عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: 1 [2] 3
501
المنبر الحر / دستور وعقول وأقلام
« في: 20:16 06/11/2015  »
دستور وعقول وأقلام
عبد الحسين شعبان
مرّت قبل أيام قليلة الذكرى العاشرة للاستفتاء على الدستور العراقي الدائم (15 أكتوبر/تشرين الأول/2005)، وهو ثاني دستور دائم يحكم البلاد منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، وقد أجريت على أساسه ثلاثة انتخابات: الأولى في 15ديسمبر/كانون الأول عام 2005 والثانية في عام 2010 والثالثة في عام 2014.
وكان الدستور الدائم الأول هو الذي سُنّ في عام 1925 بعد أن نُصّب الأمير فيصل الأول، ملكاً على العراق، في مملكة دستورية في 21 أغسطس/آب عام 1921. واستمر دستور عام 1925 حتى ثورة 14 يوليو/تموز عام 1958، أي أن مدة نفاذه امتدّت 33 عاماً، وأجريت عليه ثلاثة تعديلات، في عام 1926 وعام 1943 وعام 1958 (تمهيداً لدخول العراق الاتحاد الهاشمي).
حاولت بريطانيا في بداية الأمر حكم العراق مباشرة بعد أن استكملت احتلاله في مطلع عام 1918، حيث كانت احتلت البصرة في عام 1914، وعندما واجهت ممانعة شديدة من العراقيين قرّرت الحصول على صك لانتدابها على العراق من عصبة الأمم في عام 1920، لكن العراقيين أعلنوا الثورة في 30 يونيو/حزيران عام 1920 والمعروفة باسم «ثورة العشرين»، بعد شهرين من قرار مؤتمر سان ريمو منح صك الانتداب لبريطانيا، فسارعت بريطانيا لاحتواء الموقف بعد قمعها للثورة والتنكيل بقياداتها، حيث توجّت الأمير فيصل الأول ملكاً على العراق، وشكّلت لجنة لوضع دستور للمملكة العراقية، وكانت هذه اللجنة بتكليف من وزارة المستعمرات البريطانية مؤلفة من المستر يونيك والسير بونهام إدوارد (مستشار وزارة العدلية العراقية) والمندوب السامي البريطاني في العراق السير بريس كوكس، وبمشاركة من ناجي السويدي وساسون حسقيل. وبعد ذلك تألفت لجنة برئاسة عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء الذي «انتحر» في عام 1929، وناجي السويدي ورؤوف الجادرجي.
أما الدستور الحالي، فهو الدستور الذي أقرّ باستفتاء شعبي، بعد انتهاء صلاحية قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي أبرم في 8 مارس/آذار 2004. وقانون إدارة الدولة والدستور الدائم وُضِعا في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وكان نوح فيلدمان، القانوني الأمريكي المؤيد ل«إسرائيل»، هو الذي كتب المسوّدة الأولى لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، ثم تأسست لجنة عراقية موسّعة لقراءته والاتفاق على نصوصه، وبإقرار من مجلس الحكم الانتقالي، ومصادقة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق (13 مايو/أيار 2003 - 28 يونيو/حزيران 2004).
إن قانون إدارة الدولة والدستور الدائم، وهما وثيقتان قانونيتان أساسيتان وتسميان حسب الفقه الدستوري «القانون الأساس» الذي هو أبو القوانين وله العلوية على بقية القوانين التي ينبغي أن تصدر بموجبه وبالتوافق معه، نقول إن هاتين الوثيقتين صيغتا في ظل وجود قوات أمريكية في العراق زادت على 150 ألف عسكري، وفي ظرف كانت الدولة العراقية معوّمة وسيادتها مجروحة ومستقبلها مرتهن بيد الاحتلال، وكان الشعب العراقي لا يزال يئن من تأثيرات الحصار والحروب والاستبداد.
وإذا كان نوح فيلدمان وضع المسوّدة الأولى للدستور فإن بيتر غالبرايت الدبلوماسي الأمريكي ساهم في وضع مواد ذات طبيعة إشكالية، وكانت بمثابة ألغام يمكن أن تنفجر في أي لحظة. وقد حمل الدستور تناقضاً واختلافاً وتعارضاً وتشكيكاً، منذ يوم ولادته وحتى الآن من جانب الفرقاء السياسيين، ولا يزال مصدر الإشكالية الأول في العملية السياسية الجارية، خصوصاً تبعاتها الخطرة على صعيد وحدة الدولة العراقية، سواء بنظام المحاصصة الطائفية - الإثنية أو العنف والإرهاب، اللذين ضربا البلاد من أقصاها إلى أقصاها، فضلاً عن الفساد المالي والإداري الذي أصبح مؤسسة قائمة بذاتها، واستفحل لدرجة مريعة حتى غدا مثل غول خطر يهدّد بابتلاع الدولة بعد أن تفكّكت أسس وحدتها الوطنية وفقدت هيبتها.
إن مرور عشر سنوات على الاستفتاء على الدستور مناسبة للتذكير بأن قراراً سياسياً قد اتّخذ لتعديل الدستور عقب الانتخابات الأولى لإرضاء القوى المتحفّظة للمشاركة في الانتخابات، ومن ثم اتّخذ قرار برلماني للغاية نفسها، طبقاً لوعود كانت ما يسمّى القوى السياسية «الشيعية» والقوى الكردية قد قطعتها، لما يسمّى بالقوى السنية بتعديل الدستور بعد الانتخابات، وبكفالة أمريكية حاولت إقناعها، لكي يمرّ الدستور في المحافظات المتحفظة.
وبالفعل تشكّلت لجنة برلمانية لإعداد التعديلات في عام 2006، وكان يُفترض أن تنجز عملها خلال أربعة أشهر حسب المادة 142 من الدستور، ولكن ذلك لم يتحقّق. ومن الجدير بالذكر أن المادة 142، إضافة إلى المادة 126 المختصتان بالتعديل جاءتا ملغمتين حين أعطي حق النقض (الفيتو) لثلاث محافظات برفض أي تعديل، حتى إن وافق البرلمان عليه، بل أكثر من ذلك حتى لو جرى الاستفتاء عليه، ولكن اعتراض ثلاث محافظات عليه سيبطل مفعول ذلك.
ومثل هذا الأمر يجعل من الدستور العراقي من أكثر الدساتير جموداً، وإن مجرد أي حديث عن تعديل لا يرضي طرفاً من الأطراف، سيلتجئ إلى حشد الجهود وشحن الطوائف لمنع إمراره في 3 محافظات، وعندها يمكن أن تتعطّل أي إمكانية للتعديل والتغيير، ويبدو أن واضعي النص، قصدوا ذلك لإبقاء الوضع على ما هو عليه خوفاً من احتمال إجراء تعديلات من شأنها «المساس» بما سمّي بالكيانات التي ورد ذكرها 8 مرّات في الدستور، وضاعت فكرة المواطنة في ثناياها، وأصبح العراق كوحدة سياسية وقانونية موحدة لا ينظر إليه إلا من خلال كيانات كردية وشيعية وسنّية وهكذا.
لتعديل الدساتير ذاكرة أيضاً، فالدستور الأول كما أشرنا عدّل ثلاث مرّات، أما دستور 27 يوليو/تموز عام 1958 الذي صاغه الفقيه الدستوري حسين جميل، فلم يتم تعديله وكذلك دستور ما بعد انقلاب 8 فبراير/شباط 1963 الصادر في 4 إبريل/نيسان 1963 فلم يتم تعديله، وعدّل دستور عام 1964 مرّة واحدة، ولم يعدّل دستور سبتمبر/أيلول عام 1968 الذي ظلّ نافذاً لحين صدور دستور دستور 16 يوليو/تموز عام 1970، وقد تم تعديل هذا الأخير 30 مرّة، وقد استمر نافذاً نحو 33 عاماً، لحين احتلال العراق.
وعند صدور قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية عدّل لمرّة واحدة فقط في عام 2005 بهدف تمديد مدة كتابة الدستور التي وضع جدولتها والعملية السياسية ككل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وبهذه المتوالية 15 أغسطس/آب (إنجاز كتابة الدستور) و15 أكتوبر/تشرين الأول (الاستفتاء عليه) و15 ديسمبر /كانون الأول 2005 (الانتخابات).
وإذا كانت التعديلات ضرورية أحياناً بحكم ما كان يصلح للأمس فقد لا يصلح لليوم وللغد، الأمر الذي يستوجب تعديله، ليتواءم مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الجارية في المجتمع، فإن مثل هذه التعديلات ضرورية في الحالة العراقية، للتخلّص من آثار ما بعد الاحتلال وتبعاته القانونية، وقد أظهرت حركة الاحتجاج المستمرة منذ أسابيع في العراق، الحاجة إلى إرادة سياسية وتوافق سياسي جديد لإعادة هيبة الدولة وترسيخ مرجعيتها التي ينبغي أن تكون فوق جميع المرجعيات، سواء كانت دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو جهوية.
إن العمل على تحسين الخدمات وعلى جناح السرعة، سواء كانت الكهرباء والماء والصحة والتعليم أو غيرها، إضافة إلى محاسبة الفاسدين ووضع حد لظواهر الفساد والعنف والإرهاب مسائل ملحّة وعاجلة، ولكن الأزمة أعمق من ذلك بكثير وهي تتعلق بهندسة العملية السياسية المغلوطة من أساسها والتي قامت على التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني ونظام المحاصصة، ومن دون إصلاح دستوري وسياسي جذري لا يمكن الخروج من شرنقة الأزمة التي تزداد اشتداداً.
إن مسار العملية السياسية التي ابتدأت من عام 2003 ولحد الآن وصل إلى طريق مسدود، الأمر الذي يستوجب إعادة نظر في المسار وبالدستور، فعسى أن يكتب الدستور هذه المرّة بأقلام عراقية وعقول عراقية وهي متوفرة ومبدعة، خصوصاً إذا تمكّن المعنيون هذه المرة من تجاوز فترات الاحتلال البغيض، وكذلك فترات الاستبداد الكريه، في مسعى لإعادة الاعتبار للمواطن والمواطنة والمساواة والشراكة الحقيقية العابرة للطوائف والمذهبيات والانتماءات الضيقة، مع مراعاة حقوق جميع الهوّيات الفرعية.


502
جوهر الأزمة العراقية

عبد الحسين شعبان
أعادت الأزمة الراهنة الإشكاليات الأساسية التي عانتها الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق العام 2003، خصوصاً موضوع الطائفية السياسية التي أصبحت ظاهرة متفشّية في مفاصل الدولة العراقية وأروقتها، بل إن التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني أصبح السمة الأبرز للحكم ما بعد الاحتلال.
ولم تستطع الدولة على الرغم من مرور 13 عاماً على الاحتلال، حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية، وما يتعلق بالبطالة والضمان الاجتماعي والمتقاعدين، بل إن هذه المعضلات تفاقمت على نحو شديد، وازدادت تعقيداً ما عمّق الأزمة السياسية، وأضفى عليها بُعداً شعبياً أخذ بالاتّساع، خصوصاً وقد ترافق ذلك باستمرار انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة وعدم حلّ مشكلة المياه التي أخذت بالتفاقم، ما سبّب أمراضاً وأوبئة عدة، ومنها انتشار مرض الكوليرا.
لقد قامت العملية السياسية على صيغة المحاصصة الطائفية- الإثنية التي وجدت ضالّتها في تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في يوليو/تموز العام 2003، خصوصاً بتخصيص 13 عضواً منه لما سمّي بالشيعة و5 أعضاء لما سمّي بالسنّة و5 أعضاء لممثلي الكرد وعضو واحد لمن اختير ممثلاً عن التركمان وعضو واحد باسم الكلدو- آشوريين.
وعرفت الدولة الجديدة التي تأسست على أنقاض الدولة القديمة التي قامت في عشرينات القرن الماضي، باسم «دولة المكوّنات»، التي ورد ذكرها ثماني مرّات في الدستور. أما «دولة المواطنة» التي كان العراقيون يتطلّعون إليها بعد انقضاء حقبة الحكم الاستبدادي الشمولي، فقد اختفت مدلولاتها وتضبّبت معانيها، لاسيّما بعد تأسيس نظام المحاصصة.
إن ذلك يمثّل جوهر الأزمة بجميع فروعها وأجنحتها. وإذا كان الاحتلال صائراً إلى زوال مثلما كان متوقّعاً، فإن خطر الطائفية ظلّ ينخر في جسم الدولة العراقية، ويحفر في كيانها بمعول مسموم، وإذا ما استمرّ على هذا المنوال، فإن عملية الهدم والتآكل ستصل إلى أساساتها، وبالتالي ستؤدي إلى انهيارها.
فالدولة حتى باعتراف أقطابها السياسيين هي دولة فاشلة، وتحوّلت مع مرور الأيام إلى كيان رخوٍ وهشّ وقابل للاختراق، وما سيطرة "داعش" على محافظة نينوى، ومركزها الموصل، في 10 يونيو/حزيران العام 2014، وتمدّده إلى مناطق أخرى من العراق، إلاّ دليل صارخ على ذلك، يضاف إليه، أن الفساد المالي والإداري ضارب الأطناب في عمق الدولة وأجهزتها والقوى المهيمنة عليها، لدرجة أن العراق ومنذ الاحتلال أخذ يُصنّف من جانب منظمة الشفافية العالمية، باعتباره من الدول الأكثر فساداً في العالم.
كان الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) الذي صدر في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 مايو/أيار 2003 - 28 يونيو/حزيران 2004) في 8 مارس/آذار العام 2004، تكريساً وانعكاساً للصيغة الجديدة لتوازن القوى، وقد قام نوح فيلدمان القانوني الأمريكي المناصر ل«إسرائيل» بإعداد صيغته الأولى، مثلما عمل الخبير الأمريكي بيتر غالبرايت في وقت لاحق على صياغة بعض المواد ذات الطبيعة الإشكالية التي اعتبرت ألغاماً قابلة للانفجار في أي لحظة، لأنها تشكّل مصدر خلاف واختلاف، وليس مصدر اتفاق وتوافق.
وبدلاً من أن يكون الدستور القاسم المشترك الأعظم الذي تلتقي عنده الإرادات المختلفة للقوى والأحزاب والمنظمات السياسية والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المصالح المتنوّعة، فإذا به يصبح هو بالذات تعبيراً عن الإشكاليات والصراعات التي عانتها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وهذه كلّها تنطلق وتصبّ في صيغة المحاصصة التي اعتمدتها، وفي النزاع حول تمثيل هذه الجماعة أو تلك لتتحدث نيابة عن هذه الطائفة أو تلك أو تمثل جزءاً منها، عبر الاستقواء بالمحتل والحصول على الامتيازات، خصوصاً من جانب أمراء الطوائف، وليس بوسائل إقناع أو بنفوذ حقيقي، سياسي أو فكري أو اجتماعي.
ولم يتورّع هؤلاء عن استخدام العنف والحشود الجماهيرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن في فترة الثورة الصناعية في أوروبا، بهدف كسر إرادة الآخر وفرض نمط ديني أو مذهبي على الحياة العامة، وعلى المجتمع ككل. وبالطبع فإن مثل هذا الأمر لم ينشأ في فراغ، فقد كان له ردود فعل أقسى وأشدّ أحياناً، وهكذا أخذت دائرة العنف تتّسع لتشمل الجميع، خصوصاً بانتعاش بؤر للإرهاب، التي تغذّت بتفاعلها مع جهات خارجية إقليمية ودولية ولأهداف مختلفة.
ولكي يتم تمويل عمليات الإرهاب والعنف، لجأت الكثير من القوى إلى استخدام موارد الدولة لمصالحها الخاصة، الشخصية والحزبية، سواء عبر سرقات منظمة أو هدر المال العام أو توظيفه في غير مواقع التنمية، فضلاً عن أصحاب الحظوة من الأبناء والأصهار والشركاء في إطار عمل غير مشروع.
ويعتبر الفساد الوجه الآخر للإرهاب، كما أنه ليس بعيداً عن مخرجات الطائفية والتقاسم المذهبي- الإثني، وقد أغرى الفساد جميع الكتل والأحزاب والقوى بالانخراط فيه، والتستّر على منتسبيها وأتباعها، ولهذا فإن خطره امتدّ إلى أجهزة الدولة بكاملها والعديد من المنظمات والهيئات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى ضعفت يقظتها إزاء غول الفساد ومخالبه.
ومن المظاهر الأخرى للأزمة العراقية وخلفياتها، هو ضعف الشعور العام بالمواطنة والعودة في الكثير من الأحيان إلى صيغ ما قبل الدولة، سواءً الطائفة، أو الجماعة الإثنية، أو الدين أو العشيرة أو الجهة أو المنطقة، للاحتماء بها والاختباء خلفها، طالما لا تستطيع الدولة حمايتها وتأمين الحدّ الأدنى من وظيفتها في ضبط الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وتلك هي الوظائف الأولى والأساسية للدولة، وأية دولة لا تستطيع القيام بذلك، فلماذا إذاً هي دولة؟
لقد ساهمت الطائفية السياسية في انهيار هيبة الدولة ومعنوياتها، لاسيّما وأن بعض الأطروحات والتوجّهات السياسية وضعت «المرجعية» الدينية المذهبية فوق الولاء للدولة، بما فيها تداخلاتها الخارجية، والأمر لم يقتصر على المؤيدين لهذه «المرجعية»، وهي تمثّل مجموعة من رجال الدين المتنفذين في النجف وأتباعهم الذين يسائلون ولا يُسألون، بل شمل خصومهم أيضاً، الذين يتسابقون معهم أحياناً في الحصول على صكوك المباركة لوظائفهم أو مواقعهم أو امتيازاتهم.
إن ذلك يعني إخضاع مرجعية الدولة لمرجعية غير دستورية، في حين أن جميع المرجعيات، سواءً كانت دينية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو عشائرية، ينبغي أن تخضع إلى الدولة التي لها صفة العلوية والسمو على غيرها من المرجعيات، مهما كانت مكانتها ودورها، بما فيها حق احتكار واستخدام السلاح والفصل في الحكم بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، ومن دون إخضاع المرجعيات الأخرى إليها فلا تصبح والحالة هذه دولة.
وإذا كان الدستور ملغوماً وفيه الكثير من العيوب والمثالب التي تستوجب تعديل نصوصه أو إلغائه لسنّ دستور أفضل، لكن ذلك لا يلغي وجوده القانوني وعلويته والاحتكام إليه وفقاً للنظام السائد، حتى تتوفر فرصة مناسبة، يتمكّن فيها الشعب العراقي من اختيار ممثليه في أوضاع سلمية وطبيعية وآمنة، خصوصاً بوضع حدّ لظاهرة الإرهاب والعنف والفساد.



503
محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا!
عبد الحسين شعبان
أديب وأكاديمي عراقي
يا موت ، يا ربّ المخاوف والدياميس الضريرة
اليوم تأتي...
من دعاك؟
ومن أرادك أن تزوره؟
                   بدر شاكر السياب

I
سيكون هناك أكثر من كلام عن محمود البياتي، في ذكرى رحيله الأولى، فالبياتي قاص وروائي وكاتب وصحافي وناقد، وقبل وبعد كل ذلك إنسان يحبّ الحياة ويعشق ما فيها من خير وجمال، والصداقة عنده معيار قيمي وأخلاقي، لا تعلو عليها علاقة إنسانية أخرى، وحتى العلاقة بين الرجل والمرأة، فالصداقة والإعجاب أساسا ديمومتها واستمرارها. ولهذا كان يعتني بأصدقائه وينشغل بهمومهم وكأنه لا همّ له. كنّا نردّد: قل لي من أصدقاؤك ؟ أقل لك من أنت!
وفي الأسطورة يُروى إن ملكاً جبّاراً وظالماً، كان قد حكم على أحد الأشخاص بالموت رجماً، ليأتي " الناس" يرمونه بالحجارة حتى يفارق الحياة. ولكن الحاكم لا يأمر بالقتل فحسب، بل يريد التلذّذ بطريقة القتل، خصوصاً بإذلال الجميع على القيام بدور المرتكب، وإشراكهم بالتنفيذ. وعندما جاء دور أحد أصدقاء المغدور وكان عليه أن يرميه مثل الآخرين، فحمل وردة وألقاها على صديقه.
عندما وقعت الوردة على الصديق المغدور توفي في الحال، فقد كان وقعها وأذاها أشدّ هولاً وقسوة من الجميع،  وذلك لرمزية العلاقة، فلم تقتله الأحجار التي قذفت عليه بقدر ما أصابته الوردة بالصميم وأثّرت فيه. كان محمود البياتي يستعيد تلك الحكاية معي، وقرّر أن يدرجها في إحدى رواياته.
II
 لم يكن البياتي يحبّ الظهور، وكان أقرب إلى التواري، أو كان مستمتعاً بعزلته المجيدة، وكانت لديه اختياراتُه الدقيقة من الأصدقاء والكتب والموسيقى والأغاني والمأكولات والمشروبات. ولم يشارك في أماسي أو ندوات أو مؤتمرات أو اجتماعات أو منظمات، إلاّ نادراً، على الرغم من اجتماعيته، لكنه كان انتقائياً أيضاً، وظلّ حريصاً على هذه الانتقائية والتميّز، في حين كان قلمه حاضراً ومشاركاً ومطواعاً، واحتفظ حرفه بشبابه وأناقته ورشاقته، مثلما احتفظ صاحبه بابتسامته العذبة وصوته الشجي ووجهه الطفولي.
لم تتعبهُ السنوات، رغم المعاناة والألم، وكأن حلفاً بينه وبين الزمن قد انعقد، ولا أدري كيف حصل ذلك!؟ فهو لا يضجر من الزمن، مثلما لا يكلّ الزمن منه أيضاً. كانت علاقته مع الزمن علاقة استرخاء وتوافق على السير ببطء، إلاّ أن الزمن غافله وغدر به،  وحاول ترويضه، لكن وجهه ظلّ مشرقاً وضحكته صافية، حتى اللحظة الأخيرة. وكان محمود البياتي طوال حياته وفي جميع المواضيع التي يخوضها يمتلك قدرة على الإدهاش والمفاجأة، فإذا بالمرض الذي لا يعرف الرحمة يفاجئه، لدرجة الذهول. المرض لم يمهله  لينجز مشاريعه، خصوصاً وكان قد امتلك أدواته ووصل مرحلة النضج واختزن تجربة غنيّة، وقد بقيت حزمة من المشاريع الروائية والكتابية تنتظر من يضع اللمسات الأخيرة عليها، خصوصاً بعد انتقاله إلى لندن.
إلتقينا بعد مجيئه إليها قادماً من غوتنبرغ، في حانة كان يحبّها في نيومولدن (جنوب لندن)، احتسينا كأسين من الجعة، وفكّرنا كيف يمكن أن نعيد رسم مشاريعنا، ونعيد تنظيم بعض فوضانا وعبثَنا،  خصوصاً إذا قدّر لنا، أن نقترب من بعضنا أكثر.  وكان يقول ليس من المعقول أن آتي إلى لندن وأنت تكون قد غادرتها إلى بيروت، وقبل ذلك حصل أن جئت من بغداد إلى براغ، وأنت غادرتها إلى بغداد، وعندما جئتَ أنت إلى براغ مرّة أخرى وبعد غياب طويل، كنت أتهيأ للرحيل إلى السويد. ولكن هذه المرّة لا بدّ أن تعود إلى لندن. قلت له إن وجودك سيكون حافزاً لي للعودة وهو ما تلحّ عليّ به سوسن وسنا أيضاً.
قلت له عرفنا مدناً كثيرة جمعتنا: براغ، برنو، دمشق، اللاذقية، عمّان، بيروت، غوتنبرغ، لندن، الرباط، كازابلانكا، وكنّا ننوي تنظيم سفرة إلى جزر الكناري، إلى لانزورتي في إسبانيا. قال لي أتتذكر حين كنّا نردّد: المدن مثل النساء، لكل مدينة رائحتها وعطرها وطعمها وخفاياها وفتنتها وسحرها. قلت أكثر المدن سحراً هي التي لا تعرض جمالها. الجمال هو الذي تكتشفه بالتدريج حتى يملأَ أنفاسك، وليس عيونك وإحساسك فحسب. كتبتُ له مرّة من بودابست ثلاثة أشياء أفضلهم العتيق: الخمر والحمّام والصديق، وكنّا نتردّد على "الساونا" باستمرار، فقال لي لا تنسى النساء والكتب والموسيقى ، وعلّقت على ذلك، بدونها لا يمكن أن يتنوّر القلب وينفتح العقل وتتغذى الروح.
كانت رجولته وكبرياؤه مؤثرين لدرجة كبيرة، وكان بمقدوره إيقاع النساء بأسره على نحو عجيب وذلك بتواضعه، وتعامله الحضاري الإنساني الراقي. تمنيتُ أن يسمع هذا الكلام محمود البياتي لأستمتع بقهقهته الضاجّة، وهو يفتل شعره ويداعب شاربيه.
الموت هو الذي يفرّق الأصدقاء والأحبة، إنه يقتطف أعزّ ما نملك، بل يحصد أرواح من نحب، والصداقة التي حرصنا على إدامتها، على الرغم من الضغوط  والتحدّيات التي تعرّضت لها، هي مثل الصحة لا تشعر بقيمتها النادرة، إلاّ عندما تفتقدها. ولكن ماذا نفعل فالموت يمشي إلى جوارنا، ويصاحبنا ويلاصق بيوتنا ويدخلها دون استئذان، يفاجئنا مثل ريح عمياء أو عاصفة هوجاء؟ والمحبة لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق حسبما يقول جبران خليل جبران.
عندما وصلني خبر مرض محمود البياتي: كنت أريد أن أوقف الزمن أو أن أعطّله، مردّداً صرخة غوتة على لسان فاوست: قف، أيها الزمن ما أجملك؟ لكن الزمن "الجميل" يمضي سريعا دون أن يلتفت. إنه مثل النهر لا يعود إلى الوراء، أتراه متربصاً بطبيعته، لا يعرف التوقّف؟ أم إنه مخاتل وماكر ولعين؟ الزمن مثل الموت مراوغ ولئيم وخبيث.
يترك محمود البياتي كثيراً من الذكريات عندي، وكثيراً من الأسرار والهموم والأحزان، وكأننا عشنا سويّة طيلة العقود الأربعة التي عرفته فيها، أي منذ أن حلّ في براغ التي كنت أحضّر فيها للدكتوراه في أيار (مايو) العام 1974 . جاءها مرتاباً ووجلاً، وقرّر ألاّ يعود إلى بغداد مهما كلّف الأمر، فقد أعدم صديقه جواد الهماوندي الذي ألقي القبض عليه، كما أعدمت حبيبته ليلى قاسم حسن، وثلاث رفاق أكراد آخرين معهم. لم تبارحه  تلك الحادثة ولم تمرّ بخاطره لحظة نسيان قط، فقد ظل يمضغ ألمها ويستعيد تفاصيلَها، كانت سبباً في فراره من بغداد وإلى غير عودة، لكنها لم تدعه يهدأ، وظلّ يستجمع المعلومات عنها ويسأل عن مصير عائلة صديقه الهماوندي، حتى تمكّن من إعادة بعض حقوقها واستحقاقاتها، عبر صداقاته الكردية، وكان يطلعني عليها ويأخذ رأيي فيها.
III
كل لقاء مع محمود البياتي يعقبه ذكرى، يتحفني بها أو يحيّرني أو يدهشني، فهو لا يستسلم إلاّ لبعض عادات خاصة إيجابية أو سلبية، ولم يكن تقليدياً أو نمطياً. كان دائم الإشراق والتفتّح والتجديد، ودائم السؤال ودائم الحيرة.
والهدى أن تهتدي إلى الحيرة،
لأن الأمر حيرة
والحيرة حركة
والحركة حياة
كما يقول  ابن عربي
كلّ ما فيه كان صميمياً حتى أخطائه ونواقصه، وكنّا نسخر من حماقاتنا وأخطائنا ونواقصنا، وكل شيء فيه دالاً عليه بوضوح: ضحكتهُ، سخريته، حزنه، نقده، غضبه، خفّة دمه، كسله ، متعتهُ، كبرياؤهُ، عزّة نفسه، قلقه. لا يجرح أحداً ولا يصدم  ولا يعنّف، يغفر ويسامح، ولم أجد مثل تلك الخصلة الإنسانية، إلّا لدى عدد محدود جداً من العراقيين، فضلاً عن عفّة لسانه ومروءته،  وحتى لو اضطرّ للردّ فسيكون محدوداً ومحدّداً، بالحدث ذاتهِ دون سواه.
كان مسالماً، ودوداً ومرحاً ومزاجه معطراً باستمرار ، يثق بالناس، ويحبّ البسطاء منهم، ولديه أصدقاء من الطبقات الاجتماعية الدنيا، التي كان يحبّ الاستماع إلى حكاياها وقصصها ويحاول توظيفَها واستخدامَها في أقصوصاته وحكاياته وقصصه ورواياته، وكان يستعيد بعض شخصياتها مثلما في قصة " خليلو". كان مؤنساً بقدر ما كان قلقاً، حين يمزح معك ، كأنه يلاحق نجمة في السماء، أو طائرة ورقية، وبكل الحب والألفة، يحاول الإمساك بخيط المودة، وحتى لو شعرت بقلقه، فهو لا يريد أن يشغلك به.
ما الذي كان في باله وهو يتلقّى من الطبيب خبر إصابته بالسرطان، قد يكون قال ما قاله الكاتب الألماني الياس كانيتي الحائز على جائزة نوبل العام 1981، والذي قرّر أن يكتب كتاباً ضد الموت بعد وفاة والدته.
يقول كانيتي والنص يعود للعام 1960: وماذا عساني أفعل إذا قال لي الطبيب: أنت مصاب بالسرطان، ... ربما أجعل صوتي أكثرَ فرحاً، لكن أكثر إقناعاً. وبدلاً من ذهابي للتنزّه، أذهبُ إلى المقهى وأتناقش مع ذاتي. أكفّ عن شراء الكتب. ومساءً، وقبل هبوط الليل، أجلس إلى طاولة عملي وأنكب على الكتابة. أضع على الأقل عشر صفحات خارقة. وأعيش أخيراً، كما كان يجب أن أعيش دوماً، بنشاط، محموم، وحتى ولو لم يتبقّ لي سوى سنة للعيش، سأكتب أكبر رواية في عصرنا، حيث تكون كل كلمة غير مسبوقة، بالإضافة إلى أمور أخرى.
وهذا ما فعله محمود البياتي بالضبط حين أمضى وقته، بين المستشفى وبين استكمال روايته " الهارب" التي صدرت بعد رحيله.
IV
       
هل كان محمود البياتي سعيداً؟ وما هو مصدر سعادته؟ الإنسان السعيد يحتاج إلى أصدقاء حسب أرسطو، ولن تتحقّق الصداقة الكاملة إلاّ بين أناس فضلاء، لأن هؤلاء يتمنّون الخير بشكل مماثل لبعضهم البعض، وحسب تعبير سبينوزا: وحدهم الأفراد الأحرار يستطيعون الارتباط برباط الصداقة الوثيق.
ولكن أحياناً يتوجّب على الإنسان الشريف أن يكافح الجميع، ويتجرّع كل أنواع السموم التي يقدّمها الأعداء والأصدقاء "الأعدقاء" حسب كازانتاكي، الذي كان محمود البياتي معجباً به جداً، ابتداءً من رواية زوربا، والفيلم الذي شاهدناه في الستينيات وتأثرنا به، إضافة إلى كتبه الأخرى، مثل "الأخوة الأعداء" و"الثعبان" و"الزنبقة".
يقول أفلاطون: الصديق: إنسان هو أنت، إلاّ إنه بالشخص هو غيرك، وصديق كل امرئ عقله. وقد سُئل فيلسوف ذات يوم حسبما يروي أبو حيّان التوحيدي: من أطول الناس سفراً، فأجاب من سافر في طلب الصديق.
كنتُ ولا أزال أؤمنُ مع جبران خليل جبران، بأن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء، كلّما رحل صديق مات جزء، وكلّما غادرنا حبيب مات جزء، وكلّما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميّتة فيحملها ويرحل.
غاب محمود البياتي مثل غيمة  فضّية مُسرعاً بعد أن أمطر كثيراً، لم يكن هلعاً ولم يتوارَ هذه المرّة، بل إنه واجه القدر بصدر مفتوح، وإنْ لم يكن ينوي القتال، لكنه أراد الموت الرحيم بدلاً من العذاب، لآخر لحظة ظلّت الابتسامة على شفتيه، كنت أتحاشى وأتجنّب الحديث معه في الأشهر الأخيرة بواسطة التلفون، ولم أكن أحبّذ اللقاء به حتى خلال  زيارتي إلى لندن، لكن ابنتي سوسن ، التي كان قد أنقذ حياتها وهي ببطن والدتها الحامل بها، أصرّت عليّ على أن أزوره، لكي أملّي عيوني بمرآه الجميل ولكي لا أندم كما قالت.
استمعت إلى نصيحتها وحملت حالي، بعد أن ذرفت دموعاً في الحمّام، اتصلت بشقيقه محمد كامل عارف، وأبلغني إنه مع الدكتورة منيرة شقيقته، وسيتصل بي بعد خروجه من مراجعة الطبيب، بعد نحو نصف ساعة، تكلّمت معي منيرة، وقالت إن محمود يرحّب بزيارتك، بعد أن كان قد امتنع منذ أشهر عن قبول زيارات الأصدقاء والمعارف، نظراً لوضعه الصحي. عندما ودّعني في باب منزل شقيقته كانت عيناه تلمعان. شعرت أنه عاد كطفلٍ محمّلٍ بالوعود والأحلام والكثير من الأوهام. كما شعرت إن هذا آخر لقاء يجمعنا، فقد حاولت أن أتفحّصه، وأختلس النظر إليه. قبّلته وشممته وحضنته، وبقينا لأكثر من دقيقة نتعانق، ثم صافحته بقوة وأدرت وجهي مسرعاً.
نوبة الحزن التي أصابتني بعد رحيله أقعدتني أياماً بدوامة وكوابيس. قرّرت بعدها أن أتجاوز الأمر، فالقدر الغاشم متربّص بنا، وعلى صدى أنفاسنا حرسا كما يقول الجواهري الكبير. وفي هلوساتي ما بعد الموت الأول، ارتسمت ثمة صور أمامي، كانت تذهب وتأتي وأنا موزّع بين الرغبة في البقاء المبهم وصرير العالم الآخر، الذي كنت أسمعه بقوة في أذني، مرّ شعاع خاطف، ثم اختفى بعد ظلمة عميقة مثل بئر مخيفة، لم أميّز سوى ظلال صورة مشتركة لوالديّ، ثم مرّت بضعة صور أخرى لحبيبات وأحبّة، ولكن الأوضح كان وجه والدتي البلوّري، ووجه محمود البياتي باسماً.
لا يوجد شيء قضّ مضاجع محمود البياتي وكدّر عليه حياته، مثل الحرب على العراق العام 1991 وفرض الحصار فيما بعد، على الرغم من موقفه من النظام السابق وممارساته الشمولية الإرهابية، ولكن احتلال العراق العام 2003، كان أشدّ قسوة عليه ، حيث أدخله في حالة كآبة لبضعة شهور، على الرغم من أنه كان يعرف المقدمات: حروب عبثية وحصار ونظام عقوبات دولي واستبداد داخلي، لكن الوطن هو الوطن، وليس هناك جدالاً أو نقاشاً بشأنه، والوطنية ليست وجهة نظر، إنها انتماء وجداني ورابطة طبيعية.
في براغ منتصف السبعينيات، وأواخر الثمانينيات فيما بعد، جمعتنا أماسي وليالي وذكريات، ولاسيّما مع أبو كاطع وسعد عبد الرزاق زوج شقيقته منيرة، وكفاح شقيقته وعزيز زوجها ومي ابنة عمه، أو مع عصام الزند وعلي كريم   ومحمد الأسدي ومهدي السعيد، وفيما بعد مع صادق الصايغ وسعاد الجزائري ومفيد الجزائري وماجد عبد الرضا ورواء الجصاني وعامر عبدالله وحميد برتو ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وأحمد كريم وخالد السلام وآخرين.


