عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - لويس إقليمس

صفحات: [1]
1
ألمانيا تطوي أروع الصفحات في تاريخها
لويس إقليمس
بغداد، في 10 أب 2021
ممّا لا شكّ فيه أنّ ألمانيا تقف اليوم في مقدمة اقتصاديات القارة الأوروبية من حيث دينامية اقتصادها ومشاريعها السخية في تعظيم الموارد ودعم قطاع الأعمال وتنويع الإنتاج، كما في سعيها الحثيث لزيادة نسبة الرفاهية في مجتمعاتها بفضل زعاماتها التاريخية التي أسست لهذه القوة المتقدمة في العالم. فقد سبق غيرهارد شرودر زميلته أنجيلا ميركل على رأس المستشارية في إجراء شيءٍ وافرٍ من الإصلاحات التي وضعت البلاد في مصاف الدول الصناعية الكبرى التي يُحسب لها حساب على طاولات المفاوضات والقرار الدولي. لكنّ المستشار السابق شرودر الذي سعى حثيثًا لنيل ثقة الناخب الألماني من دون منافسة، خابَ ظنُّه ومُني في الانتخابات المبكرة التي دعا إليها في 2005 بهزيمة بسيطة أمام منافسته أنجيلا ميركل التي صعد نجمُها وسط الشارع الألماني.
وبذلك تكون ميركل قد دخلت مواقع القرار الأوروبي والدولي من أوسع ابوابه لتشكل طيلة فترة حكمها (2005-2021) ظاهرة نسوية قيادية في أبسط صورها عبر عيشها حياة مواطنية وعائلية بسيطة في شقة مع زوجها، والتي لم تتركها لتسكن في قصرٍ أو فيلاّ فخمة كما تستدعي الأصول، حتى بعد تسنمها منصب رئاسة الحزب والمستشارية. بل والأروع في هذا وذاك، أنها لم تكفّ عن تلبية طلبات سكنها البسيط وسط برلين باستمرارها بالتسوق الفردي من دون حمايات ولا مرافقين إلاّ من حارسها الشخصي، ما أضاف عاملاً مهمّا في مسيرتها السياسية والحزبية وميزة وطنية يُشارُ لها بالبنان في بعثها برسائل ثقة متبادلة إيجابية لمواطنيها وناخبيها. وما أروع أن تودَّعَ هذه المرأة البسيطة والعنيدة والقوية في آنٍ معًا بأكثر من ست دقائق متواصلة من التصفيق الحار الصادق المتواصل في البوندستاغ ومن على الشرفات والشوارع والبيوت ومؤسسات الدولة حينما آنَ أوانُ تنحيها عن السلطة طوعًا بعد 16 عامًا أمضتها في حكم بلدها المانيا واستحقت بحق لقب "المرأة الحديدية". وما أندرهنّ في التاريخ! 
قد تكون المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" التي حكمت بلدها ألمانيا بجدارة نسائية ناجحة وإخلاص وتفانٍ ومهارة قلَّ نظيرُها، من أروع ما قدمه بلدُها للتاريخ، ليس في ألمانيا فحسب بل في عموم القارة الأوروبية والعالم. فبعد انتخابات 26 أيلول القادم، ستسلّمُ المستشارة الناجحة بكلّ المعايير مقاليدَ السلطة بهدوء العظام وحكمة كبار القوم وحنكة الساسة الفطاحل، فاسحة المجال لغيرها لتكملة مشوار التقدم والتطور بعد أن تصدّر هذا البلد الأوروبي المشهدَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي بوقوفه في الصف الأول في دول القارة العجوز. قرارٌ صعبٌ وشجاعٌ قلّ نظيرُه في التاريخ السياسي، وإنْ صحّ وصفُه بزلزالٍ سياسيّ هزّ البلاد بالرغم من بلوغها قمّة العطاء والقوّة والتأثير في حياتها السياسية على الصعيد الداخلي والخارجي. فيما يخشى مراقبون احتمالية حصول إرباكٍ غير مرتقب في الهيكلية السياسية للبلاد بسبب صعوبة التوافق على مرشح بديلٍ لها وبمواصفاتها بعد تنحيها عن منصبها. إلاّ أن القاعدة الرصينة للسياسة الداخلية والخارجية التي عزّزت بها "ميركل" بلادها بأروع اشكالٍ من الاستقرار والإنتاج والتطور لا يُخشى عليها من إمكانية حدوث نقطة تحوّل فاصلة في هذه السياسة، على المدى القريب والمتوسط في أقلّ التقديرات. فالتحالف الحكومي القائم تقليديًا بين أكبر الأحزاب الحاكمة في هذا البلد القوي، ونعني بها الحزب الاشتراكي الديمقراطي وائتلاف حزب الاتحاد الديمقراطي مع توأمه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مع أحزاب اليسار أو الخضر الليبرالية الأخرى، تعي تمامًا مسؤولياتها الوطنية والقومية في إدامة زخم تقدّم البلاد وتواصل تطورها بالرغم من العثرات المتناثرة هنا وهناك والتي سُجلّت أخيرًا على المستشارة وتحالفها بسبب طريقة إدارتها لأزمة الجائحة التي ألقت بظلالها، ليس على هذا البد ونظرائه في القارة فحسب، بل شملت العالم أيضًا. لكنها مؤخرًا، وفي أعقاب كارثة الفيضانات التي اجتاحت مقاطعات ألمانية عديدة وألحقت خسائر بشرية بلغت ما لا يقلّ عن 190 قتيلاً وأخرى مادية كبيرة في البنية التحتية، بادرت المستشارة أنجيلا ميركل على تخصيص ميزانية بمبلغ 30 مليار يورو لإعادة إعمار المناطق المتضررة التي ضربت غرب البلاد في منتصف تموز الماضي 2021. وهذا ما طالبَ به أيضًا أرمين لاشيت المرشح المحافظ لخلافتها لمنصب المستشارة.

أحزاب المعارضة تتهيّأ
هناك مَن يتوقع صعود أحزاب المعارضة مثل حزب الخضر والليبراليين للحكم بفضل ما تمتعت به هذه الأخيرة مؤخرًا من تأييد وتحشيد شعبيّين لارتقاء المواقع المتقدمة في السياسة بعد رحيل المستشارة "ميركل". لكنها لن تلجأَ أو لن تكون في موقع يسمحُ لها لإحداث تحولات جوهرية في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد لأسباب تتحكم بها سياسة الاتحاد الأوربي من موقع أعلى وما يحكمها من توازنات وضوابط في إدارة شؤون البلاد كبلدٍ يتقدم اقتصاديًا على سواه من دول الاتحاد. هذا علاوة على أسس النظام الديمقراطي المنهجي الذي تؤمن به شعوب هذا البلد مع وجود فارق ربما في الرؤية العامة للسياسة الخارجية وأسلوب معالجة بعض القضايا الحساسة كالهجرة وما يمكن أن تشكله هذه من منغصات لاسيّما مع التطور المجتمعي الحاصل بتنحي الكوادر القديمة وابتعادها عن المشهد السياسي أو انتقال بعض كوادرها إلى صفوف أحزاب ليبرالية أقرب في تبنيها مطالبَ الشارع. وهذا ممّا يدلّ على إتاحة الفرصة للأجيال الشبابية لتولي المسؤولية وتبنّي رؤى جديدة قد تكون مختلفة عن أفكار مَن سبقوهم في الحكم. ومن شأن مثل هذا التوجّه أن يخلق تجاذبات مجتمعية بسبب الاختلاف في الرؤى والمصالح التي أبرزتها سمة التفرّد سواءً داخل الأحزاب الحاكمة أو في صفوف المعارضة في السنوات التالية لحكم "ميركل". وهذا ما يفسّرُ أيضًا، تشكيلة الائتلاف بعد انتخابات 2017 من أحزاب رئيسة وفرعية صغيرة كانت لها كلمتُها في القرار السياسي، سواءً داخل البلاد أو في صفوف دوائر الاتحاد الأوروبي.
إذًا، في ضوء المتغيرات المتوقعة بعد صعود رصيد الأحزاب الصغيرة التي انجذبَ إليها جيلُ الشباب بصورة خاصة وحازت على سماعٍ جيدّ من المجتمع الألماني، يرى مراقبون في إدارة المستشارة "ميركل" للبلاد منذ الانتخابات الأخيرة في 2017، أنها حققت توازنًا مقبولاً في ائتلاف حكومتها على حساب "البراغماتية البرامجية" التي سلكتها في إدارة شؤون البلاد عامةً، عندما قادتها حنكتُها السياسية والحزبية على انتهاج الوسطية في إدارتها بتغييب النقاشات الإيديولوجية والتوجه نحو ديناميكية أكثر قربًا من الشارع لتلبية مطالب الأخير، لاسيّما في ضوء تقاطع الرؤى مؤخرًا حول موضوعة الإجراءات المتخذة في إدارة أزمة جائحة كورونا واختلاف وجهات النظر بصددها.
على صعيد مستقبل الائتلاف الحاكم للبلاد، لا يخفي مراقبون ومقربون من دوائر القرار حصول شرخٍ في تشكيلته بعد أن تزعمته "ميركل" لسنوات بكلّ جدارة. والسبب كما يبدو، يكمن في الطموحات الأخيرة لبعض الزعامات بالرغبة بالصعود إلى المشهد السياسي بقوّة بفعل كاريزميتها السياسية بإقناع جمهورها بالتغيير. وهذا ما يوضح شكلَ الاختلاف في الاتفاق على المرشح البديل عنها " أرمين لاشيت" الذي خلفَ "ميركل" على رأس السلطة في حزبها الديمقراطي المسيحي مقابل منافسه على المستشارية "أولاف شولتس" الذي يترأس الحزب الاشتراكي الديمقراطي والذي تولى منصب نائب المستشارة "ميركل" ووزارة المالية في حكومتها الحالية. وسيكون على المرشح البديل الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي المسيحي أن يستعدّ لمواجهة شكلٍ من الانشقاق المتوقع داخل الحزب أو بسبب تخلّي بعض النشطاء عنه لأية أسباب كانت. فالخلافات في الائتلاف الحاكم وإنْ ظلّتْ تحت الكواليس، فليست هناك شكوك بوجود تحركات يمينية من جانب ما يُسمّى بحزب "البديل من أجل ألمانيا" قد تتخذ خطًّا متطرفًا في تغيير سياسة الوسطية القائمة المنتهجَة حاليًا، وذلك من جهاتٍ تنادي بالدعوة لانسلاخ ألمانيا من جسم دول الاتحاد الأوروبي وفق برنامجٍ يعطي لها شيئًا من الخصوصية والاستقلالية في بناء دولتها بعيدًا عن الاتحاد. وإن نجح مثل هذا التوجّه في اصطياد المزيد من الناخبين والمؤيدين، فإنه سيكون علامة سلبية في استمرار بقاء أوروبا متماسكة في قوتها وقدرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. وليس هناك من شكوك باحتمال عودة اليمين المتطرف لحكم ألمانيا، تمامًا كما كانت على عهد هتلر.
حزب الخضر
في الوقت الذي يسعى فيه حزب الخضر للتحشيد لأفكاره ورؤاه في إعادة بناء الدولة الألمانية على أسسٍ تتخذ من فكرة تحديث المجتمع وانفتاحه بطريقة مختلفة إلى العالم من دون خرق لمبدأ احترام الحريات الفردية، فإنّ الفرصة أمامه كبيرة لحصدِ تأييد شعبيّ أكبر في الانتخابات القادمة، بحسب مراقبين، لاسيّما مع تقديمه عنصرًا نسائيًا لخلافة ميركل على المستشارية وهي "أنالينا بيربوك" ذات الأربعين عامًا. وهذا ممّا سيمنح لهذا الحزب فرصة أكبر للتأثير على القرار السياسي في حالة استمرار ائتلافه مع الحزبين الحاكمين المرشحين للفوز بأغلبية مقاعد البوندستاغ القادم. ويسعى حزب الخضر لعرض برنامج انتحابي فاعل مستفيدًا من الثغرات التي برزت في برامج الائتلاف الحالي للحكومة من حيث تركيزه على فكرة الاستثمار العام الكبير الذي من شأنه أن يُسهم في إحداث تحوّلٍ اجتماعي وأيكولوجي عبر تمويلات خارجية وتحديث النظام الضريبي الذي من شأنه المساهمة برفد ميزانية الدولة بالمزيد من الأموال من أجل إعادة بناء البنى التحتية المتهالكة وتطوير وسائل الإنتاج والتصنيع. هذا إضافة إلى برامج اجتماعية أخرى يسعى من خلالها لزيادة مدخولات الأسر محدودة الدخل وزيادة الحد الأدنى للأجور تعزيزًا للدور الاجتماعي للمواطن الألماني.
بالتأكيد لن يكون من السهل وضع برنامج وطني شامل باتفاق جميع الأطراف. فالمواقف ستكون متباينة في ضوء البرامج التي يدافع عنها كلُّ فريق من أجل فرض ما يراهُ الأقرب إلى رؤيته السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية وحتى الاجتماعية بخصوص برامج الهجرة والمهاجرين وشكل الضرائب التي تفرضها الدولة على دافعيها وما تشكلُه هذه من مواقع الاضطراب في السياسة العامة لألمانيا وعموم دول الاتحاد على السواء. وتبقى الفوارق الثقافية والمواقف السياسية وشكل الهوية القومية من بين المعطيات التي سيكون لها الأثر الكبير في رسم سياسة وشكل البلاد بعد انتخابات أيلول القادمة. لذا، كلّ الاحتمالات مفتوحة أمام هذا الحزب المتنامي بهدوء ورصانة في طريقة كسبه للشارع المتحرّك نحو الإصلاح والتغيير في التحالف سواءً مع أية أحزابٍ حاكمة أو غيرها من تلك الصاعدة من صفوف المعارضة. هذا في الوقت الذي يذهب مراقبون إلى إنه من غير المحتمل التغاضي عن سياسة "الوسطية البراغماتية" التي سادت سياسة حكم "ميركل" طيلة السنوات المنصرمة. وهذا يعتمد أيضًا وبشكلٍ كبير على طبيعة برامج المرشحين أنفسهم وبصورة أكبر مرشحي الائتلاف الحاكم الذي سيبقى الأكثر قدرة على تلبية مطالب الشارع لغاية الساعة أكثر من غيره.
بدلاء عن ميركل على المستشارية
 على أية حالٍ، يرى مراقبون صعوبة محافظة حزب ميركل على قدراته الانتخابية في انتخابات أيلول القادمة. وهذا ما تراه المستشارة الألمانية ايضًا في قرارة نفسها. ففي حين شكلت نسبة شعبية حزبها ما بين 35-38٪ من أصوات الناخبين الألمان في زمن استلامها مقاليد المستشارية، تتوقع هبوط هذه النسبة بمقدار 10 درجات في الانتخابات المقبلة، بمعنى وجود صعوبة بتجاوز حزبها نسبة 25٪ من أصوات الناخبين الألمان. ويتحتم على حزبها المكافحة لتجاوز هذه النسبة. وبغير ذلك لن تتوافر أمامه فرص البقاء في الواجهة السياسية إزاء التحدي والمنافسة الشديدة من لاعبين مغمورين على الساحة الألمانية.
    لعلَّ من بين أقوى المرشحين لخلافة ميركل عندما تنتهي ولايتها في 26 أيلول القادم وكما أسلفنا، السياسية أنالينا بيربوك النائبة عن حزب الخضر منذ 2013 وتتولى منصب نائب رئيس حزبها منذ 2018. وهي تمتلك مهارات سياسية ولها شعبية وسط الشباب. وقد أبدت رغبتها بتشكيل ائتلاف مع الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في حالة تحقيق نتائج متقدمة. يليها من حيث الأهمية مواطنُها أرمين لاشيت (60 عامًا)، وهو سياسي محنّك وصحفي حاز على منصب رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في كانون ثاني 2021. ويُؤخذ على المرشح لاشيت ضعف شعبيته السياسية. يليهما في الترشح على منصب المستشارية، أولاف شولز، من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المحافظ الأقدم تأسيسًا في البلاد، وهو محامي وسياسي يبلغ 62 عامًا. ويتولى حاليًا حقيبة المالية في حكومة ميركل إضافة لمنصب نائب المستشارة منذ آذار 2018. بطبيعة الحال، لا أحد يتكهن بنتائج حاسمة في الانتخابات القادمة. ولكن من المؤكد تقاسم هذه الأحزاب الثلاثة نتائج متقدمة، قد تكون متقاربة، ممّا يتطلب ضرورة اللجوء الحتميّ لتشكيل ائتلاف حكومي لإكمال المسيرة القوية والناجحة للمستشارة ميركل.
مهما يكن، فألمانيا بحسب مراقبين مُقدمة على تطورات سياسية في هيكليتها، وقد تأتي بتشكيلة مغايرة للنهج البراغماتي الواضح وسياسة التهدئة والتوافق التي اتبعتها ميركل في إدارة دفة الحكم في بلادها. وما لا يمكن تجاهلُه أو نكرانُه، نيل المستشار ميركل أروع نياشين الشعبية التي أعلتْ من قدرها ورفعتْ من سمعتها وباركتْ حنكتها في طريقة زعامة بلدها، ما كان له الأثر البارز في تعزيز الاقتصاد الوطني الألماني والتأثير في رسم سياسة الاتحاد الأوربي أكثر من غيرها من الزعامات الأوربية. وهذا ما زاد من شعبيتها. فما يطيب للمواطن ويشعرُه بالأمان، قدرةُ بلاده اقتصاديًا وأمنيًا لكونهما مفتاح الرفاهة والسعادة والتطور.


2
العراق... كيف النجاة؟ سفينة نوح في طريقها إلى الغرق
لويس إقليمس
بغداد، في 17 آب 2021
السماعُ لصوت العقلاء والإصغاءُ لنصائح الحكماء والعمل بتوصيات نخب الخبراء من شيمة الساسة الأصلاء، هذا إنْ وُجد منهم أصلاً في شبه وطنٍ كان يُسمّى "العراق" في سابق الأزمان ويتصدر المشهد في سوح العمل والإنتاج والتطور وله الكلمة العليا في التأثير في المشهد السياسي الإقليمي والدولي على السواء. ولعلّ من حيثيات تراجعه في كلّ شيء، إلاّ من تصاعد وتيرة الشحن الطائفي فيه وزيادة أدوات القتل والتهديد والتخريب والحرق والتدمير وما رافق ذلك من شرور وأعمال غير أخلاقية بعيدة عن أصالته، فقدانُه للعديد من المبادئ الجميلة وأدوات السلم الأهلي ومبادرات التآزر والتعايش والتكاتف التي تربى عليها شعبُه المتآلف الذي شكّل َ عبر الزمن أجمل فسيفساء مجتمعي في التاريخ. دعونا لا نبكي أو نتباكى على الماضي ونتذكر أيام زمان، بل العبرة بكيفية إنقاذ البلاد من مازقها القاتل الراهن والوصول بالسفينة المتهرّئة إلى شاطئ الأمان لغرض إصلاح ما تكسّر وتعطّب بها بحكمة ربّانها الحالي. علّه يتحدّى الصعاب، ويتجرّأ أكثر لإيقاف أطناب الفساد ومحاسبة رؤوسهم قبل ذيولهم، ووقف مهازل القتل والخطف والسلاح المنفلت والجماعات الخارجة على القانون ومواقع الحكومة العميقة أينما وجدت وتواجدت.
إنْ يكن الإنسانُ بحاضرِه وليس بماضيه، إلاّ أنّ الحاضر إذا فسدَ ملحُه، فبماذا يُردُّ إليه طعمُه كي يستعيد دوره وأهميته ويعود نافعًا للزمن غير الطيب الذي يعيشُه شعبُ العراق وهو يعاني منذ أكثر من 18 عامًا من الضيم وشرَّ البلاء وشظف العيش وفقدان الأمل والرجاء والأمان وتراجع التعليم والثقافة والخدمات الآدمية في كلّ شيء بسبب فساد زعامات أقلَّ ما يمكن وصفُها بأشباه عصابات نصّبت نفسَها كي تسوس البلاد وتديمَ قوامَها وبقاءَها بالتزوير وخداع البسطاء من الشعب عبر استخدام المال والسلاح والنفوذ الديني والتمويه العقائدي الأيديولوجي المدلّس وغيرها من أدوات الشحن الطائفي والمذهبي والعشائري والقومي المتعصّب. فيما هؤلاء بمعظمهم قد أثبتوا طيلة هذه السنين العجاف بعدَهم كلّيًا عن أية جدارة أو حرص أو نزاهة أو سمة طيبة لخادم الشعب والراعي الصالح الساهر ليلَ نهار على رعيته. والمؤسف أن معظم مَن تولّى السلطة منذ غزو البلاد على أيدي المحتلّ الأمريكي المتغطرس وأعوانه وذيوله وأتباعه قادمٌ من خارج الأسوار وهم يتمتعون بامتيازات من الدولة الأجنبية التي حوتهُم وصرفت عليهم وقدّمت لهم كلّ وسائل الترف والأمان والضمان التي لم يكونوا يحلمون ولو بجزءٍ منها في بلدهم المغضوب عليهم. وعوضَ أن ينقل هؤلاء الساسة والزعماء الموغلون في الفساد وهدرِ المال العام وسرقة قوت الشعب بأدوات وطرق شيطانية، تجربة هذا البلد الأجنبي الطيبة والإنسانية والأخلاقية التي يُفترض أن يكونوا قد تعلّموها وأفادوا منها في بلد "الكفار" الذي مازال يصرّ البعض من هؤلاء الجاحدين وناكري الجميل وصف هذه البلدان بهذه الصفات القذرة التي لا تنمّ سوى عن تخلّف متأصّل وحقد متجذّر في نفوس هؤلاء البعض، إلاّ أن الطيفَ الغالبَ من هؤلاء الجاحدين والانتهازيين مازالوا مصرّين بل وغير مكترثين بإغراق سفينة البلاد المتأرجحة بذات الأدوات السيّئة والفكر الطائفي المتأتي من أيديولوجيات مقيتة في معظمها دينية- مذهبية- طائفية - عرقية- إقطاعية- فئوية- شخصية لا تمتُّ بصلةٍ لأخلاق المكوّنات الأصيلة لشعبٍ عريق كشعب العراق الذي علّمَ البشرية تباشيرَ أوّل حروفٍ للكتابة وزيّنَ مدنَه وبلداتِه بأروع تفاصيل الحياة المتآلفة المتكاتفة المتعاضدة عبر الزمن وسيرة الحياة منذ تشكيل أول أقوام بشرية على أرض النهرين الخيّرين.
سفينة على وشك الغرق، هلْ مِن مَن ينتشلُها؟
بعد أشهر عديدات من مرور البلاد بضائقة ماليّة كاسرة وأزمة سياسية لم تُحسدْ عليها للأسباب الكثيرة التي لم تعد خافية على أحد، لم تبدر أية علامات إيجابية فاعلة من جانب أحزاب السلطة في إحداث تغييرات في السياسة العامة للبلاد وإبراز الدور الحضاري في سموّ العلاقة بين السلطة والشعب التي افتقدت منذ زمن لأية مصداقية. فحتى البسيط من ابناء الشعب الذي "تفتّح باللبن" كما شاع المثل، قد أيقن جملة الأسباب التي أحالت البلاد وشعب العراق إلى حالة ميؤوسٍ منها، ومنها أزمة فقدان الهوية الوطنية بسبب التبعية الولائية للجارة الشرقية الطامعة، وتراجع هيبة الدولة بسبب تزايد أدوات الحكومة العميقة وتسيّد جماعات مسلحة منفلتة تعمل خارج أصول الدولة وأحكامها وقوانينها، وصعوبة ردع أذرع الفساد المتنامي في مؤسسات الدولة وعدم ارتقاء قرارات الحكومات المتعاقبة إلى مستوى صون سيادة الدولة ومؤسساتها بما لها من موجبات قانونية وبما يمنحها حق محاسبة مافيات الفساد لكونها جزءً من الأزمة وليس الحلّ. فمن غير المعقول تسليم ملف الإصلاح والمحاسبة للجان مشكلة من ذات الجهات وذات الأشخاص الذين كانوا جزءًا من عجلة التخريب والدمار والفساد. ناهيك عن إصرار الكتل والأحزاب السياسية الغارقة في تقاسم ما تبقى من ثروات البلاد لحدّ السعي لإفراغ ما في مخزونها الاحتياطي القائم حالًيا في خزائن البنك المركزي العراقي بعد نفاذ الوسائل التي وعدت وزارة المالية بتصحيح مسار الأزمة المالية في البلاد عبر الورقة البيضاء. كلّ هذا وما خفي كان أعظم، ممّا يوحي بتوجه البلاد إلى كارثة مقبلة لا محال، في حالة عدم إثبات حكومة الكاظمي وفريقه الحكومي مقدرة صادمة وصارمة في إدارة الأزمة من كلّ جوانبها والضرب بيدٍ من حديد لتطال الرؤوس الكبيرة المرتبطة بزعامات أحزاب السلطة نفسها التي تدير المافيات المتعددة في سرقة المال العام والتزوير في العقود الحكومية الوهمية والاتجار بالبشر وتداول أنواع المخدّرات استيرادًا وتوزيعًا وانتشارًا من دون روادع. فحتى الحراك الشعبي الذي انتفض له الشعب منذ أكثر من عامٍ في مختلف ساحات التظاهر في وسط البلاد وجنوبها، قد فقد بريقَه بسبب اختراقه والمتاجرة به من أحزاب مشاركة في السلطة ركبت الموجة بهدف إضعاف قدرات المنتفضين المطالبين بإصلاح شؤون الدولة وإدارتها من قبل ساسة وطنيين حريصين على البلاد ويؤمنون بقيم الدولة وهيبتها وسيادتها ويلتزمون بسيادة القانون والعمل بدستور جديد ليحلّ محل الدستور الأعرج القائم حاليًا على مبادئ المحاصصة الوقحة وتقسيم ثروات البلاد لصالح أحزاب السلطة الحاكمة وأتباعهم وأدواتهم وتسليم مقاليد سيادتها وحرية شعبها إلى الغريب والدخيل بحجة الولائية والتبعية المذهبية والطائفية.
لقد حذرت جهات عديدة من مغبة السقوط في الهاوية العميقة التي لا ينفع بعدها الندم والتي إن عادت أوضاع زمن الطائفية والفئوية لا سمح الله، فسوف تحرق ما تبقى من الأخضر واليابس هذه المرة. هكذا هي صورة المشهد السياسي اليوم كما نقرأُها ونراها بأمّ العين ونستشرف طلائعها من أحداث الساعة إبّان الأيام القليلة المنصرمة قبل اشتداد سعير التنافس الانتخابي في 10 تشرين أول القادم. هذا فقط في حالة تأكيد إجرائها في موعدها الافتراضي. وهناك من النخب الاقتصادية والثقافية والأكاديمية مَن يقف متشائمًا من سقامة الوضع وهشاشته بسبب تسارع الأحداث، ومنها تنمّر جماعات مسلحة وفرض إرادتها بسطوة السلاح المنفلت. وهذا لا يمكن أن يحصل من دون وجود دعم وتغطية ومساندة وضوءٍ أخضر من جهاتٍ متنفذة في الدولة تدير شؤون الحكومة العميقة بوسائلها وأدواتها وسلاحها وبأموال وأدوات الدولة ذاتها. وأخشى أن تفقد حكومة الكاظمي سيطرتها على الأوضاع الهشة الراهنة بالرغم من مدّها بوثيقة الائتمان الكليّة من الشعب والمرجعية والنخب التي حمّلتها الثقة والمسؤولية الكاملة لإنقاذ سفينة العراق من الغرق الوشيك في حالة عدم اتخاذ تدابير الصدمة المطلوبة في مقارعة أدوات أحزاب السلطة ووضع حدود لتجاوزات بعضٍ من نواب الشعب غير المؤتمنين على مصالح البلاد من كتل الأحزاب الحاكمة وإصرار البعض على إدامة بقائهم في السلطة ورفض تزحزحهم عن مواقعهم أو ترك مناصبهم لغيرهم الأجدر منهم والأكثر حرصًا وكفاءة في إدارة شؤون البلاد وانتشالها من الغرق الوشيك، لا سمح الله.
خيرُ العلاج لمُّ الصفوف وتشكيل جماعات موازية
في اعتقادي، في حالة استمرار ذات النهج الخاطئ والقاتل من جانب أحزاب السلطة وأدواتها الفاشلة في إدارة البلاد ومعها الجهات التي تقف خلف كلّ هذه الاضطرابات والاختلالات التي تسيء إلى الوطن وشعبه وتعصفُ بوحدته التي تقف على كفّ عفريت هذه الأيام بسبب زيادة الدسائس وأعمال الحرق والتخريب والتلاسن والمماحكات والمناكفات القائمة التي لا جدوى منها، لا بدّ من بلوغ إجماع وطنيّ في صفوف النخب الصاحية التي سئمت الموقف وبلغ اليأس مبلغه من إمكانية التغيير الشامل المرتقب لنجاة سفينة العراق الآيلة إلى الغرق. إلاّ أن هذه النخب على قلتها جديرة أيضًا بالقيام بما يمكّن البلاد من النهوض بأقلّ الخسائر ونجاة سفينتها من التقادم المتهرئ الذي أصاب جسمها المخضّب بالدماء وضربات الخناجر التي حرص نواب الشعب وأحزاب السلطة وسياسيو الصدفة توجيهها في خاصرة جسم العراق بلا خشية ولا رحمة عبر سلوكياتهم الولائية الصارخة والصريحة والمصلحية البعيدة كلّ البعد عن أية ملامح وطنية.
من هنا، تقتضي الظروف الملحة رصَّ الصفوف وتوجيه شرائح الشعب المختلفة، لاسّيما منها تلك ضعيفة الحجة وتقليدية الولاء ومرتهنة الإرادة بزعامات دينية ومذهبية منافقة، باتجاه تأييد جماعات متمدنة وأحزاب وطنية وتجمعات مجتمعية موازية للمافيات القائمة التي تدعمها أحزاب السلطة الحاكمة والتوجه بها نحو اختراق صفوف الشعب المقهور حتى أبعد نقطة في الريف العراقي من أجل توعية المواطن المغشوش المغلوب على أمره الذي صدّقَ ونخشى أنه مازال يصدّق الوعود المعسولة التي اعتادت زعاماتُ أحزاب السلطة، الدينية منها بصورة خاصة أي الاسلاموية المذهبية التي ما انفكّت تستغلّ أوضاع المواطنين البسطاء في التمويه والتدليس وتحسين صورتها السوداء القاتمة أمام الشعب. فيما هي في حقيقة الأمر، لا تتورع عن الإساءة إلى حقوق هذا الشعب التعيس البائس ونهب ثروات البلاد والسعي لإغراقها في أزمات مالية متكررة عبر زيادة النفقات التشغيلية وتحويل الدولة إلى حظيرة استهلاكية لدخلها الريعي الوحيد عبر تواصل استيراد كلّ شيء بسبب تحوّل هذه الدولة إلى حاضنة استهلاكية لمنتجات دول الجوار التي لا يرضيها نهوض العراق وتطور إنتاجه في الزراعة والصناعة والتصنيع. هذا إلى جانب المحافظة على إدامة الامتيازات الكبيرة والمرتبات والمخصصات الفاحشة التي سنتها أحزابُ السلطة عبر نوابها لصالحها ولا تريد مغادرتها أو إلغاءَها أو حتى تعديلها بما يرضي اللّه وينصف عباده بتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية في الثروات الوطنية.
إن البديل الناجع لن ولا يمكن أن يكون عبر تدوير ذات الوجوه التي مزّقت اللحمة الوطنية ونهبت البلاد وقهرت العباد وأوصلت أهلَه إلى الجوع والفقر والبطالة، وأقحلت أرضه وحوّلت الوطن إلى بقرة حلوب لهم ولدولة الولاء، فيما تحول الشعبُ إلى ايادي ضارعة وأفواه فاغرة لاستيراد كلّ شيء وأيّ شيء. فعودة المنتج الوطني إلى السوق الوطنية يعني وقف الاستيراد أو في الأقلّ الحدّ من تداعياته. وفي هذا سبب وافٍ لتقاطع مصالح أحزاب السلطة حصريًا مع أي تطوّر أو اية عودة محتملة للصناعة الوطنية والمنتج الوطني الكفيل وحده بوضع حدود للاستيرادات التي تستنفذ العملة مع عدم قدرة البنك المركزي على إيقاف مقدار الهدر في العملة الصعبة التي تخرج خارج البلاد بطرق وهمية ووسائل شيطانية غير مسيطَر عليها عبر نافذة بيع العملة المشبوهة أساسًا.
لذا، لا بدّ من تغيير جذريّ في سياسة البلاد الاقتصادية والنقدية والمالية ووضع استراتيجيات متعددة المديات لتجاوز ما وصلت إليه البلاد من تراجع وتباطؤ وتخلّف وتذيّل قائمة الدول الأكثر فسادًا وتراجعًا في كلّ شيء. ولعلَّ من البدائل المرتقبة وضع سياسات استثمارية صحيحة وناجعة عبر خصخصة شركات الدولة الخاسرة وتشجيع القطاع الخاص كي يبدع وينهض بالمشاريع الناجحة التي تخدم الوطن والمواطن. وهذا هو المطلوب من أجل رفع قدرات القطاع الخاص، ليس بالكلام وسنّ التشريعات البعيدة عن آماله وتطلّعاته فحسب، بل بمشاركته الحاضرة في صنع القرار وفي وضع أمثال هذه التشريعات كي تأتي منسجمة مع حاجة السوق الفعلية وتضع حدًّا لوقف استيراد المثيل المنتج محليا بعد تقديم كلّ الدعم اللازم والمطلوب من الحكومة لأجل تطوير هذا القطاع المهم المنتظَر منه أن يمتص جيوش البطالة ويدعم ميزانية الدولة بما تحتاجُه من النقد والعملة التي تخرج خارج البلاد. فهذا ما تستشعر به النخب الاقتصادية وتراه ملحًا من أجل تطوير الصناعة الوطنية ونهضتها من جديد، وليس كما يفعل نفرٌ آخر بالتفرّج والنحيب والصمت على ما يجري من دون حراكٍ شعبيّ لذوي الاختصاص والمهنة.
 هذه هي الفرصة الأخيرة لحكومة الكاظمي كي تثبت جدارتَها وقدرتها الوطنية بكمال الثقة التي منحها إياها الشعب وسوحُ التظاهر التّي ملّت الوعود ولم يعد أمامها سوى طرق أبواب أخرى مغايرة لانتشال السفينة وإنقاذها من الغرق الوشيك. عسى الصرخة وصلت المعنيّين لتجدَّ الجَدّ وتفرض هيبة الدولة وسيادتها وتوقف هدر المال العام وتحاسب الفاسدين من أعلى الهرم حتى أسفله وليس العكس كما هو جارٍ مجاراة ومجاملة وخشية من سطوة المقابل، حتى لو تطلّب ذلك فرض القانون بالقوّة وبالاستعانة بما متيسّر من قوات وطنية تتمتع بعقيدة عسكرية عراقية جاهزة للتضحية من أجل انتشال الوطن وأهله من الغرباء والدخلاء ومن المستغلّين التابعين لخارج الأسوار، وهم معروفون ومشخَّصون لدى جميع أبناء الشعب وحتى في حسابات الخارج. فلا سامح الله، إذا غرقت سفينة العراق، غرق الجميع ولن ينجو منها سوى الشلّة الحاكمة وأتباعُها المستعدّون للهروب بما حملته جعبُ جِمالهم المثقلة بثروات البلاد المسروقة.

3
أميركا أتعس المقامرين بالعراق والمنطقة
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيار 2021
يبدو أن الرؤية الضبابية التي تكتنف إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" منذ توليه الرئاسة الأمريكية في ظروف جدلية مربكة ولغاية الساعة، لن تتمكن من تحديد أهدافها في عموم منطقة الشرق الأوسط على وجه الدقة وترميم ما أفسدته إدارتا سلفيه الجمهوري المتهوّر "دونالد ترامب" أو سابقه الديمقراطي، الثعلب المهادن "باراك حسين أوباما"، والذي عملَ تحت إدارته نائبًا له لمدة ثمان سنوات للفترة من 2009-2017. فواقع الحال يشيرُ لانتهاج "بايدن"، أو بالأحرى يُحكم عليه بانقياده وتماهيه ظلاًّ ضبابيًا لرئيسه الأسبق "أوباما" وبما يشبه الحنين الوضعيّ لحقبة توليه ذلك المنصب. فهو كما يبدو في سلوكه المتذبذب بانتهاج سياسة دبلوماسية المطبخ الهادئ التي اتبعها في سيره على خطى سياسة "التقية والمهادنة والتحصّن" في عهد سلفه "أوباما" في مواجهة دول متمرّدة بعينها من تلك التي صارت تشكل مثار قلق وعدم استقرار لدول العالم ومنطقة الشرق الأوسط بالذات، يكون قد فتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالية نسج اتفاقات استراتيجية دولية جانبية خارج الخيمة الأمريكية، من شأنها أن تسعى لخلق واقع آخر جديد ومختلف خارجًا عن هيمنة هذه الأخيرة في بقعة غنية وساخنة من العالم.
    من هذه الاتفاقات التي لاحت بواكيرُها في الأفق مؤخرًا، الاتفاقية الاستراتيجية للتعاون التي تم الإعلان عنها بين إيران والصين لمدة خمسة وعشرين عامًا بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي بين البلدين. فقد وجدت فيها الجارة الشرقية فرصةً للتملّص من العقوبات القاسية التي فرضتها أمريكا عليها وبدايةً لخروجها عن عزلتها الدولية. وهذا مّما سيفتح أبوابًا لاحقة لغير الصين مثل روسيا وأوروبا لعقد اتفاقات مماثلة قد تكون بداية النهاية للخروج كلّيًا من أغلال الحظر الأمريكي والأممي المفروض عليها بسبب تحوّلها لبعبعٍ صعب المراس والتهجين والمهادنة تحكمه الأدلجة المتعصبة في التشيّع الولائي، بل وعنصرًا غير مريح لعدم استقرار المنطقة والعالم. وهناك مَن يرى أن مثل هذه التطورات الخطيرة في حالة تحقّقها وتوصّل إيران لاتفاقات متلاحقة خارج الهيمنة الأمريكية، مردُّه سياسة التساهل وأسلوب المناورة السياسية المجامِلة والمداهِنة للزعامة الديمقراطية التي أسَّسَ لانتهاجها "أوباما" وتبعها خلفاؤُه من بعده، سواءً الجمهوري "ترامب" الذي كان يعربد من دون أفعالٍ صادمة حقيقية على الأرض أو خلفه الديمقراطي "بايدن" الذي حدّد سياسته في أولى خطواته الرئاسية بسلوك ذات النهج الّلامبالي بدول المنطقة ومحاولة كسب الودّ بأي ثمن بسبب ضعف شخصيته الواضحة. ومن الواضح، أنّ الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ رئاسة بوش الأب ولغاية الساعة، كانت حددت أهدافها في إحداث تغيير في خارطة الشرق الأوسط. كما كان من ضمن تلك الأهداف الرئيسية كسرَ شوكة العراق العروبي وعدم السماح له برفع رأسه من جديد كي لا تقوم له قائمة بعد الذي شهدوا منه من سياسة الخروج عن الطاعة والمواجهة القاسية بكلمة "لا" للغطرسة والعنجهية الأمريكية.
لكن من المؤسف، ألّا تأخذ الإدارات الأمريكية المتعاقبة في حسبانها عند غزوها للعراق مصلحة شعب هذه البلاد وحقه بالعيش بسلام والتمتع بثرواته مثل سائر دول المنطقة التي تنعم بحياة مستقرّة ومحترمة وتعيش اليوم بكرامة ورفعة وانفتاح للعالم، إلاّ في العراق. فقد اقتصر تركيز الغزاة على كيفية استغلال ثروات العراق بطرقٍ تسهّلُ لهم تدمير قدرات هذه البلاد البشرية بأدوات داخلية وخارجية، إلى جانب فقدان سمة السعي الجادّ لإعادة بنيته التحتية التي دمّرتها دباباتُ جيوشهم الغازية وأسلحة حلفائهم الجرّارة التي استحلّت أرضه وأهانت شعبَه عندما جرى تسليمُه ظلمًا على طبقٍ ماسيّ جاهزٍ للجارة الشرقية، العدوّ التاريخي اللدود لإكمال الخطة الاستراتيجية بإنهاء وجود  ومحو حضارة العراق والحدّ من تأثير ثقافته وعروبته على دول الجوار تحديدًا. وفي ضوء هذه السياسة الظالمة وغير المنصفة، تكون أمريكا ومَن يقف بجانبها، مشيرًا وداعمًا ومنفّذًا، قد أوقعت العراق في مأزق يصعبُ الخروج منه سليمًا معافىً على المدى القريب والمتوسط، إلاّ في حالة خلط الأوراق من جديد واتخاذ خطوات الصدمة الدولية الجريئة التي من شأنها وحدها إخراج البلاد من الهوّة السحيقة التي وقعت فيها والنجاة بشعبها من كوارث هذه الهيمنة، ايديولوجيًا وسياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا. فالويلات والأزمات المتلاحقة التي وقعت على أهل العراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري السابق على حساب حسن سياسة الاستقرار وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تأخذ في الحسبان مصلحة البلاد الوطنية وشعبها، كلّها تولّدت بسبب سياسة الإدارات الأمريكية القاصرة المتلاحقة وغير المقبولة بعد الغزو نتيجة لافتقادها لرؤية جاهزة وإرادة صادقة من أجل إصلاح الأمور والسماح بعودة البلاد لأخذ دورها الوطني والإقليميّ المستقلّ بعيدًا عن سياسة المحاور والتبعية للجارة الشرقية. فكلّ الإشارات الواقعية تعني أن إيران ما تزال تنعم ضمنيًا بضوءٍ أخضر من الراعي الأمريكي وحلفائه الغربيين في تمكين سطوتها على العراق وشعبه وتسهيل الاستيلاء على مليارات الدولارات بفضل هيمنتها المذهبية على عقول الساسة الولائيين الذين يجاهرون علانية بتبعيتهم ودفاعهم عن نظام حكمها وقيادتها على حساب مصالح وطنهم وشعبهم.
سياسة الدبلوماسية الناعمة وسياسة القط والفأر
من الواضح بروز أشكال من سياسات التساهل والتنازل والتغاضي بل والتخاذل أحيانًا من لدن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والحالية بصورة أكثر، لصالح بعض دول المنطقة، ومنها إيران بالذات، حيث فاقت هذه السلوكيات غير الواقعية الحدود في بعضٍ منها بحيث صارت بعضُها تشكلُ عبئًا مضاعفًا، إقليميًا ودوليًا، على غيرها. وفي الواقع، بعضُ هذه الدول التي حقَّ وصفُها بالمتمرّدة والسفيهة والتي استخدمتها الإدارات الأمريكية "الاستكبارية" المتتالية "حصانَ طروادة" في فتراتٍ من الزمن الأغبرّ من أجل كسب جانبها كرهانٍ غير مأمون الننائج عبر المساهمة في إحداث تغييرات في خارطة الشرق الأوسط ومنها تدمير بلاد ما بين النهرين وإهانة شعبها منذ اتخاذ القرار الأممي، قد استغلّت الفرصة ومدى التعاطف الدولي ضدّ منظومة النظام السابق المتهوّر من أجل إثبات قدراتها وتعزيز وجودها وفرض رؤيتها الأيديولوجية وسياساتها المتشدّدة هي الأخرى بأشكال الابتزاز والمساومات والاستغلال مستفيدةً من الوازع الطائفي والمذهبي ومدى الكراهية المجتمعية التي رافقت مسيرة ذلك النظام البائد. فما كان من إيران بالذات، إلاّ أن فرضت هيمنتها بموجب سلوك السياسة الناعمة التي تشبه سياسة القطّ والفأر التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ غزوها للعراق تجاه سلوكياتها الاستفزازية في المنطقة. وقد ساهمت عدة أسباب لتسهيل هذه الهيمنة على العراق بسبب فقدان الأخير لأبسط قدراته السيادية وضياع شخصيته الوطنية بعد إفراغه من هذه كلّها لا لشيء إلاّ من أجل قلب نظام الحكم ليس إلاّ، والذي اتخذته أمريكا ومَن في طورها هدفًا وطبّقته شعارًا ونفّذته نهجًا من دون وضع خارطة واضحة لإعادة تشكيل البلاد بعد إسقاط نظام الحكم السابق وتغييره نحو الأفضل وفق الديمقراطية المصدّرة كذبًا وخداعًا ونفاقًا. 
ولعلّ من الأسباب التي تهيأت للغازي الأمريكي لانتهاج مثل هذا السلوك الأرعن وغير الناضج بعد تنفيذ الهدف الأسمى بإسقاط النظام السابق وخروج الموقف عن السيطرة بدأت مؤخرًا بالوضوح في الأفق وسوف تكشفها الأيام لاحقا حين إماطة اللثام عن وثائق ومراسلات وتسريبات بدأت بالتوارد يومًا بعد آخر. وهذا ما تفسرُه تحليلات سياسية وما يراه مراقبون حول واقع حال المنطقة في الوقت الراهن. فالخشية من سلوك إيران الاستفزازي في المنطقة ومن مغامراتها التي تجاوزت المعقول تبدو واحدة من هذه الأسباب التي تدمغ هذا الواقع المرير، بعد أن حوّلت عموم المنطقة إلى مستنقع للترسانة الدولية من مختلف الأسلحة والتي زادت من أشكال التوتر الدولي. كما يأتي الخوف الأمريكي والدولي معًا من إمكانية استخدام النظام الإيراني لترسانته العسكرية والصاروخية والتقدم المنجز في حلمه النووي والتي يلوّح بها قادتُه العسكريون والأمنيون علانية ومن دون تحفّظ بمناسبة وبدون مناسبة بعد أن ضمن هذا النظام سهولةَ توزيع أسلحته القتالية المتطورة في أراضي الهلال الذي هيمن عليه تحت بصر ونظر الراعي السياسي الأول وحلفائه من دون القيام بما يليق به من ردّ وردعٍ أمميّن للتقليل من المخاطر المتوقعة في حال خروج الأمور عن نصابها. وآخرها كميّة الصواريخ التي أطلقتها مؤخرًا "حماس" الموالية لإيران ضدّ اسرائيل في عربدتها الأخيرة والتي تطايرت في سمائها كأسراب الطيور المهاجرة. وهذا ممّا خلقَ أشبه ما يكون بفوبيا عالمية حيال النظام الثيوقراطي الذي يحكم هذه البلاد بقبضة الوليّ الحديدية ويسعى لنشر أيديولوجيته في دول المنطقة وخارجها بوسائله وعبر ذيوله وأتباعه. لذا من الواضح أنّ قدرات هذا النظام التوسعية لم يكن لها أن تتشعب وتتمدّد لولا الضوء الأخضر وأساليب المهادنة والتساهل من جانب القوة العظمى ومّن يدور في فلكها، أيًا كانت أسباب أو مبررّات هذه الجهة أو تلك. 
لذا، يبدو أن أسلوب السياسة "الناعمة" التي أعلنتها إدارة "بايدن" في حملته الانتخابية وما بعد فوزه في أكثر من مناسبة للتعامل مع الملفات العديدة في المنطقة وبالذات مع الجارة الشرقية للعراق سوف لن يأتي بنتائج مجدية، كما تشير الوقائع وتشهدُه الأحداث. بل إنّ مصلحة أمريكا العليا سوف تلحقها أضرارٌ بالغة نتيجة انسلال خيوط مهمة وعديدة عن النسيج العام الذي طبع حقبة هيمنتها على دول المنطقة. إلاّ أللّهمّ في حالة تقريرها إجراء تغيير شاملٍ في استراتيجيتها للخروج نهائيًا عن مصالحها القومية وترك إدارة سياسة المنطقة لغيرها من الدول التي بدأت بشائرُ هيبتها بالبروز كقوى اقتصادية مؤثرة دوليًا، ولاسيّما الصين وغريمتها التقليدية روسيا. فالعالم يترقب قرب تربع التنين الصيني على قيادة العالم اقتصاديًا خلال أعوامٍ قليلات إذا ما سارت الأمور حثيثًا في صالحها مقابل تراجع الهيمنة الأمريكية وخفوت تأثيرها وهيبتها بفعل ضعف إداراة هذه الأخيرة وفقدان القدرة على فرض سياساتها وشخصيتها كما اعتادت منذ خروجها منتصرة في الحرب الكونية الثانية وتفرّدها بسياسة القطب الواحد في توجيه العالم لعقودٍ عديداتٍ وفق مقاساتها ومصالحها بعد زوال الاتحاد السوفيتي غريمها التقليديٍ. وفي حالة التحاق الروس بقطار عقد اتفاقات استراتيجية مع دول المنطقة، وبالذات مع إيران، فسيكون ذلك مسمارًا إضافيًا آخر يُدقّ في نعش الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط وفي نهج تراجع مصالحها فيها وانتهاء صورتها الاستثنائية المهيمنة التي طبعت وجه الكرة الأرضية لعقود وعهود حديثة. وهذا ما يفسّرُ منذ سنواتٍ رغبةَ الإدارة الأمريكية بتقليل تواجدها في منطقة الشرق الأوسط إلى أدنى مستوياته. إلاّ أللّهمَّ في حالة عودة الصقور إلى المشهد السياسي من أجل إعادة هيبة أميركا إلى الواجهة الدولية وقلب الموازين القائمة والمباشرة فعليًا في إعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية نحو طريق إحداث تغيير جذريّ في السياسة العامة التقليدية الإيجابية وترك منهج الدبلوماسية الناعمة وسياسة القطّ والفأر التي لا ولن تُؤتي ثمارها مادام الطرف المعني المؤدلج مذهبيًا لا يؤمن بسياسة الحوار والتفاهم والتنازل. وهذه حالُ وطريقة التفكير لدى العنصر الشرقيّ، أفرادًا وأممًا ودولاً. فهذه جميعًا لا ينفع معها إلاّ أسلوب الصدمات الجريئة التي تقطع وتبتر وتنزع بالقوّة في حالة اقتضى الأمر القيام بالتغيير الجذري، تمامًا كما حصل مع العراق حين تقرير غزوه للخلاص من النظام السابق. ولكن من المؤسف حصول ذلك بعنجهية تدميرية قاتلة، بغياب خارطة طريق واضحة تُعيدُ الأمور إلى نصابها وتحقّق لعموم الشعب العراقيّ ما كان ينتظرُه من ديمقراطية حقيقية غير مزيفة ومن حياة مرفهة هي من حقه بعد زمن القهر والظلم وعقود الحروب المدمّرة واستغلال الكرامة لمنافع شخصية وعائلية وعشائرية وفئوية.
مطلوب صحوة أمريكية قومية
في ضوء هذه الوقائع وإزاء السلوكيات المتراخية وغير العقلانية في إدارة الملف العراقي، لا بدّ للسياسة الأمريكية أن تكون أكثر صرامة وحذرًا في التعامل مع ما يجري من ضياع فرصٍ ونهب ثروات وهدر أموالٍ وتشتّتِ حياة ملايين العراقيين وتزايد فقرهم واستمرار نزيف هجرتهم بسبب هيمنة قيادة الجارة "المقدسة" على سياسته وإدارة شؤونه عبر مواليها الولائيين الذين لا تهمّهم مصلحة العراق وعودته إلى محيطه العربي الطبيعيّ. فهل ستصحو الإدارة الأمريكية في عهد "بايدن" بعد انقضاء فترة المائة يومٍ من عهده بعد الذي كشفته الأحداث وتحدّثَ به الواقع من استمرار التجاوز على هيبتها في المنطقة من قبل إيران بالعمل على إعادة الأمور إلى نصابها والعودة بها للالتزام بالاتفاقية النووية من دون غطرسة ولا استغلال لضعف الغرب الأوربي؟ حينها فقط، وعندما تُلجم سياسة إيران الاستفزازية والتسلطية على قرار دول الهلال الشيعي، يمكن توجيه القطار العراقي الضالّ إلى ميناء الأمن والاستقرار والسلام تحت راية وطن واحد ذي سيادة وهيبة واستقلالية، مؤمنًا بمبدأ التعايش السلمي وتقاسم الثروات وطنيًا بعدالة ومساواة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب في قريب الموسم الانتخابي القادم! فمازالت شرائح كبيرة من الشعب العراقي تؤمن بضرورة بقاء وتواجد وتدخُّل قدرات أجنبية من أجل إحداث التغيير الجذري في المنظومة السياسية الفاشلة بسبب فسادها وهزالة إدارتها وفقدانها للإرادة الوطنية الصادقة التي تضمن مواصلة الحياة الطبيعية مثل سائر شعوب المنطقة وإعادة الاستقرار للشارع الثائر المطالِب بحقّه بوطن مفقود، إلاّ ممَّن فقدوا صلة الرحم بالوطن وباعوا أنفسَهم ذيولاً أذلاّءَ للدخيل والغريب الطامع لفسح المجال لهذا الأخير للتغوّل على المنطقة والتدخل في ملفات دولها وفي شؤونها العروبية.
وبغير هذا وذاك، تكون الحكومة الأمريكية قد اقترفت أخطاءً جسيمة وترتبت عليها خطيئة كبرى أخرى مضافة لعظيم خطاياها. وما أكثرها في العراق خصوصًا! كما أن أميركا بثقلها الدولي، في حالة عدم تقويم الأمور بما تستلزمُه العدالة السماوية بالحفاظ على وجه بلاد الرافدين الحضاري والثقافي التاريخيين المتميّزين ووفق ما يستحقه الشعب العراقي المظلوم من حقٍ بالسيادة على موارده وقراره السياسيّ عبر تغيير جذريّ مدعومٍ من المجتمع الدولي الصادق في سلوكياته الأخلاقية بحيث يضمنُ حقوقًا عادلة وحالةً من الاستقرار النفسي والجسدي والمجتمعيّ بسبب خطيئة غزوها له في 2003، تكون قد خسرت في مقامرتها الدولية غير المحسوبة بحكمة واستحقت لعنة التعاسة التاريخية من أبناء سومر وأكد وبابل وآشور الأصلاء لغاية يومنا هذا.
فالعراق كان وسيظلّ صمّام أمان المنطقة وواحدًا من كبار ساداتها، شاء العذول أم احتجّ. فكلٌّ ما هو مطلوب، الخروج عن شرنقة الدول التي تستبيح أرضه وشعبَه وتسطو على قراره وثرواته بغير حق بسبب تهاون المجتمع الدولي، وبالذات أميركا الغازية التي ستلحقها لعنة العراقيين وكلّ شريف صادق في العالم وليس مَن يجامل وينبطح "تقية" وإذلالاً. كما أنّ العراقيين ليس في جعبتهم معاداة أحد، ولا قطع العلاقات مع أحد، بل إنمّا التعايش وفق مقاييس شرعة حقوق الإنسان وقيم الاحترام المشترك بغرض الخروج من أزماتهم الكثيرة الخانقة التي أوقعهم فيها الغازي الأمريكي ومَن أتى بهم لاستباحة البلاد والعباد بغير حكمة ولا وجه حقّ. وهذا لن يتمّ من دون تغيير المنظومة السياسية القائمة وتعديل نظامها الحاكم الذي أثبت فشله في إدارة البلاد، وبالانفتاح المتبادل مع المحيط العربي كخطوة أولية مأمولة نحو مثل هذا التغيير الإيجابي المنتظر تفاديًا لأية مزالق خطيرة قد تجرّ المنطقة بأسرها إلى نزاعات وصراعات لا تُحمدُ عقباها.
وإلى حين تحقيق المرتجى المأمول في الانتخابات المقبلة ببلوغ عقد اجتماعي وسياسي جديد وبتشكيلة مغايرة للمنظومة السياسية الفاشلة القائمة منذ 2003، وبنظام رئاسي وليس برلمانيّ متحاصص بغيض، يبقى الترقب ماثلاً للأحداث بما يمكن حصولُه من مفاجآت وتغييرات وتطورات.

4
العشائرية لا تبني وطنًا
لويس إقليمس
 بغداد، في 23 آب 2021
تطالعنُا مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والفينة عن عجائب وغرائبَ عمّا يجري في كواليس الدواوين العشائرية من مهرجانات استعراضية بقصد تصفير مشاكل متنوعة حصلت وتحصل بين عشائر، وأحيانًا لأسباب تافهة. وبحسب ما يطرق سماعنا ونقرأ ونشاهد ما يحصل بين طرفي المشكلة، أي جهة المعتدي والمعتدى عليه، ففي اعتقادي كلّ هذا سلوكٌ شاذٌّ لا يبني مجتمعًا صحيحًا قائمًا على روح المواطنة والقانون والعدالة الاجتماعية التي غادرتنا منذ أن فُقدَ الوطن وغابت عنه هيبتُه وتلوثت سيادتُه بأيادي جاهلة لا تعي سوى قيمَ الفوضى وفرض سطوة القوي على الضعيف بعيدًا عن أعين القضاء وسيطرة الحكومة على كلّ شائبة سالبة تساهم في تدمير المجتمع. ولعلَّ إحداها وأكثرها فتكًا وأذىً وتخلّفًا بمجتمعنا العراقي هذا النمط السيّء من الفصل العشائري الذي راج مؤخرًا وأصبحَ لبعض الدعاة والمهووسين بحكم العشيرة إرثًا اجتماعيًا ومفخرة فارغة من الضمير والعقل والمنطق من خلال فرض السنن والأعراف العشائرية التي فرضت سيادتها على القانون وسلطة الدولة وأصبحت بديلها في تسيير شؤون البلاد والعباد. فقد استشرت استعراضات الفصل العشائري كظاهرة سلبية في السنوات الأخيرة، وتكادُ تخرج عن السيطرة بسبب تقاعس الجهات الأمنية والقضائية في أخذ دورها الأمني والوطني في سدّ ثغراتٍ عزّزتها الروح العشائرية المتنامية وشيوخُها لأغراضٍ تجارية وغير إنسانية، حتى إنها تعدّت حدودها لتشمل مقاضاة مؤسسات ودوائر الدولة ومنظمات لا تؤمن هذه الأخيرة بتعقيداتها. بل أصبح لها أعرافٌ وأصولٌ مكتوبة وشفاهية وفق مراحل غريبة بين المعتدي والمعتدى عليه بدءًا من "الفرشة" التي تعني مبلغًا من المال لتهيئة أجواء الديوان لاستقبال طرفي المشكلة. تليها "الكوامة" ونقضها، و"العطوة" و"النكل"، و"الفريضة" ومن ثمّ الجلوس في دواوين العشائر وما يدور فيها من خطابات لا تخلو من مساومات وتهديدات وفرض أتاوات، ثمّ الاتفاق على "دية" معينة مخفضة بعد تدخلات وسطاء ولخاطر عيون هذا الشيخ وهذا السيّد، وعقد "الراية" في ختامها دليلاً على الصلح وإنهاء التوتر والتهديد والخطر الداهم بين الطرفين. مسرحية رخيصة بحق فرضتها سوء الأوضاع الأمنية وغياب القانون وضعف الإدارة وغياب الإرادة. وكلّها لا تلبي حاجة المجتمع التعبان الغارق بالبحث عن لقمة العيش والأمان والرفاه التي يستحقها. كما أنها في كلّ الأحوال لا تبني وطنًا!
وليس غريبًا ما يطرق السمع أو الحديث عن حالات مقرفة وغير إنسانية بإقحام المرأة في مثل هذه المشاكل الفصلية. فقد تشمل "الدية" أو الفصل علاوةً على مبالغ مالية خيالية، فرض مصاهرة بإحدى فتيات الطرف المعتدي لتكون بمثابة سبيّة أو جارية مهانة، أملاً بأن تساهمَ في إطفاء فتيل العداوة بين الطرفين وتعويضًا لردّ الحيف الذي يدّعي الطرف المعتدى عليه قد أصاب عشيرته جرّاء الفعل المقترَف من جانب الطرف الجاني أي الطرف المعتدي. وهذا السلوك يتعارض مع حقوق الإنسان بحسب الكثيرين إلاّ من جانب شيوخ العشائر الذين يصرّون على أن تكون جزءً من الإرث العشائري المتخلّف والحلول محلّ القانون والقضاء. بل إنه لا يخرج عن صفة الاتجار بالبشر لكونه انتقاص فاضحٌ من قيمة المرأة التي يدّعي بعضُ أدعياء الدين ولاسيّما في المعتقد الإسلامي بعموم مذاهبه، إعلاء شأنها كذبًا وزورًا ورياءً ونفاقًا. فالمرأة هي الضحية في بعض هذه الحالات غير السوية.
من المؤسف القول بأن مثل هذه السلوكيات السلبية الخاطئة لا تحصل إلاّ في بلدانٍ فقدت سيادتها وتلاشت هيبتُها وتسيّسَ قضاؤُها بسبب ضعف الدولة وفقدان ساستها وزعاماتها لأية أبجديات الإدارة والقيادة وفرض السيادة بقوة القانون. وإلاّ ما سببُ المغالاة في طلب مبالغ خيالية لأبسط وأتفه المشاكل التي لا ترتقي إلى كونها مشكلة، كما تسردُ مواقع الكترونية أو تُروى حكايات غريبة عن مثل هذه الاستعراضات الفصلية التي تحولت بقدرة قادر إلى فرصٍ عند بعض ضعاف النفوس للاسترزاق والثراء واستغفال البسطاء في الكثير من الأحيان. وهذا هو دور المثقف ورجل الدين الرصين وأرباب النخب الوطنية التي عليها واجب التصدّي لمثل هذه السلوكيات غير الصحيحة التي تقوّض حكم الدولة وتُضعفُ مؤسساتها وتقودها إلى شفير الهاوية في التعامل الصحيح مع المواطن على أساس الالتزام بالقانون الذي يفرض تطبيقه القضاء النزيه، هذا إن وُجد مثل القضاء! وبعكس ذلك، فالمجتمع ماضٍ نحو تغوّل واسع لدور العشيرة وتقديمه على لغة القانون بفعل تقويض قوته وفاعليته وسط المجتمع، بل سيكون عاملاً مساعدًا في انتشار الجريمة وتوسعها على حساب صيانة أمن الدولة ومجتمعها والحفاظ على سمعتها بين الأمم والشعوب والدول.
دور إيجابيٌّ صحيحٌ للعشيرة
لا ننكر دور العائلة والعشيرة في المساهمة ببناء مجتمعات هشّة بحاجة إلى إضافات إيجابية من جانب عقلاء القوم وشيوخهم في إقامة الصلح والتوعية بسداد الأعمال والأفعال من أجل تحصين هذه المجتمعات، لاسيّما تلك التي تتعرّض لمحن ومصائب وخروقات وحروب تتسبّبُ بتدمير البنى التحتية والاجتماعية. وهذا ما عاناه المجتمع العراقي من دون تمييز في غضون العقود المنصرمة، ما كان له آثارٌ سلبية على أجيالٍ برمتها عندما فقدت كلّ مقومات الحياة وتأثرت بتخبطات ساستها وزعاماتها وابتليت بحكومات فاسدة لم تُعر الأوضاعَ الاجتماعية والعلمية والتربوية ما تستحقه من اهتمام. فكان منها أن سادَ الجهلُ وتراجعَ التعليم وفقدت التربية كلّ مقوّماتها لتنتج البلاد بالتالي جيوشًا جاهلة بشهادات مزوّرة وخلفيات لغوية وعلمية ركيكة تعزيزًا لأشكال التخلّف التي أصابت البلاد. ف "الشعوبُ على أشكالها يُولّى عليها"!
ليس من الصحيح أبدًا تبنّي العشيرة أخذّ دور الدولة في بناء نظامٍ مؤسساتيّ قائمٍ على القانون والنظام يكون فيه الجميع تحت طائلة الدستور والقوانين الوضعية بحسب حاجة البلاد وظروفها الزمنية والمكانية، وبما لا يسمح بالتجاوز على سلطة الدولة من أي طرفٍ. فالعشيرة، مهما كانت قوتُها وقدراتُها لا يمكنها منافسة الدولة وسلطتَها الوطنية في بسط نفوذها على المجتمع بالعدالة والمساواة وفي نشر الحق والأمن والسلام. فالدولة هي الدولة والعشيرة لا تعدو كونها جزءً صغيرًا من الدولة، أية دولة. ومن ثمّ، فلكلٍ جانبٍ دورُه في ترصين المجتمع وبناء صروح الوطن وتعزيز آيات السلام والمحبة والتفاهم والتحاور بشأن أفضل الخيارات لإنتاج أجيالٍ واعية صحيحة الجسم والعقل معًا لتكونَ نواةً إيجابيةً لبناء الأوطان وفق أنسب السبل وأكثرها صحة وضمانًا لحقوق الجميع وبما يخدم الجميع. ولا بدّ للجزء ان يكون إيجابيًا ومؤثرًا ضمن الكلّ الذي يمثل الوطن كخيمة وارفة للجميع، حيث لا تحيزَّ لمواطنٍ على حساب غيره، كما لا خيرَ في مواطن إلاّ بجدارته وكفاءته وما يمكن أن يقدمه للمجتمع والوطن من إضافة إيجابية في العلم والخدمات والبناء والتطوّر وأشكال الإبداع. 
نظريًا وعمليًا، لا يمكن الاعتماد على النظام العشائري في بناء منظومة وطنية، وباختصار في إنشاء وطنٍ له مقوّمات دولة عصرية متطورة يخولها التعامل مع غيرها من الأمم والشعوب وفق منظور التكافؤ في القيم والقدرات والنظام. وما يُلاحظ في أشكال النظم العشائرية التي تسود منطقتنا العربية والمجتمعات الإسلامية عامةً، هشاشة الحكومات التي تحكمها بسبب ضعف القوانين التي تسود البلاد والعباد وفق مفهوم الشرع الذي لا يقبل بديلاً عن تفاسير الأقدمين بالعيش في حقب الماضي السحيق الذي ولّى واندرسَ ولم يعد ينفع لزماننا ومكاننا. فلو كانَ نافعًا في زمانه ومكانه في حقب معينة، فهو ليس كذلك في عالم الرقمنة وتسارع التكنلوجيا ووسائل النقل والسيطرة والإبداع والاختراع. كما لا يوجد شيءٌ كاملٌ متكاملٌ لكلّ زمان وكلّ مكان. فالحياة في حركة دؤوبٍ كما قطارُ الأحداث باختلاف عرباته وما تحملُه من بضاعة وبشر ومتاعٍ.
اليوم تكمنُ قوة الفرد والمواطن في قوة الدولة التي ينبغي التكفلَ بكلّ حاجاته الحياتية. ولو ساد شيءٌ من الاختلال في هذه الموضوعة في بلادنا بسبب ما تعرضت له البلاد من نكسات وويلات ومصاعب بسبب الحروب العبثية المتتالية للأنظمة السابقة وخوائها من ساسة حريصين على قيادة دفّة البلاد بحنكة وجدارة ومفهومية وصدق وعدل، فذلك ليس مبرّرًا لصعود المنظومة العشائرية لتكون بديلاً للمنظومة الوطنية التي تجمع الكلّ تحت جناحيها كما الدجاجة تحمي فراخها. فالعشيرة مهما سمت وتجبّرت وتغوّلت، لا يمكنها أن تكون بديلاً للوطن، تلك الأمّ الحنون التي تُعنى بالجميع وليس بأبناء القبيلة والعشيرة والعائلة المصغرة. فما يربط البشر بالوطن أقوى وأشدّ ممّا يربط الشخص بعشيرته وقبيلته التي تتغيرُ فيها موازين الولاء بحسب شيخ العشيرة وأدائه ورغباته وميوله. بينما الوطن، يحكمُه دستور وفيه قوانين وأنظمة وتشريعات تصون الحقوق وتمنح المواطن ما يستحقُه منها في ضوء ما يقدمه من واجبات وقدرات وفعاليات بالمقابل. وفي حالة اختلال هذه العلاقة الجدلية بين الوطن والمواطن، تسقط معها كلّ القيم وأشكال الارتقاء به وبالمجتمع نحو الأفضل. ولا يخفى على الجميع إخفاق أية منظومة اجتماعية عشائرية التوكيل عن أتباعها في انتهاج سياسة عامة معترفٍ بها بين الدول والشعوب، ببساطة لكونها خارج منظومة الحكم وتفتقر للكثير من شؤون السياسة التي تحكمُ الوطن بالمواطن. فللعشائر رجالُها للحكم بين أفرادها وتوعيتهم بأصول الوطن وأخلاق المجتمع ووسائل التعامل والتعايش بين أبناء الوطن الواحد. كما للسياسة زعاماتُها التي ترسي هذه السلوكيات الإيجابية وسط المجتمع وتقود مواطنيه نحو التقدم والتطور والإنتاج والإبداع والتنافس مع أمم الأرض وشعوبها نحو الأفضل. فالأمم التي مواطنوها أكثر سعادة هي تلك التي تحكمها زعامات قوية، مخلصة، نزيهة، صريحة، شفافة، خدومة، صادقة مع نفسها ومع برامجها، كما مع مواطنيها في استخدام العقل والعقلانية وليس الوجاهة والتنمّر والمجاملة والمراوغة والمتاجرة بالإنسان ومشاكله.
وباختصار، لا هوية فرعية تعلو على هوية الوطن!


5
المنبر الحر / كشكول نفايات!!!
« في: 21:30 12/08/2021  »
كشكول نفايات!!!
لويس إقليمس
بغداد، في 12 آب 2021
صدمني ما قرأتُه في موقع البطريركية الكلدانية على لسان غبطة بطريركها في العراق والعالم، الكاردينال "الكاريزمي" والصديق الجليل لويس ساكو، من كلمات غير مستساغة وقاسية بحق مواقع إلكترونية ناضجة لها شعبيتُها ومهنيتُها في نقل الكلمة والرأي والرأي الآخر وعرض الحقائق مهما اختلفنا حيالها من منطلق نشر الوعي وتبيان الوقائع وفسح المجال للحوار والنقاش وكشف المستور، وأيضًا في تقديم النصح والاستشارة المجانية. لقد كتب غبطتُه بمناسبة إطلاق الموقع الالكتروني الجديد “البيت الكلداني” “Chaldean Home، للرابطة الكلدانية في 6 اب 2021، السطور التالية:
"من المؤسف ان نجد بين الكلدان شرذمة من الاشخاص، يعانون من الفراغ الداخلي، لا معرفة لهم بالواقع العراقي، انتهى بهم الامر الى تبعية من يحرّكهم للانتقاد والاثارة بسخرية وابتذال، والاستهانة بالآخرين، وبث الافتراءات ولصق الاتهامات، لتمزيق البيت الكلداني. انهم ينشرون “هراءهم” المصفوف كحقائق على مواقع هي أساساً كشكول نفايات. رجائي ألّا يردَّ الكتابُ الكلدان عليهم، لأنّ الردَّ نوع من الاستجابة لما يرومون."

ما يهمني في كلّ هذا الكلام، ما لحق من اتهام مواقع إلكترونية لها صداها ومهنيتُها وجهودها في نقل أخبار وتقريب وجهات نظر ونشر وعي في الوسط المسيحي والعراقي معّا، والتي بغيابها لما حصل التواصل بين أبناء الوطن الواحد في الداخل وفي دول الاغتراب التي أصبحت ملاذًا للكثير ممّن تركوا أرض الآباء والأجداد مرغمين. ومن هؤلاء ولأجلهم وبسببهم تكوّنتْ خورنات وتشكلتْ إبرشيات واشتدّ التنافس بين الرعاة، أساقفة وكهنة، لشغر هذه المواقع بوسائل وطرق لا مجال للخوض فيها بحيث صارت بعضُها عائلية ومناطقية بحتة. قولُنا في ما ورد أعلاه بوصف الحقائق التي تُنشر في مواقع إلكترونية بعبارة " كشكول نفايات" وما ضمنه من تشكيك واتهام وانتقاص من أهمية وجدارة ومهنية العديد من المواقع والكتّاب المحترمين الذين يتعاطون يوميًا مع مثل هذه الحقائق والوقائع، لا يطيبُ ولا يحلو للقارئ العاقل الرصين لكونه خارج السياقات المقبولة. فما في جعبتنا من معلومات وبيانات ومستورات للفضّ به قد لا يسرُّ البعض. ومن حقي التساؤل، هل اتسم موقع البطريركية الكلدانية منذ إنشائه بالمهنية في نقل الكلمة والعدالة في نشر ما يصلُه من مواضيع ومقالات وأفكار، أم إنه أغلق أبواب النشر وإبداء الرأي والرؤى أمام كتّابٍ من أمثالي حين مقاطعتي منذ سنوات لأسبابٍ عنصرية بسبب رفضي أن أكون بوقًا مواليًا وتابعًا من غير رأي؟ وهل الموقع الجديد للرابطة الكلدانية التي خرجت عن الغرض المرسومِ لها منذ تأسيسها كقاعدة مجتمعية داعمة لأفكار وجهود الكنيسة الكلدانية لتتحول إلى حزب سياسي يتنافس مع سائر الأحزاب المسيحية الهزيلة الذيلية على الساحة السياسية العراقية الهشّة اصلاً، سيكون أمينًا في نقل الحقائق والوقائع من أجل بناء البيت الكلداني والبيت المسيحي؟ ما هكذا تورد الإبل يا سيدي وصديقي البطريرك! الحقّ يُقالُ ولا يمكن إخفاؤُه بغربال!
التخصيص وليس التعميم
سيدي البطريرك، اسمحوا لي بالقول: إنّ تعميمَكم بهذه الطريقة المفتوحة لمَن "ينشرُ الهراء المصفوف كحقائق على مواقع هي أساسًا كشكول نفايات"، كما وردَ في اتهامكم أعلاه غير مقبول في أدنى درجاته. ولم أكن اتوقع أن يصدر يومًا ما شيءٌ من هذا القبيل القاسي وتعميمه بهذه الصورة الغليظة غير المنصفة. فالتعميمُ صفة المتطرّفين والمتزمّتين ومحتكري الواقع والرأي. أمّا التخصيص والتحديد والتشخيص بدقة ورفعة وعقل وإدراك ووعي وتفهّم وسعة صدر فهو صفة العقلاء ورواد الكلمة الناطقة بالحق والرأي السديد، إن عليه أو معه!
هناك كتاب محترمون، سواءً في صفوف الكلدان أم غيرهم من كنائس أخرى، يجيدون ترويض القلم وتلوينه بسموّ ورفعة واحترام، بالرغم من فارق التقويم والتقييم في ما يكتبونه وينشرونه من غث وسمين. فهذا شأن القلم الذي يتدفق من أعماق القلب ليقول ما يشعرُ به، سلبًا أم إيجابًا. فلكلّ قلمٍ رؤيتُه وتقنيتُه وأسلوبُه شريطة عدم خروجه عن الذوق الرفيع والآداب العامة وعدم تسويق ما يدلي به في مزادات "الافتراء والابتذال والاستهانة بالآخرين" وبقدراتهم وآرائهم. من هنا، لا ينبغي التعميم. فهو سلاح الطرف المتطرّف الاحتكاري لكلّ شيء وفي أيّ شيء. وفي اعتقادي، ما يُساق على بعض كتّاب الكلدان المتَّهمين من قبل رئاسة الكنيسة الكلدانية الرسولية الأصيلة، بالمعصية والخروج عن الطاعة قد ينسحبُ بطريقة أو بأخرى على غيرهم من الكتّاب المسيحيين الذين يسقون العطاش بالكلمة الصادقة ماءً زلالاً ولبنًا عفيفًا لا غبارَ عليه انطلاقًا من شعورهم الإنسانيّ أولاً، وتحمّسًا لنقل الكلمة الصريحة وإبداء الرأي السديد والاستشارة الواقعية ثانيًا في ظلّ المُعاش الواقعيّ كنسيًا ووطنيًا واغترابًا.
والسؤال الذي يقضّ المضاجع ولا يلقى جوابًا شافيًا من أهمّ المراجع من شأنه أن يقلب المواجع بدلَ استنهاض الهمم بالطريقة التي ينوي غبطتُه معالجة الثغرات وصدّ كلّ كلمة لا تغرّدُ في السرب. وهذا محالٌ! فمسألة قذف الغير من المعترضين أو رفضُ عديدِ الرافضين لشكل أسلوب الإدارة الكنسية في الكنيسة الكلدانية بخاصة، أو غيرها من الرئاسات الكنسية الأخرى، لن يجدي نفعًا بقدر ما يوسّع الهوّة بين طرفي النقيض فاتحًا المجال لالتحاق أقلامٍ غيرها في خانة الاعتراض والرفض لكلّ ما يبدر، سواءً من هذه الرئاسة أو غيرها. وهذا من شأنه تفاقم الأمور عوضَ البحث عن مخارج أكثر أمنًا ومعقوليةً وتسامحًا. كما أنّ الردّ على مسألة نشر الغسيل من نفرٍ من كتّاب متهمين بالإصابة ب"فراغ داخليّ" ساعة الغضب وتفاقم الشجون، لا يجدرُ أن يصير بهذه الطريقة الاستعلائية الهجومية. وإنْ كان هذا البعضُ المتهم حقًّا بالإصابة بالفراغ الداخلي وكلّ مَن على أمثاله وأشكاله مُساقًا هو الآخر كالقطيع من جهات محرّضة أو محرَّكًا للانتقاد والسخرية، فما بالُكم لا تعيدوا النظر في الكثير من الأدوات والسلوكيات التي فتحت المجال أمام القاصي والداني للدلو بدلوها في مشاكل كثيرة ضربت كنيسة العراق وكنيستكم بشكلٍ أوسع من حيث إدارة الموارد ورعاية المؤمنين وشكل العلاقة بين الراعي والرعية، وبين الرئيس والمرؤوس (الأسقف والكاهن) في معظم الإبرشيات التي نسمع ونتابع أخبارها بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت سفيرة مجانية لنقل الأخبار والحقائق والفضائح سواءً بسواء؟ أمام ما وصلت إليه تقنية المعلومات ومستجداتها في كلّ يوم وساعة ولحظة، لا يمكن التكهن او السيطرة على كلّ ما يُكتب ويُنشر في ضوء الحريات الشخصية في نشر الأفكار وإبداء الرأي. وما على القارئ الرصين سوى فرز الصالح من غير الجيّد والنافع. كما يستحيل إبداء الرأي كتابة أو صورة وصوتًا، ما لم تتوفر ولو أجزاء الحقائق حين إثارة أي موضوع أو مسألة فيها شيءٌ من الجدلية. والصحّ فيها، أن يًصارُ للاستيضاح بشأنها عبر الحوار والردّ المكفول. فالاختلاف لا يفسدُ في الودّ قضية طالما هناك حوار ونقاش وتبادل معرفة واستكمال الآراء.
في مسألة ثانية، لا تقلّ أهمية عن الأولى، هل جرى معالجة خلاف الكنيسة الكلدانية مع شقيقاتها في مسألة تشكيل مجلس كنسي عام رسميّ لمجمل كنائس العراق بدل تفرّد الرئاسة الكلدانية في عقد اللقاءات الرسمية والتحدث باسم عموم المسيحيين في العراق، بالرغم من عمق اعتقادنا بنوايا رئاسة الكنيسة الكلدانية الإيجابية في الدفاع عن عموم الشعب المسيحي وحرصها لإيجاد أرضية مشتركة لحلّ هذه الإشكالية المقرفة وغير المريحة، سواءً على الصعيد المسيحي الداخلي والخارجي أو على الصعيد الرسمي الذي يعطي انطباعًا محبطًا وسلبيًا أمام الدوائر والقرارات الحكومية الرسمية إزاء كلّ ما يتعلّق بشؤون وهموم مسيحيّي العراق ومن ثمّ وجودهم المقلق. وهل تتصورون حجم الانتقاد والرفض الشعبي وحتى الخجل من تعدّد الوفود المسيحية التي تلتقي الرئاسات ونفرًا من الرسميين والشخصيات والمنظمات داخليًا وخارجيًا، وكأن القائمين بها أبطالٌ يخوضون حفلة تنافسية لنيل قصب السبق في مضمار الساحة والميدان من دون مراعاة لفروض الاحترام للآخر المغيَّب؟؟؟
تناقض في أحوال البيت المسيحي
سيدي البطريرك الجليل، أستميحكَ عذرًا، بعدم القبول بالتناقض الصارخ في تعليقاتكم واستيضاحاتكم لمجريات الأمور بهذه الطريقة غير المجدية. ففرض السيادة على إدارة كنيسة العراق بالطريقة التي تنوون بها أو سوقها من دون تراضٍ من سائر الكنائس الثلاثة عشر الأخرى التي تشكّل مع كنيستكم عصب الحياة المسيحية في العراق لا يليق بمقامكم الكريم، بل ينتقص من كاريزميتكم بالفشل في إقناع الطرف الآخر بموجبات هذه الرئاسة التي نعتقد ونثق بقناعة وافية بجدارتكم الواقعية بتمثيل عموم كنيسة العراق في عصرها الراهن من دون منافس، شريطة التوافق على المسببات والموجبات والوسائل الكفيلة بتأمين مواقف الجميع من دون استعلاء "الأكثرية المزعومة" على "الأقليات المعدودة" بأسلوب استفزازي لا يقلّ خطورة عن اتهامكم بشيءٍ من عنصرية الأكثرية التي سادت المشهد السياسي العراقي ذاته منذ 2003. وهذه من ضمن النقاط السلبية التي رافقت تنظيم زيارة قداسة بابا الفاتيكان للعراق حيث سعيتم ما استطعتم لجعل الزيارة أكثر ميلاً للكلدانية وحصرها بكنيستكم ومناطقكم وطقوسكم، بالرغم من إبدائي شخصيًا ملاحظات جديرة بالتقييم والدراسة قبل موعد الزيارة بثلاثة أشهر بصحبة صديق لي لغبطتكم في مقرّ البطريركية. وهذا ما دفعني لتسليم قداسة البابا رسالة خاصة بشأن الأوضاع في البلاد والكنيسة العراقية عمومًا. وقد تسلّمتُ ردَّ قداسته شخصيًا في أيار الماضي. وهذا كان من دواعي سعادتي الغامرة. من هنا، ليس من المعقول القبول القسري باقتران حضور الكنيسة الكلدانية في العراق حصرًا وربط حاضرها ومستقبلها دون غيرها بعناصر ومقوّمات الأرض واللغة والتاريخ والتراث.
    أمّا بخصوص رغبتكم ترؤسَ مجلس كنائس العراق، فقد كنتُ صريحًا وواضحًا. لقد سبق أن قلتُها في أكثر من مناسبة وحرصتُ على نقلها بمعية زملاء عَمِلْنا معًا بإشرافكم ضمن لجنة توفيق الجهود المسيحية في مناسبات كثيرة قبل أكثر من أربع سنوات أو أكثر عندما كان الحراكُ المسيحي بضرورة لملمة جراح إدارة كنيسة العراق ساخنًا وسط تقاطع الرؤى وتناقض الآراء بينكم وبين رئاسات كنسية شقيقة. ولم نفلح في جهودنا بسبب تعنّت طرفي النقيض، كلّ في رؤيته ومطالباته ورأيه من دون تقديم أية أشكالٍ من التسامح والتنازل عن السلطة. فكلّ طرفٍ أراد أن "يجلس عن يمين المسيح أو عن يساره في المجد الزائل".
في الآخر، حريٌّ بكلّ كاتب حرّ غير مسيَّس أن ينقل الصورة الناصعة وبقلمٍ رصينٍ واقعَ حال كنيسته وكنيسة العراق عامة، بل وحال العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، بقلمٍ حرّ وشجاع ليس بغرض تشويه الحقائق والكذب على القارئ البسيط أو بهدف إثارة السخرية والابتذال والقذف غير المبرّر. كما هو جميلٌ أيضًا أن تتراصف أقلام الكتاب المسيحيين مشيدة بمواقف غبطة البطريرك الوطنية الشجاعة وعدم تماهي غبطته مجاملةً مع حالة الفساد والفلتان وسياسة التهميش التي تتبعها حكومات العراق الطائفية المتتابعة منذ 2003 ولغاية الساعة بحق المكوّن المسيحي الأصيل وغيره من المكوّنات التي تشكلُ فسيفساء الأرض العراقية الثرية. وهذه من بين المزايا الصارخة لغبطته بوجه الظلم وفساد الساسة والنواب غير المؤتمنين على مصالح الشعب.
أرأيتم، فالكلمة الصادقة تُقالُ ولا يُخفيها غربال الحق والصدق. وبغير هذا، لن تثمر الكلمة ولن تأتي أكلَها في توجيه النقد البنّاء حينما تقتضي الساعة والظرف بمزيجٍ من اللياقة والأدب والدقة في وصف الحالات وتشخيص الواقع وتقديم الحلول. في الختام، لشخص غبطنكم منيّ كلَّ تقدير ومودة واحترام.

6
نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب
لويس إقليمس
بغداد، في 28 تشرين ثاني 2019
ما انفكّ زعماء الكتل السياسية وأحزاب السلطة والهامشيون من الأتباع الانتهازيين ومن سياسيّي الصدفة يراهنون على بقائهم في السلطة من أجل ديمومة مكاسبهم والحفاظ على مغانمهم وإدامة زخم سرقاتهم بالرغم من الرفض القاطع والصارخ من الشباب الواعي الثائر الذي ضرب أروع شواهد البطولة التي لم يشهدها الشارع العراقي ولا كان يحلم بها شعبُ العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه حينما ارتفعت أعينُ الجميع لتعانق علم العراق وتنشد بدموعٍ صافية مليئة بالحسرات نشيد الوطن "موطني". 
فكلما سمعتُ كلمات هذا النشيد الحماسية النابضة من رحم الوجدان العراقي الطيب الاصيل تغرورق عيوني بالدموع وتتداخلني حشرجة لا أخرج منها إلاّ وأنا ساكبٌ عبراتٍ أحبسُها في أعماقي بحسرات وتنهدات وشجون لفقدانِ وطنٍ جريحٍ كان بالأمس في صدر الحضارات الراقية. لكنه غدا اليوم في زمن الفلتان وغياب الوازع والضمير وسيادة الفساد وركوب الموجات في ذيل الأمم باستحقاق الاحترام. ففقدان وطن يعني ضياع الذات والوجود والكيان والوجدان والكثير من الميزات والخصائل والفضائل المجتمعية التي تجتمع عليها الدولة والشعب. ومن جملة ما يعنيه أيضًا، زوال الشرف والغيرة والهمّة في بناء كنه الإنسان الصحيح وروحه وكيانه الذي يأويه هذا الوطن والذي من دونه يبقى الإنسانُ متشرّدًا قابعًا في زوايا النسيان والتخلّف مرابضًا أكوام القمامة التي يعتقد الدخلاءُ الحاليون على العراق أنهم يمنّون عليه بفضلاتهم من كثير سرقاتهم ووسائل نهبهم لثروات البلاد أمام الناظر من القاصي والداني. 
إنّ الشعب الثائر يقارع اليوم طغمة فاسدة ارتضت لنفسها خطف الفرحة والبسمة والعافية من سائر طبقات الشعب، أطفالاً ويتامى وثكالى وطلبة ومثقفين وأكاديميين وعلماء وصناعيين وأرباب عمل لفقدانهم وطنهم وجعله أسيرًا بيد الدخلاء ومسلوبَ الإرادة. كما لا يمكن أن ينسى في ساحات اعتصامه المتجدّدة في كلّ يوم، تلك الدماء الزكية التي أُريقت على مذبح الحرية والحقوق وفاءً منها لهذا الوطن وأهلِه عندما فتح هؤلاء الشهداء صدورهم وعرضوا أجسادهم الطرية لحقد القنّاصة ومطلقي الرصاص الحيّ والقنابل السامة المسيلة للدموع المحرّمة دوليًا على أيدي أعداء الشعب من المغرضين الذين لا يدركون معنى مفردة الوطن ولا يفقهون مسلّمة ضياع الوطن ولا يعرفون مبدأ حب الوطن! شهداءٌ سقطوا من أجل عراق جديد توقًا لحياة أفضل وبحثًا عن هذا الوطن الذي أضاعه بل أذلّه فاشلون في الحكم، ونكّدوا عيشَ الشعب بسبب منهجهم الفاسد وإخفاقاتهم المتكررة واستشراء فسادهم اللامحدود. فكانت الانتفاضة الشعبية صوتًا صارخًا ضدّ الفساد وأزلامه وضدّ بائعي الوطن وعرّابي صفقاته المشبوهة وولاءاتهم للغير الطامع. وفي حالة إصرار الطبقة السياسية القائمة على إبقاء الحال على ما هي عليه من توتر وفقدان الإرادة الحقيقية بتغيير منهج الحكم جذريًا بالطرق السلمية والأصولية بحسب مطالب الشارع، فإنّ الأيام القادمة حبلى بالإجراءات والأفعال التي تضمن حق هذا الشعب الجريح ومنهم الشباب الثائر. وكما قالها سياسيون من على شاشات الفضائيات، "سيأتي اليوم الذي يُسحلون فيه في الشوارع"، عقابًا على أفعالهم وعنادهم بالتمسك بالسلطة، غير عابئين بنصيحة المرجعية ليوم الجمعة 22 تشرين ثاني 2019 التي أشارت بكل صراحة " في حالة استمرار سفك الدماء، سيؤول الحكم لغيركم". نقطة، رأس سطر! وحينها لات ساعة مندم!
الدولة تغرّد خارج السرب 
إنّ استمرار تبجّح البعض من الساسة وأحزاب السلطة بالاستخفاف بمطالب الشعب وكيل شتى الاتهامات ضدّ المتظاهرين وتوصيفاتهم غير المقبولة يشير بما لا يقبل الشك، أنّ أمثال هؤلاء يعيشون في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وأنّ جبالاً شاهقة تفصلهم عن هموم الشعب وعن تحركات الشارع الثائر بكل طبقاته وهو يغلي على صفيح شديد السخونة. فلا المحتلّ الأمريكي الغاشم الذي أتى بحكم هذه الطبقة السياسية الفاسدة بمكيدة دولية ماكرة لمْ تعرف الخجل ولا الحياء ولا الخطيئة سيقف إلى جانبهم، ولا إيران الجارة الطامعة التي تحتل البلاد حاليًا بكلّ ثقلها الأيديولوجي ستنفعهم، ولا بقية الدول الإقليمية والدولية ومنها الأوربية بالتحديد ستذرف عليهم دموع الحسرة إذا ما حانت الساعة وسيق جميع الفاسدين من دون رحمة إلى مقصلة الشعب كي يقول فيهم كلمة الفصل. وحينها لا القضاءُ المسيّس المهتزّ سيكون له كلمة الفصل والفعل والحكم المداهن للساسة وأدواتهم، ولا الدول والأمم التي ماتزال تراهن وترهن مصالحَها على بقاء الطبقة الفاسدة الحاكمة الناتجة عن توليفة وإخراج المحتل الأمريكي بجميع أدوات الدعم والتستّر والتخاذل التي في حوزتهم سيكون لها أيّ أثر أو تغيير في مسار المرحلة القادمة من التغيير المرتقب باتجاه بناء الوطن على أساس المواطنة والعدالة والمساواة كسائر الدول المدنية المتحضرة في العالم. وهذا أبسط ما يطالبُ به المحتجّون منذ انطلاقة الثورة التشرينية في 2019.
في اعتقادي، من المعيب جدًّا أننا مانزال نسمع أصواتًا نشاز على لسان بعض الساسة والنواب ومَن همْ في مقدمة المسؤولية الحكومية في الدولة العراقية. فما صدر حينها بعد أحداث تشرين من وثيقة الشرف غبة اجتماع الساسة الأضداد في دار مغتصبَة أصلاً من دون وجه حقّ من قبل رئيس كتلة سياسية معروفة، فيها الكثير من التجنّي على مطالب الشارع. فهذه ماتزال تعيش أحلام السلطة والحكم ومكاسب الامتيازات ومغانم المحاصصة التي اغتالت الوطن والمواطن سحابة أكثر من ثمانية عشر عامًا من الظلم والفساد والاستخفاف بحق الشعب. هم الذين اعترفوا بارتكاب المعاصي والخطايا بحق هذا الشعب، وذرفوا بسببها دموع التماسيح من دون أن يرعَووا أو يغيّروا ما في جعبهم المليئة حقدًا على الوطن وأهل العراق، وتعهدوا أمام الملأ بتغيير المنهج والنظام. لكنّ "كلام الليل يمحوه النهار"، حقًا.
فهذا واحدٌ من اعضاء اللجنة القانونية يعلن بالأمس عن مهزلة إعادة صياغة القانون الانتخابي لصالح ذات الكتل السياسية التي ضمنت هيمنتها على نتائج هذا القانون مع بعض التعديلات التي تسمح لما أسماهم ب"الأقليات" بالحصول على مقاعد أكثر. وهذا نائب كردي يعتلي موقع النائب الثاني لرئيس السلطة التشريعية التي يشير فيها إلى رفض المكّون الكردي، الذي هو جزء من إشكالية الحكم في البلاد، لأية تعديلات تمسّ مكاسب هذا المكوّن. ويشاركه فيها زعماء ونواب ومسؤولون أكراد كثر. وهذه من الأدلّة على عدم الرغبة في التغيير والإصلاح الجذريّ. فالكلّ ينادي بهاتين المفردتين من دون أن تهتزّ عروش السلطة باتجاه إصلاح ما أفسده الساسة. فاللعاب بالتأكيد مازال يسيل لأموال النفط وأدوات تهريبه، وما تدرّه المنافذ الحدودية من واردات وأتاوات، وما تأتي به فواتير الاستيراد المزوّرة من منافع لتهريب العملة ومن كوميسيونات، وما يتقاضاه الساسة وأحزابُهم من مرتبات وامتيازات ومنافع بيع المناصب وتداول العقود وما سواها. والقائمة طويلة بشأن عمليات تزوير وابتزاز وتهديد وتبييض أموال واستيلاء على عقارات وسرقة أموال وتهريب ثروات وترويج تجارة مخدرات وما سواها.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أليس في هذه التصريحات والأفعال والممارسات والقرارات ما يمكن أن يزيد من إثارة الشارع ويضع أحزاب السلطة في مواجهة أكثر حتمية بين المنتفضين والمدّعين زورًا وبهتانًا وكذبًا بالإصلاح؟ وإلاّ أيُّ منطق هذا، أن تزيد قرارات الحكومة من امتيازات رفحاء والجهاديين والنضاليين في تعديلات قانون التقاعد؟ وأن تشهد البلاد فوضى إدارية غير مسبوقة فيما يتعلّق بشأن تجميد عمل وحلّ مجالس المحافظات التي يُرادُ إعادة تدويرها وتقنينها؟ وهل ذهب اهتمام المسؤولين في الدولة ولو يسيرًا باتجاه تحفيز المنتج الوطني ودعم القطاع الخاص وفتح المجال أمامه للإبداع وتنشيط الاقتصاد ومعه تأمين حقوق العاملين في هذا القطاع من حيث تضييق الفجوة في المرتبات والحقوق التقاعدية وتأمين الرعاية الاجتماعية للجميع من دون تمييز؟ أسئلة كثيرة تمسّ جوهر الأداء في الدولة العراقية وما يترتب على ذلك من نتائج وخسارة فيما لو طالت الأزمة بين الحكومة والشعب بغعل سطوة أدوات الدولة العميقة.
نتعلم الدروس من الشارع
من الشارع ينبغي تعلّم الدروس. فالشعب اليوم، مازال في رحلة البحث عن وطن مفقود، أسير، معروض للبيع. وسيجد ضالّتَه قريبًا بصبره وطول أناته، لأنّ الوطن يسكن بين حناياه وفي وجدانه، ويعيش حيًا بالروح والجسد، بالقول والفعل. فلا بعدَ مرحلة التغيير القادمة دولةَ مكوّنات بل دولة مواطنة، ولا حكومة محاصصة وأحزاب طائفية وفئوية وقومية بل حكومة حكماء وأكاديميين وخبراء وكفاءات، ولا بنكًا مركزيًا لتهريب العملة بالتواطؤ مع مصارف إسلامية مشبوهة بل مصارف وطنية ناضجة تؤمّن جميع الخدمات وتحفظ حقوق الدولة والمودعين من دون خوف أو تردد، ولا موازنة مالية للنهب والابتزاز بل منهاج مالي وخطط استراتيجية للبناء والتنمية والإعمار، ولا وزارات وإقطاعيات للبيع بالمزاد وللتحاصص بل وزارات منتجة وخدمية يحاسبها الشعب والحكومة معًا، ولا قضاء مسيّسًا يداهن ويجامل ويخضع للابتزاز والتهديد بل قضاء عادل يحكم باسم الشعب ويعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه من دون تأثير أو تهديدٍ من أحد أو من جهة نافذة.
من دون شكّ، إن استباحة الدولة العراقية من جانب كلّ مَن هبَّ ودبَّ قد أثقل كاهل العراقيين وأيقظهم من غفوتهم وأعاد إليهم نخوتَهم شيبًا وشباّنًا، صغارًا وكبارًا، فتية وفتيات. وهذا ما نشهدُه من امتعاض وتغيير في فكر الشارع بسبب توالي المصائب وعد تلبية مطالب الشعب بأية إصلاحات موعودة. ويكفي أحفادي الصغار مثل غيرهم من براعم وصغار الوطن في الحضانات والرياض والمدارس يعرفون اليوم أن يميّزوا العلم العراقي بالرغم من صغر سنّهم وطراوة فكرهم حين يمرّون في الشوارع أو يشاهدونه على شاشات التلفزة وأن يتغنّوا باسم الوطن. أمّا القائمون على الحكم الذين مازالوا حبيسي المنطقة الخضراء ودهاليزها أو الذين اختاروا الرحيل والابتعاد والهروب قبل تدفق الطوفان القادم، فإنّ عين الشعب ستظل رقيبة عليهم كي ينال كلّ مَن استأثر واستأسد وتنمّرَ بالحكم ما يستحقه من عقاب الشعب حين تأتي الساعة، وهي قريبة.
إنّنا نؤمن، أنّ التغيير قادم مهما تمادت أحزاب السلطة وأصرّ زعماءُ الكتل السياسية المنتفعة من الكعكة بالمراهنة على موقف المرجعية المتأرجح أحيانًا والتي تمسك العصا من الوسط في جميع توجيهاتها كونها توصَفُ جزءً من تشكيلة النظام السياسي القائم ومنتفعة في الكثير من منهاجه السياسي والأيديولوجي والطائفي والمذهبي. نعم، التغيير قادم، مهما تزايدت ضغوط نظام ولاية الفقيه لإبقاء السلطة بيد ذات الطبقة السياسية التي احترفت الطائفية منهاجًا في حكمها وإدارتها الفاشلة للدولة ومؤسساتها لأجل مصلحة الجارة "الشقيقة". والتغيير قادم مادام الشعب يحثّ دول العالم للاعتراف بعدم شرعية الحكومات العراقية المتعاقبة المتهمة بقتل مواطنيها بحسب ما تنص عليه المواثيق والأعراف الدولية. والتغيير قادم مادام الشارع المنتفض ماضيًا في طريق اللّاعودة في انتفاضته الشعبية الوطنية النابعة من رحم الوطن الغالي المضرّج بالوصمات الطائفية والقومية والفئوية المقيتة. والتغيير قادم مادام الوطن أغلى من النفس والجسد والمال لدى هؤلاء الفتية المنتفضين الذين علّموا العراقيين والعالم معنى حب الوطن ومعنى افتدائه بالروح والدم. و"بالروح والدم نفديك يا عراق"!



