عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - أبرم شبيرا

صفحات: [1]
1
تأسيس البرلمان الآشوري في المنفى ... حقيقة أم حلم وردي؟؟
===================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
----
أود أن أشير بأن مثل هذه المواضيع تثير اهتماماتي، لذلك منذ بزوغ هذه الفكرة وأنا أتابع منشورات ونشاطات اللجنة المعنية بالدعوة لتأسيس هذا البرلمان، ولكن للحق أقول رغم اهتمامي الكبير بمثل هذه المسائل خاصة هذا الموضوع. إلا إنني ترددت في التعليق عليه أو بيان بعض الملاحظات وضمن خلفيتي في هذا المجال خشية من سوء ضن البعض بأنني ضد الفكرة أو هو انتقاد غير موضوعي أو هو إحباط لأصحاب الفكرة وهي في بدايتها، خاصة البعض منهم أصدقاء أعزاء لي حق المعرفة بنواياهم الحسنة تجاه المسائل القومية. ولكن أسفي وحسرتي ستكون عندما يستهلكون قوتهم وجهدهم ولا يصلون إلى مبتغاهم بسبب عدم إدراكهم لحيثيات ومتطلبات تأسيس مثل هذا البرلمان في المنفى الذي يتطلبه الكثير من المعرفة السياسية والقانونية والمالية، ولكن الشحة بهذه المعرفة اكتست باندفاعهم وحماسهم القومي ضمن إطار الفكر القومي الرومانسي البعيد عن الواقعية. من هذا المنطلق وإكراماً لمثالية الفكرة واحتراما لأصحابها أطرح بعض المقترحات والتوضيحات والانتقادات الموضوعية بخصوص هذا الموضوع لعل قد تفيد في تصحيح أو تقويم بعض الأخطاء أو وضعها في مسارها الصحيح كما أراه شخصياً وموضوعياً. حيث سأتناول الموضوع من الجوانب التالية:
أولا: البرلمان من حيث الشكل:
------------------
البرلمان أصل الكلمة من (Parlement) الفرنسية وتعني النقاش والحوار، وكانت بريطانيا أول من استخدمت مصطلح البرلمان في عام 1236. أما في اللغة العربية، فلا توجد كلمة واحدة للبرلمان أو لمعناه، بل دائما يأتي بكلمتين مثل الجمعية الوطنية أو مجلس النواب أو مجلس ممثلي الشعب. فالبرلمان من حيث الشكل، أو في بعض الأحيان يعرف بالجمعية الوطنية، أو مجلس النواب أو نواب الشعب أو مجلس الأمة، هو هيئة تشريعية من المفترض أن تكون منتخبة من قبل الشعب ويأتي، أي البرلمان، ضمن سياق المفهوم الديموقراطي الحقيقي في الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (مجلس وزراء) والقضائية (وزارة العدل أو المحكمة العليا). ومهمة البرلمان معروفة وواضحة تنحصر في مجالين، الأول: تشريع القوانين والمسائل المتعلقة بالدستور. والثاني: مراقبة أداء الهيئة التنفيذية (مجلس الوزراء) ومن دون التدخل في شؤونها حسب مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث.
طبقاً لهذا المفهوم في البرلمان، نرى بأن البرلمان الآشوري المزمع تأسيسه في المنفى بعيد كل البعد عن المعنى الدارج للبرلمان وأبعد أكثر عن الواجبات والمهمات التشريعية والرقابية التي يقوم بها البرلمان، لأنه من المؤكد سوف لا تكون هذه المهمات ضمن أجندته أو نظامه الداخلي طالما ليس هناك هيئة تنفيذية، أي مجلس الوزراء، ولا مؤسسات حتى يراقبها أو هناك دستور يتطلب تعديله، فكان من الأجدر على أصحاب هذه الفكرة أن يسمى تنظيمهم بالاتحاد الآشوري في المنفى أو جبهة آشورية أو غير ذلك، ولكن وجدوا بأن مثل هذه التسميات موجودة أو كانت موجودة سابقاً في الساحة السياسية الآشورية وفلشت، لذا وجدوا في البرلمان نغمة جديدة وطنانة وقد تكون أكثر قبولا لدى الآشوريين والانجذاب نحوه. ومن جهة ثانية فمن المعروف بأن أعضاء البرلمان يكونون منتخبين من قبل الشعب، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي بعض الأنظمة، خاصة في بلدان العالم الثالث، لرئيس الدولة، سواء أكان ملك أو رئيس جمهورية، الحق في اختبار عدد معين من أعضاء البرلمان فكيف سيتم انتخاب البرلمان الآشوري في المنفى من قبل شعبنا الآشوري وهو مشتت في ارجاء المعمورة.
ثانيا: البرلمان الآشوري بين المنفى والمهجر:
-------------------------
هناك نقطة مهمة من المؤكد لم يدركها أصحاب فكرة تأسيس البرلمان الآشوري، وهي معنى المنفى أو مضمونه الذي يختلف عن المهجر. فالمنفى هو مكان إقامة المطرود من بلده، بسبب قوة طاردة صادرة من سلطة حكومية ضد شخص أو أشخاص قاموا بنشاط سياسي مناهض لسياسة رجال الحكم والسلطة السياسية، طبعاً المقصود هو بلدان العالم الثالث خاصة الاستبدادية منها. وهناك في بلد المنفى يبدأ التحرك السياسي للمنفيين سواء بتأسيس أحزاب أو حركات مناهضة لنظام الحكم في بلدانهم أو مواصلة الاتصال بأحزابهم في الوطن واستمرار العمل السياسي من خلال دعم رفاقهم في الوطن أو ممارسة الضغط على السلطات المعنية في المنفى ساعين إلى اليوم الذي يسقط النظام أو يترنح ليعودوا إلى وطنهم لاستلام مقاليد الحكم أو المشاركة فيه. وقد تكون المعارضة العراقية في المنفى أثناء فترة حكم نظام البعث في العراق نموذجاً في هذا السياق. وفي تاريخنا القومي المعاصر يعتبر نفي البطريرك الأسبق مار شمعون إيشاي وعائلته وغيره من الموالين له إلى الخارج عشية مذابح سميل عام 1933 نموذج في هذا السياق، ومن هناك في البلد الذي أستقر فيه، أي الولايات المتحدة الأمريكية، بدأ نشاطه السياسي في المطالبة بالحقوق القومية للآشوريين إلا أن جميع محاولاته ذهبت أدراج الرياح ولم يوفق في مسعاه. وقد يكون سبب ذلك، أما غياب التأييد الدولي والإقليمي لمطالبه، خاصة من الدول الكبرى ودول الجوار للعراق، أو افتقاره إلى التواصل مع أي حركة قومية آشورية في العراق والتي توارت بعد مذبحة سميل لأكثر من عقدين من الزمن وكذلك ظهور مجموعات آشورية مناهضة له بعد أن أرتمت في أحضان السلطة السياسية. فكان آخر نشاط قام به البطريرك مار شمعون إيشاي هو تقديم شكوى، أو التماسPetition)  ( إلى المؤتمر التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة عام 1945 بخصوص المطالب القومية الآشورية إلا أنها لم تقع إلا على آذان صماء. ومنذ تلك الفترة ترك العمل القومي السياسي فأرتكن إلى الهدوء والسكنية وأقتصر نشاطه على المسائل الكنسية وأستقر بشكل نهائي في الولايات المتحد الأمريكية كبلد المهجر وليس كمنفى وأصبح من مواطني هذه الدولة.
أما مفهوم المهجر، فهو المكان الذي يستقر ويعيش فيه الشخص بعد أن هجر موطنه، وليس، على الأغلب، بسبب قرار من السلطة السياسية المؤدي إلى هجرته للوطن، ولا بسبب نشاطه السياسي، بل بسبب غير مباشر ناجم من الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الشخصية لتدخل كطرف في المعادلة كعوامل طرد مع عوامل الجذب المنبعثة من بلدان المهجر، فيترك وطنه بمحض إرادته القائمة على هذه المعادلة طرد/جذب، فيصبح المهجر وطناً له فيتحول وطنه الأصلي عنده من واقع موضوعي إلى عامل معنوي فكري وعاطفي ليكون على الأغلب بعيدا عن العالم السياسي القومي وعلى الأغلب غير مرتبط أو متواصل مع أي حزب أو حركة سياسية في وطنه الأصلي، ولا في نيته العودة يوما ما إليه خاصة بعد أن يستقر في المهجر بشكل دائم ويبدأ حياة جديدة قائمة على العوامل التي جذبته إليها.

أسردت هذه المقارنة بين المنفى والمهجر ليكون معياراً لمعرفة فيما إذا كان البرلمان الآشوري فعلا في المنفى، كما أطلق على نفسه هذه الصفة أم هو في المهجر؟ فالمعروف عن أصحاب الفكرة، بأن معظمهم أن لم يكن جميعهم، هاجروا وطنهم ليس بسبب قرار سياسي مباشر من السلطة ضدهم بسبب نشاطهم السياسي، بل بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية وبمحض إرادتهم. كما أنهم استقروا في المهجر وأسسوا حياتهم مع عائلاتهم ضمن ظروف جديد مختلفة كلياً عن ظروف وطنهم الأم بحيث يصبح أمر عودتهم أو حتى التفكير به مستحيلا فينتقل "آشور" من وطن واقعي إلى فكر يسبح في عالم الرومانسية السياسية غير قادر على النزول من هذا العالم إلى أرض الواقع في آشور. لهذا يمكن التأكيد بأن أصحاب فكرة البرلمان الآشوري هم في المهجر وليسوا في المنفى وبالتالي ليس من المنطق والواقع أن يكن هناك برلمان آشوري في المنفى فلربما كان من الأجدر أن يكون البرلمان الآشوري في المهجر.
ثالثا: البرلمان من حيث المضمون:
-------------------
المقصود بمضمون البرلمان هو البرلمان الآشوري في المنفى المزمع تأسيسه، ويمكن البحث في هذا المضمون من النواحي التالية:
1-   معظم أصحاب الفكرة، على الأقل المعروفين لي، هم أصحاب خبر سابقة في المجال السياسي القومي الآشوري، فإما كانوا أعضاء، ربما كوادر متقدمة في أحزاب آشورية معروفة أو كانوا من المقربين لهم أو المهتمين بالشؤون السياسية الآشورية والوطنية، تركوا أحزابهم السياسية وتركوا العراق نحو بلدان المهجر، أي بهذا المعنى كان يجب عليهم أن يكون لهم خبرة وخلفية سياسية فكرية في تأسيس مثل هذه التنظيمات الآشورية العالمية قبل أن يخطوا الخطوة الأولى في مجال الدعوة لتأسيس البرلمان الآشوري في المنفى.
2-   هناك أكثر من تنظيم آشوري عالمي في المنفى أو في المهجر بعضها فشلت واختفت والبعض الآخر لايزال قائماً منذ أكثر من نصف قرن، مثل الإتحاد الآشوري العالمي (خويادا) الذي لا نشاط له يذكر على المستوى الدولي غير فرع أستراليا والذي يظهر بأنه شيئاً فشيئاً تحول أو يتحول إلى حزب سياسي حاله كحال بقية الأحزاب الآشورية، او إلى جماعة ضغط. فكان من الأجدر على أصحاب فكرة تأسيس البرلمان الآشوري في المنفى أن يتعظوا من أسباب فشل هذه التنظيمات التي باعتقادنا بأن هذه الأسباب سوف تلاحق تأسيس هذا البرلمان ومصيره لا يكون أحسن من مصير التنظيمات الآشورية العالمية التي سبقته.
3-   التمويل هو عصب حياة كل تنظيم سياسي، فبدونه لا يمكن له الاستمرار أو قيام بنشاط جماهيري يذكر. فمن البداية يظهر بأنه يصعب جداً على أصحاب فكرة تأسيس البرلمان تأمين التمويل اللازم لحضور المندوبين لمؤتمر التأسيس أو للاجتماعات البرلمانية القادمة، وهذا ما أكده القائمون على تأسيس البرلمان عندما ذكروا للذين يرغبون حضور مؤتمر يريفان في أرمينيا للفترة من 12 – 13 أيلول 2019 ضرورة تحمل مصاريف السفر من قبلهم لأن اللجنة التحضيرية للمؤتمر ليس لها إمكانيات تمويل سفرهم. ولو حاولنا ألقاء نظرة سريعة على الأحزاب والتنظيمات الآشورية التي أخفقت في الاستمرار بنشاطها نرى بأن التمويل، خاصة من مصدر ثابت ودائم، كان من الأسباب الرئيسية في فشلها أو ترنحها أو جمودها على الورق، إي بقائها أسم بلا جسم. فكان على أصحاب فكرة تأسيس البرلمان الآشوري إدراك وفهم هذه الحقيقية قبل إشهار الفكرة والدعوة لعقد مؤتمر التأسيس.
4-   العامل الجغرافي، عامل موضوعي وأساسي ومهم في نجاح أي تنظيم، والحال ينطبق بكل حذافيره على فكرة تأسيس برلمان آشوري في المنفى. فتشتت أبناء شعبنا من أستراليا شرقاً مروراً بوطن الأم ثم أوروبا حتى ولايات المتحدة الأمريكية غرباً عامل جغرافي لا يساعد إطلاقاً على إقامة تنظيم آشوري عالمي، وأن تأسس مثل هذا التنظيم فأنه سيكون ضعيفاً ويتركز نشاطه في دولة من دول الشتات. فمن المؤكد بأن هذا العامل واضح على البرلمان الآشوري في صعوبة حضور مندبين مطلوبين لتأسيس البرلمان سواء لمؤتمر يريفان او لمؤتمر فيزبدان في ألمانيا في شهر شباط عام 2020. وبالتالي سينحصر نشاط هذا البرلمان وقادته الفعلية في ألمانيا وبأقصى حد أيضا في بعض دول الجوار لألمانيا، وحتى بين هؤلاء بدأت الخلافات تنخر بالفكرة ولربما ستقضي عليها قبل أن يرى البرلمان الآشوري نورا.
5-    العامل الديموغرافي، في نداء نشرته اللجنة الموحدة لتأسيس البرلمان الآشوري (UCAP – يوكاب) في المنفى جاء فيه دعوة موجهة إلى جميع "أبناء شعبنا" من "آثوريين، كلدان، سريان، آراميين، مارونيين، أيزيديين وغيرهم" لتسجيل التأييد لمشروع البرلمان الآشوري في المنفى، لتمهيد الطريق لإنشاء برلمان آشوري لذا نسترعي انتباه شعبنا الآشوري (بكل مكوناته وتسمياته من آثوريين، كلدان، سريان آراميين، مارونيين، أيزيديين) وغيرهم إلى هذا المشرع القومي الكبير على أمل دعم هذه الفكرة.... يظهر بأن أعضاء يوكاب غائبين كل الغيب عن صراع التسميات في أرض الوطن فأضافوا مزيداً من الحطب على النار ليزيد سعيره بإضافة تسميات أخرى. والأنكى من هذا يظهر من دعوتها بأنها تفرق بين التسميتين الآشوريون والأثوريون ويجعل من الأثوريين مكون من مكونات شعبنا الآشوري، إلا يعرف أعضاء اللجنة بأن الفرق بين التسميتين هو في اللفظ فقط وكلاهما لشعب واحد؟ هناك حقيقة واقعية تؤكد بأن أي حزب أو حركة قومية لا يمكن ان يكتب لها النجاح ما لم يؤيدها غالبية أبناء هذه القومية. فكيف نتصور من الكلدان والسريان والأراميين والمارونيين والأزيديين أن يؤيدوا فكرة تأسيس برلمان آشوري؟ فالواقع الحالي واضح كل الوضوح عن مواقف غالبية أبناء هذه التسميات التي كانت بعضها حجر عثرة في طريق كل حزب أو حركة حاول كبس أبناء هذه التسميات في تسمية واحدة آشورية. فهذا الفكر القومي الكلاسيكي ليس إلا حلم وردي لا يمكن تحقيقه على الواقع لأنه يبقى حلم يحلم به السابحون في فنجان قهوة.  ولكن مع كل هذا فاعتزازنا بكل هذه التسميات صميمي لا يؤثر إطلاقا على صميم انتمائنا الآشوري.
6-   التواصل مع الحركة القومية في أرض الوطن عامل مهم جدا في نجاح أي تنظيم دولي كالبرلمان الآشوري في المنفى الذي يطالب بالحقوق القومية للآشوريين في أرض آشور، لأن مثل هذه المطالبة يجب أن يكون لها خطاب قومي واضح نابع من أرض آشور عبر الأحزاب والتنظيمات الآشورية الناشطة على أرض آشور، أي يجب أن يكون الخطاب القومي للبرلمان الآشوري امتدادا وانعكاسا للخطاب القومي الآشوري في أرض الوطن. فطالما أحزاب شعبنا القومية في أرض الوطن تفتقر إلى خطاب سياسي موحد وواضح فهكذا سيكون حال البرلمان الآشوري في المنفى مفتقراً إلى خطاب سياسي قومي واضح وقابل للتطبيق. هذا الأمر في افتقار الترابط العضوي بين الوطن والمهجر هو السبب الذي جعل من التنظيمات القومية الآشورية في المهجر أن تتلاشي أو تبقى متجردة من الخطاب القومي السياسي الواضح لأن أحزابنا في أرض الوطن تفتقر إلى خطاب سياسي قومي واضح وموحد.
وأخير أوكد خشيتي من عدم وصول القائمين على تأسيس البرلمان الآشوري في المنفى إلى مبتغاهم لأن مثل هذا الإخفاق سيزيد من إحباط أبناء شعبنا ويتعاظم فقدان مصداقيتهم تجاه التنظيمات القومية لشعبنا الذي ليس بحاجة إلى مزيداً من هذه التنظيمات، فما هو موجود على أرض الواقع قد يكفي في الوقت الراهن إن لم نقل بأنها تنظيمات كثيرة في مقارنة مع حجم وإمكانيات شعبنا في الوطن. كما خشيتي أيضا هو ضياع جهود وإمكانيات القائمين على مشروع تأسيس برلمان آشوري في المنفى في الركض وراء غير الممكن تاركين الممكن الذي قد يتمثل في التخلي عن فكرة تأسيس برلمان آشوري في المنفى والانضمام إلى الإتحاد الآشوري العالمي (خويادا) الذي يحمل نفس الفكرة والأسلوب ولربما يكونون عوناً وسندا لخويادا ليبدأ بالتحرك أكثر فأكثر.



2
إحياء الذكرى السنوية لرحيل الإعلامي الكبير ولسن يونان
------------------------------------------------------


------------------------------------------------------
التزاما بواجبه القومي تجاه المبدعين من أبناء أمتنا الآشورية، وتذكيرا للعلاقة الفكرية والثقافية التي ارتبطت بالراحل الكبير الإعلامي المبدع ولسن يونان، احيا المجلس القومي الآشوري (متوا) ذكراه السنوية لرحيله وذلك في مساء يوم الأحد المصادف 22 آب 2021 وعلى قاعة متوا، حضرها نيافة الأسقف مار بولص بنيامين راعي أبرشية كنيسة المشرق الآشورية مع نيافة الأسقف مار كوركيس يونان راعي أبرشية الكنيسة الشرقية القديمة إضافة إلى السيد شيبا مندو رئيس المجلس والسيد عمانوئيل إيشو رئيس الجمعية القومية الآشورية وعدد من الأدباء والشعراء وجمعُ من أبناء شعبنا. أستهل الاحتفال نيافة الأسقف مار بولص بصلاة ربانية ثم تلاها بحديث تفصيلي عن أهمية الإعلام ودوره الحاسم في مجتمعنا، فكان المرحوم ولسن رائدها الكبير والمؤثر الذي لعب دوراً كبيرا في هذا الحقل تاركاً انطباعاً قوياً على مستمعيه ومشاهديه.
بعد ذلك اعتلى المنصة السيد شيبا مندو ليرحب بالحاضرين ويسترسل في تفاصيل معرفته بالمرحوم وعلاقته القومية الصميمة التي كانت تربطه به شخصياً من جهة وبالمجلس القومي من جهة أخرى لما كان له دور سواء من خلال زيارته للمجلس أو إقامة بعض النشاطات الثقافية والمقابلات التلفزيونية. وحسنا فعل المجلس عندما عرض شريط فيديو لبعض النشاطات والمقابلات التي أجراها المرحوم مع بعض الشخصيات الكنسية والسياسية والثقافية المعروفة أعده السيد نينوس كاكو المسؤول الحالي للقسم الآشوري في محطة SBS  الاسترالية. وشمل برنامج هذه الذكرى السنوية للمرحوم ولسن كلمة من الشاعر والأديب حنا شمعون الذي رغم عدم التقائه به إلا أنه أكد بأنه كان شرفاً كبيرا له أن يتصل به المرحوم من أستراليا للتباحث معه في الكثير من الأمور الثقافية والأدبية ومنها أجراء المقابلات الإذاعية للمحطة التي كان يعمل المرحوم فيها.
ثم تلا ذلك كلمة السيد عمانوئيل إيشو شارحاً علاقته الشخصية مع المرحوم ومع الجمعية القومية الآشورية الذي لم يكن يبخل المرحوم على وقته إلا ويزور الجمعية أثناء تواجده في شيكاغو وعقد هناك حلقات نقاش فكرية وقومية وسياسية يحضرها عدد من المهتمين بأفكار المرحوم وطروحاته في التحليل السياسي والقومي.
كان للكاتب القومي أبرم شبيرا حضوراً متميزا باعتباره المتحدث الرسمي للحدث من جهة وكونه من أقرب أصدقاء المرحوم من جهة أخرى. فأعتلى المنصة ليتحدث عن علاقته القوية مع المرحوم والتبادل الفكري الذي كان قائماً بينهما ثم ضرب مثالاً في كيفية بقاء وخلود أسم الشخص رغم رحيله عن عالمنا من خلال أعماله المبدعة وإنجازاته المتميزة لأبناء شعبه وسمعته الطيبة، فهكذا كان المرحوم ولسن يونان. فبالرغم من انتقاله إلى العالم الآخر وغيابه عن العالم الحالي فأن أسمه لا بل وجوده يبقى حياً خالدا وهذا ما أكده السيد شبيرا عندما ذكر بأنه يرى وجود ولسن يونان في وجوه الحاضرين وفي حيثيات احياء ذكراه السنوية. وفي الختام وجه السيد شبيرا شكر وامتنان للسيد شيبا مندو رئيس المجلس على تولي تنظيم هذه الذكرى وقيامه بواجبه القومي تجاه المبدعين من أبناء شعبنا، والمرحوم ولسن يونان كان واحدا منهم ان لم يكن أهمهم.
في الختام، أدى نيافة الأسقف مار كوركيس يونان صلاة على روح المرحوم طالباً من ربنا أن ينعمه في جنات الخلد وأن ينعم أهله وأقاربه وأصدقائه الصبر والسلوان.
شيبا مندو
رئيس المجلس القومي الآشوري في ألينوي - شيكاغو


الحاضرون من اليسار السيد شيبا مندو، السيد أبرم شبيرا ونيافة الأسقف مار بولص بنيامين ثم نيافة الأسقف مار كوركيس يونان فالأب شليمون خزقيال ثم الشماس ديدوي دانيال.      



3
بمناسبة مرور ذكرى ألـ (88) ليوم الشهيد الآشوري:
-----------------------------

يا أحزابنا السياسية ... لماذا لا تحترمون دماء شهدائنا الأبرار؟
========================================
أبرم شبيرا
لا أحد يختلف في أن شهداء أمتنا الآشورية قدموا بشكل مباشر أو غير مباشر تضحيات جسيمة ودماء زكية على طريق الشهادة من أجل قضيتنا القومية وديمومة استمرارها عبر مراحل تاريخية مأساوية مسجلين بدمائهم ملحمة في معاناة وصمود أمة صغيرة ولقرون طويلة من أجل البقاء والصمود. فإذا كان السابع من شهر آب قد أتخذ كتاريخ لشهداء مذبحة سميل عام 1933، فأنه ليس ذلك إلا تاريخاً رمزياً لمذابح كثيرة ارتكبت بحق شعبنا طيلة تاريخه المديد. وأيضا لا أحد يختلف في القول بأن الحياة هي أغلى وأعظم ما يمتلكه الإنسان والتضحية بها ليس بالأمر السهل إلا للذين آمنوا إيماناً قويماً وصلدا بقضية قومية لأمة استحقت هذه التضحية الغالية.
إذن مقابل هذه التضحية الجسيمة لشهدائنا الأبرار ما الذي قدمناه لهم، أو بالأحرى قدمه شعبنا لهم، وبشكل أدق ما الذي قدمه أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية مقابل هذه التضحيات، باعتبارهم ممثلي شعبنا كما يدعون، وهم أول "المحتفلين" بهذه المناسبة. طبعاً يجب ألا نتوقع بأن يقوم قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية بالتضحية بحياتهم أو إسالة دمائهم أو التخلي عن أهم مستلزمات حياتهم من أجل القضية القومية كعربون مقابل دماء شهدائنا. إذن فلنكن واقعيين ونترك غير الممكن ونلجأ إلى الممكن، الذي هو بسيط جداً جداً في مقارنة مع دماء شهدائنا أن صحت مثل هذه المقارنة أصلا. ولكن مما يؤسف له هو أنهم يبخلون على تقديم حتى هذا البسيط والنزير ويلجئون إلى اصدار بيانات منمقة بهذه المناسبة والتي ليست إلا كلمات على ورق لا تسمن ولا تغني ولا يمكن إطلاقاً أن نعتبرها حتى ذرة بسيطة في سياق التضحيات المقدمة في سبيل قضية أمتنا التي أستشهد من أجلها عشرات الألاف، بل يظهر بأنها ليست إلا مجرد إثبات وجود على الورق والتشدق بكلمات رنانة بهذه المناسبة المقدسة والتي ملً شعبنا منها وزهق من سماعها كل عام.
أن أبناء شعبنا ليس بحاجة إلى مثل هذه البيانات التي أصبحت "كليشة" في كل عام، لأنه يعرف جيداً بأنها لا تمت ولو بقدر قليل باحترام وتقدير لدماء شهدائنا، بل يعرف جيداً بأن هناك وسائل أخرى وإن كانت بسيطة لا تكلف قادة أحزابنا التضحية بالغالي والنفيس، لكن يمكن القيام بها لتشكل بادرة بسيطة في احترام فعلي لهذا اليوم المقدس في تاريخنا. أليس من باب الاحترام القليل لهذا اليوم الخالد في تاريخ أمتنا أن تجتمع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وأن تصدر بيان مشترك أو تقوم بنشاط سياسي مستمد تفاصيله من هذا الحدث الكبير؟ نعم ممكن جداً، ولكن أمام كبريائهم وغطرستهم يصبح غير ممكن.
فمن الملاحظ في السنوات العشرة أو العشرين الأخيرة نرى عزوف أبناء شعبنا عن الحضور للاحتفال بذكرى هذا اليوم المقدس، ليس بسبب فايروس كورنا ولا لأي سبب عام آخر، بل لأنه جرت العادة على قيام حزب واحد أو مؤسسة واحدة بهذا النشاط، وبالتالي يقتصر حضور الاحتفال على بعض أعضاء الحزب أو المقربين للمؤسسة فيصبح مثل هذا الحضور الصغير تصغير لمكانة هذه المناسبة المقدسة إن لم نقل تقليل وتجاهل لدماء شهدائنا. فبسبب هذا الحضور الفقير، نرى تقريباً معظم احزابنا وتنظيمات قد عزفت عن القيام بأي نشاط يذكر بهذه المناسبة وأكتفت ببيان ليس إلا كلمات على ورق. وعندما نسألهم وبنوع من اللوم عن عدم قيامهم بأي نشاط بهذه المناسبة العظيمة فالجواب يعرفون جيداً وهو: لماذا نعمل ونجهد نفسنا للقيام بمثل هذا النشاط طالما لا يحضرها غير نفر قليل. ولو افترضنا قيام مؤسسة محايدة تقف على مسافة واحدة ومتساوية مع الجميع بنشاط بهذه المناسبة وجعلت الدعوة عامة للجميع، فلا يحضرون... لماذا؟ لأنه لم توجه لهم دعوة خاصة، بل كان الدعوة عامة وهم ليسوا من عامة الناس، بل نخبة خاصة. وأنكى من هذا وذاك، فإذا حضروا، فهناك تكون المصيبة الكبرى، فالمنافسة تشتعل والصراع يحتدم لا على الإقدام لتقديم التضحية الممكنة البسيطة والتنازل المتقابل للوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم حول المسائل القومية الأساسية، بل التنافس حول الأولية في إلقاء كلمتهم، وإذا رحب منظم الحفل أول الأمر بزعيم الحزب (أ) قامت قيامة الحزب (ب) فيقفز الشيطان على رأسه ليقود حاله نحو الخارج حاملا حقده على المؤسسة المنظمة للاحتفال لاعناً الساعة التي حضر هذا الاحتفال لأنه تعرض للإهانة. والأمر لا يختلف، إن لم يكن أسوء عندما يكون الاحتفال شاملا مراسيم وضع أكليل الزهور على ضريح الشهيد المقام في بعض بلدان المهجر، فالكل يريد أن يكون الأول. كيف نتوقع من أبناء شعبنا حضور مثل هذه الاحتفالات بهذه الأساليب الواطئة التي لا تقلل من عظمة هذه المناسبة المقدسة فحسب، بل أيضا تزيد من فقدان مصداقية أحزابنا لدى أبناء شعبنا من إمكانية تحقيق الممكن وهم يتخبطون محاولون الوصول إلى غير الممكن في الحكم الذاتي والإدارة المحلية وهم لا يستطيعون تحقيق حتى هذا الممكن البسيط.
يا أحزابنا السياسية ... نعيد لكم ونكرر القول بأن الأمة التي لا يكون فيها أحزاب سياسية ومنظمات قومية نشطة ستكون إرادة الأمة مرهونة بإرادة الأمم الأخيرين، فرغبتنا وطموحنا أن تكونوا نشطين فاعلين حتى في أبسط الأمور حتى لا تكون إرادة أمتنا مرهونة بإرادة الأمم الأخرى، ومن المؤكد بأن أبناء شعبنا الخيرين لا يريدون إطلاقاً أن تكون إرادتهم القومية مرهونة بإرادة الأخرين كما هو، مع الأسف الشديد، واقعنا الحالي. يا أحزابنا السياسية ... حققوا رغبة أبناء شعبنا، وأنا أولهم، أن نراكم تحتفلون العام القادم بهذه المناسبة المقدسة مجتمعين تحت سقف واحد وكلمة واحدة ونشاط واحد لأننا أمة واحدة، فلتنعكس هذه الوحدة في وحدة نشاطكم وهذا أمر سهل جدا لا يتطلبه التضحيات الجسيمة.

     


4
لماذا يخاف البعض وينفعل ويتشنج من وحدة قوميتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"؟؟
============================================
أبرم شبيرا
الإيمان بوحدة أمتنا مطلق وراسخ:
-------------------
أعود وأُكد مرة أخرى "تأكيداً مطلقا لمن لا يعرف أو يتجاهل الأمر، بأن إيماني مطلق وراسخ لا تزحزه أية إعتبارات تسموية أو طائفية أو كنسية أو عشائرية أو قروية أو حزبية أو مصلحية أو عائلية، بأن نحن الكلدان والسريان والآشوريين (سواء أكانت الواو بين التسميات أو بدونها) قومية واحدة مهما أختلفت وتعددت مصادر الإنتماء التسموي، ولنا جميعاً نفس الحقوق والواجبات والمعانات. فالتاريخ والواقع هما مصدر ترسيخ مثل هذا الإيمان وليس الكلام وبعض السطور والرأي الشخصي" هذا ما قلناه في المقال السابق. وأضيف هنا وأقول بأن كل المناهج العلمية والبحوث الأكاديمية والمقالات والدراسات والقرارات والإستفتاءات سواء أتفقنا معها أم لا، لا يمكنها إطلاقا أن تغير من هذا التاريخ وهذا الواقع الذي يؤكد تأكيداً مطلقاً بأننا قومية واحدة شاء من شاء وأبى من أبى.
ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا ايمان لكم؟ (مرقس : 40:4)
-----------------------------------
أستغرب إستغراباً شديداً من بعض الأخوة الكتاب والمثقفين من أبناء قوميتنا عن تخوفهم من الوحدة بين الكلدان والسريان والآشوريين، على الأقل على المستوى السياسي والقانوني، ويرتعبون من وحدتنا التي تضعنا وبقوة على الطريق الصحيح بأمل تحقيق ولو جزء يسير من حقوقنا القومية المهضومة في العراق. ليس المهم هنا وفي هذه الظروف المميتة أن نتقاتل حول التسمية وفيما إذا وضعنا حرف الواو بينهم أم لا، بل المهم وكل المهم هو أن نقر بأننا أمة واحدة مهما كانت تسمياتنا فالمستقبل كفيل بهذه التسميات. والأكثر من هذا، فأن الوحدة على المستوى القومي السياسي سوف تحصن أبناؤنا من الضياع في بلدان المهجر وتجعلنا نحن ككلدان وسريان وأشوريون متكاتفين تحت مظلة واحدة في مواجهة تحديات هذا العصر وسنكون أكثر قدرة على إسماع صوتنا لحكام بلدان المهجر. نقتبس ما قاله القديس مرقس الإنجيلي بأنكم خائفين من الوحدة لأن ليس لكم إيمان بهذه الوحدة مهما كانت تسميتها، فنحن نقول المهم هو اللب وليس القشرة، وهو الذي يغذي أبناء أمتنا، في حين القشرة لا تفيدهم. صحيح هو عندما لا يرغب البعض بهذا اللب ولا يعطيه أهمية فبالتالي سوف يضطهر إلى أن يلجأ إلى القشرة. فاللب عندما ينضج ستظهر القشرة، وبعبارة أوضح، عندما نعمل من أجل الصالح العام ونحن متوحدين حينذاك سنكون مهيأين لقبول أي تسمية أو تسميات. لكن مع الأسف، الأمر ليس متعلق بالإيمان فقط بل بما لمسناه بشكل مباشر هو التشنج والإنفعال  في الردود التي وردت على الموضوع السابق الذي كتبناه ويظهر فيها بأن أصحابها لم يقرأوا الموضوع بتمعن وإدراك موضوعي محقق لصالح هذه الأمة وبالدرجة الأولى مصالح القسم الأكبر من شعبنا أي الكلدان. بل بمجرد أن قرأوا عنوان الموضوع (ألا حان الوقت للتنظيمات الكلدانية لتتعظ بدروس الماضي) تفجرت عوامل التشنج والإنفعال عندهم خاصة وأنه كتبُ من قبل كاتب ليس وفق معيارهم كلدانياً، وبالتالي قادتهم إلى مغالطات وتفسيرات لا علاقة لها إطلاقاً بمغزى الموضوع. وما كتبه الإستاذ الفاضل سلام مرقس نموذج في هذا السياق من التشنج والإنفعال والمغالطات.
ما علاقة الموضوع بالحركة القومية الآشورية؟:
------------------------
ما علاقة الموضوع بالحركة القومية الآشورية وبالتحديد بالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) والكراس الذي نشرته عن الكلدان والذي يشير إليه أستاذنا الفاضل سلام مرقس وكأنما أنا وكيل أو ممثل هذه الحركة؟ وما علاقة كنيسة المشرق الآشورية بالموضوع الذي هو بالأساس عن التنظيمات الكلدانية وتمنياتنا بأن تستفاد من دروس الماضي وترتكز على الطريق الصحيح نحو وحدة أمتنا في المجال السياسي والقانوني؟ فالأستاذ سلام يحاول أن يستخدم سلبيات الحركة القومية الآشورية للتهجم على ما كتبته والذي ليس له أية علاقة بالموضوع إطلاقاً.  لقد ظهر بأنه لا يقرأ كل ما يتعلق بالآشوريين، فلو كان قارئ جيد لعرف بأن ما كتبته عن سلبيات الحركة القومية الآشورية وأحزابها وتحديدا عن (زوعا) لوجد بأن هناك العشرات من المقالات التي كتبتها في هذا السياق وبعضها كانت في الصميم وصلت إلى حد "الزعل" والمقاطعة، لا بل هناك العديد منها يصب مضمونها الإنتقادي على السكرتير العام لزوعا السيد يونادم كنا وعن بعض الممارسات الخاطئة لزوعا، ولأن أستاذنا سلام لا يقراء ما هو غير كلداني ولا ما هو أقرب إلى الكلدان وكنيستهم، لهذا يذكر وهو مخطأ بأن البطريرك "الصغير" الذي تولى كرسي البطريرك هو من العائلة الباصيدية بل الصحيح هو من عائلة أبونا الألقوشية، إذا كان القصد مار إيشا شمعون الثالث والعشرون (1908 – 1975)، الذي كان عمره 12 عاماً ونصب بطريرك على الكنيسة، وهذا أبسط فرد من شعبنا يعرفها، وأن سورما خانم ليست أخت البطريرك بل عمته وليست هي التي أطلقت على الكنيسة التسمية الآشورية بل كان مثلث الرحمات البطريرك مار دنخا الرابع في منتصف الستينيات عندما كان مطرانا للكنيسة في إيران وليس في 17/10/1976، هذا نهاهيك عن العشرات من المستشرقين الذين أطلقوا على هذه الكنيسة بـ "الآشورية" منذ عدة قرون مضت. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع لأنه ليس له علاقة إطلاقاً بموضوعنا.
ما علاقة الموضوع بالصرح البطريركي الكلداني والرابطة الكلدانية؟:
------------------------------------
يقول الأستاذ سلام "إذا مارجعنا الى المقال موضوع النقاش، نجده لمؤسسات معینة تقض مضجع الكاتب  وموجھا مكررا على ما یبدو، وھي الصرح البطریركي الكلداني والرابطة الكلدانیة". وهنا أيضا يا أخي تخطأ كثيرا لأنك كما ذكرتُ لا تقرأ، لا بل يظهر بأنه حتى لو كان الموضوع متعلق بالكلدان ومؤسساتهم تتجاهله لأن كاتبه هو "كاتب قومي آشوري غير موثوق به". أصحح خطأك بالقول بإنني كنت من أوائل من كتب وشجع تأسيس الرابطة الكلدانية وقدمت عدة مقترحات لتكون على المسار الصحيح، خاصة فيما يتعلق بنظامها الداخلي بأمل أن تنتظم الأمور القومية للكلدان وتسير جنباً إلى جنب مع أخوانهم السريان والآشوريين. أما بخصوص الصرح البطريركي الكلداني، فأقول مع الأسف لا تعرفني ولا تعرف موقفي من مؤسساتنا الكنسية جميعها حيث أكنُ إحتراماً شديد ومودة خالصة لهم جميعاً ليس بصفة من هو على رأس هذه الكنيسة أو تلك، بل أحترامي ومودتي قائمة على كونهم مؤسسات رئيسية فاعلة سواء أتفقنا معهم أم لا. أما بخصوص غبطة الكاردينال البطريرك مار لويس روفائيل ساكو الذي يشير ألأخ سلام إليه، فلغبطته مكانة خاصة عندي أكنه أحتراماً كبيراً ومودة ملئها المحبة والتقدير لما يقوم به في هذا العصر المميت ويحاول أن يجد حلا لأبناء أمتنا للخروج من الوضع المزري الذي يفرض عليهم. على أن كل هذا لا يمنعنا من أن نقرأ بكل دقة وموضوعية ما يكتبه غبطته ونحاول أن ننتقده إنتقاءاً بناءاً ومن دون أن تمس شخصه أو مكانته. فهناك عدد من الموضوع التي كتبناها بهذا الخصوص والتي كانت فعلاً عوامل ترسيخ وتقوية علاقتي مع غبطته. ولعلمك يا أستاذنا كنت الأول كعلماني، ربما الوحيد، كتبت مؤيداً ترك غبطته ما يسمى بـ "مجلس الطوائف المسيحية في العراق" لأنه قائم على أسس خاطئة لا تستقيم مع كنائسنا المشرقية كمؤسسات لا دينية لاهوتية فحسب، بل أيضا تاريخية وتراثية وحضارية، فهناك فرق كبير جداً بين الطائفة والكنيسة.
 

لقاء مع المطران (بطريريك فيما بعد) الكاردينال البطريرك مار لويس روفائيل ساكو في مطرانية كركوك ومعنا المؤرخ الكنسي الكبير الأب ألبير أبونا.
=====================================================

زيارة لغبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، عنكاوه - أيلول 2015
=======================================================
موسم فاح عطره لمؤسسات وأحزاب كلدانية!!:
-------------------------
يقول الكاتب سلام مرقس في رده " ابرم شبیرا لم یأت بموضوع ٍ للمناقشة او برأي سدید، او مقنع او طرح تاریخي (حكواتي) غیر حیادي فهو سیل من الاتھامات والادعاءات والتناقضات المفضوحة والمغالطات المكشوفة وطرح مواضیع بطریقة نرجسیة وانتقائیة تمثل وجھة نظر طرف واحد، وان بطل ھذه المسرحیة كاتب المقال . التنظیر او لنقل الطرح المكرر الذي خرج بھ الكاتب للربیع الكلداني الذي طال ھذه المرة یبدو انه نتیجةُ، ومازاد من طول مقالته ھو الالتفاف و التقارب الكبیر بین الكلدان ُ موسمه فاح عطره كشعب ومؤسسات مدنیة واحزاب من جانب وكنیستھم الكلدانیة وبطریركھا الكاردینال مار لویس ساكو".  ياسيدي العزيز أستاذ سلام ما هكذا تناقش مواضيع حساسة ومصيرة وبتشنج وإنفعال ومبالغة بحيث جاء كله في جمل ركيكة وغير مترابطة. عن أي موسم فاح عطره تتحدث؟  صرخة غبطته لإيجاد مرجعية لشعبنا كنتُ أنا من كتب وبموضوعية عن هذه الصرخة وتحت عنوان (صرخة غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو ... سمعتُ فأستجبتُ) وفي عام 2018 أطلق غبطته نداءاً إلى كافة الأحزاب والمؤسسات الكلدانية ناصحاً الناشطين من الكلدان للسعي لتأسيس حزب سياسي واحد بأسم الإتحاد الكلداني (حويادا كلدايا) يضم الأحزاب الموجود على الساحة ويستقطب الحزب الجديد الكوادر والكفاءات في الداخل والخارج بعيدا عن الانتهازيين والمثرثرين... وأن يكون من أوليات الحزب السعي مع الأحزاب الآشورية والسريانية والأرمنية لتشكيل تحالف قوي يمثل المسيحيين..(أنتهى الإقتباس)... عندما تعرض غبطة الكاردينال إلى هجمة شرسة من قبل بعض القراصنة كتب أستاذنا الفاضل سلام موضوعاً عن المؤسسات والأحزاب الكلدانية التي وقفت مع الصرح البطريركي صفاً واحداً وأدرج أسم 51 من هذه المؤسسات والأحزاب الكلدانية. صحيح هو أن بعض من هذه المؤسسات هي مجرد أسم أو رقم صندوق بريد أو موقع ألكتروني ولكن بينهم أحزاب كلدانية معروفة على الساحة، أفهل إستجابوا لنداء البطريرك؟؟؟  فإذا تعرف ذلك فأرجو أن تنورنا حتى نؤمن بكلامك بأنه فعلاً ربيع كلداني. أم تعتقد بأن إجتماع التنظيمات الكلدانية الأربعة في عنكاوه هو ربيع كلداني أم ربيع إنتخابي؟؟
أما الحديث عن  محاولات الرابطة الكلدانية العالمية في لم الشمل،  فيقول الأستاذ سلام " واما على الصعيد القومي فالرابطة الكلدانية العالمية تبنت مشروعاً للجلوس على مائدة مستديرة لتشكيل وحدة سياسية تضم كل احزاب مكونات شعبنا وكان اخر نداء لها في 21/06/2020 تحت عنوان (هل سيهُبُّ المسيحيون لاجتماعٍ يناقشُ اوضاعَهم ؟). وذهبت كلها ادراج الرياح ، ومازالت تكرر ذلك دائما في بياناتها عن مشروع الوحدة القومية. هل تعلمون ان هذه المواقف هى للشجعان فقط" (أنتهى الإقتباس). شكراً يا أستاذنا على الأعتراف بذهاب دعواتكم إدارج الرياج. لماذا... لأنكم لم تتعظوا بدروس الماضي وتحديداً بمؤتمرات النهضة الكلدانية. أليس إقتراحنا تأسيس حركة ديموقراطية كلدانية يأتي في سياق نداء غبطته ورابطتكم؟؟؟ ألا أنها تختلف عنهما في ضرورة قيام مثل هذه الحركة على الفكر الوحدوي وليس على الفكر الإنفصالي، فالحركة التي تستند على عوامل القوة التي يملكها الكلدان ستكون رائدة في المجال السياسي القومي. هنا مرة أخرى أوكد لك يا سيدي  بأنك لم تقرأ الموضوع إلا من جانب واحد ومتعصب ولأن كاتبه غير كلداني حسب مفاهيمك الضيقة.
أين نحن من كلمة الكاردينال عن التعصب كغلو أعمى؟
-------------------------------- 
نشر غبطة البطريرك في الموقع الرسمي لبطريكية بابل للكلدان موضوعاً بعنوان (التعصب، غلوُ أعمى) وأهم ما جاء فيه  "التعصب رذيلة، ترتبط بمفاهيم التمييز العنصر: الديني والمذهبي، والقومي والطبقي ...، ولا تزال هذه الظاهرة مستمرة عند بعض الأشخاص والجماعات، وتشكل عقبة أمام العيش المشترك". عاشت إيديك سيدنا البطريرك على هذا الكلام المنطقي... ثم يتابع غبطته ويقول" .... الإنسان تكامل سليم، أما المتعصب فهو شخص ناقص، غير متكامل، لا يعتمد العقل والتحليل، بل يتمسك بغيرة وحساسية وبأحادية الرأي. أنه يرى الأمور بعين واحدة، ولون واحد، ولا يعترف بالألوان الأخرى، بل يلغيها، بالرغم من أن وجود الألوان أمرُ مطلوب وجميل كألوان قوس قزح".... ويتابع غبطته بالقول: "المتعصب يعتبر نفسه دوماً على الحق والآخرين على الباطل، حتى عندما توجد دلائل على الحقيقة. المتعصب لا يتحاور، ولا يشارك، بل يفرض رأيه بتعسف على الأخرين، المتعصب لا يقبل التعددية والتنوع ويعتبر الآخر المختلف عنه خصماً يجب إزالته..." ثم يضرب غبطته أمثلة على عدم إستجابة ممثلي "الكوتا المسيحية" والأحزاب خاصة الآشورية منها على دعوته للجلوس والتحاور لتحقيق المصلحة العامة. طبعاً سيدنا البطريرك يعرف جيداً إرتماء أكثرية ممثلي الكوتا المسيحية في أحضان الغير ومن المنطق أن يرفضوا دعوته، لأنهم عبيد أسيادهم.

على العموم الموضوع طويل وكنُا نتمنى أن نتطرق إلى الفكر الآشوري الكلاسيكي والأحزاب الآشورية المتعصبة التي تحاول تحرير "آشور المحتلة" وهم لا حركة لهم إلا السباحة في فنجان قهوة، فهذا الموضوع كتبنًا عنه كثيراً، ولكن ما أقتبسته من كلام غبطته ما يخص موضوعنا هذا عن التعصب والمقارنة بين ما ذكرته في المقال السابق عن ضرورة الوحدة على المستوى السياسي والقانوني من دون إلغاء لأحد من مكونات أمتنا خاصة الكلدان الذين يملكون مقومات القوة المتمثلة في العوامل الموضوعية من ديموغرافية وجغرافية وقوة إقتصادية وعلمية مؤمناً كل الإيمان بأن أي حركة قومية لا يمكن أن يكتب لها النجاح وتحقق الأهداف مالم يؤيدها أو يشاركها القسم الأكبر من الشعب. ثم نأتي على ما كتبه الأستاذ سلام مرقس ونقارنه بكلمات غبطته في التعصب والتعددية والتنوع نرى بأن ملئها التعصب والإنعزال ورفض الوحدة بين أبناء الشعب الواحد وتحقير الآخرين وإنفراد الأسم الكلداني ساطعاً... والحبل على الجرار... وهكذا.
في نهاية رده يذكر السيد سلام بما يلي "ملاحظة جدیرة بالذكر: المقدمة الوردیة ( العسلیة) التي ساقھا ابرم شبیرا في بدایة مقاله، مع الاسف لن تنطلي علینا بعد ان دسھا في السم" ويقصد بهذه المقدمة الوردية إيماني المطلق بوحدة أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين والتي ذكرتها أيضا في بداية هذا الموضوع... لا يا سيد سلام  ليس في كلمات الوحدة والمحبة والتضمان بين الجميع سم، كما تقول، بل فيها عطر فائح بالإيمان بوحدة أمتنا ومن المؤكد بأنها لا تنطلي عليك لأنك، مع الأسف الشديد أسمك سلام وأنت  بعيد جداً عن السلام وعن مثل هذه الفاهيم في الإيمان بوحدة أمتنا... أقول لك ولكل زملائك في التفكير الإنفصالي بأنه سيسعدنا جدا جداً عندما نرى المؤسسات الكلدانية وأحزابهم متوحدين أو متفاهمين لأن أي هدف يحققونه هو بالحقيقة والمنطق تحقيق لهدف الآشوريين والسريان لأنهم جميعاً أبناء أمة واحدة.
 فإذا كان لا التاريخ ولا الواقع يكفي لترسيخ إيماننا المطلق بوحدة شعبنا ولا يجده الأستاذ سلام إلا كلام وردي متسمم، فدعني أقول لك ولغيرك بأن البلدة العظيمة التي ولدت فيها ألقوش والدير العظيم ربان هرمز الذي تعمذت فيه أنا وأخوتي الثمانية وأولادي وأكليل مراسيم زواجي في كاتدرائية مار يوسف الكلدانية في خربندة الكرادة – بغداد على يد مثلث الرحمات البطريرك مار بولس شيخو الذي شاركه في المراسيم ثلاثة مطارنة مع ثلاثة من الأباء، أتذكر منهم الأب قرياقوس والأب لويس وعدد من الشمامسة كل هذا منظور إليه بفكر وضعه رواد الفكر القومي الوحدوي أمثال الشهيد يوسف بيت هربوط ونعوم فائق وفريد نزها وديفد بيرلي ومتفاعلاً مع آشوريتي ومع كنيستي المشرقية بكل تفرعاتها تفاعلا جدلياً لكي أنظر إلى جميع مكونات أمتنا كأمة واحدة وبمنظار واسع يشمل الجميع من الكلدان والسريان والآشوريين من دون تفرقة أو تفضيل هذا على ذاك... أعتقد يا أخي من الصعب عليك أدراك مثل هذا الأمر لأن منظورك ضيق لا يتسع لأخوتك... والله يكون في عونك.. مع تحياتي.


5
أعتذاري الشديد للقراء والمعلقين الأعزاء على ورود بعض الأخطاء الإملائية في الموضوع النابعة أساساً من حالة الحماس والإنفعال عند الكتابة عن مثل هذا الموضوع الحساس، فأرجو قبول إعتذاري.
أخوكم أبرم شبيرا

6
ألا حان الوقت لتتعظ التنظيمات الكلدانية بدروس الماضي؟
=======================================
أبرم شبيرا
إيماننا مطلق وراسخ  بوحدة أمتنا:
--------------------
أقول لمن لا يعرف، وأُكد تأكيداً مطلقا لمن يعرف، بأن إيماني مطلق وراسخ لا تزحزه أية إعتبارات تسموية أو طائفية أو كنسية أو عشائرية أو قروية أو حزبية أو مصلحية أو عائلية، بأن نحن الكلدان والسريان والآشوريين قومية واحدة مهما أختلفت وتعددت مصادر الإنتماء التسموي، ولنا جميعاً نفس الحقوق والواجبات والمعانات. فالتاريخ والواقع هما مصدر ترسيخ مثل هذا الإيمان وليس الكلام وبعض السطور والرأي الشخصي، وأنا شبه متأكد بأن معظم أبناء شعبنا الخيرين يؤمنون بهذا الطرح الوحدوي. لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً مستندين على الحقائق التاريخية والواقعية بأنه لايمكن لأي قومية أن تسعى وتناضل لتحقيق حقوقها وضمانها إلا من خلال مؤسسات قومية وأحزاب سياسية فاعلة ومؤثرة. فالقومية التي لا توجد لها مثل هذه التنظيمات الفاعلة ستصبح إرادتها خاضعة لإرادة القوميات الأخرى. ونحن كقومية صغيرة وبإمكانيات قليلة، لا يتطلبها إلا عدد قليل من هذه التنظيمات الفاعلة يتناسب عددها مع هذه الإمكانيات الشحيحة وليس عدد كبير منها تملئ الساحة السياسية وتزدحم بمطاليبها الحزبية وتتلاطم مع المصلحة القومية العامة لشعبنا، وبالتالي تخرج من المولد بدون حمص، كما يقول المثل العراقي، ثم تبدأ المشاحنات والمناكفات بينهم وإلقاء لوم بعضهم على البعض في فشلهم للوصول إلى مبتغاهم في الحصول على كرسي برلماني مهلهل أو منصب حكومي كارتوني أو بإلقاء اللوم، وكل اللوم على خدعة "كوتا المسيحيين" المسروقة سلفا من قبل الذئاب المفترسة.
من هذا المنطلق المنطقي والواقعي، فنحن لا نحتاج إلا لعدد قليل من التنظيمات القومية، أحزاب أو تكتلات أو قوائم إنتخابية ... إلخ،  لتشكل مصدر قوي ومهم لفاعليتها على الساحة القومية، لا بل لتكتسب المصداقية لدى أبناء شعبنا ولدى الآخرين، خاصة لدى السلطات الحكومية والقوى الحزبية العراقية. ولما كان إيماننا مطلقاً في كون جميعنا، الكلدان والسريان والآشوريين، قومية واحدة، فمن المؤكد سيكون إيماننا مطلقاً أيضا في أن أي أنجاز يحققه حزب سياسي كلداني فاعل ومؤثر ستترتب نتائجه الإيجابية أو السلبية على السريان والآشوريين. وهكذا أيضا بالنسبة لحزب سياسي آشوري أو سرياني فاعل ومؤثر ستصب فائدة إنجازاته وخسائر اخفاقاته على الكلدان. ففي مناسبة سابقة بسطنا هذه الجدلية الثلاثية على شكل أواني مستطرقة ذات ثلاثية الأقنية، ومن المؤكد أن قرائنا الأعزاء مدركين لعمل هذا النظام الفيزيائي منذ أيام الدراسة.
البنية التحتية والبنية الفوقية للكلدان:
---------------------
هناك حقيقة واقعية أخرى لا تقبل التأويل والتجاهل بخصوص القسم الكلداني من شعبنا، وهي أن الكلدان في العراق يملكون بنية تحتية قوية في مقارنتها مع الأقسام الأخرى لشعبنا ترتكز على عاملين موضوعيين، الأول: ديموغرافي والذي يتمثل في العدد الكبير لسكان الكلدان في مقارنة مع بقية أقسام شعبنا. والثاني: جغرافي، أي تجمعهم و بكثافة في منطقة جغرافية معينة ومترابطة وأقصد بها سهل نينوى والتي كانت المنطقة الجغرافية الوحيدة لشعبنا في العراق متجانسة ومتواصلة ديموغرافياً تقابلها منطقة خابور في سوريا، وطبعاً هذا قبل جرائم داعش وتفتيت هذا التجانس للمنطقتين.
لقد درس علماء السياسة حالات نشؤء الحركات القومية وأستنتجوا بأن توفر مثل هذه البنية التحتية القائمة على ديموغرافيا وجغرافياً يكون نشؤ حركة قومية وارد جداً والتي تنعكس في بنية فكرية فوقية متمثلة في مؤسسات كأحزاب ومنظمات قومية والتي تعرف في علم السياسة بـ "أجهزة المجتمع المدني". هذه العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية كان من المفترض أن تنتج أحزاب ومنظمات كلدانية قومية واعية لطبيعة وحدة التسميات القومية تقود نضال شعبنا من أجل حقوقه القومية بإعتبارها أكبر مجموعة من مجموعات أمتنا ولها مقومات موضوعية قوية مضافاً إليها العاملين الإقتصادي والثقافي. غير أن عامل خارجي مؤثر دخل في هذه العلاقة الجدلية وأخل بموازينها بحيث لم تنعكس البنية التحتية في البنية الفوقية لتظهر أجهزة المجتمع المدني كأحزاب ومنظمات كلدانية سياسية، بل أنعكس ذلك في  بنية فوقية أخرى تمثلت في الكنيسة الكلدانية فتطبع مؤمنيها بالطابع الديني والكنسي أكثر من طابع قومي سياسي، خاصة بعد إستمرار تدخل الكنيسة وبطريركها في المسائل السياسية سواء بشكل مباشر، كتأسيس الرابطة الكلدانية وشفيعها مار توما الرسول، أو بمطالبة غبطته مطالب سياسية قومية من الجهات الرسمية، أوغير مباشر وعن طريق دعم وإسناد منظمات وأحزاب كلدانية أثناء فترة الإنتخابات حتى وأن كانت تتكون من بضعة أفراد ولا تستيقظ من سباتها إلا في فترة إقتراب موعد الإنتخابات. هذه الحالة يمكن مقارنتها مع العرب الذين يملكون بنية تحتية قوية جداً متمثلة في العاملين الديموغرافي والجغرافي، أي كثافة سكانية عالية وسعة جغرافية مترابطة، غير أن تدخل العامل الديني القوي المتمثل في الإسلام حال دون ظهور بنية فوقية فاعلة من أحزاب وتنظيمات قادرة على لم شمل العرب في دولة عربية واحدة، فأصبحت تقريباً معظم الأحزاب العربية ودولها متطبعة بالطابع الديني. ويكفي أن نشير إلى "الإسلام دين الدولة" المثبت في دساتيرها كمبدأ أساسي لهذه الدول مثال على ذلك. وعلى العكس من هذا تماماً فمعظم البلدان الآوروبية تملك بنية تحتية قوية أنعكست بشكل واضح وفاعل في بنية فوقية فكرية وسياسية تمثلت في أحزاب سياسية ونظم سياسية ديموقراطية متحضرة.... لماذا؟... لأنها فصلت الدين عن السياسة والكنيسة عن الدولة، بعد أن كانت  الكنيسة تتدخل في كل الشؤون السياسية وفي الدولة والذي أدى إلى ظهور فترة العصور المظلمة. فبسبب هذه المعادلة أصبحت الدول العربية "الإسلامية" من بين أكثر الدول تأخراً في العالم في حين أصبحت الدول الأوروبية من بين أكثر الدول تقدما في العالم. علماً بأن للدول العربية مقومات قومية مشتركة في حين ليس كذلك بالنسبة للدول الأوروبية. هكذا الأمر بالنسبة للكنيسة الكلدانية التي تدخلت بشكل مباشر أو غير مباشر في السياسة وأفسدت العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وهو الأمر الذي يجعل الأحزاب السياسية للكلدان وتنظيماتهم أما غائبة عن الساحة السياسية القومية أو هي عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من الطموحات، لذلك ظهرت الكنيسة الكلدانية وبرزت كفاعل قوي ومؤثر في الكلدان أكثر بكثير من أي حزب أو تجمع كلداني وظهور غبطته كقائد منقذ لكل الكلدان... حقاً صدق القول بأن تدخل الدين في السياسة يفسد كل الأمور.
الكنيسة الكلدانية مؤسسة رئيسية للكلدان:
-----------------------
هذا الإخلال في توازن العلاقة الجدلية بين البنية التحتية الموضوعية والبنية الفوقية الفكرية وتفكك العلاقة بينهما أفقر الكلدان إلى فكر قومي واضح ومنطقي ينعكس في أحزاب سياسية ومنظمات قومية فاعلة، من جانب، وإنعكاس البنية التحتية في البنية الفوقية التي تمثلت وبقوة في الكنيسة، جعل من الكنيسة الكلدانية أن تكون المؤسسة الرئيسية الفاعلة للكلدان وعلى رأسها بطريركها كزعيم وقائد لها من جانب آخر. هنا يجب أن نؤكد بأنه ليس من المنطق أن تكون أو أن تصبح الكنيسة الكلدانية مصدرا للإنتماء القومي، بل من الواضح هي مصدر إنتماء كمؤسسة رئيسية دينية فاعلة يتسمى مؤمنيها بالتسمية الكلدانية لأنهم ينتمون إليها في تحديد هويتهم. وهذا لا يهم فيما إذا كان هذا المصدر للإنتماء قومياً أو دينياً، فالمهم هو وجود هذا المصدر لمجموعة تعرف بـ "الكلدان" وقد تشكل ضمن حدود مصدر إنتمائها إختلافاً عن بقية التسميات الأخرى، وعلى الأغلب سيكون كنسياً أو بالأحرى طائفياً، ولكن في الحقيقة والجوهر لا توجد إختلافات في المقومات القومية لكل التسميات. ومما تجدر الإشارة إليه هو أن هناك عدد كبير من الآشوريين غير منتمين إلى كنيسة المشرق الآشورية ويفضلون أعلان إنتمائهم الكنسي إلى الكنيسة الكاثوليكية ويتجنبون الكلدانية كمصدر إنتماء كنسي أو قومي لهم.
 هذا الأمر هو الذي يجعل بعض المنظمات الكلدانية وفي مقدمتها المؤسسة الرئيسية "الكنيسة" أن ترفض التسمية الموحدة لشعبنا وتطالب بإدراج الكلدانية في الدستور والقوانين العراقية بشكل مستقل عن بقية التسميات الآشورية والسريانية لأنها تمثل الأكثرية الغالبة مدعومة بإدعاءات تاريخية قد لا تمت بصلة بكلدان اليوم كما يؤكد ذلك الكثير من الباحثين ومنهم بعض المفكرين الكلدان. وهذا ليس بمهم أكثر من وجود مصدر للإنتماء الكلداني مهما كانت طبيعته. وهنا من الضروري ألإشارة بأنه ليس دائماً الغلبة للكثرة خاصة عندما لا تكون الكثرة ممثلة بأحزاب ومؤسسات فاعلة، فهذا الأمر هو الذي جعل أحزاب الكلدان ومنظماتهم الهشة وحتى المدعومة من قبل الكنيسة أن لا تحصد غالبية كراسي الكوتا خاصة بعد أن أبتعدت عن الحقيقة الواقعية والتاريخية في كون التسميات الثلاث قومية واحدة مهما كانت التسمية وتلجأ إلى التسمية المفردة التي تفرق ولا تجمع.
التسمية القومية بين المفردة والجامعة:
---------------------
ليس الفقر السياسي القومي للكلدان وحده العامل الوحيد للتمسك بالتسمية المفردة "الكلدانية" والمطالبة بإدراجها بشكل مستقل في الدستور العراقي والإقليمي وغير مرتبطة بأي شكل من الأشكال ببقية التسميات السريانية والآشورية، بل هناك العامل القوي والفاعل لهذا التمسك والمطالبة هو الكنيسة. فمن الملاحظ بأنه منذ ظهور تباشير التسمية المركبة في عام 2003 عقب سقوط نظام البعث في العراق سواء أكانت التسمية  بشكلها الثنائي ثم الثلاثي فيما بعد، نرى في البداية تأييد الكنائس الكلدانية والآشورية والسريانية تأييداً خجولا للتسمية المركبة. غير انه بمجرد مرور فترة زمنية قصيرة أنقلبوا جميعهم على هذه التسمية ورفضوها وتمسك كل واحد منهم بتسميته الكنسية المعروفة الكلدانية والسريانية والآشورية لأنهم وجدوا في هذه التسمية المركبة نوع من التناقض مع مصالحهم الكنسية وأنها ليست إلا وسيلة لسحب البساط من تحت أقدام رجالاتها في قيادة مؤمنيها وإضعافاً لدورها في المجتمع كمؤسسة رئيسية فاعلة لصالح الأحزاب والمنظمات التي تبنت التسمية المركبة. من هنا يمكن الجزم والقول بأن إلتصاق التسميات الثلاث أو مصادر الإنتماء الثلاثة بالكنائس جعل عندهم أمر قبولهم بالتسمية المركبة الثلاثية مستحيلاً حيث وجدوا فيها تشويه للحقائق التاريخية كما يدعون. غير أنه كما لاحظنا في أعلاه، بأن الكنيسة الكلدانية أكثر إصراراً في رفض هذه التسمية المركبة والتمسك بالتسمية المفردة وتدخلها في المسائل السياسية أكثر بكثير من الكنيستين السريانية والآشورية، وهذا نابع، كما بينًا في أعلاه، من ضعف وهشاشة وغياب الأحزاب الكلدانية من جهة وأعتمادها على كون مؤمنيها كثر من جهة أخرى، وبالتالي لا ترغب أن يشاركها غيرها في هذه الميزة لتصبح هي بمثابة القائد وحريصة على دورها كمؤسسة رئيسية ليس للكلدان فحسب بل محاولتها لتكون ممثلة لكل المسيحيين في العراق.
الفهم الخاطئ للتسمية المركبة:
------------------
من المؤسف أن نقول بأن هذا التمسك بالتسمية المفردة والمطالبة بدرجها في الدستور بشكل منفصل ومستقل عن بقية التسميات قائم على أسس خاطئة في فهم المسائل السياسية، خاصة المصيرية منها، وعلى فقر الوعي القومي الصحيح والشامل الذي أحوج ما يحتاجه شعبنا إليه بكل تسمياته في هذه الظروف المميتة. فلا يزال يعتقد البعض ويصرح بأنه لا توجد قومية بهذه التسمية المركبة وأنها مشوهة للحقيقة التاريخية لشعبنا ولا تمت بصلة به. وهذا صحيح، لا أحد يقول بأن التسمية المركبة هي تسمية قومية جديدة، بل هي كما سبق وذكرنا في مناسبات سابقة أنها وسيلة لتعامل شعبنا وأحزابه مع الأمور السياسية وفي المطالبة بالحقوق القانونية والدستورية، لا بل يمكن أن تكون جبهة سياسية ضامنة بشكل أفضل لمواجهة التحديات المميتة وتحقيق، ولو بالحد الأدنى، الحقوق القومية للجميع مع إحتفاظ وإعتزاز الكل بكلدانيته أو بآشوريتة أو بسريانيته ولا أحد يطلب تغيير أسمه القومي من هذه التسمية إلى تلك. لقد بين التاريخ بأن ظهور وتبني التسمية المركبة أثناء وبعد الحرب الكونية الأولى لم يكن إلا لغرض حشد جماهيري أكبر ومن جميع مؤمني الكنائس لمواجهة التحديات المميتة في تلك الفترة. وما أحوجنا إلى هذا الحشد في هذه الأيام لمواجهة التحديات التي تهدد وجود أبناء التسميات الثلاثة في الوطن وبدون أي تفريق. يقول الكاردينال غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو الكلي الإحترام في رفضه للتسمية المركبة الجامعة بأنه "لايمكن أن أقول أنا كلداني – سرياني آشوري"، نعم هذا صحيح 100% فمن حق غبطته، أو أي كلداني آخر، أن يقول ويصرخ عالياً بأنه كلداني وهذا من حقه الطبيعي، كما هو من حقي الطبيعي أن أعلن وبصوت عالي بأنني آشوري وهكذا أيضا بالنسبة للسرياني، فهذا شأن شخصي مرتبط بشعور الإنتماء لمصدر تسميته الكلدانية أو الآشورية أو السريانية، ولكن على الجانب الآخر يجب وبكل قوة أن لا نخلط هذا الشعور الشخصي بالمسائل السياسية وبالطرح السياسي القائم على التسمية المركبة للكدان والسريان والآشوريين في مطاليبنا القومية. حتماً سنكون مضحكة وقلة الإحترام عند الآخرين لا بل سنكون لقمة سانحة للغير خاصة لرجال السلطة والحكومة، فيما إذا تقدم الكلداني بمطاليبه القومية للسلطات المعنية ونفس الشيء يفعله الآشوري والسرياني لأن في الجوهر ستكون نفس المطاليب وفي الظاهر مقدمة من ثلاث جهات وبتسميات مختلفة سوف تربك رجال السلطة والحكومة وبالتالي يخرج الجميع وفي جعبتهم خيبة أمل وإحباط، لا بل ستكون حجة لدى السلطات المعنية لهضم حقوقنا القومية. هناك شواهد في هذه المسألة منذ عام 1920 عندما قال رئيس مؤتمر فرساي لوفود شعبنا "روحوا وحدوا مطالبكم ثم تعالوا" ونفس الحالة تكررت بعد ما يقارب القرن من الزمن حين أجتمع السيد مسعود البرازاني بأحزاب وتنظيمات شعبنا قبل بضعة سنوات وقال نفس الكلام بما معناه "روحوا وحدوا مطالبكم ثم تعالوا". كتبنا عن هذا الموضوع بشكل مفصل في مناسبة سابقة ولا نريد الإطناب فيه.
مطلب إدراج أسم الكلدان بشكل مستقل في الدستور:
------------------------------
الفهم الخاطئ للتسمية المركبة لشعبنا قاد بعض التنظيمات المدنية والكنسية إلى التخبط والإرتباك في مطلبهم بخصوص إدارج أسم الكلدان بشكل مستقل في الدستور العراقي والإقليمي. فالتنظيمات الكلدانية الثلاث (حزب المجلس القومي الكلداني وحزب الإتحاد الديموقراطي الكلداني والرابطة الكلدانية) التي أجتمعت بتاريخ 18/06/2021 في عنكاوة، كمثال "طازج وفريش"، حيث جاء في إعلانهم "أكد المجتمعون على التمسك بالتسمية (الكلدانية) كتسمية قومية وهوية تاريخية لشعبنا بصورة مستقلة دون أي رتوش وإضافات أو تجميع ضمن مسميات مركبة مشوهة لا تمت للتاريخ بأي صلة، فالكلدان اليوم يمثلون الغالبية العظمى من الشعب المسيحي في العراق وكوردستان بنسبة تزيد عن 75% ويحق لهم أن يثبتوا تسميتهم وهويتهم القومية بصورة مستقلة على غرار شركائهم في الوطن وإقليم كوردستان وأن تتم إعادة صياغة المادة الخامسة من دستور إقليم كوردستان وكما يلي: يتكون شعب إقليم كوردستان من الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والعرب والأرمن وغيرهم ممن هم مواطني إقليم كوردستان" أنتهى الإقتباس. أما الكاردينال غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو، ففي رسالته الموجه إلى رئيسة برلمان إقليم كوردستان المؤرخة في 21 حزيران 2021 يشير إلى المادة 125 من  دستور العراق الإتحادي والتي تنص على "يضمن هذا الدستور الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية للقوميات المختلفة مثل التركمان والكلدان والآشوريين وجميع المكونات الأخرى وسيتم تنظيم ذلك بقانون". فغبطته يشيد بهذه المادة ويواصل بقوله "عليه نطالب برلمان إقليم كردستان بإدراج تسمية الكلدان والآشوريين والسريان كما جاء في الدستور (القصد هو الدستور الإتحادي الذي لم يذكر أسم السريان فيه) تطبيقا لمبدأ المساواة الدستورية، وليس التسمية المركبة الحديثة (كلدان سريان آشوريون ولا وضع قوس بين التسمية مثلا (الكلدان والسريان والآشوريون) الأفضل أن تكون كما يلي: الكورد والتركمان والكلدان والسريان والآشوريون والأرمن. أن القومية الكلدانية لها الحق في أن تتمتع بنفس حقوق بقية العراقيين، خاصة وأنهم من السكان الأصليين لوادي الرافدين والعراق موطنهم التاريخي، ويشكلون اليوم 70% من المسيحيين العراقيين، فلا نقبل أن يغير نواب الكوتا تسميتها".... ثم يتابع غبطته بالقول "نحن ككنيسة وبصفتي رئيس الطائفة المسيحية، لن ألو جهداً في تحقيق هذا المطلب وإذا أقتضى الأمر ففي المحافل الدولية"
بغنى عن الأسلوب الركيك والإرتباك لكلا الخطابين، نود أن نعلق عليهما بما يلي:
•   لا يوجد دستور لإقليم كردستان كما يشير إليه إجتماع التنظيمات الثلاث، بل هو مشروع أو مسودة دستور ولم يقر أو يشرع نهائياً من قبل البرلمان أو الإستفتاء العام.
•   في كل شاردة وواردة يذكر الكلدان كأكثرية أو الغالبية العظمى من الشعب المسيحي، ولا ندري فيما إذا يمثلون الكلدان في مطلبهم أم يمثلون المسيحيين جميعاً. فكان يجب أن يكون المطلب بعيدا عن الصفة المسيحية لكي لا يبدو كمطلب خاص بالمسيحيين وبالحقوق الدينية. والأنكى من هذا هو قول غبطته "نحن ككنيسة وبصفتي رئيس الطائفة المسيحية لن ألو جهداً في تحقيق هذا المطلب - أي إدراج أسم القومية الكلدانية في الدستور بشكل مستقل. فهذا ليس إلا تدخل صريح ومباشر من رجل ديني ورئيس طائفة في مسألة سياسية مهمة.
•   ومما يؤسف له بأن هناك نوع من إيحاء بالتهديد في رسالة غبطته إلى رئيسة برلمان الإقليم، عندما يفهم منها بأنه عندما لا يدرج أسم الكلدان بشكل مستقل في الدستور فأنه سيلجأ إلى المحافل الدولية إذا أقتضى الأمر. هذا نوع من الخروج عن المجاملة  والدبلوماسية المطلوبة من شخصية مرموقة ومعروفة كغبطة البطريرك وبعيد عن اللباقة السياسية  في مخاطبة الجهات الرسمية، خاصة عندما تكون مثل هذه المخاطبة مقرونة بمطلب مهم لتحقيق هدف معين.
•    والأن لنرى ماذ تقول المادة الخامسة من مسودة دستور إقليم كردستان. تذكر هذه المادة مايلي "يتكون شعب إقليم كردستان من الكرد، التركمان، العرب، الكلدان والسريان والآشوريين، الأرمن وغيرهم ممن هم من مواطني إقليم كردستان". وعندما نقارن هذه الصياغة مع مطلب الكلدان المذكور أعلاه نرى بأن مطلبهم الذي يتقاتلون عليه لكي يتمتع أسم الكلدان بالإستقلالية وبعيد عن أخوته السريان والآشوريين هو إلغاء الفارزتين فقط بين التسميات الثلاث. أمر مؤلم جداً أن نرى مثل هذا التفكير الإنفاصلي والضيق وغير المنطقي عند الأخوة وعدم رغبتهم في أن يكونوا جنباً إلى جنب ولو على الورق ليكون حالهم كحال بقية القوميات. ألف شكر على مشرع هذه المادة الذي فهم وحدة شعبنا ووضع التسميات الثلاث معاً بين فارزتين لكي يميزه عن غيرهم من القوميات المذكورة في هذه المادة في حين بعض أبناء جلدتنا ينكرون هذه الوحدة.
•   الأمر المحير والعجيب هو في تساؤلي التالي: لماذا يخشى الكلدان بمؤسساتهم المدنية والكنسية فكرة التسمية المركبة؟؟؟ ففي هذه التسمية الثلاثية يُدرج أسم الكلدان دائماً في المقدمة، ربما إحتراماً وتقديرا لعددهم الكبيرة. كما وأن الكلدان يملكون بنية تحتية قوية مضافاً إليها الثقل الإقتصادي والمالي الذي يملكونها وسعة مجالهم الثقافي والتعليمي، لا بل وشخصياً لمست لمسة اليد بأن الكثير، إن لم يكن أغلب مثقفي الكلدان يؤمنون بضرورة وحدة أمتنا مهما كانت التكلفة. كل هذه العوامل القوية والمؤثرة لا يحتاجها إلا أن تضع المؤسسات الكلدانية وأحزابها، تضع نفسها على طريق الوحدة القومية لتصل في نهاية المطاف إلى محطة المصلحة القومية الشامل للجميع دون أستثناء. 
ألا حان الوقت لتتعظ المنظمات الكلدانية بدروس الماضي؟
---------------------------------
نعود هنا إلى موضوعنا ونقول بأن للكلدان دروس من الماضي... نعم من الماضي القريب وغير البعيد في  محاولات لم شمل منظماتهم وأحزابهم لتشكيل هيكلية قوية وفاعلة في المجتمع الكلداني خاصة وفي المجتمع العراقي عامة مدركين بأن مثل هذه الهيكلية هي السبيل الوحيد للوصول إلى منصة تحقيق الكلدان لحقوقهم القومية والسياسية في العراق ولكن في معظمهم فشلوا الوصول إلى مبتغاهم. ولا نريد أن نشير إلى جميع هذه المحاولات في التجمعات والمؤتمرات التي عقدت هنا وهناك وبين فترة وأخرى، خاصة عند إقتراب موعد الإنتخابات، ولكن أود أن أشير إلى أكبر تجمع كلداني بهذا الشأن والذي أحدث ضجة وبلبلة وخلق أمال فارغة وهو مؤتمرات النهضة الكلدانية والذي كان نيافة المطران سرهد جمو عرابها. فالمؤتمر الأول أنعقد في ساندياكو للفترة من 31/آذار إلى 1نيسان 2011 والثاني في السويد في 15/10/2011 وهي الفترة الغريبة والعجيبة لإنعقاد مؤتمرين خلال سبعة أشهر، وليس لي علما بالمؤتمر الثالث الذي كان مزمعاً أن ينعقد في مشيكان برعاية نيافة المطران إبراهيم إبراهيم في عام 2013. ولكن من المؤكد، كما يقال بأن الخواتم تعرف بنتائجها، حيث تبين بعد فترة من إنقضاء هذه المؤتمرات بأن المؤتمرون خرجوا منها من دون نتيجة تذكر وأنها كانت مجرد مضيعة للوقت من جهة وتفاقم الخلافات بين التنظيمات المشاركة وأكثر تشتتاً من قبل من جهة أخرى.  صحيح هو بأن أسباب فشل هذه المؤتمرات في الظاهر هو تأثير القريوية على المؤتمرين وتفضيل المصلحة الحزبية والفردية على المصلحة الكلدانية العامة وقد يكون أيضاً سبب عدم مشاركة بعض التنظيمات الكلدانية المعروفة سواء بسبب إختلافهم عن فكرة النهضة الكلدانية  أو عن راعيها المطران أو لأسباب مادية وعدم إمكانية توفير مصاريف السفر إلى أماكن إنعاقد المؤتمرات في أميركا وأوروبا. وربما لا أكون مخطأً في القول بأن تبني نيافة المطران سرهد جمو فكرة النهضة الكلدانية جاءت كرد فعل لعلاقته المتوترة مع غبطة البطريرك في تلك الفترة والتي قابلتها بعد سنتين أو أكثر رد فعل آخر مقابل من قبل غبطته والتي تمثلت في تأسيس الرابطة الكلدانية عام 2015، بعد أن خف التوتر في العلاقة بين البطريرك والمطران، ربما بسبب تدخل الفاتيكان وتهيئة الأجواء لإستقالة المطران، وبالتالي أصبحت فكرة النهضة الكلدانية في خبر كان وعادت معظم التنظيمات الكلدانية المتحمسة لهذه النهضة إلى الإنزواء وبالمقابل بروز الكنيسة الكلدانية وعلى رأسها غبطته أكثر على الساحة السياسية الكلدانية. وهنا لا نريد الإطالة بالإشارة إلى الرابطة الكلدانية التي منذ تأسيسها لم تحقق حتى النزر اليسير من طموحات الكلدان.
فإذا لم يكن هذا الدرس التاريخي للتنظيمات الكلدانية في عجزهم عن التوحد والنزول إلى الساحة السياسية ككتلة سياسية كلدانية فاعلة ومؤثرة وذات شعبية مقبولة لدى معظم الكلدان، فإن درس الإنتخابات أقوى بكثير من ذلك حيث ثبت من هذه الإنتخابات البرلمانية في العراق فوز، تقريبا، الأحزاب والمنظمات والتكتلات التي تبنت التسمية المركبة بأغلبية الكراسي. في حين فشلت، تقريباً، الأحزاب والتنظيمات التي تبنت التسمية المفردة. هناك ملاحظة جديرة بالإشارة وهي أن الأحزاب والتنظيمات التي تبنت التسمية الآشورية وفشلت في الإنتخابات تعلمت من هذا الدرس فأخذت، إما عدم المشاركة في الإنتخابات القادمة، أو التحالف مع غيرها من الأحزاب والتنظيمات. والأهم من كل هذا وذاك هو الفكر الوحدوي القومي. فالأحزاب والتنظيمات التي تبنت أو أدعت بالفكر القومي الوحدوي الجامع لكل التسميات فازوا بأغلبية كراسي البرلمان منذ أول أنتخابات، ليس هذا فحسب بل أن لهذه الأحزاب والتنظيمات شعبية أكثر وتتلقى أحترام وتقدير شعبنا أكثر بكثير من غيرهم.
الحركة الديموقراطية الآشورية VS الحركة الديموقراطية الكلدانية:
-------------------------------------
VS مختصر للكلمة الإنكليزية (Versus) والتي تعني مقابل أو أزاء، وتستخدم عندما يتنافس طرفين تنافساً مشروعاً حول مسألة معينة. قبل عدة سنوات كان في ضيافتي في منزلي مطرانان أحدهما من الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والثاني من كنيسة المشرق الآشورية. فعلى الرغم من إختلافي معهم فكرياً في بعض المسائل التي تخص أمتنا لكن أكن لهم إحتراماً شديدا ومودة عالية عندما نناقش مثل هذه المسائل. ومن بين المسائل المهمة التي دارت بيننا كانت مسألة التسمية المركبة التي كانت على صفيح ساخن في تلك الوقت. طبعاً كانت التسمية المركبة  مرفوضة من قبلهم، وليس غريباً هذا وكل واحد منهم متمسك بتسميته كنيسته، كما سبق وبينا في أعلاه. ولما كانت الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) من رواد التمسك بالتسمية المركبة فأنصب إنتقادهم عليها مؤكدين بأنه لا يمكن للكلدان أن ينتموا إلى زوعا طالما تتصف بالتسمية الآشورية، فالكلدان حالهم كحال الآشوريين والسريان يعتزون بتسميتهم ولا يردون الإنتماء إلى حركة لا تعتمد على تسميتهم. فكان جوابي لنيافتهما بأن أي حزب سياسي هو وسيلة لتحقيق أهداف معينة وليس هدف بحد ذاتية، فهناك المئات من الأحزاب في العالم أهدافهم تفوق كثيرا تسميتهم، فحزب العمال البريطاني على سبيل المثال، رغم صفته العمالية إلا أنه يسعى لتحقيق أهداف تخص كل الشعب البريطاني وليس العمال وحدهم. فطالما زوعا كأداة ووسيلة تهدف إلى تحقيق أهداف وحدوية تخص الجميع من الكلدان والسريان والآشوريين فلا ضير في تسميتها الآشورية.
ليس زوعا فحسب بل هناك العديد من الأحزاب الآشورية، إن لم نقل كلها تحمل فكر قومي، أو كما تدعي، وتؤكد بأن جميع التسميات الكلدانية والسريانية والآشورية تعود لأمة واحدة، سواء أكانت أحزاب آشورية ذات الفكر الكلاسيكي الذي تعتبر الكلدان والسريان طوائف آشورية، او أحزاب معاصرة أكثر إنفتاحاً تؤمن بوحدة التسميات أو الأصح تعدد مصادر الإنتماءلأمة واحدة. من هنا نقول، إذا كان إنتماء الكلدان إلى حركة آشورية تؤمن بوحدة الأمة صعب أو محال، إذن عليهم، أي الكلدان، السعي إلى تأسيس حركة ديموقراطية كلدانية تؤمن بفكر وحدة الأمة رغم تسمياتها المختلفة وتسعى للعمل نحو تحقيق أهدافها لتدخل في منافسة مشروعة مع زوعا أو غيرها من التنظيمات والأحزاب لتحقيق الأهداف المشتركة وتحاول الإبتعاد بقدر ما عن تأثير الكنيسة لتكتسب بعض الفاعلية والتأثير، فأنه من المؤكد سيعود حالة التوازن الفعال بين البنية التحتية وجدليتها الصحيحة مع البنية الفوقية وسيكون ذلك عامل فعال قوي مساعد لنجاح الحركة الديموقراطية الكلدانية.
وأخيراً إذا كان هناك من يعتقد بأن مثل هذا الطرح هو إلغاء للإخر وتشويه للأسم التاريخي لقوميته، نقول له بأنك تسبح عكس التيار وبالتالي ستتعب وتزول. أما من يعتقد بأن هذا الطرح الوحدوي لأمتنا ويعمل من أجله هو السبيل الوحيد للولوج على طريق الخلاص وتخفيف الإنهيار الرهيب لوجودنا التاريخي في الوطن نقول له بأن التاريخ سيكتب أسمه في سجله الذهبي حتى وأن اخفق...
=========================
رابط إجتماع التنظيمات الكلدانية الثلاث:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=1019478.0 
رابط رسالة الكاردينال غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو:
https://saint-adday.com/?p=44102

   


7
الدكتورة مريم شبيرا وكتابها الأول  - قصة للأطفال
================================
أبرم شبيرا
يتصور البعض بأن كتابة قصص الأطفال أسهل بكثير من كتابة قصص للبالغين، لا بل على العكس من ذلك فكتابة قصص الأطفال يتطلب من المؤلف أن يتقمص شخصية الطفل ويغور في كوامن أفكاره وأحلامه وطموحاته ليستنبط منها مشاعره وتطلعاته لتكون مصدراً لإلهام الكاتب ومن ثم  بعثها وبشكل مبسط وفي نفس الوقت مؤثر في نفسية الطفل في كتاب صغير وبسيط مزخرفاً بصور ورسومات تسهل مهمة الطفل أكثر في فهم فحوى الكتاب وإستيعاب مغزاه. ومن الملاحظ بأن معظم كتاب قصص الأطفال هم من النساء أو الأمهات  وهو الأمر الذي يسهل مهمتهم في تأليف الكتاب. فكتابة قصص الأطفال يتطلب من الكاتب خيال خصب ومعرفة ما يمكن أن يدور في ذهن  الطفل. وأهم عنصر في كتابة قصة للإطفال هو بطلها الذي يستوجب أن يمتلك عناصر متمزة فيه ليكون له موقعاً مؤثراً في نفوس القراء. إضافة إلى ذلك يجب تحديد الفئة العمرية التي يُكتب الكتاب لها. حيث حدد المختصون في هذا الشأن ثلاث فئات عمرية: من 2-4 و 4-7 و 8-10 سنة. ويظهر بأن الدكتورة مريم قد أستوفت هذه الشروط  في كتابها عندما أستلهمت شخصية أبنها الثاني جوزيف الذي تجاوز الرابعة من عمره ليكون رمزا وبطلا وملهماً لقصتها. لذا جاء فحوى الكتاب بلغة سهلة وبسيطة وبجمل قصيرة معززة بصور مكللة بألوان زاهية لتكون سهلة الإستيعاب والإستمتاع للطفل، وهذا يظهر أيضا وبكل وضوح في غلاف الكتاب وفي عنوانه البسيط:
Up Up You Go Jo!
=================
ومن المؤمل أن يصدر الكتاب، وهو باللغة الإنكليزية، في شهر تموز القادم وينشر من قبل (Tellwell Publishing) الكندية ويمكن الحصول عليه من المكاتب والموزعين المعروفين عالمياً (BARNES NOBLE) و (AMAZON (KINDLE و (a) و (Indigo) و (Book Depository). لا أدري ربما أكون محقاً في القول بأن الدكتورة مريم هي الأولى من بين شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" تدخل هذه التجرية في كتابة قصص للأطفال.





وبالنسبة للسيرة الذاتية للدكتورة مريم، وهي بنت لوالدين معروفين في الكتابة والتأليف، جاء فيها بقولها:
 
أنا مريم شبيرا، خريجة الكلية الجامعية الطبية لجامعة لندن في إنكلترا وحالياً أعمل كطبيبة عائلة (Family Doctor) وأعيش في مدينة سان دياكو في كاليفورنيا مع زوجي الدكتور ربيع يوسب بولس وثلاثة أطفال (البنت مارلا وطفلين جوزيف وماثيو). كان لي دائماً شغف في كتابة كُتب وشعر للأطفال ولكن يبدو بأنه لم يكن هناك وقفت كافي لتحقيق هذا الطموح. ولكن أثناء فترة وباء كورونا شعرت بأنني أقرب بكثير لأطفالي من أي وقت مضى خاصة بعد إغلاق المدارس ودور حضانة الأطفال وقيامي بتعليمهم في البيت، فتوفرت الفرصة لي أكثر لتحقيق حلمي في كتابة قصة للأطفال.
وهنا نقول للدكتورة مريم ألف مبروك ومزيدا من الكتب للأطفال.
=================================================================

جوزيف يعزف على الأوركن مصدر إلهام مريم لهذا الكتاب، وهو مولع بالموسقي سواء العزف على الأوركن أو تعلم العزف على الكمان من والده الدكتور ربيع الذي يبدع في العزف على الأوركن والكمان رغم إنشغاله الدائم بعمله كطبيب أختصاص  في الأمراض الباطنية. حقاً صدق المثل القائل "فرخ البط عوام".


8
بمناسبة تسلمها رئاسة الهيئة  المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم "كوردستان" - العراق
------------------------------------------------------------------------------------
 الدكتورة منى ياقو... نظرة مقارنة بين الجامعة والهيئة
===========================================


أبرم شبيرا
أستبشر الكثير من أبناء شعبنا بتسنم الأستاذة الدكتورة منى ياقو لمنصب رئيس الهيئة العامة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم "كردستان" (الهيئة) بعد أن صوت أكثرية أعضاء برلمان الإقليم لصالحها، فأنهالت على مواقع التواصل الإجتماعي العديد من هذه البشائر والتهاني بهذه المناسبة لما للدكتورة مكانة مرموقة على الساحة العلمية والثقافية خاصة في مجالي السياسة والقانون وتكريس الكثير من معارفها الأكاديمية ومواقفها الفكرية في البحث والتقصي في مسائل مهمة تخص شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري". كنت أتمنى أن أشارك المهنئين للدكتورة لتوليها هذا المنصب الجديد، ولكن وجدت في تسنمها لهذا المنصب الوظيفي أمراً آخر لا يصب في خانة التهاني والتبريكات، لأن، بأعتقادنا أن موقع الدكتور منى الجديد لا يتماشى مع موقعها الأكاديمي المتكلل ببحوث ودراسات قيمة، سواء أتفقنا معها أم لم نتفق، ولا يتناسب مع قدرتها الأكاديمية في البحث والدراسة التي تنطلق من كونها من الكوادر التعليمية المعروفة  في جامعة صلاح الدين في أربيل. أي بعبارة أخرى، أقول بأن رحابة الجامعة، كمنبر للبحث والدراسة والتعلم، كان يتيح لها أجواءاً مناسبة وزخماً قوياً للمزيد من العطاء في الفكر والبحث والكتابة، فكان من نتائجها العديد من البحوث والدراسات والكتب القيمة، ولعل كتابها الموسوعي المعنون "حقوق الأقليات القومية في القانون الدولي – دراسة سياسية قانونية" – 2009" - هو بالأصل رسالة دكتوراه -  من أهمها عمقاً وسعة وتفصيلا في هذه المسألة، وهنا أجد فرصة أخرى لأعيد شكري وتقديري لإهدائها لي نسخة من هذا الكتاب القيم في عام 2009.
بعد كل هذا  النشاط الأكاديمي المثمر الناجم من جراء كونها أستاذة جامعية نشطة ومكثرة في إنتاجها السياسي والقانوني، الآن أصبحت الدكتورة منى رئيساً للهيئة العامة المستقلة لحقوق الإنسان ومن المؤكد سيكون هذا التعيين مؤشراً يبعدها، قليلاً أو كثيراً، عن الجامعة وأجوائها العلمية والبحثية ولربما يؤثر على نشاطها العلمي، لا بل وقد يتقيد بالسياسات والأجراءات التي تتحكم في هذه الهيئة التي ترتبط بالبرلمان وبمنهجية النظام السياسي في الإقليم بشكل عام وبكل أحزابه السياسية، خاصة المهيمنة منها كالحزب الديموقراطي الكردستاني. هذا الأمر، أي علاقة الهيئة بالبرلمان وحكومة الإقليم يثير الكثير من الشكوك عن مصداقية أعمال الهيئة فيما يخص حقوق الإنسان. فالمادة (2) - أولاً، من قانون الهيئة العامة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كوردستان - العراق رقم (4) لسنة 2010 تنص على "تؤسس  هيئة بأسم (الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كوردستان -–العراق) بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي والإداري، وتكون لها ميزانية خاصة ضمن الميزانية العامة للإقليم، وترتبط بالبرلمان". أما المادة (4) - ثانيا، فتنص على "يعين رئيس الهيئة بدرجة خاصة بناءاً على ترشيح من رئاسة البرلمان ورئاسة مجلس الوزراء ويصدر مرسوم إقليمي بالتعيين بعد مصادقة البرلمان على المرشح بأغلبية عدد الحاضرين وتكون رئاسته لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة". والأكثر من هذا، للبرلمان حق مراقبة ومتابعة أعمال الهيئة وفقاً لأحكام القانون ونظامه الداخلي (المادة 8 - أولاً) من قانون الهيئة. أما بخصوص حسابات الهيئة فإنها تخضع للتدقيق والرقابة من قبل ديوان الرقابة المالية في الإقليم (المادة 10) من قانون الهيئة.
من كل ما تقدم يمكن التأكيد بأن الهيئة ليست مستقلة رغم تسميتها بـ "المستقلة"، بل هي تابعة ومن جميع النواحي سواء من حيث التعيين أو المراقبة  لبرلمان الإقليم والحكومة وتمويلها يأتي من الميزانية العامة للإقليم، كما يمكن القول بأن الدكتورة منى لم تحصل على منصبها من خلال الإنتخابات، بمفهومها الصحيح القائم على التنافس بين مرشحين أثنين أو أكثر، بل حصلت عليه من خلال ترشيحها وتعيينها حسب الإجراءات المذكورة في المادة الرابعة أعلاه. فكل هذا لا يعني إلا القول بأن الهيئة هي قسم من أقسام البرلمان أو الحكومة أو النظام السياسي في الإقليم وأن الدكتورة موظفة فيه. فمن المعروف عالمياً بأن معظم، لا بل، جميع المنظمات والمؤسسات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان خاصة في الدول المتحضرة والديموقراطية، هي جزء مهم ومكون أساسي من منظمات المجتمع المدني فلا ترتبط بأي مفصل من مفاصل الحكومة أو البرلمان وأن معظم العاملين فيها هم من المتوطعين ويعملون بدون مقابل، إلا فيما ندر لبعض الوظائف الخدمية، وأهم صفة من صفاتها هي تمويلها ذاتي من خلال التبرعات غير الحكومية ومن نشاطات مختلفة مرتبطة بمسائل متعلقة بحقوق الإنسان ومن موارد بيع المطبوعات وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي. حقاً صدق لينين عندما قال قبل أكثر من قرن من الزمن "قل لي من يمولك سأقول من أنت". فمن هذا المنطلق يتأكد بأن الهيئة تابعة للبرلمان أو لحكومة الإقليم، ليس تمويلياً فحسب بل قانونياً وإدارياً حسب ماهو واضح في قانون تأسيس الهيئة وبالتالي فالهيئة ليست مستقلة إلا في إسمها.
قبل بضعة سنوات، عندما كان الأستاذ ضياء بطرس رئيسا للمجلس القومي الكلداني ثم أختياره رئيساً للهيئة، قمنًا أنا وبمعية البرفسورة الدكتورة كبريلا يونان (ألمانية الجنسية) الأستاذة في التاريخ الاشوري المعاصر بزيارة الأستاذ ضياء في مقر المجلس القومي الكلداني في عنكاوه (في تلك لم يكن مقر مخصص للهيئة). فأثناء اللقاء وفي أول أمره سألت البروفيسورة الأستاذ ضياء بطرس عن مصدر تمويل الهيئة لكي تعرف طبيعة الهيئة ومدى إستقلاليتها، فذكر الأستاذ ضياء بأن تمويل الهيئة مخصص من الميزانية العامة لحكومة الإقليم وأعتقد ذكر في حينه 6 ملايين دينار (عذرا لست متأكد من الرقم). فما كان من البرفسورة إلا أن تدير وجهها نحوي وعلى ملامحها بوادر من الاستغراب عن جواب الإستاذ ضياء، فقالت "نحن نعرف بأن جميع منظمات حقوق الإنسان ترفض إستلام أي مبلغ من الحكومات وذلك للحفاظ على إستقلاليتها". وبعد المغادرة قالت لي: هل يجوز هذا؟ فقلت نعم لأن الهيئة ليست مستقلة بل تابعة لحكومة الإقليم وبالتالي لا يمكن أعتبارها من منظمات المجتمع المدني. ومن المعروف عالمياً بأن إنتهاك حقوق الإنسان يكون في الغالب من قبل حكومات الدول وفي بعض الأحيان من قبل الاحزاب المسيطرة، فمثل هذا الإنتهاك هو الأمر الذي يعني منظمات حقوق الإنسان وتقوم بمهمة حماية هذه الحقوق والدفاع عنها. نعم هناك أيضا إنتهاك، ربما إنتهاك صارخ لحقوق الإنسان من قبل الجماعات الإرهابية وهنا تتدخل الحكومات لمحاربتها ليس لغرض الدفاع عن حقوق الإنسان بل حفاظا على أستقرارها وأمنها وديمومتها.
كان لحكومة إقليم "كردستان" وزارة بأسم وزارة حقوق الإنسان ويظهر بأن المعنيين بالأمر أدركوا بأنه أمر شاذ وجود وزارة حكومية لحقوق الإنسان تابع للحكومة وجزء منها، فأدركت هذا التناقض فقامت بتشريع قانون لتأسيس الهيئة ونعتها بالمستقلة كغطاء لتبعيتها لحكومة الإقليم. فمثل هذه الهيئة وبتبعيتها لا يمكن أن تقوم بواجبها بأكمل وجه في حماية حقوق الإنسان طالما تدور في فلك السياسات العامة للنظام السياسي ككل، السياسات التي تكون مصدراً لإنتهاك حقوق الإنسان، وما التجاوزات على أراضي شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" والإستلاء عليها وحرمانه من الشراكة الفعلية في العملية السياسية وسرقة "الكوتا" المخصصة له كلها نماذج صارخة في أنتهاك حقوق الإنسان، لا بل هي في تصاعد مستمر منذ تأسيس الهيئة ومن دون أن تتحرك الهيئة للتصدي لها أو محاولة مواجهتها للتخفيف منها أو معالجتها. وقد تكون الهيئة قد قامت في فترات معينة بطرح هذه الحالة على طاولة التساؤلات ولكن كما يقال الأعمال بنتائجها، فلم تستطيع الهيئة أن تحقق أي نتيجة في هذا السياق، بل على العكس فالطين زاد بلة والتجاوزات على الأراضي وحرمان شعبنا من المشاركة الفعلية في العملية السياسية كلها في تصاعد مستمر ومن دون أي حماية أو نتيجة تذكر. فالهيئة في سياق هذه التجاوزات ما هي إلا ضحك على الذقون وذًر الرماد في العيون لإكساء هذه التجاوزات والأنتهاكات لحقوق الإنسان. وحتى تعيين شخص من أبناء شعبنا في هذه الوزارة أو تلك المحافظة فهي تأتي أيضا في سياق إكساء إنتهاكات حقوق شبعبنا في أرض أبائه وأجداده، أو هي ليس أكثر من "شعرة من جلد الخنزير" كما يقول المثل.
على العموم، كل ما نرغب القول فيه هو التأكيد بأننا نكن للأستاذ الدكتورة منى ياقو إحتراماً كبيرا ليس لشخصيتها النبيلة والودودة فحسب، بل لنشاطها المثمر وبحوثها العلمية والأكاديمية التي أهلتها لأن تكون فعلاً من أكبر نشطاء الأكاديمين المكرسين معارفهم لخدمة هذه الأمة التي هي بأمس الحاجة لأمثالها لتنير بالعلم والمعرفة طريقنا ونبصر الصالح العام لشعبنا في الوطن. فخشيتي ليست إلا  إنتقال الدكتورة من هذه الأجواء العلمية والنشاطات المثمرة إلى أجواء تسودها اساليب بيروقراطية محكومة بالسياسات الخاصة للنظام السياسي في الإقليم، وهنا أرى بأن التوفيق بين تلك الأجواء العلمية والأساليب البيروقراطية أمر صعب جداً، لأن البحث العلمي الرصين يستوجبه مساحة معقولة من الحرية في الفكر،  ولا يسعنا هنا إلا القول بأن يكون الله في عون الدكتورة منى ياقو ونتمنى لها كل التوفيق.   


