عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: 1 2 [3]
1001
قرصنة وقانون: أليست كوميديا سوداء؟   


عبدالحسين شعبان
“إسرائيل” التي لا تأبه بالقانون الدولي ولا تحترم المواثيق والعهود الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتتصرف بمعزل عن ذلك كله، إلاّ أنها تزعم أو تحاول تكييف عدوانها وجرائمها، بتخريجات قانونية أو تسعى إلى إيجاد “سند” لها في القانون الدولي .

ما فعلته “إسرائيل” هو أنها شنت هجوماً على قافلة الحرية وقتلت 9 نشطاء جاءوا ينتصرون لقضية حقوق الإنسان، ويعلنون أن الحصار “الإسرائيلي” المفروض على غزّة لا إنساني ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ادّعت “إسرائيل” أولاً أنها تريد تفتيش السفن القادمة إلى غزة .

وثانياً أن غزة بقيادة حماس خارجة على القانون الدولي، بتصنيفها منظمة إرهابية، وأن القانون الدولي يعطيها الشرعية لشن حرب على الإرهاب الدولي، بموجب قرارات دولية، سواء كان في المياه الدولية أو الإقليمية .

وثالثاً أن النشطاء هم من امتنع عن إنزال حمولتهم لفحصها ومن ثم إرسالها إلى غزة .

ورابعاً أن النشطاء هم من قاموا بالهجوم على الجنود “الإسرائيليين”، وأن الطائرات التي أنزلت عدداً من “الكوماندوس”، إضافة إلى قوات البحرية “الإسرائيلية”، إنما تدافع عن النفس، وهي تحمي أمن “إسرائيل” . . . إلخ .

أما العرب فآخر ما يفكرون به هو القانون الدولي، رغم أنه يشكل سنداً لهم، خصوصاً أن حقوقهم مغتصبة وأرضهم سليبة ويتعرضون لعدوان مستمر وحصار ظالم، وأن الوسائل المتاحة بأيديهم لا تستخدم على نحو صحيح، بما فيها الساحة الدبلوماسية والقانونية، التي يمكن أن تكون ظهيراً للوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية .

وإذا كان فقدان أو ضعف الإرادة السياسية سبباً في ذلك، وتراجع التضامن العربي بحدّه الأدنى وعدم وجود التنسيق بين البلدان العربية، سبباً آخر، إضافة إلى أن خياراتهم محدودة، ولعل أغلبها يتعلق بالحفاظ على ما هو قائم، من دون النظر والتفكير، بما يمكن أن يقود إليه سوء الأوضاع، فضلاً عن القضم “الإسرائيلي” المستمر للأراضي الفلسطينية وتهديد سلم وأمن المنطقة بعدوان مستمر ومشاريع حرب مستمرة .

وإذا كان ثمة إيجابية وحيدة من مجزرة قافلة الحرية، التي شملت مواطنين من جنسيات مختلفة فإنها دفعت أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي لإدانة “إسرائيل”، إضافة إلى بروز دور تركي متميز وفاعل، الأمر الذي قد يضع معادلات جديدة، إذا ما أحسن استخدامها، ستحشد طاقات جديدة، وبخاصة في المجال الدبلوماسي والقانوني لصالح العرب .

“إسرائيل” تعرف أنها قامت بجريمة قرصنة دولية وتعريفها “الإتيان بعمل من أعمال الإكراه أو الاستعداد للقيام به، في أعالي البحار أو البحار المفتوحة” . ولعل تعريف جريمة القرصنة ينطوي على توفر عدد من الأركان التي تنطبق جميعها على “إسرائيل” .

1- عمل إكراهي، بوسائل مادية أو معنوية، ويتساوى في ذلك الإتيان بالعمل أو القصد من نيّة الفاعل، وهو ما ينطبق على قيام القوات المسلحة “الإسرائيلية” باقتحام القافلة، وقيادتها بالضد من وجهتها، وقتل عدد من أفراد طاقمها وركابها .

2- المكان، وهو أعالي البحار، أي منطقة بحرية لا تخضع لسلطات محددة أو سيادة دولة بعينها، وهو ما حصل عند مهاجمة القافلة .

3- السفينة، أي محل وقوع الجريمة، خصوصاً أنها وقعت على حمولة بشرية مدنية، إضافة إلى سلع وبضائع تحملها السفينة .

4- العلم، أي أن تحمل السفينة علم دولة أو دول أخرى غير المرتكب، لكي يتحقق ركن القرصنة الدولية، فالسفن لا تحمل العلم “الإسرائيلي”، بل تحمل أعلاماً لدول أخرى .

5- عدم شرعية فعل الإكراه، أي لا وجود لسبب مشروع وقانوني للهجوم، لاسيما أن القافلة سلمية ومدنية، ولا تحمل أية مواد حربية أو عسكرية .  وطبقاً لذلك، فإن القافلة تتمتع بالشرعية القانونية الدولية وتتساوق مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً أنها جاءت لنصرة الإنسان في غزة المحاصرة، وحملت معها بعض مقوّمات الحياة الضرورية التي تمتنع “إسرائيل” عن وصولها إليها، مثل الغذاء والدواء وبعض المواد الضرورية .

وعليه فإن هجوم “إسرائيل” على قافلة الحرية، يعني هجوماً على أبسط حقوق الإنسان، لأن غزة محاصرة على نحو غير شرعي، حيث ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الثانية): على أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز من حيث الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الثروة، أو أي وضع آخر ومن دون تفرقة بين الرجال والنساء .

وبما أن “إسرائيل” هدرت هذه الحقوق، سيكون لزاماً على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ودعاة حقوق الإنسان بشكل خاص، العمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لسكان قطاع غزة، وهو ما تذهب اليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام ،1949 التي تحظر استخدام مثل تلك التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى حصار شعب من الشعوب، وهو ما أكدته المادة ،55 حيث أوجبت على الدولة المحتلة تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية بأقصى ما تسمح به من الوسائل، في حين “إسرائيل” تمارس عكس ذلك بالضبط بفرضها الحصار الشامل . إن أركان جريمة القرصنة تنطبق تماماً على الأفعال الإكراهية “الإسرائيلية” في أعالي البحار وبالضد من أسطول الحرية .

أما قتل “ النشطاء” فهو جريمة أخرى منفصلة ومستقلة عن جرائم القرصنة، وإذا كان المدافعون عن سفينتهم هم ضحايا وجاءوا لنصرة ضحايا ودفاعاً عنهم، فلا دفاع ضد الدفاع، وهناك معتد وهناك مدافع، أي هناك منتهِك وهناك مُنتهَك، ولا يتحقق شرط الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص ما قامت به “إسرائيل”، بل إن المسألة معكوسة تماماً .

“إسرائيل” هي المحاصرة (بالكسر) وهي المهاجِمة وهي القاتلة . وهكذا يترتب عليها دولة وأفراداً ومسؤوليات مختلفة ومتنوعة، لارتكاب عدّة جرائم قتل كاملة الأركان المادية والمعنوية، لاسيما ضد السكان المدنيين، وتترتب عليها بالتالي عقوبات، لاسيما ضد من اتخذ القرار ومن أصدر الأوامر ومن قام بالتنفيذ، بمن فيهم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، الذين لا بدّ من جمع الأدلة والأسانيد ضدهم والتقدم بشكاوى أمام القضاء الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) أو الوطني لبعض الدول التي يسمح قانونها بإقامة مثل هذه الدعاوى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية المرتكب أو الضحية، طالما تحمل سمات جرائم دولية وضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جريمة العدوان .

ويكون من واجب مجلس الأمن إنشاء محاكمة خاصة إذا اقتضى الأمر، بعد تحقيق نزيه وعادل، وإحالة المرتكبين إلى القضاء الدولي، كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وغيرهما، خصوصاً أن جرائمها هذه هددت السلم والأمن الدوليين، كما أن على المدعي العام للمحكمة الجنائية الطلب من مجلس الأمن إحالة المتهمين إلى التحقيق ومن ثم إلى القضاء .

كما ترتب هذه الجرائم مسؤوليات مدنية في ضوء الإدانة الجنائية فردياً وجماعياً، وبشكل تضامني، عن تعويض الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بكل متضرر .

أليس جمع النقيضين في سرير واحد “القرصنة والقانون” كوميديا سوداء؟

باحث ومفكر عربي

1002
قرصنة وقانون: أليست كوميديا سوداء؟   


عبدالحسين شعبان
“إسرائيل” التي لا تأبه بالقانون الدولي ولا تحترم المواثيق والعهود الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتتصرف بمعزل عن ذلك كله، إلاّ أنها تزعم أو تحاول تكييف عدوانها وجرائمها، بتخريجات قانونية أو تسعى إلى إيجاد “سند” لها في القانون الدولي .

ما فعلته “إسرائيل” هو أنها شنت هجوماً على قافلة الحرية وقتلت 9 نشطاء جاءوا ينتصرون لقضية حقوق الإنسان، ويعلنون أن الحصار “الإسرائيلي” المفروض على غزّة لا إنساني ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ادّعت “إسرائيل” أولاً أنها تريد تفتيش السفن القادمة إلى غزة .

وثانياً أن غزة بقيادة حماس خارجة على القانون الدولي، بتصنيفها منظمة إرهابية، وأن القانون الدولي يعطيها الشرعية لشن حرب على الإرهاب الدولي، بموجب قرارات دولية، سواء كان في المياه الدولية أو الإقليمية .

وثالثاً أن النشطاء هم من امتنع عن إنزال حمولتهم لفحصها ومن ثم إرسالها إلى غزة .

ورابعاً أن النشطاء هم من قاموا بالهجوم على الجنود “الإسرائيليين”، وأن الطائرات التي أنزلت عدداً من “الكوماندوس”، إضافة إلى قوات البحرية “الإسرائيلية”، إنما تدافع عن النفس، وهي تحمي أمن “إسرائيل” . . . إلخ .

أما العرب فآخر ما يفكرون به هو القانون الدولي، رغم أنه يشكل سنداً لهم، خصوصاً أن حقوقهم مغتصبة وأرضهم سليبة ويتعرضون لعدوان مستمر وحصار ظالم، وأن الوسائل المتاحة بأيديهم لا تستخدم على نحو صحيح، بما فيها الساحة الدبلوماسية والقانونية، التي يمكن أن تكون ظهيراً للوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية .

وإذا كان فقدان أو ضعف الإرادة السياسية سبباً في ذلك، وتراجع التضامن العربي بحدّه الأدنى وعدم وجود التنسيق بين البلدان العربية، سبباً آخر، إضافة إلى أن خياراتهم محدودة، ولعل أغلبها يتعلق بالحفاظ على ما هو قائم، من دون النظر والتفكير، بما يمكن أن يقود إليه سوء الأوضاع، فضلاً عن القضم “الإسرائيلي” المستمر للأراضي الفلسطينية وتهديد سلم وأمن المنطقة بعدوان مستمر ومشاريع حرب مستمرة .

وإذا كان ثمة إيجابية وحيدة من مجزرة قافلة الحرية، التي شملت مواطنين من جنسيات مختلفة فإنها دفعت أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي لإدانة “إسرائيل”، إضافة إلى بروز دور تركي متميز وفاعل، الأمر الذي قد يضع معادلات جديدة، إذا ما أحسن استخدامها، ستحشد طاقات جديدة، وبخاصة في المجال الدبلوماسي والقانوني لصالح العرب .

“إسرائيل” تعرف أنها قامت بجريمة قرصنة دولية وتعريفها “الإتيان بعمل من أعمال الإكراه أو الاستعداد للقيام به، في أعالي البحار أو البحار المفتوحة” . ولعل تعريف جريمة القرصنة ينطوي على توفر عدد من الأركان التي تنطبق جميعها على “إسرائيل” .

1- عمل إكراهي، بوسائل مادية أو معنوية، ويتساوى في ذلك الإتيان بالعمل أو القصد من نيّة الفاعل، وهو ما ينطبق على قيام القوات المسلحة “الإسرائيلية” باقتحام القافلة، وقيادتها بالضد من وجهتها، وقتل عدد من أفراد طاقمها وركابها .

2- المكان، وهو أعالي البحار، أي منطقة بحرية لا تخضع لسلطات محددة أو سيادة دولة بعينها، وهو ما حصل عند مهاجمة القافلة .

3- السفينة، أي محل وقوع الجريمة، خصوصاً أنها وقعت على حمولة بشرية مدنية، إضافة إلى سلع وبضائع تحملها السفينة .

4- العلم، أي أن تحمل السفينة علم دولة أو دول أخرى غير المرتكب، لكي يتحقق ركن القرصنة الدولية، فالسفن لا تحمل العلم “الإسرائيلي”، بل تحمل أعلاماً لدول أخرى .

5- عدم شرعية فعل الإكراه، أي لا وجود لسبب مشروع وقانوني للهجوم، لاسيما أن القافلة سلمية ومدنية، ولا تحمل أية مواد حربية أو عسكرية .  وطبقاً لذلك، فإن القافلة تتمتع بالشرعية القانونية الدولية وتتساوق مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً أنها جاءت لنصرة الإنسان في غزة المحاصرة، وحملت معها بعض مقوّمات الحياة الضرورية التي تمتنع “إسرائيل” عن وصولها إليها، مثل الغذاء والدواء وبعض المواد الضرورية .

وعليه فإن هجوم “إسرائيل” على قافلة الحرية، يعني هجوماً على أبسط حقوق الإنسان، لأن غزة محاصرة على نحو غير شرعي، حيث ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الثانية): على أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز من حيث الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الثروة، أو أي وضع آخر ومن دون تفرقة بين الرجال والنساء .

وبما أن “إسرائيل” هدرت هذه الحقوق، سيكون لزاماً على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ودعاة حقوق الإنسان بشكل خاص، العمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لسكان قطاع غزة، وهو ما تذهب اليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام ،1949 التي تحظر استخدام مثل تلك التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى حصار شعب من الشعوب، وهو ما أكدته المادة ،55 حيث أوجبت على الدولة المحتلة تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية بأقصى ما تسمح به من الوسائل، في حين “إسرائيل” تمارس عكس ذلك بالضبط بفرضها الحصار الشامل . إن أركان جريمة القرصنة تنطبق تماماً على الأفعال الإكراهية “الإسرائيلية” في أعالي البحار وبالضد من أسطول الحرية .

أما قتل “ النشطاء” فهو جريمة أخرى منفصلة ومستقلة عن جرائم القرصنة، وإذا كان المدافعون عن سفينتهم هم ضحايا وجاءوا لنصرة ضحايا ودفاعاً عنهم، فلا دفاع ضد الدفاع، وهناك معتد وهناك مدافع، أي هناك منتهِك وهناك مُنتهَك، ولا يتحقق شرط الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص ما قامت به “إسرائيل”، بل إن المسألة معكوسة تماماً .

“إسرائيل” هي المحاصرة (بالكسر) وهي المهاجِمة وهي القاتلة . وهكذا يترتب عليها دولة وأفراداً ومسؤوليات مختلفة ومتنوعة، لارتكاب عدّة جرائم قتل كاملة الأركان المادية والمعنوية، لاسيما ضد السكان المدنيين، وتترتب عليها بالتالي عقوبات، لاسيما ضد من اتخذ القرار ومن أصدر الأوامر ومن قام بالتنفيذ، بمن فيهم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، الذين لا بدّ من جمع الأدلة والأسانيد ضدهم والتقدم بشكاوى أمام القضاء الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) أو الوطني لبعض الدول التي يسمح قانونها بإقامة مثل هذه الدعاوى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية المرتكب أو الضحية، طالما تحمل سمات جرائم دولية وضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جريمة العدوان .

ويكون من واجب مجلس الأمن إنشاء محاكمة خاصة إذا اقتضى الأمر، بعد تحقيق نزيه وعادل، وإحالة المرتكبين إلى القضاء الدولي، كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وغيرهما، خصوصاً أن جرائمها هذه هددت السلم والأمن الدوليين، كما أن على المدعي العام للمحكمة الجنائية الطلب من مجلس الأمن إحالة المتهمين إلى التحقيق ومن ثم إلى القضاء .

كما ترتب هذه الجرائم مسؤوليات مدنية في ضوء الإدانة الجنائية فردياً وجماعياً، وبشكل تضامني، عن تعويض الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بكل متضرر .

أليس جمع النقيضين في سرير واحد “القرصنة والقانون” كوميديا سوداء؟

باحث ومفكر عربي


1003
   
مسيحيو العراق: الجزية أو المجهول!   
   

عبدالحسين شعبان     
 
قبل أيام تعرضت سيارة كبيرة (باص) تنقل طلاباً مسيحيين إلى هجوم أدى إلى سقوط مواطن وطالبة وجرح نحو 188 آخرين، الأمر الذي أعاد مسلسل قتل وملاحقة وخطف وتهجير المسيحيين من العراق إلى الواجهة، وقد ظلّت هذه المسألة غامضة وملتبسة على نحو شديد بعد احتلال العراق وحتى الآن، ويفسّرها البعض كجزء من أعمال العنف والإرهاب التي تشمل العراق كلّه، والبعض الآخر يعتبرها أعمالاً فردية ومتفرقة، دون النظر إليها كظاهرة منظمة ومنهجية، تتم على نحو شديد الدقة. وبكل الأحوال، فإن هذا الملف الخاص بحقوق الإنسان والانتهاكات ضد المسيحيين لم يفتح على نحو صحيح منذ سنوات، باستثناءات محدودة.
لا شك أن ما يقلقني حد الفزع هو ارتفاع أعداد الضحايا، لكن ما يخيفني وما يضاعف من حيرتي وتشتتي، هو تمزيق النسيج المجتمعي العراقي وغياب التسامح والتعايش والاعتراف بالآخر، الذي كان سمة مميزة للمجتمع العراقي، بل إن الأخطر من ذلك هو صعود نزعات الاحتراب والكراهية والحقد والثأر، تلك التي تصعب معالجتها أو الابتعاد عنها في ظل احتدام الأوضاع، لاسيَّما باستمرار استهداف المكوّنات العراقية، وبخاصة المسيحيون الذين كانوا باستمرار وعلى مدى تاريخهم القديم والحديث مصدر إثراء وخصوبة للمجتمع العراقي، خصوصاً في ظل التنوّع والتعددية والخصوصية الدينية والثقافية تلك، إذ لا يمكن الحديث عن مشاريع طموحة مثل: الديمقراطية والمواطنة والتنمية دون تأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة، وأعني بذلك حفظ وضبط النظام والأمن العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وإلاّ سيصبح أي حديث عن المُثُل والأهداف العليا -ناهيكم عن الحريات والعدالة والمشاركة والمساواة- ليس أكثر من رطانة أقرب إلى لغو فارغ لا معنى له.
لا أدري ولا يمكنني أن أتصوّر كيف يكون المجتمع العراقي بلا مسيحيين وآشوريين وكلدان وأرمن، وبلا صابئة أو أيزيديين أو شبك أو أكراد فيليين أو تركمان أو غيرهم، ولعل هؤلاء كانوا الأكثر استهدافاً على مدى السنوات الماضية، رغم أن التطهير المذهبي والطائفي والإثني شمل المجموعات السكانية الكبرى الأوسع عدداً ونفوذاً وتأثيراً، لكن ما واجه هؤلاء المستضعفين كان مخيفاً بكل معاني الكلمة، لأنه يتعلق بوجودهم.
كان المسيحيون ينتشرون بالأساس في العاصمة بغداد، حيث تتجاور الكنيسة مع المسجد والجامع والكنيست اليهودي قبل تسفير اليهود عام 1950 وما بعده، وتشكّلُ تلك اللوحة، فسيفساء جميلة وتناسقاً باهراً للتنوع والتعددية الدينية، فضلاً عن تعددية اللغة والقومية للعرب والكرد والتركمان والآشوريين وغيرهم. كما ينتشر المسيحيون في البصرة وسهل نينوى، إضافة إلى أربيل ودهوك والسليمانية.
وخلال سنوات الستينيات والسبعينيات، حصلت هجرة واسعة في صفوف المسيحيين بسبب صعود بعض نبرات التمييز، واتسعت خلال الحرب العراقية- الإيرانية، وفيما بعد خلال سنوات الحصار الدولي، وإذا كانت الهجرات لعوائل أو لأفراد أو لمجموعات، فإنها بدأت بعد الاحتلال لكتل سكانية وبشرية هائلة، لاسيَّما بعد أن أصبح العيش عسيراً، وبعد استهدافات مباشرة وتفجيرات لكنائس وأماكن عبادة وقتل لرجال دين، رغم أنهم ليسوا طرفاً في الصراع المباشر الذي اتخذ شكلاً طائفياً وإثنياً، كما عانى المسيحيون من التهميش سياسياً واجتماعياً واقتصادياً تحت ذرائع مختلفة، ولعل ذلك بسبب «الهوية الدينية» أو الانتماء الديني سواء بإعلان مباشر أو من دونه! وقد فشلت الأجهزة الأمنية في حمايتهم من المتطرفين والإرهابيين، وتعرضوا لعمليات قتل وخطف وطرد وترحيل.
وحسب بعض المعلومات المتوفرة، فإن عدد المسيحيين قارب المليون (رغم عدم وجود إحصاءات دقيقة) خلال فترة التسعينيات، واضطرت مجاميع واسعة منهم إلى الهجرة، وترك مساكنهم ومدنهم بعد الاحتلال. ويمكن القول إن نحو نصف المسيحيين من سكان مدينة البصرة تركوها خلال فترة المد الطائفي وسيادة التعصب المذهبي الذي استحوذ على المدينة، وهذا ما حصل في أحياء الأندلس ومناطق الباشا وجنينة والعشار والطويسة والجزائر وغيرها، وهو الأمر الذي نزفت بغداد بسببه أيضاً، وخسر العراق كفاءات وطاقات مسيحية هائلة في حي الدورة والسيدية وبغداد الجديدة والغدير والبتاوين والمشتل والكرادة وكمب سارة وشارع فلسطين والمنصور والزعفرانية وغيرها!
وخلال فترة المدّ الطائفي الشديد الغلو، وبالترافق مع تنظيمات القاعدة الإرهابية، سمع الناس عبر مكبرات الصوت ومن بعض المساجد والجوامع طلبات غريبة بترك المسيحية والتحوّل إلى الإسلام أو دفع الجزية بصفتهم «كفاراً»، وطلبوا من النساء ارتداء الحجاب، وتسلّمت عوائل مسيحية تهديدات كثيرة، بل إن بعض الرسائل حددت مبلغ الجزية الشهري، واشترطت التخلي عن بعض المهن، مثل بيع الخمور وأشرطة الفيديو والحلاقة وغيرها.
وخلال تلك الفترة العصيبة، نشط الإرهابيون والمتطرفون وأفراد من الميليشيات غير النظامية للطلب من المسيحيين ترك بيوتهم أو أن مصيرهم سيكون الموت، وبالفعل تم تنفيذ بعض العمليات ضدهم، وتعرضت بعض الكنائس إلى التفجير والتدمير، واختطف عدد من رجال الدين كما حصل للقس رعد وشان والقس باسل بلدو والقس سعد سيروب والقس دومكص البازي والقس سامي عبدالأحد والقس هاني عبدالأحد والقس نوزت بطرس. كما اغتيل في بغداد القس عادل عبودي (من الكنيسة السريانية)، والمطران بولس فرج رحو رئيس أساقفة أبرشية الموصل، والقس رغيد عزيز متّى كني من الكنيسة الكاثوليكية مع ثلاثة من الشمامسة، والقس بولس إسكندر بهنام من كنيسة السريان الأرثوذكس، وعدد من الكفاءات العسكرية والطبية والثقافية والأكاديمية في بغداد وبعقوبة والبصرة والموصل وكركوك.
ولهذه الأسباب، اضطر الآلاف من المسيحيين إلى الهرب ومغادرة بيوتهم متوجهين إلى سهل نينوى (الموصل) ومحافظتي أربيل ودهوك، ومن هناك المغادرة إلى الخارج، حيث توجد أعداد كبيرة منهم في سوريا والأردن ولبنان وتركيا، ينتظرون دورهم للرحيل إلى المنافي البعيدة! أما من لم يسعفه الحظ فيعيش في قلق وخوف دائمين وفي ظروف بالغة القسوة، حيث يضطر العديد من العوائل إلى عدم إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس بسبب حالات الفزع والرعب، ولو توفّر المال الكافي لدى هؤلاء لغادروا العراق أيضاً.
لقد كانت المسيحية الشرقية عنصر إضافة إيجابية للثقافة العربية- الإسلامية، وكان المسيحيون العراقيون جزءا حيوياً من النسيج الوطني العراقي، وأسهموا في كل فعاليات العراق الفنية والأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا يمكن تصوّر العراق دون وجود المسيحيين منذ القدم وحتى تأسيس الدولة العراقية وإلى اليوم، ثم أليس عيباً علينا جميعاً لو غادر المسيحيون وطنهم العراق متوجهين إلى المنفى، بحجة أن من يطاردونهم يطالبونهم بدفع الجزية، وهي «أطروحة» مضى عليها أكثر من 1400 عام؟ ألم تكن قصور بني العباس تحفل بالكفاءات المسيحية؟!
وجدير بأية حكومة قادمة سواء فائزة بالقائمة (أي حصلت على أغلبية المقاعد) أو بالكتلة النيابية (الكتلة الأكبر في البرلمان حسب تفسير المحكمة الاتحادية)، أن تتوافق لوضع حد لظاهرة العنف والإرهاب وحماية الثروة البشرية من هذا النزيف للعقول والكفاءات والطبقة الوسطى، بدلاً من تعطيل كل شيء، للفوز بهذا المنصب أو ذاك!
 

1004
العروبة والهوية والثقافية   

 

عبدالحسين شعبان
هل الهوية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وهل العروبة هوية ثابتة ومحددة؟ ثم هل الهوية بركة مغلقة ومياه راكدة أم أرخبيل مفتوح وشواطئ متصلة؟

وإذا كانت الهوية غير كاملة، فهي بهذا المعنى متحوّلة ومتغيّرة وغير ثابتة،أي أنها ليست مُعطى سرمدياً، ساكناً ونهائياً وغير قابل للتغيير، لكن ذلك لا يعني انكار وجود بعض ثوابت الهوية مثل اللغة والدين، مع أن هذه تخضع أيضاً لنوع من التغيير من خلال فهمها وتفسيرها وتأويلها وقدرتها على قبول الجديد .

إن بعض عناصر الهوية تتغيّر، مثل العادات والفنون، حذفاً أو إضافة، لاسيما علاقاتها مع الثقافات والهويات الأخرى، تأصيلاً واستعارة، علماً بأن هذه التغييرات لا تأتي دفعة واحدة، بل تتم عملية التحوّل بصورة تدريجية، تراكمية، طويلة الأمد، الأمر الذي ينطبق على تفاعل وتداخل الهويات، لاسيما عناصر التأثير والتأثر، الواحدة بالأخرى .

لعل ذلك كان مثار جدل فكري وثقافي في ندوتين مهمتين، الأولى في مركز الخليج للدراسات في ندوته السنوية العاشرة وبمناسبة مرور 40 عاماً على صدور جريدة الخليج الغرّاء (الشارقة)، أما الثانية فتناولت موضوع “العروبة والمستقبل” حيث التأمت في دمشق، وشارك في المؤتمرين كوكبة من الباحثين والمفكرين والمثقفين، إضافة الى مداخلات ونقاشات حيوية تعكس الطيف الفكري والسياسي المتنوّع في عالمنا العربي، ولعل موضوع الهوية والتنوّع الثقافي والانقسام الاثني والطائفي والمذهبي، كان القاسم المشترك لكلا المؤتمرين كما أن مقاربة الموضوع كانت متداخلة .

وإذا كان ثمة تكوينات مختلفة دينية أو اثنية أو قومية أو لغوية أو سلالية، فإن اختلاف الهويات لا يكون أمراً مفتعلاً حتى داخل الوطن الواحد، ناهيكم عن اختلاف الهويات الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية . ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنى الذي تتكون منها الهويات الفرعية  الخاصة وبين الهويات الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهويات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهوية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد، ولكنه متعدد، وليس أحادياً، فمن جهة يمثل هوية جامعة، ومن جهة أخرى يؤلف هويات متعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميزة أما دينياً أو لغوياً أو اثنياً أو قومياً أو غير ذلك .

ولعل الحديث عن هويات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفز أحياناً بعض الاتجاهات الشمولية والمتعصبة دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب أيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولّي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فتصبح في الواقع العملي “مؤامرة” ضد الأمة والدين، تقف خلفها “جهات” امبريالية  استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية  الإسلامية .

وإذا كان جزء من هذا المنطق “كلام حق يُراد به باطل” فإنه من غير المبرر هضم الحقوق وعدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي وازدراء الآخر . إن بعض الممارسات المتعصبة أو غير المتسامحة، لاسيما بحق الجماعات القومية أو الدينية دفعتها إلى الانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا كانت قد تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويتها، وهو الأمر الذي كان إحدى نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال .

يمكنني القول إن الموقف من “الأقليات” القومية والدينية ما زال قاصراً في الكثير من الأحيان وحتى الاعتراف ببعض الحقوق يأتي كمنّة أو مكرمة أو هبة أو حسنة، حيث تسود مفاهيم مغلوطة عنها، بل إن الكثير من السائد الثقافي يعتبرها، خصماً أو “عدواً” محتملاً، أو قنبلة قد تنفجر في أية لحظة أو حتى طابوراً خامساً أو أن ولاءها هش وقلق وغير مضمون، وسرعان ما يتحول إلى الخارج، دون أن نعي أن هضم حقوقها، تارة باسم مصلحة الإسلام وأخرى مصلحة العروبة والوحدة وأحياناً بزعم الدفاع عن مصلحة الكادحين، والدولة العلمانية والمدنية وغير ذلك، هو السبب الأساس في مشكلة الهويات الفرعية وليس نقص ولائها أو خروجها على الهوية الوطنية العامة التي تصبح لا معنى لها بسبب معاناتها .

ولنتأمل الحرب الأهلية اللبنانية، فبعد دماء غزيرة وخراب استمر 15 عاماً، غسل الجميع أيديهم وتعانقوا وكأن شيئاً لم يكن وظلّت الهويات الصغرى طاغية، والهوية الجامعة هشّة، قلقة، مقصاة . وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، اندلع العنف والإرهاب على نحو لم يسبق له مثيل ليحصد أرواح عشرات ومئات الآلاف من العراقيين من جميع الأديان والطوائف والقوميات والاتجاهات، تحت شعارات طائفية واثنية، وادّعاء الأفضليات أحياناً، وهو ما كانت له بعض الأسباب في التاريخ، لاسيما المعاصر، وبخاصة الاتجاهات التمييزية السائدة، رغم أن المحاصصة والتقاسم المذهبي والاثني كانا يشكلان أساساً قام عليه مجلس الحكم الانتقالي وما بعده، وهو المجلس الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وظل جميع  الفرقاء والفاعلين السياسيين من جميع الاتجاهات، يعلنون أن لا علاقة لهم بالطائفية والمذهبية، بل هم يستنكرونها ويعلنون البراءة منها، لكنهم عند اقتسام المقاعد والوظائف والغنائم يتشبثون بها، ويحاولون الظهور بمظهر المعبّر، وربما الوحيد، عنها، دون تخويل من أحد .

إن هذه المقدمات هي التي دفعت الباحث لاقتراح مشروع لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، وهو إذ يعرضه على جميع الفرقاء (وعلى المستوى العربي لما لهذه المسألة من انعكاسات عربية وإقليمية)، يأمل أن يثير نقاشاً وحواراً واسعين لدى الجميع .

إن الحق في الهوية الثقافية للشعوب يعطي الأشخاص والجماعات الحق في التمتع بثقافاتهم الخاصة وبالثقافات الأخرى المحلية والعالمية، ذلك أن إقرار الحق في الثقافة يعني: حق كل ثقافة لكل أمة أو شعب أو جماعة في الوجود والتطور والتقدم في إطار ديناميتها وخصائصها الداخلية واستقلالها، ودون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الإنساني وقيم التعايش والتفاعل بين الأمم والشعوب والجماعات، وذلك ما اعتمدته الأمم المتحدة في “اعلان حقوق الأقليات” في العام ،1992 رغم ميلي لاستخدام مصطلح التنوّع الثقافي بدلاً من مصطلح “الأقليات” وأجده أكثر دقة في التعبير والمضمون .

إن الإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والاثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمن التنكّر باهظاً وساهم في تفكيك الوحدة الوطنية وهدّد الأمن الوطني واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل وفي هدر الأموال وفي الحروب والنزاعات الأهلية، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنى وتفاعلاً حضارياً وتواصلاً إنسانياً، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً، ولعل ذلك ما ينسجم مع فكرة العروبة الثقافية باعتبارها رابطة حضارية اجتماعية إنسانية، مثل الروابط الأخرى ذات الانتماءات القومية أو الدينية أو غيرها .

باحث ومفكر عربي




1005
الجميع يبرئون أنفسهم من تهمة الطائفية أو يحاولون إلصاقها بالآخرين
الطائفة والطائفية: المواطنة والهوية!!

 
عبد الحسين شعبان
لا أحد يجاهر أو يعترف بأنه '' طائفي''، فالجميع يبرئون أنفسهم من تهمة الطائفية، أو يحاولون إلصاقها بالآخرين، أو نسبها إلى سلوك وتصرف فردي أحياناً، أو إيجاد ذرائع ومبررات تاريخية ''بادعاء المظلومية'' أو ''الحق في التسيّد''، أو ادعاء امتلاك ناصية الدين والحفاظ على نقائه إزاء محاولات الغير للنيل منه أو من تعاليمه، الأمر الذي يخوّلهم ادعاء تمثيل الطائفة أو النطق باسمها، مع تأكيدات بملء الفم بنبذ الطائفية أو رميها على الطرف الآخر أو استنكارها، لكن دعاوى تحريم الطائفية وإن اقترن بعضها برغبات صادقة، إلا أنها تعود وتصطدم بوقائع مريرة وقيود ثقيلة، تكاد تشدّ حتى أصحاب الدعوات المخلصة إلى الخلف، إن لم تتهمهم، أحياناً بالمروق والخروج على التكوينات والاصطفافات المتوارثة.
ولعل بعض العلمانيين والحداثيين، انساقوا وراء مبررات أو تسويغات تقضي بانخراطهم في إطار الحشد الضخم للكتل البشرية الهائلة ما قبل الدولة أحيانا، التي تذكّر بعصر المداخن في أوروبا، التي تحرّكها زعامات مستفيدة من بعض الاستفزازات أحياناً، بإثارة نزعاتها البدائية إزاء الغير أو الرغبة في الهيمنة، وذلك تحت شعار الواقعية السياسية والاجتماعية، وأحياناً بدعوى التميّز والهوية، التي غالباً ما تكون على حساب الهوية الوطنية الجامعة، التي بإمكانها احترام الخصوصيات والهويات الفرعية.
ومثل هذا الأمر تفشّى في العراق وبشكل خاص ما بعد الاحتلال, حيث كرّس مجلس الحكم الانتقالي, الذي شكّله الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر, صيغة المحاصصة الطائفية والإثنية، وربما إلى حدود معينة هو ما كان سائداً في لبنان، لا سيما في دستوره بعد الاستقلال عام 1943، الذي أوحى بذلك، حيث تكرّس الأمر بعد الحرب الأهلية, خاصة بعد اتفاق الطائف عام 1990، واتخذ بُعداً آخر في السودان، خصوصاً الوضع الخاص في الجنوب, وهي بلدان شهدت انتخابات وصراعات أخيرا ولا تزال على مفترق طرق مهددة بوحدتها الوطنية، وإن لم يقتصر الأمر على هذه البلدان الثلاثة حسب، بل إن اتجاهاً نحو التشظي الطائفي والمذهبي والإثني والتمترس الديني، أصبح جزءًا من خصوصيات المرحلة، وتجلّى ذلك بما تعرّض له المسيحيون في العراق وكذلك اليزيديون والصابئة والفتنة الطائفية، لا سيما بعد عام 2006 التي اتخذت بُعداً تطهيرياً وإقصائياً وإجلائياً خطيراً.
وأيضاً صراع 7 أيار (مايو) 2009 بين حزب الله وحركة أمل من جهة وتيار المستقبل من جهة أخرى، انعكاساً للاصطفافات بين جماعة 8 آذار و14 آذار, وذلك على خلفية طائفية وسياسية ازدادت اشتعالاً بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز (يوليو) عام 2006. وكذلك اتخذ الأمر بُعداً دولياً بعد انتهاكات دارفور في السودان وقرار القاضي أوكامبو بملاحقة الرئيس السوداني، وما يرتبط ذلك بمسألة الاستفتاء حول الاستقلال لسكان الجنوب. وإذا كان الانخراط جزءا من تبرير الواقعية وعدم العزلة، فهناك من استطاب بعض الامتيازات التي حصل عليها باسم الطائفة أو بزعم تمثيلها، أو التنظير لكيانيتها تحت أسماء مختلفة، سواءً كانت أقاليم أو فيدراليات أو كانتونات لا فرق في ذلك، فأمراء الطوائف باستطاعتهم إيجاد كثير من الذرائع والمبررات لإدامة هيمنتهم.
 
وبودي أن أشير إلى أن الطائفية تختلف اختلافاً جذرياً عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، اختلط فيها ما هو صحيح ومنفتح، بما هو خاطئ وانعزالي أحياناً، لكنها تكوين أصيل وموجود وتطور طبيعي، وليس أمراً ملفقاً أو مصنوعاً، في حين أن الطائفية، هي توجّه سياسي يسعى إلى الحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو إثبات تمايزات عن الطوائف الأخرى، حتى إن كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً وأغراضياً بهدف الحصول على المكاسب.
وإنْ أدّى مثل هذا السلوك إلى التباعد والافتراق والاحتراب، ناهيكم عن زرع الأوهام حول ''الآخر''، بصورة العدو أو الخصم، وبالتالي خلق حالة من الكراهية والعداء، في رغبة للإقصاء والإلغاء، بعد التهميش والعزل، مروراً بالتحريم والتأثيم، وإنْ تطلب الأمر التجريم أيضاً، فتراه لا يتورع عن التوّغل حيث تتحقق المصالح الذاتية الأنانية الضيقة، وإن تعارضت مع مصلحة الوطن والأمة.
والغريب في القضية أن بعض هؤلاء المنخرطين في البغضاء الطائفية أو إشعال نار الحقد والكراهية لا علاقة لهم بالدين، فهم غير متدينين فكيف يتعصّبون للطائفة، إنْ كانوا غير متدينين أو حتى غير مؤمنين أصلاً، وهو ما أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي إنهم ''طائفيون بلا دين''، وبذلك تكون الطائفية عامل تفتيت وانقسام للمجتمع وواحداً من أمراضه الاجتماعية الخطيرة، إذا ما استشرت.
عانت بلادنا العربية هذه الظاهرة الطائفية الانقسامية، بسبب ضعف الثقافة الإسلامية من جهة وشيوع كثير من الأوهام والترهات إزاء الطوائف الأخرى، ولا سيما بالتعصب والتطرف والغلو، ويعود ذلك أيضاً إلى الموروث التاريخي، والقراءة المغلوطة للتراث الإسلامي بفرقه وفقهه وجماعاته المجتهدة، بل أن هناك حقول ألغام تاريخية يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا ما تم الاقتراب منها، فبعض مفاصل التاريخ بما فيها تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وما بعدهم، يظل مسألة احتكاك مستمرة يريد البعض تغذية نيرانها باستمرار.
وينسى هؤلاء أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (الفاروق) كان يردد: لولا علي لهلك عمر، لاسيما استشاراته في كثير من القضايا القضائية وما يتعلق بالحُكم والسياسة ودلالاتهما وأبعادهما في ظرف ملموس. ولعل تأييد الإمام علي الخليفة عمر لم يكن بمعزل عن شعوره بالقربى الفكرية، ولا سيما في الموقف من العدالة وتجلياتها على صعيد الدولة الإسلامية الناشئة والمجتمع الجديد، ووفقاً لكتاب الله '' القرآن الكريم'' وسنّة رسوله. كما أن ضعف الثقافة المدنية الحقوقية، ولا سيما ثقافة الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر، وعدم قبول التعددية والتنوّع، أسهم في تكريس الطائفية السياسية.
لقد نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية متقاربة، وانتقلت بعض الأحكام من هذا المذهب إلى ذاك، تبعاً للظروف من جهة، ومن جهة أخرى للتأثيرات التي ربما تقع عليها، فقد كان الفقيه والعالم الكبير أبو حنيفة النعمان تلميذاً نجيباً للفقيه الضليع الإمام جعفر الصادق، وهما قطبان لمذهبين أساسيين في العالم الإسلامي، المذهب الحنفي (السني) والمذهب الجعفري (الشيعي الإثني عشري) حيث يشكل الأول أغلبية ساحقة، في حين يشكل الثاني أقلية متميزة، لا سيما في بعض البلدان التي يكون فيها أكثرية، أما المذهبان الشافعي والمالكي فلهما حضور في شمال إفريقيا وبلدان أخرى، في حين أن المذهب الحنبلي هو خامس هذه المذاهب الأساسية.
وإذا كان الاصطفاف عقلياً واجتهادياً، فإن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المذاهب والطوائف ينبغي أن تكون هي الأخرى عقلية وسلمية وعلى أساس المشترك الإنساني والوطني والعروبي والإسلامي، وليس وفقاً لمصالح سياسية أنانية ضيقة، تريد دفع الأمور باتجاه الافتراق الذي لا عودة فيه ولا إمكانية لإعادة لحمته، ولعل بعض أمراء الطوائف سيكونون هم المستفيدين من هذا الانقسام والتناحر، طالما يؤمن لهم زعاماتهم وامتيازاتهم، وحتى تفاهماتهم مع أمراء الطوائف في الأطراف الأخرى.
بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلا أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانية للمجتمع والدولة. وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وربما تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه!!
وإذا كان الانتساب إلى الطائفة أمرا طبيعيا، مثل الانتساب إلى الدين, وهي فرع منه، أو الانتساب إلى الوطن، أو الأمة، لا سيما أن الإنسان غير مخيّر فيها، فقد يولد الإنسان مسلماً أو مسيحياً، أو عربياً أو غير عربي، ومن منطقة معينة ومن طائفة معينة حسب الآباء والأجداد، في لبنان أو المغرب أو الصومال أو السعودية أو العراق، ولم يسأله أحد عن رغبته وقد لا يجوز له تغيير ذلك لو أراد بحكم قيود وضوابط ربما تؤدي إلى هلاكه، لا سيما في ظل النزعات المتطرفة والمتعصبة السائدة، لكن التمترس وراء طائفته ومذهبه ضد الآخر، وبهدف الحصول على امتيازات، فهذا شيء آخر، خصوصاً إذا كان على حساب المواطنة والمساواة، بما يؤدي إلى التمييز لأسباب طائفية، الأمر يلحق ضرراً بحقوق الطائفة ذاتها وأفرادها مثلما يلحق ضررا بحقوق الطوائف الأخرى، وبالوطن والأمة ككل، جماعات وأفراداً وبقضية حقوق الإنسان ككل. ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أي واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى إلى نشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك الحزب أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها. كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني، الأمر الذي يتطلب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أي انحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام. وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لا سيما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضا على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أي اصطفافات طائفية أو مذهبية. وإذا كان الهدف من إجراء انتخابات هو اختيار المحكومين للحاكم وحقهم في استبداله، فإن معيار الاختيار ينبغي أن يكون الكفاءة والإخلاص والمصلحة العامة، وليس الانتماء الطائفي أو المصالح الفئوية الضيقة، لأن ذلك سيؤدي إلى تعطيل التنمية ويضع الكوابح أمام تطور الدولة والمجتمع، ويبدد طاقات وكفاءات بسبب التمييز المذهبي والولاء الطائفي، وهو ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار في قوانين الانتخابات والتمثيل البرلماني وغيره، بما يعزز روح المواطنة والهوية الجامعة. إن بناء دولة مدنية دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة، يقتضي وضع حد للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهوية الجامعة - المانعة وحسب زياد الرحباني '' يا زمان الطائفية.. خليّ إيدك على الهوية''!


1006
المنبر الحر / حكاية تعذيب!
« في: 17:59 01/06/2010  »
حكاية تعذيب!

عبدالحسين شعبان
2010-05-31
تلقيت باهتمام كبير دعوة الصديق إبراهيم الحريري (الصحافي في جريدة طريق الشعب الشيوعية) إلى اجتماع عاجل ضد التعذيب في العراق، يضم مثقفين وأكاديميين وناشطين وممثلين عن الرأي العام، وهي القضية التي تجد هوى في نفسي وعملت عليها لسنوات طويلة، وشعرت وأنا أستعيد علاقتي «المعتقة» مع الحريري وحواراتنا المستمرة بعد قصته القصيرة «يارا» التي نشرها في أواسط الثمانينيات، وكأنه يوجه كلامه إليّ أو أنني من بين الذين يقصدهم، وأقدّر مثله أن الكلام عن التعذيب سيستفز البعض، وقد يعترض عليه آخرون على حد تعبيره، لكنني سأكون مثله أيضا، وكما فعلت طيلة حياتي، ومثلما يعرف الحريري واختبرته لسنوات طويلة، وبعيدا عن الوعد والوعيد، والإغراء والإقصاء، سأكون «نذلا، متواطئا، خائنا لضميري، لكل مبادئي، ولكل ما تعلمته وكرست حياتي من أجله، لو سكتّ».
لعل ذلك بداية الحكاية، فالحريري يعلم وغيره من الضحايا أيام النظام السابق، كم كتبت وكم حاضرت وكم دافعت في المحافل الدولية والعربية عن الضحايا بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم وقومياتهم وأديانهم وطوائفهم ولغاتهم وأجناسهم وانحدارهم الاجتماعي، فالضحية بالنسبة لي هو الضحية، بغض النظر عن الاختلاف بكل أنواعه، ولا يمكن تحت أي مسوّغ أو أي حجة تبرير التعذيب، سواء كان عملا فرديا متفرقا أو منظما ومنهجيا، وهو ما ينبغي كشفه بعيدا عن السياسة والسياسيين وأغراضهم الخاصة، القريبة أو البعيدة!
وأتذكر أنني عندما اقترحت على القيادة الكردية في عام 2000 إنشاء وزارة لحقوق الإنسان في كردستان، وقلت في جملة ما قلته إن حساسية الضحايا ينبغي أن تكون أكبر إزاء الانتهاكات، لاسيما إزاء التعذيب، وعندما طلبت مني القيادة الكردية مساعدتها لإخراج الفكرة إلى حيز التنفيذ، قمت بإعداد هيكلية الوزارة وأقسامها ومديرياتها ووضعت أهدافها ووسائل تحقيقها، فضلا عن نشر ثقافة حقوق الإنسان، وكنت قد أوليت اهتماما كبيرا لموضوع التعذيب، وهو ما ألمحت له في الكثير من المحاضرات التي ألقيتها على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين أو في غيرها، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني، وعلى امتداد الوطن العربي والعالم.
وإذ أستذكر هذه المسألة الحساسة، فإن عددا من الذين يتصدرون الواجهات اليوم، كانوا قد تعرضوا للتعذيب أيضا، الأمر الذي ينبغي أن تكون حساسيته لديهم شديدة وموقفهم منه حاسما وجريئا، والمساءلات بخصوصه صارمة ولا تقبل التهاون، إلا إذا أرادوا أن يقلدوا الجلادين، وهكذا ينقلب الضحية إلى جلاد باستعارة أخلاقه، لاسيما محاولات إذلال الخصم وإجباره على التخلي عن معتقداته.
وأنا أكتب هذه المادة أستعيد حواراً كان قد جرى بين القائد الشيوعي الجزائري بشير الحاج علي وأحد الشباب الذين كانوا معه في «حفلة» التعذيب، وهو ما يرويه في كتابه «العسف» الذي قرأته قبل أربعة عقود من الزمان، فالشاب بحماسته وردود فعله وبين جلسة وأخرى، وبعد صحوته من المغطس أو استفاقته من غيبوبة يقول: إذا وصلنا إلى السلطة سأقوم بتعذيب الجلادين بالطريقة نفسها التي يعذبوننا بها، وهنا يبادر بشير الحاج علي بالقول: ستكون مهمتنا المشرفة هي القضاء على التعذيب وليس ممارسته ضد خصومنا، ولا بد من إنهاء هذه الظاهرة المشينة، ولعل في ذلك استعادة إنسانية الإنسان وكرامته، فكرامة الإنسان وحريته هي أغلى ما في الوجود الإنساني.
كنت أتجاذب أطراف الحديث مع الصديق البروفيسور الجزائري عروس الزبير، وأنا أروي له هذه الواقعة وما يشابهها حين كنا في الأنصار، وإذا بصديق يقول ملطفاً المسألة: لا نريد أن «نعذبهم»، بل نجلبهم ليحلوا مكاننا في ذلك الجبل الشهير الشديد الوعورة الذي اسمه قنديل وفي بشتاشان المهجورة وغيرها، وفي ذلك الوادي القريب من نوكان، حيث تتناثر بعض القرى النائية على السفوح. وكم كانت مثل تلك الأطروحات تثير نقاشا شديدا، فما كان من الصديق الزبير إلا أن ينقل لي حكاية عن إحدى النساء الناشطات وهي أستاذة في طب العمل وعضوة في اللجنة الوطنية لمناهضة التعذيب العام 1988، التي كان هو عضوا فيها، حين قالت بعد اعتقال مجموعات من الإسلاميين عام 1989: دعهم يفعلوا بهم مثلما يفعل الرجال بالنساء، وذلك في موجة حقد كيدية انتقاما وثأرا واستئصالا، فما كان من الزبير إلا أن قدم استقالته، لأن من يدافع عن التعذيب مهما كانت المبررات لا يستحق أن يكون عضواً في لجنة مناهضة التعذيب.
استذكرت عدداً من السجون المعروفة في تازمامات في المغرب والجفر في الأردن والمزة في سورية وأبوزعبل في مصر وسجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة وسجن الحلة والموقف العام وقصر النهاية ومديرية الأمن العامة وأبوغريب في العراق، ناهيكم عن السجون السرية في الجادرية ومطار المثنى وغيرها، كيف كانت تحطم معنويات مفكرين وأكاديميين ومثقفين ومناضلين، وتنتزع عقائدهم وكراماتهم، كما أستذكر اليوم سجون غوانتنامو والسجون السرية الطائرة والسجون السرية العائمة لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية، ولذلك لا بد أن تكون اتفاقية مناهضة التعذيب التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1984 حاضرة دائما، خصوصا وهي تتحدث عن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة.
وحتى مطلع العام 2010 صادقت على الاتفاقية 146 دولة، وقد دخلت حيز النفاذ يوم 26 يونيو 1987. وتدعو هذه الاتفاقية الدول الأطراف إلى اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية وقضائية فعالة لحظر التعذيب وجعله جريمة معاقب عليها، ولعل جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، أما التعريف القانوني للتعذيب فهو «أي عمل يسبب ألما أو عذابا شديدا جسديا أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما قصد الحصول منه أو من طرف ثالث على اعترافات أو معلومات أو معاقبة الشخص لعمل دفع لارتكابه، أو اتهم بارتكابه، أو ارتكبه طرف ثالث، بالإضافة إلى إكراهه أو تهديده هو أو شخص ثالث، أو لأي سبب مبني على التمييز من أي نوع» (المادة الأولى من الاتفاقية).
ولا يمكن تبرير التعذيب بظروف استثنائية أو حالة الحرب أو التهديد بها أو عدم استقرار الأوضاع السياسية أو حالات الطوارئ أو الإرهاب أو غيرها، وقد ذهبت اتفاقية مناهضة التعذيب إلى تأسيس «لجنة دولية» تتكون من 10 خبراء، وتتمتع بصلاحيات واختصاصات دراسة التقارير المقدمة إليها من الدول والأفراد بشأن التعذيب.
وحتى 31 مايو 2009، أعلنت 67 دولة إقرارها بقبول اختصاص اللجنة وصلاحيتها لذلك. وتتمتع اللجنة بالسلطة للقيام بأعمال تقصٍ سري بالتعاون مع الدولة المعنية في الحالات التي يدعى فيها وجود تعذيب منهجي، وتنقل نتائج التقصي إلى الدولة الطرف المعنية.
وفي عام 2002، تم تبني بروتوكول اختياري ملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، ودخل حيز النفاذ في 22 يونيو 2006، ويؤسس هذا البروتوكول آليات للرقابة الدولية من أجل التطبيق الفعال للاتفاقية، ويقرر إيجاد جهاز دولي من الخبراء يمكنهم القيام بزيارات إلى أماكن التوقيف والاعتقال ومراقبة تطبيق الدول الأطراف للاتفاقية، كما يوفر تأسيس آلية وطنية بواسطة الدولة.
أما آن الأوان ليشمر بعض المثقفين عن سواعدهم لوضع حكاية التعذيب في المكان الذي تستحقه، لا في الذاكرة فحسب، بل كقضية راهنة مستمرة بما ينسجم مع القواعد والمعايير الدولية، فضلا عن انسجامه مع الشرائع الوضعية والسماوية التي تحرم التعذيب، حيث لا تسقط جريمته مهما تقادم الزمن!
إنها مجرد فكرة أو خاطرة هبطت علي بعد قراءة مقالة إبراهيم الحريري النازفة ودعوته الحارقة: كفى صمتا والسكوت يعني التواطؤ!



1007
ضوء على تدريس حقوق الانسان في العراق*
                                                                                             عبد الحسين شعبان

تسنّى لي للعام الدراسي 1999-2000 أن ألقي محاضرات على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين (أربيل- العراق) بعنوان " مدخل الى القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان"، وقد طبعت "الملازم" التي قدمتها للطلبة في كتاب، بالعنوان ذاته، ثم عدتُ وطورتها لأطبعها في كتاب بعنوان " الإنسان هو الأصل" الذي صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، في العام 2001.
يومذاك لم تكن قضية حقوق الانسان قد أخذت طريقها الى الجامعات الأساسية في العراق، لاسيما العاصمة بغداد، بسبب النظام التوتاليتاري الشديد الصرامة، خصوصاً في ظل القيود الكبيرة المفروضة على حرية التعبير والحريات الاكاديمية بشكل خاص والحريات العامة بشكل عام. وإذا كان ثمت حديث عن حقوق الانسان، فإنه بلا أدنى شك لا يتعلق بالأوضاع الداخلية لأن عقوبات غليظة تنتظر من يغامر بمثل هذا الحديث تصريحاً أو حتى تلميحاً. وكل ما كان يتعلق بحقوق الانسان فإنه يخص الخارج، التي يحركّها الاعداء والخصوم.
أما في كردستان فرغم خروجها على السلطة المركزية منذ أواخر العام 1991، فلم تكن جامعاتها قد اكتسبت هذه الخبرة بعد في ظل أوضاع قلقة ومخاوف كثيرة وبيئة غير مهيأة، لاسيما في ظل اندلاع القتال الكردي – الكردي (1994-1998)، لكن بعض الارهاصات الاولى قد بدأت، وبعض اللبنات المهمة قد تم بناؤها، وبخاصة عند تأسيس وزارة باسم حقوق الانسان في أربيل العام 2000 التي كان لي الشرف في اقتراح المشروع على القيادة الكردية التي طلبت
ـــــــــــــــــــ
* بحث ألقاه الكاتب في حلقة دراسية أقامتها جامعة السيدة اللويزة في بيروت ، يوم 21 أيار (مايو) 2010.
مني كتابة أهدافها ووضع تراكيب لهيكلياتها ومديرياتها ووسائل تحقيقها، وغير ذلك من الجوانب الحقوقية والقانونية والفكرية والادارية، الأمر الذي ساهم في الارتقاء بوضعية حقوق الانسان بوضعها في منزلة رفيعة، كاعتراف رسمي على أقل تقدير، حتى وإن استمرت الانتهاكات.
بعد سقوط النظام السابق، ورغم وجود الاحتلال، فإن التوجه للحديث عن حقوق الانسان أصبح ملازماً للحديث عن التغيير والعراق الجديد، سواءً بما ينطبق عليه أو لا ينطبق، لكن موجة حقوق الانسان كانت قد وصلت الى العراق، وأخذ رصيدها بالارتفاع ورنينها يملأ الأسماع، لدرجة أن الكثير من الذين كانوا بعيدين كل البعد عنها أصبحوا ينظرون اليها بشيء من الاعجاب، حقاً أو باطلاً، مجاراة لموجة أو لتوجّه أو ايماناً أو أمراً واقعاً، خصوصاً وأن فكرة حقوق الانسان أصبحت عنواناً لعدد من الفاعليات والأنشطة، شملت حتى رؤوساء العشائر وأنشطة دينية ومذهبية.
بدأت أول محاضرة لي بعد احتفال تكريمي بمناسبة عودتي الى العراق في الجامعة المستنصرية في بغداد عن حقوق الانسان، وكان عنوان محاضرتي هو "ثقافة حقوق الانسان" وذلك لعدة أسباب، السبب الأول أن موضوع حقوق الانسان هو موضوع راهني، وأصبح مطروحاً على بساط البحث، لاسيما وأن هناك تجاذبات كثيرة حوله، داخلياً وخارجياً، ناهيكم عن أن زاوية النظر بشأنه تتراوح حدتها بالايمان المطلق أو الاتهام بالتخوين أو التحريم باعتبارها بدعة وضلالاً!.
والسبب الثاني هناك التباساً نظرياً وعملياً بشأنه، وبخاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، لكن بعض هذه الجماعات بدأ بتشكيل جمعيات ومنظمات أو فروع لحقوق الانسان.
والسبب الثالث إن اشكالية المواطنة بدأت تحفر في أساسات الهوية والدولة، الأمر الذي يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما وأنه يدخل في صلب الاشكاليات والمشكلات التي تواجه العراق بفرقه وجماعاته، بفسيفسائه وموزائيكه الاثني والديني واللغوي والسلالي وغير ذلك، ناهيكم عن علاقة ذلك بالجنسية العراقية وازدواجيتها.
والسبب الرابع علاقة حقوق الانسان بمبدأ المساواة والحقوق الاساسية وبالأخص حق التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية والمهنية، وحق المشاركة، وإدارة الشؤون العامة دون تمييز، وهو ما يضع تحديات جديدة أمام التطور اللاحق للعراق.
وكان عنوان محاضرتي الثانية هي عن الدستور: الحريات والحقوق، لاسيما بإلقاء نظرة حول الدساتير العراقية السابقة منذ العام 1925(القانون الاساسي) والدساتير المؤقتة: دستور ثورة 14 تموز 1958 ودستور العام 1963 ودستور العام 1964 ودستور العام 1968 ودستور العام 1970 وهو الدستور المؤقت الذي استمر نحو 33 عاماً مثلما استمر الدستور الاول (القانون الاساسي 1925) الفترة ذاتها وكنت أقصد من ذلك هو تهيئة أجواء مناسبة للحوار ولعرض قضية حقوق الانسان باعتبارها مسألة ذات سمة علوية وتشكل قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus Cogens وعلى أية حكومة جديدة تتشكل وأي دستور جديد أن يأخذ بها وكنت قد تلمست مدى النقص وشحّ المعرفة في هذا الميدان.
وخلال لقاءاتي المتكررة ركّزت على البيئة التشريعية، لاسيما القواعد الدستورية والقانونية، إضافة الى دور القضاء، لاسيما إذا كان مستقلاً ونزيهاً ومهنياً والبيئة التربوية ( التعليم بمراحله المختلفة) والبيئة الاعلامية وبيئة المجتمع المدني، لاسيما المنظمات والجمعيات والاتحادات والنقابات ومدى تأثيرها على الفاعلين السياسيين، خصوصاً في ظل بوادر عنف وتفجيرات وتداخلات مع الارهاب الدولي ومحاولات لاملاء الارادة وفرض الوصاية باسم الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها.
وأود هنا أن اشير الى أن أي تحول ديمقراطي ودستوري، لا بدّ أن يتمثل في بيئة مناسبة لنشر الثقافة الديمقراطية، بحيث تؤثر الاخيرة على سلوك وعلاقات الأفراد والهيئات، لاسيما بعضهم ببعض وعلاقاتهم بالسلطة الحاكمة من جهة أخرى، والديمقراطية ليست فقط نظام حكم، وإنما هي أيضاً نمط من العلاقات الانسانية ونهج في ممارسة السلطة. ولعل ذلك كان مقاربة قدمها الصديق الدكتور عصام سليمان رئيس المجلس الدستوري اللبناني عن تدريس حقوق الانسان والثقافة الديمقراطية.
وهنا أود أن أشير الى أن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل باجراء انتخابات دورية حسب، وإن كانت الانتخابات أحد مظاهرها، لكن لا بدّ أن تستند الى سيادة القانون وفصل السلطات ومبادئ المساواة وعدم التمييز وتداولية السلطة سلمياً وحقوق وحريات عامة وخاصة،  فضلاً عن الشفافية والمساءلة وغيرها.
وبقدر تجذّر الديمقراطية نظام قيمي يحدد ويحكم تصرفات الأفراد، وبالأخص خياراتهم السياسية ومواقفهم مع من يحكمون، يكون هذا النظام قد استطاع ترسيخ الثقافة الديمقراطية وإعطائها بُعداً حياتياً وسلوكياً وحضارياً.
إن مشكلة وإشكالية الديمقراطية لا تكمن في طبيعة النظام السياسي حسب وواقع مؤسسات الدولة ونهج ممارسة السلطة، بل في أنماط العلاقات المجتمعية والسياسية، التي ما تزال تتحكم بها العصبيات، مثلما هي الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية والجهوية وغيرها، لاسيما التي تحول دون الاندماج المجتمعي ودون التحول الديمقراطي، حيث تشكل تلك التحديات كوابحاً له إذ أن أي تحول ديمقراطي يتطلب ذوبان الفرد مع إطار الجماعة مع احتفاظه بفردانيته.
بودي أن اشير الى أن الديمقراطية كمفاهيم وحقوق وقوانين ومؤسسات وتطبيقات بحاجة الى ضوابط لمنع تغوّل السلطة السياسية ضد الفرد والمجتمع وضمانات ضد العسف السياسي. ولعل الشرط الاول لتحقيق التحول الديمقراطي هو وعي المواطن لذاته ومشاركته في الحياة السياسية في إطار خياره الحر ومراقبته من يمارس السلطة وفقاً للمساءلة والمحاسبة، اللتان هما الاساسان للحكم الصالح، الامر الذي يتطلب " التحرر من العصبيات  التي تحول دون عقلنة العلاقات المجتمعية ..." والمقصود هنا المجتمع والدولة.
أما كيف يمكن التحرر من العصبيات؟ فتلك عملية معقدة تتطلب" نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان" أي إحلال الديمقراطية وقيمها مثل: الحق في الحرية والحق في المساواة والحق في العدالة والحق في المشاركة، محل العلاقات العصبية الموروثة، ولعل في ذلك تعبير حقيقي عن مواطنة عضوية وفاعلة وهذا يتم من خلال وعي الذات وتطور الفرد كمواطن له حقوق وعليه واجبات بغض النظر عن إنتمائه الديني أو القومي أو العرقي أو العائلي أو أي انتماء آخر، ويمكن الإضافة هنا أو اللغوي أو الجنسي، لاسيما في ظل توفّر بيئة مناسبة وتربة صالحة.
إن تنشئة المواطنين وتعزيز مداركهم ووعيهم لحقوقهم ومعرفتهم بالوسائل اللازمة للاعتراف بهذه الحقوق، التي تتحول إذا ما اقتنعوا بها وأبدوا استعدادهم للدفاع عنها الى قوة مادية، خصوصاً إذا اغتنت بالمعرفة سيوفر الشروط التي تمكنّه من التمتع بها، ولعل تدريس حقوق الانسان يأتي هنا وسيلة أساسية من الوسائل التي يتطلبها نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان.
يمكن القول أن المعرفة هي أساس الثقافة، ولعل المعرفة هي " قوة" حسب الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون وقصد بذلك " سلطة " فسلطة المعرفة وقوة الثقافة تتجلّيان بمدى التقدم لفرض تأثيرهما في إطار ضمانات دستورية وقانونية وذات بعد دولي، ومدى فاعليتهما وانعكساتهما على الحقوق والحريات، والممارسة تشكّل هنا عنصراً أساسياً في تعميق الثقافة ونشرها من خلال المشاركة وإدماج أنشطة المجتمع المدني والاحزاب والقوى السياسية وفقاً لمبادئ وقواعد الديمقراطية وفي إطار آليات، مثلما هو معمول به في الانظمة الديمقراطية.
إن الممارسة الصحيحة تؤدي الى تطوير ثقافة الديمقراطية وترسّخ قيمها في المجتمع، خصوصاً إذا ما تحولت الى سلوك يومي مجتمعي في الحكم وخارجه، ومن خلال الدور الذي يلعبه المواطن عبر اختياره الحر في انتخابات دورية ومن خلال المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وفي ظل حكم القانون.
إن كل يندرج أيضاً في إطار العلاقة الجدلية بين تدريس مادة حقوق الانسان وبين المجتمع المدني والحركة السياسية وفي داخلها من علاقات تنظيمية وادارية وتراتبية؟
منذ أكثر من 50 عاماً درّست بعض كليات الحقوق والعلوم السياسية مادة حقوق الانسان من خلال مادة الحريات العامة أو بصورة أدق وردت إشارات عنها، ثم تطوّر الأمر من خلال تخصيص مواد تعنى بحقوق الانسان ومنظوماته، وإذا كان لي إجراء بعض المقارنات فإن لبنان كبلد متقدم بهذا المجال، وقد يعود الى تكوين لبنان المجتمعي وموقعه الجغرافي الشرق متوسطي وطبيعته الجبلية، حيث كان ممراً عبر التاريخ لشعوب عديدة ومكاناً احتمت فيه الكثير من الجماعات هرباً من الاضطهاد السياسي أو الديني أو غير ذلك، فضلاً عن أجواء حرية التعبير التي كانت واحداً من معالم لبنان المعاصر..
ولعل التكوين المتنوّع للشعب اللبناني وخصوصيات الطوائف كان قد انعكس على دستوره وحقوقه منذ اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 وكذلك عبر الدستور اللبناني لعام 1926، الذي إعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين وبالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الشخصية وحرية الاعتقاد واحترام جميع الاديان وضمان حرية إقامة الشعائر الدينية. ونص الدستور على حرية التعليم وحرية التعبير وحرية تأليف الجمعيات والحق في الملكية وحق تولي الوظائف العامة دون تمييز.
ويمكن القول ان الدستور اللبناني خطى خطوات كبيرة في مجال الاعتراف بحقوق الانسان والحريات العامة، وذلك بعد العام 1990، أي بعد إتفاق الطائف، الذي تم بموجبه تعديل الدستور، ولعل هذا الدستور لا يمكن تحقيقه وتطويره باتجاه تجاوز الحالة الطائفية والمذهبية وترسيخ الوحدة الوطنية على أساس حقوق الانسان والمواطنة، الاّ من خلال العملية الديمقراطية، ولعل ذلك يستوجب تحديد الآليات المطلوبة في الظرف اللبناني الملموس، خصوصاً بانشطار الحركة السياسية بين موالاة ومعارضة.
وإذا كانت بعض الاشارات الى حقوق الانسان في الجامعات العراقية تأتي عبر مادة الحريات العامة في البرامج الجامعية أو في القانون الدستوري منذ نهاية الاربعينات إقتفاء بأثر بعض الجامعات الغربية، فإنها ظلت محدودة، أما التطور المهم فقد حصل في مناهج وبرامج حقوق الانسان وفي القانون الدولي الانساني بعد العام 2003، لاسيما وأن قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 وبعده الدستور العراقي الدائم (النافذ) لعام 2005 أوردا فقرات خاصة تتعلق بمبدأ المساواة والمواطنة واحترام حقوق الانسان، وهي مواد وفقرات إيجابية وذلك مقارنة مع الدساتير السابقة جميعها.
ورغم وجود بعض الكوابح أمام هذه النصوص، لاسيما ما يوازيها بربط عدم تعارض التشريعات والقوانين مع مبادئ الاسلام، الأمر الذي قد يؤدي الى تعطيلها، أو افراغها من محتواها، خصوصاً إذا ما أدركنا أن هناك تأويلات وتفسيرات مختلفة لهذه النصوص، وهو موضوع معقد لا يمكن الاقتراب منه دون حساسية، لاسيما في ظل طغيان موجة التكفير والتحريم والتأثيم، ناهيكم عن وجود ألغام خطيرة أخرى في الدستور قد تنفجر في أية لحظة، ولعل المجال لا يسمح هنا للحديث عنها.
ومن المفارقات الطريفة أن تعتمد مادة حقوق الانسان في برامج الجامعات العراقية بعد الاحتلال، ولكنها مفارقة تستحق التوقف عندها رغم الانتهاكات السافرة والصارخة، وقد حصل خلال السنوات السبع ونيف الماضية عشرات من الطلبة في الدراسات العليا على مادة اساسية أو إضافية أو درسوا الماجستير أو الدكتوراه في أحد اختصاصات حقوق الانسان، وأخذ الحديث يكثر عن مراحل التعليم ما قبل الجامعي: الابتدائي والمتوسط والثانوي من خلال مادة التربية الوطنية.
إن النقص ما زال فادحاً في عدد المختصين والمدرسين والعاملين في ميدان  ثقافة حقوق الانسان، ولعل غالبيتهم ممن كانوا يدرّسون الثقافة القومية (أي فكر حزب البعث السابق) ثم تحولوا الى تدريس مادة حقوق الانسان، وقبل ذلك كان بعضهم يدرّس مادة المجتمع العربي، وهي مواد ثانوية لا توجد فيها كفاءات معينة، وغالباً ما يتم إنجاح الطلبة فيها دون عناء يذكر أو بجهد يُبذل.
وإذا كان دور مؤسسات المجتمع المدني جديداً، حيث كانت السلطة تبتلع المجتمع المدني وتحوّله الى واجهة لها، فإن هذا الدور قد تحول الى شكل جديد، لاسيما بعد سقوط النظام السابق. وإذا كان القديم انتهى ولكن الجديد لم يولد بعد، حسب غرامشي، فإن الحاجة تزداد الى بناء منظمات مهنية ومستقلة وفاعلة، بحيث تستطيع أن تلعب دورها في نشر ثقافة حقوق الانسان على صعيد الحقوق والواجبات، في التشريعات الدستورية والقوانين والأنظمة وفي جميع المرافق خصوصاً في نطاق التربية والتعليم، لاسيما لجهة مراجعة وتدقيق المناهج وتكييفها للانسجام مع المعايير الدولية لحقوق الانسان.
وللأسف الشديد ساهم الاحتلال وبول بريمر بالذات الحاكم المدني الامريكي للعراق في إفساد الكثير من المنظمات والمؤسسات الحقوقية، ناهيكم عن الحركة السياسية وتشجيع الارتزاق والاحتيال، وقد وزع خلال حكمه الذي دام نحو عام، 780 مليون دولار لمؤسسات المجتمع المدني، ولا نعلم أين ذهبت ولمن ذهبت وكيف صرفت هذه الأموال بدون أية مساءلة أو محاسبة!؟.
ورغم وجود الاحتلال  فإن مناخ "الحريات" رغم تعقيداته كان عاملاً مساعداً لتدريس مادة حقوق الانسان، لاسيما وأن الحديث عن التعددية الحزبية والتكوينات الايديولوجية والدينية أصبح واقعاً، وانتهت الاحادية الحزبية والسياسية، رغم أن الصراع اندلع واستمر، متخذاً طابعاً طائفياً واثنياً، الامر الذي يحتاج الى ظروف وأوضاع سلمية لتعزيز الحوار والجدل حول قضايا الحقوق والحريات وبخاصة حول مضمون ومحتوى حقوق الانسان .
أما في ميدان البحث العلمي لقضايا حقوق الانسان، فما زال رغم دعم الامم المتحدة وجهات دولية، شحيحاً وقاصراً وناقصاً، بل مشوّهاً في بعض الأحيان، وحتى من تتوسم فيهم القيام بهذا الواجب تراهم يفتقدون الى التأهيل النظري والخبرة العملية، وإذا كان هناك عدّة مئات من الجمعيات والمنظمات وعشرات الآلاف من الناشطين في ميدان حقوق الانسان، فإن الباحثين لا يتجاوزون بضعة عشرات ومن هم في كفاءة متوسطة قليلون جداً. وقد تلمست ذلك خلال عدد من المحاضرات التي ألقيتها في أربيل وبغداد وبيروت وعمان على عدد من أساتذة الجامعات العراقية في برامج تعاون دولية.
وأخيراً لا بد من دراسة أثر تدريس مادة حقوق الانسان على الحركة السياسية وذلك من خلال انتشار ثقافة حقوق الانسان وانعكاسها على أنماط العلاقات المجتمعية وعلى مؤسسات الحكم نفسها في النظرية والممارسة وهذا يحتاج الى تراكم وتدرّج طويل الأمد وإعادة النظر في المناهج والسياسات ولن يتم دون تأهيل وتدريب وخبرات لاسيما لجيل الشباب. وهنا يمكن وضع بعض التوصيات لما يعزز نشر ثقافة حقوق الانسان على مستوى العراق ككل وبخاصة لدى النخب الحاكمة وغير الحاكمة، الأمر الذي يتطلب اجراء عدد من الاصلاحات منها:
1-   التوسع في تدريس حقوق الانسان وتعميمها واعادة النظر في بعض البرامج واعتماد اساليب تربوية متطورة واعداد المدرّسين، لاسيما في جميع الجامعات والمعاهد العليا.
2-   اعتماد قانون للاحزاب السياسية يقوم على اساس انتخابات داخلية وعلى أساس مراقبة التطور الداخلي للحزب السياسي، فحتى الآن لا يوجد قانون لممارسة حق العمل السياسي والحزبي، ولا توجد ضوابط حول العضوية والتمويل والآليات الداخلية.
3-   تعديل الدستور وسد النواقص والثغرات الاساسية فيه، أو سن دستور جديد بعد أن وصلت العملية السياسية الى طريق مسدود، وذلك لمنع احتمالات الحرب الأهلية التي يلوّح البعض بها، وقطع الطريق على التطهير الطائفي والاثني، واعتماد قاعدة حقوق الانسان ذات السمة  العلوية معياراً اساسياً للتقييم، بحيث تكون عابرة للطوائف والاثنيات  والمذاهب والأديان.
4-   اعتماد قانون انتخابات جديد يضمن تكافؤ الفرص ومعالجة العيوب والمثالب التي تضمنها القانون القديم والتي تعطل العملية السياسية بعد كل انتخابات وتزيد من احتدام الوضع السياسي.
5-   اعتماد قانون جديد للجمعيات والنقابات بما يعزز طابع الحياة الديمقراطية ويجعل انشاء المنظمات حقاً من حقوق الانسان بمجرد الاخبار عنه.
وتبقى هذه التوصيات رغم اهميتها بحاجة الى آليات لتحقيقها، ولكن أولاًً وقبل كل شيء فهي بحاجة الى توافق وطني وتعايش سلمي بين المكونات المختلفة وظرف اقليمي ودولي يساعد في تحسين الاجواء للسير قدماً الى الامام لتحقيقها.
ولعل تلك التوصيات تتواءم مع التطور الدولي ومع المعايير الحضارية للدولة الدستورية العصرية، خصوصاً بتأكيد جوهرية هذه الحقوق للفرد والمجتمع وشمولها للحقوق المدنية والسياسية باعتبارها تمثل الجيل الاول لحقوق الانسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمثل الجيل الثاني لحقوق الانسان، أما الجيل الثالث فيتعلق بالحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من منجزات الثورة العلمية -التقنية.
وتصبح الديمقراطية والتنوّع الثقافي والانتخابات الحرة الدورية والتعددية جزءاً من الجيل الرابع لحقوق الانسان، ولا شك أن ذلك يتفاعل ويتداخل ما بين الحقوق الجماعية والفردية، والحقوق الخاصة والعامة في إطار منظومة الحقوق غير القابلة للتجزئة أو الانتقاص.
وبتقديري إن تدريس مادة حقوق الانسان في العراق أو في عدد من البلدان العربية الاخرى استناداً الى تلك التوصيات، يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً للاصلاح المنشود عبر التطور الداخلي السلمي التراكمي الطويل الامد، وعلى أساس التطامن والتضامن الاجتماعي وتطوير العلاقات السياسية في الحكم وفي معارضاته على أساس الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.












1008
صوت وصدى عبد الحسين شعبان

شبكة الوليد للإعلام – خاص :
     في كتابه الجديد «الصوت والصدى» يتنقل المفكر والباحث العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان بين محطات عديدة، منها المكانية حيث عاش في هذه المدينة، ومضى يشب في تلك، وفي مكان آخر قضى ردحاً من الزمن طالباً أو سياسياً مطارداً أو منفياً، والترحال بين الأزمنة لا يختلف عنه في الأمكنة، وبين هذا وذاك يتعاشق السياسي والثقافي في مزاوجة لا فصل بينهما. وفي هذين العالمين، يفتش شعبان عن نقاط معتمة فيسلط الضوء عليها وفق رؤية خاصة، فإذا ما وقف أمام زاوية يحتدم فيها الصراع السياسي والفكري، لا يتردد في إعلان انحيازه التام للوطن والأرض والناس.
في صفحات «الصوت والصدى» الأربعمائة، يتعرف القارئ على مراحل عديدة من حياة الدكتور عبد الحسين شعبان، وفي تقديمه المتميز للكتاب يقول الدكتور كاظم الموسوي: «لقد ارتضى الصديق شعبان تدريجياً بصفة المفكر أو الكاتب، ولعله فضلها على غيرها من الصفات والألقاب السياسية وغير السياسية، والمناصب الإدارية وغيرها، لأنه اعتقد بيقينية أن تلك المناصب والمواقع ستكون طارئة ومؤقتة، أما صفة الفكر والكتابة والنقد لدى المثقف، فستكون هي الثابتة واللصيقة به مثل اسمه». ودون أدنى شك فإن رصد الأستاذ الموسوي لهذه المسألة يشير إلى مدى القراءة العلمية المتقدمة عند الدكتور شعبان، إذ أن ردع مغريات السلطة بتقديرنا لا يأتي إلا لمن أخذ على عاتقه العيش مع الآخر متحملاً معه مسؤولية الأحداث والوقائع كافاً الذات عن تطلعاته الأنوية، وهذا صراع نادراً ما تحسم نتائجه لصالح الغيرية، وإن حصل فهو نادراً ما يتواصل وسط موجات الإغراءات السلطوية اليومية.
    يقول الموسوي: «منذ نحو أربعة عقود تدفق شلال الكتابة لدى شعبان دون أن يتوقف، كتب وأبحاث ودراسات ومقالات ومحاضرات وندوات... كل ذلك في سعي حثيث للتعبير عن جوهر الموقف العضوي حسب انطونيو غرامشي، متماهياً مع الأهداف الإنسانية التي آمن بها، وقدم الغالي والنفيس في سبيلها، ولم يكن بمعزل عن نقد ذاتي ومراجعة، كان هو الأجدر في مبادرة تشخيصها وصياغتها بجرأة، إذ لم يتردد كما تقول المقابلات من جردة حساب مع النفس، ومساءلتها بروح رياضية عالية وبثقة كبيرة، لا سيما ثمة صميمية وصدق، حتى في تلك الهفوات والنواقص، التي قد تكون عابرة، لكنه لا يهملها أو يتغافل عنها»!
لعل انخراطه المبكر في عالم السياسة، وهو لم يزل يافعاً يوم حملة المتظاهرون في انتفاضة العام 1956، هاتفاً بسقوط حكومة نوري السعيد ومطالباً بالخروج من حلف بغداد والانتصار للشقيقة مصر، وحين اشتعلت ثورة تموز (يوليو) العام 1958م كان الفتى عبد الحسين شعبان في خضمها رغم يفاعته فكره يتقدم عمره، وتدرج في مسالك النضال فكان أحد أعضاء الحزب الشيوعي، منذ مطلع الستينات، فمعتقلاً، فمفصولاً من الدراسة، ثم مطارداً ومختفياً عن الأنظار، كل ذلك ولم يكن قد بلغ الثامنة عشرة من عمره، وما أن انتقل إلى الجامعة بعد إعادته إلى الدراسة حتى استلم القيادة الطلابية.
شبّ شعبان عن الطوق وتحرر فكره من كل التبعيات وبدأت قناعاته السابقة تتصدع تدريجياً، لم يكن ذلك الذي يتكلس في مكانه فهو متحرك في كل لحظاته، وهذا ما أدى به إلى نكران السائد والمألوف حتى من المبادئ التي اعتنقها هو ووجد أنه لا يستطيع ائتلاف الماركسية الساذجة والمسطحة التي قال عنها: «أنها ماركسية ذات مسحة بدوية ونكهة ريفية».
وازداد الأمر عمقاً كلما توغل في دراسة الفلسفة والانشغال بالفكر والقراءة النقدية، خصوصاً تمثلاته لوظيفة المثقف ذات البعد النقدي، والتي لم يكن المثقف مثقفاً دونها، ومن موقعه الفكري بدأت تضغط عليه إرهاصات جديدة تتعلق بالفكر والمفكر والممارسة، لا سيما بالدراسة والبحث، خصوصاً عندما اعتبر الماركسية كنظرية وضعية نقدية، من أبرز مدارس علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد، دون مغالاة باعتبارها الوحيدة والمطلقة.
عبد الحسين شعبان المناضل السياسي والمفاوض المعتمد في الميدان الطلابي والنقابي على السواء تعرض كغيره من المناضلين إلى المطاردة والملاحقة والاختفاء عن الأعين، واستعمل أكثر من وثيقة وهوية، سلك الدروب الوعرة بكل اتجهاتها، تارة للشمال وأخرى للجنوب، عرفته السجون وعانقته المنافي، من العراق إلى الكويت إلى سورية إلى براغ إلى بيروت إلى بغداد ومن ثم إلى المنفى الفردوس والزمهرير كما يردد نقلاً عن الشاعرين مظفر النواب والجواهري الكبير.
   يقول عنه الموسوي في مقدمة الكتاب: «المفكر عبد الحسين شعبان يتميز بنبرته الخاصة ولغة نثرية تخفي وراءها إرهاصات شاعر يحتفظ لنفسه ويسرب أحياناً مقطوعات من نصوص أو قصائد يرفض أن يسميها شعراً».
من النادر أن تجد مثقفاً وباحثاً سياسياً، يرضى بكل ما قاله الدكتور شعبان وتحدث به عبر مراحل زمانية ومكانية وانتقالات في العمل السياسي وتفاعلات مع أحداث ووقائع كثيرة، ويجمع ذلك دون أن تغيير أو تبديل، رغم تطور الأحداث التي تصل في بعض الأحيان إلى التناقض الشديد.
يبدأ في المقابلات التي تحدثت عن بداية الوعي والنشأة والعائلة وإرهاصات الحب الأول، المراجعة والنقد الذاتي، والمنفي والهوية، ومع الماركسية والحلم وصداقة النفس.
ويتحدث عن موقفه الواضح عن حقبة الحرب العراقية الإيرانية ( 1980-1988).
هناك محطات عديدة في حياة شعبان تحرك فيها القطار تحت عنوان (المعارضة العراقية)، وفي حواراته يعطي الدكتور شعبان تصوراً دقيقاً وشاملاً عن هذه المرحلة بغالبية عناوينها وتفرعاتها.
وبعد أن يفرد مساحة واسعة للفكر والثقافة، يخصص مساحة أخرى للاحتلال وتداعياته، ويتوقف عند عنوان ما زال يهدد حاضر ومستقبل العراق هو الحروب الطائفية، والجدير بالذكر أن الباحث عبد الحسين شعبان أعد مؤخراً مشروع قانون يأمل أن تتبناه كل القوى الوطنية والسياسية ليس في بغداد وحسب بل في كل العالم العربي والإسلامي وهو مشروع قانون تحريم الطائفية.
والدكتور شعبان من المفكرين والباحثين العراقيين المعروفين بعطائهم الفكري الثر ومواقفهم الوطنية، وتجلى ذلك في أكثر من مرحلة وحقبة، وما موقفه الرافض للاحتلال الأمريكي للعراق إلا تتويجاً لتلك المواقف التي يسجلها تاريخ العراق في أصعب وأخطر مراحله.








1009
المنبر الحر / العروبة والمواطنة
« في: 21:19 26/05/2010  »
العروبة والمواطنة
      

عبد الحسين شعبان







إذا كان موضوع الهوية -وخاصة العلاقة مع الآخر- يوضّح جوهر العروبة الإنساني وتجددها الحضاري، وموقفها التقدمي أو نقيضه، فإن ذلك يقودنا إلى الحديث عن جانب آخر يتعلق بعلاقة العروبة بالمواطنة، خصوصاً في إطارها القانوني، لاسيما في ظل الدولة المنشودة.
هناك أربع دلالات أساسية يمكن التوقف عندها:
الدلالة الأولى أنه موضوع راهني أصبح مطروحاً على بساط البحث، لاسيما أن هناك تجاذبات كثيرة حوله داخلياً وخارجياً.
والدلالة الثانية أن هناك التباسا نظريا وعمليا بشأنه، خاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة.
والدلالة الثالثة أن إشكالية المواطنة بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوية، وبالتالي لا يمكن إبعادها عن التأثيرات العميقة للعروبة، الأمر الذي يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنه يدخل في صلب الإشكاليات والمشكلات التي تواجه المصير العربي.
والدلالة الرابعة علاقتها بحقوق الإنسان، خصوصاً بمبدأ المساواة والحقوق الأساسية وبالأخص حق المشاركة، وإدارة الشؤون العامة دون تمييز، وهو ما يضع تحديات جديدة لمسألة العروبة.