V
أتذكّر دعوة محمود البياتي لي ولوالدتي ووالدي وأختي سميرة وأخي حيدر، وكيف تعلّق والديّ به وظلاّ يتذكّرانه، وفي لندن لاحقاً وبعد نحو 30 عاماً وبيروت فيما بعد،  إلتقى محمود بالوالدة ، وكان في زيارته قبل الأخيرة لبيروت قد قضينا معه نحو عشرة أيام، كان كلّ يوم يستمع إلى قصص من والدتي وشقيقتي سلمى، قلت لهما إنه سيدوّن كل شيء وستكونان بطلتان لرواية قادمة له. وعندما كنت أتعب وأنام مبكّراً، كان هو ووالدتي وشقيقتي سلمى يستمرون في السهر حتى الثانية عشرة مساء.
كنت أمزح مع محمود البياتي وأقول له: كنّا قد شاهدنا فيلماً في بغداد في مطلع الستينيات، بعنوان "صائد الفراشات " في سينما غرناطة، لكن الفراشات هنّ من يحاولن اصطيادك، بل والحمامات والفخاتي يتحلّقن حولك. أتراك تنثر حبوباً مغناطيسية لاصطيادهن؟ كان يشعر بالانتشاء ويضحك من كل قلبه، لكنه هو كذلك يحاول رمي الكرة في الملعب الآخر أيضاً. وعلى البُعد أحياناً كنّا نتابع كل منّا الآخر، وإنْ كنّا  نلتقي بعد فراق سنة أو سنتين،  وكأنها يوم أو يومين، فندخل في حديث، كأننا نستكمل ما دار بيننا الليلة الماضية، حيث تزدحم جلستنا بالقصص والحكايا والأخبار والهموم .
في كل مرّة يستقبلني فيها، يبقيني في بيته، ولا أتذكّر مرّة أنني زرت براغ دون أن أقضي أمسية عنده. زوجته ياسمين عمر تسبقه أحياناً لاستقبال الضيوف اليوميين، وولداه، فرح وزيد يودّعاني دائماً بقبلات حارة قبل نومهما، ونحن نستمر، نتسامر ونتبادل الهمّ ونتحدث في قضايا السياسة والأدب والثقافة والنساء والدين، وننتقد ذاتنا مثلما ننتقد الآخرين، ونعود ونعدّد أخطاءنا ونرثي لحالنا أحياناً .
تشعر مع محمود البياتي بالحميمية، خصوصاً وأنت تنفذ معه إلى العمق، بكلام حر وسخرية لاذعة، وكنّا نردّد إن أشقى من السقوط في الحفرة هو الاّ يعرف الإنسان أين هو: أفي داخلها أم في خارجها؟ أهو وقع فعلاً أم إنه  على الحافة؟أحقاً يتيه البشر إلى هذا الحد وتتضبب رؤيتهم، أم إنهم يستسلمون لهذا المصير الخائب!؟
كنت أُلاطفه بالقول إن "إنثاك" المفضّلة هي الحقيقة، لأنك ترى الأشياء من خلالها بشفافية مذهلة وحساسية مفرطة، وتلك علاقة مركبة ومتداخلة عند محمود البياتي بين الحقيقة والمرأة وبين الجمال والحب، وبين الإنسان والخير، وكان قادراً على أن يقرأ ما في قلوب النساء حتى إذا قابلهن لأول مرّة.
كان محمود البياتي يسبح في بحيرة ضوء، ويرى الّلآلئ حوله بإشعاع بهيج، ويتأرجح بين الإقامة والسفر، وكأن هناك حبلاً سرّياً يصل بين الحياة والموت إنه النص الأخير والقصيدة التي لم تكتب، لسنّارة الحلم لهذا العاشق المعتّق، الذي ما زالت الذاكرة تأكلنا، كلما استعدنا تفاصيله الصغيرة.
بلغة أقرب إلى المباشرة تقول قصص محمود البياتي، العميق من الأشياء، بالبسيط من الحدث الفني كما تقول يمنى العيد (خالدة سعيد).المكان، سواءً في بغداد أو  في المنفى له حصة كبيرة في سردية محمود البياتي، والموضوعات التي اشتغل عليها تشعرك باستمرار، أنك عشتها أو ساهمت ببطولتها، أو أنك تعرفها أو كنت قريباً منها. إن عمله الإبداعي هو محاولة جادة لإعادة اكتشاف الأشياء التي حولنا بطريقة كثيرة البوح وعالية الجمال. ومع إنه لا يمكن التعويض عن خسارة الوطن بمقايضته بالمنفى، لكن المنفى كان وطناً آخر للبياتي، لأنه عاش حرّاً وطليقاً على الرغم من المنغّصات الكثيرة والتحدّيات الكبرى والترهات الصغيرة.
تعرّض محمود البياتي للأذى والتنكيل فقد اضطرّ لمغادرة العراق بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومقتل ابن عمه وصفي طاهر، وعاش عام في بيروت وعامين في براغ وبرلين، ثم عاد إلى العراق العام 1966 وعمل بالصحافة حتى العام 1974، واضطرّ لمغادرة العراق كما ورد ذكره. وفي براغ لم تدّخر البيروقراطية الحزبية وسعاً بالتضييق عليه والإساءة له، وسحبت إقامته بهدف إرغامه على تقديم فروض الطاعة، ولولا تدخّلات مؤثرة من جانب شخصيات عراقية معروفة لدى السلطات التشيكوسلوفاكية وكذلك شخصيات فلسطينية، لكان قد تم رميه على الحدود.
وفي أكثر من معرض ومطالعة يذكر محمود البياتي الشخصيات التي وقفت معه، وخصوصاً نوري عبد الرزاق وعامر عبدالله وتيسير قبعة وآخرين، وقد تركت تلك الضغوط والإساءات، تأثيرات سلبية عليه، وكتب قصة بعنوان " المشبوه" علّق عليها شريف الربيعي في صحيفة الحياة، في حينها مشيراً إن الاتهام بالعمالة والشرف وتصفية الحسابات الشخصية، تجري على ذات الخلفية المفقودة المعبّر عنها بالسلوك السلبي والمشين في ممارسات الحزبيين، ليس ضد غيرهم فقط من معتنقي الأفكار الأخرى، وإنما أيضاً ضد بعضهم البعض، حسبما تقتضيه المصالح الشخصية التي تتقدّم على كل قناعة أخرى. وقد قال محمود البياتي إنه جمع كل ما يتعلق بواقعه تهديده بالطرد من تشيكوسلوفاكيا ومعه زوجته وطفليه، في تلك الظروف القاسية، حيث لم يكن بالإمكان الذهاب إلى العراق لموقفه المعارض للنظام السابق، وليس لديه مستقر يلتجئ إليه حينها. والسبب كما شرح هو تهديده بتقديم معلومات عن رفاقه وأقاربه وأصدقائه بسبب خلافات حزبية.
إن قصص محمود البياتي هي مزيج من السخرية والمرارة والمزاج المنفعل كان يحيكها بمهارة ويضعها في حبكة درامية "بالسهل الممتنع" وبلغة مفهومة ومؤثرة، وعلى الرغم من إنني قرأت كل ما كتبه، لكنني أميّز مجموعته "جغرافية الروح" وقصته "بغداد- طهران- ستوكهولم"، خصوصاً حين يُغلَّب الخطاب الآيديولوجي على الاعتبار الإنساني، لدرجة مثيرة للسخرية، والسخرية حسب ماركس تستوجب اتخاذ موقف جاد منها. لقد حاول البياتي مزاوجة الواقع بالخيال في كل ما كتبه، فيما يخص الزمان والمكان، وسواءً كان الأمر يتعلّق بالوطن أو المرأة أو الصداقة أو الإنسان.
VI
ختاماً كبطاقة تعريف نقول: ولد محمود البياتي في بغداد لعائلة بغدادية عريقة في 17 شباط (فبراير) العام 1944، واضطر إلى الهجرة لنحو أربعة عقود من الزمان، عاش في براغ نحو عقدين من الزمان ، وفي السويد عاش في مدينة غوتنبرغ نحو عقدين من الزمان أيضاً، وتوفي في لندن التي انتقل إليها قبل عام وبضعة أشهر على وفاته (31/10/2014).
عمل في الصحافة العراقية وكتب في القصة، وكانت أول مجموعة له هي اختراق حاجز الصوت التي صدرت في القاهرة، عن دار المستقبل العربي، العام 1984. كما نشر رواية بعنوان " رقص على الماء- أحلام وعرة" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر العام 2006.
وله قصص وحكايات، " جغرافية الروح" بيروت، 1994 وارتباك، وهذيان خلف كواليس المسرح، ودراسات ومقالات متنوعة. كان ينشر في صحيفة المنبر باسمه أو باسم  مستعار هو سنان علي أو بدون اسم أحياناً.
محمود البياتي أأسميك حلماً، أم ماذا؟  وهكذا يستمر محمود البياتي وكأنه لم يرحل، يظهر فجأة ويحيينا من عليائه، بابتسامته العذبة، ليختفي ثانية.


504
جائزة نوبل والمجتمع المدني

عبد الحسين شعبان
بعد أن أعلنت لجنة جائزة نوبل للسلام منحها الجائزة هذا العام 2015 لمنظمات المجتمع المدني التونسية، لم يعد أدنى مبرر لتجاهل الدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، لاسيّما في تونس، في الدعوة إلى الإصلاح والتقدّم والتنمية وفي تعبئة الجهود والطاقات من أجل ذلك، بل أصبح لزاماً على الحكومات العربية تعاملاً مختلفاً عن تعاملها في الفترة السابقة التي اتسمت بالتشكيك والريبة، بل والاتهام، كما أصبحت مسؤولية المجتمع المدني أكبر من السابق، لاسيّما التعاطي من موقع القانون والمهنية إزاء القضايا التنموية والمجتمعية.
الأمر يحتاج إلى إعادة النظر بدور مؤسسات المجتمع المدني ومشاركتها في اتخاذ القرار، خصوصاً عندما تسعى لتصبح قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، لتقديم حلول ومعالجات ومشاريع قوانين وأنظمة، للمساهمة في عملية التنمية والعمل على رصد ومراقبة تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية في إطار حكم القانون والشفافية واحترام التنوّع والتعدّدية، بحكم دورها الرصدي والرقابي.
ويعود سبب منح جائزة نوبل لمؤسسات المجتمع المدني، وهي تمنح لأول مرّة، إلى الدور الذي لعبته أربع منظمات فاعلة في التوصّل إلى حلول للأزمة التونسية التي تفاقمت، بين حزب النهضة الإسلامي ومن معه، وتيار ليبرالي أخذ بالاتساع، خصوصاً في ما يتعلّق بمدنية الدولة، وذلك حين نجحت المنظمات الأربع، برعاية حوار وطني، توصّل في نهاية المطاف إلى نزع فتيل الأزمة، وأسهم في إرساء التوجّه الديمقراطي بعد الاستعصاء الذي كادت أن تصله ثورة الياسمين المنتصرة في العام 2011.
لقد واجهت عملية الانتقال الديمقراطي في تونس تحدّيات مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية وإرهابية، داخلية وخارجية، كادت أن تعصف بها، خصوصاً بالتوترات الاجتماعية والفوضى المتشعّبة، والاغتيالات السياسية التي شملت قادة ورموزاً مثل شكري بلعيد ومحمد البراهيمي وهو ما أدركت خطورته مؤسسات المجتمع المدني فبادرت أربع منظمات أساسية للتقدم بوساطة في العام 2013، وعلى أساس هذه الوساطة تم تنظيم حوار وطني طويل وصعب، أطلق عليه البعض «الحوار الماراثوني المضني»، ولكنه في نهاية المطاف مَنَعَ الشلل الذي كادت أن تصاب به مؤسسات الدولة، وأفضى إلى توافق، قاد إلى تفاهم بشأن استكمال مسار العملية السياسية سلمياً وبسلاسة، حتى إجراء الانتخابات البرلمانية.
ونجح حزب نداء تونس الجديد، الذي ضم خليطاً من قوى ليبرالية ويسارية وبعض المحسوبين على النظام السابق، بمن فيهم موظفون رفيعو المستوى، بقيادة القائد السبسي رئيس الوزراء الأسبق، الذي أصبح رئيساً للجمهورية في الانتخابات، ولم يعترض حزب النهضة على نتائجها كما جرت العادة، بل بادر إلى تهنئة الحزب الفائز بفوزه، مؤكداً حرصه على نجاح العملية السياسية الديمقراطية، الأمر الذي جنّب البلاد مخاطر الاحتراب الداخلي وقلّص من استغلال الجماعات الإرهابية والمتطرّفة، الانقسام السياسي، وحالة الفوضى الناجمة عنها وشلل مؤسسات الدولة، لكي تقوم بتنفيذ خططها الإجرامية.
وبغض النظر عن الرأي السلبي إزاء الأحزاب الإسلامية، فإن حزب النهضة، تحلّى بالحكمة والواقعية السياسية، سواءً بضغوط مجتمعية ومدنية واجهها أو لقناعة تولّدت لديه أو حساب دقيق لتوازن القوى، فإن النتيجة كانت إيجابية للشعب التونسي ولمسار العملية السياسية،
ولم يتشبّث حزب النهضة برأيه بخصوص تطبيقات الشريعة الإسلامية، التي حاول التيار السلفي إحراجه بها بمزاوداته ضد التيار العلماني، الديمقراطي الليبرالي، كما لم يتقدّم بمرشح لرئيس الجمهورية، وترك لأعضائه حرّية اختيار من يرونه مناسباً، وذلك إيثاراً منه وبُعد نظر، خصوصاً وهو يرى ما حصل للاخوان المسلمين في مصر من جرّاء محاولتهم «أخونة» المؤسسات، فتحرّك الجيش حينها، وحسم الموقف بعد حركة احتجاج شعبية عارمة، فألغى الدستور ونتائج الانتخابات.
لو اختارت حركة الإخوان في مصر وحزب الدعوة الإسلامي والجماعات الإسلامية الأخرى في العراق، شيعية وسنّية، مثل هذا التوجّه لجعلت البلاد في مسار آخر وفي مشهد سياسي مختلف، وأقل ما يقال عنه إنه سيعيق الجماعات الإرهابية، إذْ كلّما تعزّزت الوحدة الوطنية ضاقت دائرة الإرهاب، وبالعكس، فكلّما ضعفت الوحدة الوطنية، فإن الإرهاب يجد فرصته المناسبة وبيئته الخصبة والحاضنة، لكي ينفّذ عملياته الإرهابية مستغلّاً مثل تلك الثغرات الخطيرة، التي يسبّبها الاحتراب الوطني.
إن منح جائزة نوبل لمؤسسات المجتمع المدني التونسية، هو اعتراف صريح وواضح من المجتمع الدولي، ومن مؤسسة عريقة بالدور الذي قامت به هذه المنظمات لحفظ السلام والأمن وفي مواجهة الإرهاب، وفي التوصّل إلى حلول لحماية الوحدة الوطنية والحفاظ على العملية التعدّدية السياسية الديمقراطية، وجائزة نوبل التي تأسست 1901 تمنح للشخصيات المتميزة في 10 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام في العاصمة النرويجية (أوسلو).
إن جائزة نوبل التي مُنحت بجدارة لمؤسسات المجتمع المدني التونسية الأربع، هي استحقاق لتاريخ نضالي عريق ومساهمة فعّالة بدور مجتمعي معترف به، ولذلك فإن منح الجائزة هو تشريف للدور التاريخي الذي لعبته هذه المنظمات.
المنظمات هي: الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر من أعرق المنظمات النقابية وقد تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (العام 1946) أي قبل استقلال تونس العام 1956، وكان قائده الشخصية الوطنية فرحات حشّاد، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وهو منظمة مهنية تأسس العام 1947، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، التي تعتبر من أولى منظمات حقوق الإنسان في العام العربي، إذا استثنينا جمعية حقوق الإنسان في العراق التي تأسست في العام 1960، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، وهي منظمة تضم المحامين ولعبت دوراً كبيراً ما بعد الثورة.
وبالاشارة إلى العمل الحقوقي، فإن المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي تأسست في العام 1983، ساهمت مع اتحاد المحامين العرب، في تأسيس المعهد العربي لحقوق الإنسان العام 1989 برئاسة حسيب بن عمار، ولعب هذا المعهد دوراً كبيراً في تخريج آلاف النخب التونسية والعربية وتدريبها للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي، وكان رئيسه حتى الثورة وزير الخارجية الحالي الطيب البكوش ورئيسه الحالي الحقوقي الضليع عبد الباسط بن حسن.
إن منح جائزة نوبل لمنظمات المجتمع المدني التونسية، إنما هو إقرار بدورها المجتمعي والوفاقي والتنموي، إضافة إلى دورها الحقوقي واعتراف بقدرات المجتمع المدني في إدارة حوار وطني بعيداً عن الانحيازات المسبقة، مثلما هو دعم للثورة التونسية التي كانت المفتتح لاندلاع ثورات الربيع العربي، على الرغم من تعرّض بعضها للتراجع والارتداد، الأمر الذي أصاب جمهوراً واسعاً بالخيبة والخذلان.
في 15 أغسطس/ آب العام 2013 التقى القائد السبسي بالشيخ راشد الغنوشي في باريس، قال الأول للثاني: إذا أردت مصيراً ديمقراطياً للبلد «تتوَنس»، أي كن تونسياً، وذلك في إشارة إلى فشل التجربة المصرية الإخوانية. فهم راشد الغنوشي بذكائه مضمون الرسالة التي وجهها السبسي، وهي تعبير عن أوساط تونسية واسعة وجهات عربية متنوّعة وقوى دولية نافذة، وقرّر أن يحوّل «هزيمة الإخوان» إلى «نصر تونسي»، له ولمنافسيه، سواء كان ذلك اختياراً أو اضطراراً. والعبرة دائماً هي أن الحوار واللّا عنف يأتيان بالنتائج ولو بعد حين.
ليست الجائزة بحد ذاتها ذات قيمة، بقدر تعبيرها عن الاعتراف بانتصار المجتمع المدني التونسي، وتمكّنه من إدارة حوار مسؤول وجاد، وإيصال الأطراف المختلفة والبلاد عموماً إلى شاطئ الأمان، وتجاوز العقبات الجسيمة التي كانت تهدّد مسار الثورة، وقد آن الأوان لكي يتم تكريم مؤسسات المجتمع المدني العربية، وهذه الأخيرة عليها الابتعاد عن الانخراط في العمل السياسي أو الانحياز الإيديولوجي، مثلما عليها أن تضع مسافة واحدة بينها وبين السلطات والمعارضات، وأن تتعامل بمهنية وموضوعية وشفافية وتكون عامل تقارب وتوحيد، وليس عامل تباعد وفرقة.



505
«الجنائية الدولية».. تغوّل السياسة على القضاء أم ماذا؟
د. عبد الحسين شعبان
في لاهاي المدينة الهولندية العريقة والساحرة تتجاور في قصر السلام الشهير ثلاث صروح قانونية، الأول محكمة العدل الدولية، والثاني  محكمة الجنائية الدولية، والثالث "أكاديمية القانون الدولي"، ويشعر المرء بمهابة كبيرة وهو يدخل إلى هذا القصر المنيف الذي شهد أحداثاً دولية مهمة.
أواسط شهر اكتوبر (تشرين الأول) من العام الجاري 2015 إلتهب الموقف بين المحكمة الجنائية الدولية وحكومة جنوب أفريقيا، بعد إعلان الأخيرة الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. القرار اتخذ على خلفية مطالبة المحكمة الجنائية الدولية تسليم الرئيس السوداني عمر حسن البشير إليها، خلال زيارته السابقة لجوهانسبرغ لحضور مؤتمر القمة الأفريقي المنعقد في شهر يونيو (حزيران) 2015.
وما زاد المسألة تعقيداً هو صدور قرار قضائي من المحكمة العليا بجنوب أفريقيا يقضي بمنع الرئيس البشير من السفر (مؤقتاً)، ومع ذلك فلم تمتثل حكومة جنوب أفريقيا إلى الرأي القضائي الداخلي، الذي سبّب لها إحراجاً دبلوماسياً، سواءً مع السودان أو مع الاتحاد الأفريقي، مثلما لم تستجب للقضاء الدولي.
وكان قاضي المحكمة  العليا دونستان ملامبو قد قال: إن مغادرة البشير قبل صدور الحكم النهائي يدلّ على عدم انصياع الحكومة لأوامر المحكمة، واعتبر من الحكمة مطالبة المدعي العام لإقامة دعوى قضائية ضد أولئك الذين سهّلوا مهمة البشير في الهرب، وانتهكوا قرار المحكمة، وانتقد حكومة بلاده بقوله: الديمقراطية التي تقوم على سيادة القانون تنتفي إذا تجاهلت الحكومة إلتزاماتها الدستورية، فالمحكمة حسب وجهة نظره هي  حارس العدالة وحجز الزاوية في أي نظام ديمقراطي يتأسس على القانون.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت أمري اعتقال بحق الرئيس السوداني الأول في العام 2009 لاتهامه بارتكاب مجازر جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والثاني  في العام 2010 لاتهامه بارتكاب جرائم إبادة في دارفور. لكن البشير رفض الاعتراف بالمحكمة، ويرى أنها أداة استعمارية موجهة ضد بلاده وضد الأفارقة. وقد اتخذت القمة العربية من الدوحة 2009 قراراً بالوقوف معه ضد قرار المحكمة، خصوصاً وأن الدول العربية لا تزال بأغلبيتها الساحقة خارج نطاق المحكمة، والدول التي انضّمت إليها هي الأردن وجيبوتي وجزر القمر وتونس ومؤخراً فلسطين، أما بعض الدول العربية التي وقعت على الاتفاقية فلم تصدّق عليها. كما أن عدداً غير قليل من  دول الاتحاد الأفريقي هي الأخرى ليست منضمّة إلى المحكمة.
الأزمة الأخيرة بين جنوب أفريقيا والمحكمة الجنائية الدولية طرحت المشكلة بحجمها على بساط البحث، ليس فيما يتعلق الأمر بالرئيس السوداني، بل بعلاقة السياسة بالقضاء ونظام العدالة، علماً بأن جنوب أفريقيا كانت من أوائل الدول التي صدّقت على نظام روما وأدمجته في قانونها الوطني، وعندما دخل حيّز التنفيذ في العام 2002 كانت من المتحمسين له، منذ أن باشرت المحكمة عملها في يوليو/تموز من نفس العام، لكن تطبيقات المحكمة وتوجهاتها وانتقائيتها دفعت جنوب أفريقيا إلى إبداء الكثير من التحفّظات، بخصوص تغوّل السياسة على القانون، الأمر الذي قاد إلى إعلانها عن الانسحاب من المحكمة.
وعلى الرغم من إن هناك من يعتبر عدم امتثال حكومة جنوب أفريقيا إلى أحكام نظام روما الذي وقّعت عليه يساعد في الإفلات من العقاب  والمساءلة، لكن رأياً مقابلاً يقف في مواجهة هذا الرأي، وخصوصاً لدى البلدان النامية وبشكل خاص الإسلامية والعربية، ومفاده إن " القانون الدولي" بما فيه تفسيراته الخاطئة وتأويلاته الإغراضية يطبّق على العالم الثالث، أما انتهاكاته السافرة والصارخة، من قبل القوى العظمى، سواء بفرض الحصار على الشعوب أو ممارسة العدوان عليها أو احتلال أراضيها أو نهب ثرواتها، فإنه لا يدخل في إطار المساءلة ولا في تحرّك المحكمة الجنائية الدولية.
وبهذا المعنى فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تنفّذ " قواعد القانون الدولي" إلاّ على الدول الضعيفة، حسب ما جاء في مقالة في صحيفة نيويورك تايمز للكاتبة سوميني سينغويتا، حيث تقول: إذا كان الجاني من أصحاب النفوذ فإن المحكمة تغضّ النظر عنه وتدعه يفلت من العقاب. ولكن ما هو القانون الدولي  لكي نقول أن القوى العظمى لا تلتزم به أو أنها تسعى لتكييفه لينسجم مع مصالحها؟ ثم بماذا يختلف عمّا نطلق عليه الشرعية الدولية؟
باختصار نقول إن القانون الدولي هو مجموعة قواعد قانونية تعبّر عن توازن القوى في مرحلة معينة وتعكس الواقع الدولي، وبما إن هذا الواقع مختل لصالح القوى المتنفذة والمهيمنة على العلاقات الدولية، فإن السياسة ستتغوّل على القانون لمصلحة الدول العظمى السائدة، وهكذا فإن الشرعية الدولية، هي انعكاس لتوازن القوى في لحظة تاريخية، ولذلك تجدها أحياناً تتعارض مع القواعد العامة للقانون الدولي الذي جرى إقرارها في وقت سابق. فكم من مرّة خالف مجلس الأمن ميثاق الأمم المتحدة؟ وكم من مرّة تجاوزت " الشرعية الدولية" على قواعد القانون الدولي؟
وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية تعدّ تطوراً كبيراً في الفقه الدولي أخذ طريقه لتعزيز مبادئ العدالة على الصعيد الدولي، بوضع نظام متطور لأول محكمة دولية دائمة لمحاكمة الأفراد، لكنه كأي فكرة نبيلة هناك من يحاول توظيفها وتسخيرها لخدمة أهدافه الخاصة، ولكن ذلك لا يعني خطل فكرة نظام دولي للعدالة، فقد يأتي اليوم الذي يمكن استثمارها لصالح المظلومين وضد الظالمين، ولكن الأمر يحتاج إلى إحداث تغيير على مستوى العلاقات الدولية لتكون أكثر عدالة ومساواة بين الدول والشعوب كبيرها وصغيرها.
إن تطبيقات المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن أثارت موجة من الشك حول صدقية الجهاز القائم عليها والوجهة التي اتخذتها، ومن أهم الاثباتات على ذلك إن جميع القضايا التي تابعتها تتعلق بالبلدان النامية وغالبيتها الساحقة في أفريقيا، وبدأت التحقيق بقضيتين في أمريكا اللاتينية. صحيح إن الانتهاكات في العالم الثالث هي الأكثر شمولاً، لكن ذلك لا ينفي وجود انتهاكات سافرة وصارخة من جانب القوى العظمى.
ومن أهم القضايا اللافتة بالنسبة لنا نحن العرب وفي البلاد الإسلامية، إن المحكمة وقفت مكتوفة الأيدي إزاء الشكاوى التي تم تقديمها ضد "إسرائيل" بسبب جرائمها وحروبها المتكرّرة في غزة، كما إن موقفها كان ملتبساً إزاء قتل إسرائيل 9 أشخاص من الأتراك على متن أسطول الحرية العام 2010، إضافة إلى الجرائم التي ارتكبتها واشنطن ولندن في العراق وفي أفغانستان والصومال وبورما وغيرها.
الاستنتاج الأول الذي يمكن للمرء أن يصل إليه هو تغليب العامل السياسي لدى المحكمة والجهات المتنفذة فيها على وظيفتها القضائية، وبالطبع فإن ذلك يلحق ضرراً بقضية العدالة .
الاستنتاج الثاني بخصوص قضية الرئيس السوداني، وبغض النظر عن الأفعال المنسوبة إليه، والتهم المتعلقة بارتكابات جسيمة لحقوق الإنسان، فإن هناك إشكالية تتعلق بالحصانة القضائية  لرؤساء الدول الذين لا يزالون في الحكم، وهو ما كانت محكمة العدل الدولية قد بتّت فيه في قضية الكونغو ضد بلجيكا العام 2000، فرفضت طلب بلجيكا باعتقال وزير خارجية الكونغو بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية (والأمر يشمل رئيس الدولة بالطبع.
وحتى الآن لا توجد سلطة قضائية دولية عليا تقرر بشكل صريح، أي جهة يمكن أن تتبع في حالة تنازع أحكام المحكمتين، بالرغم من اختلاف اختصاصاتهما، علماً بأن محكمة العدل الدولية، وإن كانت قراراتها تتعلق بالفصل في النزاعات بين الدول التي تقبل بولايتها وبتفسير القانون والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومرجعيتها الأمم المتحدة، في حين إن المحكمة الجنائية الدولية التي يفترض أن تبّت في القضايا الجنائية وتصدر أحكاماً قضائية، فإن مرجعيتها هي قانونها الأساسي، وهو أقل حجية من ميثاق الأمم المتحدة.
الاستنتاج الثالث  يتعلّق بعدم التحاق دول عظمى بالمحكمة الجنائية قد تكون الأهم على المستوى العالمي، فالولايات المتحدة انسحبت منها عشية دخولها حيّز التنفيذ، والصين وروسيا ليستا عضوين فيها، علماً بأن "إسرائيل" اعترضت على اعتبار الاستيطان جريمة دولية تستحق العقاب، وانسحبت من نظام روما عند دخوله حيّز التنفيذ.
الاستنتاج الرابع افتقار المحكمة إلى آلية فعّالة لتنفيذ قراراتها، وبسبب ذلك قد تبقى هذه القرارات عائمة لأنها لا تستطيع إجبار المتهمين على المثول أمامها (لاسيّما إذا كانوا مسؤولين كبار فما بالك رؤساء الدول) ثم هل تقبل الدول أن تكون جهازاً تنفيذياً للمحكمة لإلقاء القبض على المتهمين.؟
إن قرار حكومة جنوب أفريقيا بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية هو تعبير عن خيبة أمل لعدد من دول العالم الثالث والشعوب المقهورة إزاء التوظيف السياسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تحجم عن التدخل في قضايا، وتغضّ النظر عن جرائم كبرى في حين تراها ترمي بكل ثقلها إزاء اتهامات أخرى، وعلى حد تعبير الكاتب والروائي المسرحي، بريخيت يقول:آه لهذه الأزمة التي يصبح الحديث عن الشجر جناية ، لأنه ينبغي السكوت عن جرائم كثيرة.



