاحتلال أيضا رغم أن هناك نفرا يحسبهم إلى جانب المحتل كونهم وحسب اعتقاد البعض يشاركونه بذات الديانة؛ هذا الاعتقاد الخاطيء الذي دفع المسيحيون الكثير من المال والضحايا والاضطهاد ثمنا له، لأن المحتل وإن كان أمريكيا فإن أمريكا ليس في دستور بلدها أن: ديانة الولايات المتحدة هو الدين المسيحي، كما هو الحال في معظم الدول الإسلامية حيث نجد فقرة ثابتة في معظم دساتير هذه الدول بأن الدين الرسمي للدولة هو الاسلام!!! وجميع الدول الغربية علمانية ونجد ما بين أفراد جيوشها من الأديان المختلفة؛ فما بين أفراد قوات الاحتلال كان أيضا الجنود المسلمين ومع هذا الجيش كان مرافقين من أئمة وخطباء كي يأموا الصلاة بالجنود المسلمين على عادة هذا الجيش أينما يذهب فإنه يأخذ معه رجال دين حسب الأديان التي يدين بها أفراده.
وعانى مؤمنوا المحبة كثيرا من هذه المحبة التي يأمرهم بها المسيح له المجد ويشهد جميع المنصفين العراقيين من المسلمين بأن المسيحي يمكن ان تأمن جانبه ولا يلحق أذى بجاره مطلقا وكم من محلة معظم سكانها كان مسيحيون كنا نجد من أخوتنا المسلمين الذين يبحثون ويلحون بالشراء فيها لطيب أهلها وأخلاصهم و و و. ولكننا لا يمكننا بهذا تبرئة أعداء الشعب العراقي والعربي والمسلم من بث هذه الثقافة  اليوم كي يُحارب المسيحيون من قبل المسلمين ويتم استنزاف الطرفين بغية أن تنتصر الصهيونية وتبقى هي القوية في الساحة.
وتم أجبار المسيحيين في مناطق كثيرة على خيارين لا ثالث لهما: إما الجزية أو الاسلام، وفي حالة الرفض هناك خيارين، إما القتل أو ترك المنازل بما فيها وكانت الدورة المنطقة الأشد في تطبيقها هذا من بعض الأنفار الذين كان يطلق عليهم  (الأفغانيون العرب)، وهذه المنطقة كانت معقلا مسيحيا ففيها سوقا لازال إلى اليوم اسمه (سوق الآثوريين) وحيا بذات الاسم ونحن متيقنين بأن الاسلام براء مما حدث لأن المسلمين يتحدثون عن مقولة (لا أكراه في الدين) وبأن : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ... عندما يرد ذكر النصارى في آية من آيات القرآن الكريم، وقول نبي الإسلام: كل من آذى ذميا فقد آذاني ... فهذه وغيرها من أعمال القتل والخطف والابتزاز دفعت بالآلاف إلى الهجرة باتجاهات مختلفة منها داخلية ومنها خارجية فبسهولة اليوم تجد المسيحيين (السورايى) في بلدان كثيرة ويتحدثون بلغتهم (السورث) وتكونت مناطق في بلدان المهجر منهم تحديدا ليس في فيرفيلد بسدني باستراليا وحدها بل هناك في كاليفورنيا بالولايات المتحدة وفي سودرتاليا بالسويد وليون بفرنسا وفي ألمانيا أو هولندا وبلدان كثيرة غيرها.
إن العراق ينزف من أبنائه الكثير وهو خسارة للعراق حتما قبل أن يكون خسارة لأهله من المسيحيين، فقد تعرض بلدنا للنهب من قوى مخابراتية عديدة وها هي الأخبار تتحدث عن وجود (1000) قطعة من الآثار العراقية معروضة في متحف بتل أبيب باسرائيل، حيث سمعنا من قبل كما سمع كل العالم بأن قوات الاحتلال الأمريكي نقلت الأرشيف اليهودي من العراق إلى أمريكا بغية صيانته وعن هذا الأمر كشفت تقارير معلوماتية عن انتقال هذا الارشيف إلى إسرائيل كما كشف وزير السياحة والآثار (لواء سمسم) حيث قامت هذه الوزارة بإيقاف عمل بعثات التنقيب الأمريكية في العراق وأجراءات أخرى ريثما يقدم الأمريكان جردا عما تم تهريبه من قبلهم حيث للعراق معلومات تفيد بوجود أكثر من (80) ألف قطعة أثرية قد تم تهريبها إلى أمريكا وقد اعترف الجانب الأمريكي حسب قول الوزير بعشرة آلاف منها لديهم.
إن متحف الأرض بإسرائيل يشهد اليوم وجود هذه الآثار العراقية وهذه دولة واحدة من دول عديدة استولت متاحفها على الكنوز العراقية والكلام دائما صادر من وزير في الحكومة العراقية وعبر جريدة الصباح شبه الرسمية، وإذا تحدثنا عن تنقيبات في مناطق أخرى في العراق ومنها بعيدة عن أنظار الحكومة رغم أن الدستور يعتبر الأرث الوطني هو أرث مركزي (أي تحت تصرف الحكومة المركزية) فهناك مناطق أثرية كانت تسيطر عليها قوات أجنبية أو تقيم فيها معسكرات وقواعد لها كما في أور .. الناصرية أو كبابل في الحلة ومواقع كهذه تُسهل لهم تهريب الآثار من خلال وجودهم فيها ولا أحد يعلم ماذا يفعلون هناك!!!
وعن ذات الموضوع ففي منطقة قريبة من بغداد يوجد موقع أثري مسيحي يعود للمائة الأولى للمسيح هو موقع (كنيسة كوخى) الذي بناه أحد التلاميذ الاثنين والسبعين الذين جمعهم ربنا له المجد في حياته الأرضية وتلميذ هذا وهما (مار أدي ومار ماري) ومن شيدها توفي قبل انقضاء المائة الأولى للمسيح فلنا تصور كم هذا الأثر مهما وكونه أصبح ليس مسيحيا فحسب بل عراقيا وأرثا وطنيا وقد زرت يوما هذه الأطلال وتبركت بها وأنا أتأمل أولئك الرجال الذين حملوا راية الإيمان نحو الشرق دون عوائق تمنعهم من الشهادة لإيمانهم حتى الموت لم يقف عائقا أمامهم إزاء هذا، وتركوا لنا اسما خالدا لكن لا أحد يلتفت إليه ويعيده كي يكون موضعا يزوره المؤمنون قبل السياح ويكون موقعا عراقيا يتم الاهتمام به بعناية لكنه اليوم أرض جرداء وإن وُضع سياج له في الماضي لكن اليوم يعاني الموقع من أهمال شديد والكنيسة التي أخذت اسما هو كنيسة ساليق وقطيسفون هي أرض جرداء تبكي وتستنجد بمن يعيد الحياة لها!!! بعد موجات تترية وهمجية أدت إلى تدميرها عدد من المرات ومنها في سنة 341 ميلادية ابان الاضطهاد الأربعيني.
فهذا الموقع وغيره ينتظر من يمد يديه إليه كي تتم صيانته وأظهاره للعالم ويبرز دور العراق وابنائه الغيارى في بناء الحضارة والتاريخ فلا نجد في هذه المواقع أية اهتمام يُذكر فحتى ملوية سامراء هذا الصرح الشامخ يعاني الاهمال ولا تجد فيه أية مستلزمات تفيد السائح وتعرفه وتشرح له شيئا عنها، وإن تحدثنا عن الملوية فالحضر تشكو أيضا لنكتشف بأن العراق قد أَهمل بصورة شبه كلية الجانب السياحي مع وجود وزارة في الحكومة باسم وزارة السياحة والآثار لكن الآثاء تعاني حالها حال الشعب، فقط السياحة الدينية هي التي تم الالتفات إليها وتشهد ازدهارا كبيرا وخصوصا بالمدن المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية، نأمل ونتمنى أن تكون السياحة في العراق موردا جيدا يدعم ميزانية هذا البلد بعد النفط لأنه مؤهل لأخذ مكانة لائقة كون العراق معروف بأنه موطن الحضارات ومنه انطلق أبراهيم أبو الأنبياء وأعلن بدأ المخطط الإلهي لإنقاذ البشر وأرشادهم للسير في طريق الهدى والنور.
فكل شيء في بلدي يعاني من الاهمال وحتى الهواء أصبح ملوثا وغالبا ما يكون الجو مغبرا وبكثافة قوية تؤدي إلى انعدام الرؤية وأصابة المرضى بالربو بحالات حادة من الاختناق فلم يعد هواء بلدي نقيا كما عهدناه عندما كنا صغارا ونذهب لصفوف الدراسة صباحا وفي الشتاء لنجد بأن المياه قد تجمدت في السواقي من شدة البرد وكم شهدت مناطق كثيرة من الوسط والشمال خصوصا سقوط الثلوج التي كانت تجعل من الأرض ترتدي حلة بيضاء، لكن اليوم لم يعد الشتاء شتاءاً في بلدي بالمعنى الذي عشناه ولم تعد بغداد بحاجة للنفط الأبيض للمدافيء لانعدام الحاجة لها فالشتاء أصبح معتدلا فاليوم وخصوصا وسط وجنوب العراق يوجد ربيع قصير وصيف طويل مليء بالغبار والأتربة والشمس الحارقة التي ترتفع فيها درجات الحرارة لأكثر من خمسين درجة على المقياس المتري، فماذا يفعل العراقي بعد اليوم لأن الطبيعة أيضا تقف بالضد منه؟
وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

58
أهدي لكم جهدي المتواضع والمستمر بعمله كل يوم من الألحان الطقسية والذي تجدونه في الرابط التالي، الرجاء عندما تستمعوا للعمل أن تصلوا من أجلي
تقبلوا محبتي
أخوكم الشماس عبدالله النوفلي

http://www.youtube.com/channel/UCRMU1Rj_nv-y58fave1DFuw?feature=mhee

59
أشكر من صميم قلبي أخوتي الشمامسة على الإداء والعزف متمنيا الاستمرار في هذا المشروع لإنجاز موسوعة للطقس الكلداني الغني بالألحان والكلمات
عبدالله النوفلي

60
ذكريات من الماضي العراقي القريب (9)

واستمرت مأساة الشعب العراقي طويلا وكتب الكثير عنها كما كتبت يوما رسائل سميتها (رسائل من تحت الأنقاض)، وحينها ذكرت لصاحبي أنه لم يخطر ببالي أبدا أن أقوم بترقيم رسائلي حيث كنت قد وصلت حينها للرسالة الرابعة، لأن الأحداث كانت ومازالت جسام، وبحاجة كي نوثق ما نتمكن منه للتاريخ كي يعرف أبناؤنا وأحفادنا حجم الدمار الذي اجتاح العراق في قرن الحضارة والتكنولوجيا؛ القرن الحادي والعشرين.
وعن استمرارية هذه الأحداث فقد تعرضت دائرتان تهتمان بالشان الديني ومزاراته وأوقافه هما الوقف الشيعي والوقف السني مطلع حزيران 2012 لأعمال من أمثال تلك التي نذكرها في كتاباتنا يندى لها الجبين فرجل يسوق سيارة مملوءة على ما يبدو بالحقد والكراهية ووسائل الموت يقتحم الحواجز كي يوصل الموت إلى داخل مبنى ليس فيه سوى موظفين بسطاء يعملون من أجل اعالة عوائلهم وكذلك كان الوقف السني هدفا لهاونات الأشرار كي تكتمل الرسالة ويكون عنوانها إلى كافة الأطياف في العراق مفادها أنكم جميعا أهداف للقتل لأنكم شعب مؤمن وكي ينطبق قول المؤمنين عن أنفسهم (أن المؤمن مبتلى) وقد تمت هذه المقولة بهذين الحادثين الذين ما كانا سوى امتداد لما حدث في فترات سابقة.
فحادثة جسر الأئمة لا يمكن أن تنمحي من الذاكرة مطلقا فقد كان ذلك اليوم علامة سوداء كبيرة في تاريخ الأشرار الذي استهدفوا زوارا بسطاء يسيرون على أقدامهم كي يؤدوا مراسيم دينية يعتقدون بصحتها ووجوبها نحو مدينة الكاظمية المقدسة ومرقد الإمام موسى الكاظم وكان حينها الجسر هو المكان الذي بث فيه الأشرار سمومهم ولم يكن على طوله موطيء قدم فارغ فالكل يدفعه الإيمان بسيره حثيثا وهو يرى مآذن الحضرة الكاظمية تلوح في الأفق لكن العشرات كان نصيبهم السقوط والغرق في مياه دجلة وغيرهم وقعوا تحت الأقدام وقضوا نحبهم وكانت الفاجعة المؤلمة جدا!!!!؟ فماذا يريد الأشرار لهذا الشعب؟ هل يريدونه ملحدا وغير مؤمن؟ أم يريدونه يمارس الرذيلة ويسعى نحو الحرام؟ فقد جاء في الإنجيل الشريف قولا مفاده: زمرنا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا!!!؟ (لوقا 32:7) أي الأن الأمر محير فعلا لأننا فشلنا في معرفة قصد الأشرار من كل هذا، فقطعا لم يكن على الجسر فردا واحدا من جنود الإحتلال، وحتى لو كان هذا فكيف يضحي من يدعي الوطنية بالآلاف من أبناء شعبه كي يقضي على ذلك الفرد الواحد من الأعداء؟
لكن العراقيون أثبتوا أنهم أخوة ومتماسكين ورغم أن جسرا يفصل بين الأعظمية التي يعتبرونها معقلا سنيا وبين الكاظمية المعروفة بشيعتها، لكن مرور المواكب عبر الأعظمية كان موقع ترحيب من أهلها ويقدمون لهم كل العون والمساعدة، وعند وقوع المجزرة على الجسر كان هناك من يرمي بنفسه في مياه النهر ويجيد السباحة كي ينقذ ما يمكنه من أعداد الذين رموا بأنفسهم في النهر وكان البطل في تلك الملحمة فتى سنيا لم يتوقف من الإنقاذ حتى خارت قواه وأبى إلا أن يموت مع أخوته الشيعة كي يكون رمزا للأخوة وللمحبة المطلقة التي يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه.
والمرجعيات تستنكر وتشجب وتوجه فها هو معتمد المرجعية في كربلاء المقدسة ينتقد استمرار الصراعات السياسية لأن الشعب هو الذي يدفع الثمن لأن هذه التصرفات بعيدة عن منطق العقل والدين وهي بلا شك ولاريب غير مرضية بالنسبة للمرجعيات، ألا وهي الاعتداءات على المساجد". وأضاف أن "ذلك حصل في بعض المناطق سواء كان المسجد لهذه الطائفة أو تلك والمسجد من المقدسات التي لا يجوز الاعتداء عليها أو المساس بها إطلاقا ومن حق كل طائفة أن تبني المساجد ولا يحق للآخرين الاعتراض عليها"، مؤكدا أن "هذا موقف المرجعية الدينية". وطالب في الوقت عينه المسؤولين لتوفير الحماية لدور العبادة رغم أن الشعب اليوم يعيش حالة من الارتباك كونه لا يعلم أين ستتوجه البوصلة في العملية السياسية كون البعض يطبلون بسحب الثقة وغيرهم واثق بعدم سحبها وأصبحت بموجب هذا تواقيع نواب حسب قول البعض أنها مزورة فللعراقي التصور عن حالة التردي التي وصل عليها العراق سياسيا عندما تبرز ورقة بتواقيع نواب في البرلمان العراقي وتقدم لرئيس الجمهورية ليتضح بعدها عن كم منها مزور وغير حقيقي؟؟!!!
فلا أحد غير الشعب العراقي يكون الضحية دائما ويبدو ذلك جليا في كل زمان ونظام وسلطة لأن الحلول دائما تضيع مع حالة من التشتت الاعلامي غير الموجه حيث نعيش حالة من التيه والضياع والخسارة المؤلمة لأن ما يتفوه به سياسيينا أحيانا هو الذي يصعد مسألة التوتر ويصبح الجو العام متشنج ومتوتر، أما من عليه أن يبعث الأمل في صدور العراقيين وطمأنتهم فهذا بعيد عن صدور وعقول سياسيي اليوم الأمر الذي يدفع بالعراقيين لحزم أمتعتهم والبحث عن ملاذ آمن في أرض الله الواسعة.
والعراقي أول ما يصل لحدود دولة جارة أيا كانت يشعر بالاختلاف الكبير؛ فدولة منتجة ومصدرة للنفط يعيش أبنائها الأزمات الوقودية باستمرار، ودولة تعادل موزانتها موازنة عدة دول مجاورة في المنطقة تجد العراقيين في التقاطعات يشحتون ومعوقون يطلبون الشفقة ويزداد عديدهم باستمرار ولا تجد عراقي لم تدخل الحسرة في قلبه لسبب أو لآخر فحتى الانترنيت الذي أصبح وسيلة اجتماعية للتواصل في جميع أقطار العالم يعاني منها العراقيون كونها بطيئة ولا يمكن تحميل ملف حجمه بعض من الميكا بايتات، بينما في معظم أقطار الدنيا يتم تحميل هذا الحجم بلحظات محدودة ويتواصل الإنسان مع معارفه وأصدقائه بتوانٍ معدودات رغم بعد المسافات الشاسعة التي طولها وعرضها المحيطات والبحار والصحارى الشاسعة. كنا نأمل من السياسيين التنافس على تقديم الأفضل لأهلهم لا أن يتصارعوا من أجل كرسي غير دائم، خاصة وأن أجدادنا الحكماء قالوا في هذا الصدد: لو دامت لغيرك ما وصلت ألك!!! لكننا نجد الكثير من التهكمات على سياسيينا اليوم بحيث البعض يصف الحالة بأن المسؤول يُلصق نفسه على الكرسي إلى درجة لا يمكن أزاحته عنه !!!
ونحن في العراق مازلنا في ذيل الدول بحيث أصبحنا مثار سخرية الدول كوننا الدولة الأكثر فسادا وأخبار الفساد نجدها دوما في صحافة العراق بحيث محافظة واحدة وهي الديوانية مثلا أتلفت ما مقداره (360) طنا من المواد الغذائية كونها منتهية الصلاحية!!! فعلى القاريء العزيز تأمل الرقم كونه بالأطنان وكم من المبالغ ذهبت هدرا لتوفير هذه الكمية والناتج أنها تالفة، لكن الأخبار لم تذكر من تم محاسبته أو تم تقديمه للنزاهة كي تتم محاسبته وهكذا يجد الموظفون الآخرون الموضوع في غاية البساطة كي يسلكوا ذات المسلك ويبحثون عن ثغرة كي يملأوا جيوبهم من مال حرام هو ملك العراقيين أجمع، هذا جانب وجانب انتشار أبراج الاتصالات في كل محلة وزقاق وعلى رقعة العراق وما تلحقه هذه في أيذاء صحة العراقيين فالكلام عنه كثير ومتشعب والشركات المسؤولة على ما يبدو انها تنصب هذه الأبراج بعشوائية وغير قانونية فذات المحافظة أقامت سبعة دعاوى على شركتين للاتصالات فقط كونها لم تحصل مسبقا على الموافقات اللازمة، وإذا عرفنا أن في العراق شركات أخرى غيرها كثيرة فعلينا تقدير حجم الدمار البيئي والصحي الذي تلحقه هذه بصحة المواطن العراقي كونها باشعاعاتها سبب من أسباب انتشار الأمراض السرطانية وغيرها.
أما إذا تحدثنا عن حال المعامل الأهلية فهذا لوحده حديث ذو شجون لأن العشوائية الحقيقية تكمن هناك وزيارة واحدة للأحياء التي تنتشر فيها هذه الورش والمصانع إن صحت تسميتها كذلك سنجد عالما مستقلا من العمل الارتجالي الذي يغيب عنه التخطيط المبرمج والتصاميم والقاعدة العلمية التي تحسب لكل شيء حسابه وحتى المخلفات الصناعية وأمر التخلص منها محسوب وبعناية كي نحافظ على أرض العراق نقية وأجواءه سليمه وهواءه نقي وترتبته صالحة للزراعة، لكن شيئا من هذا لا يحصل أبدا وكم من رواية سمعنا بأن أوراق تطبع بعناية وفي دول الجوار ويتم استيراد عبوات جاهزة شبيهة بالأصلية كي يتم تعبئتها في هذه المعامل وكأنها مستوردة وأصلية والضحية هنا أيضا كما هو حال السياسيين وفي الحالات الارهابية هو المواطن العراقي!!!
إن مجمل الصورة العامة في العراق مشوشة وغير واضحة المعالم حتى للسياسيين ولا تحتاج للتطبيل والتزمير؛ نسحب الثقة أم لا نسحبها، لأن ذلك أمر دستوري وله قواعد وشروط وتتبعها يتيح للكتل السياسية تجميع أصواتها كي تنال ما تريد، والكويت الدولة الجارة للعراق شهدت ذلك مرارا وكم من مرة تم سحب الثقة من وزير في الحكومة لديهم أو من الحكومة ككل ليعودوا ويشكلون حكومة ترضى بقبول البرلمان لكن عندما يصل الأمر لنا في العراق فكل شيء يصبح معضلة وعلى الحكماء ومنهم المرجعيات التدخل كي تفض النزاع وكأننا ازاء أشخاص لا يفقهون من السياسة شيء، فهنا نتساءل كيف تم كتابة الدستور أذا؟ إن كان من يمتهن السياسة اليوم يتخبط ويعمل المستحيل بوسائله الخاصة كي يسيطر على سلطة هي بيد غيره أو من بيده السلطة كي يصونها ويمنع تدخل غيره بقراراته؟
وانا وغيري نسمع عن وجود محكمة اتحادية ودستور صَوت عليه غالبية الشعب العراقي، لكن الصراع موجود وكأنه أمر مستعصي يصعب حله، ونسى الجميع أن هناك شعبا يجب العودة إليه فهو من صوت لهم وهو الذي أيضا خضب اصبع يده باللون البنفسجي كي يكون ممثليه اليوم حيثما هم لكن خيبة أمله كبيرة حتما وهو يرى ويسمع ما يجري وكأن من طالب يوما ناخبيه بانتخابه قد وقع ناخبيه بورطة وضحك على عقولهم (وبالعراقي: قشمرهم) وهو اليوم يفعل ما يريد!!! إن هذه الخلاصة قاسية حقا لكن علينا انتظار الجواب من سياسيين بأمر غير هذا وعليهم اتباع الأصول الدستورية كي نبرهن للعالم بأننا شعب ديمقراطي وحكومتنا ديمقراطية ولا نحتاج للربيع المنتشر اليوم في العديد من البلدان العربية كي نغير هذا أو ذاك لأن الجميع يعرفون ما عليهم وما لهم والدستور هو الفيصل والضامن والكفيل.
والعراقي مع سياسييه يعيش حالة من الفوضى في كل شيء، ففي كل العالم هناك تنظيم وترتيب لكل صغيرة وكبيرة وهم يستفادون من الكومبيوتر بكامل طاقاته ومواصفاته ويرتبون بموجبه أمورهم ومنها حتى فواتير الماء والكهرباء وهناك حل للمشكلات (أون لاين) أو القيام بالتأمين (أون لاين) أو الاشتراك بخدمة أو أي أمور ومنها التسوق الأليكتروني وغيرها من صفات حضرية تعود بالمنفعة للإنسان ولرجال الأعمال والشركات، لكن ما مدى استفادة العراقيين من هذه الميزات الموجودة في أجهزة الكومبيوتر والتي لا يخلوا بيتا عراقيا منها وربما أكثر من جهاز واحد، لكن عندما عملت محافظة بغداد استعلامات أليكترونية حديثة خففت بموجبه العناء من المراجعين أعتبر كل من شاهد هذا المنجز أنه متقدم جدا للحالة التي هو عليها العراق، فما بال غيره من الوزارات والدوائر بحيث لا نجدها تلجأ إلى هذه المكننة الحديثة وتخفف العناء عن المواطنين كي ينتظروا كثيرا من أجل معاملة ما أو كي يحصلوا على وثيقة أو تأييدا، لكن الأمر برمته أصبح في غاية السهولة لدى الدول المتقدمة كونها تعمل وفق منهج علمي وكل مسؤول فيها يبحث عن الوسيلة كي يكسب الزبائن وهي منافسة شريفة والأفضلية فيه للأحسن.
 وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة

... وللذكريات بقية

عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

61
ذكريات من الماضي العراقي القريب ( 8 )
كانت بغداد كما هو حال مدن كثيرة من العراق وخصوصا الموصل والبصرة معروفة بوجود شوارع واسعة وجسور وأنفاق وتقاطعات وخصوصا الحديثة منها والسريعة التي كانت تربط المدينة مع قطاعاتها وحاراتها ومعها ومع المدن الأخرى وتخدم الناس بتسهيل عملية وصولهم لأعمالهم بيسر وسهولة وتوفر لهم الخيارات الكثيرة فيما لو تعرض طريق ما للغلق نتيجة حادث معين.
لكن بعد 2003 كل هذه أصبحت دون فائدة كونها قد تعرضت إما للتدمير نتيجة قصف الفاتحين!!!! أو للإغلاق نتيجة حاجة أجهزة الأمن والمؤسسات الحكومية أو تلك التي تعود لقوات الاحتلال كي يصبح المواطن العراقي الوحيد هو الخاسر كونه يمضي ساعات كثيرة ليس كي يحصل على وقودا لسيارته بل لكي يصل إلى عمله بالوقت المحدد وحتى لا يغضب منه رئيسه ويخسر مصدر عيشه  وعيش وأسرته.
ودون سابق أنذار كنا نفاجأ بغلق الطريق وعندها إما علينا انتظار رحمة الله كي يتم فتحه ولا نعلم متى؟ أو الاستدارة والرجوع عكس السير كي ندخل في متاهة من الشوارع الفرعية لربما تعيننا كي نهرب من ذلك الغلق ونحصل على فرصتنا بالنجاة أو بالوصول إلى هدفنا، ولكن مرت الشهور والسنين وأصبحت الخيارات أقل يوما بعد آخر فإن مناطق كثيرة تم أحاطتها بالحواجز الكونكريتية وأصبحت كل المناطق معزولة بعضها عن بعض ومعها أصبح أبن المنطقة وحده من يعرف كيف يدخل إلى منطقته ويخرج ومنها وكم من مرة كنا نحتاج إلى الدليل لكي يرشدنا عبر منطقته لطريق الخروج، وحدث مرة وكنت بزيارة لمدينة برطلة في منطقة الموصل عندما طلبت من أحدهم أن يسير أمام سيارتي ويرشدني إلى سبيل الخروج منها فهي كانت أيضا محاطة بالحواجز ومنافذ الخروج محددة وقليلة جدا!!!
ونتيجة هذا أصبحنا نمضي وقتا طويلا بالانتظار داخل سياراتنا ونحن نترقب لحظة الفرج، وحدث مرة وكنا بطريق الموصل – بغداد حيث وقفت مفرزة لقوات الاحتلال كانت تسير أمامنا وقطعت الطريق ولا يوجد مجال كي نخرج منه للطرق الفرعية يمينا أو شمالا كي نبتعد عنها ونواصل السير وبقينا نتفرج على جنود المفرزة وهم يتكلمون مع بعضهم ولم نلحظ وجود شيئا غريبا حينها وحسب مزاجهم إلى أن انتهى حديثهم تحركوا واعطوا لنا المجال أيضا كي نواصل سيرنا، وكان من غير المسوح اجتياز سياراتهم أو حتى الاقتراب منها لمسافة خمسين مترا لأن تجاوز ذلك كان سيعرض من في السيارة للقتل.
وحدث فعلا لأحدهم الذي كما يبدو كان يتكلم بتلفونه النقال ولم ينتبه لوجود سيارات قوات الاحتلال أمامه ونال جزاءه رصاصة أنهت حياته في الحال قرب منطقة بيجي ولم يرف جفن للقتلة واستمروا بسيرهم إلى مقصدهم!!!، وليس هذا وإنما رجلا آخر كان يقود سيارته القديمة في منطقة حي آسيا ببغداد ومعه ولده الصغير وهذا أيضا لقي حتفه أمام طفله لكن القتلة هنا كانوا أكثر رأفة فبعد تنفيذ عمليتهم عادو كي يتفحصوا السيارة ومن بداخلها ليجدو الطفل يصرخ وهو يرى والده قد تم قتله شر قتلة فكان أن أخذوه مع والده للبيت ونطقو بكلمة (سوري) لعائلته المفجوعة!!! التي لم تجد سوى البكاء وسيلة كي تنفس عن غضبها في ذلك الوقت وبعد أن أخذت هذه العائلة ضحيتها كي يتم مواراته الثرى كان الأشرار قد أكملوا ما بدأه المحتلون وسطوا على ماهو غالٍ وثمين في بيت الضحية!!! لكي تكمل مأساة هذه العائلة ويكون لها خاتمة مؤلمة جدا.
ومرة كان رجل دين يسوق سيارته الخاصة رغم تقدمه بالعمر وربما كان نظره ليس على ما يرام وكانت في ذات الطريق (طريق قناة الجيش ببغداد) سيارات الشركات الأمنية على ما يبدو تسير أيضا وهي مسرعة بسرعة جنونية ورغم ان هذا الانسان الورع كان يسير على جانب الطريق لكن رشقات من الرصاص تم توجيهها صوبه ممن كان في تلك السيارات لكن نصيب هذا الرجل كان أفضل من غيره لإن حقد الأشرار قد أصاب هيكل السيارة وخرج هو منها سالما معافى لكن بحالة نفسية سيئة جدا، وعن هذا فقد علم العالم كله ما جرى في ساحة النسور ببغداد من اطلاق للنار عشوائيا حصد الكثيرين حينها ومن جنود ذات الشركات أيضا وكأن العالم لا يرى ولا يسمع، وكان مصير القتل أيضا ينتظر سيدتين في ساحة المسبح والفعلة دائما كان سيارات الشركات الأمنية، وأنا متيقن بأن أمثال هذه الحوادث كثيرة جدا. حيث تم رواية العديد منها ومنها أن دبابة للمحتل كانت تسير في أحد الطرقات وصادف وجود سيارة أجرة متوقفة في طريقها، ولم يتوانى من في الدبابة بالانحراف قليلا عن تلك السيارة بل استمروا وصعدت الدبابة فوق تلك السيارة كي تجعلها هشيما منثورا دون وازع من ضمير تجاه صاحب تلك السيارة ولربما كان أحدهم فيها؛ طفلا أو رجلا مسنا؟!!!
والحواجز الكونكريتية أصبحت مكانا ملائما للرسامين كي يبدعوا بفنونهم على تلك الحواجز الصّماء أو موقعا لكتابات الفضوليين ومنها ما انتشر عبر الانترنيت الشيء الكثير وهنا على سبيل المثال الاعلان التالي الذي كتب دعاية لمحل حلاقة: (حلاقة هاني ... أطفر وتلكَاني)، ولا نعرف هل كانت نكتة أو تهكما من حالة الحواجز فبقي سر هذه الكتابة مع صاحبها. وكانت تلك الحواجز متعددة الأشكال والارتفاعات فقد وصل بعضها لارتفاع الثلاثة امتار وغيرها متران أو متر أو أقل من ذلك وحسب الغاية من وضعها، ولم تكن هذه سوى معرقلات حسب ضن واضعيها كي لا يفلت الأشرار عند تنفيذ أعمالهم الإجرامية لكن بقيت تلك الأفعال تنفذ رغم وجود الآلاف من السيطرات ونقاط التفتيش والعصي الحساسة بوجود تلك المواد لكن العبوات كانت تنفجر باستمرار وكم من وكر تم أكتشافه داخل المناطق السكنية لمواد متفجرة ولم يكن جيرانه يعرفون بما موجود في ذلك الدار وأمثاله، لقد كانت أدوات الشر موجودة قريبا منا وملاصقة لبيوتنا أحيانا ولا نعلم أننا نسكن بجوار قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة ولجأت قوات الاحتلال إلى طريقة تدمير البيت عند اكتشاف محتوياته هذه وليس صعبا معرفة ما يحصل في البيوت المجاورة عند تدمير ذلك البيت.
وعن اللاصقة والمتلاصقة فقد انتشرت في فترة من الفترات العبوات اللاصقة التي كانت توضع أسفل السيارة وتحت الهدف الذي يراد تصفيته وحدثت الكثير من هذه الحوادث وكان ضحيتها مسؤولين مهمين في الأجهزة المختلفة أو أناس أبرياء لا دخل لهم بكل ما يجري وغالبا هذه ما كنت تلحق ضررا كبيرا بالسيارة وكذلك بالضحية فإن لا تقضي عليه كان يصاب ببتر او عوق أو أضرار جسيمة في جسمه، وعن تفادي هذه الحالات لجأ الكثيرين لشراء مرايا بذراع طويلة كي يفحص أسفل سيارته قبل تحركه بها من أي مكان يكون بدءا من مرآب بيته وحتى في الكراجات العامة أو عندما يتركها في أي من الشوارع لقضاء حاجة ما، فكنا نعيش القلق بمعنى الكلمة من هذا الرعب الجديد والمحتمل.
وكان نصيب صاغة الذهب كبيرا في مخططات الأشرار لأن واجهات محلاتهم كانت مغرية بما تعرضه من ذهب يأخذ بريقه الأبصار ويسيل لعاب الأشرار كونه سيدر لهم مبالغ طائلة فكم من عملية تم تنفيذها صوب هذه المحلات وفي كافة المدن العراقية ولم تسلم منطقة منها، وكانت الضحايا كثيرة في حي الشعب والوشاش وحي العامل وبغداد الجديدة ببغداد ومناطق أخرى لا مجال لذكرها ولجأ أصحاب هذه المحلات لوضع جرس أنذار في متناول يد صاحب المحل عند شعوره بالخطر وكانت القيصريات التي يتواجد مثل هذه المحلات فيها عادة قد اتفقت فيما بينها كي يكون لهم حراسات موحدة ولكي لا يكونوا فريسة سهلة أمام من يريد لهم الشر لكن من يريد الإيقاع بالفريسة ليس بالضرورة أن يصطادها في مكان عملها لأن الخطف هو أيضا وسيلة مورست مع أصحاب هذه المحلات حيث كان الأشرار ينتظرون أصحاب هذه المحلات ويبدو أنهم كانوا يراقبون تحركات الضحية ويعرفون مكان الانطلاق والوصول كي يصطادونه في أثناء ذلك ولكن هؤلاء الأشرار كانت تذهب المبالغ التي يحصلون عليها صرفا على ملذاتهم وشعوذاتهم كون المال الحرام الذي كانوا يحصلون عليه من أصحابه لم يكن ليستمر في جيوبهم طويلا فالذي يأتي سهلا يذهب سهلا ليعود هؤلاء إلى أفعالهم التي أبتلي بها الشعب العراقي كله.
وضحايا هؤلاء الكثير منهم أضطر لإيقاف تعليم أبنائه خوفا من خطفهم ولجأوا إلى حبسهم في بيوتهم ولا ذنب للأطفال سوى أن أبائهم ميسوري الحال وكانوا إن لم يستطيعوا خطف الأب فيأخذون ولده كي يساومون عليه ومورست بعض الأعمال حتى داخل الحرم الجامعي حيث صناديق الطلبة التي حصدت يوما في كلية طب الأسنان ضحية شابة كان يأمل وصوله إلى التخرج وان يصبح مؤهلا لمعالجة أسنان الناس ويفيد نفسه وعائلته والمجتمع، فتلك الصناديق التي يستخدمها الطلبة (لوكرات) لخزن الكتب ولوازم الدراسة لم تسلم من الأشرار وكانت وسيلة كي يفقد طلبة تلك الكلية عددا من زملائهم يوما وفي وضح النهار عندما همّوا بفتح تلك الصناديق لأخذ حاجياتهم منها!!! ولا أريد هنا من ذكر للإسماء كي لا أثير شجون أهاليهم بعد مضي سنوات على تلك الفعلة الجبانة فقد ثملوا من البكاء والعويل الذي انتشر في كل الأزقة والحارات وكل يبكي على ضحيته ولا يوجد من يسلي أو يؤملنا بالبشارة بقرب انتهاء تلك المأساة التي كانت بحق اما لكل المآسي التي عاشها العراقيون جميعا على مدار تاريخهم المشبع بالبكاء والعويل ومنها نجد أن الغناء والمواويل العراقية غالبها يؤشر حالة الحزن والألم فمن ظلم المستعمر والإقطاع والحروب إلى ظلم ياجوج وماجوج القرن الحادي والعشرون الذين عاثوا في أرض العراق فسادا.
والموت كان هو النتيجة التي يحصدها الالاف منذ زمن بعيد وخلال الحروب التي خاضها العراق لأن حينها من لم يمت في الجبهات كانت تنتظره فرق الإعدام في الخلف كي توقفه عند محاولة هربه وتعدمه على الفور حيث كانت ما تسمى حينها المفارز الخاصة تنفذ أوامر أسيادها وتحصد من يعترض على الحروب ويرفض الإستمرار بتنفيذ الأوامر وفيما بعد 2003 عاد ذات الموت بشكل أبشع لأن فرق الموت أصبحت كثيرة والإبادة الجماعية أخذت طريقها للقضاء على الشعب العراقي تارة باسم الدين وأخرى باسم الطائفة وثالثة باسم القومية ورابعة وخامسة ... تعددت الأسباب والموت واحد ولا يوجد من يعطي تفسيرا مقنعا عن سبب لذوي الضحايا رغم استبشارنا خيرا بعد ذلك التاريخ بأننا سوف ندخل منعطفا جديدا وحياة جديدة لكن النتيجة كانت نحو الأسوأ والكثيرين علت وجوههم علامات الاستفهام دون نتائج أو إجابات قاطعة لأننا نخرج من مأساة لندخل أخرى أكثر مأساوية منها!!!
ورغم أن العراق أصبح نظريا حرا فإن عدد الجرائد لا يعد ولا يحصى فكل من شاء أصدر صحيفة أو مجلة وأصبحت الأرصفة تعج بالمئات منها ورغم أن مقص الرقيب قد اختفى وأصبحنا نرى في ساحة الباب الشرقي كل شيء حتى الأفلام السيئة الصيت والصور مقززة للنظر فحتى الأسلحة وذخيرتها أصبحت مألوفة لمن يتبضع من تلك الساحة وكذلك أختام الدوائر ونماذج رسمية للعديد من الوثائق تجدها على الرصيف فيمكنك الحصول على إجازة السوق بمبلغ بسيط وبنموذج رسمي وأختام رسمية، وكذلك هوية الأحوال المدنية وغيرها من الوثائق العراقية، وعندها الكثيرين حمدوا الله لأن الخدمة الإلزامية في الجيش قد ذهبت دون رجعة لأن الخدمة في هذا السلك كانت تحصد اللوف من الضحايا لكن هذه الألوف في الواقع الجديد يتم حصدها في الشوارع والساحات وحتى داخل البيوت. وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

62
ذكريات من الماضي العراقي القريب ( 8 ) 

كانت بغداد كما هو حال مدن كثيرة من العراق وخصوصا الموصل والبصرة معروفة بوجود شوارع واسعة وجسور وأنفاق وتقاطعات وخصوصا الحديثة منها والسريعة التي كانت تربط المدينة مع قطاعاتها وحاراتها ومعها ومع المدن الأخرى وتخدم الناس بتسهيل عملية وصولهم لأعمالهم بيسر وسهولة وتوفر لهم الخيارات الكثيرة فيما لو تعرض طريق ما للغلق نتيجة حادث معين.
لكن بعد 2003 كل هذه أصبحت دون فائدة كونها قد تعرضت إما للتدمير نتيجة قصف الفاتحين!!!! أو للإغلاق نتيجة حاجة أجهزة الأمن والمؤسسات الحكومية أو تلك التي تعود لقوات الاحتلال كي يصبح المواطن العراقي الوحيد هو الخاسر كونه يمضي ساعات كثيرة ليس كي يحصل على وقودا لسيارته بل لكي يصل إلى عمله بالوقت المحدد وحتى لا يغضب منه رئيسه ويخسر مصدر عيشه  وعيش وأسرته.
ودون سابق أنذار كنا نفاجأ بغلق الطريق وعندها إما علينا انتظار رحمة الله كي يتم فتحه ولا نعلم متى؟ أو الاستدارة والرجوع عكس السير كي ندخل في متاهة من الشوارع الفرعية لربما تعيننا كي نهرب من ذلك الغلق ونحصل على فرصتنا بالنجاة أو بالوصول إلى هدفنا، ولكن مرت الشهور والسنين وأصبحت الخيارات أقل يوما بعد آخر فإن مناطق كثيرة تم أحاطتها بالحواجز الكونكريتية وأصبحت كل المناطق معزولة بعضها عن بعض ومعها أصبح أبن المنطقة وحده من يعرف كيف يدخل إلى منطقته ويخرج ومنها وكم من مرة كنا نحتاج إلى الدليل لكي يرشدنا عبر منطقته لطريق الخروج، وحدث مرة وكنت بزيارة لمدينة برطلة في منطقة الموصل عندما طلبت من أحدهم أن يسير أمام سيارتي ويرشدني إلى سبيل الخروج منها فهي كانت أيضا محاطة بالحواجز ومنافذ الخروج محددة وقليلة جدا!!!
ونتيجة هذا أصبحنا نمضي وقتا طويلا بالانتظار داخل سياراتنا ونحن نترقب لحظة الفرج، وحدث مرة وكنا بطريق الموصل – بغداد حيث وقفت مفرزة لقوات الاحتلال كانت تسير أمامنا وقطعت الطريق ولا يوجد مجال كي نخرج منه للطرق الفرعية يمينا أو شمالا كي نبتعد عنها ونواصل السير وبقينا نتفرج على جنود المفرزة وهم يتكلمون مع بعضهم ولم نلحظ وجود شيئا غريبا حينها وحسب مزاجهم إلى أن انتهى حديثهم تحركوا واعطوا لنا المجال أيضا كي نواصل سيرنا، وكان من غير المسوح اجتياز سياراتهم أو حتى الاقتراب منها لمسافة خمسين مترا لأن تجاوز ذلك كان سيعرض من في السيارة للقتل.
وحدث فعلا لأحدهم الذي كما يبدو كان يتكلم بتلفونه النقال ولم ينتبه لوجود سيارات قوات الاحتلال أمامه ونال جزاءه رصاصة أنهت حياته في الحال قرب منطقة بيجي ولم يرف جفن للقتلة واستمروا بسيرهم إلى مقصدهم!!!، وليس هذا وإنما رجلا آخر كان يقود سيارته القديمة في منطقة حي آسيا ببغداد ومعه ولده الصغير وهذا أيضا لقي حتفه أمام طفله لكن القتلة هنا كانوا أكثر رأفة فبعد تنفيذ عمليتهم عادو كي يتفحصوا السيارة ومن بداخلها ليجدو الطفل يصرخ وهو يرى والده قد تم قتله شر قتلة فكان أن أخذوه مع والده للبيت ونطقو بكلمة (سوري) لعائلته المفجوعة!!! التي لم تجد سوى البكاء وسيلة كي تنفس عن غضبها في ذلك الوقت وبعد أن أخذت هذه العائلة ضحيتها كي يتم مواراته الثرى كان الأشرار قد أكملوا ما بدأه المحتلون وسطوا على ماهو غالٍ وثمين في بيت الضحية!!! لكي تكمل مأساة هذه العائلة ويكون لها خاتمة مؤلمة جدا.
ومرة كان رجل دين يسوق سيارته الخاصة رغم تقدمه بالعمر وربما كان نظره ليس على ما يرام وكانت في ذات الطريق (طريق قناة الجيش ببغداد) سيارات الشركات الأمنية على ما يبدو تسير أيضا وهي مسرعة بسرعة جنونية ورغم ان هذا الانسان الورع كان يسير على جانب الطريق لكن رشقات من الرصاص تم توجيهها صوبه ممن كان في تلك السيارات لكن نصيب هذا الرجل كان أفضل من غيره لإن حقد الأشرار قد أصاب هيكل السيارة وخرج هو منها سالما معافى لكن بحالة نفسية سيئة جدا، وعن هذا فقد علم العالم كله ما جرى في ساحة النسور ببغداد من اطلاق للنار عشوائيا حصد الكثيرين حينها ومن جنود ذات الشركات أيضا وكأن العالم لا يرى ولا يسمع، وكان مصير القتل أيضا ينتظر سيدتين في ساحة المسبح والفعلة دائما كان سيارات الشركات الأمنية، وأنا متيقن بأن أمثال هذه الحوادث كثيرة جدا. حيث تم رواية العديد منها ومنها أن دبابة للمحتل كانت تسير في أحد الطرقات وصادف وجود سيارة أجرة متوقفة في طريقها، ولم يتوانى من في الدبابة بالانحراف قليلا عن تلك السيارة بل استمروا وصعدت الدبابة فوق تلك السيارة كي تجعلها هشيما منثورا دون وازع من ضمير تجاه صاحب تلك السيارة ولربما كان أحدهم فيها؛ طفلا أو رجلا مسنا؟!!!
والحواجز الكونكريتية أصبحت مكانا ملائما للرسامين كي يبدعوا بفنونهم على تلك الحواجز الصّماء أو موقعا لكتابات الفضوليين ومنها ما انتشر عبر الانترنيت الشيء الكثير وهنا على سبيل المثال الاعلان التالي الذي كتب دعاية لمحل حلاقة: (حلاقة هاني ... أطفر وتلكَاني)، ولا نعرف هل كانت نكتة أو تهكما من حالة الحواجز فبقي سر هذه الكتابة مع صاحبها. وكانت تلك الحواجز متعددة الأشكال والارتفاعات فقد وصل بعضها لارتفاع الثلاثة امتار وغيرها متران أو متر أو أقل من ذلك وحسب الغاية من وضعها، ولم تكن هذه سوى معرقلات حسب ضن واضعيها كي لا يفلت الأشرار عند تنفيذ أعمالهم الإجرامية لكن بقيت تلك الأفعال تنفذ رغم وجود الآلاف من السيطرات ونقاط التفتيش والعصي الحساسة بوجود تلك المواد لكن العبوات كانت تنفجر باستمرار وكم من وكر تم أكتشافه داخل المناطق السكنية لمواد متفجرة ولم يكن جيرانه يعرفون بما موجود في ذلك الدار وأمثاله، لقد كانت أدوات الشر موجودة قريبا منا وملاصقة لبيوتنا أحيانا ولا نعلم أننا نسكن بجوار قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة ولجأت قوات الاحتلال إلى طريقة تدمير البيت عند اكتشاف محتوياته هذه وليس صعبا معرفة ما يحصل في البيوت المجاورة عند تدمير ذلك البيت.
وعن اللاصقة والمتلاصقة فقد انتشرت في فترة من الفترات العبوات اللاصقة التي كانت توضع أسفل السيارة وتحت الهدف الذي يراد تصفيته وحدثت الكثير من هذه الحوادث وكان ضحيتها مسؤولين مهمين في الأجهزة المختلفة أو أناس أبرياء لا دخل لهم بكل ما يجري وغالبا هذه ما كنت تلحق ضررا كبيرا بالسيارة وكذلك بالضحية فإن لا تقضي عليه كان يصاب ببتر او عوق أو أضرار جسيمة في جسمه، وعن تفادي هذه الحالات لجأ الكثيرين لشراء مرايا بذراع طويلة كي يفحص أسفل سيارته قبل تحركه بها من أي مكان يكون بدءا من مرآب بيته وحتى في الكراجات العامة أو عندما يتركها في أي من الشوارع لقضاء حاجة ما، فكنا نعيش القلق بمعنى الكلمة من هذا الرعب الجديد والمحتمل.
وكان نصيب صاغة الذهب كبيرا في مخططات الأشرار لأن واجهات محلاتهم كانت مغرية بما تعرضه من ذهب يأخذ بريقه الأبصار ويسيل لعاب الأشرار كونه سيدر لهم مبالغ طائلة فكم من عملية تم تنفيذها صوب هذه المحلات وفي كافة المدن العراقية ولم تسلم منطقة منها، وكانت الضحايا كثيرة في حي الشعب والوشاش وحي العامل وبغداد الجديدة ببغداد ومناطق أخرى لا مجال لذكرها ولجأ أصحاب هذه المحلات لوضع جرس أنذار في متناول يد صاحب المحل عند شعوره بالخطر وكانت القيصريات التي يتواجد مثل هذه المحلات فيها عادة قد اتفقت فيما بينها كي يكون لهم حراسات موحدة ولكي لا يكونوا فريسة سهلة أمام من يريد لهم الشر لكن من يريد الإيقاع بالفريسة ليس بالضرورة أن يصطادها في مكان عملها لأن الخطف هو أيضا وسيلة مورست مع أصحاب هذه المحلات حيث كان الأشرار ينتظرون أصحاب هذه المحلات ويبدو أنهم كانوا يراقبون تحركات الضحية ويعرفون مكان الانطلاق والوصول كي يصطادونه في أثناء ذلك ولكن هؤلاء الأشرار كانت تذهب المبالغ التي يحصلون عليها صرفا على ملذاتهم وشعوذاتهم كون المال الحرام الذي كانوا يحصلون عليه من أصحابه لم يكن ليستمر في جيوبهم طويلا فالذي يأتي سهلا يذهب سهلا ليعود هؤلاء إلى أفعالهم التي أبتلي بها الشعب العراقي كله.
وضحايا هؤلاء الكثير منهم أضطر لإيقاف تعليم أبنائه خوفا من خطفهم ولجأوا إلى حبسهم في بيوتهم ولا ذنب للأطفال سوى أن أبائهم ميسوري الحال وكانوا إن لم يستطيعوا خطف الأب فيأخذون ولده كي يساومون عليه ومورست بعض الأعمال حتى داخل الحرم الجامعي حيث صناديق الطلبة التي حصدت يوما في كلية طب الأسنان ضحية شابة كان يأمل وصوله إلى التخرج وان يصبح مؤهلا لمعالجة أسنان الناس ويفيد نفسه وعائلته والمجتمع، فتلك الصناديق التي يستخدمها الطلبة (لوكرات) لخزن الكتب ولوازم الدراسة لم تسلم من الأشرار وكانت وسيلة كي يفقد طلبة تلك الكلية عددا من زملائهم يوما وفي وضح النهار عندما همّوا بفتح تلك الصناديق لأخذ حاجياتهم منها!!! ولا أريد هنا من ذكر للإسماء كي لا أثير شجون أهاليهم بعد مضي سنوات على تلك الفعلة الجبانة فقد ثملوا من البكاء والعويل الذي انتشر في كل الأزقة والحارات وكل يبكي على ضحيته ولا يوجد من يسلي أو يؤملنا بالبشارة بقرب انتهاء تلك المأساة التي كانت بحق اما لكل المآسي التي عاشها العراقيون جميعا على مدار تاريخهم المشبع بالبكاء والعويل ومنها نجد أن الغناء والمواويل العراقية غالبها يؤشر حالة الحزن والألم فمن ظلم المستعمر والإقطاع والحروب إلى ظلم ياجوج وماجوج القرن الحادي والعشرون الذين عاثوا في أرض العراق فسادا.
والموت كان هو النتيجة التي يحصدها الالاف منذ زمن بعيد وخلال الحروب التي خاضها العراق لأن حينها من لم يمت في الجبهات كانت تنتظره فرق الإعدام في الخلف كي توقفه عند محاولة هربه وتعدمه على الفور حيث كانت ما تسمى حينها المفارز الخاصة تنفذ أوامر أسيادها وتحصد من يعترض على الحروب ويرفض الإستمرار بتنفيذ الأوامر وفيما بعد 2003 عاد ذات الموت بشكل أبشع لأن فرق الموت أصبحت كثيرة والإبادة الجماعية أخذت طريقها للقضاء على الشعب العراقي تارة باسم الدين وأخرى باسم الطائفة وثالثة باسم القومية ورابعة وخامسة ... تعددت الأسباب والموت واحد ولا يوجد من يعطي تفسيرا مقنعا عن سبب لذوي الضحايا رغم استبشارنا خيرا بعد ذلك التاريخ بأننا سوف ندخل منعطفا جديدا وحياة جديدة لكن النتيجة كانت نحو الأسوأ والكثيرين علت وجوههم علامات الاستفهام دون نتائج أو إجابات قاطعة لأننا نخرج من مأساة لندخل أخرى أكثر مأساوية منها!!!
ورغم أن العراق أصبح نظريا حرا فإن عدد الجرائد لا يعد ولا يحصى فكل من شاء أصدر صحيفة أو مجلة وأصبحت الأرصفة تعج بالمئات منها ورغم أن مقص الرقيب قد اختفى وأصبحنا نرى في ساحة الباب الشرقي كل شيء حتى الأفلام السيئة الصيت والصور مقززة للنظر فحتى الأسلحة وذخيرتها أصبحت مألوفة لمن يتبضع من تلك الساحة وكذلك أختام الدوائر ونماذج رسمية للعديد من الوثائق تجدها على الرصيف فيمكنك الحصول على إجازة السوق بمبلغ بسيط وبنموذج رسمي وأختام رسمية، وكذلك هوية الأحوال المدنية وغيرها من الوثائق العراقية، وعندها الكثيرين حمدوا الله لأن الخدمة الإلزامية في الجيش قد ذهبت دون رجعة لأن الخدمة في هذا السلك كانت تحصد اللوف من الضحايا لكن هذه الألوف في الواقع الجديد يتم حصدها في الشوارع والساحات وحتى داخل البيوت. وهذا وغيره ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقات القادمة

... وللذكريات بقية

عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

63
ذكريات من الماضي العراقي القريب (7)

كان في كل زاوية وشارع احتمال لوجود رائحة الموت فقد نفث الأشرار سمومهم في كل مكان وبتنا لا نعرف مصدر الشر فأصبح من العسير تحديد هوية صانعي الشر وناشري ثقافة الموت للعراقيين أجمع فمنهم من يقول إنها المقاومة ومنهم من يلقي باللوم على الكتل السياسية وصراعها معا من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من السيطرة على السلطة وهناك فريق ثالث يتهم المحتل وفرقه القذرة التي يدعي الكثيرين أن هؤلاء كانوا يزرعون العبوات الناسفة لخلق حالة من الفوضى كي يبقى استمرار وجودهم في العراق مشروعا ولا تطالبهم أية جهة بمغادرة العراق لأن الأمن لم يستقر بعد، وكل من تحدث وحدد هوية مصدر الشر كان يضرب لنا أمثلة تدعم أقواله ويسرد لنا العديد من الحكايات ... لقد كان كل هذا محاولات لطمس الحقيقة وأضاعة رأس الخيط في القضية لأن الشر كان يطال الأبرياء أكثر مما يطال قوات الاحتلال فلو كانت كما يسمونها المقاومة تقوم بذلك فهل يعقل للمقاومة الوطنية أن تقتل أبناء شعبها؟
لقد كانت جميع الأوراق مفروشة على طاولة النقاش وكان الكثير من الجهات وخصوصا الدينية منها تحاول حث الناس على أن الدم العراقي خط أحمر ويجب حفظ الدم وجعله من المحرمات وكم من المواثيق تم توقيعها لكن جميعها تقريبا ذهبت أدراج الرياح وبقيت حبرا على ورق ومحفوظة هذه داخل ملفات كثيرة عفا عليها الزمن لأن الدم العراقي كان يجري وبغزارة وكانت التفجيرات تتم ليس بالعشرات بل بالمئات لو أخذنا كامل رقعة التراب العراقي ويوميا، وطال الزمان والعراق ينزف من أهله الكثير الكثير إن لم يكن بالموت فبالهجرة وعجزت حتى برادات الطب العدلي من أستيعاب كل جثث الضحايا.
وأزاء هذا الواقع لم نلحظ جدية من قبل الأطراف الدولية وحتى المحلية لوضع حد لهذه الهموم القاسية لأن القانون كان قد أصبح شيئا من الماضي ومرت سنوات كثيرة عجاف ومؤلمة جدا كان أي منا عندما يخرج من بيته لم يكن متيقنا أنه سيعود سالما وكان وجود التلفوات النقالة بعد 2003 شيئا مفيدا من جهة تخفيف قلق الأهل وتوترهم كوننا كنا نتصل بعوائلنا بعد كل مرحلة نقطعها ونحن في طريقنا للعمل!!! ولم ينتبه أحد من الداخل أو من الخارج لأنين الثكالى وذوي الضحايا فحتى من فرح بحصول العراق على بطولة كأس آسيا بكرة القدم عام 2007 وأحتفل بالشوارع طالته التفجيرات!!! فهل أن احتفاله هذا كان احتفال بالمحتل ومن أجل استمرارية بقائه كي ندّعي بأن المقاومة الوطنية تقوم بمثل هذا العمل؟ وكان لدينا شماعة نعلق الأفعال عليها؛ الا وهي القاعدة وأعوانها!!! أي أننا لا بل الأعلام في العراق وفي خارجه قد ضخم كثيرا هذا الاسم وأصبح بعبعا ومخيفا حتى للدول ذات السيادة وربما تلك المنظمة التي أجمعت دول كثيرة من العالم بنعتها بالإرهابية وخصوصا بعد أحداث نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية في يوم 11 أيلول، الحدث الذي دفع حكومة الولايات المتحدة على أثره غزو أفغانستان وتبعته بالعراق وكان لها دولا تسميها بمحور الشر ... ولكن أحداث العراق الساخنة باستمرار ربما أجلت كثيرا من المخططات اللاحقة التي كانت الولايات المتحدة قد قررت المضي بها لاجتثاث محور الشر!!!
لقد كانت كل المعطيات تدفع بالإنسان العراقي بالركود والانزواء جانبا والتحوط للشر القادم والعمل كي يعيش الإنسان بالملاجيء الحصينة حماية لنفسه من السيارات الملغمة والعبوات الناسفة والقنابل المزروعة على حافة الطريق بالاضافة لمن يرتد حزاما ناسفا ويعتبر قنبلة موقوتة ومتنقلة بكل مكان، فحتى الباصات العامة لم تعد سالمة منها فكم من باص تم تفجيره بترك كيسا يحوي مادة متفجرة يتركها الشرير عند نزوله ليفجرها بالريموت بعد نزوله منه بلحظات!!! دون النظر لركابه البسطاء والمحرومين!!! فمن يركب الباص؟ سوى الفقير والذي لا يملك وسيلة خاصة للنقل؟ لكن الأشرار جعلوا من هؤلاء أهداف لهم وكأنهم جزء من قوات الاحتلال!!!
لكن الغيرة على العراق جعلت من أهله الأخيار كل يعمل بمجاله المناسب وربما من خلف الكواليس كي يخفف معاناة أهله ويوقف كل هذا الشر المحدق بهم، ومن هؤلاء من كان يكتب ويرسل الرسائل للعالم ولوسائل الإعلام شارحا لهم قوة الألم الذي يعيشه هو وأخوته ويسلط حزما من الضوء على مشاهد الحزن والألم التي أصبحت ديدن يومي لنا ولم نكن بحاجة كي نستمع من هذا أو ذاك عن الحوادث فقلما خلت منطقة من حادث أو تفجير او خطف لأن أصوات هذه الأعمال المشؤومة كانت تُسمع في كل مكان وكان الناس يهرعون لآنقاذ ما يمكن أنقاذه وهؤلاء أيضا كانوا أحيانا يلقون حتفهم لأن الأشرار كانوا قد وقتوا قنبلة ثانية كي تنفجر عند تجمع الناس فور وقوع الحادث الأول لتكون المصيبة التالية أكبر من سابقتها.
وكانت التفجيرات الأولى التي طالت الكنائس في الأول من آب 2004 مصدر هلع للكثير من المؤمنين لأن العراقيين لم يكونوا قد اعتادوا وجود رجال الأمن على أبواب دور العبادة كي يقوموا بتفتيش الداخلين لإداء الصلوات فوقعت الحوادث ذلك اليوم وقعا حادا على نفوس المؤمنين كونها قد طالت مجموعة من دور العبادة في وقت الذروة حيث تقام الصلوات عصر الأحد بصورة معتادة ويؤمها أغلب المصلين كون الصلوات الصباحية يحضرها القليلين لأن الغالبية تكون في أعمالها وعند المساء تحضر لإكمال الفروض فشهدت أكثر من كنيسة مجزرة حقيقية فكنيسة الرسولين بمنطقة الدورة – الميكانيك تحطمت واحترقت أكثر من عشرين سيارة للمصلين ومثلها وربما أكثر من الضحايا بين جريح وقتيل ومن الضحايا شاب وخطيبته حضروا لحظة التفجير وهدفهم توزيع بطاقات عرسهم المزمع حدوثه يوم الخميس التالي لكن القدر كان لهم بالمرصاد وحصد روحيهما معا القصة التي عشنا الكثير من تفاصيلها يومها حيث كان مسكني قريب من الحادث وكان ثلاثة من اولادي يحضرون الصلاة داخل الكنيسة وكان القدر وحده من أخرجهم من هناك سالمين دون أذى، ولكن ساحة الكنيسة التي كانت عبارة عن موقف للسيارات أصبحت وكأنها ساحة للمعركة تتناثر فيها الأشلاء وأجزاء السيارات المحطمة وكم من معجزة نستطيع الجزم بحدوثها ورواها لنا أصحابها حينها، فصديق لي كان لديه سيارة من نوع أولدز موبيل وخرج قبل نهاية الصلاة بقليل ولكون الجو حار جدا وقف مع ابنه الصغير قرب السيارة بعد أن قام بتشغيلها وتشغيل جهاز التبريد فيها ووقع الانفجار قريب جدا منهم لكنهم خرجو سالمين ولم يصب هو بأذى سوى تمزق بنطال ابنه بشظية دون ان تمس جسده!!! حقا لقد اعتبرنا ذلك معجزة حقيقية لأن أحدى الضحايا تم انتشال أجزاء من جسدها من فوق بناية الدير الكهنوتي المجاور للكنيسة!!!
وحال كنيسة سيدة النجاة لم يكن بحال أحسن من كنيسة الرسولين وكذلك كنيسة مار أيليا الحيري او سيدة الزهور وغيرها من الكنائس التي كانت ليس في بغداد بل في الموصل وكركوك هدفا لحقد الأشرار الذي وضع خطة لتهجير المسيحيين بتعرضهم لكنائسهم ومحاولة ابعادهم عن بيوت عبادتهم تلك الرئة التي يتنفسون منها الإيمان بالله الواحد الأحد. وكان هذا اليوم هو الأول في سلسلة من الأيام الدامية التي شهدتها رقعة العراق لاحقا، وليس فقط الكنائس بل حتى الجوامع والحسينيات فلم تسلم مدينة من حوادثها فحتى كربلاء والنجف المقدستين تعرضت لسلاسل كثيرة من مثل هذه الحوادث كان ضحية أحداها من أصبح يعرف (بشهيد المحراب) كونه قد أصبح وقودا لحقد الأشرار وهو عند بوابة الحضرة العلوية في النجف الأشرف وغيرها من الأحداث الشيء الكثير ربما يتسع المجال لاحقا لسرد الكثير منها كي يعرف العراقيين والعالم أجمع حجم وهول المأساة التي عاشها العراقيون في ضل الديمقراطية النموذج التي أرادها لهم بوش الأبن!!!
وإن تحدثنا عن دور العبادة فيجب أن لا ننسى بسطات العمال في الباب الشرقي وبغداد الجديدة وحي العامل والبياع من بغداد لأنها كانت هدفا للكثير من الأعمال الجبانة التي حصدت أرواح هؤلاء الذي يمضون يومهم بعمل شاق لإعالة عوائلهم وينتظر الكثير حر اليوم دون أن يستأجره أحد ليعود مكسورا ومهموما إلى بيته فمن يقصد هولاء لإرواعهم؟ لا يكون هناك سبب لفعلتهم سوى لدفع هؤلاء كي يتعاونوا مع الأشرار ويقومون بأفعال يريد الأشرار تنفيذها كي يحصلوا على مبالغ تافهة نتيجة ذلك، فلقد أصبحنا في زمن موت الضمائر وتقبل مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وكم من شرير اعترف في مقابلات متلفزة انه قتل شخصا ما مقابل خمسين دولارا !!! لقد أصبح الشر مصدرا لإعالة الناس ويالها من وسيلة شريرة للعيش، وليس هذا فقط لأن بريمر دفع عشرات الألوف كي تعيش في الفاقة والعوز عندما شطب بجرة قلم وبقرار مستعجل على وزراة الدفاع وسرح كل الجنود والضباط وكذلك على منتسبي وزارة الاعلام بجيشها الجرار من الاعلاميين والموظفين بالإضافة إلى الدوائر الخاصة ومنتسبيها وجل هؤلاء أصبحوا بقرار خاطيء بلا مصدر للعيش وبينهم من كان يتنعم كثيرا أيام النظام السابق وخصوصا منهم ضباط الجيش، فكم من هؤلاء انحرف وأصبح معينا للأشرار؟ لأن من صعاب الأمور أن لا يجد رب الأسرة مصدرا لإعالة عائلته عندها سيفعل أي شيء كي لا يسمع أطفاله يبكون من الجوع وألمه.
وشوارع كثيرة أصبحت مقفرة بعد ان كانت تعج بالمتسوقين وكانت محلاتها عامرة بالبضائع ... الموضوع الذي سنستمر بالكتابة عنه وغيره في الحلقة القادمة.


... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

64
تهنئة من القلب لجميع الآباء الأجلاء متمنيا لهم حياة روحية مزدهرة ومسيرة حافلة بالعطاء مع بركات الرب

65
ذكريات من الماضي العراقي القريب (6)
لقد أصبح الخطف والابتزاز أمرا مألوفا ولا تتعجب من أن تستمع لقصة من الخطف او الابتزاز في أية لحظة وأينما تذهب، الأمر الذي جعل من الناس حبيسي بيوتهم ويشكّون بكل ظاهرة أو حركة تحدث في الزقاق أو عابر سبيل ربما يمر لحاجة له فمروره يكون مثار شك لكل أهل الزقاق، وكم من زقاق شكل مجموعات من أبناء الحارات يكونون متيقضين وساهرين كي ينام أهلهم ويمضون اوقاتهم بامان وسلام.
فكل ما كان يحدث وفي كل مكان لم يكن سوى جهنم فاتحة فاها كي تبتلع المزيد من الضحايا وكان هناك نيران تزداد استعارا والأخبار تشتد باتجاه القتل والدمار، فلم نتفاجأ عندما وصلنا خبر اختطاف ابن جاري الطفل الذي لم يكمل الخامسة من عمره وكان ذلك في بدايات اعمال الخطف حيث لم نكن نعرف بعد الكثير من أدبيات التفاوض والأساليب التي يمكن اتباعها، حيث بدأ الجيران يتهافتون إلى بيت جارهم ووجدت من يقول لهم اكتبوا رقم تلفونكم على الحائط حتى يتصل بكم الخاطفين لأن المخطوف طفل ولا يستطيع أعطاء الرقم للخاطفين، وكنت شاهدا لإحدى اتصالاتهم بجاري حيث يبدو أن الخاطف أو من يلقنه يشرف على بيت جاري ويتحكم به كونه كان يقول له أن السيارة الفلانية يجب ان تتحرك من أمام بيتكم وغيرها من الأقوال التي أيقنا حينها أن أحد أفراد المجموعة التي خطفت الطفل هو أحد جيراننا ويعلم بكل حركة يقوم بها جاري.
أليست هذه أحدى غرائب ما حدثت في مجتمعنا العراقي الذي كان مشهورا بالطيبة والنخوة والكرم!!! ومن ذلك اليوم أصبحت كلمة (علاس) معروفة لكلنا والمقصود بها الشخص الذي يعرف الضحية ويكون دليل للإرهابيين وينقل لهم المعلومات التي تقودهم للامساك بضحيتهم مقابل مبلغ بسيط من المال!!! ولم تمضي فترة على تحرير هذا الطفل التي تمت تفاصيل دفع فديتها واعادة الطفل في أحدى الطرقات الفرعية لشارع فلسطين كي يبعد الأشرار الشبهات عن منطقة وجودهم كون أصل العملية قد تمت في الدورة – ميكانيك، وحتى عندما تعرف الطفل على أحد شبان شارعهم خاف أهله تبليغ الشرطة لأن القادم عندها سيكون أسوأ لأن ذلك الشاب كان أحد أفراد العصابة ومن غرائب القدر أن هذه العائلة عندما أضطرت للهجرة إلى بلد مجاور كي تنجو بنفسها بجميع أفرادها قابلت أيضا ذلك الشاب وهو يبحث أيضا عن دولة يهاجر إليها وربما يعيد أفعاله تلك في دولة أخرى آمنة لأن من تطبع على حال لايمكنه ترك طباعه!!!
وليست هذه الحالة الوحيد التي أطلعت على تفاصيل حدوثها، وفي كل الأحوال لم يكن خيار أخبار الشرطة هو الحل بل أنه كان يزيد الطين بِلة كون من لجأ للشرطة تعرض للابتزاز من أطراف عدة وربما يخسر المخطوف كونه لن يعود إليه سالما إذا عرف الخاطفين بأخبار أهل الضحية للشرطة.
وبالاضافة لذلك فقد طور الأشرار أعمالهم وبدأت عصابة تبيع الضحية لأخرى وعلى أهل الضحية أن يوفروا الفلوس دائما ضنا منهم أن قريبهم سيعود سالما بعد تسليم الفدية، وهذا كان حال أحد رجال الدين الذي تم دفع الفدية لتحريره لكن الأشرار استمروا بالمساومة لفترة امتدت لشهر من الزمان وكان ستر من الله الذي جعل رجل الدين هذا يعود سالما لدار عبادته بعد أن تم ربطه ليالٍ عديدة وفي ظل ظروف البرد القارس إلى إحدى الأشجار. وغيرها من الأمور التي لا أريد أن أوجع قلب قارئي العزيز بذكرها.
وعن الضحايا أيضا فقد خسرت منطقة الميكانيك بالدورة شابين وحيدين لأهلهما وكانا قد أفتتحا لهما متجرا يقيتهما وأهلهما وكان قريب ثالث لهم ذات مساء عائدا وأياهم عندما اعترضت طريقهم عصابة التقطت الثلاثة ويبدو أن تلك العصابة لم تكن قد حسبت أن يكون ضحاياهم ثلاثة فأمر مسؤولهم أن يتم أنزال قريب الشابين الذي كان أكبر من الاثنين سنا بحجة أنه كبير في السن ولا يفيدهم بشيء، ويبدو أن هذا كان حظه أوفر من الاثنين الذين أضطر والدهما أن يشحت مبلغ الفدية من أهله وأصدقائه وجيرانه لكن أولاده لم يعودوا لبيتهم لغاية اليوم رغم تسليمه لمبلغ الفدية كاملا!!!.
وبكل تأكيد إن الحديث عن مثل هذه الأعمال هو امر محزن للكثير بل الآلاف من الضحايا وأسرهم الذين بقي ملاذ الهجرة هو الحل الوحيد للابتعاد والهرب نحو النجاة بالنفس والوسيلة المتاحة لمحو تلك الآثار، فقد أصبحت الثروة بعد 2003 أحد الأسباب كي تلاحق العصابات من تعتقد وجود الثروة لديه كي تعمل على ترهيبه وأخضاعه بغية حلب أكبر ما يمكن من ثروته، فأحد من كنت أعرفه وهو يملك فندقا ببغداد تم أختطافه ومساومته الشخصية على الفدية كونه لم يكن لديه شخصا ممكن مساومته!!! فعلينا تصور حجم المأساة لشخص في الأسر ولا يعلم مصيره وآسروه يساومونه بماله كي يطلقون سراحه!!! وكان لهم ما أرادو لكن بشرط أن يُحضر ولده الصغير مبلغ الفدية لهم!!! وكانت النتيجة أن أخذو المال واحتجزوا الولد وأطلقو الأب ليبدأو من جديد مساومة أخرى على أطلاق الولد!!! لكن مع كل ذلك كان المال هو الحل الذي به أشترى هذا الصديق نفسه ونفس وحياة ابنه ليستقر أخيرا بعد رحلة العناء النفسي والنزيف المادي هذا الصديق بعيدا في كندا حيث لا يخاف هناك من فرق الشر والابتزاز.
وآخر كان يمتهن مهنة حرة في شارع الشيخ عمر ببغداد وعندما كنا نلاقيه كانت ملابسه في غاية الوساخة ووجه ويديه أيضا لأنه كان بحق يحصل على قوته من عرق جبينه والأشرار لاحقوه أيضا كي يقاسموه هذا المكسب ويحتجزوه لديهم حتى يفديه أهله ويكسبون حريته الأمر الذي حصل لكن العائلة بأجمعها حزمت الغال من أمتعتها ورحلت بعيدا كي تستقر في دول الاغتراب!!! إنها كلها قصص محزنة جدا خسر العراق بواسطتها ناسه المخلصون والذين كانوا يعملون بجد وأخلاص كي يعيلوا عوائلهم ويقدمون خدماتهم لمن يحتاج وهكذا كان بلدهم العراق هو المستفيد الأكبر من هذه الجهود لكن الأشرار حرموا العراق من كل هذه الجهود كي يستفيد منها دول الأغتراب!!!.
وقصص مثل هذه كثيرة، لكن  الأصدقاء لهم دور في سلوك أصدقائهم، وقد يمضي قدما الصديق نحو الأحسن إذا كان أصدقائه جيدون أو نحو الأسوأ إذا صادق أصدقاء السوء الأمر الذي حصل مع أحدى العوائل في حي الدورة ببغداد حيث كان للعائلة ابنا ذكرا وحيدا ونتيجة الضروف المأساوية التي شهدتها المنطقة بعد الاحتلال اضطر رب العائلة لنقل عائلته بعيدا إلى محافظة في الشمال ضانا أنها ستكون الملاذ الأكثر أمنا له ولأفراد أسرته لكن ولدهم الوحيد لم يلتحق معهم بحجة أو بأخرى ليبقى في بيت الوالد وكان ذلك بسبب أصدقائه الذين كان لهم رأي آخر حيث اتفقوا مع الولد كي يدبروا للوالد خطة ويحصلوا منه على مبالغ أكبر ما يستطيعون متصلين به هاتفيا بأن ولده مخطوفا لديهم لكن الحقيقة كانت أن هذا الولد قد أتفق معهم على الخطة بحيث بعد ذلك ارتمى بأحضانهم وانجرف معهم وابتعد عن ذويه وانحرف باتجاه الشر!!! إنه لأمر محزن أن يحدث لعائلة ما مثل هذا الأمر وعلينا تصور مدى حزن أهله؛ أمه وأبيه وأفراد الأسرة الآخرين وربما الأقرباء أيضا، وسمعنا بعدها أن هذا الولد قد استمر بأفعاله مهددا الناس الآمنين مع العصابة التي انتمى إليها خاصة مع غياب السلطات الأمنية في بعض الأوقات من السنين الماضية وكان التهديد للعوائل بأن تترك بيوتها كي تضمن سلامتها وتترك ممتلكاتها كي تكون غنائم للأشرار!!!
وممارسات كثيرة يحس قلمي بالخجل من تسجيلها حيث كان أخا قد اضطرته ضروفه للهجرة تاركا أخاه جالسا في بيته دون مقابل وعندما اضطر هذا الأخ المهاجر من أن يبيع منزله كي يشتري له منزلا في الغربة ينقذه من مسألة الإيجارات المرتفعة في بلد الأغتراب الذي وصل إليه طالبا من أخاه أن يبيع منزله ببغداد، تمرد هذا الأخير وعمل ما بوسعه كي لا يتم بيع البيت ومما لجأ إليه هو كتابة عبارة (البيت مطلوب دم لا يتم بيعه أو شرائه ومن يفعل سيكون عرضة للانتقام!!!)، وعندما انكشفت حيلته وأخوه في الغربة لا يعرف تفاصبل الأمر كلف الأخ المهاجر أحد معارفه أن يستقصي له الأمر ولكي يعرف قيمة داره الحقيقية وعندما أيقن الأخ العاق بأنه لابد له أن يترك المنزل كونه سيتم بيعه رغم كل ألاعيبه، قال بأنه لن يترك البيت قبل أن يحصل على نصيبه من مبلغ البيع وكان له ما أراد حيث حصل على ما يقارب الأربعين مليونا من الدنانير ولم يكن ذلك سوى ظلما لأخيه ليس إلا.
هكذا أصبح العراقيين بعد 2003؛ الأخ يبيع أخاه وربما منهم من عمل علاسا كي يتم سلب بيت جاره أو قريبه أو صديقه لتصبح العوائل العراقية تعيش حلات نفسية غريبة ونادرة ويصعب وصف ردود أفعالها، كون الجميع كان ممكنا أن يكون الضحية في أي وقت وفي أي مكان.
فصديق روى لي بأنه كان يقود سيارته ببطيء شديد في أحدى الأماكن الشعبية حيث اكتشف حينها وجود عصابات من نوع جديد وهي أن تختار العصابة سيارة تسير بطيئة وترمي أحدهم  عليها كي يصطدم بها وهي تعلم أنه لن يصاب بأذى لتبدأ بعدها فصول المساومة على الفدية كون المصاب المفترض قد تأذى ووصل الأمر للاتفاق مع اعوانهم في بعض المستشفيات كي يستخرجو أشعة تظهر وجود كسور للضحية وربما مثل هذه الأشعة موجودة في الأرشيف لدى هؤلاء المتعاونين كي يحصلوا هم على نصيبهم وتنتهي المسألة بجلسة فصل عشائرية للاتفاق على مبلغ التعويض والمسألة بأكملها مفبركة، ولم تكن هذه الحالة الوحيدة بل حدثت للعديدين؛ منهم من علم بنتائجها وحلها بالاتفاق مع العصابة مباشرة دون اللجوء إلى إجراءاتهم المفبركة دافعا المال مباشرة حيث قالوا له أدفع لنا المال ولا علاقة لك بالصبي حتى لو مات!!! وقضية ثالثة حدثت لإحدى المربيات الفاضلات في ساحة الواثق ببغداد وكانت الأمور دائما تسير مثلما يريد الأشرار كيف لا وأن القانون غائب  وأحيانا هم المجرمون من يلبسون ملابس حماة القانون المنتشر بيعها في الكثير من المحال وخصوصا في أسواق علاوي الحلة.
لكن رغم كل هذه المآسي التي ذكرت منها النزر اليسير لكن كان هناك من يعمل ويستغل وجود مساحات فارغة في مدن العراق كي يقيم منتزها أو فسحة خضراء أو ملعبا أو نافورة لتكون هذه متنفسا للعوائل لكن الخوف من التفجيرات كان هاجس الجميع وهذا ما سنستمر بالكتابة عنه في الحلقة القادمة.

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

66
ذكريات من الماضي العراقي القريب (5)

ذكرنا في الحلقة الماضية كيف تفتق تفكير المسؤولين في الحكم أيام ذاك بمسألة الفردي والزوجي حلا لمشاكل السير حيث اكتضت الشوارع بالسيارات وطابور الانتظار على محطات الوقود امتد لكيلومترات عدة وحتى هذه المحطات بدأت بتطبيق مسألة الفردي والزوجي بتزويد الناس بما تحتاجه سياراتهم من الوقود وليس هذا فقط ولكن لكميات محدودة وغالبا ما كان عامل محطة الوقود يستلم مبالغ أضافية تذهب إلى جيبه الخاص كي يملأ الخزان بالوقود هذا الأمر الذي جعل من تجارة الوقود على الأرصفة تنشط وبقوة وبأسعار مضاعفة لتلك الموجودة لدى المحطات ويكون حظ الإنسان جيدا لو استلم من هؤلاء وقودا نظيفا غير مغشوش بالماء الذي يتلف المحركات عند تشغيل السيارة به أو يحتاج الإنسان كي يذهب للمصلحين وينظف خزان وقود سيارته من بقايا الماء حتى تعود السيارة تعمل مجددا بدون مشاكل مع أن الوقود المجهز من المحطات لم يكن أصلا بالمواصفات التي تعمل بموجبها المحركات الحديثة للسيارات التي غزت الشارع العراقي وكانت تسمى بسيارت المانفيست او البالة، ومنها بمقود يمين ومنها بمقود على جهة الشمال كما هو الحال في العراق أضافة لأن الكثير منها كان يتجول بدون لوحات تعريفية وكم من السيارات آنذاك تم تهريبها من العراق إلى دول الجوار وكم غيرها تم أدخاله من تلك الدول إلى العراق حتى سمعنا بأن عصابات محترفة في العديد من دول العالم بدأت بتجميع السيارات المسروقة او التي هي نصف عمر في بلدانها وتشحنها باتجاه العراق، لقد كان سوق السيارات فوضى عارمة في ضل غياب سلطة المرور.
لقد وصف الكثيرين من قبل أن أكتب أنا مجمل ما جرى من أحداث كل بطريقته الخاصة، لكنني كنت هناك حيث الأحداث تتسارع والمشاكل تحدث والضحايا يزداد عديدهم واللافتات السوداء تملأ كل زوايا ومنعطفات الشوارع وكلها تتحدث عن المغدورين والشهداء والمأسوف على شباباهم وضحايا الأعمال الإرهابية ... التي نعلم من خلالها أن أحلام كل من ورد اسمه فيها قد تم اغتيالها وأيقافها وربما هذا كان سيصبح يوما مهندسا أو طبيبا أو قائدا ما وقد حرمنا الإرهاب من خدماته!!!
ومن يتمعن لأبعد من قطعة القماش هذه السوداء سيجد قصصا يندى لها الجبين ومآسي يصعب على القلم تسطير كل جوانبها لأن ما كان يحدث وبعض منه لازال إلى اليوم يحدث كان صعبا جدا أن يصدقه العقل كونه قد صدر من العراقي الذي كان يقول عن نفسه (أنا أخو خيته)، فحتى جثث الضحايا لم تسلم من الأشرار فكم من المغدورين الذين كانوا يقضون نحبهم صدفة خلال التفجيرات التي كانت تحدث في الشوارع العامة، كان يسطو على هواتفهم المحمولة ضعاف النفوس كي يتصلوا بأهلهم كونهم مخطوفين وهم بحاجة لفدية، وبعد مفاوضات مستعجلة  واستلام الفدية كان يرشدهم عبر تلفون الضحية أن يأخذوا جثته من الطب العدلي!!! ويجد أهل الضحية أن خسارتهم كانت خسارتان!!!، هذه جملة من الأعمال السيئة التي أوجدتها الحروب التي خاضها العراق خلال العقود الأربعة الماضية.
فبلدنا الذي يحوي كنوزا كثيرة وآثارا تفتخر بها متاحف مهمة في العالم كمتحف اللوفر بباريس ومتحف برلين وغيرها أصبح العراق خلال العقد الماضي مليئا بالمتفجرات وشوارعه تمزقها السيارات الملغمة وتكثر فيها السيطرات التي توهم السائقين أن أحد أفرادها يمكنه اكتشاف المتفجرات التي بداخلها عبر عصا يمسكها بيده وتسير السيارات بحذر إلى جانب ذلك الحارس والسائق ينظر للحارس فربما يشير له بالذهاب جانبا للتفتيش، وإن حدث هذا ففي العادة غالبا ما كان يتم سؤال السائق كونه إن كان يحمل سلاحا من عدمه، وإن أنكر يقولون له وهل تحمل عطورا أو مواد تنظيف من الكيماويات المنتشرة في السوق وعند جوابه بالإيجاب كان يسمح للسيارة بمتابعة السير دون تفتيش.
ومسألة هذه السيطرات وكثرتها كانت سببا بأرباك السير وتأخير الناس عن أعمالهم، وياريت لو كانت تمسك بالعصابات التي كانت تقوم بالجريمة المنظمة وأمام أنظار الجميع والأمثلة بسيطة فكم من حادث جرى في مناطق مهمة وفي مسافة قريبة من السيطرات دون أن يقوموا بعمل ما، وما اختطاف رئيس اللجنة الأولمبية من اجتماع عام وفي منطقة بوسط بغداد سوى مثل واحد، وسبق أن سمعت عن أحد المغدورين قوله أنه عند اختطافه تم وضعه في صندوق السيارة ومر موكب الخاطفين من سيطرات كثيرة وكان الخاطفين يسلمون على السيطرة بقولهم (شلونكم شباب) وترد السيطرة التحية لهم ويستمرون بالمسير ومرة فتح أحد أفراد السيطرة صندوق السيارة التي كان المغدور بداخله وابتسم بوجهه حارس السيطرة وأغلق الصندوق وأشار للسيارة بمتابعة السير، وأيضا كان من الطبيعي وأنت تمر بهذه السيطرات أن تشاهد أفرادها ملتهين بالتكلم بجوالاتهم ولأوقات طويلة غير آبهين بحالة السير والسيارات المارة وطبيعي كان مشاهدة الحارس المتكيء على سلاحه أو واضع سلاحه بعيدا عنه وهي نقاط من البديهيات على الحارس المجتهد ان لا يقوم بها إذا أراد تنفيذ واجبه على اكمل وجه وبالحقيقة عندما يطبق التعليمات فهو يحافظ على روحه قبل أن ينقذ أرواح غيره. وإن تحدثنا عن مثل هذه القصص فسنجد الكثير ولا مكان لسرد جميع ما كنا نسمعه من هذا أو ذاك لأن ربما تكون المبالغة تدخل ضمن التفاصيل ولا نستطيع نقل الحقيقة كما نريد في مقالاتنا هذه.
وكما نتكلم عن هؤلاء الذين أصبح الأمان حلما لهم فماذا نتكلم عن الكهرباء واستمرارية تزويدنا بها التي أصبحت هي الأخرى حلما صعب المنال بحيث أصبح لها تجارها الأختصاصيين وأصبح في كل شارع أو زقاق مولدة كبيرة تزعج الجميع بصوتها وبسهولة تجد شبكة عنكبوتية من الأسلاك الممتدة بمحاذات البيوت وتستطيع تتبعها حتى توصلك إلى حيث يتحقق الحلم وتجد المولدة التي يشغلها أحدهم ويراقب قواطع التزويد للبيوت بدقة كي لا يجد بينها من يسحب كهرباء أكثر مما قد تعاقد على تزويده بها كأن يكون خمسة او عشرة أمبيرات وغالبا ما كان هؤلاء يحمّلون مولداتهم حملا أكبر من طاقتها، ودائما نسمع الكثير من الوعود من مسؤولي وزارة الكهرباء في الصيف عندما يزداد الطلب على الطاقة الكهربائية ويتكلمون عن الأحسن في الصيف القادم ويأتي الصيف الآخر لتعود حليمة لذات العادة القديمة وكأني بهم كمن يقول لأخيه غدا سأحقق لك ما تريد وكل يوم له غد وهكذا القصة أصبحت مستمرة وبلا نهاية ومنذ عقود من الزمن أصبح العراقيون يعيشون تحت نظام البرمجة، فيوما كان أبناء بغداد أحسن من غيرهم في المحافظات لأن حصولهم كان أكثر من 50% من ساعات اليوم لكن بعد 2003 أصبحت بغداد ضحية ليقية المحافظات لأن المحطات التوليدية موجودة خارجها وأصبحت المحافظات تتحكم بكمية الطاقة التي تخرج منها لغيرها وكانت بغداد هي الضحية بحيث لم تكن تستلم البيوت فيها سوى ساعتين أو ثلاث أو أربع ساعات كأحسن تقدير يوميا، ومن جراء هذا الوضع ازدهر سوق المولدات وتجارتها.
وهذا أيضا ولّد تجارا منتفعين ومستغلين يبحثون في الأسواق العالمية عن أرخص ما موجود من بضاعة ولا يهم لديهم السيطرة النوعية بحيث عندما كنا نشتري مولدة من السوق وكان شارع الكرادة خارج ببغداد هو الموقع الرئيسي لهذه التجارة لم تكن لتستمر بعملها المنتظم سوى موسم واحد وبعدها تبدأ المشاكل بحيث أن الواحد يمكن أن يصرف أضعاف سعرها لدى المُصلحين مما يجعله مضطرا وبعد كل هذا للبحث عن مولدة أخرى جديدة بحيث أصبحت البيوت غالبا ما نجد بها العديد من المولدات الصغيرة؛ منها العاطلة ومنها التي تعمل جزئيا أو التي لازالت حالتها جيدة هذا إضافة للاشتراك بمولدة الشارع المتعددة الخطوط منها العادي ومنها الذهبي. الأمر الذي أصبحت البيوت بحاجة لقاطع دورة متعدد الأغراض وكأن الحاجة أصبحت حسب المثل أم الاختراع فأصبح لدينا مثل هذا القاطع الذي به ثلاث أو أربع خطوط وكما يلي: الوطنية .. مولدة الشارع .. مولدة البيت .. والسحب من منطقة أخرى قريبة، لأن البيوت التي تقع بالقرب من منطقة قريبة كان يتم تغذيها بالكهرباء في وقت مختلف عن المنطقة التي يسكنون بها لجأت إلى حيلة السحب من تلك البيوت كي تزداد عندها ساعات التجهيز من الكهرباء الوطنية.
وعشنا أياما وليالٍ كثيرة ونحن منشغلون بتحضير اللالات عصرا كي نستخدمها في الليالي الظلماء واخترعنا حينها قناني الدواء التي حولناها إلى لالات محلية الصنع باستخدام السيلوفين والخيط السميك مع النفط الأبيض وبعض العجين وأصبحنا مختصين بصنعها بحيث لم تعد تُصدر دخانا ولكن بعد أن أسودت جدران البيوت الداخلية منها لكننا توصلنا أخيرا لحل هذه المشكلة.
ولم يصبح لون الجدران الداخلية أسودا فحسب وإنما خلال انتهاء حرب احتلال الكويت وخروج القوات العراقية منها وتعرض أبار النفط فيها للحرق وكانت أيامها ممطرة والرياح قوية بحيث أوصلت سحب الدخان إلى بغداد ومن جراء انهمار الأمطار فقد أسقطت معها ذلك الدخان الذي جعل جدران البيوت من الخارج تتشح باللون الرمادي المائل إلى السواد، لقد كانت أياما قلقة ومحزنة بكل شيء عاشها العراقيون بألم وحسرة ومرارة ليس من جراء كل هذا بل من قوافل الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل مخططات قادتهم الرعناء والذي قال عن رعونته يوما لأحدى الدول الجارة التي حارب ضدها طويلا: لكم ما أردتم !!! ... أو الحرب التي كانت فتنة ... وغيرها وكأن الحروب كان يتم فرضها على العراق فرضا، فإن كانت مخطاطات استعمارية فلماذا ننفذها نحن كوننا دولة مستقلة ولدينا الرأي المستقل والقرار المستقل؟؟؟
كل هذا وبسهولة كنا نجد المعوقين والجرحى ممن يسكنون حولنا وأقامة مراسيم العزاء في كل شارع وزاوية وكانت مكبرات الصوت تنقل لنا أصوات التراتيل والقراءات التي نعلم من خلالها ان شهيدا جديدا قد تم أضافته لقافلة ضحايا العراق وليس الشهداء فقط لكننا دخلنا منعطف جديد من الخطف والابتزاز ...

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

67
ألف مبروك لسيدنا بشار المباشرة بالمشروع ونتمنى له الصحة المديدة ونتضرع إلى الله أن يوفقه كي تحذو كافة الأيبارشيات حذوه نحو توفير فرص عيش لائقة لشعبنا المسيحي في قراه وبلداته وللعاملين بالمشروع كل التوفيق وفقكم الله

68
ذكريات من الماضي العراقي القريب (4)
كنا في العراق نصرخ ونستغيث وبصوت عالٍ غالبا بوسائل عدة كما فعلتها في مواضيعي المتسلسلة والتي أخذت عنونا هو: (رسائل من تحت الأنقاض) والتي يجد متابع كتاباتي هذه في الرابط التالي:
http://naufali.bidaro.com/f13-montada
كما كنت أطالب أصدقائي من خلالها بالصراخ وبأعالي الصوت حتى نُسمع من به صمم كون شعبنا العراقي يموت يوميا حينها قلت بالعشرات لكنني كنت مخطئا لأن الرقم كان أكبر من ذلك، فالوطن عاش أزمة حقيقية لأن العلماء أصبحوا هدفا للأغبياء والأميين ويتم تصفيتهم بدماء باردة، والصادقين يتم تكذيبهم حتى يكرههم الناس وأصبح كل شيء مباح ومتاح لأيدي الخارجين عن القانون، فلم تسلم حتى بسطات العمال ومساطرهم التي تشهد الألم والانتظار حتى يتم تأجير أحدهم من قبل رب عمل وغاليا ما يكون تأجيره لإداء اعمال شاقة ومرهقة وطويلة يتحمل خلالها العامل حر الصيف اللاهب وبرد الشتاء القارص، فهؤلاء المساكين والباحثين عن لقمة العيش بهذه الوسيلة الشاقة أصبحوا ولمرات كثيرة ولحد اليوم أهدافا للأشرار فلم يسلم مسطر بغداد الجديدة ولا الباب الشرقي ولا البياع أو حي العامل من هذه الهجمات وكأنهم بعملهم  هذا كانوا يخدمون المحتل ويرسخون من أحتلاله فحصدت السيارات المفخخة الكثير من أجسادهم البريئة والمثقلة بالتعب والأجساد التي كان العرق يتصبب منها كل يوم ألتارا كثيرة تم قتلها بدماء باردة في ساحات وشوارع عاصمة العراق، مدينة السلام التي كانت يوما عاصمة للثقافة والدنيا وأراد من أسسها وبناها أن تكون مدينة للسلام!!! هي قد افتقدت السلام وتصرخ ولا من يجيب لإستغاثاتها.
وكنت أنا بقلمي من بين الذين أرادوا أيصال صوت المستغيثين وتدوين ما يصل لي من أحداث كي أجعل من العالم يطلع عليها ويتحرك الشرفاء وينقذوا وطني ويضعوا حدا لبكاء وعويل النساء والرجال والأطفال والذي انتشر في كل زقاق وشارع وكنت أريد وما زلت أن يسمع كلامي هذا ويقرأه كل من يشارك بمؤتمر أو ندوة أو موضوع حواري كي لا نسمح للفرحة أن تختنق في صدور الأطفال ولا يتم اغتيال أحلامهم البريئة ويعود لهم الحق بدخول رياض للأطفال عامرة بكل ما هو مُسلٍ وجديد ويغذي عقولهم بالمعرفة والعلوم، وبلد شهد أول قانون يُشرع ويوضع في مسلة شاخصة للعيان (مسلة حمورابي) يعيش لفترة ليست قصيرة من دون غطاء قانوني يحمي أهله ويحفظ لهم حقوقهم وينتصر للمظلومين ويقتص من الظالمين، وضع كهذا جعل من أهل العراق ضحايا للعواصف القوية التي شردت الملايين منهم في دول الجوار ولو توفر لنا أحصاء دقيق عن مواطن اللجوء في العالم فربما لا نجد بلدا في الدنيا لم يشهد قدوم العراقيين كي يلجؤا فيه ويبحثوا عن فسحة آمنة وموضعا يقيهم الشر والجوع والتشرد، فبلد كأفغانستان الذي يعرف الجميع أحواله شهد يوما موجة من اللاجئين العراقيين وكان بعض منهم من شعبنا المسيحي!!! فللقاريء الحرية بالتفكير عن أسماء أخرى ربما يجدها بعيدة عن تفكيره وتفكير أي إنسان يبحث عن موطن آمن كي يلجأ إليه.
لقد أصبح الكثير من أبناء شعبنا في العراق قطعا من اللحم المتبعثر في الطرقات أو الملتصق بالجدران أو قذفته التفجيرات فوق أسطح المباني القريبة وما شاهدته من مثل هذه الحالات كان بأبشع صورة جليا للعيان في كنيسة سيدة النجاة بعد ليلة ليلاء عام 2010 أصبحت فيها الكنيسة ساحة معركة حقيقية وكان اللحم البشري ملتصقا حتى بسقفها العالي!!! وكذلك كان الحال في أول تفجير للكنائس عام 2004 وخصوصا في كنيسة الرسولين في الدورة – ميكانيك حيث كانت الأشلاء الممزقة قد جعل منها الانفجار تستقر فوق بناية الدير الكهنوتي المجاورة لباحة الكنيسة، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا يمكن حصر جميعها مهما حاولت أو حاول غيري من الكتاب الكتابة عنه وأنني أأمل أن نلجأ جميعا لتسجيل هذه الحقائق رغم كونها مؤلمة ومحزنة لكن كي يتعض منها الجيل القادم بل كل الأجيال القادمة كي لا يسيروا بذات النهج الخاطيء يوما ويقون أنفسهم وبلدهم من مثل هذه الشرور العظيمة.
ولم يكن هذا الدمار يخص شريحة دون أخرى فلم تسلم منه حتى المنطقة التي يسمونها بالخضراء ولا مبنى البرلمان المحاط بجدران أسمنتية عالية وقوية وضن النواب الذين انتخبهم الشعب أنهم يعيشون بأمان داخلها لكنهم كانوا مخطئين رغم كل الإجراءات الأمنية والتفتيش الأليكتروني الذي كان يخضع كل الداخلين إليها لكن العنف وصل إلى حيث كانوا يشعرون فيه بالأمان أو بالقرب منه وليس لمرة واحدة بل لمرات عدة منها داخل البرلمان ومنها في محيطه والمناطق القريبة منه الأمر الذي جعلنا نفكر جديا حول ذلك فإن كانت المنطقة المحصنة جدا هذا حالها فكيف يكون حالنا نحن الذين لا نملك حتى واقيا بسيطا يحمينا من الشظايا والمتفجرات والمفخخات وأعمال العنف والإرهاب!!!
وحتى يزداد الأمر سوءا ويضع المُشرع حدا لتطلعات العراقيين وتحركاتهم من أجل كسب قوت يومهم عشنا أياما بل سنوات طويلة متضررين من مسألة تحرك السيارت وفق نظام الفردي والزوجي العجيب والذي زاد من الطين بِلة!!! فرغم كل شيء مما ذكرنا بعض منه في كتاباتنا فإن التجوال في الشوارع كان مقيدا بحضر للتجوال ليلا وكذلك نهارا بالسير وفق نظام الفردي والزوجي هذا إن عرف القاريء العزيز أن وسائل النقل العامة في العراق شبه معدومة أو بطيئة او غير معروفة التواقيت لمجيئها ومغادرتها فكيف لمن كان مرتبطا بعمله الوظيفي أو لديه ارتباطات عمل تستوجب حضوره في الوقت والزمان المطلوبين لذلك، وإن كانت الحجة بقلة وقود السيارت التي هي الأخرى شهد طابور الحصول على وقودها أرقاما خيالية فقد تجاوز الكيلومترات، فمحطة وقود الكرادة – ساحة الحرية كان طابور الانتظار يعبر جسر الطابقين ليصل الدورة قرب بوابة المصافي ويستمر داخل المنطقة حتى يصل إلى طريق محمد القاسم السريع!!! وإذا أردتَ الحصول على وقود لسيارتك كان يستوجب أن تمكث في الطابور لساعات طوال وربما لا يصلك الدور في ذلك اليوم وتمكث في محلك منتظرا حتى اليوم التالي أو تترك مكانك وتعود من حيث اتيت وتبدأ يوما جديدا ومعاناة أخرى، والمحضوض كان من يدخل المحطة ويملأ خزان وقود سيارته وحينها لابد له أن يكرم عامل المحطة بمبلغ أضافي كأكرامية له، وهذه الأخرى أصبح يتنافس عليها الكثيرين ويدفعون لصاحب المحطة مبالغ كبيرة كي يقف ويمارس عملية أملاء الوقود في الخزانات لأنها تدر عليه مبالغ كبيرة ومهمة والتي ربما سأنتي عليها في الكتابات القادمة.
لكن مسألة الفردي والزوجي لسير السيارات كانت بحد ذاتها عقبة كبيرة أمام الناس والتي استثنت منها سيارات الأجرة والحمل وتلك التي تحمل سبعة ركاب فأكثر وهذا الأمر بحد ذاته أرهق جيوب العراقيين كثيرا وفرض أمرا يأتي على مدخولاتهم شاؤا أم ابوا!!!

... وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

69
ذكريات من الماضي العراقي القريب (3)

ولم تكن حال الجسور بأفضل حال من غيرها فهي الأخرى كانت هدفا إن لم يكن لغارات من أحتل العراق فإنها تعرضت لإكمال نصيبها من التدمير على أيدي من يريد أيذاء العراق وألحاق أكبر الأذى به، فجسور كثيرة قد تم تدميرها خدمة لخطة غزو العراق وتقطعت أوصال الكثير من الطرق البرية بسبب تحطيم الجسور وكان طريق بغداد – عمان أو دمشق شاهدا على ذلك بحيث كان يضطر المسافرون سلوك تحويلة خطرة كون الجسر المقام على أحد الوديان قد دمرته طائرات محرري العراق!!! ولا أدري كيف نسمي هذا تحريرا وهم يعودون به إلى عصر ما قبل التكنولوجيا، وإن كان الهدف هو تخليص العراق من الديكتاتورية وصنع ديمقراطية تكون نموذجا لدول المنطقة ما بال الجسور من ذلك، وهل تحطيم هذا الجسر وغيره الكثير كان ضمن خطة أسقاط الدكتاتورية وصنع ديمقراطية تقتدي بها كل دول المنطقة!!!!؟
وقديما كان الشاعر يتغنى بعيون المها ويذكر معها الرصافة والجسر لذلك الأشرار أرادو أن يجعلو من الرصافة بعيدة عن الكرخ كي يرسخوا من مبدأ الطائفية وتبقى جهة لطائفة وجهة أخرى لغيرها وتسهيل عملية المناوشة لأن كل خندق قد تم تحديد هويته!!! أليس هذا مخططا رهيبا بين مخططات كثيرة عايشناها دون أن نستطيع حتى التذمر منها ونحن نعيش الديمقراطية!!! فماذا كان ذنب جسر الصرافية الحديدي الذي شهد أول قطار لنقل الركاب داخل مدينة بغداد في زمن لم تكن دول كثيرة في المنطقة تستخدم هذه الوسيلة للنقل، كان هذا الجسر وسيلة لعبور هذا القطار من الرصافة إلى الكرخ وبالعكس كي يسهل عملية تنقل الموظفين والناس ويجعل من حياتهم أسهل، هذا المشروع حتى بعد أن أصبحت ميزانية العراق مئات الأضعاف للميزانية التي كان عليها العراق زمن أنشاء هذا الجسر وتشغيل هذا القطار لكن لم يتم استحداث مشروع حتى بأقل من مواصفات هذا المشروع لحد اليوم.



نعم لقد قطع الأشرار أوصال هذا الجسر وبتنا نشعر ونحن في الرصافة بأن الكرخ بعيدا وأن مياه النهر تسير مسرعة وتجعل من المراكب التي تقل الناس بين الضفتين تتمايل ذات اليمين وذات الشمال كي تخيف ركابها وتمنعهم من ارتياد هذه الوسيلة وتحكم الحصار على الناس الطيبين من زيارة بعضهم البعض أو مزاولة نشاطاتهم في هذا الجانب او ذاك.
وإن قطع الأشرار هذا الجسر أو ذاك فإن سلطات أخرى قطعت الجسور لقضايا أمنها، فهذا الجسر المعلق الذي وضعت أساساته الجمهورية الأولى وسهل الأمر لأهالي الكرادة من الوصول إلى العلاوي والمنصور وغيرها من المناطق فقد وضع عليه المحتلون سيطرات كثيرة وجدران من الكونكريت بارتفاع ثلاثة أمتار كي يمنعون رؤية ما بعد الجدار وما يجري هناك، وتم فتح الجسر لفترة وجيزة ولكن يبدو أن تسهيل مهمة العراقيين ليس من مهام المحتلين فقد أعادو قطعه وجعله ممرا لهم دون غيرهم بحيث لا تستطيع استخدامه إلى إذا حصلت على هوية خاصة منهم ولم يكن ليستخرجونها لأي أحد إلا بعد تحقيقات كثيرة وصور من مختلف الجوانب وكفيل مضمون لديهم ويأخذون بصمات الأصابع وبصمة للعين والأسنان وكأنك تعبر بعد عبورك الجسر إلى جنة الخلد، فحتى رب العالمين لا يضع هكذا شروط تعجيزية أمام عباده ويدعو ربنا عباده للدخول إلى جناته آمنين مطمأنين لا يخافون شيئا.
وإن حصلت على جواز مرورك عبر الجسر فهناك سيطرات كثيرة في المنطقة التي يسمونها بالخضراء وهناك تجد المتاريس والجدران داخل الجدران كي يعيش المحتل ومن معه آمنا مطمئنا وشبابيكه يحميها أكياس الرمل والذعر باديا على جنود الاحتلال وحتى السفارات التي اتخذت من تلك المنطقة ملاذا لها، فكان الانسان يواجه الكثير من العقبات كي يصل إلى بواباتها وإن لم يكن لك موعد مسبق ومعروف الهوية لهم لم يكن ليسمحوا لك حتى بالتقرب من محرماتها!!!



هذا كله ومسألة السيطرات الوهمية التي كانت تظهر في كل شارع وحارة ولا تعرف من هم وما هية هويتهم ولمن ينتمون ومن هي الجهة التي تقف ورائهم؟ وكانت تحقق في هويات المارة لغاية لا يعرفها فقط هم دون غيرهم ومن كلفهم بالمهمة، حتى لقد بتنا نخاف من أبراز هويتنا الشخصية لهؤلاء لأننا كنا نجهل فيما إذا كانت هذه سيطرة حقيقية تابعة للدولة أم أنها وهمية. ومرة سأل أحد أفراد هذه السيطرات عن هويتي فكنت حينها شجاعا لأسأله ولمن تعمل وهل انت سيطرة حكومية أو تنتمي لجهة غيرها، فكان سؤالي قد أثاره وضحك وتركني أعبر دون أن ينظر إلى هويتي، لأن الجميع في تلك الأيام كانوا مستهدفون ولو أن البعض معروف أنتمائه الطائفي من اسمه لكن هذه السيطرات لم تكن تعرف أنها تؤيد عمرا أو عليا أو حنا أو خوشناو أو خديدة!!! لأن الجميع مطلوبون وكل من هؤلاء هناك جهة متربصة كي تنتقم منه وتجعله في لحظة عمياء وكأنه لم يولد من امه وكانت له أحلام بمستقبل له ولأسرته.
وهذه ذكريات نكتبها كي تكون وثيقة لمن سيأتي كي لا يقع بذات الخطأ الذي وقع به أخوتهم من العراقيين قبل وبعد 2003 ويحافظ الجيل اللاحق على شيء من ماضي وتاريخ أجداده كي يكون منارا للأمم ويعيد شيئا من الهيبة للعراقي وللكرم الذي كان يتكلم عنه لذلك رأيت من مسؤوليتي ان أقوم بتسليط الضوء على حقبة من الزمن كانت قصيرة بوقتها لكن كبيرة جدا بتأثيراتها وعواقبها لأن الكامرة نقلت لنا لقطات تأبى النفس العراقية القيام بها أو أن يقبل العراقي القيام بها ولا أدري مدى صحة ما كانت تنقله تلك الكامرة خصوصا مع الجنود المكسورين والعائدين من واقعة الكويت عام 1991 وما تلاها من زمن أسود جعل الجندي العراقي يقع فريسة سهلة بيد الأعداء ويتجرد حتى من ملابسه كي ينقذ نفسه ولا أحد يعلم لحد اليوم أين رفات العديدين وفي أي بلد انتقل كثيرين وكم من العوائل قد أغلقت أبوابها بسبب الدمار الذي رافق تلك العمليات او لم يبقى أثرا منها وما سبقها من وقت وما تلاه جعل جميع العوائل العراقية تتشتت وتنتشر في جميع أقطار المسكونة، حتى أن أفغانستان شهدت لجوء عوائل عراقية إليها وبينها كانت عوائل مسيحية!!!



فلابد أذا أن نوصل الصوت كي لا تتكرر المأساة ولابد لنا ان نوقف نزيف الدم ونوقف الهجرة المدمرة التي ستغير من ديمغرافية العراق وبلداته ولا أحد يستطيع أن يتكهن كيف سيكون المستقبل لبس البعيد بل حتى القريب منه، فبلد تغيب منه المحبة وتحل محلها لغة الدم والتدمير والقتل يكون بلدا قاسيا ولا يرغب الطيبون العيش فيه وعندما تحل في بقعة لغة الغابة والقوي والضعيف عندها تكون شريعة الغاب ويكون هناك القوي الذي يأكل الضعيف ويكون البكاء والعويل ويزداد الندم ويختفي الأمل ليحل محلها اليأس الذي يرافقه الموت دائما، فلشعبي العراقي أكتب وله أريد أن يتحرر ويعيش حياة فضلى ويتخلص من رواسب السنين العجاف ولمن منهم أصبح في بلد يمكنه رفع صوته أن يفعل لا بلغة الانتقام بل كي يحل النظام وتنتهي الفوضى وننقل تجربة الغربة بما فيها من ومضات لامعة إلى بلدنا ونضع أيدينا بأيدي بعض ويعيش الجميع تحت الخيمة الواحدة ونشرب من دجلة والفرات ونغني مع الشاعر أشعار الحب مجددا ونسمع تغريد العصافير وتختفي الأصوات النشاز والأخبار النشاز كي تعود القيثارة تعزف مجددا تراتيل الأمل وتكون بيوتنا آمنة والأطفال يمرحون بحرية في المنتزهات.

... وللذكريات بقية

عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

70
ذكريات من الماضي العراقي القريب (2)

نكتب كما يكتب غيرنا وكما كتب الأقدمين؛ منهم من قام بأرشفة معلوماته وكتب عن ذكرياته الشخصية، ومنهم من كتب عن البلدان والسفرات التي قام بها، لكن سلسلة مقالاتي هذه لن تكون ذكريات شخصية ولا خبرة شخصية بقدر ما هي واقع حال عشته كغيري من العراقيين على أرض الواقع في زمن كانت الأجواء ملتهبة والدخان يتصاعد من كل مكان خصوصا عندما أدرك من كان بيده السلطة آنذاك أن الأمور تزداد سوءا وأن الأعداء سيعملون كل شيء من أجل تحقيق أهدافهم فقد أحاط المدن بدخان كثيف وكانت ألسنة اللهب المصاحبة للدخان تتصاعد وبكثافة وخصوصا في المناطق الحيوية؛ كونهم كانوا يضنون أن طيران (الأعداء) سوف لن يرى الهدف ولن يستطيع أصابته، متناسين أن الطيران الحديث لا يعتمد على رؤية الطيار كثيرا فإن أشعة الليزر هي التي تحدد كل شيء وقد لا يرى الطيار الهدف، رغم ذلك فقد عشنا في العراق أجواء ملوثة وبشدة كبيرة .. الكهرباء شبه معدومة ... الخراب يحدث أينما وجهت نظرك ... الناس خائفون ... وليس من يستطيع القول أنه سيعود إلى بيته سالما بعد أن خرج من منزله قاصدا أي شيء أو مكان لان الزمن كان صعبا ومليئا بالمتغيرات وكذلك بالأحداث الجسام.
وكغيري ممن تستهويهم الكتابة أردت ان أسجل بعض مما حدث وعايشته أو قرات عنه او سمعت أحاديثا عنه أو في بعض الأحيان عايشت الأشخاص الذين يكونون شخوصا لمقالاتي، وكذلك أردت مما سأكتبه تبليغ الرسالة عما حدث للذين كانوا بعيدين خصوصا من هم في أقاصي الأرض عن العراق وبعيدين عن الحقيقة وعما تشهده أرض العراق من قصص قد توصف بأنها من نسج الخيال، فكم من الآهات قد غصت في صدري وعلامات التعجب تظهر على وجهي ولا أجد مبررا يقنعني عن أسباب ما يحدث وما هو الهدف المقصود من كل ما جرى في الماضي القريب الذي يشمل عقدا من الزمان أو أقل من ذلك بقليل.



لقد سال دم كثير وأستبيحت الأعراض وعمت الفوضى كل شيء، ولم نكن نرى ولا نسمع من يستجيب للاستغاثة التي كانت تنطلق من المغدورين والضحايا ولا يوجد من يرفع صوته مدافعا عن المظلومين ولدرء الظلم عن الآخرين كما أن روح المساعدة قد اختفت ولا نجد من يقدم العون (فكلمن يحود النار لكرصته) كما يقول المثل العراقي وكذلك (حارة كل من أيدو ألو) على قول غوار الطوشي في أحدى مسلسلاته.
هكذا أصبح الحال عليه ليس بعيدا بعدد السنين لكن كله حدث في الماضي القريب ووطننا الذي تغلي الدماء في عروقنا وقلبنا يأخذ بالنبض السريع كلما تذكرناه او شاهدنا ما يربطنا به من وفود أو منتخبات أو مسلسلات أو أعمال التي تجعلنا نعود ونتحلى بالأمل بأن الغد سيكون أحسن ولابد لليل أن ينجلي ولابد للظلم أن ينحسر ولابد للقانون أن يسري على الجميع؛ يحاسب الجميع على أخطائهم ويقف إلى جانب المظلومين كي يستردوا حقوقهم.
فما عاشه العراقيون هو زمن مختلف ولا يشبه وقت أي بلد آخر من الدنيا بالأحداث التي جرت وبتفاصيل يلفها الغم والحزن في كل لحظة ودقيقة ويعجز القلم وكذلك المراقب أن ينقل الحقائق لكل ما حدث فقد تضيع الحقيقة وسط كم هائل من الغبار وأجهزة الإعلام التي تحركها أصابع مختلفة؛ أحيانا تكون أجهزة مخابرات دولية متمرسة ورائها وتحاول أظهار ما يجري وفق ما تشاء من أجندات كي تحقق أهداف لا يعرفها المواطن البسيط وتضيع وسط كل هذا الحقيقة ولا يرى الكاتب ولا المواطن الحقيقة كما هي بل يراها بعد عمليات أضافة رتوش عليها كي تخدم مخططات من يريد للأحداث أن تسير وفق ذلك المخطط.
فلم تسلم مما جرى حتى براءة الأطفال التي أصبحت هدفا من الأهداف وكأن الطفل أصبح مرعبا للأشرار ويريدون من خلاله اغتيال الطفولة لأنها تعني بوجودها أن هناك مستقبلا للعراق وقد يكون بشكل لا يريده الأشرار فعملوا جاهدين على أرعاب الأطفال وقتلهم إن تطلب الأمر، ألم تكن مدرسة ابتدائية هدفا لصواريخ أيرانية يوما راح ضحيتها العشرات والتي أصبح اسمها بعد ذلك بلاط الشهداء!!!.