9

بمناسبة الذكرى 42 لتأسيس الحركة الديموقراطية الآشورية
----------------------------------

أين موقف حزب أبناء النهرين من هذه الذكرى؟؟؟
============================
بسبب جائحة كورنا أقتصر أحتفال الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بمناسبة الذكرة 42 لتأسيسها على إصدار بيان بهذا الخصوص من دون إحتفالات حزبية وجماهيرية كما كان معهودا. ولكن تساؤلنا يبقى قائما عن موقف حزب أبناء النهرين (الحزب) من هذه الذكرى، ومن حقنا أن نتسائل مثل هذه الأسئلة وذلك بسبب طبيعة الخلفية الحزبية والتنظيمية مع زوعا، إن لم يكن مع الحزب كحزب قائم بذاته فحسب وإنما على الأقل بسبب الخلفية التاريخية والنضالية لقياديي الحزب مع زوعا من جهة، وطبيعة علاقاتنا الشخصية الطيبة مع معظم قياديي الحزب وطموحنا الكبير في أن نرى أحزاب سياسية لأمتنا  بفاعلية مثمرة على الطريق الصحيح لتحقيق مصالح الأمة. ليس هذا فحسب، فإن أساس تساؤلنا يستمد شرعيته من:
أولا: هناك تأكيد مستمر من قياديي الحزب بأن بعضهم كانوا من مؤسسي زوعا أو من أوائل رواد مسيرتها النضالية الصعبة، فلابد مثل هذه المناسبة كان يجب أن تعنيهم ولهم ذكريات فيها يستوجب ذكرها ولو ببيان قصير ليتأكد مصداقية كون هؤلاء القياديين في الحزب من مؤسسي زوعا أو من أوائل روادها، وهو التأكيد الذي يعزز التأكيد الثاني:
ثانيا: في معظم المناسبات واللقاءات يؤكد قياديي الحزب، رغم تأسيس كيان تنظيمي مستقل عن زوعا، بأنهم، أو حزبهم فكراً وروحاً ونهجاً وإيمانا هم بالأساس زوعا، ولا يختلفون عنها إلا بأسلوب العمل وسقف المطالب وأولوياتها وسلوكيات بعض قياديي زوعا وتحديدأ سكرتيرها العام. إذن من هذا المنطلق كان يجب على قياديي الحزب أن تكون هذه المناسبة ذات أهمية لهم لأن بعمرها المديد (42 سنة)، بحلوها ومرها بإنجازاتها العظيمة وإخفاقاتها المؤلمة كانوا جزء منها، لا بل تشكل خلفية نضالية لهم يستوجب أضافتها إلى نضالهم وإستمرارهم حتى بعد تأسيس الحزب لتشكل سلسلة نضالية متواصلة يستمد الحزب منها مقومات وجوده على الساحة القومية ويثبت مصداقيته منذ 42 وحتى اليوم. ففي ضوء هذا التساؤل والأسس القائمة عليها فإن أي تبرير، سواء أكان شخصي أو سياسي، يجب أن لا يمحى 42 سنة من نضال أمتنا، بل يجب أن تذكر ثم تذكر حتى تترسخ في عقول أبناء شعبنا خاصة الأجيال المعاصرة والقادمة.

على العموم، لا أريد الأطالة، كما هي عادتي السيئة، إلا أن ما دفعني إلى أن أكتب هذه السطور التي هي منذ زمن طويل من بواطن أفكاري، هي المقابلة الأخيرة التي أجرتها شبكة (ANB) مع الأستاذ توما خوشابا القيادي في حزب أبناء النهرين والتي حفزني لكي أكشف جزء من بواطن أفكاري وأسطرها في هذه السطور، ولكن الذي حيرني في هذه المقابلة هو تأكيد الأستاذ توما خوشابا بأنه كممثل لأبناء النهرين فأن هذا الكيان ليس حزباً سياسياً رسميا. وطبعاً مثل هذا التأكيد يتناقض شكلياً مع كل الصفحات الإعلامية للحزب وشعاراته كما مبين في أدناه، كما يتناقض فعليا مع تسجيله ودخوله معركة الإنتخابات وفوز ممثله بالكرسي في برلمان الإقليم السابق. فمثل هذه الممارسة، أي السعي للوصول إلى مكامن السطلة هو أساس مهم يتعرف به أي حزب ويشكل مقوم أساسي لوجوده كحزب. فمقومات أي حزب هي، الفكر، الأعضاء، التنظيم ثم الأهم هو السعي للوصول إلى السلطة. فبغياب المقوم الآخير يتحول الحزب إلى جماعة ضغط. 
 

10
فعلا أنها صدمة كبيرة بخسارة مناضل معروف من مناضلي الحركة الديموقراطية الآشورية ليس فحسب بإمكانياته الهائلة في خدمة أبناء أمته سواء من خلال الجمعية الخيرية الآشورية أو من موقعه في المكتب السياسي لزوعا، بل بمكانته القريبة جداً من الكثير من أبناء شعبنا الذي عرفه بدماثة إخلاقه ورفعة سلوك تعامله مع الغير ورصانة أفكاره بحيث كنًا نعتبره من أكثر أعضاء قيادة زوعا محبوباً ومحترماً من قبل الغير... نشارك بصدمتنا هذه صدمة أفراد عائلته النبيلة بخسارة رب أسرة مثالي كما نشارك الحركة الديموقراطية ألمنا بخسارة هكذا مناضل محبوب من قبل الجميع... نتضرع لربنا أن ينعم روحه بالرحمة وأن يغمر أفراد عائلته وكافة أعضاء زوعا بالصبر والسلوان. هكذا بفقدانا مناضل آخر من زوعا تتراكم أحزاننا ومواساتنا بعد أن سبقه المناضل المقاتل عدنان أسبنيا.
صور جامعة مع المناضلين المرحومين آشور سركون أسخريا  والمقاتل الشجاع عدنان أسبانيا... ألف وألف رحمة على روحهما... صور أخذت أثناء زيارتنا لشمال الوطن، منطقة برواري بالا في أيلول عام 2019 ويظهر فيها أيضا الأصدقاء أزاد يونادم وشليمون أسبانيا.   
 

11
ذكرياتي الجامعية مع رحلة الفقيه الدستوري الدكتور منذر الشاوي "رحمه الله"
يقودها الدكتور عبد الحسين شعبان

==============================================================
أبرم شبيرا
نشر إستاذنا الفاضل وعالم القانون والسياسة الدكتور عبد الحسين شعبان موضوعاً مؤثراً عن رحيل عمود من أعمد القانون الدستوري في العراق المرحوم الدكتور منذر الشاوي في بعض وسائل الأعلام والتواصل الإجتماعي وكذلك على موقع عنكاوه دوت كوم، الرابط:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=1012102.0
فعلى الرغم من طول الرحلة التي قادها إستاذنا الفاضل الدكتور عبد الحسين شعبان عبر محطات تاريخية على مسيرة العلم والثقافة خاصة في حقلي القانون والسياسة التي إجتازها الدكتور منذر الشاوي "رحمه الله" مع  أقرانه وزملائه وطلابه من فرسان هذه المسيرة، فأن طول هذه المسيرة بدت لي بصفحاتها العديدة قصيرة جداً خاصة عندما جاء ذكر بعض الأساتذة الأفاضل الذين كان لهم فضلا كبيرا على تحصيلي العلمي للبكلوريوس بدرجة جيد جدا ثم لدرجة ماجستير وبتقدير إمتياز في العلوم السياسية من جامعة بغداد، فهو الأمر الذي دفعني لأن أقرأ الموضوع أكثر من مرة وأستمتع أيما إستمتاع خاصة عندما شعرت بأنه فعلاً يرجعنا إلى مرحلة الشباب والجامعة والنضال العلمي الفعلي في ظروف صعبة كان يسودها الإستبداد الفكري،  خاصة بعد إنهيار الجبهة المشؤومة وقيام حزب البعث العراقي قبيل نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي بقمع الأفكار التقدمية والشخصيات العلمية البارزة التي رفضت الدوران في فلكه الإستبدادي. ظروف إستبدادية وضعت الأساتذة وطلاب الجامعات خاصة في كلية القانون والسياسة في مواقف صعبة لم يكن أمر الإنفلات منها سهلاً دون مخاطر وخسائر، وقد يكون أستاذنا الفاضل الدكتور عبد الحسين جزء من هذه الحالة. ففي تلك الفترة  شرع أزلام البعث بوضع أسلوب لتقييم التوجهات الفكرية والإنتماء السياسي لبعض الأساتذة والطلاب التقدميين والمستقلين في الكلية والتي كانت تقوم على قاعدة، "إذا أنت غير منتمي إلى حزب البعث... فإذن أنت شيوعي"، وأنعكس جانب من هذه الظروف الإستبدادية الفكرية في مواضيع الأطروحات الجامعية التي قدمت لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه.
لا أستطيع أن اضيف شيئاً إلى مسيرة المرحوم سواء على مستوى العلمي كأستاذ بارع في القانون الدستوري أو على المستوى المهني كوزير للعدل ثم التعليم العالي والبحث العلمي، لأن الدكتور عبد الحسين شعبان قام بالواجب المطلوب تجاه صديقه وزميله. صحيح كما يقول الدكتور عبد الحسين عن المرحوم "بغض النظر عن الإختلاف في التوجه والرؤية وزاوية النظر والخلفيات الفكرية أزاء تلك النصوص الدستورية والقانونية وفلسفتها ومقاصدها والأهداف التي تقف خلفها والجهات التي تخدمه، فقد كان الشاوي جزءاً من مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد والوحدانية والإطلاقية وكان هامش حرية التعبير محدوداً إن لم – يكن - معدوماً، وعلينا أن لا ننسى ذلك عند التوقف عنده أو عندها، وحاول أن يفلسف رؤية السلطة القانونية ضمن سياقات السلطة النافذة وتوجهاتها المعلنة وأيديولوجيتها السائدة في مراحلها المختلفة...." وتجلى ذلك في عمله كوزير للعدل ثم وزير للتعليم العالي والبحث العلمي ومستشار لرئاسة الجمهورية ولمكتب صدام حسين...." ويضيف الدكتور عبد الحسين "في جميع المواقع التي شغلها المرحوم وعمل فيها كان يتمتع بصدقية وإستقامة وحرص ومسؤولية وحاول أن يحتفظ لنفسه بهامش من الاجتهاد في حدود الممكن والمسموح به، وكان يدرك الأرضية التي يقف عليها ويقيس المسافة بدقة بينه وبين قمة الهرم من خلال ذكائه الحاد وحكمته وبُعد نظره وصبره...". لا بل والأكثر من هذا فالمرحوم يعتبر عراب الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 وقانون الحكم الذاتي ومشروع الدستور الدائم لعام 1990 الذي لم يرى النور بسبب غزو النظام العراقي للكويت. وقد أنعكست جوانب كثيرة لإستبدادية البعث في هذه التشريعات خاصة في الدستور المؤقت لعام 1970 بمادته الثانية والأربعين التي اعطيت لمجلس قيادة الثورة صلاحيات تشريعية وبالخص الفقرة (آ) منها التي جاء فيها "إصدار القوانيين والقرارات التي لها قوة القانون" أي بهذا المعنى كان مجلس قيادة الثورة سلطة تشريعية وتنفيذية.
لقد أشرت هنا إلى المادة الثانية والأربعين من الدستور لعام 1970 لأنها كانت "بلوة البلاوي" في إضفاء الشرعية القانونية والدستورية على جميع القرارات التي أصدرها نظام البعث في العراق.  فبلسان المرحوم نفسه، أكد بأن هذه الفقرة هي من بنات أفكاره. حيث كان المرحوم أستاذنا لمادة القانون الدستوري للسنة الثانية في الجامعة المستنصرية – كلية القانون والسياسة – قسم العلوم السياسية، وفي أحد محاضراته كان الموضوع عن الدستور الجامد والدستور المرن. فجاء الحديث عن هذه الفقرة من دستور عام 1970 كحل بين النوعين من الدستور وقال بأن النقاشات دارت كثيراً بين أعضاء لجنة صياغة هذا الدستور وبالاخص المادة الثانية والأربعين منه، ولجنة الصياغة كانت متكونة من عشرة خبراء في القانون الدستوري يرأسها صدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة. وعندما طرحت للتصويت عليها تسعة أعضاء رفضوا هذه الفقرة ضد المرحوم الذي دافع عنها ثم وقف صدام حسين إلى جانبه فأقرت هذه الفقرة. ليس هذا فحسب فأنا شخصياً كطالب مبتدأ في القانون الدستوري كنت أدخل في نقاشات مع المرحوم وهو أستاذ بارع في هذا المجال. وذات مرة أتذكر كان موضوع المحاضرة عن أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من فرنسا ونال عنها شهادة دكتوراه دولة، وهي أعلى شهادة أكاديمية في فرنسا، حيث ذكر بما معنى بأن القوى السياسية والأحزاب المسيطرة في الغالب هي التي تضع الدستور، سواء بتأثير مباشر أو غير مباشر، وليس لجنة صياغة الدستور المنتخبة من قبل الشعب او من خلال لجانه. فأنتفضتُ من مكاني كطالب يطمح يوماً ما ليكون مثل أستاذه، وقلت "يا أستاذ هذا عادي وشيء طبيعي". فأثار كلامي هذا هيجانه وقال وبنوع من الإنفعال "يا أفندي... فهذا الذي تقول عنه بأنه عادي وشيء طبيعي كلفني سنوات عديدة من البحث والتقصي في العشرات من الدساتير إلى أن وصلت إلى هذه النتيجة!!. وقبل إكماله السنة الدراسية الثانية تم توزيره وتوقف عن إلقاء المحاضرات في الكلية فحل محله أستاذ آخر كبير في القانون الدستوري وهو الدكتور نوري لطيف، طيب الله ذكراه.
على العموم، أعود وأقول بأنني أكتب هذه السطور ليس لبيان عبقرية المرحوم في القانون الدستوري، فالدكتور عبد الحسين شعبان قام بأكثر من واجب تجاه المرحوم، بل أن ورود بعض أسماء الأساتذة الأفاضل التقدميين واليساريين وربما بعضهم شيوعيين البارعين في حقل إختصاصهم هو الذي طرق "صندوق دماغي" وفجر الذكريات الأليمة والجميلة أيضا سواء في فترة دراستي لمرحلة البكلوريوس في كلية القانون والسياسة بجامعة المستنصرية أو لمرحلة الدراسات العليا في كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد. فهؤلاء الأساتذة الفطاحل والتقدميين هم الذين اثروا كثيرا في مساري التعليمي والحصول على شهادة ماجستير في العلوم السياسية وبتقدير إمتياز. ومن هؤلاء الكبار، وأجيز لنفسي أن أطلق عليهم عباقرة، إبراهيم كبه أستاذي لفكر الإقتصاد السياسي الذي حرم من درجة "بروفيسور" لكونه لم يكن يحمل شهادة الدكتوراه. والأستاذ التقدمي الدكتور صادق جعفر الأسود إستاذي لعلم الإجتماع السياسي، والأستاذ الدكتور هشام الشاوي، شقيق المرحوم، الذي كان يدرسنا مبادئ علم السياسة، فعلى الرغم بأنه لم يكمل عامه الدراسي معنا إلا أن محاضراته "ملزمه" أصبحت هي المادة الأساسية لدراسة مبادئ علم السياسة. ومن المعروف عن الدكتور هشام الشاوي بأنه كان بعكس شقيقه المرحوم الدكتور منذر لا يساير النظام بل كان صامدا ومدافعاً عن أفكاره القومية التي لم تكن مرضية لنظام البعث في تلك الفترة فأحتسب على القوى المعارضة. والمعروف عن عائلة الشاوي بأنها عائلة علم وثقافة وأذكر منهم الدكتور سلطان الشاوي أبن عم المرحوم والدكتورة منار الشاوي بنت عم المرحوم وغيرهما. وهنا يجب أن لا أنسى الدكتور حكمت شبر أستاذي لأصول القانون في السنة الأولى والدكتور صالح جواد كاظم إستاذي لمادة "الحريات" في السنة الثالثة والدكتور علي الملاح إستاذي في السنة الرابعة لمادة "الجغرافيا السياسية". كان هناك نوع من الهمس ينقله الطلاب عن بعض الأساتذة الذين كان العلم والتعليم يجري في عروقهم وجزء من حياتهم، أمثال عالم الإقتصاد السياسي إبراهيم كبه والعالم الجغرافي الدكتور علي الملاح بأنهم يلقون محاضراتهم في الجامعة المستنصرية – القسم المسائي مجاناً وبدون مقابل أو أجور.
أما في مرحلة الدراسات العليا في كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد، قبل إنتقالها من منطقة الوزيرية إلى الجادرية وإنفصال قسم السياسة عن القانون وتأسيس كلية خاصة بالعلوم السياسية، فأن تأثير بعض الأساتذة على توجهاتي العلمية والفكرية كان أكثر بكثير وبشكل مباشرة خاصة في مرحلة إعداد أطروحتي لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية. وقبل هذا من الضروري أن أعرج قليلا على سياسة القبول في الدراسات العليا في الكلية في تلك المرحلة الصعبة من القمع الفكري والسياسي. فقبل نهاية العقد الثامن من القرن الماضي كانت الكراسي للدراسات العليا أو أغلبها محجوزة للوزراء وقادة حزب البعث والكوادر المتقدمة الذين بعضهم لم يكن يحملون حتى الشهادة الثانوية، غير أن أمر قبولي في الدراسات العليا كشخص مستقل غير منتمي لحزب البعث، كان بسبب تخرجي من مرحلة البكالوريوس بدرجة جيد جداً وكنت الأول في قسم العلوم السياسية في كلية القانون والسياسة بجامعة المستنصرية لعام 1975 – 1976. وبعد أنخراطي في الدراسات العليا وبناء الصداقة مع بعض زملائي، ومنهم من كانوا أعضاء في منظمة حزب البعث في الكلية، سألت ذات يوم أحدهم، وأتذكر كان أسمه "خلدون" طيب الله ذكراه، عن سبب قبولي للدراسات العليا وأنا غير منتمي لحزب البعث، فقال "بالإضافة إلى درجة تخرجك العالية، كنا نعرف بأنك مستقل وغير منتمي لأي حزب، خاصة الحزب الشيوعي، فأعتقدنا بأنه سيكون أمر كسبك للإنتماء للحزب أسهل بكثير ولكن ظهر بأنك كسبتنا أنت ولم نستطيع أن نكسبك!!!" . ومصدر كسبي لهم كان قائما على بناء صداقة نظيفة وصريحة معهم تخللتها سهرات وطلعات وسفرات بعد أنتهاء الدروس لا بل ومساعدتهم كثيرا في شرح وتفصيل بعض مواد الدروس لدرجة إنني طرحت على بعضهم مواضيع لتكون مادة لأطروحتهم الجامعية وإرشادهم للمصادر المطلوبة في الدراسة والبحث، فكان كل هذا موضوع تقدير وأحترام لي من قبلهم.
مرحلة الدراسات العليا وبالذات فترة إختيار الموضوع لكتابة الأطروحة والأستاذ المشرف، تعبر أكثر المراحل تأثيراً وأهمية في حياتي العلمية في تلك الفترة. فقد ذكر أستاذنا الدكتور عبد الحسين أسماء بعض الأساتذة الذين كانوا مصدراً لإلهامي في مواصلة الدراسة بهمة وإصرار رغم الظروف الصعبة، منهم الدكتور وميض جمال نظمي رئيس قسم العلوم السياسية في كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والدكتور صادق جعفر الأسود والدكتور طارق علي الهاشمي. ويظهر بأنني كنت موفقاً، لا بل محظوضاً عندما طلبت من أستاذي الفاضل الدكتور وميض جمال نظمي أن يكون مشرفاً على الأطروحة التي سأكتبها بعد أنتهاؤنا من السنة التحضيرية، فوافق على الفور لأنه كان يعرف حق المعرفة قدرتي العلمية وإصراري على مواصلة الدراسة والحصول على نتائج مبهرة. كان الدكتور وميض معروفاً بنزاهته وصدقيته وعدم مساومته على حساب فكره وتوجهاته السياسية المستقلة عن النظام وبقية الأحزاب السياسية، لا بل كان يعرف بعض الشيء عن الآشوريين وتاريخهم وحركتهم السياسية لعام 1933 والمذبحة التي أرتكبت بحقهم من قبل بعض قطعات الجيش وبعض العشائر الكردية خاصة وأن أطروحته للدكتوراه كانت عن التاريخ السياسي للعراق وتحديدا عن ثورة العشرين. هذا الأمر هو الذي دفعني أن أطرح عليه فكرة أن تكون (الحركة الآشورية لعام 1933 – الأسباب والنتائج) موضوع أطروحتي للماجستير، فما كان منه إلا أن يتوقف عن الحديث وبإندهاش قال وبنوع فيها مزحة "والله أنت بطران.... تريد نبتلي ويحطونا بالسجن". على العموم كنت أرغب أن أكتب موضوعاً خارجاً عن أطار المواضيع المألوفة للرسائل الجامعية في الكلية والتي كانت معظمها تدور في فلك فكر حزب البعث أو اللجوء إلى المواضيع التاريخية، مما أضطريت للسفر إلى لندن وقضاء أربعة أشهر هناك للبحث والتقضي في المراجع المتاحة في مدرسة لندن للإقتصاد والعلوم السياسية التابعة لجامعة لندن. فبعد العمل المضني والشاق، لأن الكومبيوتر لم يكن متاح في تلك الفترة بشكل واسع خاصة لفهارس المكتبات، توصلت إلى أن أكتب موضوع أقرب إلى علم الإجتماع السياسي وتحت عنوان "المثقفون ودورهم في التحولات الإجتماعية" وهو بحث مقارن بين الفكر الماركسي والفكر الرأسمالي عن المثقفين وعلاقتهم بالطبقات الإجتماعية والأحزاب السياسية والسلطة السياسية والثورة متخذا من مفهوم المفكر أنطونيو غرامشي، المؤسس الفعلي للحزب الشيوعي الإيطالي، عن المثقف العضوي كأساس لبحث علاقة المثقفين بهذه الظواهر وموقعهم ووظيفتهم السياسية والفكرية فيها.

عندما طرحت الموضوع على إستاذي الدكتور وميض وشرحت له خطة البحث، وقف صامتا ومندهشاً لا بل وحائراً وأتذكر عندما قال "يا أفرام أنك تُدخل نفسك في متاهاة قد لا تصل بها إلى نتيجة موفقة ولكن.... أشجعك أن  تخوض هذه المغامرة العلمية لعل قد تصل إلى نتيجة ما خاصة وأنه موضوع جديد غير مألوف في الرسائل الجامعية في الكلية". وفي حينها عرفت سبب موقف الدكتور وميض هذا لأن في تلك الفترة كانت معظم الكتب الماركسية واليسارية وحتى التقدمية كانت قد أختفت من المكتبات والأسواق بسبب سياسة البعث في مطاردة الأفكار التقدمية ومحاولة تطبيق منهجه في "إعادة كتابة التاريخ". ولكن الكتب والمختصرات التي جلبتها من لندن كانت خير عون لي في إكمال رسالتي بالشكل المطلوب واللائق والتي أستغرق إكمالها بحدود سنتين.


أدرك الدكتور وميض صعوبة الموضوع وخطورته العلمية لذلك إختار ثلاثة  أساتذة مستقلين وتقدمين غير منتمين إلى حزب البعث ومعروفين بقدرتهم العلمية العالية وخبرتهم في مثل هذا الموضوع ليكونوا أعضاء لجنة المناقشة طالباً من الدكتور عبد الرضا الطعان ليكون رئيساً والدكتور صادق الأسود والدكتور طارق الهاشمي أعضاء لجنة المناقشة، خاصة وأن كل من الدكتور عبد الرضا الطعان والدكتور صادق الأسود كانا أساتذتي في مرحلة البكلوريس ولهم معرفة بقدراتي العلمية ومثابرتي الحثيثة في الدراسة.
 
ومما أثار مشاعري تجاه اللجنة هو مشاركة الدكتور طارق الهاشمي في اللجنة رغم كونه معتل الصحة ويصعب عليه المشي مصراً على المشاركة في اللجنة وذلك لكون موضوع الرسالة جديد في نوعه وأهميته ومثير للإهتمام. ففي يوم المناقشة طلب من أحد الطلاب أن يحمل له النسخة الثقيلة من الأطروحة المتكونة من اكثر من 560 صفحة إلى قاعة المناقشة لأنه كان صعباً عليه حمله.
ثم بعد الإنتهاء من المناقشة التي أسستغرقت ما يقارب أربعة ساعات وإنسحاب اللجنة للمداولة وتقدير الرسالة، عادت اللجنة إلى القاعة بعد مداولة طويلة ليعلن رئيسها الدكتور عبد الرضا الطعان بأن الرسالة "مقبولة ومنحت درجة الماجستير في العلوم السياسية وبتقدير إمتياز مع توصية بطبعها على نفقة جامعة بغداد" فأعتلت القاعة بالهتافات والتصفيق التي كانت مكتظة بأساتذة وزملاء وأصدقاء وعدد كبير من أعضاء النادي الثقافي الآشوري في بغداد.


   
تقديم الشكر والعرفان لأعضاءلجنة المناقشة، من اليمين الدكتور صادق الأسود، ثم الدكتور وميض جمال نظمي (المشرف على الأطروحة)، ثم الدكتور عبد الرضا الطعان (رئيس اللجنة)، ثم الدكتور طارق الهاشمي، طيب الله ذكراهم ورحم روح الذين أنتقلوا إلى الأخدار السماوية.
=============================================================

بعد الإنتهاء من المناقشة ومنح درجة الماجستير للأطروحة وبتقدير إمتياز ... صورة يظهر فيها ثلاث أساتذة مصريين جاءوا لتهنئتي، في الوسط الدكتور محمد أنور عبد السلام أستاذي لعلم الإجتماع السياسي والإثنان الآخران أساتذة في كلية الآداب بجامعة بغداد أستدعاهم الدكتور محمد أنور لحضور مناقشة أطروحتي وكان من المعجبين بموضوع الأطروحة، وفي الخلف يظهر الصديق زيا دنخا، حاليا في كندا. أرجو المعذرة على رداءة الصورة فعمرها أكثر من اربعين عاماً.
=================================================================
قبل الإنتهاء من هذه  الرحلة الطويلة أود أبين بعض الحالات التي تبين إستبدادية نظام البعث للعلوم والفكر المستقل وما له علاقة بحياتي العلمية في الجامعة.
•   بعد إنتهاء المناقشة وصدور قرار اللجنة بتقدير إمتياز ذهب الدكتور محمد أنور عبد السلام إلى عميد الكلية متسائلا عن سبب عدم حضوره لهذه المناقشة الفريدة من نوعا والتي حصلت الأطروحة ولأول مرة على تقدير إمتياز. فرد العميد عليه قائلاً لا فائدة من هذه الأطروحة لأنها لم تتطرق إلى فكر حزب البعث ولا إلى ثورة السابع عشر من تموز.
•   كان قرار لجنة المناقشة إضافة إلى تقدير إمتياز، طبعها على حساب جامعة بغداد. وفعلا قامت الكلية بالإجراءات اللازمة لطبعها غير أنه ذات يوم أستدعاني الدكتور وميض وقال لقد رفضت الرقابة طبع الأطروحة، فقلت لماذا؟ فجاء بنسخة من الأطروحة ومكتوب على غلافها الثاني (لا تصلح للطباعة لكونها لم تناقش أو تساهم في فكر البعث) مع الختم والتوقيع. يظهر بأن هذا الرفض كان بتوصية من عميد الكلية.
•    قدمت عدة مرات لإكمال دراستي نحو الدكتوراه، الأمل الذي كنت أنشده في تلك الفترة، سواء عن طريق البعثات أو على حسابي الخاص. كنت إجتاز المقابلة أو الإمتحان الشفهي وبإمتياز وبتأكيد من أساتذة أعضاء لجنة المقابلة ومنه الدكتور صادق الأسود الذي بعد إنتهاء اللجنة من مهماتها قال: "تهانينا فأنت أول المقبولين". ولكن بعد بضعة أيام ظهر أسماء المقبولين لدراسة الدكتوراه ولم يكن أسمي من بينهم، ولما أستفسرت عن السبب قالوا بأنه لم تحصل موافقة الجهات العليا.
صحيح هو أن النظام المستبد في العراق في تلك الفترة حرمني من تحقيق حلمي في إكمال دراستي الجامعية نحو الدكتوراه، ولكن الذي حصلته وبتقدير إمتياز وفي ظروف إستبدادية قاسية  يعد شرفاً عظيماً وإعتزازا كبيرا في بناء شخصيتي العلمية والثقافية المستقلة لا بل هو بمثابة عنصر من عناصر الصمود والثبات والسعي نحو تحقيق الهدف من دون المساومة والتملق والخضوع للإستبداد.  فأنا راضي كل الرضى بما حصلت عليه متأملا أن أستطيع تسخيره لخدمة أبناء أمتي من الكلدان والسريان والآشوريين، وهذا الذي كنت أطمح إليه منذ اليوم الأول في الجامعة عندما أنتقلت من كلية الاداب إلى كلية القانون والسياسة – قسم العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية – القسم المسائي حيث كنت أعمل في النهار وأدرس في المساء مدركاً صعوبة الحصولة على درجة علمية عالية وبتفوق ما لم يتوفر لها الوقت والثبات وربما العناد في إستمرار التعلم. فأرجو من أخوة القراء أن يستوعبوا الظروف الصعبة التي من خلالها حصلت على تعليمي الجامعي وبتفوق وبأمل أن لا يتهمونني بالنرجسية بسبب عرض هذا الموضوع الشخصي، فالغرض منه هو أن يكتسب غيري، خاصة طلاب الدراسات العليا، تجربة تؤكد بأن الأماني والتفوق لا تتحق إلا بالمثابرة والجهد المتواصل.
وفي الأخير، لا يسعني إلا أن أشكر أستاذنا الدكتور عبد الحسين شعبان على فتح نافذة مطلة على مرحلة مهمة من مراحل التعليم في العراق وخاصة في كلية القانون والسياسة مسطراً أسماء أساتذة كبار لعبوا دوراً كبيراً في بناء المفاهيم الفكرية التقدمية في ظروف صعبة جداً ملئها الإستبداد الفكري. فألف تحية وتحية لكل أساتذة الكلية وخاصة الذين وقفوا معي سواء في مرحلة البكلوريوس أو في مرحلة الماجستير.

رغم كون تخرجي بتفوق وكنت الأول على الكلية لم ينشر الخبر في الجرائد العراقية، كما كانت العادة جارية، غير عمود في جريدة بغداد أوبزيربر باللغة الإنكليزية وذلك بفضل محررها الآشوري السيد إيشو (آسف لا أذكر أسمه الكامل) ولكن أتذكر كان والد الدكتور جالس أحد أعضاء النادي الثقافي الآشوري.
=====================================================================









12
نظرة وتعليق على محاضرة الأستاذة الدكتورة منى ياقو:
-------------------------------

أبرز المستجدات على الساحة القومية – قراءة من الجانب القانوني
========================================
أبرم شبيرا
أكراماً وإحتراماً للأستاذة الفاضلة الدكتورة منى ياقو على إستعدادها الدائم في تسخير إمكانياتها الأكاديمية القانونية في خدمة أمتنا بكل علمية وموضوعية ومن دون تحيز لهذا الطرف أو ذاك. وإجلالا وأكباراً لمركز يونان هوزايا للبحوث والدراسات المستقبلية (قنطرن) على إهتمامه المنقطع النظير في المسائل التي تخص جوهر مشاكل أمتنا سواء في الوطن أم في بلدان المهجر والذي نظم عبر تواصل زوم هذه المحاضرة  بتاريخ 16/01/2021 وبمشاركة نخبة من مثقفي وكتاب ومفكري شعبنا، وتلبية للوعد الذي قطعته لأخوتي وزملائي في القنطرن على كتابة بعض السطور عن هذه المحاضرة كتعويض عن إعتذاري عن المشاركة بمداخلات وتعليقات عبر زوم، أكتب هذه السطور ليس إلا من باب مضاعفة أحترامي وأكباري للجميع مبتدءأً بالإستاذة الفاضلة جاندارك هوزايا التي أدارت المحاضرة مروراً بالدكتورة منى ياقو ثم بجميع أساتذتنا ومثقفينا سواء الذين شاركوا في المداخلات أم لم يشاركوا.  يمكن مشاهدة المحاضرة على الرابط:
منذ البدء أود التأكيد بأنني لن أتطرق إلى الجوانب الإيجابية للمحاضرة لأن مثل هذا النشاط الثقافي والسياسي القومي بما فيها راعي المحاضرة وملقيها ومتلقيها ومشاريكيها تشكل ظاهرة إيجابية بحد ذاتها خاصة وأنها تناولت مواضيع هي من صلب مشاكل أمتنا في أرض الوطن. ومنذ البدء أيضا يجب أن أؤكد بأن مثل هذا النشاط المتعددة الجوانب والمحاور لابد أن تلتصق بجوانبها الإيجابية بعض الآمور والأفكار التي يستوجبها التعليق عليها ليس إلا من باب إكتمال الصورة بشكل أوسع للقارئ الكريم والمشاهد اللبيب. من هذا المنطلق سيكون تعليقي على المحاضرة من جانبين، من حيث الشكل ثم من حيث المضمون.
من حيث الشكل:
---------
 سأشير إليه بشكل مختصر لأن الأهمية الكبرى هي للمضمون وليس للشكل:
1.   مبتدءأً بعنوان المحاضرة. لا أعتقد عنوان المحاضرة كان موفقاً أو متوافقاً مع مضمونها. فالمواضيع المطروحة صحيح هي من أبرزها التي تهم أمتنا في الوطن ولكنها ليست من المستجدات بل معروفة ومتناولة سابقاً وباقية كما هي من دون جديد عليها، كما أنها لم تتضمن الجانب القانوني إلا اليسير منها، بل في معظمها كانت تدور في الحقل السياسي القومي.
2.   المحاضرة تناولت محاور عديدة وبارزة على الساحة القومية ليس من السهل أعطاء حقها في ساعة واحدة أو أكثر. فكان الأجدر التركيز والإكتفاء بمسألة التجوازات على أراضي شعبنا، وهي مسألة قانونية دستورية ومن المؤكد الدكتورة منى بارعة في هذا المجال لإعطاء حقها الشامل والواضح للمشاهد.
3.   إننا نعيش في عصر يظهر فيه بأن الزمن راكب على ظهر عفريت ويطير مسرعاً، ففي هذا الزمن يتطلب أن نجاري هذا الزمن المسرع المنفلق من عقاله، أي بعبارة أخرى أصبح الوقت أكثر ثمناً من الذهب، كما إننا نعيش في عالم أصبحت المعلومة والأخبار في متناول الجميع تقريباً بفعل وسائل التواصل الإجتماعي والمعرفي. من هذا المنطلق يمكن القول بأن أسلوب المحاضرات التقليدية التي يستحوذ المحاضر على معظم وقتها ولا يترك للحاضرين للمداخلة والتعليق إلا بضعة دقائق لم تعد تتماشى مع العصر الراهن. قبل بضعة أسابيع شاهدة محاضرة لأستاذ جامعي تكلم أكثر من ساعة ونصف الساعة ولم يفسح المجال للحاضرين للمداخلة إلا بضعة دقائق ولشخصين فقط في الوقت الذي كان هناك العشرات ممن يرغبون المداخلة والتعليق. ومحاضرة الإستاذة الفاضلة د. منى كانت تقريباً من هذا النوع فأستهلكت محاضرتها أكثر من ساعة وبضع دقائق والباقي كان تقريباً نصف ساعة أو أكثر بدقائق قليلة للمشاركين العشرة، فتفضل ثمانية منهم بمداخلاتهم وتعليقاتهم خلال دقائق معدودة، وأنا متأكد كل التأكيد بأن لجميعهم كمثقفين ومفكرين ونشطاء لهم مخزون ثقافي وسياسي وفكري كبير لا تكفيها هذه الدقائق القليلة للتعبير عنه بشكل أفضل وأشمل. فبسبب طول وقت المحاضرة وألمام بعض المشاركين بالمواضيع المطروحة ظهر على وجوه بعضهم نوع من الملل إن لم أقل النعاس خاصة وأن فرق الوقت بين الشرق والغرب لعب دوراً في هذه الحالة. فالمحاضرة في هذا العصر السريباني يجب أن لا تتجاوز أكثر من نصف ساعة وتشمل فقط نقاط رئيسية لموضوع محدد ويترك ضعف هذا الوقت، أي ساعة أو أكثر للتعليقات والمداخلات حتى يكون النشاط  قائم على قاعدة أخذ وعطاء والوصول إلى نتائج أو تفاهمات مفيدة للجميع.
4.   يظهر بأن القنطرن قد وجه دعوة للكثير من مثقفي ومفكري شعبنا للمشاركة في المحاضرة عبر نظام زوم فكانت المحصلة عشرة مشارك وهذا كثير جداً لتناول مواضيع مصيرية مهمة لأمتنا خلال ساعة أو أكثر. فكان الأجدر والأنفع أن لا يتجاوز عدد المشاركين أثنان أحدهما من الوطن والثاني من المهجر حتى تتاح الفرص للجميع لإشباع الموضوع بأفكار ومبادرات متنوعة ومختلفة ومفيدة.
من حيث المضمون:
------------
من بين العديد من المواضيع التي طرحت في المحاضرة، يمكن إستخلاص ثلاثة منها:
1.   أرجعت الدكتورة منى سبب تأخر أمتنا في المسائل القومية والسياسية إلى سببين، الأول: غياب التنظيم القومي الموحد وعدم وجود تنسيق بخصوص التسميات المتعدة. الثاني: غياب المرجعية لأمتنا. هذا الأمر ليس فيه من جديد لأنه علة العلل في أحزابنا السياسية، فالكل ينادي ويطالب بمثل هذا التنظيم القومي الشامل ولكن من غير جدوى، فالإشارة إليه والتفصيل فيه كثير ولكن من دون بيان الأسباب والحلول. أما بالنسبة لغياب المرجعية فهو نفسه غياب التنظيم القومي الموحد ولا يختلف في المضمون عنه فكان من المفضل عدم إستخدام هذا المصطلح لأن له مضامين بعيدة عن العلمانية والديموقراطية المطلوبة في العمل السياسي، حيث نستشف منه  مضامين دينية وطائفية خاصة وهو من "مخترعات" الطائفة الشيعية، كما نستشف منه معاني ثيوقراطية ودكتاتورية وعبادة الشخص حيث قام رجال الدين بنقل هذا المصطلح من العالم الديني إلى العالم السياسي ويجب تجنب أستخدامه في العمل السياسي القومي.
2.   الموضوع المهم والحاسم الذي تطرقت إليه الدكتورة منى هو الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي وكيفة إستغلالها لصالح خدمة أمتنا. قبل أكثر من قرنين من الزمن قال كارل ماركس من يملك وسائل الإنتاج يملك السلطة. لو كان ماركس حاضراً في هذا الزمن لقال من يملك وسائل التواصل الإجتماعي يملك السلطة. أي بعبارة أخرى لم تعد وسائل الإنتاج في هذا العصر منتجة للحاجات المادية، بل هي منتجة للحاجات الفكرية بما فيها من قوة التأثير في الإتجاهات الفكرية والسياسية والثقافية وبالتالي هي تملك السلطة الفكرية. فالعديد من حكومات الدول سقطت ورؤساء قتلوا ومضاهرات هزت أركان بعض الدول بفعل إستخدام سلطة وسائل التواصل الإجتماعي. قيل فيما مضى بأن الصحافة هي السلطة الرابعة ولكن اليوم نقول بأن وسائل التواصل الإجتماعي هي السلطة الأولى.
أكدت الدكتورة منى على الأهمية القصوى المطلوبة في إستخدام الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي لربط التواصل بين الوطن وبلدان المهجر وجاءت بأمثلة عن كيفية تأثير المهجر على الأوضاع في الوطن خاصة في مسألة التجاوزات على أراضي شعبنا لدرجة خلق هذا التأثير نوع من القلق والإمتعاض عند صانع القرار السياسي في الوطن. ولكن مع كل هذا فأن شعبنا لا يزال في غير المستوى المطلوب في هذا الشأن ويمكن إرجاع السبب إلى عدم فهم العلاقة بين الوطن والمهجر وتحديداً في المسائل القومية السياسية. فهناك بديهية تؤكد بأن نشاط أبناء شعبنا في المهجر مرتبط بصلة قوية بنشاط أبناء شعبنا في الوطن، فهو إنعكاس له. فطالما أوضاعنا السياسية والقومية في الوطن في وضع مزري يكتنفه الكثير من الخلافات والنزاعات التحزبية والطائفية فالأمر نفسه يكون في المهجر. يكفي نظرة بسيطة إلى واقعنا في المهجر ليتأكد ما نقوله. في حين على العكس من هذا ففي التسعينيات من القرن الماضي كانت نشاطات أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على مستوى عالي في الوطن ونفس الشيء أنعكس في المهجر فكانت النشاطات القومية والسياسية على أشدها.
3.   أهم المهمات في المحاضرة كان موضوع التجاوز على أراضي شعبنا في الوطن الذي أعطيته الدكتورة منى وقتا أطول ونقاشاً أكثر خاصة وهي خبيرة في الشؤون القانونية والدستورية. صحيح هو أنه يمكن عرض هذه المشكلة بالتفصيل إلا أنه يبقى السبب من دون علاج. لقد سبق فيما مضى وقلنا بأن الدخول في هذا الموضوع هو بمثابة الدخول في "معركة خاسرة".. لماذا خاسرة؟ لأننا ندخلها بدون سلاح فعال  والذي يتمثل في جانبين: الأول العامل الديموغرافي والجغرافي المترتبط بالطبيعة الأقلوية لشعبنا المحاط بأكثريات متعطشة لإستيلاء أراضي الغير بهدف تحقيق أكثريتها على أرض الواقع وعلى حساب شعبنا، وهو العامل الموضوعي الذي يصعب جدا، إن لم يكن مستحيلا، تغيير إتجاهاته للتخفيف من آثاره خاصة وأن أبواب الهجرة مشرعة أمام شعبنا لتزيد من قوة تأثير هذا العامل الموضوعي في المعركة الخاسرة ويجعلها أكثر خسارة. أما العامل الثاني فهو ذاتي ويتمثل في تشرذم وتفتت سلاح وحدة الخطاب السياسي لأحزابنا السياسية في هذه المسألة المصيرية مما يجعل دخول هذه المعركة بهذا الوضعية البائسة أمر لا محال منه في خسارتنا لها. فكل حزب أو ممثل كتلة إنتخابية يغني على ليلاه ويزور القرى والقصبات المنهوبة ويصور صور جميلة ولكن كلها سلاح "فاشوش" لا يخدش المتجاوزين على أراضي شعبنا. من هذا المنطلق كان للدكتورة منى كل الحق أن تنتقد "ممثلي" شعبنا في البرلمانين، المركزي والإقليمي إنتقادا فيه نوع من الحدية والصراحة. ولكن مع كل هذا يجب أن نتسائل عن ما الذي يستطيع أن يعمل خمسة من "ممثلي" شعبنا بين 329 أو أكثر من البرلمانيين في بغداد وبين 111 من برلمانيين في الإقليم وفي أجواء يسودها الفساد ونظرات ذات البعد الواحد لا قيمة للمختلف عنهم غير كونهم طعم لسرقة كراسيهم المتكسرة.
ولكن من جهة أخرى، على الأقل من الناحية الرسمية والشكلية، نرى بأن تحركات "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والإقليمي ملموس وظاهر للعيان خاصة في الآونة الأخيرة وبما قاموا من زيارات لمناطق شعبنا المعرضة للسلب وتشكيل اللجان الرسمية وتقديم الإحتجاجات لدرجة وصلت أصواتهم إلى أعلى سلطة في الإقليم ومن ثم تشكيل لجنة على مستوى عالي شملت وزراء وبعض المعنيين في صنع القرار السياسي ولكن ظهر بأن أعضاء هذه اللجنة كانوا منشغلين بأمور بالنسبة لهم ولرؤسائهم أهم بكثير من مسألة التجاوزات على أراضي شعبنا فوصل الأمر إلى حالة يمكن أعتبار كل هذه المحاولات مجرد رذ الرماد في العيون. نقطة مهمة أثارتها الدكتورة منى متعلقة بالقرار التمييزي الذي أصدرته محكمة التمييز في الإقليم والذي يعتبر نموذجاً صارخاً في الظلم والإستبداد وغياب العدالة تجاه شعبنا في المنطقة، حيث كانت محكمة عقرة قد أقرت أرجاع أراضي شعبنا المنهوبة في منطقة كشكاوا وزولي إلى أصحابها الشرعيين ولكن جاء قرار محكمة التمييز ناقضاً ومخالفا لقرار محكمة عقرة فشرعنت أعلى سلطة قضائية، أي محكمة التمييز، جرائم سلب ونهب أراضي شعبنا. ونقطة أخرى مهمة أثارتها الدكتورة منى بخصوص هذا القرار التمييزي الظالم بأن قرارات محكمة التمييز هي قطعية وغير قابلة للنقض وبالتالي كل محاولات أحزابنا السياسية و"ممثلي" أمتنا في البرلمان في مواجهة مثل هذا القرار التمييزي تذهب سدى وتصدم بجدران الظلم والإستبداد. أن مواجهة القرارات التمييزية لا تعالج بهذا الشكل الدونجواني بل هناك طريق قانوني يتمثل في طلب تصحيح القرار التمييزي مستندا على أدلة جديدة مدعومة بوثائق وشهادات ومن قبل لجنة قانونية مختصة بهذا الشأن وقد أشارت الدكتورة منى على ضرورة تشكيل مثل هذه اللجنة من الإختصاصيين في القانون والمحاميين ولكن يبقى أمر تمويل هذه اللجنة للإستمرار في عملها أمر يتطلبه الكثير من التضحيات والمساعدات المالية من قبل شعبنا وهو أمر يصعب تخيله في مجتمعنا البعيد عن مثل هذه المبادرات والتضحيات المادية. على العموم، أقول بأنه مهما حاول أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية في طرق باب العدالة في مسألة التجوازات على أراضي شعبنا فلن يكون هناك غير آذان طرشاء، فالحل الوحيد هو البحث عن مفتاح الباب والمتمثل في وحدة الخطاب القومي السياسي تجاه هذه المسألة المصيرية، أمر ملً وضجر شعبنا من سماع مثل هذه الحلول ولكن من دون نتيجة. لماذا؟ لأن الثقة والمصداقية مفقودة بين أحزابنا السياسية، وواقع الحال يثبت ما نقوله.

وأخيراً شكراً للدكتورة منى ياقو على جهودها المضنية في تنويرنا بالكثير من المسائل القانونية التي تخص شعبنا، وشكرا لقنطرن الذي يلبي شعبنا بما يخدم المصلحة العامة لأمتنا، وشكرا لجميع المشاركين من مثقفي ومفكري ونشطاء أمتنا الذين أسهوا في وضع النقاط على الحروف في المحاضرة وزادوها علماً وتوضيحاً، وشكراً للأستاذة الفاضلة جاندارك هوزايا على إدارتها للمحاضرة وللمداخلات بشكل سلس ومنتظم، ولنا طموح بمزيد من هذه النشاطات في المستقبل القريب. 


13
الآشوريون بين الأمس واليوم:
-----------------

صوم نينوى بين الاسطورة التوراتية والحقائق التاريخية
==============================
أبرم شبيرا
يربط آشوريو اليوم أصولهم التاريخية بالشعب الآشوري الذي حكم شمال ما بين النهرين في الألف الثاني وحتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد بجملة روابط حضارية تاريخية ومعطيات ثقافية تراثية ظلت لصيقة بهم على رغم الفواجع والنكبات التي حلت بهم طيلة تاريخهم المديد. ومن هذه الروابط ممارسات تراثية تستمد جذورها من أعماق التاريخ القديم وتمتد إلى البديات الأولى لمرحلة نشوء ومن ثم تدوين أحداث العهد القديم من التوراة وحتى يومنا هذا. ولعل الأكثر إثارة وبروزاً من هذه الممارسات التراثية هو "صوم نينوى" او كما يطلق عليه "باعوثا دنينوايه" والبعض يرتعب من أسم نينوى فيكتفي بتسمية هذا الصوم بـ "باعوثا" أو "صوم يونان"، كمن يحاول حجب الشمس بالغربال. ومن الثابت بأن هذا الصوم يقع قبل ثلاثة أسابيع من الصوم الكبير ويستمر لمدة ثلاثة أيام. ففي هذه السنة (2021) يبدأ من 25 حتى 27 كانون الثاني حسب طقس كنيسة المشرق. . ومن الضروري أن نشير بخصوص صوم أهل نينوى بأن شعوب شرقية أخرى، كالأرمن والأقباط والأحباش، كان يلتزمون بهذا الصوم باعتباره صوماً ربانياً ومظهراً دينياً مذكور في العهد القديم من الكتاب المقدس. غير أن أمرهم كان يختلف عن الآشوريين من حيث: أولاً: لم يكن الصوم التزاماً عاماً للجميع كما كان الحال بالنسبة للآشوريين، بل كان يلتزم به رجال أتقياء ومتدينين فقط. وثانياً: لم تستمر هذه الشعوب في الالتزام بهذا الصوم حيث أصبح بمرور الزمن بحكم المنسي ولم يعد صوماً ملزماً لهم في هذه الأيام، بعكس الحال مع الآشوريين الذين لا يزالون يلتزمون به حتى يومنا هذا وأدرج في تقويم كنيسة المشرق بإعتباره صوماً ربانياً يقام له قداس خاص في آخر أيام الصوم. وثالثاً: اكتفاء هذه الشعوب بالجانب الديني لهذا الصوم وما يتعلق بالنبي يونان في حين أرتبط هذا الصوم عند الآشوريين بممارسات تراثية وتاريخية واجتماعية اعتبرت ولا تزال تعتبر أهم جوانبه أثناء فترة الصوم والانتهاء منه. وهنا يجب أن لا ننسى إن أحداث هذا الصوم وقعت في قلب أراضي الإمبراطورية الآشورية وتحديداً في عاصمتهم نينوى مما كان له آثراً على جوانب تاريخية وقومية في نفوس الآشوريين للإستمرار بهذا الصوم والإحتفال به والتي شكلت هذه الترابطات والتداخلات عوامل مهمة في إحكام الربط العضوي للجوانب الدينية والقومية لحقيقة وجودهم  القومي والديني.

 قبل الإكتشافات الآثارية التي أزاحت الكثير من الغموض والأسرار عن التاريخ القديم لشعوب الهلال الخصيب، كانت التوراة المرجع الأساسي والمهم – إن لم يكن الوحيد – لأخبار شعوب هذه المنطقة، خصوصاً الآشوريين والمصريين منهم، وظلت ولا يزال تأثيرها كبيراً ومحسوما في إتجاهات الكثير من الكتاب والمؤرخين الذين عالجوا تواريخ هذه الشعوب. فمن جملة ما ورد في التوراة عن الشعب الآشوري "صوم نينوى" الذي من المحتمل وقعت أحداثه في القرن الثامن قبل الميلاد وفي مدينة نينوى ودونت قصته في سفر يونان التوراتي والمعروف عند العرب بأسم "النبي يونس". ففي مدينة الموصل (نينوى القديمة) كنيسة قديمة مشيد عليها جامع يعرف بهذا الأسم ويعتقد بأنه كان معبداً آشورياً قديماً. وهناك إحتمال كبير بأن الدير ليس له صلة بيونان التوراتي بل براهب من رهبان كنيسة المشرق وأسمه يونان فكان يعتكف في هذا المعبد الذي حوله إلى دير.

 جاء في سفر يونان من التوراة والذي يعتبر أقصر سفر في التوراة ويتكون من أربعة أسفار فقط، جاء فيه أن الرب طلب من النبي يونان حمل رسالته إلى مملكة آشور، وهي المملكة التي قامت بتدمير مملكة إسرائيل، ليحذرها من الدمار والهلاك. وعندما تسلم يونان الرسالة أبت عليه عواطفه اليهودية أن يحذر مملكة هاجمت إسرائيل ونهبت كنوز معبدها وإستهانت بإلاهها "يهوا" من قضاء الله في تدمير نينوى. وبعد سلسلة أحداث وتجارب مريرة مر بها يونان بما فيها الأسطورة القائلة بأن الحوت أبتلعه وبقى في جوفه لمدة ثلاثة أيام ثم بعد طرحه الحوت على الشاطئ أذعن يونان إلى أمر الرب فأنطلق (ولا ندري فيما إذا أنطلق بالطائرة أو بالصاروخ!!!) إلى نينوى، وهي مسافة طويلة جداً، ليبلغ أهلها وملكها بقضاء الله وعندما دخلها بدأ ينادي قائلا "بعد أربعين يوما تتدمر المدينة"(3 – 4) فآمن الشعب بالرب وأعلنوا الصيام وأرتدوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم ثم بلغ إنذار النبي ملك نينوى فقام عن عرشه وخلع عنه حلته وأرتدى المسح وجلس على الرماد ثم دعا جميع رعاياه إلى الإمتناع عن الأكل والشرب، وكذلك البهائم والغنم والبقر لا ترعى ولا تشب ماء، وطلب من جميع الناس أن يرتدوا المسوح متضرعين إلى الله تائبين عن طريقهم الشرير وعما أرتكبوه من ظلم لعل الرب يرجع فيعفى عن إقتدام سخطه فلا نهلك (3: 7 – 9). فلما رأى الله أعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الآثمة عدل عن العقاب الذي كان مزمعاً أن يوقعه بهم وعفا عنهم (3-10) وهذا الأمر سبب غيظ يونان وغضبه الشديدين بسبب كون الله رحيماً رؤوفاً مع الشعب الآشوري وملكه وبطيء الغضب كثير الإحسان يرجع عن العقاب، لذلك فضل يونان الموت على الحياة (3:4) لأن الرب لم ينتقم من الآشوريين وملكهم وأن الله لم يشأ للآشوريين سوى كل خير وخلاص، وهذا ما يؤكد حقد اليهود على الآشوريين في تلك الأزمنة. أن الذي يهمنا من هذا السفر هو تأكيد مطلق على أن عبادة الله الأحد ومخافته والتضرع إليه طلباً للغفران والتوبة لم تكن حكراً على اليهود وحدهم في تلك المرحلة، بل شملت الشعوب الأخرى أيضا وتحديداً الشعب الآشوري.

عندما تمت الإكتشافات الآثارية في المدن الآشورية المطمورة في القرنين الماضيين وإماطة اللثام عن بعض الغموض الذي يكتنف الشعب الآشوري وكشفت جانباً من أسرار وإلتباسات بعض الوقائع التاريخية، فإنها أكدت بعض الأحداث التي دونت في التوراة ونفت أحداثاً أخرى، بل تناقضت مع بعضها الآخر. وبقدر ما يتعلق الأمر بقصة مجيء يونان إلى نينوى وتبليغ رسالة الرب إلى الآشوريين وتحذيرهم من دمار المدينة العظيمة، كما توصف في التوراة، فإن الآثار والرقم الطينية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في خرائب نينوى وغيرها من المدن الآشورية والتي تعد أكثر تفصيلا وتدويناً للأحداث التاريخية ووقائعها من أي آثار أخرى مكتشفة في بلاد النهرين، خصوصاً حول علاقة الآشوريين وملوكهم باليهود وأنبيائهم وملوكهم، فإن في كل هذه المصادر التي لا تقبل الشك والتأويل، لا تحمل أي إشارة إلى يونان وقدومه إلى نينوى لتبليغ قضاء الرب في تدميرها، وهو حدث كبير وحاسم لا يمكن للآشوريين أن يتجاهلوه ولا يدونه في مدوناتهم الملكية. بل على النقيض من ذلك، نرى في المدونات تفاصيل دقيقة عن الحروب التي شنها الملك الآشوري ضد اليهود وغيرهم من الأقوام وقيامه بإنجازات كبيرة وأعمال ضخمة في البناء والتعمير، خصوصاً في مجال الري وتنظيم السقي والسيطرة على المياة وخزنها وتوزيعها في ظروف بيئية وموسمية مختلفة، وأكبر دليل واقعي في هذه الأيام هو مشروع الخازر و موقع خنز الأثاري. فكانت الأنهر والجداول تفيض في نهاية الشتاء وبداية الربيع وتشح ويجف بعضها في منتصف الصيف وبداية الخريف، مما يوحي بأن الفيضانات كانت عاملا حاسما في تهديد إستقرار الأوضاع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية في بلاد آشور. وتؤيد التواريخ الإغريقية بأن سقوط نينوى عام 612 ق.م. بيد الغزاة لم يكن ممكناً لولا فيضان هائج دمر أسوارها العظيمة، فهناك إشارة في التوراة بأن طوفان طام يخفي معالم نينوى (ناحوم: 1 – 8).

تخبرنا المنحوتات الجدارية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في قصر الملك سنحاريب في نينوى، الذي كان مهندساٌ رائعاً في تنظيم الري، بأنه قام بأعمال بناء ضخمة لضمان قصره والمدينة من الفيضانات التي كان يسببها نهر الخوصر أو "خو أصر" ويعني باللغة الآشورية القديمة والحديثة "عشرة أضعاف". مما يدل على أن هذا الرافد الذي كان يجتاز جوانب أسوار نينوى ويصب في نهر دجلة كان يفيض في مواسم الفيضانات أكثر من حجمه الطبيعي بعشرة أضعاف ويسبب تهديدا لأسوار نينوى وأضراراً جسيمة للبلاد ويتلف المحاصيل الزراعية، كما يسبب المجاعات وإنتشار الأوبئة وبالتالي يهدد الأمن السياسي والإستقرار الإجتماعي نتيجة هذه الأضرار والقواجع. شخصياً، في عام 1981 كنت في مدينة الموصل في موسم الربيع، أعتقد كان في نهاية شهر آذار، وشاهدتُ، كشاهد عيان، الفضيان الهائج في هذا النهر الذي كان يمر بجانب أسوار نينوى الأثارية جارفاً في تياره القوي أطيان وأشجار مقلوعة وقطع خشبية ضخمة وأنقاض هائلة لدرجة كانت المياه الجارفة تمر من فوق الجسر المشيد على النهر قاطعا طريق عبور المشاة والسيارات. فعلى هذا الأساس قد تكون قصة يونان ومجيئه إلى نينوى لتبليغ شعبها قضاء الرب في دميرها، إذا آمنا بها، مقتبسة من فيضان وإعصار عصف بنينوى والجهود العظيمة التي بذلها الملك في السيطرة عليه ومعالجة نتائجه المدمرة، وبعد ذلك تم تدوينها في التوراة في سفر يونان بما يتوافق مع المنهج التوراتي في تدوين الأحداث ومع التقليد اليهودي في تفسير الظواهر التاريخية. لقد كان صادقاً الأديب الكبير الشماس منصور روئيل – رحمه الله – عندما كان يطلق على يونان بـ "يونان الكذاب".

بغض النظر عن طبيعة الحدث الذي فرض قوته على الشعب الآشوري إلزام نفسه بالصوم خشوعاً للرب، فأنه يؤكد بما لا يقبل الشك حقيقية تاريخية شكلت في سياقها الزمني وإمتدادتها التاريخية ممارسة طقسية تراثية وقومية دينية أرتبطت بالآشوريين فترة  طويلة جدا سواء أكانت قبل المسيحية أو بعدها.. وبسبب إرتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواجع والتشرد من أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الإضطهادات، أرتبط هذا الطقس بهم طيلة تاريخهم الطويل وتتابعوا على ممارسته حتى إنتظامه سنوياً في العصور الحديثة وإدراجه في التقويم الكنسي لكنيسة المشرق بأعتباره صوماً ربانياً وحيداً في العهد القديم إلى جانب الصوم الكبير بإعتباره صوماً ربانياً وحيداً في العهد الجديد. فكان الآشوريون عبر تاريخهم الطويل ينتظرون هذا الصوم ليتذرعوا إلى الرب للخلاص من مأساتهم المستديمة والكوارث التي كانت تحل عليهم. فكان من الطبيعي أن يرتبط هذا الطقس الديني والقومي عبر مراحل تطوره التاريخي بجملة ممارسات وعادات بعضها أكتسب طابعاً غيبياً أسطوريا يتعلق بالتمنيات والرغبات التي لم يتمكن الآشوريون ضمن ظروفهم المأساوية من تحقيقها في الواقع المادي، ولا يخلو قسم من هذه التقاليد من الطرافة والفكاهة وبراءة الإيمان بكل وسيلة ينسج حولها قوة إمكانية تحقيق الرغبات المستعصية، ومن هذه التقاليد ما يعرف باللغة ألآشورية الحديثة بـ "بوخن"، وهي بالأصل مادة غذائية تتكون من تحميص سبعة أنواع من الحبوب الشائعة الإستعمال تطحن معاُ ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم تؤخذ كمية منها ويتم عن طريق وضع إبهام اليد في "بوخن" وتحميل ظهر الإبهام (الظفر) ثلاث مرات بها ثم دفعها تحت اللسان والركون إلى اليوم بأمل الحلم بأحلام تحقق آمانيهم المستعصية. وجانب الطرافة في هذا الطقس هو كون مادة "البوخن" مالحة وتسبب العطش وجفاف الفم وهما مصدر إحلام الشبان والشابات العازبين الذين يعتقدون بأنهم سيحلمون بشخص يوري عطشهم وسيكون فارس المستقبل أو عروس الغد. وكان لا يزال بعض الآشوريين يصرون على أن ما قسمه الله لهم من نصيب في الحياة الزوجية كان مرسوماً في حلم من أحلام "صوم نينوى".

واليوم، رغم ظروف القهر والإستبداد التي فرضت على الآشوريين وتهجير القسم الأكبر منهم من وطنهم التاريخي وتشتتهم بين بين بلدان العالم، فأن الآشوريين  يحاولون رغم الظروف القاسية والمميتة التي فرضت عليهم، يحاولون التمسك بقيمهم وعاداتهم وتراثهم ولغتهم، يسعون من ممارستها الحفاظ على كيانهم القومي والديني ويأملون أن يمارسوها جميعاً في يوم ما وبأمان وحرية في وطنهم التاريخي الذي أنبثقت منه أقدم حضارة عريقة أعطى شعبها للإنسانية كثير الكثير ولم تأخذ حتى قليل القليل.... ترى هل ستحقق أحلام "صوم نينوى" آماني الشعب الآشوري، تلك الأماني التي حملها في صدره طيلة قرون طويلة من الزمن القاسي؟؟؟.



14
أستاذنا الفاضل شوكت توسا المحترم... بعد التحية،

السياسة ينظر إليها من خلال المصلحة وهذ أمر قطعي وواقعي. لذا لا  من مصلحة بريطانيا ولا أميركا كان يهمهما بناء دولة مستقرة في العراق. فمصلحة بريطانيا الخاصة كانت بناء دولة ضعيفة وغير مستقرة وتأسيس نظام سياسي هش يخدم مصالحها عن طريق الإحتلال غير المباشر وبأقل الخسائر وذلك عن طريق ربط النظام بإتفاقية تخدم بالدرجة الأولى مصلحة بريطانيا. وهكذا لننظر لمذبحة الآشوريين في سميل عام 1933 فقد كان من مصلحة بريطانيا التخلص منهم ومن مطاليبهم القومية "المزعجة" لها لأنها كانت تتعارض مع خطتها في بناء نظام سياسي في العراق قائم على المركزية الفاحشة يخدم مصالحها. وهنا يجب أن لا ننسى الكثير من المرات السعي لتحقيق المصلحة الخاصة يكون بدون وازع إخلاقي وديني وإنساني.

أما بالنسبة لأميركا فأن الوضع أختلف بعد أن أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية سيدة الموقف في المنطقة وتأسيس دولة إسرائيل. فكان من مصلحة أميركا تدمير العراق أو بناء نظام سياسي هش قائم على تناقضات مستميتة يصعب بل يستحيل حلها لكونها قائمة على أسس مذهبية وطائفية متجذرة في أكثرية الشعب العراقي. فقامت بعد عام 2003 بحل الجيش العراقي للتخلص منه وإعطاء السلطة للشيعة ليمتلكوا القوة الكافية ليدخلوا ساحة الصراع مع السنة الذين كانوا أصحاب القوة والنفوذ قبل عام 2003 ليصبح العراق ساحة قتال مذهبي كوسيلة لضمان ضعف العراق وعدم قدرته على القيام بأي فعل مؤذي لمصلحة أميركا خاصة مصلحتها الأساسية في حماية أمن إسرائيل. أنا بإعتقادي تدمير أميركا للعراق لم يكن الغرض منه سلب النفط العراقي فحسب ، بل بالأساس هو حماية أمن إسرائيل من نظام قوي في العراق يقوم بما فعله صدام حسين في ضرب إسرائيل بالصواريخ.
ولك ألف شكر إستاذنا الفاضل.



15
بعد قرن من التأسيس:
------------

العراق … تاريخ تناقضات وصراعات مستديمة…  فما الحل؟
===================================
أبرم شبيرا
قبل كل شيء أود القول:
---------------

بأنه سبق وأن نشر هذا الموضوع في جريدة الخليج الإماراتية اليومية قبل عدة سنوات، كما نشر على شكل أجزاء أكثر تفصيلا في موقعنا الغراء "عنكاوة دوت كوم" عن التناقضات والصراعات التي تتحكم في العراق منذ تأسيسه وإستمرارها لقرن كامل وحتى يومنا هذا. من هذا المنطلق في إستمرار هذه التناقضات والصراعات وجدت من المفيد أن نستمر في إعادة نشر الموضوع طالما لا زالت ماثلة أمام أعين العراقيين تفعل فعلها المميت في مصير البلاد والعباد طيلة قرن كامل من الزمن. هذا الموضوع ليس بالأساس مقالة بل كان بحثاً أكاديميا لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية إلا أنه لم يتحقق لأسباب خارجة عن إرادتنا، لذا أرجو المعذرة من القراء لطول الموضوع والذي ما هو إلا جزء من أصل البحث. 
مختصر في تشكيل كيان العراق السياسي:
------------------------
كان مطروحا على طاولة مؤتمر القاهرة عام 1920 برئاسة وزير المستعمرات ونستون تشرشل ثلاثة مشاريع لتقرير مصير بلاد مابين النهرين(Mesopotamia)  الذي أحتلته بريطانيا، منها تأسيس دولة من الولايات الثلاث العثمانية (موصل وبغداد والبصرة) أو من هذه الولايات الثلاث مضافاً إليهم منطقة دير الزور – سوريا حاليا، أو تأسيس ثلاث دول مستقلة من هذه الولايات الثلاث. غير أنه جاءت ثورة العشرين في العراق عام 1920 لتفرز نتائج مؤثرة ساهمت بشكل مباشر في إرساء الخطوط الرئيسية لتأسيس كيان العراق السياسي  كان من بينها إقرار المقترح الأول في تأسيس دولة العراق من الولايات الثلاث. كما لعبت ثورة العشرين دوراً في  إخلال موازين سياسات حكم بريطانيا لبلاد ما بين النهرين "ميسوبيتيميا" وإقرار سياستها النهائية واختيار شكل الحكم المناسب لمصالحها والذي تمثل في الأسلوب غير المباشر للحكم وعن طريق حكومة "وطنية" ترتبط معها بمعاهدة ضامنة لمصالحها السياسية والاقتصادية وتخفف من عبئ الخزينة البريطانية الناجمة من الاحتلال المباشر، وهو الأسلوب الذي أرتبط باسم "السير بيرسي كوكس" المعين كمندوب سامي لحكومة جلالة الملك البريطاني في العراق والذي كان بالضد من مدرسة سياسية بريطانية أخرى في الحكم، عرفت بالمدرسة الهندية او الإمبريالية ومثلها "ارنولد ولسن" نائب الحاكم البريطاني في العراق، والتي كانت قد دعت إلى الإدارة العسكرية المباشرة للعراق وربطها بالحكومة البريطانية في الهند. وفعلاً، ما أن وصل السير كوكس إلى بغداد في 11/10/1920 طلب من السيد عبد الرحمن النقيب، نقيب الأشراف القادرية، قبول رئاسة مجلس حكومة مؤقتة. واستجابة لهذا التكليف تم في 20/10/1920 تشكيل أول وزارة عراقية.

فيصل الأول ملكاً للعراق:
----------------
بعد إرساء الخطوة الأولى في إقامة الكيان العراقي، بدأت الحكومة البريطانية البحث عن الخطوة الثانية واختيار الشخص المناسب ليتولى عرش الدولة الفتية، فطرحت على الساحة العراقية عدة أسماء، منها الأمير برهان الدين نجل السلطان عبد الحميد الثاني وطالب النقيب وعبد الرحمن النقيب والشيخ خزعل أمير عربستان وعبد الهادي العمري وآغا خان ويوسف السويدي وأمين الجليلي وأحد أعضاء الأسرة الخديوية في مصر. كان كل واحد من هؤلاء يطمح في أن يكون ملكاً على العراق، غير أن الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة كان من أبرز المرشحين، خاصة بعد اندحار قواته في معركة ميسلون في الشام أمام القوات الفرنسية وطرده من عرشها. ثم جاء قرار مؤتمر القاهرة لعام 1920 فاصلاً في تخصيص العرش للأمير فيصل. وتحقيقاً لهذا الغرض غادر الأمير فيصل مدينة جدة في 12/6/1921 على ظهر سفينة بريطانية متوجهاً إلى العراق وعن طريق البصرة. وبناء على طلب المندوب السامي البريطاني أنعقد مجلس الوزراء جلسة بتاريخ 11/7/1921 أقر فيه ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق ثم تم تتوجيه رسميا في 23/8/1921. وبهذا تكون مقومات كيان العراق السياسي، ولو من الناحية الشكلية، قد اكتملت وظهرت على الخريطة السياسية كدولة جديدة.

مقومات تأسيس كيان العراق السياسي:
----------------------
من بديهيات العلوم السياسية، أن الكيان السياسي، أي الدولة، لا يكتمل إلا بوجود أربعة مقومات وهي الإقليم، الشعب، الحكومة ثم السيادة، تجتمع جميعاً لتخلق ما يعرف بـ "الدولة". والدولة العراقية لا تستثنى منها منذ تأسيسها وحتى اليوم، باعتبارها كياناً سياسياً قائماً بحد ذاته. هنا نتساءل: هل كان للعراق تلك المقومات التي يمكن أن يخلق منه كياناً وبالمعنى السياسي المعروف بالدولة عند تأسيسه في بداية القرن العشرين؟ الإجابة بسيطة وواضحة جداً ومعروفة سلفاً فيما يخص الحكومة والسيادة طالما كانت بريطانيا متحكمة في مقدرات البلاد وتخضع مثل هذه الحكومة والسيادة لبريطانيا وسيادتها، ضمن نظام دولي عرف بـ "الإنتداب" والذي تم إلغاءه في عام 1932 ومنح العراق الاستقلال وعضوية في عصبة الأمم. أما بخصوص الأرض أو الإقليم الذي تأسست دولة العراق عليه فبمراجعة بسيطة إلى صفحات تاريخ تأسيس دولة العراق نجد أن بريطانيا، سيدة الموقف في تلك الفترة، قد لعبت دوراً أساسياً إن لم يكن الوحيد في تحديد معالم هذا الإقليم سواء من خلال المفاوضات وتسويات الحدود مع دول الجوار أو مع فرنسا حسب إتفاقية سايكس بيكو المعروفة ونظام الإنتداب الذي تبنته عصبة الأمم بعد الحرب الكونية الأولى أو من خلال الإنتصارات التي حققها الجيش البريطاني في إنتزاع أو ضمان بعض المناطق الحدودية وضمها إلى العراق خاصة في المنطقة الشمالية، وضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا نموذج جيد في هذا السياق، فكان من الطبيعي أن يكون دور بريطانيا في رسم حدود إقليم العراق طبقاً لمصالحها خاصة الإقتصادية منها ولم تضع في الإعتبار العوامل الأخرى من قومية ودينية وديموغرافية وثقافية وتاريخية وإجتماعية في حساباتها، بل تجاهلتها وكبستها بكل تناقضاتها ضمن أقليم محدد بمصالحها الخاصة.

الشعب مقوم أساسي للدولة العراقية:
--------------------
الذي يهمنا في موضوعنا هذا هو الشعب، ليس باعتباره عدد من الناس أو قطيع من البشر فحسب وإنما الأهم في إضفاء صفة الشعب على هذا العدد أو القطيع هو وجود شبكة من علاقات اجتماعية متشابكة ومترابطة بينها وهادفة إلى خلق المصلحة العامة المعبرة عن الإرادة الجمعية والتي تتجسد سياسياً في شكل الدولة أو في سلطتها أو في حكومتها، لهذا السبب قيل بأن الشعب هو مصدر السلطات والسيادة، أي بعبارة أخرى، هو المقوم الأساس والجوهري بالنسبة لبقية المقومات، وبعبارة أخرى بدون شعب بالمفهوم الإجتماعي السياسي القادر على التعبير عن الإرادة الجمعية لايمكن قيام دولة ولا سلطة أو حكومة مستقرة قادرة على ضمان الأمن والسيادة على الأرض.  فهل كان هناك شعب، وبالمعنى السياسي والاجتماعي، ويمتلك مقومات مشتركة من قومية ودينية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، أو عوامل فكرية أو نفسية متقاربة توفر أواصر كافية في خلق جمع من الناس لهم إرادة بشرية موحدة أو إرادات متقاربة مؤهلة للدخول في "عقد اجتماعي" بمفهوم الفكر السياسي في خلق الدولة أو قبول بمثل هذه الفكرة؟ .

 يقول الباحث حنا بطاطو في كتابه الموسوعي " الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق- 
The Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq والمترجم من الإنكليزية إلى العربية من قبل عفيف الرزاز في ثلاثة أجزاء، والمنشور من قبل مؤسسة الأبحاث العربية في بيروت عام 1990، يقول "في مطلع القرن الحالي، (يقصد القرن العشرين) لم يكن العراقيون شعباً واحداً أو جماعة سياسية واحدة. وهذا لا يعني الإشارة فقط إلى وجود الكثير من الأقليات العرقية والدينية في العراق، كالأكراد والتركمان والفرس والآشوريين والأرمن والكلدانيين واليهود واليزيديين والصابئة وآخرون. فالعرب أنفسهم الذين يؤلفون أكثرية سكان العراق كانوا يتشكلون، إلى حد بعيد من جملة من المجتمعات المتمايزة والمختلفة في ما بينها والمنغلقة على الذات، بالرغم من تمتعهم بسمات مشتركة" (ص 31 من الكتاب الأول). لم يكن حنا بطاطو الأول ولا الوحيد الذي أشار إلى التطرف الشديد في التنوع القومي والاجتماعي والديني في العراق، بل هناك الكثير من الكتاب والباحثين الذين أكدوا هذه الحقيقة من دون مجاملة أو مبالغة، وكان العالم الاجتماعي الكبير الدكتور علي الوردي (رحمه الله) في دراساته وأبحاثه عن طبيعة المجتمع العراقي رائداً في هذا المضمار.

أما فيما يخص معاينة واقع أهل العراق والتحسس به من موقع مسؤول، فإن رأي الملك فيصل الأول في هذا السياق يشكل أهمية كبيرة في فهم هذا الواقع ويغنينا عن الإطناب والإسهاب في بقية الآراء. ولرأي الملك فيصل أهمية كبيرة جداً في فهم طبيعة التناقضات التي تحكمت بأهل العراق، وهذه الأهمية متأتية من، أولاً:  أنه كان قد عانى مرارة هذه الانقسامات وهو في موقع الراعي لها والمسؤول عن حكمها، والثاني: في كونه ينحدر من بيئة خارجة عن هذه الانقسامات سهلت له مهمة معاينتها والتحسس بها وبنوع من الموضوعية والواقعية ومن دون إنحيازية. لقد بينً الملك فيصل رأيه بكل وضوح في صفحات مطولة نقتبس منها ما يلي: "أن البلاد العراقية… ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى مقسمة على بعضه يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين … ففي العراق أفكار ومنازعات متباينة جداً وتنقسم إلى أقسام  مثل الشباب المتجددون بما فيهم رجال الحكومة، المتعصبون، السنة،الشيعة، الأكراد، الأقليات غير المسلمة، العشائر، الشيوخ والسواد الأعظم الجاهل المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة أو محاكمة. والعراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسما كردياً أكثريته جاهلة… وأكثرية شيعية جاهلة. إلا أن الاضطهادات التي كانت تلاحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي  المنقسم إلى هذين المذهبين. كل ذلك جعل مع الأسف هذه الأكثرية الذين لهم مطامع، خاصة الدينيون منهم وطلاب الوظائف، بدون استحقاق والذين لم يستفيدوا مادياً من الحكم الجديد يظهرون بأنه لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعة… أخذت بنظري هذه الكتل العظيمة من السكان بقطع النظر عن الأقليات المسيحية التي يجب أن لا نهملها نظراً للسياسة الدولية التي لم تزل تشجعها للمطالبات بحقوق غير هذه وتلك ..... أن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني. ما الذي هو للشيعي؟ حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها … أقول هذا على سبيل المثال وذلك للاختلافات الكبرى بين الطوائف التي يثيرها المفسدون وهناك حساسيات مشتركة بين أفراد الطوائف الإسلامية… وهناك غير هذا "دسائس" آشورية وكلدانية ويزيدية والتعصب للتفرقة بين هؤلاء الجهلاء توهن قوى الحكومة تجاه البسطاء. كما أن العقول البدوية والنفوذ العشائري الذي للشيوخ وخوفهم من زواله بالنسبة لتوسع نفوذ الحكومة فكل هذه الاختلافات وكل هذه المطامع والاحتراسات تشتبك في هذا الصعيد وتصطدم وتعكر صفو البلاد وسكونها … وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى أنه في اعتقادي لا يوجد شعب عراقي بعد بل توجد كتلات بشرية خالية من فكرة وطنية مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة… فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضاَ عظمة الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي وهذا نظري فيه". ثم يذكر الملك فيصل السلاح الناري الذي كان تملكها هذه الفئات في تلك الفترة ( عام 1933) كمعيار للصراعات التي تفعل فعلها فيه وهو العام الذي قام بها بعض من قطاعات الجيش العراقي بقيادة بكر صدقي وبمساندة بعض العشائر البدوية والكوردية بالمذبحة المعروفة ضد الآشوريين العزل في بلدة سميل القريبة من مدينة دهوك في شمال العراق في شهر آب من عام 1933، إذ ذكر بأنه "يوجد في المملكة ما يزيد على المائة ألف بندقية يقابلها 15 ألف حكومية. ولا يوجد في بلد من بلاد الله حالة حكومة وشعب كهذه. هذا النقص يجعلني أتبصر وأدقق وأدعو أنظار رجال الدولة ومديري دفة البلاد للتعقل وعدم المغامرة". ( نقلاً عن كتاب تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق للمؤرخ العراقي عبد الغني الملاح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، ص31-34 ). – ما أشبه اليوم بالبارحة -

لهذا السبب ليس غريباً أن معظم الذين عاصروا فترة موت الملك في أيلول عام 1933 كانوا قد أكدوا بأنه مات ألماً وحسرة من الواقع المرير لتناقضات وصراعات أهل العراق، خاصة بعد القمع الوحشي للآشوريين المسيحيين في بلدة سميل في شهر آب من نفس العام خلافاً لأوامره بضرورة التعامل السلمي والهادئ مع مطالبهم القومية والدينية، وهو الحادث الذي أثر كثيراً على نفسيته وأدى إلى تفاقم وتدهور صحته فدفع بالنتيجة حياته ثمناً لأصالته العربية والإسلامية في التسامح والتفاهم مع الآخر المختلف. ولكن مع ذلك، فأن هذا لا ينفي ذكر بعض الكتًاب والمؤرخين بأن الملك مات مسموماً بهدف التخلص من مواقفه الحيادية والسلمية تجاه القوى المتصارعة على السلطة في العراق وإفساح المجال لأبنه غازي المعروف بمواقفه المتطرفة لاعتلاء العرش. وإذا تأكدت هذه التوقعات فأن مخاوف الشريف حسين الهاشمي (شريف مكة) والد الملك فيصل الأول تكون قد وقعت وتحققت فعلاً، تلك المخاوف التي ذكرها في رده على طلب بعض الشخصيات العراقية منه أن يرسل أبنه فيصل إلى العراق عام 1921 لتنصيبه ملكا على البلاد، حيث يروي السيد علي آل بازركان (الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية – ص 230) في عام 1921 الذي كان في ضيافة الملك حسين في مكة، ويقول: عندما وصلت إلى الملك برقية من بعض رؤساء العراق يطلبون منه أبنه فيصلاً لتنصيبه ملكا على العراق، وقد سأل الملك ضيفه "ولكني أخشى ياشيخ أن يعامل أهل العراق فيصلاً كما عاملوا جده الحسين من قبل" (يقصد الإمام حسين). (نقله الدكتور علي الوردي في كتابه: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي،إنتشارات المكتبة الحيدرية، ط2، 1998 ص 369)، وهي المخاوف التي تحققت فعلاً في الرابع عشر من تموز من عام 1958 عندما حدثت مجزرة قصر الرحاب الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وجميع المتواجدين معه من أفراد العائلة المالكة وحاشيتها وسحل بعضهم في شوارع بغداد خلف السيارات وبأسلوب وحشي لا يمت بصلة لا بالسياسة ولا بالثورية. 

هذا الواقع المتناقض والمتصارع لأهل العراق، هو الذي جعل من عالم اجتماعي كبير كالدكتور علي الوردي الذي عايش معايشة حقيقية لهذا الواقع، كإنسان عراقي عادي وكباحث اجتماعي كبير، أن يؤكد مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ/714 م ) الذي خاطب أهل العراق بكلمته المشهورة " يا أهل الشقاق والنفاق" وأعتبرها صفة لاصقة بهم حتى يومنا هذا (نفس الكتاب ص 365)، وفي مكان آخر يشير العلامة على الوردي إلى مقولة الجاحظ (عمرو بن بحر الجاحظ في البيان والتبين – ج2 ص 94) في تعلقيه على قول الثقفي إذ يقول" أن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي أنهم أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والتجريح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء... ومازال العراق موصوفاً بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة" (نفس الكتاب ص 366).  وفي خاتمة الكتاب يستخلص العلامة علي الوردي بحثه بالقول "بأن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر وليس هناك طريقة لعلاج هذا الإنشقاق أجدى من تطبيق النظام  الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية...ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الإعتبار... فهل من يسمع؟!" (نفس الكتاب ص 383).

مصلحة بريطانيا في تأسيس الدولة العراقية:
----------------------------   
مما تقدم يمكن القول بأنه عندما بدأت بريطانيا في تأسيس دولة في العراق لم يكن هناك أهم مقوم، وهو الشعب وبالمفهوم السياسي والاجتماعي، من مقومات قيام مثل هذه الدولة. لقد ورثت بريطانيا عن الدولة العثمانية تركة ثقيلة جداً من التناقضات كان يتطلبها إقامة نظام سياسي كآلية للتعامل مع الواقع بجميع تناقضاته وصراعاته ضمن نسق يتلاءم ويتناسب مع طبيعة أهل العراق ويحول دول تصاعد التناقضات نحو مرحلة الصراعات وتفاقمها إلى درجة يصعب أو يستحيل إيجاد حل لها أو التخفيف من حدتها المدمرة، ولكن لم ينظر إلى مثل هذا النظام المناسب إلا من خلال المصلحة العليا لبريطانيا من جهة، كما وأن ضمان تحقيق هذه المصلحة، من جهة أخرى، كان يستوجبه نوع من الاحتواء للتناقضات ضمن نظام سياسي "وطني". أي بعبارة أخرى، كانت مصلحة بريطانيا في تأسيس كيان سياسي في العراق تأتي في المقام الأول، وهي مسألة تبدو طبيعية في ضوء سياسة وضع الدول مصالحها فوق جميع الاعتبارات. لهذا السبب رفضت بريطانيا معظم الحلول لمسألة الحكم في العراق لكونها لا تتفق مع الشرطين السابقين، فرفضت فكرة إقامة نظام جمهوري كما رفضت مشروعات تأسيس كيانات سياسية مختلفة في كل ولاية من الولايات العثمانية السابقة، بصرة وبغداد والموصل. أي بعبارة أخرى، كما يقول السياسي العراقي مهدي كبه في مذكراته والذي عاصر تلك الفترة، “كان مشروع تأسيس الكيان السياسي في العراق يهدف إلى التوفيق بين المصالح المتضاربة بين بريطانيا والعراقيين وذلك عن طريق إيجاد نوع من الحكم الأهلي له بعض مظاهر الاستقلال ليطمئنوا به مشاعر العراقيين الوطنية مع تحقيق مصالحهم وضمان سيطرتهم ونفوذهم في ظل الحكم الوطني” ( أورده الباحث لطفي جعفر فرج في كتابه " عبد المحسن السعدون، دار الرشيد للنشر- بغداد، 1979، ص 52).

لقد جاءت فكرة تأسيس كيان سياسي في العراق على شكل نظام ملكي شامل لجميع أراض الولايات الثلاثة ومن ثم نصب الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة ملكاً على عرشه محققا لمصلحة بريطانيا السياسية والتي تمثلت في:
1 –  كان الحكم المباشر للعراق يكلف الخزينة البريطانية مبالغ طائلة والتي كانت بالأساس منهكة وضعيفة بسبب الحرب لذا كان على بريطانيا أن تجد وسيلة أخرى في الحكم غير المباشرة وعن طريق تأسيس دولة في العراق وإقامة نظام سياسي مركزي واحد وربطه بمعاهدة حماية خاصة ولفترة مناسبة، نظام لا يقر بالفروع أو الهوامش أو يتكون من عدة أنظمة سياسية صغيرة، لهذا كان من مصلحة بريطانيا أن يكون في العراق نظام قادر على سحق ثورات الشيعة والكورد والآشوريين (مذبحة سميل 1933) وضمان الاستقرار المنشود بدلا من أن تقوم قواتها بهذه المهمة وتكلف الخزينة البريطانية مبالغ طائلة أخرى يعصب عليها تحملها في ظروف الكساد العالمي الذي ساد في الربع الأول من القرن العشرين.
2 – كان نصب الأمير فيصل ملكاً على رأس هذا النظام، والذي له خلفية سياسية في التعامل مع الإنكليز، يحقق هدفين لبريطانيا: الأول: إيفاء جزء من وعدها للعرب وللعائلة الهاشمية بتأسيس دولة عربية في المشرق العربي لقاء قيام الشريف حسين والد الملك فيصل الأول بقيادة الثورة الكبرى عام 1916 ضد الدولة العثمانية، والثاني: لكون الأمير فيصل من عائلة مسلمة معروفة بانتسابها الهاشمي لأصل النبي محمد ولكونه أيضا من خارج التناقضات التي كانت تفعل فعلها في الشعب العراق. لذلك كان تنصيبه ملكاً على هذا الشعب غير مخل بموازين الصراعات القائمة فيه، وبالتالي سيكون أكثر ضماناً لاستمرار الواقع القائم. فالعراق كان يختلف عن البلدان العربية الأخرى التي هيمن النظام العشائري والقبلي على البينة الاجتماعية والنظام السياسي، فلم يكن فيه عشيرة أو قبيلة تنفرد بالقوة والهيمنة والسيطرة وقادرة على التحول إلى نظام سياسي وإدارة شؤون الدولة،  بل كانت العشائر والقبائل في تقاتل وصراعات مستمرة لم تثمر بنتيجة حتمية تفضيلية لأي واحد منهم حتى تتمكن من الانتقال إلى مرحلة سياسية لاحقة تتجسد في نظام سياسي والمعروفة بمراحل إنتقال السلطة من البداوة إلى الحضارة (حسب مفهوم أبن خلدون)،  كما هو الحال في بلدان الخليج العربي. لهذا السبب لم يكن ممكنا أمام الإنكليز اختيار أي مرشح من هذه التكوينات العشائرية العراقية من دون أن يخل هذا الاختيار بموازين القوى القائمة بينها، فجاء اختيارهم من خارجها حفاظاً على التوازن العشائري في العراق.
3 – لم يكن من مصلحة بريطانيا تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، والذي لم يكن بالأصل تغييره ممكناً، والموروث عن الدولة العثمانية وبكل قوالبه العشائرية والطائفية والطبقية الصلدة، ذلك الواقع الذي تمثل في هيمنة نخبة سنية المذهب وعثمانية الفكر والمنهج في السياسة والحكم وتعطشها الشديد للسلطة والجاه واستمتاعها باللعبة السياسية في تشكيل الوزارات وإسقاطها ضمن نظام عرف بالنظام الملكي الدستوري، والملائم من حيث الشكل، للمبادئ الديمقراطية والسياسية لنظام الحكم الذي كانت بريطانيا تدعي بتبنيه وتطبيقه في العراق كمحاولة لتحقيق التزاماتها طبقاً لبنود نظام الانتداب في مساعدة البلد المنتدب عليه عن طريق النصح والإرشاد وتطويره نحو مراحل سياسية متقدمة حتى يتمكن شعبه من تولي إدارة الدولة بنفسه.
4 - لم يكن امام بريطانيا من خيار غير إستمرار السياسة العثمانية السابقة في بلاد مابين النهرين القائمة على هيمنة الطائفة السنية على شؤون الحكم وإدارة ألأمور السياسية خاصة وأن معظم النخب السياسية التي كانت تخدم في المؤسسات العسكرية والمدنية العثمانية، ومنهم الأمير فيصل الذي كان عضواً في مجلس المبعوثين العثماني، قد أنتقلت إلى العراق بعد الحرب العالمية الأولى  وتولت مناصب وزارية في الحكومة أو في قيادة الجيش، لا بل البعض من هؤلاء عمل مع الأمير فيصل أثناء ثورة عام 1916 وكذلك أثناء حكمه القصير في سوريا. فقبل منح العراق الإستقلال عام 1932 وتقديم طلب الإنضمام إلى عصبة الأمم، أعد المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا دراسة في عام 1932 لبيان مدى أهلية العراق للإستقلال، ذكر فيها بأن النخبة السياسية العراقية التي كان معظمها من طائفة السنة لم يكن يتجاوز عدد أعضاءها 300 شخص  ولم تكن كفوء ومتدربة للحكم كذلك لم تكن تمثل الشعب العراقي وبقاءها في السلطة كان مقروناً بالدعم البريطاني  لها وكان الملك فيصل الأول على قمة هذه النخبة السياسية السنية ولم يكن أمام بريطانيا إلا إختياره لعرش العراق.
(Memorandum on The Termination of The Mandatory Regime in Iraq, 1932, British Library Ac 2773D – P. 40).
5 – ثم جاء إكتشاف النفظ وبكميات تجارية في بداية عام 1920 في المنطقة الشمالية عاملاً مهماً في تأسيس دولة واحدة وبنظام سياسي مركزي يشمل هذه المنطقة والمناطق الأخرى التي كان إحتمال إكتشاف النفط فيها كبيراً ليكون العراق بذلك وبولاياته الثلاث بحراً نفطياً واحداً لبريطانيا. وهنا يجب أن لا ننسى رغبة بريطانيا الجامحة في إقامة كيان سياسي واحد في العراق ليكون معبراً أمناً للخليج ومن ثم جسراً مفتوحاً نحو الهند، تاج المستعمرات البريطانية.

تأسيس العراق على بركان هائج:
------------------
هكذا أسست بريطانيا النظام السياسي في العراق وبما يتوافق مع مصالحها العليا ويتناسب من حيث الشكل، كنظام ملكي دستوري، مع الواقع الحقيقي القائم والمستمر في العراق. أما من حيث المضمون والجوهر فأن الكيان السياسي كان قد أنشأ على بركان من تناقضات وصراعات يهيج ويلفظ حممه الحارقة ويزداد حدتها بمقدار زيادة حدة اغتراب النظام السياسي وابتعاده عن تناول هذه التناقضات ضمن الاختلاف المشروع والبعيد عن العداء السافر.
وتجنباً لسوء الفهم من قصد بيان تناقضات شعب العراق، فالإشارة تستوجب هنا للتأكيد بأن حالة العراق لم تكن فريدة من نوعها في مرحلة تأسيس الدولة، فهناك شعوب أخرى كان لها مثل تناقضات شعب العراق وعانت منها عبر سنين طويلة قبل وأثناء فترة تكوين كياناتها السياسية ولكن تمكنت وعلى الأغلب وعبر سنين طويلة، من خلق آلية مناسبة لحل تناقضاتها أو تهدئتها ومن ثم ضمان استمرار الدولة. أما العراق، فالاستثناء الغريب فيه هو استمرار هذه التناقضات واستفحالها نحو صراعات مدمرة ولعقود طويلة وعلى شكل اضطرابات وانقلابات ومؤامرات وحروب داخلية وخارجية وممارسات عنف قل مثيلها في تاريخ دول العالم. (راجع بهذا الخصوص كتاب باقر ياسين المعنون تاريخ العنف الدموي في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت – 1999 وكتابه الآخر المعنون شخصية الفرد العراقي – ثلاث صفات سلبية خطيرة... التناقض. التسلط. الدموية، الطبعة الثانية، 2012، دار آراس للبطاعة والنشر، أربيل، إقليم كردستان العراق).
واليوم حيث يطغى العنف والإرهاب والفساد وعدم الإستقرار على الحياة السياسية برمتها يعزز هذا الإستثناء الغريب في طبيعة شعب العراق، وهي تناقضات وصراعات وإختلافات إنسانية وطبيعية ليست وليدة سقوط النظام البعثي في العراق فحسب بل هي مستديمة ضاربة في العمق التاريخي. ويكفي هنا أن نشير بأن انقلاب بكر صدقي عام 1936 كان أول انقلاب عسكري في الوطن العربي والذي أصبح فاتحاً لسلسلة انقلابات في العراق وفي الوطن العربي أيضا. كما وأن انقلاب تموز 1958 والمجازر الدموية التي رافقتها في قتل العائلة المالكة وحاشيتها وسحلهم في الشوارع وتعليقهم على أعمدة الكهرباء تضاهي المجازر التي أعقبت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر وثورة أكتوبر الروسية عام 1917 في روسيا. وهناك رواية تناقلها بعض الكتاب والمؤرخين تقول بأن عقب إنقلاب 14 تموز عام 1958 سافر عبد السلام محمد عارف الذي كان نائباً لرئيس الوزراء عبد الكريم قاسم على رأس وفد إلى مصر للمشاركة في إحتفالات ثورة يوليو المصرية والتباحث في شؤون الوحدة العربية. وعند مقابلتة لجمال عبد الناصر قدم له "هدية تذكارية" متكون من علبة صغيره وعندما فتحها عبد الناصر وجد فيها أحدى أصابع البشر المقطوعة فقال عبد السلام له هذا أصبع نوري السعيد هدية لك، فأثار ذلك إشمئزاز عبد الناصر وغضبه وهيجانه الشديدين من هذا الأسلوب الوحشي في التعامل مع الخصوم السياسيين رغم أن نوري السعيد كان من أشد خصوم عبد الناصر.