506
العراق و شعار الدولة المدنية
         
د. عبد الحسين شعبان
إذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر غرامشي، خصوصاً وهي تضم كتلاً بشرية ضخمة من المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات اليسارية واليمينية، الدينية والعلمانية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، إلاّ أن الواقع ما زال يشي بالتشاؤم بفعل عقبات كبرى وكوابح كثيرة قد تؤدي إلى احتواء حركة الاحتجاج أو إجهاضها أو شقها وبالتالي تشتتها.
حصل الأمر في مرّات سابقة أن جرى امتصاص الهبّات الشعبية، بغضّ النظر عن استجابة رئيس الوزراء الحالي هذه المرّة لمطالب الإصلاح، لكنها ظلّت حتى الآن فوقية ولم تمسّ جوهر المشكلة، لاسيّما إعادة الخدمات على جناح السرعة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وردّ الاعتبار للدولة ومؤسساتها ووضع حدّ للطائفية والتقاسم الوظيفي، وإذا كان هناك جمهور واسع يؤيد عملية الإصلاح التي تبنّاها رئيس الوزراء، إلاّ إن أدواته وفرصه محدودة، فهو لا يمتلك قوة حزبية أو سياسية، وهو بلا أصدقاء أو حلفاء، في حين أن أعداء الإصلاح والفاسدين يشكّلون جبهة قوية ومتشعبة، حتى وإنْ اختلفت مصالحهم.
إذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق، سنلاحظ أنها تلتقي حول أهداف ومطالب مشتركة، تمسّ حياة الناس وحاجاتهم الملحّة والضرورية، إلى الخدمات وخصوصاً الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة من جهة أخرى، وتلك أمور آنية ومستعجلة، حيث لم يعد السكوت عنها ممكناً أو تأجيلها مسموحاً به.
وقد عانى العراقيون تفاقمها، وشبعوا من الوعود بتحسينها، الأمر الذي دفعهم إلى النزول إلى الشوارع التي لم يبارحوها مطالبين بتحسين الخدمات وبالإصلاح حتى بعد إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن تبنّيه خطة للإصلاح.
الوجه الآخر لحركة الاحتجاج الواسعة هو المطالبة بتقديم الفاسدين والمفسدين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بمن فيهم المقصّرون وعديمو الشعور بالمسؤولية والمستهترون بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، بشكل خاص بعد أن أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي، الأساس في الحصول على المناصب العليا، في ظل التقاسم الوظيفي والطائفي والإثني، بعيداً عن الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقد أثّر ذلك على نحو شديد في فاعلية وأداء أجهزة الدولة وكفاءتها ودورها.
وكان أحد مظاهر الأزمة هو تفكّك الدولة، خصوصاً بعد سقوط الموصل بيد «داعش» في 10 يونيو/ حزيران 2014، واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل وتمدّدها إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية وتهديدها العاصمة بغداد. صحيح أن نفوذها تقلّص إلى حدود معيّنة ونسبياً، لكن استمرارها يمثل فضيحة للدولة العراقية أو لما تبقّى منها، وهي مهدّدة بالتقسيم الفعلي بفعل غياب إرادة سياسية للوحدة الوطنية وانعدام الثقة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة - المؤتلفة، الأعداء- الأصدقاء «الأعدقاء»، إضافة إلى فهم مغلوط وناقص لفكرة الفيدرالية «الأقاليم» التي يتم الترويج إليها مجدداً تحت عناوين مختلفة وبتشجيع خارجي، علماً بأن الدستور كان قد أخذ بها، لكن هناك محاولات مغرضة لتفسيره وتأويله تبعا للمصالح والهوى، فضلاً عن الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر عند كل منعطف، حيث يتربص الجميع بالجميع بما فيها الكتل المؤتلفة، بل داخل الفريق الواحد، الأمر الذي يهدّد مستقبل الدولة العراقية.
من جهة أخرى كان المظهر الأبرز لأزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال في العام 2003 هو الطائفية السياسية التي عوّمت الدولة ومرجعيتها وأضعفت هيبتها ومكانتها، وحوّلتها إلى كيانات بدلاً من اعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا، وإلغاء التمييز الطائفي والإثني والديني والعشائري والمناطقي وغير ذلك، وعلى الرغم من كل المحاولات لتديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات لقيام الدولة المدنية، خصوصاً وقد أنزلها نظام المحاصصة الإثنية والطائفية إلى الحضيض.
قد تكون هناك مبررات مقبولة في الدعوة إلى قيام دولة مدنية (الآن)، سواء كان من من باب التعبئة السياسية، أو لإحراج الجماعات الدينية والطائفية، ولكن لماذا يُقحم اسم «المرجعية» في هذا الشأن؟ أحقاً إن المجموعة المتنفذة من رجال الدين في النجف تريد الدولة المدنية، فما المشكلة إذاً في ذلك؟ أم إن البعض يحاول الاحتماء بها، لكي لا يقال إن فكرة الدولة المدنية، ضد الدين؟
من موقعي كمراقب ومحلّل للأحداث لا أعتقد أن مثل هذه الازدواجية تخدم الفكرة، والذين يحاولون ترويجها يرتكبون خطأين: الأول لأنهم يجيّرون شعار الدولة المدنية، لصالح رجال الدين، وهو غير صحيح إطلاقاً، فرجال الدين لهم مكانتهم ولا ينبغي زجّهم في الصراع السياسي، لا من جانب السلطة ولا من جانب القوى المحتجّة وكلا الطرفين يحاولان منح رجال الدين سلطة إضافية واعتبارية، بحيث يُنسب كل أمر إيجابي إليهم، والثاني، إن مثل هذه المواقف تخدّر جماهير واسعة تؤمن بالفكرة وتبحث عن خلاص وإذا بها تصاب بالخيبة والخذلان، عندما تكتشف مدى الافتئات على الحقيقة، حتى وإنْ كانت النوايا حسنة.
أعتقد أن فكرة الدولة المدنية غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر حتى وإنْ كانت أمنية عزيزة وطموحاً بعيد المنال، وهدفاً منشوداً وذلك بسبب اختلال موازين القوى، أي أنها ليست مطلباً راهنياً، أي قابلاً للتطبيق، لكن مفرداتها تبقى مهمة، لاسيّما بفكّ الارتباط بين الدين والدولة وبين السياسة والدين، وعدم إخضاع الأخيرة لرجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم، ولاسيّما الطائفية والمذهبية التي هي عامل تفريق وتنافر وحساسية.
وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع لدرجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتىّ،فضلاً عن تجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. ولذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها لقيام دولة مدنية، ولاسيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً «سلمية.. سلمية.. دولة دولة مدنية»، فما شأن رجال الدين بذلك؟
إن أهمية حركة الاحتجاج تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم «كمرجعية» لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرّفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم مرشدين وروحانيين، جامعين وغير مفرّقين، لاسيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة، فالمصلحة الوطنية والولاء للوطن هما اللذان ينبغي أن يتقدّما على جميع الولاءات الدينية والإثنية والمذهبية والسلالية واللغوية والعشائرية والمناطقية، مثلما يكون الاحتكام إلى القانون والخضوع لسيادته هو الأساس، باعتباره المرجعية التي تفصل علاقات الناس ببعضهم ومع الدولة، وليس لأي قواعد أو أنظمة أخرى دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو غيرها.
المهم أيضاً التقدّم بخطوات على طريق بناء الدولة العصرية الدستورية، بغضّ النظر عن تسميتها، وهذه الخطوات مهما كانت بسيطة لكنها تراكمية وتدرّجية وطويلة الأمد، خصوصاً بإعلاء شأن المواطنة والمساواة وحكم القانون واستقلال القضاء وعدم التمييز وتحريم الطائفية وتأكيد حق المشاركة والتداولية والانتخابات الدورية وحرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وتلك كلها تؤدي إلى فضاء رحب يستطيع فيه المواطن الفرد والجماعة التعبير عن ذاتهما بشكل حر ومستقل، بما فيها الدعوة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن دولة الحماية التي نفتقر إليها لم تعد كافية على النطاق العالمي، خصوصاً وإن دولة الرعاية بل والرفاهية، أخذت تشمل الميادين المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلق بالقضايا التنموية، فما بالك حين نعجز عن الوصول إلى دولة الحماية، لتأمين الحد الأدنى للمواطن في أمنه وحياته وممتلكاته، فضلاً عن ضبط النظام والأمن العام، فعن أي دولة نتحدث؟



507

الأب سهيل قاشا : الرافديني المسكون بهاجس الحضارة *
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

•   يقول مثل سومري " قلب حبيبتي قلبي" وحبيبة سهيل قاشا هي العراق، بل والشرق العربي كلّه، فكيف إذا أريد سلب الحبيبة بكل ما تحتويه من فتنة وجمال وسحر وجاذبية وحضارة وتاريخ وثقافة. أكيد إن قلب سهيل قاشا الذي خفق دائما بحبّ حبيبته لأن قلبها يسكن في قلبه، سيتحطّم، ويقاوم ويتشبث بكل ما له صلة بالحياة، لا باعتبارها تاريخاً فحسب، بل باعتبارها حاضراً ومستقبلاً، بفضائها الذي لا حدود له وبأفق مفتوح حيث اللاّنهايات.
•   الرافديني الأصول والمشرقي الهوى والانتماء، والإنساني النزعة والتوّجه، هو سليل الحضارات الستة التي سبقت الحضارة العربية الإسلامية، التي تلاقحت مع ما سبقها، في بلاد أوروك الأسم الأقدم للعراق.
•   كان بلده يسمّى أيام السومريين " بلاد الشمس" ويطلق عليه " بلاد ما بين النهرين" (ميزوبوتاميا) أو بلاد الرافدين " بحر دجلة والفرات" كما كنّاه مؤسس بحور الشعر وأوزانه الخليل بن أحمد الفراهيدي. وهو من بلد شهدت ولادة أولى الحضارات وازدهرت بالأساطير والميثولوجيا، وكانت مهداً لتراث عريق.
•   إذا كان لبلد من البلدان أن يفخر  بأن لديه حضارة واحدة ، فما بالك ببلد له ستّة حضارات قديمة، إضافة  إلى الحضارة العربية – الإسلامية، وما أن تتحدّث عن التاريخ والآثار والممتلكات الثقافية، حتى تقفز إلى ذهنك الحضارات السومرية والبابلية والآشورية. ولكن بألم وحزن يداهمانك، حين تشاهد كيف يتم سرقتها وتدميرها على نحو خبيث وهمجي ومتوحّش.
•   كانت بغداد أيام العباسيين والحضارة العربية- الإسلامية حينها مركز الإشعاع الفكري والثقافي والعلمي والهندسي والعمراني والجمالي، وشهدت حركة ترجمة غير مسبوقة أيام عهد الخليفة المأمون، وكانت دار الحكمة تزخر بمئات المخطوطات النفيسة، حيث صانت تراث الفكر اليوناني من الضياع، وواصلت إتحاف العام بخير ما أنجبته البشرية.
•   لا عجب أن يحتضن العراق أول برلمان قبل ما يزيد عن أربعة آلاف عام.
•   إنه بلد الأبجدية الأول ، الذي فكّ رموز الحرف وعرف نظام الكتابة، حيث أصبح الإنسان بفضله ولأول مرّة في التاريخ قادراً على حفظ ذاكرة أجيال وتاريخ أمم ومعتقدات شعوب وتراث وثقافة وأدب الإنسان.
•   في العراق ولد أول مجمّع سكني في العالم، مثلما ولدت علوم الفلك والطب والرياضيات، التي أطعمت أوروبا على مدى قرون، ويقول الأب قاشا، كان في بغداد وحدها أيام ازدهارها في العهد العباسي أكثر من ألف طبيب، في حين كانت أوروبا تعاني من الأمراض المنتشرة وتغطّ في جهل مطبق.
•   بلاد الشمس كانت موطن أول شريعة للقانون في العالم " مسلّة حمورابي" ذات الشهرة التي لا يضاهيها شيء.
•   في العراق نصف مليون موقع أثري ومعلم تاريخي وحضاري، كلّها تؤشر إلى عظمة الإنسان في هذه البلاد الخصبة والغنية بالموارد والطاقات والعقول والإبداع. وقد تعرّضت الآثار والممتلكات الثقافية العراقية في العام 1991 في حرب قوات التحالف وبعد الاحتلال العام 2003 إلى أكبر عملية نهب وتدمير في التاريخ، وذلك يشكّل انتهاكاً فضّاً للاتفاقيات الدولية، وخصوصاً اتفاقية اليونسكو العام 1954 لحماية المواقع الأثرية والممتلكات الثقافية كجزء من التراث الإنساني والتي دخلت حيّز التنفيذ منذ العام 1956، إضافة إلى البروتوكول الإضافي لعام 1999 واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 ومجمل قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة.
•   من يستطيع أن يتصوّر إن بلداً بهذه المواصفات العميقة الغور في التاريخ والمعرفة والتمدّن، سيقترن إسمه في عالم اليوم بأكبر جريمة بحق الإنسانية، تخصّ كل هذه الثروة التي بنتها سواعد الملايين من البشر وعقولهم، على مدى آلاف السنين، حين تداهمه عصابة من الرعاع باسم الدين، لتدمير حضارته وتراثه، أديرة وكنائس وجوامع وآثار ومتاحف، حيث دمّرت داعش النمرود العظيم وقامت بتجريف مدينة الحضر الخالدة.
•   أهي نقمة السماء وتناقض الأشياء، حيث الخير العميم والموارد الوفيرة ومعهما طغيان خارجي وقابلية داخلية على الاحتراب، كما عبّر عنها مالك بن نبي، حين قال: " القابلية على الاستعمار"، أي القابلية على قبول الأشياء والامتثال لها.
•   منذ أن تدفّق النفط من حقل باباكركر، العام 1927، انفتح الجرح العراقي عميقاً ليصبح شلال دم، حروب واستبداد وحصار واحتلال، حيث يُقذف الجميع في جوف الحوت، ليعلو الصراخ بعدها كي تبتلعه بهدوء، ربّما يريدها البعض بمهرجان أو حفل تنكّري، فيتم فيه تبادل الوجوه والأقنعة والأدوار.
•   كلّ ذلك يواجهنا ونحن نقدّم عالماً ولد في بلدة بخديدا العام 1942 (شرق الموصل) التي تستولي عليها داعش الآن.
•   سهيل قاشا باحث ومثقف موسوعي  ومفكّر مجدّد، بدأ مشواره بالتأليف العام 1963 حين نشر في بغداد بحثاً فلسفياً لاهوتياً بعنوان" أنت من أنت؟".
•   إنه متعدّد الاختصاصات والانشغالات، فإضافة إلى دراسته للغة العربية، فقد كتب في التاريخ والفكر والفلسفة والاجتماع السياسي والثقافة والأدب، كما كتب في المسرح وله عدد من المسرحيات التي تنتظر الطبع، كما كتب الرواية أيضاً.
•   من القضايا التي تميّز بها قاشا هو موضوع مناهضته للصهيونية، فقد أدرك خطورة هذه العقيدة العنصرية الإلغائية الاستيطانية على المنطقة وتاريخها وحضاراتها وتراثها وأديانها، وهو ما يذكّرنا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 والصادر في 10 تشرين الأول (اكتوبر ) العام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، واعتبارها "شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"، وهو القرار الذي ألغي في العام 1991 بعد اختلال موازين القوى على المستوى العربي والعالمي، أي بعد انحلال المعسكر الاشتراكي في أواخر الثمانينيات وفيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وإقدام القوات العراقية على غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990.
•   انشغل قاشا بالحوار المسيحي – الإسلامي، وانصرف بشكل خاص إلى دراسة المشتركات في التراثين. وسلّط قاشا الضوء على المسيحية المتصهينة التي يمثّلها المحافظون الجدد، والتي تعبّر عن آيديولوجيا الهمينة في الإدارة الأمريكية.
•   الصهيونية حسب رأيه تستهدف المسيحيين الشرقيين، لأنهم عنصر مقاومة لمشاريعها التهويدية، لهذا فهي تسعى إلى تهجيرهم من مشرقهم : من فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، لكي تكون الأراضي مباحة للتوسّع وصولاً إلى "إسرائيل الكبرى"، والهدف هو تغيير طابع الصراع من وطني وعروبي، إلى ديني إلغائي بين المسلمين واليهود، وبذلك تحاول الظهور بمظهر "الحمل الوديع"، في مقابلة البحر الهائج من المسلمين، الذين يؤلفون نحو مليار ونصف المليار إنسان، مقابل بضعة ملايين من اليهود.
•   الرافديني الذي سمّي كاهناً عن السريان الكاثوليك في الموصل، والذي أحبّ بيروت والبحر، وكتب عنهما "القيثارة النارية" العام 1994، يقدّم محاضرته اليوم وهي بعنوان: "العراق: نور لا ينطفئ وحضارة لا تنضب": هو إبن آوروك، حيث اكتشف أجداده العجلة كأحد أهم الاكتشافات التاريخية في تقدّم البشرية، مثلما اكتشفوا التقويم اليومي والزراعي والساعة الزمنية لقياس الزمن، فاعتبر الشهر 30 يوماً، وقُسّم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى دقائق والدقائق إلى ثواني وهكذا.
•   وفي الاقتصاد عرفت بابل أول قوانين الأرض التي حدّدت سعر الفائدة، مثلما وجِدَ أول  مصرف في العالم حينها، وهو "مصرف الوركاء"، وعرفت معناها " باب الله" القيد المحاسبي.
•   إبن هذه الحضارة العظيمة، يتحدّث إلينا في هذه الأصبوحة المشمسة الجميلة، بلمعته الإيحائية في هذا الصباح الشفيف والريح المعطّرة التي تسبق المطر، وبدعوة من الملحقة الثقافية العراقية في بيروت الدكتورة أحلام الباهلي، وأمام هذا الجمع المتميّز والمهتم بالحضارات العراقية والتراث العراقي، بل والمستقبل العراقي.

يقول محمد عبد الجبار النفري:
وقال لي بين النطق والصمت
برزخ فيه قبر العقل
وقبور الأشياء













•   نص الكلمة التي ألقاها الدكتور عبد الحسين شعبان في تقديم محاضرة الأب سهيل قاشا والموسومة بـ "العراق نور لا ينطفئ وحضارة لا تنضب" بدعوة من  الملحقية الثقافية العراقية– بيروت.


508
تقسيم كردستان خطيئة أما الاقتتال فهو جريمة!
الباحث والمفكر العراقي المعروف عبد الحسين شعبان لمجلة (گولان)
 

لم أكن على موعد مسبق مع الباحث و المفكر العراقي المعروف الدكتور عبدالحسين شعبان لأجراء هذا الحوار معه، و لقد قمتُ بزيارته للإستفسار عن صحته التي اعتلّت مؤخراً حيث يزور اقليم كوردستان الآن بعد تحسّنه، وبعد الجلوس معه طلبتُ منه إجراء حوار مفصل معه، فوافق مشكوراً، ومن ثم بدأتُ بطرح أسئلتي عليه و التي تضمّنت بحث الأوضاع الراهنة في العراق و اقليم كوردستان والشرق الأوسط ودور الرئيس مسعود بارزاني في رئاسة اقليم كوردستان، حيث وصفه في معرض إجاباته عن الأسئلة بأنه رجل دولة و قائد محنّك مشيراً إلى أنه لا يجامل أحداً في هذا الوصف، وإنما يتحدّث عن الواقع كما هو، مضيفاً إن هذه حقائق يجب أن تُذكر، وفيما يأتي نص الحوار الذي أجريته مع الدكتور عبدالحسين شعبان.

حاوره/ رئيس التحرير( فرهاد محمد – إربيل)

•   كيف تنظر إلى  الوضع السياسي في أقليم كوردستان؟
يسرّني و يشرّفني أن أزور كوردستان كأول زيارة لي بعدما تعرّضت له من أوضاع صحية صعبة في الفترة الأخيرة، وأعتبرها أول زيارة عمل بهذا المعنى،  خصوصاً للمشاركة في فعاليتين – الأولى ، لمناقشة كتابي " أغصان الكرمة – المسيحيون العرب" والثانية لإلقاء محاضرة حول "الأزمة الراهنة في العراق: الطائفية ، الأقاليم، الدولة". وكما تعلمون فإن لهذا الجزء العزيز من الوطن مكانة خاصة في قلبي، وأقصد به "كوردستان العراق".
 الشيء الثاني ما يجري في كوردستان العراق، يهمّني لعدد من الاعتبارات، الاعتبار الأول أن هذه التجربة الكوردستانية، إذا ما نجحت، وإذا ما تعمّقت، وإذا ما تقدّمت، ستنعكس إيجاباً على عموم دول المنطقة، والاعتبار الثاني تهمّني هذه التجربة لأسباب تتعلّق بالرؤيا إزاء قضية شعب ناضل طويلاً من أجل حقه في تقرير مصيره، والآن فإن هذا الشعب على مفترق طرق، فأي طريق سيختار؟ هل الوحدة الاختيارية الطوعية مع تردّي الأوضاع الداخلية لعموم العراق؟ أو أنه سيختار كياناً مستقلاً نسمّيه "دولة" ذات طبيعة إستقلالية وفق مبدأ حق تقرير المصير؟
وحق تقرير المصير من الناحية القانونية والسياسية يرتكز على عنصرين أساسيين:  أما اتحاد إختياري أخوي طوعي، أو الإنفصال بما فيه تكوين دولة. هذا الأنفصال أو الانقسام أو الإستقلال، نستطيع أن ندرجه تحت هذه العناوين، وهو لا يعني سوى الطلاق، وإنْ كان هذا الأخير "أبغض الحلال عند الله"، ولكنه قضية مشروعة، فيما إذا وصل العيش المشترك إلى  طريق مسدود.
الاعتبار الثالث أن نجاح هذه التجربة سينعكس إيجاباً على الأوضاع داخل العراق، وعلى حلّ الأزمة العراقية الراهنة، وهي أزمة مستفحلة وطاحنة،خصوصاً في ظل انعدام أو ضعف الثقة السياسية بين الناس وبين الحكومة من جهة، وبين الأطراف السياسية ذاتها المتحالفة والمتعادية، من جهة أخرى.
وإذا تمكّنت  هذه التجربة من تجاوز عقباتها وسارت إلى الأمام بتحقيق الوحدة الوطنية الكوردية أو الكوردستانية، فإن الأمر سيكون في غاية الأهمية لحقوق وآمال الشعب الكردي، إذْ أن أي اختلال في معايير الوحدة الكوردستانية، سيؤدي إلى  تدهور وضع الحركة الكوردية وأوضاع الشعب الكوردي، الإقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وهذه الفرصة ستضيع من يد الشعب الكردي المتطلّع إلى  حق تقرير المصير، وقد تتبدّد.
قلت مرّة من المرّات أثناء القتال الكوردي- الكوردي 1994-1998، إذا كان تقسيم كوردستان وأقصد بذلك(السليمانية ، أربيل) خطيئة سياسية، فالإقتتال هو جريمة، بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني بحق الشعب الكوردي، ولهذا ينبغي تجنّب الخطيئة، والحيلولة دون الوقوع فيها ومقاومة كل ما يدفع إلى الجريمة.
لهذا السبب هناك حاجة لتسوية الخلافات بروح التضامن والتسامح والمشترك النضالي والحرص على مستقبل التجربة التي هي ليست عزيزة على الكورد فحسب، وإنما عزيزة على العرب العراقيين التقدميين الذين يتمنّون لهذا الشعب كل الخير ويتمنّون أن يحقق آماله و طموحاته في أن يعيش في إطار من الحرية متطلعاً لحقه في التعبير عن كيانته وهوّيته ذات الأبعاد الإنسانية، أسوة بشعوب المنطقة من العرب والفرس والترك.
هنا يمكن البحث عن المشترك الإنساني على الرغم من مرارة التجربة التي بقدر ما فيها من السلبية والتمييز والاضطهاد، ففيها نوع من التضامن والتعاضد والتفاعل والتواصل الإنساني، إضافة إلى  درجة من التسامح، سواء في السابق أو في الحاضر.
•   يمرّ إقليم كوردستان الآن بأوضاع صعبة ومنها الحرب الشرسة مع داعش والحرب الأقتصادية واستقبال الملايين من النازحيين واللاجئيين، وأقليم كوردستان يقوده السيد مسعود بارزاني، وأنتم  على معرفة تامة بسيادته منذ أكثر من ثلاثين عاما، وأنتم الآن تزورون كوردستان ما هو تقيمكم للأوضاع المستقرة في  الإقليم دون وجود حالة طارئة أو إستثنائية؟

أنت تعرف ما لعبته العائلة البارزانية  من دور في قيادة الشعب الكوردي، سواءً في القيادة التأريخية الخالدة لمصطفى البارزاني، وفيما بعد لأولاده وأحفاده، الذين كان لهم دور كبير في تأسيس هذه الكيانية الكوردية، وفي المنجزات التي حصل عليها الشعب الكوردي.
بالطبع هم ليسوا لوحدهم، وإنّما هناك أطرافاً كوردية أخرى ساهمت مساهمة مهمة في قيادة الشعب الكوردي وفي تحقيق هذه المنجزات التي نالها بكفاحه الطويل وبتضحياته الجسام..
أستطيع القول إن هناك أربعة تحدّيات أساسية تواجهها منطقة أقليم كوردستان:
 التحدّي الأول هو الوحدة الوطنية الكوردستانية،التي ينبغي الحفاظ عليها مثلما يتم الحفاظ على حدقات العيون.
التحدّي الثاني هو خطر الإرهاب، لاسيّما من جانب (داعش) الذي أحتل الموصل في العاشر من حزيران (يونيو) عام 2014، وأصبح على مرمى حجر من عاصمة الأقليم، هذا الخطر سيبقى مستمراً إلى  أن يتم القضاء على داعش و دحره، ولكن كيف يتم دحر داعش؟ يتم من خلال صمود كوردستان وتعاون القوى العراقية في الحكم  وخارج الحكم، ثم التعاون مع القوى الدولية التي تهمّها مكافحة الأرهاب، يضاف إلى  ذلك التعاون مع القوى الأقليمية التي تخشى من أن ينتقل الإرهاب   إلى  ساحتها.
لهذا يحتاج الأمر إلى  تعاون وثيق ما بين هذه الأطراف مجتمعة للوصول إلى  وضع حد في البداية لداعش ولتنظيماته الأرهابية وللقضاء عليه لاحقاً. ولا يمكن القضاء على الإرهاب وعلى هذه المخاطر الجدّية التي يواجهها الشعب الكردي وإقليم كردستان أو عموم الشعب العراقي بالوسائل العسكرية وحدها، بل يتطلّب ذلك إعادة النظر بالعلاقات ما بين القوى السياسية واتباع نهج يختلف عن السياسات السابقة، من خلال وضع حدّ للطائفية السياسية ونظام المحاصصة ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات واحترام كرامة المواطن العراقي، وهي مطالب مشروعة لحركة الاحتجاج. وبالطبع فذلك يحتاج إلى التسامح وتوسيع دائرة الحريات والمزيد من توفير المستلزمات المادية لمجابهة داعش ومواجهة الإتجاهات الأرهابية المتطرفة.
التحدّي الثالث هو التحدّي الاقتصادي، والسؤال الكبير الذي يواجه  الإقليم هو كيف يمكن لها أن يستمر في نهوضه الاقتصادي  وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة؟
ربما هناك تجارب كثيرة حصل فيها نوع من النمو الأقتصادي، ولكن هناك فارقاً كبيراً بين النمو الأقتصادي وبين التنمية المستدامة، حسب توصيفات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي،  وعندما نقول التنمية المستدامة نقصد بذلك التنمية السياسية والأقتصادية والأجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والتعليمية والصحية والبيئية وكل ما يتعلق بشؤون الحياة، هذه التنمية هي ككل مترابط، وتتعلّق بمدى احترام الحقوق والحريات وبمدى حرية التعبير، وتمكين الناس بالدفاع عن مصالحهم وحماية أهدافهم.
هي أيضاً ترتبط بمدى حصول المرأة على حقوقها كاملة وغير منقوصة، وحقوق المجاميع الثقافية، المقصود بذلك كما يذهب البعض "الأقلّيات"، لكنني سبق أن أبديت على هذا المصطلح تحفظات جدية، لأن فيه انتقاص من الآخر واستعلاء عليه، وأفضّل بدلاً عنه استخدام مصطلح المجاميع الثقافية أو التنوّع الثقافي أو التعدّدية الثقافية وحقوق المجاميع الثقافية، وأراها أقرب إلى  مبادئ المساواة.
عن الهوّية
وبتقديري إن كردياً واحداً يعادل كل العرب، لأنه يعبّر عن قومية متميّزة لها خصوصيتها وتتمتّع بالقدر نفسه من المساواة، وهو ما تؤكده الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مثلما إن عربياً واحداً يعادل كل القوميات الاخرى، وهكذا إن مسيحياً واحداً يعادل كل المسلمين، مثلما إن مسلماً واحداً يعادل كل الأديان الأخرى، لأنه يعبّر عن خصوصيته وهوّيته، وهذه الهوّية هي لها مواصفات خاصة وبعضها مشترك.