وليس هذا فقط بل حتى معالم بارزة للحياة في العراق أصبحت أهدافا معلنة لمن يريد الدمار لأرض الرافدين الخالدة التي انطلق منها أبراهيم أبو الأنبياء وتحوي أرضه نهرين خالدين كانا من أنهار الجنة، فشارع مثل شارع المتنبي كان يوما هدفا للعمل الإجرامي الذي أغتال من خلاله المثقفين كلهم وحاول أبعاد رواده ودفعهم للابتعاد عن شراء الكتب باتجاه أضاعة الوقت سدى كي يتحول عقل العراقي من النباهة والذكاء إلى البلادة والغباء وبهذا العمل يكونوا قد أصابو أساس بناء الإنسان في العراق، فهذا الشارع كان يعج بالمثقفين وكانت الأرصفة على جانبيه تشهد الآلاف من الكتب الحديثة والمستعملة وبأسعار يستطيع الإنسان البسيط شرائها وكان هذا الشارع سببا في دخول الثقافة والمعرفة بيوت أغلب العراقيين وكان رواده من مختلف الأذواق منهم الشاب المراهق الذي يبحث عن قصائد للغزل وأخرى لقصص من الخيال عن الرومانسيات وغيرها وأيضا كنا نجد الطلبة والذين يقومون بأعداد بحوثهم الدراسية لأن زمن الكومبيوتر لم يكن قد أخذ مداه وتأثيره في واقع هؤلاء بسبب ندرة الكهرباء وكذلك التخلف الذي عاشه لسنوات عجاف استمر لعقد ونيف من السنين وهو تحت وطأة الحصار الدولي وممنوع دخول أية تكنولوجيا حديثة إليه، وأتذكر أن بداية دخول الشبكة العنكبوتية للعراق كانت مع نهايات القرن العشرين حيث استطعنا الاشتراك بها وللفترة من منتصف الليل وحتى السادسة صباحا وعبر التلفون الأرضي وبأسعار مرتفعة تثقل كاهل أي أحد حينها فما بالك لو أخترت زمنا آخر كأن يكون في النهار مثلا؟ وأيضا لم يكن بمقدورنا التصفح بحرية فقد كانت هناك فلاتر مسيطر عليها تقف بينك وبين المواقع التي لا يريد لك المسؤول حينها الاطلاع عليها... .
إذا كتب وأوراق هذا الشارع كانت هدفا شنيعا للأشرار وكم من فكر للمفكرين قد احترق أو أتلفته مياه الإطفاء التي في النهاية أعلنت ضياع الكثير الكثير من الكتب والجهود الفكرية ونتاجات سنين للمبدعين حُرم منها أبناء العراق بقرار خائب لمن خطط ونفذ لمجزرة اغتيال شارع المتنبي وكأني بهولاكو قد عاد مجددا والجميع قد قرروا ان تلُفَّ الأمية عموم العراقيين، والأشرار قد انتقموا من جامعة المستنصرية العريقة في القدم وكذلك من أشعار أبي نؤاس وأبي تمام وحتى عصا عبد المحسن الكاظمي قد سرقت وحرم حتى تمثاله من نعمة الاتكاء عليها، لأننا في زمن العبث الذي كنا نصحو في كل يوم على أحداث وممارسات أقل ما يقال عنها أنها غريبة وغير مفهومة وكما قلنا أن تمثال عبد المحسن الكاظمي لم يسلم وكذلك تمثال أبي جعفر المنصور وغيره من التماثيل التي كانت تزين الساحات والتقاطعات وحُرمت منها بغداد وافتقدت بذلك جانب من جماليتها المتميزة. فكأن ما جرى لهذه الرموز يمكن ان نقول عنه حربا على الثقافة والعلم، أليس العلماء والأطباء والمهندسين قد أصبحوا أهدافا لقوى الشر بغية أفراغ العراق منهم بتصفيهم أو أرهابهم كي يذهبوا بعيدا ويخدموا دولا أجنبية ويكون خير العراق من حصة الغرباء!!!



ألم نشهد ما جرى في أول أيام حرب تحرير العراق!!!! على قولهم أو حرب غزو العراق على قول غيرهم وإن تعددت التسميات فالنتيجة واحدة، لقد عادت كهرمانة لتجد ليس أربعين حراميا بل ربما أربعة ملايين من اللصوص، فقد خرج الجراد من شرنقته كي يغزو جميع الحقول الخضراء ويأكل كل شيء ويدمر ما لا يستطيع أكله أو الاستحواذ عليه، وكل العالم شاهد عبر الفضائيات التي كنت تلك الأيام أول أيام غزوها أيضا لبيوت العراقيين، لقد شاهد الجميع ذلك الشاب الذي أتى مسرعا وهو يأمل بنصيبه من الغنائم من بناية اللجنة الأولمبية العراقية آنذاك ومن فرحته بوصوله للبناية اول فعل قام به هو تقبيله للكاميرا التي كانت تنقل الحدث أول بأول لجميع أنحاء العالم ودخل مسرعا ويبدو أنه وجد كل شيء قد تم الاستيلاء عليه وكان هناك باقة من الورد لم ينتبه إليها أحد أو لم يجد أحدا فائدة من أخذها لعدم الاهتمام بها في ذلك الوقت من أحد فخرج حاملا تلك الباقة، والكامرة التي قبلها وهو يدخل هي التي صورته خارجا بباقته أضعف الإيمان من الغنائم في تلك البناية التي كانت نتيجتها الحرق كي تتحول إلى كومة من الأنقاض ومازالت كذلك إلى يومنا هذا.
ولم تكن حال الجسور بأفضل من غيرها...
وللذكريات بقية
عبدالله النوفلي
2012
Abdullah_naufali@yahoo.com

71
إلى العزيز والأخ الصديق سامي المالح وأفراد العائلة
لقد حزنت جدا لفقدانكم شقيقكم والمربي الفاضل المرحوم بطرس المالح ... أتمنى لكم التعزية القلبية ونتضرع إلى الله أن يشمله بجنانه الواسعة خالدا مع قديسيه ولكم ولأفراد أسرته جميعا الصبر والسلوان.
أخوكم عبدالله النوفلي

72
ذكريات من الماضي العراقي القريب
(1)
المقدمة
لكل منا وطن وُلِدَ بين حناياه؛ يحنُّ إليه ويبكي لفراقه او الابتعاد عنه ويُصاب بالمرض أحيانا وهو ما يُسمى (Home sick)، أي أن الوطن شيء كبير ومهم لكل واحد منا خصوصا للذي تربطه بوطنه ذكريات وأعمال ومساهمات تبقى عالقة بالذهن ولا يمكن محوها بسهولة، فكيف للإنسان أن يزيل من ذاكرته سنوات كثيرة من العمر الذي أصبح عليه بكل ما فيها من حلوِ ومر ... ومن لحظات كان يشعر بها بالفخر لانتمائه لوطنه وأخرى شعر بها أن وطنه قد ألحق به مرارة عميقة وسبب له الألم الكثير والمبَرّح والتي تركت له آثارا في نفسه ليس من السهولة بمكان نسيانها أو محوها أو تجاوزها والابتعاد عن ذكرياتها، لأن كل شيء يبقى أثره واضحا ويطبع بصمته في هذا الكون المترامي الأطراف، وقديما كنت قد سمعت من جدي (ججو) رحمه الله والذي لم يكن قد درس الفيزياء أبدا ولا يعرف كنهها كان يقول: حتى هذا الدخان المنبعث من السيكارة التي كان يدخنها وقد أصفرت أصابعه من كثرة الامساك بها، كان يقول أنه يأخذ مكانا له في هذا الفضاء الواسع من الكون، فكيف لا تترك أثرا كل هذه الأفراح والأتراح وما يرافقها من انفعالات التي في مجملها لابد أن تترك لها أثرا في الذات الإنسانية حسب المكان والزمان.
والوطن هذه البقعة من الكرة الأرضية والتي لها الأهمية القصوى لدى الذات الإنسانية فكيف تكون أهمية الله خالق الكون كله ببشره وحيواناته ونباتاته وكل ما تحويه الأرض والسماء وهو أيضا ملهم كل الأنبياء والرسل ويسكن شئنا أم أبينا في ذاتنا ويصعب على الإنسان أن يميز أو يفضل ما بين الله أو الوطن.


فالوطن الذي يكون سببا في تخليد الإنسان وهو الذي يعطيه الحقوق ويكون على أديمه حرا ويمارس كامل حقوقه بحرية يكفلها له القانون، فكذلك فإن الله يخلّد الإنسان عندما يسير وفق الشرائع السماوية ويكون محبا للخير ويتحلى بالتقوى والإيمان ويتعارف مع الشعوب والقبائل ويعرف بصورة جيدة بل انه متيقن من أن الأكرم عنده تعالى هو الأكثر تقوى من غيره وأن الإيمان بالإله الواحد الأحد ليس فقط صوما أو صلاتا أو ترديدا للشعارات والأقوال بل هو أكثر من ذلك كونه ممارسات وأفعال حقيقية مع أخينا الإنسان الآخر، لأنني عندما أصوم لله فما هو نفع هذا للإنسان الآخر الجائع ولا يمتلك لقمة للعيش أو يضع رأسه وهو مهموم ومنهك من الجوع والعطش كونه لا يملك مالا يشتري به ما يقوت به نفسه أو كي يقوت أهل بيته وليس لهذا ليوم أو جزء منه فقط بل ربما يستمر لأيام وشهور أو قد يطول العمر كله، وهكذا من هو عارٍ وليس له ما يكسو به جسمه كي يقيه حر الصيف وبرد الشتاء، وأيضا ما فائدة الصلوات وأنا لا أزور مريضا كي أواسيه ولا سجينا أقوي من عزيمته ولا آخذ بيد مشردا كي أجد له مأوى وأمنع عنه عوادي الزمان.
ولكن يبقى الوطن هو تلك البقعة من الأرض التي اعيش عليها في حياتي الزمنية والأرضية المحدودة جدا إذا ما جعلنا بينها وبين الحياة الأبدية الغير زمنية مقارنة لأن هذه الأخير لا نهاية لها، هذا بالرغم من أنني قد لا أعيش طويلا كما هو حال الكثيرين على الأرض وأديمها خاصة تلك التي نولد عليها ونترعرع على أرضها، لأن للرحيل عن حياتنا هذه أسباب كثيرة تجعله لا يستمر بالحياة زمنا طويلا كغيره من البشر، وأيضا حياتنا على الأرض قد لا تستمر على بقعة دون غيرها لأن ظروف وأسباب كثيرة تدفع بالإنسان كي يهاجر ويجد موطنا آخر يحترم إنسانيته ويشعر على أديم أرضه بالأمان  الذي افتقده في موطنه الأصلي، وهذه وغيرها تجعل كفة ارتباط الإنسان بخالقه أقوى من ارتباط الإنسان بأرضه وموطنه لأن الله يكون معنا حيثما نسافر وإلى أية بقعة نكون ونستقر فالكثيرين يحملون أعز ما يملكون معهم وأغلاه ثمنا حسب تفكيرهم وغاليا ما يكون  وهو كتاب الله من ضمن ما يحملونه كونه يُشعرهم بالراحة النفسية ويكون لهم تعزية كبيرة وهم ينتقلون بين آياته وهم في أرض الغربة.


لكن الوطن لا يمكن محو ذكراه من أفكارنا بسهولة كما نقوم بمحو ذاكرة الكومبيوتر ويصبح هذا فارغا وجاهزا كي نخزن فيه معلومات جديدة وكأنه أصبح جديدا لم يُخزن به أية معلومات سابقة، فالإنسان العراقي نجده يتابع أخبار العراق بالرغم من كل قصص المآسي والأحزان التي عاشها على أديمه، ونجد الدماء تغلي في عروقه عندما يجد أية مناسبة يكون العراق طرفا فيها كالمنتخب العراقي مثلا حيث وبتلقائية يكون من أكثر مشجعيه حماسة حتى لو لعب ضد البلد الذي احتضنه ويصرف عليه أمولا كثيرة من أجل رعايته وحياته، فهل سألنا أنفسنا في مثل هه الحلات... لماذا؟
لا تفسير لذلك سوى أن الإنسان يبقى يحن للبقعة من الأرض التي وُلد على أديمها ويشعر شاء أم أبى أنه جزء منها ولا يستطيع أن ينفصل عنها مهما تحمل من عذابات أو شدائد أو ظروف اضطر بسببها للهجرة بعيدا عن وطنه باحثا عن ملجأ أمينا يساعده في الاستقرار والعيش الكريم واللائق حاله حال كل أبناء المعمورة بألوانهم وأعراقهم وأجناسهم.
ولكي لا نكون بعيدين عن العراق وطننا الذي شهد ولادتنا وترعرعنا بين حناياه وعشنا المُرة الشيء الكثير وقليل من الحلوة فسوف نقوم في القادم من هذه السلسلة من المقالات لتوضيح جانب من حالات عاشها العراقيون أجمع وسأركز على المُرة منها والتي أردت لها العنوان الذي وضعته في مستهل هذه المقدمة وكلي أمل أن أكون بهذا أؤرخ لفترات محددة ومعروفة للجميع خصوصا لمن كان راشدا حين حدوثها.


وربما سيشعر البعض أنه كان موجود في الحدث ولديه الذكريات عن بعض مما سأكتبه وقد تصلني من أحبتي القراء ملاحظات وأضافات كي يتم أغناء هذا التأريخ بالمعلومة الأكيدة والصحيحة بشخوصها الحقيقيين وذلك كي نكون امينين فيما نكتبه وسيجد القاريء الكريم أيميلي الشخصي في نهاية كل حلقة وسأكون مسرورا جدا لو كتب لي من كان شاهد عيان لما سيرد من أحداث في هذه السلسلة وقد يكون هؤلاء في العراق أو استراليا أو أي بقعة من العالم متمنيا للكل أن يبقى أمينا ولكل من يقرأ السلامة والصحة وأن لا يذوق أبدا مرارة الأحداث التي مرت قبل عقد من الزمان وما تلاه على عراقنا العزيز، وأطلب من جميع أخوتي الذين كانوا ضحية ما جرى ويجري أن يتفاعلوا إيجابيا مع الأحداث ويعيش حياته اليوم ويحاول جاهدا التغلب على الألم وينسى كل قصص المآسي التي مرت عليه وعلى أخوته العراقيين بعد ربيع 2003 رغم أن بعضا منها مازال يسبب المعاناة للبعض.
 لذلك نصلي ونتضرع إلى الله القدير وبهمة المخلصين من أبنائه أن يحفظ الله العراق وأهله وكذلك كل بقاع المسكونة ويجعلها تعيش بأمان وسلام كي يلتفت الإنسان إلى إدامة الحياة حيث يعيش ويجعل من الأرض التي حواليه جنة كتلك التي وضع الله فيها أبوينا الأولين آدم وحواء وكي نصل إلى هذا الحال، علينا الانتقال من التمني إلى العمل الجاد والمخلص مهما كان شاقا كي يتحقق حلمنا كلنا بعراق أحسن ويعود عراق السواد ... عراقا يُعتبر سلة غذاء للمنطقة ... غنيا بأهله الطيبين الكرماء الذين إن قالوا فعلوا وإن أقسموا بشاربهم فإنهم يعملون المستحيل كي لا يضيع قسمهم هذا هدرا، ولن تكون هذه السلسلة سردا تاريخيا حسب الأزمنة سنة بعد أخرى إنما ستكون انتخابا لأحداث حسب حاجة الكتابة لورود الحدث فيها.


وكلي أمل أن تكون هذه المقالات مفيدة كما تابعت صدى نجاح سلسلتي الماضية عن المسيحيون العراقيون وأدعو من الله العون والتوفيق لي ولكل من يهتم بالأمر كي نحقق بعضا من تخفيف للمعاناة التي عشناها معا آملا أن يأتي اليوم الذي ينتهي نفق عراقنا المظلم ونخرج معا للنور البهي ونحن نجد السلام والأمان والأعمار قد وجد طريقه وقد أصبحت بغداد من عواصم الدنيا الأكثر نضافة والعراق من أكثر الدول في العالم شفافية وأقلها فسادا ويتم صرف موارده في المكان الصحيح ولا تمتليء بعد اليوم تقاطعات الشوارع والإشارات الضوئية بالمشردين والشحاتين ولا تكون هناك حفرة في شوارعنا وتكون الكهرباء مجهزة لبيوتنا على مدار الساعة ويستطيع العراقي التنقل بين أقطار الدنيا بحرية ويأخذ تأشيرة الدخول من المطارات حاله حال أبناء دول كثيرة تطبق هذا الحال، وأن تخلوا أرضه من الإرهابيين وينمحي الشر ويعم السلام، إن أمنياتنا موجهة إلى الله وهو القدير والسميع العليم وكلنا أمل أنه سيستجيب لبكاء الثكالى وطلبات المحرومين وسيضع حدا لكل ما يجري كي بعون منه ينتقل العراقيون من حال إلى حال ... إنه سميع مجيب.

عبدالله النوفلي
2012
abdullah_naufali@yahoo.com

73
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (20) الأخيرة
ة
تكلمنا على مدى الحلقات ال (19) الماضية بالاضافة إلى حلقتين خاصتين عن مسلسل المآسي التي عانى منها شعبنا ومازال يعاني وسيستمر إلى حين... آملين أن تستقر الاوضاع وتهدأ النفوس والأحوال وتنجلي الغيوم كي نعيد حساباتنا لدى من تبقى صامدا إلى الأخير بغية أن يفوز بالخلاص في عراق آمن ومستقر.
لكن طالما ان المأساة مستمرة فإن حديثنا عن شعبنا سيستمر وسنقوم بتسليط الأضواء على كم المعاناة الهائل ونوعه الذي أخذ أشكالا ومسميات شتى بحيث حتى السماء تدخلت لتقف يالضد من طموحات السورايى بالعيش الكريم والرغيد لحبسها الأمطار مما أدى إلى شحة المياه وتضرر زراعة شعبنا التي تعتمد في مجملها على الأمطار (الديم) تماما.



فكم من السنين مرت لحد الآن وفلاحنا يزرع ويحصد ما زرعته يداه وكنت قد استمعت من جدي ججو رحمه الله قبل عقود من الزمان بأن الفلاح يبقى قلقا على الدوام بسبب عدم انتظام سقوط المطر، لكنه كان يستدرك قائلا بأنه لا يتذكر مرور سنة لم يحصد الفلاح غلاته، لكن في العقد الأخير جاءت السنة التي لم يحصد فيها الفلاح ما بذر حبوبه في الأرض وخسر حتى ثمن بذوره مضافا إليها أجرة فلاحة الأرض وتعبه لموسم كامل.
كما ان السنوات التي تلت تلك المأساة لم تكن بأفضل منها كثيرا؛ فسنة أسترجع الفلاح من أرضه ثمن البذور وأخرى مع ثمنها مع ثمن السماد وثالثة ربحٍ قليلٍ لا يغني ولا يُسمن مما أدى بالمنطقة إلى أن تكون في شبه قحط وعازة والأرض تبكي وتستصرخ ملائكة السماء وقديسيها كي يتشفعوا عند الخالق سبحانه وتعالى ليرحم شعبه ويعيد افتتاح أبواب السماء كي تنهمر الأمطار كما كانت في السابق وتعيد الأرض لبس حلتها الخضراء المعتادة ونعود نرى زهور متعددة في شهر نيسان وأشهر الربيع عادة.


ولكن هل لنا ان نصدق بأن إلهنا ظالم وهو الذي يعاقب شعبه؟ حاشى له ذلك كونه يمطر مطره على الأشرار والأخيار معا لكن يبقى الإنسان شريرا ووصلنا لهذه القناعة لأننا قرءنا مؤخرا عن التجارب العلمية التي تقوم بها دولاً كبرى لتغيير المناخ في مناطق محددة بغية استخدام ذلك لاخضاعها دون اللجوء لاسلوب الحروب والدمار والقتل والخسائر بالأرواح والأموال، وقد يكون ما نوهنا عنه بسبب أحوال السماء في مناطق شعبنا هو نوعا من هذه الحرب الجديدة.
وهكذا يشهد العالم في السنين الأخيرة تغيرات مناخية غير مسبوقة وفي أوقات غير اعتيادية، أحيانا تمطر السماء ثلجا وبكثافة أو حالوبا بحجم غير طبيعي أو تحدث الفيضانات والكوارث وموجات التسونامي والزلازل والهزات أو أن تشرق الشمس ويكون سطوعها قويا يحرق كل شيء وتحبس السماء أنفاسها ويتعرض الجلد الإنساني لأمراض متنوعة ومنها سرطان الجلد إذا ما تعرض لهذه الأشعة فترة طويلة وربما هناك عوارض وأصابات أخرى لم يكتشفها العلم، وليس هذا فقط لكن شحة الأمطار قادت إلى هبوط مستوى المياه في نهري الجنة الخالدين دجلة والفرات وموقف الدول المتشاطئة قبل العراق للاستفادة القصوى من مياههما قبل وصولها للعراق الأمر الذي زاد الطين بلة وزاد معها آلام ومأسي شعبنا الرافديني.


هذا نزر يسير مما يمكن شرحه عن حال الفلاحة لدى أبناء شعبنا المعتمدين كليا عليها والتي أدت أيضا إلى صعوبة تربية الماشية لعدم وجود مرعى ومياه للانسان والحيوان معا مما فاقم الأوضاع إذا ربطنا ذلك مع انعدام الخدمات في مناطق سهل نينوى خصوصا منه مناطق تواجد شعبنا السورايى في بلداته وقراه، حيث لم يتم أنشاء مشاريع صناعية أو إنتاجية كي تستوعب الأيدي العاملة العاطلة فيها، ورغم هجرة المسيحيين من أجزاء كثيرة من العراق إلى هذه المنطقة لكنها بقت مستهلكة غير منتجة ومهملة لا تلتفت إليها عيون وأنظار المسؤولين في المحافظة أو الدولة، فبعض ما موجود فيها من منشآت يعود إلى العهد الملكي أو بدايات الحكم الجمهوري بحيث جعلنا نضن بأن كل الحكومات المتعاقبة متفقة بالرأي كي تبقى المنطقة مهملة ويكون الاهمال المتعمد هو السائد في عموم أرضنا الخصبة!!!

وتكلما جانبا بصورة عرضية في أحدى الحلقات الماضية عن مسلسل الخطف الذي طال رجال الدين المسيحيين والذي كان في أحدى غاياته إرهابهم وإرغامهم على ترك الرعية والهروب بعيدا أو جعلهم يخلدون إلى السكينة وعدم الفعالية كي لا يتابعون إيمان رعيتهم وبالنتيجة هي محاولة مقصودة لمحاربة إيمان المسيحيين لأنه إذا ضُرب الراعي تتبدد الرعية (متى 31:26).
ولكن ليس كل من كان ضحية لعمليات الخطف ترك وهرب بعيدا، لأن القضية تخبرنا بأن رجل الدين عندما يكون مؤمنا برسالته ويعمل من أجل قداسة نفسه والشعب المسؤول عنه فهذا يكون مستعدا للتضحية حد الشهادة، ونجد بين الكهنة من أصرَّ على البقاء رغم كل شيء وقد تحدى كل العراقيل والعقبات دون خوف ويتابع إيمان رعيته ويقويه كما انه يجمع الشبيبة ويتابع فعالياته ويقوي من الأواصر بينه وبينهم بغية زيادة حرارة الايمان لدى هؤلاء بالمسيح الرب ويرون أعمالهم ويمجدون الله خالقهم (1بط 2: 12).
ومن هؤلاء من انزوى ليس بالانغلاق الكلي لكن بتحديد نشاطه وتقليل تحركاته متخذا أسلوبا رهبانيا كالمتوحدون أو الحبيسون الذين لا يختلطون بالبشر كثيرا ويعملون من أجل خلاص نفوسهم.



ونجد غيرهم يعمل بنشاط ولا تفارق محياه الابتسامة ويجعل الحياة سهلة وغير معقدة أمام رعاياه وتنوعت الأساليب لكن الغاية واحدة وهي خلاص النفوس، وهذه النماذج إيجابية كونها تغلبت بشكل أو بآخر على الخوف والقلق كي تبقى وتستمر بمواصلة مسيرتها ، لكن نماذج أخرى هربت بعيدا كي تجد لنفسها ملاذا آمنا تاركة الشعب المؤمن حائرا لا يعرف ما يفعله وحجتها ان العمل الرعوي لخدمة النفوس هو واحد أينما يتواجد الحصاد وهي وجهة نظر يجب أحترامها، لكن بين هؤلاء وأولئك من نال أكليل الشهادة بثبات وحصل على العلامة الكاملة من سيده السماوي (مائة) وكان لبلدة الموصل ورجال الدين فيها الحصة الكبيرة من التضحيات، وهكذا أيضا بغداد وخصوصا في عدد الكهنة الذين تم اختطافهم.
ولكن الملفت للنظر أن الكنائس الوطنية العريقة التي عايشت الجميع ولقرون طويلة على أرض ما بين النهرين هي التي دفعت الثمن بعد الاحتلال من رجالها وأموالها؛ فكنائسها فجرت، ولأكثر من سبعين مرة ورجالها خطفوا ومنهم من قتل لكن دون المساس بمن تحمل أسم كنائس وجاءت مع دخول قوات الاحتلال وعملت تحت مظلته بشكل أو بآخر، ولست هنا بموقف المحرض على هؤلاء ولا الحاكم على صحة إيمانهم من عدمه لأن الله هو فاحص القلوب والكلى (مز 9:7)، وهو الذي يحكم ويعرف كل شيء مما يرى ومما لا يرى (قولسي 16:1)، لكننا ننظر إلى النتائج خصوصا على الأرض والمادية منها ونكتب ونستنتج ونستفسر ونحاول معرفة الاسباب.



ومن علامات الاستفهام المطروحة: هل هناك من يريد لكنيسة العراق العريقة أن تتفتت وتضعف كي تضمحل وتنتهي، كما انتهت كنائس زاخرة في سواحل الخليج العربي كقطر وعمان وغيرها التي كان فيها كراسٍ للأبرشيات وكانت تعج يوما بالمؤمنين شأنها شأن تكريت وبغداد وغيرها. فيمكن الجزم أن أيادٍ خفية موجودة تعمل على هدم عراقة الكنيسة في العراق وتفتيتها إلى بيوت صغيرة كي تصبح هزيلة وضعيفة ويمكن هزيمتها بسهولة، لكن ثقتنا بما يقوله الكتاب: بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (متى 18:16) كبيرة وهذا هو عزاؤنا ورجاؤنا في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه.
فاليوم نحن بحاجة ماسة لترتيب أوراقنا وتحديد أولوياتنا والعمل على مستقبل أولادنا وشعبنا وأمتنا لأن ثروتنا هي أن يكون نشئنا الجديد متعلما ومتسلحا بالإيمان والعلم والعزيمة على بناء ما تهدم وصيانته من كل أذية، كي تبقى الأجراس تدق وهي بها تدعو المؤمنين إلى بيوت الله وكي يبقى الرجاء يملأ صدور وقلوب الناس وتزداد المحبة التي باستطاعتها هزيمة كل شر معروف مهما ازداد جبروته.



نحن اليوم بحاجة كي ننتبه لأساساتنا ونقويها لتكون كالصخر قوية وتصمد أمام الرياح مهما هبت بقوة وعنف وتبقى ثابتة لا تتزعزع.
علينا الإيمان بأقوال ربنا يسوع المسيح له المجد الذي يقول: ثقوا أني قد غلبت العالم (يو 33:16)، ونحن اليوم من يتابع خطاه على الأرض وعلينا ترديد ذات العبارة ونفكر جيدا ونعمل مع التفكير كي نحن أيضا نستطيع أن نغلب العالم؛ لا من أجل أخضاعه سياسيا بالمفوهم السياسي ليومنا هذا بل كي نعيش والآخرين بأمان وسلام ونساهم معا في أظهار صورة الله فينا ونعمل ويرى العالم أجمع ما نفعله من أعمال حسنة ويمجدون الله خالقنا (1بط 12:2).



وهذا ما نتمناه للجميع قبل ما نتمناه للمسيحيين وكلي أمل أنني قد سلطت حزم كثيرة من الضوء على مشاكل شعبنا وواقعه الذي لا يُسر أبدا خصوصا في بلدنا العراق على أمل أن يكون السورايى بأفضل حال مما هم عليه اليوم وكلي أمل من الرب أنني قد وفقت فيما بحثت فيه وكتبته طوال هذه الحلقات المتسلسلة، على أمل ان نعود لمثلها إذا استجد فكر جديد وواقع مغاير أو دعت الحاجة كي نكتب بذات الموضوع، وأسأل العُذر من القراء الأكارم الذين تابعوني طوال هذه الفترة ولم ينفذ صبرهم من قراءة ما كتبته راجيا من الله أن تشملهم بركاته السماوية ويعم الأمن والسلام في القلوب قبل أن يعم في أرض الواقع.

عبدالله النوفلي

74
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (19)
إن ما يعاني منه سورايى العراق يعود في أحد أسبابه وربما يكون هذا سببا رئيسيا هو بسبب إيمانهم بالرب يسوع وبمادئه التي تسودها المحبة المطلقة، والمعاناة هي بسبب اختلاف هذه عن مباديء بقية العراقيين الذين استلموا في أحدى السنين تقويما لجمعية الكتاب المقدس ناقصا ورقة شهر شباط وبسبب أن آية من الكتاب المقدس كانت قد كتبت في ورقة ذلك الشهر مفادها: "واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم.باركوا لاعنيكم.احسنوا الى مبغضيكم.وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم." (متى 44:5)، وهذه لم ترق المسؤول عن الرقابة في ذلك الزمان فكان قراره رفع ورقة شهر شباط وليذهب المسيحيين إلى حيثما أرادو ولا حول ولا قوة لهم كي يفعلوا شيئا، ولتكن سنتهم تلك أحد عشر شهرا بالقوة والإرغام لذلك قلنا أن مباديء المسيحيين تختلف عن غيرهم كونهم يتمادون بالمحبة ويحبون أعدائهم ويباركون اللاعنين ويحسنوا للمبغضين ويصلوا من أجل من يسيء إليهم ويطردهم من ديارهم، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة وليس فقط غفران سيدنا على الصليب لصالبيه بل أيضا ما قام به سعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني عندما زار من حاول قتله في السجن وغفر له والأمثلة كثيرة.
والعراقيون الآخرون لهم مبادئهم الخاصة ونقول هذا لأن وثائق كثيرة ومتنوعة وقع عليها أطراف متعددة يقال عنها تارة مواثيق شرف وأخرى وثيقة عهد وثالثة ... وكلها تحرم سفك الدم العراقي ورابعة تعتبر الدم العراقي خط أحمر ... ألخ، ولنا في وثيقة مكة نموذجا لذلك وما يجري في هذه الأيام للتوقيع على وثيقة مشابهة، ولا أعتقد أن تكون هذه أحسن من سابقاتها كونها جميعا حبرا على ورق ولا نتائج لها على أرض الواقع، وسبب ذلك هو لخلو قلوب موقعيها من المحبة!! تجاه الأطراف الأخرى، أو أنهم يوقعون كي يظهروا أنهم مسالمين وأمام عدسات المصورين يكونوا ودعاء ولكن في الخفاء ربما نجد نمورا أو ذئاب داخل لباس الحملان الذي تضاهروا به أمام الاعلاميين والعراقيين البسطاء...



إنه واقع مؤلم حقا .. وربما هو مضحك ومبكي في آن واحد معا، وكم نسمع من العبارات الطنانة الكثير، وعلى سببيل المثال الذي ذكرناه أعلاه وهو أن الدم العراقي خط أحمر!!! لكن في ذات الوقت يتم نشر غسيل أطراف مهمة في العملية السياسية للواحد تجاه الآخر وكلها تعمل من أجل ديمومة واستمرارية نزف الدم العراقي وبغزارة، وفي حوادث عدة كان شعبنا هو الضحية كُنا نسمع ونقرأ تصريحات لمسؤول في محافظة أو وزارة هنا وهناك بأنهم قد مسكوا بعض الخيوط وحصلوا على اعترافات ستقودهم لمعرفة الفاعلين عن الجرائم وسيكشفون الحقائق لاحقا وتسمر مدة هذه (لاحقا) إلى ما لا نهاية كي يتم تسجيل الجرائم المرتكبة ضد شعبنا باسم (مجهول) ويتم أغلاق الملف!! أي أن ما كان يتم التصريح به لم يكن سوى امتصاصا للنقمة الشعبية أو تخدير لشعبنا ولايقاف موجة الاستنكار العالمي تمهيدا كي تعود حليمة إلى عادتها القديمة ويستمر النزيف.
إنها حالة اللا استقرار، بل حالة من التخبط السياسي والصراع من أجل الحصول على المكاسب في عراق مابعد 2003، ويبدو أن السنوات التسع التي مضت (نحن الآن في عام 2012) لم تكن كافية كي يستقر ميزان القوى وكي يستقر معه العراق على نهج الديمقراطية التي بشرنا بها بوش الابن قبل عقد من الزمان. وأي طعم سيكون لهذه الديمقراطية التي أصبحت كلقمة مغموسة بالدم!! وكيف سيتعامل معها العراقيين لأن وضعهم النفسي فقط بحاجة لعقود من الزمان كي يتم نسيان الرعب الذي أحدثته الانفجارات وأصوات الاطلاقات النارية بحيث إذا أغلق تيار الهواء بابا في منزل ارتجف كل من في البيت خوفا من انفجار أو زائر ثقيل يريد الشر بأهل البيت.



وسيبقى المسيحيون يتذكرون مطرانهم: بولس فرج رحو الذي مات غدرا وفي الاسر لدى خاطفيه، وسيبقى المصلين داخل الكنائس خائفين من تكرار فاجعة سيدة النجاة التي قضى خلالها (52) إنسانا بريئا نحبهم على مذبح الشهادة كشهود للايمان ومن أجل المحبة، وليس هذا الرقم فقط بل العشرات الآخرين الذين أصيبوا بجروح أو لحق بهم تشوها أو عاهة ما أو مرضا نفسيا ... فكم تحتاج هذه وغيرها من زمن كي يتم نسيانها وطي صفحتها وفتح آفاق جديدة من التفاؤل، وأيضا كيف يستطيع الكهنة نسيان رفاقهم الكهنة الذين تم اختطافهم وأرعابهم لمدد ليست بالقليلة و و  والمصائب كثيرة لا تعد ولا تحصى.
والمصيبة الأشد أن من يمارس العمل السياسي اليوم في العراق في العموم يسوده الطابع الديني الذي يستوجب عليه تطبيق مباديء السماء السمحاء التي مفادها: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" المائدة  {32 ، ولو عدنا لما شهده العراق ونتأمل كم نفسا بريئة وبغير ذنب قد تم قتلها لو وجدنا المأساة مذهلة فكم من تفجير بعمال المسطر قد حدث وفي الأماكن العامة والأمثلة كثيرة أيضا وسأورد هنا مثلا لأحد أبناء شعبنا الذي كان اسمه (بطرس) وكان قد اضطر للنزوح شمالا مع عائلته كي يحافظ على لنفسه وأهله، لكن راتبه بقي في بغداد وكان هذا كافيا كي يعود يوما ويلاقي مصيره المحتوم في انفجار قرب الجامعة المستنصرية ولم يتم التعرف عليه إلا من بنطاله!!! فماذا كان ذنب هذا؟



فكيف لعائلة هذا أو غيره أن تنسى أو تستمر بالعيش الكريم وهي التي كانت تنتظره ليجلب مبلغا من المال يسدون به رمقهم رغم أنه لم يكن ليسد كامل احتياجاتهم وهذا كان نموذجا لآلاف، جميعا لسان حالها يقول: بأي ذنب قُتلنا؟
إن مباديء المسيحيين أزاء هذا تضيع وتختنق فالمأساة مهولة وكأن موسيقى هادئة يتم عزفها في سوق الهرج ببغداد فمن يسمعها او ينتبه إليها؟ لأنها ستصبح نشازا في المكان النشاز، فالسؤال إذا: هل نستمر على مبادئنا؟ أم نَركِبْ الموجة ونفعل أفعال الشعوب المحيطة بنا؟ سؤال يجب أن نفكر به مليا لأن كِتاب الحياة يُخبرنا: " ... ولكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص." (متى22:10)، بينما أدبيات من هم حولنا تقول "للصبر حدود" وكذلك قالت المطربة الخالدة (أم كلثوم) أيضا، لكن صبر المسيحيين يجب وحسب مبادئهم أن يكون بلا حدود، فصبرهم اليوم يجب أن يستمدوه من صبر أيوب ويضعون أعينهم وقلوبهم وأفكارهم كلها صوب مخلصهم وتأملون معاناته من أجل رفع خطيئة العالم.



ولكن رب سائل يسأل: وما دخلنا نحن كي نصبر ونتحمل ونعاني بينما غيرنا يقسو ويُكابِر ويعبث؟!!! بلا شك أنه سؤال في مكانه ووقته وهو بحاجة للاجابة عليه من قبل قيادات هذا الشعب، ولكن أي من القيادات معنية بالجواب؛ هل هي القيادات الدينية أو القيادات الدنيوية أي السياسية؟ فلو قلنا الدينية منها، فلن نكون قد أصبنا الجواب لأن هذه تتحكم بها المباديء ولا يمكنها المساومة عليها مطلقا كونها تحكمنا بالثبات إلى المنتهى طلبا للخلاص حتى وإن تطلب الأمر الشهادة من أجلها وصليب مخلصنا شاخص أمامنا، وستقول لنا: هل نحن أحسن من مخلصنا الذي تألم وتحمل ومات موت الصليب؟ أي أن قياداتنا الدينية ستقول لنا بأن الخلاص يأتي من خلال الصليب ولا نجاة إلا من خلال الألم وكذلك يقول المزمر في سفر المزامير(6:12) "كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاه في بوطة في الارض ممحوصة سبع مرات. " هكذا فإن الرب ينقينا ليس مرة واحدة بل مرات كثيرة وما الرقم سبعة هنا سوى لكمال التنقية وخلال التنقية يجب أن نتجرع الألم أي أننا لا نحصل على الخلاص الأرضي والراحة إن تبعنا قياداتنا الدينية كون هذه تهتم بالخلاص الأبدي وتعمل من أجله بكامل طاقاتها.

يبقى أمامنا القادة السياسيين الذين تستوجب مسؤولياتهم صيانة الشعب وتخليصه من الألم والتشرذم والهجرة، وعليهم العمل وبقوة من أجل أن ينال حقوقه ويخلصوه من مخالب الأشرار كونهم يعملون في السياسة التي هي لفن الممكن.
إذا نحن بحاجة إلى سياسيين ماهرين يعرفون فنون اللعبة، سياسيين متكاتفين مع بعض غير متصارعين يعملون من أجل مصالح شعبهم ويعتبرون هذه المصالح خطاً أحمراً كحال الوثائق التي نوهنا عنها سابقا ويوقع عليها العراقيون باستمرار وجميعها بقيت حبرا على ورق، لكن حتى هذه الوثائق لم نحصل عليها من سياسيين الذين يص رون على ألا يتفقوا. ففي الاعلام الكثير من الاخبار التي لا تجعلنا نثق حتى بأقوال من يقود السياسة داخل شعبنا خاصة عندما نجد نشر الغسيل الوسخ بين أحزابنا وقاداتهم مستمرا، وعلينا أحيانا قراءة ما بين السطور في الخطابات الصادرة منهم التي نجدهم الواحد مكذبا لحديث الآخر ليس هذا وإنما ينعته بأقسى العبارات وأحيانا يتصرفون عكس طروحاتهم السياسية.



نحن كسورايى خاصة وعراقيين بعامة بحاجة لمواثيق حقيقية وصحيحة وخطوط عريضة لخطة عمل حول أنقاذ شعبنا يتفق عليها جميع السياسيين على ان يكون القادة الدينيين على استعداد لإجبار السياسيين على تطبيق بنودها التي يجب أن تضع مصالح شعبنا في الدرجة الأولى من سلم أولوياتها على أن تترك للأحزاب حرية التطبيق، عندها ليست المشكلة هل شعبنا قومية واحدة او عدد من القوميات لأننا طالما نتحدث لغة السورث ونفهم أحدنا الآخر ونعيش في منطقة واحدة فنحن شعب واحد رغم أنف كل من يحاول تجزءتنا، وما علينا إلا أن نضع مصالح شعبنا أمامنا ونعتبرها مقدسة ونقاتل من أجلها وذلك ليس بالأمر الصعب إذا صدقت النوايا.
ولنا بقية فيما نكتبه هذا ....
عبدالله النوفلي
[/b]

75
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (18)
كتب الكثير من الكتاب؛ منهم من أبناء شعبنا المسيحي (سورايا) ومنهم من الغرباء عن هذا الامور التي تخص شأن سورايى العراق، ومن هؤلاء من أنصف فيما كتب ومنهم من كان طابع كتابته العموميات، ومنهم القليل من كتب بصراحة وعالج الأمور بشكل واضح ووضع النقاط على الحروف.
فسورايي العراق باتو خاضعين لمشيئة شركائهم في الوطن بحيث أصبح من المألوف أن سفينتهم تتقاذفها الامواج وتُسيرها أهواء من تعتبرهم الأحداث متواجدون على الأرض العراقية بعد المسيحيين الذين تضرب جذورهم بعيدا وعميقا في أرض ما بين النهرين الخالدة.
وبدلا من أن يكون سكان هذه الأرض سادة على أرضهم كونهم من سكانها الأصليين نجد وعلى العكس اليوم حيث يعيشون في شبه مذلة؛ مسلوبةٌ حقوقهم .. خائفين .. مرتعبين .. عيونهم شاخصة دوما نحو المجهول الذي يهدد وجودهم وكيانهم وكافة مفاصل حياتهم، وبدلا من كونهم عمود الأرض وسادتها فإننا نجد من يحاول كسر هذا العمود وتتجمع قوى الشر كلها كي تقتلعهم من جذورهم وتدفعهم بقوة مفرطة نحو المصير المجهول وكبت حرياتهم وإسكاتهم عن الاحتجاج
.


وفي عدد من اللقاءات التي كُنت طرفا فيها في الماضي القريب، قلت أن مسيحيي العراق يعانون من الأحداث الراهنة أي أحداث ما بعد ربيع 2003 معاناة مضاعفة عن أقرانهم في العراق، وللتوضيح كنت أقول أن معاناتهم الأولى هي بسبب كونهم عراقيين ويصيبهم ما يصيب اخوتهم في العراق، والمعاناة المضاعفة هي لكونهم مسيحيين والأقوام الأخرى في العراق في الغالبية العظمى لهم يعتبرون بأن قوات الاحتلال دينها مسيحي!! ويقومون بالافتراض جدلا بأن مسيحيي العراق يتحالفون أو يتضامنون أو يساندون قوات التحالف التي تناضرها في الدين وبذلك يقررون بوجوب محاربتهم من قبل أتباع تلك الأقوام والذين غابت عن أذهانهم بأن قوات التحالف كان بينها من ديانات مختلفة وبضمنها الاسلام وكان وحسب النضام الامريكي أن يتواجد رجال دين مع الجنود كل حسب دينه الأمر الذي يعني بوجود رجال دين مسلمين أيضا مع قوات الاحتلال.
بالإضافة إلى أن الدول الغربية ليست دول مسيحية حسب مفهوم دين الدولة الموجود في غالبية الدول العربية والاسلامية الذين يضعون فقرة شبه دائمة في كافة الدساتير بأن دين الدولة هو الاسلام. لأن الدول الغربية تسيرها مصالحها بحيث تركت ما لله لله وما لقيصر لقيصر (متى 21:22)، ولا يهمها أن يقتل المسيحي أو المسلم أو اليهودي أو البوذي من أي بلد كان طالما أن مصالحها تتحقق بمقتل هؤلاء!!!



وقبل سنوات كتبت حول هذا الشأن مقالة تحت عنوان (هل الغرب مسيحي؟) والتي أخذت اهتماما كبيرا في المواقع الأليكترونية لأنها أوضحت بأن ليس كل من في الغرب يدين بالمسيحية وأن تلك الدول هي علمانية بحتة. وأيضا نجد أخوتنا المسلمين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا بادر أحدهم ورسم رسما مسيئا لرسول الاسلام، أو كاتبا أو مخرجا قدم عملا مسيئا .. لكن ينسى هؤلاء بأن هذا الكاتب أو المخرج أو الرسام يقوم بذات الاعمال حول المسيح أو أمه مريم ونجد الكنيسة لا تعير هؤلاء أية أهمية، وكلنا قرأنا أو تابعنا كتاب (شيفرة دافنشي) التي بنى كاتبه مجمل كتابه على فكرة صورة رسمها أحد الرسامين وافترض افتراضات مسيئة لحياة المسيح على الأرض.
والمسيحيون العراقيون كانوا بناة حضارة في أرض ما بين النهرين وهناك أسماء لامعة كثيرة ساهمت في تدوين تاريخ العراق قبل دخول الاسلام لأرض ما بين النهرين العزيزة، وخلال حكم تلك الدول الاسلامية المختلفة ووصولا إلى وقتنا هذا. كما أن المسيحيون ينطلقون من إيمانهم بأن فضيلة المحبة هي العظمى بين الفضائل الإلهية لابل أنها تسمو وترتفع حتى عن الايمان والرجاء، فكانوا بحكم ذلك يحبون الآخرين ويقبلونهم كماهم ولم يكن في نيتهم يوما أن يؤثروا أو يحاولوا أن يغيروا معتقد الآخرين وديانتهم أو مواقفهم، كونهم يرون فيهم الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، لذلك نجدهم يعملون بكامل طاقاتهم وباخلاص من أجل أخيهم الانسان في العراق، لابل ضحى سورايى العراق بحياتهم في كافة الأزمات والحروب التي عاشها العراق قديما وحديثا.



وفي القديم شارك المسيحيون في معارك المسلمين ومنها معركة القادسية التي كانت بقيادة القائد سعد بن أبي وقاص ضد الفرس آنذاك وكانت هذه في صدر الاسلام وهناك خبرا مفاده أن من قتل المزربان الفارسي في تلك المعركة كان (مسيحيا) وهذا دليل على مشاركة المسيحين لأخوتهم الآخرين في كل شيء، رغم أننا كمسيحيين لا نوافق أبدا على شريعة القتل ولا نفتخر بالقتلة مطلقا حتى لو كان من يتم قتله من الأعداء.
لكن سياسات الحكام كانت أحيانا تقضي باعدام من لا يطيع الأوامر ويبذل جهده في ساحات القتال، ونجد في ذلك أن المسيحيين كان لهم نصيبا كبيرا من التضحيات على أرض العراق تماما كما هو عليه الحال في أيامنا هذه التي تسيل فيها دماء لسورايى العراق وبأيادي عراقية، الأمر الذي يعتبر خارجا عن القاعدة التي ألفها مسيحيوا العراق والتي مفادها بأن التاريخ لم يشهد بأن مسلمي العراق اضطهدوا مسيحييه، أخوتهم في الوطن إلا في حالات نادرة كانت بتدخل قوى أجنبية كالفرس والعثمانيين والتتار والاستعمار!!!.



وسورايى العراق يُعتبرون حمامة السلام بين كل الأطراف والامر الذي يستوجب على الاخرين حماية هذه الحمامة والمحافظة عليها؛ لأن اقتلاع من يحملون في قلوبهم وفكرهم وتصرفهم المحبة من بين العراقيين فإن هذا يعني الكثير ويجعلنا نضع علامات تعجب واستفهام كثيرة لما سيؤول عليه حال العراقيين والعراق!!! في حالة غيابهم عن هذا البلد.
وما (الربيع العربي) الذي تشهده العديد من الدول العربية إلا وجها واحدا لتفشي ثقافة القتل والعنف باسم التحولات الديمقراطية سواء جاء هذا من الحكومات الديكتاتورية أو حتى من تسميهم الحكومات الغربية ومن يلف لفها (بالثوار)، فالأمر المستغرب الذي لا يقف الكثير أزاءه ويحللونه أو يستنكرونه أو حتى يسألون عن سببه؛ وهو عندما يمارس (الثوار) القتل أزاء الفريق الآخر فإن عليهم ولهم يكون الأمر شرعيا، بينما نجد من يمارس ذات الاسلوب من الجانب الحكومي التي تدافع عن أمن مواطنيها وتطبيق القوانين في دولها فتكون تسميتها بالدول القمعية أو بالسلطات القمعية.



ونجد في الانجيل المقولة القائلة: "لانكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون.وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم." (متى 2:7) وأيضا نجد مقولة لدى طرف آخر تقول: "بشر القاتل بالقتل"، وأيضا "....لان كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون."(متى 52:26)، ومن هذه وغيرها نستنتج بأن الفوضى لا تجني سوى الفوضى والقتل يجرنا إلى القتل واستمرار نزيف الدم الزكي، ولا يوجد حل أزاء هذا كله سوى شريعة المحبة كحل أمثل لتجاوز الازمات والمشاكل في ظل ظروف دولية ضامنة وحامية كمراقب دون تدخل كي تعيش شعوب المنطقة وبضمنها المسيحيين بحال أحسن من حالهم اليوم.
ومن لم تسنح الفرصة ليستمع ما كان يرويه له أجداده وأقله لما كان له الوضع في مطلع القرن العشرين حيث أوصلت الحكومة العثمانية العراق إلى حافة الافلاس وجعلته يعيش في قحط كبير عمّ كل شيء وأصبح الخبز شحيحا بحيث لجأ الناس لأكل خبز الشعير ليس من أجل الريجيم أو تفاديا لمرض السكر كما هو الحال في أيامنا هذه، لكن لانعدام الحنطة وعدم استطاعة الناس شرائها لارتفاع أثمانها ومن جراء ذلك كان الفلاح يأكل خبز الشعير والبصل ويكضم حسرات كبيرة في قلبه لأن الجوع كان هو الذي يجعله في قلق دوما.



ولكون المسيحيين وخصوصا في منطقة الموصل المشهورة بأراضيها الزراعية وأهلها يعلمون جيدا كيف يرتبون أمورهم ويخلقون من لا شيء شيئا مفيدا، بحيث اشتهرت مناطقهم بما نسميه (المونة) التي كانوا ينتجونها من الحنطة وأيضا أسلوبهم بتربية أحد الحيوانات الداجنة (ربيطة) كي يأكلون من لحمها طوال الشتاء لسهولة حفظ اللحم في ذلك الموسم في ظل انعدام الكهرباء والثلاجات و ... ومن جراء هذه وغيرها من الممارسات كان مسيحيوا قرى الموصل يعيشون ليالٍ مرعبة وهم بانتظار اللصوص مما يحيط بهم من القرى الغريبة التي كانت تمارس اللصوصية وتعيث في قرى السورايى الفساد ليلا وسرقة ما يمكنهم سرقته من المحاصيل والماشية والمقتنيات، وإن دافع المسيحي عن عِرضه وماله وذهب أحد الغرباء اللصوص ضحية ذلك فإنه بذلك كان عرضة للمساءلة العشائرية بحيث يجعلونه بالترهيب غالبا لدفع أموال مضاعفة ليفدي القتيل بغية تمكنه الاستمرار بالحياة في بيته والعمل بأرضه في سلام، وبخلاف ذلك كان عليه أن يحزم أمتعته وما خف منها فقط ويرحل إلى المجهول ويعيش بخوف في منطقة لا يعرفه فيها أحد.
هذا كان حال أهلنا قبل قرن من الزمان، وحالنا هذه الأيام ليس بالأفضل لأن لكل زمان ومكان حاله وأحواله.

ولنا في ذلك بقية ....
عبدالله النوفلي

76
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (17)
شمس واقعنا المسيحي وفق ما يحصل على الأرض يبدو أنها ستبقى زمنا طويلا مغطاة بالغيوم التي لا تريد إلا ان تتلبد وتزداد تلبدا ونهارنا يزداد عتمة يوما بعد آخر، وإن لم يكن السبب بتأثير الغرباء علينا فنحن حاضرون كي نعذب بعضنا البعض وكي نلتهي بالأمور الجانبية ونترك الهدف الرئيسي ونتشبث بقوة بالفرعيات التي يبدو أنها أصبحت منهجا لنا نتمسك به ولا نفارقه البتة.
ألا تلفتنا بوما إلى حالنا وإلى تصرفاتنا ووعينا كم نحن موغلون بالسير في الطريق الخطأ خاصة عندما نساير هذا وذاك بما يخططوه لنا وبما يريدوننا أن نسير وننتهج، ودائما فإن الغاية هي إلهائنا عن الهدف الرئيسي كي يتسنى لهم ترتيب أوراقنا كما يروق لهم وعندما نصحو إن صحونا يوما؟؟!!! من حالة التخدير هذه تكون جميع أوراق العراق قد تم ترتيبها وعندها سنعضُّ لساننا وأصابعنا لأن الوقت قد يكون قد مضى وسيكون العراق الذي شهد ولادة آبائنا وأجدادنا وكان المكان الذي أنتج كل هذا الإرث الثقافي والحضاري الذي امتلأت به جميع المتاحف المهمة في العالم



سنجد عند صحوتنا بأن ارض ما بين النهرين لا يوجد فيها مكانا لنا يليق بأحفاد آشور وبابل، وعندها سيكون لنا خيارين لا ثالث لهما وكلاهما مر وشديد المرارة وهما إما القبول والخضوع لأمر قد وقع بالفعل ولا مفر منه وهو مذل ومخزي ودون حقوق متميزة في أرض أجدادنا، أو نغادر هذه الأرض مكرهين إلى بلدان اللجوء لنجد هناك نتيجة لا تختلف كثيرا عن الصورة السابقة مع أنها ستكون ربما لجيل أو جيلين إلى أن يحدث الاندماج ونسيان الوطن وتعوّد أولادنا وأحفادنا على تحدث لغات تلك البلدان ونسيان لغة أمهم وموطنهم وتعلم تقاليد تلك الدول وممارستها كما يمارس أبناء البلدان الجديدة بحيث يصبح أبناؤنا وأحفادنا يرتفعون رويدا رويدا من حول خط الصفر كي يصعدوا ويعيشوا الحياة المستقرة كما يعيشها ابناء تلك البلدان وهذا إن كان قد بقي لمن يعيش تلك الأوقات طموح كي يرتقي صعودا وتكون لديه القدرة والمعنويات ليبدأ ويتفاعل مع الحياة والعلم والسياسة والمال كما كنا وآبائنا وأجدادنا في العراق ونكون قد تخلصنا من العقد والآلام التي سببها وطننا لنا وسببها قادتنا من أبناء جلدتنا لنا.

ولو أردنا تعداد كم من الخلافات الجانبية التي تم افتعالها لشعبنا من السورايى (وعندما نطلق على شعبنا سورايى لا نقصد فصيلا دون آخر بل كل المسيحيين العراقيين من الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن وأي مسيحي آخر) وليس منذ قديم الزمان إنما فقط منذ سنة السقوط وتبديل النظام في العراق عام 2003 إلى اليوم أي ما يقارب التسع من السنوات العجاف سنجدها كثيرة وهي السبب لكي يكون واقعنا بهذا الشكل؛ ومنها على سبيل المثال وليس الحصر مسألة التسمية القومية وهل نحن واحد أم ثلاثة أو أربعة لأن إن تكلمنا عن الكلدان .. السريان .. الآشوريين، سنكون ننسى مكونا رابعا ألا وهو أرمن العراق فهم أيضا مسيحيون، وكلنا يقرأ ويتعايش مع هذا الصراع القوي في هذا الخلاف وكم هو سببا في أحداث الفرقة والكراهية بين الأخوة من سورايى العراق، ولو كنا في مجلسا وأردنا تعكير صفوه وإحداث البلبلة فيه فلنبدأ بطرح هذا الموضوع عندها سنجد كم هي متعددة الآراء وكم ستتشعب الأحاديث لتصل حتما إلى حد التقاطع ويفترق الأخوة من ذلك المجلس حزينين كونهم لم يتوصلوا إلى نتيجة!!!

أليس بالحقيقة هذا أمر من أمور كثيرة وهو تحصيل حاصل لمن يفكر ويجتهد ويهمه أمر هذا الشعب، فماذا يتكلم السرياني أم الكلداني أم الآشوري؟ وكيف يتفاهمون لو لم يكونوا يعرفون العربية أو الانكليزية؟ ألم يكن حديثهم يتم بلغة (السورث) التي حروفها يعرفها الجميع وأبجديتها غنى بها المطرب العربي قبل أن يغني بها مطرب من أبناء شعبنا ألا وهي (أبجد هوز حطي كلمن ...) لأن الأبجدية العربية هي غير هذه ( أ ب ت ث ....) فطالما نتحدث ذات اللغة وتاريخنا مشترك ولنا أرض ولدنا وكبرنا وتربينا عليها وحضارتنا مشتركة تملأ متاحف الدنيا بآثارها فما بالنا نختلف على وحدتنا؟ فببساطة من منا يستطيع أرجاع نسبه للآشوريين القدماء أو للكلدانيين الذين أنجبوا ابراهيم أبو الأنبياء أو من غيره من الأصول التي بدأ تتفرع لأن الآراميين على رأي البعض أيضا هم من يجب أن نُسمى باسمهم، أليس هذا أمر مضحك مبكي في آن معا؟ ولماذا نصرف الوقت والمال باتجاه فرض اسم على مجموعة لا تريد الانتساب له وبالعكس أيضا لماذا نقف بالضد من كل من يكون له رأي مضاد لرأيه ونقوِمَ الدنيا ولا نقعدها إن اختار طرفا اسما يختلف عن اسمٍ اختاره طرف آخر ربما كان الأشطر سياسيا في زمن ما، ولماذا يريد الأخوة أن يكون الحكم فيما بينهم لا يسير وفق القواعد الطبيعية التي تعيشها الحياة أو الديمقراطية، فإن تغنى الكلداني بماضيه أو اسمه نرى الكثيرين الذين يلمحون لأن الكلداني يعمل على تفرقة الأمة ويجعلونه سببا كي لا تجتمع كلمتها على القول الفصل، وهكذا إن عمل الآشوري أو السرياني يقوم الأطراف الأخرى بذات النهج والجميع ينسون بأنهم وأحيانا بكتاباتهم يوردون آمثالا او جملا بلغتنا السورث لأنهم على يقين بأن جميع الأطراف يفهمونها!!!

وإن استمعت إلى السياسيين فلا تحتاج الكثير من العناء لكي تعرف بأنهم يخدعون السامعين لأنهم مؤمنون باسم معين ويتكلمون بلغة الثلاثة وبأننا شعب واحد وعندما أصبح الطرح يوما ما بعد عملية التغيير في العراق بالتسمية الكلدوآشورية قلنا لحزب معين وهو يحمل أحد الأسماء الثلاثة التي نتداولها اليوم، قلنا لذلك الحزب بما أنكم تنادون بهذا الاسم المركب فما عليكم إذا إلا تغيير اسم حزبكم من الاسم الواحد المعين إلى الاسم المركب الجديد كي تكون طروحاتكم مقبولة لمن يراقب ويتابع الأمور، ولم يحدث شيء من هذا وبقي كل حزب من أحزاب أمتنا متشبثا باسمه القومي المنفرد وبنفس الوقت فهم يتكلمون عن الاسم الذي حلا بالبعض بتسميته الاسم القطاري!!!.