7
البعد الاجتماعي في قلب الحدث
لويس إقليمس
بغداد، في 17 حزيران 2021
تفصلنا بضعة أشهر عن الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤُها في 10 تشرين أول القادم. فالاستعدادات جارية على قدمٍ وساق، بالرغم من توافر شكوكٍ معينة لديّ ولدى غيري من متابعي الأحداث الساخنة التي تتوارد وتحصل يومًا بعد آخر، بتوقّع أحداث حبلى بالمفاجآت غير السارّة فيما لو واصلَ الانحدار الأمني مسارَه في التردّي وفرضَ نفسَه سيّدَ الساحة. وبالرغم من إنّ بعض المرشحين قد بدأوا حملاتهم الانتخابية قبل موعدها من دون أن يكون لمفوضية الانتخابات أيةُ إجراءات صارمة بتنفيذ قواعدها الأخلاقية والمهنية كما ينبغي، إلاّ أنّ المفوضية أيضًا، حالُها حال سائر مؤسسات الدولة الهزيلة لا تستطيع ردع المخالفات أو محاسبة المخالفين للأسباب التي يعرفُها الجميع. والغريب، كما تشير تسريبات على مواقع التواصل الاجتماعي وكما يحكيه الواقع المرّ، ملاحظة تسارع كتل متنفذة ومستقوية بالمال العام والنفوذ والسلاح ومعها أدواتُها ووسائلُها المرئية والمسموعة والمقروءة عبر لقاءات وتجمّعات انتخابية مُتّخذةً في الأغلب طابعًا عشائريًا وطائفيًا لاستخدام نفوذها بالتهيّؤ من الآن للسطو على أصوات الناخبين بطرق ووسائل غريبة هذه المرّة ومنها الإسراف والبذخ في الصرف على دعوات الولائم بين العشائر وتوزيع مبالغ مالية لكسب أصوات الناخبين وتأمين تصويتهم. فيما تشير تقارير أخرى إلى انسحابات مبكرة لمرشحين طالتهم تهديدات بالتصفية الجسدية أو إلحاق الأذى بهم وبمقرّبيهم من جهاتٍ مجهولة أو مرتبطة بفصائل مسلحة أو أفرادٍ يتمتعون بالقدرة الفعلية على إلحاق الأذى وتنفيذ أجندات الجهات التي يعملون لحسابها، وذلك تحسّبًا من أية منافسة شريفة مع مَن يجدُ في نفسه القدرة على كسب أصوات الناخبين بالاعتماد على جدارته وبرنامجه وتأثيره الشخصي والوطني والاجتماعيّ، لاسيّما بعد تقليص مساحة الدوائر الانتخابية وصغرها مقارنة مع سابقاتها، ما قد يشكّلُ تهديدًا لعدم صعود ممثلي كتل سياسية تقليدية بعينها بسبب ما طالها من شبهات اقتراف جرائم واتهامات بالفساد.
نحن نعتقد أنّ مثل هذه السلوكيات المدانة وغير الصحيحة وغير الوطنية التي تنتقص لأبسط مفردات الديمقراطية في التنافس الحقيقي لا يمكن لها أن تُحدث التغيير المرتقب في المشهد السياسي المتشنّج ولا أن تبني البلاد المنهارة في كلّ شيء، لاسيّما بعد تسيّد الفساد بكلّ أشكاله الإدارية والمالية. يُضافُ إلى هذا كلّه، فقدان القضاء هيبتَه واستقلاليتَه، كما اتضح من التدخلات المشبوهة وغير المقبولة الأخيرة من أعلى سلطة فيه بعدم ترك القضاء العادل لأخذِ دورِه في إدانة ومحاسبة مَن حامت حولهم شبهات القتل والسرقة والاختطاف والتهديد والتحييد السلبيّ وغيرها من أشكال الفساد والجريمة رضوخًا لسطوة أحزاب السلطة أو الجهات التي تحمي وتدافع وتغطّي على هذه الجماعات أو الأفراد لأيّ سببٍ كان. وبالتأكيد، فإنّ لمثل هذه السلوكيات غير المستساغة والمدانة، أبعادٌ اجتماعية سلبية بحق المجتمع ومكوّناته الوطنية الحقيقية التي تحلم بوطنٍ ذي سيادة تُحترمُ هيبتُه ويتصرّفُ مواطنوه بالشكل الذي يليقُ بحضارة الأرض وتاريخ البلاد وسمات التراث المكوّناتي التعدديّ الذي صان وحدة البلاد واحترمَ رموزَها من جميع الأديان والملل والطوائف والقوميات من غير تمييز ولا فصل عنصري أو دينيّ أو طائفي أو إتني وما سواها طيلة العقود والعهود المنصرمة.
لقد ساهمت النخب الوطنية المتقدمة في الوطن والمهجر بتقديم النصح والمشورة للحكومة وأدواتها بنقدها النصوح لتجنب الهفوات والأخطاء والخطايا الكبيرة التي اقترفتها أحزابُ السلطة ما بعد مغادرة الحاكم المدني الأمريكي سيّء الصيت "بريمر" وسادته في البيت البيضاوي، منذ استحواذها على مقدرات "شبه الدولة" على طريقة الكاوبوي الرعناء التي لا تعرف غير لغة القتل والتهديد والاغتصاب والنهب والتدمير والسطو المسلّح على كلّ ما تقع عليه الأيدي بفضل قوة اعتلائها لهذه السلطة ونفوذها في مؤسسات الدولة وضغوطها المستهجنة على القضاء وجعله أسيرًا بأيديها تحرّكُه وفق رغباتها وبحسب توجهات زعمائها خالي الوفاض من أية مسحة وطنية أو ضميرٍ أو رحمة. ومن المؤسف انسحاب كلّ هذه السلوكيات غير الصحيحة على أغلبية المجتمع العراقي الذي خسر سمة الوطن وثقة الشعب، بل وخسرَ ذاتَه والشيء الكثير من أخلاقه وحقَّه الطبيعي بالعيش سعيدًا مرفَّهًا مستقرَّ الحال ومرتاح البال في بيته وشارعِه ومحلّته ومنطقته ومدينته كباقي شعوب الأمم والدول الراقية المحترمة.
كلُّ شيءٍ يسيرُ طبيعيًا في مجتمعات راقية، متقدمة، منفتحة، متمدنة، متحررة، متعلّمة، متطورة في صناعتها وزراعتها وإنتاجها وثرواتها إلاّ في العراق حيث تغيبُ هذه جميعًا منذ تسلّط الحكومات المحاصصاتية المنتفعة المتعاقبة التي لم تعرف غير سرقة البلاد والعباد بأشكالٍ ووسائل وطرقٍ خبيثة لا تعرف الحق بل تقدّسُ الباطل، ولا تعرف الحياء بل توغلُ في الشين، ولا تصغي لصوت المرجعية الرشيدة بل تضربُ نصائحَها عرض الحائط، ولا تنصتُ لأصوات النخب الوطنية على أنواعها وأشكالها وتعدّدها بل تزيدُ من تجاهلِها لها ولدورها الوطني والمجتمعي وإهانتها بأشكال الطرق والوسائل والأدوات، ولا تريد أن تسمعَ صوت الشارع الثائر أو المواطن الحائر أو التاجر الحقيقي المستغيث أو الصنائعي المضروب في مهنته أو المرأة الثكلى أو الطفل المتسكع والمتسرّب من المدرسة. وغيرُها كثيرٌ ممّا يمكن ذكرُه أو نسيانُه لكثرة الهموم والمشاكل والصعوبات في المجتمع المتهالك التعبان.
سماتٌ وطنية ثابتة
كثيرةٌ هي الدول والأمم التي خبرت أزمات معينة، سياسية أو اقتصادية او أخلاقية أو اجتماعية أو صناعية أو زراعية أو علمية أو تربوية. ولكنّ الشعوب المتنورة بفضل وعي وتسامح قادتها وزعمائها من السياسيين ورجال الثقافة والدين والنخب كانت هي الرهانَ الحقيقي في تجاوز الأزمات وتعلُّم الدروس والعبر والاستفادة من خبرات الغير. والأمثلة كثيرة وعديدة لو تتبعنا مسيرة هذه الشعوب وتاريخها في تعديل المعوجّ وإصلاح المكسور واستئناف الحياة الطبيعية في ظلّ دستور عادل وقوانين إنسانية ووطنية لا تقبل بظلم أحدٍ ولا تستبعدُ مواطنًا مهما كانت منزلتُه وطبيعةُ مكوّنه وأصلِه وفصلِه. فهذه سنغافورة التي نهضت من كبوتها واستعادت عافيتها الاقتصادية بعد ركودٍ وتخلّفٍ عن الركب الأممي. وهذه جنوب أفريقيا التي انتشلت نفسَها من حطام العنصرية عندما قادها المناضل السياسيّ والاجتماعي مانديلا إلى طريق البناء والوحدة بفضل تسامحه وقلبه الكبير ووطنيته الصالحة. وهذه ماليزيا التي وقفت في الصفوف الأولى اقتصاديًا مع كبريات الأمم بفضل تغيير استراتيجياتها وتنوير العقل التدبيري الإيجابيّ لقادتها السياسيين الذين وضعوا مصلحة البلاد فوق أية مصلحة. وهذه اليابان التي خرجت خاسرة وخالية الوفاض من حربٍ لا هوادة فيها، ولكنها استعادت عافيتَها بالرغم من خلوّها من أية مصادر أو ثروات طبيعية. وهذه ألمانيا التي دمّرها الحلفاء لنازيّتها واستسلمت لتنهي حربًا كونيّة أتت على الأخضر واليابس، ولكنها استفاقت من صدمتها سريعًا وهي تقف اليوم في مقدمة دول أوربا صناعيًا وماليًا وعلميًا واجتماعيًا. وهذه دولة قطر الشقيقة التي ينعم مواطنوها بأفضل مراتب التعليم والاقتصاد والحياة المرفهة. وغيرُ هذه وتلك كثير. ولعلَّ السبب في صعود شعوب هذه الدول وارتقائها مراتب متقدمة في تسلسل دول العالم المتقدم، يعود قبل أيّ شيء لمواطنيها الواعين والحريصين على مصالح وطنهم وتقدم مجتمعاتهم وطبيعة ثقافتهم وخامة أسلوبهم في العيش وطبقاتهم السياسية الحاكمة الساهرة على خدمة الشعب وتنمية البلاد بوضع استراتيجيات ناجحة وممكنة التنفيذ وتطبيق القوانين سواسية بالعدل والمساواة والرحمة والمحبة انطلاقًا من المواطنة الصحيحة ومن نظرة إنسانية واعية.
إنّ الصحيح في مثل هذه السمات المواطنية أنها تجعل أبناء الشعوب المتحضّرة يشعرون بالانتماء الحقيقيّ للإنسانية أولاً، ثمّ للوطن والمدينة والمجتمع ويقفون صفًا واحدًا من أجل البناء والإعمار والتطوير والتعاون والوحدة طالما أن القانون يحمي الجميع ولا فرق في درجات المواطنة ولا تمييز في دهاليز القضاء والتعليم والثقافة والوظيفة وحق العمل، ولا إجراءات عبثية بطرد عشوائيّ متغابي لطالبي الاستثمار وفرص الإنتاج. وبعكسه سيكون للمظلومين والمقهورين مواقف اتجاه الظالمين والفاسدين وسارقي قوت الشعب وثروات البلد، ولن ترحمهم الأيادي الوطنية ولا العقول النظيفة ولا الأيادي النزيهة مهما تمادوا في الفساد وأوغلوا في الظلم واللصوصية وهدر المال العام والتفريط بحضارة البلاد وإرثها وتاريخها. كما لن يرحمهم التاريخ، بل سيكون مصيرُ العابثين بمصلحة الوطن وثرواته والناكلين بأهله الأصلاء، "البكاءُ وصريرُ الأسنان" حين تحكمُ ساعةُ الحساب العسير حيث لا ينفع بعدها ندمٌ ولا عفوٌ إذا زاد الظلمُ عن حدوده. وهذا ما يحصل في بلداننا الشرق أوسطية والإسلامية بصورة عامة، حيث طغيانُ الحكومات وفسادُ الساسة وجهلُ الحكّام هي التي تسود المشهد السياسيّ، ممّا له تأثيرُه السلبيّ على حياة المجتمعات عمومًا وزيادة في تدهور هذا البُعد النسيجي الذي يُعدّ من أساسيات بناء الأوطان والمجتمعات.
أمّا نحن في العراق، فقد تجاوزت زعاماتُنا كلّ الخطوط الحمر في التعسّف والفساد والظلم، فيما الشعبُ ينتظرُ ساعة الصفر لتلقى هذه مصيرَها، حيث حاوية النفايات والسحل بالشوارع، كما أفصح عنها على الملأ ساسةٌ وقياداتٌ في أحزاب السلطة عندما ثار الشارعُ في صحوته التشرينية في 2019. وماتزال ذات الجذوة ساخنة وحارّة سخونة الصفيح المحترق اللاّهب سخونة الصيف بسبب توجّه البلاد والعباد نحو المجهول وإلى ما لا تُحمدُ عقباه نتيجة لضعف الحكومة الحالية كما سابقاتها، واهتزازها وهزالتها أمام ضغط الأحزاب والكتل والفصائل والميليشيات التي تحكم قبضتَها على مقدّرات الدولة وسلطاتها الأربع وتفرضُ أجنداتها الولائية المرتبطة بمصالح الجارة الشرقية وتعزّز من سطوتها العميقة مع مرور الأيام وتوالي الأحداث غير السارّة. وكلُّنا شهودٌ على ذلك!
أزمة اجتماعية لا تبشّرُ بالخير 
مازلنا إذن ومنذ عقود خلت، نعيش أزماتنا الكثيرة بصبرٍ أحيانًا ورغبة في أخرى بإزالة كلّ هذه التجاوزات غير الوطنية وغير المقبولة مجتمعيًا عندما نشهد على انحلال المجتمع العراقي وطغيان شريعة الغابة في التعامل الاجتماعي بين المواطنين نتيجة تفشّي ظواهر سلبية كثيرة طالما كانت خارجَ حسابات مجتمعنا العراقي الملتزم أخلاقيًا وعائليًا وعشائريًا لحين تشويهه من الدخلاء والغرباء عنه بفعل فاعل عندما بيّتَ نواياه السيئة لأجل تدمير نسيج شعبنا المتعايش والمتآلف منذ القدم، إلاّ ما ندر. فقد غابت عن مجتمعنا في سابق السنين الكثيرُ من أشكال الفساد والإفساد في التعامل المجتمعي عندما كانت القوانين مصانة في أيادي أمينة تخشى من سلطة تنفيذها على كلّ مَن تسوّلُ له نفسُه العبث بمصلحة الوطن العليا أو تمسُّ أمنَه واستقرارَه وهيبتَه وسيادتَه. هذا مع عدم نكران حصول استثناءات أو تجاوزات هنا وهناك من بعض ضعاف النفوس وأصحاب العقول المريضة سواءً القريبة من مراكز القرار والسلطة أو من "الشقاوات" الخارجة عن قوانين المجتمع. كما لم يختبر مجتمعُنا المتماسك طيلة حقبِ السنين الغوابر شيئًا من إشارات التمييز في الدين والمذهب والطائفة والمكوّن، حيث كان الجارُ يجهلُ أصلَ وفصلَ جاره ونوع طائفتَه وانتماءَه العرقي والعشائري والسياسيّ. فهذا لم يكن من أخلاق العراقيين ولا من شيم العائلات الأصيلة بالدخول في الخصوصيات، وهي التي عرفت طريق التسامح والتآزر والتعاون والتزاور والتعايش من دون رتوش ولا قيود. فالسؤالُ عن مثل هذه الأمور الغريبة عن الأخلاق المجتمعية الأصيلة لم يكن مستحبًا البتة، إلاّ لدى الغرباء والدخلاء والطامعين في شيء أو القاصدين غرضًا غير مقبول في التعامل الاجتماعي الصحيح. قد لا تصدّقون عدم معرفتي الشخصية حديثًا جدّا بالطائفة التي ينتمي إليها زميلٌ لي حتى بعد أحداث 2003 بالرغم من عملنا معًا لأكثر من عشرين عامًا! فما يهمّ هو سلوكُ الإنسان وأخلاقُه وطبيعة علاقته الطيبة في العمل وتنفيذ ما مطلوب بكلّ دقّة وأمانة وإخلاص وصولاً لمصلحة الجميع. وغيرُ هذا وذاك، ليس من بين الاهتمامات الضرورية. فالآخر، و"إنْ لم يكن أخاكَ في الدّين، فهو أخوك في الإنسانية"، وهذا كفاية القول. كما أنّ "رأس الحكمة مخافة اللّه" في عباده. 
هكذا بعد السقوط الدراماتيكي في 2003 خصوصًا، ضاعت طبقات الشعب الأصيلة في بلادنا بين فساد وظلم وقهر الساسة وممثلي الشعب الذين فقدوا مع توالي الأيام ثقة مؤيديهم وناخبيهم، وبين تغوّل أحزاب السلطة وأدواتها على مسرح الأحداث في تغيير الملامح المجتمعية التي تطبَّعَ عليها المجتمع العراقي ومنها أخلاقُه العربية الأصيلة التي طبعت ثقافتَه وحضارته وتقاليدَه بين شعوب المنطقة. والقصد الواضح من هذه كلها تحطيمُ النسيج الاجتماعي وحرمانه من محاكاة غيره من الشعوب الراقية التي عملت حكوماتُها الوطنية الحريصة على تحصين مواطنيها بتطبيق القانون بالعدالة والمساواة والاحترام. وما زاد الطين بلّةً، اكتواءُ المجتمع العراقي بأسره أيضًا بنيران مروّجي الطائفية المقيتة من جهة والمحرّضين على التمييز العنصري الديني والمذهبي والإتني من جهة أخرى، ممّا كان له آثارُه البالغة في تفتيت عضده وإضعاف مقوّماته وتراجع قيمه وانحداره نحو الدركات السفلى والمراتب المتخلفة قياسًا بشعوب المنطقة والعالم. ومن المؤسف زيادة وتيرة مثل هذه النعرات الطائفية الانتقامية مؤخرًا واتخاذها مساراتٍ تأجيجية في الساحات والشوارع والطرق العامة على خلفيات افتراضية غير موثوقة المصدر وطائفية التوجّه، ما ينذر حقًا بصراعات طائفية ومذهبية قادمة يكون المجتمع فيها دومًا هو الخاسر الأكبر في النهاية.
هذا إلى جانب دخول آفة المخدرات من جارته الشرقية بشكلٍ واسع وبوسائل وطرق غريبة مبتكرة مدعومةً من جهاتٍ متنفذة في الدولة أو اللاّدولة، ترويجًا وتعاطيًا وتجارةً. وهذا ممّا أفقدَ مجتمعنا قيمَه الأصيلة ومصادر قوّته النابعة من طبيعة إرثه وثقافته وحضارته المشهود لها في التاريخ. فحين يفقد أيُّ شعبٍ نضارة أخلاقه وبريقَ حضارته وشعاعَ ثقافته الراقية ينزل إلى الحضيض ويصعبُ حينئذٍ علاجَه بالطرق الاعتيادية. وحينها لا ينفع إلاّ الكيّ، وهو آخر الدواء! واللبيبُ من الإشارة يفهم! فالبعدُ الاجتماعي بلا شكّ هو المقصد ألأساسيّ من وراء إغراق العراق بأزمات متلاحقة وإبعاده عن محيطه العربي والدولي والإنساني من خلال تحطيم أدوات العلم والتربية والتنشئة المنزلية والمدرسية أولاً، وتأجيل ووضع العراقيل أمام تطوره اقتصاديًا وماليًا وصناعيًا وزراعيًا كي يبقى أسير الاستهلاك ثانيًا، وتدمير قيمه الاجتماعية التقليدية وتفتيت شكل التعاطي الطبيعي بين مكوناته المتعددة التي تشكل صلة الرحم الوطنية الأساسية ثالثًا.

8
نساء أوربا بلا أطفال، كارثة ديمغرافية
لويس إقليمس
بغداد، في 15 حزيران 2021
نشرت مؤسسة روبرت شومان في واحدٍ من أعدادها السابقة دراسة قيّمة ألقت فيها أضواءً حول التركيبة السكانية في المجتمعات الأوربية وعزوف النساء عن الانجاب، ما يشكّل كارثة مجتمعية تلقي بظلالها على مستقبل الديمغرافيا السكانية في هذه القارة العجوز، التي لاحقتها هذه التسمية لهذه الأسباب وغيرها. وبحسب هذه الدراسة التي جرت في 2017 وجذبت انتباهي نظرًا للواقع الخطير الذي استعرضته، فإنّ "ما يقرب من ربع النساء اللواتي وُلدن في أوروبا في العقد الأول من القرن العشرين لم ينجبن أطفالًا"، حيث يُقدّر متوسط معدل الخصوبة في تلك الحقبة ب 23% بين النساء المولودات في 1900 مثلاً، مقابل معدل 7-10 % لصالح فكرة الإنجاب في الأربعينيات والخمسينيات، أي ما معدلُه واحدة من كلّ عشر نساء لم يكن لديهنّ أطفال. فيما ترتفع نسبة العزوف عن الإنجاب في نهاية الستينيات لتبلغ 15% في شمال أوربا و18% في غربها مع ملاحظة زيادة مقلقة في جنوبها في بداية السبعينيات لتصل إلى 25% من مجموع النساء لأسباب تتعلّق بسبل تأمين المعيشة والقوانين التمييزية بين الجنسين وغيرها من السياسات الأسرية التي ماتزال دون المقبولية في نظر نساء هذه القارة. وتدعم هذه المعطيات دراساتٌ معمقة عديدة أخرى قامت بها عدة جهات بحثية للتقصي، ومنها معهد فيينا للديمغرافيا "فيتجنشتاين" والأكاديمية النمساوية للعلوم والمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية INED المتخصص في الدراسات السكانية وديمغرافيتها. وما يمكن ملاحظتُه منذ تلك الحقبة الحرجة ولغاية الساعة اقتصار الإنجاب في السنوات الأخيرة على أسرة صغيرة لا تتجاوز الطفلين، مع استثناءات في كنف العائلات الملتزمة دينيًا أكثر من غيرها والتي ترقى إلى احترام طبيعة الحياة التي أمر بها الخالق في بناء الأسرة عبر التكاثر الطبيعي ومشاركة كلٍّ من الرجل والمرأة في عمل الخَلق عبر الارتباط الأسري الشرعي الذي تقدّسه الأديان في عمومها.
كما تُظهرُ هذه الدراسة في جانبٍ من تحليلاتها قوّة الخصوبة لدى النساء الأوربيات والرغبة لديهنّ للإنجاب أكثر من الرجال. وبناءً على البيانات القيّمة المتاحة فيها والتي شملت دولاً أوربية عديدة، فقد لوحظ ضعف في سوق الزواج في فترة الحربين الكونيتين بسبب النقص في أعداد الرجال الذين انشغلوا بهما أو الذين فقدوا حياتهم أو هاجروا إلى بلدان أخرى لتأمين أرزاقهم، ما أحدثَ فجوة كبيرة في عدم عثور النساء والشابات على شركاء الحياة بهدف تكوين أسرة وبناء البيت العائلي. وهذا ما يفسّرُ حقيقة حصول زيادات مهمة في أعداد الولادات في الفترات بين الحربين الكونيتين وما بعدهما حين بدأ الاقتصاد بالانتعاش وعودة الماكنة الصناعية للعمل، ما مهّدَ للتفكير الجادّ بالإنجاب وزيادة أعداد الأسرة تعويضًا للنقص الحادّ الذي ضربَ القارة والعالم على السواء. وماتزال كلٌّ من بلغاريا والتشيك وروسيا في مقدمة البلدان الأوربية التي يمكن وصفُها بالفتيّة من حيث كثرة الإنجاب في صفوف نسائها، حيث تشيرُ الإحصاءات إلى اقتصار نسبة النساء غير الولودات أي مَن رفضن الانجاب لأي سببٍ كان، إلى 8% مقارنة مع المعدلات في بقية الدول الأوربية بنسبة تصل إلى 14%.. .. في المقابل، لوحظ انحسارٌ في الخصوبة في بلدان جنوب أوربا ولاسيّما في كلٍّ من إيطاليا واليونان وإسبانيا حيث وصلت النسبة 20% في بداية حقبة السبعينات مثلاً. أمّا في فرنسا، فهناك إشارات على انخفاض نسبة النساء اللواتي لا يفكرنَ بالإنجاب والتي لا تتعدى نسبة 3-5%. ويمكن إضافة نسبة 2-4% من النساء غير القادرات على الإنجاب بسبب العقم الطبيعي أو موانع أخرى تتعلق بالصحة العامة وما سواها من الظروف القاهرة.
حماية الأسرة
لقد كان للرعاية الاجتماعية التي تبنتها دول الغرب الأوربي وما رافقها من إجراءات الحماية للأسرة وتسهيل وسائل العيش والحياة بعد الحرب العالمية الثانية، الدور المهمّ في تغيير النظرة للإنجاب والابتعاد عن الأنانية لدى بعض الأسر التي انصبّ همُّها في فترة ما على العمل وتأمين العيش والراحة والمتعة الزوجية دن التفكير بغريزة الأبوّة التي تُعدّ ثمرة الزواج بين الرجل والمرأة. واستمرّ هذا لفترة سنوات وتحققت بعض الزيادة في الولادات عمومًا، لحين بروز واقع آخر جديد متعلّق بالسياسة والاقتصاد وكيفية تأمين العيش الرغيد بسبب التحوّل الوحشيّ باتجاه الرأسمالية، ما خلق حالةً من عدم اليقين في طبيعة السوق في المجتمعات الأوربية، ناهيك عن حالات من عدم الاستقرار في الحياة الاجتماعية للأسرة. حينها اختلّ التوازن بين مسؤولية رعاية الأطفال وهدف البحث الصعب عن وظيفة، ناهيك عن شروط العمل التي لم تُنصف المرأة العاملة، لحين تدخّل النقابات والمنظمات لصالحها، ما هيّأَ لها مساحة أكبر من الحرية للتفكير بالإنجاب ولرعاية الأطفال.
هنا يمكن الإشارة إلى حقيقة قائمة بين دول شرق أوربا وغربها ايضًا في مسألة الخصوبة لأسباب عديدة أخرى يمكن أن تُضاف إلى مسألة شروط العمل غير المنصفة أحيانًا والبحث عن وسيلة لكسب الرزق وتأمين الحياة، وهي تكمن في معاناة إضافية ترافق مسألة الإنجاب عندما يتعلّقُ الأمر بكيفية تربية الطفل بغياب الأم المرتبطة بالعمل. فالعملية مكلّفة للزوجين معًا، لاسيّما الزوجين المتعلّمين حيث ظروف التعليم تفرض عليهما الابتعاد عن الالتزام بمسألة الإنجاب أو تأخيرها قدر المستطاع. وأحيانًا يتمّ تفويت الفرصة بالإنجاب بسبب مثل هذه المبرّرات أو شكل هذا التأجيل. ويمكن ملاحظة زيادة في أعداد النساء المنخرطات في مؤسسات تعليمية أو وظيفية عليا أخذت منهنّ الوقت والجهد لغاية رفض التفكير اساسًا في مسألة الإنجاب وبناء البيت الأسري الذي يُعدُّ من أركان بناء المجتمع وديمومة بقاء المجتمعات متماسكة ومتكاثرة ومتوارثة. ومن الدول التي تأثرت بهذه الظاهرة، كلٌّ من ألمانيا والنمسا وسويسرا أكثر من غيرها، ما حثّ حكوماتها للتدخل وإيجاد أجزاء الحلول بهدف التقليل من تأثير الضغوط على المرأة العاملة التي تفكرُ بالإنجاب من خلال تطوير سياسات رعاية الأطفال والنظر في مسألة تيسير الإجازات عن العمل لفترة معقولة تتيح لها الوقت المتاح لرعاية الطفل من دون ضغوط أو إجحاف بحقوقها المشروعة في الأمومة الكاملة. وكل ذلك بهدف التوفيق بين شروط العمل وواجبات البيت التي تتطلبها رعاية الأطفال.
قوانين وأنظمة ولوائح مقيِّدة
لا تقتصر أسباب العقم أو الرغبة الشاردة الّلاأبالية في عدم الإنجاب على واقع حال الزوجين أو خيارهما التوافقي في شكل بناء بيتهما الأسري بقدر ما يتعلّق ذلك بجملة من الاشتراطات والظروف المعقدة أحيانًا من التي تفرض واقعَها على طبيعة حياة الزوجين، ومنها بطبيعة الحال ما يتعلّق بالتطلعات الشخصية والظروف الاقتصادية التي تحيط بهما بشكلٍ أدقّ. وهذه مسألة غاية في الأهمية في ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تتعرض لها بلدان العالم أجمع، ولا تقتصر حصرًا على قارة أوربا لوحدها. وحيث إنّ مثل هذا القرار يرسم طبيعة العلاقة بين الشريكين، فإنّه يفترض أيضًا البحث عن الشريك المناسب بقناعة الخيار المتخَذ بين الطرفين في مسألة الاتفاق على الإنجاب من عدمه وكذلك في تقرير حجم الأسرة وفقًا للمعطيات البيتية وطبيعة ظروف الأسرة قبل تكوينها. وربما تكون هذه المرحلة قبل الارتباط من أسس الاتفاق بين الشريكين المفترضين قبل تقرير مسألة الزواج والارتباط الزوجي لما له من أسس اجتماعية وشروط يفرضها أحيانًا الواقع الاجتماعي والمجتمع الذي يختلف من مجتمع لآخر ومن بلدٍ لغيره.
موضوع الإنجاب
من الأسباب والظروف التي تقف عائقًا أمام موضوعة الإنجاب تتعلّق بالقوانين الوضعية وشكل الأنظمة واللوائح التي تصدر من الجهات الرسمية في أية دولة بهذه الخصوص. ولعلَّ واحدًا من هذه يتعلّق بسوق العمل وما تواجهُه طبيعة هذا السوق من تحدٍّ بشأن بلوغ الوظائف غير المستقرّة والمحفوفة بشتى المخاطر التي تواجهُ طالبي العمل، سواءً في مواقع القطاع الخاص أو الحكوميّ. يُضافُ إليها، كما أوضحنا في السطور أعلاه، شكل وطبيعة السياسات المجتمعية التي تخصّ بناء العائلة والمقتصرة تحديدًا في أحيانٍ كثيرة على شكل المساعدات الضعيفة التي تقدمها الحكومات في موازناتها السنوية المحدودة للعائلات والتي بالكادّ تُؤمّنُ وتوفّرُ الحدّ الأدنى من الاحتياجات اليومية المتزايدة يومًا بعد آخر بسب طبيعة التحديات الكثيرة والأزمات المتلاحقة وطنيًا وعالميًا. وهذا ممّا يُصعّبُ القرار بتبنّي فكرة الإنجاب أساسًا لدى الشركاء قبل ارتباطهما رسميًّا. هذا علاوة على لوائح وأنظمة تزيد من تعقيد أوضاع المرأة العاملة بفرض ساعات طوالٍ من الدوام في مؤسسات ودوائر عامة أو خاصة لا تتلاءمُ عادة مع طبيعة الأم الحامل أو الأم المرضعة من حيث إفساح المجال أمامها للتمتّع بامتيازات تليق بأمومتها أو في فترة حملها قبل الولادة، ممّا يجعلُها تخشى فقدان وظيفتها لهذه الأسباب المنطقية. ناهيك عن فرض الرجل ذكوريتًه في الكثير من الأحيان على شريكته بتحميلها العبء الأكبر من مسؤوليات البيت الأسري وتهرّبه من جزءٍ من المسؤوليات التي تفرضها شراكة البيت الأسري بين الرجل والمرأة. وبالرغم من التفاهم القائم في احترام هذا الشقّ المهمّ في الحياة الزوجية في المجتمع الغربي أكثر من غيره في مجتمعات أخرى مختلفة كالمجتمعات الشرقية عادة، إلاّ أنّ مثل هذه الحالات ليست محرّمة الحصول حتى في أوساط البلدان المتمدنة والمنفتحة مثل أوربا. وهذا ممّا يؤشّرُ ارتفاع نسب الأسر غير الراغبة بالإنجاب في صفوف دول جنوب أوربا في العموم والتي تشهد أكثر من غيرها حالات انتهاك وتعنيف ضدّ حقوق المرأة وعدم مساواة جندرية في المشاركة المطلوبة في تقاسم أعباء البيت الأسري.
هناك مَن يتوقع انصياع هذا الجزء من أوربا أيضًا والتحاقَه بما شهدته مجتمعاتُ دول شمال وغرب ووسط وشرق أوربا عمومًا من حيث يُسر تطبيق حزم القوانين والأنظمة التي تسعى لتقليص الفرق بين حقوق الجنسين على أساس المساواة بينهما كما تتطلبُه لائحة حقوق الإنسان. فالجهود حثيثة لتحسين أوضاع المرأة العاملة ومنحها مزيدًا من الحقوق، لاسيّما في حقّها بالتفكير بالإنجاب لما له من فوائد في استمرار الولادات وتأمين القوى العاملة لمستقبل بلدان القارة والحدّ من التغيير الديمغرافي الزاحف بقوّة والذي يخشى منه السكان الأصليون، فيما لو بقيت أوضاع النساء من دون مراعاة ولا تشجيع على الحمل والإنجاب لتجديد النسل وتأمين البشر. وهذه حكمة الخالق القدير بارتباط وثاق الجنسين ضمن مفهوم الزواج الذي من ثماره إنجابُ الأطفال وتكوين الأسرة.
نخلص من التقرير أعلاه، من أنّ ما يعادل ربع نساء أوربا ممّن وُلدن في العقد الأول من القرن العشرين عشنَ حياتهنّ الزوجية بلا أطفال. ثمّ سرعانَ ما تراجعت هذه النسبة في العقود التالية لتقف في حدود معدّل امرأة من كلّ عشر نساء رفضن الإنجاب في بداية عقد الأربعينات والخمسينات. لكنها ازدادت مرة أخرى في بداية عقد الستينات لتصل معدلات رفض الإنجاب للنساء المولودات في نهاية عقد الستينات إلى 15% في بلدان شمال أوربا و18% في بلدان غربها. وبقيت معدلات عدم الإنجاب المؤشرة في حقبة مواليد نساء السبعينات في جنوب أوربا في حدودها العليا، تمامًا كما كانت عليه في العقد الأول من القرن المنصرم، أي واحدة من كلّ أربع نساء بقين خارج حسابات الأمومة للأسباب المؤشرة في أعلاه.

9

تأوين الممارسات المعتقداتية أفضل الخيارات
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آذار 2021
في ضوء نضج العقل البشري باتجاه تقييم رؤاه الإيمانية وممارساته "التدينية" وسط المجتمعات، بات ينظر الكثير من الحداثويين والمتمدنين إلى ما يجري في حياة المجتمعات الشرقية، والمسلمة منها على وجه واسع من ممارسات وسلوكيات، بكون الكثير من هذه ومن مثيلاتها قد أصبحت أدوات شبه عقيمة لا تقدّم بقدر ما تؤخر وتقف حائلاً دون فهمٍ وإدراكٍ لأهداف الدين، أي دين أو مذهب. فالفِرَقُ والأحزاب التي اتخذت من الإسلام السياسي وصوره البانورامية الطقوسية الجدلية المستندة لماضٍ سحيق والنابعة عن الرؤية العبثية في تقديس الأشخاص أو غيرها من المسميات المعنوية الغريبة القائمة هذه الأيام، قد أصبحت تشكل عائقًا كبيرًا في قبول تأوين وسائل تلقين التعاليم الدينية وممارساتها وفق مناهج واقعية تتعاطى مع تطور العصر ومقتضيات الحياة المتمدنة. والسبب الأكثر تفسيرًا وترجيحًا لهذا الرفض بالحداثة والتأوين وإعادة التقييم يُنسبُ إلى خشية دعاة هذا المنهج من أية ملامح إصلاحية قد تعصفُ بطموحاتهم وتحدُّ من قدراتهم في إبقاء السطوة الطاغية على مريديهم وأتباعهم ورعاياهم الذين اعتادوا على مسايرة توجيهات مراجعهم وزعاماتهم الدينية والحزبية والعشائرية بحجة طاعة أولي الأمر طاعة عمياء مهما كانت الأسباب والدواعي والظروف. وهذا انتقاص واضحٌ من حرية الفرد في التفكير والتعبير والمعتقد.
لعلّ السبب الأساس في كلّ هذا، نابعٌ من التمسّك بأهداب الماضي الذي إن كان يصلح قبل ألف عامٍ ونيّف أو أكثر أو أقلّ، فهو لم يعد صالحًا في وقت بروز عصر الذرة والعولمة والتكنلوجيا المتقدمة والتطور الرقمي الحديث في حياة الأمم والشعوب. بل يرى البعض أن شكل هذا التحزّب والتمسّك والتشدّد بأهداب الماضي بما له وما عليه من دون تحديث ولا تمحيص ولا تطوير عملي ولا مراجعة فكرية صائبة لفرز الصالح من الطالح والنافع من ضارّه، كفيلٌ بغرز منهج غير مستقرّ ورافض لأية محاولات للتصحيح والتعديل في السيرة وقبول النقد بغاية الإصلاح وكأنه كأسٌ مقدّس لا يمكن المساسُ به. في حين أنَّ الدينَ وتعاليمه وتوجيهاتِ مرجعياته "الرصينة" "المعتدلة" "الحداثوية" من دون تعيين ولا تمييز، ينبغي أن تكون لصالح الإنسان وليس الإنسان لصالحها. ولنا في هذا أفضل قول سديدٍ للسيد المسيح حين انتقده الفريسيون بسبب قيام تلاميذه بقطف سنابل الزرع في اثناء سيرهم يوم السبت "المقدّس" لدى اليهود. فلمّا عرفَ أفكارَهم نهرَهم بالقول: " السبتُ، إنّما جُعل من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجل السبت" (إنجيل مرقس 2:27). فحاجة الإنسان أهمّ من أية مظاهر فارغة وغير منتجة. وهذه هي فلسفة الحياة بالدعوة لصناعة الحياة وضروراتها وليس بتقديس ما حصل في التاريخ الذي تُطمسُ (بضم التاء) ذكرياتُه حتى لو لم يكنْ عقيمًا. فالإنسانُ يبقى قلبَ الحدث مهما قالَ التاريخ وتحدثت الجغرافيا!
في هذا السياق أيضًا، لعلَّ أفضل ما فطنَ إليه بابا الفاتيكان في أحد أحاديثه ولنفس السبب، وهو يخاطبُ أوربا مجتمعة مستذكرًا تاريخَها وقيمَها، أنه حذّرَ من مرحلة عدم اليقين ومن مخاطر الانجرافات الفردية في التعلّق بما أسماه "ألبوم الذكريات" والاستعانة عوضه بنظرة موضوعية قادرة على بناء مستقبل حيّ وفاعل يمكن تقديمه للعالم أجمع. وليس غيرُ التضامن كفيلًا بتأمين الفسحة الحقيقية بين الشعوب، لاسيّما في عصرٍ تزداد فيه التحديات من حروب وأزمات وأشكال تمزّق وانقسامات وأوبئة تهاجم العالم أجمع بضراوتها التي يصعب التحكم بها بالرغم من تطور وتنوع التقنية الحديثة التي وقفت خجلة أمام كلّ هذه المشاكل والأزمات. وهذا ما يتطلّبُ اكتشاف سبلٍ جديدة ومثمرة لصناعة الحياة وعيش تفاصيلها الإنسانية بشكلٍ أفضل وأنجع، ليس بالعودة إلى الماضي البائد في محتواه وعناصره الضعيفة، بل بالاستفادة من دروسه المثمرة واكتشاف دروب سديدة أكثر منفعة للبشرية ولشعوب الأرض بحيث لا تخرج عن نطاق التعاون والتضامن والتآزر وما فيه من قيمٍ إنسانية عليا. وقد أسماه بابا الفاتيكان ب"درب الأخوّة" الذي وحده كفيلٌ بتأمين سبل السلام والسلم الأهلي والتوحد لصناعة حياة أفضل للبشرية جمعاء.
لا مجالَ للتشدّد والراديكالية
لقد أطلقت جائحة كورونا صافرة الإنذار بضرورة استعادة الدول والشعوب زمامَ المبادرة بإجراء تقييم إنسانيّ شامل للأزمات التي أحدثتها والتي لم تعد تنفع معها سمةُ الانفرادية والتشدّد والانعزالية والانفصالية في اتخاذ القرارات المصيرية وإدارة شعوب الأرض أو التحكم بها وفق أمزجة عبثية مختلّة. فالجائحة والأزمة التي خلقتها، إنّما هي عابرة للقارات والدول والشعوب. وفي حين لم تنجُ منها أية أمة أو دولة أو مجتمع أو فئة، فتلك رسالة تنذر بأسوأ ما يمكن أن يكون أو يحصل. وهذا الوضع غير المستقرّ في حياة شعوب الأرض خيرُ مناسبة وأفضل زمن لإعادة تقييم الأوضاع والقرارات وتهيئة الرؤى نحو مستقبل أفضل للبشرية ككلّ من حيث تجديد وسائل الإيمان والمعتقدات ونبذ أية مسحة مائلة إلى التشدّد والتطرّف في المواقف والمظاهر التقليدية الاستهلاكية غير المجدية، ومنها الإصرار والثبات على ممارسات ومظاهر لم تعد قادرة على خدمة الإنسان وتقديم ما يُصلحُ حالَه ويؤمّنُ حاجاته المتزايدة. فلنترك الماضي حائرًا بشخوصه وأحداثه، في ذات الوقت الذي يمكن للعالم أن يكتشف حاجاته المستقبلية في ضوء حاضره المنهك بالهموم التي جعلته أسير تلك "الذكريات" التي أصبحت من الماضي. فالعودة إلى زمن الماضي ضياعٌ للوقت والجهد في زمن يركض أسرع من البرق إلاّ فيما يمنح فرصًا أفضل لتقييم الأوضاع وتصحيح المسارات وإصلاح الذات ومصائر البلدان ووضعها في خدمة البشرية المتألمة.
بذلك نقول، لا مجال بعدُ للعودة إلى ذلك الزمن الذي ولّى لفقده سمة الضرورة، إلاّ بالاستفادة من دروسه وعبرهِ، وذلك بسبب ضياعه في متاهاتٍ ساهمت بشكلٍ أو بآخر في تخلّف أمم وثقافة شعوب كان يُفترض بها إدامة زخم زهوها وتقدمها ورفعتها فيما لو رفعت راية التأوين والتطوير والانفتاح في أفكارها وممارساتها الطقوسية المتنوعة وفي رؤيتها الصحيحة لحقيقة مَن ترفعهم إلى درجات "القداسة" وتمنحهم سمة "القدسية" بدون مسوّغ. ولو أدركت زعاماتُ العالم، ومنها الدينية التي تمسّ منطقتنا وشعوبَنا، وتفحصت العبرة بضرورة مراجعة الماضي، لأدركتْ قيمة ُ"الحاجة إلى الحقيقة" وشكل "العدالة الاجتماعية" التي أثارتها حضاراتُ شعوبٍ وبلدان متطورة وسياساتُها الحديثة المعاصرة التي عرفتْ طريقَها إلى التقدم والتفاؤل والتطور في كلّ مفاصل حياتها عبر حداثتها وتأوينها لحاجاتها المعتقداتية وفق الظرف والحاجة. وهذا ما حصلَ ويحصل لشعوبٍ أسدلت الستار على اية خبراتٍ سلبية ماضية أعاقت تقدمها وتطوّرَها، بعكس شعوبِ منطقتنا ومن دون تمييز في الدين والمذهب، ولاسيّما المتشدّدة منها والماضية بإبقاء ذات المفاهيم الدينية المتخلفة من دون إعمال العقل والقناعة، وإدامة زخم مراسيم وطقوسٍ استهلاكية لم تعد تنفع ولا تساير الزمن في أدواتها وأشكالها.
لقد أسهم مثل هذا الواقع غيرِ المستقيم ببروز أدعياء وأتباع صار لهم منهجٌ في فرض صفة "القداسة" و"القدسية" حتى على أشخاصٍ أو مؤسساتٍ أو أحزابٍ أو مسميات معنوية أو فئاتٍ القصدُ منها إبعادُ الشبهات عن سلوكيات هذه أو هؤلاء، والسعي لتوفير أقصى درجات التغطية والحماية على أدائهم وتأمين مواقفهم ومواقعهم ومناصبهم من أية انتقادات في مسيرتهم المتعثرة. وكلُّ ذلك يحصل باسم الدين والطائفة وبدعم من مرجعيات جدلية غير رصينة تحولت معظمُها إلى أدوات ساعية للاستثمار التجاري والدعاية في كلّ شيء أو بتحوّلها إلى مكاتب اقتصادية لجمع المال بأية حجة وأيّ عذر باستخدام الدين وسيلة. وما الإصرار من جانب أطراف تدّعي الولاء والخدمة والعشق الأزليّ للأئمة، وتشدُّدهم على إبقاء بعض مظاهر الطقوس غير الحضارية، سوى باب من أبواب الرضوخ لدعاة تقديس الأشخاص والأفراد والجماعات واتخاذها سبيلاً لبلوغ أهداف تجارية وأخرى سياسية بعيدة عن الوازع الإيماني والمعتقداتي الصحيح. وهذا جزءٌ لا يتجزّأ من مفهوم التشدّد والراديكالية المستخدمة في إدامة تدوير هذه المظاهر، والذي ينبغي معالجتُه وتعديلُه والنظر إليه باعتباره شأنًا غير مقبول في الزمن المعاصر الذي تغيرت فيه المفاهيم والقيم والرؤى تحقيقًا للعدالة الاجتماعية واحترامًا لباقي الأطراف الشريكة في الوطن والإنسانية.
إنَّ مَن يريد اليوم في مجتمعنا العراقي تحقيق حاكمية الله على الأرض بأية وسيلة أو محاربة الخارجين عن الملّة بحجة تحقيق الشرع، لا يختلف في رؤيته وسلوكه عمّن قتلَ وسبا واغتصبَ ودمّرَ وأحرقَ من دواعش الدولة الإسلامية إبان احتلالهم لأكثر من ثلث أرض العراق وتدنيسها بأفعالهم الشنيعة والمرفوضة بكلّ المقاييس والمعايير من جميع الأديان السماوية والشركاء في الوطن. فأولئك فعلوا ذلك أيضًا باسم الدين وحفاظًا على ما ادّعتهُ زعاماتُهم بالخروج عن الموالاة وبحجة حماية الدين والمذهب انطلاقًا من فكر راديكالي متشدّد. وفي الحقيقة كان الغرض الأخير منه توطيدَ سلطانهم وتبريرَ مظالمهم وتحقيقَ أطماعهم.
من هنا، وضمن ذات المعايير، لا يختلفُ عنهم مَن يُصرُّ اليوم على إبقاء ذات المظاهر الاستهلاكية وذات السلوكيات العنفية الرعناء لتحقيق هذه الحاكمية غير المقبولة التي يتضرّرُ منها الغيرُ المختلف عنهم ويتحفّظُ عليها الشريكُ في الوطن وتبقي حركة البلاد وإدارتَها شبه مشلولة ومضطربة. فإنزال القصاص في أشكالٍ من العنف غير المبرّر ومحاربة أصحاب محلات بيع الخمور المجازة رسميًا أو غير المجازة منها في هذه الأيام الأخيرة، كلُّها من مظاهر العنف غير المبرّر لكونها تحدث خارج نطاق القانون والدولة التي وحدها كفيلة بمؤسساتها الرسمية معالجة أي خرقٍ أو خروجٍ عن الآداب العامة والقوانين النافذة. وهذا جزءٌ من سيادة الدولة وبقاء هيبتها منتصبة في نظر المجتمع والأمم والشعوب. وأيّ انتقاصٍ من هذه الهيبة وهذه السيادة من شأنه أن يطيح بمصير شعبٍ بأكمله ويُسقط رهان الوطن إذا انتصر العنف على المحبة والرفق وطغا القتل على الرحمة والألفة وسادت الفوضى على القانون وتطبيقاته الدستورية. وما أحوجنا اليوم إلى ثقافة المحبة واحترام الآخر!

10
أوربا أفضل القارات للنساء
لويس إقليمس
بغداد، في 30 حزيران 2021
من طبيعة النفس البشرية أن تولي اهتمامًا خاصا بالنساء، بشكلهنّ وتكوينهنّ وجمالهنّ ووظيفتهنّ وجاذبيتهنّ الأنثوية وطبيعة سلوكهنّ ونظراتهنّ وحتى في مشيتهنّ وملبسهنّ ومأكلهنّ. فهنّ أفضل خلق الله في كلّ هذا وذاك، وهنّ الوجه الحسن للسعادة حين يكملنَ دورة الحياة وتمتزج هذه الحياة مع الماء والخضرة والعشرة الحسنة الطيبة دون استغلال لكلّ صفاتهنّ الرقيقة المعروفة بهنّ عمومًا ومن دون تخصيص. فالخالق الذي صنع حواء من ضلع آدم لترافقه وتسعده وتشاركه الجنّة بحلاوة ثمارها ونظارة أرضها وجمال طبيعتها، قد أجاز لها أيضًا أن تكون شريكة للرجل في كلّ شيء وان تتساوى معه في الحق في الحياة والعمل والإبداع. لا بل قد جاد عليها بأفضل ما في الخليقة وهي مشاركة الخالق في الخلق بنعمة الإنجاب التي لا يقوى عليها الرجل. وبذلك يكون الخالق قد حباها بنعم أكثر من الرجُل الذي وهبه هو الآخر نعمة مميزة وبما يعين المرأة على الحمل والإنجاب وملء الأرض بنينًا وبنات لمجد الله ونماء البشرية وتطورها نحو الأفضل.
قد تختلف نظرة البشر من منطقة لأخرى ومن دين لآخر ومن مذهب لغيره حول المرأة بحسب الثقافات والعادات والتقاليد والأعراف والقوانين. ففي أوربا التي تُعدّ أفضل قارة من حيث احترام حقوق المرأة وتمتعها بمساواة مع الرجل في معظم المجالات وسط مجتمعاتها المتنوعة، نجد هذه الأخيرة في تطور متواصل وباتجاه تنميةٍ وتقدمٍ في مسارات الحياة المتنوعة على غيرها من شعوب القارات الأخرى. وهذه الحالة يمكن الاعتداد بها عالميًا. بل هي نابعة من الفكر الغربيّ المنفتح على الدور المهمّ الذي تضطلع به المرأة بغضّ النظر عن أصلها ونشأتها ووظيفتها. فالمرأة شيء مقدّس عند الإنسان الغربيّ لا يمكن إلغاء دورها وحقها في المساواة مع رفيقها الرجل أو السماح بتعنيفها أو الاستخفاف بطاقاتها وقدراتها التي توازي في الكثير منها قدرات الرجل إن لم تتفوق عليه في بعضٍ منها. بطبيعة الحال، هناك استثناءات لحالات لا تتوافق مع طبيعة تريبة جسدها الناعم ورقتها المألوفة قياسًا مع هيئة الرجل. وهذا ليس من داعٍ للخوض به، لأنه لا يقدّم ولا يؤخّر من حقيقة واقعها ووضعها العام في القوانين الوضعية والتشريعات التي يسنّها الغرب تقديرًا لكفاءتها واحترامًا لقدراتها ومساهمتها في بناء أطر الدول التي تعيش في كنفها. والمرأة الأوربية هي مدعاة دائمة للفخر وإثبات الذات ونموذج يُحتذى به في كل دول العالم.

أوربا جنّة النساء على الأرض
صدقَ مَن وصف أوربا بجنّة النساء على الأرض. فقد ساعدتها آراء الرجل الأوربي المتحررة والفكر الليبرالي المستمدّ من مفكريها وكتابها وفلاسفتها وبالأخصّ خروجها عن شرنقة الكنيسة وولاية رجال الدين عليها وعلى حريتها، كي تكمل دورة الحياة وتثبت ذاتها بفعل إرادتها الصائبة ونزولها إلى معترك الحياة بقوة. فجاءت مساهمتها في إدارة مؤسسات الدولة وتنمية القطاع الخاص متوازية مع حاجات المجتمع إلى دورها الرائد بما تمتلكه من فكر ودراية وطول باع وبما تكتنزه من قدرات تدريبية ومعرفية سريعة في سوق العمالة وفي تسيير العملية الإنتاجية في المعامل والمصانع، بأدواتها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة. فهي من جهة، لا تعبأ بالمصاعب ولا تدع طبيعة العمل تقف حائلاً دون تمكينها من كسب المهارات والإبداع وتحقيق أفضل النتائج. وهذا شأن الكثير من النساء المبدعات في هذه القارة اللائي عزّزن من مواقعهنّ في فنّ الإدارة والمناصب العليا التي كانت حكرًا على الرجل، وذلك بفضل ما أبدته المرأة الغربية من براعة ومهارة ودراية في المواقع التي تسلّقتها.
نظرة إلى واقع المرأة اليوم، نجدها حاضرة وبقوّة في مواقع متقدمة في المنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية ترأس لجانًا ودولاً وحكومات وإدارات عامة، ناهيك عن تواجدها في المعامل والمصانع وورش صناعية وزراعية ومكاتب تجارية وشركات عامة وخاصة. بل تُعدّ أوربا أكثر قارة في العالم تديرها نساء كفوءات ومبدعات. ولو أحصينا المَلكات والكفاءات النسائية التي تحكم دول العالم، لرصدنا أن نصفهنّ أو ما قارب ذلك قادمات من أوربا أو منتميات لهذه القارة. وهذا يعطي مفهومًا بمساحة الاحترام والتقدير والاعتراف التي توليها أوربا والغرب عمومًا لدور المرأة في الحياة والذي لا يقلّ أهمية عن الرجل الذي مازال قابضًا بيديه العنيدتين دفة الحكم والإدارة في المجتمعات المتخلّفة ومنها منطقتنا الشرق-أوسطية التي تأبى التقاليد والعادات والأعراف الدينية البائدة الاعتراف بدور المرأة الشرقية وبقدراتها البشرية وطاقاتها الإنسانية والإبداعية إذا ما توفرت لديها الفرصة للتعبير عن الذات.
صحيحٌ أن المرأة في المشرق العربي وعدد من البلدان الإسلامية قد شهدت بعض التقدم، فصارت وزيرة ونائبة واحتلت مناصب إدارية سواء بفضل كفاءتها أم بدعمها من كتل وأحزاب السلطة، إلاّ أنّ ما تلقاه من معوّقات وما تصادفُه من مصاعب ومن عثرات أمامها تكاد تكون كارثية. فهي لا تجرؤ لغاية الساعة، إلاّ ما ندر، كي تخرج بحريتها وتعبّر عن آرائها وتكشف ما تريد قوله بكلّ حرية ومن دون إحراج. فهي في كلّ الأحوال ما تزال خاضعة في العديد من جوانبها وأنشطتها للرجل، سواء في المنزل أم في المؤسسة التي تعمل لصالحها أم لصالح الكتلة أو الحزب الذي يطوّعها ويملي عليها ما ينبغي قوله سواء للإعلام أم في المحافل الوطنية والعامة. وهذا انتقاص من كرامتها وعزة نفسها وعدم إقرار صريح بقدراتها وحرية تعبيرها ونشاطها وفكرها.

لا مجال للمقارنة
لا أريد إجراء مقارنة للمرأة الشرقية مع نظيرتها في الغرب، بقدر ما أودّ التأكيد على حرية كل إنسان في التعبير عن مواقفه وعن رغباته وإرادته. ففي الوقت الذي نجد المرأة الغربية تبتعد أكثر عن أجواء المنزل بحثاً عن وظيفة أو مهنة تؤمّن لها نفقات الحياة الصعبة في بلدان الغرب عمومًا، نجدها في المقابل تهمل دورها البشري في الطبيعة كأمّ منتجة ومتوالدة للحياة من أجل ديمومة هذه الحياة في هذه القارة العجوز التي ابتعدت عن مهمّة الإنجاب وتوالد البشرية بحسب مشيئة الخالق الأساسية. وهذه نقطة ضعف المرأة الغربية التي لا تقدّر هذه النعمة الكبيرة التي أحالتها جانبًا حتى عمر متقدّم قلّما يسمح أو يتيح لها الإنجاب بعد تقدم العمر وفوات الأوان. وهذا أحد الأسباب التي حثّت وشجّعت دولاً غربية ومنها أوربا لاستيراد البشر من دول ومناطق أخرى من العالم تعاني من التخلف والفقر والحاجة والجوع كي تستثمرها في تسيير ماكنتها الاقتصادية والإنتاجية والخدمية. فصارت وعاء للهجرة الشرعية وغير الشرعية، ما قلب الحاجة هذه إلى مأساة ومشكلة وأزمة مهاجرين عالمية في السنوات الأخيرة. 
بالمقابل، نلاحظ كثرة الولادات في العالم الشرقي والإسلامي بصورة خاصة. وهذا بفضل المساحة الشخصية التي تتيحها الأعراف القائمة المستندة إلى العرف العشائري والقبلي والديني بكون "الزواج نصف الدين"، وإلى القوانين الوضعية والشرعية التي تشجع إتمام أشكال الزواج وتعدده من دون محدوديات لدى بعض المذاهب. وقد أسهمت هذه جميعًا، إضافة لأسباب غيرها مثل تنامي البطالة وشيوع الجهل والأمية والبطالة في السنوات الأخيرة، بزيادات انفجارية في بلدان الشرق التي تفتقر أصلاً إلى استراتيجات للتخطيط السكاني والحضري، كما يحصل في العراق على سبيل المثال. ولا بدّ من ملاحظة ما أنتجته هذه الزيجات غير الرصينة وغير المتكافئة في العديد منها، من مشاكل ومآسٍ على طرفي المعادلة، فكثرت حالات الطلاق وتعرضت أسر بأكملها للانفكاك والانحلال. وكانت من نتائجها، زجّ هذه الأسر أنفسها أو لأبنائها في متاهات الشوارع والساحات والأماكن العامة للعمل في استجداء المارة وأصحاب المركبات وخروج العديدين منهم عن سواء السبيل للعمل في أعمال غير شريفة وفي مجال الدعارة والكسب الحرام. وهذا بطبيعة الحال قد جعل من هذه الحالة ظاهرة مستعصية تحتاج لجهود كبيرة وكثيرة من أجل إعادة أخلاقيات المجتمع العراقي إلى طبيعتها الوطنية والحضارية وبما يكفل حقوق جميع المواطنين، ومنهم مساواة المرأة مع الرجل ورفع كافة القيود عنها ومنحها مساحات من الحرية والحركة وإمكانية التعبير عن نفسها بالقبول أو الرفض في مسألة الارتباط الأسري واختيار الشريك المناسب من دون تدخل عشائري أو أسري وتحاشيًا لأية ضغوط أخرى خارجية من شأنها التأثير على قرارها وتقييد حريتها في المأكل والملبس والخروج والزواج والإنجاب والوظيفة وما سواها ممّا تحتاجه الحياة من حرية للتعبير عن الإرادة التي أحلّها الله الخالق في حياة كلٍّ من الرجل والمرأة على السواء. ومراجعة بسيطة للإحصائيات التي تصدرها المحاكم المدنية في عموم العراق بخصوص حالات الطلاق المسجلة كفيلة بتوضيح آثار هذه المشكلة. هذا إذا استثنيا الحالات الكثيرة التي لا تحصى التي تجري خارج هذه الدوائر الرسمية.
تبقى المرأة الغربية بتطلعاتها وقدرتها على التعبير عن إرادتها وإمكانياتها الفردية هي النموذج الذي يمكن الاحتذاء به في أوساط الجنس الأنثوي الرقيق في بلدان شرقنا ومنه العراق. فقد أثبتت قدرتها على مجاراة الرجل في الإدارة وفي المساهمة بمواجهة التحديات الحياتية الكثيرة وفي إلهام غيرها من نساء شعوب العالم ومنهنّ في العراق. فالماجدات العراقيات المتحرّرات المؤمنات بالليبرالية والحرية الشخصية والواثقات بقدراتهنّ في إثبات الذات والكفاءة، أثبتن في مواقف كثيرة أنهنّ على قدر وافٍ بالمسؤولية والوفاء بالأمانة. وما أكثر ما شهدتُ شخصيًا من أمثال هذه النخب التي لا تتوانى في الدفاع عن حقوق زميلاتهنّ وزملائهنّ وبما يحفظ الأمانة الوطنية والإنسانية التي في أعناقهنّ. فهنّ الزوجات وهنّ الأمهات وهنّ المربيات وهنّ المعلّمات وهنّ طالبات العلم والثقافة والمدافعات عن حقوق الإنسان والحريصات على بناء الوطن والمواطن وهنّ السائرات في طريق التضحية والشهادة والخدمة من دون مقابل في أحيان كثيرة. وستبقى المرأة هي المحرّك الفعلي للعالم إذا أُتيحت لها فرصة الإبداع وحرية الفعل والحركة.





11
ألتشرينّيون إلى أين؟
لويس إقليمس
بغداد، في 22 حزيران 2021
بين متفائلٍ لحدّ النشوة والثقة ومتشائمٍ لحدّ اليأس والإحباط تتراقص كالسراب المجهولِ العنوان أحلامُ العراقيين بكلّ مشاربهم وطوائفهم وتوجهاتهم الدينية والعرقية والطائفية. فوسط ما يجري من انتكاسات متكرّرة على الصعيدين الأمني والسياسيّ المضطربَين بسبب تغوّل قوى الميليشيات والفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة القانون والتي لا تدين بولائها لقوةّ الدولة ودستورها وقوانينها بل للجارة الشرقية في كلّ شيء، يقف الشعب العراقي حائرًا متسائلاً إن كان مصيرُه سيبقى معلَّقًا في مهب الرياح العاتية لسنواتٍ عجافٍ أخريات، أم سيأتيه الفرَج مُهَروِلاً من حيث لا يدرون. ولكن كيف، وبأية وسيلة سيحصل هذا؟ ومتى سيتمّ وضع سكّة البلاد على قطار الإعمار الصحيح والبناء الفكري والحضاري والأخلاقي لشعبٍ أفقدتهُ قياداتُه السياسية الفاسدة بمعظمها وأحزابُ السلطة الفاشلة ولاسيّما الدينية منها غالبيةَ سماتِ التمدّن والتحضّر والأخلاق والعلم والتربية منذ سقوط النظام السابق الذي كان السبب فيما جرى بعد أحداث 2003. وصحّتْ اليوم الكلماتُ القوية الطنّانة " كلها منّه، مصايبنا وطلايبنا، من صاحبنا كلها منّه" التي أنشدها الفنان الهزلي الناقد "عزيز علي" في واحدٍ من أروع منلوجاته الوطنية والذي ينطبق بحق على صناعة رأس النظام السابق وقبله قادة الانقلاب المشؤوم على النظام الملكي. وذات المقولة تسري اليوم على النظام المحاصصاتي المقيت بشأن ما يجري من أحداث مأساوية بسبب سلوكيات أحزاب السلطة والميليشيات المسلحة والفصائل الولائية المنفلتة المستقوية بها والمنضوية في إطار ما يُسمّى بالحشد الشعبي التي تفرض سطوتها على إدارة الدولة العراقية خارج السياقات الدستورية والقانون، مستغلّة فتوى المرجعية الجهادية الكفائية التي أُخرجتْ عن سياقها ومفهومها حين دعتْ إليها في ظرفٍ وطنيّ حرجٍ لإنقاذ البلاد من كابوس الدواعش الذي ثبتَ، بالوقائع والوثائق التي بدأت تتوالى وتتوارد من مراكز القرار، إنتاجَه وتمويلَه وتوجيهَه بالشراكة بين إدارة فريق أوباما سيئ الصيت وإيران الجارة المنتقمة من كلّ ما هو عراقي وعربي.
بعد تفاقم الأوضاع وتكرار ذات السياسات الفاشلة للحكومات العراقية المتعاقبة وبلوغ الغضب الشعبي مداه الأقصى، جاء الحراكُ التشريني في موعده نهاية تشرين الأول 2019 ليقول كلمة الشارع: كفى انزلاقُ الأوضاع إلى ما لا تُحمدُ عقباه، وكفى انتهاكًا لسيادة الوطن وعراقته وحضارته وإرثه الثقافي والديني والإتني والتعددّي المتميّز في كلّ شيء. نقرُّ أنه لم يكن من السهل إدامة هذا الحراك الاحتجاجيّ الوطني الساخن سخونة الشارع الغاضب. فقد حاولت جهاتٌ عديدة ركوبَ موجته لتحسين صورتها بوجه النقمة الشعبية العارمة التي زادت وتيرتُها وتعددت مطالبُها مع تزايد انتهاكات الميليشيات والفصائل الولائية التي سعتْ لقضم أصابع الناشطين وردع مطالبهم وإسكات صراخاتهم بأية صورة أو وسيلة أو أداة متيسرة، وما كانت أكثرها ممّا نسمع ونشاهد ونترقب. وماتزال ذاتُ الأيادي القذرة تنشط أينما تحين الفرصة للنيل من إرادة المحتجّين الذين يزدادون يومًا بعد آخر بالرغم من وسائل التهديد وعمليات الخطف والاغتيال والتغييب التي طالتهم ولم تتوقف لغاية الساعة، فيما الدولة تقف عاجزة عن وضع حدودٍ لهذه الجرائم المتراكمة والمتواصلة بالرغم من الوعود التسويفية التي أطلقتها وماتزالُ بالكشف عن مصير الشهداء المغدورين والقتلة الذين تحتضنهم أحزابُ السلطة وتغطّي على جرائمهم وتستخدم سطوتها ونفوذها على القضاء العراقي كي لا يقوم بدوره المستقل في معالجة هذه الانتكاسات القانونية. وهذه مشكلة كبيرة لا تليق بتاريخ القضاء العراقي ولا بشخوصه، لاسيّما وأنّ أولى القوانين على وجه الكرة الأرضية صدرت من أرض الرافدين وطبّقها الملك حمورابي بقسوة شديدة آنذاك، وأضحتْ منارًا ونموذجًا ومصدرًا للقوانين الدولية فيما بعد. فالدولة التي لا يتفاعل فيها القضاء مع صوت العدالة والمساواة في تطبيق القوانين وتنفيذ الأوامر لا بارك الله فيها ولا تستحقّ تسميتها بدولة.
بين الدولة واللادولة
كلُّ ما نادى به الثوار التشرينيون أنهم طالبوا بعودة وطن مفقود، "نريد وطن"، أي بدولة تحترمُ مواطنيها. وهذا من أبسط حقوق أي مواطن يعيش في أية بقعة من أرض الله الواسعة. فمَن ليس له وطن أو دولة تحميه وتضمن حقوقَه، ليس له كيانٌ ولا هوية ولا يمكن أن يشعرَ بصدق الانتماء إليه. كما أنّ مَن يعيش بلا وطن حرّ ومستقلّ وسيدِ نفسه، إنّما كأنه مخلوق عشوائيّ لا يستشعرُ بالحياة السويّة الكريمة التي تليق ببني البشر. فيما الحياة مجانية من عند خالق الأكوان وليست منّة من أحد ولا مكرمة من حكومة ولا فضلاً من ساسة ولا هدية من سلاطين وحكام واباطرة وملوك الأرض. كما أنّ الوطن عندما يحتضن أبناءَه ويحرص على رفاهتهم من دون تمييز ولا منّة يكون مثل الدجاجة التي تحتضنَ كتاكيتها الصغار وتحميهم من شرّ الأعداء وغدر الغرباء ومكيدة الدخلاء. وهذا واجب الدولة الطبيعي تجاه مواطنيها. إنّما هذا لم يحصل في بلاد الرافدين منذ الغزو الأمريكي المتعجرف لغاية الساعة. ففي كلّ مرّة ينتفض فيها الثوارُ السلميون، يتلقون وعدًا من السلطات الرسمية بالحماية وملاحقة المجرمين أزلام أحزاب السلطة، بينما تغدرُ بهم أدواتُها الأمنية الخارجة عن سلطتها والمنفذة لأجندات سلطات ونفوذ أحزاب السلطة وميليشياتها وفصائلها المسلحة التي تعيث في أرض العراق فسادًا منذ استقوائها بفتوى المرجعية وتشكيل ما يُسمّى بالحشد الشعبي الذي أطلقوا عليه سمة المقدّس زورًا وبهتانًا. وفي حقيقة الواقع، أثبت هذا التشكيلُ الدخيل صفتَه الموازية لقوة الحرس الثوري الإيراني كي يكون أداةً تنفيذية وقوة ضاربة بأيدي الأحزاب الولائية التي تخشى فقدان مكاسبها في أية لحظة وتسعى لاستخدام مثل هذه الأدوات الخارجة عن القانون في تسويق أجنداتها وديمومة مصالحها وتمويل مشاريعها الفئوية والطائفية والشخصية. وقد كشفت التحقيقات المسرّبة عن اللجان والهيئات التحقيقية التي شكلتها حكومة الكاظمي خجلاً، الشيءَ الكثير من هذه الوسائل والأدوات. لكنها اصطدمت بإعاقات وصعوبات كثيرة ومعقدة من لدن أحزاب السلطة ومَن يُديرُ دفتها ويوجّهُ أنشطتَها ويكفلُ تحقيق أجنداتها على الأرض. وهذا ممّا وضعَ القائد العام للقوات المسلحة في مأزقٍ بين سعيه لفرض هيبة الدولة وتطبيق القانون وبين خياره بالامتثال لرغبات أحزاب السلطة الولائية التي تفرض سطوتَها عليه. فكلّما يعدُ ويسعى للحدّ من نفوذ هذه الأطراف المنفلتة خارج سيطرة الدولة، زادت من ضغوطها عليه وعلى فريقه للتراجع عن أية قرارات لا تخدمها. ومنها أن حكومة الكاظمي اكتسبت صفة "حكومة التراجع" عن القرارات. كان اللهُ في عونه!
حتمًا، لن يتراجع ثوارُ تشرين عن مطالبهم المشروعة باستعادة الدولة من أيدي العابثين بمصيرها من الذين يسعون لخلق واقع حال "الّلادولة" عبر فرض أجندات الجارة الشرقية في إبقاء مصير البلاد بأيدي العابثين بأمنه وسيادته وجعله تابعًا ذليلاً لها وسوقًا استهلاكية دائمية رائجة لمنتجاتها. كما أنّ هذه الجارة "المقدسة" وقفت بوجه إقامة أية صناعة وطنية وأعاقتْ بإصرارٍ اية جهودٍ لتطوير أية حقولٍ أو أراضٍ من شأنها تنمية وتأمين سلّة العراق الغذائية، وذلك خوفًا من توقف تدفّق العملة الصعبة التي ساهمت بتأمين ميزانيتها منذ 2003 والتي بسببها صمدتْ وقاومت العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها الغازي الأمريكي للأسباب المعروفة للقاصي والداني. ومهما حاول أصحابُ السلاح المنفلت فرض مصالهم الولائية بقوة السلاح وغيره، فإنّ عزيمة ثوار الانتفاضة في ازديادٍ مضطرد ولن يصيبَهم الإحباط واليأس ولن يعرفوا التراجع عن مطالبهم المشروعة بطرقهم السلمية. ف"الدنيا تُؤخذُ غلابًا وليس بالتمنّي" وانتظار يدِ القَدَر لتفعلَ فعلَها. أمّا الوطن واستعادة هيبته وسيادته تبقى من أولويات المطالب، ليس للثوار في ساحات التظاهر في عموم البلاد فحسب، بل لجميع العراقيين من المتعاطفين مع الثوار والغاضبين على استشراء فساد السلطات الأربع، وحتى من أنصار وأتباع الميليشيات والفصائل المنفلتة ممّن سئموا من السلوكيات غير الرصينة لهؤلاء وممّن أساؤوا إلى سمعة المقاومة الحقيقية التي تنادت لصوت المرجعية الرشيدة. فقد أثبت الخارجون عن سلطة الدولة والعابثون بالقانون ولاءَهم الفاضح للدولة الجارة الشرقية وتنكّروا لشرف بلدهم وعزته وتاريخه وحضارته وإرثه الطويل المميّز بين الشعوب.
قد تكون الانتخابات القادمة فيصلاً ما بين تحقيق سيادة الدولة والّلادولة. ولكن ممّا يُخشى منه، استخدامُ أموالِ الدولة ووسائلها وأدواتها السياسية من جانب أحزاب السلطة ومّن يواليها خارجيًا ومَن يساندها داخليًا من رعاع القوم بدفعٍ من أصحاب العمائم والمغرضين الذين بدأوا يسوّقون أبواقَهم الطائفية والمذهبية للتحذير من فقدان الامتيازات والمكاسب وخسارة الأموال والجاه والسطوة والمناصب في حالة عدم تدوير نفاياتهم في الانتخابات القادمة. وهذه مشكلة بحدّ ذاتها. فالمستقلّون والمرشحون المغمورون من ثوار الانتفاضة لا يمتلكون مثل هذه الوسائل للترويج لبرامجهم والتعريف بأشخاصهم لجمهورهم، ممّا يقلّلُ من فرصهم بالفوز. ناهيك عن أدوات الترهيب والتهديد وإطلاق الوعود العرقوبية التي احترفتها أدواتُ أحزاب السلطة في كسب تأييد ناخبيها وإقناعهم بضرورة عدم الإخلال بالتوازن القائم حفاظًا على سطوة جماعة مذهبية معينة ماتزال تعيش تداعيات تخلّفها وجوعها ودوام شعورها بالغبن والظلم، فيما هي التي تتسيّدُ المشهد السياسي الحاكم منذ ثمانية عشر عامًا وتحصدُ الامتيازات التي لم تكن تحلمُ ولو بشيءٍ ضئيلٍ من مكاسبها وبهرجتها عبر إيغالها في أدوات الفساد والسرقة وهدر المال العام وفق مبدأ المحاصصة الذي شرّعته بإسنادٍ من الغازي المحتلّ الظالم.
‬‬   يبقى القاسم المشترك لكلّ الثوار في ساحات الشرف التي احتضنتها محافظات العراق، إصلاحُ الأوضاع المتدهورة وتقويم المعوجّ، منها وما أكثره. وهذا لا يمكن له أن يتحقق إلاّ بتغيير المنظومة السياسية القائمة من جذورها والتوجّه لاحقًا لتعديل الدستور، وإنْ أمكنَ تغيير الدستور وفق قواعد المواطنة الصحيحة وليس وفق التوافق الديني والمذهبيّ والإتني. فهذه جميعُها لا يمكن لها أن تبني وطنًا قويًا موحدًا ذا سيادة وهيبة وسمعة بجميع قواه وبتعدّد جماعاته وقومياته وأديانه التي تشكلُ فسيفساءَه المميّزة بين الشعوب والأمم. وفي اعتقادي، أن قدرات المنتفضين ماتزالُ قوية، والشعبُ مازالَ يراهن على نجاحها وفعلِها وتأثيرها وسط الجماهير التي يزدادُ غضبُها يومًا بعد آخر بسبب الشعور بفقدان الأمن والأمان والأدوات المستخدمة في استبعاد المبادرات الجماعية والفردية التي تسعى لإحداث التغيير في المنظومة السياسية. فما يلقاهُ ثوّار تشرين من دعمٍ دوليّ وإقليميّ واضح ومن تأييد شعبيّ قد أغاض أحزابَ السلطة ومَن يقف مساندًا لإبقاء الأوضاع على حالها بأيدي أصحاب السلاح المنفلت والفصائل المسلحة الخارجة عن القانون التي تسعى لإدامة زخمها وإبقاء سطوتها ما شاءت الأقدار والجارة الأرجنتينية "المقدسة". أمّا مَن يراهنُ على اختفاء الثوار من ساحات الشرف ومن خفوت أصواتهم، فهو واهمٌ. فالشعبُ كلُّه إلى جانبهم، مساندٌ وداعمٌ ومتأمِّلٌ بهم خيرًا نحو التغيير والإصلاح.
 

12
أصحاب السيادة والمقامات الكهنوتية والرهبانية الأجلاء
السيدات والسادة والأصدقاء الأعزاء

تحية طيبة
      وصلتني هذا اليوم رسالة ردّ مباركة من قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، بتوقيع الكاردينال بيترو بارولان، أمين سرّ دولة الفاتيكان (رئيس وزرائها)، ردّا على رسالة شخصية أودعتُها بين أياديه المقدسة عصر يوم 5 آذار 2021 خلال زيارته لكنيسة سيدة النجاة ولقائه مع نخبة من مسيحيّي الكنائس الكاثوليكية من أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وشمامسة ومكرَّسين. فقد كان لي فخر عظيم بالتحدث مع قداسته في نهاية اللقاء وإيداعه رسالة شخصية بالمناسبة حول أوضاع العراق والكنيسة ورجالاتها. ونظرًا لما في ردّ هذه الرسالة البابوية من فهمٍ وإدراكٍ واطّلاعٍ عميق وواسع وقريب لقداسته بأوضاع العراق الذي ينال اهتمامه الأبوي الكبير، وددتُ أن تشاركوني في قراءة مضمونها والتأمل في معانيها واستخلاص الدروس التي قصدها قداستُه بين أسطرها بشأن أوضاع العراق والكنيسة الكاثوليكية بصورة خاصة. كما لم ينسى قداستُه التعرّض ضمنًا للفاجعة الأليمة التي ضربت هذه الكنيسة والتعبير عن تعاطفه مع الضحايا الأبرياء وقربه من الذين كانوا شهودًا وشهداء فيها وصلاته من أجلهم. ولعلَّ أهمَّ ما ختمه قداستُه في هذه الرسالة، تمنياتُه بتقدّم بلادنا والوصول إلى دروب السلام والمصالحة التي تنقصنا، والتي من دونها لا يمكن لهذا البلد أن ينهض من كبوته ومحنه ومشاكله للوصول إلى نعمة الطمأنينة في العيش المشترك والتطلّع الإيجابي نحو المستقبل. ومن أجمل ما ورد في ختام رسالة قداسته، الطلب من كلّ واحدٍ منّا المساهمة في وضع حَجَرٍ لتقوية بناء هذا البلد، وإيداعنا جميعًا تحت حماية العذراء مريم ببركته السخية.

في المرفق:
- رسالة قداسته باللغة الفرنسية
- ترجمة الرسالة إلى اللغة العربية

تقبلوا منّي وافر التقدير والاحترام

لويس إقليمس
في 22 حزيران 2021


أمانة سر الدولة
قسم الشؤون الخارجية                      الفاتيكان، في 4 أيار 2021   
الرقم: 496.034                            

سيدي،
وصلت رسالتك المؤرخة في 5 آذار 2021 إلى قداسة البابا فرنسيس، الذي اطلع عليها شخصيًا. إنه يشكرك على الانفتاح عليه بصدق وتعبيرك عن معاناتك. وهو يعبّر عن تعاطفه وقربه منك في المحن التي كنتَ شاهدًا لها، ويضع الضحايا الأبرياء تحت رحمة الله.
    الأبُ الأقدس على اطلاع جيد وبشكل خاص بالوضع في العراق. إن الغموض وعدم التناغم في السلوك وفي نوايا الأشخاص الذين يريدُ إقامة حوارات معهم لا يمكن أن تفوته. ومع ذلك، فإن اللقاء الأخوي والإصغاء المتبادل هما السبيلان الوحيدان اللذان يمكن اتباعهما لبناء تعايش سلمي حقيقي، بين الجماعات الموجودة، وفي المقام الأول بين الكنائس الكاثوليكية في الشرق التي تبقى مثار اهتمامه وتعاطفه وصلاته، بعد الجرائم والفظائع التي حصلت. وإنّ الأب الأقدس لا يكلّ بالطلب من الرب من أجل أن تتقدم بلادك الغالية على دروب السلام والمصالحة، وكي يعيش كل واحد فيها إيمانَه بطمأنينة بتطلّعه نحو المستقبل. إنه يدعوك لمواصلة المساهمة بسخاء في وضع حجرك في هذا البناء. وإذ يعهدكم وجميع الأشخاص الأعزاء عليك، تحت حماية العذراء مريم، فإنّ البابا فرنسيس يبارككم من كل قلبه.
 أرجو منكم، سيدي، أن تقبلوا مشاعري الدينية والمخلصة.

الكاردينال بيترو بارولان
   أمين سرّ الدولة
--------------------
-   عناية السيد لويس إقليمس
بغداد/ العراق

13
ترنيمة الانتخابات ولازمة الفساد والتزوير
لويس إقليمس
بغداد، في 6 حزيران 2021
لو اتصف غالبية الشعب العراقي بشيء مقنع من الإدراك وقدرٍ وافٍ من الوعي لِما حصل له على أيدي مافيات الفساد الإداري والسياسي الذي اتصفت به حكومات البلاد المتعاقبة منذ 2003، لتسنى له تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بجرأة وشجاعة وصراحة ومن دون مجاملة ولا مواربة ولا خجل. بل توجبَ عليه أن يعلنها على أسماع الملأ يوم الانتخابات المنتظرة في 10 تشرين أول القادم، موعد الاستحقاق التشريعي المنتظر الجديد. هكذا صرخ الشعبُ وزاد من غضبه بالقول الصارم: "كفى ما لحقنا منكم من سرقات وتلاعب بمقدرات البلاد ونهب ثرواتها، ومن مظالم ووعود عرقوبية وضحك على الذقون، ومن كذب واحتيال وخداع لضعاف النفوس ولغالبية الشعب المغلوب على أمره، والذي اعتاد عبادة الأشخاص وتعظيم الجلاّدين والمشي خلف المستغِلّين (بكسر الغاء) للبسطاء". فمثل هذا الوعي النسبي في صفوف العامة بعد سنوات من التجربة والخبرة يمكن أن يكون رهانًا قويًا على إحداث تغيير جذريّ في المشهد السياسي باستبعاد ملحوظٍ للزعامات القديمة الفاسدة ورموزها من دون استثناءٍ ولا تمييز، تلك التي قوّضت الحسّ الوطنيّ ومزّقت النسيج الاجتماعي وأحالت البلاد إلى شبه دولة مستهلِكة للمنتجات المستوردة بلا رحمة، مستجدية للقروض المتكالبة عليها، غارقة بالديون المتراكمة من دون تخطيط ولا إدارة ولا نتائج إيجابية ملموسة في جميع القطاعات، ولاسيّما الإنتاجية منها والخدمية التي تشكلُ عماد الاقتصاد وواحدًا من أهمّ أركان السيادة الوطنية واستقرار الاقتصاد الوطني. وهذا كان فحوى توصية المرجعية الشيعية العليا "المجرَّب لا يُجرَّب". 
     ستكون خيبة أمل كبيرة ببقاء ذات الرؤوس القديمة الفاشلة التي تطلُّ علينا هذه الأيام، سواءً بتصريحاتها المبطنة أو عبر تراشقها الفاضح كاشفةً عورات بعضها بعضًا، السياسية منها والإدارية والمالية عبر مناكفات تنافسية وتسقيط زعاماتيّ واتهامات متبادلة بالفشل في إدارة البلاد والإيغال في الفساد. وإنْ تكن هذه الاستعراضات إلاّ جزءً من ذرّ الرماد في العيون استعدادًا لاستشراف واقع قيادة السلطة وبسط النفوذ منذ الآن والتهيئة لها، إن ترويعًا أو دعايةً أو تهديدًا. وسوف نرى في قادم الأيام ما سيصدر عن زعامات الكتل الكبيرة ولاعبيها الأساسيين من إعلانات ضخمة ويافطات كبيرة تتناسب طرديًا مع تخمة الفساد التي دمغت عموم ساسة البلاد وكتلهم وأحزابهم ومَن على خطاهم وسيرتهم، طيلة السنين العجاف المنصرمة. هي ذاتُها إذن، مَن يُخشى أن تعيد تدوير شخوصها لتتحكم بالعملية السياسية لسنوات أربع عجاف ظالمات سالبات قادمات لا محالة، لا سمح الله في حالة إعادة انتخابها مثل سابقاتها، مرة أخرى. فهي التي ستشكل حكومة المحاصصة التوافقية اللصوصية العرفية مرة أخرى، وهي التي ستكمل تقاسم ما تبقى من الكعكة المشتراة سلفًا بدماء الشهداء والجرحى، وهي التي ستزيد من تراكم الديون والقروض والتسليف المسبق التي من شأنها إبقاء البلاد والعباد أسرى الدول الخارجية المستغِلّة لسنواتٍ طوال قادمات، وهي التي ستحرم الأجيال القادمة التي لم تولد بعدُ من حقها في ثروة البلاد وفي عيش حياة آدمية وإنسانية مثل سائر الشعوب المتحضّرة، وهي التي ستبقي جواز سفر مواطني بلادهم الجريحة حتى العظم في ذيل القائمة الدولية ذليلاً مطارَدًا مُهانًا، وهي التي ستواصل وأدَ أية مساعٍ لنهضة القطاع الخاص الذي اقتُرفت بحقه أبشع المخالفات والمظالم واستبيحت مقدّراتُه وكفاءاتُه من دون وجه حق. ألا يكفي ما حصل من خراب ودوسٍ لكرامة البشر واختفاءٍ لكلّ ما كان حضاريّا وعلميّا وتراثيًا وأخلاقيًا وفنّيًا وتربويًا و و و. ولو حصل ذلك فعلاً، فإنّ اللوم هذه المرة أكثر من ذي قبل، سيقع على عموم شرائح الشعب بسبب إيغال هذا الأخير في الجهل والتخلّف وعبادة الأشخاص وما ينسجه حول بعضهم من هالةٍ لقدسية زائفة وإيمان ظاهريّ باطل وصدق كاذبٍ في الوعود والسلوك.
وكالعادة، سوف لن يتوانى زعماءُ ومرشحو أحزاب السلطة المتخَمون بالمال العام الفاسد لزيادة حمّى وطيس الانتخابات وجعلها تستعر عبر تجمعات انتخابية دعائية فارهة وإقامة احتفالات ومآدب مترفة صاخبة وتوزيع بطانيات ومدافئ وكارتات تشغيل الموبايلات ووعود بتعيينات في دوائر الدولة وتوزيع سندات قطع أراضي وسلال غذائية وما سواها، لخداع الشرائح الجاهلة من بسطاء وسذّج الشعب الجائع الباحث عن لقمة عيش شريفة في مكبات النفايات والأزقة المكتظة بحشود الفقراء، والعاطلين الباحثين عن فرصة عمل وغيرهم من الخريجين الذين خابت آمالُهم وآلت دراساتُهم وأتعابُهم العلمية إلى سوق الشورجة في بغداد وأسواق بيع الخضراوات والفاكهة في مدن وقصبات العراق بدل أن يمضوا ما اكتسبوه من معارف ومهارات في خدمة البلاد وفي تطويرها وتنميتها. وبالتأكيد سيجري ذلك باستخدام الدين والمذهب والطائفة والقومية والعشيرة والحزب غطاءً لضمان كسب هذه الطبقات المسحوقة. كما بدأ بازار شراء الأصوات وبطاقات الناخبين بأخذ دوره منذ أيام، وسيزداد وطيسُه مع قرب موعد الانتخابات. أمّا الدفع، فسيكون بحسب وسيلة ضمان صوت الناخب وتأمين الحصول على بطاقته الانتخابية كي لا ينكث بعهده. ناهيك عن الخوف من وسائل جديدة قد تلجأُ إليها أحزاب السلطة في تزوير الانتخابات. فمن المؤكد عدم مقدرة الجهات الرقابية والإشرافية الدولية والإقليمية والمحلية على مراقبة جميع مواقع الاقتراع وضمان عدم التلاعب بالصناديق وطريقة الاقتراع، لاسيّما هناك أحاديث منذ الساعة تشيرُ لشراء بطاقات انتخابية عبر بازار مفتوح بدأت بعضُ ملامحه بالبروز للملأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك مَن يتحدث عن فقدان أو توفر أكثر من مليون بطاقة انتخابية غير شرعية، من شأنها أن تقلب النتائج لصالح مزوّريها. لذا من الصعوبة الحديث عن نزاهة حقيقية في الانتخابات القادمة، فيما لو جرت بحسب الموعد.
هكذا آلَ حالُ العراقيين أصحاب الحضارة والتاريخ العظيم وأولاد السلف الصالح من الأنبياء والأئمة الأطهار، ولم يجدوا مَن ينقذهم بعدُ من هذه الكارثة التي حلّت بهم وببلادهم. فكلُّ مَن توالوا على الحكم بعد حقبة الدكتاتورية الظالمة، ظهروا أشدّ قهرًا وعنفًا وأكثرَ فسادًا وظلمًا وأفظعَ خداعًا واحتيالًا. ساستُنا وزعاماتُنا ينطقون باسم مكافحة الفساد وهُم من أشدّ الناس سرقة ونهبًا ولصوصيةً وفسادًا وكذبًا وخداعًا. جميعُهم أثروا على حساب الشعب المغدور وكسبوا مناصب عليا وجاهًا ومالاً ونفوذًا وامتيازاتٍ ومقتنيات وعمارات وفللًا فارهة في دول الجوار والعالم. جميعُهم يدّعون مكافحة الفساد ويحملون ملفات فساد لشهرها ضدّ الخصوم والمنافسين. وحين مقاسمة الكعكة تصمتُ الأفواه وتسكت الأصوات وتدخل الألسن في محاجرها خوفًا من انقلاب السحر على الساحر. هكذا، لم نعد نعرف مَن هو الفاسد ومَن هو سارقُ قوت الشعب ولا مَن هو ناهبٌ لخيرات البلاد ومعطِّلٌ للانتماء الوطني وكارهٌ لتنمية واقع البلاد ورفاهة العباد منذ 2003 ولغاية الساعة. 
رهانات خاسرة
حين قدوم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي مدعومًا من الغازي الأمريكي، ظنّ العديدون أنه حصانُ الرهان الأكبر في مسألة مكافحة الفساد وتنفيذ برنامج الإصلاح الذي نادت به المرجعية وطالب به عمومُ الشعب وبخاصّة طبقتُه المثقفة ونخبُ القطاع الخاص على السواء. لكنّ شيئًا من تلك الوعود لم يحصل، وظلّت سمة التسويف لصيقةً بخطابه عبر تلويحه الدائم بالعصا الغليظة في محاربة الفاسدين ودفع ملفاتهم إلى النزاهة، بحيث أصبحت كلمة "سوف" متلازمة مع مشروع محاربة الفساد غير القائم أصلاً. أربع سنوات مضت من عمر تلك الحكومة التي نالت تأييد المرجعية والشارع وغالبية الشرائح المجتمعية، لكنها لم تستغلّ الفرصة لوضع الأمور في نصابها وإعادة ما أفسدهُ سلفُه طيلة ثمان سنوات لولايتين متتاليتين اتسمتا بهدر كبير في المال العام وسرقات في وضح النهار وعقود وهمية وتبييض أموالٍ وتهريب عملة تزيد عمّا جرى تقديره بأكثر من أربعمائة وخمسين مليار دولار، وما خفي كان أعظم! وآخر سنوات ولايته، تكلّلت وبما لا يقبل الشك بتأكيد تواطؤ جهات قريبة من دارة حكومته مع أشدّ وأعتى تنظيمٍ إرهابيّ من أجل السماح له باستباحة مناطق ومدن بأكملها جرى تسليمها أو بيعُها كما يشاء البعض وصفها، من دون قتالٍ، وذلك نكاية بأهل تلك المناطق وانتقامًا لوطنيتهم وبسالة جنديتهم في الدفاع عن حياض الوطن من عدوّهم الطامع المنتقم القادم من الشرق. فكان ما أقدم عليه هذا التنظيم المتشدّد أن عاث في أرض العراق فسادًا ما بعده فساد، في القتل والتهديد والاغتصاب والتهجير والنهب والتدمير وكلّ ما يمكن أن يخطر على البال. وبذلك يتحمّل زعيم الكتلة الحزبية الحاكم آنذاك، كامل المسؤولية بما آلَت إليه البلاد من انهيارٍ ودمارٍ وشنارٍ وتراجعٍ أمنيّ وفسادٍ وتزويرٍ حتى القضاء على كيان ذلك التنظيم الإرهابي العسكري شكليًا، لكنَ شروره وآثارَه وأيديولوجيتَه لم تنتهي بعد.
وجاء الرهان الآخر مع خليفة العبادي الذي لم يستطع الخروج عن نطاق وتأثير أدوات الدولة العميقة التي حكمت البلاد فعلاً وواقعًا بحسب توجيهات وإشراف زعامة الجارة الشرقية، حتى سقوط حكومته بدفعٍ من ثوار تشرين وانتصارًا لدماء شهداء الانتفاضة وبناءً لإيعازٍ واضحٍ من المرجعية التي رغبت بتغيير أدوار اللعبة وشخوصها حفظًا لماء الوجه وخشية من تفاقم المشهد نحو الأسوأ. فحصول ما لا يمكن تصورُه بتغيير المنظومة السياسية برمتها، كان مطروحًا وبشدّة بسبب اتخاذ الفساد والتزوير أشكالاً خطيرة لم تعد تُطاق على عهده. وذلك كان يعني من جملة ما يعنيه فقدان السيطرة والسطوة والنفوذ والامتيازات والمال والسلاح. وبمعنى آخر أكثر وضوحًا، كان يعني اختفاء السطوة الشيعية على مقاليد الحكم في العراق واختلال التوازن الإقليمي والدولي الراهن لصالح أنداد الجارة إيران التي تسعى للاحتفاظ بالعراق ورقةً رابحة بوجه عدوتها اللدود أمريكا وحلفائها من دول الخليج التي أذاقتها المرّ، فاحتفظت به ليكون أفضل ساحة لتصفية حساباتها مع أمريكا والعالم الغربي بعمومه.
من هنا، كان لا بدّ من استقدام شخصية وسطية أخرى مقبولة تأتمر بأمر الحاكم الفعلي للبلاد وقياداته الأمنية والاستخبارية والمخابراتية والعسكرية على السواء. فكان السيد الكاظمي رهانهم الآخر المقبول في سلسلة الرهانات العاجزة المتتالية، بالرغم من اتسامه بشيءٍ من الحدّة والقرار الوطنيّ في معالجة الثغرات القديمة المتراكمة. لكنه في كلّ الأحوال، بقي أسير الإرادات والرغبات والضغوط من الجارة الشرقية وكذا من الزعامات الحزبية التي تسعى جاهدة ما استطاعت الحفاظ على مكتسباتها وعدم التفريط بها بأي حالٍ من الأحوال. وآخرها، الوقوف بوجه الموعد الذي اختاره لتحقيق وعوده بإنجاز انتخابات مبكرة في السادس من حزيران، حين اضطرّ للرضوخ لتأجيلها حتى 10 تشرين أول القادم بحسب إرادتهم في خطوة لمحاولة تمديدها حتى انتهاء الفترة المقررة للدورة الحالية لو تيسر لهم ذلك. وهذا من الدليل على أنّ المشهد التحاصصي الطائفي الذي يرفض فيه الجميع الخروجَ من عنق زجاجته والتخلّي عنه ما يزالُ هو نفسُه قائمًا. وسيبقى المشهد الهزليّ كذلك سيّدَ الموقف ولاعبًا قويا على الساحة مادامت ذاتُ الأحزاب وذاتُ الوجوه من الزعامات التقليدية باقية ومتسلطة بأدواتها في تعزيز دورها في الدولة العميقة ما استطاعت ذلك. حتى وإن تغيّرت بعض الوجوه عبر ترقيعات هنا وهناك أو عبر إنتاج نسخٍ جديدة من أحزاب بمسمّيات جديدة رنانة متشدّقة بأهداف ثوار الانتفاضة التشرينية، إلاّ أنها لا تعدو كونها مسألة تدوير أحزاب وأشخاص وإيهام بالإصلاح الزائف.
ملفات فساد مختومة بالشمع الأحمر
ستبقى موضوعة الفساد والتزوير التي تحوّلت إلى أعرافٍ معتادة في الدولة والمجتمع منذ 2003، من أكبر الملفات التي تحتاج الحماسة والشجاعة والجرأة والإرادة الصلبة للمعالجة والمتابعة بسبب تحوّلها إلى لازمةٍ متكرّرة في الحكومات المتعاقبة. ومع عدم نكران ما تحقق على عهد حكومة السيد الكاظمي لغاية الساعة من خطوات جادة بخصوص معالجة هذا الملفّ الشائك ولو بشيءٍ من الروية والتباطؤ والخشية والحذر، فإنه يُحسبُ له إنجازًا على طريق تنفيذ القانون والاستقرار الأمني بعد التجرّؤ الأخير على اجتياز بعض الخطوط الحمراء. ولكن تبقى ملفاتُ الكبائر والعظائم الأكثر جدليةً وحساسيةً مطوية ومركونة على الرفوف المحروم التقرّب منها، لكونها تمسّ زعامات أساسية ومن الدرجة الأولى في الصفوف الحاكمة لقيادة شبه الدولة. وربما سيبقى الغطاءُ مقفولاً ومشمَّعًا بالأحمر كي لا تفوح رائحتُه النتنة لسنوات وسنوات!
 هكذا لا أحد يجرؤ فتح ملفات الفساد الكبيرة التي ترعاها أحزابُ السلطة منذ 2003، مسندةً ومدعومة في معظمها بغطاءٍ دينيّ وبهالةٍ من القداسة في أغلب الأحيان كي لا يقتربَ منها أحد. فهل تتغيّر الحال بعد العاشر من تشرين أول القادم، في حالة إقامة موعد الانتخابات في موعدها المؤجَّل؟ أم ننتظرُ موعدًا جديدًا يتناغم مع رغبة أكثر النواب الذين يصرّون في الخفاء على بقاء تمثيلهم الفاشل لناخبيهم حتى إتمام فترتهم القانونية في موعدها في 2022؟ والعبرة دائمًا، بتعلّم الشعب من دروس الحياة ليدرك فداحة الكارثة التي أوقعته فيها الزعامات التقليدية التي حكمته وأذلّته وضحكت على عقول السذّج ممّن في صفوفه بسبب المتاجرة بحقوق المواطنين والرقص على دماء شهدائهم والانتقام من المطالبين بوطن مفقود ولقمة عيشٍ حلال ووظيفة في الأحلام. والأنكى من هذا والأكثر مرارةً من ذاك، احتفاظُ بعض الزعامات الحزبية والإسلامية منها على وجه الخصوص وأتباعُهم بمواقعهم وامتيازاتهم عبر المتاجرة بحقوق الشعب المواطنية بغطاء الدّين والمذهب واللعب على الوتر الطائفي.
ومادامت الكعكة طرية وسُكّرية وجميلة، فتذوُّقُها والقطعُ منها حلالٌ على زعامات الدولة ومَن يتحكم بها من أحزاب السلطة وأتباعهم، ولا تجوز لباقي شرائح الشعب المتخم بالمرارة وقساوة الحياة وشظف العيش، على قول قائل: "مَن لهُ يُعطى ويُزاد، ومَن ليس له، حتى ما هو لَه يُؤخذُ منه ويُعطى للذي له". حكمة زائفة في الحياة السياسية، ظاهرُها الدفاعُ عن حقوق الفقراء، وباطنُها نهبُ ثروات بلادهم وتدمير مستقبل أجيالهم بطرق شيطانية وبغطاءٍ ديني تارة، وقوميّ تارة أخرى، ومجتمعي متخلّف في طورٍ آخر. والغدُ لناظره قريب! فهل سنعيد ونكرّرُ ذات الترنيمة الانتخابية ونقتنع ونؤمنُ بذات اللازمة في التطرّق لآفة الفساد والتزوير؟

14
وجهة نظر في فلسفة وجود السماء
لويس إقليمس
بغداد، في 6 شباط 2020
تعلمنا منذ الصغر وجود سماء وجهنّم ومطهر وفردوس في انتظار مصير البشر بعد الموت. والموتُ لا يخطئُ أحدًا ولا يمازح احدًا ولا يجانب أحدًا. فهذه سنّة الحياة: ولادة وحياة وموت. ولكن ماذا بعد الموت؟ هل من حياة أخرى؟ وكيف ستكون؟ أو بالأحرى كيف سيكون شكلُها إنْ وُجدتْ؟ وما مصير الإنسان بعد سفرة الحياة القصيرة في مقياس الزمن الطويل، والتي قد تدوم ساعات أو أيامًا أو اشهرًا أو سنوات ما قدّر القدرُ مقدارها وسبيلها وتواصيفها، بحلوها ومرّها، بسعادتها وشقائها؟ وهل السماءُ مهمة إلى حدّ الحلم بمتاهاتها المجهولة وجنانها الخيالية ومَن عليها وبأشكالها المتباينة وفق ما يصوّرها البعض بحسب ثقافة وتربية كلّ إنسان، وبطريقة العيش في حدود أسيجتها، إذا كانت فيها سياجات تفصلها عن نيران جهنّم أو عن أبواب المطهر القريبة منها، بحسب ما بلغ أسماعَنا لحد الحشو في الصغر. من هنا يكون تساؤُلنا اليوم عن حقيقة هذه المفردات بعد أن تعلّمنا وخبرنا الحياة وكبرنا وسار بنا قطار العمر نحو محطته الأخيرة التي نجهل أوان بلوغها.
هذه نظرة عامة ورؤية بشرية ضعيفة ومحدودة للمراجعة في هذه السطور، علّها تختصر ردود أسئلة كثيرة، مثيرة في بعضها، ومتشنجة في بعضها الآخر، ومنغلقة جافة في غيرها، بسبب طبيعة الشكوك أو الوثوق في معانيها وفي حقيقة وجودها وبحسب استعداد ومحدودية فكر الكائن البشري الذي يبقى ضعيفًا وقاصرًا مهما سمتْ منزلتُه وارتفعَ شأنُه وفاقَ قدرُه في هذه الحياة الدنيا القصيرة على الفانية.
عمومًا، لقد أصبحت كلمات مثل الجنّة والنّار، السماء وجهنّم، الفردوس والأرض ضمن حقائق جوهرية يعوّل عليها البعض في قراءتهم لأصولها ومفاهيمها، تمامًا كما يصفها علم الأنثروبولوجيا الدينية المتعمّقة. وفي الحقيقة، نحن غافلون عن هذا العلم كثيرًا. لا بل إن الكثيرين من البشر ليس لهم وعيٌ كافٍ بما يمكن أن يقدمه هذا العلم من معارف وشواهد وحقائق عن طبيعة الخليقة وشواخص البشرية ومكنونات الكائن الحيّ من نبات وحيوان وبشر وكلّ دبيب على الأرض. ومن هنا، لا يمكن بل لا يجوز للمسيحية أو أيّ دين آخر أن يحتكر لنفسه التحدث باسم مصير البشرية ونوازعها وطموحاتها ومستقبلها من موقع الاحتكار والأهلية والأحقية. فالبشر وسائر خليقة "الكائن الأعظم" الذي نصفه بالخالق مهما كانت تسميتُه الإلهية، يقفون منذ بدء الخليقة تحت سقف سماء زرقاء يتطلعون إليها بعيونهم ويدوسون الأرض بأرجلهم ويعملون بأيديهم وعقولهم في فضائها وترابها الذي يعودون إليه من حيث جاؤوا بعد دورة الحياة. فالكلّ يتطلّع في لحظةٍ ما وزمنٍ ما ومكانٍ ما إلى السماء الزرقاء، صافية كانت أم متلبدة بالغيوم. ولنا في طيور السماء أصلح الأمثلة حينما تنحني برؤوسها لتشرب الماء لتعود ترفع عينيها إلى العلا وكأنها تشكر السماء التي تحتضنها ومَن خَلَقَها على نعمة تعدّها أكسيرًا ودواءً منعشًا.
هكذا الشمس والقمر، وسائر العناصر، جميعُها هي مثار الاندهاش والتأمل الخياليّ في ظهورها وخفوتها، في شروقها وغروبها، في انبلاجها واختفائها وفق موازين وتوقيتات سرمدية يصعب تفسيرُها وتأويلها والبحث في أسرارها وأغوارها. ومثلُها مازالت تُبهرُنا حقائق وغرائب ما يقع في مختلف بقاع العالم من تطورات طقسية عبر دورات غير ثابتة ومتحولة من عصر لآخر ومن منطقة لأخرى ومن قارة لغيرها ومن بلد لآخر. غيوم وأمطار، سيولٌ ورعود، شمسٌ وفيء، برد وثلج، مطرٌ وحالوبٌ، كلها ظواهر تتباين في شكلها وذروتها وحدوثها ضمن متلازمة غير متطابقة في شكلها ودورتها وزمانها ومكانها. ولا بأس أن نجد شمسًا تشرق هنا وقبالتَها مطرًا ورعودًا وفي غيرها ثلوجًا وعواصف وفي أخرى زلازل وهزّات، وما يمكن أن تأتي به كلّ هذه الثورات الطبيعية من فوائد ومكاسب أو منغصات ومشاكل لبعض الأقوام ولطبيعة أرضهم وبلدانهم خارج السياقات والطموحات والرغبات.
إنها الجغرافيا المتحركة التي لا تقبل التوازي والتساوي إلاّ لو حصل ذلك بأمر "خالق الأكوان" وربّان الأرض وحادي البشر. فهو وحده القادر أن يُعين البشر للقبول بوجود جغرافيا أخرى أسمى من تلك القائمة على الأرض التي تُسمّى بالفانية في مصطلحاتنا الحقيرة. وهذا ما تعتقد به المسيحية من أنّ ملكوت السماوات أي السماء يكمن في داخل قلب الإنسان الذي يُعدّ جغرافيا للسماء الحقيقية في حياة المسيحي، حيث "الملكوت السماوي الحقيقي يكمن في داخل الإنسان". هي إذن، جغرافيا مختلفة أو مقامٌ أمين متسامٍ لا يقبل الشك في راحته وعدم فنائه أو تعرّضه للهلاك والبور. جغرافيا من نوع آخر مختلف تمامًا ينشدها الإنسان ضمن سقف حياته الأرضية منذ بدء نسمة الحياة فيه حتى مغادرتها وفق السنّة الربّانية. إنها سماء أخرى دائمة غير مادية بحسب العرف الدينيّ المتوارث في ثقافات وحضارات منطقتنا الشرق أوسطية، بلد الأنبياء والرسل والأئمة والقديسين والصالحين. وهذا يدخل طبعًا، ضمن العرف الذي تقدمه الأنثروبولوجيا المسيحية في اختيارها وتخييرها، في تعريفها وترغيبها، في فهمها وتأويلها لماهيّة ومفاهيم السماء والأرض، الجنّة والنار، الملكوت السماوي والفردوس الأرضي.
في ضوء خضمّ هذه التساؤلات بما فيها من حقائق وتشكيكات، هل يمكن التأكد من وجود صاحب أو ربّ هذا المقام الأخير في مكان ما؟ أم سنقبل بما قاله رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين: "طرت إلى الفضاء، لكنني لم أرَ الله؟" حينئذٍ، سنقرأ السلام على صلاتنا الربانية في نكراننا وجود كائن في السماء له كلّ القدرة والسلطة على ما في الأرض وما عليها وما تحتها. فالسماء التي تنشدها الأديان السماوية المؤمنة بالله خالق البشر جميعًا، ليست ولا يمكن أن تكون مادية بحتة غنية بجنانها وحورياتها ومتعها المحسوسة، كما تصوره الديانة الإسلامية ونصوصُها المادية التي لا تتعدى كونها وعودًا للمتعة ما بعد الموت حتى لو كان الموت زؤامًا على حساب قيمة الإنسان وخارج السياقات الربانية. إنما السماء الآتية، إنْ هي إلاّ مقامٌ للراحة والخلود الحقيقيين، تبدأ من بدء حياة الإنسان على الأرض الفانية وتتواصل في تشكيلها وإعدادها طيلة ما بقي حيًا وعملَ وجاهد وكافح لمجد الله الجبّار ولنصرة مَن في الأرض ممّن ينتظرون يومهم مثله لتسفر وجوهُهم برؤية الخالق ونخبة الأخيار والأبرار والصدّيقين من الطيبين الذين أجادوا أفعال الرحمة والمحبة والتضحية والعون لخلائقه من دون تمييز ولا تخصيص.
رؤى ما وراء الموت
سؤال حرج وجدليّ يتبادر إلى الذهن، لكنّه مشروع: هل يمكن التوفيق بين الإيمان والعقل، بين الواقع والعلم في إدراك معنى السماء والجنّة التي ترادفها مع ما ينتظر الإنسان بعد الموت وبحسب ما تلقّنه الأديان وتعلّمه الكتب أو تنقله الأحاديث والتقاليد؟ ليست الإجابة سهلة، بقدر ما هي معقدة في الوصول إلى تفسير أقرب إلى فكر الإنسان وقلبه وعقله في ظلّ التراكمات التقليدية والأعراف الساذجة مقابل اتساع العلوم وتطوّر أدواتها وتقنياتها والفراغ المتاح المتبقي بين هذه وتلك. ينقل لنا الدكتور باتريك ثيلر Patrick Theillier وهو مدير سابق لمكتب التحقيقات الطبية في مدينة لورد الفرنسية شهادة أحد المدنفين من الموت. بحسب هذا الأخير، ونقرأُ في وصفه ما يمكن ان يقع فيه كلّ إنسان مشرف على الموت من ورود تصورات وتخيّلات عجيبة غريبة، قد لا يفهم هو أو مَن حوله معانيها وأسبابَها. فحين يقترب الإنسان من حافة الموت ويكون ما يزالُ في جزءٍ من وعيه، يجد نفسَه في نفق مظلم وأمام خيالٍ واسع من جمال المناظر والطبيعة التي تتراقص أمامه كالأشجار والورود والجبال والوديان والمياه الجارية في أنهار جميلة والطرقات والأضواء والمدينة الساحرة والوجوه الحسنة للصالحين من جميع الفئات ولاسيّما المحبّين والمقرّبين وكلّهم يرفلون بسلام هادئ. إنها مجرّد تصوّرات من خيال بشريّ ناجمة ربّما عن حالة من الهذيان مع اقتراب الحياة من حافة الموت. لكنّها قد تكون أيضًا، علامة شاخصة لما ينتظرُه الإنسان في الحياة الأخرى وما يسعى لبلوغه.
هذه الحالة وحالات أخرى وثّقتها سجلات صحية مستقلّة وكنسية عديدة تشير جميعُها إلى اللحظات الحرجة التي يتصوّرها المدنفون على الموت ومّن قُدِّرَ لهم أن يعيشوا حياة جديدة بعد وشوكهم للاقتراب من نفقه المظلم. قد لا يستغرب الكثيرون منّا مثل هذه الرؤى والحكايات في مثل هذه التجارب الاستثنائية المنقولة من سجلاّت هؤلاء الأشخاص، سيّما وأنّ شبيهاتها وخبراتها ترد في كتب مقدسة وقصص قديسين وناس صالحين وصوفيّة من جميع الأديان والثقافات. وهي علامات ربما ليس من السهل القبول بها في عصرنا، بالرغم من عدم استحالتها. فالمريض عادة ولاسيّما مَن اشتدّ به المرض واقترب من حدود الموت يمكن أن يتخيّل الكثير من الصور والمناظر التي تتراقص أمامه كالأخيلة دون أن يعي ما تعنيه هذه، وكأنه يقترب من عالم آخر مختلف عن عالمه الدنيوي. ولكنها حالة واقعة أشبه بالظاهرة أثبتتها تحقيقات الأطباء بشهادات القائمين عليها ومن أصحاب التجربة أنفسهم. فهل يمكن الاستنتاج أنّ ما بعد هذه الحياة حياةً أخرى في ضوء هذه الظواهر والتجارب؟
في ضوء هذه المعطيات المتغيّرة والجدلية نفهم إذن، وجود حياة أخرى ما بعد الموت، شئنا أم أبينا. وهذا ما تعلّمُنا إياه الأديان ووفق ما نتلقاه منذ صغرنا عبر معرفة ومعلومة وتلقين في أبجديات الأديان التي تحاصر فكر الإنسان وعقله وتصدع رأسَه. ولكن كيف هو شكلُها بعد حياة الشقاء القصيرة قياسًا بالحياة الأخرى ما وراء الإقامة المؤقتة على الأرض؟ يقول الواعظ الفرنسي الكبير بوسيويه :"ما قيمة المائة سنة أو الألف منها بما أنّ لحظة واحدة تمحوها بلمح البصر؟".
في هذا المجال، نقرأ أيضًا اختلافات في مديات هذه التصورات وطبيعتها. لكنها جميعًا، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة اليقين  convictionوالقناعة مقارنة مع رأي العلم الذي لا يقبل  بغير الحقائق البيولوجية سندًا في مثل هذه الشهادات والخبرات الخارجة عن الطبيعة أحيانًا من أجل تثبيتها واعتمادها وثائق غير قابلة التشكيك والنقض. وحيث أن الحياة التي لا تُرى في مثل هذه التجارب تبدو غاية في الجمال والواقعية لأصحاب التجربة الذين تتراقص مثل هذه المناظر الماورائية في مخيلتهم في لحظات تجارب سكرات الموت، يقف العلم حائرًا أيضًا في كيفية فهم طبيعة عمل دماغ الإنسان الغائب عن الوعي في مثل هذه اللحظات الحرجة. فهل هذا يعني أن وعي الإنسان في هذه المرحلة الحرجة بين الحياة والموت يعمل من دون دماغه الذي يغيب عنه في اللحظات التي تُعرف بالوفاة السريرية علميًا؟ هذا ما ينبغي أن يثبته علم الطب في حالة تجربة الاقتراب من الموت التي تنتظر الكائن البشري، سواءً بوعيٍ منه أم بغير إدراكه. ولكنه من المؤكد، أن روح الإنسان تنفصل عن جسده حين الموت، وبحسب قناعات وتعاليم أديان معينة، هذه الروح التي تصعد إلى السماء أو أيّ مكان سواه، تعود لتعانق الجسد البالي بعد القيامة. فالصالح في أفعاله مصيرُه الجنّة استعدادً لرؤية الديّان العادل، ولكنْ بصورة جسدٍ روحيّ ونفس صالحة. أمّا الطالحُ فبئس المصير وإلى جهنّم حيث الهلاك في النار وصرير الأسنان. وهناك مَن يعتقد بوجود محطة وسطية بين الجنّة وجهنّم سُميت ب"المطهر"، حيث يُنتظر من المُدان المطلوب قضاءَ فترة الإصلاح والندم على بقايا آثار الخلل في بعض مواقع حياته.
ويبقى للإنسان أن يسمح لنفسه بالقبول بهذه الرؤية وهذا الاستعراض في ضوء ما اختزنه من إيمان أو يقين بشكل هذا الإيمان، أو الالتفاف عليه ونبذه وعدّه مجرّد خرافات فيما لو اعتقد جازمًا بعدم وجود حياة أخرى ما بعد الموت. ولا شيء من يقين جازم يمكن القبول به. فالأمر متروك لكلّ إنسان يلاقي مصيرَه في الموت بحسب يقينه وإيمانه أو جحوده ونكرانه.