ومثل هذه الإشكالية هي التي تؤلف جوهر فكرة المواطنة في الدولة العصرية، خصوصاً إذا ما قرناها بالعدل وهو ما نطلق عليه "المواطنة العضوية"، حيث ما نزال نعاني من نقص فادح فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من التنوّع الثقافي الديني والاثني واللغوي، فضلاً عن حقوق المرأة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجات ودراسات، وبيئة تشريعية وتربوية مناسبة، إضافة إلى ما يمكن أن يلعبه الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من دور إيجابي في نشر ثقافة المواطنة، لاسيما إذا تمكنت من إيجاد رصيد لها لدى القوى والأحزاب والجماعات السياسية والدينية بذلك.
إن مناسبة الحديث عن العروبة هو مؤتمر فكري مهم دعت إليه الأديبة السورية الدكتورة نجاح العطار في دمشق بعنوان "العروبة والمستقبل". وقد أثار هذا المؤتمر تداعيات وردود فعل متنوّعة، الأمر الذي يقتضي نقل هذا الحوار والجدل إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات والمنتديات الفكرية والثقافية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية، وخصوصاً من النساء ومن الأنشطة الثقافية المتنوعة والمتعددة. وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام، لاسيما الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، وبفضل الإنترنت والحاسوب، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة ويعزز أركانها وصولاً إلى "المواطنة العضوية".
وإذا كان الحديث عن فكرة المواطنة الأوروبية قبل نحو ستة عقود من الزمان يعتبر ضرباً من الخيال، لاسيما بعد حربين عالميتين مدمرتين، سبقتهما حروب وعداوات وكراهية وكيد، ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر في أوروبا، فإن الحديث اليوم عن مواطنة أوروبية واتحاد أوروبي وبرلمان أوروبي وهوية أوروبية ومحكمة أوروبية لحقوق الإنسان وعدالة أوروبية واقتصاد أوروبي وعملة أوروبية وثقافة أوروبية أمر ممكن بل واقعي، رغم التنوع والاختلاف والتمايز، لكن في إطار وحدة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وفي إطار المشترك الإنساني.
فهل سيصبح الحديث عن مواطنة عربية أو مواطنة مغاربية أو خليجية ممكناً، وبأي اتجاه يمكن إدراجه في إطار مواطنة فاعلة، خصوصاً في ظل هوية تمثل العروبة في إطار دولة عصرية؟
يمكننا التوقف عند تجربتين عربيتين جنينيتين: الأولى خليجية (مجلس التعاون الخليجي) والثانية مغاربية (الاتحاد المغاربي).
لكن ما زال الطريق طويلاً أمامهما، إذ لا يمكن التكهن حتى الآن بما ستؤول إليه هاتان التجربتان، فالنواتان يمكن أن تكونا أساساً مشتركاً لمواطنة موسعة تنطلق من المواطنة المحلية إلى المواطنة العربية، في ظل الاتحادات والتجمعات والكتل السياسية والاقتصادية الكبيرة على النطاق العالمي، بما يؤدي إلى تفعيل المواطنة "القطرية" وتعميقها من خلال مواطنة عربية أوسع وأشمل وأكثر فائدة وجدوى على المستوى الرسمي أو الشعبي، خصوصاً أن استهدافات حالية تقصد إضعاف النزعات الوطنية، بل تشطير وتفتيت المواطنة المحلية، الأمر الذي يجعل توسيع دائرة المواطنة يوفّر منافع أكبر ومصالح أكثر، بحيث يكون لكل مواطن من أي بلد عربي وبغض النظر عن النظام السياسي، حرية التنقل والإقامة والعمل، ولكن ذلك بحاجة إلى إرادة سياسية وتفاهم بين الدول العربية على أسس التعاون الطويل الأمد.

ولعل في ذلك طموحا جد متواضع -رغم عظمة شأنه في الوقت الحاضر- إذا ما ذهبنا إلى الحق في التصويت والترشح للانتخابات المحلية والبلدية بعد حق الإقامة الدائم، حتى وإن لم يحمل جنسية الدولة العربية المقيم فيها، وأن يكون الاتحاد البرلماني العربي (البرلمان الموحد) منتخباً من جانب المواطن العربي -بغض النظر عن جنسيته- لاختيار الهيئة التشريعية العربية، تمهيداً للمواطنة العربية.
ويكون من حق كل عربي أو من يحمل جنسية أي بلد عربي، حتى لو كان من "الأقليات" القومية أو الدينية، التمتع بالحقوق التي يمكن الاتفاق عليها على غرار معاهدة ماستريخت لعام 1992 للاتحاد الأوروبي، وإن كان الأمر يحتاج إلى تدرّج وتراكم وصولاً إلى ذلك.
إن المشهد السائد على الصعيد الفكري والعملي ما زال يعكس أشكالاً من المواطنة المفقودة أو المنقوصة أو المكبّلة، في حين أن العالم يسير باتجاه مواطنة عضوية واسعة وموعودة، لاسيما باتساع دائرة الحريات والمشاركة والمساواة والعدل.
لم تترسخ بعدُ في الدولة العربية الحديثة، فكرةُ المواطنة على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة) إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيه فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!
وفي القرن العشرين توسعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، خصوصاً بتطور الحقوق المدنية والسياسية. ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لاسيما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.
وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمةً في طريق تأمين الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وقطعت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحريات بالعدالة، أي المواطنة التي تقوم على قاعدة المساواة أولاً في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
وثانياً، قاعدة الحرية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملك والتنقل وعدم التعرض إلى التعذيب.. إلخ.
والثالثة قاعدة الهوية الوطنية العامة التي يمكن أن تتعايش فيها هويات خاصة وفرعية في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق الأغلبية من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم الاعتراف بالخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوقها، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو سلالية أو غير ذلك.
أما القاعدة الرابعة فهي تستند إلى فكرة العدالة التي يمكن أن تتحقق من خلال التنمية، وهو ما أطلق عليه التنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات لاسيما التعليمية، وتأمين حقوق المرأة و"الأقليات" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
القاعدة الخامسة هي قاعدة المشاركة والحق في تولي الوظائف العامة دون تمييز.

مثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين العروبة والمواطنة وحقوق الإنسان، وبالتالي بين العروبة والهوية وبين العروبة والدولة. وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة العروبة المعبّر عنها بالهوية وفكرة المواطنة ببعدها الإنساني وأساسها الحقوقي القانوني، قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لاسيما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية.
المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن-الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حريته الأساسية في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتتعزز مبادئ المساواة والحرية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوع والتعددية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات وليس الانقسام أو التشظي أو التمييز.
وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للانتهاكات المتعلقة بالحرية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح لا احتجاج فحسب، بحيث يصبح شريكاً فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لاسيما إذا تحولت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، لاسيما بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.
أخيراً، لا يمكن الحديث عن عروبة متطورة دون التعبير وجدانياً عن هوية مقترنة بمواطنة، وهذه الأخيرة في دولة عصرية تحترم الحقوق والحريات، مثلما تقرّ بالتنوع الثقافي والتعددية القومية والدينية في دول متعددة الهويات في إطار الهوية العامة.
   







1010
المفكر عامر عبد الله في ذكراه العاشرة:
الجوهر وجدلية الأمل والقنوط!*
عبد الحسين شعبان

سبقته شهرته، وقبل أن يتعرّف عليه الكثيرون كانوا قد سمعوا عنه أو قرأوا له أو جاءوا على ذكره في إحدى المناسبات، فهو الحاضر دائماً الذي لا يملأ المكان حسب، بل يفيض عليه، نظراً لما يتركه حضوره من إشكاليات وجدل واختلاف وعدائية «مستترة» أحياناً.
ولعليّ لم أجد شخصاً اختلف حول رفاقه قبل خصومه مثلما هو عامر عبد الله الشيوعي العراقي المخضرم، الذي ملأ الأسماع مثلما شغل أوساطاً واسعة من الشيوعيين وأعدائهم، وهو المثقف الماركسي البارز الذي تعود أصوله إلى مدينة عانة غرب العراق، وكان قد ولد في العام 1924 لأسرة متدينة ومُعدمة، وهو ما يرويه بتندّر شديد وألم كبير.
سمعت عن عامر عبد الله كزعيم شيوعي قبيل ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في بدايات تفتح وعيي الأول وكان لاسمه رنين خاص بعد الثورة، وقد وصل إلى العراق من سورية، التي كان قد عاش فيها بضعة أشهر قبيل الثورة، منتقلاً بين سورية ومصر حيث ساهم في محاولة توحيد الحزب الشيوعي المصري مع «حدتو» (الحركة الديمقراطية التحررية الوطنية)، ملتقياً بقيادات شيوعية بارزة مثل خالد بكداش، ونقولا شاوي، وفرج الله الحلو، وانطوان ثابت، وحسين مروّة، وجورج حنا، ورضوان الشهال، ويوسف خطار الحلو، وعبد الخالق محجوب زعيم الحزب الشيوعي السوداني وآخرين، مثلما كانت زيارته المثيرة إلى موسكو والصين، حيث التقى مع نيكيتا خروشوف زعيم الحزب الشيوعي السوفييتي وماو تسي تونغ وشوان لاي زعيما الحزب الشيوعي الصيني وهوشي منه زعيم الحزب الشيوعي الفيتنامي وتولياتي زعيم الحزب الشيوعي الايطالي وموريس توريز زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي وأولبريخت زعيم الحزب الشيوعي الألماني وغيرهم.
وكنتُ قد سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحاتي معه في الثمانينات إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض  عن مؤتمر أو كونفرنس(conference)، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب؛ كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً له واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد، وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لاسيما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، هي صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة.
كان رشيد مطلك صاحب مطعم شريف وحداد، صلة الوصل بين عامر عبد الله (والحزب الشيوعي) والزعيم عبد الكريم قاسم (الذي يقول عبد الله انه تعرّف عليه العام 1949) لضمان دعم الحزب للثورة، وكان قاسم قد طلب من الحزب دعماً وتأييداً من السوفييت والصينيين، وهو ما حاول عامر عبد الله عرضه تلميحاً وبشكل محاذر مع السوفييت والصينيين خلال جولاته.
***
لم يسلم عامر عبد الله من الحسد والغيرة التي شنّها ضده رفاقه أولاً، بل نسجوا حوله حكايات لها أول وليس لها آخر، رغم أن بعضهم كان يتملّق له، لاسيما عندما أصبح وزيراً في العام 1972، ورغم أن مواقفه بحاجة إلى نقد وتقييم موضوعي، بما لها وما عليها، إلاّ أن قصصاً كثيرة بعضها من صنع الخيال رافقت مسيرته كشائعة زواجه من البلغارية وحفل الاستقبال الذي أقامه بهذه المناسبة في بغداد، تلك التي كانت «فاكهة الشتاء» في بعض المجالس، حيث يتم تغذيتها يوماً بيوم بل ساعة بساعة كي لا تنطفئ وهكذا سرت تلك الإشاعة مثل النار في الهشيم.
كان عامر عبد الله أممياً وشديد الإيمان بالاتحاد السوفيتي ودوره، لكن إيمانه بدأ يتزعزع، خصوصاً بعد فقد بوصلة التحليل إثر الخطوات المتسارعة التي أعقبت البريسترويكا وصعود نجم غورباشوف. كما لم يجد تفسيرات لبعض مواقفهم إزاءه بعد أن تعرّض للتنكيل الحزبي إذ كان معولاً على دعمهم أو تدخلهم، رغم أنه كتب الكثير من «المذكرات» والرسائل إليهم، وحاول اللقاء مع يفغيني بريماكوف في موسكو، لكن صورة الوحدانية الحزبية والقيادة الرسمية ظلّت تمثل جوهر العلاقة بين الحزبين، الأمر الذي جعله يشعر بالخيبة والإحباط، مما أدى إلى انعكاس ذلك على علاقته المتأرجحة مع المعارضة الحزبية، التي عمل على تجميعها بحماسة منقطعة النظير، مثلما عمل على تشتيتها بذات الاندفاع، بعد أن فقد القدرة على التواصل معها بسبب القنوط الذي أصابه.
***
كان لشخص عامر عبد الله وحده هيبة كبيرة لاسم الشيوعيين العراقيين ولثقتهم بأنفسهم، ولم ألتقِ شيوعياً واثقاً من نفسه ومعتدًّا بها وحساساً إزاء كبريائه مثل عامر عبد الله. وأتذكر أنني عندما عرّفته على القيادي البعثي باقر ياسين علّق هذا الأخير بذكائه، «لهذا السبب إذن يكرهون عامر عبد الله». وقال لي بعد ذلك: «لقد شعرت أن عامر عبد الله منحني ثقته منذ اللقاء الأول، والسبب أنه واثق من نفسه، وهو جدير بأحقاد خصومه وأعدائه حتى لو كانوا من طرفنا»، وهو ما كنت قد توصلت إليه.
عند وصولي إلى الشام في صيف العام 1980 وصل عامر عبد الله إليها، وكان قادماً من براغ، وكنت قد نُسبّت إلى العمل في مجال العلاقات حيث كنت مسؤولاً عن علاقات الحزب في دمشق، توثقت علاقاتي مع عامر عبد الله، وكنّا نلتقي بشكل مستمر في منزله وكثيراً ما كنت أتناول وجبة الغداء عنده، بكرم سخي تشاطره فيه زوجته بدور محمد زكي الددة.
كنت وعامر عبد الله نذهب سوية أحياناً لزيارة الجواهري، كما كنا نلتقي عدداً من الرفاق والأصدقاء بما فيهم الأصدقاء الفلسطينيين المشتركين، مثل عاطف أبو بكر وتيسير قبعة وبسام أبو شريف ونايف حواتمه، وعبد المحسن أبو ميزر وبعض الأصدقاء اللبنانيين مثل كريم مروة، وسعد الله مزرعاني وكذلك بعض الشخصيات السورية مثل يوسف فيصل، وعطية الجودة، وفؤاد بلاط، ود.نبيه رشيدات وآخرين، إضافة إلى الأصدقاء العراقيين مثل د. عبد اللطيف الراوي وماجد عبد الرضا وباقر إبراهيم وفوزي الراوي، وفاضل الأنصاري، وقيس السامرائي وغيرهم.
***
أتذكّر أنني التقيت عامر عبد الله في كردستان (منطقة ناوزنك- نوكان) حين جاء لحضور اجتماع اللجنة المركزية، وقبل أن يبادر بسؤالي عن صحتي وأحوالي، قال لي كيف تكتب في هذه البيئة الضيقة، ومن أين تأتيك الأفكار؟ ومن أين تأتي بالمصادر والمراجع؟ وختم ذلك أنها بيئة تساعد على التآكل والاحتراب الداخلي، والأفضل أن تعود بأسرع وقت. قلت له أنت تعرف موقفي، لاسيما بعد أن بدأت القوات العراقية بالانسحاب من الأراضي الإيرانية، وآن الأوان لتصحيح المسار، قال لكن الجماعة سائرون باتجاه آخر. وقبل أحداث بشتاشان كتبت له رسالة قلت فيها تصوّر أن خط انسحابنا هو جبل قنديل ولم أكن أتصوّر بأننا سنضطر لاحقاً لعبور هذا الجبل الوعر بارتفاع 7800 قدم والمكسو بالثلج طيلة أيام السنة (باستثناء تموز وآب/ يوليو وأغسطس) وذلك حين شنّت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني هجوماً ضد قواعد الشيوعيين الأنصار.
***
سافرنا إلى عدن بوفد برئاسة عامر عبد الله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، ساهم عدنان عباس بالكثير من الجهود لتنظيم لقاءات الوفد، ومن خلال ذلك التقينا مع علي ناصر محمد الرئيس اليمني الجنوبي آنذاك ورغم حدوث مشكلة مع الوفد الرسمي، إلا أننا حاولنا معالجتها بالحكمة .
كان عامر عبد الله كثير الألم لموقف راميش شاندرا رئيس مجلس السلم العالمي (من الهند) الذي ما أن عرف بوجود الوفد العراقي الرسمي حتى غادر بحجة أنه سيعود بعد 5 دقائق تاركاً الاجتماع. لكنه خرج من فندق عدن دون عودة ولم نرَهْ إلاّ في اليوم الثاني في قاعة المؤتمر.
***
وبعد مرور بضعة سنوات ما بين دمشق وبراغ (1972-1989)، التقيت عامر عبد الله في براغ  وقضيت معه ما يقارب العام، كنّا نلتقي يومياً تقريباً وينضم إلينا في بعض الأحيان آرا خاجادور، ود. حميد برتو، وباقر إبراهيم، ود. عصام الزند، وحسين سلطان، وأحمد كريم، وعدنان عباس، ود. موفق فتوحي، وصادق الصائغ، ومحمود البياتي، وآخرين إضافة إلى سميح عبد الفتاح السفير الفلسطيني الذي نظّم لقاءً لعزيز محمد وعامر عبد الله مع مكرم الطالباني، الذي جاء بمهمة من بغداد. كانت أيام براغ مؤلمة لعامر عبد الله فقد كان محبطاً فهو على الرغم من أنه كان يحمل وسام يوليوس فوجيك، إلا أن التشيك لم يعتنوا به، مما حزّ في نفسه.
اضطر عامر عبد الله العودة إلى الشام معكر المزاج محبطاً ومن ثم توجه إلى لندن بمزاج أكثر إحباطاً بل وقنوطاً، خصوصاً وقد تزامن ذلك مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع دور الحركة الشيوعية، وقد ألف كتاباً وضع فيه خلاصة تجربته لكنه لم يحقق النجاح الذي أراده، في حين كنت أرى أن هذا الكتاب من أهم الكتب التي تحدثت عن مقوضات النظام الاشتراكي لكنه لم يلقَ الاهتمام المطلوب، ولم يُقرأ قراءة نقدية موضوعية وقوبل بإهمال الشيوعية الرسمية له.
***
كان عامر عبد الله بغض النظر عن مواقفه «اللندنية» والمتعلقة بتسفيه فكرة السيادة، وتبرير التدخل الخارجي والحصار الدولي، تميّز على أقرانه بنزعته العروبية، وبمواقفه من القضية الفلسطينية، حيث خاض صراعاً مريراً  داخل الحركة الشيوعية العالمية ليعمل على تثبيت مبدأ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وذلك في الاجتماع التحضيري للحركة الشيوعية والعمّالية المنعقد في بودابست العام 1968 وفيما بعد في الاجتماع العام المنعقد في موسكو العام 1969، وقد أشرت إلى دور عامر عبد الله في بحث لي في مجلة الهدف الفلسطينية العام 1985.
***
   ختاماً يمكنني القول بان أهم ما ميّز عامر عبد الله هو فكره المنفتح واستعداده لتقبّل الجديد، وديناميكيته وحيويته وتعامله كسياسي متجاوزاً للإطار الحزبي، ومن المؤكد أن علاقاته الواسعة وثقة الآخرين به، قد جعلته كثير التأثير في الوسط السياسي إضافة إلى شجاعته وجرأته واعتداده بنفسه، فهو يتصرّف بندّية عالية مع الجميع ويشعر الآخرين أنهم أنداد له أيضاً.
يمتاز عامر عبد الله بكرم وسخاء لا حدود لهما وبعفة النفس، عاش في المنافي ضمن ظروف مادية  قاسية هي أقرب إلى التقشف، لكنه كان يضع كل ما عنده مرّة واحدة ودون حساب حين يولم أو يستضيف صديقاً، كان منزله مفتوحاً يستقبل الأصدقاء على قلّتهم بفرح غامر وارتياح كبير، ونكتة لاذعة لا تكاد تفارقه، كما  كان يذكر أصدقائه الذين يتذكرونه أو يحاولون تقديم المساعدة له ويثني عليهم.
   كان عامر عبد الله مواجهاً لا موارباً، فهو غير معني بالنتائج أحياناً، وإذا اقتضى الأمر مكاشفة ومصارحة فهو أهل لها، رغم أنه في السنوات الأخيرة وبسبب المرض وظروفه الاجتماعية الخاصة ووحدته، أخذ يشعر بالضعف، وهو على أية حال ضعف إنساني، وسبحان من يخلو منه، وكان يتألم لجحود بعض الأصدقاء، لاسيما مواقف الغدر والتنكر والإساءة التي اتخذوها بحقه.
***
علينا جميعاً تقع مهمة جمع تراث عامر عبد الله، علينا جميعاً إخراج عامر عبد الله من دائرة النسيان لإعادته إلى دائرة الضوء، فعامر عبد الله المفكر الماركسي، كان مجتهداً، وصميمياً، وشجاعاً أخطأ أم أصاب!
***

* كلمة أرسلت إلى حفل تكريم المفكر الكبير عامر عبد الله بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله الذي سيقام في لندن 15/5/2010

 

1011
التسامح: مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر!



عبدالحسين شعبان

2010-05-17
ينصرف الذهن في الكثير من الأحيان -ونحن نناقش مفهوم التسامح- إلى موضوع الدين، رغم أن التسامح الديني، لاسيما في أوروبا، في القرن السابع عشر وما بعده شكّل أساساً متيناً لفكرة التسامح بدءا من لوك ووصولاً إلى فولتير، لكن التسامح أوسع من ذلك بكثير، خصوصاً إذا ما ربطناه بالهوية، وهو أمر لا يمكن القفز فوقه أو تجاوزه.
وحسناً فعلت «الشبكة العربية للتسامح» في ملتقاها الفكري الثاني بمدينة الدار البيضاء بالمغرب، حين عقدته تحت عنوان «التسامح والهوية» لتضفي عليه هذه القيمة المعنوية-الاعتبارية من جهة، والضرورية-الواقعية من جهة ثانية، إذ لا يمكن بحث موضوع التسامح بعيداً عن الهوية وعن التنوّع والتعددية وحق الاختلاف، ولكن في إطار المشترك الإنساني.
وقد جاء ذلك على لسان المنسِّق العام للشبكة الدكتور اياد البرغوثي وهو يكرّم البروفسور المفكر المغربي محمد مفتاح، لمساهماته الإبداعية البحثية والأكاديمية لنشر ثقافة التسامح، لاسيما في تفعيل موضوع حوار واشتراك الهويات واتصالها وتداخلها في إطار إنساني، وهو ما كان مثار نقاش وجدل في إطار الاختلاف بين اتجاهات متنوّعة، كلٌّ منهما نظر للتسامح من زاويته، الأمر الذي طرح موضوع الموقف من اللامتسامحين، فهل يجوز -بحجة اللاتسامح- تجاوز مبادئ التسامح والتعامل بعنف مع اللامتسامحين خروجاً عليها، وهو الذي دفع المفكر كارل بوبر -ومنذ وقت مبكر- إلى التفكير بمآل التسامح في ظل أطروحات اللاتسامح السائدة.
وإذا كان من ضرورة لفك الاشتباك مع فكرة عدم التنازل عن الحقوق وتنزيه مبادئ التسامح عن الفكرة الدارجة عن الصلح مع العدو، لاسيما في الوضع العربي، وبخاصة استمرار احتلال الأراضي العربية والتنكر لحق تقرير المصير، فإن الموضوع كما طُرح بحاجة إلى وقفة مراجعة جدية ونقاشات معرفية معمّقة.
في كتابه «موسيقى الحوت الأزرق» يناقش أدونيس فكرة الهوية ويستهل حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسها على حد تعبيره، وأعني بها التعارف، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال «رؤية الذات، خارج الأهواء» -خاصة الأيديولوجية، ويمكن أن نضيف الدينية والقومية وغيرها- بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية وهي التي تتجسد بالبعد الإنساني.
وبعد أن يستعرض أدونيس أركيولوجية الغياب المعرفي العربي على خارطة المعرفة الإنسانية، وهو ما أشارت إليه على نحو صارخ تقارير التنمية البشرية في العقد الأخير، لاسيما شحّ المعارف ونقص الحريات واستمرار الموقف السلبي من حقوق الإنسان وبخاصة حقوق المرأة والأقليات وغيرها، يطرح سؤالاً حول سبل الخروج من هذا الغياب، ويسأل أيضاً: ولِمَ هذا الغياب؟ لاسيما بتمثّل ذلك نقدياً ومعرفياً، من خلال معرفة الآخر، بمعرفة ذاتنا معرفة حقيقية، ولعل الخطوة الأولى التي ظل يركّز عليها في كتابه الممتع والعميق، هو كيف يمكن أن يصغي بعضنا إلى بعض؟، أي أن الحوار هو الخيط الذي ظلّ يشدّه باعتباره سبيلاً للخروج من الغياب وصولاً إلى معرفة الآخر. ولعل مثل هذه الرؤية تندرج في إطار الهوية من جهة والمشترك الإنساني من جهة أخرى، تلك التي يمكن أن تتجسد في مبادئ التسامح.
ولعل هذه الرؤية تستند إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محل الفكر التبشيري-الدعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يشارك فيها الجميع -رغم تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً- وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر أي بالحوار ثانياً، وثالثاً يكشف لنا أن الهوية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها متحرّكة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر، ولعل الحوار هو السؤال الأكثر إلحاحاً بشأن هذا التأثر والتأثير والتلاقح والتعاشق، باعتباره قيمة أساسية من القيم السماوية، لاسيما للمتدينين التي دعت إلى الحوار والسلم والتواصي والتآزر والتراحم والتقوى والتسامح، بقدر كونها قيمة وضعية على المستوى الإنساني، لا غنى عنها سواءً بمعناها الاجتماعي أو السياسي أو القانوني أو الثقافي أو الأخلاقي.
هل الهوية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بعين الاعتبار كعناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهويات الخاصة والعامة.
بهذا المعنى لا يكون اختلاف الهويات أمراً مفتعلاً حتى داخل الوطن الواحد، إذا كان ثمة تكوينات مختلفة دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ناهيكم عن اختلاف الهويات الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية، ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنى التي تتكون منها الهويات الفرعية–الجزئية الخاصة وبين الهويات الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهويات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهوية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد، ولكنه متعدد وليس آحاديا، فمن جهة يمثل هوية جامعة، ومن جهة أخرى يؤلف هويات متعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميزة إما دينياً أو لغوياً أو إثنياً أو غير ذلك، فالشكل ليس مسألة تقنية، حسب أدونيس، وإنما هو مسألة رؤية.
ولعل الحديث عن هويات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفز أحياناً بعض الاتجاهات المتعصبة دينياً أو قومياً، فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب أيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فهي تصبح في الواقع العملي ليس أكثر من مؤامرة ضد الأمة والدين، تقف خلفها جهات إمبريالية-استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية–الإسلامية، وبهذا المعنى لم تسلم حقوق بعض المبدعين في التميّز والاستقلالية والتفكير الحر، واعتبرت بمثابة انشقاق وخروج على الجماعة، أما في معارضة تفكيرها، فالأمر قد يستحق العقاب والتحريم والتجريم.
إن مثل هذه الممارسات المتعصبة أو غير المتسامحة، لاسيما بحق الجماعات القومية أو الدينية دفعتها إلى الانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا كانت قد تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويتها، وهو الأمر الذي كان أحد نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال.
لنقارب المسألة من زاوية أخرى، بالقول إن الأفكار الشمولية التي غالباً ما تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضليات لا تقبل الحوار ولا تعترف بالآخر ولا تقرّ بمبادئ التسامح، وهي تستبطن الاصطفافات الجاهزة حيث تذوب كيانية الفرد وخصوصيته في إطار الجماعة مثلما تصهر حقوق الجماعات القومية أو الدينية أو اللغوية الأخرى، في إطار الثقافة السائدة في المجتمع، عرقاً أو ديناً أو لغة، والحجة كما يتم التبرير في كل مرة، «الرأي الواحد الموحد المركزي»، الذي ينبغي أن يخضع له الجميع وفق تراتبية نمطية مفروضة عمودياً، فالحقيقة معها وما عداها ليست سوى بطلان وشرور وهو ما يعبّر عنه في إطار الدول الشمولية.
إن الإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والإثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمن التنكّر باهظاً، وأسهم في تفكيك الوحدة الوطنية، وهدّد الأمن الوطني، واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل، وكان سبباً في هدر وتبديد الأموال وفي الحروب والنزاعات الأهلية وفي الفساد، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنى وتفاعل حضاري وتواصل إنساني، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً، ولعل ذلك من أهم ما دعت إليه «الشبكة العربية للتسامح»
منذ تأسيسها، حين وضعت نشر ثقافة التسامح هدفاً
أسمى لنفسها، وكأنها تستقرب ريحاً خفيفة بانتظار مطر واعد!


       

1012
الإعلام وحق الحصول على المعرفة
   



عبدالحسين شعبان
يعتبر الحق في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات ونشرها وإذاعتها بكل الوسائل الممكنة أهم مرتكزات الدولة العصرية، لا سيما الديمقراطية، ولعل هذه الحقيقة أصبحت اليوم وفي ظل العولمة وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والثورة الرقمية (الديجيتل)، مسألة لا غنى عنها للتقدم والرفاه الاجتماعيين، إذْ لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها أو القفز فوقها، ذلك أن معيار احترام الحقوق والحريات الأساسية، وبخاصة حرية التعبير، الذي يمكن بموجبه الدفاع عن بقية الحريات والحقوق بما فيها الحق في الحياة والعيش بسلام ومن دون خوف، تشكل محور منظومة حقوق الإنسان غير القابلة للتجزئة أو للانتقاص منها، سواءً على الصعيد المدني والسياسي أو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وعلى المستوى الفردي والجماعي، للأفراد والشعوب .

وإذا كان اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو/ أيار) قد مرّ مرور الكرام في عالمنا العربي، فإن السبب يعود إلى هموم كبيرة وانشغالات كثيرة، تتعلق بتحديات خارجية وداخلية مثل الاحتلال والنزاعات والإرهاب والعنف والفقر والأمية والتخلف وشح الحريات وضعف المواطنة وجدل الهويات، مع وجود الكثير من القيود القانونية وغير القانونية التي لا تزال مفروضة على الصحافة “صاحبة الجلالة” كما يُقال، وعلى الصحافي الذي يصفه ألبير كامو بمؤرخ اللحظة، في حين أن مئات الصحافيين قتلوا وتعرضوا للملاحقة في عالمنا العربي، الأمر الذي يضع أعباء جديدة على مهنة المتاعب والمخاطر .

وإذا كان الإقرار بدور وأهمية الصحافة قد ازداد منذ ما يزيد على قرن من الزمان، لدرجة اعتبرت السلطة الرابعة، بإضافتها إلى السلطات الثلاث: التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان ومجالس الشيوخ) والقضائية (المحاكم)، فإن مثل هذا الدور أصبح حقيقة كبرى من حقائق عصرنا، حيث يشكل الإعلام وتكنولوجياته وما يرتبط بهما إحدى أكبر الثورات الهائلة، بحضورها الفاعل والمؤثر، لا سيما في صناعة الرأي العام والتأثير فيه، خصوصاً في الانفجار الكوني الذي أحدثته الثورة العلمية - التقنية في القرن العشرين، المبتدئة بعصر الحداثة وما بعدها، وبخاصة في إطار العلمانية والعقلانية والليبرالية والنسبية والتعددية، التي بشّرت بها .

تشكّل المعلومات حجر الزاوية في العمل الإعلامي، ولا يمكن تصوّر وجود إعلام مؤثر وقادر على كسب صدقية أمام الرأي العام من دون توفّر حريات، وبخاصة حرية التعبير، وبذلك يمكن للإعلام نقل ونشر وإذاعة المعلومات بحرية، إذ سيكون عسيراً على الإعلامي، القيام بمهامه من دون حق الوصول إلى المعلومات ومن دون تعاون الأجهزة الرسمية (الحكومية) بتسهيل مهمة الإعلامي للوصول اليها، والاطلاع على برامج الحكومات وخططها ومشاريعها، بحيث يكون تدفق وانسيابية المعلومات إلى المواطن أمراً يسيراً من دون قيود أو إجراءات تؤدي إلى حجب أو حرمان الإعلامي من القيام بدوره المهني بحثاً عن الحقيقة التي يسعى لوضعها بيد المواطن .

وإذا كانت حرية وصول المعلومات والحق في المعرفة أمراً مفروغاً منه في الدول المتقدمة، لا سيما الديمقراطية، فإن بلداننا العربية لا تزال بعيدة عن ذلك، رغم وجود حراك قانوني وسياسي، وفي إطار بعض مؤسسات المجتمع المدني، لكنه ما زال في بداياته، التي هي أقرب إلى الإرهاص، خصوصاً بشأن إصدار قوانين تعطي للإعلامي حق الوصول إلى المعلومات، طبقاً للمعايير والاتفاقيات الدولية، حيث لا تزال هناك الكثير من الكوابح التي تحول دون ذلك، فمن جهة هناك الاحتلال في فلسطين والعراق، وهناك بعض البلدان ذات الأنظمة الشمولية التي لا تزال الثقافة السرية سائدة ومطبقة فيها، فكل شيء خاضع للدولة بحكم النظام الشمولي، الأحادي، الذي يدّعي وحده امتلاك الحقيقة لا يشاركه أحد في السلطة والمال والإعلام والحقيقة، وانعدام أو ضعف الشفافية، بحيث تصبح كل معلومة من أسرار الدولة وربما الخطيرة، ابتداءً من الميزانية ووصولاً إلى تنظيم الخدمة المدنية، ناهيكم عن العقوبات الصارمة، بحيث يعتبر تداول أية معلومات عامة تعرّض صاحبها لأقسى العقوبات، الأمر الذي يعزز الفساد ويمنع قيام نظام للمساءلة والشفافية وصولاً للحكم الرشيد، لاسيما في إطار المحاسبة وتحديد المسؤولية . أما في الأنظمة المحافظة فإن غياب تشريعات تعطي الحق لشخص طبيعي أو اعتباري الحصول على المعلومات، أمرٌ خطير يصل أحياناً إلى إصدار أحكام غليظة فيما إذا تمت مناقشة قضايا التسلح والأمور العسكرية وأسرار الدولة الأمنية الكبرى .

وتذهب بعض الدول الأمنية العالية المركزية إلى حجب كل شيء عن الإعلامي، لمنع المواطن، بالتالي من الحصول على المعلومات، بحجة الأمن الوطني والتهديد الخارجي، ومصلحة الشعب وسيادة الامة وغير ذلك .

ويضاف إلى هذه وتلك وجود قوانين للطوارئ في بعض البلدان العربية وقوانين الأحكام العرفية، ناهيكم عن نقص دستوري في دساتير بعض البلدان التي تلزم الصمت إزاء حماية الحق في الحصول على المعلومات ونشرها وإذاعتها . كما أن بعض قوانين المطبوعات والنشر المعمول بها لا تتحدث عن نصوص صريحة وواضحة للحصول على المعلومات، وهو أمرٌ يكاد يكون الأكثر تخلفاً في موضوع الحريات الإعلامية على المستوى العالمي .

إن اللحاق بركب الدولة المتقدمة، يقتضي أولاً وقبل كل شيء حماية الإعلاميين وعدم تعريضهم للحبس بسبب نشرهم معلومات تتعلق بسير عمل الإدارة وانتقادات للمسؤولين، والأكثر من ذلك عدم تعريضهم للأذى والحطّ من الكرامة أو الاعتداء عليهم بوضع قوانين صارمة تحول ذلك، وكذلك الحفاظ على حياتهم وعلى مصادر معلوماتهم وأسرارهم، وأيضاً تنظيم المهنة بما تستحق من تقدير، خصوصاً أن وظيفة الإعلام سواءً كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً، من أخطر وأهم المهن والوظائف، لا سيما إذا اقترنت بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات الأساسية .

لعلنا في يوم الصحافة العالمي نجري جردة حساب لما تحقق وما لم يتحقق على المستوى القطري وعلى المستوى العربي، انطلاقاً من قاعدة حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات ونقلها وإذاعتها، طبقاً للاعتبارات الإنسانية، الحضارية، المتمدنة وذلك خدمة للحقيقة والإنسان، فهما الهدفان الساميان لأية فعالية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو دينية .

باحث ومفكر عربي


1013
الجامعة الاسلامية في روتردام
المنتدى العربي في هولندا
17-20/12/2009
روتردام







قيم التسامح
في الفكر العربي الاسلامي المعاصر *


الدكتور
عبد الحسين شعبان


ــــــــــــ
•   مفكر وباحث عراقي، له أكثر من 50 كتاب ومؤلف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي- الاسرائيلي، والاسلام، والمجتمع المدني وحقوق الانسان .
•   محاضرة القيت في روتردام بدعوة من الجامعة الاسلامية في روتردام والمنتدى العربي في هولندا بتاريخ 18/12/2009


مقدمة

في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بادرت المنظمة العربية لحقوق الانسان في لندن، التي كنت أتشرف برئاستها، الى تنظيم ملتقى فكري بعنوان "التسامح والنخب العربية" حضره نحو 50 باحثاً ومثقفاً وحقوقياً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية وسياسية متنوعة. وقد انعقد الملتقى بمناسبة تسمية يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام "يوماً للتسامح العالمي"، بصدور قرار من الدورة الـ 28 للمؤتمر العام لليونسكو (1995).
وقد طرح البروفسور خليل الهندي في الجلسة الاولى سؤالاً في غاية الأهمية: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري الخامس أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهر مبادئ التسامح بمناسبة إقرار اليونسكو الاحتفال السنوي باليوم العالمي للتسامح؟ ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة أكثر الباحثين والمتداخلين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.
لكن خاتمة الملتقى لم تكن تشبه بداياته، فقد استمرت أعمال الملتقى ثمان ساعات متصلة من الحوار والجدل، وصدرت لاحقاً في كتاب بعنوان: ثقافة حقوق الانسان، عن " البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان" في القاهرة عام 2000، من إعداد وتقديم الباحث، حيث عبّر أغلب المتداخلين عن تأييدهم ودعمهم لنشر ثقافة التسامح على المستوى العربي، بينهم أديب الجادر وراشد الغنوشي ورغيد الصلح ومحمد بحر العلوم وأبونا بولص ملحم  وخليل الهندي ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد السلام نور الدين وليث كبه وصلاح نيازي وبهجت الراهب ومصطفى عبد العال وآدم بقادي وعلي زيدان وعبد الحسن الأمين وعبد الرحمن النعيمي وكاتب السطور وآخرين، ودعوا الى: تأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض أولاًً، دون تخوين أو تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تجريم أو غير ذلك من عوامل الاقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم الاعتراف بالاختلاف والتنوع والتعددية.
وثانياً تأكيد قيم التسامح مع الآخر، فلا ينبغي النظر اليه باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً لمجرد الاختلاف، وثالثاً لا بدّ من تنزيه مبادئ التسامح من الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام، أو نسيان ما تم ارتكابه من جرائم لاسيما في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، ورابعاً إن تأكيد قيم التسامح لا تعني غضّ الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، بممارسة التعذيب او الاغتصاب او القتل الجماعي أو غيرها، ولعل تلك الجرائم لا تسقط حتى بالتقادم.

•   في مفهوم التسامح

التسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي، فيه اقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وحسب اعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو " إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد..." وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف  وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وانما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب.
   ان التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الاشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود الى الإقرار بحقهم بالعيش بسلام ودون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً...الخ.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، الاّ أن ما يفيد عليه أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء، حين تمت الدعوة الى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الاكراه، وكلّها من صفات " التسامح" مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و" الاختلاف آيات بيّنات"، ويشير ابن منظور في لسان العرب الى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى " التساهل" هو فرح انطوان في العام 1902.
ومنذ اعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الانساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد اقراره قانونياً ودستورياً. 
وقد لفت انتباهي صدور تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية من مركز رام الله لدراسات حقوق الانسان، ولعله حسب معلوماتي هو التقرير الاول في العالم العربي، حيث رصد الفترة من 1/1/2008 ولغاية 30/6/2008، واشتمل على مقدمة وجزءين، وكان الجزء الأول قد تضمن تعريف المصطلح ومحدداته والتسامح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما توقّف عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.
اما الجزء الثاني من التقرير: فقد تناول حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية تطبيقياً، لاسميا بعد الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني بين (حماس وفتح) والذي تمخّض عن سلطتين ولكن مع استمرار بقاء الاحتلال، في حين ان الهدف هو دولة فلسطينية تستند الى مبادئ التسامح. وتناول هذا المبحث محاولات توظيف الدين ومظاهر التعصب ونفي الآخر والصراع على السلطة القضائية ومحاولات التمييز وظيفياً، كما تناول في مبحث خاص التسامح الاجتماعي، فتوقّف عند مسألة المرأة والقتل العائلي والخلافات الشخصية والاعتداء على الممتلكات.
ومن مزايا التقرير أنه خصص مبحثاً خاصاً لحرية الاعتقاد والحق في التعبير، كما ختم هذا الجزء بخاتمة وخلاصات: بالشروع بالعمل الجاد للقضاء على مظاهر العنف واللاتسامح على المستويين الرسمي والشعبي، وتأكيد الحق في الاختلاف واحترام تطبيقه والدفاع عنه، الأمر الذي يستوجب توسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، وهي اشارة متميزة عندما توضع في مقدمة الحريات التي يراد تأمينها والحق في الرأي والتعبير والتنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، ويتطلب الأمر تنشئة اجتماعية ونظام تعليمي يستجيب لذلك وتربية وتثقيف على الصعيد الحزبي والسياسي والديني، وتوظيف خطاب ديني ينبذ التحريض ضد المُختَلِف، ويرفض التطرف والتشدد، كما توجهت التوصيات الى الجهات الاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ودعتها لأن تلعب دورها في نشر ثقافة التسامح.
* غاندي وروح التسامح واللاعنف !
وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في فكرنا العربي – الاسلامي المعاصر، فحريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده، وهو الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول " فقه التسامح في الفكر العربي-الاسلامي" بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط في الاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً... ولكن أن تردّ "العدوانية" بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل!
نحن الآن أمام الذكرى الثايية والستين على إغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني (يناير)، ففي العام 1948 حين هاجمه متطرف هندوسي يُدعى فاتورام غودسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من " التقديس"  لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو 1984 وراجيف غاندي 1981 وآخرين. ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة اسرائيل.
لعل القاتل لم يفكّر في الاجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول الى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من احراز النصر لشعبه.
كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن احدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد افضل منه!!
   اقترنت فكرة التسامح باسم فولتير التي بحث فيها وروّج لها ودافع عنها، إذ يعتبر الأب الروحي لها، وكان يبّشر بضرورة تحمل الانسان للانسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح!!
   لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة على ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به.
   لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!؟
   ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاما وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري " الابارتايد"، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب أفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء الى الثأر أو الانتقام أو العنف.
لقد ادرك غاندي أن  منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي " فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه".
   وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه " بدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون سلام لا يمكن أن يكون هناك تنمية وديمقراطية".
   وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود الى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع والثامن عشر، وبخاصة ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الانسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام 1995، كما تمت الاشارة اليه.
   في عالمنا العربي ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الاسلاموية باعتباره " نبتاً شيطانياً" أو " فكراً مستورداً"، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الارادة.
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه الى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الاسلام الأول وبخاصة الراشدي إتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها الى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح الى " تبيئة" وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة الى حلف الفضول ودستور المدينة  وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة الى القرآن والسنّة النبوية كدليل ومرشد لفقه التسامح.

•   اعلان اليونسكو حول التسامح

إذا كانت قضية التسامح حديثة في مجتمعاتنا العربية وهي ما تفتقر له وما تحتاج اليه، فإنها ما تزال محدودة على الصعيد العالمي، وإن كانت بعض المجتمعات قد وصلت اليها بعد معاناة طويلة.
ولعل اعلان منظمة اليونسكو بشأن التسامح كان قد حثّ المجتمع الدولي على الاحتفال بيوم التسامح ودعا الى لاعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح، وذلك بعد تشخيص أسباب عدم التسامح أو اللاتسامح، الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها، أي أنه دعا الى فحص وتدقيق الجذور الرئيسية للتمييز والعنف والاستبداد في المجتمعات، لاسيما مع الآخر المُختلف، دون تأثيم أو تحريم أو تجريم، ذلك أن المجتمع البشري بحاجة الى نشر وتأصيل قيم التسامح كمنظور انساني وأخلاقي، لا يمكن تقدّم المجتمع الدولي والانساني من دونه، إذ لا يمكنه الخروج من غلواء التطرف والتعصب واللاتسامح، الاّ بتعميم فكرة قبول الآخر، حتى وإن تناقض مع رأي " الجماعة!!! وحسب اعلان اليونسكو فالتسامح يعني: الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، وهو يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال مع الآخر وحرية الفكر والضمير والمعتقد.
لقد أصبح التسامح حاجة ماسّة ولم يعدْ ترفاً فكرياَ، فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر. والتسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي فيه اقرار بحق الآخر في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وبهذا المعنى فهو مسؤولية قيمية وواقعية للاقرار بالحقوق والتعددية والديمقراطية وحكم القانون، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية، خصوصاً بالاقرار بحق الانسان التمسك بمعتقداته، وهو اقرار ناجم بأن البشر مختلفون في طباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم وسلوكهم وقيمهم وقومياتهم ودياناتهم ولغاتهم وأصولهم، لهم الحق والمساواة في العيش بسلام، ولعل الخطوة الأولى لتعميم مبدأ التسامح حسب اعلان اليونسكو هي " تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها"، وذلك كي تحترم هذه الحقوق والحريات، فضلاً عن تعزيز عزمهم على حماية حقوق وحريات الآخرين.

•   كوابح التسامح !

   إذا ما استعرضنا العوامل الكابحة لنشر قيم التسامح، فعلى الصعيد الفكري ستعني حجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير لدى الآخر، بفرض قيود وضوابط تمنع أو تحول دون ممارسة هذه الحقوق، وأحياناً تنزل أحكاماً وعقوبات بالذين يتجرأون على التفكير خارج ما هو سائد أو مألوف سواءًا عبر قوانين مقيّدة أو ممارسات قمعية تحت مبررات شتى.
   اما على الصعيد السياسي فان اللاتسامح يعني احتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر، تحت مبررات مختلفة تارة قومية او بحجة الصراع العربي- الاسرائيلي وأخرى طبقية بحجة الدفاع عن مصالح الكادحين، وثالثة دينية بحجة الحفاظ على الدين واعلاء كلمته، وفي كل الأحوال فإن الأمر لا يعني سوى إسكات الصوت الآخر أو تسويغ فكرة الاستئثار وإدعاء الحقيقة.
   وعلى الصعيد الديني فان عدم التسامح يعني التمييز بحجة الافضلية ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، بحجة المروق في ظل تبريرات ديماغوجية وضبابية، تمنع الحق في اعطاء تفسيرات مختلفة، خصوصاً ضد ما هو سائد، وأحياناً تزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد عبر التمترس الطائفي أو المذهبي في محاولة لالغاء الفرق والمذاهب والاجتهادات الفقهية الاخرى، بل فرض الهيمنة عليها بالقوة.
واجتماعياً فإن عدم التسامح يعني فرض نمط حياة معينة بغض النظر عن التطورات العاصفة التي شهدها العالم ، لأنماط متنوعة ، مختلفة ، متداخلة ، متفاعلة ، وأحياناً يتم التخندق بسلوك وممارسات عفا عنها الزمن وأصبحت من تراث الماضي .
وثقافياً، فإن اللاتسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، حتى إن الشعر الحديث يصبح "بدعة وضلالاً "  بل ضد التراث والتاريخ  وربما مؤامرة كبرى تستحق رجم ومعاقبة  القائمين عليه، وتنسحب مثل هذه النظرة على الكثير من الآداب والفنون وبخاصة  الموسيقى والرقص  والغناء  والمسـرح  والنحت  وغيرها،  ناهيك عن الحـب ! 
وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي،               ورغم  بعض الإرهاصات الجديدة، نرى العالم يسعى لتوسيع التسامح  حقـوقياً   بعد  أن جرى  تعميمه  أخـلاقياً ،  بحيث تشتمل الدعوة للدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون  ويروجون  لإيديولوجيات اللاتسامح  التوتاليتارية. ورغم أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً،  خصوصاً  بعد  احداث  11  أيلول (سبتمبر ) 2001  الارهابية  في الولايات المتحدة  لأن هناك من يعتبرها  خطراً على فكرة التسامح  ذاتها ، بل وتدميرها للحرية، لكن كارل بوبر،  يجيب بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي  بأننا  على صواب دائماً.

•   التسامح والآيديولوجيا!

تطور مفهوم التسامح من الفرد الى المجتمع ومنه الى الدولة، ثم الى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم اصطلاحياً أو لغوياً يرتبط بالتكرّم والسخاء والجود والعفو والصفح والغفران والتساهل وغيرها، بل وصل الى الاعتراف بالحق واحترام الحق، مثلما له علاقة بالعمران والتنمية.
ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة وبين الحكومة والمعارضة، التي هي مسؤولية جماعية وفردية في آن، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن اغراء الاقصاء أو اللاتسامح، الاّ إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
التسامح ليس لصيقاً بتراث أو مجتمع، إنه يمتد عبر العصور فلا "هو غربي ولا هو شرقي". ورغم أن الاديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح، فإن الحروب والإبادات استمرت عبر التاريخ وتمت في الكثير من الاحيان بإسمها وتحت لوائها.
   يمكن القول ان كل المجتمعات البشرية تحمل قدراً من اللاتسامح سلبياً أو إيجابياً، لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو في مدى اعتبار التسامح قيمة اخلاقية وقانونية ينبغي اقرارها والالتزام بها حتى وان كان البعض لا يحبّها.
    اما الفرق الثاني بين المجتمعات المفتوحة التي توافق على التسامح وبين المجتمعات المغلقة التي ما تزال تتمسك باللاتسامح وبتهميش أو إلغاء الآخر، فإن بعض المجتمعات تستطيع إدارة التنوّع والتعددية الثقافية والدينية واللغوية والسلالية والاجتماعية وغيرها، في حين تخفق أو تعجز فيها مجتمعات أخرى، ويوجد في العالم اليوم أكثر من عشرة الاف تعددية، الامر الذي يستوجب ان تكون الدولة هي الحاضن الاكبر للتسامح، وهو يتطلب اعادة صياغة العلاقة بين الأنا والآخر على أساس المواطنة والمساواة الكاملة، ومن خلال التربية والاستفادة من المخزون القيمي للأديان وللفطرة الانسانية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الصعيد الدولي أيضاً.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى الاشتراكية أو القومية أو الدينية، بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا ان نتعاطى معه على هذا الاساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، وهو ما تبنته الشبكة العربية للتسامح عندما وضعت شرطاً لمنح الجائزة على أن " يكون من الداعين لفكرة المساواة وحق بين البشر في العيش بسلام ودون خوف على المستوى الفردي والجماعي، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء".

•   التسامح وصورة الاسلام النمطية!
شاعت في الغرب منذ سنوات، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية ما سمّي "بالاسلامفوبيا"  أي الرهاب من الاسلام، مثلما انتشرت في الفترة الاخيرة ما يمكن اصطلاحه بـ"العربفوبيا"  أي كراهية العرب والعداء لهم، ولعل ذلك ليس بمعزل عمّا يمكن نحته من " الزينوفوبيا" Xenophobia أي الرهاب من الأجانب، بمعنى كراهيتهم وعدائهم، وقد اتسعت هذه المسألة على نطاق كبير بصعود وانتشار بعض التيارات والاتجاهات العنصرية والفاشية في أوروبا. وقد تلمسنا حجم الهجوم الشديد على مؤتمر جنيف (ديربن-2)حول العنصرية وانسحاب الولايات المتحدة واسرائيل وعدد من دول الاتحاد الاوروبي منه، وتأييد مواقفها من لدى جهات وجماعات ودول غربية كثيرة، لمجرد استنكار ما ذهب اليه مؤتمر ديربن الاول العام 2001 من دمغ الممارسات الاسرائيلية بالعنصرية.
   ولعل حدثاً مثل مؤتمر ديربن يمكن استحضاره دليلاً على أن هناك اكثر من جهة هي التي تقف مسؤولة أمام تشويه صورة الاسلام في أعين العالم، فإضافة الى سيل الدعاية الصهيونية، التي سعت الى تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي، باعتباره صراعاً بين أديان، أي بين الاسلام واليهودية، وبين قوى متخلفة عربية لا تؤمن بحق الوجود والديمقراطية، و"دولة" يهودية تسير في طريق الممارسة الديمقراطية، في حين ان الصراع بين حقوق مغتصبة وأرض محتلة وشعب مشرد في غالبيته الساحقة، وبين مغتصب اجلائي استيطاني، رغم أنه يتعكز على حقوق " سماوية " بأرض الميعاد المقدسة لشعب الله المختار، في حين ان الصراع دنيوي لتحرير الارض والوطن، وليس حول تعاليم الدين الاسلامي وشريعته وبين اليهودية وتلمودها.
أما في الغرب بشكل عام فتندفع بعض الاطروحات الرسمية وغير الرسمية لتساوي بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة الاسلاموية، والتي تستخدم تعاليم الدين أحياناً على نحو مشوّه ضد الدين ذاته، وهو ما نطلق عليه اسم "الاسلاملوجيا" أي توظيف التعاليم الاسلامية بالضد منها رغم أنها ترفع راية الاسلام. ولعل العرب والمسلمين دفعوا ثمن هذه الاتجاهات قبل غيرهم، رغم ان هذه الاتجاهات حتى وقت قريب وقبل حدوث ارهاب 11 سبتمبر (ايلول) لقيت تشجيعاً علنياً ومستتراً من بعض القوى والجماعات والدول الغربية مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
   وأستطيع القول أن الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، لم تتفهم حتى الآن وربما بصعوبة، طبيعة العلاقة مع العرب، طالما يتم تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي على نحو مشوّه، لاسيما من خلال ممارسات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على المسيحية وعلى اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم مبرراً لمواصلة هذا الصراع بطريقة لا تخلو من عبثية، بحيث يمتد من أقصى المعمورة وحتى أقصاها، وكأن لا علاقة للمصالح الدولية بذلك، بما فيها مصالح المسلمين أنفسهم، والسياسة منذ بدء الخليقة وحتى تنتهي ستبقى تحكمها الصراعات واتفاقات المصالح، باقترابها أو ابتعادها عن المبادئ.
لا شك ان هناك نظرة ارتيابية مسبقة لدى الغرب والشرق بما فيه الاسلامي إزاء الآخر، والغرب ليس وحده المسؤول عن ذلك، فثمة مساهمات نحن مسؤولين عنها، لاسيما وقد انتشرت لدينا تيارات "أصولية" متعصبة ومتطرفة ومعادية للغرب، وهو ما نطلق عليه اصطلاحاً "الغربفوبيا " أي كراهية الغرب، والعداء لكل ما هو غربي بما فيها للحضارة الغربية وانجازاتها العلمية والتكنولوجية والفنية والجمالية والعمرانية الهائلة، بكل ما لها وما عليها.
الغرب ليس كلّه غرباً، فإلى جانب الغرب الامبريالي- العنصري في الماضي والحاضر، هناك الغرب التقدمي المؤيد لحقوق الانسان وحقوق الشعوب في تقرير المصير، وهو ما حاول مفكر بريطاني مرموق مثل الفريد هاليداي أن يضع اصبعه عليه في كتابه الموسوم " ساعتان هزتا العالم" وقبله كتابه " الاسلام والغرب". وكان عرفان نظام الدين قد تناول العلاقة بين العرب والاسلام في الغرب بوجهيها وذلك في كتابه " العرب والغرب" مثلما، أطلّ اعلامياً على ذلك في كتاب " الاسلام والاعلام " مؤشراً الى التقصير لدى الجانبين، خصوصاً في فهم العلاقة المتميزة والمتناقضة والمتداخلة، إضافة الى التعقيدات والاوهام والتشويهات التي صاحبتها ورافقتها وهو ما أسماه الدكتور غازي القصيبي الأساطير الاربعة التي حكمت نظرة الغرب الى الاسلام ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
ما زالت بعض تفسيراتنا قاصرة لفهم ما نطلق عليه " الصراع التاريخي" الذي يستمر بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وهو ما ندعوه الحروب الصليبية والمقصود "حروب الفرنجة" التي حدثت في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن ثم الصراع مع الدولة العثمانية، وذلك لتأكيد حتمية الصراع باعتباره صراعاً تناحرياً غير قابل للحل أو التوافق، رغم أن الصراع يمكن أن يؤدي الى اتفاق مصالح حسب منطوق السياسة الدولية تاريخياً.
ان الابقاء على صورة العدو حاضرة في الأذهان، رغم اختلاف المواقف، حملت معها خرافات وأوهام كل طرف إزاء الآخر، فالاسلام حسب بعض الاطروحات الغربية يشجع على الارهاب ويحض على العنف، ويستند بعض هذه التصورات على عدد من غلاة الاسلامويين، الرافضين لكل تقدم أو حضارة باعتبار الغرب كلّه " شرٌّ مطلق"، وهكذا تستكمل صورة العدو، وإن لم يوجد بالفعل، فقد تم صناعته مثلما حصل بعد انهيار الشيوعية الدولية، فوجدت بعض التيارات في الغرب، اختراع الاسلام عدواً بديلاً، وحسب أحد المعلقين البريطانيين جورج مونبيت Georges Monbiot ، فلو لم يكن بن لادن موجوداً، لكان على امريكا أن تخترعه، فقد اخترعته الـ CIA العام 1979 واليوم تبحث عنه الـ FBI، وهكذا تم استبدال مصطلح المجاهدين الافغان أيام الغزو السوفيتي الى أبالسة وشياطين بسبب مواجهتهم للسياسة الامريكية لاحقاً.
ان صورة العدو الذي يتم صناعته في الغرب ليست بعيدة عن الخرافات والاختلاقات بمجابهة مزعومة مع الاسلام، وهي الصورة التي يقابلها لدى الاسلامويين والتيارات المتشددة، بوضع الغرب في صورة العدو المستمر والمواجهة الحتمية الابدية، ويميل هاليداي الى اعتبار نموذج صموئيل هنتنغتون بشأن الصدام الحتمي للحضارات هي الأكثر رواجاً لدى الفريقين، ولذلك لقي كتابه "صدام الحضارات" اهتماماً منقطع النظير مثل كتاب فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ".
ولعلي طرحت باستمرار سؤالاً على نفسي: هل يستطيع المواطن الغربي أو الاوروبي أن يدرك وأن يتفهم أن من يضحّي بنفسه في فلسطين، ليس من أجل تطبيق الشريعة الاسلامية، وليس من أجل فرض ارتداء الحجاب للنساء أو إقامة الحد أو لفرض دفع الجزية أو التعامل مع أهل الذمة أو حتى إقامة الحكم الاسلامي، بل إنه يفعل ذلك من أجل تحرير وطنه وأرضه المحتلة والمغتصبة، سواءً كان متديناً أو غير متدين، مسلماً أم مسيحياً أم غير ذلك!
وأدركت في حوارات مختلفة مع الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية، الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، أنه ليس من السهولة عليها فهم طبيعة الصراع، طالما جرى تصويره على نحو مشوّه ودون دلالة تُذكر، لاسيما من خلال ممارسات وتطبيقات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم حول نكث العهود مبرراً باعتبار الصراع الديني بين اليهودية والاسلام استئصالياً، وبالتالي فهو صراع دائم لا نهاية له.
ووفقاً لهذا المنطق الخاطئ فإن هذا الصراع يمتد من أقصى المعمورة الى أقصاها، وهو غير محصور في بقعة معينة من العالم محتلة بقوة السلاح باستعمار اجلائي، استيطاني، وارهاب دائم ومستمر بكونه يشتبك مع مصالح دولية  ويعبّر عنها في جزء متقدم من ستراتيجيتها الكونية في الشرق الأوسط، حتى وان تعكّز على " حق ديني" أو مزاعم آيديولوجية روّجت لها الصهيونية العالمية منذ مؤتمرها الاول في مدينة بال " بازل"  السويسرية العام 1897 وبعد صدور كتاب تيودور هيرتزل " دولة اليهود" بعام واحد.
ان ما يقوم به الفلسطينون مدعومين من المسلمين وأحياناً تحت راية الاسلام لإضفاء نوع من القدسية على هدفهم النبيل، انما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، الذي يجيز للشعوب التابعة والمستعمرة استخدام جميع الوسائل بما فيها القوة المسلحة، لاسترداد وطنها واستعادة سيادتها، وذلك لا علاقة له بالرؤية المشوّهة لاعطاء الصراع طابعاً دينياً.
وإذا كان الاسلام يذهب الى تأييد مثل هذه التوجهات بما فيها استرخاص الغالي والنفيس وصولاً الى الهدف، بالسلم او بالجهاد، فإن دعوته هذه أرضية وحقوقية وقانونية وضعية، حتى وإن يتم فيها توظيف التعاليم السماوية كأداة فلسفية وروحية، لهدف أرضي وانساني وهو تحرير الاراضي المغتصبة وحق تقرير المصير، في حين ان دعاوى الصهيونية سماوية تتعلق بأرض الميعاد وتحقيق الوعد الالهي لشعب الله المختار.
على النخب الفكرية والسياسية والثقافية العربية والمسلمة التمييز دائما بين مفهوم الحضارة التي ننسبها الى الغرب وهي نتاج انساني وبشري، وبين مفهوم الغرب السياسي، فالاولى هي منظومة من الفلسفات والافكار لما وصلت اليه البشرية كنتاج لتطورها السياسي والثقافي والجمالي والعمراني والفني والتكنولوجي والادبي، في حين ان الغرب السياسي يعني النظم والآيديولوجيات الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة، القائمة على المصالح بالدرجة الاساسية، وقد تكون أحياناً في تعارض مع مقتضيات السلوك الحضاري أو مثله وقيمه الانسانية العليا، خصوصاً مع شعوب وأمم أخرى.
لكن هذه النظم المتمثلة باوروبا وامريكا في الوقت نفسه تعتبر مستودعاً للتقدم العالمي لعصرنا بجميع ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لا يمكن تبسيط الموقف من الغرب باعتباره كله " شرٌّ مطلق"، وهي النظرة التي تتذرع بها اسرائيل لحماية نفسها من " آلة التدمير" العربية والاسلامية، بتأكيد انتمائها الى الغرب الحديث، ولاثبات تعارضها مع أهداف العرب والمسلمين، ولعل هذا ما حاولت ترويجه خلال انعقاد مؤتمر جنيف (ديربن-2) حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب نيسان (ابريل) 2009، وهو ما استطاعت أن تحشد له طاقات وامكانات دولية هائلة في الولايات المتحدة والغرب، مستفيدة من بعض الاطروحات الخاطئة والضارة التي ما تزال تهيمن على بعض التوجهات الاسلاموية، فضلاً عن تقاعس العرب والمسلمين منذ مؤتمر ديربن العام 2001، وذلك بعد أن حصلوا على نصر سهل لم يستطيعوا الحفاظ عليه أو توظيفه لمصلحتهم، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية، وهو ما حشدت اليه اسرائيل جميع الطاقات منذ ثمانية أعوام، حتى تحقق لها ما أرادت، رغم مقاطعتها مؤتمر جنيف، وهو ما سبق أن استخدمته بشكل بارع يوم تمكّنت من إلغاء القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 بخصوص مساواة الصهيونية بالعنصرية.
لقد عبأت اسرائيل آلة اعلامية وسياسية كبيرة، بما فيها حضور عشرات من منظمات المجتمع المدني بتكليف واسهام مباشر منها أو بطريق غير مباشر عبر التنسيق والتحالف وضخ المعلومات وتهويل صورة مؤتمر ديربن الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية، وكذلك بالاستفادة من بعض الأطروحات المتطرفة أو الشعارات ذات النبرة العالية، مستغلة إياها باعتبارها مهددة بالاستئصال، في حين  أنها هي التي تحتل الاراضي العربية وتمارس سياسة عنصرية ضد سكان البلاد الاصليين وترفض القرارات الدولية وحق العودة، وتضم القدس والجولان خلافاً للشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه تلصق كل أعمال العنف والارهاب بالاسلام في صورة نمطية، ليست بعيدة عن الصهيونية ذاتها.
ولعل صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية بناء جدار الفصل العنصري، ومن ثم صدور تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بارتكاب جرائم في غزة تقترب من جرائم الحرب، وقبل ذلك صدور تقرير بوستروم بشأن اتهام اسرائيل بالاتجار بالاعضاء البشرية للفلسطينيين، كلّه يضع اسرائيل أمام مساءلات دولية، خصوصاً وأن سياساتها طيلة ما يزيد عن 60 عام، كانت عدوانية وعنصرية بامتياز وبالضد من قيم التسامح.

•   وقفة للمراجعة الفكرية
أيكفي تكرارنا القول ان تعاليم الاسلام وبخاصة الواردة في القران الكريم والسنّة النبوّية تحضّ على التسامح، وان الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الاسلام الاول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم ان هناك فروقاً كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الاسلامي، الذي هو مثل كل تاريخ البشرية، حفل بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والاقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحياناً، سواءً على الصعيد النظري او على الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والاعمال؟
   جدير بالذكر الاشارة الى ان فترة الاسلام الاول، شهدت اعترافاً بالآخر والدعوة الى المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من " الخلفاء الراشدين" : عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا اليها الاسلام من أن تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة الى بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحوّل الى قوة مادية يصعب إقتلاعها، خصوصاً اذا ما انتقل من طور الاخلاق الى الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!
   لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الاسلامي، لا ينبغي ان تصب في الموجة الجديدة- القديمة من الاتجاه المعادي للاسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، أو أن تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالارهاب بالجملة، وهو ما يتردد على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين ومستشرقين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتى رسولهم النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الاسلام بالعنف".
   ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من اعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد إنتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس على صعيد الحاضر حسب، بل على صعيد المستقبل، يضاف اليه الآن نتائج الاستفتاء الشعبي في سويسرا ضد بناء المنائر الاسلامية.
   كما أن ما ورد على لسان الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش(آب/ اغسطس2006) وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول " الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسّم العالم الى قسمين " اما معنا.. أو مع الارهاب" اي مع " معسكر الخير والنور" او "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الى فسطاطين، ولعل هذا الأمر يحتاج الى إعادة النظر بالأفكار والآراء المسبقة بخصوص الاسلام، وهو ما يضع مسؤوليات على ادارة أوباما، طالما أنه أخذ على عاتقه مبادرة مخاطبة المسلمين على نحو مختلف، بما يعزز الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات والأديان.


•   نحن ومفارقات التسامح

   اذا كان "الغرب" قد وصل الى التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، فان مثل هذا الامر لم يأخذ مداه على المستوى الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية في اواخر الثمانينات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجاً وحيداً للنظام الدولي على المستوى السياسي والاقتصادي، وخلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال ابادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وُقلبت انظمة واقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الامم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!
   ومن جهة اخرى فإن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والاسلامي ما زال قليل القبول لدى اوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الاقصائية والالغائية على انه " نبت شيطاني" او " فكر مستورد" خصوصاً مع خلط المفاهيم  تعسفاً احياناً، بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباع واستخداء للآخر، الخارجي، الاجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والامر ينسحب على نحو أشد ربما على النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية واثنية!
   ويهرب اصحاب هذا الاتجاه الى التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: ان الاسلام الاول، الراشدي إتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف،وهو وإن كان صحيحاً، لكنهم لا يناقشون الحاضر او يحاولون الزوغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الافضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم الى تبيئة وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهناً ومستمراً وقائماً.
   وبقراءة الوضع الراهن فهناك اربعة مواقف أو اتجاهات من مسألة التسامح:
   الاتجاه الاول-الذي نطلق عليه "الرافض" فهو يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني او الفكري او السياسي او الثقافي او الاجتماعي، الداخلي او الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والافضليات، اما المختلف والآخر فإنه لا يمثّل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار.
   الاتجاه الثاني- هو الاصلاحي وهو تعبير عن تيار اصلاحي (توافقي) يتقبّل بعض افكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وان كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الاتجاه الثالث- الذي نسميه الاتجاه التغريبي، فهو يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو الى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيممة حداثية لا علاقة لها بالاسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للاسلام الذي يحضّ على "العنف" و"الارهاب" حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الاسلاموية أو الاسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الاتجاه الرابع- الذي نعتبره قيمياً وهو تعبير عن التيار المؤيد للتسامح، والذي يعتبره قيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.
وإذا كانت فكرة التسامح مؤاتية ولها تفاعلات مع الفكرة الليبرالية والعقلانية والمدنية والعلمانية، الاّ ان جذورها تمتد الى الحضارات والثقافات المختلفة، ويزخر التراث الانساني باستلهامات من قيم التسامح، لكنه كمنظومة متكاملة كان من نتاج حقبة التنوير لاسيما في القرن الثامن عشر.

•   الهروب الى الماضي !
    ان القراءة الارتجاعية للنص الاسلامي وللتعاليم والمفاهيم الاسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون اخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، فإنها تؤكد ان الاسلام " المفاهيمي" ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن ان يسلكه الانسان في حياته حيث سيجده، مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، وصولاً الى التسامح، خصوصاً إذا كان الأمر بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين من المتشددين واللامتسامحين من الاسلامويين، الذين حاولوا تطويع احكام الاسلام بطريقة مؤدلجة تماشياً مع القيم السائدة والافكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الامر.
   وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الاسلام الى مجرد " تعاويذ" و"أدعية" ووصفات جاهزة ومعلبة، اقرب الى التحنيط والجمود والصنمية خصوصاً ازاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل او الحوار.
   كان الى جانب الاسلام والايمان نقيضهما أحياناً في دولة الاسلام المدنية، ولكن ثقة الاسلام بنفسه جعلت التعايش ممكناً مع النقيض. حسبي هنا ان اشير الى احتواء كتاب  " التوحيد الكافي" على اقوى الاستدلالات، التي إستند اليها منكروا التوحيد دون ان يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتى وان احتوى على ما يتعارض مع جوهر الايمان.
   الاسلام بتعاليمه لا يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقد الرأي المخالف انطلاقاً من قاعدتين :
1-   مبدا التسامح ازاء سماع الراي الآخر.
2-   الايمان بالعقل باعتباره الاساس في المحاججة وليس النظرة المسبقة.
   ليس ثمت تناقض بين العقل والايمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي اثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الاسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكننا لا بدّ من التمييز بين الاسلام كمفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز على المبادئ.
   بخصوص التسامح والاختلاف فهناك نموذجين احدهما: معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والاصول " فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وان لم يصب في حكمه" وذهب الامام الشافعي للقول:" رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا ولكنه يحتمل الصواب".
   وقديماً قيل قد يصيب الناظر وجهاً من وجوه الحقيقية، وهو ما ذهب اليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، انما يدل على تباين الطرق الموصلة الى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحداً، بل كثير ومتعدد، وهو الامر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.
   هناك بعض الاسلاميين المتعصبين أو الاسلامويين، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود الى " التساهل ازاء العقيدة والى الاباحية" وبعبارة اخرى: نشر الليبرالية بكل ابعادها على حساب الدين. وهو ما يذهب اليه مصباح يزدي احد منظري التيار اليميني المحافظ في ايران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة واسلوباً

1014
العراق ومعركة المياه

عبدالحسين شعبان
2010-05-10
يعاني العراق من كارثة مائية خطيرة تتعلق بشحّ المياه واتخاذ إجراءات من دول الجوار، أسهمت في تفاقم أوضاعه وزادت من عملية التصحّر وأدت إلى موت الكثير من المزارع والبساتين، لاسيَّما قيام إيران بتغيير مجرى الأنهر الحدودية، وتغيير مجرى نهر كارون الذي يصب في شط العرب، وإنشاء 12 سداً وخزانات كبرى، وتغيير مجرى نهر الكرخه الذي يغذّي شط العرب وهور الحويزة.
وكانت تركيا منذ نحو أربعة عقود من الزمان قد بنت نحو 22 سداً بما فيها سد الغاب الكبير Gap، الأمر الذي أثّر على منسوب المياه التي تصل إلى العراق من حوضي نهري دجلة والفرات، وإلى حدود غير قليلة تضررت سوريا، وقد نشبت في السبعينيات معركة ضارية شكلها مائي وأساسها سياسي بين العراق وسوريا، ثم تمت بعض التسويات، ودخلت كل من سوريا والعراق مفاوضات مع تركيا طيلة العقود الماضية.
ولعل مشكلة المياه الإقليمية تفاقمت واتخذت أبعاداً خطيرة بعد اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات (1980-1988) وفي ظروف الحصار الدولي الجائر الذي دام 13 عاماً، وعند انهيار الدولة وحل مؤسساتها.
وكنت قد تابعت هذا الملف قبل ثلاثة عقود من الزمان، وقد نشرتُ كتاباً عن النزاع العراقي- الإيراني وعدداً من الدراسات، تعرضت فيها لمشكلة شط العرب والمياه الإقليمية، وأشرت فيها إلى أثر العوامل الطبيعية على وقوع النهر لاحقاً في الأراضي الإيرانية، لاسيَّما إذا تم اتباع خط الثالويك Thalweg، وتسنّى لي متابعة شحّ المياه على المستوى العربي والدور الخارجي لتفاقم المشكلة، وبعد توقف الحرب وبُعيد غزو الكويت، كتبت مقالة في جريدة الحياة (1991) حول معركة المياه العربية، وبضمنها مسألة شط العرب، حيث تمت العودة إلى اتفاقية الجزائر الموقعة في 6 مارس لعام 1975 بين شاه إيران والرئيس السابق صدام حسين (عندما كان نائباً)، وعالجت ذلك لاحقاً في كتابي «عاصفة على بلاد الشمس» الصادر عام 1994، بتخصيص فقرة خاصة عن ذلك باعتبارها المعركة القادمة. ولم يكن بمقدوري تصوّر أن الأمر سيصل إلى ما نحن عليه، خصوصاً لما تعانيه بلاد الرافدين الآن، من عطش وشح في المياه.
وإذا كان ارتفاع بعض الأصوات ضد معاهدة 6 مارس عام 1975 بين بغداد وطهران لاعتبارات سياسية، فإن الأمر يتجاوز ذلك لأسباب تتعلق بمصالح العراق وأمنه الاستراتيجي، لاسيَّما أن النظام السابق قدّم تنازلات كبيرة لنظام شاه إيران، وبخاصة باعتبار خط الثالويك هو الحد الفاصل للحدود العراقية الإيرانية، وهو خط وهمي يمتد من وسط مجرى النهر عند أعمق نقطة فيه وحتى البحر، علماً بأن شط العرب ليس نهراً دولياً، وإن كان هناك جزء منه كحد فاصل للحدود، بل هو نهر وطني عراقي، وأن الضفة الشرقية اليُسرى له كانت هي الحدود الفاصلة بين البلدين، رغم أن المعاهدات التي تم التوقيع عليها سواءً في عهد الدولة العثمانية أو عند تأسيس المملكة العراقية وبخاصة معاهدة عام 1937 قدّمت بعض التنازلات لإيران.
وكانت آراء بعض الخبراء والمختصين قد تحدثت مبكراً عن احتمال ذهاب شط العرب -بسبب الطمي والغرين والعوامل الطوبوغرافية- إلى داخل إيران وانحساره عن العراق، وحسب بعض التقديرات فإن الأمر سيحصل خلال قرن من الزمان أو أكثر قليلاً، الأمر الذي تعتبر معه اتفاقية الجزائر تفريطاً بحقوق عراقية في المياه واليابسة، وبغض النظر عن بعض التبريرات السياسية، بما فيها السكوت عن المطالبة بالجزر العربية الثلاث التابعة لدولة الإمارات العربية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) فضلاً عن التصدّي لحركات المعارضة، بما فيها ثوار ظفار والمعارضة الإيرانية لنظام الشاه بحجة ملاحقة المتمردين، وكذلك للمعارضة العراقية السابقة، وبخاصة البيشمركة الأكراد، فإن الاتفاقية كانت لصالح إيران باستثناء وقف دعم الكرد العراقيين، الذي كان الهدف الأول للحكومة العراقية.
وإذا كان المحذور قد حصل، لاسيَّما بإشعال الحرب العراقية- الإيرانية، فإن من وصل السلطة من المعارضة لم يحرّك ساكناً، وهكذا تمت العودة الى اتفاقية الجزائر بعد حرب ضروس وظلّت هي التي تحكم العلاقات بين البلدين، وهي اتفاقية مجحفة ومذلّة وغير متكافئة، وقّعها نظامان أطيح بهما، لكن التأثيرات السلبية الخطيرة لها لا تزال تفعل فعلها، بل إن أحد رؤساء مجلس الحكم الانتقالي طالب بتعويض إيران مبلغ 100 مليار دولار بتحميل العراق مسؤولية الحرب، علماً بأن النظام الذي بدأ الحرب كان قد انتهى، حتى وإن كان يتحمل مسؤولية في شنّها، في حين أن إيران واصلت هذه الحرب، رغم إبداء العراق استعداده للجلوس إلى طاولة المفاوضات، ثم انسحابه منذ عام 1982 إثر معركة المحمرة (خورمشهر)، إلى أن وافقت إيران على القرار 598 الصادر في عام 1987، وتوقفت الحرب في 8/8/1988.
اليوم وبعد مرور 30 عاماً على اندلاع الحرب تزداد كارثة المياه في العراق، وهو ما نبّه إليه مركز علوم البحار ومحافظة البصرة وعدد من النواب، وذلك بسبب جفاف الكثير من الأنهار والروافد الصغيرة، إضافة إلى قطع وتحويل مياه بعض الأنهر والروافد، التي تصبُّ في مياه دجلة والفرات، وترافق ذلك مع حبس حصة العراق المائية في تركيا بسبب السدود الكبيرة، وتسبب ذلك في شحّ المياه في العراق، وبسبب عدم الاستقرار السياسي وضعف الحكومات المتعاقبة بعد احتلال العراق في عام 2003، وقبلها لأسباب الحصار الدولي وانشغال الحكومة بمشاكلها الداخلية، فقد تسلل العطش والتصحّر إلى محافظات كثيرة بما فيها البصرة «أم المياه» كما يقال، حيث أسهم بانجراف التربة البحرية وتهديد إغلاق القنوات الملاحية في البحر وإغلاق بعضها في المواني العراقية، مثلما هي قناة خور عبدالله بعد قرار مجلس الأمن 833 بشأن ترسيم الحدود العراقية- الكويتية.
إن هذا الوضع يتطلب بحث المسألة مع دول الجوار، لاسيَّما إيران وموضوع شط العرب وخور عبدالله والكويت ومياه حوضي دجلة والفرات والسدود التركية مع تركيا، إضافة إلى التفاهم مع سوريا على عمل مشترك وتنسيق المواقف إزاء حقوقهما لدى الجانب التركي وفي كمية المياه التي تأتي عن طريق سوريا في نهر الفرات.
إن ما يحصل اليوم هو بمثابة ناقوس خطر فيما يتعلق بالمياه الإقليمية والمواني العراقية والمنافذ البحرية، وينعكس ذلك سلباً على البيئة البحرية والموارد المائية، إضافة إلى تأثيراتها الاستراتيجية على مرور السفن والناقلات العراقية، حيث يخسر العراق سنوياً الكثير من أراضيه، بسبب النشاط الترسبي وعمليات التعرية، وهذه الأراضي تضاف إلى إيران.
إن شط العرب هو المنفذ الملاحي العراقي الوحيد إلى الخليج العربي، ويتألف من التقاء نهري دجلة والفرات عند كرمة على جنوب العراق، ويبلغ طوله 204 كم، ونصفه في العراق (بكلتا ضفتيه)، أما عرضه فيتراوح بين 400 متر أمام مدينة العشار ليصل إلى 1500 متر عند مصبه في الخليج.
ومع جميع التنازلات التي قدمتها الدولة العثمانية لبلاد فارس، فإن معاهدة إرضروم الأولى 1823 ومعاهدة إرضروم الثانية 1847، اعترفتا بأن الحدود تسير مع الضفة الشرقية اليسرى لشط العرب، أي أن الشط بقي بكامله داخل الأراضي العراقية باستثناء جزء منه اعتبر الخط الفاصل للحدود، وهو ما أكده بروتوكول طهران لعام 1911 وبروتوكول القسطنطينية لعام 1913، وبهذا المعنى فإن النهر كلّه ظلّ عراقياً، باستثناء موافقة الدولة العثمانية على بناء مرسىً أمام ميناء المحمرة (لمسافة نحو 7.5 كم)، وهو ما أقرّته اتفاقية عام 1937 وكذلك باعتراف وضع خاص مقابل مدينة عبادان طوله نحو 7 كم، مع تأكيد سيادة العراق وبقاء النهر مفتوحاً للسفن التجارية والأخرى ومراعاة خصوصية الوضع الإيراني.
وإزاء سوء العلاقات أقدمت إيران على إلغاء معاهدة عام 1937 من طرف واحد عام 1969، في حين ألغى العراق اتفاقية 6 مارس عام 1975 من طرف واحد أيضاً، تمهيداً لشن الحرب (17 سبتمبر 1980) وقامت الحرب بعدها بخمسة أيام.. وإذا كانت العلاقات بين الدول وتنظيم حياة المجتمعات تقوم على أساس الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين الأطراف، وأنه يجب عليها احترام التزاماتها طبقاً لنظرية «العقد شريعة المتعاقدين»، حسبما تنص عليه معاهدة فيينا لعام 1969 (قانون المعاهدات)، الأمر الذي يقتضي الدخول في مفاوضات لاستعادة حقوق العراق، لاسيَّما المائية وإلاّ فإن الكارثة زاحفة لا محالة، ولن ينفع تشكيل كتلة دولة القانون أو القائمة العراقية للوزارة، إن لم تستند المفاوضات على إرادة شعبية وسيادة قانون واستقرار وحكومة قوية!

       

1015
حقيقة السجون السرية في العراق
   

عبدالحسين شعبان
تابع العالم أجمع بقلق وسخط شديدين ما نقلته وكالات الأنباء، بخصوص واقعة اكتشاف السجن السري الجديد في مطار المثنى في بغداد، فضلاً عما نقلته شاشات التلفاز ووكالات الأنباء والصحف، وخصوصاً الشهادات التي أدلى بها بعض النزلاء السابقين في هذه السجون السرية، التي كشفت عن معاناة فائقة ومأساة حقيقية لعشرات الآلاف من السجناء والمعتقلين .

ورغم تضارب التصريحات بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المنتهية ولايته ووزير الدفاع عبدالقادر العبيدي ووزيرة حقوق الانسان وجدان ميخائيل، حول نفي أو تأكيد وجود مثل هذه السجون، إلآّ أن الغموض والإبهام حول طبيعة هذه السجون جاء على لسان جميع المسؤولين بتأكيدهم أنها وإنْ كانت سجوناً غير سرية، إلاّ أنها سجون غير معروفة لأهالي المعتقلين ولا حتى لمحامي المحتجزين، الأمر الذي يجعلها في التكييف القانوني سجوناً سرّية بكل معنى الكلمة .

لقد عانى العراق طويلاً من انتهاكات حقوق الانسان وعرف ظاهرة السجون السرية والخاصة، إضافة الى ظاهرة التعذيب المزمنة، وهو ما كانت تمارسه جميع الحكومات من دون استثناء، لا سيما في عهد النظام السابق، حيث شهدت السجون والمعتقلات، السرّية والعلنية، مآسي حقيقية، بما فيها من تم إبعادهم من المهجرين العراقيين، وضاعت أخبار عشرات السياسيين في ظروف غامضة، بمن فيهم بعض أتباع الحزب الحاكم كما تفشت ظاهرة الاختفاء القسري على نحو صارخ، لكن ما حصل بعد احتلال العراق فاق جميع ما حصل من انتهاكات سافرة لمنظومة حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ظل جميع الحكومات العراقية المتعاقبة، وبفترة زمنية قياسية، حيث تكدّس في السجون على مدى السنوات السبع الماضية عشرات الآلاف من العراقيين، من دون محاكمات أو تهم محددة في الغالب، وكانت الاعتقالات العشوائية، لشباب وفتيان بعضهم لم يبلغ سن الرشد في مناطق وأحياء كاملة تقريباً، جراء عمل إرهابي أو عمليات عسكرية، عنفية، تستهدف قوات حكومية أو قوات محتلة او ميليشيات مقرّبة من هذه المجموعة أو تلك من المجاميع المتنفذة، لا سيما التي في الحكم أو محسوبة عليه، وظلّت ظاهرة الاختفاء القسري مستشرية إضافة إلى ما شهده العراق من أعمال تطهير طائفي ومذهبي وعرقي، وهجرة الملايين من مناطقهم ونزوحهم إلى مناطق أخرى أو اختيارهم المنفى .

وكانت السجون السرية والسجون الطائرة والسجون العائمة قد أصبحت منذ أحداث 11سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة ظاهرة شائعة، لا سيما سجن غوانتانامو الذي يقبع فيه حتى الآن مئات من المعتقلين، وفاحت رائحته الكريهة، الأمر الذي دعا الرئيس أوباما لإعلان إغلاقه كجزء من حملته الانتخابية، وأمرَ بذلك بُعيد وصوله إلى البيت الأبيض، لكن لم يلغ الآن، ولم يُنقل نزلاؤه، رغم سوء أوضاعهم باعتراف الجميع، بما فيه هيئات أمريكية، حقوقية، وأعضاء في الكونغرس .

كما شهدت أوروبا، لا سيما رومانيا وبولونيا وجود سجون سرّية على أراضيها رغم احتجاجات الرأي العام الأوروبي، وكانت طائرات أمريكية وغيرها تقوم بمهمة النقل والاحتفاظ بهم، وظلّت تطوف بالمعتقلين خافية ذلك عن الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان، مثلما شهدت البحار وبعض البواخر الكبرى معتقلات عائمة في وسط البحر من دون الإعلان عنهم أو تقديمهم الى القضاء، وكانت الذريعة انهم متهمون بالإرهاب وهم من الخطورة بمكان، ما يتطلب إسدال ستار كثيف حول وجودهم .

ولا شك أن الحكومات العراقية المتعاقبة، وبخاصة بعد الاحتلال لجأت إلى السجون السرية التي أصبحت هي الأخرى ظاهرة مقلقة، بحجة أن نزلاء هذه السجون من العناصر الإرهابية الخطرة، الأمر الذي يتنافى مع المواثيق والأعراف الدولية، بما فيها اللوائح السجنية . ولعل اكتشاف سجن مطار المثنى الذي يضم أكثر من 430 معتقلاً، وفي ظروف قاسية، أعاد مسألة المعتقلات السرية إلى الواجهة .

والمفارقة أن وسائل الإعلام الأمريكية كانت في كل مرّة هي التي تقوم بنشر وتصوير وإذاعة مثل هذه الأخبار كما في واقعة سجن أبو غريب، وفي واقعة سجن الجادرية العام 2005 وواقعة سجن رقم 4 في العام ،2006 وفي واقعة سجن المثنى مؤخراً، ولكن للأسف كانت تذهب جميع مطالبات انزال العقوبات الصارمة بالمرتكبين أدراج الرياح، بما فيها المطالبات الدولية بإغلاق سجن غوانتانامو والسجون السرية الأخرى، سواءً كانت طائرة أو عائمة .

وبالعودة للوضع العراقي فإن لجان التحقيق التي كانت الحكومات العراقية تقوم بتشكيلها في كلّ مرّة كانت تصل في غالب الأحيان إلى طريق مسدود، وإنْ توصلت إلى اتهام بعض المرتكبين وصدور مذكرات اعتقال بحقهم، إلاّ أنها لم تنفّذ باستمرار، الأمر الذي يحمّل السلطات الحكومية المسؤولية الأساسية .

ولعل من أولى مهمات المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية الأخرى هو القيام بإرسال لجان تقصّي حقائق وزيارة السجون والالتقاء بعوائل الضحايا وبالضحايا أنفسهم، وسماع شهادات لخبراء ومختصين وناشطين، لا سيما من نقابة المحامين العراقية والهيئات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها، علماً بأن الكثير من الضحايا موجود حالياً خارج العراق أيضاً .

وبخصوص المسؤوليات الأخرى فإن القوات المحتلة لا يمكن أن تعفي نفسها من المسؤولية، بحكم احتلالها للعراق بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 الأمر الذي يتطلب مساءلات قانونية ناهيكم ما تفرضه الاتفاقية العراقية - الأمريكية من التزامات، بغض النظر عن تعارض هذه الأخيرة مع قواعد القانون الدولي، باعتبارها اتفاقية غير متكافئة بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف، ولا بدّ من تقديم المرتكبين الى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، خصوصاً وأن جرائم التعذيب والحطّ من الكرامة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن للقوات المحتلة أن تعفي نفسها من هذه المسؤولية بحكم التزاماتها الدولية طبقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني .

لعل الرأي العام العربي والدولي بجميع مكوّناته وبمنظمات حقوق الإنسان والهيئات الحقوقية والنقابية جميعها مطالبة برفع صوت الاحتجاج وتوجيه رسائل إلى الحكومة العراقية تطالبها بوضع حد لهذه الظواهر المشينة وكشف بقايا السجون السرية ومحاسبة المسؤولين عنها بمن فيهم من أصدر الأوامر أو تستّر عليها أو مارس التعذيب، وذلك بهدف كشف الحقيقة وإنفاذ العدالة وإنزال أقصى العقوبات بالمرتكبين والمتواطئين، والأهم في كل ذلك هو جلاء حقيقة السجون السرية وحقيقة المأساة العراقية المستمرة .