الهوّية ليست معطى جاهزاً أو بركة مغلقة، بل هي أقرب إلى أرخبيل مفتوح يمكن أن تصبّ فيه جداول وفروع، وهكذا فالهوّية قابلة للإضافة والحذف والتفاعل مع محيطها. ولكن ينبغي توفر الشروط الأساسية في الهوّية وأهمها هو اللغة، والدين أو الأديان في حال مجتمع متعدّد الأديان، ويمكن الحديث عن التاريخ المشترك وعن الحضارات المشتركة وعن الثقافات المشتركة والمزاج المشترك عن كذا وكذا إلى  أخره.. والأساس في ذلك هو اللغة، لأن اللغة تمثّل الرابط بين هذه التشكيلة البشرية الإنسانية التي تعبّر من خلالها عن التفاهم المشترك والعيش المشترك والمصير المشترك.
لهذا عندما نقول إن الكرد أمة وقعت تحت التقسيم القسري، فإنما نعني إن اتفاقيات استعمارية ومصالح دولية وإقليمية هي التي ساهمت في إبقاء الأمة الكردية على ما هي عليه، وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى، وكان الكرد يتطلّعون مثل غيرهم إلى كيان سياسي يعبّر عن طموحاتهم، لكن القوى المنتصرة "الإمبريالية" لم تعر اهتماماً بذلك، وقد ذهبت معاهدة لوزان لعام 1923 إلى التنكّر لبعض حقوق الشعب الكردي الجزئية المحدودة التي تطرقت إليها معاهدة سيفر لعام 1920، ومثلما تعتبر الأمة الكردية (مقسّمة)، فقد ساهمت اتفاقية سايكس – بيكو لعام 1916 (السرّية) التي كشفتها ونشرتها الحكومة البلشفية بعد ثورة اكتوبر العام 1917، في تقسيم الأمة العربية، إلى أجزاء ويراد اليوم تقسيم المجزأ.
اللغة عنصر جامع للتكوينات والمشتركات الأخرى، سواء كان الدين أو العادات أو التقاليد أو الثقافة إلى  آخره، وبالطبع فإن العادات والتقاليد وطريقة العيش، من المأكل والملبس والمشرب والفنون والآداب، هذه كلها في مرحلة التطور والديناميكية والتغيير، ولاسيّما عاداتنا وتقاليدنا قبل مئتي سنة هي غيرها الآن.. وطريقة عيشنا آنذاك تختلف عن طريق العيش الأن. إن هذا العامل هو عامل مهم.
التحدّي الرابع الذي يواجه الشعب الكردي وتجربة كوردستان هو التحدّي  الإقليمي  فهناك تداخلات إقليمية، خصوصاً في البلدان التي لم تُحَلْ فيها المشكلة الكوردية.. أعني بذلك إن تركيا لديها مشكلة كوردية قديمة ومزمنة وبوجود PKK والعمل المسلح تفاقمت المشكلة.
وهذا ما دفع تركيا للتسلّل أو التوغل داخل الأراضي العراقية لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني، وأحياناً لبسط نفوذها على أجزاء من كردستان، ولكنها بنفس الوقت تضطر إلى  التعامل مع تجربة الإقليم،  لكنها تسعى لعدم تمدّدها خارج النطاق المنطقة المحصورة، بل تسعى لإجهاض هذه التجربة كلما سنحت الظروف مستقبلأً.
التحدّي الأخر هو التحدّي إيراني، فهناك أيضاً مشكلة كوردية في إيران، صحيح إن هذه المشكلة أنها لم تتبلور مثلما حصل بالنسبة للمشكلة الكوردية في العراق، برفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، ثم تطوّر الشعار إلى  الفيدرالية، على أساس حق تقرير المصير، بإعتباره مبدأً قانونياً يمكن أن يطبق اليوم أو يطبق بعد 20 سنة، ومن أدنى صوره حتى أرقاها.
ولم تتطوّر الحركة الكردية في إيران مثلما تطورت في تركيا، وخصوصاً بعد تأسيس  pkk في أوائل الثمانينيات (حزب العمال الكردستاني). وتواجه الحركة الكردية، وخصوصاً في تركيا وفي إيران تحدّيات تتعلق بكيانيتها ومستقبلها، وينعكس ذلك على الوضع الكوردي العراقي. أما الوضع الكردي في سوريا فقد ازداد بؤساً بعد حركة الاحتجاج التي بدأت في 15 آذار (مارس) 2011، وتفاقم بعد المعارك في المناطق الكردية، وأصبحت كوباني " عين العرب" معروفة لما شهدته من قتال وحصار دام أشهر غير قليلة.
تركيا لا تعترف بوجود القومية الكوردية وتعتبر الأكراد أتراكاً سكنوا جنوب تركيا. وإيران لا تعترف بالقومية الكوردية، وتقول أن الجميع مسلمون وتستند إلى  قول الرسول (ص) لا فرق بين عربي وعجمي الاّ بالتقوى، أو "المسلمون متساوون كأسنان المشط"، أي أن مبدأ المساواة يطغى على مبدأ  الهوّية ذات الأبعاد القومية. بهذا المعنى تعتبر إيران " الإسلامية"، القومية بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. هذا الجانب الفكري الفقهي القانوني لهذا الموقف هو التحدّي الإقليمي  في المنطقة.
ماذا يريدون من التجربة الكوردية؟ يريدون الاحتواء، فهم لا يستطيعون الآن إجهاض هذه التجربة، لاعتبارات كثيرة، وهذه التجربة حظيت بشكل أو بآخر بدعم الحركة الوطنية العراقية، لاسيّما اليسارية والشيوعية التي أيدت القضية الكوردية منذ البداية، لكن ذلك غير كاف لتحقيق طموح الشعب الكردي.
الأطراف الأخرى تعترف الآن بحق الكرد، سواء لمصلحة لديها، أو تطور حصل عندها، أو أنها مجبرة على ذلك، بفعل الحضور الكردي وما حققه من انجازات قياساً بالقسم العربي من العراق، وتنظر القوى الشيعية أو السنّية، أو سمّها ما شئت إلى التجربة، ظرفياً أو آنياً، وليس ستراتيجياً بعيد المدى، وإذا لم يكن  بالإمكان، قبر أو إجهاض هذه التجربة كما تتمنّى في سرّها، فإن بالإمكان احتوائها، أو بالإمكان السعي لتشجيع الخلافات الداخلية في صفوفها التي من شأنها أن تؤدي إلى  مزيد من التوتّر والتراجع.
قلت هناك أربعة عوامل  وأريد هنا أن أعود للعامل الأقتصادي، فالنفط الأن يشكّل محور الحياة في العراق، ومن يحصل على النفط يحكم العراق،  ومن يحصل على النفط  يستطيع أن يدير كياناً مستقلاً في المستقبل مع مراعاة الضغوط الخارجية الدولية والأقليمية والمحلية. هذا العامل ما زال هناك خلاف شديد حوله، وهذا الخلاف يتعلّق برؤية وستراتيجية كوردية أيضاً، هل تريد كوردستان البقاء في الدولة العراقية؟ إذن ينبغي أن تتصرّف بتوافق مع الدولة. إذا كانت كوردستان لا تريد البقاء، إذاً ينبغي أن تتصرّف بمعزل عنها سيخلق سياقات أخرى؟ وهنا لابد من إيجاد تكييف للعلاقة القانونية الاقتصادية النفطية التي جاءت بصور مبهمة و ملغومة بشأنه في الدستور (المادتان 111 و112).
يضاف إلى ذلك استمرار مشكلة كركوك دون حل وليس هناك أفق لحل قريب، سواء بموجب المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو المساواة 140 من الدستور العراقي الدائم، وكذلك المناطق الأخرى المتنازع عليها، وسيؤثر بقاء الحال على ما هو عليه من التوتر والاستنفار بحيث يؤدي إلى المزيد من التحدّيات التي تواجه التجربة.
•   وماذا عن الإرهاب الدولي؟
بدأت موجة الإرهاب الدولي تتصاعد في التسعينيات ، وتوّجت بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة العام 2001، وهنا تنبهت القوى الغربية إلى أن الإرهاب الذي لم يكن يعنيها كثيراً، خصوصاً عندما كان بيضه يفقس في العالم العربي وفي بعض الدول الإسلامية والعالمثالثية، أصبح يهدّدها بالصميم، وامتدّ ليضرب معاقل اقتصادية وسياسية وعسكرية داخلها، الأمر الذي احتاج إلى إعادة نظر وبناء ستراتيجيات جديدة.
من أهم عناصر هذه الستراتيجية هو إجراء تحوّلات سمّيت ديمقراطية في هذه البلدان وتغيير مناهج التربية والتعليم ووضع حد للظاهرة الإرهابية، لكنه لم يتم معالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث ينتشر الفقر والأمية والتخلف، وتجري محاولات لغسل أدمغة الشباب باسم الدين.
لقد انكسرت موجة التغيير في العالم العربي، عند شواطئ البحر المتوسط في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بعد أن شملت أوروبا الشرقية، لاسيّما بعد التحوّلات التي حصلت في بعض دول أوروبا الغربية التي ظلّت مستعصية على الخيار الديمقراطي بعد الحرب العالمية الثانية، ونعني بها اليونان التي دخلت في حزمة من الإنقلابات العسكرية، والبرتغال وإسبانيا، وهذه كلّها أنجزت عملية الانتقال وصياغة دساتير ديمقراطية وإجراء انتخابات في أواسط السبعينيات.
كما إن العديد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا اتجهت إلى شكل من أشكال التحوّل الديمقراطي بدرجات متفاوتة أو مختلفة. ومن أبرز معالم تلك التجارب المهمة هو تجربة العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والتعويض للضحايا تمهيداً لإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني.
التغيير هو جزء من صيرورة كونية وشعاراته الرئيسية هو الديمقراطية وإجراء انتخابات دورية واحترام حقوق الإنسان والاعتراف بالتعدّدية والتنوّع.
وقد رفعت حركة الاحتجاج الشعبي العربي ثلاث شعارات أساسية هي : احترام الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية، وهي شعارات تكاد تكون مركزية ومثلها كانت حركة الاحتجاج في العراق التي توّجت هذه الشعارات بمحاسبة الفاسدين والمفسدين وتحقيق الخدمات الأساسية لاسيّما الكهرباء والماء الصافي والخدمات الصحية والتعليمية وإيجاد فرص عمل.
التحوّل الديمقراطي ضرورة لكل المجتمعات ، وليس صحيحاً أن يُنسب إلى القوى الخارجية ، ومهما كانت هذه تتمتع من نفوذ، فلا يمكنها تحريك هذه الجموع الغفيرة التي نزلت إلى الشوارع والميادين مطالبة بحقوقها كما إن حركة التغيير لها تاريخ في هذه البلدان.
لقد أرادت القوى الغربية أن تواجه الإرهاب، وإذا بها أمام حركات إسلامية أو إسلاموية مناهضة للغرب بسبب سياساته إزاء دول المنطقة وتأييد " إسرائيل"، علماً بأن قضية الصراع العربي- الإسرائيلي، كانت شمّاعة علقت عليها الحكومات العربية كل أخطائها وتصرفاتها المعادية للديمقراطية ونهجها الاستبدادي الديكتاتوري، بزعم أن العدو يدقّ على الأبواب، وهكذا تمت مقايضة الديمقراطية والتنمية بالتسلّح وكبت الحريات، وفي نهاية المطاف وبعد أن ضاعت البلاد وتشتّت العباد، ولم نحصل على التنمية المنشودة والديمقراطية الموعودة.

•   وماذا عن سوريا واليمن كيف ترى الوضع ؟
إذا كانت أوضاع تونس قد سارت باتجاه إيجابي بعد التغيير وتم احتواء أزمة النظام وتقدمت البلاد خطوات مهمة في طريق الانتقال الديمقراطي واتخذت بعض الإجراءات فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، فإن جزءًا من الأمر يعود إلى عقلانية القوى السياسية ونضج المجتمع المدني ودور اتحاد الشغل ونقابة المحامين، وإدراك  حزب النهضة، إن التشبث بالمواقع السلطوية سيقود البلاد إلى تناحر وصدام وربما إلى كارثة، وإن القوى الإرهابية ستستغل الانقسام وتجهز على التجربة الوليدة، وعندما جرت الانتخابات لم يحصل النهضة على المقاعد الأساسية، وأصبح الحزب الثاني بعد حزب نداء تونس، وجنّب تونس وتجربتها ما حصل في مصر، خصوصاً إصرار "الأخوان المسلمين" على التمترس في الحكم.
أما في ليبيا فقد انقسمت البلاد وبفعل التدخل الخارجي وانحلال مؤسسات الدولة وانتشار السلاح بيد جماعات خارج الدولة وظهرت جميع النزعات ما قبل الدولة من عشائرية وجهوية، وذلك بسبب غياب سلطة موحدة تمسك بمقاليد الأمور وتتجه صوب التحوّل الديمقراطي بعد حكم استبدادي دام أكثر من 41 عاماً.
وفي سوريا فالوضع مختلف حيث لا زالت الحرب الأهلية قائمة، واتجهت حركة الاحتجاج إلى حمل السلاح والانخراط في صراع عنفي ضد الدولة التي لا تزال متماسكة حتى الآن، جيشاً وحزباً ومؤسسات، بما فيها جهازها الدبلوماسي، ولم تظهر هناك عمليات انشقاق تُذكر، ولكن بالطبع حلّ الخراب والدمار، لاسيّما بالبنية التحتية، فضلاً عن الأوضاع المزرية إنسانياً، حيث يوجد ما يزيد عن ثمانية مليون لاجئ ونازح سوري.
إن دخول روسيا على خط الأزمة ودعوتها لمحور رباعي ومباشرتها بقصف المناطق التي تسيطر عليها داعش، يعتبر تطوراً جديداً جيوسياسياً، لاسيّما مع وجود إيران ومسلحين من حزب الله، وتراجع الجماعات المسلحة وانقساماتها وضعف المعارضة الأخرى، بما فيها المدنية الداخلية والخارجية. ولكن الحل يبقى سياسياً وذلك بالانتقال الديمقراطي وإجراء انتخابات حرّة نزيهة وفي ظروف طبيعية وبإشراف الأمم المتحدة ووضع دستور جديد للبلاد يأخذ بنظر الاعتبار التعدّدية والتنوّع الثقافي.
في اليمن سار الوضع باتجاه آخر، فقد سيطر الحوثيون على السلطة وقضموها تدريجياً بعد فترة دامت سنتين ونيّف لاحتواء الصدام، بفعل مبادرة مجلس التعاون الخليجي، ولكن اتجهت البلاد إلى جهة أخرى حيث ساد العنف بدلاً من الحوار والتفاهم. وقد أخاف هذا التطور دول الخليج التي أطلقت "عاصفة الحزم" تحت عنوان "إعادة الشرعية"، خصوصاً القلق من التدخل الإيراني، ومنذ أشهر والصراع الدموي والنزاع العسكري مستمر، دون إمكانية حسمه، والقوى الدولية تتفرّج وتبيع السلاح وترهن بعض موارد المنطقة بشكل مباشر أو غير مباشر.
اليمن بئر عميقة ومخيفة، ولا يعرف أحد أين " قرارها"؟ وكيف يمكن إيجاد حل للأزمة؟ إذْ كلّما استفحلت وطالت ازدادت تعقيداً والقوى اليمنية ازدادت تباعداً ونفوذ القوى الخارجية ازداد تأثيراً.
لقد اختُبِر الحل العسكري سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن أو غيرها، لكن نتائجه كانت وخيمة على الجميع، ولم يحقق أحد أهدافه أو مطالبه عبر السلاح، وحتى لو كان الأمر دفاعاً عن النفس، ففي نهاية المطاف لا بدّ من الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيجاد حلول للأزمات، سواء على صعيد كل بلد أو على الصعيد الإقليمي، ويمكن إشراك الأمم المتحدة لتحمّل مسؤولياتها  على هذا الصعيد.
الصراع في المنطقة سيبقى حاداً وشرساً، خصوصاً إذا بقيت بؤرة توتر، تهدّد بالانفجار في أية لحظة، في ظلّ استمرار هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني وعدم تمكينه من تقرير مصيره بنفسه وعلى أرض وطنه وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وتسوية مشاكل الحدود والمياه وغيرها. ولا يمكن الحديث عن تحوّلات كبرى وحقيقية في المنطقة دون إيجاد حل عادل وسلمي للمشكلة الفلسطينية.
لو أقدمت الدول على إجراء إصلاحات داخلية وقامت بعمليات انفتاح واعتراف بالحقوق الإنسانية، لجنّبت نفسها مخاطر التدخل الخارجي، إن الإقرار بحق المواطنة يعني الامتثال لقواعدها الأساسية وهي :
1-   الحرية
2-   المساواة
3-   المشاركة
4-   العدالة ولاسيّما الاجتماعية، إذ لا مواطنة كاملة مع الفقر، وستبقى المواطنة ناقصة ومبتورة وهشّة، مع التمييز وانعدام تكافؤ الفرص، واستمرار التفاوت الاجتماعي والطبقي في الثروة.
إن جوهر علمية التغيير التي ينبغي أن تجري في المنطقة طبقاً لخصائص وظروف كل بلد تاريخياً وتطوره الداخلي، ويمكن أن تتخذ أشكالاً وطرقاً مختلفة، وكل بلد سيصل إليها ولكن ليس تقليداً أو استنساخاً من تجارب سابقة، حتى وإن كان هناك مشتركات للانتقال الديمقراطي منها:
1-   إعلاء مبدأ حكم القانون
2-   تأكيد استقلال القضاء، مع فصل السلطات .
3-   إجراء انتخابات دورية وتأكيد تداولية السلطة سلمياً .
4-   احترام التعدّدية والتنوّع في إطار احترام حقوق الإنسان.
ويمكن اعتبار المجتمع المدني شريكاً فعالاً ورقيباً مسؤولاً مع الدولة في صنع القرار ومتابعة تنفيذه، وخصوصاً عندما يتحوّل إلى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج واعتراض فحسب، بحيث يقدّم اقتراح مشاريع القوانين واللوائح ويقترح أنظمة وهياكل من خلال مبادرات للدولة، خصوصاً عندما يتم تجسير الفجوة بينه وبينها.


•   كلمة أخيرة لكولان ؟
إنني مثلما كنت في السابق وعلى مدى خمسة عقود أتفهم مطالب وحقوق الشعب الكردي المشروعة وأدعمها ما استطعت إلى ذلك سبيلا عراقياً وعربياً وإقليمياً ودولياً. وأتمنى أن أراه يقف بصلابة على أرضه بتأكيد حقه في تقرير المصير الذي هو حق له دون منازع، سواء بقي في إطار الدولة العراقية أو دول المنطقة القائمة، أو استقل بكيان خاص أو حتى بأكثر من كيان.
أمنيتي في أن تتوحد الأمة الكردية، مثلما أمنيتي أن تتوحد الأمة العربية، كما أتمنى أيضاً أن تستمر وتتعمّق علاقات الأخوة والصداقة والشراكة في العراق، تحت أية صيغة كانت، سواء بالاتحاد والعيش المشترك أو حتى عندما يرفرف علم كردستان في الأمم المتحدة، فالكثير من المشتركات تجمعنا وأهمها المصير المشترك والنضال المشترك، ناهيك عن وجود مصالح مشتركة اقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية.




509
وكان ي. يفيسيف قد انتقد السياسة الرسمية السوفيتية وخطأ الموافقة على قرار التقسيم محدداً مسؤولية ذلك على ستالين الذي ارتكب الذنب وليس المواطنون السوفييت. وفي مقابلة له مع جريدة الثورة السورية (نُشر الجزء الأول منها ولم ينشر الجزء الثاني، في 9 شباط (فبراير) 1988) يتعرّض للتخريب الصهيوني داخل الحركة الشيوعية، حيث يقول: ومن المعروف إن الصهاينة تسلّلوا إلى الكومنترن، وشاركوا في أعماله تحت ستار "شيوعيين"، ولديّ أبحاث في هذا المجال، وعلى سبيل المثال لديّ بحث حول اللجنة التي ترأسها لينين للمسألة القومية وقضايا الاستعمار (الأممية الشيوعية الثالثة – المؤتمر الثاني 1920) حيث جرت معركة عنيفة بينه وبين بعض الصهاينة "المتشيوعين" الذين خاطبوه بقولهم: نحن أمميين وثوار، والعرب إقطاعيين ومتخلّفين ولا أمل في تقدمهم ، ونحن قوى ثورية وعلينا الانتشار بين العرب وعلى أراضيهم للتطور هناك نحو الاشتراكية...
ويمضي يفيسيف قائلاً لقد كانت وزارة الخارجية السوفيتية (إبان تأييد قرار التقسيم) مليئة بكوادر شيوعية من اليهود وكان ليتفينوف  نائب وزير الخارجية بينهم، وجميعهم أيدوا فكرة تأسيس الدولة اليهودية، فالصهيوني وغير الصهيوني، جميعهم كانوا مقتنعين بتلك الفكرة، وحسب رأيه إن الصهيونية كانت وراء ذلك.
لقد تعرّض يفسييف قبيل وخلال فترة البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) في عهد غورباتشوف مثل غيره من المناضلين ضد الصهيونية إلى حملة تشويه، خصوصاً عندما طويت اللجنة الاجتماعية السوفيتية لمناهضة الصهيونية، باعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري  التي أسّسها الزعيم السوفييتي أندروبوف في العام (1983)، وكان لوفاته السريعة والدراما الروسية التي حصلت برمشة عين، قد أنعشت القوى الصهيونية ، التي فرضت بالتعاون مع واشنطن، نظام الهجرة السوفيتية إلى إسرائيل، والذي وصل إلى مليون مهاجر يهودي سوفييتي دعماً للمشروع الصهيوني.
ويعتبر ي . يفسييف من أكثر الكتاب والأكاديميين السوفييت ممن كتبوا ضد الصهيونية ومن كتبه الصهيونية: الحقيقة والاختلاقات (1980) (إشراف) ، كتاب الصهيونية العالمية: الآيديولوجيا والممارسة (1978) ، العنصرية تحت النجمة الزرقاء (1988) والصهيونية في الاتحاد السوفييتي (1991)  والصهيونية: فكراً وسياسة، والفلسطينيون شعب لا يقهر وغيرها.
وكان هو وزميلته غالينا نيكيتا قد اعتبرا قرار التقسيم غير عادل وكذلك سيرغي سيرغييف الذي نشر بحثاً بعنوان الصهيونية أداة بيد الأوساط الامبريالية العدوانية في كتاب " القضية الفلسطينية : العدوان والمقاومة وسبل التسوية".
كانت الهجرة السوفيتية اليهودية شغلاً شاغلاً لإنعام  رعد، واعتبرها  الجزء المنشّط الأخير للمشروع الصهيوني الذي تأسس بعد مؤتمر بال، من خلال وعد بلفور الصادر في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، عن آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا العظمى والموجّه إلى اللورد روتشيلد بشأن تأسيس وطن قومي لليهود.
والثاني قرار مؤتمر سان ريمو في 25 نيسان (ابريل) 1920 القاضي بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، والذي صادق عليه مجلس عصبة الأمم في 24 تموز (يوليو) العام 1922 وتضمّن نصاً بتنفيذ وعد بلفور.
والثالث إشراك بريطانيا المجتمع الدولي لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية، وذلك بعرضها قضية فلسطين على الأمم المتحدة، بعد قيامها، للتنصّل من مسؤولياتها بعد أن هيأت كل المستلزمات لقيام دولة إسرائيل، حيث ماطلت بمنح الشعب العربي الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإلغاء الانتداب البريطاني، وكان ذلك بمثابة المدخل لصدور قرار التقسيم رقم 181 في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947.
أما الرابع فهو إعلان حق الشعب اليهودي بالانبعاث، وذلك عشية الانسحاب البريطاني وقيام إسرائيل في 15 أيار (مايو) 1948، أي تأسيس إسرائيل بما سمّي زوراً "إعلان الاستقلال" وهو ليس سوى إعلان اغتصاب جزء مهم وأساسي من الأرض الفلسطينية.
الخامس- عدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967 والتراجعات التي أعقبته من قبول قرارات مجلس الأمن 242 و338 وصولاً لصيغة كامب ديفيد والصلح المنفرد 1978-1979، بعد زيارة السادات للقدس،  وقد خصص  إنعام  رعد كتاباً خاصاً عن "كامب ديفيد وملاحقه الأوروبية والأمريكية"، صدر في العام 1980.
السادس- العدوان على لبنان العام 1982 وقبل ذلك الحرب العراقية – الإيرانية  وتداعياتها في إضعاف وشقّ التضامن العربي 1980-1988، وصولاً إلى الحرب على العراق العام 1991 بعد غزو الكويت العام 1990، تمهيداً لاتفاق أوسلو العام 1993 وبداية تراجعات عربية شاملة.
" أبدية الساميّة"
وقد نظر رعد  إلى الزعم الفقهي والسياسي الإسرائيلي حول "أبديّة الساميّة"، باعتباره جزء من الآيديولوجيا العنصرية، فقد حاول هيرتزل أن يتّهم جميع الشعوب باللاّسامية ومعاداة اليهود، وذلك في كتابه " دولة اليهود" حيث جاء فيه " الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها أما ضمنياً أو صراحة، لا ساميّة، وإن اليهود ، هم شعب واحد جعلهم أعداؤهم كهذا وبدون موافقتهم، كما يحدث مراراً وتكراراً في التاريخ، فاللاّساميّة من وجهة نظر الصهيونية تعتبر اليهود أمة منفصلة، لا يمكن لأفرادها، الأندماج بالشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها.
إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر في 10/11/1975 باعتبار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، هو جوهر رسالة وموقف  إنعام  رعد، بزعم تمثيل المنظمات الصهيونية، يهود العالم، والانغلاق ورفض غير اليهود إليها، وعلاقتها الوثيقة السابقة مع جنوب أفريقيا ونظام الابرتايد والتنكّر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وهو ما عبّرت عنه غولدا مائير بوضوح عندما قالت " إنني لا أريد دولة ثنائية القومية، دولة اضطر فيها إلى أن أكون في قلق دائم: ترى هل الطفل المولود يهودي أم غير يهودي"؟.
ثالثا-  إنعام  رعد: صديقاً وشريكاً
تعّرفت على  إنعام  رعد في مطلع الثمانينيات، واجتمعت معه في بيروت ودمشق، واشتركنا في أكثر من مناسبة وفعّالية، ولكن علاقتنا الحقيقية والصداقية اغتنت وتعزّزت على قاعدة معاداتنا للصهيونية.
كنت أود أن أضع عنواناً لهذه المداخلة، هو "الصهيونية القاتلة هي التي وثقت علاقتي مع إنعام رعد"، لكنني استثقلته، وقلت ربما سيستشكله البعض، فأخذت النصف الثاني لأضع مع الصهيونية القاتلة " المقاوم النبيل"، ولكنني في نهاية المطاف حسمت الأمر بالإضاءة على إنعام رعد كسياسي لامع ومفكر سوري قومي اجتماعي رائد، ومثقف إشكالي واسع الإطلاع والمعرفة.
تأسيس اللجنة العربية لدعم القرار 3379
وللحكاية طرف آخر وتاريخ آخر، فقد كنت قد اقترحت في ندوة اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين العام 1986 في دمشق، الذي أتمتع بعضوية شرف فيه، حشد الجهود العربية الرسمية والشعبية للحيلولة دون إلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية 3379 الصادر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، وكنت قد نشرت نصّه في كتابي "الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي" العام 1985، حينذاك راجت حملة دولية لإعدام القرار 3379، ووقع 800 شخصية عالمية سياسية وثقافية ودبلوماسية وفنية وأدبية تطالب بذلك، وقد تلقّى الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم رسائل بهذا الخصوص.
وكان الدكتور جورج جبور من أثار موضوع تشكيل لجنة لمتابعة الأمر. والتقينا في ناصية الشارع قرب ساحة عرنوس جورج جبور وأنا، وبعد تداول في الأمر قرّرنا دعوة عدد من المهتمين بإطلاق المبادرة، وكانت تسميتها قد جاءت من اقتراح جبور، " اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379"، والهدف هو حماية هذا القرار الذي يشكّل نقضاً للعقيدة السياسية لإسرائيل ويشكّك بشرعية وجودها، فضلاً عن اتهامها بالعنصرية والتمييز العنصري في إطار يخالف قواعد القانون الدولي المعاصر والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
ثم دعونا بضعة أصدقاء ومهتمين (مفكرين وناشطين) للانضمام إلى اللجنة التي أعلن عن تأسيسها، وكان  في مقدمتهم،  إنعام  رعد ، وناجي  علوش وصابر محي الدين وسعدالله مزرعاني، وعبد الفتاح يونس وعبد الرحمن النعيمي وعبد الهادي النشاش، وغطاس أبو عيطة وغازي حسين، وهو من المتحمسين الأوائل لدعم الفكرة والمشروع، إضافة إلى جورج جبور وعبد الحسين شعبان.
تأسست اللجنة في العام 1986 واختير جورج جبور رئيساً لها بالإجماع، وإنعام  رعد وعدد آخر  نواب للرئيس. وتم اختيار أمين عام للجنة هو كاتب السطور.
عملت اللجنة 3 سنوات وأصدرت كتباً وكراريس وعقدت ندوات ومؤتمرات، ومن أهم منجزاتها إدراج مسألة مساواة الصهيونية بالعنصرية في قرارات مؤتمر القمة الإسلامية في الكويت العام 1987، وذلك بمخاطبتنا الرئيس حافظ الأسد، الإيعاز للوفد السوري بتبني المشروع، وهو ما حصل  بالفعل، وقد صدر النص الذي اقترحناه، حيث تم اعتماده من المؤتمر.
خلال السنوات الخمس تلك أجرت اللجنة مقابلات مع عدد من المسؤولين العرب والفلسطينيين ومراسلات عديدة مع شخصيات عامة ووازنة، وكان الهدف من ذلك التنسيق والتعاون للقيام بجهد عربي موحّد على هذا الصعيد للحيلولة دون إعدام القرار، الذي حدّد موعداً له نهاية العام 1990 حسب هيرتسوغ الرئيس الإسرائيلي الذي انتخب في العام 1986، وكان حين صدر القرار ممثلاً لإسرائيل في الأمم المتحدة وقام من على منصتها بتمزيق القرار معتبراً إياه مدعاة للاشمئزار .
تطوّرات سلبية
وقد حدثت تطورات سريعة كلّها سلبية لصالح إلغاء القرار، في ظل غياب جهد عربي مشترك، ومن هذه التطورات: انهيار الكتلة الاشتراكية التي كانت تقف إلى جانب العرب، وإعادة علاقاتها بالتدريج مع إسرائيل، بل إن بعضها منحها الأولوية في العلاقة بعد سقوط الأنظمة الشمولية وتراجع نحو 30 دولة أفريقية قطعت علاقاتها سابقاً مع إسرائيل بين العام 1967-1973 وما بعده، عن قراراتها تلك، واحتلال العراق للكويت العام 1990 بعد الحرب العراقية – الإيرانية التي دامت ثمان سنوات.
وما إن وضعت اللمسات الأخيرة لتفكيك الاتحاد السوفيتي وتحرّكت عجلة مؤتمر مدريد (أواخر شهر تشرين الأول/اكتوبر/1991)، حتى تم إمرار القرار القاضي بإلغاء القرار السابق 3379 بعد أن تم أخذ موافقة الطرف العربي الأكثر تضرراً كما يفترض من الموضوع، ومهادنة دول عربية أخرى، وحصل ذلك يوم 16/12/1991، وكان بمثابة انتصار أشد عاراً من الهزيمة (وهو عنوان مقال كتبه في حينها في جريدة القدس العربي/ لندن).وإذا كان مثل هذا الحدث انتصاراً للصهيونية، فهو صفعة للضمير الإنساني ولحقوق الإنسان ولقيم الحرية والمساواة وحق تقرير المصير.
كان  إنعام  رعد يومها حزيناً ومتكدّراً، وقد هاتفته فيها لنعزّي أحدنا الآخر مثلما تحدّثت مع الدكتور جورج جبور الذي ظلّ القرار شغله الشاغل، ولعلّه اعتبر إلغاء ذلك القرار التاريخي، والسماح بهجرة اليهود السوفييت من أسوأ الخطوات التي أثّرت في الصراع الدولي.