15
حرائق العراق متواصلة، مَن يُطفئ أسبابَها
لويس إقليمس
بغداد، في 10 أيار 2021
تسارعت دول وحكومات ومنظمات لإعلان تعاطفها مع ذوي الهالكين والمصابين بكارثة مستشفى ابن الخطيب التي حصدت أرواح أكثر من ثمانين ضحية لجأوا إلى هذا المستشفى الحكومي للتشافي من الإصابة بفيروس كورونا لثقتهم بالنظام الصحي الوطني العراقي بالرغم من تهالكه الواضح. وبالتأكيد، لو تسنى لهؤلاء المرضى اللجوء لخيارات أفضل، لما ترددوا حينها. وجاء الردّ سريعًا من دولة رئيس مجلس الوزراء بسحب اليد من مسؤولين كبار في مؤسسات الدولة المعنية، بدءًا بوزير الصحة ومحافظ بغداد وإدارة المستشفى المنكوب بعد تصاعد مشاعر الغضب والاستياء الشعبي والمنظماتي في انتقادها لأشكال الإهمال والتقصير والاستخفاف بصحة المواطنين ودمائهم. كما لم تبخل تغريدات وتعليقات وكتابات وتحليلات بالمساهمة في التنبيه للحالة المزرية وأشكال الإهمال والتخلّف والضعف والهزالة التي تتصف بها مؤسسات أكبر وزارة خدمية ما تزال خاضعة لبازار المتاجرة والبيع في سوق السياسة التي تضطلع بها أحزاب السلطة، بل وتتكالبُ للحصول عليها بسبب ما تقدمه من عسل غنيّ يسيل له لعابُ أحزاب السلطة منذ 2003 ولغاية الساعة. ومن حق المغرّدين أن يستنكروا “صمت” بعض السياسيين والزعماء الدينيين في العراق عما حصل، “بعكس تفاعلهم الواسع مع الأحداث السياسية” وكلّ ما يخصّ مكاسبهم ومنافعهم ومصالحهم، ومنها استعدادهم غير المسبوق لجولة الانتخابات القادمة في 10 تشرين أول القادم، والتي يخشون فيها فقدانهم جزءًا كبيرًا من قاعدتهم الشعبية التي أيقنت في النهاية مدى مكرهم ودجلهم وضحكهم على عقول الناس والناخبين منذ 2003 مدعومين بغطاءٍ دينيّ وطائفيّ أصبح في عداد الاستهلاك السياسي الذي لم يعد ينفع.
ما يجري في العراق من حرائق وفواجع وكوارث صار من الأمور الاعتيادية لدى شعبٍ بائس أوكلَ همومَه ومصيرَه وحياتَه قسرًا بأيدي ساسة الصدفة الذين اعتادوا خديعتَه وغشَه وتخييب أمله بهواجس ومزاعم عديدة منها الدينيّة والأخروية والإماميّة والولائية والعشائرية والقبلية التي تصبّ جميعًا في مصلحة زعامات السلطة ولاسيّما الدينية والإسلاموية منها أكثر من غيرها. وقد أبدعت هذه الأخيرة وأدواتُها وأذرُعُها التي تكاثرت كالأميبا، في إدارتها للعملية السياسية بأدواتها القسرية مستخدمة المال السياسي والنفوذ والسلطة والسلاح في إقناع الأتباع بضرورة الاستمرار في الإذعان لأولي الأمر بحسب توجيهات زعامات دينية لا تدخّر جهدًا أو مناسبة إلاّ وأعادت التذكير بضرورة تواصل مثل هذا الولاء الأعمى خشية من فقدان السلطة وذهابها لجهات وطنية أخرى يكونُ ولاؤُها للعراق، وحينئذٍ سوف تخسر المكتسبات والامتيازات التي تجيّرُها لصالح جهة الولاء إليها.
لذا ومن منظار الاحتفاظ بالمناصب والمكاسب في دوائر ومؤسسات الدولة، وضمن نظرية التمسك بأهداب السلطة حفاظًا على الامتيازات العديدة، وما أكثرها، تدخل هذه الكوارث بأشكالها وأنواعها ضمن مفردات الحياة اليومية المعتادة. وحيثُ إنه من الطبيعي أن تتصدّر الفاجعة صفحات الصحف وأن تتناقلُها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المحلية منها والعالمية في لقاءات وتحليلات بالصورة والصوت، إلاّ أنّ ما يُخشى منه، أن تلقى ذات النصيب السالب في ملفات قمامة النسيان والتي يُبدعُ ساسة البلاد وزعاماتُ السلطة ومتولّو هذه الوزارة "المملوكة" لجهة سياسية أو حزبية أو زعامة دينية أو حشدية بدرجها في الآخر على الرفوف مثل سابقاتها من أمثال فاجعة جسر الأئمة وسبايكر ومستشفى اليرموك وحوادث الشورجة والكرادة والحبيبية ومثيلاتها في محافظات العراق من دون تحديد. لذا، لا ضمان بعدم تكرار ذات المصيبة أو شبيهاتها في أية مؤسسة أو دائرة أو سوق أو مبنى أو مشفى آخر وبأشباه النتائج التحقيقية التي يُسدل عليها الستار كالعادة وتُطوَّق ضدّ مجهول أو بسبب تماس كهربائيّ لخاطر عيون الجهة الحزبية أو الزعامة السلطوية التي تتحكم بهذه الجهة، ليبقى الدم العراقي وحياة المواطن أرخصَ ما موجود في سوق البازار الرائج. وفي النهاية سيسكت أهلُ الضحايا بتخديرِهم بحفنة من ملايين الدنانير التي ستغدقُ عليهم من جهات حكومية ودينية ومنظماتية لتكون الفدية والديّة في احتساب شراء الدم العراقي بأبخس الأثمان بحجة الشهادة أو القتل غير العمد. ثم يأتي الدور التكميلي للمرشحين المنافقين، ونحن على أبواب انتخابات مستحقة، كي يكملوا دورة التخدير بهدايا وعطايا ووعودٍ إضافية تكميلًا لدور مؤسسات الدولة في طمس معالم الحوادث المؤسفة المتتالية. 
مهما كانت الأسباب وأيًا كانت نتائج التحقيقات التي ستخرج بها اللجنة التحقيقية المشكّلة من كبار المسؤولين في الدولة، فإنها لا تعفي الجهة السياسية التي تدير شؤون هذه الوزارة بمثابة "دكان" يدرّ عليها موارد وعائدات لإدارة شؤونها الحزبية والسياسية والفئوية الخاصة بها، حالُها حال باقي وزارات الدولة العراقية المتهالكة ومؤسساتها التي تُباعُ وتُشترى في بازار السوق الكبير قبيل الانتخابات وإبّان تشكيل أية حكومة. وهذا منوالُنا منذ السقوط الدراماتيكي للدولة العراقية المؤسساتية في 2203 ولغاية اليوم. لقد ساد الإهمال والهزالة إدارةَ عموم مؤسسات الدولة العراقية، وأضحى همُّ الجهات السياسية التي تتحكم بالوزارات التي تحصل عليها بموجب اتفاقات وتوافقات متبادلة المصالح بين الجهات السياسية يتلخصُ ببسط السطوة الكاملة على مقدّرات وموارد الوزارة أو المؤسسة أو الدائرة نزولاً إلى الأقسام والشعب ووصولاً إلى درجة المنظف (الفرّاش) والحارس. وهذه من الكوارث التي حلّت بالبلاد عندما أصبحت مؤسسات الدولة رهينة بأيدي هذه الجهات السياسية التي تدّعي الحكم باسم الاستحقاق الانتخابي وبغطاء الدين والمذهب والطائفة والقومية، فغابت عنه الاحترافية وغادرت الضمائر مواقعها في رؤوس أهل البلاد وأصبح الإخلاص والغيرةُ والإبداعُ في العمل في خبر كان. وهذا ما يُنذر من دون أدنى شكّ بتكرار مصائب قادمة في ظلّ غياب التخطيط الصحيح وضوابط العمل المهنيّ وفشل الإدارات غير الجديرة وفقدان الكوادر الكفؤة التي جرى طردُها وتحييدُها واستبعادُها لتحلّ محلّها عناصر جاهلة ومتخلفة لا تحمل القدر اليسير من الكفاءة والجدارة والاستحقاق في العمل والإدارة على السواء بحجة انتمائها لأحزاب السلطة وأركان الحشد المتنمّر من الولائيين غير العابئين بمصلحة الوطن وأهله الحقيقيين.
 من هنا، نعتقد ببقاء مؤسسات البلاد ودوائرها وأسواقها ومعظم أبنيتها بمثابة قنابل موقوتة قابلة الانفجار في أية لحظة لأسباب عديدة، منها الافتقار للآليات الصحيحة في الإعمار ووسائل البناء والضوابط التي تحكم أنظمة العمل والتشغيل وغياب الصيانة وتأمين حالات الطوارئ وما سواها من مستلزمات ضرورية للأمان. وهذا ممّا يستدعي تواصل الضغوط الشعبية على الجهات التنفيذية في مؤسسات الدولة، لاسيّما الخدمية منها كي تبقى بعيدة عن التنافس التحاصصي للأحزاب الفاسدة الحاكمة بعمومها من أجل ضمان ما يمكِّن من إبعاد هذه المؤسسات الخدمية عن مكامن الخطر ما أمكنَ ذلك.
ثقافة الاستقالة والاعتذار
في الدول المتحضّرة، ليس هناك ما يُشاع عندنا من حقّ شرعيّ بتولّي هذا المنصب أو ذاك وفق نتائج انتخابات مزوّرة في أعلى مسمياتها ومشكوك فيها من قبل أهل الدار قبل الغريب. فالمنصب يبقى تكليفًا وليس تشريفًا ويستحقه مَن لديه مواصفات القيادة الحكيمة والإدارة الرشيدة والكفاءة العلمية والعملية، مضافًا لها الخبرة المطلوبة في ميادين العمل ونضارة الضمير الحيّ في خدمة الوطن والشعب على السواء والالتزام الشريف بالعمل والمسؤولية الموكلة إليه بجدارة وأريحية ومهنية عالية. وكلُّ مَن يشعر بعدم قدرته على تلبية متطلبات المهنية والشفافية والجدارة يتوجب عليه الانسحاب من المسؤولية المكلَّف بها من دون تأخير ولا تردّد. ولنا في الواقع الحياتي العربي السابق والراهن نماذج ممّن تسنّموا مسؤوليات عليا ووزارات ومؤسسات ولم يستطيعوا تحقيق الالتزام المطلوب في العمل والإدارة، فانسحبوا من الحياة السياسية والعملية مرفوعي الرأس وبشرف. فقد سبق لوزيرة الصحة الكويتية قبل سنوات أن اعتذرت عن الاستمرار في موقع المسؤولية الأعلى على رأس الوزارة لفشلها في إدارة وزارتها وتردّي أوضاعها بسبب حريق ناجم عن الإهمال في أحد المشافي الوطنية. كما أحسن الوزير الأسبق للصحة بالعراق علاء العلوان بتقديم استقالته حينما تراءى له عدم المقدرة على محاربة مافيات الفساد المعشعشة في وزارته وشعوره باستحالة إجراء التغييرات والإصلاحات طالما بقيت الوزارة أسيرة نفوذ كتلة سياسية أو زعامة حزبية تتحكم في مواردها وعقودها وتعييناتها. وفي ذات السياق، نقف عند أقرب حادثة من هذا النوع، عندما تعرّض الأردن حديثًا في أحد مستشفياته لحادثة إهمال نادرة مشابهة قبل أسابيع حين اعتذر وزير الصحة وقدّم استقالته بسبب خطأ لم يرتكبه وراح ضحيته عدد من مرضى كورونا. ومثلهما العديد من الوزراء والمسؤولين في دول العالم من الذين شعروا بعدم القدرة على إدارة مواقع المسؤولية التي تسنّموها. 
هذه هي ثقافة تولّي المسؤوليات في البلدان المتحضّرة، إلاّ في العراق حيث يبقى المكلَّف لصيقًا بالكرسي ولا يروم المغادرة لو تسنى له ذلك. أمّا الاعتذار، فلا وجود لمثل هذه الثقافة العالية في سجلات المسؤولين والساسة في العراق. ومّن حاول منهم في فترة عصيبة وحرجة قبل سنوات، فقد كانت بداعي "التقية" حين الشعور بخوار القوى والخشية من فقدان القواعد الجماهيرية للأتباع والشعور بقرب سحب البساط من تحت سلطتهم والخوف من تعرّضهم لاحقًا لعواقب وخيمة يستحقونها بلا رحمة ولا شفقة بسبب الأذى الذي ألحقوه بعامة الشعب نتيجة لفسادهم وطغيانهم واستغلالهم للنفوذ لتحقيق مآربهم ومآرب الجهات والدول التي تقف خلفهم. 
لذا، وانطلاقًا من فرضية كون هذه الوزارة أو تلك المؤسسة من ممتلكات الجهة السياسية الفلانية التي حازت عليها بالتوافق مع بقية الكتل الفائزة في انتخابات شبه مزورة كاملةً، يكون من المستحيل على الوزير أو المسؤول في دائرة ما المبادرة بتقديم استقالته في مثل هذه الحالات. فهذه الوزارة أو تلك المؤسسة تُعدّ من الممتلكات الخاصة بل من المغانم التي تدرّ عليه وعلى الجهة التي أتت به ودعمته الأموالَ الطائلة طيلة فترة توليه المسؤولية للدورة البرلمانية أو في صفوف الحكومة المشكَّلة وفق نظام التحاصص سيّء الصيت. لذا فالدعوات التي تصدر من هنا وهناك أو عبر تغريدات غاضبة بهذا الخصوص لن تكون ذات قيمة إلاّ في حالة اتسام رأس الجهة التنفيذية في الحكومة العراقية بشجاعة الأسد الوثّاب ورصانة الحكيم الحازم في تقدير الموقف الصائب وإعطاء الحادثة المؤلمة الأخيرة وما سواها ما تستحقه من إجراء رادع بحق المقصّرين والمهملين والمستخفين بحقوق المواطن الذي لا حول له ولا قوة سوى الاستعانة برب السماء للتخفيف عن مصائبه، وما أكثرها وأقساها في بلادٍ ضاعت فيها المقاييس واختفت المعايير وتلاشت الغيرة والضمائر لتصبّ في جيوب الفاسدين. فالتيار الصدري مازال ممسكًا بكل قواه ويعاند لإبقاء هذه الوزارة الخدمية المهمة في حياة المواطن منذ 2005 لما فيها من مكاسب ومنافع وأموال تدرّ على التيار وأتباعه من دون رقيب ولا حسيب. وكان الأجدر برئيس مجلس الوزراء اتخاذ قرار جريء بسحب اليد من جميع وكلاء الوزارة والمدراء العامين المعشعشين فيها منذ سنوات لتلبية مصالح هذا التيار الذي أثبت فشله في أية وزارة خدمية تولاها بسبب سوء الإدارة والفساد. فهؤلاء بالتأكيد هم الذين يؤمّنون حصة التيار الصدري من ميزانية الوززارة التي تتطيار مع الهواء. وهذا ما يتطلب إبعاد الوزارات الخدمية عن أسلوب المحاصصة وتقاسم الثروات بهذه الطرق البشعة واللاأخلاقية.
وفي الأخير، فإنّ المسؤولية في هذه الفاجعة الكبرى لا تقع على عاتق رأس الوزارة فحسب، بل يتشارك معه مساعدوه والمسؤولون التنفيذيون والجهات الرقابية والتفتيشية في هذه الوزارة المؤتَمنة على صحة المواطن وعلاجه. وفي ضوء العواقب الوخيمة التي تسبب بها الحادث المأساوي، لا بدّ من عقوبات صارمة وقصاص ضدّ مَن يظهر التقصير والإهمالُ في مسؤولياته.  وهذا أبسط ما يترتب على رأس السلطة التنفيذية القيام به كي يحدّ من نوازع الإهمال والفساد المستشري، ليس في هذه المؤسسة الخدمية لوحدها، بل هذه حال جميع الوزارات ومؤسسات الدولة المتعثرة لغاية الساعة بسبب تنامي مصالح الأذرع الطائفية والإثنية والفئوية والعشائرية في مرابع الدولة المثقلة بهمومِ حُكمِ ساسة الصدفة ومَن ليس ولاؤُهم قطّ للوطن بل لجهات دخيلة وغريبة. والعبرة هنا في تعلّم الدروس وأخذ الحيطة والحذر في إجراءات السلامة والحرص على صيانة ممتلكات الدولة وتعزيز بنيتها التحتية والقيام بتحسين الخدمات كي تساعد هذه جميعًا في امتصاص نقمة المواطن المقهور أصلاً. كما أن الوقت ليس للشماتة والانتقام والمزايدات السياسية بهدف الدعاية الانتخابية، بل في البحث عن الأسباب التي ساهمت وتسهم في تفاقم الكوارث والحوادث والحرائق المتواصلة التي ليس لها نهاية، كما نسمع ونشهد في كلّ يوم جديد.
تمنياتنا لوزارة الصحة بالشفاء العاجل من أمراضها في الإهمال والترهل وسوء الإدارة وأشكال الفساد في دوائرها ومكاتبها. عسى أن تعود لها نضارةُ صفحاتِها المشرقة التي اتسمت بها أيام الزمان الجميل عندما كانت قبلةً للعلاج ورائدة في الشفاء يقصدها الأشقاء من جميع أقطار الوطن العربي ويصبو لها الأغراب من دول ومنظمات لاحتضان علمائها وأطبائها من الذين زيّنوا ومازالوا يزيّنون مشافي ومؤسسات علمية وطبية عالمية رصينة تفخرُ بشخصياتهم ومسؤولياتهم وقدراتهم الرائدة. حينها فقط، سيكون لعلوم الطبّ وأطباء العراق وعلمائه تقديرٌ يليقُ بهم في بلادهم وشأنٌ عالميٌ يٌحتذى به، عندما يعي كلٌّ مسؤولياتِه، وحينما يحترم السياسيُّ والمسؤول في الدولة رجلَ العلم، وعندما تضعُه الدولة في موقعه المناسب، وليس بمحاربته ومطاردته لكونه يشكلُ عبئًا على المسؤول الجاهل ومدّعي الدين المتخلّف خوفًا من مزاحمته إياهم على الموقع والمنصب الذي يستحقه العالِم الواعي وليس المدّعي الجاهل. هذه هي الحقيقة بين العالِم والجاهل. صراعٌ مريرٌ متصلٌ ومتواصلٌ، غيرُ جديرٍ بالتنافس ولا يقبلُ المقاربة والتشابه مهما علا قدمُ المسؤول في الدولة والسلطة وزاد ثراؤُه وعظمَ فسادُه وكبرَ دجلُه.

16
الجوائح في العالم، وقائع من التاريخ
لويس إقليمس
بغداد، في 7 نيسان 2021
عرف تاريخ البشرية أصنافًا شتى من الجوائح أو ما يمكن تسميتها بالأوبئة الفتاكة القاتلة التي صعبَ السيطرة عليها أو علاجها بشريًا وبما يخفّف من الخسائر العامة والخاصة التي أحدثتها هذه في صفوف الجنس البشري وعلى دبيب الأرض بأشكالها على السواء. فقد شهدت البشرية في الحقب التاريخية الماضية أوبئة قاتلة مثل الجدري والسلّ والطاعون والحصبة والجرب واشكال الحميات وأنواع الإنفلونزا، وحديثًا كارثة السيدا أو ما سُمّي بالإيدز (نقص المناعة المكتسبة)، وآخرُها فيروس جائحة كورونا الذي أقلق العالم وهزّ العروش وحجز شعوبًا وأممًا في منازلها وضمنَ أسيجة بلدانها وأدّى تفشيه المذهل إلى إغلاق الحدود ومنع التنقّل واتخاذ إجراءات قاسية للحدّ من انتشاره بعد أن حيّر العلماء والبشر العاديين في كيفية وروده والشكوك بصناعته بشريًا والخشية من وجود مؤامرة دولية تقوم بها جهات مستفيدة من ظهورِه ومن آثاره السلبية القاتلة على حاضر البشرية ومستقبل الأجيال التي لم تولد بعد. وهذا بحسب مراقبين ومحللين ومتابعين لأشكال الأزمات التي خلقتها هذه الجائحة المستجدّة والمتحوّرة بشكل غريب، سائرٌ ربّما ضمن التصوّرات الجديدة للخارطة المرتقبة للأرض على يد "الأسياد"، رعاة المال والاقتصاد بالاتفاق مع المقاولين في مجال الصحة والمال والسياسة.
عمليًا، لا يمكن نكران مساهمة وسائل التنقل السريع بسرعة انتشار الأوبئة مؤخرًا بالرغم من الوعي الصحي والتقدم التقني والطبي لدى عموم شعوب الأرض، تمامًا كما ساهمت الوسائل المتخلفة في أزمنة سابقة في انتشار هذه الأوبئة نتيجة لعدم توافر الوسائل المتقدمة التي من شأنها التخفيف من حدّة هذه الأمراض القاتلة وكذلك بسبب النقص الحاد آنذاك في العنصر البشري الذي يفترض قيامُه بما يترتب عليه من تهيئة المستلزمات المادية التي من شأنها المساهمة في الرصد والحدّ من الانتشار وفي استخدام العلاجات المتوفرة من صنع البشر. من هنا قد تكون المقاربة في مقارنة تأثيرات وخسائر جائحة كورونا مع ما شكّله وباء الطاعون الأسود مثلاً، والذي ضربَ مناطقَ عديدة من العالم في أزمنة مختلفة من التاريخ. ولعلَّ أشدَّها وأكثرَها عنفًا وألمًا وخسارة حينما اجتاحَ هذا الوباء العالم الأوربي في القرن الرابع عشر وبالذات في السنوات من 1346-1352م. ففي هذه الحقبة نجد الآثار الكارثية التي أوقعها الطاعون بحصاد أكثر من ثلث سكان هذه القارة بحسب "جوليان لوازو" أستاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة مرسيليا في فرنسا الذي يشيرُ إلى تقاربٍ وصفي في الكارثتين في مقابلة له مع مجلة "باري ماتش" الفرنسية. وفي وصفه لطريقة انتشار الوباء حينذاك، يشيرُ هذا العالم إلى نوعٍ من بكتيريا تنقلها بعض القوارض القذرة التي صعبَ مقاومتها والقضاء عليها ومعالجتُها حينذاك بسبب ضعف الإمكانيات المتاحة بشريًا وعدم استيعاب هول الكارثة التي شاع تسميتُها بالموت الأسود بسبب الرعب والدمار الذي أحدثه في المنازل والكنائس والشوارع. ووفقًا لرؤيته، وبسبب ذلك الوباء، فقد توقفت الحياة في بعض المدن المصابة والتزم العامة والخاصة منازلهم في انتظار الموت الزؤام على الأسرّة ووراء الأبواب المغلقة أو بملاقاة المصير الأسود على الطرقات وفي الشوارع والأماكن العامة، بحيث صعب التقاط الجثث ونقلها إلى المقابر لكثرة عددها والخوف من العدوى الحتمية. وجدير الإشارة إليه بحسب بعض الروايات في تلك الحقبة المظلمة، ارتفاع أسعار الشموع بسبب كثرة استخدامها في نقل جثث الموتى والهالكين بسبب الوباء إلى المقابر.
من المعلوم ايضًا، أنّ أقرب الوسائل لنقل عدوى تلك الأوبئة في حينها، كان بسبب التجارة عبر البحار التي كانت رائجة بين دول العالم على بطئها وخفتها حيث كانت تستغرق أسابيع وأشهرًا، وليس كما نشهده اليوم من سرعة انتشارها كالبرق بسبب تقدم وسائط النقل والتكنلوجيا وسرعة الحركة البشرية والسفر الرائج دون الاكتراث أحيانًا للنتائج المترقبة. هناك مَن يعتقد من أطباء العرب في القرن الرابع عشر بأنّ وباء الطاعون الأسود الذي وصل أوربا في حينها، قد أُتيح له الانتشار انطلاقًا من الصين أيضًا، تمامًا كما يسود الاعتقاد الراهن بكون هذا البلد مترامي الأطراف هو السبب في نقل فيروس جائحة كورونا في العام 2019.
عصيات الطاعون
بحسب دراسة علمية رصينة في علم الأنساب الخاصة بعصيات الطاعون، توصل المعنيون بكون هذه العصيّات هي السبب في انتشار وباء الطاعون في العالم، وذلك انطلاقًا من منطقة التبت حصرًا حيث موطن هذه العصيّات المستوطنة في مجموعة من القوارض البرّية وذلك ربما بسبب بعض الخصوصيات البشرية وطبيعة الحياة التي تتميز بها هذه البقعة من العالم. ويرى بعض هؤلاء أن الغزوات المغولية التي اجتاحت مناطق متعددة من العالم، ومنها أوربا ودول الشرق يمكن عدُّها من وسائل نقل أدوات الطاعون إلى هذه الشعوب، بالرغم من عدم الإقرار ضمنًا بكونها السبب الأساس الوحيد لنقل عدوى هذه الجائحة كي لا تُظلمَ جزافًا.
بذات الطريقة والوسيلة نخلص لافتراض نقل أدوات جائحة كورونا إلى العالم الراهن بسبب القدرة الاقتصادية المتميزة لهذه البلاد الشاسعة في الوصول إلى أقصى أراضي الكرة الأرضية وغزوها بطريقتها الخاصة بها. فنحن ندرك وسائل الاتصال المتاحة آنذاك في الربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود لأغراض التجارة، كونها من الوسائل الرئيسية في التنقل والتجارة. وهذا ما يفسّرُ وصول الطاعون إلى أوربا، ومنها فرنسا بالذات وعلى وجه التحديد بسبب التجارة الدولية التي كان يمارسها التجار بين البلدان، ولاسيّما في موانئ المدن الرئيسية مثل الإسكندرية في مصر ومرسيليا ونورماندي في فرنسا وصقلية في إيطاليا ولندن في بريطانيا وغيرها. وهذه المدن كانت رائجة تجاريًا، ما يمكن القول إن الحركة فيها قد يسّرت الطريق لانتقال العدوى أكثر من غيرها وإحصاء زيادة في عدد الوفيات الدراماتيكية المقلقة. وغالبًا ما، كانت الدوائر الكنسية وصفوف المؤمنين المقرّبين منها من المتطوعين هي الجهة التي تتبنى تقديم المساعدات الغذائية والعلاجية المتوفرة على شحتها وكذلك في عمليات دفن الضحايا الكثيرين بالرغم من المخاطر التي يمكن أن تشكلها وسائل الاتصال الجسدي والمادي المباشرة مع جثث الهالكين أو عائداتهم ومقتنياتهم والتلوث في الأجواء.
ظلمُ الزمان وقهرُه
لسنا هنا بصدد توجيه اللائمة على بلدان أو جهات أو أفرادٍ لاتخاذهم كبش فداء لما عانت منه البشرية في أزمنة سابقة ولا في أيامنا هذه عندما تمّ توجيه اللوم على بلد معين وشعبٍ معيّن متهمٍ بتناول حيواناتٍ ودبيبٍ غير مستساغٍ ترفضه شعوبٌ أخرى على وجه الأرض. فكما حصل في الماضي السحيق، حين اتُهم اليهود بنقل أمراض مثل البرص والجذام والتي عُدّت عارًا على بشرٍ ابتلتهم السماء كي "تظهرَ إرادة رب السماء وقدرتُه على البشر غير الأسوياء" بحسب نظرة بشرية ضيقة من فئاتٍ ترفعت عن طبقات ٍ مسحوقة من البشر والفقراء والمعدَمين، يمكن تسجيل ما يحصل حوالينا في أيامنا هذه من شبيه الاتهامات التي ساقها البعض ضدّ شعوبٍ في القارة الصينية. فهذه في ظاهرها وباطنها لا تخرج عن فحوى هذه النظرة الضيقة غير السوية وغير العادلة تجاه هذه الشعوب المتحركة في نشاطها المتنوع والتي تحب الحياة على طريقتها وتجيد استنباط الجديد والمتطور لتنميتها واستمرار عيشها وفق منظارها القارّي المتميّز. ولكن المهمّ في هذه الويلات التي تأتي من جرّاء الجوائح والأوبئة والأمراض تكمن في قدرة الإنسان على استغلالها واتخاذها عبرًا ودروسًا لتغيير العقليات والكفّ عن الحكم المسبق غير المنطقي على أشكال البشر وتصانيفهم وسلوكياتهم بالرغم من أن الحكم المطلق أولُه وآخرُه من اللهّ خالق الكون وليس من لدن البشر الذي يبقى ضعيفًا في قدراته الحقيرة التي لا يمكن أن ترقى إلى قدرات الخالق الجبارة. فظلمُ الزمن وقهرُه لا يميّز أحيانًا أحدًا. وهذا ما يفسّرُ أن الموت حقٌّ على الجميع وليس بمقدور كائنٍ مَن كان أن يقف بوجهه حينما تأتي الساعة ويخطف الموت بني البشر كاللصّ في الليل الذي لا يُعرف أوانُ قدومه ووقتُ هجومه على البيت من أجل سرقته. فتلك الساعة وذلك الوقت لا يعلمُه إلاّ ربُّ العالمين ولا أحد سواه. كما أنّ الموت في سلوكه العبثي أحيانًا لا يميّزُ بين الملك المتعالي والإنسان البسيط، بين الرئيس والمرؤوس، بين الفقير والغني، بين الزعيم الديني والمؤمن البسيط، بين الرجل والمرأة، بين الكبير والصغير. فالكلّ سواسية أمام القضاء الإلهي.
إنّ ما نشهدُه اليوم في سلوكيات البعض من البشر إزاء جائحة العصر كورونا، قد لا تختلف عمّا شهده العالم إبّان وباء الطاعون الأسود. فحينذاك، تذكرُ بعض كتب التاريخ لجوء ذواتٍ من الطبقة الارستقراطية للهجرة خارج مناطق سكنها هربًا من أشباح الموت الزؤام الذي حاصر مدنًا كبيرة بأسرها. وتتكرّرُ شبيه تلك الحكاية اليوم بمغادرة بشرٍ لمناطق عيشهم وسكنهم قصدًا للتحصّن من وبال الجائحة. وتلكم مفارقة لا تدخل في حسابات القدر الذي لا يعرف التمييز بين زيد وعبيد، بين قويّ وضعيف، بين سيد القوم وحقيره، وفي اية بقعة من أرض الرحمن الواسعة. فالكلّ يبقى عرضةً للإصابة بالمرض والكلُّ سيتأثر من قريبٍ أو بعيدٍ. فلا شروط للهرب منه مهما كان موقع الإنسان ومنصبُه وتأثيرُه وشخصُه، حتى المتلقون للقاحات المتعددة التي أخرجتها مصانع إنتاجية بقصد التجارة وممارسة مهنة الشفاء سواءً بسواء، خابت ظنونُهم ولم تتوفر لهم فرصة ضمان التحصّن من القادم المجهول. فما تزال اللقاحات المطروحة تثير شيئًا من الغموض في فعاليتها ونجوعها ومدى مواجهتها لقدرات الفيروس على التحوّل والتلوّن والتطوّر في أساليب مهاجمتها الشرسة للبشر.
لقاحات آمنة
إنّ الأمل يحدو بالبشرية والاختصاصيين بالأمراض الانتقالية والعاملين في المَخابر أن يصيرَ التوصل العلميّ العام إلى لقاحات آمنة وأكثر فعالية تسهم في منع الإصابة قدر المستطاع من أجل إبعاد الجنس البشري عن المخاطر التي تحوم حوله، ولكنْ بأقلّ الخسائر وبتصفير التأثيرات الجانبية المشكوك فيها والتي ماتزال تثير تساؤلات عديدة مشروعة، ما حدا بالبعض للتقاعس والتصدّي لأخذها، خشيةً من الوقوع في شراك تأثيراتها المجهولة على الصحة الجسدية. فكلٌّ يخشى على صحته وصحة وأحوال محبيه وأهله وأصدقائه وشعبه نتيجة لضعف الثقة التي عمّت عامة البشر والجهات العلمية والصحية التي اختلطت مخططاتُها وتوجهاتُها مع استراتيجيات وسياسات "أسياد العالم" غير الظاهرين الذين يديرون دفة القاطرة البشرية انطلاقًا من مواقفهم السياسية ومواقعهم الدولية، كلّ بحسب مصالحه ومنافعه ومكاسبه.
لذا، فإنّ ذات الوصف الذي عرفه التاريخ في أزمنة الجوائح، قد يكون قريبَ الشبه فيما يحصل بشأن فيروس كورونا والهالكين بسببه، حيث خيّمَ الخوفُ وساد الرعبُ على أيّ شيء وكلِّ شيء يمسُّ مريض كورونا والمدينة والبلد الذي انتشر فيه، بالرغم من ضربه كلّ بقاع الأرض وبشرها من دون تمييز بسبب سرعة التنقل ووسائل الاتصال المتعددة المساعدة في إمكانية انتشاره. إلاّ أنّ حالة الفوضى التي تركها فيروس كورونا ربّما تختلف في بعض آلياتها ودوافعها وأسبابها عن تلك التي تركتها جوائح التاريخ لأسباب عديدة منها مستوى الوعي وتوفر وسائل الوقاية وتعدّد مراكز العلاج والحملة العالمية لإيجاد العلاجات الواقية، ومنها اللقاحات التي ما تزالُ تثير القلق والحيرة والخوف في صفوف البشرية. ففي الوقت الذي تدعو فيه المنظمات الصحية العالمية ومراكز العلاج الدولية للتحصّن بأخذ اللقاح، هناك أطرافٌ علمية واجتماعية تشكّك في مقدرة اللقاحات المطروحة في الأسواق بمنح الحصانة الصحية لمَن يقتبلها. بل ذهب البعض لاعتبارها مؤامرة دولية تسعى من ورائها شركات عالمية كبرى تحقيق أرباح عظمى من ورائها. ناهيك عن الجدوى العالمية المخطَّط لها فيما يخصّ مستقبل البشرية على الأرض والأهداف المخفية وغير المكشوفة المنتظرة من وراء الجائحة. وفي كلّ الأحوال، فالبشرية ضائعة بين الأمل والخوف، بين الرجاء واليأس، بين الفرج والضيق ممّا يجري من دون بروز ما يمكن أن يشفي الغليل ويهدّئ من روع الإنسان المغلوب على أمره في أمر هذه الجائحة.
وقانا الله شرّ بلائها وشفى مرضاها ورحم الهالكين بسببها.


17
سوق العمل في ظل الجائحة، أزمات مضاعفة
لويس إقليمس
بغداد، في 24 آذار 2021
لا أحد يشكّ في ما آلت إليه أحوال الشعوب والدول من بؤسٍ وتراجعٍ في الحقوق الآدمية التي فرضتها ظروف الجائحة وتحوّرات فيروساتها المستجدّة منذ أن اجتاحت العالم نهاية 2019، وماتزال تداعياتُها قائمة بقسوة وبشدّة رهيبة تُخيف العالم وأساطينه وحكوماته، بالرغم من الجهود الدولية للسعي لاحتواء المرض القاتل بشتى الطرق الوقائية والدوائية لغاية الساعة. ولعلّ من بين التداعيات العديدة لهذا الوباء القاتل الذي لم يشهد التاريخ له مثيلًا من حيث الشراسة واكتساح كلّ شيء وأيّ شيء أمامه، تعريض البشر إلى أزمات متلاحقة في الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلاقات على أشكالها وتفاعلاتها، ومنها شبح البطالة القاتل الذي خيّمَ على أجواء المصانع والمعامل، ما أدّى إلى إغلاق تامّ أو شبه تامّ لهذه ولغيرها من الشركات التي كانت سندًا وتمويلاً لمعيشة الملايين من البشر.
أساسيات الحقوق
بالرغم من كون العمل وما يأتي من ورائه من كسبٍ لكفافِ اليوم وما يضيفهُ من ادّخار للبعض الآخر يقع من ضمن أساسيات الحقوق المواطنية في أية بقعة أو بلدٍ، إلاّ أنّ البشرية وقفت حائرة متسمّرةً أمام معضلة البطالة وما حتّمته من تداعيات ومشاكل عائلية وأسرية ومجتمعية ووطنية وعالمية في شموليتها للجميع. ومع كلّ الإجراءات المساندة واشكال التمويل التي تقدمت بها دولٌ متقدمة حضاريًا ومدنيًا في أنظمتها السياسية انطلاقًا من حق المواطن بتأمين عيشه ومعيشة أسرته بكرامة وشرف، إلاّ أنّ النظام المالي والتمويلي لم يستطع الصمود في بعض هذه الدول أمام التحديات الكبيرة المتزايدة بسبب استطالة فترة المحنة وامتداد تأثيراتها لميادين أخرى تأثرت بها قطاعات واسعة وخلقت مشاكل منزلية وأدّت إلى أزمات عائلية بين الأزواج وأفراد الأسر والأصدقاء عندما حدّت من العلاقات المجتمعية بكلّ اشكالها ووسائلها ومفرداتها.
لقد تراجع سوق العمل في كلّ المجتمعات بدرجة مخيفة ومضطربة لا تُنبئ بخير قريبٍ قادم، إلاّ في حالة ترقّب تغيير جذريّ إيجابيّ قادمٍ في وسائل تفكير الزعامات التي تحكم العالم وتتسيّد المشهد العام للحكومات وأذرعها في مناطق نفوذها. ومن هذه الوسائل الإيجابية المنتظرة من زعامات العالم بطبيعة الحال، عندما تعمد بحسن النية على تطبيق معايير إنسانية غير استغلالية ضدّ فئات هشّة وقابلة الانكسار بسبب ضعف هذه الأخيرة وعدم قدرتها على مواجهة الواقع والتحديات الكبيرة بسبب فقدانها الوسائل والأدوات التي تمنحها الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة وكسب الرهان بكفاءتها المغيّبة وبقدراتها الكامنة التي تخشى إبرازَها لأية ظروفٍ أو أسباب. فعندما لجأت دولٌ متقدمة تفاعلت "مواطنيًا" باحترامٍ مع مجتمعاتها المتحضّرة، حصل ذلك لكون مواطني هذه المجتمعات اتصفت بكامل الثقة بالنفس وبقدرتها على مواجهة التحديات الصعبة بتعاونها المتضامن مع الدولة والمؤسسات التنفيذية للوصول إلى الأمان النفسي والجسدي والفكري والعلمي وتجاوز سقف المحنة بأقلّ الخسائر الاقتصادية والبشرية. وهذه تُحسب تمامًا لهذا الصنف من الدول المتقدمة، بالرغم من الخسائر البشرية التي راحت ضحية الجائحة بسبب التهاون وعدم الاكتراث أو الالتزام القاصر ببروتوكولات الوقاية والحماية والحذر. إلاّ أنّ سلوك الحياة اليومية في هذه الدول المتحضّرة صمدَ وواظبَ على شكل وأسلوب الحياة الجديدة التي فرضتها شروط الجائحة بسبب الضمانات وأشكال المساعدة والحزم التمويلية الضخمة التي تكفّلت بها حكومات هذه الدول في علاج الأزمات الاقتصادية وتأثيراتها الجانبية على الحياة المجتمعية وأشكالها ومفرداتها التي تأثرت بفعلها.
إنه من المؤسف أنّ بعض الأنظمة السياسية القلقة والمضطربة في منطقتنا، ومنها بطبيعة الحال النظام السياسي الهزيل القائم في العراق، بسبب غياب الإرادة القوية والإدارة الرشيدة، قد وقعت فريسة لأشكال عديدة من المخالفات والخروقات بحق المواطن البائس الذي احتار في أمر معيشته واستصعبَ تدبير شؤونه ومتطلبات بيته وأسرته بسبب شحة فرص العمل أو فقدان عمله أو وظيفته في أسواق القطاع الخاص. في حين واصل حياتَه الطبيعية من دون مشاكل تُذكر مَن احتمى بوظيفة عامة في صفوف الدولة المترهلة التي صارت ملجأً تمويليًا للمجتمع العراقي بالرغم من انتفاء وقصور إنتاجية موظفيها وبلوغها نسبة مقرفة لا تتعدى عشر دقائق في يوم الدوام الكامل، هذا في حالة عدم احتساب ما تفجّرت به قرائحُ الساسة ونوابُ الشعب بزيادة مثيرة في أيام العطل الرسمية وما زيد أو يُزاد عليها من أيام أخريات حسب قناعة الجهة التنفيذية في المركز أو المحافظات. وهذا ما يُعزى لتراكض المواطنين للتعيين في دوائر الدولة التي تكفل مرتبًا مضمونًا للمعيشة دون القطاع الخاص. والسبب واضح ومؤسف، لكون الدولة وإداراتها الفاشلة افتقدت لأبسط إجراءات التخطيط وخلت برامجُها من أية استراتيجيات تكفل وسائل وأدوات بناء الوطن والبشر معًا بالتكافل والتضامن مع القطاع الخاص الذي هو أساس بناء الأوطان وتقدّم صناعته وزراعته عبر تشجيع وسائل الإنتاج وتحفيز هذا القطاع المهمّ لأداءٍ أفضل من خلال سنّ التشريعات والقوانين الصحيحة التي تكفلُ له مثل هذا التقدّم في العمل والإبداع والإنتاج كي يتنافس مع المستورد الخاضع لإرادات جهات سياسية مرتبطة بدول الجوار التي لا يطيب لها تقدّم القطاع الخاص الوطني في البلاد.
ضمان اجتماعي مقابل المواطنة

صحيحٌ أنّ شرائح مجتمعية في الدول المتقدمة قد خسرت وظائفها غير الثابتة في سوق العمل في القطاع الخاص بسبب الإغلاق التام أو الجزئي لصغار الشركات والمصانع، لكنها لقيت من جانب حكوماتها كلّ الدعم وأشكال المساعدة بصورة مباشرة أو عبر تنظيمات حكومية أو منظمات خيرية فاعلة في مجتمعاتها. وهذا يُحسب سلوكًا إيجابيًا لهذه الحكومات التي تضمن قوانينُها أبسط أنواع الرعاية الاجتماعية ولو في حدودها الدنيا، تقديرًا للصفة المواطنية لكلّ فردٍ يعيش فوق أراضيها. ومنه ما يتنعم به اللاجئون الشرعيون وغير الشرعيين المقيمون في هذه الدول. وممّا لا شكّ فيه هناك أفرادٌ ومواطنون عراقيون سبق أن اتخذوا من دول غربية ملجأً آمنًا لهم ولأسرهم، مازالوا يستفيدون من حسنات نظام الرعاية الاجتماعية في دول الاغتراب بالرغم من تمتعهم بامتيازات مالية ووظيفية في بلدهم الأصلي بسبب ميزة المواطنة المزدوجة، بعكس مَن بقي صابرًا صامدًا من مواطنيهم طيلة فترة الأزمات التي تعرّض لها الوطن والشعب بسبب تقلبات أنظمة الحكم.
ومن محاسن الأنظمة المتقدمة في العالم، بما فيها دولٌ إقليمية وعربية شقّت طريقها نحو التحضّر والتمدّن واحترام حقوق البشر الذين ترعاهم أبويًا، التزام أرباب العمل باللوائح الوطنية في بلدانها بأقصى ما يمكنها ذلك حين تولدت لديها القناعة الكافية بمراعاة ظروف موظفيها وعمالها بعملٍ جزئيّ حفاظًا على كرامة المواطن لحين استتباب الظروف وعودة الحياة إلى دورتها. وهذا الإجراء جاء في بعضٍ من أسباب جزئياته بسبب تعاون الحكومات مع سوق القطاع الخاص من أجل إبقاء كرامة الموظف عالية قدر المستطاع وعدم تعريضه للإهانة والتسمّر في الساحات والشوارع بحثًا عن مورد خائب شحيح في زمن الغدر والفاقة. ومن المفارقات بين ما حصل في العراق قبل أكثر من عام فيما يخصّ انتفاء الحاجة لأربع مواليد متتالية وإحالتهم على التقاعد القسري وتوظيف بدائل عنهم بحجج واهية للتخلّص من عبئهم بسبب تقادمهم في السنّ، نرى مواقف مغايرة أكثر إنسانية في احتفاظ دول متقدمة بطاقات المسنّين لأطول فترة ممكنة تجاه الذين تجد فيهم كلّ خيرٍ وبركة ومواظبة في زيادة الإبداع والإنتاجية بسبب خبراتهم القوية ومهاراتهم المكتسبة، ما ينمّ عن عمق التقدير والتمسّك بالطاقات المبدعة وليس برميها رمية الكلاب لتجد مصيرها تمدّ يديها بسبب تفاقم الحاجة وصعوبة توفير لقمة العيش لقلّة المرتّب التقاعدي الذي لا يسدّ رمق العيش في أدنى صوره. فليس بهذه الصور الشائنة يتمّ التعامل مع كبار السنّ الذين عندما لا توفّر الدولة ما يضمن حياة حرة كريمة لمواطنيها الذين تقفر بهم فرص العثور على العمل حين تسريحهم قسريًا وعدم توفر نظام اجتماعي وطني يقي حياتهم ويديمُ حصولهم على مورد إضافيّ لإدامة حياتهم بما يستحقونه من لدن وطنهم والمؤسسات التي خدموها طيلة فترة عملهم. وهذا ينطبق أيضًا على سوق العمل في القطاع الخاص حينما تفتقر شركات ومكاتب القطاع الخاص إلى نظام عادلٍ للرعاية الاجتماعية الذي يكفل حياة كريمة للعامل حينما تنتهي فترة عمله لأية أسباب.
في هذا الصدد، ولتسهيل اندماج المنتهية عقود عملهم في الدول المتقدمة، نجد ما يملأ فراغ الدولة عبر نقابات أو منظمات تتولى تسهيل البحث عن فرص عمل ومبادرات اجتماعية لمَن فقدوا وظائفهم أو للباحثين عن عمل يدرّ موردًا يكفي حاجة الحياة اليومية قدر المستطاع. وهذا من حسنات الأنظمة السياسية الصادقة مع شعوبها والباحثة عن خدمة مواطنيها، والسبب يعود للخشية من محاسبتها من قبل الشعب وعزوف الناخبين في دورات لاحقة عن إعادة تدويرهم بسبب الفشل في تأمين ما يسدى من خدمات للناخب. وهذا، بعكس ما يحصل في أنظمتنا المتخلفة والأنانية والمصلحية حيث يفتقر الناخب لأدنى درجات الوعي والإدراك لمصلحته ومصلحة وطنه عندما يقع في كلّ مرة فريسة لوعود معسولة كاذبة في معظمها من جانب القائمين المتلاعبين بمصيره ومصير وطنه. من هنا لا نجد سببًا موجبًا لإدارة الظهر لكبار السنّ الباحثين عن عمل لاسيّما عندما يكونون من طبقة الذين يتصفون بالخبرة الجادة والمهارات الإدارية والمهنية التي من شأنها خلق أجواء إيجابية لزيادة الإنتاج وتقدّم تطبيقات العمل. فحينما يجتمع صناع القرار وأصحاب الخبرات التنفيذية والمهنية يمكن للمشروع، أيّ مشروع، أن يخلق نسيجًا اقتصاديًا ومنتجًا في أعلى مراحله. فهذا إلى جانب الفائدة المرجوّة من الخبرة المهنية والمهارة الإدارية، سيخرج بنتائج مفيدة على صعيد امتصاص البطالة قدر المستطاع عندما تدور الماكنة ويسير العمل بوتائر صحيحة ضمن المخطَّط له.
من هنا، يبقى العمل الوظيفي من القضايا الأساسية لمستقبل المجتمعات في أية دولة أو منطقة من أجل ازدهار اقتصاديات هذه الدول وتعافيها وتجاوز أزمات البطالة وصولاً للتماسك الاجتماعي والتوازن الأسري بدل البحث عن مفرّ أو أنفاق غير مجدية لخلق المشاكل أو الوقوع في المحاذير أو الالتجاء إلى وسائل جرمية غير طبيعية في إنهاء الحياة. فالعمل الجيّد نوعٌ من العبادة وبه يستحق العامل أجرَه كي يعيش كريمًا حرًّا على أساسه والدفع به للمساهمة في صالح الخير العام له ولأسرته ولمجتمعه ووطنه من خلال تطوير القدرات وشحذ القابليات نحو الأفضل. كما أنّ العامل الصالح أو الموظف الجيّد هو مَن يشعر بالفرح الغامر ويجد معنى لعمله حين تحقيقه تقدّمًا في أدائه من دون معاناة أو منغّصات تقف عثرة أمامه. وهذا ما نحتاجُه من صفات وإجراءات لتحقيق العدالة الاجتماعية في محيطنا الوطني. فالكثير من هذه ومن غيرها مفقودٌ في بلادنا وفي مخططات أنظمتنا السياسية المتتالية التي لم تتقدّم خطوات جادّة باتجاه تأمين حياة مواطنيها كما يليق في كلّ مراحل حياتهم.
 



18
البابا غادرَ العراق والعراقيون باقون إخوة
لويس إقليمس
بغداد، في 12 آذار 2021
    غادر البابا فرنسيس بغدادَ صبيحة الاثنين 8 آذار 2021، مبتهجًا سعيدًا وصادقًا مع شعب العراق، عائدًا إلى دولة الفاتيكان بعد إمضاء أربعة أيام مباركة حافلة بلقاءات رسمية ودينية وشعبية، أجمع الجميعُ بأنّها كانت مثمرة. وقد توّجَها في كلّ محطة بلقاء شرائح من المجتمعات المسيحية في سلسلة صلوات وقداديس في مواقع تمّ انتقاؤُها لرمزيتها ودلالاتها والهدف من زيارتها. قد تكون هذه من أكثر الزيارات المتعبة والمنهكة جسديًا لرجلٍ مسنٍّ مثله، ولكنّها ربما تندرج ضمن حساباته الشخصية بكونها من أروع أيام حبريته، بل حياته. وهذا ما حدا به للتعبير عن عظم تقديره ومحبته لكلّ العراقيين، رسميّين ومدنيّين ورجال دين بكلّ أطيافهم وألوانهم، أينما حلَّ وارتحلَ. وقد أبى إلاّ أن يترك جزءً مؤثرًا من شخصه الرعويّ والأبويّ الكريم ومن روحه المُحبة الطيبة، عندما قالَ في القداس الذي أحياه في ملعب فرنسو الحريري في أربيل: "الآن، اقتربت لحظة العودة إلى روما. لكنّ العراق سيبقى دائماً معي وفي قلبي".
غادر البابا إذن، تاركًا جزءً من قلبه الحنون الرؤوف المتسامح الكريم الكبير في كلّ شيء، بين أيادي شعب بلاد الرافدين، مهد الحضارات ودار الثقافات بتلاوينها وتعدديتها وتقاليدها وإرثها. لقد سرّهُ وأسعدهُ كثيرًا أن يشبعَ نهمَه الإنساني من رائحة العراق الذكية الطيبة وناسِه الطيبين طيلة أيام زيارته الميمونة وأن يتلذّذ بأكلة بقلاوته الشهيرة بعدما أيقنَ استحقاق وصفِه بالحديقة الغنّاء وارفة الظلال التي من شأن قدراتها الفياضة الكامنة شمولَ كلّ أبناء مكوّنات العراق بلا تمييز وبالحق في العيش الحرّ المشترك وفق مبدأ "الأخوّة الإنسانية" التي اتخذها شعارًا ومحورًا في رحلته "جميعُكم إخوة"، تأكيدًا على ضرورة التعايش السلميّ الذي وحدَه كفيلٌ بالتأسيس لمجتمع متحضّر، آمنٍ، منفتح، متضامن، مستقرٍّ، متسامح، كريم في مفهوم احترام الاختلافات، مهما كانت في طبيعة الدين أو العرق أو الجنس، وذلك حفاظًا على رصانة البلاد والعباد وحمايتها من كلّ أشكال التمزّق والفرقة والعنف والاضطهاد والتمييز غير المبرّرة التي تهدم ولا تبني، تضرّ ولا تنفع، تمزّق ولا توحّد.   
غادر البابا، ولكنّ الكثيرين مصرّون على قطف ثمار هذه الزيارة التاريخية بالبقاء متجذّرين في أرض إبراهيم أبي الأديان والمؤمنين، أملاً بانتظار عودة مَن خرجَ مضطرًّا غير مُخيَّرٍ في ظروفٍ حتّمت عليه مغادرة البلاد قسرًا، بسبب ما عاناه من قهرٍ وظلمٍ وقسوة وتهميشٍ وتمييزٍ وتهجيرٍ وخسارة ممتلكات وأعزّاء للظروف الاستثنائية الظالمة التي نعرفُها. فقد ساهمت الحكومات "اللاوطنية" المتعاقبة بشيءٍ كثير من هذه الظروف الظالمة عندما أشاحت النظر عن حقائق صادمة عاشتها مجتمعاتُ المناطق المتضررة من سيطرة عصابات الإرهاب الداعشي عليها من دون الالتفات إلى حقها بإعادة ما جرى تدميرُه من بشرٍ وحجرٍ وثقافة وتراثٍ وممتلكات وإرث حضاريّ وتعويضُها بما يحتمُ عليه الواجب الوطني. بل جاءت مثيلاتُها من ميليشيات مدعومة من أحزاب السلطة وتحت غطائها الحمائي لتكملَ ذاتَ النهج في مواصلة سلسلة الإرهاب والعنف والترعيب، ولكن من طرازٍ جديد تمثّلَ بأشكالٍ "فانتازية" من التغيير الديمغرافي، لاسيّما في المناطق التي تشهد تاريخيًا لجذور الأقليات الدينية والعرقية في محافظات بشمال البلاد التي ما تزال تعاني من آثار الدمار والخراب التي شهدها البابا بأمّ عينه متحسّرًا ووصفها بالخسارة الفادحة. فقد تعمّدت جهاتٌ متسلطة عبر الحكومات المتعاقبة على إبقاء ذات النهج التمييزي في أشكال الإهمال والاستخفاف والتغاضي عمّا يحصل في مناطق تواجد الأقليات الدينية والعرقية في المناطق التي شهدت أقسى مراحل التهجير والنزوح والتهديد بالعَرض والأرض، ما ساهم بما لا يقبل الشكّ في المشاركة ضمنيًا بعملية منهجية مخطَّط لها بعناية من أجل استمرار الدفع بتغييب وتهجير ما أمكن من ابناء هذه المكونات الأصيلة وتواصل إبعاد أتباعِها عن الوطن وتمزيق نسيجهم المجتمعي والدفع بانسلاخهم قسرًا من مسقط الرأس والأهل والأحبة. فكان نصيبُهم طرقَ عتباتِ التهجير القسري والتشرّد في بلدان الاغتراب طلبًا للأمن والسلام وكفاف الخبز المضمون والاستقرار النفسي والعائلي بعد أن ماتت الضمائر وطغى صوت القتل والعنف واشتدت وطأة الفساد لتعمّ الإدارات الفاشلة للحكومات الهزيلة المتعاقبة منذ سقوط البلاد على أيدي الغازي الأمريكي الظالم وشلّة استقدمَها بغباء لكونها لم تفهم غيرَ لغة التخوين والانتقام ونهب الثروات والإثراء على حساب الوطن والشعب الصابر.
نظام اجتماعي بثقافة جديدة 
لم تشهد زيارة أي مسؤول في أية دولة في العالم في الزمن الحاضر، ما نالته زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق من حيث الاستقبال الرسمي والجماهيري وتفاصيل اللقاءات رفيعة المستوى وتعددّ المواقع الرمزية روحيًا وتراثيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. فكلّ موقع وطأته قدماه، كان بدافع المشاركة الوجدانية الصميمية بغية إعطاء نفحة إرشادية مقصودة المعاني ودروسٍ مهمة لصالح إعادة بناء النسيج المجتمعي الوطني على أسس العدالة والمساواة ورفض التمييز بين المكوّنات على أسس دينية ومذهبية وعرقية، والتأكيد على الحق في الحياة الإنسانية وكسب القوت اليومي الشريف لكلّ المواطنين من منطلق كونِ الثرواتِ الوطنية ملكًا للجميع وليس للمتسلطين والحكام والفاسدين وأذنابهم وأتباعهم. فما تفوّه به أمام المسؤولين رسميًا أو الحضور شعبيًا، لم يجرؤ غيرُه لقوله، لكونه أخرجَه من صميم قلبه ومن بواطن روحه الإنسانية الطيبة التي حملت سلامًا وتفاؤلاً وأملاً ورجاءً بغدٍ أفضل للجميع ومن دون تفرقة. وحين لقاء القطبين الروحيين، قداسة البابا فرنسيس الفقير إلى الله مع نظيره المرجع الشيعي السيستاني الذي وصفه برجل الله وبالحكيم، سادت أجواء الوقار والألفة والتسامح لتكون نهجًا وطريقًا أمينًا لبناء الوطن عبر التأكيد على ضرورات العيش المشترك ضمن أجواء التسامح الديني المطلوب بين مختلف الأديان والطوائف، ما حدا بالرئيس العراقي لوصفه بلقاء "قمة الاعتدال والتسامح وخير منهجٍ في الوسطية والتحاور والتعايش". ولعلَّ هذا من أهمّ مفردات الرسائل التي حرص الطرفان على نقلها لعموم الشعب الجريح المظلوم الذي يعاني منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا من قهر نفرٍ من ساسة فاقدين للضمير والحياء طغوا بظلم سلوكياتهم غير الوطنية وغير الإنسانية على بني وطنهم بعدما تغوّلوا على سلطة الدولة وأفرغوها من محتواها الوطني الضامن لحقوق الجميع بحسب الدستور والقوانين والأعراف الإنسانية التي لا تقبل بظلم أو تهميش أو أذية أحد. 
لقد سرى مفهوم التسامح الديني الذي أرسى له لقاءُ الحبر الأعظم مع سماحة السيد السيستاني، ليكون خارطة طريق واضح ضمن أولويات ساسة البلاد، والذي بغيابه لا يمكن خلق مجتمعات متجانسة ومتعايشة بنظام سياسي عادلٍ يكفل حق الجميع بوطنٍ ذي هيبة وسيادة وعصمة تكون بيد الشعب وليس بأيدي الغرباء والدخلاء الذين ارتضوا أن يبيعوا أنفسهم ووطنهم وأهلَهم للغير من دول الجوار وولاتها الطامعين بأرض الوطن وثروات البلاد. ومن دواعي نجاح هذا اللقاء، أن ترنوَ نخبٌ وطنية وثقافية وسياسية مستقلّة رصينة باتجاه البحث عن عقد اجتماعي جديد ونظام سياسيّ مختلفٍ تمامًا عن الذي سلكته حكومات ما بعد الغزو الأمريكي المجحف بحق العراق وأهلِه، تمامًا كما أشار السيد رئيس جمهورية العراق في كلمته الترحيبية المؤثرة. ومن شأن مثل هذا النظام الجديد المرتقب الذي يُتوقع أن تُثمر عنه نفحاتُ التغيير المنتظر القادم عندما يصحو العراقيون ممّن مازالوا في غفوتهم ليدركوا مدى الكارثة التي أوقعتهم فيها زعامات السلطة الحاكمة وأحزابُها الفئوية في كلّ مرّة يقترب العراقيون فيها من موعد الانتخابات. فقد أجاد الساسة لعبتهم بجدارة وبمهارة خيّبت الآمال الوطنية في كلّ مرة، بالرغم من إدراك الكثير من ابناء الشعب العراقي مدى تغوّل الأحزاب الحاكمة بلا رحمة وإثراء معظمها على حساب الشعب والوطن وتفوّقها في أشكال الفساد والإفساد وفي كلّ ما تعجزُ عنه الألسن وتسرد له صفحاتُ الصحف وتصفه مواقع التواصل الاجتماعي وتتطرق له الفضائيات على اختلاف مسمياتها واتجاهاتها.
من هذا المنطلق عينه، أيقنت النخبُ والقطاعات المختلفة في البلاد، أن لا بديل إلاّ بتغيير العقلية وطبيعة الثقافة ونهج التفكير لتصبَّ جميعُها في خانة نظام سياسيّ مختلف النهج والرؤية وبعقد اجتماعيّ- سياسيّ جديد عبر الدعوة الناصحة والداعمة لمثل هذا التغيير الجذري في السلوك والآليات إيمانًا بقدرة الشعب على التجديد والتجدّد وانتشال البلاد والعباد من الوضع المزري الذي آلت إليه. وهذا ما ينتظرُه حقًا مَن تبقى من شرفاء الوطن الباحثين بفارغ الصبر والأمل عن وطنٍ مفقود، مرهونٍ بأيادي غير أهله. وتلكم من جملة النتائج المؤملة التي يمكن أن تلهمها الزيارة التاريخية لبابا السلام والتي ينتظر الجميع ثمارَها على أرض الواقع. ولعلَّ إعلان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، باعتبار يوم السادس من آذار من كلّ عام، يومًا للتعايش السلميّ في البلاد ودعوتَه لعقد حوار وطني بين جميع القوى العراقية لحل جميع المشاكل والصراعات بشكل جذري، تندرجُ ضمن بوادر هذه الإيجابيات وتبيان مفعولها.
في اعتقادي، ما حصل من تفاعلٍ كبير من جانب شرائح واسعة من مختلف المشارب والثقافات والأديان في المجتمع العراقي الباحث عن مفرّ آمنٍ وخروجٍ سلميّ من عنق الزجاجة الخانق الذي أوجدته زعامات السلطة ومَن سار على دربها المدمّر للمجتمع، هو الطريق الآمن الصحيح للتفكير ألف مرةّ ومرّة بتغيير السلوك في خيارات الحياة بعد إفسادها من أطراف الأحزاب الحاكمة وفق مبدأ المحاصصة وتقاسم الكعكة. وهي البداية الصحيحة للدعوة لتشكيل لوبيات مجتمعية والانخراط في تشكيلات سياسية جديدة لا تمتُّ بأية صلة لأحزاب السلطة الحالية وتفرّعاتها التدويرية لشخوصٍ تلبي وتكمل ذات الفكر الطائفي والنهج المحاصصاتي ولكن بوجوهٍ شبابية وأخرى لطيفة جاذبة تسعى لفتنة المواطن البسيط بعَسَل الكلام وجمال الوجه الحسن.
من هنا، جاءت جزئيات من رسالة البابا أيضًا، لتؤكدَ مضمون التغيير المطلوب في منظومة الحياة السياسية والاجتماعية للعراقيين باستلهام قدراتهم الكبيرة من أجل إنهاض البلاد من قساوة أحزاب السلطة بسبب ابتعاد هؤلاء عن مصلحة الوطن والشعب عندما تطرّقَ قداستُه إلى مسألة ضرورة "ترميم المجتمع والإنسان بالتزامن مع ترميم ما أصابَ المدن والبنى التحتية من دمار". لذا، وجبَ على ساسة البلاد أن يدركوا أنه عندما جاءَ البابا "حاجّأ تائبًا طالبًا شفاء الجراح وعزاء القلوب"، فإنّما تلك دعوة ملحة للتغيير التي تنتظر دعمًا ومساندة من المجتمع الدولي وأصحاب النوايا الحسنة والإرادات الطيبة في تغيير الفكر والعقل والرؤية والاستراتيجيات التي تبني وتعمّر وتُسعد البشر بدلًا من قساوة القلب وظلم الناس وهدر المال العام والسرقة واللصوصية والانتقام والتشبّث غير المبرّر بالسلطة وفرض الأجندات الدخيلة والغريبة على أهل الوطن وإدامة الشعور السلبيّ بالمظلومية الدائمة لفئات استأثرت بالسلطة حين اعتلت المشهد السياسي بدعمٍ من الغازي المحتلّ من غير استحقاق للكثير من شخوصها، لاسيّما القادمين على ظهور الدبابات الظالمة بالرغم من تجاوز هذه المرحلة السلبية منذ زمنٍ.
استثمار الزيارة
بعد الأيام الجميلة المعدودات من الفرح العام الغامر الذي ساد معظم أوساط المجتمع العراقي بزيارة بابا الفاتيكان، إلاّ من ذوي الإرادات السلبية الطاردة لنهج التسامح والعيش المشترك السليم بين إخوة الوطن، كان لا بدّ من البحث عن مخارج وطنية لاستثمار مفاعيل هذه الزيارة التاريخية بحقّ بالشكل الصحيح الذي يرسم الطريق لكسب ثمارها المرتقبة وبما يُؤمّنُ المصلحة العليا للوطن والشعب على السواء. هناك مَن رأى فيها مجاملة ومساندة للمشهد العراقي السياسي القائم من جانب أعلى رئاسة مسيحية كاثوليكية في العالم وفقًا لرؤىً مداركية قاصرة لا تأخذ في الحسبان جملة الرسائل التوبيخية المبطنة الموجهة للزعامات الكتلوية والحزبية والإسلامية والطائفية المتسلطة على رقاب الشعب منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا. وهذه الفئة القليلة المعترضة على الزيارة التي لم يتيسّر للحبر الأعظم اللقاء معها أو بالأحرى لم يسعفهُ برنامج الزيارة المنهك والمكثّف أن يملآَ فراغها ويكسب ودّها، لم تتعمّق جيّدًا في الأسباب والتبريرات الموجبة التي وقفت حائلاً دون قدرته على تلبية كافة الطلبات والتمنيات باللقاء. فقد وضع قداستُه في حسبانه ما اختلج أفكار هؤلاء وغيرهم ممّن منّوا النفس بتحقيق اللقاء أو المشاهدة عن قرب توثيقًا للذكرى. فمن الواضح، أنّ برنامجه المكثّف كادَ أن يرهقه بسبب سنّه المتقدّم ووضعه الصحّي غير السليم تمامًا. ومع كلّ هذا وذاك، فقد حافظ على ابتسامته الراعوية وحسن تفاعله مع المستقبلين بكلّ جوارحه، معربًا في كلّ لقاء وحدث وموقع عن عظيم امتنانه لشعب الحضارات والثقافات الذي لا يستحق مثل هذه المعاملة السيئة وأشكال أدوات الاستخفاف من قادته السياسيين الذين تراكضوا نحو مصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية الضيقة تاركين الشعب غارقًا في ويلات الأزمات والحروب المتلاحقة منذ عقود. ومَن يتمحص في كلمات وعباراتٍ ساقها قداستُه في مجمل لقاءاته، يرى فيها تباشير خيرٍ قادمٍ للشعب المظلوم في قليل الأشهر القادمة بما يخصّ إعمار ما جرى تدميرُه في مدن العراق من دون تمييز. وهذا من ضمن الوسائل الكفيلة في إيجاد رؤية وطنية شاملة لاستثمار دروس الزيارة بجذب انتباه المجتمع الدولي نحو إعمار ما دمّرته الحروب المتعاقبة على العراق وبخاصّة ما فعلته عصابات الإرهاب الداعشي طيلة فترة احتلاله لبلدات ومدن عانت من عنفه وبطشه وتدميره ونهبه وتعنيفه وقتله وسبيه واغتصابه وتهجيره لشرائح كثيرة بسبب فقدان الأمان والحياة الكريمة.
إنّ ما شخّصته عيناه من آثار الدمار الشامل في مدينة الموصل التي خصّها بصلاة أبوية وسط الأنقاض، كفيلٌ بالإشادة بما قام به هذا الشيخ الثمانينيّ وهو يتأملُ ويتفكّرُ ويعيدُ في مخيلته تلك المشاهد المرعبة التي عاشها أهل المدينة، ومثلُهم أهلُ العراق بعموم تلاوينه الدينية والقومية. ومن أروع ما شهدته عيناه ذلك العرس العفويّ الذي ترافق مع هلاهل النساء والرقص التقليدي وكلمات الترحيب من أهل بلدة قرقوش بأطراف الموصل والتي تمثل أكبر تجمّع مسيحي سريانيّ في العراق، حين اشاد البابا فرنسيس بدور المرأة العراقية التي خصّها بسلام خاص وتحية حارة نظرًا لدورها الرائد في بناء الأسرة والعمل مع الرجل في إعادة ترميم ما دمّرته أيادي العنف والتشدّد والانتقام. لقد هاله حقًا، ما شاهد من أعمال التدمير الوحشيّ في كنائس وجوامع ومساجد ومعابد هذه البلدة ومساكن أهلها المسالمين الآمنين، معبّرًا في ذات الوقت عن دهشته لسرعة الاستجابة لأعمال الترميم القائمة بفضل مساعدات المنظمات الدولية والكنسية المختلفة من دون أن تحظى بأية لفتة "تعويضية" من جانب السلطات الحاكمة لغاية الساعة. وفي اعتقادي، سوف تزيد جهات دولية من اهتمامها بشؤون العراق بعد هذه الزيارة التي يمكن عدُّها لفتة وفرصة استثمارية يمكن للحكومة والجهات الرسمية والشعبية استغلالها لصالح البلاد والعباد بالتفاعل مع الجهات الدولية المستعدة للمساعدة والمساهمة في إعادة بناء الإنسان العراقي وبلد الحضارات وبلداته المدمّرة التي تنتظر فعاليات كبرى لإعادة التأهيل والبناء واسترجاع اللحمة المجتمعية. ولعلَّ ما يسرُّ أكثر، تفاعل رؤساء دول وزعامات دينية مختلفة مع أجواء الزيارة الإيجابية ودروسها الكثيرة التي تُنبئ بانتظار حصول نقطة تحوّل حقيقية في المنظومة السياسية في هذا البلد وفي عموم دول الشرق الأوسط التي تعاني من أزمات مستفحلة ومتلاحقة نالت قسطًا وافرًا من عدم الاستقرار والفوضى والفساد وأوجه الظلم.
كما أنه من اللطيف جدّا، أن تتواصل صفحاتُ الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات لأيامٍ وما تزال لغاية الساعة، بتطرقها إلى تفاصيل الزيارة ومضامينها ومفاهيمها والمخرجات المتوقعة منها عبر تقارير موقعية ومتابعات جريئة مع شرائح مختلفة في المجتمع العراقي وخارجه، وذلك لاستبيان أهمية الزيارة والنظر بكيفية استثمارها على الكثير من الأصعدة، ومنها بطبيعة الحال كيفية إصلاح النظرة الخاطئة للبعض ممّن يصرُّ على الشذوذ الفكري والمجتمعي لعدم اعترافهم بصحّة "أخوّة بني البشر" بعضهم للبعض. وتبقى مقولة الإمام علي من أروع العبارات:" الناس صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق". فهذه ما تزالُ ترنُّ في أذهان البشر الأسوياء، ومنها اقترانُها بشعار البابا الذي رفعه في زيارته. وهذا جديرٌ بترك أدران الماضي المليء بالترّهات والأقاويل التي لم تعد تنفع مع تطوّر العصر وتقدم العلم وأدواته. لذا كان لا بدّ أن يدرك الجميع بأن أفضل وسيلة لتقدّم المجتمعات والأمم تكمن بخلق بيئة إنسانية يتشارك فيها جميع ذوي الإرادات الصالحة كي تنعم مجتمعاتهم على اختلاف أديانها وقومياتها وأعراقها وأجناسها بما يتناغم مع ما يجمعها من مشتركات جامعة وليس بما يفرّقها في حسن تلاقيها وتعارفها وتآزرها وتضامنها بدل صراعاتها وحروبها وانتقاماتها غير المبرّرة. فالجميع إخوة ضمن خيمة "الأخوّة الإنسانية" التي دعا إليها بابا الفاتيكان في الوثيقة التي وقّعها مع شيخ الأزهر في 2019. وما يزال صدى هذه الوثيقة شاهدًا على ضرورة آليات التغيير القائمة في عقلية التداول وأساليب الاعتدال والتسامح التي أعقبت التوقيع عليها. ومن شأن نشر هذه السمة الجليلة في وسط الناس والمجتمعات أن تسهم بما لا يقبل الشكّ بوضع حدود لكلّ أشكال التمزّق والانقسام في المواقف الوطنية التي لا تقبل الجدل طلبًا لحياة أفضل واستقرار دائمٍ يكفل الحياة الشريفة والآمنة لكل المواطنين، والانطلاقة من مثل هذا الاستقرار نحو وضع الآليات والبرامج الوطنية من أجل جذب السياحة واستثمار ما هو قائم من شواهد حضارية ومواقع آثارية تجمع الديانات التوحيدية الثلاث، كما حصل في أور مدينة أبي الديانات إبراهيم. فالشعوب المنفتحة على العالم والتي تجيد كيفية استغلال طاقاتها البشرية وكنوزها التراثية والحضارية والآثارية هي تلك التي تعرف أهمية السياحة التي يمكن أن تدرَّ ثروات إيجابية مضافة تعزّزُ من اقتصاد البلاد في تنويع وجذب الاستثمارات التي تخلق فرصًا للعمل وتمتص اشكال البطالة القائمة في كلّ مكان وموقع.
إيذانٌ بالتغيير
في الأخير نقول، مع انفتاح البلاد نحو القوى الإقليمية والدولية، ننتظر وبحرص شديد انعكاس هذه الزيارة على كلّ أشكال الحياة في بلاد الرافدين. فنحن ننتظرُ تفاعلاً جادًّا بين أبناء الوطن الواحد من منطلق الانطباع الإيجابي الذي تركته بصمات هذه الزيارة التاريخية التي نأمل أن تكون بابًا واسعًا نحو استقرار العراق السياسي وعودة اللحمة المجتمعية التي حاول وما زال يحاول البعض من الشواذ ومن المرتبطين خارج الأسوار أحيانًا أن يضعوا العراقيل باتجاه إصلاح ذات البين وما تركته سياسة أحزاب السلطة بوسائلها التدميرية بسبب نهجها التحاصصي المرفوض شعبيًا ونخبويًا. وهذا يتطلبُ من جميع الوطنيين والحريصين على إعادة لحمة النسيج المجتمعي الأصيل كي يستثمروا جهود بابا الفاتيكان ونصائح المرجعية الحكيمة لجذب أنظار العالم واستقدام المساعدات الدولية الضرورية بإعادة البناء الوطني والمجتمعي على السواء. وهذا لن يكون ممكنًا، إلاّ في حالة حصول تطورات وتغييرات جذرية في شكل ونهج المنظومة الاجتماعية والسياسية القائمة بفعل أنانية وفساد الأحزاب المتسلطة منذ 2003 وسط تفرّج وضحك دول الجوار والعالم على هزالة الإدارات السياسية المتعاقبة وفقدان الإرادة الوطنية بالتغيير الضروري وعجزها عن الخروج من براثن العقلية الرخيصة المتمثلة بالخيانة للوطن وأهله وبالطائفية والانتقام ولا تريد الإقرار بسمة المحبة والتسامح التي تفوق في مفعولها مبدأَ القتل والسلب والاغتصاب والسرقة وتنكر فيما تنكر أيَّ احترام للاختلافات العرقية والدينية والجنسية والثقافية والحضارية التي يمكن أن تشكل غنى وثروة للبلاد وأهلها في وجه اية متاهات أو أطماع لشواذٍ من الداخل ودول الجوار والعالم.
كلّ التقدير والاحترام لكلّ مَن ساهمَ في إنجاح هذه الزيارة التاريخية وسعى لأجل تحقيقها بالرغم من كلّ المنغصات والعراقيل والتغريدات التشويهية التي سعى البعض لوضعها أو بثّها. لكنّ رجاء العراقيين وأدعيتهم ودعواتهم لم تخبْ، بل أفلحت وستفلحُ رغمًا عن أصحاب النوايا السيئة. ونحن جميعًا بانتظار نتائجها الإيجابية، باقون في أرض الآباء والأجداد لنعيد إرثهم ونجدّد حضارتهم ونؤيّدَ تمازج الثقافات المتعددة بفسيفسائها الجميلة وفق رؤى متجددة إيجابية لمعاني الأخوّة المتنوعة، وإنْ تكن حالمة في بعض جزئياتها.


19
تقديس التاريخ والبشر أم صناعة الحياة
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تشرين ثاني 2020
كنّا دومًا نقول ونردّد، إنّ في العراق خزينًا واسعًا من الأفكار والقيم والرؤى التي يمكن الاعتماد عليها في صنع حياة جديدة لأبناء العراق ومشاركتهم للإنسانية جمعاء في البناء المعاصر الشامخ الذي يمكن أن يشكّل قاعدة معيارية مستقبلية لإعادة بناء الشخصية العراقية وفق مقاييس وطنية تجابه العصر والحاجة والظرف بعد جرفها مرغمةً بطوفان التبعية والولائية والتقديس العبثي المفرط لأشخاص ومسمّيات ومراسم ومظاهر دخيلة وغريبة لا ترقى لتاريخ الوطن الحضاري والثقافي والتعددي. فالمغالاة في أية مظاهر "تقديسية" للفرد أو الجماعة أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو القومية أو العشيرة أو القبيلة وما سواها من مفردات دونية أو فرعية ثانوية هي في نظر القيم السماوية المقدَّسة (بفتح الفاء) خروجٌ عن طاعة خالق السماء والأرض والعناصر. فهو وحده هو القدّوس الطاهر ولا أحدَ سواه، إلاّ ما يخصّ الأوطان الطيبة التي تحتضن البشر القاطنين فيها والمستغيثين بها والمعتاشين عليها بفضل نعم السماء ورحمة الله الخالق الواسعة. وأية محاولة أو انجرار باتجاه إضفاء صفة "القداسة" و"المقدَّس" لأية مسميات أخرى لغير الله بقدرته الجبارة والأوطان بخيراتها الفياضة، بما فيها من مسميات بشرية ضعيفة ومواقع مستحدثة للعبادة والزيارة، هي خروجٌ عن إرادة الله القدير الماسك الأرض والسماء بيديه دون سواه. بل يُعدّ ذلك عبثًا ومساسًا بصفة لا تليق إلاّ بالخالق العظيم وأوليائه وقدّيسيه الأصفياء، بعد أن انتشرت مؤخرًا صيحات نشاز تُسبغ سمة "المقدَّس" على بشرٍ وأضرحة لا شأنَ لها بأضرحة الأئمة والقدّيسين الذين أكرمهم التاريخ ومنحهم حقّ حمل هذه الصفة حصرًا، حفظًا لكرامتهم وتقديرًا لمنزلتهم التاريخية وعلوّ شأنهم بين البشر بفضل أعمالهم الطيبة وكراماتهم.
صناعة الحياة
مربط المقدمة يترافقُ مع مقترح رائع لأحد الزملاء في نخبة اقتصادية متميزة في تغريدة أخرجها بكلّ جدارة وجرأة نابعة عن حرصٍ وطنيّ غير مشكوكٍ فيه. وفي حالة تطبيقه سيكون له شأنٌ في إعادة بناء الشخصية العراقية وزرع بذور التنوير في صفوف الشعب اللاّهث وراء ترّهات وتقاليد غير منتجة في حياته عندما يجري تعطيل الحياة قسرًا في مناسبات الزيارة الأربعينية لأخوة الوطن من أبناء المذهب الشيعي وغيرها من مناسبات مذهبية ولأيام عديدات، كما هي الحال هذه الأيام في تقليد استفزازيّ لمناسبة زيارة الإمام موسى الكاظم. ففي هذه الزيارات المليونية غير الحضارية التي تتقاطع مع العقل والحكمة والمنطق، صارت تتأثر بها مصالح الوطن والناس على السواء، لأنها تجري بغير مسوّغ ولا حقّ، بل  أصبحت تُفرض على عموم الناس ورغمًا عن الجميع. وفي هذا السلوك غير المسوّغ، الشيءُ الكثيرُ من انتهاكٍ لحقوق الناس واغتصابٍ لحريات باقي المكوّنات أو حتى لشرائح كبيرة من أبناء ذات المذهب الذين ينساقون إليها تماهيًا مع الدعاة إليها، حتى في حالة إدراكهم انسياقَها لأخذ مسارات وأشكالًا غير حضارية، ومع ما تسببه من اختناقات مرورية بسبب قطع طرقٍ لتأمين مسيرات الزوار البسطاء السذّج المعتقدين بما لا يفقهون به أو يدركونه. هذا إذا أضفنا إلى هذه جميعًا ما تعانيه مؤسساتُ الدولة العراقية طيلة فترة المناسبة من شللٍ شبه مطبق يُضفي ضعفًا على هيبتها المسلوبة أصلاً ويلقي بظلاله على وسائل تنمية اقتصاد البلاد المترنّح. وهذا ما يتطلّبُ تنضيجَ الأفكار وتنوير البسطاء من الناس الذين ينساقون كالخراف بلا روية ولا تفكير ولا تمحيص وراء دعوات وتحريضات دعاة تكريس التخلّف وإبقاء البشر أسرى مثل هذه التقاليد الاستهلاكية المتخلفة التي لا تخرج عن سمة التبعية الساذجة لأولي الأمر بدعوى "التشوير" في حالة رفض المشاركة أو عدم الانصياع للضرورة المذهبية التي يعدّها هؤلاء جزءً من سلوكيات إيمانية لا بدّ منها لبلوغ المرام وحصول الكرامات وتعزيز القدرات وإنفاذ سلطة الحكم.
    فكرة هذا الزميل المبدع في أفكاره، تنبع من مداركه الواسعة ورؤيته الوطنية الطيبة بتطرقه العملي لإمكانية تغيير شيءٍ كثيرٍ من مظاهر "التقديس" غير المجدية الجارية في مناسبات الزيارات المليونية إلى المدن "المقدسة!". وقد تنفع الفكرة أيضًا، حين تطبيقها في غيرها من الزيارات والمناسبات الشعبية عند سائر المكوّنات الأخرى في جنوب العراق ووسطه وشماله حتمًا، في حالة وجود الإرادة الكافية لتحويل مثل هذه المناسبات إلى أدوات لشحذ همم الزوار وتوجيههم باتجاه "صناعة الحياة" عبر المبادرة بزرع نخلة نادرة أو شجرة مثمرة لكلّ زائر في الأراضي التي يجتازُها الزائر للوصول إلى المواقع المقصودة. وبذلك نكون قد حوّلنا الصحراء والأراضي البور إلى مزارع وارفة وحدائق خضراء مثمرة، وأعدنا البلاد لتكون "أرض سوادٍ" من جديد تختال بخضرتها وتطيبُ بثمرتها لتضيفَ عوائد غير مسبوقة لخزينة الدولة تعزيزًا لاقتصاد البلاد المنهار. ولنا في مبادرة الفتاة الكردية في شمال الوطن بكردستان، ومثيلتُها التي أقرتها حكومة رئيس الوزراء الأثيوبي "آبي" مؤخرًا، خير نموذج لزرع بذور الأمل بين الحكومة والشعب وتعزيز أدوات جديدة لإدامة تعظيم الثروات والعمل على تنظيف المناخ.
ولأجل بلوغ هذه الغاية، لا بدّ من تكاتف الجهود الجماعية والتوعوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة وجهاتٍ ذات قدرة في التأثير على إرادة الزوار وسلوكياتهم، ومنها المرجعيات الدينية المتنورة والمتمدنة وأدواتُها المنفتحة بالتعاون مع أجهزة الدولة في الوزارات والمؤسسات المعنية والدوائر الإعلامية والمنظمات الجماهيرية المدنية التي يمكنها التكفّل جميعًا بإدامة هذه المبادرة عبر تهيئة مستلزماتها وضمان متابعة إروائها ونموّها بما هو متيسر ومتاح من أجهزة ريّ متطورة. وبتطبيق هذه المبادرة الرائدة يكون الزائر المؤمن والمواطن الناضج قد ساهم روحيًا بشيء من إيمانه بمعتقده بدل إسباغ صفة القداسة اعتباطًا على الحجر والبشر وترسيم خطوط حمراء على تقاليد ومظاهر استهلاكية غير منتجة بل خارجة عن سمة التحضّر والتمدّن في عصرٍ مضنك لم يعدْ في مقدوره القبول بتخريفات وتأويلات وأحاديث وطرائف عفا عليها الزمن، لاسيّما بعد أن اجتازَ البشر مرحلة العولمة إلى سارية الرمز الرقمي الذي يتحكم اليوم في كلّ شيء وأيّ شيء.
من هنا، نقول إنّ حاجات الإنسان المتغيرة تقتضي اليوم التزام رؤية جديدة في النظر إلى الحياة المعاصرة، إلى "صناعة الحياة" وليس بالتراجع المتقهقر إلى تاريخٍ أصبح من الماضي ولم يعد مقبولاً إعادةُ توليفه وإنتاجه بوسائل غير حضارية فيها الشيء الكثير من مظاهر الغرابة في التقديس والاستهلاك غير المبرّر وفي البذخ الذي يحضّ لأشكالٍ جديدة من أدوات الفساد. فهذه، كما نشهد جميعًا، صارت تكلّف الدولة والشعب أوقاتًا ضائعة ومبالغ مهمّة، هي والشعب بأمسّ الحاجة إليها لإعادة بناء المؤسسات المتخلفة المنهارة، ولاسيّما التربوية والتعليمية منها، والتي هي السبب الرئيس بالهرولة باتجاه إبقاء زخم هذه الممارسات غير المنتجة وإدامة تدويرها بشكلٍ كارثيّ سنة بعد أخرى بالرغم من تحوّلها إلى تقاليد استهلاكية متخلفة لا تمتّ بصلة إلى عمق الإيمان والاعتقاد.
للحاضر همومُه
يكفينا التعظيم بالماضي الآيل الذي يمكن فقط استنباطُ أفضل الدروس منه وأيسرها بغية إصلاح الذات والمجتمع والدولة على ضوء نتاجات الأمس وليس بتدوير محتواها ومظاهرها التي لم تعد تنفع مع تقدم العصر وتزايد الحاجة إلى وسائل أخرى تساهم في بناء كيان النفس البشرية بمظاهر إيمانية أكثر مقبولية وأكثر تمدنًا.  فالحاضر أهمُّ من الأمس. ولكلّ زمنٍ همُّهُ. فما يمكن أن تقدّمه هذه وبدائلُها الحضارية من اجل تقدم المجتمع وتطور مدنه وبلداته والسيرالصحيح والحثيث نحو سلّمِ رقيّ الوطن ورفعته بين الأمم وشعوب ودول العالم، هي الأَوْلى بالسمع والطاعة. كما أنّ الإيغال غير المتمدّن في جزئياتٍ من هذه الممارسات الاستهلاكية غير المنتجة عندما تطغى على قدرات العقل وتسلبها إرادتها وفكرها وتمحيصها، فإنها بالنتيجة تقود العقل والعقلاء إلى مرافئ الجهل والتخلّف. حينئذٍ تتضاعف تكاليفُ الجهل ويصعب معالجتُه إلاّ بالكيّ، وهو آخر العلاج.
عندما سُئلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يومًا عن فحوى الإنفاق الكبير على المعرفة والعلم والعلماء، ردّت بأنّ تكاليف الجهل أكثر بكثير من تكاليف المعرفة، داعية إلى ضرورة "تهديم أسوار الجهل وضيق الأفق، لأن لا شيءَ يبقى على حاله". هكذا الشعوب التي خرجت من نفق التخلّف والجهل، وجدت تقدمها وتطورها باستقلال إرادتها ونضج تفكيرها وحداثة تصوراتها الإيمانية، وليس بالطاعة العمياء والسلوكيات غير الحضارية التي تضرّ بقدر ما تنفع.

20
المنبر الحر / ثورة الجياع قادمة
« في: 18:03 08/03/2021  »
ثورة الجياع قادمة
لويس إقليمس
بغداد، في 27 شباط 2021
في ضوء الأحداث غير المطمئنة  وتتالي الوقائع المضطربة والفشل المرصود في تبنّي الحكومات العراقية المتعاقبة لمسار وطنيّ حضاريّ متوازن مستقلّ، أكادُ مثل غيري من المتشبثين بأهداب الوطن  أن أصل إلى نتيجة صادمة إن لم تكن مخيّبة، في تحويل مسار فكري وحكمي الشخصيين (ولو متأخرًا وأنا في منتصف العقد السادس من العمر) على واقع الحياة السياسية والاقتصادية القائمة وعموم الوضع السائد بسبب الضبابية المرافقة لإدارة الدولة ومن ثمّ الصعوبة المتوقعة بإمكانية رؤية الضوء السليم في نهاية النفق المظلم الذي احتجزنا فيه جميعًا والذي تكادُ مشاكلُه وعثراتُه ومعوقاتُه المتلازمة لا تستشرف حلولاً أو تحسنًا نحو الأفضل. فكلّ الأحداث المثبطة التي تلاحق البلاد وقاطنيها بلا توقف منذ الغزو الأمريكي الوقح في 2003، وكلّ الصور والمآسي التي تزداد قتامةً وبؤسًا يومًا بعد آخر، وكلّ التصريحات والنقاشات والتحرّكات المتلاحقة المشبوهة والمقيتة والفاشلة بإمكانية تشكيل أركان دولة متحضرة، وكلّ الفبركات السياسية التي تبدر من الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية بصدد الإصلاح الموعود والادّعاء بالقضاء على آفات عديدة طارئة ومنها آفة الفساد وصعوبة فرض هيبة الدولة في إدارة البلاد وفي الحفاظ على المال العام من السرقة التي تجري أمام الأنظار ومغازلة المرجعيات الدينية متقاطعة المصالح للجهاز الحكومي والتشريعي والقضائي بتبرير ديني وطائفي واضح المعالم، كلُّها لا تبشّر بخير قادم سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا وتربويًا واجتماعيًا. فقد خلطت كل هذه التخريجات القاتمات السوداوات الشكَّ باليقين وخلقت كمًّا من الإحباط واليأس والقنوط بصعوبة إصلاح ما خرّبته السنوات السبع عشرة المنصرمة من حكم أساطين التخلّف وأدوات الفساد والقتل والانتقام الذين أضافوا أكوامًا من الإهانة والنفاق والاستهزاء بالشعب المغلوب على أمره الذي تحوّل إلى شبحٍ مؤمن بسخرية القدر الذي يتلاعب بالعراق وأهله منذ عقود بسبب غياب القاسم الوطني واستبداله بالانتماء الولائي لإحدى دول الجوار. وبسبب هذه وأخرى غيرها لا حصر لها، بين عامة وخاصة، بَهُتَ بسببها شموخُ العراق وخبا صوتُه الدولي والاٌقليمي وتراجعت سمعتُه حتى بلغت الدركات الدنيا في سلّم ترتيبات الأمم والدول والمجتمعات المتحضّرة في موضوعة احترام مواطنيه و الفشل في تقديم أبسط الخدمات الآدمية وتراجع الصناعة والزراعة والتربية والتعليم وما في شاكلتها نتيجةً لإدامة سمة الفساد وتبييض الأموال وتهريب مليارات الدولارات في مصارف عالمية. كلُّ هذه وغيرها، لخاطر عيون دولة الولاء المقدسة.
عدالة اجتماعية ضامنة للمواطنية ولا سواها
إذًا، تراجُعُ العراق ومجتمعُه ضمن خارطة الأمم والشعوب المتحضرة المسلحة بالعلم والمعرفة والثقافة والتكافل المجتمعي، وانتقالُ مجتمعاته من خانة الثقافة والحضارة والولاء للوطن إلى مفهوم الخنوع والولائية كالقطيع في أحضان الغير بتبريرات عرقية وطائفية ودينية ومذهبية، هي من بين مسببات أخرى كثيرة في أشكال هذا التراجع. فالوطن الحقيقي الذي يفتخر المواطن بالانتماء إليه، هو الذي يحمي الفرد ويحتضن جميع أبنائه بمساواة وعدالة ومن دون تمييز في العرق والدين والطائفة واللون، ويقدم له ما يحتاجه من أمن واستقرار وخدمات ورفاهة عيش وعمل شريف يكسب منه رزقه بالحلال في ضوء الكفاءة والأهلية والحب العذري له ولأرضه ولسمائه ومياهه قبل غيره. فعندما تختفي العدالة الاجتماعية من القاموس السياسيّ لأية حكومة أو دولة بحجج واهية وبتبريرات مذهبية وطائفية وجهادية ونضالية فارغة، فذلك إنذارٌ بفقدان ذلك البلد سببَ وجوده، وتبريرٌ منطقيّ للتفكير بهجره لعدم قدرته على حماية مواطنيه وتأمين عيشهم وحريّتهم وحركتهم. وهذا ما تتطلّبه أبسط شروط الحياة الإنسانية المتمدنة.
فالوطن الحقيقي الصحيح هو مَن يحترم أبناءَه ويحتضنهم بين كنفيه ويُؤمِّن لهم سبل العيش الكريم والأمن والاستقرار وسائر الخدمات الآدمية المطلوبة في نطاق مساواة مواطنية محترمة وعدالة اجتماعية متوازنة لا تقبل بالتمييز ولا بالتعسّف في المبدأ الوطني العام الذي يشمل الجميع بكافة الحقوق والواجبات المطلوبة من جانب الطرفين، وكأنه عقد اجتماعي بين الوطن والمواطن. ولكن، متى اختلّ التوازن في هذه المعيارية التي ترسم خارطة الطريق بين الطرفين، حينئذٍ من الطبيعي أن تختلف أساليب المعالجة وتتباين وسائل التواصل والتجاذب وحتى الاحتكاك الماديّ والمعنويّ بينهما. ومن الممكن أن يصل التمادي في طريق الخلل إلى قطع صرّة العلاقة بين الطرفين. وربّما يصل الأمر في حالة إغلاق كل المنافذ المتاحة لمعالجة الخلل لتصل في أسوأ الأحوال إلى الصدام المسلّح مع الفئة أو الفئات التي تستخفّ بحقوق الوطن والمواطن وكرامتهما بسبب فقدان الدولة لهذه الكرامة ولسيادتها وهيبتها للأسباب الوضعية الشاذة وغير المقبولة إنسانيًا أولاً ثمّ وطنيًا وإقليميًا ودوليًا. فقطع الأرزاق وغياب الكرامة الوطنية وضعف السيادة على البلاد وفقدان المقدرة على محاسبة سرّاق المال العام وقتلة أبناء الشعب واختطافهم وتهديدهم، ومنهم منتفضو تشرين وأصحاب الرأي العام، من شأنها حتمًا أن تقود الحراك إلى علاج صعب آخرُه الكيّ، بالرغم من عسره وصعوبته ومدى الألم الذي يمكن أن يأتي به والمآسي التي يجلبُها في حالة الاضطرار إلى استخدام آخر الدواء بإعلان البيان رقم 1، والذي لن يكون ممكنًا من دون تدخلٍ دوليّ مأذونٍ به.
يؤلمني اليوم أكثر من ذي قبل، تسارعُ الأحداث النحسة في الوطن نحو الأسوأ بسبب رفض ساسته وزعامات أحزابه المتسلّطة المستقوية بدول الجوار، كلّ حسب مصالحها ومنافعها، التراجع عن مواقفها المتصلّبة بالتمسّك بالسلطة وإصرارها على إدامة بقائها ما تسنّى لها ذلك بقوة السلاح والأدوات الأخرى من مال ونفوذ وغطاء ديني ومذهبي، تتحكم بها في تقوية هذا المنهج الذي أثبت خطأَهُ، والذي بسببه ثار عليهم الشعبُ قبل أكثر من سنة ومازال مفترشًا سوح الكرامة والشرف المتعددة في أرجاء البلاد المتألمة، ومنها أنموذجًا، ما يجري في محافظة ذي قار البطلة سليلة لكش وأور وسومر. والمعيب في كلّ هذا وذاك، وبدل أن يتعظّ ساسةُ البلاد من نتائج الثورة العارمة الوخيمة اللاحقة لا سمح الله، والتي طالبت برحيل الفئة الفاشلة الحاكمة "شلعًا وقلعًا"، جابهوا الثوار بقساوة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً إلاّ في زمن البلاشفة والرايخ الثالث والدكتاتوريات العربية والإقليمية والدولية الحديثة التي أفقدت بلدانَها سمة الحرية الحقيقية والنفحة الإنسانية التي توصي بها السماء. وبسبب التعنّت الوقح ورفض مغادرة السلطة بسلاسةٍ نزولاً عند رغبة فئات كثيرة للشارع الثائر المقهور، درءً لمخاطر الانزلاق نحو حربٍ أهلية لا يستبعدُها المراقبون، فقد آثرتْ أحزابُ السلطة الحاكمة بضغطٍ خارجي غير مبرّر من دولة جارة،  ضربَ آليات الديمقراطية الفتية التي اختبرها الشعب لأول مرة متوقعًا منها تغييرًا في الأحوال نحو الأفضل. لكنّ الوقائع سارت بعكس ما تمنّاه أصحابُ الأرض بسبب فقدان الاستراتيجية السياسية للغازي الأمريكي لفترة ما بعد الاحتلال، حيث خلتْ خططُ الغزاة من أية لمحة واضحة وصريحة بترتيب الأوضاع بعد تحقيق هدف القضاء على النظام السابق ورأسه الرمز، فتركوا مستقبل البلاد ومصيرها بيد المجهول ليقرّر مصيرها الزمنُ الغادر وروّادُه فاقدو الوطنية والنخوة والإنسانية. وهذا ما جرى تمامًا، حين تحولت البلاد إلى لقمة سائغة وجسد منهك تنهشه الذئاب المسعورة، وكعكة لذيذة يقتطع منها الساسة وذيولُهم وأتباعُهم، وما أكثرهم في الداخل والخارج، لغاية ترك خزينة البلاد خاوية بسبب إغراقها بالديون وتحويل الأموال المنهوبة خارج البلاد تحت حماية وغطاءٍ من دول طامعة داعمة لإبقاء البلاد في الفوضى الخلاّقة التي أحدثها الغازي الأمريكي المحتل بكل وقاحة وفخر.
لقد رفض ساسةُ البلاد وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية طيلة السنوات المنصرمات منذ الغزو الأمريكي القبيح، كلّ دعواتٍ ونصائح للتوجه إلى الإصلاح الحقيقي في مسار الدولة المتعثّر في إدارتها على أسس استراتيجية ووطنية بحتة تضع الوطن في مقدمة الأولويات وتقيّمُ الرجلَ المناسب ليحتلَّ موقعَه في المكان المناسب. إلاّ أن إصرار الزعامات الفاسدة التي تتولى إدارة البلاد بتمثيلها الصريح لجهات خارجية مشبوهة طامعة وبعيدًا عن أية مسحة وطنية، قد مزّقَ خيمة البلاد الوارفة وجعلَ من الطائفة والمذهب والعرق والعشائرية والإقطاعية مرة أخرى أدواتٍ لحكم البلاد والعباد. وهكذا ضاع الاثنان، الوطن والشعب، في دهاليز وأنفاق الخندق المقيت والمرفوض من معظم طبقات الشعب بعد أن بلغ السيلُ الزبى ولم يعد من طريق آخر سوى الثورة على التعسّف والظلم وصنّاعِه وأدواتِه حين حوّله معظم ساسة الصدفة والفساد وأحزابُهم المتأسلمة الكريهة إلى بقرة حلوب لأطماعهم عبر سياسات زيادة النفقات العامة غير الضرورية في آخر ميزانية للعام 2021. وهذا ما يعني استمرار هدر المال العام، ونهب الثروات بذات طريقة مقاسمة الكعكة، وتردّد الجهات التنفيذية والفضائية المعنية والعديد من لجان مكافحة الفساد أو تقاعسها بمحاسبة السراق واللصوص الحقيقيين والكشف عن قتلة المتظاهرين والحدّ من مافيات الاتجار بالمخدرات التي استفحلت وأصبحت ظاهرة. ومثلُها الكشفُ عن فرق الاغتيال ضدّ كلّ من نادى بوطن مفقود، وذلك  عبر تشريعات لا تتبنى نهجًا ناجعًا لوسائل المحاسبة والتعقّب والملاحقة الجادّة المطلوبة بسبب ضعف الإدارة وهزالة الإرادة.
صولات الصدمة
 مع كلّ ما يصدر عن الجهات الرقابية الرسمية ومكاتب الرئاسات الثلاث هذه الأيام من كلام معسول بالحرص على ملاحقة الفاسدين والحدّ من ظاهرة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة، إلاّ أن واقع الحال يقول بغير ذلك. فما يُقالُ لا تلحقُه  دومًا أفعالٌ في كلّ الأحوال، بل يبقى مجرّد وعود عرقوبية لا ترقى لمستوى التنفيذ في ملاحقة حيتان الفساد الحقيقيين وقد أصبحوا معروفين لدى القاصي والداني. فإذا كانت الحكومة واجهزتُها الرقابية جادّة في ملاحقة سرّاق الشعب واستباحة قوتهم اليومي، فما عليها إلاّ أن تبدأ صولات الصدمة الجادة مع كبار اللصوص من زعامات الأحزاب التي تتحكم بالبلاد والعباد منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 بقوة المال والسلاح والنفوذ، لاسيّما وقد توفرت هذه الأيام وبما لا يقبل الجدل والشك الكثير من الوثائق والأدلة والشهادات التي تدين عصابات اللصوصية والسرقة في وضح النهار بغطاءٍ من سلطات وزعامات عليا تتحكم بمصير البلاد والعباد وتحمي اللصوص والفاسدين مباشرة أو عبر أدواتها التي اعتادت فرضَ فتواّتها بقوّة السلاح وبوسائل الترعيب والتهديد نهارًا جهارًا. فأين الادّعاء العام واين القضاء الذي يدّعي "الاستقلاليّة" من هذه التوثيقات والفضائح التي إنْ تحرّكت دولٌ أجنبية لتقتصّ من مرتشين تشاركوا مع شخصيات وساسة ومسؤولين عراقيين في الكسب غير المشروع، لم نرى تحرّكًا حقيقيًا وصادمًا للقضاء العراقي حيالَ هذه الجرائم الكبرى. بل مازال العديد من الفاسدين يتولّون مسؤوليات سياسية ومناصب عليا في الدولة، وكأنَّ شيئًا لم يكن. فحتى القضاء وأجهزتُه وشخوصُه قد وقعوا أسرى هيمنة أحزاب السلطة والمثلث الحاكم. أمّا ما بدرَ مؤخرًا من الإيقاع بقيادات ثانوية تنفيذية تابعة لأجندات زعامات السلطة، وما سيبدرُ لاحقًا، لا يكادُ يصل العتبة الثالثة أو الرابعة لهذه الزعامات الفاسدة التي تُمسكُ ببوصلة القضاء وتوجهُه وفق مصالحها الشخصية والفئوية والمذهبية والعشائرية كيفما كان وحيثما يطيب لصالحها.
إنه من الأجدر، بعد أن فاحت جيفة الفضائح، وآخرها عصابة التقاعد وتراخيص شركات النفط والهاتف النقال واستمرار فساد نافذة العملة وسطوة مصارف إسلامية على سياستها ورهن نفط كردستان العراق لأجلٍ غير مسمّى خارج سلطة الدولة الفدرالية، وما خفي كان أعظم، من الأجدر اليوم بدء حملة الصدمة بتعاون حقيقي وجادّ من قبل القضاء والحكومة بدءًا من زعامات الأحزاب وكبار المسؤولين وصولاً إلى القاعدة وليس العكس. فمعروفٌ أنّ تنظيفَ البيت يبدأ من أعلى الدرج وليس من أسفله، أي بدءً من الزعامات السياسية التي تمسكُ بمفاتيح الإدارة السيئة العامة في البلاد ووفق مبدأ: من أين لك هذا؟ هذا إذا كانت "سيدة البيت" جادة وحريصة على تنظيف دارها من الأدران والأوساخ وما يلصق بالجدران والأسقف والأرضيات من ملوّثات تجعل البيت يفوح جيفة وخيسة ورائحة نتنة. فأين لساسة العراق من مثل هذه السيدة الحريصة على بيتها وعائلتها، أو هذا السيّد الوفي لداره وأسرته، كي يتعلّموا الدروس والعبر من زعامات دولية وطنية نزيهة كانت لها بصماتُها في تغيير معالم بلدانها وشقّ طريقها نحو التحوّل الشامل والتطوّر المتنامي، كما حصل مع اليابان وألمانيا اللتين خرجتا من حربين عالميتين خائرتي الاقتصاد، ومثلها سنغافورة والبرازيل وراوندا وجنوب أفريقيا وماليزيا وأثيوبيا مؤخرًا وغيرها من دول العالم الثالث التي أدارها زعماء ناجحون اتسموا بحب الوطن والنزاهة في العمل والإدارة الرشيدة والاستشارة الصحيحة في بناء الأوطان وتوجيه دفة البلاد نحو الأفضل. والملاحظ في مثل هذه الزعامات التاريخية أنها تنحت عن السلطة والحكم وانسحبت من الحياة السياسية بهدوء من دون أي تعنّت أو تشبّث بالسلطة ومفاتنها وبهرجتها تاركين المجال لغيرهم من مواطنيهم لإكمال مسيرة الإبداع والإدارة الرشيدة. وما أحلى ما قاله دي سيلفا، الرئيس البرازيلي الخامس والثلاثون الذي اختير كأكثر شخصية مؤثرة في العالم للعام 2009م في تحقيق العدالة الاجتماعية لمواطنيه وتضييق الفجوات بين الأغنياء والفقراء بسبب برنامجه الإصلاحي الوطني الخالص الذي نقل البلاد من اقتصاد خاسر بمديونية قاتلة إلى بلد صناعي متقدم انتشل مواطنيه من الفقر وجعلها في مصاف الدول المتقدمة بفضل حنكته ورؤيته بعيدة النظر لحالة البلاد. ولعلَّ أجملَ ما صرّح به حين انتهاء ولايته الثانية ومطالبة حشود المؤيدين له بتغيير الدستور للفوز بولاية ثالثة: "أنا أمضي ولكن سيأتي بعدي مليون دي سيلفا". وغادر السلطة مطمئنًا وغير نادم عائدًا إلى حياته البسيطة في مسقط رأسه.
هذا هو الفرق بين منطق الدولة واللادولة، بين التبعية الولائية للخارج والأجنبي الدخيل وبين المواطنية التي تقدّس الوطن وتحرص على بنيانه وصيانته أرضًا وشعبًا وثروة. فعندما تفقد الأممُ هيبتها ويتراجع مصيرُ الشعوب وتتخلّف الأوطانُ عن الركب العالمي، لا يكون مصيرُها سوى الوقوع بين أنياب ساسة اللاّدولة وعصابات ومافيات الدولة العميقة التي تتحكم بمصائر الجميع وتضع الوطن وأهلَه رهائن سذّجًا بأيدي الغرباء والدخلاء والجهلة. وقانا الله من شرّ البلية. فقد يكون الغدُ أتعس من اليوم ومن الأمس عند بقاء الأوضاع كما هي، لحين انتظار ثورة الجياع القادمة الكاسحة، لا محالة!