باحث ومفكر عربي

1016
المنبر الحر / حلم وردي مرعب!
« في: 17:15 03/05/2010  »
حلم وردي مرعب!

عبدالحسين شعبان

2010-05-03
منذ ثلاثة وعشرين عاماً وأنا أتطلع إلى هذه اللحظة، وربما ذلك الحلم, أن أستيقظ صباحاً لأجد نفسي في بغداد، ولكن دون دكتاتورية ودون وجوه وقسمات قاسية لغلاظ القلوب والقساة بلا رحمة.
هكذا كنت أحلم باستمرار، وكنت كلما يراودني ذلك الحلم ويحتل كل عقلي وكياني، أشد الرحال متسللاً إلى كردستان، وفي كل مرة كنت أختار طريقاً، لعل وصولي يكون أقرب إلى أرض الوطن... هناك حيث ذكرياتي وأيام صباي وفتوتي وأحلامي الملقاة على قارعة الطريق. كنت أتساءل: لماذا غادرت نجفك الأشرف، وبغدادك الحبيبة؟ ألكي تشيخ وتهرم في المنافي الباردة؟! وقد تعود أو لا تعود إلى الوطن، في جنازة «مرخّصة» أو «تابوت» غير مسموح له بالعبور؟!.
ألم تصرخ ذات يوم كفانا رحيلاً، فقد بتُّ أكره تمر بلادي المغلّف بـ «السيلفون» والمكتوب عليه للتصدير, أتراك تترك كل أطايب الدنيا حين تتذوق رطباً من عسق البرحي الذهبي؟ أنسيت حين كنتَ تمدّد قدميك في ساقية متفرعة من نهر دجلة أو في التاجي, أو عند شط الكوفة التابع للفرات، وتحلم، بل تستغرق في الحلم، وتسبح حتى ينقضي النهار، وتأكل من تلك التكيّة اللذيذة التي تحتمي تحتها من القيظ، قرب قصر الملك, وكأن الحلم كان مرتبطاً دائماً بعلاقتك بالماء، سواء كان نهرا أم بحراً. هكذا تحلم وأنت بعيد عن بغداد!.
نعم يا صديقي
لكن الضرورة، الحرية، هناك وراء ذلك الإصرار، وهذا العناد وربما المكابرة, وليس هناك أي شيء أغلى ثمناً من الحرية والكرامة.
تراك تردد مع نفسك بمناسبة وبدونها: عندما أكون في بغداد أفكر في المنفى، لعلّي أنفذ بجلدي, وأفلت من يد ذلك الذئب المفترس, الذي ظل يترصدني، وعندما تكون في المنفى تظل بغداد هي هاجسك الأول وربما الأخير، وبين الأول والأخير هواجس إنسانية وحساسيات فكرية وثقافية، وهموم ومشاغل سياسية وأخلاقية كثيرة.
كم مرة فعلتها؟ كم مرة افترشت الجبال غطاءً ووسادة؟ وكم مرة اخترقت المسافات والصحاري؟ ودخلت وخرجت من الوطن، متوجساً، مرتاباً، خائفاً، على ظهر دابة، أو سيارات قديمة أو «تراكتور» أو مشياً على الأقدام... بوثائق يتم تصنيعها عند الحاجة أو حتى من دونها.
اللعنة. هذه المرة تدخل بغداد وأنت حر طليق، ولكنك حزين وكئيب وكأنك تحضر مأتماً، حتى صور التلفاز المرعبة كانت ملوَّنة ومتحركة، قياساً بالكابوس. ألست تقول إنك تريد بغداد بلا طغاة, إنهم رحلوا، ولم يتركوا في قلب ملايين الناس أية حسرة أو لوعة لهذا السقوط المدوي، فلماذا لا يفارقك الحزن والكآبة والشعور بالذل أيها العراقي المتوّجس؟.
عند مشارف بغداد، بدأت أستعيد ملامحها، وصورها، وحاراتها، وأزقتها، ونساءها، وقبابها، وجوامعها، وجامعاتها، وحاناتها، وكنت أبكي دماً, أبكي بصمت... اللعنة مرة أخرى، أهذه هي بغداد التي تركناها؟ كيف دهمتها البادية واحتلها الريف وتصحرت إلى هذا الحد؟ لماذا كل هذا الخراب؟ فكلُّ شيء كان يشي بأن هناك انحطاطا وتخلفا ووحشية، وانعدام ذوق، لا علاقة له بالحروب والحصار، إنما الخراب كان أعمّ وأشمل... فهو خراب للعقول والنفوس والعمران والحضارة والثقافة والقيّم... زاده الاحتلال تشوهاً، يوم فقس بيض الهمجية والتخلف والقمع والجوع والمهانة، والفوضى لتغيّر وجه المدينة الفارهة الجميلة الأليفة.
عند المشارف مرة أخرى, ضعت بين الحلم والذاكرة، فداهمني انبلاج الفجر الجميل وكأنه لا يريد لعينيّ أن تكتحل برؤية بغداد -وأنا في هذا الجو الكابوسي المتوتر- إلا وهو يعيد إليَّ هواجسي القديمة-الجديدة... إنه الجندي الأميركي من على سطح الدبابة, موجهاً سلاحه وكأنه في ساحة معركة، يبدو أنها حامية الوطيس، إذن كيف يقولون إن المعركة قد انتهت وإنهم انتصروا؟.
قلت: هذه هي بغداد, نكون فيها ونحن نتطلع إلى الخلاص يوماً بعد آخر، ما إن يرحل طاغية أو غاز إلا ويحل آخر, وعندما نكون خارجها نعيش معها بكل جوارحنا, نحلم بالعودة إليها, هذه الحبيبة الملتاعة، المستنجدة، الضاحكة, الباكية, المكسورة. وكأنني أستذكر الجواهري الكبير وما قاله في بغداد:
لا درّ درّك في ربوع دياري  قرب المزار لها كبعد مزاري
والنجف والسلام ماذا تبقى منهما؟ لقد مسحوا ذاكرتنا، حوّلوا صروحاً حضارية وتاريخية وذات دلالة دينية وعمرانية إلى شوارع. كذلك اختفت مدرسة الخليلي وحسينية الشترلية وبيوت آل شعبان وعكَد السلام العتيد، مسقط رأسي. شعرت أن جزءا من ذاكرتي الطفولية تحول إلى حجر و «كونكريت» وإسفلت، وكذلك الدرّعية منبع ثورة العشرين ورجالاتها من شيوخ آل كلل: الحاج عطية وصحبه، وكذلك منطقة الطارات الجميلة، ذات الكهوف والوديان، وكوخ المناضل حسين سلطان والزواريب والنهيرات، وبحر النجف، كل ذلك تحوّل إلى يَباب قاحل.
ومقبرة الغري الشهيرة، ماذا حل بها؟ لقد فتحوا شوارع داخلها ومسحوا قبور الآباء والأجداد، لكي لا تتحول إلى مركز يختفي فيه من يعارض السلطة، كما حصل في عام 1991, هكذا مسحوا الذاكرة بتغيير الخرائط، ومسحوا القبور لكي يقلعوا الجذور، وما بين القبور والجذور الشيء الكثير، حضارة وعمران وجمال وتاريخ وتحديات، ندخرها ليوم نريد فيه العراق حرا، مستقلاً، سعيداً وسيداً!.
قضيت نهاراً كاملاً أفتش عن قبر والدي، الذي ابتلعه الإسفلت, عندما رفضوا دفنه في المقبرة الخاصة بالعائلة وفي الصحن الشريف بجوار الإمام علي، مثلما هي طقوس ومقامات أفراد العائلة الأوائل وعائلات أخرى، خصوصاً من سدنة الروضة الحيدرية، وكنت أتمنى أن يدفن
والدي بجوار جدي, الشيخ جابر شعبان, عند مدخل الحضرة وبالقرب من باب الذهب، أو في مقبرة العائلة في الصحن بجوار جدي الحاج حمود شعبان, وأعمامي الدكتور عبد الأمير, وضياء شعبان, والعشرات من وجهاء العائلة.
لقد اضطرت العائلة إلى دفنه في مقبرة السلام, ولكن أحداث عام 1991, واختفاء بضعة مئات من المنتفضين في المقابر وقتالهم لعدة أيام، دفع الحكام إلى إصدار قرار بشق شوارع داخل مقبرة الغري، لكي تتحرك السيارات بسهولة، وبالتالي لم يعد بإمكان أحد الاختفاء فيها.
هكذا يتحول الموتى إلى وسيلة للقضاء على الأحياء، فحتى الموتى يمكن استغلالهم، وللسياسة قوانينها اللاقانونية، ولعلي بعد إلقاء محاضرتي في فندق النجف السياحي الكبير أستعيد ما تبقى في مخزون ذاكرتي، لكن ما داهمني كان أقرب إلى الكابوس، عندما رأيت جنوداً أميركيين يأكلون الكباب، فشعرت بألم قرحتي المزمنة يصعد إلى أنفي، فعدت من حيث أتيت.
لعل ذلك كان شهادة حضور, هي أقرب إلى شهادة غياب عن أول زيارة إلى بغداد بعد الاحتلال.


   

1017
ثقافة التغيير وتغيير الثقافة

عبدالحسين شعبان


2010-04-26
منذ ما يزيد على عقدين ونيّف من الزمان، بدأت الكثير من الحركات السياسية تعلن عن مزاوجة أو تلقيح برامجها بفكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور التدريجي والتراكم الطويل الأمد، وهو أمر إيجابي إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن التطورات الانقلابية الثورية قد عادت القهقرى، وتراجعت على نحو ارتدادي، لدرجة أن عملية التغيير ذاتها تأخرت وانقلبت إلى الضد منها.
وإذا كانت الديمقراطية قد أصبحت مسألة مركزية لكنها لم تهبط هكذا مرّة واحدة، بل هي بحاجة إلى ثقافة وتراكم، ولا بدّ أن تكون ضمن سياق المراجعة الشاملة والنقد الذاتي لمجمل الأطروحات السابقة، وليس الانتقال من ضفة إلى أخرى؛ إذْ لم يعد بالإمكان تجاوزها أو الاستخفاف بها وتبرير حجرها بمزاعم مختلفة، لكن إعلان الانفصال عن الماضي وثقافته الخاصة الانقلابية واستبعاد «العنف الثوري» وما له علاقة بعموم ثقافة الحرب الباردة والصراعات الأيديولوجية والاستقطاب الدولي، يتطلب ترسيخ ثقافة جديدة، ما تزال رغم ادعاء تبنيّها بعيدة المنال حتى الآن.
لقد كانت هزيمة الاشتراكية «المطبقة» في الاتحاد السوفييتي وتوابعها بما فيها بعض أنظمة وحركات التحرر الوطني سبباً في هجران الكثير من الماركسيين والقوميين والإسلاميين (ودعاة الفكر الشمولي حتى البارحة) وانقلابهم فجأة إلى ليبراليين جدد، يبشرون بقيم السوق وبفضائل الرأسمالية، ويزدرون الاشتراكية المرذولة. لكن السعي للمصالحة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة وبين الفكر السائد الثوري من جهة أخرى لم يكن الأول من نوعه، فقد جرت في الخمسينيات مثل هذه المحاولات التوفيقية بين الاشتراكية والإسلام، ولاحظنا كمًّا هائلاً من المنشورات والأطروحات لإعلان الزواج أو التعشيق وحسن العلاقة، أو الارتباط بين فكرة الاشتراكية وبين الفكرة الإسلامية أو الفكرة القومية بزعم عدم وجود تعارض أو اختلاف بين جوهر الإسلام والعدالة الاجتماعية، القائمة على الاشتراكية وبين الفكرة القومية والاشتراكية أو العدالة الاجتماعية حسب الأطروحات التي كانت سائدة.
إن التخلي عن نظرية «الثورة المسلحة» والانتقال إلى فكرة التداول السلمي للسلطة وإقرار التعددية وحق الاختلاف ودور المجتمع المدني، خصوصاً في ظل انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وتفكك المنظومة الاشتراكية، وكذلك في ظل انفتاح السوق وتكنولوجيا الإعلام وثورة الاتصالات والمعلومات، استوجب إعادة النظر في الكثير من القضايا، فهل فشل المشروع التغييري الثوري العنفي والإرادي، الأمر الذي يعني قطيعة ابستمولوجية مع فكرة الثورة المسلحة؟ أم أن وصول الرهان الثوري إلى طريق مسدود قد أدى إلى استبدال أو تغيير الوسائل دون تغيير المضامين؟
ولكن من جهة أخرى هل سيكون الرهان الجديد القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور التدريجي وسيلة جديدة لتحقيق الحلم الثوري، أم أن الانهيار والإحباط دفع بعض الأوساط الثورية لتغيير رحيلها واستبدال مناهجها؟ أي هل ستكون الديمقراطية بدلا عن الاشتراكية أو الوحدة أو الثورة الإسلامية، أطروحة خلاص أيديولوجي وخشبة نجاة عقائدية يتم التشبث بها، مثلما كان في الماضي يتم التمسك بأهداب فكرة الثورة المسلّحة؟ وينطبق الأمر بالنسبة للحركات الإسلامية والقومية والماركسية على حد سواء، ولعل هذا سيعني العودة إلى فكرة كانت مستساغة إلى حدود كبيرة، أساسها: أن التحول المطلوب ينجز من القمة وليس من القاعدة، وفي ذلك ليس سوى أسلوب جديد لفكر عتيق، لاسيَّما إذا أهمل الثقافة.
وإذا كانت أميركا اللاتينية قد حوّلت البندقية من الكتف الأيمن إلى الأيسر، لاسيَّما بالانتقال بالثورة من الكفاح المسلح إلى «لاهوت التحرير» والإقرار بدور الكنيسة في عملية التغيير، ومن ثم رفع شعار «الثورة في صندوق الاقتراع» وما أفرزه من تحوّلات في عدد من البلدان الأميركية الجنوبية، وعودة جديدة لحضور اليسار، فإن واقع الحال العربي قد سار من نكوص إلى نكوص، ومن تراجع إلى تهميش وتبديد لدور القوى اليسارية، الأمر الذي يعني أن القراءة للواقع ما زالت مغلوطة، وأن التشبث بالمنقذ الأيديولوجي ما زال مستمراً وإنْ تغيّر عنوانه.
لعل أزمة المشروع الحداثي العربي، لا تكمن في عملية الإخفاق في نصف القرن الماضي على الصعيد السياسي أو على صعيد التنمية فحسب، بل في منظومة التوجّه الثقافي. ولعلي هنا أتوقف عند فكرة أو سؤال: هل يمكن إنجاز مشروع اجتماعي تغييري حداثي من دون مشروع ثقافي حقيقي؟ وهو في جانب سياسي منه ينتسب إلى فكرة لينين بالقول «لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية»، فالبعد الثقافي في عملية التحوّل لم يكن بالمستوى الذي يتطلبه اللحاق بالمشروع السياسي أو الاقتصادي. وظلت الثقافة في حالة الهيمنة والتخلف والعزل ترفاً فكرياً في الغالب في مجتمعات تعاني الأمية والعوز وانعدام أبسط متطلبات الحياة، ناهيكم عن الافتقار إلى مقوّمات حرية التعبير، يُضاف إليها عدوان واحتلال وحروب وحصار.
لقد هيأت الثورة الفرنسية عام 1789 أساسها الثقافي في حركة واسعة وناشطة للتغيير من مونتسكيو وروسو إلى فولتير وغيرهم، وعندما انتصرت كانت البيئة الثقافية مهيأة لقبول مُثل الحرية والإخاء والمساواة، الشعارات الأساسية التي رفعتها، في حين أن التجربة العربية المعاصرة لم تستطع توفير مستلزمات التغيير الثقافي، ليتم استكمال وتطوير المنجز السياسي والسير بالتوجهات التنموية إلى حيث تهدف.
إن انهيار تجربة الموديل «النموذج» الأصل سواءً كان اشتراكياً أو قومياً أو إسلامياً، قاد العديد من النخب العربية من الموزاييك الفكري الثلاثي إلى البحث عن الأسباب الحقيقية لإخفاق المشاريع الثورية الراديكالية، بإيلاء دور أكبر للعامل الثقافي، خصوصاً باستعادة الفكر الإصلاحي لمحمد عبده، والتجديد الثقافي لطه حسين، ومحاولات نقد الفكر العربي لمفكرين من أصول يسارية قومية أو اشتراكية مثل: ياسين الحافظ وعبدالله العروي وإلياس مرقص، وتقديم قراءات جديدة ذات أبعاد ماركسية مثلما حاول إسماعيل صبري عبدالله وسمير أمين وغيرهما.
مثلما هي محاولة قراءة التاريخ العربي الإسلامي لحسين مروة ومهدي عامل وهادي العلوي قراءة انتقادية بإيلاء دور أكبر للجانب الديني (الإسلام) في ثقافة المجتمع والأمة الذي ترسخ عبر أكثر من 1400 عام، وبعيداً عن بعض المحاولات السلفية والأصولية، بل قراءة بروح العصر ووفقاً لمنطق التطور التاريخي الدولي رغم محاولات التكييف التي لم تخلُ من إرادة وتعسف أحياناً، مع الأخذ بعين الاعتبار محاولات مفكرين إسلاميين مثل: محمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين ومحمود طه والغزالي وفهمي هويدي ومحمد سليم العوّا وطارق البشري وحسن حنفي وغيرهم.
لكن انهيار الكتلة الاشتراكية دفع أوساطاً غير قليلة من اليسار الراديكالي المتشدد إلى الكفر بالاشتراكية والثورة وقيمهما بدلاً من مراجعة أسباب الإخفاق وتطوير وتجديد النظرية، وعندما أرادوا الالتحاق بالمشروع الليبرالي الجديد الذي لا يجمعه جامع مع الفكر الليبرالي، كانوا مثل الأيتام على مائدة اللئام، والأمر يشمل بعض القوميين والإسلاميين أيضاً.
إن الوعي بأهمية العامل الثقافي في عملية التغيير، يضع مسألة نقد السلطة ونقد المجتمع بما فيها النخب السياسية والفكرية من التيارات المختلفة، وسيلة لإزالة التغليف الأيديولوجي حسب اصطلاح ماركس في نقد «الأيديولوجيا الألمانية» أو وفقاً لألتوسير بحديثه عن الأيديولوجيا وأجهزة الدولة بصفتها وعياً زائفاً أو مغلوطاً، وذلك بإعطاء «المشروع الثقافي» لعملية التغيير الاعتبار الذي يستحقه كتراكم للتطور التدريجي السلمي للمجتمع والدولة والنخب الفكرية والسياسية والدينية.



1018
الثقافة والشرعية: الوعي الموروث
   


عبدالحسين شعبان
مثّلت فكرة الثورة حقبة مهمة من الوعي المعاصر، فقد كان الاعتقاد السائد أن بإمكان “الثورة” اختصار طريق التغيير والإمساك بالسلطة السياسية التي بإمكانها إنجاز التحوّل السريع والجذري، بإقصاء “العدو” والتحكّم بمسار الدولة لتحقيق مآل الثورة .

لقد حكمت هذه الفكرة نصف القرن الماضي كله تقريباً على المستوى العربي فشكلت أساساً متيناً وصلباً من أساسات الوعي العربي لشرائح وتيارات سياسية مهمة . ونسج القوميون العرب فكرهم “الانقلابي” حسب ميشيل عفلق واستناداً إلى ساطع الحصري بنقض الدولة القطرية، المستندة إلى التجزئة، في حين نقض الإسلاميون وبخاصة “الاخوان” والجماعات الإسلامية التي تلتها، العقيدة السياسية للدولة مثلما فعل حسن البنا وسيد قطب .

وتوجّه اشتراكيون عروبيون إلى نقض الدولة القطرية ذات التبعية الاستعمارية بالسعي لتلقيح الوحدة بالاشتراكية أو بالعدالة الاجتماعية، مثلما فعل قسطنطين زريق وياسين الحافظ وغيرهما بإعلان الثورة المزدوجة .

أما “الماركسيون” العرب وشيوعيو العالم الثالث عموماً فقد كانوا ورثة الثورة البلشفية التي وجدوا فيها الحل السحري لجميع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع القطري كل على حدة، فكل شيء قابل للتغيير بالثورة، وبعنفها تلغي الطبقات المخلوعة، والعنف الثوري حسب ماركس هو قاطرة التاريخ، وحسب ريجيس دوبريه هو “مضخّة التاريخ”، وازدهرت هذه الفكرة خلال الموجة الجيفارية الرومانسية في الستينات .

وتأثر بهذا المنطق الثوري الكثير من القوميين العرب، سواء، الحركة الناصرية أو البعثية أو فروع المقاومة الفلسطينية وبخاصة الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش والجبهة الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة وغيرهما وكذلك “ثوار اليمن” (الجنوبي) . وكانت تجربة ثورة ردفان قد سارت بقفزات وتطورات دراماتيكية بقياداتها “الثورية” والحالمة والانقلابية مثل سالمين وعبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وغيرهم، وبالإمكان إضافة البنبلية (بن بلا) والبومدينية (بومدين) الجزائرية أيضاً، من دون نسيان الحركة القذافية الجماهيرية الثورية و”كتابها الأخضر”، مع وقفة خاصة للتجربتين في العراق وسوريا، لاسيما وهما الأطول عمراً بين التجارب “الثورية” الانقلابية العربية، ويمكن إضافة التجربة الإسلاموية السودانية إلى ذلك .

الجامع الأساسي والمشترك لجميع هذه التجارب والتيارات الفكرية القوموية والإسلاموية والماركسيوية هو ازدراء فكرة التطور التدريجي والإصلاحي باعتباره فكراً يمينياً لا يرتقي إلى صعيد التغيير الجذري الذي تنشده هذه القوى، وصولاً للحداثة في فهمها الملتبس حسب تفسيرات القوى المختلفة . وأقامت جميع القوى شرعيتها على فكرة الثورة بإدعاء امتلاك الحقيقة والتعبير عن وجدان الشارع العربي ضد نظم التبعية والاقطاع والملكية الممالئة للاستعمار والامبريالية .

المرتكز الذي استندت إليه التيارات الثوروية  الارادوية هو “الشرعية الثورية” الذي برّر أحياناً التجاوز على الشرعية الدستورية، بل ازدرى مضمونها أو حوّلها إلى شكلانية بتطويعها لخدمة المنطق الثوروي، وذلك بتأكيد أن طريق الخلاص الأساسي والانتقال إلى المجتمع المنشود يمرّ عبر السلطة السياسية التي بإمكانها وحدها وبقدرة خارقة تحقيق عملية التغيير وتثوير المجتمع، وذلك بالاستناد إلى أداة سياسية، أي حزب أو تنظيم ثوري ليقوم بالمهمة الجليلة .

وقد استعارت الحركات القومية والإسلامية شكل وهيكلية الإدارة ودورها من الفكرة الماركسية عن دور الحزب الطليعي الذي طوره لينين في كتابه “ما العمل” العام ،1903 حين تحدث عن “حزب من طراز جديد ذي ضبط حديدي شبه عسكري”، بدحض الفكرة التي نادى بها مارتوف والتي وصفها لينين “بالمائعة” وفي ما بعد الاتجاه التروتسكي الذي وصفه ب “المغامر” وبخاصة في العهد الستاليني .

وظلت أطروحتا “الحزب الفولاذي” و”العنف الثوري” اللتين اصطفّ حولهما الماركسيون والشيوعيون “الثوريون” إضافة إلى اليساريين القوميين والإسلاميين الراديكاليين بتمييز أنفسهم عن الاتجاهات “اليمينية” في الحركة الثورية، الأرجوزة التي تتردد على الأفواه بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة والتعالي على الآخرين .

وحسب وجهات النظر تلك يستحيل تحقيق فكرة التحوّل المنشود بالوصول إلى السلطة السياسية من دون العنف الثوري، تلك المسألة التي اعتبرها لينين جوهر كل ثورة وواجب كل حزب ثوري، سواء كانت ثورة شعبية أو كفاحاً مسلحاً، أو انتفاضة مسلحة أو انقلاباً عسكرياً . وهكذا لم يكن التيار الشيوعي وحده لينينياً، بل كان التيار القومي والإسلامي لينينياً أيضاً من حيث مفهوم الحزب والعنف الثوري .

هذه هي المرحلة الأولى من الثورة “السياسية”، إذا شئنا ترميزها، أما الخطوة التالية فتبدأ من لحظة الوثوب إلى السلطة بإيلاء الاهتمام المطلوب بالاقتصاد باعتباره “التعبير المكثف للسياسة”، وتقوم هذه المرحلة على فكرة السيطرة على وسائل الإنتاج وتجريد “العدو الطبقي” من مصادر نفوذه السياسية والاقتصادية، أي بالهيمنة والتحكّم بمسار الدولة من أصغر القضايا حتى أعقدها .

وكان وصول هذه الفكرة إلى طريق مسدود بل عسير، قد اضطر العديد من الماركسيين والقوميين والإسلاميين إلى إكثار الحديث، عن “التنمية المستقلة”، لاسيما في الفترة الأخيرة في عهد العولمة لتخطي عتبة التخلف، ولمواجهة الاستكبار العالمي حسب الإسلاميين، وذلك تعويضاً عن فكرة التأميم الشامل لوسائل الإنتاج التي طبعت الغالبية الساحقة من التجارب الثورية، رغم أن الأوضاع سارت باتجاه معاكس .

ويذهب المفكر المغربي عبدالإله بلقزيز في كتابه “في البدء كانت الثقافة” إلى القول إن القوميين نظروا إلى الثورة الاقتصادية كضرورة لوجود كيان قومي عربي في إطار المعركة ضد الاستعمار، في حين أرادها الماركسيون مرحلة انتقالية صوب الاشتراكية، ولذلك أطلقوا على البلدان التي أحرزت الاستقلال السياسي “بلدان التحرر الوطني” وأنظمة التطور اللارأسمالي أو “بلدان التوجّه الاشتراكي” .

وفي تجربة الأصل والفرع، فإن المشروع التنموي  الاقتصادي الثوري، قام على فكرة التأميمات الشاملة أو الغالبة، وتعزيز دور الدولة وتحديد سقف الملكية الزراعية وتأكيد دور التنظيم السياسي “الطليعة” واستخدام الإعلام “وسيلة أساسية لنشر الايديولوجيا”، ولتصفية ايديولوجية الخصم الطبقي البرجوازي أو غير الوحدوي أو الكافر . . . إلخ، لكن فكرة التحوّل الثوري السياسي والاقتصادي حسب الأطروحات القومية والماركسية وفي ما بعد الإسلامية، رغم عدم اكتمال المشروع الإسلامي المعاصر، وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود، باستثناء سباحة باتجاه آخر ضد التيار، مثلما هي فكرة الحكومة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي والبنك اللاربوي باستعارة كتابات الإمام الخميني وخصوصاً كتابه “الحكومة الإسلامية” ومحمد باقر الصدر وكتابه “فلسفتنا” وكتابات حديثة مثل فهمي هويدي وراشد الغنوشي وحسن حنفي ومحمد سليم العوا وطارق البشري وغيرهم .

وكشفت التجربة السوفييتية الماركسية وملاحقها ومصر الناصرية وتقليداتها وإيران الإسلامية وشبيهاتها الفارق الشاسع والهوة العميقة بين إرادة التغيير الثوري والواقع الثقافي القاسي بتضاريسه ومنعطفاته .

باحث ومفكر عربي


1019
الجواهري وسعد صالح: صديقان وثالثهما الشعر!

          كان يمكن أن أستبدل كلمة «صديقان» الواردة في عنوان المقالة هذه، لأضع بدلها «كتابان.. وثالثهما الشعر»، إشارة إلى كتابي عن «الجواهري - جدل الشعر والحياة» وكتابي عن «سعد صالح - الضوء والظل - الوسطية والفرصة الضائعة».
          وقبل أن أتناول أركان الصداقة بين الجواهري وسعد صالح، أود أن أشير إلى أن الجواهري في حواراته المطوّلة معي، المنشور قسم منها في كتابي، والقسم غير المنشور والذي أعدّه للطبع، إضافة إلى مذكراته بجزئيها المنشورة في حياته، يأتي على ذكر سعد صالح في عدد من المرات ليقول بتأس: «لقد رحل وهو في عنفوان عطائه، وتفتق مواهبه وكفاءاته، لا أدري إذا كان قد رأى بعض الحقائق مثلنا! لكنني دائماً أتساءل مع نفسي، من أين أتت هذه النزعة الوسطية في مجتمع متناقض ومحتدم ومتعصب وحاد الاستقطاب».
          ويرى الجواهري ومثله كثيرون «أن ساحة السياسة والإدارة حين كسبت سعد صالح، فإن ساحة الثقافة والأدب خسرته شاعراً مبدعاً، ومثقفاً بارزاً، وتعكس لغته الجميلة ومقالاته وخطبه ونثره نموذجاً متقدماً في حينه".
          يقول الدبلوماسي والمؤرخ العراقي نجدت فتحي صفوت، في تقييمه لسعد صالح: «إن بغداد شهدت - «أي فترة الأربعينيات» - مولد شيء جديد هو الأدب السياسي، وكان سعد صالح الأديب الموهوب، والكاتب الملهم، قد عاد بعد استقالته «استقالة وزارة توفيق السويدي التي كان فيها وزيراً للداخلية» إلى جريدة الأحرار معارضاً يكتب افتتاحياتها بعقل السياسي الناضج، وقلم الشاعر الناقد، الذي أخذ البلاغة من جميع جوانبها، فكانت مقالاته حديث النوادي الأدبية قبل المجالس السياسية". ويضيف صفوت: أن سعد صالح اتصف في جميع مراحل حياته بالنزاهة والاستقامة، وكان خطيباً برلمانياً جريئاً ومعارضاً حرّ الرأي، صُلب العقيدة، ثابت المبدأ، لم يتوان عن دعوته إلى الإصلاح، وكان إضافة إلى خبرته الإدارية وحنكته السياسية، أديباً ضليعاً وشاعراً مطبوعاً، خصب القريحة، ولو لم تستأثر الإدارة والسياسة بمعظم وقته لكان له في عالم الأدب شأن كبير.
          ويعتبر المؤرخ اللبناني حسن الأمين «الحياة 18 / 2 / 1992»: أن الأربعينيات هي التي أطلقت بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي ولميعة عباس عمارة وبلند الحيدري رواد الشعر الحر، إلا أنه لم يول تأريخ تلك الفترة أية عناية، وكان الأبرز في ذلك، كسياسي بدأ نجمه يسطع شعبياً ونيابياً، باعتباره رجل مبادئ وقيم وذا كفاءة قيادية وفكرية، مضافاً إلى ذلك أنه شاعر مجيد، وكاتب متفوق، وخطيب، إنه سعد صالح.
أركان الصداقة
          صداقة الجواهري وسعد صالح أركانها عشرة:
          الركن الأول: ولادتهما ونشأتهما في عمر متقارب في النجف، المنبع الأول، حيث التمرّد الأول، والمشاكسة والتطلع للتجديد والتغيير ورفض الواقع السياسي والاجتماعي.
          الركن الثاني: دراستهما في الحوزة العلمية، لاسيما في منهجها التمهيدي المعروف باسم «المقدمات»، وبخاصة في دراسة الفقه والعلوم الدينية واللغة والعروض.
          الركن الثالث: شجاعتهما، فقد عرف سعد صالح ثائراً وكان له دور مهم في ثورة العشرين، لاسيما بنقل الرسائل بين معقل الثورة وقيادتها في النجف والفرات الأوسط وبين بغداد، واتصاله بمحمد جعفر أبو التمن ومحمد الصدر، كما كان الجواهري يومها قد عرف طريقه إلى المشاركة في الثورة، وكتابة أولى قصائده تمجيداً لها، ومثلما عُرف سعد صالح خطيباً، غير هيّاب، كان الجواهري يعتلي المنابر ليقرّع الحكام وينزل الحمم على رءوسهم، يتحدّاهم، غير عابئ بما ترتبه هذه المواجهة، وكان سعد صالح يندد بالظلم والفساد وسوء الحكم من خلال قبّة البرلمان، الأمر الذي قال عنه كامل الجادرجي زعيم التيار الوطني الليبرالي «لم أشعر قط بأني قد اتقت مع أي سياسي من حزب آخر، اتفاقي وسعد صالح في أيامه الأخيرة».
          الركن الرابع: انغمارهما في الأدب، كونهما شاعرين مجيدين، الجواهري اعتلى منصة الشعر وجلس على مقاعده الذهبية تاركاً ما سواه فناً ومزاجاً وفضاءً، وسعد صالح ظل الشعر رفيقه وصديقه، بالرغم من انغماره في عمله الوظيفي، ولعل رثاءه لنفسه كان آخر لقاء بينه وبين الشعر في قصيدة الأشباح، فكأنه أراد أن يودّع الحياة بالشعر وكان كلاهما غير هيّاب بالموت، الشبح الذي ظل يترصدهما، فالجواهري منذ الثلاثينيات اعتبر الموت كالذئب الذي يريد أن يفترسه وظل يطارده من مكان إلى آخر، في حين تمكن الموت سريعاً من سعد صالح، لكن كليهما واجها حياتهما مثلما واجها حتفهما بشجاعة، والجواهري ساوى بين الحياة والموت حين قال:
          وأركب الهول في ريعان مأمنةٍ
                                        حبّ الحياة بحبّ الموت يُغريني

          إذاً هو لم يحاول الزوغان من ذلك الذئب وكانت تتساوى عنده الحياة والموت، لاسيما لأنه يريد العيش في عز، وكما يقول الشاعر:
          لا تسقني كأس الحياة بذلةٍ
                                        بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

          أما سعد صالح فيخاطب الموت فيقول:
          وأنا وأنت مهاجمٌ ومدافعُ
                                        أنا ما اندحرتُ ولا فررتَ أمامي
          أتخافُ من طعم الردى فتعافه
                                        لا تخشَ فهو ألذّ كل طعام
          الركن الخامس
: بالرغم من أن الجواهري وسعد صالح عاشا في بيئة منغلقة، فإنهما كانا تقدميّين في نظرتهما للحياة ويتطلعان للتجديد والتغيير، بل يطربان لكل تطور، وهكذا كانا يميّزان في نظرتهما الإيجابية إلى المرأة ودورها وحقوقها، فضلاً عن مواقفهما من القضايا الاجتماعية، لاسيما تأسيس مدرسة البنات في النجف العام 1929، وكانا ثورة على العادات والتقاليد السياسية والمتخلفة.
          الركن السادس: اصطدما مع المؤسسة الدينية التقليدية ونبذا الطائفية والتزمّت، وبالرغم من حب النجفيين والعراقيين عموماً لهما، فإنهما لقيا توجساً من المؤسسة الدينية الثيوقراطية، لاسيما مطالبتهما بالتحرر وتوعية المرأة ومساواتها، وفي الوقت الذي كان فيه الجواهري راديكالياً، كان سعد صالح أميل إلى الوسطية والاعتدال مع تمسكه الشديد بحقوق المرأة، وكان قد بدأ مع أهل بيته في الدعوة إلى السفور، كما تذكر ذلك كريمتاه الأستاذتان سلمى ونوار، وهو ما يؤكده، نجله المحامي لؤي سعد صالح.
          الركن السابع: ميلهما إلى العدالة الاجتماعية، وإذا كان الجواهري أقرب إلى اليسار وغنّاه ومجّده بقصائده، فإن سعد صالح ساهم في تدعيمه عملياً بإجازة أحزاب يسارية، لاسيما حزب الشعب برئاسة عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني برئاسة عبدالفتاح إبراهيم، إضافة إلى أحزاب وطنية وقومية مثل الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة الجادرجي وحزب الاستقلال برئاسة محمد مهدي كبة، أما حزب الأحرار فقد أصبح سعد صالح رئيسه بعد استقالة الوزارة العام 1946، وهو الحزب الذي خرج من معطف الحكومة ليرتدي زي المعارضة الوطنية. ورغم أنه لم يجز حزب التحرر الوطني واجهة الحزب الشيوعي، الاّ انه منح ترخيصاً (واقعياً) لعصبة مكافحة الصهيونية التي كانت تحت قيادة الشيوعيين.
          الركن الثامن: التحدّي كان جامعاً لهما، وحتى عندما كان سعد صالح في الوزارة أو نائباً أو محافظاً، فقد كان يطرب لقصيدة الجواهري ذات الرنين العالمي والتحدي الكبير، ومَن يدري ما كان يخفيه عن أنظار السلطة، فقد يكون مشجعاً له، لاسيما وهو يحرّك في نفس سعد صالح إيقاع المواجهة والتحدي، الذي كان يستجيب له، وهو الأمر الذي قيّمه الجواهري على نحو عال.
          الركن التاسع: هو انغمارهما في العمل الصحافي، فقد كانت المقالات التي يكتبها سعد صالح في افتتاحيات حزب الأحرار أو لجريدة الزمان أو لغيرهما مؤثرة، وهي حديث المجالس الأدبية والثقافية، كما جرت الإشارة إلى اقتباس من المؤرخ حسن الأمين، ونجدت فتحي صفوت الدبلوماسي والكاتب، وهو ما يوثّقه أيضاً المؤرخ والباحث مير بصري وغيرهم، كما كانت مقالات الجواهري ودور جريدة الرأي العام مؤثرة جداً في الحياة السياسية والثقافية العراقية.
          الركن العاشر: حبّهما للذائذ الحياة ومتعها وللسفر وللاطلاع، وباختصار، فإن «الجواهري وسعد صالح» وإنْ سعيا للخلود، لكنهما لم يكونا يريدان أن تفلت لحظة من بين أيديهما، وأرادا أن يغرفا من الحياة ما استطاعا ولكن بإباء وكبرياء.
تناقضات الأصدقاء
          أما تناقضهما فيعود إلى أن سعد صالح سلك طريق الوظيفة في حين اعتلى الجواهري سلّم الشعر، ربما يعود الأمر أيضاً إلى أن سعد صالح تخرّج في كلية الحقوق، وكانت الوظائف آنذاك تساعد على إحداث التغيير، في حين اتجه الجواهري للجمهور، فقرّع الحكام وتنابز معهم، واختار الشعر طريقاً للحياة وربما للتغيير، لاسيما بعد تجربته المريرة مع ساطع الحصري عندما تم تعيينه، ثم فصله من وظيفته التعليمية، وكذلك شعوره وهو في البلاط الملكي 1927-1930 بالضيق ورغبته في الإمساك بجناح الحرية، لاسيما أنه كان قد اتجه لنشر قصائد غزل مكشوف، كانت سبباً في إحراج الملك فيصل الأول، ولعل قصيدة «جربيني» التي ذاع صيتها كان قد نشرها العام 1929.
          كان الجواهري راديكالياً جذرياً، وقد رافق عبدالفتاح إبراهيم في تأسيس حزب الاتحاد الوطني العام 1946، والحزب الجمهوري عام 1960، ومنظمة أنصار السلام في بداية الخمسينيات، وحركة الدفاع عن الشعب العراقي بعد انقلاب 8 شباط ( فبراير) 1963، أي أنه كان أقرب إلى الوسط اليساري بالرغم من أنه وضع مسافة بينه وبين اليسار، وكانت كلمته كالسيف، وموقفه يثير مواقف الآلاف، وهو ما عبّر عنه فهد زعيم الشيوعيين بالقول: هاتوا انتفاضة يغرّد لها الجواهري.
          أما سعد صالح فقد انضم مع توفيق السويدي إلى حزب الأحرار الذي قيل إن نوري السعيد شجع على تأسيسه، وأصبح السويدي رئيساً له وسعد صالح نائباً للرئيس، وبعد استقالة أو إقالة السويدي أصبح سعد صالح رئيساً للحزب، الذي أعطاه نكهة وطنية مستقلة، فاستدار به من موقع السلطة إلى موقع المعارضة، لكنه ظلّ متوازناً ومعتدلاً في أطروحاته بالرغم من نقده الشديد للسلطة، لاسيما لقمع الحريات، ولم يتردد من النقد الشديد لنوري السعيد وأتباعه.
          هناك ثلاثة أصدقاء يتفقون ويختلفون، وإذا كانت جوانب الاتفاق والاختلاف بين شخصين كالجواهري وسعد صالح قد تحدّثنا عنها، فالصديق الثالث كان المشترك بينهما، وكان ولاؤهما له بحكم شيطانه الذي يحلق فوق الرءوس وملكوته الذي يسلب الألباب، إنه الشعر الجامع، والصديق الصدوق لمبدعين كبيرين، حيث كان الشعر صديقهما الثالث الذي استطاع أن يجمع بينهما، في حين أنهما افترقا في المسار والمصير، على أن أحدهما لم يتخلّ عن الآخر ولا عن الموقف المشرّف تجاه الآخر في كل المواقف والظروف. وسبق وأن أثرت ما ذكره لي الشاعر الجواهري في حوار نشرته في كتابي"جدل الشعر والحياة" عن صداقته مع سعد صالح.
          كان اعتماد الجواهري على سعد صالح كبيراً، إذ إنه يذكر أن الجو السياسي كان مملوءاً بالنفاق والتزلف والخضوع لأصحاب المراتب العليا، وهي أجواء لم يألفها سعد صالح، بل كان يستاء منها، وعندما ألف قصيدته «طرطرا» للاستهزاء والتهكّم من الساسة الملفّقين، استثمر وجود صديقه سعد صالح كما يقول لنشر القصيدة، التي أصبحت لها شهرة كبيرة.
          ولو عدنا إلى القصيدة على ما فيها من استهزاء، فقد استثمرها الوصي على العرش لتهديد بعض السياسيين، لاسيما وهو لم يحرّك ساكناً واستغل القضية للمناورة ضد خصومه، وذلك لتوافقها مع ما تحمله من ازدراء واستخفاف ببعضهم، فكان يهددهم بها بالقول: «أتسكتون أم ترغبون في طرطرا»؟ بتهديدهم بكشف أوراقهم.
          وكان الجواهري هو الآخر حريصاً على الحفاظ على صاحبه، ويذكر الجواهري أنه عندما ألقى قصيدة « القسم» في ذكرى أربعين جعفر أبو التمن بحضور كبار المسؤولين في الحكومة فيما بعد، أثارت تلك القصيدة ضجة كبرى على الشاعر، خصوصاً وأن رئيس الوزراء نوري السعيد اعتبرها موجهة، ضده، لاسيما بعد أن اضطر المسؤولون الى ترك الاحتفال، فما كان من «صديقي سعد صالح إلا أن عرض علي أن أذهب معه إلى بيته للاستراحة أو القيلولة إدراكاً منه للعواقب المحتملة جراء غضب الحكام ونقمتهم بسبب القصيدة»، ويقول: وبالفعل ذهبت معه فافترش لي فراشاً نظيفاً في صالون الزوار، لكني لم أتمكن من النوم فانتفضت مرتدياً ملابسي وغادرت بيته إلى بيتي الواقع في محلة الجعيفر في الكرخ أيضاً، فقلق علي الرجل وهاتفني مستفسراً ومطمئناً، فقلت له: يا أبا لؤي أنا مغامر طيلة حياتي وأتوقع كل شيء، وإذا اختفيت عندك اليوم أو عند غيرك غداً فماذا سيكون بعد غد؟
          يقول الجواهري في رثاء أبو التمن:
          قسماً بيومك والفرات الجاري
                                        والثورة الحمراء والثوار

          إلى أن يقول مندداً بـ«الدولة» العراقية
          خمسٌ وعشرون انقضت وكأنها
                                        بشخوصها خبرٌ من الأخبار

          ضقنا بها ضيق السجين بقيده
                                        من فرط ما حملت من الأوزار

          ولعل الاثنين الجواهري وسعد صالح وصلا إلى حد اليأس من إمكان التغيير في العراق، وإذا كان سعد صالح قد اختتم حياته وودّع أحباءه بقصيدة الأشباح التي يؤكد من خلالها على النظرة التشاؤمية إلى المستقبل، فإن محمد مهدي الجواهري وصل إلى المستوى نفسه من اليأس في تلك الأيام حتى أنه قال فيها:
          ولم يبق معنى للمناصب عندنا
                                        سوى أنها ملك القريب المصاهر
          وكانت طباع للعشائر ترتجى
                                        فقد لوّثت حتى طباع العشائر

    أما سعد صالح فقد قال:
أبوارق الآمال والآلام       لعلك تكشفين ظلامي
         وأكاد اليوم، حين أذكر هذا الترابط بين الطرفين أشعر وكأنها الصداقة الصحيحة والحقيقية التي تبدأ بالاحترام بين الفريقين، فإنْ فصلت بينهما دروب السياسة، فإن وحدة المشاعر بقيت القوة الجامعة لهما حتى اليوم بالرغم من الممات، ولعل نبع الشعر كان ملاذاً لكل منهما ينهل منه ما يريد!
عبد الحسين شعبان
 






1020
ندوة عن "العراق بعد لبنان: تجربة الحكم التوافقي" في مركز عصام فارس
شعبان: التوافقية في العراق وصلت إلى طريقٍ مسدود
عبد الجبار: الفيدرالية ليست تجزئة للبلدان بل للسلطة

نظَّم مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية ندوة عن "العراق بعد لبنان: تجربة الحكم التوافقي" بمشاركة الخبيرين العراقيين في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الحسين شعبان والدكتور فالح عبد الجبار رئيس معهد العراق للدراسات الإستراتيجية، في حضور النائبة في البرلمان العراقي السيدة ليلى الخفاجي ووفد من مؤسسة الإمام الحكيم في لبنان برئاسة السيد علي الحكيم وعددٍ من الناشطين العراقيين والمهتمين اللبنانيين.
 بداية كانت كلمة لمساعد مدير المركز ميشال أبو نجم أشار فيها إلى أن تداعيات نتائج الإنتخابات الأخيرة في العراق أظهرت إشكاليات مماثلة لتلك التي برزت في لبنان بعد انتخابات 2009، وأبرزها الخلاف حول مبادئ تشكيل الحكومة والجدل حول مفهوم الأكثرية والأقلية، وعدم قدرة أي فريق على تشكيل حكومة أكثرية كلاسيكية بسبب تمركز المذاهب والإثنيات والتفافها حول نفسها وتالياً عدم توفر خيارات سياسية متعددة، وذلك في إطار تجربة الفدرالية بين المجموعات.
 
شعبان
الدكتور عبد الحسين شعبان اعتبر أنَّ التوافقية في العراق وصلت إلى طريقٍ مسدود لأن التوافقية مرحلة انتقالية ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، إذ إنها ستتحول إلى محاصصة وتكون سبباً من أسباب البلاء في العراق إذا لم يتم الوصول إلى المواطنة واحترام جميع مكونات الشعب العراقي. ورأى أن القواعد التي بُني عليها الدستور العراقي الفيدرالي خاطئة، لأنَّ في الدساتير الفيدرالية يخضع القانون الإقليمي للقانون الإتحادي في حين أنَّ الأمر معكوس في العراق. وأضاف أن في الفيدراليات يكون التمثيل الديبلوماسي موحداً، أما في السفارات العراقية فهناك وحدة "لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية"، ما يعتبر سفارةً داخل السفارة.
وانتقد أيضاً الدستور العراقي معتبراً أنه كتب على عجل وبتأثير خارجي تحت إدارة رئيس مجلس الحكم السابق بول بريمر مشيراً إلى ان المسودة الاولى كتبها أستاذ القانون في جامعة هارفرد نوح فيلدمان الذي وصفه بالصهيوني.
وأكد شعبان أن هناك اختلافاً كبيراً بين الوضعين اللبناني والعراقي لأن العراق ما يزال تحت الإحتلال على الرغم من وجود اتفاقيةً امنية. وأشار إلى أن لا يمكن الحديث عن السنة او الشيعة في شكل مطلق، لأن هناك تنوعاً سياسياً واحزاباً داخل كل من السنة والشيعة، لافتاً إلى أن الوضع الكردي يختلف لأن الأكراد يشكلون قومية لطالما امتهنت حقوقها من قبل السلطات العراقية. ورأى إنَّ الإيجابية الأبرز في الوضع العراقي هي في تكريس مبدأ الإنتخابات على الرغم من وجود الإحتلال وثغرات وتجاوزات وانتهاكات.
وشدد شعبان على أن هناك ملفات عالقة وألغاماً سياسية قد تنفجر في أي لحظة، مشيراً إلى ان الخطر الأول هو استمرار الإحتلال الأميركي لأن واشنطن لن تنسحب في شكلٍ كامل من العراق وستبقي على حوالي خمسين ألف جندي وقواعد عسكرية حتى بعد العام 2011 الموعد المقرر لاستكمال انسحاب الجيش الأميركي. وقال إنَّ الخطر الثاني هو الطائفية لأنَّ المشروع الطائفي ما زال قائماً، معتبراً أنَّ نتائج الإنتخابات التشريعية والعدوانية في التصريحات تعبير عن الإحتقان الطائفي الذي قد ينفجر في أيّ لحظة. وأضاف أن الخطر الثالث يتعلق بالميليشيات المنخرطة في المؤسسات الأمنية مما ينعكس سلباً على الوضع السياسي ويساهم في تفجير الوضع، وذلك على الرغم من أن حكومة نوري المالكي ساهمت في تحسين الوضع الأمني.
ولفت شعبان إلى ضعف المواطنة وهذا ما أدى إليه نظام صدام حسين الشمولي الذي ضرب المؤسسات المجتمعية واستكمل ذلك مع تخريب الدولة تحت الإحتلال الأميركي وحل الجيش مما جعل المجتمع من دون مرجعية، وتم اللجوء تالياً إلى المرجعيات الدينية والعشائرية. وأشار إلى مشكلة استشراء الفساد في ظلِّ سعي أمراء الطوائف إلى الحصول على أكبر قدرٍ ممكن من الإمتيازات، مؤكداً أن نهب المال العام وابتلاع المؤسسات بات ظاهرةً خطيرة.
وعدد شعبان ثلاثة معضلات عانت منها الدولة العراقية منذ تأسيسها هي المشكلة الكردية وسياسات التمييز الطائفي وضعف التركيبة الدولتية. وقال إن مشكلة الأكراد أدت إلى توترات كثيرة وثورات وتفاعلت مع الأوضاع الدولية والإقليمية لتصل إلى الحال الراهنة. وذكَّر بأن قوانين الجنسية العراقية التي كانت معتمدة استند إليها نظام صدام حسين لتهجير مئات الآلاف من المواطنين، كما حصل في العام 1980 حين تم تسفير نحو نصف مليون عراقي إلى إيران.
 
عبد الجبار
الدكتور فالح عبد الجبار أكد من جهته أنَّ الفيدرالية ليست تجزئة للبلدان بل للسلطة لافتاً إلى أن شدة المركزية تؤدي إلى نقيضها وإلى أنَّ الكثير من الدول المتعددة اعتمدت النظام الفيدرالي.
ورأى أن محاولة تصوير قائمة "العراقية" التي ترأسها رئيس الحكومة السابق إياد علاوي على انها تمثل السنة فحسب فاشلة لأن هناك ناخبين شيعة منحوا أصواتهم لها، معتبراً أن المناطق السنية صوتت بكثافة لعلاوي لأنه علماني. وأضاف أن التصويت الكثيف لرئيس قائمة "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي عائد لطرحه بناء دولة القانون والوطنية العراقية وميله إلى المركزية.
وقال عبد الجبار إن النظام الإنتخابي الحالي المستند إلى المحافظة كدائرة انتخابية في ظل وجود غالبياتٍ طائفية من لون واحد في معظم المحافظات دفع إلى أن يكون الصراع في داخل الطوائف والقوميات وإلى أن يصبحَ التنافس قائماً على برامج سياسية، لافتاً إلى أن الإسلام السياسي بدأ يفقد بريقه في العراق. ورأى أن الوظيفة الطائفية للنظام السياسي في العراق انتهت، وأن على الرغم من أن البرلمان ستكون فيه غالبية شيعية لكن هذه الغالبية تضم أطيافاً سياسية متنوعة كالليبراليين والمعتدلين والإسلاميين، مؤكداً أن الجانب السلبي في الطائفية يكمن في أنها تقمع التنوع في داخل الطائفة في حين أنَّ الجانب الإيجابي يتمثل في كون الطائفية جرس إنذار للأخطاء في المجتمع، مشدداً على استحالة قمع التنوع في المجتمعات بسبب عوامل عدة اقتصادية واجتماعية وثقافية... وأضاف أن تفكك النظام السياسي في العراق أدى إلى إمساك الطوائف بالسلطة واقتسامها منبهاً من أن نجاح إحياء أي كتلة طائفية في الحكم سيؤدي إلى الإنفجار مجدداً.
وعرض عبد الجبار لبعض أسباب وصول العراق إلى الوضع الحالي من التفكك فأشار إلى أن العمل السياسي انتقل من الإستناد إلى الإيديولوجيا (الماركسية، القومية، الليبرالية...) التي سادت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي إلى سياسات الهوية Identity Politics التي تصل فيها المجتمعات إلى تفتت داخلي. وأضاف أن في العراق كما في الإتحاد السوفياتي سابقاً بدأ حزب البعث يضعف ويتفكك كأداة هندسة اجتماعية مما أدى إلى استبداله بالعشائرية والمؤسسات الدينية وإلى تفكيك الطبقات الوسطى التي لجأت هي الأخرى كما الدولة إلى العشائر والتدين. ولفت إلى أن الإجتياح الاميركي للعراق حصل بعدما كان المجتمع منهاراً بالكامل تحت وطأة الحصار الذي فُرض على العراق على إثر حرب "عاصفة الصحراء" في العام 1991، فتفككت الدولة وتشظى المجتمع في ظل غياب الاحزاب والنقابات فتصاعد نفوذ المؤسسات الدينية والقبائل والعشائر.
وقال عبد الجبار إن الثقافة السياسية تبدلت عموماً في العراق والمنطقة العربية إذ انحسر الخطاب الحداثي والعقلاني وتراجع دور القوى اليسارية والعلمانية ومن أسباب ذلك صعود الإسلام السياسي والهويات الدينية خاصةً بعد انتصار الثورة الإيرانية.
وأبدى اعتراضه على مبدأ استعمال العنف لمقاومة الإحتلال وتحقيق التغيير مشدداً على أهمية العمل اللاعنفي ودور الفكر والعلم في تحفيز الإرادة الشعبية لمقاومة المحتل والتغيير السياسي.
 

1021
الوصل والفصل بين العالمية والخصوصية

عبدالحسين شعبان
منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان وقضية حقوق الإنسان تشغل حيّزاً مهماً من المناقشات الدائرة على الصعيدين السياسي والفكري، سواء في إطارها القانوني أو الاجتماعي، باعتبارها إحدى ركائز التقدم البشري، والتي يقاس تقدّم أيّة أمّة أو شعب أو جماعة بمقدار احترامها للإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية .

ولم تعد قضية حقوق الإنسان تقتصر على علاقة الأفراد والجماعات بالدولة ومؤسساتها، بل امتدّت إلى العلاقات الدولية والمنظمات العالمية والإقليمية، خصوصاً وأن مبادئ حقوق الإنسان أصبحت مع مرور الأيام قاعدة آمرة وملزمة من قواعد القانون الدولي المعاصر، كما يقال في اللاتينية Jus Cogens، وأخذت تكتسب بالتدريج دوراً أكبر، خصوصاً بتعاظم دور الفرد باعتباره أحد أشخاص القانون الدولي بعد الدول والمنظمات الدولية .

لقد اهتمّت جميع الأديان بالإنسان، وكان خاتمتها الدين الإسلامي، من خلال خطابها الإلهي المقدس الذي يمثل القيم الإنسانية، لكن القضية وجدت طريقها إلى النظم والقوانين الوضعية التي هي انعكاس للعقل البشري ولتفسيرات وتأويلات الإنسان في مراحل تطوره المختلفة، وبخاصة إزاء مواقفه من الصراع الاجتماعي، لاسيما عبر الآليات التي تطورت مع مرور الأيام .

وبقدر الاهتمام بقضية حقوق الإنسان والتعاطف معها على صعيد الإسلام فكرياً ونظرياً، إلاّ أنها كانت القضية الأكثر إثارة للجدل والنقاش، بل والاختلاف والتناقض، لا على صعيد التطبيق وحسب، بل في المنطلقات والتبريرات وبعض الأسس أيضاً، خصوصاً في جوانبها التفسيرية والتأويلية، لاسيما استخدامها وتوظيفها لأغراض بعيدة عن جوهرها، وبما يخدم الجهات السائدة والمتنفّذة .

وإذا كان هناك إجماع، أو ما يشبه الإجماع، على مسألة حقوق الإنسان بحيث لم يعد بمقدور أحد معاداتها صراحة وعلناً، أو إدارة الظهر عنها كلياً - حتى من الزاوية الشكلية أو النظرية - إلاّ قلة متخلفة تريد أن تعلن عن نفسها باعتبارها خارج نطاق الزمن، فإن التعارض والتناقض في مفهوم حقوق الإنسان يصل أحياناً إلى مديات بعيدة، أي عبر قراءات مختلفة من جانب القوى الدولية المهيمنة من جهة، ومن جانب الحكومات المتسلّطة من جهة أخرى، فضلاً عن قراءات خاصة للجماعات المتعصبة والمتطرفة وللقوى الشمولية “التوتاليتارية” .

لقد كانت قضية حقوق الإنسان جزءاً أساسياً من الصراع الايديولوجي والإعلامي والثقافي إبان فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، من حيث زاوية النظر والتناول ودائرة الاهتمام والمصالح للقوى المتصارعة، لكنها أخذت بُعداً جديداً بانهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي، خصوصاً لدى بعض مفكري الغرب، ونظرتهم السلبية إلى الإسلام السياسي .

وفي بؤرة الصراع الايديولوجي والدعائي ظهرت عشرات بل مئات من الكتب والأبحاث والدراسات التي تشكّل صناعة فكرية ضد الإسلام في إطار الموجة الثانية من الحرب الباردة، التي اتخذت الإسلام عدواً مُعلناً . وقسم من هذه المؤلفات والتأسيسات احتوى على مغالطات باتت مفضوحة وتأويلات لا تخلو من فجاجة لبعض الأحكام الإسلامية وتضمر نوعاً جديداً من الكراهية والعداء .

ولعل ما احتواه كتاب صموئيل هنتنغتون الموسوم “صدام الحضارات” وقبله كتاب “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما وما أعقبهما من أطروحات ومسوّغات ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، بما فيها بيان المثقفين الستين الامريكان، خير دليل على المنهج المتشدد إزاء العدو الجديد، ونعني به “الإسلام” .

بالمقابل فإن قضية حقوق الإنسان - سواءً بجانبها الفكري (الفلسفي) أو القانوني (الحقوقي) أو اعتباراتها العملية (الممارساتية) - شكّلت منطقة جدل وتشابك في الساحة السياسية والثقافية العربية والإسلامية، فالقراءة الإسلامية أو الإسلاموية المنطلقة من عمومية النص الديني تسمح باستخلاص معان متعددة ومختلفة أحياناً، وتصل إلى درجة التناقض والتعارض، في بعض الأحيان لاسيما آراء وفتاوى بعض المفسرين والمؤولين، ليس على الصعيد الديني وحسب، بل على الصعيد العلماني أيضاً .

فالديمقراطية بقراءة منحازة تصبح مرادفة للشورى، و”أهل الحل والعقد” هو المفهوم المرادف للبرلمانات، وفي قراءة أخرى تصبح الشورى بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، بل تعارضها في المنطلقات وفي الأساليب ناهيكم عن المنهج . أما القراءة الثالثة فتعطي للشورى والديمقراطية منطقة للاتفاق وأخرى للاختلاف، وكذا الحال بالنسبة لمبدأ سيادة الشعب أو الأمة الذي يقف مقابله “حاكمية الله”، أي نفي اعتبار الإنسان مصدراً للتشريع بوضع النص الإلهي مقابل حكم الاغلبية الذي توفره الأنظمة الديمقراطية، كوسيلة لاختيار الحكام من جانب المحكومين .

وهكذا يصبح الفقه الإسلامي، الذي هو العلم بالأحكام الشرعية العملية والمكتسبة من أدلتها التفصيلية متساوقاً أو متعارضاً مع ما توصلت اليه الدولة العصرية، من خلال القراءات التأويلية المختلفة، لتأكيد الانسجام أو التعارض بين الإسلام وحقوق الإنسان . أما النظرة التقليدية التي تعتبر الشريعة محور حياة المسلم وأساسها العقيدة والوحي لا العقل، فتؤكد تفوقها على جميع القوانين الوضعية التي تعتمد العقل كمحور للحقوق والتفكير استناداً إلى تفسير النص المقدس (القرآن الكريم والسنة النبوية) .

ومقابل القراءة المتشددة والمتعصبة فإن بعض التفسيرات والتأويلات يقدّم قراءة متسامحة ومنفتحة للنص الإسلامي، مع واقع تطور الفقه القانوني الدولي لقضية حقوق الإنسان العالمية . فالإسلام دين وحداني، حيث يؤكد على وحدة الله والجنس البشري . إن الله مطلق ولا يتغير، بينما البشر يتغيرون ويغيّرون مواقفهم وآراءهم ونظراتهم إلى الكون والطبيعة والتطور .

ورسالة الإسلام عالمية، بمعنى أنها لا تخاطب المسلمين وحدهم، بل تخاطب “بني البشر”، حتى إن كلمة “المسلم” فيها تعبير عالمي، فهي لا تدلّ على قومية أو عرق أو جنس أو لون أو منحدر اجتماعي أو طبقي أو اتجاه سياسي أو فكري . والناظم في الإسلام هو القرآن والسنة النبوية اللذين يخضع لهما الحاكم والمحكوم على حد سواء، وذلك من سمات “الدولة القانونية” في المفاهيم الدستورية المعاصرة، وهو الذي يؤكد مبدأ الوصل بين العالمية والخصوصية، لاسيما إذا كان المشترك الإنساني يشكّل الأساس في زاوية النظر، عندها يصبح الفصل بالضد من التطور التاريخي للمجتمع البشري المؤلف من حضارة كبرى يتم في إطارها التنوّع والتعددية، ويفترض أن تقوم على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل للخصوصيات القومية والدينية واللغوية والتاريخية وغيرها .

 

باحث ومفكر عربي


1022
أرمينيا وسيمفونية المبارز!


عبدالحسين شعبان

2010-04-19
يُطلق على أرمينيا وعاصمتها يريفان بلد الورد والشمس، فالزهور تنشر عطرها في كل مكان، والشمس لا تغيب عنها مدة 340 يوماً من السنة. وهذا البلد الذي كان ضمن السلطة السوفييتية منذ مطلع العشرينيات تمكّن من إحراز الاستقلال في العام 1991، والانضمام إلى الأمم المتحدة العام 1992.
ورغم مآسي الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها تاريخياً، فبلدهم يجسّد الفرح والجمال ويُعرف بـ«المتحف في الهواء الطلق" لكثرة التماثيل التي تنتشر في الشوارع والساحات العامة والمنتزهات والحدائق التي تطوّقه وتتغلغل فيه، كما ترسم صخور يرفان صورة المدينة الوردية، لاسيَّما في مركزها الرئيسي. ويقرّ الأرمن ويعترفون بفضل الكاتب المعروف والمخلّد خاجادور أبوفيان في اكتشاف اللغة الأرمينية الجديدة، وذلك في القرن التاسع عشر.
كأن العالم كلّه قد تواطأ على إسدال الستار على المجازر التاريخية التي تعرّض لها الأرمن طيلة نحو قرن من الزمان، ولعل مؤتمر ديربن عام 2001 حول العنصرية، كان قد استعاد مسألة اعتذار المستعمرين عما تسبّبوه من آلام وأذى للشعوب المستعمَرة، ناهيكم عن أعمال الإبادة والقمع والاضطهاد، الأمر الذي شجع الأرمن وجهات دولية -لأغراض مختلفة- على مطالبة تركيا بالاعتذار.
ورغم أن الأرمن في إطار الدولة العثمانية كانوا يعيشون مثل غيرهم من الشعوب والأمم والأديان -لاسيَّما الأقليات- إلاّ أن ما حصل لهم منذ العام 1895 على يد السلطان عبدالحميد ولاحقاً على يد طلعت باشا وأنور باشا وصولاً إلى المجزرة الكبرى في العام 1915، واستمراراً حتى العام 1922، يعتبر الأسوأ في تاريخ أرمينيا.
وإذا كان الحديث عن التاريخ ضرورياً فالهدف هو الاستفادة من عبره ودروسه وتقييمه، ولعل هذا الأمر لا يستهدف أية إساءة لتركيا، لاسيَّما مواقفها الإيجابية، خصوصاً التي تتخذها اليوم في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية، فهذا الأمر شيء والبحث في التاريخ شيء آخر، وفي تاريخ كل أمة ثمة نواقص وثغرات وعيوب لا بدّ من الإقرار بها والاعتذار عنها.
كانت أولى المجازر ضد الأرمن هي المجزرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف منهم في العام 1895، وفي العام 1909 كانت مجزرة أضنة هي الأبشع، حيث سقط فيها الآلاف أيضاً، أما مجزرة العام 1915 فقد كانت الأسوأ على الإطلاق، حيث قتل فيها على نحو جماعي مئات الألوف من الأرمن بعد أن تم تجنيد الرجال للحرب العام 1914 بدون سلاح، وللقيام بأعمال خدمية، ثم بُوشِر بقتل المتميّزين من العلماء والأطباء والكتّاب والمثقفين وأصحاب الاختصاصات، والأكثر من ذلك كان كل شيء قد تم بصمتٍ ودون احتجاجات تُذكر.
وخلال الحرب وما بعدها حصلت مذابح كثيرة، منها معركة الجزء الشرقي التي حصلت في 26/5/1918 وراح ضحيتها الآلاف أيضاً، واستمرت المجزرة حتى العام 1922، ولكن بتواطؤ أكبر هذه المرة، حين انضمت أرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان يرغب في تسوية علاقته مع تركيا، فتم التنازل لها عن جبال آرارات الشهيرة وأصبح نهر أراكس عند أقدام سلسلة الجبال هو الحد الفاصل لأرمينيا وتركيا، كما تقول الرواية الأرمينية. ولا تزال الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، إذ لا يمكن الوصول إلى تركيا من أرمينيا إلاّ عبر جورجيا التي تربطها بأرمينيا علاقات متميّزة، ولا تزال علاقة أرمينيا بروسيا جيدة جداً، مثلما أن علاقتها طيبة مع إيران.
ظل الأرمن يعانون بصمت ويكبتون مشاعرهم، ولعل مشكلة الجيل الثالث أنه ما زال يبحث في بطون التاريخ والكتب عن أقارب أو أجداد لهم، وعن كل خيط يربطهم بالماضي، إذ إن السياسة والمصالح الدولية لعبت دورها، فلم يرخّص لهم باستعمال كلمة الجينوسايد (الإبادة الجماعية) إلاّ في أواسط الستينيات، رغم مجازر الأناضول وفان وارضروم وساسون وديار بكر وغيرها، إلى أن تم بناء مجمع رمزي للضحايا في العام 1965، علماً بأن الأرمن أسهموا بتفانٍ وإخلاص في "بناء الاشتراكية"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسلوا نحو نصف مليون جندي دفاعاً عن "الاتحاد السوفييتي" السابق.
سألت مرافقتي الجميلة (أرمينه): هل لديكم نوستالجيا (حنين) إلى الماضي، رغم أنها لا تتذكر شيئاً عنه لأن عمرها 31 عاماً، فأجابت أن الكبار وحدهم هم من يعيشون على الذكرى لأن حياتهم كانت سهلة وظروفهم الاجتماعية بسيطة وبعض المستلزمات مؤمنة، والغالبية أقرب إلى الكسل منها إلى الإبداع والمنافسة الفردية المشروعة، فضلاً عن شحّ الحريات والنظام الشمولي. مرافقتي قالت بعد سؤالي عن الجمال الأرميني إن الأرمينيين بسبب الاختلاط والتزاوج اكتسبوا بعض الملامح الجديدة، فبعد أن كان الشكل الغالب للنساء قبل عقود من الزمان هو: الشعر الأجعد والقوام الأشقر والأنف الكبير والعنينان الزرقاوان، أصبح اليوم أقرب إلى خليط جميل ومتجانس من تعاشق ملامح وأمم وحضارات وثقافات متنوعة، ولعل ذلك ما أعطى هذه الملاحة للوجوه المشرقة.
لا أدري لماذا تذكّرت شخصيتين عراقيتين أثيرتين، الأولى هي الجواهري الشاعر الكبير الذي كان يتغزّل بالكونياك الأرميني (آرارات.. وأصل الكلمة أشوري)، وأتذكر أنه في كل مرة يتذوقه كان يقارن ذلك بالكونياك الفرنسي (غورفازية ونابليون وريمي مارتين)، مشيراً إلى أن هذا الكونياك هو 7 نجوم، وكان يدعو عامر عبدالله ويدعوني لتناول كأس صغيرة قبل الظهيرة لفتح الشهية كما يقول، وبالمناسبة فهذا الكونياك كان يفضّله رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل على غيره، وكان ستالين الزعيم الروسي قد أهداه عدّة صناديق منه. وبالمناسبة فمعمل آرارات تم بناؤه العام 1877 وهو أرميني– فرنسي. وكان مؤسسه نيرسين تايربان.
أما الشخصية الثانية فهو آرا خاجادور أحد أبرز القيادات العمالية النقابية الشيوعية في العراق، وظل بُعده الوطني متميّزاً رغم حنينه للماضي واعتزازه بقوميته الأرمينية، لكن أمميته جعلته يغضّ النظر عن ارتكابات السلطة السوفييتية، ناهيكم عن اعتقاده أن قضية الأرمن لا يمكن حلّها إلاّ بتحقيق الاشتراكية، وما زال القائد الشيوعي العراقي حيّاً ويعيش في براغ ويرفض الاحتلال الأميركي لبلده.
ثمة أسماء أرمينية كانت مؤثرة عالمياً وذات شهرة كبيرة، لعل أبرزها وأهمها على الإطلاق هو الموسيقار آرام خاجودوريان، الذي ينتصب تمثاله أمام دار الأوبرا، ولا أدري لمَ قفزت إلى ذاكرتي سيمفونيته الشهيرة رقصة المبارز sword، وقد يعود الأمر إلى مشاهدتي لتمثال أمّ أرمينيا (وهي تحمل سيفاً كبيراً دلالة على أنها أمّ مقاتلة)، حيث نُصب هذا التمثال في المكان الذي كان ينتصب فيه تمثال ستالين الذي أزيح العام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، حيث ألقى نيكيتا خروشوف تقريره الشهير. أما الاسم الثاني فهو انستاس ميكويان نائب رئيس مجلس السوفييت الأعلى، وأتذكر زيارته إلى العراق العام 1959، وأخوه هو آرام ميكويان مصمم طائرة الميغ الشهيرة مع اليهودي غوريان.
أرمينيا التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق لم تسلم من المشاكل حتى الآن، ولم تتخط عتبة الماضي بسهولة، ولا يزال الكثير من التحديات تواجهها، ففي الفندق الذي أقمت فيه وكانت الاجتماعات الأساسية للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تنعقد فيه، واجهتنا تظاهرة تندد بأعمال القمع واغتيال عدة نشطاء في مارس 2009، وقد بادرنا بالمشاركة فيها، الأمر الذي أغضب بلدية مدينة يريفان التي ألغت حفل العشاء المقام على شرف المؤتمر. وبالمناسبة فالفيدرالية الدولية تعقد مؤتمرها الـ37، وهي منظمة حقوقية تأسست العام 1922 في باريس وتضم في عضويتها 155 منظمة من 115 بلداً.
قبيل إعلان استقلال أرمينيا عانت من حروب وتعرض الأرمن إلى عقاب جماعي قرب باكو (أذربيجان)، ودامت الحرب أربع سنوات حتى تم وقف إطلاق النار العام 1992 بين أرمينيا وأذربيجان وناغورنو كاراباخ (الذي يتمتع باستقلال واقعي De facto ويبلغ عدد نفوسه 170 ألف نسمة).
الدولة الجديدة التي كانت جزءا من الصراع العثماني- الفارسي أصبحت جزءا من الدولة السوفييتية، وهناك أجزاء منها في تركيا، واجهت كوارث طبيعية غير قليلة، فبعد أن اشتهرت بالصناعات الكيماوية تعرضت لزلزال ضخم راح ضحيته 25 ألف أرميني، وذلك في 7/12/1988، مثلما عانت من حروب، وتعاني حالياً من بطالة ومن قلّة الأجور والموارد، إذ إن الحد الأدنى لا يتجاوز 200 دولار في الشهر، الأمر الذي يجعل التنمية تحت مخالب كثيرة منها الفساد المالي والإداري والتهديدات الخارجية والشعور بالقلق إزاء المستقبل. ولكن أما آن الأوان للاعتراف والاعتذار للأرمن عما تعرضوا له تاريخياً!


    

1023
كاظم حبيب: النقد الشجاع والاختلاف الجميل*

                                                                                         عبد الحسين شعبان

لم أكن أتصور أن الصديق كاظم حبيب (أبو سامر) قد بلغ الخامسة والسبعين  من عمره الى أن وصلتني رسالة من لجنة التكريم تطلب مني المساهمة في الكتابة عنه، ولعل تلك المبادرة نبهتني الى أننا نكبر دون أن نشعر بذلك، الى أن يأتينا من يحسسنا بتلك الحقيقة. وهذه المرّة كان الشعور بتقدم السن أمراً مفرحاً وليس محزناً، فالمحتفى به ما زال " شاباً" بمعايير العمل والنشاط والتفكير، وما زال مُنتجاً، بل انه في سنواته الأخيرة ازداد حيوية، لدرجة أنه أصبح يكتب كل يوم تقريباً.
وقد يعود ذلك الى شعوره بأن فرصته في العطاء ما تزال خصبة، ولأن الجيل الجديد يحتاج الى خبرته وتجربته، وما رسى عنده وما تركه يفلت من بين أصابعه لا بدّ أن يضعه في متناول الجميع. ولعلي وأنا أتابع نشاط د.كاظم حبيب، استذكرت نشاطه الاول يوم أشرف على تنظيمات الطلبة في أواخر الستينات من القرن الماضي، حيث كان في الظهيرة الساخنة من صيف بغداد يجوب شوارع وأزقة بغداد وهو الاستاذ الجامعي آنذاك، وكانت مساهماته الأولى، لاسيما كتابه مع الدكتور مكرم الطالباني بخصوص قانون الاصلاح الزراعي لعام 1969 هي الأبرز.


ــــــــــــــــــ
* كلمة أرسلت الى الحفل التكريمي الذي يقيمه أصدقاء ومحبو الاقتصادي  والكاتب البروفسور كاظم حبيب الذي سينظم في برلين يوم 17/4/2010 .

كاظم حبيب مثل غيره من القياديين الشيوعيين كان مندفعاً بإخلاص لتأسيس الجبهة الوطنية مع حزب البعث العام 1973، وكان شديد الحماسة لها، ولذلك أصيب بإحباط وخيبة أمل شديدة، عندما انهارت الجبهة فاندفع بالاتجاه الآخر، ولعله كان أحد ضحاياها الأوائل يوم اعتقل وعذّب في العام 1978، واضطر الى مغادرة العراق متوجهاً الى الجزائر للتدريس في جامعاتها، ومنها الى كردستان للمشاركة في الكفاح المسلح وحركة الأنصار، التي راهن عليها كثيراً .
ويبدو لي أن الوسط الشيوعي والماركسي واليساري بشكل عام، لاسيما المعتدل منه كان اول ضحايا النظام الحاكم في بغداد، مثلما كان الوسط البعثي، الميّال الى التعاون الوطني أكثر ضحايا حزب البعث نفسه، فقد ساهم صعود نجم صدام حسين في ضرب الاتجاهات المعتدلة في الحزبين، الأمر الذي سهّل مهمة بعض المغامرين في وضع الامور باتجاه القطيعة، وبخاصة حين تورط النظام بشن الحرب على إيران في العام 1980 وفيما بعد إثر غزو الكويت العام 1990، مُنزلاً بالبلاد كارثة وطنية كبيرة، وبخاصة عند تصفية جميع الهوامش  وإغلاق جميع النوافذ التي قد يصل منها أو يتسرب صوت آخر غير الصوت المهيمن، حيث سارت البلاد باتجاه تعسفي شمولي لا نظير له، وتمركز حكم أقلي ضيق، أُخضع فيه حتى حزب البعث نفسه لأجهزة المخابرات، التي تسلّطت على الدولة والمجتمع وجميع مرافق الحياة، وتحوّل حكم الحزب الى حكم الطغمة ومن هذه الى حكم جهوي، عائلي، حيث تربع شخص واحد فوق الجميع، وأمسك بيده جميع المسؤوليات والصلاحيات، حتى وقعت البلاد تحت الاحتلال.
كان كاظم حبيب، لاسيما بعد اندلاع الصراع داخل الحزب الشيوعي في أواسط الثمانينات مندفعاً ومتحمساً ضد الاتجاه الآخر، الذي ساهم بحملات شديدة ضده، بما فيها المقاطعة الاجتماعية واتخاذ إجراءات زجرية وتهديدية ضده، الأمر الذي جعله مهيئاً ليصبح أميناً عاماً للحزب بحكم ما أبداه من اندفاع وشدّة في التصدي للتوجه السائد، وقد فوتح بذلك في ظل توازن القوى الجديد، لكنه فضّل البقاء على عضويته من الاحتفاظ ببطاقة القيادة، خصوصاً وقد شعر بإحباط شديد، لاسيما وأن الصراع داخل القيادة كان قد اتخذ مسارات جديدة ومتباعدة.
وبشجاعة امتاز بها قام كاظم حبيب بنقد نفسه وتجربته، لاسيما بعض مواقفه إزاء بعض رفاقه وأصدقائه، وهي شجاعة وجدت الكثيرين يفتقدون اليها، ومارس ذلك علناً سواءً مع أصدقاء أو أمام محافل وتجمعات في ندوات أو غيرها، وأتذكر ما قاله في حفل تأبين وتقييم أعمال الراحل هادي العلوي في امستردام، الذي ساهمنا به د. حبيب ونصر حامد أبو زيد وكاتب السطور وكان نقده لنفسه مصدر ارتياح لدى أوساط غير قليلة، وسبق لي أن أشدت بهذا الموقف أكثر من مرّة، لاسيما في مطارحات نشرتها مع بعض القياديين الآخرين.
لا يهم إن أخطأ الانسان، فكلنا بشر وكلنا نخطئ، ولكن المهم أن يتنبّه الانسان الى أخطائه ويقوم بتصحيحها، مقدماً نقداً ذاتياً هو الأجدى والأجدر به، خصوصاً إذا كانت أخطاءه غير صميمية، لاسيما إذا توفّرت لديه معلومات جديدة أو معطيات مختلفة، فيمكن للمرء أن يعيد النظر بمواقفه، بل ويخالفها أحياناً ويخطئها، متخذاً موقف المثقف الماركسي، الناقد لنفسه.
إذا كان نقد الماضي مسألة ضرورية، فلعل التفكير في المستقبل هو المسألة الأكثر أهمية، بما فيه من استشراف وآفاق. لا يكفي أن نقول أن فلاناً لم يغيّر آراءه، لا بمعنى الثبات في المنهج أو الصلابة في الرأي، لأن ذلك سيكون ثناءً باطلاً حسب فيكتور هوغو، لأن ذلك يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمّق الفكري، لاسيما بتوالي الأحداث.
لعله سيكون مثل الثناء على الماء الراكد أو على شجرة ميتة، لأن الذين لا يغيّرون آراءهم لا يفعلون شيئاً.. إنهم يتحولون الى أصنام لا يتأثرون بالحياة المتحركة، فكل ما حولنا يتغيّر فيكف لنا السكون، والحياة فيها الكثير من المنعرجات والتضاريس، وهي لا تسير بخط مستقيم أو تقبل الجمود والتحجر، انها متواصلة ومتراكبة ومتخالقة.
إذا كنت أخاطب حفلكم الكريم في ألمانيا ومعكم العزيز د. كاظم حبيب، فلنستذكر فريدريك نيتشه الذي كان يقول على المرء أن يغيّر أفكاره مثلما تنزع الحية جلدها. وعلينا حسب شيخ الماركسيين فردريك انجلز، إعادة النظر بستراتيجيتنا عند كل اكتشاف لسلاح حربي، فما بالك والحياة متغيرة ومتفاعلة ومتطورة. السكون والثبات دليل عجز وتقهقر وتراجع .
ورغم كل الادعاءات بالانفتاح وقبول الرأي الآخر والاعتراف بالتعددية، نحن بحاجة الى حوار حقيقي، والحالات التي يفرزها الحوار تتمثل في حالة الامتلاء وحالة التحقق وحالة الدلالة، ومن خلال المعنى الامتلائي، التحققي نصل الى الدلالة، مقابلة أو مقارنة أو مقاربة. الحوار يمثل حالة حضور وهو نقيض الفراغ، وهو استحقاق مترتب من خلال الحوار مع النفس والحوار مع الآخر والحوار بين الفرد والمجموعة وبينه وبين المجتمع، وتكمن وظيفة الحوار في البحث عن الحقيقة، وأحياناً يكون الحوار تعبيراً عن وجهات نظر متعددة الأصوات، داخل الفرد وداخل كل جماعة وفي كل مجتمع.
أظن أن المحتفى به هو من هذا النوع، الذي أخذ يقبل الحوار والنقد رغم أن الثقافة السائدة لا تقبل النقد الذاتي في الكثير من الأحيان، بل إن التبرير والمكابرة وادعاء امتلاك الحقيقة هي العناصر السائدة في غالب الأحوال، وأعتقد أن كاظم حبيب قد يكون تمكّن من تجاوز ذلك أو بعضاً منه، لأنه جمع بين نهجه الاكاديمي وثقافته الحزبية القديمة بما فيها من إيجابيات والتزامه العقائدي، وفي الفترة الأخيرة بين انفتاحه وعلاقاته الجديدة، وكل ذلك وفّر له، لاسيما بعد انتهاء عمله المسلكي – الحزبي والروتيني فسحة من الحرية، للمراجعة والنقد، والشجاعة الادبية التي قد تحرج آخرين.
*   *   *
تعرفت على الدكتور كاظم حبيب منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان، واقتربنا من بعضنا في بعض الفترات، لكنني لم أعمل معه في إطار الحزب، وإنْ كنّا قد سافرنا سويّة لزيارة البوليساريو في العام 1981 والتقينا في كردستان والشام وتعددت لقاءاتنا في ألمانيا والقاهرة ولندن وغيرها، وأستطيع القول أن كاظم حبيب رغم اختلافي معه في السابق والحاضر، في التوجهات والمواقف السياسية والكثير من الجوانب الفكرية، الاّ أنه يمتاز بخلق رفيع وكرم مميز وشجاعة واضحة، وتلكم لعمري صفات انسانية تمثل المشترك القِيَمي لبني البشر، وأضيف الى ذلك انه كان مخلصاً ومنسجماً مع نفسه، حتى وإن اختار طريقاً وقام بمعارضته بنفس الدرجة الى تحمّس له فيها.
قد لا يكون أمر هذه المطالعة مناسباً لاحتفالية يستحقها الدكتور كاظم حبيب، الذي قدّم الكثير وحاول أن يجتهد وكتب وناظر وحاضر وجادل وانقلب واختلف، الاّ أنني أعرف أن صدر أبا سامر أوسع وارحب، لاسيما في السنوات الأخيرة، حيث قدّم هو مثل هذه المقاربات، ولكي يكون الحديث جديًّا أكثر ويتسم بالنزاهة والموضوعية، فربما تلك المواصفات التي أذكرها لا تنطبق عليه وحده، فجيلنا القلق المضطرب عاش الكثير من المتناقضات وهو ما ينطبق على الكثيرين، ولا أستثني نفسي من ذلك بهذا الشكل أو ذاك، زيادة أو نقصاناً، لكنني من موقع الصديق والناقد أقول أن الاختلاف لا يفسد في الود قضية، لاسيما إذا كان الاخلاص هو ديدن المختلفين.
العمر المديد لأبا سامر الورد، وتمنياتي له بالمزيد من العطاء والحيوية والصحة، ولأحلامنا المشتركة فضاء أكثر رحابة، وعلاقات ذات بُعد انساني، وإذا كان كل ما يحيط بنا مدعاة للتشاؤم فلعل الأمل وحده هو الذي يلهمنا هذه القدرة العجيبة على المواصلة. التشاؤم لا يعني اليأس، لكن ادراك ما نحن فيه أمرٌ لا غنى عنه لنقد تجاربنا وممارستنا ليس إزاء الماضي حسب، بل إزاء الحاضر بكل مأساته وانسداد آفاقه، ذلك أن نقد أفكارنا، لاسيما تلك التي طوّح بها الزمن وتجاوزتها الحياة، مسألة حيوية للوضعية النقدية الجدلية للتجديد والتغيير على صعيد الحاضر والمستقبل .
المهم هو الصدق مع النفس والتمسك بالحوار وصولاً للحقيقة.
ولنحترم اختلافنا الجميل،
وكاظم حبيب أحد الصادقين في محاولة نقد أنفسهم، سواءً أخطأ أم أصاب.
العمر المديد للشاب كاظم حبيب 
وتحية لاحتفالكم ومبادرتكم القيمة.