فإن كنا نريد أن يتبعنا الآخرين ويصدقوننا يجب أن تكون طروحاتنا متتطابقة مع أفعالنا خاصة ومن يعمل في الأحزاب القومية فإنه يعتبر من الصفوة بين أبناء شعبنا كونه أكثر وعيا ومسؤولية لما يعاني منه هذا الشعب، وقد ازدادت المعاناة كثيرا في عراق ما بعد 2003 لأن المآسي قد تكررت والإرهاب يضرب ضربته باستمرار، ولم يترك موقعا إلا وضربه ضربات موجعة بحيث جعل من الدم يسيل بغزارة، وكلنا يتذكر يوم الأول من آب عام 2004 اليوم الذي كان فاتحة مهاجمة الكنائس التي لم يكن رعاتها يوما يشكون بكونهم في آمان ولا يحتاجون للحماية ووضع الحراس على أبوابها فقد كانت في تاريخ العراق قديما وحديثا حرمة لهذه البيوت كونها كما يسميها العراقيون بيوت الله أو بيوت للعبادة، لكن هذه البيوت جعلها من ذلك اليوم وخصوصا المسيحية منها أهدافا للسيارات الملغمة وللقنابل الموقوتة وأتذكر في ذلك اليوم المشؤوم في كنيستي في الدورة – ميكانيك كيف أعطينا شهيدا وشهيدة كانوا على موعد الزفاف في الخميس التالي وحضروا الكنيسة ذلك المساء كي يقوموا بتوزيع بطاقات الدعوة لأهلهم وأصدقائهم، لكنهم تحولوا بلمح البصر إلى أشلاء متناثرة وأحدهم تم التعرف عليه من بنطاله فقط.

مأساة حقا ... لكنها كانت بداية المأساة لأن المآسي أخذت تتوالى والدموع تزداد أنهمارا والعوائل تتشتت والأطفال تتعوق او تصبح يتيمة من أبويها الذين قضوا نحبهم في داخل بيوت الله وكانت المأساة الكبيرة في سيدة النجاة التي يشك الكثيرين بان تكون المأساة الأخيرة، وهذه الكنيسة التي أسميتها بأحدى مقالاتي بعد الحادثة بالكنيسة الشهيدة كنت في زيارة لها قبل الحادث بقليل وصادفتني الكثير من المعرقلات حتى أصل إليها من كثرة الحواجز والسيطرات وغيرها من الاجراءات الأمنية، وكل هذه لم تكن عائقا امام الاشرار ووصلوا بسهولة وتسلقوا أسوارها رغم مجابهتهم من قبل حراس الكنيسة والموقع المجاور، لكن كل ذلك لم يكن كافيا وحصل ما حصل، ليخرج أحد مسؤولي شعبنا على أجهزة الاعلام ويقول بأن الهجمة لا تقصدنا وحدنا بل هي هجمة تقصد الخير والمحبة في العراق ولجميع العراقيين، نعم هذا صحيح لكن نحن المؤمنين بالمحبة ونعتبرها أعظم حتى من الايمان ولم نؤذي أحدا ولم يكن لنا ميليشيا ضد أحد أي نحن المسالمين الذين خدمنا ومازلنا نخدم العراق بأخلاص وأمانة كان يجب أن لا يكون هذا مصيرنا...
ولنا في مواضيع كثيرة بقية ....
عبدالله النوفلي

77
ألف مبروك للأخ والصديق جونسن بمنصبه هذا فهو أهل له وأتمنى من الله أن يلهمه الحكمة كي يمثل شعبنا خير تمثيل
ليوفقك الله وكلي أمل أن تكون خدمتك هذه مثمرة

عبدالله النوفلي

78
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (16)
الحديث عن الحكم الذاتي لشعبنا المسيحي (السورايى) في العراق كان لوحده أحيانا كنكتة مقززة لدى البعض وأحيانا أخرى كمحاولة انتحارية لدى آخرين أو أقل تقدير كانوا يعتبرونها الخطوة الأولى في طريق أبادة شعبنا المسيحي حتى اعتبره البعض فخا يتم نصبه للمسيحيين في سهل نينوى وأطلق عليه آخر بأنه قفص يتم تجميع هذا الشعب داخله ويكون صيدا سهلا لمن يتربص به كي يكيل له الضربات وإضعافه تمهيدا لإبادته عن بكرة أبيه!!!

أما البقية الباقية فقد كانت مؤمنة بأن الحكم الذاتي سيوفر مصيرا أفضلاً وضلت تكتب وتنادي بأنه يتوجب علينا ان نطالب بهكذا مطلب لشعبنا ولمن معنا متعايشا من الشعوب والأقوام الأخرى الذين تقاسمنا وأياهم الحلوة والمرة تاريخيا وتحقيقه يستوجب منا النضال بقوة ودون هوادة وباستعداد حتى لتقديم التضحيات، لأن المكاسب لا تأتي بالتمني ولا يجب أن ننتظر أن يمّن علينا الآخرين بالفتات من خيرات العراق إذا نحن مقتنعين بأننا سكان العراق الأصليين وكوننا منحدرين من آشور ومن بابل أو سومر وأكد.
لذلك يجب أن يكون لنا دور في بلاد ما بين النهرين وأن نعطي لأصلنا الدور المشرف الذي كان عليه أجدادنا فحتى في الماضي القريب فقد كان آغا بطرس علما يعرفه العالم وهكذا الكثير من المناضلين الذين في ضل انعدام التكنولوجيا ووسائط النقل والاتصال في زمانهم فإنهم كانوا يشاركون في المؤتمرات ويثبتون للعالم بأن هذا الشعب لم يمت ومازال حيا ويطالب بحقوقه في أرض أجداده. وكان بين هؤلاء رجالات سياسة وعسكر ورجالات دين بقت أسمائهم خالدة لأنهم طالبوا وبقوة بحقوقهم.


واليوم ماذا نجد؟ فرغم تطور التكنولوجيا وتعرف العالم على قضية شعبنا وأنهم متيقنون يجب ان يكون لنا حقوقا في بلدنا ولا يجب ان نعيش على الهامش أو بما يتصدق الآخرين علينا، لكننا نجد اليوم أن من يطالب بحقوقنا لا تعدو مطالبته سوى مطالبات على الورق دون متابعة فعلية، هذا إن حدثت هذه المطالبة، وفي حالات أخرى تكون المطالبة خجولة، وكأني بهم كقائد المائة الذي قال ليسوع قل كلمة فيشفى عبدي (متى 8:8)!!! كونه كان يعتقد بأنه غير مستحق أن يدخل المسيح الرب تحت سقف بيته.
ومطالبتنا اليوم وخصوصا تعاملنا مع القوى الدولية تدخل ضمن هذا القياس وكأننا بالأساس غير مقتنعين بأن يكون لنا حقوق في وطننا فكيف سنقع الآخرين بحقوقنا، والأشد مرارة عندما تتوالى التصريحات التي لا تريد هذا النوع من الحكم او تصفه بأوصاف غير دقيقة أو فيه الكثير من المغالطات أكثر مما فيه ما هو واقعي!!!


إن نضالات الشعوب لا تنجح إذا لم تكن تلك الشعوب مستعدة لجميع الاحتمالات ومنها التضحية لأن الشعوب لا يجب أن ينطبق عليها المثل القائل (تنابل السلطان) بل يجب أن تكون الارادة قوية حتى يستجيب القدر إذا أراد ذلك الشعب الحياة يوما، فشعبنا اليوم مطالب أن يحدد موقفه ويرسم خارطة لسقف مطالبه وأن لا يكون قدريا وينتظر ما يجود به القدر له أو ما تتصدق عليه بعض القوى السياسية هنا او هناك، ويجب ان نخرج من السلبية إلى الإيجابية لأن من كثرة ما كنا سلبيين أزاء الكثير من الأمور ضن البعض في أروقة الدولة الحالية باننا جالية ولسنا مواطنين أصلاء ولا اعلم أكان ذلك لجهل بأمورنا أو لتجاهل لوجودنا!!؟
فالحكم الذاتي مطلب جوهري كما أعتقد وهو يفوق الإدارة الذاتية كثيرا وعلينا التمسك به وهو لا يعني مطلقا أن نجمع أبناء شعبنا في قفص كي يتم تصفيتهم وليس هذا الأمر بوهم لأننا يجب ان نصنع التاريخ وما نجده اليوم من المستحيلات نستطيع أن نجعله ممكنا لو توفرت الإرادة والإصرار، ويجب أن نعمل ليكون لشعبنا موارد من حصته في موازنة الدولة كي يتم صرفها في مشاريع تخدم مناطق شعبنا وتطورها نحو الأحسن ولا يعيش شعبنا ينتظر ما تجود به أيادي أخوتهم في المهجر وهو قاعد بطال لا يوجد له باب للرزق أو العمل


وهكذا نجد من هم في الخارج وبنياتهم الطيبة قد أثروا سلبا على من هم في الداخل وجعلوهم قاعدين بطالين لا يعملون ولا يبحثون جديا عن فرص العمل كي يوفروا لأنفسهم قوت اليوم وغدا ويعيش أبنائهم في حال أحسن مما كان عليه آبائهم، خاصة وهم يضعون وَهم السفر والغربة في مخيلتهم وكأنه جنة يحلمون بالوصول إليها وبذلك يهملون واقعهم في أرض ما بين النهرين ويمضون الأيام والشهور والسنين دون فائدة وهذا هو بحد ذاته العيش والجري وراء سراب لا نطال منه شيئا ومن يفوز أخيرا بوطن في الغربة فإنه بعد برهة قصيرة يشعر بالندم حتى وجدت الكثيرين الذين عانوا في سوريا أو الأردن أو تركيا كثيرا يفضلون لو أنهم بقوا في تلك البلدان على وصولهم إلى بلد الاستقرار!!!

وفي هذا نجد أبناء شعبنا وقواه السياسية والدينية متفرقة ولا تتفق على حال وهنا ينطبق علينا قول الانجيل عندما يقول:" يشبهون اولادا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضا ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا. نحنا لكم فلم تبكوا." (لو 32:7)، فماذ نريد إذا؟
هل يعجبنا حال شعبنا مثلا عندما كانت التمثيليات في تلفزيون العراق في السابق تظهر (ميخا أو ججو أو حنا) وهم ندلاء في حانات للخمور ويصيح هذا (تعال لك ... وروح لك ... )!!!  ويذكر بعدها أسما من أسماء شعبنا الذي ذكرت بعضا منهم. هل ذلك الحال كان أفضل لنا أم نحاول ان نكون أسيادا على أرضنا نحن نقرر مصيرنا ونحن نخطط ونعمل ونبني وثروات بلدنا تكون بيد أبنائنا كما هو الحال في أقليم كردستان حاليا حيث لدى الأقليم نسبة معينة  من ميزانية العراق يتصرفون فيها كيفما يجدونه مناسبا وجيدا في تطوير ألأقليم وتعليم أبنائه وفائدة الشعب الكردي والذين يعيشون معهم.



والإدارة الذاتية لا تتضمن كل هذا لأنه تكون بعض القيادات نعم تكون بيد أبناء شعبنا في مناطق سكناهم لكن القرار الأخير والمهم ليس بيدهم كما أن مسؤوليات كثيرة لن تكون بأيديهم ومن يعيش اليوم في تلكيف أو برطلة أو بغديدا أو ألقوش وغيرها يجد من حوله الكثير من المسؤولين في تلك البلدات وهم ليسوا من أخوته او أبناء جلدته، كما ان حال الادارة الذاتية يبقى مرتهنا بقرار من المركز وتوزيع ثروات المركز وبالنتيجة عندما نطالب بمصنع هنا او مشروع هناك كي نخدم به أبناء شعبنا في بلداته وقراه نجابه بالقول ان لا يوجد ضمن الخطة مشاريع كهذه وعلينا الانتظار وهذا الانتظار ربما يأخذ سنوات وتبقى بلداتنا مهملة ويبقى شعبنا عاطلا عن العمل.

وحتى السماء التي كانت تجود عليه بالأمطار لكي يستفاد من زراعة أرضه نجدها اليوم قد حبست عن أرضه أمطارها ويجد نفسه أحيانا يبذر وينتظر ليترك الأرض بعد موسم من القلق لأن الأمطار لم تكن كافية وذهب هدرا البذار الذي تم بذره في الأرض وبقي قوتا لعصافير السماء التي تأكل من حيث لا تزرع، ولكن الكتاب يقول لنا: لا تخافوا لأنكم أفضل من عصافير كثيرة (متى31:10)، وأيضا وبالرغم من كل هذا يجب علينا ان نتحرك ولا ننتظر أن تعطينا السماء مَنّا كما كانت تفعل مع بني اسرائيل لأن المثل يقول: منك حركة ومني بركة!!! والبركة لا يحصل عليها إلا من يسعى إليها ويجتهد ويتعب كي يرى رب العمل ذلك ويبارك، أما من لا يفعل هكذا ويجتهد ويتعب، فحتى الذي له يؤخذ منه ويعطى للغرباء وهذا مصير مؤلم نتمنى أن لا يصل إليه يوما شعب السورايى في العراق.ولنا في مواضيع كثيرة بقية ....
عبدالله النوفلي

79
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (15)
كل العالم احتفل بدخوله عاما جديدا 2012، والكل تمنى أن يكون عامه الجديد عاما للخير والامن والسلام، وحتى شعبنا المسيحي في العراق شارك شعوب العالم بهذه المناسبة.
لكن من يتذكر الماضي القريب لهذه المناسبة ويقارن احتفال اليوم في العراق بما مضى، سيجد احتفالات خجولة .. لا ترتقي ان نسميها احتفالا، لأن الخوف مسيطر على النفوس والجميع حذر ولا يعرف من أين ستنبعث رائحة الموت وفي أي زقاق أو شارع ستضرب قوى الشر، وكما هو الشائع في العالم شخصية سانتا كلوز (بابا نوئيل) وتوزيعه للهدايا وخصوصا للأطفال ليلة الميلاد ورأس السنة، فإن بابا نوئيل العراق مختلف تماما وبكل شيء؛ فمن اللون الأحمر والأبيض الشائع عالميا، ففي العراق يرتدي ثيابا مرعبة، وبدل القبعة الجميلة لهذه الشخصية فإن في العراق يرتدي قناعا أو (كليتة) كي لا يتعرف عليه الآخرون وشتان ما بين تنكر الأول وتنكر الثاني، فالأول يتنكر كي يُدخل البهجة للقلوب والثاني يتنكر كي يسلبها أياهم.


فشعبنا في العراق محروم من أبسط مقومات الفرح لأنه محاط بأفكار وشرائع تقيده وتجعله يقبع وحيدا خائفا بحيث لم يعد يعرف طعم الفرح، وليس هذا فقط فحتى الطبيعة في العراق غاضبة أيضا وخصوصا من الموصل نزولا نحو الجنوب بحيث باتت الزراعة في خطر لأن الامطار انحسرت وموجات الجفاف تزداد قوة وبات شتاء العراق دافئا أقرب إلى الربيع منه إلى الشتاء ولا يحتاج الانسان أن يوقد المدافيء لفترات طويلة أو إلى ارتداء ملابس سميكة وأصبح في العراق فصلين فقط هما ربيع قصير وصيف قائض طويل وليس هذا فقط وإنما موجات من التراب التي تلوث أجوائه باتت لا تحتمل وكم من مريض بالربو يقضي نحبه من جرائها لأن المستشفيات لم تعد تحتمل وتستوعب كل الذين يعانون من هذا، فمن أين يجد المفر الانسان في العراق، فهو يتلقى الضربات من كل حدب وصوب من جهة ومن الطبيعة الغاضبة من جهة أخرى.
وفي الماضي القريب كتبنا مجموعة من المقالات تحت عنوان (رسائل من تحت الأنقاض) نشرنا منها بحدود (18) رسالة ويمكن للمتتابع أن يتابعها على الشبكة العنكبوتية ببحث بسيط عنها، كذلك نحن اليوم بحاجة كي نكتب عن الواقع وحقيقة ما يحدث خصوصا للذين هم بعيدين عن هذا الواقع أو لمن قطعت السبل بهم خارج وطنهم الأم أو أن أخبار العراق شحيحة لديهم.


فكما وصفنا أحوال ساسة شعبنا بغير السارة بتاتا والتي لا تبشر بخير نجد ما يعصف اليوم بالسياسيين الآخرين في العراق الذي بدلا أن يحتفل بخروج القوات الأمريكية التي نفذت أحتلالا دام لما يقارب التسع سنوات والذي كان لوجودهم وجوه عدة؛ فمن جهة خلّصوا العراق مما أسموه ديكتاتورا قاسيا ونظاما شموليا وأحلوا محله نظاما فيه دكتاتوريات متعددة، وبتنا نجد أن ساسة العراق يتراشقون الاتهامات فيما بينهم، وبدءنا نرى ونسمع غسيل السياسيين الوسخ الذي ينشر للملأ ومن هؤلاء من هو في الحكم ومؤثر فيه، ونجد باستمرار هذه القوة تدين تلك ودائما يوجد غاية في نفس يعقوب وأحينا تضيع صحة الأخبار بين الكم الهائل من الاتهامات الكيدية، ولكن المراقب والانسان العادي في العراق بات لا يثق بما يتم الحديث عنه ولسان حاله يقول: من كان يقودنا وحاله هذا؟ فكيف سيكون مستقبلنا أزاء ذلك؟، لأن السيئ لا يمكن أن يأتي بأمر جيد بل أن النفايات القذرة تأتي بريح نتنة وقذره، ولكن أيضا أحيانا كثيرة نجد وجود جواهر وأمور جيدة لكنها مطمورة تحت هذه النفايات بحيث يصعب التعرف على الجيد ما بين أنقاض الواقع!!!

إنه حقا لأمر مؤسف خصوصا وأن شعبنا المسيحي غير متعود للعيش في ضل هكذا ضروف، وإن الكنائس اعتادت بهذه المناسبات من خلال طقوسها أن تدعو الناس للفرح وللتصفيق وللدعاء حتى للقادة الزمنيين كون شعبنا المسيحي يؤمن بأن السلطة هي من الله والكثير يعتقد بصورة جازمة بأننا عندما نكون تحت سلطة قيادتها ظالمة فذلك يعني بأننا أشرار وأن الله غاضب علينا، وعندما نبتعد عن الخطيئة كما ذكرنا في الحلقة الثامنة فإن حنان الله يشملنا كي نعيش بهدوء وأمان.
وبصورة عامة نستطيع الجزم بأن غضب الله ليس الغضب الوحيد لأنه هناك غضب البشر الذي له حدود لصبره، وعندها ممكن أن تكون ثورته كالصاعقة على قادته خصوصا وهو ينظر بأن العراق أصبح في ذيل قائمة الدول من حيث النزاهة أي أنه فاسدا جدا وهذا يعني بأن قادته لا يعملون من أجل رفاهية العراقيين بل من أجل رفاهيتهم ومكاسب شخصية لهم وحزبية أيضا.



وعندما نحتفل بمناسبات خاصة بشعبنا ومنه ذكرى يوم الشهيد في السابع من آب من كل سنة فإننا نجد من يسيس ذلك بحث جعلنا من تضحية الشهيد سلعة للمتاجرة وهذا أبسط ما يقال عنه أنه متاجرة بدم الشهداء حتى أن عامتنا أصبحوا متيقنين بأن الشهيد لم نخسره نحن بل هو الذي خسر نفسه أو ربما خسرته عائلته أيضا وكأن الشهيد الذي ضحى بحياته من أجل أخوته ووطنه أصبحت قضيته سلعة بيد الساسيين يذكرونها لساعة من الزمن سنويا وبحساب بسيط فإن ذكرى الشهيد تدوم فقط 1 من 24 ساعة من يوم واحد على 365 يوما في السنة وهذه البرهة القصيرة يجعلها البعض آشورية وغيرهم بابلية كلدانية وحتى لا يحتفلون بها بصورة موحدة بل يلجأون للاحتفال بأماكن متفرقة أي أن تضحية الشهداء أصبحت تثير الفرقة بين أبناء شعبنا وبكل تأكيد فإن شهدائنا براء من ذلك لكن الأحياء من شعبنا هم الذين يوصلون الأمور إلى هذا الحال.

وليس ذلك فقط فحتى رأس السنة الخاصة بشعبنا منهم من جعلها آشورية ومنهم من يععتبرها بابلية أو كلدانية وأصبحنا حيارى نحن الذين لا يهمنا إن كانت آشورية أو بابلية لأننا نريد لشعبنا أن يحتفل معا ويرفع بقوة الرايات التي يتضح من خلالها أنه سعيد ، ومن يحتفل بهذه المناسبة أيضا نجده مختلف حتى بعدد السنين التي أصبحت عليها سنوات هذا الشعب فاحتار السياسيون وحيرونا معهم، وربما أكيتو لو كان يعلم ماذا سيحل بذكراه لأمرنا منذ آلاف السنين أن لا نحتفل أبدا بذكراه خاصة ونحن نجعلها فرصة لتكريس التفرقة حيث إن عمل فصيل معين احتفاله في قرية أو مدينة معينة فإن فصيلا أو فصائل أخرى تختار عن عمد مناطق أخرى وإن ذهب شخص محسوب على هذا الفصيل لحفل فصيل آخر نجد أن جماعته تحاسبه وتعاقبه او تطرده أو توبخه!!! وهنا لسان حالنا يقول: بأي حال عدت يا عيد؟

فيا أهلي ويا شعبي: ألم يأتِ بعد الوقت الذي تجتمعون به على رأي واحد وقرار واحد كي نحتفل جميعنا معا ونرفع أعلامنا المتعددة الألوان معا كي ينظر إلينا الآخرون ويفرحون معنا، إننا سورايى العراق؛ الشعب الذي يتحدث لغة السورث وببساطة يمكننا اتخاذ القرار بجعل سورايا اسما موحدا يجمعنا ونقرر بأن هذا لا يخضع للترجمة ويبقى هكذا بجميع اللغات وتكون لغة السورث بكافة لهجاتها الجميلة توحدنا وتقودنا لمستقبل أفضل مما نحن عليه بحيث هي ذات اللغة التي يسميها البعض كلدانية والبعض الآخر آشورية أو سريانية وبالنتيجة الحاصلة فعلا أن لا هذا ولا هذاك يتنازل رغم من يتحدث بها من أي طرف كان فإن حديثه مفهوم من قبل الآخرين ...وللحديث صلة
عبدالله النوفلي

80
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (14)

شعبنا توزع في جميع أصقاع الأرض، ونتيجة ذلك تعلم عادات الشعوب الذي يعيش معها سواء الموجب منها أو السلبي، فنجد أو نقرأ باستمرار أخبارا طيبة أحيانا تفرحنا وأخرى سيئة تزعجنا.
ومؤخرا نُشرت تفاصيل لعصابات منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية كان فيها لأبناء شعبنا حصة الأسد، وكذلك في ضاحية فيرفيلد بسدني باستراليا، ونقرأ في الأمثال: مَن عاشر قوما أربعين يوما صار واحداً منهم، وهكذا في دولة مثل الولايات المتحدة حيث يمكنك شراء السلاح بأبسط الطرق ولا يحتاج ذلك إلى تعقيدات أدارية أو أمنية محددة، وحيث تنتشر العصابات فقد تعلم أبناء شعبنا منهم هذه الخصلة السيئة، فلم نعد نتكلم بأن شعبنا يتميز بالطيبة والاخلاص والأمانة بصورة عامة على الأقل لمن أصبحوا خارج موطنهم (العراق) حيث لا تنطبق هناك قوانين وعادات العراق ونظام العائلة ورب البيت الذي يسيطر على كل شيء وبقوة خصوصا على بيته.


وعن ذلك كتبنا يوما ما مفاده: أن شعبنا خرج من موطنه كي ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الارهاب ويلجأ إلى أرض أمينة، وقلنا لهؤلاء أنكم حصلتم على الأمان لكنكم في بعض الحالات خسرتم أولادكم، وهذا ليس فقط في أمريكا لأن ذلك يحصل أيضا في دول أخرى وأيضا من أبناء شعبنا حيث نجد الشباب يقلدون قشور المدنية في دول المهجر فتجدهم يضعون الأقراط في آذانهم وهناك من يلون شعره بألوان غير طبيعية كالأصفر والبنفسجي والأحمر أو الأخضر ...  وأيضا بسهولة تجد من يرسم على جسده رسوما (تاتو) وليس فقط في أماكن متفرقة من الجسم كاليدين أو البطن أو الظهر، حيث صادفت أحد شباب شعبنا حيث كان في رحلة بحرية للصيد ويبدو أن الشمس قد أحرقت ظهره وبطنه ويديه، فلم يعد قادرا على لبس الملابس عليها وجدته وقد غطت (التاتو) جميع أجزاء جسده من الظهر والبطن!!!!
هذا وغيره واقع في دول المهجر، وعندما نتناقش عن العادات والتقاليد يميل أبناء شعبنا في المهجر إلى أن يختلط أولادهم مع أقرانهم في تلك الدول ويندمجوا في البلاد الجديدة ولا يرون مشكلة لو انتهج أولادهم نهج أولاد تلك الدول حيث تحدُّ القوانين المحلية من سلطة الأب والأم وتعطي الحرية المطلقة والتي حدودها فقط هي عندما تبدأ التأثير سلبا على حرية الآخرين .


ونجد مما ينضح من أقلام كتابنا الأعزاء حيث أنهم يتناولون كل صغيرة وكبيرة خصوصا في الشأن القومي أي لشعبنا في موطنه، الذي يشبعوه بالكثير من الكتابات والجدالات والتي تكون في جانب منها باتجاه تهجم الواحد على الآخر ومحاولة النيل من هذا أو ذاك وأحيانا يتم نعت كاتب معين بألقاب وكلمات جارحة وصلت مؤخرا لاتهام البعض من الكتاب بالإرهاب أو الكفر!!! والكلميتن كبيرتين في المعنى والتي لا يمكن ألصاقهما بأي أحد هكذا جزافا دون دليل قاطع يثبت صحتها، ومن جهة الكفر فإن إيماننا المسيحي يعلمنا الكثير وليس سهلا أن نقول لأخينا الآخر أنه غير مؤمن، فنجد في الانجيل "واما انا فاقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم. ومن قال لاخيه رقا يكون مستوجب المجمع.ومن قال يا احمق يكون مستوجب نار جهنم."(منى 22:5)، ومنهم من يتهم كاتبا معينا بأنه ينتمي لإيمان غريب على إيمان شعبنا وعن هذا نقرأ في الانجيل: "واقول لكم ان كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات" (متى 11:8)، ويُكمل بأنكم تًطرحون خارجا حيث البكاء وصرير الأسنان، وهنا نستطيع التأكيد بأن المسيح كان يقصد (بأنتم) من كان بمعيته حيث ينعتهم بلقب بنو الملكوت؛ " واما بنو الملكوت فيطرحون الى الظلمة الخارجية.هناك يكون البكاء وصرير الاسنان. " (متى12:9)، وأيضا نجد مثل الوزنات الخمسة والاثنتين والواحدة وكل من حملها وتاجر بها حاسبه رب العمل حسب وزناته، وبكل تأكيد لو كان من كان نصيبه وزنة واحدة قد تاجر بها وربح واحدة لكان أيضا قد باركه.

ومؤكدا ليس فيما نكتبه التساهل في موضوع الإيمان بالمخلّص يسوع المسيح ورسالته، لكن لا يعني هذا من يحاول دراسة فكر الآخرين وإيجاد نقاط التي نلتقي معهم فيها وتسليط الأنوار على تلك النقاط وإنارة العقول لأتباع ذلك الفكر فإنه بذلك يكون يؤدي عملا إيجابيا في الرسالة التي أوكل مضمونها المسيح لأتباعه عندما قال لهم: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس." (متى 19:28)، وعمله هذا لا يعني أنه أصبح تابعا لفكر الغرباء أو جزءا من إيمانهم.
ولي في هذا تجربة شخصية استمرت لسنوات حيث شاركت في ندوات ومؤتمرات ولقاءات تلفزيونية وكذلك نقاشات جانبية كلها كانت تنصب باتجاه إيجاد أرضية مشتركة بيننا وبين المسلمين للتفاهم والعيش الآمن وفهم كل واحد الآخر أي إيجاد نقاط الالتقاء كي نتمكن من الحوار، واندفاعي باتجاه ذلك كان لأنني وجدت أبناء شعبي يتخوفون من النقاش بل يتهربون منه وهم يحملون كنزا ثمينا هو الكتاب المقدس، ولديهم فيه كلمة الحياة التي تستطيع أعطاء الجواب الشافي لكل سؤال محير، ونقرأ في الانجيل المقدس: "من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه انهار ماء حيّ." (يوحنا 38:7)، وهكذا فإن غيرة بيت الرب يجب أن تأكل كل المؤمنين بالرب ويعملوا كي تجري من بطونهم أنهار ماء حي يروي ضمأ كل العطشى أينما كانوا ومن أي لون أو فكر أو إيمان، لأن هذا هو من صلب الرسالة الموكلة إلينا من رب المجد (يسوع المسيح).
وسأروي نتفا هنا من تفاصيل محاولاتي لشرح هاديء مع أخوتي المسلمين في العراق لا من أجل أن أزعزع إيمانهم لأنه لم يكن هذا هدفي مطلقا بل من أجل إيجاد النقاط التي أشرت إليها سابقا كي يكون عيشنا في العراق واضحا وسلسا وآمنا؛ فمرة في صيف 2010 جمعتنا الفرصة مع مجموعة خيرة من أبناء شعبنا العراقي من محافظة النجف وكانت بحدود (50) شخصا ذكورا وأناث طلاب جامعات ومسؤولين من مختلف الثقافات والمستويات العلمية وبضمنهم رجال دين وأعضاء في مجلس المحافظة، وكانت قاعة دير الشيخ متي مكانا لذلك وكان سيادة مطران الرعية حاضرا مع عدد من الرهبان والآباء الكهنة مع عدد من العلمانيين المسيحيين، وكان محور محاضرتي حينها أيضاح موقع المسيحية حسب القرآن وما موجود من أحاديث وسنن لدى الطرفين وكذلك العهد الذي أخرجه نبي المسلمين تجاه أهل الذمة ومضمونه، ولمتعة الحديث وما تلاه من نقاش استمرت المحاضرة زهاء الثلاث ساعات ولم يشعر أي منا بالملل وقال بعضهم بأنهم لأول مرة يلتقون بمسيحي يتحدث هكذا من القرآن وبآياته ويشرحها ويبدي رأيه بوضوح في الشأن الديني هذا.

ووجدت مدى فرحهم عندما زرت محافظة النجف لعدد من المرات بعدها وكيف كان استقبالهم لي وكنت أقرأ سمات الفرح على وجوههم وكأنهم يستقبلون أخا لهم، وأيضا عندما ساهمت ببحث في المؤتمر الأول للتمهيد لعام اختيار النجف عاصمة للثقافة الاسلامية وكان بحثي فيه تحت عنوان: مفهوم السلام في المسيحية والاسلام، فقد اختارت اللجنة المنظمة هذا البحث كي يتم طرحه مباشرة بعد الجلسة الافتتاحية الرسمية حيث لقي اهتماما جيدا ممن كان حاضرا حينها وكان ذلك في كانون الثاني 2011. وأيضا كان من نتائج ذلك موقف مجلس محافظة النجف الرائع بعد حادثة كنيسة سيدة النجاة حيث رحب بقدوم المسيحيين للمحافظة والدراسة فيها والعمل بأمان ومحبة.
وعندما أتحدث عن هذا الموضوع لأنني امتلك تجربة غنية ومهمة فيه وأفرح كثيرا عندما أجد أحدا من أبناء شعبنا يسير في ذات النهج لأن بحثنا عن نقاط الالتقاء أمر في غاية الأهمية وترسيخ هذا في ذهن المقابل يبعد كثيرا شعبنا من المشاكل المحيطة به من كل جانب وخصوصا في بلدنا العراق، فمرة كنت حاضرا مؤتمرا للحوار في رئاسة الوقف السني أواخر عام 2010 وحينها كان الحضور ما يقارب (2000) شخصا امتلأت بهم القاعة الكبرى في رئاسة الوقف وكان جلهم من أئمة وخطباء الجوامع وأوضحت في كلمتي في ذلك المؤتمر جوانب مهمة من الصفات التي يذكرها القرآن حول النصارى كونهم أقرب مودة للذين آمنوا؛ " وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُمۡ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا۟ الَّذِينَ قَالُوَا۟ إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانًا وَأَنَّهُمۡ لاَ يَسۡتَكۡبِرُونَ" (المائدة 82)، والآية "فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلۡنَا إِلَيكَ فَاسأۡلِ الَّذِينَ يَقرَؤُونَ الكِتَابَ مِن قَبلِكَ .... "(يونس 94)، وصفات كثيرة لا يسمح المجال لذكرها، وفي نهاية الكلمة تساءلت فيها قائلاً: ألمثل من يحمل هذه الصفات تصح أن نطلق عليه لقب (كافر)؟ وعندما تركت المنصة نازلا صفق الجميع واستقبلت أسفل المنصة بالقبل والأحضان.

إن أرض الحوار موجودة وعلينا جعلها خصبة والمجمع الفاتيكاني الثاني يركز على ذلك، وسعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني عندما أُهدي له نسخة من القرآن في سوريا قبله باحترام، فما بالنا نحن نرشق هذا أو ذاك بالكفر، فإن كان رأس الكنيسة آنذاك نهج هذا النهج، فلماذا نحاول ان ننتهج نهجا مغايرا؟ فعلينا الإقرار بأن أعلاما مضادا موجود لدى الطرفين وهو الذي يقف حجر عثرة لمنع الحوار ويحاول دائما الوصول بالنتيجة إلى الصدام وهذا بكل تأكيد ليس منهج المسيح ويجب أن لا يكون منهج أتباعه.وللحديث صلة
عبدالله النوفلي

81
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (13)

تكلمنا في الحلقة السابقة عن الدستور وظلمه لشعبنا في العراق في جوانب عدة، وهذا الدستور أفرغه البرلمان من مضمونه؛ إذ هو شبه معطل، لأن مواد كثيرة منه كي يتم تفعيلها يجب تشريع قوانين تنظم العمل بها ويستطيع المواطن الاستفادة من تلك المواد، لكن كما نعلم فإن تجاذبات كثيرة وصراعات مختلفة تُشتت عمل البرلمان وتعطل دوره ليبقى شكليا، لذلك فإن مئات القوانين بقيت بجرارات الحفظ لأعضاء البرلمان رغم هذه السنوات الكثيرة التي مضت على أقراره فبقيت فائدته محدودة للأسف.

وهناك دوائر ووزارات دون قوانين تنظم أعمالها، وهذا أحد الأسباب التي جعل العراق يحتل مرتبة دُنيا بل في مؤخرة الدول الأكثر فسادا في العالم، لأن أية دولة لا ينظم عملها القانون وتطبق القوانين بصرامة يستشري فيها الفساد ويصبح عرضة للاجتهادات والتصرفات الفردية، كما ويصعب محاسبة أي مسؤول لعدم وجود مواد قانونية ملزمة التطبيق، وبلا شك أنها فرصة للبعض كي يستمر الوضع على ماهو عليه لحين استطاعتهم نهب أكبر قدر ممكن من ثروات العراق وضرب ضربتهم كما تقول العامية العراقية ... والنتيجة أن الشعب العراقي هو الخاسر وشعبنا المسيحي يبقى الخاسر الأكبر ضمن هكذا وضع؛ لأن الآخرين ينظرون إليه (أنه في الجيب) ولا يمكنه الحاق الأذى بالآخرين ، مسالم ، مطيع، يعمل بصمت ...

هذه نظرة عموم الشعب العراقي من غير المسيحيين للمسيحيين، وأحد أسباب استمرار الظلم علينا هو ترسيخ هذه النظرة في عقول الآخرين واقتناعنا نحن أيضا بأننا لا نستطيع فعل شيء سوى الهرب بعيدا، ولو كانت مبادئنا المسيحية هي التي وضعتنا في هذه الزاوية الضيقة، فما بال مسيحيي مصر رغم ما يعانونه من اضطهاد تزايد كثيرا مؤخرا، لكن لديهم كلمة جريئة في مقاومة ما يحدث ويعطون تضحيات من جراء مواقفهم ونراهم صامدين أمام ما يحدث أو على الأقل أن هجرتهم ليست كما هي عليه لأخوتهم من المسيحيين العراقيين.

إن المسيحيين في العراق يمارسون أعمالا ليس المسموح للآخرين القيام بها وهي عرضة للغلق في أية لحظة نتيجة المحرمات الدينية، وقبل 2003 بدأ بتطبيق الحملة الإيمانية وتقريبا منذ بدأ الحصار الدولي على العراق عام 1990 والتي كان من اول الضحايا فيها هم المسيحيون وحتى من كان منهم في السجون؛ فمن لم يكن مسلما لن يستفد من الحملة الإيمانية لأن المسلم الذي يحفظ القرآن في السجن كان يحصل على مكافأة تخفيض فترة محكوميته نتيجة حفظه للقرآن أما الآخرين من غير المسلمين فإنهم يبقون قابعين في السجن لحين انتهاء آخر يوم لهم من الحكم الصادر بحقهم، ناهيك عن الآخرين الأحرار حيث قطعت أرزاقهم وأغلقت محلاتهم كونها محلات بيع الخمور وهي محرمة شرعا، ورغم كل ذلك كانت الإحصائيات الدولية تشير بأن العراق هو من أكثر الدول في العالم استيرادا لهذه المواد، وروى أحد الذين اقتحموا القصور الرئاسية عن وجود آلاف الصناديق من المخزون فيها من مادة الويسكي الذي كان تحت تصرف عبدالله المؤمن قائد العراق آنذاك والذي قاد الحملة الإيمانية، أي أنهم كانوا يقولون ما لا يفعلون ويضعون القيود والأحمال على غيرهم وهم لا يحملون شيئا أو يعانون من أي من تلك القيود.

وكلنا يتابع كيف يزداد بيع المخدرات بأنواعها في المناطق التي يُمنع فيها بيع الخمور؛ فعند تطبيق الحملة الإيمانية وغلق تلك المحلات التي كانت تقدم المشروب للزبائن (البارات) أصبح الشرب لها على الأرصفة وأمام المارة وفي الحدائق العامة وكنا نرى باعة (المازة) ومنها اللبلبي والباقلاء منتشرين عند المخازن التي تبيع تلك المادة وكان الشارب يقتني قنينة واحدة ثم يباشر على الفور بشربها أمام المحل، وهكذا كانت الحملة الإيمانية آنذاك سببا في انتشار احتساء الخمور في الشوارع.

واليوم نجد انتشار المخدرات كنتيجة للتضييق الحاصل على تلك المحلات أيضا ويُمنع بموجبها بيع الخمور وبسهولة يمكن للمتابع او المراقب أن يحدد كيف ازداد عدد (المكبسلين) بالمخدرات في مناطق كثيرة من العراق، فكل هذا ناتج عن العمل العشوائي والقرارات غير المدروسة، وعندما سألني أحد المسؤولين عن رأيي بغلق محلات بيع الخمور، فكان جوابي له: نحن لا يهمنا غلق تلك المحلات لأننا ببساطة لسنا من يستهلك بصورة رئيسية تلك المادة لكن الذي نهتم له عندما تغلقون تلك المحلات لتلك الشريحة من المواطنين فعليكم أن توفروا لهم مصدرا آخر للرزق مكانه من جهة وبالأولى عليكم ان تمنعوا أتباعكم من شراء هذه المادة وعندها بصورة طبيعية سيصيب تجارة هذه المادة الكساد وتتقلص محلاتها تدريجيا ثم يضطر اصحابها إلى هجرها والبحث عن مصدر بديل لأن التاجر لا يمارس تجارة كاسدة والتي لا تدر عليه ربحا جيدا.

إنه أمر تربوي فلو خلقنا جوا تربويا وتعليميا إيجابيا لأجيالنا الصاعدة عندها لن نكون بحاجة لوضع قيود ظالمة، ويقول الحكماء (كل ممنوع متبوع) وبلادنا مشهورة كثيرا بوضع يافطات تبدأ بكلمة (ممنوع) أو (لا) وهكذا نجد في بلدنا الكثير الكثير من الذين يسيرون عكس الاتجاه ويعملون عكس ما يؤمرون به لذلك تكون نتائجنا دائما سلبية ونرى العالم يتقدم ونحن نتراجع لأننا دوما نتبع قشور المدنية ونترك الجوهر، ونتيجة لذلك حصلنا على مرتبة الحضيض بين الدول الفاسدة كوننا نمارس الحيلة ونتعامل بالرشوة ونتحايل على القوانين ونتهرب من الضرائب ونستخدم كل الوسائل غير المشروعة والمتاحة أمامنا كي نكسب أكثر ما يمكننا ونستولي على الأموال التي ليست من حقنا الحصول عليها.

ويوما قال لي رجلا مسنا من طائفة ليست من شعبنا المسيحي وكانت تبدو على ملامحه التقوى والوقار عندما سألني عن حالي وأوضاعي وكان يعرف بأنني مهندس ومتخرج منذ عام 1976، وكان هذا الحديث في بداية التسعينات من القرن الماضي وعندما شرحت له حالي الغير مستقر والذي كانت العسكرية تدعوني لخدمة الاحتياط بأستمرار ولا أستطيع الاعتماد على عملا مربحا لعدم استقرار الحالة بالإضافة لقلة الراتب الذي كانت وظيفتي تدره لي، فقال بالحرف الواحد: (أبني بوك) أي أسرق!!! فهالني جوابه وقلت له كيف تقول لي ذلك وأنت إنسان مؤمن ونحن لنا وصايا الله التي تقول أحداها (لا تسرق) وهي وصية قاطعة، وكذلك في إيمانكم السارق تقطع يده، قال لي: ابني، ما أنت عليه من هو السبب أو المسبب به ؟ أليست الحكومة؟ قلت له: بلى، فقال لي: بما انك موظف حكومي والحكومة هي السبب بما أنت عليه من حال، فسرقة الحكومة بهذه الحالة حلال!!!

هكذا إذا يوجد بين العراقيين من يُشرع لنفسه وينسى شرع الله والقوانين الوضعية، ووضع كهذا هو الذي قادنا إلى ما نحن عليه، وكلنا شاهد كما شاهد العالم أجمع كيف تم نهب وسلب الدولة بأكملها بعد أحداث 2003، وهنا انطبق علينا حلم فرعون الذي قصه على يوسف عن البقرات السمينات ومثلها الضعيفات وكيف أكلت الضعيفات السمينات ولم يظهر عليها شيء وكأنها لم تأكل شيئا، تماما انطبق ذلك على العراقيون حيث ابتلعوا الدولة بأكملها وبقي حالهم البؤس والشقاء ويعانون من القهر والقتل والتهجير.

ويوما قرأت في احدى الصحف العراقية بعد أحداث 2003 عن موقف حصل في أحد دور عبادة الكرادة ببغداد حيث أراد رجل الدين في ذلك الدار أن لا يصلي مع مؤمنين تلوثت أيديهم بالمال الحرام من المال الذي تم سرقته من الدولة وأقسم أمامهم أنه لن يصلي إن كان بمعيته من سرق ونهب الدولة وحينها كان بيت الصلاة يعج بالمئات من المصلين وكان عديدهم يصل حتى خارج دار العبادة، ونتيجة قوله خرج البعض، وعندما لم يخرج الكثير أعاد قسمه ثانية وثالثة وفي كل مرة كان يخرج البعض إلى أن بقي بحدود (25) مصليا فقط، وعندها طلب منهم القسم على كتاب الله بأنهم صادقين كي يبدأ الصلاة، ونتيجة هذا بقي معه فقط (9) صلوا معا ذلك اليوم.

هذا ما كتبته أحدى الصحف في بغداد في تلك السنة، فعلينا تصور حجم الكم الهائل من العراقيين الذين خانوا ضمائرهم وسرقوا ونهبوا وحللوا لأنفسهم ماهو حرام عليهم وكنا نحن المسيحيين نضيع ونُداس تحت الأقدام حتى أن من لم يرافق السُراق والحرامية في تلك الفوضى أصبح شاذا أو نشازا يعزف خارج الجوقة، وكأننا في زمن يزحف فيها قوم جوج وماجوج لتدمير وتبديد كل شيء وكانت النتائج ما نحن عليه اليوم فكيف يمكن تقويم كل هذا؟
وللحديث صلة
عبدالله النوفلي

82
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (12)
إن المسيحيين العراقيين عانوا الحرمان والاقصاء والتغييب في كافة فترات الحكم السابقة واستمر هذا الوضع حتى بعد التغيير الكبير الذي حدث عام 2003، فرغم كفاءتهم التي تكلمنا عن بعض جوانبها في الحلقات السابقة بحيث فرضوا أنفسهم على العراق إذ لا بديل عنهم، كما كانت حالة عمو بابا حيث أن المسؤولين عن كرة القدم كانوا يعودون للاستعانة به كلما أخفق مدرب ما في قيادة المنتخب العراقي كي يقوم هو بتصحيح مسار الفريق ويحصل على نتائج طيبة، وهكذا في حقول كثيرة، وهنا جدير بالذكر أن نذكر موقف البطريرك سعيد الذكر عمانوئيل الثاني ودوره المؤثر والمهم في ألحاق ولاية الموصل بالعراق نهائيا أبان عهد عصبة الأمم المتحدة في الثلث الاول من القرن العشرين، وكان شعبنا مشهور له بالأمانة والاخلاص لذلك كان المسؤولين يختارونهم كي يعملوا بمعيتهم أو لديهم لأن التاريخ لم يسجل حالات من الخيانة لديهم.

واليوم نتحدث عن الظلم الذي لحق بشعبنا بعد عام 2003، حيث تم استلاب حقوقه وطمسها رغم كل الحديث عن الديمقراطية وحقوق المواطنة وجبروت أمريكا التي تحدثت عن جعل العراق نموذجا للديمقراطية في المنطقة والتي من أجلها جيشت الجيوش وهاجمت العراق وحطمت كل بنيته التحتية وفتحت كافة أبوابه لكل من هبّ ودب بحيث أصبح دولة بلا قانون أو سلطة وباستطاعة من يشاء دخول أراضيه ومغادرتها دون أية ضوابط، لقد صحا العراقيون على فوضى عارمة وكأن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الامريكية كان تخبطا دون تخطيط مسبق رغم ما كنا نسمع من اجتماعات للمعارضة العراقية في الخارج!!! لكن يبدو ان هذه الاجتماعات لم تكن تناقش لمرحلة ما بعد السقوط، بل فقط أنهم كانوا يناقشون كيف سيقسمون السلطة بينهم ومن سيعتلي الكرسي هنا او هناك ومن يحتل هذا المبنى او ذاك بحيث وجدنا عند قدوم قوات الاحتلال دخل بمعيتها ممثلوا الأحزاب وكان لكل حزب هدف معين فقام باحتلاله كي يصبح مقرا أو مقرات له من أبنية الدولة السابقة ومنها أحد أحزاب شعبنا أيضا. وهكذا أصبحت هذه البنايات التي كانت ملكا عاما للدولة، مستخدمة من قبل أحزاب وتيارات وتنظيمات أو حركات التي أصبح عددها بالمئات بعد أن كان العراق يُحكم من قبل سلطة الحزب الواحد!!!.
وأبان السقوط وخلاله كنت حاضرا لما يسمى بعملية تحرير قرى شعبنا حيث كانت عملية صوَرية بحتة لأن بالأساس لم تكن هناك سلطة خلال حرب احتلال العراق في تلك القرى بحيث دخلت هذه القرى قوى حزبية تابعة لهذا أو ذاك وكلٌ يحاول أن يحجز موضع قدم له فيها، وصادف أن حضرت تجمعا كان أحد قادة تنظيمات شعبنا يتحدث به، وخلاله تم توزيع مطبوعات حزبه تلك التي كانت تُطبع في كردستان العراق، ويبدو لي من خلال حديثه أنه كان قد زار أحد المطارين المسؤولين عن تلك المنطقة التي كان على ما يبدو بعض سكان تلك القرية او القرى المجاورة قد اشتكوا عما يحدث من تصرفات لحزب ذاك المسؤول للمطران، فقال عندها بالحرف الواحد لولا العيب من المطران لتصرفت بعنف مع أولئك الأهالي، فضحكت بداخلي وقلت اين هذا من الديمقراطية المزعومة؟ إذ هو منذ البداية يتكلم عن القهر والبطش والعين الحمراء من جهة ومن جهة أخرى يتكلم عن أسقاط الطاغية وعن الحرية والديمقراطية المنتظرة!!!
حقا لقد ضحكت حينها كثيرا وأنا أراقب هذا المشهد في تلك الواقعة التي جرت أحداثها أوائل نيسان 2003 في أحدى قرى شعبنا وحينها أدركت أن القادم أسوأ، وإذا كان قبل نيسان 2003 في العراق صداما واحدا فإنه سيكون الكثير من امثاله بعد ذلك.
وحادثة أخرى حدثت في قرية أخرى حيث أن القوى التي زعمت أنها حررت القرية سكنت في مدرستها الابتدائية لفترة من الزمن، وعند مغادرتها لتلك القرية أكتشف أهالي القرية بأن تلك القوة انتزعت مراوح المدرسة وأخذتها معها كغنائم الأمر الذي ينطبق عليها المثل القائل (حاميها حراميها).


ولنعد إلى الظلم اللاحق الذي عانى منه شعبي ومازال، وأذكر هنا الدستور الذي تمت كتابته على عجالة على أمل أن يتم تعديل المواد التي بها مشاكل في فترة محددة لاحقا وهذه الفترة تم تمديدها وأصبحت تأخذ مطاطية لا يعرف نهايتها أحد، فهذا الدستور قد ظلم حقوق شعبنا بالكامل وسلبهم كل حقهم بالعيش بحرية لأنه أعطاهم الحقوق كمواطنين كما هي لكافة مواطني العراق عامة وسلبها منهم بيد أخرى لأنهم غير مسلمين؛ ففي ديباجة الدستور وعن عمد وسبق أصرار أو عن جهل مقيت لم يتم ذكر شعبنا وتضحياته حتى ولول بكلمة واحدة أو بأشارة غير مباشرة وكأن مذبحة سميل كانت لذبح أغراب عن العراق ... وكأن صورية وما تم من ذبح لأهاليها وكأنها ليست من قرى العراق وليس هذا فقط ولو أحصينا القرى التي دمرت أبان عمليات الأنفال والتي يعرفها أبناء شمال العراق كثيرا لوجدناها بأرقام كبيرة.

هذا نزر يسير من المعاناة التي عانى منها مسيحيوا العراق وتضحياتهم الجسام التي أغفلها كاتبوا الدستور عن عمد ورغم وجود ممثلين لشعبنا في لجنة صياغة الدستور والذي أنتقل بعض منهم إلى الأخدار السماوية ولا يمكننا سؤالهم عن مدى محاولتهم لفعل شيء وتم منعهم أو لم يستمع إلى ملاحظاتهم أحد أو لم يتم أعارتها أية أهمية فربما كانوا مجرد أرقام بلجنة ولذر الرماد في العيون وكي يتم أكتمال العدد وكي لا نقول لا يوجد من يمثل شعبنا في هذه اللجنة!!!
والأدهى من ذلك فإن الدستور في فقرة منه حرم غير المسلمين تماما من اتخاذ القرارات التي تخصهم أو سن قوانين خاصة بهم وتلك الفقرة تنصُّ: لا يجوز سن أو تشريع أي قانون يتعارض مع الثوابت الاسلامية المتفق عليها!!! هذه العبارة الفضفاضة التي أصبحت سلاحا لمحاربة غير المسلمين في مجمل أمورهم وحتى في تجارتهم لأن رد السلطات الحاكمة بأن هذا ضد الثوابت الاسلامية فيتم رفض المشروع أو ركنه جانبا أو تعطيله.


وأسوق هنا مسألة تجارة المشروبات الكحولية وأجازة هذه التجارة التي تنظمها دائرة السياحة في العراق وهي المسؤولة عن تنظيمها وتجديد أجازة ممارسة المهنة لها... فإن من بيده الصلاحية لتجديد الاجازات وتم وضعه في هذا المفصل يعتبر هذه المهنة حرام فلا يقوم بالموافقة على تجديد الاجازة، هذا من جانب ومن جانب آخر هناك سلطة أخرى تلاحق من لم يقم بتجديد أجازته وتغلق له تجارته وتدعي بأنها لا تلاحق من له أجازة وهو حر بممارسة تجارته!!! إنه حقا لأمر مضحك تماما وعلينا تصور الحالة بحيث أصبح من يمتهن هذه التجارة بين فكي كماشة وصيدا سهلا للارهابيين؛ منهم من يُفجر تلك المحلات ويقوم بنهبها كي يبيعها في الخفاء وبالسوق السوداء، ومنهم من يبتز أصحابها بفرض الأتاوات ... وبعد أن كان الأمر منظما أصبح عشوائيا، وأنا شاهدت وأشتريت البيرة المبردة من صاحب عربانة متجول وكان واقفا كما كان يفعل كل يوم أمام سينما بغداد في علاوي الحلة ببغداد وعلى مرأى الجميع، وكان ذلك البائع من الذين يستحرمون التعامل بهذه المادة، فماذا نستطيع القول أو كيف نحلل هذا الأمر، فمن جهة يحرمونه ويحاربون من يتاجر به رسميا وبموافقة السلطات، ومن جهة أخرى يمارسون التجارة بها وأمام منظر الجميع.وللحديث صلة

عبدالله النوفلي

83
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (11)
سؤال دائما يتكرر على أفواه أبناء شعبنا المسيحي أينما أقابلهم مفاده: هل هناك أمل؟ أم هل هناك مستقبل لنا في العراق؟ بكل تأكيد أنه تساؤل مشروع وملح وهذا دليل على أن شعبنا المسيحي مهتم لمصيره في وطنه الأم ومقتنع بأن الحياة لا يمكن لها الاستمرار بصورة طبيعية مع وجود اليأس. والحكيم سبق وأن قال: لا يأس مع الحياة، وتكرار مثل هذا التساؤل والإلحاح عليه يدل على أن اليأس بدأ يدخل إلى قلوب وعقول أبناء شعبنا، أقله للذين هم في المهاجر والبعيدين عن نبض الحياة في أرض ما بين النهرين الخالدة، لأن معايشة الحياة الحقيقية بحلوها ومرها حتى وإن كانت مغلفة بالمآسي تكون مفيدة أحيانا كي نبحث عن أمل بغدٍ أفضل، لأن من يعيش الحدث يعرف أبعاده ويعرف ما يحدث بصورة حقيقية وواضحة ولا يحتاج كي يبحث أو يستقصي عنه ومن ثم تكون النتائج التي يتوصل إليها وهو بعيد عن الوطن مبنية على استنتاجات ربما تكون بعيدة عن الحقيقة أو أقله لا يصل إلى الحقيقة كاملة.

لذلك نجد من هو في دول المهجر قلق دائما كما هو الحال عليه مع المسيحيين العراقيين كونهم حريصين على مستقبل المسيحية في العراق خاصة وهم بعيدين عنه، وهذا القلق يشير أيضا إلى انهم مازالوا في العراق روحيا ولم تنقطع جذورهم عنه والعراق يعني لهم الشيء الكثير؛ فهم يتابعون أخباره ويتفاعلون مع كل ما يحدث على أرضه، فالعراق هو جزء من حياتهم بل هو حياتهم كلها، وهنا يكمن الأمل الذي يجب أن نتحلى به جميعنا، فعراق الحضارة العريقة ... بلاد آشور وبابل وسومر وأكد، لن يموت أبدا حتى وإن مرض وعانى ونزف، لأن شعبه الذي بنى وسجل كل هذا الارث من التاريخ يريد الحياة، وشاعرنا العربي قال فيما قال:

إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بد أي يستجيب القدر

وشعبنا في العراق كان يريد الحياة وبقوة وقد ساهم على مرّ التاريخ ببناء حضارة هذا البلد وبصماته ما تزال واضحة ولن يستطع التاريخ أن يزيلها أو يمحي آثارها على أقل تقدير من ذاكرته حتى وإن بدا للبعض وكأن العراق بدأ يفقد الذاكرة، لكن أبرز مثل على ذلك ما أكتشف وتم أعلانه مؤخرا من آثار لكنيسة في مطار النجف وغيرها من الآثار التي تزخر بها منطقة الحيرة خصوصا، فذاكرة العراق لا يمكن لقوة في الأرض أن تمحيها فآثار النجف وكوخي ونينوى والأديرة المنتشرة في كل مكان ستبقى شاخصة رغما عن أنف كل هجمات الشر التي تضرب هنا وهناك، فما فعله المسيحيين العراقيين لم يكن قليلا.