21
في رحاب أرض الرافدين، العراقيون في انتظار بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
بغداد، في 17 شباط 2021
تجري استعدادات حثيثة ومكثفة في عدد من المدن والبلدات العراقية، ومنها بغداد العاصمة، وعلى كافة المستويات، سياسيًا ودينيًا وكنسيًا وشعبيًا، لاستقبال أول حبر أعظم للكنيسة الكاثوليكية حرصَ وبإصرار لزيارة العراق للأيام من 5-8 من آذار القادم 2021، وذلك في أول مبادرة نوعية لافتة. والكنيسة الكاثوليكية يبلغ تعدادها اليوم بحسب تقديرات دولية أولية حديثة، ما يربو على مليار ونصف مسيحي من المجموع الكلّي التقريبيّ للمسيحيين في العالم الذين يشكلون ما تعدادُه أكثر من 2, 3 مليار مسيحي، اي ما يعادل ثلث التركيبة السكانية في العالم. من الجدير ذكرُه، أنّ المسيحيين الكاثوليك في العالم أجمع يخضعون قانونيًا وكنسيًا لسلطة الكرسي الرسولي ومقرُه دولة الفاتيكان، وهم يشكلون اليوم نسبة تقريبية تصل إلى ما يربو على 51% تقريبًا من مجموع تعداد مسيحيي العالم. يقابل ذلك رقمًا مهمًا للكنائس البروتستانتية والإنجيلية وما في دارتهما من كنائس حديثة غير رسولية ليصل عديدُها بحدود 37% من المجموع العام للمسيحيين في العالم، وما نسبتُه التقريبية 12% لأتباع الكنائس الأرثوذكسية المختلفة بحسب إحصائيات مقربة من الدوائر الفاتيكانية.
كان لإصرار بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، على تحقيق أمنية سلفه الراحل يوحنا بولس الثاني، وقعٌ كبيرٌ لدى أوساط عالمية وعراقية متابعة لرحلات بابوات الكنيسة الكاثوليكية. وهذه الزيارة لها من الأبعاد المختلفة ما يجعلها اليوم محطّ أنظار العالم بأسره، لكونها ستسبغُ بركة بابوية متميزة على شعبٍ مقهور وجريحٍ مصاب بأشكال العاهات والأمراض والمصائب، إنسانيًا وسياسيًا واقتصاديًا وبيئيًا وعلميًا وثقافيًا وتربويًا وأخلاقيًا، بل وفي كلّ شيء. فالعراقيون يعيشون منذ عقودٍ ضمن اسلوب حياة شعوب القرون الوسطى في تتالي الحروب والنزاعات وأعمال العنف غير المبرّر، وفي الفساد والانفلات الأمني بوجود الدولة العميقة وأدواتها التخريبية، وفي غياب الضمير الإنساني وروح التآخي، وفي انحسار الروح الوطنية في زمنٍ صار الغريبُ والدخيلُ في البلد سيّد الشعب والأرض والثروة. من هنا ندرك شكل هذه الزيارة التي تتخذ طابعًا تضامنيًا مع العراق، حكومةً وشعبًا، بهدف إعادة اللحمة المجتمعية والغيرة الوطنية وتحفيز زمن التآخي والتعايش والتضامن والمحبة والمصالحة بلا حدود ولا رسوم ولا تمييز على أساس ديني أو عرقيّ أو مذهبيّ. كما أنها لا تخفي شيئًا من الرمزية الراعوية الأبوية لأكبر سلطة كنسية في العالم تتنازل للقاء أتباعٍ مسالمين تلقوا صفعة موجعة على ايدي فئة إرهابية تبنت عناوين دولة الخلافة الإسلامية التي عاثت في مدنهم وبلداتهم وقراهم خرابًا ودمارًا، ونهبت بيوتهم وحلالهم ودفعت مئات الآلاف منهم لترك ديار الآباء والأجداد والبحث عن ملاجئ آمنة في دول الاغتراب القاسية.
إنّ هذه الزيارة الميمونة ستكون الأولى من نوعها لأول بابا يحطّ أقدامَه على أرض الرافدين، بلد إبراهيم أبي الأنبياء، مهد الحضارات وبوابة الثقافات وتعددية الإتنيات والأديان المختلفة المتعايشة على امتداد التاريخ الإنساني، وصاحبة جذور تمتدّ لبداية انتشار المسيحية فيها منذ القرن الأول الميلادي، حيث نمت فيها المسيحية وسط تقلبات الزمن المختلفة. وبشهادة التاريخ ورموزه وروّاده الحقيقيين، كان للمسيحية وأتباعها دومًا اثرُها الكبير على الحياة العامة في العراق والمنطقة، في تميّزها الثقافي والأخلاقي والأدبي والعلميّ والاقتصاديّ والوطني على السواء حتى قدوم الدولة الإسلامية وتعاقب أزمنة الحكم في هذه الأخيرة على عهود الخلافة الراشدية والأموية والعباسية بالتتالي. ومع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، بدأت أهمية المسيحية الحضارية والثقافية والأدبية والسياسية بالانحسار التدريجي لصالح انتشار أدوات الثقافة الإسلامية كنتيجة عملية لطبيعة تعاملها مع باقي الشعوب والأديان من نظرة دونية تجاه المختلفين مع توجهاتها وقيمها ونزعاتها التشددية بفعل إعمال السيف الذي كان سيدّ الموقف والواقع وما شابهه من أدوات القتل والتهديد والترويع. وقد اتخذت تلك الأفعال شكلَ فتوحات توسعية تعسفية آنذاك بهدف نشر الدين الإسلامي بالسيف، إلاّ أنها في الواقع يمكن وصفُها ما يشبه الغزواتٍ القبلية والعشائرية التي آمنَ بها الخلفاء وأتباعُهم وحواشيهم. وبالرغم من كل تلك الأحداث المأساوية التي حدثت للشعب المسيحي عبر التاريخ، إلاّ أنها لم تخلو بين الفترة والأخرى من بروز أعلامٍ وعلماء وأدباء وزعامات مسيحية مؤثرة كانت لها بصماتُها على الصعيد الوطني والمنطقة والعالم في حقبٍ مختلفة ولاسيّما إبان النهضة العربية التنويرية حتى يومنا هذا.

اهتمام القيادة العراقية وزعاماتها الدينية
مَن يتابع ويراقب الاستعدادات الحثيثة الجارية على الساحة العراقية يدرك تمامًا الأهمية الكبيرة التي توليها زعامات عراقية دينية وسياسية وبرلمانية لهذا الحدث الكبير. فعلاوة على الاستقبالات المعلنة التي ستجري لبابا الفاتيكان على الصعيد الرسمي، يبرز الحدث الأكبر بلقاءٍ مرتقب لشيخ الفاتيكان المسالم مع سماحة المرجع الشيعي الأعلى الشيخ الوقور، علي السستاني، في مدينة النجف الأشرف. وقد أُثيرت تساؤلات عمّا إذا كان اللقاء المرتقب سيتضمن فعلاً توقيع ما يشبه "وثيقة الأخوّة الإنسانية" التي سبق أن وقعها قداستُه مع شيخ الأزهر أحمد الطيب في 4 شباط 2019. لكنّ الأخبار المتوالية من مراكز المراجع العراقية المتعددة الشيعية والرسمية استبعدت هذه الفكرة تمامًا. ولعلّ من أسباب هذا التراجع، خشية جهات مرجعية وسياسية مقربة من دارة المرجع الديني الشيعي من القبول بأية التزامات أدبية وأخلاقية ودينية تجاه مَن تشملُهم بنود مثل هذه الوثيقة، ونقصد بهم أبناء الأقليات الدينية والإتنية بمن فيهم المواطنون المسيحيون والإيزيديون والصابئة المندائيون وآخرون على شاكلتهم على وجه الخصوص. فهؤلاء هم المتضررون الأكثر من غيرهم بسبب ما يجري من خروقات واعتداءات وتهميشٍ من جانب سطوة المثلث الحاكم وفق معايير المحاصصة القاتلة والظالمة بحق الوطن وأبنائه. وفي هذا التراجع أو عدم القبول، هناكَ مَن يثير تساؤلات حول تأشير توقعاتٍ بوجود دوافع سياسية وضغوط خارجية تقف خلفه، بسبب ما قد يحتمله مثل هذا الالتزام من انحسار محتمل لسطوة دولة جارة تمسك بزمام الحكم والسيطرة والتوجيه بلا منافس على الساحة السياسية العراقية وبالتواطؤ مع الراعي الأمريكي وحلفائه للعملية السياسية برمتها. وفي اعتقادي، لو كان حصل التوقيع على مثل هذا البروتوكولٍ الأخوي الإنسانيّ، لفُرزت له أصداءٌ دولية قوية بسبب ما يحمله من رموزٍ دينية ودلالاتٍ إنسانية في إبرازٍ واضحٍ لسمات الوئام والسلام والتسامح والمحبة التي تؤمن بها الديانات التوحيدية الثلاث، وعلى رأسها وفي مقدمتها المسيحية، وذلك من دون اختلاف أو خلافٍ في المبادئ الإنسانية العامة إلاّ في ما لا يؤمنُ به أدعياءُ التشدّد والتطرّف وعرّابو الحروب والقتل والنهب والسلب ورافضو التعايش السلمي والاختلاف التعددي في الدين والعرق والمذهب.
في كلّ الأحوال، فإننا ندرك أهمية الزيارة التاريخية المرتقبة التي توليها الزعامات العراقية المعتدلة جميعًا لكونها تصبُّ في أمل إعادة الدولة العراقية إلى مسارها الصحيح بين الدول وشعوب المنطقة والعالم بالعمل على إعادة هيكلة السياسة الوطنية وتوجيه دفتها نحو بناء الإنسان العراقي والابتعاد عن اية نزعات ولائية غير وطنية لصالح أطرافٍ خارجية. فكل هذه العناوين الفرعية الدخيلة غير الوطنية القائمة في حاضرنا الراهن، لا يمكن بأيّ شكلٍ من الأشكال أن تكون حريصة على بناء البلاد والعباد أكثر من أبنائها الأصلاء في حالة العمل بعيدًا عن الانتماء الصادق للوطن والأرض والحضارة والثقافة الخاصة به. وستبقى هذه المسميات الدخيلة المهيمنة منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا والناجمة عن الهزالة في إدارة البلاد ووسط غياب واضح للإرادة والضمير والروح الوطنية المطلوبة الضامنة للاستقرار والتنمية والتطور والرفاه للشعب، مثار امتعاضٍ وسخط ورفض دائمٍ من قبل عامة الشعب ونخبه الصابرة. 
لقد تناهى لأسماعنا أيضًا، تمنياتُ العديد من الزعامات السياسية والدينية من إسلامية ومسيحية وإيزيدية وصابئية، اللقاء مع قداسته. ونأمل أن تكون الفرصة مؤاتيه لمثل هذا اللقاء التضامني الأخوي والإنساني على عتبة "زقورة أور" التاريخية في ثاني أيام الزيارة يوم السبت المصادف 6 شباط والتي خصّص لها البابا مكانة في قلبه وضميره ضمن برنامج الزيارة، حيث ستكون فرصة لتوالي الحوار بين الأديان والمعتقدات وفق مبدأ احترام التعددية والتنوع التي من شأنها زيادة ثراء عناصر المحبة والأخوّة والتضامن من أجل خلق مجتمعات متعايشة سليمة إنسانيًا وبشريًا. فالاختلاف في الدين والعرق والبشرة واللون والفكر والتقاليد، مثلُه مثل اختلاف أنماط الحياة وسلوكيات البشر. فكلّ اختلاف هو بحدّ ذاته غنى إيجابي وثراء تكاملي يُكملُ ما ينقصُ الآخر ويبني على ما يقدّمُه الآخر من مبادرات وأعمال خير ومحبة وتفاهم وتعاضد، وعلى كلّ شخصٍ أن يقبلَ الآخر كما هو وليس وفق مقاساته وتفكيره ورؤيته التي قد تكون قاصرة أو ناقصة في بعض جوانبها وطروحاتها. كما أنّ اختلاف الألوان والأفكار والرؤى يمنح اللوحة البشرية جماليًتها ويزيدُ عليها إذا كانت جميلة ومتميزة. هكذا نحن في عراق الحضارة والثقافة، تتميّز شعوبُنا وأتباع دياناتنا بشيٍء من الجمال في بعض ملامحنا وسلوكياتنا. كما أنه ليس بالضرورة أن تكون المنظومة بأكملها متشابهة ومتساوية في السلوك والفعل والأداء، بل إن أيّ اختلاف فيها دليلٌ على وجود نوعٍ من الاستقلال في تلك المنظومة. وإنّ أيَّ اختلاف هو دومًا محطّ تقديرٍ وتفاعلٍ وتكاملٍ بالحوار والنقاش والتفاهم على الحدود الدنيا من الرؤى والأفكار ووجهات النظر، شريطة أن تصبّ جميعًا في صالح الإنسان والمجتمعات والأوطان. فهي الأداة الصحيحة لبناء الإنسان والأوطان واستقرار شعوب الأرض وسلامتها وأمنها، طالما أنّ الإنسان هو محور الحدث وصاحب الحياة!

لا للتطرف في الأفكار والسلوك
لا ننكر أن من أهداف الزيارة البابوية، تأكيد الفاتيكان الرسمي على ضرورة حماية التعددية والاختلاف في الدين بين الأقلية والأغلبية الحاكمة. فالزيارة فيها من الأبعاد السياسية ما يساويها ممّا تحملُه من أهدافٍ روحية وتعزيزية وتشجيعية ترقى لتثبيت أتباع الديانة المسيحية والمطالبة الحثيثة بزيادة حمايتهم من أجل المحافظة على جذورهم التاريخية والحضارية والثقافية، في بلاد "شنعار"، العراق. وهي رسالة شاملة أيضًا لجميع أتباع الديانات الأخرى التي تشكل اليوم أقليات ضعيفة وواجبة الحماية في البلاد. وفي هذه الزيارة نقرأ أيضًا بين السطور نداء ملحًا ودعوة واضحة لإشاعة روح التآخي والتعايش ونبذ اية نزعة للتطرف والتشدّد على أساس الدين والمعتقد والعرق والطائفة. فهذه جميعًا تعسّر الحياة لأتباع الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية ولا تيسرُها لهم. بل إنّ أيَّ شكلٍ للتشدّد والتطرف في الأداء والفكر والتعاطي مع الآخر المختلف عن دين الحاكم من شأنه قتلُ أيّة روحٍ للتفاهم والحوار من أجل غدٍ أفضل يهدف لتكوين مجتمع تسوده المحبة والوئام والتفاهم والتوافق، ليس من أجل تعزيز المكاسب غير المشروعة، بل من أجل البناء السليم لمجتمع سليم يحظى جديرٍ بوطنٍ يحمل الخير والرفاهة والسلام للجميع على اساس تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وفق مبدأ الجدارة والكفاءة والأهلية وصحة الانتماء للوطن. وهذا ما ينقصنا في بلدنا منذ عقود، وزادت منه الزعامات السياسية الحاكمة بأمر الغازي الأمريكي الصلف منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا بعد التغيير الدراماتيكي الوقح في 2003 بحجج واهية وتبريرات سياسية منتفعة بناءً على تهريجات وتخريفات معروفة الأغراض والأهداف والتوجهات.
إن في رسالة بابا الفاتيكان رائحة ذكية من الروح الإنسانية يودّ نقلها لعموم الشعب وللزعامات الدينية والسياسية بتكريس الحكمة وإعمال العقل وسيادة العدل وتشجيع روح الإحسان وتبادل الاحترام وترسيخ علاقات الثقة المتبادلة بين جميع مكونات الوطن الواحد الذي يفخر بكونه أرض أبي الأنبياء إبراهيم، أبي إسحق ويعقوب وابنائه الاثني عشر وأسباطهم الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة وتباركوا بها وباركوها بأيديهم وأرجلهم واعمالهم وذرّيتهم من بعدهم. أفلا يستحق ابناؤُهم من بعدهم العيش الرغيد الهانئ المفعم بالتفاهم والتآزر والسلم والأمان والاستقرار والرخاء بعد السنين العجاف من توالي المصائب والآلام والأزمات؟
من موقع آخر، لو لاحظنا، فالزيارة التاريخية هذه ستشمل وسط البلاد وجنوبه وشمالَه، وفيها دلالات طيبة على احترام ورؤية قداسته لجمالية الإرث الإيمانيّ والإنسانيّ والحضاريَ الذي لا مثيلَ له في العراق، فشاءَ أن يُظهرهُ للجميع ولأبناء الوطن بوجه أخصّ. وفي اعتقادي، أن لقاءه التاريخي الذي سيجمعُه مع المرجع الشيعي، سماحة الشيخ الوقور علي السيستاني، كما فعلَ مع فضيلة شيخ الأزهر أحمد الطيّب ، سيفتح ابوابًا عديدة للتفاهم والتحاور وتجاوز التمييز بين أبناء الوطن الواحد على أساس الدين والمذهب والطائفة، ومنه وضع حدود حاسمة للتجاوزات الحاصلة بسبب الراديكالية القائمة لدى بعض الفصائل المسلحة التي تتخذ مِن ما يُسمّى بشعار المقاومة سبيلاً لفرض سطوتها وتشكيلها تهديدًا لكلّ مَن لا يواليها في الفكر والأهداف أو يعترضُ سبيلَها. وفي كلّ الأحوال، يمكن الانطلاق من وراء تحقيق هذا اللقاء التاريخي المهمّ، نحو فضاءات أوسع لتقديس حرية الفرد في الدين والفكر والتعبير. وكما أشار قداستُه يوم توقيع الوثيقة مع شيخ الأزهر بالقول :"بدون الحرية، لا يمكن أن نكون أبناء العائلة البشرية الواحدة". فالحرية الدينية حقٌّ مكفولٌ لأيّ إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، ومن شأنها أن تعمّق مفهوم الأخوّة بين البشر في البلد الواحد وفي العالم على السواء. وهذا ما حدا بالأمم المتحدة لاعتماد تاريخ التوقيع على تلك الوثيقة من كلّ عام "يومًا دوليًا للأخوّة الإنسانية" ليكون بمثابة دعم عالمي لجميع الجهود الإنسانية الرامية لنشر ثقافة التسامح والتعايش والتضامن وكذا لمكافحة كلّ أشكال التمييز والتطرّف والتشدّد والعنصرية والكراهية بين الأجناس البشرية مهما كانت أديانُها وحضاراتُها وألوانُها وأعراقُها ومذاهبُها ومعتقداتُها. فالأديان لله والأوطانُ وثرواتُها وخيراتُها لمَن يعيش فوقها ويستغلُّها للصالح العام للأوطان وأهلها ولعموم البشرية، كونها خليقة الله الحسنة.
وأخيرًا أغرّد مع أبناء وطني من ذوي الإرادة الطيبة: مرحبًا بالبابا فرنسيس في رحاب أرض الرافدين!
تنويه: تأتي زيارة البابا فرنسيس إلى العراق في الأساس بناءً على دعوة خاصة من رأس الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم غبطة البطريرك (الكاردينال) لويس ساكو، باعتباره رأس الكنيسة الكاثوليكية في العراق أيضًا. وبتحفيزٍ من غبطته، ونظرًا لسعة علاقاته الطيبة مع الرسميين في الدولة العراقية وعددٍ من زعامات الأحزاب السياسية، تبنت رئاسة الجمهورية الفكرة، وكثفت الخارجية العراقية من جهودها لتحقيق حلم هذه الزيارة. لذا، لا غرابة أن تتسم الزيارة ببصمات واضحة للكنيسة الكلدانية في تنظيم برنامج الزيارة التاريخية من حيث اختيار مواقع الزيارة وإدارة فعالياتها وفرض ما تراه موائمًا لكنيسة العراق بالتفاهم مع سفير الفاتيكان المتعاطف مع رئاسة الكنيسة الكلدانية. فكنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك أو كنيسة الطاهرة الكبرى في قرقوش، كانتا الأجدر بتكرّم قداسته إقامة قدّاس في إحداهما، لكون كلتا الكنيستين تمثلان رمزًا ودلالة على الشهادة الخالصة للرسالة المسيحية في العراق، وقد نالتا قسطًا وافرًا من قساوة الدهر والشهادة وأعمال العنف والتخريب والدمار والنزوح والتهجير. لذا وجب التنويه مع وافر التقدير والاحترام لجميع الجهود بإنجاح الزيارة!


22

 تقنين تجارة الخمر وعلب الليل ولا لسموم المخدرات
لويس إقليمس
بغداد، في 23 آذار 2019
تقارير أمنية شبه يومية تشير الى تنامي ظاهرة سلبية قاتلة وسط الشباب العراقي وشرائح أخرى في المجتمع العراقي البائس، وهي ظاهرة الترويج للمخدرات، زراعة واستيرادًا وتسويقًا وتداولاً. آخرها ما صرّح به محافظ واسط من اكتشاف مزرعة لنبتة ثمينة من أنواع الهيروين على ضفاف نهر دجلة قرب مخيم الكوت الكشفي واعتقال صاحبها، داعيًا لاتخاذ ما يلزم لوضع حدّ لمثل هذه الآفة ومعالجتها. وقد سبقته قبل أشهرمحافظة كربلاء التي أشارت إلى هذه الظاهرة السلبية أيضًا وانتشارها على نطاق واسع في المحافظة عندما عقدت مؤتمرًا خاصًا للتنبيه من آفتها التي باتت تغزو المجتمع العراقي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وفي ذلك المؤتمر، بادرت كل من هذه المحافظة وبالتعاون مع العتبة الحسينية للتحذير من تنامي هذه التجارة القاتلة وتحوّلها إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها. كما سبقتها تصريحات لمسؤولين عديدين من محافظات أخرى من جنوب العراق حصرًا، تشكو من فقدان السيطرة على تداول هذه السموم في محافظاتهم، سيّما وأنها أصبحت ظاهرة كبيرة التداول في الشارع والمنزل والعمل وأماكن خاصة يصعب على الجهات الرقابية وصولها.
إذن، هذا خطر آخر يهزّ المجتمع العراقي منذ فترة ليست بالقصيرة وبالذات منذ إسقاط النظام السابق، حيث خرجت إجراءات الخدمات الرقابية الرصينة الفاعلة والمشدّدة عن نطاق قدراتها بعد أن كانت المعالجات والإجراءات آنذاك في أقسى مظاهرها. أجراس عديدة للإنذار دقت وماتزال تدقّ بين فترة وأخرى، وأخرها هذه المبادرة الملفتة للنظر إنْ كان القصد منها حقًا الحد من الترويج لهذه الظاهرة وفرض عقوبات مشدّدة على المتاجرين بهذه السموم القاتلة والمدمّرة وعلى مستخدميها ومروجيها وداعميها على السواء. وما تصريح السيدين محافظي كربلاء وواسط مؤخرًا، بإطلاق صافرة الإنذار من "تحوّل تجارة المخدرات في كربلاء إلى ظاهرة وحصول ما لا يحمد عقباه" سوى تحذير حقيقيّ خطير بإمكانبة غزو هذه المواد السامة لمجتعات البلد كافة بعد أن فعلت فعلها في محافظات جنوبية مستمدّة دعمها من هشاشة الوضع على الحدود الشرقية مع الجارة إيران وسطوة جهات ميليشياوية أو أخرى مرتبطة بأحزاب أو شخصيات في هرم السلطة تقف وراء التغطية والحماية للمتاجرين والمروجين لها. 
إن التحدّي الجديد المتمثل بانتشار ظاهرة المخدرات بأنواعها وأشكالها ووسائل إنتاجها وترويجها وتسويقها وسط المجتمع العراقي لا يقلّ في التعاطي مع مشكلته مع ما تشهده الدولة العراقية برمتها بقطاعيها الحكومي والخاص، من استشراء ظاهرة الفساد المالي والإداري والرشى في مفاصل الحياة العراقية بمجملها، بحيث عجزت أجهزة الدولة في محاربة هذه الآفة، بالرغم من تعدّد الأجهزة الرقابية والأمنية والهيكلية والقضائية المستنفرة شكليًا من أجل محاربتها. والسبب لا يقبل الجدال، كون الجهات التي تقف حائلاً أمام مواجهة هذا التحدّي والقضاء عليه أو تحجيمه هي جزء من هرم السلطة أو هي فعلاً مشاركة في عمليات الفساد بطريقة أو بأخرى، أو إنها تمنح الغطاء الشرعي لمثل هذه السلوكيات من خلال تقديم أشكال الحماية الأمنية والتجارية والشرعية. وبهذا المسعى، فإنها تهدف وضع العقبات للوصول إلى الرؤوس الكبيرة الداعمة أو التي تغطّي على هذه التجارة بدءً من مواقع الإنتاج ومرورًا بالمنافذ الحدودية وأسلوب الترويج والمتاجرة والتوزيع في الداخل والخارج.
مَن المستفيد ومَن المسؤول؟
لكون هذه المشكلة أصبحت تلقي بظلالها على مجموعة من الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية والدينية كما جاء في سرد مسؤولين في محافظات جنوبية وعلى لسان أجهزة أمنية مطلعة، وهم يعون حقًا ما يراودهم من هموم مؤرّقة، فإنّ المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية والصحية تقع اليوم على عاتق الجميع من أعلى هرم السلطة إلى القواعد العامة في المجتمع ومَن لهم مسؤولية النصح والتوجيه في المنابر الدينية جميعًا وفي المؤسسات والمنظمات المجتمعية من دون استثناء، سيّما وأن المسؤولية إن لم تكن تضامنية، فلن تجدي نفعًا، لكون الشرخ كبيرًا والواقع خارج نطاق السيطرة. وهذا ما يدعو للبحث عن الأسباب والمسببات وتحديد الجهات المستفيدة من انتشار هذه الظاهرة وغيرها من تلك الدخيلة على المجتمع والأغراض الخسيسة التي تقف وراءها جهات متنفذة في مواقع السلطة وعلى الحدود والتي تيسّر دخول هذه السموم وتساهم في ترويجها وزيادة حجم تداولها بسبب ما تدرّه من منافع وموارد تزيد الشهوة وطلب المزيد.
لقد سبق لجهات رقابية وناصحة ومصلحة من قبيل مراقبة السلوك المجتمعي في البلاد أن تداولت في أساس هذه الظاهرة وانتشارها الكبير في صفوف المجتمع العراقي ولاسيّما في الأوساط الشبابية. ومن جملة ما جرى تحديده وتوصيفه بعد تحليل دقيق للمشكلة وأسبابها، أن من بين المسببات الأساسية لها ما تعانيه طبقات مجتمعية بائسة من آلام عاطفية وفراغ مجتمعي للترويح عن النفس الضائقة ونقص في الحاجة الجنسية وفي الحرية المفقودة في اختيار نهج الحياة وفي التعبير عن الذات التي ظلمها المجتمع نفسه ومَن في هرم السلطة. فالغزوات الظالمة المتعاقبة على محلات بيع الخمور والنوادي والعلب الليلية المجازة التي كانت في السابق تحت مراقبة أعين السلطة والأجهزة الرقابية، كان لها هي الأخرى وقع كبير في تحوّل الحاجة الطبيعية للترفيه والتريح عن النفس بالبحث عن متنفس آخر ليكون هو البديل. والنتيجة أنّ البديل الجديد كان أكثر تدميرًا للذات والمجتمع والبلد. ولم نسمع في السابق أحاديث عن تداول سموم المخدرات في حقب الأنظمة السابقة إلاّ نادرًا حيث القوانين الرادعة آنذاك كانت كفيلة بمنع معظم أشكال السموم والأنشطة غير المشروعة وتلك الدخيلة منها على المجتمع. وهذا ما يفسّر سيادة الأمن والأمان ونقاء المجتمع العراقي وانفتاحه وتميّزه عن غيره من دول الجوار والمنطقة.
بلد المرح والرفاهة
إنّ ما نشهده اليوم يأتي ضمن الانحلال السلطوي والفوضى في مراكز القوى والأجهزة الرقابية وفقدان السيطرة على الشارع بما فيه من مآسٍ قائمة في بعض أسبابها نتيجة لتعدّد السلطات التنفيذية وخضوع معظمها لأحزاب السلطة التي تعتاش وتتاجر وتثرى من وراء المتاجرة بمصائب الشارع ومآسي الشعب. وممّا زاد في الطين بلّة، دخول أحزاب ومكاتب اقتصادية تابعة لكتل سياسية متنفذة أو أشخاص أو جماعات ومافيات وعصابات أحيانًا تعمل تحت غطاء أحزاب وشخصيات مقربة من مراكز السلطة في تحديد عمل تجارة الممنوعات الجديدة التي طغت على تجارة الخمور، بالرغم من أنّ هذه الأخيرة قد تطبّعَ عليها البلد ولم تكن تشكل يومًا خطورة طالما كان التداول بها ضمن القوانين والأصول وتحت رقابة أجهزة الدولة. فقد عُرف العراق بلدًا منفتحًا أكثر من غيره من دول المنطقة في التمتع بالحياة الحرة الطبيعية المرحة في حقب خالدة من الزمن الجميل الذي ولّى. فكان حقًا دار استراحة للأشقاء والسياح والزوّار للاستمتاع بليالي أبي نؤاس وشواطئ دجلة الخالد ونخيل البصرة ومشاحيف العشار وربوع نينوى المعروفة في صناعة الخمور والعرق البعشيقي والمسيّح والعصرية. أمّا اليوم، فقد اختلفت الموازين وفقد العراق بريقه وضاع الشعب الطيّب بين إرادات مصالح أحزاب السلطة ورغباتها وأهوائها ومفاسدها التي لا حدود لها ولا ننسى تأثير دول الجوار الطامعة. ومن المؤسف أن نرى جهات كثيرة قد سمحت لنفسها بمراقبة نشاط محلات بيع الخمور والمراكز الترفيهية القائمة والنوادي المجازة، ومنها متابعة وسيلة التعاطي مع أصحابها والمتاجرين بها بدءً من المساومة على استيرادها وفرض الشروط والحصص والكوميسيونات في بيعها وفي توزيعها وتداولها عبر وسائل خسيسة بالتهديد المتكرر بمنعها وغلقها أحيانًا أو بالتعرّض لهم بالخطف والقتل والتصفية الجسدية من دون رحمة كما حصل مع العديد من المتاجرين بها طلبًا للرزق الحلال من أبناء المكوّنين المسيحي والإيزيدي بصورة خاصة.
كل هذه الأفعال الشنعية وغير الحضارية ساهمت في تدهور الوضع الأمني في البلاد واضطرار أبناء المكوّنات التي تتعامل بهذه التجارة إلى مغادرة البلاد أو الانتظار في طابور البطالة بسبب الخوف الدائم من ابتزازهم من قبل نفر من القائمين على السلطة والمافيات التي تعمل تحت غطاء هذه الأخيرة وتفرض ما يسعها من أتاوات أو تعمل على اتخاذ سلوك التهديد بالمنع والقتل وقطع الأرزاق. كما ساهمت في تدمير القوة البشرية في البلاد عبر انجرار العاطلين وأصحاب السوابق لارتكاب الجرائم والخروج عن القيم المجتمعية والتقاليد البيتية المتعارف عليها.
بالنتيجة، فإنّ منع تعاطي الخمور وأنواع الكحول وإغلاق البارات والنوادي الليلية المجازة سابقًا بموجب أنظمة وقواعد أمنية صارمة، قد فتح الأبواب لتجارة وترويج المخدرات التي هي في واقع الحال أكثر خطورة وأعظم فتكًا وأكثر إيذاءً للمجتمع ولاسيّما في المقدمة من الجميع طبقة الشباب المظلوم. ويرى الكثيرون أن مَن يقف وراء منع الكحول وتعاطيها وغلق المراكز والنوادي والبارات هي جهات متنفذة في السلطة تسعى من وراء هذا المنع لزيادة مبيعاتها من المخدرات التي لاقت رواجًا كبيرًا بعد الاحتلال الأمريكي في 2003، ما دفع المحرومين منها للتحول للبضاعة المحظورة الجديدة. فكلّ "ممنوع مرغوب" بحسب القاعدة المعروفة. فما يتم تداوله وما تكشف عنه السلطات الرسمية من وضع اليد على أنواع المخدرات التي تدخل عبر المنافذ الحدودية غير المسيطر عليها تمامًا مثل الكرستال وحبوب الهلوسة وأقراص التخدير وأشكال الحشيشة وغيرها ممّا لم نسمع عنه، تدعو الجهات المسؤولة للتضامن والتكاتف من أجل محاصرة هذه التجارة والقضاء عليها تدريجيًا. وما دامت الحدود مفتوحة مع دول الجوار ولاسيّما إيران، وبوجود ثغرات متعمدة في المطارات والمنافذ الحدودية المخترقة من قبل أفراد تابعين لأحزاب السلطة والكتل السياسية المتحكمة في إدارة هذه المواقع كونها تدرّ عسلاً ومالاً وفيرين لتأمين نفقاتها وبرامجها الانتخابية ومشاريعها الخاصة التدميرية للبلاد، فإنّ الأمور ستسير من سيّء إلى الأسوأ بحسب مراقبين ومتابعين لهذه الظاهرة.
تبقى الحلول بيد السلطات العليا وفي الإجراءات الصارمة التي يمكن أن تتخذها الجهات ذات العلاقة للحد من دخول هذه السموم عبر الثغرات القائمة في المنافذ الحدودية الجوية والبحرية والبرية على السواء. فليس مقبولاً أن تحتفظ جهات مرتبطة بأحزاب السلطة، كما يبدو، بوجود أفراد يعملون على تسهيل هذا النوع من التجارة المحظورة مقابل رشى وأتاوات وكوميسيونات وعلى مرأى من السلطات العليا التي تغض النظر في أحيان كثيرة. كما عليها الأخذ بنظر الاعتبار عدم قبول إمكانية عودة البلاد إلى الوراء في انفتاحها المعروف على العالم وفي طبيعة ثقافة مجتمعاتها المتعددة في العرق والدين والمذهب، وأنه لا يمكن تحويلها إلى قندهار أفغانستان ولا إلى قم ومشهد إيران. وهذا يفتح الباب أمام الجهات المعنية بالسياحة والأمن المجتمعي لتدارس وضع برنامج وطني طموح ومنفتح النظرة والرؤية لحماية مراكز اللهو والنوادي الليلية الموجودة ومحلات بيع الخمور والجهات التي تقوم بتجارة استيرادها وتوزيها وبما لا يؤثر على السلم المجتمعي والأخلاقي لتبقى تحت أنظار الجهات الرقابية بعيدًا عن تدخلات جهات وميليشيات وعصابات أحزاب السلطة. فسلطة الدولة وقرارات الحكومة ينبغي أن تكون الأعلى وفوق كلّ المسميات الفرعية الأخرى وفق القوانين والنظم التي تكفل الحريات للجميع بما فيها حرية تجارة الخمور بأنواعها، إنتاجًا واستيرادًا وتداولاً واستهلاكًا. وهذا أفضل من تحويل البلاد إلى مستنقع للمخدرات والجريمة المنظمة ومراكز للإدمان بسبب ما تأتي به هذه من فظائع ومآس وخراب البيوت وتهديد للأمن المجتمعي. ونعتقد أنّ للإعلام والمرجعيات الدينية والمراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدني دورًا أساسيًّا في التوعية بمخاطر سموم المخدرات وتهديمها للأسرة والمجتمع والبلاد على السواء. فهذا ما يسعى إليه أعداء العراق!


23
اتفاقية باريس للمناخ بعد خمس سنوات من السعي والمجاهَدة
لويس إقليمس
بغداد، في 28 كانون ثاني 2021
حققت اتفاقية باريس (COP21) للمناخ منذ اطلاقتها قبل خمس سنوات نتائج إيجابية متقدمة على صعيد تحسين البيئة وجعل الأرض نظيفة وخالية نسبيًا من التجاوزات المناخية المتصاعدة عالميًا بسبب تزايد المخلفات الصناعية الناجمة عن تكدّس المواد الكاربونية المضرّة، وذلك عبر السعي الحثيث لمعالجتها بوسائل التقنية النظيفة التي تحفظ للبيئة نقاوتها نسبيًا قدر الإمكان. ومن الأهمية بمكانٍ، أنّ الاتفاقية ماتزال حية وقائمة وتتفاعل معها الحكومات والمنظمات المختلفة، وآخرها عودة الولايات المتحدة الأمريكية للعمل بها في ظلّ الإدارة الديمقراطية الجديدة، والتي كانت من ضمن القرارات الأولى التي وقّعها الرئيس جو بايدن يوم تنصيبه رئيسًا للقوة العظمى الأولى في العالم. وتمرُّ الأيام ليعلن "بايدن" لاحقًا عن قرارات جريئة داعمة للحدّ من الانبعاثات الحرارية والغازية بعزم إدارته تنظيم‭ ‬قمة‭ ‬دولية‭ ‬حول‭ ‬المناخ‭ ‬في‭ ‬22 من نيسان القادم من هذا العام لمناسبة "يوم الأرض" والمصادف للذكرى الخامسة للتوقيع على قمة باريس للمناخ،‭ ‬وفق‭ ‬بيان‭ ‬للبيت‭ ‬الابيض. وقد أرفق قراره هذا بتجميد‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭ ‬للتنقيب‭ ‬عن‭ ‬المحروقات‭ ‬من خلال التخلي‭ ‬تدريجا‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬الأحفورية‭ ‬بهدف تحييد‭ ‬أثر‭ ‬الكربون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬بحلول‭ ‬2035، والتوجه عوضًا عنها إلى البدائل المتاحة النظيفة الأخرى من‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬كالرياح وما سواها.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لعلّ من أهداف الاتفاقية العالمية التي جرت المصادقة عليها في 12 كانون الأول 2015، والتوقيع عليها في 22 نيسان 2016، ودخلت حيّز التنفيذ في 4 تشرين ثاني 2016، تقتضي العمل على تخفيض ارتفاع درجات الحرارة في الجو بمقدار 1,5 درجة مئوية عبر التخفيف من الانبعاثات الغازية التي تعكّر صفو المناخ على الكرة الأرضية. وقد عُدّ هذا البرنامج من المشاريع الوطنية لعموم الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. بل عُدّ المشروع قانونًا ملزمًا يتحتم في ضوئه تقليل نسبة الانبعاثات الغازية إلى أدنى مستوياتها بحسب جهود كلّ دولة واستعداداتها المالية والفنيّة والتقنية ومستواها الإنمائي بالالتزام ببنوده ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
بالتأكيد، لا يزال التحدّي المناخي في أعلى درجاته، ولكنه مرهونٌ بالأمل بإمكانية تحقيق غاياته النبيلة في جعل بيئة الأرض أكثر صحيّة للبشر القاطنين عليها والمسترزقين من خيراتها، وما أكثرها، بعقلانية ودراية وحكمة وضمير حفاظًا على الصحة العامة وما عليها وفيها من بشرٍ وحجرٍ ودبيبٍ وماءٍ وهواءٍ. لقد دأبت كلّ دولة على تحديد مساراتها لتحقيق هذا الهدف الكبير، وأولُها فرنسا على رأس قائمة دول الغرب التي حرصت على الالتزام ببنود الاتفاقية بكل قوة وعقلانية وعلمية من أجل الوصول إلى هدفها مع حلول العام 2030. وبالرغم من كون الاجراءات المتبعة لبلوغ الهدف الأسمى ليست سهلة ومفروشة بالورود، إلاّ أنّ الرغبة الصادقة لدى الدول المتقدمة بتأمين بيئة نظيفة لمواطنيها أولاً ولسائر دول وشعوب العالم بالتالي، هي الرهان الكبير للبوصلة المناخية الآمنة التي ستقود العالم لتحقيق الهدف. وهذا بطبيعة الحال يجري ضمن برامج معدّة لهذا الغرض حيث يتم تقييم التجارب والأدوات والإجراءات على مدار السنة ممّا يتيح للجهات الحكومية والدول المعنية بالاطلاع على ما تحقق في الدول المتقدمة في مسألة معالجة الانبعاثات الغازية للاحتباس الحراري المرصودة فيها دوريًا. وهذا يتطلب من ضمن الخطوات المهمة المتخذة، التوفيقَ بين الرغبة في نموّ اقتصاديات الدول وطموحات كل دولة مع ما يمكن أو ما تصبو هذه إلى تحقيقه من الناتج المحلّي الإجماليّ. وبطبيعة الحال، قد تكلّف بعض هذه البرامج خسارات معينة في ثروات بعض الدول من الناتج المحلّي لصالح تحقيق تقدّمٍ في تحسين البيئة وإنضاج فكرة أهمية صحة المواطن قبل التفكير في أيّ ربح أو خسارة على حساب ذلك. فمسألة التحوّل البيئيّ لن تكون ممكنة من دون تحقيق الشيء الكثير من هذه الجهود الجماعية التي تتطلب انحيازًا إيجابيًا لصالح بيئة آمنة شبه خالية من تزايد الأبخرة الغازية القاتلة للبشر والبيئة معًا.
أهمية الاتفاقية للأجيال القادمة
   من هنا نستطيع فهم مقدار وأهمية اتفاقية باريس في تحقيق الصحة العامة للجميع، بشرًا وأرضًا وسماءً وماءً وحيوانًا وحشرةً وما سواها من خليقة الله التي صنعها لمنفعة الأرض والتمتع بها وبخيراتها بأريحية ممكنة في حالة استخدام ما عليها برويّة وعقلانية وحكمة، كما أسلفنا. لذا تكمن القوّة الكبيرة في هذه الاتفاقية بالإجماع العالمي حول بنودها وأدواتها وأهدافها، مدركين حجم المسؤولية البشرية وحجم التحديات المناخية المتصاعدة على السواء، ما يجعل الأطراف الحريصة على نقاوة المناخ وصحة البشرية وتعافي الأرض، تسعى للالتزام قدر المستطاع بالإجراءات الضرورية المقترحة أو المتخذة جماعيًا لتحسين البيئة تلافيًا لأية منغّصات جانبية وتبديدًا لأيّ قلق مرتقب. ونظرًا لما نالته هذه الاتفاقية من زخمٍ كبيرٍ متزايدٍ من دول ومنظمات وجهات دولية أخرى ذات العلاقة بشأن ما تتعرّض له البيئة عمومًا، فقد جاء تصريح النائب البلجيكي فيليب لامبيرتس عن حزب الخضر والرئيس المشارك حاليًا لائتلاف الخضر في الاتحاد الأوربي متناغمًا مع أهمية احترام بنود وجهود المشرفين والمدافعين عن الاتفاقية التي نالت زخمَها من جهود أعضائها ودعواتهم الملحة في الحفاظ على بيئة نظيفة لما فيه خيرُ الأمم والشعوب والأجيال القادمة. ‬
بالإشارة إلى ما شكلته موضوعة انسحاب الإدارة الترامبية من اتفاقية باريس في العام 2017، من صدعٍ جزئيّ أو اضطرابٍ شكليّ نظرًا لموقع أميركا كدولة عظمى، إلاّ أنّ المجتمع الدوليّ مضى قدمًا في أنشطته وفعالياته المناخية من دون أن تتأثر إجراءات الحفاظ على البيئة، كما كانت تتوقع الإدارة الأمريكية في حينها. وجاء العام 2020 ليسجلَ درجات حرارة ساخنة على غير العادة بعد أن لوحظ تواري كتل جليدية ضخمة من على وجه القارة القطبية الشمالية تحديدًا، ما شكّلَ هواجس جديدة من تصاعدٍ جديدٍ للمشكلة المناخية. وهذا ممَا انسحبَ طبيعيًا على بلدانٍ عديدة ومنها القارة الأوربية التي شهدت صيفًا ساخنًا بعض الشيء وبلدان غيرها في شتى أرجاء المسكونة التي عانت من عواصف وموجات جفافٍ وانجرافات ثلجية واضحة، ما حدا بالأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيرس كي يعلن عن معركة المنظمة الدولية ضدّ هذه الظاهرة الكونية المضرة ويطالبَ بمقابلة الضربة المناخية السلبية بضربة إيجابية أكثر قوة ومعالجة، مشيدًا بما اتخذته الصين وهي أكبر قوة لمصدر الاحتباس الحراري في العالم من خطوات للتخفيف من حدة الأبخرة والغازات المتصاعدة من مصانعها ومعاملها. فالصين تشكل اليوم لاعبًا مهمًا لا يمكن التغاضي عن مسؤوليته التي تبلغ 28% من نسبة الانبعاثات الحرارية في العالم بحسب خبراء ومهتمين في مجال البيئة باعتمادها كثيرًا على حرق الفحم. من هنا يكون التزامُها ببنود الاتفاقية ضرورة أساسية لإنجاح البرنامج العالمي لمكافحة الغازات والانبعاثات الناجمة عن حرق الكاربون والغازات في معاملها ومصانعها المتنامية سنة بعد أخرى. لكن الأملَ قائمٌ بقدرة التنين الصينيّ على التعامل مع هذه المسألة التي تؤرّق أصدقاء البيئة النظيفة في العالم من حيث ما تكتنزه من قدرات مالية وتقنية وبشرية هائلة للتعاطي مع الموضوع.
في ذات الصدد، تشير المعلومات الأولية المنقولة عن الجانب الفرنسي، راعية المبادرة واللولب الفاعل في تقريب وجهات النظر في الاتفاقية، إلى جهود الحكومة الفرنسية ببلوغ خفضٍ قياسيّ في الانبعاثات الحرارية في استراتيجيتها الوطنية بحلول عام 2030 إلى أدنى مستوى متاح. وبالأرقام، اعتمادًا على ما ورد في تقارير معهد Rexecode، وهو أحد المصادر الفرنسية قريبة الصلة بالحكومة، فإنّ هذه الأخيرة قد خططت في توقعاتها ببلوغ معظم استراتيجيتها الوطنية في التقليل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2030. فاستراتيجيتُها تقتضي بلوغ انبعاث غازي بمستوى 310 مليون طن في عام 2030 مقابل الحجم المرصود له 414 مليون طن في العام 2019. ولكن لن يكون هذا الطموح ممكنًا إلاّ إذا تضافرت الجهود لبلوغه عبر مفردات كبيرة الأهمية تتعلّق بتوفر الشروط البشرية والإمكانيات المالية التي تعالج جنبًا إلى جنب مشاكلَ الركود الاقتصادي وتأثيراته وربط ذلك بإتاحة مسألة تجديد الطاقة وإزالة الكربون وتحويل الصناعة والاهتمام بمسألة تخضير الكرة الأرضية قدر المستطاع. وما ينطبق على فرنسا، ينسحبُ أيضًا على سائر الدول المعنية بالموضوع.
لعلَّ من ضمن هذه الأدوات الجوهرية في بلوغ أهداف الاتفاقية أيضًا، الاهتمام بصناعة السيارات التي تشكّل القاسم المشترك في تصاعد الانبعاثات الغازية بسبب ما تستهلكه من وقود متنوع لا يخلو من ملوثات كاربونية قاتلة. وهذا في الأساس ما تسعى إليه شركاتٌ رائدة في عالم السيارات للتحول من استخدام نظام الوقود المحترق بأنواعه إلى نظامٍ أكثر نظافة واقلّ تلويثًا للبيئة. هذا إلى جانب الاهتمام بما يٌسمّى بالنيتروجين "الأخضر" واللجوء إلى أنواع أخرى لإنتاج الطاقة النظيفة المبتكرة في توليد الطاقة الكهربائية، كالرياح واشعة الشمس والقدرات النووية للأغراض السلمية وما في ذلك من وسائل نظيفة غيرها من تقنيات رقمية مرتبطة بإدارة الطاقة.
تحذير دوليّ
هناك إشارات بحصول خفضٍ حقيقيّ في الانبعاثات الحرارية لثاني أوكسيد الكاربون بحدود 7% لغاية الساعة، بحسب مصادر بحثية عالمية. ولكنّ كلّ هذه الجهود بحسب مصادر في الأمم المتحدة، لم تمنع من ارتفاع ملحوظٍ في درجات حرارة كوكب الأرض بحدود 3 درجات في ظلّ جائحة كورونا التي عصفت بالعالم وما يزال تأثيرُها واضحًا على مجمل الفعاليات للدول قاطبة. وبحسب خبراء دوليين في مجال البيئة، فإنّ المؤمَّل ضمن استراتيجية اتفاقية باريس أن تستمرّ الجهود الجماعية لبلوغ حدود 1,5 درجة مئوية لغاية نهاية العقد الحالي، ما يتطلب تخفيضًا في الانبعاثات الغازية للاحتباس الحراري بحدود 7,6% سنويًا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. فقد حذرت هذه الأخيرة من التأثير الضئيل الذي حققته دول العالم في مسألة الانخفاض الفعليّ في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسبب الجائحة والنقص الحاصل في تأمين مستلزمات مكافحتها. وليس خافيًا مثل هذا التأثير على مجمل الفعاليات بهذا الصدد، ما دفع المنظمة الدولية لإعطاء دفعة جديدة للالتزامات الدولية بالرغم من الصعوبات والمشاكل التي رافقت تأثيرات الجائحة.
   من هنا، يشيرُ خبراء في الأمم المتحدة، إلى ضرورة الاستفادة من دروس جائحة كورونا للتفكير مليًّا بما ينتظر الكوكب الأرضي من مآسٍ وتقلبات طقسية لا تُحمدُ عقباها للأجيال القادمة التي لم تولد بعدُ. ومن ضمن التوصيات، يرى هؤلاء بضرورة التفكير في برنامج "التعافي الأخضر" الذي لا مناصَّ منه لتفادي الكارثة قبل وقوعها. ولعلَّ من هذه الوسائل الفاعلة، توفير مستلزمات الدعم المباشر والسخيّ للبنى التحتية وتخفيض دعم الوقود الأحفوري والقضاء على محطات الطاقة العاملة بالفحم الملوِّث والتوجه نحو التقنيات الخالية من انبعاثات الغاز القاتل بأنواعه والتي تزايدت بسبب إهمال الحكومات وأصحاب المصالح الاحتكارية الكبرى في العالم لوسائل الصناعة والإنتاج والتسويق بحثًا عن أرباح أعلى من دون الاكتراث لما تسببه وسائلُهم من اضرارٍ على البيئة وعلى البشرية جمعاء. ومن شأن هذه الحلول القائمة على ما توفره الطبيعة من وسائل آمنة عبر دعم زيادة الرقع الخضراء عوضًا عن التجريف العشوائي للأراضي والحقول والمساحات الخضراء، كما يجري في بلادنا المبتلاة بساسة جهلة في التخطيط الاستراتيجي. وفي حالة اتباع هذه التوصيات عالميًا، فإنه من الممكن خفض ما يصل إلى 25% من الانبعاثات المتوقعة من اليوم لغاية عام 2030، بحسب البرنامج المعدّ في دوائر المنظمة الدولية.
وفي الأخير، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة يخلص إلى حقيقة مفادُها، أن "الوباء هو تحذير يوجبُ على الجميع تركَ مسار التنمية المدمرة بشكل عاجل. فهو محرك الأزمات الكوكبية الثلاث: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث".


24
رفسة الثور الجامح في آخر سكراته
لويس إقليمس
بغداد، في 14 كانون ثاني 2021
مع تتالي الأيام القليلات القوادم، تقترب ولايةُ "الثور" الأمريكي الجامح من نهايتها بسقوط مهين ل"الجاكي" الاستفزازي في أواخر أيام زعامته لأقوى دولة في العالم. فقد اعتقدَ خطأً خارج حسابات الزمن والواقع أن أنفتَه وتعاليَه وثروته ستؤمّنُ له فوزًا ساحرًا سهلاً بولاية جديدة لسنوات أربع تاليات مترعات بالعبثية والاستفزاز والسياسة الرعناء. فحسابات البيدر غير حسابات الأحلام. الرئيس الأمريكي المنتهية ولايتُه " دونالد ترامب" بدا أشبه بالثور الجامح في أيامه الأخيرة التي تفصله عن موعد ترك البيت البيضاوي. فهو الذي أصرَّ منذ بداية ولايته على تجاهلِ حقوق دولٍ وشعوبٍ وضعَها في أسافل رفوف سياسته الاستفزازية، ولم يكن يهمّه مصيرُها ولا مستقبلُها ولا حياتُها. بل كلُّ ما كان في جعبته المثقلة بالمشاكل هي أمريكا أولاً. ولم يكن العراق أفضلَ حالًا ضمن قائمة هذه الدول والشعوب المتهالكة، عندما قبل هو الآخر مثل سابيقه إبقاء الحبل سائبًا لأحزاب السلطة في الحكومات العراقية المتعاقبة ضمن فترة ولايته الجدلية كي تواصل هزالتها وفسادها في إدارة شبه الدولة العراقية سائرةً في طريق المجهول المظلم الأسود. فقد ساعد بطريقة أو بأخرى بإبقاء ارتباط مصير العراق رهن الولائية العمياء للجارة الشرقية  بعيدًا عن أية نفحة وطنية.
سياسة عامة
هكذا هي السياسة الأمريكية العامة للحزبين التقليديين الحاكمين لا تتغير عادة بين ليلة وضحاها حتى يأمر الأسياد عكس ذلك. وهذا التغيير المرتقب لم يأزف وقتُه بعد، كما يبدو. فمازال النهج تجاه العراق والمنطقة، هو ذاتُه الذي رسمه الحاكم المدني "بريمر"، الحرامي النموذجي الأول، عندما سلّمه بين أيادي هزيلة الإدارة المحاصصاتية وفاقدة الإرادة في الإصلاح وناهبة الثروات بطرق ووسائل شيطانية طيلة 17 عامًا المنصرمة.وقد بلغت معالمُ هذه السياسة الفاشلة قمّةَ الهزالة وشدّةَ الدناءة في مشروع الموازنة المقترح للعام الجديد 2021، حين أصرّ كلُّ طرفٍ على تأمين حصته من الكعكة بالرغم من إدراكهم بالزيادة الكبيرة والمخيفة في مديونية الدولة المرهقة بالقروض والديون والسندات والالتزامات المحلية والإقليمية والدولية والبطالة المتفاقمة والصناعة الغائبة والزراعة المتراجعة.
نعود للثور الآمريكي الهائج وما قد يبدر منه قبل مغادرته سدّة الرئاسة من حركات أو سلوكيات أو قرارات ضمن صلاحياته حتى يومه الأخير رسميًا. من الطبيعي للثور الهائج عندما تتكالبُ عليه سكاكين الأعداء وسفاهات الأنداد أن يرفس، وأن يكون لرفسته أو رفساته تأثيرٌ أو أن يتسبّبَ بجروحٍ بسبب ضرباته الموجعة. فهو لم يترك حسرة في صدور هؤلاء الأعداء المتكالبين طيلة فترة رئاسته. ونحن عامةً في العراق نقول، إنه لو كان للإدارة "الترامبية" أية سمة من الأخلاق السياسية العامة في بدء ولايته قبل 4 أعوامٍ، لكانَ أنهى ما شرعتْ به إدارة مَن سبقَه من غرمائه في الحزب الديمقراطي الذي لا يختلف من حيث المبدأ في مشروع سياسته العامة واستخفافه بقدرات ومصير ومستقبل شعب العراق والمنطقة عندما فسح رئيسُه "أوباما" آنذاك المجال لتنظيم الدولة الإسلامية الداعشي كي يعيث في أرض العراق فسادًا وقتلاً ونهبًا واغتصابًا وتهجيرًا وتهديدًا للبنية التكوينية لشعبه متعدد الأديان والأعراق والمذاهب. وحينها، لم يرف جفنٌ للإدارة الأمريكية لغاية أن استفحل الأمر بوضع اليد على مساحة تعادل أكثر من ثلث أراضيه  في 2014 على مرأى ومسمع من الإدارة الديمقراطية التي سهّلت لهذا التنظيم مهمّة تدمير بنية العراق التحتية والتهاون بنهب ثرواته والعبث بمقدرات شعبه الصابر بالمساهمة بطريقة أو بأخرى بفرط عقد نسيجه المجتمعي وتشتّت مجتمعات مكوّناته الأصيلة من الأقليات الدينية والعرقية متجاوزًا ما خلّفاه مجتمِعَين جنكيزخان وهولاكو قبل أكثر من سبعة قرون خلت بجيوشهما الجرارة.
هكذا تركت السياسة الأمريكية، بديمقراطييها وجمهورييها، شبهَ دولة العراق وشعبَه المجروح والمظلوم لقمةً سائغة لدول الجوار وسلّمته على طبقٍ من ذهب بأيدي عدوته الشرقية التقليدية لتستنفذ مواردَه وتنتهك حقوق شعبه وتخترقَ سيادته وتهينَ هيبته أمام أنظار إدارتِها التي تعمّدت تركَ الحبل على الغارب. فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية بحزبيها، قد تهاونت متعمدةً مع كلّ الطامعين والضالعين في إبقاء البلاد وشعب الحضارات فريسة سهلة الطعن والجرح والافتراس من دون مبررات. حتى تلك المبررات التي ساقتها إدارتا بوش الأب منذ تسعينيات القرن الماضي وبداية عهد بوش الابن، لم تكن محبكة الصنع ولا مبررّة الأعذار والحيل التي لم تنطلي على القاصي والداني. ولكنّها كانت قدرة الجبارين على ضعفاء الحيلة، وسطوة الأسياد على "العبيد"، وقدرة الأشرار على الطيبين مع التحفظ على بعض الألقاب وأصحاب المسؤوليات. ولكن، بالتأكيد، لكلّ بداية نهاية، ولكلّ باطلٍ صولة، ولكلّ شرّيرٍ جولة، ولكلّ زعيمٍ رقصة. وقد انتهت الغجرية من رقصتها المعتادة استعدادًا لتولّي غيرها زمام حفلةٍ جديدة بأسلوب قد يختلف عن سابقتها لو حصلَ أن تعلّمتْ درسًا، بل دروسًا على طريق الأخلاق المجتمعية والإنسانية القويمة. وفي انتظار أن يأتي المنقذُ الوطنيُّ الكبيرُ، الظالمُ بحكمة سليمان والحاكم الحكيم بقسوة  حمورابي، فيضعُ النقاطَ على الحروف ويغلقَ مأساة شعبٍ تعبٍ ويوقفُ ترنّحَ بلدٍ متهاوٍ سائرٍ بكلّ المقاييس نحو الإفلاس والهزيمة والفوضى، لا سمح اللهُ!
أميركا في أتون فوضى
من الواضح تعرّض الديمقراطية في أقوى بلدٍ في العالم هذه الأيام للخطر بفعل طيش الثور الجامح المترنّح الذي يتلقى آخر طعناته ويرفس آخر سكراته "الزعاماتية" بعد أن وقعت بلادُه شاسعةُ القدرة وعظيمةُ الجبروت في أتون نرجسيته التراميية التي تصوّرَ خطأً أنها ستحفظُ له كرامتَه وسطوتَه وتجبّرَه من دون حساب ولا محاسبة. والخوف، كلّ الخوف أن تكون هذه "الرفسات" الأخيرة قوية بما يكفي لضعضعة شكل الاتحاد الأمريكي وبداية لتخريب مؤسساته بسبب الطبيعة الاستفزازية التي طبعت سلوكيات "ترامب" الخارجة عن العقلانية الطبيعية والبعيدة في أحيانٍ كثيرة عن الواقعية غير الحضارية التي يمكن أن تهدد بإسقاط البلاد وفي انحطاط قيمها. كما لا ننسى مغازلته المستمرة للطغاة وبعض الحكومات الفاسدة في المنطقة، ومنها حكومات العراق، التي نهبت شعوبها وأفقرت بلدانها لغاية الاستجداء بعد أن أذنتْ للدخلاء والغرباء عنه باستباحة سيادته وسلب هيبته بسبب عبثيتها وفئويتها وولائها للغير. ومثل هذا ينطبق اليوم تمامًا على واقع العراق، إذ لم تفعل إدارتُه شيئًا لوضع حدود للسلوكيات الولائية الطافية، بحجة الديمقراطية المزيفة التي تشدّقت بها وكان هو الراعي والمشرف على خرقها وتدنيسها.
إنّ القانون الأمريكي ومؤسساته الدستورية فوق أية زعامةٍ أو رئاسةٍ أو حزبٍ أو فردٍ أو شيخٍ أو نائبٍ. هكذا هي ديمقراطيتُهم التي يسعون لتصديرها إلى بلدان العالم، ومنها منطقتنا الشرق-أوسطية. ومن المؤسف أنّ معظم الإدارات الأمريكية السابقة ومعها حكومات الغرب، لا تعي تمامًا طبيعة ذهنيات شعوب هذه المنطقة ولا تريد أن تدركَ أو تفهمَ أصول هذه العقليات التي لا يمكن أن يُكتبَ لها تحقيق ولو جزءٍ يسيرٍ من شكل هذه الديمقراطية الفوقية المصدَّرة عبثًا بسبب بقاء هذه الشعوب أسيرة الشرع الذي لا يقبل الجدل ولا يؤمن بالتأوين والحداثة في تفسير القيم الدينية وفق تطورات العصرنة. فأساسُ أي دستور في دول المنطقة يشير بعدم تعارض القوانين والأحكام مع أحكام الشرع. لذا حرصت حكومات الغرب في عمومها، على إبقاء منطقتنا الشرق-أوسطية أسيرة تجاذبات فكرية ونزاعات أيديولوجية وصراعات دينية ومذهبية وطائفية لا نهاية لها من أجل إذلالها واستغلالها لمصالحها القومية غير عابئة بمصلحة شعوب المنطقة المتخلفة عن الركب العالمي بسبب قيمها الدينية والمذهبية والقومية الضيقة التي ترفض الانفتاح وقبول الرأي الآخر المختلف. وستبقى كذلك حسب مشيئة الأسياد وحتى تتبدل الأقدار وتتغيّر موازين القوى لصالح دولٍ علمانية "تعطي ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه".
أميركا اليوم تمرّ بأيام فوضى وبعملية قبصرية قاسية غير مضمونة النتائج فيما لو قرّر الثور الهائج وضع اليد على الزرّ النووي لا سمح الله أو شاءَ أن يكون لرفسته الأخيرة ضربة موجعة لكلّ مَن وقف في طريقه لأجل ولاية ثانية، أو تهكّمَ بسلوكه السياسيّ، أو استهان بقدرته على إيذاء أعدائه، أو شمتَ بسقوطه الرئاسيّ المهين. فما أقدم عليه أتباعُه ومؤيدوهُ في الاستعراض الفوضوي يوم 6 كانون الثاني الجاري بالهجوم الأرعن على مؤسسة الكابيتول جديرٌ بوصفه مسخًا للديمقراطية على أيدي الرعاع في مشهدٍ لا يُحسدُ عليه الشعبُ الأمريكي المتشدّق بالديمقراطية. وهذه باعتقاد الكثيرين، بداية نهاية المنظومة الديمقراطية في أرقى بلد عرف مفاهيمها منذ تشكيل اتحاد ولاياتها. ولنا أن نتذكر فقط ما جرى في استفتاء حزيران 2020 عندما عبّرَ فقط 42% من الشعب الأمريكي عن تفاخرهم بانتمائهم القومي لأمريكا بعد أن كان هذا الافتخار في استفتاء سابق في 2003 قد سجّلَ 69%. وهذا من الدليل على تهاوي الفخر القومي الأمريكي إلى أدنى مستوياته المنحطة في تاريخها على الإطلاق.
وهناك مَن يتوقع الأسوأ باحتمالية انفراط عقد دولة القطب الواحد وفق تصوّرات سيقت مع بروزٍ صاعدٍ للتنين الصينيّ كقوّة اقتصادية وسياسية واعدة، إبى جانب الرغبة الملحّة المدروسة بإحكام من قبل الغريم الشيوعي القديم المتمثل براعي الدب الروسي الحالي الأكثر صلادة وقدرة وديناميكية في التعامل مع الأحداث وفق مفهوم استخباريّ محبوك الجوانب والعلاقات الذي يُعتقد بدورٍ خفيّ له في إضعاف قدرات هذه الدولة الكبرى.
وبذلك، ما من شيءٍ موعود الثبيت يُبقي على تأمين مستقبل الأمة الأمريكية التي حافظت على ثباتها ورصانتها وقدراتها منذ نشأتها الرسمية كدولة اتحادية من ولايات متعددة في 1789. فالعد التنازلي لسقوط دولة الأسطورة الأمريكية كما يبدو وبحسب ما يريد أسياد النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب سيبدأ مع نهاية زعامة "ترامب" ودخول "بايدن" البيت الأبيض. فهناك مؤشرات لحرب أهلية متوقعة على الأبواب بين الولايات الأمريكية، سيّما بوجود لغط عن مخططات تُطبخ في كواليس إدارة الرئيس المنتهية ولايتُه بتوقيعه مؤخرًا على وثيقة في غاية الخطورة قد تقلب الموازين في حالة تعلّق الأمر بالترتيب للقيام بعمل عسكريّ مرتقب. وهذا ما اشارت إليه الديمقراطية "نانسي بيلوسي" رئيسة مجلس النواب التي ناصبت الرئيس "ترامب" العداء العلنيّ السافر منذ بداية ولايته ولغاية نهايتها. وتلكم قد تكون بداية نهاية أمريكا.

25
ما زال البحث جاريًا عن وطن مفقود
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تشرين أول 2020
شاءت الأقدار أن يقع العراق وسط بلدان سفيهة لم تتوقف أطماعُها ولا تراجعت أحقادُها ولا خبت دسائسُها يومًا للإيقاع به أرضًا وسماءً ومياهًاً وحضارة وثقافة وتنوعًا في شعوبه المتجانسة منذ أصول التاريخ. فكلُّ الأنظار وكلّ الكيانات وكل الدول، الصديقة قبل العدوّة، كانت وماتزال متوجهة صوبه وتسعى لنهش ما تبقى من جسمه العليل بسبب قسوة عوادي الزمن ومؤامرات بلدان الخارج التي أفقدته هيبتَه وسلبته سيادته وجعلته في مصاف الأمم والشعوب الأكثر تخلّفًا في كلّ شيء، بل متذيّلاً صفوف بلدان العالم. وهي بفعلتها الخبيثة، قد قرّبته هذه الأيام من شفير الإفلاس بالرغم من طفوه على مليارات البراميل النفطية ومكامن الغاز إلى جانب تميّز جلّ أراضيه وتمتعها بثروات معدنية وطبيعية ليس لها مثيل في دول المنطقة حصرًا. ناهيك عن منابعه المائية ونهريه الخالدين اللذين تسعى دول الجوار الخبيثة ما تمكنت، من صدّ المياه عنهما وتجفيف قاعيهما بهدف الإيقاع بشعب العراق وتجويعه إن أمكن مع سبق الإصرار والترصّد وبلا خشية من ربّ العباد ولا استحياء بشريّ. بل إنّ سلوك بعض هذه الدول، ومنها دول الجوار حصرًا، شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا وبلا تمييز ولا استثناء، تسعى وبكلّ صلافة وبحقد أسود دفين للإتيان على ما تبقى من هيبته وسيادته وطيبة أهله بشتى الوسائل والأدوات لجعله أضحوكة وألعوبة وبقرة حلوب لطوابير من الأغراب والدخلاء عنه من ساسة الصدفة والجماعات والعصابات والفئات المقتاتة على الكومسيونات وما تدرُّه عليها العقود الفاسدة الكثيرة والمنافذ الحدودية من موارد بأشكالها وما تحصل عليه بفعل الاتفاقات المشبوهة في زمن ضياع السيادة الوطنية وانكسار هيبة الدولة بفعل أدوات الدولة العميقة التي تسرح وتمرح وتعربد وتتحكّم في مفاصل الدولة الشاملةً.
هذه الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها البلاد، لاسيّما بفعل الانفلات الأمني المصاحب لأدوات الدولة العميقة، وصعوبة سيطرة الحكومات المتعاقبة على مقاليد الحكم والإدارة بسبب استشراء الفساد وتغوّل أدوات هذا الأخير في كلّ مفاصل الحياة وما ترتب عليه من الهبوط الحادّ في الموارد الريعية المتأتية من بيع النفط الذي تسببت به جائحة كورونا، إضافة إلى التهاون الواضح من قبل المجتمع الدولي وعدم وضوح الرؤية في العقل المدبّر للراعي الأمريكي للعملية السياسية ومغازلته الفاجرة لغريمه في التنافس على إدارة حكم البلاد وسطوة الجارة الشرقية على القرار العراقي الذي أفقدته وطنيته وجرّدته من قدرته على استعادة هيبته وسيادته، كلّ هذه وغيرها ممّا لا نحبّذ التذكير به قد ضعضعَ العلاقة بين المواطن والحكومات الهزيلة المتعاقبة وأفقدَ المصداقية بين الشعب وحكامه المتهمين بالفساد والإفساد لغاية بلوغ اليأس والقنوط من العملية السياسة برمتها والتفكير بالانتقال إلى وسائل أخرى قد يكون الصدام المسلح أحدى أدواتها الرئيسة عندما لن تعود تنفع وسائلُ التغيير السلمية المرجوّة من المنظومة السياسية برمّتها.
كما ليس خافيًا هو الآخر، بلوغ الخيبة من الدور المثير للريبة الذي تضطلع به المنظمة الدولية وممثلتها المثيرة للجدل جينين هينيس-بلاسخارت بظهورها بمظهر سيدة مخابراتية في تحركاتها ونقاشاتها وزياراتها المتكررة لأدوات السلطة ومراجع مختلفة دينية وسياسية، في معظمها بعيدة كلّ البعد عن أية نفحة وطنية. بل هي لا تتورع عن إبداء تذمرها بين الحين والآخر من الهياج الشعبي المتفاقم ضدّ أداء الحكومات المحاصصاتية المتعاقبة، إضافة لعدم إخفائها تعاطفها مع الفصائل الولائية ومجاراة أدوات السلطة وأحزابها كلّما استطاعت ذلك. فهي قد أجادت بفضل حنكتها المخابراتية اقتناص الفرص وإدراك مكامن التسلّل المتاحة التي تنتهزها كوسيط دوليّ لتحقيق مكاسب شخصية ودولية لصالح جهات مستفيدة من بقاء أوضاع البلاد على حالها متشرذمة ومهزوزة وفاقدة للسيطرة على إدارة شؤون البلاد وثرواتها وفرض هيبتها وبما يؤهلها للاضطلاع بدورها الوطني. لذا لم يعد من الصعب الحكم على انحيازها الواضح إلى جانب السلطة وأدواتها العميقة مقابل تهميشها لمطالب ثوار الانتفاضة التشرينية الذين فقدوا ثقتهم بشرعية مهمتها في الفترة الأخيرة.
لا زحزحة عن السلطة المستلمة من الأمريكي !
ما علينا. نحن اليوم في خضمّ تحوّلات واضطرابات وإشكاليات اقتصادية وسياسية ودينية ومذهبية وعرقية لا نترقب نضوبها ولا نعتقد بنهاية لها في القريب العاجل ولا المتوسط. فأحزاب السلطة، ولاسيّما الإسلامية منها تفعل ما بوسعها للبقاء في السلطة ما استطاعت عبر أدوات مستنبطة جديدة ساندة لإدامة بقائها في السلطة. بل هي تشرّع في دهاليز مقرّاتها بغطاء ديني ومرجعيّ ومذهبيّ وبأسلوب محاصصاتيّ مقيت ما يتناسب مع البقاء والتشبّث اللاّواعي بشتى الوسائل والطرق، التشريعية منها والتنفيذية والترغيبية والتهديدية التي تتوجه بها نحو بسطاء الشعب خاصة من رافعي الشعارات المذهبية ومقاومة الأجنبي "الاستكباري الكافر"، ومعهم ومنهم المنغمسون في التخريفات المذهبية والعرفية والعشائرية والمظهرية من الذين لا حولَ لهم ولا قوّة إلاّ بإبداء الخنوع والخضوع لأدوات المراجع الدينية التي بيدها كلّ مفاتيح السياسة والحكم والإدارة بإشارة واحدة تكفي وتفي. وهذه الأحزاب المغضوب عليها من معظم فئات المجتمع، تفعل ذلك انطلاقًا من قاعدة مذهبية ترفض التنازل والإزاحة أو التنحي عن المواقع التي تحصنت بها في أروقة الدولة الفاسدة بدعم من الجارة الشرقية وصمت مريب من الراعي السياسي الأمريكي والغرب المتفرّج وذلك تيمنًا بمقولة "أخذناها وبعد ما ننطيها"، ناسين أو متناسين أن السلطة لا تدوم لأحد. فلو دامت لغيرهم، ما آلتْ إليهم! 
هذه حال الدنيا. والعبرة فيمَن يعرف خشية الله في وطنه وشعبه ويعمل جاهدًا لخدمة الإنسان مواطنه، ويُشبع جوعانًا، ويسقي عطشانًا، ويأوي فقيرًا، ويزور مريضًا، ويكسو طفلاً، ويعزّي حزينًا ويحفظ هيبة البلاد ويطّوّر أحوال العباد ويرمّم المكسور ويشجع الفلاح على حراثة الأرض والصناعيّ على زيادة الإنتاج، ويؤمّن البلاد أرضًا وسماءً ومياهًا، ويعزّز من سيادتها، ويأمن على ثرواتها، ويحرس على مالها العالم من السرقة والنهب والتبذير. وهذا ما لم تقم به، بل فشلت في تحقيقه أحزابُ السلطة منذ 2003 ولغاية الساعة عندما جلست غير مصدّقة على عروشها وكراسيها بدعم من الغازي الأمريكي المتعجرف الذي سلّم البلاد للأغراب عنه وأدخلها في فوضى خلاقة لم تستطع الخروج منها لغاية الساعة. فهل من معتبر؟ وهل من تائب؟ وهل من محاسب لنفسه قبل غيره؟ وهل من حريص على وطن مفقود وضائع يطالب باستعادته ثوارُ الانتفاضة التشرينية الذين تتهمهم بعض أحزاب السلطة بالتخريب وتصفهم غيرُها بالمندسين وقيادات أخرى تدعو لوضع حدّ لثورتهم الباحثة عن وطن واتهام أصواتهم الوطنية بالمهازل؟
     هناك مَن يستعجل حصول انتخابات مبكرة بحسابات سياسية ومجتمعية شبه ضامنة بإبقاء الحكم وما فيه من مكاسب ومنافع ومناصب بأيادي أحزاب السلطة سيئة الصيت التي أتت على الأخضر واليابس وحصدت ما دخلَ خزينة الدولة من ريع بيع نفطه ومشتقاته وإبقاء بنيته التحتية الزراعية والصناعية رهنًا بنظام استهلاكيّ-استيراديّ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. بل إنّ أحزابًا متنفذة وبإسنادٍ وحماية من جهات منفلتة تحتفظ بسلاح وسطوة خارج نظام الدولة تتولى مهمة هذه التجارة الاستهلاكية وتقف حائلاً ضدّ أية محاولة لنهوض القطاع الخاص الذي يرون فيه تهديدًا لمصالحها ومصالح أدواتها التي تسيطر بفعل نظام المحاصصة والهيمنة المذهبية على السلطة على مجمل النظام الاستيرادي لكلّ شيء. ناهيك عن سطوة جهات متنفذة تابعة لأحزاب السلطة على المنافذ الحدودية بكلّ أشكالها ومواقعها من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وهيمنة غيرها على مقتربات ونقاط استيرادية بهدف التحكم بما يدخل عبرها من موارد قد تضاهي موارد الريع النفطي بحسب خبراء ومراقبين ومحللين. وهذا ما يشير بشكل أو بآخر إلى تحايل أحزاب السلطة على الشعب المقهور والمغلوب على أمره عبر الإيحاء بنواياهم بإجراء الإصلاحات الموهومة، ومنها موافقتها على إجراء انتخابات مبكرة في ظلّ بقاء الظروف الحالية وسطوتها على أهمّ عوامل تحقيق النجاح فيها بفضل انتفاعها من المال العام والسلاح المنفلت والسلطة من دون نسيان دور المرجعية التي حذّرت في أوقات سابقت من خشية فقدان أصحاب المذهب للسلطة التي ماتزال تديرها بقوة النفوذ المذهبي وبدعم خارجي مشبوه، سواء من أمريكا غير المكترثة لما آلت إليه أحوال الشعب الكارثية أو الجارة الشرقية التي تستسيغ اللعبة مع غريمها الأمريكي وتدفع بتصفية حساباتها على الأرض العراقية وتراهن على بقاء أدواتها لفترة قادمة أخرى من دون تغيير في المنظومة وأدواتها. من هنا يرى البعض أن استعجال أحزاب السلطة بإجراء الانتخابات القادمة في 6 حزيران 2021 كما هو مقرّر، وفي ظلّ الظروف الراهنة التي تطبق فيها هذه الأحزاب على مقاليد الأمور، لن يكون نافعًا وإيجابيًا ما لم تتدارك قيادات التنسيقيات ومثقفو الأمة والنخب بعمومها، ما يحيط بالعملية السياسية برمتها من مخاطر بسبب تغوّل هذه الأحزاب وفروعها المنتجة حديثًا على مقاليد الحياة العامة وعدم بروز أحزاب وطنية منافسة أو تشكيلات موازية تأخذ على عاتقها مسؤولية التغيير الجذري المرتقب. ونحن نأمل ألاّ يقتضي مثل هذا التغيير استخدام العنف في تحقيقه.
إنتاج سلبيّ لأحزاب فرعية
لقد بدا واضحًا للعيان، ظهور أولى طلائع تشكيل أحزاب سياسية جديدة من إنتاج الأحزاب الإسلامية الفاشلة بهدف تضليل الراي العام والظهور بمظهر الإصلاح البعيد كلّ البعد عن مفاهيم بناء الدولة الحديثة التي يطالب بها عمومُ الشعب والتي أفرزتها أصوات الانتفاضة التشرينية حين نادى أبطالُها وثوارُها بأنهم يريدون وطنًا يحميهم وليس غولاً يتحكم بمصائرهم وينهب ثروات بلادهم ويسرق قوت الفقراء ويدمّر ما بنته مؤسساتُه السابقة وما أتى به النظام البائد من تطور وبناء في كلّ الميادين بعيدًا عن حسابات سياسية مليئة حقدًا وعداءً حين سعت وما تزال تسعى أحزاب السلطة الفاسدة منذ 17 سنة خلت، كي تطمس معالم الثقافة والتمدّن والتطور التي ميّزت العراق في عهد النظام البائد. ويكفي ترحّم قيادات وشخصيات سياسية وإدارية في الحكومات المتعاقبة لما تحقق في ذلك الزمن في حين عجزت قيادات البلاد منذ 2003 بإضافة ما يستدعي التفاخر به إلاّ في مشاريع نهب المال العام وإفراغ خزينة الدولة وسرقة موازناتها الانفجارية وضياع المليارات التي لو جرى استغلالها لصالح الوطن والمواطن لانقلبت أحوال البلاد والعباد إلى أفضل ما يكون.
    كما أنّ الملاحظ في هذه التشكيلة الجديدة من الأحزاب الفرعية المنبثقة عن الأحزاب التقليدية الفاشلة المغضوب عليها، قد أدخلت تحسينات شكلية بإقحام عناصر نسائية وشبابية من الجيل الثاني والثالث لتكون واجهة، القصد منها السعي لامتصاص الغضب الشعبي ضدّ الزعامات التقليدية الفاشلة التي كانت وماتزال تشكّل سبب الكارثة في بلوغ البلاد والعباد إلى هذه الأحوال السلبية بالخشية من اقترابها من شفير الإفلاس بحسب خبراء ومراقبين. فهذا ما تشير إليه مفردات وزارة المالية المضطرّة للزيادة في الاقتراض الداخلي والخارجي من أجل سداد مرتبات ومخصصات الموظفين الحكوميين، بمن فيهم آلاف الفضائيين والمزوّرين وأصحاب الدرجات الخاصة والسمة الجهادية والنضالية من الذين يغرفون من ميزانية الدولة بلا حساب ولا تخطيط ولا خشية، وسط تراجع مدخلات الريع النفطي وزيادة النفقات وعدم القدرة على إدارة ملفات الضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية بسبب تواصل هيمنة العصابات والجماعات المسلحة والعشائر وأحزاب السلطة عبر أدواتها الحكومية الرسمية عليها.
إنّ الحسرة على ما يجري تكتنز القلوب وتستدعي حدّ الأسنان لغاية إزاحة المنظومة السياسية الحاكمة برمتها "شلع قلع"، ومن دون تمييز ولا استثناء. فكلّ الأحزاب التي دخلت العملية السياسية قد اقتطعت ما أمكنها من الكعكة وما تزال تقتنص الفرص لاستكمال النهب والسرقة واللصوصية. فكيف بها تقبل بمطالبات الشعب بتنحيها عن السلطة التي فشلت بكل المقاييس والمعايير بإدارتها وتوجيهها نحو الصالح العام الوطني؟ وهذا ممّا يستدعي وقفة عمومية، لدعم مطالب الثوار المطالبين برصّ الصفوف والعمل على إخراج أحزاب وطنية قوية موازية للأحزاب الحاكمة تكون منافسة ندّية لها في إثارة الرأي العام وحثّ فئات الشعب للاصطفاف إلى جانب مطالبه المشروعة باستعادة الوطن من براثن اللصوص والسرّاق ووقف مساعي أحزاب السلطة ومَن يقف مساندًا لها من مراجع دينية ومذهبية وسياسية فاسدة وكشفها أمام الراي العام وتسمية الأشياء بمسمياتها من دون مواربة ولا خشية ولا ألغاز. فالماضي الفاسد المدمّر لا بدّ أن يزول لتحلّ مقامَه وجوهٌ وطنية مشرقة يُشهد لها بالولاء للوطن، أرضًا وشعبًا وحضارة وثقافة وتربية ومجتمعًا وفكرًا ملهمًا ورؤية سديدة في النظر إلى المواطن، جوهر الحياة وصانع الحدث وهدف الوطن والإنسانية.




26
على خطى إبراهيم، حجٌّ بابوبي تاريخي إلى أرض العراق
بغداد وأور وأربيل والموصل وقرقوش في انتظار الزيارة الميمونة للحبر الأعظم، بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
بغداد، في 25/12/2020
بين مصدِّق ومنذهل، سيتحقّقَ الحلم الكبير بتأكيد حاضرة الفاتيكان في 7 كانون أول 2020 نبأ الزيارة الميمونة التي سبق أن وعد بها بابا الفاتيكان "فرنسيس" إلى أرض السواد العراقية، بلد إبراهيم أبي الآباء وحاضرة أكد وسومر وآشور وبابل، بعد أن كان مقررًا لها أن تجري في 2019 بسبب ضبابية الظروف الأمنية. سيباركُ قداستُه أرضَ شنعار-العراق ومياهَه وسماءَه ويحاورُ أهلَه الطيبين أصلاء الحضارة والثقافة قبل أن تتدخلَ أيادي الشرّ الخبيثة وتزرع الفتنة والفساد وتعملَ قتلًا ودمارًا وتشتيتًا في أبنائه وبناته، في شيبه وشبابِه، في نسائِه وأطفالِه، أحباء الله الخالق العظيم ومالك الأرض والسماء والعناصر بغير منافس. وعلامةً على حسن تدبيرِه وخياره، سيحلُّ البابا "فرنسيس" للفترة من 5-8 آذار من العام القادم 2021، ضيفًا كريمًا عزيزًا على مدينة بغداد دار السلام ومنارة المجد والخلود. وسيتعطّرُ قداستُه بتراب مدينة أور أبي الأنبياء، ويزور أربيل (حدياب الآرامية -مدينة الأربعة آلهة) عاصمة كردستان العراق ورمز التسامح المجتمعي والتآخي، وبعدها الموصل (نينوى الآشورية) قلعة الصمود والتحدّي والتعدّد الإتني والديني. وأخيرًا يأتي دور مدينة "راسن" / قرقوش (بغديدا / بخديدا بالسريانية) التي سيخصّها ببركة رسولية خاصة باعتبارها أكبر تجمّع مسيحي للكنيسة السريانية ورمزًا للمسيحية في محافظة نينوى الجريحة، وفيها أكبر كنيسة في العراق (كنيسة الطاهرة الكبرى) والثانية في الشرق الأوسط من حيث السعة والمساحة والعمران. فقداستُه لم ينس هذه البلدة الحالمة في أطراف مدينة الموصل الأصيلة في كلّ شيء، وما عانته مع غيرها من بلدات السهل متنوعة الأديان والأعراق والمذاهب من تهجير ونزوح لأهلها ومن تدمير لكنائسها ومعابدها وأديرتها ومزاراتها وحرق وتفجير وتخريب وسرقة وسلبٍ ونهبٍ لمنازل أهلها ومؤسساتها الإدارية على ايدي تنظيم الدولة الإسلامية الذي عاث في مدن العراق المحتلة على أياديه الظالمة فسادًا بسبب تقاعس المنظومة السياسيّة الفاشلة وإدارتها الفاسدة عندما سهلت دخوله بالطريقة السالبة التي لا تنطلي على أيّ متابع للأحداث والوقائع والوثائق.
قصارى القول، لقد رحب العراقيون، صغارًا وكبارًا، عامةً ومثقفين، رجال دين وعلمانيين، سياسيين ومدنيين بخطوة الفاتيكان الجريئة التي تُعدّ أول حدث تاريخي لصالح شعب العراق، قبل أيّ مسمّى آخر. فالزيارة المرتقبة كما نفهمها، ستكون لها آثارٌ إيجابية، ليس على الصعيد المحلّي فحسب، بل والإقليمي والدوليّ على السواء. فالعراق مازال يحتلُّ موقع استقطاب دوليّ حسّاس على أصعدة كثيرة نظرًا لموقعه الجغرافي وعمقه الحضاري والتاريخي والثقافي والدينيّ وتميّز أهله وناسه بالطيبة والأصالة والإبداع، لاسيّما مَن حافظ منهم على الأمانة الوطنية ولم يخن الوديعة ولم يتأثر البتة بفساد الساسة وبحكمهم الظالم لشعبهم بشتى أدوات القهر والعشائرية والمذهبية والطائفية واللصوصية والمحاصصة التي قصمت جميعُها حاضرَه وأهانت ماضيه وأضاعت مستقبلَه بفعل الحروب غير المبررة التي خاضها و السياسات غير الحكيمة التي مارستها الأنظمة والحكومات المتعاقبة، ولاسيّما بعد الغزو الأمريكي الظالم في 2003.
لفتة بطولية تعزيزًا لروح الأمل
يقول أحد المتابعين لأنشطة البابا "فرنسيس"، أن الخبر جاء مفاجئًا للجميع حيث لم تُرصد اية زيارة لقداسته منذ أكثر من سنة بسبب آثار فيروس كورونا الذي جمَّدَ حياة البشر وأحالَ العالم إلى كتلة راكدة ضعيفة الحركة في الصناعة والسياحة والتنقل. فيما يرى غيرُه أنّ تحقيق هذا الحلم للعراقيين جميعًا في هذا الوقت الأغبر بالذات، كان لفتة بطولية تعزيزًا لروح الأمل والرجاء بغدٍ أحسن، ومن الدلائل المبشرة بأيامٍ أفضل قادمات لشعب العراق والمنطقة ودلالةً على ترقبٍ واضح وحدسٍ واعد بخفّة حدةٍ مرتقبة في آثار الجائحة وفي تحسّن الأوضاع على عموم البشرية المعذبة في ضوء هذا التاريخ الذي وقع الاختيار عليه. كما أنّ من شأن هذه الزيارة أن تعزّز روح الوحدة الوطنية بين سائر مكوّنات الشعب العراقي وتعيد البسمة إلى شفاه التعساء والفرحة للبؤساء والأمل للفقراء وأن ترسمَ الضوء الأخضر لمَن اضطرّته الظروف الظالمة كي يترك أرضَ الآباء والأجداد ويهجر البلدَ بأهله وأرضه مضطرًا بفعل المعاناة والقهر والظلم والتهديد، للتفكير بالعودة إليه راجيًا حياة معيشية أفضل وعدالة اجتماعية أكثر ومساواة في الحقوق والواجبات من دون تمييز ولا تفرقة ولا تجاهلٍ ولا استخفافٍ بسبب الاختلاف في الدين أو المذهب أو العرق، وفي اعتماد الكفاءة معيارًا لتكافؤ الفرص في كلّ شيء.
عسى أن تجد بركاتُ الحبر الأعظم بلسمًا شافيًا من لدن من تبقى من حكماء العراق ممّن في الحكم ومن ناسه الطيبين من خارج الحكم من القادرين على أداء دورٍ وطنيّ في إعادة بناء ما تمّ تدميرُه على أيدي فئاتٍ متحزّبةٍ منفلتة من رعاع الجهل والتخلّف التي تدير دفّة الحكم الحقيقي بأدوات حكومة عميقة متغلغلة في كافة مفاصل الدولة بفعل المال والنفوذ والسلطة التي استقوى بها هؤلاء وأتباعُهم وذيولُهم.
ترتيبات الزيارة
مَن يتابع خطّ سير الحجّ البابوي المرتقب لا بدّ أن يعيد للأذهان رغبة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي تمنّى تحقيق هذا الحلم في العام 2000 على خطى إبراهيم أبي الأنبياء عندما كان العراق يعيش أوضاعًا صعبة بسبب تتالي الأزمات وانعزال نظام حكمه آنذاكَ عن المجتمع الدولي بسبب الحماقات العديدة لأركانه، لاسيّما في خطيئته الكبرى بحق جارته الجنوبية في حرب الخليج الثانية. فقد سعى البابا الراحل منع حدوث حرب وشيكة ضدّ هذا البلد بسبب قساوة قلب معظم أنظمة المجتمع الدولي ضدّ العراق وشعبه و"تكأكُئِهم على ذي جِنّةٍ"، لكنّه لم يفلح في ردع القوى العظمى المتكالبة عليه. فكانَ أن ظلَّ العراقُ بلدًا ذليلاً مستباحًا وهزيلاً مذ ذاك. وهو اليوم بسبب تلك الحماقات يعاني من تبعات تلكم السياسات الخاطئة وما سواها من أزمات متلاحقة في ديمغرافيته واقتصاده وسياسات حكامه غير الرشيدة منذ 2003، عبر أحزابٍ فاقدة الضمير والأهلية الوطنية سطت على ثروات البلاد وأرهبت ناسه وهجّرت عقولَه وطردت كفاءاته ما اضطرّ الملايين للنزوح والهجرة بسبب فقدانهم لأهمّ ركنٍ من أركان المواطنة، وهو الوطن والمواطنية.
بحسب ما متوفر من معلومات من مصادر حكومية ومرجعيات كنسية، فقد تمت جميع الترتيبات والتحضيرات اللوجستية والأمنية في أقصى درجات السرية مع الجانب العراقي من قبل مبعوثين من الفاتيكان زاروا العراق للتداول بشأن تفاصيل الزيارة، لاسيّما وأنّ البلاد تعاني من أخطر أزمة مصيرية في تاريخها ومن هزالة واضحة في إدارتها. فالمشاكل السياسية والاقتصادية قد أربكت حياة عموم الشعب بسبب فقدان الإرادة السياسية الإيجابية بإصلاح ما فسدُ منذ سنوات، وتفاقم الصراع على السلطة والنفوذ من قبل رؤوس الدولة العميقة وأدواتها التي تعيث في الأرض فسادًا وقتلاً ونهبًا وترويعًا وسط صمتٍ من السلطات التي تشعر أنْ لا حول لها ولا قوّة ولا مقدرة لوضع حدودٍ لمثل هذه السلوكيات الشائنة الخارجة عن الانتماء الوطني الصحيح. فما تزال هذه الأدوات تتحرك بحرية أينما شاءت وكيفما شاءت وسط معالجات خجولة من الأجهزة الأمنية والقضائية التي تخشى تقاطع ذلك مع مصالحها ومكاسبها، إنْ مجاملة أو محاباة أو خشية على أرواحها ومصيرها ومكاسبها غير مكترثة بمستقبل عامة الشعب ومصالح البلاد العليا المهدّدة بالانهيار في اية لحظة.
رسائل البابا في زمن الرجاء
إنّ زيارة بابا الفاتيكان المرتقبة، ستحمل عمومًا في طياتها رسائلَ كثيرة للعراق والمنطقة والعالم وسط زحمة المشاكل وتقاطع المصالح الداخلية والإقليمية والدولية المتكالبة على هذا البلد الجريح بسبب الحالة الراهنة من عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسيّ والأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي زادت من حدّة التقاطعات والمناكفات والتسقيطات بين أحزاب السلطة الحاكمة وبسبب الدور السلبيّ اللاّوطنيّ الذي تضطلع به ميليشيات هذه الأحزاب، لاسيّما الدينية منها. وفي اعتقادي، ستشكل هذه الزيارة لبلدنا فرصة لمراجعة المشهد السياسيّ برمته نظرًا للرسائل المهمة الكثيرة التي سيوجهها قداستُه. وما علينا شعبًا وحكومةً وأحزابًا حاكمة، إلاّ ان نغتنمها فرصةً طيبة لصالح بلدنا وأرضنا وناسنا ومواطنينا. بل ستكون دعوة مفتوحة وصادقة لوضع الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها من الصراعات العشائرية والحزبية والمناطقية جانباً، وذلك طلبًا للتلاحم والتعاون والتآزر ومن اجل اشاعة قيم التضامن والسلام والاستقرار، وترسيخ العيش المشترك، واحترام التنوع والتعددية، بكوننا اخوة في عائلة واحدة، ومواطنين لأرض واحدة، هي العراق بيتًا وخيمةً وملاذًا للجميع. حينها فقط، ستمتدُّ يدُ السلام لترفرفَ خفاقةً فوقنا جميعًا لتحفظَ بلادَنا وأرضَنا وشعبَنا. وحينها فقط سنبدع جميعًا في خلق مجتمع عراقيّ أفضل يقبل بالآخر المختلف مهما كانَ دينُه أو مذهبُه أو عرقُه أو قوميّتُه أو لونُه أو شكلُه ضمن الانتماء لهوية الوطن الواحد وليس لسواها من هويات فرعية أخرى انفصالية وتمزيقية وتمييزية وولائية.
إنّ هذه الزيارة وفي سياق الترتيبات والتطلعات تمثلُ رمزًا قويًا وعلامة فارقةً للغاية، وهي تفوق أكثر بكثير ممّا تشكلُه زيارة أي رئيس دولة في العالم مهما تجبّر. ويكفي أن يحلمَ بابا الفاتيكان الذي يرأسُ أكبرَ تجمّعٍ دينيّ في العالم أن يسير على خطى إبراهيم أبي الأنبياء في أولى خطوات حجّهِ عندما تطأُ قدماهُ أرض أور الخصبة وتتغزّلُ عيناهُ بعظمة زقورتها التاريخية متطلّعًا للسماء ومتضرّعًا كي تحمي العراقَ وشعبَه وتصونَ أرضَه وأهلَه من أشرار الأرضِ وأفعالهم الشائنة بحق مواطنيهم المعذَّبين وبحق الوطن الجريح الذي خانته أيادي وأفعالُ هؤلاء الوكلاء غير الأمناء على مصالحه ومصالح الشعب عندما لم يحفظوا الأمانة ولم يصونوا الوديعة، ولم يكونوا رعاة صالحين للرعية.
وفي العادة، من ضمن رسائل البابا في أية بقعة أو دولة أو أمةٍ يخصُّها بالزيارة، يركّزُ قداستُه على مواضيع رئيسية مثل موضوع الأخوة الإنسانية التي تمثلُ مطلبًا ملحًا لتصالح البشرية جمعاء وتساهم بجعل العالم قرية نموذجية متآزرة ومتسامحة وإيجابية في سلوكيات البشر. وهذا ما نحتاجُه بإلحاح في ضوء المشهد السياسي المربك والاقتصادي المتراجع والاجتماعي الممزَّق المتأزم وسط صراعات مثلث السلطة الحاكم بلا رحمة ولا ضمير ولا دراية بشكل عناصر المنظومة السياسية الفاشلة منذ تشكيلتها وفق نظام التحاصص البغيض الذي أثقل كاهلَ الدولة وساهمَ بتمزيق لحمتها الاجتماعية وأحالَ ثرواتها إلى هباء منثور بسبب سوء الإدارة وغياب الإرادة في الإصلاح الحقيقي.
رسالة البابا في هذه الزيارة إذن، ستتضمن دعوة للوحدة الوطنية المهدّدة بسبب الصراعات القائمة التي فلّت من عضد الدولة ومن نسيجها المجتمعي إلى جانب رسالة السلام القوية وطنيًا وإقليميًا ودوليًا. ومن أهمّ عناوينها، توجيه رسالة خالصة لمدينة الموصل وأهلها، والتي لم تتعافى بعدُ من جراحاتها الكثيرة منذ طرد رعاع الدولة الإسلامية المتشددة من أراضيها. وستكون رسالتُه أكثر وضوحًا بل وتحملُ أملًا مشعًا لمسيحيي هذه المدينة، ولاسيّما بلدة قرقوش/ بخديدا (30 كم جنوب شرق مدينة الموصل) "رمز المسيحية" في شمال الوطن والتي كانت تحصي بين 50-60 ألف نسمة من أتباع الكنيسة السريانية قبل غزوها على ايدي تنظيم "داعش" الإرهابي المتشدّد. فآثار الدمار والسلب والعبث فيها وفي كنائسها ومنازل سكانها ماتزالُ قائمة بانتظار بلسمة جراحاتها وعودة أهلها الذين تشتتوا في بقاع العالم، ومثلهم سائر أهالي القرى والبلدات المجاورة الأخرى.
وبالتأكيد، لن تخلو لقاءات بابا الفاتيكان مع ممثلي مكوّنات البلاد، شيعةً وسنّةً وأكرادًا ومكوّنات أخرى تشكلُ فسيفساءَ الوطن المتآخية عبر الزمن، تمامًا كما اعتاد فعلَه في كلّ زيارة راعوية أو خارجية لبلدٍ أو منطقة. وفي اعتقادي، ستكون التفاتة أبوية وأخوية يقصدُ بها إشاعة الحقيقة الغائبة في زمنٍ غابَ فيه الأمل بمستقبلٍ أفضل وصارَ الرجاء في غياهب الظلمات.
مشهد غامض وأقليات في مرمى فصائل مسلحة
مَن يراقب المشهد في العراق والمنطقة وموعد الزيارة التاريخية الذي اختارهُ الفاتيكان والتي تُعدّ الأولى لبابا الفاتيكان للبلاد، سيرى توقيتَها متناغمًا مع المطالبات بضرورة إنصاف مواطني المكوّنات التي أحالَها الزمن الأغبر الظالم إلى جماعات "أقليات"، ليس ضمن المجتمع العراقي فحسب، بل في كلّ أنحاء الوطن العربي والمنطقة. فهناك شعورٌ قائمٌ بتحوّل بلدان المنطقة إلى صحارى بلون رمالٍ وحيدة في حالة فراغها من هذه المكوّنات، ولاسيّما المكوّن المسيحي الذي كانت له عبر الأزمان والدهور بصماتٌ مهمّة وأساسية في بناء الأوطان وتشكيل حضاراتها ومدّها بثقافة مميّزة تفتقرُ إليها الأغلبية القائمة في العهود والقرون الأخيرة. لذا تقترن هذه الزيارة قبل موعد الانتخابات المقررة في 6 حزيران من العام القادم برغبةٍ ملحة من لدن الفاتيكان ودوائره، لتشجيع أبناء المكوّن المسيحي للاشتراك فيها بقوّة وبنداءٍ وطنيّ لإثبات حضورهم الدائم والضروري في إعادة بناء الوطن على أسس حضارية واجتماعية سليمة ووفق اللوائح التي تديم عنصر المواطنة وتشجّع الالتزام الصحيح والصادق بالانتماء للوطن والأرض التي تذكّرُ الجميع بجهود الآباء والأجداد ودوام حضورهم "الغائب" عندما شكوا للزمن مرَّ الحياة وشظفَها. فمستقبل البلاد جديرٌ بأن يؤمّنَهُ الجميع بعيدًا عن أية خلافات تشهدها البلاد في صراع الأصدقاء الأنداد الأعداء هذه الأيام.
ومن المؤسف أن تستأنف فصائل خارجة عن القانون ومارقة عن إرادة الدولة توجيه سهامَ عدائها وعربدتها إلى أفرادٍ وكسبة من أبناء مكوّنات الأقليات بمحاربتها في عيشها ورزقها بعد أن أُغلقت بوجهها أبوابٌ غيرها لكسب الرزق الحلال. فاستهداف اصحاب محلات الخمور في هذه الأيام الأخيرة، موجَّهٌ أساسًا ضدّ أبناء المكوّنين المسيحيّ والإيزيدي المسالمَين تحديدًا. وهذه ليست رسالة جيدة قبل موعد زيارة البابا المقررة قبل الانتخابات لكونها لا تصبُّ في مصلحة العراق والعراقيين جميعًا. إنها رسالة عداء وحسد وغيرة فحسب، ولابدّ من وضع حدّ صارمٍ لما تتولاه فصائل القتل والرعب والترويع التي تدّعي تنفيذها بحجة "النهي عن المنكر". ف"الدين لله والوطن للجميع"، ولا حاجة للإله الواحد الذي نعبدُه جميعًا لتوكيل بشرٍ ضعاف النفوس للنطق وكلاءَ باسمه أو الدفاع عنه. فالله، ربُ السماء والأرض والعناصر جميعًا ليس عاجزًا عن حماية اسمه والدفاع عن قدرته الربانية وحقه الإلهي. أليس "اللهُ خير الماكرين"؟
في اعتقادي، مثل هذه السلوكيات العدائية الإجرامية وغير المهذبة تعمل على زيادة تمزيق النسيج المجتمعي بزرع الرهبة والخوف والرعب في صفوف أبناء هذين المكوّنين المسالمين. وقد تكون وراء هذه الأعمال العنفية والهجمات المسلحة الجرمية أهداف اقتصادية وتجارية تسعى الجهات المنفذة من ورائها لسحب البساط من المتداولين التقليديين بهذه التجارة وإبعادهم عنها لكي تتولى جهاتٌ تخضع لمصالح هذه الفصائل وأحزابها ومن يقف وراءَها لتحقيق أرباح من ورائها. بل والأنكى من ذلك، ما يُفهم من وراء هذه الأعمال فسحُ المجال لجهات تتولى ترويج أنواعٍ مختلفة من المخدرات القادمة من شرق البلاد والداعمة لهذه الفصائل في أعمالها وسلوكياتها وتجارتها. لذا على المراجع الدينية قول كلمة الفصل فيها وبما يحصل وليس الصمت والسكوت، وكأنها ضمنًا تقرّ بشرعيتها. فهذا عكس ما تصبو إليه زيارة البابا من تشجيع للحمة الوطنية، وتركيزٍ على وحدة البلاد، وضمان حرية الجميع باختيار سبيل الرزق والعيش الذي لا يخرج عن أدبيات القانون الوطني والأخلاقي، والدعوة لتثبيت عزم جميع ابناء الشعب العراقي، وبضمنهم المسيحيين الآيلين للانقراض بسبب مثل هذه الأعمال الشائنة التي تحاربهم في أرزاقهم وفي وجودهم وفي ثقافتهم وعاداتهم وفي ملبسهم ومشربهم وسلوكهم اليومي وتقاليدهم.
كما لا ننسى أنّ إقرار ممثلي الشعب الأخير باعتبار مناسبة عيد الميلاد عطلة رسمية للبلاد هي دلالة على اعتراف الوطن بحقّ أبناء هذا المكوّن وغيره بعاداتهم والحرية بكسب أرزاقهم وبما لا يخرج عن المألوف والقانون. فمثل هذه الأفعال الخارجة عن إرادة الدولة ومؤسساتها الرسمية والأمنية ستزيد من خطورة المشهد وتفاقم الخوف في صفوف هذه المكوّنات المسالمة أصلاً وتحجمُ أبناءَ المهجر من التفكير بالعودة إلى ديار الوطن ومناطقهم الاصلية بعد طردهم من قبل "داعش". فتكرارُ المأساة على أيدي فصائل مسلحة مدعومة من أحزاب السلطة بغطاء الدين والمذهب والولائية لا تقلّ جرمًا عن أفعال عناصر الدولة الاسلامية. بل إنّ مثل هذه الممارسات بحقّ هذه المكوّنات الأصيلة ستحدّ من سبل التعايش "المواطنيّ" الصحيح، كما ستسهم في غياب الثقة من جديد بين المكونات وأجهزة الدولة وفي فقدان "الأمل" المرجو من هدف الزيارة البابوية تعزيزًا لإدامة "فسيفساء الثروة البشرية" في العراق في ظلّ الدرجة العالية من الخلاف القائم الذي يضع البلاد ومستقبلَه على المحك في كلّ شيء.