1024
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (24) ملكوت السماء وملكوت الأرض
                                                                                       عبدالحسين شعبان
2010-04-12
شغل ماراثون الصراع الفكري بين الماركسيين والمتدينين القرن التاسع عشر والقرن العشرين كله، لاسيَّما بعد أن قادت الحركات الماركسية أنظمة اشتراكية، وخاصة بعد ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 وما بعد الحرب العالمية الثانية في عدد من دول أوروبا الشرقية، ثم في الصين وبعض دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً أن موقفها من الدين والإيمان الديني كان سلبياً، مثلما كانت مواقف رجال الدين مسيحيين ومسلمين ويهود وغيرهم كل منها كان معادياً للآخر. لكن ثمة إرهاصات قليلة وخافتة ظلّت تبحث في جوهر الموقف الماركسي من نقد الدين، لاسيَّما أن ماركس لم يقدم أطروحة متكاملة على هذا الصعيد، بقدر استفادته من فيورباخ، الذي نادراً ما تتناوله الأدبيات الماركسية.
وباستثناء كتاب ماركس عن المسألة اليهودية، فإنه لم ينصرف إلى دراسة الدين أو تقديم أطروحات ومساهمات تُذكر بخصوصه، اللهم إلا إذا اعتبرنا تأثيرات فيورباخ عليه. وإذا كان هذا يتعلق بالجانب النظري (الفكري) فإن الجوانب العملية شهدت صراعات حادة وخصومات شديدة مع التيار الديني. وتوقفت في كتابي تحطيم المرايا لأسلط الضوء على الفهم الخاطئ والملتبس للعبارة الشهيرة «الدين أفيون الشعوب» سواء من جانب بعض الماركسيين الذين فسّروها ضد الدين أو من جانب أعدائهم الذين استثمروها باعتبارها الموقف الماركسي وعلى لسان ماركس من الدين، وهو ما لم يقصده ماركس على الإطلاق.
ولعل ما ساد في وقت متأخر حول إمكانية التحالف بين الماركسيين والمتدينين لم يتم في إطار مراجعة شاملة من الفريقين، بقدر ما كان يحمل في ثناياه إقرارا بواقع أليم، هو أن كلا منهما لم يستطع إلغاء الآخر، رغم محاولات التهميش والإقصاء والاستئصال، فضلا عن ذلك فإن كلا منهما لم يستطع أن يحقق ما كان يطمح إليه، لاسيَّما الانفراد بالساحة، ومع ذلك فإن ما حصل حتى الآن لم يكن أكثر من آمال أو أمنيات لم تجد طريقها إلى الواقع إلا في ظروف محدودة وعلى نحو محدود، الأمر الذي يطرح المسألة على بساط البحث مجدداً.
وإذا كان كاسترو قد بحث هذه العلاقة بين الماركسية والدين، لاسيَّما في السبعينيات وبشكل خاص في الثمانينيات، فثمة فراغات فكرية وعملية، لا تزال بحاجة إلى جهد مثابر وعمل طويل الأمد للوصول من الطرفين إلى الهدف المنشود، إذ إن المسألة لا تتعلق بالماركسيين فحسب، بل بالمتدينين أيضاً, الذين لا ينبغي عليهم الصراع على «الآمال والأحلام» الماورائية الغيبية بقدر ما عليهم دراسة الواقع والبحث عما يعانيه الإنسان من بؤس وظلم واستغلال، انطلاقاً من مقاربة نظرية فكرية ومصالح سياسية واجتماعية واقتصادية راهنة تخص البشر الذين يعيشون على الأرض, وليس في مملكة السماء، لهذا اقتضى أن يحتفظ كل فريق بما لديه من آمال وأمنيات تبشيرية بالخلاص على طريقته دون إرغام أو إكراه الطرف الآخر على الإيمان بها.
فالماركسيون يقولون إن المجتمع الشيوعي سيكون الأكثر سعادة, حيث لا وجود للطبقات والاستغلال، وسينعم البشر «كل حسب طاقته وحسب حاجته»، أما المتدينون فيقولون إن مملكة الأرض زائلة، والباقية هي مملكة السماء، حيث العالم الآخر الأكثر عدلاً وسلاماً وسعادة، والأرض مجرد دار فناء، في حين أن السماء هي دار استقرار.
ولهذا فإن ترك أو تأجيل مسألة الاختلاف على ملكوت العالم الآخر الآتي سيضع مشكلات الأرض أمام استحقاقاتها، أما ملكوت المستقبل فهو ما زال برحم الغيب، ولن يوصل الصراع حوله أياً من المتدينين أو الماركسيين إلى أي نتيجة تذكر.
المهم البحث في إشكاليات ومشكلات عالم اليوم، حيث النضال المشترك والمصالح المشتركة للفقراء والكادحين، الذي هو الحقل الفعلي والمساحة الحقيقية الممكنة للعمل والتعاون وحتى للصراع، أي ترك مشكلات عالم السماء والبحث في مشكلات عالم الأرض، التي تواجههم يومياً، لأن التمسك بالصراع حول عالم الغيب لن يقرّب بين المظلومين بقدر ما يشتت نضالهم.
لقد اصطدم الحزب الشيوعي الكوبي الذي توحّد مع حركة 26 يوليو مع الكنيسة والابرشيات بعد الثورة وتوّلد انطباع لدى الطرفين بأن صراعهما حتمي واستئصالي، ولذلك حُرما من رؤية رحبة بعيداً عن اللاهوت، إزاء قضايا الحاضر والمستقبل وسعادة ورفاه البشر.
وإذا كان قد حدث تطور مهم في رؤية الكنيسة في أميركا اللاتينية، لاسيَّما لدى المجمع المسكوني في الفترة بين 1962-1965 والتي قادتها إلى أن تلعب لاحقاً دوراً مهماً في لاهوت التحرير، فإن النقاش الذي دار بين كاسترو ومحاوره بيتو عام 1985 عكس رؤية ماركسية جديدة إزاء الموقف من الدين دون مجاملة أو مداهنة أو تنازل، ولكن في إطار قراءة وضعية نقدية للواقع دون تصغير من حجم الآخرين أو تضخيم بالذات. وكان بيتو قد قضى مع كاسترو 23 ساعة عمل كرّسها لرؤيته حول الدين.
إذا كانت هناك جوانب متطورة في هذه الرؤية الجديدة، فإن الكثير من الأحزاب الشيوعية والتيارات الماركسية لا تزال بعيدة عن هذه المراجعة الضرورية، إما تشبثاً بالماضي وإما تجنباً لفتح هذه السيرة وإما مداهنة لتيار إسلامي صاعد في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وفي بلدان آسيا وإفريقيا من جانب المتدينين.
لم يكن كاسترو وحده هو الذي درس في المدارس اليسوعية، فقد كان شقيقه راؤول رئيس الدولة حالياً هو الآخر قد درس على أيدي رهبان مسيحيين ويسوعيين في مدينة سانتياغو دي كوبا، وقد حضر -حسبما يقول- من القداسات ما يكفيه لبقية العمر، لكنه لم يبق على إيمانه بالكنيسة، لكنه يعترف أنه حافظ على مبادئ المسيح، وهو لا ينكر هذه المبادئ ولا يجحد حقها. يقول راؤول كاسترو: إن مبادئ المسيح تمنحني أملاً في الخلاص والثورة، إنها تطرد الأغنياء من الجنة خالي الوفاض وتهب الخبز للفقراء، وهو ما ذكّرني بالباحث العراقي هادي العلوي الذي تحدث عن الفلسفة التاوية مشبهاً لاوتسة بالمسيح وأبي ذر الغفاري وماركس، وحسب رأيه فإن المسيح يعتقد أنه لا مكان للأغنياء في الجنة «إنه لأسهل أن يدخل جمل في ثقب إبرة من أن يدخل غني ملكوت السماوات»، التي لا يمكنها أن تستوعبهم.
هل تتعارض الحياة الروحانية مع الحياة الدنيوية المادية؟ وهل هناك ضرورة لاعتزال العالم، واعتزال الحياة اليومية، تحت حجة التأمل والانصراف للاتصال بالخالق، في صومعة خاصة بدير أو أبرشية أو مسجد أو جامع أو خلوة مع النفس ومع الله. لعل هناك نوعاً من القداسة، فبركات الروحانية التي تظهر كمرايا إيمانية لاتباع طريق الحق والعدل، سواءً كانت تجلياً أم انصرافاً لاهوتياً، هي ذاتها التي لا تفصل عن قضايا ومشكلات الحاضر.
وإذا أردنا الحديث عن اللاهوت الخاص بالأناجيل، فهناك لاهوت متى ولاهوت مرقص ولاهوت لوقا ولاهوت يوحنا، ويعني اللاهوت فيما يعنيه انعكاسا للإيمان في نطاق واقع معين. وإن الذي ميّز لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية هو الوجود الجمعي لملايين من الجياع بعيداً عن الشخصانية، وهذا اللاهوت اكتشف أهمية وضرورة اللجوء إلى العلوم الاجتماعية، بما فيها الاستفادة من الماركسية، إذ إن الخوف من الماركسية كما يقول بيتو كان أقرب إلى الخوف من الرياضيات، لأنك تشك أنها ربما تأثرت بفيثاغورس، ولا يمكن لأحد في عالمنا المعاصر أن يتحدث عن التناقضات الاجتماعية دون أن يعزو بعض التقدير للمفاهيم التي بلورها وصاغها ماركس.
كان البابا يوحنا بولس الثاني قد استعار من ماركس عندما تحدث عن التوترات الطبقية والظلم الاجتماعي في رسالته البابوية عن العمل المتفاني الإنساني، والبابا هو نفسه الذي حاول محمد علي أغجا الذي ادعى أنه المسيح اغتياله في تركيا 1981 (كتابنا: قرطاجة يجب أن تدمّر، دار صبرا، نيقوسيا- دمشق، 1985)، واتهمت بلغاريا حينها بتنظيم عملية اغتياله في حملة دعائية وأيديولوجية شعواء، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحلل المنظومة الاشتراكية، اتضح بطلان تلك الحملة وتم إسدال الستار على القصة بكاملها وقد أنهى أغجا مدة محكوميته في ظرف غامض ليطلق سراحه بعد سجنه 20 عاما.

           


1025
فضاء الثقافة القانونية وحكم القانون
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

ان الحديث عن قيام دولة المؤسسات لا يستقيم بدون الحديث عن حكم القانون، ولعل هذا الأخير يعتبر مدخلاً أساسياً ولا غنى عنه لاستكمال مسيرة الاصلاح والتحديث والتنمية، وما تزال مجتمعات البلدان النامية ومنها بلداننا العربية تعاني من ضعف الثقافة القانونية والحقوقية فيما يتعلق بحكم القانون، وغالباً ما تتم مقاربة الشأن العام بعيداً عن ذلك، الأمر الذي يطبع الممارسات الحكومية وسلوكيات الحكام بالطابع الفردي والتسلطي على حساب أولوية المؤسسات التي يحكمها القانون.
وحتى جامعاتنا ومراكز الابحاث والدراسات المنتشرة في العالم العربي لم تولِ الجهد الكافي للارتقاء بفكرة حكم القانون بما تستحقه من اهتمام رغم كثرة الحديث عن التحولات الديمقراطية وقضايا الاصلاح والتقدم والتنمية والمشاركة وتداولية السلطة والانتخابات واستقلال القضاء، ولعل كل تلك المفاهيم تظل ناقصة بدون مقاربات جدّية ومسؤولة للتمسك بحكم القانون، باعتباره القاعدة التي يمكن الانطلاق منها الى فضاءات المعرفة القانونية والحقوقية والديمقراطية.
إن معظم الدراسات والأبحاث المتداولة في العالم العربي أو التي يتم الاستناد اليها، ظلّت تدور في الإطار النظري أو التنظيري، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار، الواقع الذي نعيشه وتعقيداته، ومتغيّراته، ولهذا السبب فإن بعض المقاربات بقيت معزولة أو محدودة التأثير.
وقد تعود المسألة الى حداثة نشؤ الدولة العربية وحداثة مؤسساتها، ناهيكم عن ضعف هياكلها الادارية وتراكيبها الدستورية، التي حالت حتى الآن دون قيام حكم القانون، لاسيما بوجود كوابح اعترضت طريق انطلاقتها، سواءً كانت هذه الكوابح اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، أو ما يتعلق بالموروث الديني الذي يتم توظيفه سلبياً في الكثير من الأحيان، فضلاً عن التهديدات الأمنية التي تعرضت سواءً في مرحلة الاستعمار أو ما بعد مرحلة الاستقلالات، في الخمسينات والستينات وبخاصة منذ قيام اسرائيل العام 1948، الأمر الذي بحاجة الى ترسيخ البناء القانوني وتعزيز الهياكل القانونية وتحديث القوانين، وتأكيد استقلال القضاء ونزاهته وتأكيد مبادئ المحاكمات العادلة، لاسيما اعتماد العدالة الجنائية في إطار منظومة حقوق الانسان.
ومثل هذا الأمر يحتاج الى جهاز اداري كفوء ونزيه، ومشاركة واسعة من المجتمع المدني والقطاع الاهلي وقطاع الأعمال، في رسم السياسات الحكومية والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملية التنمية، كما يتطلب قيام مجالس تمثيلية ذات صلاحيات تشريعية ورقابية.
وقد جاءت مبادرة تأسيس المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة منذ مطلع الألفية الثالثة والذي دخل خطته الستراتيجية الثانية (2010-2014) كمحاولة لسد بعض النقص الفادح في هذا المجال ولنشر وتعزيز الثقافة الحقوقية والقانونية فيما يتعلق بحكم القانون، من زاوية توضيح معالم وأبعاد المفهوم، ثم دراسة تجارب الرصد والقياس للاداء وفقاً لعدد من المعايير، اختار المركز أن يبتدئ بها في مرحلته الاولى وشملت قطاعات أساسية وهي البرلمان والقضاء والاعلام، وقد اختيرت عيّنة من البلدان العربية بغية استكشاف الطريق والتأسيس لآليات معتمدة علمياً ومستندة الى الخبرة والكفاءة، ليتم بعدها توسيع نطاق الدراسة لتشمل نختلف البلدان العربية.
   يعتبر حكم القانون حجر الزاوية في الدولة العصرية، لأنه الخيط الرابط للعلاقة بين مؤسسات الدولة من جهة وبين نظام الحكم فيها من جهة أخرى، ويتجسّد هذا المفهوم بخضوع المحكومين والحكام لحكم القانون، ولعل ذلك واحداً من التحديات التي تواجه بلداننا، لاسيما تحقيق مبادئ العدالة والمساواة والمشاركة واحترام وحماية حقوق الانسان، وصولاً لتحقيق التنمية المستدامة بمعناها الانساني الشامل، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وحقوقياً.
ان تعزيز حكم القانون يعني تعزيز حكم المؤسسات، وحكم الجماعة حيث لا يكون الحاكم سوى ممثلاً عنها لإدارة الشؤون العامة، ويمكن استبداله وتغييره بشكل سلمي وفقاً لانتخابات دورية على أساس تداول السلطة. وبهذا المعنى فحكم القانون يقود الى الحكم الصالح، والعلاقة بينهما طردية، فكلما تعزز حكم القانون تعزز الحكم الصالح والعكس صحيح أيضاً، ومثل هذا التواؤم سيقود الى تعزيز العملية التنموية. وكلما كان القانون حامياً لحقوق الانسان والمعايير الدولية التي أقرّها المجتمع الدولي، فإنه سيضفي مسحة من الانسجام مع القواعد الدولية، إضافة الى أنه سيعزز من قوتها المادية والمعنوية، لاسيما إذا اقتنع المجتمع بها وتبنّاها.
لا توجد حتى الأن وثيقة دولية أو ميثاق أو بروتوكول يحدد ما الذي نعنيه بحكم القانون ويوضح أبعاده، وإذا جادل البعض بوجود الشرعة الدولية لحقوق الانسان، التي تقوم على الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 والعهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران عن الجمعية العامة العام 1966، واللذان دخلا حيّز التنفيذ العام 1976، وهناك من يضيف اليهما بروتوكولين دوليين ملحقين، الاّ أن مشروع مدونة دولية لحكم القانون لم يتبلور حتى الآن، حيث تبقى الحاجة ماسة وملحّة اليها كوثيقة مستقلة.
وهنا لا بد من تأكيد بعض المبادئ فأولاً لا بدّ من وجود قانون وهذه مسألة بديهية، لنتحدث عن حكمه، وهذا القانون لا بدّ أن يكون منشوراً ومعلوماً ومستقراً، وثانياً السعي لتنفيذ هذا القانون بشكل فعّال وسليم، وثالثاً توفير امكانات لتحديثه وتطويره في ضوء المساحات المستجدة والمتغيرات الضرورية، ورابعاً يفترض أيضاً أن يكون القانون عادلاً ومنسجماً مع الاتفاقيات والقوانين الدولية والشرعية الدولية لحقوق الانسان، وهو طموح للانسجام بين القوانين الوطنية والقوانين الدولية، ولعل مثل ذلك يتطلب وجود قضاء مستقل ونزيه وحيادي وفعّال ويضمن تطبيق القانون لتحقيق العدل والحق.
إن واجب النهوض بالثقافة القانونية العربية يتطلب وجود هيئات أو مجالس تشريعية منتخبة ورفع مستوى الاداء والجودة والخدمات القانونية والقضائية، وتأصيل مفهوم الشراكة الديمقراطية، وترسيخ أسس الادارة الصالحة القائمة على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص في القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني، وخطة واسعة لمحاربة الفساد المالي والاداري باعتباره آفة خطيرة تعرقل جهود الاصلاح وتهدر المال العام وتقوّض انجازات التنمية.




1026
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (23) الاشتراكية والإيمان الديني

عبدالحسين شعبان

2010-04-05
سأل الكاردينال سيلفا هرناندز الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عمّا إذا كان الكتاب المقدس الذي قدّمه إليه هدية قد أغاظه، فأجاب كاسترو: "ولماذا؟ هذا كتاب عظيم، قرأته ودرسته في الصبا، وسأستعيد العديد من المسائل التي تثير اهتمامي" لعل هذا ما ينقله محاور كاسترو فراي بيتو عن علاقة كاسترو بالدين ورؤيته للإيمان الديني والموقف من الاشتراكية، خصوصاً وهو يستعرض أحاديثه إلى الرهبان في تشيلي (نوفمبر 1971)، التي كان قد قرأها وهو سجين سياسي في ساو باولو (البرازيل) عندما كان يقضي حكماً بالسجن لمدة 4 سنوات تتعلق بالأمن الوطني.
كان كاسترو قد زار الكاردينال هرناندز زيارة بروتوكولية في سانتياغو؛ حيث كانت كلماته تتردد عن أن "في الثورة هناك عوامل معنوية تغدو حاسمة" وأن الحاجة الموضوعية لشعوبنا لأن تحرر نفسها، وهذه الحاجة تخص المسيحيين والشيوعيين، الذين عليهم أن يتحدّوا من أجل هذا الهدف، ولفت كاسترو النظر وهو يتحدث إلى رجال الدين التشيليين إلى أنه درس في مدرسة كاثوليكية ومع اليسوعيين، الذين وصفهم بأنهم أناس جادون منضبطون، صارمون، أذكياء، ذوو عزيمة قوية، وأردف: لقد قلت هذا دائماً وأقول لكم فيما بيننا إن هناك تشابهاً عظيماً بين غايات المسيحيين وبين تلك التي يسعى إليها الشيوعيون، أي: أن من بين تعاليم المسيحية: التواضع والزهد والإيثار وأن تحب جارك، وبين ما يمكن أن ندعوه فحوى وحياة ونشاط الثوري (انظر: كاسترو والدين، حوارات مع فراي بيتو، مصدر سابق، ص 13-14).
وحول علاقة الدين بالسياسة يقول كاسترو: إن السياسة في عصرنا دخلت في مجال يقترب من الدين، فيما يتعلق بالإنسان واحتياجاته المادية، ونستطيع أن نقارب الوصايا العشر: لا تقتل، لا تسرق، لا تكون أنانياً، لا تستغل الآخرين... إلخ، هناك توافق إذاً بين المسيحية والشيوعية أكثر من 10 آلاف مرة مما بين المسيحية والرأسمالية، ولعله بذلك قصد الجوانب الأخلاقية والروحية والمُثل الإنسانية، خصوصاً إذا استثنينا الموقف من الملكية الخاصة ودورها.
لا ينفي كاسترو أن الإيمان الديني لم يُغرس فيه أبداً، لكنه كان يحترم المقدسات الدينية، ويعتقد أن الدين مُحرّف على أيدي الطبقات الرأسمالية المستغلة؛ حيث وظّفته لصالحها وجعلته في خدمتها، فهناك دين ملاك الأراضي والأثرياء، وهناك دين الفقراء والمستلبين.
لعل الشيء المتقدم الذي كان كاسترو قد طرحه ومنذ وقت مبكر هو الذي يتعلق بالتحالف الاستراتيجي وليس التكتيكي بين المسيحيين والشيوعيين "نحن مع أن نكون حلفاء استراتيجيين، ما يعني أن نكون حلفاء دائمين". وكان كاسترو يردد ألا حاجة لوجود أي تناقض بين الثورة الاجتماعية ومعتقدات الناس الدينية، وحرصت الثورة الكوبية على ألا تقدم نفسها كمعادية للدين.
وبخصوص المسيح كان كاسترو يعتقد أن المسيح ثوري عظيم وأن عقيدته هي لصالح الفقراء وضد الظلم والتعسف وإذلال الإنسان، ولعل ذلك هو المشترك الإنساني الذي يجمع بين تعاليم الدين وبين تعاليم الاشتراكية.
هل ينقسم الناس إلى متدينين وغير متدينين، أي إلى مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وإلى شيوعيين واشتراكيين، أم ثمة قسمة أكثر عدلاً، حين يمكن تقسيمهم إلى ثوريين وغير ثوريين حسبما استخداماتنا السابقة، وإلى من هم مع الاستغلال والقهر ومن هم ضده، بغض النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم؟
بودي هنا أن أقول إن الكثير من الحركات الشيوعية والماركسية ارتكبت أخطاء جسيمة عندما بشّرت على نحو ساذج بإلحادية مدرسية نزقة، ما جعلهم "غرباء" إلى حدود معينة في مجتمعاتهم رغم تضحياتهم الكبيرة، لاسيَّما عن جمهور الفقراء الذين يدّعون أنهم يمثلونهم. وهذا هو ما استذكرته في كتابي "تحطيم المرايا.. في الماركسية والاختلاف، حوار: خضير ميري، الدار العربية للعلوم، بيروت 2009" حين استعرضت كتاب المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي "العودة إلى الذات" والمتعلق بموقف اليسار الماركسي من الدين.
ورغم أن شريعتي يشيد بدور الماركسيين وما قدمه الفكر الماركسي ويعتبره شيئاً مهماً، لاسيَّما لجهة الكفاح ضد الاستغلال والاستعمار والظلم، فإنه يعتبر أن مدخله كان خاطئاً، خصوصاً موقفه من الدين، ولعلي هنا أتفق معه حول بعض التصرفات الطفولية والمراهقة التي حُسبت على الماركسيين والشيوعيين، وكان ينبغي أن يكون مدخلهم هو العدالة وليس الله، فالعدالة هي المشترك الذي يمكن أن يلتقي عنده المتدينون وغير المتدينين، المسلمون والماركسيون وغيرهم، خصوصاً إذا اتسمت بالدعوة إلى الحرية، التي هي القيمة العليا للبشر، وأقتبس هنا ثلاث صور كاريكاتيرية طريفة من شريعتي.
الصورة الأولى: يرسم فيها مثقفاً يسارياً يخاطب جمهرة الفلاحين ويحرضهم ضد السلطات الحاكمة، ثم يقنعهم بالهجوم عليها وأخذ زمام المبادرة لتحرير أنفسهم.
الصورة الثانية: يصوّر فيها جمهرة الفلاحين وهم يسيرون خلف المثقف اليساري لمواجهة السلطة عبر الاستيلاء على رمزها "مركز الشرطة".
الصورة الثالثة: يرسم فيها المثقف اليساري مختبئاً وراء أفراد الشرطة، في حين تطارده جمهرة الفلاحين وتريد قتله؛ لأنه شكّك بوجود الخالق.
ولعل هذه الصورة النمطية تكاد تتكرر على المستوى العالمي، ولكن تأثيراتها أكثر ضرراً وعمقاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ إذ إن مجرد التشكيك أو الاستخفاف بوجود الخالق حوّل ما بناه المثقف اليساري برمشة عين إلى الضد منه؛ لأنه تناول قضية مستقرة في أذهان العامة، وتمثل جزءاً من وجدانهم، فانقلب مصدر سخطهم من عدوهم "السلطة الظالمة"، إلى نصير لهم ومدافع عن حقوقهم؛ لأنه شكك بعقائدهم.
لقد واجهت الماركسيين مثل هذه الإشكالات في حياتهم اليومية، ولم يتصرفوا إزاءها بنوع من الحصافة والحصانة الفكرية ومن المعرفة بخصائص وعقائد المجتمع وتاريخ بلدانهم سواء أكانت مسلمة أم مسيحية، ذلك أن المساس بالعقائد المتوارثة سيلحق ضرراً كبيراً بقضية النضال المشترك الذي ستكون مادته هي جمهور الناس البسطاء، المُعدمين، المؤمنين على طريقتهم الخاصة وعلى ما توارثوه من معتقدات وأساطير وحتى أوهام أحياناً، لكن ذلك ينبغي مراعاته على نحو دقيق؛ إذ إن مجرد الاقتراب منه أو الشعور بأن ثمة خدشا له وهو مستقر في الأذهان وغير قابل للنقاش، سيجعل المعنيين بالتغيير في دائرة الرفض، وسيحسب من يحاول ذلك إلى دائرة الإساءة إلى المقدسات، وهو ما يمكن اعتباره استراتيجياً وتكتيكيا أمراً خاطئاً، ولعل هذا هو ما توصّل إليه فيدل كاسترو عند حديثه في إطار النقد الذاتي عن التحالف الاستراتيجي، الدائم بين الماركسيين والمسيحيين.
وبالطبع لا يمكن بلوغ مثل هذا التحالف من الكتب والتفسيرات والتأويلات وحدها، على أهميتها وقيمتها التي لا يمكن الاستغناء عنها، فالأمر يحتاج إلى أرضية يلتقي عندها من هو معني بالتغيير والتحرير ومكافحة الاستغلال، ومن خلال عمل شاق وطويل وتراكم وتطور تدريجي وترويض للنفس.
الشيء الممتع والمثير للدهشة حقاً هو حوار كاسترو مع المتدينين، ولعلك وأنت تتوغل في التعرف والقراءة والنقد، تكتشف أنك أمام شخصية متميزة ومفتوحة وصريحة وتستطيع أن توجّه إليها أي أسئلة دون حرج، بما فيها ألا توافقه في الرأي.
لقد تأثر كاسترو مثلما تأثرنا جميعاً، دون إغراق، لاسيَّما من انحدروا من عوائل دينية أو درسوا في مدارس دينية أو عاشوا في بيئة دينية، ببعض المثل والقيم الدينية الإنسانية، رغم عدم إيمان بعضنا دينياً، إلا أنه، وهذه تجربتي الشخصية أيضاًً، لم نكن محصنين إزاء ما ورثناه من تعاليم، وهذه أضافت إلينا بُعداً أخلاقياً ورمزياً؛ لأننا كنّا نعتبرها قيماً إنسانية اجتماعية وفي الوقت نفسه قيماً ثورية، نتعاطى معها بسليقية وانسيابية.
وسبق أن كتبت قبل عقد ونيف من الزمان عن السيد محمد باقر الصدر (الذي اختفى قسرياً هو وأخته بنت الهدى، عام 1980): "حلق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة"، عن العلاقة بين الماركسيين والإسلاميين، مفرّقاً ما بين الأيديولوجي المختلف، وبين السياسي والاجتماعي النضالي اليومي الذي يمكن أن يكون مؤتلفاً، بحثاً عن الحرية والعدالة، التي يُفترض أن تشكل المشترك الإنساني الذي يساعد في تكوين تصورات مشتركة إزاء أوضاع الظلم والقهر والاستغلال.
وفي هذا المجال كنت قد قرأت نقدياً فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" وكذلك موقف السيد محمد باقر الحكيم (المجلس الإسلامي الأعلى) في اجتماع للمعارضة العراقية في دمشق، 1996، وإصراره على استبعاد الحزب الشيوعي، وهو ما نشرته في صحيفة الحياة اللندنية في حينها، وذلك بتغليب طبق الأيديولوجيا على مقبّلات السياسة، خصوصاً أن هناك بعض المشتركات كان الطرفان يعيشانها، لاسيَّما ضغط وكبت النظام السابق، خصوصاً في السجون والمنافي؛ حيث كان الواقع والعقل يقتضيان تقديم السياسة على الأيديولوجيا، ولكن دون تنازل أو تهادن أو استرخاء أو مجاملة، بما فيها للخلاف الفلسفي والفكري.
 


       

1027

العراق- مسيرة الدم وطريق الحرية
كتاب للراحل خالد عيسى طه
بيروت – خاص (المحرر الثقافي)
قبل ان يغادرنا الراحل خالد عيسى طه المستشار القانوني والوجه الاجتماعي المعروف، الذي عاش سنواته العشرين ونيف الأخيرة في المنفى، دفع الى المطبعة كتاباً لخّص فيه آراءه بشأن الأوضاع في العراق، لاسيما موقفه من الاحتلال وقضايا الديمقراطية والطائفية وحقوق الانسان، وصبّ فيه عصارة تجربته الغنية والمتنوّعة التي جاوزت نحو ستة عقود من الزمان في الميدان السياسي والقانوني والحقوقي، وقبل كل شيء موقفه الانساني من قضايا الحريات والتنمية والتطور وبشكل خاص مواقفه من حقوق المرأة والأقليات.
الكتاب صدر من الدار العربية للعلوم في بيروت، واحتوى على 375 صفحة من القطع الكبير. وكتب مقدمته الدكتور عبد الحسين شعبان ، وجاء في صفحة الغلاف الاخيرة.


1028
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (22) كاسترو والدين

عبدالحسين شعبان

2010-03-29
منذ اللقاء التاريخي بين ماركس وانجلز وصدور البيان الشيوعي في عام 1848 وجهت الماركسية الجدل الفلسفي والاجتماعي التاريخي إلى بؤس الإنسان وأسبابه لا فيما يتعلق بالتفسير فحسب، بل انصبَّ الاهتمام على التغيير، وقد اصطدمت بالكثير من الدعاوى التي حاولت البرجوازية التعكّز عليها ومنها التستر بالدين وارتداء جلبابه أحياناً، ليس دفاعاً عن مملكة السماء، بل للدفاع عن مملكة الأرض «المقدسة»، ونعني بذلك نظام الملكية الذي لا يمكن المساس به، وليس لمثل الدين قدرة «أسطورية» على المواجهة مع الماركسية، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالملكية، وخصوصاً إذا جرى التعرض لما استقرت عليه المجتمعات، لاسيَّما المساس بالقواعد والأنظمة والقوانين السائدة التي تحمي مصالحها، وكان «اتهام» الماركسية، بالإلحاد والوقوف ضد الإيمان الديني، واحداً من الأسلحة الماضية التي استخدمت ضدها.
أنقل هنا حديثاً لأحد أساقفة المسيحية، وهو الرئيس السابق لأساقفة كانتربري عن علاقة رأس المال بالدين، ولعل مثل هذا الفهم قريب من التفكير الماركسي حين يقول: «إن الرأسماليين يعبدون المال ستة أيام في الأسبوع ويذهبون إلى الكنيسة في اليوم السابع»، ولعلنا من خلال تجاربنا نعرف، كم من الذين لا علاقة لهم بالدين في سلوكهم وتعاملهم، ينتظرون موسم الحج للذهاب إلى مكة، ليغسلوا ذنوبهم كما برر أحد المعارف من رجال الدين، ولا يهمّ إن عادوا إلى عاداتهم، ولعلهم ليسوا بعيدين عنها حتى عندما يكونون في أوج تأديتهم للفروض الدينية، وفي الأماكن المقدسة أحياناً، وفي مقدمتها بيت الله الحرام.
إن مملكة المستغلّين هي الأرض، وليأخذ المؤمنون مملكة «السماء»، لهم وحدهم، ولذلك فقد سعى المستغلون لمنع أية تحالفات بين المؤمنين سواء كانوا متدينين أو غير متدينين وبين الماركسيين الذين تجمعهم أهدافٌ مشتركة ومُثلٌ وقيم ومبادئ مثل الحرية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن الدين واللون والجنس واللغة والقومية والانحدار الاجتماعي، ذلك أن المؤمنين والماركسيين، والمتدينين والعلمانيين، يكتشفون في المُثل المشتركة والجامع الإنساني جوهر الحياة البشرية، فالمسيح والنبي محمد والنبي موسى في لحظة من لحظات النقاء التاريخي قدّموا ملكوت السعادة للفقراء والمظلومين مثلما يحاول الماركسيون تقديمه, وإن كان كل من زاويته، إلا أن الأمر له علاقة بالصيرورة الإنسانية فهو ليس بعيداً عن حلم البشرية للقضاء على الاستغلال وتحقيق حلم الإنسان في الحرية والعدالة والرفاه.
وإذا أردنا تطبيق ذلك على أوضاعنا الراهنة فإن ما قدمه لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية ونضال بعض القوى الدينية، الإسلامية المعادية للإمبريالية والصهيونية في منطقتنا، التقى إلى حدود كبيرة مع نضال التيار الماركسي، ولعل حواراً مفتوحاً وعلنياً واسعاً لا بد أن ينفتح بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم وبين الماركسيين والعلمانيين من جهة أخرى، لاسيَّما في قضايا التحرر ومكافحة الاستغلال ومناهضة الاستبداد، ناهيكم عن العدل والمساواة والسلام.
إن مصدر الشقاء الإنساني هو الاستغلال، ولكي يتم استئصال شأفته لا يمكن انتظار ما تمطره السماء، بل إن العمل والكفاح سيكونان كفيلين بإشاعة الحب والعدل والمساواة، تلك التي بشّر بها الرسل والأنبياء والمصلحون الدينيون والاجتماعيون، وهو ما تبشّر به الماركسية التي تدعو إلى حياة إنسانية تليق بالإنسان.
إن الشوق إلى العدل هو الرسالة المباركة الأساسية لكل من يريد أن يتعمد بالمناعة ضد فيروس الاستغلال والظلم، سواء كان متديناً أو ماركسياً، حالما بمستقبل جديد للبشرية.
في العام 1988 نُشر كتاب في بيروت وعدن بعنوان مثير هو «فيديل كاسترو والدين»، ومثل هذه العناوين لاسيَّما لقادة ماركسيين مثيرة إلى حدود كبيرة، خصوصاً وهي تتحدث عن تابوهات ظل الكثير من الماركسيين، لاسيَّما في عالمنا العربي والإسلامي يتجنبونها، وخاصة بعد مرحلة الطفولة الثورية التي مرت بها الماركسية في بلداننا، حيث تعاملت بخفة ونزق وسذاجة كبيرة في قضايا تخص معتقدات الناس، وبسببها تعرضت إلى نكسات كبيرة، والأمر له علاقة بموضوع الفهم الخاطئ للموقف من الدين وتعاليمه. وهو ما اعترف به فيديل كاسترو في حواراته مع فراي بيتو عندما قال في معرض تقييمه لسنوات الثورة المبكرة: «لقد شُددنا بإحكام إلى أكاذيب وأُرغمنا على العيش معها، لذلك يبدو العالم مرتبكاً عندما نسمع الحقيقة».
إن حوار كاسترو مع راهب دومينيكاني من البرازيل هو فراي بيتو يزيل الكثير من الغشاوة الكثيفة التي غلّفت مواقف الماركسيين والشيوعيين من الدين، وهو يبحث في المشترك الذي يجمع الماركسيين والمسيحيين، وذلك بأسلوب أخاذ على نحو مدهش، الأمر الذي لم يتم التوقف عنده في بلداننا منذ أن قاربنا الموقف من الدين سلبياً، ثم ابتعدنا وكأنه تابو يمنع الدخول في مناقشته أو الحوار حوله.
الحوار الطريف والعميق تم بين رجل دين كاثوليكي يمارس شعائره وطقوسه بإيمانية، مع قائد شيوعي يؤمن بالماركسية، وهو ما ذكّرني بحواري مع المطران جورج خضر (مطران البترون وجبل لبنان) الذي قدّم لكتابي «فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي: الدولة والثقافة»، دار النهار، بيروت، 2005، وكنت قد عبّرت عنه في الندوة الفكرية التي نظمها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي بإدارة الأديب حبيب صادق، والتي شارك فيها إضافة إلى المطران خضر، الناقد السوري محمد جمال باروت.
قلت عندما قرأ المطران مخطوطة الكتاب، لاسيَّما الفقرة الخاصة بالمسيحية، توقف قليلاً ليقول: كنت أشعر كأن مسيحياً يقف خلف شعبان ليكتب ما كتب، وهو ما دعاه بعدها إلى نقده بكتابة مقدمة له، وقد سرّني ذلك كثيراً، ثم بادر إلى سؤالي ولماذا تفضل أن أكتبها أنا دون سواي، أجبته لأنك مسيحي وأرثوذكسي لبناني، وأنا من عائلة عراقية عربية مسلمة، وأنت من جبل لبنان وأنا من النجف، وأنت رجل دين ومطران البترون وجبل لبنان وأنا من عائلة دينية، لها مكانتها في حضرة الإمام علي، وأنت متديّن وأنا علماني، وذلك وحده يكفي لكي نتحدث من موقعين متوازيين عن التسامح، وقال لي ولهذه الأسباب إنه متحمس لكتابة المقدمة، التي وصلتني بعد 4 أيام من تسلّمه المخطوطة، وكانت قطعة أدبية- فلسفية رصينة وجامعة وإنسانية.
بعدها سردت عليه تلك الحكاية التي كنّا نتناقلها منذ سنوات طويلة ومفادها أن رجل دين مسلماً أدار حواراً مع ماركسي ودام الحوار أكثر من ستة أشهر، تأثر الثاني بالإسلام وأبدى إعجابه به، لكن الأول كان قد تأثر بالماركسية وأبدى إعجابه بها، وهو ما تم الاتفاق عليه بينهما لمواصلة العمل المشترك والحوار المستمر وكل من موقعه. وأنا أقرأ حوارات كاسترو مع بيتو تملكني الشعور ذاته لأن كلاّ منهما بنى حججه عن المنابع الأصيلة للمسيحية أو الماركسية، دون أن يتخلى أي منهما عن أفكاره، لاسيَّما الفهم الأكثر عمقاً للأخلاق والسياسة والاستغلال، ثم الحاجة للعمل المشترك لمصلحة الفقراء.
لقد راهن الكثيرون على الاختلاف العقائدي بين المسلمين والماركسيين وبين الماركسيين والمسيحيين وغيرهم، وهو اختلاف لا يمكن ولا ينبغي إنكاره أو تجاوزه، أو محاولة التوفيق بينه على المستوى الفكري مثلما درجت بعض الدراسات لإيجاد مصالحة بين الإسلام والاشتراكية في الخمسينيات والستينيات، وبين الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها، لكن تلك المحاولات لم يكن حظها في النجاح وفيراً، فلكلٍ حقله ونطاقه الفكري، دون إهمال المشترك في قضايا النضال السياسي والاجتماعي والحقوقي، ولعل هذا المشترك هو إزاء الحياة الراهنة والممارسة الضرورية، التي تحتاج إلى حيّز مهم من المهارة الفائقة للتلاقي، خصوصاً إذا وضع الطرفان مصلحة الناس وحقوقهم بنظر الاعتبار.
عندما اطلعت خلال مشاهدتي الكوبية على استعادة الكنيسة لدورها سألت عن موقف كاسترو والحزب الشيوعي من الدين، وهو الذي دلّني على الانطباعات الإيجابية الأولى لكاسترو يوم كان يافعاً، ثم اطلعت على أحاديثه ما بعد فترة انقطاع عن الدين، لاسيَّما في العام 1971 في لقاء مع رجال الدين الكاثوليكيين في تشيلي ولقائه العام 1977، بالقساوسة الجامايكيين، وتذكرت ما كان يردده بعد انتصار الثورة وأيامها الأولى من أن «من يخون الفقراء يخون المسيح»، خصوصاً فترة التنافر الشديدة مع الكنيسة.
تلقى كاسترو تعليمه الأولي والثانوي في أفضل المدارس الكاثوليكية في كوبا، لاسيَّما رسالتها الأخلاقية، التي شكلت بُعداً استراتيجيا ناظماً لممارسته الثورية. وقد قال آرماندو هارت عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكوبي ووزير الثقافة الأسبق، إنه وُجد «ينبوعان من أهم الينابيع التاريخية للفكر والعاطفة الإنسانيين: المسيحية والماركسية، اللتان صوّر أعداؤهما أنهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً»، ويمكنني القول إن الدين في أميركا اللاتينية كما في بعض التجارب العربية، لاسيَّما في موضوع النضال التحرري ضد الصهيونية والإمبريالية، وجد دروباً جديدة مدهشة، الأمر الذي يستحق وقفة جدّية للتفكير والبحث والعمل والنقد الذاتي أيضاً، لاسيَّما للأخطاء والثغرات التي مورست خلال العقود الماضية من الزمان.


        
   

1029
المنبر الحر / الشراكة والتنمية
« في: 21:18 31/03/2010  »
الشراكة والتنمية


عبدالحسين شعبان
يعتبر البنك الدولي مسألة الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني مسألة أساسية لتطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية البشرية . ولعل مفهوم الشراكة واصطلاحاتها كانت قد دخلت الأدب السياسي والاقتصادي والحقوقي في إطار إرهاصات التغيير الدولي والإقليمي التي شهدتها سنوات الثمانينات، والتي اتسعت في أواخرها بانهيار الأنظمة الشمولية وسقوط جدار برلين، الأمر الذي أخذ يتردد كثيراً في وثائق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، بما فيها جامعة الدول العربية، وقد أقرّت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة مسألة الشراكة مع المجتمع المدني، وإنْ بتحفظ أحياناً .

وقد شهد العالم مبادرات كثيرة للأمم المتحدة طبقاً لمبدأ الشراكة، منها مؤتمر ريوديجانيرو العام ،1992 والمؤتمر الدولي الثاني لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا العام ،1993 والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية العام ،1994 وقمة العالم للتنمية الاجتماعية ومؤتمر بكين العالمي للمرأة العام ،1995 وقمة الألفية الثالثة للتنمية العام ،2000 ومؤتمر ديربان العالمي حول العنصرية العام 2001 وغيرها، وارتبط مفهوم الشراكة بالتنمية وبالسياسات التنموية دولياً وإقليمياً .

وقد انتقل مفهوم الشراكة من النطاق الاقتصادي والإداري وعلاقات السوق إلى النطاق الذي يبحث في شراكة المجتمع المدني مع الحكومات، خصوصاً وقد أصبح وجود منظمات مدنية شريكة للحكومات وقوة اقتراحية وتكاملية على النطاق الدولي، مسألة لا غنى عنها لعملية التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي حدثت معه تطورات على صعيد القوانين الناظمة والعلاقات القانونية لهذه الشراكة وآفاقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

وإذا كان مفهوم الشراكة جديداً بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، لاسيما في البلدان النامية ومنها البلدان العربية، فإن الأنظمة الديمقراطية اعتبرته مسألة ضرورية لإحداث التغيير والتحوّل الاجتماعي، بتعاضد الجهود وتكامل المهمات بين الدولة والمجتمع المدني، خصوصاً في ظل مصالحة بينهما تقوم على أساس التكامل والتفاعل، وليس الصدام والصراع .

الشراكة تعني الاتفاق بخصوص تحقيق أهداف مشتركة أو محدودة، ويفترض أن تتضمن شكلاً من أشكال الاعتراف بالآخر وبدوره كطرف شريك كلياً أو جزئياً طالما يمكنه أن يساهم في عملية التنمية .

يمكن القول إن مفهوم الشراكة، هو مقاربة تنموية لعلاقة حكومية مع المجتمع المدني، لاستكمال وملاحقة قدرات وامكانات الطرفين، لتحقيق أهداف محددة، بحيث يتم ضمّ المزايا النسبية لكل طرف إلى الطرف الآخر في إطار تشاركي، ويتحمل كل فريق المهمات التي يستطيع القيام بها في إطار من التوافق، سواءً في تحديد الأهداف أو الوسائل أو عملية البرمجة والتخطيط أو في التنفيذ والمراقبة والمتابعة .

لعل موضوع الحديث عن الشراكة وعلاقته بالتنمية، كان محور نقاش مثير في مؤتمر حول الطفولة ودور المجتمع المدني وعلاقة ذلك بالتنمية، وكان المجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية وجامعة الدول العربية وشركاء آخرون قد هيأوا لتنظيم هذا المؤتمر المهم، والذي ترافق معه ورشة عمل وحوارات بين الاعلاميين ونشطاء المجتمع المدني أدارها المشرف العام على المجلس العربي للطفولة والتنمية، الخبير الإنمائي د .حسن البيلاوي .

وكانت مسألة الفقر قد استحوذت على الكثير من المناقشات، لاسيما أن لها تأثيرات عالمية وانعكاسات عربية وإقليمية، حيث تبلغ نسبة الفقراء أو ما دون حدّ الفقر أكثر من مليار و200 مليون إنسان، بدخل لا يزيد على دولار واحد في اليوم، الأمر الذي ينعكس على مستوى التعليم والصحة والخدمات والتنمية بشكل عام، لاسيما على الطفولة والمرأة والأقليات والمهمشين واللاجئين وأصحاب الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة .

وما زالت علاقة الدولة بالمجتمع المدني في عالمنا العربي متوترة وغير تصالحية، وهي علاقة ضدية تعارضية، بحيث تمظهرت بقوة احتجاج واعتراض من جانب المجتمع المدني، لاسيما في ظل شحّ الحريات، وقوة قمع وتحريم من جانب الدولة، الأمر الذي يحتاج إلى أن تتحول إلى قوة شريكة واقتراح وتكامل من جانب المجتمع المدني . أما من جانب الدولة فينبغي القبول بدور المجتمع المدني والإقرار بحقه في المشاركة والتنمية، ودراسة اقتراحاته ومدى مساهمته في التخطيط والتنفيذ .

ولعل مثل هذا التوجّه يمكنه بناء استراتيجيات وسياسات وطنية تسهم في عملية التنمية وتأخذ في الاعتبار دور المجتمع المدني الحر المستقل والسلمي الطامح إلى التغيير في إطار عملية تنمية وتراكم ومراقبة، للحد من ظاهرة الفقر، ومثل هذا الدور لا بدّ لمؤسسات المجتمع المدني أن تضطلع به كشريك، لاسيما الدور التنموي في ما يتعلق بالطفولة بشكل خاص .

ويتطلب هذا من الحكومات التشجيع على تأسيس منظمات للمجتمع المدني مستقلة ومعنية بالتنمية وتوفير مناخات وبيئات مناسبة لتطورها، تشريعية وتربوية وإعلامية وقضائية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالتشريعات المقيِّدة للحريات وللحق في تأسيس الجمعيات، كما يتطلب الأمر من الحكومات إشراك المجتمع المدني والتعامل معه كشريك وليس كديكور أو تابع، بهدف الحصول على تزكية مجانية من منظمات مدنية، وإن كانت شكلية أو تابعة للدولة أو حتى مؤسسة من قبلها أحياناً، ولعل ذلك لن يخدم عملية التنمية، كما لا يخدم قواعد الشراكة المنشودة .

وقبل هذا وذاك، لا بدّ من توفّر قاعدة بيانات متخصصة بالمنظمات والمؤسسات المعنية بالتنمية، وهذا ما أشار إليه الباحث اليمني الخبير في الأسرة والطفولة بجامعة الدول العربية، محمد عبده الزغير، ويمكن القول إنه لا تنمية من دون شراكة من جانب المجتمع المدني، خصوصاً التنمية بمعناها الشامل، البشري الإنساني، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي .

 

باحث ومفكر عربي


1030
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (21) «الشبح» والأسطورة: هل اختلط شبح جيفارا بشبح ماركس؟
عبدالحسين شعبان
2010-03-22
ظلّت حكومة بوليفيا تطارد جيفارا لعدة أشهر، منذ أن شاع خبر التحاقه على رأس مجموعة ثورية لتحضير الثورة في الأدغال، ليزحف بها من الريف إلى المدينة، يومها جنّدت المخابرات المركزية الأميركية جميع إمكاناتها وبالتعاون مع حكومات أميركا اللاتينية -لاسيَّما حكومة بوليفيا- لتعقّب تحركاته ومعرفة مكانه، وسعت لاختراق التنظيمات التي كان يقودها، كما عملت لتوسيع رقعة الخلاف الذي دبّ بينه وبين الحزب الشيوعي البوليفي الذي يعمل ضمن المحور الرسمي للحركة الشيوعية بقيادة موسكو، وذلك بنشر نقاط الخلاف والمبالغة فيها، إضافة إلى معلومات مضللة.
لقد تلاقحت أوضاع البؤس التي كانت تعيشها أميركا اللاتينية مع النفحة الرومانسية الواعدة التي أطلقتها الثورة الكوبية والحركة الجيفارية، لدرجة أصبحت كل خطوة مهما كانت بسيطة تقلق الدكتاتوريات والقوى المستغلة والمحافظة، لاسيَّما حين يستقبلها الشباب المتطلع إلى الحرية والعدالة بحيوية مفعمة بالاحترام، الأمر الذي كان ينذر بفتح جبهات شبابية جديدة وتجنيد فتيات وفتيان من كل القوميات والأديان للنضال ضدها، هكذا تصوّرت القوى الاستغلالية والإمبريالية أن الشبح حاضر وموجود، أينما وحيثما اتجهت أو توجهت فستجده أمامها.
وإذا كان شبح ماركس الذي أرعب أوروبا العجوز في القرن الثامن عشر، حيث كان بلحيته وقلمه وخلفه كادحون ومستلبون، يبشّر بغدٍ أكثر إشراقاً وسعادة للإنسانية، لاسيَّما بالخلاص من حكم الاستغلال، فإن ما كان يقلق الرأسمالية والإمبريالية في إطار الموجة الجديدة للاشتراكية في أميركا اللاتينية، هو ما كان يدعو إليه جيفارا، ولكن ببندقيته وقبعته العسكرية وسيجاره المميز.
ومثلما استحكم حكام أوروبا حينها، لاسيَّما بعد صدور البيان الشيوعي العام 1848، وفيما بعد عند حدوث كومونة باريس العام 1870، وسقوط إحدى أهم قلاع الرأسمالية حينها، فقد استحكمت «أميركا اللاتينية» وحكوماتها الرجعية والدكتاتورية، وبقيادة مباشرة من الولايات المتحدة، لتطارد الشبح الجديد -الذي حاول أن ينقل الثورة إلى إفريقيا ويدعو إلى لقاء ممثلي القارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية- لملاحقته، مخصصةً مجموعةً عسكريةً متخصصةً زادت على 1500 جندي.
ولعل الأهم من السعي لقتله، كانت محاولة القضاء على أسطورته التي ظلّت تتناقلها الألسن والدفاتر والصحف والمعامل والساحات والحقول وقلوب الشابات والشبان في كل مكان، بغض النظر عن نجاحه أو فشله في تحقيق حلمه الثوري، وبغض النظر عن صواب أو خطأ منهجه، لكن ما هو مؤكد أنه كان شجاعاً وحالماً، وساعياً لتحقيق العدالة على النطاق العالمي، وهو ما ينبغي أن يخضع لسياقه التاريخي.
لقد حاولت الدعاية الإمبريالية في حينها أن تنقل كلمة على لسانه ساعة احتضاره، بقوله: «أنا تشي غيفارا، لقد فشلت»، وبذلك ضجّت الوكالات بتكرارها ونقلها وكأنها هي النهاية المحتّمة لكل من يناضل من أجل الحرية والعدالة بطريقة لا تريدها القوى المتنفذة.
وإذا كان النجاح والفشل نسبيّين، فإن جيفارا فشل في الوصول إلى تحقيق هدفه، وهو أمرٌ مؤكد، فليس كل من يختار طريقاً صحيحاً فإنه بالضرورة سيصل إلى هدفه وسينجح في مهمته، ولا بدّ من توفّر عوامل سياسية ولوجستية وجيوبولتيكية وتوازن قوى، لكن ما هو مؤكد أنه نجح بصدقيته في طريقة التعبير، كما نجح في جرّ مئات الآلاف إلى النضال ضد الاستغلال وضد الإمبريالية والاستبداد، وهو نجاح باهر ومنقطع النظير، لأنه جسّد رمزية رومانسية ثورية حالمة وصادقة، حتى وإن اختلف الثوريون حول جدوى الأسلوب الذي اختاره وتوقيته وأفق عملية التغيير التي سعى إليها، ولعلهم أكثر اتفاقاً حول طهرية وصدقية ونجاعة سجاياه الشخصية والنضالية وإنسانية الأهداف التي دفع حياته ثمناً لها. وكان خطاب كاسترو بعد أيام من مصرع جيفارا جواباً على الغدر ومنطق الخديعة، وإعلاناً جديداً بمواصلة النضال، بتأكيده أن «النضال سيستمر بعد موت تشي، والحركة الثورية لن تتوقف».
وقبل فترة قصيرة نشر فيلكس رودريجيس -العميل السابق لجهاز المخابرات المركزية الأميركية CIA- عبر الإنترنت صوراً لأول مرة عن إعدام جيفارا، وهذه الصور تمثل حياة الثوري الأرجنتيني قبل إطلاق الرصاص عليه في «لا هيغويرا» في غابة «فالدي غراندي» في بوليفيا في 9 أكتوبر العام 1967. وتُظهر الصور كيف تم أسر جيفارا وإلقاؤه على الأرض، ووجهه المتورم الكثير الكدمات، ودمه المسفوح بجواره، وعينيه شبه المغلقتين، والجديد أيضاً هو ما قاله رودريجيس عن بتر كفيه بعد قتله، لأجل التعرّف على بصمات أصابعه، ثم القيام بحرقه.
وإذا كان الذئب المفترس يحوم حول جيفارا ويلاحقه كظلّه، فإن شيئاً آخر شاطره حياته أيضاً، وهو مرضه، حيث كان مصاباً بالربو وتأتيه نوبات موجعة، وكان يئن زفيراً ويتمزق صدره لقلة الأكسجين، لكن شعلة الحرية الحمراء المتوهجة ظلّت ما يرنو إليه، وهي ما يريده وما يسعى له، مرفقة بالعدالة، وظلّ وفيّاً لها حتى آخر لحظة في حياته القصيرة.
لم يكن الموت يخيف جيفارا، وكان يتشهى موته، فقد قال مرّة لرفيق له العام 1957، وهما يقاتلان جنباً إلى جنب في الأدغال، وكانت القوات الحكومية التابعة لباتيستا تمطرهما بالرصاص: «أتدري كيف أتمنى أن أموت؟ ثم يجيبه: مثلما مات بطل قصة جاك لندن.. لقد تجمّد حتى الموت في أراضي ألاسكا البيضاء المقفرة، فاستند بهدوء إلى شجرة، واستعد لمواجهة الموت بصمت وكبرياء». كان جيفارا يتمنى عندما يأتيه الموت، أن يستريح عند جذع شجرة، ليهدأ زفيره الداخلي، ثم يموت بصمت، لكنه لن ينسى أن تكون بندقيته معه، لكي يفرغ ما تبقى فيها من رصاص في العدو الذي يهاجمه خلف الأشجار.
قال جيفارا لكاسترو في الرسالة الأخيرة التي وجهها له العام 1965 قبل اختفائه: «ذات يوم، سألنا عن الشخص الذي ينبغي إنذاره أو إبلاغه عند موت أحدنا، وفوجئنا جميعاً لهذه الإمكانية الحقيقية، ثم أدركنا أن الثائر الحقيقي: إما أن ينتصر أو يموت. وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل.. بمعنى إن لم يتحقق النصر فسيكون الموت حليفنا المنطقي».
ولعل أكثر ما تردد على لسان جيفارا عن الموت -وهو ما نشر عنه وزيّن واجهات ومكاتب المقاومة والحركات الثورية الفلسطينية والعربية- قوله: «لا يهمني متى وأين سأموت، ولكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين، يملؤون الأرض ضجيجاً، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين».
ولعل هذا ما أراده جيفارا، فقد أفرغ ما في جعبته في المعركة، ونفد عتاده، وحينها استقبل الموت كزائر تصالح معه بعد طول مطاردة وعناء، وبقدر ما كان موته مصدر حزن وأسى بالغين للثوريين واليساريين من كل الأشكال، ورغم اختلافاتهم مع توجهاته، فقد كان ابتهاجاً منقطع النظير للقوى الاستكبارية العالمية الرأسمالية والاستبدادية على المستوى الدولي والمحلي أيضاً، التي اعتقدت أن القضاء على الرمز يمكن أن يقطع الطريق على نشوء وتبلور حركة ثورية فاعلة.
وإذا كانت حياة جيفارا قد شهدت صخباً وضجيجاً، فإن موته هو الآخر كان الأكثر إثارة وغموضاً، وإذا كانت حياته قد توقفت، فإن إشعاع الفكر الجيفاري لم يتوقف، وهو اليوم الأكثر دراسة ومراجعة ونقداً وارتباطاً بالفكر الماركسي ذاته، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية منذ أواخر العام 2008 والتي قد تدوم -حسب بعض التقديرات- إلى مطلع العام 2012، وإن رمزيته كباحث عن العدالة على المستوى الأممي ازدادت تأثيراً، لدرجة أن قوى اليسار في أميركا اللاتينية -وهي اليوم تنهض عبر شعار «الثورة في صندوق الاقتراع»- لم تنس دور جيفارا الذي حفر الثورة بيديه في الستينيات، وكان جسراً نحو لاهوت التحرير في الثمانينيات، ثم انخرطت الملايين لتدلي بأصواتها للمثل والقيم التي دعا إليها في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة، حين أحرز اليسار انتصارات كبرى في أميركا اللاتينية، من كوبا كاسترو إلى هوغو شافيز في فنزويلا، مروراً بعدد من أقطار أميركا اللاتينية.


           

1031
الموساد والجريمة والعقاب   



عبدالحسين شعبان
في 19 يناير/ كانون الثاني قتل محمود المبحوح القيادي في منظمة حماس الفلسطينية في غرفته بدبي، وسارعت شرطة دبي إلى تحقيقات سريعة ودقيقة لجمع خيوط الجريمة التي حامت منذ اللحظة الأولى حول ضلوع جهاز الموساد “الإسرائيلي”. وتوصلت الشرطة الإماراتية بعد 16 يوماً من التحقيق والتدقيق إلى توجيه اتهام صريح ومباشر إلى الموساد، الذي جنّد 27 متهماً (حتى الآن) كانوا ضالعين بالتنفيذ بعد أن زوّدهم بجوازات سفر أوروبية وغربية.

لعل طريقة الكشف عن الأدلة وعرضها على الجمهور عبر شاشات التلفزيون، ناهيكم عن السخاء الإعلامي الذي اتسمت به والذي أعقب الجريمة بعد الإعلان عنها، لاسيما بعد تحليل نحو 648 ساعة كاملة من الأشرطة المصوّرة لجميع المتهمين، دلّت على حرفية هذه العملية البارعة الفريدة من نوعها، الأمر الذي يثير سؤالاً كبيراً حول جهاز الموساد “الإسرائيلي”، الذي ظلّت الدعاية تصوّره وكأنه “أسطورة” خارقة لا يمكن تجاوزها، وإذا به يستخدم أساليب ووسائل تعود إلى الستينات والسبعينات وليس إلى مرحلة العولمة وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والثورة الرقمية، وكأنه يعيش خارج الزمن، إذْ لم يعد أسلوب التخفي والتنكر الذي قام به فريق الاغتيال مجدياً، بل إنه اتسم بالبدائية والسذاجة، مثل استخدام الباروكة أو ارتداء ملابس التنس أو ادعاء ممارسة الرياضة، تلك التي تثير ارتياباً أحياناً أكثر من كونها تسهم في إخفاء الهوية، لاسيما الجلوس طويلاً في الملعب قبل ممارسة لعبة التنس، فضلاً عن أن الصور كشفت أن من يقوم بتلك الممارسة لا يجيد مسك مضرب التنس.

وفي تطور جديد طلب الفريق ضاحي خلفان تميم من المدعي العام توجيه مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد مئير داغان، باعتبارهما مسؤولين عن ارتكاب الجريمة بحكم موقعيهما، وهما من أصدرا الأوامر باغتيال المبحوح، وحسب ما نُشر فإن لقاءً كان قد جمع المسؤولين “الإسرائيليين” مع المرتكبين قبيل تنفيذ العملية الإجرامية بأيام، تلك العملية التي يمكن تصنيفها كجزء من الإرهاب الدولي، الذي تمارسه  الحكومة “الإسرائيلية”، ناهيكم عن انتهاك صارخ وسافر للقانون الدولي المعاصر ضد سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، فضلاً عن استخدام جوازات سفر دبلوماسية لدول أوروبية وغربية، الأمر الذي يستوجب كشف خفايا هذه القضية، سواءً كانت عبر تواطؤ أو “ تخادم” أو “تزوير” أو “استغلال” مواقع نفوذ شخصية أو السكوت عنها، لكنها بكل المعايير تجاوز على القواعد والأعراف الدبلوماسية، لاسيما اتفاقيتي فيينا حول العلاقات القنصلية والعلاقات الدبلوماسية لعامي 1961 و1963.

لقد أقرّ ميثاق الأمم المتحدة مبادئ العدالة وأكد احترام الالتزامات الناجمة عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، باعتبارها أحد أهم مصادر القانون الدولي المعاصر، ومع ذلك فإن رقعة الانتهاكات للقانون الدولي لا تزال مستمرة وإن حجم الارتكابات مثير للقلق، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة وجدّية أمام المجتمع الدولي بشأن نظام العدالة السائد.

إن مسألة الجريمة والعقاب لا تتعلق بقصة المبحوح فحسب، رغم أنها كشفت حجم الإرهاب الدولي، الحكومي، “الرسمي” الذي تقوم به “ دولة” عضو في الأمم المتحدة، وكانت “ الدولة” الوحيدة التي اشترطت عليها المنظمة الدولية تأمين احترام حقوق الإنسان، لاسيما لعرب فلسطين والإقرار بحق اللاجئين بالعودة بالقرار 194 الصادر عام ،1948 لكن هذه الجريمة أعادت مطالبة المجتمع الدولي وهيئات حقوقية ودولية بملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” وتوجيه لائحة اتهام ضدهم.

إن بحث مسألة الجريمة والعقاب لا يتعلق بجانبها النظري فحسب، بل بالجوانب العملية، وبخاصة بتحديد المسؤولية عن الارتكابات، بما له علاقة بالضحايا وجبر الضرر والتعويض، ناهيكم عن معاقبة المسؤولين وإصلاح نظام العدالة، ف”إسرائيل” على مدى أكثر من ستة عقود من الزمان كانت تعفي نفسها من أية مسؤولية سياسية أو جنائية أو مدنية أو أخلاقية، تجاه خرقها للقوانين الدولية والإنسانية، ولعل ذلك ما ذهب إليه تقرير غولدستون باسم لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، لاتهامه “إسرائيل” بارتكاب جرائم ترتقي إلى جرائم الحرب، التي يحاسب عليها القانون الدولي.

إن الإقدام على اغتيال المبحوح بدم بارد يعني أن “إسرائيل” لا تزال غير مكترثة بالقانون الدولي، فهي في الوقت الذي تمارس إرهاباً دولياً على أراضي دولة الإمارات وضد قيادي فلسطيني، فإنها تتجاوز سيادات عدد من البلدان، منتهكة بكل استخفاف قواعد القانون الدولي، غير عابئة بردود الفعل الدولية، خصوصاً استخدام جوازات سفر دبلوماسية لعدد من البلدان الأوروبية والغربية. ولذلك فإن إصرار دولة الإمارات العربية المتحدة على ملاحقة المرتكبين وكشف خيوط الجريمة يعني وضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهما، لاسيما الاستحقاق القانوني بعدم إفلات المرتكبين من العقاب، وكذلك الكشف عن حجم التواطؤ الدولي، سواء بتسهيل المهمات أو السكوت عن الجريمة أو عدم اتخاذ إجراءات جدية إزاء استخدام جوازات سفر دبلوماسية لعدد من البلدان، حيث قام الموساد بتزويد المرتكبين بها لتنفيذ مهمتهم.

وهنا يمكن اللجوء إلى القضاء الوطني لعدد من الدول لملاحقة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال المبحوح، خصوصاً أن نحو 47 دولة غربية تسمح قوانينها باتباع هذا الطريق رغم الضغوط “الإسرائيلية” والأمريكية، لاسيما أن الولاية القضائية لا تنحصر عند مكان أو زمان وقوع الجريمة، بل تقضي بملاحقة المرتكبين، بغض النظر عن جنسياتهم، طالما ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية، أو جرائم الحرب، وتلك التي يقع في تصنيفها جرائم الإرهاب والتعذيب والاختفاء القسري وغيرها، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

كما يمكن اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تم تأسيسها في روما العام 1998 ودخلت حيز التنفيذ العام ،2002 لملاحقة المتهمين باتباع الإجراءات القانونية التي يحددها ميثاقها.

وإذا ما استمرت الملاحقات على الوتيرة ذاتها وصولاً إلى نهاية الشوط، فهل ستبقى أسطورة “الموساد”؟

 

باحث ومفكر عربي



1032
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (20) القبعات الخضر والصيد الثمين!
عبدالحسين شعبان

2010-03-15
أخيراً تمكّن ذلك "الذئب" اللعين الذي ظل يترصّد جيفارا في حلّه وترحاله من الإمساك به، ثم افترسه على نحو شرس وفي ظرف ملتبس وغامض، حيث تعددت الروايات حول مقتله.
وكانت السلطات البوليفية قد ألقت القبض على المفكر الفرنسي "الماركسي" ريجيس دوبريه (أبريل 1967) وسجنته وعذبته، وحاولت أن تنتزع اعترافات منه حول مكان اختباء جيفارا، حيث اتهمته بالتعاون مع جيفارا في حرب العصابات "الأنصار" التي قادها في بوليفيا على رأس عصبة ماركسية اختارت طريق الكفاح المسلح والعنف الثوري، معتقدة بأن إنزال الضربات بالعدو ومباغتته بالهجوم بفرق مسلحة، لا سيما في الريف والأطراف يمكن أن يحقق الانتصار عليه، ويمهّد الطريق للوصول إلى العاصمة.
وبعد عمليات تعقّب معقدة وطويلة واكتشاف بعض الخيوط والحلقات الموصلة إلى مكان وجود جيفارا، وفي محاولة دعائية في إطار الحرب النفسية، "بشّر" الرئيس البوليفي الجنرال رونيه بارينتوس "العالم" بأن عملية اصطياد جيفارا باتت وشيكة، وأنه واثق هذه المرة من إلقاء القبض عليه حياً أو ميتاً، بعد أن كانت الإشاعات الرسمية قد "قتلته" عدّة مرات وأعلنت عن موته، لكنها هي نفسها عادت وكررت خبر ملاحقته ومحاصرته واحتمال إلقاء القبض عليه أو قتله.
ولعل واحداً من أسباب ثقة الرئيس بارينتوس يعود إلى تخلّي بعض أنصار جيفارا عنه ومحاولتهم كشف مكان وجوده، لا سيما بعد أن خصصت السلطات البوليفية مبلغ 5.000 (خمسة آلاف دولار) هدية لمن يبلّغ عنه، وثانيهما وهو الأهم اعتماد السلطات البوليفية على قوات متخصصة في حرب العصابات، والسعي للتصدي للأنصار بوسائل مستحدثة وقديرة.
وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد أنشأت في بنما مدرسة حربية العام 1949، وتألف طاقمها القيادي من مجموعة من الخبراء العسكريين برئاسة الجنرال بورتر، وهي مدرسة لتأهيل وتدريب عالية الكفاءة، لتخريج ضباط متخصصين بفنون الحرب في أميركا اللاتينية، الشاسعة والبالغة الصعوبة، وقد أضيف إلى اختصاصات المدرسة الحربية وعلى المنهج التدريبي والتأهيلي قسم جديد يتعلق بتدريب الجنود على أصول ووسائل حروب الغوار (العصابات) Gurrelia war لمواجهة الثوار في أميركا اللاتينية، لا سيما بعد انتصار الثورة الكوبية العام 1959 والخوف من امتدادها إلى دول القارة التي كانت أشبه بمرجلٍ يغلي، خصوصاً بصعود نمط التفكير الجيفاري، والدعوة إلى تأسيس البؤر الثورية في الريف، للانتقال بالثورة من الأطراف إلى القلب، بالزحف على المدن، لا سيما العواصم ومراكز التمدن.
لقد كانت مدرسة بنما نموذجاً للتعاون ما بين القوى المهيمنة على أميركا اللاتينية بقيادة الولايات المتحدة، والحكّام الدكتاتوريين لمواجهة المدّ الثوري، الذي تحرّك في مطلع الستينيات، وتضمن البرنامج التدريبي 40 أسبوعا من التدريب المتنوّع في ظروف وعرة وقاسية وتشبه إلى حدود غير قليلة، أوضاع حروب العصابات وتحمّل المصاعب والظروف الديموغرافية والطبيعية القاسية. وأوكل إلى خريجي مدرسة بنما الذين تدربوا على أيدي ذوي "القبعات الخضر" مطاردة جيفارا ونصب الكمائن له للإيقاع به تمهيدا لتصفيته، حيث تصاعد نشاطهم في مطلع العام 1967.
كان الرئيس البوليفي بارينتوس قد صرّح للصحافيين بأنهم توصلوا إلى محاصرة ريمون إحدى القيادات "المتمردة"، ولم يكن يعرف أنه أحد الأسماء المستعارة التي كان يستخدمها جيفارا في تحركاته بين الفصائل الأنصارية، وأكّد أنه سيلقي القبض على "تشي"، وتأتي بقية القصة حيث كان قد اعتقل اثنان من أنصار جيفارا واعترفا أثناء التحقيق معهما وتعذيبهما بأنهما يعرفان مكانه، وأن مرض الربو اشتد عليه، ثم قاما بإرشاد القوات البوليفية المتعاونة مع خريجي مدرسة بنما بطريق الوصول إليه، فدارت معركة طاحنة يوم 8 أكتوبر 1967 في منطقة "لاهيغويرا" بالقرب من "فالدي غراندي" وقتل 6 من الأنصار إضافة إلى جيفارا نفسه الذي جرح وظل يعاني حتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 9/10 بعد أن اخترقت جسده 9 رصاصات ثم أحرق جثمانه.
وبغض النظر عن رواية أسره حياً أو جرحه وغيابه عن الوعي أو قتله بإطلاق الرصاص عليه في المعركة، ثم مفارقته الحياة، فإن روايات كثيرة وغامضة ظلّت تكتنف غيابه، بما فيها رواية تقول عن أسره وتعذيبه بعد إلقاء القبض عليه، لكن أخطر تلك الروايات وأكثرها ألماً بالنسبة للثوريين وأصحاب المبادئ والقيم الذين يكرّسون حياتهم من أجلها هو خيانة الأوساط المقرّبة إليه، وبخاصة من رفاقه أو من المتعاونين مع قوات الأنصار، أو من يدافع عنهم وأعني بذلك، بعض الفقراء أو الكادحين، ممن يتم الضغط عليهم.
ولعل ثمة حكايات كثيرة عن الاختراقات الأمنية يعرفها من عاش وعمل مع القوات الأنصارية، مثلما تعرفها القوى الفلسطينية المسلحة. وحسبي هنا أن أشير إلى الرواية التي تقول إن السلطات البوليفية ورطت أحد الأنصار القدامى بجائزة مالية للأدلاء بمعلوماته عن جيفارا، تلك التي ضعف أمامها فسهّلت كشف مكانه ومن ثم تصفيته.
ولعل أجواءً سلبية كانت قد نشأت حتى داخل الأوساط الماركسية، لا سيما الرسمية، التي وقفت ضد "استراتيجيته" في الكفاح المسلح، بغض النظر عن صوابها أو عدم صوابها، فتسريب المعلومات عن الخصم أو المنافس، مهما كانت الحجج والادعاءات لا يخدم بالنتيجة إلا العدو المشترك، ومع كل ما قيل لا يوجد ما يؤكد أو ينفي، الدور الذي لعبته مثل تلك "الثرثرات" في الوصول إلى جيفارا واغتياله، لكن ظروف المنافسة وادعاء الأفضليات تدفع أحياناً إلى التصرف على نحو لا مسؤول في الكثير من الحركات الثورية والسرية بشكل خاص.
هكذا باعه بعض رفاقه إلى العدو لينتقم منه ويقتله بتلك السادية الوحشية وهو الذي ظل يسخر من الموت، لذلك ظل الكثيرون يعتقدون بأنه جيفارا لم يمت وأن الإعلان عن مصرعه، ليس سوى خدعة إمبريالية، وبقي أفراد عائلته والده وشقيقه يبحثان عنه ويتوقعان أن الثوري الشجاع والمشرد الأبدي سوف يتواصل معهم في أية لحظة ليقول لهم: إنه انتقل إلى بقعة أخرى من العالم ليواصل نضاله من أجل إسعاد البشر والدفاع عن حقوقهم.
لقد قتلوا جيفارا عدة مرّات وأعلنوا ذلك للعالم، الأمر الذي لم يصدقه الكثيرون يوم إعلان مصرعه الحقيقي، وهو الذي كان في كل مرة ينفض عنه غبار الموت ويُبعد قدر المستطاع أنياب الذئب الذي حاول أن يغرسها في لحمه، ويظهر بابتسامته وسخريته، أكثر قدرة على الصمود والمواصلة لحلمه الثوري الأزرق حتى وإن كان طيفاً، فالأخبار السيئة، لا يمكن التكتّم عليها!
بعد أسبوع على إعلان مصرع جيفارا قطع فيديل كاسترو الشك باليقين يوم أعلن في 15 أكتوبر 1967 بحزن شديد في خطاب دام ساعتين إنهم متأكدون من مقتله، وذلك بعد دراسة جميع الوثائق المتعلقة بمقتله، لا سيما الصور وفقرات من يومياته التي نشرت، والظروف التي رافقت اللحظات الأخيرة من مصرعه، وقال كاسترو بنبرة حزينة "تأكدنا للأسف أن تشي مات فعلاً".



   


1033
المعرفة من أجل الحق
   

عبدالحسين شعبان
يستعيد هذا العنوان ما كان طرحه الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون قبل قرون من الزمان حين وصف المعرفة بأنها “قوة” أو “سلطة”. وبهذا المعنى، فالمعرفة تمتلك نفوذاً معنوياً ومادياً، وفي الوقت نفسه، فهي حق وواجب أيضاً، حين تتحدد المسؤولية على الدولة والمجتمع بوحداته المختلفة، ابتداءً من العائلة والمدرسة والمحيط، ووصولاً إلى الرهان على المستقبل، وخصوصاً إذا ما تم غرس المعرفة في الطفولة، فيمكن لها أن تزدهر وتتفتح في الكِبَر، لأن الطفولة لا تعني الحاضر فحسب، بقدر ما لها من ارتباط وثيق بالمستقبل، الأمر الذي يقع أيضاً في صلب مهمات الدولة، إضافة إلى النخب الفكرية والسياسية.

يمكن القول إن مسألة البيانات وقاعدة المعلومات مهمة لأي بحث أكاديمي، ولا يصحّ من دونها تعميق المعرفة وتطوير البحث، فالوثيقة في البحث العلمي هي خبر لأنها تُغني عن الكثير من التفاصيل والشروح أحياناً، مثلما نقول في الإعلام الصورة خبر، والإعلامي أو الصحافي حسب ألبير كامو هو مؤرخ اللحظة، والصحافة.. ويمكننا القول إن الإعلام، في ظل الثورة العلمية - التقنية وثورة الاتصالات والثورة الرقمية، هو صاحب الجلالة، وهو بموازاة السلطات الثلاث، خصوصاً وهو يملك صفتين أساسيتين، هما سلطة الكلمة وسلطة الحق، لاسيما إذا ما أُحسن استخدامه، وإذا ما استطاع التأثير في المجتمع، وأصبح جزءاً مهماً من الرأي العام، فإنه سيكون ذا تأثير كبير في عملية التنمية والإصلاح الديمقراطي، وبخاصة إذا توفرت له بيئة حاضنة، تتيح تعزيز وتعميق الثقافة والوعي.

إن الوعي بالحقوق وتبنيها يتحوّل بالتدريج إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها، إذا جاءت بالتراكم وعبر قناعات لقطاعات ونخب المجتمع والدولة، الأمر الذي يطرح مسألة دور المجتمع المدني، باعتباره قوة اقتراح وشراكة وليس قوة احتجاج واعتراض فحسب، خصوصاً إذا كان ما يقوم به مهنياً ومستقلاً، نائياً بنفسه عن الانخراط بالصراع الإيديولوجي الدائر في المجتمع، وإذا ما اتّبع طريقاً سلمياً للمطالبة بتحقيق أهدافه، بصورة تتّسم بالعلانية والشفافية والقانونية، فسيكون له تأثير كبير في مجرى التحوّل الاجتماعي.

ولعل الشراكة تتطلب حرية التعبير، وتأكيد حق الاعتقاد، وحق التنظيم الحزبي والنقابي، وحق تولّي جميع الوظائف بما فيها العليا من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللغة أو اللون أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو غيرها.

لا شك في أن هناك تحدّيات تقف في مواجهة المعرفة، داخلية وخارجية، سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وهي تعرقل الوصول إلى الحق، بل تضع كوابح وعقبات في طريقه، ولعل من أهمها عدم توفّر بيئة تشريعية مناسبة تنسجم مع المعايير والاتفاقيات الدولية.

وما زالت المنظومة القضائية وأطرافها (القضاة وأجهزة التحقيق) وسلك التنفيذ: جهاز الشرطة والأمن والسجون، وغيرها قاصرة، ناهيكم عن النقص الفادح في ميدان التربية والتعليم، لاسيما تعارض أو عدم انسجام المناهج التربوية مع المعايير الدولية، الأمر الذي يحول دون بناء مواطنة متوازنة وحرّة وواثقة بنفسها.. وإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرار تفشي ظاهرة الأمية، حيث يوجد أكثر من 71 مليون أميّ في الوطن العربي، وهي نسبة تعتبر من أكبر النسب العالمية، فإن المسألة ستكون في غاية الخطورة، خصوصاً في ظل عدم التوزيع العادل للثروة. وإذا ما عرفنا الموارد الهائلة التي تمتلكها هذه المنطقة، فإن مثل هذا التفاوت الذي يؤدي إلى هضم حقوق فئات واسعة من السكان تعاني من شظف العيش أو الفقر وما دونه أحياناً، سيترك انعكاساته السلبية، بزيادة حدة توتر المجتمعات التي تعاني منه وارتفاع منسوب العنف وسياسات الإقصاء والتهميش.
والأمر ينسحب أيضاً على الإعلام والثقافة، خصوصاً بضعف الوعي والنقص الفادح في ثقافة المواطنة والمساواة واحترام حقوق الأقليات وحقوق المرأة وحقوق الطفل، لاسيما الحق في التعبير والنظرة غير المتوازنة، بل والتمييزية، بين الذكور والإناث، ناهيكم عن الموقف من الأقليات القومية والدينية والمعاقين والمهاجرين والمهجرين والمهمشين والأيتام وغير ذلك.
لعل الحق في التعليم والحق في الصحة والحق في السكن وفي ضمان مستقبل للطفولة يشكل أساساً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الحقوق المدنية والسياسية، وهذه جميعها حقوق غير قابلة للتجزئة ولا يمكن التعامل معها بانتقائية، كما لا يمكن تأجيل بعضها أو استبعاد بعضها الآخر، بحجة الأولويات، لأن غياب أي جزء سيؤثر في الأجزاء الأخرى، فمسألة الحقوق مثل السبيكة الذهبية، لا يمكن اقتطاع جزء منها وإلاّ ستكون ناقصة أو مبتورة أو مشوّهة.
وتلعب العادات والتقاليد الاجتماعية البالية واستخدام الموروث واستغلال الدين بالضد من تعاليمه السمحاء، لاسيما بالتطرف والتعصب والغلو، دوراً معرقلاً لاحترام الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من المعرفة والثقافة لمواجهة مثل هذا النقص، وهو ما يتطلب نشر الوعي الحقوقي لدى خطباء المساجد والجوامع وقيادات الأحزاب والمنظمات الاجتماعية والمهنية، وبخاصة تأكيد وحدانية القانون وسيادته وخضوع الجميع له، حكاماً ومحكومين، ولعل ذلك سيكون عاملاً مساعداً في نشر الثقافة الحقوقية والمعرفية في المجتمع بخصوص احترام جميع الحقوق، وباتجاه تجسير الفجوة بين الحكومات والمجتمع المدني من جهة، وبين مجتمع الكبار ومجتمع الصغار من جهة أخرى، فضلاً عن تجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق، لا من خلال التطابق بينهما، بل لجعل الأولى تسير بخط متواز مع الواقع المتغيّر، وهذا يحتاج إلى الرصد والمراجعة، مثلما يتطلب تجسير الفجوة بين ما هو قانوني وما هو عملي وواقعي.
ستكون المعرفة قوة حقيقية إذا ما اتّسمت بالحق وصولاً إلى العدالة المنشودة. وحسناً فعل المجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية وجامعة الدول العربية وشركاؤهم عندما وضعوا عنواناً لمنتداهم الثالث للطفولة المنعقد في القاهرة “المعرفة من أجل الحق”، ولعل هذا العنوان البليغ يختصر الكثير من الدلالات، لاسيما وأنه جمع في دفتيه: المعرفة والحق اللذين لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم من دون الطيران بهذين الجناحين، خصوصاً بمساهمة جدية من المجتمع المدني المكمّل والشريك مع الدولة في فضاء من الحرية، ليس بعيداً عن فضاء الوعي والثقافة.
باحث ومفكر عربي


1034
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (19) نزيف بصمت!
عبدالحسين شعبان
2010-03-08
تأسست أول جمعية للصداقة الفلسطينية-الكوبية العام 1981 في بيروت، وكان رئيسها محمد أبوميزر (أبوحاتم)، وبعد العام 1988 تم «ترشيد» الجمعية وهيكلتها مجددا من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث تم تعيين صلاح صلاح رئيسا لها بعد أن كان أمينا للسر، وما زال حتى الآن رئيسها، في حين أصبح عثمان أبوغربية أمينا للسر. وكان لقاء مهم قد عُقد بين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (أبوعمار) وفيديل كاسترو، وآخر بين الدكتور جورج حبش وكاسترو، وكانت اللقاءات حميمية، لدرجة أنه في أحدها أخذهم الزعيم الكوبي إلى حقل رماية (وضمّت ذلك صورة كاسترو- حبش- صلاح صلاح).
وكان واحد من اللقاءات العربية-الفلسطينية قد تم في إطار مؤتمر الشعب العربي برئاسة عمر الحامدي، حيث زار هافانا في الثمانينيات، وكان من بين أعضاء الوفد صلاح صلاح وأحمد السويسي وإنعام رعد، وفي زيارة أخرى للجبهة الشعبية كان رئيس الوفد أبوعلي مصطفى.
ويُعتبر صلاح صلاح أحد الشخصيات الفلسطينية الأكثر قرباً من الأجواء الكوبية، حيث درس هناك واستمرت علاقته طيلة العقود الثلاثة الماضية، وحرص على تمثيل فلسطين بغض النظر عن موقعه القيادي السابق في الجبهة الشعبية، ومن خلاله تعرّفه على أميركا اللاتينية ارتبط بصداقات واسعة وفضاء شاسع مع المجتمع المدني وبخاصة خلال العقد الماضي.
يقول صلاح صلاح إنه التقى بكاسترو ثلاث مرات، في الأولى عندما كانوا في بيت الضيافة وجاءهم من يخبرهم بلقاء أحد المسؤولين، فوجدوا كاسترو أمامهم، وكان الحديث غير بروتوكولي. وفي الثانية في مؤتمر الحزب (أواسط الثمانينيات)، والثالثة في المهرجان العالمي للصداقة مع كوبا في التسعينيات حيث ألقى في الجلسة الختامية كلمة فلسطين، وهناك التقى كاسترو حيث دعاه إلى قصر الضيافة والتقاه أكثر من مرة.
ولعل واحدا من أسباب صمود كوبا واجتراحها الحرمانات والعذابات هو شخص كاسترو، الذي كان يتحسس نبض الناس ويعيش همومهم ويخاطبهم بلغتهم، ويتعامل ببساطة وشعبية معهم، فضلا عن مصارحتهم بحجم المصاعب والتبعات، الأمر الذي كان فيه تخفيف للكثير من معاناتهم، رغم أن الحصار الأميركي وصل إلى حدود لا تطاق. وقد كان كاسترو رغم مكانته الريادية ودوره الفكري والسياسي وقدراته التنظيمية الكبيرة في الثورة والدولة- حريصا على إظهار رمزية جيفارا وكفاحه، وظل على هذا الوفاء طيلة العقود الماضية، دون أن تتضخم لديه «الأنا» فيشطب أقرب المقربين له، حتى وإن كان هو الأول بامتياز.
كان كاسترو أقرب إلى رومانسية وراديكالية حبش منه إلى الوسطية والبراغماتية التي يتسم بها بعض قيادات الحركة الثورية الفلسطينية والعربية، وعندما اندلعت المشكلات الفلسطينية-الفلسطينية والموقف من التسوية، جاء وزير المواصلات الكوبي (من أصل لبناني) وبقي نحو شهر في بيروت في محاولة لحل الخلاف داخل فتح (1983). وكان نايف حواتمة هو الآخر قد التقى كاسترو كما ذكر ممدوح نوفل، وقد أقامت الجبهة الديمقراطية علاقات وطيدة مع كوبا بما فيها تبادل الزيارات، حيث فتحت كوبا ذراعيها لاستقبال أعداد من كوادر الجبهة الديمقراطية للتدريب والدراسة، وقد تقلّص العدد لاسيما بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية الكوبية في مطلع التسعينيات.
وكان كاسترو يردد دائما: صحيح أننا وحدنا، لكننا دائما في القمة، وكانت فلسطين في قلب كاسترو ورأسه، وتعتبر كوبا الدولة الأكثر قربا إلى فلسطين التي كانت تصوت باستمرار في صالحها في الأمم المتحدة، رغم أنه في أوائل الألفية الثالثة بدأت بعض العلاقات الاقتصادية تتشكل مع إسرائيل وأعيد افتتاح الكنيس اليهودي، لاسيما إثر أطروحات كاسترو ومراجعاته عن الشيوعية والدين، وهي أطروحات بحثت في المشترك الإنساني والأخلاقي بين الكنيسة والشيوعية، وكانت تلك الأطروحات عبارة عن مقابلة مطولة مع رجل الدين المسيحي فراي بيتو، ونشرت لاحقا في كتاب ترجمه حامد جامع وصدر عن «الحقيقة برس» ومجلة «قضايا العصر» في بيروت وعدن العام 1988، واحتوى الكتاب على حوارات مثيرة تستحق أن تُقرأ، وأن يتم التوقف عندها فيما يتعلق بالموقف الماركسي من الدين وتجربة كاسترو الشخصية.
وقد قامت إسرائيل بشكل غير مباشر -وأحيانا بشكل مباشر- بفاعليات وأنشطة عبر شركات ومؤسسات، في محاولة للتغلغل لاستعادة العلاقة مع كوبا، ويروي عماد الجدع (نقلا عن صلاح صلاح) أن أحد الفلسطينيين في أميركا اللاتينية حاول تقديم عطاءات حول استثمار الحمضيات، واتفق مع الكوبيين على المشروع، لكنه اعتذر لاحقا حين وضعه الأميركيون أمام خيارين، إما إلغاء الشراكة والصفقة، أو أن مصالحه ستكون في خطر، الأمر الذي دفعه لاتخاذ قراره بالتخلي عن عطائه، وهنا تقدمت على جناح السرعة شركة أخرى لأخذ المشروع، واتضح أنها لم تكن بعيدة عن الأيادي الصهيونية.
وبغض النظر عن صحة الرواية أو عدم صحتها فإن هذا هو ما فعلته إسرائيل مع إفريقيا، فبعد أن تم قطع علاقات 30 دولة إفريقية فيما بين العام 1967 والعام 1973، إذا بإسرائيل تعود بنفوذها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية «ومساعداتها» كقوة نافذة يُحسب لها حسابها، ابتداء من السدود التي قامت ببنائها في إثيوبيا، ومرورا باتفاقيات وامتيازات عسكرية، ووصولا إلى تعاون سياسي وأمني متعدد الجوانب، وهو ما عملت عليه لتعزيز علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية.
ولا يفوتني هنا وأنا أتناول العلاقات الفلسطينية-الكوبية كجزء من العلاقات العربية-الكوبية أن أذكر أن علاقة كاسترو بصدام حسين كانت قوية جدا، وهو ما أثار عليه حفيظة اليسار العراقي، لاسيما التهاون إزاء القمع والملاحقات التي كان الشيوعيون واليساريون وغيرهم يتعرضون لها، وهو الموقف ذاته من الدول الاشتراكية الأخرى التي غالبا ما كانت تقدم مصالح الدولة على «المصالح الأممية»، وتلك إشكالية ظلت دون حل، بل إن حلها كان مستعصيا بحكم نهج الهيمنة وتفضيل ما هو قطري وحكومي على حساب ما هو أممي وإنساني، وتلك معاناة مشتركة لا تتعلق بالتيار الماركسي وحده، بل بالتيار القومي العربي والتيار الإسلامي اللذين وصلا إلى السلطة، وكيف تعاملت هذه التيارات أو القوى مع رفاقهم بتقديم مبدأ الدولة والمصلحة على مبدأ التضامن والمبادئ.
وبالنسبة لكوبا وكاسترو كانت الحساسية أشد؛ بحكم الجانب العاطفي والنظرة الرومانسية التي كان يتعامل بها اليسار العربي والعراقي مع كوبا، قياسا بالدول الاشتراكية البيروقراطية التي كان لليسار معها تجارب مريرة، دون التقليل من حجم مساعداتها ومواقفها الإيجابية، لكن علاقة كاسترو بصدام بدأت بالتصدع، لاسيما عندما خاطبه برسالتين طالبا منه الانسحاب من الكويت، رغم أن كوبا استمرت في موقفها ضد الحصار الاقتصادي على العراق وضد إعلان الحرب الإمبريالية عليه، كما وقفت ضد احتلاله العام 2003 وصوتت في الأمم المتحدة ضد القرارات الجائرة والمجحفة بحقه. ولعل هذه المسألة تستحق وقفة جدية في التقويم والمراجعة، وباختصار يمكننا القول إنه غالباً ما يجري التبرير من جانب الدول والحكومات «الاشتراكية» بأن تعزيز علاقاتها مع دول التحرر الوطني سيعزز من مكانتها ومن مكانة الاشتراكية موضوعيا، الأمر الذي يمكن النظر إليه بعيون مستقبلية في إطار الصراع الكوبي ضد الرأسمالية والإمبريالية.
وكانت تململات أو همهمات بعض الأحزاب الشيوعية -التي غالبا ما تقال على استحياء أو تقدَّم كاستفسارات- تذهب أدراج الرياح، ويفضل المسؤولون عدم التعرّض لها في الإعلام، أو النقد العلني لبعض المواقف التي تتخذها الدول الاشتراكية كمداهنات للدكتاتوريات «الثورية» الحاكمة، طالما كانت علاقاتها معها جيدة، وفي الكثير من الأحيان كان للقياديين من الأحزاب الشيوعية امتيازات لا يريدون تخفيض سقفها، ناهيكم من أن أي مواقف متعاكسة مع «المركز الأممي» أو مواقف الدول الاشتراكية قد تطيح بهم وتشجع بعض المتنافسين والمغامرين على المواقع الأولى، حيث تبدي هذه العناصر استعدادها لتقديم الولاء الأعمى «للأممية الحاكمة»، الأمر الذي يمكن معه إزاحة خصومهم، فضلا عن أن جزءًا من هيبتهم ونفوذهم اكتسبوه من علاقاتهم الأممية.
في التسعينيات ظلت كوبا تنزف بصمت، وأدار الكثيرون ممن حلموا بجزيرة الحرية وتغنوا بها ظهورهم للتجربة بكل ما لها وما عليها، باستثناءات قليلة، ولعل واحدا منها هو الاستثناء الفلسطيني، فقد ساعد أبوعمار في دعم كوبا إبان أزمتها الخانقة، ويذكر صلاح صلاح أن عملية وقف تصدير النفط إلى كوبا كانت أقرب إلى عملية خنق، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتفتيت الاتحاد السوفيتي، حيث هيمن الظلام على كل شيء، وكاد كل شيء أن يتوقف ويتعثر ويتعطل، يومها استعانت القيادة الكوبية بأصدقائها الفلسطينيين، فجاء وكيل وزارة خارجية كوبا إلى لبنان وطلب مساعدة أبوعمار، وجرت اتصالات لتأمين ذلك، وذهب وفد كوبي إلى تونس، وكان أبوعمار حينها يتعامل مع شركات نفطية، فأمّن له عدداً من البواخر التي نقلت النفط على جناح السرعة إلى كوبا، وهي مسألة لا ينساها الكوبيون!
ومع أن الأزمة التسعينية قد تم احتواؤها، إلا أن آثارها لا تزال باقية حتى الآن، ولعل هافانا لا تزال من أكثر المدن ظلاما، حتى أنني تخيلت -بسبب الاقتصاد في الطاقة الكهربائية والحرص على عدم تبديدها- أن ثمة خللا مركزيا قد حصل في التوزيع الكهربائي لأحياء وبلدات تعاني من انقطاعه لأوقات طويلة، وهو أحد أعصاب الحياة الضرورية، حتى وإن تم تخصيصه للقطاعات الأكثر حاجة مثل المستشفيات والمراكز الطبية والتغذوية والمعامل والجامعات وغيرها، وهذا ما انعكس على وجوه الناس وما أثر في سلوكهم، لدرجة أن الشعب الكوبي الطيب كثير المرح والرقص والغناء، بدا كأنه منكمش، وهو ما تركته عليه سنوات الحصار الأميركي الجائر.
 