والعراق سيبقى يتذكر أبنائه المسيحيين بأحرف من نور حتى وإن خلت أرض العراق من مسيحييه، وآخر من بقي على لسان جميع العراقيين ولحد اليوم وسيبقى إلى حين ليس بالقليل هو شيخ المدربين (عمو بابا) الذي كان عنوانا لكتابات كثيرة وحزن الجميع على فقدانه، وكما كان عمو كان الكثير غيره الذين وضعوا انفسهم رهن أشارة العراق وخدموه بتفاني وأمانة وأخلاص وصدق وإن أردنا تسطير أسماء الجميع فلا شك أننا سوف لن نلم بأجمعهم فكما كان الماضي مشعا هكذا كان الحاضر أيضا وكلنا أمل أن يستمر كذلك في المستقبل فهذه جامعة بغداد العريقة شاهدة على أول رئيس لها (الدكتور متي عقراوي) عند تأسيسها في أواسط القرن العشرين، وأيضا سجلات وزارة الصحة لابد أن تذكر أسم أول وزير في عهد الحكومة العراقية الحديثة (الدكتور حنا خياط) والذي شغل أيضا عمادة كلية الطب عند تأسيسها، وأيضا وزارة الاعلام كان أول وزير لها مسيحيا (روفائيل بطي) والأباء الدومنيكان بمطبعتهم في الموصل ومجلة (أكليل الورد) المجلة الرائدة لمجلات العراق الحديث كل هذه وغيرها من ومضات ساطعة في تاريخ العراق لا يمكن محوه أبدا.

أليست هذه النتف القليلة من التاريخ القريب تجعلنا نقول بقوة أن الحياة مازال فيها أمل!!! أليست هذه أجابات على تساؤلات الكثيرين التي يجب أن يقتنعوا مع الحكمة القائلة بأن لا يأس مع الحياة؟!! وما وصل إليه هؤلاء وما فعلوه لم يكن نتاج واقع مفروش بالورود أو نتيجة حياة مرفهة، بل كان هو عينه العراق الذي يعاني دائما من المشاكل ويتعرض اهله للنكبات الواحدة تلو الأخرى، وما سماعنا للأغاني العراقية القديمة حتى نعرف مدى القهر والظلم الذي عانى منه هذا الشعب بحيث جعل من كل تراثه الغنائي ميالا للبكاء والحزن.

فهنا حيث العراق اليوم والذي يتعشش الظلم والكراهية في الكثير من مفاصل الحياة فيه، أي ان الخطيئة موجودة هنا وبكثرة، وبهذا علينا الاستماع لكلام مار بولس القائل: "... ولكن حيث كثرت الخطيئة ازدادت النعمة جدا"(رومية 20:5) لكن مار بولس يتساءل: "فماذا نقول. انبقى في الخطية لكي تكثر النعمة"(رومية1:6) فنجده يجيب بنفسه بكلمة قاطعة (حاشا)، وهكذا يجب أن تكون أجابتنا عن واقع الشعب المسيحي في العراق، فرغم كل الغيوم السوداء التي تتلبد بها سماء المنطقة ككل وحالة فقدان الأمل الموجودة، لكن الحياة ستستمر والمتغيرات ستحدث والأحوال تتغير دائما وليست ثابتة، ومن الطبيعي أن يجيبك العراقي بعد كل ما يحدث ويقول: "الحمد لله" أو "إنشاء الله" وغيرها من العبارات التي يضع صاحبها كل شيء بيد الله كونه هو الراعي الصالح وهو الذي جبل جبلته وهو القادر أن يصونها ويحميها ويجعلها تستمر في الحياة ولا تباد أو تُفنى أبدا.فهذا هو حال الإنسان في العراق دائما، فعندما دخل العراق حربا استمرت ثماني سنوات ضنّ البعض أنها لن تنتهي أبداً لكن فقد أتى اليوم الذي انتهت فيه الثمان سنوات العجاف ورقص العراقيون أياما كثيرة بلياليها والحكماء يقولون بأن لكل بداية نهاية ولا يدوم سوى وجه الله العلي القدير، إذا هناك دائما حدا للمآسي لأن الله لم يخلقنا كي نباد أو نفنى، فإن كنا مؤمنين يجب أن نكون متيقنين بأن الله خلق كل شيء وكان هذا الكل حسنا وجميلا كما يورد الكتاب المقدس، والحياة علمتنا أن الشيء العظيم يولد ولادة عسيرة لكي يكون الفرح به كبيرا، نعم فلابد أن تاتي المشاكل لكن الويل لمن يكون سببا لهذه المشاكل (لو1:17)، وكمسيحيين مؤمنين علينا العودة دائما إلى كتابنا المقدس الذي هو دستور الحياة وكلمته ويذكر لنا بأن مسيحنا وجه كلامه لنا وقال بأننا سنكون مبغوضين "وتكونون مبغضين من الجميع من اجل اسمي.ولكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص."(متى 22:10)، كل ذلك من أجل اسمه المبارك لكنه يقول من يصبر إلى المنتهى فإنه يخلص وهذا سيرافقه الظلم، والجوع والتقديم إلى المحاكم  و و و ... ولم يعطِنا أملا بحياة مترفة ومليئة بالأفراح والمسرات، وهذا هو تماما الأمر الذي يحدث اليوم والذي لا يختلف كثيرا عما حدث البارحة عندما كان الرسل مع معلمهم في قارب وسط بحيرة وضنّ وقتها الرسل أنهم غارقون لا محالة كما نضن نحن اليوم بأن الأمل أصبح مفقودا وإن المسيحية في العراق في طريقها للانقراض لا محالة!!!.

إننا اليوم بحاجة لحبة خردلٍ كي نتقوى، وهذه الحبة موجودة أصلا وما علينا سوى أزالة الغبار المتراكم عليها كوننا متكلين على ذواتنا وقوتنا الخاصة ونسينا أن لنا ربا كبيرا هو المسيح الله يقف معنا دائما ويتفقدنا وإن كانت الأمواج متلاطمة اليوم والجو ملبد بالغيوم فإنه حتما سينتهي كل ذلك كي يعود الهدوء وتعود عجلة الحياة تدور بصورة طبيعية.

إن ما يعيشه مسيحيوا العراق اليوم هو الحالة الشاذة رغم تشتت معظمهم في دول العالم المختلفة، لكن من يدري فربما لله الحكمة في كل هذا، وربما يريد أن نحمل رسالة الإيمان إلى أقاصي الأرض وكما كان منذ القديم؛ الشرق منبعا للأنبياء وللرسالات السماوية فربما اليوم أبناء هذا الشرق (السورايى) سيحملون رسالة السماء إلى العالم أجمع، إنه أمل علينا أن نتشبث به كي تبقى الحياة ممتعة وذات طعم.
وللحديث صلة

عبدالله النوفلي

84
المسيحيون العراقيون (10)
قد يعتقد القاريء بأنني أو غيري من الذين يكتبون عن شعبنا المسيحي، كوننا نبحث عن المشاكل التي يعاني منها هذا الشعب ونستغل آلامه ونبحث عن إثارة عواطف المواطن أو القراء كي يصبح الموضوع الذي نكتب حوله مشوقا، وقد يلجأ الكاتب أيا كان إلى بعض الاضافات المشوقة حسب وجهة نظره، وأحيانا أخرى يلجأ الكاتب إلى النقد المباشر والموجه لجهة أو أسم معين سواء حزب أو تنظيم أو منظمة أو اتحاد أو مشابه ذلك، فأساليب وفنون الكتابة كثيرة، ولكن من يتابع ما أكتبه سيجد أنني لست ممن يحاول خداع القاريء أو أكتب عما لا ناقة لي به أو أنني لا أحاول المساس بأي من أبناء شعبنا سواء كان حزبا او أفراد أو رجالات دين، وجلّ ما أفعله هو الإشارة لما أريد أن أوصله للقاريء وعليه الاستنتاج، لأن غايتي هي البناء وليس الهدم وما فات شخصا او حزبا معينا اليوم ممكن أن يعود ويتم أصلاحه غدا ونستفاد كلنا كشعب من خبرات من كان اليوم منا مثار انتقاد وتجريح و ...
فما نجده في الكتابة التي ألجأ إليها كي أقدم ما أراه للقاريء هو تحليلا هادئا ومحاولا كسب كل ألوان شعبي من الكلدان والآثوريين والسريان والأرمن، وكشماس في الكنيسة أحاول البحث فيما قاله آباء الكنيسة وتراثها الديني كي أستند إليه في بعض كتاباتي وحول هذه النقطة نجد مار بولس يقول: " فاني اذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين.  فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود. وللذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس.  وللذين بلا ناموس كاني بلا ناموس.مع اني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح.لاربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لاربح


الضعفاء .صرت للكل كل شيء لاخلص على كل حال قوما." (1 قور 20:9-22).
وبهذا لا أحاول الاصطناع كي أكسب رضا هذا أو ذاك لأنني أولا وأخيرا جزء من هذا الشعب ويشهد عليّ أبي وجدي وهكذا وبذلك أزداد فخرا لأن ما أنا عليه هو نتاج فعل أبائي وأجدادي وما ورثته من شعبي من عادات وتقاليد، كما أنني ابن منطقة الموصل وسهلها الخصب وعلى تماس معها إلى اليوم ونتيجة ذلك فقد عايشت العديد من الأحداث التي عانى منها شعبي وأهلي المقربين، ونتيجة ذلك عندما أكتب اتناول أحداثا حدثت بالفعل محاولا أستقراء ما حدث كي نستطيع تلمس طريق المستقبل الأفضل لي ولشعبي. وكلي أمل أننا سنتجاوز الإخفاقات ونعمل على إيجاد الحلول الملائمة كي نرتقي بشعبنا إلى أفضل مرتبات الشرف بين الأمم الأخرى ويكون للسورايي مكانا محترما تحت الشمس ونعيش كغيرنا من الشعوب بصورة طبيعية وبكرامة.
فقد عاش أهلي أوقاتا صعبة في هذا السهل الخصب من نينوى وكانت أمواله عرضة للسرقة والنهب  ايام الفقر والجوع الذي كان عليه حال كل العراقيين خاصة مع بداية القرن العشرين والحربين العالميتين ومعانتهم مع سياسات العثمانيين التي عملت على تجنيد الشباب من المنطقة كمقاتلين لإدامة عجلة الحرب، وممن كان شاهدا على هذا الظلم هو جدي رحمه الله الذي روى لي بعضا من فصول تلك الأيام السوداء عندما تم أسره من قبل جندرمة العثمانيين وتم وضعه في قفص الاسر الذي كان نقطة تجمع المقاتلين قبل أرسالهم للحرب وكان في بلدة تلكيف الحالية آنذاك، وتحدث رحمه الله عن فضاضة تعاملهم مع أسراهم الأمر الذي جعلني متيقنا مما حدث لشعبنا المسيحي بعد ذلك في مذابح يندى لها الجبين في تركيا الحالية.


وحينها كان الخبز الذي يتناوله أهلنا وأهل المنطقة عموما هو خبز الشعير !!! وكانت الجيوب خاوية حالها حال بطون الناس آنذاك لأن الزراعة التي كانوا يعتمدون عليها لم تكن تدر لهم شيء يذكر، ورغم كل هذا فإن الروح التي كان يحملها جدي دفعته كي لا يستسلم لآسريه حيث لم يترك لحظة تضيع بل فكر بجدية بخطة يستطيع من خلالها فك أسره وكان له ذلك في ليلة ظلماء حيث نفذ خطته وفلح في تنفيذها وقضى ذلك الليل طريد آسريه الذين يأسوا أخيرا وساعده في ذلك الظلام الذي كان ستارا له كي يتوارى عن الأنظار حتى أنه روى لي أنه في أحدى اللحظات كان الجندرمة واقفين فوق رأسه وهو في حفرة أسفلهم يحبس الأنفاس ولم ينتبهوا له، وبعد عودتهم خائبين تلمس طريق عودته إلى قريته الذي لم ينفعه سوى خيوط الفجر الأولى التي عرف بواسطته أين هو وصحح مساره كي يصل قريته وهو يحسّ حينها أنه انتصر على الظلم وأعاد الأمل لعائلته التي كانت ستعاني كثيرا لغيابه خاصة وهو كان معيلها الوحيد.
إنها واحدة من الحكايات القصيرة التي لا يسمح المجال لكتابة تفاصيل أحداثها لأنها لم تنته هكذا بل كانت هناك متابعات وأختفاء كلعبة القط والفار وكان المهم في الأمر أن نجح أخيرا وفشلت كل الجهود الرامية لإيجاده وأعادته للأسر.



ذكرت هذا كي أبرهن لشعبي وللقاريء أننا كشعب نستطيع فعل أشياء كثيرة وليس فقط الهرب ونحو المجهول أحيانا لأن المواجهة قد تكون أحيانا أكثر ذي فائدة وهذه لا تعني بالضرورة القتال بل أن نحكم عقلنا كي لا تكون الخسائر كبيرة ونربح أنفسنا ومالنا وشعبنا، ووضعنا اليوم لا يختلف كثيرا عما تحدثنا عن نتف منه الذي حصل مع البدايات الأولى للقرن العشرين رغم ان العالم يسير بسرعة البرق نحو التقدم ولدينا في حساب السنين قرنا كاملا حتى أن السيارة يومها لم يكن استخدامها شائعا بعد واليوم يستخدم العالم الصواريخ في النقل الفضائي، والتكنولوجيا جعلت من العالم قرية صغيرة، لكن شعبنا بقي رهن جلاديه منتظرا ساعة رفع الجلاد لسوطه ضدهم كي يمارس التعذيب، أي أن شعبنا دائما يتلقى الضربات دون ان يكون هو المبادر على الأقل كي يخطط لتفادي هذه الضربات على أضعف الإيمان، فالوضع اللحالي يطلب منا ان نقوم بضربات أستباقية كي نوقف الشر وزحفه نحونا، أسوق هذا لأن بعد أحداث زاخو ودهوك اوائل كانون الاول 2011 حيث شهدت زحف الأشرار نحو قرى وبلدات كي يضربوا مصالح للمسيحيين والأيزيديين فيها و (شيوز) القرية الآمنة مثال على ذلك ومعها سميل وغيرها، فلو كان لنا رصد جيد للأشرار لاستطعنا أيقافهم قبل دخول القرى والبلدات وجعلنا أبناء هذه القرى في مأمن خصوصا الأطفال والنساء والشيوخ، لأن درع حماية أهلنا يجب أن يتقدم كي تبقى البلدات آمنة داخليا فكما شاهدنا إن المعركة ستقع ولا محالة.
إذا أبسط شيء يفتقر له شعبنا هو التنظيم والادارة لأنهما غائبتان عن عمله وحياته اليومية حيث غالبما ما يتم ألهائهم بأمور قد تبدو كبيرة لكنها تافهة ولا تساوي شيئا وربما لها دلالات للمهتمين بها أكثر مما تهم الشعب المسيحي سورايى العراق وهذا بالفعل ما حدث في الأيام الأخيرة والزوبعة التي حاك لها من أراد أن تصبح هكذا في الظلام وبعيدا عن الأنظار ورتبها لغاية في نفسه لا نعرفها، لأن ديوان الوقف هو دائرة حكومية وتقدم الدعم والاستاد للوقف؛ سواء المسيحي أو الايزيدي أو الصابئي وليس من أهدافه عمل أي شيء تجاه المهجرين أو الذين يعانون ظلما ما، لوجود وزارات أخرى في الحكومة العراقية تهتم بهذا، ودائرة الوقف ممكن أن تصرف المليارات على الأبنية لكنها لا تستطيع صرف فلسا واحدا في باب للصرف غير موجود في ميزانيته.
ورئاسة الوقف تعمل وفق القوانين الحكومية ومسألة تمثيلها لهذه القومية أو تلك هي استحقاق وطني حسب المخطط الذي يسير عليه العراق ككل، وأنا شخصيا الذي قمت بتأسيس هذا الديوان منذ تأسيسه في 3 تشرين الثاني 2003 مع أخوة أعزاء قليلون حينها، عملنا كي يكون عمل الديوان مهنيا غير سياسيا وأن يكون الديوان على مسافة واحدة من الجميع وليس الكنائس المسيحية فقط بل معنا الإيزيديين والصابئة المندائيين وعندما كانت تحدث مناسبة لأي طائفة أو دين كنا نسخر كل أمكانات الديوان كي نستطيع تقديم الدعم اللائق لتلك الكنيسة او الديانة، وسبق أن أبلغت لجنة الأوقاف في البرلمان بأن رئيس الوقف يجب أن تختاره المرجعيات ولا دخل للسياسيين فيه وضربت لهم مثلا عن الوقف الشيعي وقلت له حينها هل تستطيعون رفض من ترشحه المرجعية لهذا المنصب؟
وتقرير من سيكون الرئيس كان قد تم منذ طلبي الاحالة على التقاعد وكانت في كتاب رؤساء الطوائف ثلاثة أسماء وهي نفسها إلى اليوم وحينها كان طلب رؤساء الطوائف أن يتم البحث بها حسب تسلسل ورودها لكن على الحكومة عندما ترفض أحدهم أن تقدم الأسباب حتى لا تحدث مشكلة ويضن المرجع الديني بأنه تم تهميشه أو عدم الرجوع لرأيه في هذا المجال، وللمعلومات أيضا فإن الوقف لا يوزع الأموال على الكنائس بل يقوم بأعمال البناء والترميم والتجهيز لما تحتاجه هذه الكنائس وكل ذلك موثق في سجلات ويتم جردها سنويا، وتشرف على هذه الأعمال لجان الرقابة المالية واللجنة الخاصة بالوقف موجودة فيه طوال السنة تراقب وترى ما يتم فعله، وصحيح أن السياسيين يحاولون أيضا كي يتم تويع المناصب لمن يرونهم ملائمين من وجهة نظرهم أكثر من غيرهم تماما كما هو صحيح لرجال الدين والمفروض أن تقدم الدولة الايضاح كي تهدأ النفوس وتكون أموالها تصرف بصورة نزيهة ولما هو مخصص له.

والكل عندما ينفعل فذلك عملا بما قيل في الكتاب (غيرة بيتك أكلتني) لأن النتيجة لا أحد يضع شيئا في جيبه ولكي يدخل المؤمن إلى الكنيسة ويجدها بأبهى حلة ويسكن الإيزيدي دار الضيافة الذي أنشأه الديوان في منطقة الشيخ عادي وهو يفتخر ببناء حديث وفخم ويسكن يوما أو يومين ليجد مسكنا لائقا ومطعما فاخرا وأرضا خضراء يلعب على أديمها أولاده، كذلك كي يفرح الصابئي وهو يمارس طقوسه الدينية في أرض التعميد في منطقة القادسية ببغداد وهي قد ارتدت حلة جديدة لم يألفها أبدا من ترك العراق منذ سنوات، كل هذه الأمور وغيرها وعلى عموم رقعة العراق فللديوان مشاريع كثيرة من الشمال إلى الجنوب ولكافة الأديان الرسمية غير المسلمة علينا جميعا ان نقف معها لأنها بالنتيجة لخير الشعب المؤمن وأتباع الديانات: المسيحية .. الأيزيدية .. الصابئة المندائية.

ولحلقاتنا تتمة

عبدالله النوفلي

85
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (9)

يبدو أن العنف تجاه مسيحيي العراق لن يتوقف أو ربما تخف حدته في المستقبل المنظور، فقد شاهدنا كما شاهد العالم أجمع ما حصل في أقليم كردستان ومحافظة دهوك على وجه التحديد وبلدة زاخو العزيزة التي كانت إلى الماضي القريب ذات كثافة مهمة من المسيحيين، لقد عاث بها الغوغاء فسادا في شهر لدى أخوتنا المسلمين محرم به القتال ولم نجد فيه أثرا للشرطة أو قوات حفظ النظام تتدخل أو تحاول أن تمنع او تفعل شيئا، إنه حقا لأمر غريب أن يحدث هذا في ظل سلطة كانت إلى هذا الحادث تنبدو نزيهة وتعمل جاهدة كي يعم الأمن والسلام والاستقرار في ربوع كردستان العزيزة التي هي عزيزة على قلوبنا ونحزن كثيرا لما حدث بنفس حزننا تماما على ما عانى منه المواطنون هناك ونسبة مهمة منهم كانو من الأخوة الايزيديين وفيهم أيضا من شعبنا الذين يعملون جاهدين كي يكسبو عيشهم بتعبهم وبالطرق والوسائل الشريفة دون المساس بحقوق الآخرين.

فأين بعد كردستان سيلجأ المسيحيون بعد هذا الانفلات الغير مسبوق؟ إن الأصولية المتنامية ليس في وسط وجنوب العراق وحدهما يبدو اليوم أنها تزحف وبانتظام نحو الشمال، والنار التي أكلت الأخضر مع اليابس ستأتي لا سامح الله على الأجزاء الأخرى من العراق الأمر الذي نصلي كي لا يحدث مطلقا ونطالب كي تبقى كردستان آمنة ونعمل ونكتب كي يقتدي بها كافة أجزاء العراق كي نصل يوما ويكون كامل بلدنا آمنا ومحميا من قوى الشر، لأ أن تمتد يد الأشرار كي تفتح لها آفاقا جديدة متذرعين بضعف السلطات بعد الانسحاب الأمريكي من العراق ومتوهمين أن الساحة ستكون خالية كي ينفذوا مخططاتهم الدنيئة كي يكونوا أحرار بأن يفعلوا ما يشاؤون دون رادع، لكننا وحسب خبرتنا فإن حكومة الإقليم لا تنطلي عليها هذه الخطط وستضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المواطن ومدن كردستان وممتلكات الأشخاص فيها.
وهكذا نجد عزيزي القاريء أننا ونحن نسلط الضوء على الأحداث وبالتحديد الأحداث التي عانى منها شعبنا فنجد أن المزيد يحدث كل يوم والضحايا مازالت غير قليلة والدم الزكي يهرق ويهان والضمير العالمي شيطان أخرس لا يفعل شيئا، أليس هذا دليلا أن شياطين السياسة العالمية لهم يد فيما يحصل ليس في تونس او مصر أو ليبيا وغيرها من دول المنطقة كونهم يرتبون المنطقة لأمر خطير لكن يبدو أنهم لم يتركوا بقعة في هذا الشرق الأوسط إلا وسيجعلونه يتأوه بقوة حتى لو كان من فيها من دول أو أقاليم تعتبر حليفة للدول المخططة لما يحدث أو ما سيحدث لأن كما يبدو فإن القادم أخطر، نطلب من الله أن يحفظ شعبه ويلهم قادة العالم الحكمة كي لا يجعلوا من دماء الشعوب تسيل أنهارا من أجل أن يتم تحقيق مصالحهم، ونطالبهم كي يأخذوا حقوق ومصالح هذه الشعوب المغلوبة على أمرها بالحسبان.
إن شعبنا المسيحي وبعد ما كتبناه بتحليل هاديء ودون تشنج أو ذكر اسم أحد بصورة مباشرة نجد وللأسف من يحاول أن يُحرف هذه المقالات ويجعلها تُفهم كونها تهاجم هذا القسم من الشعب أو هذه الكنيسة، الأمر الذي ليس هدفا لكتابة هذه المقالات وليس هو أسلوب لكتابة الكاتب الذي يعتبر كل مسيحي في العراق هو أخا له وهو من عائلته وأهله، ويحرص على سلامته وينبه للمخاطر التي ربما ستلحق به في القادم من الأيام، لأننا يجب أن لا تلدغنا الأفعى مرات ومرات وان ننتبه لما حدث أو ما سيحدث، فيبدو أن هناك من هو محسوب على شعبنا لا يريد مثل هذا الاسلوب في الكتابة ولا تعجبه النقاشات الهادئة والتي تطلب بالجلوس المباشر والابتعاد عن المهاترات وألغاء الآخر، فحتى الديمقراطيات الغربية لا تلغي أحدا مهما قل حجمه وهو يستطيع أن يحتفظ برأيه ويتكلم علانية عنه وينصتون إليه بأهتمام في البرلمانات الغربية، لكننا يبدو للوهلة الأولى أننا نحاول أن نمسك بالهراوة لردع كل من يحاول وضع النقاط على الحروف.
فالذي كتبته لحد الآن هو أن نُخرج جميعا القذى الموجود في عيوننا وأن نعرف سبب تدهور أمورنا كي نتمكن من تشخيص الدواء، لكن وللأسف نجد من يسبح عكس التيار، ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح ويبقى ما أكتبه اليوم رأيا شخصيا وتحليلا يتم من قبل الكاتب ليس ملزم به أحد ولمن يراه جيدا ومفيدا أن يتشجع ويلتقط الأفق الأكثر أشراقا ولمن يراه لا يسير وفق ذلك أن يكتب رؤيته هو أيضا وبالحوار الهاديء نسير نحو الأمام، أما أن أضع العصي في العجلات كي أوقفها عنوة فهذا ليس بالأسلوب الذي نتمناه لأي من أبناء شعبنا ولا للكتابة فيه خصوصا، وإن صفحات الجرائد والمواقع الأليكترونية مليئة بالأفكار وعلى العطشان ان يبحث عن مصدر نقي كي يروي بما فيه ضمأه، وعلينا أخوتي القراء أن نكشف كل قلم يعمل بجر شعبنا إلى المهاترات والكلام الذي لا يليق هنا وهناك أيا كان؛ كلدانيا أو آثوريا أو سريانيا، فاليوم نحن بحاجة للبناء فقد تم تدمير الكثير ولقد نزف شعبنا من وجوده التاريخي في العراق نسبة كبيرة من وجوده، ولا يحتمل هذا الشعب المزيد من النزف، وإلا يجب أن نعد تنازليا للموجودين منهم على أرض ما بين النهرين الخالدة لنصل يوما لا سامح الله ونجدها خالية من شعب كان من أهلها وسكانها الأصليين، وغالبية ما موجود من متاحف وقاعات العرض للمتاحف المهمة في العالم نجدها ملأى بما نضحت منه حضاراتهم المتوارثة منذ آلاف السنين.
يجب أن نفرح عندما نجد ضوءا عند الآثوري بنفس المقدار بفرحنا بتقدم مهم لدى الكلداني فبالنتيجة هي مهمة وتدفع أبناء شعبنا للأمام، وما تقوم به كنيسة المشرق في سدني عبر مدرستي مار نرسي والربان هرمزد هو عمل يجب أن نفتخر به ونؤيده ونعمل كي ينجح ويستمر فنحن بحاجة لمثل هكذا نشاطات كي تحتضن أبناءنا وتعلمهم ليس العلم فقط ومناهج الدروس وإنما اللغة الأم ومبادئ الايمان ومختلف فنون الحياة الأفضل.

إن مثل هذه الأعمال هي التي تقوي جذورنا وأسسنا لغد فيه أمل أفضل، فلنصلِ لربنا كي يأخذ بيد الخيرين أينما كانوا  فليس بالسياسة وحدها تتقدم الحياة، بل بكل عمل مخلص يقوم به أي من أفراد شعبنا مهما كان حجمه صغيرا، فإن ربنا أراد بمثل الإنجيل أن نتاجر بالوزنة التي نحملها وبمحصلة عمل كل منا سنتقدم حتما وسنكون عونا بعضنا لبعض وإن كانت الكنيسة تقوم بدور ما فأين دورنا نحن العلمانيين والأحزاب والقوى والتنظيمات، هل مقراتنا هي للكشخة والنفخة وللمزايدات أم أنها مقرات للبحث والتحليل واكتشاف الخلل أينما يكون والعمل المضني لإيجاد الحلول.
إننا بحاجة ماسة لمثل هؤلاء وما ملتقى سدني الثقافي إلا بودقة صغيرة بالعدد الذي يجتمع فيه ويناقش من خلال حضوره مختلف القضايا التي يراها من يطرحها انها مفيدة لغيره، ويتكلم الجميع بلا قيود ولا تلاحظ على الكلداني تذمره من الآثوري عندما يتكلم ويبدي رأيه وذات الشيء نلاحظه بجلاء لدى الآثوري فهذا الملتقى هو بقعة ضوء صغيرة في عالم اليوم الذي تزداد ظلمته ظلاما أكثر ويبدو ملتقى سدني الثقافي الشمعة الصغيرة التي نأمل انها تنير ظلاما كثيرا.

وللحديث صلة

عبدالله النوفلي


86
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق ( 8 )  ...  
تحدثنا في الحلقة الماضية عن واقع مسيحيي العراق وكنائسهم وما يُرتب في الخفاء للمنطقة ككل، وفي ديننا نعرف أن أصل كل الشرور هي الخطيئة وإن الشهوة يقول مار يعقوب الرسول برسالته (15:1) إن حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتا، وقديما كان شعب اسرائيل كلما حدثت له هزائم مع أعدائه يعزو ذلك لتفشي الخطيئة فكان يتوب كي يعفو الله عنه، وهكذا عمل أجدادنا في نينوى عندما تابوا لله ولبسوا المسوح وتمرغوا في التراب فعفا الله عنهم.


فعندما نعمل الخطيئة نكون عبيدا لها (يو 8 :34 )، ولذلك وبعد أن خلق الله الانسان في اليوم السادس وخطأ أبوينا الأولين وطردهما من الفردوس ومن ثم محبة الله التي أرسل ابنه الوحيد كي يصحح المسار وولدنا من جديد وجب علينا عدم العودة للخطيئة من بعد،  كي نعطي معنى لما قام به رب المجد على الصليب، والخطيئة التي نتكلم بها وعنها في حلقتنا هذه ليس بالضرورة أن تكون كسرا للناموس، فعدم الوقوف مع الحق هو خطيئة أيضا والسكوت عن الشر وصفه الحكماء بأن من يقوم به هو شيطان أخرس، فعدم الوقوف مع الحق ومسايرة الباطل هو بلا شك شكلا من أشكال الخطيئة، ولأن حلقتنا هذه كغيرها ليست دينية بحتة بل أكتبها مستلهما تراثنا الديني مما جعلني أستلهم بعض الأمور العقائدية كي أوضح الصورة لقارئي العزيز.
فلنتسائل نحن بشأن ذلك: هل نحتاج اليوم يونانا آخر كي ينذرنا أننا نسير بالطريق الأعوج سياسيا خاصة لأننا متقاطعين ونخدم الغرباء أكثر مما نخدم شعبنا المسيحي، وفي شأن الكنيسة وجدنا أن هذا الشعب تخدمه أربعة عشر كنيسة وهذا الرقم مرشح للزيادة ونجد كل سنة الكنيسة الكاثوليكية قد خصصت أسبوعا للصلاة من أجل الوحدة وكان يُحتفل به في العراق بحضور عدد من مسؤولي كنائس المسيح، فيه يصلون لساعة ويذهب كل إلى حال سبيله متمسكا بما هو عليه دون أن تنفعه الصلاة المشتركة، وهنا لا أقلل من شأن الصلاة مطلقا، لأنها هي وصية يسوع المسيح لنا لكن أن تتحول هذه الصلاة إلى خطيئة فهذا أمر يجب الوقوف عنده بجدية لأن الكتاب يقول هذا الشعب يقدسني بشفاهه أما قلبه فهو بعيد عني (مت 8:15).

كما نرتل معا في سابوع تقديس الكنيسة كل سنة بأن الكنيسة تريد أن تبنى على الصخر كي تبقى ثابتة ولا تريد أن تبنى على الشمس او القمر أو النجوم أو الجبال، لأن كل هذه فانية لا تنفع شيئا، لكن في المقابل نجد أن الشرير يعمل ويزرع الزوان في حقل الرب وكنائس المسيح تعاني ليس فقط من الارهاب والأشرار، بل من عزوف أبنائها من المشاركة في فعالياتها ونشاطاتها ولو لمدة ساعة في الاسبوع وعن هذا الموضوع كتبت ومازلت أكتب سلسلة مواضيع تحت عنوان (نحن والكنيسة) نشرت منها اثنتي عشرة حلقة لغاية كتابة هذه الحلقة وممكن للمتابع قراءتها على الرابط التالي من الشبكة العنكبوتية    
http://abdullahnaufali.ahlamontada.com/f57-montada


والكنيسة ليست الحجارة التي بني منها البيت الذي نقول عنه كنيسة بل هي شعب الله، وهي العائلة وهي المجتمع المؤمن بذات العقيدة التي بشر بها المسيح وقدم ذاته تضحية على عود الصليب عن أحبائه، لذلك فمن المؤلم حقا عندما ننظر إلى أرض الواقع ونجد كنائس من كل لون وشكل؛ ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد ما يقارب النصف مليون كنيسة وهنا لا أقصد المبنى بل كما هو حال الكنائس في العراق (14) كنيسة، ودائما نردد أن المسيح صلى من أجل تلاميذه أن يكونوا واحدا، وبلا أدنى شك أنه كان يعرف ماسيحدث وأي انقسام ستنقسم الكنيسة من بعده، وهكذا نراه يقول لأتباعه بأنهم سيضطهدونكم ويقدمونكم للمحاكم أي أنهم سيواجهون المصاعب كما هو الحال اليوم ويقول الحكيم (أن المؤمن مبتلى) وأشك أن نكون نعطي للإيمان اليوم معناه الذي كان يقول عنه المسيح للذي يشفيه من مرضه (إيمانك قد خلصك...)، وواقعنا يقول اليوم أن القتل متفشٍ والخراب في كل مكان والإنسان يبتعد رويدا رويدا عن خالقه ويسير على منهج يرسمه هو لنفسه، فهم يعملون حسب أرادة سيد هذا العالم.
فكيف نبحث عن خلاص إن كنا نحن نسير وفق هذا النهج المنحرف، ولو كنا أصحاء فلا نحتاج إلى دواء أو إلى زيارة طبيب، والمسؤولية الكبيرة في واقع كنيسة العراق تقع على رجالات الدين والعلمانيين معهم دون شك وهنا علينا التأكيد بأن هذا الحال ليس في العراق فقط فهو شأن الكنيسة في العالم أجمع فربما الكنيسة أيضا أخطأت في الماضي ووجدنا سعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني يعتذر عن أخطاء الكنيسة بكل شجاعة لذلك نراه ارتفع سريعا إلى مصاف القديسين الذين تذكرهم الكنيسة على مذابحها في كل صلاة، لأن في هذا الشأن على من لا يلتزم بتعاليم المسيح عليه الاعتراف بخطأه والتراجع عنه كي يكون مستحقا للمغفرة، ففي وقت المسيح لم تكن موجودة الكاثوليكية ولا الأرثذوكسية ولا البروتستانتية ولا غيرها لأن جميع الأخوة كانوا يعيشون معا ويقاسمون الخبز معا ويعيشون كوحدة واحدة وكان الرسل يرجعون إلى أورشليم كي يحلّوا ما تصادفهم من مشاكل او معوقات ويخرجون بقرار يحترمه الجميع.
واليوم كنيسة العراق إن صرح أحدهم باسم المسيحيين يعترض عليه الآخر ويقول له عليك التصريح باسم جماعتك لأننا من طائفة أخرى، وعندما أستحدثت مناهج للتعليم المسيحي في المدارس الرسمية حدث نزاع لم ينته إلى اليوم حول المفردات لأن فقرة واحدة أو اثنتين لا تروق للمذهب الفلاني فوقف بوجه كل التعليم وليتعلم أبنائنا تعليما غريبا أفضل عنده من تعليم مسيحي لكن ربما وحسب اعتقاده يميل لمذهب غير مذهبه، ونجد الخُطب الدينية تكثر بها الكلمات الرنانة التي تتكلم عن التضحية والفداء و ...لكن في التطبيق لا يوجد شيء على أرض الواقع، فمجموعة من كنائس العراق غير مسموح لها أن تنتظم في مجلس كنائس الشرق الأوسط لأن كنيسة أخرى شرق اوسطية تعترض على وجودهم، ونفس هذه الكنيسة المعترضة تجلس مع الغرباء وتناقش وتتفاهم لكن مع أخوة لهم مسيحيين يحرّمون ذلك فقط لوجود خلافات عقائدية!!!
وكتبنا الدينية لم تبشرنا بالهلاك إن لم نؤمن بالاسم الفلاني وآمنا بغيره كما جاء في مقال لأخي الاستاذ مسعود هرمز النوفلي على الرابط التالي:
http://abdullahnaufali.ahlamontada.com/t3484-topic#4425
وبالمسيح يجب أن نكون متيقنين بأننا سنكون أفضل فقط إن آمنا وفعلنا وفق ما نؤمن به وطبقنا الكتب وما جاء بالأنبياء وأحببنا قريبنا كنفسنا فسيكون حالنا أفضل لا في العراق وإنما في كل مكان. الأمر الذي نتمناه ويجب أن نعمل من أجله فالمستقبل الأفضل هو غاية وأمل كل إنسان سوي محب للخير ليس لنفسه فقط بل لغيره بنفس المستور الذي يحبه لنفسه.


وللحديث صلة ...

عبدالله النوفلي

87
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (7)

استكمالا لما ذكرناه في الحلقة الماضية، فكنت أجد من أخوتي كُتاب شعبنا من يحسبني تارة على هذا الحزب ، وتارة أخرى على حزب آخر، لأنني كنت دوما أمسك العصا من المنتصف وكان ديوان الوقف يعمل جاهدا أن يكون في منأى من الصراعات الحزبية لأبناء شعبنا، وكنت أحاول قدر الإمكان أن يكون منتسبيه يهتمون بالشأن الديني أكثر من اهتمامهم في الشأن السياسي، وعندما كنت أجد صعوبة في إيجاد موظف في اختصاص معين كنت ألجأ لأخوتي في التنظيمات الحزبية كي يعينوني، وكذلك حدث أيضا عندما ساءت الأحوال الأمنية ولم أستطع إيجاد حراسات من أبناء شعبنا كي يحموا الكنائس وغيرها من الأمور التي لا يجب أن أذكر تفاصيلها.

وكان الديوان مفتوحا على الجميع ويحضر في مناسبات الجميع ويتفاعل معها بصدق نية وأخلاص حتى عندما كنت عضوا في المجلس الشعبي عن بغداد في دورة المجلس الأولى، فإن ما كان يردني من مطبوعات من أي من الأحزاب كان يتم توزيعه دون تمييز لموظفي الديوان، كما حاولت وبالتعاون مع أخواني الذين عملوا معي أن نكون مظلة لتجميع قوى شعبنا ومعنا الأخوة من الإيزيديين والصابئة المندائيين وعقدنا اجتماعا في مقر الديوان بغية المضي قدما بهذا الاتجاه ومن حضره مازال حيا ويستطيع هو الكتابة عن ذلك، كما أردت في بدايات عملي أن أعمل مظلة للجمعيات الخيرية العاملة ضمن كنائس شعبنا ومعنا شركاؤنا في الوقف، وفي هذا أيضا كانت المعوقات دائما تظهر وكنا ننسحب كي لا نكون سببا لحدوث المشاكل بين أبناء شعبنا، لأن في جميع الجهود كان يبرز من هو المعارض أو من يحاول اعتلاء الصدارة وتحقيق المكاسب على حساب غيره، ومرة كانت نصيحة أحد قياديي أحزاب شعبنا لي أن أكف عن هذا التجميع لأن من يعارض حينها فيما أقترحه عليه فيجب أن أقاطعه، الأمر الذي ليس من أهدافي أبدا.

إذا العمل مع واقع شعبنا ليس بالأمر الهين بكل تأكيد ليس لي لابل أيضا للحركات والتنظيمات السياسية لأن ما ذكرت جانبا منه هو تجربة شخصية وكنت أجد بين الفينة والأخرى من يكتب ويحسبني على هذه الجهة أو تلك أو من كتب بعد خروجي من الوقف عن الصراع على زعامة الوقف بين هذا التنظيم أو ذاك وكنت أقرأ وأضحك لأن من يكتب يرى فقط ماهو في الظاهر وهو بعيد عن التفاصيل التي يجب أن تكون محصورة بالمهتمين فيها.
فواقع شعبنا يشير أنه منقسم دينيا بين 14 كنيسة مختلفة موزعة على المذاهب الثلاثة في العالم والمعروفة وهي: الكاثوليكية والأرثذوكسية والبروتستانتية، وفي العراق يوجد مذهب رابع إن صحت التسمية هو مذهب كنائس المشرق الآشورية والتي علمتُ من بعض مصادرها أنها قريبة من المذهب الأرثذوكسي، وهذه الكنائس الأربعة عشر لديها مجلس رؤساء الطوائف في بغداد وكانوا في الماضي القريب يعملون لكي يكون هناك مجلسا لكنائس العراق، وأزاء هذا العدد من الكنائس التي كان النظام فيما مضى يعدها طوائف دينية وهي بالحقيقة ليست هكذا، يجب على إدارة الوقف أن تعمل وتخلق توازنا كي لا يستطيع أحد ومن أي كنيسة أن يتهم الوقف بالتحيز.


والطامة الكبرى أزاء هذا كان بعد الاحتلال حيث وفدت مجاميع كثيرة أخذت تسمي نفسها كنائس وهي تفتقر للكثير من المقومات كي تكون كنيسة مستقلة وتخدم شعبا مؤمنا. ففي السنة الأولى للسقوط وردتني ملفات ما يقارب العشرين من هذه الجماعات ومنها كان يرأسها أشخاص طُردوا من كنائسهم الأصلية لسبب أو لآخر، أو من أنقسم على كنيسته الأصلية وبدأت تظهر بيوت توضع عليها لافتات كونها كنيسة وعندما أردنا المناقشة وأياهم وطلبنا ملفات للمنتسبين إليها وجدناهم من عائلة القسيس أي زوجته وعمه وخاله ووالد زوجته وهكذا... ووجدنا في بعض الملفات أسماء لأناس متوفين ومُدرجين في القوائم أنهم من أتباع هذه الكنائس، وعند سؤالنا أياهم عن مصدر تمويل هذه الكنائس كان جوابهم موحدا وهو من العشور التي تردهم من أتباعهم!!!

وهنا علينا التوقف لأن بعض هذه الجماعات كانت توزع المعونات بآلاف الدولارات فكيف لنا التصديق أن كل هذا هو من العشور وعند معرفتهم أن شرط وجود 500 من الأتباع هو أحد الشروط للحصول على أجازة العمل الرسمي فقد قامت القيامة واعتبروا ذلك رقما تعجيزيا ووصل الأمر بأحدهم أن اشتكى لدى الرئيس الأمريكي (جورج بوش الأبن) على الوقف كونه لا يمارس الديمقراطية ويقف حجر عثرة أمامهم من العمل!!! وكلنا يعرف المسيحيين العراقيين فهم منقسمون على الكنائس التي ذكرنا عددها آنفا ولا يوجد مسيحي في العراق لا ينتمي إلى كنيسة، وهذه الكنائس الجديدة من أين ستأتي بالأتباع إن لم تكن تعمل بالإغراء المادي وسحب المؤمنين من كنائسهم ومحاولة تفتيت كنيسة العراق إلى كنائس صغيرة . ولذلك وبغية عدم حصول الازدواج بالانتماء بحيث أن يسجل المؤمن بأكثر من كنيسة طلبنا ممن ينتمون لهذه الجماعات تأييد خروجهم من طائفتهم أو كنيستهم السابقة كي يصح انتمائهم للكنيسة الجديدة، ومرة حصل حادث في ساحة المسبح لسيدة ذهبت ضحية رمي الشركات الأمنية وكانت تنتمي السيدة الضحية لأحدى هذه الجماعات وهي بالأساس من كنيسة الأرمن الأرثذوكس، لم تجد هذه الجماعة مكانا لتدفن الضحية حيث طلب ذويها من كنيستهم الأم أن تقوم بمهام الدفن.
هذا نزر بسيط من واقع المسيحيين دينيا بعد الاحتلال والمؤمنون يتحدثون كون المسيح وكما جاء في إنجيله الطاهر أنه صلى ليكونوا واحدا!!! وخلال ألفي سنة الأولى للمسيح كان لدينا في العراق 14 كنيسة مختلفة معترف بها قانونيا وفي سنة 2003 وحدها أراد مَن هدفه تفتيت المسيحية أن يضيف العشرات من الكنائس في العراق هذا ناهيك عما موجود منها في كردستان ويعمل هناك، كون القوانين مختلفة بين حكومة المركز وحكومة الإقليم.
فهل هذا هو الذي أراده المسيح؟ وهل نحن نسير وفق خطاه؟ وكم من مار بطرس لدينا اليوم الذي يُسيّر كنيسته ويكون قائدا لأخوته اتماما لطلب السيد الرب أن أرعَ غنامي .. كباشي .. وأزاء هذا نحن لسنا ضد ازدهار كنيسة الرب لكننا أيضا حريصون على أن لا يتم تفتيتها تحت أية شعارات أو ممارسات، لأننا نقرأ في الإنجيل المقدس أنه: يأتونكم بثياب حملان وهم من الداخل ذئاب خاطفة.


ونعلم جيدا ان لدى القوى الكبرى من المخططين الذين يعملون لعشرات من السنين القادمة مسبقا، وما أدرانا ماذ قد خططوا لنا، ألا نسمع اليوم من يقول أنهم يرتبون الشرق الأوسط لحرب إسلامية إسلامية، وقول هؤلاء أن ما نشهده من ربيع عربي ماهو إلا تمهيد لصعود حكومات إسلامية متشددة كي تقوم هذه مقام الدول الكبرى بتصفية بعضها البعض وهكذا يحصلون على النتيجة التي أعطىوا من أجلها آلاف القتلى بالقضاء على الإرهاب، وعندما دخلوا العراق أو أفغانستان كان تحت ذلك الغطاء ونجدهم فتحو حدود العراق لكل من هب ودب بحيث أجتمع ارهاب العالم كله على أرض العراق لأن أمريكا وحلفائها أرادوا أن يدمروا الارهاب في أرض النهرين الخالدة. لكن يبدو أن حساباتهم لم تتطابق مع حسابات البيدر فتم اللجوء إلى الخطة البديلة التي لا سامح الله لو تم تطبيقها فإنه ستكون نهاية للوجود المسيحي في عموم المنطقة أولا ومن ثم تسيل أنهار من الدم الذي سيغرق المنطقة كلها ولا أحد يعلم كيف ستنتهي سوى الله سبحانه وتعالى.
فنرجو من ذوي العقول الرشيدة في منطقتنا أن يكونوا واعين وحذرين كي لا ننقاد لمخططات من يريد الشر للمنطقة ويُرينا عسلا بيد وهو يخفي آلات الدمار خلفه، فعلينا ان نصلي ونتضرع كي يُحل الله سلامه بين البشر وخاصة نحن في زمن الميلاد الذي أخبرتنا الملائكة من خلاله بأن ولادة الطفل سوف تكون سببا كي يحل الأمن والسلام لبني البشر ويكون لهم رجاءا صالحا. نتمنى أن يحدث ذلك.

وللحديث صلة ...

عبدالله النوفلي


88
أختي العزيزة ماري...
ليكن سلام المسيح معك وروحه القدوس يمنحك النعم والبركات في كل حين
ومولده نبراسا لنا كي نكون مشمولين بترنيمة الملائكة
المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام ... والرجاء الصالح لبني البشر
وعامك الجديد يكون عاما مليئا بالعطاء في كافة المجالات ومنها في مجال الكتابة
ولتحرسك الملائكة على الدوام

89

المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (6)

الزمن يمضي والأقلام تكتب ومواقع الانترنيت تشهد ٌأقلاما تكتب بمواضيع مختلفة، والقراء والذين يطالعون يقفون تارة إلى جانب هذا وأخرى إلى جانب ذاك، وكشعب شرقي دائمأ ما نلجأ إلى تضخيم الأمور، فلو تواعدنا مع صديق وتأخر عن موعده بضع دقائق، فأول ما نبادره بالكلام نقول له: (هاي وينك يمعود صارلي ساعة دأنتضرك!!!)، وكحال العراقيين عندما يبنون شيء ويعملون أن يكون مرتفعا يقولون أنه أعلى برج في المنطقة!!! كما كان الحال أثناء بناء برج الاتصالات في المأمون ببغداد، وهكذا ونحن شعبا في العراق اليوم لا نتجاوز 1.5% أو ربما أكثر بقليل، وإذا أجرينا معادلة حسابية سنجد من هم في الخارج ربما خمسة أضعاف من هم في الداخل، وعندما ننشيء تنظيما معينا أو منظمة أو حزبا أو اتحاد، نحاول أن نُظهره لمن يقرأ أو يسمع عنه أنه عالمي وأنه ... ونسينا نحن في بلدنا الأصلي لم نكن شيئا حتى قبل سقوط النظام حتى لو كنا آنذاك 5% من الشعب، فعندما نتصرف أو نكتب يجب أن تكون كتاباتنا عقلانية ونابعة عن دراية ولا نلجأ للتخمين والاستنتاجات التي ربما تكون بعيدة عن الواقع الفعلي، كما أن كتابنا غالبا ما ينالون الواحد من الآخر وبكلام جارح أحيانا، فالعقلانية شبه معدومة وكأننا فقدنا الثقة الواحد في الآخر، ومواقعنا الأليكترونية أكبر شاهد على هذه الصراعات، وتشهد أننا لا نقبل بالرأي والرأي الآخر، ونحاول تكميم الأفواه والنيل من أي قلم يحاول أن يكتب خاصة إذا كانت كتاباته لا تتوافق كليا معنا، ولو تكون الكتابة بمعلومات صحيحة ومبنية على مصادر موثوقة لكان لنا عذر أن نعذر هذا أو ذاك لأن من يتهجم عليهم، فهؤلاء يكتبون بلا معلومات أو أن كتاباتهم ليس لها مصداقية، ولكن لمحة بسيطة على التاريخ القريب وليس البعيد جدا نجد لكل الأقلام جانبا من المصداقية، ولو كنا حريصين على مستقبل شعبنا لتعاونا معا وعملنا كي نصحح الواحد للأخر بحسن نية ودون تجريح ونكسب أدباء وأقلام مهمة لشعبنا ونكون بذلك نبني حاضر الأمة ونضع أساسا متينا لمستقبلها، وأزاء ذلك سأذكر حالة كنت في جانب منها طرفا والكُتاب الذين سألمح لكتاباتهم يعرفون أنفسهم ودون أن أذكر الأسماء لأن هذا ليس من أسلوبي في الكتابة ليس لشيء أو لخوف بل لأنني أكتب وأعبر عن رأيي بصراحة ودون أن أجرح أي من أخوتي الآخرين، وأحيانا ألجأ لكتابة أسطر قليلة مصححا لبعض معلومات الكتاب بيني وبينهم خاصة عندما أجدها تبتعد عن الحقيقة وخاصة عندما يتم بناء بعض الاستنتاجات عليها.

فعندما طلبت من السيد رئيس الحكومة الاحالة على التقاعد وفق الآلية الرسمية لذلك، وقمت بالتشاور مع المرجعيات الدينية المسيحية بترشيح البديل بل البدلاء، لأن رئيس الحكومة كان مطلبه أن يتم ترشيح ثلاثة أسماء للمنصب كي يستطيع هو الاختيار، وفعلا وقّع جميع رؤساء الطوائف الأجلاء على الأسماء الثلاثة المرشحة طالبين أن يتم البحث بها حسب تسلسل ورودها بموافقتهم، واتخذ السيد رئيس الوزراء السيد نوري المالكي قراره باختيار المرشح الأول في القائمة (السيد رعد عمانوئيل الشماع)، على أن يكون موقفه من النزاهة واجتثاث البعث سليما، وإلى هنا كانت الأمور تسير بالسياق الرسمي الذي تسير عليه سياسة الحكومة، لكن بعض من سياسيي شعبنا لم يرق لهم اختيار هذا الاسم وبدأ يحوك المؤامرات كي يزيحه من المنصب بالاتفاق مع من كان له من المؤيدين في ديوان الوقف حتى أصبحنا مهزلة أمام الغرباء، لأن أحدى المرات حينها التقيت مستشارا قانونيا للسيد رئيس الوزراء وأعرب لي شخصيا عن استغرابه لحالنا، وشرح لي حينها أن بعض السياسيين من شعبنا حاولوا التلاعب ببعض القيادات الدينية المسيحية كي يعترضوا على أسم معين وقال لي ذلك المستشار بالحرف الواحد (كل شوية تجيني ورقة من واحد تگول آني وقعت على الأسم الفلاني بس آني ما أريده!!!) ورغم أن هيأة النزاهة واجتثاث البعث لم تجدا شيئا على الأستاذ رعد عمانوئيل الرئيس الحالي للوقف لكنه بقي يعاني من تصرفات بعض سياسيي شعبنا، وقال لي في حينها أحد مستشاري رئيس الوزراء أن شخصا اتصل به قائلا له أنا (فلان) المرشح الوحيد للقائمة (؟) لمنصب رئيس الوقف، وكأن رئاسة الوقف أصبحت بيد السياسيين وتناسى هؤلاء أن الوقف ورئاسته يهتمان بالشأن الديني أولا ولا دخل للسياسيين به، وعندما كنت حينها رئيسا لهذا الوقف وأُبدي رأيي ببعض المسائل التي يعاني منها شعبي فكان هذا رأيي الشخصي لأننا عندما كنا نعبر عن رأي الوقف كنا نصدر بيانا رسميا من رئاسة الوقف بهذا الشأن.

أليست هذه الأفعال مخزية خاصة عندما نكشف مستورنا أمام الغرباء ونصبح مجردين من كل المبادئ والقيم التي تربينا عليها سواء في عوائلنا أو من خلال تربيتنا الدينية التي توصينا بالمحبة التي جعلها الرسول بولس أعظم من الايمان والرجاء!!! ألا تقودنا مثل هذه الأفعال إلى التخلف والتقهقر والتراجع كثيرا أمام غيرنا الذين لديهم قوى كثيرة سندا لهم.
فيجب أن نعرف أننا كشعب مسيحي في العراق نختلف عن العرب أو الاكراد، وعن المسلمين؛ سنة أو شيعة، فالمعادلة الطائفية في المنطقة نستشف منها أن شيعة العراق تساندهم أيران وسنته تساندهم السعودية وتركيا وربما دول أخرى وأكرد العراق لديهم أخوة لهم في أيران وتركيا وسوريا إلى جانب مساندة قوى دولية مهمة لقضيتهم وهكذا التركمان، ولكن في المقابل من يكون سنداً لشعبنا المسيحي؟ بدون تردد نستطيع الجزم بلا أحد!!! فحتى الدول التي نسميها بالمسيحية أي الدول الأوربية أو أميركا، فإنها دول علمانية ولا تضع وزنا للوازع الديني والذي يحركها هو مصالحها فقط. فعلينا أن نتيقن بأن لايوجد سند لنا في دول العالم أقله على المستقبل المنظور، متأملين أن يكون لنا بقعة أرض نعيش عليها وتصبح لنا مصالح متبادلة مع هذا الطرف أو ذاك وعندها ربما سيكون لنا تحالفات ويصبح لنا سند نستطيع الاعتماد عليه.

وللموضوع صلة ...

عبدالله النوفلي
[/color]

90
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (5)
نوهنا في أربع حلقات سبقت هذه بالكثير من المشاكل والسلبيات التي يعيشها أو يعاني منها شعبنا المسيحي، منها ما هو كشعب السبب فيها ومنها ماهو بتأثير قوى خارجية سواء من الكتل السياسية أو الأحزاب او التنظيمات وحتى منها المجاميع الإرهابية التي تعيث في أرض العراق فسادا، وجعلت من شعبنا ينطوي على نفسه وأحيانا لا يعرف ما يريد وإن حدد سقف مطالبه مثلا كما حدث في مؤتمر عينكاوا 2007 نجد الكثير من أبناء شعبنا من وقف بالضد ونعت هذا المؤتمر بالعمالة لهذه الجهة أو تلك ولسان قوله أن مقررات المؤتمر لم تكن للذين حضروا وناقشوا وقرروا بل أنها كانت معدة سلفا وما على الحاضرين سوى أقرارها.
إذا شعبنا لم يقف مكتوف الأيدي وكانت هناك قوى تعمل وتفكر بغية إيجاد الحلول، فقد عشنا بعدما حدث للعراق في 2003 في دوامة لا نعرف ماذا نريد، وأصبحنا نذهب عند هذا المسؤول أو ذاك كل على حدة وكل منا له مطاليب تختلف عن غيره، بحيث احتار المسؤولين بنا وحيرناهم على أمرنا وكم من مرة قالوا لمن زارهم اذهبوا ووحدوا مطاليبكم وعودوا الينا كي نرى شأن ما تريدون، وسياسيونا بقوا في وادٍ ومرجعيات دينية وعلمانية بقيت كل في وادٍ يخصها ولا يوجد من ينسق أعمالها أو يعمل بأخلاص نية كي يوحد مطاليبها ويقرب في وجهات نظرها كي نبدو على الأقل أمة متحضرة أمام غيرنا من العراقيين على الأقل وأمام الأجانب من جهة أخرى، وأزاء ذلك كان بعض رجالات الدين ينادي باسم دون غيره، وأنا حضرت مراسيم دينية لأحدهم في بغداد في ظل ضروف أمنية مشددة آنذاك وخلال كرازته ذكر أسم أمته ربما أكثر مما ذكر أسم ربنا يسوع المسيح له المجد؟ وليس هذا فقط وإنما يوما كنت في جلسة في حديقة داري وكانت أحداث 2003 طرية بعد، وفي تلك الجلسة جمعتني مع أحد رجالات الدين الذي بعد ذلك عرفت أنه يقدس أسم أمته أكثر من أي شيء رغم كونه رجل دين من كثرة ما ردد الأسم الذي يحبه على مسامعي، اضطررت حينها وقلت له: رابي أنك رجل دين وعليك أن تتكلم عن المسيح أكثر مما تتكلم عن الأسم الذي تذكره دوما رغم أعتزازنا به، وبدلا من يوافقني القول قال لي بالحرف الواحد: لا يا شماس، أومتا أومتا ...!!!
فإن كان رجالات الدين يقدمون الأمة على المعتقد الذي ضحى من أجله المسيح بنفسه على عود الصليب، فما بالنا بالناس البسطاء أو بالسياسيين الذين تحركهم المصالح المادية البحتة!!! إنها حقيقة مأساة ربما نحتاج لعمل دؤوب ومتعب كثيرا كي نعيد الأمور لمسارها ويبقى المسيح لرجالات الدين كي يقدموه بأبهى صورة للمؤمنين به ولغيرهم وتبقى الأمة للعلمانيين والسياسيين كي يعيدوا أمجاد من سبقوهم وجعلوا للأمة أسما شغل العالم يوما وبنى حضارة عظيمة على أرض ما بين النهرين الخالدة.