27

عيد الميلاد من جديد، ولكن في ظلّ كورونا وزمن الرجاء
لويس إقليم
بغداد، في 12 كانون أول 2020
اعتاد العالم المسيحي انتظار يوم 25 كانون أول من كلّ عام ليعيد ذكرى ولادة المسيح التي جرت قبل أكثر من ألفي عام، بحسب التاريخ البشري. وقد اعتاد ذوو الإرادات الطيبة من أديان ومعتقدات أخرى مشاركة إخوتهم في الإنسانية، هذه المناسبة المارانية ذي المعاني السامية للبشرية جمعاء. وتترافق ذكرى زمن الميلاد هذا العام مع ما تشهده البشرية المعذبة من معاناة بسبب الأزمة الاقتصادية التي ماتزال تجتاح الأمم وتضربُ شعوب الأرض قاطبة بقسوتها في كلّ شيء بسبب ما خلفته جائحة كورونا من ويلات وما تركته من آهات وعذابات وفقدان أحبة وطفو ظاهرة البطالة وفقدان مصادر الرزق وزيادة الفقر والفاقة لدى طبقات واسعة من مجتمعات كثيرة في العالم. كلّ هذا وكثيرٌ غيرُه يجري هذه الأيام وسط ترقب مشوبٍ بحذر بما يمكن أن تحمله السنة القادمة الجديدة من متغيرات على المشهد الإنساني والسياسي والاقتصادي والتربوي والعلمي والاجتماعي، بسبب اختلاطات واختلاجات محلية وإقليمية وعالمية ساقت نفسها صوب شعوب الأرض جمعاء. وقد لا ندري ما ستوقعه الأيام القوادم التي لن تكون سهلة، بحسب تنبؤات خبراء الفلك والمنجمين الذين يقرّون في معظمهم بأن ما سيشهده العالم في سنة 2021 لن يكون سهلاً البتة، ولاسيّما في منتصفه الأول في أقلّ تقدير. ومع ذلك، فالأمل والرجاء معقودان على ربّ السماء وخالق الكون بتغيير دفة الضرّاء إلى السرّاء والعسر إلى اليسر والشدّة إلى السهولة والراحة والأمان. وكفى العالم هبوطًا إلى هاوية العصور الحجرية ودائرة الاقتتال وهواجس الشدّة والتخلّف والفساد وزيادة الخطايا بسببٍ ومن دون سبب.
إنّ ذكرى ولادة المسيح "عيسى" من مريم العذراء النقية الطاهرة التي ظفرت لوحدها بنعمة استثنائية من لدن ربّ السماوات والأرض لتكون وعاءً لفادي البشر، بحسب المعتقد واللاهوت المسيحاني، ينبغي أن تشدّنا مجدّدًا إلى الأمل والرجاء بقدرة السماء على صنع المعجزات وتخليص البشرية من العناء والأمراض وأنواع العنف غير المبرّر. إنها لمناسبة ميمونة جامعة وسامية دخلت التاريخ منذ أكثر من ألفي عامٍ خلت، فأخذت حيزًا من عقل البشرية وفكرها واستعدادها وممارساتها العبادية والظاهرية التقليدية التي تخطّت العالمية في احتفالياتها وأدواتها ورموزها، ما استوجب شكلاً من التشاركية المسكونية والتعاطف والتماهي المجتمعي مع المحتفلين بها، كلّ وفق رؤيته وإيمانه واستيعابه ومعاييره وجاهزيته وجيبه. أمّا ما يميّز الدلالات السامية العليا لهذه المناسبة مسيحيًا ووطنيًا وعالميًا هذا العام بالذات، فيتمحور بالتأكيد حول "رسالة السلام والمحبة والرحمة والرجاء" التي يحملها دومًا مولود المغارة، يسوع ابن مريم، يوم مولده. فهذا شاعر العرب الكبير أحمد شوقي يلخص الرسالة السمحاء لكلمة الله في الأرض يوم مولده في واحدة من أروع قصائده:
وُلِدَ الرِفقُ يَومَ مَولِدِ عيسى          وَالمُروءاتُ وَالهُدى وَالحَياءُ
وَاِزدَهى الكَونُ بِالوَليدِ وَضاءَت     بِسَناهُ مِنَ الثَرى الأَرجاءُ
وَسَرَت آيَةُ المَسيحِ كَما يَسـ         ـري مِنَ الفَجرِ في الوُجودِ الضِياءُ
تَملَأُ الأَرضَ وَالعَوالِمَ نورًا        فَالثَرى مائِجٌ بَهًا وَضّاءُ
لا وَعيدٌ لا صَولَةٌ لا اِنتِقامُ        لا حُسامٌ لا غَزوَةٌ لا دِماءُ
شجرة الميلاد، رمز العيد وبهجتُه
بعيدًا عن هموم اللاهوت والإيمان والمعتقد، فقد أصبح عيد الميلاد الذي تمّ "الاتفاق" على تعيينه في 25 كانون أول من كلّ عام، مناسبة وطنية بلْ ودولية للاحتفال على نطاق واسع في معظم بلدان العالم. ففي مثل هذه المناسبة الكبيرة التي يحتفل بها العالم المسيحي قاطبة، تحتار العائلات وإدارات الكنائس والمنظمات والحكومات التي لا تفوّت هذه الاحتفالية التي يفرح لها الصغار قبل الكبار، في كيفية نصب شجرة الميلاد محور الاحتفالات في المنازل والكنائس وفي الطرقات والساحات العامة ومحلات البقالة والأسواق الكبيرة التي تتنافس سنويًا في عرض المزيد من اشكال الزينة والشجر بحيث لا يكاد يخلو بيتٌ أو مدينة أو قرية أو ساحة من مباهجها. وبالمناسبة، فقد غزت الصين أسواق العالم في إنتاجها وتصديرها أشكالَ هذه المباهج التي غطّت أسواقًا عالمية ومنها بلدان الشرق الأوسط والعراق من بينها. إلاّ أنّ جانبًا مهمًّا في هذه المناسبة مازال يشكلُ هاجسًا للكنائس وإداراتها حول إمكانية المشاركة الدينية والطقوسية بهذه الاحتفالية ليلة عيد الميلاد بالذات، بسبب المعوقات والإجراءات التي حتّمتها جائحة فيروس كورونا المستجّد. فمِن جملة ما تتطلبه الوقاية من الوباء، فرض شرط التباعد الاجتماعي، ما يعني حرمان الملايين من إمكانية الاحتفال بالطقوس الدينية التقليدية التي اعتادوا عليها المشاركة الوجدانية في الصلوات والطلبات والأدعية بعيدٍ سعيد ومبارك ينعم فيه الباري تعالى على العالم أجمع بالصحة والسلامة والأمان وسط فوضى السياسة الطائشة لزعامات دول وأعمال عنف تسود معظم بقاع العالم. وسيبقى الخيار الأفضل لجميع المحتفلين بهذه المناسبة اقتصار الاحتفال‭ ‭ ‬ضمن‭ ‬مجاميع‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬لقاءات‭ ‬عائلية‭ ‬موسعة أو إقامة حفلات صاخبة في القاعات والنوادي والساحات العامة، وقاية من الإصابة بالجائحة اللعينة المنتشرة في أغلب دول العالم، على الأرجح. وهذا لن يمنع جميعَ البشر من ترنيم رسالة الملائكة بإعلان بشرى الميلاد " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة الصالحة لبني البشر".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
اليوم، في الوقت الذي ينهمك فيه العالم الغربي أكثر من غيره بمظاهر الاحتفال بنصب شجرة رمزية لإحياء هذه المناسبة كما تشهد ذلك مثلاً ساحة القديس بطرس في دولة الفاتيكان، المقر البابوي الذي يستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا في هذه المناسبة بالذات، هناك مدنٌ غيرها تمضي أيامًا بل أسابيع لنصب مظاهر إضافية للزينة والبهجة، إلى جانب رمزية الشجرة التي تختلف نوعًا وشكلاً بحسب مشيئة الجهات التي تتولى هذه المهمة والمتاح فيها من أشكال المزروعات التقليدية. ولا يفوت الجهات الكنسية عادة، توظيف أشكالٍ أخرى تزيد من جمالية الرمزية التي تمنحها شجرة الميلاد، حيث تعكف كنائس العالم قاطبة لنصب مغارة الميلاد الرمزية التي تتراوح عادة في اختلاف هيئتها وشكلها وتتقارب في مضمونها وغرضها. ولكنها في كلّ الأحوال تشير إلى رمزية الموقع البسيط الذي وُلد فيه مخلصّ البشرية حين اختار أن تكون ولادتُه في مغارة وضيعة تأوي حيوانات تكفلت هي أفضلَ من البشر بتدفئته في تلك الليلة القارسة. وهذه رمزية أخرى تشير إلى وداعة المسيح المولود في مذود ضمن مغارة في مدينة "بيت لحم -أفراطَ"، طفلاً "ملكًا" رضيعًا جميلاً عجيبًا كاملَ البهاء وسط ظروف جوية قاسية شديدة البرودة. فهو لم يشأ أن يكون مُلكُه بشريًا من العالم أو أن يرفع السيف ويصول ويجول قتلاً وهتكًا للأعراض وانفلاتًا بلا حدودٍ في متع الأرض والنساء. فملكوتُ المسيح ليس من هذا العالم، كما أعلن في بشارته لكلّ الأرض، إذْ لم يشأ تقبّلَ التيجان ولا الثروات ولا الملذات ولا المتع الأرضية، كما فعل أنبياءٌ كذبة وتبجّحَ ملوكٌ وزعماء ورؤساء كثيرون عبدوا المال والسلطة والمتعة وآثروا ظلمَ إخوتهم البشر وممارسة سياسة قهر الشعوب وتجويعهم بفعل سطوتهم وقساوة قلوبهم واحتقارهم للبشر إخوتهم في الخلق. بل فضلَ هذا "المَلِكُ" البسيط مولودُ المغارة، عوضًا عن كلّ أشكال المفاخر والمتع البشرية أن يتقبّلَ هدايا الأشراف (المجوس) القادمين من الشرق حاملين "ذهبًا ومرًّا ولبانًا"، تجسيدًا ورمزًا لحياة المسيح على الأرض طيلة 33 عامًا التي أمضاها في رسالته الإلهية وسط البشرية، وبالذات في موطنه إسرائيل (فلسطين). فالذهب إنّما يُقدّم للملوك، والمسيح وُلد ملكًا بغير تاج بشريّ باعتراف ملوك الشرق الثلاثة. و"اللبان" إشارة واضحة إلى رمزية ملء الكهنوت التي حملها المسيح في حياته. فيما "المرّ"ّ دلالةٌ للآلام التي سيكابدها المسيح في نهاية رسالته حينما أنكرُه اليهود ورفضُه أهلُ بيته، بحسب ما ورد في مواقع عديدة في أسفار الكتب المقدسة والأنبياء.
في العراق، أمنية بعيد وطنيّ رسميّ للميلاد
اعتاد الكثير من العراقيين ومازالوا في مشاركة أصدقاءَهم وجيرانَهم وبني وطنهم ممّن تبقى من مسيحييّ العراق وطنيًا، بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة في كرنفال وطنيّ لا يقلّ شأنًا عن احتفالهم بأعيادهم الخاصة، إن لم تزد عليها. وقد اتسعت المشاركة لتشمل حضور القداس مساء العيد الذي كان يجري في السابق منتصف الليل كتقليدٍ مسيحي في كنائس العراق والعالم. وإن دلّ هذا على أمرٍ، فإنّما هو دلالة على الألفة والمحبة وصفاء النية والتفاهم والمودة، وهي أشكالٌ من التعاطف التي يحلم بها جميع ذوي الإرادة الصالحة وأصحاب النوايا الطيبة من أبناء الوطن الواحد بمشاركة بني جلدتهم في الوطن الذي يحلم به الجميع كي يكون خيمة وارفة لكلّ المكوّنات الوطنية بأديانها وأطيافها ومذاهبها وأعراقها. وهذا ما يشكلُ اليوم قاسمًا مشتركًا للمواطنين الواعين حول إيجاد صيغة فاعلة للتفاهم الوطني المبني على الحوار وتقاسم المصير وصناعة مستقبل الأجيال التي وضعتها سياسة الحكومات المتتالية في مهبّ الريح بسبب سلوكياتها الأنانية غير الوطنية والبعيدة عن أخلاقيات الحكم والإدارة الرشيدة.
ومن الجميل أن تتصاعد دعواتٌ وطنية ومجتمعية لإصدار قرارٍ حكوميّ رسميّ باعتبار عيد الميلاد ضمن الأعياد الوطنية التي يحتفل بها العراقيون جميعًا. وهذا ما طالبت به أيضًا "مرجعيات مسيحية وطنية" حفاظًا وتعزيزًا للروح المجتمعية المتآلفة والمتكاتفة والمتناغمة في عمومها، وكي تبرز أهمية هذا المكوّن وثقافتَه وجدارتَه وحضورَه الوطني وتجذّرَه في الأرض ومشاركته مع غيره من سائر المكوّنات في بناء الوطن وتسهيل العيش المشترك ونبذ التطرّف وأشكال العنف والعمل بموجبات القانون ومنطق الدولة التي لها هيبتُها وسيادتُها فوق كلّ الولاءات وبالضدّ من كلّ المصالح الشخصية والفئوية والتحزبية والطائفية التي يرفضها الطيبون. فالمسيحيون مهما قلّوا، سيبقون تلك القوّة الإيجابية التي تساهم في بناء الأوطان والمجتمعات وذاك الملح الذي يزيد من نكهة المجتمع العراقي المتآلف تقليديًا. والمجتمع أو البلد الذي يخلو من فئة هذا المكوّن يبقى ناقصًا وغير قادرٍ لخلق سبل العيش المشترك وضمان سمة الانفتاح وصناعة أشكال الحوار والتفاهم في أسس بناء الأوطان. كما أن مثل هذا القرار الجريء سيكون بمثابة جرعة ناشطة لما تبقى من مواطني هذا المكوّن الأصيل ومَن غادروه مرغمين، للشعور بوجود مَن مازالَ من بني وطنهم مَن يشعر بالحزن على غيابهم وتركهم أرضَ الآباء والأجداد للعودة من بلدان الغربة من أجل المساهمة في إعادة بناء النسيج الاجتماعي المثلم وعودة اللحمة الوطنية لسابق عهودها.
مشاركة وجدانية ترفض التابوهات
هذه المشاركة الأخوية الوجدانية التي اتسع مداها في أوساط المجتمع العراقي خلال السنوات القليلات الأخيرة والتي تنامت وتيرتها عبر أشكال التعاطف المجتمعي مع المحتفلين بهذه المناسبة من إخوة الوطن من جميع الطوائف المسيحية، تأتي نتيجةً لزيادة الوعي المجتمعي وتقارب الرؤى الوطنية بضرورة الخروج من عنق الزجاجة الذي حصرهم فيها أدعياء "التابوهات" والتحريم في زمن مضى بحسب تأويلات هذه الفئة الضالّة التي مازالت تعيش أجواء الماضي المتخلّف قبل أكثر من 14 قرنًا من الجمود والتأخر عن مراقي التجديد والتحضّر والتأقلم والتعاطف بين الشعوب والأمم. فما كان يصلح في ذلك الزمان، لم يعد صالحًا ولا منطقيًا ولا مقبولاً في زمن التكنلوجيا الرقمية المتسارعة في خطاها لمعرفة كلّ شيء والوقوف على أيّ شيء لا يخطر على البال ولا يأتي في الحسبان. وهذا العيد وما يُحلمُ به أن يجلبه من راحة بال واطمئنان ومباهج ومن تشاركية وطنية ومجتمعية في الصلوات ومن ممارسات جانبية وهدايا وزينة وحلويات لها خصوصيتُها ونكهتُها، كلّها أدواتٌ جاذباتٌ لخلق عقد وطنيّ إيجابيّ بين أبناء الوطن الواحد مبنيّ على احترام حق الآخر في الاحتفال بمناسباته الدينية والمذهبية والاجتماعية من دون تمييز ولا تفرقة ولا استهانة ولا استخفاف ولا تحريمٍ ولا فرض مراسيم واحتفالات بقوة التهديد والوعيد. لذا لا عجب أن نجد اليوم عائلة مسلمة أو غيرها من سائر المكوّنات المتآخية الأخرى تتسابق لشراء شجرة عيد الميلاد ونصبها باحترام في موقع بارزٍ في المنزل أو في موقع العمل أو في مواقع التسوّق احتفاءً بمناسبة دينية كبيرة لإخوتهم المسيحيين في الوطن.
اليوم، صار من حقّ الإنسان المخلوق حرّا لا عبدًا أن يتناغم مع محيطه ويتقارب في رؤاها مع مواطنيه وجيرانه ويتشارك معهم حلو الحياة ومرّها، بهجتَها وأحزانَها. وبغير هذا، سيقفُ عنهم ومنهم ولهم غريبًا دخيلاً شاذًا في سلوكه ونطاق حياته، ليبقى تمثالاً جامدًا صامتًا لا حياة فيه ولا طعم ولا رائحة ولا منفعة ولا عاطفة ولا إحساس بمحيطه وسط المجتمع. لقد تنامت فكرة التعاطف الوطني مع أبناء الوطن الواحد وسط المجتمع العراقي المتكاتف لتجتمع حولها جميعُ سبل التوافق والتفاهم والتقارب التي من شأنها لمّ شمل أبناء هذا الوطن الغارق في متاهات الطائفية وفساد الزعامات السياسية التي اعتادت الرقص على أحزان وأشجان الشعب عبر المتاجرة بالشعارات الدينية والعرقية والطائفية لأغراض فئوية ضيقة وأخرى شخصية وغيرها مذهبية أو حزبية مقيتة لا يُترجّى منها تغييرًا في المنهج الوطني المفقود على طاولة هذا الصنف من الساسة والزعامات الحزبية التي قتلت الروح الوطنية ووأدت أية آمالٍ بالتغيير الإيجابيّ نحو الأفضل في ظلّ تدوير ذات الشخوص أو عبر محاولات خبيثة وحثيثة لإنتاج مثيلاتها السيّئات. وقد بدأت بوادر مثل هذه المحاولات السلبية بالبروز على الساحة السياسية العراقية منذ أسابيع وأيام عبر أولى الخطوات التي كشفت النقاب عن سعي حثيث لإعادة إنتاج أحزابٍ ثانوية بأهداف متماهية مع شعارات الانتفاضة وعبر شخصيات شبابية أو جاذبة في السحنة والشكل والصورة والجندر في محاولة للظهور بطابع الادّعاء بالإصلاح. كما آلت جهات سياسية على نفسها وأخرى غيرها ومنها تياراتٌ تدّعي الإصلاح أن تتجرّأَ بتخوين إرادة الانتفاضة التشرينية وشخوصها ووصمها مؤخرًا بصفات لا تليق بأهدافها الوطنية العالية في بحثها السلمي عن "وطن مفقود". فسوح الثورة والشرف، وإن تخللتها بعض السلوكيات الفردية من نفرٍ غير ملتزم منذ انطلاقتها في تشرين أول 2019 وحتى تاريخ انسحابها لأسباب ستظلُّ غامضة في جزئيات منها، لا ينبغي وصفُها ب"سوح الفاحشة ومعصية الله" من جانب تيارات تدّعي الوطنية والإصلاح باطلاً وهي شريكة في الحكم، أو بأية صفات أخرى لا تليق بالثورة الشعبية الصادقة التي أحدثتها الانتفاضة الاحتجاجية التي هزّت الزعامات الفاشلة التي حكمت البلاد منذ الغزو الأمريكي الخبيث ولغاية اليوم والتي سوف تقتلع عروشَهم السياسية والاقتصادية وتقتصّ منهم حين تتغيّر موازين اللعبة في قادم الأيام.
أملٌ ورجاء بربيع عراقي
مع استعداد العراق، بلد "شنعار" وأرض السواد لاستقبال عيد الميلاد بطريقته الوطنية التقليدية، تتلاقى الرؤى لاستقبال أيامٍ أفضل من سواها من سابقات مريضات بعاهات كثيرات في شتى الميادين. عسى الرجاء بميلاد المسيح يحمل أملاً مضافًا باستعدادات البلاد شعبيًا ورسميًا لاستقبال الحبر الأعظم، بابا الفاتيكان "فرنسيس" للفترة من 5-8 من آذار 2021 كما هو مقرّر، تعزيزًا للروح الوطنية وشدّا من عزم ما تبقى من المسيحيين الآيلين إلى الانقراض بسبب سوء الظروف وتفاقم الفساد واشكال التهديد والوعيد ونقص الحكمة وزوال الرحمة وانحسار التفاهم، وذلك لتشجيعهم بالثبات في أرض الآباء والأجداد وإكمال مسيرة بناء الوطن. ومن شان هذه الزيارة المباركة أن تشكلَ لنا جميعًا، عيدَ ميلادٍ جديد يدخل منازل جميع العراقيين من كافة الأديان والطوائف والمذاهب لننصت له، وهو الحدث الأول في التاريخ العراقي أن تطأَ أقدامُ أرفع شخصية دينية مسيحية "كاثوليكية" أرضَ العراق ليجدّدَ الأمل فينا جميعًا بحياة ممكنة نحو الأفضل في البناء والسعادة والفرح.
مبارك عيد الميلاد لجميع البشر في المسكونة. ودعواتٌ وتمنياتٌ خاصة للعراقيين الطيبين المقهورين ممّن شكوا غدر الزمن وهُمْ يسعون هذه الأيام لحمل همومهم على كفِ وهموم وطنهم الجريح في الكفّ الأخرى من أجل رفعها أمام مولود المغارة للشفاعة بإعادة الأمان والسلام والاستقرار والطمأنينة والشفاء من كلّ الأمراض البشرية والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها مجتمعات كثيرة، ومنها العراق.


28
وما زال البحث جاريًا عن وطن مفقود
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تشرين أول 2020
شاءت الأقدار أن يقع العراق وسط بلدان سفيهة لم تتوقف أطماعُها ولا تراجعت أحقادُها ولا خبت دسائسُها يومًا للإيقاع به أرضًا وسماءً ومياهًاً وحضارة وثقافة وتنوعًا في شعوبه المتجانسة منذ أصول التاريخ. فكلُّ الأنظار وكلّ الكيانات وكل الدول، الصديقة قبل العدوّة، كانت وماتزال متوجهة صوبه وتسعى لنهش ما تبقى من جسمه العليل بسبب قسوة عوادي الزمن ومؤامرات بلدان الخارج التي أفقدته هيبتَه وسلبته سيادته وجعلته في مصاف الأمم والشعوب الأكثر تخلّفًا في كلّ شيء، بل متذيّلاً صفوف بلدان العالم. وهي بفعلتها الخبيثة، قد قرّبته هذه الأيام من شفير الإفلاس بالرغم من طفوه على مليارات البراميل النفطية ومكامن الغاز إلى جانب تميّز جلّ أراضيه وتمتعها بثروات معدنية وطبيعية ليس لها مثيل في دول المنطقة حصرًا. ناهيك عن منابعه المائية ونهريه الخالدين اللذين تسعى دول الجوار الخبيثة ما تمكنت، من صدّ المياه عنهما وتجفيف قاعيهما بهدف الإيقاع بشعب العراق وتجويعه إن أمكن مع سبق الإصرار والترصّد وبلا خشية من ربّ العباد ولا استحياء بشريّ. بل إنّ سلوك بعض هذه الدول، ومنها دول الجوار حصرًا، شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا وبلا تمييز ولا استثناء، تسعى وبكلّ صلافة وبحقد أسود دفين للإتيان على ما تبقى من هيبته وسيادته وطيبة أهله بشتى الوسائل والأدوات لجعله أضحوكة وألعوبة وبقرة حلوب لطوابير من الأغراب والدخلاء عنه من ساسة الصدفة والجماعات والعصابات والفئات المقتاتة على الكومسيونات وما تدرُّه عليها العقود الفاسدة الكثيرة والمنافذ الحدودية من موارد بأشكالها وما تحصل عليه بفعل الاتفاقات المشبوهة في زمن ضياع السيادة الوطنية وانكسار هيبة الدولة بفعل أدوات الدولة العميقة التي تسرح وتمرح وتعربد وتتحكّم في مفاصل الدولة الشاملةً.
هذه الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها البلاد، لاسيّما بفعل الانفلات الأمني المصاحب لأدوات الدولة العميقة، وصعوبة سيطرة الحكومات المتعاقبة على مقاليد الحكم والإدارة بسبب استشراء الفساد وتغوّل أدوات هذا الأخير في كلّ مفاصل الحياة وما ترتب عليه من الهبوط الحادّ في الموارد الريعية المتأتية من بيع النفط الذي تسببت به جائحة كورونا، إضافة إلى التهاون الواضح من قبل المجتمع الدولي وعدم وضوح الرؤية في العقل المدبّر للراعي الأمريكي للعملية السياسية ومغازلته الفاجرة لغريمه في التنافس على إدارة حكم البلاد وسطوة الجارة الشرقية على القرار العراقي الذي أفقدته وطنيته وجرّدته من قدرته على استعادة هيبته وسيادته، كلّ هذه وغيرها ممّا لا نحبّذ التذكير به قد ضعضعَ العلاقة بين المواطن والحكومات الهزيلة المتعاقبة وأفقدَ المصداقية بين الشعب وحكامه المتهمين بالفساد والإفساد لغاية بلوغ اليأس والقنوط من العملية السياسة برمتها والتفكير بالانتقال إلى وسائل أخرى قد يكون الصدام المسلح أحدى أدواتها الرئيسة عندما لن تعود تنفع وسائلُ التغيير السلمية المرجوّة من المنظومة السياسية برمّتها.
كما ليس خافيًا هو الآخر، بلوغ الخيبة من الدور المثير للريبة الذي تضطلع به المنظمة الدولية وممثلتها المثيرة للجدل جينين هينيس-بلاسخارت بظهورها بمظهر سيدة مخابراتية في تحركاتها ونقاشاتها وزياراتها المتكررة لأدوات السلطة ومراجع مختلفة دينية وسياسية، في معظمها بعيدة كلّ البعد عن أية نفحة وطنية. بل هي لا تتورع عن إبداء تذمرها بين الحين والآخر من الهياج الشعبي المتفاقم ضدّ أداء الحكومات المحاصصاتية المتعاقبة، إضافة لعدم إخفائها تعاطفها مع الفصائل الولائية ومجاراة أدوات السلطة وأحزابها كلّما استطاعت ذلك. فهي قد أجادت بفضل حنكتها المخابراتية اقتناص الفرص وإدراك مكامن التسلّل المتاحة التي تنتهزها كوسيط دوليّ لتحقيق مكاسب شخصية ودولية لصالح جهات مستفيدة من بقاء أوضاع البلاد على حالها متشرذمة ومهزوزة وفاقدة للسيطرة على إدارة شؤون البلاد وثرواتها وفرض هيبتها وبما يؤهلها للاضطلاع بدورها الوطني. لذا لم يعد من الصعب الحكم على انحيازها الواضح إلى جانب السلطة وأدواتها العميقة مقابل تهميشها لمطالب ثوار الانتفاضة التشرينية الذين فقدوا ثقتهم بشرعية مهمتها في الفترة الأخيرة.
لا زحزحة عن السلطة المستلمة من الأمريكي !
ما علينا. نحن اليوم في خضمّ تحوّلات واضطرابات وإشكاليات اقتصادية وسياسية ودينية ومذهبية وعرقية لا نترقب نضوبها ولا نعتقد بنهاية لها في القريب العاجل ولا المتوسط. فأحزاب السلطة، ولاسيّما الإسلامية منها تفعل ما بوسعها للبقاء في السلطة ما استطاعت عبر أدوات مستنبطة جديدة ساندة لإدامة بقائها في السلطة. بل هي تشرّع في دهاليز مقرّاتها بغطاء ديني ومرجعيّ ومذهبيّ وبأسلوب محاصصاتيّ مقيت ما يتناسب مع البقاء والتشبّث اللاّواعي بشتى الوسائل والطرق، التشريعية منها والتنفيذية والترغيبية والتهديدية التي تتوجه بها نحو بسطاء الشعب خاصة من رافعي الشعارات المذهبية ومقاومة الأجنبي "الاستكباري الكافر"، ومعهم ومنهم المنغمسون في التخريفات المذهبية والعرفية والعشائرية والمظهرية من الذين لا حولَ لهم ولا قوّة إلاّ بإبداء الخنوع والخضوع لأدوات المراجع الدينية التي بيدها كلّ مفاتيح السياسة والحكم والإدارة بإشارة واحدة تكفي وتفي. وهذه الأحزاب المغضوب عليها من معظم فئات المجتمع، تفعل ذلك انطلاقًا من قاعدة مذهبية ترفض التنازل والإزاحة أو التنحي عن المواقع التي تحصنت بها في أروقة الدولة الفاسدة بدعم من الجارة الشرقية وصمت مريب من الراعي السياسي الأمريكي والغرب المتفرّج وذلك تيمنًا بمقولة "أخذناها وبعد ما ننطيها"، ناسين أو متناسين أن السلطة لا تدوم لأحد. فلو دامت لغيرهم، ما آلتْ إليهم! 
هذه حال الدنيا. والعبرة فيمَن يعرف خشية الله في وطنه وشعبه ويعمل جاهدًا لخدمة الإنسان مواطنه، ويُشبع جوعانًا، ويسقي عطشانًا، ويأوي فقيرًا، ويزور مريضًا، ويكسو طفلاً، ويعزّي حزينًا ويحفظ هيبة البلاد ويطّوّر أحوال العباد ويرمّم المكسور ويشجع الفلاح على حراثة الأرض والصناعيّ على زيادة الإنتاج، ويؤمّن البلاد أرضًا وسماءً ومياهًا، ويعزّز من سيادتها، ويأمن على ثرواتها، ويحرس على مالها العالم من السرقة والنهب والتبذير. وهذا ما لم تقم به، بل فشلت في تحقيقه أحزابُ السلطة منذ 2003 ولغاية الساعة عندما جلست غير مصدّقة على عروشها وكراسيها بدعم من الغازي الأمريكي المتعجرف الذي سلّم البلاد للأغراب عنه وأدخلها في فوضى خلاقة لم تستطع الخروج منها لغاية الساعة. فهل من معتبر؟ وهل من تائب؟ وهل من محاسب لنفسه قبل غيره؟ وهل من حريص على وطن مفقود وضائع يطالب باستعادته ثوارُ الانتفاضة التشرينية الذين تتهمهم بعض أحزاب السلطة بالتخريب وتصفهم غيرُها بالمندسين وقيادات أخرى تدعو لوضع حدّ لثورتهم الباحثة عن وطن واتهام أصواتهم الوطنية بالمهازل؟
     هناك مَن يستعجل حصول انتخابات مبكرة بحسابات سياسية ومجتمعية شبه ضامنة بإبقاء الحكم وما فيه من مكاسب ومنافع ومناصب بأيادي أحزاب السلطة سيئة الصيت التي أتت على الأخضر واليابس وحصدت ما دخلَ خزينة الدولة من ريع بيع نفطه ومشتقاته وإبقاء بنيته التحتية الزراعية والصناعية رهنًا بنظام استهلاكيّ-استيراديّ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. بل إنّ أحزابًا متنفذة وبإسنادٍ وحماية من جهات منفلتة تحتفظ بسلاح وسطوة خارج نظام الدولة تتولى مهمة هذه التجارة الاستهلاكية وتقف حائلاً ضدّ أية محاولة لنهوض القطاع الخاص الذي يرون فيه تهديدًا لمصالحها ومصالح أدواتها التي تسيطر بفعل نظام المحاصصة والهيمنة المذهبية على السلطة على مجمل النظام الاستيرادي لكلّ شيء. ناهيك عن سطوة جهات متنفذة تابعة لأحزاب السلطة على المنافذ الحدودية بكلّ أشكالها ومواقعها من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وهيمنة غيرها على مقتربات ونقاط استيرادية بهدف التحكم بما يدخل عبرها من موارد قد تضاهي موارد الريع النفطي بحسب خبراء ومراقبين ومحللين. وهذا ما يشير بشكل أو بآخر إلى تحايل أحزاب السلطة على الشعب المقهور والمغلوب على أمره عبر الإيحاء بنواياهم بإجراء الإصلاحات الموهومة، ومنها موافقتها على إجراء انتخابات مبكرة في ظلّ بقاء الظروف الحالية وسطوتها على أهمّ عوامل تحقيق النجاح فيها بفضل انتفاعها من المال العام والسلاح المنفلت والسلطة من دون نسيان دور المرجعية التي حذّرت في أوقات سابقت من خشية فقدان أصحاب المذهب للسلطة التي ماتزال تديرها بقوة النفوذ المذهبي وبدعم خارجي مشبوه، سواء من أمريكا غير المكترثة لما آلت إليه أحوال الشعب الكارثية أو الجارة الشرقية التي تستسيغ اللعبة مع غريمها الأمريكي وتدفع بتصفية حساباتها على الأرض العراقية وتراهن على بقاء أدواتها لفترة قادمة أخرى من دون تغيير في المنظومة وأدواتها. من هنا يرى البعض أن استعجال أحزاب السلطة بإجراء الانتخابات القادمة في 6 حزيران 2021 كما هو مقرّر، وفي ظلّ الظروف الراهنة التي تطبق فيها هذه الأحزاب على مقاليد الأمور، لن يكون نافعًا وإيجابيًا ما لم تتدارك قيادات التنسيقيات ومثقفو الأمة والنخب بعمومها، ما يحيط بالعملية السياسية برمتها من مخاطر بسبب تغوّل هذه الأحزاب وفروعها المنتجة حديثًا على مقاليد الحياة العامة وعدم بروز أحزاب وطنية منافسة أو تشكيلات موازية تأخذ على عاتقها مسؤولية التغيير الجذري المرتقب. ونحن نأمل ألاّ يقتضي مثل هذا التغيير استخدام العنف في تحقيقه.
إنتاج سلبيّ لأحزاب فرعية
لقد بدا واضحًا للعيان، ظهور أولى طلائع تشكيل أحزاب سياسية جديدة من إنتاج الأحزاب الإسلامية الفاشلة بهدف تضليل الراي العام والظهور بمظهر الإصلاح البعيد كلّ البعد عن مفاهيم بناء الدولة الحديثة التي يطالب بها عمومُ الشعب والتي أفرزتها أصوات الانتفاضة التشرينية حين نادى أبطالُها وثوارُها بأنهم يريدون وطنًا يحميهم وليس غولاً يتحكم بمصائرهم وينهب ثروات بلادهم ويسرق قوت الفقراء ويدمّر ما بنته مؤسساتُه السابقة وما أتى به النظام البائد من تطور وبناء في كلّ الميادين بعيدًا عن حسابات سياسية مليئة حقدًا وعداءً حين سعت وما تزال تسعى أحزاب السلطة الفاسدة منذ 17 سنة خلت، كي تطمس معالم الثقافة والتمدّن والتطور التي ميّزت العراق في عهد النظام البائد. ويكفي ترحّم قيادات وشخصيات سياسية وإدارية في الحكومات المتعاقبة لما تحقق في ذلك الزمن في حين عجزت قيادات البلاد منذ 2003 بإضافة ما يستدعي التفاخر به إلاّ في مشاريع نهب المال العام وإفراغ خزينة الدولة وسرقة موازناتها الانفجارية وضياع المليارات التي لو جرى استغلالها لصالح الوطن والمواطن لانقلبت أحوال البلاد والعباد إلى أفضل ما يكون.
    كما أنّ الملاحظ في هذه التشكيلة الجديدة من الأحزاب الفرعية المنبثقة عن الأحزاب التقليدية الفاشلة المغضوب عليها، قد أدخلت تحسينات شكلية بإقحام عناصر نسائية وشبابية من الجيل الثاني والثالث لتكون واجهة، القصد منها السعي لامتصاص الغضب الشعبي ضدّ الزعامات التقليدية الفاشلة التي كانت وماتزال تشكّل سبب الكارثة في بلوغ البلاد والعباد إلى هذه الأحوال السلبية بالخشية من اقترابها من شفير الإفلاس بحسب خبراء ومراقبين. فهذا ما تشير إليه مفردات وزارة المالية المضطرّة للزيادة في الاقتراض الداخلي والخارجي من أجل سداد مرتبات ومخصصات الموظفين الحكوميين، بمن فيهم آلاف الفضائيين والمزوّرين وأصحاب الدرجات الخاصة والسمة الجهادية والنضالية من الذين يغرفون من ميزانية الدولة بلا حساب ولا تخطيط ولا خشية، وسط تراجع مدخلات الريع النفطي وزيادة النفقات وعدم القدرة على إدارة ملفات الضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية بسبب تواصل هيمنة العصابات والجماعات المسلحة والعشائر وأحزاب السلطة عبر أدواتها الحكومية الرسمية عليها.
إنّ الحسرة على ما يجري تكتنز القلوب وتستدعي حدّ الأسنان لغاية إزاحة المنظومة السياسية الحاكمة برمتها "شلع قلع"، ومن دون تمييز ولا استثناء. فكلّ الأحزاب التي دخلت العملية السياسية قد اقتطعت ما أمكنها من الكعكة وما تزال تقتنص الفرص لاستكمال النهب والسرقة واللصوصية. فكيف بها تقبل بمطالبات الشعب بتنحيها عن السلطة التي فشلت بكل المقاييس والمعايير بإدارتها وتوجيهها نحو الصالح العام الوطني؟ وهذا ممّا يستدعي وقفة عمومية، لدعم مطالب الثوار المطالبين برصّ الصفوف والعمل على إخراج أحزاب وطنية قوية موازية للأحزاب الحاكمة تكون منافسة ندّية لها في إثارة الرأي العام وحثّ فئات الشعب للاصطفاف إلى جانب مطالبه المشروعة باستعادة الوطن من براثن اللصوص والسرّاق ووقف مساعي أحزاب السلطة ومَن يقف مساندًا لها من مراجع دينية ومذهبية وسياسية فاسدة وكشفها أمام الراي العام وتسمية الأشياء بمسمياتها من دون مواربة ولا خشية ولا ألغاز. فالماضي الفاسد المدمّر لا بدّ أن يزول لتحلّ مقامَه وجوهٌ وطنية مشرقة يُشهد لها بالولاء للوطن، أرضًا وشعبًا وحضارة وثقافة وتربية ومجتمعًا وفكرًا ملهمًا ورؤية سديدة في النظر إلى المواطن، جوهر الحياة وصانع الحدث وهدف الوطن والإنسانية.




29
بايدن الرئيس 46 لأميركا، رؤى مستقبلية
لويس إقليمس
بغداد، في 20 تشرين ثاني 2020
بعد أن صار شبه مؤكد إعلان فوز المرشح الديمقراطي "جو بايدن" الرئيس 46 لأكبر قوة عالمية تحكم البشرية وتتحكم بمقدّرات الشعوب بقطبية واحدة لغاية الساعة، يترقب متنبئون بالمستقبل حصول هزّات سياسية وتغييرات في الخارطة الأمريكية قد تعيد فيها تداعيات انحلال دولة السوفيات العظمى في العقد الأخير من القرن المنصرم الذي ختمَ الألفية الثانية بتفكّك دوله وزوال دكتاتوريات لصيقة به. هكذا شاء أسيادُ العالم ترسيم قدرات الشعوب والدول بمقاسات لا تتعارض مع مصالحهم بل تتجاذبُ مع تطورات السياسة والاقتصاد والزمن الرقمي الناعم. ومع ذلك كله، فقد تخرج الأمور عن نصابها استثنائيًا حينما يطفح الكيل وتتفاقم شدّة التنافس الدولي لهاثًا وراء المصالح، وإنْ تعارض ذلك إجمالاً مع رغبة الأسياد وشركائهم في حقبة حرجة من تاريخ البشرية إثر تسيّد أميركا على العالم بعد تفكك المعسكر الاشتراكي من دون منافس. فتنبؤات قرّاء المستقبل تخبرنا بتغيرات قادمة لا مناص منها قد تكون هي السائدة في عالم المتغيرات السريع في مسارات مهمة من حياة البشر والأمم، في تحولات السياسة والاقتصاد والسلطة، وفي أشكالها ودروبها وأدواتها. لكنّ مثل هذه الفرضيات في التنبؤات الحاصلة، إنْ صحّ التعبير، تظلّ محلّ شؤمٍ حينًا، وتفاؤلٍ بمستقبلٍ أفضل حينًا آخر. وهي في كلّ الأحوال متراوحةً بين تفاؤل اليقين المفعم بالإيجابية وأشكال الشكّ الذي لا يخرج عن سلبيات الإحباط بسبب التراجع الحاصل في بناء عالمٍ على أسسٍ ترضي خليقة الله وعباده المقهورين وإرادة هذا الخالق الذي حيّرَ هؤلاء في طول صبره وأناته على البشر وأفعالهم السمجة بفعل فساد وفسق وشرور مَن يديرون دفة العالم وسياسة الشعوب والدول بلا رحمة ولا شفقة ولا غيرة ولا ضمير.
كلّ الدلائل تشير إلى أسرار قادمة قابلة التطبيق والحدوث في تحولاتها وتطوراتها في بلد "الكاوبوي" و"العم سام" الذي بإشارة منه كان العالمُ وقادتُه يتحركون مثل بيادق الشطرنج قدومًا وخروجًا من السلطة وتنفيذًا لأوامر الأسياد حسب الحاجة والرغبة وحصول الإرادة وفق المصالح الكبرى لهؤلاء الأسياد الذين مازلنا نشكّ بصحة نواياهم وحسن سلوكياتهم رغمًا عن إرادة الشعوب المغلوبة. ولا أعتقد أنّ ما يتمّ تسريبُه من معلومات وفرضيات وترشيحات لأحداث وتطورات، سواءً في وسائل الإعلام أو عبر تغريدات خاصة أو في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، يخرج عن سياق هذه الإرادة الشعبوية التي تقترن بكلّ تأكيد باستراتيجية شمولية تسعى لتجديد القائم من هياكل الأمس وفق متغيرات الساعة وشيوع نظام الرمز الرقمي المتنامي الذي سيؤطّرُ حياة البشر والأمم والدول في السنوات القادمات من حياة البشرية.
فيما يرى كثيرون أن حقبة انتخاب " جو بايدن" الحليم المسالم ظاهريًا، ستكون ساخنة بالأحداث بعد عبثية سلفه الجمهوري "دونالد ترامب" الذي سعى لتأسيس سياسة خاصة به عبر "النزعة الترامبية"، وبإمبراطوريته المالية والاقتصادية عبر ترسيخ هيكلية الفوضى بين الشعوب ودول العالم كي تبقى الأمة الأمريكية على رأس زعامة العالم بلا منافس وفق شعار "أميركا أولاً". وهذا ممّا أرهق سياسة الشعوب وخلق غضبًا مكنونًا مستترًا وغير مكشوف عند العديد من زعماء العالم، ومنهم بطبيعة الحال حلفاؤُه في أوربا السائرة في ركبها ومنافسوه الأنداد من دول الروس واليابان والصين الذين سيكون لهم شأنٌ في تسيير دفة العالم في السنوات القليلات القادمات، لا محالة، وخاصة التنين الصينيّ المتنامي.

"بايدن" في وسط النار
الرئيس الأمريكي القادم "جوزيف بايدن" المولود في 20 تشرين ثاني 1942، والذي سيحلُّ سيّدًا على البيت الأبيض، ليس نكرة ولا غريبًا ولا جاهلاً بمشاكل بلاده وسياستها الخارجية والداخلية. بل هو شخصٌ مخضرمٌ خبرَ السياسة والاقتصاد والقانون والدين والمجتمع والأسرة. وقد أمضى حقبة من تاريخه السياسي سيناتورًا ديمقراطيًا منذ 1973 وخاض غمار حياة سياسية صعبة ممّا أكسبه خبرة متمرسة بتنقله وعمله في لجان مختلفة في الكونغرس. هذا إلى جانب تأهله لقيادة متقدمة على مستوى الأمة الأمريكية حينما لازمَ الرئيس الديمقراطي "باراك أوباما" مثير الجدل، نائبًا فائزًا في انتخابات 2008، بفضل درايته في مجال السياسة الخارجية لبلاده وفي قضايا الدفاع عن الأمة الأمريكية بأسلوب المجاراة والتماهي والتغاضي عن سياسة بلدان حاولت تحاشي التعرّض لمخالب البيت الأبيض المؤذية. 
ما ينتظر الرئيس الفائز "بايدن " لن يكون سهلاً. فهو واقع في وسط نيران متأججة، داخليًا أولاً، من حيث التحديات التي مازالت تشكلها جائحة كورونا بسبب سياسة فتح أبواب الحياة مشرعة للحياة الطبيعية والتي سعت من ورائها انتشالَ النمو الاقتصادي العام المتهاوي ودعم الوضع المالي المتهالك بسبب العجز الذي ترزح تحته الحكومة الفدرالية نتيجة لتمويلها الواسع للشركات الخاسرة وتبنيها أشكال المساعدات من أجل انتشال القطاع الخاص ومساعدة المواطنين لمواصلة الحياة الطبيعية. فقد وضعت الخسائر الكبيرة في الأرواح التي أتت بها الجائحة، وتواصل تزايد الإصابات اليومية، وعدم الرسوّ لغاية الساعة إلى علاج ناجع، وانتظار التوافق على لقاح فعال يقي صحة المواطنين والأجيال القادمة، والمشاكل العرقية الأخيرة وما خلفته من اضطرابات داخلية وأعمال عنف مدمّرة، كلّ هذه وغيرها قد وضعت أميركا "الدولة العظمى" على المحكّ، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وطبقيًا وعرقيًا. وسوف يرث الرئيس الديمقراطي القادم هذه التركة الثقيلة التي توجب عليه التعامل معها بحذر وروية لكونها ستكون بمثابة الشوكة اللاسعة في جسم بلاده المترنحة في وحدتها وقوتها وأمنها واقتصادها وديمقراطيتها وسمعتها الدولية المتراجعة.
أما التحديات الخارجية، فهي لا تقلّ في خطورتها وأهميتها. فالعقد السياسي الذي يؤطر العلاقة القائمة منذ حين بين حلفاء أميركا من دول الاتحاد الأوربي، قد تكون له نتائج عكسية تصطدم مع رغبة الإدارة الجديدة إذا ما قرّر الأوربيون الخروج عن عصا الطاعة التي فرضتها إدارة البيت الأبيض الحالية. وفي ضوء هذا التطور، سيتحرك الأوربيون بحرية أوسع وفق شراكة أكثر معقولية واستقلالاً لأجل تقرير سياسة بلدانهم المهددة هي الأخرى بالتراجع بفعل أزمات عديدة متلاحقة، منها ما يتعلق بكيفية التعامل مع المشكلة الديمغرافية التي تؤرّق عموم هذه البلدان وتهدّد كيانها الغربي العلماني المتمدّن وتركيبتها "القومية" وأصولها المسيحية التي لا يمكن التغافل عن ترسيخها والحفاظ عليها من الاندثار بفعل العابثين بها بحجة تطبيق العلمانية والحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان على حساب أصحاب الأصل والأرض والحضارة والتاريخ. وليس بأقلّ من هذه الأهمية، خروج الإدارة الأمريكية بقيادة الجمهوري الخاسر "ترامب"، عن الإجماع الدولي بصدد اتفاقات المناخ التي تبنتها باريس وما يستلزم منها من التزامات دولية لم ترق لإدارة الرئيس الأمريكي الخاسر. كما أضافت الانتخابات الأمريكية الأخيرة عبئًا آخر للإدارة القادمة متمثلاً بكيفية إدامة زخم الديمقراطية المهدَّدة والتي عرفتها الحكومات الفدرالية المتعاقبة وتسعى الإدارة الخاسرة لفرط عقدها واهتزازها بالأسلوب المتهالك الذي يطعن في شرعيتها وفي سلمية نقل السلطة لخلفه الرابح، من حيث المبدأ. إلاّ أللّهمّ لو شهدنا أعجوبة غير طبيعية تعكس الحال.
إلى جانب هذا كله، لا يمكن فصل ما يتبناه الرئيس الديمقراطي الفائز، وهو كاثوليكي المذهب، من أفكار ليبرالية تخص المجتمع الأمريكي، ومنها ما هو حديث الشارع الساخن. فما يؤمن به من قناعات دينية شخصية قد تتقاطع مع تماهيه مع فكر الشارع الليبرالي بخصوص موضوعين اجتماعيين يرفضهما معتقده الكاثوليكي، وهما يتعلقان بتوفر قناعة وافية لديه بموضوعة جواز المثليين وإجازة حرية الإجهاض. وهذان الموضوعان يرفضهما تمامًا المذهب الكاثوليكي. وفي حالة انسياقه لمثل هذه التشريعات الشاذة بدفع من الشارع الفوضوي والمنظمات والجهات التي تقف وراء مثل هذه المطالبات المشبوهة بحجة الانسجام مع الرغبات الطاغية بتبني الحريات الشخصية في كلّ شيء وأيّ شيء، فإنه سيكون لها انعكاس أخلاقيّ عامٌ على أدائه المجتمعي وسوف تطعن في صدقيته المعتقدية وفي إيمانه الذي يخفيه ظاهريًا.
سياسة مختلفة!
هناك مَن يترقب أيضًا، سياسة مختلفة في حالة دخول الديمقراطي "بايدن" للبيت الأبيض، تجاه مواضيع سياسية عامة تتعلق بسياسة أميركا تجاه دول كانت إدارة الجمهوري "ترامب" طالما تعدّها ضمن قائمة العصيان على أوامرها في مختلف دول القارات، ومنها على وجه التخصيص لا الحصر، إيران والمكسيك وكوبا والصين وروسيا. وما على القادم الجديد للبيت البيضاوي إلاّ أن يحتكم إلى رجاحة العقل والحكمة والنظرة الإنسانية للأشياء والأحداث وفق منظور الاحترام الندّي المتبادل مع شعوب ودول العالم كي يستحق تقدير هذه جميعًا ويتفاعل مع القوى الخيّرة من أجل بناء عالمٍ متفاهم ومتحضّر قائم على تبادل المنفعة والخير العام للجميع. هذا إذا أراد حقًا تغيير النظرة السلبية والسوداوية تجاه بلاده التي تسعى للسطوة، بل تتسيّد فعليًا حركة العالم بقطبية سالبة طالما أثارت اشمئزاز الشعوب المقهورة التي تئنّ تحت نير مبدأ المصلحة العليا للقطب الواحد وتضرب مصالح غيرها عرض الحائط في الوقت والظرف الذي تريده هي.
وبالرغم من إعلان المرشح الفائز عن إجراء تغييرات في سياسة بلاده وإشارته إلى عدم استنساخه لسياسة سلفه الديمقراطي أوباما في إدارته القادمة، إلاّ أنّ مراقبين يرون بغير ذلك. فالسياسة الأمريكية العامة العليا تُرسم من خلف الكواليس ووفق سياقات مدروسة واستراتيجية كما هو معروف. ومن ثمَّ قد لا يشكل الرئيس سوى حلقة من حلقات هذه الإدارة مع احتفاظه بالزرّ النووي كامتيازٍ رئاسيّ في أحسن الأحوال، ومنه إعلان شنّ الحروب الخارجية وغزو البلدان وفرض العقوبات على أقراد ومؤسسات ودول. أما نحن في العراق، فيكفينا أن نتوقع الأسوأ. فالرئيس المرتقب سيظلّ أسير سياسة بلاده العليا في ترك الحبل على الغارب في إدامة هوس السلطة بأيدي أحزاب المحاصصة لتكملَ ما أكلته من حرث البلاد وتنهي وجودَه في حالة بقاء ذات الوجوه وتسلّط ذات الأحزاب بأدواتها الفاسدة واللصوصية والترهيبية للقضاء على ما تبقى من حضارته وثرواته وطيّ صفحة مكوّناته الأصيلة التي تتزايد هجرتُها بسبب توالي تردّي الأحوال وعدم تعويض ضحاياها بعكس ما حصل ويحصل لأتباع المثلث الحاكم الفاسد. فلا فرق بين رئيس جمهوري أو ديمقراطي. فالاثنان سيّانِ لنا بإبقاء البلاد تابعة خانعة خاضعة لسطوة الجارة الشرقية وفريسة سهلة لكلّ مَن يسيلُ لعابُه للاغتناء على حساب الوطن والشعب.
.

30
الكنيسة وحكمُ الديموغرافيا المتغيرة
لويس إقليمس
بغداد، في 2 أيلول 2020
خبراء البيئة والديمغرافيا في الغرب يحذرون من عواقب التزايد المفرط المطّرد في عدد سكان العالم بلا حساب ولا حدود، لما قد تشكله مثل هذه الزيادة من تفاقم مشكلات كثيرة على مصير الأرض والمجتمعات. ومن هنا دعوة البعض لوضع حدود للتكاثر السكاني على الكرة الأرضية. فحين تتجاوز الزيادة آفاق الانتاج وما تدرّه الأرض من خيرات، فتلك مشكلة تُدخل العالم ومَن يسوسُه في إنذار وأزمة بشأن ما يمكن القيام به من إجراءات وتدابير لسدّ سلّة الغذاء التي يضربُها الاختلال في تلبية الاحتياجات والطلبات. ولو حصل مثل هذا الاختلال في الناتج والطلب من دون تحقيق شيء من التوزان في الحالتين، فهذا بكلّ تأكيد ستكون له آثارٌ وخيمة على إدارة البلدان وتلبية حاجات مواطنيها، ومن ثمّ حصول اختلال في التوازنات الدولية بين الطلب المتزايد والعرض القاصر.
هناك مَن يرى في برامج الانفجار السكاني في بعض الدول النامية عائقًا حقيقيًا أمام برامج التنمية التي تخرج عن نطاق قدراتها في توفير الحاجة لإدامة الحياة ومنها بطبيعة الحال حصول قصورٍ في توفير البنى التحتية التي تتعاظمُ شكلاً وكمّا ونوعًا. يواجه مثل هذه المحاذير أقوالٌ طوباوية واعتباطية بقدرة السماء على إعالة خليقة الله وتأمين عيشها من فضلات الأرض واستغلالها بأفضل السبل والوسائل العلمية والتقنية المتاحة والتي تتطور مع تقدّم العلوم والتكنلوجيا. وهذا في نظر هؤلاء المنظرين، كفيلٌ بتأمين ما تحتاجه البشرية من سلّة غذائية ووسائل أساسية تقيها عيشها وتضمن قوت حياتها. وليس من شكّ في تبنّي مثل هذه الأفكار البسيطة والساذجة في جزئيات منها من قبل جهات تحملُ مفاهيم دينية واعتبارات كهنوتية في أغلبها، وذلك اعتمادًا على قدرة الخالق برعاية خليقته تمامًا كما "يقوت ربُّ السماوات طيورَ السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى الأهراء"، كما يرد في انجيل متى (متى6:26).
ردّا على آراء الفريقين المتقاطعين في وجهات النظر، لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار أيضًا، ما تتعرّض له شعوب العالم من ويلات وحروب وكوارث طبيعية وأخرى ليست في الحسبان يُضمرها الزمن الصعب ويلفها الغموض والتي من شأنها المساهمة في الحدّ من التزايد السكاني الانفجاري بسبب ما تسببُه هذه النكبات بمجملها من تناقص في أعداد البشر حينما تكتسح آثارُها شعوبَ الأرض لأيّ من الأسباب، طبيعية كانت أم بفعل البشر. فالتاريخ كفيل بنقل صور مرعبة لتناقص سكان العالم حين مهاجمة الأوبئة الفتاكة للبشر مثلاً، كما حصل في سابق السنين وعبر توالي القرون من مآسٍ بسبب أوبئة متوطنة ضربت دولاُ عديدة، مثل الطاعون والكوليرا والجدري والملاريا والحصبة والإيدز وأشكال الحمّى والأنفلونزا والالتهابات البشرية والحيوانية وأمراض غريبة أحدثت أعدادًا كبيرة من الخسائر البشرية. ولم يخلُ العالم من مثل هذه الأوبئة حتى في عصرنا الحالي، حيث يجتاح وباء فايروس كورونا هذه الأيام معظم بلدان العالم ليوقع ضحايا بشرية، وإنْ ليست بذات الأهمية التي أوقعت أوبئة سابقة آلاف البشر بل الملايين منهم. ومثلُها ما حصل في حروب دامية بين الأمم والدول، وآخرها مآسي الحربين الكونيتين في القرن المنصرم والحروب الحالية في مناطق عديدة من العالم.
بالمجمل، ينبغي أن يدرك قادة العالم وساستُه ما يستدعي اتخاذهُ من إجراءات تحوطية وإدارية فاعلة للحفاظ على البيئة والنظم الإيكولوجية التي من دونها، يحصل خرقٌ في التوازن العام في الحياة. ولعلَّ من الدلائل القائمة ما يشيرُ حقًا إلى مستقبل غامض وغائمٍ لكوكب الأرض، ما يشكلُ خطرًا كبيرًا على جميع شعوب الأرض من دون استثناء من حيث فقدان القدرة على الإنتاج وحصول أزمات اقتصادية حادة من شأنها التأثير على طبيعة حياة البشر ووسائل كسب قوتهم اليومي بيسر ودون معاناة.
أشير في هذه السطور إلى مقالة جديرة بالاهتمام نشرها واحد من ألمع علماء الاجتماع واللاهوتيين الاقتصاديين "دومنيك غرينر" على إحدى صفحات جريدة لاكروا الفرنسية بتاريخ 15 تشرين ثاني 2017، أشار فيها إلى تحذير صادر من أكثر من 15000 عالم من 184 بلد التقوا في مؤتمر بتاريخ 13 تشرين ثاني من العام 2017 لمناقشة التطورات المناخية والنظم البيئية وآثار الزيادات العشوائية لسكان الأرض. وقد أوصى هؤلاء الباحثون بشكل خاص في إعلانهم النهائي بضرورة الحد من النمو السكاني غير الطبيعي في البلدان النامية، واستنفار أجهزة الدول والمنظمات عبر تعميمات وأدوات توعوية وتثقيفية تتطرّق مباشرة لبرامج معدَّة حول تنظيم الأسرة وتعليم المرأة، لما للموضوع من حساسية مجتمعية وحميمية في جزئيات عديدة منه.

الكنيسة الكاثوليكية: الغاية لا تبرّر الوسيلة
عبّرت الكنيسة الكاثوليكية في مناسبات عديدة عن حرصها بضرورة تنظيم حياة البشرية على أكمل وجه من دون أن تشكّل الأزمات الدولية المتنوعة مخاطر على الجنس البشري وقدرة البشر على إدامة زخم الحياة والحفاظ على بيئة آمنة مهما كانت التحديات. ولكون الموضوع فيه الكثير من أوجه الحساسية ولعلاقته المباشرة او غير المباشرة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية في حياة الناس على حدٍّ سواء، فقد راعت الكنيسة الكاثوليكية طيلة مسيرتها جميع هذه المسائل كما راجعت الظروف المرافقة وكذلك فعلَ التوتر الممكن حصولُه بخصوص مسألة إحداث تغيير في الخصائص الديمغرافية للبشرية. كما أبدت مراعاة متوازنة في مسألة تعزيز قدرات الأفراد واستقلاليتهم في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب من دون أن يشكل مثل هذا التحدّي توترًا في الأداء والنتيجة، مع إدراكها الكلّي بكون الزيادة المتفاقمة في عدد سكان العالم ليست هي الوحيدة من الأسباب التي تؤدي للاختلال في شكل التوازن وأدواته. ويمكن للمتابع أن يطّلع على المفاهيم والأفكار المطروحة من جانب اللاهوتيين فيها منذ الخمسينات من القرن المنصرم، سواءً في تعاليمها أو في منشورات رجالاتها المؤتمنين. وهذا ما نستشفُه من مفردات التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في العدد 2402 "في البدء أوكل الله الأرض ومواردها إلى إدارة مُشتركة تضطلع بها البشريّة لكي تعتني بها". فالغاية من خلق البشرية هي للتعارف والعيش المشترك والتكاثر في حديقة الله الكبرى والعيش من ثمار الأرض بالتكاتف والتعاون المثمر، من دون الانزلاق وراء دعوات للاستغلال غير المبرّر والحدّ من النسل البشري بحجة عدم كفاية ثمار الأرض.
في متابعة استقرائية لآراء بعض رجالات الكنيسة الغربية في أعقاب ملتقى 2017، يمكننا الوقوف على رأي وسطيّ مقبول في أوساط الكنيسة الكاثوليكية، تارة بمراعاة وجهة نظر منظّرين يخشون من اختلال التوازن الديمغرافي في عالمٍ متلاطم بالمشاكل والأزمات، وبين فئة أخرى ترى في إدارة سياسات البلدان وفي النظام العالمي ذاته ثغرات وأخطاء يمكن تفاديها فيما لو تأرجحت الحكمة الحسنة والنية الطيبة والإرادة الصالحة لدى بني البشر. حينئذٍ يمكن للكوكب الأرضي أن يسير في طريق الأمان وبالتفاعل والتآزر والتعاون بدل إدارة البشر مثل القطيع الذي يوجهه الرعاة والزعماء بحسب المزاج والأهواء والرغبات عبر أنظمة طاغية لا تمتّ للإنسانية ولا لخليقة الله بصلة. وهذا بطبيعة الحال، من دون أن يغفل العالم وقادتُه الاستخدامَ الأفضل للقدرات البشرية في تعزيز التعاون وتطويع الطاقات لخدمة البشرية بالطريقة التي تقبلُها السماء عبر تحقيق العدل والمساواة والشراكة في تقاسم الخيرات الأرضية والموارد البشرية بما يمليه الضمير الإنساني الحيّ. وهنا، تسقط جميعُ التوقعات والنظريات التي لا تخفي خشيتَها من تفاقم نسبة السكان في الأرض وتأثير ذلك على مسار حياة الشعوب والدول. فالمشكلة لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو دينية بحتة. بل تتعدى بكونها أخذت آفاقًا جديدة في عالم اليوم من حيث تحوّلها إلى مشكلة أخلاقية بتأثير الجانب الديني المعتدل المجبول بأعمال التعاون وأدوات التفاهم ومفهوم التشاركية التضامنية بين شعوب الأرض من أجل خلق عالمٍ خالٍ من الظلم والاستغلال ويتطلع نحو مساواة اجتماعية لا تقبل التمييز والقهر والتسلط. ومن واجب البشرية وزعماء الدول العمل على تكثير الثمار الطيبة في الأرض والتشجيع لتبادل المسؤولية بين البشرية وبين الطبيعة للحفاظ على قدرة هذه الأخيرة في توفير القوت الآدمي لجميع شعوب الأرض بالتكاتف والتآزر والتعاون المشترك.
من هنا يمكن أن يدخل الوازع الديني بكلّ قوته وتأثيره ليجعل واقع الحياة البشرية أكثر حساسية من حيث الحاجة الجامعة إلى تعاون مثمر وصحيح بين الأمم والدول وشعوب الأرض على قاعدة تقاسم الموارد. ولعلّ مِن بين مَن تطرق إلى هذا الشأن من جانب الكنيسة الكاثوليكية هو رئيس أساقفة مدينة ليون الفرنسية (1937-1965) الكاردينال "جيرليير- Gerlier"، رجل المرحلة في حينها والذي أيّد بكلّ جرأة وصراحة ضرورة العمل بمبدأ التشاركية في الثروات الأرضية بقوله: "من هذا المنظور نفهم أنَّ الثروة صُنعت للإنسان وليس الإنسان من أجل الثروة، ويتوجب على البعض معرفة كيفية التجرد قليلاً والتضحية بالفائض لديهم من أجل توفير الحدّ الأدنى الضروري منها للغير المحتاج. هذا هو درس الإنجيل".
في ضوء الرؤية الواضحة لمثل هذه المفاهيم الإنسانية، لا يمكن لأيّ دين أو عقيدة سويّة القبول بزيادة ثراء الأثرياء أضعافًا مضاعفة مقابل زيادة نسبة الفقر والفقراء إلى مستويات قاتلة لا تصلح للإنسانية في عالم اليوم المتحضّر. كما لا يمكن القبول باستغلال الدول الغنية لنظيراتها من الدول المتخلّفة التي ترزح تحت نير عبودية الأولى التي تحلبُها بشتى الوسائل والطرق من دون أن تضع لها خارطة طريق للصحوة من تخلّفها والشفاء من أوجاعها والتخلّص من فقرها بالسيادة على مواردها واستغلال خيرات أرضها بنفسها وبجهود مواطنيها. وهذا يفسّرُ أيضًا موقفًا صائبًا آخر ينبغي أن تقوم عليه الاستراتيجية الدولية إذا ما صلحت نوايا الكبار الذين يُحكمون سطوتَهم على اقتصاديات العالم وسياسات الدول من خلف الجدران. فحين يكون السلام والتعاون والتفاهم بين الشعوب والأمم، تسقط كلّ التحديات الاستكبارية للزعماء الطرشان الذين يرفضون صوت الحق الصارخ القادم من الشعوب المغلوبة المستغَلَّة (بفتح الغاء) من قبل الدول المستغِلّة (بكسر الغاء) من دون وجه حق والذي بسببه تقوم الحروب ويهدّد شبحُها دولاً أخرى تنتظر مصيرها من حروب لها بداية وتُجهل نهايتُها.
للفاتيكان وجهة نظر
يأتي اهتمام الفاتيكان بمبادئ العدل والمساواة بين شعوب الأرض في أولى الأولويات التي تتبناها الكنيسة عمومًا، والكنيسة الكاثوليكية بصورة خاصة، متمثلة بما يصدر عن لسان البابا نفسه من تعاليم وتصريحات مباشرة أو من الدوائر التابعة له. كان البابا صريحًا في تعليمه الاسبوعي ليوم الأربعاء 26 من آب 2020، والذي بُثَّ من مكتبة القصر الرسولي  بدلًا من لقائه التقليدي مع المؤمنين في ساحة القديس بطرس بسبب جائحة كورونا. فقد ندّد البابا بما أسماه "فايروس الاقتصاد المريض"، مشيرًا إل أن هذا "الفايروس يأتي من اقتصاد مريض تهيمن عليه عدم مساواة اجتماعية ويديره أشخاصٌ لا تهمّمهم إلاّ الحسابات". ويرى البابا أنه في الوقت الذي بإمكان بعض الدول التعاملَ مع آثار هذاالفايروس القاتل بإيجابية وقدرة على تجاوز هذه الآثار، فإنّه بالمقابل تبقى دولٌ ضعيفة أخرى رهن السمتقبل وما يمكن أن يتمخض عنه من نتائج، سلبًا أم إيجابًا. وفي رأي بابا الفاتيكان، أنّ " أعراض عدم المساواة هذه تكشف مرضًا اجتماعيًا بسبب النمو الاقتصادي غير العادل الذي يتجاهل القيم الإنسانية الأساسية، حيث قلّة من الإغنياء يملكون أكثر ممّا تملكه بقية البشر. وهذا ظلمٌ صارخٌ إلى السماء". ولعلّ ممّا قاله ايضًا في سياق ما تعانيه البشرية والعديد من دول العالم النامي الغارق في الفقر والتخلّف داعيًا العالم وذوي الإرادة الطيبة إلى العمل بمبدأ شمولية الأرض وفضيلة الرجاء: " علينا جميعًا أن نعمل في الرجاء بأن نخلق من جديد عالمًا أكثر صحة وإنصافًا"، مذكرًا بما أسماه تصميم الخليقة ليكون في خدمة جميع شعوب الأرض وسكانها. وقد أعاد إلى الأذهان، ما ورد في الكتاب المقدس في عهده القديم، من أنّ الله الخالق قد أتاح للبشرية فرصة إخضاع الأرض باسمه وزراعتها والاعتناء بها كحديقة عامة للجميع للحفاظ على هذه الأرض "العطيّة" منه تعالى والتمتع ببيئة نظيفة تخدم الكلّ. وهذا يتطلب من الجميع حماية هذه العطيّة الكبيرة وصيانتها كي تأتي بثمار أكثر وتديم تواصل البشرية ضمن الرجاء بالله ومحبة الآخر وبموجب معتقد كلّ شعب من دون تقاطع ولا تحارب ولا تنافس إلاّ لما فيه خير البشرية وشعوب البلدان كلّ بحسب اجتهادها وجهودها وأتعابها وليس بصيغة التملّك الظالم وهوس السطوة غير المقبولة.
قصارى القول، ما يهدّد البشرية هذه الأيام، ليس بفعل الزيادة السكانية الانفجارية فحسب، بل فيما يبدو للجميع فضيحة مبدأ استغلال الشعوب ومن ثمّ الفجوة القائمة في واقع حال عدم المساواة بين دول الكرة الأرضية التي تزداد هوتُها مع زيادة أطماع "الأسياد" وتهاون الذيول المقصرّين بحق شعوبهم وأوطانهم بسبب بيعهم إياها ب"ثلاثين من الفضّة:، تمامًا كما فعلها "يهوذا" الذي باع سيَده لأزلام رؤساء كهنة اليهود ليصلبوه ويميتوه شرّ ميتة قبل أكثر من ألفي عام خلت. دروسٌ بليغة يسوقُها التاريخ وابطالُه ممّن كانت لهم بصمات في تنوير العامة وفتح الطريق أمام اكتشاف زيف ادّعاء الزعماء والرؤساء وسادة العالم. فليس مقبولاً أن يُجعل من الإنسان، خليقةِ الله الحسنة والجميلة، عبدًا للمال وقوته وجبروتِ مَن يتولّون إدارته بغير عدل وإنصاف، بل ينبغي أن يكون الإنتاجُ من الأرض في كلّ بقاع العالم في خدمة الإنسان وحاجاته الإنسانية. فيما يعمل التفاوت الاقتصادي بين الشعوب والمجتمعات والدول إلى خلق هوّة سحيقة فيما بينها، بل إنه يساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الأخيرة في حالة خروجه عن السيطرة.
    من هنا، لا بدّ أن يكون للأديان السويّة الباحثة عن خدمة الإنسان وتنمية الإنسانية، رؤية واضحة في معالجة حاجات الكائن البشري ومشاكله وتسهيل متطلبات حياته. وما تفعله الكنيسة الكاثوليكية في هذه الظروف الصعبة عبر نشاط رئيسها الأعلى، الرمز الديني والإنساني الجامع لكلمة الحق والصوت الصارخ في البرّية، يدخل ضمن هذه الخدمة الإنسانية والأخلاقية في إطار مفهوم التقارب بين الشعوب وإيجاد الحلول في المسائل الديمغرافية التي لا تتقاطع مع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية في مسايرة الحاجات اليومية وتلبية الضرورات المعاصرة من دون القفز على المبادئ الإنسانية العامة وتبرير الوسيلة لتحقيق هدف أو غاية معيّنة. فالغاية عندها لا تبرّرُ الوسيلة، ولكن من دون تجاهل بلورة رؤية معاصرة تأوينية أكثر نضجًا تسلّمُ بإمكانية التنسيق في دمج ٍسلسٍ بين الأخلاقيات الأسرية والجنسية مع الأخلاقيات الاجتماعية والاقتصادية التي لا تخرج عن سواء السبيل، بل تنحصر ضمن إطار القيم العليا للإنسانية وقوانين السماء.


31
أوربا في مواجهة الإرهاب الجهادي المتنامي
لويس إقليمس
بغداد، في 4 تشرين ثاني 2020
بعد أن "وقعت الفأس في الرأس"، ولم يعد أمام دول الغرب المحسوبة خطأً على المسيحية "الكافرة" بحسب تأويلات صاخبة ومغرضة لفئة ضالة في صفوف الإسلام السياسي المتنامي والإخوانيّ منه بصورة أخصّ بغير حق ولا منطق ولا حكمة، فإنه لم تعد تنفع أية لحظة ندم ولا حسرة على سياسة التساهل والتسامح والتراخي والتغاضي التي سلكتها أوربا عمومًا بهدف منح فرصة بعد أخرى لسياسة الاندماج المجتمعي للقادمين الجدد الفارين من هول وظلم وتعاسة بلدانهم بقصد العيش بكرامة وحرية وأمان في صفوف هذه القارة المتمدنة، كما توصي به شرعة حقوق الإنسان. كما من المؤسف حقًا، أن تخفق سياسة دول الاتحاد الأوربي المتسامحة حدّ الإنسانية في تحقيق استراتيجيتها القومية الواسعة بتغيير سلوكيات مَن قصدَها لينعم بنعيم الحياة ورفاهتها وقدسيتها عبر خلق مجتمعات مندمجة متضامنة تؤمن بالمبادئ العليا لهذه الدول ولا تخرج عن جادتها، سيّما وأن معظم القادمين الجدد إليها قد خاضوا تجربة بل تجارب صعبة وشاقة وقاتلة في أوطانهم التي كرهت بقاءَهم مواطنين بكرامة وشرف وعزة النفس التي افتقدوها فيها. والسؤال المطروح بالرغم ممّا حصل من ردود فعل غير منضبطة بعد حادثة الرسومات وإساءة فهم الخطاب المنسوب لأعلى سلطة في فرنسا: هل بهذه السلوكيات النافرة الشاذة الخارجة عن الأخلاق الإنسانية والناكرة الجميل تُجازى دول الغرب التي فتحت أبوابها أمام المطرودين والمكرهين والهاربين من نيران بلدانهم ومظالم زعاماتهم وفساد أحزابهم ليعمّوا على الطيبين من أترابهم وبني أوطانهم ممّن وجدوا في هذا الحضن الدافئ خيمة أمينة ووارفة لهم ولأسرهم وأحبائهم وسط مجتمعات احتضنتهم بمحبة ورحابة صدر؟ فالجميع في حيرة بل في صدمة يحبسون الأنفاس لما حصل ويحصل بعد سلسلة العمليات الإرهابية التي طالت دولاً عدة، بما فيها فرنسا والنمسا مؤخرًا، وقبلها ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من دول الغرب الأوربي.
إذن، ليست الهجمة الأولى من موجة الإرهاب التي تضرب هذه القارة، سيّما بوجود نوايا خبيثة لجهات دولية مرتبطة بتنظيمات إرهابية تقودها زعامات إخوانية في المنطقة تحدثت صراحة عن غزو إسلاميّ مخطَّط له للقارة العجوز من خلال زيادة أفواج المهاجرين بطريقة غير شرعية وبفعل التكاثر السكاني غير المبرمج وغير المحدود للجاليات الإسلامية في عموم أوربا. وهذا ما خلق بيئة حاضنة لأشكال أدوات الإرهاب والتطرف التي تتصرف وتتحرك وفق منظور أيديولوجي بحت تديره مافيات لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقيادات إسلامية أخذت على عاتقها تحقيق هذه الخطة الجهنمية بفعل توفر الأموال المهربة وعمليات غسيل الأموال عبر منظمات وجمعيات عديدة ظاهرُها خيرية غير ربحية وباطنها مدسوسة تسعى للسطو على ممتلكات وعقارات وشراء ذمم بهدف إيجاد موطئ قدم صلد وتحقيق "ضربة المعلّم" بعد انتفاء الحاجة لسياسة "التقية" المتبعة في مثل هذه الظروف المتلبسة.
منهاج لمكافحة الإرهاب
في 2005، كانت دول الاتحاد الأوربي قد وضعت لها منهاجًا لمكافحة الإرهاب بصورة مجتمعة من دون أن تنسى مبدأ التسامح في إدارة هذه الاستراتيجية، فأعطت لها الأولوية لضمان سلامة دولها وحفظ أراضيها من سوء التصرف القادم المتوقع من فئات ضالة من صنف هذا النفر غير المنضبط والمرتبط بأيديولوجيا سوداء مبطنة. ومن المعلوم أنّ دول الاتحاد تديم سياسة تبادل المعلومات بشكلٍ دوريّ ضمن مراجعة سياساتها وإجراءاتها التي تتطلب متابعة مستمرة لهذا الملف الأمني الخطير. وحينها ارتكزت تلك الاستراتيجية على أربع ركائز بحسب مصدر في المجلس الأوربي، وهي تتعلق:
-   أولاً: اتخاذ ما يلزم من إجراءات "الوقاية" من الأعمال الإرهابية عبر معالجة الظروف والأسباب التي أسهمت بخلق بيئة التطرف والوسائل المتخذة لإنجاح مهمة تجنيد الشباب في صفوف الإرهاب وارتباطهم بتنظيمات إرهابية كالقاعدة وداعش وما سواها، بوسائل مباشرة أو باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي حققت الغاية بدرجات كبيرة.
-   ثانيًا: توفير "الحماية" المناسبة للمواطن والمؤسسات العامة والخاصة واتخاذ الحيطة والحذر من احتمالية التعرض لعمليات إرهابية في الداخل مع تعزيز الإجراءات التي تتطلبها سلامةُ أراضي دول الاتحاد الأوربي وحدودها ومتابعة تحركات الأفراد القادمين والمغادرين وفق بيانات متبادلة بينها. وهذا ما دعا العديد من دول "الشنغن" مؤخرًا لمراجعة جادّة تقويمية لقوانين الهجرة والسفر بهدف ضبط الحدود خوفًا من اختراقها وإساءة استغلالها.
-   ثالثًا: نالت سياسة "الملاحقة والمتابعة" أهميتها في خطط دول الاتحاد بعدم التهاون بتقديم المخالفين والإرهابيين إلى العدالة لنيل ما يستحقونه لقاء أعمالهم التخريبية والإرهابية والإجرامية. وقد تطلبت هذه الفقرة تعزيز القدرات الوطنية لكلّ دولة وتبادل البيانات والمعلومات حول تحركات المشكوك فيهم من أفراد ومنظمات وحصر نياتهم في عقولهم المريضة وعدم إتاحة الفرصة لهم لتحقيق مآربهم الخسيسة وحرمانهم من أيّ دعم مفترض أو محتمل بضمنها عمليات غسيل الأموال المتنامية. وهذا غير ممكن التحقيق إلاّ باتخاذ إجراءات جماعية حاسمة لا يُسمح فيها لأوبة دولة عضو في الاتحاد الأوربي للخروج عن الإجماع الأوربي.
-   رابعًا: أما الركيزة الأخرى فقد اتخذت من قيام "ردود أفعال" فورية لمعالجة الأحداث الجرمية الآنية استعدادًا لعواقب اية هجمات محتملة وإدارتها جمعيًا وفق المعطيات المتداولة بين دول الاتحاد عبر تنسيق محكم، ومراجعة مثل هذه الإجراءات كلّما استجدّ جديد.
تنسيق وحوار
ممّا لا شكّ فيه، أنّ أمنَ دول الاتحاد الأوربي واستقرارها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإمكانية التنسيق المتلازم فيما بينها من حيث تبادل المعلومات والبيانات والتحركات المشبوهة على مستوى الدول منفردة ومجتمعة، ناهيك عن ضرورة التنسيق مع الشركاء الدوليين الآخرين على مستوى المنظمات والدول والأفراد والوكلاء على السواء. وقد تطلبت مثل هذه الأعمال الوقائية قيام حوارات وتكثيف لقاءات لأجل إحكام السيطرة على منابع الإرهاب قدر المستطاع بالرغم من بروز ثغرات غاية في الأهمية غفلت عنها خططُ الاتحاد، منها التساهل في معالجة حوادث إرهابية خطيرة حصلت في حقب متباعدة بحجة التسامح والتغاضي لأسباب وضعية أو آنية بقيت طيّ الكتمان. ومن الأسباب التي فاقمت من فشل الإجراءات الأمنية في عموم دول أوربا، يأتي الفهم غير الصحيح من جانب دول الاتحاد وحكوماته لنوايا خلايا الإرهاب وتحركات المنخرطين فيه وأفكارهم ومعهم الجهات التي تمولهم أو تقف داعمةً لأعمالهم وتخرّصاتهم وتحريضاتهم وتحركاتهم في ظلّ المراقبة الضعيفة المشروطة وغير الجادة من جانب الجهات الأمنية. وكذلك تقليل هذه الأخيرة من قدرة هذه الخلايا على إلحاق الأذى في الأراضي التي اختاروها لتكون حرثًا خصبًا لأعمالهم المشبوهة. كما يقف الجهل المحكم حتى الغباء بشأن حيثيات وخلفيات القادمين الجدد وأشكال اللاجئين الشرعيين وغير الشرعيين وما يحمله هؤلاء من أفكار دخيلة منغلقة متخلفة حتى التشدّد في الكثير من الأحيان على المجتمعات الغربية المنفتحة ممّا يزيد من صعوبة اندماجهم فيها. وهذا من ضمن الأسباب النفسية التي تنمي دوافع الغيرة الدينية والعرقية عندما يفشل القادم الجديد بالاندماج في المجتمع الجديد لشعوره دومًا بالنقص الحادّ في التماهي والانخراط العفوي مع الواقع الجديد وتقليد الصورة الجديدة التي عليه التوافق معها والعيش ضمن سلوكها رغمًا عنه.
ومن الملاحظ أنه بالرغم من الاتفاقيات الدولية التي تم التوصل إليها مع عموم المجتمع الدولي  عبر الحوارات واللقاءات والاجتماعات الأمنية التي شكلت نواة لتلك الاتفاقيات، ومنها اتفاقية لشبونة لعام 2007، وإعلان 12 شباط 2015  للمجلس الأوربي وغيرها، والاتفاقية مع الولايات المتحدة، إلاّ أنه اتضح بما لا يقبل الشك هشاشتها وعدم جدواها الوافي من حيث التطبيق للأسباب التي ذكرناها في أعلاه، وكذلك بسبب التساهل غير الاعتيادي وغير المبرّر الذي أبدته دولٌ منفردة لقناعاتها بالثقة التي أولتها للجماعات القادمة من خلف البحار من دون تدقيق في النوايا والأغراض والدوافع، عادّة جميع المهاجرين من القادمين إليها بذات المستوى من الثقافة والاستعداد لبدء حياة جديدة تفصلهم عن واقعهم المنغلق السابق الذي ذاقوا منه الأمرّين في بلدانهم عندما رفضتهم حكوماتُهم وصفقت لمغادرتهم وعيشهم في بلدان الاغتراب. صحيح أنّ نوايا الاتحاد الأوربي للعمل بالشراكة والتنسيق مع مختلف الدول والمنظمات المعنية تصبّ في سعيها من أجل بناء مجتمعات متكافلة متفاهمة متسامحة، إلاّ أنها أغفلت إحدى أهمّ الحلقات التي من شأنها تعزيز هوية سكانها الأصليين وحثهم للتجذّر في بلدانهم عبر تكاثر مجتمعاتهم وتشجيع الإنجاب وتسهيل هذه الضرورة بغية إدامة واستمرار دماء شعوبهم وعدم الاعتماد على استيراد أقوامٍ دون تدقيق وتحليل لبيانات هؤلاء ومن دون التأكد من إمكانية تحقيق اندماجهم ضمن المجتمعات الجديدة، ومن ثمّ التعاطي مع السكان الأصليين بروح الشعب الواحد الذي يضمن التفاعل الصحيح مع المبادئ العلمانية التي تنادي بها أوربا. وقد بلغت المشكلة أوجَها بخروج جماعات راديكالية عن هذه المبادئ وتكفيرها علنًا للحكومات الغربية التي أوت أفرادها وقدمت لهم المأوى والمال والدعم المادي والمعنوي دون أن تحصل هذه الحكومات من هؤلاء على ضمان احترام المبادئ التي قامت عليها والقوانين التي تسنّها لإدامة مجتمعاتها وإضفاء سمة التسامح والتضامن والاندماج المطلوبة على وجودها ضمن هذه الأراضي. وهذا ممّا كان له الأثر الواضح والمؤلم على باقي المهاجرين الذين وجدوا في أجواء البلدان العلمانية الغربية أفضل مأوى لحياتهم التعيسة في بلدانهم الأصلية التي هجروها قسرًا وبلا عودة، خوفًا أو تهديدًا أو هربًا من سوء الأقدار أو العيش المنكّد المحفوف بشظف العيش أو نجاةً لهم ولأحبائهم من بطش السلطات في بلدانهم المطبوعة بالانتقاص من حقّ الإنسان في حياة حرة كريمة وبالتعبير عن الرأي التي وجدوها سارية في بلدان المهجر.
لكن، يبقى الهدف الأسمى تحقيق أكبر قدر من التعاون الدولي في مسار تحييد الإرهاب وأدواته ومنابعه ضمن الإجماع الدولي الذي لا بدّ منه من أجل تحقيق هذه الغاية وهذا الهدف. وأية ثغرة هنا أو هناك، من شأنها تقويض هذه الجهود وطعن هذا الهدف في الظهر من أية دولة تتساهل في متابعة تحركات الإرهابيين الذين تتبجّح جهات أمنية غربية كثيرة، بمعرفتها بمواقعهم وأشكال خلاياهم وباحتفاظها بقوائم بأسمائهم دون أن تعمل شيئًا عمليًا لوقف تحدياتهم وتحييد جرائمهم التي من المحتمل جدّا ثورتها في أية لحظة حين توفر الظروف لصحوتها. وهناك دعوات ملحة لاتخاذ خطوات استباقية لمنع مثل هذه الأعمال الإرهابية المحتملة قبل وقوعها. وفي حالة وقوعها، ينبغي اتخاذ إجراءات صارمة وفورية لطرد وترحيل أمثال هؤلاء مع عوائلهم وكلّ مَن يثبت تعاطيه وتماهيه وتعاطفه مع أعمالهم من دون تردّد ولا خشية حفاظًا على أمن واستقرار مواطنيهم وتأكيدًا لصيانة حقوق مَن احترم نفسه من صفوف اللاجئين الذين آثروا الاندماج في المجتمع الجديد بكل أريحية وقبولٍ طوعيّ لا يقبل الجدال.
من هنا، ليس من العدل أخذُ المندمجين الحقيقيين مع المجتمعات المدنية المنفتحة بجريرة فئة ضالة من الإرهابيين والمتطرفين الذين ليس لهم هدف سوى التخريب والتدمير والقتل باسم الدّين والمقدّسات التخريفية التي لا تؤمن بها المجتمعات الأوربية العلمانية المتمدنة. فمَن يقصد الهجرة ومغادرة بلدان الأحزان والدكتاتوريات وأشكال الظلم والانتهاك الفاضح لحقوق الإنسان، عليه بالمقابل القبول بمبادئ الغرب وشكل الحياة المجتمعية فيها مهما كانت مختلفة مع مبادئه ودينه وتوجهاته الفكرية والاجتماعية. وهذا يستدعي منه التفكير ألف مرة ومرة قبل تقرير وجهته. بالمقابل، من شأن سياسة تشديد الإجراءات الأمنية لدى دول الغرب أن تضعها في حرج كبير في كيفية خلق توازن صعبٍ بين تدابير القمع والردع الصارمة وبين احترام مبادئ سيادة القانون.



32
الانتخابات المبكرة بين الشك واليقين
لويس إقليمس
بغداد، في 1 تشرين ثاني 2020
تسعى قوى متحالفة نافذة في السلطة زرع بذور الشك في إمكانية تحقيق ما تعهد به رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإجراء انتخابات مبكرة في الموعد الذي حدده بتاريخ 6 حزيران 2021. إنّ تحليلاُ عابرًا لما يصدر من تسريبات من لدن مكاتب أحزاب السلطة ولاسيّما تلك التي تشكّل عصب المنظومة السياسية أو التصريحات المبطنة تشير بما لا يقبل الشك إلى حقيقة واقعة تتمثل بسعيها الحثيث لوضع العراقيل أمام إنجاز هذا التعهد الذي بدا واضحًا من ضمن أولويات أجندة رئيس الحكومة الانتقالية الذي اتُفقَ على اختياره قائدًا لهذه المرحلة الحرجة للأسباب التي يعرفها صناعُ القرار قبل غيرهم. فأسلوب التوافق والمساومة والتحاصص هو ذاتُه الذي طُبقَ على متولّي رئاسات الوزارات العراقية منذ الغزو الأمريكي القبيح قبل أكثر من 17 عامًا خلت. ويبدوا أنّ من بنود شكل هذا التوافق أن يخضع في تطبيقه وتنفيذه لتبريرات وتغييرات واتفاقات لاحقة آنيّة وبحسب حاجة الواقع بين الكتل والأحزاب التي تهيمن على شكل النظام وأدواته وطريقة تسيير مهام الدولة والحكومة ومؤسساتها.
في كلتا الحالتين، لو توصلَ رئيس الحكومة لتحقيق عقد هذه الانتخابات في التاريخ الذي حدده هو بحسب ما تعهد به أي قبل التاريخ التقليدي لموعد الانتخابات البرلمانية المقرر في 2022، فسيكون عليه ضمان نزاهتها وتأمين كافة مستلزماتها الأمنية واللوجستية، وربما الاستعداد للتصادم مع قيادات سياسية وكتلوية وحزبية تقليدية حول أسلوب إخراجها بطريقة أكثر شفافية من سابقاتها حفاظًا لماء الوجه من ناحية، وتهدئة لخواطر الكتل التي أتت به إلى السلطة من ناحية أخرى وإرضاءً للشارع المنتفض في نهاية المطاف. فمن هذا المنظور عينه، سيبعث الكاظمي ايضًا، رسالة اطمئنان للشعب وللشارع المنتفض الذي وعده بتأمين مشاركة ثواره فيها تطبيقًا لمبدأ الديمقراطية المفترض والذي يعلم علم اليقين أنَّ المدة المتبقية غير كافية لتحقيق الحدّ الأدنى من رغبات الشعب وثوار الانتفاضة التشرينية بترميم وتوحيد صفوفها استعدادًا لخوض المعركة الانتخابية بندّية تبدو غير متكافئة بكل الأحوال مقارنة مع قدرات أحزاب السلطة الحاكمة وأدواتها من مال وسلاح وهيمنة على مفاصل الحياة. حتى لو كانت رسالتُه "الوطنية" تنطلق من سعيٍ شخصيّ أو استشارة خارجية أو محلية، لإحداث فسحة أوسع للتغيير المرتقب الذي يتطلع إليه الجميع، فإنّه لن يستطيع ضمان هذا الحدّ الأدنى من التمنيات الشعبية بتحقيق مثل هذا التغيير وشكله الذي يظلّ ضبابيًا غير واضح المعالم والأهداف في ظلّ الفوضى الأمنية وتعدد مداخل ومخارج السلطة وسطوة ميليشيات الأحزاب على مقدّرات الدولة وتمتعها باليد الطولى في تسيير شؤون البلاد والعباد بفضل الغطاء الديني والمذهبي الذي يؤرّق مؤسسات الدولة الهزيلة ويبقي على تراجعها في كلّ شيء.
 في اعتقادي، كان لرئيس الوزراء وجيوشه الالكترونية والجماعات المدربة التي احتكّت مع تنسيقيات التظاهر، تأثيرٌ واضح في إقناع قيادات معينة في ساحات التظاهر ما أدّى لتراجع حدّتها وكثافتها مع تقدم الأيام وأخيرًا بانسحابها بهدوء وسط ذهولٍ غير متوقع لإنهاء الاحتجاجات التي دامت عامًا كاملاً باعتصامات طويلة لا مثيل لها أثبتت قدرة الشعب وفئة الشباب منهم بخاصة، على التصدّي لأشكال الغبن والظلم والرفض إذا توفرت الإرادة والأدوات. وقد يكون التعهد الذي قطعه رئيس الوزراء على نفسه بتحقيق هدف الانتخابات المبكرة واحدًا من الأسباب الرئيسية لمثل هذا التراجع. لكنّ السبب المقابل في عدم تحقيق الثورة التشرينية جميع مطالبها التي تمثل مطالب عموم الشعب أيضًا، يكمن في اختراقها من جهات سعت لركوب الموجة وخلق حالات من الإحباط، علاوة على ضعف التنسيق وافتقارها لوحدة الصف والكلمة بالرغم من وجود ما يُسمى بالتنسيقيات التي اختفت أسماء قياداتها من المشهد، فلمْ يُعرف لها زعامات واضحة. فغياب الزعامة يعني الانجرار وراء المجهول والضبابية في توحيد مطالب المتظاهرين وكذا صعوبة في تحقيق الهدف بأقصر الطرق عندما يقف الفريقان ندّا لندٍّ. لذا ظلّت التظاهرات تراوح في مطالبها وصيحاتها وحتى في هدف "التك تك" وحركته التي خبت هي الأخرى، وسط عناد أحزاب السلطة ومماطلتها وتسويفها بمراهنتها على الوقت في ضمان تراجع ثورة الشعب كلّما طالت فترة الاحتجاج في مختلف الظروف الجوية التي رافقتها في عموم البلاد. وإنّ كنّا نشيد ببطولة الشباب الثائر ونتأسف على مَن فقدوا حياتهم بسبب قنّاصي الحكومة السابقة الماجنة، فإننا جميعًا نتفق على سوء إدارة أزمة الانتفاضة الثورية التي غيّرت مجرى السياسة وفتحت الطريق لمزيد من التغيير، كان أولُ بوادرها الضغط باتجاه استقالة الحكومة القاتلة السابقة والمطالبة بتغيير النظام الانتخابي، بالرغم من عدم تلبية هذا الأخير في شكله ومضمونه الشامل العام رغبة المتظاهرين كلّيًا. فما يزال مطلبُ الكشف عن القتلة ومحرّضيهم وأدواتهم ومحاسبتهم كما تقتضي عدالةُ السماء ومصلحةُ الوطن غير متحققة. فاللجنة أو اللجان المتعددة التي أُعلن عن تشكيلُها، ومنها هيأة النزاهة، ما تزال متلكئة في عملها وتخشى الحديث عن الحقائق التي يمكن أن تغيّر وجه الواقع المتهرّئ سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا وتربويًا وعلميًا وصناعيًا وإنتاجيًا، بل وتغّير من شكل المنظومة السياسية الحاكمة التي ينتظرها الجميع بفارغ الصبر واستبدالها بنظام رئاسيّ أو شبه رئاسي مؤثر شعبيًا بسبب استغلال المؤسسة التشريعية موقعها لسنّ قوانين تتوافق مع مصالح أحزاب السلطة الحاكمة بعيدًا عن مصالح الوطن العليا والشعب، ما جعل الشعب في وادٍ والبرلمان ونوابُه في وادٍ آخر.
 أمّا في حالة اصطدام رئيس الوزراء بجدران صلدة تُحاك ضدّ عدم تمرير الانتخابات في الموعد "المبكر" المحدَّد لها، فإنّ مثل هذا الموقف ستكون له آثارٌ غير طيبة في نفوس مَن يتشبث باستعجال عقدها بحسب أجندة رئيس الوزراء، ولاسيّما الشارع الذي ظلّ يغلي عامًا كاملاً لحين استكانته واسترخائه بعد الذكرى الأولى لانتفاضة شبابه الثائر الذي أعطى أكثر من 600 شهيد وما يربو على 30 ألف إصابة في صفوف الثوار في وسط البلاد ومحافظاتها الجنوبية الشيعية. قد يرضخ رئيس الحكومة في النهاية لمساومات أحزاب السلطة، وهذا متوقع جدًّا، بعدم إجرائها وفق هذه الأجندة بسبب ضعف أداء فريقه الوزاري وتلكّؤ أو تمادي الجهات التي اعتمد عليها في الاستشارة والأمن والقدرة العسكرية الخاضعة لقوى ماورائية عميقة في الدولة والمتخفية بأشكال وأدوات صعبة الاختراق من دون قوة ساندة من الخارج. وهذا الأمل الأخير بحصول تدخلات خارجية غير متوقع أبدًا إنْ لم يكن مستحيلاً في الظروف الشائكة الراهنة. ففي ظلّ الرغبة الجارفة بالانسحاب الأجنبي من مشاكل المشهد السياسي العراقي المعقد كلاعبٍ رئيسيّ، وخاصة الجانب الأمريكي الذي سئمَ التدخلات الخارجية للإدارات السابقة والدخول في حروب غير منتجة لا تؤتي ثمارًا في أسلوب غزو المنطقة وتركها بالتوافق والمساومة للجارة الشرقية، فإن الأوساط المقربة من دوائر القرار الأمريكي لا تعتقد بحصول تدخلٍ مرتقب في هذا الشأن. ناهيك عن أنّ الغرب الأوربي له ما يكفي من مشاكل معقدة في الاقتصاد المتراجع بسبب الجائحة القاتلة. فهذا الأخير، جلُّ ما يهمّه تحقيق المنافع الاقتصادية وحصد المكاسب حتى لو تعرّض عموم شعب العراق البائس لأصناف المرارة والهوان والاستهتار بحقوقه وبمصالح البلاد الوطنية العامة. فدولُهُ، كما المنظمة الدولية ومَن على غرارهم، متماهية ومتعاونة ومتشابكة مع أحزاب السلطة والحكومة المؤقتة ولا يهمّها ما تشهدُه البلاد من اختراق للسيادة وفقدان للهيبة وتراجع في الاقتصاد ونهب لأموال الشعب واستهتار بمقدرات البلاد عبر عقود وتفاهمات لا تحمل في أغلبيتها سمة المواطنة والحرص على مصالح البلاد العليا.
لذا، ليس خافيًا أن تصبّ حجة الأطراف التي لا تتجاوب مع موعد الانتخابات المبكرة، بسبب ما تعرضت له من انتقادات وخسائر شعبية وطعون واتهامات بالفساد ومطالبات بالمحاسبة وتحقيق العدالة بسبب سلوكياتها غير الوطنية وتقاعسها بل بخيانتها الأمانة في إنقاذ البلاد من شرور زعامات السلطة وأدواتها التي عاثت خرابًا ودمارًا وقتلاً ونهبًا وسرقة لموارد البلاد وإفراغ خزينة الدولة وتحويل ما غنمته من أموال إلى خارج البلاد نقدًا في مصارف مؤمّنة أو عبر شراء ممتلكات عقارية ومشاريع استثمارية بغطاء سياسيّ أحيانًا، ودينيّ - مذهبيّ  في أحيان أخرى وتوافقيّ في حينٍ آخر بين المثلث الحاكم. فمن الطبيعي أن تخشى أحزابُ السلطة والكتل السياسية التي تهيمن على البلاد بسبب كشفِ عورتها وعرض المستور من أعمالها وسلوكياتها وخروقاتها أمام الراي العام في الداخل والخارج. وهذا ممّا سيكون له الأثر الواضح، جزئيًا أو كلّيًا، في مسيرة ومستقبل حياتها السياسية وبخسارتها المتوقعة لإعادة الدعم الذي اعتادت عليه من قواعد فئوية تقليدية. فليس من المعقول، أن يبقى الشعبُ فاغرًا فاه ومستسلمًا لا يعرف تدبير قدَره المحتوم بأيدي ساسة يتحكمون بالمشهد ويديرون منظومة فاسدة وفاشلة بسلطاتها الأربع الأساسية.
في كلّ الأحوال، من المتوقع جدّا، بل من المؤكد حصول إزاحة لبعضٍ من القيادات السياسية التقليدية من الخطّ الأول ممّن سطت على المشهد السياسيّ بدون وجه حق وبدون جدارة أو حرصٍ وطنيّ. فمنها مَن شبعت حتى التخمة بفضل هذه السطوة على السلطة بعد أن مهرَها الزمن لسنواتٍ بوصمة التسكع والعيش على فتات التحريض والخيانة الوطنية. فما كان من هذا البعض بعد فرصة التغيير التي أتاحها الغزو القبيح إلاّ فرضَ نفسه وكيلاً غير أمينٍ وراعيًا سيئًا وزعيمًا غير مرغوبٍ به على شعبٍ عريقٍ مثل شعب العراق، من دون أن يتعلم هذا البعض النشاز واحدًا من أهمّ دروس الحياة بعدم ديمومة السلطة لأحد. فنسي أو تناسى أنّ الوطن وحدَه "مقدّسٌ" لا يقبل المساسَ به ولا خيانةُ أمانته، وأنّ مواطنيه من جميع المكوّنات والأطياف من دون تمييز، خطوطٌ حمراء لا يمكن تجاوزها. فالسلطة تأتي وتذهب، والوطن باقٍ والشعبُ هو مّن يقرّر مصيرَه في نهاية المطاف وليس الزعامات الفاسدة والسلاح غير المنضبط والعصابات التي تتحرك بهديٍ وغطاءٍ ودعمٍ من السلطة ومراجعها وأولي أمرها، مهما تجبّرت وسطت واحتقرت الغير في سلوكها ومهما خزنت من مالٍ وحصلت من جاهٍ واكتسبت من نفوذٍ.
وقانا اللهُ والعراقَ الأسير معنا، شرّ المهازل وبلاء المنازل واستهتار العواذل.