1035
أين سترسو سفينة الانتخابات العراقية؟!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
لعل الانتخابات العراقية تثير أكثر من مفارقة، فهي الثانية بعد انتخابات العام 2005 وما زالت سفينتها تتأرجح وسط أمواج البحر العاتية، فهل ستصل في نهاية المطاف الى المرفأ الذي سيؤمن لها إعادة الابحار أم أن العواصف الهوجاء  ستتقاذفها في منتصف الطريق؟
المفارقة الأولى بدأت بالمعركة العنيفة حول قانون الانتخابات حين تأخر تشريعه في البرلمان ودار الجدل والسجال حول مسألتين أساسيتين: أيهما أصلح القائمة المغلقة أو القائمة المفتوحة؟ وإن أعطت الأخيرة خيارات أكثر للناخب في إطار القائمة الاّ انها حرمته من حق الاختيار لشخصيات أخرى في قوائم أخرى، أو في إطار الترشيح الفردي، وهذا النظام المعمول به في بعض البلدان، مثل بلجيكا واسرائيل حسبما أعرف، يحتاج الى درجة عالية من الوعي ومن الاصطفاف السياسي وفقاً لبرامج محددة، لا أراها واضحة في الحالة العراقية، لأن البرلمان سيعيد انتخاب المجاميع السياسية ذاتها، وهي ستة كتل أساسية: جماعة المجلس الاسلامي وحزب الدعوة وجماعة مقتدى الصدر والحزبين الكرديين يضاف اليهما كتلة ناوشيروان مصطفى والحركة الاسلامية الكردستانية وجماعة إياد علاوي، ويمكن إضافة جماعة جواد البولاني وزير الداخلية الحالي.
وبعد نقض نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي قانون الانتخابات، أعيد الى مجلس النواب، الذي تم تعديله بالتجاوز على حصص بعض المحافظات، الأمر الذي أثار رد فعله الشديد وتهديده بنقضه ثانية، فضلاً عن حفيظة تلك المحافظات، والمهاجرين واللاجئين في المنافي. ولعل تلك المفارقة الاولى كانت مثار صراع عنيف ومخاض قاسي، ورافقها أخطاء وحساسيات وتفسيرات مختلفة، لاسيما في مسألة المقاعد التعويضية التي ستستحوذ عليها القوائم الكبيرة، الأمر الذي بحاجة الى مناقشة مفتوحة لقانون جديد للانتخابات لاحقاً.
المفارقة الثانية هي أن الانتخابات بدأت بمعركة قاسية سبقت معركة الانتخابات، وهي معركة ما سمي بالاجتثاث، باستبعاد عدّة مئات من المرشحين بينهم من شارك في العملية السياسية منذ سنوات، بل كان جزءًا من البرلمان المنتخب والذي انتهت  ولايته التي دامت أربع سنوات.
أما المفارقة الثالثة فهي المحاولات التي سعى اليها الاميركان لثني الحكومة العراقية عن مسألة الاجتثاث، لكي تكون الانتخابات أكثر شفافية وتمثيلاً وأكثر قبولاً لدى الرأي العام العالمي، وهو ما صرّح به نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن الذي وصل الى بغداد عشية اتخاذ قرار حاسم بشأن الاجتثاث، وما ذهبت اليه الامم المتحدة أيضاً، لكن الأمور سارت باتجاه آخر رغم التحذيرات والضغوط وربما التهديدات برفع اليد عن الوضع العراقي، والتسريع بالانسحاب، الذي قد ينجم عنه فراغ غير قليل، خصوصاً في ظل عدم استكمال تأهيل الجيش العراقي، وهو ما يؤيده وزير الدفاع العراقي الذي قال أنه بحاجة الى عشر سنوات أخرى، أي أنه في العام 2020 ستكون القوات المسلحة العراقية قادرة على حماية العراق من التهديدات الخارجية، خصوصاً باستكمال تسليحه، وهو ما تذهب اليه بعض المصادر العسكرية الغربية أيضاً، حين تقول أن الجيش العراقي سيكون جاهزاً في العام 2018، ليضطلع بمهماته في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
المفارقة الرابعة هي "انتصار" إرادة حكومة المالكي على المحتل الأمريكي ورضوخ هذا الأخير للرأي السائد لدى الحكومة في موضوع الاجتثاث المدعوم ايرانياً، رغم أنه لا يمكن التكهن فيما إذا خسر الفريق، الذي تراهن عليه الولايات المتحدة، وهو أكثر من واحد، فماذا سيكون موقفها إزاء الفريق الفائز، ثم كيف سيتصرف هذا الأخير معها وبخاصة علاقته مع إيران؟ وهي مسألة شديدة الحساسية لواشنطن.
ان نجاح المالكي والمتشددين ضد البعثيين عشية الانتخابات في معركة الاجتثاث أعطتهم رصيداً جديداً وربما ساهمت في نوع من الدعاية لهم، خصوصاً "تعظيم" المخاوف بشأن مسألة عودتهم واحتمالات القيام بانقلاب عسكري وغيرها من المحاولات التي سعت للتلويح بالخطر القادم من "الآخر" في سعي لتحفيز بعض الناخبين لكي ينخرطوا في التصويت لهم، للحيلولة دون عودة الماضي، أو هكذا عزفت وسائل الدعاية للجماعات " الشيعية" في الحكم. وإذا كانت مسألة الاجتثاث وسيلة دعائية أغراضها انتخابية، وهي ستضعف المُستبعدين والقائمة العراقية التي تمثلهم في بعض المناطق، فإنها في الوقت نفسه ستكون دعاية لصالحها في مناطق أخرى.
اللافت في الأمر أن السفير الامريكي سلّم بمسألة تجاوز المُستبعدين، وقد يعود ذلك الى تسليم القائمة العراقية ذاتها، بما فيها المستبعدين أنفسهم الذين دعوا أنصارهم للمشاركة في الانتخابات بقوة، لكي يتم الحيلولة دون مقاطعة سياسية وشعبية، وهي لم تعد واردة، رغم أن المشاركة ستكون غير كبيرة، وهو واحد من الاحتمالات الراجحة، لاسيما في ظل الموجة الارهابية التي ضربت البلاد طولاً وعرضاً بما فيها استهداف المسيحيين في الموصل وغيرها، في الاسابيع الاخيرة، وكانت " دولة العراق الاسلامية" قد هددت القيام بعمليات دموية ضد المراكز الاقتراعية وبعض المرافق والمنشآت الرسمية وبخاصة الوزارات.
المفارقة الخامسة التي تشهدها الانتخابات الحالية، أن الكل يتهم الكل بمحاولة شراء الأصوات والذمم، وإن الجميع حصل على دعم خارجي وتمويل أجنبي، وأن الكل يغمز الكل بأن "هذا" تقف خلفه جهة إقليمية و"ذاك" جهة دولية، بل ان البعض يقول صراحة أن أجهزة الدولة تسخّر للدعاية الانتخابية وإن المال العام يوظّف بطريقة حزبية، حتى أن رجل دين اتهم وزير التعليم علناً بأنه يقف وراء انحيازات حزبية بتهديده المعلمين للحضور الى احتفالات ينظمها بيوم المعلم، وإذا بالأمر عبارة عن تحشّدات انتخابية.
المفارقة السادسة ذات الخصوصية العراقية وربما اللبنانية الى حد ما، هي أن الإنتخابات عالمياً تشهد مرحلة الاحتدام وما بعدها يمكن للفريق الفائز تشكيل الحكومة حيث تنتقل الأقلية الى المعارضة، لكن معضلة التوافق أو ما أطلق عليه الديمقراطية التوافقية تحوّلت الى ديمقراطية تواقفية بحيث تم تعطيل أجهزة الدولة والبرلمان والى حدود معينة جرى التأثير على القضاء (اتهامات متبادلة من الفرق المتخاصمة) عبر نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي المذهبي والاثني، حيث طالت في انتخابات العام 2005 فترة تشكيل الحكومة بضعة أشهر بحجة الاتيان بحكومة وحدة وطنية، وإذا بها بعد فترة تتعرض للتصدع والتراشق والتكتلات وتغيب وحدتها السياسية، ناهيكم عن عدم تمكنها من تحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة السياسية، وما زال الوضع الأمني يعاني من هشاشة واختراقات رغم تحسنه على نحو ملحوظ خلال عامي 2008 و2009.
المفارقة السابعة ان الانتخابات ستكون مجسّاً جديداً للأمريكيين للانسحاب من العراق حسب ما تذهب اليه الاتفاقية العراقية- الامريكية، حيث ستبدأ المرحلة الاولى في آب (أغسطس) العام الجاري، وستنتهي في نهاية العام 2011، لكن بقاء بعض الاشكالات، بل ارتفاع منسوبها بعد الانتخابات، سيكون لغماً كبيراً يواجه الوضع السياسي، وهذا ما ستحدده نتائج الانتخابات، فهناك لغم كركوك وهو ما يعكسه الاحتدام السياسي في محافظة كركوك وكذلك لغم الموصل الى حدود غير قليلة،  وتوضحه البرامج الانتخابية المتضادة ، المتناحرة، والتي ليست بعيدة عن التداخل الاقليمي، إن الأمر خطير جداً ما لم يصغِ الجميع الى صوت العقل والحكمة ويجنحوا الى السلم.
والأمر ينطبق على الدستور وتعديلاته المنشودة وكذلك صلاحيات الدولة الاتحادية على حساب صلاحيات الاقليم، ففي حين يعتبر الكرد هذه الصلاحيات خطاً أحمر، لكن المالكي كان قد ألمح بصوت خافت احياناً أو بصوت عال في أحيان أخرى، بأنه لا بدّ من إعادة النظر بصلاحيات الإقليم لحساب السلطة الاتحادية، والمسألة ستشمل النفط والعقود النفطية للاقليم وغيرها من القضايا العقدية.
لعل المفارقة الثامنة هي أنه من المحتمل أن لا يحصل أي فريق على الأغلبية المنشودة، الأمر الذي سيفتح الباب واسعاً للمناورات السياسية والحزبية بين "الأقليات" ، لأن الجميع قد يكونون أقلية في البرلمان القادم، وإن كان حجم الاقليات يكبر أو يصغر، لكن الجميع سيكون بحاجة الى المظلّة الامريكية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية أمنية لم تستنفذ أغراضها من جانب  الفريقين حتى الآن.



1036
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (18) كاسترو- أبوعمار- حبش: رومانسية لا غنى عنها
   

عبدالحسين شعبان
2010-03-01
ظل جيل الستينيات وإلى حدود معينة جيل السبعينيات يربط بين رمزية النضال الفلسطيني والكوبي، لاسيَّما الالتقاء في الكثير من الشعارات والأهداف وأساليب الكفاح الثوري التي سادت آنذاك، خصوصاً ما مثّله جيفارا من أحلام وشجاعة جاءت به من أميركا اللاتينية إلى مصر والجزائر، ثم الاختفاء الغامض في الكونغو وبعده انتقاله لقيادة الكفاح المسلح في بوليفيا، وفيما بعد مصرعه الذي حمل الكثير من المعاني والأسرار.
كل ذلك حصل في إطار رومانسية ثورية كانت تميل إليها حركات تحرر فلسطينية وعربية ومناضلون حالمون وجدوا في النموذج الجيفاري مثالاً يتطلعون إليه في ملامسة واقع شديد البؤس، متجسداً في الاحتلال من جهة، ومن الجهة الأخرى في أنظمة حكم لا تستجيب لمطالب شعوبها. ورغم ما أثارته الموجة الجيفارية من جدل واختلاف وتباين في الرؤية وبين ما كانت الحركة التحررية العربية تعيشه، لاسيَّما تياراتها الأساسية آنذاك، اليسارية الماركسية بما فيها الجديدة، واليسارية القومية، فإنها تركت الكثير من البصمات على الجو السياسي والفكري السائد آنذاك.
وأستطيع القول -رغم وجود نموذج فيتنامي ناجح وتجارب لحركات الأنصار الشيوعية، لاسيَّما في الحرب العالمية الثانية وبخاصة في أوروبا- أن الموديل الجيفاري كان الأكثر جاذبية وتأثيراً، لدرجة أن بعض خصومه الفكريين كانوا قد تأثروا به أيضاً، وعلى أقل تقدير كانوا ينظرون إليه بإعجاب كبير.
وقد زخر الأدب السياسي الفلسطيني المقاوم والأدب العربي خلال فترة أواخر الستينيات والسبعينيات بمصطلحات واقتباسات لم تكن بعيدة عن اللغة السياسية والأدبية التي كان يستخدمها جيفارا وكاسترو، فجرى الحديث عن «البؤر الثورية» و «الكفاح المسلح» و «الزحف من الريف إلى المدينة» و «تسريع دور العامل الذاتي في تثوير العامل الموضوعي» و «استخدام العنف الثوري» و تأسيس نُويّات لحركات الأنصار وإشعال المقاومة ودور القوى التحررية في القارات الثلاث كضلع ثالث للدول الاشتراكية والطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، لاسيَّما أن الثقل الثوري انتقل إليه.
وهكذا ساد نوع من الرومانسية الثورية والحلم الغامض الجميل، لدرجة حاول بعض الشباب تمثيل شخصية جيفارا فارتدوا قبعته وأطلقوا ذقونهم واتجهوا إلى الأرياف ومعهم كثير من الأحلام وبضعة كتب، على أمل حشد الفلاحين للثورة على الحكام الدكتاتوريين والأنظمة التقليدية، بل إن بعض الحركات الثورية كانت قد تبنّت هذا النهج حتى وإن كان في ظروف مختلفة، الأمر الذي أدّى في بعض الأحيان إلى حرق المراحل وتبديد إمكانات وطاقات كان يمكن ادّخارها، ولو كانت قد تُركت للتطور الطبيعي، التدريجي، التراكمي لأحدثت نوعاً من التغيير حتى وإن كان طويل الأمد. وهنا أستذكر كيف انخرط بعض الشباب في ما سمّي بالكفاح المسلح في العراق، وهو ما دعت إليه القيادة المركزية للحزب الشيوعي- جناح عزيز الحاج بعد الانقسام في الحزب (سبتمبر عام 1967) وقيل إن الفلاحين لم يستوعبوا ذلك، فجرى الإخبار عنهم، أو إن بعضهم قتل من جانبهم، وبين هؤلاء صديقاي أزهر الجعفري وسامر مهدي، فضلاً عن بعض الشخصيات المعروفة مثل خالد أحمد زكي الذي قتل في معركة غير متكافئة.
وكانت المقاومة الفلسطينية الصاعدة، لاسيَّما بعد عام 1967 قد تمثلت هذا النموذج واتخذت منه شكلاً ومضموناً مصدراً أساسياً في نشاطها وأساليب عملها، وكان شعور عام قد ساد بأن كوبا هي الأكثر قرباً من الدول الاشتراكية إلى العالم العربي وأنها أكثر حرارة وصدقاً في التعامل مع قضاياه، لاسيَّما ما مثّلته شخصية كاسترو وجيفارا من رمزية كبيرة، دفعت الكثير من الشباب إلى التمثل بهما.
وقد كانت السبعينيات المحطة الأساسية التي توطدت فيها، بل واستقرت العلاقات الفلسطينية- الكوبية وربما العربية- الكوبية، لاسيَّما زيارات ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة وعامر عبدالله وجورج حاوي وآخرين إلى هافانا، كما تعززت العلاقات الكوبية- العربية على صعيد العلاقات الدولية، لاسيَّما مع العراق واليمن الجنوبية والجزائر وسوريا وليبيا، وقبل ذلك مصر وغيرها.
ويتذكر المقاومون الفلسطينيون باعتزاز كبير موقف السفير الكوبي في بيروت، خسنتو، الذي كان خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت عام 1982، يداوم يومياً بمقرات قيادات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وهذا الموقف الذي اتّخذه لم يكن بعيداً عن المواقف التي اتخذتها القيادة الكوبية ممثلة بكاسترو وجيفارا يوم اعترفت، بل وتميّزت بمواقفها المؤيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية وفي المقدمة منها حق تقرير المصير، لاسيَّما أن إسرائيل حسب تقييمات القيادة الكوبية كانت حتى قبل عام 1967 بؤرة للتوتر وتهديداً للسلام والأمن في المنطقة ومصدراً للحروب والنزاعات المستمرة.
لقد كانت حساسية الكوبيين شديدة إزاء ما حصل للفلسطينيين، وكلما تعرفوا أكثر على الأوضاع العربية، كلما ازدادت قناعتهم بأن ما حصل لفلسطين لم يكن بمعزل عن قوى الاستغلال والرأسمالية العالمية. وكان لجيفارا دور كبير في تكوين مثل هذا التصوّر، خصوصاً من خلال اطّلاعه على ما كان يناقش ويصدر عن منظمة التضامن الأفروآسيوي، ومن خلال علاقته بأحمد بن بيلا وجمال عبدالناصر والمهدي بن بركه وزياراته للجزائر والقاهرة، ولعل ذلك قد أسهم في بلورة الفكر الجيفاري تأثراً بالمحيط العربي، الذي علينا الاعتزاز به، لأنه جزء من المشترك اليساري الإنساني برفد متبادل على الصعيد الفكري.
اطّلع الكوبيون على المذابح التي ارتكبت بحق الفلسطينيين منذ قيام إسرائيل، حيث نفّذت مجازر شنيعة في دير ياسين عام 1948، وكفر قاسم عام 1956، وأدركوا أن إسرائيل بممارساتها تلك كانت جزءًا من المعسكر الإمبريالي، وقاعدة متقدمة له لوقف تقدم حركة التحرر الوطنية العربية ومناهضة تطلعات الشعوب العربية في التحرر والانعتاق والتنمية والتقدم، لاسيَّما مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا، يوم قام الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس.
وقد تمت بعض اللقاءات بين الفلسطينيين والكوبيين، في إطار اتحادات الطلبة، حين كان يرأس اتحاد طلبة فلسطين تيسير قبعة القيادي في الجبهة الشعبية، وكان الاتحاد عضواً في اتحاد الطلاب العالمي، واتسعت علاقاته لاحقاً في أواخر الستينيات والسبعينيات.
وتعزّزت العلاقة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 حيث التقى جيفارا بعض القيادات الفلسطينية خلال زياراته للقاهرة، وربما كان قد التقى خليل الوزير (أبوجهاد) في الجزائر خلال التحضيرات لمؤتمرات التضامن الأفروآسيوي تمهيداً لمؤتمر القارات الثلاث.
يقول صلاح صلاح، القيادي في الجبهة الشعبية الذي أجريت معه مقابلة بعد عودتي من هافانا باعتباره رئيساً لجمعية الصداقة الفلسطينية- الكوبية، إن كوبا اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية وفتحت لها سفارة في هافانا منذ وقت مبكر، لكن العلاقة تعززت في السبعينيات. وأكثر التقديرات أن مؤتمر القارات الثلاث الذي كان يحضّر له أحمد بن بيلا والمهدي بن بركة وجيفارا، كان المحطة الأولى المهمة للعلاقة، لاسيَّما بعد انعقاده عام 1966 رغم غياب القادة الثلاث عنه لأسباب تتعلق بذهاب جيفارا إلى الكونغو لقيادة الثورة فيها وإزاحة أحمد بن بيلا عن السلطة إثر الانقلاب ضده، واختفاء المهدي بن بركه قسرياً في باريس.
وكانت منظمة «فتح» أول من فتح مكتباً لها في هافانا. ويتذكّر صلاح صلاح أن وفداً فلسطينياً كبيراً كان قد زار كوبا برئاسة تيسير قبعة عام 1978، لاسيَّما بعد أن برزت بعض التمايزات بين ما أطلق عليه قوى اليسار واليمين في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، حيث فتح الكوبيون خطّاً جديداً لهم مع الفلسطينيين واعترفوا بتنظيمين هما: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة، وذلك بعد توثيق علاقة الجبهتين بالاتحاد السوفيتي. وكان صلاح صلاح قد شارك في دورة حزبية لمدة عام (1979 -1980) وبدأت دورات أخرى أمنية وسياسية وأكاديمية للفلسطينيين عبر تقديم منح لهم عن طريق «م.ت.ف» ثم بدأت بعض الفصائل تحصل على دعم سياسي وعسكري ومهني مباشر أيضاً.


      

1037
البحث العلمي ووليمة التفكير
   


عبدالحسين شعبان
كان المؤتمر الذي نظمته مؤسسة المستقبل (الدولية) في البحر الميت مؤخراً مناسبة مهمة لتبادل الرأي بخصوص البحث الاكاديمي في إطار المجتمع المدني العربي، ولا شك في أن هذا الأمر فتح الباب أمام اشكاليات كثيرة، حيث تناولت الأبحاث بالدراسة والنقد الأدبيات وواقع ومستقبل المجتمع المدني العربي من شمال افريقيا وحتى الخليج العربي .

وكانت الخبيرة نبيلة حمزة رئيسة “مؤسسة المستقبل” هي المبادِرة لطرح الاشكالية في كلمتها الافتتاحية بالاشارة إلى سؤال مهم وكبير يتعلق بكيف لنا أن نطوّر بحوث ودراسات المجتمع المدني في المنطقة؟ وما هي المواضيع التي يتعيّن علينا الوقوف عندها وكذلك المنهجيات التي حريّ بنا اتّباعها، علاوة على الشراكات التي لا بدّ من بنائها في المستقبل لتحفيز دور المجتمع المدني؟ ومثل هذه الاسئلة لا بدّ من استكمالها بالتوقف عند البرامج الممنوحة، ولاسيما من خلال التجربة العملية:

* الأولى- حقل المشاريع المدعومة في مجال تعزيز المواطنة وحقوق الانسان وارساء حكم القانون وتمكين المرأة .

* الثانية- حقل بناء القدرات لتطوير أداء قياديين واداريين .

* الثالثة- تقديم ونشر أبحاث ودراسات تطبيقية تتعلق بالمسار الديمقراطي .

ولعل الظاهرة التي كشفت عنها بعض الأبحاث والدراسات تتلخص في غياب استراتيجيات وضعف الثقافة الحقوقية، ولاسيما تداخل المهني بالسياسي، والحقوقي بالأيديولوجي، والمدني بالديني والعشائري أحياناً، ناهيكم عن عدم الجاهزية الفكرية، للتعاطي والتفاعل مع المتغيرات والتطورات الدولية من موقع نقدي مستقل .

واللافت أن بعض اشكاليات ومشكلات المؤسسات الرسمية والحكومات بدأت تنتقل إلى المجتمع المدني، وأن بعض “الأمراض” أخذت تنتشر عدواها في صفوفه أحياناً بسرعة كبيرة، رغم حداثة عهده .

إن الجهر ببعض العيوب والمثالب والأخطاء لا يستهدف التشكيك بمؤسسات المجتمع المدني أو التجريح بها، بقدر ما يستهدف التصويب والتصحيح والنقد، والتفكير بصوت عال وجماعي في الأزمة التي تستفحل، بهدف سدّ النواقص والثغرات كي لا تنفذ منها القوى المعادية لحركة المجتمع المدني، ناهيكم عن أن القراءة الانتقادية للواقع ومحاسبة الذات من خلال الشفافية والنقد الذاتي يستهدفان تعزيز وتطوير دور مؤسساته، فضلاً عن كونه مشاركة في الجدل الدائر والنقاش العلني، الذي لا يمكن اغماض العين عنه أو اغفاله، ورمي كل الأخطاء والخطايا على الحكومات والجهات التي لا تريد خيراً بالمجتمع المدني وحدها .

الاشكالية الأولى تتعلق بالدور التنويري لمؤسسات المجتمع المدني، ولاسيما بنشر ثقافة التسامح والسلام ونبذ العنف والاقصاء والعزل والدفاع عن حقوق المرأة والأقليات والفئات الضعيفة وغيرها، وهذه المسألة لا تزال محدودة وضعيفة جداً، ولاسيما أن الأمر يتطلب كفاءات وقدرات و”إخلاص” بعض قياداته .

الاشكالية الثانية، كيف يمكن لمؤسسات المجتمع المدني المساهمة في نشر الثقافة الحقوقية الديمقراطية، ولاسيما في ظل صعود التيارات المتشددة والمتعصبة والمتطرفة، خصوصاً أنها من دون عدّة فكرية وعملية كافية، ناهيكم عن اختلال موازين القوى في معظم الأحيان، إن لم يكن دائماً؟

الاشكالية الثالثة- تتعلق بضعف وغياب المبادرة، ولاسيما في الجوانب الفكرية أو العملية، خصوصاً أن الأمر يتطلب منها دراسات للظواهر الجديدة، في ما يتعلق بالعولمة والحداثة والتدخل لأغراض انسانية، وبما يعزز دورها الحقوقي والانساني بعيداً عن الانخراط في تطويع وترويض الخصوم المحليين أو الدوليين .

ان أغلب مؤسسات المجتمع المدني وبخاصة منظمات حقوق الانسان تنصرف للبحث والنشاط في الحقوق السياسية والمدنية وتهمل إلى حدود كبيرة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، ولعل اغلبها يبحث في الانتهاكات واساليب وآليات الاحتجاج، في حين تغفل الجانب الاقتراحي، وقلّة منها تهتم بالدراسات والابحاث التنموية أو مشاريع القوانين واللوائح أو غيرها .

ظلّ موضوع الخصوصية والعالمية هاجساً للكثير من أبحاث ودراسات المجتمع المدني ونشاطات مؤسساته، فالبعض يريد بحجة الخصوصية التملص من المعايير الدولية، والبعض الآخر بحجة المعايير الدولية يريد قطع الصلة بالتراث وبأية خصوصية، طالما يعتبر فكرة المجتمع المدني تنتمي إلى الحداثة والليبرالية والعقلانية والعلمانية، الأمر الذي لا يعني رفض رافدنا المعرفي والثقافي للتطور الدولي على هذا الصعيد، وبالتالي مراعاة الخصوصية في إطار العالمية والكونية والانسانية التي تشكل القاسم المشترك للجميع .

إن واحداً من جوانب الرفض أو الارتياب الرسمية أو المجتمعية لفكرة المجتمع المدني تتعلق بالتعصب والانغلاق ورفض الآخر بحجة الاختراق الثقافي ونشر الرذيلة وكأن مجتمعاتنا ترفل بالفضيلة، إذ لا يمكن اعتبار كل ما هو قادم من الغرب هو اختراع مشبوه، فليس الغرب “كلّه شرٌّ” مطلق ونزعات للهيمنة وفلسفات وآيديولوجيات عنصرية واستعلائية، فهناك بالمقابل مستودع لخير ما أنجبته البشرية من ثقافة وعلوم وتكنولوجيا وآداب وفنون وعمران وقواعد قانونية عصرية تقوم على أساس المساواة بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي، ناهيكم عن التعاطف مع حقوقنا العادلة والمشروعة .

ولعل أهم استنتاج مشترك عام يتم التوصل اليه بعد نحو 30 عاماً من الممارسة، هو أن المجتمع المدني العربي لا يمتلك عصا سحرية للتغيير المنشود، خصوصاً أن بعض العاملين فيه توهموا ذلك، وأن هناك من راهن عليهم أحياناً في الغرب، لكنه في الوقت نفسه ليس بعيداً عن مشاركة فاعلة في أي تغيير حقيقي، وهو الدور الذي يمكن التطلع اليه، كما حصل في أوروبا الشرقية والى حدود معينة في أمريكا اللاتينية .

ولكي تكون مؤسسات المجتمع المدني مؤثرة وقادرة على المشاركة ينبغي أن تكون مستقلة وسلمية ولا تنخرط في الصراع العقائدي، مثلما يُفترض فيها أن تكون غير وراثية وغير ربحية، وبعيدة عن الاعتبارات العشائرية والمذهبية والدينية، لتتمكن من دعم أي مشروع للتغيير السلمي الديمقراطي، ولاسيما إذا تهيأت مستلزماته عبر بيئة تشريعية وتعليمية واعلامية وثقافية وحقوقية مناسبة .

باحث ومفكر عربي


1038
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (17) همنغواي والجواهري: الشيخان والبحر!


                                                                                        عبدالحسين شعبان
2010-02-22
الجواهري المأسور بالبحر والنهر وخلدهما بقصائد خالدة «يا دجلة الخير..» و «سجى البحر» الأولى كتبها في براغ والثانية في أثينا وقصائد أخرى، وكان من أمنيات حياته أن تكون له شقة على البحر، والتي يستذكر فيها أيامه الخوالي، عندما كان بيته على نهر دجلة، ويتذكّر شط الكوفة في الفرات، يندهش، بل لا يصدق الأمر عندما يعرف أن همنغواي، وهو يعيش بكل هذه العيشة الأُبهة يفارق الحياة منتحراً، (يوليو 1899- يوليو 1961) أي أنه غادر الحياة في نفس الشهر الذي ولد فيه، ولعل تلك مفارقة أخرى ما بين الجواهري وهمنغواي، فقد ولد الجواهري في 27 يوليو عام 1900 حسب أكثر التقديرات رجاحة بشأن ولادته، وتوفي في اليوم نفسه من العام 1997، أي أنهما كليهما ولدا وتوفيا في شهر يوليو.
وإذا كان ثمة ما يجمع بين الجواهري وهمنغواي، فثمة ما يفرّق، وإذا كان كلاهما يعشقان النساء، إلا أن همنغواي كان ما إن يتعرّف على امرأة حتى لا تنقضي بضعة أيام على تعارفهما ليطلب الزواج منها! يقول هو عن نفسه: تلك هي طبيعتي مع النساء، لا أعرف من أين جاءت إليّ..؟ عندما أحبُّ أحب أن أتزوّج فوراً، فلا مكان لأوقات الغزل وساعات الانتظار، ومع أن الجواهري تزوّج مرتين، فبعد وفاة أم فرات في العام 1938، تزوج شقيقتها أم نجاح «أمّونة» التي رافقته حتى العام 1992، حيث توفيت في لندن، إلا أنه يقول عن نفسه إنه لم يعرف طعم الحب، أو يتذوق طعم المرأة الحقيقي وهو على مشارف الخمسين، وذلك يوم أحب أنيتا الكورسيكية من بنات السين في باريس العام 1949، ونظم فيها خمس قصائد، كما يقول في حواراته المنشورة في كتاب «الجواهري- جدل الشعر والحياة»، وفيما بعد علاقته مع بارنيا وماروشكا التشيكية.
كان همنغواي يصطاد السمك ولكنه يحب تناوله في مطعم لاتراسا الشهير، حيث تنزل شرفته إلى البحر مباشرة في خليج صغير يرتبط بعمق البحر، في ضاحية على مشارف هافانا حيث الموقع الاستراتيجي، وبالقرب من المطعم اليوم ينتصب تمثاله على الساحل، بمحاذاة البحر، ومثلما في حانته الشهيرة وفي مزرعته فقد كان همنغواي يطبع المكان بطابعه، فقد اتسمت حانة بودغيتا دل ميديو بالبساطة والشعبية، ورغم ذلك فقد أصبحت محجّاً يتسابق إلى زيارتها آلاف المشاهير ممن يزورون هافانا، حيث يبادر القائمون عليها بوضع صورهم وأسمائهم، على جدرانها المزدحمة بالأسماء والتواريخ لزيارات من كل أصقاع الدنيا، فقد كان «الشقي» همنغواي يعشق النساء والخمور والملذّات بجميع أنواعها، ويستهويه السفر بلا حدود، وهناك شيئاً من فوضاه الأثيرة.
ورغم أنه عاش في الوقت الضائع كما يقال، فقد أصيب بـ237 جرحاً وأجريت له 12 عملية، ومكث في المستشفى في ميلانو نحو 6 أشهر، وقد حدث ذلك يوم كان في الجبهة الإيطالية عندما عمل مراسلاً حربياً في الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي دفعه لاحقاً إلى التشبث بالحياة وخوض غمارها والاستمرار في مغامراته التي بدأها منذ صباه، فقد تشبث بالحياة بكل ما فيها من عنفوان، وهو ما ترك حيرةً واستفهاماً كبيرين حول موته.
لقد وصف همنغواي الموت الذي تعرّض له في الحرب العالمية الأولى عندما قال: لقد متُّ في تلك اللحظة، أحسست روحي تخرج من جسدي. افهموا هذا الإحساس كما تريدون. شعرت بأن روحي تنسلّ من جسدي كما ينتزع منديل حريري من جيب سترة، لكن هذا الشعور تبدد فجأة وعاد إليّ شيء أنعش جسدي من جديد، وعرفت أنني لم أمت وقد استوحى همنغواي من هذه الحادثة فيما بعد قصته الشهيرة «وداعاً للسلاح»، وكان قد وصف الحرب باعتبارها أخطر قضية في حياة الإنسان وأصعب مشكلة للعقل البشري.. إنها الشيء الرهيب في حياة البشر، ولا نستطيع تناولها إلا إذا قدّرنا خطورتها في صدق وحرارة.
كان أول ما نشره همنغواي وهو ينتقل من الصحافة التي أحبّها، لأنها تعنى بالواقع، إلى الرواية التي تعنى بالمتخيّل هو قصة: لا تزال الشمس تشرق العام 1926، وهي تصوير حزين للحياة القلقة المتشردة، لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى، وبخاصة للأميركان في أوروبا، وبمجرد صدور الكتاب أصبح همنغواي مشهوراً، حيث هيمن على نفوس القراء، لاسيما من الشباب، شعور بأن ثمت من يُحسن التعبير عن مشاعرهم.
التحق همنغواي بالجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، فترك كل شيء، وكان همّه الأساسي هو القضاء على الفاشية، وكما يقول، فإنه لم يكتفِ بالقتال، بل اشترى سيارة إسعاف وأهداها إلى الثوار. وكان حصيلة مغامرته الإسبانية «قصة موت بعد الظهر»!
وقد التقى همنغواي في إسبانيا بالكاتب الفرنسي المعروف أندريه مالرو وارتبط معه بصداقة مديدة، وقررا الاشتراك في مشروع أدبي هو الكتابة عن الثورة واقتسما المراحل، حيث ألف مارلو كتاب الأمل في العام 1938 في حين أصدر همنغواي روايته الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» عام 1940. وقد تحوّلت روايات وقصص همنغواي إلى أفلام مثيرة غزت الشاشة وتركت انطباعات إيجابية على قدرته في تصوير حياة الحرب وتفاصيلها وآلامها. وهو ما قدّر لي أن أشاهده في أواخر الخمسينيات وبدايات الستينيات.
في عام 1946 تزوّج للمرة الثالثة وقرر الرحيل إلى كوبا للعيش فيها نهائياً، حيث سكن في فيلا شهيرة تبعد نحو 20 كيلومترا عن هافانا واسمها كما ذكرنا «لافيهيا» وهي عبارة عن مزرعة فيها أعداد من الحيوانات الأليفة. ونشر في العام 1950 روايته «عبر النهر وتحت الشجر»، ثم روايته الرائعة «الشيخ والبحر» العام 1952 التي في إثرها نال جائزة نوبل العام 1954، وقد اعتبر الناقد روجيه غروينر أن همنغواي كتب تلك الرواية «الشيخ والبحر» متأثراً بالكاتب ملفيل وروايته «موبي ديك» Moby Dick وذلك كما ورد في كتاب لصدقي إسماعيل بعنوان «نبلاء الإنسانية» الصادر عن دار رياض نجيب الريس، بيروت، 2008.
وإذا كانت حياة همنغواي قد عرفت كل هذه المنعرجات والمغامرات والتحديات، فإن عزاءه كان التأمل والعزلة والتفكير، وهو يتقدم في مرحلة الكهولة، إلى أن أنهى حياته بضربة واحدة من قدر غامض، لعله كان مثل غموض بعض شخصياته وربما شخصيته الغامضة هو بالذات أيضاً.
يشير الكاتب صباح المندلاوي على لسان الجواهري إلى تفاصيل غالباً ما كان الجواهري يرددها بشأن رفض بعض الناشرين نشر كتب بعض المبدعين، وإذا بهم يتنافسون عليهم بعد أن يذيع صيتهم، وكيف أنه تم رفض بعض مخطوطات همنغواي، الذي عاش الفاقة والعوز والجوع حتى وصل الأمر في إحدى المرات أن يجمع له بعض العاملين في تلك البارات مبلغاً من المال لغرض مساعدته وانتشاله، وذلك قبل حصوله على جائزة نوبل العام 1954، حيث انفتحت أمامه أبواب الدنيا، وهو ما ذكّرني بالشاعر المبدع عبدالأمير الحصيري، الذي عاش حياة متشردة، نؤاسية، متصعلكة، وكان في كل مقهى أو بار هناك من يقوم «بواجبه» بدفع متطلباته، فارقه الوحيد مع همنغواي، أنه مات منتحراً ولكن على طريقته، معوزاً ووحيداً ومحروماً من كل شيء بما في ذلك النساء، إلا أنه مُتخماً بالخمرة صديقته الوحيدة وملاذه الأخير، في حين انتحر همنغواي وهو يرفل بكل أنواع الامتيازات والترف.
لقد مزج همنغواي تجربته الأدبية بتجربته الحياتية لدرجة التماهي أحياناً، حيث كانت حياته حافلة بالأحداث والمغامرات والخفايا وإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً فكان يخترعها أحياناً ويبدع في تخيّلها، وقد قال عن نفسه: لم أفهم حياتي بعد، لأنني أخشى الالتفات إلى الوراء.
صدق هادي العلوي عندما أطلق على صباح المندلاوي «صباح النجيب» وهو ما كنت أشاطره الرأي فيه منذ أن اقترن المندلاوي بكريمة الجواهري خيال، حتى أصبح عين الجواهري التي يقرأ بها، فالتزمه وحرص على تلبية جميع متطلباته، لاسيما خلال فترة مرضه، وكان يجول معه في روائع وأمهات الكتب، وما يحبب وما يرغب أبا فرات، وهو ما يكشف عنه في كتابه، الذي أحسن صنعاً بإصداره. الشيخان همنغواي والجواهري، استلهما من البحر الشيء الكثير، ففيه عالم الأسرار والغموض واللانهايات والمتعة في الاكتشاف الأبدي.


           

1039
الخليج وصورة المجتمع المدني
   


عبدالحسين شعبان
يميل الاعتقاد السائد إلى أن دول الخليج العربي، أو ما يمكن أن نطلق عليه دول مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في العام ،1980 لا تمتلك تجربة كافية بخصوص المجتمع المدني، فإما أنها حديثة التكوين أو لا تزال ضعيفة ولم يشتدّ عودها، أو أنها لا تكترث كثيراً بهذا الحقل، أو أن هناك عقبات أمام الترخيص لتأسيس أو إنشاء مؤسسات خاصة بالمجتمع المدني، لكن بعض الدراسات ذهبت إلى القول إن هناك أكثر من 10 آلاف جمعية ومؤسسة خاصة بالمجتمع المدني، وإن عدد المنتسبين المنضمّين اليها يزيد على مليون شخص، في مجلس عدد سكانه حسب بعض الإحصاءات يقارب من 48 مليوناً .

لكن الباحث والمتخصص في المجتمع المدني، سيلاحظ أن المؤسسات التي نطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني هي في الغالب مؤسسات خيرية أو يغلب عليها التوجّه الخيري - الإنساني والطابع الدعووي الإسلامي، في إطار حقوق الزكاة أو ما نسميه “التكافل الاجتماعي” لمساعدة من يحتاج اليه، لاسيما من ذوي الإعاقة أو الفئات الفقيرة أو الضعيفة .

وإذا كانت ثمة تطورات قد حدثت في دول مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة الحق في التعليم والصحة والعمل والضمان والبيئة والتمتع بأوقات الراحة والاستفادة من منجزات الثورة العلمية- التقنية وفي إشباع بعض الحاجات الروحية والثقافية، فإن الأمر يحتاج إلى تعزيز جوانب أخرى تشكل منطلقاً لتعميق هذه الحقوق من جهة، ومن جهة أخرى لضمان استمرارها وتأصيلها، لاسيما الحقوق المدنية والسياسية، التي تنطلق في منظومة شاملة أساسها المساواة الكاملة والمواطنة التامة، خصوصاً في الموقف من تأهيل وإعداد المرأة وإدماجها في العمل العام، بما فيه حقوقها السياسية، كالحق في الانتخاب والترشيح وتولّي المناصب العليا من دون تمييز، ولا شك في أن هذه الحقوق لا بدّ أن ترتكز على أربعة أطر أساسية:

الإطار الأول: يتعلق بحرية التعبير بالقول والكلام والكتابة والنشر وتبادل المعلومات، وحق التظاهر والإضراب، وغيرها، تلك التي تكفلها الشرائع الدولية لحقوق الإنسان، والتي لا تزال بحاجة إلى تأطير وتقنين في العديد من بلدان الخليج .

والإطار الثاني: يتعلق بحق الاعتقاد، بما يفيد ذلك من حيثيات كما ورد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، أي حق الإنسان في تبنّي وتغيير آرائه بحرية ومن دون إكراه، وهذا الأمر بحاجة إلى تطور تدريجي، تراكمي، طويل الأمد وإلى بيئة اجتماعية حاضنة، وقبول من النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، وإلى أجواء تتسم بالتسامح والاعتراف بالآخر وحق الاختلاف .

الإطار الثالث: يتعلق بحق التنظيم، وهذا يعني الحق في تأسيس الأحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات، السياسية والمهنية والاجتماعية والثقافية وغيرها، على نحو اختياري وبما تكفله المواثيق الدولية، وكانت بعض الخطوات الإيجابية قد بدأت في بعض دول الخليج العربي، وبخاصة في مطلع الألفية الثالثة، باستثناء الكويت التي كانت سبّاقة إلى ذلك منذ استقلالها العام 1961 .

وإذا توقفنا عند هذه المسألة بقراءة دساتير وقوانين دول مجلس التعاون الخليجي، فإننا سنرى أنها لا تزال في أول السلم قياساً للمعايير الدولية، حيث قطع المجتمع الدولي أشواطاً بعيدة، في حين أن الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي ما زال متردداً . ومع أن هناك خطوات أولى مهمة لكنها لا تزال محدودة ويحتاج الأمر إلى توفّر إرادة سياسية حازمة لولوج هذا الطريق، لاسيما أن هناك عقبات مجتمعية قد تحول دون ذلك .

الإطار الرابع: هو الحق في المشاركة، ذلك لأن تداول مفهوم الشراكة والتحول الكوني باتجاه الإصلاح والاعتراف بدور المجتمع المدني، جعل الدولة الخليجية الريعية أمام سؤال كبير لا يتعلق الأمر بالاقتصاد ودور القطاع الخاص والاعتماد على اقتصاد السوق حسب، بل في ما يتعلق بدور المجتمع المدني، خصوصاً أن دولاً خليجية كانت قد وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان، مثل العهدين الدوليين، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات المرأة والطفل وغيرها (رغم بعض التحفظات)، الأمر الذي يتطلب تكييف قوانينها وأنظمتها، فضلاً عن دساتيرها لتتماشى مع الاتفاقيات الدولية .

وإذا كان الخطاب الرسمي الخليجي يؤكد على قيمة المشاركة ودور المجتمع المدني فثمة كوابح منظورة وأخرى غير منظورة بحكم طبيعة المجتمعات الخليجية المحافظة التي تحول أحياناً دون مشاركة فعّالة، ناهيكم عن المركزية في شكل الدولة، يضاف اليها التماهي بين الحالكم والسلطة أحياناً .

لعل مناسبة الحديث هذا هو مؤتمر مهم حول البحث الأكاديمي في ميدان المجتمع المدني نظمته مؤسسة المستقبل “الدولية” في البحر الميت بحضور عشرات من الباحثين والناشطين العرب والأجانب، فضلاً عن خبراء دوليين، وكانت ورقة الخليج قد قدّمها الباحث البحريني المعروف عبد النبي العكري، وقدّم عرضاً معمقاً لستة بلدان خليجية ودور مؤسسات المجتمع المدني، لاسيما كشفاً مهماً ببيلوغرافيا الدراسات والابحاث، لكن باحثاً خليجياً آخر استاذاً في علم الاجتماع هو الدكتور باقر النجار كان قد كتب مشككاً في وجود المجتمع المدني، وإن وجد فهو غير قادر على فرض إرادته أو رغباته أو تأثيراته في قرارات الدولة، كما هي في حالة أوروبا الغربية والشرقية أو بعض أقطار آسيا وأمريكا اللاتينية، بمعنى آخر حسبما يقول “من الصعب أن نجد مجتمعاً مدنياً في المنطقة العربية مستقلاً عن الدولة وقادراً على التأثير فيها”، لكنه يقبل بفكرة منظمات غير حكومية أو أهلية مستقلة عن الدولة .

إن أي تطور للمجتمع المدني، بما فيه دول الخليج العربي، يحتاج إلى بيئة تشريعية مناسبة وقوانين تنسجم مع التطور الدولي ونظام تعليمي وتربوي مناسب وإعلام عقلاني لنشر الوعي القانوني والمهني ومجتمع مدني يكون شريكاً ورقيباً وراصداً، بجاهزية فكرية ومهنية وأداء ديمقراطي مستقل بعيداً عن الواجهات الدينية أو الطائفية أو السياسية أو العقائدية لهذا الطرف أو ذاك .

 

 

باحث ومفكر عربي



1040
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! -16 -أرنستو همنغواي: حانة بودغيتا دل ميديو!
                                                                                    عبدالحسين شعبان
2010-02-15
أعادني الصديق صباح المندلاوي في مؤلفه الجديد عن الشاعر الكبير الجواهري «الليالي والكتب» الصادر في بغداد عام 2009، إلى نظرة الجواهري إلى الكثير من زملائه المبدعين بينهم بيكاسو وبابلونيرودا وهمنغواي ولوركا وماركيز وغيرهم، وهو ما كنت قد أشرت إليه في كتابي «الجواهري-جدل الشعر والحياة» الصادر في بيروت عن دار الآداب، ط2، 2009، ولعل بعض الحوارات التي نشرتها مع الجواهري تتضمن وقفات مهمة لبعض علاقاته بالمبدعين عربا أو أجانب. وهو ما يذكره الجواهري أيضا في مذكراته «ذكرياتي» في جزأين، دمشق، دار الرافدين، 1988في علاقته مع الفنان الإسباني-الفرنسي بيكاسو الذي رافقه في «المقصورة» ذاتها خلال رحلته بالقطار عائدا من وارشو إلى باريس بعد حضوره مؤتمر السلام العالمي العام 1949 الذي شارك فيه نخبة من كبار المثقفين والمفكرين، يقول الجواهري: «استلقيت أنا في الطابق الأسفل من المقصورة (المقصود بالمقصورة غرفة تحتوي على سريرين، سرير علوي وآخر سفلي) وقد أخذ بيكاسو الطابق الأعلى أي «السرير العلوي»، ثم علمت أنه يود المنام في السرير السفلي، وهو ما حدثتني به السكرتيرة؛ لأنه قصير القامة وأنا طويل القامة وبإمكاني الصعود إلى الأعلى، وقد يتعذر عليه القيام بذلك، في حين كنت أقوم بها بسهولة، وضحكنا لهذا الالتباس والمفارقة من خلال الكلمات القليلة التي تحدثنا بها بالإنجليزية البسيطة، وطلب مني بيكاسو أن نأخذ صورة تذكارية فقلت له: هذا شرف لي.
ويسرد الجواهري الكثير من إعجابه بإبداع الفنان الكبير بيكاسو، ويقارن ما يتمتع به المبدع في فرنسا والغرب بشكل عام، وبلادنا العربية، لاسيما العراق بشكل خاص، ولعل ذلك إحدى المفارقات المريرة التي غالبا ما يتوقف عندها الجواهري، وهو ما يمكن قراءته من خلال تقييمه لأرنستو همنغواي، وحيرته بخصوص مقتله الغامض.
ويعلق الجواهري على كتاب مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا «أشهد أنني قد عشت» الذي تضمن سردا غنيا وجميلا لحياة مفعمة بالحيوية، تلك التي أحبها الجواهري بكل ما فيها من جنون وعبقرية، وكان قد قال مع نفسه ذات يوم: وهل لي أن أكتب مذكرات بعدها، وهو ما أوردته في حواراتي المنشورة معه.
في حانة بودغيتا دل ميديو وأنا أحتسي كأس الموهيبا اللذيذ، استعدت حواري مع الجواهري (الموهيبا هو نوع من الروم Rum، مضافا إليه الثلج والليمون والنعناع) عن كوبا وهمنغواي الذي كانت شخصيته محيرة للجواهري، لاسيما وهو الذي اكتسب شهرة كبيرة ومالا عظيما (ويذكر الجواهري أنه كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته) وعاش مرفها في جزيرة حالمة وبأوضاع متميزة (بعد حرمان)، وهو الأميركي الذي كان صديقا لفيديل كاسترو، رغم العداوة التي تصاعدت بين الولايات المتحدة وكوبا بعد انتصار الثورة في مطلع العام 1959.
لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يتساءل: «كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟ فقد قيل إنه توفي على نحو غامض بانطلاقة رصاصة من بندقيته أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 يوليو 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك Oak Park، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلا إلى التمرد منذ نعومة أظافره، ورغم أنه كان تلميذا نابهاً فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لاسيما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، حيث توجه همنغواي إلى ساحات القتال.
لعل الكتاب الممتع والذي يحظى بامتياز آخر أن صاحبه الفنان صباح المندلاوي هو صهر الجواهري، زوج ابنته الدكتورة خيال، وكان قد عاش معه ورافقه في السنوات الأخيرة من حياته، وتمثل انضمامته التي نحن بصددها صبرا وجهدا غير عادي، لتدوين ما يصدر عن الجواهري من ملاحظات وتعليقات، لاسيما بخصوص كتب ومبدعين في فترة لم يسلط عليها الضوء بما فيه الكفاية، حيث كان المؤلف أقرب إلى حامل كاميرا لتصوير حياة الجواهري، وما كان يختلج في ذهنه من آراء وأفكار يعبر عنها بطريقته الخاصة، وهو يدلف بأيامه الأخيرة نحو تلك الحقيقة المطلقة، التي ظل يزوغ عنها ويراوغها ويتحايل عليها، حيث كان بينه وبين الموت -ذلك الذئب اللعين الذي ظل يترصده منذ عقود من الزمان وبأنيابه دم الأخوة والأحبة والصحاب- صراع مرير وهدنات طويلة، وكر وفر وإصابات لم يسلم منها الجواهري، لاسيما عندما رحلت رفيقة عمره أمونة «أم نجاح» وهو القائل: «يظل المرء مهما أدركته يد الأيام طوع يد المصيب».
فقد كان مصابه بوفاة الحبيبة نائبة كبيرة ألمت به وتركت فيه جرحا لم يندمل، ولكن الجواهري العنيد لم يستسلم بسهولة، إلى أن اقتنع أن الصراع العبثي لا بد أن يتوقف، فعقد صداقة مع الموت، بحيث يكفان كل منهما عن مطاردة الآخر، ليرحل بعدها الجواهري بهدوء كامل وهو الذي عاش في وسط العاصفة.
ذاكرة الجواهري كما يحدثنا المندلاوي، تروي قصة ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدم للعمل في إحدى الصحف فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاء مع الكاتب الشهير همنغواي ليكون شرطا لاستمراره في العمل، وبعد سلسلة اتصالات وتنقلات، يحط الصحافي في كوبا حيث يقيم همنغواي، ويخبره برغبته في اللقاء وشروط وحيثيات عمله، ويلتقي همنغواي والصحافي في حانة بودغيتا دل ميديو، وبعد احتساء كاسين من الموهيبا يشعر همنغواي بالتعاطف مع الصحافي ويقترح عليه العمل معه كسكرتير بظروف أفضل. يستبد الفرح والسرور -فضلا عن المفاجأة- بالصحافي هوتشز، ويبدأ على الفور عمله سكرتيرا لهمنغواي، بدلا من إجراء مقابلة معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات يطالعنا هوتشز بكتاب قيم ومثير عن تفاصيل شيقة ومثيرة لحياة همنغواي بعنوان «بابا همنغواي».
وخلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي وسبب اختياره كوبا ومكوثه فيها، فزرت فيلته لافيهيا «مزرعة همنغواي» في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة. المزرعة مدهشة إلى حد كبير، وفيها أنواع الزهور والأشجار التي جلبها من جميع أنحاء العالم، وهو ما كان يشغل الجواهري كثيرا، لاسيما «المركب الصغير» الذي كان يصطاد فيه السمك في عرض البحر، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة.
ذكرتني الفيلا بالمنزل الجميل على الساحل الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي لبابلو نيرودا، الذي كان يحتوي هو الآخر على أنواع الخمور والقناني والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، رغم أن منزله مطل على البحر مباشرة، ولعل أجمل ما فيه هو غرفة الحبيبة ماتيلدا التي تجلس فوق البحر وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بأمواج البحر، وذلك حين يداعب النوم عيونه، وللبحر وهمنغواي والجواهري قصة أخرى.



1041
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين -15- حروب سبعة آخرها الحرية والحداثة!

                                                                                          عبدالحسين شعبان
2010-02-08
شهد التاريخ الكوبي خلال القرن ونصف القرن الماضي عدداً من الحروب والنزاعات التي ما زال المجتمع الكوبي يستذكرها، في الحانة والمقهى وعلى الجدار وفي الساحات والمتاحف واللقاءات والمحاضرات، حيث تتردد أسماء الأبطال على كل لسان، ويمتاز الكوبي بشكل عام بوطنية عالية، وبالقدر الذي يتسامح فيه مع نقد النظام وأحياناً كشف بعض عيوبه ومثالبه، إلا أنه لا يقبل أن يكون جزءًا من الخطة الأميركية للإطاحة به رغم معارضته له.
وإذا كانت الظروف القاسية وبعض الإجراءات التعسفية التي لجأت إليها السلطات الكوبية قد أجبرت أعداداً كبيرة وبمئات الآلاف إلى مغادرة كوبا، لا سيَّما بفعل استمرار الحصار الأميركي إلا أن القسم الأكبر والساحق منهم لم ينخرطوا للعمل مع واشنطن ضد بلادهم، ولعل تجربة خليج الخنازير وأزمة الصواريخ وإحباط محاولات التسلل والغزو جعلت الكثير من الأوساط تعيد النظر لكي لا يتم استخدامها أو توظيفها تحت باب "التمرد" أو "المعارضة" بأجندات خارجية.
وهناك داخل الولايات المتحدة بما فيهم من المهاجرين من أخذ يتعاطف مع كوبا، رغم أن أعدادهم قليلة، وإن كانت غالبيتهم ضد النظام القائم. وتكشف مسألة اعتقال ومن ثم الحكم على 5 من الكوبيين في المحاكم الأميركية، والذين مضى على وجودهم في السجن أكثر من 11، عاماً أن بعضهم لم يعرف حتى كوبا وعاش في الولايات المتحدة، لكن قلبه كان في كوبا حيث تعرّض زعيمها كاسترو لنحو 683 محاولة اغتيال، وسأعود للتوقف عند هذه المسألة في مكان آخر، لأسلّط الضوء على محاولات الاختراق والاختراق المضاد، من زاوية قانونية وسياسية، ولعل أبرز الحروب وأهمها هي:
الحرب الأولى- المتمثلة بمقاومة الاستعمار الإسباني منذ العام 1868 والتي استمرت حتى العام 1878، وقد أبدى فيها الكوبيون بسالة منقطعة النظير، وخسر فيها الغزاة الكثير من الأرواح والمعدّات دون أن يتمكنوا من فرض "سيادتهم" الكاملة على كوبا، التي ظلّت عصيّة عليهم. أما الحرب الثانية فقد ابتدأت العام 1881 واستمرت لبضع سنوات، وهي استكمال وتوسيع للحرب الأولى. وكانت الحرب الثالثة منذ مطلع العقد الأخير من القرن الـ19، والتي قتل فيها الزعيم الوطني خوسيه مارتيه بعد أن جاء من هايتي، أما الحرب الرابعة فهي حرب أهلية داخلية، بين نظام كان صنيعة لواشنطن وبين حركة ثورية استطاعت استقطاب جمهور واسع لاحقاً، فكانت النخبة وسيطاً بين الشعب المستضام والوعي المفترض، الذي حاولت توظيفه لصالح الصراع.
أما الحرب الخامسة التي لا تزال مستمرة فهي حرب السلطة الثورية ضد الثورة المضادة المدعومة أميركياً، وإنْ استطاعت الثورة التقدم بتحقيق إنجازات اجتماعية وتنموية مهمة، لكن حقل الحريات واحترام حقوق الإنسان، بحاجة إلى إعادة نظر، لا سيَّما موضوع الإقرار بالتعددية وحرية التعبير وحق الاجتماع والاعتقاد والتنظيم والمشاركة، فقد أدى التضييق على هذه الحقوق إلى استثمار الثورة المضادة، لهذه الثغرات والمثالب، وهو أمر لو استمر دون مراجعة ومعالجة إيجابية، فإنه سيؤدي إلى تفتيت القاعدة الداخلية الأساسية للثورة، ولا يمكن لأية ثورة أن تستمر دون حريات الناس وحقوقهم وقناعاتهم، فهم المستفيدون من أية ثورة، مهما تحققت بعض المكتسبات الاجتماعية، فيما يتعلق بالعمل والصحة والتعليم والضمان، ولعل تجربة البلدان الاشتراكية وبعض أنظمة العالم الثالث دليل على ذلك.
أما الحرب السادسة فهي الحرب ضد الحصار الأميركي الجائر، المفروض على كوبا منذ 50 عاماً، أي منذ العام 1960 في عهد الرئيس كيندي الذي فرض حظراً على السلاح، ثم أصبح شاملاً لجميع مرافق الحياة، ابتداءً من قلم الرصاص وحتى آخر متطلبات الحداثة، بما فيها من انتقال الأشخاص والأموال والسفر والزيارات والاتصال الثقافي والعلمي وغيرها. ورغم أن تخفيفاً نسبياً قد بدأ في عهد الرئيس أوباما بشأن الاتصالات وتحويل الأموال والزيارات، مع لغة امتازت بالمرونة، فإن السياسة العامة لا تزال تندرج في إطار لغة الحرب والتهديد واحتمالات الغزو والتدخل بالشؤون الداخلية، وإن اختلفت منطقة التدخل ففي خطة أيزنهاور كانت ميناء ترينداد Trinndad التي زرتها وأنا في طريق عودتي من سانتا كلارا، ثم أصبحت في عهد كيندي ميناء بيك PIG وتطور الأمر إلى أزمة خليج الخنازير، ومن ثم إلى أزمة الصواريخ الشهيرة، وكان خيار واشنطن حتى نهاية عهد الحرب الباردة يقوم على الحصار والاحتواء عبر الصراع الأيديولوجي والضغط العسكري والسياسي والعقوبات الاقتصادية وتشجيع قوى الثورة المضادة.
أما بعد العام 1991 وتفكك الاتحاد السوفييتي، فقد أخذت الولايات المتحدة من تصعيد نبرتها والتهديد بالغزو مرّة أخرى، لا سيَّما خلال عهد الرئيس بوش واستخدام عصا الحصار لتركيع كوبا التي ظلّت تعاني وتنزف بصمت، وما كان يُحسب لها مثل القضاء على الأمية ونشر التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والقضاء على البطالة، أصبح غير كاف، لا سيَّما في خضم المعركة الجديدة القائمة وتحديات التنمية وتزايد حاجات الإنسان في ظل العولمة والحداثة، وانعكاس ذلك على مسألة احترام حقوق الإنسان والإقرار بالتعددية وتوسيع دائرة الحريات.
المعركة الجديدة القائمة والتي سيتوقف عليها مصير ومستقبل كوبا ونظامها السياسي هي المعركة السابعة ونعني بها معركة كوبا مع الحداثة واستخدام العلم والتكنولوجيا، فقد ظلّت كوبا إلى حدود غير قليلة وبسبب الحصار وعدم وجود إمكانات كافية، معزولة وتعاني من شح الموارد، الأمر الذي عطل التنمية وأضعف فرص الالتحاق بركب الحداثة والاستفادة من منجزاتها، إضافة إلى ضيق فسحة الحريات، حيث تعمّق الاحتقان الاجتماعي والهيمنة السلطوية، ولعل هذا يتطلب فحص وتدقيق الشعارات القديمة، لا سيَّما بعد مرور 50 عاماً على الثورة، وإلا فإن الثورة ستهلك بفعل عوامل داخلية لا محال، ناهيكم عن العنصر الخارجي الذي يحاول تفتيت أطرافها ليتمكن من اختراق قلبها والنفاذ إلى صميمها!
بعد العام 1991 غادر الروس على نحو شبه مفاجئ قاعدة لوردس بالقرب من هافانا، حتى دون اتفاق مع الجانب الكوبي، وربما دون كلمات وداع رسمية، الأمر الذي أضعف من إمكانات كوبا الاقتصادية والسياسية في مواجهة الحصار والتصدي لتحديات الولايات المتحدة، فقد خسرت كوبا حليفاً قوياً وكبيراً رغم جميع التحفّظات ومحاولات فرض الهيمنة، حيث كان يمدّها بنحو مليون دولار يومياً ولمدة ثلاث عقود من الزمان تقريباً. ولم يكن ذلك الخلل وحده هو السبب في الأزمة الراهنة، فقد أشرنا إلى شح الحريات، إضافة إلى الموقف السلبي من الدين الذي اتخذته الثورة، وأصبح سياسة رسمية، بحيث كان قلّة من المتدينين من يدخلون الحزب ويحتلون مناصب عليا، وكان هذا التمييز سبباً في تهييج الكنيسة ضد الثورة واتخاذها مواقف مناوئة لها، وقد جرت محاولات أخيرة للانفتاح واحترام الطقوس والتقاليد الدينية، لكن الكثير من قوى الثورة المضادة، اختبأت تحت بعض العناوين الجديدة.
وكان من الأخطاء التي وقعت بها الثورة اللجوء إلى الصناعات الثقيلة وبناء مصانع للصناعات الكبيرة، الأمر الذي أدّى إلى تبديد طاقات اقتصادية وإنتاج سلع وبضائع لم تجد لها تصريفاً ولا حاجة للاستهلاك المحلي.
وتستغل بعض قوى الثورة المضادة اليوم، لا سيَّما بعض رجال الأعمال الانفتاح النسبي الذي حصل بعد فترة انغلاق طويلة لإمرار دعوات لإعادة العلاقات مع إسرائيل وأخذت بعض الجماعات تتستر للقيام بأعمال معادية تحت تلك الحجة، حيث نشطت الدعاية الصهيونية المتسترة وراء شعارات أخرى.
إن الماركسيين وإن اختلفت مدارسهم وتوجهاتهم يتطلعون بقلق إلى التجربة الكوبية، وكيف يمكنها حسم معركة الحداثة والحرية، اللتين من دونهما لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة، وبذلك فهم ينظرون إلى الشجرة من منظار آخر، ويأملون أن تنضج تفاحتها لكي يقطفها الشعب الكوبي، لا أن تسقط في سلّة واشنطن التي تنتظرها منذ 50 عاماً، وذلك أحد تحديات الاشتراكية الراهنة، خصوصاً إذا استطاعت أن تنحى باتجاه صورتها الإنسانية المنتظرة!

1042
جدلية القانون والنزاهة   

 

 

عبدالحسين شعبان
عنصران أساسيان يشكّلان القاسم المشترك للدولة العصرية المتقدمة، وهما حكم القانون والنزاهة، فالأول يعني وجود مؤسسات تتقدم على الأفراد لكي تحكم السلوك والممارسة الفعلية، لاسيما عند التعاطي بالشؤون العامة . ولعل حكم القانون هو المدخل الصحيح والذي لا غنى عنه عند الحديث عن دولة مواطنة وحقوق انسانية ومساواة تامة بين بشر لا يميّزّ بينهم الدين أو اللغة أو الجنس أو القومية أو المنحدر الاجتماعي أو غيره .

كما أن توفّر حكم القانون ووجود مؤسسات، ضمانة للمراقبة والرصد والمساءلة فيما يتعلق بالعمل العام على أساس الشفافية والنزاهة وهو العنصر الثاني، الذي تقوم عليه الدولة الحديثة بالتوجه الديمقراطي، فإذا كان الضلع القانوني مرتكزاً أساسياً لها فإن الضلع الثاني هو النزاهة، الأمر الذي تتقلص فيه إلى حدود كبيرة عمليات التجاوز أو النهب أو التصرف بالمال العام، فلم يعد بإمكان الحاكم أن يتصرف بمفرده وبمعزل عن مؤسسات منتخبة تعود إلى الدولة التي يحكمها قانون يخضع له الجميع حكاماً ومحكومين، وهو ما يحدّ إلى درجة كبيرة من الفساد المالي والاداري، خصوصاً وأن تداولية الحكم سلمياً والمساءلة ووجود المؤسسات التي يحكمها القانون تشكل ضمانة مهمة .

ولعل هشاشة حكم القانون وضعفه وشكلانية المؤسسات وشيوع ظواهر اللانزاهة ناهيكم عن غياب أو ضعف المساءلة، تكاد تشكل ظاهرة عربية وعالمثالثية، ولهذا فإن وجود مركز عربي متخصص على درجة عالية من المهنية والكفاءة أمر مهم جداً، وقد يكون أحد النقاط المضيئة في ظل عتمة شرسة، خصوصاً في ما يتعلق بنشر الثقافة القانونية والحقوقية الخاصة بحكم القانون والنزاهة وتطوير آداء العالم العربي دولة ومؤسسات ومجتمع مدني وقطاع الأعمال، لاسيما وأن الانتاج الفكري العربي بما فيه البحثي والجامعي ما زال محدوداً على هذا الصعيد، ناهيكم عن أن مصادره في الغالب غير عربية، يضاف إلى ذلك، أن مقارباته لا تزال نظرية ولا وجود لأبحاث ميدانية تطبيقية .

من هنا كان الوسط الأكاديمي والحقوقي مهتماً عند انشاء “المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة” في مطلع الألفية الثالثة، كجهد متميز ومساعد في تحقيق التنمية والتقدم . ولعل أهم ما يمكن التوقف عنده هو تجارب الرصد والقياس لأداء المؤسسات من خلال ثلاثة حقول عمل عليها بنشاط وحيوية هي: البرلمان، والقضاء، والاعلام، وهي مجسّات أساسية لرصد حالة حكم القانون . وإذا كانت المقاربة قد اقتصرت على عدد محدود من البلدان، فإن الأمر يتطلب تغطية البلدان العربية جميعها، من خلال آليات متينة ومركّزة علمياً والاستفادة من الخبرة التاريخية، لكي يتم توسيع رقعة الرصد والقياس في جميع المجالات التي تعنى بحكم القانون .

وقد تسنى لي حضور اجتماع مجلس أمناء “حكماء” المركز الذي أعيد تشكيله مؤخراً ليضم شخصيات عربية وعالمية عاملة ومعنيّة في هذا الميدان، تمثل كوكبة لامعة في الفكر والقانون والقضاء والاعلام وقطاعات مهنية من القطاع الخاص والمجتمع المدني، فضلاً عن الخبرة الممارساتية، ولعل وجود الرئيس أحمد عبيدات رئيساً للمجلس وبمشاركة الرئيس سليم الحص وإشراف مؤسس المركز د . وسيم حرب، وأمينه العام د . ساسين عساف، سيعطيه بُعداً حيوياً، خصوصاً إذا ما استكمل دراساته وأبحاثه لقياس حكم القانون والنزاهة، وإذا ما أدخلنا الجانب التربوي والأنظمة التعليمية كحقل مهم، مع تدقيق الجوانب التشريعية والقانونية، لاسيما للدساتير والأنظمة القانونية، فإن ذلك سيكون مرجعية عربية مهمة، يمكنها أن تشكل قوة اقتراح ومختبراً عملياً لتطوير حكم القانون والنزاهة .

يمكن القول أن مفهوم حكم القانون، يشكّل حجر الزاوية في الدولة الحديثة، لأنه الرافعة التي تستند اليها مؤسسات الدولة، ويندرج تحته خضوع الجميع، بمن فيهم الحكّام لحكم القانون ومرجعيته .

ويُعدّ حكم القانون ركناً أساسياً من أركان الحكم الصالح، ومن خلال التفاعل بين حكم القانون والحكم الصالح تتعمّق عملية التنمية، لاسيما وأن القانون يقوم بدور الحامي لحقوق الانسان عبر مؤسسات، واستناداً إلى ذلك فإن حكم القانون يتطلب وجوده أولاً ونشره وتعميمه ثانياً، ثم تنفيذه بشكل سليم ثالثاً، وفيما بعد تطويره ومواءمته للمعايير الدولية، رابعاً .

ولا بد هنا من توفّر نظام قضائي سليم لتطبيق حكم القانون، يكون حيادياً وقائماً على أساس المساواة بين حقوق المتقاضين، ذلك أن وجود القضاء المستقل، يعتبر ركنا مهما من أركان حكم القانون، ولكي يكون القضاء مستقلاً لا بدّ أن يكون نزيهاً ومحايداً فضلاً عن كونه كفئاً وفاعلاً .

ولكي يستكمل حكم القانون جوانبه الأساسية في الدولة العصرية الديمقراطية، لا بد من وجود برلمان منتخب على أساس حر ونزيه، بحيث يمكنه سنّ تشريعات والقيام بدور الرقابة .

كما أن الثقافة القانونية ما تزال شحيحة ومؤسسات المجتمع المدني وقطاعات الأعمال ما تزال ضعيفة، بل ان بعض البلدان العربية لا ترخّص لها، أو تضع عقبات قانونية أمام انطلاقتها .

ولا تزال حركة تحديث القانون بطيئة وغير مواكبة لروح العصر، وما زال الفصل بين السلطات محدوداً وشحيحاً، الأمر الذي يؤثر في استقلال السلطات القضائية ونزاهة القضاء، لاسيما عبر تدخّلات السلطة التنفيذية فيه، وما تزال حالة حقوق الانسان متعسّرة، حيث يعتبر العالم العربي في أدنى درجات السُلّم العالمي بخصوص احترام حقوق الانسان وهو ما تعكسه تقارير الامم المتحدة والمنظمات الدولية والعربية المعتمدة، ناهيكم عن أن الكثير من البلدان العربية لا تزال بينها وبين الانضمام للاتفاقيات الدولية هوّة سحيقة، وحتى لو انتظمت فإنها تضع هذه الاتفاقيات في الادراج أو تتحفظ على بعض بنودها، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيلها .

وتبقى المشاركة السياسية والحق في تولّي الوظائف العامة العليا من دون تمييز محدودة، خصوصاً عبر الانتخابات التي في الكثير من المجتمعات العربية تستبعد دور المرأة، كما أن دور البرلمانات والمجالس التشريعية محدود، وغالباً ما يجري اخضاعه لمتطلبات السلطة التنفيذية .

حسناً فعل المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة عندما وضع في سُلّم أولوياته، بناء وتعزيز البنية التحتية لحكم القانون من خلال انشاء وتطوير المؤسسات وتعميم مفاهيم الحكم الصالح وحشد الطاقات والجهود لمشاريع التنمية وفق رؤية استراتيجية، ومنهجيات ووسائل وآليات لتحقيق ذلك، من خلال نشر التشريعات وحث البلدان العربية على توفير المعلومات القانونية وتدريب المعنيين ورصد وتدقيق القوانين، التي تخالف مبادئ حكم القانون، ورصد مؤسستي القضاء والتشريع وإيلاء المشاركة اهتماماً كبيراً، لاسيما في صناعة المعرفة وبناء القدرات والعمل على تطوير المشاريع الخاصة بمكافحة الفساد .

باحث ومفكر عربي


1043

ماراثون الانتخابات العراقية.. من العزل إلى العزل!
      

عبد الحسين شعبان






رغم صدور قرار قضائي بتأجيل البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق إلى ما بعد الانتخابات، فإن النقاش والجدل الذي احتدم قبل صدور القرار بخصوص هيئة المساءلة والعدالة ومدى شرعية وقانونية قراراتها، ما زال يتفاعل ويزداد تعقيدا.
ومع أن هيئة من سبعة قضاة حظيت بموافقة البرلمان هي التي أصدرت هذا القرار، الذي كانت له ثلاثة أبعاد أساسية، الأولى تقنية لأنه لم يكن بإمكانها التدقيق بملفات أكثر من 500 حالة من المشمولين بالاجتثاث، والثانية قانونية لأن الهيئة المؤسسة باسم المساءلة والعدالة وإن كانت دستورية، لكن البرلمان رفض المصادقة على أعضائها، والثالثة سياسية حين راعى القرار متطلبات مناشدة جوزيف بايدن بضرورة أن تكون الانتخابات شفافة وأن تحظى بثقة العالم، وهو ما ذهبت إليه الأمم المتحدة أيضا.
"
إذا كان قرار البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا, فإن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر, وهو ما جرى التحذير منه أميركيا
"
كما أن القرار لم يبت في شرعية أو عدم شرعية قرارات هيئة المساءلة والعدالة، وإنما حاول إجرائيا أن يرحّل المسألة إلى ما بعد الانتخابات، لعدم إمكانية اتخاذ قرار تنفيذي في ظرف قصير وقياسي زمنيا، وإذا كان القرار قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا وأجّل الصدام، خصوصاً إذا ما امتثل له الجميع، المعارضون والمؤيدون، لكن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر وقد تؤثر على المشهد السياسي الراهن، وهو ما جرى التحذير منه أميركيا.
ولو افترضنا فوز المستبعدين في الانتخابات فإنهم قد يُستبعدون ما بعدها، وهو ما حصل في انتخابات العام 2005 وبهذا المعنى فإن سيف العزل يبقى قائما طالما ظل قانون الاجتثاث مستمرا، وطالما لا توجد جهة حتى الآن تبتّ في مدى قانونية هيئة المساءلة والعدالة (بأشخاصها الحاليين) ومن ثم شرعية قراراتها، وقد يكون ذلك ممكناً بعد انتخاب برلمان جديد، يمكنه أن يصادق على من يتم تسميتهم، أو حتى يعيد النظر بالموضوع كاملا.
ولعل هذه الفوضى القانونية والسياسية تدفعنا إلى إعادة قراءة تاريخ العزل السياسي في العراق، الذي نحن إزاء فصل جديد وصاخب من فصوله، وقد تبادلت الأطراف المختلفة القاصية والمقصية اتهامات متبادلة بارتكابات وعلاقات خارجية وفساد وإثراء على حساب المال العام والتعاون مع الأجهزة الأمنية في السابق والحاضر.
وإذا عدنا إلى جذر المشكلة حاليا فسنرى أنها ارتبطت بقرار اجتثاث البعث، فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامي، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتّخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار 1980 والذي تبعه القرار 666 الصادر في 7 مايو/أيار من العام ذاته القاضي بإسقاط الجنسية، والذي تم بموجبه تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية وهم في غالبيتهم الساحقة عراقيون أبا عن جد، وكان هذا الاجراء تمهيدا للحرب العراقية الإيرانية.
كما ذكّر قرار الاجتثاث بقرار تصفية الحزب الشيوعي الذي حدد نهاية العام 1980 مهلة للقضاء عليه، وقبل ذلك بقوانين مكافحة الأفكار الهدامة في العهد الملكي، لا سيما إبان حلف بغداد عام 1955، واستخدام سلاح البراءة لإجبار السياسيين على ترك العمل السياسي، تلك التي استخدمها الجميع ضد الجميع لاحقا، لا سيما عند القرب من السلطة، وكان الشيوعيون من أول ضحاياها حيث استخدمها ضدهم جميع الحكومات السابقة، رغم أنهم استخدموها ضد القوميين والبعثيين عام 1959، وكان البعثيون والقوميون قد استخدموها ضد الشيوعيين بعد العام 1963، خصوصا بعد صدور بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين.
ورغم الانفراج السياسي النسبي الذي أعقب العام 1968 فإن الأوضاع عادت للتوتر وبالأخص في أواسط السبعينيات حيث استخدم العزل السياسي ضد الكرد والشيوعيين والإسلاميين، واليوم نعود إلى المربع الأول حين تستخدمها القوى المتنفذة في العملية السياسية، لا سيما الإسلامية ضد البعثيين وخصوم العملية السياسية أو المنافسين لها، وكأن السياسيون ما زالوا يعيشون في الماضي.
"
كانت قوانين الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب
"
لقد كان قانون الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني، في حين يمكن ملاحقة المرتكبين وتقديمهم إلى القضاء.
أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصا إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقا، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.
حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظا على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتلّ مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية، ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعا إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطرارا، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.
صحيح أن البعض بادر إلى ترك حزب البعث على نحو مجاني أحيانا، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّما بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات.
وهكذا أغرقت بعض الكتل الحديثة التكوين بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق صدام حسين في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا"، وهو مصادرة للعقول ولحق التفكير والاختيار والاعتقاد، بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونيا ورسميا، باعتباره حزبا قائدا ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور أو حتى أعلى منه.
وهكذا شهدت البلاد حملة تبعيث قسرية في أواخر السبعينيات، واضطر نحو ربع مليون مواطن عراقي إلى التوقيع على المادة 200 من قانون العقوبات البغدادي والتي تقضي بالتعهد بعدم العمل مع أي تنظيم سياسي باستثناء حزب البعث وإلا سيتعرّض المخالفون لعقوبة الإعدام.
إن الطلب حاليا تقديم البراءة من حزب البعث يذكّر بالمادة 200 التي استخدمها النظام السابق ضد معارضيه، والتي تجد أساسا لها حاليا في الدستور العراقي النافذ، خصوصاً في المادة (7) التي حرمت على البعثيين العمل السياسي تحت اسم حزب البعث أو أي اسم آخر يمتُ بصلة إليه، وهو ما حاول المتشددون العزف عليه.
وإذا كانت ثمة محاولة لنزع الفتيل ترافقت مع القرار القضائي بالتأجيل فلا يمكن أن ننفي تأثير الجانب الأميركي، حيث كان لمجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشّح للانتخابات، دور غير قليل في حلحلة المسألة بإيجاد تسويات مؤقتة حتى وإن اتخذت شكلا قانونيا بترحيلها إلى ما بعد الانتخابات، لا سيما وأن البلاد لا تزال تعيش في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة.
لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة طالما بقي قرار اجتثاث البعث وطالما استمر قانون المساءلة والعدالة، بعد حل هيئة اجتثاث البعث، إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية كما يضعها السياسيون وقادة الكتل في برامجهم في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب والتخوين والفساد.
ولعل ذلك يقتضي التوقف عند المادة (7) من الدستور التي جعلت المسألة أكثر تعقيدا، وهو الأمر الذي دعا بترايوس القائد العسكري الأميركي إلى اتهام هيئة المساءلة والعدالة بالانحياز إلى إيران والعمل وفقا لتعليمات فيلق القدس الإيراني، الأمر الذي ردّ عليه علي اللامي (من هيئة المساءلة والعدالة) بالقول لو كان بترايوس في العراق لوجهّنا إليه تهمة الانضمام أو التستر على حزب البعث ولحاولنا اجتثاثه.
"
ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، مع إصرار أوباما على الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟
"
وإذا كان رد رئيس الوزراء نوري المالكي على ضرورة عدم تدخل السفير الأميركي كريستوفر هيل في شؤون خارج وظيفته الدبلوماسية، فإن رد الفعل الذي أعقب صدور القرار القضائي بتأجيل البت لما بعد الانتخابات، يعكس حالة التوتر الذي يشهدها الوضع السياسي الحالي.
ولكن ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، وفيما بعد إبعاد فريق من المشاركين عنها، بمن فيهم من هو قريب من واشنطن، مع إصرار الرئيس الأميركي أوباما على بدء الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟
لعل ذلك سيعني التوسع في الدور الإيراني الذي سيدفع الكثيرين من المشاركين الحاليين إلى الانحسار أو مقاطعة العملية السياسية القلقة والهشة أو حتى الانسحاب منها لاحقا، وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال تصاعد الخلاف الكردي العربي حول صلاحيات الأقاليم وسلطات الفدرالية، فإن الأمر سيأخذ جوانب أخرى للتصدّع السياسي      







1044
الجامعة الاسلامية في روتردام
المنتدى العربي في هولندا
17-20/12/2009
روتردام







قيم التسامح
في الفكر العربي الاسلامي المعاصر



الدكتور
عبد الحسين شعبان



ــــــــــــ
•   مفكر وباحث عراقي، له أكثر من 50 كتاب ومؤلف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي- الاسرائيلي، والاسلام، والمجتمع المدني وحقوق الانسان .

مقدمة


في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بادرت المنظمة العربية لحقوق الانسان في لندن، التي كنت أتشرف برئاستها، الى تنظيم ملتقى فكري بعنوان "التسامح والنخب العربية" حضره نحو 50 باحثاً ومثقفاً وحقوقياً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية وسياسية متنوعة. وقد انعقد الملتقى بمناسبة تسمية يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام "يوماً للتسامح العالمي"، بصدور قرار من الدورة الـ 28 للمؤتمر العام لليونسكو (1995).
وقد بادر البروفسور خليل الهندي في الجلسة الاولى لطرح سؤال في غاية الأهمية: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري الخامس أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهر مبادئ التسامح بمناسبة إقرار اليونسكو الاحتفال السنوي باليوم العالمي للتسامح؟ ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة أكثر الباحثين والمتداخلين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.
لكن خاتمة الملتقى لم تكن تشبه بداياته، فقد استمرت أعمال الملتقى ثمان ساعات متصلة من الحوار والجدل، وصدرت لاحقاً في كتاب بعنوان: ثقافة حقوق الانسان، عن " البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان" في القاهرة عام 2000، من إعداد وتقديم الباحث، حيث عبّر أغلب المتداخلين عن تأييدهم ودعمهم لنشر ثقافة التسامح على المستوى العربي، بينهم أديب الجادر وراشد الغنوشي ورغيد الصلح ومحمد بحر العلوم وأبونا بولص ملحم  وخليل الهندي ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد السلام نور الدين وليث كبه وصلاح نيازي وبهجت الراهب ومصطفى عبد العال وآدم بقادي وعلي زيدان وعبد الحسن الأمين وعبد الرحمن النعيمي وكاتب السطور وآخرين، ودعوا الى: تأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض أولاًً، دون تخوين أو تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تجريم أو غير ذلك من عوامل الاقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم الاعتراف بالاختلاف والتنوع والتعددية.
وثانياً تأكيد قيم التسامح مع الآخر، فلا ينبغي النظر اليه باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً لمجرد الاختلاف، وثالثاً لا بدّ من تنزيه مبادئ التسامح من الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام، أو نسيان ما تم ارتكابه من جرائم لاسيما في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، ورابعاً إن تأكيد قيم التسامح لا تعني غض الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، بممارسة التعذيب او الاغتصاب او القتل الجماعي أو غيرها، ولعل تلك الجرائم لا تسقط حتى بالتقادم.