وعلى كل منا أن لا يخلط الأمور على هواه فليس المسيح حكرا على شعب دون غيره وليست العذراء هي الأخرى حكرا على شعب دون غيره لأن المسيح قال للتلميذ الذي يحبه هذه أمك، ولها قال هذا ابنك ولم يقول لها هذا يوحنا ابنك، كي نقول جميعا أنه أعطانا كلنا أياها، وعندها ستكون العذراء سيدة على الكلدان وسيدة على الآثوريين وعلى جميع البشر لأنها سيدة نساء العالمين وبدلا من يُسيس رجال الدين اسمها كونها مختصة بأمة دون أخرى لنجعل منها أمة لجميعنا ونقدسها ونحترمها ونطلب شفاعتها كي ينجّي الله شعبنا المسيحي من كل هذه الويلات التي عانى وما زال يعاني.
كما وسبق أن نوهت في مقالة سابقة لي عن خطأ تسمية كنيسة بشعب معين كما هو حال كنائس العراق حاليا، بقولنا: كنيسة الكلدان .. كنيسة المشرق الآشورية ... وغيرها من التسميات التي تحصر المسيح وكنيسته بشعب صغير نسبيا قياسا بالسبعة مليارات من البشر الرقم الذي وصل إليه سكان الأرض مؤخرا، لأن المسيح لم يأتي للكلدان دون غيرهم ولا للآشوريين بل قال لتلاميذه اذهبوا وتلمذوا كل البشر وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.
واليوم أيضا نجد من أبناء شعبنا من ينحاز لجهة دون أخرى وهذه خسارة ما بعدها خسارة خاصة إذا كان الانحياز إلى قوى خارجية متوهمين أنهم يقدمون لشعبنا المسيحي الحماية !!!!، لكن لو لجأنا إلى أبناء بيتنا وتفاهمنا معهم بعقلانية ومحاورة حكيمة وبمطالب وطنية واضحة، وربما نحتاج للأصدقاء من هنا او هناك كي يكونوا الضامنين لحقنا وأبداء المشورة كي نصل إلى الرأي السديد وننجح في بناء بيتنا المسيحي الآمن ونوقف كل أشكال النزيف من شعبنا رغم ما يوجد على الأرض من دلائل وممارسات كلها لا تبشر بخير، لكن حماية الأجنبي لا تدوم إلى ما لا نهاية كما أن الأجنبي لا يقدم شيئا لغيره دون وجود مصالح أو مكاسب من ذلك، وإن كنا اليوم نشعر في بلدنا كوننا مواطنين من الدرجات الدنيا فمع سلطة الأجنبي سنصبح مواطنين لكن بدون كيان لأن الأجنبي متى ما قدم لنا الدعم فإنه سيوفر لنفسه الضمانات التي أقل ما يقال عنها أذلال الشعب الخاضع تحت حمايته، وعلينا التفكير أن هذه الحماية أو الوصاية سوف لن تدوم إلى الأبد وعلينا ترتيب أوراقنا مع من هم حولنا لكي نستمر بالعيش، وإلا سنقول يوما مع الحكيم العربي: لات ساعة مندمٍ.
وللحديث صلة

عبدالله النوفلي

91

نحن والكنيسة 12
مشاركتنا في الكنيسة

كي نكون مؤمنين حقيقيين ولا نعيش على هامش الايمان، علينا أن نكون داخل الكنيسة ليس لإكمال النقص أو كأرقام مكملة فيها بل أن نتحد فيما بيننا ومع رعاتنا أيضا لكي نستحق لقب شعب الله ونكون جسداً واحداً لكنيسة واحدة التي هي بالمحصلة جسد للمسيح الواحد، وهذا لا يلغي كياننا الفردي الذي يتميز بمواصفات ربما تختلف عن كائن آخر بل أن اختلافنا يعطي لاتحادنا قوة مميزة لأننا نكون متنوعين ومميزين ونثري كنيستنا الجامعة التي من خلالها يدعونا ربنا له المجد أن نشارك بالعمل في كرمه وكما قال للعمال في ساعات مختلفة من النهار بقوله لهم : أذهبوا انتم أيضا إلى كرمي... فهو اليوم يدعو كل منا بقوله تعال أنت أو أنتِ إلى كرمي، وعندما نلبي دعوته هذه فنصبح في الوقت ذاته ثروة الكنيسة لأن ثروة كل واحد منا بمواهبه تصبح ثروة مشتركة للكنيسة ككل وتكون أيضا سندا لأخوتنا الآخرين والآخرين يكونون سندا لنا.
هذا التنوع يجعلنا نعي كوننا أعضاء في جسد الكنيسة ومؤتمنين بواسطتها على رسالة التلمذة بفكر يسوع لجميع الأمم غايتها الخير للنفس وللآخرين فتصبح الرسالة، رسالة جماعية نقوم بها على أمل ان تعطي هذه الرسالة ثمارها في كل زمان ومكان كي يصل شعاع الانجيل لأقاصي الأرض وكي نجذب ما نستطيع إلى الشِركة مع الله داخل الكنيسة وبواسطتها وصولا كي تكون لنا شِركة بيننا وبين أخوتنا البشر. ويشهد النشاط الكنسي في العالم وربما أيضا وبشكل أقل لدينا في كنيسة العراق نشاطات كثيرة ومتنوعة وبزوغ حركات كنسية وبلباس علماني أدخلت الحيوية والنشاط للعمل الراعوي؛ فنشاهد بزوغ حركات رهبانية ومكرسين للعمل الراعوي من العلمانيين وازدهار لنشاط الأخويات ونشوء جمعيات وروابط وجماعات وحركات أي هناك مسميات كثيرة لكن الهدف هو واحد، ولدينا في العراق مثلا جماعة بيت عنيا وحركة الفوكولاري وجماعة المحبة والفرح و ... وكلها تعمل وفق إرشاد الروح للقائمين عليها بحيث جعلت من العمل الكنسي عملا ذا نكهة خاصة وأثبتت أن للعلمانيين قدرات غير محددة لو أستثمرت من قبل رعاة الكنائس لأصبحت الكنيسة بثوب جديد وطرقت سبلا غير تقليدية لنشر رسالتها واستكمال مسيرة الجلجلة التي بدأها يسوع له المجد واستمرت هذه المسيرة من بعده بواسطة الكنيسة وحجارتها الحية.
إن هذه الجماعات او الحركات او الأخويات هي أشكال مختلفة للعمل الكنسي وحقول متنوعة للرسالة التي يريد المسيح من أتباعه أن يسيروا على نهجها وهي حقول للنشاطات للوصول إلى الهدف بكوننا جميعا مسؤولين أزاء كنيستنا وأزاء نشر الانجيل في كل الأرض حتى تكون رسالة المسيح هي مصدر أمل حقيقي للإنسان ولا يبقى هناك مُهمَل او متروك أو مجروح إلا ويرى بصيص نور أو رجاء بالخلاص المنشود. وهذا التنوع في النشاطات متأتٍ من تنوع المواهب لدى البشر واهتمامتهم فنجد الرغبة بعمل معين يختلف عما يرغب به آخر وبالنتيجة تكون الكنيسة هي الرابحة بحصولها على ثمار مؤمنيها ونشاطاتهم التي يؤطرها العمل المشترك وبإرشاد من رعاة الكنائس وقادتها وتكون هذه الأعمال مساعدة كي يعيش الآخرين إيمانهم ويعيشوا حياة مسيحية وفق متطلبات الانجيل وتفتح لهم آفاق العمل الرسولي نحو البشر الآخرين الذين مازالوا خارج الحضيرة.

وللوصول إلى هذه المشاركة فنحن بحاجة كي تفتح الكنيسة أبوابها للأفكار التي تنضح من عقول أبنائها وتحتضنها وتنميها فكريا وعمليا ولاهوتيا كي تكون الكنيسة متمثلة بالرعاة هي الموجهة والتي تصون فكر أبنائها وتقوده نحو الهدف الذي يريده لنا ربنا له المجد، فالحقل الراعوي واسع ومتنوع فمِنا من يجد نفسه بالعمل الخيري ومنا بمساعدة الفقراء وآخرين باحتضان المهمشين والمتعبين وآخرين بالعمل الفكري واعداد المحاضرات وعقد الاجتماعات التي بمجملها تتطلب وجود نوع من الحرية لهامش مقبول من التحرك الجاد والمفيد للكنيسة وللمجتمع وبقيام الكنيسة بتوفير ذلك فإنها توصل الرسالة للمؤمنين أن لهم الحق والحرية بالعمل وأنها بحاجة لجهودهم ونشاطاتهم لأغناء العمل وتكون هذه معينة للرعاة في عملهم الخورني وبين العوائل والمؤمنين والمجتمع ككل. وهذه التجمعات يجب أن لا تكون عشوائية وغير مرتبة أو منظمة كي تكون لها رسالة واضحة ويجب على من يريد المشاركة أن يجد أخويات أو تجمعات أو حركات لديها نظام ومقاييس للانتساب واضحة لا يتيه المؤمن ولا يحير ويستطيع أن يختار ضالته في أحداها وينشد القداسة من خلالها وتساعده في أعلان الحقيقة للبشرية جمعاء من النشاط الذي يختاره ويساعده هذا النشاط كي يعطي شهادة حية عن الايمان بالمسيح أي أن تكون النشاطات مهنمة بنقل البشرى كل بالأسلوب والنشاط الذي يتم اختياره أي أن الأساليب متعددة لكن الهدف يبقى واحدا هو المسيح الرب.
ويبقى بالإضافة لكل ذلك عماد نشاط كل هذه الفعاليات هي الصلاة والأفخارستيا والتأمل لأن مثل هذه تكون فرصة لالتقاط الأنفاس ومراجعة الذات والأعمال كي يتم الإنطلاق مجددا كي بعد ذلك نستطيع مساعدة الناس في الحياة العامة وقيادتهم إلى حياة روحية مثمرة ولكي يكون الانجيل هو دستور حياة الجميع ويتوقون إلى المساهمة بالفعاليات التي يرونها في الكنيسة ويمجدون الله من خلالها. أي يجب أن نكون شعاع نور بمشاركتنا في فعاليات الكنيسة لا حجر عثرة لأن في الحالة الثانية سنحصل على الويل الذي وعد به المخلص للذي على يده تأتي الشكوك، لكن الصعوبات لابد أن تأتي لكن أيضا لا يجب على الرعاة أن يغلقوا الأبواب أمام هذه المبادرات متذرعين بسلطتهم التي تمنحهم أياها الكنيسة بل على العكس عليهم تشجيع كل مبادرة وتوجيهها نحو الطريق الصائب والمثمر.

إنها هبة من الله أن نكون كلنا مشتركين معا مع الكنيسة خاصة ولدينها رعاة غيورين متفهمين ومتسلحين بالإيمان وموجهين للجميع من خلال تجربتهم الراعوية ومذللين لصعاب التي قد تواجه العمل لأن ذلك يقود العمل المشترك داخل الكنيسة نحو طريق النجاح بكل تأكيد لأن المحبة التي تربط الجميع هي التي تقودهم بالنهاية نحو النجاح وتخفيف الآلام عن الآخرين وتخفيف شدة الفقر ومعاناته وأكساء الجياع وتضميد جراح المجروحين ولا نعمل على تجزئة المسيح ورسالته وأن نعمل وفق أسلوب الفريق الواحد وعلى وفق قول الرسول بولس في رسالته إلى أهل قورنتية الأولى (10:1) " أرجو منكم، أيها الإخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تقولوا جميعكم قولاً واحداً، وألاّ يكون بينكم شقاق، بل تكونوا ملتئمين بفكرٍ واحد ورأي واحد"، وبهذا تصبح شركتنا مع الكنيسة علامة رجاء ونور للعالم كي تصير قوة جذب له ويؤمن العالم أن المسيح هو الله وتصبح شركتنا مع الكنيسة هي بحد ذاتها رسالتنا للعالم ويرى العالم أعمالنا ويمجدون الله الذي خلقنا.


عبدالله النوفلي

92
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (4)

ونحن نتابع هذه السلسلة من المقالات قد يدور في أذهاننا أسئلة كثيرة لماذا نحن هكذا وهل حقا ما نؤمن به هو السبب؟ فإننا قد تَعوَّدنا أن نُلقي باللوم على غيرنا عندما تحدث المشاكل، ولابد أن نجد شماعة نعلق عليها أخطاءنا لأنه بكل تأكيد ليس للإيمان بما جاء به السيد المسيح له المجد السبب في بلوتنا بمثل هذه الأحداث، لأننا نجد اليوم من يحاول جاهدا أن لا يكون هكذا لكن أخوة له يقومون بأحباط محاولاته لسبب في نفس يعقوب وعلى قول المثل : إن أبي لا يقدر فقط على أمي!! ونتصرف كالأسود مع أخوتنا وكالأرانب مع غيرنا.
للأسف هذا ما نستشفه من مواقف وتصرفات أطراف كثيرة في شعبنا المسيحي، فلم نلاحظ مطلقا أنهم توحدوا بصفاء نية واتفقوا على تصرف أو رأي أو ذهبوا كمجموعة واحدة أمام الغرباء يتكلمون بذات النفس، وكان لي الشرف أن أحضر العديد من اللقاءات مع  الغرباء ومع أطراف من ممثلي شعبي لا أحب أن أذكر اسم أحد لكنهم ودون تفرقة كانوا جميعا يتصيدون الفرص كي يُظهروا للغريب أن أخاهم هذا هو على الموقف الخطأ وأنهم فقط على صواب وحتى لو تتطلب الأمر التجريح أو التشهير، خاصة عندما لا تكون لدى الطرف الآخر ذات النية أو ذات الأسلوب لكي يقابل بالمثل أخاه الآخر.

فهل هذا نابع من الايمان، ونحن نرى شعوبا مختلفة تردد عبارة : أنصر أخاك ظالما كان أو مظلوما!!! ولكننا لسنا مثلهم، وربما هذه حسنة، لأن الانسان يجب ان يقف مع أخيه في الحق ويرشده إليه إن كان ظالما كي يعود إلى جادة الصواب ويكسب أخاه ويكون الاثنين يسيران في طريق الحق والعدل، لأن الله خلق الانسان كعنصر اجتماعي ولا يمكنه العيش وحيدا، بل متعاونا مع أخوته الآخرين وهكذا نجد من يقول: (أن الجنة بدون أوادم ما تنراد)، وجنتنا هي بطرد أخوتنا من أمامنا وتحجيمهم وخنقهم في زاوية ضيقة كي تبقى الفئة القليلة هي المتنفذة، فحتى في صناديق الاقتراع التي كانت الفيصل في صعود البعض من أهلنا إلى مواقع برلمانية وجدت بنفسي أحد مرشحي شعبي وقد ألصق ملصقه الانتخابي فوق ملصق أحدى المرشحات المسيحيات!!! وهنا أتساءل: هل لو كانت هذه من شعب غريب كان يستطيع هذا المرشح المسيحي أن يقوم بفعلته هذه؟ ولقد وثقت ذلك بصورة بكامرتي حينها، هل هذا هو عمل أخلاقي؟ وهل هذا المرشح حاليا يهنأ بموقعه في البرلمان، وربما يزايد بالأخلاقيات على غيره ممن كان ملتزما بقواعد الدعاية الانتخابية، وليس كل هذه التصرفات هي التي حدثت في الانتخابات الأخيرة بل أن أشخاص محسوبون على أحدهم قاموا بتمزيق ملصقات آخر وبشكل يتضح أنه تم عمله عنوة كونه من أبناء شعبنا المسيحي، لأن ملصقات غيره كانت موجودة في ذات المكان لم يمسسها أذى وبقيت سليمة!!!
هذا في حقل واحد وبسيط تصرف من أراد أن يكون ممثلا لنا، فكيف في غيرها، والمصيبة أن من نتحدث عنهم هم الآن في مواقع مهمة ويتصرفون وكأن شيئا لم يكن، ونحن مازلنا نلقي باللوم على صدام وسياسته وعلى الأرهاب وأفعاله المشينة، وعلى وعلى ... أما أن نبحث عن أصل المشكلة فغالبا ما نلجأ إلى تجنبها، وأن ذلك عيب ومايصير وخطية، وحقوقنا دائما على قول أخوتنا العرب (مهضومة)، لأننا أيضا عاشرنا الأشرار وصرنا نتصرف كما يتصرفون، وهنا سأورد مثلا آخر عن البرلمانيين، فقد تحدث أحدهم وللدقة ليس هو بل حماية له عن تصرفه معهم وعن استقطاع جزء ليس بالقليل من مرتباتهم التي قالوا أنه يأخذها هو من مالية البرلمان ليوزعها عليهم، وحسب قولهم أن البرلمان كان يخصص آنذاك 750 ألف دينار للحارس الواحد بينما كان أخينا البرلماني وأعتقد أنه كان رجل دين إن لم تخني الذاكرة يُسلم لحمايته 400 ألف فقط!!! وفي وقتها قال هؤلاء أن برلمانيين من شعبنا يقومون بذات العمل، ولم أستطع التحقق من ذلك في حينها.
ولكن المصيبة إن صحت هذه الأفعال فماذا تركنا من الأفعال المشينة ولم نرتكبه مع أخوتنا ونحن في نفس الوقت نتباكى أنهم يتعرضون للأذى وأنهم يهاجرون أو تُسلب حقوقهم ونحن بالأول لم نعطِ لهم حقوقهم فكيف نطلبها من الأغراب؟ وليس هذا فقط بل أن بلدات شعبنا يتم التعرض لها بغية أحداث تغيير ديمغرافي فيها وأمام مرأى ومسمع ممثلي أهلنا أو المسؤولين في تلك البلدات دون أن نتعاون معا لإيقاف ذلك وحتى من يتبوأ المسؤولية هنا وهناك في تلك البلدات وأحيانا يتم الأعلان عن توزيع أراضي فيها ويتم ذلك على مستوى ضيق ... وهذا لا يُخبِر أبنا شعبنا كي يبقى الأمر في نطاقه الضيق ويستفاد منه من يريد له المشرع أن يستفاد.
ونحن أزاء هذا أو غيره نتحدث أن هناك أجندات لإحداث هذا التغيير ونحاول تغطية ما يقوم به أفراد من شعبنا كي يساعدوا من يريد أحداث التغيير بتصرفاتهم وربما ليست الأجندة مع هؤلاء متطابقة لكن النتيجة هي واحدة، وبرطلة ليست بعيدة عن الأذهان بما عانته قبل سنتين في احتفال معين وصل الأمر به لنشوب اقتتال طائفي!!!



وهكذا سنجد ربما ذات الشيء سيحدث في بغديدة أو تلكيف وغيرها من البلدات ونُصلي إلى الله أن لا يسمح كي يحدث مثل هذا الشيء وأن نصون دماء وأراضي وأملاك من تبقى هناك متشبئا في بلدته، لأن الإنسان مهما كان متغربا ويعيش سعيدا في غربته لكنه يشعر بأنه ليس بين أهله وأخوته، وإن كل ما هو من حوله غريب عنه في العادات والتقاليد والممارسات.

وللموضوع صلة...

عبدالله النوفلي


93
الخالة العزيزة لوزا زوجة المرحوم
الأخوة الأعزاء جورج -فرنسيس- سعاد - وارينه  - سناء وأفراد العائلة

حزنا كثيرا لانتقال الماسوف عليه العم العزيز(كده ) الى الراحة الابدية
اننا في الوقت الذي نشارككم فيه الامكم و احزانكم نرجو من الرب ان يغمر المرحوم بواسع رحمته ويسكنه ملكوته السماوي مع القديسين والابرار ويلهمكم جميعا الصبر والسلوان ونسأل الله أن يرحمه برحمته الواسعة ويشرق عليه نوره الساطع في جنات النعيم


عبدالله النوفلي ... فهيمة أيشو الشيخ والأولاد   

94
المسيحيون العراقيون (حلقة خاصة)
المحنة المتجددة

ونحن نكتب سلسلة من المقالات عن المسيحيون العراقيون نستقريء بها ما نعتقد أنه سبب لكل ما يعانيه أبناء شعبنا من مشاكل واضطهادات وأعمال عنف منظمة بغية أن نستطيع من خلال ذلك الوصول إلى نتائج ربما تكون مفيدة للجميع، ... حدث ما لم يكن نتوقعه من أحداث في أقليم كردستان وتجاه شعبنا المظلوم والمضطهد دوما وكأنها هذه هي باستمرار النتيجة التي يصل إليها شعبنا في العراق، والذي كان هو من بناه؛ أقله منذ ألفي سنة ونيف، أي منذ اعتناقه المسيحية إن لم نقل قبل ذلك بآلاف السنين، ومتاحف العالم شاهدة على ذلك حتى قبل متاحف العراق حيث حاولت العهود المختلفة التي تعاقبت على حكم العراق تغييب تاريخ هذا الشعب بغية تحريف الحقائق، لكن هل نستطيع تغطية الشمس بغربال؟

وأنا أتابع ما يرد من المعلومات أولا بأول وأُقلب مواقع الانترنيت عن تفاعل ذلك مع ما يجري على الأرض لم اجد أهتماما يُذكر في المواقع الإخبارية الرئيسية المعروفة سوى خبر مقتضب في BBC وهي أيضا ركزت بخبرها على اعتقالات للإسلاميين وكأن ما جرى كله حسبما أوحت هي به بأنه عملية للإيقاع بالأحزاب الإسلامية والانتقام منها، وخلت بقية المواقع: كالعربية ورويتر والجزيرة عن أية تلميحات لما جرى ويجري وكأن شعبنا أصبح ألعوبة يتم تحطيمها متى ما شاء اللاعب ومصيره غير مهم وليذهب إلى المجهول ولتبقى السياسة الدولية تبحث عن مصالحها وشعب يتدمر ويتم أضطهاده علانية ليس بالأمر ذو أهمية.

كما وجدتُ من خلال متابعة ما بثته مواقع شعبنا .... التركيز وبث الصور التي تردهم من مراسليهم حيث ترينا حرق مخازن بيع المشروبات الكحولية فقط !!! وهذا أيضا هو النظر لزاوية ضيقة لما جرى ومازال يجري، وجعلوا منا عندما نكتب عن شعب يتعرض للظلم وكأننا ندافع عن بائعي المشروبات الكحولية لا غير، أما الولوج إلى الحقيقة والرعب الذي يعيشه شعبنا في هذه اللحظات وهو يفكر أن ملاذه الذي اعتقده آمنا في كردستان يتبخر أمامه، وأنه يفكر بأن بقائه في بلدات عربية قبل حزم أمتعته نحو كردستان ربما كان الأهون رغم أن أهون الأمرين هو مرٌّ ومر لاذع، ولم نلحظ من يفكر بنتائج ما جرى وما سينعكس على المستقبل المظلوم لشعبنا.

ربما الكثير منا ولأول وهلة قد أصابتنا الصدمة ولم نستفق منها بعد لأننا عشنا في كل المناطق التي تعرضت للأذية وعايشنا أخوتنا من الكرد ورأينا مدى طيبتهم وحبهم للحياة والعمل نحو تحقيق العدالة والسلام في ربوع كردستان ولن أميل بأفكاري للتصديق أن الشعب الكردي وحتى القيادات الكردية التي تقود كردستان لها يد فيما يجري!!! لكنه يجري ... وأمام مرأى ومسمع أجهزة الأمن والأسايش والحكومة وبشكل منظم وكأن موجة التدمير تتحرك وتضرب هنا وهناك بحرية ولا تشعر بوجود للسيطرات الأمنية ولا للشرطة المحلية ونحن نعرف المنطقة جيدا ونعرف كيف أن سيطرات الأمن منتشرة والأجهزة الأمنية بكل مكان، فكيف لجموع بالمئات تتحرك بالعصي والهراوات وتقوم بالإحراق والتدمير والأجهزة الأمنية لا علم لها؟ إذا أين أصبح أمن كردستان ؟ وكردستان الآمنة؟ وغيرها من العبارات التي كان الجميع يرددها ومنهم كاتب هذه السطور؟
إذا الأمر بضاهره هو محلات بيع المشروبات والمساج، لكن في الجانب الآخر هو أيصال رسالة لأطراف عدة، مفادها:




•   أن خروج الأمريكان سيؤدي بالعراق إلى مزيد من الدمار،
•   وأن على المسيحيين أن يمضوا قدما بطلب الحماية الدولية،
•   وأن الأقليات لا مكان لها بين الأقوياء فلا نتحدث هنا فقط عن المسيحيين بل عن الايزيديين أيضا،
•   ومفاد هذه الرسالة أيضا أن الربيع العربي لا يشمل العرب فقط فإن كردستان هي في طريقها إلى ربيع كردي
•   وإن المخطاطات الرهيبة التي تخطط للمنطقة لم يغب عن بالها ترتيب الأوضاع في كردستان العراق أيضا،
لأن مخططي مستقبل السياسة في المنطقة يعرفون جيدا أن لكردستان أمتدادت جغرافية في تركيا وفي أيران وسوريا وغيرها، وأي تنسيق سيحدث بين كل هؤلاء سيؤدي إلى أعادة ترتيب أوراق المنطقة ككل ورسم خارطة جديدة وستظهر دولة جديدة ربما ستغير موازين القوى الحالية والتحالفات الموجودة.


فهذه وغيرها حركت ما جرى وربما ستحرك لاحقا موجات أخرى إن وقفت السلطات المعنية موقفها الذي وقفته وستحترق أصابع اللاعبين بمصير الشعوب حتما ومعها سيحترق كثيرين فإن كان اليوم أضعف حلقات مجتمع كردستان قد تعرض للأذية فغدا ربما يتم تطوير ذلك كي يتم التعرض لمن هم أقوى منهم وهكذا ستكبر المشكلة وتصبح أكبر من أن يتم السيطرة عليها من الحكومة المحلية، وكلنا نرى حزبا صغيرا ما فعل وما يفعل بتركيا المتحالفة مع الحلف الأطلسي وتعمل جاهدة للقضاء عليه، دون جدوى وتجيش جيوشا وحملات وتقصف وتعتدي ولا تحصل على النتائج، فكيف إذا اشتعلت الشرارة في المنطقة ؟ لأنها وقبل أن نتكلم عن مصير المسيحيين والأيزيديين، سنتحدث عن المناطق الخلفية للحزب التركي ومدى استفادته من تردي الأوضاع في دهوك المحافظة الكردستانية المجاورة لتركيا، وإذا افترضنا أن موجة الشر هذه ستكبر إذا بقيت أمور ملاحقة القائمين عليها كما هي اليوم، فإن كردستان كلها ستشتعل لا سامح الله وعندها ستنتقل الشرارة للدول المجاورة، وقد ربما صحّت أخبار أن شرارة أشعال المنطقة ستبدأ من العراق، ونسأل الله أن يخيب ضنّ الأشرار، وأن تعمل حكومة كردستان بما عهدناه منها بحكمة لتعويض المتضررين واتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية ممتلكاتهم مستقبلا ودرء الخطر عنهم، لأن مسيحيي كردستان وأيزيدييها هما الشعبان الصغيران المسالمان اللذان لا يمكن أن نفكر يوما أنهم سيكونون مصدر قلق لكردستان ولا لغيرها.

فنسأل الله أن يحفظ الشعب العراقي عموما وشعبنا المسيحي والإيزيديين من كل أذى ويكون ما جرى يوم الجمعة الثاني من ديسمبر 2011 درسا للقيادات الكردية كي تعيد ترتيب أوراقها، وأن لا تسمح بأن يطال الظلم أي من مواطنيها، فخسارة أي إنسان وممتلكاته هو خسارة كبيرة للجميع، فمعا نكون أقوياء ونحقق المستقبل الزاهر لمنطقتنا وأهلنا.


عبدالله النوفلي


95
أخي العزيز مسعود
بركة الرب القدير معك دائما وشكرا لتعليقك الذي يشجعني لكتابة المزيد، وكل الذي أتمناه أن لا يكون رجالات الكنائس كمن له عيون تبصران ولا يبصر وآذات تسمعان وهي طرشاء لا تسمع وبهذا تتحقق مقولة ربنا له المجد يسوع المسيح ... لنصل بحرارة من أجل الكنيسة كونها بحاجة ماسة
تقبل محبتي

96

المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (3)
كما كتبنا في ما مضى فإن واقعنا المسيحي في العراق وما تلاه للمسيحيين في المهجر ليس واقعا يُسِرُّ الصديق أبدا، ويبدو مما جرى ومازال يجري بأن ما يحدث ليس بالأمر الطاريء ومن شبّه الذي يحدث بالصدفة، من دون شك هو واهم، فعلينا أن نبحث عن السبب كي يتسنى لنا المعلاجة، أو إيجاد الوسائل التي من شأنها أن تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح والطبيعي. فلماذا شعبنا دائما يأخذ جانب الدفاع وتلقي الضربات ولا يُقاوم؛ وأحيانا حتى للدفاع عن نفسه وكأنه كشاة سيق للذبح لا ينبس ببنت شفة، وأينما حدث الاضطراب نراه يبحث عن ملاذ آمن كي يبتعد عن بؤرة المشاكل وينتقل، لكن أن نجده يبحث عن المشكلة وأسبابها ويجهد نفسه بحلها فهذا نادرا ما يحدث ولا يتم ذلك إلا بحالات شخصية بحتة أما إذا تعلق الأمر بشعب برمته فلا نجد من يوحد قراره أو من يحاول لملمة شتاته كي يعمل ككيان واحد ويدافع عن الشعب تجاه من يستهدفه كشعب أو أمة.

وربما تعود جذور هذه التصرفات للايمان الذي يعتنقه هذا الشعب الذي لا يؤمن بالعنف بل بالعكس يؤمن بأن المحبة تحل كل شيء عملا بما تعلمه من معلمه الالهي يسوع المسيح الذي قال مرة لتلاميذه حيثما اضطهدونكم أو لم يقبلونكم فاتركوا ذلك المكان وانفضوا حتى الغبار العالق بأرجلكم من تلك المدينة واذهبوا إلى أخرى!!! لكن نجد أنه له المجد لم يسكت أزاء من ضربه وهو في طريقه لمحكمة الصلب مستفسرا عن السبب، وشعبنا اليوم لا يحاول حتى الاستفسار!! فنجده في العراق وبأبسط ورقة مكتوبة بخط لا يُقرأ أو يستطيع فهمه يلملم الغالي والخفيف كي يترك ويمضي، حتى مقتنياته التي أفنى من أجلها زهرة شبابه وعرق جبينه يتركها أو يبيعها بأبخس الأثمان كي ينجو بنفسه من خطر مزعوم، وتعددت أشكال التهديد الحديث؛ من مظروف يحتوي على إطلاقة ؛كرسالة أن من يتلقاها ولم يغادر فإن مصيره القتل، ووصل الأمر للكتابة على الجدران بشعارات تهديديه للتخويف أو صريحة تطالب بخروج المسيحيين من العراق لأن هذا البلد ليس بلدهم!!! ولم يكن هذا كل الأمر فقد تم الاعتداء على الكنائس دون رحمة وقتل الكهنة بدم بارد، وخطف آخرون وحتى المطران (بولس فرج رحو مطران الموصل على الكلدان) الأعزل من أي سلاح لم يأمن من شر الأشرار وخطف ومن ثم وُجد ميتا!!!.
وأزاء كل هذا ماذا فعل هذا الشعب وماهي ردة فعله؟ ونحن بما سردناه لم نتطرق إلى الماضي القريب ولا البعيد بل تكلمنا فقط عن الواقع المؤلم، كي نسأل أنفسنا لماذا حدث ومازال كل هذا ولا نجد من يقاوم فحتى ممثلوا شعبنا في مختلف السلطات الحاكمة في العراق أرادو الايحاء بأن ما يحدث لا يًقصد به المسيحيين وإنما هو جزء من أمر أكثر شمولية يخص عموم العراقيين، ومع الأسف نجد من يتحدث عن هذا علنا وفي أجهزة الاعلام، أليس ذلك مشاركة في المؤامرة ضد شعب أعزل؟ ألم يسأل هؤلاء أنفسهم إن المسيحيين العراقيين ليسوا كباقي العراقيين لأنهم لم يهددوا أحدا ولم يخطفوا أحد ولم يعملوا كمرتزقة أو كميليشيات وعاش جيرانهم بأمان كل الأوقات والأزمان بل نجد مسلموا العراق يبحثون عن جار مسيحي لأنهم يأمنونه وأنهم متيقنون بأنه لا يلحق بهم أي أذى، من ذلك فإن الجميع يعترف بأن المسيحيين في العراق شعب مسالم، وعلينا أن نعلي صوتنا بقوة بأن ما يحدث لهذا الشعب ليس كما يحدث للآخرين في العراق وعلينا وعلى من يتحدث بإسمنا أن لا يحاول أقناع الآخرين بأن الهجمة هي لعموم العراق، وإن كانت بجانب معين تشبه ذلك لكننا علينا التصريح علانية بأن هذا العمل وأزاء المسيحيين لا مبرر له لأن العنف أزاء الآخرين له ما يبرره لوجود ميليشيات متعددة الأهداف والألوان لدى هذا الطرف أو ذاك وهذه تلحق الأذى بالآخرين وكل حسب أجندتها لذلك يكون من الطبيعي أن يحدث العنف بسبب تصرفات الأطراف، لكن أن يحدث العنف أزاء شعب مسالم لا حول له ولا قوة فإنه أمر غير مبرر ولا نجد له تفسير، وعلينا دراسته بعناية كي نجد مبررا لما يواجهه شعبنا في العقد الحالي.
وعندما نبدأ بهكذا دراسة تتشعب الأفكار إلى الحد الذي يحير الباحث ويصل حد اليأس ويترك ما بدأ به، لماذا؟ بكل تأكيد ليس هذا الشعب لغزا محيرا، وهو يعيش على أرض آبائه وأجداده وانقسم بين كنائس ومذاهب مختلفة ونتيجة الظروف السياسية والسلطات الغاشمة والديكتاتورية فإن شعبنا فضل عدم الخوض في السياسة والتوجه كليا نحو العمل والابداع فيه وكذلك الدراسة والتقدم في مراتب العلم إلى الحد الذي أصبح في فترة معينة ما يربو على منتصف مثقفي الشعب العراقي ككل هم من أبناء شعبنا وهم من حملة الشهادات العلمية والثقافية وفي مختلف مجالات الحياة، لكن دائما كنا نجد تهميش هذا الكم الكبير منهم ووضعه في موقع غير قيادي كي يتم تحجيمه وكي لا يبرز ويطغي على غيره من أبناء العراق، وكان جلَّ ما يصل إليه هو منصب وزير أو مدير عام وبأعداد ضئيلة كذر للرماد في العيون وكي لا يقول شعبنا أننا محرومون من ذلك، وهذا قاد الكثير ومنذ زمن بعيد كي يلملم أمتعته ويقرر الهجرة إلى البلدان التي تقدر عاليا موهبته وعلمه وأبداعه، ونجد اليوم العديد من أبناء شعبنا في كل اتجاهات المغارب والمشارق وهم يتبوأون مناصب ومواقع سياسية أو تنفيذية أو علمية في مختلف البلدان التي تواجدوا عليها وبلدهم كان قد أهملهم وتركهم بل عمل جاهدا كي يبعدهم عن أرضه!!!
وللموضوع صلة
عبدالله النوفلي
نشرت جريدة العراقية الصادرة في سدني المقالة بعددها الصادر يوم 23 تشرين الثاني


97
أخي العزيز صفاء، شكرا لتعليقك، الذي أصاب الحقيقة، لأن العلمانيين هم العمود الأساس للكنيسة وقد أكد ذلك المؤتمر الفاتيكاني الثاني، فمع رجالات الكنيسة نكون نبني البيت ونسير معا نحو القداسة، تقبل محبتي

98

المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (2)
[/b]
تكلمنا في الحلقة الأولى عن نتف من واقعٍ أقل ما يقال عنه أنه واقع مزرٍ لشعب يدّعي أنه ينحدر من صلب الآشوريون القدماء والكلدانيون العظماء الذين تابعوا ولادة السيد المسيح في المذود وتبعوا النجمة حيث يوجد الصبي لأنهم كانوا يعملون بالفلك والآشوريون الذين كان لهم مملكة زاهرة منذ آلاف السنين في نينوى العظيمة وفي آخر أيامها اكتسحتها مملكة الكلدانيين واحتلتها!!!
لسنا هنا بصدد سرد تاريخي لما تم قبل آلاف السنين ولا يهمني تاريخي بقدر ما تهمني نفسي ومن أكون وماذ أفعل أو أدرس أو أقدم للإنسانية أو لعائلتي على أقل تقدير، وقال بهذا الصدد الحكيم العربي قولا مازال يردده الناس مفاده؛ ليس الفتى من قال كان أبي بل الفتى من قال ها أنذا!!! فكيف لأصحابنا من السياسيين لا يقولون كان أبوهم فقط بل أن أجدادهم منذ آلاف السنين!!! أليست هذه مفارقة يجب التوقف عندها؟ ألا نجد الدول المتقدمة تهتم أكثر بالواقع والمستقبل لأنها قد وضعت الماضي خلف ظهرها ولا تهتم له إلا في حالة استفادتها من خبراته ولكن ليس للتبجح بما كانت عليه، ألسنا كلنا قرأنا عن الامبراطورية العجوز، وعن تلك التي لم تكن تغيب عنها الشمس؟ أين أصبح كل هؤلاء؟ هل بقوا متشبثين بذلك الماضي؟ أم أنهم تجاوزوه كي يستطيعوا بناء أنفسهم من جديد وتجديد شبابهم ولبس ثوب الحاضر والاعداد بقوة لمستقبل أفضل، ومن هذا نجد هذه الدول تتقدم بسرعة ولقد أصبحت الفجوة بينها وبين الآخرين كبيرة وطالما الآخرون مهتمون بالماضي؛ وكنا وكنا وكان أهلنا وأجدادنا، فإننا سوف نبقى أسرى لن تقوم لنا قائمة وسيبقى الآخرون يتقدمون ونحن نراوح إن لم نتراجع. ونجد هذه الدول المتقدمة اليوم تقدم يد العون لجميع الشعوب ومنها أهلنا الذين انتشروا في أمريكا وأوربا واستراليا وبقاع كثيرة في العالم... وفي أوطانهم الجديدة يحاولون ما استطاعو الاندماج للاستفادة من تقدم هذه الدول ومن تجاربها السياسية لكن دون شك فإن الانصهار في بودقة المجتمعات الجديدة يبقى هاجسا يقلقهم خاصة وهم يرون أولادهم يبتعدون رويدا رويدا عن اللغة والعادات والتقاليد التي وُلدوا عليها وبدأت أمورها وتعابيرها تذهب صوب النسيان!!!
إنه واقع آخر في دول المهاجر لكننا يجب ان نقرّ بأن لغة التفاهم لمن أصبح في السويد ومن أصبح في فرنسا او ألمانيا أو أمريكا ستبقى السورث؛ خاصة بين الأجيال الجديدة. ومن هنا وجب على جميع الآباء أن يتابعوا تعليم أبنائهم مخافة أن نصل يوما حيث سيتفاهم أبناء العمومة بواسطة مترجم وهذه طامة كبرى جديدة أضيفت لما خسره هذا الشعب عندما حزم أمتعته متوجها نحو بلاد أكثر استقرارا وأمنا مما واجهه في بلده وأرض مولده مع أبائه وأجداده.

إنه واقع صحا عليه الكثيرون؛ فبعد أن ذهب عنهم الخوف الذي كانوا عليه في بلدهم وبعد تحملهم أعباء السنين العجاف وهم ينتظرون الوصول إلى بلد الأمان والاستقرار، نجدهم اليوم وقد بدأت لديهم هموما جديدة لم يكن يعرفونها في بلدهم من أمثال المخدرات والجرائم والطلاقات والزواج المدني وعدم القدرة على السيطرة أو المضي قدما في تربية الأبناء على الأخلاق التي تربينا كلنا عليها في العراق، فالقوانين تختلف وعجلة الحياة في المهجر تدور بسرعة فائقة والانسان عليه أن يدور بسرعتها وإلا يجد نفسه يعيش على الفُتات الذي ترميه له دوائر المنفعة الاجتماعية، وإن عمل وحصل على مرتب فإنه يجد نسبة مهمة من مرتبه تبتلعها الضرائب، ولذلك نجدهم يلجأون للتحايل على القوانين كي يخفون مداخيلهم ولكي يخففوا عنهم الضرائب، فضلا عمن يعمل في الخفاء ويدعي أنه عاطل عن العمل كي يحصل على المرتب الذي تقدمه دوائر الاعانة بالاضافة لما يحصل عليه من عمله في الخفية!!!
لقد خرج شعبنا كي يحافظ على نفسه وعائلته وتحمل المشاق الكثيرة كي يصل إلى مبتغاه لكنه فقد السيطرة على عائلته وأصبح الاولاد يعملون ويتصرفون وفق ما تمليه عليه قوانين البلدان الجديدة لا بل نجد من يتمادى كي يتصرف أكثر من أهل البلد الذي لجأوا إليه بتقليدهم أو حذو حذوهم وغالبا وهذا محصور في فئة الشباب ما يتم تقليد القشور التي تضر ولا تنفع، فأوضاع أهلنا في المهاجر لا تسير بصورة جيدة ونحن نواجه واقعا غير ما كان في أحلامنا، فشعبنا من مسيحيي العراق مطالبون الانتباه كي لا تغرق مراكبنا ونضيع بل ننصهر في المجتمعات الجديدة وعندها نكون قد وصلنا إلى الخسارة مرتين والخسارة الأخيرة هي بلا شك أكبر بكثير مما خسرناه في بلدنا الأصلي....

وللموضع صلة
عبدالله النوفلي
نشرت جريدة العراقية الصادرة في سدني المقالة بعددها الصادر يوم 16 تشرين الثاني 2011

99
المسيحيون العراقيون
الواقع وآفاق المستقبل في العراق (1)


أعلم أن هذه المفردة قد لا تروق لأخوتي الناشطين في المجال القومي وأنا معهم بأن هذه التسمية غير صحيحة في خضم المعترك السياسي كون لا يجتمع حتى علميا شيئان متناقضان وحتى لا يكونان سبيكة لأن المفروض عندما نناقش سياسيا علينا أن نناقش من يشابهنا في الصفات، فعندما نتكلم عن السياسة القومية يجب أن نمثل الجانب القومي كي تكون لنا المصداقية في المناقشة ونتمكن من أقناع الجانب الآخر ونحاول الحصول على المكتسبات لأبناء قوميتنا، وعندما يجلس طرفان ؛ كل منهما يمثل جانبا دينيا مختلفا فهنا يصح أن يتم الحوار بينهما للوصول إلى مشتركات وتفاهمات حتى يكون ذلك مفيدا لأبناء الديانات التي يمثلهما المتحاوران.

من هذه المقدمة البسيطة أردت أن أوضح أن العنوان ليس بالضرورة أن يكون يشير للجانب الديني البحت، لكنني لجأت إليه كي لا أدخل في نقاشات وصلت إلى مرحلة شبه عقيمة بين أطراف المسيحيين العراقيين الذين كل منهما يعتبر كونه هو الأصل وهو صاحب القدح المعلى بين أخوته وعليهم رفع القبعة له كي يقود أخوته ويمثلهم بين الأمم، وهذا طموح مشروع لكل الأخوة مهما تلونوا بألوان مختلفة لو كان هذا الطموح لا يلغي الآخر ولا يحاول مسحه من الخارطة السياسية للواقع العراقي بطرق مشروعة أو غير مشروعة، وعلى جميع أخوتنا من السياسيين المسيحيين أن لا يضيق صدرهم أزاء ما سيرد من سطور ربما يجدونها لا تنفع أجنداتهم أو ما يمثلونه من تيارات أو حركات أو أحزاب، لأن كاتب هذه السطور لا يطمح أن يكون قائدا لهم ولا أن يكون الحكم ليحكم بصحة طروحات هذا الجانب أو ذاك، بقدر ما يهمه أن يطرح أفكارا ربما تقود أخوته كي يجدون السبل التي يرون أن جلوسهم معا وتفكيرهم المشترك سيكون أكثر نفعا بآلاف المرات من جلوسهم فرادى والتصيد لأخطاء هذا الطرف أو ذاك والوقوف بالضد من طروحات أخوته لا لشيء سوى كونها تصدر من طرف لا يوافقه في الرؤى السياسية.
وللأسف هذا هو واقعنا فأي طرح يوحدنا وجد طروحات هائلة من المعرقلات التي لا تجعله يحرك واقع شعبنا قيد أنملة نحو مستقبل أفضل وضل التخبط هو الصورة السائدة وضل شعبنا مهمشا وحيدا ومتروكا لا يجد أملا معينا في أرض أجداده أرض ما بين النهرين التي شهدت أرقى الحضارت وولد على أديمها من يدعي الآشورية أو الكلدانية مع بعض التحفظ على هذه التسميات التي حق مشروع لمن يدعيها لكن يجب أن نكون متمسكين ببعض الثوابت التي تجعلني بحق أن أدعي أي منها أو أن أكون بصدق أتكلم، لأن في البحوث الرصينة يجب أن أدعم طروحاتي بالمصادر الموثوقة لا أن أتكلم هكذا جزافا، فجميل جدا أن أصل يوما لما يربطني بالكلدان القدماء لأكون فردا من أمة كلدانية عظيمة تنشد النهوض اليوم وتعقد مؤتمرات للنهضة هنا وهناك، وكذلك جميل أيضا أن أكون متأكدا بأنني منحدر من الآشوريون الذين دوخوا العالم قديما وسبوا الشعوب وجلبوهم أسرى لبلاد ما بين النهرين!!

لكن الأمور لا تسير بالتمني، فالمصادر التاريخية وهذا متروك لأخوتي المهتمين بهذا الشأن وحسب اطلاعي المتواضع تقف بجانب من يقولون بأن الآثوريون اليوم هم كلدان الجبال!!! بنفس المقدار الذي تقف به إلى جانب من يدعي بأن الكلدان السابقون لا علاقة بهم بكلدان اليوم كون التسمية أعيدت دينيا لمجموعة من كنيسة المشرق الذين دخلوا الكثلكة، وهنا يجب أن أنوه بأن مصطلح كنيسة المشرق لا يعني كنيسة المشرق الآشورية الحالية بل أن هذه الكنيسة قد لا تكون وارثة لكنيسة المشرق السابقة لأن الكتب الطقسية للكنيسة الكلدانية أو كنيسة المشرق الآثورية تقول في ديباجة كتبها بأنها كنيسة المشرق (الذين هم كلدان أو الذين هم آثوريون) من هنا نقول بأن مصطلح كنيسة المشرق كان يشمل جميع من يقول أنه (سورايا) اليوم وكانوا قبل الكثلكة يسمونهم النساطرة.
وأي نهضة ننشدها يجب أن تبنى على الصخر كي تكون نهضة قوية لا يهزها ريح وتكون مقنعة للجميع فمن يقرأ كتاب سرمى خاتون الذي أصدره الآباء الدومنيكان مؤخرا ببغداد يجد بأن الآثوريون الذين غدرهم القدر ونقلهم من جبال هكاري وطور عابدين في تركيا نحو جبال العمادية ومن ثم إلى أيران فبعقوبة فالموصل كانوا يعتبرون أنهم غرباء في العراق وليس هذا موطنهم، وكذلك من يدعي لغويا بأن الثاء تنقلب شين كي يبرر تحول الآثوري إلى آشوري فأعتقد بأن هذا الطرح فقير لغويا وعلى المطلعين أن يفتوا بذلك ويقدمون لنا الأمثلة فلا يجب أن يتم طرح الكلام جزافا لأن التلاعب بالكلمات يفقد المصداقية.

وكما يرى من يقرأ هذه الكلمات إننا أمام موضوع شائك ومعقد ليس الهدف من الخوض به النيل من أي طرف من أطراف المسيحيين السياسية بل بالعكس أنني فخور بأي منهما إن كان مقنعا ويقنع الآخرين دون تشنج وانفعالات أقل ما يقال عنها أنها تنقص من فرص المنفعل ولا تجعله في الموقف الصحيح أمام أبناء شعبنا من كل الأطرف، فهذا الكم الكبير من المؤتمرات والأحزاب والصرف لو أستغل بالاسلوب الصحيح لما كان قد آل موقفنا لما هو عليه اليوم من هجرة مستمرة وواقع حزين وتغيير ديمغرافي لبلداتنا التي أصبحت عرضة للنهش والتقطيع من جميع الأطراف على الساحة السياسية، لا بل أحيان هناك من يتحدث عن أجندات خارجية بدعم هذا الطرف أو ذاك كي يشتري الأراضي والأملاك لأجندة لا يعلم ماهيتها إلا من يخطط لها، والضحية هي نحن فها قد انتشرنا في أربع بقاع الدنيا وها بلداتنا تتناقص ويتم تغيير أسمائها وكل تغيير هو لمخطط سياسي مستقبلي؛ فها أن نوهدرا أصبحت دهوك وبخديدا أصبحت الحمدانية أو قره قوش ولا نستغرب أن يتغير اسم تلكيف أو كرمليس أو برطلة أو حتى عينكاوا وغيرها من البلدات التي كانت ذات أسماء مسيحية.

فهل هذا واقع يرضى له سياسوا أمتي أو شعبي المسيحي مهما كان لونهم. إنها بداية أتمنى أن استمر بها كي نوضح كل هذه الأمور وكي يرى المسيحيون العراقيون أن موطنهم جميل وأن العيش فيه يجب أن يكون آمنا لهم كما هو لغيرهم وأن حقوقهم محفوظة كغيرهم ويرى في السياسيون الذين يمثلونه في كل مفاصل الدولة العراقية المصداقية والاخلاص والتفاني، فعلينا أن لا ندع أن تتكرر مآسي هذا الشعب ويزداد تشردا وأن نرى مآساة جديدة كمأساة سيدة النجاة تحصد أرواح شعبنا ونحن نأمل بأن شهداء تلك المجزرة كغيرهم من الشهداء الذين قدمهم شعبنا على مذبح أـرض ما بين النهرين قديما وحديثا يطالبوننا أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل كل شيء وأن لا نخدع شعبنا بالشعارات، وعندها نستطيع القول أننا نسير في الخطوة الأولى من الألف ميل.
عبدالله النوفلي
2011
نشرت جريدة العراقية الصادرة في سدني يوم 9 تشرين الثاني هذه المقالة فشكرا لها

100
سلام ونعمة الرب يسوع المسيح معكِ أختي ماري
نعم ان الهنا كريم ويعطي بسخاء لكل من يطلب منه بقلب طاهر نقي، قلب متواضع محب،
وأنا من خلال هذه السلسلة من المقالات أريد أن كل انسان يستثمر ما لديه من وزنة او وزنات،
شكراً لكِ اختي العزيزة، ولنصلي معا كي يبارك الرب الجميع ويعينهم كي يستثمروا النِنعم التي يغدقها رب المجد علينا دون أن نشعر.
لك مني كل الود  
 

101
نحن والكنيسة 11
مشاركة العلمانيين في الكنيسة


إن العلماني لديه وسائل وطرق كثيرة ومهام يمكنه من خلالها المساهمة بحياة الكنيسة كي يتم استثمار مواهبه باتجاه إنماء خدمة الكنيسة وازدهارها وأغناء رسالتها وفي طريق وحدة كنيسة المسيح بالدرجة الأولى بحيث تبقى الكنيسة عروسة للمسيح وواحدة ومقدسة وجامعة ورسولية، وهذا الامر يتطلب منا أن تكون لدينا رؤية واضحة ورسم للأهداف الواضحة والدقيقة كي نحدد ملامح خطوتنا التالية.

فما موجود من تجزئة لكنيسة المسيح في وقتنا الراهن والاتجاه نحو التجزئة أكثر فأكثر يتطلب من المؤمنين أن يكونوا واعين لأن هذه ليست إرادة المسيح ويجب أن نعي بأن الكنيسة الجامعة ليست تجميع كنائس في مجمع معين تجتمع بين فترة وأخرى للتشاور او التداول لأن ما نعرفه أن المسيح أراد وجود رابط مقدس بين تلاميذه لأنه تجلى امامهم بأبهى حلة ويريد لكنيسته أن تكون أيضا هكذا متجلية ولابسة أحلى حلة وبلا عيب وتكون مجسدة لصورة المسيح الواحد.
والكنيسة لديها حقول كثيرة للعمل ومنها الحقل الأبرشي والراعوي التي يجب ان تكون هذه الحقول ورشة للعمل دون كلل أو إهمال، فالأبرشية الكنسية تعتبر كنيسة مصغرة للكنيسة الجامعة التي يتعرف المؤمنون على واقعها وبالحقيقة هم من هذا الواقع وعلى معرفة واطلاع لاحتياجاته سواء في المدينة او الريف. والعمل من خلال الأبرشية أو الرعية يكون نقطة الانطلاق نحو الأبرشيات الأخرى وبهكذا لا يكون حقل كنيسة ما معزولا عن حقل كنيسة أخرى بل يتم مد جسور التعاون فيما بين الرعايا والأبرشيات حيثما تتواجد جغرافيا أو وطنيا او دوليا لأن الصلات أمر ضروري لتواجدها لتبادل الخبرات وقطع هذه الصلات يعني الانغلاق وبالنتيجة تعني موت الخلية الصغيرة التي تنغلق على ذاتها وتكون خسارة للكنيسة الجامعة، والعمل الخورني يعني أن نعرف حاجات المؤمنين ودراستها والعمل على تلبيتها.

من هنا من الضروري أن تكون للرعية مجلسا تشاوريا والذي شهدت كنيسة العراق ما يسمى بمجلس الخورنة الذي يتم تكوينه من العلمانيين القريبين من راعي الخورنة كي تكون هذه المجالس مرجعا يستشيره الراعي في إدارة الكنيسة ومعاونا له في حل المشاكل والاشكالات التي تحدث في زحمة العمل اليومي في الرعية وحققت بعض المجالس التي شُكلت في الفترة الماضية نجاحا واضحا وعملت على ربط الخورنات بعضها ببعض بفعاليات مختلفة أغنت تجربة المؤمنين والرعاة معا، كما كانت لها مشاركة في المؤتمر العام الذي عقدته الكنيسة الكلدانية عام 1995 رغم ملاحظات البعض عن ذلك المؤتمر وما آلت إليه نتائجه، لأن المهم أن المشاركة قد حدثت وكانت واضحة وكان صوت العلمانيين واضحا ومسموعا طالما كانت ضمن الحدود التي تحددها القوانين الكنسية. وأصبحت الكنيسة منذ ذلك المؤتمر ليست كنيسة الكاهن أو الراعي فقط بل هي كنيسة كل المؤمنين السائرين بإيمان خلف راعيهم الذي يقودهم بإيمان مستقيم نحو الملكوت.
ومشاركة العلمانيين في حياة الكنيسة تبرز لنا طاقات كبيرة تبقى دون المشاركة خاملة وتموت دون ان تستفاد منها الكنيسة وجماعة شعب الله الذين يشكلون عائلة واحدة لله تعيش بإرشاد الروح للكنائس وتشارك بأفخارستيا واحدة وتعيد ذكرى ما طلبه المسيح في العشاء الأخير عندما قال افعلوا هكذا لذكري، هذه القربانة التي تعتبر الرباط الروحي الذي يجمع شعب الله المؤمن حول المذبح وتعبر بذلك عن وحدة الايمان الواحد المتمثل بأن المسيح قد تجسد بقوة الروح القدس وولد من عذراء وقد بذل نفسه ومات موت الصليب وقام ليجلس عن يمين الآب، هذا الايمان الذي يتطلب اقتراح صيغ مختلفة للقاء الرعية مع بعضها وليس فقط في القداسات المشتركة إنما باقتسام كلمة الله والخدمة وإشعاع ذلك نحو الرعايا الأخرى كي تتفاعل الخورنات والأبرشيات معا نحو التفاضل في خدمة الكلمة والتبشير بالمسيح لكل الأمم لأن الجميع ينطلقون في سباق الإيمان والمطلوب الجميع أن تعمل أقصى طاقاتها كي تستمر الرسالة وينمو الإيمان لا أن يتم دفن الوزنة وعدم الاتجار بها وإعادتها عند خط نهاية الحياة لخالقها ونحن نقول إنك تحصد من حيث لا تزرع فهاك وزنتك!!! الأمر الذي بكل تأكيد سيغيض رب الكرمة منا وننال التوبيخ لأننا كنا مؤتمين على وزنة واحدة ولم نتاجر بها.

إذا أنه زمن جديد يتطلب أنماط ديناميكية والابتعاد عن الرتابة كي نحدث تجديدا متواصلا في حياة الكنيسة وهذا بكل تأكيد هو مسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية يربطها رباط المحبة المتأجج والتفاني والابتعاد عن الأنانية المقيتة كي نصل لموسم جني الثمار والتي نأمل بهذه الروحية ان تكون معطية الواحد مائة او ستين أو ثلاثين ونحضى بقول رب المجد لنا نعمَّ العبد الأمين فقد كنت مؤتمنا على القليل تعال كي أجعلك مؤتمنا على الكثير فادخل إلى نعيم سيدك وتمتع بحياة أبدية لا تفنى ولا تنتهي.