33
الوزيرة المتألّقة إيفان جابرو نموذجٌ رائع في خدمة الوطن والمواطن
لويس إقليمس
بغداد، في 20 تشرين أول 2020
مهما كانت الصفات التي أُطلقت وتُطلقُ على المواطن العراقي والواردة على لسان علماء السايكولوجيا والاجتماع والسياسة وأرباب الثقافة والتربية والعمل من كونه عنصرًا جادّا وقت الجدّ في العمل والدرس ومتباطئ التفكير أو كسولاً متى قرّر منح نفسه فترة استراحة، إلاّ أنه في حقيقة تركيبته فردٌ مبدعٌ حين تتوفر بين يديه وأمامَه فرصُ الإبداع ويُمنح الوقت الكافي لإبراز هذا النمط من النشاط والتألّق. وهناك الكثير من المواهب والقدرات الكامنة التي لو أُتيحت لها فرصة لنطقت مشاريع وأنجبت عملاً في التخطيط والتنفيذ والتوجيه والإشراف وتقديم الحلول الناجعة. ومن الطبيعي حينما يُمنح الشخص الكفوء مجالاً لإطلاق ما في جعبته من مبادرات وخطط ومشاريع وتوصيفات نافعة في مجال عمله، تتفجّر تلك الطاقات لتُترجمَ إلى أفعال ومنجزات بفضل الكاريزما الخفية التي يكتنزها في ذاكرته وعقله وروحه الفياضة بالرغبة بتقديم الأفضل دومًا لخدمة الآخر، مهما كان هذا الآخر وأينما كان من دون تحديد الزمن والمكان. فالمبدع يبقى مبدعًا في مسيرته وسلوكه رافضًا المراوحة في مكانه لحين حثّه أو إبلاغه بفعل ما يترتب عليه من عمل أو تفرضه عليه الوظيفة المكلّف بها لخدمة العامة وليس في تحديد مهام عمله وحصرها في حدود ما يخصُّه هو أو يخصّ فئتَه أو طائفتَه أو دينَه أو عائلتَه.
هذا هو الإبداع بعينه في أي مجالٍ تبرزُ فيه كفاءة الفرد من دون أن يتنمّرَ على الغير أو يتغوّلَ أو يفرض رأيًا أو سلوكًا لا يتوافق مع حاجات الغير الضرورية والآنيّة التي تتزاحم أحيانًا مع الحدث وتفرضها ظروف غير طبيعية وشاذة تتطلّبُ الجرأة وسرعة البديهة واتخاذ القرار الصائب. ووزيرة الهجرة والمهجَّرين المتألّقة إيفان جابرو قد أثبتت منذ توليه المنصب الوزاري ولغاية الساعة أنها جديرة به بفضل نشاطها المتألّق وكفاحها من أجل نشر الفرح والمحبة والرحمة وزرع أشكال الراحة والسكينة والاستقرار في نفوس مَن تمّ تكليفُها بخدمتهم ورعايتهم والإشراف على احتياجاتهم بفعل ما أصابهم من هول الكارثة وبسبب مجمل الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية من قبل دولة الخرافة الإسلامية التي أحرقت ودمّرت وقتلت وسبت وهجّرت واغتصبت وأربكت البلد والمنطقة والعالم على السواء.
طاب لي جدًّا وأثلج صدري حين لقائي قبل أيام ضمن مهمة وظيفية بمعالي السيد وزير التخطيط، مبادرتَه وثناءَه على النشاط والعمل الدؤوب للوزيرة المسيحية الوحيدة في كابينة السيد الكاظمي ومناشدتها إياه لتكرار زيارة المناطق المحررة الخاصة بالمكوّنات قليلة العدد (الأقليات) والسؤال عن احتياجات أهلها، وذلك حينما رجوتُه وأنا أغادر مكتبه بالاهتمام بمنطقة "الحمدانية" في محافظة "نينوى" وغيرها من المناطق الأخرى التي عانت وماتزال تعاني من مخلفات وتداعيات تنظيم داعش الإرهابي ومن معاناة في تنفيذ وإكمال المشاريع المتلكئة بالرغم من الجهود المثابرة التي تكافح دوائر المحافظة عمومًا وقائممقام الحمدانية خصوصًا من أجل تغيير حالتها السلبية إلى منطقة آمنة وجميلة تزهو بأهلها وقاطنيها. وكلّنا أملٌ، حين تكتمل خدماتُ المنطقة البلدية الأساسية من مجاري وماء وكهرباء ونظافة فإنها ستشكلُ مهمازًا وأملاً بعودة الحياة الطبيعية إليها بأسرع ما أمكن وكي تعمل سحرَها بعودة أكبر قدرٍ من أهلها الطيبين الذي ألقت بهم عوادي الزمن الأغبر في عهد الإرهاب إلى دول المهاجر المجهولة. ومن دون شكّ، تلكم هي حالة مناطق عديدة ضربها إرهابُ داعش وما أحاطه من خيانة قرى الجوار وانتهازهم الفرصة للعبث بمساكن أهل المنطقة وإكمال تدمير وسلب وإحراق ما أمكنهم ذلك ليزيد الطين بلّة والهمومَ أضعافًا.
على اية حال، أعود لشخص السيدة الوزيرة إيفان، لا مدحًا بها ولا دعايةً رخيصة لها، فإنّي لا أعرفها شخصيًا ولم أتعرّف عليها. بل ما جذب انتباهي نشاطُها المفعم بالحيوية وتحرّكاتُها المحلية والدولية وزياراتُها الميدانية المتكررة للمناطق التي دمّرها الإرهاب وأعملَ فيها الخرابَ والدمارَ أينما حلّت أدواتُه، وسعيُها المتواصل لزيارة مخيمات اللاجئين وتقديم سلال الإغاثة والمساعدات الإنسانية المتاحة لهم واللقاء بأصحاب القضية ومنهم بطبيعة الحال، أبناء المكوّن الإيزيدي أيضًا، الذين نالهم القدرُ الأوفر من الظلم والقهر والتدمير، ليس في المجال المادّي فحسب، بل النفسي والجسدي والمجتمعي حين جرى تهجيرهم هم أيضًا وعمل القتل في رجالهم وبيع بناتهم ونسائهم العفيفات في سوق النخاسة وسبيهنّ واغتصابهنَّ من دون رحمة ولا شفقة ولا خشية من لدن السماء وبعيدًا عن أية مشاعر إنسانية. وإنّي غير منكرٍ بتوارد شكوك لي بادئ ذي بدء بالطريقة التي تمّ استيزارُها وما أُثير من ضجة حينها. لكن والحق يُقال إنها لغاية الساعة قد أثبتت جدارتَها وحرصَها على إكمال الشوط والمهمة التي كُلّفت بها. وما حثُّها ودعوتُها للوزراء المعنيين بتكرار زيارة المناطق المحررّة ومنها بلدات وقرى مناطق سهل نينوى وديالى وصلاح الدين والأنبار بصورة أخصّ سوى أدلّة على إثبات هذه الجدارة وتبيان الحرص لتقديم أفضل الخدمات والحلول لمَن مازال يحتاجُها، لاسيّما من القاطنين في المخيّمات والنازحين الذين يمنّون النفس بالعودة إلى مناطق سكناهم الأصلية. هذا إضافة إلى تواصلها المثمر وتنسيقها المتكرّر مع وزارة التخطيط لوضع الخطط اللازمة لإعادة ما تبقى من النازحين إلى ديارهم وبلداتهم وقراهم بعد اندحار داعش وتوفير الأجواء المستقرة أمنيًا ومعيشيًا لضمان حسن وسهولة عودتهم. كما أنّ مسألة رفضها العودة القسرية للنازحين والمهاجرين الذين تم رفض طلبات لجوئهم في بلدان المهجر ينطق بمدى الاهتمام المتواصل من لدنها بضرورة إجراء تقييم موضوعيّ لطلبات اللجوء وإدراك مدى الحاجة والتشبّث بهذه الطلبات لأسباب وظروفٍ بعضُها إنسانية وغيرُها آنّية تتعلّق بسلوك الحياة اليومية وما فرضته سنوات النزوح والهجرة من منغصات وموجبات تستحق التقييم وإعادة النظر في القوانين والقرارات. كما لم يخلُ برنامجُها من تضمينه زيارة زعامات المكوّنات الدينية الأخرى من صابئية ومسيحية وإيزيدية أينما تواجدت هذه، شمالاً وجنوبًا واللقاء مع المعنيين للوقوف على آرائهم ومقترحاتهم من أجل تسهيل حياة مواطنيهم والمساهمة في تقديم الحلول لحالات تتطلب ذلك. وهذا يوضح تواصلها الطيب مع أبناء الشعب من جميع المكّونات والديانات والمذاهب.
أتمنى للوزيرة الشابة إكمال مشوارها الوزاري بالتألّق والإبداع لخدمة مَن يحتاجونها لتقديم أفضل الخدمات لعموم النازحين، وهم كثيرون، ومن ضمنهم المرأة العراقية التي لم تغفل في متابعة منغصاتها ومشاكلها وما تتعرّض له من عنف أسري واستهانة بقدراتها الطبيعية وجدارتها الوطنية والمجتمعية. كما أشدّ على يدها في تبيان جرأتها وألاّ تيأس من محاولات البعض المغرضة التي تستهدف زرع بذور الإحباط وتشكيل ضغوط غير مبرّرة لتثبيط العزيمة والحد من حركة النشاط التي التزمت بها وحرصت على مواصلة جهودها من أجل إعادة البسمة للشفاه التي فقدتها والقلوب التي دخلها اليأس والنفوس التي احتارت بين خيار الوطن والمهجر. فكلّما كانت الحلول أقرب إلى نفس المحتاج وأفضل إلى تطلعات المحتار في أمره، كلّما كانت التداعيات أقلّ ضررًا وأقرب لاتخاذ البقاء في الأرض والتجذّر فيها مواطنًا يفخر به الوطن ويفرح له الشعبُ الأصيل وليس الدخيل والغريب!


34
أوربا في زمن كورونا وما بعدها
لويس إقليمس
بغداد، في 15 تشرين أول 2020
نشرت مؤسسة شومان الفرنسية التي تأسست في 1991، في عددها 906 الصادر بتاريخ 5 تشرين أول 2020، تقريرًا عن تطلعاتها تصف فيها ظروف منطقة الاتحاد الأوربي في ظل زمن تفشّي جائحة كورونا التي نالت من أحوالها المجتمعية وضربت قطاعات مهمة فيها، وعلى راسها اقتصادها الذي تأذى كثيرًا بسبب تدهور الأعمال وتراجع عجلة الانتاج وتوقف الأشغال في مواقع ومدن عديدة. وفي هذا التقرير نلاحظ عمق التحديات التي واجهتها، ما دفعها لتقرير الأصلح في مسيرة الاتحاد مجتمعًا من دون إغفال الصعوبات في مواجهة هذه التحديات وإيجاد الحلول المناسبة لدول الاتحاد، مجتمعةً أو منفردةً. ولا أحد ينكر ما يشكله الاتحاد الأوربي من ثقل في العالم من حيث قدراته الصناعية والمالية والتقنية والبشرية على السواء. 
أمّا المواضيع التي شملها التقرير، فقد تطرق فيها إلى شؤون الاتحاد الإدارية والاقتصادية والسياسية والأمنية والنقدية والمالية غير متغافلٍ قدرة دول الاتحاد على إيجاد البدائل في ترويض التراجع الحاصل في اقتصاد السوق بسبب بطء تدوير الماكنة الصناعية للقارة، والتوجه الحثيث لبذل المساعي بإبقائها قوّة صناعية متنامية منافسة لأندادها في الأمريكتين وآسيا والبلقان، ولاسيّما التنّين الصيني والدبّ الروسيّ اللذين يمثلان شاخصين مؤثرين في سياستها الاقتصادية بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ولعلّ ما يميّز دول الاتحاد عمومًا، قدرتُها على إدامة وتحديث سلّة الإصلاحات في قوانينها وفق المتغيّرات والظروف وحاجة هذه الدول نتيجة لتتالي المستجدّات، ما يجعلها ديناميكية في حركتها التغييرية المتجاوبة مع الظروف الزمانية والمكانية، وبما يتيح تموضعها في مقدمة البلدان الدولية بسبب نهجها الاستراتيجي الواضح الموازي لحاجة السوق والملبّي لتطورات الاقتصاد العالمي المتغيّر وفق الظروف هو الآخر. لذا لا غرابة أن يلاحظ المراقبون والمتتبعون وخبراء الاقتصاد والديموغرافيا السكانية إعادة نافعة في التفكير في سياسة الاتحاد الخارجية والأمنية والاقتصادية وبما يضمن ويحقق مجالات متقدمة ومستديمة للتنمية المتجددة في الموارد والقرارات التي تهيّء لهذه التنمية الضرورية لبقاء قدرة الاتحاد في الصفوف المتقدمة في اقتصاديات العالم. ومع كلّ هذا وذاك، فليس خافيًا أيضًا ما تعانيه دول الاتحاد من تحديات ضاغطة واختلاف في وجهات النظر أو خلافات حول مواضيع الساعة وطريقة معالجتها بسبب تقاطع المصالح.
ولكن، ما يمكن ملاحظته في قرارة نفس مجمل دول الاتحاد، لجوؤُها لإيجاد الصيغ الكفيلة بالدفاع عن نفسها في ظلّ تنامي التحديات الكثيرة، ومنها الأمنية أيضًا التي صاحبت وماتزال تصاحب عمليات الهجرة غير الشرعية نحو أراضيها بسبب سياسة التحدّي والتهديد التي تشكلها حليفتُها المشبوهة، تركيا، العضو في حلف الناتو والتي تأمل دخول نادي الاتحاد الأوربي عضوًا كامل الأحقية بفضل مشاكساتها المتواصلة وافتعالها الأسباب والذرائع والأزمات التي تسعى لدخولها الاتحاد بأي ثمن لصالحها. كما تنامى للأذهان منذ حين، سعيُ دول الاتحاد لتشكيل أداة تنفيذية جديدة بصيغة هيئة لمكتب المدّعي العام وإقراره مع نهاية هذا العام 2020، تأخذ على عاتقها التصدّي للجرائم الخطيرة الكبرى العابرة للحدود التي يمكن أن تشكل ايضًا تحدّيًا ماليًا لميزانية الاتحاد في زيادة الإنفاق. ومن شأن هذه الهيئة المستقلة قضائيًا أن تعاج حالات الفساد والاحتيال والتهرّب الضريبي وما إلى ذلك ممّا يضرّ بموازنات دول الاتحاد عمومًا. ويأتي هذا التشكيل الجديد إنجازًا آخر في سعي الاتحاد الأوربي للتكامل في جميع المجالات الحياتية التي تؤمّن وتشكّل عصب الحياة لشعوب القارة وتتفاعل مع مصيرها ومستقبلها كقارة موحدة التراكيب والتكوينات ومتقاربة الأفكار والرؤى والمفاهيم بين شعوبها والحفاظ عليها من الشيخوخة والعجز والتراجع لأية أسباب وصمودًا أمام أية تحديات تجابهها في خضمّ الأحداث المتحركة والمتغيّرة. وهذا بحدّ ذاته يمكن أن يشكل عامل قوّة نحو زيادة تعزيز التعاون القائم وتبادل الآراء المتواصل وصولاً لتفاهم مستديم عبر الحوار ونقل الخبرات والشعور بوحدة الصف لشعوب بلدان القارّة مجتمعةً في الدفاع عن مصالحها عبر تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية إلى جانب تقوية اقتصاديات أعضائها المتعثرة وتقديم الدعم اللازم لأي عضو حين اقتضاء الضرورة.
الصفقة الأوروبية الخضراء
أبدت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب، عزمها على إطلاق مشروع ما يسمّى ب"اللجنة الجيوسياسية"، ضمن مساعي الاتحاد لتوسيع آفاق ومهارات مؤسسات المجتمعات الأوربية، والاستفادة من زمن الأزمة الراهنة غير المسبوقة التي يمر بها العالم بسبب جائحة كورونا وانصباب الجهود للتركيز على تحقيق قفزة أوروبية مأمولة في العمل والتفاعل مع المجتمع الدولي بالرغم من كل التحديات. وهذا يتطلب بالتأكيد من الجميع، حكومات وساسة واختصاصيين التركيز على ما هو أساسيّ وبنّاء ومشجّع والابتعاد عن كل ما هو زائد وهامشيّ وغير مؤثر في وقت الأزمات. وفي توقعها لخروج الاتحاد من تأثيرات الجائحة الكثيرة والمتعددة على نطاق واسع، تتوقع السيدة أورسولا خروج دول الاتحاد معافاة وأكثر قوة وشكيمة وحيوية من خلال تكثيف الجهود لتغيير مسار الأحداث نحو الأفضل عبر وضع الخطط والاستراتيجيات الصحيحة المثمرة لجعل القارة أكثر قربًا في خضرتها البيئية واستخداماتها الرقمية وبأساليب لا تخلو من المرونة المطلوبة في الأداء والتنفيذ لصالح النفع العام لشعوب القارة وحكوماتها. 
ولعلّ الموضوع الأهمّ في مشروع هذه الصفقة يأتي عبر الوسائل المتاحة لمكافحة التغيير المناخي والحفاظ على البيئة حينما تنجح الجهود المشتركة بإيقاف تسرّب الكاربون بحلول منتصف القرن الحالي. وقد وصفت المسؤولة الأوربية هذه الخطوة بالنقلة النوعية والمهمة في مجال حماية البيئة، إضافة لما تحققه ابتكاراتُ مواطنيها من نجاح في تنويع مصادر الطاقة والانتقال إلى منطقة خالية من التشوهات البيئية حين بلوغ الهدف الأدنى وهو التخفيض في نسبة انبعاث الكاربون بحدود 40% بحلول عام 2030 من أجل تفادي نسب الاحتباس الحراري التي تحذّر منها جهات عديدة، ومنها تلك التي تهمّها العيش ضمن بيئة نظيفة وصحية. وبالرغم من كون مثل هذا المشروع قد ينال من اقتصاديات بعض دول الاتحاد ويستهلك جزءًا كبيرًا من ميزانياتها ويضعف من إمكانياتها في حالة الانتقال إلى قانون البيئة النظيفة، إلاّ أنّ الاتحاد قد حسب حسابَه لهذه الإشكالية من خلال تشكيل صندوق لدعم الشركات التي قد تتوقع تأثيرها بفعل الكفّ عن استخدام الطاقة التقليدية من الوقود التي تبدو للبعض أرخص من الطاقة النظيفة الجديدة. وفي هذا الصدد، هناك حزم من الدعم والتمويل التي تقدمه الحكومات والوكالات والمصارف للشركات الصغيرة والمتوسطة قد تتجاوز أقيامُها المليارات لتأمين انتقال هذه الشركات إلى الطاقة الخضراء من دون مشاكل وذلك عبر استثمارات ناجحة تدعمها حكومات ومصارف وجهات استثمارية ذات شأن.
المهمّ في كلّ هذا، أن يبقى الإنسان في المشروع الأوربي هو قلب الحدث وهو الهدف الأهم في مجمل سياسات وتوجهات حكومات بلدان الاتحاد. فالاقتصاد وتعزيزُ دوره ومعالجة الثغرات فيه بسبب الآثار التي ستتركها الجائحة سيكون لها الأولوية في إعادة الثقة بالنظام الحياتي بين الحكومات وشعوبها سعيًا لتقديم كلّ ما يكفل حماية وأمن واستقرار حياة شعوب القارة وتخفيف تلك الآثار على الأشخاص والشركات والوكالات التي تأثرت جراء الجائحة. وفي ضوء هذه التوجهات تتحرك بلدان الاتحاد كلّ وفق مقدّراتها واستعداداتها، لإعادة حركة الحياة بما يكفل الحفاظ على حياة الإنسان وتواصل الأعمال واستمرار تشغيل الماكنة وإنتاج الصناعة وحركة الشارع والمجتمع بأفضل وسيلة متاحة وبما يحصّن قدرة المواطن الأوربي في التعامل والتعايش اليومي العقلانيّ مع مخاطر الجائحة ويساعده في درء أخطارها وتجنّب الإصابة بها بعناية وحذر وحرص بهدف استمرار الحياة وكسب القوت اليومي وإدامة نمط الحياة بطريقة صحيحة. وهذا من شأنه بالتالي أن يحثّ ويساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة لاستئناف أعمالها هي الأخرى وتقليل الفجوة الناجمة بسبب البطالة التي تفاقمت نتيجة لإغلاق عدد كبير من هذه الشركات والمعامل والاضطرار لتسريح موظفيها وعمالها وعدم قدرتها على تسديد المرتبات والأجور. فالأشغال تبقى تحظى بقدسية كبيرة في مفهوم دول الاتحاد التي تطالب بمزيد من التضامن والتكافل من أجل حماية المواطن وتأمين استقرار حياته كي يبقى عنصرًا فاعلاً في المجتمع ويحظى برعاية الدولة التي أخذت على عاتقها تأمين معيشته عبر دافعي الضرائب بصورة أخصّ.
برنامج "أفق أوربا"
يشير تقرير شومان أيضًا، إلى اهتمام دول الاتحاد الأوربي بمشروع متقدم جديد من شأنه تطوير أدوات البحث وسبل الابتكار في عموم صفوف دول الاتحاد. وهو يمثل في حقيقته أحد البرامج التي لا تقلّ في أهميتها عن سائر الأنشطة التي تترقب دول الاتحاد وضعها حيّز التطبيق في برنامجها للأعوام 2021-2027 بعد إقرار ونجاح مشروع برنامج "أفق أوربا 2020". ومن المتوقع إطلاقُ هذا البرنامج الإطاري الطموح الجديد الذي هو قيد المناقشات والتفاوض، في الأول من كانون الثاني 2021 القادم. فيما تشير الأرقام إلى رصد ما يربو على 100 مليار يورو لتنفيذه، أي بزيادة ما يربو على  1,6% من سابقه المنجز في 2020، وذلك بالرغم من الأزمة الصحية لجائحة Covid-19 التي تعصف بالعالم أجمع وما تركته وتتركه من تأثير على القطاع المالي في عموم دول الاتحاد، والضائقة المالية التي تسببت بها نتيجة للانكماش المحتمل في الإنفاق، ومنه على سبيل المثال، تأثيره على صناديق التعاون. وسوف يركز البرنامج بصورة خاصة على تعزيز الأسس العلمية والتكنلوجية وطريقة عمل مراكز البحث التي تتميز بها دول الاتحاد، وتشجيع قدرة أوروبا على الابتكار وفسح المجال للقدرة التنافسية والعمالة، إضافة إلى تحقيق أولويات المواطنين ودعم النموذج الاجتماعي-الاقتصادي الأوربي والحفاظ على قيم القارة عمومًا.
ومع ذلك، لم يتردد الاتحاد الأوروبي في اتخاذ مسارات داعمة لاقتصاده من خلال التركيز على استثمارات يعتقد بمساهمتها نوعيًا في التخفيف من الآثار السلبية على الأمور المالية التي ضربت شركات وشخصيات. وهذا ما يشير إلى تواصل القارة في برامجها البحثية والتطويرية وجعلها في أولويات شؤونها السياسية، ليس أوربيًا فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى اهتمامها الدولي أيضًا. وفي حالة عدم حصول طفرات مفاجئة بسبب الجائحة وتأثيراتها على الواقع الاقتصادي العالمي، فسيكون التركيز على رؤية ما يسمّى ببرنامج الابتكار على نقاط مركزية فيه، ومنها العمل على تقوية الأسس العلمية والتكنولوجية للاتحاد الأوروبي ومنطقة البحث الأوروبية، وتعزيز قدرة أوروبا التنافسية على الابتكار والتوظيف. هذا، إضافة إلى تحويل أولويات المواطنين إلى واقع ودعم النموذج الاجتماعي والاقتصادي والقيم التي تشدّ من موقف دول الاتحاد عبر تعزيز الدور الاستثماري الأوربي في هذا المجال ورصد ما يحتاجه البرنامج من زيادة في قدراته المالية المرصودة.
وللحديث عن الصناديق الأوربية الداعمة لجهود الإنعاش الاقتصادي، تتوزع هذه الصناديق في فئتين للدعم المباشر وأخرى للدعم غير المباشر. فصناديق الدعم المباشر تتأتى من خلال وضع البرامج الموضوعية التي تديرها المفوضية الأوربية ووكالاتُها، بحسب المصدر. وهذه يتم تقريرُها في دوائر المفوضية في بروكسل التي تتولى تحديد المعايير والمبادئ التشغيلية لمختلف البرامج المتفق عليها وما يترتب على ذلك من مَحافِظ مالية وإجراءات اقتصادية والتوافق في تحديد مساهمات الأعضاء. وقد تشمل الذهاب إلى تشكيل شراكات او شركات مساهمة تتولى القيام بالمهمات الموكلة إليها. فيما الصناديق غير المباشرة يمكن إدارتُها عبر وسطاء أوربيين أو حكومات محلية أو إقليمية تأخذ على عاتقها إصدار المناقصات وتوجيه الدعوات بعد تحديد الأولويات والاستراتيجيات الضرورية التي تضمن إنجاز البرامج المتوخاة التي من شأنها الأخذ بنظر الاعتبار قبل كلّ شيء تحقيق الفائدة المباشرة لدول الاتحاد.
 وهنالك مشاريع حيوية أخرى لا مجال للإفراط في ذكرها بهذه العجالة. وكلها تقع ضمن ذات الجهود للخروج من أزمة الجائحة بشكل اقوى وأفضل، وهي تخصّ مهمة أخرى في حياة شعوب القارة. من هذه المشاريع، ما يتعلق بإجراء إصلاحات مهمّة في خطط نقل المسافرين بطريق السكك الحديد من خلال تحسين سبل ووسائل النقل وتسهيل وصول المسافرين، ولاسيّما من ذوي القدرات المحدودة على الحركة إلى وجهاتهم ضمن الشبكة المشتركة لبلدان الاتحاد وتسهيل الحصول على التذاكر بيسر ودون مشقة أو تعقيد. وكذلك في خطط الاتحاد، إجراء مراجعة لسياسة التنقل في دول الشنغن وبما يضمن تحقيق أكبر قدر ممكن للسلامة. كما لم يخفى على دول الاتحاد انصباب الاهتمام على شكل التعليم والتدريب المهني الضروري وإدامة تطوره بأحدث الوسائل تجاوبًا مع الظرف الصعب الذي خلقته جائحة كورونا، ليس في دول القارة فحسب بل في كلّ دول العالم. وهذا ما توحي به مفردات التطور في هذا المجال وصولاً إلى هدف بناء أوربا نظيفة خضراء ورقمية بكل تفاصيل تقنيتها ومهاراتها. ومن المتوقع بلوغ هذا الهدف بحلول عام 2025 بتعاون جميع دول الاتحاد التي اتفقت على وضع خطط استثمارية ناجعة ومؤثرة لبلوغ الهدف المنشود في وقته وتاريخه بالاستفادة من خطة التعافي الشاملة التي وضعها الاتحاد لبلوغ التعليم الرقمي باعتباره من الأهداف الاستراتيجية في العصر الرقميّ. وبالتأكيد، فإنّ وحدة الصف الأوربي والكلمة وسبل التعاون والتفاهم كفيلة بوضع هذه المشاريع والقرارات والخطط موضع التنفيذ لأجل رفاهة شعوب الاتحاد وضمان مستقبلها وإدامة زخم قدراتها.
منهم ومن سواهم ممّن يحترمون الإنسان ويحرصون على صونِ حقوق شعوبهم المواطنية، يمكن أن تتعلّم الدول المتعثرة والحكومات الفاسدة والأحزاب المدالّسة والموالسة والشعوب المقهورة والمخدوعة بساستها وحكوماتها، خيرَ الدروس والعبر، والثورة على الظلم والباطل وعدم مجاراة الظالم والسارق والمتجاوز على المال العام والثراء غير المشروع على حساب الوطن والشعب! ومتى سارت الحكومات وفق المنهج العادل والإدارة الرشيدة ومحاسبة الفساد بكلّ أشكاله وعدم الرضوخ لقوى الظلام وسطوتها التي تفرضها أحزابُ السلطة، حينئذٍ تبدأ خطوات وضع البلاد على السكة الصحيحة في إصلاح الأوضاع الشاذة وغير المقبولة لكي تبلغ ما بلغته أوربا وغيرها من دول العالم من تقدّم وتطور وانفتاح ورفاهة للوطن والمجتمع على السواء.
.

35
بناء البشر قبل تصفيف الحجر
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آب 2020
الدول تشكلها مجاميع البشر المتعلمون دروسًا وعبرًا ممّن خبروا هموم الحياة وحلاوتها وجادوا بالنفس والفلس والفكر والوقت من أجل تكوين نهضتها وتطويع حجرها لصالح تقدمها وازدهارها ورفاهة شعوبها. وهذا أمرٌ مفرغٌ منه في أبجديات السياسة والإدارة الحكيمة وصولاً لبناء المجتمعات وتعزيز قدرات الشعوب المتآلفة وهي تسابقُ الزمنَ لبلوغ أرقى درجات الرقي والتطور والرخاء والأمن والاستقرار. ولنا في دولٍ غربية سبّاقة أمثلةٌ ونماذجُ يٌحتذى بها. واليوم، تطمحُ مجتمعاتٌ كثيرة ماتزال سائرة في طور النموّ والتجديد والانفتاح بالوصول إلى ما وصلته الدول المتقدمة المنفتحة على العالم من تطور وتقدم وبناء ونمو بفضل مواطنيها الحريصين على وضع خطط استراتيجية مبنية على حسن إدارة واقع الحياة وضروراتها من بشرٍ وحجر ضمن السياقات الآمنة للتطور. فالإدارة الصحيحة الناضجة لأية دولة، حين تمتزج بالحرص الوافي على الممتلكات العامة والثروات الطبيعية والإنتاجية، وترتبط شعوريًا أو لا شعوريًا بمصير الأمة التي تتشكل منها هذه الدولة، ستكون قادرة على خلق بشر حريصين على التفاعل مع المصلحة العليا للوطن من دون أن تتقاطع مع طموحات الشعب بصرف النظر عن اختلاف أديانه ومذاهبه وطوائفه وقومياته، بل ومن دون أن يختلف الساسة والأحزاب التي تقود مسيرة البلاد على الأسس العامة التي تشكل أعمدة بنائه الرصين وتديم زخم موقعه بين الأمم والشعوب. 
هكذا إذن، هي الأمم والشعوب والدول التي تحترم البشر المقيمين على أرضها، مهما كانت أصولُهم وخلفياتُهم، وبغضّ النظر عن تعددها واختلاف مشاربها وثقافاتها. قاعدة لاتقبل النقض والخلاف وإنْ تشابكت فيها وبها وجهاتُ نظر متباينة واختلافات في الرؤية والتجربة. فالسيادة والكرامةُ للدولة هنا هي الحكَمُ الفصلُ ولا فروعَ غيرها تتقدّمُ على هيبتها وسياستها العامة التي لا تتبدّل ولا تتغيّر بتغيير الحكام إلاّ في أسلوب البناء وأدوات التطوّر المتجدّد دومًا نحو الأفضل. ولنا أن نقيس واقع بلادنا ممّا هو قائم لدى غيرنا من الأمم والشعوب والدول التي تسعى دومًا نحو الأفضل لأجل البقاء في المواقع الأمامية وإدامة هذه الأخيرة ضمن معايير التطور البشري والعلمي والاقتصادي والتكنلوجي والتربوي والاجتماعي. ويكفينا حزنًا وغمًّا أن يردَ مسامعَنا بلوغ الجواز العراقي المرتبة الأخيرة ضمن المقياس الدولي لاحترام الإنسان، والمرتبة المتقدمة في الفساد وغسيل الأموال، مع كلّ ما يترتب على هذا التخلّف والتراجع في موقع الشعب العراقي عالميًا من إشكالية وأسف لما يحصل له منذ احتلاله في 2003.
 لقد شكّلَ هبوطُ العراق دوليًا إلى الدركات السفلى في صفوف التصنيف العالمي حسرة في نفوس وقلوب الأصلاء فيه ولدى فئات واسعة من مثقفيه وأعلامه وأحراره ومواطنيه الذين كاد اليأس يسود جوارحهم الوطنية بسبب سوء إدارة  البلاد على أيدي ساسة المفاجأة الذين دمروا البلاد والعباد ونشروا ثقافة الفساد في صفوف المجتمع ولم يتركوا مجالاً لأصحاب الحق والرؤية الوطنية من أجل البناء والبحث عن مخارج آمنة إلاّ أللّهمّ في الأمل القادم بالصحوة الأخيرة التي استحثّتها الانتفاضة التشرينية الثورية على مكامن الفساد وأسيادها وأدواتها ومَن يقف لهم داعمًا ومديمًا زخم الكارثة. وبأية تواصيف مهينة أو استخفافية أو طفولية أطلقها ومازال يطلقها ساسة الصدفة على المنتفضين الأحرار المطالبين باستعادة "وطن مفقود ومرهون بأيادي الفاسدين والأغراب عنه"، إلاّ أنّ الحق عائدٌ إلى أصحابه لا محالَ، والسلام في أرض الفراتين قادم والأمن مستتب واللحمة الوطنية في طريقها إلى الشعب الأصيل بعيدًا عن الانتهازيين من مزدوجي الجنسية، مع احترامي للشرفاء من هذه الفئة التي اضطرّت للبحث عن ملاذات آمنة وأمينة لها في بلدان الاغتراب، هربًا من شراسة التهديد متعدد الأشكال وسياسة المساومة والمحاصصة وتقاسم المغانم التي سادت المشهد السياسي منذ السقوط بسبب تسليم البلاد على طبق من ذهب للأغراب والدخلاء والفاسدين بغية إنهاء وجود البلد بحاله.   
الإنسان عملة البلاد الصعبة
أفرزت الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية الأخيرة التي رافقت آثار جائحة كورونا مؤخرًا، العديد من نقاط التساؤل والاستفهام حول النظام العالمي القادم المجهول. فأين يسير بنا هذا النظام اللغز الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام؟ وما هي المبرّرات لدعاة التغيير فيه؟ وهل لهذا التغيير المرتقب حدودٌ وأهداف مغايرة عمّا هو قائم حاليًا بحيث تقي البشرية شرَّ القاتم الأسود القادم، كما يصوّره لنا أصحاب النظريات الجديدة بخلق نظام أكثر أمانًا وأفضل إنتاجًا وأحسن سلوكًا أم العكس هو السائد؟ فإذا كنّا نشكّ في مثل هذه التبريرات التي لا تخرج عن أمراضٍ نفسية ونوبات هستيرية لدى أصحاب مثل هذه النظريات العالمية المطالبة بتغيير نمط الحياة البشرية من حيث تضاؤل الاحترام للكائن البشري والسعي للحدّ من طموحه بحياة أفضل، فكيف لبلدان هزيلة أن تثق بهذه النظريات، في حين هي تعيش أصلاً مقتاتة على فضلات موائد الأسياد بعد أن أفقدها هؤلاء سيادتها وهيبتها وحدّوا من قدرات شعوبها ولم يتركوا لساستها العبثيين غير اللهو بحروب مدمّرة والانشغال بأشكال النهب والسرقات واللصوصية من بيت المال العام حين عدّوه جائزًا مشاعًا حلالاً زلالاً؟ 
جميلٌ أن يتغنى الواحد بالوطن ويفخر لكرامته ويسعى لاستعادة حضارته وتبيان ثقافته التي عكست تاريخه عبر الأجيال حينما كان سيّدًا على غيره قبل هذا الغير الذي قلب الآية، ما جعل الأصلَ يتذيّلُ في نهاية المطاف قائمةَ البلدان الأكثر فسادًا في العالم والأقل احترامًا بين شعوب الأرض والأكثر تندرًا بسبب استشراء ثقافة الفساد وشيوع جريمة غسيل الأموال التي صبغت طبيعة بشر العراق عمومًا وساسته خصوصًا طيلة سبعة عشر عامًا من حكم المثلث الشيعي-السنّي الكردي المشبوه. ولكن الأجمل أن يعرف المواطن، كلّ مواطن يدّعي العراقية والوطنية والانتماء الإنساني، قدرَ هذا الوطن ويساهم في إصلاح المكسور فيه أينما وجده، والانقلاب على الذات قبل المطالبة بإصلاح الغير، ومن ثمّ الانتقال إلى مرحلة البناء والنموّ والتغيير الجذري الذي تحتاجُه البلاد من كلّ بد. فالتغيير ينبغي أن يبدأ من داخل الإنسان بادئ ذي بدءٍ ليخلق من همومه منفذًا نحو السعادة، ومن أخطائه حافزًا للإصلاح، ومن كبوته فرصة للنهوض من جديد بعزيمة أقوى وفعلٍ أشدّ من خلال المساهمة في رتق الممزَّق والنزول إلى ساحات العمل كلّ بحسب مقدرته وجدارته واستعداده، من دون الاستخفاف أو الاستهانة بأدنى الأعمال، بطرًا مقيتًا وأنفة فارغة وكبرياءً مدلّسًا. فالعمل المتاح بحسب الجدارة في أي موقع أو وظيفة مهما بلغت قيمتها العليا أو الدنيا، شرفٌ للمواطن الأصيل. ومن ثمّ ليس مقبولاً إتاحة الفرصة للعمالة الأجنبية القادمة من دون حدود، فيما أهلُ البلد يتطلعون أو يبحثون عن فرصة عمل. فهذا نابعٌ من سوء إدارة البلاد وعدم وضوح الرؤية في تقويم المواطنة وإرشاد المواطن إلى سبل العيش المحترمة في أي عملٍ شريف يعتاش عليه بعرق الجبين . وفي اعتقادي هذا شأنُ جميع مؤسسات الدولة ومجتمعاتها ومنظماتها للعمل على ضرورة فرض العمالة المحلية في أية مشاريع استثمارية كبيرة، من دون أن يتقاطع هذا الفعل مع الحاجة لتواجد الخبراء الأجانب في ساحات العمل الاختصاصية. مهما قيل ويُقال عن إدارة البلاد وسياستها الراهنة غير الرشيدة بل الغائبة في العديد من الأوقات والفرص، فلا شيء غير التغيير الجذري كفيلٌ باستبدال الواقع المتهرّئ وانتشاله من براثن الفساد والمفسدين الذين أتى بهم الاحتلال الأمريكي والذين بفضله وبتوافقه مع غرماء العراق الذي كان لهم دومًا بالمرصاد، شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا، قد أدخلوا البلاد في فراغ وطني بعد تحطيم كلّ قدراته ونهب ثرواته بدءً من حلّ جيشه العقائدي وصولاً لرهن ثرواته المتعددة ومقدّراته البشرية بأيدي الأغراب عنه في المنطقة والعالم.
    لقد عمل المحتلّ الأمريكي على قتل كلّ روح وطنية ملتصقة بأهداب الوطن. بل عملَ جاهدًا انطلاقًا من استشارات مشبوهة وغير رصينة داخليًا وخارجيًا، على قطع حتى الشعرة الرفيعة للصرّة التي كانت تربط المواطن البسيط بالوطن، حين نصّبَ على البلاد طبقة حاكمة في معظمها لا تتمتع بالأهلية الوطنية ولا الجدارة الإدارية ولا الكفاءة الاستراتيجية لإدارة وطن مثل العراق العظيم في كلّ شيء لديه، بدءً من الحضارة العريقة والثقافة الراقية والإرث المتجذّر والتعددية الدينية والمذهبية والعرقية التي مكّنته من أن يشكل  فسيفساء نادرة الفلكلور في تلاوينه وأفكاره وصوره، وصولاً للبشر والحجر وما اتصف به هذان الأخيران من أوصاف غاية في الاختلاف عن غيره من شعوب المنطقة. فالبشر فيه كان عاشقًا للوطن وليس لسواه، وولاؤُه لأرضه وليس للدخلاء والأغراب عنه ومحبًا للعمل في الأرض والانتاج في الصناعة والإبداع في كلّ شيء. فيما الحجرُ فيه، ظاهرُه وباطنُه، من أغنى حجارة الدنيا. فأينما حللتَ فيه شمالاً أو جنوبًا، شرقًا أم غربًا، تلاقيك فيه ثروات لا تخطر على بالٍ، من نفط وغاز ومعادن ومياه ومواقع سياحة طبيعية ودينية وتجارية.
لكن المشكلة بعد 2003، اصبحت تكمن في الثقافة الجديدة التي اتشحها ولبسها الشعب العراقي مرغمًا بفعل سياسة تفضيل المصالح الشخصية والطائفية والمذهبية والفئوية والعرقية على مصلحة الوطن العليا، والتي كانت قد برزت بوضوح مع بدء مرحلة الانقلابات العسكرية المتتالية التي أدخلت البلاد في أتون حروب ومعارك وأنواع قتال داخلية وخارجية أنهكت قاعدته الوطنية ونقلت فئات منه تحت إغراءات السلطة والنفوذ والمال الحرام إلى أدوات بأيدي الدول الاستعمارية والإقليمية، كلّ حسب مصالحها وأولوياتها وضروراتها الخاصة. وبذلك فقد الشعب مصداقيته حين تحوّل ذيلاً ذليلاً للغير الدخيل، مهما كان جنس هذا الدخيل وموقعه وسياستُه وتوجهُه تحقيقًا لمصالحه الضيقة وبغضّ النظر عن الآلام والأزمات والمشاكل التي خلقها لعموم شعب العراق ومكوّناته، حين تحوّل النظامُ الوطني إلى دولة مكوّنات وإمارات إقطاعية وعشائرية ومذهبية تتحكم بها كتل سياسية تنتمي لأحزاب السلطة التي استقدمها الغازي الأمريكي وفرضَها لتسوس البلاد وفق منهج المحاصصة والتوافق والمساومة على مغانم وتحقيق مكاسب غير مشروعة.
لنا يقينٌ حين استعادة الوطن هيبته وسيادته وقراره، ستعود المياه الطبيعية إلى مجاريها ويعود الإنسان العراقي ماسة لامعة وجوهرة خالدة، ولكنْ بعيدًا عن النفايات التدويرية الدخيلة القائمة، مع الاحترام والتقدير للشرفاء أصحاب النوايا الطيبة في البلاد من الساهرين والمجاهدين والحريصين بصدق عمق المواطنة لإعادة الشخصية العراقية الأصيلة وإعلائها لتعود عملة صعبة في أية معادلة إقليمية ودولية كما كانت على سابق العهد. وهذا لن يكون سهل  التحقيق والمنال إلاّ بعد إعادة تقويمٍ صحيحة للإنسان العراقي وإيجاد السبل التي تكفل استعادة النفحة الوطنية والتوعية الذاتية لشخصيته التي افتقدها واضاعها في متاهات سياسة المجهول الخالية من أي تخطيط واستراتيجة وطنية للعيش وإدامة زخم الحياة الإنسانية في إعادة بناء الوطن من جديد على أسس سليمة. أي بعبارة أخرى، بالانسلاخ عن الشخصية المشوهة التي لبسها راضخًا للظروف القاهرة  طيلة السنوات العجاف المنصرمة منذ الغزو الأمريكي لغاية الساعة. وهذا ممّا جرف فئات ومجتمعات كثيرة من الشعب عانت من شظف كسب القوت اليومي وحملها للاستخفاف بالمبادئ الأساسية للحياة الإنسانية، ومنها ضرب التوصيات الوقائية الضروررية من جائحة كورونا عرضًا، بل وتكذيب وإنكار وجود هذه الأخيرة أصلاً، وذلك بدفعٍ وتحريضٍ وإيماءة من أرباب التخريفات والدجالين الذين أفهموا أتباعهم بوجود مَن يحمي حياتهم ويصون صحتهم عبر الدعاء وغيرها من السلوكيات الساذجة التي لا تختلف عن أعمال الدجل والسحر والشعوذة. وهذا هو دور النخب الثقافية والمنظمات والجهات الرسمية ذات العلاقة لبذل المزيد من الجهود في ترصين مبادئ التوعية الشخصية والمجتمعية ونشر ثقافة الوطن وحب الانتماء إليه دون غيره في التعامل اليومي من أجل بنائه وإعادة مواقع الاعوجاج فيه بكلّ الوسائل المتاحة. فبناء البشر يأتي أولاً قبل تصفيف الحجر! فهو الأساس في بناء الأوطان وترصين المجتمعات وأداء المؤسسات على أسس سليمة!















36
صفقة الواقع ولوعة الممانع
لويس إقليمس
بغداد، في 1 أيلول 2020
منذ أن وعينا والحديث عن القضية الفلسطينية  التي أضحت أسطورة الشارع، لم تخلُ منه صحيفة يومية ولا مجلة اسبوعية أو شهرية أو حولية ولا توقفت عنه شبكات الاعلام المسموعة والمرئية والمؤتمرات والاجتماعات واللقاءات متعددة الأشكال والأهداف، ولا غاب يومًا عن الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بعد أن شهدت هذه طفرات كبيرة في التقنية والاتصال والتمويل والانتاج والإخراج وما سوى ذلك كثير. فيما الواقع يحكي قصة بل قصصُا كاذبة لا تخلو من دجل وتدليس وتبجّح فارغ وضحك على بسطاء البشر والمغرّرين بالشعارات الشعبوية والقومية والدينية واليافطات الكذابة لأجل الدعاية والتغطية على حقائق تُركّبُ في مطابخ مشبوهة لا تمتُّ بصلة إلى معاناة القضية الأسطورة هذه، والتي كما يبدو، أصبحت بقرة حلوب للمتاجرين بها والمزايدين عليها ولمروّجي أفكار أمثال هؤلاء ولمشاريعهم الشخصية والفئوية والدينية والمذهبية والحزبية بل والأممية في آنٍ معًا. وقد أظهرت الحقائق مشاركة هذا النفر، أفرادًا وحكومات ودولًا وشعوبًا وطوائف، بشيء من هذا الدجل وأشكال النفاق التي ساهمت بزيادة مباشرة في معاناة شرائح تعبانة وبسيطة وساذجة في المجتمع الفلسطيني قبل غيره من شعوب المنطقة العربية منها والإسلامية بشكلٍ خاص، فيما طبقة أخرى مرفهة ومترفعة من صفوف هذا الشعب المقهور افترشت وماتزال تفترش القصور والفلل، وتدير مخازن ومتاجر ومحلات وفنادق، وتواصل زيادة إيداعات مستديمة في حساباتها في مصارف وبنوك وزيادة أسهم في شركات مساهمة، سواء في داخل فلسطين نفسها أو في بلدان المهجر. فقد أجاد هؤلاء ومَن آزرهم واصطفّ إلى جانبهم في كيفية إدارة اللعبة التجارية الفلسطينية الماكرة، فأوهموا الشعب الفلسطيني قبل غيره من شعوب ودول العالم بأنهم أفضل مَن يدافع ويساند ويؤازر وينفق عليه أكثر من غيرهم، انطلاقًا من حرص زائف على مصالح "الأمة العربية" الكبرى وضمانًا لديمومة "عروبة" دول المنطقة وحماية ل"الدين الاسلامي الحنيف"، بحسب التصريحات الهوليودية والبوليودية والاعلانات المجانية في وسائل الاعلام المتنوعة الاتجاهات والاهتمامات والسياسات، وبحسب مصالح كل دولة أو فئة أو شخصية.
والحقيقة الماثلة في نتائج هذه جميعًا، أن ضاعت القضية الفلسطينية في هذه المتاهات والتعرّجات والتخريفات والتناقضات والمزايدات، وفقدت المقاومة المعلنة صدقيتها وبدأ بريقها بالخفوت وسط دعوات متناقضة في المواقف والمبادئ والوسائل التي أصبحت قلقة ومتحركة لا تعرف الثبات بسبب تقاطع المصالح والرؤى والانتماء والولاء. فلا الداعون لتحرير القدس بفيالقهم المؤدلجة الجرارة تقدموا بخطوة الصدمة لإفناء مَن أسموهم بعدوّ الإسلام ومغتصب الأرض، ولا المتبجحون فيما أُسميت بالمقاومة اتخذوا القرار الجريء وتواصلوا معه وأداموا زخم الحروب والمعارك التي جرت طيلة العقود المنصرمة. والحقيقة أنّ كلّ تلك المحاولات، سواءً حصلت بتوافق عربيّ ضمن مؤتمرات جمعت العرب فيما بينهم أو ضمّت بين ظهرانيها زعماء دول وأمم اسلامية ادّعت رفضها لقيام دولة اسرائيل، قد حققت تقدمًا في اختراق جدار هذا المسمّى بالعدوّ. والجميع يعلم، كيف انتهت كل تلك المحاولات، والتاريخ جدير بالكشف عن النوايا والرغبات والإرادات وأسرار الصفقات والخيانات والتواطؤات. وقد لا نشهد ذلك نحن الذين عاصرنا تلك الحقبة السوداء من النضال المفتعل والكاذب ضدّ الدولة اليهودية القائمة بالرغم من الجميع! 
من هنا في اعتقادي واعتقاد الكثيرين من الذين أحكموا العقل وتروّوا بالحكمة، لم تعد تنفع لا الشعارات البراقة ولا الدعوات الطنانة ولا التأوهات الباطلة المتباكية على فقدان الوطن أو ما تبقى من أرض وطن يسمّونه بفلسطين، حين يأتي اليوم الذي تخفت فيه تمامًا سمةُ العروبة المزيّفة وتتوارى عنه صفة المقاومة وتنتهي سنّةُ العداء والعداوة بين شعبي فلسطين واسرائيل. فسيأتي اليوم الذي يستفيق فيه الشعب الفلسطيني "العربي" ويدرك كونَ القضية لم تعد سوى لعبة التجارة يتولاها متاجرون ومقاولون كبار رئيسيون وثانويون يتقاضون أجورًا وامتيازات عن كل خطوة سواءً باتجاه التطبيع الواقعي أو باتجاه تأجيج القضية في مناسبات لكسب المزيد من الأموال والعطايا. فكلّ ما يجري ويحصل في هذا وذاك، ليس سوى جرعات تخديرية للناس البسطاء والطيبين ممّن أكلوا الطعم وصدّقوا ما قيل منذ عقود وسنين بالدفاع عن قضية مصيرية تحكي قصة وجود شعب بائس تعرّض مثل غيره في المنطقة لماكنة التغيير في الجغرافيا المتقلبة التي ليس بالضرورة أن يشعر بها البشر في سيرة حياتهم المحدودة. فدولاب التاريخ قد سبق هذا الشعب حين دار على غيره وغيّر مجراه لمراّتٍ وكرّاتٍ عبر الزمن وبفعل الظرف الذي نجهل حدوثه أحيانًا. فهذه هي حركة التاريخ وهذا دولاب الزمن يجري، سواءً شعرنا به أم لا، طالما حياةُ البشر لا تعرف أو تدرك غيرَ صدق وواقع السنوات القليلات التي يعيشُها على الفانية مقارنة بآلاف بل بملايين السنين التي سبقتنا والتي قد تدركنا بعد قضاء مشوار الحياة القصيرة على الأرض. فيما الحكمة توصينا بل تأمرنا أحيانًا بالعيش حسب الواقع المتاح والإيمان بما هو قائم وحاصل وموجود وواقع ممكن ومن دون تكلّف أو مراءاة أو نفاق. فهذه الأخيرة قد أضحت من سمات  العديد من البشر وأخلّت بحياتهم وحياة مَن يجاورهم ومَن يتماهى معهم صدقًا أو تبجحًا أو نفاقًا زائفًا لا ينفع صاحبه ولا غيرَه.
صفقات التطبيع ورنّاتُ التركيع
قد يكون الواقع الحكيم للتطبيع مع اسرائيل في عصرنا المشوَّش هذا، صفقة جيدة ومناسبة لإدامة الحياة ونشر الاستقرار وأشكال الأمان والسلام بسبب التقاطعات في المصالح التي ابتليت بها مجتمعات كثيرة غاصت في وحل النزاعات والحروب العملية والنظرية والأيديولوجية التي لا نهاية لها. وهذه هي حال عموم شعوب الدول الاسلامية التي غرقت في مفاهيم المقاومة ونشر العداء ضدّ كيان سياسيّ زرعته دول عظمى بقوتها وجبروتها وسط دولٍ تنتمي في قوميتها وعراقتها لصفة أخرى تتخذ من الدين والمذهب والطائفة سبيلاً لإثبات الذات والأحقية في الحكم والأرض والنفوذ والسيادة. وهذا يحصل بالرغم من ثبات هوية الشعب اليهودي تاريخيًا هو الآخر على أرض فلسطين إلى جانب غيره من شعوبٍ كانت قائمة بحسب التاريخ والجغرافيا التي لا تكذّبها بطون الكتب ولا يمكن أن تمحوها الآثار الماثلة للعيان. فالتاريخ يتحدث عن شعوبٍ سادت ثمّ بادت عبر حركته المتغيّرة دومًا.هكذا هي حركة الشعوب والأمم عبر التاريخ: تولد وتسكن وتعيش، تسود وتبيد، تثبت وتتنقل، تسالم وتحارب، تتشرّد وتعود إلى أصلها، تنتظر وتترقب، تصبر وتصابر، وهكذا. لكنّ ايادي الشر يبدو عليها صعوبة العيش من دون إبراز أدواتها بوجه الأفضل منها حياةً واحترامًا وتفاعلاً وتعاونًا مع البشر جميعًا. والأنكى من هذا وذاك أنّ مجرّد الاختلاف في النظرة إلى حياة الإنسان ككائن بشري فيما يخصّ احترام خياراته أو الحكم على المجتمعات عمومًا بسبب التقاطع في ثقافات الشعوب، صارَ يشكل إحدى أهمّ السمات التي ترسم له طريقه وخارطتَه وفكرَه وإرادتَه في الحياة، سواءً كانت هذه الأخيرة تتطابق مع الواقع المعاش أو خارجًا عن إطاره الإنساني والواقعي.
    من هنا جاء التدخل السافر في مصير الشعب الفلسطيني من أطراف خارجة عن إرادته أحيانًا، حيث لم تتح التدخلات في شؤونه الوطنية الفرصة المناسبة لمعالجة جروحه بنفسه وإيجاد طريقه لحياة أفضل من دون هذه التدخلات بحجج كثيرة ومختلفة، لاسيّما حين دخلَ الدينُ والمعتقد والأيديولوجية والقومية والمصالح عونًا مشبوهًا في السياسة التي لم تأتي بنتائج إيجابية، ولن تأتي بها البتة طالما الانغلاقُ على التسفيه والعناد قائمٌ، بل وتؤججُه الفتاوى والتفاسير الناقمة والأحاديث والروايات التي انتهى دهرُها وفقدت بريقها الزمني بتقادم الزمن وتغيّرِ المجتمعات وتقدمِ الشعوب وتطور الدول. فالأمم والشعوب لا يمكن أن تبقى أسيرة الماضي السلبي الذي مازال يدمغ أفكار ورؤى مجتمعاتٍ وجهاتٍ تأبى التغيير والانفتاح وفتح صفحات جديدة ناصعة للتاريخ بأشكالٍ أكثر واقعية وقربًا من الواقع الذي تفرضه الظروف الزمانية والمكانية حين تحكيم العقل وترجيح المنفعة العامة التي تأتي بثمار أكثر نضجًا عوض التعنّت والممانعة التسفيهية التي لم تعد تنفع مع تطور العصر وأدواته.
     في الحقيقة، هذا ما أفضت إليه القضية الفلسطينية من تركيع للغير حين وقعَ الشعب الفلسطيني رهينةً بأيادي المتلاعبين بمصيره من مختلف قادة العالم وساسته باختلاف الاتنيات والأديان والمذاهب والطوائف، كلّ بحسب قوة النظام السياسي التي يمسك بها في بلده وطائفته وحزبه وأتباعه وروّاده. وهذا ممّا جعل تفاصيل الادّعاء والمداهنة والتفاوض وفرض الآراء والواقع يتناقض في أغلب الأحيان مع رغبة وإرادة أصحاب القضية أنفسهم. ألم تفتح دولٌ عربية منذ بدء بواكير النزاع العربي-الاسرائيلي بابَ التطوّع لتحرير فلسطين والقدس بسبب ادّعاءات واتهامات من البعض للحكومات بالتخاذل في مواجهة الادّعاءات بمحاولات التدنيس للمقدسات وبحجة تحرير للأرض؟ ولماذا تخلّفَ الأدعياء والمروجون عن خوض الحرب المقدسة التي ادّعوا ودعوا إليها مرارًا وتكرارًا؟ وهل نسي العراقيون فتح نوري السعيد سعيد الذكر باب التطوّع للمتظاهرين الثوريين المطالبين بالتوجه لمحاربة "العدو" دولة اسرائيل في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، بعد اتهام النظام الملكي بالعمالة والتخاذل. فما كان من هؤلاء إلا القلّة القليلة منهم، كي يتواروا عن المشهد الثوري المنافق وترك الميدان لعلمهم المسبق بالنتيجة. وكم من الحروب التي خاضها العرب و"المسلمون" معًا ولم يفلحوا آنذاك في تحرير شبرٍ ممّا اغتصب. بل العكس، حصل الأدهى والأكثر مرارة حين توسعت اسرائيل لتشكّل دولتها الكبرى التي ماتزال في طريقها للاكتمال متى شاءت الأقدار التي لن يكون لنا نصيب برؤية ما قد يحصل لاحقًا. ورحم الله الزعيم المصري الخالد محمد أنور السادات الذي حكّمَ العقل ووضع مصلحة البلاد العليا فوق كلّ منفعة، فنجح في الحصول على سيناء آنذاك مقابل السلام.
صفقات من تحت الكواليس
ما جرى ومايزال يجري من تحت الكواليس وفي الغرف المظلمة بشأن أسطورة القضية الفلسطينية لم يتم الكشف عنه كلّه بعدُ. فالتسريبات التي تتوالى والتي ستشتدّ وتيرتُها في ظروف أخرى أكثر انفتاحًا ومكاشفةً، ستكشف "بلاوي" كثيرة، قد لا يتصورها عقل الفرد المسلم المغرَّر البسيط قبل غيره، "عربيًا" كان أم أجنبيًا أم "أعجميًا" أو "عصمليًا". فهؤلاء جميعًا عبر سياسات زعاماتهم المتهالكة والقائمة كانوا المرتهنين والمقاولين الرئيسيين لما جرى لفلسطين، أرضًا وشعبًا، عبر صفقات من خلف الكواليس درّت عليهم وعلى أعوانهم وأتباعهم مكاسب كثيرة محلية داخلية وأخرى خارجية على حساب حقوق أهل الأرض. ومَن يصرخ اليوم ويعربد ويعاند ويشجب ويهدّد بسبب انصياع العقل البشري لدى دولٍ وشعوبٍ أدرك ساستُها جزءًا من الحقيقة وليس كلَّها، لا ولن ينفعه هذا العناد غير المبرّر، طالما هناك ولو بضعة أفرادٍ من الشعب صاحب الأرض يقبل بالتطبيع وعيش حياة طبيعية طلبًا للأمن والأمان وحياة الاستقرار المفقودة والرفاهية بسبب تبجّح فئات وزعامات ومافيات لا يهدأ لها بال ولا تستقرُّ لها حياة إلاّ بالنبش في أتربة المقابر وتأجيج النيران وتنظيم صفقات التسليح المدمّرة التي تُجنى من ورائها الأموال والامتيازات. أمّا مَن يغرّدُ خارج السرب بالعويل واللطم والبكاء على الحقوق جهارًا وهو في قرارة نفسه يضمر عكس ما يجاهر به، فهذا شيطانٌ أخرس ربيبُه الزيف والكذب والنفاق والضحك على ذقون البسطاء من شعوب المنطقة، سواء في صفوف العرب أو العجم أو العصملّية. فعندما تتناقض الحقيقة والواقع مع الخفي المدسوس سمًا زعافًا بهدف الكسب المشبوه شعبيًا والظهور بزيّ الراعي الحريص لأهداف سياسية زائفة لا تتمتع بالمصداقية، حينئذٍ يُفترضُ قراءة السلام على هذا الصنف من البشر الكاذب المنافق. وخير مثال على ما ذهبنا إليه استنكار دول لها ممثليات أو تبادل دبلوماسيّ رسميّ مع اسرائيل، لكنّها استشاطت غضبًا حين اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة قرارها بتحكيم العقل الذي ينمّ عن رؤية صائبة وحكيمة بعيدة المدى لما يجري من أحداث وما يُحاكُ في الكواليس. وبذلك نالت ما تستحقه من تقدير في قرارها الشجاع الذي يحكي قصة إدارةٍ سياسية محنكة في هذا البلد الذي جذب الأنظار في نقلته التطورية النوعية خلال بضع سنوات بسبب انفتاحه الكبير على العالم وفتحه أبوابًا ونوافذ أدخلته في عالم آخر في التقنية والتقدم والتطور بعد أن عاش معظم طبقات شعبه في غياهب الصحراء وأتربتها مستخدِمَة الجمال والحمير وبيوت الطين والنوم في العراء غير عارفةٍ كيف تقضي حاجاتها طيلة فترة سباتها. وقد عشنا جزءً من تلك الحقيقة حين تمنّى الراحل الشيخ زايد آل نهيان باني البلاد الكبير في إحدى زياراته لبغداد مطلع الثمانينات أن يرى في بلده شارعًا على غرار شارع حيفا. والعاقل مَن يقارن ما وصل إليه البلدان بين الأمس واليوم! 
هناك دولٌ مشهود لها بتاريخها الطويل بل المملّ في المتاجرة بالقضية الفسلطينية، في حين أنها لم تقدّم سوى أدوات الشر والغلّ والحقد والكراهية ضدّ شعوبٍ ودولٍ راغبة بالسلام. والشهادة لله، كلّ ما قامت به لم يكن سوى جرعات تخديرية دائيمة لأصحاب القضية عبر عملائها من مقاولي الشعب الفلسطيني من منظماتٍ تدّعي المقاومة والتصدّي لدولة اسرائيل بألعاب صاروخية بدائية في الكثير من الأحيان وبدالّة اشخاصٍ سذّج توهموا بحملهم شعار المقاومة، بينما زعامات هؤلاء يسرحون ويمرحون في المنتجعات ويسكون الفلل الفارهة ويرفلون بحياة أمراء الحرب. فقد نجحت بعض هذه الكيانات والدول صاحبة الادّعاءات الفارغة، ولاسيّما زعاماتُها الدينية التي تتخذ من السياسة جسرًا لتحقيق المصالح الخاصة وزيادة المكاسب على حساب شعوبها المقهورة، بفرض أجنداتها الدينية والمذهبية والطائفية عبر إثارة المشاعر وزيادة الأحقاد البعيدة عن أية نفحة إنسانية كما أمر بها ربُ السماوات والأرض حينما دعا الأمم والشعوب للعيش بسلام والتعارف فيما بينها على المحبة والوفاق والتضامن. ومثل هذه السلوكيات التحريضية ساهمت بطريقة أو باخرى في تعميق الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني نفسه ووضع العراقيل بوجه أية خطوة إيجابية تساهم في توحيد الصف العربي، حينما ادّعت "الفلسطينية" الزائفة أكثر من أهل البيت الفلسطيني نفسه. فقد تصرّفَ هؤلاء المتبجحون والمنافقون ومازالوا من دون تخويلٍ رسمي من عامة الشعب الفلسطيني المنكوب والمقهور، ربّما إلاّ من أدوات ومنظمات المقاومة المستفيدة من إبقاء الوضع المأساوي على حاله. فإذا كانت الحكومة الفلسطينية ورئاستُها بالذات تتعامل مع دولة إسرائيل رسميًا، فما شأنُ الغرباء والدخلاء والمهووسون أيديولوجيًا ودينيًا ومذهبيًا؟ أليست السياسة إدارة حكيمة تهمّ بتحقيق مصالح ولا تنساق للعواطف التي تدمّر ولا تبني، تعطّل ولا ترمّم؟
شجاعة في الطرح ورجاحة في الحكمة
ومن هذه المنطلقات الإنسانية، جاءت مبادرات السلام العديدة للتطبيع والتعايش البشري المطلوب بين المجتمعات التي تحتضنها المنطقة التي ما تزال تعيش على طبق ساخن منذ بدء الصراع بين الشعبين. وقد جنت الدول التي سبقت غيرها في التطبيع مع اسرائيل بتمثيل مباشر أم غير مباشر، نتائج قرارها السيادي بعيدًا عن تأثيرات خارجية دخيلة. وهذا ما أثبتته الأيام مع كل من مصر والأردن حصريًا، فيما سعت دول أخرى لعقد اتفاقات ثانوية للتخفيف من وطأة العداء بينها وبين الدولة العبرية تفاديًا للآثار غير الطيبة التي قد تترتب في حالة استمرار ذات البين القديم والرضوخ في نهاية المطاف لرنّات التركيع المهين في الشكل والصورة والمصالح. وليس من شك بوصف الخطوة الإيجابية الأخيرة لدولة الامارات بالشجاعة والجرأة حين وعت لضرورة تحقيق تبادل المصالح المشتركة وإرساء السلام في المنطقة الساخنة منذ عقود، لاسيّما عندما أدركت أسرار وحقائق النفاق الأممي والدولي ولاسيّما من داخل الحظيرة الإسلامية، العربية منها والأجنبية، من شرق-أوسطية وأعجمية وعصملية ممّن ساهمت بوضع العراقيل أمام اية مبادرات دولية لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية وذلك بحجة حماية وتحرير المقدسات الاسلامية التي أصبحت شماعة لهذه الأخيرة. بل تشير تسريبات حديثة إلى محاولة دول اسلامية غير عربية متمثلة بباكستان وتركيا وإيران وماليزيا ومَن في دائرتها، لأخذ المبادرة من دول عربية بهدف عزل هذه الأخيرة والتوجه بالعالم الاسلامي لتشكيل منظمة اسلامية بديلة عن المنظمة القائمة حاليًا برعاية السعودية. وكلّ ذلك بسبب وجود تيارات معتدلة تسعى للتطبيع حفاظًا على الأمن الدولي والسلم الأهلي وتحقيقًا لمصالح عليا للمنطقة وبلدانها. وإن صحّت الأخبار، فهذا سيكون بمثابة توجه واضح وخطير يضع دول المنطقة في مواجهة "اسلامية عربية- اسلامية أجنبية"، ستزيد من الهوّة القائمة بين شعوب هذه الدول وحكوماتها. والخاسر الأكبر، سيكون الشعب الفلسطيني في نهاية المطاف الذي لا تنفكّ الدول والأمم بالتدخل في شؤونه والتحدث باسمه وفي تقرير مصيره بعيدًا عن إقامة الحكمة وإحكام الروية وطول الأناة بغية تحقيق سلام دائم وشامل بعيدًا عن أرباب المتاجرة بمصيره والمقاولين الكبار وفروخهم الثانويين في العالم الاسلامي وفي صفوف الشعب الفلسطيني نفسه من أمثال المنظمات الاسلامية والإخوانية المتشددة الممولة سواء من الصف العربي المشبوه لغاية الساعة أم من زعامات دول إسلامية أجنبية مثل إيران وتركيا تحديدًا. فعندما يكون القرار بيد الشعب الفلسطيني ذاته من دون تدخل في شؤونه ومصيره ومستقبله، سيجد حتمًا طريقه إلى السلام والرفاهة والتعايش المشترك ضمن سيادة دولتين جارتين تنعمان بالأمان والاستقرار. 
هذه هي الواقعية المطلوبة والعقلانية في الدبلومساية والإدارة الحريصة التي ينبغي البحث عنها في التعامل مع اسرائيل. فمن حقّ أية زعامة أو أمة أو دولة أن تبحث عن مصالحها العليا ومصالح شعبها من أجل إسعاده وتحقيق رفاهته بما تراه متوافقًا مع تلك المصلحة، وليس بالبقاء أسيرة مستنقع المقاومة الفارغة وما يترتب عليها من سمات الكراهية البربرية والحقد الأبدي والحروب والنزاعات والخصومات التي لا تنتهي. فالتاريخ لم يثبت أن أرض فلسطين كانت ملكًا لسواه دونه، مثلما هو العراق واية دولة أخرى. هذه مسيرة التاريخ والجغرافيا. شعوب سادت ثمّ بادت، وأخرى عاشت وتنقلت وتهجّرت ونزحت، ثم عادت وعاشت وتعايشت. هكذا هي حركة البشر والحجر. وستكشف الأيام صدق المطاوع ولوعة الممانع، كما  أنها لن تخفي لهفة المقاوم لدخول صفقة الواقع هو الآخر!




37
ثلاثيات العجب العجاب في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2020
للرقم ثلاثة (3) دلالات ومعاني في حياة الإنسان، تختلف تفاسيرُها  وضروراتها وحيثياتُها من شخص لآخر، ومن مجتمع لغيره وحسب الظرف الزماني والمكاني. كما يشكل الرقم "ثلاثة" أو مصطلحات "الثلاثية" أو "المثلث" أو "التثليث" في الحياة، رمزًا مقدسًا لدى أديانٍ وشعوبٍ ودول. فالقدماء من الساميين وشعوب سنعار (العراق قديمًا أو ما بين النهرين) كانوا يقدسون هذا الرقم. فآلهة البابليين هنّ ثلاث: "آنو" للسماء و"بعل" للأرض "وأيا" للمياه، كما تفيدُنا كتب التاريخ. وفي العهد القديم لدى العبرانيين اليهود، نشهد على تثليث أشخاص ورموز ذوي دلائل كانت لهم أهميتهم في تاريخ اليهود العبرانيين، ومنها معتقدهم بتكوين الكون من ثلاثٍ: السماء والأرض والبحار. كما أنّ المسيحية تقرّ بوجود الثالوث المقدس المكوّن من آب وابن وروح قدس كأساسٍ معتقداتي في إبراز إيمان مؤمنيها به، ويُستقى منها رموز ثلاثية كثيرة أخرى يعجز عن ذكرها القلم. وقد صاحب الرقم ثلاثة ومضاعفاتُه حياة السيد المسيح التي عمّر فيها 33 سنة، أي منذ ولادته حتى صعوده إلى السماء وبضمنها سنوات رسالته الثلاث الأخيرة من حياته التي أمضاها بين اليهود. وفي الإسلام نقرأ ذكرًا للرقم ثلاثة ومضاعفاتها في العديد من الآيات والعادات والممارسات السنّية، وفي ذكر اسم الله ثلاثًا في صلوات الاستغفار وما إليها من قَسَمٍ بالطلاق ثلاثًا للإشارة إلى انتهاء الرباط الزوجي بين الرجل والمرأة.  كما أنّ الكثير من الدول تعتمد ثلاثة ألوان في أعلامها التي تمثلها ويحترمها مواطنوها بشيء من القداسة والفخر والاعتزاز، إلى جانب اعتمادها شعاراتٍ ثلاثية لأهدافها الوطنية والقومية. فيما تشكلُ ثلاثيات الأهداف شعاراتِ العديد من أحزاب السلطة والدول والأمم في العالم وحتى لدى رجال السياسة، من قريبٍ أو بعيد.
ولكوني غير مختصّ برمزية الأرقام وما تمثلها لدى الإنسان من مدلولات ومعاني، طاب لي التطرق فحسب، إلى ما يشكله هذا الرقم في زماننا الأغبر في بلد عريق الحضارة والشموخ والعزة والكرامة مثل العراق، طيلة مسيرته التاريخية منذ بدء الأزمان. وبكلّ أسف وخيبة، لا بدّ من الإقرار بالحالة البائسة التي يعيشها العراق منذ سنوات عجاف وهو يتأرجح بين سكرات الاحتضار وتتالي الأزمات وتعاظم الفساد وأعمال النهب والقتل والاختطاف والتهديد والتدليس والإيغال في الخرافات والتهريجات وضياع الهوية وفقدان السيادة  منذ أكثر من سبعة عشر عامًا خلت، ولا تريد له جهاتٌ عديدة بل أعداءٌ كثيرون أن يتعافى وينهض من كبوته القاتلة بفعل فاعل.
 كلّ هذه وغيرُها كثيرٌ ممّا لا يتجرّأ قلمُ العاقل ولسانُ الحكيم وحتى المواطن البسيط الصادق بحسه وفكره، قولَه والتصريح به أحيانًا خشية ملاقاة الأذية والتصفية الجسدية كما حصل مع وطنيين أحرار وأصحاب فكر متحضّر وأرباب أقلام وطنية صارخة ضدّ الظلم والقهر والفساد وضدّ سياسة ديمومة السطوة غير المنطقية التي تفرضها أحزاب السلطة وأدواتُها المنفلتة. وبالرغم من الصحوة الوطنية التي أشعلتها الانتفاضة التشرينية في صفوف جموع المواطنين بجميع أطيافهم عبر ثوارها الأبطال والخالدين من شهدائها ومَن يتولون التنسيق في ساحات الكرامة والشموخ، إلاّ أنّ هذه الأحزاب المتشبثة بالسلطة بكافة رموزها الفاسدة المستنفعة التي خرّبت البلاد ومزّقت العباد لا تريد مغادرة سلوكياتها الهائمة في البحث المتكالب الدائم عن مكاسب ومصالح ومغنائم بالضدّ من إرادة الوطن والشعب المغلوب على أمره. ولعلّ واحدًا من التبريرات التي تتشدّق بها للبقاء في السلطة ما قدّر لها البقاء والإطالة في عنادها وإصرارها على مداومة أشكال الفساد والقهر والظلم، ما تنالُه من تشجيع ودعم خارجي مشبوه من دولة الولائية وما ترفده بها دلالات مثالية طائفية وعرقية ومذهبية بتغطية دينية مدلّسة ومتزلّفة في أغلب صورها. فيما هذه االصورة السلبية الأخيرة قد كشفت عورتَها مؤخرًا تصريحاتٌ وتسريباتٌ ومكاشفاتٌ من دواخل دهاليزها المتهرّئة ذاتها.
 وستأتي أيام، وهي قريبة بقوّة الإيمان بالوطن وأهله الطيبين، حين تنكشف أسرارٌ وتطفو رموزٌ ويُطاح برؤوسٍ كبيرة كانت السبب في بلوغ العراق وأهلِه مهالكَ الحياة ورزالةَ العيش وشظف القوت وغياب الرحمة وفقدان الهوية وضياعَ السيادة بعد استبدال كل إرثها الوطني بثقافة التبعية والولائية للغير الدخيل، مهما كانت قدرةُ هؤلاء وجبروتهم وسطوتُهم ودعمهم الولائي الخاسر في نهاية المطاف.

نونات العراق الطيبات الثلاث
اكتسب العراق شهرة عجائبية في "ثلاثيات نوناته" الجدلية، السلبية منها والإيجابية، التي لصقت بتاريخه وجغرافيته وأوضاعه السياسية منذ نشأته وعبر مسيرة حياة شعوبه متعددة الموارد والأديان والمذاهب والإتنيات، والملتصقة بثقافات هذه الأخيرة المتنوعة وحضاراتها المتأصلة في التاريخ. بعض هذه الثلاثيات "النونية" تعود لطبيعة موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية المتمثلة بنون "نهريه" الخالدين اللذين بدا عليهما آثار الشيخوخة والنضوب بفعل فاعل، وأخرى تتعلق بنون ثروته "النفطية" الريعية التي انقلبت عليه وبالاً ونقمة، واخيرًا، في ثالثتها التي تزيّن "نخيله" الجميل الباسق الذي عبثت به يدُ الحرق والدمار والتجريف لأسباب عدة منها الحروب الشرسة والسطو غير المشروع على البساتين وتغيير مجرى القنوات المائية بهدف قطع الحياة عن بساتينه الوارفة التي كان التمر العراقي يزدان بل ويزّين موائد سادة الدول وشعوب كثيرة في العالم بسبب تنوع أصنافه وندرتها وحلاوة طعمها الذي لا يُضاهى.
قبل ايام تناول شيخ الثقافة ونديم الصحافة العراقية حسن العلوي، أمدّ اللهُ في عمره، على صفحات جريدة الزمان ما تتمتع به بلاد الرافدين من خيرات غزيرات تبدأ أفضالُها بنونات ثلاث عامرات "نون النهرين، ونون النفط ونون النخيل" التي أنعمت بها السماء أرضَه لتقيتَ البلاد وعبادها والبشرية من ثمارها ومنتجاتها الطيبة وثرواتها الكثيرة ومياهها العذبة وخضرتها الوارفة. وكانت حسرةُ الرجل في مكانها حين وصفه ببلوغ مأساة العراق حدّ الإفلاس وخواء الميزانية لغاية عتبة الاستجداء بسبب ما يعانيه منذ سنوات عجاف من تخلّف في كلّ شيء، بدءً بغياب السيادة ونقصان الهيبة وخشية من إفلاسٍ متوقع وخوفٍ من أعمال سلبٍ ونهبٍ وسطوة غير مشروعة تحصل على أيدي ساسة البلاد وأحزاب السلطة وأدواتها. ناهيك عن زيادة في الفقر في صفوف العامة وتعطّل ماكنة الصناعة وتراجع في الزراعة والثقافة والعلم وخدمة المجتمع. فنوناتُه الثلاث العامرات الطيبات قد عطّلتها أيادي دخيلة على الوطن بفعل سياسة الفساد وإقطاعيات المحاصصة التي تتحكم بمقدرات البلاد بلا ضمير ولا وازع ولا خشية من السماء وخالق العباد، وهذه هي التي قصمت ظهر العراق وأعادَتهُ إلى قرون الظلام بدعم وتوافق دوليّ على بقائه في أسفل دركات الحضارة والتنمية والتقدم خشية من قدرة شعوبه متعددة الأديان والأطياف والإتنيات التي تشكل فسيفساءَه النادرة من أن تصحو من جديد وتقيم لها جبروتًا نهرينيًا خالدًا يليق بتاريخها الأثيل. فما في جعبة الطبقة المتسلطة الحاكمة من أنانية فاحشة ومن قهر وجهل وتبجّحٍ بالولائية الخانعة لدخلاء وأغراب من خلف الأسوار، قد كشف زيف ادّعائها بالولاء للوطن وخدمة الشعب، حيث أصبحت السلطة لديها تشريفًا وتبجحًا وسطوة ونهبًا وقتلاً وتهديدًا وليس خدمة وتكليفًا ومحبة بالشعب الباحث عن وطن مفقود ولقمة عيش شريفة ووظيفة محترمة وشارع نظيف ومياه عذبة صافية وأمنٍ واستقرار في البيت والموقع والشارع.
حقًا، صدق الشيخ الوطني بقولته الصحيحة حين محاججته ساسة البلاد بالقول: "من المعيب بل من العار ان يتقبل العراق اية مساعدة وكأنه الصومال، وقد وهبه الله ثلاث نونات، نون النهرين، ونون النفط ونون النخيل".
ثلاثيات جدلية أضرّت بالعراق
 يتحدث ساسةٌ أصبحوا خارج أروقة السلطة ومفكرون ومثقفون وحكماء قوم عن ثلاثيات أغلبُها جدلية ضارة وماكرة في حيثياتها ومخارجها السياسية والمجتمعية. فقد دخل العراق زمنَ مثلث السلطة الحاكم "الشيعي- السنّي -الكردي" الذي فرضه الغازي الأمريكي المتغطرس سيّدًا مطلقًا ولا أحد سواه بدل تأمين وتشويق الحسّ الوطني الذي يساوي في المواطنة والعدل في الحكم دون تمييز. كما أنَّ الظرف الاستثنائي الذي عاشته بلاد ما بين النهرين الخالدين منذ الغزو الأمريكي المقيت في 2003 والإتيان بطبقة سياسية دخلية وغريبة في معظم شخوصها ورؤوسها التي حطّمت ودمّرت وأنهكت وأضرّت بحياة شعبه، لا يمكن استمرارُه إلى ما لا نهاية. ولا بدّ للعبة "الأمريكية-الغربية-الإقليمية" أن تنتهي وتنهي مشوارها غير القويم الذي دنّست به سيادة البلاد وانتهكت حقوق العباد الطيبين في أصولهم النهرينية العريقة وحقهم بالعيش أحرارًا وطنيين في بلادهم وتحت ظلال خيمة عراقية مستقلة وليس غيرها. ولا بدّ لليلِ المثلث العاهر أن يزول وتنبلج أضواءُ نهارٍ عراقي جديد بشعور وطنيّ وحسّ نهرينيّ خالص في سومريته وبابليته وأكديته وعراقيته الحديثة التي جسّدها الحكم الملكي بأروع صورها في استقرار البلاد على عهده، وكانت فيها بوادرُ رائعة لمشاريع التحديث والتمدّن والبناء بفضل نزاهة حكوماته المتتالية حتى القضاء عليها في صبيحة 14 تموز الفاجرة التي نقلت البلاد إلى عهود جمهوريات الظلام وأدخلت مواطنيها في ثورات جنونية متتالية كانت ثمارُها العليا سكبَ أنهارٍ من دماء زكية كان يمكن استخدامُها لأجل البناء والتنمية وإصلاح البشر والحجر معًا، لولا غيلة السلطة والجاه والمال ومغرياتُها وأدواتُها القاتلة. فكلنا على دراية كافية بأن من يصنع سياسة البلاد ويرسم لها مواقفها ومنهاجَها أحزابٌ وأشخاص فرضها الحاكم بريمر بتمثلها بزعامات المثلث الحاكم "الشيعي- السني- الكردي" التي تتفق وتتوافق وتساوم وتتفاوض على تقاسم الكعكة أو ما تبقى منها. وهؤلاء، لكل منهم مصالحه الحزبية والطائفية والفئوية والشخصية. كما لهم مخاوفهم من أية نزعة أو ثغرة لتغيير مسار العملية السياسية ومنظومتها الفاسدة. فتغيير المسار والمنهج يعني من جملة ما يعنبه الخشية من فقدانهم دفة الحكم وما فيه ومنه من مزايا وامتيازات وثروة وجاه ونفوذ، وأخيرًا خوفهم من محاسبة الشعب إياهم على إساءتهم السلطة وتسليمهم البلاد للغريب الدخيل خنوعًا وخضوعًا وولاءً مشبوهًا.
من هنا، فإنَّ معظم شخوص نظام السلطة الذين قُدّر لهم الخروج أو الطرد من دهاليزها لا يتوانون بالحديث عن سلبيات تسلّط المثلث المحاصصاتي البغيض الحاكم منذ 2003، أحيانًا بشيء من الريبة والتورية والتدليس، واخرى علنًأ كشفًا للمستور وفضحًا للقائم من الواقع المشين أو تأنيبًا للضمير ونأيًا بالنفس عن المضرات والأذيات التي لحقت بالبلاد وشعب العراق الجريح حتى العظم. ولكن الجميع متفقون وبدون مواربة على سلبية هذا الحكم السلطوي الثلاثي الذي رسمه الحاكم الأمريكي الفاسد بريمر، وبه أوكلَ لكلّ حزب فاسد أو شخصية انتهازية دورًا للقضاء على ما تبقى من شبه الدولة العراقية آنذاك. وبالفعل، فقد أجاد الجميع ومن دون استثناء، أداء دورهم المرسوم لهم في تغييب سمة الولاء للوطن وكلّ ما يمكن أن يخدم طبقات الشعب المنهارة. وقد حصل ذلك من خلال خلق طبقة سياسية متسلطة على رقاب جماهيرها باستخدام أدوات الدين والطائفة والمذهب دعمًا لأجندتها الشاملة بتدمير ما تبقى من مؤسسات البلاد وتخريب نسيجها المجتمعي عبر إثارة نار الطائفية وجعلها منهجًا في الحكم والولاء وبالاتفاق مع دولة الولاء ذاتها تقاسمًا لأدوار السلطة ونهبًا للثروات وتركيع العباد.
ولعلَّ من الأمثلة المقبولة من هذه الترسيبات والتصريحات وليس الحصر، ما كشفته شجاعةُ أعلى سلطة رقابية سابقة في الدولة العراقية، متمثلة بالسيد عبد الباسط تركي، حين حديثه عن شيئ مخيف عن هذا المستور، بالرغم من معرفة الجميع وحديثهم عنه في كلّ زاوية وكل شارع وكل بيت. فقد صدق القولَ بكون أبواب البلاد مشرعة للاستثمار بشكل استثنائي، الا أن هناك "مثلث "موت سياسيّ قائم على قدمٍ وساق يضع العراقيل أمام نهوضه وتطوره الا وهو "الفساد والمحاصصة والعنف". وبحسب رؤيته الوطنية الصائبة، إنْ صدقت النيات، لا بدّ من توفر الإرادة السياسية لكسر أضلاع هذا المثلث الذي بات ضرورة للنجاح خلال المرحلة المقبلة.
إنها رؤية سليمة سياسية لا تتقاطع مع تصريح الخبير العسكري سرمد البياتي بوجود "مثلث" جغرافيّ مميت لا يقلّ خطورة عن أعمال القتل والترويع وعدم الاستقرار التي تشهدها البلاد منذ الغزو الأمريكي وما لحقها من مؤامرة احتلال دواعش قرون الجاهلية وسيطرتها على "ثلث" أراضي العراق وفرضها دستور الظلام في تلك المناطق الساخنة. وجميعُنا على دراية بمثلث الموت القاتل الذي يقع بين المحافظات "الثلاث" الساخنة لغاية الساعة، صلاح الدين وكركوك وديالى. فما تزال هذه المناطق تشهد اختلالاً أمنيًا وأحداث قتل وخطف وسلب من جهات خارجة عن القانون لها صلة بجيوب تنظيم الدولة، ما يصعب معالجتُها بسبب ضعف التعزيزات الأمنية للدولة وهزالتها الهشة وارتباط بعضها بهذه العصابات أو تسهيلها للقيام بعمليات نوعية بين فترة وأخرى إشعالاً للأحداث ولأجل خلق فوضى وإشغالاً للأجهزة الأمنية ونهيها عن السعي لإعادة الأمن والاستقرار وفرض هيبة الدولة التي تسعى لها حكومة السيد الكاظمي، بما عليها من ملاحظات بسبب تساهلها في هذا الخصوص، إنْ مراعاة لجهات آزرتها في تقلّد الموقع أو تحاشيًا لأي صدام مع جيوش ولائية غير خاضعة لقانون فرض هيبة الدولة وسيادتها على الأرض والحجر معًا، أو خشية من قيام صراعٍ وطني-ولائيّ لا تُحمد عقباه.
وقانا الله شرّ كيد أعداء العراق وحفظ أهلَه وأرضه وسماءَه ومياهَه، وأيّدَ رجاءَه بغد مشرق قادمٍ أفضل!
.

38
الانتخابات المبكرة في العراق وفرصة الخلاص المأمولة
لويس إقليمس
بغداد، في 10 آب 2020
ظلّ مشروع قيام انتخابات مبكرة مطلبًا شعبيًّأ طالما نادى به أبطال الانتفاضة التشرينية وضمنوه من بين شروطهم لإعادء شيء من اللحمة الوطنية العراقية ولأجل تعبيد الطريق نحو استواء العدل والاستقرار والأمن وفتح آفاق آمنة بإمكانية العودة لنهضة البلاد واستعادة كرامتها وهيبتها عبر تغيير مرتقب في طبيعة المنظومة السياسية المتسلطة. وكان من البديهي أن يلقى هذا المطلب منذ بروزه إلى سطح الحياة السياسية بعد التحقق والتأكد من فشل العملية السياسية برمتها منذ قيام سلطة الائتلاف لغاية يومنا، دعمًا متناهيًا لا حدّ له ممّن يسعون للتغيير الجذري في حياة العراقيين الذين ابتلوا لحدّ النخاع بطبقة سياسية اتضح أنّ جلّ همها وجزيل سعيها لم يكن سوى تقاسم الكعكة العراقية بين مقاولين كبار أجادوا لعبة الكراسي والسلطة بدعم من شريكين ماكرين: الراعي الأمريكي المتغطرس الحاقد على العراق وشعبه بكافة أطيافهم ومكوناتهم والماضي في استراتيجيته الفاسقة باستمرار تفتيت البلاد وتشرذم العباد بالتعاون والتنسيق مع حلفائه الغربيين الغادرين من ناحية والمساومة عليه مع غرمائه في المنطقة ومَن يدور في فلكهم من دول الجوار، والثاني من المحتل الفعلي الجاثم على صدره والقادم من حدوده الشرقية، لكونه صانع القرار الفعلي، وذلك بالتضامن والمساومة والتوافق في المنهج السياسي والسلوكى التدميري للبلاد مع راعي العملية الرئيسي.
بغض النظر عن الموعد الذي حدّده رئيس الحكومة العراقية من جهة ملائمته أو عدمها من ناحيتين اساسيتين، فالشجاعة فيه وافية بدء ذي بدءٍ، إذا استبعدنا العذرين التاليين: أولاً، بحسب بعض الفلكيين، لا يبدو الموعد متفائلاً أو إيجابيًا كثيرًا من ناحية تشكيل موعد تاريخ الانتخابات في 6/6/2021 رقم 8، وهو رقم غير مناسب للحظ، بحسب هؤلاء. وثانيًا، أعرب عدد من المهتمين بعدم ملائمته أيضًا من الناحية الطقسية، فالأجواء ستكون حارة أيضًا، ولن يكون من السهولة مواكبة الحدث من قبل جميع فئات الشعب بسبب ما قد تشكله هذه الصعوبة من معاناة في التنقل والوصول إلى مواقع صناديق الاقتراع بيسر وانسيابية.
نعود لمناقشة نقاط أساسية تمس قانون الانتخابات الذي لم يُقرّ لغاية الساعة ومازال يدور في دهاليز مجلس النواب. فالواقع بحسب اعتقادنا يشير إلى تأرجحه بين أيدي خبراء ومقاولي أحزاب السلطة كي يتناغم في صياغته الأخيرة مع رغباتهم ووسائل سطوتهم من جديد على حركة الناخب باستخدام قدرات الدولة التي تسهل لهم الحركة والتأثير في الناخب وعبر استغلال المال الحرام في الإقناع والتهديد إن لزم الأمر، كما حصل في سابقات المسرحيات، فكانت النتائج فضائح انتخابية مكشوفة بالصوت والصورة. وليس مستغربًا أن تلجأ أحزاب السلطة ومَن يساندها إقليميًا ودوليًا بدون حياء ولا خجل، إلى التلاعب بطبيعة الدوائر الانتخابية وتشكيلها، هذا في حالة إقرار نظام الدوائر المتعددة مناطقيًا، وهو الأكثر قربًا لضمان وصول مستقلين أو أحزاب صغيرة لها خلفيتُها المجتمعية ومريدوها وأتباعُها في مواقع عديدة من محافظات البلاد إلى قبة المؤسسة التشريعية التي بقيت رهينة بأيدي الكتل الكبيرة من مقاولي أحزاب السلطة بمثلثها الفاسد. هناك مَن يسعى لخلق العراقيل الفنية أمام مفوضية الانتخابات بحجة عدم تطابق أعداد الناخبين في الدائرة الانتخابية الواحدة مع ما هو مطلوب في صلب القانون. وهذا عذر لا ترى فيه المفوضية وخبراؤُها عقبة كبيرة من حيث قدرة وزارة التخطيط على المناورة في تحديد وتقريب أعداد الناخبين ضمن المراكز الانتخابية المتجاورة لحلّ هذه الإشكالية. أي بمعنى آخر، لن تشكل هذه المسألة مشكلة في تسهيل تحديد الناخبين في المراكز الانتخابية التابعة للدائرة الانتخابية ضمن المحافظة التي تتبعها بحجة عدم وجود إحصاء سكاني. وواضح أنّ القصد من وراء هذا التأخير أو الإرجاء هو لكسب الوقت والتمديد للمجلس النيابي الحالي حتى انقضاء ما تبقى من فترته التشريعية الفاشلة أصلاً. فالانتخابات ستجري في وقتها، وليكنْ ما يكون رغم أنف المعترضين والرافضين!
لا تسلبوا كوتا الأقليات
وهنا لا بدّ من التذكير بضرورة إيلاء كوتا المكوّنات القليلة العدد (الأقليات) ما تستحقه من اهتمام ورعاية خاصة بحيث لا تفقد قيمتها المرسومة لها من حيث تمثيلها الحقيقي لمكوّناتها. وهذا يستلزم رفض القبول باستمرار وضعها في موقع الوصاية من أطراف الكتل الكبيرة والأحزاب التي بسطت هيمنتها على إرادتها بمصادرة صوتها بشتى الوسائل الجهنّمية، تارة بحجة حمايتها واخرى بجرمٍ أكبر من العذر المفضوح بانتمائها إلى صفوفها المذهبية أو العرقية أو القومية أو الدينية. وهذا من الفواحش في السياسة غير الآمنة التي تتبعها أحزاب السلطة سعيًا حثيثًا ودائمًا لفرض سطوتها على المكوّنات الضعيفة التي تحتمل وتتقبل التطفل على موائد الأسياد "المقدَّسين" زورًا وبهتانًا. من هنا ينبغي على من يجد في نفسه الكفاءة والجدارة والقدرة على تمثيل أبناء "الأقليات" أن يتجنب التنازل عن الحق المشروع لصيانة أصوات الناخبين من أبناء الأقليات واستغلالها في مكانها الطبيعي من دون تطفل ولا خنوع ولا خوف ممّن يدّعي تأمين الحماية له، مرشحًا أو ناخبًا. ولو خيروني بالتمني لأي موقف أنساق إليه، لناديتُ بأعلى صوتي برفض هذه الكوتا المهينة والقبول بصوت الوطن والمواطنة خيارًا في اية انتخابات قادمة. فالوطن حين يستفيء تحت ظلاله الجميع، يدرك شعبُه قيمته العليا ويصطف مع مصالحه الأساسية ويميل لكلّ شيء وكل مشروع يتألٌّقُ فيه وطنًا من الجميع ولأجل الجميع اينما كانوا وارتحلوا.
خطوات وإجراءات للتقليل من التزوير
ما يُخشى منه، أن تفشل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي حصل تشكيلُها بطريقة مشكوك بها وغير مقبولة من أشخاص قريبين بل مفروضين أو تابعين أو موالين لزعامات حزبية وكتل سياسية تمكنت في حينها من السطوة على مقدرات هؤلاء ومَن يؤازرهم من موظفين تم تعيينهم في هذه المفوضية، في تحقيق مهمتها بطريقة نزيهة خالية من التزوير بسبب التأثيرات الخارجية والمحلية من أصحاب النفوذ والمال والسلاح المنفلت. وفي هذه الحالة المريبة، لا بدّ من الاستعانة بخبرات دولية ومدّها بمراقبين لا يخشون في الحق لومة لائم شريطة أن يدير هؤلاء العملية برمتها، من ألف باء استقبال طلبات الترشيح، لغاية تهيئة الدوائر الانتخابية وتحديد مراكزها والسهر على مسارها بسلاسة ومن دون ضغوط وتهديدات لغاية تجميع صناديق الاقتراع ومصاحبتها شخصيًا إلى مواقع مأمونة بإشراف دوليّ أيضًا والبدء فورًا بفرز الأصوات تحت إشرافهم وإعلان النتائج باسرع ما يمكن تحاشيًا لتدخلات سافرة من قبل جهات أو أحزاب أو اشخاص ذوي تأثير ديني أو مذهبي أو حزبيّ أو فئوي.
هناك حلول فنيّة ولوجستية اقترحها أصحاب الشأن وخبراء المعلوماتية من شأنها أن تقلّل كثيرًا من حالات التزوير المتوقعة. ومنها وليس وحدها، إتمام مشروع الحوكمة الالكترونية واستنفار دوائر وزارة الداخلية لإتمام مشروع البطاقة الموحدة فيما تبقى منه في محافظات البلاد والذي من شأنه أن يحدّ من إمكانية التزوير باعتماد بطاقة الناخب الرسمية التي تمثل هويته التي لا تقبل الجدل والتلاعب. فالحوكمة الالكترونية تعدّ المفتاح الأول لإدارة الدولة. وإذا ما سعت الجهات الرقابية في الحكومة ممارستها وفرضها في تأمين بطاقة الناخب وفرز الأصوات والتحقق منها جميعًا، فستكون كفيلة بالتقليل من أدوات التزوير التي شهدتها الانتخابات السابقة جميعًا من دون استثناء. وهذا ما يراه العديد من خبراء المعلوماتية الحريصين على تحقيق الهدف المنشود من إقامة هكذا انتخابات مبكرة . ومن الجدير ذكره، هناك مَن بادر من العراقيين الأكفاء في هذا المجال ومن الطيبين من أمثالهم بالتطوع لتحقيق الفكرة وتقريب الأدوات التي تؤمّن المشروع الذي ينتظره جميع العراقيين بكافة انتماءاتهم، باستثناء أحزاب السلطة بطبيعة الحال الذين يخشون الفشل واحتمالية فقدان أشكال التأثير الذي كانوا يمارسونه في السابق في صفوف البسطاء باستخدام غطاء الدين والمذهب ورجاله من المزمّرين والمطبّلين بغية إبقاء المنظومة الحاكمة ما شاءت يد السلطان وأمرت الأسياد ونادت به العمائم الناشزة والزائغة عن الحس الوطني.
إنّ التصريح الصادر عن مكتب رئيس الوزراء بخصوص تشكيل فريق خاص لإعداد خطة خاصة لاجراء الانتخابات المبكرة وفق المعايير الدولية فيه نكهة من الشعور بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على رئيس الحكومة وفريقه الوزاري والاستشاري الجديد، من خلال ضمان رؤية مماثلة وجادّة من جهتي رئاسة الجمهورية والبرلمان على السواء. فالعقبة الكبيرة تأتي اليوم من نواب الشعب الذين يخشون الاستبعاد والابتعاد عن المشهد السياسي بفضل صحوة الشعب المغلوب على أمره والذي مازال يعاني من الاستخفاف به والضحك على عقول عامته ومن إهمال واضح بحاجاته وضروراته اليومية، فصار يعيش في وادٍ وممثلوه في وادٍ آخر لا يتلاقيان ولا يتفاهمان إلاّ حين تستعر نيران الطائفية والمذهبية والعرقية حيث تصفى النوايا ويجتمع المختلفون خوفًا من فقدان الحكم والمنصب والمال الحرام والمكسب غير المشروع من صنبور شبه الدولة الذي كاد يفرغ ويجفّ. وهنا الطامة الكبرى، إذ يطغى الدين والمذهب والمكوّن على مصالح الوطن العليا وتتشابك مصالح أرباب السلطة مع المنتفعين والطفيليين والمستغلين وصولاً لتثبيت أركانهم كلّما دنت ساعة الخلاص منهم ومن أعمالهم الشريرة غير الوطنية وغير الأخلاقية في عالم السياسة والإدارة حين تطغى السياسة القذرة على الإدارة الرشيدة الحديثة لدولة تحترم نفسها وشعبها. فالإدارة الرشيدة المحتكمة إلى الحكمة والولاء للوطن والشعب دون غيرهما، وبما فيها ولها من عناصر القوة في فرض هيبة الدولة وضمان السيادة في استقلالية حقيقية للبلاد، لا يمكنها أن تقبل بتفوّق أو تقدّم السياسة الخادعة عليها. وهذا هدف كلّ إدارة حديثة إيجابية تضع نصب أعينها استغلال الكفاءة الوطنية في خدمة الاقتصاد ووضع الخطط الاستراتيجية التي تضمن وتساعد للتخلّص من السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة الفاشلة.
تفاؤل بحذر
إنّ ما يزيد التفاؤل بإمكانية إنجاز هذه الانتخابات وخوضها بطريقة مغايرة عن سابقاتها، وجود الإرادة الشعبية والوطنية التي تطالب أيضًا من جملة مطالبها بتأمين بيئة إيجابية مستقرة آمنة مرنة وغير مقلقة من تأثيرات أطراف الدولة العميقة التي تعبث بمقدرات البلاد بكل سهولة ويسر وبحركة سلبية تخشى أجهزة الدولة القائمة التعرّض لها ، بسبب التهديد الذي يمكن أن تشكله مع كلّ مّن يتقاطع مع الرغبات الفئوية لهذه الأخيرة ومشاريعها الولائية. فمسألة فرض النظام بكلّ صرامة حفظًا لهيبة الدولة وتقديرًا لقدسية المشروع المصيري، وتأدية المهام الموكلة كما ينبغي لأية جهة مسؤولة عن فقرة من فقرات هذا المشروع، هي الرهان على نجاح العملية الانتخابية القادمة، في حالة سارت الأمور كما ينبغي وطنيًا وشعبيًا وأخلاقيًا بعيدًاعن تأثير الفاسدين والمتطفلين والدخلاء والمارقين. ناهيك عن تنامي الوعي لدى طبقات الشعب المسحوقة المتأثرة لغاية الساعة بتعظيم الأشخاص وتمجديهم وعدّهم أساطير لا يمكن المساس بها، بل وممّن يعدّهم الدخلاءُ ضمن المقدسات بفعل تأثير الوازع الديني والمذهبي والعرقي. يضاف إليها، حاجة المواطن لقائد وطني يعي مسؤولياته الوطنية قبل أية مصالح أخرى بحيث يكون قادرًا لوضع حدود مقبولة ورادعة للزعامات الاستغلالية التي تهيمن على المشهد السياسي من غير وجه حق. وهذا وحده كفيلٌ بمغادرة ثقافة تقديس الأفراد وإعلاء صوت الوطن المفقود منذ أكثر من 17 عامًا والذي يبحث عنه العراقي في كلّ شبرٍ من أرض الفراتين، ويجسده اليوم شباب الانتفاضة في ساحة التحرير والحبوبي وأم بروم والنجف وكربلاء والمثنى وغيرها من الساحات الفرعية المتناثرة في المدن والمحافظات الثائرة.
    أمّا مَن يدعو لمقاطعتها بحجة المقاومة التي أصبحت اسطوانة مشروخة أو بحجة عدم اكتمال مشروع إخراج القوات الأمريكية التي أتت بساسة المفاجأة إلى الحكم نكاية بالنظام السابق، فهو شرّير وماكرٌ مدفوع الثمن يرتبط باجندة خارجية مشبوهة، ويسعى سعيًا لإجهاض أي توجه بتغيير العملية السياسية ومنظومتها الفاشلة جذريًا. وهذا هو الهدف الأسمى الذي يترقبه الشعب ونخبُه السياسية والاجتماعية والمنظماتية والاقتصادية الواعية المجبولة بحب الوطن والإيمان بقدرة أبنائه البررة الطيبين على استنهاض الهمم وإعادة النسيج المجتمعي وتنميته وتقدمه وتطوره في المسار الصحيح له باستخدام موارده الكثيرة التي لا تنضب أفضل استخدام في ظلّ إدارة سياسية متطورة ناجحة. وسيبقى الرهان على نجاح الانتخابات القادمة وتحقيق الهدف المنشود منوطًا بسعة التوجه لصناديق الاقتراع وكثافة المشاركة مضمونًا بحُسن تقدم مرشحين أكفاء ذوي خبرة ووعي ورؤية سديدة ترفع راية الوطن عاليًا خاليًا من الولائية للغير الغريب، وتتوجه لخدمة الشعب شرفًا. 
وللمزيد من الحيطة والتحذير من مغبة استغلال زعامات الأحزاب الحاكمة لسطوتها وتأثيرها  في العملية الانتخابية القادمة،لا بدّ من الانتباه لسلوكيات مشبوهة قد تشوّش على مسار هذه العملية ونتائجها المؤمّلة وتأتي بوجوه لا تختلف عن سابقاتها في فرض ذات المبادئ والأغراض التي تديم منهج المحاصصة وتقاسمَ السلطة وفق المكوّنات الطائفية التي لا يمكنها أن تصنع دولة حقيقية ذات سيادة تحكمها الوطنية قبل أي مصلحة أخرى. فقد تسعى الكتل والأحزاب الحاكمة للمقاربة والتماهي مع انتفاضة الشارع واستغلال شخوص الثورة التشرينية بزجّ عناصرها في صفوف أحزاب جديدة وبمسميات متعددة للظهور بملاءة مختلفة من حيث الشكل بهدف تبيان تعاطيها وتماهيها مع مطالب الشارع ونداءات النخب كسبًا لأصوات الناخبين وتشويهًا لحقيقتها المزيفة. وقد بدأت أولى بوادر هذه السلوكيات تظهر على الملأ بالإعلان عن تشكيل أحزاب جديدة متبرعمة عن أصولها الفاسدة، إلاّ ألّلهمّ في حالة سلمت النيات وقادت مثل هذا التوجّه نخبٌ وطنية مستقلة "أقحاح" تضع نصب أعينها مصلحة الوطن وتتمتع باستراتيجية حقيقية واضحة في إدارة البلاد اقتصاديًا أولاً وقبل كلّ شيء، ثمّ سياسيًا وعلميًا وتربويًا واجتماعيًا وعمرانيًا وصناعيًا وزراعيًا بعد أن أفسدت الأحزاب منذ 2003 هذه السمة الوطنية بمنهجها المحاصصاتي الفاشل الذي أوقع البلاد ومؤسساتها في فساد أكبر من أن يتصدى له ما تبقى من الدولة نفسها. بل إنّ إشارات تسقيطية مشبوهة لإعادة رصّ الصفوف وسط الكتل والأحزاب القائمة الحالية تساهم فيها فئات تسعى لإثبات القدرة على تولي السلطة، قد لاحت في الأفق قبل أن يتمّ تأكيد إقامة هذه الانتخابات بسبب ما يشوب العملية السياسية من غموض في مسائل عديدة، ومنها ما يتعلّق بتوجهات سياسية جريئة في منهج الكابينة الوزرارية الحالية التي تُعدّ مغايرة لما في جعبة أحزاب السلطة وزعاماتها الولائية لدول إقليمية طامعة.
ومهما حصل، فالتغيير الجذري مطلوب بهدف انتشال البلاد من هوتها السحيقة ونجاتها من براثن الفساد الذي طغى وطفا، وكبّل البلاد ورهنها بيد الأغراب عنها، وسرق العباد وأهانَ الوطن وحصر العلمَ وحدّ من الفكر وسلب حرية التعبير وسيّسَ القضاء لصالح الطبقة الحاكمة ومصالحها. وما أكثر الحديث في هذا الصدد. فالحديث فيه ذو شجون، والتفاؤل به في غاية الحذر! والفرصة مؤاتية، فلا نضّيعها!