بعد عام 1958 لم يعد هناك قوات بريطانية محتلة ولا نظام ملكي "فاسد ومتخلف وبائد"، كما يصفه الثوريون في العراق، أو برلمان وصل أعضاؤه إليه بانتخابات مزورة أو وزارات تتواتر على السقوط والتشكيل لاعتبارات شخصية وعائلية ومصلحية، والتي اعتبرت في حينه مصدرا للشرور والتناقضات والصراعات وعدم الاستقرار أو التقدم في العراق فكان من المفترض أن يكون الحكم بعد قيام النظام الجمهوري أكثر جماهيرية وتعبيراً عن التنوع القومي والديني والطبقي في العراق وبالتالي أكثر ضماناً للاستقرار والتقدم وأوفر قدرة على حل أو تهدئة التناقضات والصراعات، غير أن الأمر كان على العكس تماماً فالتناقضات أرتقت إلى أعلى مستوياتها من الصراعات والانقلابات الدموية وظهرت أساليب جديدة في الاضطهاد والتعسف وقمع الحريات خاصة بعد وصول حزب البعث للسلطة في شباط عام 1963 وما صاحب ذلك من أساليب وحشية في تصفية الخصوم السياسيين. فقتل الزعيم عبد الكريم قاسم والتمثيل بجثته وعرض ذلك على شاشة التلفزيون العام ويظهر فيه جندي عراقي يبصق في وجه عبد الكريم قاسم وهو جثة هامدة ومن ثم تقطيعها ورميها في نهر ديالى يعتبر نموذجاً بشعاً لمثل هذه الممارسات الوحشية.  ثم مرة أخرى جاء حزب البعث على السلطة عام 1968، وهو حزب صاحب تجربة قاسية ودموية أكتسبها من من خلال فقدانه للسلطة عام 1963 ثم عودته إليها عام  1968 فهو أول حزب من نوعه في المنطقة العربية، وربما في العالم الثالث، يستطيع أن يستحوذ على السلطة وأن يعود إليها مرة أخرى وخلال فترة خمس سنوات وبانقلابين عسكريين. وبسبب هذه الخبرة والتجربة تمكن من إستغلال تناقضات الشعب العراقي إستغلالاً بشعاً مكنته من الإستمرار في السلطة لأربعة عقود من الزمن فاخترع أساليب جديدة في شرعنة سلطته الاستبدادية وإضفاء عليها نوع من القبول الإجباري أو الاختياري من الشعب العراقي وصل إلى درجة أن يلجأ الأب إلى قتل ابنه بحجة كونه خائناً للحزب والثورة. في عام 2003 عندما أزيح النظام البعثي من السلطة توفرت للشعب العراقي فرصة ذهبية لا مثيل لها في تاريخ العراق للتحرر وإقامة نظام متمدن قابل لاستيعاب التناقضات المتعددة الوجوه وبناء العراق الجديد القابل للتعويض عن التاريخ الدموي الطويل الذي عايشه الشعب العراقي. غير أن ألواقع أظهر بأنه أصبح أكثر ضراوة في الإستبداد والتعسف والعنف، وهو الواقع المؤلم الذي يعيشه جميع العراقيين في هذه الأيام ولا يحتاجها التفاصيل لكونها لازالت قائمة ومعايشة ومعروفة.

 اليوم لا وجود لنظام بعثي دكتاتوري يستغل التناقضات الطائفية والعرقية خدمة لترسيخ سطلته. ، ولكن بمجرد نظرة بسيطة لتاريخ العراق السياسي منذ فترة قيام النظام الجمهوري وحتى اليوم سنكتشف وبسهولة بأن عمق هذه التناقضات والصراعات والعنف والحروب الداخلية والخارجية هي في تفاقم مستمر وانفجارات مستديمة بحيث وصلت إلى مدى لا يمكن التخمين بنهاية لها في ظل الظروف الراهنة. فالعداء السافر المتوارث عن المرحلة العثمانية، في التعامل مع "المختلف"، أحتل المقام الأول في أسلوب معالجة التناقضات والاختلافات القائمة بين أهل العراق وانعكس بشكل مباشر في الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على السلطة وارتبطت بها بشكل عضوي بحيث جعلت من الصعوبة جداً رسم حدود فاصلة بين السبب والمسبب ومن ثم استحالة الإجابة على سؤال فيما إذا كانت الأنظمة الاستبدادية من خلق زمرة قليلة من متعطشي السلطة والجاه أم هي المحصلة النهائية لطبيعة شعب العراق الغارق في التناقضات والصراعات.  فلا يختلف اثنان في هذه الدنيا بأن الأنظمة الاستبدادية والفردية في العراق دمرت، من خلال سوء إدارة الصراع، الإمكانيات الحضارية والجغرافية والتاريخية والفكرية والإبداعية الهائلة للشعب العراقي.

الحل ... إعادة تأسيس دولة العراق:
--------------------
 لا يختلف اثنان أيضاً بأن الديمقراطية هي أنسب نظام للتعامل مع اختلافات وتناقضات الشعب العراق المستديمة، ليس بمفهومها الغربي الكلاسيكي، وإنما بمفهوم قبول الاختلاف المشروع وإتاحة الفرصة له للتعبير عن اختلافه وتطلعاته السياسية وخلق حد أدنى من إمكانيات انتقال وتداول السلطة بشكل سلمي وهادئ. أن قبول وإشاعة مفهوم "الاختلاف المشروع" في العقلية العراقية يجعل من الفسيفساء القومي والديني والفكري والحضاري والجغرافي في العراق نعمة وإغناء حضاري وفكري، في حين على العكس من هذا تماماً، أن "العداء السافر" تجاه هذا التنوع يجعله نقمة وإفقار حضاري. ولكن وحسرتاه…  فأن أحداث السنين الماضية والحالية  تدل بأن العداء السافر، هو الرحم الذي ولد فيه نظام سياسي فاسد ومتخلف وطائفي في العراق الذي لا يزال يفعل فعله في زيادة  نقمته وإفقاره لخيرات العراق البشرية والطبيعية وأنه في تصاعد مستمر بحيث أصبح هو المهيمن على عرش الساحة السياسية العراقية ومن دون منازع جدي ومؤثر.

 لقد دفع العراقيون طيلة ما يقارب قرن من الزمن ثمناً غالياً جداً ومتواصلاً من الدماء والتضحيات والحرمان من أبسط مقومات الحياة وفي وطن زاخر بخيراته الطبيعية والجغرافية والحضارية، في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم ولكن في عين الوقت يعتبر من أفقرها في الإدارة والتنظيم والحكم ليس ذلك إلا لأسباب عديدة لكن أهمها هو النظام السياسي القائم على المركزية الفاحشة في الحكم الذي أسسه البريطانيون في العراق بما يتوافق مع مصالحهم الخاصة وليس مع مصالح العراقيين. يمكن تشبيه تأسيس بريطانيا لدولة العراق ببناية أوعمارة متكونة من عدة طوابق بنيت على أسس وقواعد خاطئة وغير مطابقة للمواصفات الهندسية المطلوبة فمن الطبيعي أما أن تنهار هذه البناية أو ستظهر عاجلاً أم آجلاً العيوب والشقوق في جدرانها وبالتالي يعاني سكانها من خطر إنهيارها. هكذا أسس البريطانيون كيان دولة العراق على أسس خاطئة ومتناقضة ومتصارعة وأستمر هذا الكيان حتى يومنا هذا  ومن دون أن يكون قادراً على التخفيف من تناقضات العراقيين ومنعها من إستفحالها نحو صراعات دموية مستديمة أو تأطيرها ضمن أطر سياسية وتنظيمية قادرة على ترويض هذه التناقضات وعلى التتخفيف من معاناة العراقيين المستديمة. من هنا يستوجب أعادة النظر في النظام المركزي الفاحش للحكم في العراق وإعادة تأسيسه بما يتوافق مع مكونات العراقيين الدينية والطائفية واللغوية والجغرافية والديموغرافية وضمن أطر جديدة تحل محل المركزية الفاحشة وفي عين الوقت تبقي على الصلة الحضارية والتاريخية والجغرافية والسياسية التي تربط العراقيين ببعضهم، فالعراق وحدة واحد لا تقبل التقسيم القاطع ولكن من الممكن جداً أن يتم تحصيص هذه الوحدة الواحدة وإعادة تأسيسها طبقاً لمكونات العراقية المختلفة والمتناقضة.
الديموقراطية...  شعار ينادي بها أعتى الدكتاتوريون في العالم ويدرجونها في دساتيرهم ولكن شتان بين المناداة بهذه الشعارات وتسطيرها في الدساتير وبين تطبيقها على أرض الواقع. والعراق منذ تأسيس كيانه السياسي ولحد هذا اليوم لا تخلوا دساتيره من كلمة الديموقراطية وحتى دستور عام 2005 ينص في مادته الأولى على أن العراق جمهورية ودولة إتحادية واحد ولكن في الواقع عكس ذلك تماماً فمعاناة العراقيين المستديمة ما هي إلا صورة لإنعدام الديموقراطية في ممارسة الحكم والحياة العامة. فالعداء السافر  المتوارث عن المرحلة العثمانية في التعامل مع "المختلف"، أحتل المقام الأول في أسلوب معالجة التناقضات والاختلافات القائمة بين أهل العراق وانعكس ذلك بشكل مباشر في الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على السلطة وارتبطت بها بشكل عضوي بحيث جعلت من الصعوبة جداً رسم حدود فاصلة بين السبب والمسبب ومن ثم استحالة الإجابة على سؤال فيما إذا كانت الأنظمة الاستبدادية من خلق زمرة قليلة من متعطشي السلطة والجاه أم هي المحصلة النهائية لطبيعة العراقيين الغارقين في التناقضات والصراعات.  فلا يختلف اثنان في هذه الدنيا بأن الأنظمة الاستبدادية والفردية في العراق دمرت، من خلال سوء إدارة  الصراع، الإمكانيات الحضارية والجغرافية والتاريخية والفكرية والإبداعية الهائلة للعراقيين، كما لا يختلف اثنان أيضاً بأن الديموقراطية هي أنسب نظام للتعامل مع اختلافات وتناقضات العراقيين المستديمة، ليس بمفهومها الغربي الكلاسيكي، وإنما بمفهوم قبول الاختلاف المشروع وإتاحة الفرصة له للتعبير عن اختلافه وتطلعاته السياسية ومثل هذا التعبير لا يمكن أن يتم إلا ضمن أطر سياسية وأنظمة متطابقة مع الظروف القومية أو الطائفية أو الجغرافية أو التاريخية لكل مجموعة من مجموعات العراقيين، أي بعبارة أخرى يأتي النظام الفدرالي القائم على الأقاليم ذات الحكم الذاتي  في المقام الأول أن لم يكن الوحيد لضمان الأسلوب الأمثل في الإستقرار والأمن لكل قومية أو طائفة أو أثنية في العراق.
لكن الفدرالية بدون ديموقراطية حقه وبناء عقلية قائمة على قبول الآخر لا يمكن أن تستمر، فحالها كحال من يحاول زرع شجرة على الصخور، فطبيعة العلاقات المتوترة بين بغداد وأربيل وإهتزاز الحكم الذاتي القائم، مرجعه الأساسي هو فقدان الثقة بين الطرفين بسبب فقدان الديموقراطية النزيهة في التعامل بين الطرفين. إن مثل هذه الديموقراطية يتطلب خلق حد أدنى من إمكانيات انتقال وتداول السلطة بشكل سلمي وهادئ وليس بالعنف أو التوريث أو بالإنتخابات المزيفة وبإبتلاع الكيانات الكبيرة للمجموعات الصغيرة. أن قبول وإشاعة مفهوم "الاختلاف المشروع" في العقلية العراقية يجعل من الفسيفساء القومي والديني والفكري والحضاري والجغرافي في العراق نعمة وإغناء حضاري وفكري، في حين على العكس من هذا تماماً، أن "العداء السافر" تجاه هذا التنوع يجعله نقمة وإفقار حضاري.



 





 

16

الأستاذ الفاضل والأخ العزيز يؤارش هيدو.... أحلى هدية مني إليك... تفاح برواري بالا ومن حديقة الأسقف الجليل مار أسحق في (عين نوني) – أيلول عام 2020....
فعلا هو أطيب تفاح في العالم لأنه من جبال آشور.

   

تفاح برواري بالا (عين نوني) في جبال آشور..... أطيب تفاح في العالم
======================================

17
أستاذنا الفاضل وصديقنا العزيز د. عبد الله رابي المحترم،
قبل كل شيء أتمنى أن يكون عام 2021 لك وللعائلة ولجميع المعارف خيراً وسعادة وبصحة وعافية.
هنا أود أن أبين النقاط التالية بالنسبة لردك المشكور له:
1.   الموضوع كتب عام 1998 ولم يكن هناك "لآخر" لكي يتم إلغائه. ربما عند إنجاز الكتاب سيتم التطرق إلى هذا "الآخر". وإذا كان قصدك الكلدان والسريان فهذا أمر مستحيل أن يتم إلغائهم لأن هذا يعني إلغاء لي كأشوري. فنحن أبناء أمة واحدة فإلغاء أي واحد منهم هو إلغاء للكل. ولكن مع هذا هناك مواضيع عن الكدان والسريان بقدر تعلقهما بصلب لموضوع وهذا مذكور في الكتاب.
2.   التوراة، أكبر وثيقة تاريخية واسعة الإنتشار والقراءة... لا شك فيه هناك الكثير من الوقائع التي لم يثبتها لا المنطق ولا الإستكشافات الآثارية ولا حتى العقل السليم في هذا العصر. ولكن من جانب آخر هناك وقائع مذكورة في التوراة أكدتها الإستشكافات الآثارية والعقل المنطقي، فكان عليَ أن أشير إليها سواء لعرضها فقط أو لإثبات وجهة نظري والغاية من الإشارة إليه. هناك العشرات من المصادر القيمة التي تؤكد ما ذهبت إليها وهي مذكورة في متن الكتاب المزمع إكماله.
3.   الموضوع، سواء هذا أو الكتاب نفسه، ليس بحثاً أكاديمياً لتعليم الطلاب في الجامعة، بل هو رسالة مرسلة لأبناء أمتي خدمة لتاريخها حضارتها وثقافتها.
ولك جزيل الشكر والإحترام.
أخوك أبرم شبيرا 

18
عظمة الشهيد مار بنيامين لا تتجلى في مواقفه البطولية القومية وإستشهاده في سبيل أمته، بل على المستوى الكنسي أيضا، فقد كان قد أكد وأصر أمير الشهداء على عائلته بأن نظام ناطر كرسي يجب أن يتوقف نهائياً وأن كرسي البطريركية يجب أن يعتليه الرجل المتمكن والمخلص والمؤمن  والمتعلم وأن لا يكون من عائلته. لذلك عندما أستشهد لم يكن له ناطر كرسي وحتى بوفاة شقيقه البطريرك مار بولس ثم مار شمعون إيشاي لم يكون لهما ناطر كرسي. فالظروف الممتية والصعبة هي التي جعلت أن يعتلي مار بولس ومار شمعون إيشاي كرسي البطريركية على التوالي ولم يكن الوضع المأساوي مهيئاً لإختيار البطريرك من أبناء الشعب، فالعقلية العشائرية التي كانت سائدة في المجتمع حينذاك هي التي جعلت أن يبعد مار طيماطيوس مطران الكنيسة في الهند من أن يتولى الكرسي البطريركية والذي كان أقدم مطارنة الكنيسة في تلك الفترة.
نقطة أخرى بالنسبة لقبر أمير الشهداء، فكما أعرف بأنه قبل سنوات عديدة سافر وفد من الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي (فيدريشن) إلى شمال إيران والمناطق الحدودية مع تركيا للبحث عن قبر الشهيد فزاروا العديد من القرى الآشورية والأرمنية هناك وأستفسروا من عشرات كبار السن هناك ولكن مع الأسف الشديد لم يعثروا على شي فكان هناك إحتمال كبير بأن أكراد إيران قد عبثوا بالقبر وأزاله من الوجود لكي لا يكون رمزا قومياً للإستشهاد عن الآشوريين... ولكن مع هذا يمكن أن تعاد محاولة البحث عن قبره وإن لم يعثروا عليه فأنه من الممكن أن يبنى له صرح كبير في منطقة ألقوس الحبيبة وبالتحديد في دير ربان هرمز إلى جانب أجداده البطاركة العظام.
المجرم سمكو المصير الذي أستحقه... حيث بعد سنوات ففي عام 1930 أستدرجته السلطات الإيرانية إلى منطقة أشنوك شمال فارس بوعود وإغراءات سياسية ووهمية تمكنت من إيقاعه في الشرك الذي نصب له، فإنهال الرصاص عليه من البنادق الفارسية ليقضي عليه نهائيا.  هكذا عادة "العناية الإلهية" لتنتقم لدم الشهيد مار بنيامين وترسم سخرية القدر ضلالها لتقتل سمكو المجرم بالأسلوب نفسه الذي أغتيل مار بنامين ومن قبل نفس الجهة التي دبرت مؤامرة إغتياله.... إلى جهنم يا سمكو وبئس المصير. عيب على الحكومية الكردية أن تجعل هذا المجرم بطلاً للكرد.
أبرم شبيرا
.


19
عظمة أمير الشهداء مار بنيامين، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية وموضوع نقل رفاته إلى ألقوش
=====================================================

أبرم شبيرا


كتب الأخ سامي هاول موضوعاً مهماً عن أمير الشهداء مار بنيامين وعرض مشكوراً فكرة نقل رفاته إلى بلدة ألقوش ليكون إلى جانب أبائه وأجداده... فكرة رائعة، وأود أن أضيف إليها مايلي:

عظمة الشهيد مار بنيامين لا تتجلى في مواقفه البطولية القومية وإستشهاده في سبيل أمته، بل على المستوى الكنسي أيضا، فقد كان يؤكد ويصر على عائلته بأن نظام ناطر كرسي يجب أن يتوقف نهائياً وأن كرسي البطريركية يجب أن يعتليه الرجل المتمكن والمخلص والمؤمن  والمتعلم وأن لا يكون من عائلته. لذلك عندما أستشهد لم يكن له ناطر كرسي وحتى بوفاة شقيقه البطريرك مار بولس ثم أبن أخيه البطريرك مار شمعون إيشاي لم يكون لهما ناطر كرسي. فالظروف الممتية والصعبة هي التي جعلت أن يعتلي مار بولس ومار شمعون إيشاي كرسي البطريركية على التوالي ولم يكن الوضع المأساوي مهيئاً لإختيار البطريرك من أبناء الشعب، فالعقلية العشائرية التي كانت سائدة في المجتمع حينذاك هي التي جعلت أن يبعد مار طيماطيوس مطران الكنيسة في الهند من أن يتولى الكرسي البطريركية والذي كان أقدم مطارنة الكنيسة في تلك الفترة.

نقطة أخرى بالنسبة لقبر أمير الشهداء، فكما أعرف بأنه قبل سنوات عديدة سافر وفد من الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي (فيدريشن) إلى شمال إيران والمناطق الحدودية مع تركيا للبحث عن قبر الشهيد فزاروا العديد من القرى الآشورية والأرمنية هناك وأستفسروا من عشرات كبار السن هناك ولكن مع الأسف الشديد لم يعثروا على شي فكان هناك إحتمال كبير بأن أكراد إيران قد عبثوا بالقبر وأزاله من الوجود لكي لا يكون رمزا قومياً للإستشهاد عن الآشوريين... ولكن مع هذا يمكن أن تعاد محاولة البحث عن قبره وإن لم يعثروا عليه فأنه من الممكن أن يبنى له صرح كبير في منطقة ألقوش الحبيبة وبالتحديد في دير ربان هرمز إلى جانب أجداده البطاركة العظام.

المجرم سمكو  أستحق مصيره البائس .. حيث بعد قيامه بالعديد من المؤمرات ضدة السلطة الايرانية وتجنيد حملات للقضاء عليه لم يفلس الفرس من القضاء عليه وذلك بسبب مكر المعروف وهروبه من ساحات القتال كان يفلت من قبضة السلطة.  غير أنه بعد سنوات وتحديدا في عام 1930 أستدرجته السلطات الإيرانية إلى منطقة أشنوك شمال فارس بوعود وإغراءات سياسية ووهمية تمكنت من إيقاعه في الشرك الذي نصب له، فإنهال الرصاص عليه من البنادق الفارسية ليقضي عليه نهائيا.  هكذا عادة "العناية الإلهية" لتنتقم لدم الشهيد مار بنيامين وترسم سخرية القدر ضلالها لتقتل سمكو المجرم بالأسلوب نفسه الذي أغتيل مار بنامين ومن قبل نفس الجهة التي دبرت مؤامرة إغتياله.... إلى جهنم يا سمكو وبئس المصير. ليس من المنطق والحضارة أن تعتبر الحكومية الكردية هذا المجرم بطلاً للكرد ويدرس في المناهج التدريسية.

.



20
الترابط العضوي بين الحضارة الآشورية والمسيحية:
---------------------------------
أبرم شبيرا
سطور ونحن في الميلاد:

---------------
وجدت من المناسب ونحن في غمرة أعياد الميلاد، رغم إكتنافها بهجمات العدو الشرير "كورونا"، أن أكتب هذه السطور للقراء الأعزاء والتي من خلالها أبعث لهم تهانينا القلبية بهذه المناسبة متمنياً للكل أن يكون عام 2021 خيرا وسلاماً للجميع، فوجدت أن أكتب بعض السطور التي تتماشى مع هذه الأيام المجيدة وبعيداً عن السياسة و"دردشة" التسميات والأحزاب السياسية. مبتدءا بـ:
من يكتب التاريخ؟
------------
عندما تسقط الأمة سياسياً وينهار كيانها السياسي، أي الدولة، ويضعف تأثيرها على مجريات الأمور يسقط قلمها أو يضعف مفعوله. لذلك قيل أن التاريخ لا يكتبه إلا القوي والمسيطر، وبالتالي ما هو  في مجمله إلا تاريخ الملوك والأمراء والطبقات والشعوب المسيطرة وكل ما يتعلق بهم من معتقدات وأفكار وتصورات وممارسات ونشاطات وحروب وإنجازات. أما الشعوب الخاضعة فتصبح بلا تاريخ، وفي أحسن الأحوال يكون تاريخها مشوهاً وذلك بسبب، إما تاريخهم قد كتب من قبل الشعوب المسيطرة خدمة لمصالحها الخاصة وعن طريق تنسيب المحاسن والمآثر إليها ولصق المثالب والعيوب بالآخرين، أو كُتب من قبل الشعوب الخاضعة وبنوع من الخنوع والتوافق مع رغبات الشعوب المسيطرة. لهذا السبب يسود تاريخ الشعوب الخاضعة حالة من الضبابية أو الخرافة والشعوذة والسحر والخيال لأنه نتيجة منطقية لسقوط القلم وضعف تأثير الفكر والمنطق في فهم التاريخ  وغياب الإجتهاد الفكري.

هكذا كان الحال بالنسبة للآشوريين في أوج إمبراطوريتهم حيث كتبوا التاريخ بأزاميل فولاذية وعلى صخور صلدة وملئوا الدنيا بأخبارهم وإنجازاتهم العظيمة التي وصلت إلى يومنا هذا. وعلى العكس من هذا عندما سقط كيانهم السياسي وأصبحوا شعباً خاضعاً سياسياً لإرادة الشعوب الأخرى وبالتالي باتوا شعباً بدون تاريخ، وفي أحسن الأحوال تاريخ هامشي يعكس هامشية واقعهم وضعف كيانهم السياسي. فبسبب هذه العلة يسود التاريخ الآشوري بعد سقوط كيانهم السياسي الكثير من الغموض والخرافة والشعوذة  بحيث سلبوا من كل المحاسن والمآثر والإنجازات العظيمة ونسبت إلى الشعوب المسيطرة كالفرس والإغريق والرومان بما فيهم الأتراك والعرب والاكراد، لا بل فقد تطاولت عملية سرقة التاريخ الآشوري وبلغت إلى درجة قطعهم عن تاريخهم الغابر وسلبه منهم فأصبحوا في نظر هذه الشعوب إما بدون تاريخ أو بتاريخ يبدأ مع بداية المسيحية أو في بعض الأحيان مع بداية فكرة أو ظهور طائفة دينية أو معتقد معين، وما النعوت كالنسطورية واليعقوبية وحتى "المكون المسيحي" وغيرها من التسميات إلا نماذج في هذا السياق ألصقت بالآشوريين لتشويه أو إخفاء أو محو تاريخهم الغابر. ثم بعد إعتناق الآشوريون المسيحية وبناء دولتهم اللاهوتية التي تمثلت في كنيسة المشرق بدأوا بكتابة تاريخهم طبقاً للظروف الجديدة التي أفرزها واقعهم الجديد فكان تاريخهم في معظمه تاريخ كنسي ولاهوتي بعيد عن السياسة وسلطة الدولة لأن مملكة المسيح لم تكن من هذا العالم (يوحنا: 18:36)، فأنتشر إيمانهم إلى أقاصي بلدان الشرق، إلا أن مع هذا لم ينقطوا عن ماضيهم الغابر بل وجدوا فيه نوع من التواصل خاصة ما ذكر بخصوص هذا الماضي في الكتاب المقدس.
إن استمرار عجز الآشوريين في بناء كيان سياسي خاص بهم  في هذا العالم والسعي المضني في بناء مملكة المسيح أفقدهم المبادرات السياسية الفاعلة والمثمرة،  يعني من جهة أخرى استمرار عجزهم في كتابة تاريخهم بفاعلية مؤثرة قادرة على إزالة الخرافة والشعوذة منه وتحريره من الأوهام والسحر والتي  سيطرت على أفكارهم ومناهجهم في فهم تاريخهم القومي الغابر. ومن المؤسف أن تستمر بعض من هذه الخرافات قائمة حتى إلى زمن قريب، ليس بين بسطاء الآشوريين فحسب، وإنما بين بعض الكتاب التقليديين وبعض أنصاف المثقفين خاصة الأكليركيين منهم. فالبعض من هؤلاء كان لوقت قريب يؤمن ويروج بأن ملك "أتور" غضب الله عليه وحوله إلى ثور لأنه حاول بناء برج يصل سقف السماء ثم نزلت لعنته على أهل بابل فبلبل لسانهم إلى عدة ألسنة !!، أو أن الآشوريين تركوا لغتهم القومية الآشورية – البابلية والتي تكلموا وكتبوا وقرأوا بها لقرون طويلة ودونوا بها أعظم روائع الأدب الإنساني والملاحم والمعتقدات ومنجزات الحضارات التي سبقتهم، تركوا هذه اللغة، وهم في قمة القوة والعظمة والتوسع الإمبراطوري، وتبنوا اللغة الآرامية التي تنسب إلى الآراميين وهم قبائل تغلب عليهم صفة البداوة والترحال وعدم الاستقرار والخضوع السياسي المستمر سواء للآشوريين أو لغيرهم !!، ونحن نعرف بأن اللغة هي نتاج حضارة وليس منبعها البداوة والترحال. أو أن الآشوريين بعد اعتناقهم المسيحية حرقوا وتلفوا كل الكتب السابقة، ميراث آبائهم وأجداهم، لأنها كانت وثنية ومتناقضة مع معتقدهم المسيحي الجديد، وهذا ما فعله المبشرون الغربيون أيضا وزرعوا هذه الفكرة في عقول الآشوريين البسطاء. في الوقت الذي يعجز مثل هذا التفسير عجزاً كاملاً عن بيان سبب قيام الآشوريين المسيحيين أنفسهم بترجمة أمهات الكتب الفلسفية والطبية والأسطورية والتاريخية الإغريقية التي كانت هي أيضاً وثنية وغريبة عنهم فكتبوا عنها وترجموها وحافظوا عليها ونقلوها إلى الشعوب الأخرى والتي بدون عملهم هذا لما كانت قد وصلت إلى عالم اليوم!!. وهذا غيض من فيض من الخرافات والخزعبلات وغيرها كثيرة والتي بث اليهود البعض منها بعد أن حرفوها وشوهوها بما يخدم منهجهم وتقليدهم ودونوها في التوراة في الفترات اللاحقة. ثم جاءت المسيحية، خاصة بعد اعتناقها من قبل البيزنطينين والرومان في القرن الميلادي الرابع وما بعده، حيث شنوا حرباً سياسياً وفكرياً وحضارياً وثقافياً ضد كل الحضارات السابقة، كحضارة بيت نهرين البابلية الآشورية وشعوبها التي اعتنقت المسيحية منذ البداية، فاستطاع الرومان بفعل قوة إمبراطوريتهم وسطوتهم السياسية إخضاع  الدين الجديد إلى أهوائاتهم السياسية وإلى تفسيرات الفكر الهيليني والأساطير الرومانية والنقاشات البيزنطينية التي سببت انشقاق في كنيسة المسيح حتى أصبحت هذه التفسيرات جزء من اللاهوت والمعتقدات الدينية للمسيحيين ومنهم الآشوريين والتي أصبحت مقدسة ومحرمة من النقاش والمراجعة والنقد والتحليل أو المعارضة وإلا الحرم الكنسي أو الهرطقة هما أقل العقوبات بحق المخالف. فتحى الخامس والعشرين من شهر كانون الأول الذي أعتبر يوم ميلاد يسوع المسيح هو بالأساس عيد الشمس عند الرومان، فتم إعتماده على أساس تفسير قائم بأن المسيح هو النور الذي قورن بنور الشمس. ولقد كان  المفكر الكبير ديفيد بيرلي صادقاً كل الصدق عندما ذكر وقال أنه بسبب الفكر الهيليني والأساطير الرومانية نجد اليوم الدين المسيحي في الغرب في انفصام وانحراف تامين عن المسيحية الأصيلة التي بشر بها المسيح والرسل وأبناء الشرق.



العلاقة بين الديانة الآشورية القديمة والمسيحية:
---------------------------
مما تقدم، نرى بأن الكثير من المفاهيم التي تكتنفها الخرافات والتحريفات التي ألصقت ظلماً بالآشوريين وبمعتقداتهم وممارساتهم هي في خلاف وتعارض  مع الوقائع التاريخية التي يكشفها العلم في هذه الأيام، لا بل هي أيضاً في تناقض عميق مع أبسط مقومات الفكر والمنطق والبحث العلمي النزيه. وقد بدأ فعلاً بعض المفكرين والعلماء في دراسة هذه التقاليد الخرافية التي سادت عن تاريخ بلاد ما بين النهرين وحاولوا إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيرا عبر مراحل تاريخية طويلة. وهي مسائل طويلة ومسبهة لا نريد التطرق إليها حرصاً على حدود موضوعنا هذا، إنما ما نرغب به في هذا السياق هو بيان العلاقة بين الآشورية، أو الحضارة الآشورية أو الديانة الآشورية، وبين المسيحية، وهي علاقة متنافية وغير موجودة أصلاً وفق هذه الخرافات باعتبارهما مرحلتين مختلفتين ومتناقضتين ولا علاقة بينهما غير التناقض، لأن الأولى وثنية إلحادية تقوم على تعدد الآلهة والثانية مسيحية توحيدية تؤمن إيماناً مطلقاً بالله الأوحد وبابنه يسوع المسيح، كما هو سائد عند الكثير من المسيحيين بما فيهم بعض الآشوريين منهم. على أن الفكر والمنطق وحتى الوقائع التاريخية تذهب عكس ذلك وتؤكد بأن الآشورية والمسيحية حلقتان متكاملتان، لا بل ومتكافئتان أيضا فيما يخص التوحيد، وهذا يستوجبه بعض الشرح.
يؤكد الكثير من العلماء والمؤرخين بأن الآشوريين كانوا من أوائل الأمم التي اعتنقت المسيحية وهي في بداية سنواتها الأولى. وقصة الملك أبجر أوكاما – أي الأسود أو الأسمر (4 ق.م – 50 ميلادية) الذي حكم للفترة من (سنة 3 لغاية سنة 50 ميلادية) كان حاكم دويلة أورهي المعروفة في الغرب بـ (Edessa)  في شمال بلاد ما بين النهرين ، وحالياً "أورفه" في جنوب شرقي تركيا، فمراسلاته مع يسوع المسيح ومن ثم اعتناقه المسيحية واعتبار أورهي أول مملكة مسيحية في التاريخ وما صاحب ذلك من انتشار المسيحية في بقية بلاد ما بين النهرين على أيدي الرسل مار توما ومار أدي ومار ماري ومار أجاي، كلها تواريخ معروفة ومتداولة بين الكثير. فمعظم الكتب التاريخية التي تناولت البدايات الأولى لإنتشار المسيحية بين شعوب بلاد ما بين النهرين تؤكد الوقائع التاريخية التي كانت متداولة ومعروفة منذ السنوات الأولى للمسيحية والتي دونها المؤرخ المعروف أوسابيوس، أو (يوسابيوس القيصري، الذي كان يهودياً ودخل المسيحية وأصبح أسقف القيصرية لذلك لقب بالقيصري)،  في القرن الميلادي الرابع وأكدها الكثير من المؤرخين، بأنه في بداية العقد الرابع الميلادي تمت مراسلات بين يسوع المسيح والملك  أبجر الخامس أوكاما، المعروف بـ "ملك الأديسيين" والذي كان حاكماً على إمارة أورهي  - أوديسيا -  والتي كانت تتمتع بنوع من الحكم الذاتي فرضته  ظروف جغرافيا السياسية لتشكل منها دولة، أو دويله أو إمارة، حاجزة في منطقة تقاطع الدوائر الحدودية للصراع المستديم بين الإمبراطوريتن الفارسية والإغريقية/الرومانية. فحسب هذه التواريخ، في عام 31 الميلادي عندما سمع الملك أبجر الخامس عن المسيح ومعجزاته في إحياء الموتى وإشفاء المرضى وإبصار العميان، وعندما علم بإضطهاد اليهود له ومحاربته وعدم قبول رسالته السماوية أرسل إليه وفداً طالباً منه القدوم إلى مملكته والإقامة فيها وإشفاءه من مرض النقرس والمعروف بـ (داء الملوك) الذي كان مصاباً به وتعميذه هو وأتباعه. كان من ضمن الوفد النساخ المعروف حنينيا أو حنا الذي دون مفردات طبيعة المسيح والمناقشات التي دارت بينهما، كما قام حنا برسم صورة المسيح على منديله، غير أن بعض المراجع تذكر بأن المسيح أخذ منديل حنينا ومسح به وجهه فطبعت عليه صورته وأرسلت إلى الملك أبجر في أورهي والتي أشتهرت فيما بعد عند الروم بـ "وجه أوديسيا المقدس".  لقد جاء في أحدى رسائل الملك أبجر إلى المسيح قوله " عندما سمعت عنك تأكد لي إما أنت هو الله نفسه النازل من السموات أو أنت أبن الله". حينذاك قال المسيح كلمته المشهورة "طوبى للذين آمنوا بي ولم يروا... ومكتوب لي بأن الذين رأوني لن يؤمنوا بي والذين لم يروا يؤمنون بي ونصيبهم الخلاص.". وجاء جزء من هذا القول في أنجيل يوحنا عندما قال للرسول توما "لأنك رأيتني آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون دون أن يروا" (يوحنا: 20-29). ثم أجرى يسوع المسيح أمام تلاميذه آيات أخرى كثيرة لم تدون في الكتاب (يوحنا: 20 -30). وقد يكون عدم تدوين بقية قول يسوع المسيح أحدى هذه الآيات التي تؤكد خلاص الشعب وملكه الذين آمنوا بالمسيح ولم يروه.  ثم ذكر المسيح للوفد بأنه بعد إكمال رسالته، أي الموت على الصليب وقيامه في اليوم الثالث، سوف يرسل أحد تلاميذه إلى أورهي لإبراء الملك أبجر من المرض وتعميذه. وفعلا بعد القيامة جاء مار أدي، المعروف بـ "اتداوس" أحد تلاميذه إلى أورهي تلبية للوعد فأشفى الملك من المرض وتعمد بروح القدس هو وأتباعه ثم أنتشر الإيمان المسيحي من بلاد آشور على يد رسل الشرق وعلى مفاهيمهم ورسائلهم أقيم صرح إيمان كنيسة المشرق في بلاد مابين النهرين ومنها أنتشرت إلى بقية بلدان المشرق وشعوبها.
يورد الدكتور الأب الدكتور يوسف حبي – رحمه الله – في كتابه (كنيسة المشرق) النص الكامل لرسالة الملك أبجر أوكاما، حيث أصل الرسالة كان موجودا في الخزانة الرسمية لمملكة أورهي. ففي بداية القرن الرابع الميلادي، أوردها المؤرخ أوسابيوس القيصري في كتابه المعنون "تاريخ الكنيسة أو التاريخ الكنسي"، ترجمه القمص مرقس داود، القاهرة (مكتبة المحبة) 1979 الكتاب الأول، الفصل 13، ص 54 – 59،  من السجلات الرسمية لمدينة الرها، أو أورهي، ونقلت حرفيا من السريانية إلى العربية. وبمناسبة هذه الرسالة يذكر البرفسور إبراهيم يوهنان بأنه يبدو كانت رسالة يسوع المسيح قد ترجمت من السريانية إلى اللغة اليونانية في وقت مبكر وأدمجت من قبل أوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة" والتي كانت تشمل كسرات من الورق البردي الإغريقي وهي مملوكة لمكتبة بودلاين في جامعة أكسفورد ببريطانيا مؤرخة من القرن الرابع او الخامس الميلادي. حيث في عام 1901 كان قد عثر في مدينة أفسيس على نافذة فيها رسالة أبجر إلى المسيح ورسالة المسيح إلى أبجر دون فيها إشارات وميزات على الأغلب معاصرة لفترة أوسابيوس في القرن الرابع الميلادي. وفي نفس الكتاب يؤكد الدكتور الأب يوسف حبي أن أهم الأدلة التي تدعم إنتشار المسيحية في بلاد النهرين وفي الرها، أي أورهي، بشكل خاص، إشتراك أساقفة من بلاد النهرين في المجمع المنعقد بشأن تحديد يوم عيد الفصح سنة  190 ميلادية وإنتشار عمل طيطيانوس – الذي كان معروفاً بـ "طيطيانوس الآشوري"  الذي قام بتوحيد الأناجيل الأربعة في أنجيل واحد والمعروف بـ "الدياطسرون" منذ عام 172 الميلادي إضافة إلى وجود برديصان الفيلسوف المسيحي في بلاط مملكة الرها في أواخر القرن الثاني الميلادي... وغيرها من شواهد تفترض قيام المسيحية في هذه المنطقة منذ زمن طويل.
أن الذي يهمنا هنا هو البحث عن الأسباب التي دعت بالآشوريين إلى أن يندفعوا، ومنذ البداية، اندفاعاً قوياً وبإيمان عميق لكي يعتنقوا هذا الدين الجديد وجراء ذلك زهقت أرواحهم وسالت دمائهم من أجل نشر رسالة الإنجيل إلى أقاص بعيدة من الأرض في الوقت الذي كان معروفاً لهم ولغيرهم بأن المسيحية  غير قاصرة عليهم أو على أية أمة من الأمم بل هي ديانة سماوية عالمية وإنسانية تخص جميع الأمم دون استثناء. ويمكن درج بعض من هذه الأسباب وبإختصار كما يلي:
1-   تعتبر التوراة من بين أقدم المصادر المعروفة عن تاريخ الآشوريين قبل أن تكشف التنقيبات عن الحضارة الآشورية وتحل رموز الكتابة المسمارية. فالكثير من هذه المكتشفات أكدت بأن الآشوريين كانوا قد عرفوا بوحدانية الله الخالق للسموات والأرض. فهناك نص لصلاة مدون على رقم طيني مكتشف في القصر الملكي في نمرود قام البروفسور فرد تميمي، رئيس مركز بحوث الآشوريات في الولايات المتحدة الأمريكية (رحمه الله)، بحل رموزه وترجمته ليؤكد بأن دين الآشوريين المتمحور حول الآله آشور يشكل دليلاً وافياً على كونهم قد عرفوا التوحيد. لهذا السبب كان من السهل على الآشوريين فهم وحدانية الرب المتجسد في وحدة المسيح وكنيسته. وهنا الكثير من المراجع التي تؤكد إيمان الآشوريين بإله واحد هو "آشور". حيث باتفاق جميع الكتاب والباحثين والاركيولوجيين يعتبر الإله آشـور المحور المركزي للحياة الدنيوية والدينية  للآشوريين منذ ظهورهم على مسرح التاريخ وحتى قدوم المسيحية ولفترة تعد أطول فترة عبادة لإله ديني وقومي في آن واحد في التاريخ الإنساني قاطبة. فالآشوريون لم يتوقفوا عن عبادة آشور، الإله المقدس الأول والأعظم الذي يحكم الأرض والسماء، سواء في عظمة وسعة إمبراطوريتهم أو في ضعفهم وتدهور أحوالهم السياسية. حيث بقى وعلى الدوام الإله الحارس للشعب الآشوري ولملوكهم، فكان هنا دائماً تأكيد  مشدد على عظمة الإله آشور ورفعة مقامه المقدس. تقول الباحثة ( أم. ئي. هاركنز )  كان يطلق عليه الإله الذي خلق نفسه بنفسه ... لذلك كان لآشور ألقاب عديدة بهذا الشأن فهو عند الآشوريين ملك جميع الآلهة أو أب الآلهة الذي يحكم بسموه على جميع الآلهة، أو المولى العظيم وكان أثناء الدعاء والصلاة والتضرع يتم مخاطبته بـ "آشور مولاي العظيم … وكان آشور الإله الحارس للملوك الآشوريين فهو الذي يسنم الملوك على عروشهم ويمجد حكمهم ويطول من سنين سلطانهم ويحفظ قوتهم ويعظم من أسمائهم ويمنحهم النصر المبين على أعدائهم ويمنحهم نعمة خلافة حكمهم من قبل أبنائهم وأحفادهم ويضمن ذريتهم... ومنذ بداية الأمبراطورية الآشورية كان أسم آشور مماثل لإسم البلد وكانت الديانة تسمى بـ (عبادة آشور) وحتى في نهاية الإمبراطورية بقى آشور الإله القومي الأسمى لدى الآشوريين". وعلى نفس المنحى يذهب البروفيسوران ماتفييف و سازانوف في تأكيدهم على مركزية الإله آشور وعظمته في الحياة الدينية والدنيوية للشعب الآشوري. فيقولان "كان الرب آشور في الدولة الآشورية يحظى باحترام فهو الحق والإله الذي يجلب الشفاء وخالق الأرض فكان يشغل المرتبة الأولى في وحدة الوجود الآشوري … ونال لقب ملك جميع الآلهة كما هو رب المواجهة ضد هجمات أعداء الدولة الآشورية وعن يديه كان الملك يتقبل العرش والتاج والصولجان والإكليل وكانت أولى الكؤوس والهدايا في الانتصارات توضع على تماثيله وكان على الشعب الآشوري أن يبجلوه ويتذكروه وبصورة دائمة وعلى الملوك أن يمثلوه على ملابسهم وأختامهم وكان أسمه يرتل ثلاث مرات في بداية ونهاية النشيد القومي وأعتبر أباً للبلاد وأباً للشعب وبأسمه لقب الشعب الآشوري.
2-   إن منطق التوراة نفسه يقر بأن الإيمان بالله الخالق الأوحد ليس وقفاً على اليهود فقط، بل على الشعوب الأخرى أيضاً وتحديداً الآشوريين منهم. وهذا يتأكد في قصة رحلة النبي يونان إلى مدينة نينوى الوارد ذكرها في سفر يونان من التوراة والتي من المحتمل حدثت في عهد الملك الآشوري سنحاريب (705- 681) ق.م. إذ ليس من المنطق والعقل أن ملكاً عظيماً كالملك سنحاريب، الذي غزت جيوشه بلاد اليهود وحاصرت أورشليم وأستهزأت قواته بالإله يهوا، يسمع وعظ النبي يونان ويخضع لمشيئته والتي هي مشيئة الله، مالم يكن إيمانه بالله الخالق إيماناً قوياً. حيث وصف ذلك في التوراة كما يلي "أنه قام - أي الملك الآشوري - من عرشه وخلع حله رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك ونبلائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئاً وليغط بمسوح الناس... ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجع كل واحد على طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك... فلما رأى الله أعمالهم وأنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصعنه بهم فلم يصنعه (يونان:3 : 5-10)، وهذا العمل الرؤوف من الله سبب غماً شديداً للنبي يونان وفضل الموت على الحياة لأن الله أصبح رؤفاً ورحيما مع الشعب الآشوري وملكه ولم ينتقم منهم (يونان: 4 : 3 – 4). ومن المعروف بأن كنيسة المشرق الآشورية ما زالت تلتزم بهذا النذر حتى أيامنا هذه وأدرج في تقويمها الرسمي كصوم رباني ملزم والذي يعرف بـ "باعوثا د نينوايه" أي صوم أو نذر النينويين. وهنا يجب أن لا ننسى بل نتذكر قول يسوع المسيح في إشارته إلى أهل نينوى الذين سيقفون يوم الدينونة مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا لما أنذرهم يونان، كما ورد في إنجيل متي (12:41). من هذا المنطلق، فإن الإيمان بالله الأحد كان يتمثل عندم بإله "أشور".
3-   ما يميز الآشوريين، بشكل أكثر وضوحاً وبروزاً، عن غيرهم من الأقوام القديمة هو الترابط العضوي بين المادة والروح وترابط الحياة الدنيوية مع الحياة الدينية إلى درجة لم يكن إطلاقاً الفصل بينهما ممكنا والذي تجسد في الإله آشور بإعتباره إلهاً قومياً ودينياً، كما سبق الحديث عنه سابقا (في الفصول السابقة). هذا الترابط العضوي بين الروح والمادة ترسخ في العقلية الآشورية وعلى تألية آشور وتجسيده على شكل مترابط نصفه إلاهي ونصفه الآخر بشري ذو أجنحة على كلا جانبي القرص وذو ذيل طيري يمسك بقوس مشدود مع سهام، وهو الشعار الديني والقومي الذي ساد في الحياة اليومية السياسية والعسكرية والدينية للآشوريين. ولا يزال الكثير من التنظيمات القومية الأشورية تستخدم هذا الرمز في أيامنا هذه شعارا لهم. من هذا المنطلق كان الترابط العضوي بين الجانبين المادي والروحي، أي القومي والديني، خصلة من خصال الشعب الآشوري وميزة من تشكيلاته المعرفية والقيمية والسلوكية بحيث أصبحت جزء من مكوناته الفكرية والمنهجية نحو الحياة والطبيعة. لهذا السبب عندما جاء يسوع المسيح كرمز لإتحاد الألوهية مع الناسوتية جاء متوافقاً كل التواقف مع التصور الأشوري للإله المتجسد والمترابط للجوانب المادية والروحية، فألهمت المسيحية الآشوريين فأعتنقوها بصدق وإخلاص وتفانوا في سبيل نشر رسالتها إلى الشعوب الأخرى متجاوزين الحدود القومية والجغرافية، كما فعل أسالفهم عندما نشروا رسالة الإله آشور إلى شعوب أقاصي العالم القديم.
4 -   على أن الذي يهمنا هنا هو القول بأنه لا يمكن لأي شعب من شعوب العالم أن يؤمن إيماناً قوياً وصادقاً بدين معين ويقدم تضحيات جسيمة في سبيله ما لم تكن السمات القومية والحضارية وعادات وتقاليد ومعتقدات وظروف معيشة هذا الشعب متوافقة ومنسجمة ومتكاملة مع هذا الدين. والعكس صحيح أيضا، عندما يتردد شعب من شعوب العالم اعتناق دين معين أو يرفضه أو يحاربه ويضطهد المعتنقين له ويرميهم في أتون النار أو يقطع رؤوسهم أو يرميهم للحيوانات المفترسة ، فهذا لا يعني إلا أن هذا الدين الجديد القادم هو في تعارض وتناقض مع معتقدات وتقاليد ومبادئ هذا الشعب، لا بل هو تهديدا خطير لدينهم أو لحضارتهم أو لسلطة حكامهم وبالتالي يستوجبه المنع والتحريم والمقاومة بشتى الوسائل. هذه البديهية المنطقية تنطبق في أجلً صورها على الآشوريين في مقارنتهم مع بقية الشعوب الأخرى فيما يخص علاقتهم بالمسيحية. فمن خلال استقراء تاريخ نشوء المسيحية ورسالتها ومقارنة ذلك مع تاريخ الآشوريين يتكشف لنا بأن هناك توافقاً وانسجاماً بين المبادئ والقيم التي جاءت بها المسيحية وبين الحضارة الآشورية التي ورثت حضارات سومر وأكد وبابل. كما وأن العوامل الروحية والمادية من سياسية واقتصادية للشعب الآشوري شكلت عواملا أساسية وفاعلة في اندفاع الآشوريين نحو المسيحية واعتناقها بكل صدق وإخلاص وتفاني في سبيل نشر رسالتها إلى الشعوب الأخرى. فالقصص والملاحم الواردة في الكتاب المقدس والمقتبسة من حضارة بلاد ما بين النهرين والإشارات الواردة فيه بخصوص الآشوريين والوعود الممنوحة لهم بإعادة انبعاث الكيان الآشوري إلى جانب الكيانين المصري واليهودي قبل حلول يوم الآخرة وقدوم المسيح مرة ثانية عوامل ألهمت الآشوريون نحو الديانة المسيحية كما ورد في الإصحاح (23 – 24:19) من سفر إشعيا من التوراة.  فهذا لا يمكن أن يكون إلا مصدراً للإلهام بالنسبة للآشوريين للاندفاع نحو المسيحية التي وجدوا فيها خلاصهم وانبعاث وجودهم مرة أخرى. وهذا ما تأكد فعلاً، إذ يقول الكاتب الشهير وكرام "بأن المسيحية منحت أحفاد آشور نوع من الاهتمام والتأثير فتوحد شعورهم القومي القديم وأظهرت فيهم نوع من الاندفاع نحو الوحدة والتكاتف. ويستمر وكرام ويقول "لقد رأينا بأن الغريزة القومية كانت قوية في الشعب وهذا طبيعياً ميال للتعبير عن نفسه في ماهو الأكثر إهمية  للأمة وهو الدين... لأن في تلك الأيام كان ثيولوجيا (علم الدين) الشكل الوحيد للمعرفة السياسية. فخلال خمسة عشر قرناً الأخيرة من تاريخهم كان الدين يقرر قوميتهم والكثير من الذين أعتنقوا هذا الإيمان أصبحوا أوتوماتيكياً أعضاء في الأمة. ويقول البروفسور سيمو باربولا بهذا الصدد "أن الاهتداء إلى المسيحية كان سهلاً على الآشوريين لأن الكثير من تعاليم الكنيسة في عهدها البدائي كانت مماثلة لمعتقدات ديانة الإمبراطورية الآشورية. في الحقيقية يمكن القول بأن العديد من مبادئ المسيحية في مهدها كانت مبنية على الممارسات والأفكار التي كانت سابقاً مركزية لأيديولوجية وديانة الإمبراطورية الآشورية … مثل الدور المركزي للتنسك في المسيحية السريانية وعبادة أم الله والعذراء المقدسة والإيمان بالإله الأب وأبنه والروح القدس التي تشكل عقيدة الثالوث المقدس" ويتابع ويؤكد بأن هذه العقيدة التي لم تدخل المسيحية إلا في القرن الثالث عن طريق اللاهوتيين الغربيين كان مصدرها الفيلسوف الآشوري ططيانوس (حوالي سنة 120 ميلادية) الذي كان ينتمي إلى التقليد الديني الذي كانت فيه أفكار الثالوث المقدس متداولة لعدة قرون.
5 -    إضافة إلى ذلك فإن الشعب الآشوري كان مهيئاً فكرياً ونفسيا وبدرجة عالية لاستقبال المسيحية واعتناقها فكان هناك أسباب سياسية أخرى ساهمت بشكل كبير أيضا في سرعة اعتناقها، إذ لم يكن للآشوريين لا حكومة ولا سلطة إمبراطورية مركزية أو تنظيم مركزي قوي أو كيان مستقل ومحدد بمصالح خاصة أو حتى دين رسمي لدولة أو لحكامهم يحول دون اعتناق المسيحية ديناً لهم. أي أن الفضاء السياسي كان مفتوحاً أمامهم وأمام كياناتهم السياسية الهامشية الصغيرة لتأكيد ذاتهم من خلال الديانة الجديدة التي كانت تخالف ديانة حكام غير الآشوريين المتسلطين عليهم. فعندما يذكر الملك أبجر أوكاما، السالف الذكر، في إحدى رسائله إلى يسوع المسيح ويقول فيها "عندما سمعت عنك تأكد لي إما أنت هو الله نفسه النازل من السموات أو أنت أبن الله " فهذا يدل على أن هذا الملك كان يعرف وجود الله الوحيد في السموات، مثلما كان يعرف الملك الآشوري العظيم سنحاريب عندما سمع كلمة الرب وصام مع شعبه  طلباً للخلاص وتجنباً للهلاك، حسبما جاء في سفر يونان والذي هو أصلاً مكرس للتأكيد بأن عبادة الله لم تكن قاصرة على اليهود فحسب وإنما على أمم أخرى ومنهم الآشوريين. إلا إن ما يختلف هذا الملك الكبير، وبحكم التاريخ والتطور، عن ملك "الصغير" أبجر، هو أن فكرة التوحيد كانت  قد وصلت إلى أوجها في عصر هذا الأخير ولم يكن يتطلبها إلا التجسيد على الواقع بصورة إنسان. لهذا من الممكن جداً أن نفهم من كلام الملك أبجر بأنه كان قد سمع أو قرأ عن مجيء المسيح المخلص من خلال إطلاعه على التوراة، أو كان معتقده الديني يوحي بتجسيد الله في صورة إنسان كما كان أجداده القدماء يجسدون إلههم آشور على شكل رمز يمثل رأس إنسان، للدلالة على العقل والحكمة وله أجنحة طير مسرحة لدلالة على الهواء أو الروح أو الملائكة وسرعة الحركة مما يترك مجالاً للمقارنة بين تجسيد الإله آشور وبين تجسيد كلمة الله في شخص يسوع المسيح. فهذا التوافق هو  شكل من أشكال تواصل الحلقتين الآشورية والمسيحية وإلا لما كان قد أبدى هذا الملك الصغير وأتباعه ودويلته هذه السرعة الفائقة في الإيمان بالمسيح وبإخلاص وتنافي من دون أن يراه ومن دون خشية من المخاطر التي قد يسببها له الرومان، الذين كانوا أسياد المنطقة في تلك الفترة، من جراء اعتناقه هذا الدين الجديد. كما وأنه ومن الضروري جداّ الانتباه إلى كلام الملك أبجر عندما يذكر في رسالته هذه بأن المسيح هو الله نفسه أو أبن الله، فأن مثل هذا الإدراك والإيمان من قبل هذا الملك الذي لم يرى المسيح ولم يلتقي به شكل فيما بعد الركن الأساسي في اللاهوت وفهم طبيعة المسيح الألوهية والناسوتية والذي لم يكن، أي الملك أبجر أوكاما، إلا بداية البداية لسلسلة تاريخية طويلة شكلت ملحمة من ملاحم قوة إيمان الشعب الآشوري بالمسيحية والتضحية في سبيلها بحيث  يصعب إيجاد مثيلاً لها في تاريخ شعوب الأخرى، وهي الحلقة المتواصلة عبر مراحل تاريخية سابقة ومختلفة وعديدة ولكن من دون انقطاع خاصة بين المرحلتين الآشورية الما قبل المسيحية والآشورية الما بعد المسيحية.
6 -    ولو حاولنا استخدام المنهج المقارن كمنهج علمي في فهم كون قوة إيمان الآشوريين بالمسيحية كنتيجة حتمية لتوافق حضارتهم وثقافتهم وعقليتهم وتكاملها مع المسيحية ومن خلال مقارنة ذلك  مع الشعوب الأخرى لتأكدت هذه النتيجة الحتمية أكثر فأكثر. فعندما أمر يسوع المسيح تلاميذه قائلاً "أذهبوا إذن، وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الرب والابن والروح القدس: (متى 28: 19) لم يخص أمة من الأمم أو شعب من شعوب المعمورة وإنما أشمل بذلك جميع الأمم بالبشارة. ومنذ فجر القرن الميلادي الأول، عندما جاء الرسل إلى بلاد ما بيت نهرين كان يسكنها أيضا غير الآشوريين من الفرثيين والميديين والعيلاميين وغيرهم، فانطلق الرسل من مدينة أورهي نحو المناطق الأخرى للتبشير برسالة الرب غير انه من الملاحظ بأن هذه الشعوب الآرية التي كانت تعتنق الديانة الزاردشتية والمجوسية لم تلتف إلى هذا الدين الجديد ولم يثير اهتمامها لا بل ولم تفهم مغزاه  لذلك لم تنتشر المسيحية بينهم إلا في عدد قليل جدا، ولم تحقق نجاحاً كبيرا فيهم فبقوا بشكل عام كشعوب وأمم وحكام ودول أو إمبراطوريات محافظين على عقائدهم الدينية. وهكذا كان الحال أيضا مع الأكراد قبل اعتناقهم الإسلام. حيث لم تكن المسيحية ورسالتها في التسامح والمحبة والسلم تتوافق مع طبيعتهم العشائرية القائمة على الحرب والسلب والنهب في حين وجدوا في الفتوحات الإسلامية منهجاً وفكراً وعقيدة تتوافق مع طبيعتهم الإجتماعية. وحتى مع الشعوب التركو – المغولية والتي حاولت بعض قبائلها تبني المسيحية ديناً لها ولأسباب فردية أو سياسية مصلحية إلا إنها سرعان ما تحولت إما إلى البوذية أو إلى الإسلام ذلك لأن المسيحية  كانت بالنسبة لهم ديانة أو معتقد أو مفاهيم لا تتوافق إطلاقاً مع حضارتهم أو معتقداتهم أو طبيعة حياتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية، لا بل وجدوا فيها، وفي أحيان كثيرة، خطورة تهدد معتقدهم وتعرض كيانهم أو دولتهم إلى الفتن والتحريض والمقاومة والانهيار، خاصة عندما نعرف بأن المسيحية هي رسالة محبة وسلام في حين كانت رسالة الشعوب التركو – المغولية الحرب والقتل والسلب والدمار.
7   - الحال أكثر وضوحاً هو مع الرومان، فمنذ البداية حاربوا المسيح وتحالفوا مع أحبار اليهود للقضاء عليه وصلبه ثم استمروا في محاربة المسيحية محاربة شديدة  فألقوا بأتباعها للأسود المفترسة ومثلوا بهم تمثيلاً بحيث ملاؤا الدنيا بأخبار أفعالهم الشنيعة تجاه المسيحيين. ويكفي الإشارة إلى أنهم صلبوا هامة الرسل القديس بطرس مقلوباً على الصليب على الطريق المؤدي إلى روما لبيان مدى قسوتهم وشدتهم في محاربة المسيحية التي وجودوا فيها العدو رقم واحد في القرون الميلادية الأربعة الأولى والتي كان يعتقدون بأنها تهدد عظمة إمبراطوريتهم لأن المسيحية كانت منافية للفكر الهيليني والأساطير الرومانية والبيزنطينية ومتناقضة معها. هذا التناقض كشفه وصرح به جهاراً الفيلسوف ططيانوس الآشوري في بداية القرن الميلادي الثاني في مؤلفاته التي أحرقها الرومان وحرًموه فيما بعد واعتبروه زنديقاً خطيراً. وحتى بالنسبة للإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير الذي أعلن المسيحية ديناً رسمياً لإمبراطوريته في عام 313 فأن ذلك لم يكن إلا بتأثير والدته "هيلاني" والمعروفة بـ "القديسة هيلاني" والتي يقال بأنها كانت بنت قس سرياني من الرها، كما يذكر ذلك د. أحمد سوسه، وبعد وفاته قام أسلافه بحملات إضطهاد وقتل بحق المسيحيين. وقصة قيام الإمبراطور الروماني نيرون (المولود عام 37   ميلادي والذي حكم للفترة من 54 لغاية وفاته في 68 ميلادية)، بحرق مدينة روما ومن ثم إلقاء اللوم على المسيحيين نموذج من أبشع أنواع الظلم والإضطهاد الذي مارسه الرومان بحق المسيحيين، حيث أصدر أوامره بالقضاء على المسيحيين عن طريق سفك دمائهم وتقديمهم للوحوش الكاسرة أو إحراقهم أحياء أمام شعب روما وأستمر هذا الإضطهاد للمسيحيين لمدة أربعة أعوام ذاق خلالها المسيحيون في المدينة جميع صنوف العذاب وأشكال الموت البشعة. ثم بعد عقود من إضطهاد المسيحيين أعتنق الرومان المسيحية بعد أن تم توليفها وتفسيرها وفق أساطيرهم ومعتقداتهم الخاصة بهم والتي سببت فيما بعد ما سببته من صراعات فكرية وبالتالي إنشقاقات في كنيسة المسيح. وما الصراع الفكري الذي حدث بين نسطورس وقرلس في مجمع أفسس 431 ومن ثم إنشقاق كنيسة المسيح إلا نتيجة لهذه الصراعات البيزنطينية. ومن الملاحظ بأنه حتى بعد اعتناق الرومان للمسيحية والدفاع عنها في الفترات اللاحقة فأن ذلك كان في جوانب كثيرة لدوافع وأسباب سياسية ناجمة من صراعها المستديم مع الإمبراطورية الفارسية المجوسية الزارادشتية أولاً ثم مع الفتوحات الإسلامية ثانياً، ولم تدخل المسيحية قلوب الرومان وتصبح عقيدة دينية ثابتة لهم إلا بعد أن أصبحت بفعل اللاهوت وتفسيراتهم ديانة مستجيبة لتطلعاتهم وأفكارهم وفلسفتهم، خاصة بعد أن تكسرت شوكة إمبراطوريتهم وأنقسمت بين غربية وعاصمتها روما، وشرقية وعاصمتها القسطنطينية (أسطنبول فيما بعد )، فقضى البرابرة على الأولى عام 476 والفتح العثماني على الثانية عام 1453.   

من هم "المجوس" الذين قدموا من الشرق ليسجدوا للمسيح المخلص:
---------------------------------------
اجتهد علماء اللاهوت في أصل هولاء "المجوس" الوارد ذكرهم في العهد الجديد من أنجيل متى (2: 2-12) حول عددهم وموطنهم وأصلهم. فبالإستناد إلى الهدايا الثلاث (الذهب والبخور والمر) التي قدمت للمسيح المولود أعتبروا بأن عددهم كان ثلاثة. أما بالنسبة لموطنهم فالبعض يجتهد ويذكر بأنهم جاءوا من ميلشيور من بلاد فارس او جاسبا من الهند لا بل وصل الأمر عند البعض فأعتبروهم بأنهم قدموا من شبه الجزيرة العربية. فالقصة طويلة بالنسبة لمثل هذه الإجتهادات. من هذا المنطلق يحق لنا أيضا أن نجتهد ووفق الوقائع والأحداث التاريخية المعروفة في تاريخ الآشوريين، خاصة ما ورد أعلاه فيما يخص العلاقة بين الآشورية والمسيحية وكون الآشوريين من أوائل من آمن بربنا يسوع المسيح وقدومه كمخلص للشعوب المضطهدة. من هذا المنطق يمكن القول بأن هناك إحتمال كبير أن يكون الحكماء (Wisemans) الوارد ذكرهم في أنجيل متى أو كما جاء ذكرهم في الترجمة العربية بـ (الملوك المجوس) الذين قدموا من الشرق ليسجدوا المسيح المخلص المولود في بيت لحم (أورشليم) من أمراء وحكام الدويلات الآشورية الذين كانوا قد سمعوا بمجئ المسيح المخلص. ومن الملاحظ بأن هناك فرق كبير بين المجوس الوارد ذكرهم في الكتاب المقدس باللغة العربية وبين الحكماء الوارد في الكتاب المقدس باللغة الإنكيزية. وما يعزز إحتمال كون الحكماء من أمراء وحكام الدويلات الآشورية في بلاد النهرين، هو:
1.   أن بلاد ما بين النهرين أو بلاد آشور (Assyria) والتي منها جاءت تسمية سورايا وسوريا هي أقرب إلى شرق أورشليم من بلاد المجوس في فارس.
2.   سعة معارف الآشوريين بالأجرام السماوية وعلم الفلك الذي ورثوه من أجدادهم البابليين أعانتهم في الإستدلال عن طريق النجمة الساطعة التي أرشدتهم إلى مكان ولادة يسوع المسيح.
3.   كون المجوسية في تلك الفترة الديانة المهيمنة والرئيسية في الدولة الفارسية والتي كانت ديانة الملوك والأمراء المعروفين بالتزمت والعداء الشديد للديانات الأخرى خاصة المسيحية بعد إنتشارها في بعض مقاطعاتهم ومن ثم عدم منطقية هجر "المجوس الثلاثة" ديانتهم المجوسية الرسمية المعبرة عن كبريائهم وسيادتهم وتراثهم وقطع ألاف الأميال لإعلان الولاء للمسيح المولود في أورشليم وتقديم الهدايا والسجود له. على العكس من هذا فإن ضعف القيود السياسية والدينية المباشرة على الأمراء والحكام الآشوريين وعدم خضوعهم للسطات السياسية والقانونية المباشرة والمركزية بسبب وجودهم في المناطق الهامشية لتقاطع دوائر الصراع بين الإمبراطوريتن الفارسية والرومانية، شكلت كل هذه الظروف عاملاً في إندفاع الآشوريين والسعي نحو معرفة المسيح المخلص سيما وأنهم سبق لهم أن سمعوا وقرأوا عن مجئ المخلص ليخلصهم من سيطرة وظلم الغرباء عليهم. وهذا ما تأكد عند الملك أبجر الخامس أوكاما السالف الذكر والذي يظهر بأنه كان على بينة بنبوءة دانيال في مجئ المخلص قبل الإتصال به.
أخيرا أود أن أبين مايلي:
--------------
أولا: هذه الصفحات هي مستلة من كتابي العتيد المعنون "الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري" الذي هو منذ فترة ليست بقصيرة قيد الإنجاز والنشر.
ثانيا: طبيعة هذه السطور في كونها كمقالة لم تسمح  بأن أذكر المراجع المعتمدة عليها ولكن كلها مذكورة في كتابي المنوه عنه أعلاه، فأرجو المعذرة من القراء الأعزاء.
ثالثا: هناك نقطة مهمة في فهم علاقة الدين والكنيسة بالقومية، وتحديداً بالنسبة للآشوريين.. فكثيراً ما يتعرض الدين المسيحي أو كنيسة المشرق من قبل البعض إلى هجوم كاسح في إعتبارها مصدراً للتفرق وإنشاق الأمة إلى شراذم طائفية، ونحن نرى  بأن هذا ليس صحيحاً فالدين المسيحي أو كنيسة المشرق بريئة من هذه التهم، بل أن مثل هذه التهم يجب أن توجه إلى رجال الكنيسة واكليريتها, وبالطبع ليس كلهم بل البعض منهم خاصة المصلحجية والمتنفذين. فمنذ القرن الرابع لم يكن الصراع بين نسطورس وقرلس في جوهره خلاف لاهوتي كنسي بل عداء محتدم بين الإثنين خاصة بعد ترقية كرسي القسطنطينة الذي كان يجلس عليه نسطورس ليكون أعلى من كرسي الإسكندرية الذي كان يجلس عليه قرلس. فمنذ تلك الفترة ومروراً بعقود طويلة حتى فترة إنشقاق كنيسة المشرق وقيام الكنيسة الكلدانية لم يكن في البداية بسبب المعتقد والإيمان بل بالأساس كان عدم الإتفاق على الإجراءات الإدارية لتوريث كرسي البطريرك الذي تبنته الكنيسة في تلك الفترة، والثابت في ذلك هو أقرار الأساقفة الثلاثة الذين بدأوا بالإنشقاق بإيمانهم "النسطوري" رغم إتصالهم بالحبر الأعظم في الفاتيكان. لا بل وحتى في منتصف الستينيات من القرن الماضي فإنقسام كنيسة المشرق الآشورية إلى شقين (التقويم اليولياي والتقوم الغريغوري)، لم يكن له إطلاقاً أية علاقة بالإيمان بل كان في جوهره صراع بين أشخاص وتصفية حسابات بين رؤساء العشائر والعائلة البطريركية منذ مذبحة سميل. وحتى إلى وقت قريب جداً فأن عجز توحيد شقي كنيسة المشرق الآشورية (التقويم اليولياي والتقوم الغريغوري)،  كله وبالأساس هو بسبب أكليريوس الكنيسة ولعوامل شخصية لا غيرها، فلا علاقة الإنشاق إطلاقا بالإيمان والمعتقد. هذه مسألة طويلة وحساسة ومعقدة فلنا العودة إليها في وقت آخر مناسب. ومرة أخرى عيد ميلاد سعيد ورأس سنة ميلادية مجيدة.

21
كتاب عن الآشوريين في معرض بغداد الدولي للكتاب:
==============================

الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر
دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات
===========================
أبرم شبيرا
ضمن كتب معرض بغداد الدولي للكتاب، تٌعرض دار الساقي - لبنان كتابي المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات) طبع عام 2001. فمن بين تسع كتب كتبتها عن الآشوريين فإن لهذا الكتاب أهمية متميزة وخاصة:
أهمية الكتاب المتميزة:
------------
لهذا الكتاب أهمية خاصة ومتميزة تنبع من:
1.   الكتاب مطبوع ومنشور من قبل دار الساقي في بيروت، وهي أكبر دار نشر في منطقة الشرق الأوسط تهتهم بشكل خاص بتاريخ وتراث وفنون وآداب شعوب هذه المنطقة ومنها الأقليات القومية والدينية.
2.   قد يكون هذا الكتاب الأول من نوعه فيما يخص نشره من قبل دار نشر أو مؤسسة عربية غير آشورية، على الأقل فيما يخص كُتبي المنشورة أو غيرها من الكتب الآشورية المنشورة حصراً من قبل مؤسسات آشورية أو أشخاص أو المؤلفين بعينهم.
3.   أنه لموضوع فخر وإعتزاز أن نرى هذا الكتاب عن الآشوريين معروضاً في معارض دولية للكتاب، مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض بيروت الدولي للكتاب وأخيراً معرض بغداد الدولي للكتاب وأقبال الناس عليه لإقتناءه خاصة العراقيين منهم، كما ذكر لي ذلك المشرف على جناج دار الساقي في معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أقيم في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من هذا العام 2020.
4.   الكتاب كُتب بمنهجية علمية موضوعية بعيد عن الحماس والعاطفة القومية التي تختلج صدورنا وذلك بهدف تسهيل أمر فهم العرب أو غيرهم لتاريخ الآشوريين وطموحاتهم المشروعة ومعاناتهم في العراق ومحاولة إزالة الأخطاء وسوء الفهم الذي ترسب في العقلية العراقية تجاه الآشوريين، وهو المنهج الذي يختلف عن منهجية بقية الكتب التي كتبتها بنوع من الحماس والعواطف الجياشة الهادفة إلى إنماء وتطوير الوعي القومي الآشوري وبث الحماس فيهم. فالمنهجية المتبعة في كتاباتي يستوجبها أن نعرف من هو المخُاطَب، عربي أو غيره أم هو آشوري،  والرسالة المطلوبة توصيلها إلى كل واحد منهم ووفق المنهج المناسب في طرح الموضوع وإيصال المغزى من محتوياته.
5.   مسودة الكتاب كانت قد عرضت على خبير مختص في تاريخ الآشوريين فتم تأكيدها وإجازتها من دون أي تغيير أو إضافات.
6.   غلاف الكتاب من تصميم دار الساقي نفسها والذي هو رسم عن جدارية آشورية يظهر فيها الملك الآشوري ممتطياً عربته الحربية والذي لهذا الرسم على غلاف الكتاب مغزى مهم في التأكيد من جهة غير آشورية، خاصة جهة عربية ثقافية معروفة، على الربط والتواصل بين الآشوريين القدماء والمعاصرين، في الوقت الذي ينكره بعض العراقيين ومنهم أقرب المقربين للآشوريين وأبناء جلدتهم.
7.   وأخيرا أود أن أبين للقارئ اللبيب بأن محتوى الكتاب كتب قبل طبعه في عام 2001 بفترة طويلة. حيث كان على شكل  بحث موسع نشر في مجلة عشتار، العدد الأول، السنة الأولى، شباط 1999، ص54، والتي كان يصدرها من كندا صديقنا الدكتور سعدي المالح (رحمه الله). ومما لا شك فيه بأنه بعد بركان عام حدثت تطورات خطيرة وكبيرة سواء على المستوى العراقي والقوى السياسية المهيمنة على البلاد والعباد وأيضاً على المستوى القومي وظهور توجهات سياسية وأحزاب وتنظيمات كلدانية وسريانية، لذلك لم يتم التطرق إليها في هذا الكتاب. وهناك أمل بأن يعاد طبعه ليشمل هذه التطورات.
محتويات الكتاب:
----------
يقع الكتاب في 112 صفحة من القطع الكبيرة، ويحتوي على المقدمة ثم:
الفصل الأول: تحديد مفهوم الفكر العراقي
الفصل الثاني: نماذج في الفكر العراقي تجاه الآشوريين
الفصل الثالث: موقف الأحزاب العراقية من الآشوريين
1.   موقف الأحزاب بشكل عام
2.   موقف حزب البعث العربي الإشتراكي:
   - المبادئ العامة
   - الممارسات السياسية
   - قوانين وقرارات
الفصل الرابع: إستثناءات وقيود في الفكر العراقي:
1.   الموضوعية وقيود الإستبداد الفكري
2.   البحث العلمي وقيود السلطة السياسية
3.   الوطنية وقيود وحدة الهوية
4.   إستثناءات خاصة
الفصل الخامس: مصادر الفكر العراقي تجاه الآشوريين:
1.   المصادر الدينية – النفسية
2.   المصادر التاريخية – العثمانية
3.   المصادر الإقتصادية – السياسية
4.   المصادر الذاتية - الآشورية
الفصل السادس: تقييم وإستنتاج
ثم الخاتمة والهوامش والمراجع وبعض الصور لشخصيات قومية آشورية وشهداء الحركة القومية الآشورية.

الغلاف الأخير:
----------
جاء في الغلاف الأخير عرض مختصر للكتاب لدار الساقي، ونظراً لأهمية هذا العرض في كونه مدخلا لفهم مضمون الكتاب والهدف منه، نستله كما هو في أدناه:
لا تختلف مسألة الآشوريين عن غيرها من مسائل الأقليات في المنطقة إلا بحسب وجهة النظر التي تتناول هذه الأقلية وتحاول فهمها، وكيفية التعامل معها... أما الآشوريون، الأقلية الأقدم بين شعوب بلاد ما بين لنهرين، فكيف يُنظر إليهم، ولا سيما من قبل النخبة العراقية الحاكمة. وبمعنى آخر، كيف تنظر "العقلية العراقية" إلى مسألة الآشوريين، كيف تم التعامل معهم عبر قرن من الزمان أبتداءً من الحرب الكونية الأولى وحتى اليوم، مروراً بالنزاع البريطاني العراقي وتشكيل الكيان السياسي للعراق.
   يعرض هذا الكتاب كيفية فهم العقلية العراقية لمسألة الآشوريين، إنطلاقا من تحديد مفهوم الفكر العراقي، ومن خلال عرض لنماذج من هذا الفكر، ومواقف الأحزاب السياسية، وخاصة موقف حزب البعث الحاكم من مسأئل الآشوريين والأقليات بشكل عام.
   وتتم مناقشة هذه الأمور من ضمن مفهوم "الإختلاف المشروع" وقبول التعددية الفكرية، بعيداً عن الإطلاق والشمولية والعداء السافر، وذلك من وجهة نظر آشورية تحاول أن تساهم في بناء المجتمع الإنساني المعاصر، المجتمع الذي تنشده كل الشعوب المحبة للحرية والسلام.

دردشة مع الأصدقاء حول الكتاب:
--------------------
وبينما كُنت في دردشة تلفونية مع صديق العمر المهندس خوشابا سولاقا والأستاذة الفاضلة شيمران مروكل حول مسائل عدة شخصية وسياسية وقومية، تم التطرق إلى هذا الكتاب وفيما إذا هو معروض في معرض بغداد الدولي للكتاب فلم يبخل كلا العزيزين جهداً في تلبية طلبي فقامت الأستاذة الفاضلة شميران بزيارة المعرض وأقتناء الكتاب وأخذ بعض الصور للكتاب المعروض على رفوف دار الشاقي، فلهما مليون وميلون شكر.

 
 
 
 

 
 

 

22
هل نزلت لعنة برج بابل على أمتنا وبلبلت كياننا؟؟
======================================

أبرم شبيرا
رواية العهد القديم في إصحاح رقم 11 عن لعنة برج بابل تقول: "كان أهل الأرض جميعاً يتكلمون أولا بلسان واحد ولغة واحدة، أرتحلوا شرقاً ووجدوا سهلا في أرض شنعار (جنوب بلاد مابين النهرين – عراق حاليا) فأستوطنوا هناك، فقال بعضهم للبعض "..... هيا نشيد لأنفسنا مدينة وبرجاً يبلغ رأسه السماء، فتخلد لنا أسماً لئلا نتشتت على وجه الأرض كلها". فنزل الرب ليشهد المدينة والبرج اللذين شرع بنو البشر في بنائهما. فقال الرب "إن كانوا كشعب واحد ينطقون بلغة واحدة، قد عملوا هذا منذ أول الأمر، فلن يمتنع عليهم أي شيء عزموا على فعله، هيا ننزل إليهم ونبلبل لسانهم، حتى لا يفهم بعضهم كلام البعض" وهكذا شتتهم الرب من هناك على سطح الأرض كلها، فكفوا عن بناء المدينة، لذلك سميت المدينة "بابل" لأن الرب بلبل لسان أهل كل الأرض، وبالتالي شتتهم من هناك في أرجاء الأرض كلها. (التكوين 11: 1 – 9). علماً بان تسمية بابل أكدية وتعني باب الله.
على الرغم من ضحالة إيماني بالعهد القديم، خاصة الروايات التي تكون أقرب إلى الأساطير ونسيج الخيال مثل رواية لعنة برج بابل على بني آدم،  إلا أنها تصلح  منهجياً للنظر من خلالها إلى واقع أمتنا عبر تاريخها الطويل التي كانت أمة واحد ولسان واحد وإيمان واحد ولغة واحدة وكيان واحد. غير أن واقعها منذ أقدم الأزمنة وحتى يومنا هذا أصبح أسوء من واقع أبناء آدم في هذه الرواية. فهل نزلت لعنة بابل على أمتنا وتشتت أبناؤها على سطح الأرض كلها وتبلبلت إلى طوائف وملل وعشائر وأحزاب وتنظيمات لا يفهم بعضهم كلام البعض ولا من جامع يجمعهم أم هي مجرد خرافة أو أسطورة غير واقعية؟ فدواء تشتتنا الوحيد لهذا الداء المديد هو في الإتحاد، كما يقول معلم الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق في مقالته "الدواء الوحيد لدائنا المديد"، فمن هذه المقالة أستوحيت فكرة هذه السطور.
 
قبل قرن تقريباً كتب المعلم الكبير نعوم فائق مقالة في مجلته حويودو، السنة الأولى عدد 23 و 26 تشرين الثاني عام 1921، وأعادة نشرها ملفونو عبود زيتون في كتابه المعنون "نعوم فائق والنهضة السريانية الآشورية". الذي سبق الإشارة إليه في مقال سابق. شخص المعلم الكبير العلة المزمنة لأمتنا في إنقسامنا وتشتتنا فوجد الدواءالوحيد لهذا الداء المديد في إتحادنا وإلا مصيرها الزوال والإنقراض... يا إلهي... كم كنت عظيماً أيها المعلم الكبير وأنت تستشف المستقبل من خلال الواقع المأساوي لأمتنا قبل قرن تقريباً. واليوم نحن نرى وكأن المعلم الكبير يتحدث عن واقعنا المعاصر المأساوي الذي تمزقه الإنقسامات الطائفية والتحزبية والعشائرية والقريوية. وفي أدناه نص مقالة المعلم الكبير:
"ظل العنصر الآثوري مئات من السنين هدفا للإنقسامات والتحزبات المذهبية المخربة التي أبدعها أصحاب الجهل والغايات ومحبو الرئاسات والمجد الباطل وشب على مبادئ التعصب والتنافر مع أخوانه وبني جنسه وتمادى في خطأه هذا الفاحش حتى نسى جنسيته ولسانه وأضاع كيانه وأفقد رشده وحاسته القومية وأنقسم إلى فرق وجماعات وأستعبد للأمم الجائرة المجاورة له وفضل بقاءه تحت نير العبودية على الإتحاد والتفاهم مع  بني جنسه ولم يفتكر يوما في حالته التعيسة فتغيرت مشاربه وتنوعت مآربه وكثرت أسماؤه وصار ينبذ أسم الجنسية المنتمي إليها وينتسب إلى هذا وذاك من دون ترو ولا تمييز.
فإذا تأملنا في ما آلت إليه هذه الأمة من سوء الحالة الإجتماعية والأدبية نرى أن لا دواء لهذا الداء سوى الإتحاد، فأنه الواسطة الوحيدة لنجاة هذه الأمة من الورطة التي كادت أن تقضي عليها بالموت الأدبي الأبدي.
فليعلم الآثوريون جميعاً المنتسبون إلى مذاهب وفرق شتى أنه لو لم يتداركوا الأمر ويقوموا لجمع شملهم ويبثوا روح الوئام والوفاق بين بعضهم دون أن يخلطوا المذهبيات في إتحادهم فإن آخرتهم للدمار والإنقراض.
وعليه يجب علينا نحن الآثوريين جميعاً المنتسبون إلى مذاهب وفرق شتى أن نسعى إلى توحيد كلمتنا ونحصر أفكارنا في أمر واحد فقط وهو محافظة كياننا وصيانة لساننا وتهذيب أفكارنا الناشئة حتى تعم فينا المبادئ الوطنية ونعمل كلنا على تشييد أركان أمجادنا الأولى وننتظم في عداد الأمم الراقية ونعيد إلى لساننا شهرته القديمة ونصبح من الأمم الحية والعاملة".
ص 287. – أنتهت المقالة.
 هنا من الضروري الإنتباه بأن المعلم الكبير وغيره من رفاقه من رواد الفكر القومي كانوا لا يترددون ولا يتوانون في أستخدام التسميات المتعددة من آثورية وسريانية وكلدانية وأرامية، غير أنهم كانوا في التحليل الأخير يجدون مرجع كل هذه التسميات مرادفة للآشورية أو "الآثورية" في تللك الفترة. كما يجب أن نعرف بأنهم أستخدموا مصطلحات مثل الجنسية أو العنصر أو الوطنية كدلالة للقومية لأن هذا المصطلح الأخير لم يكن في تلك الفترة شائع الإستخدام.
إذن، لو تركنا خرافة لعنة برج بابل جانباً وألتصقنا بالواقع المعاش لأمتنا، فمن السهولة أن نتعرف على أن الدواء الشافي لهذا الداء المزمن يكمن في إتحادنا، أتحاد طوائفنا وأحزابنا وتنظيماتنا، فلنكن أقل طموحاً ونقول بأن هذا الدواء يكمن أولا في وحدة الخطاب القومي لأحزابنا السياسية في المسائل المصيرية، ولعل تعبر مسألة التجاوزات على أراض شعبنا في مقدمة هذه المسائل. فعلى الرغم من أن أحزابنا السياسية الرئيسية والفاعلة تؤكد، بالبيانات والصورة والفيديو والزيارات والإجتماعات واللقاءات، الأهمية المصيرية لهذه المسألة إلا أنه كل واحد منهم يغني على ليلاه، كما يقول المثل، ولم تتمخض غير صورة جامعة لممثلي القوائم الإنتخابية لشعبنا في برلمان الإقليم، وحتى هذه الصورة الملونة الجميلة لم يستطيع البعض من فهم مغزاها. والحال لا يختلف عن وحدة الخطاب الديني لكنائسنا المشرقية، على الأقل في الإيمان الحقيقي لمسيحيتنا نحو المحبة والتآلف والتفاهم الذي من المؤكد سينعكس مثل هذا الخطاب على الجانب القومي ويزيده زخما نحو تحقيق الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة في أرض الوطن. فأين صخرة القديس بطرس من هذه الخلافات والمناكفات بين فروع كنيستنا المشرقية؟
إذن، المشكلة ليست في معرفة الدواء لدائنا المديد بل في كيفية صنع هذا الدواء وطريقة إستعماله ليعطي النتائج المرجوة من العلاج. فعندما لا يبذل الإنسان جهداً ولا يضحي بالمستلزمات المطلوبة لصناعة هذا الدواء أو يعجز عن  إيجاده  وبالتالي يجهل صناعته،  فإن أقل ما يقال عنه بأنه إنسان جاهل في هذه المسألة. لقد سبق وقلنا مرارا وتكرارا بأن الإنسان الجاهل ليس من يفتقر إلى الشهادات العلمية والثقافة العامة أو يبرع في "التفلسف" في مسألة معنية، خاصة عندما تكون هذه المسألة مصيرية، بل هو من يضع مصلحته الخاصة، سواء أكان شخصاً أم حزباً أو كنيسة، فوق مصلحة الجميع. من هذا المنطلق نقول سبب عجزنا عن الإتحاد أو التفاهم بين أحزابنا السياسية وكنائسنا المشرقية هو الجهل في كيفية أو آلية الإتحاد أو التفاهم لا بل وحتى الجهل في كيفية الجلوس مع البعض والإفتقار إلى أسلوب التفاوض والتفاهم للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب في الإتحاد. قبل أكثر من مائة عام وضع البرفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1915 – 1858) أصبعه على الجرح في مقال كتبه في 20  أكتوبر عام 1914عن أسباب تخلف الآشوريين قائلا "إذا أعطينا جواب قصير على هذه المشكلة سوف نقول كلمة واحدة "الجهل" ولكن هذا الجهل هو نتاج عدد من المسائل المختلفة" (من كتاب:
DAVID B. PERLEY, A Collection of Writings on Assyrian, Edited by Tomas Beth-Avdalla and Forwarded by Dr. Sargon George Donabed, Nineveh Press, 2016, P
.208)
إذن ما هي أسباب هذا الجهل؟ فبعد أن يعدد البروفسور الشهيد أسبابه، يرجع في التحليل الأخير إلى غياب مصلحة الأمة العامة وتغليب المصلحة الخاصة أو الشخصية في المسائل المصيرية.., ولنا عودة في هذه المسألة.
من منًا لم يسمع المثل القائل في الاتحاد قوّة ... فعندما تجتمع العصي معاً لا يقوى أحد على كسرها ولكن عندما تكون منفردة فمن السهل أن تُكسر. وهكذا نحن البشر عندما نتحد لغرض ما نصبح أقوياء ونستطيع إنجازه بكل سهولة ويسر.
ألم يحن الوقت لنتعض بهذا المثل ونتحد،  وإلا لا يبقى لنا الخيار إلا أن نؤمن بلعنة برج بابل على أمتنا؟؟

 


23
رائد الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق في كتاب لملفونو عبود زيتون
---------------------------------------



======================================
أبرم شبيرا

هناك حقيقة تاريخية أكدها ويؤكدها الواقع وبإستمرار ومنذ عقود طويلة وحتى يومنا هذا بأن رواد الفكر القومي الآشوري الوحدوي كانوا من أبناء الكنيسة السريانية الآرثوذكسية. فليس جديداً أن نشير إلى أسماء تتلئلئ على صفحات تاريخنا القومي مثل الشهيد يوسف بيت هربوت، نعوم فائق، فريد نزها، سنحاريب بالي، ديفيد بيرلي وجوزيف دورنه والعشرات غيرهم. والمثير للإنتباه لا بل الفخر والإعتزاز أن نرى ونلمس ميراث هؤلاء النجوم ينعكس في الأجيال المعاصرة فيواصلون المسيرة ويجسدونها في تنظيمات قومية سياسية ومؤسسات فكرية وثقافية وتعليمية وخيرية وأيضا في نشاطات فكرية وثقافية  وأدبية شكلت منابر قومية رائعة متجاوزة لكل الحواجز الطائفية والتسموية والمناطقية نحو وحدة أمتنا. وحتى أعزز كلامي هذا نرى بأن مذبحة سميل لعام 1933 التي أرتكبت بحق شعبنا من قبل النظام الفاشي في العراق كان معظم ضحاياها أن لم يكن جميعهم من أبناء كنيسة المشرق الآشورية إلا أن الذي نرى بأن أبناء أمتنا من الكنيسة السريانية الأرثذوكسية كانوا أول من تحرك في الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة ضحايا هذه المذبحة من خلال تأسيس الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي عام 1933 والذي يعتبر من المؤسسات العتيدة والصامدة والمستمرة لحد هذا اليوم. ولو بحثنا في الخلفية التاريخية للكثير من التنظيمات القومية الآشورية نجد بأنه كان لأبناء الكنيسة السريانية الآرثذوكسية اليد الطولى في تأسيسها وإدارتها. وفي الولايات المتحدة الأمريكية عندما وصلها المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق الذي كان بمثابة زعيم الحركة القومية الآشورية تضامنوا معه وعملوا سوية في تقديم الشكاوى ورافقوه إلى المنظمات الدولية وحكومات الدول الديموقراطية عن معاناة أمتنا والمطالبة بحقوقها القومية المشروعة في الوطن. ولعل تعتبر المنظمة الآثورية الديموقراطية التي تأسست في سوريا عام 1957 وتواصل  نضالها القومي حتى اليوم خير مثال على ما نقوله.
الموضوع يحتاج إلى مجلدات ضخمة لأعطاء لهؤلاء الرواد حقهم الطبيعي في الدور الكبير الذي لعبوه في إنماء الفكر القومي الوحدوي لأمتنا، وقد يكون مفيدا أن نأخذ نماذج حية في المجال الثقافي والفكري القومي لأحفاد هؤلاء الرواد العظماء والذي تمثل في إصدار كتابين مهمين خلال أقل من أربع سنوات عن النتاجات الفكرية لرائدين عظيمين في مجال الفكر القومي الآشوري الوحدوي، وهما المحامي ديفيد بيرلي وملفونو نعوم فائق. ففي عام 2016 قام الدكتور سركون جورج دونابيد بالتعاون مع الأستاذ توماس بيت عبدالله بجمع كل كتابات المحامي ديفيد بيرلي وما تعلق بها من خطب ورسائل ومقالات وضمها في كتاب ضخم شمل أكثر من 700 صفحة من القطع المتوسط ونشر عام 2016 وباللغة الإنكليزية وتحت أسم "ديفيد بيرلي – مجموعة كتابات عن الآشوريين" من قبل مطبعة نينوى في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن الحصول على نسخة من هذا الكتاب المهم عن طريق الموقع الألكتروني للمطبعة  (www.ninevehpress.com).
وفي بداية هذا العام 2020، قام ملفونو عبود زيتون بجهد كبير وعمل رائع في جمع معظم تراث المعلم الكبير في الفكر الوحدوي نعوم فائق من كتابات وخطب ورسائل التي نشرها في المجلات الثلاث "كوكب مادنحو، بيت نهرين، و حويدو" وضمها في كتاب أنيق ومرتب بشكل علمي وممنهج وتحت عنوان "نعوم فائق – والنهضة السريانية الآشورية – مقالات من كوكب مادنحو، بيت نهرين وحويدو" نشره في فيزبادن بألمانيا، وقام البرفسور ميخائيل عبدالله (دكتوراه دولة) بالتقديم للكتاب بكلمات رائعة معبرة عن الأهمية القصوى للكتاب ولعظمة الجهود الكبيرة التي قام بها ملفونو عبود زيتون، حيث يقول البروفسور ميخائيل "أن عمله هذا يكشف عبود زيتون عن صدق إنتمائه وإلتزامه ومثابرته وعزمة على إزالة الغبار عن حقبة زمنية مفصلية من تاريخنا الحديث... فهو يستحق على هذا العمل كل التقدير والشكر، وقد كنت شاهدا على ما يبذله من جهد من أجل الوصول إلى ما يمكن الوصول إليه دون كلل أو ملل، رغبة منه في إسعاف إرث ثقافي مرتبط بالموجه الحديثة لنهضتنا القومية المتمثلة بالمؤسسات والصحف التي أحدثها نعوم فايق في أرض الأجداد وفي بلد الإغتراب، ونقل أفكار وكتابات وإرشادات أحد أهم روادنا المتنورين وأكثرهم عطاءً للجيل الجديد" ص 8.
يقع الكتابً في 356 من القطع المتوسط وشمل فهرس منظم ومنسق بشكل تراتبي مع المواضيع التي نشرها ملفونو نعوم فائق في المجلات الثلاث المذكورة في أعلاه. أحتوى الكتاب، بالإضافة إلى "كلمة مرافقة" للبروفسور ميخائيل عبدالله ثم المقدمة، التي  يذكر المؤلف فيها بأن عمله هو محاولة أولى منذ عام 1936 للتعمق في كتابات نعوم فائق. غير أنه بعد وفاته في الخامس من شباط 1930 خلد معاصروه وطلابه أسمه في سفر الحياة، إلا أن أعماله من مجلات وكتب فقدت مع مرور الزمن، فكان أول محاولة توثيق تراثه تمت من قبل رفاقه مثل جون آشجي و بشار بويجي، في كتاب أصدره مراد جقي سنة 1936 تحت عنوان "ذكرى وتخليد". ويتابع ملفونو عبود في مقدمته بقوله عن كتاب مراد جقي "تجدر الإشارة هنا بأنه من خلال إستعراض ومراجعة الكثير من الكتابات والمقالات لنعوم فائق في مجلاته، يبدو جلياً أن مراد جقي أدخل العديد من التغييرات على النصوص الأصلية للفقيد، مما شوًه، بدرجة ما، تراثه الأدبي، لعل من أهمها كان إستبدال الأسم الأساسي الذي أعتمده نعوم فائق لشعبه. ففي كل مكان ورد أسم "سرياني – آثوري – آشوري – آثوركلداني (عند نعوم فائق كانت هذه التسميات مرادفه)، قام مراد جقي بتثبيت التسمية الأولى فقط، أي سرياني، من دون أن يشرح ويبرر سبب إقدامه على هذه الخطوة" ص 10.
ويرى ملفونو عبود زيتون بأنه حتى الآن بذلت ثلاث محاولات مهمة لفحص وتحليل تراث نعوم فائق: نستلها وندرجها كما هي في أدناه:

شمل الكتاب حياة نعوم فائق، مرض الفقيد وموته  ودفنه، أخلاقه ونفسيته، وآثاره. ثم عرض محتويات المجلات الثلاث المذكورة. ففي مجلة كوكب الشرق (كوكب مادنحو) جاء فيها أربعة مواضيع وأهمها "إذا كنا نريد التقدم فلنتحد". هذا الموضوع يعتبر من الروائع الفكرية للمعلم نعوم فائق أعيد نشره العديد من المرات من قبل الكتاب القوميين. أما في مجلة بيت نهرين فشملت 70 موضوعا ومنها مواضيع مهمة جداً في الشأن القومي مثل التهذيب القومي، والأحزاب الآثورية ووجوب إتحادها، والعنصر الآثوري لايموت وغيرها كثر. أما جريدة الإتحاد (حويودو) فقد شملت 35 موضوعاً وفيها من المقالات والكتابات ما يثير العجب في عظمة هذا المعلم الكبير وحماسه الفكري الشديد نحو وحدة الأمة الآثورية بكل طوائفها وكنائسها وهذا ما نلاحظه في مواضيع "كيف يتيسر لنا الإتحاد"، و "الدواء الوحيد لدائنا المديد"، و "التعصب الديني". كما شمل الكتاب كلمات في ذكرى نعوم فائق وأهمها ما كتبه تلميذه الصحفي الثائر الكبير فريد نزهه عن "صفحة دامية من حياة البطل الآشوري الكلداني" و "صفحات مطوية لفقيد الأدب والقومية". وأضاف ملفونو عبود إلى الكتاب أعمال أخرى باللغة العربية منها بعض أناشيد نعوم فائق وختم الكتاب بقائمة الرسوم التوضيحية ثم المراجع.
وأخير لا  يفوتني إلا أن أشكر الأستاذ يعقوب كربو الذي سبقني وقام قبل بضعة أشهر بعرض الكتاب والتعليق عليه ونشره في موقع عنكاوه على الرابط أدناه:
https://ankawa.com/forum/index.php/topic,963258.msg7686899.html#msg7686899
فجنبني الإطالة في الكتاب وأتفق معه في القول بأنني لا أريد أكتب أكثر والإطالة لأنني على أمل أن يقتني القارئ الكريم نسخة من هذا الكتاب المهم ويطلع على محتوياته. فالكتاب بكل معنى الكلمة ليس للقراءة وإكتساب المعارف عن أمجاد رواد الفكر القومي لأمتنا فحسب بل يعتبر مرجعاً مهماً لمن يريد الكتابة عن هؤلاء الرواد وأفكارهم وتوجهاتهم القومية الوحدوية، فهو يغنينا عن التقصي المضني والبحث الطويل عن الميراث الفكري لهؤلاء الرواد والذي الكثير منه ضاع أو حرف أو أصبح صعب الحصول عليه، غير أنه  نجد هذا الميراث شاملا في هذا الكتاب لرائد من رواد الفكر القومي الوحدوي لأمتنا، لا بل الكتاب يعلمنا دروساً غنية في تجاوز العقبات التسموية والطائفية والمللية والمناطقية والعشائرية والقريوية وإزالتها من مسيرة وحدة أمتنا وضمان مستقبلها نحو أماد أبعد للأجيال القادمة. فألف تحية وتحية للملفونو عبود زيتون على هذا العمل الرائع الذي سيثرى مكتبتنا بكنز ثمين.