ولكن ليس الأمر سهلا كما نتصوره او كما يتم طرحه على الورق لأن كل عمل هو بحاجة لإسناد والنشاط بحاجة للدعم المادي بالدرجة الأولى كي يتطور وينجح لأن أي نشاط بدون وجود قاعدة مادية يبقى أسير وضع معين متراوحا في مكانه لا يستطيع التقدم أبدا نحو الأمام، فكل عجلة كي تدور بحاجة لأمر ما كي تنطلق وعجلة العمل الراعوي بحاجة للدعم المادي كي تأتي بالثمار المرجوة منها، وهنا يكون الدور معنيا لنا أيضا فمنا من يملك هذا الدعم لكنه لا يستطيع المشاركة بالعمل الفعلي أو الحقلي ومن هنا قلنا ان هناك مواهب كثيرة فيكون الغني موهبته هي مساهمته بأمواله كي يقوم الفعلة الآخرين بالعمل الفعلي ويتقدم العمل بمسؤولية إيمانية تجاه نقل البشرى لجميع الأمم وخصوصا غير المؤمنين منهم أو الباردين في إيمانهم أو المهملين تجاه واجبهم الكنسي والديني الذي يتطلب منا ان نكون علامة رجاء لهم ومفتوحي اليد والقلب والذهن لهم كي نستطيع أن نجذبهم معنا ونسير معا في طريق الملكوت متسلقين جلجلتنا بثبات وصبر قويين وتبقى رسالة المسيح وإنجيله ينبوعا لنا ننهل منه ونروي ضمأ البشرية أجمع.

فكما نرى أن الكنيسة بحاجة لكل منا ويجب أن لا يقول أي منا أنني لست شيئا كي أقدم شيئا لمسيرة الكنيسة فليس العلم او الثقافة أو المال فقط المطلوبين كي يكون المؤمن عنصرا فعالا في كنيسته لأن كنيستنا التي يجب أن تكون مهمة لنا جميعا ونعمل ما استطعنا كي تبقى قائمة على الصخرة لا تتزعزع وهي بحاجة لمواهب الجميع ولجميع الطاقات منها العضلية أو الفكرية أو الثقافية أو المادية البحتة كي تتقدم وتثمر فمن يجد نفسه مثمرا باتجاه معين عليه التقدم وتقديم خدمته ونبقى بذلك بأجمعنا خداما في حقل الرب وما أطيب أن نكون فعلة بهذا الحقل خاصة ونحن نعد لمائدة سماوية مزينة بكلمة الله وبجسده الطاهر ودمه الثمين، وليس المطلوب أمرا عسيرا سوى توفر العزيمة على التقديم والاصرار على النجاح وعندها سنجد روح الله يعمل وبركته تحل وكنيسته تتقدم، فهل نبخل على الرب بشيئ؟

عبدالله النوفلي

102
الحقيقة أن الوجود المسيحي في العراق مهدد وبجدية اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن مستقبل المنطقة ككل يعاد ترتيبه من قبل القوى الكبرى كما نرى ما آل إليه الربيع العربي ومن صعود قوى متشددة لتسلم الحكم في دول المنطقة الأمر الذي يعني أن لا مكان للمسيحيين في هذه الدول لأن حيثما يتواجد المسيحيون فإنهم يحبذون وجود الأمن والأمان ويبتعدون عن بؤر التوتر، ومجزرة كنيسة سيدة النجاة لم تكن الحلقة الأخيرة لمسلسل مذابح بدأ منذ زمن بعيد، والعراق ليس بعيدا عما جرى ويجري من أحداث في مصر وهجمات مشابهة على المسيحيين هناك، وربما سوريا ستدخل على الخط وعندها لبنان سيضيع في المعمعة حتما، ومن أعادة ترتيب أوراق المنطقة يمكننا الاستنتاج أنها مقبلة على توترات شديدة ربما سيكون الحرب الاسلامية الاسلامية أحد نتائجها وإن حدث هذا لاسامح الله سيكون خروج المسيحيين من منطقة الشرق الاوسط هو الحل الأمثل والمفضل بديلا عن أبادتهم لو بقوا فيها، نتمنى من الله أن يحفظ الجميع ويهدي الجميع لما فيه خير الشعوب وسلامتها وأن يعم الأمن والاستقرار ربوع العراق والمنطقة وأن تكون دماء ضحايا سيدة النجاة هي الاخيرة
عبدالله النوفلي

103
شكرا لك أخي العزيز

أبا عابد

والرب يباركك ويديمك مستمرا بالتعليق والقراءة
                  آميــــــــن .

104
أختي العزيزة ماري
سلام بالرب يسوع المسيح ونعمة الروح القدس معك على الدوام

نعم ان القداسة للجميع وكل واحد كما قلت حسب الوزنة المعطاة له وكيفية استغلالها
فعلينا العمل دون خوف أو ملل لأن الوصول إليها ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى محاربات كثيرة لأن الشرير لا يفرح بأن تكسب حضيرة الله أي إنسان والقديسين يعملون وفق مخطط الله كي يجمعون الخراف التائهة هنا وهناك وأنت وأن وغيرنا علينا العمل بكل الوسائل كي نكون من ضمن هؤلاء وأن لا نكون من ضمن التائهين كأضعف الايمان والكنيسة وآفاق العمل من خلالها هي إحدى الوسائل للوصول إلى هذا الهدف.
لك محبتي وشكرا للتعليق الذي يشجعني للمواصلة بالكتابة

105
نحن والكنيسة (10)
العلمانيون والقداسة من خلال الكنيسة
[/color]
ونحن نعيش في عالم مضطرب وكنيستنا تُعتبر السفينة التي تُبحر في هذا الجو الملتهب من العالم علينا العمل من أجل تقديس ذواتنا وليس من خلال العزوف عن الحياة الدنيوية أو تركها أو نبذ كل ما يمتد للأرضيات بصلة واللالتفات كليا نحو الروحانيات أملا بالخلاص ونيل الملكوت، لكن الأمر الذي يريده الله لنا هو العكس تماما، لأنه القائل أفرحوا مع الفرحين وابكوا مع الباكين لأن المطلوب منا عندما نفعل شيئا هو استحضار أسم الرب يسوع فيه وباسمه مقرنين أياه بالشكر (قولسي 17:3)، والمجمع الفاتيكاني الثاني شدد أن كل أمر زمني يجب أن لا يكون بمعزل عن العمل الروحي والقداسة تتحقق من خلال الحياة العادية للمؤمن التي هي فرصته كي ينطلق نحو الله والعمل حسب مشيئته ويقدم الخدمة لأخوته البشر ويدعوهم كي يتحدوا وأياه مع الله من خلال المسيح وفي أطار الكنيسة.
وهذا العمل يكون انطلاقا من مسؤولية المؤمن العلماني على ما اؤتمن عليه من وديعة الايمان كوننا فعلة، المطلوب منا العمل بلا كسل في كرمه التي نتمنى بفضل نعمته أن نستطيع تقديم كلما نستطيعه كي تنمو وتزداد اتساعا ملكوت الله خاصة وأن الرب سيكون لنا راعيا ومباركا وساندا لنا في كل الضيقات التي ستواجهنا. لأننا من أغصان كرمة الرب وبالقدر الذي نثبت في الكرمة بقدر ما نستطيع الاتيان بثمار كثيرة وبهذه الهمة نجد الكثير من العلمانيين قد تبوأو درجات التطويب وأصبحوا شهودا على ما يجب على كل منا أن يقدمه في حياته اليومية والتي من خلالها يستطيع نيل القداسة فلنشكر الرب كوننا لسنا فقط مسيحيين بل المسيح بذاته على قول القديس أوغسطينوس.
علينا أن نعمل بشركة مع أخوتنا الآخرين لأن الدعوة ليست محصورة بأشخاص بحد ذاتهم بل هي دعوة عامة ومفتوحة للجميع ومن خلال العمل المشترك نستطيع باتجاه إيصال قصد الله في سعيه لخلاص البشر بعد أن نلنا المعمودية ووهِبنا قوة الروح القدس إذا كنا ملتزمين بكل متطلبات معموديتنا فنكون مرسلين لجميع الأمم وفي جميع الأزمنة وفي كل بقاع الأرض. ومتسلحين بكلمة الله والأسرار الإلهية وسرّ العماد والأسرار الأخرى. فيتطلب منا ذلك أن نندمج كمسيحيين بحياة ربنا المسيح له المجد وفينا المحبة التي تربطنا مع جماعة المؤمنين الآخرين مكونين كنيسة حية قوية ومفعمة بالنشاط وفعالة على مستوى نشر الإيمان وترسيخ قواعده في عقول وأذهان البشر. ونصبح كلنا جسدا واحدا على قول رسول الأمم بولس في (1قور 12:12) " كما أن جميع أعضاء الجسد البشري، على تعددها، لا تؤلف إلا جسداً واحداً، كذلك المؤمنون يؤلِّفون جسداً واحداً في المسيح " وبالمواهب المتعددة والمختلفة يعمل المؤمنون لخير الكنيسة وغناها الروحي ويتم تحقيق ما تحتاجه من خدمات، ولا يتحقق ذلك إلا بالنعمة التي يهبنا أيها الروح القدس الذي يعتبر الرباط الذي يربط المؤمنون مع بعض ومع الكنيسة بحيث نصل إلى قول الرسول بولس في (1قور 26:12) " لا يتألم عضوٌ إلاّ وتتألم معه سائر الأعضاء، ولا يكرّم عضوٌ إلاّ وتفرح معه... "
وانطلاقا من كل هذا ليس من الصحيح أن ننطوي على أنفسنا وننعزل عن بقية العالم وخصوصا عن الجماعة الكنسية وعلينا أن نتواصل مع الآخرين بعمق ووعي لأن مواهبنا المختلفة والمتعددة هي بمثابة تكامل ويجب استغلالها من أجل خير الكنيسة خاصة إذا كانت مصحوبة بإرشاد رعاتنا الأجلاء عندما تكون صائبة وتسير وفق إرشاد الروح الحق وبنكران ذات من أجل بناء الكنيسة. التي هي بناء حدده الرسول بولس في (1قور 28:12) " قد وضع الله في الكنيسة أُناساً أوّلاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلّمين " وبعضا آخر مبشرين كما جاء برسالة (آفسس 11:4) التي نحن كلنا معنيين بها كعلمانيين نحمل سر الإيمان بالمسيح. وحسب حاجات الكنيسة وعلى الأخص في ضل قلة الكهنة أو غيابهم وبما ينسجم مع دعوتنا النوعية في محبتنا وفي أسرنا وتربية الأولاد والعمل المهني والوظيفي بالاظافة ما يوكل للعلمانيين من نشاطات كنسية من قبل الرعاة .
مما سبق فإن حياتنا تتطلب منا القداسة كي تسير بالاتجاه الذي يريده منا ربنا وكي تكون مثمرة وباتجاه البناء وليس كما نرى ونسمع العديدين ومنهم أبناء الكنيسة من ينهشون بلحم بعضهم البعض ويترصدون لكل واردة او شاردة بغية النيل من أخوتهم او رعاتهم الأمور التي لو التفت إليها المؤمن وتمعن بها لوجدها مرضا عليه معالجته والابتعاد عنه بل محاربته كي لا يستفحل مع الأخوة الآخرين وكي نبقى كلنا أصحاء وبقلب واعٍ ويكون جسدنا سليما لتصب جميع تصرفاتنا وأقوالنا باتجاه البنيان وأن لا نطيل الكلام او نكثر اللغو بل علينا دوما تذكر أن ربنا قال ليكن كلامكم "نعم نعم أو لا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشيطان!! فهل يرغب أي منا أن يكون فينا شيئا مهما كان صغيرا من الشيطان ؟
إذا نحن على الدوام مطالبون بمراجعة الذات وصيانتها كي لا يمرض الجسد وتبقى عقولنا مفتوحة على الدوام لكي يفعل الروح ما يشاء وعلينا ان نسلم ذواتنا لله بكل أمانة وكلنا ثقة أن الله هو ذلك الفخاري الأعظم ولا يريد لجبلته أن تتلف أو تباد بل أن الروح يعطي كل واحد منا موهبة ربما تختلف عن الآخر وبمجموعها يتم التكامل فمنا من يأخذ موهبة الحكمة وآخر العلم والآخر الإيمان المطلق وآخر مواهب الشفاء أو صنع القوات أو النبوءة أو تمييز الأرواح أو التكلم بالألسنة، ومهما كانت موهبتنا بسيطة ومتواضعة فإنها بنعمة الروح تأتي بثمار مفيدة للكنيسة خاصة عندما تكون موجهة للبناء لا الهدم وتحقق النفع العام للرعية أيضا ويتم ذلك من خلال متابعة الرعاة وكشف هذه المواهب وتوجيهها نحو الخير العام كي تبقى الكنيسة حية فيما بين البشر وتحمل لواء نشر الإيمان بقوة نحو العالم أجمع.
عبدالله النوفلي

106
إ
نتِ محقة أختي العزيزة، فالكاهن هو إنسان مثلنا وبحاجة لكي نصلي من أجله ويقوانها صراحة في الكرازات للمؤمنين صلوا من أجلنا ، أشكر مرورك في الموضوع وأنا ممتن لذكري والكنيسة بصلواتك، لتحفظك عناية الرب

107
الرب يباركك يا أخي العزيز ويقوي أيمانك ويقوينا معك

108
نحن والكنيسة 9
العلمانيون المؤمنون أبناء الله

كعلمانيين ومؤمنين بالمسيح فيجب أن نعتبر أنفسنا أبناءا لله من خلال يسوع المسيح خاصة ونحن قد ولدنا من الماء والروح بواسطة معموديتنا التي هي ولادة جديدة للحياة المثمرة المدعمة بنعمة الله وبرجاء عظيم فإننا سننال الميراث الابدي بعد أن دشن المسيح طريق القيامة وقضى نهائيا على الفساد والاضمحلال لأن كلمة الله الحية قد خصتنا بواسطة يسوع المسيح الذي بموته على الصليب قد خلصنا واشترانا بدمه الطاهر الثمين.
ومن خلال معموديتنا فإن الصوت الذي سُمع أبان معمودية يسوع هو أيضا يتردد أصداءه مع كل من ينال نعمة المعمودية ليصبح أبنا حبيبا لله يفرح به وعليه أن يشارك مسيرة مخلصه بكل شيء بحيث ممكن أن نعتبر أنفسنا أخوة ليسوع وقد نلنا الروح المحيي وأصبحنا أعضاء جسد واحد هو جسده الذي هو أيضا الكنيسة التي يجب أن لا يفصلنا عنها عري أو برد أو جوع أم أضطهاد أو ... لأننا كما ذكرنا في حلقة سابقة أننا أغصان في كرمة واحدة. وأصبحنا حجارة حية لبناء بيت بمواصفات خاصة روحية، الامر الذي يتطلب منا التجديد الدائم ولكي نعطي المجال للروح أن يعمل من خلالنا ونستطيع أن نردد مع النبي الكلام الذي قرأه الرب في
الهيكل: روح الرب عليّ مسحني لأبشر المساكين... (أش 1:61-2).
إذا نحن أبناء قد أختارنا الله وجعلنا مشتركين مع يسوع في الكهنوت الروحي ومُسحنا وبذلك أصبحنا جزءا من جسده الطاهر لأنه طالما أن رأس الجسد قد مُسح فصيبح كل الجسد وأعضاءه ممسوحين أيضا وتتحد مع جسده في سر الافخارستيا فتكون كل أفعالنا وحياتنا التي نعيشها والتي تتم حسب مشيئة الله ومن أجل محبته كل ذلك يمتزج مع قرابين القديسين الصالحين من أجل خدمة البشر وأعلاء شأن الكنيسة المقدسة. فهكذا درجة من القداسة تطلب منا الصبر واحتمال المشاق لكي ننال في النهاية بركة الله القدير ونتقدم بالقداسة ونحمل بشرى الإنجيل للبشرية جمعاء وليس بالكلام فقط إنما بالأعمال مبتدئين من أنفسنا
مجسدين كلام ربنا في حياتنا اليومية سواء في العائلة أو في المجتمع محاربين الشرير وأعماله وبذرته التي هي الخطيئة ناشدين الحرية لأننا أصبحنا أحرارا بعد أن كان الانسان عبدا للخطيئة وعاملين من أجل الخير الحقيقي لمن أفتادهم المسيح بدمه الثمين. لان الخلاص واحد والرجاء واحد ومحبة الله المجانية للجميع هي أيضا واحدة.
وكعلمانيين لدينا ميزات ذات نمط خاص عن رجالات الكنيسة واكليروسها ولنا رسالة وإن اشتركت معهم بالاطار العام لكن رسالتنا متميزة بلونها الخاصكونها علمانية وتعيش وسط الناس العاديين ومتحررة نوعا ما عن قيود الكهنوت العملي للكهنة لأن العلماني ملتزم مع العالم وأشغال العالم في الوظيفة والعائلة والعمل أي أن العلمانيين هم جزء من نسيج العالم العام لأنهم يعيشون وسط ذلك ويتفاعلون معه بكل التفاصيل.والمسيح لم يكن غريبا عن حياة العلمانيين خاصة وهو قد عاش وسط عائلة عمالية تقدس العمل أي أنه قد أحس بالمعاناة والتعب والألم ولم يكون غريبا عن العالم أبدا. ومن خلال هذا العالم نستطيع تمجيد الله وليس صحيحا أن نبتعد عن العالم أو نجعل هناك سياجا بيننا وبينه بل على العكس فإن المسيح يطلب منا أن نذهب للجميع وأن نبشر ونعمد أي نأخذ العالم معنا إلى القداسة كخميرة حية وبشهادة حقيقة للإنجيل عبر حياتنا وأفعالنا وتصرفاتنا.
وحياتنا مع الكنيسة وفي العالم يجب أن تكون حياة قداسة وتليق بها مستخدمين الصلاة كسلاح بيدنا وأن نعمل لا من أجل أنفسنا وخلاصها فقط بل من أجل الجميع وخلاص الجميع ويجب أن نتذكر أن في العالم الكثير من الأمور التي يذكرنا بها الانجيل من جوع وعري وعطش وبواسطة ذلك ممكن أن نحصل على البر وأن نخدم أخوتنا الفقراء والمهمشين الذين يشبعهم العالم القاسي من آلام مبرحة وتطحنهم عجلة الحياة القاسية يوميا بقسوتها غير المبررة أحيانا كثيرة ونشاهد حالات كثيرة من الظلم الذي يلحق بالبشر وقد نبقى أزاءها متفرجين وهذا يعري إيماننا كونه ضعيفا ومهددا كي يذبل ويموت بسرعة تماما كالبذار الذي سقط على حافة الطريق أو الذي علت الأشواك وخنقته، نحن ومن خلال الكنيسة يجب أن نعمل في كل وقت ودون ملل أو تعب إلى تنقية أرضية إيماننا كي يتم أحتضان بذرة الايمان بقوة ومدها بكلما تحتاجه كي تنمو وتصبح شجرة كبيرة ومن حبة صغيرة كحبة الخردل تنمو وتصبح شجرة باسقة تضلل الآخرين أيضا، وبهذا الايمان نستطيع أن نقول لهذا الجبل قم وانتصب في البحر ويطيعنا ونعمل المعجزات التي تكلم عنه ربنا له المجد.
إننا وفي هذه المقالات نتحدث عن الكنيسة وكلامنا عن المؤمنين العلمانيين الذين ننشد من خلاله أن يكونوا عونا للكنيسة ونذكر على الدوام أن الكنيسة ليست فقط محصورة في شخص البابا أو البطريرك أو الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، لأن الكنيسة هي كلنا معا ولا يستطيع أي من الذين ذكرناهم الانفراد بقيادة الكنيسة ولا يستطيع الراعي أن يقود شيئا إن لم يكن هناك قطيع فشعب الله هو جزء من كنيسة المسيح، فكما هذا الشعب محتاج لرجال الكنيسة كي يمدوه بالأسرار والزوادة الإلهية وإقامة الطقوس، كذلك فإن هؤلاء محتاجين للعلمانيين كي ينفذوا خططهم ويتلقون المساعدة منهم فاليد الواحدة لا تصفق كما يقولون واعتبار العلمانيين لرجالات الدين أهداف مرصودة دائما وجعلها مثار للنقاش والتجريح كل ذلك هي وسائل للهدم، فبدل أن نكون سببا في تقدم الكنيسة يلجأ البعض منا لوضع العصي في عجلات تقدم الكنيسة ويضعون الكنيسة ورجالاتها على المشرحة بوسائل عدة وللأسف أحيانا نجد من هؤلاء من يساعده بعضا من رجالات الدين الذين لديهم أجندتهم الخاصة بهذا المسار وكلها بسبب تضرر بالمصالح الشخصية أو لنظرتهم الضيقة تجاه بعض الأمور التي قد يرونها مشروعة لأعمالهم، لكن للجميع أقول يجب أن تكون مصلحة الكنيسة وبنائها هي هدفنا جميعا وكلمة الشكر أو الظفر بمنصب أو موقع داخل هرم الكنيسة هو تحصيل حاصل ولا يستطيع أحد أن يحجب ضوء الشمس بغربال ولابد للحق أن يتم تحقيقه يوما لأن لو كانت الرئاسات يوما غير عادلة تجاه هذا او ذاك فإن هذه القيادات ليست أبدية وهناك العديد من الوسائل التي يستطيع بها رجالات الكنيسة التغيير وهي وبصورة مهمة العمل من داخل الهرم الكنسي وليكن شعارنا جميعا هو البناء وليس الهدم ناشدين باستمرار بركة الله ونعمته كي يغدقها على الكنيسة وأبنائها مشفوعة بعمل الروح فيها.
عبدالله النوفلي

109
أخي نافع
وأنا بدوري أشكرك جزيل الشكر لتفضلك بالقراءة والتعقيب، وأعتقد موضوع المقالات ليس غريبا عليك وأرجو أن أوفق بتوصيل الرسالة للقاريءكي لا نفهم الكنيسة كحجارة وبناء أو ككهنة وأكليروس وكأننا نحن العلمانيين لا يعنينا الأمر، تقبل خالص المودة
[/color]

110
أختي المباركة، ومَن مِنا ليس بخاطيء، لكن جميعنا يجب أن نفرح ونصلي ونجتهد لأن المسيح معنا وقد افتدانا بدمه ووضع كنيسته على الأرض كي نعيش الملكوت من خلالها، وكل منا هو عبارة عن حجارة حية في بنائها، وبذا تكون الكنيسة بحاجة كي نصلي ونطلب من رب المجد من أجلها كي لا تقوى عليها قوى الشر، شكرا لتعليقك
[/size]

111
أخي الكريم (بابا عابد)
شكرا لتفضلكم بقراءة الموضوع وتقييمه
أتمنى لكم موفور الصحة
والقداسة

112
أختي ماري
سلام بالرب يسوع ونعمته معك على الدوام وأشكرك من القلب على صلواتك من أجلي كما أرجوكي أن تصلي من أجل الكنيسة كي تبقى وتستمر وتصمد في هذه الأزمنة الصعبة وخصوصا كنيسة العراق المتألمة

113
نحن والكنيسة
8 العلمانيين والصراع مع قوى الشر

تحدثنا في الحلقة الماضية عما موجود من أصنام جديدة ومتنوعة في عالم اليوم ومسؤولية العلمانيين المؤمنين أزاءها فهنالك صراع حقيقي وجوهري يتطلب منا الكثير من الصبر والصمود والعمل الجاد والمضني كي نثبت نحن أولا في الايمان ونعمل على جذب الآخرين إلى حضيرة الراعي الصالح، فعالمنا مليء اليوم بالإرهاب والحروب ويسير العالم باتجاه أنه سيد نفسه ويبتعد أو يحاول أن يوهم نفسه بأنه سيد نفسه ولا دور لله في كل مجريات الحياة، في حين نقرأ في الانجيل أن رب المجد تحدث عن السلام وأعطى الطوبى لصانعيه، هذه الكلمات التي يجب ان تبقى ترن في صدى عقولنا وتفكيرنا كي نعمل من أجل تحقيقه عبر عدالة إجتماعية وبطريق الخير نخفف من خلال عملنا بهذا الاتجاه من آلام أخوتنا البشر ونعمل كي تلمس البشرية بحق أن السلام ممكن الحدوث وأن معطياته ليست بعيدة المنال إن توفرت النيات وتضافرت الجهود للعمل بهذا الاتجاه من الانسانية.
فعمل العلمانيين المؤمنين مهم بهذا الاتجاه وعليهم تجنيد أقصى الطاقات كي يعمّ الأمن والأمان كل المعمورة  لأن ربنا له المجد كان وسيبقى رجاءا لكل الإنسانية وعلينا العمل أن نقوي هذا الرجاء بالتصاقنا  بالكنيسة مع رعاتنا ومع أخوتنا المؤمنين باتجاه الشركة والمشاركة وأن ندع المجال ليسوع المسيح أن يعمل في حياتنا ونفتح أبواب وشبابيك قلوبنا كي يدخل الروح وينقي دواخلنا من الخطيئة ومن أي عمل مضاد لإرادة الرب فتحن والكنيسة نعتبر علامة لاتحاد الله بالبشرية جمعاء.

فتمسكنا بالرجاء يعتبر البوابة الصحيحة كي تثمر كلمة الحياة بين الناس وتؤمن الإنسانية بأن المسيح هو الذي أعطانا بشرى الخلاص وحمل لنا الفرح وكيف له اليوم أن يفعل هو بذاته هذا لأن زمن المعجزات قد ذهب حسب رأي الذين لا يبصرون ولا يسمعون فنكون نحن هم من يحمل هذا الفرح وهذا الرجاء حاملين أوزار الرسالة مع معلمنا الإلهي كي تبقى رسالته حاضرة الأمس واليوم وغدا. وتكون منبعا لا ينضب للمحبة التي لا حدود لها. كيف لا ونحن أعتبرنا الرب أغصان في كرمته والأغصان تحمل ملامح أصل الشجرة التي تتغذى منها وتستمد قوتها وحياتها من الأصل. ونحن بذلك لسنا فعلة في الكرمة فقط بل نحن جزء من
الكرمة لا يمكن فصله عنها لأن الانفصال عن الكرمة يعني الموت.
أزاء ذلك علينا التعمق الكبير كي نفهم دورنا ونستكشف باستمرار الرموز التي أراد ربنا لنا أن نعيشها ونحياها وذلك يحدث إذا ثبتنا في الكنيسة أولا وعلينا التسليم بأننا لا نستطيع فعل شيء بدونه وبدونها وكوننا عبيد بطالون مهما فعلنا، فهذا إن اعتبرناه سرا لكنه يحمل المحبة الخالصة الموهبة بالمجان للبشر أجمعين لأن إن فعلنا ذلك وعشنا كما أراد لنا المسيح فإننا سنعرف ربنا ونعرف كيف نثبت فيه كما هو ثبت في الآب، فهذا الذي اعتبرناه سرا هو سر شركتنا مع الله من خلال الكنيسة التي علينا تحديد دعوة كل منا ومواهبه وتوضيفها باتجاه تقوية أيمان أخوتنا الآخرين.
هذا الايمان الذي علينا عيشه بإيجابية والابتعاد عن السلبية التي نلجأ إليها أحياننا لكوننا لسنا من الاكليروس فنحن بعيدون عن المسؤولية المباشرة، فالأمر معكوس تماما فطالما نحن أغصان لكرمة واحدة فعلينا ممارسة وظائفنا كما المسيح الكاهن الأعظم والملك وعلينا أن لا نهرب من خط المواجهة وأن نكون في المقدمة لأننا نحن الكنيسة بأكملها وليس فقط أننا ننتسب للكنيسة فكلنا معا نشكل جماعة كنسية مؤمنة ومعنا يكون الكهنة والأساقفة وكل رجالات الكنيسة ومعا نرتبط بالمسيح ومنه نستمد الحياة الحقيقية. وكي نستمر بالحياة علينا العمل الجاد كي نتجذر في الإيمان ونعمل على ظهور أغصان جديدة كي تستمر الحياة وتتجدد ونستثمر مواهبنا باتجاه إيجابي ونحقق معموديتنا بالأفعال ونبتعد كثيرا عن الأقوال التي لا تقدم بل نصبح كالمرائي الذي يقول شيئا ويفعل شيئا آخر ويحاول أن يضع أحمالا على أكتاف الآخرين وهو لا يتحمل وزر أي حمل .
علينا كمؤمنين أن نعطي المثل الصالح في كل شيء وأن تكون حياتنا صورة تعكس المسيح بكل اتجاه وهنا يجب علينا الالتزام الواعي بمخطط الله للبشر وفحص ذواتنا كي نيتعد عن الأنانية المقيتة ونعمل أن نولد من جديد بالروح ونكون بحق أبناءا لله متجددين دوما بالمسيح لأننا حقا جسده من خلال الكنيسة وخصوصا قد نلنا الروح من خلال المعمودية وقد تثبتنا بمسحة الميرون، الرموز التي نتثبت من خ لالها في الكرمة ونعمل كي نكون مستعدين بدورنا لتحمل مسؤوليتنا ونعطي الثمار منها ثلاثين ومنها ستين ومنها مائة.

عبدالله النوفلي

114
عين الصواب أختي المباركة
لنعش مع المسيح دوما
فهو الذي قد حررنا
وحطم كل القيود
فالخطيئة هي التي تقيدنا
والمسيح قد حمل عنا كل ذنوبنا وخطايانا
وافتداها بدمه الثمين
فما علينا سوى أن نسير خلفه
ونتسلق جلجلة حياتنا كي نصل إلى قيامتنا
فالمطلوب هو موتنا عن الخطيئة كي نعيش أحرار
تقبلي مودتي

115
أختي العزيزة ماري ...
شكرا لتعليقك الجميل
بكل تأكيد ما نصبو إليه من الكتابة
هو أيصال الايمان مع الشرح لكل من يهمه الأمر
وهذا جزء من الوفاء للوزنة التي أخذناها في العماد
وكل مبتغانا أن يرضى عنا الرب له المجد
ويجعلنا من الفعلة النشيطين في كرمه
أتمنى أن تدوم المحبة لديك
كي يزداد نشاطك مع إيمانك لنمجيد الرب
آمين

116
وليباركك الرب وشكرا لتعليقك وكلي أمل أن رسالة المسيح ستستمر وبقوة كي يبقى النور مشعا في العالم ولا يعيش مطلقا العالم في الظلام

117
نحن والكنيسة
7 رسالة العلمانيين


للعلمانيين رسالة واضحة ومهمة في الكنيسة، وقد ناقش مجمع الأساقفة المنعقد في سنة 1987 في روما، من 1 – 30 تشرين الاول. موضوع دعوتهم ورسالتهم في الكنيسة والعالم وكان ذلك بعد مرور عشرون عاما على المجمع الفاتيكاني الثاني، كونهم جزء من شعب الله الذين يعبرون بحق كونهم فعلة الكرمة المدعويين من رب المجد إلى كرمه والذي حدد لهم مهمة وهي أن أرسلهم للعالم أجمع كي يساهمو في عملية الخلاص ويعملوا على تغيير العالم وتمهيده لمجيء المخلص ثانية في ملكوته النهائي.
إذا دعوة رب الكرم للفعلة أن يذهبوا هم أيضا إلى كرمه ليس موجها فقط للكهنة والأساقفة والرهبان والراهبات أي لرعاة الكنيسة وحدهم بل أن الدعوة موجهة للجميع وخصوصا للذين يحملون بذرة الايمان بالمسيح، فما علينا سوى التبصر والتفكير بأنفسنا إن كنا حقا نصلح أن نُسمى فعلة حقيقيين بكرم الرب، وليس هذا فقط وإنما يجب أن نكون فعلة بفرح وبحماس وسخاء كيف لا ونحن بالحقيقة نلبي نداء المسيح، نعم إنه موجه لنا جميعا وعلينا أن نتحمل المسؤولية في العمل كي ننمي غلات هذا الكرم ويكون لدينا بصمة واضحة في عمل الكنيسة الخلاصي.
إن تجدد الروح في الكنيسة بحاجة لروحية متجددة من قبل الجميع وأكثر العناصر ذات القابلية للتجديد هي الشباب فيكون هؤلاء عماد الكنيسة وعملها وروحيتها المتجددة دوما والتي يجب أن يكون وعي العلمانيين يقضا وواعيا لها ولا يجب علينا أن نبقى طوال النهار بدون عمل كما كان فعلة الساعة الحادية عشر إنما لنكن مبادرين فإن العمل بنشاطات الكنيسة لا يحتاج إلى دعوة لأي منا بل يجب أن نكون نحن المبادرين للعمل من خلال الانتباه لصوت المسيح وسماعه كونه يدعونا في كل لحظة للعمل وإن كرمه واسع وبحاجة للجميع ولا أن يكون الكثيرين مكتوفي الأيدي ومن المتفرجين اللاأباليين!!، بل يجب أن يحركنا الايمان ونشعر بجدية بأن الروح يعمل فينا وبدون كلل وما علينا سوى تمييز العلامات الحقيقية لحضور الروح وحضور الله وكي يرشد هذا الحضور عقولنا كي نميز ونعرف ما علينا فعله تجاه أخوة يسوع المحتاجين ومنهم المرضى والمحتاجين والمسجونين والعطاش والجياع ووو...
إن الكنيسة في عالمنا اليوم تعيش ذات الأمراض والأحداث التي يضج بها العالم وتتألم لما يحدث وربما تنزف دما من جسدها قربانا لرسالتها وتضحية كتلك التي قام بها رب المجد في طريق الجلجلة كون الكنيسة هي دائما في حالة تسلق لهذا الجبل وعليها من أجل الوصول إلى المنتهى أن تتجاوز السقطات والاهانات والآلام كي تفوز بالملكوت وكي تكون أمينة لذلك الذي وضع لها اللبنات الأولى وأسسها وأعطى لها الرسالة ووضع لها القواعد كي تسير عليها. خاصة وإن المؤمنين هم ملح الأرض وعليهم التقدم نحو العالم بذات الملح كي يُصلحوا البشرية جمعاء ويكونوا النور الذي يوضع على المنارة ولا يجعلوا من أنفسهم نورا تحت المكيال حتى يرى العالم هذا النور ويمجدوا الله.
إننا نعيش في عالم يختلط به الخير والشر كما تنموا فيه الحنطة جنبا إلى جنب مع الزوان أي أننا سنبقى على الدوام نواجه التحدي وسيكون معنا الظلم كما ان العدل موجود لأن ذلك هو مسرح أحداث العالم ولا نستطيع سوى أن نكون من هذا العالم كي لا ينبذنا العالم ولا نكون كغرباء فيه.

إن العلمانيين الذين نقصدهم هم هؤلاء المؤمنين برسالة المسيح البعيدين عن الإلحاد والذين يعبرون أن وجود الله جوهري في الحياة وأساسي، جماعة كهذه عليها مسؤولية كبيرة لمواجهة كل مظاهر حياة العولمة البعيدة عن الايمان كي تفتش عن الخروف الظال وتعيده إلى الحضيرة وفي عالمنا اليوم ما أكثر الخراف الظالة بحيث يوما بعد يوم يزداد عدد أصنام العالم ليس كما كانت الأصنام في الماضي لأن اشكالها وأنواعها تغيرت في العالم بعد ألفي سنة من المسيح، خاصة في حاضرنا المعاصر حيث تبتعد الجماعات رويدا رويدا عن الكنيسة وتبحث لها عن أماكن أخرى معللة ذلك بروتين أو ملل أو طول الصلوات أو عدم فهم الليتورجيا وغيرها من الأسباب وكلها تبقى أسباب واهية لأن عالمنا يستسهل كل شيء وبدأنا نفسر الكتب على هوانا ونحكم على هذا أو ذاك من رجالات الكنيسة ونصدر قرارات التي أقل تفكير بها نجدها قرارات ظالمة وغير منصفة.
علينا اليوم أن نفكر مليا كي لا نكون أدوات للإذلال والانحراف التي تعيدنا لتجعل منا عبيدا أشقياء لا نحضى حتى بأكل الخرنوب الذي تتناوله الحيوانات بينما ننسى بيت الآب المليء بالخير والبركات والنعم، علينا الانتباه بأن عالم اليوم يجعل منا أدوات في خدمة التكنولوجيا والأيديولوجيا والاقتصاد والسياسة التي تبحث جميعها عن الربح المادي وتبتعد عن الروحانيات وتمتص أكبر ما تستطيع من قوى البشر وتسلب ما تستطيع من حقوقهم وتستكثر عليهم أبسط الحقوق بحيث نجد المجتمعات التي تسمى بالمتطورة تسلك سلوكا حتى الحيوانات تأباه وتبتعد عنه كزواج المثليين مثلا؛ الذي هو عودة إلى الوراء جدا وربما العصور الحجرية لم تجد لذلك مثيلا.
فالعلمانيين اليوم مسؤولية كبيرة لمقاومة كل هذا كونهم يعيشون وسط العالم وبهذا الوجود يجب أن يعملوا كي يرى العالم نورهم ويصحح العالم من الانحرافات التي بدأ ينحرف إليها لا أن ينجرفوا هم مع العالم، وعلى المؤمنين العلمانيين أن لا يقفوا بلا أبالية غير مكترثين لما يحدث، بل مع الكنيسة عليهم مقاومة أشرار وشرور هذا الزمان ومنها ما ذكرناه آنفا وكذلك محاربة الاجهاض وقتل الأجنة وهي في أرحامها لان ذلك يتطلب الوقوف إلى جانب الروح التي خلقها الله وصونها واعطائها الحق والفرصة كي تخرج للعالم وتؤدي دورها.
فعلى كل مؤمن اليوم أن يلتصق بكنيسته ويحمل مشعل رسالته بهمة ونشاط كي يكون فعالا مميزا في كرم الرب ويبتعد عن كل ما من شأنه أعاقة مسيرة الخلاص أو أن يكون حجر عثرة أمام الآخرين بكلمة أو فعل أو ممارسة، لأن محصلة عمل الكنيسة هي محصلة جمع عمل جميعنا وأي منا يعمل بسلبية يعني انه يقوم بإعاقة عمل الكنيسة ومحاولة سحبها إلى الوراء ويكون بذلك يعيق دعوة المسيح حتى وإن كان من رجالات الكنيسة ورعاتها لأن الموقف يتطلب منا نكران الذات وعدم البحث عن المصلحة الشخصية والمكتسبات الآنية للذات الشخصية، لأن بتفكير بسيط فإن كنيستي كلما كانت قوية وغنية بمؤمنيها ورجالاتها كلما كنا جميعا أقوياء وأغنياء وكلما نقوم بأعمال يفرح لها رب المجد ونثبت بأننا حقا فعلة نستحق نعمة الله وبركته.


عبدالله النوفلي

118
وشكري الك أخي العزيز مسعود متنيا لك الصحة وأن تكون بما تكتب خير معين لنا وللكنيسة ولجميع المؤمنين بالمسيح

119
أنهار الحياة شكرا لمروركم وليوفق الرب مهمة المؤمنين ولنطلب منه أن يكون مع الكنيسة دوما كي تبقى أبواب الجحيم غير قادرة أبدا للتأثير عليها أو زعزعة أسسها

120
أخي الكريم
شكرا لتقديرك العالي للموضوع
يسلملي مرورك في مقالتي
ليكن سلام الرب معنا دوما
تقبل خالص التحية

121
شكرا لنقلك هذا الموضوع المفيد ... تقبل محبتي

122
وشكرا لمحبتك ولمرورك الدائم والرائع في سلسلة المقالات هذه نتمنى أن يباركنا ربنا القدير

123
شكرا لك أخي الكريم والرب يباركك بنعمه الوافرة

124
نحن والكنيسة 6
الكنيسة والخلاص
[/b]

يمكننا اعتبار الكنيسة اليوم هي سفيرة المسيح على الارض، هذه التي فوضها له المجد (أكليروسا وشمامسة ومؤمنين) لتوصيل الخلاص لجميع البشر وخاصة إذا راجعنا قوله له المجد؛ "اذهبوا إلي العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر15:16). وقوله أيضاً: "دفع إليً كل سلطان في السماء وعلي الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلي انقضاء الدهر" (مت18:28-20(، وليس هذا فقط فقد فوض تلاميذه  نيابة عنه عندما قال: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 21:20-23)، وفي صلاته التي ودع فيها تلاميذه قال لهم "كما أرسلتني إلي العالم أرسلتهم أنا إلي العالم" (يو18:17).
فالكنيسة إذا مرسلة من قبل الآب ويسوع المسيح ربنا وأنه قال لهم أيضا "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" (مت 40:10). من هذا نفهم أن الكنيسة مفوضة تفويضا فوق العادة من قبل المسيح له المجد ولا خيار أمامنا سوى السماع لها وتقديم الاحترام والعمل بداخلها بكل نشاط واهتمام كي نتمم رغبات يسوع ويكون محبوبا ومقبولا في كل مكان خاصة ونسمعه يقول: "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لو16:10) . وهذا يشير إلي خطورة رفض هذا التفويض المعطي للرسل والكنيسة، لأنها أي الكنيسة كما أسلفنا بأنها سفيرة الله على الأرض وتنوب عنه في توصيل مخطط الخلاص للبشر وبركات ونعم الله التي سينالتها في حالة قبولهم لهذا المخطط وإيمانهم برسالة المسيح الخلاصية.
فالكنيسة تفعل هذه عبر سبل ثلاثة وتفرعاتها؛ خدمة كلمة الله التي كلمة الحياة الخلاصية وخدمتها للأسرار وفعل ما طلبه منها يسوع أن افعلوا هذا لذكري وبالإظافة لهذين السبيلين فهناك دور للكنيسة في خدمة رعاياها ومصالحهم الروحية والاجتماعية.
والكنيسة تعتبر جسد الرب يسوع الذي هو رأسها كما يذكر ذلك القديس بولس في (أف 22:1-23) "وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل" وكل من آمن بما تدعو إليه الكنيسة فإنه يصبح عضوا في جسدها الذي قلنا أنه جسد المسيح أيضا والذي يدخل في هذا الجسد فإنه يخلصكما جاء في سفر أعمال الرسل (أع 47:2) "وكان الرب كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون" وهؤلاء الذين يصبحون أعضاءا في هذا الجسد يجب أن يكونوا متوافقين مع الأعضاء الآخرين وخصوصا في وحدانية الايمان ومعرفة الله ونصل إلى درجة من النضج العقلي والايماني تعم قلوبنا المحبة الصادقة وعندما تتوافق كل الأعضاء مع بعضها البعض فإنها بدون شك ستقوم وتنتج أمورا عظيمة باتجاه تقدم الكنيسة وبنيانها المتين ونقرأ في هذا الشأن ما جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس (أف 13:4-16) "إلى أن ننتهي جميعنا إلي وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلي إنسان كامل إلي قياس قامة ملء المسيح، كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيل الناس بمكر إلي مكيدة الضلال بل صادقين في المحبة ننموا في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس الذي منه كل الجسد مركباً معاً ومقترناً بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة".
من هذا نفتهم أن العلاقة الايمانية ليست فردية مع الله بل مع باقي أعضاء الجسد أيضا خاصة ونحن نقرأ ما قاله بولس الرسول في الرسالة الأولى لأهل قورنثس (1قو 18:12-27) "وأما الآن فقد وضع الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد... فالآن أعضاء كثيرة لكن الجسد واحد ... لكن الله مزج الجسد... لكي لا يكون انشقاق في الجسد وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً"، فلذلك علينا إتمام ما ذهب إليه بطرس الرسول في رسالته الأولى كوننا حجارة حية في بيتنا الروحي الذي هو الكنيسة. ومن هنا سوف لن يكون كل منا هيكلا مستقلا عن المؤمن الآخر بل جميعنا نشكل هيكلا روحيا واحدا وأن الروح القدس يسكن فينا وعلينا صون هذا الهيكل من أي فساد قد يلحق به من أفعالنا وتصرفاتنا غير المحسوبة وعلينا معرفة أن الخلاص ليس بالأمر السهل خارج هذا الاطار عندما نلغي دور الكنيسة وأهميتها.
وفوض الرب يسوع للكنيسة سلطة التعليم عندما قال لتلاميذه: "دُفِعَ إليً كل سلطان في السماء وعلي الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت 28 :18 –20)، فالكنيسة على الدوام تجتمع وتدرس كل المستجدات الايمانية كي تحرص على أن يكون تعليمها يسير وفق ما يريده رأسها يسوع المسيح له المجد حيث نجد الاجتماعات وعقد للمجامع وما سينودس الأساقفة من أجل الشرق الأوسط الذي عقد 2010 سوى واحد من هذه التي تريد أن ترتفع بتعليم الكنيسة وتأثيرها إلى درجات تشبع طموحها وتنال رضى المسيح والمؤمنين المنضوين أعضاءا في جسدها. لأن علينا الحرص كي لا نكون سببا في أحداث أي انشقاق في جسد الكنيسة ونتبع قول معلمنا الرسول بولس الذي هو أحد عمودي الكنيسة الأساسيين مع القديس بطرس عندما قال: "لكي لا يكون انشقاق في الجسد وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً: (1كو25:12-27)، فعلينا كي نضمن ذلك أن نلجأ إلى الصوم والصلاة (أع 2:13-3)، ولهذا نجد أن الكنيسة كانت تعقد مجامع إيمانية باستمرار بدءا من مجمع أورشليم أبان الرسل ومجمع نقيقية وصولا إلى المجمع الفاتيكاني الثاني وما تلاه للحفاظ على جسد الكنيسة وإيمانها ورسالتها الخلاصية.
   فدورنا أحبتي المؤمنين ليس دورا هامشيا أو بسيطا لأن ليس أي عضو في الجسد غير مفيدا للجسد بل عندما يمرض أي عضو تتداعى له كل الأعضاء وتتألم لألمه فعلينا على الدوام مسؤولية جسيمة وينتظر منا ربنا له المجد عملا كبيرا يليق بعضويتنا في كنيسته التي افتداها بدمه الثمين على عود الصليب، وأزاء هذا الثمن الباهض الذي فدمه يسوع عنا فالمسؤولية تصبح كبيرة جدا فعلى أي واحد منا أن يعمل بحرص شديد كي يقدم موهبته بقوة ونشاط فمن له تعليم أو ترتيل أو دراسة أو نشاط عليه أبرازها داخل الكنيسة كي تبقى كنيستنا شعلة من النشاط ولا نلتفت إلى قوى الشرير المزمعة أن تغربلنا عندما نسير خلف هذا أو ذاك من الذين يبدون من الظاهر حملان وديعة لكنهم بالحقيقة يريدون أفتراس الكنيسة وقتلها، فمن يشيع حرصه عليها وينيل من أعضائها او رئاساتها فإنه بذلك يقوم بوضع العصي في عجلات تقدمها ويعيق مسيرتها الخلاصية.
   فعلى المؤمنين دوما مراجعة حياتهم وتمحيص كلما يأتيهم من مقالات وأقوال عن هذا أو ذاك ومقارنته بالكتب ومعرفة ما إذا كان هذا او ذاك يخدم مسيرة الكنيسة الخلاصية أو لا وعندها يتخذون القرار الصائب كي يفرح به يسوع والملائكة وإذا اتانا خبرا عن هذا او ذاك علينا مواجهته المباشرة قبل أن نضخمه ونتحدث عنه لغيرنا وإن لم يحدث الاصلاح فعلينا العمل مع آخرين حتى نقوم بقلع المرض من الجسد إن وجد أو الوصول إلى الحقيقة مباشرة ووأد كل ما من شأنه هدم بنيان الكنيسة كي تبقة كنيستنا دوما تحمل مشعل الخلاص كي تنير الدروب المضلمة لكل من مازال يسر في الظلام.


عبدالله النوفلي

125
الفعل الجبان أزاء
كنيسة العائلة المقدسة

هدف جديد كان على موعد فجر يوم دامٍ آخر من الأيام التي اعتاد عليها العراقيون عامة والمسيحيون خاصة، ونشكر الله أن الأمور سارت بالجرحى فقط ولم تكن هناك ضحايا بالأرواح فالبناء ممكن ترميمه أو اعادة بناءه بسرعة ويتم تعويض ذلك وربما أحسن منه لاحقا لكن الأرواح فمن المستحيل تعويضها إضافة للضرر المعنوي الذي يُلحق بالرعية وهي تشاهد أن عجلة العنف مستمرة ولم تتوقف رغم كل جهود الأجهزة الأمنية والسياسيين وغيرهم، والملفت للنظر أن ما حدث كان مع صلاة فجر أول أيام شهر رمضان المبارك!!! وهنا لست بصدد أن أوجه أصابع الاتهام للمسلمين كونهم أو من يتخذ اسمهم قد قام بهذا العمل فلا علم لي بالجهة الفاعلة فقد تكون بلا دين أو من هذه القومية أو تلك أو لديها أجندة سياسية معينة... وتعددت الأسباب والعمل الوحشي هو واحد.
فجميع الأديان التي تتدعي أنها تحمل مباديء سماوية لا تقبل بالفعل هذا فلو أخذنا المسيحية فسنجدها لا تؤمن بالعنف مطلقا بل تؤمن بأنه من ضربك على خدك الأيسر فاعطِ له الآخر وأحبب قريبك كنفسك و و و ويمكننا الإتيان بالكثير من الآيات الواردة في الكتاب المقدس التي تساند هذا الموقف، وأيضا نجد أخوتنا المسلمين يلقبون شهر رمضان بشهر الرحمة والغفران ويمارسون الصلوات فيه بشكل أكثر تركيزا من بقية أشهر السنة ولا يقبلون بقتل نفس بغير ذنب والكثير من الآيات التي نجدها في القرآن الكريم وأيضا الأحاديث والسنة النبوية كلها لا تقبل بمثل هذه الأفعال التي أقل ما يقال عنها أنها نكراء وبعيدة كل البعد عن الإيمان بالله وباليوم الآخر، وكركوك معظم أهلها يدينون بالمسيحية أو الاسلام، فمن إذا قام بهذا العمل؟
بكل تأكيد إنه الشرير الذي يعادي الخير وأبناء الخير ولا يريد للخير أن ينتصر وهو ويفرح لمشهد الدماء وهي تسيل من أجساد أبناء العراق الذين ينزفون أنهارا منها وليس منذ الأمس بل إن الزمن قد طال بهذا ولا أمل في الأفق كي يتوقف المشهد أو أن يتم إسدال الستار لبداية فصل جديد من المسرحية التراجيدية المؤلمة. أليس من الأصح أن تتكاتف أيدي كل المؤمنين معا لدرء الخطر عن كل المؤمنين؟ ولم تجف الأحبار التي سطرت مأثرة جديدة للكنيسة في كركوك بمبادرتها التبرع بالأموال لصالح المستشفيات على شرف الشهر الفضيل كي تثبت الكنيسة أنها لجميع الأمم ولا فرق لديها بين مسيحي أو مسلم .. يهودي أو أعجمي .. فالجميع لديها هم من خلقة الله وعلى صورته ومثاله وعليها أن ترعى الفقير والعريان والمريض والمسجون أو من هو في الأسر، لأن مؤسس الكنيسة هو الذي يريد منها ذلك، فهل يقابل هذا الموقف بمثل هذه الخسة والنذالة؟

من كان وراء هذا العمل بدون شك لا يريد الخير للعراق ولا لكركوك ولا للمسلمين قبل المسيحيين إنه يكره الجميع من عرب أو أكرد أو كلدان أو تركمان أو سريان أو إيزيديين أو آثوريين أو صايئة أو أرمن فإن هذه المدينة تحوي بين حناياها كل هؤلاء وتعايشو منذ الزمان البعيد وإنني على ثقة أنهم راغبون للإستمرار بهذا التعايش، إن ما حصل هو دعوة للجميع كي تتكاتف أياديهم وتتحد كلمتهم لأن بذلك يستطيعون هزيمة الشر وأفعاله. والحكومة المركزية وحكومة المحافظة يجب أن يكونوا بالطليعة كي يستأصلوا هذا الشر من واقع العراق وعليهم العمل بقوة إعادة البسمة على شفاه الأطفال أولا ولعموم العراقيين لأن بسمة طفل واحد تعني مستقبل أفضل للعراق.
عبدالله النوفلي

126
يسلملي مرورك وتعليقك وشكرا لتقديرك ومحبتك

127
أخي المبارك: إن الكنيسة اليوم تشبه الصورة التي وضعتها مع تعليقك الكريم فالكثيرين يوجهون السياط لجسمها والكثيرين أيضا السهام لكنها بفضل نعمة الروح القدس ستبقى وتنتصر وسوف يتم إنارة عقول الذين يضطهدونها طالما هناك أناس مؤمنون برسالة المسيح ومستعدين لتقديم كل شيء من أجل الحفاظ على إيمانهم وتقويته، والكنيسة هي عبارة عن واحة متميزة كي تؤتي الأفعال الثمار ويزدهر الإيمان

128
شكرا لمشاعرك وإيمانك أختي المباركة
إن كنيستنا تستوجب منا أن نقومبأقصى ما نستطيع
من خدمة وتضحيات
فرسالة المسيح بحاجة لجميعنا
كي تبقى هي مبنية على صخرة إيماننا
شكرا لمرورك في مواضيعي

129
(5) الكنيسة تُجسد المسيح في عالمنا اليوم
نعم فإن كنيسة المسيح على الارض هي العلامة المادية والمنظورة لتجسد ربنا يسوع المسيح التي بقيت معنا منذ صعوده له المجد إلى يومنا هذا وهكذا سوف تبقى وتستمر إلى انقضاء العالم كما وعدنا هو بذلك، وهي التي تجعلنا ننظر إليها بأنها علامة تجسد الله معنا وتذكرنا من خلال الطقوس والممارسات الليتورجية والرموز بأن الله هو معنا وينتظرنا أن ندخل بيته ونتكلم ونعيش حياتنا الروحية بعيدا عن الماديات القاتلة التي تقود المؤمنين بها إلى اليأس أو التصرف كآلات جامدة دون تفكير خاصة وإن العالم المادي يريد بأن يكون الانسان منتجا دوما وينبذه فور فقده لقدراته ليبقى يعيش على الهامش.
بينما المسيح ومن خلال الكنيسة والتعاليم التي وردتنا في الانجيل المقدس يطلب  منا الاهتمام بالمهمشين والمهملين الذين يعتبرهم أخوته الصغار وإن فعلنا شيئا معهم كأننا فعلناه معه شخصيا. والاستمرار بالسير خلف هكذا تعاليم يعني أن الله هو معنا باستمرار ويعني أن الكنيسة حية فينا وبنا ونحن نجعلها تعيش في قلب العالم وليست معزولة عنه أبدا.
وليس هذا فقط لكننا بقيامنا بالتطبيق العملي لما قام به يسوع من أفعال فذلك يعني أننا نقوم بها وننبذ التكبر والتعالي على الآخرين أي أننا نتواضع بمحبة تماما كما فعل ربنا له المجد مع تلاميذه في مأدبة العشاء الأخير، ونكون على فكر وتعليم المسيح يسوع ويعني أيضا أننا قد تخلينا عن كل ما هو لنا ومن ضمنها تفكيرنا وندخل بفكر ربنا كي ننسجم معه ونغذي مسيرتنا الشخصية من فكره، ومن هو مازال متخلفا عن الوصول لهذا المستوى عليه أن يضع جل تصرفاته وتفكيره بوضوح أمامه كي يقوم بعملية المراجعة ونقد الذات وفحص الضمير ونقارن ما نحن عليه مع ما يجب أن يكون لو أصبحنا كيسوع في الفكر وتطبيقه كي يصبح حقيقة أن الكلمة قد تجسد وحلّ فينا ويرى الناس أفعالنا ويرون مجد الآب من خلالنا الذي هو مجد وحيده يسوع المسيح.
وكي نجسد الله ويسوع المسيح من خلال الكنيسة ونكون نحن بحقيقة تلاميذ أوفياء لذلك الذي ضحى بكل شيء من أجل فدائنا علينا يستوجب أن نراجع كل كلمة وفعل نطق به أو قام به معلمنا الإلهي، فمثلا نقرأ في الموعظة على الجبل قوله لأنقياء القلوب أنهم سينالون الطوبى لأن القلب هو مركز الانسان وبدون أن يكون القلب نقيا لا يمكننا أن نرى الله ولا أن نرى أفعال الله وعلاماته ونكون كمن له عينان تبصران ولا تبصران وأذنان سامعتان ولا تسمعان!!! لأننا سنرى كل شيء لكن الله لن نراه بل سنرى صورتنا الشخصية التي نحن رسمناها لأنفسنا ونرى الله الذي نريده وليس الإله الحقيقي كوننا سنكون منشغلين بأنفسنا ونبتعد عن المسيح الذي هو قد أخبرنا عن الآب وكشف مشروعه الإلهي للإنسان وعن ملكوته السماوي لأن يسوع هو صورة الآب ومن رأى الابن فقد رأى الآب، ويسوع قد أحبنا لذلك علينا أن ننظر إليه ونبادله الحب بالحب وأن نعرفه حقيقة وتكون علاقتنا معه حقيقية وقوية خاصة هو دائما واقفا على الباب يقرع وينتظرنا نسمح له كي يدخل، فربنا هو المبادر دائما وهو الذي يريد أن يمكث معنا ويريدنا ان نراه وأن نتبعه ونكون كزكا الذي تسلق الشجرة وعبّر بصدق عن توقه لرؤية يسوع تلك الرؤية التي غيرت حياته.
واليوم ونحن قد دخلنا الألفية الثالثة للمسيح فنحن بحاجة ماسة كي نراه ونعيش الاختبار الحقيقي كي نحن أيضا نتغير ونمزق كل التشوهات التي تحيق بنا من التعلقات بالماديات وتتخدش صورة الله بالخطيئة التي نعيشها، ولا يحدث ذلك إلا إذا أخلينا ذاتنا ونقول مع مريم أمنا : ها أنذا أمة الرب ليكن لي كقولك ولا يهمنا شيء طالما نعيش في المسيح ومع المسيح لأن صورتنا ستجدد ونعود أحرارا كأبناء الله كيف لا وأن عمانوئيل يعيش معنا بتواضع. وأصبحت أجسادنا هياكل له ولروحه القدوس ولنكن نحن المتعبين الذين ناداهم يوما قائلا: "تعالوا إليَّ ايها المتعبون والمثقلوا الأحمال وتعلّموا منّي فأنا وديع متواضع القلب تجدوا الراحة لنفوسكم".
وأول ما نجسده بهكذا علاقة وتطبيق لهذه الافكار هو أن نعيشها مع أنفسنا وفي كنيستنا أي المجتمع المؤمن المحيط بنا، لأن المثل يقول: الاناء ينضح مما فيه ومن يحمل مباديء إيمانية رفيعة منبعها المسيح عليه أن يعيشها مع نفسه أولا ومن ثم مع المحيطين به كي يكون بحق تلميذا حقيقيا للمسيح الذي لا يمكنه أن يضطهد المؤمنين بالمسيح أبدا ولا حتى أن يقول لأخيه راقا، لذلك فمن العجب أن نجد اليوم من يكون مثلا بالمباديء ومعلما لغيره لكنه لنفسه وبنفسه بعيد كل البعد عما يريده ربنا له المجد، يكون في الكنيسة وهو ليس في الكنيسة ويكون مع المسيح وهو ليس في المسيح يتكلم بالباطل أو بما لا يليق بتلاميذ المسيح ويصبح حجر عثرة لمن يراقبه ويعيش معه ويكونون كالحملان من الخارج لكن من الداحل هم ذئاب خاطفة، وهو بكل أسف ما نجده عند الكثيرين الذين يضعون أحملا ثقيلة على أكتاف المؤمنين وهم لا يبادرون على حمل حتى ولو حمل بسيط، وبذلك يتحملون وزر الكلام الذي وجهه ربنا إلى الكتبة والفريسيين الذين وعدهم بالويل.
فمن منا يرغب أن يناله مثل هذا الويل؟ ألسنا بأجمعنا نريد الفوز يوما بالنعمة وبالملكوت؟ وإن كنا كذلك فما علينا سوى أن ننزع عنا إنساننا العتيق ونشرب من الخمر الجديدة التي هي خمر الحياة ونجسد بحياتنا وبكنيستنا إرادة يسوع ونكمل مسير جلجلته بما نقدمه لغيرنا من أعمال الرحمة والتضحية كي نكون يوما مؤهلين لدعوته المباركة حين قال أيها العبد المؤمن كنت أمينا في القليل ستكون أمينا على الكثير وعندها فقط سنجسد الإيمان بالأفعال ونعيش الملكوت من يومنا هذا وستزدهر كنيستنا بنا وستفرح الملائكة.
هي دعوة لمراجعة الذات وإلى التواضع كي تبقى الكنيسة التي أسسها يسوع متجسدة فينا وتجسد المسيح في قلب العالم.
عبدالله النوفلي

130
نصلي ونتمنى أن تنالين وننال معك هذه النعمة

131
جزيل الشكر أختي المباركة،

إن كنيستنا بحاجة للصلوات والعمل الجاد من جميع أبنائها كي تبقى صامدة أمام شر العالم وتبقى على صخرتها شامخة،
شكرا لمتابعتك فإنك تكتبين بروح مسيحية نحن بأمس الحاجة إليها،
تقبلي خالص التحية.