•   في مفهوم التسامح

التسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي، فيه اقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وحسب اعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو " إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد..." وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف  وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وانما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب.
   ان التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الاشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود الى الإقرار بحقهم بالعيش بسلام ودون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً...الخ.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، الاّ أن ما يفيد عليه أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء، حين تمت الدعوة الى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الاكراه، وكلّها من صفات " التسامح" مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و" الاختلاف آيات بيّنات"، ويشير ابن منظور في لسان العرب الى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى " التساهل" هو فرح انطوان في العام 1902.
ومنذ اعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الانساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد اقراره قانونياً ودستورياً.  
وقد لفت انتباهي صدور تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية من مركز رام الله لدراسات حقوق الانسان، ولعله حسب معلوماتي هو التقرير الاول في العالم العربي، حيث رصد الفترة من 1/1/2008 ولغاية 30/6/2008، واشتمل على مقدمة وجزءين، وكان الجزء الأول قد تضمن تعريف المصطلح ومحدداته والتسامح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما توقّف عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.
اما الجزء الثاني من التقرير: فقد تناول حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية تطبيقياً، لاسميا بعد الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني بين (حماس وفتح) والذي تمخّض عن سلطتين ولكن مع استمرار بقاء الاحتلال، في حين ان الهدف هو دولة فلسطينية تستند الى مبادئ التسامح. وتناول هذا المبحث محاولات توظيف الدين ومظاهر التعصب ونفي الآخر والصراع على السلطة القضائية ومحاولات التمييز وظيفياً، كما تناول في مبحث خاص التسامح الاجتماعي، فتوقّف عند مسألة المرأة والقتل العائلي والخلافات الشخصية والاعتداء على الممتلكات.
ومن مزايا التقرير أنه خصص مبحثاً خاصاً لحرية الاعتقاد والحق في التعبير، كما ختم هذا الجزء بخاتمة وخلاصات: بالشروع بالعمل الجاد للقضاء على مظاهر العنف واللاتسامح على المستويين الرسمي والشعبي، وتأكيد الحق في الاختلاف واحترام تطبيقه والدفاع عنه، الأمر الذي يستوجب توسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، وهي اشارة متميزة عندما توضع في مقدمة الحريات التي يراد تأمينها والحق في الرأي والتعبير والتنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، ويتطلب الأمر تنشئة اجتماعية ونظام تعليمي يستجيب لذلك وتربية وتثقيف على الصعيد الحزبي والسياسي والديني، وتوظيف خطاب ديني ينبذ التحريض ضد المُختَلِف، ويرفض التطرف والتشدد، كما توجهت التوصيات الى الجهات الاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ودعتها لأن تلعب دورها في نشر ثقافة التسامح.
* غاندي وروح التسامح واللاعنف !
وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في فكرنا العربي – الاسلامي المعاصر، فحريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده، وهو الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول " فقه التسامح في الفكر العربي-الاسلامي" بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط في الاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً... ولكن أن تردّ "العدوانية" بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل!
بعد أسابيع ستحلّ الذكرى الحادية والستين على إغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني (يناير)، ففي العام 1948 هاجمه متطرف هندوسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من " التقديس"  لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وراجيف غاندي وآخرين. ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة اسرائيل.
لعل القاتل لم يفكّر في الاجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول الى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من احراز النصر لشعبه.
كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن احدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد افضل منه!!
   اقترنت فكرة التسامح باسم فولتير التي بحث فيها وروّج لها ودافع عنها، إذ يعتبر الأب الروحي لها، وكان يبّشر بضرورة تحمل الانسان للانسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح!!
   لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة على ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به.
   لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!؟
   ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاما وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري " الابارتايد"، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب أفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء الى الثأر أو الانتقام أو العنف.
لقد ادرك غاندي أن  منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي " فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه".
   وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه " بدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون سلام لا يمكن أن يكون هناك تنمية وديمقراطية".
   وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود الى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع والثامن عشر، وبخاصة ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الانسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام 1995، كما تمت الاشارة اليه.
   في عالمنا العربي ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الاسلاموية باعتباره " نبتاً شيطانياً" أو " فكراً مستورداً"، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الارادة.
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه الى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الاسلام الأول وبخاصة الراشدي إتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها الى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح الى " تبيئة" وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة الى حلف الفضول ودستور المدينة  وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة الى القرآن والسنّة النبوية كدليل ومرشد لفقه التسامح.

•   اعلان اليونسكو حول التسامح


إذا كانت قضية التسامح حديثة في مجتمعاتنا العربية وهي ما تفتقر له وما تحتاج اليه، فإنها ما تزال محدودة على الصعيد العالمي، وإن كانت بعض المجتمعات قد وصلت اليها بعد معاناة طويلة.
ولعل اعلان منظمة اليونسكو بشأن التسامح كان قد حثّ المجتمع الدولي على الاحتفال بيوم التسامح ودعا الى لاعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح، وذلك بعد تشخيص أسباب عدم التسامح أو اللاتسامح، الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها، أي أنه دعا الى فحص وتدقيق الجذور الرئيسية للتمييز والعنف والاستبداد في المجتمعات، لاسيما مع الآخر المُختلف، دون تأثيم أو تحريم أو تجريم، ذلك أن المجتمع البشري بحاجة الى نشر وتأصيل قيم التسامح كمنظور انساني وأخلاقي، لا يمكن تقدّم المجتمع الدولي والانساني من دونه، إذ لا يمكنه الخروج من غلواء التطرف والتعصب واللاتسامح، الاّ بتعميم فكرة قبول الآخر، حتى وإن تناقض مع رأي " الجماعة!!! وحسب اعلان اليونسكو فالتسامح يعني: الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، وهو يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال مع الآخر وحرية الفكر والضمير والمعتقد.
لقد أصبح التسامح حاجة ماسّة ولم يعدْ ترفاً فكرياَ، فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر. والتسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي فيه اقرار بحق الآخر في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وبهذا المعنى فهو مسؤولية قيمية وواقعية للاقرار بالحقوق والتعددية والديمقراطية وحكم القانون، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية، خصوصاً بالاقرار بحق الانسان التمسك بمعتقداته، وهو اقرار ناجم بأن البشر مختلفون في طباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم وسلوكهم وقيمهم وقومياتهم ودياناتهم ولغاتهم وأصولهم، لهم الحق والمساواة في العيش بسلام، ولعل الخطوة الأولى لتعميم مبدأ التسامح حسب اعلان اليونسكو هي " تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها"، وذلك كي تحترم هذه الحقوق والحريات، فضلاً عن تعزيز عزمهم على حماية حقوق وحريات الآخرين.

•   كوابح التسامح !

   إذا ما استعرضنا العوامل الكابحة لنشر قيم التسامح، فعلى الصعيد الفكري ستعني حجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير لدى الآخر، بفرض قيود وضوابط تمنع أو تحول دون ممارسة هذه الحقوق، وأحياناً تنزل أحكاماً وعقوبات بالذين يتجرأون على التفكير خارج ما هو سائد أو مألوف سواءًا عبر قوانين مقيّدة أو ممارسات قمعية تحت مبررات شتى.
   اما على الصعيد السياسي فان اللاتسامح يعني احتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر، تحت مبررات مختلفة تارة قومية او بحجة الصراع العربي- الاسرائيلي وأخرى طبقية بحجة الدفاع عن مصالح الكادحين، وثالثة دينية بحجة الحفاظ على الدين واعلاء كلمته، وفي كل الأحوال فإن الأمر لا يعني سوى إسكات الصوت الآخر أو تسويغ فكرة الاستئثار وإدعاء الحقيقة.
   وعلى الصعيد الديني فان عدم التسامح يعني التمييز بحجة الافضلية ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، بحجة المروق في ظل تبريرات ديماغوجية وضبابية، تمنع الحق في اعطاء تفسيرات مختلفة، خصوصاً ضد ما هو سائد، وأحياناً تزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد عبر التمترس الطائفي أو المذهبي في محاولة لالغاء الفرق والمذاهب والاجتهادات الفقهية الاخرى، بل فرض الهيمنة عليها بالقوة.
واجتماعياً فإن عدم التسامح يعني فرض نمط حياة معينة بغض النظر عن التطورات العاصفة التي شهدها العالم ، لأنماط متنوعة ، مختلفة ، متداخلة ، متفاعلة ، وأحياناً يتم التخندق بسلوك وممارسات عفا عنها الزمن وأصبحت من تراث الماضي .
وثقافياً، فإن اللاتسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، حتى إن الشعر الحديث يصبح "بدعة وضلالاً "  بل ضد التراث والتاريخ  وربما مؤامرة كبرى تستحق رجم ومعاقبة  القائمين عليه، وتنسحب مثل هذه النظرة على الكثير من الآداب والفنون وبخاصة  الموسيقى والرقص  والغناء  والمسـرح  والنحت  وغيرها،  ناهيك عن الحـب !  
وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي،               ورغم  بعض الإرهاصات الجديدة، نرى العالم يسعى لتوسيع التسامح  حقـوقياً   بعد  أن جرى  تعميمه  أخـلاقياً ،  بحيث تشتمل الدعوة للدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون  ويروجون  لإيديولوجيات اللاتسامح  التوتاليتارية. ورغم أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً،  خصوصاً  بعد  احداث  11  أيلول (سبتمبر ) 2001  الارهابية  في الولايات المتحدة  لأن هناك من يعتبرها  خطراً على فكرة التسامح  ذاتها ، بل وتدميرها للحرية، لكن كارل بوبر،  يجيب بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي  بأننا  على صواب دائماً.

•   التسامح والآيديولوجيا!

وتطور مفهوم التسامح من الفرد الى المجتمع ومنه الى الدولة، ثم الى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم اصطلاحياً أو لغوياً يرتبط بالتكرّم والسخاء والجود والعفو والصفح والغفران والتساهل وغيرها، بل وصل الى الاعتراف بالحق واحترام الحق، مثلما له علاقة بالعمران والتنمية.
ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة وبين الحكومة والمعارضة، التي هي مسؤولية جماعية وفردية في آن، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن اغراء الاقصاء أو اللاتسامح، الاّ إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
التسامح واللاتسامح ليس لصيقاً بتراث أو مجتمع، إنه يمتد عبر العصور فلا "هو غربي ولا هو شرقي". ورغم أن الاديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح، فإن الحروب والإبادات استمرت عبر التاريخ وتمت في الكثير من الاحيان بإسمها وتحت لوائها.
   يمكن القول ان كل المجتمعات البشرية تحمل قدراً من اللاتسامح سلبياً أو إيجابياً، لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو في مدى اعتبار التسامح قيمة اخلاقية وقانونية ينبغي اقرارها والالتزام بها حتى وان كان البعض لا يحبّها.
    اما الفرق الثاني بين المجتمعات المفتوحة التي توافق على التسامح وبين المجتمعات المغلقة التي ما تزال تتمسك باللاتسامح وبتهميش أو إلغاء الآخر، فإن بعض المجتمعات تستطيع إدارة التنوّع والتعددية الثقافية والدينية واللغوية والسلالية والاجتماعية وغيرها، في حين تخفق أو تعجز فيها مجتمعات أخرى، ويوجد في العالم اليوم أكثر من عشرة الاف تعددية، الامر الذي يستوجب ان تكون الدولة هي الحاضن الاكبر للتسامح، وهو يتطلب اعادة صياغة العلاقة بين الأنا والآخر على أساس المواطنة والمساواة الكاملة، ومن خلال التربية والاستفادة من المخزون القيمي للأديان وللفطرة الانسانية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الصعيد الدولي أيضاً.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى الاشتراكية أو القومية أو الدينية، بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا ان نتعاطى معه على هذا الاساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، وهو ما تبنته الشبكة العربية للتسامح عندما وضعت شرطاً لمنح الجائزة على أن " يكون من الداعين لفكرة المساواة وحق بين البشر في العيش بسلام ودون خوف على المستوى الفردي والجماعي، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء".

•   التسامح وصورة الاسلام النمطية!
شاعت في الغرب منذ سنوات، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية ما سمّي "بالاسلامفوبيا"  أي الرهاب من الاسلام، مثلما انتشرت في الفترة الاخيرة ما يمكن اصطلاحه بـ"العربفوبيا"  أي كراهية العرب والعداء لهم، ولعل ذلك ليس بمعزل عمّا يمكن نحته من " الزينوفوبيا" Xenophobia أي الرهاب من الأجانب، بمعنى كراهيتهم وعدائهم، وقد اتسعت هذه المسألة على نطاق كبير بصعود وانتشار بعض التيارات والاتجاهات العنصرية والفاشية في أوروبا. وقد تلمسنا حجم الهجوم الشديد على مؤتمر جنيف (ديربن-2)حول العنصرية وانسحاب الولايات المتحدة واسرائيل وعدد من دول الاتحاد الاوروبي منه، وتأييد مواقفها من لدى جهات وجماعات ودول غربية كثيرة، لمجرد استنكار ما ذهب اليه مؤتمر ديربن الاول العام 2001 من دمغ الممارسات الاسرائيلية بالعنصرية.
   ولعل حدثاً مثل مؤتمر ديربن يمكن استحضاره دليلاً على أن هناك اكثر من جهة هي التي تقف مسؤولة أمام تشويه صورة الاسلام في أعين العالم، فإضافة الى سيل الدعاية الصهيونية، التي سعت الى تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي، باعتباره صراعاً بين أديان، أي بين الاسلام واليهودية، وبين قوى متخلفة عربية لا تؤمن بحق الوجود والديمقراطية، و"دولة" يهودية تسير في طريق الممارسة الديمقراطية، في حين ان الصراع بين حقوق مغتصبة وأرض محتلة وشعب مشرد في غالبيته الساحقة، وبين مغتصب اجلائي استيطاني، رغم أنه يتعكز على حقوق " سماوية " بأرض الميعاد المقدسة لشعب الله المختار، في حين ان الصراع دنيوي لتحرير الارض والوطن، وليس حول تعاليم الدين الاسلامي وشريعته وبين اليهودية وتلمودها.
أما في الغرب بشكل عام فتندفع بعض الاطروحات الرسمية وغير الرسمية لتساوي بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة الاسلاموية، والتي تستخدم تعاليم الدين أحياناً على نحو مشوّه ضد الدين ذاته، وهو ما نطلق عليه اسم "الاسلاملوجيا" أي توظيف التعاليم الاسلامية بالضد منها رغم أنها ترفع راية الاسلام. ولعل العرب والمسلمين دفعوا ثمن هذه الاتجاهات قبل غيرهم، رغم ان هذه الاتجاهات حتى وقت قريب وقبل حدوث ارهاب 11 سبتمبر (ايلول) لقيت تشجيعاً علنياً ومستتراً من بعض القوى والجماعات والدول الغربية مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
   وأستطيع القول أن الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، لم تتفهم حتى الآن وربما بصعوبة، طبيعة العلاقة مع العرب، طالما يتم تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي على نحو مشوّه، لاسيما من خلال ممارسات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على المسيحية وعلى اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم مبرراً لمواصلة هذا الصراع بطريقة لا تخلو من عبثية، بحيث يمتد من أقصى المعمورة وحتى أقصاها، وكأن لا علاقة للمصالح الدولية بذلك، بما فيها مصالح المسلمين أنفسهم، والسياسة منذ بدء الخليقة وحتى تنتهي ستبقى تحكمها الصراعات واتفاقات المصالح، باقترابها أو ابتعادها عن المبادئ.
لا شك ان هناك نظرة ارتيابية مسبقة لدى الغرب والشرق بما فيه الاسلامي إزاء الآخر، والغرب ليس وحده المسؤول عن ذلك، فثمة مساهمات نحن مسؤولين عنها، لاسيما وقد انتشرت لدينا تيارات "أصولية" متعصبة ومتطرفة ومعادية للغرب، وهو ما نطلق عليه اصطلاحاً "الغربفوبيا " أي كراهية الغرب، والعداء لكل ما هو غربي بما فيها للحضارة الغربية وانجازاتها العلمية والتكنولوجية والفنية والجمالية والعمرانية الهائلة، بكل ما لها وما عليها.
الغرب ليس كله غرباً، فإلى جانب الغرب الامبريالي- العنصري في الماضي والحاضر، هناك الغرب التقدمي المؤيد لحقوق الانسان وحقوق الشعوب في تقرير المصير، وهو ما حاول مفكر بريطاني مرموق مثل الفريد هاليداي أن يضع اصبعه عليه في كتابه الموسوم " ساعتان هزتا العالم" وقبله كتابه " الاسلام والغرب". وكان عرفان نظام الدين قد تناول العلاقة بين العرب والاسلام في الغرب بوجهيها وذلك في كتابه " العرب والغرب" مثلما، أطلّ اعلامياً على ذلك في كتاب " الاسلام والاعلام " مؤشراً الى التقصير لدى الجانبين، خصوصاً في فهم العلاقة المتميزة والمتناقضة والمتداخلة، إضافة الى التعقيدات والاوهام والتشويهات التي صاحبتها ورافقتها وهو ما أسماه الدكتور غازي القصيبي الأساطير الاربعة التي حكمت نظرة الغرب الى الاسلام ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
ما زالت بعض تفسيراتنا قاصرة لفهم ما نطلق عليه " الصراع التاريخي" الذي يستمر بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وهو ما ندعوه الحروب الصليبية والمقصود "حروب الفرنجة" التي حدثت في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن ثم الصراع مع الدولة العثمانية، وذلك لتأكيد حتمية الصراع باعتباره صراعاً تناحرياً غير قابل للحل أو التوافق، رغم أن الصراع يمكن أن يؤدي الى اتفاق مصالح حسب منطوق السياسة الدولية تاريخياً.
ان الابقاء على صورة العدو حاضرة في الأذهان، رغم اختلاف المواقف، حملت معها خرافات وأوهام كل طرف إزاء الآخر، فالاسلام حسب بعض الاطروحات الغربية يشجع على الارهاب ويحض على العنف، ويستند بعض هذه التصورات على عدد من غلاة الاسلامويين، الرافضين لكل تقدم أو حضارة باعتبار الغرب كلّه " شرٌّ مطلق"، وهكذا تستكمل صورة العدو، وإن لم يوجد بالفعل، فقد تم صناعته مثلما حصل بعد انهيار الشيوعية الدولية، فوجدت بعض التيارات في الغرب، اختراع الاسلام عدواً بديلاً، وحسب أحد المعلقين البريطانيين جورج مونبيت Georges Monbiot ، فلو لم يكن بن لادن موجوداً، لكان على امريكا أن تخترعه، فقد اخترعته الـ CIA العام 1979 واليوم تبحث عنه الـ FBI، وهكذا تم استبدال مصطلح المجاهدين الافغان أيام الغزو السوفيتي الى أبالسة وشياطين بسبب مواجهتهم للسياسة الامريكية لاحقاً.
ان صورة العدو الذي يتم صناعته في الغرب ليست بعيدة عن الخرافات والاختلاقات بمجابهة مزعومة مع الاسلام، وهي الصورة التي يقابلها لدى الاسلامويين والتيارات المتشددة، بوضع الغرب في صورة العدو المستمر والمواجهة الحتمية الابدية، ويميل هاليداي الى اعتبار نموذج صموئيل هنتنغتون بشأن الصدام الحتمي للحضارات هي الأكثر رواجاً لدى الفريقين، ولذلك لقي كتابه "صدام الحضارات" اهتماماً منقطع النظير مثل كتاب فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ".
ولعلي طرحت باستمرار سؤالاً على نفسي: هل يستطيع المواطن الغربي أو الاوروبي أن يدرك وأن يتفهم أن من يضحّي بنفسه في فلسطين، ليس من أجل تطبيق الشريعة الاسلامية، وليس من أجل فرض ارتداء الحجاب للنساء أو إقامة الحد أو لفرض دفع الجزية أو التعامل مع أهل الذمة أو حتى إقامة الحكم الاسلامي، بل إنه يفعل ذلك من أجل تحرير وطنه وأرضه المحتلة والمغتصبة، سواءً كان متديناً أو غير متدين، مسلماً أم مسيحياً أم غير ذلك!
وأدركت في حوارات مختلفة مع الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية، الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، أنه ليس من السهولة عليها فهم طبيعة الصراع، طالما جرى تصويره على نحو مشوّه ودون دلالة تُذكر، لاسيما من خلال ممارسات وتطبيقات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم حول نكث العهود مبرراً باعتبار الصراع الديني بين اليهودية والاسلام استئصالياً، وبالتالي فهو صراع دائم لا نهاية له.
ووفقاً لهذا المنطق الخاطئ فإن هذا الصراع يمتد من أقصى المعمورة الى أقصاها، وهو غير محصور في بقعة معينة من العالم محتلة بقوة السلاح باستعمار اجلائي، استيطاني، وارهاب دائم ومستمر بكونه يشتبك مع مصالح دولية  ويعبّر عنها في جزء متقدم من ستراتيجيتها الكونية في الشرق الأوسط، حتى وان تعكّز على " حق ديني" أو مزاعم آيديولوجية روّجت لها الصهيونية العالمية منذ مؤتمرها الاول في مدينة بال " بازل"  السويسرية العام 1897 وبعد صدور كتاب تيودور هيرتزل " دولة اليهود" بعام واحد.
ان ما يقوم به الفلسطينون مدعومين من المسلمين وأحياناً تحت راية الاسلام لإضفاء نوع من القدسية على هدفهم النبيل، انما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، الذي يجيز للشعوب التابعة والمستعمرة استخدام جميع الوسائل بما فيها القوة المسلحة، لاسترداد وطنها واستعادة سيادتها، وذلك لا علاقة له بالرؤية المشوّهة لاعطاء الصراع طابعاً دينياً.
وإذا كان الاسلام يذهب الى تأييد مثل هذه التوجهات بما فيها استرخاص الغالي والنفيس وصولاً الى الهدف، بالسلم او بالجهاد، فإن دعوته هذه أرضية وحقوقية وقانونية وضعية، حتى وإن يتم فيها توظيف التعاليم السماوية كأداة فلسفية وروحية، لهدف أرضي وانساني وهو تحرير الاراضي المغتصبة وحق تقرير المصير، في حين ان دعاوى الصهيونية سماوية تتعلق بأرض الميعاد وتحقيق الوعد الالهي لشعب الله المختار.
على النخب الفكرية والسياسية والثقافية العربية والمسلمة التمييز دائما بين مفهوم الحضارة التي ننسبها الى الغرب وهي نتاج انساني وبشري، وبين مفهوم الغرب السياسي، فالاولى هي منظومة من الفلسفات والافكار لما وصلت اليه البشرية كنتاج لتطورها السياسي والثقافي والجمالي والعمراني والفني والتكنولوجي والادبي، في حين ان الغرب السياسي يعني النظم والآيديولوجيات الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة، القائمة على المصالح بالدرجة الاساسية، وقد تكون أحياناً في تعارض مع مقتضيات السلوك الحضاري أو مثله وقيمه الانسانية العليا، خصوصاً مع شعوب وأمم أخرى.
لكن هذه النظم المتمثلة باوروبا وامريكا في الوقت نفسه تعتبر مستودعاً للتقدم العالمي لعصرنا بجميع ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لا يمكن تبسيط الموقف من الغرب باعتباره كله " شرٌّ مطلق"، وهي النظرة التي تتذرع بها اسرائيل لحماية نفسها من " آلة التدمير" العربية والاسلامية، بتأكيد انتمائها الى الغرب الحديث، ولاثبات تعارضها مع أهداف العرب والمسلمين، ولعل هذا ما حاولت ترويجه خلال انعقاد مؤتمر جنيف (ديربن-2) حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب نيسان (ابريل) 2009، وهو ما استطاعت أن تحشد له طاقات وامكانات دولية هائلة في الولايات المتحدة والغرب، مستفيدة من بعض الاطروحات الخاطئة والضارة التي ما تزال تهيمن على بعض التوجهات الاسلاموية، فضلاً عن تقاعس العرب والمسلمين منذ مؤتمر ديربن العام 2001، وذلك بعد أن حصلوا على نصر سهل لم يستطيعوا الحفاظ عليه أو توظيفه لمصلحتهم، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية، وهو ما حشدت اليه اسرائيل جميع الطاقات منذ ثمانية أعوام، حتى تحقق لها ما أرادت، رغم مقاطعتها مؤتمر جنيف، وهو ما سبق أن استخدمته بشكل بارع يوم تمكّنت من إلغاء القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 بخصوص مساواة الصهيونية بالعنصرية.
لقد عبأت اسرائيل آلة اعلامية وسياسية كبيرة، بما فيها حضور عشرات من منظمات المجتمع المدني بتكليف واسهام مباشر منها أو بطريق غير مباشر عبر التنسيق والتحالف وضخ المعلومات وتهويل صورة مؤتمر ديربن الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية، وكذلك بالاستفادة من بعض الأطروحات المتطرفة أو الشعارات ذات النبرة العالية، مستغلة إياها باعتبارها مهددة بالاستئصال، في حين  أنها هي التي تحتل الاراضي العربية وتمارس سياسة عنصرية ضد سكان البلاد الاصليين وترفض القرارات الدولية وحق العودة، وتضم القدس والجولان خلافاً للشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه تلصق كل أعمال العنف والارهاب بالاسلام في صورة نمطية، ليست بعيدة عن الصهيونية ذاتها.
ولعل صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية بناء جدار الفصل العنصري، ومن ثم صدور تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بارتكاب جرائم في غزة تقترب من جرائم الحرب، وقبل ذلك صدور تقرير بوستروم بشأن اتهام اسرائيل بالاتجار بالاعضاء البشرية للفلسطينيين، كلّه يضع اسرائيل أمام مساءلات دولية، لاسيما وقد كانت سياساتها طيلة ما يزيد عن 60 عام، عدوانية وعنصرية وبالضد من قيم التسامح.

•   وقفة للمراجعة الفكرية
أيكفي تكرارنا القول ان تعاليم الاسلام وبخاصة الواردة في القران الكريم والسنّة النبوّية تحضّ على التسامح، وان الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الاسلام الاول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم ان هناك فروقاً كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الاسلامي، الذي هو مثل كل تاريخ البشرية، حفل بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والاقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحياناً، سواءً على الصعيد النظري او على الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والاعمال؟
   جدير بالذكر الاشارة الى ان فترة الاسلام الاول، شهدت اعترافاً بالآخر والدعوة الى المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من " الخلفاء الراشدين" : عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا اليها الاسلام من أن تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة الى بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحوّل الى قوة مادية يصعب إقتلاعها، خصوصاً اذا ما انتقل من طور الاخلاق الى الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!
   لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الاسلامي، لا ينبغي ان تصب في الموجة الجديدة- القديمة من الاتجاه المعادي للاسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، أو أن تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالارهاب بالجملة، وهو ما يتردد على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين ومستشرقين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتى رسولهم النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الاسلام بالعنف".
   ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من اعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد إنتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس على صعيد الحاضر حسب، بل على صعيد المستقبل، يضاف اليه الآن نتائج الاستفتاء الشعبي في سويسرا ضد بناء المنائر الاسلامية.
   كما أن ما ورد على لسان الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش(آب/ اغسطس2006) وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول " الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسّم العالم الى قسمين " اما معنا.. أو مع الارهاب" اي مع " معسكر الخير والنور" او "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الى فسطاطين، ولعل هذا الأمر يحتاج الى إعادة النظر بالأفكار والآراء المسبقة بخصوص الاسلام، وهو ما يضع مسؤوليات على ادارة أوباما، طالما أنه أخذ على عاتقه مبادرة مخاطبة المسلمين على نحو مختلف، بما يعزز الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات والأديان.

•   نحن مفارقات التسامح

   اذا كان "الغرب" قد وصل الى التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، فان مثل هذا الامر لم يأخذ مداه على المستوى الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية في اواخر الثمانينات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجاً وحيداً للنظام الدولي على المستوى السياسي والاقتصادي، وخلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال ابادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وُقلبت انظمة واقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الامم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!
   ومن جهة اخرى فإن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والاسلامي ما زال قليل القبول لدى اوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الاقصائية والالغائية على انه " نبت شيطاني" او " فكر مستورد" خصوصاً مع خلط المفاهيم  تعسفاً احياناً، بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباع واستخداء للآخر، الخارجي، الاجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والامر ينسحب على نحو أشد ربما على النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية واثنية!
   ويهرب اصحاب هذا الاتجاه الى التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: ان الاسلام الاول، الراشدي إتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف،وهو وإن كان صحيحاً، لكنهم لا يناقشون الحاضر او يحاولون الزوغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الافضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم الى تبيئة وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهناً ومستمراً وقائماً.
   وبقراءة الوضع الراهن فهناك اربعة مواقف من مسألة التسامح:
   الاول- يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني او الفكري او السياسي او الثقافي او الاجتماعي، الداخلي او الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والافضليات، اما المختلف والآخر فإنه لا يمثل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار.
   الثاني- تيار اصلاحي (توافقي) يتقبل بعض افكار التسامح بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وان كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الثالث- يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو الى قطع الصلة  بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيممة حداثية لا علاقة لها بالاسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للاسلام الذي يحضّ على "العنف" و"الارهاب" حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الاسلاموية أو الاسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الرابع- التيار المؤيد للتسامح، والذي يعتبره قيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العرابي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.

•   الهروب الى الماضي !
    ان القراءة الارتجاعية للنص الاسلامي وللتعاليم والمفاهيم الاسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون اخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، فإنها تؤكد ان الاسلام " المفاهيمي" ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن ان يسلكه الانسان في حياته، طريق مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين المتشددين واللامتسامحين من الاسلامويين، الذين حاولوا تطويع احكامه بطريقة مؤدلجة تماشياً مع القيم السائدة والافكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الامر.
   وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الاسلام الى مجرد " تعاويذ" و"أدعية" ووصفات جاهزة ومعلبة، اقرب الى التحنيط والجمود والصنمية خصوصاً ازاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل او الحوار.
   كان الى جانب الاسلام والايمان نقيضهما أحياناً في دولة الاسلام المدنية، ولكن ثقة الاسلام بنفسه جعلت التعايش ممكناً مع النقيض. حسبي هنا ان اشير الى احتواء كتاب  " التوحيد الكافي" على اقوى الاستدلالات، التي إستند اليها منكروا التوحيد دون ان يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتى وان احتوى على ما يتعارض مع جوهر الايمان.
   الاسلام بتعاليمه لا يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقد الرأي المخالف انطلاقاً من قاعدتين :
1-   مبدا التسامح ازاء سماع الراي الآخر.
2-   الايمان بالعقل باعتباره الاساس في المحاججة وليس النظرة المسبقة.
   ليس ثمت تناقض بين العقل والايمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي اثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الاسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكننا لا بدّ من التمييز بين الاسلام كمفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز على المبادئ.
   بخصوص التسامح والاختلاف فهناك نموذجين احدهما: معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والاصول " فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وان لم يصب في حكمه" وذهب الامام الشافعي للقول:" رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا ولكنه يحتمل الصواب".
   وقديماً قيل قد يصيب الناظر وجهاً من وجوه الحقيقية، وهو ما ذهب اليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، انما يدل على تباين الطرق الموصلة الى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحداً، بل كثير ومتعدد، وهو الامر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.
   هناك بعض الاسلاميين المتعصبين أو الاسلامويين، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود الى " التساهل ازاء العقيدة والى الاباحية" وبعبارة اخرى: نشر الليبرالية بكل ابعادها على حساب الدين. وهو ما يذهب اليه مصباح يزدي احد منظري التيار اليميني المحافظ في ايران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة واسلوباً تخريبياً ضد الاسلام، يؤدي الى الانحراف والتحلل، في حين يميل تيار محمد خاتمي الرئيس الايراني السابق الى التسامح، ويدعو راشد الغنوشي الى هذا الاتجاه، ويعتبر فكر التشدد والتكفير وادعاء احتكار الاسلام وزعم النطق بإسمه، اكثر خطراً من الصهيونية والغرب والحكام المستبدين!
   اعتقد ان جزءًا من مشكلة الراهن والمستقبل، تكمن في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، والذي تجري محاولات لاجتراره بهدف الحفاظ على سكونية المجتمع وانظمة الحكم السائدة، التي لا تقبل بالتنوع والاختلاف والتسامح والديمقراطية، ومثل هذا الامر يجد صداه داخل المجتمع عبر تيارات متطرفة ومتعصبة تحمل راية الاسلام او ما نطلق عليه " الاسلام السياسي".
   العرب والمسلمون ليسوا أبالسة او شياطين ا

1045
ماراثون العزل السياسي في العراق
   



عبدالحسين شعبان
فصل جديد وصاخب من فصول العزل السياسي في العراق بدأ عشية الحملة الانتخابية لدورة جديدة للبرلمان العراقي، حيث فوجئ الرأي العام بصدور قرارات من هيئة المساءلة والعدالة تمنع أكثر من 500 من الناشطين السياسيين من الترشّح للانتخابات تحت باب “قانون اجتثاث البعث”. وقد تم تبليغ مفوضية الانتخابات بذلك، الأمر الذي تناوله الإعلام على نحو شديد وعاصف، ولاسيما في قضية الدكتور صالح المطلك رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني والأمين العام للحركة الوطنية العراقية التي يرأسها الدكتور إياد علاوي، التي أنشئت قبل بضعة أسابيع في بغداد، لخوض الانتخابات البرلمانية. وقد تبادلت الاطراف المختلفة القاصية والمقصية اتهامات متبادلة بارتكابات وعلاقات خارجية وفساد وإثراء على حساب المال العام والتعاون مع الأجهزة الأمنية في السابق والحاضر.

وتطوّرت المسألة إلى سجالات سياسية واشكالات قانونية، خصوصاً أن العدد الأكبر من الذين تم استبعادهم مشاركون بالعملية السياسية وقسم منهم نواب في البرلمان منذ أربع سنوات أو أكثر. وقد أعاد الجدل بخصوص هذه القضية السؤال الكبير حول مدى قانونية قرارات “هيئة المساءلة والعدالة” التي أقرّها البرلمان في العام ،2008 لكنه لم يوافق على تسمية أعضائها، الأمر الذي سيعرض قراراتها للطعن بشرعيتها فضلاً عن قانونيتها أصلاً.

ومن جهة أخرى فهناك تساؤل بدأ يكبر من داخل العملية السياسية حول مدى قانونية “ قانون اجتثاث البعث” الذي شرّعه بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وهو ما عبّر عنه في كتابه الذي صدر بعنوان “عام قضيته في العراق” العام 2006 عندما قال “.. سأكون شرطياً صالحاً عندما سأوقّع أمر اجتثاث البعث..”.

وقد أثار قرار اجتثاث البعث تداعيات سياسية وقانونية وإدارية وفنية واجتماعية وإنسانية، تركت تأثيراً بليغاً في الخارطة السياسية والمجتمعية العراقية، ستظهر نتائجها لاحقاً، خصوصاً على الاصطفافات والتحالفات السياسية والمسلحة. فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الاسلامي، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتّخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/ آذار ،1980 وكان تمهيداً للحرب العراقية  الايرانية، كما ذكّرت بقرار تصفية الحزب الشيوعي الذي حدد نهاية العام 1980 مهلة للقضاء عليه، وقبل ذلك بقرارات مكافحة الأفكار الهدامة في العهد الملكي، واستخدام سلاح البراءة لإجبار السياسيين على ترك العمل السياسي، تلك التي استخدمها الجميع ضد الجميع، ولاسيما عند القرب من السلطة، فالشيوعيون استخدموها ضد القوميين والبعثيين العام ،1959 والبعثيون والقوميون ضد الشيوعيين بعد العام 1963 وبعد العام 1968 وبالأخص في أواخر السبعينات استخدم العزل السياسي ضد الكرد والإسلاميين والشيوعيين، واليوم نعود إلى المربع الأول حين تستخدمها القوى المتنفذة في العملية السياسية، ولاسيما الإسلامية ضد البعثيين وخصوم العملية السياسية أو المنافسين.

لقد كان قانون الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم العقيدة السياسية وتجريمها، وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني.

أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقاً، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الادارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، ما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.

حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليونٍ ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضمّ إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظاً على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتلّ مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية، ولذلك فإن القانون حتى إن لم يشمل هؤلاء جميعهم، إلا أنه وجّه الاتهام إليهم من دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون اليها قناعة أو اضطراراً، ما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.

ان طلب تقديم البراءة من حزب البعث حالياً يذكّر بالمادة 200 التي استخدمها النظام السابق ضد معارضيه، والتي تجد أساساً لها حالياً في الدستور العراقي النافذ، خصوصاً في المادة 7 التي حرّمت على البعثيين العمل السياسي تحت اسم حزب البعث أو أي اسم آخر يمتُ بصلة اليه، وهو ما حاول المتشددون العزف عليه.

ان استمرار هذه المسألة سيهدد العملية السياسية برمتها، ولاسيما إن سيف العزل طال أعداداً كبيرة من العاملين في الوسط السياسي من جميع الفرق، وخصوصاً من غير المحسوبين على الجماعات الدينية الحاكمة. وإذا ما تم الاصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلاً أو مطعون فيها، وفيما بعد ابعاد فريق من المشاركين عنها، بمن فيهم من هو قريب من واشنطن، مع اصرار الرئيس أوباما

على الانسحاب في شهر أغسطس/ آب المقبل، سيعني التوسع في الدور الإيراني الذي سيدفع الكثيرين من المشاركين الحاليين إلى الانحسار أومقاطعة العملية السياسية القلقة والهشة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال تصاعد الخلاف الكردي  العربي حول صلاحيات الاقاليم وسلطات الفيدرالية، فإن الأمر سيأخذ جوانب أخرى للتصدّع السياسي.

إن سياسة العزل مهما كانت مبرراتها ستؤدي إلى تضييق هوامش العملية السياسية وقد تجعلها تصل إلى طريق مسدود، إن لم تكن هذه الانتخابات المستعصية إحدى المؤشرات القوية على ذلك.

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية الأربعاء ,03/02/2010

1046
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (14) ثورة ومغامرات وكبرياء
عبدالحسين شعبان
2010-02-01
في 10 مارس 1952 دعمت المخابرات المركزية الأميركية انقلاباً حصل في هافانا، حين قاد الجنرال باتيستا هجوماً للإطاحة ببعض هوامش الحريات التي كانت متوافرة، حيث ألغيت العديد من الأنظمة والقوانين التي تؤمّن حرية الصحافة وبعض الحقوق والحريات العامة والفردية، وحلّت بالبلاد دكتاتورية جديدة سافرة، الأمر الذي سبّب خيبة أمل كبيرة للكوبيين، لاسيَّما لجيل الشباب المتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.
وخلال أحاديثي مع العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والناس البسطاء في كوبا وخارجها، كان دائماً ما يُذكر باتيستا، وإلى جانبه، بل وندّه هناك من يذكر شاباً مفعماً بالحيوية كان قد تخرّج لتوّه في كلية الحقوق، ولم يبلغ عمره أكثر من 25 عاماً، فقد ولد كاسترو في عام 1927، وسيصبح هذا المحامي الشاب من أكثر ثوار العالم شهرة بعد قيادته لمجموعة من الشبّان، حيث كان كاسترو قد يئس من الأحزاب القائمة بما فيها "حزب الحقيقة" و "الحزب الشيوعي"، فأسس مع مجموعة من رفاقه سيبرز فيهم لاحقاً تشي جيفارا وراؤول كاسترو شقيقه، حركة أطلق عليها اسم "حركة 26 يوليو" كان هدفها الإطاحة بالنظام الدكتاتوري عبر اختيار طريق الكفاح المسلح وسيلة لذلك.
وبعد نحو عام من التدريب والتهيئة، اجتمع تحت قيادة كاسترو نحو 150 شاباً، انتقلوا من هافانا ليقوموا بهجومهم على ثكنة مونكادا في سنتياغو دي كوبا، مستهدفين الاستيلاء على السلاح واللجوء إلى الجبال للاحتماء بها ومن ثم الزحف على المدن، حسبما اقتضت خطة الكفاح المسلح.
وكان اللجوء إلى جبال السيرامايسترا، وهي أعلى سلسلة جبال في كوبا وتمتد بكتلة واحدة على طول البحر الكاريبي (نحو 150 كم وعرض 30 كم)، يستهدف الاختباء في جبال وعرة وغير مأهولة ومغطّاة بغابات يصعب اجتيازها، ولذلك فهي تؤمن ملجأً يمكن للثوار الاختباء فيه.
لكن فشل الهجوم دفع البلاد إلى المزيد من القمع والملاحقة، وتمكّن فيدل كاسترو من الهروب إلى خارج كوبا، وقد حُكم عليه وعلى 30 من رفاقه في جزيرة الصنوبر، إلى أن حان موعد الانتخابات العامة التي فرضها الرأي العام على حكومة باتيستا، والتي أُجريت عام 1955، حيث صوّت المجلس الجديد بالعفو عن فيدل كاسترو ورفاقه، وعند خروجهم من السجن غادروا البلاد والتجؤوا إلى المكسيك، وهناك تعرّف على جيفارا.
وخلال عام كامل استجمع كاسترو خطته ورجاله، ليعودوا بسرية تامة إلى الجزيرة وكان عددهم 82 شخصاً، ولم ينجُ منهم سوى 21 عند وصولهم إلى الشواطئ الكوبية. وخلال تلك الفترة سعت واشنطن لوضع هيمنتها بالكامل على أميركا اللاتينية، فقادت تحركاً لصالحها في غواتيمالا عام 1954، وقمعت فيه الحركة الوطنية الغواتيمالية المتطلعة إلى الديمقراطية. في تلك الظروف وتحت تلك المخاوف وتقاطع الأجندات، انطلقت الثورة الكوبية لتشق سكون أميركا اللاتينية آنذاك، الأمر الذي لم تحسب له واشنطن الحساب الكافي، لاسيَّما أن الثورة جاءت من حديقتها الخلفية، وإذا بها تصبح مصدر إزعاج تواجهه كل يوم وتنشغل به على نحو كبير، وبخاصة إشعاعاتها على أميركا اللاتينية!
لم يكن الانقلاب العسكري "السلمي" الذي قاده باتيستا هو الحدث الأول الذي حدث للجزيرة، فتاريخ كوبا شاهد على التدخل والحروب الإسبانية، والأميركية لاحقاً، حيث شهدت موجات إمبريالية للتدخل حتى بعد إحراز استقلالها من الاستعمار الإسباني الناقص، فوقعت مثل التفاحة الناضجة في حضن الولايات المتحدة، وتشهد على ذلك تدخلات واشنطن بتوقيع اتفاقية بلات عام 1901 التي أرادت حصد نتائج حروب التحرر الوطنية الكوبية فسعت لكي تقع التفاحة في سلّتها بعد أن تخلّصت من إسبانيا، ومن ثم تدخل السفير الأميركي سومتر 1933 للهيمنة وإملاء الإرادة، وصولاً إلى حكم باتيستا الذي أطاحت به الثورة في مطلع عام 1959.
في ليلة مكسيكية باردة، جمعته بكاسترو كما يروي جيفارا في مذكراته ، ودار بينهما نقاش حول السياسة الدولية وشؤون وشجون أميركا اللاتينية طوال الليل حتى ساعات الصباح الباكر، أعلن بعدها جيفارا انضمامه إلى العصبة الثورية التي كان قد بدأ كاسترو بتأسيسها، وقام معه برحلته الأثيرة من المكسيك، وفي المركب غرانما، وصولاً إلى الشواطئ الكوبية، ومن ثم بدء عمليات الكفاح المسلح في جبال السيرامايسترا وصولاً إلى هافانا. حدث ذلك بعد سقوط نظام جاكوب أربنز في غواتيمالا على إثر عدوان واشنطن، بإشراف جون فوستر دالاس محامي شركة الفواكه المتحدة، الذي يحمل عدداً من أسهمها كأكبر مؤسسة إمبريالية في غواتيمالا.
يومها جاء كاسترو إلى أرض المكسيك المحايدة ليجهّز حملته المضادة بالعودة إلى هافانا على أسنّة الحراب، وقد تعرّض الثوار إلى هجوم مباغت. وكانت مجموعتان من الشرطة المكسيكية تبحثان عن فيديل كاسترو بإيعاز من باتيستا، وسقط أعضاء المنظمة في أيديهم لدى مهاجمتهم المزرعة بالقرب من ضاحية المدينة، وكما يقول جيفارا في مذكراته" تشي جيفارا- يروي مراحل الثورة الكوبية، إعداد سعيد الجزائري، دار الجيل، بيروت، 2004"، وجدنا أنفسنا جميعاً في السجن... وقضى بعضنا 57 يوماً فيه وكان خطر تسليمنا لحكومتنا معلّقاً فوق رؤوسنا، وبسبب اكتشاف جاسوس بين صفوف الثوار، كما يروي جيفارا، فقد كان ينبغي عليهم القيام بنشاط محموم لإعداد المركب، الذي سيتم تخليده كرمزية كبيرة، وتحت اسم "غرانما" وينطلق يوم 25 نوفمبر 1956 حاملاً على ظهره 82 ثائراً وبضعة بنادق وأعتدة وألبسة عسكرية. وفي الساعة الثانية صباحاً كانت كلمات كاسترو تتردد "سنتحرر أو نستشهد" وظلّ صداها مخيّماً على أجواء الثورة حتى تحقق النصر، بل إن بعض الحركات الثورية كانت تختتم بياناتها بشعارات: الموت أو النصر.
لعل ساعة الانطلاق نحو الشواطئ الكوبية لبدء الكفاح المسلح كانت مثيرة ومدعاة للقلق والتأمل، فقد أطفأوا أنوار مركب غرانما، وتركوا على عجالة مرفأ توكسبان، لكن دوار البحر سرعان ما داهمهم، ويصف جيفارا وضعهم بالمحزن المثير للقرف بالقول: رجال وجوههم كالحة من الخوف والقلق ويمسكون بطونهم بأيديهم من الغثيان.. ثيابهم ملوثة بالقيء... وبعد مسيرة مضنية وإلقاء جزء من حمولة المركب لتخفيف الوزن يصلون إلى الشواطئ الكوبية بطريق استدارة كبيرة استمرت لبضعة أيام حيث وصلوا إلى البر الكوبي..
يقول جيفارا: كنّا جيشاً من الظلال والأشباح التي تتقدم كأنها مدفوعة بقوة بدنية غامضة، حيث تعرّضنا للجوع ودوار البحر لمدة 7 أيام، ثم لمدة ثلاثة أيام مريعة على الأرض، في بعض المستنقعات، لاسيَّما بعد هجوم قوات باتيستا عليهم وحصدها أرواح العشرات منهم لدرجة أن من تبقّى على قيد الحياة، كادت قواه أن تخور، وأن بعضهم كان جريحاً، لدرجة أن جيفارا الذي أصيب بجراح أيضاً، فكّر بالموت بأن يترك نفسه عند جذع شجرة ويستعد لإنهاء حياته بكل كبرياء، مثل بطل جاك لندن الذي عرف أنه محكوم عليه بالموت متجمداً وسط ثلوج آلاسكا، فاختار طريقاً آخر أقصر منه.
بعد فترة وجيزة تجمّع من تبقى من فلول الثوار المنتشرة دون هدى ما وكانت نقطة الالتقاء هي معرفتهم بأن كاسترو ما زال على قيد الحياة، ووصلوا إليه بواسطة بعض القرويين، وكان أن خططوا لمعركة سريعة لتحسين المعنويات، وتحقق لهم ما أرادوا حين كسبوا معركة لابلاتا التي انتصروا فيها في 17 يناير 1957 أي بعد 6 أسابيع من وصولهم إلى الشواطئ الكوبية، حيث هاجموا الثكنة الصغيرة التي تقع على مصب نهر لابلاتا في سيرامايسترا، تلك المعركة التي انتشرت أخبارها مثل النار في الهشيم، الأمر الذي عاظم من معنويات الثوار وزاد من ثقتهم بأنفسهم وعزز من قدراتهم. ولعل تلك المعارك التي استمرت منذ أواخر عام 1956 وأوائل عام 1957 وحتى الأول من يناير 1959 (يوم كان الإعلان عن انتصار الثورة) إنما تعيد إلى الذاكرة الحروب والتحديات التي تعرّضت لها كوبا قبل الثورة وما بعدها.

1047
الانتخابات والعزل السياسي في العراق   
   

                                                                                   عبد الحسين شعبان


في خضم الحملة الانتخابية لدورة جديدة للبرلمان العراقي، فوجئ الرأي العام بصدور قرارات من هيئة المساءلة والعدالة تمنع نحو خمسمائة من الناشطين السياسيين من الترشّح للانتخابات تحت باب "قانون اجتثاث البعث".
وقد تم تبليغ مفوضية الانتخابات بذلك، الأمر الذي تناوله الإعلام على نحو شديد الصخب، ولاسيما في قضية الدكتور صالح المطلك رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني والأمين العام للحركة الوطنية العراقية التي يترأسها الدكتور إياد علاوي، التي أنشئت قبل أسابيع في بغداد، لخوض الانتخابات البرلمانية.
"
أعاد الجدل بخصوص قضية الانتخابات السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى
"
وتطوّرت المسألة إلى سجالات سياسية وإشكالات قانونية، خصوصاً وأن العدد الأكبر من الذين تم استبعادهم مشاركون بالعملية السياسية وقسم منهم نواب في البرلمان منذ أربع سنوات أو أكثر.
وقد أعاد الجدل بخصوص هذه القضية السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى، وهو ما عبّر عنه في كتابه الذي صدر بعنوان "عام قضيته في العراق" العام 2006 عندما قال " .. سأكون شرطياً صالحاً عندما سأوقّّع أمر اجتثاث البعث...".
ولعل هذا القانون كان الأمر رقم (1) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة وتم توقيعه في الصباح الباكر من يوم الجمعة الموافق 16 مايو/أيار 2003 بحضور عدد من المسؤولين الأميركيين بينهم ريان وسكوت وميغهان ومارتيز.
وقد أثار قرار الاجتثاث تداعيات سياسية وقانونية وإدارية وفنية واجتماعية وإنسانية، تركت تأثيراً بليغاً على الخارطة السياسية والمجتمعية العراقية، ستظهر نتائجها لاحقاً، خصوصاً على الاصطفافات والتحالفات السياسية والمسلحة.
فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامية، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار1980، وكان تمهيداً للحرب العراقية الإيرانية، التي شهدت تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية، بعقوبات جماعية، ليس لها أي مبرر مشروع على الإطلاق، مثلما هو قرار الاجتثاث الذي هو أقرب إلى العقوبة الجماعية ذات الطبيعة الانتقامية لاعتبارات عقائدية وسياسية.
إذ إنه بدلاً من إحالة المتهمين بارتكابات محددة إلى القضاء، جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وهو الذي تضمنه قانون الاجتثاث، الذي أخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني.
أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقاً، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.
"
رغم " الطابع السياسي" للوظيفة العامة كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب
"
ورغم "الطابع السياسي" للوظيفة العامة وبخاصة للمواقع العليا كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب، حتى وإنْ أحتُسِبت ضمن التصنيف السياسي على "الموالين" لسياسة الحزب الحاكم، وإنْ كان الأمر شكلياً كما سيتم ذكره.
حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظاً على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتل مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية.
ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعاً إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطراراً، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.
ورغم التفسيرات والمراجعات التي قيلت بشأن قانون الاجتثاث بأنه يشمل أعضاء القيادة القطرية وأعضاء الفروع والشُعب والفرق بما يقارب أو يزيد قليلاً عن ثلاثين ألف عضو، فإن الأمر كان أعقد من ذلك وإذا ما انضم إليهم عناصر من القوات المسلحة والقوى الأمنية وبعض الأجهزة التنفيذية، فإنه سيشمل عشرات بل مئات ألوف أخرى.
لكن الأهم أن القانون دفع أوساطاً كانت متململة أو غير راضية على انضمامها "القسري" أو شبه القسري إلى حزب البعث، بل استعدادها للتخلي عنه، إلى الاقتراب من بعضها البعض لشعورها بأنها جميعاً مستهدفة، أو يراد لها تقديم تنازلات من شأنها أن تلحق الأذى بسمعتها وبمستقبلها.
صحيح أن البعض بادر إلى ذلك على نحو مجاني أحياناً، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية، إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّماً بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات، خصوصاً وأن بعض القوى الناشئة، والتي جاءت مع الاحتلال ليس لديها جماهير أو كوادر أو أتباع، فاستعانت بالجماعات البعثية التي جرى اجتثاثها، وبذلك أُغرِقت هذه الكتل الحديثة التكوين وفي ظل الانفلات وغياب الضوابط والمعايير، بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا".
بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونياً ورسمياً، باعتباره حزباً قائداً ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور.
من الناحية العملية فإن هيئة اجتثاث البعث قد تم حلّها وأسست هيئة المساءلة والعدالة على أساس قانون صدر بهذا الاسم. وإذا كان البرلمان قد صادق على مشروع القانون، إلا أنه لم يوافق على تأسيس الهيئة بالشخصيات المُعلنة، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية وسياسية حول قراراتها، طالما لم يوافق البرلمان على عضويتها، لكنها ظلت تعمل دون وجود غطاء قانوني لها ودون أن يطلب أحد حلّها أو إبطال قراراتها إلى أن وصل الأمر إلى منع صالح المطلك و15 كياناً سياسياً ومئات الشخصيات من الترشح، حيث جرى التنبّه إلى قراراتها غير القانونية، ولعل هذه واحدة من حالات الفوضى السياسية والقانونية السائدة في العراق وفي جميع المجالات.
"
لعل مجيء بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية
"
ولعل الأمر كله بحاجة إلى وقفة جدية قانونية وسياسية حول مدى صلاحية هيئة بهذا المعنى، وبقانون المساءلة والمصالحة ككل، فإذا كان هناك مرتكبون وتوجد شكاوى ضدهم، فيمكن إحالتهم إلى القضاء، ولاسيما أن حزب البعث محظور دستورياً بغض النظر عن وجاهة مثل هذا القرار أو عدم وجاهته فيما يتعلق بتحريم العقيدة السياسية.
لعل مجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية، في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة وهيئة لم يصادق عليها البرلمان، لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة ما لم يتم إلغاء قرار اجتثاث البعث الذي أصدره بريمر وإلغاء قانون المساءلة والمصالحة وحل الهيئة غير المصادق عليها، التي اقترحتها الحكومة الحالية بعد حل هيئة اجتثاث البعث التي كان يترأسها الدكتور أحمد الجلبي ونائبه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي.
إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب، وأعتقد أن الأمر بحاجة إلى أجواء سياسية سليمة وسلمية وأوضاع أمنية مناسبة وظروف اقتصادية وخدمية طبيعية، ولا سيما بحل أزمة المياه والكهرباء والبطالة، فذلك وحده الذي سيضع مسألة التعايش والاعتراف بالآخر وفق عقد سياسي واجتماعي جديد وفي إطار حكم القانون واستقلال القضاء.      


1048


كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! 13 - جيفارا بين رامبو ودون كيشوت!
عبدالحسين شعبان
2010-01-25
يسرد جيفارا على نحو تصويري تجربته في أول مواجهة مع العالم الخارجي من خلال دراجته النارية وهي تلتهم آلاف الكيلومترات في مغامرة عاصفة، ولعله وهو يقوم بتلك الرحلة يحمل روح دون كيشوت الحالمة وكأنها استيقظت فيه!!
التجوال، أي الانتقال من مكان إلى آخر، ظلّ رفيقاً أساسياً لجيفارا نمت معه بذرة التمرد الأولى، فضلاً عن كونه متعة وممارسة إنسانية له، لاكتشاف ثقافات وتمازج حضارات وتفاعل صداقات وتكامل علاقات إنسانية قومية وإثنية ودينية وسلالية بحيث تشكل تناسقاً ومشتركاً علوياً، عابراً للمكوّنات الفرعية، لحساب المشترك الإنساني، لعل روح رامبو الشاعر الفرنسي كانت قد تلبسته هي الأخرى، وهو القائل: "يذهب بعيداً بعيداً جداً، عبر الطبيعة"، حيث كان رامبو ضجراً وغير قادر على الاستمرار في مكان واحد (من قصيدة لرامبو وهو في سن السادسة عشرة). فقد كان الفتى جيفارا مثل رامبو يحبّ التجوال منذ صباه". الحياة دائماً في المكان نفسه أمرٌ بائس جداً".
كان جيفارا يكتشف مثل رامبو أزهاراً جديدة ونجوماً جديدة ولغات جديدة وربما بشراً آخرين، كل ذلك من أجل "حريته المشتهاة". لقد غادر رامبو الفرنسي شارلفيل الفرنسية، إلى لوكانو (السويسرية) ومنها إلى جنوى الإيطالية ووصل إلى الإسكندرية المصرية ومنها إلى جزيرة قبرص وبعد ذلك إلى جدة السعودية فالحديدة اليمنية، واستقرّ به المقام في عدن جنوب اليمن، التي ناسب جوّها الحار مزاجه. وجيفارا الأرجنتيني اخترق كل أميركا الجنوبية على ظهر دراجة نارية وصولاً إلى شمالها حتى الولايات المتحدة، ومن أميركا اللاتينية إلى أدغال إفريقيا بعد أن زار 15 بلدا وعقد صداقات جزائرية، مصرية، مغربية، كونغولية، وإفريقية وآسيوية ومنها عاد إلى بوليفيا، لا من أجل الهمّ الإنساني الخاص فحسب، بل لحمل مشعل الثورة، متماهياً مع الهم الإنساني العام.
النثر الجميل المفعم بالحياة الذي يسرد فيه جيفارا يوميات رحلته الدونكيشوتية يجعلنا نتوقف أمام مهارته وأسلوبه الأدبي الرقيق، لاسيما إذا كان ممزوجاً بروح مخلصة لتجربة فريدة، حيث يلقي ضوءا على مشاعره وأحاسيسه خلال تلك الرحلة، ولعل جيفارا يبحث عن نفسه في تلك اليوميات عندما ينقل عن الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس قوله "الإنسان مقياس كل شيء"، فالشخص الآخر يتكلم ويروي على لسانه وبلغته الخاصة، ما رأته عيناه، حتى وإن بدت بطريقة المراقبة، فيصف الطريق بلمسة رسام ماهر بالقول:
"تتلوى الطريق بين سفوح الجبال التي تسير بداية سلسلة جبال الإنديز، ثم تهبط منحدرة حتى تصل بلدة بائسة غير جذّابة محاطة بنقيض حاد من الجبال العظيمة الكثيفة المشجرة".
لم يتورّع جيفارا أن ينقل إلينا بشيء من المتعة والسخرية وحسّ الغرابة، واقع حاله مع صديقه غرانادو، يوم يقومان بمحاولة سرقة النبيذ، مزاوجة سلوكه حين يكون ثملاً وبين سخرية القدر في كشف اللص، وبشيء من الدونكيشوتية والشارلشابلنية حسب تشينتيو فيتير، يعرض المطاردة بين الراقصين وكأنه في فيلم يعود للحقبة الثلاثينية للأفلام الصامتة من القرن الماضي.
مغامرات الشاب المملوءة بالفرح والسخرية تنتقل إلى هذه "الجبارة" (الدراجة النارية) كما كان يطلق عليها، للسير أحياناً والعطب في أحيان أخرى والتوقف لإصلاحها في مرات كثيرة، ومفاجأة العلاقة بالناس البسطاء و "الشغيلة" والفلاحين المعدمين، عبر الحدود واجتياز دول، وتنوّع تضاريس وجغرافيات ومناخات، وامتزاج ثقافات وحضارات.
ولعل الغرابة والجسارة والفضول، كانت من أولويات عنصر المغامرة لدى جيفارا وصديقه غراندو، وهو ما كان يقرّبهما من دون كيشوت، الوحيد المحاط بالعزلة والحماقة، رغم أن قلبه مملوء بحب الكادحين والفقراء والأطفال الجياع. وينقل علاقته بمرضى الجذام ومستعمرتهم، لاسيما عندما قاموا بتوديعه وصديقه وداعاً غنائياً، حيث انطلق المرضى الذين ساعدوهما، على صوت لحن شعبي، فانساقت الحمولة البشرية بعيداً عند الشاطئ، وأضفت أضواء قناديلهم الخافتة على الناس، سمة الأشباح.
لقد شعر جيفارا وصديقه غراندو أنهما لا يحسنان لمرضى الجذام فحسب، بل يشاطرونهم محنتهم، ليس بالمعاملة والمعالجة فحسب، بل حين لعبا معهم كرة القدم، وتحدثا إليهم بروح أخوية إنسانية، مفعمة بالتفاني والمشاركة في البؤس الإنساني، والإحساس بألم العزلة والحيرة والمصير البائس.
ولعل مجلة التايم كانت قد أصابت كبد الحقيقة حين وصفت جيفارا المولود في 18 يونيو (يونيو) 1928 ولعائلة من الطبقة الوسطى بـ "أيقونة القرن العشرين". وتكشف رسائله لوالدته أحاسيسه الإنسانية وهواجسه وهمومه وتطلعاته، بما فيها نوبات الربو التي كانت تصيبه والقلق الذي يداهمه وأحياناً خوفه من المجهول، وحرصه على بقاء حلمه مستمراً وإرادته صلبة، كأن مقولة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول "المثقف العضوي" كانت أمامه باستمرار، لاسيما عندما يتحدث عن تشاؤم الواقع، فكل ما حوله كان مدعاة للتشاؤم والقنوط، لاسيما محق الإنسان واستغلاله أبشع استغلال من جانب قلة احتكارية متسلطة على شعوب مستلبة ومهضومة، لكنه رغم كل ذلك لم يكن يائساً، وبقدر تشاؤمه، فقد كان يمتاز بتفاؤل الإرادة، الأمر الذي يضعه في صلب مواصفات المثقف العضوي، الذي أراد أن يتماهى مع قضية العدالة والإنسانية، والتطلع إلى غدٍ جديد يتساوى فيه البشر ويتكافؤون في الحصول على الرفاه، كلٌّ حسب طاقته، ولكلٍّ حسب حاجته!!
وعلى طول اليوميات وعرضها وعلى امتداد  امريكا اللاتينية كلها، هناك من يتحدث عن الخيالات الهائجة وغبار الطريق واللحم المشوي والارتجال والنساء الجميلات ورسائله إلى أمه وطريق البجعات السبع، وأخوة الكائنات البشرية.. وكأنها مفردات حياة يومية متخيّلة، لكنها واقعية أيضاً!! وتلك كانت أقرب إلى قصائد رامبو في مرحلته العدنية ومغامرته الكونية!



7897 العدد - صحيفة العرب القطرية ، الإثنين 25 يناير 2010 م - الموافق 10 صفر 1431 هـ




1049
الحلقة الرابعة  والحلقة الخامسة من كتاب سعد صالح


للاطلاع على التقارير كاملا انقر على الروابط التالية


الحلقة الرابعة
http://www.ankawa.com/upload/634/07.pdf


الحلقة الخامسة
http://www.ankawa.com/upload/634/08.pdf



1050
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! - 12 - يوميات المغامر النبيل
                                                                                         عبدالحسين شعبان
2010-01-18
أينما ذهبت في كوبا فهناك من يحدّثك عن الشخصية الأثيرة التي كلما ابتعد موسم رحيلها ازدادت قرباً، فقد كان لها سحر خاص ظلّ يفيض على كل من يتطلع إلى حياة جديدة، لاسيَّما من الشباب الحالم، الذين ما فتئوا يستعيدون ذكرى المغامر النبيل، وكأنها طيف، طالما تمنّوا أن يكون قريباً من اليقظة، فقد طبع حياتهم كلها بأحلام غامضة، وردية، هكذا يحدثني أحد الشباب في حانة أرنست همنغواي في هافانا "حانة بودغيتا دل ميديو" فقد حدس شكل ملامحنا الشرق أوسطية وربما سحنتنا العربية، فأراد أن يتعرّف علينا أو يثرثر معنا، وسرعان ما انضمت إلينا فاتنة حسناء، لكن حاجز اللغة حال بيننا وبينها. يقول الشاب الكوبي بإنجليزية طليقة: رغم أن تشي جيفارا غادرنا سريعاً، لكن صورته وصوته وابتسامته لا تزال تعيش معنا.
لقد أعادني هذا الحديث إلى ما سبق أن قرأته عن مغامراته التي حاول تدوينها لاحقاً في رحلته الشهيرة لعبور القارة الأميركية الجنوبية. وبفضول معرفي ورغبة في اجتراح المغامرة كنّا نحاول أن نجد طريقنا الخاص، بإعلان تمردنا ورفضنا النمطية والرتابة والمألوف بما فيها شكوكنا أحياناً بماركسية معلّبة أو وصفة جاهزة، في حين اعتبرنا جيفارا ناقداً لحدود الجمود والتحجر، طامحاً في تجاوز السائد، حتى وإن كان ذلك جزءا مما كنّا نعتقد فيه.

كيف نصنّف "يوميات دراجة نارية" وهو عنوان كتاب عن رحلة جيفارا في أميركا اللاتينية، هل ندخله في أدب الرحلات والرحّالة، وهو ما حاول المشروع الجغرافي العربي الذي يشرف على إصدار سلسلته الشاعر نوري الجراح، الإجابة عليه في تقديمه الذي كتبه محمد أحمد السويدي عن "ارتياد الآفاق" فضمّه إلى مجموعة المؤلفات التي وضعها الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون، وإن كانت رحلة جيفارا من طراز خاص ولغايات أخرى.
إن يوميات جيفارا في تجربته الأميركية اللاتينية والتي قطع فيها مع صديقه ألبرتو غرانادو على دراجة نارية نحو 4500 كيلومتر، لم تكن مغامرة فحسب، مدروسة أو غير مدروسة، بل كانت تطلع شاب إلى المعرفة واستعداده لاجتياز الصعاب، لإثبات التميّز، وبقدر ما في المسألة من جدّية، كان فيها الكثير من عناصر السخرية، إزاء الواقع، وإزاء ما صادفه من تحدّيات، وإزاء نفسه في الكثير من الأحيان، لكن تلك الرحلة كانت بروفة أولية ضرورية لمغامرة أكثر خطورة ومسؤولية لتشمل العالم كله هذه المرّة، مبشراً بالثورة والحرية والتمرد على ما هو سائد، طامحاً في عالم جديد أكثر عدلاً.
بواسطة الدراجة النارية جاب جيفارا مجتمع أميركا اللاتينية، وهو الطبيب الذي وجد المرض والتخلف والأمية منتشرة من جنوب القارة وصولاً إلى شمالها، وفي الشمال كانت أقلية صغيرة متنفذة تتمتع بالخيرات والموارد، ناهبة شعوب أميركا اللاتينية، واضعة كل ما تنتجه سواعد الملايين في خدمتها.
كان الطبيب الأرجنتيني الشاب ينتقل من على ظهر دراجته النارية مع صديقه من الأرجنتين إلى شيلي، ومنها إلى بوليفيا وبعدها يصل إلى بيرو ومنها ينتقل إلى بوليفيا ثم إلى فنزويلا، ولو اطّلعنا على خارطة الرحلة، لاسيَّما عبر دراجة نارية ليست على ما يرام، لاكتشفنا أية إرادة أسطورية نفّذت ذلك، وأية مفاجآت وتحديات واجهته، وكيف تعامل في ظروف بالغة القسوة والحساسية أحياناً، بكل ثقة بالنفس وبالسخرية، والخروج على المألوف.
هكذا التهمت الدراجة آلاف الكيلومترات في أميركا اللاتينية وصولاً إلى "سرّة العالم"- عاصمة الانكا، وكأنه يحمل شعلة لصهر روحه ومزجها بآلام القارة المستلبة، والمتطلعة إلى الانعتاق. لعل ذلك كان مقدمة لطريق الحرية والفداء الذي اختاره جيفارا دون تردد أو رجوع، حيث كان عمره لا يزيد على 24 عاماً عندما كتب "علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شقين متصارعين، سأكون إلى جانب الشعب، أعلم هذا، أراه مطبوعاً في سماء الليل، أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية، المعادل العظيم لإرادة الأفراد..". ولعل كتابة مثل هذا النص، وفي وقت مبكر من حياته، تكشف عن عمق مشاعره الإنسانية، وعن سحر كلمته الأنيقة.
يوميات جيفارا بدت أقرب إلى مغامرة تلقائية لروح مجبولة على المغامرة، وماذا ستكون الحياة من دونها؟ ولعل المغامرة من أجل الحقيقة هي أجمل المغامرات وأحلاها.
لعلنا في شبابنا كنّا قد تمثلنا تلك الرحلة المثيرة، فوق الجبال والبحيرات، في السهول والوديان، وفي عبور الحدود، والجميل في تلك المغامرة أن صاحبها حاول أن يكون أميناً في تدوينها، بل غير تقليدي أيضاً.
كان الشاب الأرجنتيني الأممي فيما بعد، اليافع، البالغ الحساسية، وهو يروي لنا يومياته ومغامراته، يظهر بقدر عقلانيته، جنونه أيضاً، وبقدر جديته، سخريته أيضاً، وهو ينقل لنا فقر وجوع واستغلال الأراضي الشاسعة التي يمرّ بها، وينتقل منها من بلد إلى آخر، وقد حاول بتلك الروح المرحة مقاومة التحديات وتجاوز الصعاب، وبقدر صلابته كان رقيقاً، وكان يميّز دائماً بين الجمال والفجاجة، وبين الحب والعطش إلى المعرفة والرغبة في التغيير، يقابلها الكراهية والتخلف والاستكانة.
لقد كانت ابنته أليدا جيفارا مارش محقّة عندما كتبت عن رحلته تلك قائلة "لم أعرف الشخص الذي كتبها، كنت آنذاك صغيرة وتماهيت مباشرة مع ذلك الرجل الذي سرد مغامراته بطريقة تلقائية كهذه.. عندما تنتهون من الكتاب ستودوّن العودة إليه للاستمتاع ببعض القطع ثانية، إما لجمال ما تصفه أو لكثافة المشاعر التي تتضمنها"، ولقد فعلت ذلك مرات ومرات، كنت أريد مقارنتها ببعض تجاربنا تارة، وأخرى لاختبار طول صبره، وثالثة لمعرفة حكمته أو جنونه، ورابعة لتقييم سجاياه الشخصية الشجاعة، لاسيَّما في المحن وتحدّي الصعاب.
يقول جيفارا الذي سيتحوّل إلى بطل كبير من أبطال القرن العشرين إن يوميات رحلة دراجة نارية "ليست قصة بطولة خارقة"، ولكنه لا يمكن إلاّ أن نفكّر بتلك البطولة باعتبارها مقدمة لتكوينه الثوري وشعوره الداخلي وهو يدوّنها، وهو ما يعبّر عنه بوضوح بالقول: الشخص الذي أعاد تبويبها وصقلها، أنا، لم يعد له وجود على الأقل، لست ذلك الشخص الذي كان. كل هذا التجوال هنا وهناك في "أميركتنا" لتكتب بحروف كبيرة"، غيّرني أكثر مما حسبت"، فقد كان ولوج عالم التمرد والتغيير، قد مرّ عبر جولته الأولى داخل قارة أميركا اللاتينية، برحلته المثيرة تلك.


7890 العدد - صحيفة االعرب القطرية  الإثنين 18 يناير 2010 م - الموافق 3 صفر 1431 هـ


1051
هل تفلت ليفني من يد العدالة؟
   


عبدالحسين شعبان
لم تكن قد هدأت الضجة التي أثيرت حول تقرير غولدستون الذي أدان جرائم “إسرائيل” في قطاع غزة إبان حربها المفتوحة عليها والتي دامت 22 يوماً، وقبله الضجة التي أثارها تقرير الصحافي السويدي بوستروم بشأن متاجرة “إسرائيل” بالأعضاء البشرية لشباب فلسطينيين تُسرق أعضاؤهم بعد اغتيالهم، حتى بدأت ضجة كبرى تكاد تكون هي الأعظم خلال العقد الماضي كلّه تقريباً وذلك بصدور مذكرة قضائية من المحاكم البريطانية تقضي باعتقال تسيبي ليفني وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” السابقة على خلفية مشاركتها في ارتكاب جرائم حرب في عملية “الرصاص المسكوب” التي استهدفت قطاع غزة بعد تجويعه لأكثر من عامين .

المذكرة البريطانية هي المذكرة الثالثة من نوعها أوروبياً، حيث كانت المذكرة الأولى قد أصدرها القضاء البلجيكي بملاحقة آرييل شارون رئيس الوزراء “الإسرائيلي” الأسبق وعدد من المسؤولين على خلفية مجازر صبرا وشاتيلا إثر اجتياح لبنان ومحاصرة العاصمة بيروت العام ،1982 وكان القضاء البلجيكي قد أصدر مذكرة بعد إعلان شارون عن زيارة بروكسل، الأمر الذي اضطرّه إلى إلغاء الزيارة في العام ،2001 وجاء هذا التحرك من جانب بعض مؤسسات المجتمع المدني وبعض الناشطين والناجين من المجزرة وفي مقدمتهم سعاد سرور، حيث وافق القضاء البلجيكي على النظر في الدعوى الخاصة بشارون .

والمذكرة الثانية عندما باشر القضاء الإسباني بالتحقيق في شكاوى مرفوعة ضد وزير الدفاع “الإسرائيلي” الأسبق بن اليعازر وستة من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين وذلك في 29 كانون الثاني (يناير) 2009 أي بُعيد الحرب على غزة بأيام بتهمة ارتكاب جرائم حرب من خلال قصف عشوائي على غزة في تموز(يوليو) 2002 .

المذكرة الثالثة ونعني بها ملاحقة تسيبي ليفني تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي على خلفية انكشاف جرائم الإبادة “الإسرائيلية” أمام الرأي العام على نحو لم يسبق له مثيل، خصوصاً إدانة منظمات دولية مرموقة لها، أقل ما يقال عنها إنها ليست موالية للعرب أو للفلسطينيين بقدر حياديتها ومهنيتها، إلاّ أنها في نهاية المطاف أصدرت تقارير تدين “إسرائيل” برغم الضغوط التي تعرّضت وتتعرض لها من داخلها ومن خارجها .

وكان العالم كلّه يشاهد من خلال شاشات التلفاز حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، في غزة، أواخر العام 2008 وأوائل العام ،2009 وقبله خلال الحرب على لبنان التي دامت 33 يوماً العام ،2006 وهو الذي دفع القضاء البريطاني للقيام بإجراءات الملاحقة، بعد تلقّيه شكوى لملاحقة تسيبي ليفني .

وقد تفاوتت الروايات بشأن ملاحقة تسيبي ليفني، فالرواية “الإسرائيلية” تقول أن ليفني ألغت زيارتها المقررة إلى لندن حيث كان من المؤمل أن تلقي كلمة أمام مؤتمر الصندوق القومي اليهودي، لكن رواية أخرى أقرب إلى الجانب العربي مع شهود عيان قالوا إنها شوهدت في قاعة المؤتمر وعندما علم القاضي البريطاني بوجودها، أصدر مذكرة اعتقال بحقها، لكنها فرّت من وجه العدالة بجواز سفر مزوّر وبتنسيق خاص بين المخابرات البريطانية و”الإسرائيلية” .

وبغض النظر عن ملابسات الحضور أو الاختفاء فإن قرار المحكمة البريطانية سيظل قائماً في حال عادت ليفني إلى بريطانيا حيث تقضي الإجراءات باعتقالها تمهيداً للتحقيق معها ومحاكمتها، الأمر الذي يعني فيما يعنيه أنها لن تعود إلى بريطانيا مرة أخرى، ولعل ذلك واحدة من فوائد الشروع بملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً تحريك الملفات بشأنهم عبر المحاكم الوطنية ذات الولاية القضائية العالمية، كما هي في بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وكندا وسويسرا وفرنسا ونحو 47 دولة .

ومنذ أن جرى مثل هذا التحرك من جانب هيئات عربية ودولية لملاحقة المرتكبين فإن الحكومة “الإسرائيلية” درست بعناية المخاطر التي قد تلحق بها جراء ملاحقة المرتكبين وسبل التملص منها، بل إنها حددت بعض الخطوات بشأن السماح لمسؤولين سياسيين وعسكريين “إسرائيليين” متورطين بجرائم حرب للتنقل بجوازات سفر مزورة، وقد يصحّ هذا الأمر على ليفني التي كشفت سيرتها صحيفة التايمز البريطانية التي قالت إنها كانت تعمل مع الموساد، لاسيما فترة ما بين 1980 و،1984 حيث انخرطت في صفوفه عن طريق صديقة طفولتها ميرا غال التي عملت فيه لمدة 20 عاماً ثم أصبحت مديرة لمكتب ليفني .

وقد عملت ليفني في أخطر المواقع الخارجية حيث كانت تنشط بعض القيادات الفلسطينية والعربية في باريس التي شهدت في العام 1980 مقتل عالم الذرة مصري الجنسية يحيى المشد الذي كان يعمل في البرنامج النووي العراقي ووجد مقتولاً في غرفته، فحامت الشكوك حول الموساد المستفيد من تلك الجريمة، وعندما أدلت إحدى فتيات الليل بشهادتها بأنها سمعت أصواتاً في الغرفة المجاورة، وجدت مقتولة هي الأخرى بعد شهر في ظروف مريبة .

بعد نحو عام من هذه الجريمة تم قصف المفاعل النووي العراقي في 7 حزيران (يونيو) 1981 خلال انشغال العراق بالحرب غير المبررة مع إيران، وقد كشف تقرير فرنسي أن ليفني كانت ضمن الوحدة الخاصة المشرفة على العمليات في باريس في الفترة المذكورة التي شهدت مقتل عالم عراقي آخر .

وبغض النظر عن هذه المعلومات فإن صدور مذكرة قضائية باعتقال ليفني كان قد أثار ردود فعل “إسرائيلية” جدّية حيث ندد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو بتلك الخطوة التي اعتبرها شديدة الخطورة بحق زعيمة المعارضة وحزب كاديما ووزيرة خارجية “إسرائيل” سابقاً وقال: إن “إسرائيل” لن توافق على استدعاء ليفني أو باراك وزير الدفاع “الإسرائيلي” أو أولمرت رئيس الوزراء السابق إلى المحاكم البريطانية، لأنهم كانوا يدافعون عن دولة “إسرائيل” ببسالة ضد عدوٍ مجرم وقاس ومجرمي حرب .

وهكذا شنّت “إسرائيل” هجوماً على الضحايا مبررة الأعمال الإجرامية التي اتهمت بها ليفني، كما تضمّنت تصريحات قادتها إشارات مبطّنة إلى الحكومة البريطانية، لاسيما ممارسة ضغوط عليها لتغيير الوضع القانوني الذي يسمح بملاحقة مرتكبي الحرب، كما حصل الأمر للقضاء البلجيكي عندما شرع بملاحقة شارون، لكن هذا التصرف يعكس القلق الذي وصل إلى حد الهلع للمسؤولين “الإسرائيليين”، فقد كانت “إسرائيل” قد كلفت أحد أشهر مكاتب المحاماة ودفعت له مبلغاً أكثر من ثلاثة ملايين دولار لإيجاد “سبل ودفوع قانونية” تحول دون ملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” .

إن الاتهام بارتكاب مثل هذه الجرائم وبالتالي السعي لملاحقة المتهمين فضلاً عن التقارير الدولية وفي مقدمتها تقرير غولدستون يضع لأول مرّة بصورة جدية مشروعية “إسرائيل” أمام الرأي العام الدولي، لاسيما في جانبها القانوني، وهو الأمر الذي تستشاط غضبا منه مثلما فعلت بخصوص القرار 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية الصادر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني ،1975 حيث طوت الليل بالنهار حتى تمكنت من الإطاحة به في العام 1991 عندما تغيّرت موازين القوى لصالحها .

فهل ستفلت ليفني ورفاقها من يد العدالة إذا كانت “إسرائيل” ككيان معرضة للمساءلة ليس بسبب اغتصابها أرض فلسطين فحسب، بل أيضاً بسبب استمرارها في ارتكاب جرائم عدوان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية؟

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 13/1/2010

1052
المنبر السياسي / بيئة التسامح
« في: 22:37 11/01/2010  »
بيئة التسامح   


عبدالحسين شعبان
هل نحن إزاء بيئة صحية لنشر وتعميم قيم التسامح، أم ثمة عوائق وعقبات تعترض ثقافة التسامح، لاسيما وأن هناك فهماً مختلفاً أحياناً بخصوص ما يعنيه البعض بالتسامح؟

التسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي، فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية . وحسب إعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو فإن “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد . .” . وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب .

إن التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته، وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الأشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود إلى الإقرار بحقهم في العيش بسلام ومن دون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً . . الخ .

وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، إلا أن ما يفيد به أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء حين تمت الدعوة إلى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الإكراه، وكلّها من صفات “التسامح”، مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و”الاختلاف آيات بيّنات”، ويشير ابن منظور في لسان العرب إلى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى “التساهل” هو فرح انطوان في العام 1902 .

ومنذ إعلان اليونسكو قبل عقد ونصف العقد من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح، وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم أننا على الصعيد الفكري أو العملي لا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً، على الصعيدين الأخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد إقراره قانونياً ودستورياً .

وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فتجدر الإشارة إلى أن المسيحية كانت قد سبقت الإسلام بقرون للتبشير بقيم التسامح، وفي التاريخ الحديث شكّلت خلفية لحركة التنوير، وقد وظّفها فولتير على نحو سليم بإبراز نزعتها الإنسانية المتميّزة، حيث اقترنت فكرة التسامح باسمه ويعتبر هو “الأب الروحي” لها، وكان يبّشر بضرورة تحمّل الإنسان للإنسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضاً بالتسامح .

وهنا حريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده . وهي الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول “فقه التسامح في الفكر العربي  الإسلامي” بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط بالاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً . . ولكن أن تردّ “العدوانية” بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل .

بعد أسابيع ستحلّ الذكرى الحادية والستين على اغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 يناير/ كانون الثاني، ففي العام 1948 هاجمه متطرف هندوسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من “التقديس” لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وراجيف غاندي وآخرين . ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة “إسرائيل” .

لعل القاتل لم يفكّر في الإجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول إلى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من إحراز النصر لشعبه .

كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن إحدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية . وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه .

لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة في ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة إلى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به .

لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح .

ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب إفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاماً وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري “الأبارتايد”، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب إفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء إلى الثأر أو الانتقام أو العنف .

لقد أدرك غاندي أن منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي “فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه” .

وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه “من دون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، ومن دون سلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية وديمقراطية” .

وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود إلى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خصوصاً ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الإنسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام ،1995 كما تمت الإشارة اليه .

في عالمنا العربي، ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت إليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الإسلاموية باعتباره “نبتاً شيطانياً” أو “فكراً مستورداً”، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الإرادة .

وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه إلى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الإسلام الأول، خصوصاً الراشدي اتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها إلى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح إلى “تبيئة” وتأصيل تاريخيين بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة إلى حلف الفضول ودستور المدينة وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة إلى القرآن والسنّة النبوية، كدليل ومرشد لفقه التسامح، بما فيه تأشير جوانب اللاتسامح في تاريخنا، خصوصاً التي اتسمت بالتطرف والتعصب والغلو والعنف والإقصاء والاستئصال .

باحث ومفكر عربي


صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 6/1/2010.

1053
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! - 11 - شعاع الثورة ومتطلبات الدولة!
عبدالحسين شعبان
2010-01-11
كان آخر ظهور علني رسمي لجيفارا هو حضور مؤتمر التضامن الأفروآسيوي (1965)، وذلك بعد عودته من الجزائر والقاهرة في 14 مارس 1965، وبعد اجتماع سري مغلق لم يعرف ما جرى فيه حتى الآن، اختفى جيفارا مثل شعاع، ولعل غضب الاتحاد السوفيتي إثر خطاب الجزائر قد يكون وراء ضغوطه على كاسترو، ولم يكن جيفارا يريد أن يحرج صديقه مثلما كان حريصا على الثورة الكوبية، وبغض النظر عن بعض الملابسات، فقد تقرر أن يخوض هو في المهمة العسكرية-الأممية خارج حدود كوبا، وبدعم من كاسترو وهو ما أراد، وأن تستمر الدولة وإداراتها وعلاقاتها الدولية طبقا لتوازن القوى السائد آنذاك، لاسيما للعلاقة الكوبية-السوفيتية. وسواء حصل الاتفاق بشكل مباشر أو غير مباشر، بقناعة تامة أو بنصف قناعة، أو تحت الأمر الواقع، فإن ذلك ما حصل.
وهكذا انتقل جيفارا يجوب أرض الله الواسعة ليبشر بالثورة ويحرض على المستعمرين ويعد الشعوب المنكوبة بغد أفضل، وكانت مهمته الأولى في إفريقيا من الكونغو تحديدا حيث بدأت العملية العسكرية، وبعد فشله غادر إلى بوليفيا، وحاول أن يلعب الدينامو المحرك للتحريض والتحضير وإنضاج العامل الذاتي لاندلاع الثورة، لكن ثمت ظرف موضوعي لم يتوفر وعامل ذاتي لم يتم تهيئته، الأمر الذي دفع جيفارا مثل غيره ثمنه باهظا، ناهيكم من أن محاولة نقل أو استنساخ تجربة قد لا يصح لتجربة أخرى، وهو ما كان ينبغي أخذ مواصفاته بنظر الاعتبار.
رغم بطولة وشجاعة جيفارا، فإنه أخطأ يوم اعتقد أنه بالإرادة يمكن فتح أكثر من جبهة، وزرع أكثر من حرب ثورية أمام الولايات المتحدة، وهو الذي دعا إلى خلق أكثر من فيتنام، واحدة.. اثنتان أخرى. لقد فشل جيفارا في هذه المهمة وكانت تقديراته غير موضوعية؛ لأن مهمة بهذا الحجم هي أكبر من طاقته، بل وطاقة الحركة الثورية حينها برمتها.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فقد دعا جيفارا إلى «خلق اثنين وثلاث وعدة فيتنام» وكان يشعر أن الشرق الأوسط في حالة غليان كامل ومن المستحيل التكهن بمسارات الحرب الباردة (قبل العام 1967) مع إسرائيل المدعومة من الإمبرياليين، ولعل هذه المنطقة أحد أكبر البراكين التي تهدد العالم كما قال، وكان على حق، فبعد بضعة أسابيع على تصريحاته تلك التي أدلى بها في 16 أبريل 1967، هاجمت إسرائيل البلدان العربية واحتلت كامل أراضي فلسطين التاريخية وأراض مصرية وسورية، ودخل العرب والعالم في فصل جديد من الصراع العربي-الإسرائيلي، ومن النضال التحرري، خصوصا أن الممارسات الإسرائيلية طيلة عقدين من الزمان كشفت عن الطابع العنصري الإجلائي الإحلالي للعقيدة الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل، ولعل هذا ما كان يتميز جيفارا بإدراكه عن القيادات الثورية الأممية الأخرى، وما عبر عنه حول مآل الصراع، ناهيكم من المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين باستمرار، لاسيما التنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير.
حظي جيفارا بتمجيد عربي يوم رحيله، ونظمت في العالم العربي كله احتفالات تأبينية وتكريمية، وانتشرت صوره وكتاباته في كل مكان، في العديد من الجامعات والمنتديات، العلنية والسرية، وأتذكر أننا في العراق كنا قد نظمنا احتفالا كبيرا في جامعة بغداد، حيث كنت في الصف المنتهي، والتأم الاجتماع المهيب في كلية التربية، بخطب وأناشيد وأشعار، وفي جو حماسي زاده عريف الحفل اشتعالا، وكان حينها د.عبدالحسين رمضان (أبونهار). وكان صوت الشيخ إمام لاحقا وقصيدة أحمد فؤاد نجم تملأ الحناجر حيث كانت احتفالاتنا اللاحقة تنشد: جيفارا مات.. جيفارا مات.. جيفارا مات.. آخر خبر في الراديوهات وفي الكنايس والجوامع وفي الحواري وفي الشوارع وعالقهاوي وعالبارات... جيفارا مات... مات المناضل المثالي.. مات البطل /الكلمة للنار وللحديد/ والعدل أخرس أو جبان/ صرخة جيفارا.. يا عبيد، في أي موطن أو مكان/ما فيش بديل.. ما فيش مناص.. ياتجهزوا جيش الخلاص /يا تقولوا على العالم خلاص!!
وإذا كان جيفارا قد أخطأ في قراءة وتقدير العامل الذاتي والعامل الموضوعي واختيار اللحظة الثورية، لاسيما توازن القوى والجهات المؤثرة في خارطة الصراع على المستوى الدولي، والظروف الخاصة بنضال بعض الشعوب، لكنه نجح في وضع ما آمن به موضع التطبيق، والأكثر من ذلك حين وضع حياته وقودا لما اعتقد به بصدقية عالية وشجاعة نادرة، وهو القائل: «ليست هناك حدود في هذه المعركة حتى الاستشهاد».
ونجح جيفارا في جعل كوبا الرمز الأول لاستيقاظ أميركا التي بدأت دولها الواحدة بعد الأخرى تتمرد بطرقها الخاصة على هيمنة واشنطن من موجات الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات، إلى لاهوت التحرر في الثمانينيات إلى مصالحات واتفاقات، وصندوق اقتراع تفقس فيه الثورة في أواخر التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة.
كما نجح جيفارا في جعل كوبا بوابتنا إلى أميركا اللاتينية، لكن ثمت معوقات موضوعية وذاتية وقفت أمام تطوير التقنية وبناء الإنسان الجديد، وإذا كان لينين قد قال إن الشيوعية تعني السلطة السوفيتية زائد كهربة البلاد السوفيتية، وسعى لتحقيق ذلك، فإن جيفارا شغل نفسه بالتنمية والتقنية اللتين أسهمت الولايات المتحدة في وضع العراقيل أمامهما، لاسيما باستمرار فرض حصارها الجائر على كوبا منذ أكثر من 50 عاما.