24
والله حلوين يا جماعة ... حلوين هوايا مع البعض... ولكن؟؟؟


========================================================================
أبرم شبيرا
والله حلوين يا جماعة... حلوين هوايا عندما تكونون مع البعض... فبنشر هذه الصورة النادرة جداً في أيامنا السوداء هذه، نشرتم معها نتفه من الفرح في قلوبنا في هذا الزمن الظالم رغم أحزاننا العميقة برحيل وفقداننا لعدد من الأصدقاء الأعزاء وفايروس كورونا يحاصرنا من جميع الجوانب ويقيد، ليس حركتنا فحسب بل أيضا يحصر تفكيرنا في نطاق محدود يجعلنا أن نكون أنانيين بعض الشيء وأن نولي إهتماما أكبر على حالتنا الصحية من أي شيء آخر. ولكن مع هذا قد تكون هذه اللمة صوتاً مدويا في أيامنا الصعبة هذه وبشرى خير للأيام القادمة وخطوة على مسيرة مليون خطوه نحو العمل المشترك حول القضايا المصيرية التي تقرر وجودنا القومي في الوطن، ومن أهمها مسألة التجوازات على أراضي وقرى أبناء شعبنا في شمال الوطن. فموضوع التجاوزات على أراضي وقرى أبناء شعبنا أهم المهمات لأن هوية شعبنا مرتبط بالأرض، ففقدانها يعني فقدان الهوية القومية. اقولها بكل صراحة وبدون "زعل" أنكم يا أخواتي وأخواني الأعزاء ورطتم أنفسكم بهذه اللمة في وروطة كبيرة لا مفر منها من أمام أبناء شعبنا إلا أن تخطوا خطوات أكثر فأكثر في هذا السياق. فبهذه اللمة فتحتم عيون أبناء أمتنا المتعطشين لقطرة من بشرى مفرحة تروي عطشهم الضماء لسماع خبر ولو صغير وبسيط حول لقاء "الأخوة الأعداء" – مع التحفظ لهذه العبارة -  حتى لو كان "شعرة من جلد الخنزير" حسب المثل العراقي.

بتاريخ 25/07/  2020عرض حزب أبناء النهرين وبتقديم السيد ميخائيل بنيامين القيادي في هذا الحزب على مواقع التواصل الإجتماعي فيديو عن ملف التجاوزات على أراضي شعبنا... قرية كشكاوا في وادي نهلة (نحلا) كنموذج للحق والعدالة المفقودة.. أنظر الرابط:
https://www.facebook.com/watch/?v=1304318909899120.
ثم أعقب ذلك وبتاريخ 28/07/2020 قيام وفد كتلة تحالف الوحدة القومية البرلمانية برئاسة رئيس الكتلة السيد روميو هكاري بجولة تفقدية لقرى شعبنا في منطقة نالا (نهلة). أنظر الرابط:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=984920.0
 وبتاريخ 29/07/2020 لحق الركب تصريح للنائب فريد يعقوب ممثل كتلة الرافدين في برلمان الإقليم حول ملف التجاوزات على قرى وأراضي شعبنا في شمال الوطن. أنظر الرابط:
https://www.facebook.com/watch/?v=130431890989912

تابعت هذا التسابق بين هذه التنظيمات الثلاث حول أهم ملف من ملفات شعبنا في الوطن وبدا وكأنه نوع من المنافسة المقبولة في عالم السياسة فيما إذا كانت بعيدة عن التباهي والغطرسة وهم يتناولون مسألة مصيرية متعلقة بوجود أبناء أمتنا في الوطن، لا بل تكون أكثر قبولا وترحاباً فيما إذا أخرجت هذه المنافسة نتائج مقبولة في سياقها الزماني والمكاني. نعم تابعت هذا التسابق بنوع من الإهتمام الكبير بالمسألة التي تناولوها فتفاعلت معها بكتابة رسائل إلى الأحزاب الثالثة: حزب أبناء النهرين وحزب بيت نهرين الديموقراطي والحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) أصحاب التنظيمات والتصريحات أعلاه. وكغير العادة أستلمت مشكوراً رداً من السيد يونادم كنا عن زوعا ومن السيد ميخائيل بنيامين عن أبناء النهرين مؤكدين إستلامهم الرسائل وعلمهم بالمحتوى. أما عن حزب بيت نهرين الديموقراطي فعدم تأكدي من عنوانهم المدون لدي، أضطريت أن أتصل بصديق في شيكاغو عضو في هذا الحزب طالباً منه العنوان الصحيح للحزب لكي أرسل له الرسالة، غير أنه يظهر بأن صديقي هذا قد أبلغ السيد روميو هكاري بالأمر فبعد يوم أستلمت ولأول مرة مكالمة هاتفية دولية من السيد روميو هيكاري مؤكداً إستلام الرسالة ومثمناً محتوياتها ومقدراً إهتمامي بهذه المسألة المصيرية كما أكد الإستعداد الكامل لحزبه للدخول في المباحثات مع بقية الأحزاب حول هذه المسألة ومحاولة إيجاد حل مناسب بها، وهنا للحق والإنصاف أكبر شكري وتقديري له على هذه المكالمة والمبادرة التي ذكرها في حديثه التلفوني معي.

هنا أرى من الضروري أن أستل بعض السطور من رسالتي لهم لتكون على بينة للقراء من محتوياتها التي تضمنت أفكار موضوعية وحقيقية بعيدة عن العواطف والإنحياز. ذكرت في هذه الرسالة وقلت تألمت جداً عندما شاهدت وقرأت التصريحات والفيديو الخاص بالتجاوز على أراضي شعبنا في منطقة نهلا ... نعم تألمت جداً لأن وجعي بهذه التجاوزات عميق جداً ودار حوله الكثير من المناقشات منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي مع بعض قادة الحركة الديموقراطية الآشورية التي كانت اللاعب الرئيسي في الساحة القومية لشعبنا. في حينها ذكرت بأن التعامل مع هذه المسألة الحساسة والمصيرية هي كمعركة خاسرة  والمؤسف أكثر هو أن زوعا يدخل هذه المعركة الخاسرة لأنه لا يملك المستلزمات الضرورية للفوز بها أو تقليل الخسائر وظهر بأنه كان هذا الموقف نوع من التشائم وفقدان الأمل ونحن نرى بأنه منذ تلك الفترة التجاوزات قد تضاعفت  أكثر فأكثر ودخل أكثر من طرف أو حزب في المعركة ولكن من المؤسف له الخسائر تزداد يوماً بعد يوم ويظهر بأنه سنصل إلى مرحلة يبقى شعبنا هناك بدون أرض لتنفتح الأبواب نحو الهجرة أكثر فأكثر. السؤال يفرض نفسه لماذا معركة التجاوزات على أراضي شعبنا من قبل الأكراد هي معركة خاسرة بالنسبة لنا؟

إن الإقرار ووصف هذه المعركة بالخاسرة هو لأنها محكومة بجملة عوامل موضوعية وذاتية كلها أسلحة بيد الأكراد وشيوخهم المتنفذين ضدنا للإستلاء على أراضينا ونحن لا نملك مثل هذه الأسلحة لنستخدمها في المعركة وبالتالي الأكراد بشيوخهم وحكومتهم وبرلمانهم وأحزابهم يفوزون بالمعركة ونحن نخسرها. إن الكشف عن هذه العوامل يجب أن لا يدفعنا أكثر فأكثر نحو التشاؤم والقنوط وفقدان الأمل بل إن مثل هذه المواضيع المهمة والمصيرية يجب أن تعالج بموضوعية بعيدة عن العواطف والأحلام الوردية. العوامل الموضوعية:
===========
من العوامل الموضوعية نذكر العامل الجغرافي والعامل الديموغرافي:
أولا: العامل الجغرافي: أراضي الأكراد مقارنة بأرضنا شاسعة وأكثرها محيطة بقرانا ومتداخلة معها، لا بل هناك قرى آشورية وكلدانية  فيها بيوت كردية أو ساكنين بالقرب من هذه القرى. هذا هو واقع الحال منذ قرن أو أكثر الذي فرضه التوسع الكردي على حساب شعبنا. فحال الوضع هو كحال السمكة الكبيرة التي  تسعى دائما وراء السمكة الصغيرة لبلعها. فعندما تضعف إرادة الأنسان وتفتقر إلى أدوات القوة لفرضها وتأثيرها على الواقع الجغرافي يلعب هذا الواقع، أي الجغرافي، دوره الحاسم في الكثير من الأمور السياسية وهو التأثير الذي يعرف في العلوم السياسية بـ "جيوبولتكس".  فالجغرافيا أقوى بكثير من التاريخ، والسياسة تتعامل مع الجغرافيا وعلى أرض الواقع ولا تتعامل مع التاريخ والأماني البعيدة المنال التي لا قيمة لها في عالم السياسة إلا إذا كانت مسنودة بوقائع موضوعية على الأرض، إي مسنودة ومتوافقة مع الجغرافيا ولهذه الجغرافيا، أي الأرض، إرادة منتظمة وواضحة ومتسلحة بأسلحة سياسية، وفي بعض الأحيان، عسكرية لدخول المعركة على الأرض وتغيير نتائجها أو التقليل من خسائرها.
ثانيا: العامل الديموغرافي: أما العامل الديموغرافي فيمكن القول عنه بأن سكان الأكراد في المنطقة أكثر بكثير من سكان شعبنا هناك. وإذا إستثنينا ربما منطقة نهله وغيرها فإن بقية القرى الآشورية والكلدانية أما هي خالية من سكانها أو شبه خالية أو مجرد يعيش فيها بعض كبار السن وغير قادرين على إستثمار أراضيهم بالكامل مما يشجع الكردي الإستلاء عليها. وحتى إذا كان هناك قرية آشورية أو كلدانية بالكامل نرى بأن هناك العشرات من القرى الكردية محيطة بها. كل ما أريده قوله هنا هو أن أوكد بأن العامل الديموغرافي يعلب دوراً حاسماً في الكثير من المسائل السياسية. فالكردي يتزوج أكثر من واحد وينجب العشرات من الأبناء سواء من زوجة واحدة أو أكثر. فتكاثر الكردي تكاثر أميبي على شكل متوالية هندسية. أما نحن فالآشوري أو الكلداني أو السرياني يتزوج واحدة وينجب أبن أو بنت واحدة أو أثنين وأقصى حد ثلاثة خاصة الجيل الجديد، أي أقل بكثير من الكردي وحتى هؤلاء أما هاجروا إلى الخارج او تركوا قراهم ويعيشون في المدن الكبرى. فلو أخذنا مثلا: الآشوري له 2 أبناء وله 10 دونم أراضي ولا يستثمرها كلها بالشكل الأمثل. وجاره الكردي القريب في القرية الأخرى له 4 دونم (مثلا) وهو مستمر في الإنجاب لعدد كبير ( لنقل 8 او 10) من الأولاد وبالتالي لم تعد الدونمات الأربعة تكفي لزراعتها وإطعام اولاده الكثر. وقد يذهب هذا الكردي إلى شيخه أو الحكومة شاكياً عوزه إلى أراضي أكثر لإطعام أولاده فلن يجدوا الحل إلا  بالإستلاء على اراضي جاره الآشوري أو الكلداني وبتشجيع من الشيوخ والمتنفذين في الحكومة. أنا أعرف شخصياً ومن المؤكد الكثير من القراء الأعزاء يعرفون بأن هناك في المهجر آشوري أو كلداني له العشرات من الدونمات الصالحة للزراعة في المنطقة تركها وهاجر والآن يسكنها كردي ويستثمرها ومالكها الشرعي الآشوري أو الكلداني لا على باله ما يجري في أراضي أبائه وأجداده التي ورثها عنهم.
كل ما أريده هنا هو أن أوكد مرة أخرى بأن العامل الديموغرافي يعلب دوراً حاسماً في الكثير من المسائل السياسية وهكذا هو حالنا في مسألة التجاوزات على أراضي شعبنا ويجعلها معركة خاسرة.

العومل الذاتية:
---------
من المعروف في العلاقة الجدلية بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية هو أن الأولى صلدة وثابتة ويصعب تغييرها وقد يكون إحتمال تغييرها بشكل طفيف وذلك بفعل العوامل الذاتية ومدى إمتلاكها لعناصر القوة التي تمكنها من دخول العلاقة الجدلية والتقليل من قوة العوامل الموضوعية. بالنسبة للعوامل الذاتية، يمكن تقسيمها داخلياً وخارجياً:
داخلياً:
نتكلم كثيراً عن الأمة والقومية ولكن كلها ألفاظ معنوية فكرية لا قيمة لها ما لم يكون لها تمثيل سياسي قوي وفعال لإثبات وجودها. فقوة الأمة يتمثل في قوة أحزابها السياسية ومنظماتها القومية وقدرتها على التفاعل مع الأحداث وتسخيرها للصالح العام. قلنا سابقاً بأن الأمة التي لا توجد فيها أحزاب نشطة فأن إرادة الأمة ستكون مرهونة بإرادة الأمم التي لديها أحزاب نشطة. أفهل لنا أحزاب سياسية بهذا المستوى القوي لكي تتقاعل مع الأحداث وتميلها لصالح أمتنا؟  فتجاوز الأكراد على أراضي شعبنا نموذج حساس ومصيري لأمتنا في هذا الشأن ولكن مع الأسف الشديد أحزابنا السياسية ضعيفة ... لا بل ضعيفة جداً في هذه المسألة التي تصب في صالح الأكراد. وضعفها هذا ليس ناجماً من مكوناتها الآنية الداخلية وتكوينها الفكري والتنظيمي، بل من عجزها عن التعامل مع الوقائع بشكل صحيح. لقد سبق مراراً وتكراراً القول بأن لا يوجد حزب سياسي واحد مهما كان قوياً يستطيع تمثيل الأمة وحماية مصالحها، وإن كان هناك حزب من هذا القبيل فأنه سرعان ما ينتهي مصيره في المزبلة كما كان مصير معظم الأحزاب من هذا النوع . إذن الأمر لأمتنا يتطلب عدد معين من الأحزاب يتناسب عددهم مع حجم أمتنا وإمكانياتها. ولكن هذا ليس بالأمر المطلوب فحسب بل لكي تكون هذه الأحزاب فاعلة ومؤثرة خاصة في مسألة التجاوزات يجب أن تدخل المعركة بسلاح موحد ليكون فعال وقادر على التأثير على الأقل على الحكومة المعنية بالأمر. صدقوني بأن الأكراد وأحزابهم السياسية وحكومة الإقليم والبرلمان سيحترمون أحزابنا السياسية عندما يتوحد الخيرين منهم... وإذا كان مثل هذا الأمر صعب وحلمنا به كثيراً ، ونحن نعرف بأن السياسة لا تتعامل مع الأحلام، فعلى الأقل يمكن الدخول في جبهة بهذا الخصوص والتي سيكون أمرا مهماً وفاعلا في مسألة التجاوزات وسيكون عاملا مؤثرا على الحكومة والبرمان وإن كان إيماننا بالحكومة والبرلمان ضعيفاً أو متلاشي فيما إذا تستطيع تقليم أظافر الشيوخ والأغاوات المتنفذين وتمنعهم من التجاوز على أراضي شعبنا إلا أن مسألة الدخول في المعركة بجبهة موحدة ستثبت مصداقية أحزابنا السياسية سواء تمكنوا من تحقيق نتائج إيجابية أم عجزوا عن ذلك. 
صحيح بأن هناك مسائل قومية كثيرة عالقة وبعضها معقدة وعويصة لا يمكن حلها في الوقت الحاضر، فإن مسألة الدخول في معركة التجاوزات بسلاح موحد أمر ممكن جداً لو توفرت الإدارة الحرة بهذا الشأن قادرة على نقل الصورة الجماعية أعلاه إلى الواقع العملي وينظم إليها أخرون لتشكيل هذه الجبهة قبل دخول المعركة. يقول أساتذة العلوم السياسية بأنه عندما يواجه مجتمع ما مشكلة عويصة ومعقدة يستوجب على قادته تجزأة هذه المشكلة إلى أجزاء ثم التعامل مع كل جزء بشكل منفرد حتى يتم تخفيف صعوبتها وفك عقدتها وبالتالي يتم حلها بالكامل بحل إجزاءها بشكل منفرد. صحيح هناك إختلافات معروفة بين أحزابنا السياسية حول مسائل قومية عديدة ولكن حتى يكونوا واقعيين وصادقين في علمهم القومي يجب البدأ مع الجزء الممكن التعامل معه والوصول إلى نوع من الإتفاق. وهذا ما نلاحظه بأن هناك نوع من التوافق بينهم حول مسألة التجاوزات على أراضي شعبنا الذي لا يعوزه الآن إلا آلية لتحقيق هذا الإتفاق والمتمثل في تشكيل جبهة إنقاذ لأراضينا وقرانا في شمال الوطن. وقد تكون هذه الخطوة الأولى للإنطلاق نحو سهل نينوى ودخول المعركة هناك وأحزابنا قد أكتسبت خبرة من دخولها لمعركة التجاوزات في الشمال.
وطبعاً هناك عامل سياسي أيضاً يلعب دورا كبيرا في خسارتنا لهذه المعركة ويتمثل في موقف حكومة الإقليم والأحزاب الكردية المهيمنة والقوانين التي لا تملك القوة الكافية لفرضها على الواقع خاصة عندما يكون لشيوخ الأكراد والأغاوات دوراً فاعلاً في الإخلال بموازين القوى على أرض الواقع. أضف إلى ذلك عوامل دولية وإقليمية، فلا يهم الدول المتنفذة فيما إذا كانت أراضي كردية مسلمة أم آشورية كلدانية أو سريانية مسيحية، المهم لها أين تقع وتتحقق مصلحتها الوطنية فحسب.
خارجياً:
عندما يرى أبناء شعبنا في المهجر أو مؤسساته أو أحزابه مثل هذه الجبهة النازلة على ساحة معركة التجاوزات فمن المؤكد بأنها ستتحرك على الأقل للقيام ببعض النشاطات المعادية لهذه التجاوزات، مثل المظاهرات وتقديم الشكاوي للمنظمات الدولية. لا أريد الأطالة في هذا الموضوع المعروف لكم بشكل مفصل. ولكن في الأخير أقول وأرجو عدم "الزعل" وأنتم أعزاء علينا: لماذا أعاتب الأكراد على تجاوزهم لأراضي شعبنا بل علينا قبل كل شيء أن نعاتب أنفسنا.. نعاتب من يترك أراضيه لا بل نعاتب أحزابنا السياسية قبل كل معاتبة. أعملوا شيئاً في سياق تقوية هذه العوامل الذاتية وأدخلوا معركة التجاوزات على أراضينا بقوة لعل قد نخفف من خسائر هذه المعركة التي هي مجرد معركة واحدة من معارك كثير في حربنا الطويل من أجل البقاء والصمود في أرض الوطن حينذاك سيرفعونكم أبناء أمتنا على أكتافهم ونبدأ بالتفاخر بكم.
وأخيراً نقول ... نحن بأنتظار أن  نرى تطبيقاً على أرض الواقع للصورة أعلاه وفيها غيركم من الخيرين من أبناء أمتنا وفرحتنا ستكون أكبر بكثير عندما نسمع بأنكم شكلتم جبهة إنقاد لأراضينا المسلوبة.




25

بمناسبة إنتقال الناشط القومي إيشو دنخا يقيرا إلى العالم السرمدي:
=====================================
وداعاً يا معلم الشباب القومي الآشوري
---------------------

==============================
أبرم شبيرا
على الرغم من مرارة الخبر أقول شكرا للأخ العزيز أخيقر يوخنا ولغيره من الذين نشروا خبر إنتقال الناشط القومي إيشو دنخا يقيرا إلى العالم السرمدي عبر وسائل التواصل الإجتماعي والذي وصلنا ونحن على الجهة الثانية من البحر وعلى متابعتهم للخبر وإعلام أبناء أمتنا بفقدان هذا الإنسان النبيل الذي كان مثالا للآشوري القومي المخلص والصامد على مبادئه القومية... عرفت المرحوم كما عرفه غيري أثناء الفترة الذهبية لتصاعد الوعي القومي الآشوري في السبعينيات من القرن الماضي، فللمرحوم ديناً على أعناقنا  ولا أعتقد بأن هذه السطور تكفي للإيفاء بهذا الدين. ولكن مع هذا أجد من المناسب والوفاء أن أذكر وعدم نكران هذا الدين الذي كان له جانبين:
الأول: قومي: نعم تعلمنا منه الكثير ومن خبرته السابقة في المجال السياسي القومي فكان التعلم منه ديناً على أعناقنا. ففي غمرة تصاعد الوعي القومي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بين الشباب الآشوري القومي خاصة في النادي الثقافي الآشوري في بغداد تطلب الأمر لهؤلاء الشباب أن يستنجدوا بعناصر آشورية مخلصة ومتمرسة في العمل السياسي الآشوري ليكونوا خير معلم ومرشد لتأسيس تنظيم سياسي آشوري. فكان رابي يوسب كانون أقرب الشخصيات المتمرسة إليهم  وذو خبرة في هذا المجال بإعتباره كان في السابق ضمن أحدى التنظيمات القومية الآشورية وأعتقل وعذب من قبل النظام السياسي في تلك الفترة،  فألتجئنا أنا وصديق العمر خوشابا سولاقا وغيرنا من الشباب القومي إليه عارضاً عليه فكرة تأسيس تنظيم سياسي. غير أنه رغم تأييده المطلق للفكرة إلا أنه لأسباب سياسية لكونه معتقل سياسي قومي ومكشوف من قبل الجهات الأمنية خاصة وهو من العناصر الفعالة في المجال الثقافي والأدبي والفني في النادي الثقافي الآشوري فأرتئ أن لا ينخرط في التنظيم بشكل مباشر بل سيكون مستعداً لتقديم كل العون في مسألة تأسيس التنظيم وأنه سيرشح أحد رفاقه السابقين في التنظيم الذي هو بعيداً عن المتابعة الأمنية في تلك الفترة. فكان المرحوم إيشو دنخا يقيراً الشخص المطلوب لهذه المهمة والذي قدمه رابي يوسف لنا وبدأ أول اللقاء به وتم طرح الفكرة من قبل صديق العمر خوشابا سولاقا وأنا فقبلها برحابة صدر.
شرع العمل التنظيمي مع المرحوم والذي كان يتطلب وضع نظام داخلي وتحرير بعض المناشير، أي كان يتطلب وجود طابعة للقيام بهذه المهمة. ولما كنتُ أجيد الطباعة على الآلة الكاتبة، إخذني المرحوم ذات يوم إلى بيته في منطقة الدورة وفي أحدى الغرف فتح خزان الملابس ورفع اللوح الخشبي الذي كان بغطي أرضية الخزان وإذ حفرة كبيرة وفيها آلة الكاتبة (طابعة) باللغة العربية من نوع قديم مغطاة بكيس بلاستيكي، قال بأنها كانت عائدة لتنظيمهم السابق. وإمتلاك مثل هذه الطابعة في تلك الفترة ومن دون ترخيص أمني جريمة كبرى يعاقب عليها القانون. وهكذا أستمر العمل مع المرحوم حتى إنضمامه إلى النادي الثقافي الآشوري ومن ثم فوزه بمنصب رئيس النادي في دروته الإنتخابية للهيئة الإدارية السادسة (1975 – 1976) وترقيه قيده من سجلات النادي. تفاصيل تلك الفترة مذكورة في موضوع صديقنا خوشابا سولاقا عن النادي الثقافي الآشوري.
أما بخصوص ترقين قيده من سجلات النادي وإعفائه من رئاسة النادي، فأنه بعد فوزه في الإنتخابات ومضي فترة قصيرة تلقت الهيئة الإدارية كتاباً من محافظة بغداد عن طريق مركز شرطة البتاوين (الكتاب لا زال بحوزتي) يقضي بإعفائه من رئاسة النادي وترقين قيده من عضوية النادي ومن دون ذكر الأسباب. غير أنه تكشف الأمر فيما بعد بأن أيادي خبيثة لعبت دورها في هذه العملية لزعزة الهيئة الإدارية وبالتالي خلق مصاعب وظروف إستثنائية لتمكين العناصر الأمنية والحزبية للإستيلاء على الهيئة الإدارية. ثم عُلم بأن تهمة الشيوعية، وهي أخطر التهم في تلك الفترة، كانت قد وجهت إلى المرحوم كحجة قوية وخطيرة لتبرير إقصائه من رئاسة النادي في الوقت الذي كان معروفاً للسلطات الأمنية في العراق أكثر مما هو معروف لدى الآشوريين حيث كان من ضمن المعتقلين عام 1965 مع مجموعة من الشباب الآشوري، ومنهم رابي يوسف كانون، وعذب من قبل السلطات الأمنية بسبب مبادئه وأفكاره القومية وإنضمامه لتنظيم سري آشوري. تفاصيل تلك المرحلة مذكورة في كتابي المعنون (النادي الثقافي الآشوري، 1970 – 1980، مسيرة تحديات وإنجازات، طبع عام 1993 في شيكاغو)
هنا من المناسب أن أذكر هذا الكتاب وعلاقته بالمرحوم. فعندما هاجر إلى ألمانيا قدم طلباً لللجوء السياسي لكن طلبه رفض، فما كان من بعض الشباب أن قاموا بترجمة الصفحة الخاصة بترقين قيده من الكتاب أعلاه إلى اللغة الألمانية وتقديمه للجهات المعنية فأقتنعت هذه الجهات بوضعه السياسي فمنحته اللجوء السياسي في ألمانيا.
الثاني: شخصي: عندما تم قبولي في الدراسات العليا في كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد عام 1976-1977 كان من ضمن الشروط المطلوبة وجود كفيل يكفلني وأن يكون موظف حكومي بدرجة مدير فما فوق وبراتب كبير يكفي لتغطية المخصصات الممنوحة لي طيلة فترة الدراسة، حيث كانت الجامعة تمنح مخصصات (40) دينار شهرياً في تلك الفترة لكل طالب دراسات علياً مستقيل من وظيفته ومتفرغ للدراسة مقابل تعهده للعمل في أحدى الدوائر الحكومية بعد تخرجه. ولما كان المرحوم موظف بدرجة مدير صيانة في البنك المركزي العراقي طلبت منه أن يكفلني فلم يتردد إطلاقاً فقام بالواجب المطلوب وضمن دراستي في جامعة بغداد. وعندما تخرجت بدرجة ماجستير في العلوم السياسية ولم يتم تعيني في الحكومة، أخذت الجهات المعنية بالإتصال بالبنك المركزي العراقي لتطالبه بالمصاريف التي صرفت لي أثناء الدراسة لأنها لم تستيطع الإستدلال بعنواني، فلم تستطيع العثور عليه لأنه كان قد ترك وظيفته وسافر خارج العراق. ولم تمضي بضعة أسابيع حتى أستلمت كتاب من مركز شرطة تل محمد (كراج أمانة) في بغداد يطالبني بمراجعة وزارة التعليم العالي لغرض دفع المبالغ التي صرفت لي أثناء الدراسة، وأتذكر كانت بحدود 4,500 دينار فما كان مني إلا أن أدفعها وأتخلص من شر المتابعة من قبل الجهات الرسمية.
وأخير... في هذا الزمن الغادر قيدنا كورونا الخبيث بقيود صارمة وحرمنا من أبسط واجباتنا تجاه أعزائنا وهم يغادرون هذا العالم إلى الأخدار السماوية ولا نستطيع حضور مراسيم الوداع. فبالأمس غادرنا الإعلامي البارز والصديق العزيز ولسن يونان ولم نستطيع أن نعمل شيء غير كتابة بعض السطور عنه. واليوم غادرنا الناشط القومي معلم الشباب الآشوري ولم نستطيع أن نعمل شيء غير كتابة هذه السطور، بأمل أن تكون هذه السطور شفيعاً لنا وبديلا عن عجزنا حضور يوم الوداع الأخير... نعم الوداع الأخير، ولكن أبداً .. أبداً .. لن يكون وداعاً لذكراهم ومأثرهم ومواقفهم فهي تبقى خالدة مدى الدهر.       


26
أصدقائي وأحبائي الأعزاء ... عزاؤنا كبير ... كبير جداً بخسارتنا نجماً لامعنا في سماء أمتنا... نعم خسارتنا كبيرة جداً بإنطفاء هذه النجمة ولكن قوة سطوعها ستبقى تنير دروب كل أبناء أمتنا خاصة المعروفين له... فقدنا ولسن يونان ولكن هيهات أن نفقد ذكراه ومكانته كإعلامي بارع وإنسان منفتح على الجميع دون إستثناء... عزائي شخصياً أكبر مما نتصوره... لأنني فعلا بغيابه سأصبح يتيماً على الساحة الثقافية والفكرية... لم تكن تمر سنة إلا وكنًا نلتقي أكثر من مرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ونقوم بنشاطات مختلفة ولقاءات مع العديد من المؤسسات القومية والأحزاب السياسية وكان حضورنا في كل كونفنشن بارزا ومحموماً باللقاءات والنشاطات... أكثر ما عرف عن المرحوم هو إتقانه لللغة الأم وإستخدامه لمفردات لغوية قلما سمعنا عنها. والأكثر من هذا كان بارعاً وعبقريا في ذكر تواريخ الأحداث والمناسبات وبدقة متناهية بالسنة والشهر واليوم وكنت في بعض الأحيان أمازحه وأقول إلا تتذكر كم كانت الساعة؟؟.  لعل لقائنا في إستراليا قبل عامين كان أكثر تشويقاً وإعجابا لأبناء أمتنا هناك حيث إستضافني في منزله لمدة أكثر من أسبوعين ورتب جميع اللقاءات والندوات التي أشتركنا مع البعض سواء في سدني أو في ملبورن. والأكثر من هذا وذاك كانت المقابلة التي أجريتها أنا معه وعرضت على شاشة قناة SBS. كانت الفكرة أن يعقد المرحوم لقاء معي غير إنني طرحت فكرة معكوسة وهي أنا أعقد اللقاء معه ونتحدث عن موضوع مهم وهو الكرسي؟؟؟. وعرض اللقاء أيضا على موقع عنكاوه:
http://www.ankawa.org/vshare/view/10758/apremwilson/
 إنني في وضع مأساوي أن أجد عالمي الفكري والثقافي بدون ولسن، ترى كيف سأكون بغيابه عن هذا العالم... لعل ذكرياتي معه ستكون شفيعاً لي خلال السنوات القادمة.... أفلا يستحق المرحوم أن يقام له تمثال أو نصب تذكاري في بعض الأندية والمؤسسات التي كان يحاضر فيها ويلتقي بأعضاءها خاصة في مدينته سدني وفي شيكاغو... رحمة الله روحك يا صديق العمر.

صورة من اللقاء الذي أجريته مع المرحوم

 
نشاط مشترك في سدني تحت عنوان: بعد خمسة ألاف سنة... هل ستموت هذه الأمة

27
لا يا ولسن يونان ... لا
================

أبرم شبيرا

لا يا صديق العمر ورفيق الدرب... أقول لا ... وألف لا.. نقولها وبكل حسرة قلب وأفكار مشوشة وضياع في هذا العالم الصعب... لماذا غادرتنا في هذا الوقت العصيب فأبناء أمتنا كلهم كانوا بأمس الحاجة إلى إنسان مثقف جداٌ وإعلامي بارز في مجتمعنا الذي قل نظيره.... من أين سنسمع برامجك الشقية والمثيرة على قناة   SBS ... للحق أقول صدمتنا كبيرة بإنتقالك إلى الأخذار السماوية وقعت علينا كالزلزال المدمر وجعلت كتابة هذه السطور بنوع من الذهول والهذيان لأنك تركتنا وترك الساحة الإعلامية القومية من دون أعلامي مثقف بازر يستطيع أن يحل محلك...

لا بل شخصياً أقول لقد تركتني يتميا على الساحة القومية، فأين أجد رفيق أخر يشاركني نشاطاتنا القومية في المناسبات الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى وأنت كنت رفيق دربي على هذه الساحة التي ستضل تتذكرك حتى الأجيال قادمة... لقد تركتنا يا أخي العزيز ولسن من غير وداع ولا حتى السلام عليك والصلاة على روحك ونحن في الجهة الأخرى من البحر ولا نستطيع أن نحضر وداعك الأخير... أفهل شيء نستطيع أن نعمله في هذا الزمن الغادر غير أن نصلي إلى ربنا يسوع المسيح وأن ينعمك برحمته في جناته الفسيحة وينعم عائلتك الصبر والرحمة خاصة رفيقة حياتك السيدة أسمر االتي كانت معك في كل الأماكن والأزمان وحتى آخر يوم من حياتك. رحل جسمك عنا يا ولسن العزيز ولكن ذكرياتك ستبقى معنا إلى آخر يوم من حياتنا لأنها فعلا كانت وستضل جزء مهم من حياتنا. لا والله ... كيف سأجلس خلف الطاولة وأنا في نشاط قومي ثقافي ومن دونك، فمهما عملت  وأجتهدت فلا أستطيع أن أكمل المشاور وحدي وبدونك.. لا يا ولسن لا... لم يكن الوقت قد حان لكي تتركني يتيماً في هذه الساحة وأنت بعيد عني. 
 
نشاط مشترك في سدني تحت عنوان: بعد خمسة ألاف سنة... هل ستموت هذه الأمة
==============================================


أصدقائي وأحبائي الأعزاء ... عزاؤنا كبير ... كبير جداً بخسارتنا نجماً لامعنا في سماء أمتنا... نعم خسارتنا كبيرة جداً بإنطفاء هذه النجمة ولكن قوة سطوعها ستبقى تنير دروب كل أبناء أمتنا خاصة المعروفين له... فقدنا ولسن يونان ولكن هيهات أن نفقد ذكراه ومكانته كإعلامي بارع وإنسان منفتح على الجميع دون إستثناء... عزائي شخصياً أكبر مما نتصوره... لأنني فعلا بغيابه سأصبح يتيماً على الساحة الثقافية والفكرية... لم تكن تمر سنة إلا وكنًا نلتقي أكثر من مرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ونقوم بنشاطات مختلفة ولقاءات مع العديد من المؤسسات القومية والأحزاب السياسية وكان حضورنا في كل عام في الكونفينشن بارزا ومحموماً باللقاءات والنشاطات... أكثر ما عرف عن المرحوم هو إتقانه لللغة الأم وإستخدامه لمفردات لغوية قلما سمعنا عنها. والأكثر من هذا كان بارعاً وعبقريا في ذكر تواريخ الأحداث والمناسبات وبدقة متناهية بالسنة والشهر واليوم وكنت في بعض الأحيان أمازحه وأقول إلا تتذكر كم كانت الساعة؟؟.  لعل لقاؤنا في إستراليا قبل عامين كان أكثر تشويقاً وإعجابا لأبناء أمتنا هناك حيث إستضافني في منزله لمدة أكثر من أسبوعين ورتب جميع اللقاءات والندوات التي أشتركنا مع البعض سواء في سدني أو في ملبورن. والأكثر من هذا وذات كانت المقابلة التي أجريتها أنا معه وعرضت على شاشة قناة SBS. كانت الفكرة أن يعقد المرحوم لقاء معي غير إنني طرحت فكرة معكوسة وهي أنا أعقد اللقاء معه ونتحدث عن موضوع مهم وهو الكرسي؟؟؟. وعرض اللقاء أيضا على موقع عنكاوه:
http://www.ankawa.org/vshare/view/10758/apremwilson/
 
صورة من اللقاء الذي أجريته مع المرحوم
===========================
إنني في وضع مأساوي أن أجد عالمي الفكري والثقافي بدون ولسن، ترى كيف سأكون بغيابه عن هذا العالم... لعل ذكرياتي معه ستكون شفيعاً لي خلال السنوات القادمة.... أفلا يستحق المرحوم أن يقام له تمثال أو نصب تذكاري في بعض الأندية والمؤسسات التي كان يحاضر فيها ويلتقي بأعضاءها خاصة في مدينته سدني وفي شيكاغو...... رحمة الله على روحك يا صديق العمر.
أخوك ورفيق دربك أبرم شبيرا


أخوك ورفيق دربك أبرم شبيرا


28
بكر صدقي... ولد لكي يصبح مجرماً

بمناسبة الذكرى أل (87) لمذبحة الآشوريين في سميل 1933:
===========================
أبرم شبيرا

ليس هذا موضوعاً عن تفاصيل الجريمة النكراء التي أرتكبتها الحكومة العراقية في شهر آب من عام 1933 ولا عن ذكرى الشهيد الآشوري الـ "السابعة والثمانون" لأن بعض الأصدقاء الأعزاء قاموا بالواجب المطلوب والوافي في إستذكار هذه المناسبة التي تعتبر نقطة تحول حاسمة في مسيرة الحركة القومية الآشورية جعلت من يوم الشهيد الآشوري رمزاً من رموز النضال القومي وركناً مهما من أركان الهوية القومية الآشورية. كما، وكالعادة، قام أحزابنا السياسية بإصدار بيانات بهذه المناسبة وهم ماشاالله "شاطرين جداً" – بدون حسد - في إصدار بيانات المناسبات والإستنكارات. حرام على الوقت والجهد الذي بذلوه في إصدار هذه البيانات... ألا كان من الأحسن والأنفع الجلوس مع البعض، رغم أنف كورونا والكمامات على وجوههم ليكونوا أقل كلاماً وأكثر أستماعا للبعض ومن ثم أستلهام الدروس من هذا الحدث وإستخلاص السبل الممكنة للوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم والعمل على المسائل المصيرية التي تهدد مستقبل أمتنا في الوطن؟  أن أبرز السمات التي تميز بها الآشوريون في مسيرة حركتهم القومية هو إستذكارهم لبعض الفواجع والمأساة التي ألمت بهم والتي من الضروري جداً أن لا تكون  للنحيب والقنوط والإحباط، بل لإستلهام الهمم والدروس لتعزيز حركتهم القومية لعل  قد تكون ذات فائدة لشعبنا وبالأخص لأحزابنا السياسية في التضحية والفداء والعمل للصالح العام وليس اللهوث وراء الكراسي اللعينة.

ما بين شهر آب  عام 1933 و شهر آب  عام 1937 قصة لها بداية ونهاية مجرم:
------------------------------------------------
مذبحة الآشوريين الفعلية أمتدت جريمتها من اليوم الخامس من شهر آب 1933 إلى الحادي عشر منه، وهذا التاريخ الأخير يخصنا في هذه السطور لأنه الذكرى الثالثة والثمانون (11 آب 2020) لليوم الأخير الفعلي للمذبجة الجسدية للآشوريين والتي كانت ذروتها في مذبحة سميل في اليوم السابع منه والذي أتخذ كيوم للشهيد الآشوري. كثرت المواضيع التي كتبت عن هذه المأساة وعن يوم الشهيد الآشوري، فحاولت أن أجد مناسبة أخرى مرتبطة بهذه المأساة فوجدت من المناسب أن أربط الذكرى الثالثة والثمانون لإغتيال المجرم بكر صدقي في 11 من شهر آب عام 1937 بالمأساة الكبرى لمذبحة الآشوريين في شهر آب عام 1933. تقصيت وبحثت في الرفوف العالية لمكتبتي المتواضعة وفي بعض المصادر عن كل ما يتعلق بهذه الجريمة النكراء وتبعياتها وأبطالها المجرمين وعلى رأسهم بكر صدقي، من بداية قصتها المأساوية في سميل في شهر آب 1933 ونهايتها في شهر آب 1937 مناسبة مرتبطة بمصير المجرم بكر صدقي قائد القوات العسكرية للمنطقة الشمالية الذي كان على رأس أزلامه المجرمين الذين أرتكبوا هذه المذبحة بحق الآشوريين، أمثال حجي رمضان قائد الفرقة المنفذة للمذبحة والنقيب إسماعيل عباوي آمر سرية الرشاشات الآلية التي نصبت على نوافذ مركز شرطة بلدة سميل وأباد المحتجزين الآشوريين العزل فيها، وهو أيضاً، أي المجرم إسماعيل عباوي، الذي قتل وزير الدفاع جعفر العسكري مؤسسة الجيش العراقي عام 1936 وبأمر وتدبير من المجرم بكر صدقي.


خريطة تبين المناطق التي أرتكبت فيها مذابح 1933 ضد الآشوريين في شمال الوطن
===============================================

من هو المجرم بكر صدقي؟:
---------------
تقريباً معظم الكتاب والمؤرخين الذين تناولوا حياة المجرم، وأسمه الكامل بكر صدقي بن شوقي ويس العسكري، لم يتفقوا على الكثير من التفاصيل الدقيقة عن حياته وأصله وكل ذلك بسبب الغموض الذي أكتنف حياة هذا المجرم ومراوغته وحيله في التعامل مع الآخرين. فمثلاً تذكر السجلات العثمانية بأنه ولد عام  1890 في قرية عسكر القريبة من مدينة كركوك. في حين تذكر السجلات العراقية بأنه ولد في بغداد عام 1886، أي أكبر بأربع سنوات. ويقال بأنه لم يكن يفصح عن تاريخ ومكان ولادته الحقيقي لضرورات أمنية وسياسية. ولكن هناك أحتمالات واردة بأنه زور السجلات العراقية ليضمن العمر له رتبة عسكرية  أعلى وأنه من مواليد بغداد العاصمة وليس من قرية صغيرة وهامشية في المنطقة الشمالية. كل ذلك من أجل إضافة نوع من الهيبة على شخصيته. كما أختلف الكتاب عن أصله أيضا. فمن الوارد بأنه من أصل كردي ومن والدين كرديين. وأيضا ذكر بعض المؤرخون بأنه ولد لأب عربي وأم كردية وفي بعض الأحيان من والد كردي ولكن من نسب عربي.
كان معظم رجال النخبة العراقية قبل وبعد الحرب الكونية الأولى وحتى بعد تأسيس دولة العراق عام 1921 من أصول تركية أو كردية،  نشأوا في صلب الحياة العثمانية – التركية وتربوا في بيئتها وتطبعوا بأسلوب حياتها وتشبعوا بأفكارها العثمانية والطورانية وتخرجوا من مدارسها ومعاهدها العسكرية والمدنية وتسلموا مراكز قيادية في المؤسسة العسكرية العثمانية ثم التركية ومناصب رفيعة في أجهزة الدولة والحزب، حزب الإتحاد والترقي التركي (تركيا الفتاة) المعروف بتتريك الأقوام غير التركية. وكان المجرم بكر صدقي أحد من هؤلاء الذي درس في الكلية العسكرية العثمانية وتخرج منها برتبة ضابط في الجيش العثماني وشارك في الحرب الكونية الأولى في سنواتها الأخيرة. ثم بعد إنهيار الدولة العثمانية ونهاية الحرب، جندته الإستخبارات البريطانية كجاسوس في المنطقة الشمالية لكونه يجيد العديد من اللغات منها، إضافة إلى العربية والكردية والإنكليزية، كان يتكلم الألمانية والفرنسية أيضاً. ثم بعد تأسيس كيان العراق من قبل بريطانيا وبتوصية منها أنظم المجرم بكر صدقي إلى الجيش العراقي الذي تأسس في 6 كانون الثاني عام 1921 وعين برتبة ملازم أول (نجمتان على الكتف). ولما وجد بأن كرديته "لا توكل الخبز" ولا يمكن أن تكون سُلماً للإرتقاء نحو مناصب عليا التي كان يطمح بها منذ البداية، بدأ بركوب موجة الأفكار القومية العربية وأخذ يظهر ميوله الشديدة والمتعصبة نحوها، فتلقفه أنصار القومية العربية من النخبة العراقية الحاكمة ووجدوا فيه أداة طيعة وفعالة لتحقيق مآربهم السياسية وثباتهم على كراسي الحكم، خاصة عندما بدأ يعادي بريطانيا ويميل ميلاً شديداً إلى الأفكار الفاشية والأتاتوركية ويعتبرهما نماذج في بناء الدولة الحديثة.
كان الملك غازي الأول من المعجبين بأفكار المجرم بكر صديق وبأساليبه القاسية، ففي عهده وخلال فترة قصيرة تدرج نحو مناصب عسكرية عالية فوصل إلى رتبة عميد ركن وأصبح قائد القوات العسكرية في المنطقة الشمالية أثناء مذابح الآشوريين عام 1933. وبعد مذابح الآشوريين أصبح المجرم بكر صدقي بنظر العراقيين بطلهم الملهم ومنقذ العراق وضامن أمنه وأستقراره وحماية حدوده. ودخلت مذابح الآشوريين، رغم بشاعتها، في قاموس العراق السياسي كحدث تاريخي وطني وأصبح الجيش العراقي المتمثل في النخبة العسكرية وعلى رأسها المجرم بكر صدقي رمزا وطنياً للإخلاص والتفاني في سبيل الوطن، فأحيط هو وأزلامه بهالة البطولة الدونكيشوتية وزينت صدورهم بأنواط الشجاعة وكذلك تم ترقية المجرم بكر صدقي إلى رتبة لواء ركن بعد المذابح وأصبح قائد الفرقة الثانية ونائبا لرئيس أركان الجيش. كل هذه "البطولات" بنظر العراقيين التي قام بها المجرم بكر صدقي أهلته للبروز على السطح السياسي كبطل قومي يسعى لتحقيق العهد الذي قطعه على نفسه نيابة عن الجيش العراقي عشية مذابح الآشوريين بأنه سيستمر بمهماته الأكثر أهمية، وفعلاً فقد وفى بعهده، فبعد مذابح الآشوريين أدار جيوشه ومدافعه نحو الشيعية وعشائر فرات الأوسط فنكل بهم تنكيلاً. ثم بعد إنتهاء من مهمته الدموية لم يستقبل من قبل الشعب العراقي كبطل قومي ولا أهتمت الحكومة القائمة بحركاته العسكرية في الجنوب والفرات الأوسط كما كان الحال عشية إنتهاءه من جرائمه تجاه الآشوريين، فأدرك بأنه لم يحصل على التقدير المناسب لقاء فعالياته المتكررة كمنقذ للوطن مما حزى ذلك في نفسه ووجد ذلك نوع من الإهانة له ولصديقه المقرب المجرم حكمت سليمان وزير الداخلية أنذاك فلم يكن أمامه إلا أن ينتقم من الحكومة  القائمة ويقوم بإنقلابه المشؤوم عام 1936 ويقتل وزير الدفاع ومؤسس الجيش العراقي العميد جعفر العسكري، أبن عمه من الدرجة الرابعة وأبن قريته عسكر، ليسجل إنقلابه كأول إنقلاب عسكري في البلدان العربية ويكون فاتحة جديدة تفتح الأبواب مشرعة لسلسلة من الإنقلابات العسكرية الدموية التي أصبحت الأسلوب "الشرعي" للوصول إلى الحكم بغياب الديموقراطية والتقاليد السلمية لإنتقال السلطة. بعد نجاح أنقلابه فرض على الملك غازي تعيين حكمت سليمان رئيسا للوزراء وأصبح هو رئيسا للأركان العامة للجيش العراقي، لا بل الحاكم الأول المطلق للعراق، حيث سيطر سيطرة تامة على مقدرات البلاد. ففي الإنتخابات البرلمانية في 20 شباط 1937 قام بترتيب القوائم الإنتخابية فكان الفائزون غالبيتهم من مؤيديه وبذلك ضمن له سنداً قانونيا لأعماله الإستبدادية.


بكر صدقي ولد لكي يصبح مجرماً:
------------------
هكذا يصفه العقيد جرالد دي غوري، الملحق العسكري في السفارة البريطانية ببغداد في تلك الفترة في كتابه (ثلاثة ملوك في بغداد، ترجمة وتعليق طه التكريتي، مكتبة النهضة العربية، بغداد، ط 2، 1999) يقول العقيد جرالد ما نصه " كان السبب المباشر لهذا الإضطراب الأول في العراق المستقل، أي عام 1932، هو الضابط بكر صدقي. كانت المرة الاولى التي رأيته فيها، لاتزيد عن بضع دقائق. كنت أنتظر في أحدى الأمسيات في فندق مود الجديد الصغير الذي يقع عند الجسر في بغداد، أحد ضباط شعبة الإستخبارات التابعة للقوة الجوية البريطانية واذ أستدرت من الشرفة المطلة على النهر، وكانت الشمس ما تزال ساطعة إلى غرفة صغير باردة تحت الأرض, رأيت رجلا عراقيا متوسط العمر، وذا شكل غير جذاب، يجلس هناك لوحده وهو يحتسي الويسكي. كان فقاً راسه مسطحاً ورقبته غليظة وشفتاه تدللان على شدة الحساسية ووجه ومحياه صارمين بشكل فظيع. لقد كان وجه إنسان ولد لكي يصبح مجرماً. كان إنطباعي عنه شديد جدا، إلى درجة إنني افضيت بذلك إلى صديقي عندما أتى، ورحت أهمس مستفسرا عنه. لم يكن صديقي ليعرف عنه شيئاً ما، سوى أنه أحد الضباط الكبار في الجيش العراقي، وأن أسمه بكر صدقي، وقد قيل عنه أن الأمير غازي يحبه، ويلتقي به في أغلب الأحيان". (ص140).
وعن شخصية المجرم بكر صدقي الواطئة والخسيسة وأصحابه المقربين له، كتب عنهم العديد من الكتاب والمؤرخين حيث عرف عنه بعربدته وقساوته في التعامل مع الآخرين وسؤء أخلاقه  فكان يبذر هو واصحابه مبالغ طائلة  لتغطية نفقاتهم الخاصة في أماكن اللهو والملاهي والمحلات، وهناك تفاصيل كثيرة عن التصرفات الشنيعة لهذا المجرم ذكر بعضها السفير الألماني في العراق الدكتور فريتز غروبا في كتابه المعنون (رجال ومراكز قوى في بلاد الشرق، ترجمة فاروق الحريري، الجزء الأول، مطبعة عصام، بغداد، 1979) وقد عرف عن هذا السفير بعلاقته الوثيقة برجال الحكم في العراق طيلة فترة خدمته الطويلة وخاصة بالمجرم بكر صدقي الذي كان يسعى، وهو رئيس أركان الجيش العراقي، لشراء الأسلحة من ألمانيا وإيطاليا الفاشية.

مابين مذابح الآشوريين وحملات القمع ضد الشيعة وعشائر الفرات الأوسط:
----------------------------------------------
كما بينًا في أعلاه بأن  المجرم بكر صدقي بعد أن نفذ مذابحه بحق الآشوريين أستقبل في الموصل ثم في بغداد من قبل الجماهير العراقية الضخمة والمسؤولين الحكومين وحتى من قبل بعض الأحزاب التي كانت تعتبر في حينها تقدمية، إستقبال الأبطال الملهمين ونال أنواط "الشجاعة" وترقية عسكرية عالية عن جرائمه المرتكبة بحق الآشوريين والتي أعتبرت حماية وصيانة الوطن من الآشوريين "المرتزقة والجواسيس وعملاء الإستعمار والإمبريالية" ومن "ذئاب آشور" كما نعتهم الشاعر "الوطني" معروف الرصافي عضو البرلمان العراقي في تلك الفترة في قصائده وخطبه "الوطنية" الحماسية. لا بل وأعتبر عبد الرحمن البزاز، وهو أستاذ جامعي في القانون ورئيس وزراء أسبق للعراق في الستينيات من القرن الماضي، بأن "حركة الآثوريين (عام 1933) من أخطر الفتن الداخلية الجسيمة التي عرًضت العراق بعد الإستقلال (1932) إلى مخاطر جمة، وعرضت سمعة العراق الخارجية، وهو في فجر الإستقلال، إلى كثير من الغمز" (عبد الرحمن البزاز، العراق من الإحتلال إلى الإستقلال، ط 3، مطبعة العاني، بغداد، 1967، الفصل الثاني عشر: فتنة الآثوريين ص223- ص232).
ثم بعد إنتهاء هذا المجرم من القضاء على "الحلقة الأضعف" في العراق، بدأ بتنفيذ العهد الذي قطعه على نفسه بأنه سيستمر بمهماته نحوة الأكثر أهمية وخطورة، وكان يقصد حركات الشيعة وعشائر الفرات الأوسط، أي نحو "الحلقة الأقوى" في العراق والتي كانت تشكل، بسبب حجمها الدموغرافي والسعة الجغرافية أخطر بكثير من حركة الآشوريين. غير أنه بعد أن قمع هذه الحركات بوحشية دموية لم يستقبل إستقبال الأبطال ولا التقدير المناسب لا من قبل الحكومة القائمة ولا من الجماهير والأحزاب السياسية كما كان الحال عند إستقباله بعد مذبح الآشوريين، فشعر بنوع من الإهانة له ولصديقه المجرم حكمت سليمان وزير الداخلية، فلم يكن أمامه إلا وينتقم من الحكومة القائمة ويقود إنقلابه العسكري عام 1936، كما ذكرنا في أعلاه.
الغرض من هذا العرض بين مذابح الآشوريين وحملات التنكيل بحق الشعية وعشائر الفرات الأوسط، هو المقارنة بين المشاعر الفياضة والحماسية التي أظهرتها الجماهير والحكومة العراقية لمجرمي مذابح الآشوريين وبين البرود والإهمال وعدم إستقبال مجرمي حركات القمع ضد الشيعة وعشائر الفرات الأوسط كأبطال، رغم أن هذه المهمة الأخيرة كانت أكثر خطورة على العراق وللأسباب الذي ذكرناه في أعلاه. فالمقارنة في المشاعر والإستقبال للحالتين يجعلنا أن نستشف منها ظواهر واضحة في التفرقة العنصرية والدينية قائمة على أعتبار الآشوريين "كفار وغرباء عن العراق" في حين أعتبر الشيعة وعشائر الفرات الأوسط من "دين محمد" فالشرع لا يسمح بإستباحة دم المسلم. ومن المؤسف أن تستمر هذه المشاعر العنصرية والتفرقة الدينية حتى يومنا هذا ونجدها في أخاديد الدولة العراقية وفي صندوق دماغ الكثير من رجال الحكم والسياسة المهيمنين على العباد والبلاد ليتأكد بأن مثل هذه المشاعر العنصرية والأساليب الإستبدادية في الفكر والممارسة في أيامنا هذه ليست بنات اليوم بل جذورها تمتد حتى قبل تأسيس دولة العراق.

المجرم بكر صدقي وخطة تأسيس دولة كردية:
--------------------------
أشيع كثيرا بعد أن أصبح المجرم بكر صدقي الرجل الأول في السياسة العراقية بأنه كانت له خطة لتأسيس دولة كردية. يقول السفير الألماني فريتز غروبا في كتابه المنوه أعلاه "عندما أخبرني بكر صدقي برغبته في الدفاع عن كردستان تحدث معي بصورة سرية وقال لي بأنه كردي وأنه وضع هدفاً معيناً نصب عينه هو تأسيس دولة كردية يجمع بها شمل الأكراد في العراق وإيران وتركيا ويجب على الدولة الكردية أن تدافع عن إستقلالها أزاء جيرانها، لذا يكن في قلبه مسألة الدفاع عن كردستان التي يتطلع للإمكانات المحتملة لتنفيذها بنفسه... ولكن حدست بأنني لست الشخص الوحيد الذي أئتمنه بكر صدقي بشأن هذه الفكرة وهذا يوضح أسباب العداء التي حدث بالوطنيين العرب لتدبير قتله فيما بعد" (ص 273). ويروي هذا السفير الذي كانت علاقته وثيقة مع المجرم بكر صدقي بأنه كان يزوره  في كل يوم تقريباً ليس لطلب شراء الأسلحة من ألمانيا فقط بل أيضا لمساعدته في وضع خطة لإحتلال كردستان والدفاع عنها. وفي هذا السياق بدأ بنقل الضباط العرب إلى أماكن غير حساسية وتعيين ضباط أكراد بدلا عنهم كما فتح أبواب الكليات والمعاهد العسكرية واسعة أمام الطلاب الأكراد حتى قيل بأن عددهم كان يفوق عن 70% من طلاب هذه الكليات والمعاهد العسكرية.
على العموم، على الرغم من أنه كان بالإمكان على المجرم بكر صدقي وهو على رأس قوة عسكرية وحكومة داعمة له أن يقوم بهذه المهمة ولكن يظهر من سياق الأحداث بأنه لم يتحرك ولا قيد أنملة تجاه إحتلال كردستان أو تأسيس دولة كردية في شمال العراق بل أنه قام بقمع إنفاضة البارزانيين. كما أن المصادر الكردية لم توثق أحلام المجرم بكر صدقي في تأسيس الدولة الكردية ولم تأتي  ضمن سياق أفكار او الحركات الكردية. فلو أخذنا شخصية المجرم بكر صدقي الثعلبية والماكرة ومحاولة اللعب على عدة حبال لتأكد لنا بأن هذه الخطة في تأسيس الدولة الكردية لم تكن إلا مناورة خبيثة للتلاعب بمقدرات البلد وإرباك معارضيه وتخويفهم من سطوته وإمكانية إقتطاع جزء من العراق والتي كانت سبباً من أسباب تقرير مصيره النهائي.

سخرية الأقدار وإنتقام القدر من المجرم بكر صدقي
------------------------------
بكرصدقي رمز من رموز الجريمة السياسية في تاريخ العراق السياسي الحديث، والكلام عن جرائمه والمذبحة التي نظمها ونفذها بحق الآشوريين في سميل عام 1933 قصة مأساوية وذات شجون مؤلمة لدى معظم الآشوريين ومنعطف خطير في مسار تطور الحركة القومية الآشورية في العراق. وبقد تعلق الأمر بسخرية الأقدار في تاريخ الآشوريين في تلك الفترة، نؤكد بأن القيود السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي أفرزتها نتائج الحرب الكونية الأولى وتسويات الحدود المجحفة، كبلت الذات الآشورية وأضعفت قدرتها إلى درجة لم يكن بالمستطاع تجنب مذبحة سميل وما أعقبها من نتائج سلبية، مادية وفكرية، زادت من تصدع الآشوريين سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً. لذلك وبسبب ضعف قدرة الذات الآشورية على التفاعل مع أحداث تلك المرحلة وتحييد مسارها بالشكل الذي يخدم المسألة الآشورية، فرضت الأقدار هيمنتها على الأحداث وبالأخص في تحديد مصير المجرم بكر صدقي والقضاء عليه بعد أن جاءت "العناية الالهية" هذه المرة لصالح الآشوريين والتي غابت عنهم في صيف عام 1933 لتنتقم للدماء الآشورية التي أريقت في سميل.
وتمثلت سخرية الأقدار هذه من حيث الزمان في إغتيال بكر صدقي في الموصل، وهو في طريقه للسفر إلى تركيا لحضور مناورات الجيش التركي مع بطله المهم كمال أتاتورك، من قبل جندي كان برتبة نائب عريف (في مصادر أخرى تذكر رتبته كعريف) وأسمه عبدالله التلعفري، وهو تركماني من بلدة تلعفر ومن أصل عائلة أرمنية هاجرت إلى العراق بعد مذابح سيفو وأعتنقت الإسلام. كان بعض الضباط العراقيين القوميين المنافسين للمجرم بكر صدقي قد جندته لإغتياله في يوم الحادي عشر من شهر آب عام 1937  في مطعم مطار الموصل ومن سخرية الأقدار أن يكون إغتياله في الذكرى الرابعة لمذابح الآشوريين، التي أمتدت من الخامس من شهر آب حتى الحادي عشر منه، وهي أيام ضمن سلسلة مذابح أرتكبها بحق الآشوريين راح ضحيتها ما يقارب ثلاثة آلاف آشوري ... حقا أنها سخرية الأقدار.
للمزيد من التفاصيل عن هذه الموضوع  يمكن الرجوع إلى كتبي المبينة في أدناه:
•   أبرم شبيرا، الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر – فصل التعامل مع الأقليات في مسار تطور تاريخ العراق السياسي، من منشورات إتحاد الأندية الآشورية في السويد، 1977.
•   أبرم شبيرا، الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر، دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات، دار الساقي، بيروت – لندن، 2001.

وأخيرا... كلمة لابد منها عن يوم الشهيد الآشوري في السابع من آب 1933:
-------------------------------------------

أولا: التسمية الآشورية للحدث:
لقد سبق ووضحنا في مناسبات سابقة بأن التسمية الآشورية لهذه المناسبة هي الصحيحة ولا يمكن تغييرها أو تأويلها بالشكل الذي يتم فيه إدخال التسميتن، الكلدانية والسريانية لهذا الحدث والقول مثلاً يوم الشهيد الكلداني الآشوري السرياني وغيره،  فذلك يخالف الواقع والحقائق التاريخية التي كانت تقريباً كلها تخص الآشوريين فقط. أي بهذا المعنى لقد تعمد الأسم الآشوري لهذا الحدث بالدماء المقدسة التي أزهقت من أجله،  في حين لم يكن لأبناء التسميتين الكلدانية والسريانية تقريباً أي صلة بهذا الحدث. وقد لا أجني على الحقيقة والتاريخ عندما أقول بأنه على العكس كانوا، وبالأخص الكنائس، مستنكرين لهذا الحدث ، لا بل وأكثر من هذا كانت هناك مجموعات عشائرية من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" هي الأخرى أستنكرت هذا الحدث خوفاٌ من بطش السلطة السياسية وخسارة الإمتيازات التي كانت تحصل عليها من الحكومة حيث وقعوا، وهم لا يعرفون القراءة والكتابة وربما حتى التوقيع، على رسائل إستنكار لهذا الحدث والتي أملئت  وفرضت عليهم من قبل السلطة، كل هذا لم يمنع من أن يدخل السابع من آب في التاريخ القومي ورمزا للحركة القومية الآشورية. وحسنا فعلت كنيسة المشرق الآشورية في إدراج هذا الحدث في تقويمها الكنسي، إن لم يكن كحدث قومي سياسي، وهو من واجبات أحزابنا السياسية، وإنما النظر إليه كحدث ديني وكنسي لأن تقريباً معظم شهداء هذه الحركة كانوا من أتباع هذه الكنيسة، لا بل وزعيمها أيضا. وكمسيحيين أدركت الكنيسة واجبها في التذكير بهذا الحدث وإقامة القداديس على أروح الشهداء. كل هذا الإقرار بآشورية الحدث لا يزعزع إيماننا المطلق بأن الكلدان والسريان مع الآشوريين يشكلون أعمدة الأمة الواحدة وهي حقيقة واقعية لا يمكن نكرانها ولكن حتى نكون واقعيين في العمل القومي يجب أن لا نقفز من فوق الحقائق التاريخية وإلا أضعنا النابل بالحابل ودخلنا في متاهات لا نهاية لها.

ثانياً: السابع من شهر آب يوماً للشهيد الآشوري:
في الكراس الذي كتبته وبعنوان "السابع من آب يوم الشهيد الآشوري – رمز خلود الأمة"، دار عشتار للتصميم والصباعة، لندن، 1994 والذي أعيد طبعه من قبل الحركة الديموقراطية الآشورية قبل عدة سنوات كما قام النادي الثقافي الآشوري في عنكاوه بطبعه عام 2019 وبحلة منقحة وتصميم جديد، بينت فيه بشكل مفصل عن الأسباب التي أتخذ السابع من آب كيوم للشهيد الآشوري من قبل الإتحاد الآشوري العالم عام 1970 ودخل هذا التاريخ في السجل القومي وثبت كمنطلق للتضحية والفداء من أجل الحربة والكرامة وبالتالي لا يمكن تغيير هذا التاريخ وإحلال تاريخ آخر محله. فهو يجب أن يأخذ ليس كتاريخ مسجل على ورق فحسب وإنما هو رمز قومي معبر عن كل المذابح والتضحيات الخاصة بشعبنا. هذا صحيح بأن هناك مذابح أرتكبت بحق شعبنا خاصة مذابح المجرم مير بدر خان في منتصف القرن التاسع عشر وومذابح سيفو أثناء وبعد الحرب الكونية الأولى والسلسلة طويلة حتى نصل إلى جرائم القاعدة وداعش، فكل هذه المذابح مضمونة ومحتوية في الرمز المتمثل في السابع من آب كيوم للشهيد الآشوري. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع فيمكن أخذ التفاصيل من كراسي المذكور أعلاه.

ثالثاً: المفكر الملهم فريد نزها والمنظور المستقبلي:
بوعي أو غير وعي، كلما أحاول الكتابة أو التذكير بيوم الشهيد الآشوري يقفز إلى رأسي المفكر الملهم ورائد الوحدة القومية الصحافي الثائر فريد نزها وهو يستمد بعد ست سنوات، أي في عام 1939، من مأساة مذبحة سميل تصوراً عن اليوم الذي سيأتي ويحتفل بالسابع من آب كيوم للشهيد الآشوري. وفعلاً هذا ما حدث في عام 1970، أي بعد واحد وثلاثين سنة عندما ثبت السابع من آب كيوم للشهيد الآشوري. في مجلته المعروفة بـ "الجامعة السريانية" العدد الثاني من السنة الخامسة لسنة 1939، كتب ردا على رسالة بعثها له من الموصل أحد الذين كانوا يتخوفون من التسمية الآشورية لأن أسم المجلة التي كان يصدرها من الأرجنتين يشير غلافها إلى تسمية (Assyria) وكان يطلب تغييرها لأن هذا مصطلح لا يروق حكومة العراق، وطبعاً بسبب مذابح سميل. لنرى ماذا يقول هذا المبدع في رده التهكمي على "المصلاوي". يقول " إذا لم ترُق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك آدابك وشرف قوميتك وقواعد دينك أن تبدلها بغيرها إرضاء لخاطر الأمير وإكرماً لسواد عينيه وماذا تصنع غداً متى خطر لحاكمك المطلق أن يقول لك أنزع هذا الصليب عن باب كنيستك ومحظور عليكم أنتم معشر النصارى قرع الأجراس؟... أنك تستبعد حصول هذه الفواجع، ولكن الليونة والخنوع اللذين أبديتهما تجاه الحاكم المستبد سوف يحملانه على التمادي في ظلمه وإستبداده... ما أحلاك لما رحت تقول لي بكل بلادة وجهل أن التسمية الآشورية تفيد المعنى المذهبي "النسطوري" وهو قول تبرأ منه الحقيقة ويستنكره الجميع من الخاصة والعامة". ثم يزيد المفكر الكبير روعة على روعة وإبداعاً على إبداع حينما يتطرق إلى الحركة القومية الآشورية لعام 1933 والمذبحة لتي رافقتها في سميل ويسحب المستقبل إلى حاضره ليرى وبمنظور مستقبلي كيف أن لأجيال اللاحقة سوف تحتفل باليوم الشهيد الآشوري تخليدا للذين أستشهدوا في سميل، فيقول بهذا الصدد  "إذا كانت الصفة الآشورية اليوم تشير إلى الغير راضين بالإندماج في العربية والخضوع للحكومات الغاشمة وقد نالهم بسبب ذلك القتل والإضطهاد والسلب وكل أنواع المظالم والفطائع (يقصد مذابح الآشوريين في سميل عام 1933) ، فذلك شرف عظيم أنفردوا به، وسترد الأجيال القادمة ذكرى ذلك الإستشهاد وآثار تلك الفواجع التي أنزلها بهم أعدء الله والإنسانية ما بقي آدمي على وجه هذه البسيطة" وهذا ما حدث فعلا في عام 1970 عند إقر السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري ويستذكر من  تلك الفترة وإلى يومنا هذا... ما أعظمك يا معلم فريد نزها.

 


29
الأخ والصديق نمرود بيتو المحترم...
كما تعرف ويعرف الكثير من القراء إنني "بخيل" في ردي على المواضيع التي تنشر في هذا الموقع الأغر إلا فيما ندر وما هو مفيد، ولكن يا أخي ... والله "ورطتني" في أن أكتب هذه السطور من باب التوضيح وليس الشخصنة وأنا صراحة مشغول جدا في أمور أكثر فائدة لأبناء شعبنا. ومع هذا أشكرك وأشكر الأخ الصديق خوشابا سولاقا على الكتابة عن النادي وأمل منكما، بكونكما من نشطاء النادي، كتابة ذكرياتكم من دون شخصنة وإرسالها إلى الأخ توما روئيل يوخنا في عنكاوه حيث يزمع النادي الثقافي الآشوري في عنكاوة إعادة تدقيق وتصحيح ثم نشر كتابي المنشور بهذا الخصوص بعنوان (النادي الثقافي الآشوري – 1970 –  1980 – مسيرة تحديات وإنجازات) ليكون سجلاً حافلاً وموثقاً توثيقا شاملا لهذه المؤسسة التي لعبت دورا كبيرا في تنمية الوعي القومي الآشوري حيث سبق للنادي نشر إعلان لجميع أعضاء النادي السابقين بخصوص هذه المهمة. هناك حقيقة يجب ذكرها بأن كتابي المنوه عنه ليس بالتمام والكمال فبدون شك فيه نواقص وربما أخطاء يستوجب تكملة الحقائق وتصحيح الأخطاء، وأنا معذور عن هذه النواقص والأخطاء لأنني كتبت هذا الكتاب وأنا في المهجر وجلبت معي بعض الوثائق من قرارات وبيانات للنادي التي جمعتها في حينها من برميل الزبالة أمام بوابة النادي وتحديداً في بداية عام 1981 بعد إنتقال مقر النادي إلى منطقة أخرى وأعتمدت عليها في كتابة هذا الكتاب. ولما كان الموضوع يخصني وأنا عضو في الهيئة الإدارية التاسعة لذا سأعتمد عليه في جوانب معينة في كتابة هذه السطور.
الهيئة الإدارية التاسعة: 08/09/1979 – 15/09/1980
-----------------------------------
الأمواج العاتية تصنع القبطان الماهر، هكذا أيضاً أفرزت الظروف العصيبة التي عصفت بالنادي طيلة الشهور الماضية، أعضاء بمستوى المسؤولية والوعي على ضرورة حماية النادي وإنتشاله من الوضع الذي حشر فيه، فأدرك هؤلاء الأعضاء بأن الظروف السلبية والقاهرة التي مر بها النادي ستكون مبرراً للعناصر الأمنية والحزبية لفرض مؤيديهم على النادي والهيمنة على الهيئة الإدارية سيما بعد تهرب الكثير من الأعضاء من خوض غمار تحمل مسؤولية الهيئة الإدارية والنادي في هذه الحالة البائسة. من هذا المنطلق تقدم تسعة من أعضاء النادي المخلصين فتحملوا شرف مسؤولية الهيئة الإدارية وفي أحرج ظروف مر بها النادي. ففي 08/09/1979 وبحضور الحاكم المشرف على الإنتخابات تم إنتخاب السادة التالية أسماؤهم في الهيئة الإدارية: عوديشو آدم رئيساً للنادي، فيليب شمعون، نائباً للرئيس، أنطوان سفر أميناً للسر، بنيامين شندو أمينا للصندوق، والأعضاء أسماعيل بطرس، عمانوئيل قمبر، توما روئيل، كوريال شمعون وأبرم شبيرا وأعضاء إحتياط كل من هرمز نمرود ويوسف بطرس. وكل هذه الأسماء معروفة بنزاهتها وخبرتها الطويلة في النادي وتفانيها من أجل إستمرارها، وأن كان هناك واحد أو أثنين من المنتمين لحزب البعث بحكم وظيفتهم الحكومية إلا أنهم كانوا وبحق وحقيقة كانوا أنزهه وأنبل بكثير من المتمشدقين في القومانية وعملوا بكل تنافي طيلة عضويتهم في النادي (التفاصل عن شخصيتهم مذكورة في كتابه أعلاه)

كانت الجهات الأمنية والحزبية قد أولت أهمية كبيرة لهذه الإنتخابات حيث كانت تأمل، بعد الصعاب التي مر بها النادي وبقائه فترة من الزمن دون نشاطات تذكر، كانت تأمل في عجز العناصر القومية المستقلة من أعضاء النادي عن تحمل مسؤولية الهيئة ادارية لمرحلة قادمة أخرى بسبب المشاكل والصعوبات التي خلقت للنادي وكانت تأمل أن تحتل العناصر الأمنية والحزبية الهيئة الإدارية وقيادة النادي نحو تحقيق أهداف السلطة وحزب البعث بعد أن أصبحت الظروف موأتية لها. غير أن الحقيقة خيبت طنونهم، فعندما تم إستدعاء ثلاثة من أعضاء النادي، وأنا منهم، إلى مديرية الأمن العامة للإستفسار عن أسم رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية المنتخبة، عرضت الأسماء على المسؤول الأمني، وهو الملازم خليل – مساعد مدير شعبة المسيحيين والآثوريين في الأمن العامة – قال باللهجة العراقية وهو يموج بيده (هاي... هاي.. شالوا نمرود... جابوا عوديشو).الأعضاء الأثنان الحاضرين معي شهوداً على ما أقوله.
صحيح هو أن هذه الهيئة الإدارية فازت بالتزكية لأنه لم يكن هناك من يملك الشجاعة الكافية لدخول غمار المعركة والتورط في مسائل أصبحت بالنسبة للبعض خطرة بسبب تدخل الجهات الأمنية والنادي في أسوء حالاته بعد أن هجره الكثير من الأعضاء الذين كانوا من نشطاء النادي وأصحاب خبرة... وخلال دورة هذه الهيئة الإدارية قامت  بتسعة عشر نشاطاً ثقافياً على مستوى تعليم لغة الأم والمحاضرات والندوات ومعرض الكتب والأحتفالات الخاصة بالمناسبات التراثية. وعلى المستوى الفني عرضت العديد من النشاطات والمسرحيات وأشهرها مسرحية "أنشودة الأمل" من تأليف وإخراج الفنان المبدع كوريال شمعون والتي عرضت على مسرح قاعة الجمعية الخيرية الأرمنية في كمب ساره خاتون حضرها جمهور كبير قدر بـ 900 شخص. والأهم من كل هذا وذاك هو فتح باب الإنتساب لعضوية النادي بعد أن كان مغلقاً بسبب الأوضاع الإستثنائية فوضعت الهيئة الإدارية شروطا صارمة على المتقدم للإنتساب إلى النادي منها، إضافة إلى الشروط العامة المذكورة في النظام الداخلي، فرضت شرط ضرورة إجادة لغة الأم قراءة وكتابة وبعكسه يدخل طالب الإنتساب للنادي لدورة تعليم لغة الأم ويشترط إجتيازها بنجاح لكي يحصل على عضوية النادي، وسبب وضع هذا الشرط لأن طالبي الإنساب للنادي كان في تزايد كبير وكذلك سعياً نحو تغليب العناصر النوعية على الكمية.
كنت أتمنى أن أسرد جميع النشاطات التي قامت بها الهيئة الإدارية بالتفصيل حتى يتأكد بأن جميعها وعلى الإطلاق كانت تتعلق بمسائل قومية تراثية صرفة ولم تكن لها أية علاقة لا بالسلطة السياسية ولا بحزب البعث ولكن تجنباً للإطالة أمتنعت عن سردها ويمكن الرجوع إليها في كتابي المذكور. فكيف تكون هذه الهيئة الإدارية مفروضة من قبل الجهات الأمنية، لا بل غير راضية عنها وممتعضة منها والتي تبين ذلك خلال دورتها لمدة سنة واحد وبهذا الكم الهائل والنوع الفريد من النشاطات القومية؟ يذكرنا هذا بحادث عندما أستدعى المدعو هاشم شبيب مدير الصحافة في وزارة الإعلام، وهو عنصر مخابراتي بارز، أستدعى السيد عوديشو آدم رئيس النادي ورئيس تحرير المجلة وذهب أنا معه. ففي الإجتماع هددنا بغلق المجلة وأعطاء إمتياز إصدارها إلى نادي سنحاريب ورئيسها المدعو وليم شاؤول لأنها لا تتماشى مع سياسة الدولة ولا مع فكر حزب البعث. حتى أتذكر وقال وبغضب وهيجان" أنتوا مو عراقيين... وين عايشين في جزيرة واق واق". كان جالساٌ معه في مكتبه ضيف له برتبة عسكرية عالية قال له "والله أنا ما أخاف من الشيوعيين لأن أية مخالفة سوف أحطهم بالسجن أما ذولا الآثوريين بلوة البلاوي فإذا غلقت مجلتهم أو ناديهم فأنه في اليوم الثاني ستظهر مظاهرات وإحتجاجات في أميركا ضد الحكومة وحزب البعث” وكان هذا العنصر المخابراتي قد زار الولايات المتحدة الأمريكية مع وفد من "الناطقين بالسريانية" وأجتمع ببعض المؤسسات الآشورية هناك ولم يتلقى منهم غير الإهانات والإستهجانات والمقاطعات الغاضبة عند ألقاء كلمته على الحاضرين.
على العموم ما أريد تأكيده هو أنه من السهل أن تعمل وتسير على أرض منبسطة دون عوائق أما العمل والسير على أرض وعرة ومليئة بالأشواك والمخاطر فالأمر هنا يتطلب رجال مستعدين لتحمل المخاطر ولكن مما يؤسف له ظهر في حينه بأنه مجرد ظهور مثل هذه المخاطر ترك الكثير من نشطاء النادي دون أن يمدوا يد العون له لإنتشاله من أزمته.
أما بخصوص السيد افرام منصور الذي أصبح رئيس النادي بعد عام 1980 فهو من أعضاء النادي الأوائل وفي سنوات الأولى ترك النادي ولم يشارك في أي نشاط ولكن للحق يقال عنه بأنه رغم أرتباطاته الحزبية بحكم وظيفته الحكومية كان أنساناً نزيها ونشطاً ولم تبادر منه أية أذية أو نكاية بأبناء شعبنا ولا بأعضاء النادي والكل يعرف هذه الحقيقة، كما كان يفعل المدعو وليم شاؤول الذي كان يدبر وشاية تلو الوشاية ضد أبناء شعبنا وأنا واحد منهم، وهناك أمثلة كثيرة لا نريد سردها تجنباً للإطالة والخروج عن الموضوع. ففي الربع الأخير من عام 1980 كانت بوادر الحرب مع إيران والإستعدادت ظاهرة للعيان مما أثر ذلك على النادي كثيراً حيث ألتحق الكثير من الأعضاء بخدمة الإحتياط وآخرون تركوا النادي بسبب غيوم الحرب أو هاجروا إلى الخارج فلم يكن هناك من يتولى مسؤولية النادي حتى ذهب أحد أعضاء النادي كان موظف مع السيد أفرام منصور في المديرية العامة للمساحة وأقنعه للعودة إلى النادي وتولي مسؤوليتها، وهذا ما تم فعلا.

هنا حقيقة أخرى أود ذكرها وهي أنه لو كنت أنا من المطبلين لحزب البعث ومن ماسحي أكتاف رجال الأمن لما طردت النقيب خالد مدير شعبة المسيحيين والآثوريين في الأمن العامة ومنعته من الدخول إلى حفلة رأس السنة الجديدة المقامة على قاعة نقابة المحاميين في منطقة المنصور والذي هددني بعواقب وخيمة، وبعض أعضاء النادي كانوا حاضرين في تلك اللحظة. ولكن في بعض الأحيان القدر يلعب دوره. لقد كان شقيق هذا الضابط الأمني جندي هارب من الخدمة فعقاباً إليه نقلت خدماته من الأمن العامة إلى السماوة ليكون هناك ضابط مركز شرطة ثم أثناء الإنتفاضة هاجم عليه ثوار الشيعة وقتلوه تقيلا. لو كنت أنا من المطبلين لحزب البعث ومن ماسحي رجال الأمن لكنت اليوم الدكتور أبرم داود شبيرا، حيث بعد تخرجي من جامعة بغداد بدرجة إمتياز في العلوم السياسية وكنت الأول على الكلية كنت أقدم للحصول على شهادة الدكتوراه وخلال ثلاثة مرات تم ترشيحي من قبل اللجان العلمية المختصة، كانت مرة على حساب البعثات ومرتين على حسابي الخاص، وفي كل مرة كان الجواب يأتي "تم رفض ترشيحه من قبل الجهات العليا" وكنت أستفسر من بعض الزملاء في الجامعة أعضاء أتحاد الطلبة ومنظمة الحزب في الكلية عن سبب رفض ترشيحي فكانوا يقولون "غلطنا في الأولى الأولى عندما لم نعترض على قبولك لمرحلة الماجستير ولا نريد أن نغلط مرة ثانية".  كانت أطروحتي بعنوان "دور المثقفين في التحولات الإجتماعية" حصلت على درجة إمتياز مع طبعها على حساب جامعة بغداد غير أن رقابة المطبوعات رفضت طبعها مبينة أسباب الرفض في "عدم مساهمتها في تطوير فكر حزب البعث" هذه النسخة من الأطروحة وأسباب الرفض لا زالت محتفظا بها. أن عدم حصولي على دكتوراه ملوثة هو أكبر وسام أعتز به.

أخي العزيز نمرود، كما ذكرت وقلت " أتمنى من السيد شبيرا أن لايشخصن الأمور لأني أعتبر كل ما سردته من أحداث هي من الماضي والتي لا يجب أن تحدد علاقاتنا اليوم ولي له كل التقدير والاحترام وكان آخر لقاء لي به هو حضوري لندوة عقدها في ملبورن استراليا قبل عامين مع الأخ والصديق الاعلامي ولسن يونان، ولكن لان للتاريخ لسان فعلينا يجب سرد الأمور مثلما حدثت من دون تزويق".
ألف شكر على هذا الموقف، ولكن أسمح لي أن أقول أيضا وأكد لك بأنني لم  ولن أشخصن الأمور ولم أذكر أسمك وغيرك من الأعضاء السابقين في الحزب الوطني الآشوري في هذه السطور، خاصة والبعض منهم أصدقاء أعزاء لي... فكل ما ذكرته أعلاه موثق بوثائق خاصة النشاطات المذكورة.  ولكن دعني هنا أشخصن حالة خاصة وهي أن أقول شكراً لتذكيرنا بلقائنا في ملبورن – أستراليا، وهنا أود أن أضيف من باب "الشخصنة" وأقول بأنه بعد الندوة قلت لك بأنني أرغب أن أراك ونتحدث عن مسائل مهمة ولكن بعد عدة أيام عندما سألت عنك قالوا بأنه غادر ملبورن. في الحقيقة كان في جعبتي موضوعين للحديث معك، أولهما: كان إستغرابي الشديد عن إستقالة، أو طرد كما ذكر رئيس الحزب، العدد الكبير من أعضاء الحزب الوطني الآشوري لربما كان هذا العدد أكبر بكثير من عدد أعضاء الحزب الذين بقوا فيه، وهي ظاهرة غريبة في الأحزاب السياسية عامة، وكنت أتمنى أن يكون جوابك شافياً لإزالة إستغرابي لأنني من المهتمين بشؤون أحزابنا السياسية. وثانهما: حثكم لعمل شيء في هذا السياق وعدم ترك الساحة القومية خاصة وأنتم أصحاب خبرة طويلة في هذا المجال، وأمل أن نلتقي ونعيد طرح هاذين السؤالين وتزيل إستغرابي وأن نراك على الساحة القومية السياسية مرة أخرى ونتحدث أنا وأنت وصديقنا خوشابا عن المستقبل أكثر فأكثر.   
وأخيرا أستعير منك هذه العبارة وأقول "أعتذر وبشدة من القارئ الكريم لهذه الاطالة التي اضطررت لها بالرغم من محاولتي الشديدة في الاختصار".



30
صرخات غبطة البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو
 بين المسؤولية والواقعية
=========================================
أبرم شبيرا
دعوات أم صرخات ؟:
------------
أطلق غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العالم صرخته الأخيرة متسائلاً "هل سيهب المسيحيون العراقيون لإجتماع يُناقش أوضاعهم؟. وهي ليس الأولى بل سبقتها دعوات  أخرى إلى أبناء شعبنا وأحزابه السياسية والمثقفين، وكان غبطته أيضا قد تسائلا "ألم يحن الأوان لتشكيل تجمع سياسي واحد لمسيحيي العراق؟" والتي دوت هذه الصرخات في الساحة القومية والدينية لشعبنا في الوطن والمهجر تناولها بعض المهتمين بالموضوع تأيداً وتحفظاً ومعارضاً. ومن الملاحظ بأن الدعوات التي أعلنها غبطته تتصف بنوع من الصرخات أو هكذا أطلق عليها، لماذا:؟ لأنها: أولا: التشابه والتماثل في الهدف المتوخاة منها المتمثل في وحدة شعبنا المسيحي في العراق وتضامن أحزابه السياسية كسبيل لضمان حقوقه المشروعة في العراق. ثانياً: إستمرار هذه الدعوات المقرونة بحالة من اليأس نتيجة وقوعها على آذان صماء رغم أن للمعنيين بالدعوات لهم آذان قادرة على السماع ولكن لا يتحركون قيد أنملة. ثالثا: تنطلق من موقع مسؤول عن أكبر كنيسة في العراق يشعر بمعاناة مؤمني كنيسته وغيرهم من مؤمني الكنائس الأخرى ويتألم من هذه المعاناة خاصة وهي في تصاعد مستمر نحو المستقبل المجهول. رابعاً: بمراجعة بسيطة لتاريخ كنيستنا المشرقية في العراق وبكل تفرعاتها، يعتبر غبطة الكاردينال أول بطريرك في الماضي والحاضر يطلق هذا الكم من االدعوات لجميع أبناء الشعب المسيحي في العراق، خاصة أذا قارنا ذلك ببقية بطاركة كنيسة المشرق في هذا العصر. هذا التراكم الكمي والنوعي لهذه الدعوات هي التي جعلتها أن تكون بمثابة صرخات تعبر عن القلق والمعاناة التي تختلج صدر غبطته في فترة تعد من أسوء الفترات التي مرً ويمر بها المسيحيون في العراق والتي تهدد وجودهم التاريخي في أرضهم التاريخية. حقاً وصدقاً عندما قال رسول الأمم "من يشتهي الأسقفية" في هذا الزمن الصعب والظالم ومصير المسيحيين سائر نحو المجهول.

المسؤولية في صرخات البطريرك:
-------------------
لا أحد يستطيع أن ينكر بأن غبطة الكاردينال مار لويس هو على رأس أكبر كنيسة مسيحية في العراق، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ومسؤولا كنسياً عن أكبر عدد من المؤمنين المسيحيين سواء الصامدين في أرض الوطن أم المهجرين إلى بلدان المهجر. هناك حقيقة واقعية تؤكد بأن الكلدان يمتلكون بنية تحتية ثقافية وإقتصادية وأثنوغرافية وجغرافية قوية وراسخة في مقارنة مع بقية البنية التحتية لبقية مؤمني فروع كنيسة المشرق، ولكن، لأسباب خاصة وعامة، لم تستطيع هذه البنية القوية للكلدان أن ترتقي وتنعكس في بنية فوقية تتمثل في مؤسسات وأحزاب كلدانية تتماثل مع قوة البنية التحتية للكدان غير تنظيم أوتجمع هنا وهناك غير قادر على الإستمرار أو على مجاراة الأحداث والتعامل مع الأوضاع المأساوية التي حلت بأتباع الكنيسة وبغيرهم. وحتى الرابطة الكلدانية، رغم إستمرار وجودها  المترنح، إلا أنها لا زالت تتراوح في مكانها ومن دون أن تستطيع أن تعمل شيء لتزيح ولو قليلا من ثقل المأساة والفواجع التي حلت وتحل بالكلدان وأن تعزز ثقتهم بها كمؤسسة كلدانية مفيدة لهم قادرة على تحمل المسؤولية في هذه الأوضاع الصعبة. فإذا كان الأمر بهذه الصعوبة في وطننا بيت نهرين فأنه ليس كذلك في بلدان المهجر التي تنسبط الأرض لعمل وبنشاط ونجاح لمثل هذه المؤسسات ولكن أيضا لم تظهر مؤسسات كلدانية بمستوى المسؤولية في بلدان المهجر، وأن كانت هناك مساعي لتأسيس مؤسسة كلدانية شاملة إلا أنها أنطفئت قبل أن تخطو خطوة واحدة. ومؤتمرات النهضة الكلدانية خير دليل على ذلك. 

كان في جعبتي بحث مقارن بين المجلس القومي الأشوري في ولاية ألينوي – شيكاغو والرابطة الكلدانية العالمية ولكن أجَل لفترة أخرى. أوجه التشابه في المقارنة تتمثل في أن المجلس أسس بمبادرة المثلث الرحمات مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية السابق ولكن من دون تدخل الكنيسة وبشكل مباشر في شؤونها، وإن حاولت التدخل خاصة في فترة الإنتخابات لهيئته الإدارية فأنها لم تفلح بسبب قوة المجتمع المدني والوعي القومي والعلماني لدى الآشوريين. كذلك تأسست الرابطة الكلدانية بمبادرة من غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ولكن ترتبط بالكنيسة بشكل أو بآخر ويكفي أن يكون شفيعها القديس مار توما لتكشف عن طابعها الديني وهي تنظيم علماني مدني كما يقال عنها. ولكن المقارنة شتان بين نشاط ونجاح المجلس الذي يعتبر من أنجح المؤسسات الآشورية حتى بالنسبة للمؤسسات المسيحية العراقية في المهجر والذي أيضا تمتد يده لمساعدة ابناء شعبنا في الوطن، وبين الرابطة الكلدانية في الولايات المتحدة التي لا ذكر لها على ساحة العمل الملموس أوالمجيء بنتائج مثمرة للكدان بشكل خاص وللمسيحيين بشكل عام.

ولكن من جانب آخر وبكل تفاصيله نرى بأن هذه البنية التحتية القوية للكدان أنعكست في الكنيسة، كبنية فوقية، وجعلتها أكبر مؤسسة كلدانية وأقواها، لا بل المؤسسة الوحيدة التي من خلالها تمر الهوية الكلدانية إلى العالم الخارجي ويتعرف الآخرون على هوية أتباعها، بحيث وصل ألأمر للقول بأنه لا يوجد كلداني بكل ما يحمله من مقومات لهوتيه الكلدانية إلا وهو منتمي بشكل أو بآخر إلى الكنيسة الكلدانية. ومن جهة أخرى ليس كل منتمي إلى الكنيسة الكلدانية يحمل الهوية الكلدانية كمصدر للإنتماء، رغم إيماني الشخصي بأن الهوية الكلدانية بما تحمله من مقومات هي نفس المقومات التي تحملها الهوية الآشورية والسريانية وإن كان هناك إختلاف في مصدر الإنتماء فمرد ذلك هو الكنيسة فقط لا غيرها، فهناك الكثير من أتباع الكنيسة الكلدانية ولكن مصدر إنتماء هويتهم هو آشوري، لا بل فقد كان هناك العديد من رواد الفكر القومي الآشوري والحركة القومية الآشورية من أتباع الكنيسة الكلدانية.
 
 في رسالة بمناسبة عيد شفيع الكنيسة الكلدانية مار توما الرسول في الأول من تموز 2020 يقول غبطة الكاردينال "الكلدانية ليست مذهبا ولا يوجد في الدنيا مذهب أسمه كلداني... هذا هراء! مذهب الكنيسة الكلدانية كاثوليكي أما هوية شعبها فهي الكلدانية". ولكن ما هي الهوية الكلدانية ومن يصونها ويعممها ويعززها ويحميها من الضياع في متاهات هذا العصر؟. لا جواب على هذا التساؤل غير القول بأن هذه المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على المؤسسات والأحزاب الكلدانية، ولكن بسبب ضعفها وهشاشتها وعدم إستمراريتها وبفاعلية عجزت عن هذه المهمة، لذلك كان من الطبيعي ضمن هذه الظروف الشحيحة في حماية الهوية أن تنتقل هذه المسؤولية إلى أكبر مؤسسة وأكثر فاعلية وإستمرارية وهي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وتسعى، وعلى رأسها الكاردينال مار لويس، إلى العمل وبكل الوسائل لحمايتها من الضياع في المتاهات السياسية الصعبة والمميتة في أرض الوطن وبلدان المهجر. فإذا كانت الكلدانية هوية الكلدان، شعب الكنيسة الكلدانية، والكنيسة كما نعرف تعني الجماعة أو الشعب، إذن لا معنى لها، أي الكنيسة، إلا بوجود هذه الجماعة التي تحمل الهوية الكلدانية. فمن هذا المنطلق تصبح أيضا الكلدانية هوية الكنيسة الكلدانية بغنى عن مذهبها أو إيمانها الكاثوليكي.
 
هذا الوضع في تحمل مسؤولية حماية، ليس الهوية الكلدانية فحسب، بل بإعتقادي هوية جميع المسيحيين الذين يشاركون من جهة أو بأخرى في مقومات هذه الهوية من لغة وعادات وتقاليد وتاريخ وأرض، جعل من البطريرك أن يعبر عن معاناة وحرمان كل المسيحيين في العراق. صحيح البطريرك مار لويس هو على رأس الكنيسة الكلدانية وقد يبدو بأنه ليس لغبطته الحق التحدث عن بقية المسيحيين المنتمين إلى الكنائس الأخرى في العراق الذين أيضا لهم بطاركة على رأس كنيستهم. فبطاركة كنيسة المشرق كلهم لاهوتياً وأكليركيا وكنسياً متساوون فلا كبير أو صغير بينهم وكل واحد منهم يتحمل مسؤولية تجاه مؤمني كنيسته. ولكن بسبب ظروف تاريخية وواقعية تجعل من بطريرك معين أن تكون له الأولية على أخوته البطاركة الآخرين ومن دون إي إخلال بالمساواة بينهم وإستقلاليتهم. هذا المفهوم في الأولية مستمد من المباحثات المسيحانية التي كانت تجري بين الكنائس الشرقية مع الفاتيكان. فإذا كان هناك إحتمال التوصل إلى الشراكة في الإيمان والأسرار السبعة لجميع الكنائس وارد وممكن، فأن الصعوبة الكبرى، أو الإستحالة في هذه المباحثات كانت ولاتزال مرتبطة بالسلطة الكنسية المتمركزة في البابا بإعتباره خليفة بطرس الجالس على الكرسي. غير أنه كحل وسط ظهر مفهوم أولوية أسقف روما على أخوته من بطاركة الكنائس الشرقية ومن دون أخلال بمكانتهم البطريركية المستقلة، وهو الأمر الذي لازال بين المد والجزر ولم يصل إلى نهايته المقنعة للجميع.