39
لبنانُ لو خيّروهُ اليوم لاختارَ فكرَ بانيهِ
لويس إقليمس
بغداد، في 5 آب 2020
احترقت بيروت يوم الثلاثاء 4 آب 2020، كما أرادَ لها أعداؤُها من خارج البيدر العربي القحّ والحاسدون لدارها الوطنية الآمنة في الفكر والسلوك والأخلاق والإنتاج والمرح والثقافة والأنس والتحرّر بكلّ رموزها وأيضًا في رمز أرزها الشامخ. أحرقوها بالأمس بمواد قاتلة لم تبقي ولا تذر، فأدمعتْ لها عيونُ أهلها وأصدقائها ومحبيها دمًا مصحوبًا بمرارة العلقم على ساكنيها وقاصديها ولاعبيها وشاغليها ومؤنسيها. ولا عجب في تجدّد مثل هذا الفعل القبيح في الزمن المعتم العقيم. فقبلها حديثًا وليس قديمًا، أحرقها أعداؤها زمنَ الحرب الأهلية القاتلة في نيسان 1975 وأصبحت موقدًا مشتعلاً لسنوات، حين دخلها الزؤان الفلسطيني عنوة لإحداث تغييرات ديمغرافية في خارطتها السكانية والجغرافية والسياسية بفعل فاعل. ونظرًا لتشابك المصالح وتقاطعها بحسب الظروف وشكل الضغوط وتبادل الأدوار، لم يتوانى الغرباء والدخلاء من تكشير أسنانهم على تركيبتها السكانية المعقدة طيلة تلك الحرب الضروس، ومنها ما يتعلّق بتركيبتها التقليدية المسيحية المتميزة بهدف إنهاء دور هذه الجماعة المتسيّد تاريخيًا وعصريًا وثقافيًا وسياسيًا وسكانيًا. وهذا ما حصل حين اضطرار الآلاف من اللبنانيين ومنهم المسيحيين بخاصة لاختيار الهجرة والاغتراب في بلدان المهجر المتعددة سبيلاً للوقاية والنجاة من هجمات الأعداء الذين كثروا وتكالبوا آنذاك داخليًا، وزادوا شكيمة وعزيمة وقهرًا وكيدًا بدفعٍ من تدخلات خارجية إقليمية ودولية سافرة. وإني لا أعتقد بفظائع أتعس وأشدّ ممّا أذاقه النظام السوري لاحقًا لهذا البلد حين تيسر لهذا الأخير احتلال لبنان وإحداث تغييرات في تركيبته السكانية وفرض إرادته السياسية على الفرقاء لحين انقشاع الغيمة قليلاً لفي وقت لاحق.
لعلّ ما يثير الدهشة والحيرة، أنه ما أن حطت الحرب الأهلية المدمّرة أوزارها حتى تراجعت القهقهرى جميعُ الميليشيات المتحاربة بموجب اتفاقات دولية وإقليمية، ماعدا ميليشيا حزب الله التي أصبحت تتنامى على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي والإقليمي وبدعم خارجي معهود، وربما حتى من الغرب "الكافر". ولا أحد كشفَ السرّ الغامض وراء تلك الخطوة الماكرة. فهل جرى التخطيط مذ ذاك التاريخ للبدء بزرع بذور فاسدة لإمارة مذهبية شيعية وسط بقعة جميلة مثل لبنان لم يعرف شعبُه المتآخي سوى المحبة والأمل و اسلوب عيش ثقافة الحرية والجمال والفكر والطرب والأنس بهدف استبدال كل هذا الإرث وهذه الثقافة بنظام محاصصاتي لتخريب البلاد وتدميرها من خلال خلق بؤرة جدلية مشبوهة مليئة بالمتفجرات والعثرات والسفاهات؟ ولصالح مَن كلُّ هذا التسفيه والتدمير والخراب؟ ولماذا يرفض ساسة لبنان سماع صوت الحق الحكيم المطالِب بتبنّي سياسة الحياد الإيجابي الذي من شأنه الحفاظ على سيادة البلاد واستقلاليتها وتحصين أرضها وسمائها وترابها من اية تدخلات خارجية تنوي دقّ الأسفين بين الفرقاء السياسيين وتحمي البشر والحجر معًا من أية مساعي أو محاولات للنيل من تركيبة البلاد الدينية والإتنية والثقافية والحضارية والمجتمعية؟ أسئلة كثيرة تنتظر الردّ والتحليل والتفاهم.
إنّ ما يتداولُه النشطاء وتتحدث به وسائل إعلام محلية ودولية يثير الريبة والخوف من تفاقم غول ميليشيا حزب الله في لبنان، والذي أصبح ومنذ سنوات يُحكم قبضته على مداخل العملية السياسية ومغالقها برمتها ويُحرّك الأحزاب المتشاركة معه كبيادق قابلة التغيير والاستهداف والتطويع بحسب مصالحه وتنفيذًا لأوامر الأسياد بإحكام السيطرة على ما يُسمّى بالهلال الشيعي قابل التوسّع والتعاظم ضمن سياسة الجارة الشرقية. فإذا كان ما تردده وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وما تكشفه القنوات الفضائية والتقارير الإخبارية المتنوعة من معلومات من قلب الحدث صحيحًا ويشكل واقع المشهد السياسي الراهن، فإنّه من دون شكّ يُحصى ضمن سياق الهيمنة الانفرادية على مقاليد السياسة برمتها. وهو أمرٌ في غاية الخطورة عندما لا تتوانى مثل هذه الوسائل المتشعبة عن الحديث في هذه الأيام علنًا عن سطوة ميليشيات حزب الله على الإرادة السياسية للبلد والشعب ومنها بطبيعة الحال مصالحُه الإقليمية ومنافذه الحدودية الجوية والبحرية والبرية، ما يجعل هذه الميليشيات تتحكم انفراديًا بما يدخل ويخرج منها من دون رقابة حكومية ولا عين وطنية. وهذا يتطلب وقفة وطنية جريئة من شعب لبنان وسائر مكوّناته المتهالكة التي أعيتها سياسة المنظومة الحكومية المحاصصاتية القائمة التي لا تقلّ فسادًا عن نظيرتها العراقية التي تتحكم فيها ميليشيات مماثلة بمقاليد السلطة والثروة والسياسة بذات الطريقة. فالمنظومة السياسية المحاصصاتية التي أتى بها الغازي الأمريكي في العراق وفرضها قسرًا في سياسة البلاد ومنظومتها التحاصصية المستنفعة لا تختلف عن نظيرتها التي كرستها آنذاك مقررات الطائف والدوحة وغيرها من التوافقات السياسية الداخلية التي لم يُكتب لها ديمومة التواصل بسبب تقاطع مصالح أحزاب السلطة والدول التي تقف وراءها، فيما الشعب كان هو الضحية كالعادة ولم يحصد من وراء نلك السياسات سوى الخيبة والقهر والظلم والفقر وسوء الخدمات وتحمّل فساد السادة وتتالي فشل الحكومات .   
لمذا احترقت بيروت؟
بين بيروت وبغداد مساحات شاسعة من التفاهم والعشق العربي الخالد. فبيروت حقًا، هي صاحبة الفضل في إشاعة ثقافة الجمال والانفتاح في صفوف نظيراتها العربيات، إلى جانب تشغيلها وبجدارة ماكنةَ الثقافة والمعارف ليتذوّقها القارئ النهم في الوطن العربي والعراق بشكلٍ خاص بشيء من الشوق والامتنان والغيرة. وبيروت أيضًا، هي التي أتاحت ل"بلقيس" بنت العراق، بنت العرب وحسناء السفارة العراقية الغوص في متاهات السياسة التي حسبتها نظيفة. لكنّ يد الغدر طالتها مع مجموعة وطنية بريئة، فأسقط هؤلاء بجريمتهم النكراء كلّ حلاوة ذلك العشق السرمديّ بين بغداد وبين حسناء العراق حين سقط جسدُها الغضّ مضرجًّا بالدماء الساخنة وضاعت ظفائرُها الجميلة بين طيات غبار التفجير الإجرامي. وقد جسّد الشاعر السوري زوجها المفجوع نزار قباني هذه الجريمة في أروع قصيدة أبكت الملايين إلاّ السفهاء. وتلكم جزء من المقارنة والتشبيه بما يجري ويحصل غبّة تلك السنوات العجاف بين العاصمتين المنكوبتين حيث لا يريد الدم أن يجف بسبب ذات الأدوات وذات الفكر الإيديولوجي القاتل المعوجّ. فالأيادي هي هي ذاتُها التي تتحرّك وتهدّد وتقتل وتبطش بالأحباب وتُهجّر البشر وتغتال أناسًا آمنين بكلّ خيلاء وتفاخر وعجرفة وتبجّح.
حين غرقت بيروت في حربها الأهلية وروت أرضها دماءُ الأبرياء الزكية تحت أمرة زعماء الحرب من سائر مكوّناتها، فقد كانت حربًا طائفية بامتياز. أمّا المقصود بها فكان بلا شكّ تقويضُ أركان أهمّ مكوّن وطنيّ كان يدير تقليديًا شؤون البلاد بفكر غربيّ منفتح ومتطور ممزوج بعروبة وطنية لا لغطَ فيها. فكان أن تكالبت على هذا المكوّن الأصيل يدُ الفرقاء السياسيين في الداخل بتأثير دول الجوار التي تختلف في دينها عن دين الأغلبية المسيحية المحسوبة على الغرب ظلمًا آنذاك، فيما واقعُ هذا الأخير كان يفصح عن علمانيّة واضحة لحدّ الكفر واللاّأدرية والتجاهلية لكلّ ما يمتُّ بصلة للمسيحية والكاثوليكية بالذات. وظلمًا انبرى نفرٌ ضالٌّ في حينها ومازل البعض على ذات الاسطوانة من أمثال أصحاب بعض الأقلام المتطفلة والقنوات المشبوهة بتبيانه للناس هذه الأيام افتراءً. ولم تنفع معها حكمة الشيوخ ولا نداءات الدعاة محبي السلام ولا تحذيرات خبراء السياسة الذين حذروا من القادم الأخطر القاتل. وها قد وقع المحذور وأخذت الجريمة طريقها للتنفيذ الفعليّ حين اضطرّ الآلاف من ابناء الطائفة المسيحية أكثر من غيرها للهجرة وترك البلاد تحت تأثير المدّ الإسلامي والطائفي الذي تبنته آنذاك دول الجوار وأطبق عليه صمتُ الغرب "الكافر". ألا يكفي ما حصل من مآسٍ لهذا البلد الصغير المتآخي لسنوات كي يدخل من جديد في متاهات السياسة الجاهلة التي أغرقته في دماء بريئة وأزمات متتالية وآخرها ما اصابه من دمارٍ لا يقلّ في شدّته وأذيته ودماره عمّا فعلته القنبلتان النوييتان في كلٍّ من هيروشيما وناكازاكي على السواء؟
حسدوكِ يا بيروت
يبدو أنّ اكتساب لبنان صفة سويسرا الشرق مصرفًيا واقتصاديًا ونيلها استحقاق سمة باريس الشرق موقعًا وحدثًا وثقافةً ومجتمعًا ومناخًا وديمقراطية قد أغاض الكثيرين ممّن استكثرها عليه بسبب طبع المجتمع اللبنانيّ المنفتح عامةً بوشاح وطنيّ متحضّر أقرب إلى الغرب المتقدم في العديد من جنباته وسلوكياته ورؤاه للأحداث وقرب هذه السلوكيات للإنسان المتحضر. كما أصبح لبنان من دون مواربة ولا تدليس ذلك الملاذ الآمن للهاربين من جحيم الأنظمة العربية المتخلفة التي تدير سياسة بلدانها بجهلها الذي علتْ راياتُه كثيرًا واستنفذت حيلَها ومكرَها وكذبها المتواصل على شعوبها التي كلّما اقتربت هذه الأخيرة من إحكام الطوق على الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكمها، تقوم أحزاب السلطة الحاكمة بفتح نوافذ جانبية للتملّص والحماية بهدف الوقاية من غضب شعوبها باستخدام أقصى حركات المكر السياسي المصحوب بأدوات الدين والطائفة والمذهب وبحجة الخشية والخوف من فقدان المكاسب ضمن هذه الخانات التي أصبحت لعبة بايدي ساسة الصدفة في بلدان مثل العراق ولبنان والسودان واليمن وسوريا والبلدان المغاربية كما هي الحال هذه الأيام. فالطبقات الحاكمة في هذه البلدان نموذجًا، بقيت تراوح مكانَها من دون إشارات أو نوايا حسنة للإصلاح، بل فعلت كلّ ما بوسعها للحفاظ على منهجها ومنظومتها السياسية بعيدًا عمّا تتطلبه إرادة الإدارة الصحيحة والحكم الرشيد الذي يرضي الله والإنسان معًا. 
ولعلّ أحد الأسباب المهمة التي أتت بالغضب المتساوي المتتالي على بلدان المنطقة وشعوبها يكمن في فشل هذه البلدان بإدارة شعوبها على أسس موضوعية وإنسانية تتوافق مع العصر والفكر الإنسانيّ المتجدّد الذي يقرّ بكلّ المعايير العليا للإدارة الرشيدة في موضوع الإباء والنزاهة والتكليف والخدمة وليس في التشريف واستغلال النفوذ والسطوة والنهب والبطش ضدّ كلّ مختلف عنها في الرأي والفكر والمنهج. فالمقياس الأساس في الحكم الرشيد الصحيح المقبول ينبغي له الابتعاد كثيرًا عن اي انزلاق في متاهات جانبية لم تعد مقبولة لا تغني ولا تسمن مثل أدوات الدين والمذهب والطائفة والمكّون. فالذي ينبغي أن يحكم أولاً هو الوطن، وقانون الولاء له وليس لسواه هو الأجدر بالسير في إثره كي يقدسه المواطن الصادق وليس الانجرار جهلاً وعبثًا وراء تقديس الأفراد والأشخاص ورفعهم إلى قامات القدسية التي لا تقبل التكذيب والطعن حتى لو ضاع في مفهومها حقُ المستضعفين ولحقَ الفقرُ والموتُ بالطبقات الفقيرة التعبانة التي أنهكها أصحاب القامات المقدسة بالدجل والخبث والضحك على ذقون الفقراء والبسطاء والبائسين. وما أكثرهم هذه الأيام.
واليوم، من حق شعوب المنطقة أن ترتفع أصواتُها صارخة بملء أشداقها مطالبة برحيل الطبقات السياسية الفاسدة في بلدان أشبعتها هوانًا وكذبًا ودجلاً ونهبًا وسلبًا للثروات ولحرية الرأي. ومن المعيب بل من العار تركُها تُحكم قبضتها الحديدية على مقاليد السلطة وتشبثها غير المشروع بالحكم، طالما رفضتها شعوبُها الثائرة وعبّرت عنها في ساحات الشموخ والكرامة. فالمطالبات برحيل ساسة الصدفة ومغادرة الطبقات الفاسدة الحاكمة في كلّ من لبنان والعراق وسوريا لهي خيرُ دليل على حق شعوب هذه الأوطان بالعيش الرغيد والسلام والأمان في ظل حكومات عادلة ترسي المحبة والمساواة والعدل في سلوكها ودساتيرها وقوانينها الوطنية القريبة من مشاعر وحقوق الشعب وطموحاته المشروعة.
أخيرًا يا بيروت الجريحة وليس آخرًا، لا بدّ لليل البهيم أن ينجلي وللظلم أن ينزوي والظالم أن ينال قسطه من العقاب في الدنيا والآخرة. ويقينًا شوقُك يتوق لبانيكِ ومهندسكِ وراعيكِ. فاسمحي لي أن أشارك أهلك الحزن مع أهلي وبلدي وأرثيك وأبكيكِ كما رثاك وبكاكِ الكثيرون. فما اشبه اليوم بالأمس حين رثاك شاعر العرب الفطحل الجواهري بأبيات مؤثرات، لعلَّ بغدادَ تتعظ من مصابك الجلل وتطرد مَن أبكاها هي الأخرى وأحالَ نهارَها ليالي مظلمات ظالمات:
 جللٌ مصابُك يا بيروتُ يبكينا         يا أخت بغداد ما يؤذيكِ يؤذينا
 ماذا أصابك يا بيروت دامية           والموتُ يخطف أهليكِ وأهلينا
 يا جنّة الشرق يا حسناء غانية       قد كنتِ بالأمس موسيقا وأغانينا
 عضّي على الجرح يا بغداد صابرة      بيروت تعرف ما فيها وما فينا
     عضّي على الجرح يا بغداد واتعظي     مَن أحرق الأرز لن يسقي بساتينا


40
متى يكون الوفاء واجبًا؟
لويس إقليمس
بغداد، في 23 تموز 2020
لا شيء أسمى وأرقى وأروع من الوفاء لأربعٍ أساسيات في الحياة: الوطن الذي يحتضنك بين جناحيه ويحيطك في أفياء خيمته الوارفة ويطعمك من ينابيع نعماته المتفاضلة، والأم التي أرضعتك من ثدييها الطاهرين وسكبت حبها الأمومي طيلة طفولتك حتى وقوفك على رجليك وسهرت الليالي لأجل أن تكبر وتنمو في الطول والنعمة والقامة، وثالثُها الإنسانية المتحضرة التي تعلم الإنسان عِظَمَ رحمة الله الواسعة في خليقته واحترام الغير مهما كان مختلفًا وتقديرَ مَن يستحق الحياة، ورابعُها وليسَ آخرَها المعلّم الذي علّمكَ الحرف والرقم وأصول السموّ في المعرفة والعلم لحين دخول معترك الحياة الصعبة المعقدة. أمّا المقدس الأوحد والأعظم والأسمى الذي يتشارك مع الوفاء سموًا وعلوًّا ورفعةً والذي لا يعلو شيءٌ غيرُه عليه فهو حبُّ الوطن والولاء له والدفاع عن حياضه وحرائره وسيادته واستقلاليته إزاء أيّ تعدٍّ سافر على هذه جميعًا. ومَن مازال يعتقد بقدسية الدين والمذهب والفرد وتنصيبه سيّدًا مطلق الصلاحيات والحاكمية باسم الله، فهو في وهمٍ كبير، إذْ لم تعد هذه المفردات ترنّ ولا تطنّ ولا تجلجل في عالم الثقافات والحضارات والاختراعات التي يتشكل يقينُها  الأساس بالاعتقاد بالقناعات الشخصية للفرد الذي يشغّل تفكيرَه، شريطة عدم انحياز هذا الاعتقاد أو خروجه عن الأداب والأسس العامة لثقافات المجتمع.
اليوم، لم يعد الوفاء للمبدأ أو للصديق أو للوظيفة أو حتى للوطن عنوانًا كبيرًا في عالم المتناقضات والمصالح والفوضى الأخلاقية التي يشهدها عالم السياسة المليء بكلّ أشكال النفاق والكذب والتسويف والخيانة والولاء للدخلاء وللأغراب بكل أشكالهم وأدواتهم وسفاهاتهم، إلاّ ما ندر لدى مَن مازالت الأخلاق والآداب العامة والشيم العائلية والروح الوطنية المتأصلة حتى العظم تؤطّر حياتَهم وترسمُ سيرتَهم المستقيمة الطيبة وسط المجتمع الماثل إلى الانحلال والتفكك. ولعلّ أهم أسباب التراجع في أسس هذه الأخلاق العامة يكمن في تكالب واستحواذ وسطوة المصالح، الخاصة منها والفئوية الضيقة، على حساب المبادئ والأخلاق العامة المتعارفة في مجتمعات متحضرة لم تخسر سمعتها الإنسانية الطيبة بفضل النصائح التي يوصي بها حكماء الأديان وعلماء الاجتماع الذين يدعون ويشجعون لتكوين مجتمعات متماسكة متعايشة ومتآزرة مبنية على احترام الآخر والقبول بخياراته طالما لا تنتقص هذه الأخيرة من حرية الغير ومن خياراته بحسب قناعاته.
ومن أشكال الوفاء الصادق الذي تعرفه وتتناغم معه المجتمعات المتحضرة التي تؤمن بحرية الفرد في الدين والتعبير والرأي الحرّ، سمةُ الإخلاص الكامن في دواخل النفس البشرية للمبدأ الذي يؤمن به الإنسان، وطنًا كانَ أم دينًا أم أيديولوجية أو فلسفة في الحياة، إلى جانب الصدق في العمل والقول والاحترام للمواعيد والعهود والتقيّد بالآداب العامة التي لا تخرج عن سياقها الإنساني العام. فمَن يعرف الوفاء الصادق غير المغشوش ويسلك طريقه، فقطعًا سيقوده هذا المبدأ إلى سمة فضلى تقدّس لديه نوافذ الحب والرحمة والغيرة وتفتح أبوابًا مشرعة للإخلاص والسلوك الصحيح في البيت والشارع والمدرسة والعمل والوظيفة وفي أية وسيلة أو موقع يكون فيه.
في الوفاء، تكبر مصداقية الإنسان وترفع منزلته وسط المجتمع الذي يكبّر فيه صفات الثقة والصدق والأمانة والحماسة التي ترقى لأفضل السمات في المجتمعات المثالية التي تحترم حقوق الإنسان وتعدّه أسمى ما في الأرض من خليقة الخالق متسيّدًا باقي المخلوقات والأهداف. هكذا هي المجتمعات التي تسود فيها هذه السمات الطيبة من إيفاء بالعهد والسلوك الصحيح في الحياة والتي تعتبر من المؤشرات الصحيحة لرقيّ المجتمعات وتطورها وسلوكها في الطريق السليم للوصول إلى الغايات والأهداف العليا في كلّ شيء، ومنها وعلى رأسها حبُّ الأوطان وبذل النفس اتجاهها حين اقتضاء المصلحة العليا. وهذا ما ينبغي أن يرِدَ ويكون في سلّم الأولويات بعد حب الله والإنسان، حبيبًا وجارًا وزميلاً وصديقًا وأيّ شخص يمكن التعامل معه على أساس الإنسانية والاحترام. وبعكسه، نجد تراجعًا في المجتمعات التي لا تعير اهتمامًا لهذه المؤشرات والمعايير الأساسية من الأخلاق والصفات الطيبة التي في حالة الاتسام بها، فإنها تبني القدرات البشرية والفكرية والإنسانية والتربوية والعلمية والاقتصادية للمجتمعات والأوطان معًا. أمّا غيابها والتغاضي عن التحلّي بها، فهذا دليلٌ على فقدان الثقة والمصداقية في السلوك اليومي للحياة وفي العمل أينما حلّ الإنسان وارتحل ومهما بلغ من مرتبة ومنصب وجاه ومال. وهذا ما نحن عليه من واقع حالٍ كارثيّ في بلدنا المتشرذم الممزّق في نسيجه بفعل تناقض السلوكيات وتعارض المصالح وتعدد الولاءات للغير الدخيل وتجاوز هذه الأخيرة للخطوط الوطنية والإنسانية المسموح بها في مصاف الدول والشعوب المتحضرة.
سلوكيات خارجة عن سمة الوفاء
قد يأخذ الوفاء سلوكيات عديدة وتطبيقات كثيرة في حياة الإنسان والمجتمعات. لكنّه يبقى القاسم المشترك لكلّ أنواع الأفعال الحسنة التي تعطي لكلّ ذي حقّ حقَّه، سواء كان هذا في مجال الإيمان والمعتقد والوطن والمبادئ أو تجاوز في تطبيقاته إلى ما يصون كرامة البيت والأسرة والزوجة أو حتى لو طال موقع العمل والشارع والواجب الوظيفي. ويدخل ضمن هذا الفعل، ما يرد من تعهدات ووعود تقطعها الحكومات والإدارات والساسة على اختلاف مواقعهم ومناصبهم وواجباتهم للشعب. وما أكثر ما تشهده البلدان والمجتمعات النامية والمتخلفة في هذه الأيام من نكث للوعود ونقض للعهود وتراجع في الأداء بل وإهمال قائم لحاجات الشعب اليومية لأسباب عديدة وغايات كثيرة وأغراض لا تلبي سوى مصالح خاصة للقائمين على رعاية الرعية. فهذه أبعد ما تكون عن الشيم الحسنى المتعارف عليها في المنتدَبين لخدمة الشعب الذين ارتأوا في أنفسهم وتعهدوا بالخدمة وليس بالتشريف والتسلّط والتكسّب والانتفاع غير المشروع. فمَن يتقدم لتولّي منصب أو لتمثيل فئة أو جماعة أو مكّون، فالأساس فيه خدمة الشعب والوفاء بتعهداته، لاسيّما وأنه قد أقسم وقطع على نفسه العهد بالاستجابة لمطالب الشعب المشروعة وتقريب طلبات هذا الأخير للحاكم الذي قد لا يكون ملمًّا تمامًا بحاجة واحتياجات وضرورات وحقوق كلّ طبقات الشعب. هنا إذن، تكمن مسؤولية ممثل الشعب، وليس باللّهاث وراء مهنة تعقّب وتمشية معاملات المواطنين مقابل ثمنٍ والتكسّب من خلف شركات ورجال أعمال والبحث عن كوميسيونات هنا وهناك واستغلال الموقع والانتماء الحزبي والوظيفي للتكسب غير المشروع بفرض الإرادة بسطوة السلاح والمال والموقع. فحين تدخل المصالح الخاصة والأنانية والفئوية والطائفية المقيتة في أجندات السياسيين وأصحاب المناصب العليا التنفيذية منها والتشريعية من أوسع أبوابها، حينئذٍ يفقد الوفاء سمته كفضيلة تطلبها إرادة السماء من وراء سلوك المسؤول عن الرعية عندما يوجّه جلَّ أنظاره نحو السعي للسطو على كلّ شيء وأيّ شيء ضمن هذه الأسباب. وهذا جزء موغلٌ في فساد المجتمعات المعاصرة والحكومات الفاسدة التي ابتعدت كثيرًا عن سمات الوفاء بالعهد وتلبية حاجات الناس كما ينبغي، ما يضعها حتمًا ضمن خانة النفاق والكذب والرياء والتدليس والخيانة التي تؤسس بأفعالها للفساد وللظلم في المجتمعات والأوطان. 
مبدئيًا، سمة الوفاء تعني ما يمكن أن يقدمه الإنسان لخدمة شخص آخر أو مؤسسة معينة أو جهة يكنّ لها كلّ احترام ويمنحها حقًّا واجبًا عليه بالإيفاء بشيء متميز من البذل والحماسة في العطاء وفي الخدمة. وهذا يعكس تمامًا ما ينبغي أن يقوم به مَن يتحمّل مسؤولية أي عمل أو وظيفة أو واجب، أيًا كان نوعه وشكلُه وقيمتُه، ضمن ما يستطيع فعله بكلّ أمانة وإخلاص. وهذه الحالة تنطبق على مَن يعمل ويتقاضى مكافأة أو أموالاً لقاء عمله هذا أو مسؤوليته من دون تردّد أو امتعاض أو تقصير. فالطبيب الحريص في مهنته يعبّر عن أرفع أوسمة الوفاء لما يقوم به من أداء في حالة ممارسته لمهنته بالأمانة المعهودة إليه. ومثلُه العامل في عمله والسياسي في واجبه والمعلّم في رسالته ورجل الدين في نصحه وصدقه والزوجة في أدائها الأسري والزوج في واجباته. وهكذا تسير الحياة الصحيحة في مسيرتها، عندما يؤدي كلُّ فردٍ واجبَه ويعرف حدوده ويتقيّد بما ينبغي عليه فعلُه.
وذات الغرض يمكن انسحابُه اليوم على دور الحكومة العراقية ورئيسها بالتقيد بوفائهم للوطن والشعب، تمامًا كما كان تعهدُهم في أن يكونوا خدامًا للوطن والشعب وليس العكس أن يجلسوا على الكراسي كي  يُخدَموا. فالراعي الصالح هو الذي يسهر على أحوال رعيته ويصون حقوقها ويلبي احتياجاتها قدر المستطاع وليس ضربها عرض الحائط والابتعاد عن خطوط الخدمة فيها. وحين يرى الناس أعمال الحكومة بصفة رئيسها ووزرائه ومستشاريه ومعاونيه الأقربين، حينئذٍ يسري رضاهم عنهم جميعًا و"تباركهم السماء أضعاف تعبهم وسهرهم بثلاثين وستين ومئة".

احترام القوانين شكلٌ آخر من الوفاء

ما أحبَّ على قلب الإنسان السويّ حينما يرى ويسمع ويقرأ قصصًا جميلة وحقيقية عن تأنيب مواطن أو تحذير أو نصيحة لنظيره عندما يرى أو يلحظ تقصيرًا أو مخالفة غير مستحبة لدى هذا الآخر. فأية مخالفة مجتمعية، حتى لو كانت صغيرة، تقع ضمن المحرّمات في المجتمعات المتحضّرة التي تحترم الحياة. وقصة المواطن العراقي "الشقي" الذي نقلت مواقع التواصل الاجتماعي في سالف الأيام حكايته في أحد شوارع إحدى العواصم الغربية في وقت مضى، خيرُ شاهدٍ على احترام المواطن الغربي لقوانين بلاده والإيفاء بواجبه تجاه مؤسسات بلاده وجميع مرافقها. فقد ترفّع هذا "الشقي" ولم يعرْ اهتمامًا لزجر امرأة عجوز إياه بضرورة رفع أعقاب سيجارة رماها أمام زملائه متعجرفًا ومتحديًا الأصول والقوانين والآداب العامة السائدة في مجتمع ذلك البلد المتحضّر. ولدى إصراره على عدم رفع قاذورته، اتصلت السيدة العجوز بالشرطة التي حضرت فورًا وأنّبت الشخص بسبب هذا السلوك غير الحضاري وغير المقبول. ولدى رفضه الانصياع لأمر الشرطية، فرضت عليه هذه الأخيرة واجبًا إنسانيًا إضافيًا في خدمة البلدية بعد أن أجبرته على رفع أعقاب السيجارة بيده ووضعها في المكان المخصَّص لها صاغرًا ذليلاً. هكذا يكون الوفاء والإخلاص للوطن وللمهنة عبر الالتزام بما يكفل رقيّه وتقدّمه ونظافة مدنه وبلداته. فمثل هذا السلوك المتعجرف وغير المسؤول لمثل هذا الشخص "الشقي" الدخيل دليلٌ على سلوكه غير الحضاري في بيته ومجتمعه وبلده. وكم من شكل هذه الصورة السلبية غير الحضارية تصادفنا كلّ يوم في المنزل والشارع وموقع العمل والسيارة ولا تُقابَل بما تستحق من تأنيب ضمير ونصح وملاحظة وتوبيخ؟
إنّ سمة الوفاء في حدّ ذاتها، من السمات التي تحمل في طياتها قيمًا إنسانية عليا ترتقي بالإنسان إلى الدرجات العليا من الفضيلة والرحمة. وبالرغم من ندرة الأوفياء في هذا الزمن، إلاّ أن الوفاء للمبادئ وأداء الواجب بإخلاص وكما ينبغي من دون زوغان ولا حيلة ثعلبية، يبقى من كبائر الفضائل في حياة الناس الأسوياء وفي حياة الشعوب النموذجية التي تبنى وتنمو وتتطوّر وفق مثل هذه الأسس. وهذا ما يحتّم على الإنسان السويّ المؤمن بسمة الوفاء في أداء الواجب وتنفيذ العمل الموكل إليه، في أن يضع في حسبانه شيئًا من خيبة أمل قد يلاقيها في طريقه، على حدّ قول الشاعر الانكليزي شكسبير: "إنّ البشر لا يتذكرون ما قمتَ به من أجلهم بل يتذكرون ما لم تستطيع القيام به". لذا تبقى قناعة الشخص بما قام به وفق ضميره "الصاحي" هو المعوَّل عليه في تقييم الذات والأداء في البيت ووسط المجتمع والمدرسة وموقع العمل والشارع. وحين يشعر الإنسان براحة الضمير في أداء هذا العمل، فهذا سيرفع من مقامه ومن منزلته ومن فضيلته ويترك الباقي السلبيّ الذي لا فائدة منه، أي ما يقوله الناس والذي عادة يكون في غير صالحهم. لذا على الإنسان السويّ واللبيب "ألاّ يرهق نفسه بالوفاء أحيانًا للجانب السلبيّ في الحياة، لأنّ الجميع يريده حسب حاجته". إنّما يصير التركيز في قناعته الإيجابية بصحة ما يسديه من خدمة ووفاء للمجتمع والوطن معًا.





41
كلّما استجدّ جديد، استبشرنا قرب العيد
لويس إقليمس
بغداد، في 17 تموز 2020
كيفما يمكن أن نسوّغ أو نتيقن من حقيقة انبثاق حكومة السيد مصطفى الكاظمي من رحم العملية السياسية الحالية بمنظومتها المتسمة بالفساد حدّ التخمة، إلاّ أنّ علامات واضحة لتغيرات واقعية على المشهد السياسي لا يمكن تجاوزها أو في الأقلّ التقليل من شأنها. وأيًا كانت هذه المتغيرات، مهنية فعلية جريئة في موقفها أو محابية مجارية متقية في إصدارها، فهي تستحق وقفة قد تمنح شيئًا من المصداقية لشخصية لا تقلّ جدلية عن سياسيّي المنظومة الحاكمة من حيث الحكم العام على الساحة من موقع رسميّ.  فحزمة الاجراءات الجريئة التي يقتحم بها مصطفى الكاظمي محميات أحزاب السلطة، الاسلامية منها على وجه التحديد والتشخيص، تنمّ عن مستجدّات وشيكة الحصول في ذهنية المواطن العراقي وعلى الأرض، سيّما وأنّ غالبية الشعب المقهور ينتظر ساعة الصفر لإجهاض زمن هذه المنظومة السياسية الفاشلة وأعمدتها المستنفعة المتكسبة من التغيير الدراماتيكي منذ احتلال البلاد. ولعلّ من الأولويات التي يتطلع إليها عموم الشعب، إلاّ رؤوس الفساد وأدواتُهم وتفرّعات هؤلاء في جميع مفاصل الحياة، تقريرُه فرضَ هيبة الدولة وتأمين سيادتها عبر الاستعانة بأدوات وطنية مدنية وعسكرية متحزمة بتاريخ الجندية العراقية وشبه بعيدة عن شبهات اللعب بالنار الطائفية والمذهبية والعرقية.
ولعلَّ من أولويات هذه الإجراءات الجريئة التي صرّح بها الكاظمي شخصيًا فيما لو سار بها وفق منهج وطني مبرمج وبصدق النية والإرادة، قدرتُه على حصر السلاح بيد الدولة والقضاء على أدوات الدولة العميقة الشائعة، بالمهادنة حينًا والضرب الصادم حينًا آخر وفقًا لمقتضيات الواقع والظرف وصولاً لتحقيق الاستقرار والأمان للشعب وصيانةً لبناه التحتية وتشجيعًا للاستثمار بفضل الاستقرار المتحقق المأمول من وراء العمليات النوعية الهادفة لتنقية البيدر الوطني من الزؤان والأشواك التي تعيق عودة الحياة الوطنية الطبيعية إلى حالها المتعارف عليها. وثانيها الذي لا يقلّ أهمية في استراتيجتها، تقرير فرض سيادة الدولة وأجهزتها على المنافذ الحدودية التي تدرّ عسلاً ولبنًا لمافيات أحزاب السلطة من شمال البلاد لجنوبها ومن شرقها لغربها، بضمنها منافذ شمال البلاد (كردستان العراق)، وفق إقطاعيات تتقاسمها هذه الأحزاب فيما بينها منذ 2003. وهذه المغانم بحسب الخبراء والمراقبين قد تشكل وارادات تدرّ مبالغ طائلة لا تقلّ عن 8-10 مليار دولارًا سنويًا يمكن إضافتُها إلى ميزانية الدولة العراقية. ناهيك عمّا يمكن أن تشكله نظيراتُها من واردات الكمارك والضرائب التي يمكن تحقيقها من ضريبة الدخل التي تفرض على الشركات والأفراد فيما لو تم تطبيق قوانينها على الجميع من دون محاباة ولا فساد ولا تشاركية في هذا الأخير. ومن الأولويات الجريئة أيضًا، التعهد بالوصول إلى قتلة المتظاهرين الخالدين من الذين طالبوا بوطن يحميهم ويحنو عليهم وعلى عوائلهم ويعينهم على كسب القوت اليومي وتحقيق الرفاهة التي يستحقها المواطن العراقي الذي لا يقلّ إرادة وعزةً وكرامة وحقوقًا أساسية مثل سائر شعوب المنطقة والعالم. وفي القائمة أيضًا، التوصل إلى قانون منصف للانتخابات المبكرة التي طالبت بها ساحات العزة والكرامة في بغداد وسائر محافظات البلاد، والتي مازلنا نأمل دومًا اصطفاف ما تبقى من محافظات الشمال والوسط مع ساحات الخلود الوطنية لتعطي ثمارًا أكثر غزارة وشمولية لعموم مناطق البلاد المبتلاة بفساد الساسة ومن دون استثناءات. فهذا القانون مازال بصيغته الحالية غير مقبول شعبيًا من قبل ساحات التظاهر وعموم المثقفين والقانونيين الوطنيين بسبب صياغته وفق مصالح الطبقة الحاكمة التي تجيز لها بنوده استخدام السلطة والمال السياسي والسلاح للحدّ من وصول المستقلين المؤمنين بحب الوطن ومصالح الشعب للفوز بمقاعد في مناطق أحكمت أحزابُ السلطة هيمنتها على عقول وأفكار البسطاء وعلى جيوش الفضائيين وأصحاب مزايا الجهاد المتنوع الأشكال والولاءات.

منجزات جزئية
وحين تحقيق هذه المنجزات الجريئة وغيرها ممّا يأمل الطيبون من العراقيين، بالحقيقة الواقعة وليس بالتدليس والكذب والغش والتسويف، حينها سيجوز بل يحق للشعب العراقي المؤمن بوحدة ترابه وجمال سمائه وحلاوة مياهه أن يحتفل بحقّ بعودة الوطن إلى حضن طبيعته الإنسانية وحظيرته العربية والإقليمية والدولية. وسوف يرى جميع الغيارى من الوطنيين الصادقين في هذه الهيبة وهذه السيادة المستعادتين بالهمة والغيرة والإرادة الوطنية علامة مضيئة على استعادة شيء من حضارته وقيمته الدولية وأخذه الدور الذي يستحقه بين الأمم والشعوب والدول على أساس الندّية والتشاركية وليس التطفلية والتبعية والولائية. وهذا لو حصل في قادم الأيام، فلن يكون على أساس الترفع والتعالي على الغير، بل ضمن مشتركات السياسة الصحيحة التي تتناغم مع حركة الشعوب المسالمة التي تعرف التمييز بين الخير والشر، بين الدين والسياسة، بين المقدّس والمدنّس، بين الصالح والفاسد، بين الحاكم العادل والوليّ المستبدّ. فهذه جميعًا، هي التي ترسم الخطوط العريضة والصحيحة لمسيرة الأمم والشعوب المنضبطة التي تعرف احترام نفسها واحترام غيرها على هذه الأسس الآدمية التي رسمتها شرعة حقوق الإنسان التي لا تخرج عن تعاليم الأديان السماوية الثلاث وغيرها من أديان طيبة أخرى وجدت في أرض الله الواسعة.

هل الجديدُ قادم والعيدُ مستبشر؟
قد يقول قائل، إنّ وقت احتفال العراقيين بعيد النصر الوطني الكبير قادم ووشيك بفضل صمود أبطال الثورة التشرينية وقدرتها على اختراق هزالة المنظومة السياسية وهزّها لكيان "اللادولة" أو شبه الدولة القائم، وإن يكن قد تأخر كثيرًا. فالانتفاضة الوطنية الحقيقية التي انطلقت في تشرين أول 2019، ماتزال جذوتها لم تخفت وإن تكن قد سكنت برهة بسبب الخشية من آثار الجائحة التي ماتزال تمثل تحديًا وطنيًا غير قابل الإهمال. فهناك دومًا جهات محبِطة ومحرّضة تسعى بكل قدراتها لاستغلال صحوة المتظاهرين المطالبين بالوطن الغائب وأخرى راكبة للموجة وغيرها ناقمة على المطالبين بإنصاف  الخالدين من شهداء الانتفاضة. ولكن مهما كان من هذه الأخيرة في استغلال الأدوات المحبطة في التأثير على بساطة تفكير عامة الناس، فإنّ صحوة الأبطال وتنسيقياتهم، إلى جانب يقينهم المصدِّق المتجدد بصحة ما يجري وما يُحاك لهم من خلف الكواليس لأغراض التغطية على سرقات الطبقة الحاكمة من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وبالرغم من النجاح الجزئيّ لهذه الطبقة الفاسدة بطمس الحالة الوطنية الطبيعية التي كان يتسم بها غالبية الشعب العراقي والتي فقد جزءً كبيرًا منها طيلة السنوات السبع عشرة المنصرمة، إلاّ أنّ الأمل مازال حليفها بتحقيق عيد النصر الوشيك.
في الحقيقة، إزاء ما حصل ويحصل طيلة الأسابيع القليلة الأخيرة من أحداث ساخنة وحوادث وعمليات وصفت بالصادمة والجريئة، سلبًا أم إيجابًا، فإنّ الكثيرين ممّا تبقى من المنتمين الصادقين للوطن والمتجذرين في أرضه وحضارته، أبدوا استياءهم الشديد من مغبة التفريط بمصالح الوطن العليا لصالح جهات دخيلة من خارج الأسوار. وهذه في حقيقتها جهاتٌ لم تحجم أو تتوانى في نفث سمومها التاريخية بكل الوسائل والأشكال، ومنها بحجة الانتماء المذهبي والطائفي التي أججت أفعال النكوص في المبادئ في أوساط الشعب الخانع وأوصلت فئات وجماعات فيه إلى الدركات السفلى، بل شكلت طيفًا واسعًا لا يؤمن بغير التبعية والولائية ومنها الاستعداد لبيع الوطن بالمزاد بأي ثمن وفي أية مناسبة وفرصة.
لكن ما لم يدركه المتربعون على السلطة لعدم تعلمهم دروس الحياة من نماذج حكم سياسية شرق-أوسطية  جرّبت العمل بغطاء الدين والمذهب، أنّ كلّ استغلال ودغدغة من هذا القبيل لم تعد تنفع في زمن ولّت فيه السطوة الدينية والمذهبية وصحت غالبية طبقات الشعب من الفعل السيّء الذي قدمته هذه النماذج التي تجاوزها التاريخ. فلو نفعت هذه في زمن الجهل والجاهلية وظلامية القرون الوسطى حيث الحكم الالهي بيد الحاكم المستبدّ الذي يفرض سطوته ظلاًّ للقدير الأعلى في الأرض باعتباره المقدّس الذي لا يُعلى عليه، إلاّ أن زمن هذا المفهوم لم يعد مقبولاً شكلاً وتفصيلاً. فالمقدس المنظور والمقبول لا يمكنه تجاوز قدرة الله الخالق وليس أحدًا سواه. أمّا مَن يسعى لإعادة فرض هيبة المقدّس البشري خارجًا عن قدسية الوطن بعد الإله الحقيقي الذي تعرفه خلائقُه الهادية الجميلة المفعمة بمحبته غير المتناهية للبشر جميعًا بلا استثناء، فهو واهم ويعيش الظلام، ويا ويله من ظلام الدنيا والآخرة. لذا ليس من الصحيح إقحام المسائل الدينية وما يوازيها من عبادات وتقويات وتخريفات وتحريفات وتوهيمات في تداعيات السياسة وكواليسها المظلمة التي تستغلها للتغطية على أهداف غير أخلاقية لا تنفع المجتمع والبلد والمنطقة والعالم. وفي اعتقادي أنّ كلّ مَن رفع شعار "الإسلام هو الحل" قد اضطر للتراجع عنه والبحث عن أسباب أخرى تبرّر السعي وراء الهدف الإنساني المشروع الذي يمكن أن يوصل بالبشرية إلى ميناء السلام المنشود والتحاور والتفاهم والتضامن على أسس إنسانية وليس غيرها. فغطاء الدين كشف عورة المدّعين والدعاة، مهما كانت مشاربُهم وأغراضُهم. وإنْ لم يحن الوقتُ بعدُ لسقوط ما تبقى من هذه الأصنام الحاكمية، إلاّ أنّ وعي الشعوب سيقودها لإسقاطها عاجلاً أم آجلاً، وحينها ستنال حقها العادل وتستحق نصيبها من وسائل الغش والخيانة والظلم التي مارستها عبر تغيير جلدها وفق الظروف والأزمان واستغلالها لغيرها في فرصتها في الحكم بدعم من خارج الأسوار، أيًا كان غرضُه وهدفُه ووسيلتُه.
عسى هلالُ العيد الوشيك يبشرنا خيرًا بدلَ شرٍّ اعتدنا عليه، ونعمةً بدل نقمة أصابتنا في الصميم، وأملاً ورجاءً بغدٍ أفضل ويومٍ أسعد ومستقبلٍ أوفر حظًّا وأيسرَ مجرىً.


42
سياسة فرض العقوبات والاتفاق بين الحكومات

لويس إقليمس
بغداد، في 11 تموز 2020

           لم تعد سياسة فرض العقوبات التي تتمترس بها دول عظمى ضدّ أخرى أضعف منها أو ضدّ مؤسسات أو أفراد، تؤتي ثمارها كما كان يعتقد. فلكل باب أصبحت له نافذة بل نوافذ يتحذلق منها وتشرئبُّ منها الأعناق للخروج من السياج الذي يقيّدها بسبب مثل هذه العقوبات هزيلة التطبيق في أحيانٍ كثيرة. بل يبدوأن هذه الوسيلة لم تعد ذا فائدة مهمة كما كان يرتجي منها صاحبُ القرار الذي يظنّ أن بإمكانه تركيع المقابل سياسيًا واقتصاديًا، وهما موضوعا الساعة اللذان يحركان مطابخ الدول العظمى التي طالتها ضائقة اقتصادية ودخلت في مرحلة كساد أضافت أعباء مالية على ما كانت عليه قبل بروز جائحة كورونا. أما الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتبجّح بقدرة كبيرة على فرض عقوبات في الزمن والمكان اللذين ترتأيهما، فقد نالها التعب ووجع الرأس بعد خيبات الأمل التي تكررت بسبب عدم إتيان النتيجة المطلوبة من تلك العقوبات وتملّص الجهة المعاقَبة (بفتح القاف) من أدوات العقوبات وأساليبها ومفرداته ونجاتها بالتالي من نتائجها غير المحكمة، وكأنّ المسألة أصبحت لعبة. بل هي فعلاً لعبة يجرّبُها الطرف المتجبّر، علّها تفتح أبوابًا غيرها للكسب وفرض المزيد من المطالب والأوامر والقرارات.
          واقعيًا، الكثير من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً لم تنجح في قطع الطريق أمام الدول المتمردة على سياستها، شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا. فدول أمريكا اللاتينية التي ترى الإدارة الأمريكية في سلوكها التمرّد على سياساتها عصيانًا على إرادتها، أمكنها التعايش مع العقوبات المفروضة عليها لغاية الساعة بوسائلها وسياساتها المحلية الخاصة. وفي الواقع، مَن يقع عليه الظلم والقهر نتيجة فرض هذه العقوبات فعليًا هي شعوب هذه الدول قبل حكوماتها. فالحكومات سائرة في أسلوب حياتها وفق سياسة زعمائها وأحزابهم المهيمنة على السلطة والمال والبشر. فيما الشعب هو الذي يواصل الرزوح تحت طائلة شكل هذه العقوبات وفنونها، تمامًا كما شهدتها حالة العراق أيام النظام السابق.
         وذات الحال كاد ينطبق على شعب سوريا وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها من شعوب المنطقة والعالم النائم (عفوًا النامي). والعقوبات مهما كانت شديدة التنوع والظلم، لا بدّ أن يجد لها الطرف المعاقَب طرقًا للتصرف معها والبحث عن ثغرات فيها لأجل التملّص من تأثيرها وأدواتها. وهذا ما تفعلُه إيران مثلاً إزاء العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات على يد الإدارة الأمريكية. لكنها تمكنت من المناورة والمراوغة والنجاح في الالتفاف عليها جميعًا، حكومة وأفرادًا وشركات بوسائلها ومتابعاتها وتعاونها وصفقاتها مع دول عظمى أخرى تكنّ تقليديًا العداء والحقد والنديّة للإدارة الأمريكية، مثل الصين وروسيا، ما يؤمّن لنظامها الثيوقراطي المتخلف البقاء في الحكم وديمومة السياسة العنجهية بسبب تأمينها كليًا شكلًا منافقًا ومتحايلاً للتعاون الدولي مع دولٍ منافسة لأمريكا في مسألتين مهمتين: سياسيًا عبر ميكانيكية التوسع الديني والمذهبي على حساب شعوب المنطقة والعالم حين توفر الظرف الملائم، ومنها تأتي سياستها في التوسع الجغرافي والطوبوغراغي بالاستيلاء على ما أمكن من أراضي وثروات الدول التي تنضوي فكريًا وأيديولوجيًا تحت مظلة زعامتها، واقتصاديًا عبر بسط سطوتها على شؤون المال والثروات الوطنية للدول الضعيفة التي تحولت إلى أشباه دول بلا سيادة حقيقية. ومما لا شكّ فيه أنّ ممّا ساعدها في تحقيق هذا الهدف بل مجمل الأهداف المعلنة وغير المعلنة، قدرة زعاماتها الدينية على استغلال حاجة أشباه هذه الدول التي تحولت إلى ولايات تابعة خانعة لسلطتها الدينية ولسياستها الاستفزازية في المنطقة والعالم. وقد ساعدها في ذلك، العامل الديني والمذهبي اللذين تتذرع بهما الزعامات الجديدة والأحزاب الدينية التي تسلطت على المشهد السياسي بعد 2003  في تبعيتها الواضحة للجارة الشرقية. وعلاوة على هذه، يمكن أن نضيف مدى استعداد هذه الزعامات لفعل أيّ شيء إرضاءً للأسياد في المذهب الذي صار أقوى وأولى من أيّ إحساس وطنيّ أو حرص على إتمام سيادة الوطن وحفظ كرامة المواطن. ناهيك عن استغلال ثروات العراق ونهبها بطرق ووسائل شيطانية عبر أدوات السلطة الجاثمة على صدور العراقيين منذ أكثر من 17 عامًا خلت، وتفننها باختلاس ونهب ما يستطيعونه طالما هم يؤدون واجب الجباية والحلب غير المتناهي في البلاد.
           أمام هذه الحقائق والوقائع، يبدو مشهد فرض العقوبات غير مجزٍ تمامًا، طالما توجد مثل هذه الثغرات التي تغطي وتسمح بالتنفس عبر رئات بديلة أمام أنظار الدول والتحالفات المشاركة في سياسة فرض العقوبات ومتابعة تطبيقها. وهذا ممّا يفسح المجال للتيقن بوجود توافق دوليّ بين حكومات الدول القوية وكارتلاتها وأجهزتها الأمنية والاستخبارية والسياسية والاقتصادية على السواء، على شكل العقوبات وطريقة تطبيقها مع ضمان هوامش متاحة للتملّص من شدة تطبيقها أحيانًا عبر اتفاقات جانبية لا تخلو من صفقات فساد.

 حالة العراق


          مَن منّا ممّن عاش فترة العقوبات التي فرضها التحالف الدولي بقيادة أمريكا وحلفائها الغربيين في فترة التسعينات غبة غزو الكويت بما حملته آنذاك من قهر وجوع وحرمان ويأس من الحياة لم يعشها غير شعب العراق المسكين، وهي فترة ظالمة ومظلمة في تاريخه، ولم يكن للشعب فيها لا ناقة ولا جمل. ومازلنا نعاني من آثارها المدمّرة لغاية الساعة، ديمغرافيا وماليًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وعلميًا وأخلاقيًا بعد أن فقدنا كلّ شيء إلاّ الأمل بقادم أفضل في  يوم من الأيام. ونأملُه قريبًا ووشيكًا جدًا!
         لكن الأمريكان وإدارة حكومتهم الحاقدة آنذاك ودومًا، وانطلاقًا من حب الانتقام بسبب وطء كرامة دولتهم العظمى من جانب رأس النظام السابق المتمرّد على سياستها التعسفية، قد أوغلوا في فرض عقوبات أفقرت قدرات عامة الشعب لحدّ الجوع والضائقة في كلّ شيء، وأطاحت بطموحات مكوناته لأخذ المبادرة والاستعداد لتجربة التغيير التي اختفى بريقُها وتلاشت آمالُها من الداخل، في الوقت الذي ألّبت هذه الإدارة الظالمة فئاتٍ مطرودة وعاصية وغير مرغوبٍ بها في البلاد للاستعداد لاستلام السلطة من على ظهور دباباتها المتوحشة التي تجاهلت كرامة العراق والعراقيين في نيسان 2003، حين وطأت سرفاتها الدنسة أرض الحضارات والثقافات والأديان والإتنيات المتعددة التي لم تشعر يومًا بالغربة عن الوطن ومشاكله. فقد كان بإمكان هذه الدول المتجبرة المنزعجة من استمرار حقبة النظام السابق تسهيل إحداث التغيير في النظام الحاكم بوسائل أقلّ خسارة وأخفّ وطأة على قلوب ونفوس وضمائر وممتلكات وحقوق وطموحات المواطنين الذين كانوا يعلقون آمالاً كبيرة على أي بريق أملٍ قادم بالتغيير.
               لكنّ هذه الإدارة عبر أجهزتها الاستخبارية والمخابراتية وبالتعاون والتنسيق مع مثيلاتها في دول طامعة أخرى بالعراق، قد أفشلت كلّ المحاولات التي جرت في مديات ومناسبات مختلفة للإطاحة بالنظام السابق داخليًا، سواء بالتعاون مع دول إقليمية أو دولية بالكشف عن اية نوايا أو مشاريع أو تحركات تصبّ في هذا الهدف الذي كان مطمع الكثيرين من الذين استاؤوا مما وصلت إليه البلاد وأحوال العباد في السنوات الأخيرة من كمّ للأفواه وخوف على الأرزاق وخشية على الحياة. وهذا ما قصم ظهر المثقفين وأصحاب المروءة والحماسة والشجاعة حين تيقنوا بوقوف جهات دولية ذات نفوذ وسيادة أمام أي تحدّ أو مشروع من هذا النوع بسبب الخوف من ملاقاة مصير ذات الجهات التي حاولت طيلة أكثر من عقدين من الزمن بإحداث عملية التغيير داخليًا، حتى وقوع البلاد بيد أهل الجور والفجور ومّن سار في دروبهم ذيلاً ذليلاً ستظلُّ الأجيال تستمطر عليه نقمات السماء ولعنات الشعب المغدور في الداخل الخارج.
         
غياب الدولة
  واليوم يجد العراق نفسه غارقًا في مستنقع اللادولة بل غياب الدولة بسبب ما أفرزته الصولات والجولات والحماقات الأمريكية التي لم تنقطع ولم تتوقف منذ فترة فرض العقوبات الجائرة على الشعب وليس على النظام في حقبة التسعينات ولغاية الساعة. فقد ضاعت فيه مفاهيم الدولة واختفت المؤسسات الرصينة التي يمكن الاعتماد عليها في تسيير شؤون البلاد والعباد على أسس العدالة والمساواة والتفاهم والتضامن. بل قد انقلبت فيه موازين الحياة، ولم يعد للمعايير الإنسانية وحقوق البشر التي كفلتها شرعة حقوق الإنسان والعراق أحد أطرافها الموقعين، اية آمالٍ لإعادة الحياة الطبيعية إلى هذا البلد المتهالك في كلّ شيء بسبب إيداعه بأيادي غير أمينة من قبل المحتلّ الأمريكي والمتحالفين معه من دول الغرب المنافقة التي تشاهد بأم عينيها ما جرى ويجري للأحرار من طالبي الوطن المفقود والباحثين عنه في ساحات التظاهر والكرامة وفي الشارع وحتى في القمامة التي يبحثون بين أكوامها عمّا يمكن أن يسدّ رمق حياتهم ويحفظهعم وعوائلهم من جوعٍ فرضه ساسة الصدفة وأسيادُهم، وهي لا تفعل شيئًا محسوسًا لأجل إنقاذهم من هول الكارثة التي ماتزال قائمة منذ أكثر من 17 عامًا.
         لقد طفح الكيل ووقع البلاء في إبلاغ البلاد إلى حافة الإفلاس والاستجداء واشتداد أفعال الجرم والقتل واغتيال الكلمة وكمّ أفواه كلّ مَن يجرؤ على نطق كلمة الحق وكشف الباطل. ولعلّه بسبب هذا الصمت المخزي وطنيا وإقليميًا ودوليًا، اشتدت عزيمة الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة وعصابات الدولة العميقة لتصول وتجول وتهدّد أركان الدولة وتخيف القائمين والأوصياء عليها ممّن بخشون بطش طاغوت أدواتهم التي يتم التحكم بهم من خلف الأسوار الشرقية. وإذ ينقسم العقلاء والمثقفون والمراقبون الساكتون عن إبراز صوت الحق لأي سبب كائن، فالجميع متفقون سرًا أو علنًا على ضرورة تغيير المنظومة السياسية بأكملها. ومن ثمّ فقد أيقن الجميع، أنه لن تنفع مع هذه المنظومة السياسية القائمة أية إجراءات ترقيعية أو ما يُدّعى بالمصالحة أو المشاركة أو الحفاظ على حقوق الشعب بعد أن فقد الشعب كلّ أملٍ له مع الطبقة الحاكمة وأحزاب السلطة المثقلة بالفساد. فهذه الأخيرة تفعل ما تريده، ولا تطبق ما تقول وما تعد به. ورهانُها اليوم، بالرغم من الثورة التشرينية الوطنية الخالدة قائمٌ على الزمن وعلى إمكانية تمديد فترة بقاء المنظومة السياسية الهزيلة التي أتى بها المحتل الأمريكي والتمادي في الحكم الفاسد ما أمكنها ذلك بدعم من أطراف المعادلة جميعًا، أمريكا وإيران وتركيا بخاصة، مع دول الجوار وباقي اللاعبين الغربيين المتفرجين. لقد فقدت هذه المنظومة السياسية شرعيتها في ظل الثورة الشعبية الوطنية التي لن تتوقف حتى عودة البلاد إلى سالف عهدها وكرامتها وسيادتها وحضارتها وشموخها وعزتها، لتعود بلد المنصور والرشيد وأبي نؤاس والمتنبي معانقة ثورة العشرين في طرد الغزلة الطامعين والدخلاء والأغراب. حينها لن يكون المقدس سوى الوطن وليس الفرد، ولن تكون الطاعة سوى للقانون وليس لشريعة الغاب، ولن يكون العراقي إلاّ في مقدّم صفوف الدول والشعوب المحترمة في عزة نفسه وكرمه وصدقه ونظافة يده وطيب سريرته وحسن نيته.




43
مافيات أحزاب السلطة ومنظومة حقوق التوارث
لويس إقليمس
 بغداد، في 10 حزيران 2020
يوم سألني صاحبي لماذا لا تنخرط في الشأن السياسيّ؟ فالفرصة فيه قائمة لإبداء الرأي ونقل معاناة الشعب في زمن الديمقراطية الحديثة، وأنتَ من الناشطين في مجال الدفاع عن الأقليات من المكوّنات المهمّشة، كما يمكن أن تفتح لك طرقًا عديدة  للكسب والتكسب واعتلاء المناصب في زمنٍ ضاع فيه الحابل بالنابل واصطبغت سياستُه بالتخبط وضبابية الرؤية، وأنتَ لديك من المؤهلات الموجبة وطنيًا ودينيًا وثقافيًا واجتماعيًا ومن علاقات دولية ما يفتقده الكثيرون ممّن تسلّقوا المناصب العامة زورًا وبهتانًا.
لم أتحرّج حينها من السؤال أبدًا. فصاحبي ربما لا يعلم بما في بواطني ودواخلي من مبادئ تربيتُ عليها وطنيًا ودينيًا واسريًا وثقافيًا ومجتمعيًا ممّا يحظر عليّ سلوك مثل هذه الطريق الشائكة غير المعبَّدة بالحرص الوطني وحب الأرض والشعب بسبب ممّن تولّوا السلطة وأداروا دفة البلاد بلا غيرة وطنية ولا ضمير إنسانيّ ولا سلوك أخلاقي إلاّ فيما يحفظ المكاسب الأنانية الخاصة والمصالح الفئوية والحزبية والكتلوية والدينية والطائفية والعرقية الضيقة. وقد وجدتُ نفسي إزاء مثل هذه المرذولات غير الوطنية واللاّإنسانية وأشكال هذه الأنانية في المسلك  خارج سياقات سماتها السلبية التي لا تتوافق مع مبادئي ورؤيتي للحكم الرشيد الرصين الممزوج بحب الوطن والأرض والدفاع عن شعب مقهور وخانع لسنوات وعقود خلت. وقلتُ له حينها والدمعة في مآقيّ، ستأتي أيامٌ وهي قريبة، سنبكي فيها على ماضٍ جميل اندرس وعلى شيء اسمُه وطن سوف يُباع ويُشترى بايادي قذرة. فالوطن سيكون خارج سياقات هذه الزمرة التي تحكم في زمن اللاوطن واللاّدولة واللاّضمير طالما بقي هدف مجمل الأحزاب التي تشكلت بعد الغزو الظالم متمسكة بنظام متهالك مقيت للمحاصصة هدفه ضمان السلطة وإدامة المكاسب وتجاوز عدالة الحساب. وفي زيارة من زياراتي إلى بلد أوربي، التقيتُ صاحبي وذكّرتُه بما جرى ويحصل لغاية الساعة في بلد الحضارة والمجد والمسلّة والزقورة والمراقد والأديرة والنواقيس المجلجلة وهي تناطح المآذن والمعابد. حينها قال لي قد صدقتَ!
ذلكم كان الحرج الأساس في مثل هذه الدعوة الجانبية والمتمثل بعدم استعدادي  لمجاراة الممارسات السيئة لأحزاب السلطة التي حكمت البلاد منذ احتلالها في 2003 وتسليمها على طبق من ذهب لأدوات دولة الجارة إيران كي تسوسها كواحدة من محافظاتها الفارسية أمام مرأى ومسمع المدّعين بالوطنية وبتوافق مع الغازي الأمريكي الذي انصبَّ جلُّ همّه آنذاك قبل الاحتلال وما بعده على كسر شوكة أعتى نظام، ربما عرفه التاريخ العربي الحديث في المنطقة بغية تفتيت عضده المجتمعي وتحطيم ماكنته العسكرية والصناعية والانتاجية والعلمية كي لا تنهض البلاد ما شاءت الأقدار ويأمنَ المتعاقدون الأقوياء من بقائه خارج الحسابات الإقليمية والدولبة فريسة سهلة وصيدًا هنيئًا لكلّ مَن هبَّ ودبَّ. من هنا كانت مسألة الانخراط في الأحزاب، بكلّ أشكالها الدينية وغير الدينية "تابو" غير ممكن الاقتراب منها بالنسبة لي، كما لغيري من الواعين والمترقبين للأحداث، لأنها ببساطة ليست من ثوبي الوطني بشيء ولا من مبادئي الإنسانية والاجتماعية التي تتحلى بها أسرتي وبلدتي وديانتي. فالأحزاب في بلدان نامية ليس من شيمها الجوهرية صيانة الوطن والدفاع عن مكتسبات البلدان، بل جلُّ همّها حلب الأوطان وسحق المعارضين واستعباد المطالبين واستبعادهم بأية وسيلة، إلى جانب سمة التوسم بالجاه والنفوذ والسطوة وتواصلُ ذات المنهج السيّء في عيش مسارات عميقة رسخت لمصالح متجذرة، هي الأخرى أصبحت بمثابة حقوق متوارثة بمسيات شتى جهادية ونضالية واستشهادية ومرجعية وعائلية وعشائرية وحتى مناطقية وما سواها من تخريفات وتخريجات ساسة الصدفة ومراجعهم حتى اليوم الذي ستحصد فيه ما زرعته من بذرة فساد وما جنته من مكر وخداع وكذب ونهب وسرقة، وهو قريب إن قضت الأقدار. ويكفي اللبيب النبيه والمثقف المدرك لمكر الأحزاب في عراقنا عمومًا ومن دون تمييز، الشهادة الواضحة أمام الأعين على سوء نوايا هذه الأحزاب وبؤس أفعالها ودجل سياساتها وتدليس تصريحاتها وتكرار أكاذيبها وخيبة وعودها للوطن والشعب طيلة السبعة عشر عامًا المنصرمة بما أتته من خراب ودمار للبلاد والشعب في كلّ مفاصل الحياة ومن دون استثناء ميدان من غيره، وآخرها ما سعت إليه من سرقة مدخرات المتقاعدين بوسائل شيطانية وتعرّضها لمستحقاتهم ومرتبات الموظفين محدودي الدخل بحجة سدّ نفقات الدولة التشغيلية وتأمين السيولة. وهي في حقيقة الواقع خطوة لا تخلو من نوايا سيئة لإدامة زخم السرقات ونهب الثروات والاستخفاف بالعامة، ولو بأطر مختلفة.

المثقف والمعارض أنواع
إن أصحاب المبادئ من غير المتلوّنين ولا الدجالين ولا المنافقين ولا المحابين ولا الساكتين ولا الصامتين عن أشكال الظلم والقهر والفساد واللصوصية باسم ممارسة السياسة، لم يكن من السهل عليهم الصمت والسكوت على عملية نحر الوطن وجزر المستضعفين من أبناء الشعب ونهب الثروات بالطريقة التي حصلت وماتزال بعد مرور ما يقرب من 17 عامًا خلت من المرارة والعلقم والتخلّف في كل شكل وميدان في الحياة اليومية. وهذا دور الطبقات المتعلمة والمثقفة منها خصوصًا، ومَن هم في أدنى درجات الوعي الوطني والمجتمعي. فمنهم مَن آثر السكوت والانزواء متحسرًا من الخوف والهلع. ومنهم مَن جاهدَ وناطحَ وفشلَ حينًا وأحرز النجاح حينًا آخر، فكان منهم مَن ضحى بحياته فداءً للوطن والشعب، ومنهم مَن كُتبت له النجاة ومازال في ساحة المعركة يقارع الفاسد والمفسد في الأرض. ومنهم، مَن عبّأَ قلمَه بمداد الدم صرخةً مدوية حبًا للوطن والشعب المجاهد، فأرسى بذلك لأوراقه رائحة ذكية يستنشق منها القارئ والمتابع شيئًا من بلسم ذكريات تُعيد إلى الأذهان جهاد الأبطال في التاريخ في مقارعة الطواغيت والفاسدين في الأرض من يوم خلقها الله وملأها بآدم وحواء لغاية الساعة السوداء القائمة التي تتعرّض فيها البشرية لواحدة من أعتى التحديات الوبائية في تاريخ الإنسانية المتمثلة بالجائحة كورونا.
أمّا مَن شقَّ له طريق التزلّف والمجاملة والمحاباة على حساب الحق والوطن ومصالح الشعب العامة، فقد جنى على نفسه وأهله ووطنه وشعبه سواءً بصمته الأخرس أو بلسانه المتزلّف، ولن يُحسب ضمن نخب المجاهدين الصادقين حين ينتصر الحق على الظلم وتندحر زعامات الأحزاب المتسلطة وأدواتُها ومراجعها إلى غير رجعة وغير ماسوفٍ عليها. فمثل هذا الشخص الخاوي من صدق المواطنة ليس لديه ما يستحق منحه صفة المواطنة وغيرة الضمير وسموّ الفضيلة. فالثقافة الوطنية  تعني أيضًا من جملة ما تعنيه، التَمثّلُ بالشجاعة والغيرة والحماسة والعزيمة والإرادة الصائبة في مطاردة الباطل وزجر الفاسد ومحاسبته وقطع يد السارق ونهر المخطئ في مكانه، أيًا كان مصدرُه وجبروتُه ومنبعُه. ولم يعد خافيًا ما تفرضه أحزاب السلطة وأدواتُها وذيولُها من شروط وموجبات كأساس للقبول بتولي أية شخصية منصبًا في الدولة العراقية أو في اقتناص أية وظيفة متقدمة أو أولية. وهذا ديدنُها منذ التأسيس لنظام المحاصصة البغيض في توزيع المناصب والنفوذ فيما بينها وعلى الأبناء والأقارب والذيول التابعين الذين يشكلون جيوش هذه الأحزاب في صناديق الاقتراع. ولأجل هذا السبب يعترض اليوم بعض زعماء الأحزاب وذيولهم وأتباعُهم على أية إصلاحات ينوي الكاظمي وفريقُه الوزاري إجراءَها لأنها تضرّ بمصالحهم ومكاسبهم.

صيانة المكاسب وديمومة المنافع أولاً، من أهداف أحزاب السلطة وأتباعهم
لا جدلَ في أنّ معظم الذين تورطوا في الشأن السياسي، او بالأحرى وبالتحديد الأصحّ، مَن انخرطوا في أحزاب السلطة طوعًا أو قسرًا أو مراعاة أو تشفيًا أو لغايات في نفوس أصحابها، لم يضعوا في أولى أولويات حساباتهم شيئًا ممّا يعلي ويسمو بسلوكهم انطلاقًا من سمة حب الوطن. فهذا الشعار كان ومازال في نظر الثوار الحقيقيين الصالحين يشكل رأس الحربة في نضال هؤلاء، ومنه المضيّ في قطار التضحية لغاية بلوغ الأهداف النبيلة التي يفترض أن ثاروا من أجلها ولتحقيقها للصالح العام، وطنًا وشعبًا ومجتمعًا ومدنية.  فمَن يحبّ حبًا صادقًا، يمشي في مشوار هذا الحب زمنًا طويلاً وفي كفه راية التضحية بالغالي والنفيس لأجل المحبوب، شخصًا كان في افتراضنا أم وطنًا أم شعبًا أم بلدة أم منطقة أم أي هدف اسمى.    
هناك ساسة أتوا على متن قطار الغزاة أو اعتلوا دباباتهم التي دكّت العراق وشعبَه قبل أن تطيح بحكم النظام السابق مهما كانت الأحكام بحق هذا الأخير. وآخرون نبعوا من رميم الفقر والحرمان وبرزوا في التسلّق الماكر والتزلّف السافل، وقد سمح هؤلاء لأنفسهم أن يعتاشوا على فتات الحكم الشيعي بعد سطوة هذا الأخير على مقاليد الحكم باتفاق وتوافق مع الغزاة العتاة الماكرين. وكان جلُّ همّ هذه الفئة الطافية على المياه الراكدة في الزمن الأغبر، ضمانُ حصولهم على حصتهم من الكعكة، وليس غير ذلك. وقد ساق مثل هذه التصريحات الخائبة الخائنة وغير المسؤولة بعضُ من ساسة هذه الفئة بلا خشية ولا تردّد، ومنهم مَن احتل منصبًا تشريعيًا عاليًا حين تصريحه من على شاشة إحدى القنوات الفضائية يومًا، أنّ جلّى همّ ممثلي هذا المكوّن بعد فقدانهم الحكم أن يحصلوا على حصتهم من أموال الدولة، ولا يهمّهم مَن يحكم البلاد. وكل هذا يجري ضمن صفقات فساد سياسية بين أحزاب السلطة بعيدًا عن أي شعورٍ بالوطن  ومصالحه العليا.
وفي اعتقادي هذه جريمة كبرى، ليس بحق مكوّن أصيل أثبت دومًا قدرته على حكم البلاد بغض النظر عن ارتباط بعض رجال ساسته بتشكيلة النظام السابق أو بعدمه، بل هي جريمة بحق الشعب الذي ائتمنهم على مصالحه وحقوقه المهضومة في زمن الغدر واللاّدولة. إنه لمن المعيب حقًا، نطقُ بعض السياسيين الدخلاء الانتهازيين بكلمات كفر وهرطقات وهلوسات سياسية وهم يحتلون شاشات القنوات الفضائية حين تبجحهم بنجاحهم بتأمين مكاسبهم الشخصية والفئوية والحزبية والمناطقية أولاً وقبل كلّ شيء، وتغليبها على مصلحة الوطن العليا. فالمهمّ لدى هؤلاء الطفيليين صيانة هذه المكاسب وديمومتها وتوارث نيل المكاسب وإدامتها ما شاءت يد الأقدار وأدوات الفساد، ومن بعدهم الطوفان. وهذا ما حصل طيلة السنوات المنصرمة وما أوصلتنا إليه أهداف وغايات أحزاب السلطة التي ربما تجاوزت الثلاثمائة حزب، وجميعُها تأكل من الكعكة بطريقة أو بأخرى لغاية الساعة.
وإذ تدور في هذه الأيام نتف كلام وأحاديث عن عزم الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي وفريقه الوزاري المفروض عليه بعضُ وزرائه بذات نهج التحاصص اللعين، عن عزمه على التغيير وبدء الإصلاح بالرغم من صعوبة المرحلة وعبء التركة الثقيلة التي خلفتها الحكومات الشيعية الفاسدة المتلاحقة، إلاّ أنّ الشكوك ماتزال تراود أصحاب الفكر والتخطيط وأرباب العمل من مجاميع القطاع الخاص الذين مازالوا يشعرون بالغبن من عدم مشاركتهم في صنع القرار السياسي- الاقتصادي الذي لا يمكن فصل الهدف الواحد منه عن الآخر. فالاقتصاد هو الذي يقود سياسة البلدان في هذه المرحلة الحرجة من زمن البشرية. ولا بدّ من بداية جريئة حاسمة تضع القطار على سكة البلاد الصحيحة، سكة الوطن والمواطنة التي تؤمن بالعدالة والمساواة واحترام الأهلية والتخلّي عن أدوات التخلّف والجهل والفقر التي آلت إليها بلاد الرافدين وجعلتها أحزاب السلطة، ولاسيّما الدينية منها المتبجحة بالخرافات والترّهات والحكايات المدسوسة الغريبة التي تريد أن تبقي الشعب في غياهب الجهل والتخلف وتبعده عن ناصية العلم والمعارف وتشجعه على رفض تقبّل فكرة التحرّر من الدين والمذهب والمرجع وكلّ ما يمكن أن يقف حجر عثرة أمام تقدم وتطور الشعوب المبتلاة بساستها المتفقين المتوافقين مع سادة الدين والمذهب والطائفة والعرق. 
    من المؤسف أن تقف جانبًا أو تنزوي خشية شرائحُ مهمة من الطبقات المثقفة وأصحاب الفكر ومَن وقعت عليهم كوارث الحياة بسبب سلوكيات ساسة الصدفة وزعماء الأحزاب التي تشدّقت بالدين واتخذت المذهب أدواتٍ لأبقاء الشعب المغلوب في سباته والبقاء صامتًا في نومه كي لا يصحو على ما جرى ومازال يجري بالرغم من صحوات شعبية متتالية لم تاتي بثمارها لغاية الساعة. ويُخشى من الصحوة الأخيرة للانتفاضة التشرينية المتعثرة في بعض أدواتها، والتي اتخذت مسارات متعددة، متناقضة في مطالباتها حينًا والمتوالمة مع جهات في السلطة حينًا آخر، أن تخبو وتُركن موجتُها الوطنية الصحيحة جانبًا وتُغيَّر وجهةُ مرساتها على أيدي أدوات أحزاب السلطة نفسها وميليشيتها. فهذه الأخيرة بكل ما أوتيت من قوة وبطش وقسوة، تحاول الاجتهاد والدفع  بثوار الانتفاضة لتغيير مرساتها وتوجيهها بحجة ما يُشاع دينيًا ومذهبيًا بالتوجه الشامل لدعم ما يُسمّى بالمقاومة المسلحة والتحذير بالخشية من عودة أدوات الشماعة التقليدية للنظام السابق التي يخشى البعض من هؤلاء المتصيّدين بالماء العكر قلبُها الطاولة رأسًا على عقب على أرباب وزعامات السلطة وأركانها ومراجعها في حال أزفت ساعة الانفراج وقُهرت أدوات الفساد التي تحكم البلاد والعباد بعد انفراط عقد الراعي السياسي الأمريكي مع المتعاقد الرئيسي الفارسي الذي يراهن هذه الأيام على كسب الجولة الأولى من المفاوضات التمهيدية الافتراضية بين العراق وأمريكا. وهي في واقع الحال مفاوضات صعبة بين أميركا وإيران التي تدير دفة العراق وتوجه سياسته وتغتصب اقتصاده وتُؤجل تقدمه وتنميته وتطوره ما أمكنها ذلك كي يبقى أسيرًا ذليلاً بين أيادي حكم ولاية الفقيه. 
أما ما نترقبه من نتائج من هذه المفاوضات غير المتكافئة في المنطق والحذق والذكاء والمكر السياسي الدولي، فلن يتجاوز من جانب المفاوض العراقي وكيل أحزاب السلطة، التأكيدَ على ضمان استمرار السلطة بأيدي أدوات سطوة ولاية الفقيه ووكلائها في الوطن. وسيبقى هدف مَن في السلطة بموجب نظام الحكم القائم،  صونُ المنافع وديمومة المكاسب وتجاوز عدالة الحساب وتوريث حقوق المنتفعين ظلمًا وجورًا، شئنا أم أبينا.




44
على نفسها جنت براقش!
لويس إقليمس
بغداد، في 19 أيار 2020
كانت جريدة الصباح الرسمية العراقية قد نشرت في عددها ليوم الأربعاء 29 كانون ثاني 2020 ما مفادُه بأن "تقديرات المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لقيمة الأموال المنهوبة المهربة من العراق توازي الموازنات الاستثمارية التي أُقرت منذ عام 2003 وحتى الآن". وقد يفيدنا المختصون بالأرقام عن قيمة هذه المبالغ التقديرية وغيرها ممكّا في الكواليس، ليس كمعلومة عامة عابرة فحسب، بل لتكون من وثائق الجهات العدلية النزيهة التي تقبل بمتابعة هذا الملف الشائك، بالرغم من عدم وثوقنا جزئيًا بصدقية الجهاز القضائي القائم حاليًا بسبب اعتقادنا بمجاراته لأحزاب السلطة ومحاباتها، لكون نفر من عائلته يُعدّون من الأتباع والمجالسين لعدد من الفاسدين في السلطة. لذا لا نعوّل كثيرًا وتمامًا على الأجهزة العدلية والقضائية الحالية واية أجهزة رقابية أخرى في الوقت الراهن، بسبب تشابك الأحداث وتداخل العلاقات، ما طبع هذه الأخيرة بصفة المجاراة للواقع حتى انقشاع الظروف وتبدّل الوجوه والشخوص. ما دعانا للتذكير وإثارة الموضوع مجددًا ما بدا للمواطن العراقي وغيره، عن استعداد مكنون مشوبٍ بالحذر من جانب سابع رئيس لمجلس الوزراء في العراق بعد الغزو الأمريكي، لفتح أوراق هذا الملف الشائك ضمن منهاجه الوزاري، لكونه من المواضيع الساخنة المسكوت عنها بل المهمَلة من قبل مَن سبقه على هذا المنصب.
قد يكون ما نسمعه ونقرأه عن أرقام الفساد الخيالية "صادمًا جدّا"، لكنه في نظر شرائح من أرباب الطبقة الفاسدة وأتباعها يدخل ضمن خانة "العادي جدّا". فحيث كانت صفة الفساد والسرقة والنهب والقتل حرامًا في العرف الاجتماعي العراقي "العربي"، أصبحت في ظلّ نظام الحكم بعد 2003، نوعًا من التفاخر والشيم المجتمعية لنفر ضالّ ارتضى لنفسه الانخراط ضمن منظومة الفساد التي تحكمها أحزاب السلطة، ولاسيّما الإسلامية. ويا للعار! ولكن، حسنًا فعل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد بمكاشفة الشعب بالمشكلة بل بالمشاكل الكبيرة والكثيرة التي تتقاطع مع جهود بعض أعضائه الذين نتوسم فيهم الرغبة الصادقة والنزاهة الشخصية. ونحن نعتقد أن هذا لن يكون ممكنًا إلاّ في حالة توفرت لديهم الحرية الوافية والمساحة الكافية للعمل وفق الضمير والمواطنة الصادقة للحفاظ على ثروات البلاد وحقوق المواطنين المحرومين منها بسبب ما شهدته البلاد منذ السقوط في 2003. فقد سمحت قوة الاحتلال الغاشم آنذاك لساسة البلاد بنهب الثروات على مرأى ومسمع بل ودعم من رموزها وعلى رأسها الحاكم المدني سيّء الصيت بريمر الذي مسك العصا من الوسط ووزع المناصب والمكرمات بموجب نظامه المحصصاتي البغيض الذي كان السبب المباشر في نشر الفساد واستشرائه وتمكنه من الاتساع بطريقة أخطبوطية وأميبية ماكرة لغاية الساعة.
لا ننكر صعوبة العمل التي يمكن ان يواجهها مجلس مكافحة الفساد وغيرُه من المؤسسات الرقابية في ملفات معقدة يعود جلُّها لحيتان الفساد الكبيرة من زعماء كتل وأحزاب في السلطة منذ 2003 أو تلك التي تعود لأتباعهم وذيولهم من مسؤولين ولدى قيادات مدنية وعسكرية تحظى بوصاية وحماية من لدن قادة الكتل والأحزاب التي يخشى القضاء التقرّب منها أو التعرّض لها لأسباب عديدة ومنطقية في مجملها. فقد صرّح زعيم كتلة مهمة في تصريح إعلاميّ سابق أن القضاء واقع تحت مطرقة الأحزاب والكتل السياسية وأنه يخضع لتأثيرات الأحزاب والساسة في البلاد. بل إنه تفاخر بذلك أمام الملأ. ولعلَّ من نماذج محددة ومعينة وبارزة لهذا التأثير ما حصل ومازال يحصل في معالجة حقوق مواطنية لموظفين وعسكريين سابقين ايام النظام السابق من حجب لمستحقات وتراكم مرتبات واستحقاق حقوق تقاعدية اسوة بالغير كما تنص عليه الحقوق الوطنية الأساسية، مقابل تسهيل حصول فئات غيرهم ومن أتباع أحزاب السلطة حصرًا على حقوق تفوق استحقاقاتهم بحجة الجهادية والمظلومية وبمسميات أخرى ما أنزل الحاكم الظالم من أوامر سلطانية.
 في اعتقادي أن السيد مصطفى الكاظمي، قد وضع نصب عينيه موضوعة الفساد وكيفية معالجتها ضمن أولويات كابينته الوزارية. فالشارع الغاضب منذ أكثر من سبعة أشهر لانطلاقة الانتفاضة التشرينية الوطنية السلمية، وأنا منهم مثل باقي أترابي من المفكرين والمثقفين والأكاديميين وغيرهم من محبي الوطن والمتمسكين بأرضه وحضارته وتراثه والمفتخرين بفسيفساء تعدديته الجميلة الملهمة للعالم أجمع، نتطلع لعمل وطني جماعيّ دؤوب مصحوبٍ بغيرة متقدة من الجهات الرقابية جميعًا وبغطاء من لدن رئيس مجلس الوزراء الحالي العازم على وضع حدود لهذه الآفة ومحاسبة ومتابعة اللصوص وناهبي ثروات البلاد من دون وجه حق . وهذا ممكن التحقيق في حالة انسلاخ هذه الجهات ومَن حولها وفي خطوطها الرقابية عن سطوة أحزاب السلطة وأزلامها وذيولها. ونحن نعلم أن في الأدراج الكثير من ملفات الفساد العديدة المركونة محظورة التقرّب منها لأنها لو فُتحت فإنّ رائحتها النتنة ستفسد البيئة القريبة من أبطالها من الرابضين في المنطقة الخضراء او الذين لاذوا بالفرار في دول الجوار وبلدان الاغتراب ومعهم الملايين من الورق الأخضر الذي سُرق ظلمًا من أفواه أهل العراق الطيبين واقتطع من حقوق الشهداء والثكالى والأرامل المستحقين ونُهب من أمام عيون الشباب العاطل الباحث عن فرصة عمل والخريجين الذين يفترشون الشوارع أو يعملون في العتالة في سوق الشورجة وبسطات الأسواق والساحات العامة رغم أنّي لا أنتقص من ايّ عمل او وظيفة مهما كانت طبيعتُها دنيا أو حقيرة في نظر البعض.
هناك مَن يتعامل أو يذكّر بأرقام فساد خيالية عالية تصل مبالغُها إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار أو تتجاوز هذا السقف المفترض في ضوء حسابات خافية أخرى يجهلها القارئ والمتتبع البسيط الغافل. ناهيك عن اعترافات من مصادر القرار التي تحدثت وتتحدث صراحة عن أكثر من أربعمائة مليار دولار أو ما يقاربها مفقودة ولا أحد يعرف دهاليز مواقع صرفها وكيفية سرقتها. أمّا مَن فتحَ فاه من الجريئين، فكان مصيره التغييب. لكن المشكلة أنّ الكلّ مثل الكلّ متآزر في إبقاء الشرّ وأدوات الفساد وإدامة هذا الأخير وفق مبدأ "أنتَ هص وآني هص والاثنان بالنص".  وهذا ممّا يحافظ على متانة العلاقة لغاية الساعة بين الأصدقاء الأعداء في مراكز القرار والمتسلّطين على رقاب الشعب ودوائر الدولة، حين توحُدِهم واجتماعِهم على كلمة واحدة عندما يوشك خطر الاقتراب بفضح مصالحهم وفسادهم أو عندما يحصل الخلاف بين الفاسدين ويجري التهديد والتلويح بالملفات المحفوظة التي تراكمت عليها الأتربة منذ سنوات.

على نفسها جنت براقش
جميلٌ جدًا، أن يُفرد السيد رئيس مجلس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي في منهاجه الوزاري مادة منفردة ومستقلة عن مكافحة الفساد والإصلاح الإداري (المادة الخامسة). وهذا من الدليل على حرصه، في حال صدقت هذه النية، للتعامل الجادّ مع هذه الآفة التي تُعدّ من التحديات الكبيرة التي ستواجه برنامجه. وبطبيعة الحال لن يكون بمقدوره منفردًا أن يزيل هذه الغيمة السوداء الثقيلة الجاثمة على صدر البلاد والتي نحتت جسم الخارطة الوطنية بسبب المشهد السياسي الفاسد الذي تديرُه أحزاب السلطة، والدينية منها بصورة خاصة. وهذه دعوة للسادة في المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في حالة استئناف عمله الوطنيّ، بعدم الانزعاج من طروحات أبناء الوطن الطيبين، والأصلاء منهم بصورة خاصة ولاسيّما في هذه الأيام العصيبة الصعبة التي يمرّ بها اقتصاد البلاد المتهاوي بسبب الانخفاض الحادّ في أسعار النفط الذي يشكلُ الدخل القومي الريعي للبلاد، وما يعانيه أو قد ينتظره من مصير صحّي مجهول بسبب عدم الامتثال الصحيح لإرشادات الوقابة من الوباء الفتاك المتمثل بفايروس كورونا القاتل. لسنا هنا بصدد فضح هذا أو ذاك، أو الانتقاص من قيمة هذا أو ذاك ممّن قدمَ على ظهور دبابات المحتل، أو ممّن جاءت بهم صناديق الاقتراع المزورة إلى السلطة من غير أهلية ولا جدارة وفي خلوٍّ من أية مسحة وطنية أو شعور بالولاء للوطن وأهله.
كان الأمل وسيبقى هدف كلّ الطيبين والحريصين في الإصلاح والبناء والتنمية عبر التصدي للفاسدين وإعادة ما أمكن ممّا تمّ نهبه وسرقتُه وتهريبُه من الأموال السائبة. فالزمن الصعب الحالي يستدعي تعاونًا ملموسًا من الجميع من أجل المساهمة والعمل على إيجاد حلول شافية وآنية للأزمه المالية والاقتصادية الراهنة. وهذا جزءٌ أساسيٌّ أيضًا من مطالب الشارع المنتفض في وسط وجنوب العراق. ونعتقد جازمين وقوف باقي مواطني المحافظات الشمالية والغربية مع مطالب المنتفضين واللحاق بهم قريبًا جدًا بالانتصار للمواطنة الحقيقية ووضع حدّ لاستهتار المنظومة السياسية القائمة على حكم البلاد بنظام المحاصصة التوافقي الذي يديم نهب الثروة الوطنية وسرقة مستقبل الأجيال التي لم تولد بعد، بل ستكون  مدينة لدول العالم بسبب سوء إدارة أساطين الحكم الفاسدين.
نحن انطلاقًا من هذا المنبر الإعلامي الوطنيّ السمتقلّ، فقط نريد التذكير بنقاط إضافية قد تساهم وتساعد في حثّ النيات الطيبة لدى بعض أعضاء المؤسسات الرقابية الوطنية، تذكيرًا وتشجيعًا ليس إلاّ.
هناك قوانين جائرة ولصوصية شرّعتها الأحزاب الحاكمة لنفسها ضمن الموازنات التشغيلية بغية تمكين سطوتها بنهب ثروات البلاد وشرعنتها في غفلة من الشعب. فالمرتبات الخيالية والامتيازات الغريبة العالية للرئاسات الأربع وأصحاب الدرجات الخاصة ممّا أنزل الله بها من سلطان من التي ليس لها مثيل في العالم إلاّ ما ندر، ومثلها ما يُخصّصُ ويُنفق أصلاً من موازنات على هيئات خاصة وعلى الوقفين الإسلاميين، وكذا الصرف غير المشروط وغير المحدود للإيفادات عمومًا لأمور ومهام غير منتجة، وما يتبع هذا وذاك من مرتبات غير مشروعة ومخصصات وامتيازات بمسمّيات مظلومية وجهادية ونضالية ورفحاوية، وكلّها تستهلك موارد الدولة وتنخر ميزانيتها. ونحن اليوم أحوج ما نكون لادخار دينار إضافيّ لصالح ميزانية الدولة الهزيلة التي تهاوت بفعل هبوط أسعار النفط عالميًا واعتماد حكوماتنا على هذا المورد الريعي ولم تتمكن من سدّ الثغرات الأخرى في المنافذ الحدودية التي يمكن أن تساهم بموارد إضافية مهمة إلى ميزانية الدولة في حالة سيطرة أجهزة الدولة على إدارتها وخضوعها لسلطة الحكومة بدلاً من تركها سائبة بأيادي ميليشيات أحزاب السلطة في شمال الوطن ووسطه وجنوبه على السواء. وممّا يُؤسف له عدم تنفيذ البرلمان العراقي لوعوده بإيقاف مهزلة هذه الامتيازات والتخصيصات والنفقات غير الضرورية إضافة للتشريعات غير العادلة التي كان قد سنّها نواب الشعب ظلمًا وإجحافًا لصالح فئة أصحاب المنافع الاجتماعية الخياليين من جيوش صناديق الاقتراع غير الشريفة. فكان تحرّك رئاسة البرلمان ساخنًا حينذاك سخونة الشارع المنتفض. وما أن هدأت الزوبعة حتى تم ركن كل تلك القرارات الإصلاحية التي تبجحت بها رئاسة البرلمان جانبًا ولم يتمّ تفعيلُها أو تنفيذُها.
كما لا ننسى أن نذكّر بأدوات فساد غيرها تتمثل بظاهرة ابتزاز أرباب الشركات والأعمال من أجل تسهيل متابعاتهم لأعمالهم في دوائر الدولة والوزارات الإقطاعية التي تخضع في مجملها للرشاوى ولفساد الجهات التي تهيمن على هذه الوزارة أو تلك المؤسسة. وما يتبع ذلك من استغلال المواطنين البسطاء لدى وقوعهم ضحايا فساد الموظف غير الوطني الذي يضع كل العراقيل بهدف إعاقة إنجاز المطلب المشروع في أحيان كثيرة. ومثل هذا الموظف الفاسد لم يكن له أن يتصرف وفق هذا الأسلوب لو لم يجد مَن يشجعه ويدعمه مثالاً سيئًا أمام باصريه وسمعًا بأذنيه وقراءة لفضائح ترد هنا وهناك. فهذه جميعًا جزءٌ من أشكال الفساد أيضأ وبانتظار المتابعة والملاحقة والمحاسبة.
أخيرًا، إذ نشدّ على أيدي الجهات الرقابية الرصينة المؤمنة بالمواطنة والوطنية بالقصاص من كلّ ظاهرة تنبع منها رائحة فساد، نترجى الكثير من المجلس الأعلى لمكافحة الفساد مدعومًا برغبة رئيس الوزراء الجديد، حين وقوف الجميع فعلاً في خانة الوطن والمواطن وبجانب مطالب الشعب المنتفض ضدّ الفساد وظلم الفاسدين من ساسة الصدفة والذيول المحترفين. فالبلاد لا يمكنها أن تنهض وتُبنى إلاّ بالقضاء على اشكال الفساد وأنواع الشرّ المستشري بسبب النظام السياسي الفاشل وإيداع الفاسدين والمفسدين في الأرض في الموقع الذي يستحقونه لنيل ما ينتظرهم من مصير محتوم. فعلى نفسها جنت براقش!


45
عندما "يتكلّم النساء"، "تنصتُ الرجال"
لويس إقليمس
بغداد، في 18 أيار 2020
على سفوح جبال الهملايا في منطقة التبت، تركن قبيلة "الموسو" ذات النظام المجتمعي الأمومي الذي تديره النساء وتهيمن فيه على مقاليد السلطة بما في ذلك حرصها على ضمان استمرار النسب للنساء دون الرجال الذين لهم دور هامشيّ في إدارة الأسرة والمجتمع. وذات الواقع ينطبق على قبائل أفريقية أخرى حيث صوت النساء لا يعلو عليه صوت وبيدهنّ مقاليد إدارة البيت والمجتمع. بل إن "النساءَ سوافرُ والرجالَ محجبات" في قبائل الطوارق! وفي هذه وتلك، نظرة تستحق النظر بحقيقة تحرر المرأة وشقها حياتها بالطريقة التي ترتأيها هي وليس ما يُفرضُ عليها. ومهما كان رأي بعض المجتمعات الشرقية المتخلفة بسبب العرف والتقاليد قاصرًا ودون المستوى العالمي المطلوب إزاء الدور الذي تضطلع به المرأة في البيت والمجتمع والسياسة والتربية والاقتصاد، إلاّ أن ذلك لن يغيّر من حقيقة طموحها ومن الاعتراف بواقع جريء تسعى إليه بالرغم من حصرها وحصارها بوسائل لا تناصرها وتنتقص من شخصها وكرامتها وجدارتها وحقها في التعبير عن رأيها وعيش حياتها كما أراد لها الخالق من دون المبالغة والزوغان والخروج عن الطريق القويم وبما يضمن حقها بالمساواة مع نصفها الآخر، الرجل.   
على أية حال، جاء سياق هذه المعلومة الصادمة بعض الشيء للبعض الذي مازال متخلفًا في عقليته ورؤيته القاصرة لدور النساء في المجتمع وحقّهنّ في التعبير عن الذات والطموح وتحديد المصير ورسم المستقبل، لمناسبة مشاركة المرأة إلى جانب نصفها في المجتمع من الرجال شيبًا وشبابًا وقاصرين في التظاهرات الوطنية الجريئة منذ انطلاقتها في تشرين أول من العام المنصرم. فقد شهدت محافظات عراقية عُدتّ محافِظة تقليديًا وعرفًا كالنجف الأبية وكربلاء الشجاعة مؤخرًا، متحدية كلّ دعوات الاستهانة بالمرأة وبقدراتها وحقوقها الكاملة في المجتمع التي تريد جهات متخلّفة ديمومة حصرها في شؤون المنزل وانغلاقها عليه ما شاء المجتمع الذكوري الشرقي. لم تعد المرأة بعدُ وفق النظام الدولي المتطور بحاجة لنيل الاستئذان من الرجل، مهما كانت صفتُه، لعيش حياتها بحريتها التي كفلها لها الخالق الذي خلق السماء والأرض تمامًا كما خلق الرجل والمرأة بمساواة وشراكة تكافلية تكاملية من أجل المساهمة في بناء مجتمعات مفيدة نافعة حصينة ترقى لمستوى الأداء والعيش الكريم وبناء السلام بين الشعوب والأمم والدول. ومن غير الممكن أن تبقى النساء لعبة أو مجرّد زينة أو ايقونة جامدة يتفاخر بها الرجال ومرضى الهوس الجنسي وحب الجمال لاسيّما في المجتمعات الشرقية المتخلفة عن الركب العالمي الذي يؤمن ويصرّ بالقبول بتساوي الإنسان، ذكرًا وأنثى، في الخلق والقدرات البشرية وفي العمل وحرية التعبير والاختيار والجدارة وتولّي المناصب والحقّ بالثورة على الموروث البالي وأشكال الفساد والخداع والدجل والاستغلال في المجتمعات.
عندما خرجت نساءُ النجف وكربلاء دعمًا وتواصلاً مع نساء بغداد ومحافظات جنوبية "شيعية" ثائرات يبحثن عن دورٍ سياسيّ لهنّ وعن حقوق مسلوبة في مجتمعهنّ المنغلق بسبب أعرافٍ وتقاليد حطّت من قيمتهنّ الإنسانية والبشرية لعقود من الزمن بأعذارٍ دينية وحجج شرعية، فذلك لشعورهنّ بأنهنّ "ولدنَ عراقيات ليصبحن ثائرات"، كما أشارت إحدى المشاركات بكلّ شجاعة. فقد اقتنعت هذه الشابة أنّ الأعراف الموروثة البالية لم تعد صالحة في عالم اليوم المتطوّر والمختلف عمّا كان عليه قبل أكثر من 1400 عامٍ خلت. فالعراقية المتحرّرة بعقل وحكمة ورؤية موضوعية وشخصية بعد الثورة التشرينية الوطنية تسعى مع شريكها الرجل بكلّ جدارتها وقدراتها لاستعادة دورها الطبيعي الذي اغتاله مّن راهنَ على ديمومة انغلاقها وجعلها أسيرة المنزل ومتعة ومتاعًا بين أحضان الرجل المستبدّ ونزواته وسطوته الذكورية التي انتهت ولم يعد لها من وجود إلاّ في خيالات مرضى النفوس في المجتمعات الشرقية التي تحتاج إلى عقود بل قرونٍ لردم الفجوة القائمة في العلاقة بين الرجل والمرأة بين الشرق والغرب.