7883 العدد -  صحيفة العرب القطرية - الإثنين 11 يناير 2010 م - الموافق 25 محرم 1431 هـ


1054
 
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (10) التغريد خارج السرب: رومانسيان حتى الموت!
   

  
عبدالحسين شعبان    

2010-01-04
بلوَر جيفارا أفكاره الثورية تلك التي تجسدت في مداخلاته وأحاديثه المثيرة و "الشهيرة" خارج التفكير الرسمي للاشتراكية النمطية الوظيفية البيروقراطية السائدة، لا سيما في ثلاثة مواقع على الأقل: الأول يتعلق بمداخلته تحت عنوان "أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية"، والثاني "الاشتراكية والإنسان وكوبا" والثالث "خطاب الجزائر".
ولم يكن بإمكان جيفارا أن يحتل هذه المساحة من الرمزية النضالية الكبيرة في العالم الثالث، بل وفي العالم أجمع لو حصر نفسه في أميركا اللاتينية، ولأنه كان أمميا بامتياز فقد كرس جهداً استثنائياً لتجميع الطاقات النضالية للقارات الثلاث في إفريقيا وآسيا، إضافة إلى أميركا اللاتينية، ولهذا السبب قطع آلاف الأميال لينقل الثورة -كما أعتقد- إلى أحراش الكونغو وليحوّل إفريقيا إلى أرض متزلزلة تحت أقدام المستعمرين، ويحفّز نضال آسيا عندما يكون حلقة الوصل من هافانا إلى الجزائر إلى العمق الآسيوي، كل ذلك جرى في هارمونية رومانسية عالية، لا تعرف الحدود، سعياً وراء أسطورة خلاص لعالم أفضل وغد أكثر إشراقاً ونبلاً.
ولعل الفضاء العربي كان له عوناً في بلورة تلك الأفكار التي ما كان جيفارا يكون بدونها، وهو ما ينبغي أن نعتزّ به أيّما اعتزاز ونعيد قراءته، بما فيها انتقاداتنا السابقة للتوّجه الجيفاري، حتى وإن كان بعضها على صواب، ولكن القراءة الارتجاعية للتاريخ وللأفكار، وبشكل خاص ما أفرزته الممارسة، وما أثبتته الحياة، تعطي نكهة خاصة، لا سيما إذا كانت المراجعة جريئة والنقد شجاعاً والهدف مخلصاً والقصد صميمياً.
وإذا كان جيفارا قد تمثل روح سيمون بوليفار، فإن كاسترو تمثل روح الزعيم الوطني الكبير خوسيه مارتيه، الذي كان شاعراً وكاتباً وخطيباً وصحافياً معروفاً، أسس الحزب الثوري الكوبي عام 1892 لمقاومة الاستعمار الإسباني وأعلن الاستقلال العام 1895 وأبدى بطولة نادرة، وقتل خلال المعارك دفاعاً عن كوبا من قبل المستعمرين والغزاة الإسبان.
لقد وجد جيفارا في المعارض المغربي المهدي بن بركة خير صديق له في حلمه الثوري مثلما وجد بن بركة في جيفارا نموذجاً للرومانسي الحالم المستعد للموت في أية لحظة وعلى أية أرض، إن بحثهما عن الحرية ومعنى الوجود الإنساني دفعهما للتقارب والتماهي أحياناً، في إطار الثورة التي ظلّت فناراً هادياً لهما. أراد بن بركة حل معادلة الداخل- الخارج، والعامل الذاتي بتلقيحه بالعامل الموضوعي، والبعد الوطني- العروبي- الإفريقي، بالبعد الكوني- الأممي، لا سيما الأميركي اللاتيني، ولعل في ذلك كان جديراً فهو متمرسٌ في النضال وكان أستاذاً للرياضيات من بين تلامذته الملك الحسن الثاني، واضطر للهروب إلى الجزائر وتنقّل بين عدد من العواصم والبلدان حاملاً قضية التحرر والتضامن الإنساني بين يديه من الجزائر إلى القاهرة إلى جنيف إلى روما إلى هافانا إلى إفريقيا، مثلما وجد في منظمة التضامن الآفروآسيوي التي تأسست العام 1957 منبراً يستطيع من خلاله يرفع صوت المغرب وإفريقيا وجميع قوى التحرر.
وكان جيفارا الوجه الآخر لبن بركة، فقد أراد الخروج من دائرة نضال أميركا اللاتينية إلى جبهة القوى التحررية على النطاق العالمي، لا سيما بالاستفادة من التحالف مع الدول الاشتراكية، ومع المناضلين ضد الرأسمالية في الغرب.
ومثل بن بركة أراد جيفارا منظمة التضامن الأفروآسيوي منصة ينطق من عليها باسم أميركا اللاتينية، حيث اعتبرت كوبا منذ مؤتمر القاهرة العام 1961 عضواً مراقباً فيها، خصوصاً في إطار مناقشات للجنة الاستعمار الجديد التي كان يترأسها المهدي بن بركة.
خلال التحضير لمؤتمر هافانا للقارات الثلاث: حصل الانقلاب على بن بلّه وأطيح به في 19 يونيو 1965، وبعدها أطيح بالزعيم الإندونيسي سوكارنو في ظل مذبحة لليسار والشيوعيين، ثم شهدت اختفاء جيفارا في مهمة ثورية في الكونغو، وأخيراً اختفاء المهدي بن بركة قسرياً في باريس في شهر أكتوبر، ولم يظهر له أثر حتى الآن ولم يتم إجلاء مصيره.
وكان بن بركة قد زار هافانا للتحضير للمؤتمر قبل شهر واحد من تاريخ اختفائه، أي في يوم 29 سبتمبر 1965 ورغم أن المؤتمر انعقد لاحقاً في هافانا في شهر ديسمبر العام 1966، أي أنه تأجّل نحو عام وحضرته وفود يسارية من العالم العربي، لا سيما من سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، إلا أن رموزه الأساسية كانت قد غابت، وهو ما ترك فراغاً كبيراً.
لقد وجد المهدي بن بركة في صداقة جيفارا تكاملاً نضالياً، فهو الآخر كان يسعى للتضامن منذ أن اضطر للهروب من المغرب إلى الجزائر، وحكم عليه لاحقاً غيابياً بالإعدام، وهو المناضل الذي قاوم الاستعمار الفرنسي وأنشأ حزب الاستقلال وترأس مجلسه الاستشاري حتى العام 1959. وقاد المهدي بن بركة تحركاً واسعاً في الخارج، وكان أهم وأكبر عمل يقوم به هو التحضير لمؤتمر القارات الثلاث، الذي تربصت به الولايات المتحدة وحلفاؤها.
مثلما كان المناضلون يسعون للتضامن، فإن الأجهزة الأمنية المعادية في الدول الكبرى ودول إفريقيا وآسيا كانت متضامنة مع بعضها، بل داعمة ومساندة ومشاركة لها وإنها -كما هي العادة- الأكثر انسجاماً مع نفسها، ويشهد على ذلك اجتماعات وزراء الداخلية في العالم العربي، ولم يكن أحد يتخيّل حينها، أن يختفي المهدي بن بركة بكل ثقله وجبروته وزعامته من مقهى ليب في قلب باريس، ويضيع له كل أثر منذ ذلك الحين وحتى الآن، رغم وجود روايات عديدة، وهو ما أصاب جيفارا بصدمة كبيرة.
أطلق على المهدي بن بركة "سفير الثورة المتجوّل"، لما لعبه من دور من خلال أسفاره ولقاءاته تحضيراً لمؤتمرات ومشاركة في حوارات، وأصبح سفيراً عالمياً، لم يعد مغربياً أو عربياً أو إفريقياً أو آسيوياً أو أميركياً لاتينياً، إنه مثل جيفارا خرج من محليته ليصبح كونياً، أمميا، إنسانياً، حالماً لتحرير العالم وإلغاء الظلم والاستغلال.
ولعل اختفاءه كان له تأثير رمزي ومعنوي سلبي على الحركة التحررية العالمية، التي فقدت بخسارته، رجلاً مجرّباً وإنساناً شجاعاً، ومناضلاً عابراً للقُطريات والقوميات والهويات المحلية، ليتحدث بلسان العالم الحر الرافض للعبودية والاستغلال، وقد يكون تفسير ذلك منطقياً بأن من أراد إخفاءه أو تغييب صوته، كان يدرك أية ضربة يمكن توجيهها ضد حركة التحرر الوطني الصاعدة آنذاك، حتى وإن اقتضى ذلك ارتكاب جريمة في وضح النهار وفي فرنسا، بل وفي قلب باريس بالذات، بلد الحريات والحقوق، فالمرتكب لم يكن يتورّع عما يمكن أن تجلب فعلته تلك من ردود فعل عالمية، لا سيما وهي جريمة ضد الإنسانية وضد شخصية عالمية مرموقة.
كان انعقاد مؤتمر القارات الثلاث بناء على اقتراح من المهدي بن بركة وبالتنسيق مع صديقه جيفارا، لا سيما بعد الإعلان عن فصل كوبا من منظمة الدول الأميركية في فبراير عام 1962، وهو ما أعلنه بن بركة قبيل اختطافه بأن المؤتمر القادم سينعقد في هافانا، وكان هذا يعني بحساب تلك الأيام شيئاً كبيراً وتضامناً عالمياً وتحدّياً جريئاً، وجاء ذلك على لسانه مع المؤتمر الرابع للمنظمة الأفروآسيوية المنعقد في أكرا في مايو 1965 وبدعم من الصين والاتحاد السوفييتي في حينها.
باحث ومفكر عربي      
      
صحيفة العرب القطرية  العدد 7876- الاثنين 4 يناير 2010 م - الموافق 18 محرم 1431 هـ   

1055
المنبر السياسي / كوابح التسامح
« في: 19:23 30/12/2009  »
كوابح التسامح
عبدالحسين شعبان

أقرّت اليونسكو قبل نحو عقد ونصف من الزمان يوماً عالمياً للتسامح، ودعت إلى نشر قيمه وتعميمها، لا سيما من خلال التربية والتعليم ووسائل الثقافة والإعلام وصولاً إلى المشترك الإنساني الذي يجمع بين البشر ويوحدّهم في إطار المساواة، رغم اختلاف منابع ثقافاتهم وتنوّع مشارب حضاراتهم، وقد أدركتْ أن نقيض التسامح هو اللاتسامح، الأمر الذي سيؤدي استفحاله إلى التعصب والتطرف، ولهذا السبب فقد اتجهت إلى وضع إعلان لمبادئ التسامح لتأكيد التقارب والتعايش بين الأمم والشعوب والأفراد، بهدف وضع حد للظواهر التي قادت إلى العدوان والحروب والمنازعات والتناحر والعنف.

وبهذه المناسبة نظّم المنتدى العربي في روتردام وبالتعاون مع جامعة روتردام الإسلامية وبحضور عربي وهولندي وأوروبي كثيف ومتميز، ندوة فكرية - أكاديمية عن قيم التسامح، وقد أعيد طرح سؤال ظل يشغل عدداً من المثقفين والباحثين لسنوات طويلة وهو: هل يوجد تسامح لكي ننظم ندوة متخصصة لبحثه سواء في النظرة إلى الغرب أو نظرته إلى الاسلام؟ أو أن غيابه أو ضعفه يدعونا لتنظيم فاعليات فكرية وثقافية للتذكير بجوهر ومبادئ التسامح، لا سيما لمناسبة إقرار اليونسكو يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام يوماً عالمياً للتسامح منذ العام 1996. وأتذكر أن البروفيسور خليل الهندي كان قد طرح سؤالاً في ندوة نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن عام 1996: هل يوجد تسامح في ما بيننا لنعقد ملتقى فكرياً حول البحث عن الحاجة إلى التسامح مع الآخر؟

ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة الكثير من المفكرين والكتاب والاعلاميين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.

ويمكن للباحث عن الحقيقة أن يلحظ أن الحصيلة المهمة الأولى كانت تنصب أولاً على تأكيد القيم إيماناً أو كأمر واقع سواءً اتّسم بالتسامح الايجابي أو التسامح السلبي، بفعل وجود تشريعات وأنظمة ودرجة تطور اجتماعي، لا يمكن معها الدعوة الى اللاتسامح.

ثم البحث في الكوابح التي تقف حجرا عثرة أمام نشر وتعميم قيم التسامح. وهذه القيم تقتضي الابتعاد عن لغة التخوين والتكفير والتأثيم والتحريم والتجريم والتخلّي عن لغة الاقصاء والاستئصال وعدم الاعتراف بحق الاختلاف أو التنكّر للتعددية والتنوع، ولعل هذا التوجه يفترض تأكيد هذه القيم مع بعضنا بعضا أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم بيننا وبين الآخر.

أما الوجه الثاني فيقوم على التخلّص من النظرة المسبقة إزاء الآخر باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً، لمجرد الاختلاف، ويقتضي الإيمان بقيم التسامح تنزيهها عن الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام أو لنسيان الارتكابات للجرائم وللانتهاكات، سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان، وهو الأمر الذي ينبغي تأكيده باعتبار قيم التسامح لا تعني غض الطرف عن التجاوزات والممارسات المعادية لحقوق الإنسان، سواءً ممارسة التعذيب أم الاغتصاب أم القتل الجماعي أو جرائم الحرب أم غيرها، لا سيما وأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم حسب القانون الدولي الإنساني.

وبهذا المعنى فإن قيم التسامح تعني إقرار حق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية، وعلى المستوى الفردي حق الإنسان في التمسك بمعتقداته والدفاع عنها في إطار الوئام والمشترك الإنساني، أي حقه في الاختلاف.

وهكذا فإن قيم التسامح تطورت من منظومة أخلاقية وواجب أدبي، لتصبح قاعدة قانونية وسياسية واجبة الأداء.

وإذا كان عالمنا العربي والإسلامي لا يزال يعاني من عدم التسامح أو ضعف قيمه فإن البحث في هذا الاطار، لا سيما عقد ندوات ومؤتمرات وورش عمل إنما يستهدف في هذا الوقت العصيب توجيه رسالة أو نداء إلى المجتمع الدولي يؤكد حاجتنا كعرب ومسلمين إليه داخل مجتمعاتنا وفي العلاقة مع الآخر، لا سيما في إطار ابداء الاستعداد للتعايش والتفاهم والسلام ببعده الإنساني، وهو ما عبّر عنه الباحث والكاتب التونسي د. خالد شوكات في ندوة جامعة روتردام التي تم تنظيمها بالتعاون مع المنتدى العربي في روتردام الذي يترأسه، وهو ما دعا البروفيسور التركي اقندوز رئيس الجامعة، للقول أن نداء التسامح ليس موجّهاً إلى المسلمين فحسب، بل إنه موجه إلى بني البشر ككل مسلمين وغيرهم. وإذا كانت الندوة ضمّت كفاءات وخبرات عربية وهولندية، فإن السؤال ظل يتردد: إذا كنا حقيقة بحاجة إلى “التسامح” فلنبدأ بأنفسنا أولاً، ثم كيف السبيل للتمثل بقيمه واعتمادها مرشداً لتوجهاتنا؟

وإذا كنّا نتحدث عن أنشطة وفاعليات خاصة بالتسامح، فلا بدّ من الإشارة الى تأسيس الشبكة العربية للتسامح التي منحت جائزتها الاولى الى الدكتور سليم الحص وإلى رمزية ودلالة اختيارها، ولا بدّ أيضاً من التوقف عند دعوة غاندي إلى روح التسامح واللاعنف، حيث يقول في رسالته من السجن: لا أحبّ التسامح ولكني لا أجد وسيلة أفضل منه للتعبير عما أقصده، رغم أنه ذهب ضحية اللاتسامح العام ،1948 يوم قام أحد اللامتسامحين باغتياله، مع أنه حقق نصراً كبيراً لشعبه وكان بحق زعيماً تاريخياً له، ولعل بهذه المناسبة يمكن استحضار كيف أن  ثلاثة من الخلفاء الراشدين قد قضوا نحبهم اغتيالاً وهم عمر وعثمان وعلي في فترة مشرقة من التاريخ العربي- الإسلامي، وذلك لضعف بيئة التسامح التي تحتاج إلى تراكم طويل الأمد.

إن الكوابح التي تواجه التسامح قسم منها يعود إلى أسباب فكرية تتعلق بحجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير، والأخرى سياسية تتجسد باحتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر واستئصاله، وثالثة دينية وذلك بالتمييز بحجة ادعائه الأفضليات ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، ورابعة اجتماعية بالسعي لفرض نمط معين من الحياة، في التفكير وفي المأكل والملبس والمشرب، وخامسة ثقافية لمنع التغيير والتجديد لدرجة يصبح الشعر الحديث بدعة وضلالاً ويتم تصويره وكأنه ضد التاريخ والتراث وربما مؤامرة كبرى، وتنسحب هذه التقييمات على الموسيقا والرقص والغناء والمسرح والنحت على نحو أشد.

يمكن القول إن هناك خمسة اتجاهات تتصدى لمبادئ وقيم التسامح في عالمنا العربي والإسلامي وهي:

الاتجاه الأول الذي لا يعترف بالتسامح وهو ما نطلق عليه التيار الانكاري، فالتسامح حسب هذا التوجه، “نبت شيطاني” و”فكر مستورد” يستهدف تشويه الإسلام، أو حرفه، لذلك اقتضى مواجهته حفاظاً على نقاء الإسلام.

أما الاتجاه الثاني فهو التيار الذي يدّعي الأفضليات، بانساب كل شيء إلى الإسلام، وأغلاق باب العقل، لا سيما من خلال قراءة جامدة، حيث التشبث ببعض الشكليات، وعدم الرغبة في التعاطي مع روح العصر وسمته الديناميكية، وهكذا تكون “بضاعتنا قد ردّت إلينينا”. ولعل هذا التيار ينفي التفاعل والتخالق مع الآخر، وهو بقصد أو من دون قصد يدعو إلى عزل الإسلام عن الكيانات والحضارات والشعوب الأخرى لكي لا يؤثر ولا يتأثر بغيره من الإضافات إلى الفكر الإنساني، الأمر الذي لا تؤيده مبادئ الإسلام الحنيف التي تدعو إلى التواصي والتآزر والتعارف واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية، وهي قيم تصب في صميم فكرة التسامح، التي لا تعني المسلمين وحدهم، بل تهم البشر ككل.

أما التيار الثالث فهو التيار التوفيقي الذي يحاول أن يوفّق بين الإسلام وغيره من التوجهات الفكرية، ومهما كانت النوايا والدوافع طيبة، إلاّ أنها لم تفلح في السابق حين جرت محاولات لتعشيق الإسلام مع الاشتراكية أو الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلكل حقله ومجاله، في حين أن التيار الرابع هو تيار تغريبي حين يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ، لا سيما الإسلامي إذا ما أردنا الدخول إلى عالم الحداثة، حيث يؤلف التسامح جزءًا من قيمها العصرية، الحداثية.

ويتأسس التيار الخامس على نحو حر مستفيداً من التراث والتاريخ ملحقاً ذلك بعالم الحداثة، الذي يقوم على العقلانية والعلمانية والإنسانية والديمقراطية، متكئاً على تاريخنا وتراثنا بما فيه من قيم التسامح ابتداء من حلف الفضول إلى دستور المدينة إلى صلح الحديبة إلى العهدة العمرية إلى قواعد فتح القطسنطينية، زائداً ما ورد في الكتاب الكريم والسنّة النبوية في تأكيد قيم التسامح وما يدّل عليها، حتى وإن لم ينصّ عليها كمصطلح في القرآن، لكن الاشارة كانت قد وردت في ما يخصّ التآزر والتعارف والتقوى والتراحم والرحمة والعفو وعدم الاكراه، وغيرها. وهي قيم كانت المسيحية قد سبقت الإسلام إليها والتي تشكل أساساً في حركة التنوير والحداثة لاحقاً، لا سيما ما بشّر به فولتير.

لعل قيم التسامح التي اتبعها الإسلام الأول الراشدي تتطلب إعادة النظر بقراءة ارتجاعية لتاريخنا وتأصيل لحاضرنا، لتأكيد وتعزيز قيم التسامح بعيداً عن التاريخ المعكوس أو المغلق أو الساكن، وإنما ربطه بما هو حاضر وما يتسم به من حداثة ومعاصرة بحيث تكون البيئة صالحة لتفقيس بيوض التسامح اجتماعياً وتربوياً وتعليمياً وثقافياً ومن خلال تشريعات وعبر الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تؤدي دورها المنشود على هذا الصعيد.

لقد أصبح التسامح حاجة ماسة، ولم يعد ترفاً فكرياً فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر، إنه مسؤولية قيمية وواقعية للإقرار بالحقوق والتعددية وحكم القانون والديمقراطية، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية وادعاء احتكار الحقيقة، سواءً على المستوى الداخلي أو المستوى الدولي، فنزعات الهيمنة واملاء الإرادة والاكراه والحروب والحصارات والاحتلال، كلّها تتعارض مع قيم التسامح.

 باحث ومفكر عربي   

صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 30/12/2009

1056

كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (9) جيفارا والمهدي بن بركة.. غياب غامض!
      
   
عبدالحسين شعبان    


2009-12-29
«لحيةٌ، شعرٌ طويل، بدلة عسكرية خضراء، وبعض الجبال من دون موقع محدد في بلد لا يعرف أحد عدد سكانه، ولا أحد يعلم بأنه جزيرة».. بهذه الكلمات اختزل جيفارا «الثورة الكوبية» وهو يتحدث في القاهرة في أول زيارة لها في عام 1959، وقد أعيد نشر مداخلته تلك التي ذاع صيتها تحت عنوان «أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية» في سبتمبر 1959. ولعل جيفارا كان رساماً ماهراً في التعبير عن تطلّع جيل الستينيات وأحلامه بما اتّسمت من عنفوان ورومانسية وآمال.
كانت مهمة جيفارا التعريف بالثورة الكوبية كسفير «مطلق الصلاحيات» بعد نجاح الثورة مباشرة، لكنه شعر أن أميركا اللاتينية قارة تكاد تكون مجهولة بالنسبة للعرب والأفارقة والآسيويين على حد سواء، فما بالك بكوبا الجزيرة البعيدة، ولذلك قدّر ثقل مهمته، فضلاً عن أنه هو الآخر شعر بأن الكثير من العالم العربي والإسلامي وشعوب آسيا وإفريقيا كانت مجهولة بالنسبة إليه، وهو ما عبّر عنه في مداخلته تلك حين قال «ونحن نجهل جزءاً كبيراً من العالم».
ولعل جيفارا أراد بهذا التقديم التمهيد لجسر التواصل بحثاً عن المشترك الإنساني للقارات الثلاث، وهو ما كان شاغل صديقه المهدي بن بركة، الزعيم المغربي الذي اختفى قسرياً في باريس في خريف عام 1965، وهو يحضّر لمؤتمر القارات الثلاث مثل صديقه جيفارا، وينتقل من عاصمة إلى أخرى ليبشر بالثورة ويعمل لتحقيق تضامن عالمي من أجلها.
لقد كان هاجس المهدي بن بركة وجيفارا إضافة إلى الزعيم الجزائري أحمد بن بلّه ومصر عبدالناصر وعدد من قادة دول عدم الانحياز، تنسيق الجهود لتحرير إرادة المُستغَلين ومواجهة أسباب الاستغلال وتحدي مسبّبيه، لاسيَّما الاستعمار والرأسمالية الاحتكارية العالمية التي نهبت خيرات وموارد شعوب القارات الثلاث: أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وهذا السبب بحد ذاته يمكن أن يكون عامل اشتراك بين القوى التحررية من أجل الانعتاق والاستقلال واستعادة الثروات المسروقة، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
ورغم أن علاقات أميركا اللاتينية مع العرب تمتد إلى زمن بعيد، منذ وصول المستعمرين الإسبان في القرن الخامس عشر، وفيما بعد المستعمرين البرتغاليين، الذين أسهموا في فتح حلقة اتصال مع الحضارة العربية-الإسلامية، فإن العلاقات ظلّت شحيحة ومحدودة. كانت كوبا الجزيرة الوادعة الجميلة شبه مجهولة قبل الثورة، لكنها أصبحت بوابة أميركا اللاتينية بعدها، وكان لجهود جيفارا وعمله الحثيث، لاسيَّما صداقاته مع المهدي بن بركة وأحمد بن بلّه وعبدالناصر، دور في ذلك حيث تم بناء جسور بين القارات الثلاث عبر المشترك في الأهداف والمصالح والسعي لتقريب المواقف والتوجّهات.
ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن كوبا هي أول أرض في أميركا اكتشفها كريستوفر كولومبس، وعُدّت مستعمرة إسبانية منذ ذلك التاريخ، ولم تتمكن من التحرر من الاستعمار الإسباني إلا بحرب طويلة ودامية دامت نحو 30 عاماً، من عام 1868 إلى عام 1898، وعندما كانت وحدات المقاومة الكوبية تهاجم الجيش الإسباني عام 1868 كانت كوبا تعيش ازدواجية اجتماعية وسياسية، فمن جهة كان الإسبان يستغلون الكوبيين، ومن جهة أخرى كانت توجد أعداد كبيرة من العبيد في كوبا، ولكن المقاومة استطاعت توحيد الصفوف، فانضم الزنوج إليها، وهم بذلك تحرروا من العبودية من جهة، وحرروا بإسهاماتهم مع الكوبيين الآخرين كوبا من الاستعمار الإسباني.
وقد تدخلت الولايات المتحدة عشية حصاد نتائج التحرير، مستغلة انفجار الباخرة العسكرية الأميركية «مني» في كوبا، ونزل الأميركيون في سانتياغو الكوبية واستولوا على الجزيرة، الأمر الذي جعل استقلال كوبا مشوباً بالشبهة، واستخدمت واشنطن كوبا فناءً خلفياً، لاسيَّما لكبار المحتكرين الذين استغلّوها كمنتجع رخيص وعملوا على نهب ثرواتها.
واستمرّ الأمر على هذه الصورة حتى انتصرت الثورة في مطلع عام 1959 بعد بداية انطلاقتها بالهجوم على ثكنة مونكادا في 26 يوليو 1953، هذا الهجوم الذي مُني بالفشل وتحوّل إلى نكبة على حد تعبير جيفارا، حيث سجن الأحياء، لكنهم عادوا بقيادة كاسترو إلى النضال الثوري بعد حصولهم على العفو، بحرب عصابات مثّلت طليعة كما قيل إزاء خدر الشعب التي سعى المقاومون لتحريكه، وقد مثلت الطليعة «الضمير الثوري» وكانت وسيطاً لخلق الظروف الذاتية الضرورية للانتصار. وهذه الفكرة هي التي شكّلت جوهر حركة الكفاح المسلح التي راحت في الستينيات. وإذا كان سيمون بوليفار قد مثّل بطولة أميركا اللاتينية وساعد في نجاح نضال العديد من دولها في الحصول على الاستقلال من إسبانيا، ودعا إلى اتحاد فيدرالي بين دولها الناطقة بالإسبانية، فإن جيفارا مثّل تطلع الشباب وحيويته، وكأنه في نضاله كان أقرب إلى مغامرته لقيادة دراجته النارية مع صديقه ألبيرتو غرانادو التي قطع فيها أميركا من جنوبها وحتى شمالها، مثلما قطع جيفارا رحلته الشيّقة ومغامرته النضالية الممتعة من جبال السيرامايسترا وحتى بلغ كماله في موته المبجّل في كيبرادا ديل ورو في بوليفيا يوم وقع أسيراً ثم شهيداً في الوادي الضيق شديد الانحدار يوم 8 أكتوبر 1967، ذلك الوادي الذي ذكّرني بمنطقة نوكان (ناوزنك) في كردستان العراق، تلك المنطقة الحدودية النائية، التي لا يعيش فيها إلا «الخنازير» (تعبير كان القصد منه الصبر والجلد وقوة الاحتمال، لاسيَّما وعورة المنطقة ومناخها القاسي، حيث تصل درجات الحرارة في الشتاء إلى نحو 20 درجة تحت الصفر) على حد تعبير بعض الفلاحين أو المتعهدين الذين يزورون المنطقة كل بضعة أسابيع، حيث كان الوادي عميقاً وانحدار النهر شديداً والمياه سريعة، وفي إحدى المرات جرفت معها خيام الشيوعيين الأنصار وبعض المباني الطينية، التي كانوا يضطرون للعيش فيها، فضلاً عن اضطرارهم إلى تركها عندما تقدّمت القوات الإيرانية باتجاههم.
وحسب بعض المعلومات فإن الكثير من المهاجرين العرب، لاسيَّما من المسيحيين في سوريا ولبنان وفلسطين، أخذوا يتوافدون على أميركا الجنوبية، منذ عام 1875 ويقدر عددهم اليوم بنحو 18 مليون نسمة من أصول عربية يعيشون في أميركا اللاتينية.
وإذا كان الاهتمام بما كتبه جيفارا كبيراً، فإن الكثير من الكوبيين اليوم يعرفون، بالقدر نفسه من الهيبة والاعتزاز، أن جيفارا بلور أفكاره الرئيسية في العالم العربي ومع أصدقاء عرب، ولعل هذا ما نجهله نحن، وربما لم نعطه حقه بما فيه الكفاية، وهو يحتاج إلى عمل متواصل، أرشيفي ووثائقي، وحوارات ومقابلات مع من التقاهم وتحدث إليهم وكانوا قريبين منه، ولعل الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل يمكنه أن يكشف جانباً من هذه العلاقة مع عبدالناصر وربما مع بن بله (الذي كتب شهادته بشكل مقتضب ولكنه مهم جداً) والمهدي بن بركة، بحكم لقاءاته غير القليلة مع جيفارا وصلته بعبدالناصر، وذاكرته الخصبة، وما تراكم لديه من معلومات ووثائق.
لقد لعبت ظروف جيفارا، لاسيَّما مكانياً وزمانياً وعلاقته مع عبدالناصر وبن بلّه والمهدي بن بركة دوراً كبيراً في صياغة منظومة أفكاره أو في التأثير على تلك الصياغة، بحيث اقترب إلى حدود غير قليلة من توجهات الزعماء الثلاثة رغم ماركسيته، مثلما هم اقتربوا منه وتأثروا به وصار الجميع يكمّل بعضه البعض!
لعب المهدي بن بركة مثل صديقه جيفارا دوراً في بلورة خطة قبول كوبا وعضوية دول أميركا اللاتينية في المؤتمر الذي كان مزمعاً عقده في هافانا، والذي انعقد بعد رحيله، وكان قد صاغ مع جيفارا برنامج «التحرير الكامل» بدعم من الدول الاشتراكية، لاسيَّما الصين والاتحاد السوفييتي في حينها وهو البرنامج الذي تضمن عدة أهداف منها:
- مساعدة الحركات الوطنية التحررية وبخاصة منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وكانت كوبا قد أقامت علاقات معها ومع منظمة فتح التي تأسست في 1/1/1965.
- تعزيز وتعميق النضال السلمي والمسلح في القارات الثلاث.
- دعم ومساندة الثورة الكوبية.
- العمل على إلغاء القواعد العسكرية الأجنبية للدول الإمبريالية.
- تشجيع سياسة نزع السلاح، لاسيَّما تحريم الأسلحة النووية.
- النضال ضد العنصرية والتمييز العنصري.
وإذا كان ثمة تغييرات كبيرة قد حصلت على الصعيد العالمي، فإن برنامج المهدي بن بركة-جيفارا ما زال حتى هذه اللحظة يحظى من حيث الجوهر باهتمام غير قليل، لاسيَّما ما تضمنه من أهداف بعيدة أو قريبة، لكن غيابهما الغامض أضفى عليه نوعاً من الروتينية، وهو ما كانا بحيويتهما يتجاوزانها لأفق أكثر رحابة وشفافية.

1057
بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة

نتمنى لكم

صحة موفورة وسعادة دائمة

وتقدما مستمراً في الحياة والعمل

وعلى المستوى الشخصي والعام

اصافحكم مع التقدير

د.عبد الحسين شعبان

 

 

Wish you

 Merry Christmas

 and

Happy New Year

 

 

Dr. Hussain Shaban

 

1058
جدل هادئ للفيدرالية الساخنة في العراق


عبدالحسين شعبان

تأسست الدولة العراقية في 23 أغسطس/آب ،1921 بتنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق، لاسيما بعد فشل ثورة العشرين في تحقيق أهدافها في الاستقلال وحق تقرير المصير، وبدلاً من الحكم البريطاني المباشر بعد احتلال العراق 1914- ،1918 فقد اتجهت النيّة لفرض صيغة الانتداب، وإعلان تأسيس المملكة العراقية وتشريع دستور لها “النظام الأساسي” في العام ،1925 وهو الذي حدد طبيعة الدولة العراقية الجديدة التي انفكّت من الدولة العثمانية، بمكوناتها المختلفة .

لكن الاستفتاء على إقامة المملكة العراقية لم يشمل جميع أرجاء العراق، حيث كان الشيخ محمود الحفيد قد نصّب نفسه ملكاً على كردستان من السليمانية، لشعور بالإجحاف إزاء حقوق الكرد، التي جاء الإقرار بجزء منها في معاهدة سيفر العام ،1920 لكن هذه الحقوق تمت المساومة عليها في معاهدة لوزان العام ،1923 وهكذا لم تؤخذ وجهة نظر الكرد إزاء الكيان العراقي، الذي هم جزء منه .

ومنذ العام 1921 حتى العام 2003 كانت الدولة العراقية دولة بسيطة مركزية في إطار التصنيف القانوني لطبيعة الدول، ونظامها السياسي يمتاز بالمركزية البيروقراطية الشديدة الصرامة، إلى أن حصل حراك سياسي واجتماعي جديد، كان قد بدأت ارهاصاته أيام المعارضة العراقية حول طبيعة الدولة، حيث برز ميل إلى تبنّي فكرة دولة اتحادية “فيدرالية” . وكانت المعارضة العراقية في مؤتمر فيينا (يونيو/حزيران) 1992 قد وافقت على مبدأ حق تقرير المصير للشعب الكردي بتقييده بعبارة “دون الانفصال” التي كتبها الرئيس الحالي جلال الطالباني بخط يده وبقلمه، وبعد إقرار البرلمان الكردستاني النظام الفيدرالي (من طرف واحد) كصيغة مقترحة للدولة العراقية في 4 اكتوبر/تشرين الأول ،1992 إثر إجراء الانتخابات لأول مرّة في كردستان (مايو/أيار 1992) وافقت المعارضة العراقية في مؤتمر صلاح الدين نوفمبر/تشرين الثاني 1992 على فكرة النظام الفيدرالي، وإن تحفّظ عليها الإسلاميون بوضع مرادفات لها (نظام الولايات) بما يدّل على الفيدرالية .

انتقل النقاش والجدل بعد الاحتلال ليشمل قوى وتيارات سياسية أخرى من داخل العملية السياسية ومن خارجها حول طبيعة الدولة، ففي قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004) تم اقرار نص على كونها “دولة فيدرالية - برلمانية” وهو ما أكدّه دستور جمهورية العراق، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 اكتوبر/تشرين الأول 2005 وأجري الاستفتاء على أساسه في 15 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته .

وبغض النظر عن الملاحظات والاعتراضات والتحفظات حول الدستور لكن موضوع الفيدرالية الذي أقرّ دستورياً ما زال يثير الكثير من النقاشات التي تتعلق بالخلفيات الفكرية والأيديولوجيات لبعض القوى، ومواقفها واصطفافاتها تاريخياً، ناهيكم عن تخوّفات بعضها بشأن مستقبل العلاقة العربية - الكردية، لاسيما وقد نشأت بعض الهواجس بشأن موضوع الانفصال أو التقسيم وهو ما راج بعد الاحتلال بشكل خاص، الأمر الذي تقابله مخاوف العودة إلى المربع الأول، لاسيما الدولة المركزية، وهضم حقوق الكرد والأقليات الأخرى، واحتمال اندلاع العنف .

وبين هذا وذاك تبرز قضايا فكرية خلافية، وأسئلة حارة حول الدولة المركزية والدولة الاتحادية، وأي منهما يمكنه تأمين وحدة العراق، ثم أية وحدة مطلوبة؟ هل هي وحدة قسرية إكراهية أم طوعية اتفاقية؟ فالوحدة الأولى ستلغي حقوق الآخرين، رغم أنها قد تحافظ على كيانية موحدة شكلاً، لكنها مقسّمة فعلاً، في حين أن الوحدة الثانية هي التي تؤمن الاعتراف بالمساواة وبالحقوق وبالتالي يمكن أن تضمن قيام واستمرار وحدة صلبة طوعية على أساس مواطنة متساوية تكون بديلاً عن وحدة قسرية . ولعل هذه الأمور لا تزال بحاجة إلى نقاش هادئ رغم سخونتها .

وبالمقابل فإن الحل الفيدرالي لم يكن سالكاً رغم ان الكرد مارسوا “حقهم” كتحصيل حاصلde facto  حتى قبل الاقرار به دستورياً بعد الاحتلال، وهو ما  أثار مخاوف قوى وكيانات كبرى أو صغرى، أساسية أو فرعية، الأمر الذي له علاقة بثلاث قضايا أساسية: الأولى قصر عمر التجربة والصراع بين أطرافها وزاوية النظر اليها، الثانية بروز بعض النزعات المبالغة في كياناتها الخاصة لدى جميع الاطراف، وبخاصة في المناطق التي سمّيت متنازع عليها، لاسيما كركوك الثالثة الالتباسات والتفسيرات المختلفة الواردة في الدستور، وهناك نقطة رابعة هي ما ورد في الدستور من صلاحيات، يحسبها البعض تتعارض مع المبادئ الدستورية العامة، في حين يعتبرها البعض الآخر “خصوصية عراقية” للتجربة الفيدرالية الجديدة، لا بدّ من الإقرار بها، لاسيما أنها تكوّنت عبر مسيرة الحكم الذاتي وهيئاته منذ العام 1974 حتى وإن كانت شكلية أو ناقصة أو مبتسرة، الاّ أن وجود كيانية خاصة يعني أن ثمة شكلاً من “الاستقلالية الذاتية” في التشريع والتنفيذ فضلاً عن بعض الصلاحيات الأخرى .

ولما كانت صيغة الحكم الذاتي السابقة قد وصلت إلى طريق مسدود، فإن صيغة الفيدرالية أريد بها تعويض وضمان للعلاقة العربية - الكردية في العراق . ويوم جاءت ساعة التنفيذ لما اتفقت عليه المعارضة، حصل نوع من الشدّ والجذب، لكن الأطراف المختلفة وافقت كلٌ لأغراضه على الصيغة الواردة في الدستور المثيرة للإشكال والاختلاف والتعارض، ولعلها ستبقى لغماً قابلاً للانفجار إن لم يتم نزعه بطريقة ماهرة .

إن دراسة التجربة الإيجابية لفيدراليات ناجحة في نحو 25 بلداً ونحو 40% من سكان البشرية، يمكن أن يسهم في تعزيز الثقافة الحقوقية الديمقراطية القائمة على التعايش والتوازن في الحقوق والاعتراف المتبادل في ظل مبادئ الدولة العصرية المستندة إلى المساواة والمواطنة، كما يبرز الجانب الإيجابي في العلاقة بين المكوّنات المختلفة .

ولعل هذا ما حاول الدكتور شيرزاد النجار الخبير في القانون الدستوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين إظهاره من خلال التمهيد الذي كتبه مقدمة لترجمة دستور ولاية بافاريا، بعرض طبيعة النظام السياسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (الفيدرالية) مشيراً إلى أن في ألمانيا “نظام فيدرالي وبرلماني وديمقراطي” (المادة -20 من القانون الأساسي - الدستور - لعام 1949) ولا يمكن تعديل المبادئ التي تأسست عليها لأنها مبادئ جامدة أو خالدة المادة ،79 وهذا القانون هو الذي يحدد صلاحيات الاتحاد وتوزيع السلطات والمهمات بين الاتحاد والولايات، لاسيما عند تحديد اختصاص السلطات الاتحادية في ما يتعلق بالقوات المسلحة والعلاقات الدولية وقضايا العملة والموارد الطبيعية والخطط الاقتصادية الكبرى، وما عدى ذلك من اختصاص سلطات الأقاليم، وهذا بحاجة إلى استكمال هيكلياته وتأسيس مجلس الاتحاد وتحديد ممثلي الإقليم فيه أو الأقاليم في حالة تكوّنها .

باحث ومفكر عربي   

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 23/12/2009

1059

النجف... والفرصة الواعدة!!


•    سسيولوجية النجف وتاريخها

النجف، هي المدينة التي تقع في طرف الصحراء، بالقرب من نهر الفرات المارّ بالكوفة، وتسمّى في أحيان كثيرة بالنجف الأشرف، تأكيداً على قدسيتها وعلى تقدير الناس لها.

ومن أسمائها الأكثر شهرة هي " الغري" و" وادي السلام" و" المشهد" و"النجف السعيد" وتكنّى بـ" خدّ العذراء"، وقد ارتبطت هذه الاسماء كلها بكون النجف ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضر وبدو، وقبائل ووافدين، ومِللٍ ونحِلٍ، فهي بذلك " المشهد"، ولكونها أرضاً عاليه معلومة تصدّ الماء الذي ينجّفها، أي يحيطها، أيام السيول ولذا كانت "النجف"(1)، كما أنها تضم أكبر مقبرة في العالم، سواءً من أبناء العراق، أو ممن يُنقلون ليدفنوا فيها من بلادهم، ليكونوا على مقربة من الحرم العلوي لحضرة الامام علي بن ابي طالب، أي " الروضة الحيدرية" وهؤلاء في العادة من الشيعة الإمامية من مختلف ارجاء العالم الاسلامي، ومن هنا جاءت تسميتها  بمقبرة " وادي السلام" أو مقبرة الغري.(2)
وقد ورد اسم النجف في كتاب " تاج العروس" باعتبارها مسنّاة بظاهر الكوفة، تمنع ماء السيل أن يعلو منازلها، ويصفها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" بأنها أعدل أرض الله هواءً، وأصحّها مزاجاً وماءً، كما ورد في " تاريخ الطبري" أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة أعجبه ما رأى فيها من البساتين والنخيل والأنهار فبنى فيها قصر الخورنق أيام العصر الجاهلي، ويذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه " ماضي النجف وحاضرها"، أن النعمان خرج الى ظهر الحيرة وكان معشاباً فمرّ بشقائق أعجبته، إضافة الى نبت الشيح والقيصوم والخزامى والزعفران والأقحوان، فقال من نزع شيئاً من هذا، أي من الشقائق
فانزعوا كتفه، وهكذا سميّت "شقائق النعمان". والنعمان بن المنذر هو بن امرؤالقيس أشهر ملوك الحيرة وتوفي قبل هجرة الرسول بنحو 15 عاماً. (3) ، وحسب المسعودي في مروج الذهب ظلّت النجف منتجعاً للملوك والأمراء وقد كان "النجف" سعيداً باقبال الناس على المدينة من كل حدب وصوب، امّا للزيارة أو للتعلّم في جامعتها لاحقاً.(4)
والواقع ان النجف كمدينة، هي الحد الفاصل أساساً للصحراء أو البادية الشاسعة الممتدة الى المملكة العربية السعودية، وبين الداخل العراقي بما يضمه من حضارات تمتد الى نحو سبعة آلاف عام في التاريخ، وقد ظلت ميداناً لتصارع قيم البداوة والحضارة حتى وقت قريب باستعارة تعبير العلاّمة الاجتماعي "علي الوردي(5) " باستلهام الفكرة  الخلدونية(6) ، وتعتبر النجف رابع المدن الاسلامية المقدسة بعد مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف، فبالإضافة الى احتضانها الروضة الحيدرية، فهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الاولياء، وبها نزل النبي ابراهيم الخليل، ودفن فيها النبي هود والنبي صالح عليهم السلام جميعاً.
ولعل هذا المدخل يعطينا اطلالة أولية لفهم بعض جوانب الشخصية النجفية المدينية العراقية، الأمر الذي يبدو ضرورياً لمعرفة دور النجف الديني والسياسي والاجتماعي، فضلاً عن تأثيراتها في بناء الشخصية العراقية العربية، لاسيما في العهد الاسلامي، وهي شخصية مركّبة ومتراكبة بفعل الحضارات التي ولّدتها والتاريخ الذي عاشته والمعارف التي تحصّلت عليها.
لقد ابتدأت ملامح الشخصية النجفية التركيبية مع بناء مدينة الكوفة وهي الأساس، فعندما بُنيت الكوفة في بداية العصر الاسلامي تم بناؤها كقاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش الاسلامية المقاتلة للقيام بالفتوحات الاسلامية في آسيا، ولذا جمعت في داخلها مجموعات كبرى، من قبائل متفرقة، وعشائر مختلفة، كانت تأتي اليها لكونها محطة انطلاق القوات المقاتلة، وعندما أُنشئت النجف الى جانبها تحوّلت الى شكل مشابه لها، فنشأ فيها تجمع هائل لأهل الفكر من مختلف المشارب والمناهج.
مثّلت الكوفة في تلك الايام مدرسة خاصة في النحو والصرف واللغة والفكر، مقابل مدرسة البصرة، وكانت النجف متداخلة مع الكوفة ولصيقة بها، وهي الملتقى للآراء والأفكار المتفاعلة، وبما ان الكوفة كانت عاصمة الخليفة الراشد الرابع الامام علي بن ابي طالب خلال خلافته، فقد تجمّع فيها مؤيدوه، وعدد كبير من المفكرين والصحابة والتابعين، الأمر الذي أسهم في طبع النجف بطابع الفكر الاجتهادي، الذي ينشأ عادة عن التفاعل ما بين أصحاب الآراء والأفكار.
ولأن مدرسة الكوفة أبقت باب الاجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً، بعكس مدرسة البصرة التي كانت أكثر محافظة، وحرصت بحكم ضغط موروثها وخصوصيتها على التمسك بما توارثت عليه، بل النظر بحذر الى مسألة التجديد، في حين شهدت الكوفة حركة تفاعل بين مختلف القبائل والعشائر والأفكار الفقهية واللغوية والعلمية، فقد ظلّت مفتوحة وتستطيع استيعاب واستقطاب الجديد والوافد وصهره في إطار بوتقها العربية، خصوصاً وأنها كانت لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم دون الالمام بها واتقانها، الأمر الذي أوجد فيها وضعاً متميّزاً ومناخاً واسعاً وأفقاً رحباً كرسته بالاجتهاد وبدور العلماء في النجف، ولا ننسى هنا ان "السلفية" نشأت في البصرة ومنها خرجت الى الحجاز، بينما نشأ في الكوفة والنجف كبار المجتهدين في الفكر الاسلامي والشعر والأدب، انطلقوا من الموروث الى رحاب التجديد على الصعيد الفكري واستشرافاً مستقبلياً لتطوره.
وقد ظلت قراءة القرآن السائدة في العالم الاسلامي اليوم، وبخاصة في آسيا، هي القراءة الكوفية أي قراءة حفص بن عاصم الكوفي، وقد سادت هذه القراءة  في بلاد الشام أيضاً مقارنة بقراءة عبدالله بن عمر الشامي، وقراءة ابو عمر بن العلاء البصري، وسادت على كل القراءات حتى أصبحت القراءة المعتمدة، لأن الكوفة كما ذكرنا هي المحطة التي يلتقي فيها الجميع ويحملون منها فيما يحملوه القراءة الكوفية التي تُعتمد الآن في المصاحف التي تطبع وتوزّع في العالم كله.
بالمقابل نجد ان القراءة التي انتشرت في افريقيا، كانت قراءة أهل المدينة، وهي قراءة نافع بروايتي ورش وقالون، وظلّت هي الاساس في الدول الاسلامية الافريقية.(7)
لا بد من الاشارة هنا الى ان الشخصية العراقية المركّبة بما فيها الشخصية النجفية المتميزة، هي شخصية عروبية تعتز بعروبتها، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة ايجابية بالمرجعيات الدينية الروحية، والمرجعية في النجف وفي الأوساط الشيعية بشكل عام تعددية، أي لا يوجد فيها مرجع واحد، مهما علت منزلته وانما هناك أعداداً من المراجع معترف بها ولديها مقلّدون، كما أن المرجعية أممية، أي انها غير محصورة بالعنصر العربي أو العراقي، وذلك انطلاقا من الاسلام نفسه الذي ساوى بين بني البشر " ولا فرق بين عربي وأعجمي الاّ بالتقوى "، فمن كان الأعلم والأكثر نفوذاً وتأثيراً وزهداً يمكن أن يتولّى المرجعية، ومبرر ذلك أيضاً "الولاء لآل بيت رسول الله" رغم ما تثيره أحياناً الأصول العرقية واللغوية من منافسات منظورة وغير منظورة، لاسيما التسابق بين مرجعية النجف ومحاولات قم الاستحواذ عليها.
وهكذا فإن الشخصية النجفية رغم تمسكها بعروبتها وتأثرها بالمناخ الاسلامي بشكل عام، فضلاً عن التأثيرات العشائرية وأجواء المدينة المنغلقة اجتماعياً، الاّ أنها شخصية منفتحة في داخلها لا ترفض الغريب، لكونه غريباً، بل تسعى لإقامة العلاقات مع الجديد الوافد اليها، طالما كان يرتبط معها بالعقيدة ويسعى لاحترامها في إطار مصالح مشتركة، فإذا تعارضت وجهته بالضد منها وحاول استغلال علاقته دون مراعاة المصالح المتبادلة، يبدأ الصراع وتغيب الحدود في هذا الصراع، إذ أنه في الصراع هناك الصديق أو العدو، الابيض أو الأسود، ولا رمادية بينهما، وهو ما يجعل جوانب حادة وصارمة أحياناً في تركيبة الشخصية النجفية.
لعل ذلك سمة مشتركة للعراقي والعربي من أصل بدوي، فالقبائل العربية العراقية لا تزال مرتبطة بعروبتها ويتداخل فيها البدوي بالحضري رغم انها انتقلت، لاسيما بعد العام 1958 الى مجتمعات مدنية، ففي العراق ورغم أن أهم أماكن سكن القبائل صارت في المدن، الاّ أن بعضها لا يزال محافظاً على روابطه وعلاقاته وقيمه وزعاماته القبلية، والانسان في العراق ينتسب الى قبيلته، فيما تنتسب العائلات والعشائر الصغيرة الى مدنها وأماكن سكناها أو مهنها، وفي بغداد نجدها أحياناً تنتسب الى المهن كالعطار والنجار والقصاب والصفار أو الى المواقع فعلى جانبي نهر دجلة  كالرصافي والكرخي، فيما تكوّنت بعض العائلات التي لم تحمل اسماء مدنها أو قبائلها في بعض المدن الحديثة والمراكز الاقتصادية الهامة وبعض المراكز الدينية.
اما في النجف فالسكان هم من كل القبائل العراقية، وبعضهم ينتسب الى المدينة أو مواقعها لأنه لا يوجد تجمع قبلي واحد أو ذو لون واحد، فالشخصية المركبة ما زالت تضم وتحتوي العقلية القبلية وبعضها يمتد الى الريف، إضافة  الى الثقافة العربية، والفكر الديني والعلاقات الاقتصادية الجديدة التي نمت، والمصالح وأسلوب التفكير والتعامل الحديث والمديني، وكل هذه التركيبة اختلطت ببعضها وتركت تأثيراتها في مناحي الفكر والعقيدة والاجتهاد والسياسة والاجتماع والأدب والثقافة.
وقد استطاع النجفيون تاريخياً استيعاب كل من أسلم أو اعتنق الاسلام وتحدث بالعربية فصار واحداً منهم، فكان من الطبيعي ان تذوب الفوارق بين الناس، وأن لا يتحسّسوا الا من المعادي لهم في الهوية، ولم يكن تحسّسهم أو تعصّبهم ناشئاً عن المخالفة لهم في العقيدة أو الهوية العربية، بل لأن هذه المنطقة عانت من اختراقات وغزوات، فعاشت فترات طويلة تحت ضغط الحكم الاموي والعباسي وصولاً الى الحكم العثماني، ودخلت النجف في صراعات دفعت بسببها أثماناً باهظة جداً، لاسيما لمحاولة دفاعها عن هويتها وعقيدتها التي كانت تشكّل طابع تلك الصراعات آنذاك، فيما بقيت الشخصية العربية العراقية في مناطق أخرى أقل تعرضاً للانتهاك، وأكثر بساطة ووضوحاً، وليس فيها هذا التعقيد لأنها كانت أقرب الى السلطة أو كانت السلطة وبعض حواشيها من طاقمها سواءً كانت ظالمة أو عادلة.
وتأكيداً على ما أسلفنا فإننا نجد تاريخياً مركزين متشابهين لحاضرتين مهمتين للفكر الاسلامي، كانت أولهما في النجف الأشرف والثانية هي الأزهر الشريف الذي يعتبر الآن مركز تدريس وتعليم الفكر الديني للمذاهب الأربعة في العالم كله، وقد بُني في عهد الدولة الفاطمية ونُسب بالاسم الى فاطمة الزهراء بنت رسول الله، في حين اختصّت النجف بالفكر الشيعي.
والجدير ذكره هنا، أن الشخصية العربية بشقيها النجفي وغير النجفي في تلك المرحلة التاريخية لم تكن في موضع العداء المخالف في العقيدة، إذ أن ذلك نشأ فيما بعد أثناء الصراع على السلطة ودور تلك السلطة، حيث يُذكر مثلاً ان الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي فيما بعد، جاء اليه الامام زين العابدين علي بن الحسين وكان عجوزاً، فقال له " لو أعلمتني لجئت اليك ولو حبواً "، ثم كشف عن صدره عند وداعه وقبّله وقال له :" عساني أن ألقى الله فيكون آخر ما ودعت به الدنيا لحماً من لحم رسول الله...".
وابو حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي فيما بعد، أفتى وفي زمن الأمويين باعطاء الزكاة الى الإمام زيد بن علي بن الحسين، مع علمه بأن ذلك المال سيذهب لمناهضة بني أمية، ثم وقف في وجه العباسيين الذين اعترضوا عليه لكثرة حبه لآل البيت، فسجن وخرج من السجن ليموت.
والامام الشافعي يكفيه انه قال في وجه العباسيين والروانديين وجماعاتهم المعترضين على حبه لآل البيت:
" إن كان حب آل البيت رفض        فليشهد الثقلان اني رافضي
 وقال :
يا آل بيت رسول الله حبّكم        فضل من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر انكّمُ        من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
فجيء به من اليمن الى بغداد بالحديد والسلاسل ماشياً، ثم نفي الى مصر لكي لا يساكن مقر الخلافة في بغداد.
اما الامام أحمد بن حنبل فامتحنه العباسيون بحديث ليعرفوا توجهه، فارسلوا اليه رجلاً قال له: روي عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن ابيه عن جده رسول الله، فقال كفّ، ولم يرد ان يسمع حتى الحديث وقال: هذا اسناد لو قرئ على مجنون لأفاق، وقد حفظها له العباسيون، فسجن في أيام المأمون والمعتصم والواثق ولم يخرج من السجن الاّ في عهد المتوكل، وعاش بعد ذلك أشهراً ومات.(8)
إذاً، في هذه الأجواء العربية نشأت المذاهب الاسلامية،ولم تتحكم بها العداوات الاّ نتاج الفكر السياسي للسلطة، التي كانت تقوم بين فترة وفترة لانتاج الخلاف العقيدي، لأن أصل العقيدة واحد ولا خلاف فيه. ولعل من استغلّ هذه الخلافات وروّج لها، انما استهدف أشياءً أخرى، وقد كان الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب يردد " لولا علي لهلك عمر"، ولا كانت له مكانة كبيرة في عهده بما فيه الفصل في الاحكام.
من هنا نفهم لماذا تركت النجف تأثيراتها الثقافية والفكرية على رجال من أمثال سعد صالح جريو الذي لم يُنقل عنه يوماً وقوفه الى جانب فريق دون آخر في العراق، انطلاقاً من مذهب أو قومية، أو طائفة أو منطقة وهو ما سنبيّنه لاحقاً.
يذكر الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين(9) في كتابه " الديوان" ان في النجف الأشرف خصائص يندر وجودها في مدن العراق قاطبة وهي(10) :
أولا- أنها مدينة الوافدين زواراً ومجاورين وطلاب علم، وأن كثيراً ممن يسمّون اليوم بالأسر النجفية هم من أبناء تلك الأسر المهاجرة اليها لطلب العلم أو لمجاورة مرقد الامام علي، وكانت لشغفها بهذه المدينة وطول اقامتها بها قد نسيت أصولها في المدن العراقية أو البلاد العربية أو الأقطار الاسلامية، وانقطعت العلائق شيئا فشيئاً بينها وبين البلاد التي تحدّرت منها، وتشابكت بأواصر القربى والمصاهرة مع بعضها البعض، وبعضها قد مرّ عليه أكثر من اربعمائة سنة على الإقامة في النجف، حتى أن اجيالها المتأخرة قد لا تعرف  شيئاً عن بلدها الأصلي أو لغاتها لأنها انصهرت بلغة العرب.
ثانيا- ان الطابع العربي القريب من البداوة، هو الذي يطبع المدينة بطابعه فالعشائرية والنخوة ورعاية الجار والكرم والضيافة كلها من صفات أهل النجف، ولعل السر في ذلك كونها تقع بين الريف العراقي المنتشر على ضفاف الفرات، وبين البادية الممتدة من العراق الى الحجاز، ولذا فإن انصهار مختلف الأعراق فيها أمرٌ طبيعي بسبب التلاقي والاختلاط والامتزاج.
ثالثا- انها " السوق المشتركة" بين عشائر الريف وعشائر البادية تصل اليها منتجات تلك المناطق وتُصدّر منها الى مناطق العراق الأخرى، وبعض المصدّّرين لهم في النجف بيوت يأوون اليها في أيام المواسم، وكذلك بعض المستوردين مما حوّلها الى مدينة عشائرية الروح، بدوية المجتمع، ولعلنا نضيف تجارية الطابع، متسامحة مع الغريب، ولديها الاستعداد للتعايش والتواصل مع الآخر، لاسيما في أجوائها الثقافية والأدبية.
رابعاً- انها " المدينة الجامعية للدراسات الاسلامية"، وتمتد جامعتها الى مدى يقرب من عشرة قرون، وقد احتفظت باللغة العربية وآدابها، وفشلت كل محاولات التتريك التي تعرّضت لها أيام المماليك والعثمانيين، كما لم تتأثر باللغات الشرقية وبخاصة اللغة الفارسية التي كانت لغة الكثير من بين الوافدين اليها، ولكنها لم تترك أي اثر على سلامة لغتها العربية، لأن الدراسة الدينية فيها واستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها تعتمد بصورة أساسية، على مصادر عربية وهي نصوص عربية أصلية، إذ لا يحقّ لأحد، حسب الإمام الشافعي، أن يفتي في دين الله الا رجلاً عارفاً بكتاب الله وبصيراً باللغة والشعر وما يحتاج اليه للسُنّة والقرآن، ولأن الدراسة الدينية تبدأ فيها بالمقدمات وأهمها النحو والصرف والبلاغة، فضلاً عن التبحّر في علومها وثقافتها، فان اللغة العربية السليمة تبقى ركناً أساسياً من أركان الدراسة في الحوزة العلمية، إذ لا يمكن للدارس أن يصل الى المستوى الفقهي دون أن يكون ضليعاً باللغة العربية وآدابها وفلسفتها اللغوية، فهي لا تتطلب البلاغة والفصاحة حسب، بل فهماً واستيعاباً للمجازات والكنايات والصور البيانية (11).
خامساً- ان " الشعر متنفس المجتمع المتحفظ" (المحافظ) في النجف، ولعل ذلك هو الذي يفسّر لنا كثرة الشعراء في مدينة صغيرة كالنجف، فكونها تضم مائتي شاعر في فترة قصيرة ظاهرة ملفتة للنظر، سواءً في ذلك شعراء الفصحى أو العامية. حيث كان في عهد السيد محمد مهدي بحر العلوم أكثر من 200 شاعر في مدينة لا يزيد عدد نفوسها على 30 الف نسمة، وهو ما أحصاه الشيخ محمد رضا الشبيبي، وما ورد في موسوعة الغري الشعرية.
وبالمناسبة فإن عهد بحر العلوم 1155-1212 هـ سمّي بعهد النهضة العلمية، لكثرة من نبغ فيه، فضلاً عن كثرة الدارسين، وقد اتخذ بحر العلوم سلسلة من الخطوات يمكن تقييمها بشكل ايجابي، لاسيما بعد قراءة تاريخ المرجعية وما لحق بها وما تعرّضت له من اشكالات أحياناً، وكان بحكم شخصيته الصارمة والمحببة، مهاباً وجذّاباً.
واتّسمت محاولته التجديدية بشيء من حسن الادارة والتنظيم، فوزّع مسؤوليات الحوزة وأعباء المرجعية على عدد من رفاقه ولم يحصرها كلّها بيده مثلما فعل الآخرون، وهكذا سمّى الشيخ جعفر كاشف الغطاء للعلاقات والصلة بالناس والاعتناء بمصالحهم (توفي 1228 هـ) بما فيه اعطاء الفتوى والرجوع اليه في المسائل الشائكة (كمقلّدين) ورغم ان بحر العلوم المرجع الأعلم، الاّ أنه

ــــــــــــــــــــ
(1)أنظر: شعبان، عبد الحسين، الدولة العراقية والمؤسسة الدينية في النجف، مجلة النور(لندن)، العدد 87، آب (أغسطس)، 1998. انظر كذلك:  مصطفى جمال الدين، الديوان، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط1، 1995ص 48 وما بعدها.
(2)المصدر السابق .
 (3) قارن: المسعودي- مروج الذهب، ج1، القاهرة، 1346 هـ، ص 297، نقلا عن : انظر محبوبة، جعفر - ماضي النجف وحاضرها، 3 أجزاء، دار الأضواء، ط8، بيروت، 1986، ص4
(4) كانت قصور العباسيين مشرفة على النجف يتنزهون بها أيام الربيع، لاسيما قصر " أبي الخصيب" الذي كان موقعه قريباً من قصر السدير بظاهر الكوفة، وبينه وبين السدير ديارات (أديرة) الأساقف، وهو أحد المنتزهات التي تشرف على النجف. وأبو الخصيب هو مزروق بن ورقاء مولى المنصور وأحد حجّابه، ويقال أنه بني هذا القصر بأمر المنصور، وقيل بناه لنفسه وكان المنصور يزوره فيه، إضافة الى القصر الأبيض وموقعه قرب الحيرة ويُنسب الى الرشيد وكتب على جداره حضر عبدالله بن عبدالله ولأمر كتمت نفسي وغيّبت بين الأسماء اسمي (العام 305 هـ)، إضافة الى قصر الخورنق انظر: معجم البلدان، نقلاً عن محبوبة، جعفر، مصدر سابق، ص 5 وما بعده.
(5) ولد العلآمة الدكتور علي حسين عبد الجليل الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1913 ونشأ ابناً وحيداً لوالديه عقب تسعة أخوة توفوا بعد وقت قصير من ولادتهم. بدأ تعليمه في الكُتَّاب كما كان سائداً آنذاك، وعمل في صغره عطاراً في مهنة والده، لكنه سرعان ما عاد الى الدراسة في المدارس الحكومية عام 1931 فأتم الدراسة الثانوية وحلّ بالمرتبة الثالثة على العراق، فأرسل لبعثة دراسية للجامعة الاميركية في بيروت وحصل على البكالوريوس، وأرسل بعدها في بعثة أخرى الى جامعة تكساس حيث نال الماجستير  عام 1948 فالدكتوراه عام 1950 من الجامعة ذاتها. درّس مادة علم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد من عام 1950. ولغاية العام 1972.توفي في شهر تموز (يوليو)عام 1995 . في عمان  من أهم مؤلفاته : لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – ثمانية أجزاء (1969-1980) ، شخصية الفرد العراقي (1951)، خوارق اللاشعور (1952)، وعاظ السلاطين (1954)، مهزلة العقل البشري (1955)، أسطورة الأدب الرفيع (1957)، الأحلام بين العلم والعقيدة (1959)، منطق ابن خلدون (1962)، طبيعة المجتمع العراقي(1965). وقد حدثني الدكتور ناهض شعبان الذي كان طبيبه الخاص في السنوات العشر الاخيرة من حياته أن عقله ظلّ متوقداً وذهنه نشطاً حتى آخر أيام حياته رغم تدهور صحته وعدم قدرته على الكتابة. انظر: مظلوم، محمد، كتاب في جريدة، صحيفة النهار اللبنانية ، 1 تموز(يوليو) 2009. قارن كذلك: حديث خاص مع الدكتور ناهض شعبان، بغداد، حزيران(يونيو)2003.
(6) انظر: الوردي، علي(الدكتور)- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ستة أجزاء، مطبعة الأديب، بغداد، 1978
(7) ملاحظة  لفت انتباهي اليها الصحافي خالد اللحام خلال حوار دار بيني وبينه حول النجف ودورها، باسترجاع قراءة عدد من المراجع والمصادر التي تمثل النهضة الأدبية والثقافية والعلمية لمدرسة النجف، بيروت، 24 أيار (مايو) 2009.
(8)حديث حواري (استعادات في الفكر الاسلامي) مع الصحافي خالد اللحام، مصدر سابق.
(9) ولد في قضاء سوق الشيوخ " قرية المؤمنين بلواء " محافظة "  ذي قار (الناصرية) أو كما كانت تسمى المنتفك، وذلك عام 1927، انتقل الى النجف للدراسة الدينية أواخر العام 1938، والتحق بجامع الهندي للدراسة، حيث كان قد ترك دراسته وهو في الصف الرابع الابتدائي، واستمر في النجف طيلة حياته رغم انتقاله الى بغداد، لكنه ظل يتردد عليها ويعتبرها موازية ربما لمسقط رأسه، أو منبته الحقيقي. تخرج من كلية الفقه العام 1962 وأكمل دراسة الماجستير في الشريعة الاسلامية العام 1972 والدكتوراه في اللغة العربية العام 1979 ودرّس في كلية الفقه وكلية الآداب وكلية أصول الدين، وترأس جمعية الرابطة الأدبية في النجف العام 1975، واضطر لمغادرة العراق العام 1980، من مؤلفاته، الايقاع في الشعر العربي، وديوان عيناك واللحن القديم، والديوان  الذي هو أقرب الى ملامح السيرة والتجربة الشعرية. توفي ودفن في دمشق.
(10) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان، مصدر سابق،  ص 13-20 وما بعدها.
(11) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان ، المصدر السابق،  ص 15.   

1060
 
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (8)
 جيفارا وعبدالناصر: قلق وهواجس!

      
   عبدالحسين شعبان    


2009-12-21

انتظر الرئيس عبدالناصر عودة جيفارا من الجزائر، وعاد إليها فعلاً قبل سفره إلى كوبا، وكان عبدالناصر قد اطلع على خطابه المشحون بالهّم والمسؤولية والقلق الذي حمله على كاهله، إزاء مستقبل "الحركة الثورية" وآفاق نضالها.
إذاً من الجزائر فجّر جيفارا القنبلة يوم ألقى خطابه الشهير، والذي سيعرف في الأدب السياسي "بخطاب الجزائر" الذي كان عبارة عن رؤية مكثفة لتوجهاته الاشتراكية ونقده للبيروقراطية السوفييتية، التي احتجّت على ذلك الخطاب رسمياً لدى كوبا، وجرى حديث في السر والعلن عن ضغوط موسكو على كاسترو، لاسيما وأن كوبا كانت بحاجة إلى المساعدات السوفييتية.
كان خطاب الجزائر في 24 فبراير 1965 محطة فاصلة عبّر فيها جيفارا عن ما كان يلوّح به من انتقادات ووجهات نظر إزاء التحديات والمصاعب النضالية، ليس في جانبها الموضوعي من طرف "العدو الطبقي" حسب، بل بجانبها الذاتي، خصوصاً مواقف البلدان الاشتراكية والاتحاد السوفييتي تحديداً، الأمر الذي جعله في تناقض بينه وبين الواقع من جهة، وبين الرغبات والإرادات من جهة أخرى، وبين الدول الاشتراكية ومصالحها من جهة والدول النامية وحركات التحرر الوطني في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا من جهة أخرى.
ولعل التناقض الأكبر كان بينه وبين نفسه، فرغم آماله الكبيرة لكن ثمة تشاؤم كان قد بدأ يتسلل إليه، لم يطرده إلا بشحذ العزيمة والإرادة بديلاً عن الواقع، وهو ما عبّر عنه في حديثه مع عبدالناصر، الذي وإن كان يكّن له محبة أخوية لأفكاره النبيلة ولشخصه الكريم الآتي من قارة أخرى (لنصرة الثورة في إفريقيا) لكنه كان يأمل "اعتدال" مطالبه الثورية، وعندما كان جيفارا قد حصل على موافقة أحمد بن بلّه على دعم ثوار الكونغو، الذي سيتولى هو تقديم المساندة الكوبية لهم، كان وقتها يتقلب في فراشه لليلة كاملة: هل يطلب ذلك من عبدالناصر أيضاً وماذا سيكون رد فعله؟
بعد خطاب الجزائر الشهير، توجّه جيفارا إلى القاهرة يوم 2 مارس 1965 ومكث فيها 8 أيام، ودار بين الزعيمين المصري القومي العربي وبين الكوبي الأممي حديث حول سبل تحرير إفريقيا، وعندما علم عبدالناصر بمشروع جيفارا بالانخراط في العملية العسكرية في الكونغو، أبدى قلقه ومخاوفه، ووجه الخطاب مباشرة إلى صديقه، قائلاً له بكل وضوح: "أنت تدهشني جداً.. هل تريد أن تصبح طرزاناً جديداً؟ رجلٌ أبيض بين الزنوج من أجل قيادتهم وحمايتهم.. هذا مستحيل!! لن تنجح أبداً.. سيسهل كشفك لأنك أبيض، وإذا أتيت مع الكثير من البيض.. فستعطي الإمبرياليين الفرصة للقول بأنه لا يوجد فرق بينكم وبين المرتزقة".
وأردف عبدالناصر بالقول ببعد نظرٍ ودراية بظروف الصراع الدولي وشؤون السياسة والدبلوماسية، فضلاً عن كونه عسكرياً ميدانياً يعرف خطورة اتخاذ قرار من هذا القبيل: "إذا ذهبت إلى الكونغو مع كتيبتين كوبيتين، وإذا أرسلت معك كتيبة مصرية فسيتهموننا بالتدخل في الشؤون الداخلية في الكونغو، وهذا يضر أكثر مما ينفع"!
في منزل عبدالناصر في المنشية، تابع الصديقان حوارهما في ليلة أخرى أفضى جيفارا بهمومه ومشاغله الفكرية والسياسية، ومتاعبه العملية، وشرح أسباب انتقاده لمعاملة الدول الاشتراكية "الأنانية"، كما وصفها، وأفاض ما في قلبه من حنق، كان قد عبّر عنه في خطاب الجزائر.
في تلك الليلة جرى الحوار بين عبدالناصر وجيفارا حول الموت، الذي كان يتردد على لسان جيفارا باستمرار، فقال عبدالناصر وهو الأخ الأكبر: لماذا تتكلم دائماً عن الموت؟ أنت رجل شاب، إذا اضطررنا أن نموت سنموت من أجل الثورة، ولكن الأفضل أن نحيا من أجلها، لكن جيفارا برومانسيته وحسّه لما هو ذاهب إليه، كان قد وضع الموت نصب عينيه، وعندما اضطر أن يضرب مثلاً حول بيرون الزعيم الأرجنتيني فأشار إلى جبنه وهروبه، لأنه لم يقوَ على مواجهة الموت، وشدد جيفارا قوله وهو ما أوفى بعهده: اللحظة الحاسمة في حياة الإنسان هي عندما يتخذ قراراً بمواجهة الموت، فإذا قرر ذلك فهو البطل سواءً توّجت معركته بالنجاح أو بالفشل! لقد كان يدرك خطورة قراره، وربما لم يتأكد من نجاحه في معركته، لكن ما كان متأكداً منه هو صدقية خياره وشجاعته في مواجهة الموت لحظة يتطلب ذلك منه، وهنا مقياس اختبار لقيمه ومبادئه، لاسيما حين يبدي استعداده للتضحية بحياته من أجلهما.
وبقدر حبّه للحياة وتمسكه بأهدابها، فقد كان يسترخص الموت من أجل حياة حرة كريمة، ولعلي بهذه القراءة الارتجاعية أستعيد هذا التناقض والتحدي الذي يمثل جوهر سلوك جيفارا من خلال هذا البيت الكثير الانطباق عليه وهو ما كان الجواهري الكبير يردده باستمرار:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ
حبّ الحياةِ بحب الموت يُغريني
زار جيفارا سد أسوان العظيم وأعجب به أشدّ الإعجاب، وكان بصحبة عبدالناصر، وزار معه أيضاً افتتاح أحد المصانع، فلقي ترحيبا هائلاً من عمالها وأهل القرية، وقد تأثر جيفارا كثيراً لما أسماه "بالخميرة الثورية"، وقد علق عليها عبدالناصر، ببساطة: الحصول عليها يتطلب هذا، مشيراً إلى المعمل. ودار حوار بينهما حول انتصار الثورة التي تتحقق بجهود الثوار، لكن البناء يتم بمساعدة التكنوقراط البيروقراطيين الذين هم أحياناً ضد الثورة كما يُقال.
ولعل حواره مع ناصر كان وراء كتابة مقالة بعنوان "الاشتراكية والإنسان وكوبا" التي تعتبر أساساً في الفكر الجيفاري، الذي ألهم شباناً وشابات من جميع القارات، فقد أراد أن يضع بعض النقاط على الحروف، لاسيما فيما يتعلق بالحصول على التقنية وبناء الإنسان الجديد.
يقول جيفارا في خاطرة حول الموت: لون حريتنا وخبزنا اليومي أحمر كالدم وهما منتفخان بالتضحيات، تضحياتنا واعية، نحن نبني ثمن الحرية.. تسلّموا تحيتنا الطقسية كمصافحة أو كسلام ملائكي: النصر أو الموت.
لخّص جيفارا في الزيارة الأولى التجربة المصرية بقوله: أول خطوة قامت بها الحكومة المصرية لتنظيم الهيكل الاقتصادي هي الإصلاح الزراعي الذي تناول ألفاً و768 من كبار الملاكين مع توزيع الأراضي المسترجعة على الفلاحين والتي تشكل %10 من الأراضي. أصبحت التعاونية أساس الاقتصاد الزراعي وهي مؤلفة من صغار الملاكين لهكتار أو اثنين ويعملون في الأرض جماعياً ولكن يستفيدون منها قروياً. وكان جريئاً عندما ندد في 28 سبتمبر 1962 بتجربة المعامل المؤممة وهو وزير للصناعة، لأنها فشلت والآلات مهملة ويعلوها الصدأ.
آخر زيارة لمصر هي عندما جاءها متخفياً بهوية روسية، وأمضى نهاراً واحداً في القاهرة، وذلك في 5 أبريل 1965 قبل سفره إلى دار السلام لبدء العملية العسكرية في الكونغو، التي يتحدث عنها بمرارة. لعله تذكّر ما دار بينه وبين عبدالناصر وإذا استعدنا الأمر الآن، فكلاهما كانا على صواب، وربما في الوقت نفسه على خطأ، فعبدالناصر تحدث من موقع الدولة، المسؤول، الذي يحسب تبعات انخراطه في عمل مسلح لمجموعات ثورية وردود فعل الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الكبرى، ولكن كان بالإمكان التنسيق معه وتسهيل مهمته بشكل غير رسمي وهو غالباً ما كان يحدث.
أما جيفارا فقد أراد للثورة أن تبقى حلماً وردياً، حتى وإن كان بعيد المنال، فأسقط إرادته على الواقع، لكي يستعجل في إنضاج العامل الذاتي، حتى إن تطلّب الأمر أن يأتي من أميركا اللاتينية ليقود كتائب ثورية في الأدغال، دون حساب للمخاطر والتحديات التي قد تطال حياته، وهو ما كان يتطلب وربما ما يزال حتى الآن وقفة مراجعة جدّية جريئة، بخصوص دور العامل الذاتي سلباً أو إيجاباً، وكذلك تقدير دور العامل الموضوعي داخلياً ودولياً، دون استخفاف أو مبالغة بالذات بالآخر "العدو" ومراعاة مسألة التراكم الكمي والوضع الاجتماعي والعادات والتقاليد، التي تحول دون تحقيق الحلم الثوري!
كان جيفارا يستعد لتنظيم مؤتمر القارات الثلاث حيث كان من المزمع عقد اجتماعات تمهيدية في 24 أغسطس 1965 بتنسيق مع المهدي بن بركة تضم ممثلين عن: آسيا، وإفريقيا وأميركا اللاتينية، لكن الذي حدث كان مفاجئاً بكل المقاييس: حصل الانقلاب ضد أحمد بن بلّه في 19 يونيو 1965 وقبل انعقاد المؤتمر اختطف المهدي بن بركة في باريس في خريف العام ذاته، واختفى جيفارا عن الظهور قبيل ذلك!       
    

1061
الدكتور شعبان يوقع كتاب سعد صالح في بيروت


المحرر الثقافي- خاص/بيروت
الكاتب والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان وقّع كتابه "سعد صالح : الضوء والظل- الوسطية والفرصة الضائعة" في معرض الكتاب في بيروت (بييل) وسط حشد من المثقفين والاصدقاء وذلك يوم 14/12/2009.
كما شارك في الحضور أبناء وأحفاد سعد صالح وتلى توقيع الكتاب عشاءً في مطعم مهنا في منطقة جل الديب حيث سبقه امسية ثقافية توالى على الحديث نجله المحامي لؤي سعد صالح وكريمته الدكتورة ضحى سعد صالح والاستاذ الدكتور حيدر كمونة ورئيس غرفة تجارة بغداد الاستاذ فلاح كمونة، كما ألقى المحامي الاديب جليل شعبان قصيدة بالمناسبة بعنوان "لبنان وسعد صالح" واختتمت الأمسية الاستاذة نوار سعد صالح بكلمة شكر للحضور وللمؤلف.

1062
 
المجتمع المدني بين القانونين الوطني والدولي


عبدالحسين شعبان

ماذا ترّتب اتفاقية فيّينا بشأن التوافق بين القانونين الدولي والداخلي؟ تعرّف المادة الثانية الفقرة (1) أ من اتفاقية فيّينا، المعاهدة الدولية بأنها “اتفاق دولي معقود بين دولتين أو أكثر بصورة خطية وخاضعة للقانون الدولي . . .” وبهذا المعنى فلا يجوز لطرف الاستناد إلى أحكام دستوره أو قانونه الداخلي كمبرر لعدم الوفاء بالتزام دولي تعهد به بموجب المعاهدة، وذلك استناداً إلى مبدأ فقهي عام يقول: إن العقد شريعة المتعاقدين .

إن وجهة النظر هذه تطرح مسألة العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي، وهي مسألة غالباً مايتكرر طرحها بالارتباط مع (المادة 46) من اتفاقية فيّينا، التي تؤكد “لايجوز للدولة أن تستظهر بأن التعبير عن موافقتها على الالتزام بمعاهدة ما، تم على وجه سينطوي كمبرر لإبطال موافقتها تلك، ما لم يكن هذا الخرق بيّناً ومتصلاً بقاعدة ذات أهمية أساسية من قواعد القانون الداخلي” .

ويلاحظ هنا أن اتفاقية فيّينا اشترطت الخرق البيّن أولاً، وثانياً وهذا يُفهم من مضمون النص، التصرف بحسن نيّة، فبعض الدول يعتبر التنفيذ التلقائي (المشروط بالنشر في الجريدة الرسمية كافياً لتأكيد الالتزام بأحكام المعاهدة الدولية)، والبعض الآخر يؤكد أن ذاتية التنفيذ ليست تلقائية، بل تتطلب إصدار تشريع تنفيذي خاص، والبعض الآخر يؤكد أسبقية القانون الداخلي (الوطني) مع إدماج أحكام المعاهدة به لتأخذ بُعداً دولياً، وهناك بعض الدول، التي تعتبر المعاهدة جزءاً من القانون الداخلي طالما تم التصديق عليها .

وإذا كان موضوع قانون المعاهدات يشكّل سقفاً للعلاقة بين التشريع الوطني والدولي، لا بد من مراعاته كإطارٍ عام، فإن الحق في تكوين الجمعيات Associations، الذي تنصّ عليه مواثيق حقوق الانسان، يشكّل نقطة احتكاك أو اشتباك تحاول فيها بعض الحكومات التحلل من التزاماتها المنصوص عليها في العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي وقّعتها، ناهيكم عما تنصّ عليها دساتير بعضها، إذ لا يمكن اعتبار أي نظام يتمتع بالديمقراطية من دون كفالة هذا الحق، إضافة إلى الحقوق الأخرى ولو بحدودها الدنيا .

إن حق تكوين جمعيات لها أهدافها ومبادئها وبرامجها وتوجهاتها وأسماؤها خارج اطار السلطات الحاكمة ومن دون تدخل منها، يعتبر الأساس في إنشاء وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وبما يوفّر لها شخصية اعتبارية بإمكانها رفع الدعاوى أمام القضاء وتلقّي الاشتراكات والمساعدات والتبرعات، وقد نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الصادر في 10/12/1948 في المادة (20) على:

1- لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والاجتماعات السلمية .

2- لايجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما .

أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16/12/1966 والنافذ ابتداء من 3/6/1976 فقد نص في المادة (21) على مايلي: “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به، ولايجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق، إلاّ تلك التي تُفرض طبقاً للقانون وتشكّل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي” . ونصّت المادة (22) على أن: “لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام اليها من أجل حماية مصالحه” .

خلاصة القول: إن هذه الحقوق وماتُرتّب من التزامات على الحكومات والدول، لا يمكن ردّها استناداً إلى مبدأ السيادة التقليدي أو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فمع انهيار جدار برلين وتداعي أركان نظام القطبية الثنائية الدولي، بدأ نمط جديد من العلاقات الدولية، وإنْ كان لم يكتمل بعد، ومتناقضاً أحياناً وغير متكافىء أو يكيل بمكيالين ويتعامل بطريقة انتقائية في الكثير من الأحيان، إلاّ أنه رغم كل شيء حدد بعض الملامح الجديدة للعولمة بما عليها من تحفظّات ومساوىء، وهو كثير جداً، وبما لها من مزايا وإن كانت قليلة ومحدودة خصوصاً للقضايا العربية والعراقية، لكنها تبقى مشروطة بحسن الاستخدام والاستفادة السليمة والعادلة من الظروف الجديدة التي خلقتها، إذ لا يمكن إعلان رفضها أو إعلان عدم الدخول في صومعتها حسب، لاتقاء شرورها وآثارها، بمثابة طوق نجاة، خصوصاً أنها أخذت تدخل في جميع مناحي الحياة، في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات والعلم والتكنولوجيا .

وإذا كان النظام الدولي “الجديد” قد تكرّس نظرياً في مؤتمر باريس الذي انعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني ،1990 أي بعد اجتياح القوات العراقية للكويت وقبل حرب الخليج الثانية، فإن اتفاقية برلين الموقّعة في يونيو/ حزيران ،1991 قد أكدت بعض المبادىء الجديدة، منها تجاوز مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، الذي نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة (المادة الثانية الفقرة السابعة)، حيث دعت اتفاقية برلين إلى اعتماد “مبدأ التدخل الانساني” مؤكدة “أحقية الدول الأعضاء للتدخل لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان والقوانين الدولية” .

وذهبت الاتفاقية أكثر من ذلك، حين دعت إلى وضع “خطة للطوارىء” وضرورتها لمنع حدوث الصدام المسلّح متجاوزةً مبدأ السيادة التقليدي . وهكذا لم تعُدْ قضية حقوق الإنسان وحرياته، المنصوص عليها في المواثيق والاتفاقيات الدولية، قضية داخلية تحجِمُ الدول والحكومات والمنظمات الدولية عن التدخل فيها، فقد أصبحت ضمن التطور الدولي الراهن جزءًا لا يتجزأ من المبادىء الآمرة، الملزمة، وضمن الاتفاقيات الشارعة (الاشتراعية)، أي المنشئة لقواعد جديدة في القانون الدولي المعاصر، وهو ماذهب إليه مؤتمر فيّينا حول حقوق الانسان الذي انعقد في يونيو/ حزيران 1993 .

باحث ومفكر عربي   

1063
مركز باحث للدراسات


بيروت –لبنان
10/12/2009

محاكمة اسرائيل بين القانون والسياسة


الدكتور عبد الحسين شعبان *

ــــــــــــــ
مفكر وباحث عراقي في القضايا الستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الانسان، والقانون الدولي  له مؤلفات عديدة .
مدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الانساني .