أتباع الكنيسة الكاثوليكية في العالم يقدر بـ 1.2 مليار وهم في إزدياد مستمر، أما عدد نفوس المسيحيين في العالم فيقدر بنحو 2.2 مليار. فمن المؤكد عندما ينقرض الكاثوليك أو تتراجع أو تتعثر الكنيسة الكاثوليكية فالإحتمال وارد جداً تراجع أتباع بقية الكنائس في العالم وتقلص نفوس المسيحيين خاصة والديانات الأخرى وتحديدا الدين الإسلامي في إزدياد مستمر ورهيب يهدف إلى طغيانه وسيطرته على الشعوب كدين وحيد إن لم يكن في العالم فعلى الأقل في وطننا العراق. من هذا المنطلق نقول لو تراجعت أو ضعفت أو أنقرضت الكنيسة الكلدانية من العراق بإعتبارها أكبر كنيسة مسيحية، فبالنتيجة والحتم ستسير بقية الكنائس في العراق نحو الضعف لا بل ونحو هاوية الإنقراض والزوال من العراق. كل هذه الأوضاع والحقائق والوقائع هي التي تدفع البطريرك مار لويس ليكون في موقع المسؤولية في دعواته لحماية المسيحيين في العراق وتجعل منها صرخات تنطلق من موقع المسؤولية ليظهر غبطته كمتحدث رسمي للمسيحيين في العراق. ولكن السؤال يبقى قائماً وفارضاً سطوته على الواقع: أفهل تستطيع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية حماية هوية مؤمنيها في غياب فاعلية المؤسسات المدنية الكلدانية؟ واقع الحال لا يشجع ليكون الجواب إيجابيا، لأن إهتمام الكنيسة الكلدانية بمذهبها الكاثوليكي أكثر بكثير من إهتمامها بالهوية الكلدانية لمؤمنيها خاصة عندما نعرف بأن هناك الكثير من الكلدان، وتحديداً في المهجر، يذهبون إلى الكنائس الأخرى غير الكلدانية طالما مذهبها كاثوليكي. هذا قد يكون سبباً رئيسياً في أهتمام غبطته بالمسيحيين وتوجيه دعواته إلى كل المسيحيين في العراق بما فيهم الأرمن وحثهم على الإتحاد لتشكيل تجمع سياسي واحد لمسيحيي العراق على أساس ديني وليس قومي. ولكن ماهي واقعية تشكيل تجمع مسيحي سياسي موحد في ظل نظام قائم على أسس دينية طائفية متخلفة لا يستصيغها هذا العصر؟
الواقعية في صرخات البطريرك:
-----------------
كما سبق وذكرنا بأن صرخات غبطة البطريرك دوت على الساحة السياسية لشعبنا المسيحي في العراق وفي بعض بلدان المهجر وأنعكس ذلك في بعض الردود والتعليقات على صرخات غبطته بين مؤيد ومجامل من جهة ومتحفظ ورافض من جهة اخرى، إلا أن في مجملها لم تبين أو تطرح آليه منطقية وواقعية لكيفية تحقيق هدف هذ الصرخات من جهة وإنها وقعت على آذان صماء للمعنيين بها من جهة أخرى ، لماذا؟ لا لشيء إلا لأنها أبتعدت عن الواقعية وعن الواقع المعايش لشعبنا ولأحزابه السياسية وتنظيماته القومية. فهناك محطات تبعد هذه الصرخات عن الواقع المسيحي في العراق. نبدأها بـ:
أولا: الجهات المعنية بالصرخات، أي الأحزاب والتنظيمات المسيحية آذانها صماء غير قادرة على سماع هذه الصرخات والعمل بموجبها لأنها مصابة بفايروس الكرسي الذي هو أقوى من فايروس كورونا. فصرخات غبطته ليست بالدواء أو اللقاح المناسب  للقضاء على فايروس الكرسي والشفاء منه.
ثانيا: هناك دعوات ومحاولات سابقة للإتحاد والوحدة والتعاون بين تنظيمات شعبنا، وتجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية خير مثال على ذلك. غير أنه لم يخطو خطوة أو بعض الخطوات إلا ووقع في بئر المصالح الحزبية وغرق فيه وأصبح في خبر كان. هكذا يرى المعنيون بهذه الصرخات بأنها لا تعدو أن تكون غير فكرة مثالية وطوباوية أو محاولة سيكون مصيرها كالسابقات، وبالتالي لم يكترثوا بها ووجدوا فيها مضيعة للوقت وزيادة في الإحباط.
ثالثا: مواقع التواصل الإجتماعي هي نعمة ونقمة. فللحكيم هي نعمة يمكن إستخدامها، خاصة بالنسبة لشعبنا الفقير من جمع النواحي ولا يملك أدوات التأثير على الغير لتحقيق الصالح العام. من هذا المنطلق فكثير من المعنيين بصرخات غطبته لا يكترثون بمواقع التواصل الإجتماعي ولا يدخلون عليها لقراءة ما هو مفيد لهم ولشعبنا أيضا، ولم نسمع أو نعلم بأن قادة حزب سياسي قرأوا موضوع يهمهم بالصميم وأخذوه بعين الإعتبار، فهم يعتقدون بأنه عيب على زعيم حزب سياسي أن يسمع كلام كاتب أو مثقف أو مختص كتب موضوعا عن الحزب، فزعيم الحزب أذكى بكثير من كل المثقفين وإهانة له أن يعترف بأنه إستفاد من الموضوع المنشور في موقع التواصل الإجتماعي. لهذا السبب كان على غبطته أن لا يطلق صرخاته عبر التواصل الإجتماعي، بل كان من الأجدر أن يفاتح المعنيين بالأمر مباشرة ويدعوهم برسائل خاصة لعقد الإجتماع والتباحث في الموضوع المطروح فلربما كان وقعها أكثر تأثيراً عليهم من مواقع التواصل الإجتماعي، خاصة وغبطته له مكانة متميزة ويترأس أكبر مجموعة مسيحية في العراق ومن المفترض أن تكون رسائله المباشرة أكثر تأثيرا ووقعاً على المعنيين بالأمر.
رابعاً: أنتقد بعض القراء الأعزاء، وهم على حق، بأنه في الوقت الذي هناك معارضة شديدة للتوجهات الدينية في السياسة العراقية ورفضاَ شديداً للإستحقاقات الطائفية في الحكم التي تبعد أبناء شعبنا عن التمثيل الحقيقي، نرى بأن صرخات غبطته "المسيحية" تنصب في نفس خانة التوجهات الدينية والمحاصصة الطائفية التي هي شر البلة على شعبنا. الأمر الذي جعل صرخات غبطته أن تبتعد عن الواقعية المفيدة لشعبنا في العراق. المثل يقول أعرف عدوك، فالطائفية والمحاصصة في الحكم والسياسة عدو شعبنا في العراق لأنها تحرمنا من أبسط الحقوق. فالشيء الذي نعرفه عنه هو أنه رغم كون معظم الأحزاب المتسلطة على العباد والبلاد هي أحزاب إسلامية طائفية صرفة في مضمونها وممارساتها ولكن في شكلها أو تسميتها أو في أسماء قوائمها الإنتخابية تأخذ أسماء وطنية وإنسانية وقومية براقة تخفي مضمونها الديني والطائفي. من هنا يمكن القول بأنه كان من الممكن أن تكون صرخات غبطته أكثر واقعية وعلمانية لو وجهت ودعت أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري إلى الإتحاد وتشكيل تنظيم موحد من دون الإشارة إلى شكلها المسيحي لأن حتماً في مضمون هذا الإتحاد، شئنا أم أبينا، سيكون مسيحياً لأن الكلدان والسريان والآشوريين كلهم مسيحيون.
خامساً: وجد غبطته في صرخاته التسمية المسيحية كأفضل تسمية موحدة لشعبنا وشمل الأرمن أيضا. لماذا؟؟ لأن في إعتقاد غبطته لا توجد تسمية موحدة تجمع جميع أبناء شعبنا فلا محال من التسمية المسيحية فهي الأفضل. شعبنا في العراق يعيش حالة إستثنائية وغريبة بعض الشيء بتسمياته الثلاث، "الكلدان والسريان والآشوريون" تدخل ضمن ما أطلقنا على أمتنا  في السابق بانها "أمة الإستثناءات". الكلدان والسريان والآشوريون ليسوا ثلاث قوميات أو أثنيات كما يعتقد البعض، بل هم قومية واحدة، لماذا؟ لأنهم ببساطة تجمعهم نفس المقومات القومية المشتركة. وأبسط مثقف يعرف ذلك وتجاهله بقصد أو بجهل فهو أمر يتنافي مع الحقيقة الواقعية والتاريخية. فمثلما أنا لي الحق، لا بل كل الحق أن أتمسك بأشوريتي كذلك بنفس الحق أن يتمسك الكلداني بكلدانية وأيضاً السرياني بسريانيته لأن كلنا نمتلك نفس مقومات أمتنا. إذن ما الحل لضمان حقوق هذه القومية التي تسمى بالتسميات الثلاث من دون الإخلال بأي تسمية؟ تعيش أمتنا في ظروف أستثنائية يستوجبها حلول إستثنائية، لهذا السبب جاءت التسمية المركبة الموحدة "الكلدان السريان الآشوريين" كحل إستثنائي لضمان حقوق شعبنا بكل تفرعاته وصيانة تسمياتنا التاريخية. نفس الظروف الإستثنائية هي التي فرضت في بداية القرن الماضي على زعماء الأمة أن يتبنوا التسمية المركبة "كلدو آشور" في نضالهم من أجل الحقوق القومية كسبيل لتحقيق أكبر حشد شامل لجميع أبناء الأمة، لأن في وقت الأزمات والكوارث يتطلب أكبر حشد جماهيري لمواجهتها. ونفس الظروف الإستثنائية هي التي فرضت قسوتها على رواد الفكر القومي الوحدوي أمثال نعوم فائق وفريد نزها وغيرهما على تبني التسمية المركبة. يخطأ جداً من يعتقد بأن هذه التسمية هي لقومية جديدة وبالتالي غير مقبولة نهائيا، بل هي طرح سياسي ودستوري لمواجهة التحديات المشتركة للجميع وبالتالي لضمان الحقوق المشتركة للكلدان والسريان والآشوريين. لنعتبرها جبهة أو إتحاد نطلق عليها "الجبهة القومية الكلدانية السريانية الآشورية" ونواجه الآخرين بسلاح موحد وفعال. هناك أحزاب سياسية مختلفة من نواحي عديدة وفئات وحتى قوميات مختلفة في العالم تدخل في جبهة موحدة  وكحشد جماهيري أكبر وكسلاح موحد وقوي من أجل مواجهة العدو المشترك لهم وتحقيق الصالح العام. فكيف بالنسبة لنا نحن الكلدان والسريان والآشوريين الذين تجمعهم مقومات مشتركة وتضعهم كلهم في ساحة واحدة لمواجهة العدو المشترك الذي يعمل ليل نهار من أجل القضاء على جميعنا من دون تفرقة بين هذه التسمية أو تلك؟ لقد دلت التجارب السياسية بأن هذه التسمية الموحدة ناجحة ومقبولة لأن غالبية  أبناء شعبنا صوت في الإنتخابات البرلمانية للأحزاب التي تبنت هذه التسمية وبالتالي الفائزون بكراسي البرلمان هم، قبلنا أم رفضنا، ممثلي شعبنا على الأقل من الناحية الرسمية والقانونية رغم علمنا جميعاً بسرقة هذه الكراسي من قبل الذئاب الكبيرة. فهذه الإنتخابات هي المعيار الوحيد المتوفر والمتاح في قياس نجاح هذه التسمية المركبة. فمن يعمل في المجال السياسي ويسعى في مطالبته للحقوق القومية لشعبنا لتحقيق هذه الحقوق عليه أن يأخذ هذا بنظر الإعتبار وإلا سيكون بعيدا عن الواقعية المطلوبة في كل عمل سياسي رزين ومثمر.


التحول من السياسة إلى القانون:
-------------------
لم تمض بضعة أسابيع على دعوة البطريرك للأحزاب السياسية المسيحية للإتحاد وتشكيل تنظيم موحد والذي هو في شكله وجوهره موضوع سياسي، نرى غبطته يتحول من السياسة إلى القانون، ربما أدرك غبطته بأن صرخته إلى الأحزاب السياسية المسيحية غير مجدية فتحولت صرخاته من الساحة السياسية إلى القانونية. ففي رسالته الأخيرة حول مراعاة حقوق المسيحيين في خصوصيتهم بموضوع الأحوال الشخصية المنشور على الموقع الرسمي للبطريركية
(http: //saint-adday.com/?p=38564) نستل في أدناه من مقدمته ما يقوله غبطته:
 
مثل هذه الأمور او المطالب الحساسة التي عرضها غبطته والمتعلقة بالدستور خاصة الدستور العراقي الذي يتبنى الإسلام مصدر أساسي للتشريع يكون تحقيقها صعب جداً لأنها تتعلق بالمعتقد الديني للحكام والمسيطرين على العباد والبلاد ولا يمكن أن يكون لها تأثيراً قوياً، ليس بسبب موقف الإسلام من غير المسلمين فحسب، بل لأنها:
أولا:  عندما تصدر من شخص أو بطريرك واحد كأنما يمثل نفسه أو كنيسته أو رعيته رغم أن المواضيع المطروحة والمطالب بها تخص جميع المسيحيين في العراق. لذلك كان من الأجدر أن تصدر من قبل عدد أكثر من بطاركة كنيسة المشرق أو من مجلس يمثلهم، ليكون مطلباً شاملا لجميع الكنائس في العراق. وقد يثير طرح مثل هذه المواضيع التي تخص جميع المسيحيين من قبل بطريرك واحد، يثير نوع من الحساسية وسوء الفهم بأن غبطته يتكلم ويتحرك نيابة عن بقية البطاركة الذين أيضا لهم إستقلالية تجاه مؤمنيهم. كنُا في السابق قد طرحنا فكرة تأسيس مجلس بطاركة كنيسة المشرق في العراق من الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية والمشرق الآشورية والسريانية الكاثوليكية والشرقية القديمة لتكون مرجعاً دينياً وكنسياً لجميع مؤمني هذه الكنائس لأنه من الممكن مطلب من هذا المجلس قد يكون أكثر تأثيراً. هناك في العراق مجلس الطوائف المسيحية الذي أسس ليكون مرجعاً للمسيحيين في العراق، وقد يقول البعض بأنه كان من الأجدر بهذا المجلس أن يطالب بهذه المطاليب، من دون أن يدركوا بأن هذا المجلس مشلول وقد أسس على رمال متحركة لا يستطيع أن يتحرك نحو الأمام لتحقيق مطلب ولو بسيط. أعترض البعض وأنتقد غبطة الكاردينال مار ساكو على إنسحابه من هذا المجلس من دون فهم مبررا الإنسحاب. المجلس أسس على أسس ومفاهيم خاطئة لأن الكنائس المشرقية الخمسة المذكورة أعلاه ليست طوائف ومشايخ وأسسقفيات متكونة من بضعة عشرات من أتباعها، بل هي مؤسسات لاهوتية إيمانية تاريخية وتراثية تمثل في جوانبها الكثير من المقومات القومية لمؤمنيها.
ثانيا: مرة أخرى نعود إلى وسائل التواصل الإجتماعي حيث نرى غبطته يستخدم الموقع الرسمي للكنيسة للإعلان عن المطالب التي يسعى إلى تقديمها للسلطات المعنية لتعديل بعض مواد الدستور الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين في العراق. كان من الأجدر والأنفع إتصال غبطته ببقية بطاركة فروع كنيسة المشرق للتباحث المشترك في الموضوع، طالما يخص جميع مؤمني هذه الكنائس ومن ثم بعد التباحث والإتفاق على الأسس المبدئية تطرح سواء بشكل مباشر برسائل إلى بعض المختصين في المواضيع المطلوبة أو تطرح على العامة عن طريق المواقع الألكترونية، ثم بعد تخميرها وفبركتها قانونيا وصياغتها نهائياً تقدم للجهات المعنية، ومن المؤكد ستكون موضوع إهتمام أكثر من صدورها من قبل بطريرك واحد وعبر وسائل التواصل الإجتماعي.
ثالثاً: الموضوع المطروح والخاص بالأحوال الشخصية للمسيحيين الوارد في رسالة غبطته يتعلق بالقوانين والدستور وهي مسائل رغم في شكليتها قانونية إلا أنها مواضيع سياسية صرفة. هناك تداخل في المواضيع التي تُدرس في كليات العلوم السياسية مع المواضيع القانونية، خاصة بالنسبة للقانون الدولي العام والخاص والقانون الدستوري. فالكثير من أساتذة العلوم السياسية يدرجون هاتين المادتين ضمن مواد العلوم السياسية رغم صفتهما القانونية. الدستور العراقي الحالي فريد من نوعه في العالم فهو يجمع تناقضات لا مثيل لها إلا في القرون السابقة المظلمة. من جهة يشير إلى الديموقراطية وحقوق جميع أبناء الشعب العراقي ثم يرجع في مكان آخر يؤكد الفوارق الكبيرة بين المسملين وغير المسلمين ويرجعنا إلى نظام أهل الذمة. في موضوع سابق كتبناه ونشرناه في هذا الموقع قد شبهنا هذا السدتور بـ "الدب والقبقاب" وكان تحت عنوان "الدستور العراقي والدب والقبقاب". أي بصريح العبارة، أن مطاليب غبطته هي مطاليب سياسية تخص تغيير مواد الدستور الإيمانية والعقائدية وهي من المطاليب المستحيلة في ظل نظام سياسي قائم على أعتبار الإسلام دين الدولة ومصدر كل التشريعات.
فما الحل؟:
------
من الناحية الكنسية: طبعاً وحدة فروع كنيستنا المشرقية أمر يقترب من المستحيل وذلك لأسباب لاهوتية وتاريخية والأكثر إدارية متعلقة بسلطة الكنيسة. إذن يجب أن لا نركض وراء غير الممكن ونترك الممكن. فما هو الممكن في هذا السياق؟ كان في نهاية عام 1995 عندما إستضافني أعضاء قيادة المنظمة الآثورية الديموقراطية في القامشلي في سوريا للحديث عن السبيل لوحدة كنائسنا بعد البيان المسيحياني الذي وقع في سنة 1994 بين القديس البابا يوحنا بولس الثاني رحمة الله ومثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية السابق. فجوابي كان بكلمتين "فنجان قهوة" فأستغرب المستمعون وتسائلون عن قصدي من هاتين الكلمتين اللتين لا علاقة لهما بالموضوع. فقلت نتمنى أن يجتمع بطاركة فروع كنيستنا المشرقية الخمسة، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة، على طاولة واحدة لا لمناقشة القضايا اللاهوتية التي ثبت بالتاريخ بأنها لا نتيجة مثمرة منها، بل للجلوس مع البعض وشرب "فنجان قهوة" ومن ثم نقل خبر هذا اللقاء الأخوي والودي إلى أبناء شعبنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي مع بعض الصور لللقاء، لأنه بالحتم والنتيجة سيترك هذا الخبر نوع من التفائل بين أبناء شعبنا وسيكون خطوة أولى للقاءات أخرى أكثر جدية وثمارا. وبالنظر لكون غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو على رأس أكبر كنيسة في العراق فعلى غبطته تقع مسؤولية دعوة بقية البطاركة لتناول "فنجان قهوة" في ضيافته الكريمة لتكون حجر الأساس للقاءات أخرى أكثر من ”فنجان قهوة" ويترك مثل هذا اللقاء إشارات إيجابية على المستوىين الكنسي والقومي.


من الناحية السياسية:
نادرا ما أتصفح صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، خاصة فيس بوك وغيره، إلا ما يطرحه بعض الكتاب الرزينين والأصدقاء الأعزاء. أعجبني جداً، وأنا أطالع ما كتبه صديق العمر المهندس خوشابا سولاقا في الفيس بوك عن الوحدة القومية لشعبنا بقوله "الحل لتحقيق وحدتنا القومية يجب أن يخرج من باب الكنيسة كما خرجت منه أسباب فرقتنا وتمزقنا...". مقولة صديقنا المخضرم  فيها حكمة ومنطق جدلي بين القومية والكنيسة وفيها إشارة واضحة كل الوضوح بأن الحل لتحقيق وحدتنا القومية يجب أن يخرج من باب الكنيسة لأنها كانت سبب فرقتنا وتمزقنا وهذا لا يعني إلا  تدخل الكنيسة في السياسة والمسألة القومية لأن التطرق إلى الوحدة القومية هي مسألة سياسية صرفة. تدخل الكنيسة في السياسة، لنكن أكثر وضوحاً، في المسألة القومية، أو كما يقال عنها فصل الكنيسة عن السياسة، أعترض بعض القراء على صرخات غبطة البطريرك على أساس أنها تدخل في السياسة داعين إلى ضرورة فصل الكنيسة عن السياسة. هذا الموضوع طويل وعميق سبق وأن كتبنا عنه كثيراً، ولكن الذي أرغب أن أقوله هنا هو انه من المؤسف نرى  بأنه ليس هناك شحة واضحة في الثقافة السياسية للكثير من أبناء شعبنا في هذا  الموضوع فحسب بل أيضا صعوبة وإرتباك في فهم بعض المؤسسات التاريخية لشعبنا وتحديداً الكنيسة. فالكنيسة، وتحديداً المشرقية بكل تفرعاتها، ليست بنيان أو هيكل لاهوتي إيماني فحسب بل الكنيسة لشعبنا هي مؤسسة تاريخية تراثية تحمل بين طياتها مقومات وجود شعبنا.
هذا الموضوع أثير حوله الكثير من الكتابات والأعتراضات وحتى التهجمات معظمها منطلقة من الفهم الخاطئ في الفصل بين الكنيسة والسياسة والأصح الفصل بين الكنيسة والدولة، والتي تعرف في علم السياسة بــ "التعلمانية". وكل ما نريد ذكره هنا هو أن هذا المفهوم في الفصل بين الكنيسة والدولة نشأ في أوروبا في عصر الثورة الصناعية الأولى وصعود الطبقة البرجوازية ونشؤ الدول القومية على أنقاض الأمبراطوريات والنظم الإقطاعية التي كانت تسيطر عليها الكنيسة من جميع الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفلسفية. أي بهذا المعنى أن هذا المفهوم في الفصل بين الكنيسة والسياسة والأصح بين الكنيسة والدولة نشأ ضمن ظروف تاريخية خاصة في أوروبا فأقيم عليه نظريات عديدة منها العلمانية والعقد الإجتماعي في الحكم وغيرهما. أما في بلدان العالم الثالث فأن ظروفها تختلف كلياً عن ظروف البلدان الأوروبية وبالتالي فأن العديد من النظريات والمفاهيم التي نشأت في أوروبا لا يمكن أن تنقل ميكانيكياً وتطبق في بلدان عالم الثالث وتحديدا في وطننا بيت نهرين. وهذا هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه معظم الذين تناول موضوع الفصل بين الكنيسة والسياسة وحاولوا تطبيق هذه النظرية "الأوروبية" على بلد متخلف إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا يلعب الدين دوراً حاسماً في الكثير من الأمور في مقارنته مع البلدان الأوروبية.  كنت أتمنى أن يكون قراءنا الأعزاء قد قرأوا مفهوم الفيلسوف كارل ماركس عن الإستبداد الشرقي لكان الأمر سهلاً جداً عليهم لفهم هذه النظريات وخطأ تطبيقها على البلدان المشرقية ومنها بلدنا بيت نهرين. على العموم الخطأ في تطبيق هذه النظرية على أوطاننا وتحديدا على مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" يكمن في عدم إدراك الإختلاف الكبير للمفومين الكنيسة والسياسة بين الدول الأوروبية عن دول بلدان العالم الثالث، ولنقل عن مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" المعني بهذه السطور.

الكنيسة في الغرب مؤسسة دينية حدود واجباتها وصلاحياتها ومسؤولياتها محددة بشكل دقيق وبقانون أو أعراف تفصلها عن المسائل السياسية المتعلقة بالسلطة السياسية والحكم أي الدولة. على أن هذا لا يعني بأن الكنيسة بعيدة عن السياسة في المجتمعات الغربية بل هي تتدخل في الكثير من المسائل السياسية منها حماية حقوق الإنسان والأقليات ومحاربة العنصرية وحتى المسائل المتعلقة بالبيئة والإجهاض وتحديد النسل والتي باتت مسائل سياسية مهمة للدول. فالمقصود بعدم تدخلها في السياسة يعني عدم مشاركتها في السلطة السياسية أو الحكم أو السيطرة عليه على هذا الأساس نشأت العلمانية وعدم التدخل في السياسة أو في الحكم. أما في مجتمعنا، فالكنيسة هي مؤسسة تاريخية وتراثية وإجتماعية وحتى إقتصادية في بعض الأحوال، كما كانت قبل الحرب الكونية الأولى. وهي أيضا مؤسسة معيارية لخلق أو الحفاظ على القيم والتقاليد والعادات المرتبطة بهوية مؤمنيها وإعادة إنتاجها. وبعبارة أخرى هي حاملة لهوية مؤمنيها من جميع الجوانب القومية والتراثية والإجتماعية. وكانت الكنيسة في الماضي ولحد هذا اليوم تمر من خلالها جوانب مهمة من الرسالة القومية لمؤمنيها الى العالم الآخر. أمتنا هي أمة لا دولتيه، أي لا دولة لها تتطابق مع هويتها ومقوماتها، لذا فالكنيسة هي المؤسسة الرئيسية التي تقوم بالعديد من المهمات التي تقوم بها الدول. وكان الأمر أكثر وضوحاً قبل الحرب الكونية الأولى ثم أنتقل الكثير من هذه المهمات إلى العصر الحالي، ولعل حماية وتطوير مقوماتنا القومية من لغة وعادات وتقاليد هي بشكل أو بآخر من مهمات الكنيسة وهي مسائل سياسية صرفة خاصة في ظل الأنظمة السياسية الشمولية في بلادنا التي لا تعير أهمية لمقومات وجود الآخر المختلف دينياً وقومياً.
أما السياسة، فالفرق في مفهومها بين الغرب والشرق أكثر بكثير من الكنيسة. الدولة في البلدان الغربية هي دولة مؤسسات ثابتة وراسخة ومفهوم السياسة ينحصر تقريباً في الحكومة أو السلطة ومؤسساتها أو الأحزاب السياسية التي لها علاقة أو إهتمام بالسلطة. أي السياسة هنا هي  السلطة السياسية بحصر المعنى. أما السياسة في بلداننا فهي بعموم المعنى ليست حصراً بالسلطة السياسية فحسب بل بكل الأمور الحياتية للشعب من إقتصاد وإجتماع وحتى في بعض الأحيان بكل الأمور الفنية والرياضية والثقافية والفكرية والشخصية خاصة في الدول الشمولية التي تكون فيها مؤسسات المجتمع المدني ضعيفة جداً او غير موجودة. كنيستنا المشرقية لا تتدخل بالسياسة بحصر المعنى، أي الدولة والسلطة السياسية والأحزاب السياسية، بل بسبب طبيعتها المؤسساتي لكل مناحي حياة أمتنا فأن تتدخلها في السياسة يكون بالمعنى العام الشامل لكل مقومات أمتنا. فلا محال للكنيسة بالتدخل في السياسة بمعناها العام، خاصة في مرحلة غياب أو ضعف مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب سياسية ومنظمات قومية فاعلة. فبسبب ضعف أو هشاشة  أو عجز أحزابنا السياسية من تحقيق ولو جزء من مصالح أمتنا في هذا العصر الصعب هو الأمر الذي يدفع غبطة البطريرك مار لويس أن يتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في السياسة بمعناها العام وليس الخاص وأن تدوي صرخاته على الساحة السياسية ويُتهم من قبل البعض بتدخله في السياسة غير مدركين بأنه يحاول كرأس لأكبر كنيسة في العراق ولمجموعة مسيحية للقيام بواجبه في الدعوة لحماية حقوق المسيحيين في العراق. لكن مع جٌل إحترامنا لجهود غبطته ودعواته في حماية حقوق المسيحيين يبقى الأمر، على الأقل بالنسبة لنا العلمانيين، بأن حماية مقومات وجودنا القومي التاريخي في وطننا التاريخي هو الذي سيكون درعاً حامياً لكنيستنا المشرقية ولحماية حقوقنا كمسيحيين. فالكنيسة بلا جماعة، والجماعة في علم الإجتماع لها خصائص معينة تحدد كيانها المختلف عن الغير، لا وجود للكنيسة لأنه كما سبق وذكرنا الكنيسة، من "كنشيا"، تعني الجماعة، فبدون هذه الجماعة لا وجود للكنيسة. ولكن بالنسبة للكنيسة الكلدانية يفرض علينا أن نتسائل: هل تستطيع الكنيسة الكلدانية حماية هوية مؤمنيها، أي الكلدان، وهي منكب بكل جهدها في حماية إيمانها المسيحي الكاثوليكي، وهي الجهود الواضحة في صرخات غبطته إلى المسيحيين جمعاء وليس إلى الكلدان فحسب؟ ربما لو بحثنا جيداً في الواقع المعاش سنصل إلى جواب سلبي.
=========================
واخيرا أسمع من بعيد نعيق ينطلق من وكر مظلم يقول... مهلا ... مهلا... أنت أبرم شبيرا نسطوري وآشوري ماالذي جعلك تحشر أنفك في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكلدان؟؟؟ وأنا أنور هذا الوكر المظلم بنور فكري الساطع وإيماني العميق بالقول بأن كل فروع كنيسة المشرق هي كنيستي، كنيسة المشرق، ولا يهم كيفما أرسم علامة الصليب من اليمين أم من اليسار فكلا الرسمتين هي لصليب واحد ولمسيح واحد ولكنيسة واحدة ... نعم ثم نعم أنا آشوري ولكن مع الكلداني والسرياني نشكل الثالوث القومي المقدس الذي هو بمثابة ثلاثة أعمدة صلدة وقوية تحمل صرح أمتنا العظيمة فإهتزاز أو أنهيار أي من الأعمدة الثالثة هو إهتزاز وأنهيار لصرح أمتنا.



31
الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب
--------------------
أبرم شبيرا
قبل الدخول في موضوعنا المعنون في أعلاه، أود أن أقول بأنني كنت أرغب أن يكون هذا الموضوع ملحقاٌ بالموضوع السابق في "التعليم السرياني في شمال العراق ... حقاق وأرقام" الذي نشر في هذا الموقع الموقر على شكل حلقات ولكن بسبب طول هذا الموضوع وسعياً للإستزادة في التوضيح والشرح خاصة للذين لا يزالون يسبحون في فنجان قهوة عزمت أن أنشره بشكل مستقل. كان الهدف الأساسي من نشر موضوع التعليم السرياني في شمال العراق هو نثر ذرات من التفاؤل عن الزمن الجميل في النهوض القومي والإنجازات التي تحققت لأمتنا في تلك الفترة وعرضها في أجواء اليوم التي تسودها التشاؤم والضبابية المغلفة بفايروس كورونا وذلك بهدف إعادة الثقة لأبناء شعبنا في الأجواء القاتمة في هذه الأيام الصعبة. ولكن للأسف أخذه البعض، خاصة الذين يقفون على الجانب الآخر من البحر والمستمرين في السباحة في فنجان قهوة، مادة دسمة للثرثرة والتناطح بينهم وتفريغ كوامنهم الداخلية للطعن بهذا أو بذاك متخذين من كرم موقع عنكاوة ساحة لإقتتالهم بهدف ليس إلا التقليل من عظمة الإنجازات التي تحققت لأمتنا في أرض الوطن في التعليم بلغتنا القومية بحجج باهتة وعدوانية لزرع أو تعظيم المأساة والإنقسامات التي يعاني منها شعبنا في الوقت الذي يحتاج هو إلى بصيص من نور أمل للصمود والبقاء في أرض الوطن.
يقال في عالم السياسة بأن اليسار المتطرف يلتقي مع اليمين المتطرف بهدف مشترك وهو مهاجمة الأفكار الوسطية والتي نحن في هذا الزمن الغادر أحوج ما نحتاج إليها من التطرف المقرف نحو هذه التسمية أو تلك. فبمجرد أن أعتبرنا السريانية هي تسمية مناسبة للغتنا القومية في الواقع وفي العصر الراهن، وحتى أن قلنا بأن السريانية مرادفة للآشورية قامت قيامة البعض وأطلق علينا رصاصة الخيانة للأمة الآشورية. وبمجرد أن قلنا أن الكلدان والسريان هم جزء من شعبنا وأبناء أصلاء لهذه الأمة حتى قامت قيامة البعض وبدأ يطعن آشوريتنا بسموم متطرفة... أقولها صراحة أن آشوريتي أكبر بكثير وأوسع حضاريا وأعمق فكرياً لأنها تشكل الثالوث الأقدس مع السريانية والكلدانية في فكري وإيماني القومي. في حين أن "آشوريتكم" وحيدة ويتيمة لا تخرج عن نطاق فنجان قهوة. ليعلم من لا يعلم بأن أية حركة قومية لا تضم أكثرية أبناءها ولا تسطيع أقناعهم بها فأنه من المستحيل أن تحقق أهدافها. هكذا هو حال حركتنا القومية الآشورية فبعد أكثر من قرن لم تسطيع تحقيق أي هدف من أهدافها لأنها عجزت عن ضم أكثرية أبناء شعبنا من الكلدان والسريان إليها وذلك بسبب إعتمادها على فكرها الكلاسيكي في عصر الكلدان والسريان وكبسهم في البوتقة الآشورية من دون إي إعتبارات تاريخية ونفسية وإجتماعية. وعلى العكس من هذا نرى بأن الإنجاز العظيم التي تحقق لأمتنا في التعليم بلغتها القومية كان سبب نجاحه هو شمولية أبناء أمتنا لكل التسميات الحضارية الجميلة من دون تفضيل هذه التسمية على أخرى مع كل هذا لم يزحزح أيماننا بآشوريتنا، والأمر نفسه تماماً فالإيمان في كوننا أمة واحدة لن يزحزح أيمان الكلداني بكلدانية ولا السرياني بسريانته، بل هو تقوية وتعزيز للكلدان والسريان إلى جانب قوة وعزة الآشوريين.
أما الذين يشمأزون من التسمية الآشورية ومن الآشوريين ويغلفوها بأحقادهم المتطرفة نشيرهم إلى ما ذكره الأخ العزيز أدي الشماس بنيامين بت شليمون بخصوص المؤتمر الذي عقد في بيروت في الأول من أيار عام 1998 في قاعة المؤتمرات لمبنى مستشفى الحايك في سن الفيل في بيروت تحت عنوان "الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب" هو تأكيد حي ومن قبل فطاحلة الفكر والثقافة والأدب والسياسة ومن مختلف الطوائف والملل على عظمة الحضارة الآشورية والمنتمين إليها ومن دون أية حساسية أو تطرف نحو هذه التسمية أو تلك. المؤتمر نظمته الجبهة السريانية الثقافية ولكن هي وغيرها من المشتركين في المؤتمر أكدوا في بحوثهم على وحدة شعبنا وهويته القومية وحتى الدينية والذي عقد برعاية أصحاب الغبطة وقداسة بطاركة فروع كنيسة المشرق الخمسة: المارونية، الآشورية، الكدانية، السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكة. وحتى لا أطيل الموضوع أكثر، أستل جدول أعمال المؤتمر، الذي من المؤكد هو حقيقة واقعية وليس فوتوشوب كما يزمجر البعض غضباً وهيجانا من كون الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب ينطقها كبار المفكرين ورجال كنيستنا المشرقية.


جانب من الجلسة الأولى للمؤتمر التي أدارها سعادة النائب في البرلمان اللبناني الدكتور بيار دكاش ويظهر في الصورة من اليمين أبرم شبيرا والمطران الماروني أنطوان العنداري و النائب الدكتور بيار دكاش وغبطة مار نرسي دي باز (رحمة الله) مطرابوليت كنيسة المشرق الآشورية ثم الدكتور عماد شمعون رئيس الجبهة السريانية الثقافية.
==================================================================

منهاج المؤتمر (الآشورية حضارة ولغة وهية شعب)

32
الرف الأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية – 7
===============================

التعليم السرياني في شمال العراق: المستقبل وتقييم وتعليق
-----------------------------------
أبرم شبيرا
ما هو المسـتقبل:
----------
خلال مسيرة التعليم السرياني كان هناك بعض التساؤلات تدور في خلد بعض من أبناء امتنا بخصوص مستقبل خريجي المدارس السريانية، ويمكن حصر هذه  التساؤلات بما يلي :
القسم المتشائم منهم يقول: أنه جيد أن يتعلم أطفالنا لغة الأم، ولكن ما الفائدة، غداً سيأتي صدام حسين بقواته ويكتسح المنطقة ويقضي على كل المنجزات التي تحققت في المنطقة بما فيها التعليم السرياني، لهذا السبب يرى هؤلاء بأنه تضيع للوقت والجهود، ويرددون كثيرا ويقولون "حرمات على الشباب أن يضيعوا عمرهم في هذه المسائل". و البعض من هؤلاء كانوا مستمرون على نفس "الاسطوانة" منذ عام 1992 وأطفال آشور أيضاً مستمرون في التعليم السرياني وفي اجتياز المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة وغدا سيجتازون المرحلة المتوسطة إلى الثانوية وبعد غد سيكونون على أبواب الجامعة الآشورية. وهؤلاء المتشائمون ظلوا في مكانهم في انتظار قدوم قوات صدام التي ولت ومن غير رجعة. هذه مسألة سياسية بحتة ولا نرغب مناقشتها حرصاً على طهارة لغتنا القومية ونبالة الهدف من التعليم بها في المدارس الرسمية في شمال وطننا الحبيب، سوى أن نقول لهم بأنه من الأفضل لهم أن يضيئوا شمعة بدلا من لعنة الظلام وأن الانتظار يولد السأم واليأس في حين يخلق العمل الهمة والتفاؤل بالمستقبل، خاصة مستقبل أطفال آشور المستهدفين من عملية تعليم لغة الأم .
أما القسم الأخر من المتسائلين فهو الذي يعمل وفق معياره الشخصي في الربح والخسارة مهما كانت الأمور ذات نفع عام للأمة ولمستقبلها.  فتقيمه لهذا النفع وتقديره لمصلحة الأمة لا يتم إلا بمقدار ما يتحقق من منفعة وخسارة لمصالحه الشخصية. فمثل هؤلاء كان يرون بأن التعليم السرياني "لا يوكل الخبر"(+) للطلاب الذين يدرسون جميع مناهج التدريس الرسمية بلغتهم القومية لأن مستقبلهم العلمي مجهول وغير مضمون إذ يصبح من الصعب عليهم دخول الجامعة بسبب جهلهم أو ضعف إتقانهم لللغات الأخرى، وبالتالي سوف يحرمون من مواصلة تعليمهم العالي ومن ثم لا يوفقون في الحياة العملية والمعيشية ويكون الفشل والإحباط مصيرهم. ولهؤلاء لا نقول شيء غير أن نرشدهم إلى الكتاب المقدس ليهتدوا به وليعلموا (إن الحياة أكثر من مجرد طعام، والجسد أكثر من مجرد كساء)  لوقا 12:23. لأنه مهما قيل فهؤلاء لا يقنعهم شيء ما لم يحقق مصلحتهم الشخصية.
وهناك قسم أخر من المتسائلين الذين يملكون أقل الإيمان ويفتقرون في عين الوقت إلى الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات المصيرية لأمتنا لذلك يقول هذا النفر من المتشككين بقدرات الأمة بأنه من الأفضل الاكتفاء بتدريس السريانية لأطفالنا كلغة فقط وضمن مرحلة دراسية معينة، كالابتدائية مثلاً، دون شمولها مراحل أخرى متقدمة أو استخدامها كلغة علمية في تعليم مناهج التدريس المقررة في المدارس العامة لأن لغتنا القومية فقيرة وغير قادرة على مجارات المصطلحات والتطورت العلمية. ومثل هذا التساؤل يتداخل أيضا مع مجموعة أخرى من التساؤلات النابعة أصلاً من القلق والحرص على مستقبل طلاب المدارس السريانية، خاصة بالنسبة للمدارس التي جميع مناهج التدريس فيها باللغة السريانية، لا سيما بعد تخرجهم والاستعداد لمواصلة دراستهم الجامعية ؟؟.  الإجابة على مثل هذه التساؤلات،  التي قد تكتسب في  بعض جوانبها نوع من الشرعية في طرحها، تكمن فيالاحتمالات التالية :
أولا: الاحتمال القائم على الطموح العظيم في تأسيس جامعة آشورية أو أقسام للغة السريانية في الكليات الأخرى، وهو طموح قد يبدو في الوقت الحاضر  صعب التحقيق خاصة بالنسبة للجامعة الآشورية، ولأسباب مختلفة ومعروفة إلا أنه ليس بالمستحيل، فإمكانية تحقيقه واردة في المستقبل لو توفرت الإرادة القومية الصلدة مع توفر بقية المستلزمات السياسية والتقنية والمادية الضرورية لتأسيس مثل هذه الجامعة واستمرار الدراسة فيها. فإذا كانت ظروف اليوم تجعل فعلاً مثل هذا المطمح الكبير صعب التحقيق في ظل الإمكانيات والظروف المتاحة وتجعل أمر التفكير الجدي به سابق لأوانه، إلا أنه في  يوم غد عندما يبدأ قطار التعليم السرياني بالوصول إلى محطته الأخيرة من المرحلة الثانوية  وقبل أن يجتازها أبناء أمتنا سيكون يوم الحسم في تقرير مصير الجامعة الآشورية مطروحاً للنقاش ومن ثم التفكير للتحقيق والتنفيذ. فتجربة اجتياز التعليم السرياني للمرحلة الابتدائية إلى المتوسطة والصعوبات المختلفة التي أحيطت بها والتحديات المصرية التي اكتنفتها لازالت ماثلة أمام أبناء شعبنا وغنية بتجارب مفيدة ومثمرة ستسهم بما لا يقبل الشك في إغناء التحدي الكبير الذي سيواجه أبناء شعبنا عند وصول قطار التعليم السرياني إلى المحطة الجامعية واجتيازها وبنجاح. ولعل قد يفيد أن نقول بأن الجامعة الكاثوليكية الحالية في عنكاوة قد تفي بهذا بجزء من هذا الغرض في هذا الوقت. من هنا نقترح أن يكون هناك نوع من التنسيق والتعاون بين الجامعة الكاثوليكية ومديرية التعليم السرياني بهدف تعزيز لغتنا القومية والتي هي أيضا لغتنا الكنسية المشرقية بكل تفرعاتها.
ثانياً : احتمال مواصلة خريجي المرحلة الثانوية من التعليم السرياني نحو المرحلة الجامعية في الجامعات والكليات المتوفرة في المنطقة. فالدراسة في الجامعات هي باللغة الإنكليزية فيما يخص الأقسام العلمية وفي استخدام المصطلحات العلمية بشكل عام أما الدراسة في الأقسام الإنسانية فتستخدم العربية والكردية وحسب المواد والتخصصات. قد يظهر للوهلة الأولى بأن مشكلة اللغة ستكون عائقاً أمام الطلبة المتخرجين من المدارس السريانية ولكن في حقيقة الأمر غير ذلك، إذ إن جميع هؤلاء الطلاب يجدون هذه اللغات وتعلموها في المراحل السابقة. وقد تكون بعض الصعوبة في الاشهر الأولى من السنة الدراسية إلا أنها سرعان ما تزول بمرور الزمن، وهي الحالة التي عايشها معظم الطلاب في العراق عند دخولهم الجامعة وخاصة الأقسام العلمية التي كانت مناهجها باللغة الإنكليزية، لذلك لانعتقد أن تكون مشكلة عويصة لخريجي المدارس السريانية عند وصولهم إلى المرحلة الجامعية، خاصة وهم أطفال ومنذ الآن  يجدون اللغات العربية والكردية وقليلاً من الإنكليزية ويتفوقون على غيرهم في الامتحانات النهائية العامة في المنطقة. والجدير بالإشارة إلى الظاهرة التي يتميز بها أبناء شعبنا الآشوري بشكل عام والطلبة منهم بشكل خاص هي قدرتهم المتميزة على تعلم اللغات، وهي الظاهرة التي تميزوا بها ليست كصفة أو موهبة خاصة أو حصراً بهم فقط وإنما اكتسبوها بسبب انتماؤهم القومي الأقلوي (من الأقلية) وهي الصفة التي تجعل لأبناء الأقليات قدرة خاصة في تعلم لغة الأكثريات وبالتالي يتقنوا، بالاضافة إلى لغتهم القومية، لغات محلية أو دولية أخرى. وقد يتذكر الكثير من أبناء شعبنا كيف كان الطلبة النازحون من المنطقة الشمالية للعراق في بداية الستينات أو الذين كانوا ضمن تجمعات آشورية شبه مغلقة، كالحبانية وحي السكك في بغداد وأحياء أخرى في كركوك وأربيل، كيف كانوا ضعفاء في اللغة العربية أو لا يجدونها بطلاقة ولكن سرعان ما تعلموها عندما دخلوا المدارس الثانوية والجامعات وحقق البعض منهم نتائج متفوقة جداً والأخر أصبح أديبا أو شاعراً أو كاتباً يكتب بالعربية. وحتى في هذه الأيام ، خاصة في المناطق ذات التعدد القومي كدهوك وكركوك وأربيل، قلة ما نشاهد أبناء شعبنا، خاصة الشباب والشابات منهم، لا يعرفون أكثر من لغة محلية إلى جانب اللغتين العربية والإنكليزية.       
ثالثا: هناك بطبيعة الحال احتمالات أخرى مختلفة باختلاف الظروف الشخصية لكل طالب ونوعية اهتماماته العلمية وبمدى الوعي القومي لأولياء أمورهم، ولكن في جميع الاحتمالات الواردة لمستقبل الطالب المتخرج من المدارس السريانية تجعله مستقبلاً مبهراً ليس لمصالحه الفردية فحسب بل لمصلحة الأمة أيضاً، حيث سيظل حتماً محتفظاً بلغته القومية التي تعلمها في المراحل السابقة للدراسة الجامعية حتى في أسوء الاحتمالات المؤدية إلى مستقبله التعليمي، وربما سيكون ضليعاً بها تكفيه لخوض معترك الحياة الثقافية والفكرية وتضعه في مواقف مشرفة معتزاً بلغته التي سيتباهى بها كثيراً عندما يكتب بها رسائله ومقالاته وبحوثه وهو الهدف المتوخى من التعليم السرياني في شمال العراق، ويصبح وبحق وحقيقة مثقفاً آشورياً بكل معنى الكلمة، حينذاك سيصبح مستقبل هذه الأمة أكثر تفاؤلاً وإشراقاً للنهوض القومي والحضاري، ذلك لأنه لا نهوض لأمة من دون نهوض مثقفيها.
وأخيرا من المفيد أن أشير في هذا السياق مسألة شخصية، فخلال زياراتي المتكررة للولايات المتحدة الأمريكية وأثناء إنعقاد الكونفنشن للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي للعام الماضي، ألتقيت بشابين من خريجي مدرسة نصيبين الثانوية المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية فعرفت من أحدهم بأنه مرشح لنيل وظيفة في مكتبة أحدى الجامعات الأمريكية قسم اللغات الشرقية للتعامل والبحث في الكتب القديمة لبلاد الرافدين من بابلية – آشورية وسريانية وأرامية. أما الثاني فكان ينتظر نتيجة قبوله في جامعة لإكمال دراسته في اللغات السامية، فبعد اللقاء تذكرت مناضلي أمتنا في الوطن الذين ثبتوا صرح لغتنا القومية وزرعوها في مثل هؤلاء الشباب. ألف شكر وإمتنان لهم.

تقييم واستنتاج:
----------
وأخيراً، وحتى لا نهرب من الحقيقة مهما كانت مره ومؤلمة، يفرض التزامنا القومي علينا أن نواجهها دون خوف أو ترد، وهي الحقيقة المتمثلة في ظاهرة الهجرة التي تنخر بمقومات وجودنا القومي في أرض الوطن، والتطرق في ضوء نتائجها المريرة إلى مستقبل التعليم السرياني وطلابه. فالهجرة ظاهرة لها أسباب تاريخية متجذرة في نفوس أبناء الأمة كما لها أسباب موضوعية معاصرة مؤثرة وبشكل عميق في عقليتهم وتوجهاتهم وسلوكهم بحيث يصبح موضوع إيقافها في ظل الظروف الراهنة والحيلولة دون هجرة أبناء شعبنا لأرض الوطن مسألة تقارب المستحيل. ولكن التخفيف من حدتها هي مسألة أخرى قد يمكن التعامل معها بإيجابية تتوافق مع عقلية ومصالح أبناء شعبنا في المنطقة، وهي مسألة لا نسعى التطرق إليها في موضوعنا هذا حرصاً على حدوده، ولكن الذي يهمنا منها هو التساؤل الذي قد يثار بخصوص مستقبل طلاب التعليم السرياني في ضوء الهجرة القائمة، إذ قد يرد تساؤل عن مدى فائدة دراسة الطلاب لغتهم القومية طالما الهجرة بانتظارهم لقلعهم من مقاعدهم الدراسية ورميهم في عالم الغربة.
هذه الحقيقة المره مهما تعاملنا معها أو حاولنا علاجها فإن نتائجها حتماً ستكون مره أيضاً، ولكن للتقليل من مرارتها القاتلة  نقول بأننا طالما نحن أبناء اليوم ونعيش ونتعامل مع واقعنا الحالي فأن إيماننا برسالة أمتنا حتى في الحدود الدنيا للمكاسب والحقوق التي تحققت لها يفترض علينا أن نتمسك بها دون اعتبار لحجم هذه الحقوق والمكاسب لإن الحق يقاس بمبدئيته وأهميته لأبناء الأمة وليس بحجمه. من هنا نقول بأن حق التعليم بلغة الأم والذي تحقق لشعبنا يجب أن لا نتنازل عنه إطلاقاً بل سنتمسك به تمسكاً مستميتاً حتى ولو كان طالباً واحداً يدرس في مدارس التعليم السرياني. هذا من ناحية، وهناك مسألة أخرى ربما تكون بسيطة لكن لها مضامين مستقبلية خطيرة فيما يخص مصير أبناء أمتنا في المهجر. فمن المعلوم والواضح بأن واقع أمتنا في المهجر يثبت بأنها عاجزة عن تعليم اللغة القومية إلى أبنائنا إن لم نقل بأنه عاجزة كليا عن تخريج شاعر أو أديب أو كاتب. فالواقع المهجري قادر كل المقدرة على ابتلاعهم وصهرهم في المجتمعات الغربية. فمن الملاحظ بأن معظم شعراء وكتاب وأدباء مجتمعنا في المهجر هم من الذين تعلموا لغتهم القومية في الوطن سواء في الكنيسة أو في المدارس الخاصة أو في بيوتهم، وتعليمهم لم يكن أكثر من دراستها كلغة، فكيف والحال إذا هاجر طفل أو شاب درس جميع المواد العلمية باللغة السريانية؟، فمما لا شك فيه أن انصهار وضياع هذا الطفل أو الشاب سيكون أصعب بكثير، إن لم يكن مستحيلاً، في مجتمعات المهجر في مقارنته مع غيره من أبناء مجتمعنا الذين لم يدرسوا لغتهم القومية، وهذه هي إحدى نتائج التعليم السرياني مأخوذاً بأسوء الاحتمالات المستقبلية، فكيف والحال إذا كنا أكثر تفاؤلاً بالمستقبل وتخرج الطالب من الدراسة الثانوية من مدرسة نصيبين، أي درس كل المواد المقررة في الثانوية العامة بلغته القومية ؟؟؟  فمما لا شك فيه فأنه سيكون، شاعراً أو أديباً أو كاتب لأمتنا في المستقبل أن لم يكن عالماً أو أخصائيا يستطيع كتابة بحوثه بلغات عالمية إلى جانب لغته القومية. أي يمكن القول بأن النتائج المستقبلية للتعليم السرياني، بمنظورها، حتى التشائمي، سوف تحصن الطفل أو الشاب الذي يهاجر مع أهله أرض الوطن من الضياع والذوبان في مجتمعات المهجر أكثر بكثير من أي طفل أو شاب لم يتعلم في المدارس السريانية. هذا فيما إذا افترضنا خضوع هذا الشاب أو عائلته لسطوة ظروف الهجرة ومن ثم ترك الوطن نحو المهجر. أما لو نظر إلى مستقبل التعليم السرياني بمنظوره القومي الاستراتيجي التفاؤلي لوجدنا بأن النتائج التي سيحققه التعليم السرياني لأطفالنا ستكون هي الضامن الأقوى لصيانة أمتنا من الضياع والذوبان والسند الأكبر لاستمرار تواصلها نحو آماد مستقبلية أبعد بكثير مما نتصورها ضمن الظروف الصعبة التي تحيط بأمتنا.
ولكن مهما فرضنا احتمالات تشائمية في مستقبل أمتنا فأن هذا لا يحد من عزيمة دفع قطار التعليم السرياني على مسيرته الخالدة وتزويده بوقود حياتنا من أجل استمرارها حتى تحقيق الأهداف التي يفرض علينا ضميرنا وواجبنا القومي تحقيقها مهما كلف ذلك حتى  نوصلها وبأمان إلى تلك المرحلة التي تستطيع الأجيال اللاحقة قيادتها نحو أهداف أبعد من التي حققناها لكي يستمر قطار الأمة المتواصل عبر آلاف السينين... المتواصل عبر مدرسة أربائيلوا الاتبدائية في عنكاوا ماراً بمدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك ثم الثانوية حتى عبور الجامعة الآشورية ومن بعدها نحو آفاق أبعد فأبعد والتي ستكون الأساس المتين في خلود الأمة وضمان سرمدية وجودها. فإذا كان أي آشوري، أينما كان سواء في أرض الوطن أم في خارجه، يشعر بأنه جزء من هذا التاريخ، إذن فعليه واجب يفرض المساهمة في استمرار تواصل هذا التاريخ من خلال تواصل مسيرة قطار التعليم السرياني، وهي مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق كل واحد منا دون استثناء، لأن الاستغناء تلغي هوية الشخص الآشورية ويطرحها خارجاً لا بل ويزيلها من الوجود.
ملاحظات وتعليق على التعليقات:
-------------------
قبل أن نعلق على بعض التعليقات التي وردت على الموضوع ونحن في خاتمته وسعياً للتوضيح وإزالة سوء الفهم أو الإرتباك في قراءة وفهم هذا الموضوع، أود أن أؤكد مايلي:
ملاحظات:
------
أولا: كل المعلومات الواردة في هذا الموضوع هي بشكل عام من الكتيب الذي صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن عن التعليم السرياني في شمال العراق الذي سبق الإشارة إليه. وفي حينها صدر الكتاب بأسم "أصدقاء مدرسة نصيبين" إعتزازا بهذه المدرسة من جهة وأظهاره كمساهمة جماعية من قبل المعنيين بالتعليم السرياني من جهة أخرى. لهذا نرى في بعض الأحيان تأتي الجمل والمفردات مرة بصيغة الجمع ومرة أخرى بصيغة المفرد الشخصي.
ثانيا: كما ذكرنا، الكتيب صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن، وهي فترة زمنية طويلة ظهر فيها الكثير من التطورات والتغييرات والتحديات التي أثرت بشكل عام على جميع مناحي حياة شعبنا كما أثرت بشكل مباشر على التعليم السرياني، سواء بإزدياد عدد المدارس خاصة الثانوية منها، أو بسبب تأثير الهجرة على عدد الطلاب.
ثالثا: من دون أدنى شك فقد يلاحظ القارئ اللبيب بأن الإشارة إلى التسمية الآشورية أكثر بكثير من التسميات الأخرى، والغرض من ذلك ليس إطلاقاً التقليل من تسمياتنا الحضارية الأخرى، الكلدانية والسريانية، بل هو مسايرة للواقع المعايش في تلك الفترة حيث كان التسمية الآشورية هي الطاغية على كل النشاطات القومية، وبالمقابل كان هناك نوع من التردد أو التحفظ في إقحام الكلدانية أو السريانية في مسائل قومية غير مرغوبة لأبناء وزعماء هاتين التسميتين، خاصة في ظل نظام إستبدادي دكتاتوري.
رابعا: النجاح الذي حققه التعليم السرياني لم يكن ممكناً إطلاقاً لولا: أولا: وجود كيان قومي أو حزب سياسي جماهيري وفاعل ومعبر عن حقيقة الأمة وطموحاتها كالحركة الديموقراطية الآشورية وقدرتها على التفاعل والتعامل مع القوى السياسية الفاعلة في المنطقة لتحقيق طموحات الأمة التي تمثلت في التعليم بلغة الأم. وثانياً: توفر حد أدنى من هامش ديموقراطي وفرته القوى السياسية في المنطقة وأستطاعت تفهم طموحات أمتنا في تلك الفترة وبفعل الرسالة التي تمكنت زوعا من إيصالها للمسؤولين لإقرار حق أمتنا في التعلم والتعليم بلغتها القومية. ولو حاولنا مقارنة هذا بالحقوق الثقافية التي أقرها نظام البعث في العراق للـ "الناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان" عام 1972 نرى بأن الإفتقار إلى هاتين العاملين، تنظيم سياسي قومي نشط وفاعل وغياب الأجواء الديموقراطية سببا فشل ممارسة هذه الحقوق بالشكل الذي يخدم أمتنا في تلك الفترة خاصة بعد أستغلالها من قبل نظام البعث لأغراضه السياسية.
التعليق:
------- 
من الضروري جداً أن نؤكد تأكيداً مشدداً بأن أي تعليق أو نقد لا يقوم على إحترام المقابل هو أمرُ مرفوض ولا قيمة له في حساباتنا الموضوعية لأن الإحترام هو أساس التعامل الصحيح بين الناس.  فالإحترام لا يدل على الحب والتقدير وعلى التحضر فحسب، بل على حسن التربية والسمو الخلقي، أي بهذا المعنى إحترام الناس ومنهم الكتاب والمساهمين في هذا الموقع الألكتروني واجب إخلاقي يفرض الإلتزام به حتى وأن لم تكن هناك بينهم محبة ووئاق. من هذا المنطلق يتحدد ردنا على التعليقات والإنتقادات على المواضيع التي نكتبها ومنها هذا الموضوع في التعليم بلغة الأم. فإحترامنا مضاعف لكل منتقد أو معلق أحترم نفسه قبل أن يحترمنا. فألف شكر لكل الذين أتبعوا أسلوب إحترام الآخر في التعامل مع الموضوع، فبأسلوبهم هذا أغنوا الموضوع كثيراً وعززوه بمعلومات مفيدة وصور جميلة وكتب قيمة رسخت من عظمة لغتنا القومية. أما الذين خرجوا عن هذا الأسلوب الحضاري وتجاوزوا الإحترام في تعاملهم مع الموضوع فإن أحترامنا لهم يبقى دائماً قائماً ونسعى بكل جهدنا للحفاظ عليه وعن طريق عدم الرد عليهم، فلعل يتعضون ويدركون بأننا لا نرغب إطلاقاً تجاوز  حدود دائرة الإحترام كما يفعلون هم.
هناك نقطتان مهمتان في سياق التعليم يستوجب ذكرها إليهما:
الأولى: الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وذراعها الخيري (الجمعية الخيرية الآشورية)، حيث ورد أسمها كثيراً في الموضوع وتبين بشكل أو بآخر بأنها كانت البطل الحقيقي والفارس المغوار للتعليم السرياني في شمال الوطن. وعجبي كبيراً بعدم ورود أي تعليق أو نقد أو تهجم عليها، خاصة من الذين يقفون على الجانب الآخر من البحر، كما هي العادة. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل هذا "السكوت" على نوع من الرضى والإعتراف بالإنجاز العظيم الذي حققته زوعا ومن وقف معها من أبناء شعبنا كما هو إقراراً بتحدياتها وبطولاتها في هذا السياق. والحق يقال فلولاها لما كان التعليم السرياني قد قام على أسس موضوعية ثابة وسار على خطى موثوقة حتى وصوله إلى هدفه المبتغاة. ولكن ... ولكن مع إلتزامنا الكامل بقول الحق والحقيقة نقول بأن زوعا الأمس غير زوعا اليوم، لا بل ونحن في هذه المقارنة بين الأمس واليوم، نقول أيضاً للحق والحقيقة بأن التحديات الداخلية والخارجية ليوم أمس هي غيرها في هذا اليوم وبالتالي وبنظرة موضوعية ستكون أنجازات اليوم مختلفة في مقارنتها مع بطولات وإنجازات الأمس. موضوع نتركه لمناسبة أخرى.
الثانية: لماذا لغة سريانية؟؟ أمتعض بعض القراء الأعزاء، الذين نكن لهم إحترامنا الكبير، أمتعض وتنرفز من تسمية لغتنا بـ "السريانية" منطلقين من أفق ضيق جداً في مقارنته مع عظمة تعليم لغتنا القومية والنتائج التي تحققت لجميع أبناء أمتنا بغنى عن هذه التسمية أو تلك. ولكن مع الأسف الشديد لم يستطيع هؤلاء إستيعاب الأهمية القصوى للتعلم بلغتنا القومية بسب ضيق أفقهم القومي. في هذا السياق يتبادر إلى ذهني القصة التالية:
يروى بأن هنري فورد (1863 – 1947) أبو صناعة السيارات الأمريكية ومخترع سيارة فورد المعروفة كان يشرح لفلاح كيفية عمل سيارته بالبترول وبالإحتراق الداخلي للمكابس والمحرك، وبعد جهد جهيد في الشرح والتفصيل، عاد الفلاح مستغرباً وسأل فورد وقال له: طيب شرحت كل شيء عن مركبتك ولكن لم تقل لي أين ستربط الحصان؟؟؟. هكذا هو حال بعض الأخوة عند قراءة بعض المواضيع ومنها موضوعنا عن التعليم السرياني في شمال الوطن. فعلى الرغم من الشرح المفصل عن أسباب تسمية لغتنا بالسريانية يعودون ويسألون لماذا سميت لغتنا القومية بالسريانية؟ وأنا أعيد وأكرر وأقول:
أولا: قانون وزارة التربية الخاص بتعليم أطفالتنا لغتهم القومية كان قد سماها اللغة السريانية وطبقاً لذلك تأسست المدارس السريانية والمناهج السريانية والتعليم السرياني وهكذا. هذه حقيقة واقعية ورسمية فلا يمكن إطلاقاً تناول الموضوع بصيغة أو تسمية أخرى كأن نقول اللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية فهذا مخالف لواقع الحال ولا يمكن إطلاقاً القفز من فوقه ونحن بصدد تناول المسألة موضوعياً وليس لإعتبارات شخصية ضيقة أو طائفية مقيتة متجاهلين أهمية التعلم بلغة الأم. السريانية حققت نجاحاً عظيما فتصور أين كنًا نجد مثل هذا النجاح لو كانت التسمية آشورية أو كلدانية، وهذا سبق وشرحناه في الأقسام السابقة، ولكن يظهر للبعض بأن نرجسيتهم أعظم بكثير من النتائج العظيمة التي حققها التعليم السرياني، وهو الأمر الذي يجعلهم مستمرين بالسباحة في فنجان قهوة.
ثانياً: إيماني المبدئي والمطلق القائم على الحقيقية الموضوعية والتاريخية والفونولوجية هو أن التسمية السريانية أو السريان هي لفظة أغريقية - إنكليزية  للأسريان (Assyrian) والذي سبق وأن فصلنا ذلك في الأقسام السابقة. قبل ما يقارب (25) قرنا من الزمن قال هيرودوت أو هيرودوتس (484 ق.م – 425 ق.م) المؤرخ الإغريقي الكبير، قال في كتابه المشهور (تاريخ هيرودوت) الذي زار بلاد ما بين النهرين وألتقى بالجيش الآشوري المنظم إلى الجيوش الفارسية، قال بخصوص الآشوريين "هذا الشعب الذي نحن الإغريق نطلق عليه سيريانس (Syrians) يطلق عليه البرابرة تسمية أسريانس (Assyrians). كان الأغريق يطلقون على الشعوب غير الإغريقية بالبرابرة. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع الذي كتبُ عنه مجلدات ومجلدات ولكن الذي أريد أن أقوله بأن حدود فنجان قهوة الذي يسبحون البعض فيه لا تتسع إطلاقاً لهذه  المجلدات ولا يستطيعون الإدارك بأن التسمية السريانية تعني الآشورية سواء قبلنا ذلك أم رفضنا. فالتاريخ والواقع لا يمكن تغييره بأهواءات ونرجسيات البعض. فأنا وغيري بالآلاف من أبناء شعبي يدركون جيداً بأن تعلم أطفالنا بلغتنا القومية، التي هي لغة أباؤنا وأجدادنا، أهم بكثير من كل شيء. فلكل معترض على التسمية السريانية للغتنا القومية أقول: أليست اللغة التي تم تعليمها في المدارس السريانية هي لغتك ولغة أباؤك وأجدادك؟ لنقل كلنا وننحني إحتراما وتقديرياً لكل فرسان التعليم السرياني في وطننا الحبيب على هذا الإنجاز العظيم.
 .... ويبقى الإحترام سيداً لكل العلاقات الإنسانية.

-------------------------------------------
(+) – هذه العبارة (لا توكل الخبر) تذكرتني بأكبر كُتاب وأدباء شعبنا الشماس كوركيس بنيامين بيت شليمون، رحمه الله، عندما كان يلقي محاضرة عن تاريخ الأدب الآشوري في النادي الثقافي الآثوري في بغداد عام 1970. الشيء المثير والذي قد يكون فيه نوع من الفكاهة عندما ذكر المرحوم وقال بأن البعض يقول "تعلم اللغة الآشورية لا توكل الخبز" فنهض من كرسيه وضرب بكفه على الطاولة أمامه، وكان المرحوم معروف بعصبيته عندما يستفزه أحد بشأن اللغة أو الأدب، فصرخ أمام الحاضرين قائلاً (خيلا جيبت د بستي) أي بما معناه (لتأكل حصى د بستي) وبعد إنتهاء المحاضرة سألناه "ما معنى (بستي) فقال: جيبت د بستي هي تلك الحصى التي تتدحرج على جانب النهر وتكون صلبة جداً". وكان في العراق تستخدم للخرسانة الكونكريتية لشدة صلابتها.

33
من أرشيف المدارس القومية الآشورية - 6
=========================

مناهج التعليم الرسمية بلغتنا القومية !!!!!
 
=========================================== 
أبرم شبيرا
من الضروري التوضيح ونحن في البداية  بأنه إيماناً بأهمية وحدة السياسة التربوية والتعليمية في العراق فأن المناهج المقررة تدريسها في جميع المدارس في المنطقة الشمالية، هي نفس المناهج الرسمية المقررة لكل المدارس في العراق قاطبة ومنها مناهج التدريس في المدارس السريانية للمرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية من قراءة وحساب وعلوم وتاريخ وجغرافية وتربية وطنية وفيزياء وكيمياء وعلم الأحياء مترجمة إلى اللغة السريانية، باستثناء بعض المواضيع في التربية الوطنية والقومية التي كانت تمدح النظام العراقي وحزب البعث الحاكم حيث تم حذفها وحل محلها مواضيع تخص أبناء الشعب وتراثه وأعياده وتقاليده في المنطقة. ولكن مع هذا يزال هناك مواضيع تاريخية تُدرس في المدارس الكوردية تعتبر مهينة بحق أمتنا في الوطن، مواضيع تجعل من المجرمين وقطاع الطرق رموز قومية وأبطال للكورد في الوقت الذي هو معروف للواقع والتاريخ بأنهم حقاً وحقيقة هم مجرمون بحق شعبنا وعلى رأسهم المجرم أسماعيل أغا (سمكو)، الذي لم يكتفي بإغتيال البطريرك الشهيد مار نيامين عام 1918 بل نكل تنكيلاً بأبناء جلدته الكورد أيضا من أجل السلطة والجاه. وموضوع إلغاء أسماء هكذا مجرمين من المناهج التدريسية مطلب قومي آشوري يعمل الخيرين من أجل وضع الأمور في مقامها التاريخي الصحيح ولعل قادة الكورد سيدركون هذه الحقيقة ويعملون بها.

المهم هو أن هذه الوحدة في المناهج التربوية لها أهمية لمستقبل الطلاب في المراحل المتقدمة سواء أكان التدريس باللغة السريانية أم باللغات الأخرى وأن الذي يهمنها هو المناهج التعليمية في المراحل ما بعد الإبتدائية خاصة مواد الفيزياء والكمياء وعلوم الأحياء والرياضيات والجغرافيا والتي فعلا شكل ترجمتها إلى لغتنا القومية تحدي كبير وواجهت صعوبات جمة أستوجبها جهود إستثنائية لم يكن من السهولة توفيرها إلا بالتضحية بالمال والوقت والعمل ليل نهار من إجل أنجازها وبالتالي إنجاح التعليم السرياني في المراحل المتقدمة. ونشير إلى بعض من هذه الصعوبات، منها:



1)-  الصعوبات التقنية والعلمية:
وتتمثل في صعوبة عملية ترجمة المناهج المقررة رسمياً إلى اللغة السريانية، خاصة المواد العلمية وما يتعلق بمواضع العلوم من شروحات للكائنات الحية من إنسان وحيوانات ونباتات وما في أحشائها من أعضاء وعمليات فسلجية وتصنيفات علمية إضافة إلى المصطلحات والمفاهيم التي تكثر في العلوم الصرفة كالفيزياء والكيماء والأحياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من الأمور والمصطلحات التي تبقى ترجمتها صعبة أيضاً بالنسبة لبقية اللغات المحلية،  فكيف والحال مع لغتنا التي ليس لها هيئة أكاديمية لغوية تتولى مهمة وضع المصطلحات العلمية. غير انه بفضل الجهود الجبارة لبعض المتضطلعين بهذه اللغة والحريصين على مستقبلها وبكدحهم وسهرهم المتواصل تمكنوا من التسابق مع الزمن وتحقيق أصعب المهمات المطلوبة في بدء انطلاق مسيرة تدريس اللغة السريانية، وهي جهود عظيمة من عايش أعمال هؤلاء المناضلين  يدرك حقاً ما حققوه لأبناء أمتهم، فهم وبحق كجندي مجهول الذي يعمل لأمته بهدوء وتأني من دون ثرثرة وهيجان. ويروي لنا الإستاذ المرحوم يونان هوزايا صعوبة هذه المهمة ويقول ”بأنه في مرات عديدة يستوجب أن نقضي عدة أسابيع، لا بل وأشهر أيضا، من أجل إيجاد ترجمة لحشرة صغيرة، وهي المهمة التي يتطلبها أحياناً مراجعة قواميس عديدة ومطالعة كتب تاريخية وعلمية وتراثية عديدة ليست باللغة السريانية فحسب بل أيضا باللغات الأخرى القريبة إليها. أن صعوبة هذه المهمة تتمثل أيضا في كون التعليم السرياني في بدايته الأولى وعدم وجود كتب سابقة في هذا المجال، لهذا نأمل عندما يتم ترجمة وتأليف الكتب لجميع المراحل وحتى نهاية الثانوية، عند ذاك سوف تتقلص المشكلة بالنسبة للأجيال اللاحقة وتبقى مقتصرة على ما يظهر من جديد في العلم والمعرفة" (مقابلة شخصية مع المرحوم يونان هوزايا في عنكاوه 21/2/1999)، سبق الإشارة إليها.

شخصياً لاحظت جزء من هذه التحديات وعايشت ظروف القائمين عليها لفترة معينة وخاصة مسألة أستكمال ترجمة الكتب وإعدادها وشاهدت وأنا في دمشق في عام 1998 كيف كان أستاذنا وأديبنا الراحل يونان هوزايا يسهر الليالي حتى بزوغ الفجر وهو منكب على ترجمة الكتب التعليمية إلى السريانية، وفي حينها كنت أوبخه على عدم الإهتمام بصحته ولكن كان يقول: يجب عليً إكمال ترجمة هذه الكتب حتى تكون في متناول طلاب الصف الأول المتوسط قبل مباشرة الدوام الرسمي وإلا فأن التعليم السرياني سينهار برمته...(موضوع سبق الإشارة إليه). وفعلاً يمكن أن أكد بأن الأستاذ يونان هوزايا وغيره من اللذين ناضلوا نضالاً مستميتاً لإنجاح التعليم السرياني ومواصلة رحلته حتى النهاية هم أبطال حقيقيون في هذه المعركة ورواد الإنجازات التي تحققت لهذه الأمة في التعليم باللغة السريانية. وللحق والإنصاف أقول بأن شخص مثل المرحوم يونان هوزايا يستحق أن يخلد كبطل لا بل كشهيد للغتنا القومية والتعليم بها لأبناء أمتنا. ولا أنسى كلمات مؤثرة أخرى ذكرها المرحوم في صعوبة الإستمرار بتجهيز المواد العلمية وتوفير الأموال لها. ففي مراحل الحصار المزدوج الدولي والعراقي على المنطقة الشمالية كان قد أصبح أمر تمويلها صعباً للغاية مما أضطرت قيادة زوعا في حينها إلى إيقاف رواتب ومخصصات بعض كوادرها الحزبية وتخصيصها لدعم الحاجات المطلوبة للتعليم السرياني الخارجة عن الدعم الحكومي، وفي حينها أتذكر الكلمات التي ذكرها صديقنا الراحل وقال:"سأبيع هذا الجاكيت – قمصلة كان المرحوم يرتديها دائما – من أجل أن يستمر التعليم السرياني"

وأخيراً لم يبقى في هذا السياق إلى أن أذكر بعض الكلمات التي أعتبرها خالدة ورنينها لا يزال يرن في آذاتي وتتفاعل مع فكري والذي من خلالها كان يظهر مدى إهتمام وتضحية بعض من قادة زوعا ومنهم صديقنا الراحل بالتعليم السرياني. ففي أحدى لقاءاتي معهم في شمال الوطن سألتهم ما الذي سيحدث للتعليم السرياني لو أكتسحت قوات صدام حسين المنطقة فقالوا: "صحيح البعض من قادتنا يستسلم والآخر يلجاً إلى المناطق الأكثر أمناً ولكن نعتقد بأن قوات صدام حسين لا تستطيع أن تنتزع لغتنا القومية من ألسنة تلاميذنا الذين تعلموها في المدارس السريانية".

2 - الصعوبات السياسية والنفسية:
يدرك الجميع بأن منطقة فوق خط عرض 36 الآمنة غير خاضعة للحكومة العراقية المركزية كان يسودها نوعاً من التوتر السياسي والقلاقل المقرونة بخوف اجتياح قوات النظام العراقي للمنطقة وما يترتب على هذا الاجتياح من متابعة ومعاقبة الذين ساهموا في إنشاء المؤسسات الرسمية والشعبية أو المشاركة في نشاطاتها أو دعمها. والحالة هذه تنطبق على بعض أبناء شعبنا في المنطقة فهم يعتقدون، بأنه طالما أن التعليم السرياني ومؤسساته ومدارسه نشاطات وظواهر لا تتفق مع نهج الحزب الحاكم في بغداد وقد لا يرضى أو يوافق عليها، بل يمنعها أو يزيلها من الوجود ويعاقب كل من شارك فيها خاصة وهي مدعومة من أحزاب سياسية آشورية كالحركة الديمقراطية الآشورية محسوبة على المعارضة العراقية، لذلك فهم يعتقدون بأن مساهمتهم فيها أو دعمها أو حتى إرسال أطفالهم إلى مدارس التعليم السرياني فأن ذلك سوف يعرضهم للمسائلة والعقاب من قبل النظام العراقي عند قدوم قواته إلى المنطقة. هذه الحالة المقرونة بنوع من الخوف السياسي، المعروف بالفوبيا، خلق نوع من التردد والسلبية تجاه التعليم السرياني. ولكم من الملاحظ أن استمرار مسيرة التعليم السرياني رغم كل المخاطر والمخاوف المحيطة بالمنطقة أثر بشكل كبير على تناقص مثل هذه الحالات وبالتالي اقتصارها على نفر قليل جداً بحيث لم يعد لها أي وزن يذكر في التأثير على المسيرة المستمرة للتعليم السرياني نحو مراحل دراسية متقدمة، وهذا ما أنعكس على تزايد عدد طلاب المدارس السريانية وتعاظم ثقة الطلاب وأولياء أمورهم بها. إذ من الملاحظ بأن بعض العائلات تردت في أول الأمر إرسال أطفالهم الذين تخرجوا من المدارس السريانية الابتدائية إلى مدرسة نصيبين بل أرسلوهم إلى المدارس الكردية المتوسطة، ولكن بعد رسوخ التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة واجتيازه السنة الأولى نحو السنة الثانية وتعاظم ثقة القائمين على شؤونه في الاستمرار حتى نهاية المرحلة ترك ذلك انطباعاً إيجابيا بناءاً في نفوس هذه العائلات تجاه التعليم السرياني وبدأت مخاوفهم بالتبدد والزوال فبدءوا بنقل أطفالهم الذين نجحوا من الصف الأول في المدارسة الكردية إلى الصف الثاني في مدرسة نصيبين، وهكذا أستمر التعليم بلغة الأم في المرحلة المتوسطة بكل نجاح وتقدم.

لا أريد الإطالة في الكلمات والتكثير من السطور، لعل البعض يمتعض من القراءة خاصة عندما تصب في جوهر الحقيقة القومية والإنجازات التي حققها أبطال التعليم السرياني لعل البعض يحسبها نوع من المدح المجاملة، لذا أرى بأن بعض الصور للكتب العلمية المترجمة إلى اللغة السريانية والتي تم إعتمادها كمنهج رسمي في المرحلة المتوسطة قد تعوض عن الإطالة في الكلمات والتكثير من السطور، وهي أهم الكتب العلمية المترجمة... أفهل عزيزي القارئ شاهدت سابقا مثل هذه الكتب العلمية والمترجمة إلى لغتنا القومية؟ إلا يسحتق من بذل الغالي والنفيس من إجل ترجمتها وضحى بكل ما يملكه من جهد ووقت لوضع التعليم السرياني على مساره الصحيح والمستمر لغاية يومنا هذا؟ أن هذه الكتب وبلغة الأم لم تأتي بالثرثرة والتهجم على هذا وذاك والسباحة في فنجان قهوة لكي يتحرر الوطن آشور، بل جاءت بفضل الجهود الجبارة لبعض المؤمنين بحق هذه الآمة في العيش برفاهية وهي تستمتع بحقوقها القومية المشروعة.




 

كتاب الحساب (الرياضيات) وصفحة من الكتاب



 

كتاب الجغرافيا مع صفحة من الكتاب
=======================
 


 

كتاب علم الأحياء و صفحة من الكتاب
========================
 



كتاب الكيمياء و صفحة من الكتاب
========================


 

كتاب الفيزياء و صفحة من الكتاب
======================== 
أليس هذا أعظم إنجاز قومي حقيقي لأمتنا طيلة تاريخها المديد؟؟

إلى اللقاء على الرف السابع والأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية المتضمن تقييم ومستقبل التعليم السرياني وخلاصة عامة.

34
      من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 5
--------------------------------
الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين:  الأول من نوعها في تاريخنا القومي
============================================
                                                                                أبرم شبيرا
سابقة قومية تاريخية لأمتنا:
----------------
حق التعليم بلغة الأم لأبناء شعبنا في أرض الوطن حق مشروع لا غبار عليه ولكن نقله وتحويله من المبدأ إلى الواقع يستوجبه توفر مستلزمات لتحقيقه. فبلإضافة إلى ضرورة وحدة الإرادة القومية وأحزابها الحقيقية الممثلة لها، يستوجب أيضاً وجود عدد كافي أو مناسب من الطلاب والمدرسين والاختصاصيين والمشرفين التربويين لفتح المدارس واستمرار التدريس فيها إضافة إلى المصادر المالية الدائمة. وبقدر تعلق الأمر بعدد الطلاب الآشوريين الذين تخرجوا من الدراسة الابتدائية والمطلوب لفتح مدرسة متوسطة لهم لم يكن هذا العدد كافياً حتى في أكثر المناطق الآشورية كثافة كمدينة دهوك وذلك بسبب التقسيم الديموغرافي والجغرافي لشعبنا في المنطقة الشمالية، والتي سنأتي عليها في ما بعد، ولم يكن أمام القائمين على شؤون التعليم السرياني حل لهذه المشكلة عندما تقرر فتح مدرسة نصيبين الأهلية المتوسطة في دهوك إلا عن طريق اللجوء إلى الأسلوبين التاليين :
الأول: توفير وسائط نقل كبيرة كالباصات لنقل الطلاب يومياً من مناطق داخل مدينة دهوك وضواحيها والبعيدة عن مكان المدرسة وأيضا من القرى المحيطة بمدينة دهوك كمنصورية وسميل وبختمه وغيرهم ومن ثم إرجاعهم إلى بيوتهم بعد أنتهاء الدوام المدرسي. 
الثاني: فتح أقسام داخلية للطلاب الذين يعيشون في قرى وقصبات بعيدة عن مركز مدينة دهوك كسرسنك وعقرة وشقلاوة وديانا وصبنا وديرلوك وزاخو وعمادية وغيرها للمبيت فيها حتى يتسنى لهم الالتحاق والدوام في مدرسة نصيبين في دهوك ذلك لأنه يستحيل على طفل أو أي من كان السفر يومياً من وإلى المدرسة من مناطق بعضها تبعد أكثر من مائة كيلومتر ومحفوفة بعدم الإستقرار والمخاطرة.

والأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين في دهوك ظاهرة فريدة من نوعها في المنطقة وفي تاريخ أمتنا ومن عدة أوجه منها:
أولاً: أنها لأول مرة في المنطقة وفي تاريخ الآشوريين يفتتح أقسام داخلية لطلاب يدرسون معظم موادهم العلمية بلغتهم القومية في المرحلة المتوسطة وأعمارهم لا تتجاوز الثانية عشر أو الثالثة عشر من العمر أو أكثر بقليل، فمثل هذه الأعمار يتطلبها رعاية خاصة وعناية فائقة ليست من الأمور السهلة ما لم يخصص لها جهود إستثنائية وأموال كافية لتعيين المشرفين والاداريين عليها وتوفير الأجواء النفسية لأفراد عائلة الطالب الذي سيعيش بعيداً عنهم إضافة إلى الإستقرار السياسي والحماية الأمنية.
ثانياً: أنها ظاهرة فريدة في المنطقة لأنه ليس هناك تجارب سابقة في فتح أقسام داخلية لمرحلة الدراسة المتوسطة لا للآشوريين ولا لغيرهم .
ثالثاً: أنها لا تعتمد على مصادر مالية ثابتة ومستمرة بل تعتمد كليا على مصادر ذاتية وآشورية توفرها اللجنة الخيرية الآشورية وبعض الخيرين من أفراد ومؤسسات آشورية في المهجر، فهي لا تستلم مساعدات لا من أية دولة أو حكومة معينة، والحكومة الاقليمية غير ملزمة بمساعدتها لأنها تعتبرها خارج العملية التربية كما وأن مدرسة نصيبين كانت مدرسة أهلية وليست حكومية في تلك الفترة.
رابعاً: أن الأقسام الداخلية تستوعب حالياً (في تلك الفترة) طلاب الصفين الأول والثاني المتوسط، أي بمعنى أنه في كل سنة  يتطلب أقسام داخلية أكثر وزيارة في تكاليفها والجهود المبذولة في إدارتها بازدياد عدد طلابها حتى السنة النهائية للمرحلة الثانوية.
أقسام داخلية للأولاد والبنات، رغم بساطتها، متكونة من دار عادي مستاجر متكون من 5 غرف أو أكثر، لكن كانت مزودة بكل المستلزمات الضرورية للإقامة مجاناً من سكن وثلاث وجبات أكل مع مرشد إجتماعي وصحي وزيارة طبيب بين يوم وآخر، لا بل وفي أحيان كانت تقدم لهم دروس إضافية مسائية للطلاب الذين كان مستواهم أقل من أقرانهم... شيء عظيم ومن زار هذه الأقسام لوجد عظمتها من دون أي مبالغة  في إعتبارها سابقة تاريخية في أمتنا، الفضل الأول والأخير كله يعود إلى الجميعة الخيرية الآشورية ومن وراءها الحركة الديموقراطية الآشورية ومساندة أكثرية أبناء شعبنا خاصة أولياء أمور الطلبة والطالبات. السؤال يبقى: لماذا أقسام داخلية في دهوك وهناك نسبة كبيرة من أبناء شعبنا وبيوتهم في هذه المدينة. الجواب هو: من متطلبات تأسيس مدرسة متوسطة أهلية هو وجود عدد معين من التلاميذ لتأسيس مثل هذه المدرسة. ففي دهوك لم يكن هذا العدد متواجد لذلك تطلب الأمر لأكمال العدد المطلوب بأنخراط الطلاب والطلابات في هذه المدرسة من المناطق الأخرى مثل سرسنك وديانا وعقرة ومنصورية وسميل الذين أكملوا المرحلة الإبتدائية في المدارس السريانية هناك والبقاء في الأقسام الداخلية طيلة أيام الأسبوع الدراسي وفي نهاية الآسبوع كانت الجمعية الخيرية الآشورية توفر وسائط النقل – باصات لنقلهم إلى عوائلهم في هذه المناطق ثم بعد العطلة تعود الباصات بهم للدراسة والبقاء في الأقسام الداخلية. الأمر الذي شخصياً أثار أعجابي ودهشتي هو الثقة الكبيرة التي كان يوليها أولياء أمور الطلاب والطالبات بالجمعية الخيرية الآشورية والقائمين على إدارتها وببعض نشطاء الحركة الديموقراطية الآشورية في أرسال أطفالهم إلى دهوك والبقاء هناك في الأقسام الداخلية لعدة أيام. أمر لم يكن بالإمكان تصور مثل هذه الثقة الكبيرة إلا عندما ألتقيت في حينها ببعض أولياء الأمور وشعرت بمدى عمق هذه الثقة بالجمعية وبزوعا... قصص مثيرة للأعجاب كنت أسمعها من التلاميذ... صدقوني تحتاج لمجلدات لكتابتها وتسجيلها في سجل تاريخي خالد لهذه الأمة وهي تحاول الحفاظ على لغتها في أصعب الظروف وأقساها. أنه من الطبيعي، خاصة لأمتنا الفقيرة من نواحي عديدة أن تواجه مثل هذا الإنجاز التاريخي عدد من التحديات والصعوبات لتحقيقه، ويمكن إيجاز بعضها بما يلي:
1 - الصعوبات الجغرافية والديموغرافية:
الواقع الديموغرافي لشعبنا الآشوري في شمال العراق يبين بأنه يفتقر إلى التركز الجغرافي باستثناء قليل في بعض المناطق، فالتشتت الجغرافي للقرى الآشورية وتباعد بعضها عن البعض وتداخلها مع القرى الكردية يخلق مشكلة صعوبة إيجاد مدارس ذات جدوى تعليمية مناسبة لكل قرية أو منطقة وتوفير كوادر تعليمية كافية لها. من هنا كانت البداية التركز على فتح المدارس في المناطق الأكثر كثافة ومن ثم إيجاد الحل لأبناء القرى النائية والبعيدة عن مراكز المدارس السريانية وعن طريق توفير وسائل النقل لهم لنقلهم إلى المدارس. ومثل هذه الصعوبة برزت بشكل كبير عند افتتاح مدرسة نصيبين المتوسطة في مركز مدينة دهوك باعتبارها أكبر مركز لتجمع الآشوريين، أو باعتبارها محوراً للقرى الآشورية المحيطة بها. وصعوبة العامل الجغرافي يتمثل في كون مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك هي الوحيدة من نوعها في المنطقة مما يستوجب على طلاب المدن الأخرى والقرى والقصبات البعيدة كعنكاوا وعقرة وسرسنك وديانا وبرسفي وصبنا وعمادية وديرلوك وغيرها والراغبين في الدراسة في هذه المدرسة القدوم من هذه المناطق والإقامة في مدينة دهوك خلال الفصل الدراسي، وهي مهمة ليست بالسهلة على الإطلاق سيما وأن جميع هؤلاء الطلاب والطالبات هم صبايا تبلغ أعمارهم بين 12 – 13 سنة. وقد تم حل هذه المعضلة بإنشاء أقسام داخلية مختلفة، اثنان للطلاب وواحد الطالبات، وفي العام الدراسي 1999 – 2000 أصبح للطالبات قسمان داخليان، بما تتطلبها هذه الأقسام من مستلزمات الإقامة من أثاث وأفرشة ومطابخ ووسائل تدفئة وتبريد وتوفير ثلاث وجبات من الأكل مجاناً وغيرها من الوسائل الضرورية للطلاب والطالبات إضافة إلى الرعاية الصحية والاجتماعية  ذلك لكون جميع هؤلاء الطلبة صبايا وقاصرين يستوجبهم عناية خاصة واهتمام كبير بسبب بعدهم عن ذويهم طيلة فترة الدراسة. كما هناك مشكلة أخرى في هذا العامل الجغرافي والتي تتمثل كون بعض الطلاب من مناطق تقع مساكنهم في ضواحي مدينة دهوك والقصبات التابعة لها كسميل ومنصورية وهي المشكلة التي تم حلها في المرحلة الأولى بتأجير باصات كبيرة تقوم بمهمة نقل الطلاب من وإلى المدرسة. فهذه المشاكل والعقبات والتي يتطلبها تخصيص مبالغ ضخمة ليست من الأمور الهينة والسهلة على أي فرد أو مجموعة أفراد ما لم تكون مدعومة بتضحيات تقوم بتوفيرها أبناء شعبنا ومؤسساته في المهجر.
2 - الصعوبات المالية:
  لإزالة العقبات الجغرافية والسكانية للطلبة الدارسين في مدرسة نصيبين كان يتطلبها مبالغ ضخمة ومصاريف كبيرة يستوجب تخصيصها وتدبيرها لغرض توفير وسائط النقل وسكن للطلبة الدارسين في هذه المدرسة والقادمين من المناطق البعيدة عن مدينة دهوك وهي المصاريف التي حتما ستزيد في المرحلة اللاحقة و ستتضاعف أكثر في السنوات القادمة عندما يبدأ التدريس في الصفوف الثالثة المتوسطة وصاعداً. أنه حقاً أمراً مثيراً للتفاخر والاعتزاز عندما يشاهد المرء بعينيه ويتحسس بعقله الاندفاع الكبير لإبناء شعبنا في المنطقة نحو إنجاح الدراسة السريانية في هذه المدرسة الفتية حيث وقفوا جميعاً وقفة شجاعة في مواجهة هذا التحدي الجديد فبذل كل واحد ومن موقعه الخاصة جهوداً كبيرة وتضحيات عظيمة ووقفت منظماتنا الرائدة كاللجنة الخيرية الآشورية والحركة الديمقراطية الآشورية وبعض المنظمات والشخصيات الآشورية في الداخل والخارج مواقف مشرفة في الاستجابة للحاجة المالية المطلوبة في إنجاح هذه التجربة والتي بدأت فعلاً مسيرتها في الموسم الدراسي للعام 1998/1999 بثقة بالغة وإصرار منقطع النظير شكل ذلك زخماً قوياً لاستمرار الحياة في هذه التجربة نحو آفاق أبعد والتي انعكست وبشكل واضح في نجاح هذا الموسم الدراسي وانتقال الطلبة إلى الصف الثاني المتوسط بنفس الهمة والنشاط. ومن الضروري  هنا أن أشير، لا بل أن أشيد بوقفة قومية مسؤولة في هذا السياق. ففي عام 2009 عندما كان الحصار المزدوج الدولي والنظام العراقي يفرض قسوته على المنطقة الشمالية وفي عين الوقت كانت متطلبات التعليم السرياني تزداد بإزدياد طلابه والهمة تتضاعف للخيرين من أبناء أمتنا لضمان إستمراره، أستنفر هذا الوضع الشخصية القومية عمانوئيل قليتا الذي كان مسؤولا عن الجمعية الخيرية الآشورية فرع بريطانيا وبُلغ بالحاجة الماسية لباصين لنقل الطلاب والطالبات فتحرك صوب ألإصدقاء الخيرين لسد حاجة التعليم السرياني إلى الباصات، فعلى الفور، وبحضوري الشخصي، بادر وتبرع كل من السيد بهرم أوديشو بهرامي والسيد وورد فرجو زيا بمبلغ 20 ألف دولار أمريكي لكل واحد منهما للجمعية الخيرية الآشورية لشراء الباصين المطلوبين لنقل الطلاب والطالبات. أنا شخصياً أعرف كلا الصديقين بهرم وورد بأنهما ليسا من أثرياء المال ولا ميسوري الحال، بل للحق اقول بأنهما أغنياء بسخائهم وعطائهم ومواقفهم القومية في مثل هذه الحالات والأمثل كثيرة في هذا السياق، منها تبرعاتهم المستمرة لمتطلبات المسيرة النيسانية في كل عام. أذكر هذا للذين يتغنون ليل نهار عن آشور ويذرفون دموع التماسيح خوفاً على ضياع لغتنا القومية في الوقت الذي لا يبادرون حتى بالتبرع بدولار واحد لحماية لغتهم القومية. 
3-  الصعوبات الاجتماعية والعائلية:
العائلة الآشورية في المنطقة، هي كغيرها من العائلات الشرقية، محافظة بطبيعتها، خاصة في المناطق الريفية والزراعية، فلها أواصر عائلية حميمة بين أفرادها يصعب عليهم الفراق أو الغياب لفترة طويلة، وهي حالة معروفة للكثير من الآشوريين ولا يستوجبها التفصيل، ولكن الذي يهمنا من هذه الإشارة هو كيف سيكون الحال مع طفل عمره بحدود 12 أو 13 سنة أن يفارق أهله لمدة تطول أشهر؟ وكيف تثق العائلة الآشورية بالجهة التي تأوي هذا الطفل وهو بعيد عن بيته ؟؟ وكيف تطمئن إليه وهو محروم من حنان الأم ورعاية الأب ؟؟ أسئلة وأسئلة كثيرة تثار حول طلاب مدرسة نصيبين الذين جاءوا من مناطق بعيدة ويقيمون في الأقسام الداخلية في دهوك. الجواب الوحيد والشافي لهذه الأسئلة، لا بل والحل الأمثل لهذه المشكلة يكمن في الجهود العظيمة والمثالية التي توفرها اللجنة الخيرية الآشورية في الأقسام الداخلية الأربعة التي تشرف عليها. فقبل كل شيء يجب الاعتراف بأن هذه اللجنة والمنظمات والأحزاب الآشورية الفاعلة في المنطقة والمساندة للتعليم السرياني استطاعت أن توف، من خلال إخلاصها لأبناء شعبنا وصدقها في عملها القومي، ظروف فكرية ونفسية واجتماعية كانت قادرة على خلق أجواء اتسمت بالثقة والمصداقية بين عوائل الطلاب والطالبات وصلت إلى حدودها المثالية عندما وضعت هذه العوائل كل الثقة بهذه المؤسسات وأتمنتهم بوضع أطفالهم بين أحضانهم وتربيتهم ورعايتهم ومن دون أن يشعروا التلاميذ بأية غربة أو انزعاج بسبب فراق أهلهم وبعدهم عنهم طيلة فترة الدراسة.
في مقابلة شخصية مع الطالب هرمز بنيامين البالغ من العمر 14 عاماً، الصف الثاني المتوسط، يقول بهذا الخصوص "أنها السنة الثانية وأنا أدرس في مدرسة نصيبين وقدمت من منطقة (ديانا) وأقيم في القسم الداخلي رقم (2) وأني ما أتلقاه من رعاية وإشراف في المدرسة وفي القسم الداخلي ممتاز جداً، فنحن نتلقى ثلاثة وجبات طعام صحية وبكميات تفي حاجتنا وبزيادة كما أن ملابسنا تغسل وعلى الدوام وغرفنا وافرشتنا نظيفة جداً مثلما هي في البيت وفي كل قسم داخلي عاملة تقوم بتنظيف كل شيء كما هناك مشرفة علينا ترعي شؤونا وتنظم أمورنا الشخصية والدراسية أيضاً، وهناك بعض المشرفين هم بالأصل وفي نفس الوقت مدرسين في مدرسة نصيبين وهذا ما يجعل الأمر أسهل إلينا في استمرار المطالعة والدرس في القسم الداخلي والتي قد تكون تجاوزناها في المدرسة بسبب إدراك الوقت لنا كما يساعدنا هذا كثيراً في إداء واجباتنا البيتية بشكل صحيح وتحت إشرافه". أما الطالبة مورين إبراهيم البالغة من العمر 14 عاما، الصف الأول المتوسط والقادمة من منطقــة (نهله) فتقول بخصوص بعدها عن أهلها "أن ما توفره لنا المدرسة والأقسام الداخلية من رعاية خاصة وعناية كبيرة تعوض الكثير عن هذا البعد كما وأن أهلي في كثير من الأحيان يأتون إلى دهوك لقضاء بعض الحاجيات فيزورنني في القسم الداخلي وأقضي معهم ساعات طويلة وفي أحيان أخرى أقضي معهم بعض الليالي عندما يبقون في دهوك عند بعض أقربائنا، كما أن المشرفة تسمح لنا في بعض أيام العطل، وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، أن نزور أقاربنا في دهوك بعد أن ترسل معي مرافق يوصلني إليهم ثم يرجعني إلى القسم. أما في أيام العطل الطويلة والأعياد فإننا نذهب إلى قريتنا وأبقى عند أهلي حتى نهاية العطلة وهذا كله مرتب من قبل اللجنة الخيرية الآشورية خاصة بالنسبة لتوفير النقل بالباصات المخصصة لنقل طلاب الأقسام الداخلية". للحق أقول شخصياً أستغربت إستغراباً شديداً عندما تحدثت إلى طلاب وطالبات الأقسام الداخلية من قوة شخصيتهم وعمق ثقتهم بنفسهم وبمدرستهم وبمدرسيهم وبالقائمين على التعليم السرياني وكأنني كنت أتحدث مع شخصيات بالغة ومليئة بالثقة وبنفسية عالية وبإصرار حماسي وحتى بوعيهم القومي وإداركم لواقع أمتنا في الوطن وبأهمية التعلم بلغة الأم.
صور ناطقة:
========
في نهاية عام 1999 قمت بأول زيارة للإقسام الداخلية للطلاب والطالبات والتي لحقتها زيارات سنوية أخرى، وقد وجدت في بعض الصور بأنها تغني عن صفحا طويلة من الشرح عن هذه الأقسام الداخلية، وهذه بعض الصور التي يظهر فيها الأستاذ نزار حنا مدير التعليم السرياني والأستاذ دواد هيدو المشرف التربوي للتعليم السرياني والأستاذ بهموند حنا مدير مدرسة نصيبين المتوسطة والسيد نابليون كوركيس رئيس الجمعية الخيرية الآشورية والسيد باسم يوخنا من أتحاد الطلبة والشباب الآشوري مع مدرس/مشرف إجتماعي ومدرسة/مشرفة إجتماعية وطلاب وطالبات مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك. من المؤكد اليوم وبعد عشرين عاما، هؤلاء براعم الأمة نموا على تربة الوطن ليصبحوا شبابا وشاباتاً يحملون لغة أبائهم وأجدادهم على أكتافهم فزرعوا أبطال التعليم السرياني فيهم روح الأمة وأهم مقوم من مقوماتها... اللغة. فهذا لم يكن ممكنا إطلاقا لولا تجاوز معظم الإختلافات التسموية والطائفية والقريوية والعشائية... أفهل يدرك القابعون في أبراجهم العاجية هذا الإنجاز العظيم والذين يقضون معظم أوقاتهم في الثرثرة مع أنفسهم عبر شاشات جهاز الكومبيوتر يتغنون ليل نهار بآشور كموطن مقدس للأباء والأجداء ولكن... نعم ولكن لايستطيعون أن يخطوا خطوة واحد نحوه... إذن كيف يتم "تحرير" آشور؟.
 





 

35
لمن لا يعرف القراءة ولا يفهم الحقائق الواقعية ولمن مصاب بالأنيميا القومية الفكرية نعرض له هذه الصور لعل قد تزيل غشاء الحقد والطائفية من عقله ويدرك الواقع كما هو... طلاب آشوريون بمختلف طوائفهم ومللهم وقراهم يوحدهم سقف تعليمي واحد... جيبو... جيبو لفرسان التعليم السرياني في الوطن.

 






زيارة لمدرسة نصيبين في دهوك في نهاية عام 1999  ويظهر في الصورة الأستاذ داود هيدو والمرحوم يونان هوزايا والسيد يوسف سميل مع مدرسة الصف.