البحث عن وطن مفقود وحق مسلوب
لقد أثبتت الانتفاضة التشرينية الثورية طابعها الوطني من حيث الشعور وإعمال الضمير والبحث عن مخارج لأبواب الفساد الإداري والسياسي والمالي والقصور المجتمعي بحق المرأة التي هبّت لمشاركة الرجل ودعمه وربط مصيرها بمصيره ومطالبه المشروعة باعتباره شريكًا مساويًا لها ومتساويًا معها في الحقوق والواجبات وفي الثورة ضدّ أشكال القهر والظلم والفساد ونهب ثروات البلاد على أيدي طبقة سياسية استهانت بقدرة الشعب واستخفّت بحقوقه وضحكت على عقول البسطاء منه باسم الدين والمذهب والشرع والولاية الظالمة على مقدّراته. فجاء صوت المرأة "النجفية" و"الكربلائية"، الباحث مع أخيها الرجل ومَن انتفض معه في محافظات جنوبية مسحوقة مظلومة، ومن عمق أعماق مدينة مقدسة لها أعرافُها وتقاليدُها وحدودُها، بمثابة الزئير الصارخ الباحث عن وطن مفقود وحق مسلوب ومطالب مشروعة مازال ساسة البلاد يرفضون التعامل بها مع الواقع الجديد للشارع المنتفض بقوّة ضدّ العملية السياسية الفاشلة برمّتها. 
مهما كانت وجهة نظر الجهة المقابلة المتهمة بصدّ المطالب المشروعة الصارخة في ساحات التظاهر والكرامة حيال هذه الخطوة التصعيدية من جانب العنصر النسائي ودلالاته المتقدمة في تطوّر الواقع السياسي والاجتماعي في المجتمع العراقي الناهض الرافض لكلّ اشكال الاستغلال غير المقبول وغير المشروع لحقوق الشعب وكرامة الوطن وسيادته، فمن المؤكد أنّ هذه الخطوة المباركة سيكون لها صدى في الداخل والخارج مع تزايد الرصيد الشعبي للشارع الثائر وما يتعاظم فيه من روح وثابة في الوطنية والانتماء. وهذه من الأمور التي يخشى منها الساسة والذيول من تابعي الدول الإقليمية الذين يتحكمون بمقدّرات الشعب العراقي ويسرقون ميزانية الدولة وينهبون الثروات الريعية المختلفة بالشراكة والمحاصصة فيما بينهم. فالدولة بمجملها أثبتت أنّها حاميها وحراميها في ذات الوقت. 
لقد ولدت المرأة العراقية لتكون حرة كريمة أبيّة عاقلة شجاعة صبورة، بل إنسانة تعرف واجبها في المنزل كما تعشق العمل خارجه تأكيدًا على جدارتها وقدراتها الجبارة التي وهبها إياها الخالق الجبار. من هنا، كان وقوفها ضدّ كلّ "تابوهات المقدّس" التي حاول البعض أسرها في قفصها وتكبيلها بما فرضه بعض هؤلاء من ممنوعات ومحظورات باسم الدّين الذي تم ويتمّ توظيفُه حين الضرورة للانتقاص من دورها وكرامتها وحريتها الطبيعية من أجل تحقيق غايات فئوية ومذهبية وشخصية ضيقة. فالمقدّس الوحيد بين أيديها وفي ضميرها وبتوافق واحد مع المنتفضين في ساحات الكرامة هو الوطن، وما زاد عنه فهو من صنع الدجالين والمنافقين والمراهنين على حقوق البسطاء وإرادات هؤلاء المكبّلة بأوامر الدين والعرف والشرع خارجًا عن المألوف والمقبول. ولعلَّ آخر الصيحات بعد الاحتلال في 2003 وصعود الأحزاب الدينية والإسلامية إلى السلطة، حصر المرأة العراقية فيما سُمّي بالغطاء الشرعيّ والملابس الشرعية التي كادت أن تطبع المجتمع بصورة سوداء قاتمة وأشكال من خيمٍ متنقلة تغطّي غطاء الرأس والجسد الجميل الذي خلقه الله حسنًا مثل صورته ومثاله. فما تفعله المرأة العراقية الثائرة بشأن ما يُفرض عليها منذ عام 2003، ليس قناعة من جانبها بل مجاراة للعرف وخوفًا من العائلة وخشية من المتربصين المنافقين ومن سوء تقدير هؤلاء وغيرهم في اتهامها بالتمرّد على هذه الفروض التي ليس لها أصلٌ ولم تعد مقبولة في مجتمعات تبحث عن التحرّر من مثل هذه القيود الظالمة بحجة الدين والشرف والعرف السلبي. من هنا صدحت أصواتٌ نسائية بشعارات وطنية قوية تستحق الثناء والدعم والتقدير. لذلك لم يعد غريبًا أنْ تُسمِعَ امرأةٌ أكاديميةٌ معروفة صوتها رافضة أية سطوة للتأثير على خياراتها، وهو أمرٌ يستحق التقدير بقولها: "نحن‭ ‬أحرار‭ ‬لم‭ ‬نخرج‭ ‬بفتوى‭ ‬ولن‭ ‬نتراجع‭ ‬بقرار، إنما جئتُ‭ ‬لأسترد‭ ‬الوطن‭ ‬الضائع‭ ‬الذي‭ ‬خربته‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمحاصصة‭ ‬المقيتة‭ ‬ولأسترد‭ ‬الحقوق‭ ‬المسروقة‭ ‬وأطالب‭ ‬بدولة‭ ‬مدنية‭ ‬تحترم‭ ‬الإنسان."‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ فقد خرجن حقًا من أجل الوطن ومن أجل استرداده من أيدي مختطفيه وناهبيه، وفي هذا كلّ الوطنية والجهادية ولا شيء غيره جهادٌا ونضالاً!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
دورٌ في المجتمع لا مناص منه
الدول المتحضرة استفاقت منذ سنوات للدور المهمّ والمركزي الذي يمكن أن تلعبه المرأة في المجتمعات على شتى الأصعدة الحياتية. فمن الدراسات البحثية مَن تقدّر نسبة مشاركة المرأة مثلاً في سوق العمالة في منطقتنا الشرق أوسطية مقارنة مع شريكها الرجل بما لا يتجاوز 20%. وهذه النسبة المتدنية للمرأة الشرقية في هذا الخصوص دليلٌ على تراجع حقوق المرأة ونسف طموحاتها في المساواة مع الرجل كإنسانة لها ما للرجل من حقوق وواجبات وطموح ومبادرات لتحقيق الهوية الشخصية وإثبات القدرات الكامنة. ومع كلّ ما نراه من تحرّر وتقدّم في صفوف المرأة وحقوقها، فما تزال المرأة العراقية وضيعة في تمرّدها مقارنة مع غيرها من نساء العالم المتطور. لكنّها في خطواتها ومبادراتها واقتحامها الأخير لساحات التظاهر على الظلم والتعسّف والبحث عن الوطن المفقود، قد أثبتت بحقّ تمرّدها على الواقع المزري الظالم ورفضت اشكال التسلّط الذكوري في السلطة المستبدّة التي سعت لتقييدها بأغلال الشرع والدين والمذهب والعرف الاجتماعي حصرًا لحريتها المكفولة في الخلق والدستور والقانون وحقها في إسماع صوتها ضدّ الظلم وأشكال الاستغلال ومنها تعرّضُها للتحرّش وأشكال العنف الأسري والاغتصاب وهي ساكتة.
اليوم، قالت المرأة العراقية بصوت واحد: لا للظلم ولا للتعسّف! نعم لحرية المرأة وخوضها غمار الحياة أسوة بالرجل، شريكة كاملة في الحقوق والواجبات من دون تمييز كي ينتهي عصر العبودية والاستغلال والتوظيف باسم الدين وشخوصه محاصِرَةً إياها ولدورها الطبيعي، إلاّ فيما حرّمه ربُّ السماء والعزّ. كما أن تجارب الدول والشعوب أثبتت أنّ مشاركة المرأة في القرار السياسي وصيانة النظام المجتمعي وسوق العمالة قد أسهم في تحقيق أهداف سامية في التنمية البشرية المستدامة وفي رفد الاقتصاد الوطني بطاقات متعاظمة وإضافات في الجدوى وزيادة في الموارد والناتج المحلّي بدل عزلها وركنها وحصرها في مهمّة زيادة الإنجاب كالأرانب وترك الأطفال فريسة في الشوارع من دون رعاية صالحة ولا توجيه منزلي متقدم ومتحضّر. 
في خطوة جريئة كهذه الأخيرة، تستلهم نساء العراق القوة والعزم لتحقيق الذات واختصار الوقت الضائع المفقود بسبب ظلم الزمن وقهر الساسة والحكومات المتعاقبة الفاشلة وما قبلها من حكومات لم تُصلح حالَ النساء. وهذا من شأنه أن يختصر طريق الألف ميل ويقلل من الفجوة المفروضة بين الرجل والمرأة ضمن الشراكة الإنسانية المطلوبة عالميًا واجتماعيًا ووطنيًا. فلم يعد زمن انتظار المعجزات ينفع ولا نيلُ المطالب بالتمنّي. إنّما اليوم زمنُ ردم الفجوات بالإرادة الصلبة وفرض المطالب المشروعة بالصوت الصارخ والصورة الواضحة غير المتكلّفة ولا المواربة. وهذه فقط ستقلّل المسافات في تحقيق المعجزات وإزالة الفوارق وتنفيذ المطالب مهما كانت عصية وغير قابلة التنفيذ من أيدي طغمات السياسة والأحزاب المتسلطة بقوة المال والسلاح والنفوذ والاستغلال العرفي.


46
الفيروسات أداة للتهويل وفرصة للترويع
لويس إقليمس
بغداد، في 28 نيسان 2020
لم يشهد العالم قط ما تعرضت له شعوبُ الأرض ودولُها ونظامُها البشري من خوف وترهيب وترويع في أيامنا هذه على يد فيروس كورونا العجيب في شكله التاجي منظرًا، والشرس في تأثيره المباشر وغير المباشر قتلًا، والمارد بالعثور على علاج لسرّه الغامض الذي لا مفتاح له لغاية الساعة. فالجهود ماتزال تُبذل حثيثًا لرصد مفاتيح منابعه والاطلاع على سرّ نوافذ صناعته أو تصنيعه أو تركيبه والوقوف على الأيادي الخفية التي أذنتْ بزيارته في هذه الحقبة الزمنية من حياة الجنس البشري التي شابها ومايزال يشوبُها منذ عقود، الكثير من التغيرات الجيوسياسية والتقلبات الديمغرافية المقترنة بحروب وأزمات كثيرة لها بداية ولا يُعرف لها نهاية. ولعلّ أكثر التأثيرات التي لم يشهد مثلها العالم قط لغاية الساعة اضطرار ملايين البشر للحجر الإجباري في المنازل وترك مواقع العمل وتوقف أنشطة الصناعة وشلل في الإنتاج كلّيًا أو جزئيًا لدى أكثر من ثلث سكان العالم، ما كان له آثارٌ واضحة ومدمرة في اقتصاد البلدان وخسارة مؤلمة في بشر قضوا نحبهم في غير مواعيدهم وغادروا الفانية من غير وداع ولا عويل ولا سلوان.
العديدون من علماء وخبراء السياسة وقادة الاقتصاد وحتى المنجمون والمتنبئون بشأن الجنس البشري قد سبق لهم أن استحضروا سمات غير أمينة لما يمكن أن تمرّ به البشرية وشعوب العالم في غضون العام 2020. ولا أجد منفذًا أو مبرّرًا أو سببًا لمثل هذه التنبؤات الكئيبة والاستحضارات السوداوية  في هذه السنة بالذات. ومع بروز الشك المصحوب باليقين دومًا بشيء من هذه التنبؤات والتوقعات غير السارة الذي طغى سمةً عليا بخصوص أمور هامة وجليلة المخاطر لم يتهيّأ لها العالم فعلاً، فقد أتت كلّ هذه التوقعات بما حملت جِمالُ كورونا السريعة الخطى وهي تجوب دولاً وتزور شعوبًا وتحطّ الرحالَ في أراضٍ من غير جواز سفر ولا إذن بالدخول ولا سابق عهدٍ، غير عابئة باللون البشري ولا جنسه ولا دينه ولا مذهبه ولا عرقه. بل والأنكى من ذلك عدم اكتراثها لواقع حال البشر في الموقع والمنصب والغنى والفقر حين ضربت الرضيع الصغير وفتكت بالشاب اليافع وغيّبت كبير السنّ ولم ينج منها لا السادة ولا الغلمان، لا العلماء ولا الأغبياء، لا حسانُ صالات ولا ربات منازل. وهذا واحد من أسرار الزائر غير المرحَّب به إجمالاً إلاّ ممّن زرعه وفرضه على العالمين، حتى لو كان من لدن ربّ السماء والأرض قدرًا محتومًا. فلا أعتقد أن خالق البشر الذي أراد لخليقته أن تكون حسنة مثل صورته وأذِنَ لها بالنمو والتكاثر زيادة في نسل الأرض، يشاء في لحظة غضب إلهيّ أن يزدري خليقته ويعمل على إبادتها بهذه الوسيلة القاتلة والمعذِبة، إلاّ إذا زاغت عن طريق السماء وتمرّدت على ربوبيته بدون سبب وصعد دخانُ كبريائها إلى أعالي السماء وفاحت جيفتُها في أعماق الأرض وأعاليها. فأراد عوضًا عنها أن يخلق نسلاً جديدًا لإبراهيم أبي الأنبياء ثمنًا لهذا التمرّد والعصيان والخروج عن جادة الصواب. فالله في تصوّرنا البشري الضعيف حرّ في اختيار نوعية الشعب الذي يريده أن يملك الأرض ويتغنى بسحرها ويتمتع بمواردها ويسعى بجدّ وعناية لتطويرها وتنميتها مخافة به وعرفانًا بنِعَمه ومحبة بالأرض وساكنيها وأحبابها. كما أنه لا يريدها أن تكون آنية من العدم ولا فائدة تُرجى من خلقها وزرعها في الأرض، وإلاّ أصبحت فخارًا مكسورًا ومحطمًّا لا يُرتجى من وجوده شيءٌ نافع!

نظام سياسيّ واقتصادي يتهاوى
لم يكن من المنطقي أبدًا أن يتداعى بمثل هذه السهولة نظامُ العولمة الذي صرف له الساسة وقادة العالم الكثير من الوقت والمال والأعوان بعد انهيار جدار برلين وانحسار المدّ الاشتراكي الذي كان يقوده المعسكر الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق. وبالرغم من أنّ بوادر نظام العولمة لها أصولُها الأولى مع بداية النهضة الأوربية حيث أخذ موقعَه السياسي والاقتصادي في المنظومة العالمية بعد الحرب الكونية الثانية ومع بزوغ فجر تكنلوجيا الاتصالات، إلاّ أنه كما يبدو لم يستطع الصمود لأكثر من ذلك بسبب الحاجة لتغيير أدواته في إدارة القطب الواحد للعالم المرتهَن بالقوة الاقتصادية التي يمثلها قادة الاقتصاد العالمي بأعمدته التقليدية التي يرعاها ويمولها الثنائي "عائلتا روكفلر وروتشيلد" المرتبطتين بالماسونية العالمية التي تقود العالم في الحقيقة والواقع لغاية الساعة. فقد تمكنت هذه الأعمدة الرئيسة التي قادت العالم سياسيًا واقتصاديًا أن تطبع النظام العالمي طيلة الحقبة السابقة بهيمنة الرأسمالية الغربية على جميع شعوب الأرض وفرض شروطها وفق مصالحها. فصارت توجه دولاً وتدعم ساسةً وتملي شروطًا على السوق في كيفية سياقها وتحركاتها ونتاجها وتسويقها فيما يُعرف باقتصاد السوق وتغييب الحواجز بين الدول وخلق حروب في مناطق منتخبة وتجهيز أسلحة من أجل قتل أكبر عدد ممكن بل أكبر كمّ من الناس من دون تحديد الهدف الخفي وراء مثل هذه الأزمات. قد يكون هذا جزءًا من سياسة معاصرة لتقليل العنصر البشري على الأرض بعد الزيادة الانفجارية في السكان في مناطق عديدة ومنها بلدان أفريقيا والشرق الأوسط ولاسيّما المسلمة منها التي تؤمن وتتبع ما يمليه عليها شرعُ التزاوج المتعدّد والرمي العشوائي بالبشر المولود في أتون الحياة وزحمتها من دون إعارة الاهتمام لنوع البشر بل للكمّ الهائل الذي يحسب البعض من المنظرين في هذه الشعوب التعبانة، المتخلفة منها أو النامية، حسابًا كميّا لشأن الكثرة العددية كوسيلة وطريقةٍ لغزو الكرة الأرضية وفرض معتقدٍ معيّن دون سواه، بموجب ايديوجيات مريضة تجري وراء مقولة جدلية "خير أمة أُخرجت للناس".
ولكن السؤال الغامض الذي يتطلب إجابة صريحة يبقى التالي: ماذا سيكون شكل النظام الجديد الذي  يخطط له قادة العالم وساستُه وطُغاتُه؟ فإذا كان الغرض من تشكيل نظام العولمة الآيل إلى الانحسار شيئًا فشيئًا أمام أعين البشرية هو إلغاءُ حدود البلدان الجغرافية وتحجيم قدرة الدول وسيادتها على مقاليد الحياة بطريقة سيادة الغني على الفقير وإبقاء الأخير فاقدًا لمقدرته على مجاراة الغني الذي يزداد غنى وثراء على حساب الفقير والمعدَم، فإنّ النظام الجديد الذي لا تُعرف تواصيفُه الرئيسة بعدُ سيلغي الكثير من سمات النظام الدولي السابق بكلّ تأكيد، حيث بدأت تباشيرُه تظهر من حيث التوجه نحو الانغلاق والاكتفاء الذاتي ربما في بعضٍ من أدواته. وبعبارة أخرى، بدأت تباشير الخوف من القادم المجهول تحطٌّ رحالَها من غير توصيفٍ لشكل مقبول لنوعيته وأدواته، بسبب غطاء الأنانية والحذر والشك الذي يحوم حوله وحول مَن يسعى لتنفيذه وإخراجه بالشكل الذي يُبقي على سياسة سطوة قطبٍ أو اثنين أو حتى ثلاثة أقطاب على شؤون العالم واقتصاده مستقبلاً. ولكنه بالتأكيد لن يكون أفضل وأرحمَ وأيسرَ على الشعوب المهظومة والموصوفة بالنامية بل المتخلفة كمًا ونوعًا وشكلاً، طالما أنّ أدوات التقدم التقني المعتمد بشكل أساسيّ على تقدّم التكنلوجيا الرقمية للاتصالات ستكون بيد فئة أو جهات جامحة تملك مفاتيح الاقتصاد وتوجّهه وفق مساراتها الرابحة غير مكترثة بحاجات هذه الشعوب الفقيرة المغضوب عليها إلى يوم القيامة والتي ستظلّ منغمسة في فقرها وتخلفها بسبب فساد قادتها وأنانية ساستها. ولعلّ دول المنطقة الشرق-أوسطية وجزء غير يسير من أفريقيا وأميركا اللاتينية ستكون حتمًا من ضمن هذه التشكيلة.
في الحقيقة ومن المتوقع، أنَّ هذا ما سيعمل عليه أسياد النظام العالمي الجديد حين تنتهي الهجمة الحالية من جائحة كورونا لتنام وتصحو على صرخات أزمة ثانية وربما ثالثة أخرى قادمة. فالسيادة حينئذٍ وبموجب واقع الحال المرتقب لن تكون بيد قيادة  القطب الواحد الذي اعتاد العالم عليها. فقد لاح في الأفق ومنذ حين لاعبٌ جديد وهو التنين الصيني الذي بيده مقاليد حديثة ومتطورة للمشاركة في قيادة العالم، بالرغم ممّا يواجهه من اتهامات من الطرف الآخر المتخوف من تقدمه السريع. وهذا القطب الجديد، قد يكون من صالح البشرية فيما لو تمكن من تشكيل موازنة مقبولة لصالح العالم الثالث عبر تحديد وتقزيم دور القطب الأوحد الأمريكي الذي تسيّد العالم من دون منافس منذ صعود فلسفة العولمة الحديثة بعد الحرب الكونية الثانية تحديدًا. وبالرغم من توقع بروز قطب ثالث محايد آخر كي يكون إلى جانب اللاعبَين العالميين الكبيرَين في ايديولوجيتهما السياسية والاقتصادية كي يمثل بيضة القبان في قيادة العالم، إلاّ أن التحليلات الأولية والتوقعات الليبرالية ترى في تطلعات النظام العالمي الجديد القادم صراعًا جديدًا في المصالح وفي الاقتصاد بصورة خاصة، وفي السيطرة على التكنلوجيا الرقمية أكثر من اعتمادها على مسارات مادية وثروات تقليدية باحتفاظ كلّ قطب بأسراره وإخفائه مفاتيح اللعبة الجديدة القادمة التي ستظلّ من أسرار الكون للسنوات القادمات التي قد لا يتيسر لنا العيش في كنفها والاطلاع على مساراتها، سلبية كانت أم إيجابية. والحكم سنتركه للأجيال القادمة. 

كورونا، أداة للتهويل وفرصة للتخويف
من دون شك، جاء اجتياح فيروس كورونا المفاجئ لدول وشعوب بهذه الطريقة القاتلة والغامضة ليضعَ العالم ومستقبله على كف عفريت وليجعله يتوقع تغييرًا في السلوك اليومي في التعاطي مع الحاجات وأسلوب الحياة. فيما بدأت العناية الصحية من جهتها تأخذُ حيزًا كبيرًا من اهتمام العالم، دولاً وزعامات وخبرات، وسط الحيرة العلمية في العثور على ترياق للشفاء من الوباء وكذا بسبب النقص في الجيوش الطبية والصحية الذي ظهرت الحاجة لمزيد من عديدها بعد وصفهم بخط الصدّ الأول البطل. كما فرضت الجائحة سلوكيات اجتماعية وعادات مختلفة وغيّرت أخرى لم تتعارف عليها مجتمعات وأمم ومنها الوسوسة من كلّ قادم مجهول الهوية وما يترتب على ذلك من أدوات الحيطة والحذر والشك. فلكلّ حالةٍ موقفٌ ولكلّ موقفٍ ثمنٌ ولكلّ ثمنٍ سياسةٌ وسلوكٌ قد تؤدي بالإنسان إلى تغيير معيّن في نمط حياته واختيار شكلها وتحديد مرافقيها ومتابعيها.
لكنّ ما يمكن التأكد منه، أن هذه الجائحة فرضت هيبتها وسطوتها على البشر جميعًا بغض النظر عن شكلهم ودينهم وموطنهم وعرقهم وطبيعة عملهم ومنطقتهم وشخصيتهم بعد أن ساوت في حصادها أمثلةً ونماذجَ من هؤلاء جميعًا بدون تمييز إلاّ في إخفاء أسرار ظهورها وطبيعة انتشارها وتسويقها وبقائها لغزًا حيّرَ العالم والعلماء وخبراء البيئة والصحة والطب لغاية الساعة. ومن المؤسف أن بعضًا من ساسة العالم قد وزّعوا اتهامات من  طرف لآخر حول حقيقة هذا الظهور والانتشار بل وفي كيفية التخلّص من هذه الأزمة التي أرّقت شعوبًا وأممًا ودولاً. وهناك مَن اتخذ منها أداة للتخويف والترهيب والتهديد بعقاب جماعي وفرديّ ضدّ بلدان بل وبلدٍ محدَّد يتفجر قوة واستقطابًا متمثلاً بالصين التي برزت قوة عظيمة فارضةً قدراتها كقطب رئيسيّ بارز قادم يتطلعُ للمشاركة في قيادة الكون سياسيًا واقتصاديًا ورقميًا، ربّما من دون منافس بارز آخر غير أميركا التي بدأت تهتزّ وتتراجع أمام هذا التنّين المارد الذي يعمل بهدوء وبسرية تامة وبحكمة وروية  لابتلاع العالم  بثباته وتقنيته والتزامه البشري بحدود لا ينقصها العقل والحكمة والجدارة.
    إنّ مَن يستمع اليوم لكثرة القنوات الخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي وما تسطره وتنقله ويعبّر عنه المتحدثون بها والناقلون عنها، يثير لغطًا أحيانًا، تمامًا كما من شأنه أن يشكّل قاعدة لتكوين فكرة عمّا تمثله هذه الجائحة وتثيره من خوف وتهديد للجنس البشري. فهناك بالتأكيد مَن استغلّها لتشكيل كتائب تنشر التهويل والخوف من أجل السيطرة على سلوك معين للبشر. وهذا نوع من تسويق تجاري يستغلُه سادة العالم عبر الساسة ووعاظ السلاطين ورجال الدين لإحكام السيطرة على عقول البشر وتحركاتهم وجعلهم أدوات طيّعة بأيديهم، لاسيّما البسطاء من هؤلاء الذين يؤمنون بشيء من الخرافات والخزعبلات التي يسوقها هؤلاء المتحكمون بمصائر الناس المفترَضين من أجل التخويف والتهويل وحتى التهديد لو أمكن.
إنّ هذه المقدمات يمكن أن تشكل قاعدة لمبدأ جديد مرتقب يسعى من ضمن نظرياته وفرضياته للتقليل من عديد الجنس البشري الذي بدأ يشكل بحسب بعض هؤلاء الأسياد عبئًا وعالة على دول وحكومات من حيث كون جماعات هائلة من أعداد هؤلاء من الموصوفين بعديمي الإنتاجية وحتى عديمي الفائدة بسبب توقف إنتاجيتهم أو عدمها من الأساس من الذين يعيشون عالة على مجتمعاتهم التعبانة أصلاً. فيما يرى آخرون في الزيادة الهائلة في أعداد البشر معضلة عالمية كبيرة ومصيبة بحاجة للتعامل معها بشيء من القسوة أحيانًا بغية التخلص من كمّ الزيادة السكانية التي تقع في الخانة غير المنتجة. وما يفسّر شيئًا من هذه الهواجس، عدم التوافق العالمي على تقديم معطيات موحدة كما اعتادت دول ومنظمات تعنى بصحة الجنس البشري. ومثل هذا التردد والاهتزاز في توحيد الجهود الصحية والطبية وتبادل الخبرات التحليلية والمخبرية لمعرفة المزيد عن طبيعة الفيروس وطريقة علاجه والوقاية منه يزيد ويفاقم الشكوك حول الأغراض والأهداف التي تقف وراء هذا الصدّ الدوليّ بعمدٍ أو بغيره. وهذه بداية غير طيبة لضعف التعاون بين دول وشعوب الأرض بسبب ما أفرزته الجائحة من أفعال وردود أفعال واتهامات وتهديد بشنّ حروب أو فرض عقوبات على دول وحكومات وأفراد. ومهما يكن من أمرٍ، فالتهويل قائم والتخويف حاضر سواء في حضرة كورونا أو ما بعد كورونا.
وقانا الله من كلّ شرٍّ وحكّمَ عقولَ الزعماء وضمائر الساسة لما فيه خير البشرية وليس من أجل إذلال الجنس البشري وضرب كرامة الإنسان. فالأخير يبقى أشرف خليقة الله، لا لشيء إلاّ لكونه صورتَه الحسنة ومثاله الطيب!


47
مصطفى الكاظمي، حاكم آخر للقهر والظلام أم حارس أمين لشعب ووطن فقدَا الأمل والوئام
لويس إقليمس
 بغداد، في 11 أيار 2020
أُسدل الستارُ عن تاريخ أتعس رئاسة وزارة ولائية محصصاتية فاسدة حكمت العراق بلا غيرة ولا كرامة ولا شهامة وبالطريقة المخجلة وبوصمة العار التي استحقتها حقًا. ففي عهدها طار ما تبقى من النعم السماوية التي حبا بها الله أرض الرافدين وشعبها. فكان الإيغالُ في الفساد مادة دسمة لكلّ مَن استطاع إلى ذلك سبيلاً، وتسابقَ الذيول والموالون زيادة في الولاء للجارة الشرقية "الأرجنتين". في حين صار بيع المناصب سبيلاً سهلاً وبازارًا مفتوحًا ومرتعًا مباحًا للإثراء غير المشروع أكثر من سابقاتها من الوزارات الشيعية الحاكمة منذ 2003. أمّا فرض الإرادات والفتوّات على أيدي مافيات السلطة وزعاماتها السياسية الإسلامية والطائفية فقد ازدهرت علاماتُها وبامتياز مشهود.
كما صار القتلُ والسلبُ والاغتيالُ من السمات البارزات على عهدها وأسلوبًا آخر للقمع وترويع ثوار الانتفاضة وملاحقة النشطاء واغتيال الشرفاء من الوطنيين الأحرار من أصحاب الرأي والمطالبين باسترداد الوطن المسلوب. وفي عهدها أيضًا، اشتدّ السأم وعمّ الاستياء بسبب سوء الأوضاع الأمنية والخدمية والاجتماعية والتربوية التي سادت ويسّرت أمرَ مصادرة القرار الوطني على أيدي فئات منفلتة مسلحة أذنت لنفسها فرض سطوتها الميليشياوية بحكم ما جنته في ماضيها المخجل من مال سياسي وجاه حكومي ونفوذ مدعوم بغطاء دينيّ من مرجعيات وشخصيات دينية مازال بعضُ تأثيرها قائمًا لغاية الساعة. ثم جاء دور الجائحة، طاعون العصر القاتل والمخيف الذي هاجم الأرض وما فيها، سواء بفعل الطبيعة أو بتدخل خليقة الله، ليكون إشارة مشتركة من لدن السماء والأرض على الحاكم الفاسد ومَن والاهُ حينما عدّ هذا الأخير نفسه ومَن ناصره وسانده  معصومًا بغطاء الدين والمذهب والحزب الطائفي. وهنا، ما كان من المحكوم المغلوب إلاّ التزام الصمت خشية ومخافة أو الانزواء ضعفًا وقهرًا أو المغادرة غير آسفٍ على أحواله التعسة ومن دون انتظار لما سينجلي عنه الوضع بعد اشتداد الأزمات وتكرارها من دون بصيص أمل في نهاية النفق المظلم.
هل بانتْ تباشيرُ الأمل؟ 
لغاية الآن لم يتبيّن بعد الخيط الأبيض الناصع من الخيط الأسود الناشز مع أولى أيام الكابينة الجديدة. وعلينا انتظار ما ستكشفه الأيام القلائل القادمات كي نتصوّر مصير كابينته ونتبيّن شكل ومستقبل حقبة سابع حكومة تسوس البلاد منذ السقوط واحتلال العراق بالطريقة الظالمة التي ساقها المحتل الأمريكي ولحقته بسببها لعناتُ السماء والأرض وشتائم المواطن الصابر الطيّب إلا ما شذّ من حاقدي القوم والمتزلفين والمنافقين والدجالين واللاهثين وراء النفوذ والسلطة والمال والجاه لأسباب شخصية أو فئوية أو طائفية وما كان في أصولها وجوارها من كارهي الحق ومحبي الباطل. فقد توهم هؤلاء القوم ممّن أمعنوا في تسريع القضاء على النظام السابق بالطريقة المخجلة وغير الأخلاقية التي حصلت، أنهم على حق عندما داسوا على كرامة الوطن وسهّلوا للغازي وطءَ أرض السواد وبلد إبراهيم أبي الأنبياء وأرض الأئمة والقديسين الصالحين والطيبين من أهل دجلة والفرات. 
ولكن يمكن القول، أنّ بعض تباشير الخيروالوعي والأمل قد لاحت في الأفق مع أولى خطوات أقدم عليها الكاظمي بالنظر في شأن أول ظاهرة فساد وظلم تمسّ شرائح المتقاعدين الذين أفنوا سنيّ حياتهم في خدمة الوطن، وهم جديرون بالاهتمام والرعاية الفضلى على مَن سواهم ممّن يسوسون البلاد وينهبون ثرواتها ويثرون من السحت الحرام على حساب الشعب. وانطلاقًا من هذه المبادرة الطيبة، ومِن سواها ممّا بدر لغاية الساعة بإعادة الكرامة الوظيفية للشرفاء من موظفي الدولة السابقين من مدنيين وعسكريين، قد نستدلّ على حسن نواياه وعزيمته بالتحلّي بسمة القائد الماكر الصادق والحاكم العادل القاسي الذي يجمع في جعبته وفكره وأسلوبه ما بين الوداعة والحماسة معًا، إلى جانب شدّة المراس في التعاطي مع الأزمات والمشاكل العديدة والتحلّي بمزيّة النزعة الفلسفية في معالجة شؤون الدولة وبسرغة التنفيذ الجادّ في برنامجه الحكومي الذي يلائم جزءًا من المرحلة. وهذه فرصتُه في تقويم المعوجّ وترميم الممزّق وإصلاح الرتق الكبير الذي طال العراق دولة وشعبًا.
ومازلنا ننتظر منه المزيد من الجرأة والشجاعة في معالجة الكسور، وما أكثرها، وفق الأولويات المطلوبة، بدءًا من اتخاذ قرارات جريئة لمعالجة الجائحة الصحية، ومداواة العجز المالي وتوفير السيولة النقدية الكافية لإدامة حياة فئات كثيرة تعتمد في عيشها وإدامة لقمتها على الدولة الريعية. وهذا قد يتطلب من ضمن الفرضيات مجابهة جريئة مع أصحاب الزعامات السياسية النافذة وأرباب المافيات القاسية التي اعتادت الهيمنة على مقاليد السلطة من خلف الكواليس والتي تدير دفّة الحكم العميق منذ تشكيل أول حكومة محاصصاتية مقيتة أدت إلى خراب البلاد وتمزيق نسيج أهل العراق الطيبين حين تغوّل العديد من ساسة الصدفة لحاقًا وتحولوا إلى ديناصورات فاسدة لا تخشى لا من إله ولا من عبده، ولا من صاحب كرامة وطريقة، بل صاروا يشكلون الصورة السيئة لأهل البلد في الداخل والخارج. وفي انتظاره ملفات كثيرة، لعلّ أولى أولوياتها التهيئة الصائبة لانتخابات مقبلة قد لا تكون قريبة ومبكرة كما ترقب الكثيرون، ومنهم مطالبات ساحات الاعتصام. لكن الأهم فيها أن يُعاد النظر في تشكيلة تكوينها غير المقبولة أساسًا من قضاة وبالطريقة التي حصلت وسُنّت توافقًا وحفظًا لمصلحة أحزاب السلطة التي رهنت نجاحها بهذه التوليفة المشبوهة. 
ومن الأمور المهمة الأخرى التي ينتظرها المواطن تنفيذه الوعد المقطوع بتطبيق القانون وفق مسطرة مستقيمة الخطى لا تقبل التمييز والتفرقة والمحاباة ولا التجنّي لصالح جهة على حساب أخرى. أما الأزمة الاقتصادية المستفحلة بسبب ما أنتجته سياسات الحكومات السابقة بسبب فقدانها لاستراتيجية وطنية تنقذ البلاد من الاعتماد على الاقتصاد الريعي لمبيعات النفط غير المستقرة، فهي ستكون من أصعب الاختبارات لقدرة كابينته في التعامل مع نقص النقد الأجنبي والسيولة المحلية. وهذه لا يمكن التخاص منها إلاّ بالتعاون والتشاور مع القطاع الخاص منبع الاختصاص والخبرة والمغيَّب في الحكومات المتعاقبة لأسباب في نفس ساسة الصدفة. وهنا ينبغي حثّ الوزارات والشركات غير المنتجة للعمل على تسخير جهودها واتخاذ قرارات حازمة وحكيمة تؤدي إلى تحويل الشركات العاطلة إلى أخرى منتجة ورابحة تساهم في تعزيز اقتصاد البلاد وامتصاص البطالة. وهنا يأتي دور القطاع الخاص بأخذ دوره الطبيعي في تسيير عجلة الاقتصاد والانتاج والإبداع. فهذا ما عرفناه فيه إذا توفرت النية وساد العزم وبدأت ماكنة الانتاج تؤتي ثمارها الطيبة. حينئذٍ سيتعافى البلد من مرضه الاستهلاكي والاستيرادي الذي عوّده عليه ساسة الأحزاب الاسلامية التي تحكم البلاد منذ السقوط خدمة للجارة الشرقية وبلدان المنطقة ومَن في حلقتهم.

حكمة وحماسة ووداعة
لعلّ من سمات القائد الفذ والحاكم الناجح، أن يسوس الرعية بالوداعة والحكمة وشيء من القسوة والعدل. وهذا يرتّب عليه أيضًا شيئًا كثيرًا من الحماسة والشدّة في معالجة شؤون البلاد والعباد من دون  التفرّد بالقرار والعناد في الرأي. فالاستشارة أمرٌ لا بدّ منه، حين يكون الاعتماد على حكماء القوم الحقيقيين غير الانتهازيين، وما أكثرهم في القطاع الخاص من أهل الداخل أو خارجه، من أصحاب الخزين الكبير في الفكر والهندسة والاستشارة والاقتصاد والسياسة والعلم والتربية والأخلاق ممّن لم تهتمّ بهم الحكومات المتعاقبة. فقد فضلت حكومات الفساد الطائفية المتعاقبة ركنَ أرباب القطاع الخاص المنتج والمبدع جانبًا تحسبًا من تفوق هذه الفئة التي ماتزال تلقى محاربة من هؤلاء الساسة ومن زعامات الدكاكين الاقتصادية للأحزاب التي ترى في تقربهم من مفاصل الدولة ومن مقترحاتهم قضاءً على أفعالهم السيئة في الإثراء وخطرًا على تعوّدهم سياسة التغوّل على المال العام وعلى الإدمان على الفساد، مؤثرين بقاءَ حال البلاد على ما هي عليه من دون تنمية وتطور وإصلاح حال. ومن سخريات القدر إيمانُ بسطاء القوم بماكنة الساسة العاملة من دون كلل ولا ملل على إقناعهم بما سيدرّ عليهم المستقبل من ازدهار ورفاهة في حالة صبرهم وإطاعتهم العمياء لحكامهم المتورطين حتى النخاع بالضحك على ذقونهم باسم الدين والطائفة وتحت عناوين مغلوطة وساذجة توصي بإطاعة أولي الأمر، حتى لو تحول كلّ الشعب إلى جيوش من الجياع والعاطلين والشحاذين.
في برنامجه الحكومي، نستشف وجود تقارب في الرؤية مع جزءٍ مما طرحته ساحات الانتفاضة التشرينية والشارع الثائر من مطالب، ومنها حصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة القتلة وملاحقة الميليشيات المنفلتة التي تعربد بسلاحها على طريقتها وتسرح وتمرح من غير حساب ولا حدود، ووضع اليد على أدوات الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة بغير حقّ. وهذه كلُّها ملفات تنتظر المراجعة والحسم وعدم التأجيل، كما كان يحصل في الحكومات السابقة. وطالما أنّ الحديد ساخن، فما على دولة رئيس مجلس الوزراء سوى الطرق بيد من نار كي يعود الحق لأصحابه والماردُ إلى رشده والمجرم يأخذ حسابه وعقابه الذي ينتظره. فالمسطرة المستقيمة لا تتحمل الزوغان والثني عن الخط المستقيم. فهذه وما سواها هي من صلب مسؤولية إعادة هيكلة الدولة العراقية بأسلوب وطنيّ صادق. ولتكن البداية الأولية البسيطة على عهد الكاظمي، رغم أنّي لم أسمع به من قبل ولا أعرف عنه الكثير. لكنّ مَن يتولى جهازًا مخابراتيًا وطنيًا مثل العراق، لا بدّ أن يكون لديه ما يكفي من وداعة وحسم وحماسة بغية الوصول بحال البلاد والعباد إلى الهدف الوطني الأسمى بإعادة اللحمة الوطنية إلى سابق عهدها، وفرز الزؤان غير الأمين الذي لا ينتمي إلى الوطن وأهله، وإعادة ماكنة الاقتصاد بالاعتماد على القدرات الانتاجية للمعامل والمصانع والشركات المعطلة، وإيقاف التلاعب بالمال العام ووضع حد لفساد أحزاب السلطة وأدواتها في توزيع المكارم والمرتبات العالية لمّن لا يستحقونها من فضائيين ومدّعي النضال والسجناء السياسيين والرفحاويين، وتقليل نفقات مؤسسات الدولة وعلى رأسها الرئاسات الأربع وأصحاب الدرجات الخاصة والنواب وتخفيض حماياتهم وتحجيم سياراتهم، إن لم يكن بقطع كلّ هذه الامتيازات غير الضرورية. فالمسؤولية خدمة وتكليف  قبل أن تكون تشريفية وامتياز ومكاسب. من هنا لا حاجة ولا مبرّر لكلّ هذه الضوضاء والبهرجة والامتيازات.
عسى مثل هذه الدعوات الصادقة وغيرها من جانب أصحاب الفكر والقلم والثقافة ومن أرباب الاقتصاد والعلم والشهامة تلقى آذانًا صاغية، فيعود الوطن إلى سموّه وكرامته وترتسم الابتسامة على أفواه مَن ظلمهم الدهر وقهرتهم السلطات ويحظى الجميع بحقوق عادلة ومتساوية في ظلّ دستور مدنيّ جديد يراعي الرعية بالسواء والعدل والأهلية.

 

48
في الزمن الصعب يسهل التمييز بين بيئة نظيفة وبيئة وسخة
لويس إقليمس
 بغداد، في 3 أيار 2020
خلقت جائحة كورونا أشكالاً غريبة من التعامل البشري، منها ما هو سلبيّ في حدود سياسته وآثاره الإنسانية والمناطقبة والعالمية، وغيرُه ما جنتْ البشرية نتيجتَه من منافع متغيرة في أشكالها المادية والفكرية والعلمية والمجتمعية هي الأخرى وفقًا لمقاييس كلّ مجتمع. كما أتاح طاعون العصر هذا، فسحة ولو مؤقتة  للطبيعة كي تحسّن من بيئتها المريضة والملوثة بفضل ما جلبته اجراءات الحجر القسري من تحسّن واضح فيها بسبب ترسبات الملوثات النووية والنفطية والكيمياوية الناجمة عن تشغيل مفاعلات ومصافي ومصانع ووسائل نقل متنوعة اعتادت الحركة اللولبية جوًا وبحرًا وبرًّا. ولعلَّ هذا يسجل كأفضل ما استطاعت أن تجنيه الأرضُ المتعبة لنفسها، بما لها وما عليها وفيها من عناصر الطبيعة بفضل التحسن الواضح في بيئتها نتيجةً لمنافع الشلل الجزئي الذي ضربَ حياة البشر بسبب الجائحة. فكان من ضمن نتائجها الحسنة، الإنعامُ على مناطق واسعة من العالم بشيء من الراحة والهدوء في الكثير من مفاصل الحياة الطبيعية والصناعية والاجتماعية في هذه الفترة العصيبة من حياة البشر نتيجة الاستغلال الكافر لأدواتها. يُضاف إليها شذراتٌ من نعمٍ أخرى جمعت بين صفاء السماء وهدوء حالة الشارع الساخن التي تعودنا عليها بسبب الصمت الإجباريٍّ لأزيز المحركات وضوضاء المكائن وحركة البشر. فأينما تطلّع الإنسانُ وتأمّلَ ما حوله سيجد أجواءً شبه صافية مغايرة عمّا كانت عليه قبل حلول الجائحة، وبيئة مختلفة ولو جزئيًا في بعض تفاصيلها النوعية ولو إلى حينٍ. فلا المؤتمرات المتلاحقة ولا الاجتماعات الكثيرة فيما مضى، كُتب لها أن تسمح بمثل هذه النظافة والنقاء في بيئة الأرض مثلما شهدناه في عهد كورونا. وحدها كورونا كانت الأكثر تأثيرًا والأقوى تطبيقًا في كلّ هذا وذاك لمفاهيم نظافة البيئة. مفارقة عجيبة!
مقابل كلّ  هذل التحسّن القسريّ في بيئة الطبيعة كانَ من المفترض مرافقته بتحسّن في شكل البشر وفكر الأمم وخبرة الشعوب وتعامل الدول مع بعضها بروح أكثر تساميًا وأنبلَ تسامحًا وأفضل انفتاحًا وأقرب محبة مع بعضها البعض ضمن مجتمعاتها ومع  الغير في أرجاء العالم. فكلّ وباء وكلّ مرضٍ مستعصٍ وكلّ ضائقة بشبه المعضلة التي يُستعصى حلُّها على أيدي بشرية ضعيفة محدودة القدرة والمعالجة مقارنة مع قدرة السماء وجبروت الخالق، كان يُفترض بها أن تلقى تغييرًا في سلوك البشر أصحاب "العين القوية" و"النفس الأمّارة بالسوء"، وتشهد تعديلاً وتحسنًا في التعامل فيما بينها لغاية التعاون والتآزر والتضامن بغية الوصول إلى ما من شأنه معالجة مثل هذه الأوجاع والأمراض والأزمات المستعصية. لكنّ البيئة البشرية بالرغم من كلّ هذه الهواجس الواقعية من الحياة، والمخاوف من ملاقاة الأسوأ، ظلّتْ وسخة في أفكارها ونتنة في سياساتها وأنانية في البحث عن مصالحها، وضيقة الرؤى في العثور على مخارج مقبولة في حدودها الدنيا خلاصًا من الواقع المرّ وطلبًا للتغيير الإيجابيّ في مجالات  الحياة المتنوعة. وشتّان ما بين الأبيض الإيجابيّ والأسود السلبيّ، ورفضًا لكلّ ما ظهرَ رماديًا في السلوك والفكر والرؤية والمعالجة.
بيئة وسخة لساسة العراق
    لو لوحظ شيءٌ من نظافةٍ وتحسّنٍ في بيئة العراق فيما تم اتخاذه من إجراءات ومتابعات من قبل خلية الأزمة وحُسب بالتالي إيجابًا، إلاّ أنه من المؤسف أن البيئة السياسية في العراق لم تتحسن ولم تتغير ولم تتحرّك نحو الأفضل بل ظلّت حبيسة المصالح الضيقة التي رسم لها الساسة الطارئون وحكوماتُ البلاد المتعاقبة خطوطَها الأساسية الانتهازية ومشاريعها الوهمية النتنة. فظلت البلاد منذ السقوط في 2003 أسيرة المنافع والمكاسب والدكاكين الاقتصادية لأحزاب السلطة التي تربعت على عروش الوسائل الجهنمية في كيفية نهب الثروات وقنص الفرص وتفريغ الخزينة بتأثير الأيادي المغرضة اللاّوطنية التي كتبت بنود الدستور الأعرج والقوانين الكثيرة اللاحقة التي سُنّتْ لمصلحة الفئة الحاكمة بتأثيرٍ من معظم أعضاء المجالس النيابية التي تعاقبت على المشهد السياسي في البلاد. فجاءت هذه المجالس مثقلة بالفساد وأدوات التزوير حينًا، والمحاباة والصمت حينًا آخر إزاء كوارث مالية واقتصادية وسياسية واجتماعية على السواء. وبالرغم من تعدّد الأزمات في بلاد الخير والحضارة والنخوة، وغياب الرؤية الصحيحة لساسة الصدفة في التعامل مع أزمات البلاد المتلاحقة منذ الغزو الأمريكي، وإيغال جهات طارئة لا تمتّ بصلة لسمة المواطنة في سياسة إسقاط البلاد في قبضة الجارة الشرقية الطامعة، والإيمان المطلق لدى أطراف بعينها بولائها غير قابل النقاش لدول من خارج الأسوار الوطنية، إلاّ أنّه لم تبدر من معظم ساسة البلاد ونواب الشعب أية بوادر للإصلاح الحقيقي ولمّ التشرذم في المواقف والعودة بالوطن وأهله إلى سكة التنمية والاستقرار كي تلتئم حول جراحه الكثيرة وتستعجل في إدارة شؤون البلاد والعباد بما يرضي الله والشعب والضمير بدل الانجراف في سجالات ومماحكات وخلافات على مناصب ومكاسب ومنافع تهدف للإبقاء على الأوضاع الشاذة القائمة ما تسنّى لها من وقت حتى لو حصل هذا على حساب جماجم الشهداء وفوق جراحات الأبرياء ورغمًا عن جوع الفقراء وآهات الزمن الغادر. فالزمن لا ينتظرُ أحدًا، وهو  يسير بسرعة وسط تفاقم الأزمات وغياب بوادر إيجابية حكومية لا يُرتجى من وراء اجتماعات لجانها ما يُثلج الصدور. فقد اعتاد الشعب المسكين على سماعها والحديث عنها سواءً في الحكومات الفاشلة السابقة أو في زمن حكومة تصريف الأعمال الكارثية. كما لا نترجى شيئًا إيجابيًا حقيقيًا في الحكومة القادمة لأنها واقعة حتمًا في فخاخ ساسة المحاصصة والفاسدين من زعماء أحزاب السلطة ومَن والاهم من ميليشيات وجماعات اتخذت من ترهيب العامة والمعترضين سبيلاً وأداة للقمع وإسكات صوت الحق. وكلّ ما استطاع ساسةُ البلاد فعلَه وإنجازَه بنجاح منقطع النظير ضمانُهم تأمينَ مستقبلهم ومستقبل أحفاد أحفادهم من بعدهم بفعل ما اكتنزوه من مكاسب وأموال من السحت الحرام وسرقات المال العام ووضع اليد على عقارات الدولة والسطو على أراضيها. أمّا حالُ الشعب المهضوم والشارع المستنجد وأفواه الأرانب الفارغة، فليست بتلك الأهمية، كما يرى ذلك بعض الساسة ويصدر عن مراجع ومن وعاظ السلاطين من الانتهازيين ومن سارقي الخُمس والمترَفين على حساب الفقراء والضاحكين على عَبَدة المزارات.
عن حقيقة الأزمة الاقتصادية الكارثية التي يتعرض لها العراق في ضوء جائحة كورونا، فكلُّ ما يمكن قوله أنّ الحكومات المتلاحقة الفاشلة بامتياز قد تعوّدت تقسيم ميزانيات البلاد منذ السقوط وفق التمثيل النيابي المزوّر في توزيع المناصب وتحديد النفقات والمصاريف والنثريات فيما بين الكتل السياسية بحسب موالاتها للحكومات التوافقية، و"البرمكة" بغيرها من المكرمات والهدايا والعطايا (من هذا المال، حمّل جمال) على الحبايب والخلاّن والأتباع من جيوش صناديق الاقتراع من أمثال جماعات رفحاء وأصحاب الجهاد المستهلَك وأرباب النضال السياسي الزائف ضدّ النظام السابق من شمال البلاد إلى جنوبه، وأشكال الذيول والأتباع والروزخونات الكثيرة التي صار لها وقعٌ في حياة الحكومات الطائفية المتلاحقة بردائها الجديد الذي يتيح لهؤلاء وبواسطتهم إدامةَ الولاء لمراجع دينية معينة أو لزعامات سياسية يُؤخذُ عليها الخنوع لسياسة دول الجوار لقاء بقاء الأوضاع على ما هي عليه ما شاءت الأقدار ذلك. وقد تركت الطبقة السياسية سياسة البلاد الاقتصادية على المحك من دون استراتيجية أو تخطيط يحسب حسابًا للزمن الغادر وللأوقات الصعبة. وقد وقع الفأس على الرأس ولن يكون في مقدور الحكومة، أية حكومة، في ضوء واقع الحال الناجم عن الانهيار الفظيع في مصدر الاقتصاد الريعي للبلاد أن تواجه هذا الانحدار والنقص في السيولة النقدية والمالية. وهذا ما حذّر منه الحكماء وخبراء القطاع الخاص والأمناء من الاستشاريين في موقاع الدولة المتعددة. ولكن المؤسف أنه لمْ يتم الاصغاء لصوتهم الصارخ، فوقع المحذور وكانت الحيرة وعلامات الاستفهام عمّن كان السبب في كلّ هذا وذاك. فكما يبدو، أنّ كبار القوم ممّن في السلطة وأحزابها، لا يهمّ في نظر هؤلاء إنْ كان عامة الشعب من الفقراء والجوعى والعطشى ومرتادي القمامة وساكني بيوت الصفيح وكسبة القوت اليومي بفضل ممارسة خدمة الدعارة أو الاستجداء وما سواهما من دونية الأعمال. بل الأهمّ بقاءُ هذه الشرائح البسيطة الساذجة على ولائها الأعمى للمرجع المترفّه والسياسيّ الفاسد والأسياد في الداخل ومن خارج الأسوار!!!
وسط هذه البيئة الوسخة الساعية لإدامة صناعة السياسة العراقية الولائية الفاشلة التي تهيمن عليها أحزابُ الإسلام السياسي الشيعي الناطقة باسم ولاية الفقيه أكثر من غيرها من بقية ساسة البلاد الانتهازيين المتبقين الذين لا يقلّون فسادًا وإفسادًا في الأرض، ومن عقر دار العراق المغضوب عليه منذ الأزمان والدهور، كنا نتوقع شيئًا من الرأفة والرحمة بحق الشعب الذي سلّمَ أمرَه طوعًا أو مرغمًا في لحظة من الزمن لزعامات خذلته منذ اللحظات الأولى لتوليها السلطة إيمانًا منه بإمكانية الإصلاح والتغيير اللذين لم ولن يتحققا ببقاء ذات الوجوه وتدويرها في المشهد السياسي الفاشل. وزادت من ذلك كلّه خيانة هذه الطبقة السياسية للأمانة الوطنية بنهبها ثروات الشعب منذ توليها السلطة على مرأى ومسمع منه ومن المجتمع الدولي ومن راعي العملية السياسية نفسه الذي اختار هذه الزعامات وأتى ببعضها على ظهور دباباته بحجة بناء ديمقراطية على طريقة الكاوبوي الأمريكي. فكانت النتيجة الحتمية حصادُنا الخيبة والخذلان والإفلاس، والأكثر من هذا وذاك فقدان كرامة الوطن وضياع الحقوق وزيادة في دماء الشهداء ودموع الثكالى.
هل من ضوء في نهاية النفق؟
لقد بلغ السيل الزبى ونفذ صبرُ المؤمنين بالوطن وطال انتظارُ أصحاب الحق، لكنهم مازالوا يؤمنون ببزوغ فجر جديدٍ للحرية الحقيقية المؤمنة بالوطن والشعب والأرض والحضارة والتاريخ، ويتطلعون لرؤية الضوء في نهاية النفق إيمانًا منهم بوضع حدّ  للمعاناة التي قد تطول بعدُ أيامًا وأسابيع وربّما أشهرًا، طالما ظلّت ذات العقلية السياسية تتصدّر المشهد وبقيت الأعين ترنو لإدامة المصالح الذاتية والطائفية بعيدًا عن الاهتمام الوطني وشعورًا بحاجة المواطن. كما سيبقى البلد أسيرًا ذليلاً للمال والثروة الريعية الواردة من مبيعات النفط غير المستقرة والتي تتبخر بفعل ديمومة فساد أحزاب السلطة وعدم إيلاء الحكومات التي تتشكل من أوساطهم ما يستدعي الاهتمام المطلوب في سياسات البلاد الاقتصادية الرصينة من خلال الإبقاء على ذات الوجوه الاستشارية والإدارية الانتهازية المستفيدة من الوضع القائم. كما ستبقى عائدات النفط هدف الفاسدين والمتمرّسين منهم بصورة خاصة تاركين باقي المنافذ والأبواب الداعمة للسياسة النقدية من منافذ حدودية برية وبحرية ومطارات ودوائر ضريبية وكمارك خارج سيطرة الحكومة المركزية وبيد مَن يواليهم ويؤيدهم من الأتباع ومن وعاظ السلاطين. فهؤلاء إلى جانب هذه المنافذ التي تدرّ عسلاً وذهبًا، قد استطابوا السطوة على شيء كثير من نفوط البلاد، كلّ بحسب منطقته ونفوذه بالاعتماد على أتباعه ومواليه الانتهازيين من الذين اعتادوا الغرف من السحت الحرام على مرأى من زعماء الأحزاب وتحت غطائهم وفي ظلّ خيمتهم الحمائية التي يخشى ما تبقى من الوطنيين في البلاد الاقتراب من هؤلاء اللصوص والحرامية. حتى لجان النزاهة والرقابة بمن فيهم السلطة القضائية ماتزال تتردّد في الاقتراب من عرين هذه الزعامات ومن بؤر دوائرها الاقتصادية والمالية التي ماتزال قائمة وتعمل بوتائر عالية بالرغم من الادّعاءات الكاذبة باختفائها. ومن نتائج هذه المخاوف، ما يتردّدُ هذه الأيام من وجود ضغوط شديدة وهجوم غير مسبوق من ساسة ومسؤولين حاليين وسابقين في المشهد السياسي على دوائر القضاء ورجاله بغية إحباط جهوده وأنشطته في متابعة ملفات الفساد وملاحقة الفاسدين عبر صدّه عن القيام بدوره ومسؤولياته العدلية.
كما لا يمكن السكوت دهرًا لينطق المواطنُ الحقيقي، أو ما تبقى من شكل وصورة هذا المواطن، كفرًا حيال ما يجري. فبالرغم من بقاء الشعب الصابر الصاغر ساكتًا صامتًا لا يقوى أن ينبس ببنت شفة بسبب أدوات القهر والرعب والتهديد بالثبور وفقد حور العين والخشية من خسارة المنافع التي ينبّهُ إليها وكلاءُ المرجعيات الدينية المتنوعة وتحذّر منها أحزاب السلطة بمناسبة وبدونها، وكذا أدواتُهم من الميليشيات والجماعات المسلحة التي تعمل تحت إمرتهم بتوجيه من خارج الأسوار، وتخوينهم لكلّ مَن لا يقدم ولاء الطاعة للزعامات المفروضة، إلاّ أنّه لم يرفّ جفنٌ لجميع أدوات القهر القائمة وشخوص الحكم الفاسد التي سطت على مقدرات البلاد. والأنكى من ذلك، أن هذه الفئات راحت تلعب مؤخرًا بورقتها الأخيرة في سعيٍ منها لإدامة الحكم وإطالة وجوه الفاسدين وتدويرهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً حفاظًا على مكتسباتهم ومكتسبات الطرف الإقليمي الذي يدعم وجودهم وكيانهم ويضمن إنقاذهم من الحساب وإفلاتهم من العقوبة في حالة تغيير قواعد اللعبة وإعلان ساعة الصفر بفجر جديد مرتقب. حتى في أشدّ الأزمة التي خلقتها الجائحة كورونا وتعرّض البلاد إلى كارثة اقتصادية ونقدية ومالية مقبلة لا محال، بسبب نقص السيولة وتعثّر الواردات المعتمدة أساسًا على عائدات ريعية عبرعمليات بيع النفط غير المستقرّة، لم نلحظ ذلك الحرص المطلوب من الجهات الحكومية في محاسبة المخالفين للتعليمات الصحية من جانب أو في اعتماد سياسة نقدية واقتصادية طارئة مبنية على استراتيجية فاعلة تنفع لهذا الزمن الصعب. فالخبراء يتحدثون ومثلُهم من المسؤولين والمستشارين في الدولة وخارجها من  الذين بيدهم بعض مفاتيح السياسة الاستشارية والتأثير في الأحداث يعلنون عن آراء ومقترحات، ولكن من غير فعلٍ تنفيذيّ من جانب الحكومات المكبلة بمصالح أحزاب السلطة ومكاسب زعمائها والمتأثرة بتقاطعات نواب البرلمان ومناطقيتهم ومرجعياتهم الولائية.
هذه دعوة ملحة لخلق بيئة نظيفة للحكم والأعمال والنزاهة والنأي بالنفس عن كلّ مصلحة خاصة ضيقة أو طائفية أو حزبية أو دينية لا تنطلق من معيارية الوطنية المطلوبة في الزمن الصعب، كي تسير بالتوازي مع البيئة النظيفة التي خلقتها جائحة كورونا قسرًا حين حجرت ما يقرب من نصف سكان العالم في منازلهم وأوقفت الشيء الكثير من ماكنة الصناعة والتلوث. وبذلك قدّمت هذه الجائحة أفضل هدية للبيئة ومحبيها، وجمعت البشر بين ثنايا أسرهم لأطول أوقات من حياتهم كي يتعارفوا ويتعلموا الدروس في معنى الحياة وفي قدرة الخالق وفي حقيقة ضعف بني البشر مهما طغى الإنسان وسطا وأثرى ونهبَ وسرقَ وظلمَ وأهدر من دماءٍ وثروات وأوقات في غير محلّها. وفي النهاية لن يصحّ غيرُ الصحيح!


49

ترييف المدن وتقفير الأرياف، ظاهرة بحاجة لعلاج
لويس إقليمس
بغداد، في 25 نيسان 2020
لا أخفي سرًا أنّي كثير التذمّر والانزعاج كلّما زرتُ مدنًا مكتظة بالسكان، سواء في داخل العراق أم خارجه. وهذه أصبحت تشكلُ لديّ مسألة نفسية واجتماعية وأخرى شخصية لا ابوح بها. فالناس في المدن الكبرى جلُّ همّهم ينصبُّ في كيفية تأمين لقمة العيش والنجاح في تلبية نفقات السكن والنقل والاستقرار، أي كلّ ما من شأنه مواجهة صعوبات الحياة التي تفرضها هذه المدن الكبرى بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والإتنية المعقدة. ولعلّ السبب في تناغم أو تقاطع هذه الأبعاد المتخاصمة أحيانًا يعود لتعدد الجنسيات واختلاف الثقافات وتنوع الحضارات التي تلتقي في الشارع والمقهى والمؤسسة الإدارية والثقافية وأدوات النقل المتطورة وما تشكله كلّ هذه المتطلبات من تعقيدات لساكنيها وسط زحامها جميعًا.
لذا تهتمّ الحكومات التي تعرف مدى أهمية الأرياف عمومًا عبر برامجها التنموية وخططها الاستراتيجية بالسعي الحثيث لتقليص الزخم على المدن الكبيرة من خلال التفكير بتحسين وسائل العيش في القرى والأرياف جذبًا لأكبر عدد ممكن من طالبي الراحة والباحثين عن الاستقرار وبعيدًا عن تعقيدات الحياة في المدن الكبرى مهما كانت جاذبية هذه الأخيرة وبريقها وسحرُها. ولعلّ من أهمّ الأركان الأساسية في تجهيز البلدان بالسلال الغذائية الأساسية تأتي من الأرياف وليس من المدن الكبرى وصخبها وترهلها، ما يتطلب الاهتمام بمسألة أساسية تتعلق بتهيئة السكن اللائق لعشاق الريف ومتطلباته من البنى التحتية الأساسية التي تقدم له ما يتيح له الاطمئنان والراحة وتساعده في الحصول على فرص الإبداع والكدّ وبذل الجهد لكسب رزقه بشرف وكرامة وراحة بال والإبداع في تطوير وسائل الزراعة وتنويع المنتجات التي تغطي البلاد من شماله إلى جنوبه.
اهتمام بالريف ضرورة وطنية
في العراق، ما يزال هذا الملف المهمّ خارج التفكير الاستراتيجي للحكومات المتعاقبة، كما يتضح. فهو لم يحظى البتة باهتمام مقبول بسبب سوء الإدارة وغياب التخطيط الحضري وانشغال أغلب ساسة البلاد ولاسيّما الطفيليين والطارئين منهم على مرّ الحقب المتتالية من حكم البلاد بمشاريع ضيقة الأفق ومصالح شخصية أو مناطقية أو طائفية لا ترقى لمستوى الإدارة الرشيدة المطلوبة من سياسيين يفترض بهم التعامل مع واقع حياة متطور يأخذ بنظر الاعتبار نظريات تخطيط المدن وتنفيذ برامج تنموية واستراتيجيات متنوعة تغطّي جميع مناحي الحياة وتولي الرعاية المطلوبة لحاجات واهتمامات المواطنين والسكان من دون تمييز وفي جميع مناطق البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. فالريف العراقي لم يتلقى تطورًا ملحوظًا منذ نشأة الدولة العراقية إلاّ ما ندر وبفعل مبادرات هزيلة سواء في العهد الملكي أو على عهد الجمهورية الأولى وما تلا هذه ولغاية الساعة. أمّا ما شهده الريف العراقي وبعض قراه وقصباته الريفية من جزئيات هذا الاهتمام على عهد حكم البعث، فهو الوحيد الذي بقي في الأذهان، وماتزال صورُه ماثلة في عدد من المشاريع التي غيّرت الصورة النمطية للأرياف والقرى لفترة محددة عندما توجهت عدد من الوزارات الخدمية آنذاك لبناء شبكات الطرق والجسور، وشقّ الترع وتهيئة مستلزمات الزراعة والمزارعين عبر مبادرات كان لها وقعُها التنموي، مل ساهم حقًا ولو بشكل جزئي بتقليل الفجوة بين الريف والمدينة من حيث الاهتمام بالخدمات الصحية وإيصال الكهرباء وبناء مستوصفات ومدارس ودعم طبقة الفلاحين والمزارعين في مناطق نائية وما تبع ذلك من خدمات بلدية متواضعة، لكنها كانت حلقة مهمة في فترة انتقالية.
هذه الصورة النوعية الوطنية في الاهتمام بالأرياف وتمدينها، كان ينبغي لها أن تتطور وتتواصل لغاية تقليل الفوارق بين المدينة والريف قدر المستطاع من أجل تحقيق عدة أهداف، يأتي في مقدمتها زيادة التوعية والتعليم والتثقيف في صفوف أبناء الريف، وتقديم الخدمات الإنسانية والآدمية التي يستحقها المواطن أينما وجد سكنُه، وتقليل الضغط الحاصل على المدن لمواجهة تحديات السكن المتفاقمة مع مرور السنين عبر بناء قرى عصرية متكاملة الخدمات من أجل تهيئة الأجواء السليمة للعيش الآدمي في المَواطِن الأصلية وليس بالدفاع المستميت عن العشوائيات وساكنيها الذين غزوا بغداد العاصمة بصورة خاصة من دون قيد أو محاسبة أو متابعة. وهذا الموضوع الذي ينال اليوم شيئًا من الاهتمام من قبل بعض النخب الاقتصادية والشخصيات السياسية المنظرة بسبب ما خلّفته جائحة كورونا من منغصات وآثار جانبية من شدّة الاكتظاظ في المدن، ومنها العاصمة بغداد، يستحق العودة إليه لغرض المعالجة واتخاذ الخطوات الحاسمة بوضع حدود للانفلات السكني والعمراني حتى لو كانت صارمة في بعض قراراتها طالما أن الهدف الأسمى هو رسم معيارية مدنية متحضرة لإعادة الهيبة إلى العاصمة باحترام تصميمها الأساسي ومنحها ما تستحق من تاريخ عمراني قلّ نظيرُه.
أمّا الهدف الأسمى الآخر الذي لا ينبغي تجاهلُه ضمن هذه الجهود والحلول المطلوبة، فهو يتمثل بتشجيع المواطن للتجذر في أرضه واستغلال طاقاته لتطوير الوضع الاقتصادي الوطني وتأمين الزراعي منه عبر مواصلة تأمين سلّة الوطن الغذائية التي تفتقر إليها المدن المزدحمة. فالمواطن البسيط الذي لا يقوى على تأمين قوت عيشه وسائر مستلزمات حياته اليومية من خدمات بشرية بسبب غياب وسائل الراحة البسيطة من أمن واستقرار وماء وكهرباء وعمل يدرّ عليه مصروفه ونفقاته، سيكون مضطرًّا بالتأكيد لترك الأرض والتوجه إلى المدينة التي تبهره أضواؤُها وصخبُها. حينئذٍ، يضيع في متاهات المدينة بعد أن يفقد مهنته الحقلية ويخسر طاقاته الريفية ليعيش مضطرًا على هامش الحياة المدنية محمّلاً بسلوكياته الريفية وأفكاره البدائية وعلاقاته العشائرية والعصبية التي لا تتركه. وبذلك نراه يجد صعوبة بالغة في التأقلم مع الواقع المديني الجديد بسبب عدم قدرته على الانسلاخ الجدّي عن واقع القيم التقليدية والأعراف الريفية ذات الأصول البدوية التي اعتاد عليها وظلّت راسخة في دمائه وأطباعه وسلوكياته وطريقة تفكيره.
مزاحمة في كلّ شيء
جملة هذه الأسباب وغيرها ممّا يصبّ في مسألة تهميش واقع القرى والأرياف واللامبالاة القائمة تجاه الحقوق الآدمية الدنيا لسكانها، قد أسهم في الواقع بسيطرة الشريحة المهاجرة بشراسة والزاحفة بلا شفقة على المدن بإضعاف نمط العلاقات الحضرية المتعارف عليها، وبالتالي اخضاع هذه الأخيرة لإرادة القادمين الجدد وسلوكياتهم وعصبياتهم ما أدى إلى ضعضعة بل توتر في العلاقة بين الطرفين بسبب الاختلاف في الرؤى والأهداف والأفكار والأطباع والخلفية والعقلية. وهذا ما يكشفه واقع حال العديد من المدن ومنها العاصمة بغداد التي وقعت ضحية القوة الكميّة وليس النوعيّة للزحف المتفاقم المستمرّ لغزو المدينة والانتشار العشوائي في كلّ منطقة وحيّ وشارع ومؤسسة. وليس خافيًا، مساهمة الدولة وحكوماتُها المتلاحقة في تعزيز هذا الواقع المزري واستمرار تدهور الريف بسبب غياب البرامج التنموية والاستراتيجيات الحضرية والقوانين الوضعية وعدم قيام متابعة جادة من الجهات ذات العلاقة أو تشريع قوانين رادعة للمحاسبة، ما عمّق هذا الواقع بتعاظم مسألة ترييف المدن وتفقير الأرياف بشكل مقلق للغاية. وهذا بدوره خلق مزاحمة مع السكان الأصليين في المدن بسبب الهجمات المكثفة والممنهجة لهذه الشرائح التي استقدمتها أحزاب السلطة لاختراق مؤسسات سياسية وعسكرية وإدارية واقتصادية وثقافية وحتى الاجتماعية كالنوادي وما سواها من منظمات في سعيٍ رهيب لاقتناص أية فرصة للتسلق إلى قمم هذه المواقع بفعل الزخم الكمّي الذي يمنحها الشرعية في بعض جوانب الديمقراطية المستوردة عبر صناديق الاقتراع المفزعة وما يجري خلف الكواليس من أدوات ترغيب وتحريض هذا الكمّ الهائل من الأتباع الذي يفتقد إلى أبسط متطلبات الحرية والرأي والقرار بسبب سطوة أحزاب السلطة ولاسيّما الدينية منها على عقول الرعاع والبسطاء من الشعب المغلوب على أمره.
ومن الواضح تمامًا، أنّ الجهات الحاكمة والمتسلطة من أحزاب قومية ودينية على مقاليد الحكم على مرّ السنوات المنصرمة قد رأت في هجرة هذه الشرائح وفي نزوحها من الريف إلى المدينة عامل دعم وقوّة لاستمرار تربعها على عروش السلطة والالتجاء إليها في محاربة خصومها بسبب قوتها الكميّة وتفكيرها البدائي وطباعها العاطفية التي لا ترقى في أغلب الأحيان للسلوك الحضري المتمدّن باعتبارها سريعة الرضوخ والتبعية لكلّ ما هو عشائري وقبلي وعائلي وديني ومذهبي وطائفي وليس الوطنيّ. وبموجب هذه النظرية الفوضوية تكمن قوة أصحاب السلطة في زمن التردّي الحالي أيضًا بسبب صعود قوّة الفئات الجديدة النازحة وسطوتها على المشهد السياسي والاقتصادي وحتى التسليحي عبر ميليشيات أصبحت هي النافذة في الشارع والمؤسسة والجامع والحسينية والمناسبات الدينية والمذهبية وما سواها. وهذا ما ظهر للعيان مثلاً حين سقوط الملكية في العراق وتأليه السلطة الجديدة، وتعمّق أكثر في ظل نظام البعث ضمن استراتيجية ممنهجة قُصد بها إحداث تغييرات ديموغرافية في مدن رئيسة ولاسيّما في العاصمة بغداد والمدن الرئيسة. فقد استغلت الطبقة الحاكمة منذ سقوط الملكية تخلّف الواقع الريفي القائم لاستغلاله في تقوية سلطتها عبر توزيع أراضٍ سكنية أو منح امتيازات خاصة أو تخصيص وحدات سكن لهذه الفئات المناصرة لحكام السلطة بلا تردّد كي تقف إلى جانبها حين اقتضاء الضرورة وتساند سلطتها واستمرارية حكمها.
وهذا ما شجّع لاحقًا موجاتِ النزوح الكاسحة كي تعيش في المدن التي نزحوا إليها واقعًا مدنيًا مهزوزًا بصيغة ريفية عشائرية غير متمدنة لم تلقى ترحيبًا من سكان المدن الأصليين بسبب العقلية النمطية العشائرية البعيدة عن روح الانفتاح والتحضّر التي أصرت هذه الفئات التمسّك بها ونقل تقاليدها شبه المتخلفة. بما معناه أن هذه الفئات المهاجرة عبثيًا كانت قانعة وراضية في بادئ أمرها بافتراش الأرصفة والساحات العامة وزوايا مؤسسات الدولة وحتى العيش في صرائف أو بيوت من صفيح أحيانًا وصولاً لتأسيس موطئ قدم في رصف وبناء وتشكيل عشوائيات ضاغطة. وهذه الأخيرة سرعان ما اتخذت شكل مدن مجاورة في ضواحي المدن الأصلية، كما هي عليه الحال في العاصمة بغداد التي فقدت في السنوات الأخيرة ما بعد 2003 مدنيتَها وزال تحضّرُها وكثرت إرهاصات سكانها الأصليين بحيث ضاقوا ذرعًا اليوم، بعمليات شبه ممنهجة ومدروسة في غزو كاسح لمناطقهم الأصلية بدعم من القوى الطائفية الحاكمة. ويلاحظ أنَّ غالبية سكان هذه الموجات النازحة هم من فئة مَن يُسمّون بحديثي النعمة الذين أترفوا واغتنوا وظهرت ثرواتُهم بين ليلة وضحاها، ولا مِن سائل ولا مِن تحرّ عن شكل هذا التحوّل الخطير في المجتمع وما يمكن أن يترتب عليه من مشاكل اجتماعية واقتصادية وتربوية وحتى أخلاقية في مسألة الاندماج الصعب بالمجتمع الجديد الذي يتطلب استعدادًا نفسيًا ومجتمعيًا وانتماء صافيًا للوطن وليس للعشيرة والطائفة والدين والجهة التي تقف خلف هذا التحوّل غير المتسق.
الحلول في القرارات الحضرية
إزاء هذه الظاهرة غير الصحية وغير المتوازنة سكانيًا وحضريًا واقتصاديًا وثقافيًا وتربويًا بالسكوت عن واقع ترييف المدن، ينبغي على الحكومة باعتبارها جهة تنفيذية والجهات الأخرى ذات العلاقة بالتخطيط الحضري أن تفكّر مليًا بإيجاد السبل الكفيلة بوضع حلول متوازنة وعبر تنفيذ برامج وطنية حثيثة وإيجاد مخرج للبطالة المتزايدة والنقص في وحدات السكن من أجل إيقاف الزحف السكاني باتجاه المدن ومنع تغوّل هذه الفئات الطارئة على مقدرات هذه الأخيرة ومدنيتها. فالواقع القائم يشير إلى استفحالها وتفاقمها أكثر في حالة استمرار تهميش الأرياف والبلدات الصغيرة وغياب المشاريع والبرامج التنموية التي تهتمّ بالريف والقرية وكلّ قصبة نائية عبر سلسلة من المشاريع الحقيقية والواقعية لاسيّما في مجالي الزراعة والصناعة وبما يكفل ويهيّئ سبل العيش الآدميّ ويحقق التوازن بين الريف والمدينة. وهذا من شأنه بالتأكيد أن يساهم جزئيًا بتحسين القيمة المضافة للقطاع الزراعي من خلال زيادة الإنتاج وتحقيق الربحية والركون للاستقرار العائلي، ما سيساهم بالتالي بتقليص حركة النزوح من الريف إلى المدن والتفكير بحصول هجرة معاكسة نتيجة للآثار الطيبة التي سيحدثها التوجّه الجديد في برامج تطوير الريف. والمطلوب من الجهات المتنفذة في الدولة والحكومة أن تبادر عمليًا وبالتعاون مع أرباب القطاع الخاص من مقاولين وأصحاب النظريات العقلانية والنخب الاقتصادية والمتخصصة في مجال العمران والبناء لإخراج مشروع متزن ومتوازن للتنمية الريفية الحقيقية والإسكان في القرى والأرياف بطريقة البناء الذاتي وبمساعدة أصحاب الخبرة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص من أجل النهوض بقطاع الريف ووقف الهجرة المتصاعدة إلى المدن بحثًا عن مستلزمات الحياة وكسبًا للقمة العيش الغائبة في المناطق النائية. وهذا هو الطريق الصحيح لوقف الهجرة من الريف إلى المدينة والأداة الناجعة لعودة معاكسة للمهاجرين من المدينة إلى الريف عندما تتوفر المستلزمات الأساسية للحياة.
كما أنّ التفكير بأية حلول أخرى قابلة التطبيق يمكن أن تضع حدًا للغزو الريفي للمدينة لكون هذه الشرائح الوافدة دون رقابة أو تقنين أصبحت في السنين الأخيرة تشكل مصدر قلق سياسي حقيقي ومثار تأزم اجتماعي بين المكوّنات لما تخلقه من توترات ومنغصات بسبب الاختلافات الاجتماعية أولاً والسياسية ثانيًا والصحية ثالثًا وليس آخرًا،وما يترتب على ذلك من مشكلات اقتصادية وأخلاقية لا ترقى إلى المجتمعات الحضرية التي تتصف بها المدن العريقة بأهلها ومنها بغداد. فالجميع يشهد للخلل ومدى الفوضى التي ضربت بعض المدن العريقة بأهلها بسبب تغلغل القيم والسلوكيات العشائرية في الحياة العامة ما جعل الدولة العراقية عاجزة عن معالجة مواقع الخلل الحاصلة بسبب هذه التحوّلات. وهذا من باب الضعف في إدارة الدولة وتغوّل النازحين الجدد وسيطرتهم على منافذها وسلطاتها، ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام أية جهود للدولة فيما لو حصل وأن سعت هذه في أية فاصلة من الحكم من أجل خلق مواطن متزن يكونُ ولاؤُه للوطن عبر مواطنة تجمع الكل في هوية وطنية جامعة وليس للدين والطائفة والمذهب والعشيرة والحزب والشخص.
وبهذه الجهود والإرادة الوطنية فقط، تزدهر المدن وينمو الريف ويتطور أهلُه ويسعد سكانُه وتتغير رؤاهم وتتنور أفكارُهم ليصبحوا قادرين على التفاعل مع الحدث باتزان أكثر والتعايش مع أهل المدينة عبر إدراك أهمية الريف وفوائده في جميع نواحيه وأنشطته والأهمّ في القناعة بالعيش فيه وليس اعتبار العيش في المدينة طموحًا وهدفًا وغايةً.


50
مرثيات في زمن كورونا
لويس إقليمس
بغداد، في 11 نيسان 2020

أفرزت جائحة كورونا عن وقائع لا تخلو من يقين بخصوص صانعيها ومنتجيها وناشريها عبر تسريبات أو تصريحات أو تطمينات بشأن أصلها وفصلها وطريقة االخروج منها بما خطّط له مَن سمح بهجماتها اللعينة على كلّ المستويات. وكانت لهذه الجائحة، طاعون العصر الجديد، آثارُها وتداعيتُها على صعيد الأوطان والشعوب في التأثير والتأثر بنتائجها ووقائعها. فقد تعثرت حركة البشر وتوقفت ماكنة الصناعة جزئيًا أو كليًا في بعض البلدان، وزادت من الأزمات الاقتصادية لبعض البلدان التي كانت تعاني أصلاً من أزمات داخلية ومن تراجع في اقتصادياتها. كما كان لانهيار أسعار النفط إلى أقلّ من نصف الأسعار عالميًا بسبب تراجع الطلب على مصادر الطاقة نتيجة لتوقف مصانع ومصافي ومعامل وحركة السير والنقل في العالم، ما أضاف أعباء ثقيلة أخرى على دول تعتمد في معيشتها على الدخل الريعي ببيع نفوطها المتداعية أصلاً. وكان من آثار هذه الجائحة، إعلان غير مرئي باحتمالية سقوط النظام العالمي الذي كانت تحركه قوة القطب الواحد، ما أنذر بصعود قوى طامحة أخرى لقيادة العالم وسط صراع وجوديّ لا يُؤتمن عليه إنسانيًا واجتماعيًا بعد أن ظلّ النظام السابق يهيمن على الساحة السياسية عقودًا من الزمن، لاسيّما بعد نتائج الحربين الكونيتين الأخيرتين.
مما يجدر الإشارة إليه، ذلك التأثير الكبير الذي يمكن أن يطرأ على العالم وبالذات بعض الدول والمناطق التي تعاني من مشاكل داخلية وأزمات في تركيبتها الديمغرافية والسياسية. فهناك إشارات واضحة لتقلّبات في سوق الاقتصاد العالمي، وقناعات بضرورة تغيير النظام الاقتصادي الراهن. وهناك مناطق مهمة من العالم مثل أوربا بأكملها، قد تعرّضت لهزّات سياسية واقتصادية لا تبشّر بالخير، بل هناك مَن يتنبّأ لها بالانحلال والتمزّق والتشرذم بسبب ما خلفته الجائحة من ضعف في التعاون والتضامن والتكاتف. ناهيك عن الأضرار الاجتماعية التي خلفتها هذه الأخيرة من نقص في الإنتاج وتهافت غير مبرّر على اقتاء السلع والمواد من قبل البشر، وكأنّ قيامة العالم حالّة قريبًا، و"يا روح ما بعدك روح"، كما يقول المثل. حتى إن البعض قد تخلّى عن إنسانيته بتخلّيه عن أحبة وقعوا ضحية الطاعون الجديد، فتركوهم إلى رحمة الله من دون وداع ولا حسرة ولا دموع. فيما أثارت هذه الجائحة شعورًا معاكسًا لدى البعض الآخر الذي رأى فيها دروسًا بليغة من السماء كي تعود النفوس إلى هداية الخالق والعقول ‘لى سواء السبيل وتتجه الأفكار والجهود العالمية نحو مزيد من التآزر والتعاضد لحماية المنظومة الإنسانية ونقاء الأرض والبيئة خدمة للصالح العام.
•   موت بلا وداع:
صعبٌ جدًّا أن تخسر أحباء، بالأمس كانوا من ندمائك وأمام ناظريك يمتعونك بالضحك ويسهلون لك الحياة من دون منّة أو ملل أو ضجر. وعندما هاجمتهم الجائحة الملعونة واستقرّوا في مشافٍ أو مراكز حجر ظالمة ومظلمة، لم يكن في يديك ما تستطيعه للنخفيف عنهم من هول الوحشة وآلام الليل والنهار والحرمان من مناجاتهم كأحبة والاستمتاع بالنظر إلى وجوههم الطيبة وأجسادهم النظرة. كلّ شيء انتهى بالنسبة لهؤلاء: لا أمل سواى برحمة السماء، ولا رجاء سوى بجهود أبطال الصحة العامة، ولا أماني سوى الطلب من رب السماء والأرض أن يشمل الباقين من الأحبة القريبين والبعيدين بعافية أصبحت مهددة في كلّ لحظة وكلّ خطوة وكلّ حركة. 
لقد لازم الجميع المنازل إلاّ السفهاء من الذين استخفوا بقدرة الجائحة على استئصالهم من عقر دارهم وتفنيد خرافات مَن شجّعهم وحضّهم على كسر الحجر بحجة قدرة القدسية الموهومة على التصدّي لأي مكروه أو مرضٍ أو وباء. وهذا جزءٌ من من جنون الأقدار وعسرة الإدراك ونقص الفكر والاستعياب بكون الجائحة لا تعرف أن تفرّق بين الغني والفقير، بين الرئيس المسؤول والعاطل المذلول، بين الدين والمذهب والمنصب وبين مَن لا دين له ولا عقيدة ولا إيمان. فجائحة كورونا طبقت العدالة الاشتراكية في ضربها أساطين الدول وشعوب الأمم وأراضي البلدان بالتساوي ومن دون محاباة. تلكم هي حياة الاشتراكية في الإصابة بالأوبئة. ومَن لا يعير للمعايير والمقاييس والإجراءات حسابًا، شملته اشتراكية الإصابة بالوباء من دون تمييز. أمّا المؤسف في كلّ هذا وذاك، ألاّ تستطيع مواساة المصاب عن قرب والنوح والبكاء لفقدانه، والأكثر أن تُحرم من وداع الأحبة والأعزاء. إلى رحمة الله. ما لنا فيهم سوى رحمة السماء وصلاة الغائب.   

•   قناعة من غير شكوك
الشكُّ يولد اليقين، واليقين يقود إلى القناعة، والقناعة كنزٌ لا يفنى. أمّا قناعة العالم في زمن الكورونا، فهي خضوع شعوبه وزعاماته ليقين شبه حاسمٍ بكون البلاء الأخير من صنع الإنسان. ومهما كانت اليد التي أتاحت الفرصة لهذا الوباء كي يأخذ دوره الشرير وسط الأمم والشعوب بفعل فاعل من لدن زعامات تتصارع لأجل سيادة العالم بشتى الوسائل والطرق والتحشيد لأعمال عدائية بإدخال منظومات تسليحية مستجدة في كلّ يوم إيغالاً منها بالرغبة بكسر شوكة دولٍ أخرى واستهدافًا لزعامات تُعدّ منافسة تقف في طريقها، إلاّ أن الشر يبقى شرًا وطريقُه للسيادة والزعامة قصيرٌ جدًا ولا يضاهي ما ينتظر أشرار العالم من عذاب جهنّم ونقمة الطيبين والصالحين المتبقين من أحباب الله في الأرض.
وكما يبدو للعالم أجمع، لم يتنبه البشر وزعماء الأرض بصورة أخصّ، لهول الكارثة التي لم يتحسبوا لها أوبالأحرى لم يترقبوها ولا تهيأوا لها لا من قيرب ولا من بعيد بالرغم من وجود تنبيهات لمتنبئين وأصحاب حدس ودراية بوقوع كارثة قد تأتي على الأخضر واليابس. فهذا بيل غيتس، واحد من أثرى أثرياء العالم، سبق له أن نبّه لشيء شبيه بكارثة فيروس كورونا من غير أن يسمّيه، وهو الملتزم بتمويل برامج إيجاد علاجات لأمراض وأوبئة وأمصال ولقاحات لصالح دول نامية وفقيرة. لقد نبّه هذا الرجل بحصول كارثة وطالب بالاستعداد لنتائجها الكارثية، وليس من مصدّق أو مقيِّمٍ لكلامه في حينها. وإن يكن ثمّة شيء من قناعة بكلامه، إلاّ أن انشغال زعامات العالم بأزمات سياسية واقتصادية ومحلية كانت لها الأولوية على كلّ شيء. ومن عقر هذه الانشغالات الجانبية جاءت الشكوك بكون الطاعون الجديد المستجدّ هو من صنع الإنسان، وايّ إنسان! إن لم يكن من جنس الإنسان الشرّير ذي القلب القاسي الذي لا يعرف الرحمة ولا يحسب حسابًا بشريًا ضعيفًا لعظمة خالق السماء والأرض والعناصر من دون منازع. فأينَ شوكتُكَ يا إنسان؟ وأين جبروتُكِ أيتها النفس البشرية الضعيفة من خليقة الله التي أراد لها أن تكون حسنة وتعمل الصلاح وتعيش في أجواء النعمة الالهية والرحمة السماوية من دون زوغان أو حيد عن طريق الحق والعدل الإلهي الذي خصّ الله به العالم وجعلَ خلائقَه من أفضل ما في الكون. أمّا تبادل التهم فيمن كان السبب في تصنيع الفيروس وانتشاره بقصد أو بغيره، فسيقول التاريخ قولتَه ولن يكون للبشر فيه سيطرة على المدّعي ولا على المدّعى عليه. وسنبقي ذلك لعدالة السماء وكلمة الحقيقة.

•   طقوس باكية وأعياد كئيبة

مرّت ايام الصوم الأربعيني بالنسبة للمسيحيين في العراق والعالم وسط حزن وغمّ وفاقة ولوعة لم يشهد لها التاريخ إلاّ نادرًا. وها هو العالم يستذكر في نيسان الجاري 2020 أعياد موسم الفصح بدءًا من أحد الشعانين ومرورًا بخميس الفصح والجمعة العظيمة وصولاً إلى عيد القيامة يوم الأحد 12 نيسان، فيما البشر محجورون في منازلهم من غير أن يشاركوا حسّيًا وجسديًا في احتفالات وطقوس اعتادوا عليها منذ نشأة الكنيسة، ولاسيّما المشرقية في بلاد الرافدين الغنية بإرثها الطقوسيّ الجميل والمشهود له عالميًا. فقد اضطرت غالبية الكنائس إلغاء طقوسها بهذه المناسبة ابتداءً من تاريخ مناشدة الإعلان الحكومي بموجب توصيات لجنة الأمر الديواني. فقد التزمت الكنائس بإلغاء الصلوات التقليدية لما تبقى من موسم رياضة درب الصليب أيام الجمع التي سبقت يوم خيمس ا موسم أعياد الفصح والقيامة. ومن الجميل أن يُصار إلى نقل بعضٍ من هذه الاحتفالات أو جميعها مباشرة عبر مواقع بعض الكنائس لتنتعش بها نفوس المؤمنين المتلهفين إليها من الذين اعتادوا إكثار الصلاة وطلب المغفرة والتقرّب من رب السماء ومن بعضهم البعض في مثل هذه المناسبات الدينية الجميلة.
سيغلق المسيحيون هذه الصفحة الحزينة من زمن الوباء بعد أن تركوا العذراء تنتحب لوحدها وتندب إبنها يسوع يوم الجمعة العظيمة وهو يُقاد من جنود سفهاء حرّكهم رؤساء الكهنة وطغمة الفريسيين من اليهود وأزلامهم الذين عادوا المسيح وأرادوا له أن يكون قائدًا زمنيًا يخلّصهم من شرّ السلطة الرومانية الجاثمة على صدورهم.  سيغلق المسيحيون في العراق، هذه الصفحة الكئيبة من تاريخ بلادهم وكلُّهم أملٌ بفتح صفحة لاحقة أكثر رخاء وأمنًا وطمأنينة لإخوتهم المسلمين من الذين ينتظرون بلهفة أيضًا قدوم شهر الخير والبركة، شهر الطاعة والغفران، شهر رمضان، ومن بعده عيد الفطر. ليس أجمل من أن يتمنى المسيحيون لغيرهم من شركاء الوطن غيرَ الفرج القريب من آثار طاعون العصر الجديد وابتعاده عن بيوتهم كي يمضوا الشهر الفضيل بين الأحبة والأصدقاء وفي الشوارع والأزقة وليس محجورين بين جدران المنازل وصبات الكونكريت التي تقطّع أوصال المناطق والجسور والأحياء وتمنع الاجتماع على موائد المحبة والرحمة. فطقوسنا أضحت باكية ومبكية وأعيادُنا كالحة ومظلمة وأبناؤُنا وأحفادُنا قد قتلهم الصبر الطويل وأعياهم الملل والضجر: فلا مدارس، ولا تسليات، ولا حدائق، ولا سفرات، ولا لقاءات، ولا مصافحات، ولا عناقات، ولا علاقات... كلُّها بدت ممنوعة ومحظورة إلى ما شاء القدر. عساه لن يطول الانتظار.
أمّا نحن، فلنا في قدرة السماء يقينٌ وإيمان وقناعة بانقشاع قريب للغيمة السوداء وعودة الاباء والأبناء والأحبة إلى الديار والمنازل الدافئة بعد ابتعاد مرغَم وعسرٍ مرير. فإنَّ بعد العسر يسرًا!


51
أحوالُنا في زمن كورونا وما بعد كورونا
لويس إقليمس
 بغداد، في 1 نيسان 2020
يعيش العالم عبر أكثر من 183 دولة، حالة صعبة من الهستيريا النفسية والعقلية بسبب نتائج جائحة فيروس كورونا المثير للجدل، سواءً في كيفية ظهوره أو إنتاجه أو انتشاره بسرعة فائقة لم تعرف حدود العرق واللون والدين والطائفة والمنزلة والصفة المجتمعية وما في هذه جميعًا من قدرات بشرية ومالية واقتصادية وعلمية لم تستطع جميعًا مقارعة الوباء. الصين بقدراتها البشرية والاقتصادية الهائلة، وهي البلد المتهم الأول بإخفاء معلومات عن تحديد زمن ظهور الوباء وكيفية علاجه أو الاتقاء منه، تعافت أخيرًا، ليس بطريقة شاملة ونهائية. إذ مازالت تترقب وتسجل حالات هنا وهناك، سواء تلك القادمة من خارج حدودها، أو البارزة من تحت الأنقاض المخفية من دون إثارة مخاوف بصدد هذه الحالات التي تعتبرها طارئة بعد إعلانها وضع حدود للانتشار الجارف للوباء منذ الإعلان عنه نهاية العام الماضي 2019.
هناك مَن يرى في الوسائل والأساليب المتبعة من قبل أجهزة هذه الدولة الشيوعية بالرغم من وحشيتها أحيانًا وفرضها قوانين صارمة لا تقلّ قساوة عن سياسة نظامها الاشتراكي الماركسي في الحياة اليومية، أنه كان لا بدّ من استخدام شيء من القسوة والقوة والعنف للحد من انتشار الوباء قبل أن يتمكن من الفتك بشعبها الذي يتجاوز المليار ومائتي مليون إنسان يعتمد عليهم النظام في تشكيل قوة اقتصادية وتكنلوجية مرتقبة قادرة أن تجتاح الأسواق العالمية من دون منافسة في السنوات القليلات القادمات. حتى الطاغوت الأمريكي الجاثم على صدور سائر دول العالم، سوف لن يكون قادرًا في الحدّ من صعود هذا البلد الأسيوي الناهض من بعد انغلاقه الحزبي القديم بسبب تغيير منهجه الاقتصادي وانفتاحه الصحيح محسوب الخطوات على عالم اليوم مستفيدًا من تقنيات الأخير الحديثة المستجدة والمتجددة وكذا من قدراته البشرية وعبر منح شعوبه مزيدًا من مساحة الحركة والانفتاح والتعبير وبما لا يخرج عن سيطرة النظام المستبدّ في فكره وطريقة حكمه. ومادام الشعب راضيًا بطريقة حياته، فليكن ما يكون من أمر حكم قادته وطريقة سياسة البلاد والعباد!

أحوال الداء والدواء في العالم
في فلسفة الحياة هناك منطق للقول بأنّ "لكل علّةٍ دواءً ولكلّ كبوة قومةً"، إلا ما عصى على البشر من ذلك الخبيث مجهول المصدر وعاصي العلاج لغاية الساعة. ونحن لا نعتقد دخول فيروس كورونا ضمن خانة عصيان العلاج الممكن لهذا الوباء الجارف الذي أقعدَ نشاط العالم وشلّ حركة التنقل والسير وحجرَ ملايين البشر في منازلهم وجمّد الآلاف المؤلفة من المعامل والمصانع وأوقفَ تكتكة الماكنة الصناعية وعطّلَ برامج التنمية وألحقَ أضرارًا كارثية وخسائر اقتصادية فادحة في عموم دول العالم ولاسيّما الصناعية والنفطية. ولعلّ أشدّها هولاً وانكسارًا كانت على الدول التي تعتمد في بيع نفطها الريعي لسداد رمق العيش وتسيير الحياة مثل العراق.
ونظرًا لكون التعمّق في البحث عن لقاحات أو أمصال تحظى بموافقة الجهات الصحية الدولية من حيث نجاعتها وكفاءتها الدوائية يتطلب استثمارات طائلة من قبل شركات ومراكز بحوث عالمية، فإنّ بعض هذه الأخيرة لا ترى في إيجاد لقاحات أو علاجات أو مضادات، جدوى اقتصادية كبيرة مثل صناعة الدواء الذي لا تنقطع طلباتُه العالمية وهو يخضع لمنافسة دولية شرسة من شركات إنتاج الأدوية التي لا تخلو بعضٌ منها من سمات الغش لتحقيق أرباح خيالية. وهذا هو السرّ في عدم تسارع وتيرة البحث عن إيجاد لقاحات تحدّ من قدرة هذا الفايروس المستجدّ بل المصنَّع والمطوّر بشريًّا وذاتيًا بحسب ما نقرأ ونسمع. وقد تطول فترة البحث أو اتخاذ القرار الحاسم بإقرار نوع وشكل العلاج الناجع، كما تطلع علينا يوميًا نشرات طبية وبحثية واستثمارية وتصنيعية متعددة. والحكم كما يبدو، يبقى بيد المختصين بالتأكيد، لكنه يدخل أيضًا في حسابات أصحاب القرار السياسي والشركات الاستثمارية الكبرى ومَن يسود العالم وعلى رأسهم أميركا التي لم تحسب حساباتها جيدًا فدخل الوباء من أبوابها الواسعة وليس من شبابيكها فحسب، بغير التوقعات وخارجًا عن الحسابات.
وإذا كانت جهات اختصاصية أو وكالات أو شركات لا تستشرف الوقوف على علاج ناجع وسريع للحالة التي تضيّق الخناق على أكثر من مليار من البشر، ومنها دول متقدمة في العلوم والتكنلوجيا، فيسجلُ العالم هذا الوباء حينئذٍ كونه من دواعي" القضاء والقدر"، كما حصل في سابقيه أيام الطاعون والملاريا والكوليرا والإيدز والسارس والحمّى وما سواها من أوبئة قاتلة حصدت أرواح الملايين من البشر في غابر الأزمان، حتى انتخت البشرية ولانت النفوس وتكاتفت الأيادي وتعاطفت القلوب مع ضحاياها. فكانت الكلمة الأخيرة للرحمة الإلهية التي ألهبت النفوس وليّنت القلوب وكسرت الحواجز بالعودة إلى رحمة السماء وحنان خالق الأرض وشعوبها الذي لا يرضى أبدًا أن يترك عبيدَه عزلاً وفي وحدة قاتلة يصارعون الموت، حيث تسارعت المعامل وشركات الأدوية لتقديم الأفضل في أنتاجها بل والدخول في منافسات عالمية شديدة. وربما ذات الموقف تسجله اليوم محنة جائحة كورونا التي فتحت أبواب الانتقاد على حكومات ودول دون غيرها بسبب سوء إدارة علاج هذا الوباء والشكوى من موقف عدد من الأحزاب الحاكمة التي أساءت التقدير في كيفية التعامل مع الأزمة وتخبطها الواضح واستخفافها الابتدائي بنتائجه وقدرته على إفناء البشر وإيقاف عجلة الحياةالمتمثلة فيما نراه ونشهده بأمّ أعيننا من كساد اقتصادي وأزمة مالية وربما لاحقًا من غلاء لا يحتمله الفقراء الذين لن يجدوا ما يؤمّنُ لهم خبزهم كفافهم اليومي إلاّ بصعوبة بالغة.
من هنا، ليس من شكوك فيما يحذر منه خبراء في الاقتصاد والمال ومعالجة الأزمات من غياب التكاتف الدولي في المشاركة بالمعطيات والمعلومات التي ينبغي اعتمادها في محاصرة الأزمة الوبائية بجهود دولية استثنائية تعتمد الثقة والمصداقية في البحث عن مخارج علاجية سريعة قبل فوات الأوان والعمل على حصر المسببات للخروج سريعًا من الأزمة التي لم تفرّق بين دولة وأخرى أوشعب وآخرأو دين وآخر أو شخص وآخر، طالما أن الفايروس تنقل بكل يسر وسهولة عابرًا الحدود والدول من دون جواز سفر. ولو وُجد نظامٌ عالمي محترم من قبل الجميع لما تمكن مثل هذا الوباء من عزل ربع سكان العالم وحجرهم في بيوتهم مرغمين. وفي اعتقادي، ليس الوقت مناسبًا لإلقاء اللوم على هذا البلد أو هذه الجهة والتداول فيمن هو المستفيد من صناعة الفيروس وانتشار الوباء والمعرقل لسرعة اكتشاف المصل المضادّ. بل الحكمة والروية والرحمة والإنسانية تكمن في التكاتف الدولي والتعاون للخروج من الأزمة بأقلّ الخسائر البشرية. فالإنسان يبقى الأعزّ والأغلى، فيما الاقتصاد يمكن أن يتعافى والكساد يُعالج والمال يأتي ويذهب ولا يبقى منه إلاّ الأحاديث والذكر، كما يقول حاتم الطائي في عتابه لزوجته ماويّة. كما أنّ الأهمّ يبقى في الاستعداد لمرحلة ما بعد كورونا التي لن تقلّ شدّة في آثارها. فوجه العالم سيكون قابلاً لإعادة الهيكلة في العديد من مضامين الحياة. فما بعد الوباء لن يكون كما قبلها بالتأكيد!     
حالُنا في العراق
إذا كانت البلدان المتقدمة علميًا وصناعيًا وإنتاجًا، ومنها دول الغرب وأمريكا والصين بشكلٍ أخصّ، يُشكّ في قدرتها على الصمود طويلاً أمام الأزمة الحادة التي أنتجها وفرضها وباء كورونا، فكيف بالدول النامية والفقيرة التي لا تتمتع بمثل هذه الحصانة العلمية والفكرية والثقافية والصناعية والإنتاجية والمجتمعية؟ هذا إذا أضفنا إلى هذه العوامل ما تتسم به بعض هذه الدول والشعوب ومنها دول المنطقة وبضمنها العراق، من واقع الجهل المجتمعي والعر