132
وبهذا الحب الالهي علينا الكتابة في الصفحة البيضاء بحروف تنم عن الوفاء لربنا له المجد ...
شكرا للموضوع المهم
تقبلي مني خالص التقدير

133
بكل تأكيد أخي العزيز، إن المجتمعات اليوم ذاهبة نحو الانحدار بالقيم والأخلاق خصوصا من هذه الناحية ولكن في المقابل هناك تطورا كبيرا وفي كل لحظة من ناحية العلم والتكنولوجيا، لكن للأسف ما أبتليت به المجتمعات التي نسميها بالمتحضرة هي الديمقراطية المنفلتة جدا التي قادت بها شعوبها نحو التحلل الخلقي مثل الأعمال التي ذكرتها بمقالتك التي لا يقبل بها حتى الحيوانات؟ فكيف بالنسبة للبشر الذين خلقهم الله على صورته ومثاله؟ أتمنى أن تعيد هذه الشعوب حساباتها وتعود لسماع صوت الكنيسة الذي هو صوت الحق وتنبذ هذه الشعوب مثل هذه الممارسات الشاذة ونطلب رحمة رب المجد للبشرية جمعاء. تقبل خالص التحية

134
الأخت العزيزة ماري
قرأت الموضوع التي نشرتيه حول الجرح الذي لا يطيب، وبدءا أقول أنك حكمتي عليه بعدم النجاح وربنا وكتابات مار بولس تعودنا دوما كي نكون مفعمين بالأمل، لأن المؤمن بيده سلاح قوي هو الصلاة، نعم ما يحدث في كنائسنا وبيوت الصلاة هو أمر مزعج للذين يحبون الصمت ومحادثة محبهم الصامد في بيت القربان، لكن يبدو للكثيرين أن الكنيسة قد أصبحت مكانا للتعارف أو الالتقاء وتبادل الأحاديث، وكأننا نعيد مشهد ربنا له المجد عندما قال جعلتم بيت أبي بيت تجارة وبدل تجارة ذلك الزمان نحن أمام مشهد للتعارف والحديث بأمور الدنيا أو الفرجة على الآخر، بكل تأكيد هذا جرح لكن مسؤولية التخلص منه أيضا تعود للكاهن وللمجلس الخورني والأخويات لأننا دوما بحاجة للتوعية، وما مقالتك إلا أسلوبا في هذا الاتجاه، أتمنى من القلب أن يقرأ مؤمنونا ما يُكتب وأن لا تبقى الكتابات لنفر معين دون الكثيرين الآخرين الذين هم بحاجة لمثل هذه المقالات.
تقبلي مني خالص التحية مع محبتي وتقديري

135
نحن والكنيسة
(4) سرّ الكنيسة
[/color]

يمكن لنا تعريف الكنيسة؛ بكونها جماعة المؤمنين الذين يسيرون وفق تعاليم ومباديء المسيح ويمارسون هذه المباديء في مجتمعاتهم تحت ارشاد وقيادة سلطة كنسية مختارة، وأيضا فإن الكنيسة يمكن أن نعتبرها سرّ لحضور المسيح فيما بيننا حيث نقول في صلاة التبشير الملائكي: الكلمة صار جسدا وحلّ بيننا أي ليخلصنا، هذا السر الذي لم يأتي دون مقدمات أو تحضيرات بل أن المخطط الإلهي كان منذ أن دعى الله أبرام من أور الكلدانيين ومن ثم أسحق ويعقوب مرورا بشعب الله وصولا لسيدنا وربنا يسوع المسيح مولودا من عذراء.
 وكانت اللمسات الأخيرة لانطلاقة الكنيسة هو يوم العنصرة عندما حلّ الروح القدس على الرسل وهم مجتمعين في العلية ومعهم مريم ام يسوع، فانطلقت منذ تلك اللحظة رسالتهم، وكما فعل المسيح في ليلة العشاء الأخير مع تلاميذه حينما غسل أرجلهم أي أنه أعطى لهم مثالا أن يقدموا الخدمة لغيرهم بتواضع هكذا أيضا أراد ربنا للكنيسة أن تكون خادمة للمخطط الإلهي ولملكوت الله وتُعد بل تُكمل الطريق الذي بدأه الرب في سنوات نشر تعاليمه الثلاث التي قضاها على الأرض.
والكنيسة هي أيضا غير محددة بزمان أو مكان ولجميع البشر خاصة وأن المسيح قد أوعز لتلاميذه أن يتلمذوا كل الأمم ويعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، أي أنها ليست محصورة بعرق أو لون أو مكان، وهي كنيسة حية أكثر مما هي كنيسة مادية مبنية من حجارة صماء، وقد قدسها المسيح، لذلك نقول كنيسة مقدسة ورسولية لأن الرسل وخلفائهم يتولون مسؤولية أدارتها واستمرارية رسالتها الروحية لجميع البشر.
والكنيسة حية بالمؤمنين الذين هم أعضاء في جسد المسيح الذي هو رأس الكنيسة وهؤلاء من نسميهم بالعلمانيون المؤمنون ومنذ لحظة إيمانهم وقبولهم للعماد المقدس يصبحون جزءا من شعب الله وشركاء كهنوت المسيح وكنيسته، وهم الذين يعطون شهادة إيمانهم في كل لحظة وبذلك يعطون لكنيستهم حضورا في كل مكان؛ في البيت وفي العمل والدراسة والحقل و ....
والعلمانيون ليسوا أندادا للاكليروس ولا يجب أن يكونوا بمواجهة معهم بل على العكس عليهم أن يكونوا يدا وقلبا واحدا كما كان الرسل وجماعة المؤمنين في الكنيسة الاولى ولم يعد عبد ولا حر ولا يهودي أو يوناني على قول الرسول بولس ولكل واحد مواهبه الخاصة التي بها يغني مسيرة الايمان الجماعي لجماعة المؤمنين، ونتيجة تنوع المواهب فإن ذلك يعد مصدر قوة للكنيسة.
والكنيسة فيها نوعان من الكهنوت، الكهنوت العام الذي تديره سلطة الكنيسة المتمثلة خدمتها بتقديم الأسرار باسم الشعب كله، وكهنوت العبادة او الشهادة الذي يشمل جميع المؤمنين الذين قبلوا سرّ المعمودية ونالوا جسد المسيح ودمه، ويواضبون على الصلاة والشهادة للمسيح من خلال حياتهم، أي أن لهم وعي خاص ومسؤولية كبيرة داخل الكنيسة وخارجها.
مما سبق يتضح لنا بأن الكنيسة ليست محصورة بسلطتها الدينية وهرمها الكهنوتي إذ بدون المؤمنين ستصبح الكنيسة فارغة بل تتلاشى وتضمحل، فمن واجب قطبي الكنيسة اللذان هما رجال الدين أي السلطة فيها والمؤمنين العلمانيين أن يتعاونوا معا كل بالموهبة التي أعطاها له الله او السلطة التي نالها من خلال وضع الأيدي ليكون خليفة للرسول بطرس داخل الكنيسة والابتعاد عن كل أشكال التضادد والديكتاتورية ومحاولة طمس مواهب الآخرين وإمكانياتهم أو محاولة أخضاعهم ليكونوا متلقين فقط وغير مبدعين لأن عندها ستكون الكنيسة تقف على عمود واحد فيكون ارتكازها قلقا بل قد تسقط بكل لحظة، لكن لو حدث التفاهم مع بعض وكل يعي دوره داخل الكنيسة عندها سنجد أن الطاقات تتفجر من أجل البناء والخدمة وسيقدم كل من له موهبة موهبته وسيشعر الجميع أنهم مسؤولون كي لا تقوى قوى الجحيم على الكنيسة وكي تصبح قاعدتها عريضة وتتحرر من الكبرياء والتعالي ولن يكون هناك من يجلس في برج عاجي أو كرسي عادي وستكون هموم الجميع معروفة للجميع والكل يبحث عن الحل كي يكون جسم الكنيسة سليما معافى ويشعر الجميع بأن لهم حقوقا وواجبات وينطلق الجميع لبناء الملكوت من هذه الأرض بانسجام ووحدة ويكون كل واحد يكمل أخاه الآخر ويكون الله حاضرا فيما بينهم وفي هذه الحالة سيصبحون قديسين ومؤهلين لتقديم الخدمة بأمانة والتضحية وحمل الصليب مهما كان ثقيلا دون تذمر أو خوف، وسيكون الجميع كاملين لأن المسيح قال لهم : "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل"، وهذا لا يعني مطلقا ابتعادنا عن العالم بل على العكس علينا الاندماج مع العالم أكثر فأكثر كي نستطيع التأثير في العالم ونغيره على ضوء تعاليم الانجيل.
لذلك فكلنا بحاجة للمثابرة والتضرع كيما الرب يعطينا فعلة لحقله وعلينا التمسك بالتوبة والغفران والأمانة ويجب أن تكون هذه سمة للمؤمنين كونهم مختاري الله القدوس هؤلاء الذين يحبون القريب كالنفس ويحبون بلا حدود، لذلك فالعلمانيون والاكليروس كي ينجحوا في أعطاء سر الكنيسة معناه الأصيل، عليهم أن يسلكوا طريق الروح ويبتعدون عن شهوة الجسد ويكونوا باستمرار مقادين من الروح حتى يولدوا ولادة روحية جديدة كأبناء لله الذين يجدون الله في كل إنسان سواء كان فقيرا أو مريضا أو مسجونا أو ...
فالنحاول أن نتغلب على الفتور أو الجفاف الروحي الذي يصيبنا كي نصل إلى درجات متقدمة من الشبع الروحي بالصلاة والاشتراك بالفعاليات الكنسية وبمائدة الأسرار حتى نصل إلى النضج الروحي، وعندما لا يكون أبداع في الجماعة يعني أنها جماعة ميتة غير قادرة على الولادة والتجدد، وعلينا الاصغاء جيدا لما يريده الروح منا  وعندها سننال قوة ونكون شهداء أمينين في كل الارض ونعمل على تحويل العالم باتجاه طريق الخلاص وعلينا أن نبحث عن المسيح في كل مكان كي نخدمه ونعبده ونشهد له ونعمل حسب مشيئته ولكي نبقى إلى الابد أي يكون لنا الحياة الابدية وهذا يتم بأن نكون منتبهين يقضين لا ندع للشرير مكانا فيما بيننا ونحفظ ذواتنا كي ينتصر المسيح من خلالنا ويغلب العالم ويخلص ويكون له رجاء وإيمان مفعم بالنشاط والحيوية، فكي نصل إلى كل هذا نحن بحاجة للحوار داخل الكنيسة وإيجاد الحلول لكل المشاكل التي تعترض إيماننا وتعترض تقدم الكنيسة، وستبقى الكنيسة بأساس صخري متين لا يتزعزع طالما أن الروح يجد شبابيك قلوبنا مفتوحة كي يدخل ويعدل كل اعوجاج قد يحصل نتيجة صعوبات الحياة ومشاغلها، وإن عمل الروح بحرية ستكون كنيسة المسيح مزدهرة وأمينة على رسالة الخلاص التي أعطانا أياها يسوع بعمله الفدائي.
عبدالله النوفلي

136
أختي العزيزة
نحن بحاجة للنعمة ونأمل منه أن يساعدنا كي ننشد الكمال
شكرا لمرورك والتعليق
أطلب من الرب أن يسمع صلاتك

137
نحن والكنيسة
(3) تساؤلات عن الكنيسة


تنتابنا تساؤلات كثيرة وحتى للمطلعين منا عن الكنيسة؛ مما تتكون وماهيتها وإيمانها ولماذا نجد اليوم كنائس بمسميات عديدة وطقوس مختلفة؛ فللكاثوليكية منها أعداد كثيرة بطقوس متنوعة وهكذا نجد الأرثذوكسية برئاسات وطقوس عديدة والإنجيلية فاقت كل الانواع الأخرى بعددها وأسمائها بحيث يوجد منها نصف مليون كنيسة مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها!!.
والمعروف عندنا ربما أن الكنيسة هي بيت الله فيه يجتمع المؤمنين كي يؤدوا فعالية ما؛ كأن تكون صلاة أو تعليم أو طقوس وتتكون من جماعة من البشر مؤمنين بالمسيح وينالون العماد باسمه ويسلكون وفق النهج الذي رسمه في إنجيله الطاهر وينهلون من تعاليمه السماوية كي يرسموا طريقا ناجحا في حياتهم ولحياتهم ويكون مثمرا روحيا ليكونوا في النتيجة أبناء أمناء له يتلمذون كل الامم باسم الاب والابن والروح القدس.



فالكنيسة إذا تتكون ظاهريا من مجموعة من البشر يربطهم معا نظام كنسي معين ويكون الرب الإله هو القائد والمؤسس لها ويعيشون مع بعض بحب الله ولعبادته وتمجيد اسمه وصولا لجعل حياتهم أورشليما أرضيا بمواصفات يتمنون أن يصلون بها إلى أورشليم العليا ويتوقون الوصول إليها يوما أو عند انفصالهم عن هذا العالم والعيش الأبدي في ملكوت السماوات خاصة أن ربنا يسوع المسيح صرح لتلاميذه أن مملكته ليست من هذا العالم. إذا نحن الكنيسة ومِنا تتكون ونحن أعضاؤها وأبناؤها وبنا تحيا وتزدهر، فربنا له المجد قال حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأكون بينهما وامنحهم ما يسألون. فالمسيح هو مؤسسها ورأسها وهو من خلالنا يعمل لنكون حجارة حية كي تحيا وتستمر وأبواب الجحيم لا تقوى عليها.
فالمسيح أسس كنيسته جاعلا مار بطرس رئيسا أولا لها عندما اعترف بألوهية المسيح في حادثة قيصرية فيلبس ولمّا وصل يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: من ابنُ الإنسان في قول الناس؟" فقالوا: "بعضهم يقولون: هو يوحنا المعمدان، وبعضهم الآخر يقول: هو إيليا، وغيرهم يقول: هو إرميا أو احد الأنبياء". فقال لهم "ومن أنا في قولكم انتم؟" فأجاب سمعان بطرس: "أنت المسيح ابنُ الله الحي". فأجابه يسوع: "طوبى لك يا سمعان بن يونا، فليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل ابي الذي في السموات. وانا اقول لك: أنت صخر وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي، فلن يقوى عليها سلطان الموت. وسأُعطيك مفاتيح ملكوت السموات. فما ربطته في الارض رُبط في السموات. وما حللته في الأرض حُلَّ في السموات".(متى 13:16-19)، وله أعطى ربنا له المجد مفاتيح ملكوت السماوات وسلطان ما يحله أو يربطه في الأرض يكون هكذا في السماوات، وجعل منه الصخرة التي يبني عليها بيعته، وهكذا وصلت الكنيسة إلى يومنا هذا بوضع الأيدي وتسليم ما أخذه الرسل من ربنا لخلفائهم وعملوا جميعا على تنظيمها وترتيبها وأغنائها عبر الأجيال حتى وصلت إلينا كما هي اليوم.


ولم يكتف ربنا بعمله هذا مع القديس بطرس بحيث نجده بعد قيامته المجيدة يتابع ما سبق وأن قاله لبطرس كي يبعد عنه كل آثار نكرانه للمسيح خلال مأساة الصلب ولكي يجعل منه راعيا أمينا لقطيع المسيح عندما اختبر محبته وهذا نجده جليا في النص التالي من إنجيل يوحنا (15:21-17) وبعد أن فطروا قال يسوع لسمعان بطرس: يا سمعان بن يونا، أتحبُّني أكثر مما يحبني هؤلاء؟" قال له: نعم يا رب، أنت تعلم أني احبك حباً شديداً". قال له: "إرعَ حُملاني". قال له مرة ثانية: "يا سمعان بن يونا، أتحبني؟" قال له: "نعم، يا رب، أنت تعلم أني احبك حباً شديداً". قال له: "اسهر على خِرافي". قال له ثالثة: "يا سمعان بن يونا، اتحبني حباً شديداً؟" فحزن بطرس لأنه قال له في المرة الثالثة: أتحبني حباً شديداً؟ فقال: "يا رب، أنت تعلم كل شيء، أنت تعلم أني احبك حباً شديداً". قال له: "إرعَ خِرافي".، وأكمل ذلك ربنا بحلول الروح القدس يوم العنصرة والتلاميذ مجتمعين ومعهم مريم العذراء بموجب ما يرويه لنا كاتب سفر أعمال الرسل (14:2-41)، ونجد بطرس يسارع لألقاء خطبته بعدها في الجموع ويقوم الرسل بتعميد حوالي ثلاثة آلاف شخص دفعة واحدة.
   وربما غير المطلع على تاريخ الكنيسة يتساءل كيف عاشت الكنيسة الاولى؛ لكن سفر أعمال الرسل يوضح هذا في (42:2-47) وبوضوح حيث كان الجميع مواظبون على التعليم والمشاركة وكسر الخبز وفي الصلوات وكان الرسل مع الجماعة قلبا واحدة وحدثت العديد من المعجزات على أيدي الرسل، وكان كل شيء مشترك فيما بينهم حتى كان المؤمن يبيع ما يملك ويتقاسمون الأثمان فيما بينهم ويلتزمون الهيكل وهم يسبحون الله وكانت جموعهم تزداد وعددهم يكبر لأن الرب كان معهم يؤازرهم ويقويهم لأن الروح كان موجودا بينهم.
   فلدينا إذا اليوم رسالة يتوجب علينا القيام بها ألا وهي وديعة الايمان وعلينا مسؤولية نقل هذه الوديعة للأجيال القادمة كي تبقى كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية تماما كما كانت أيام الرسل ونقل تعاليمها بأمانة لأنها هي الجسد والوجه الظاهر للعيان للمسيح وبها كوسيلة نتمكن الوصول للمسيح ولايوجد طريق آخر نصل من خلاله إليه إلا الكنيسة فقط، هذه الكنيسة التي تعيش على الإيمان القويم الحق البعيد عن البدع والضلالات المتنوعة التي أقل ما تفعله هو تمزيق جسد المسيح وتحاول أضعاف الإيمان في نفوس أفراد قطيعه.
فللكنيسة رسالة مهمة تحاول وتعمل جاهدة كي توصلها للمؤمنين لكي يتم توزيع ثمار الفداء الذي قام به المسيح على جميع المؤمنين بعملية الموت على الصليب وذلك من خلال رموز نقوم بها في الصلوات وممارسة الاسرار والمشاركة في الذبيحة الالهية والاقتراب من سر القربان المقدس ... التي بدونها يضعف إيماننا والتزامنا بواجباتنا الدينية.
وكنيسة المسيح يجب أن تكون كنيسة منتظمة ومنظمة ولذلك فوجود السلطة الكنسية أمر ضروري لإدارتها بدءا من رأس الكنيسة نزولا لمجمع الأساقفة ومرورا بكل من له مسؤولية فيها من غبطة البطريرك أو المطارنة والكهنة وصولا لمعلمي التعليم المسيحي واللجان الخورنية والأخويات وغيرها، أما نحن العلمانيين العاديين فكلنا أعضاء في جسد الكنيسة بالعماد فعلينا تقع مسؤولية محبتها والعمل من خلالها والالتزام بتعاليمها والدفاع عن مواقفها ومحاربة الأفكار الهدامة والبدع التي تبعدنا عن الايمان القويم.
ولدينا العديد من الأمثلة بأن كنيستنا حية وستبقى خالدة فنجد القديسين العظام أمثال فرنسيس الأسيزي والأم تيريزا وريتا ورفقة وشربل وآلاف الشهداء الذين يروون مسيرة الكنسية بدمائهم الزكية وعلينا مسؤولية أن نكون أعضاء أحياء فاعلين والإلتصاق بها لانها الطريق الذي يقودنا للمسيح أي إلى أورشليم السماوية، ونبتعد كل البعد عن الترصد لأخطاء بعضنا البعض والعمل على الايقاع بهذا أو ذاك أو التشهير بذلك الكاهن أو المطران او حتى العلماني لأن هذا السلوك هو بعيد كل البعد عن الذي يريده منا ربنا يسوع المسيح، فلنحيا في الكنيسة  وبها ونستمد منها الحياة ونحمل الرسالة دون كلل او ملل حتى نكون مستحقين الطوبى من ربنا ومؤهلين لأن نُدعى قديسين ونرث ملكوت السماوات.
عبدالله النوفلي
سدني 27 حزيران 2011
 


 


138
جزيل الشكر أخ فريد ونطلب بركة الرب لنا كلنا

139
أختي العزيزة بالرب
شكرا لتعليقك وأتمنى من جميع المؤمنين بالرب يسوع أن يكون تفكيرهم بمستوى إيمانهم
وعندها ستكون الأقوال مطابقة للأفعال وسنعيش حقا ملكوتنا منذ اللحظة
تقبلي خالص المحبة وبكل تأكيد أنا بحاجة لصلاتك

140
نحن والكنيسة
(2) لنكون واحدا مع الكنيسة
[/color]

يدعونا الرسول بولس في رسالته إلى أهل فيليبي: "2فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، 3لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. 4لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا. 5فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا " (2:2-5).
إذا الرسول بولس يدعونا كي نتمم فرحه، وهذا الفرح يكون بوحدتنا مع بعضنا البعض كعلمانيين وأكليروس أي كمسيحيين مؤمنين بمشروع الله الفدائي وهذا الايمان  يدعونا لكي نكون كنيسة واحدة قوية تحمل رسالة ربنا بهمة ونشاط وتتعزى بالمسيح الذي لم يفكر ولو للحظة واحدة بنفسه بل على العكس نجده قد أخلى ذاته وصار شبيها بنا وحل بيننا، وأطاع بدءا من طاعته لمربيه مار يوسف وأمه العذراء مريم ومن ثم استمر حتى أصعدوه الجلادون إلى خشبة الصليب التي أعطانا من خلالها درسا علينا اليوم أن نقتدي به  خاصة ونحن نعيش هذه الايام بحال لا يسر المسيح أبدا.
فنجد من يحاول تفتيت الكنيسة أو النيل من الرئاسات أو التقليل من الصلوات والشعائر التي تقام فيها متخذين ذرائع واهية كي نبتعد نحن الملتزمين  ومحاولة أبعاد الآخرين كي لا نكون وحدنا بعيدين وكأن حضور الاحتفالات الليتورجية لمدة ساعة اسبوعيا يكون أمرا ثقيلا لا نقوى على احتماله دون أن نفكر كم من الوقت نقضيه في أرضاء أهوائنا المادية وميولاتنا الأرضية، ونسينا أن نتيجة طاعة المسيح حتى الموت على الصليب قد تكللت بأن رفعه الله إليه وأعطاه أسما فوق كل الأسماء الأمر الذي تنحني له كل ركبة في السماء وفي الأرض ويشهد له كل إنسان بأنه المسيح الرب.
إن وحدتنا تقودنا للشراكة كأخوة بالمسيح كي نبني كنيسته ونقوي أسسها كي تكون فعلا مبنية على الصخر ولا تزعزعها الرياح مهما كانت شديدة، وهذا الذي يجب أن ننتبه إليه لأن كل ما يعاكسه فإنه يقود للإنقسام وبالتالي فإننا نكون قد رفضنا دعوة القديس بولس التي هي رغبة ملحة لربنا يسوع المسيح.
فالمسيح قد منحنا محبته وعلينا ان نكون واهبين لمحبة مماثلة لأخوتنا الآخرين خاصة وأننا استلمنا الروح القدس حالنا حال التلاميذ اعتبارا من قبولنا لسر المعمودية وجددنا لاحقا لمواعيدها، واصبحنا ابناءا لله وهياكل للروح القدس خاصة نحن اغصان كرمة المسيح وهذا الحب إن تجذر فينا فإنه وحده كفيل كي نتمم رغبة الرسول بولس لنصبح جماعة واحدة وبقلب واحد، وجماعة كهذه لا يمكنها التباهي بمجد باطل لأن الهرولة وراء هذا تؤدي بنا إلى تدمير كل أسس البنيان ونحصل على نتائج مغايرة تماما لما اراده القديس بولس، لأن الأنانية هنا ستعمل وسنقوم بتفضيل الأنا على الآخر.
لكن ربنا يدعونا إلى محبة القريب كالنفس أي أنه يدعونا كي نعترف بالآخر وبوجوده الذي له تأثير في محيطه كما لي أيضا وكما أعتبر نفسي نافعا للجماعة فيدون شك الآخر ربما لديه ذات القناعة فيكون الحضور المتكامل هو حضورنا كلنا معا كي نحصل من ذلك منفعة أعم والتي تصب في المحصلة في منفعة كنيسة المسيح.
وبهذه الروح أخوتي سنكون نسير وفق وصية ربنا التي صلى كي نكون واحدا وكي لا ندع مجالا للشيطان كي يغربلنا، فوجودنا المسيحي اليوم مهدد لأن كنيستنا مهددة من خلالنا لأننا نهتم بأمور كثيرة كما كانت أخت لعازر تهتم ونسينا أن الحاجة هي لواحد هو يسوع المسيح الذي هو في ذات الوقت رأسا للكنيسة التي افتداها بدمه على الصليب.
فهل نسمح لأنفسنا أن ندع هذه الكنيسة تعيش في بحر متلاطم ونجلس نحن نتفرج وكأن الأمر أو حاجة الكنيسة هي من أختصاص رجالات الدين وعلى الكاهن أن يتكفل بكل شيء وعليه أن يكون جاهزا لكل شيء ونحن نأتي ونجد كل شيء جاهز ونثور إن حدث تقصير بشيء بسيط ونجعل من أنفسنا الحاكم والجلاد معا، ولو فكرنا قليلا سنجد أن الكاهن سيكون وحيدا ولا يمكنه العمل أي شيء إذا ابتعدت عته الجماعة، ولو حدث العكس وأعتبر كل منا ان الكنيسة هي بيته ويعمل من أجلها سنجد أن روحية الوحدة بالمسيح وفي الكنيسة ستاتي بثمار جمة منها مائة ومنها ستون ومنها ثلاثون وهذا هو ما رجاه المسيح والقديس بولس برسالته وأرادنا أن نصبح فكرا وقلبا واحدا وأبسط ما نقوله أن أبو المثل قال في الاتحاد قوة، فما علينا سوى أن نتحد كي نكون لائقين بأن نُدعى تلاميذ للمسيح.

عبدالله النوفلي
سدني 17 حزيران 2011

141
أخي العزيز فريد، إذا عملنا بتوجيه من الروح ويكون هدفنا هو البنيان وليس الهدم ونقدم خبرتنا من أجل البناء عندها سنصل إلى كنيسة قوية ونشيطة ومتحررة من الأنانيات الخاصة لكل أفرادها سواء كانوا من السلطة فيها أو من العلمانيين، ومقالاتي لن تكون للهدم بل على العكس تماما فكل عضو في كنيسة المسيح مهم لها ولديه موهبته الخاصة عليه تكريسها للبنيان. شكرا لتعليقك

142
نحن والكنيسة
(1) المقدمة 


بدءا أود أن أقدم في هذه السلسلة من المقالات موضوعا ايمانيا واجتماعيا مهما لحياتنا وفي حياتنا، لانه لايخلو مجلسا من مجالسنا من الحديث ذي صلة إما بموضوع ديني أو بكنيسة أو بالاكليروس ولكوني ملتصقا منذ صغري ببيتي الأصلي الذي هو الكنيسة التي اعتبرها أورشليم الأرضية واستمرت علاقتي بكنيستي بنفس القوة طيلة سنوات عمري ولم أجد حرجا أو مشكلة ما من أي من مفاصل السلم الكنسي بحيث كنت طالبا في التعليم المسيحي ومن ثم معلما له فيها وعضوا في الاخويات المختلفة ومسؤولا عن مختلف الأخويات لعقود خلت وعشت لحظات حلوة في عملي الكنسي كما عايشت لحظات المرارة التي عاشتها الكنيسة خلال فترة الظلم الذي لحق بالكنيسة وبالمسيحيين في فترات مختلفة ولم تكن حادثة كنيسة سيدة النجاة أول الماسي ولا أعتقد بأنها ستكون الأخيرة بهول حجمها وتأثيرها على مستقبل الوجود المسيحي في العراق.
وشهدت حياتي مع كنيستي لحظات من الفتور كما شهدت لحظات من الحرارة والنشاط وربما هذه كانت الأكثر بحيث شعرت دوما بأنني عنصر نافع لكنيستي ولأخوتي في الايمان وكذلك لزملائي الشمامسة ولأبنائي في الأخويات التي أصبحت مسؤولا عن تقديم الزاد الايماني والروحي لأفرادها كي يستطيعوا الثبات والاستمرار في ظل ظروف اختلطت فيها الاوراق وأصبح من الصعوبة بمكان أن نميز الصالح من الطالح والعدو من الصديق، وأصبح المؤمن والذي يسير على نهج المباديء التي علمنا أياها يسوع وكأنه العنصر النشاز في المجتمع أو كأنه في وادٍ والمجتمع كله في وادٍ آخر، حتى أيقنت بأن المقولة التي جاءت في الكتاب المقدس حين قال سيأتي يوما حين يقدمونكم للمحاكم ويجلدونكم يعتقدون أنهم يقدمون قرابين لله، أيقنت في فترات ليست قليلة بأنها تنطبق علينا نحن فعلة الساعة الحادية عشرة.
وانطلاقا من كل ما تقدم أرغب أن أسجل موقفا بمقالاتي المتسلسلة حول هذا العنوان للتاريخ من خلال خبرتي ومعايشتي وأن أحاول فيها تصحيح ما اعتبرته يوما بأنه موقفا غير سليما من قبلي أو قبل أخوتي المؤمنين عندما نتكلم بكلام عام وغير مسؤول سواء من أجل الثرثرة أو من أجل أملاء فسحة من الزمن أو من سبيل المزاح أو بكلام ننقله عن غيرنا لا نقدر حجم قدره وتأثيره لهذا الكاهن أو ذلك المطران أو البطريرك أو راهب أو راهبة أو حتى علماني أو شماس، فكلنا بشر وكلنا خطاؤون أو معرضون للزلات، وعلينا وعلى حالنا تكلم ربنا له المجد عندما قال "لا تدينوا فلا تدانوا. لا تقضوا على احد فلا يقضى عليكم.اغفروا يغفر لكم" (لوقا 37:6)، وجميعنا ننحى منحى الدينونة لغيرنا وننزعج جدا عندما يديننا الآخرون، ونقضي بشدة وبانفعال على غيرنا لكن ننتفض بشدة عندما يصيبنا أذى من قضاء الآخرين علينا، ونطالب الآخرين كي يغفروا لنا وعندما يتعلق الأمر بنا نحكم على الآخرين بقسوة ونبتعد عن المغفرة، وننسى دوما أننا نردد في الصلاة التي علمنا أياها يسوع ولمرات عديدة ربما يوميا عندما نقول "... أغفر لنا ... كما نحن نغفر لمن أخطأ ألينا..." أليس من الأوجب لنا أو علينا أن ننظر إلى الخشبة التي في عيوننا قبل أن ننظر للقذى الذي في عيون غيرنا!!، (متى 3:7و4 و5، لوقا 41:6و42)، وننسى أيضا أننا نلغي كل العمل الذي قام به ربنا على الصليب وحمل خطايا جميعنا الامر الذي يستوجب موتنا عن الخطيئة كي نحيا للبر وتشفى نفوسنا.
هذا الامر يتطلب منا أن نقف مع كنيستنا التي هي عروس المسيح ونحاول أن نكون أعمدة ساندة لها في أية نقطة نجدها من وجهة نظرنا ضعيفة كي نسندها ونقويها لتقف شامخة خاصة ونحن حجارة حية في بنائها (1بط 5:2 )، ولا نصبح عثرة لأي أحد من أخوتنا أو أمام الغرباء لأننا عندما نتكلم بسوء فإنه ينعكس بذات الوقت علينا دون وعي منا، ولنكن متيقنين بأن الآخرين إذا كانوا من أعداء الكنيسة فإنهم سيفرحون ويشجعوننا كي نساهم بمعاول ألسنتنا هدم بنيانها، وإن كانوا من اللا أباليين فإنهم سينظرون إلينا نظرة أزدراء لأننا نتكلم عن بيتنا الثاني بكلام غير مسؤول والآخرين المؤمنين سنجعلهم يحزنون لأنهم يرون أن من ضحى المسيح من أجلهم يدقون المسامير الأكثر إيلاما في جسد كنيسته وبالمحصلة في جسده، وهكذا فإننا لن نجني شيئا سوى الازدراء ونكسب الخطايا، ولا أعتقد أن أي مؤمن يريد لنفسه الوصول إلى مثل هذه النتائج.
من أجل هذه المفاهيم أتمنى أن يسع صدر قرائي الأحباء لمجموعة المقالات التي ستأتي تباعا وليس بالضرورة أن تكون بشكل منتظم، لكن أعد قرائي بأنها لن تكون بفترات بعيدة كي يبقى الموضوع حارا وأنا على استعداد لتقبل الملاحظات أينما وجدت كي نصل بموضوع مقالاتي إلى مرحلة نرضي أنفسنا ونرفع من شأن كنيستنا ويرضى الله علينا، إنه سيكون جهدا نسأل بركة الله كي نمضي به قدما.

عبدالله النوفلي
سدني 15 حزيران 2011

143
المنبر الحر / القِس الأرعن
« في: 10:35 06/04/2011  »
القِس الأرعن


مرة أخرى يعود القِسْ الأمريكي لفعلته التي أفصح عنها سابقا وتراجع حينها واستبشرنا خيرا كونه رجع إلى لغة العقل وإلى تطبيق إيمانه إن كان مسيحيا؟ لكن وكما نقلت لنا الأنباء فقد فعل فعلته الشنيعة وبأصرار لمخالفة تعاليم المسيحية السمحاء التي لا تعرف للضغينة والحقد والعنف والكره مكانا، بل على العكس فإننا نؤمن بأن للمحبة قوة لا يمكن لأية قوة أن تحل مكانها وأننا نحب لقريبنا ما نحبه لأنفسنا، وما فتئ مار بولس يوصي بالمحبة حتى انه جعل فضيلة المحبة أعظم من فضيلة الايمان أو الرجاء، وقال إن فعلتُ كل اعمال البر ولم تكن فيَّ المحبة ما انا سوى نحاس يطن أو صنجا يعطي صوتا، وكأني به يقول أنكم بلا محبة تكونون آنية تعطي صوتا وأنتم بداخلكم فارغين تماما كالطبل فصوته عظيم لكن داخله فارغ.
إذاً ما قام به هذا القِسْ ما هو إلا تصرف فردي بعيد كل البعد عن تعاليم المسيحية وهو كقِس قطعا لا يمثل كنيسة المسيح سوى كونه يحمل لقبه هذا فقال وعنهم قال الكتاب أن نحذر من هؤلاء لأنهم يأتون بثياب حِملان وهم من الداخل ذئاب خاطفة!!؟، لذلك نحن مسيحيي العراق نستنكره بل نستهجنه لسببين مهمين أولهما كوننا نؤمن بمبادئ المسيح وثانيهما كوننا نتعايش مع المسلمين منذ ما يقارب الأربعة عشر قرنا استطعنا خلال هذه المدة من مدّ الجسور المشتركة بمناخ إيماني واجتماعي قل نضيره، ونأمل أن مثل هذه الأفعال التي تمارس في أي مكان خارج منطقتنا أن لا تؤثر مطلقا على علاقاتنا مع أخوتنا المسلمين الذين يجمعنا وأياهم الإيمان بالله الواحد الأحد، وباعتقادي أن من يمارس هذه الأفعال ليس برجل دين بل هو رجل سياسة ويخفي أهداف سياسية شريرة وراء فعلته فما علينا سوى التكاتف والحذر لأنه حتما يريد بنا أن نختلف ونتقاتل بعضنا مع البعض كي نصل إلى الضعف الذي ينشدونه وكلي أمل ان العراقيين مسلمين ومسيحيين من الوعي بحيث يفوتون على أمثال هؤلاء ما يخططون إليه ولا ينالون مبتغاهم، نبتهل إلى الله ان يحفظ العراق وأهله ويصونهم من كل أذية خفية وظاهرة ويحقق في ربوع وطننا السلام الدائم.



عبدالله النوفلي
6 آذار 2011
[/color]

144
مَن يُنصِفُكَ يا شَعبْ؟

عانى الشعب؛ الكلداني السرياني الآشوري الأمرين على مدى عقود كثيرة من السنين، وتعرض إلى مذابح جماعية على مرأى ومسمَع القوى العُظمى ومنها بريطانيا التي كانت حينها تحمل لقب (العظمى)، حيث دُمرت قراه وبلداته، وتعرض للتهجير والسبي والذبح والابادة، دون أن يرف جفن للعالم أجمع وفي حينها كانت عصبة الأمم حديثة التشكيل، وكان شعبنا كشاة سيق للذبح وهو لا يقوى حتى على فتح فاه والاعتراض، وعندما فعل لم يسمعه أحد ومضوا قدما بتكريس واقع الحال لابعاد الشعب عن تحقيق أحلامه حاله حال الشعوب التي تريد الحياة، لكن عندما يأتي دور شعبنا كي يطالب بالحياة فإن القدر يقف معاندا ولا يستجيب أبدا!!!
وما أشبه اليوم بالبارحة، فرغم رياح الديمقراطية التي هبّت على العراق واستبشار الجميع بالخير بأن عهد الظلم قد ولى وراح وإن القادم من الأيام سيكون منصفا للجميع، لأن الدستور قد تم أقراره وصوت له الجميع ومنهم كاتب هذه السطور رغم ما كانت عليه من مآخذ قد تم ثبيتها في حينها والكتابة عنها في عام 2005، لأن كانت هناك ملاحظات واجبة التصحيح كي يتحلى الدستور بالعدالة لجميع العراقيين، لكننا قلنا طالما أن ديدن العراقيين الجديد هو الديمقراطية ونبذ الماضي ومحاكمة التاريخ الأسود وإحلال أوراق بيضاء محل تلك التي أسودت من دماء الشعب التي أهرقت على مذبح الحرية في العراق الجريح وفي بلدات مختلفة منه.
لكن أزلام اليوم لا يختلفون كثيرا عن أزلام الماضي!! فها إننا نجد بلدات شعبنا محاصرة بإجراءات بغيتها تغيير ديمغرافيتها رغم أنف الدستور وبمادته (23) الفقرة (ثالثا) و (ب) منها ولمن لا يعرف ما تقول هذه الفقرة سأوردها في نهاية مقالي للاطلاع كي يعرف الجميع أن محاولات تحقيق ما يجري اليوم حول برطلة وبغديدا هو مخالف لأحكام الدستور وأن ما يحاولون القيام به هو عمل حق يراد به باطل بعد أن طالبنا بالالتفات لهذه المنطقة كونها مهملة وتعاني من النسيان وعدم إنشاء أية مشاريع مهمة فيها ويجري ذلك على أيدي من أنتخبهم الشعب كي يسّيروا أموره في محافظتهم!!!
لكن حليمة دائما تعود لعادتها القديمة ولا تريد أن تترك ذلك وما عجز أجدادهم من تحقيقه بالأمس، والسيطرة على أملاك شعبنا واقتطاع أجزاء من قراه وبلداته، فإنه يحاول اليوم تحقيقه، وإن كانت بريطانيا العظمى شاهدة خرساء على مذبحة سميل في القرن الماضي، فاليوم أعظم قوة في العالم ألا وهي الولايات المتحدة ستكون هي أيضا شاهدة لكننا نتمنى أن لا تكون خرساء لأن التهديد لن يكون لبرطلة وقره قوش فقط إنما لوجود شعبنا كله.
فهل سيسكت شعبنا اليوم وينتظر الجزار لكي يؤدي عمله؟ أم ينتفض لكي يكسر السكين المسلطة على رقابه ويقول كلمة حق ويثأر لنفسه ولأبناء شعبه طوال سنين طوال لم تكون جبال حكاري الأولى ولا سميل المذبحة الأخيرة ولا صوريا !!! أعتقد ليس بعد في القوس منزع والأمر لا يتحمل الانتظار.
نص الفقرة المشار إليها:
المادة ( 23):
 أولاً :ـ الملكية الخاصة مصونةٌ، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون.
ثانياً :ـ لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويضٍ عادل، وينظم ذلك بقانون.
ثالثاً :ـ
 أ ـ للعراقي الحق في التملك في أي مكانٍ في العراق، ولا يجوز لغيره تملك غير المنقول، الا ما استثني بقانون.
ب ـ يحظر التملك لاغراض التغيير السكاني.
 
عبدالله النوفلي
6 آذار 2011


145
الصحوة..
لماذا غاب التيار الاسلامي؟


عبدالمنعم الاعسم

قبل ان نبحث عمن قاد ويقود الشبيبة الغاضبة في تونس، ثم في مصر، ثم في دول عربية اخرى ينبغي اثارة الملاحظة الاتية: لماذا غابت تنظيمات الاسلام السياسي عن الشارع؟ ويمكن تخفيف الطابع المباشر للسؤال الى صيغة اخرى: من، وما الذي يحرّك ملايين الشباب في دول عربية كانت الى اسابيع تنتسب الى الجمهوريات المحكومة بملوك في واقع الامر؟.
كان المحللون الغربيون قد ملأوا صفحات كثيرة عن فرضية سقوط انظمة الاستبداد القومية، لدى اية هزة او هبة محلية، بيد قوى الاسلام السياسي وطلائعه الجهادية المتطرفة بكل مسمياتها الشائعة، من الاخوان حتى القاعدة،  وهذا ما ذهب اليه بيير بلان مدير تحرير مجلة “  كونفلينس ميدتيرانية” الفرنسية المتخصصة بدراسات حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط، بل ان باولا كونسالي استاذة العلوم السياسية في جامعة نابولي الايطالية دعت الغرب الى تقديم المزيد من الدعم لهذه الانظمة حتى لا تقع بيد الجماعات الارهابية المسلحة.
وطبعا، هرع الكثير من كتاب الصحافة القومية العربية الى تبشيع اي تحرك شعبي عفوي وتدنيسه بشبهات “العمالة” وبخاصة حين يتخذ هذا التحرك شكل رد فعل على انتهاكات الحقوق المدنية، واتحد كتاب السلطة وكتاب التيار القومي في الدفاع عن حكومات “مدى الحياة” والنفخ في خطر الجماعات الاسلامية المتطرفة والصمت حيال تجويع الملايين وإلقاء جيال متزايدة من الشباب الى دوامة البطالة وحرمانها من فرص العمل، وفي النتيجة، تعمقت الهوة بين الشعب والحكم قدر ما تعمقت مشاعر المهانة والهامشية في صفوف الفئات الشعبية وانضمت لها شرائح من الطبقات المتوسطة التي تصطدم يوميا باستئثار النخب الحاكمة بالامتيازات والفرص.
والحق، ان القليل من المحللين سلطوا الضوء على الحقيقة التالية: ان الاسلام السياسي باحزابه التقليدية ومجموعاته الجهادية، لم يتصدر الحركة الشعبية المطالبة بالخبز والحرية، في تونس، والآن في مصر، على الرغم من انه تقدم حركة المعارضة السياسية في هذين البلدين وفي بلدان كثيرة لثلاثة عقود ماضية.
وفي تفاصيل هذه الحقيقة لابد من تأشير ناحيتين مهمتين، الاولى، تتعلق بضعف التنظيمات الاسلامية الجهادية بعد الضربات المنهجية والملاحقات التي وجهتها السلطات لها في العقدين الاخيرين، وتجفيف مصادر تمويلها الايديولوجي والبشرية، والثانية، ان هذه الجماعات اخفقت في تقديم برنامج اجتماعي للتغيير، وبقيت تتخبط في سلسلة من الاعمال الانتقامية والتآمرية والاستعراضية المسلحة تحت شعارات دينية وفتاوى مقعـّرة  اغتربت عن معاناة الشبيبة والفئات المكتوية بنار الاستبداد والمجاعة.
*
 “لو كانت الحرية ثلجا لنمت في العراء”
                        الماغوط



146
المنبر الحر / السياسة والدين
« في: 18:44 24/01/2011  »
السياسة والدين

كلمتين مهمتين في قاموس حياتنا اليومية، ويكاد لا يستطيع أي إنسان أن يتخلص من أي منهما في حياته، وربما اللادينيين قد ابتعدوا نوعا ما عن الكلمة الثانية لكن ما يعلنوه هم أيضا هو شكل من أشكال الدين، لأن الدين ليس فقط أن نؤمن بالله أو نتبع أي من الأنبياء أو الرسالات السماوية أو غيرها، إنما الدين هو أخلاق قبل كل شيء وهو شريعة للحياة كي تعطي هذه معنى أبهى وأسمى للعلاقات الاجتماعية بعيدا عن الغش والخداع والغاية تبرر الوسيلة.
وفي الجانب الآخر من الموضوع نجد أن السياسة هي حقل شائك لا تحدده قيم معينة بل أنها مجرد فن الممكن وكذلك فن تحقيق المصالح؛ وعَدُوي اليوم قد يكون صديقي غدا إن تحققت مصلحتي معه وقد ألجأ إلى أقذر الوسائل لتدمير المقابل أو تحطيمه سياسيا حتى وإن كانت الوسائل غير مشروعة من خلال اللجوء إلى الكذب والتزوير وفبركة الأحداث وأعادة تشكيل الصورة لكي يتم جعلها مقبولة للآخرين وأيهامهم في أنها الحقيقة!!!
ومن هنا نرى شتّان ما بين السياسة والدين، ففي السياسة لا نجد مكانا للأخلاق والمواقف الثابتة إنما جميع الأمور خاضعة للتغيير حسب المصلحة، والأمثلة كثيرة في تاريخنا القريب وواقعنا المعاصر، لكن الغريب أن نرى من يلبسون رداء الدين ويَلجون ميدان السياسة بل يصرّون على العمل فيها!!!؟ فربما هذا يريد أن يضع للسياسة دينا ولا أدري كيف له أن يفعل ذلك؟، فكم من الوقائع والأحداث السياسية تستوجب قرارات تتعارض مع الأخلاق الدينية فكيف للمتدين أن يمضي قدما عند ذلك في السياسة، أم أن دينه يتكيف مع المصالح السياسية!!! أيصح هذا؟
بكل تأكيد نحن ننشد أن يكون للسياسة مبادئ شأنها شأن الدين وأن يكون جميع البشر يؤمنون بالله وبالقيم السماوية والدينية وأن يعم العالم شريعة المحبة والتسامح والفضيلة والاخلاق الحسنة وأن يقف الاقتتال ويحلّ السلام في الأرض وتتوقف الاعمال الإرهابية ويحلّ محلها الامن والطمأنينة وأن يعلم كل إنسان حدوده ويحددها بنفسه ولا يتعدى على حق غيره ويحب قريبه كنفسه و و و ... من المبادئ الدينية التي ننشدها جميعا وتعمل من أجل أحقاقها جميع الأديان، لكن هل هذا ممكن في السياسة؟
فبالسياسة تتحارب الشعوب وبواسطتها يتم غزو بلدان آمنة ومحاصرتها وإبادتها، وبها تُستعمَر شعوب وتُسلب حقوقها وتُنهب خيرات بلدانها، وتستباح كرامتها وبالسياسة تُلقى آلاف الأطنان من القنابل على الشعوب وبها أيضا يتم تشكيل فرق لإنقاذ الضحايا ومداوة الجرحى ومعالجة مشاكل اللاجئين الهاربين من المعارك. فهل يسأل أصحاب الديانات الذين يمتهنون السياسة كيف سيمتهنون مثل هذه السياسة؟ أم أنهم سيضعون قواعد جديدة للسياسة؟ لا شك أننا سنكون أمام أناس مراؤون يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما يناقض أقوالهم.
عبدالله النوفلي
23 كانون الثاني 2011

My Web Sites
http://abdullahnaufali.ahlamontada.com/forum
and
http://abdullah1954.maktoobblog.com/



147
هل للمكون المسيحي في العراق متحدث رسمي؟

كثيرة هي الهموم التي نعيشها في عراق ما بعد 2003 كمسيحيين (كلدان .. سريان .. آشوريين)، جعلت منا في مناسبات كثيرة وقودا وحطبا يتم احراقه حسب مشيئة الاشرار الذين يختارون الزمان والمكان دون الاكتراث بالامور الانسانية ودون اعتبار أن هذا المكون يختلف عن غيره في العراق كونه لا يؤمن بالعنف ولا يمارسه بل عكس ذلك فإنه يؤمن بالمحبة والتسامح والمغفرة حتى مع الاعداء، ولم يقم أي من أفراد هذا المكون بعمل إرهابي أو التعدي على حقوق الاخرين بل كان الجميع يضعون أيديهم بأيدي أخوتهم الذين يشاركونهم بعراقيتهم لخدمة أنفسهم وأخوتهم والعراق كمحصلة نهائية.
لكن المشكلة الاهم باعتقادي هو افتقار هذا المكون لقيادة سياسية فاعلة أو لتنسيق مشترك بين الاحزاب التي تعمل ضمن هذا المكون بحيث اصبح لدينا اجندات كثيرة ومتقاطعة أحيانا مما جعلنا مثار سخرية من قبل الكتل السياسية والمسؤولين الاعلاميين، بحيث كل من يتحدث وكأنه هو فقط المتحدث الرسمي باسم مكوننا المسيحي وكل ما عداه ما هو إلا محرض أو انتهت ولايته أو لا حق له بالتحدث وإن تحدث فهو يعبر عن رأي شخصي بحت والادهى من ذلك من يتصرف هكذا ربما لا يحمل حتى الجنسية العراقية وإن حملها فتوجد أخرى إلى جانبها يتنقل بها بحرية بين دول العالم وتكون جاهزة للفرار عندما تضيق الحلقة من حوله وبنفس الوقت هو يطالب بل يطلب من الاخرين أن لا يُطالبوا حتى بمنطقة آمنة يلجئون إليها عندما يهددهم أحدهم بحياتهم أو أموالهم أو معتقدهم وليس هذا فقط فإن أمثال هؤلاء كثيرون ومنهم من هو مستقر في الخارج ويطالبون أبنا شعبنا بالبقاء والصمود وتحمل العواقب ويقدمو لهم بالمشورة أو ربما إملاءات ويطالبونهم بالبقاء والصمود وعدم ترك أرض الآباء والأجداد، فأين كل هؤلاء مما يكتبون عندما حزموا هم حقائبهم للاستقرار بعيدا عن أرض بابل وآشور؟
هنا أتساءل: هل يوجد شخص واحد مخول بالتحدث باسم هذا المكون  حتى وإن كان له مقاعد بالبرلمان؟ أليس ما يتحدث به هذا هو رأيه الشخصي، وربما رأي حزبه هذا إن كان كل من في حزبه يوافقونه الرأي؟ فلهذا أقول أنه عليه أن يعرف أن ما يصرح هو به أيضا هو رأيه الشخصي لأن الامة لم تخول أحدا للتحدث باسمها، ومن مجموع آرائنا الشخصية ممكن بلورة رأيا محددا للأمة نجتمع عليه، فالامة لا لسان لها تتحدث به وما يجمع عليه ابنائها هو الذي يمكننا أن نقول عليه أنه رأي الامة وبعد اجماع مختلف الافكار لخط معين يعمل لمصلحتها وحاضرها ومستقبلها.
وواقع حال مسيحيوا العراق اليوم وخاصة بعد تكرار أعمال الشر ومنها ما حدث ليلة 30-31 من كانون الاول لسنة 2010 وبكل تأكيد سوف لن يكون الاخير يدعونا بالحاح للبحث والعمل على درء المخاطر عنه وبأية وسيلة ممكنة سواء أكانت سياسية أو دينية بالتعاون مع أخوتنا العراقيين بمختلف مكوناتهم وأيضا العمل مع الدول الاخرى شرقية كانت ام غربية لان ما سنصل اليه قريبا ان شعبنا يتحول إلى مجموعات من اللاجئين هنا أو هناك تعيش على الفتات وتذوب تدريجيا في ثقافات أجنبية تمهيدا لتلاشي ذكر بابل أو آشور إلى الأبد وتبقى بابل وآشور موجودة في متحف اللوفر أو برلين أو غيرها من المتاحف فقط خاصة وأن متاحف العراق قد غيبتهم أصلا من الوجود على قاعاتها منذ زمن ليس بالقصير، وكل من يساهم بالوصول إلى هذا الحال المأساوي فإنه يساهم بأحداث تغييرات ديموغرافية حت في التاريخ وليس في واقع بلداتنا وقصباتنا الحالية التي تعمل اجندات مختلفة لاحداث هذه التغييرات فيها وربما ستتغير حتى تسمياتها لمحو كامل الارث الذي عمل آبائنا وأجدادنا لترسيخه في ارض ما بين النهرين.
إنه ربما واقع حال سنصل إليه حتما طالما بقي لدينا ساسة لا همَّ لهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية الضيقة أو ربما مصالح أحزابهم على أكبر تقدير ويصادرون حقوق الاخرين نتيجة ما فرضه واقع العراق بعد حلول ديمقراطية بوش في اراضيه ونحن نعمل مع الاسف مع الآخرين الذين يتقاطعون مع آرائنا بأنهم أعداء لنا ونحاول النيل منهم ومن مواقعهم حت لو كانت بتشويه الحقائق (ذُكرَ أنني انتهت ولايتي... وللحقيقة أني قد طلبت الاحالة على التقاعد وحصلت على موافقة دولة السيد رئيس الوزراء لكن البديل لم يتم تعيينه بعد ومازلت أمارس عملي، أي أنني صاحب الطلب ولم يُنهي أحدا ولايتي)، ولمن يريد توضيح الحقائق التي ربما وردت كرموز في هذه المقاة فإيميلي الشخصي يعرفه الكثير وأنا مستعد لتوضيح أي شيء يرونه مبهما في مقالتي.
أمنياتي لعام 2011 أن يكون عاما آمنا يحلّ فيه السلام ويعيش شعبنا بأحسن حال وأن تتوضح ملامح مستقبله وتزول عن سياسييه وكافة مفاصل القيادة وانواعها فيه الغشاوة ونستطيع أن نرى بوضوح مجمل صورته حتى نختار قرارنا الصائب. وكل عام وجميع العراقيين بألف خير.


عبدالله النوفلي
31 كانون الاول 2010




--
 

148
سيدة النجاة... ماذا بعد؟

 ها نحن الآن قد طوينا سبعة ايام على مذبحة الكنيسة الشهيدة وقد أصبحت الارقام فيها واضحة 52 شهيد و73 جريح الارقام التي تعتبر فاجعة اذا قارناها باعداد المسيحيين المتبقين في العراق، وأزاء هذه الفاجعة علينا استقراء الاحداث والمعطيات لكي نقرر او نستنتج ماذا بعد هذه الكارثة واين سيصل مستقبل المسيحية في العراق؟.
*الكارثة بما افرزته كبيرة جداً ولا يختلف عليها اثنان.
*ردود الافعال العامة في العراق من كل اطيافه كانت متضامنة ومساندة للمسيحيين وما كتبه الكتاب من المسلمين كان الاكثر وضوحاً وحِدّة لحماية المسيحيين وضمان بقاءهم في بلد