36
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 5
--------------------------------

مدرسة نصيبين المتوسطة: سابقة تاريخية في التعلم بلغتنا القومية
==========================================
أبرم شبيرا
توطئة:
يتضمن الرف الخامس من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق مواضيع تشكل سابقة تاريخية في التعلم بلغتنا القومية في مدارس  علمانية منتظمة وعلمية. ويمكن تحديدها في تأسيس مدرسة تصيبين المتوسطة والمدارس الأخرى التي أعقبتها  وأقسامها الداخلية التي أوت الطلاب والطالبات ثم المناهج التعليمية العلمية. وبالنظر لكون هذه المواضيع تشكل سابقة تاريخية في أمتنا لذا فهي تتصف بعلو خاص ومتميز ليس بمقياس المسافة بل بالمقاييس الفكرية والعلمية والقومية والإدراكية التي يصعب على البعض من قصيري النظر أو المصابين بالأنيميا الفكرية والمختلين قومياً خاصة القابعين في خيامهم في المهجر والمتحجرين في مقالعهم البعيدة عن واقع الحال لأمتنا في أرض الوطن، فلهؤلاء صعوبة جداً من  الوصول إلى هذا الرف وفهم مواضيعه لأنها أعلى بكثير من مستوياتهم الفكري ويستحيل إستيعابه، فحالهم يشبه حال القط الذي لم يستطيع الوصول إلى اللبن، فقال لا يهم لأنه لبن حامض. هذه السوابق التاريخية ليست بفعل "فرسان" الإنترنيت ولا بفعل "المناضلين" الذين يسعون لتحرير آشور من خلال الكلام والورق وهم قابعون خلف شاشات الكومبيوتر ولا يجرأون أن يخطوا خطوة واحد نحو آشور لمعايشة أبناء آشور والإستماع إليهم. ولا هي هذه السوابق التاريخية من صنع الذين ينكرون أصالة أبائهم وأجداهم ولغتهم العظيمة، بل هي من نتاج كفاح أبطال حقيقيين يواجهون تحديات ماحقة يناضلون صامدين على أرض الوطن يفلحون حتى على الصخر لكي يزرعوا بذور نقية لإنبات شجرة لغة أمتنا وصيانتها من الضياع فكان لأعضاء القائمة الآشورية للحركة الديموقراطية الآشورية في برلمان الإقليم وقفة بطولية في إنتزاع قرار التعليم السرياني بقسميه الإبتدائي والثانوي والحقيقة تفرض علينا أن لا ننسى الدور الكبير الفاعل للمرحوم فرنسوا الحريري والسيد سركيس أغاجان عضوي البرلمان في الدفاع للحصول على هذا المكسب العظيم لأمتنا. من هنا أقول لمن يتوهم البعض بأن التعليم السرياني في شمال العراق كان كحق طبيعي على الدولة لمنحه لأبناء هذه اللغة، نعم هذا صحيح في الدول الديموقراطية التي تقر بحقوق الإنسان والأقليات وليس في دولة كدولة العراق بقسميه الشمالي والجنوبي، بل أقول لمن لا يعرف أو يحس بهذه الأدوار البطولية في الحصول على هذ المكسب العظيم بأنه هو نتاج كفاح أبناء أمتنا الخيرين وهذا ما سندركه من محتويات الرف الخامس من هذا الأرشيف الحاوي على السوابق التاريخية مبتدأ بـ:

مدرسة نصيبين المتوسطة ـ تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة:
كانت البدايات الأولى تحديات مصيرية متعلقة بدخول طلاب الصف السادس الابتدائي للمدارس السريانية في  صيف عام 1998 الامتحانات النهائية "الوزارية" العامة وتخرجهم منها ومن ثم تحولهم إلى المرحلة المتوسطة، وهو التحدي الذي تمثل في بحث وإيجاد حل  لمشكلة تقوم على ركيزتين وهما:
الأولى : مشكلة عدم وجود بالأساس مدرسة سريانية في هذه المرحلة والمستلزمات العلمية من مناهج وكوادر وأبنية وتجهيزات مطلوبة لتأسيس مثل هذه المدرسة.
الثانية : المشكلة القانونية والتي تتمثل في عدم وجود تشريع خاص يقر بالتعليم السرياني للمرحلة المتوسطة ذلك لأن قانون وزارة التربية كان ينص على حق الآشوريين في التعليم بلغتهم القومية في المرحلة الابتدائية فقط.
على هذا الأساس كان يستوجب على القائمين بشؤون تعليم لغة الأم مواجهة هذه المشكلة عن طريق  توجيه اهتمامهم وجهودهم لخوض "المعركة" أن صح التعبير، على مستويين الأول: فكري وثقافي والثاني: سياسي وقانوني. فبخصوص المستوى الأول، يقول الأستاذ يونان هوزايا (رحمه الله) عضو لجنة الترجمة وتأليف المناهج في مقابلة خاصة، بأنه منذ إقرار البرلمان لحق أبناء أمتنا في التعلم في المدارس بلغتهم القومية بدأنا مع تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العامة للتربية ثم مع مديرية التعليم السرياني والمركز الثقافي الآشوري وغيرهم من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والمختصين في شؤون اللغة والمشرفين التربويين، بدأنا بمراقبة ومتابعة عملية التعليم السرياني مراقبة دقيقة ويومية وخطوة فخطوة من أجل معرفة مسيرتها الصحيحة وتذليل عقباتها وتوفير مستلزماتها بهدف إنضاج هذه التجربة وإنجاحها لتكون قاعدة لمرحلة متقدمة أخرى، وفعلاً بعد أن قطعت نصف الرحلة وأمضت ثلاث سنوات، أي في عام 1995، من مسيرتها تأكد نجاحها وبشكل ملفت للنظر، ليس للآشوريين وحدهم وإنما لغير الآشوريين أيضا بما فيهم المسؤولين في الدوائر والوزارات المعنية. لا بل وتأكد لنا جميعاً بأنه لا محال من استمرار مسيرة التعليم السرياني حتى وصول محطتها الأخيرة، أي الصف السادس الابتدائي واجتيازها بثقة عالية، ولكن كنا مترقبين وحريصين أشد الحرص على التحرك وعلى مختلف الجبهات وفي الوقت والظرف المناسبين وقبل وصول مسيرة التعليم السرياني محطته الأخيرة بفترة معقولة ومناسبة. لهذا  شرعنا في البدء مرحلة تهيأ الأجواء الفكرية والثقافية والفنية من خلال عقد مجموعة من الندوات والحلقات الدراسية واللقاءات من أجل الاستعداد لطرح موضوع مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية على المسؤولين المعنيين ( مقابلة شخصية مع المرحوم يونان هوزايا في 21/2/1999 في عنكاوه) .
وفعلاً ومن خلال البحث والتقصي عن مرحلة هذا الاستعداد، نجد بأنه عدد من ندوات وحلقات دراسية عقدت بشأن التعليم السرياني، وهو في سنته الثالثة، أكدت على ضرورة مواصلته نحو المرحلة الثانوية شارك فيها عدد كبير من المختصين باللغة السريانية والمشرفين التربويين والمعلمين وعدد كبيرمن الكوادر المختصة والمدرسين والمشرفون التربويون وشخصيات علمية ودينية وثقافية وأعضاء برلمان ومسؤولون كبار في وزارة التربية توصلوا إلى قرارات وتوصيات أكد على أمكانية وضرورة مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة المتوسطة ثم الثانوية.
 هكذا مع تواصل استمرار نجاح مسيرة التعليم السرياني واجتيازها السنة الخامسة ووصولها إلى سنة ما قبل الأخيرة من الدراسة الابتدائية، تواصلت أيضاً اللقاءات والاجتماعات الهادفة إلى إنضاج الظروف الفكرية والعلمية والفنية للمرحلة المقبلة من التعليم السرياني فعقدت العديد من الندوات والحلقات الدراسية توصلت في نهاية المطاف إلى ضرورة استمرار التعليم نحو المرحلة الثانوية وما يتطلب ذلك من فتح مدارس وتجميع الطلبة والحاجة إلى أقسام داخلية لهم وغيرها من المستلزمات الفنية والإدارية، لا بل وأكد المشاركون في الحلقات الدراسية على أهمية وجود أقسام لدراسة اللغة السريانية وآدابها في جامعات الإقليم وفي معاهد أعداد المعلمين، فعلى الرغم من أهمية هذه التوصيات والقرارات إلا أن  الذي يهمنا بهذا الخصوص هو قرار رفع توصية إلى وزارة التربية في الإقليم بضرورة إقرار تواصل التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية، وهو القرار الشجاع الذي يعكس تجاوز مرحلة التحضيرات الفكرية والثقافية ونقلها إلى المرحلة السياسية والقانونية فيما يخص تحول مسيرة التعليم السرياني نحو مراحل اكثر تقدماً .
فبعد انتهاء هذه الحلقة الدراسية انتقلت الحملة الداعية إلى مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية من مرحلة الدراسات والمداولات ألى مرحلة اتخاذ القرار الرسمي بشأنها، أي تجاوز المهمة من المستوى القومي إلى المستوى الرسمي وانتقالها إلى أروقة الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء والبرلمان،  حيث قامت وزارة التربية بتحويل التوصية التي أقرتها الحلقة الدراسية إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار اللازم بشأنها. غير أنه لأسباب سياسية تفاعلت مع التطورات التي سادت في المنطقة في تلك الفترة لم يتخذ أي قرار بهذا الشأن مما أدى ذلك إلى قيام الكتلة الآشورية مع عشرين عضواً من أعضاء البرلمان المؤيدين لهذا المطمح الآشوري في مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية بالتوقيع على التوصية ورفعها إلى رئيس البرلمان والذي بدوره رفعها إلى رئاسة مجلس الوزراء لإبداء الرأي واتخاذ القرار بخصوصها. غير أن المسألة تأخرت مرة أخرى في مجلس الوزراء بشكل لم تكن أبدا بعيدة عن التأثيرات السياسية والتي غلفت بحجة عدم توفر الكوادر اللازمة لهذه المرحلة وغيرها من الحجج التي لم تصمد أمام إصرار جميع الخيرين من الآشوريين على ضرورة تحقيق هذا المطلب القومي، وفعلا وفي نهاية الجولة تم حسم المسألة فقامت رئاسة مجلس الوزراء وفي بداية شهر تشرين الثاني 1988، أي بعد أن كان الموسم الدراسي مستمراً لمدة تجاوز الشهر، بإصدار القرار اللازم بهذا الشأن. ثم أعقب ذلك قرارها المؤرخ في 2 تشرين الثاني 1998 والقاضي بالموافقة على فتح مدرسة أهلية في دهوك للراغبين بالدراسة السريانية وبإشراف وزارة التربية وطبقاً لنفس مناهج المدارس الأخرى في الإقليم. وعلى أثر ذلك تحرك فوراً الخيرون والحريصون على استمرار تطوير لغتنا القومية نحو تهيئة المستلزمات القانونية والفنية والعلمية الضرورية لفتح مثل هذه المدرسة، وفعلا ففي الثامن من كانون الأول 1998 قدم كل من الشماس أندريوس يوخنا والأستاذان بهمود حنا ودنخا خيوسو طلبا بفتح مدرسة متوسطة أهلية سريانية في دهوك بأسم مدرسة نصيبين المتوسطة المختلطة ومثل الشماس أندريوس يوخنا، مدير الثقافة الآشورية، مقدمي طلب التأسيس وتم التوقيع في ديوان وزارة التربية للإقليم على عقد تأسيس مدرسة متوسطة أهلية سريانية في دهوك ومثل السيد أندريوس يوخنا، مدير الثقافة الآشورية، مقدمي طلب التأسيس على توقيع العقد. وففي العاشر من شهر كانون الأول 1998 تم افتتاح المدرسة رسمياً في مركز مدينة دهوك وبرعاية الأستاذ يونادم يوسف كنا وزير الاشغال والاسكان وكبار مسؤولي وزارة التربية  وسميت بأسم مدينتا التاريخية الخالدة نصيبين التي لعبت جامعتها المشهور في التاريخ دورها الكبير في تدريس العلوم وتطويرها، كما تم تعيين الأستاذ بهمود حنا مديراً لها وهو صاحب خبرة طويلة في حقل التدريس تزيد عن ربع قرن ويتمتع بمؤهلات جامعية وثقافية تؤهله لاعتلاء هذه المسؤولية الكبيرة. والمدرسة تكونت في البداية، أي في السنة الأولى، فقط من الصف الأول المتوسط (السنة السابعة ) ومن ستة شعب وكان عدد طلابها يقارب ( 136 ) طالب وطالبة. كانت المدرسة، كأي مؤسسة حديثة التكوين وضمن ظروف صعبة، قد مرت بتجربة فريدة من نوعها في تاريخ الآشوريين قاطبة أكتنفتها الكثير من الصعاب التي لايمكن وصفها إلا أنها تم تجاوزها بفعل تكاتف المدرسين والطلاب والإصرار على إكمال المنهاج المقرر خلال السنة الدراسية بالجد والمثابرة ومن دون أي تأخير. وفعلاً تحقق ما اصبوا إليه بنجاح منقطع النظر فتحول الطلاب إلى الصف الثاني المتوسط بعد إنقضاء السنة الدراسية ومن ثم بدأت تحديات أخرى تمثلت في زيادة عدد الطلاب ومضاعفتهما فأصبح للمدرسة خمسة شعب كاملة العدد للصف الأول مجموع طلابها (167) طالب وطالبة وأربعة شعب كاملة العدد للصف الثاني مجموع طلابها (152) طالب وطالبة، أي يكون مجموع طلاب مدرسة نصيبين في الصفين الأول والثاني (319) طالبة وطالبة. وحتما سيزداد هذا العدد في السنة الدراسية القادمة حيث سيتم أيضا فتح شعب عديدة للصف الثالث المتوسط . وهكذا يتضاعف عدد طلابها بتضاعف عدد الصفوف في كل سنة قادمة. إضافة إلى مدرسة نصيبين كان هناك قرار لاحقاً لرئاسة مجلس الوزارء والمرقم 22 في 5/1/1999 تقرر بموجبه أيضاً فتح  شعبة للأول المتوسط في منطقة ديانا غير أنه بسبب قلة عدد الطلاب، والذين كان عددهم سبعة فقط، تأجل أمر فتحها إذ كان يستجوب وجود خمسة عشرة طالب لفتح مثل هذه الشعبة لتكون كصف أول لمدرسة متوسطة، غير أنه كحل وسط تم فتح ملحق بمدرسة آشوربان الإبتدائية السريانية ليتم فيها تدريس المناهج المقررة في الصف الأول المتوسط لطلابها حيث أستمروا على الدراسة بشكل رسمي ومنهجي .
وأخير لم يبقى إلا أن نشير بخصوص مرحلة التحول والتطور الكبير الذي حصل في التعليم السرياني بانتقاله وبنجاح من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة إلى الدور العظيم والوقفة الشجاعة التي وقفتها معظم العائلات الآشورية وأولياء أمور الطلبة الذين أنهوا المرحلة الابتدائية. فهؤلاء جميعاً خاطروا بمستقبل أطفالهم من أجل إنجاح تعليم لغة الأم نحو مراحل متقدم وحققوا بعد صمود وشد الأعصاب من تحقيق هدفهم في استمرار أبنائهم الدراسة في المرحلة المتوسطة رغم تأخر افتتاح مدرسة نصيبين. فبعد أن تخرج هؤلاء من المرحلة الابتدائية في بداية صيف عام 1999 وانقضت العطلة الصيفية وشارفت على انتهائها وأستعد الطلاب الذهاب للمدارس في الأول من تشرين الثاني أصبح موقف هؤلاء محرج للغاية إذ لم تكن هناك مدرسة سريانية متوسطة لاستيعاب خريجي التعليم السرياني الابتدائي ولم تفتح أبواب هذه المدرسة، أي مدرسة نصيبين، إلا في العاشر من كانون الأول 1999 وبعد حصول الموافقة اللازمة لافتتاحها، كما سبق وأن نوهنا عنها. فطيلة هذه الفترة الحرجة والمقلقة لأولياء الأمور رفضوا إرسال أبنائهم إلى غير التعليم السرياني وأبقوا عليهم في بيوتهم منتظرين افتتاح المدرسة المتوسطة حتى أثمر صبرهم وصمودهم بشروع أبواب مدرسة نصيبين واستقبال طلابها. أنه حقاً موقفاً مشرفاً وقفه الجميع وقفة مسؤولة شجاعة لعب دوراً كبيرا في إنتاج مسيرة التعليم السرياني بثمار انعكست في الهمة والنشاط الذي أبداها الجميع حيال إنجاح هذه المدرسة. فألف تحية وتحية لجميع العائلات ولأطفالهم على هذا الموقف الشجاع فلولاهم لما كانت مدرسة نصيبين قائمة في هذا اليوم. أما بعض العائلات القليلة جداً والتي لم تستطيع الانتظار طويلاً خوفاً على مستقبل أطفالهم، وهو خوف مشروع لا غبار عليه، فقد أرسلوا أطفالهم بعد تخرجهم من الابتدائية إلى المدارس المتوسطة الأخرى واستمروا الدارسة فيها لسنة واحدة، أي الصف الأول المتوسط، ولكن سرعان ما أن نجحوا إلى الصف الثاني حتى أرسلوهم إلى مدرسة نصيبين مقتنعين كل الاقتناع بأن التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة قد نجح واجتاز الصعوبات والتحديات وسوف يستمر حتى نهايته الأخيرة المقررة له.
وفي السنوات اللاحقة ازدادت المتوسطات والاعداديات في كل مناطق تواجد شعبنا، ثم بعد تغيير شكل التدريس من الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية أصبح على مرحلتين: مرحلة الأساس من 1 – 9  ومرحلة الإعدادية حيث أنفصلت المرحلة المتوسطة وأنظمت إلى الأبتدائي والباقي أصبحت مدارس أعدادية وتوسعت وأزداد عددها في الوقت الحاضر، كما أورده لنا الأستاذ نزار حنا مدير التعليم السرياني في وزارة التربية، وهذه الإعداديات هي:
اعدادية نصيبين السريانية - دهوك
اعدادية زاخوثا السريانية - زاخو – بيرسفي
اعدادية زهريرا السريانية - العمادية – ديرلوك
اعدادية اورهي السريانية - العمادية – سرسنك
اعدادية مركا السريانية - عقرة – نهلا
ثانوية شميرام السريانية - اربيل – ديانا
ثانوية اور السريانية - اربيل – عنكاوا
----------------------
شكرا جزيلا أستاذ نزار حنا وشكرا لزملائك فرسان التعليم السرياني في الوطن ولكل الخيرين الذي ساهموا في هذا الإنجاز العظيم من نوعه في تاريخ أمتنا. ولنا لقاء على الرف السادس من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق.
STAY SAFE MY FRIENDS


37
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 4
--------------------------------

التعليم السرياني في شمال العراق - حقائق وأرقام
=========================
أبرم شبيرا
توطئة:
توطئة:
في هذا القسم الرابع نتصفح أرشيف المدارس الآشورية القومية من خلال كتابنا السالف الذكر"التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام، بعد أن نقلنا بعض الصفحات منه في القسم الثالث كمقدمات تمهيدية قبل الدخول في صلب الموضوع عن المدارس السريانية والتعليم السرياني في شمال العراق، أنظر الرابط:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=977422.0 .

وهنا سأحاول أن أستل بعض الأجزاء من هذا الكتاب مع تعديلات طفيفة جداً مبتداً بـ:

أولا: بداية تجربة في التعليم بلغة الأم:
بالرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة، إقليمياً ودولياً في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فأن  إقليم شمال العراق كان يعيش حالة إستثنائية من التعددية السياسية أتيح للآشوريين حدوداً هامشياً لتتحرك أحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية والثقافية والاجتماعية وتنشط في تحقيق بعض الأهداف التي كان الآشوريون دوماً  يسعون  إلى تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بتعليم لغة الأم لأطفالهم في المدارس الرسمية وبشكل أصولي تربوي وعلمي وبدون فرض النتائج ومن ثم قبولها خوفاً من إرهاب السلطة أو الأكثرية. فضمن هذه الحالة الديمقراطية البسيطة نشطت بعض الأحزاب والشخصيات الآشورية فاقتربت من ماكنة صنع القرار السياسي والتي تمثلت في مشاركة الآشوريين في البرلمان ممثلين بأربع نواب من القائمة الآشورية التابعة للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) مع مسيحي واحد من الحزب الديموقراطي الكردستاني (بارتي) ضمن الكوتا المسيحية التي خصصت خمس مقاعد لهم. كما شاركت زوعا في المؤسسات الحكومية الإقليمية والوزارة وفي بقية التنظيمات السياسية والتحالفات الحزبية، فأفرزت هذه المشاركة نوع من التقارب والتفاعل انعكست نتائجها في تفهم وتقبل القوى السياسية الرئيسية الفاعلة في المنطقة والتي تقننت هذه النتائج  فيما بعد في قوانين وتشريعات جديدة ضمنت رسمياً حقوق الآشوريين، خاصة في ما يتعلق بمسألة تدريس لغة الأم في المدارس الرسمية.

ومن بين هذه القوانين التي تهمنا في موضوعنا هذا هو قانون وزارة التربية في الإقليم وخاصة المادة الرابعة منه والتي نصت على ( أن يكون التدريس باللغة الكردية رسمياُ في جميع المراحل ابتداءً من الصف الأول الابتدائي وحتى السادس الإعدادي . وكخطوة أولى تبدأ الدراسة باللغة الكردية في الصف الأول الابتدائي لهذا العام 1992 – 1993 عدا المدارس التي تشملها الفقرة الرابعة) وهي الفقرة التي تنص على ( جعل لغات الأقليات لغة التعليم في المرحلة الابتدائية لأبنائها في المناطق التي تقطنها على أن يكون تعليم اللغة الكردية فيها إلزامياً ). وفي قراره المرقم 16 والمؤرخ في 20 أيلول من عام 1992 أقر المجلس الوطني الكردستاني ( برلمان الإقليم) هذا القانون والذي بموجبه أصبح للأقليات، والذي عرفهم في مادته الأولى الفقرة السادسة بـ "الآشوريين والتركمان والعرب وغيرهم"، حق التعليم بلغتهم القومية. ومما نستدل من هذا القانون المقر بأن التعليم باللغة السريانية يقتصر فقط، كما هو مبين، على المرحلة الابتدائية دون المراحل الأخرى المتوسطة والثانوية. وللاستفسار عن سبب ذلك قابلنا الأستاذ يونادم يوسف كنه، مسؤول القائمة الآشورية في برلمان الإقليم ووزير الإسكان والتعمير سابقا والصناعة والطاقة حاليا، والذي شارك في مناقشات إقرار القانون أعلاه، حيث ذكر بأنه قبل إقرار هذا القانون، جرت مناقشات ومداخلات وتعليقات طويلة ومفصلة حول حصر حق القوميات غير الكردية بالتعليم  بلغتهم القومية على المرحلة الابتدائية وبينّا في حينه تحفظاتنا لهذا الأمر وطالبنا بضرورة أن يكون التعليم السرياني شاملاً أيضا للمراحل الأخرى المتوسطة والثانوية، غير أنه مما يؤسف له بأن جملة عوامل سياسية خارجية وداخلية تفاعلت مع بعض الحجج التي برر بموجبها رفض مطلبنا، منها قلة أو عدم وجود كوادر أكاديمية كفؤة وضعف الإيمان عند البعض من أبناء شعبنا في إمكانية استمرار التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية فيكف والحال مع المراحل المتوسطة والثانوية ؟. هكذا تداخلت هذه الظروف مع جملة عوامل سياسية في المنطقة حالت كلها إلى دون إقرار البرلمان لمطلب الكتلة الآشورية في شمول التعليم السرياني للمراحل المتوسطة والثانوية، ولكن مع كل هذا،  فإن هذه النقاشات وما دار حولها من حجج في رفض مطلبنا أثرت إيجابيا في نفوس أعضاء الكتلة الآشورية بحيث جعلتنا أن لا نتهاون ونتقاعس، بل حفزتنا وبشكل كبير على ضرورة تركيز معظم الجهود والإمكانيات لخلق الكوادر الأكاديمية الكفؤة وإنجاح التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية كمنطلق أساسي نحو الاعتراف بحقنا القومي في استمرار التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة، وهو ما تحقق فعلاً من خلال اجتياز المرحلة الابتدائية وبنجاح منقطع النظير ( مقابلة شخصية بتاريخ 18/2/1999 - دمشق)       

وهكذا فبعد إقرار القانون أعقب ذلك في نهاية شهر أيلول صدور أوامر وزارة التربية وتعليمات مديريات التربية في محافظتي أربيل ودهوك بخصوص التعليم السرياني في هاتين المحافظتين والقاضية بتطبيق قرار التعليم السرياني فوراً في المدارس التي ستشمل بهذا القرار وللسنة الدراسية ( 1992 – 1993 ) والطلاب على أبواب بداية الموسم الدراسي، وهو القرار الذي فاجئ المعنيين بالموضوع والذين كانوا يتوقعون تطبيق القرار في السنة الدراسية القادمة (1993 – 1994) لأن الوقت كان ضيفاً جداً لتهيئة المناهج والكوادر التعليمية وغيرها من الأمور الفنية والتربوية. غير أنه مع كل هذه العجالة والاحراج لم تثني هذه المفاجئة عزيمة الخيرين من أبناء أمتنا من المدرسين والمختصين، فشرعوا جميعاً مع المؤسسات والمنظمات الآشورية الرائدة والطليعية، وفي مقدمتهم المركز الثقافي الآشوري وأعضاء الكتلة الآشورية في البرلمان، بالعمل الحثيث والمضني والمتواصل في التسابق مع الزمن لاستغلال هذه الفرصة العظيمة التي وفرت لأبناء أمتنا في الدراسة بلغتهم القومية. وفعلاً، رغم كل الصعوبات وضيق الوقت، فقد أفلحت هذه الجهود الخيرة في تنفيذ القرار عملياً في السادس من أذار عام 1993، والذي بدا متأخراً بعض الشيء، إلا أنه مع هذا لم يؤثر على سير التعليم السرياني في مرحلته الأولية بل تواصل بفعل الساعات الإضافية الطويلة التي خصصت من أجل استيعاب الطلبة للمنهاج المقرر، وهذا ما تم فعلاً. وبهذا تكون فاتحة جديدة من نوعها قد بدأت في تاريخ تدريس اللغة السريانية في العصور الحديث كلغة تعليمية للمنهج التدريسي المقرر رسمياً في المدارس العامة.
ثانيا: طموح يتحقق ـ التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني:

التحليل القانوني لنصوص قانون وزارة التربية في الإقليم وقرارات البرلمان الخاصة باستخدام أبناء القوميات غير الكردية للغتهم في التعليم، بما فيهم الآشوريين منهم والقرارات المتعلقة بالتعليم السرياني، تدل على أن التعليم بلغتهم القومية هو إلزامي وليس اختياري، ذلك لأن الإلزام في النظرية القانونية يعتبر ركن أساسي وجوهري من أركان القانون، فكل نص قانوني هو ملزم بطبيعته ما لم يصرح عكس ذلك وبشكل واضح وعلني وعن طريق الإشارة الصريحة والمبينة بالإستثناءات الواردة فيه. فقانون وزارة التربية نفسه وفي فقرته الثالثة من المادة الرابعة الخاصة بالتعليم باللغة الكردية، فإنه بطبيعته كقانون تشريعي هو ملزم للمعنيين به، غير أنه أورد استثناءً واضحاً فيه عندما استثنى "الاقليات" منها والذي أعطى لهم بموجب الفقرة الرابعة من نفس المادة حق التعليم بلغتهم القومية في المرحلة الابتدائية، مع تضمين هذا الاستثناء إلزامية خاصة بتعلم اللغة الكردية وذلك كمحاولة من المشرع في عدم فسح المجال أمام " الاقليات" للتهرب من تعلم لغة الأكثرية في المنطقة، وهي قاعدة عامة لسياسة معظم الدول في العالم في تنظيم العلاقة بين "الأقلية" و"الأكثرية".

إن إلزامية القانون والقرارات أعلاه والخاصة بالتعليم السرياني واضحة ولا لبس فيها وأكدها الكثير من المختصين والمعنيين بالموضوع، وهو مكسب من أهم المكاسب التي تحققت لأبناء شعبنا في شمال الوطن، غير أن العبرة، وكل العبرة، ليست في النصوص والقوانين وإنما في التطبيق العملي لها على أرض الواقع . فالعجالة في إقرار تطبيق قانون التعليم السرياني في نفس العام الذي كان الموسم الدراسي على الأبواب تداخل بشكل كبير مع اختلاف وجهات النظر في فهم وتفسير نصوص القانون والقرارات أعلاه وخلقت حالة من الارتباك والاجتهادات ساهم ضعف الوعي القومي وهشاشة الإرادة القومية الموحدة في بعض المناطق على خلق فجوة في إلزامية التعليم السرياني بحيث استطاع البعض التسرب من خلالها والركون إلى اجتهاد يقوم على الاكتفاء بتدريس السريانية كلغة في المدارس المشمولة بالقرار واعتبار الكردية وليس السريانية كلغة للتعليم فيها رغم كون فيها غالبية من أبناء هذه اللغة. ولقد سبق وأن بينّا أهمية دور وحدة الإرادة القومية في إنجاح أية تجربة في تدريس لغة الأم، غير أنه في حالة الاجتهاد أعلاه حول مدى إلزامية التعليم السرياني يبين ضعف هذه الإرادة في بعض المناطق والذي أدى إلى التهرب من اعتبار السريانية لغة التعليم، وهي الحالة التي ترتبط ارتباطاً صميمياً بإرادة ومشيئة المعنيين بالموضوع وبمقدار درجة وعهم في أهمية التعليم باللغة السريانية، وفيما إذا كانوا فعلاً يعتبرون أنفسهم مشمولين بهذا القرار أم لا. فالقوانين والنصوص رغم عنصر الإلزام فيها فإن الخيارات الأخرى المتاحة تكون سبباً للتهرب منه والخضوع إلى الإلزام القانوني الخاص الذي توفره هذه الخيارات، وهي مسألة طويلة ومعقدة وتبسيطاً وإختصاراً لهذه الحالة نذكر المثال التالي: إذا كان شخص لا يعترف بأنه آشوري، أو لنقل سرياني أو كلداني، وإنما يعتبر نفسه من قومية أخرى أو لنقل يعتبر نفسه مسيحي فقط ويتردد في التصريح بانتمائه القومي أو الاعتراف بلغته القومية، فإن أي قانون لا يستطيع إلزام مثل هذا الشخص وإجباره على إرسال أطفاله إلى مدارس التعليم السرياني فيما إذا فضل هو، سواء أكان مخيراً أو مسيراً، في إرسال أطفاله إلى الخيارات التعليمية الأخرى المتاحة، أي إلى المدارس غير المشمولة بالتعليم السرياني.  فطالما هو ينكر أو لا يعير أهمية لمثل هذا التعليم فأن القانون أو القرار الخاص بالتعليم السرياني لا يشمله وإنما يشمله القرار الخاص بالخيار الآخر المتاح للتعليم سواء أكان باللغة الكردية أم التركمانية أم العربية. أي بهذا المعنى يمكن القول بأن الالزام بالتعليم السرياني ليس إلزاماً طبيعياً، إن صح التعبير، أي يشمل وبشكل طبيعي وميكانيكي كل من كان آشورياً أو كلدانيا أو سريانياً، وإنما هو إلزام فكري ووجداني، أي يشمل كل من يعي أو يفكر بأنه آشوري أو كلداني أو سرياني وأن السريانية هي لغته وعليه واجب الحفاظ عليها من خلال إفساح المجال لأطفاله لتعلمها في المدارس السريانية. فلا أحد يستطيع أن يجبر آشوري أو كلداني أو سرياني على أن يرسل أبنه إلى المدارس السريانية طالما لا يستطيع أحد أن يمنعه من إرسال أبنه إلى المدارس الكردية أو العربية. والحالة تنطبق أيضاً على أي فرد من أفراد بقيت القوميات عند ضعف الوعي القومي من جهة وتوفر الخيارات الأخرى للتعليم من جهة ثانية، أي في هذه الحالة نكون أزاء إلزامية التعليم وليس أمام إلزامية نوع التعليم. لقد أوردنا هذا المثال البسيط الذي قد ينطبق على بعض الآشوريين ومن مختلف طوائفهم وفي بعض المناطق، ولكن كيف والحال إذا كان مثل هؤلاء لهم مراكز سياسية وإجتماعية ودينية في المجتمع ؟؟ فالشخص المطلع على أبجدية وقعنا القومي يكفيه هذا المثال ليستدل منه معاني عميقة دون الشرح والتفصيل .

فمثل هذه الظروف الصعبة والمعقدة لم يكن من الممكن تجاوزها ومن ثم الخروج بحلول معقولة قادرة على استثمار هذه الفرصة الجديدة التي توفرت لأبناء شعبنا، لولا الجهود الكبيرة التي بذلها المعنيون بالموضوع والمنظمات القومية الطليعية والثقافية وبعض الشخصيات العلمية والثقافية وأعضاء من الكتلة الآشورية في البرلمان وعبر سلسلة من اللقاءات والندوات والاجتماعات حتى تم في نهاية المطاف الخروج من هذه الاجتهادات إلى الواقع التطبيقي وذلك عن طريق الركون إلى الإرادات الحرة لأبناء الشعب في  تطبيق قرار التعليم السرياني، وهي الإرادات التي انعكست في رأيين :
ا
لأول: الاكتفاء بالسريانية كلغة فقط مع اعتبار الكردية لغة التعلم، وهو رأي خير من الرأي الرافض لتدريس هذه اللغة نهائياً.
الثاني: اعتبار السريانية لغة التعليم لكافة المناهج المقررة وكما جاء به القانون المذكور أعلاه، وهو المطمح القومي الكبير الذي يعكس نمو ورقي الوعي القومي للموافقين عليه في أهمية تعلم لغة الأم كلغة علم وثقافة.
كان هذان الرأييان المحك الفاعل والفاصل في تقرير أنواع المدارس السريانية وبالتالي تجسدا في نوعين من المدارس السريانية :
الأولى: المدارس التي تكون الكردية لغة التعليم فيها أما السريانية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية .
الثانية: المدارس التي تكون السريانية لغة التعليم فيها لكافة المناهج المقررة، أما الكردية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية,

هكذا، فبعد أن تحدد مسار التعليم السرياني وبشكل يتوافق مع الإرادتين أعلاه لأبناء شعبنا بدأت الخطوات الأولى مباشر بعد صدور قرار البرلمان بتأسيس تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العام لتربية دهوك وأربيل ثم قبل حلول صيف عام 1996 تم تأسيس مديرية التعليم السرياني في وزارة التربية التابعة لإقليم كردستان – العراق لتقوم بمهمة تنظيم هذه التشكيلات وإدارتها بالشكل الذي يساهم في تطوير التعليم السرياني والذي كان فعلا قد بدأ تطبيقه عملياً في بداية الربيع من عام 1993  وذلك بتأسيس أو بشمول عدة مدارس في محافطتي دهوك وأربيل بهذا القرار والمباشرة بتهيئة الكتب للتلاميذ في الصف الأول واعداد الكادر التعليمي لمدارس المحافظتين. وقد وقف أبناء شعبنا وقفة شجاعة في مواجهة هذا التحدي الجديد في تاريخهم المعاصر والذي لم يكن في بدايته سهلا على الإطلاق، خاصة في ظروف اقتصادية صعبة مقيدة بحصارين دولي وحكومي على المنطقة الشمالية، غير أن الدعم المالي الكبير الذي قامت به الجمعية الخيرية الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية والإسناد المعنوي والقومي والسياسي الذي وفرته المنظمات القومية الطليعية وكل الخيرين والمؤمنين بتراثهم ولغتهم، تمكنت مديرية التعليم السرياني وكافة كوادرها التعليمية  ومن وقف معها وساندها في السير قدماً واجتياز الخطوة الأولى الصعبة، حيث  تم تهيئة الكادر التعليمي من خلال إقامة دورات مكثفة في تعليم اللغة السريانية للمعلمين المؤهلين أكاديميا كما تم استثناء المعلمين المتمكنين في حقل التدريس السرياني من الشروط المقيدة لتنقل فأعقب ذلك نقل أغلب الكوادر التعليمية الى مدارس مدينتي عنكاوة ودهوك. إضافة إلى ذلك تم تهيئة الكتب المدرسية المطلوبة للمنهج الدراسي الرسمي للصف الأول وهكذا في كل سنة حتى اكتملت كل مستلزمات المرحلة الابتدائية من كتب وكادر تعليمي وإشراف تربوي وأبنية مدرسية حتى نهاية صيف عام 1998 حيث تخرجت الدفعة الأولى من المرحلة الابتدائية. هذا ويجب أن لا يفوتنا الدور الكبير الذي لعبه في تلك الفترة كل من  تلفزيون آشور وإذاعة آشور في أربيل ودهوك في المساهمة في إنجاح هذه التجربة الرائعة خاصة من خلال التوعية بأهميتها أو عن طريق تقديم دروس ومحاضرات في اللغة والتاريخ والتراث وعبر الشاشة كتلفزيون تربوي وثقافي ساهم في نشر وترسيخ الوعي بأهمية تعلم لغة الأم وتبيان الدور المطلوب من ذوي الطلاب في هذا المجال. كما لا نريد التكرار والإطناب بالدور الكبير الذي لعبه المركز الثقافي الآشوري في دهوك وعلى الدوام في هذا المجال فهو معروف لكل من عايش أحداث تلك الفترة ولا يزال يلعب هذا المركز دوره الكبير والفاعل إلى جانب الجمعية الخيرية الآشورية في ترسيخ مسيرة التعليم السرياني في شمال الوطن.

لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية؟
-----------------------

 أثير الكثير من التساؤلات حول اللغة التي سيتم التعليم بها وتسميتها، سواء أكانت هذه التساؤلات بهدف المزيد من المعرفة وذلك لكون هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخنا القومي المعاصر، أو كانت بسؤ نية ومن وراءه عوامل عديدة طائفية وعشائرية وتحزبية وحتى فردية نرجسية، فبدأوا يتساؤلون لماذا سيمت لغتنا القومية بالسريانية وليس باللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية... وهكذا؟؟؟. قبل الإجابة على هذا التساؤل نود أن نبين بأن اللغة التي تدرس لأبناؤنا في المدارس السريانية هي القسم الشرقي من لغتنا ( مدنخايا )  التي كان يفهمها ويتكلم ويكتب بها معظم أبناء طوائفنا الكلدانية والمشرقية وحتى أبناء قرى الطوائف السريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية في العراق، فهي لغة عامة ومشتركة بين الجميع مع اختلاف بسيط في اللهجات وبعض الألفاظ، وهي حالة عامة وطبيعية جداً بالنسبة لمعظم لغات الشعوب. واللغة المعتمدة في التدريس هي اللغة المسماة بالحديثة أو بـ " السورث " التي يفهمها الجميع، أي هي لغة التعليم، مع اعتماد اللغة الكلاسيكية المعروفة بالقديمة أو بـ "الآرامية" كلغة تدرس في جميع المدارس السريانية من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الأول المتوسط، والتي تعتبر أيضاً مصدراً مهماً لاشتقاق المصطلحات العلمية في المناهج التعليمية. فهذه اللغة، سواء الحديثة أو الكلاسيكية، هي نفسها التي كانت تدرس في مدارسنا العلمانية والمعاهد الدينية ولا اعتراض عليها لأنها مفهومة ومقبولة من جميع الطوائف والقرى والمناطق خاصة عند القراءة والكتابة بها، أي بهذا المعنى أن اللغة المعتمدة ليست لغة أية طائفة أو قرية أو منطقة بل هي لغة الجميع مهما كانت طائفتهم أو قريتهم أو منطقتهم، أي أن لغتنا القومية هي التي تدرس في المدارس ويتعلم أطفالنا بها المواد العلمية المقررة رسمياً، وهو الهدف الأسمى من أهداف أمتنا والذي تهون وتتلاشى من أمامه كل الحجج والعذر الأخرى التي تعترض طريقه وتصبح غير مقبولة على الإطلاق أمام عظمة ورفعة هذا الهدف النبيل .

هذا من حيث مضمون اللغة، وهو أهم المهمات في هذه المسألة.  أما من حيث الشكل، أي من حيث تسميتها باللغة السريانية فنود أن نقول بهذا الخصوص ما يلي: عندما يتسلح الانسان بوعي قومي وإنساني وحضاري متفتح وناضج ومكتمل ويمارس من خلال هذا الوعي نشاطاته على أرض الواقع، أي التجسيد الواقعي للوعي، يبدأ هذا الإنسان بامتلاك منظور بانورامي واسع وشامل  يستطيع من خلاله النظر إلى كل أجزاء وفواصل وتقسيمات المجتمع كأنها منظومة  متكاملة ومتجانسة وكل جزء يكمل الجزء الأخر بحيث لا يلغيه أو يتناقض معه، وهو حال أبناء شعبنا  في شمال العراق الذين هم في خضم النضال اليومي، خاصة الذين يمتلكون مثل هذا الوعي البنورامي لأمتنا ويجسدونه على الواقع من خلال النشاطات القومية المختلفة، فهم ينظرون إلى بعض التسميات التي يرغب جزء من أبناء شعبنا أن يطلقها على نفسه أو على طائفته أو على لغته هي  كأجزاء متناسقة ومتكاملة بعضها للبعض ولا تتعارض مع الخطوط الرئيسية والقواسم المشتركة التي تجمعهم جميعاً في وحدة واحدة لها خصائص متميزة، خاصة في ما يتعلق بأهم خاصية وهي اللغة. فطالما هناك اتفاق على إننا أبناء شعب واحد، وهذا بتأكيد معظم رؤساء الكنائس والمؤسسات العلمانية، ولنا لغة وعادات وتقاليد وأماني مشتركة، وهذا أهم المهمات، فإن المسائل الأخرى تبقى ثانوية وفرعية، لا بل وطبيعية، في إطار هذا الجمع المشترك، فالمهم في المضمون وليس في الشكل. فليس من المعقول أن نضحي بلغتنا القومية والتي هي أساس وجودنا واستمرارنا من أجل اختلافات في تسمية معينة يرغب البعض أن يسميها كما يشاء، وهي اختلافات بطبيعتها بسيطة بل يتلاشى تأثيرها في حالة امتلاك الوعي القومي الصحيح. كما أنه ليس من المنطق والعقل أن يخسر شعبنا هذه الفرصة الذهبية في تدريس لغتنا القومية من أجل عناد أو إصرار البعض على تسمية معينة دون غيرها وهي الخسارة التي سيتهلل لها المتصيدون في المياه العكرة للمستنقعات الطائفية والتحزبية والتعصبية والذين يجدون في إنماء وتطوير لغتنا القومية ضررا كبيراً لذواتهم النرجسية ولمصالحهم الضيقة والخاصة. لهذا السبب كثيراً ما نرى هؤلاء يتحججون بحجة خطأ هذه التسمية ويثيرون زوبعة في فنجان وهم محتمون خلف السواتر الطائفية والعشائرية والقريوية وحتى القومانية والتحزبية حول فساد هذه التسمية أو عدم دقتها، لا خوفاً على لغتهم القومية والحرص عليها وإنما تهرباً من مسؤوليتهم تجاه قوميتهم وعدم المساهمة في تدريس لغتهم القومية وتطويرها. ومن سخرية الأقدار أن نرى مثل هؤلاء المحتجون كانون بالأمس القريب يضعون مختلف العراقيل والمصاعب في مسير تاسيس المدارس والتعليم السرياني ويفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس الكردية بدلا من المدارس السريانية، اليوم نرى البعض من هؤلاء يعرضون عضلاتهم "العنترية" في الساحة القومية ويبارزون أبناء أمتنا النبلاء الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل ولادة هذا الحدث التاريخي لأمتنا، لا بل يتحالفون مع هذه الجهة أو تلك من أجل أمحاء هذا السجل الخالد في تاريخنا القومي.

من هذا المنطلق، وبقدر تعلق الأمر بتسمية هذه اللغة بالسريانية، نقول بدءاً بأن الاعتراض القائم على هذه التسمية على أساس ارتباطها بأسم طائفة معينة من طوائفنا الكنسية هو اعتراض خاطئ تماماً وغير مبرر إطلاقاً، فحاله كحال المجني الذي يربط ويحصر الآشورية بالنسطورية فقط والكلدانية باللاتينية الكاثوليكية او السريانية بالأرثوذكسية فحسب، فإيماننا المطلق، وهو إيمان الجميع تقريباً، بأن السريانية كلمة اغريقية لاتينية منحولة من ( أسريان ) والتي تعني الآشورية أو الآشوريين، فإن أجدادنا منذ القدم وحتى وقت قريب كانوا يستخدمون نفس التسمية للغتهم والتي كانوا يسمونها بالسورث أو بـ "لشانت دسوريايي" أي لغة الآشوريين، وكانت المدارس التي تدرس هذه اللغة فيها تسمى أيضا بـ " مدراست د سورايه "، أي المدارس السريانية أو الآشورية. وحتى في زمان أباء كنيسة المشرق كانوا يستخدمون هذه التسميات ( Syriac ) أو (Syrian  ) وبحرية تامة ومن دون أي قيد أو حساسية لتعني الآشوريين أو الشعب الآشوري أو اللغة الآشورية، وإن كانت قد تلبست بلباس ديني مسيحي والسبب في ذلك هو خضوع شعبنا في معظم مراحل تاريخيه إلى شعوب وحكومات مسلمة أو غير مسيحية كان معيار تحديد هويتها هو الدين وليس القومية.  ومن الملاحظ حتى اليوم كثير من الآشوريين يستخدمون في لغتهم هذه التسميات بحرية وبدون أي قيد أو  حساسية أو اعتراض كأن يقول "لشانت دسوريايه أو دسورايي " او يقولون " لايتكلم السورث " أو يتساؤلون " لماذا لا تتكلم السورث "… وهكذ وعلى نفس المنوال يعطون لهذه التسميات دلالات قومية، ولكن بمجرد ما أن تترجم هذه التسميات  إلى اللغة العربية لتصبح " السريان" او " اللغة السريانية" حتى ينفجر شيطان الطائفية والقومانية والتعصبية فيهم ويقلبون الدنيا ولا يقعدوها على هذه التسمية وعلى من يتبناها كتسمية للغتنا القومية. والغريب العجيب بأن البعض يجعل من "الحبة قبة"، كما يقول المثل، فكلمة السريان، كما قلنا هي كلمة معربة من اللاتينية "أسريان" فلو طبق عليها القواعد العربية نرى بأن حرف (لام) هي شمسية مثل (الشمس) تكتب ولا تلفظ. 

إضافة الى ذلك فأن هناك عدد كبير جداً  من الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية التي تناولت هذه اللغة ومنذ فترة طويلة كلها تستخدم نفس التسمية، وهي التسمية التي قد تصلح لتميزها من حيث مراحلها التاريخية المتطورة عن الآشورية القديمة ( الأكدية _ البابلية)، فالتطور التاريخي لهذه اللغة والذي أضفى عليها أن تسمى بـ "السريانية" لا تنقص إطلاقاً هذه التسمية أي إنقاص من قوميتنا أو يغير شيئاً من مقوماتها القومية، فهناك شعوب كثيرة في العالم تختلف تسمية لغتهم عن تسمية قوميتهم ولا تثير أية تساؤلات أو حساسيات بشأن ذلك، فكيف والحال مع الآشوريين ولغتهم السريانية والتي هي تسمية غير غريبة أبداً عنهم وظل الشعب الآشوري يستخدمها ولقرون طويلة من دون أي اعتراض أو احتجاج. فلو تسلح كل آشوري أو كلداني أو سرياني مهما كانت طائفته أو عشيرته أو قريته، بوعي قومي صحيح ومنفتح متجاوزاً لكل النزعات الطائفية والعشائرية والمصلحية، حينئذ سيرى بأن التسميات الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية والأرامية والسريانية هي كلها مصادر لتسمية شعبنا عبر مراحل تطوره التاريخي الطويل فرضت الظروف على تبني هذا الأسم في هذه المرحلة وذاك الأسم في تلك المرحلة، وهي الحالة التي تعكس عن الغنى الحضاري لشعبنا والذي خلدته عبر أجيال تاريخية طويلة وصعبة جداً. هذه الأسباب هي التي جعلت من هذه التسمية  مناسبة للغتنا في المرحلة الحالية وتتوافق مع ظروف أمتنا الحالية أكثر من توافق التسميات الأخرى لها والتي لو تبنيت في ظروفنا الحالية كتسمية للغتنا القومية للتعليم في المدارس الرسمية  لما حققت النتائج المرجوة منها وشذت رسالة أبناء أمتنا في تعليم لغتهم القومية عن طريقها الصحيح وأقتصر تعليمها فقط على طائفة معينة أو مجموعة محددة التي ترغب هذه التسمية وترفض تلك. لنتصور جدلا لو كانت اللغة سميت بـ "الآشورية"، كم من الكلدان أو السريان قبلوا هذه التسمية وأرسلوا أطفالهم إلى المدارس لتعلم اللغة الآشورية؟؟  والحالة نفسه أيضاً لو سميت اللغة بـ "الكلدانية" لقام بعض الآشوريون بثورة رفض وإحتجاج ومقاطعة ولربما فضلوا أن يرسلوا أطفالهم إلى المدارس الصينية لتعلم الصينية بدلا من تعلم الكلدانية !!!. ولكن واقع الحال ومن عايش هذا الإنجاز العظيم وهو يتجسد على الواقع لشاهد بأم عينيه بأن التسمية السريانية لم تمنع أطفال أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين من الجلوس جنباً إلى جنب لتعلم لغتهم القومية.  من هذه المنطلقات نعتقد بأن التسمية السريانية للغتنا في المرحلة الحالية وإستخدامها في التعليم الرسمي، هي أكثر علمية وواقعية وتراثية ومتطابقة مع ظروف وجودنا القومي المعايش من غيرها من التسميات الاخرى، ولا  نجد في استخدامها أي اعتراض أو إعاقة في مواصلة التعليم بها حتى أرقى المراحل.

أمل أن نلتقي على الرف الخامس من أرشيفنا للمدارس القومية الآشورية في الأيام القليلة القادمة.

STAY SAFE MY FRIENDS




38
إلى جميع الأخوة المعلقين الأعزاء... أتفقنا أم لم نتفق فهذه سنة الحياة وأساس تطور الإنسان المتحضر.
أقول لأخوتي الأعزاء النشطين رابي أدي بيت بنيامين و رابي بولص دنخا، ألف شكر على ملاحظاتهم البناءة... أود أن أكرر ما قلته في الموضوع بأن اللغة ليست من إختصاص خلفيتي الأكاديمية، فأن ما كتبته هو كأرشيف تذكاري لربما يكون عامل في تفعيل جوانب من الوعي القومي الآشوري خاصة ما يتعلق باللغة... أن ما كتبته ليس إلا نتاج وإنعكاس لتلك الدموع التي كانت تنهمر من عيوني عندما كنت أزور المدارس وأرى أطفال أمتنا جالسين على رحلات متكسرة وبين جدران زينتها خرائط من رطوبة الجو ولكن ملئهم، هم ومعلمه، الأصرار والحماس المفعم بالحيوية في تعلم اللغة وكنت أرى في عيونهم مستقبل هذه الامة... وفي حينها قلت من يزور هؤلاء التلاميذ ولا تنهمر الدموع من عيونه فهو ليس أبن هذه الأمة العظيمة. أما الحديث عن زيارة الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك فالأعجوبة فيها أكثر بكثير. تصوروا أخوتي الأعزاء أقسام داخلية للأولاد والبنات، رغم بساطتها – دار عادي مستاجر متكون من 5 غرف أو أكثر، لكنها كانت مزودة بكل المستلزمات الضرورية للإقامة من سكن وثلاث وجبات أكل مع مرشد إجتماعي وصحي وزيارة طبيب بين يوم وآخر، لا بل وفي أحيان كانت تقدم لهم دروس إضافية مسائية للطلاب الذين كان مستواه أقل من أقرانه... شيء عجيب غريب... شي عظيم ولأول مرة في تاريخنا المعاصر والفضل كله كان يعود للجميعة الخيرية الآشورية ومن وراءها الحركة الديموقراطية الآشورية... السؤال يبقى: لماذا أقسام داخلية في دهوك وهناك نسبة كبيرة من أبناء شعبنا وبيوتهم في هذه المدينة. الجواب هو: من متطلبات تأسيس مدرسة متوسطة أهلية هو وجود عدد معين من التلاميذ لتأسيس مثل هذه المدرسة. ففي دهوك لم يكن هذا العدد متواجد لذلك تطلب الأمر لأكمال العدد المطلوب أنخراط الطلاب والطلابات في هذه المدرسة من المناطق الأخرى مثل سرسنك وديانا وعقرة ومنصورية وسميل الذين أكملوا المرحلة الإبتدائية في المدارس السريانية والبقاء في الأقسام الداخلية طيلة أيام الآسبوع الدراسي وفي نهاية الآسبوع كانت الجمعية الخيرية الآشورية توفر وسائط النقل – باصات لنقلهم إلى عوائلهم في هذه المناطق ثم بعد العطلة تعود الباصات بهم للدراسة والبقاء في الأقسام الداخلية. الأمر الذي أثار أعجابي ودهشتي هو الثقة الكبيرة التي كان يوليها أولياء أمور الطلاب والطالبات بالجمعية الخيرية الآشورية والقائمين على إدارتها وببعض نشطاء الحركة الديموقراطية الآشورية في أرسال أطفالهم إلى دهوك والبقاء هناك في الأقسام الداخلية لعدة أيام. أمر لم يكن بالإمكان تصور مثل هذه الثقة الكبيرة إلا عندما ألتقيت في حينها ببعض أولياء الأمور وأشعر بمدى عمق هذه الثقة بالجمعية وبزوعا... قصص مثيرة للأعجاب كنت أسمعها من التلاميذ... صدقوني تحتاج لمجلدات لكتابتها وتسجيلها في سجل تاريخي خالد لهذه الأمة وهي تحاول الحفاظ على لغتها في أصعب الظروف وأقساها.
شكراً رابي أدي بيت شليمون على المعلومات التي ذكرتها عن تلك المدراس وشكرا لرابي بولص دنخا على مقترحك في إعادة طبع الكتاب والذي يستوجبه الكثير الكثير ومن أيادي نظيفة وشريفة لعبت دوراً كبيرا في هذه المهمة النبيلة في إحياء اللغة ولا يزالون من دون كلل وملل يعملون من أجل إستمرار الدارسة في هذه المدارس رقم الظروف المميتة التي تحيط بهم. لي أتصال دائم معهم وسأطرح الفكرة عليه وأمل أن ترى النور.... أليس من أبسط واجبنا أن ننحني ونرفع قبعاتنا أمامهم أحتراما وتقديرياً لهم.. في الحقيقة لي صور جميلة جداً عن زياراتي لهذه المدارس والأقسام الداخلية ولكن للأسف هي مرفوفة على الرفوف العالية لمكتبتي ولا تصل يدي إليها في الوقت الحاضر لعرضها لإنشغالي بأمور أخرى وإنشاء الله في المستقبل.
شكرا مرة أخرى على ملاحظاتكم التي كانت دافع كتابة هذه السطور... مع تحياتي.
أخوك أبرم شبيرا

39
من أرشيف المدارس الآشورية القومية في العراق- 3
--------------------------------
التعليم السرياني في شمال العراق - حقائق وأرقام
 ================================
أبرم شبيرا
كلمة لابد منها:
---------
أولا: عندما أنسحبت قوات نظام البعث العراقي من منطقة شمال خط العرض 36 ومن ثم خضوعها للحماية الدولية، قمت بزيارات عديدة للمنطقة بدافع الالتصاق برتبة الوطن والتواصل مع أبناء أمتنا هناك ومعايشة التطورات المهمة والمثيرة للإنتباه والترقب ومعايشتها بشكل مباشر وتحديدا على المستويين، الأول: سياسي والمتمثل في نشاطات وإنجازات الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) على المستوىين الشعبي والرسمي ومشاركتها في برلمان الإقليم في ضوء الهامش الديموقراطي الذي توفر في المنطقة. والثاني: ثقافي تعليمي والمتمثل في تأسيس المدراس السريانية والبدء بالتدريس فيها والمساهمات الكبيرة التي أقدمت عليها الجمعية الخيرية الآشورية والمركز الثقافي الآشوري في دهوك على هذا المستوى.   
ثانيا:  كان من نتائج هذه الزيارات على المستوى السياسي، كتابات كثيراً  كتبناها في فترات سابقة عن زوعا وإنجازاتها وظروفها  والتحديات التي واجهتها وإخفاقاتها وغيرها من المسائل الفكرية والتنظيمية، ولا ضرورة لأعادتها في هذه السطور. أما على المستوى التعليمي والثقافي فكان يتمثل في الزيارات العديدة للمدارس السريانية ومعاينة التدريس فيها والدخول في مناقشات مع طلابها وأساتذتها، والأهم من هذا وذاك هي الأقسام الداخلية للطلاب والطالبات التي وفرتها الجمعية الخيرية الآشورية، الأول من نوعها في تاريخنا المعاصر، ويسجل للجمعية سابقة تاريخية في هذا السياق. كل هذا أثر بشكل مباشر وفاعل في وجداني وفكري، فما كان منُي إلا أن أعود إلى خيمتي في المهجر وأكتب كتاب بشكل كراس أو كتيب عن هذه المدارس وتحت عنوان (التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام). وهذا العمل لم يكن ممكنا إطلاقاً لولا المساعدة والدعم الكبير الذي تلقيته وقتذاك من الأصدقاء الأعزاء منهم الأستاذ نزار حنا  مدير التعليم السرياني في وزارة التربية ( أربيل ) والأستاذ أكد موشي مراد المشرف التربوي للتعليم السرياني في أربيل والأستاذ داود هيدو المشرف التربوي للتعليم السرياني في دهوك والأستاذ يونان هوزايا، رحمه الله، والأستاذ الشماس أندريوس يوخنا كلاهما أعضاء بارزين في لجنة الترجمة وتأليف المناهج في مديرية التعليم السرياني الذين قاموا مع غيرهم من المختصين بتوفير المعلومات والأرقام عن الموضوع. وللرفيق العزيز يوسف شكوانا أعيد وأقول له ألف شكر على الجهود الكبيرة التي بذلتها في إخراج هذا الكتاب إلى النور وقامت (دار سورث للطباعة والنشر) في سان ديكو – كالفورنيا بطبعه عام 2001 وتوزيعه مجاناً على المعنيين بالموضوع، فلها أكرر شكري وتقديري الكبيرين بعد ما يقارب عقدين من الزمن.
ثالثا: الهدف من هذا الكتاب كان من أجل أعداد دراسة موثقة بحقائق وأرقام عن التعليم السرياني في شمال العراق خاصة  بعد فترة مخاض ولادة مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك عام  199، والتي ستكون موضوع أرشيفنا في الأيام القليلة القادمة، لتكون هذه الدراسة منهلاً مبيناً لأبناء شعبنا، خاصة في بلدان المهجر. وكما ذكرت، كان الكتاب على شكل كراس أو كتيب متكون من 64 صفحة من الحجم الكبير محتوياً أيضا لنماذج أجوبة متفوقة وبدرجة كاملة للطلاب وباللغة السريانية لإمتحانات المواد العلمية والأدبية المقررة. وهنا ملاحظة يستوجب ذكرها حيث تجنباً لسوء فهم البعض من أنني أحشر "أنفي" في بعض المسائل التي ليست من ضمن خلفيتي الأكاديمية، فقد أرتئينا أن ينشر الكتاب تحت أسم "أصدقاء التعليم السرياني – 2000". ولوضع صورة أكثر وضوحاً للقارئ الكريم عن هذا الإنجاز العظيم لأبناء أمتنا ندرج في أدناه فهرس الكتاب للمواضيع التي أحتواها والمتكونة من 15 قسماً، وهي: 
كلمة لابد منها/ أهمية تعلم لغة الأم عند الآشوريين - الطموح والواقع/ تجارب تدريس لغة الآشوريين/ أسباب فشل التجارب السابقة/بداية تجربة جديدة في التعليم بلغة الأم/ لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية/ طموح يتحقق: التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني/ أنواع وعدد وطلاب المدارس السريانية/ مناهج التعليم السرياني/ مدرسة نصيبين المتوسطة: تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة/ الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين/ تحديات وصعوبات/ تقيم التعليم السرياني/ ما هو المستقبل ؟/ خاتمة واستنتاج.


صورة لغلاف الكتاب
----------------------------
رابعاً: كلمة أخرى لابد منها في أزالة سوء فهم بعض القراء هو الأمر الذي سنلاحظه من ألفاظ وتسميات شعبنا ولغته القومية. حيث سبق في القسمين الأول والثاني من أرشيف المدارس القومية الآشورية كثرة الحديث أو إقتصاره على "الآشورية أوالآثورية" و"الآشوريين أو الأثوريين". وحتى لا نجني على الحقيقة كان الحديث عن المدارس الاشورية بتسميتهم الرسمية وعن القائمين على إدارة هذه المدارس وليس غير ذلك. أما في هذا القسم الثالث من أرشيف المدارس القومية الآشورية، نرى بأن الحديث أو الموضوع هو عن التعليم السرياني واللغة السريانية. ومرد هذا الإختلاف الشكلي بين "الآشورية" و"السريانية" جاء أولا: من أستمرار نفس صيغة أو منوال أرشيف المدارس القومية الآشورية. وثانيا: الإلتصاق بالواقع الفعلي والرسمي لهذه المدارس التي تسمى بالسريانية والتعليم السرياني، لهذا لم يكن بالإطلاق تجاوز الواقع كما هو وفرض رأينا على هذه التسمية أو تلك طالما هي جزء ومكون أساسي لوجودنا القومي في أرض الوطن. وهذا ماسيلاحظه القارئ في الأقسام القادمة من هذا الكتاب. وهنا في هذه السطور وسعياً للفائدة ندرج ثلاثة أقسام من الكتاب التي كانت مدخلا لبقية الأقسام في التعليم السرياني والمدارس السريانية في شمال العراق على أمل أن ننشر بقية الأقسام في مناسبة لاحقة.
أهمية تعلم اللغة القومية عند الآشوريين بين الطموح والواقع :
----------------------------------------
قيل كثيراً عن أهمية اللغة كإحدى  الركائز الأساسية والمهمة في وجود كل أمة من الأمم بحيث اعتبرها البعض من المفكرين كالروح بالنسبة للأمة، فبموتها تموت الأمة أيضاً. واللغة بهذه الأهمية والخطورة في الوجود القومي واضحة وملموسة في اهتمامات الآشوريين وفي أفكارهم وفي أهداف جميع مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية والدينية وحتى في أهداف ووسائل أحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية، بحيث لا تخلوا صحيفة أو نشرة آشورية من التأكيد على الأهمية الحاسمة لدور اللغة في الحفاظ على كيانهم القومي. لا بل، لا ينتهي حديث بين أثنين أو أكثر من الآشوريين في مناسباتهم العامة أو الخاصة عن القومية إلا ويؤكدون على أهمية اللغة في وجودهم القومي وضرورة صيانتها والمحافظة عليها من الضياع وذلك عن طريق تدريسها لأطفالهم وتعليم القراءة والكتابة بها. وعلى العموم فإن هذه التأكيدات المشددة على أهمية اللغة هي بحد ذاتها  ظاهرة إيجابية مهمة في المجتمع الآشوري تنم عن حرص أبنائه وقلقهم على مستقبل أمتهم، وهي مسألة لا يختلف عليها اثنان ولا يستوجبها التفصيل المطول. على أن الذي يهمنا في هذه المسألة هو التساؤل القائم على مدى إمكانية الآشوريين من ترجمة هذا الاهتمام والحرص والقلق على مستقبل لغتهم القومية إلى واقع ملموس وحقيقي وفعلي يساهم  في تحقيق ما يأملون من هذا الاهتمام ويزيل قلقهم من فقدان لغتهم.
الواقع المأساوي الذي فرض على الآشوريين وبمختلف تسمايتهم، خاصة منذ الحرب العالمية الأولى، يؤكد لنا بأن هناك بوناً شاسعاً بين ما يغلي في قلوب الآشوريين من اهتمام وقلق تجاه لغتهم وبين الواقع المعايش في تعليم هذه اللغة وتعزيزها وتطويرها والحفاظ عليها كخاصية مهمة من خصائص وجودهم القومي. أي أن هناك فرقاً كبيراً بين الطموح والأماني في الحفاظ على هذه اللغة وبين الواقع والتطبيق في تعليمها. فهذا البون أو الفرق هو نتيجة حتمية لهذا الواقع المأساوي من تشرد وعدم الاستقرار والمظالم والمذابح التي فرضت على الآشوريين والتي حالت إلى تجريدهم من فرص تحقيق طموحاتهم وأمانيهم في حماية وصيانة لغتهم القومية عن طريق تدريسها لأطفالهم أو تأسيس مدارس خاصة بها تقوم بمهمة التعليم وبطرق علمية وحديثة متوافقة مع التطورات المستجدة التي يشهدها قطاع التعليم والتربية، وهي الحالة التي سببت عجز الآشوريين عن ترجمة طموحاتهم وأمانيهم في تدريس اللغة الى أطفالهم الى وقائع ملموسة ومثمرة. ولكن مع  هذا الواقع المأساوي وفقر الإمكانيات  كان الآشوريون، ومن جانب الحرص والخوف على ضياع لغتهم القومية، كانوا قد تمكنوا في فترات معينة من القيام بعض التجارب في تدريس لغتهم القومية والتي أدت واجبها بأكمل صورها في سياقها الزمني والمكاني في مقارنة مع ضعف الإمكانيات وبؤس الظروف السياسية والفكرية المحيطة بهم.

تجارب تدريس لغة الآشوريين :
------------------
مما لا شك فيه أن كنيسة المشرق بكل تفراعاتها لعبت دوراً كبيراً في تعليم اللغة الآشورية أو السريانية لأبناء رعيتها وساهم هذا الدور في تعزيز مكانة هذه اللغة بين الأجيال، حيث كانت الكنيسة والمعاهد أو المؤسسات أو الجامعات التابعة لها، وعلى الدوام ومنذ القدم مراكز لتعليم اللغة وما يتعلق بها من تاريخ وتراث. فكانت جامعات مثل نصيبين وأورهي وغيرهما مضرباً للأمثال في هذا السياق. غير أن الذي يهمنا هو مدارس العصر الحديث، خاصة عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى. إذ على الرغم من استمرار المعاهد الدينية التابعة لطوائف كنيسة المشرق، خاصة الكلدانية والسريانية والمشرقية "النسطورية" في تدريس اللغة الآشورية/السريانية للنخبة الإكليريكية في العراق كلغة طقسية أو دينية، فأن هذه الفترة خلت تقريباً من المدارس التي تعني بتعليمها للعلمانيين أو تدريسها كلغة قومية خاصة بهم لحين تأسيس مدرسة القس يوسف قليتا، الخالد الذكر، في الموصل في بداية العشرينيات والتي تعد الأولى من نوعها في العراق من حيث تدريس اللغة كلغة قومية للعلمانيين، والتي لعبت دوراً كبيرا في هذا المجال حيث ساهمت مساهمة كبيرة في تخريج الكثير من الطلاب بما فيهم أدباء وشعراء وكتاب، رغم أنها كانت تدرس "السورث" بفرعيها الكلاسيكي والحديث، كلغة فقط الى جانب اللغات الأخرى كالإنكليزية والتي استفاد منها الكثيرون خاصة عندما اقتحموا الحياة العملية في الفترات اللاحقة كما أفادوا هم بدورهم أيضاً أجيال أخرى، ولا نغالي في القول بأنه كان معظم الكتاب والشعراء والأدباء المعاصرين، خاصة من أتباع كنيسة المشرق الآشورية، هم إما من الجيل الأول لتلاميذ القس يوسف قليتا أو من الجيل الثاني الذي تعلم على يد هؤلاء في المدارس الأهلية الخاصة أو في الكنائس أو العائلة نفسها. إضافة إلى ذلك ساهمت المطبعة التابعة للمدرسة، والتي جلبت أحرفها من الهند، في طبع الكثير من الكتب المدرسية والكنسية والتاريخية والتي كانت فاتحة ثقافية تراثية جديد بعد أن دمر الحرب كل المعالم الثقافية والتراثية السابقة من كتب ومخطوطات وغيرها. وهكذا تبع هذه التجربة  تجربة  أخرى تمثلت في  المدرسة الآثورية (قاشا خندو ) في بغداد المدرسة الآثورية في كركوك واللتان تم الحديث عنهما في القسمين الأول والثاني من أرشيف المدارس القومية الآشورية. وهنا يجب أن لا ننسى المدرسة الآثورية في الحبانية والتي عرفت بمدرسة (رابي ياقو) ولكن بسبب قلة المعلومات والمراجع عنها لم يتسنى لنا الحديث عنها. كانت هذه المدارس نماذج رائعة وفريدة في وقتها فحققت نتائج كبيرة ومثمرة ليس من حيث تدريس اللغة الآشورية فحسب أو بقية المناهج الرسمية المقررة وباللغة العربية، وإنما أيضا في إنماء الروح القومية والاعتزاز بلغة وتراث الأمة التي بثتها هذه المدارس في نفوس طلابها ومن ثم أنجبت الكثير من شعراء وأدباء وكتاب عصر هذا اليوم. غير أن قوة الواقع المأساوي وصعوبة الظروف السياسية على تقبل التعددية الثقافية والقومية في العراق، خاصة بعد إستلاء حزب البعث العراقي للسلطة عام 1968 وأستمرار فرض الظروف الاستبدادية و سطوتها على هذه الجهود النبيلة في تعليم لغة الأم أدت في النهاية إلى القضاء على هذه المدارس إما بتأميمها أو بغلقها نهائيا.
وإذا كان فحوى هذا الموضوع يخص تدريس اللغة السريانية كلغة قومية وتحديداً في العراق، فإن هذا لا يعفينا للإشارة إلى المدارس التابعة للكنيسة السريانية الآرثوذكسية والجمعيات التابعة لها في لبنان والشام وفلسطنين والتي كانت تدرس السريانية كمادة ضمن المناهج التدريسية، إلا أنه مع هذا فإن هذه المدارس لم تساهم من خلال تدرسها لهذه اللغة مساهمة كبيرة وفاعلة في ترسيخ مقومات الوجود القومي وبعث الوعي بأهميتها في الحفاظ على هذا الوجود، بل كانت أكثرها ضمن نطاق الكنيسة والأكليريين، كما يستوجب هنا الإشارة إلى بعض اللجان الكنسية التابعة لكنيسة المشرق الآشورية في تدريس اللغة الآشورية وإنماء الوعي القومي بين طلابها. وهنا يجب أن لا نغفل أيضا دور النادي الثقافي الآشوري في تدريس اللغة الآشورية وإنمائها وتطويرها سواء من خلال الدورات التدريسية لللغة أو البحوث والحلقات الدراسية التي قام بها النادي. وفي عام 1972 أصدر النظام العراقي قرار مجلس قيادة الثورة رقم 251 في 16/4/1972 القاضي بمنح الحقوق الثقافية للـ "ناطقين بالسريانية" من ( الأثوريين والكلدان والسريان)، فبالرغم من سلبية كلمة "ناطقين بالسريانية "، والتي هي من مخترعات الإستعمار الفرنسي عندما فرض الفرنسية على اللغة البدائية لشعوب مستعمراتها وأصبحت الفرنسية لغتهم الرسمية فأطلقوا عليهم بالناطقين بالفرنسية أو الدول الناطقة بالفرنسية (Francophone) وهو مصطلح يعطي مفهوماً يقوم على أساس إنكار أو تجريد الناطقين بهذه اللغة من أساسهم القومي والحضاري. غير أن مع هذا، فأن بنود فقرات هذا القرار احتوت على بعض المضامين المفيدة والمهمة للآشوريين في تلك المرحلة ولجميع طوائفهم التي شملها القرار، خاصة في ما يتعلق بتدريس لغتهم القومية. فقد نص القرار على اعتبار اللغة السريانية لغة تعليم في كافة المدارس الابتدائية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة كما نص أيضا على تدريسها كلغة في المدارس المتوسطة والثانوية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بها وتدريسها أيضاً في كلية الآداب بجامعة بغداد كإحدى اللغات القديمة. هذا، ناهيك عن ما نص القرار من تأسيس المؤسسات وإصدار المجلات للإهتمام  بشؤون اللغة والثقافة والأدب والفن، وهي في الحقيقة نصوص قانونية ممتازة كانت من الممكن أن تحقق فائدتها للآشوريين عند تطبيقها لو لم يكن من وراء إصدار النظام العراقي لهذا القرار أغراض سياسية تكتيكية سعى من خلالها إلى تحقيق أهدافه السياسية الخاصة تجاه الآشوريين أكثر مما كان يهمه تحقيق القرار نفسه .
غير أنه كما يقول المثل (النمر لا يستطيع أن يغير رقطه ) هكذا أيضا مع النظام العراقي حيث لم يكن بمقدوره استبدال سياسته الاستبدادية تجاه القوميات الصغيرة بشكل عام وتجاه الآشوريين بشكل خاص، فالأهداف السياسية للنظام العراقي من وراء إصدار هذا القرار أجهضت مسألة خروجه إلى الواقع التطبيقي الفعلي وبالشكل الذي كان منصوصاً عليه والذي كان من الممكن للآشوريين، رغم سلبياته، أن يحققوا جزء من طموحاتهم في تلك الفترة فيما يخص تدريس اللغة. لذلك فأن فقرات القرار الخاصة باعتبار السريانية لغة تعليم في المدارس الابتدائية وتدريسها في كلية الأداب بقيت حبراً على ورق ولم ترى التطبيق على الواقع. أما بخصوص مضمون فقرة تدريس السريانية كلغة في المدارس المتوسطة والثانوية فهو الأخر لم يطبق بل أقتصر فقط على المرحلة الابتدائية  وبشكل لم يساهم إطلاقاً في تطوير هذه اللغة أو تعميم تعليمها للطلاب بشكل جدي وحقيقي. إذ ما أن بدأت بدايته العرجاء والمتعثرة حتى ظهرت الصعاب والعوائق في طريق تطبيق المنهج الذي أعد لتدريس السريانية كمادة لغوية في المدارس التي أكثريتها من أبناء هذه اللغة بحيث أصبح بحكم المشلول أو العقيم في أحس الأحوال. ففي عام 1980 توقف العمل بهذا القرار في ما يخص تدريس اللغة السريانية في محافظة دهوك وكان كل ما بقى منه في نهاية المطاف هو حصة أو حصتين في بعض المدارس في عنكاوة وشقلاوة، والتي كانت تفتقر افتقاراً كلياً إلى اهتمام الطلبة خاصة عندما لم تحتسب كمادة تعليمية مقررة ومطلوبة في الامتحانات النهائية. لهذا السبب حتى هذه الحصص البسيطة التي اقتصرت على المرحلة الابتدائية فقط أصبحت بمثابة "قضاء وقت" بالنسبة للطلاب وبالتالي لم تثمر بثمار مفيدة تساعدهم على إتقانها قراءةً وكتابةً، بل أصبحت أداة دعائية أستخدمها النظام العراقي وبعض الشخصيات الدائرة في فلكه في التمشدق بالحقوق الثقافية التي كانت "تمتع" بها الأقليات المسيحية في العراق من أجل تحسين سمعة سجله الأسود في انتهاكات حقوق الإنسان أمام المنظمات الدولية المعنية بالأمر. أما في المناطق الأخرى التي يتواجد فيها نسبة معقولة من الناطقين بهذه اللغة كبغداد وكركوك والموصل فأن الوضع في المدارس التي قرر شمولها بتدريس اللغة السريانية فيها لم يكن على الإطلاق بأحسن مما كان عليه في المناطق الشمالية فلم يتحقق فيها غير تغيير أسم مدرسة أو مدرستين. أما من حيث تدريس اللغة فلم يلمس منها شيء يذكر غير النهاية المحتومة والمرسومة لها في سياسات النظام في إفشال التجربة ومن ثم إرجاع السبب إلى تشرذم الطوائف الآشورية وعدم اتفاقهم على مناهج موحدة أو إلى افتقارهم إلى الحماس والهمة في تدريس لغتهم. وأستمر الحال هكذا في هذه المدارس حتى عام 1991 عندما سحب النظام العراقي قواته من منطقة شمال خط العرض 36 وخضوعها إلى الحماية الدولية والتي كانت فاتحة لتجربة جديدة في تدريس اللغة السريانية، والتي سنأتي على ذكرها في القسم القادم من هذا الموضوع.

أسباب فشل التجارب السابقة:
-------------------------
مما لا شك فيه هنا عوامل عديدة ومختلفة من تقنية وتربوية وعلمية واقتصادية وسياسية وغيرها تلعب دورها في إفشال أية تجربة في تدريس اللغة القومية لشعب من شعوب العالم، وهي حالة عامة وشاملة خاصة بالنسبة للقوميات الصغيرة والخاضعة لهيمنة القوميات الكبيرة، إلا أن هذه العوامل ما هي إلا متغيرات تخضع بالأساس إلى عاملين مهمين يشكلان المضمار الذي من خلاله تتم معالجة هذه العوامل المختلفة أو التخفيف من حدتها، ويمكن تحديدهما بما يلي :
1-   الافتقار إلى الأجواء الديمقراطية: المقصود بالديمقراطية هنا ليس كأسلوب للحكم فحسب وإنما أيضا كمنهج اجتماعي وإطار فكري يسمح من خلاله للأقليات بالتعبير عن تطلعاتهم وطموحاتهم القومية من دون خوف أو إرهاب السلطة أو قمع الأكثرية. والتدريس باللغة القومية للأقليات يعتبر شكل، لا بل الشكل المهم والأساسي، للتطبيق العملي والصادق لهذا التعبير من الديموقراطية. فالافتقار إلى مثل هذه الأجواء يعني ببساطة عدم الإقرار أو الإيمان بالتعددية الفكرية والثقافية وبالتالي يعني الاستبداد في الفكر وحرية التعبير، وهي الحالة التي اكتنفت معظم تطلعات الآشوريين في العراق بما فيها تطلعهم نحو تدريس لغتهم القومية. فالتجارب السابقة في تدريس اللغة، كلغة قومية في مدارس معينة،  وليس كلغة طقسية أو كنسية أو خاصة بنخبة معينة أو اقتصار تدريسها في الكنائس في أيام العطل، وإن لعبت عوامل الأخرى دورها في تعثرها وعدم تطورها بالشكل المطلوب، إلا أن العامل المحك في القضاء عليها  كان العامل السياسي المرتبط بعقلية النخبة الحاكمة في فهم وتقدير  حقوق الآشوريين المشروعة في العراق. ففي ظل غياب الحقوق السياسية والحد الأدنى من الديمقراطية تصبح الحقوق الأخرى بما فيها الحقوق الثقافية وحق تدريس لغة الأم، مجرد كلام فارغ وهباء ذلك لأن مثل هذه الحقوق لا يمكن أن تقوم لها قيامة ولا أن تدوم مع دوام الحرمان السياسي وإلا أصبحت أداة للاستغلال، كما كان الحال مع النظام العراقي في ما يخص إصداره لقرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية في عام 1972.
2-    فقدان الإرادة القومية الموحدة : لو حاولنا التدقيق في الواقع المأساوي الذي حال دون ترجمة اهتمام الآشوريين وقلقهم على لغتهم القومية الى أعمال واقعية وفعلية نرى بأن ذلك لم يكن وليد السياسات الاستبدادية والمظالم التي فرضت عليهم فحسب وإنما كان أيضاً بسبب ضعف أو فقدان الإرادة القومية الموحدة لهم والتي ساهمت هي الأخرى في عجزهم عن  تدريس اللغة السريانية كلغة قومية لهم. والإرادة القومية الموحدة بالنسبة للآشوريين مهمة جداً مثل أهميتها لبقية القوميات والشعوب الأخرى، بل أهميتها تزداد عندهم أكثر بكثير لا سيما وأن هناك جملة عوامل طائفية وعشائرية ومصلحية تقف بالضد والتناقض مع وحدة إرادتهم القومية، لا بل وتقف أيضا حتى ضد وحدة لغتهم القومية وضد تسميتها المناسبة والصحيحة. فضعف الإرادة القومية أو انعدام وحدتها ينعكس بشكل مباشر في ضعف أو انعدام الحماس والهمة والتصميم على تعزيز المقومات القومية المشتركة، بما فيها اللغة. والإرادة القومية  مهما امتلكت من حس شعبي ووعي تراكمي ونهوض جماهيري فأنها تعجز عن، أو تخفق في، تحقيق وحدتها أو تجسيدها في أفعال قابلة للتطبيق في الواقع العملي ما لم تمتلك هذه الإرادة وسائل أو أداة  تنظيمية تتمثل سواء في أحزاب سياسية أو منظمات قومية أو مؤسسات ثقافية تمتلك حد أدنى من الحرية والديمقراطية لكي تستطيع أن تعبر عن الوعي الجمعي الموحد وبشكل مكثف وتجسد الحس أو الوعي على الواقع العملي وعبر ممارسات فعلية. لا بل وفي حالة قدرة ممثل الإرادة القومية الموحدة، أي حزب سياسي أو منظمة قومية، على التفاعل مع  الهامش الديمقراطي المتاح والقوى السياسية الفاعلة فيه قد تمكنه من الوصول إلى مواقع قريبة ومؤثرة في  عملية صنع القرار السياسي المعني بشؤون الأمة بما فيها مصادر القرارات الخاصة بعملية تدريس لغتها القومية. فبعد عام 1972 عندما جلس الآشوريون، وبمختلف تسمايتهم التي أشار إليهم القرار اعلاه، ممثلين برجال الكنائس والطوائف وببعض المثقفين والمختصين بشؤون اللغة والثقافة للتحاور في سبل تطبيق بنود القرار، نشأت عقبات كثيرة في طريقهم، وبالأخص العقبة الطائفية وتعدد اللهجات، كنتيجة منطقية لافتقارهم إلى الإرادة القومية الموحدة والوسيلة التنظيمية المعبرة عنها والقابلة على التفاعل والتأثير على صانع القرار السياسي بما يخدم مصلحة الآشوريين، فجاءت الفرصة التي كان ينتظرها النظام العراقي ومؤسساته المعنية بالموضوع فقاموا، بدل من حل هذه العقبة والتخفيف من حساسيتها، قاموا بتضخيمها وإبرازها كمعضلة غير قابلة للحل والتسوية فأدى كل ذلك إلى خروج بنتائج هزيلة غير موفقة فيما يخص منهاج  تدريس اللغة السريانية ومن ثم فرضت عليهم فرضاً من أجل الوصول إلى الشكل المرسوم والمخطط لها وإلقاء تبعات الفشل أو ضعف تطبيقه على الآشوريين وإظهارهم كطوائف ضعيفة ومتباينة لا يجمعهم جامع، لا بل وعاجزين على ممارسة حقوقهم الثقافية وتدريس لغتهم رغم "كرم" النظام في منحهم لهذه الحقوق.
نكتفي بهذه الصفحات هنا والتي ستتبعها صفحات أخرى عن جوهر الموضوع في التعليم السرياني في شمال العراق.

STAY SAFE MY FRIENDS


40
شكرا للأخ العزير رابي أدي شماشه كوركيس وهنا أقول (هل يخفى القمر على الناس) هكذا كان والدك الشماس كوركيس بنيامين بيت شليمون مع أعمامك داود وموشي من الرواد المبدعين في الأدب الآشوري واللغة فلا يختفون عن الساحة الأدبية والقومية. كما تعرف، كانوا يملكون مطبعة في كركوك حيث طبعوا العشرات أن لم تكن المئات من الكتب الأدبية والمدرسية وأعتقد كان أسمها مطبعة نينوى ثم أنتقلت إلى بغداد، كما اعتقد، وكان أسمها مطبعة الساعة ولم تتواني أبداء في طبع الكثير من الكتب الآشورية والعربية... ليس هذا فحسب فهؤلاء الفطاحلة أنجبوا عظماء في الأدب واللغة وكيف لا نتذكر الإستاذ المبدع رابي دانيل رحم الله جميعاً... وهل تعرف بأن والدك الشماس كوركيس، وبعض كتبه تعتلي رفوف مكتبتي، كان أول أديب يلقي محاضرة في النادي الثافي الآشوري في بغداد عام 1970 عقب التأسيس ببضعة أسابيع وحضرها ما يقارب 300 شخص... كنا نحن في النادي كتلاميذ مدرسة إبتدائية في المسألة القومية نستمع إليه في كثير من الأمسيات كبروفسور في الأدب واللغة والفكر القومي. لي مجموعة من الصور معه أخذت في النادي ولكن للأسف ليست في حوزتي الآن.
وللأخ العزيز رابي بولص آدم، أقول صدقت كل الصدق... فكل أدباء ومثقفي أمتنا وحتى المهتمين بالمسألة القومية هم خريجوا هذه المدرسة والمدرسة الآثورية الإنجيلية في بغداد ومن النادي الثقافي الآشوري...زرعوا هؤلاء العظماء البذرة الخيرة فأنتجوا محصولاً عظيماً... رحمة الله الرعيل الأول وبارك ربنا يسوع المسيح تلاميذهم.
مع تحياتي الخالصة ... أبرم شبيرا

41
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق - 2
------------------------------

المدرسة الآثورية الأهلية في كركوك
====================
مختصر في مناطق تجمع الآشوريين في العراق:
-----------------------------
من أحدى العوامل الأساسية لنشوء أية حركة قومية بكل جوانبها السياسية والثقافية والإجتماعية والحفاظ على كيانها القومي، خاصة بالنسبة للأقليات القومية التي تعيش وتتوطن مع القوميات الكبيرة والمهيمنة، هو العامل الديموغرافي المتمثل في عدد نفوس الأقلية وتركزها الجغرافي. وقد كان بعض قادة الحركة القومية الآشورية يدركون هذه الحقيقة، منهم المثلث الرحمات مار إيشاي شمعون البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية. فبعد تهجير العثمانيين للآشوريين المنتميين لكنيسته من أقصى شمال بلاد بيت نهرين إلى المناطق التي أصبحت جزء من دولة العراق التي خلقها البريطانيون عام 1920، عملت الحكومة العراقية وبإستشارة الخبير البريطاني في الإسكان السيء الصيت الميجر طومسون على إسكانهم في مناطق متفرقة ومقفرة بين القرى الكوردية والتي كانت بعضها مبوءة بالأمراض المعدية، كالملاريا، كسياسة لتشتيتهم والحيلولة دون تركزهم في منطقة واحدة تشجعهم على القيام بحركة سياسية. بالمقابل عمل وناضل وضحى البطريرك مار شمعون الكثير وطالب بإسكان الآشوريين المهجرين في منطقة واحدة متجانسة في شمال بيت نهرين لتكون ضمانة لحماية وجودهم القومي والذي راح ضحية هذا المبدأ الأساسي في الوجود بحدود ثلاثة ألاف شهيد في مذبحة سميل عام 1933 والمعروفة للقراء كحقلة مأساوية من حلقات نضال الآشوريين.

على العموم، بعد سنوات من الإستقرار النسبي تركز وجود الآشوريين في بعض المدن والمناطق العراقية مثل الحبانية وكركوك وبغداد والموصل. وهنا تجدر الإشارة والتوثيق بأن عشيرة جيلو كانت أول مجموعة آشورية تستقر في منطقة واحدة في بغداد والتي عرفت بـ "كمبت د جلوايه" أي مخيم سكن بني جيلو، وهي بالأساس كانت منطقة سكنية مخصصة للعاملين في مصلحة السكك الحديدية العراقية في منطقة الكرادة في بغداد. حيث لم يجاوروا أبناء عشيرة جيلو بقية العشائر الآشورية في السكن في المنطقة الشمالية لذلك نرى بأنه ليس لهم قرى في هذه المنطقة، بل أكثرهم عملوا في السكك الحديدية العراقية وسكنوا في هذا المجمع الذي كان مفعماً بالنشاطات الإجتماعية والثقافية والرياضية. ويظهر بأنه كنتُ محضوظاً بعض الشيء عندما عثرت في الرفوف القديمة للمكتبة الوطنية في بغداد، وأنا أبحث عن مراجع لأطروحتي الجامعية، على وثيقة قديمة من وثائق "السراي"، أي المقر الحكومي في العشرينيات من القرن الماضي، تذكر بأن "النادي الآثوري" الذي تأسس عام 1920 مع بداية بناء مجمع سكن السكك الحديدية، هو أول نادي إجتماعي مختلط في العراق يرتاده رجالاً ونساءاً.

وفي الحبانية، حيث كان مقر القوات الجوية الملكية البريطانية، خصص للآشوريين العاملين مع هذه القوات مجمع سكني كبير كان مركزاً فاعلاً للكثير من النشاطات الرياضية والإجتماعية والسياسية للآشوريين ومنها ظهر اللاعب المعروف وشيخ المدربين عمو بابا (رحمه الله) وغيره من اللاعبين في كرة القدم الذين كانوا يشكلون عناصر أساسية في المنتخب العراقي لكرة القدم. ولا ننسى هنا ويجب ان نذكر التنظيم القومي الآشوري الذي عرف بـ "خيت خيت ألف" الذي تأسس في الحبانية، وقد سبق وأن كتبنا عنه بأعتباره أول تنظيم قومي سياسي آشوري في العراق. وبعد تسريح الكثير من منتسبي العاملين مع القوات البريطانية، أنتقلوا إلى ضاحية الدورة في بغداد وسكنوا في المنطقة التي عرفت بــ "حي الآثوريين" وفيه تأسس النادي الإجتماعي الأثوري الذي كان زاخرا بالنشاطات الإجتماعية والثقافية وحتى السياسية. وفي بغداد بعد غلق معسكر هنيدي، والذي عرف فيما بعد بمعسكر الرشيد، أنتقل الآشوريون منه إلى مجمع سكني في وسط بغداد وعرف بـ "كمب الكيلاني" والذي سبق الإشارة إليه وإلى المدرسة الآثورية الإنجيلية وإلى التنظيم السياسي الآشوري الذي أعتقلت السلطات العراقية مؤسسيها في المقال السابق. وفي منطقة تجمع الآشوريين في حي "تل محمد" والذي عرف أيضا بـ "منطقة كراج أمانة" تأسس النادي الرياضي الآثوري الذي كان من أشهر الأندية الرياضية في العراق وخاصة فريقه في كرة القدم الذي كان يشمل لاعبين مشهورين أمثال عمو بابا وأديسون ويورا وعمو سمسم وهرمز كبريل وشدراك يوسف وشقيقه عمو يوسف وغيرهم بالعشرات. وللنادي الثقافي الآثوري في منطقة السعدون القريب من كمب الكيلاني سجل حافل في مسيرته للتحديات والإنجازات التي واجهها وحققها في المجلات المختلفة، قصة طويلة سنأتي عليها في مناسبة أخرى. وللسهول والتفصيل يمكن الرجوع إلى كتابي المعنون "النادي الثقافي الآشوري، مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980". أذكر بعض من هذه المؤسسات والأنشطة للتأكيد بأن للتركز الديموغرافي في منطقة واحد يساعد كثيرا لا بل يشكل ركن أساسي في تعزيز الوجود القومي الآشوري، وكذلك أذكره كتمهيد للولوج  في موضوع وجود الآشوريين في مدينة كركوك والمدرسة التي أسسوها هناك.

الآشوريون في كركوك والمدرسة الآثورية الأهلية:
==============================
أنتقل الآشوريون إلى مدينة كركوك في بداية القرن الماضي سواء بشكل مباشر من حيكاري وأورميا عقب تهجيرهم من قبل العثمانيين أثناء مذابح سيفو أو من مخيمات أسكان المهجرين في بعقوبة ومندن أو حتى من الحبانية. والسبب الرئيسي لهذا الجذب للمدينة يرجع إلى توفر فرص عمل كثيرة في شركة نفط العراق المعروفة بـ "I.P.C" خاصة بعد إكتشاف النفط بشكل تجاري، حيث عمل معظم الساكنين في كركوك في هذه الشركة سواء كموظفين أو فنيين أو عمال وأستقروا في أحياء كانت بالكامل آشورية أو شبه آشورية، كمنطقة عرفة والتي عرفت بـ كركوك الجديدة" أو نيو كركوك (New Kirkuk)، ومنطقة ألماس وغيرهما. وكما فعل أبناء عشيرة جيلو في بغداد عملوا نفس الشيء في كركوك حيث سكنوا في منطقة عرفت بأسمهم "محلت د جلوايه"، أي محلة بني عشيرة جيلو". وأنا طفل أتذكر شخصيات مرمومة من أصحاب والدي في هذه المنطقة مثل (يوبي) الصياد المشهور وشقيقه (جونا) حيث كانوا متميزن بأطوالهم وضخامة أجسامهم، رحمة الله جميعهم. 

شكلت مدينة كركوك المحور الثالث مع الحبانية وبغداد للنشاطات القومية والسياسية للآشوريين، ولا نظلم الحقيقة بل نؤكدها في القول بأن عدد من مؤسسي الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) كانوا من كركوك، وهي المدينة التي قدمت ثلاث شهداء خلدهم التاريخ وهم يوسف توما و يوبرت بنيامين ويوخنا إيشو. قبل أن أباشر بكتابة بعض السطور عن المدرسة الآثورية الأهلية في كركوك أود أن أنحني أحتراماً وتقديرا للجهود الكبيرة التي يقوم بها أداريو الموقع الألكتروني لـ  "اشوريو كركوك" – Assyrian of Kirkuk والمشاركين فيه والمساندين له للجهود الكبيرة في جعل هذا الموقع موضوع إهتمام للذين عاشوا في هذه المدينة وكذلك للمهتمين في توثيق المؤسسات الآشورية وأنشطتها في العراق. يذكر الموقع بأنه خصص أصلاً لخدمة توثيق تاريخ الآشوريين المعاصر في مدينة كركوك وهي جهود جاءت في محلها لسد النقص الكبير الحاصل في عملية التوثيق. وتشغل موضوع المدرسة الآثورية الأهلية حيزاً كبيراً من صفحات هذا الموقع والمعززة بصورة جميلة ونادرة تعكس جانباً من جوانب هذه المدرسة ونشاطاتها، ومنها أقتبسنا بعض الصور والمعلومات في هذه السطور.

للمدرسة الآثورية الأهلية في كركوك تاريخ طويل يزيد عن نصف قرن من الزمن، وبإختصار شديد نذكر بأنه في عام 1928 تأسست المدرية الآشورية في كركوك من قبل القس أسحق ريهانه وبمساعدة بعض الشباب الآشوريين المتطوعين الذين هُجروا من حيكاري وأرميا وأستقروا في كركوك. كان القس أسحق ريهانه من المقربين لقداسة البطريرك مار شمعون ومن المؤيدين المتحمسين له، لذلك عندما نفي البطريرك مع عائلته إلى قبرص بعد مذبحة سميل عام 1933 نفي أيضا القس أسحق إلى نفس الجزيرة وبقى مع البطريرك فترة طويلة حتى بعد إنتقاله إلى الولايات المتحدة ووفاته في مدينة تورليك في 10 نيسان عام 1997 عن عمر ناهز 88 سنة.



 



 

ومن بعد نفي القس أسحق تولى إدارة المدرسة القس خوشابا خامس حتى وفاته في عام 1948. أستمرت المدرسة بأدارة العديد من المدراء والمدرسين الأكفاء وبنشاطات مكثفة ثقافية وإجتماعية وتربوية وفنية حتى عام 1974 عندما أمم نظام البعث في العراق كافة المدارس الأهلية فتحول أسمها إلى مدرسة أنستاس، نسبة إلى راهب الكرمليين والعالم اللغوي المعروف "أنستاس الكرملي"، فكان صيف نفس العام آخر فصل لمدرسة آثورية بعد أن أصبحت بشكل أو بأخر تحت أشراف مديرية تربية كركوك التابعة لوزارة التربية.

 

=============================================================

كما ذكرنا للمدرسة تاريخ طويل ولكن أهم شيء تميزت به هو نشاطها الكثيف في عرض المسرحيات. حيث عرض العديدة منها سواء المترجمة من المسرحيات العالمية خاصة مسرحيات شكسبير المشهورة أو المؤلفة من قبل كتاب آشوريين والتي كانت تعرض على مسرح المدرسة الأرمنية. وقد لعب رابي جبرائيل ورابي أختير بنيامين وغيرهما دوراً كبيراً في تطوير المسرح الآشوري من خلال هذه المدرسة. وفي عام 1950، وبعد شراء المدرسة لبناية في منطقة ألماس وترميمها بالشكل الذي يتناسب مع متطلبات المدرسة، كان المسرح الرائع في باحة المدرسة من أهم معالمها والتي من خلاله عرضت الكثير من المسرحيات وتطورت بشكل ملف للنظر. وفي ادناه صور لبعض المسرحيات التي عرضت من قبل المدرسة:










 

==========================================================
كانت المدرسة من أبرز المدارس الأهلية في كركوك وموضع إهتمام المسؤولين التربويين بسبب تفوق طلابها. ففي الإمتحانات النهائية (البكالوريا) للصف السادس الآبتدائي خلال فصل الدراسي لعام 1970/1971 كان طلاب المدرسة قد إجتازوا الإمتحانات النهائية بنسبة نجاح 100% من بين جميع مدارس محافظة كركوك. ولا يفوتني أن أذكر بأن المدرسة أنجبت أدباء وشعراء وسياسين وشخصيات مرموقة ينشطون في أيامنا هذه ويلعبون دوراً كبيراً في الحياة السياسية والثقافية والإجتماعية والفنية للآشوريين سواء في أرض الوطن أم في المهجر. نطلب من ربنا يسوع المسيح الرحمة  لجميع المتوفيين الذين وضعوا الأسس المتينة للمدرسة طيلة خمسة عقود من الزمن وأن يمنح القوة والمثابر للذين لا يزال ينشطون ويعملون من أجل إرساء الأسس القومية لهذه الأمة.

وحتى لا أستهلك صفحات كثيرة من موقعنا العزيز "عنكاوة دوت كوم" ولمن يريد المزيد من المعلومات عن هذه
المدرسة الرائعة يمكن الولوج في الموقع أدناه:
http://www.assyriansofkirkuk.com/assyrian-school.html

=====================================================================

 

 آخر زيارة لمدينة كركوك مع الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا كانت عام 2009، الصورة أمام داره في منطقة ألماس الذي كان خلف المدرسة الآثورية الأهلية وبجانب كنيسة مار كوركيس لكنيسة المشرق الآشورية وراعيها كان القس المعروف هينيدي البيلاتي "رحمه الله". 