تمنيتُ أن يكون رعد معنا في ديربن
 كنت أتمنى لو كان إنعام رعد حيّاً  ليتابع كيف هزمت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة في مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) في العام 2001، حين دمغت نحو 3000 منظمة دولية الممارسات العنصرية لإسرائيل، وكان ذلك بمثابة إحياء جزئي لفكرة القرار 3379، لكن ذلك النصر السريع سرعان ما تبدّد هو الآخر، فالعرب الذين حصلوا على القرار 3379 استكانوا وناموا، في حين اشتغلت الصهيونية ليل نهار حتى تحقّق لها ما أرادت، حين اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بإلغاء القرار المذكور، وبنسبة تصويت أعلى من التصويت عليه في السابق (حيث حصل القرار 3379 على 72 صوتا مقابل 36 صوت وامتناع 32، أما قرار إلغائه فحصل على 111 صوتا مقابل 25 وامتناع 13وغياب 15.
وتلك إحدى مفارقات السياسة بشكل عام والسياسة العربية بشكل خاص، وهو ما كان يحزن إنعام رعد ويؤرقه. وبالفعل فقد استطاعت الصهيونية وحلفاؤها أن تنجح في مؤتمر العنصرية الثاني (جنيف)  وفي ذات المبنى الذي صكّ فيه وثيقة الانتداب على فلسطين المتضمنة الإشارة إلى وعد بلفور، من تغيير مسار القضية لصالحها، مستغلة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة،  11 أيلول (سبتمبر) 2001 بعد أيام من قرارات مؤتمر ديربن.
كما كنتُ أتمنى أن يكون إنعام رعد حاضراً ليشهد هزيمة إسرائيل التي اضطرّت إلى الانسحاب مجبرة من جنوب لبنان بفعل المقاومة الوطنية والتضحيات التي قدمتها على هذا الصعيد، والتي ارغمت  إسرائيل على الإنسحاب في العام 2000، وكنت أتمنى لو كان إنعام رعد معنا حين قابلنا السيد حسن نصرالله  وهو مستبشر بذلك الانتصار التاريخي.
كنتُ أزور أبا عصام بين حين وآخر، وكم من مرّة دعاني للكتابة في مجلة الحزب ونشر لي أبحاثاً فيها، وبعد مغادرتي دمشق كنت في كل زيارة لها أضع في برنامجي زيارة إنعام رعد واللقاء به، وغالباً ما كان يصرّ على أن أتذوّق طعامه وحلوياته، فقد كان يكرم ضيفه ويحسن استقباله مع زوجته السيدة ليلى داغر رعد وكان إنعام رعد حضارياً ومتمدناً وتقدمياً في حياته وسلوكه الاجتماعي.
ظلّ همّه الأكبر، هو كيف يمكن أن نواصل مشوارنا، لاسيّما بعد تغيير اسم اللجنة إلى " اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"، لكي يتم لها التحرك الأوسع وعدم حصرها بالقرار 3379 الذي لم يعد موجوداً، وكان هذا اقتراح  إنعام  رعد الذي أخذت به اللجنة، كما اقترح إنعام  رعد وغازي حسين الاتصال بعدد من الشخصيات المهتمة بالموضوع في البلدان العربية الأخرى لعقد مؤتمر موسع أو تشكيل عدد من اللجان للأهداف نفسها، وهذا ما حصل في مصر والأردن ولبنان والمغرب.
وبعد صدور كتابه " الصهيونية الشرق أوسطية" اتفقنا على عقد ندوة له في جامعة ساوس في لندن، واتصلت بالجامعة وبعدد من المعنيين على أساس التحضير المناسب، وذلك بعد زيارة قام بها للولايات المتحدة إذا لم أكن مخطئاً، لكن الأمر لم يحدث، ولم يتمكن رعد من المجيء إلى لندن.
وفيما بعد عقدت في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان ملتقى فكري حول القدس وحقوق الإنسان، ودعوته إليه رعد، ولكن لا أدري ولا أتذكّر ما الذي حال بينه وبين الحضور، حتى وافته المنيّة حيث كان يعالج في الولايات المتحدة في 8 آذار (مارس) العام 1998 ولم نتمكّن من تحقيق رغبته في إلقاء محاضرة أو أكثر في بريطانيا. وكنت قد أصدرت كتاباً عن سيناريو محكمة القدس الدولية العليا العام 1987 في قبرص وأبدى رعد إعجاباً به، وقد تحدثت عنه في ندوة مشتركة في دمشق، بمناسبة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية أواخر العام 1987.
إنعام رعد شجرة باسقة تحتاج إلى من يهزّها ليتصلّب عودها وتثمر، وامتلك لغة جميلة وجملة رشيقة وقلماً أنيقاً وكان يحسن استخدام الحرف الذي يفوح منه أحياناً عطر الأديب، حتى وإن كان يكتب بأشد المواضيع السياسية تعقيداً.وهو بأخلاق فارس مقاوم نبيل، وكان دائماً ما يستعيد قول أنطون : إن الحياة وقفة عز فقط!!
•   الأصل في هذه المادة محاضرة ألقيت في دار الندوة في بيروت بدعوة من مؤسسة إنعام رعد الفكرية يوم 12/10/2015

510
إنعام  رعد :
يقينيات السياسي وتأمّلات المفكّر
د. عبد الحسين شعبان
مفكر وباحث عراقي

لا أريد التحدّث عن مناقب  إنعام  رعد فهي كثيرة، ولا الاستفاضة في ذكر محاسنه فهي عديدة، ولا  الإضاءة على تاريخه ومحطّات نضاله فهي متشعّبة وواسعة، وبالتأكيد فهناك من هو أجدر منّي بذلك، وأقرب إليه وأوثق صلة به، وأطول علاقة معه، ولهذا سأقصر حديثي على ثلاث نقاط أساسية أحدها فكري وسياسي، وثانيها نضالي وعروبي، وثالثها شخصي وصداقي وعمل مشترك، وهذه المحاور الثلاثة أحاول تناولها من زاوية نقدية وبقراءة ارتجاعية.
النقطة الأولى – تتعلّق بجمعه المتوازن ما بين السياسي والفكري في شخصيته، وذلك على نحو عضوي، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، فبقدر ما هو سياسي قلباً وقالباً، إلاّ أن لمعة المفكر عنده كانت موازية وومضة المجتهد فيه كانت حاضرة والنزعة الاستقلالية لديه كانت بارزة، وكانت تلك الصفات مكوّنات أساسية ساهمت في إبراز شخصية الكارزمية.
وإذا كان إنعام رعد قد انخرط في حقل السياسة وهو فتى، العام 1944، وهو المولود في عين زحلتا (قضاء الشوف) العام 1929، فإن إغواء الفكر وإغراء الاجتهاد والرغبة في التميّز، كانت تسحبه بعيداً عن السياسة أو ما هو سائد منها، خصوصاً وقد أكسبته التجارب، بما فيها السجون نضجاً ومكّنته من أدواته. وأحياناً تجدُ تعارضاً بين المفكر الذي في داخله والقابع في عقله، وبين السياسي المتغيّر، المتقلّب، اللحظي الذي يعيشه، مقابل المدى الواسع والرحب لدى المفكر والمجتهد والمجدّد، وهذا المدى مملوء بتأمّلات ومراجعات واستعادات.
النقطة الثانية- التي أوّد  التوقّف عندها هي موقفه النضالي العروبي المتميّز من الصهيونية بكل أشكالها وألوانها وصورها، وأكاد أقول إنني لم أجد أكثر منه من جعل الكفاح ضد الصهيونية محور حياته، ونشاطه الفكري، وإذا كانت الوحدة الكيانية وخاصة لسورية الطبيعية طريقاً لدحر المشروع الصهيوني. فلم يكن  إنعام  رعد منظّراً لذلك فحسب، بل انشغل بكل جزئياته مثلما في كليّاته، بالهمّ لتحقيقها، ولاسيّما في مواجهة الصهيونية.
وعندما خرج من سجنه في مطلع العام 1969 بعد أن حُكم عليه بالإعدام في العام 1961 إثر الحركة الإنقلابية التي قادها الحزب السوري القومي الاجتماعي وخفّض الحكم إلى 13 عاماً، ثم أفرج عنه بعفومن الرئيس اللبناني شارل حلو كان قد وضع بين أيدينا كتابه السجالي المهم " حرب التحرير القومية- الظاهرة والمضمون والاستراتيجية"، وسواءً اتفقت مع أحكامه أو اختلفت، لكن عليك أن تأخذه بسياقه التاريخي، مع جرأة أطروحاته وبعض استشرافاته.
ومنذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان، ناقشتُ معه باقة أفكار جديدة كان الفكر القانوني الصهيوني، قد تبنّاها مثل فكرة العدالة العليا والعدالة الدنيا، ومفهوم الأمة اليهودية اللاّمكانية، والاستعمار الإنساني والاحتلال الواقعي وأبدية اللاّ سامية، وهو ما أثار اهتمامه، إضافة إلى المراجعات الفكرية لمواقف اليسار العربي وللتيار الماركسي تحديداً بصدد الموقف من إسرائيل وقرار التقسيم وآفاق النضال اللاحق، وكان نقد  إنعام  رعد من قاعدة العقيدة السورية القومية الاجتماعية، في حين كان نقدي للتيار الماركسي وللموقف السوفييتي من قاعدة المادية الجدلية والمفهوم الوضعي النقدي للماركسية، مثلما هو نقدي للتيار القومي التقليدي أيضاً، وخصوصاً بعض أطروحاته المتطرّفة من قبيل مساواة اليهود بالصهيونية، أو " رمي اليهود بالبحر" أو غير ذلك.
النقطة الثالثة- التي أحاول الإضاءة عليها، هو صداقتي معه وعملنا المشترك في إطار اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 الصادر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وكان  إنعام  رعد من المؤسسين لهذه اللجنة ونائباً لرئيسها الدكتور جورج جبور، وكنت أمينها العام ، ثم تولّى بعد ذلك  رئاستها وأصبح الدكتور  غازي حسين أميناً للسرّ.
وكنتُ قد انتقلت في عملي إلى لندن، ولكن رعد أصرّ على أن أبقى عضواً في أمانتها العامة، وهو ما حصل واستمر حتى وفاته. وإذا كانت نشأة هذه اللجنة جاءت استجابة لتحدّي دولي، ونعني به محاولة الصهيونية وأصدقائها، إعدام القرار 3379، فإن استمرارها، وخصوصاً في ظل التراجع العربي، كان تحدّياً من نوع آخر، خصوصاً وقد تحوّلت مهماتها من مجابهة محدّدة ومقتصرة على القرار، إلى مجالات أوسع، بإضافة العنصرية إلى الصهيونية، ولهذا تغيّر اسم اللجنة إلى " اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"، وهو ما أراده  إنعام  رعد لشمولية المواجهة للمشروع الصهيوني ككل وليس لجزئية معينة فيه، وأن كانت مهمة.
أولاً-  إنعام  رعد: قبّعة السياسة وقبّعة الفكر
بقدر ما تمتلئ الساحة العربية بكثرة كاثرة من القيادات السياسية والإدارات الحزبية، فإنها تفتقر إلى مفكرين سياسيين، ولذلك أحياناً تتضبّب الرؤية أو تضيع البوصلة أو يتشوّش الموقف بين ما هو ستراتيجي ومبدأي وبين ما هو عارض ومصلحي.
السياسي عادة ينشغل بما هو مسلكي ويومي ويبني تحركه على ردود الأفعال، وهناك عدد محدود ولا يتجاوز أصابع اليد من انشغل منهم بالفكر، وإنهّم بالتفكير بنظرة بعيدة المدى، وليس على نحو طارئ أو ظرفي أو مؤقت.
وبالمقابل قد تجد مفكراً مرموقاً، لكنه معزول عن سياقات الحياة العامة أو الشأن العام وهمومه وتعقيداته، أو يحاول تجنّب الانخراط فيها، بزعم إنه منصرف للفكر، أما الممارسة فهي من اختصاص النشطاء والفاعلين السياسيين والمدنيين، وهكذا فإن تأثيره سيكون ضعيفاً، وقد يبرّر ذلك، وهو صحيح إلى حد ما، بشحّ الحريات وانعدام فرص التعبير وقسوة السلطات.
 إنعام  رعد من السياسيين المفكرين الذين لبسوا القبعتين حسب المثل الفرنسي "قبّعة السياسة.. وقبّعة الفكر" وخاض في الحقلين، واجتهد وصارع وساجل وتقدّم وتراجع وأصاب وأخطأ، لكنه كان صميمياً، حيث كانت له بوصلته الوطنية والعروبية والإنسانية التي حاول السير في هديها.
ومهما كانت آراؤه أو أفكاره، فإنك لا تستطيع الاّ أن تقدّر جهده واجتهاداته ووجهات نظره، ولاسيّما سعيه للتفكير المستقل، محترماً فردانيته وخصوصيته، دون أن يعني ذلك تخلّيه أو تنكّره للجماعية أو للجمعوية (حسب التعبير المغاربي) السياسية أو الحزبية. ولم ينكر حتى خصومه ذلك ، حتى وإن انتقدوه على آرائه ووجهات نظره.
لك الحق في أن تقبل أو توافق على ما توصّل إليه رعد، مثلما لك الحق في أن ترفض استنتاجاته، لكنه لا يسعك إلاّ التسليم بشجاعته وصميميته. ولا يمكن الإحاطة بالتيار السوري القومي الاجتماعي ، ما لم تعط لكتابات وأفكار  إنعام  رعد حقها، وقد حاول الإضاءة على أفكار انطون سعاده الزعيم التاريخي الذي أعدم في العام 1949، خصوصاً في موضوع الخطر الصهيوني والتناقض الأساسي بين الحركة القومية والاستعمار، والمجابهة بين أمم العالم الثالث والقوى الاستعمارية، والمهم حسب وجهة نظره وعي طبيعة الحركة القومية التي هي النقيض الثوري للاستعمار، لوعي الأمة، وحسب ألتوسير إن فهم التاريخ هو قراءة الوعي بضدّه!.
ووفقاً لهذا الفهم التاريخاني " السعادتي" رفض رعد التجزئة القومية بتذرّر الوطن، كما رفض التجزئة الاجتماعية على أساس الطائفة والعشيرة والعنصر، وأعلى من شأن الرابطة القومية، كما رفض التجزئة الاقتصادية الطبقية، وبالطبع فإن الرفض الأساسي كان للتجزئة السياسية التي مهّدت لفقدان السيادة القومية، وكرّست التناقضات التجزئية الكيانية لمواجهة القوى الاستعمارية.
إن وعي الهوّية هو أساس وعي الأمة الثوري ورفض كل ما يناقض الوجود القومي، وبهدف تمايزه عن التيار الماركسي لمفهوم الأمة، ركّز على وحدة العوامل النفسية ووحدة الحياة القومية، انطلاقاً من تعريف انطون سعادة للأمة في كتابه " نشوء الأمم": الأمة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النفسية- المادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه في مجرى التطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات.
قد يتعارض السياسي مع الفكري لدى  إنعام رعد، وإذا كان مثل هذا التنافس الإيجابي حاصلاً، فإن رعد غالباً ما يحسمه لصالح المفكّر، لكن الافتراق أو التباعد أو التعارض، الذي يتراءى  للناظر أو المتابع، يتبدّد بالتدريج ليعود ويلتقي في نهاية المطاف، خصوصاً في حلبة القيم الإنسانية، ولاسيّما الحرية والمساواة والشراكة والعدالة، وهذه أساسات للدولة العصرية الدستورية ولفكرة المواطنة. والسياسي عنده هو من يلحق المفكر وليس العكس، وتلك صفة تميّز بها  إنعام  رعد على الكثير من مجايليه وزملائه، بل شذّ بها على أقرانه، من التيارات السياسية المختلفة.
الحزبي والسياسي: القاعدة والاستثناء
القاعدة الغالبة أو الشائعة هي أن يخضع الفكري للسياسي، وهذا الأخير للحزبي، والحزبي للمراتبية البيروقراطية، وإنْ اختلطت بعض الأوراق وتداخلت واندغمت، لكن تلك ظلّت القاعدة المعمول بها، في حين إن الاستثناء هو خضوع السياسي للفكري، وقد أراد رعد أن يحوّل القاعدة استثناءً، والاستثناء قاعدة، بتمسّكه باجتهاداته ودفاعه عنها، متجاوزاً أحياناً المواقع والمسؤوليات، سواءً كان في أعلاها أو خارجها.
وقد عانى الكثير من المفكرين وأصحاب الفكر ومنتجي الأفكار من تلك الازدواجية والتناقض، حين يحاول السياسي إخضاع الفكر للحظة الراهنة، الآنية، الظرفية، المعارضة أحياناً، في حين إن سعي المفكر هو النظرة الشمولية، الاستراتيجية، البعيدة المدى .
أنقل هنا ما لفت نظري من رسالة وجهها فردريك انجلز إلى كارل ليبنخت زعيم الحزب الاشتراكي الألماني، وقد وردت في رسائل شهيرة بين انجلز وماركس، ترجمها جورج طرابيشي. كان ليبنخت قد طلب برسالة رقيقة من انجلز كتابة مقالة لصحيفة الحزب السرّية، وهذا ما فعله على الفور، وبعد أيام قرأ مقالته منشورة في الجريدة، لكن هاله ما اكتشف، حيث تلاعب محرّرها بها، وقام بتقطيع أوصال المقالة إرباً إرباً، لدرجة قلبتها رأساً على عقب كما يقال.وحين تساءل انجلز في رسالة عتاب واحتجاج إلى تلميذه كارل ليبنخت عن السبب الذي دعا محرّر الجريدة التلاعب بأفكارها، ردّ هذا الأخير بشيء من ازدراء للفكر وتغليب الموقف السياسي الآني بقوله: " لقد اضطررنا إجراء تعديلات على المقالة لتتلاءم مع نهج الحزب"، فما كان من انجلز الاّ أن يهتف: ومتى علمناكم، ماركس وأنا، إن السياسة أهم من الأفكار؟
في العام 1974 دعي  إنعام  رعد لإلقاء محاضرة في زغرتا بمناسبة الأول من أيار (عيد العمال)، وقد وافقت حينها القيادة على ذلك، ولكنها اشترطت عليه كتابة المحاضرة وإرسالها إليها، للموافقة عليها أو إبداء ملاحظات بشأنها. امتثل رعد للقرار وكتب محاضرته وأرسلها إلى مركز الحزب، لكن من جلس بمقعد الرقابة استخدم مقص الرقيب، ليقتطع بعض الفقرات، بما فيها قولاً اعتبره منسوباً إلى أنطون سعاده الزعيم السوري القومي الاجتماعي الذي أعدم في العام 1949، وكان رعد قد استهدف من اقتباسه تحريك عجلة التجديد داخل الحزب، لاسيّما عندما يقتبس من زعيمه التاريخي، لكن ذلك لم يمنع الجهة المتنفّذة من حذف ما اعتقدت إنه لا يتناسب مع نهج الحزب، وهو ما نقله لي في أواسط الثمانينيات في دمشق، وأضاف منذ ذلك التاريخ بدأت أتهرّب من إرسال محاضراتي مسبقاً وأجد الأعذار لذلك.
لا أنقل هذه الحادثة إلاّ للإشارة إلى أن مثل هذا النهج كان سائداً في جميع الأحزاب الراديكالية الشمولية، الشيوعية والماركسية والقومية، وصولاً إلى الأحزاب الإسلامية، وهذه كلّها اهتدت بكتاب لينين: ما العمل؟ الصادر في العام 1903، وطبّقت ما جاء فيه من تعليمات زادها قسوة تخلّف بلدان العالم الثالث، من خضوع القاعدة للقيادة والأدنى للأعلى والأقلية للأكثرية، في إطار ضبط حديدي، مع شيء من التخفيف أو التلطيف سمي بالديمقراطية المركزية، وهو مصطلح يحمل التناقض في داخله، ولكن مع التنفيذ اللاّشرطي للقرارات، أو ما سمّته بعض الأحزاب القومية : نفّذ ثم ناقش.
الحزب كأي شيء حي، ينشأ وينمو ويتطوّر ويتصلّب عوده في مواجهة التحدّيات، وإنْ لم يواكب الحياة والتغيير الذي هو الثابت الوحيد، فإنه يتراجع ويتقهقر، ولا أظن إن حزباً واحداً ظلّ على ما كان منذ تأسيسه ولحدّ الآن، وإنْ وجد مثل هذا الحزب، فإنه يكاد يكون ميتأً، لأن الحياة تأتي بالجديد، وعلى الحزب أن يواكبها.
وحسب فيكتور هوغو: " إنه لثناء باطل حين يُقال عن رجل إن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ أربعين عاماً، فهذا يعني إن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق في الأحداث. إنه كمثل الثناء على الماء الراكد لوجوده، وعلى الشجرة لموتها".
إن الذين لا يتغيّرون لا يفعلون شيئاً، والإنسان الذي لا تغيّره التجارب ولا تترك الأحداث بصمتها عليه وتأثيرها فيه، يتعرّض للصدأ والتآكل، والسياسة تجارب، وقد تخطئ وقد تصيب ولكن على المرء أو الحزب أن يجرّب باستمرار، لاسيّما إذا كانت بوصلته دقيقة وحساسيته الإنسانية عالية.
لم يدرك الكثير من القابضين على مقاليد السلطة الحزبية، إن العالم تغيّر وعليهم تغيير سياساتهم وتكتيكاتهم وأساليب عملهم ونضالهم وتنظيماتهم وأحكام أنظمتهم الداخلية، وإن كتاب لينين "ما العمل؟" الذي اعتمدته الأحزاب الشمولية، سواء بإعلان منها أو دون إعلان، وهو كتاب مهم جداً في فترة ما بعد الثورة الصناعية وفي مطلع القرن العشرين، أصبح في فترة ما بعد الحداثة وفي نهاية القرن العشرين وانتهاء عهد الحرب الباردة والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، جزءًا من التراث وعلينا أن نقرأ كذلك، لا أن نتعاطى مع مفرداته وتعاليمه باعتبارها وصفة جاهزة للحزب، لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها، وهي وصفة صالحة لكل زمان ومكان، بتخطّي التاريخ أو تجميده، أو وضع سرير بروست مقاساً للخطأ والصواب حسبما تقول الأسطورة اليونانية.
إن فكرة ماركس عن الحزب، أي ماركسية القرن التاسع عشر، هي غيرها ماركسية لينين أو ستالين والأحزاب الشيوعية العالمية والعربية، فقد تحوّل مفهوم الحزب لدى جميع الأحزاب الشمولية ماركسية أو قومية أو إسلامية إلى الرأي الواحد والزعيم الواحد والذوق الواحد، ولم تستطع هذه الأحزاب استيعاب الفكرة الماركسية القائلة إن مستقبل الحزب بوصفة طليعة رهناً بتحوّله إلى كتلة شعبية، أو كتلة تاريخية كما أسماها غرامشي ، بمعنى تيار عريض وواسع وليس إبقائه محصوراً بطبقة أو جماعة قومية مؤلجة أو إسلامية إيمانية، أي عصبة ثورية شبه عسكرية كما أسماها لينين، لأنها ستضيق في نهاية الأمر وتلتفّ على نفسها لدرجة التشرنق.
وعلى الرغم من أن لينين أسمى محاولة فرض سيادة الطبقة العاملة على الطبقة المخلوعة الرأسمالية بـ "دكتاتورية البروليتاريا" أو دكتاتورية  الـ 9 % ضد 1 % أو ديمقراطية الأغلبية ضد الأقلية المنحّاة، إلاّ إن ذلك لم يمنع في أن تتحول مثل هذه السلطة، سواء كانت ماركسية أو قومية أو إسلامية إلى نظام شمولي وتدريجياً استبدادي، حيث تضيق قاعدته بالتدريج، والأمر يعني الأحزاب التي في السلطة وخارجها ومن معارضيها أحياناً.
لقد هيمنت فكرة أساسية على الأحزاب الشمولية وهي كيفية الاستحواذ على الجماهير أو الاستيلاء عليها وقد شكّلت هذه الفكرة هاجساً للأحزاب الشيوعية والقومية والبعثية والإسلامية، في حين أنها أثقلت عليها بعد حين ودفعت قياداتها لتوجهات لم تكن تؤمن بها. وكان الموديل الستاليني قد وجد ضالته إلى الأحزاب الشمولية يسارية أو يمينية، بل إن هناك من أطلق على الأحزاب القومية والإسلامية ، الأحزاب الستالينية أيضاً.
إن معضلة هذه الأحزاب هي معضلة فكرية، وهي ما واجهه  إنعام  رعد وغيره من المفكّرين والمثقفين الواعين، وتتّصل تلك المعضلة بتقديم أولوية السياسة على الفكر، وحتى الآن فإن ذلك لا يزال يهيمن على الكثير من الأحزاب العربية، في حين ابتعدت عنه حركات وتيارات شمولية كثيرة في الغرب وفي أوروبا الشرقية بعد انهيار النظام الشمولي وفي أمريكا اللاتينية بعد الإطاحة بعدد من الأنظمة الدكتاتورية..
إن الأحزاب الشمولية تعيش عقدة الخوف من التسلّل الفكري أو الأمني إليها من الخارج، والخارج ليس سوى الأفكار الهدّامة المغايرة، المختلفة، التي تهدّد طهرية النظرية أو نقاوتها لدى الشيوعيين وتهدّد مصير الأمة حسب القوميين، وتعرّض الإسلام لمخاطر البدع والانحراف لدى الإسلاميين.
هكذا تهيمن الانعزالية المصحوبة بالارتياب من الرأي الآخر، حتى وإنْ كان من داخل الحزب وليس خارجه ويتحوّل الإرتياب إلى نوع من الإرهاب الفكري، خصوصاً تجاسر على السائد والنمطي مما هو تقليد واستكانة، وتلك كانت مشكلة  إنعام  رعد مع التنظيم أحياناً، وظلّت الأحزاب الشمولية تبحث عن الإجماع حتى وإن كان مصطنعاً تحت عناوين وحدة الإرادة والعمل، وهو ما شجع على الانشقاقات والانقسامات، وخوّن كل فريق الفريق الآخر، ولا يهمّ حتى إن وصلت المعلومات إلى العدو.
صحيح إن رعد محرّض وداعية وهو في سياق مرحلة اتسمت بالشمولية، لكن أدواته البحثية تجعل منه أكثر عقلانية من الدعاة أو المحرضين أو المبشرين، لما يتّسم به البحث العلمي من موضوعية  وعقلانية ونزاهة وحيدة إزاء الحقائق، وإنْ كان لكل باحث وجهة نظر ورأي، ولكن ذلك لا ينبغي له مخالفة الحقيقة، وتلك هي كيمياء البحث العلمي.
لعلّ أهم ما ميّز  إنعام  رعد هو استقلاليته، وحتى مواقفه السياسية لم تكن ضمن المسطرة السائدة أحياناً، فقد كان يقرأ بعين المستقبل. لم يرغب السكن في التاريخ، وإنما كان يفكّر بالمستقبل مع استلهام التاريخ، وبقدر ما كان يحاول إضاءة أفكار انطون سعادة، كان يحاول الإضافة بما جادت به الحياة من متغيّرات وتطورات.
رؤيوية إنعام رعد واستشرافيته
لم ينظر للواقع القائم بعين الماضي، بل باستعارة  مصطلح زهير فياض، كان رؤيوياً أو استشرافياً، فعلى سبيل المثال، كان الاتجاه القومي عموماً ضد الحركة الشيوعية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، بسبب الخلاف بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وموقف الحزب الشيوعي السوري من الوحدة المصرية – السورية العام 1958، وانتقاداته لتوجهات قيادة الجمهورية العربية المتحدة ذات المنهج الآحادي ، الإطلاقي، الشمولي.
وانعكس ذلك على الموقف من الأحزاب الشيوعية العربية، خصوصاً وهناك خلافات قديمة بخصوص الموقف من القضية الفلسطينية وتحديداً قرار التقسيم، وهو الموقف الخاطئ الذي اتخذته حينها، مجاراة وممالئة لموقف السوفييت الخاطئ أساساً ومصالح الدولة العظمى، والذي قدّم السياسي على الفكري وبرّر آيديولوجياً قيام إسرائيل، بإخضاعه الفكر للسياسة ومصالحها وتناقضاتها وألاعيبها. وهو ما استفاض رعد في مناقشته بكتابه السجالي " حرب التحرير القومية".
أقول كانت تلك الصورة أمام   إنعام  رعد، وهو يقرأ المشهد من زاويتين حادتين الأولى- إن خيار الحزب السوري القومي الاجتماعي هو التحالف مع الغرب، ولكن (بالشروط القومية)، وهذا الموقف اعتمده الحزب رسمياً منذ العام 1955، فكيف يستطيع رعد تجاوز ذلك، حتى وإن حصلت بعض التغيرات في الموقف الدولي بعد العام 1956؟ وكان ذلك يحتاج إلى مراجعة جادة ومسؤولة وحوارات موسّعة لم تتحقق حينذاك.
والثانية – ارتفاع موجة العداء للشيوعية بسبب الخلافات المشار إليها. واحتدام المشهد عربياً، بعد موجة اعتقالات للشيوعيين في مصر وسوريا من جهة أخرى، والإرهاب الفكري والسياسي الذي تعرّض له القوميون والبعثيون في العراق، وخصوصاً بعد فشل حركة الشوّاف العام 1959، من جهة أخرى، أي إن التباعد كان شاسعاً والاختلاف عميقاً.
لكن ذلك لم يمنع عقل  إنعام  رعد الستراتيجي الرؤيوي من اختراق المشهد السائد، حين كتب في العام 1960 في جريدة البناء، مقالة بعنوان مثير واستفزازي لما هو سائد آنذاك وهو " من أجل تعاون أوثق مع السوفيات".وقد استهدف  إنعام  رعد حسب قراءتنا للنص بالارتباط مع السياق الزمني من ذلك ما يلي:
1-   تقديم ما هو ستراتيجي وبعيد المدى، على ما هو تكتيكي وظرفي.وبالطبع فإن ذلك يعني تقديم الصراع الأساسي مع العدو الصهيوني، على سواه من صراعات ثانوية، وإخضاع هذه الأخيرة له.
2-   السعي لإعادة الصراع في المنطقة إلى محوره الأساسي، أي بين الصهيونية وإسرائيل من جهة وبين الحركة التحررية العربية بجميع قواها ومدارسها واختلافاتها من جهة أخرى، لأنه حسب  إنعام  رعد صراع وجود وليس صراع حدود. وكان هذا موضوعاً لكتاب أصدره لاحقاً في العام 1979، بعنوان " حرب وجود لا حرب حدود".
3-   إحداث اختراق دولي بالتحالف مع دولة عظمى تناصر الحقوق العربية، إزاء دولة عظمى داعمة أساسية لإسرائيل، والمقصود بالأولى الاتحاد السوفييتي، وبالثانية الولايات المتحدة. وذلك انطلاقاً من فهم مستحدث للعلاقات الدولية من منظور ستراتيجي، يقوم على المصالح، وليس على المبادئ فقط، خصوصاً في ظل الصراع الآيديولوجي القائم آنذاك وفي فترة الحرب الباردة، بين منظومتين متصارعتين هما الرأسمالية والاشتراكية.
 وكان رعد أسبق من غيره، بل متقدماً عليه بالموقف حين قرأ التطوّر الذي حصل لدى الاتحاد السوفييتي منذ وفاة ستالين العام 1953 وصولاً إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي العام 1956، الذي أكّد على دعم حركات التحرر الوطني والقومي، حيث كان من مقدماته كسر احتكار السلاح عن العرب، تلك التي تكلّلت بصفقة السلاح التشيكوسلوفاكي لمصر العام 1955، والتطوّر الكبير الذي حصل إبان العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، وما أعقبه من إنذار عُرف باسم إنذار بولغانين، وإعلان السوفييت عن استعدادهم لإعادة النظم بأساس وجود إسرائيل كدولة، وهذا ما حاول رعد إضاءته.
4-   المصالح المشتركة بين العرب والدول الاشتراكية، لاسيّما الوقوف ضد سياسة إسرائيل التي بدأت تتسلّل إلى أفريقيا بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي سياسة معادية للعرب ولمصر بالذات التي كان لها امتدادات مهمة في أفريقيا وعلاقات وطيدة مع حركات التحرر الوطني، وتستقبل القاهرة وتستضيف عدداً من الزعماء الأفارقة سرّاً أو علناً بما فيهم الزعيم نيلسون مانديلا الذي زار القاهرة مرتين، كما إن هذه السياسة معادية للسوفييت والنفوذ السوفييتي والاشتراكي، الذي بدأ يتعزّز في أفريقيا حيث تأثّرت العديد من الحركات الوطنية الأفريقية بالأفكار الاشتراكية والماركسية، وحاولت السير في هدّيها، ولاسيّما بعد مرحلة الاستقلال، خصوصاً بصدور قرار الأمم المتحدة بتصفية الكولونيالية العام 1960.
الرؤية الانفتاحية لدى انعام رعد
لم تكن هذه المقالة التأسيسية وحدها هي من قراءات رعد الاستشرافية، فقد حاول رعد ومعه عدد من زملائه إحداث تغييرات مهمة في رؤية الحزب السوري القومي الاجتماعي لإخراجه من دائرته الانعزالية ووضعه في رحاب حركة التحرر العربية، فالعزلة كما هو معروف تقود إلى التطرّف، وهذا الأخير نتاج التعصّب وادعاء الأفضليات وتخطئة الآخرين وادعاء العصمة أحياناً.
لقد قاد إنعام  رعد حركة انفتاح على القوى الوطنية اللبنانية بشكل خاص، والقوى العربية التحررية، حركات وأحزاباً وأنظمة، بشكل عام، لاسيّما مع الثورة الفلسطينية في السبعينيات، حيث أهّلت هذه السياسة الانفتاحية الحزب ليلعب دوراً أكبر وأهم، فقد اختير رعد نائباً لرئيس الحركة الوطنية اللبنانية  العام 1975 ولغاية العام 1982.
وعلى الرغم من اختلاف المنطلقات الفكرية بين الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبين الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الشيوعية العربية، فإن رعد قدّم ما هو سياسي على ما هو آيديولوجي، خصوصاً الأهداف المشتركة، والقواسم الجامعة وليس المفرّقة، ولهذا فإن فرصاً جديدة من العلاقات انفتحت أمام الحزب، الذي اتبع المنهج السياسي بدلاً من المنهج العسكري الانقلابي، خصوصاً بعد حركة الانقلاب العام 1961 وذيولها العام 1962.
وحسب تقديري ومعرفتي المتواضعة فإن أحد الشخصيات الأساسية التي لعبت دوراً في هذا التوجّه هو إنعام رعد الذي كانت كارزميته الشخصية جاذبة ومنفتحة، وكان يملك مؤهلات معرفية وعلمية تجعله مؤثراً في المحيط الذي هو فيه، وامتلك صفات شخصية مثل حلو المعشر وعذوبة اللسان، إضافة إلى الصراحة والوضوح والجرأة في قول الرأي. وبالطبع فإني لا أنكر دور القياديين الآخرين في فترة السبعينيات، لكن ميدان بحثنا هو إنعام رعد ودوره الفكري والسياسي. وكان الحزب حاضراً في الانخراط في المقاومة اللبنانية بغض النظر عن أجنحته المتصارعة، وكانت سناء محيدلي أول شهيدة له.
لقد ساهم انهيار الوحدة المصرية – السورية العام 1961 ومن ثم نكسة 5 جزيران (يونيو) العام 1967، وفيما بعد الانتصار المحدود لحرب اكتوبر العام 1973، واستخدام النفط لأول مرة سلاحاً في المعركة، وبعدها الانتصار الفيتنامي على أعتى دولة امبريالية في العالم العام 1975 ، هذه التطورات السلبية والإيجابية كانت وراء جهود إنعام  رعد الفكرية لقراءة التطور العالمي بمنظور ديناميكي متحرّك وجديد وليس جامد.
فالأفكار بالنسبة لإنعام  رعد هي التجسيد الأعلى للسياسة، لأن المفكر هو منتج الفكر وعليه المساهمة في بلورة رؤى أبعد من حدود الشعارات اليومية أو المواقف التكتيكية، بما هو أهم وأعمق وأكثر تحوّلاً وتأثيراً. وفي جميع المواقع التي احتلها رعد في الحزب، كان يميل إلى التجديد، سواء عندما عمل عميداً للإعلام والخارجية أو خلال رئاسته للحزب لدورتين متتاليتين 1975 و1980، وعودته ثانية لدورتين أخريتين 1992 و1995 حتى وفاته.
الغاية والوسيلة
ويعتبر مؤلفه "حرب التحرير القومية" (الصادر في العام 1970) وطبعته الثانية 1979 وطبعته الثالثة 2015، من أهم المؤلفات التي تناولت : الظاهرة والمضمون والاستراتيجية بغض النظر عن الاتفاق معه في استنتاجاته أو الاختلاف حولها، وقد يكون بعضها صالحاً إلى الآن والآخر تجاوزه الزمن، ممثله مثل أي عمل فكري وسياسي.
لقد نظر رعد في هذا الكتاب إلى حركة التحرير القومية بمداها العالمي المفتوح، خصوصاً بمقاربة ظاهرة بعض حركات التحرّر القومي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سواء التجربة الصينية أو الفيتنامية أو الكوبية، أو في المشرق العرب " التجربة المصرية- الناصرية" لأن هذه الثورات تتعلّق بالوجود القومي لأمة تريد التحرر من ربقة الاستعمار ضمن خصائصها وتطوّرها.
حاول رعد قراءة المتغيّرات والمستجدات، وبعضها إيجابي وفق المصلحة القومية العربية، وهو ما قرأه بعد ذلك بصدد الثورة الإيرانية، فقد كانت لديه قدرة على استنباط الأحكام، بشروط الواقع، ولكن باستشراف المستقبل، واضعاً بنظر الاعتبار المصلحة القومية فوق كل اعتبار، ولذلك قرأ المشهد الجديد من زاوية المصالح العليا، فإيران الشاه حليفة الامبريالية وإسرائيل، أصبحت بثورتها الشعبية، ضدهما، وهذه وحدها كفيلة بإيجاد مشتركات للنضال انطلاقاً من مصالحنا القومية.
كما حاول إنعام رعد التوفيق دائماً بين الغاية والوسيلة، فلا وجود لغاية شريفة دون وسيلة شريفة كذلك، وهذه جزء من الغاية، وحسب غاندي إنهما مثل الشجرة  والبذرة. ...إن  الغاية موجودة في الوسيلة، كما ان الشجرة موجودة في البذرة.
ولم يتوان إنعام رعد من التجريب، فالسياسة في نهاية المطاف تجارب، وفيها الفاشل والناجح، وكانت لديه القدرة على المراجعة والنقد وإعادة النظر بما لم تزكِّهِ الحياة، وفي الوقت نفسه كان مقياسه دائماً: هل هذا الموقف أو الرأي يتعارض مع منظومته الفكرية أو يتطابق أو يتساوق مع أخذ الظروف والمتغيّرات بنظر الاعتبار. لم يكن جامداً أو نصيّاً وإنما كان ينطلق من الحياة ذاتها وما فيها من متغيّرات وتطوّرات.
اليهودية والصهيونية
كم كان بودي أن يتم إعادة النظر في نظرة القوميين الاجتماعيين بمن فيهم إنعام رعد، للتفريق بين اليهودية والصهيونية، فليس كل يهودي صهيونياً، ولعلّ ذلك ما تريده الصهيونية وإسرائيل من فكرة الأمة اليهودية العالمية  اللاّمكانية التي كنت قد تناولتها في كتابي الصادر في دمشق، العام 1985، والموسوم "الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي" (دار الجليل) وذلك بزعم تمثيل يهود العالم بغض النظر عن عرقهم ولغتهم وأوطانهم وجنسياتهم ولونهم.
وقد دخلنا في مناقشات مطوّلة حول هذا المفهوم، وأعتقد أن رعد في دراساته اللاحقة وبشكل خاص في كتابه " الصهيونية الشرق أوسطية " الذي صدر في العام 1997، لم يأتِ على بعض آرائه السابقة، وحاول أن يتجاوزها إلى ما هو أكثر اتساقاً مع الواقع، آخذاً بنظر الاعتبار نسغ الحياة المتغيّر، فطريق رعد إلى السياسة هو المعرفة، وكان يسعى لتجديد معارفه، وهو ما يمكن تلمّسه من مقالاته ودراساته وكتبه، وكان أحياناً يردّد قولاً أثيراً عرفتُ فيما بعد إنه لأنطون سعادة وهو: المجتمع معرفة والمعرفة قوة، وكان الفيلسوف فرانسيس بيكون من قال: المعرفة قوة أو "سلطة"!