عوضاً عن المقدمة!
مع عملية الرصاص المسكوب  أو "المنصهر" و" الثأر المبرر"(1) التي أطلقتها اسرائيل على حربها المفتوحة، تدفق الدم على جنبات الأسفلت في قطاع غزة، وتوشّحت بالموت مدينة فلسطينية جديدة مثلما حدث لمدن أخرى، وتدحرجت رؤوس الأطفال في الطرقات والملاعب والمدارس، وقفز السؤال مجدداً، خارج إطار الصراعات السياسية الفلسطينية والخلافات العربية والمشاريع والشعارات... هل هناك أمل هذه المرة في مقاضاة المرتكبين، لاسيما وأن حجم التضامن العالمي ارتفعت وتائره الى حدود كبيرة، والعالم كلّه شاهد ما ارتكب من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين؟ ولكن ما السبيل الى ذلك وكيف يمكن جلب المتهمين الى قفص الاتهام امتثالاً لمعايير وقيم العدالة وحكم القانون الدولي؟ ثم هل اقترب الحلم من الواقع أم ثمت عقبات جدية تحول دون ذلك؟ وكيف يمكن تذليل بعض الصعوبات العملية والموانع الدولية لمقاربة العدالة؟ وبالتالي كيف يمكن بحث جدلية السياسي بالقانوني؟
لعل ذلك كان استعادةً لم تغادرني، لاسيما منذ أكثر من ربع قرن من الزمان حين تكدّست في ذاكرتي ما ارتكبه الصهاينة في لبنان خلال الاجتياح الاسرائيلي العام 1982، خصوصاً ما حصل في صبرا وشاتيلا، حيث تم الانتقام من الفلسطينيين في مجزرة رهيبة راح ضحيتها نحو ألف مدني في ليلة قاسية ومرعبة 17-18 ايلول (سبتمبر) 1982، قتلوا بدم بارد، وهو ما ذكّرنا بمجازر دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل والمجازر في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وصبرا وشاتيلا، إضافة الى قصف المفاعل النووي العراقي وقصف مقرّات منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وغيرها(2).
واشتغل العقل بعد المحنة عسى أن نرتقي بمساءلة حقيقية لما حدث لا على المستوى السياسي حسب، بل على المستوى القانوني، الأمر الذي تطلّب جمع وتنسيق وتصنيف الجرائم المرتكبة، تمهيداً لتقديم المهتمين بالارتكاب الى القضاء الدولي لادانتهم كجناة يستحقون العقاب. ولم يكن الأمر مجرد رغبة فردية، لكن المبادرة اتخذت هذا الطابع، الذي كان وما يزال يحتاج الى جهد جماعي وطاقات متنوّعة ومبدعة حقوقية ودبلوماسية وقانونية واعلامية، حكومية وغير حكومية، فضلاً عن ارادة سياسية ضرورية.
   وظلّت عقبات كثيرة تعترض العقل القانوني، سواءً على الصعيد السياسي أو الواقعي، لاسيما توازن القوى على المستوى الدولي ودرجة الاستعداد الكافية لخوض مغامرة من هذا العيار، يضاف الى ذلك عدم إيلاء مؤسسات المجتمع المدني ما تستحقه في الحشد والتعبئة، وبالتالي في تكوين رأي عام مساند للفكرة، فحتى الآن لم تُدرس مسألة ملاحقة شارون عندما كان ينوي زيارة بروكسل، والحلقة المفقودة التي حاول بعض شخصيات المجتمع العربي استثمارها، طالما هناك تقاعساً أو نكوصاً رسمياً أو حسابات خاصة تحول دون ملاحقة المرتكبين لتقديمهم الى القضاء الدولي، خصوصاً وأن مبدأ العقوبة فردية، ولكن ذلك ضمناً سيعني تحميل اسرائيل " أدبياً " المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية عن كل ما حصل وما يحصل في الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، لاسيما بحق السكان المدنيين الابرياء والعزّل.
وإذا كان البحث العلمي يستوجب عرض الحقائق والمعطيات الواقعية في الظرف الملموس، لكنه في الوقت نفسه وإن عاكسته الظروف والتوازنات السياسية، فإنه سيستشرف آفاق المسقبل، وإذا اعتبر البعض أن محاكمة اسرائيل أو المرتكبين باسمها حلماً بعيد المنال، فإن محاكمة مجرمي الحرب النازيين والقيادات العسكرية التي تسبّبت في الحروب والويلات في الحرب العالمية الثانية كانت هي  الأخرى، حلماً أيضاً لم يتحقق الاّ بعد هزيمة المعسكر النازي- الفاشي!
ان مشروع " المحاكمة " هو عمل تحضيري لسيناريو قادم سيكون ضرورياً لرؤية المستقبل بكل تضاريسه وتشابكه، وإذا كان الحديث عن الشجر حسب الشاعر والمسرحي الالماني بريخت يعتبر " جناية"، لأنه ينبغي السكوت عن جرائم كثيرة، لهذا السبب يحق للباحث العلمي أن يحلم أيضاً، وكان الروائي الروسي مكسيم غوركي قد وصف أحد كبار القادة الثوريين في العالم، بأن نصف عقله يعيش في المستقبل، أي أن نصف تفكيره كان يسكن في الحلم، ولا يمكن لأي باحث الاّ أن يفكر بالمستقبل، والمستقبل يعني فيما يعنيه الحلم بالتغيير، والحلم هو جزء من اليوتوبيا كما نقول في الفلسفة، ولعل في كل فلسفة حلماً والاّ ستصبح يباباً...، إذاً دعونا نحلم، ولعلنا في ذلك نبحث عن الحقيقة، وعن المثل والحب والمساواة والحرية، وكان اينشتاين قد قال : المُثل التي أنارت طريقي ومنحتني المرّة بعد المرة الشجاعة لمواجهة الحياة، هي الحب والجمال والحقيقة.
قبل ربع قرن كنت حالماً أيضاً، ولعلي ما زلت ازداد توغلاً في أحلامي، فالحلم وحده هو الذي يمنحنا هذه القدرة العجيبة على التواصل، رغم كلِّ ما حصل ويحصل لنا، على المستوى العام والخاص، لكن قدرتنا على الحلم تعطينا نوعاً من الأصرار على المواصلة وثقة واطمئناناً لمواجهة التحديات ولرؤية أحلامنا وهي تتجدد على أرض الواقع، رغم أن كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، لكن التشاؤم لا يعني اليأس، انه يعني الاعتراف بأن التغيير ضرورة لا مفرّ منها!!
كان حلمي يتجسد في تقديم سيناريو لمحكمة القدس الدولية العليا(3)، الصورة التي كنت أراها تكبرُ كلّما توغلت اسرائيل في مشروعها العدواني- الاستيطاني الاستئصالي، الالغائي، الاحلالي. ولم تشفع الاتفاقات الفلسطينية -الاسرائيلية التي عُرفت بـ "مدريد – أوسلو" ( 1991-1993) بتخفيض سقف الحلم، بل زادته اتقاداً ويقيناً وأملاً، فكلّما اقترفت اسرائيل المزيد من الارتكابات والجرائم، كان الحلم يقترب من الواقع ويسير حثيثاً باتجاهه.
ان العدوان على غزة العام 2008-2009 وقبله العدوان على لبنان العام العام 2006، يجعل أمر ملاحقة الجناة قضائياً مشروعاً قائماً بل راهنياً وحتى البلدان العربية التي وقّعت على اتفاقيات سلام مع اسرائيل، لا ينبغي أن تصاب بالخدر، بل عليها أن تتحلى بالمزيد من اليقظة لمواجهة الاحتمالات والتحديات المختلفة، لاسيما ما تبيّته اسرائيل ازاءها وما تحضّره من عدوان عليها، خصوصاً وأن اسرائيل بؤرة للتوتر ومشروع حرب دائمة في المنطقة، الأمر الذي يتطلب تهيئة المستلزمات الضرورية للشروع بملاحقة المتهمين الاسرائيليين، ولا بدّ من الاعداد الجيد للشروع به وجعله ممكناً، من خلال دراسة الواقع السياسي والقانوني الدولي، ومن خلال بعض المستلزمات والمعطيات المتوفرة، على أمل تطويرها، الأمر الذي يتطلب معرفة دقيقة وآليات مناسبة وكفاءات قانونية ضرورية وخطة محكمة تأخذ بنظر الاعتبار الممكنات في الظرف الملموس من خلال الوثائق القانونية الدولية، لا أن نسقط الرغبات على الواقع بإرادوية مفترضة!(4)

القانون الدولي الانساني وتصنيف الجرائم
يمكن تصنيف الجرائم الخطيرة والجسيمة حسب اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها العام 1977 الى 22 جريمة، منها:
13 جريمة ورد ذكرها في المادتين 50 و53 من الاتفاقية الأولى والمادتين 44 و51 من الاتفاقية الثانية والمادة 130 من الاتفاقية الثالثة والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة.
و9 جرائم وردت في البروتوكولين الملحقين، حيث تضمن البروتوكول الاول المادتين 51 و85 اعتبارها " انتهاكات جسيمة".
وقد اعتبرت هذه الجرائم الخطيرة والجسيمة بمثابة " جرائم حرب" التي هي جرائم ضد قوانين وعادات الحرب وتدخل فيها:
الجرائم ضد السلام.
جرائم الحرب.
الجرائم ضد الانسانية.
التآمر لارتكاب احدى هذه الجرائم(5).

وأوجبت اتفاقيات جنيف الاربعة وملاحقها، على الدول الموّقعة أن تعدل تشريعاتها لمعاقبة مرتكبي هذه الافعال.
ويمكن تعداد هذه الجرائم وفقا للتصنيف المذكور (6)
القتل العمد.
التعذيب.
التجارب البيولوجية التي تُجري على الأسرى.
إحداث الآم كبرى مقصودة.
إيذاء خطير ضد سلامة الجسد والصحة.
المعاملة غير الانسانية (الحاطّة بالكرامة).
تخريب المنشآت والممتلكات والاستيلاء عليها لأسباب لا تبررها الضرورات العسكرية.
إكراه الأشخاص على الخدمة في القوات المسلحة لدولة تعتبر عدواً لبلادهم.
حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية عادلة وفقاً للمعاهدات الدولية.
ترحيل أشخاص بصورة غير مشروعة.
الاعتقال غير المشروع (التعسفي).
أخذ الرهائن.
سوء استعمال علم الصليب الأحمر وإشاراته أو الاعلام المماثلة.
جعل السكان المدنيين هدفاً للهجوم.
الهجوم العشوائي ضد السكان المدنيين والأعيان المدنية.
الهجوم ضد المرافق والمنشآت الهندسية التي تحتوي على مواد خطرة.
الهجوم ضد مناطق منزوعة السلاح أو مجردة من وسائل الدفاع.
الهجوم ضد أشخاص عاجزين عن القتال.
نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال الى الاراضي المحتلة، أو نقل سكان الاراضي المحتلة الى مناطق أخرى (حالات الاستيطان والترحيل نموذجا).
التأخير في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين الى بلدانهم.
ممارسة التمييز العنصري (الابرتايد).
الهجوم على الاثار التاريخية وأماكن العبادة والصروح الثقافية وكل ما له علاقة بالتراث الثقافي والروحي للشعوب.

حيثيات العدوان والجرائم الدولية!
خلال حرب الـ 22 يوماً ضد غزة  التي بدأت في 27 كانون الاول (ديسمبر) 2008 قامت اسرائيل بشن 2500 غارة عسكرية ضد المدنيين وإلقاء ما يزيد عن ألف طن من المتفجرات عن طريق البحر فقط، واستهدفت المدنيين بشكل عشوائي كما تعمّدت استهداف الملاجئ والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمنشآت المدنية وتدمير البنية التحتية واستخدام الاسلحة المحرّمة دولياً، تلك التي عُرفت باسم " القنابل الفسفورية".
ولعل التصريحات الاسرائيلية الصريحة والضمنية الصادرة عن المسؤولين المتعلقة بنيّة اسرائيل في القضاء على "حماس" واستئصالها كهدف رئيسي للعدوان، ليست سوى الشروع عملياً بحرب إبادة وهي تعني: ارتكاب أي  فعل بنيّة إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية اهلاكاً كلياً أو جزئياً.
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم  المتحدة قراراً بتاريخ 9/9/1946 بشأن إبادة الجنس البشري، اعتبرت بموجبه كل عمل من شأنه أن يؤدي الى الابادة جريمة دولية موجهة ضد الانسانية، وهو ما اخذ به نظام محكمة نورمبرغ وأحكامها، كما وافقت الجمعية العامة على اتفاقية لتحريم ابادة الجنس البشري، تلك التي يمكن أن تحدث بصور مختلفة، كالتآمر الذي يرمي الى القضاء على جماعات وطنية، بسبب خصائص جنسية أو دينية أو لغوية أو ما شابه ذلك، وهو ما اعتمدته المحكمة الجنائية الدولية  التي تأسست في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ العام 2002 أيضاً.
ان القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الانساني يعتبر تلك الأعمال جرائم خطيرة سواءً ارتُكبَتْ في زمن الحرب أو زمن السلم، وقد نصّت المادة الأولى من اتفاقية تحريم ابادة الجنس البشري العام 1954 على تعهد الدول بالامتناع عن القيام بها  ومعاقبة مرتكبيها.
ولعل القتل الجماعي الذي تعرّض له السكان المدنيون في غزة يعدّ جريمة دولية، وهو ما اعتادت اسرائيل على ممارسته بمبررات ردود الفعل إزاء أعمال المقاومة، وتحت باب الدفاع عن النفس، وهو ما بررته في عملية الرصاص المنصهر أو المسكوب، والثأر المبرر عندما اجتاحت قطاع غزة بآلة عسكرية ضخمة بعد حصار شامل لبضعة أشهر، وقبلها تطويق وحصار جزئي دام أكثر من عامين ونصف.
والابادة الجماعية وفقاً للاتفاقيات الدولية ابتداءً من الاتفاقية الدولية بخصوص منع التمييز بسبب الدين أو الجنس أو اتفاقية منع ابادة الجنس البشري في العام 1954 أو اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما العام 1998، تعني: الأعمال التي تُرتكب على أساس إبادة جماعة سلالية أو عرقية أو دينية، إبادة تامة أو جزئية، كالقتل وإلحاق الأضرار الجسدية أو النفسية وإحداث خلل عقلي أو الاخصاء أو اغتصاب الاطفال ونقلهم الى جماعات سلالية أو عرقية أخرى. ولعل التصريحات الاسرائيلية التي سبقت وهيأت لعملية اجتياح غزة استهدفت القضاء على السكان الفلسطينيين كجماعة تاريخية وسلالية بحجة اجتثاث " حماس".
أما جرائم الحرب بموجب القانون الدولي الانساني وهي النوع الثاني من الجرائم  حسب تصنيف المحكمة الجنائية الدولية، فقد ارتكبت اسرائيل على نحو صارخ مختلف أصناف الجرائم الحربية، ولعل أكثر من سبعة آلاف ضحية بينهم 1232 شهيداً تؤكد ذلك وجلّهم من المدنيين. وقبل ذلك قامت بفرض الحصار ضد سكان غزة ومنعت عنهم الدواء والغذاء، وهو الأمر الذي استمر خلال فترة الحرب.
يعرّف القانون الدولي الجنائي، جرائم الحرب: بأنها الأفعال المخالفة لقوانين الحرب وأعرافها، التي يرتكبها الجنود أو الأفراد غير المحاربين التابعين لدولة العدو، كما جاء في مشروع الامم المتحدة الخاص بتقنين الجرائم التي تقع ضد سلم وأمن البشرية، وتناولت المادة الثانية عشرة الفقرة12، جرائم الحرب بالتأكيد على " أن الأفعال المرتكبة إخلالاً بقوانين الحرب وأعرافها، تكون جرائم خاضعة لهذا التقنين." (7)
ويمكن فيما يلي إدراج بعض الجرائم التي ارتكبها الصهاينة والتي تعتبر منافية لقوانين الحرب وأعرافها بشكل سافر، والتي تستحق العقاب.
استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، لا سيما القنابل الفسفورية.
الاعتداءات التي ترتكب بطريقة الغدر، حيث تتعارض تلك الأفعال مع اتفاقيات لاهاي وجنيف وملحقيها، اللتان حرمتا مثل تلك الأفعال. كما تحرّم الاتفاقيات الدولية، القتال أثناء وقف اطلاق النار وخلال فترات الهدنة، وهو ما لم تلتزم به اسرائيل في كل حروبها ضد البلدان العربية، ومنها حربها ضد غزة حيث واصلت عدوانها رغم قرار مجلس الأمن رقم 1860 العام 2009 القاضي بوقف القتال، وقرارها المنفرد بوقف اطلاق النار، الذي استمرت هي بخرقه رغم اعلانها، الأمر الذي يعتبر من باب الغدر الذي يعاقب عليه القانون الدولي الانساني.
الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين والمقاتلين الذين أصبحوا في حالة عجز تمنعهم من مواصلة القتال، وقد ارتكبت اسرائيل أعمالاً بربرية منافية لقواعد وقوانين الحرب بهذا الشأن منها:
مهاجمة المدنيين لاسيما الشيوخ والنساء والأطفال وقصف المنازل والمدارس والجوامع والكنائس ورياض الأطفال ومقرّات المنظمات الدولية والانسانية.
مهاجمة الأماكن غير المدافع عنها.
ج- ضرب الأماكن، التي تتمتع بحماية خاصة كالمستشفيات والمرافق الأثرية والمتاحف والأماكن المقدسة والمراكز الاعلامية وغيرها.
   4-    قتل الرهائن، حيث تنصُّ معظم القوانين العسكرية لمختلف الدول على تحريم قتل الرهائن، كما نصت اتفاقية الصليب الأحمر لسنة 1929 على تحريم كل فعل من أفعال القصاص ضد أسرى الحرب، واعتبرت محكمة نورمبرغ، قتل الرهائن جريمة من جرائم الحرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت اسرائيل بجريمة قتل 250 رهينة في مذبحة دير ياسين و49 رهينة في مذبحة كفر قاسم ومئات من الأسرى المصريين في سيناء العام 1956 وفي العام 1967 ونحو 1000 انسان في مجازر صبرا وشاتيلا، ويعتبر قطاع غزة بكامله وجميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة "رهينة" وسكانها بمثابة " رهائن"، حيث تستوجب القوانين الدولية، لاسيما قوانين الحرب والاحتلال حمايتهم والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، طبقاً لاتفاقيات جنيف العام 1949 وقواعد القانون الدولي الانساني.
   5-    سوء معاملة أسرى الحرب، حيث تحرّم الاتفاقيات الدولية، وبخاصة اتفاقية لاهاي العام 1907 واتفاقية جنيف العام 1906 والعام 1949 وكذلك البروتوكولين الملحقان بها العام 1977، المعاملة القاسية لأسرى الحرب . وتؤكد تلك الاتفاقيات على تحريم أي اعتداء يقع على شخصهم وشرفهم وأموالهم. كما تحرّم قتلهم وتعذيبهم أو حجزهم في أماكن غير صحية أو تشغيلهم في أعمال شاقة. ولعل هناك أمثلة كثيرة على هذا الصعيد، أهمها اختطاف رئيس البرلمان الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك وعدد كبير من النواب والوزراء في حكومة غزة.
ان الشهادات التي قدمها المواطنون العرب الفلسطينيون واللبنانيون، أصبحت معروفة للرأي العام العالمي، لما فعله الاحتلال الاسرائيلي بحق السكان المدنيين أو الذين جرى اقتيادهم كأسرى وما تركه التعامل المخالف لقواعد القانون الدولي الانساني من نتائج وآثار لاانسانية عليهم.
6- سوء معاملة الجرحى والمرضى، فقد تضمنت الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949، موضوع تقديم حماية خاصة للجرحى والمرضى والمنكوبين بسبب الحرب، ولكن اسرائيل خلافاً لكل تلك الاتفاقيات، كانت تعامل الجرحى والمرضى بشكل مزرٍ، وفي أحيان كثيرة تقوم بتصفيتهم والتخلص منهم أو عدم تقديم الدواء اللازم لهم وجعلهم عرضة للهلاك، وهو ما كان صارخاً في عدوانها على غزة، خصوصاً وهي تعرف ماذا يعني اغلاق المعابر واقفال الحدود، الذي يعني موتاً بطيئاً وجماعياً، خصوصاً بقصف المستشفيات والمراكز الصحية.
أما الجرائم ضد الانسانية فهي الصنف الثالث من الجرائم حسب نظام روما، إذ لا يمكن قبول مزاعم اسرائيل بشأن مسألة الدفاع عن النفس حسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تلك التي لا تنطبق عليها بتاتاً.
تعتبر جرائم الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية أو ما شابهها، جرائم موجهة ضد الانسانية. وقد اعتبرت هذه الجرائم دولية أيضاً.
أما عمليات العقاب الجماعي Collective punishment لأسباب عنصرية وعرقية فهي سياسة مميزة على امتداد الدولة العبرية سواءً بحق المواطنين العرب الفلسطينيين أو سكان الاراضي العربية المحتلة. وهو ما ظهر على نحو جلي في العدوان على غزة والعمل على معاقبة السكان المدنيين على نحو جماعي بحجة صواريخ حماس والمقاومة ضدها.
العقاب الجماعي يعني إنزال عقوبة على مجموعة من السكان الأبرياء بالرغم من علم السلطات الحاكمة أو المحتلة، ببراءة هؤلاء السكان، ولكن انتقاماً لحادث ما ضد السلطة الحاكمة أو المحتلة، قام به فرد أو بضعة أفراد سواءً لمقاومة تلك السلطة أو التصدي لقوات الاحتلال!
أما الارهاب الجماعي    Collective Terror فإن السلطات الاسرائيلية تمارسه على أوسع نطاق . فتقوم بأعمال تهديد جماعية وحملات تفتيش عشوائية لارهاب المواطنين واخراج الناس من منازلهم وسوقهم الى الساحات العامة وتعريضهم لقسوة الطبيعة وممارسة عمليات انتقام جماعية بحقهم كالتجويع، خصوصاً بفرض الحصار وقد حدث ذلك أيضاً في أثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان ومحاصرة مدينة بيروت وقطع التيار الكهربائي والمياه عنها وكذلك محاصرة المخيمات وتحويلها الى ما يشبه معسكرات الاعتقال، وهو ما حصل في غزة التي ارتدت ثوب الظلام وعانت من انقطاع التيار الكهربائي وشحة الغذاء والدواء والمياه.
ان القانون الدولي الذي يحرم اعمال الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب عنصرية أو دينية أو سياسية، فإنما يستهدف حماية شخص الانسان وصيانة القيمة والمُثل العليا والمبادئ الانسانية العامة، وهو ما ذهب اليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان العام 1948، واتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 وملحقيها العام 1977 وما أكدّه ميثاق هيئة الامم المتحدة.
أما الصنف الرابع من الجرائم فهو يتعلق بجريمة العدوان ذاتها وخرق قواعد القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وتهديد السلم والأمن الدوليين.(8)


اسرائيل والدفاع عن النفس !!
أشرنا الى ما تناولته المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ بشأن تعريف الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين. ولا بد هنا من التصدي لمزاعم وادعاءات " اسرائيل"  بشأن " الدفاع عن النفس" مثلما تبرر الدعاية الصهيونية الديماغوجية، فحجة الدفاع عن النفس التي تتعكز عليها الصهيونية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) مردودة من الاساس، لأنها لا يمكن أن تنطبق على دولة قامت أساساً على العدوان والاغتصاب مشردة شعباً بالقوة من أراضيه ومخالفة حتى تعهداتها باحترام ميثاق الامم المتحدة، التي كانت وراء تأسيسها لاسيما بصدور القرار رقم 181 العام 1947 الخاص بالتقسيم، والذي قامت اسرائيل بخرقه والتجاوز عليه، وكذلك القرار رقم 194 العام 1948 الخاص بحق العودة، ناهيكم عن قرارات مجلس الأمن رقم 242 العام 1967 والقرار رقم 338 العام 1973 بخصوص الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة. فأي قانون دولي ذلك الذي يبيح (تحت هذه الحجة الواهية) القيام بأعمال بربرية وممارسة جرائم وحشية؟
وتذهب المادة الثانية، الفقرة الأولى، من مشروع قانون الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية لتحرّم مثل تلك الأعمال وتعدّها بشكل صريح من قبيل الحروب العدوانية. وتقاضي اتفاقيات جنيف مجرمي الحرب ومشعلي نيرانها، باعتبارهم متسببين في إثارتها.
ان القانون الدولي المعاصر، منذ ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس العام 1928) أدان الحروب العدوانية، باعتبارها تشكّل جريمة بحق السلم والأمن الدوليين، وعليه فإن الجرائم التي سبّبها الجناة الاسرائيليون، الذين يتقلدون مناصب سياسية رفيعة (عسكرية ومدنية) أو مراكز هامة في الحياة المالية والصناعية أو الاقتصادية، يعدّون مجرمين بحق السلم والأمن الدوليين، وعلى هذا يُعتبر من مجرمي الحرب الكبار رؤوساء الدولة العبرية ورؤوساء الوزراء المتعاقبين وجميع الوزراء وكبار قادة الجيش، الذين رسموا خطط الغزو والاحتلال والاجتياح وقاموا بإشعال الحروب وممارسة العدوان.
ان " اسرائيل" ما تزال تتشبث بقواعد القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز الحق في الحرب، حيث كانت الحرب " عملاً مشروعاً دائماً، ينطلق من حق الدولة أن تأتيه، كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك" واسرائيل ظلت تتمسك باعتبار الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب اقليمية وأساساً لتعديل النظام القانوني الدولي ولفض المنازعات الدولية وهو ما يناقض صراحة التطور الذي حصل في القانون الدولي، حيث فتح مبدأ تحريم الحرب العدوانية ( منذ ميثاق بريان كيلوك) المجال امام استقرار مبدأ جديد في العلاقات الدولية، يقوم على أساس حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولم تعد الحرب وسيلة صالحة تتوسل بها الدولة لتنفيذ سياستها القومية، وتحقيق أغراضها وأن لها ما يبررها. ولا يقيّد اللجوء اليها أي اعتبار خارج مصالحها الخاصة، لكن القانون الدولي تطور كثيراً فبدلاً من اعتبار الحرب حقاً مشروعاً أصبحت الحرب محرّمة وتشكل جريمة دولية، فلم يعد القانون الدولي "أداة لتسود به أوروبا على شعوب آسيا وأفريقيا " كما لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقات بين " الدول المتحضرة" أو بلدان " العالم المسيحي" كما كان قبل الحرب العالمية الاولى(9).
وقد شهد التطور اللاحق للقانون الدولي المعاصر، وخصوصاً في ميثاق الامم المتحدة وقرارات الجمعية العامة أهمية مبدأ تحريم الحرب العدوانية، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وجرى التأكيد على عدم الاعتراف بالنتائج التي يتمخّض عنها، الاستخدام غير الشرعي للقوة، وبخاصة بالنسبة لاحتلال أراضي الغير، كما تم تحميل المسؤوليات الجنائية للأفراد والحكام المسؤولين عن الجرائم التي يقترفونها بحق السلم والأمن الدوليين وبحق الانسانية.
ان ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعاصرة، لا يمكنها تبرير عدوان اسرائيل أو تدعيم وجهة نظر الفقهاء والمنظرّين الحقوقيين الاسرائيليين، الذين حاولوا أن يجدوا غطاءً قانونياً لاسرائيل بحجة الدفاع عن النفس.
فبموجب القانون الدولي المعاصر يمكن استخدام القوة بشكل شرعي وفقاً للحالات التالية:
حالة الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية، وهو ما حاولت اسرائيل أن تضلل الرأي العام العالمي، باستمرار تحت هذه الحجة. فماذا يقول ميثاق الامم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية؟ وهل يمكن لاسرائيل أن تستند في دعاواها الى تلك القواعد كيما تبرر عدوانها؟
ان الاجراءات الوقائية لا يمكن استخدامها الاّ من جانب مجلس الامن الدولي، حيث تؤكد المادة التاسعة والثلاثون : ان مجلس الأمن هو الذي يحدد وجود أي تهديد للسلام وأي خرق له أو أي عمل عدواني وبالتالي فهو يوصي أو يقرر اتخاذ تدابير من شأنها صيانة السلام واعادته عند خرقه وفقاً للمادتين 41 و42. وقد حاولت الولايات المتحدة بغزوها لأفغانستان 2002 واحتلالها للعراق 2003 تبرير ذلك بحجة الدفاع عن النفس إزاء انتهاك وشيك الوقوع، الأمر الذي سوّغ لها ما أسمته بالحرب الاستباقية والوقائية، التي لا سند لها في القانون الدولي.
أما بصدد الدفاع عن النفس، فإن المادة 51 من الميثاق تنص على أنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة أو تعرّضت لعدوان مسلح، وذلك لحين أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
وتضيف المادة المذكورة، أن الاجراءات المتخذة في إطار الدفاع عن النفس تبلّغ فوراً الى مجلس الأمن على أن لا تؤثر على سلطة المجلس وواجبه في التحرك في كل وقت وبموجب احكام الميثاق وبالطريقة التي يرتئيها مناسبة.
وهكذا يتضح ان المادة التي تتذرع اسرائيل بها لا تنطبق على الأعمال العدوانية التي قامت بها منذ تأسيسها، فهي لم تكن عرضة للعدوان في يوم من الايام لكي تدافع عن نفسها، كما أن أعمالها لم تكن ردًّا على عدوان أو هجوم مسلح، فضلاً عن أنها لم تبلّغ مجلس الأمن، ولا في أي مرة بالاجراءات التي تنوي اتخاذها، بل كانت تقوم بأعمالها " الغادرة" بصورة مباغتة، وبهذه الطريقة دمّرت المفاعل النووي العراقي وضربت مقر م.ت.ف في تونس وتنزل طائراتها حمولاتها على رؤوس السكان العرب في غزة.

بتخويل من الجهاز الخاص للأمم المتحدة مثلما يعرض الفصلان السابع والثامن من الميثاق، أو استخدام القوة ضد دول المحور (المادة 107 من الميثاق) وهذه الحالة هي الأخرى لا تنطبق على عدوان اسرائيل المتكرر على الشعوب العربية ولا تدعم  وجهة نظرها أو تبرر غدرها.
النضال من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير، حسبما تقرره مبادئ الميثاق وتعريف العدوان والاعلان عن تصفية الاستعمار وغيرها من قرارات الجمعية العامة والوثائق الدولية الأخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير وتكييف العدوان الاسرائيلي، بموجب هذا البند، فليست معركة اسرائيل من أجل التحرر الوطني أو حق تقرير المصير، بل من أجل التوسع والالحاق والضم والاغتصاب، وكجزء من الستراتيجية الامبريايلة- الصهيونية في المنطقة(10).
يمكن القول أن الجرائم الاسرائيلية مكتملة مادياً ومعنوياً بالأدلة والاسانيد والقرائن والشهود والصوت والصورة، وأركان الجريمة محددة وواضحة، الأمر الذي يتطلب تحريك اجراءات رفع دعاوى ضد المسؤولين الاسرائيليين، وهو ما يدعو الدول الاعضاء في نظام روما وبدعم عربي لرفع دعوى ضد القيادات الاسرائيلية المسؤولة.
أما أهم شهود الواقع والاثبات هو الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي صرّح بعد زيارته الميدانية الى غزة في 20 كانون الثاني (يناير) 2009 بأن الجيش الاسرائيلي قد أفرط في استخدام القوة والقنابل الفسفورية.
ولعل شهادة أطباء وخبراء منظمة الأنروا الدولية مهمة جداً، فقد كان هؤلاء الأطباء والعاملون في الاونروا على قناعة تامة بأن اسرائيل استعملت فعلاً قنابل الدمار الشامل ضد السكان المدنيين العزّل، وهو من المحرّمات في قوانين الحرب والقانون الدولي الانساني. ويمكن إضافة ما صرحت به منظمة " أطباء  بلا حدود"  ومنظمة العفو الدولية وهما منظمتان دوليتان محايدتان حول ارتكاب اسرائيل أعمالاً منافية للقانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف، لاسيما بحق السكان المدنيين واستخدامها للقنابل الفسفورية المحرّمة دولياً.

وثائق التجريم
أما أهم الوثائق الدولية(11) التي يمكن بموجبها إحالة اسرائيل الى القضاء الدولي فهي:
ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 الذي أدان الحرب العدوانية.
ميثاق الامم المتحدة المبرم في سان فرانسيسكو  العام 1945.
اتفاقية لندن العام 1945 لمحاكمة مجرمي الحرب.
نظام محكمة نورمبرغ العسكرية العام 1946 .
أحكام محكمتي نورمبرغ وطوكيو.
اتفاقية الامم المتحدة لتحريم الاضطهاد بسبب الدين أو الجنس.
الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948.
العهدان الدوليان: الاول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران العام 1966، واللذان دخلا حيز التنفيذ العام 1976.(وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة ومثبتتان لها).
اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولان الملحقان بها العام 1977 (الاول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية).
اتفاقية الامم المتحدة بشأن إبادة الجنس البشري العام 1954.
مشروع التقنين الخاص بالجرائم المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين (اعداد اللجنة القانونية التابعة للامم المتحدة).
اتفاقيات لاهاي العام 1899 والعام 1907.
اعلان الامم المتحدة حول علاقات الصداقة والتعاون في ضوء ميثاق الامم المتحدة الصادر في 24/10/1970 (المعروف باعلان التعايش السلمي وقواعد القانون الدولي).
قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص، بتعريف العدوان في القانون الدولي العام 1974.
قرارات الامم المتحدة بخصوص مدينة القدس (قرار مجلس الامن العام 1980 برفض ضم القدس من جانب الكنيست الاسرائيلي).
الاعلان العالمي لتصفية الاستعمار ومنح الشعوب المُستعمَرة والتابعة استقلالها وحقها في تقرير مصيرها الصادر العام 1960.
مقررات مؤتمر هلسنكي العام 1975 للامن والتعاون الاوروبي والتي أدخلت مبادئ أساسية جديدة في العلاقات الدولية باعتبارها مبادئ مستقلة وهي :
 1- احترام حرمة الحدود وعدم جواز خرقها.
2-   احترام وحدة الاراضي والاستقلال السياسي للدول .
3-   احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية.
قرار مجلس الأمن رقم 242 العام 1967.
قرار مجلس الامن رقم 338 العام 1973 .
قرار الامم المتحدة بشأن ضم اسرائيل مرتفعات الجولان السورية العام 1981.
القرارات الدولية لمكافحة الارهاب وهي : 1368 و 1378 و1390 والتي صدرت على التوالي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية، في 12 و28 أيلول (سبتمبر) 2001 و 16 كانون الثاني (يناير) 2002.
قرار مؤتمر ديربن المنعقد في أواخر آب (اغسطس) ، أوائل أيلول (سبتمبر) العام 2001، الذي دمغ الصهيونية وممارسات اسرائيل بالعنصرية.
تقرير بوستروم حول الاتجار بالأعضاء البشرية.
تقرير غولدستون حول انتهاكات اسرائيل للقانون الدولي الانساني.
 
وفي ضوء هذه الوثائق يمكن تكييف التهم التي ارتكبتها اسرائيل في غزة وتجريمها باقتفاء أثر أحد الخيارات القانونية التي تم عرضها، واستناداً الى تصنيف الجرائم حيث يمكن اسناد التهم التالية لاسرائيل وقادتها من الذين رسموا خطط الغزو والتآمر ونفّذوا أعمال العدوان وأصدروا الاوامر للقيام بالمجازر الوحشية.
وهذه التهم هي:
الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين ( جريمة العدوان ).
جرائم الحرب.
الجرائم الموجهة ضد الانسانية .
 جرائم ابادة الجنس البشري.

وقد عرفت المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ العسكرية الجرائم ضد السلم العالمي بأنها(12):
تدبير أو تحضير أو اثارة أو متابعة حرب عدوانية.
تدبير أو تحضير أو إثارة حرب خرقاً للمعاهدات والالتزامات الدولية.
الاشتراك في خطة مدبرة أو تآمر لارتكاب أحد الاشكال السابقة.

ولعل هذه الاعمال جميعها تنطبق على ممارسات اسرائيل في السابق والحاضر، لاسيما في غزة، الامر الذي يقتضي جهداً جماعياً لملاحقتها، وهو ما حدا بالباحث الى تصور قيام (محكمة القدس الدولية العليا)، وإذا كان ذلك حلماً فدعونا نحلم مرة أخرى في البحث عن الحقيقة بل نغامر من أجلها.

خيارات الملاحقة القانونية والآليات المتاحة!!

بعد هذا العرض ما هو السبيل لتوجيه الاتهامات الى مرتكبي الجرائم في غزة، وهل يمكن تجريمَهم طبقاً للقانون الدولي الانساني؟
لعل هناك أكثر من خيار قانوني دولي يمكن اعتماده لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين، ولكن هذه الخيارات تعترضها عقبات سياسية بالدرجة الاساسية وعقبات قانونية أيضاً، ولعل ذلك يتمثل بمواقف الولايات المتحدة والقوى المتنفذة في نظام العلاقات الدولية التي حالت على مدى 60 عاماً من ملاحقة اسرائيل وتجريمها قضائياً بموجب أحكام القانون الدولي.
ومثل هذه المواقف استفحلت بتفرّد الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها على الامم المتحدة، خصوصاً عند انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى آخر، لاسيما بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وانحلال الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي مهّد لاعتبار الاسلام هو العدو الاول والخطر الأكبر بعد ظفر الليبرالية الجديدة من الهيمنة على العالم.
اما الخيارات المتاحة هي:
الخيار الاول: هو الطلب من الامم المتحدة انشاء محكمة خاصة مؤقتة على غرار محكمة يوغسلافيا ورواند وسيراليون وكمبوديا والمحكمة الدولية لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، التي هي محكمة خاصة لها طابع دولي. ولكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي: استخدام واشنطن حق الفيتو، وانحيازها لصالح اسرائيل، الأمر الذي يعرقل اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان عند التفكير باتخاذ خطوة جدية ناجحة.
الخيار الثاني  إحالة الأمر الى الجمعية العامة للامم المتحدة بانشاء محكمة خاصة من قبلها طبقاً لمبدأ " الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 377 في العام  1950 (بشأن كوريا). ورغم النزاع الفقهي بشأن  القرار المذكور، الاّ انه يعدّ إحدى السوابق التي يمكن اعتمادها  والبناء عليها، الأمر الذي يحتاج الى المزيد من الأنشطة لحشد وتعبئة الكثير من الطاقات للحصول على قرار يمكن بموجبه مقاضاة مرتكبي الجرائم.
ولكن هذا الخيار قد لا ينجح بالحصول على أغلبية في الامم المتحدة، وإن نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة من تمويل المحكمة، لاسيما وأن الولايات المتحدة متحكّمة بالتمويل، ومن المحتمل وهذا ما  هو متوقع أن تمتنع من تقديم التمويل اللازم للامم المتحدة بهذا الخصوص، الأمر الذي قد تنهار معه امكانية تحقيق هذا الخيار.
الخيار الثالث العمل على إحالة اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لاسيما بعد أن صدقت عليها أكثر من 100 دولة وهذا يتطلّب من الدول العربية الانضمام اليها والتصديق على ميثاقها بعد التوقيع عليه. ولعل نظام محكمة روما فيه بعض العقبات أيضاً.
ويمكن عرض أهم المبادئ الخمسة التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية لكي يتم أخذها بنظر الاعتبار عند التحرك باتجاه رفع دعوى ضد المرتكبين الصهاينة.
المبدأ الاول :   انها نظام قضائي دولي نشأ بارادة الدول الاطراف الموقعة     والمُنشئة للمحكمة.
المبدأ الثاني :   إن اختصاص المحكمة سيكون اختصاصا مستقبليا فقط، وليس في وارد حيثياته إعماله بأثر رجعي .
المبدأ الثالث :   ان اختصاص المحكمة " الدولي" سيكون مكملاً للاختصاص القضائي " الوطني"، أي ان الاولوية للاختصاص الوطني، ولكن المحكمة بامكانها ممارسة اختصاصاتها في حالتين، الاولى عند انهيار النظام القضائي والثانية عند رفضه او فشله من القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم.
المبدأ الرابع  :   اقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم هي: جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة الجنس البشري، حسبما حددته المادة الخامسة من النظام الاساسي لمحكمة روما.
المبدأ الخامس:   المسؤولية المُعاقب عليها هي المسؤولية الفردية (13).

وقد حددت اتفاقية روما أنه لا يجوز محاكمة هيئات أو دول، واقتصرت على محاكمة أفراد مسؤولين حتى وإن كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات (رؤساء وزراء) والمسؤولين الآخرين، بمن فيهم القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي يحتاج أن يتقدم أحد الأعضاء المصدّقين على الاتفاقية بطلب لرئيس المحكمة الجنائية يحدد من خلاله أسماء المتهمين، وحيث يمكن محاكمة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أيهود أولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني ووزير دفاعه ايهود باراك، إضافة الى شيمون بيريز وعدد من القيادات العسكرية العليا، ولعل من حق أحد " رعايا" الدولة المصدقة على الاتفاقية أن ترفع دعوى قضائية ضد المرتكبين، كما يمكن طلب إحالة المتهمين الى القضاء الدولي طبقاً لاتفاقية منع ابادة الجنس البشري التي يتم التوقيع عليها العام 1948.
وفي هذه الحالة يمكن محاكمة المتهمين في أي من الدول المعتدى عليها، ومع ان فلسطين ليست دولة في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي "تتذرع" به اسرائيل "قانونياً"، كما يذهب الى ذلك المنطق القانوني الاسرائيلي، وانها، كما تدّعي انسحبت من غزة منذ العام 2006، وإن اتفاقيات جنيف لا تنطبق على مثل هذه الحالات، لأنها تُعنى بالنزاعات بين الدول، لكن مثل هذا الأمر مردودٌ، خصوصاً وأن الاراضي العربية التي استولت عليها اسرائيل تعتبر محتلة منذ العام 1967، وهو ما أكدته القرارات الدولية، التي طالبتها بالانسحاب، لاسيما القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973، الأمر الذي تكون محاكمة المسؤولين الاسرائيليين بأسمائهم، من صلب قواعد العدالة والقضاء الدوليين، وهو ما تقف أمامه عواقب كثيرة في الوقت الحاضر بسبب اختلال توازن القوى.
ولئن ظل اختصاص المحكمة يشوبه الكثير من النقص تبعا للصراع السياسي بين الدول، فقد انقسمت هذه الى فريقين رئيسين، الاول أراد للمحكمة صلاحيات واسعة ودرجة عالية من الاستقلالية. والثاني أراد تقليص صلاحياتها بحيث تكون خاضعة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن ومبدأ أسبقية الدول على الافراد، الاّ أنها رغم كل شيء كانت ثمرة التطور في ميدان حقوق الانسان.
ان اتخاذ البلدان العربية والاسلامية مواقف موضوعية ازاء الانضمام والتصديق الى المحكمة ضرورة تُمليها عدم التغيّب عن مرجعية دولية مهمة بهذه الاهمية التاريخية والمستقبلية، وإذا كنّا نردّدُ كثيراً موضوع مقاضاة مرتكبي الجرائم، فإن واحداً من الآليات التي يمكن اعتمادها هو نظام محكمة روما، الأمر الذي يتطلب الانضمام اليه والتصديق عليه، وبالتالي رفع الشكاوى وتحريك الدعاوى ضد المرتكبين. وهذا الخيار معقدٌ أيضاً، وتكتنفه الكثير من الصعوبات والعراقيل القانونية والعملية، لاسيما أن اللجوء الى المحكمة أمر لا يسمح به الآّ إذا قام مجلس الأمن بإحالة هذه الجرائم الى المحكمة الجنائية الدولية، وهو غير ممكن حالياً ضمن الفيتو الامريكي، أو قناعة المدعي العام الذي يوجّه حاليا التهم الى الرئيس السوداني عمر البشير بخصوص الجرائم المرتكبة في دارفور، في حين يغضّ النظر عن جرائم اسرائيل.
الخيار الرابع هو الاختصاص العالمي، وسيكون من حق أية دولة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة العام 1949، محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الانسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، طبقاً لقوانين الدولة ذاتها. وقد قامت اسرائيل مؤخراً بتكليف محامين دفعت لهم أكثر من 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية، كما قامت من خلال ضغط امريكي لتعديل القانون البلجيكي. وهي تشن حالياً حملة ضد اسبانيا وتسعى لتغيير قوانينها، خصوصاً بعد قبولها دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين. وكانت وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة تسيبي ليفني قد صرّحت بأنها تجري اتصالات مع اسبانيا بهدف تعديل قوانينها للحؤول دون استخدامها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني في ملاحقة عدد من المسؤولين الاسرائيليين، ولعل المفارقة حين يلاحقها القضاء البريطاني اليوم بشأن مسؤوليتها في الحرب ضد غزة.
ولعل هذا يفسّر ضيق صدر اسرائيل وتبرّمها، وهي التي لا تكترث بالقانون الدولي كثيراً، حيث شنّت هجوماً ضد تقرير غولدستون وكذلك ضد تقرير بوستروم، لأنهما يعرّضا "مشروعية" وجودها للتساؤل المشروع، خصوصاً وأن هذين التقريرين يوجهان اتهامات صريحة الى قيامها بارتكاب حرب تستحق إحالة المرتكبين الى القضاء الدولي. ومثل هذا الهجوم يذكّر بحملتها المحمومة ضد كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة، بسبب اصدار الجمعية العامة قرارها رقم 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، وقد تمكّنت من إلغائه في 16 كانون الاول (ديسمبر) العام 1991 في سابقة دولية خطيرة، ولعل سبب حملتها تلك لأن القرار يتعلق بالادانة لصميم العقيدة الصهيونية.
 ورغم أن هذه إمكانية اللجوء الى الاختصاص العالمي ما تزال متوفرة حتى الآن حيث ان هناك عدداً من الدول تسمح قوانينها ونظامها القانوني بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومنها: كندا واسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، الاّ أن الأمر  لم يجرِ استثماره من جانب العرب على نحو مؤثر، فالحكومات لم تدخل هذا الباب بعد، أما المجتمع المدني فإمكاناته شحيحة وأهالي الضحايا بأوضاع صعبة ولا تسمح لهم اختيار هذا الطريق لتكاليفه الباهظة. ويتطلب الأمر أيضاً تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية، لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم، خصوصاً إذا مرّوا عبر أراضيها، إذ يتعين في هذه الحالة وجود تشريعات قانونية تسمح بتجريم ومحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم،وهذا هو الاساس الذي استندت اليه المحاكم البلجيكية في قبول النظر في الدعاوى التي أقيمت ضد شارون باعتباره المتهم الاساسي في جرائم صبرا وشاتيلا 17-18 أيلول/سبتمبر 1982، علماً بأن اسرائيل هي أول من لجأ الى استخدام هذا " الحق" رغم أنها قامت بمخالفة صريحة وسافرة لقواعد القانون الدولي، عند اختطاف ايخمان من الارجنتين العام 1960 وقامت بنقله الى مطار بن غوريون، وأعلنت عن بدء محاكمته ثم قامت باعدامه (بعد صدور الحكم ضده)، وهي ما تزال تطارد أعداداً من المتهمين بارتكاب جرائم الابادة بحق اليهود.
لعل الاختصاص الجنائي الدولي يتيح نظرياً على الأقل لنحو 47 بلداً (معظم دول مجلس أوروبا) التقدم أمام المحاكم الوطنية ورفع دعاوى تطلب جلب المتهمين الى العدالة لمقاضاتهم، حتى وإن كان الجناة  يتمتعون عن جنسية بلد آخر، حيث يمكن رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية لملاحقة المتهمين، وابلاغ المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بهذه الجرائم، حيث تقع هذه المسألة ضمن سلطاته واختصاصه، لاسيما بعد إخطار مجلس الأمن بذلك.
يكفي أن يحمل الضحية جنسية البلد الذي يرفع الدعوى أمام قضاء بلده، ليحق له مقاضاة المتورطين في جرائم يقدّمها ضد مجهول أو ضد شخص بذاته من المسؤولين الاسرائيليين، حتى وان كان يتمتع بحصانة، لأن هذه الأخيرة لا تعفيه عن المساءلة بارتكاب الجرائم.
ورغم عدم تفعيل هذه الآليات وعدم الرجوع اليها لدرجة كافية حتى الآن، الاّ ان الكثير من المسؤولين الاسرائيليين أصبحوا يخشون السفر الى اوروبا، تحاشياً لاحتمال إلقاء القبض عليهم، لاسيما إذا كان هناك من سيرفع أو رفع شكوى ضدهم بموجب الاختصاص الجنائي الدولي.
ان اللجوء الى هذا الخيار ممكن رغم أنه غير مضمون، لاسيما من خلال الضغوط السياسية والتعقيدات القانونية، التي قد تجعل الجناة يفلتون من يد العدالة.

الخيار الخامس  ال

1064

كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (7).. جيفارا وعبدالناصر: أحلام الكبار!      
   عبدالحسين شعبان
      
2009-12-14
حاولت أن أستعيد ما اختزنته الذاكرة وأنا أقوم بجولة في هافانا، للبحث عن أثر جيفارا قبل ذهابي إلى سانتا كلارا، وهناك داهمتني ذكريات وأحاديث قديمة مضت عليها خمس سنوات وأربعة عقود من الزمان.
حين زرت القاهرة لأول مرة في فبراير 1965 كنت أبحث أيضاً عن أثر جيفارا في حواريها وأزقتها ولكن على نحو مختلف عما فعلته في هافانا. في القاهرة كنت أحاول أن أقتفي أثره، حيث كان جيلنا الستيني متطلعاً حالماً، شديد الحماسة، أما في هافانا فقد جئت ناقداً، مقلّباً التجربة وأخطاءنا، مراجعاً المتن والمنهج والممارسة، متفحصاً ما أفرزته الحياة من غث ومن سمين.
ولعل الشاعر عبدالوهاب البياتي الذي التقيته في مقهى لاباس في القاهرة في العام 1969 حيث كنّا نلتقي يومياً، كان أول من حدثني عما ترك الرجل من عمق تأثير في القاهرة. أصغينا إليه، الشاعر عبد السامرائي وأنا، وهو يتحدث بإعجاب عن "شاعريته" ورومانسيته الثورية التي قال إنها أقرب إلى الشعر. كانت نقاط الاختلاف والالتقاء تدور حول الكفاح المسلح ودور الطليعة والبؤر الثورية ودور الحزب والعلاقة مع السوفييت، كان بعض ما أورده عبدالوهاب البياتي صحيحاً، بل متقدماً علينا، وهو الذي كتب قصيدته الشهيرة بعد مغادرته موسكو العام 1964 "مدنٌ بلا فجرِ تنامْ/ ناديتُ باسمكَ في شوارعها فجاوبني الظلامْ/ وسألتُ عنك الريح وهي تئنُّ في قلب السكونْ/ ورأيتُ وجهكَ في المرايا والعيون/... وفي بطاقات البريد.. مدنٌ يغطّيها الجليد!".
كنت أشم رائحة جيفارا وأنا أتجوّل في الساحات والشوارع وأنتقل بين المكتبات والحانات والمعارض الهافانية وأستمع إلى موسيقى السالسا والسامبا. استعدت الزمن الجميل في القاهرة، يوم كنت أبحث عن مجلة الكاتب ومجلة الطليعة وأزور دار الأهرام العتيدة وجامعة القاهرة "الحية". أتصفح ما يقع تحت يدي آنذاك من أثر لجيفارا وعلاقته بعبدالناصر، ومواقفه من القضية الفلسطينية وقضايا التحرر الوطني، و "الحلم" المنشود.
كانت القاهرة أولى محطات جيفارا إلى إفريقيا، حيث كانت زيارته الأولى لها قد استمرت أسبوعين، من 15 يونيو إلى 30 من الشهر ذاته العام 1959، وذلك يوم عيّنه فيدل كاسترو زعيم الثورة المنتصرة في الأول من يناير 1959 "سفيراً مطلق الصلاحيات"، لشرح أهداف الثورة وخططها وتوجهاتها، ولعل اختيار القاهرة له أكثر من دلالة:
الأولى: أن زعيمها هو جمال عبدالناصر، بطل حرب السويس والصامد بوجه العدوان الإسرائيلي، الأنجلو-فرنسي والرافض لحلف بغداد ومشروع أيزنهاور، والمساندة لثورة العراق.
والثانية: أن توجهه الاجتماعي بتعميق ثورة 23 يوليو 1952 اتخذ مسارات جديدة أكثر راديكالية وثورية بعد تأميم قناة السويس وفشل العدوان، لاسيما الصداقة مع المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي تحديداً.
والثالثة: أن مصر هي قلب العروبة وأكبر بلد عربي ولها إشعاع فكري وثقافي وسياسي على العالم العربي كلّه، لاسيما الدور الريادي الوحدوي لجمال عبدالناصر وارتفاع رصيده في مواجهة الإمبريالية، وهي مصدر إلهام لحركات التحرر العربية، التي أخذت تعبّر عن نفسها بالناصرية أو العروبية، وأنا هنا أتحدث عن جانبها الإيجابي، مع وجود نواقص وثغرات وجوانب سلبية للظاهرة، لاسيما الموقف من الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.
والرابعة: أن مصر تشكّل قاعدة لتحالف دولي عُرف باسم عدم الانحياز لاحقاً، أو دول الحياد الإيجابي، لاسيما من خلال الزعامات الثلاث، جمال عبدالناصر، وجواهر لال نهرو، وجوزيف برونز تيتو، والذي اتخذ تسمية مجموعة الـ77 فيما بعد.
الخامسة: أن مصر هي مركز ملهم لإفريقيا ولحركاتها التحررية، فضلاً عن كونها جسر الوصل مع آسيا، وكانت القاهرة يومها تعجّ بالثوار الأفارقة والقيادات والزعامات المختلفة.
السادسة: أن مصر يمكن أن تشكل إقليماً قاعدياً لوحدة عربية أو اتحاد عربي أكبر من مصر وسوريا، لاسيما بعد انتصار الثورة العراقية في 14 يوليو 1958 التي شكلت ضربة كبيرة لمخططات الإمبريالية والغرب الاستعماري في المنطقة وبخاصة لحلف بغداد، لولا الصراعات التي لا مبرر لها والأخطاء والثغرات التي رافقت العلاقات حينها، مثلما وجهت الثورة الكوبية ضربة موجعة لواشنطن في فنائها الخلفي، لهذه الأسباب اختار جيفارا زيارة القاهرة وبدء تحالفه الثوري- الاستراتيجي منها.
السابعة: أن جيفارا أراد دراسة التجربة المصرية، لاسيما الصناعية منها والزراعية، وبخاصة الإصلاح الزراعي وتجربة سد أسوان وبهدف استفادة الكوبيين من خبرة مصر في هذه الميادين، ولعل شخصية القائدين المستقلين المتميزين (عبدالناصر وكاسترو) ووضعهما مسافة بين بلديهما والاتحاد السوفييتي، بحيث لا تتحول كوبا أو مصر إلى "تابعين" كما هي البلدان الاشتراكية، أعطاهما أهمية استثنائية في العلاقة، رغم عدائهما الشديد للولايات المتحدة، ولعل ذلك بحد ذاته كان عنصر جذب لتعزيز الصداقة المديدة بين عبدالناصر وجيفارا، لاسيما تقارب وجهات نظرهما بهذا الخصوص! وقد انجذب جيفارا إلى الثورة المصرية وتأثر بمواقف عبدالناصر منذ أن كان مع صديقه فيديل كاسترو في المكسيك وكذلك صديقه راؤول، يومها نَظَم بضعة أبيات أسماها نشيد النيل (العام 1956- إثر العدوان الثلاثي الإسرائيلي، الأنجلو-فرنسي).
لم يكن جيفارا يحب البروتوكول الدبلوماسي أو السجادة الحمراء التي يفرشها له مستقبلوه المصريون، وقد حاول عدة مرات تضليل مرافقيه، ليذهب إلى المناطق الشعبية ويلتقي بالناس البسطاء، ويأكل أسياخ اللحم المشوي من الكباب والشقف في أزقة القاهرة وحاراتها.
خلال حضوره مناورات عسكرية مصرية في البحر الأبيض المتوسط، سأل جيفارا الرئيس جمال عبدالناصر "كم عدد الأشخاص الذين اضطروا للهروب من البلاد بسبب الإصلاحات الزراعية؟" فأجابه عبدالناصر "إنهم قلة" فردّ عليه جيفارا وقد غلبه الشك: "هذا يعني أن الثورة لم تُحدث تغييراً مهماً في مجال الإصلاح الزراعي" وأردف جيفارا قائلاً: إنني أقيس عمق التغييرات الاجتماعية بعدد الأشخاص الذين تنالهم هذه الإصلاحات... أُعجب عبدالناصر بالشاب جيفارا الذي يصغره بنحو عشر سنوات، وبدأ يشرح له مسعى تدمير القاعدة الاجتماعية والسياسية التي ارتكز عليها الإقطاع.
خلال زيارته الأولى إلى مصر حصل عدوان على غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية، فلم يتوان عن القيام بزيارتها يوم 18 يونيو 1959، ويتجوّل في المخيمات الفلسطينية، حيث استقبل بهتافات ترحيبية وتضامنية مع الثورة الكوبية، مشدداً على موقف كوبا من ثورة مصر وثورة الجزائر والتضامن الأممي الأميركي- اللاتيني- العربي الإفريقي.
وفي خطاب له في المؤتمر الأفرو-آسيوي، قال جيفارا بروح أممية "لقد بدأت إفريقيا وآسيا بالنظر إلى ما وراء البحار"، ولعل ذلك كان مرتكزاً لدراسة كان قد كتبها بعنوان "أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية" وقد نُشر هذا البحث الذي يمثل رؤية استراتيجية بما عُرف لاحقاً بالجيفارية في أواخر العام 1959.
يذكر الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، أن عبدالناصر كان معجباً بجيفارا وارتبط معه بعلاقة حميمة، وكان جيفارا من جهته شديد الإعجاب بقيادة عبدالناصر التي بإمكانها لا الانخراط في جبهة البلدان المتحررة من الاستعمار فحسب، بل أن تلعب دوراً مهماً فيها، لاسيما في إفريقيا وآسيا، وبالخصوص في العالم العربي. وقد حاول تفسير أسباب ثورة 23 يوليو 1952 بتشديده على أن الفقر والاستغلال هما سبب تحرّك الضباط الشباب للإطاحة بالنظام السياسي واستعادة الثروات المنهوبة وإجلاء القوات الأجنبية البريطانية وتأميم قناة السويس، الأمر الذي ردّت عليه بريطانيا وفرنسا ومن خلال العدوان الإسرائيلي بالهجوم على مصر، في معركة راح ضحيتها 3000 مدني في مدينة بورسعيد وحدها، ولكن بفضل التضامن العالمي ومقاومة الشعب المصري تم دحر العدوان.
يروي محمد حسنين هيكل، أن عبدالناصر شعر بأن جيفارا كان حزيناً ومهموماً فطلب منه أن يفضي إليه بمكنونات قلبه، فقال جيفارا إنه متجهٌ إلى الجزائر وبعد عودته سيصارحه ويفضي إليه بهمومه، كان ذلك لدى توقف جيفارا في القاهرة لمدة ثلاثة أيام في 19 يناير 1965 قبل ذهابه إلى الجزائر، وكان وقتها يدير مجموعة خلايا لقوى تحررية إفريقية من قاعدة في الجزائر ودار السلام (تنزانيا) إضافة إلى القاهرة، ولعل خطاب الجزائر 24 فبراير 1965 كان الإعلان الأول عن "قطيعة" جيفارا مع المواقع الرسمية، وهو ما سيبوح به لعبدالناصر.    

1065
حدد‮ ‬6‮ ‬تحديات تواجه حكومة بغداد‮.. ‬الباحث العراقي‮ ‬شعبان لـــ‮ »الوطن«
الطائفية أكثر خطراً‮ ‬على المجتمع العراقي‮ ‬من الاحتلال
   
    
محمد الغسرة
   
قال المفكر والباحث العراقي‮ ‬الدكتور عبدالحسين شعبان إنه رغم تحسن الوضع الأمني‮ ‬نسبياً‮ ‬في‮ ‬العراق إلا أن هناك اختراقات أمنية مستمرة بينها الأربعاء الدامي‮ ‬والأحد الأسود،‮ ‬وأخيراً‮ ‬الثلاثاء البغيض مما‮ ‬يضع العديد من التحديات أمام الحكومة العراقية‮. ‬
وقال في‮ ‬مقابلة مع‮ ''‬الوطن‮'' ‬إن أهم تلك التحديات هو التدخل السافر من الاحتلال،‮ ‬والتحدي‮ ‬الثاني‮ ‬هو المحاصصة الطائفية وانقسام المجتمع،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلى أن‮ ''‬الطائفية أكثر بلاءً‮ ‬على المجتمع من الاحتلال الذي‮ ‬سيزول وإن طال الأمد فيما ستنخر الطائفية الجسم العراقي‮ ‬أن لم‮ ‬يوضع حل لها‮''.‬ وأضاف‮ ''‬في‮ ‬العراق الكل‮ ‬يقول إنه ضد الطائفية ولكن بالممارسة الفعلية هو‮ ‬يمارس الطائفية بطريقة ما،‮ ‬وهذا ما أضر بالعمل السياسي‮ ‬وبالعملية السياسية برمتها‮. ‬الكل من النخب الحاكمة مستفيد من هذه الطائفية حيث‮ ‬يحصل على امتيازات باسم الطائفية رغم أن الكثير ممن انضموا تحت راية الطائفية هم لا دين لهم لأن الطائفية لا دين لها ولأن المسلم الحقيقي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون طائفياً‮ ‬لذا فإن الطائفية ضد الدين‮''.
‬ وقال إن التحدي‮ ‬الثالث هو الإرهاب من قبل الجماعات المسلحة والإرهابيين الذين تكاثروا بالعراق وهم قسم ضد العملية السياسية وقسم آخر قريب من العملية السياسية وثالث ضدها،‮ ‬وهم تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة القريبة من البعث والتي‮ ‬تمارس العنف كوسيلة وحيدة للعلاقة مع الآخر وهي‮ ‬أخطر الجماعات وأكثرها ضرراً‮ ‬على الواقع العراقي‮ ‬ومستقبله وعلى الجماعات المعارضة سلمياً‮ ‬أن تتكاتف لتطويق هذه الظاهرة ونبذها‮. ‬ التحدي‮ ‬الرابع هو الفساد والرشى الذي‮ ‬يعتبر من الظواهر التي‮ ‬تعززت وتعممت بعد الاحتلال بل شارك فيها الاحتلال أيضاً،‮ ‬وقد أصدرت مفوضية النزاهة بالعراق تقريراًً‮ ‬قبل ثلاث سنوات أشارت فيه إلى أن‮ ‬93‮ ‬مسؤولاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بما في‮ ‬ذلك 15 من الوزراء شاركوا بالفساد بل متهمون فيه وهناك أكثر من ألف حالة صارخة كبرى على عمليات الفساد المنظم وعقبات وعراقيل لاجتثاثه‮.
وتابع شعبان‮ ''‬التحدي‮ ‬الخامس هو وجود المليشيات المسلحة التي‮ ‬تشكل خطراً‮ ‬على الوضع العراقي‮ ‬وهي‮ ‬متعددة من الصحوات ومجالس الانقاذ وجيش المهدي‮ ‬وغيرها،‮ ‬وهذا الوضع لا‮ ‬يصح مع الديمقراطية لأنها تعني‮ ‬سلطة القانون،‮ ‬واستخدام عشائر وجماعات مسلحة لفرض القانون‮ ‬ينافي‮ ‬الديمقراطية والدولة‮ (...) ‬الغريب أن العشائرية تعززت بعد مجيء الاحتلال بعد أن كانت تاريخاً‮ ‬وكانت العشائرية مطبقة قبل‮ ‬العام 1958 (ثورة 14 تموز /يوليو) ‮''.
 وقال‮ ''‬التحدي‮ ‬السادس هو عدم الاتفاق على الفدرالية والأقاليم،‮ ‬ومشكلة كركوك نموذجاً‮ ‬حيث إن العلاقة‮ ‬غر متوازنة بين السلطة الاتحادية وسلطة الأقاليم رغم أن النظام الفدرالي‮ ‬به الكثير من الامتيازات والإيجابيات بل إن‮ ‬25‮ ‬بلداً‮ ‬في‮ ‬العالم تعمل بالفدرالية ونحو‮ ‬40٪‮ ‬من سكان العالم في‮ ‬نظام فدرالي،‮ ‬ولكن الخطر أن هذا النظام في‮ ‬ظل ضعف الحكومة‮ ‬يهدم الدولة في‮ ‬أي‮ ‬وقت وبشكل كامل‮ (...) ‬من الممكن تحقيق نظام فدرالي‮ ‬في‮ ‬العراق ولكن الدستور الحالي‮ ‬لا‮ ‬يعطي‮ ‬هذا النجاح،‮ ‬نظراً‮ ‬لمستلزمات وشروط الفدرالية المتمثلة في‮ ‬توحيد الجيش والعلم والموارد والدبلوماسية للسلطة الاتحادية دون منازع،‮ ‬وعدا ذلك مما‮ ‬يتعلق بالتعليم والصحة والإدارة المحلية‮''.‬ وأوضح أنه‮ ''‬حسب الدستور العراقي‮ ‬إذا اختلف الطرفان في‮ ‬مسألة ما‮ ‬يجب تطبيق القانون الاقليمي‮ ‬وليس الاتحادي،‮ ‬وهو مغاير لقوانين العالم،‮ ‬ومسألة كركوك مادامت عراقية فليس مهماً‮ ‬أي‮ ‬من الأقاليم تتبع على أن لا‮ ‬ينتهك حق الساكنين فيها أو تهجيرهم،‮ ‬وهذا‮ ‬يستوجب تعديل العلاقة بين السلطة الاتحادية والفدرالية‮''‬،‮ ‬وأكد أن العراق القوي‮ ‬هو ساند للقوى العربية ونأمل عودته باكراً‮ ‬إلى مكانه الطبيعي‮ ‬للعب دوره الحقيقي‮.‬


صحيفة الوطن البحرينية الخميس 10/12/2009


1066
دعا إلى تطوير التجربة بمزيد من إشراك الناس
شعبان: البحرين متقدّمة «عربياً» في حقوق الإنسان
الوقت:
قال الخبير في ميدان القانون الدولي وحقوق الإنسان، عبدالحسين شعبان، إن أوضاع حقوق الإنسان في البحرين تطوّرت بشكل كبير بعد مرحلة التصويت على ميثاق العمل الوطني، حتى أصبحت من بين أفضل الدول العربية في هذا المضمار.
وفي لقاء خاص مع «الوقت» أشاد شعبان بتجربة البحرين التي استندت إلى «الوعي السياسي لدى النخبة الحاكمة وقناعتها بضرورة مواكبة التطورات العالمية والاستجابة للإرادة الشعبية»، بحسب ما قال، إلاّ أنه دعا إلى مزيد من إشراك الناس بهدف تطوير التجربة.
وفي السياق ذاته، أشاد شعبان بتشكيل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ودعا أن تمارس دورها في «مراجعة القوانين والأنظمة في البلاد وتكييفها أو اقتراح تعديلها وفق مبادئ حقوق الإنسان، وتشجيع الحكومة ودعوتها للانضمام للاتفاقيات الدولية».وإليكم نص الحوار:

•   بدايةً كيف تقيّم وضع حقوق الإنسان في الوطن العربي؟ كيف تسير؟ هل تتقدّم؟ وأين موقعنا من العالم؟

- مازال العالم العربي في أسفل السلّم إزاء موضوع احترام حقوق الإنسان وذلك رغم التطورات التي حقّقها في السنوات العشرين الماضية، وقد سبق لي أن أشرت إلى تميّز كل من المغرب والأردن والبحرين في السنوات الأخيرة، ولكن ثمّة تراجعات قد حصلت، ما أدّى إلى حصول نوع من الاحتدام أو الاحتكاك ما بين السلطات السياسية والمعارضات، ودفع أوساط من العاملين في حقوق الإنسان إلى الحديث عن أهم النواقص والثغرات.
إذاً هناك بالفعل تحديات موضوعية وذاتية تواجه ملف حقوق الإنسان في البلاد العربية، بعضها خارجية مثل استمرار الاحتلال لفلسطين والعراق، الحصارات التي فرضت على بعض البلدان، إضافة إلى ظاهرة الإرهاب وإملاء الإرادة من جانب القوى المتسيّدة في العالم.
أما على صعيد التحديات الداخلية، فتتمثل في وجود القوانين المقيّدة للحريّات، عدم الترخيص لحق العمل الشرعي والقانوني، تقييد حرية الصحافة، ضعف المشاركة السياسية ومشاركة المرأة بشكل أخص، إضافة إلى الأمراض الطائفية والعشائرية التي دفعت مجتمعاتنا العربية إلى مزيد من التشظّي والتفتيت والتباعد.
حقوق الانسان

* ذكرت أننا - كدول عربية - في أسفل السلّم بين دول العالم. ما أبرز الموضوعات التي تجعلنا في الأسفل؟

- التعذيب الذي يتفشّى في كثير من الدول العربية، والإعدامات التي تتم خارج إطار القضاء، محدودية حرية التعبير وفقدان الحريات العامّة، غياب حق حرية الاعتقاد، ضعف المشاركة السياسية وتجاوز حقوق المرأة، إضافة إلى كثير من القيود والموروث البالي الذي يعطّل ويعرقل حركة تقدّم حقوق الإنسان، وهو ما يعني الحاجة إلى مضاعفة الجهود بدءاً من المناهج التربوية لصالح حقوق الإنسان وليس انتهاءً بالإرادة السياسية.
إذاً، فهذه أبرز المؤشرات التي تُعتمد في تقييم حقوق الإنسان والتي تعاني من تراجع وضعف كبير في الوطن العربي.

* فيما يخص «التجربة البحرينية».. وقد ذكرت قبل قليل أنها من بين ثلاث دول عربية متمّيزة في هذا المجال رغم بعض التراجعات كما أشرت. كيف تقرأ هذه التجربة عموماً؟ وعلامَ استندت في وصفك لها بالمتميزة من بين الدول العربية؟

- دعني أقول إن هناك تطوراً كبيراً حصل على صعيد حقوق الإنسان في البحرين قياساً بمرحلة ما قبل العام ,1998 وجرى ذلك على نحوٍ تدريجي، وتقدّم أكثر في مرحلة ما بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني الذي حظي بأغلبية ساحقة.
وفي رأيي أن تطوّر أوضاع حقوق الإنسان استند في البحرين على ثلاثة عناصر:
- الأول: ويتمثل في الحراك الشعبي الذي ساهم كثيراً في وصول البلاد إلى ما وصلت به بعد التسعينات.
- الثاني: ويتمثّل في صدور قرارات ذات أبعاد سياسية وقانونية مهمّة أبّان التصويت على الميثاق، حيث سمحت تلك القرارات بعودة المبعدين، إلغاء محاكم أمن الدولة والاعتقال التسعفي، وقف الانتهاكات المتعلّقة بالتعذيب والمعاملة التي تحط من كرامة الإنسان والترخيص للجمعيات بمزاولة العمل السياسي.
- أما العنصر الثالث الذي استندت إليه التجربة، فهو الوعي السياسي لدى النخبة الحاكمة وقناعتها بضرورة مواكبة التطورات العالمية والاستجابة للإرادة الشعبية.
وبعد تصويت البحرينيين على ميثاق العمل الوطني في العام 2001 حصلت ردود فعل إيجابية، كما أن استجابة المعارضة والتلاحم الشعبي مهّد الطريق أمام مناخات سياسية واقتصادية إيجابية، وإلى تطوّر حقيقي وملموس في أوضاع حقوق الإنسان، حتى لو بدا في السنوات القليلة الماضية أن هناك نوعاً من الاحتدام بين أطراف من المعارضة والسلطة، إلاّ أن المشهد العام ظلّ إيجابيا،ً وخصوصاً إذا ما قارنّاه بأوضاع التسعينات.

اختيار شخصيات المؤسسة
•   شكّلت البحرين «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان».. كيف تقرؤون هذا الحدث؟

- تشكيل المؤسسة كان شيئاً إيجابياً، وبقي أن تُحسن الدولة اختيار الشخصيات التي ستوضع في المكان المناسب، فيجب أن يكونوا من أصحاب الكفاءات، المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين لم يتورّطوا في قضايا فساد إداري أو مالي أو في معاملة سيئة مع المواطنين، وأن يُشهد لهم بالنزاهة والموضوعية وتقديم خدمات اجتماعية وإنسانية.

وعلى المستوى العملي، فأعتقد أن هذه المؤسسة يجب أن تكون من أوّلى مهماتها مراجعة القوانين والأنظمة في البلاد وتكييفها أو اقتراح تعديلها وفق مبادئ حقوق الإنسان، وتشجيع الحكومة ودعوتها للانضمام للاتفاقيات الدولية، ثم مراقبة مدى تطبيق الحكومة لتلك الاتفاقيات، ومن جهة أخرى تشجيع مؤسسات المجتمع المدني بأن تمارس دورها في الرقابة وفي أن تكون شريكاً حقيقياً في تطبيق الاتفاقيات والمعايير الدولية، لا أن تكون مجرّد منظمات اعتراضية أو احتجاجية، فمؤسسات المجتمع المدني لابدّ أن تتحوّل إلى قوّة اقتراح، وأن تقدّم وتقترح القوانين للحكومة والجهات المعنية.
كما أن الإعلام لابدّ أن يلعب دوره في الترسيخ لمبادئ حقوق الإنسان، أي أن المؤسسة يجب أن تناط بها مهمّة تحفيز وتشجيع وسائل الإعلام المحليّة على أن تكون شريكاً حقيقياً وفاعلاً ومؤثراً في ترسيخ حقوق الإنسان.
وإضافة إلى ذلك، فإن هناك دوراً أساسياً جداً يتمثّل في تطوير المؤسسات التربوية والمناهج التعليمية بما يخدم هذه الأهداف.

* ما الشروط التي يجب توافرها في هذه المؤسسة لكي تكون متوافقة مع المتطلبات العالمية؟ أي بمعنى آخر، هل هناك معايير عالمية ينبغي توافرها في المؤسسة لكي نضمن إنتاجيتها وصدقيتها؟

- تحتاج المؤسسة إلى خبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولمعرفة وإحاطة واسعة بالآليات الدولية وتهيئة وتدريب كوادر في هذا المجال.
وبلا شك ينبغي أخذ المعايير الدولية بعين الاعتبار، فهناك الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وهناك العهدان الدوليان اللذان ينظّمان الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وفي السياق ذاته، يجب على المؤسسة أن تتحلّى بمعايير النزاهة والشفافية واعتماد الوسائل الديمقراطية في علاقاتها.
وفي الأساس، فإن اختيار العاملين في هذه المؤسسة كما أسلفنا ينبغي أن يراعي توافر عناصر الكفاءة والنزاهة والإخلاص، وأيضاً الابتعاد عن السياسة وهي نقطة في غاية الأهمية، فيجب عدم تسييس العمل الحقوقي وعدم الخوض في الصراع الأيديولوجي وبالنتيجة عدم الجمع بين العمل السياسي والحقوقي المهني، كما أن المؤسسة معنية بأن تضع مسافة كافية ما بين الفرقاء.

انجازات كبيرة

* ذكرت في تقييمك لتجربة البحرين أن المشهد العام إيجابي. هل من الممكن أن تذكر لنا أهم الإنجازات التي حققتها البحرين في مجال حقوق الإنسان؟

- هناك إنجازات كبيرة حققتها البحرين على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وخصوصاً على صعيد العمل والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم، فالبحرين قياساً ببلدان المنطقة خطت خطوات إيجابية، وخطت خطوات سياسية ومدنية بحاجة أن تتعزّز وتتعمّق فيما يتعلّق بالانتخابات، السلام الاجتماعي، الترخيص للجمعيات، الحق في التعبير والحريات الإعلامية والصحافية.
كما أن البحرين مطالبة بتعزيز الحق في محاكمة عادلة وتعزيز دور القضاء بما يجعلها ترتقي مع المعايير الدولية.

* وماذا عن المعوّقات والتحدّيات؟

- حصلت بعض التراجعات وهي بحاجة إلى مزيد من الحوار وسماع رأي الجمهور فيما يتعلّق ببعض الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولكن كما قلت إن المشهد العام مازال إيجابياً، ومازال يمكن البناء عليه والاستناد إليه، وأعتقد أن خبرة قياديي الدولة ومسؤوليها والخطوات الشجاعة التي اتخذوها في مطلع الألفية الجديدة سيشكّل مرجعية حقيقية للتطوّر والتقدّم والاقتراب من المعايير الدولية.

* هل من كلمة أخيرة؟

- أودّ القول إن معيار ومقياس تقدّم أي أمّة وأي شعب أو جماعة بشرية لا يتعلّق بعدد الحواسيب والتكنولوجيا والصناعات، ولكن مدى احترامها لحقوق الإنسان، فهذا هو معيار التقدّم الحقيقي الذي يستفيد من الموارد البشرية في خدمة الإنسان في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
كما ألفت الانتباه إلى ضرورة حق الإنسان بالتمتّع بالراحة وبمنجزات الثقافة، وكما يقول الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس إن الإنسان مقياس كل شيء. إذاً، فأنا أقول إن كل شيء لمصلحة الإنسان ولأجل الإنسان ولمستقبل الإنسان.



صحيفة الوقت البحرينية العدد 1389 الخميس 22 ذي الحجة 1430 هـ - 10 ديسمبر 2009

1067
سعــد صالـح الضوء والظل "الوسطية" والفرصة الضائعة

الدكتور عبدالحسين شعبان


ستقوم "الاهالي " وعلى شكل حلقات متتالية بنشر  كتاب الاديب والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عن الشخصية الوطنية الكبيرة الاستاذ سعد صالح جريو ، ، الذي امتاز بالوسطية والاعتدال، وجمع بين الثقافة والسياسة، وكان شاعراً رقيقاً مثلما عمل وزيراً للداخلية، ورئيساً لحزب الاحرار الوسطي، الذي خرج من معطف الحكومة، ليرتدي بدلة المعارضة الوطنية.
ومثلما يسلط الباحث والاكاديمي شعبان، الضوء حول سجاياه الشخصية وبيئته النجفية ونجاحاته الادارية ومواقفه السياسية وخطبه البرلمانية، متوقفاً عن دراسته الاولى في الحوزة العلمية، ثم تخرّجه من دار المعلمين وكلية الحقوق، فإنه يشدد على اصراره على إجازة الاحزاب وإطلاق حرية الصحافة واغلاق السجون في الوزارة التي شارك فيها ولم تدم أكثر من 97 يوماً
ان كتاب الدكتور شعبان الذي يقدّمه عن سعد صالح، إضافة مهمة للمكتبة العراقية والعربية، وبشكل خاص لمكتبة التيار الديمقراطي، الوسطي، والليبرالي، الذي سبق لشعبان وهو كاتب متمرس ومفكر مجدد ينتمي الى المدرسة الحداثية والى جيلها الثاني، أن رفدها بأكثر من 50 كتاباً في مجالات الفكر والثقافة والقانون والسياسة الدولية والاسلام والنزاعات الاقليمية والدولية والمجتمع المدني وحقوق الانسان.

سعــد صالـح
الضوء والظل
"الوسطية" والفرصة الضائعة
الحلقة الأولى

تمهيد
لا يشكّل الفهم التاريخي لوحده للعمل الفكري والمسيرة الثقافية لأعلام بارزين، مرجعاً كافياً لاستيعاب التطور الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لحقبة تاريخية كاملة ولشخصيات مؤثرة فيها، سواءً في قراءته للأحداث وتراتبها وتعاقبها أو في أسسه ومنطلقاته الاساسية بحصر الظاهرة دون رؤية لجوانبها المتنوعة والمختلفة، وذلك لأن المنهج التاريخاني يبقى منهجاً انطباعياً قائما على قراءة التاريخ بخط واحد أو بحلقات متصلة، كسلسلة مستقيمة تعتمد على فهم ما هو سائد للأحداث والوقائع، الاّ إذا جرى ربطه بالأوضاع الاجتماعية السائدة بكل تنوّعها وأطيافها، وبدلالات تأثيراتها وانعكاساتها.
ومن هنا فإن بعض جوانب القصور والنقص قد تعتور هذه القراءة، وإنْ كانت في الوقت نفسه تتضمن جوانب صحيحة، لا يمكن الاستغناء عنها أحياناً، في إطار المنهج الوضعي النقدي الجدلي المطلوب في معرفة التاريخ والسيرة الفكرية والثقافية والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة، وهذا الأمر يحتاج الى دراسة الظواهر الاجتماعية وسير تطور الأحداث التاريخية، لا وفقاً لتراتبيات متوازية وتسلسلات منطقية لمراحلها حسب، بل أيضاً في ضوء الانقطاعات التاريخية والمنعرجات المحتدمة والتحولات الجزئية والتكوينات الصغيرة، والاسهامات الفردية والمحاولات الشخصية، والبدايات الاجتهادية، والخطوات الشجاعة، رغم ان هذه لا تشكّل هي الاخرى قاعدة كافية يمكن الركون اليها، لكنها تُسهم في إظهار عمل التاريخ في المؤسسات والافراد، والعكس صحيح أيضاً، بابراز دور الافراد والمؤسسات على محدوديتها أحياناً في حركة التاريخ، ولكن تراكمها وتفاعلها مع الكل العام، هو الذي يعطيها هذا الدور المتميز.
هكذا يبدو التداخل بين الفردانية والمجتمعية أو "الفرد الجمعي"، في إطار الصراع السياسي والاجتماعي ودور الفرد في التاريخ من خلال المنهج الجدلي للوضعية النقدية لمسيرة مثقف ومفكر وإداري وسياسي من موقع السلطة ومن موقع المعارضة. وقد اجتمعت في الرجل عدد من الصفات، ولا يمكن للباحث ان يرجّح احداها على الاخرى، فجاء بامتياز هذا الجامع الكبير: رجل الدولة من الطراز الأول، موظفاً ادارياً يراكم الخبرة، متصرفاً (محافظاً) مبادراً، وسياسياً صاحب قرار، ووزيراً مجدّداً، وفي الوقت نفسه معارضاً لا يلين، بالنقد والكلمة والموقف، في الصحافة والبرلمان ولغة الاحتجاج أيضاً. ولعل شفيعه عندما يكون في موقف الناقد والمعارض لا ينسى موقعه كرجل دولة، وعندما يكون في موقف المسؤول والسلطة، لا يتخلّى عن موقعه كمعارض وناقد واصلاحي طامح للتغيير.
نحن إزاء رجل اسمه سعد صالح جمع في شخصه وسلوكه ودوره الادبي والثقافي، مجموعة من الشخصيات المؤتلفة والمختلفة، وتلك احدى سماته الاستثنائية، وهو ما يختلف به عن الكثير من مجايليه، فقد يكون أحدهم مثقفاً بامتياز، ولكن لا علاقة له بعلم الادارة او الاقتصاد، وقد يكون الآخر سياسياً محنّكاً ولامعاً، لكن ثقافته محدودة وعلمه قليل، وقد يكون دَرَسَ التراث والتاريخ والأدب، لكنه لم يطلّع على المدارس الفكرية والثقافية الحديثة، لكن سعد صالح جمع هذه الشمائل كلها في شخصه مع قوة شخصية واصرار ومنهج نقدي تقدمي، وهو ما حاول تطبيقه في سلوكه اليومي، ومن أصغر القضايا حتى أرقاها، ومن أبسطها حتى أعقدها، ومن أسهلها حتى أصعبها، حيث كان يملك خزيناً ابداعياً وطاقة حيوية نادرة ورؤية سياسية ثاقبة وموقفاً اجتماعياً متقدماً ولساناً ذرْباً، لم يكن يضاهيه خطيب في البرلمان، وفوق كل ذلك امتاز بتفوق اداري ووظيفي اعترف به أعداؤه أو خصومه قبل أصدقائه أو مريديه.
لقد عبّر سعد صالح من خلال عمله الوظيفي والاداري أو خطاباته ومواقفه في البرلمان أو في دوره الثقافي والفكري عمّا يؤمن به، وسعى لوضعه موضع التطبيق، في اشاعة الحريات وإجازة الاحزاب في الوزارة التي شارك فيها، والتي دامت نحو 100 يومٍ، أو في رئاسته لحزب الأحرار الوسطي، الذي خرج من معطف الحكومة والقوى المتنفذة فيها، ليصبح بعد رئاسة سعد صالح، جزءًا من التيار الليبرالي التحرري المستقل، لاسيما بعد ابتعاد أو إبعاد توفيق السويدي عن قيادته حيث كان يريده فناءً خلفياً لتأييد السياسة البريطانية.
 في ظل المنهج الجدلي، يمكن القول ان ساحة الثقافة والادب، خسرت سعد صالح، أديباً واعداً وشاعراً رقيقاً، وهو ما عبّر عنه الجواهري الكبير في حواراته مع الكاتب المنشورة في كتابنا " الجواهري – جدل الشعر والحياة"، حيث ورد ذكر سعد صالح أكثر من 3 مرات، كما وردت إشارات الى سعد صالح في مذكراته (جزءان)، فضلاً عن حديث خاص مع الكاتب لم ينشر حتى الآن!
امتازت لغة سعد صالح الادبية مثل قصيدته العمودية بالعذوبة والعمق، وصوره بالجمال والشفافية، وكان أميل الى الجديد ليس على صعيد الأدب حسب، بل على صعيد الفكر والممارسة، خصوصاً في القضايا الاجتماعية، حيث كان داعياً لحقوق المرأة ورافضاً تكبيلها بالقيود والعادات الاجتماعية العتيقة، مبتدئاً من أهل بيته في معركة السفور ضد الحجاب، كما سيأتي ذكره بشهادات لاحقاً من كريمتيه الاستاذتين سلمى ونوار ونجله المحامي لؤي سعد صالح
 ان التوقّف عند دراسة المرحلة التاريخية تقتضي دراسة فكر بعض أعلامها لأنه يشكّل معيناً في فهمها، وذلك بمعاينة الاتجاهات الفكرية التي تمتد حضوراً في أوساط الشبيبة المتطلعة الى المستقبل من جهة، وفي أوساط الناس وحركة التاريخ من جهة أخرى
لقد شهد العراق وعياً وطنياً وقومياً في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، خصوصاً بانبثاق حركة المشروطة في ايران العام 1906 وصراعها مع المستبدّة وانعكاس ذلك على السجالات والصراعات الفكرية والثقافية في العراق، لاسيما في المجتمع النجفي الذي انقسم بين مؤيد لحكومة مقيّدة بدستور "المشروطة" وبين حكومة "مطلقة" بحجة أو زعم " المستبد العادل"، وإضافة الى ذلك كان الصراع الدائر في الدولة العثمانية والدعوة للاصلاح والتغيير قائماً، لاسيما في ظل ارهاصات عربية استقلالية وتحررية، خصوصاً عشية وبُعيد صدور دستور العام 1908 وما تبعه من حركة كمال اتاتورك، وكان هو الآخر قد ترك تأثيراته الكبيرة على الحركة الفكرية والسياسية، في الدولة العثمانية وفي العرا