42
شكراً أخي المثابر أيدي الشماس كوركيس بيت شليمون على أسناد الموضوع بملاحظاتك القيمة وتعزيزه بفيديو رائع فتح المجال لنا لمشاهدة بعض الأصدقاء الحاضرين في التجتمع. ليس فقط بالنسبة لشقيقة مثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع التي درست في المدرسة بل أن معظم طلاب المدرسة وبعض مدرسيها كانوا من غير الكنيسة البروتستانتية ولكن، كما ذكرت فأن حبهم ودافعم القومي سواء لهم أو لأولياء أمورهم أنضموا إلى في هذه المدرسة الرائعة التي أنجبت آشوريين قوميين ومثقفين وأدباء. ولو أخذنا المدير الثاني الذي جاء بعد قاشا خندو وهو رابي كورش يعقوب شليمون، فهو الآخر كان آشورياً قومياً ومثقفاٌ وله مؤلفات في تاريخ الآشوريين منها كتابه "تاريخ الآشوريين منذ بداية القرن العشرين خاصة في فترة الحربين العالميتين" الذي يعتلي رفوف مكتبتي.. 
وشكري البليغ للأخ شاماشا عوديشو شاماسا يوخنا على توضيحاتك القيمة والصور الجميلة وأمل من كان طالباً أو مدرساً في هذه المدرسة أني يدلي بذكرياته وصوره حتى تصبح في يوما ما مجلد غني في توثيق مسألة التربية القومية لكي تستفاد منه الأجيال المعاصرة والقادمة... ألف شكر لكما.

 
رابي كورش شليمون مربي الأجيال، شيب رأسه هو ثمر من ثمرات تربيته للأجيال الآشورية

43
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق
-------------------------------------------------------------


مدرسة التقدم للطائفة الإنجيلية الآثورية والمعروفة بمدرسة قاشا خندو
======================================
أبرم شبيرا
أتاحت لنا فرصة "خليك في البيت" في زمن "كورونا"، فسحة جيدة من الوقت للبحث والتنقيب في المراجع المركونة على الرفوف العالية والعثور على بعض المواضيع التي قد تثير أهتمام القراء خاصة التي لم تنشر سابقا أو ليست معروفة لجيل هذا الزمن، ومنها موضوع مدرسة التقدم للطائفة الإنجيلية الآثورية في بغداد والتي كانت تعرف بمدرسة قاشا خندو.
تُكشف لنا بعض من صفحات التاريخ المعاصر لنشوء الفكر القومي الآشوري بأن الآشوريين المنتميين إلى الكنائس الإنجيلية البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية الروسية والسريانية الأرثوذكسية كانوا من رواد الفكر القومي الآشوري وأبدعوا كثيرا في تأسيس الجمعيات والمنظمات القومية والأحزاب السياسية والمدارس التعليمية، ومنها مدرسة موضوعنا هذا "مدرسة التقدم" والتي أرتبطت بأسم القس خندو يونان ثاني مدير المدرسة. يذكر لنا الباحث حارث يوسف غنيمه في كتابه "البروتستانت والإنجيليون في العراق"، مطبعة الناشر المكتبي، بغداد، 1988، بأن الآثوريين الإنجيليين الذين فروا من منطقة أورميا وحلوا في العراق في سنة 1918، أستمروا الإقامة فيه في العقد الثاني من القرن العشرين وكونوا الطائفة الإنجيلية البروتستانتية الآثورية والتي تمتد جذورها إلى إرساليات مجلس الوكلاء الأمريكي للإرساليات الأجنبية وإلى مجلس الإرساليات المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية التي عملت في منطقة أورميا ونجحت في تحويل عدد من الآثوريين إلى البروتستانية. وكانت هذه الطائفة من بين الطوائف البروتستانتية الإنجيلية الثلاث، الطائفة البروتستانتية الوطنية وطائفة الأدفنست السبتيين المعترف بهم من قبل الحكومة العراقية.
ففي سنة 1918 وصل العراق المبشر الأمريكي مكداويل من الإرسالية  المشيخية بصفته مستخدما في مؤسسة الإسعاف للشرق الأوسط لمساعدة الآثوريين المنكوبين على إختلاف فرقهم بالأخص أبناء الطائفة الإنجيلية. ثم في عام 1921 وبتوجيه منه أفتتح الآثوريون الإنجيليون مدرسة لتعليم أولادهم اللغتين الآثورية والعربية بأسم مدرسة "التقدم الإبتدائية للبنين" في بغداد وأستقدموا لها معلمين من إرسالية إيران وقدموا لها بسخاء مساعادات مالية إضافة إلى المساعدات التي كانت تتلقاها الطائفة من أمريكا لمواصلة مسيرتها. وهي المدرسة التي  شدت من أزر كيان هذه الطائفة والتي كان لها في  بغداد كنيسة تعتبر من  أكبر كنائسها في العراق، وأول قس رعاها هو القس بيرا مزرا. وفي عام 1928 تسلم إدارة المدرسة القس خندو يونان (1888 – 1950) الذي في الحقيقة هو باني صرح وشهرة هذه المدرسة لهذا السبب عرفت بأسمه بين الآثوريين كـ "مدرسة قاشا خندو". ثم بعد وفاة قاشا خندو تسلم إدارة المدرسة والطائقة قس آخر وهو قاشا كورش يعقوب شليمون الذي كان له شخصية مرموقة لدى معظم الآشوريين في بغداد.
في عام 1924 عندما باشرت الإرسالية الإنجيلية أعمالها بكثافة في العراق توجهت أنظار الآثوريين إليها باعتبارها سندهم الديني، وبالفعل قدمت الإرسالية الى طائفتهم بالإضافة إلى الإرشادات الروحية مساعدات كثيرة ساعدت على تقدم أتباع هذه الطائفة عن غيرهم من أبناء الطوائف الآشورية. ففي عام 1928 شيدت الطائفة بناية على أرض مستأجرة في منطقة السنك ضمت مصلى وصفوفاً للمدرسة التي كان عدد طلابها 600 طالب وطالبة للدراسات الإبتدائية والمتوسطة والثانوية وفي تلك السنة تسلم قاشا خندو أدارتها إضافة إلى رئاسة الكنيسة. ثم في عام 1940 وفي زقاق ضيق مجاور لكنيسة القديس كريكور للأرمن الأرثوذكس في ساحة الطيران ببغداد وعلى أرض شاسعة شيد أبناء الطائفة وبهمة قاشا خندو وبمنحة سخية من الإرسالية المتحدة كنيسة وبناية خصصت لمدرسة التقدم التي ظلت تحت إدارة الطائفة إلى أن وضعت الحكومة العراقية يدها على جميع المدارس الأهلية في سنة 1975.
كما سبق وذكرنا بأن أبناء هذه الطائفة تطوروا من نواحي عديدة مقارنة مع بقية الطوائف الآشورية وتبوؤا مراكز مرموقة سواء على المستوى الآشوري أو على المستوى الرسمي حيث كان الكثير منهم موظفون وبدرجات عالية في بعض المؤسسات الحكومية والبنوك، وظهر بين ظهرانيها شخصيات معروفة منها العميد الطبيب روئيل شاويل كوركيس الذي كان مدير الشعبة الرابعة في مديرية الأمور الطبية العسكرية سنة 1985. ثم بعد تقاعده هاجر إلى الولايات المتحدة الآمريكية وأستقر في شيكاغو ومن هنا لا يزال يخدم الآشوريين من خلال العيادة الطبية التي يديرها، وهو من الشخصيات الآشورية المعروفة هناك سواء من خلال خدماته الطبية أو إنخراطه في النشاطات القومية والإجتماعية والخيرية حيث يعمل بدون كلل وملل وبنشاط شبابي مفعم بالحيوية رغم تعب السنين الطويلة البادية عليه. أنها فرصة لنا وعبر هذه السطور أن نطلب من ربنا أن يعطيه الصحة والعافية ويطيل من عمره. ومن شخصيات المعروف للآشوريين من هذه الطائفة أيضاً السيد يوئيل يعقوب سركيس المعروف بـ (أبو روني) رحمه الله، الذي توفي قبل سنوات في كندا. ونشير أيضا إلى شخصية معروفة من هذه الطائفة وهو السيد بنيامين بطرس توماس (أبو سامي) حالياً يعيش في أربيل فكلاهما هو وأبو روني كانا من الأعضاء النشطين في النادي الثقافي الآشوري في بغداد. ومن الشخصيات التي خدمة هذه الطائفة والمدرسة نذكر السادة شموئيل بابا إبراهيم و سركون أوشانا إبراهيم و بيرا بابا يوسف و أدور عزيز البازي و السيدة ألماس أغاسي ونينوس بولص فيليب و الفرد بطرس و دنخا خوشابا و وليم خمو. ومن المعروف عن هذه الطائفة الإنجيلية الآثورية بأنها لم تكن تختلف عن بقية الطوائف البروتستانتية الإنجيلية في العراق من حيث الإيمان غير تمسكها الشديد بلغتها القومية الآثورية والحفاظ على الثراث القومي الآشوري.
من هذا المنطلق القومي للطائفة، لم تكن لا الكنيسة للعبادة وممارسة طقوس الطائفة فقط،  ولا المدرسة للتدريس الطلاب الآشوريين من مختلف الطوائف فحسب، بل كانت مركزا ثقافيا وإجتماعية وفنياً ورياضيا وحتى قومياً سياسياً، حيث تشكلت فيها عدد من اللجان المختصة في هذه المجالات وعملت بنشاط كثيف وأثارت إهتمام ومشاركة أبناء الطوائف الآشورية الآخرى. وأتذكر منها اللجنة التي عرفت بأسم "جالش" التي كانت تقوم بنشاطات إجتماعية وفنية مختلفة وبسفرات عائلية جماعية والتي شاركتُ في أحداها في حدائق منطقة أبو غريب حيث في حينها، وأعتقد كان صيف عام 1966، وأستغربت إستغراباً شديدا، وأنا قادم من مدينة كركوك، من العدد الهائل للمشاركين في هذه السفر من مختلف الفئات العمرية وخاصة الشبابية، لا بل كان إستغرابي وإنبهاري أكثر بكثير من الفعاليات التي أقيمت في هذه السفرة ومنها إغاني قومية لم نكن نسمعها في حينها في المؤسسات الأخرى. ليس هذا فحسب بل كانت الكنيسة والمدرسة مركزا لإنبثاق مواهب خلاقة في الأدب والثقافة والفن وحتى في السياسة والفكر القومي الآشوري سواء من بين مدرسي المدرسة أو من إداربي الكنيسة ولجانها المختصة. ومما ساعد على أن تكون ساحة الكنيسة مركزاً لإستقطاب الآشوريين هو قربها من منطقة "كمب الكيلاني" أكبر تجمع سكني للآشوريين في بغداد والذي لم يكن يبعد عن الكنيسة إلا بعضة أمتار.
فأسماء أمثال رابي يوسب كانون، الذي كان مدرسا في المدرسة ومنها أكتسب لقب رابي، وأبو روني وأبو سامي الذين شاركوا في تأسيس النادي الرياضي الآشوري في بغداد ومن ثم محاولتهم لتأسيس النادي الثقافي الآشوري في الستينيات من القرن الماضي والذين لم يفحلوا فيها بسبب رفض السلطات الرسمية لطبهم في تأسيس هذا النادي. كما كانت لهم نشاطات قومية سياسية في تأسيس أحزاب سياسية آشورية ومنهم من تعرضهم للإعتقال من قبل السطات العراقية في الستينيات من القرن الماضي ومنهم رابي يوسب. وهناك نجوم لامعة في عالم الفن الآشوري سواء على المستوى الغناء أو المسرح أو الفن التشكيلي حيث أرتبطت أسماؤهم بشكل أو بآخر بالكنيسة والمدرسة، فكانت ساحة الكنيسة مسرحا لنشاطاتهم المبدعة، ومنهم سامي ياقو و آشور سركيس و ولتر عزيز و كوريل شمعون و إيبي عمانوئيل وتيدي نيقاديموس و رمزية نيقاديموس و يوسيفوس عمانوئيل، وعشرات منهم لا يخطر ببالي لذكر أسماؤهم. وعندما تأسس النادي الثقافي الآثوري عام 1970 في بغداد، أصبح هذا النادي كتوأم للكنيسة والمدرسة فأصبحت ساحة النادي أكثر رحبةً في تكثيف نشاطات هؤلاء المبدعين فزادت من أبداعاتهم كثافة وسعة وشعبية ولمعت أسماؤهم في السماء الفني والثقافي والأدبي عند معظم الآشوريين.
ثم بعد تأميم سلطات البعث لجميع المدارس الأهلية عام 1975 وتوسع أبواب الهجرة إلى الخارج تقلصت نشاطات رعية الكنيسة والمدرسة بحيث وصل ألأمر إلى إنتقال إدارة الكنيسة إلى قس مصري وإلى غير الآشوريين وبالتالي تقلص عدد أبناء الطائفة وهجر الكثيرين منهم إلى الخارج بحيث أصبح أمر الكنيسة والمدرسة بحكم المنسي خاصة بعد الحروب التي تورط فيها نظام البعث في العراق.
وأخيراً أود الذكر بأن من أحد الدوافع التي دفعني لكتاب هذه السطور هو مشكلة أو قلة أو ندرة التوثيق للمؤسسات والمدارس والأندية والجمعيات الآشورية، فللتوثيق أهمية كبرى في تحديد الهوية القومية للآشوريين وأثبات وجودهم كأمة نشطة وفاعلة ومتواصلة من الماضي السحيق إلى الحاضر ثم المستقل. وكما ذكرت في أعلاه بأن أكثر المعلومات مستلة من كتاب السيد حارث يوسف غنيمه ومن المؤكد بأن هناك بعض من أتباع الكنيسة الإنجيلية الآشورية ومن الذين شاركوا في إدرتها أو إدارسة المدرسة لهم معلومات كثيرة وذكريات جميلة، فأتمنى أن تكون هذه السطور حافزا لهم لبيان هذه المعلومات وتدوين ذكرياتهم ونشاطاتهم لتكتمل الصورة عن هذه المدرسة التي وأن تقلصت أو زالت من الوجود ولكن من المؤكد بقت وستبقى ليس في قلوبأبناء هذه الطائفة فقط بل في قلوب جميع الآشوريين.   


44
متى تتعلم أحزابنا  "الكلدانية السريانية الآشورية" من المنظمة الآثورية الديموقراطية (مطكستا)
=======================================
أبرم شبيرا
 التعلم سمة من سماة الإنسان المتحضر والساعي نحو التقدم والإزدهار خاصة عندما يكون التعلم من تجارب الغير وتحديدأ عندما يكون الإثنان على نفس المنحى والمنهج والهدف وبنفس الظروف. وهنا يستوجب التأكيد المشدد بأن التعلم ليس عيباً أو نقصاً على الإطلاق بل أنه في كثير من الأحيان يكون أكثر تأثيرا وفاعلية في سلوك الإنسان ووعيه من القراءة والدراسة. فالمثل يقول أسأل مجرب ولا تسأل الحكيم. ولكن من المؤسف، ليس على مستوى الأفراد، بل على مستوى الأمة كلها نرى بأن أحد جوانب إخفاق أو فشل حركتنا القومية من تحقيق الحد الإدنى من أهدافها هو عدم دراسة قادة حركتنا القومية للتاريخ والتعلم منه وبالتالي الإستفادة من تجاربها السابقة وتجاوز أسباب إخفاقها. هذا  الأمر هو الذي دفعنا لنؤكد مرة أخرى القول القائل بأن من يتعثر بنفس الحجر مرتين فهو جاهل. والأمثلة كثيرة في هذا السياق ولا مجال للتطرق إليها.
مربط الكلام في هذه السطور هو أحزابنا السياسية حيث يرى بعض زعماء هذه الأحزاب بأنه عيب، كل العيب، أن يتعلم من تجارب الغير، فالأمر بالنسبة لهم هو إهانة وتقليل من قدرتهم القيادية وعبقريتهم.  والأنكى من كل هذا هو المراوغة في نفس المكان إن لم يكن السير إلى الوراء وبالتالي تخلف عن مواجهة التحديات والتطورات الخطيرة التي تعصف بأمتنا سواء في الوطن أم في المهجر، وهي كلها نتاج التأثر العميق بسياسة الأحزاب العراقية وحتى العربية وبالاخص في ما يتعلق بزعامة هذه الأحزاب وعدم تداول مواقع القيادة بين أعضائها بشكل موضوعي وديموقراطي. فالمؤسف له هو أن تأثر معظم قادة أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" بالعقلية السياسية العراقية وحتى العربية في الإستمرار في القيادة حتى الموت هو تطبيق لمقولة القذافي في تفسيره لمفهوم الديموقراطية بقوله بأنها مفهوم عربي متكون من مقطين "ديمو" و "كراسي"، إي ديمومة الحاكم على الكرسي مدى الحياة.
هذه السطور جاءت بمناسبة زيارة ثلاثة أعضاء من قيادة مطكستا في بداية هذا الشهر (شباط 2020) لشمال الوطن واللقاء بقادة بعض أحزابنا السياسية وبغيرهم من التنظيمات القومية والرسمية. وكان يضم الوفد أعضاء في المكتب السياسي للمنظمة كل من المهندس السيد داوود داوود مسؤول مطكستا والسيد بشير سعدي مسؤول مكتب الثقافة والدراسات والسيد غبرييل (كابي) موشي مسؤول مكتب العلاقات الخارجية. أنا شبه متأكد أن لم أكن كامل التأكد بأن هذا الخبر مر، كما يقول المثل مر الكرام، ولم ينتج  عنه غير بعض السطور الروتينية الرسمية والتي لا تتجاوز أكثر من كلامات على ورق غير قادرة على النزول إلى الواقع الفعلي. هذه اللقاءات لمطكستا بأعضاء قيادتها الثلاثة لها مغزى كبير ودرس مهم لأحزابنا السياسية ليس من خلال الكلمات والسطور الفارغة التي أفرزتها اللقاءات بل من المغزى الكامن الذي يمكن إدراكه من خلال النظر إلى شخصية الأعضاء الثلاثة وموقعهم في القيادة. غير أن غطاء العقلية العراقية المسيطر على قادة أحزابنا جعلتهم أن لا يدركوا هذا المغزى إطلاقاً وأن يستفيدوا منه في وضع حزبهم على الطريق الديموقراطي القويم. إذن أين يكمن هذا المغزى الذي لم يدركه قادة أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" في العراق؟
وقبل الكشف عن هذا المغزى والإستنتاج المراد بيانه، نشير عبر سطور قليلة عن مؤتمر مطكستا  الثالث عشر (الأخير)  الذي عقد في بداية شهر شباط من عام 2019 في مدينة القامشلي. ففي هذا المؤتمر الذي حضره 60 مندوباً منتخباً، حسب بيان مطكستا بهذا الشأن، من فروع المنظمة وشارك فيه أيضاً مندبون من فروع المهجر عبر غرف خاصة من بعض الدول الأوربية. ففي هذا المؤتمر تم إختيار سبعة عشر مشاركا لعضوية الأمانة العامة، والتي قد تكون اللجنة المركزية بالمفهوم السياسي الدارج، والذين قاموا بدورهم إنتخاب أعضاء المكتب السياسي لولاية أمدها أربعة أعوام وفيه تم إنتخاب السيد المهندس داوود داوود مسؤولا عن المنظمة، أو السكرتير العام بالمفهوم السياسي الدارج، كما أنتخب السيد بشير سعدي والسيد كابي موشي لعضوية المكتب السياسي وتولوا المسؤوليات المذكورة أعلاه.
أن المغزى المقصود به كامن في مضمون الشخصيات القيادية الثلاث المذكورة التي عقدت هذه اللقاءات وموقعها الفعلي من قيادة مطكستا وتداول السلطة بشكل منطقي وعقلاني لضمان إستمرار القيادة نحو آماد أبعد، لا بل خلق قياديين جدد. للنظر أولاً في السيد بشير سعدي، فهو عضو مخضرم في مطكستا وعضو برلمان سابق أنتخب ديموقراطياً للبرلمان السوري من قبل أبناء شعبنا في التسعينيات، اعتقد كان في نهاية الثمانينيات، من القرن الماضي وكان سكرتيرا، أو مسؤولا لقيادة مطكستا الأسبق. أما السيد كابي موشي فقد كان السكرتير، او مسوؤل قيادة مطكستا السابق حتى المؤتمر المذكور أعلاه، وكلاهما تعرضا للإعتقال والتعذيب والتهديد ولكن لم يستكينوا إلى الراحة والبطلان والتخلي عن الساحة السياسية القومية بل أستمرا في العمل ضمن قيادة مطكستا وبتجارب مفعمة بالحيوية والصمود والإصرار على مواصلة النضال. أما السيد داوود داوود المسؤول الحالي لقيادة مطكستا، حسب معرفتي الشخصية، فأنه لم يكن على مستوى قيادة مطكستا في السنوات الماضية، وأن كان فهو حديث العهد في هذا الموقع القيادي في مقارنة مع السيدين بشير وكابي.
فعلى الرغم من الخبرة الطويلة والتجارب السياسية والحزبية المتفاعلة مع الواقع الوطني والقومي في سوريا لكلا السيدين بشير وكابي وموقعهما القيادي السالبق فأنه يظهر بأنهما تنحا خطوة واحدة ضمن حدود قيادة مطكستا في إنتخابات المؤتمر المذكور لكي يفسحوا المجال للسيد داوود داوود ليتولى مسؤولية القيادة. وقد يبدو من الناحية الشكلية بأن نوع من التراجع عن الموقع القيادي في المنظمة، ولكن الأمر غير ذلك إطلاقاً. فنحن أمة فقيرة بكل المعاني السياسية والتنظيمة خاصة إفتقارنا إلى مراكز أو معاهد لتدريس أو تدريب أو خلق كوادر قيادية تكون قادرة على تولي مسؤوليات هامة في أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. من هنا تأتي أهمية إنتقال وتفاعل الخبرات بين المتمرسين على مستوى القيادة والأعضاء القياديين الجدد في التنظيم. وليست المرة الأولى التي نرى مثل هذا الإنتقال الديموقراطي في قيادة مطكستا بل سبق وأن حدث مثله في السابق.  أنا شخصياً لي أهتمام فكري وإلتزام قومي بأحزابنا السياسية القومية وأحاول دائماً متابعة أخبارهم ونشاطاتهم ولكن للحق أقول بأنني ولأول مرة، شخصياً على الأقل، أرى في مؤتمر عام لحزب أن لا يترشح المسؤول أو السكرتير العام القائم والسابق للحزب خاصة عندما يكونون من المخضرمين والمتمرسين وبعضهم لهم شخصية كرازماتية، لا يرشحون لموقع مسؤول الحزب أو لمنصب السكرتير العام بل يتركون المجال لغيرهم من رفاقهم القياديين لتولى هذا المنصب مع بقائهم إلى جانبهم لنقل خبراتهم وتجاربهم إليهم أثناء ممارسة العمل القيادي للحزب. وهذا ما شاهدناه في المؤتمر الثالث عشر لمطكستا عندما أنتخب المهندس داوود داوود لموقع المسؤول في المكتب السياسي مع بقاء كل من السيد سعدي بشير والسيد كابي موشي إلى جانب المسؤول الجديد وتوليهم مسؤوليات مهمة من خلال المكاتب التنفيذية لمطكستا. هذه الحالة نادرة جداً ولم أشاهدها في السابق عند أحزابنا السياسية القومية. لا بل على العكس من هذا فالتشبث بالكرسي في معظم أحزابنا السياسية أن لم تكن جميعها حالة عامة وسائدة، وحتى أن ترك هذا الكرسي، وهي حالة نادرة لا بل ستكون عجيبة وغريبة، فأنه أما أن يترك التنظيم وينزوي في زاوية النسيان ويأخذ تجاربه المديدة في التنظيم معه وكأنها ملك خاص له من دون أن يستفيد منها رفاقه في قيادة التنظيم، أو يبقى في التنظيم ولكن في موقع بعيد وغير مؤثر إطلاقاً وكأنه صورة معلقة على الحائط لتبقى كذكرى للأيام الخوالي.
لا أحد يستطيع أن يقول بأن طريق نضال أحزابنا السياسية القومية مفروش بالورود والرياحين، بل في الحقيقة والواقع هو طريق ملئه الأشواك والصعوبات والمهالك في ظل الظروف الحالية الماحقة التي تحيط بأمتنا في أرض الوطن. من هذا المنطلق يجب القول عندما ننتقد ونحاسب أحزابنا السياسية على إخفاقاتها وتراجعاتها يجب، لا بل يجب أن ينظر إليها من خلال هذه الظروف الماحقة والمأساة لتي تحيط بأمتنا والتي تخلق تحديات خطيرة أمام أحزابنا السياسية. ومن المؤكد بأن فاعلية وتأثيلار هذه التحديات هي أكثر بكثير من قدرات أحزابنا السياسية المحدودة في مختلف المجالات وحتى على مستوى القيادة التي نحن بصددها للمواجهة والتعامل مع هذه التحديات.  فإذا كان يصعب مواجهة التحديات الخارجية والتعامل معها فأن مواجهة التحديات الداخلية المتمثلة في تطوير النظام القيادي للحزب وضمان ديمومته بشكل أكثر فاعلية وقوة  أمر يمكن تحقيقة كخطو أولى وقوية لمواجهة التحديات الخارجية. فقيادة ضعيقة و "متزنجرة" لا تستطيع إطلاقاً مواجهة التحديات الخارجية في حين القيادة القوية والفاعلة والمستجدة بدماء جديدة تكون أكثر قدرة على المواجهة والتحدي. من هذا المنطق جاء موضوعنا هذا في تجديد دماء قيادة مطكستا.
حتى لا أعمم الحالة هذه على جميع أحزابنا السياسية وأكون مطلقاً ومن دون إستثناء، فللأمانة أشير إلى الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا). ففي مؤتمرها الأخير قبل ثلاث سنوات تقريباً أنتخب نواب للسكرتير العام لزوعا الذين أظهروا خلال السنوات القليلة الماضية نشاطاً محموماً وفاعلا تصل إلى حد ما إلى مستوى موقع القيادي الأول ولكن مع هذا نرى بأنها حركة خجولة ومترددة نوعا ما يستوجبها نوع من الشجاعة والإقدام أكثر فأكثر نحو خلق قياديين على مستوى عالي من القيادة قادرة على مواجهة التحديات بفعالية أكثر. وعلى طاولة قيادة زوعا العديد من المقترحات التي قدمناها لها بهذا الشأن كسبيل لخلق قيادات جديدة لتكون إلى جانب القيادات الحالية عناصر مهمة في ديمومة الحركة نحو آماد أبعد خاصة في هذه الظروف الماحقة التي تحيط بأمتنا سواء في الوطن أم في الشتات. ونأمل من قيادة زوعا إعادة النظر في تلك المقترحات وطرحها على مؤتمرها العام القادم وليس المقصد من ذلك إلا إهتمامنا وإحترامنا للحركة الديموقراطية الآشورية وتفعيل نشاطها أكثر فأكثر.
وأخيرأً، بعد مرور سنة على إنتخاب السيد داوود داوود لموقع المسؤول الأول عن مطكستا نتمى له دوام التقدم والنجاح والسعى نحو الإستفادة القصوى من خبرات رفاقه، أصدقائنا المديدين بشير سعدي وكابي موشي، ونحن ملئنا الثقة والإيمان بأنهما سوف لا يترددون في العمل مع المسؤول الجديد بكل نشاط وفاعلية وهمة كضمان لإستمرار المنظمة الآثورية الديموقراطية نحو مستقبل مبهر وأكثر أشراقا لطريق نضال أمتنا نحو تخفيف معاناة أمتنا وتحقيق أهدافها القومية المشروعة. 









زيارة لأرض الوطن; شمال شرقي سوريا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وأمام دير للكنيسة السريانية الآرثوذكسية: من اليمين بشير سعدي، أبرم شبيرا، سعيد لحدو وكابي موشي... تبقى هذه الصورة وغيرها كرمز لتقديرنا وتثميننا لنضال المنظمة الآثورية الديموقراطية... ومن خلالها نبعث تحياتنا الخالصة لهم.



45
ويستمر العروبوي بإختراعاته!!!:

الدولة العربية الإرامية الكلدانية (مملكة بابل الحديثة: 612- 539 ق.م.)!!!
========================================
من سخرية الإقدار أن ينظر إلينا مضطهدينا واعداءنا كأمة واحدة متوحدة لا يفرقها فارق ويمارسون سياستهم تجاه جميع أبناء أمتنا بالتساوي من دون تميير ديني أو طائفي أو عشائري أو قريوي في حين ننظر نحن إلى إنفسنا كملل وشلل وقرى وعشائر وتسميات متفرقة غير متوحدة  وتعمل لا بل تناضل أحزابنا ومنظماتنا على هذا المنوال التقسيمي وبالتالي نصل إلى لا شيء. .. هكذا كان الحال مع المستبد العثماني عندما لم يكن يفرق بين الأرمني والآشوري أو السرياني أو الكلدني فجميعهم بالنسبة إليه كانوا "روث كريه الرائحة" كما قال أحد قادة العثمانيين أثناء مذابح الأرمن عندما سأله أحد المبشرين لماذا تذبح الآشوريين بينما الفرمان هو ضد الأرمن، فقال "أنا لا أفرق بين الروث الرطب والروث الجاف فكلاهما ثورث كريه الرائحة!!!. وبعد قرن ونيف من الزمن يأتي داعش الإجرامي ليوحد جميع أبناء أمتنا تحت سطوة سيفه الغدار ويقتل هذا وذاك ويدمر هذه الكنيسة وتلك من دون أي تفرقة تذكر فيما إذا كانت كنيسة كلدانية أو سريانية أو آشورية فكلهم عنده ممهورين بـحرف (ن). وعندما يتجاوز "الجلاوزة" ويحتلوا أراضينا في موطن أبائنا وأجدادنا، ليس المهم بالنسبة لهم فيما إذا كانت أرض كلدانية أو سريانية أو آشورية بل المهم هو أنها أراض جاهزة على مائدتهم لبلعها وهضمها. وحتى "مهزلة" الكوتا المخصصة للمسيحيين ليست إلا وسيلة أخرى لإفتراس أبسط حقوق المسيحيين سواء أكانوا كلداناً أو سريانا أو أشوريين فالكل هدف لأذناب الذئاب الكبار للقيام بالمهمة نيابة عنهم. وأخيراً وليس آخراً، أليس القوانين المجحفة بحق كل المسيحيين في العراق ومنها أسلمة الأطفال وسيلة أخرى من وسائل الذي ينظر إلى شعبنا كوحدة واحدة قابلة لإمحاء وجوده القومي والكنسي من الأرض التي أرتوت بدماء أبنائهم وأجددهم. من هنا نقول بأن الوسيلة قد تختلف وتعدد سواء أكانت بالسيف أو بسلب الأراض أو بالقانون أو بالسلوكيات السياسية فإن جميعها تلتقي وتتفق في أعتبار كل المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين لقمة واحدة لأفواهم النتنة. وها هنا يعود العروبوي محمد بهجت قبيسي ليبلع الكلدان في معدته العروبوية بعد أن بلع الآشوريين في كتابه الأكراد والنبي والذي سبق وأن تم تشريح مفاهيمه العروبوية في موضوع سابق لنا نشرهفي موقع عنكاوه، أنظر الرابط أدناه: 
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=962918.0

يهلوس العروبوي محمد بهجت فيخترع  "حكم عربي أرامي كلداني"، والأنكى من كل هذا فهو لا يكتفي بالمرجع الذي أعتمد عليه: أطلس التاريخ العربي الإسلامي لشوقي أبو خليل، بل يزيد في مد الحكم العربي الأرامي الكلداني إلى يثرب ويحرف الخريطة مؤكداً ذلك بقلمه عندما يشير إلى الخريطة الأصلية ويضيف عليها بقوله "مع زيادة للمؤلف (محمد بهجت قبيسي) في مد الحدود إلى يثرب" ويرسم الخريطة كما تشتهي عروبويته، حيث يقول وصل نبو نيد الملك العربي الأرامي الكلداني ويتخذ من دومة الجندل عاصمة له!!!! – عجيب غريب في هذه الهلوسة وتحريف التاريخ والأسماء والخرائط.  أنظر الخريطة في أدناه:

============================================

طبعاً... يتابع نفس غاية غيره من "البلاعين" لحقوق أمتنا عندما يشملهم جميعهم بوحدة واحدة من دون تفريق بين كلداني أو آشوري، فها هو لم يستثنى السريان من "الوحدة" في كتابه المليئ بالهلوس والدجل والأوهام. فهو من جهة أراد في هجومه على الأكراد تكحيل عيون السريان فيما يخص "أرض كردستان" فيقول في رده "مع ذلك بقى العرب الأراميون والعدنانيون (النصارى المتمثلين بالسريان) أصحاب هذه الأرض متمسكن بأرضهم ولو أن عمل الدول الكبرى بما فيها الدولة العثمانية قد أستعملوا الأكراد لضرب العرب السريان... وهذه حقيقة تاريخية نشير إليها للإعتراف بحق أناء عمومتنا العرب السريان ص 123). من النسخة الألكترونية للكتاب. لماذا السريان هم عرب عند هذا المخترع المهلوس هو بإعتقاده بأنهم من قبائل عربية مثل طي وتغلب (ص 89). صحيح هو أن بعض العرب منهم الغساسنة كانوا ينتمون إلى الكنيسة السريانية الآرذوكسية ولكن هذا المخترع في تزيفه لأصل السريان يأخذ الغساسنة الذين لم يبقى لهم وجود بعد ذوبانهم في البوتقة العربية الإسلامية ليعممهم على بقية السريان... لقد سبق وأن ذكرنا أن حبل الكذب قصير ولكن كلا وألف كلا فأن حبل الكذب عند الفيلسوف العروبوي محمد بهت قبيسي هو طويل جدا ولا يمكن ملاحقه وإلا سنضيع ساعات أن لم تكن أيام من عمرنا حتى نصل إلى نهاية هذا الحبل. فأكتفي بهذا القدر. والله يكون في عون أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية.

 



46
عروبوي يخترع:
"الدولة العربية الآشورية" !!!
==================
جائزة نوبل للإختراع:
تشير سجلات لجنة جائزة نوبل بأنه منذ تأسيسها في عام 1902، نال اليهود ومن أصول يهودية على 148 جائزة في مختلف المجالات، أي بما يقارب 20% رغم أن عدد اليهود لا يزيد على 0.2% من سكان العالم. بينما العرب أو من أصول عربية الذين يشكلون 4% من سكان العالم  فقد نالوا على 8 جوائز فقط. هذا الإختلال الفاضح بين اليهود والعرب لا يقلل من نسبته الكبيرة في الجوائز إلا قيام لجنة جائزة نوبل بتأسيس جائزة للإختراع ومنحها للإستاذ الدكتور محمد بهجت قبيسي كسابقة تاريخية في تاريخ جوائز نوبل، لا بل كمزور ومزيف في تاريخ البشرية. فمن هو هذا الإستاذ:

محمد بهجت قبيسي:
 الدكتور محمد بهجب القبيسي، في بعض الإحيان يرد كـ (الكبيسي)، هو من مواليد دمشق عام 1940 أستاذ في جامعة دمشق، حاصل على دكتوراه في تاريخ اللغة وهو عضو اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة والمنسق العام لاتحاد الاثاريين العرب في سورية ورئيس مجلس ادارة مؤسسة شمال للدراسات اللغوية والتاريخية وعضو مجلس امناء مؤسسة القدس الدولية ومن مؤلفاته سلسلة التاريخ العربي وكتب القواميس الارامي والاجاريتي والكنعاني وعلم الدلالة ولغة مقارنة بين الآرامية ولهجة معلولا ونقش البرازيل الكنعاني ومؤلفات اخرى كثيرة. ولعل أكثر الكتب أثارة، الذي هو موضوعنا، هو كتاب "الأكراد والنبي – دراسة في تاريخ الأكراد وجغرافيتهم، الذي صدر بعدة طبعات وفي فترات مختلفة.

  كتاب الأكراد والنبي – دراسة في تاريخ الأكراد وجغرافيتهم:

في هذا الكتاب يبحث الإستاذ الكبير في التزوير والهلوسة، يبحث في أصول وتاريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط بحيث لا يترك لا شاردة ولا واردة إلا وأن يجعل كل شعوب هذه المنطقة من دون أصل أو لغة أو تاريخ أو وطن سواء عن طريق جعلهم بدون تاريخ أو بدمجهم في الأمة العربية. بشكل عام يصب فيه جام عروبويته على الأكراد ويجعلهم بدون وطن أو تاريخ وحتى بدون أصل معروف، وهو الكتاب الذي أثار "غضب" وحفيظة بعض الأكراد فهاجموه بشدة وأعتبروا المؤلف من أشد العروبوين في تزيف التاريخ وأعتبروا الكذب والخداع والتدليس أساس هذا الكتاب. وكان في مقدمتهم الكاتب والمؤرخ والإستاذ والبروفيسور الكوردي محمد محمود المندلاوي.... ويالاها من سخرية الأقدار، متطرف كوردي ومزيف للتاريخ الذي بلع كل "الطوائف المسيحية من الكلدان والأرمن والأثوريين وجعلهم من أصل الكورد" في كتابه "تاريخ وحضارة الكورد" والذي تعرضنا له  في مقالتها تحت عنوان " كاتب وصحفي وباحث ومؤرخ وبروفيسور كوردي لا يجيد حتى " كذب مصفط " !!! الذي نشر في موقع عنكاوه، أنظر الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=920253.0
هكذا تتصارع وتتقاتل الذئاب الجائعة من أجل لقمة من هنا وهناك حتى يملئون بطونهم، أو بعبارة أوضح، هكذا يتناطح المتعصبون "الحفاة" من أية حضارة إنسانية بناءة من أجل سرقة حضارات الشعوب الحضارية، خاصة الحضارة العريقة والمعروفة كالحضارة الآشورية الغنية التي أعطت للإنسانية كثير الكثير والتي أصبحت موضع أطماع  هؤلاء "الحفاة".

نموضح فاضح في التزيف والتحريف:
من إختراعات العروبوي محمد بهجت قبيسي هو إختراع عيد للعرب. فيقول: "سنحتفل بتاريخ 10 تشرين أول بالذكرى السنوية ألـ (4353) سنة على عيد العرب، فما دام هناك عيد للأكراد تاريخ 2630 سنة، وما دام هناك عيد للآشوريين (العرب!!!) تاريخ 3816 سنة فيجب أن يكون للعرب عيد أيضاً..." ... نكته عروبوية مضحكة ومبكية في عين الوقت أن يجعل للعرب عيد أقدم من عيد الآشوريين. أفهل أحد في هذا العالم سمع بهذا العيد أو أحتفل العرب به ،لا بل ونتسائل: أفهل المخترع محمد بهجت قبيسي نفسه يحتفل سنوياً بهذا العيد؟ أم هو ذكره لمجرد إضحاك الناس عليه. أما بالنسبة لموطن العرب فيحددها من منابع دجلة والفرات شمالاً، وحتى جبال زغروس شرق العراق شرقا، وبحر العرب جنوبا... فهو يرى بأن "كردستان" (العراقية والتركية والسورية) هي عربية منذ فجر التاريخ !!! وبالتالي  فهو نهم إلى درجة بلع الكثير من الشعوب التاريخية الحضارية في معدة العرب، مثل الأكديين والأموريين والآشوريين والأراميين والكلدانين والفينقيين وصولا إلى الأمازيغ في الغرب من القارة الأفريقية. وفق كل هذا وذاك يجب أن أشير إلى إختراعه المثير للإشمئزاز في تسميته لبعض المدن والشعوب والحضارات، ومنها أسم أربيل. فهو يقول أن أسم أربيل هو عربي أكادي مركب من (أرب + ئيل = أربيل)  ثم يبدا بأرجاع مكونات هذه التسمية إلى أصول عربية. ونحن نعرف وربما كل الناس في الشرق الأوسط بما فيهم تلاميذ المدارس الإبتدائية يعرفون بأن أسم أربيل هو آشوري قديم متكون من (أربا + ئيل) أي الإٌلهة الآربعة لأنها كانت في العهد الآشوري القديم مركزاً لعبادة أربعة آلهة.

إختراع "الدولة العربية الآشورية":
من دون البحث والتجوال في الكتاب المذكور عن خزعبلات وهلوسات المخترع العروبوي وهي كثيرة جداً، فإن الذي يهمنا من هذا الكتاب هو إختراعه المدهش  للـ "الدولة العربية الآشورية" القائم على قمة التزوير والتحريف والكذب ومن دون أي وازع أدبي أو إخلاقي حيث يشير إلى بعض المصادر التاريخية المهمة ثم يحرفها بالشكل الذي يجعل الأمبراطورية الآشورية العظيمة مجرد دولة عربية. في كتابه السالف الذكر يعرض خريطة هذه "الدولة العربية الآشورية" ويعتمد على مرجعين في هذا التزوير والتخريف، الأول، هو أشهر أطلس موجز لتاريخ العالم وهو:
The Times Concise Atlas of World History وعلى صفحة 20 حيث يشير هذا الأطلس إلى خريطة نمو الإمبراطورية الآشورية نحو الجنوب والشرق وحتى إلى مصر وفي عهد عدة ملوك آشوريون مشهورون، ومن دون أية إشارة أو حتى تلميح بسيط إلى العرب ولا يوجد أي شيء يدعم كذبة في "الدولة العربية الآشورية" وفي أدنا خريطة هذه الأطلس كما هي بدون تحريفات أو إضافات.

 

===========================================
أما المرجع الثاني الذي يعتمده وأشار إليه فهو: أطلس التاريخ العربي الإسلامي، من تأليف عروبوي آخر أسمه شوقي أبو خليل وعلى الصفحة 17 حيث يعرض خريطة الدولة الآشورية ولكن على الرغم من هلوسته في القول بأن "الآشوريين قبائل عربية هاجرت إلى شمال بلاد الرافدين..." إلا أنه يذكر في المربع الأعلى للخريطة "الدولة الآشورية – 1392 – 612 ق.م. من دون ذكر "عروبة الدولة الآشورية" كما مبين في الخريطة في أدناه من الأطلس المذكور (ص 17).

 

=================================================
غير أنه وبدون وازع أدبي وعلمي يأتي العروبوي المخترع قبيسي ليزيح هذا المربع ويضع مربعه التزويري القائل بـ "الدولة العربية الآشورية"، وأكثر من هذا فيصف الملك الآشوري العظيم بـ "العربي الآشوري"!!!! فهو جرئ جدا في تزويره للحقائق عندما يعرض المرجعين أعلاه ويحرفهما بما يتماشى مع أهوائه العروبوية. هناك تساؤل بسيط جداً، فلو كان الآشوريون قبائل عربية وكانت أمبراطوريتهم عربية أليس كان بالأحرى إعتزاز العرب بهذه الحضارة العظيمة واإلإشارة إليها في قوانينهم ودساتيرهم وفي مناهج تدريسهم. أو أليس كان للعرب فخراً وإعتزازاً بملوك هذه الدولة العظيمة وأن يتسموا هم وأولادهم بأسماء هؤلاء الملوك العظام كما فعل ويفعل الآشوريون اليوم. أفهل للمخترع العروبوي أولاد أو بنات لهم أسماء مثل آشور ونينوس وسنحاريب وشميران؟؟؟ وعمري لا وألف لا. أنظر الخريطة في أدناه وفيها شروحاته التزيفية.


 =========================================================

قيل أن حبل الكذب قصير ولكن كلا وألف كلا فأن حبل الكذب عند الفيلسوف العروبوي محمد بهت قبيسي هو طويل جدا ولا يمكن ملاحقته وإلا سنضيع ساعات أن لم تكن أيام من عمرنا حتى نصل إلى نهاية هذا الحبل.... لقد سبق وكتبنا عن الفيلسوف الكوردي الذي لا يعرف "الجذب المصفط" يظهر بأن هناك أيضاً فيلسوف عروبوي لا يعرف "التزوير المصفط".... الله يكون في عون الآشوريين من سراق حضارتهم.


47
زعل مع ميخائيل ممو عمره أكثره من أربعة عقود ونصف العقد
====================================
أبرم شبيرا
كان أستاذنا الكبير وكاتبنا المبدع ميخائيل ممو من مسؤولي تحرير مجلة "المثقف الآشوري" التي كان يصدرها النادي الثقافي الآشوري في بغداد في بداية السبعينيات من القرن الماضي وكنت في حينها طالباً في  السنة الأولى لكلية القانون والسياسة  وعضوا في النادي. حاولت في حينها أن أدخل عالم الكتابة والتأليف فطرأت لي فكرة كتابة موضوع في السياسة ونشره في مجلة المثقف الآشوري. وفعلاً كتبت موضوعا بعنوان "مفهوم الديموقراطية وتطبيقاتها الواقعية" معتمدا على بعض المصادر، أن لم يكن في معظمه "سرقة" من هذا الكتاب أو ذاك، الذي كان ضمن مناهج التدريس في الكلية. كان الموضوع طويلاً ومتكون من عدة صفحات ظاناً بأن إطالة الموضوع سيزيده علماً وهيبةً. قضيت عدة أيام أدقق فيه من جوانب عديدة حتى أضمن سلامة قبوله من قبل فطاحلة الفكر والآدب والثقافة الذين كانوا يديرون ويشرفون على المجلة، ثم بعد ذلك سلمته إلى هيئة تحرير المجلة واثقاً بأنه سينشر فيها. بعد بضعة أيام ألتقاني  أستاذنا الكبير ميخائيل ممو في النادي وفي يده الموضوع الذي كتبته وحالما كشفه لي وجدت أوراقي مدمية بدماء حمراء وكأنها خارجة من حرب ضروس خاسرة بحيث لم يخلو ولا سطر من التصحيحات بقلمه الأحمر وبدت كأنها لوحة سريالية لم أفهم منها شيئاً ولم أتقن أسلوب نقده للموضوع.  فبعد الإطلاع على جروح الموضوع ومناقشات وإرشادات الأستاذ لتلميذه ختمها أستاذنا الكبير بكلمة واحد قائلا "الموضوع غير صالح إطلاقاً لنشره في المجلة ولا تتعب حالك في تصحيحه" فكانت كلماته بالنسبة لي كضربة المعلم لتلميذ فاشل وفي قرار نفسي زعلت زعلاً مؤلماً دفنته في كوامني الداخلية، ولكن للحق أقول بأنه كان درسا مفيداً لي في الإستمرار والتواصل في الكتابة.
منذ تلك الفترة عرفت أستاذنا الكبير ميخائيل وأستمرت معرفتنا في العمل سوية في النادي الثقافي الآشوري لا بل كان سندا لي في بعض الأعمال الفكرية والثقافية وحتى الأكاديمية. ففي مرحلة الدراسات العليا والبدء بكتابة أطروحتي في الماجستير وجدت في كتابه المعنون (ماهو البحث وكيف تكتبه – 1968) الذي أهداني نسخة منه، وجدت فيه مرشداً ممتازا في البحث بمنهجية علمية في أطروحتي الجامعية. أستمرت علاقتنا وتواصلت حتى في المهجر حيث ألتقينا في الكثير من الأحيان بمناسبات ثقافية وإحتفالات قومية وكان آخرها لقائنا في الصيف الماضي في شيكاغو ولا أخفي وأقول بأنه في بعض الأحيان كان "يوخنا جوجانا" رفيقاً مسلياً لنا يزيد من متعة هذه اللقاءات ويفتح شهيتنا للحديث في المسائل القومية المشتركة ويشحن ذكرياتنا الماضية سواء في النادي الثقافي الآشوري أو في مناسبات أخرى جميلة مرة علينا خلال العقود الماضية.
عندما كتبت كتابي المعنون (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإلإنجازات – 1970 – 1980) كتبته رغم شحة المصادر والمعلومات عن النادي وأنا في لندن وما ذكرت فيه هو مجرد جزء بسيط جداً من هذه التحديات والإنجازات، ولعل تعتبر صدور مجلة المثقف الآشوري جزء مهم ومثير من هذه التحديات والإنجازات والتي كان كتابنا الكبير ميخائيل بطلها التراجيدي فيها. الموارد المالية مصدر أساسي بل هي أكسير الحياة لصدور وإستمرار أية مجلة. كان الإشتراك السنوي للمجلة 250 فلسا، أي أقل من دولار أمريكي واحد، لكن المصدر الأساسي لتمويل المجلة كان الوارد الذي يأتي من حفلة رأس السنة والذي كان يقدر بحدود 1000 دينار عراقي وتستهلك المجلة بحدود 500-700 دينار منه لكل عدد. كانت أيضا وزارة الإعلام تمنح بعض الإعلانات لنشرها في المجلة لغرض مساعدتها مالياً، كما كان الحال مع غيرها من المجلات، غير أنه بعد فترة أنقطعت هذه المساعدات حيث وجدت السلطات الرسمية عدم جدوى من مساعدة المجلة طالما لا تتماشى مع سياسة حزب البعث. ثم كانت الكوادر الصحفية المتمرسة ورقابة المطبوعات والطباعة والنشر والتوزيع كلها تحديات صعبة ولكن تمكن النادي من تجاوزها وتحقيق إنجازات تعتبر تاريخية في سياقها الزمني والمكاني، وكان ميخائيل فارساً من فرسان هذه التحديات والإنجازات خاصة الأصعب منها والتي أنخرط ميخائيل فيها بشكل مباشر وواجه أصعب التحديات منها طباعة المجلة  ونشرها وعلاقة ذلك بالجهات الأمنية. وإليكم هذا الحدث من هذه التحديات والإنجازات:
كانت المجلة تطبع في مطبعة "تايمز" في منطقة السنك في بداية شارع الرشيد على النمط القديم في تصفيف الحروف الرصاصية، أما قسم اللغة الآشورية فكان إما يكتب باليد وبخط جميل ثم في السنوات اللاحقة تم طباعته في المطبعة. بعد الطباعة كان يتطلب أخذ الصفحات إلى محلات "الوراقيين" لربط الصفحات وتلزيمها وتكبيسها ليكتمل شكل المجلة. كان جميع هذه المحلات موجودة في الأزقة الضيقة المتفرعة من شارع الرشيد بحيث لم يكن بالإمكان دخول السيارات فيها، بل كانت تنقل المواد في عربات صغيرة تدفع باليد. وذات يوم وبعد الإنتهاء من طباعة صفحات المجلة بقسميها العربي والآشوري حملها ميخائيل في عربة صغير وبدأ يدفعها في شارع الرشيد نحو أحدى محلات الوراقيين، فما كان إلا أن هبت رياح قوية فتطايرت أوراق المجلة من العربة على رصيف شارع الرشيد ثم بدأ ميخائيل وهو في حالة مرتبكة ومحرجة بجمع الأوراق بين أرجل المارة لوضعها في العربة غير أنه أستبشر خيراً عندما وجد شخص آخر يساعده في جمع الأوراق فعرف نفسه بأنه من رجال الأمن وبعد إطلاعه على أوراق القسم الآشورية أتهم ميخائيل بأنه يوزع مناشير يهودية وباللغة العبرية غير أن ميخائيل بذل قصار جهده لإقناعه بأن اللغة هي آشورية لمجلة المثقف الآشوري المجازة من قبل وزارة الإعلام وليست عبرية. رجل الأمن لم يقتنع لأنه بالأساس لم يكن يعرف بأن هناك لغة آشورية أو مجلة بأسم المثقف الآشوري، فما كان منه إلا أن أتصل بمسؤوله في مديرية الأمن العامة ليبلغه عن رجل يوزع مناشير يهودية في شارع الرشيد، فبدأ سلسلة الإتصالات والتحقيقات مع الجهات المعنية للوصول إلى حقيقة هذه اللغة والمجلة حتى توصلوا إلى قناعة للإفراج عن ميخائيل وعن صفحات المجلة لترى النور فيما بعد وكل ذلك بفضل ميخائيل الذي لم يكن محرر المجلة وىا أداريها ولا مدققها ولا متابعها بل للحق أقول كان "حمالا" – مع الإعتذار لهذه الكلمة – للمثقف الآشوري حيث كان يحملها بين يديه وينقلها من مكان إلى مكان وفي كثير من الأحيان شاهدته شخصيا يحمل نسخ كثير من المجلة بيده وينقلها من سيارة "بيكاب" إلى داخل النادي. هذه رواية من روايات التحديات والإنجازات للنادي الثقافي الآشوري والتي كان ميخائيل وغيره العشرات من فرسان هذه المسيرة الطويلة التي أنجبت خيرة مثقفي وكتاب وسياسي أمتنا.
وأخيراً حتى أعطي للقارئ بعض من سيرة ميخائيل الذاتية أعيد نشر السطور التي كتبتها عن أدباء النادي الثقافي الآشوري في كتابي المذكور، (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980 – طبع في مطبعة ألفا غرافيك، شيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1993. الفصل الخامس (ص 79 – 94) – عنوان أدباء النادي الثقافي الآشوري  ومنهم طبعاً ميخائيل، جاء فيه:
كان من الطبيعي جداً أن يعكس النادي هويته الثقافية في مجال الأدب وبشكل أكثر بروزا عن غيره من النشاطات الأخرى التي قام بها النادي طيلة عشر سنوات من مسيرته طالما أخذ على عاتقه مهمة إبراز الأدب الآشوري وإحيائه بشكل أكثر تطوراً وإنسجاما مع تطور المجتمع. فالمهرجانات الشعرية والآماسي الأدبية والحلقات اللغوية وإصدار النشرات والمجلات الأدبية تعني ضرورة وجود أدباء بالمستوى الرفيع لإنجاح مثل هذه النشاطات ... من هذا المنطلق، أصبح النادي مدرسة أدبية، أن صح التعبير، لخلق وصقل مواهب شابة وجديدة وساحة رحبة لكل الأدباء الآشوريين لإبراز نتجاتهم الأدبية وإبداعاتهم المتميزة... فأرتبطت أسماء الكثير من الأدباء الآشوريين بالنادي وبنشاطاته الأدبية. وإجلالا لكل الأدباء الذين ساهموا بنتاجاتهم الأدبية في نشاطات النادي وتفاعلوا معها كجبهة أدبية وثقافية واحدة من دون تمييز أحد عن الآخر، ادرجت بعضهم في الكتاب كأدباء الناي.
القد حاولنا، وأنا في بلد المهجر، أن اجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن أكبر عدد ممكن من أدباء النادي، فإضطررت أن نذكر بعضهم طبقاً للمعلومات المتوفرة عنهم وإعتبارهم كرموز لغيرهم من الأدباء الآشوريين من دون تفضيل أديب على آخر إطلاقا... وفي حينها ذكرت الأدباء الأجلاء كل من المرحوم إيشو القس عوديشو، المرحوم منصور روئيل زكريا (عضو فخري)، المرحوم زيا نمرود كانون، عوديشو ملكوم كيوركيس، المرحوم إختير بنيامين موشي (عضو فخري)، يوسف نمرود كانون، كوريال شمعون زيانو، أوراهم يلدا أوراهم، نينوس أندريوس يوسف (نيراري)، جورج أويا أرخيوام، وشملت الأسماء الأديب الكبير ميخائيل مروكل ممو، وهذه بعض السطور عنه التي توفرت لدينا في حينها:
•   ولد الأديب الآشوري ميخائيل مروكل ممو في عام 1947 (ماشاءالله بعدك شباب) في الحبانية وأنهى دراسته الإبتدائية والمتوسطة والثانوية فيها وتخرج عام1969 من معهد إعداد المعلمين فعمل منذ ذلك التاريخ في سلك التعليم مبتدئا بمدينة البصرة حتى أنتهى به المطاف في مدينة بغداد.
•   في مراحل دراسته أكتسب قابلية فذة في التعبير الأدبي والصحفي بإعتماده على النفس والمطالعة المستمرة مما أهله لدخول معترك الصحافة، فأشرف على تحرير صفحة الجامعة بجريدة الجنوب بين عامي 1966-1967 التي كانت تصدر في البصرة.
•   عمل بشكل دؤوب وفعال في بعض المؤسسات الثقافية والأندية الآشورية. فبعد إنتسابه إلى النادي الثقافي الآشوري عام 1971 عمل مع بقية زملاءه لإستحصال الموافقة الرسمية لإصدار مجلة المثقف الآشوري ثم كرس جلً جهده ووقته للعمل في تحرير ومتابعة صدور هذه المجلة، فعمل كسكرتير ثم كضو في هيئة تحريرها.
•   تولى في النادي مسؤوليات عديدة منها عضو في الهيئة الإدارية وفي لجنة التحرير والنشر كما كان من مؤسسي لجنة أصدقاء الأدب الآشوري، فشارك في الكثير من النشاطات الأدبية والمهرجانات الشعرية والمناظرات الثقافية، كما كتب ونشر العديد من القصص القصيرة والمقالات والبحوث الأخرى، وله كتب منشورة منها (ماهو البحث وكيف تكتبه – 1968) و (في رياض الشعر – 1976) كما له مخطوطات تنتظر النشر منها (موسم الرؤيا والفجر – شعر) و (بلا عنوان – مجموعة مقالات) و (في رياض الشعر والأدب – الجزء الثاني).
•   عمل خارج إطار النادي كسكرتير للهيئة المؤسسة لإتحاد الأدباء والكتاب للـ "الناطقين بالسريانية" ثم عضو في هيئته الإدارية كما عمل كسكرتير لنادي المجتمع الآشوري في منطقة الدورة ببغداد وشارك في الإعداد لبعض البرامج الثقافية لإذاعة وتلفزيون القسم "السرياني" في بغداد وكركوك.
•   وجد في المهجر درباً له، فواصل نشاطاته الأدبية والفكرية من هناك دون ملل وكلل.
==================================================
هذا جزء من مما عرفناه عن أديبنا ومفكرنا ميخائيل مروكل ممو.... أستعد وقم وأنهض يا صديقي العتيد لنلتقي هذه المرة ليس مع "يوخنا جوجانا" بل هناك حدث تاريخي مهم ينتظرك، فهئ نفسك وأمتطي فارسك لتنطلق نحو هذا الحدث الذي سيقام في وطننا العزيز بمناسبة نصف قرن على تأسيس النادي الثقافي الآشوري (أيلول 1970 – أيلول 2020) لتكون فارساً من فرسانه إلى جانب بقية فرسان النادي الثقافي الآشوري.
=================================================
صور مستلة من كتابي (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 - 1980)
في الصورة الثانية يظهر ميخائيل ممو الرابع من اليمين

 

48
لقاء زوعا و المجلس وبيت نهرين... ثم ماذا بعد؟
=============================

أبرم شبيرا
اللقاء الحزبي الثلاثي:
------------

بتاريخ 18 أيلول 2019 أستقبل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وفد من قيادة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في مقر المجلس في عنكاوه – أربيل، أنظر الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=949777.0

ثم بتاريخ 23/10/2019 ألتقى وفد من حزب بيت نهرين الديموقراطي (ﮔبًا) بالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في مقرها في عنكاوه – أربيل، أنظر الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=954389.0
 والإشارة هنا تقتضي بأنه كان هناك أيضا بعض اللقاءات بين هذه "الأحزاب" وغيرهم سواء بشكل ثناني أو أكثر  خلال الفترات السابقة، غير أننا سنقتصر على لقاءات هذه الأحزاب الثلاثة ذلك لأن:
•   شخصياً لي إهتمام خاص بأحزابنا السياسية سواء من حيث أهميتها في مجتمعنا، خاصة الأحزاب النشطة والفاعلة، أو بسبب خلفيتي الأكاديمية.
•   من النادر أن نجد لقاءات مثل هذا النوع خاصة بين مثل هذه الأحزاب السياسية، وسبب ذلك:
•    لهم ممثلين في برلمان إقليم كوردستان سواء بشكل مباشر أو من خلال قائمة إنتخابية، وبالتالي يمكن، على الأقل، إعتبارهم رسمياً أكثر جماهيرية في مجتمعنا.
•   وهنا يستوجب التأكيد بأن هذين اللقائين ليس بين  ممثلي القوائم الفائزة في برلمان الإقليم بل هما بين ثلاث أحزاب سياسية، وهو الأمر الواضح في تفاصيل اللقائين.

المشتركات والإختلافات:
--------------

هناك بين هذه الأحزاب الثلاثة بعض المشتركات والإختلافات:
أولا: المشتركات تتمثل في  إيمانهم بأن أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين يمثلون أمة واحدة وبمقومات مشتركة، وبالتالي أحتراماً لهذه التسميات الحضارية فهم يتبنون التسمية المركبة الموحدة لشعبنا "الكلدان السريان الآشوريون" في عملهم السياسي والقومي نحو ضمان حقوق شعبنا الموحدة والمشروعة في الوطن. ونجاحهم في الوصول إلى كراسي البرلمان يدل بأن التسمية المركبة مقبولة لدى غالبية أبناء شعبنا ودليل على رغبته في النظر إلى وحدته من خلال هذه التسمية المركبة الضامنة لتحقيق الحقوق القومية المشروعة الشاملة لكل تفرعات أو تسميات شعبنا في الوطن.  إضافة إلى ذلك فأن لكل منهم  مطلب رئيسي بخصوص ضمان كيان قومي لشعبنا سواء كحكم ذاتي أو إدارة محلية أو محافظة لسهل نينوى، زد على ذلك إهتمامهم بمسألة التجاوز على أراضي شعبنا وإن أختلفوا في حجمها ومضمونها.
ثانياً: أما بالنسبة للإختلافات فهي على الأكثر مبينة على المواقف السياسية وقد ترتبط بمرحلة زمنية معينة وربما آنية وقصيرة متعلقة بحادث أو موقف معين، لنأخذ مؤتمر بروكسل مثالا على ذلك. أي بعبارة أخرى يمكن القول أنها تدور في دائرة التكتيك. ومما لا شك فيه بان هناك إختلافات سواء من حيث طبيعة ونوعية الأحزاب الثلاثة المشار إليها أو من حيث توجهاتها وسياساتها أو خطابها السياسي، إلا أنه من الضروري التأكيد بأن بعض من هذه الإختلافات لم ترتقي بعد إلى مستوى الخلافات والتناقضات، بإستثناء قليل، وقد تكون إختلافات في التفاصيل وليس في المبدأ.
ما بين الإختلافات والخلافات
-----------------

الخلافات هي توجهات مرتبطة بالفكر والإيديولوجيا التي يؤمن بها الحزب بحيث تحدد طبيعته الفكرية والسياسية، أي بعبارة أخرى أنها تدور في دائرة الإستراتيجيا، ولها القابلية للإرتقاء إلى دائرة التناقضات. وبالنظر لكوننا أمة صغيرة وحديث العهد في السياسة وفيها تناقضات فكرية قليلة أو سطحية ليس لها أي نوع من العمق الفكري والأيديولوجي، بإستثناء المسائل الكنسية والطائفية، فإننا نؤكد، كما أكدنا في السابق، بأن معظم الإختلافات بين أحزابنا السياسية لا ترتقي إلى خلافات أيديولوجية وتناقضات فكرية، بل هي خلافات تكتيكية مرتبطة بموقف أو حدث معين. وحتى لو أخذنا منظمة كلدو آشور التابعة للحزب الشيوعي الكوردستاني نرى بأن توجهاتها فيما يخص حقوق شعبنا في الوطن تتمشى أو تتماثل أو هي تقريباً نفسها التي تتبناها أحزابنا السياسية ولا تحمل في وجهها خلافات. وبالمناسبة أن الحزب الشيوعي الكوردستاني، هو الحزب الوحيد بين جميع الأحزاب العراقية الذي له منظمة تخص شعبنا وتشارك في بعض النشاطات التي تقوم بها أحزابنا السياسية، لا بل كانت منظمة كلدو آشور عضواً في تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، رحمه الله، وهذا ليس أمراً غريباً بالنسبة لحزب شيوعي أممي وأن لبس لباس الكوردستانية، فله توجهات وسياسات تجاه الأقليات القومية.
 هنا من الضروري أن نعرف معرفة جيدة وناضجة وفكرية وسياسية بأن  التراكمات، لنقل تراكم الإختلافات وإستمراريتها سوف تؤدي لا محال إلى تغييرات نوعية، أي بعبارة أخرى أن إستمرار الإختلافات وتواترها سوف تؤدي إلى تغييرات نوعية تظهر في الخلافات ومن ثم أستمرار وتواتر الخلافات لا محال سوف تؤدي إلى تناقضات. وبتراكم هذه التناقضات وتواترها ومن دون البحث وإيجاد حلول لها سوف يتأزم الوضع ويحط المجتمع على مسار التخلف والعجز عن مواكبة التطور المطلوب لكل مجتمع ، وهو الأمر الذي شاهدناه في وضعنا القومي والسياسي عبر سنوات طويلة ونشاهد بعض جوانب هذه التراكمات في هذا الأيام أيضا.   
وإذا كان أمر الإختلافات بين هذه الأحزاب الثلاث المشار إليها، حالة صحية طبيعية لا غبار عليها طالما بقت ضمن إطارها التكتيكي الآني المرتبط بحدث معين أو سياسة محدودة،  فإن المشكلة تبقى في الخلافات القائمة في تفاصيل هذه الإختلافات أو في شكلها أو حجمها أو طبيعتها السياسية والقانونية، والأمثلة في سياق الخلافات نجدها في شكل أو نوع الكيان القومي المطالب به، كالحكم الذاتي أو الاإدارة الذاتية أو محافظة في سهل نينوى ضمن دولة العراق أم ضمن الإقليم، وهنا نقول مع المثل القائل "الشيطان يكمن في التفاصيل". وهي التفاصيل التي يخشى عليها أن ترتقي إلى تناقضات صعبة الحلول، وهو الأمر الذي ظهرت بوادره في الماضي ونلمس بعضها في هذه الأيام.

أين يكمن مصدر الخلافات:
---------------

المصراحة بالحقيقة أمر ضروري لكل مجتمع يبنى عليها مسار تطوره خاصة في المسائل السياسية وبالتحديد في التحالفات والإتفاقيات الحزبية، وبعكس ذلك، أي إخفاء الحقيقة والتستر عليها أمر لا محال سيعيق أو يُفشل أي تقدم أو تطور أو الثبات في العلاقات السياسية والحزبية. من هنا يستوجب علينا ونحن نبحث عن هذه الحقيقة "الحزبية" لهذه الأحزاب الثلاث ونصارح بها، نبداً أولاً بـ :

حزب بيت نهرين الديموقراطي (ﮔبًا): وهو الحزب الذي تأسس في المهجر، في شيكاغو - الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي يظهر منه بأن حزب عتيد ومستمر منذ تلك الفترة، إلا أنه لم يكن حزباً بالمعنى الصحيح والعلمي لهذه الكلمة بل كان أكثر ما يكون هو منظمة نخبوية محصورة في بعض الشخصيات المعروفة في المجتمع الآشوري لم يلمس شعبنا، خاصة في الوطن، أي بوادر نافعة منه عدا بعض النشاطات الإجتماعية والإعلامية في المهجر. غير أنه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي  وظهور بوادر لهامش ديمقراطي في الإقليم الكوردستاني ظهر له وجود ملموس في الإقليم وبمساندة ودعم من الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي). وقد يكون ذلك للأسباب، أما (اولا): لغرض توسيع المجال الديموقراطي في الساحة الآشورية وإظهار للعالم بأن السلطات المختصة في الإقليم، وهي في بداية عهدها الشبه المستقل، ضامنة لحقوق الأقليات. أو (ثانيا): لمزاحمة أو منافسة أو حتى محاربة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) التي كانت الفاعل الرئيسي والوحيد على الساحة السياسية الآشورية وفازت بأربعة مقاعد من خمسة  في برلمان الإقليم في أول إنتخابات برلمانية عام 1992. غير أنه لم تكن المسافة الشاسعة والبعيد بين شيكاغو وأربيل فحسب بل أيضا بمدى الإرتباط بأرض الوطن والعمل ضمن شعبنا والإحساس بمعاناته وإحتياجاته  كلها عوامل جعلت من (ﮔبًا) أن يتكثف وجوده في الوطن وتنحصر قيادته شيئاً فشيئاً في شخصيات من أبناء مجتمعنا في الوطن وبالتالي بدأت بوادر التباعد، ولنقل الإنشقاقات في الحزب خاصة بين المهجر والوطن والإبتعاد عن قيادته العتيدة وظهور قيادات "وطنية" ولدت وعاشت وعملت على أرض الوطن، وبالتالي يمكن القول بأن الحزب أصبح عراقياً مائة بالمائة ولا صلة له بالمهجر إلا بفرع أو فرعين له (هكذا) أو ببعض الشخصيات أو الجمعيات في المناطق الأكثر تجمعاً لشعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه إيفاءا برد الدين أو الوفاء للبارتي الذي ساند ودعم (ﮔبًا) تأصلت علاقات وثيقة بينهما إلى درجة ظهر كأن (ﮔبًا) يسير على نهج البارتي في سياسته الخاصة تجاه شعبنا، وما تحالفه مع بعض الكيانات المصنوعة من قبل البارتي وبالتالي الفوز بثلاث مقاعد في البرلمان الكوردستاني إلا دليل واضح من بين الكثير من الأدلة خلال السنوات القليلة الماضية.

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا): بعيدا عن الإعتبارات الشخصية والفكرية فأن زوعا وبكل المقايس العلمية والموضوعية المعروفة في علم السياسة تعتبر حزباً سياسياً بكل المعنى الكلمة سواء من حيث كيفية تأسيسه أو هيكليته أو مؤتمراته أو جماهيريته وحتى من حيث إستقلايته الفكرية، أن صح التعبير. حيث أستطاع منذ فترة تأسيسه عام 1979 أن يعمل (مع)  وليس (لـلـ) الأحزاب العراقية ووفق مفهوم العمل مع وليس للـ، كأسلوب لإستقلالية العمل السياسي من جهة والتعاون والتحالف مع الأحزاب الأخرى من جهة أخرى ولكن من غير الخضوع لهم أو السير على خط سياستهم. وقد يمكن أعتبار تحالفه مع الأحزاب الأخرى ضمن "الجبهة الكوردستانية" في التسعينيات القرن الماضي غير مثال على نجاحه في هذا السياق وتحقيق بعض الإنجازات. فمن خلال متابعتي المستمرة والثاقبة لسياسة زوعا وعملها على الساحة السياسة نرى بأنها أحتفظت بإستقلالية قرارها بشكل مستمر غير أنه يظهر بأن صلابة إستقلاليتها، كمنهج إستراتيجي غير قابل للتنازل، جعلها أن تبتعد أو تغيب نوع ما عن منهج التكتيك في التحالف مع أحزاب شعبنا أو غيرها من الأحزاب، وبالأخص الأحزاب السياسية الفاعلة على ساحة الإقليم الكوردستاني، لأن هذا الإقليم، قبلنا تسميته أو رفضنا، رضينا بأحزابه أم لا، فأنه يشكل بالنسبة لشعبنا ولأحزابه السياسية الساحة الحقيقية والمثالية والموضوعية للعمل السياسي والقومي أكثر بكثير من غيره من المناطق العراقية الأخرى وأحزابها السياسية. لماذا أنعقدت الأحزاب الثلاثة المذكورة لقاءاتها في عنكاوه وليس في تل محمد أو دوره في بغداد أو في الناصرية أو البصرة؟ . أليس الإقليم هو آشور الذي نتغنى به ليل نهار؟ وحتى للذين ينفخون في قربة فارغة في تحرير آشور وهم قابعون في بيوتهم الدافئة في المهجر أليس من المفروض أن يعملوا من أرض آشور وإنتزاع حريته من الأحزاب المسيطرة عليه.
هنا نؤكد تأكيداً قاطعاً بأن إستقلالية زوعا أو أي حزب من أحزابنا السياسية وتمسكه بالفكر الإستراتيجي يجب أن لا يمنعه من أن يمارس السياسة التكتيكية التي حتما لا تتعارض مع إستراتيجيه في خدمة أبناء شعبنا في الوطن أو في تحالفه تكتيكياً مع الأحزاب السياسية الأخرى لأبناء شعبنا، وتجربة إنضمام زوعا إلى الجبهة الكوردستانية في بداية التسعينيات والتي كانت تضم أحزاب عراقية مختلفة من جوانب سياسية قومية ودينية وإجتماعية وثقافية قد تكون لزوعا نموذجا للعمل السياسي والجبهوي مع أحزابنا السياسية الأخرى، مثل (ﮔبًا) والمجلس، رغم جلوسهم تحت مظلة البارتي إلا أن هناك عوامل مشجعة ومشتركة من قومية ودينية وإجتماعية وثقافية تسهل الأمر أكثر بكثير من العمل مع الأحزاب الأخرى المختلفة عن زوعا من هذه الجوانب، خاصة عندما نلمس ونشاهد الكثير من نشاطات (ﮔبًا) والمجلس لها جوانب قومية تثير إهتمام أبناء شعبنا ويحسب لها حساب على الساحة السياسة القومية في الإقليم.   

المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس):
لا نكشف سراً في القول بأن المجلس تأسس بمبادرة أو برعاية السيد سركيس أغاجان، وزير المالية الأسبق في مجلس وزراء الإقليم السابق وكادر متقدم في البارتي. ليس هناك في كل العالم وتحديدا في مجال الأحزاب السياسية أن يقوم كادر متقدم في حزب ما بتأسيس حزب أو تنظيم أو تكتل إلا أن يكون سائراً في دائرة الحزب الذي ينتمي إليه هذا الكادر المتقدم وقد يستخدمه كأداة لتحقيق بعض سياسات حزبه. ولو تابعنا المجلس خاصة في بداية تأسيسه نرى بأنه تأسس كتجمع أو تكتل أكثر بكثير من أن يكون مجلس منتظم أو حزب سياسي. ومؤتمراته لم تكن تعدو أكثر من مهرجانات خطابية. والأنكى من هذا وذاك هو مؤتمره الذي تحول فيه إلى حزب سياسي ثم إختفاء هذا الحزب والرجوع إلى المجلس، والذي كان يدل على ضحالة أو البساطة في فهم ثقافة التنظيمات السياسية والحزبية. وليس شك في الأمر بأن البارتي أسس المجلس كمنافس أو تحدي لزوعا، في الوقت الذي كان هناك (ﮔبًا) متواجد على الساحة السياسية لشعبنا في الإقليم يقوم تقريباً بنفس الدور، مما يعكس بأن هناك نوع من التيارات أو توجهات متباينة في البارتي نفسه وهذا أمر طبيعي في الكثير من الأحزاب السياسية التي تتواجد فيها تيارات وأجنحة مختلفة، وذلك بمسعى خلق أداة لتحقيق توجهات البارتي السياسية والفكرية تجاه شعبنا. فدخول المجلس و(ﮔبًا) بقوائم مستقلة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لهو دليل قاطع على هذه التباينات والتوجهات تجاه شعبنا. ويظهر بأن تحالف (ﮔبًا) مع بعض الكيانات المصنوعة من قبل البارتي ضمنت لتحالفه ثلاث مقاعد في البرلمان الإقليمي في الوقت الذي حصل المجلس على كرسي واحد مما يعكس  قوة ونفوذ الجناح الأقرب لـ (ﮔبًا) في البارتي على الجناح الآخر الأقرب للمجلس.

الأهم في المشتركات وليس في الإختلافات:
على العموم الأمر الذي يهمنا هنا في هذه السطور ليس الإختلافات بين هذه التنظيمات الثلاث بل هو المشتركات القائمة بينهم لأنها هي أس الأساس للإنطلاق نحو تحالف أو توافق على مسائل قومية معينة ومنطقية وقابلة للتطبيق. السياسة لا تعرف المطلق لأن المطلق هو من عالم الخيال في حين السياسة هي واقع موضوعي لا بل ونسبي فيما يتعلق بنجاحها أو فشلها، أي بعبارة أخرى لها جوانبها الإيجابية والسلبية. في وقت سابق ذكرنا بأن التطور  ليس دائماً خطوات إلى الأمام بل التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء وقد تختلف عدد هذه الخطوات وطبقاً للظروف المحيطة بالمجتمع. ومن المؤسف له بأنه في كل تاريخ مجتمعنا ينظر معظم أفراده ألى الخطوات السلبية ويتجاهلون الخطوات الإيجابية، وهذا ما نشاهده في هذه الأيام التي تزخر بالتهم والتهجمات والكلام اللاذع والتحقير على حزب ما بمجرد أن خطى خطوة خاطئة أو تعثر في مسألة معينة ومن دون النظر، سواء بجهل أو قصد، إلى الخطوات الأخرى الإيجابية لهذا الحزب أو ذاك.
قادة التنظيمات الثلاث المذكورة يعرفون حق المعرفة بأن ثقة أبناء شعبنا بتنظيماته السياسية والقومية قد أنحسرت كثيرا، إن لم نقل فقدت ولم يعد تثير إهتمامهم مثلما كان في السابق. لعل السبب الرئسي في هذا الوضع قد يكمن في الظروف المأساوية الماحقة التي أحيط بها شعبنا لتضعه قبل كل شيء على مسار البحث عن لقمة العيش وضمان أمنه وسلامته ومستقبل أولاده. ولكن من جانب آخر يجب أن لا "نرش الحبر" في وجة الظروف المأساوية فحسب بل لتنظيماتنا القومية حصة من هذا "اللوم". لقد دلت التجارب السابقة: أولا: فشل وإخفاق جميع التحالفات والتفاهمات بينهم وإنفراط عقدة أي تقارب بينهم. ثانياً: غياب المسعى نحو لقاءات مثمرة بينهم أو تحالفات وسبب معظمها شخصية وتحزبية. ثالثاً: غياب العمل الجبهوي أو الجماعي على المسائل القومية حتى على تلك التي يؤمنون بها ويصرحون بها وبالتالي اللجوء إلى العمل الإنفرادي والتحزبي والذي لم يكن لخواتهه حصة أو ذرة ثقة في أبناء شعبنا، فاللهوت وراء الكراسي البرلمانية والمناصب الحكومية خير مثال على ذلك. وقد لا أكون مخطئاً في القول بأن شعبنا لم يعير أي إهتمام بلقاء التنظيمات الثلاث المذكورة، ولم نسمع أو نقرأ أي تعليق بخصوص اللقائين خاصة في الخبر الذي نشر وفيه تعابير عمومية وفقرات سياسية فضفاضة سئم شعبنا منها وملً من سماعها لأن بالنسبة له لا تعدو أن تكون غير "حجي جرايد" كما يقال. لا بل وحتى حجم صور اللقائين كان أكثر بكثير من سطور الخبر، وهي الحالة التي نشاهدها في معظم اللقاءات والإجتماعات التي تقوم بها تنظيماتنا القومية بنشر صور كثيرة، متشابهه ومتكررة، عن الحدث حتى ولو كان خبر هذا الحدث متكون من بضعة سطور، فهذا تعبير سيكولوجي لتضخيم الحدث وتعميق أهميته الذي يبقى محصوراً بين جدران القاعة أو الغرفة أو المكتب عاجز عن الخروج والولوج في عقول أبناء شعبنا.
وأخيرا:
مهما يكن، فالحياة، خاصة في مجال العمل السياسي والقومي ليس كله "عسل على الزبد" وليس كله خطوات إيجابية مطلقة أو سلبية مطلقة. فكما قلنا الإطلاق عالم من الخيال بعيد عن السياسة التي تجمع بين الخطوات الإيجابية والسلبية وعلينا نحن كقومية صغيرة تعصف بها الرياح الصفراء من كل جهة علينا التركيز والإهتمام بالخطوات الإيجابية في الوضع الراهن مهما كانت هذه الخطوات صغيرة وبسيطة لكن يمكن، لو كان قادة أحزابنا عقلاء ومنطقين، أن تأخذها كمنطلق لخطوات إيجابية أخرى قد تعيد ثقة أبناء شعبنا بأحزابه السياسية. من هذا المنطلق نرى بأن اللقائين بين التنظيمات الثلاث المذكورة خطوة شكلية بسيطة يمكن الإعتماد عليها للإنطلاق نحو خطوات أخرى وهذه المهمة يجب أن لا تنتهي بإنتهاء الإجتماع بل من الضروري أن يكون لها تواصل وإستمرار وبإجتماعات أخرى أكثر منطقية وبعيدة عن المجاملات والشكليات والصور والسعي لتحقيق المشتركات الممكنة بينهم وتجنب الركض وراء الأماني غير الممكنة في الوقت الراهن. لذا أقترح في هذا السياق عقد لقاء.. لقاء بين قادة التنظيمات الثلاث السيد يونادم كنا والسيد روميو حيكاري والسيد جميل زيتو حتى ولو كان على طاولة "ستكان جاي" لعل يتناثر من هذا اللقاء بعض ذرات الثقة يشم منها أبناء شعبنا رائحتها في بإمكانية تحقيق بعض الإنجازات حتى ولو كانت بسيطة، وقد يفتح مثل هذا اللقاء الباب مشرعاً أمام غيرهم من تنظيمات وأحزاب شعبنا للمشاركة في مثل هذه اللقاءات.
مهلاً ... مهلاً... قد يقول أحد القراء الكرام كيف لزوعا المستقل قومياً وتنظيمياً أن يعمل مع (ﮔبًا) والمجلس وهما جالسون تحت مظلة البارتي ولا يحاول العمل مع أحزابنا المستقلة الأخرى؟؟؟ فالجواب نجده في الواقع المعايش، فزوعا حاول العمل مع هذه الأحزاب المستقلة ولكن المصالح الشخصية كانت السيف البتار في القضاء على أي محاولة عمل معها ولا يمكن إزالة هذه المصالح إلا بإزالة الشخص المعني. أما العمل مع الأحزاب الأخرى فعامل الإختلاف أو الخلاف يكمن في المسائل السياسية والتي قد تخضع للمناقشة والأخذ والعطاء وقد تصل إلى نتيجة ما. من هنا رأينا بأن اللقاء الثلاثي المذكور قد يتبرعم ويعطي ثمار خاصة ولهم ممثلين في برلمان الإقليم.
     






49
الدستور العراقي والديموقراطية والدُب والقبقاب
=================================
أبرم شبيرا
الدب والقبقاب:
---------

الدبُ والقبقاب مثل عند الآشوريين يضرب للحالات المتناقضة التي لا يمكن أن تتفق أو تتطابق، كما هو الحال مع إرتداء الدبُ للقبقاب الذي يجعل أمر  مشي أو ركض الدب مستحيلاً.  ولا أدري فيما إذا أستخدم غير الآشوريين هذا المثل لتفسير الحالات المتناقضة وصعبة الإتفاق والتطابق.

المضمون اللغوي للدستور:
---------------

عندما تفتقر لغة قومية معينة مصطلح من المصطلحات، السياسية أو القانونية، وهو الأمر الذي يعنينا في هذه السطور، أو لا تمارس مضمونه فهذا يعني بأن هذه القومية ليس لها ممارسات على أرض الواقع لمضمون هذا المصطلح. فلو أخذنا نحن الآشوريين نرى بأن مصطلحات مثل (لويا) والذي يعني (رفيق في حزب) أو (لومادا) والذي يعني (مؤتمر) أو (أويوتا) ويعني (تحالف حزبي) وغيرها كثر، هي مصطلحات جديدة لم تكن موجودة أو بالأحرى لم تكن متداولة أو معروفة للناس سابقاً بل جاءت كنتيجة أو تولدت من جراء الممارسات السياسية والحزبية فشاع إستخدامها بين الناس خاصة الحزبيين منهم. ففي اللغة العربية لا نجد مصطلح "الدستور"، لأنه فعلاً لم يكن لمضمونه ممارسات على أرض الواقع، فهو في الأصل كلمة معربة من اللغة الفارسية ومركبة من "دست" والتي تنعي القاعدة أو الأساس و "ور" ويعني صاحب، لتعطي معنى صاحب القاعدة أو مرجع الأساس، وهي كلمة فعلا تعكس مضمونها المعروف في الدستور نفسه. وقد حاولت المجاميع العلمية واللغوية العربية إيجاد كلمة بدلا من الدستور المعربة من الفارسية فلم تجد كلمة واحدة لتعطي نفس المعنى فلجأت إلى كلمة مركبة مثل "القانون الأساسي" أو "القانون الأعلى". وهذا يعكس عن عجز اللغة العربية عن مواصلة ركب التطور الحضاري وإيجاد مصطلحات تعكس مضامينها. ولو حاولنا مقارنة اللغة العربية باللغة الإنكليزية نرى بأن هذه الأخيرة لها حيوية مفعمة بالتطور ومواكبة العصر في إيجاد مصطلحات لممارسات واقعية وأحداث جديدة ومستجدة، وأخرها كان ظهور كلمة (البريكست – Brexit) والتي خلقت من دمج الكلمتيين (British Exit) أي خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وبهذا أصبح هذا المصطلح (البريكست)  يستخدم في اللغة الإنكليزية لخروج أي عضو من منظمة منتمي إليها، فدخل هذا المصطلح قاموس اللغة الإنكليزية. والحال هكذا بالنسبة للدستور(Constitution) في اللغة الإنكليزية والمتأتي من فعل (Constitute) والذي  هو فعل يُعين أو ينصب أو ينشئ مؤسسة أو يسن او يشكل، وعلى هذا الأساس جاء مصطلح (Constitution )، أي الدستور.

دساتير بلدان العالم الثالث:
-----------------

بمراجعة سريعة لدساتير معظم دول الشرق الأوسط وخاصة الشمولية منها، يكشف المرء بأنها دساتير مثالية نوعا ما تضم مواد وفصول للحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والانتخابات وبطرق سلمية وديموقراطية. لكنها في واقع الحال ومن حيث الممارسة هي بعيدة جدا عن هذه المفاهيم. فالعناوين هي ذاتها لكن التفاصيل متعارضة جدا وأمر تطبيقها على أرض الواقع متناقض تماماً معها. ولعلنا نتذكر الدستور العراقي المؤقت أو مشروع الدستور الدائم الذي تمت مناقشته أشهر طويلة بعد طرد النظام البعثي من الكويت، والذي احتوى في حينها على مواد أساسية تتعلق بحرية التعبير والمظاهرات والانتخابات وتداول السلطة وتشكيل الأحزاب والجمعيات، وهكذا الحال مع الدستور السوري والمصري واليمني وغيرها، حيث تركز جميعها على النظام الديمقراطي وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان وتداول السلطة بطرق سليمة وديموقراطية وضمان حقوق جميع المواطنين من دون أية تفرقة بين أبناء الشعب الواحد. ولكن من جهة أخرى نرى بأن هذه الدول هي من أقسى دول العالم في تعاملها مع مواطنيها، بل ارتكبت بعضها أبشع أنواع الجرائم بحقهم، ولم تمنعها تلك الدساتير من اقتراف كوارث مروعة بحق شعوبها، فواقع الحال في العراق يشهد على ذلك رغم تسطير الكلمات مثل الديموقراطية والحريات في الدستور.
الديموقراطية بين الفكر والممارسة
--------------------

طبعاً عندما نذكر الديموقراطية ليس بمفهومها الفلسفي والسياسي كما هو في الفكر السياسي أو المطبق في بريطانيا وبعض الدول الغربية وإنما أذكرها كمثال ليس من باب المقارنة والتشبيه بمفهوم الديموقراطية في بلدان الشرق الأوسط ومنها العراق، فهذا حرام، فشتان بين الأثنين، وإنما أعرضها لكي نفهم المعنى الحقيقي للديموقراطية وكيفية ممارستها ونحن نتغنى بها ليل نهار. ففي العراق وحتى في معظم الدول العربية، فالحكام الحاليين لم يرثوا من الماضي أية نوع من الديموقراطية أو أفكار وممارسات متعلقة بها، بل كل ما ورثوه هو الإستبداد والظلم والتعالي على الآخرين، وهي الأساليب التي ترسخت في عقولهم وأنعكست على ممارساتهم السياسية على أرض الواقع، ولا أجني على التاريخ عندما أقول بأنهم ورثوا الإستبداد السياسي والفكري من الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وتحديدا الدولة العثمانية التي لم تكتفي بظلمها ومحاولة إفناء المسيحيين فحسب بل تطاولت في غيها حتى على مسلميها من الشيعة. فالقصد بالديموقراطية هنا ليس حكم الأكثرية فحسب، بل هي نظام إجتماعي في المقام الأول ينظر إلى الآخرين بنظرة قبول المختلف وضمان حقوقه. ومثل هذه الديموقراطية ليست  وليدة اللحظة وتسطيرها على الأوراق والقوانين وكتابة الدستور بل هي نتاج تطور حضاري وفكري وعبر قرون طويلة وتواصل تدريجي تاريخي لمراحل تطور المجتمع نفسه، وهي المراحل التي لم تمر بها بلدان الشرق الأوسط وتحديداً العراق منها. فالظروف الموضوعية وحتى بعض المفاهيم الدينية لهذه البلدان خلقت عقلية مختلفة كلياً عن مفهوم الديموقراطية التي تُعرف وتمارس في هذا العصر، وتحديداً الظروف الجغرافية وطبيعة الإنتاج الزراعي والرعوي ثم الريعي لهذه البلدان، خاصة بعد إكتشاف النفط الذي يعتبر ملك الحكام سواء بشكل مباشر إو غير مباشر وعن طريق مؤسسات حكومية يهمنون عليها والتي لا يمكن التنازل عنها لأنها ممتلكات خاصة بهم. وهي الظروف التي درسها كارل ماركس في القرن التاسع عشر عندما طرح مفهوم الإستبداد الشرقي لفهم التطورات الحاصلة في هذه المجتمعات وطبيعة نظام الحكم فيها مؤكداً بأنه بسبب كون الثروة الوطنية للبلد ملكاً خاصاً للحكام فإن أمر التنازل عن السلطة لا يعني إلا تنازلا عن ملكهم الخاص، أي الثروة الوطنية. ثم جاء بعض المفكرين العرب لتلطيف هذا المفهوم وتأويله ثم تأطيره بمفهوم "الحاكم العادل المستبد" الذي يسود في بعض الأنظمة العربية والإسلامية، خاصة الأنظمة الملكية، والذي يبدو هو النظام الأصلح والأنفع للدول العربية وبعض الدول الإسلامية.
في دراسة نشرتها مجلة (الإكونومست – The Economist) بعددها الصادر في شهر حزيران 1997 تحت عنوان (الحكم العربي الأوتوقراطي (الفردي) إلى الأبد – Arab Autocracy For Ever) تطرقت إلى أنظمة الحكم في البلدان العربية التي تدعي بالديموقراطية حيث ذكرت بأن معدل بقاء الحاكم في الحكم هو 22 سنة ولا يوجود حاكم عربي سابق على قيد الحياة، (طبعاً بإستثناء لبنان، واخيرا بعد ما يسمى بـ "الربيع العربي" ظهرت أستثناءات في مصر وتونس). فالتاريخ السياسي للدول العربية، بإستثناء دول ذات النظم الملكية، لم يسجل موت حاكم عربي موتاً طبيعياً وهو في السلطة غير أنه قتل في إنقلاب عسكري أو نفي خارج البلد. وتُرجع الدراسة أسباب هذا الحكم الفردي غير الديموقراطي إلى عدة أسباب منها إفتقار هذه الدول إلى المؤسسات الديموقراطية الحقيقية، شكلاً وممارسة، وإلى إعتماد الدين الإسلامي مصدراً للتشريع والممارسات السياسية والذي يعتبر المصدر الحقيقي لشرعية الحكومة والنظام السياسي وقوانينه والذي لا يقبل النقاش والجدل. فالأنتخابات الشكلية التي تجري في هذه البلدان ما هي إلا غطاء للحكم الفردي والدكتاتوري في هذه البلدان. لقد دلت التجارب السابقة بأنه إذا رشح رئيس الدولة أو رئيس الوزراء نفسه للإنتخابات فالفوز له محتوما وبنسبة تزيد عن 95%، فإذا لم يكن الفوز له فمن المؤكد سيكون للحزب الحاكم الذي ينتمي إليه، وحتى إذا لم تكن الأصوات المقترعة لصالحه فأنه سيلجـأ إلى شتى الوسائل للوصول إلى كرسي الحكم. وهناك تجارب سابقة في هذا السياق. وتفسير معمر القذافي للديموقراطية في قوله بأنها مصطلح عربي يتكون من مقطعين (ديمو) و (كراسي) أي إستمرار جلوس الحاكم على كرسي الحكم مدى الحياة، وهو نموذج واضح لديموقراطية العرب وبعض الدول اإلإسلامية. وقد يأتي تعديل بعض فقرات دستور الدولة لضمان بقاء الحاكم في السلطة نموذج لديمومة كراسي الحكم، كما كان الحال مع تعديل دستور سوريا وباسل الأسد وتعديل دستور مصر وعبد الفتاح السيسي وتعديل دستور تركيا مع أردوكان.

هذا النوع من الحكم مستمد من الحقائق والوقائع للدول التي تدعي بالديموقراطية ودساتيرها لا تخلو من الإشارة إلى كون حكمها ديموقراطي ولكن في الحقيقة والواقع والممارسة هي أنظمة إستبدادية وبعيدة كل البعد عنها، والنظام السياسي في العراق مثال حي وصارخ على هذا التناقض لأن المحاصصة الطائفية ومفهوم "الديموقراطية التوافقية" وغياب المعارضة البناءة الفاعلة والإستبداد الفكري تجاه المختلف والتجني على حقوق الأقليات كلها عناصر متناقضة تماماً مع مفهوم الديموقراطية. ففي العراق برلمان قائم على أسس طائفية واضحة وتحصيص المناصب العليا كرئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ورئيس البرلمان مخصصة طائفياً والحال أيضا مع المناصب الوزارية وحتى العسكرية لا بل وحتى الأحزاب السياسية والميليشيات  كلها تقوم على أسس طائفية لم تخصص أو تعين وفق الدستور بل وفق السياقات السياسية التي لها العلوية السياسية وفوق الدستور والقوانين وبعيدة عن العدالة الإجتماعية. إذن ضمن هذا النظام الطائفي المحجوز مراكزه المهمة لبعض الطوائف المهيمنة ما الذي تستطيع، على سبيل المثال الأقليات المسيحية ومنها شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"، أن تفعل وتحقق ولو جزء ضئيل من طموحاتها رغم وجود كوتا مخصصة لهم والذي هو الآخر مخترق ومسلوب من قبل الكبار. فإذا كانت الغالبية العظمى، أكرر الغالبية العظمى وليس الجميع، في البرلمان لا يؤمنون ولا يعملون وفق الأسس الديموقراطية وينفون فعلياً وواقعياً الآخر المختلف فما الذي ننتظره من "ممثلي" شعبنا في البرلمان والمجالس الحكومية والمحلية أن يعملوا في هذه الأجواء المظلمة. يقال بأن الواعي بالأمور يكون محصناً من المفاجاة والحالات الطارئة فيكون متيقضاً تجاها للرد المناسب عليها. ولكن لا أدري هل أن "ممثلي" أمتنا في البرلمان غير واعين بالفكر الإستبدادي الذي يتعشش في عقول معظم أعضاء البرلمان ورجال الحكم في العراق، فنراهم يتفاجئون "ممثلي" شعبنا عندما تصدر السلطات تشريع مجحف بحق شعبنا أو تواجه طلباتهم بالرفض أو الإنكار من قبل هؤلاء؟؟؟
دستور جمهورية العراق لعام 2005
-----------------------

يذكر الدستور العراقي الدائم، الذي صوت عليه من قبل البرلمان العراقي في 15 تشرين الثاني  من  عام 2005 في الباب الأول (المبادئ الأساسية) على مايلي:
المادة (2):
اولاً ـ الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع:
أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور
ثانياً ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما و يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والآيزديين والصابئة والمندائيين.
ثم المادة (14) والتي تقول:
"العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الإقتصادي أو الإجتماعي".
هنا في هذه الفقرات فقط، وغيرها كثر، هي بالضبط كالدب والقبقاب. لأن أبسط مطلع محايد وموضوعي وعلمي في القانون الدستوري سيجد التناقض الصارخ بين هذه المواد والفقرات. لا أدري رغم ضحالة معرفتي بالقانون الدستوري كيف سيتساوى جميع أبناء الشعب العراقي، وهم على ديانات متعددة ومختلفة، إذا كان الإسلام دين الدولة الرسمي ولايمكن سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام في الوقت الذي نعرف بأن "ثوابت أحكام الإسلام" مفهوم مطاطي واسع خاضع لتفاسير رجال الدين الإسلامي في كبح أي قانون أو تشريع يخص غير المسلمين بحجة بأنه يتعارض مع أحكام الإسلام؟. وهناك ملاحظة تسترعي الإنتباه إليها تتمثل في علم دولة العراق الحالي. فمن المعروف بأن نظام البعث وضع على العلم العراقي ثلاثة نجوم تمثل أهدافه الثلاث في "الوحدة والحرية والإشتراكية" ثم أثناء إحتلال الكويت وحرب الخليج الأولى وضع بين النجوم دعاء "الله أكبر". وبعد سقوط النظام في عام 2003 وما لحقه من تطورات والبحث عن هوية جديد للنظام العراقي ورموزها، دارت نقاشات حادة بين القوى الفاعلة على الساحة السياسية عن إيجاد علم عراقي جديد يعكس الهوية الجديدة للنظام فلم يوفقوا أو يتفقوا على نوع وشكل العلم الجديد غير الإبقاء على العلم كما هو مع حذف النجوم الثلاث وأبقاء دعاء "الله أكبر" كرمز لإسلامية الدولة العراقية رغم أنهم كانوا يعرفون باليقين بأن صدام حسين كتبها على العلم العراقي رياءاً ونفاقاً داعياً إلى كونه دولة مسلمة تحارب الكفار والصليبيين، كما كانت تفعل الدولة الإسلامية أثناء الفتوحات ومحاربة أعدائها.