الموقف من "الأقليات"
كنت أنتظر ولا أزال إعادة النظر بموضوع الإقرار بالتنوّع الثقافي الذي يطلق عليه مجازاً " الأقليات"، فإنعام رعد يأخذ على الثورات العربية أنها " استعارت من الماركسية – اللينينية مفهومها لحل هذه المشكلة (المقصود المشكلة الطائفية- العنصرية حسب النص)، علماً بأن البلدان الإشتراكية لم تحل المسألة القومية، بل زادتها تعقيداً، وهو ما كشفته أحداث ما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وأنظمتها الشمولية، فلم يكن الحل المزعوم سوى وهماً، فإذا بها في العراق تخلص إلى الاعتراف بقوميتين كردية وعربية.
ويتساءل رعد كيف تكون في جزء من الوطن قوميتان وتكون في الوطن كلّه قومية واحدة؟ وبعد مقارنة الوضع في العراق واختلافه عن الاتحاد السوفيتي، الذي يتكوّن من مجموعة مجتمعات وقوميات وجمهوريات، يصل إنعام رعد إلى نتيجة مفادها: لا يجوز أبداً أن ننادي بتعايش قوميتين في حيّز أرضنا العربية (العراق مثالاً كجزء من الوطن) ثم يدعو رعد طبقاً لمبادئ القومية الاجتماعية إلى تجاوز الانتماء اللغوي والعنصري الذي يميّز بين كردي وعربي، إلى انصهار جميع سكان العراق في وحدة الحياة القومية ودورتها الاقتصادية والاجتماعية التي تشمل الهلال الخصيب كلّه.
ويبني على هذا الأساس قاعدة تقوم على ترابط الإنسان والأرض في وحدة الحياة القومية، حيث تحلّ القومية الاجتماعية مشكلة تناقضات الولاء العنصري والطائفي الجزئي، التي هي ولاءات طفت على سطح المجتمع في فترة الانحطاط والتمزيق الاجتماعي والسياسي، بعامل غياب الولاء القومي الموحّد الذي يشكل وحدة الرابطة الاجتماعية الطبيعية السليمة، ويعتبر تمسك جماعة ما بثقافتها الخاصة يعني " سهماً في جسم وحدة المجتمع لا لبنة في بنيانه".
لا نريد أن نذهب بعيداً بخصوص عدم اعتراف مثل هذا التوجّه بالتعدّدية والتنوّع الثقافي القومي والديني واللغوي وغير ذلك، بل إن ما قاله سعادة من تعريف للأمة ينطبق على الكرد مثلما ينطبق على العرب، لاسيّما إذا تجاوزنا النزعة الشوفينية الاستعلائية، بحق الآخر. فالكرد هم جماعة من البشر، تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النفسية – المادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات (وهو ما جاء في كتاب أنطون سعادة " نشوء الأمم").
وإذا كان العرب أمة مجزّأة ولها الحق في استعادة وحدتها وتقرير مصيرها، فالكرد أمة مجزأة أيضاً، وتملك الحق ذاته قانونياً وسياسياً وإنسانياً، فلماذا يُراد صهرها في البوتقة القومية الاجتماعية؟ واستئصال هوّيتها الخاصة ولغتها وتراثها وتاريخها، بل وشعورها النفسي والمادي؟ إنها جماعة بشرية خاصة لها ما يميّزها عن غيرها (أي أمة) لها الحق  في تقرير المصير.
لقد كان التيار القومي العربي عموماً بتفريعاته المختلفة ولغاية مطلع العام 1970،لا يقرّ بوجود قوميتين في العراق، وقد دفع العراق ثمناً باهظاً لهذا التنكّر : خسائر بشرية ومادية، وتداخلات خارجية، وحروب لا معنى لها، حتى تقرّر الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الكردستاني، وجرى تعديل الدستور بالاعتراف بوجود قوميتين رئيسيتين في العراق، ثم شرّع قانون للحكم الذاتي لإقليم كردستان العام 1974، (على الرغم من نواقصه وثغراته يعتبر متقدّماً قياساً لتلك الفترة بالذات).
وكان شعار الحركة الوطنية العراقية وبضمنها الكردية، منذ أوائل الستينيات "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"، ثم اعترفت غالبية القوى اليوم بحق تقرير المصير وهذا الأخير كمبدأ قانوني وسياسي، يعني أما الاتحاد الاختياري على أساس مواطنة متكافئة وحقوق متساوية أو الانفصال (الاستقلال) بكيان خاص، إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً وهو مثل الطلاق أبغض الحلال عند الله كما يقال.
 الكرد ليسوا أغراباً في وطنهم العراق، هم أبناء المنطقة قبل مجيء الإسلام وبعده واشتركوا مع العرب في بناء حضارتهم العربية – الإسلامية، ولذلك فإن حقوقهم كأمة لها هويتها الخاصة لا ينبغي أن تكون موضع نقاش ، بقدر خدمته لمصالح وأهداف النضال المشترك العربي – الكردي وقضايا التقدم واحترام إرادة الشعوب وخياراتها السياسية والاجتماعية.
وبخصوص مصطلح " الأقليات"، فإني اعتبره مصطلحاً ملتبساً ولا يرتقي لحدود مبادئ المساواة، على الرغم من إن الأمم المتحدة استخدمته في " إعلان حقوق الأقليات" العام 1992 أو في " إعلان حقوق الشعوب الأصلية" العام 2007، فمفهوم الأكثرية والأقلية يحمل في ثناياه معنى التسيّد من جهة والخضوع والاستتباع من جهة ثانية، وهو يصلح في توصيف الحالات السياسية داخل الأحزاب وفي البرلمانات وفي مؤسسات المجتمع المدني وغيرها. أما القوميات فينبغي أن تكون متكافئة ، كبُرت القومية أم صغُرت. وكذا الحال بالنسبة للأديان.
 الهوّية والقومية والأمة، لا تتعلّق بعددها أو حجمها، بل بخصوصيتها وتميّزها، ولذلك لا ينبغي أن يشمل مصطلح الأقليات موضوع القوميات والأديان، فمهما كان عدد المسيحيين في البلدان العربية، فينبغي احترام خصوصيتهم والتعامل معهم على أساس متكافئ مع الآخرين، سواء في إطار المواطنة الكاملة والمساواة التامة وعدم التمييز، أو في حقوقهم الثقافية والإدارية والسياسية وغيرها.
لقد بدأت استخدم مصطلح " التنوّع الثقافي" أو " المجتمعات المتعدّدة الثقافات" وأراه أقرب عندي تعبيراً وأكثر إنسانية من مصطلح ا"لأقليات"، عندما تكون في دولة ما أكثر من قومية وأكثر من دين، بغض النظر عن حجمها وعددها، "أغلبية" أم "أقلية".ويُقصد بالحقوق الخاصة للتنوّعات الثقافية : الحفاظ على الهوّية والخصائص الذاتية والتقاليد واللغة في إطار المساواة وعدم التمييز، وهو ما جاء في المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966 والداخل حيّز التنفيذ في العام 1976.
أعتقد إن مهمة تجديد الفكر القومي الاجتماعي تقع على عاتق الجيل الجديد، بما يتناسب مع التطور الدولية والمواثيق الدولي لحقوق الإنسان، بحيث لا تكون متعارضة معه، وذلك بإعادة النظر بالموقف من التنوّع الثقافي في منطقتنا، بما يضفي على الفكر القومي نزعة أكثر إنسانية ويجعل منه مركز استقطاب، لاسيّما باعترافه بحقوق المجاميع الثقافية الأخرى في مجتمعاتنا المتعدّدة التكوينات، مثل العراق وسوريا ولبنان والسودان ومصر والمغرب العربي وغيرها، وهذا لا يتعارض مع التوجّه لتحقيق مشروع وحدة سوريا الطبيعية.
فالتنوّع والتعدّدية الثقافية يمكنها أن تكون عامل قوة وإثراء وتفاعل إيجابي في إطار الوحدة ودولتها المنشودة وليس عامل ضعف وإفقار وسلبية، خصوصاً إذا تم الإقرار بالتنوّع والتعدّدية، والاعتراف بهما على أساس المساواة الكاملة والحقوق المتساوية.
ثانيا- إنعام  رعد : السبيل للردّ على المشروع الصهيوني
لا يختلف القوميون الاجتماعيون على أن الردّ على المشروع الصهيوني، هو توحيد الأرض والشعب، أي إنهاء التجزئة، ومن منطلقاته هذه طرح  إنعام  رعد فكرة مجابهة الشرق أوسطية الجديدة، بخطة معاكسة. وقد بلور أفكاره تلك في كتابه الموسوم "الصهيونية الشرق أوسطية" الذي أشرنا إليه ، وهو يرى أن عنصرية الصهيونية تمتد منذ هيرتزل وكتابه "دولة اليهود" The Jewish State الصادر في العام 1896، والذي انعقد المؤتمر الصهيوني العالمي في بال (سويسرا) على أساس أفكاره، وصولاً إلى نتنياهو.
كانت مجابهة رعد للشرق أوسطية الجديدة، قبل أن تطبخ فكرة مشروع الشرق الأوسط، سواءً الكبير أو الجديد، ورفض  إنعام  رعد تشبيه الكيان الصهيوني بالولايات المتحدة (باعتباره مجتمع مهاجرين)، فالمجتمع الأمريكي قام بصهر الجميع في إطار أمة أمريكية جديدة لا تقوم على أساس الدين أو العرق، في حين أن إسرائيل قامت على كونها دولة اليهود حصراً، والتمييز شمل من سواهم، خصوصاً أصحاب البلاد الأصليين، (عرب فلسطين)، وكأن رعد يستبق فكرة الدولة اليهودية النقية التي يتم التحضير لها، والتي أصبحت مطروحة على بساط البحث في الثلاث سنوات الأخيرة، بمشاريع إلى الكنيسيت وترويج إعلامي واستفزازات لسكان البلاد الأصليين.
وقد استنتج رعد ذلك من سياقات النهج السياسي الإسرائيلي بحق عرب فلسطين ومساعيهم المستمرة للتهجر والإجلاء، مقابل انتعاش المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، من خلال هجرة يهودية إليه، كان من أبرز معالمها الفلاشا الأثيوبيين والسودانيين، وكان من أخطرها وأشدّها ضرراً هجرة اليهود السوفييت، التي رفدت المشروع الصهيوني بالبشر وبالكفاءات والطاقات الهائلة.
لقد عالج  إنعام  رعد في كتابه المذكور فكرة الشرق أوسطية بردّ مزاعمها وفضح أهدافها وكشف الجهات المتواطئة معها، فارزاً خطة لمجابهتها، انطلاقاً من أفكار سعادة في العام 1925، الذي سبق أن اعتبر غياب خطة قومية معاكسة يعني انتصار الصهيونية، وهو ما كان رعد يركّز عليه.
وفي كل ما كتبه رعد كان يؤكد أهمية الأرض في تحديد أهداف النضال القومي، لأن الصراع هو على الأرض والشعب، وهاذان العنصران تعرّضا للتجزئة، ولذلك فهو كسوري قومي اجتماعي، يقدّم البديل للمشروع الصهيوني الشرق أوسطي، من خلال وحدة سوريا الطبيعية.
العدالة العليا والعدالة السفلى
كنت قد تناولت في الثمانينيات خلال مراجعاتي للتيار الماركسي من القضية القومية وفلسطين تحديداً، ولاسيّما قرار التقسيم، فكرتين أساسيتين، الفكرة الأولى محاولة الصهيونية تسفيه فكرة حق تقرير المصير، على أساس مفهوم غريب ولكن بمنطق حقوقي، فالبروفسور ناثان فاينبرع (استاذ قانون في الجامعة العبرية في القدس) لا يعتبر حق تقرير المصير حقاً قانونياً دولياً ملزماً، أي أنه ليس قاعدة آمرة- ملزمة Jus Cogens  في القانون الدولي، واجبة الأداء، لأنه حسب رأيه لم ينصّ عليه عهد عصبة الأمم العام 1919، وحتى عند النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة فإنه يحاول الانتقاص منه، لأنه حسب وجهة نظره لا يحوّله إلى قاعدة ملزمة ومبدأ من مبادئ القانون الدولي، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بخصوص الإعلان العالمي لتصفية الاستعمار ومنح الأقطار والشعوب التابعة والمستعمرة) حق الاستقلال وتقرير المصير (اعلان تصفية الكولونيالية لعام 1960).
واستناداً إلى هذا المنطق  يذهب فاينبرغ للقول بفكرة العدالة العليا والعدالة السفلى، وذلك بافتراض تنازع حقّين، فينبغي ترجيح الجهة الأكثر ضرراً ويعني بذلك اليهود، حتى لو كانت الجهة  الثانية متضررة ويعني بذلك العرب،  لعدم إمكانية  تطبيق العدالة المطلقة،  فالأمر يتطلّب تضحية من جانب الطرف الأقل تضرراً. وعليه فلا بدّ من تغليب العدالة العليا، على العدالة السفلى. وهذا يعني ضرورة تحمّل العرب الآلام واجتراحاتهم العذابات، لأن آلامهم وعذاباتهم لا يمكن مقارنتها مع آلام اليهود الجماعية. أي أن العرب والفلسطينيين حتى لو كان معهم الحق، فإن حقهم أدنى من حقوق اليهود.
وحسب فاينبرغ فإن القاعدة القانونية من هذا الاستنتاج الغريب تقوم على أساس ما يلي : في حالة التناقض بين حقين، يجب موازنة مدى الآلام التي تصيب كل طرف، وعلى الطرف الذي آلامه أقل أن يتخلّى عن حقوقه لمصلحة الطرف الأكثر آلاماً، أي رجحان كفة الصهيونية في فلسطين على العرب الذين لديهم وطناً عربياً شاسعاً وأراضي واسعة وممتدّة بين قارتين في حين إن اليهود بلا وطن.
أما ناحوم غولدمان، فإنه يؤكد على مبدأ " الحق الأعلى" ويستشهد بقول حاييم وايزمان " إن الصراع بيننا وبين العرب ليس صراعاً بين الصواب والخطأ، بل بين حقّين، وحقنا (اليهود) هو الأعلى" ويضيف على ذلك بقوله لنا الحق الأعلى لسببين: الأول- ديني غيبي، إذ لا يمكن التفكير بالتأريخ اليهودي دون أرض إسرائيل، وسبب آخر هو أن فلسطين لا تقوم بدور حاسم في حياة العرب الذين يمتلكون مساحات واسعة".
الاستعمار الإنساني
وهناك فقيه إسرائيلي آخر اسمه يوسف جوئيل يدعو الشعب العربي الفلسطيني لقبول فكرة الاستعمار الإنساني (الاحتلال الواقعي)، ويعتبر أن مجرد مطالبته بحقه في تقرير مصيره ورفضه للاحتلال الإسرائيلي يعني رغبته في تدمير شعب آخر (الشعب اليهودي)، فكيف يمكن أن يحصل على حقه في إبادة الشعب اليهودي.
أما مناحيم بيغن وخلال مفاوضاته مع الرئيس المصري محمد أنور السادات، فلديه فكرة غريبة، تقول إن فكرة عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة هي فكرة غير قانونية، في الحالة المصرية الخاصة بسيناء (قبل استردادها في العام 1982)، لأن مصر هي التي بدأت حرب  (حزيران/يونيو) في العام 1967، وهو ما يذكره محمد حسنين هيكل، ويضيف على ذلك إن بيغن أخرج كتاباً من حقيبته في القانون الدولي، وأخذ يقرأ منه نصوصاً، وهي بالطبع تتعلق بالقانون الدولي التقليدي وليس بالقانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني.
إن فكرة الاستعمار الإنساني والاحتلال الواقعي القائمة على نظرية القوة في العلاقات الدولية Theory of Power، استهدفت منها إسرائيل الحصول على شرعية لتغيير التركيب السكاني والواقع القومي للمناطق العربية وبسط سيطرتهم الاقتصادية ونهب الثروات والمصادر الطبيعية، وهي ما قامت به منذ العشرينات ولحد الآن.
الأمة العالمة اللاّمكانية
الفكرة الثانية هي الأمة العالمية اللاّمكانية، وكان قد انشغل به انعام رعد، لاسيّما باطلاعه على أفكار دهاقنة الفكر الصهيوني، فاليهود حسب وجهة النظر هذه حيثما يكونون ينتمون إلى أمة واحدة بالرغم من اختلاف اللغة والعرق، ويبرّرون إنهم قاوموا " خطر" الاندماج والتذويب.
وينطلق هذا المفهوم من تعريف هيرتزل الأب الروحي للصهيونية للأمة، بقوله : أنا لا أطلب من الأمة، لغة مشتركة واضحة وجليّة، فإن تعريفاً متواضعاً وبسيطاً، يكفي لأجل الأمة. نحن وحدة تاريخية من أناس ينتمون أحدهم إلى الآخر بصلة واضحة وجليّة وتبقى لحمتنا بحكم وجود العدو المشترك.
الأمة حسب هيرتزل: جماعة من الناس، ذات ماضي تاريخي مشترك وانتساب واضح إلى الحاضر الذي تتوحد فيه لوجود عدو مشترك. ووفقاً لذلك يطلق الآيديولوجيون الصهاينة مصطلح الأمة اليهودية اللاّمكانية  Exteritoriale Nation The Jewish على يهود العالم أينما كانوا، أي خارج نطاق المكان والأرض، مع إنه ليس لهذه الأمة أرض مشتركة أو لغة مشتركة أو مزاج نفسي وثقافي مشترك أو مصالح اقتصادية مشتركة.
يفغيني يفسييف
وقد وردت مثل تلك الآراء عند يفغيني يفسييف الذي كنّا قد قرّرنا دعوته إلى المنطقة، بالتعاون مع الدكتور جورج حبش، لكن الأحداث مرّت سريعاً، وإذا به يوجد مقتولاً في إحدى ضواحي موسكو، بعد أن طرد من معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، لاتهامه بمعاداة السامية بسبب رفضه للصهيونية وانتصاره للحقوق العربية .
وكان ي. يفيسيف قد انتقد السياسة الرسمية السوفيتي

511
المنبر الحر / هوان العراق
« في: 23:07 16/10/2015  »
هوان العراق

د. عبد الحسين شعبان
الخبر الأبرز والأكثر إثارة ورعباً في العراق هذه الأيام، هو انتشار مرض الطاعون (الكوليرا) الذي كاد أن يغطّي على حركة الاحتجاج المندلعة منذ أسابيع، والمطالبة بتحسين الخدمات ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، فقد حصد هذا المرض أرواح نحو 1000 مواطن عراقي، ولا يزال مستمراً، فضلاً عن تراجع الخدمات الصحية والتعليمية وانقطاع الكهرباء وشحّ المياه الصافية والصالحة للشرب.
خلال العقود الثلاثة والنصف الماضية، عانى العراق حروباً وحصاراً واستبداداً أثّرت سلباً في تماسك نسيجه الاجتماعي ومنظومته القيمية والسلوكية، وساهم في تدمير بنيانه التحتي وهياكله الارتكازية وطرقه وجسوره وخطوط مواصلاته وإنجازات علمائه وما بنته سواعد أبنائه وعقولهم على مدى عقود من السنين، فضلاً عن تبديد موارده وثرواته.
ثم جاء الاحتلال ومعه نزيف الطائفية والإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري، ونظام المحاصصة الطائفي والإثني، الذي كان بمثابة طاعون سياسي، فما إن يخرج العراق من أزمة حتى يقع في أخطر منها، وهكذا كانت الأزمات تتوالد وتتفاقس.
كلّما مرّ العراق بأزمة خانقة كالأزمة الحالية، التجأتُ إلى التاريخ أستعين به، لأقرأ الهوان الذي تعرّض له هذا البلد العريق، ليس في تاريخه البعيد، بل في تاريخه القريب.
فقد عانى حصارات ومجاعات وأوبئة، كما تعرّض لاستلاب خارجي وداخلي مزمن وطويل، وأنواع من الاستبداد والقهر، فقد تحوّلت بغداد بعد الغزو المغولي العام 1258 (658 ه) من عاصمة دولة عظيمة، مزدهرة وزاخرة بالثقافة والعلم والأدب، إلى مدينة هامشية تعيش احترابات واستباحات وظلماً، بعد أن كانت منارة حضارية، قوية ومنيعة، بناسها وقيمها وتقدّمها.
ومنذ دخول هولاكو بغداد وعبثه بمكتباتها وكتبها وهدره لحقوق أبنائها، أصيبت البلاد بالوهن والخوار، وكانت الغزوات تتوالى عليها سواءً أيام الحُكمين الصفوي والعثماني، أو قبل ذلك أيام العهدين الجلائري والتركماني، فقد تنازعت عليها، القوى الطامعة، مما ضاعف في هوانها، يضاف إلى ذلك ما أصابها من كوارث وفيضانات، وما تربّع على حكمها من ولاة ومماليك وطغاة.
لقد قضى طاعون العام 1773 على ثلث سكان بغداد، وكان الطاعون الذي انتشر في ربيع العام 1831 الأشد فتكاً، ويشير المبشر المسيحي البريطاني كروفس إلى أن طاعون بغداد المذكور، إضافة إلى الفيضان، قضيا على نصف سكان المدينة، الذين هلكوا في أقلّ من شهرين، فخلال 15 يوماً، من ظهور الإصابات الأولى، توفّي أكثر من سبعة آلاف نسمة، وحاول السكان الفرار، إلاّ أن السفن النهرية لم تكن تكفيهم، كما أن الطرق أصبحت غير آمنة بسبب انتشار أعمال السلب والنهب.
كان الوباء يحصد النفوس حصداً، لدرجة بلغت الوفيات يومياً بين 1500 إلى 3000 (ثلاثة آلاف إنسان)، وأخذت الشوارع تخلو من المارّة، وتتكدّس فيها الجثث، وزاد الأمر سوءاً، ندرة الطعام وشحّ المياه بسبب وفاة معظم السقائين. ولكي تكتمل المأساة، فقد تعاون الوباء مع الفيضان، وانهالا على بغداد المنكوبة، التي أحاطت بها المياه في 21 نيسان (إبريل) 1831 وأغرقت آلاف الدور في غضون 24 ساعة، مكتسحة في طريقها السدود، وهو ما يذكره المؤرخ المعروف لونكريك، في كتابه، «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث».
وضاعف من تدهور الموقف، إن والي بغداد داود باشا، الذي حكم العراق بين 1817-1831 وقام بعدد من الإصلاحات، خارت قواه بسبب المرض والضعف الذي أصاب البلاد، فقرّر الاستسلام، بعد أن عرّض علي رضا، بغداد للحصار. وأصبحت بغداد في ضيق شديد وسدّت جميع مسالكها وأخذت الأزمة تشتد يوماً بعد آخر، والجنود لا يجدون ما يسدّون به الرمق، فضلاً من القدرة على المقاومة، وأدى الأمر إلى رفع وتيرة التذمر، خصوصاً بشحّ الطعام وارتفاع الأسعار وغول المجاعة، الذي ازداد شراسة، كلّما أطبق طوق الحصار على المدينة.
وددتُ من خلال عرض معاناة العراق التاريخية، وخصوصاً، الأيام الأخيرة من حكم داوود باشا، أن أشير إلى أن تلك الحصارات والأوبئة والمجاعات والفيضانات والاستباحات لم تدم سوى بضعة أشهر.
أما اليوم فإن معاناة العراق مستمرة منذ عقود من الزمن، فبعد حروب وحصار دولي وعقوبات شاملة دامت نحو 13 عاماً، وامتهنت كرامة الناس في نوع من القسوة لا مثيل له، جاء الاحتلال الذي دمّر ما تبقى من الدولة العراقية، التي كانت واعدة في خمسينات القرن الماضي، وأعاد العراق إلى مرحلة ما قبل الدولة بصبغتها الدينية والطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها.
وتشتّد صورة العراق قتامة، بفعل سيطرة «داعش» على ثلث أراضيه تقريباً بعد احتلال الموصل في 14 حزيران (يونيو) العام 2014، ولا يزال يمارس منهجه الإرهابي الاستئصالي، ونظامه التعسفي المتوحش في مناطق شمال وغرب العراق، ولم يتمكّن ما سمّي بالتحالف الدولي أو الحشد الشعبي، اللذين أثارا ردود فعل مختلفة، من وضع حدّ لسيطرة "داعش" حتى الآن، وإن كان نفوذه بدأ يتقلّص، لكن تأثيراته لن تنتهي بالأمد القريب حسبما يبدو.
ويمكن السؤال مجازاً هل تآلف العراق مع القسوة؟ وما علاقة الطاعون السياسي بالطاعون الصحي؟ أم أن ثمة يأساً وقنوطاً وفقدان أمل بالتغيير؟ على الرغم من حركة الاحتجاج الواسعة وإعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي منذ بضعة أسابيع عن رغبته في إجراء إصلاحات، ولكن لحد الآن ظلّت تلك الإصلاحات فوقية، وغالبيتها هوائية، مثل الموظفين الهوائيين الذين يستلمون رواتب وليس لهم من وجود فعلي.
العراق يعاني بصمت مريع ومعاناة شديدة وآلام مبرحة وجروح فاغرة وعميقة، وتتّسع عوامل الهجرة بين الشباب، إضافة إلى البطالة والنزوح والإرهاب والطائفية، فكيف السبيل إلى الخلاص؟
ربما لأسباب نفسية ومعنوية، لا يرى القابضون على مقاليد السلطة، الذين لم يكن لهم أن يكونوا حيث هم، لولا المحتل والقوى الإقليمية المتنفذة، أي مبرّر لاستقالتهم وتنحيّهم وابتعادهم عن المشهد السياسي، فهم لا يعتقدون بوجود أفضل منهم، ويتشبّثون بالسلطة بأسنانهم، مثلما تمسّك بالسلطة الذين قبلهم، وأوصلوا البلاد إلى الهاوية.
ولا أحد يريد الاستفادة من دروس الماضي بحيث يعلن فشله وينسحب، وذلك أضعف الإيمان كما يقال.
ومثلما اعتقد النظام السابق إن مجرد بقائه في السلطة، فهذا انتصار له، ودليل على وجوده، فالحكام الجدد الذين أعقبوه يتباهون على خصومهم ومعارضيهم، ويتنابزون بعضهم مع البعض، طالما هم في السلطة، وهكذا دارت الأزمة تلو الأزمة، حتى أصبحت أوضاعنا أقرب إلى الطاعون السياسي.
لقد تذرّعت القوى المتنفذة في العلاقات الدولية في مدة فرض الحصار على العراق بأحكام القانون الدولي، الذي يخالفه قادة العالم الثالث الصغار، في حين أنهم أعلنوا حصاراً دولياً مفتوحاً ضد شعب أعزل ومغلوب على أمره، ومرتهن مستقبله وإرادته وموارده، ومجروحة كرامته ومعومة سيادته، والأكثر من ذلك قاموا باحتلاله تحت مبررات واهية ومزعومة، قالوا عنها هم أن المعلومات بشأنها كانت كاذبة أو مغلوطة، ونعني علاقة العراق بالإرهاب الدولي أو بوجود أسلحة دمار شامل، أما الديمقراطية المزعومة، فلم تكن سوى الطاعون السياسي الذي يستمر منذ العام 2003، ولحدّ الآن بكل أوجهه.
هل ألِفَ العراق مثل تلك القسوة حقاً؟ وهل عرف شعب عقوبات شاملة وكاملة من جميع الأطراف، وحروباً وإرهاباً وعنفاً وطائفية وفساداً لا حدود له وتعطّشاً للدماء والثأر والكراهية منفلتاً من عقاله؟ لدرجة فتّت الدولة العراقية بعد أن أوصلها إلى الإفلاس، حيث بدّدت الحكومات المتعاقبة نحو تريليون دولار خلال عقد ونيّف من الزمان، دون أن يلوح في نهاية النفق بصيص ضوء أو بادرة أمل.
هكذا تظهر صورة العراق مروّعة ! يكفي أن أقول إن طفلاً واحداً كان أيام الحصار يموت كل أربع دقائق..
وأن نحو مليون و650 ألف إنسان فارقوا الحياة، وإن ضحايا الاحتلال زادوا على المليونين، وإن هناك أربعة ملايين لاجئ عراقي وأكثر من مليوني نازح داخلي، وإن البلاد منقسمة، والتنافس الإقليمي يشدّها ذات اليمين وذات الشمال، وإن جيش الاحتلال الذي رحل، لا تزال ذيوله قوية في تقرير مصائر البلاد.
أَليست تلك الكوليرا السياسية أم ماذا نسمّيها؟ ومن الألم والحزن على العراق نردّد مع الشاعر المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ
فمتى يوضع حد لهوان العراق؟


512
مؤسسات السيد محمد حسين فضل الله
7/10/2015 – بيروت –أوتيل الساحة

المؤتمر الفكري الثاني
أنسنة الدين في فكر المرجع الراحل السيد محمد حسين  فضل الله



سرديات الحداثة الدينية في فكر السيد فضل الله
د. عبد الحسين شعبان*




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•   أكاديمي ومفكر عربي (من العراق)- نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان، لديه العديد من المؤلفات في قضايا الفكر والقانون والسياسة والثقافة والأديان والمجتمع المدني والنزاعات الدولية.
المقدمة

حين أهديته كتابي الموسوم " الجواهري – جدل الشعر والحياة" في أواخر العام 1996 أو أوائل العام 1997  تصفّحه وذهب إلى المحتويات مباشرة، ليفتح إحدى الصفحات ويقرأ قصيدة الجواهري عن جمال عبد الناصر:
أكبـرت يومـك أن يكـون رثــاء الخالـدون عهدتهــم أحيـــاء

حتى وصل إلى :
لا يعصـم المجـد الرجـال ، وإنما كان العظيـمُ المجــدَ والأخطاء
وإلتفت إليّ قائلاً: أرأيت أجمل من هذا وأعمق منه وأكثر واقعية، وبعدها علّق قائلاً: هي النجف البحر العميق الذي يخرج اللآلئ. من لم يمرّ بمدرستها كأنه لم يدرس الفقه. قلتُ له والذي درس في قم والأزهر والزيتونة والقيروان. قال هم علماء وتعلّمنا منهم أيضاً، محمد عبده والأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وعلي عبد الرازق ومحمود شلتوت وغيرهم، لكن للنجف طعم خاص، فمدرستها مضى عليها أكثر من ألف عام، وهي ليست مدرسة أو عدّة مدارس فحسب، بل إن المدينة بكل ما فيها معهد علمي عالمي، يدلّك عليها: قبّتها الذهبية ومقام الإمام علي ومكتباتها وجوامعها وأزقّتها التي لها عبقٌ  تاريخي خاص، ولكنه يا حسرتاه علينا لأننا لم نستطع زيارتها بسبب تعقيدات الأوضاع.
النجف لم تكن في فكر السيد ماضياً يحنّ إليه، أي نستولوجيا، بل كانت كمستقبل  بحكم تاريخها العريق وأفق لا بدّ أن يتجدّد، على الرغم من التباس أوضاع الحاضر، ولاسيّما بعد الاحتلال.
كان فضل الله صاحب رؤية متقدّمة، يرى ما قد لا يراه غيره، وظلّ مشدوداً إلى المستقبل وليس إلى الماضي، ... وفي كلّ مرّة ألتقيه لا أدري كيف يقفز إلى ذهني ما كتبه مكسيم غوركي الروائي الروسي المعروف وصاحب رواية " الأم" الصادرة في العام 1905، عن أحد الثوريين الكبار في عصره:، إن نصف عقله يعيش في المستقبل، بمعنى أنه سبق زمانه بتجاوز التفكير في الحاضر أو استلهام الدروس من الماضي، ولكن فرادته إنه كان يفكّر بالمستقبل من خلال قراءة الواقع لاستشرافه.
وأعتقد أن هذه المقاربة تنطبق إلى حدود كبيرة على السيد فضل الله الذي جاء بزمان غير زمانه، وما كتبه ونظّر له ودعا إليه كان متقدّماً على زمانه، خصوصاً على العديد من  رجال الدين، لذلك وجد إعراضاً عنه وإهمالاً له، بل جحوداً وإساءة، بسبب أفكاره وآرائه، فقد اتخذ من التجديد نهجاً له ومن النقد وسيلة ومن أنسنة الدين طريقاً ومن خدمة الإنسان هدفاً.
حاول فضل الله نقد الفكر السائد التقليدي الماضوي، وتقديم رؤية بديلة عنه، وحتى وإنْ كانت هادئة لكنها صادمة ومستفزة للمؤسسة المحافظة السائرة على ضوء خطى السلف بإعادة أطروحاته العتيقة وتفسيرها أحياناً بمنهجه القديم، لا بمنهج عصرها، ودون مراعاة لما  حصل من تقدّم وتطوّر في ميادين العلم والتكنولوجيا والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية " الديجيتل".
ترك فضل الله بصمته الخاصة فيما يتعلق بالجدل بين الدين والعقل وبين الدين والعلم، وذلك بالسؤال من داخل الدين وليس من خارجه وتلك ميزته، بطرح إشكاليات العلاقة النقدية في ضوء أبحاث ودراسات مهمومة بالانتقال من مهمة تجديد الخطاب الديني، إلى مهمة تجديد الفكر الديني ذاته، إذْ ليس بالإمكان تجديد الخطاب دون تجديد الفكر، لاسيّما بجعله يستجيب للتطورات والمتغيّرات ويتساوق مع روح العصر.