أن الخلط بين الدولة الحديثة والديموقراطية مع الدين أمر يستحيل التوافق والتطابق لأن مفهوم الدولة الحديثة يختلف كلياً عن الدين، فهما عالمان مختلفان: موضوعي واقعي سياسي و روحي إخلاقي إيماني. أن أكبر أنجاز تاريخي حققه الجماعات الإسلامية ومن ثم الأخوان المسلمين هو  تأثيرهم على صناع القرار السياسي ونجاحهم في تثبيت مفهوم "الإسلام دين ودولة”، في معظم دساتير الدول العربية التي تأسست منذ بداية القرن الماضي. والمفاهيم مثل "الإسلام دين الدولة الرسمي" و "الإسلام مصدر التشريع” وعدم جواز سن قوانين تتعارض مع أحكام الإسلام وغيرها هي نتائج مفهوم "الإسىلام دين ودولة". فعلى الرغم من أن هناك إختلاف وتعارض بين الفقهاء المسلمين في تفسير مفهوم "الإسلام دين ودولة" إلا أن الغلبة دئماً هي للذين يؤيدون ويبررون بالقرآن والسنة بأن الإسلام هو دين ودولة ولا يمكن الفصل بينها، وهذا ما نجده في معظم دساتير الدول العربية عندما يؤكدون على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وهوم مصدر كل التشريعات، ومنها طبعاً معظم دساتير العراق منذ تأسيسه كدولة وحتى اليوم.

ولو حاولنا طبقا لمناهج علم الإجتماع السياسي عقد مقارنة بين الدولة والدين نرى بأن الدولة هي كيان من صنع البشر أبتدعته المجتمعات الإنسانية لغرض تظيم أمور الناس وضبط نزاعاتهم وتحقيق مصالحهم وتمثيلهم، أي وظيفتها إجتماعية سياسية في ضمان الأمن وتوفير العيش اللائق وتحقيق المصلحة العامة وإشباع حاجات الناس المادية وحماية المجتمع وكيان الدولة. وطبقاً للفكر السياسي بأن الدولة هي موضوع إتفاق بين أفراد المجتمع يقوم على قاعدة التنازل المتبادل بينهم لتحقيق المصلحة العامة المشتركة، وهي القاعدة التي تقول بأن الدولة هي "عقد إجتماعي". أما الدين فهو مطلق وليس موضوع إتفاق وتراضي وتنازلات بين الناس بل هو من اليقينيات والمبادئ الإيمانية السماوية يسعى إلى خدمة مبدأ سامي ديني وإخلاقي يقوم على علاقة روحية إيمانية بين الإنسان وخالقه، وهي المسائل التي ليس للدولة دخلاً أو علاقة بها إلا بقدر مسؤوليتها في حماية حق الناس في ممارسة دينهم والتي هي حصراً من حقوق الفرد في الدولة الديموقراطية، في حين أن الدولة تقوم على علاقة بين الفرد والحاكم، بين الحاكم والمحكوم، ووفق قوانين موضوعية من صنع البشر وليست من مصادر مقدسة وإلهية كما هو الحال مع الدين. فعندما تقر الدولة في دستورها بأن الإسلام هو دين الدولة وأنه مصدر التشريعات وتعمل بموجبه فإن هذا يعني بأن جميع مواطنيها هم على الدين الإسلامي رغم إقرارها بحقوق الإخرين أو بديانتهم وهو الأمر الذي يضعها في تناقض صارخ. فمعظم علماء الإجتماعي السياسي يقرون بأن الدين ليس من مقومات الدولة الحديثة طالما لا توجد دولة معاصرة إلا وشعبها يدين بأديان متعددة ومختلفة، كما هو الحال في العراق.

الدولة الحديثة والمواطنة:
---------------

أسس الأساس للدولة الحديثة هو المواطنة، والتي هي رزمة من الحقوق والواجبات لكل أفراد المجتمع دون تفرقة أو تمييز. فبدون مواطنة حقيقة لا وجود للدولة بل الأصح لا وجود إستقرار فيها ولا أشباع حاجات ومتطلبات أفراد المجتمع المعروفة في هذا العصر، فلا مواطنة حقيقية إذا تمتع مجموعة معينة من الأفراد بإمتيازات خاصة وحقوق مختلفة عن الآخرين. وعندما تقر الدولة وتحصر نظامها السياسي بدين معين، فهذا يعني بأن المواطنة هي حصراً على مؤمني هذا الدين ويبقى غيرهم خارج إطار المواطنة، وهي الحالة التي تسود في العراق وتخلق شعوراً وإحساساً لغير المسلمين بأنهم محرومين من صفة المواطنة خاصة عندما تشرع قوانين مهينة لهم ولتراثهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، وهناك قوانين في العراق بهذا الخصوص. ولكن حتى ربط الدولة بالدين الإسلامي في العراق لم يسعف هذا الربط كافة مسلمي شعب العراق، لأن الحقائق السائدة هي أن القوى والأحزاب الشيعية هي المهيمنة على الدولة، أي بعبارة أخرى إن الطوائف الإسلامية الأخرى، كالسنة، بقوا خارج أطار هذا الربط ومنافعه، فكيف الحالة مع غير المسلمين؟. لا بل وحتى بالنسبة للشيعة فقد تم حصر هذه المنافع بزمرة معينة بعيدة عن غالبية أبناء الشيعة في العراق، والحراك الشعبي الواسع في المحافظات الجنوبية والوسطى الشيعية لهو دليل على ذلك. أن التفسير النظري لهذه الحالة لها تطبيقات واضحة تتمثل في الخط البياني التنازلي للشعارات والممارسات الخاصة بالقوى الفاعلة والمهيمنة في الدولة. فبمجرد أن تستلم السلطة وتهمن على مفاصل الدولة تكون الوطنية والتحرر والإستقلال من شعاراتها البراقة ثم بعد رسوخ هيمنها يبدأ الخط البياني بالنزول نحو حزب أو طائفة ليكون الكل في الكل ثم سرعان ما يتقلص هذا الحزب أو الطائفة في زمرة معينة وقوية ثم في عشيرة أو نخبة وهكذا حتى إلى عائلة مهيمنة فعلاً على مقدرات الدولة لتصل إلى فرد يصبح دكتاتور الدولة، هكذا كان الحال مع البعث وفي عهد صدام حسين وهكذا هو الحال في العراق الحالي حيث لم يعد كل أبناء الشيعة مستفدين من سيطرة أحزاب وزمر شيعة على السلطة بل أنحصرت المنافع في فئة قليلة للتحول إلى دكتاتور للبلد، ونأمل من الحراك الشعبي، الذي غالبيته من أبناء الشيعة، أن يصد هذا المسار ويحوله نحو المواطنة الحقيقية لكل العراقيين ومن دون أي تمييز، ترى هل يستطيع هذا الحراك الشعبي أن ينزع القبقاب من الدب ويقلم أظافره؟؟   

ولو حاولنا تجنب واقع العراق المتعدد الديانات والحضارات والثقافات نحو الدول العربية التي جميع سكانها من المسلمين العرب، أي ليس لها تنوع ديني وأثني، نرى بأن دساتير هذه الدول تجمع بين الدولة والدين الإسلامي ولكن تحقق نوع من الإستقرار في المواطنة شكلا ومضموناً لأن دينها يتطابق مع دولتها وبالتالي تنتج وتحقق نسبة عالية من السعادة والرفاهية لشعبنا. ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذج في هذا السياق، دولة لها وزارة السعادة ووزارة التسامح شكلتا لغرض سعادة ورفاهية شعبها رغم أن دستورها في المادة (7) تقر بأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهي القاعدة السمحاء لتشريع قوانين وأنظمة لصالح غير مواطنيها المقيمين فيها وتحقق أيضا السعادة والرفاهية لهم، وواقع الحال يشهد على ما نقوله.



50

"الكلدان السريان الآشوريون"
 هل ستنقرض أمتنا بأنقراض لغتنا القومية؟؟
===========================
أبرم شبيرا
مدخل أولي:
========
هذا الموضوع، وتحديدا، اللغة والقومية، أمر يتلطبه مجلدات ضخمة لأعطاء شيئاً من حقه الموضوعي والتاريخي لكونه مسألة حساسة في حياة أمتنا "الكلدنية السريانية الآشورية"، خاصة في هذا العصر الغادر الذي جعل عدد أبناء أمتنا في بلدان المهجر أكثر بكثير من عددهم في وطن الأم ليضيف بذلك أستثناءا آخر على الإستثناءات التي تكتنف وجود أمتنا طيلة تاريخها الغابر. قد يجادلني أحد القراء فيقول: لماذا هذا الإستثناء حصرا بأمتنا، فاللبنانيون عددهم أكثر من أربعة عشر مليون يعيشون في المهجر فهو أكثر بكثير من الموجودين في لبنان. هذا صحيح ولكن الإستثناء هنا هو أن لللبنانيين دولة ووطن بأسمهم، لبنان. أما نحن فشعبنا ليس له دولة أو وطن بأسمه. فإنصهار آلاف اللبنانيين وضياعهم في مجتمعات المهجر لا يعني ضياع وإختفاء الهوية اللبنانية طالما لبنان كأرض ووطن وإطار سياسي وقانوني لهم لا يختفي ولا يزول ولا ينقرض. والحال نفسه بالنسبة للبولونيين واليونانيين والإيطاليين وغيرهم من القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال لا الحصر. فإن إنصهار الملايين منهم في المجتمع الأمريكي وتلاشي لغتهم من ألسنتهم وبيوتهم لا يعني ضياع وتلاشي اللغة أو القومية البولونية واليونانية والإيطالية طالما لهم أرض ودولة بأسمهم تشكل الإطار والأساس القانوني والسياسي لإستمرار وحماية اللغة والقومية البولونية واليونانية والإيطالية. أما وضعنا، فالحال يختلف كلياً، فبسبب عدم وجود لنا مثل هذا الإطار القانوني والسياسي الرسمي بأسم أمتنا ومعروفاً فعلياً ورسمياً للعالم يجعل أمر ضياع وإنصهار بعضة مئات من أبناء أمتنا في مجمتعات المهجر مسألة حساسة وخطيرة في تقرير مصير وجودنا على الكرة الأرضية خاصة وأن وتائر الهجرة متصاعدة تصاعداً دراماتيكياً. وقد يبدو بأن طرح مسألة اللغة والقومية هو من المواضيع "الكلاسيكية" المتوارثة من عصر نهضة القوميات في القرنين الماضين وأصبح من مقتنيات الماضي في هذا العصر الذي أرتكن على كف عفريت يتحكم فيه التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الإتصال والتواصل الإجتماعي المذهلة جاعلاً من هذا العالم الواسع بقومياتهم المختلفة والمتعددة مجردة بناية بعدة طوابق ونحن مجرد حجر صغير جداً في جدرانها لا أثر أو موقع أو تأثير على هذه الجدران، ولكن مع هذا فأن للغتنا القومية أهمية حاسمة وخطيرة في الأبقاء على هذا الحجر وإستمراره نحو الآفاق المستقبلية. 

عوامل في نشوء ووجود القومية:
================= 
لا أحد، من المختصيين أو غيرهم، يجرأ ويقول بأن اللغة ليست مكوناً أساسياً في وجود أية قومية، لا بل الكثير منهم يذهبون أبعد ويقولون بأن موت لغة أية قومية معناه موت هذه القومية وإنقراضها. فهل فعلاً اللغة لها أهمية قصوى في وجود الأمة وبقاءها وإستمرارها؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ "نعم". وبالمقابل، لا أحد من المختصيين أو غيرهم يجرأ ويقول بأن اللغة وحدها... أكرر وأقول وحدها... هي المقوم الوحيد للقومية، فبهذا المعنى نتسائل هل اللغة هي العامل أو المقوم الوحيد في وجود القومية؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ "لا". وبعبارة أخرى نقول بأن أهمية اللغة تأتي في كونها المقوم الأساسي وليس الوحيد في وجود القومية. لقد أستقر الفكر السياسي الكلاسيكي على عدد من المقومات في وجود القومية وتعريفها، منها اللغة والتاريخ والثقافة والتراث والأرض والأماني المشتركة وحتى الدين والإقتصاد، فتعددت وتنوعت هذه المقومات وتباينت أولوياتها عند المفكرين كل حسب معتقده السياسي والمصلحة العامة لقوميته، أو طبقاً لزمانها ومكانها. إلا أنهم جميعهم تقريباً يضعون اللغة في مقدمتها ويعطون لها أهمية قصوى في وجود القومية، خاصة فلاسفة الألمان، بإستثناء قليل يشذ عن هذه القاعدة بعض المفكرين الفرنسيين، والتي سنأتي على مناقشتهم في السطور القليلة الآتية. وبإختصار شديد، كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن هذا الموضوع أصبح من مقتنيات الماضي وقل تأثيره في عصر العولمة بسبب التطور الإنفجاري لتكنولوجيا المعلومات وقدرتها على إختراق التخوم والحواجز القومية وتصاعد عامل الإقتصاد نحو قمة جدول أوليات المصلحة العامة للدول متجاوزاً كل الحدود السياسية وكل الحواجز القومية والثقافات الوطنية. هذا الوضع الإنفجاري جعل بعض الدول، كالدول العربية والإسلامية، العاجزة عن ركوب موجة التطور الإنفجاري أن تخشى وترتعب من العولمة لأن حدودها القومية أصبحت عاجزة عن الصمود أمام هجمة تكنولوجيا المعلومات وأمام العولمة. فإذا كان ماركس ورفاقه قد أكدوا بأن من يملك وسائل الإنتاج هو من يملك أيضا وسائل الحكم والسلطة والتأثير، فإن في عصرنا هذا لم يعد لوسائل الإنتاج التقليدية ذلك التأثير الفعال والحاسم بل أصبحت تكنولوجيا المعلومات والتواصل الإجتماعي هي وسائل الإنتاج الفكري والإعلامي الأكثر فعالية في زمن العولمة والتحكم في شعوب العالم. فمن لا يملك مثل هذه الوسائل ولا هو بقادر على صناعتها أو ركوب موجتها التطورية فلا محال فهو خارج هذا الزمن ولا يجد في هذه الوسائل إلا بعبعاً جاثماً على لغته وقوميته ليبتلعها عاجلا أم آجلاً. فكيف ونحن "الكلدان السريان الآشوريون" قومية صغيرة لا حول لها ولا قوة من هذا التطور الهائل نحو العولمة وأمواج الموت تعصف بنا من كل صوب وحدب ولا أطار سياسي أو قانوني ثابت ومعروف يحمي لغتنا وقوميتنا من هذه الهجمة التكنولوجية الشرسة؟ أمر يستوجبه صفحات طويلة لإزالة مثل هذا الإستفهام ونتركه لفرصة أخرى حتى نبقى في إطار تساؤلنا حول أهمية اللغة في إقرار وجودنا القومي، ونبحثه وبإختصار شديد من خلال بعض المدارس المهمة التي عالجت أهمية اللغة لكل قومية.
 
المدرسة الألمانية:
------------
أبتداءاً أرتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته (1762 -1814) وإختصاراً (فيخته) الذي أكد وبقوة على عامل اللغة كعامل جوهري وأساسي في تكوين القوميات. فكل قومية بحسب تعريف فيخته لايمكن معرفتها إلا بلغتها، هكذا أكد بأن جميع اللذين يتكلمون اللغة الألمانية هم أبناء القومية الألمانية وأن اللغة والأمة أمران متلازمان لايمكن أن ينفصلا. وعلى أساس هذه الفكرة وغيرها التي تناولها وطورها غيره من فلاسفة الألمان نشأت النازية في ألمانية وأستخدمتها في سياسة إحتلال الدول التي تتكلم الألمانية بأعتبارها جزء من الأمة الألمانية. تناول بعض المفكرين العرب هذه المدرسة في دراساتهم عن القومية وفي مقدمتهم ساطع الحصري (أبو خلدون) 1879 – 1968 والمعروف بـ "فيلسوف القومية العربية، الذي شدد وبشكل قاطع على أهمية اللغة في تكوين القومية غير أنه رغم هذه الأهمية القصوى لللغة عند الحصري فأنه لم يهمل بقية المقومات في تشكيل القومية، منها التاريخ والعادات المشتركة والأرض ولكن مع هذا فهو أعتبر اللغة هي روح الأمة وحياتها وأنها عمودها الفقري وأهم مقوماتها وشخصيتها وإذا فقدت لغتها وبدأت تتكلم بلغة أخرى فأنها تكون قد فقدت حياتها وتلاشت من الوجود. ولكن من جهة أخرى يعطي الحصري للتاريخ أهمية أيضا بإعتباره شعور الأمة وذاكرتها فشخصيتها تعرف بواسطة تاريخها الخاص، فالأمة التي تنسى تاريخها الخاص تكون قد فقدت شعورها ووعيها وهذا الشعور والوعي لا يعود إليها إلا عندما تتذكر تاريخها. ويختصر كلامه في القول بأن اللغة هي بمثابة روح الأمة وحياتها والتاريخ هو بمثابة وعي الأمة وشعورها. وإذا أقتربنا أكثر من زمننا المعاصر نرى بأن حزب البعث العربي الإشتراكي قد تبنى فكر أبو خلدون في أيديولوجيته القومية وغيره من الأحزاب القومية العربية.
 
المدرسة الفرنسية:
-----------
أرتبطت هذه المدرسة بالمؤرخ والكاتب أرنست رينان (1823-1892) الذي دخل في نقاش حاد مع  فلاسفة الألمان، فرفض رفضاً قاطعاً في أعتبار اللغة أساسا لوجود وتعريف القومية. فقد قال بأن الأمم ليست وحدات لغوية بل وحدات روحية وأن المعيار الوحيد والأساسي لوجود الأمة هو مشيئة العيش المشترك بين الناس. فالقومية عنده تعتبر صفة عامة روحية في جوهرها وحالة عقلية تحدد القوميات، فهي الشيء الضروري الوحيد لوجود الأمة. فهذا المبدأ الروحي عند هذه المدرسة يقوم على ماضي بطولي وتجارب مشتركة تؤدي إلى تكوين إرادة مشتركة عامة. صحيح عند أصحاب هذه المدرسة بأن الشعور القومي قد ينشأ نتيجة لوحدة العنصر (الدم) والسلالة وتسهم فيه وحدة اللغة والدين إلى حد كبير وكذلك الحدود الجغرافية (الأرض) ولكن لا يعتبر أيا من هذه العوامل ضرورية أو كافية لوحدة وتكوين الأمة، فالعامل الحاسم هو وجود الشعور القومي مهما كان ضعيفاً، حسب هذه المدرسة.

هاتان المدرستان في عوامل تكوين القوميات هما الأهم والتي سادة وبشكل واسع في الفكر السياسي الكلاسيكي وقد ذكرناها من دون الرجوع إلى المراجع الخاصة بها وذلك سعياً للإختصار وعدم الإسهاب خاصة وهي مدارس تقليدية مضى عليها زمنا طويلاً لم يعد لها آثر فعال كما كانت في مرحلة نشؤء الفكر القومي في القرنين الماضيين. وهناك أيضا مدراس أخرى في هذا الموضوع والتي تعتمد على عوامل أخرى في تكوين القوميات منها المدرسة الشيوعية ورائدها جوزيف ستالين الذي أعتبر الإقتصاد العامل الأكثر أهمية في تكوين الأمم إضافة إلى مدارس فكرية أخرى تعتمد على الأرض والدين في هذه المسألة.

أوليات المقومات القومية في ضوء المصلحة العامة:
=============================
كل النظريات العلمية خاصة في العلوم الإنسانية أو الإجتماعية جاءت ضمن الظروف السياسية والإجتماعية والثقافية والتاريخية الخاصة لكل مجتمع من المجتمعات البشرية وبالتالي فإن تطبيقاتها العملية قد تتحقق لمجتمع معين وقد لا تنطبق على مجتمع آخر. ولكن من جهة أخرى لكون هذه النظريات نتاج الجهد والفكر الإنساني للبشر فإن في حدودها العامة وفي مناهج بحثها وفلسفتها العامة قد تنطبق في جوانب معينة منها على جميع أبناء البشر خاصة عندما تأول وتكيف مع الظروف الخاصة لكل مجتمع، أي فهمها ضمن ظرفها الزماني والمكاني. فنظريات المدرسة الألمانية لم تأتي إلا خدمة لمصالح الأمة الألمانية حيث  جاءت في خضم النزاع الفكري والثقافي وحتى العسكري الذي قام بين ألمانيا وفرنسا على إقليم الألزاس واللورين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالأقليم كان تابع لفرنسا ولكن معظم سكانه كان يتكلم اللغة الألمانية، فأعتمد ألمانيا على عنصر اللغة كأساس حاسم ومهم في طلبها لإسترجاع الإقليم وضمه إليها بإعتبار شعب هذا الإقليم جزء من الأمة الألمانية طالما يتكلم اللغة الألمانية. وعلى الطرف الآخر من الصراع أنبرت فرنسا لهذه الفكرة في إعتماد اللغة كأساس لقومية شعب الأقليم فتمسكت بمشية وإرادة شعب الإقليم في إنضمامه إلى فرنسا وليس إلى ألمانيا ومن خلال إستفتاء عام عبر الشعب عن هذه المشيئة لذلك أعتبرتها فرنساً مقوم أساسي في تقرير قومية شعب هذا الإقليم.

أما بالنسبة للعرب وفيلسوفها المعروف أبو خلدون فأنها أعتمدت كلياً على اللغة كمقوم أساسي وجوهري في تحديد وتعريف القومية العربية. ويأتي هذا التمسك باللغة وبأهميتها تمشياً مع الظروف السياسية والإجتماعية التي كانت سائدة في البلاد العربية، حيث أن هذا البلاد مقسم إلى دول مستقلة بحد ذاتها ولم يرى مفكر العرب إلا في اللغة كأساس جامع لشعوب هذه الدول والتي من المفروض أن تتوحد على أساس وحدة اللغة ووحدة الأمة في دولة واحدة. وهو الفكر الذي يتبناه معظم الأحزاب العربية القومية ومنها حزب البعث العربي الإشتراكي. على العموم يمكن التأكيد مرة أخرى في القول بأن الصالح والطالح في أية نظرية بهذا الخصوص يتقرر بمدى منفعتها لهذه القومية أو تلك. ففي عصرنا الحالي هناك قوميات ودول لا تعتمد على اللغة في تقرير وجودها بل على مقومات أخرى كالأرض والأماني أو المصالح المشتركة أو التاريخ، فالأرجنيتي يثور غضباً عندما ينعت بالقومية الإسبانية رغم أنه يتكلم اللغة الإسبانية لأن الأرض والتاريخ الجامع والمصالح المشتركة لكل قاطني أرض الأرجنتين جعلت منهم قومية واحد حسب فهمهم للقومية وتأطرت بإطارها السياسي والقانوني لدولة الأرجنتين. والحال لا يختلف مع غير الأرجنتين. على العموم فإن التطور السياسي وحتى العسكري المقرون بالتطور الفكري جعل الأمر يختلط بين القومية والدولة فوصل أمر الإختلاط والإرتباك حتى إلى منظمة الأمم المتحدة (United Nations) في الوقت الذي نعرفه بأن أعضاءها هم دول وليست أمم أو قوميات. لهذا السبب جعل المقارنة بينهما صعب التميز بين الأثنين لأن في الواقع الفعلي هناك عدد من القوميات يمتلكون لغة قومية خاصة بهم ويشكلون دولة واحدة، وسويسرا مثال تقليدي على ذلك. والعكس صحيح أيضا هناك قومية واحدة مع لغة قومية مشتركة ولكن لا يشكلون دولة واحدة، كما هو الحال مع الدول العربية.

أين لغتنا وقوميتنا من هذه النظريات؟
====================     
مع كل طلاب العلوم السياسية وأساتذتها المختصون في الفكر القومي السياسي، نتفق في القول بأن اللغة تشكل ركن أساسي ومقوم مهم جداً في تكوين القومية ولكن من جهة أخرى ليست اللغة وحدها فقط عامل في تكون الأمم بل إلى جانبها مقومات أخرى كالتاريخ والأرض والأماني المشتركة والعادات والتقاليد الموروثة من الأباء والأجداد، كما سبق الإشارة إليها. فمن الطبيعي إن فقدان أو إنقراض أي من هذه العوامل سوف يزعزع وجود القومية وقد يعرضها إلى الإنقراض فيما إذا أنقرض أكثرية هذه العوامل وخاصة المقوم الأساسي، أي اللغة يبدأ إنقراض الأمة وزوالها من الواقع. كما أن ضعفها أو تناسيها أو إهمالها وعدم ممارستها يضعف وضع الأمة ويضعها على طريق الزوال. فواقعنا الحالي المأساوي  يكشف ضعف تداول لغتنا القومية بين أبناءها خاصة الأجيال المعاصر وتحديدا في بلدان المهجر حيث الأكثرية من أبناء شعبنا يعيش في هذه البدان التي تكون لغة الأكثرية هي السائدة والمستخدمة في الحياة العامة خاصة في التعليم وفي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي وحتى بين أفراد العائلة، مما يضع أمتنا على حافة الهاوية. كما وأن معظم محاولات تدريس لغتنا القومية لم تعطي إلا نتائج محدودة وسوف يتحكم في مصيرها تقادم الزمن وتطور المجتمع نحو العولمة. وحتى المحاولات الجادة في هذا السياق، كما هو الحال في المدارس السريانية في الوطن والمدارس الآشورية في أستراليا والتي يمكن تقيمها في عصرنا الحالي وبشكل إيجابي ومثمر إلا أنه من الصعب جداً أن نعطي لها تقييم خلال العقود القادمة غير القول بأنه إذا أفترضنا بأن لغتنا القومية سوف تنقرض أو تزول من ألسنة أبناءها خلال عقدين أو أكثر فإن هذه المدارس ستمد وتشحن لغتنا بأكسير الحياة لتدوم وتستمر لأكثر من عقدين وقد تدوم لنصف قرن أو أكثر ولكن لا ضمان ولا روية إيجابية من خلال واقعنا المأساوي من أختفاءها من ألسنة أبناء شعبنا في المستقبل البعيد وإنحسار وجودها في كتب متراصفة على رفوف المكتبات العالمية المختصة، أي بهذا المعنى بأن دور هذه المدارس سيكون في أطالة أمد حياة لغتنا القومية ولا نستطيع التخمين بمصير لغتنا القومية بعد نصف قرن أو أكثر.

ولو نظرنا بحيادية وموضوعية إلى هذا الوضع التشاؤمي للغتنا القومية والمصير المجهول والغامض نصل إلى حقيقة تنطق بواقع يقول بأنه لا يمكن لاي لغة من لغات الأقليات القومية أن تستمر وتدوم نحو آجال أبعد مالم تكون مأطرة ومصانة بإطار سياسي وقانوني، كما سبق والإشارة اليه. فالدولة أو أي كيان سياسي قانوني، لنقل حكم ذاتي، هي الحارس الضامن لللغة القومية. أي بعبارة أخرى، مالم تكون هذه اللغة مسنودة سياسياً ومقننة رسمياً لا حياة لها في المستقبل، وهناك أمثلة كثير في هذا السياق ولعل أشهرها دولة إسرائيل فشعبها كان يتكلم بلغات عديدة في المهجر ولم تترسخ لغتهم العبرية ولم تخرج من إطارها الديني إلى القومي إلا بعد قيام دولة إسرائيل، ولعل من المفيد أن نقارن، وليس التشبيه، حال لغتنا بهذا المثال الإستثنائي. فإذا كان هذا الحال ينطبق على مصير لغتنا القومية في الوطن، فإن الأمر في بلدان المهجر أسوء بكثير لأن كل الأجواء الديموقراطية المتوفرة التي تتيح للأقليات تطوير لغتها القومية والحفاظ عليها فإنها لا تستطيع الصمود ومقاومة غزو لغة الأكثرية والقضاء على لغة الأقلية، فنتيجة صراع اللغات هي التي تقرر مصير اللغات المتصارعة، ولا نتردد في القول بأن نتيجة صراع لغتنا القومية في بلدان المهجر مع لغة الأكثرية مصيرها محتوم.

ضمن هذا الواقع المأسوي الذي يهدد وجودنا القومي بسبب ضعف اللغة وتعرضها للإنقراض، نقول بأن اللغة كأحدى مقومات وجود الأمة هي مقوم أساسي ورئيسي وليس الوحيد، فهناك مقومات أخرى لوجودة الأمة ذكرناها في أعلاه. من هذا المنطق، فإذا كان الحفاظ على لغتنا القومية صعب وبالتالي مهددة بالضعف وربما الزوال النهائي في الآماد القادمة فأنه يستوجب ويفرض واجبنا القومي على ضرورة الحفاظ على بقية مقومات أمتنا من التاريخ والعادات والتقاليد وممارستها وإحياءها بشكل متواصل ونشرها بين أبناء أمتنا وترسيخ مضامينها القومية والتراثية لها، خاصة عندما تقترن بممارسات جماعية تاريخية وتراثية كإحتفالات الأول من نيسان ويوم الشهيد الآشوري وغيرهما كثر. هذا الأمر، أي فقدان عنصر من بين عدة عناصر مكونة لظاهرة معينة، ومنها مقومات وجود أمتنا،  يشبه كثيرا حالة الشخص الذي فقد أحد حواسه في جسمه، لنقل حاسة النظر، التي هي أكثر الحواس أهمية في حياة الإنسان، فأن بقية الحواس كالسمع والشم واللمس تزداد كثيرا وتصبح عناصر مهمة له تعوضه عن فقدان البصر ويعيش تقريبا حياة طبيعية، ولا ننسى بأن الكثير من المبدعين كانوا فاقدي البصر. من هذا المنطلق نقول بأن ضعف أو فقدان لغتنا القومية من الضروري أن ينعكس هذا الفقدان في تقوية المقومات الأخرى لأمتنا مثل التاريخ والتراث والعادات والتقاليد، وأمر ممارسة هذه المقومات أسهل بكثير من تدريس اللغة لأنه يمكن ممارستها بحرية سواء في الوطن أم المهجر بدون أن يكون لها إطار سياسي وقانوني لها ولا يتطلبها مستلزمات كثيرة ومعقدة كما يتطلبها تدريس اللغة. فبممارسة هذه المقومات وبشكل مستمر وإيجابي سيتعزز ويترسخ الوعي القومي لأمتنا بوجودها وبضرورة أستمرارها نحو المستقبل، وهو أقل القليل من التركة الذي نتركه كميراث للأجيال القادمة والتي من المحتمل، وإن كان بعيدا، أن تكون ظروفهم أحسن من ظروفنا الحالية فلعل تكون قادرة على السير خطوة نحو الأمام للحفاظ على مقومات وجودنا القومي بما فيها اللغة.





51
المنبر الحر / test
« في: 10:27 15/10/2019  »
صديقي العمر العزيز خوشابا سولاقا ... تحياتي وأشواقي...

إكراماً وأعتزازا بصداقتنا المديدة لنصف قرن ونيف أكتب إليك توضيحاً وتفسيراً بهذه السطور لما كتبته وأنت تعرف جيداً الترابط الفكري الذي يربط بيننها... صديقي العزيز... أنا أعرفك أكثر من أي شخص آخر بأنك آشوري مفكر وكاتب موضوعي مختبراً بتجارب سياسية وقومية عديدة ونادرا ما تمضي عليك شاردة أو واردة من دون أن تكون ملماً بها وعارفاً بكل تضاريسها الفكرية والثقافية، فمن هذا المنطلق أقول لك يا عزيزي:

أولا: موضوعياً وإلتزاما بالأصول الإخلاقية في الكتابة لا يمكن أن ننشر خبر أو موضوع مبتراً أو مجزءا فهكذا الحال مع رسالة مار أفرام إلى مار مارون. فالأمانة العلمية يستجب علينا ذكرها كما هي وكما كتبها مار أفرام ونحن نعرف كما يعرف غيرنا كثر بأن مار أفرام نفسه أشار إلى أصله الآشوري في قصائده وتراتيله العديدة، كما ذكرها الأخ العزيز كوريه حنه مشكورا في رده على الموضوع، رغم أنه لقبه غيرنا بأفرام السرياني ونحن كغيرنا يعرف جيداً معنى السرياني لفظاً ومضمونا، ولكن عندما يخاطب صاحبه في الإيمان المسيحي، مار مارون، لم يذكر تحية آشورية ولا سريانية ولا كلدانية بل ذكر تحية آرامية لأن اللغة التي كان يراسله كان تسمى الأرامية في حينها والتي لم يكن لها إطلاقاً أي مضمون قومي في تلك الفترة بل كانت لغة مكتسبة طابعاً دينياً لكونها عرفت كلغة يسوع المسيح. ثم يا أخي العزيز، لماذا نخشى ونرتعب من ذكر التسميات الحضارية لشعبنا سواء أكانت كلدانية أو سريانية أو آرامية أو آشورية أو سورايي فكلها تسميات أكتسبها شعبنا، حامل المقومات الأساسية الموحدة لوجودنا، عبر مراحل تاريخية مختلفة. فأنا إذا كنت متمسكاً بالتسمية الآشورية فهذا لا يعني إطلاقاً حرمان أخي الكلداني من التمسك بالتسمية الكلدانية ولا أن أنكر على أخي السرياني حقه في الإدعاء بسريانيته، فكلها صور جميلة ومبهرة لهذه الأمة ولكن بمضون واحد سواء أتفق معنا هذا أم لم يتفق ذاك. أما من يحاول أن يعزز ويروج لتسميته عبر تحقير وأهانة التسميات الأخرى فهذا ليس إلا هذيان وتخريف فحاله كحال من ينبطح على ظهره ويبصق في الهواء، فهو بهذا الأسلوب يوطئ ويحقر تسميته أكثر مما يحقر التسميات الأخرى. ، وبالتالي فصاحبها لا يستحق حتى كلمة واحدة للرد عليه.

ثانياً: الدافع القوي والحافز الشديد الذي جعلني أن أنشر رسالة مار أفرام إلى مار مارون هو موضوع الأرض وضرورة "الإستماتة" والتمسك بها كأساس لوجود الكنائس والمؤمنيين خاصة ونحن نقارنها مع الوضع المأساوي الحالي الذي يعيشه شعبنا في أرض الوطن من جراء تشريده نحو المجهول. صديقي العزيز، أنا وغيري كثر يعرفون حق المعرفة صمودك وتمسكك بأرض الوطن رغم كل مغريات بلدان المهجر التي لم تستطيع أن تهز موقفك وتضعف إيمانك بأرض الوطن وتغير إتجاهك ليكون على طريق المهجر. إنطلاقاً من هذا الفهم كنت أعتقد بأنك يا صديقي ستكون من أول القراء المرتاحين لهذا الموضوع خاصة وأنت تكتب كثيرا عن أهمية الأرض في الوجود القومي لشعبنا. ولكن للأسف الشديد كلمة واحدة (أرامي) أمحت قدسية الأرض وضرورة التمسك بها فلم تبين أي إهتمام بها كما هو الحال في معظم كتاباتك، فتجاهلت الأرض إكراماً لكلمة واحدة، أليس هذا تناقض الذي تتهمني به؟

ثالثاً: أما بخصوص ما ذكرته (نحن شخصياً لا نرى أية ضرورة تاريخية أو علمية لنشر مثل هكذا رسالة دينية بحتة التي تنسف التاريخ القومي الحقيقي للآشوريين بمجمله لصالح إيمان ديني طوباوي الذي كان السبب في دمار أمتنا الآشورية بمسخ وعيها القومي وتهويده بحسب ثقافة التوراة اليهودي والتي تتناقض مع مقالكم الذي نشرتموه قبل يومين بعنوان " أومتا وأومتانايوثا بين الوطن والمهجر .... إلخ ") أستغرب إستغرابا شديدا عن رسالة متكونة من بضعة أسطر أن تنسف تاريخنا القومي الآشوري المديد لقرون طويلة. أنه من المؤسف حقاً يا صديقي العزيز القول بأن معظم الكتابات التي تنشر من قبل أبناء شعبنا تفتقر إلى الموضوعية وإلى أعتماد منهجية مقارنة خاصة بين الماضي والحاضر وردك نموذج في هذا السياق. المنهجية في المقارنة أسلوب علمي أحاول دائماً أن أفهمه وأعتمده في كتاباتي. في زمن مار أفرام (لنقل مار أبرم .. حتى لا تزعل يا صديقي) ورسالة عمرها أكثر من 1500 سنة لا يجوز إطلاقاً أن ننظر إليها بمنظار قومي سياسي الذي نستخدمه في أيامنا هذه، بل يجب أن ينظر إليها في سياقها الزماني والمكاني الذي كان الأمور أو الأصح المناهج الدينية واللاهوتية والإيمان المسيحي هي التي كانت سائدة في التعامل بين البشر وبين أبناء شعبنا في تلك الفترة رغم أن موضوعية الأرض، كبنية تحتية، التي كان يعيش عليها شعبنا تنطق بأشوريتها، كما أشار إليها مار أفرام في قصائده فأن ظروف تلك الفترة، بسبب قوة الإيمان المسيحي لدى شعبنا لم تنعكس على شكل فكر قومي وسياسي في بنية فكرية كما هو الحال في هذه الإيام بل أنعكست في فكر ديني. من هنا تأتي أهمية وضرورة نشر مثل هذه الرسائل خاصة وأنها لها مقارنات مع الوضع الحالي وتحديداً بموضوع جوهري وأساسي هو الأرض والذي نسميه الوطن، لعل نتعض منها في حياتنا المعاصرة،.. ولم تبقى إلا كلمات أخيرة لأبعثها لك ولكل القراء الأعزاء مقرونة بالحب والإحترام والتقدير.

52
لا كنيسة ولا مؤمنين من دون أرض
من رسالة مار أفرام إلى مار مارون عمرها أكثر من 1500 سنة

===================================


أبرم شبيرا
بينما كنت أقرا كتاب "تاريخ الآشوريين منذ بداية القرن العشرين خاصة في فترة الحربين العالميتين"، لمؤلفه رابي كورش يعقوب شليمون، ترجمه من اللغة الآشورية الحديثة إلى العربية الإستاذ وليم ميخائيل وطبع في مطبعة نينوى في شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، أثار إنتباهي الشديد الصفحة الأخير من الكتاب حيث كان قد أدرج فيه رسالة من مار أفرام (المولود في نصيبين عام 306 والمتوفي في الرها عام 373) إلى مار مارون (المتوفي عام 410)  يؤكد فيها على أهمية الأرض او الوطن وعلاقته بالمؤمنين والكنائس. ونظراً للأهمية القصوى لهذه الرسالة والذي يؤكد فيها مار أفرام، القديس الجامع لكل الكنائس الشرقية في هذه الرسالة للقديس مار مارون على أهمية الأرض، أو الوطن، في حياة المؤمنين والكنائس خاصة عندما نقارنها بعد أكثر من 1500 سنة مع وضعنا الحالي المأساوي في الوطن، فرضت علينا هذه المقارنة ضرورة تعميم فحوى هذه الرسالة عن أهمية الأرض للمؤمنين والكنائس، وفي أدناه نصها:
--------------------------------
رسالة عمرها 1500 سنة
من مار أفرام إلى مار مارون
من دون الأرض لا كنائس فهي التي تحتضن شعبنا
============================================
أبني الحبيب مار مارون القورشي
تحية آرامية بالمسيح وبعد.
من قلب الرها، ومن الجبل المقدس، حيث النساك والصوامع، حيث الصلوات لا تنقطع، متواصلة إلى ربنا وفادينا يسوع المسيح، من هذه الأرض الباقية لنا لنمارس فيها إيماننا في حرية، أكتب لك بمحبة مذكراً أياك بما حل بنا من جراء تهجيرنا من مدينتنا الحبيبة نصيبين العام 363 ... أن منطق القوة هو الذي غلب علينا، فنحن الذين نؤمن بالمحبة والتسامح وبتساوي البشر جميعهم، يحيط بنا جيران قد تملكهم السعي إلى السيطرة والقهر وحب الذات والأنانية.
وفي سبيل تجنب ما حل بنا أوصي تلاميذك، بأن الأرض التي نعيش عليها هي إيماننا، فمن دونها لا كنائس وبالتالي لا مؤمنين، فالأرض تحتضن شعبنا، والشعب يحفظ الإيمان والتراث، وبهذين الإيمان والتراث تستمر رسالتنا عبر الأجيال.
أنتهت الرسالة
====================================================
هوامش:
رابي كورش يعقوب شليمون: مؤلف الكتاب، ولد عام 1900 في أورمي وعايش سنوات المأساة والتهجير أثناء مذابح سيفو والهجرة التراجيدية من شمال إيران إلى بعقوبة ثم أستقراره في بغداد. ففي المجال القومي والتعليم كان أستاذا بارعاً وعمل كمدرس ومديراً لسنوات عديدة للمدرسة الآشورية الإنكليكانية في ساحة الطيران قرب منطقة كمب الكيلاني في بغداد، المدرسة التي أسسها قاشا خندو يونان والتي أنجبت خيرة مثقفي أمتنا في تلك الفترة.
وليم مخيائيل: مترجم الكتاب، ناشط قومي ومؤلف ومترجم، كتب العديد من المقالات في الشأن القومي كما ترجم العديد من الكتب، عرفته شخصيا كمثابر وحريص على تراث أمتنا وإهمامه الكبير بالشأن القومي وإنخراطه في العمل القومي السياسي. في وقت نشر كتابه هذا عام 1995 قام بإهدائه نسخة منه لي وبالمقابل ثمنت جهوده المثمرة والقيمة في نشر الوعي القومي والتاريخي لأمتنا.
مار مارون القورشي: مؤسس وشفيع وأب الكنيسة السريانية الإنطاكية المارونية،  لقب بـ "القورشي" لأنه كان من منطقة قورش في شمال سوريا والتي كانت موطن التنسك والرهبنة والصوامع.
نصيبين: في عام 363 أندحر الروم أمام الفرس فأحتلوا المدينة ودمروا مدرستها الشهيرة والتي كان مار أفرام يدرس فيها فأنتقلت إلى الرها أو أورهي – حاليا أورفه في جنوب شرقي تركيا، ليستمر مار أفرام التعليم فيها ومن هناك بعث رسالته إلى القديس مار مارون.

53
أومتا و أومتانايوتا بين الوطن والمهجر
كُنا نعيش في الوطن ... وفي المهجر أصبح الوطن يعيش فينا
==============================
أبرم شبيرا

منذ البدء نقول بأنه سيلاحظ القارئ اللبيب بأن هناك نوع من التكرار والإعادة في هذا الموضوع لأنه سبق وأن تطرقنا إلى جوانب معينه منه في السابق، وبالتالي سيتهمنا بأنه ليس لنا موضوع غير إجترار ما سبق وأن كتبناه. ولكن بدورنا نقول:
أولا: لا مندوحة من أعادة طرح أفكار ومواضيع عن مشكلة أو حالة معينة طالمة هذه المشكلة هي مستدامة ومتواصل في مجتمعنا من دون البحث أو إيجاد حلول لها. فالطرق المستمر على المشكلة القومية المستدامة لا ضرر فيه لأنه لربما ستتقوض أو ستضعف هذه المشكلة كما يضعف الحديد من الطرق المستمر.
ثانياً: من المؤسف بأن هناك بعض قادة أحزابنا السياسية ورؤساء منظماتنا القومية حالهم كحال بعض رجال الكنيسة في أيامنا هذه حين يخطبون أو يكرزون على مؤمني الكنيسة يتصورون حالهم كأنهم في حيكاري يوجهون وعضهم إلى ناس بسطاء كلهم أذان صاغية، فحاله يشبه حال الراعي الذي يقود الغنم متجاهلين بقصد أو بجهل بأن مؤمني الكنيسة في هذه الأيام غير مؤمني أيام حكاري (صاموت لاموت) في أيام لم يكن يتجرأ مؤمن أن يسأل القس أو يجادله. نعم هكذا حال بعض من قادة أحزابنا السياسية ورؤساء منظماتنا القومية فهم فلاسفة لا يخطئون لا بل مصانون من الخطأ وعيب عليهم أن يسمعوا الكلام المفيد من هذا المثقف أو ذاك المفكر لأن هم فوق الجميع علماً وثقافة وشخصية و... هكذا حالة تفرض علينا أن نعيد ونكرر بعض المفاهيم الفكرية والسياسية لعل ستزيل الشمع من أذانهم ويسمعوها ويتقوا بها. من هنا أقول لمن لا يؤمن بهذه الأسباب في إعادة بعض من الأفكار والطروحات السابقة أن لا يقرأ الموضوع ويتعب حاله.   

على العموم نعود لموضوعنا، المقصود بـ "أومتا" مجموع من الناس تجمعهم عوامل مشتركة من لغة وأرض وتاريخ وعادات وتقاليد، والكلمة الصحيحة لها بالعربية هو قوم أو شعب أو أمة (Nation)، أي بالمفهوم الفلسفي هم الحقيقة الموضوعية أو البنية التحتية، وهي ظاهرة  موجود في الواقع الفعلي منذ زمن بعيد ولكن غير مدركة أو منعكسه في عقل الإنسان كفكر أو أيديولوجيا، أي هي الموضوع. أما "أومتانايوتا" ويمكن تسميتها بالعربي بـ "القومية" وبالإنكليزية (Nationalism). ففي اللغة الإنلكيزية عندما تدخل  (ism) على أي مصطلح معبر عن الواقع أو الموضوع يعطي معنى فكري وأيديولوجي كما هو الحال مع ((Social و (Socialism) أو (Capital) و (Capitalism) أو(Liberal)  و (Liberalism) وهكذا مع بقية المصطلحات الفكرية والسياسية.

فالقومية (Nationalism)، المصطلح الذي يعنينا في هذا الموضوع، هي البنى الفكرية للحقيقة الموضوعية أي للقوم أو الأمة (Nation) وهي إنعكاس أو إدراك فكري وأيديولوجي في فكر الأنسان ويمكن تسميتها بـ "الذات" والتي تظهر وتنعكس وتتأطر في مؤسسات فوقية تشكل البنى الفوقية مثل الأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية وجماعات الضغط ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي والتي يطلق عليها في علم الإجتماع السياسي بـ "الأجهزة الأيديولوجية". وهنا من الضروري أن نلاحظ بأن حديثنا عن البنية التحتية هو بصيغة المفرد في حين أشارتنا إلى البنى الفوقية هي بصيغة الجمع لأن الموضوع أو الواقع حقيقة واحدة وثابتة، أي الأرض أو الوطن أو القوم أو الشعب، في حين الأفكار والأيديولوجيا، أي البنى الفوقية، المنعكسة في الأجهزة الأيديولوجية هي متعددة وكثيرة، وهو الأمر الذي أفرز مفهوم التعددية في الحياة السياسية الذي هو ديدن الأنظمة السياسية الديموقراطية. في حين عندما تكون الأفكار والأيديولوجيا مأطرة بصيغة المفرد كقولنا بنية فوقية، أي هناك حزب واحد فقط أو تنظيم شامل يدعي بأنه ممثل الواقع والأمة كلها، فحينذاك نكون أزاء أنظمة سياسية دكتاتورية، من هذا المنطلق قلنا سابقا ونكرر قولنا بأنه مهما كان أي حزب من أحزابنا القومية (الكلدانية السريانية الآشورية) قوياً وجماهيرياً واسعاً لا يمكن أن يكون وحده ممثلاً للأمة ومعبر عن كل مصالحها العامة، ففي هذه الحالة نكون أزاء حزب ديكتاتوري أو أوليغاركي، أي حزب القلة.

على العموم فإن القومية ((Nationalism هي ظاهرة فكرية وسياسية لم تظهر إلا في عصر النهضة في أوروبا وإنعتاق الفكر والفلسفة من الدين والكنيسة منذ القرن السابع عشر وبما بعده. والعلاقة بين الموضوع والذات، أو تحول وإنتقال وإنعطاس الموضوع إلى الذات هو من المواضيع الفلسفية الذي حام حوله الكثير من المناقشات بين الكثير من الفلاسفة والمفكرين وكان الفيلسوف الألماني هيغل رائدا في هذا المجال ثم جاء كارل ماركس فطور مفهوم العلاقة بين الموضوع والذات من خلال إنتزاع مثالية هيغل منه، ولا نريد أن نخوض في هذا التناطح الفلسفي الطويل تجنبا لإطالة الموضوع، لكن ما نرغم القول هو بأن لكل ظاهرة إجتماعية، ومنها موضوعنا في القوم والقومية تقوم على علاقة جدلية تفاعلية بين الموضوع والذات، أي بين البنية التحتية والبنى الفوقية وأي خلل في هذه العلاقة يترتب عليها خلل في فهم وإدراك الظاهرة الإجتماعية.

أن الذي نرغب من هذه المقدمة هو الإشارة إلى أن جملة عوامل دولية وأقليمية ومحلية موضوعية وفكرية وحتى كنسية كانت قد أثرت تأثيراً عميقاً على قسم من أبناء شعبنا، وأقصد الآشوريين، أكثر من غيرهم من الكلدان والسريان، فأنتقل فيهم مفهوم (Nation)، أية الأمة أو القوم إلى (Nationalism) أي القومية بمفهومها الفكري. أي بعبارة أخرى، نشأت فيهم علاقة جدلية تفاعلية بين الموضوع (القوم أو الأمة) والذات أو الفكر، والتي تجسدت في عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات القومية ووسائل الإعلام من جرائد ومجلات التي شكلت بمجملها الحركة القومية الآشورية (Assyrian National Movement) أو(Assyrian Nationalism) وهو الأمر، أي التحول من الموضوع إلى الذات، الذي جعل الوعي القومي في عموم شعبنا أن يتفاوت بين الآشوريين والكلدان والسريان وبالتالي طغيان التسمية الآشورية على الحركة القومية، من هذا المنطلق ستكون الإشارة في هذا الموضوع إلى الآشوريين أكثر من غيرهم خاصة ونحن بصدد كلمات أومتا و أومتانايوتا التي يتداولها الآشوريون ليل نهار في أفكارهم وأعماله السياسية القومية، ولكن هذا لا يعني إستثناء أبناء التسميات الأخرى لأمتنا من كلدانية وسريانية من بعض الجوانب لهذه الظاهرة.

ولو أمعنا  النظر في الحركة القومية الآشورية، وركزنا على الصفة "الآشورية" المستمدة من أسم آشور نرى بأن هذا الأخير يستمد صفته من عدة مصادر حير العلماء في تحديد أصله، فهو من جهة أسم الأبن الثاني لسام أبن نوح، كما هو آله قومي وديني، وهو أيضاً أسم لمدينة آشور المقدسة، والأهم من كل هذا وذاك هو أسم أرض أو موطن أو بلاد، أي آشور، وهو الأمر الذي يعنينا في هذه السطور. وعندما نتكلم عن أمتانايوتا أو الحركة القومية الآشورية فهذا يعني إننا نتكلم عن السياسة بكل معنى الكلمة، لأن كل الحركات القومية هي في التحليل الأخير حركات سياسية. والقصد من السياسة ليس حسب تعريفها الأكاديمي وطبقاً لمعايير علم السياسة الذي يدرس في الجامعات، وإنما المراد بالسياسة هنا هو مفهومها الفلسفي القائم على الواقع والحقيقية ومن ثم على الممارسة. حيث لا يمكن للسياسة أن تقوم لها قائمة ما لم تكن هناك ممارسة. أي السياسة ليست علم وأفكار فحسب وإنما هي فن وممارسة أيضا، لهذا قيل عن السياسة بأنها علم وفن، أو أفكار وعمل، وقيل أيضاَ وتأكد واقعياً بأن الأفكار أو الأيديولوجيا دائماً تسبق نشؤ الحركات القومية والأحزاب السياسية.
أن أكثر المفاهيم شيوعاً عن هذا المعنى للسياسة هو اثنان ، وبإختصار: الأول: هو فن الممكن، والثاني: هو ديموغرافيا على جغرافيا، وقد سبق أن فصلنا فيهما في مناسبة سابقة. ومن الملاحظ بأن كلا المفهومين مرتبطان بالأرض، فالممكن هو ما يقوم على الأرض وينطبق عليها ويمارس على الواقع المادي وليس في الخيال. والجغرافيا حصراً يعني هنا الأرض. والأرض بهذا المفهوم السياسي هو المكان الذي يعيش وينشط الإنسان فيه والذي يعرف بالوطن أو الموطن والذي يترتب على كل إنسان يعيش فيه مجموعة من الحقوق والواجبات التي تحدد صفة المواطنة.
فالآشوري الذي يعيش في العراق، مثلا، وينشط ويعمل فيه يشكل بالنسبة له، أي وطن العراق، البنية التحتية له. فالفرد الآشوري، على سبيل المثال لا الحصر، الذي يعيش ويعمل ويننشط في الولايات المتحدة الأمريكية وأكتسب جنسيتها، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية وطنه من الناحية القانونية والفعلية والواقعية ويترتب عليه حزمة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات تمنحه صفة المواطن الأمريكي. أما وطنه الأولي، سواء أكان العراق أو سوريا أو تركيا أو إيران، أو ما يعرف عند الآشوريين القوميين بـ "آشور" فيبقى هو، أي آشور، موطنه من الناحية الفكرية والوجدانية. وهكذا الحال مع الآشوري في إستراليا أو السويد وغيرها من بلدان المهجر.
وبنظرة بسيطة على حال الحركة القومية الآشورية في بلدان المهجر المتمثلة في الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية نرى بأن "آشور" كأرض، أي كحقيقة موضوعية واقعية (الموضوع) أو بنية تحتية، هو جوهر وأساس فكرهم وأيديولوجيتهم في حين واقعياً هم يعيشون ويعملون وينشطون في موطنهم القانوني والفعلي أي بلدان المهجر، لنقل أميركا. أي بهذا المعنى نقول بأن الواقع او الموضوع او البنية التحية لهم هو آشور بعيد جدا عنهم، أي ليس هو البنية التحتية لأفكارهم وأيديولوجيتهم أو لبنيتهم الفكرية الفوقية طالما يعيشون وينشطون في المهجر.  بينما واقعهم الفعلي، أي البنية التحتية لهم هو المهجر والمجتمع الآشوري القائم فيه، ولكن نرى بأنهم ليل نهار يتغنون بـ "آشور". أي بهذا المعنى أن فكرهم وأيديولوجيتهم كبنية فوقية لا يتطابق مع البنية التحتية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية كأرض أو موطن أو مجتمع. أي بعبارة أخرى، هناك خلل في العلاقة بين البنية التحتية (أميركا كوطن وأرض) و البنى الفوقية المتثلة في فكرهم وأيديولوجيتهم المتأطر في أحزاب ومنظمات آشورية التي تأخذ من "آشور" البعيد جداً عنهم موضوعاً لفكرهم. أي هناك إغتراب في العمل القومي والسياسي في بلدان المهجر وهو الأمر الذي أدى في مجمله أن يكون مكتسباٌ طابعاً رومانسيا لا بل ونرجسياً أيضاً بعيداً عن العمل السياسي الحقيقي والمنتج الذي يتطلبه ممارسة واقعية يتطابق فيها البنية التحتية مع البنى الفوقية. هذه الحالة هي التي جعلت من العمل القومي الآشوري في بلدان المهجر أن يكون منسلخاً عن واقعه الذي يعيش فيه وبالتالي هو بعيداً عن تحقيق حتى الحد الإدنى من طموحات الآشوريين القومية، وهو الواقع الفعلي الذي ندركه في هذه الأيام من خلال إنحسار أو إنعدام النشاطات القومية السياسية وضمور أو تلاشي المؤسسات القومية والأحزاب السياسية الآشورية في بلدان الهجر.
فحتى تتناسب البنية الفوقية، أي الفكر والوعي القومي مع الواقع الموضوعي في المهجر، يجب على الأحزاب السياسية والمنظمات القومية الآشورية أن تستمد فكرها ووعها وبالتالي عملها من الواقع الآشوري في المهجر، الذي ملئه تناقضات وظواهر سلبية تتمثل سواء في العشائرية والطائفية أو التسيب أو اللامبالاة والأنانية وتهرب الكثير من المثقفين والأكادميين من تحمل مسؤوليات إجتماعية أو ثقافية أو عامة سواء في الأندية أوالمؤسسات وحتى في اللجان الكنسية، حينذاك تستقيم العلاقة بين البنية التحتية (الواقع في المهجر) وبين البنى الفوقية (أفكار وأحزاب ومنظمات) أي نكون أزاء توافق الأجهزة الأيديولوجية من واقع الحال المعايش في المهجر وهو الأمر المؤكد الذي سيساعد أحزابنا السياسية وحركتنا القومية في الوطن الأم "آشور". ولعل إنخراط أبناء شعبنا سواء بشكل مباشر أو عن طريق الأحزاب والمنظمات القومية في السياسة المحلية لبلدان المهجر والترشح لهياكل الدولة، سواء في الحكومات المحلية أو غيرها، هو السبيل الأمثل ليس لخدمة أبناء شعبنا في المهجر فحسب بل سيكون سند قوي لأبناء شعبنا الصامدين في أرض الوطن ولحركاتهم القومية وأحزابهم السياسية، فهذا هو الطريق القويم في خدمة "آشور" وليس النحيب على أطلال نينوى أو تشكيل منظمات تحلم في تحرير آشور من الإحتلال الكوردي. فالسوابق التاريخية لمثل هذه المنظمات أثبت وبشكل قاطع فشل كل جهودها في هذا السياق لأن صراخها كان في وادي عميق و بعيد جداً عن وديان جبار آشور ولم يعد يسمع حتى من قبل أصحاب هذه المنظمات، فكيف نتوقع من أبناء شعبنا في الوطن الهائمون على أمواج الظلم والإضطهاد والتهجير أن يسمعوا هكذا صراخات ويتوقعوا نتائج مثمرة من أحلام هذه المنظمات. السوابق التاريخية دروس لمن يريد الإستفادة منها في العصر الحالي ولكن للأسف الشديد كما قلنا سابقاً بأن معظم أن لم يكن جميع المنشغلين في السياسة القومية وفي قيادة أحزابنا السياسية والمنظمات، خاصة الغارقين في الإغتراب السياسي والقومي وإنفصام واقعهم عن فكرهم، أي إنفصام الذات (الفكر) عن الموضوع (الواقع) يحيطهم جهل مطبق في الكثير من الأمور الفكرية والسياسية ويعتقدون بأنه عيب عليهم أن يتعضوا من التجارب السابقة ويتعلموا منها غير مدركين بأن التجارب السابقة دروس وعير لمن يسير على  طريق النضال القومي ويحقق بعض الأهداف النافعة لأمتنا في الوطن.
==========================================
ملاحظة: على الرغم من إنشغالي الكثيف سواء بأمور وظيفية وضمان خبزنا اليومي أو بأخرى فكرية وكتابية إلا إنني أضطررت أن أبحث و أجدة فسحة من الوقت وأستخدمها لأكتب هذه السطور لأنه مع الأسف الشديد ما أراه على صفحات موقعنا العزيز عنكاوة دوت كوم أمر بائس وفقير وقلة الكتابة في شؤون أمتنا على الرغم من أن الموقع يقول هو (ملتقى أبناء شعبنا الكلداني الآشوري السرياني، وأبناء العراق كافة،) في مقارنة بما يكتب عن الأمور الأخرى. فاللوم طبعاً لا يقع على الموقع وربما ليس أيضا على مثقفين وكتاب شعبنا بل، كالعادة، نتهرب من هذا الواقع الأليم ونلقي اللوم ... كل اللوم على الزمن الظالم كما ألقوا أباؤنا وأجدادنا اللوم على هذا الزمن الظالم في فشل تحقيقهم الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة في أرض الوطن.



   

54
ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا ايمان لكم؟
(مرقس : 40:4)

==============================================
أبرم شبيرا
في بعض الأحيان ألجأ إلى الكتاب المقدس لإقتباس بعض العبر والأمثال والدروس التي ذكرها ربنا يسوع المسيح وأحاول إتخاذها كمنهج أو كدليل للبحث في موضوع يمس شعبنا الكلداني السرياني الآشوري سواء في الوطن أم في المهجر. وخلال الأيام القليلة الماضية، وأنا غائصاً في سطور إنجيل مرقس وجدت في الإصحاح الرابع صور واضحة عن حال شعبنا في هذه الأيام العصيبة. أصحاح يعبر عن صورة ناطقة عن الظروف العصيبة المأساوية التي عصرت وتعصر بشعبنا في الوطن وقادت الكثير منهم إلى هجره نحو المستقبل المجهول، صورة  وعن ظروف الضياع والتسيب والامبالاة في بلدان المهجر. ومن الملاحظ بأن الأطار العام الذي يأطر كل النتائج الناجمة من هذه الظروف المأساوية هو الخوف لا بل الرهبة أو ما يسمى بـ "الفوبيا من الضياع". فبسهولة يمكن تلمس لمسة اليد مثل هذا الخوف أو الخشية من ضياع أمتنا سواء في المأساة والفواجع والمتاهات المؤدية إلى هجرة الوطن وتركه أو من نتائج الضياع في مجتمعات المهجر التي هي بمثابة بوتقة الإنصهار، خاصة الحديث المرعب الذي في معظمه يدور عن إنقراض لغتنا القومية ومن ثم إنقراض أمتنا سواء في الوطن أم في المهجر.
ومن الملاحظ بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على عامة الناس، بل على الكثير من المثقفين والسياسيين ولا أستثنى منهم رجال الكنيسة. قبل بضعة سنوات كنت في حديث مع أحد أساقفة فرع من فروع كنيستنا المشرقية، قلت له لو سهل أمر هجرة أبناء شعبنا للوطن وفتح باب الفيزا لهاجر الوطن أكثر من 80% من شعبنا إلى الخارج والباقي سيكون من أتباع الكنيسة المؤمنين ورجالاتها. فقال أنت غلطان يا أبرم!!! لأن بعد هذه النسبة الكبيرة المهاجرة سأسافر أنا أيضا وأترك الوطن طالما لم يبقى لي رعية غير جدران الكنيسة الفارغة. وهذا ما نشاهده في الكثير من المناطق التي هجرها شعبنا. لا بل والأكثر من هذا فسيف الهجرة ضرب حتى رجال الكنيسة الذين لهم رعية معقولة النسبة فتركوا كنيستهم وهاجروا إلى بلدان الشتات.
صحيح هو أن المأساة والفواجع التي حلت وتحل بشعبنا في الوطن هي من الأسباب الرئيسية التي تدفع أبناء شعبنا إلى المهجر وبالتالي الخوف والضياع كأمة تاريخية في متاهاة العصر الحديث، فحال هؤلاء يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح عندما عصفت الرياح العاتية بسفينتهم وسيطر عليهم الخوف والرهبة فنهرهم اليسوع وقال لهم "ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم"، كما ورد في إصحاح مرقس المذكور. وفي ترجمات أخرى تذكر "مابالكُم خائفين هذا الخوف؟.. إلى الآن لا تؤمنون؟". ثم أنقذ يسوع اليسوع تلاميذه من الغرق وإبتلاع البحر لسيفنتهم. وهنا من الضروري التأكيد على المغزى المراد أخذه من هذا الإصحاح وإعتماده كمنهج ليس لإغراض روحية ودينة وكنسية، بل لهدف فهم بعض الوقائع الموضوعية في عالمنا الواقعي وإقتباس منهجه بما يمكن إقتباسه من هذا الإصحاح الرائع والنظر من خلاله إلى أمواج البحر الهائجة التي تلطم بأبناء شعبنا وتدفعه نحو الضياع والموت كأمة تاريخية. الإيمان ... ثم الإيمان، ليس بمفهومه الديني فحسب بل بمفهوم إيمان الرجل بنفسه وبجماعته ومن ثم بوطنه ليكون هذا الإيمان سبيلا بسيطاً وأولياً لخلاص الإنسان. فقلة الإيمان أو إنعدامه عن الإنسان يفقد وجوديته وكينونته وهويته الجمعية وحتى القومية. فهو العامل المعنوي الذي قد يدفع شعبنا على بداية طريق الخلاص وإنقاذه في نهاية المطاف من الضياع النهائي والكلي. أتذكر بعض الأقوال لأبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو وأخص بالذكر منها عندما ذكر قبل سنوات وقال صحيح أن شعبنا يهاجر الوطن بأعداد كبيرة ولكن هناك أيضا من أبناء شعبنا لا يزال باقي في الوطن ويرغب البقاء والصمود فيه رغم كل المأساة والمعاناة. فلو تسنى لنا مجازا الولوج في نفسية هؤلاء الصامدين على أرض الوطن لوجدنا فيهم نوع من الإيمان بضرورة الإلتصاق بتربة الوطن لا بل تأكيد نفسه كأنسان وتعزيز هويته المرتبطة بالأرض التي عاش عليها هو وأجداده العظام.
فحال أبناء شعبنا في الوطن يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح وهم هائمين ضائعين بين أمواج البحر. فأمواج الظلم والإستبداد والقهر تعصف بسفينتهم وتعرضهم للضياع والموت في ظلمات البحر الهائج. ومما يزيد من سرعة هلاك ركاب السفينة وغرقها هو الشيطان المتمثل في جدالهم وخصامهم ونزاعاتهم وقلة، أو إنعدام الإيمان بقدرتهم على الخلاص من الضياع والغرق. ذلك الإيمان بأن مصيرهم لا محال هو واحد لا يفرق بين هذا أو ذاك. فالبحر غدار، كما كان داعش والقاعدة والتطرف الإسلامي الذي يضع كل أبناء شعبنا دون إستثناء طائفي أو تسموي أو عشائري أو إنتمائي تحت مقصلة التدمير والإفناء. فلا أحد من ركاب السفينة يتخلص من هذه المظالم عبر طائفته ولا عشيرته ولا بإرتمائه في أحضان الغير، بل الخلاص المتاح للجميع دون إستثناء هو الإيمان بأن التكاتف والتضامن والتعاون بينهم هو السبيل الممكن لقيادة السفينة نحو بر الأمان، ثم حين ذاك، أي بعد الخلاص، ليدخلوا الجميع في حوارات حضارية متمدنة لتجنب تجارب تعرض سفينتهم إلى نفس أمواج البحر القاتلة.
صحيح هو أن هناك عوامل كثيرة تحول دون تفاهم وتقارب بين من يمثل شعبنا أو قادتنا سواء على المستوى القومي أو الكنسي ولكن ليعرف الجميع بأن تحقيق مصلحة معينة لهذا الجزء من شعبنا أو ذاك أو حصول ممثله على كرسي في هياكل الدولة العراقية ليس هذا إلا وهما عن الخلاص لأن مصيره في التحليل الأخير هو كمصير غيره من ركاب السفينة المعرضة للغرق. الإيمان... ثم الإيمان بمصيرنا المشترك ثم العمل بقدر الإمكان لتحقيق ولو جزء قليل من مصلحة شعبنا هو السبيل المتاح للخلاص من هذه الأمواج العاتية والقاتلة. فالبحر بأمواجه الهائجة لا يرحم أحد إذا لم يرحم ركاب السفينة حالهم ويتكاتفوا بعضهم ببعض للوصول إلى بر الإيمان. صحيح هو من يقول بأن مثل هذا الإيمان لا يستطيع بشكل مباشر من إيقاف الهجرة أو تقليل منها ولا أن يضع حجر على حجر لإعادة بناء قرانا وكنائسنا ولا أن يقضي على الظلم والإستبداد المفروض على شعبنا في الوطن. ولكن لنقول بملئ الفهم بأنه لا يمكن للإنسان مهما كانت قوته وإمكانياته ومواقعه أن يحقق أي نتيجة مثمرة من عمله مالم يكون مؤمناً بهدف عمله. إذن، حتى يكون عمل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية والكنسية أيضا منتجاً لنتائج مثمرة لا بد أن يكون هناك نوع من الإيمان بهذا العمل والهدف المراد تحقيقه. وهنا نعيد ونكرر القول بأن تحقيق نتيجة مثمرة من أعمال أي تنظيم من تنظيمات شعبنا هو وهم فيما أذا أعتبر نفسه بأنه ليس من ركاب السفينة الهائمة بين أمواج البحر القاتل. فالإيمان بوحدة المصير هو السبيل الوحيد لوصول إلى بر الإيمان ومن ثم بعد ذلك نبدأ بالتفكير في كيفية بناء قرانا وكنائسنا ومحاولة التخفيف من هجرة أبناء شعبنا إلى بلدن الشتات.
مهلاً... مهلاً... كيف الحال ونحن الذين نصبنا خيامنا في بلدان المهجر ونتكلم عن غرق السفينة وهلاك ركابها؟؟ فأمرغرق السفينة بركابها لا يهمنا طالمنا نحن على اليابسة نستمع بحياة سعيدة وبرفاهية بعيدين عن الأمواج القاتلة لداعش والتطرف الإسلامي. كما أن الفضاء السياسي الديموقراطي يوفر لنا مجالاً واسعاً للإجتماع والحديث الحماسي وبأقوى الكلمات والتصريحات عن خلاص الأمة لا بل  حتى عن "تحرير آشور المحتلة"!!!؟؟؟.. ولكن لنكن، أولهم أنا قبل غيري، يقينيين بكل قناعة وصدق وإيمان بأنه لا يمكن لأي كلداني أو سرياني أو آشوري أن يبقى كلدانياً أو سريانياً أو آشورياً ويفتخر وبإعتزاء بإنتماءه لهذه التسميات الحضارية الجملية إذا تعرض ركاب السفينة الكلدانية السريانية الآشورية إلى الغرق والموت... فالمصير واحد إينما كنا سواء في الوطن أم المهجر ولا يمكن إطلاقا الإحتماء تحت المظلة الديموقراطية المنصوبة في بلدان المهجر وأن تبقى كلدانياً أو سريانيا أو آشورياً إذا تعرضت سفينتنا القومية في الوطن إلى الغرق.  فالوطن هو التربة الصالحة وأبناء شعبنا هناك هم الجذور المتعمقة في هذه التربة وهم الأغصان الصلدة. أما نحن في المهجر فلسنا غير أغصان معرضة للكسر وأوراق مهلهة لا حياة لها إلا إذا أرتبط بالأغصان الصلدة وبالجذور المتعمة في تربة الأباء والأجداد. وعندما أقول مرتبطة يعني متصلة إتصالاً صميماً وموضوعية قابلة لتعزيز ومساعدة من هم صامدين في أرض الوطن وليس عن طريق الأوهام والخزعبلات والسباحة في فنجان قهوة. فلننتبه جميعاً بأن ما يصيب شعبنا في الوطن خاصة غرق سفينته في البحر القاتل سيصيب أبناء شعبنا في المهجر وستغرق هويته القومية وحتى الكنسية في أتون الضياعة والإنصهار في هذه البلدان مالم يعتبر نفسه أحد ركاب هذه السفينة القومية.
وأخيراً لم يبقى إلا أن أوكد، خاصة لأبناء شعبنا في المهجر، وأنا أولهم، بأن الإيمان بوحدة ومصير هذه الأمة وبكل تسمياتها الحضارية الجميلة لا يعني ترك بيته في المهجرة والعودة إلى الوطن للإستقرار فيه، بل الإبقاء بصلة بينهم وهم في المهجر وبين الوطن.. ولعل زيارة  إلى أرض الوطن  مرة واحدة في السنة قد يعزز هذه الصلة ويتلمس معاناة شعبنا هناك، وقد يستطيع أن يمد يد الخير والمساعدة والتضامن فلربما سيكون ذلك عاملاً مساعدا للتخفيف من الأمواج العاتية التي تعصف بسفينة أمتنا في أرض الوطن. ومن يريد التعلم عن هذه الصلة ليذهب ويتعلم من تجربة منظمة كشرو التي في كل عام تأخذ مجموعة كبيرة من الشباب والشابات لزيارة الوطن والتفاعل هناك مع أبناء شعبنا. وهنا قد يتحجج البعض بحجة عجز الحالة المادية وعدم إمكانية توفير تكاليف السفر إلى أرض الوطن. ولكن لنكن على يقين بأن معظم أبناء شعبنا أو أكثريته في المهجر يقومون سنوياً بسفرات سياحية إلى بلدان مختلفة ويصرفون مبالغ كبيرة، وهذا من حقهم ولا عتاب عليهم من توفير أجواء الراحة والإستجمام له ولعائلته، ولكن قد تكون التكاليف المالية لزيارة الوطن أقبل بكثير ولكن من ناحية أخرى ستوفر مثل هذه الزيارة لا الراحة والإستجمام فحسب وإنما أيضا الإعتزاء بالهوية القومية وبصلة الإرتباط بأرض الوطن، والأكثر من هذا فأن مثل هذه الزيارة ستشرعن كلدانيتك وسريانيتك وآشوريتك، أفلا تستحق هويتك بعض القروش التي تعتز بها ليل نهار امام الغير وتصرح بها جهاراً؟؟       
 
 



55
روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم …ثم تعالوا
=========================
أبرم شبيرا

روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم… ثم تعالوا – 1919
-----------------------------
في ربيع من عام 1919 بعث الآشوريون من مختلف الطوائف والمناطق والدول وفدا، أو بالأحرى وفود، إلى مؤتمر فرساي في فرنسا عقب إنتهاء الحرب الكونية الأولى وبداية تسويات الحدود الدولية وتقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية "الرجل المريض" وتوزيعها بين الدول المنتصرة، للمطالبة بحصة للآشوريين أو وطن من الأراضي التي سيتم تقسيمها. وكان الوفد يتضمن مار أبرم برصوم مطران الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة الأمريكية (فيما بعد بطريرك)، والقس يوئيل وردا من الجمعية الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية والدكتور إيشا ماليك يونان من الكنائس البروتستانية والسيد شمعون كنجا من روسيا، من المحتمل من الكنيسة الأرثوذكسية. وكانت كنيسة المشرق الآشورية، المنعوتة بـ "النسطورية"، قد بعثت السيدة سورما خانم، أخت البطريرك حينذاك لحضور المؤتمر كممثلة لأتباع هذه الكنيسة في العراق. وفي طريقها وقبل ذهابها إلى المؤتمر عرجت على لندن للإجتماع بالمسؤوليين البريطانيين حسب طلبهم فأستقبلت من قبلهم في لندن بحفاوة متمشدقين بشجاعتها وشخصيتها ومنحها بعض الأنواطة والألقاب الشرفية ثم ألتقت برئيس أساقفة كانتربيري وبالتالي حجزت في دير هناك لحين إنتهاء المؤتمر ومن ثم عودتها إلى العراق خالية الوفاض من دون أن تزور فرساي.

سعى أعضاء الوفود المذكورة أعلاه حضور المؤتمر بشكل إنفرادي وبمطاليب مختلفة وليس كوفد موحد، فلم يسمح لهم الدنو من عتبة قاعة المؤتمر غير أن يلتقي بهم السكرتير العام للمؤتمر. وفي نهاية اللقاء معهم قال لهم: روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا، أي بعبارة أخرى كان كلام السكرتير العام للمؤتمر طرداً محترماً لهم. ثم ذهب بعضهم للقاء السيدة سورما خانم في لندن قبل مغادرتها والعودة إلى العراق فقالت لهم وبكل صراحة "ليس هناك من فائدة لحضور المؤتمر فقد أخذت الحكومة البريطانية كل شيء في يدها وقالوا سيعملون بما يستطيعون من أجل الآشوريين، لذا ليس لنا وفد لحضور مؤتمر فرساي، فالوفد البريطاني عمل شيئاً ما نيابة عنا والذي لا نعرف ماهو"!!!، والقصة المأساوية لخيانة بريطانيا ونتائجها معروفة للقارئ اللبيب ولا يستوجب إعادتها.
رحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم… ثم وتعالوا – 2016
----------------------------
بعد تقريبا قرن من الزمن، وتحديداً بعد 97 عاماً، ألتقى السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان حينذاك بعدد من ممثلي الأحزاب السياسية المسيحية. وأثناء الإجتماع حثهم السيد البارزاني وبشكل مشدد على حتمية توحيد المسيحيين كلمتهم قبل تحرير الموصل وضرورة الإتفاق المسبق بينهم قبل غوض معركة تحرير الموصل ومن ثم يتم النظر في مطلبهم بتحويل سهل نينوى إلى محافظة. أي بعبارة أخرى تكرر نفس التوجيه في: روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا!! وفي حينها كتبنا موضوعاً في سياق هذا اللقاء.

بين عام 1919 وعام 2016 سبعة وتسعون عاما، سجل مكتظ بالمأساة والفواجع والمذابح والتشريد وحتى يومنا هذا، فلم يتعض قط زعماء أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ولا زعماء كنائسنا شيئاً من التاريخ فأستمروا في التعثر بنفس الحجر، حجر التفرقة وعدم الإتفاق. والجاهل هو من يتعثر بنفس الحجر مرتين، وهذا ما قلناه في السابق. ولا شك إطلاقاً بان أسباب هذه المأساة والفواجع، كما هو معروف ترجع إلى خضوع أبناء أمتنا إلى أنظمة إستبدادية وطغاة عتات لم يكن فيها من مجال لمواجهة هذه التحديات الماحقة والخلاص منها ثم الوصول إلى وضع قد يخفف من نتائج هذه الأحوال المأساوية. هكذا فالكل من أبناء شعبنا وقادتنا القومية والكنسية يلقون اللوم... وكل اللوم على طغاة التاريخ أمثال مير بدر خان وسمكو الشيكاكي وبكر صدقي وحجي رمضان ورجال الحكم الذين أختصبوا السلطة في العراق وعلى حزب البعث والقاعدة والزرقاوي ودعاش وعلى كل المتطرفين الإسلاميين الذين أرتكبوا جرائم بحق شعبنا في وطنه التاريخي، ولكن من دون أن نبحث وبجدية وموضوعية عن الأسباب الداخلية المتعلقة بشعبنا التي هي تشكل أس الأساس في معظم هذه الأحوال المأساوية والماحقة... نعم نرى القشة في عيون غيرنا ولا نرى الخشبة في عيوننا. مجرد مثال في هذا السياق لأن القشة في عيون أعداء شعبنا كانت حزمات خشبية كبيرة جداً في مقارنة مع الخشبة في عيون شعبنا، ولكن مع هذا يستوجب بل واجب علينا أن نتطلع في هذه الخشبة ونحاول أخراجها من عيون شعبنا.

لو راجعنا حيثيات التاريخ المخجل في بعض جوانبه، نرى بأن جرائم مير بدرخان في منتصف القرن التاسع عشر لم تكن لتصل إلى حد ذبح الألاف من أبناء شعبنا وتشريدهم وتحطيم البنية التحتية للمجتمع في حيكاري، لو كانت العشائر الآشورية متوحدة. حيث أستطاع هذا المجرم من إقناع بعض العشائر الآشورية للوقوف على الحياد وبوعود مغرية كاذبة فأستطاع من التفرغ للتنكيل بالعشائر الآشورية خاصة عشائر تياري وتخوما التي أستشهد فيها ماليك إسماعيل من تياري العليا. ثم ما أن فرغ من جرائمه حتى أدار سيفه نحو العشائر الأخرى التي وقفت موقف الحياد وكمل جرائمه بالتنكيل بهم. والمشهد الدراماتيكي تكرر أثناء مذابح سيفو عشية الحرب الكونية الأولى والتي أرتكبت من قبل بعض مجرمي الدولة العثمانية. ففي الوقت الذي كانت السلطات العثمانية تصدر فرمانات بأن المسيحيين جميعهم محميين وسوف لا يتعرضون إلى الظلم والإضطهاد والتنكيل فيما إذا وقفوا على الحياد، صدق بعض قادة وزعماء أبناء شعبنا هذه البلاغات وتنحوا جانبا من ساحات الوغى ولكن في عين الوقت كان الولاة وحكام المقاطعات العثمانية وبعض زعماء الكورد يحصدون رؤس جميع المسيحيين من دون إستثناء أحد. لقد ذكرنا سابقا من مذكرات أحد المبشرين الغربين في المنطقة أثناء مذابح سيفو حين قال للقائد العثماني "لماذا تذبح الآشوريين في حين أن فرمان الباب العالي يخص الأرمن فقط" فقال القائد العثماني "أنا لا أفرق بين الروث – براز البقر – الجاف والروث الرطب فكلاهما روث ورائحتما كريه".

وقصة كوريال البازي وأبنه الوحيد وليم من مدينة دهوك أثناء مذابح سميل عام 1933 معروفة للكثير من القراء والذي كان مؤيدا وبشكل حماسي للحكومة العراقية حينذاك حيث أحتمى في منزله أكثر من 80 شخصاً ومن بينهم رجال دين وكان العلم العراقي يرفرف على سطح منزله كإشارة لتأييده "الوطني" للحكومة العراقية. غير أنه بمجرد أن بدأت عمليات القتل والذبح في سميل والمناطق المجاورة هاجمت قوات المجرم بكر صدقي منزله ونكلوا بجميع المحتمين في البيت ومن بينهم أبنه وليم، حتى قيل على لسان شهود عيان أن القس الذي كان من بينهم قد صلب بشكل مقلوب أمام باب المنزل وقطع عضوه الذكوري ووضع في فمه. وعلى الجانب السياسي دبً الخوف والخنوع في الكثير من المؤيدين للحكومة. فبينما كان مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في تلك الفترة يقدم طلباً تلو الطلب مناشداً الدول الكبرى والمنظمات الدولية لضمان حقوق الآشوريين في العراق، كان غيره يقدمون العرائض سواء للحكومة العراقية أم إلى عصبة الأمم يدينون زعماء الحركة الآشورية في تلك الفترة وينعتون البطريرك مار شمعون بالخائن وتكذيبه عن تمثيل الآشوريين مؤكدين في عرائضم بأن الحكومة العراقية رحيمة معهم وضامنة لسلامتهم وإستقرارهم. غير أنه بعد تصفية الحركة الآشورية ونفي البطريرك وعائلته خارج العراق وإسقاط الجنسية العراقية عنهم، لم تنسى الحكومة العراقية أفضال هؤلاء المتعاونين معها فشرعت قوانين وأنظمة وتعليمات وضعت جميع الآشوريين في العراق في أوطأ درجة بين الشعب العراقي وفرضت عليهم قوانين عقدت مسألة الحصول على الجنسية العراقية وحرموا من الكثير من الإمتيازات الوطنية ومن الحصول على وظائف حساسة سواء في القطاعين المدني و العسكري بأستثناء نفر قليل حيث تلئلت نجمة أو أكثر على أكتافهم خدمة للجيش الذي ذبح الآشوريين في سميل. هذه بعض القصص المأساوية ولا يستوجب ذكر أكثر منها.

هذه شذرات من التاريخ المأساوي لشعبنا ولا شك فيها إطلاقا بأن خضوع شعبنا إلى الأنظمة الإستبداية والطغاة كان سبباً واضحاً في معاناته المستديمة. ولكن من المؤكد لو... أعيد وأقول لو كان شعبنا متوحد ومتفق ولو على الحد الأدنى  لكانت درجات الإستبداد والظلم وهضم الحقوق قد خفت بعض الشي أو على الأقل حفظ شعبنا شيئاً من كرامته القومية أثناء هذه الحوادث وكسب أحترام الآخرين. ومما لا شك فيه بأنه حتى "لو كان شعبنا متوحد ومتفق" فأنه لم يكن بالمستطاع القضاء على الإستبداد والظلم ومنع قوع الجرائم الإنسانية التي أرتكبت بحقه بالتمام والكمال، ولكن كان من الممكن جداً أن يعطي هذا التوحد والإتفاق نوع من الثقة لدى أبناء شعبنا بقادته ويخفف ولو قليلا من معاناته المأساوية ويخلق نوع من الإستدامة في الصيرورة القومية والسياسية لشعبنا نحو المستقبل وتشكل سوابق تاريخية كان من الممكن أن تفيد الأجيال القادمة لكي لا تقع في نفس المستنقع.

هكذا كلما نتذكر جرائم مير بدرخان وطلعت باشا وسمكو الشيكاكي وبكر صدقي وحجي رمضان وخيانة الإنكليز ومأساة مذبحة سميل نبدأ برشح الحبر في وجوهم ونلقي كل اللوم... نعم كل اللوم عليهم ولا نتجرأ  النظر في المرآة لكي نكتشف عيوبنا. قال الغرباء رحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا حتى ننظر فيها ونتقصى مدى إمكانية تحقيق مطالبكم. وهذا الشرط في توحيد الكلمة والمطلب كأساس للجلوس معاً والإستماع إلى المطلب قد ينتهي بنتيجة إيجابية مفيدة للصالح العام لشعبنا أو قد يكون مجرد مجاملة ونفاق لإظهار الغير، أو الأصح السالب لحقوقنا القومية والوطنية،  بأنه ديموقراطي ومنفتح للمختلف ليبدأ بالقول بأن المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين لا يساعدون أنفسهم فكيف نستطيع أن نساعدهم؟... لا نعرف ماذا يريدون وماذا يطلبون؟؟ وبالتالي فالتفاهم معهم صعب ولا يمكن الوصول إلى نتيجة. وعلى الجانب الآخر، فلو ... فلو كان زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية متوحدة في كلمتها ومطلبها لكان هذا الشرط غائباً وغير مطروق في الإجتماعات. لا بل لكان هذا التوحد في الكلمة والمطلب سلاحاً قويا في أيدي زعمائنا ومن الصعب على الإخرين مواجهته وبالتالي سيضطر إلى سماع كلمتهم ومطلبهم.

بالأمس القريب وليس بالماضي البعيد، نأخذ مثال طازج "فريش" في هذا السياق ولا نذهب بعيدا عن الأمثلة القديمة... بالأمس القريب عين رئيس وزراء إقليم كردستان أحد المسيحيين من أعضاء حزبه، أي الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي)، بمنصب وزير الموصلات، فإنهالت الإحتجاجات من قبل بعض أحزاب ومنظمات شعبنا في الإقليم على هذا التعيين على أساس أنه "سرقة" من سرقات السلطات في الإقليم لحقوقنا السياسية. ولكن هنا نتساءل مالذي جعل رئيس وزراء الإقليم أن يتمادى على حقوقنا وأن يختار هذا المسيحي من نفس حزبه ولم يختار مسيحي من أعضاء أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية؟؟ الجواب بسيط وواضح من خلال العبارة التي ذكرناها في صدر هذا الموضوع "روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم .. ثم تعالوا ننظر فيها".. فلوا فرضنا أختار رئيس وزراء الإقليم فعلاً أحد الأعضاء من الأحزاب المسيحية لمنصب الوزير لإنهالت التهم والإهانات من بقية الأحزاب السياسية وزاد سعير الخلاف والإنشاق بينهم لا بل ينفتح قاموس التهم والإهانات وتبدأ قراءة آيات كونه هذا الحزب أو زعيمه عميل أو صنيع الحزب الذي ينتمي إليه رئيس وزراء الإقليم. والتاريخ القريب والمعاصر شاهد على ما أقوله. ولتجنب مثل هذه الأحوال السيئة، ولصعوبة أو رفض قبول ترشيح عضو في حزب معين من قبل الأحزاب الأخرى، فأقل الإيمان هو إمكانية الإتفاق على شخصية مستقلة محترمة في مجتمعنا ولها سمعة جيدة ويتمتع بوعي قومي وثقافي وحرفي ليتم ترشيحه لمنصب وزاري، حينذاك لا أعتقد بأن السيد رئيس وزراء الإقليم كان يتجرأ ويرفضه.
 
فلو فعلاً كان قد سمع وفود شعبنا عام 1919 كلام السكرتير العام لمؤتمر فرساي ونصحية السيد مسعود البارزاني عام 2016، وبين التاريخين عشرات من مثل هذا الكلام، وأستطاعوا توحيد خطابهم السياسي ومطلبهم، ولو في حده الأدنى، لربما كان الأمر مختلفاً بعض الشئ ولربما قد إستجابوا لمطلب ممثلي شعبنا أو ربما لا يستجيبوا، ولكن الأهم من هذا وذاك، والذي يعنينا ونحن بصدد هذا الموضوع في وحدة الخطاب السياسي، هو ظهور زعماء شعبنا كقوة متوحدة في مواجهة التحديات ومن ثم أنعكاس ذلك على تصاعد معنويات شعبنا في هذه الظروف الصعبة وبالتالي تزايد نسبة الثقة أو التقليل من إنحطاطها بين أبناء شعبنا تجاه أحزابنا السياسية. والأكثر من هذا هو إجبار المقابل على إحترامنا وضمان حقوقنا القومية بالشكل السليم ومنعه من التلاعب بطرق مختلفة قابلة وبسهولة لتبريرها وفرضها كواقع حتمي بحجة عدم وحدة المسيحيين وغياب وحدة الخطاب السياسي والمطلب القومي الموحد بين أحزابهم السياسية.

هنا نفترض حتى لو أمكن أن توحد أحزابنا السياسية خطابها ومطلبها وواجهة المقابل بهذا المطلب، وأن تطلب أن لا تتدخل السلطة والأحزاب المهيمنة في شأن تعيين وزير أو سلب كراسي الكوتا عن طريق صبيانهم، او لنقل بأن مساعي حصر التصويت للكوتا بالمسيحيين فقط قد طبق، أفهل سينجح الأمر ويحقق وحدة الخطاب السياسي النتائج المرجوة والهادفة لخدمة المصلحة العامة لشعبنا؟؟ وقبل الإجابة على مثل هذا التساؤل، نقول ونؤكد حقيقة واقعية وموضوعية وهي أن شعبنا هو شعب صغير وتناقضاته ليس فكرية أو أيديولوجية بل كل ما يفرق هذا الحزب عن ذاك هو إختلاف في المواقف وفي المسائل الشسخصية وليس أكثر، وفي بعض الأحيان قد يصل إلى الخلاف ثم الطلاق. مما لا شك فيه هناك أحزاب ومنظمات وكتل هي في الحقيقة أوجه أو صبيان مرتمة بشكل مباشر أو غير مباشر في أحضان أحزاب الغير خلقت بهدف سرقة كراسي الكوتا المسيحية وتمثيل المسحيين "رسمياً" والتحدث بأسمهم من منصة الكراسي البرلمانية التي سرقت علناً من حق شعبنا. هذه الأمور كلها عقدت مسألة الوصول إلى خطاب سياسي ومطلب موحد. لأن الأمر محسوم بالنسبة لصبيان أحزاب الغير فالخلاف بل التناقض مع ما يحملونه من أفكار الغير ومصالح الغير هي قائمة على تناقضات فكرية ودينية وقومية وحضارية وثقافية لايمك إطلاقاً الإتفاق معهم. أما بالنسبة للأحزاب والتنظيمات المتعاملة مع أحزاب الغير قد يكون الأمر أهون للوصول إلى وحدة المطلب فيما إذا تمكن أحزابنا القومية المستقلة من الأخذ والعطاء للوصول إلى القواسم المشتركة التي تفيد مصلحة الجميع المشتركة. ثم يبقى الأمر بين أحزابنا القومية المستقلة ومدى إمكانية التوصل إلى وحدة المطلب. أفهل هذا الأخير ممكن؟ من المؤسف أن نقول مرة أخرى الجواب هو كلا، لأن الأمر ليس في غياب وحدة الخطاب والمطلب القومي الموحد بينهم فحسب، الذي هو أحد أعراض المرض القاتل لشعبنا، بل العلة في سبب هذا المرض. فتخفيف أوجاع وأعراض المرض بالمهدئات لا يقضى على المرض بل ستعود هذه الأوجاع مرة أخرى طالما سبب المرض لازال قائماً والكامن علته في فايروس قابل للإنتعاش فيما إذا أتحيت له الظروف المناسبة أو تكيف ضد المهدئات والمضادات الحيوية. وهناك العشرات من محاولات الوصول إلى وحدة الخطاب السياسية عبر تحالفات وإتحادات وجبهات ولكن ما ان وقفت على ساحة العمل القومي حتى إنهارت. وخير مثال على ذلك هو "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" رحمه الله.

لنقترب أكثر ونذكر مثال طازج "فريش" آخر وقريب علينا. في الفترة القليلة الماضية أتفق أحزابنا الثلاث، الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) وحزب أبناء النهرين (كيان)، باعتبارهم أحزاب قومية مستقلة، على توحيد كلمتهم ومنهاجهم للمشاركة كقائمة موحدة في إنتخابات برلمان إقليم كردستان الأخيرة، غير أن الكيان لم يكمل المشوار حيث أنفرط عقده مع الحزبين الآخرين وقرر عدم المشاركة في الإنتخابات بسبب عدم إستجابة السلطات الحكومية في الإقليم على مطلب حصر التصويت للكوتا المسيحية بالمسيحيين فقط. ولكن هذا السبب لا يخفي سبب آخر له خلفية تتعلق بالشخص الذي سيترأس القائمة الموحدة وهو السكرتير العام لزوعا الذي لم يكن مقبولا من قبل الكيان لأنه بالنتيجة وعلى الأغلب سيحصل على كرسي برلماني طالما هو رقم (1) في القائمة التي عرفت بقائمة الرافدين. ثم تكرر المشهد الدراماتيكي بين الحزبين الآخرين، زوعا وأترنايا، فعلى الرغم من حصول رئيس القائمة السيد يونادم كنا على أصوات أكثر بكثير من غيره ومن رئيس حزب أترنايا السيد عمانوئيل خوشابا المتحالف معه، إلا أن النظام الإنتخابي الفاسد لنظام سياسي فاسد أبعد يونادم وبالمقابل جلس عمانوئيل على كرسي البرلمان. ولما وجد السيد عمانوئيل حلاوة  الكرسي أحلى بكثير من حلاوة أتفاقه مع زوعا، لا بل أكثر وأكثر من حلاوة المصلحة القومية فحاول الإستمتاع بهذه الحلاوة وحده وعلى حساب مبدأ الإتفاق والمصلحة العامة لشعبنا وعلى سمعته السياسية في العراق، فأخذ يضرب يميناً وشمالاً من دون وازع وإحترام لا لمؤسساتنا القومية ولا الكنسية ولم يستثنى من هذا حتى أعلى مركز كنسي متمثل في غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم وبالنتيجة أنقضى أستمتاعه بهذه الحلاوة فتم سحب الكرسي من تحته وذهب إلى السيد يونادم كنا. واليوم المدعو ريان الداعشي الذي يتكنى نفسه بالأسم الحضاري المقدس لشعبنا "الكلداني" لغرض إخفاء داعشيته ربما تعلم وقلد السيد عمانوئيل في سياق تهجمه على غبطة البطريرك.

لنمعن النظر وبدقة وعمق في هذه الحقائق الموضوعية لنرى بأن العلة الأساسية في عدم الإتفاق سواء بين أحزابنا السياسية وحتى القومية المستقلة منها والتي تعيننا في وحدة الخطاب السياسي والمطلب القومي الموحد نجد الكرسي بما يعنيه هذا الكرسي، ليس كخشب مصنوع للجلوس عليه فحسب، بل بما يفرزه من مغريات ومنافع ومواقع وسلطة وهيبة وكبرياء وربما تعالي وغرور أيضا، وهو الأساس أو الفايروس الذي يضرب ضربته القاصمة في وحدة شعبنا ويحول دون تحقيق مصلحته القومية والسياسية في العراق ولو في حدها الأدنى. ولو حاولنا أن نحشر أنفسنا أكثر فأكثر في دهاليز حزب من أحزابنا سنرى بأن فايروس الكرسي قد ضرب ضربته بين أعضاء هذا الحزب أو قيادته، فقصم ظهر بعضهم فتركوا الحزب لأنه لم يعطى لهم فسحة إمكانية الجلوس على هذا الكرسي اللعين أو أن أسمه لم يكن في صدر القائمة الإنتخابية. أقولها بكل صدق وبدون مجاملة أو رياء بأن كل الإنشاقات التي ضربت أحزابنا السياسية هي بسب هذا الكرسي وبسبب الشخص الجالس عليه وهناك العشرات من الأمثلة المعاشة في هذا المجال، والقارئ اللبيب تكفيه هذه الإشارة.

صحيح أن لشعبنا أعداء كثر سواء أكانوا من الطورانية التركية أو من التطرف الإسلامي والتعصب الكوردي والقومانيون العرب، لكن العدو رقم واحد الذي يقصم ظهر امتنا ويحول دو وحدتنا حتى في الحد الأدنى هو الكرسي. وبعبارة أخرى، نستطيع أن نقول بأن حتى العدو القريب المتمثل في إستبدادية رجال الحكم في العراق لم تستيطع أن تزيد من سعير الخلافات التي كانت قائمة بين أبناء شعبنا قبل عام 2003 بل في جوانب معينه كان الظلم والإستبداد سبباٌ لتضامن وتماسك شعبنا في مراحل عصيبة معينة، فرض تدريس القرآن في المدارس الرسمية وأحصاء عام 1977 أثناء حكم البعث في العراق، نماذج في هذا السياق. ولكن بعد عام 2003 وإنبعاث روائح الكراسي البرلمانية والحكومية حفزت الكوامن الداخلية لبعض أبناء شعبنا نحو السعي الحثيث للحصول على كرسي من الكراسي المخصصة له والأمر لم يقتصر على شعبنا في العراق وإنما هناك من قطع ألاف الأميال وائتلف مع هذا وذاك لكي يشارك في الإنتخابات ولعل تكون له حصة من هذه الكراسي. وهذا سبب في تعاظم  سعير الخلافات والتناقضات بين شعبنا وصلت إلى درجة يصعب إيجاد حل لها أو التفكير أو السعي لحلها أو التخفيف منها. إذن علة العلل هي في شعبنا وليس في غيرنا.

ولكن هل فعلا أنا أحلم في هذا الموضوع، أي إمكانية توحيد الخطاب السياسي والمطلب القومي؟؟؟ نعم هو تمنى بعيد المدى قد يصل إلى نوع من الحلم ولكن من يحقق الإحلام القومية غير أبطال القوميين... أفهل لنا أبطال من هذا النوع؟؟؟؟؟ ولكن أي نوع من الأبطال نتحدث عنهم؟ الواقع واضح جداً وملئياً بالتحديات الخطرة والمميتة ومواجهتها يتطلب تضحيات جسيمة ونحن لا نطلب من زعماء أحزابنا أن ينزلوا إلى ساحة الوغى ويواجهوا هذه التحديات بالسلاح وبتضحية الأرواح بل، حتى يكونوا أبطال حقيقين عليهم أن يواجهوا هذه التحديات بالتضحيات ونكران الذت والمثابرة الحقيقية والتسلح بالوعي القومي الصحيح بعيداً عن الم