فرادة فكرية
أستطيع أن أتفهّم ما قاله السيد محمد باقر الصدر المفكر الإسلامي المرموق وزميل السيد فضل الله، عندما غادر فضل الله النجف ، في العام 1966 إلى لبنان امتثالاً لواجباته الدينية، قال: كلّ الذين خرجوا من النجف خسروها، إلاّ فضل الله فقد خسرته النجف.
قلت أستطيع أن أتفهّم ذلك بحكم القربى الفكرية والروحية والصداقة بين الرجلين، خصوصاً وأن الصدر يدرك فرادة فضل الله، مثلما يعرف فضل الله مكانة الصدر الفكرية المتميّزة ورياديته، ولكن أن يأتي صحافي كبير ملأ الدنيا وشغل الناس وهو محمد حسنين هيكل ليقول عن فضل الله " عندما زرت لبنان استفاد منّي الجميع، إلاّ فضل الله فأنا استفدت من لقائي به" ففي ذلك أكثر من دلالة:
الأولى إنه إقرار واعتراف بدور فضل الله ومنزلته الرفيعة ومشروعه الفكري التوحيدي والتسامحي، الذي يتميّز فيه عن الكثير من رجال الدين، خصوصاً اجتهاداته ذات الطبيعة الإشكالية.
والثانية إن قراءة هيكل متميّزة وإلتقاطاته ذكية وهو الذي خبر ظروف الصراع والاحتراب في المنطقة، والتقى ملوكاً ورؤساء ومسؤولين من شتى المستويات، لكنه لم يقل عنهم ما قاله عن فضل الله.
والثالثة أن الجميع استفادوا من هيكل خلال زيارته للبنان، معلومات وأحاديث وحكايات ومقابلات، أما وأنه يقول أنه استفاد من فضل الله ، فهذا يعني أنه استمع من رجل دين إلى ما لم يقله أحد سواه، بصراحته ووضوحه وصدقيته، فقد ظلّ مهجوسأ بالقضايا الكبرى، ومترفّعاً عن الصغائر، يبحث ويقلّب الأمور ويستنبط الأحكام ويجتهد، وكل اجتهاد لديه هو جهد بشري قابل للخطأ والصواب، متمثّلاً قول الإمام الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

التجديد والنهر الأول
من خلال متابعاتي أنه منذ أواخر الخمسينيات بدأت حركة تململ داخل مؤسسة الحوزة العلمية في النجف بالدعوة إلى تحديثها وتطويرها وتحسين مناهجها الدراسية بحيث تصبح قابلة للتطوّر الذي يشهده العالم، وقد برز خمسة شخصيات إسلامية تبنّت أطروحات التجديد في مدرسة النجف التي مضى عليها نحو ألف عام، وهؤلاء الخمسة من الشباب آنذاك هم: محمد باقر الصدر، محمد مهدي شمس الدين، محمد بحر العلوم، مصطفى جمال الدين ومحمد حسين فضل الله.
لقد ظلّ التجديد إرهاصاً في مدرسة النجف ذات الطبيعة الجدلية الحوارية غير المستكينة على الرغم من محاولات كبح عملية التجديد فيها لتعارضها مع بعض مصالح التيار التقليدي المهيمن. والنجف بما فيها مدرستها العلمية وحياتها العامة عصية على الترويض، فقد تآخت مع التمرّد وإنْ استكانت، فعلى الكراهة أحياناً.
في بدايات القرن الماضي تأسست في النجف وفي مدرسة الآخوند، حلقة تمرّد سمّيت "معقل الأحرار"، ضمّت خمسة شباب أصبح لكل منهم دورُ، لاحقاً هم: سعد صالح الأديب والحقوقي والوزير لاحقاً، وأحمد الصافي النجفي الشاعر المعروف الذي عاش مغترباً منذ عشرينيات القرن الماضي بين سوريا ولبنان حتى العام 1976، حينما أصيب آنذاك بشظيتين في الحرب الأهلية، فعاد إلى العراق بعد هجرة زادت على نصف قرن، ومات فيها العام 1977، وسعيد كمال الدين وعباس الخليلي، ولكل منهما مكانته ودوره في إطار المؤسسة الدينية وخارجها وهؤلاء الأربعة الذين عملوا على التجديد ورفض ما هو بالي وعتيق، وشاركوا جميعهم في ثورة العشرين، وبعد فشلها هربوا إلى خارج العراق (سعد صالح وسعيد كمال الدين إلى الكويت وأحمد الصافي النجفي وعباس الخليلي إلى إيران) وكان الشخص الخامس هو علي الدشتي (إيراني الأصل)، وغادر العراق قبل اندلاع ثورة العشرين، وأصبح له شأن في إيران وجادل وساجل وصارع وانقلب وسجن، ولكنه ظلّ مخلصاً لوسيلته الإبداعية وكتب عدّة كتب منها كتاب "23  عاماً - دراسة في  السيرة  النبوية ".
كانت البيئة النجفية البئر الأولى التي تذوّق منها فضل الله أولى قطرات الفكر باستعارة رواية جبرا ابراهيم جبرا " البئر الأولى"، ويمكن القول إن النجف هي النهر الأول الذي ارتوى منه فضل الله وظل ينهل من معينه. والنجف كما هو معروف مدينة أممية بكل ما تعني الكلمة وهي تجمع المتناقضات، للدين فيها مكانة متميّزة، مثلما للتيار المدني غير الديني دوراً بارزاً، ،وقد أثّر ذلك في ثقافة فضل الله والعديد من طلبة العلم الذين درسوا فيها، مثل حسين مروّة ومحمد شرارة والجواهري وعدد من آل الخليلي ومحمد مهدي شمس الدين والصدر وبحر العلوم وغيرهم.
وكان الجدل يستمر بين المتدينين وغير المتدينين والمؤمنين وغير المؤمنين، واليساريين واليمنيين، ويمتدّ إلى مجالات مختلفة ومتنوّعة، حتى وإن كان المتجادلون في الغالب ينتمون إلى عوائل دينية لكن جوار الأضداد وحوارها كان سمة للمجتمع النجفي في الفترة التي عاش فيها فضل الله وقبلها.
 أما النهر الثاني الذي اغترف منه فضل الله ومن رأس العين كما يقال ، فهو  لبنان حيث الانفتاح والتمدّن، فتوسّعت وتعمّقت ثقافته وازدادت إنسانية وتسامحاً. لبنان كان بحره الشاسع الذي يمتد بلا حدود. وتحسّس منذ مجيئه إليه حياة الفقراء والمحتاجين، وسعى بكل ما استطاع لإيجاد الوسائل المناسبة للتخفيف عنهم، سواءً بالرعاية أو التعليم أو التربية أو المؤسسات الصحية والخدمية الأخرى، مزاوجاً بذلك بين أفكاره وممارساته ومنتقلاً من الفقه إلى الفعل، إلى بناء المؤسسات.
وبالعودة إلى المنبع الأول، فالنجف التي نشأ وترعرع فيها فضل الله، مدينة دينية ذات وهج خاص، بقدر ما هي مدينة ثقافية ومدنية، إنها مدينة الوافدين وطابعها عروبي وهي سوق تتلاقى فيها عشائر الريف والبادية بأهل المدينة وزوارهم، وطابعها التجاري جعلها متسامحة مع الغريب، وإنها مدينة مدنية جامعية للدراسات الإسلامية، وحافظت على لغتها العربية، وكان الشعر متنفس المدينة، والمعارك الأدبية والمطاردات الشعرية هوايتها، والانفتاح الفكري المتنوّع من سماتها.
والنجف مدينة قارئة وثقافة الوافدين عامل رفد لثقافتها، ووجود نحو 40 مدرسة،  وطلبة من مختلف بلدان لعالم يعني نشوء أواصر روابط وصداقات وجمعيات بينهم، وبعد كل ذلك، فالمدينة كلّها أقرب إلى معهد أكاديمي وملتقى ثقافي دائم ومستمر وليس موسمياً، يضاف إلى ذلك إن فيها أكبر مقبرة في العالم وهي "مقبرة الغري" ويتوافد عليها من جميع أنحاء العالم الإسلامي لدفن موتاهم فيها، تبركاً بمجاورة قبر الإمام علي. هناك شبّ فضل الله وقوي عوده.
أممية فضل الله وانفتاحه!
يمكنني القول إن أحسن ما في النجف تجده لدى فضل الله، فقد امتلك فكراً وعقلاً منفتحاً بحكم اختلاطه بالوافدين من أمم وبلدان ولغات شتّى، وحافظ على عروبته بحكم طابع المدينة ومتطلّبات البحث العلمي واستنباط الأحكام والاستدلالات المنطقية، وكان مرناً ومتسامحاً مثل المدينة التي هي سوق عالمية، وعلاقات السوق بطبيعتها تميل إلى التفاهمات، وكان يميل إلى الآخر، فهو أممي في نظرته للدين، لأن دين الإسلام عالمي، حيث كان يدرس إلى جواره الإيراني والتركي والأفغاني والهندي والباكستاني والتبتي ومن دول آسيا الوسطى، تركمانستان وأذربيجان وغيرها، إضافة إلى أبناء العروبة من لبنان وسوريا والخليج، فضلاً عن العراقيين والنجفيين منهم بشكل خاص.
وتأثّراً بجيله وبأجواء النهر الأول طرق فضل الله باب الشعر، وهل هناك غير الشعر من متنفس في المجتمع المحافظ؟ حيث لا يوجد اختلاط بين الجنسين، وكان فضل الله أقرب إلى الشاعر منه إلى الفقيه أحياناً، لكنه كان فقيهاً شاعراً، وفي الشعر والفقه كان مجدّداً ومتنوّراً وعصرياً وحداثياً ويؤمن بالتطوّر، وكان مثل السيد محمد سعيد الحبوبي يلبس القبعتين، قبعة الشعر وقبعة الفقه. وكانت اللمعات الفكرية الأولى هادياً لفضل الله لاحقاً ليتخذ هذا المنحى ويكرّس له حياته غير هيّاب بما اعترضه وما وقف في طريقه محاولاً ثنيه عن مشروعه التجديدي.
وعندما اعتلى منبر الفقه وتوغّل في دروبه، واصل مشروع التجديد، وهو مسار طويل وتراكم كبير، منذ الإمام الطوسي ومروراً بمحمد مهدي بحر العلوم، وشملت بعض إضاءات السيد أبو الحسن الأصبهاني المتوفي العام 1946 وصولاً إلى محمد باقر الصدر.
وإذا كان مشروع محمد مهدي بحر العلوم الذي سمّي عهده بعهد " النهضة العلمية" قد ركّز على تجديد الحوزة في إدارتها وتنظيمها ومناهجها، وساعده في ذلك والشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي كانت علاقاته واسعة بالناس وحسين نجف المعني بشؤون الإمامة والمحراب وشريف محي الدين الذي اختص بالقضاء، فيما انصرف، بحر العلوم إلى الفكر والتدريس والزعامة العليا، فإن مشروع السيد محسن الأمين والصدر وفضل الله استهدفا إصلاح الفكر الديني الإسلامي ككل.
وظرافة السيد فضل الله انتقلت معه من النجف، حيث كانت المعارك الأدبية، أقرب إلى حفلات أو كرنفالات مصغّرة، بما فيها بعض القفشات والمقالب، وتقام في المناسبات الخاصة والعامة، وهي محفزٌ للشعر وجدانياً وسياسياً وفلسفياً واجتماعياً وثقافياً ، ولاسيّما للشعر الإخواني. وامتاز فضل الله بقراءاته المتنوّعة والمنفتحة، فهو لم يقتصر على الكتب الدينية المدرسية والتقليدية، بل كان يشغله الأدب الرفيع بغض النظر عن توجّهاته وخلفياته الفكرية والسياسية.
جامعة النجف التي درس فيها فضل الله تضاهي جامعة بولونيا (إيطاليا) وهي أقدم جامعة في العالم وتأسست في العام 1119، في حين أن جامعة النجف تأسست قبل العام 1027 المصادف 448-449 هـ وهو العام الذي التحق بها الشيخ الطوسي وأعاد النظر بمناهجها، وبهذا المعنى يمكن القول إن جامعة النجف تأسست حوالي العام 250 هـ، أما الأزهر الشريف فقد تأسس في العام 339، أي بعد النجف الأشرف بما يزيد عن 100 عام، وبعده جامعة الزيتونة (تونس) وجامعة القرويين (فاس).
ثمة مواصفات أخرى امتاز بها فكر السيد فضل الله ويعود جزء منها إلى تربيته الأولى في النجف، فالنجف كمدينة ومؤسسة لا تعرف الطائفية أو التمييز، ففيها يتعايش الوافدون من جنسيات مختلفة، وعرفت جامعاتها بالتعايش القومي والتآخي الأممي مع الوافدين، على الرغم من طابعها العروبي، الذي حاولت الاحتفاط به، وامتازت مدرسة النجف بحرّية التفكير والبحث العلمي والتعدّدية فضلاً عن الاستقلالية، أي عدم تلقيها مساعدات مادية أو غيرها من الدولة واعتمادها على دعم الناس، ولذلك ظلّت محافظة على استقلاليتها وكذلك مؤسسات فضل الله.
مشروع السيّد
مرّ مشروع فضل الله بثلاث مراحل، المرحلة الأولى – الإيمانية، اليقينية ، التبشيرية حيث كان داعية، همّه الأساسي تقريب الدين من الإنسان وهذه هي مرحلة الدراسة الأولى في المقدمات والسطوح وبحث الخارج. أما المرحلة الثانية،  فهي المرحلة التساؤلية الشكّية الديكارتية، حيث بدأت بالأسئلة والشك طريقاً لليقين والأسئلة تولد أسئلة وهكذا. وهذه المرحلة وصل فيها السيد إلى عتبة الاجتهاد، خصوصاً بعد جهوده للاستدلال والاستنباط.
أما المرحلة الثالثة، فهي المرحلة النقدية، الاعتراضية، الاجتهادية، خصوصاً بعد أن اكتملت أدواته المعرفية وبلغ مرحلة من النضج والتجربة والخبرة والقياس للوصول إلى الأحكام التي يعتقد بصحتها.
ولم يكن ذلك دون معاناة خصوصاً، لمحاولات التيار التقليدي كبح جماح الومضات الفكرية والتأملات النظرية الوجدانية السردية للحداثة الدينية الإسلامية، التي أخذت طريقها إلى كتابات السيد، خصوصاً نقد الفكر اليقيني، التلقيني، الماضوي، السائد وإزالة الغبار عمّا علق بالدين من ترّهات وخزعبلات وهي ليست من جوهر الدين، بل من قشوره.
لقد عانى فضل الله كثيراً وهو يلج دروب الفكر الوعرة، ويتسلّح بالنقد في ظل ركود العقل وهيمنت التقاليد البالية التي مضى عليها قرون من الزمان، وكان عليه إخضاع كل شيء للعقل وللعلم وللمعرفة. وفي مشروعه هذا كانت مصادر قوته تتّسع باتساع نفوذه الفكري، وترسّخ قناعاته النظرية، خصوصاً أطروحاته التنويرية ودعوته لوحدة المسلمين والتآلف والتقارب بين المذاهب والتواصل مع الأديان الأخرى، والإقرار بحقوق الآخر، لاسيّما الحق في الاختلاف، واعتماد الحوار وسيلة للاقناع، واعتبار رجل الدين في خدمة المجتمع والجماعة، من خلال علاقته بالناس وخدمتهم، وليس بتبعية هؤلاء للمتنفذين من رجال الدين.
في هذه المنظومة الفكرية وضع فضل الله خمس ثوابت هي، الأول دفاعه عن الدولة الوطنية معتبراً الحفاظ عليها وتطويرها واجباً انطلاقاً من فكرة المواطنة والهوّية الوطنية العامة العابرة للطوائف، وهنا نستعيد كرّاس الوصايا للشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي مثّل هو أيضاً رؤية متقدّمة، حين دعا الشيعة للاندماج في مجتمعاتهم والتمسك بالمواطنة والمساواة أساسا الدولة العصرية.
والثاني إيمانه بالتغيير في كل شيء، لأن الحياة متغيّرة، ولذلك تصدّى للبدع والخرافات بجرأة وشجاعة ولم يستكين لبعض المقولات والأحاديث التي اعتبرها خاضعة لزمانها، وزماننا غير زمانها، الأمر الذي يقتضي بحثها من خلال المقاصد لا استنساخها، خصوصاً إذا كانت تتعارض مع كرامة الإنسان التي تمثل جوهر الإسلام، منطلقاً من قول الإمام علي" لا تعلّموا عاداتكم لأولادكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".
والثالث ردّ الاعتبار للدين بالتمسّك بجوهره، وردّ الاعتبار للسياسة، بالتمسك بالمثل والقيم الإنسانية والأخلاقية، فالسياسة عنده ليست لعبة يلعبها اللاعبون، بل هي مسؤولية، ومن هنا نتفهم دعوته للتقوى السياسية، أي دمجها بالأخلاق.
والرابع الدفاع عن الحق ولاسيّما الحق في مقاومة المعتدي، ولذلك وقف داعماً للمقاومة الفلسطينية ولحقوق شعب فلسطين في أرضه، ولحق المقاومة اللبنانية في التصدي للعدوان الإسرائيلي، ولذلك حاولت القوى الاستكبارية كما يسميها معاقبته، حيث جرت محاولة مدبّرة لقتله، إضافة إلى قصف منزله في الضاحية خلال العدوان الإسرائيلي العام 2006.
والخامس وهو الأساس ردّ كل شيء إلى الإنسان وحريته وكرامته، بالمساواة والعدل اللذان كانا هاجسان مستمران في منظومة أفكاره، فالإنسان مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس .
صحيح أن فضل الله درس وتطوّر داخل المؤسسة التقليدية واستطعم من زادها، لكنه خرج عليها وتمرّد على سكونيتها، فقد امتاز بالحركية والديناميكية، ولم يكن رجل دين تقليدي، بقدر ما كان الجانب الاجتماعي والقيمي والإنساني هو الذي صاحبه على مدى أكثر من نصف قرن من نشاطه وسلوكه اليومي.
لقد حاول فضل الله استبدال الصورة التقليدية لرجل الدين المنعزل، المنغلق على نفسه، المرتاب من الآخر، العبوس، المكفهر الذي لا يعرف الابتسامة، المستكين لبعض كتبه القديمة والتي عفا عليها الزمن، ليخرج من هذا القمقم الذي وضع فيه بعض رجال الدين أنفسهم في هيبة زائفة، وليعمل بمنطق الحياة في التواصل والتفاعل والتكامل وإبراز الجانب الاجتماعي في رجل الدين بالانفتاح  والتواضع ، مقدماً قراءات جديدة للدين والتاريخ والصراع، بعقل منفتح وفكر واقعي ووجدانية حميمة وإرادة لا تلين، محاولاً فهم الدين عن طريق العقل، وليس إغلاق العقل، بزعم النص الديني، وهذا الأخير حاول فهمه ليس بالنص فحسب، بل بالروح أيضاً.
العقل هو طريق فضل الله مستلهماً قول الإمام علي " العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة النفوس، والنفوس أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء"، أي جمع العقول والأفكار والقلوب والنفوس والحواس والأعضاء في هارموني منسجم ومتراتب.
درس فضل الله على يد علماء منهم السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي، ولاحظ بعض نقاط ضعف المؤسسة التي ينتمي إليها، فسعى لتخليص فقهها وأصوله من تعقيدات التفسير واضعاً الإنسان وحب الخير في الصدارة من خلال رؤية عصرية واعية، متّخذاً عدداً من وجهات النظر الاجتهادية الجريئة مخالفاً الواقع السائد، فلم يقبل " الغالب الشائع" وهو ما استقرّ عليه السلف، بل سعى للبحث عن " النادر الضائع"، وسعى بكل ما يستطيع إلى تقريب الدين من الناس لكي يقبلوا عليه، مثلما عمل على تقريب الإنسان من الدين ليقبل عليه، في إطار مرن وواقعي لأنسنة الدين وعقلنة الواقع، بحيث يمكن المواءمة بين النص والواقع، لاسيّما إذا كان الجانب الإنساني هو الأساس. فالأنسنة هي القاعدة العلوية التي لا تسمو عليها قاعدة أخرى لدى فضل الله.
والأنسنة حسب فضل الله من أصالة الدين والوعي به، لأن الدين لخدمة الإنسان وليس العكس. والأنسنة التي بحث فيها فضل الله، تذهب إلى فهم الدين والنص الديني، وهذه مجرد اجتهادات بشرية، تحتمل الخطأ والصواب، وبهذا المعنى حاول نزع العصمة من رجل الدين برفض تقديسه، فهو مثل غيره يجتهد ولا يملك الحقيقة. واستناداً إلى ذلك دعا فضل الله إلى إلغاء كل تشريع يمتهن كرامة الإنسان ويحطّ من آدميته، لأن الله كرم بني آدم، فكيف يحق للبشر النيل منها، ولذلك كان خطابه الديني مؤنسناً، لأن فكره إنساني. وحاول أن يقدّم خطابه بلغة العصر.
وفيما يلي بعض ملامح اجتهادات السيد التي خالف فيها السائد من الفهم المهيمن منذ قرون:
1-   دعوته حذف شروط الذكورة من مرجع التقليد حسب الفقه الشيعي.
2-   دعا إلى مساواة الرجل والمرأة معتمداً بذلك على حقوق وواجبات كل منهما كإنسان محفوظ الكرامة.
3-   شدّد على طهرية الإنسان، فالبشرية تعني الطهارة والإنسانية هي الأساس، ولا يدنّسها شيء المستوى المادي، وقال أنه لا يوجد دليل على نجاسة أحد، المسلم طاهر والملحد طاهر، والبوذي طاهر وكل البشر أطهار حسب هذا المنطق.
4-   اعتبر المسيحية اجتهاداً لاهوتياً إيمانياً مثلما الإسلام كذلك، وهما طريقان خاصان للوصول إلى الله، أي العقيدة لديه وجهة نظر تاريخية، وقد كان متحمساً لفكرة الشراكة الإيمانية. يقول فضل الله "عش إنسانيتك وستصل إلى الله".
5-   حرّم إيذاء النفس والتطبير في مواسم العزاء أيام شهر محرّم، ولاسيّما العشرة الأولى منه.
6-   اعتمد الحسابات الفلكية لتحديد الأشهر القمرية، أي إثبات الأهلة في علم الفلك، وبذلك قدّم رؤية علمية توحيدية للكون.
7-   استشكل الحكم على المرتد، فلا يقتل الإنسان بسبب أفكاره أو آرائه، واعتبر ذلك يتماشى مع روح القرآن.
الحرية والحوار
كان فكر فضل الله  تربوياً وثقافياً ومعرفياً وكونياً، قدّم فيه تفسيرات للدين والقرآن والإسلام بشكل عام، وقد سعى لتحرير النص الديني من الشروحات المملّة مقدماً قاعدة "يسّر ولا تعسّر".
كان فضل محاوراً من الطراز الأول، يستمع إليك ويصغي دون ملل أو ضجر، ويناقشك في أدق التفاصيل، ويظل يسأل، والفلسفة عنده أولها سؤال كما يُقال، على الرغم من كوننا نسكن جوار بعضنا في النجف، لكن عالمينا كانا مختلفين، لم ألتقِ به في النجف، في حين التقيت بالكثير من أقرانه ومجايليه بحكم علاقات اجتماعية وجيرة وروابط دينية وعائلية وغير ذلك.
لكنني التقيت به في لبنان وفي دمشق وفي طهران، وعند عودتي من لندن التقيت به أكثر من مرّة، وقد فاجأني في إحدى المرّات بسؤاله متى تكتب عن النجف، وهو السؤال الذي لا يزال الشيخ حسين شحادة يلاحقني به منذ ثلاث سنوات أو أكثر، حتى أنه تبرّع جمع ما كتبته ليصدر في عدد خاص من مجلة المعارج، ودائماً أتذرّع بالوقت، وكنت قد أطلعته على ما كتبت  بعنوان "هذه النجف التي توشوشني" وزاد إلحاحه عليّ وهذه مناسبة للتعهّد بإنجاز هذه المهمة قريباً. لا أتذكر إن كان فضل الله قد اطّلع على كتابي عن سعد صالح، أم لا، فقد كان أكثر من فصل فيه عن النجف والعلاقات النجفية والحوزة العلمية والروضة الحيدرية والمؤسسة الدينية والدولة.
إن نزوع فضل الله إلى الحرية والتمرّد على القوالب التقليدية دفعه للانشقاق، ولأنه مثقف فهو لا يخشى الانشقاق، والمثقف بطبعه بحاجة إلى فسحة كبيرة من الحرية، لاسيّما عالمه الروحي الكثير  الألغاز، والحرية بالطبع لا يرتضيها، مثلما لا يمنحها القابض على أمور المؤسسة، خصوصاً إذا استهدفت التجديد وتعرّضت لنفوذه وسلطاته التي لا حدود لها.
وبقدر نزوعه إلى الحرية كان لديه نزوع إلى المعرفة، التي يجدها الطريق إلى الله عبر العشق الإلهي – الصوفي. ولا معرفة بدون حوار، ولا حوار ديناميكي إلاّ مع الآخر، المختلف ولم تكن خطوط حمراء لديه في الحوار.
يقول فضل الله في البدء كان الحوار، مثلما هو في البدء كان الكلمة، وكلّما تعدّدت الأصوات انفتح الحوار. ويضيف: القرآن حاور الملائكة وعرفهم أن هناك صوتاً يختزن عقلاً وروحاً وحركة وإحساساً وأعطاهم الحرية في قول ما يفكّرون، وهو ربهم، لم يقل لهم ألاّ يتناقشوا، وهو القادر على ذلك. ومثلما كان يحث الناس على الحرية فهو سيحثهم على الحوار.
 وحسب الإمام علي وهي المقولة التي طالما يردّدها فضل الله " لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً" فحرية الإنسان هي إنسانيته، وبفقدانها أو التنازل عنها يفقد الإنسان إنسانيته، ولذلك يقول فضل الله : كن سيّد نفسك، بمعنى حرّاً ولديك القدرة على الحوار والاختلاف مع الآخر والتكامل معه. إنه يعتبر الحرية أمضى سلاح والاستبداد أشد مظاهر التخلف، وهذا الأخير هو العدو الأول للإنسان، بهذه الطريقة التقدمية العصرية يفكر السيد فضل الله.
وبقدر إيمانه بالحرية ، فهو يؤمن بالتجديد، وهذا الأخير يحتاج إلى عقل ومرونة وانفتاح ومعرفة، سواء للدين أو المذهب، اللذان ينبغي أن يتخلصا من العصبيات والأحقاد.
هو يتمثل كلام الإمام علي حتى فيما أصابه من أذى باقتباسه وتكراره " احصد الشر عن صدر غيرك بقلعه من صدرك" والحقد لديه موت، أما الحياة فمحبّة، وحسب قوله إنه يريد أن يحيا ولا يريد أن يموت، وكانت تلك فلسفته البسيطة والعميقة في آن، لكن إشراكتها الإنسانية بائنة وظاهرة، ولذلك كان يدعو لعدم الإساءة إلى أصحاب رسول الله أو السيدة عائشة زوجته، لأن في ذلك إساءة للرسول وآل البيت.
كان فضل الله يدرك السطوة التي يمتلكها بعض رجال الدين، ولذلك حاول بهدوئه ودماثته ولكن بمبدأيته وبعد نظره تفكيك السائد، بمحاولة رفع التقديس الكاذب عنهم وإزالة الغشاوة والجمود عن أعين الكثيرين الذين يتعبّدون في محراب نصوص أكل الدهر عليها وشرب، ويتعاملون مع بعض الأشخاص كأصنام، وهؤلاء يحاولون تملّق الجمهور ومحاباته في خرافاته وخزعبلاته وما هو موروث من تراث لا علاقة له بالإسلام، وذلك لأسباب اقتصادية، خوفاً من أن تذهب الحقوق " الشرعية"، كما يُطلق عليها مثل الخُمس والزكاة إلى غيرهم، فضلاً عن الامتيازات، وهذه يمكن لبعض التجار ورجال الأعمال، ناهيك عن الحكومات التلاعب بها وتوجيهها بمنحها لرجل الدين هذا، وحجبها عن ذاك، بهدف الضغط لمجاراة السائد والراكد والساكن والوقوف ضد التجديد أو التغيير، ونعني بها امتناع بعض رجال الدين من اتباع سبيل التجديد وقد يكون لذلك أسباب أخرى:
أولاً- لعدم القناعة بالتجديد.
ثانياً- الاستكانة لما هو قائم
ثالثاً- انخفاض درجة الوعي بأهمية التجديد
رابعاً- عدم القدرة على الاستدلال والاستنباط
خامساً- الخشية من الانفتاح بزعم الحفاظ على العقيدة ونقاوتها ومنع اختلاطها بالعقائد الأخرى.
سادساً- التعارض بين التجديد ومصالح وامتيازات يتم الاستحواذ عليها باسم الدين، وأحياناً باسم المذهب أو الطائفة.
وهذا يؤدي إلى التقوقع والانغلاق، والنظر بعين الريبة إلى الآخر، باعتباره خصماً أو عدواً، حتى وإنْ كان من أتباع الدين ذاته أو ذات الطائفة التي تتحكّم السياسة بها وتلعب بالعقول لتقوم بحجب روح التجديد بحجة الثقافة الغازية أو الغزو الثقافي، وهي الصورة النمطية ينظر إليها عكسياً من جانب بعض القوى العربية، المتنفّذة تحت عنوان "الإسلامفوبيا" "الرهاب من الإسلام" ويقابلها في عالمنا العربي والإسلامي "الوستفوبيا" " الرهاب من الغرب" واعتبار كل ما فيه شرٌ مطلق.
لقد طرح فضل الله منهجاً جديداً أساسه أسئلة الجدل بين الدين والعقل، وهو سؤال الدين من داخل الدين، وهو لا يستهدف تجديد الخطاب الديني، بل ينصرف إلى مهمات تجديد الفكر الديني كما أشرنا في المقدمة.
وإذا كان الأمر قد اقتصر على تفسير العقائد الدينية ، سواء ما يتعلق بالظواهر الغيبية وتعطش البشر الروحي للشعور بالطمأنينة الداخلية، لاسيّما في ظل عجز الإنسان عن تفسير وحل الكثير من المشاكل التي تواجهه، لكن بعضها الآخر يتعلق بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي جزء من الصراع بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطبيعة.
النصوص هي ذاتها لكن قراءتنا لتلك النصوص وتغيير فهمنا لها هو ما يستهدفه فضل الله بما يتناسب مع الحال المعاصر.
إن استثنائية فضل الله تقوم على إن أطروحاته تلك كانت تنمو وتزدهر خارج مقامات الحوزات، فقد أصبح فقه النقد لديه مراجعة لكل ما هو لم يتأكد عنده، وكان ذلك ينمو طردياً مع اتساع عقله وزيادة تجاربه وخبراته.
وبقدر رغبته في تحرير الدين فقد سعى لتهذيب السياسة، ولا سياسة خارج نطاق الأخلاق، وهو درس الأخلاق على حد تعبير الشيخ حسين شحادة. إن إنحسار دور الدين سار طردياً باتساع عدد رجال الدين، وانحسار دور الفقه كان طردياً مع انتشار الفقهاء.
لقد فاض كثيرون في ذكر محاسن السيد، ولا أستطيع أن أباري من هو أجدر مني وأكفأ مني وأقرب إلى السيد مني، لكنني كنت دائماً في كل لقاء أو مراجعة أو قراءة، أبحث عن تعمّق منظومته القيمية والروحية التي يراها في الأديان جميعها، الإسلام والمسيحية إضافة إلى مواقفه في دعم المقاومة ومواجهة العدوان الإسرائيلي، والدعوات العامة للحوار والتقريب، فتلك أمور عمومية وإنْ كانت مهمة وأساسية، ولكن دوره التنويري والإرشادي والمعرفي يتجلّى في جعل منظومة الأخلاق والقيم والسلوك قريبة من الناس، وهدف الدين ومعنى الحياة هو تحسين شروطها وتخفيف آلامها.
أنسنة الدين
ونعني بها الدعوة إلى الرفق والتواصي والتآزر والتعارف والمودة والرحمة واللين وتجنب العنف والقسر والتشارك، وهذه كلّها وردت في القرآن الكريم، وهي تدلّ على التسامح وإن لم يرد النص عليه، واعتبر العنف لا يحلّ المشاكل أو يزيلها وقد يعقّدها، واستخدام القوة ليس هو القاعدة، بل الاستثناء وذلك بعد استنفاد الوسائل الفعّالة الأخرى، وفي مقدمتها الحوار لاستعادة الحق.
لم يكن يبرّر العنف ، إلاّ عند الضرورات التي تبيح المحظورات، ولكل ضرورة أحكامها كما يقال، ذلك أن اللجوء إلى العنف، هو أقرب إلى عملية جراحية لا يلجأ إليها المرء، إلاّ بعد استنفاذ بقية الطرق الأخرى، وخصوصاً عند وجود خطر على الحياة.
اعتبر فضل الله كل دين ينبغي أن يخدم الإنسان، وليس على الإنسان خدمة الدين، لأن الأديان وجدت لخدمة الإنسان، والدين يتطور مثل كل شيء في الحياة، ويتغيّر مع تغيّر الظروف لأنه مرافق للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعسكرية، فمن قال " إن الدين ضد العلم"، وبمفهوم السيد فضل الله الإسلام هو كل شيء ينفع البشر، وعلى ذلك فليس من الإسلام بشيء ما يؤدي إلى عكس ذلك من إيذاء الناس أو إكراههم. والقيم هي الجامع الأهم للبشر، مثل المساواة والحرية والكرامة والعدالة والشراكة، والتعددية والتآخي وغير ذلك بما فيها بين الرجل والمرأة.
ولم يدعُ فضل الله لقيام دولة إسلامية، فقد دعا لقيام دولة الإنسان، والإنسان هو صورة الإسلام، والإسلام صورة الإنسان.
أما الحقيقة لديه فهي بنت الحوار، فقد حاور الله ابليس، كما حاور النبي المشركين، فكيف لا يتحاور البشر؟، كما يقول، والحوار يتطلّب: متحاورين، أي القناعة بالحوار، والتفكير بما سيؤول إليه الحوار، اتفاقاً أو اختلافاً، وبإدارة الحوار، وبأسلوب الحوار، وهكذا فالقرآن حسب وجهات نظره للمعرفة وليس للبركة.
خاتمة
كان فضل الله مثل غيمة فضية في سماء الثقافة الإسلامية، تشع ومضات بالتجديد محاوِلَةً أن تؤاخي بين الدين والحياة، وانتقل هذا النور واتسع من النجف إلى عيناتا ومن سوق العمارة وعكد السلام، إلى حي السلم وبئر العبد وحارة حريك، وكل لبنان والعالم العربي.
كان فضل الله مع رجال الدين شاعراً وأديباً، ومع الشعراء فقيهاً وعالماً ومع الفقهاء سياسياً ومع العلمانيين متنوراً ومنفتحاً، ولم تمنعه العمامة من المشاركة في الحياة العامة.
ليست لديه أحكاماً جاهزة، فالتراث حسب وجهة نظره هو جهد ونتاج وأفكار المجتهدين والفقهاء والمفكرين، لأن ما فكّر به الإنسان، والإنسان خطّاء بطبعه، أي أنه يخطأ ويصيب، وبالتالي ليس تراثنا مقدساً. إن محاولاته تلك كانت تنم عن فكر أصيل لإعادة النظر في الثقافة الدينية وتخليصها من التقديس.
كان السيد أقرب إلى الاستثناء، في حين أن الاستثناءات قليلة في عصرنا، واستثنائيته لا تكمن في أفكاره فحسب، بل في أخلاقياته، حيث جمع على نحو متوازن بين فكره وسلوكه وبين ظاهرة وباطنه، وبين علانيته وكتمانه، وكان واحداً ولم يعرف الازدواجية التي عرفناها لدى الكثيرين من رجال الدين، الذين كل ما كان يتعرّف عليهم العامة لا ينفرون منهم فحسب، بل أحياناً ينفرون من الدين، لأنه حسب وجهة نظرهم يمثلونه.
وكان الاجتهاد هو الأهم لديه وليس قدسية الأفكار، لهذا فهو الذي يستحثك ويدعوك للحوار ، بل والاختلاف، وحتى ولو وصل الأمر إلى الخصومة، فحسب وجهة نظره فإنها لا تنفي المشتركات، بل يراها مصدراً للخصوبة والابتكار، والحياة تغتني بالاختلاف لا بالتطابق.
لا تستطيع أن تحتسب فضل الله على حقل من حقوق المعرفة، فشخصيته متنوعة وثقافته موسوعية، تمتد من الدين والفقه إلى السياسة والفلسفة والثقافة والأدب، والعلم وغيرها، وكلها احتواها 90 كتاباً تمثل جوهر شخصية السيد.
صحيح إن فضل الله فرد لكنه، عندما يتصرّف فكأنه مجموع، لأنه يمثّل الضمير ويجسّد القيم السامية، هو سليل مدرستين الأولى مدرسة النجف وروادها من السيد أبو الحسن إلى الحكيم والصدر إلى محسن الأمين في لبنان . لعلّ قولاً واحداً شجاعاً يمثّل أغلبية، وقد كان صوت فضل الله أغلبية حتى لو كان فرداً.
هنا الوردة، فلنرقص هنا يقول ماركس.
 

513
جوهر الأزمة العراقية

عبد الحسين شعبان
أعادت الأزمة الراهنة الإشكاليات الأساسية التي عانتها الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق العام 2003، خصوصاً موضوع الطائفية السياسية التي أصبحت ظاهرة متفشّية في مفاصل الدولة العراقية وأروقتها، بل إن التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني أصبح السمة الأبرز للحكم ما بعد الاحتلال.
ولم تستطع الدولة على الرغم من مرور 13 عاماً على الاحتلال، حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية، وما يتعلق بالبطالة والضمان الاجتماعي والمتقاعدين، بل إن هذه المعضلات تفاقمت على نحو شديد، وازدادت تعقيداً ما عمّق الأزمة السياسية، وأضفى عليها بُعداً شعبياً أخذ بالاتّساع، خصوصاً وقد ترافق ذلك باستمرار انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة وعدم حلّ مشكلة المياه التي أخذت بالتفاقم، ما سبّب أمراضاً وأوبئة عدة، ومنها انتشار مرض الكوليرا.
لقد قامت العملية السياسية على صيغة المحاصصة الطائفية- الإثنية التي وجدت ضالّتها في تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في يوليو/تموز العام 2003، خصوصاً بتخصيص 13 عضواً منه لما سمّي بالشيعة و5 أعضاء لما سمّي بالسنّة و5 أعضاء لممثلي الكرد وعضو واحد لمن اختير ممثلاً عن التركمان وعضو واحد باسم الكلدو- آشوريين.
وعرفت الدولة الجديدة التي تأسست على أنقاض الدولة القديمة التي قامت في عشرينات القرن الماضي، باسم «دولة المكوّنات»، التي ورد ذكرها ثماني مرّات في الدستور. أما «دولة المواطنة» التي كان العراقيون يتطلّعون إليها بعد انقضاء حقبة الحكم الاستبدادي الشمولي، فقد اختفت مدلولاتها وتضبّبت معانيها، لاسيّما بعد تأسيس نظام المحاصصة.
إن ذلك يمثّل جوهر الأزمة بجميع فروعها وأجنحتها. وإذا كان الاحتلال صائراً إلى زوال مثلما كان متوقّعاً، فإن خطر الطائفية ظلّ ينخر في جسم الدولة العراقية، ويحفر في كيانها بمعول مسموم، وإذا ما استمرّ على هذا المنوال، فإن عملية الهدم والتآكل ستصل إلى أساساتها، وبالتالي ستؤدي إلى انهيارها.
فالدولة حتى باعتراف أقطابها السياسيين هي دولة فاشلة، وتحوّلت مع مرور الأيام إلى كيان رخوٍ وهشّ وقابل للاختراق، وما سيطرة "داعش" على محافظة نينوى، ومركزها الموصل، في 10 يونيو/حزيران العام 2014، وتمدّده إلى مناطق أخرى من العراق، إلاّ دليل صارخ على ذلك، يضاف إليه، أن الفساد المالي والإداري ضارب الأطناب في عمق الدولة وأجهزتها والقوى المهيمنة عليها، لدرجة أن العراق ومنذ الاحتلال أخذ يُصنّف من جانب منظمة الشفافية العالمية، باعتباره من الدول الأكثر فساداً في العالم.
كان الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) الذي صدر في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 مايو/أيار 2003 - 28 يونيو/حزيران 2004) في 8 مارس/آذار العام 2004، تكريساً وانعكاساً للصيغة الجديدة لتوازن القوى، وقد قام نوح فيلدمان القانوني الأمريكي المناصر ل«إسرائيل» بإعداد صيغته الأولى، مثلما عمل الخبير الأمريكي بيتر غالبرايت في وقت لاحق على صياغة بعض المواد ذات الطبيعة الإشكالية التي اعتبرت ألغاماً قابلة للانفجار في أي لحظة، لأنها تشكّل مصدر خلاف واختلاف، وليس مصدر اتفاق وتوافق.
وبدلاً من أن يكون الدستور القاسم المشترك الأعظم الذي تلتقي عنده الإرادات المختلفة للقوى والأحزاب والمنظمات السياسية والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المصالح المتنوّعة، فإذا به يصبح هو بالذات تعبيراً عن الإشكاليات والصراعات التي عانتها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وهذه كلّها تنطلق وتصبّ في صيغة المحاصصة التي اعتمدتها، وفي النزاع حول تمثيل هذه الجماعة أو تلك لتتحدث نيابة عن هذه الطائفة أو تلك أو تمثل جزءاً منها، عبر الاستقواء بالمحتل والحصول على الامتيازات، خصوصاً من جانب أمراء الطوائف، وليس بوسائل إقناع أو بنفوذ حقيقي، سياسي أو فكري أو اجتماعي.
ولم يتورّع هؤلاء عن استخدام العنف والحشود الجماهيرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن في فترة الثورة الصناعية في أوروبا، بهدف كسر إرادة الآخر وفرض نمط ديني أو مذهبي على الحياة العامة، وعلى المجتمع ككل. وبالطبع فإن مثل هذا الأمر لم ينشأ في فراغ، فقد كان له ردود فعل أقسى وأشدّ أحياناً، وهكذا أخذت دائرة العنف تتّسع لتشمل الجميع، خصوصاً بانتعاش بؤر للإرهاب، التي تغذّت بتفاعلها مع جهات خارجية إقليمية ودولية ولأهداف مختلفة.
ولكي يتم تمويل عمليات الإرهاب والعنف، لجأت الكثير من القوى إلى استخدام موارد الدولة لمصالحها الخاصة، الشخصية والحزبية، سواء عبر سرقات منظمة أو هدر المال العام أو توظيفه في غير مواقع التنمية، فضلاً عن أصحاب الحظوة من الأبناء والأصهار والشركاء في إطار عمل غير مشروع.
ويعتبر الفساد الوجه الآخر للإرهاب، كما أنه ليس بعيداً عن مخرجات الطائفية والتقاسم المذهبي- الإثني، وقد أغرى الفساد جميع الكتل والأحزاب والقوى بالانخراط فيه، والتستّر على منتسبيها وأتباعها، ولهذا فإن خطره امتدّ إلى أجهزة الدولة بكاملها والعديد من المنظمات والهيئات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى ضعفت يقظتها إزاء غول الفساد ومخالبه.
ومن المظاهر الأخرى للأزمة العراقية وخلفياتها، هو ضعف الشعور العام بالمواطنة والعودة في الكثير من الأحيان إلى صيغ ما قبل الدولة، سواءً الطائفة، أو الجماعة الإثنية، أو الدين أو العشيرة أو الجهة أو المنطقة، للاحتماء بها والاختباء خلفها، طالما لا تستطيع الدولة حمايتها وتأمين الحدّ الأدنى من وظيفتها في ضبط الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وتلك هي الوظائف الأولى والأساسية للدولة، وأية دولة لا تستطيع القيام بذلك، فلماذا إذاً هي دولة؟
لقد ساهمت الطائفية السياسية في انهيار هيبة الدولة ومعنوياتها، لاسيّما وأن بعض الأطروحات والتوجّهات السياسية وضعت «المرجعية» الدينية المذهبية فوق الولاء للدولة، بما فيها تداخلاتها الخارجية، والأمر لم يقتصر على المؤيدين لهذه «المرجعية»، وهي تمثّل مجموعة من رجال الدين المتنفذين في النجف وأتباعهم الذين يسائلون ولا يُسألون، بل شمل خصومهم أيضاً، الذين يتسابقون معهم أحياناً في الحصول على صكوك المباركة لوظائفهم أو مواقعهم أو امتيازاتهم.
إن ذلك يعني إخضاع مرجعية الدولة لمرجعية غير دستورية، في حين أن جميع المرجعيات، سواءً كانت دينية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو عشائرية، ينبغي أن تخضع إلى الدولة التي لها صفة العلوية والسمو على غيرها من المرجعيات، مهما كانت مكانتها ودورها، بما فيها حق احتكار واستخدام السلاح والفصل في الحكم بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، ومن دون إخضاع المرجعيات الأخرى إليها فلا تصبح والحالة هذه دولة.
وإذا كان الدستور ملغوماً وفيه الكثير من العيوب والمثالب التي تستوجب تعديل نصوصه أو إلغائه لسنّ دستور أفضل، لكن ذلك لا يلغي وجوده القانوني وعلويته والاحتكام إليه وفقاً للنظام السائد، حتى تتوفر فرصة مناسبة، يتمكّن فيها الشعب العراقي من اختيار ممثليه في أوضاع سلمية وطبيعية وآمنة، خصوصاً بوضع حدّ لظاهرة الإرهاب والعنف والفساد.



514
وأستطيع أن أقول الآن من باب النقد الذاتي، بأن الصيغة التي كنّا قد اقترحناها، غير واقعية أيضاً، وهي بقدر ما يأخذ البعثيون من حصة فهي حصتنا، وبقدر ما يأخذ القوميون الأكراد من حصة،  يعادلها حصة القوميين العرب (الحركة الاشتراكية)، علماً بأن مقترح كريم الملاّ كان ينص أن يكون لهم 12 ولنا 8 و5 للكرد و2 للقوميين العرب، وهكذا حصل التباعد، الذي كرّسه الموقف من الانتخابات التي أجريت العام 1969.
وفي حين قلنا أنها انتخابات مزوّرة واستخدمت فيها مختلف الأساليب لكي تكون نتائجها لصالح الاتحاد الوطني، الذي "فاز" بالإجماع تقريباً في الثانويات والكليات التي جرت فيها منافسة، علماً بأن الغالبية الساحقة من المدارس الثانوية والمعاهد والكليات الجامعية لم تجر فيها الانتخابات، طبقاً لقانون انتخابي غريب يقوم على نظام القائمة، وإذا ما انسحب أحد أعضاء القائمة (إقرأ أُجبر أو اعتقل أو لم يحضر) فإن القائمة كلّها تسقط، وهكذا فإن الانتخابات من وجهة نظرنا كانت تعني فوز قائمة الاتحاد الوطني بطريقة أقرب إلى التزكية، وهو ما حاولنا استعراضه في تقرير مفصل بالوقائع والأسماء والتواريخ وأرسلناه إلى اتحاد الطلاب العالمي وإلى العديد من الاتحادات والمنظمات الطلابية.
 في حين كان الاتحاد الوطني يرى أن فوزهم أمر طبيعي، لأنهم قريبون من السلطة، والسلطة حققت منجزات كبرى باعترافنا وبالتالي، فإن القاعدة الطلابية اتجهت نحوهم وحيث المكتسبات التي حصلت عليها، وكانوا يطالبوننا بسحب تقريرنا، والإقرار بنتائج الانتخابات مع إمكانية إجراء تسوية بضم بعض كوادرنا إلى الاتحاد الوطني، وهو ما كنّا نرفضه قبل الانتخابات، وبالطبع بعدها أيضاً، وجرى تدريجياً التشبّث من جانب الاتحاد الوطني أكثر من السابق بما سمّي بالتمثيل والشرعية وبدت قياداته أكثر تشدّداً وغروراً وتعصّباً، وهو ما انعكس على كادره القيادي وكان قرارهم أنهم سوف لا يتعاملون معنا كمنظمة قائمة، بل كطلبة شيوعيين.
طلبتُ من كريم الملاّ يوم 20 آذار (مارس) 1970 الاتفاق على شعارات موحّدة في مسيرة بمناسبة بيان 11 آذار (مارس)، وتلك التي كان من المفترض أن تخرج في اليوم التالي، وذلك بطلب من الحزب، واعتذر بقوله أن رأي القيادة هو أننا لا نسمح لأي تنظيمات طلابية أخرى بعد الانتخابات.
ثم دعا كريم الملا إلى استراحة لعشرة دقائق وخرجنا كما هي الطريقة المعتادة للتدخين، وأخبرنا لؤي وأنا، أنه إذا خرجنا في التظاهرة ، فهناك قرار سياسي بضرب أية مجموعة خارج الحزبين الحليفين (البعث وحدك)، وانتهى اللقاء، الساعة الحادية عشر مساءً وكان هناك من ينتظر منّا رأياً، وأبلغنا الحزب بذلك، وكان قرار الحزب أننا سنخرج في المسيرة باسم الحزب الشيوعي صباح غد وبمناسبة عيد نوروز، وفي صباح اليوم التالي تجمعنا في ساحة الميدان وأول خبر تلقيته هو استشهاد محمد الخضري (أبو عادل)، والخبر الثاني إن ما نقلناه للحزب بدأت ملامحه تتّضح حيث تجمعت حولنا مجموعة وقامت بفصل القيادة عن القاعدة ووجهت ضربة لنا.
لا تفريط ولا إفراط
أعتقد أن لؤي أبو التمن وأنا كنّا لا نريد التفريط باسم إتحاد الطلبة، وكان "خط آب" (أغسطس) العام 1964 الذي اعتبر يمينياً وتصفوياً بمصطلحات تلك الفترة نصب أعيننا، لذلك لم نرغب في أن يسجّل في تاريخنا بأن حلّ اتحاد الطلبة كان على أيدينا أو بموافقتنا، أو ضمن مسؤوليتنا. ولعلّ صورة الإرهاب الذي ساد كانت شاملة ضد الآخرين بمن فيهم أعضاء الحزب الشيوعي، سواءً القيادة المركزية أو اللجنة المركزية، حيث قتل تحت التعذيب عدداً منهم مثل صالح العسكري وأحمد محمود الحلاّق وسامي محمد علي وشعبان كريم ومتّي هندو وعزيز فعل ضمد وآخرين، وخلال المفاوضات أعدم الطالب مطشّر حوّاس وقتل في منطقة الأهوار أزهر صالح الجعفري وسامر مهدي واختطف عبد الأمير سعيد الكادر العمالي وقتل، كما قتل ستار خضير عضو اللجنة المركزية، واختطف محمد الخضري يوم 20 آذار (مارس) العام 1970 ورمي بالقرب من بلد وجثته مطرّزة بالرصاص وهو ما تمت الإشارة إليه، فضلاً عن آخرين، حيث شملت عمليات الاغتيال عبد الكريم مصطفى نصرت من حزب البعث المؤيد لسوريا وفؤاد الركابي أحد مؤسسي حزب البعث وأمينه العام السابق في داخل السجن واعتقال المئات منهم ومن قوى سياسية أخرى.
لعلّ هذه الأمور كانت محبطة لنا وتشكّل حاجزاً نفسياً لقبول الاتفاق، كما أن قيادة الحزب كانت تعتبر بعض مواقفنا متشدّدة، وهذا صحيح قياساً لما كانت تريده هي أو تسعى للوصول إليه. وإذا أردت اليوم استعادة ذلك الواقع، فيمكن أن أقول أننا لم نمتلك ستراتيجية واضحة، فإذا كنّا قد قرّرنا التحالف، فكان الأمر يقتضي المرونة، أما إذا اخترنا غير التحالف، فكان يمكن التشدّد، لكنه لم يكن لدينا ستراتيجية بهذا الخصوص، في حين أنّ ستراتيجية السلطة هي تطويع الجميع وإضعافهم والتحالف مع كل حزب أو مجموعة بصورة منفردة وإحداث شرخ بين المجاميع السياسية، فإضافة إلى  جماعة المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني (ابراهيم أحمد- جلال الطالباني) التي كانت متحالفة مع السلطة ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي - البارزاني)، وبعد الاتفاق مع البارتي في اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970، استبعد الطالباني وجناحه السياسي وأغلقت صحيفة النور وصدرت بدلاً عنها صحيفة التآخي، مثلما شنّت السلطة هجوماً ضد الحزب الشيوعي، وعندما تحالفت مع الحزب الشيوعي كانت العلاقة قد ساءت مع البارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وهكذا!
في العام 1975 أبلغت السلطات الحاكمة قيادة الحزب الشيوعي بتحريم العمل بأي تنظيم مهني أو نقابي غير مرخّص، وطلبت منها حلّ المنظمات الديمقراطية التي تحت توجيهها مثل اتحاد الطلبة ورابطة المرأة والشبيبة الديمقراطية، والاّ سيتعرّض منتسبوها لعقوبات غليظة، مثلما سيتعرّض لهذه العقوبات كل من يقبل زمالة من جهة أجنبية أو محلية دون أن يبلّغ عن مصدرها وتصل العقوبة إلى 15 عاماً.
وتحت مبرّر الحفاظ على الجبهة الوطنية واستجابة للحزب الحليف، اضطرّت قيادة الحزب الشيوعي إلى إصدار تعليمات بتجميد المنظمات الديمقراطية وهناك من بالغ في اندفاعه هذا، حين أبلغ المنظمات العالمية، بضرورة قبول ممثلي الاتحاد الوطني بدلاً من اتحاد الطلبة، وكذا الحال بالنسبة للمنظمات الأخرى، لكنه عاد بعد نحو عامين ونيّف يتلمّس أية إمكانية لاستعادة مواقعنا القديمة التي تخلّينا عنها بأنفسنا وطوعاً علماً بأن الغالبية الساحقة من منتسبي هذه المنظمات كانوا ضد القرار أو تحفظوا عليه.
أظن أن هذه السياسة أضرّت بالاتحاد الوطني ذاته وبحزب البعث مثلما أضرت باتحاد الطلبة والحزب الشيوعي، بل بالعراق ككل وبقضية التقدّم والتحرّر، فسياسة الالغاء والإقصاء والتهميش كانت تجاوزاً على الواقع ومحاولة للوي عنق الحقيقة قسراً، خصوصاً وأن المجتمع العراقي يمثل تنوّعاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً وقومياً ودينياً، لابدّ من مراعاته وأخذه بنظر الاعتبار، وهو الأمر الذي على الجميع إدراكه بعد هذه التجارب المريرة والفاشلة، في السابق والحاضر.

صدّام التكريتي
كان كريم الملاّ كلّما تحتدم الأمور يؤشر لي ألا تدخّن؟ ويناولني أحياناً حبّة "يوسف أفندي"، ونقول باللهجة العراقية (اللالنكي) فنخرج إلى الحديقة، وكان إحساسي أنه لا يريد أن يتحدّث بكل شيء بحضور حسن المطيري، كما أنني كنت عندما أريد أن أسأله بخصوص أمر محرج أدعوه للتدخين، وقد يكون لاعتقادي أن كل شيء كان مسجّلاً، فنخرج لعشرة دقائق أو نأخذ استراحة لبعض الوقت. وأتذكّر إنه تحدّث معي على انفراد في الحديقة وخارج الاجتماع الرسمي، قائلاً إذا لم توافقوا على الاتفاق كاملاً بما فيه النسب والمواقع القيادية، فسوف تقوم القيادة بتعديلها وأمامكم اليوم فقط فرصة أخيرة، لأنني سأذهب غداً للقاء بالقيادة، وعندما سألته بمن ستلتقي: هل بعبد الخالق السامرائي أو عبدالله السلوم السامرائي أو صلاح عمر العلي؟ أجابني بعد ذِكْر كل اسم: كلاّ، ثم أردف قائلاً: سألتقي بأبي عدي " الرفيق صدام". قلت له هل تقصد أن صدام التكريتي هو المسؤول عن هذا الملف، قال نعم وهو الذي يتابع معي التفاصيل، وكنت في هذا أستعيد قولاً لزهير يحيى، الذي قال أن من تقصده وراء الجهاز الأمني أو وراء ضرب المتظاهرين في ساحة السباع، هو أكبر مما تعتقد، وتلك ليست مهماته، أيقنت أن صدام حسين هو رجل الدولة الأول وهو المُمسك بكل شيء، وكان قد بدأ بالكتابة عن " الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية" في جريدة الثورة، فعرفنا أنه يمسك بجهاز الثقافة أيضاً، يومها تردّد أنه أصبح نائباً للرئيس البكر، وظلّ اسمه دون صفته القيادية لفترة من الزمن، حتى شاع الخبر.
وبالمناسبة فقد التقيت بصدام حسين مرتين ولكن على نحو عابر، الأولى خلال الإضرابات  الطلابية العام 1967-1968، والثانية في يوم 22 نيسان (ابريل) العام 1970 في السفارة السوفيتية، التي كانت تقيم احتفالاً بالذكرى المئوية لميلاد لينين، وكنت متوجهاً من الحديقة إلى  الممر، فدخل هو وثلاثة أوأربعة خلفه، وتقدّم إلى  مصافحتنا أنا وصبّاح عدّاي الذي كان يحضر معي الاحتفال مع خمسة من أصدقائنا، وبادر لسؤالنا كيف الأحوال؟ فأجابه صباح عدّاي الذي كان يعرفه بخير.
وفي اليوم التالي حضر كريم الملاّ وأبلغنا رأي قيادتهم بشأن النسب وهي على النحو الآتي: حزب البعث (الاتحاد الوطني) 14 مقعداً والباقون جميعهم 13 مقعداً وليتفقوا بينهم. وهذا قرارهم الأخير، ولعلّ مثل هذا القرار لم يكن وراءه سوى صدام حسين، الذي شعر ضرورة عدم التراخي أو المرونة، وظلّ باستمرار يعتقد أن الشدّة والحزم وجعل الآخرين أمام الأمر الواقع هي السياسة التي ينبغي  أن تتخذ بحق الغير، وهو ما طبّقه باستمرار، لاسيّما عندما أزاح أحمد حسن البكر وانفرد بالسلطة، فصفّى ما بقي من هوامش، بل عمل على إلغاء حزب البعث لصالح الأجهزة والتشكيلات الخاصة التي أخضعها جميعاً لهيمنته، وللعائلة التي سيطرت على كل شيء وتماهت مع الدولة، لا على المستوى السياسي فحسب، بل على المستويات الاقتصادية والثقافية والإعلامية والرياضية والسياحية وغيرها.
وكان من أكثر الأصدقاء الذين لهم معرفة بهذه التفاصيل وكان يزوّدني بها باستمرار هو صباح عدّاي القيادي في الحركة الاشتراكية، وهو أحد الوجوه البارزة وقد تعرّض للاعتقال داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ولكنه هرب وحوصرت الكلية، واضطر إلى  عبور السياج عندما حلّ الظلام، وبعد يومين وكنت حينها خريجاً، اتصل بي ودلّني على مكان اختفائه في شارع المحيط بالكاظمية. وبعد نحو عامين من هذه الحادثة وكانت بعض الأمور قد سوّيت مع الحركة الاشتراكية وتم إطلاق سراح أمينها العام عبدالاله النصراوي، وعدد من القياديين، وفتحوا حواراً معهم، اعتقل صباح عدّاي وعذّب في قصر النهاية وكان ناظم كزار شخصياً حاقداً عليه، إضافة إلى حسن المطيري.
التمثيل الخارجي
لعلّ واحدة من المشكلات التي كانت تواجهنا هي التمثيل الخارجي، فقد كان ممثل اتحاد الطلبة سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي (د. مهدي الحافظ) وكان علينا أن نتخلّى عن هذا التمثيل، وبالطبع فالحافظ لا يروق لهم، وكان قد نظّم حملات تضامن ضد الارهاب في العراق في وقت لاحق، وكان هذا مزعجاً لهم، كما أن تنازلنا عن موقعنا الدولي محرج أمام الآخرين الذين منحونا هذا الموقع وأقصد "السوفييت"، بحكم القربى الآيديولوجية، وليس بالإمكان التنازل عنه لحساب قوى أخرى، وهو ما قرّروه في المؤتمر العاشر لإتحاد الطلاب العالمي المنعقد في شهر كانون الثاني (يناير) العام 1971 في براتسلافا، وقد حضرته مع وفد ضمّ ناظم الجواهري وعدنان الجلبي وخليل الجزائري، كما حضر نوري عبد الرزاق باعتباره أميناً عاماً سابقاً، إضافة إلى  د. مهدي الحافظ ممثل الاتحاد في اتحاد الطلاب العالمي، وكان السوفييت قد قرّروا آنذاك استبدال العراق بالسودان، لاسيّما بصعود دور السودان بعد انقلاب جعفر النميري 1969، فتقرّر أن يكون الأمين العام فتحي الفضل بدلاً من مهدي الحافظ، ولم يكن ذلك بمعزل عن الدور الجديد للعراق وعلاقاته مع بعض الدول الاشتراكية، لاسيّما الاتحاد السوفيتي، خصوصاً بتقديم مصالح الدولة على سواها من المصالح، وهي مسألة باتت معروفة ومألوفة.
ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى موقف كريم الملاّ الذي لم يعارض بقاء التمثيل  الخارجي تحت قيادتنا ولو لحين، لكنه تحفّظ على مهدي الحافظ حينها، والسبب هو اعتقادهم بأنه من المتشدّدين ضد البعثيين، وقال يمكنكم تعيين أي زميل محلّه ونحن نوافق.
VIII
التعدّدية
أعود إلى  مسألة التعدّدية في الحركة الطلابية، والموقف منها ففي العام 1963 تم تحريم اتحاد الطلبة والتجأ إلى  العمل السري، وهذه المسألة لم تدعنا التفكير بشكل سليم في قضية التعدّدية والتنوّع والرأي الآخر، لاسيّما في ظل الصراع المحتدم، وكانت تثير الكثير من الالتباس والغموض والإبهام في صفوفنا ولدى قيادة الاتحاد تحديداً، وبعد فوزنا الساحق في انتخابات آذار (مارس) العام 1967 وحصولنا على 84 % من الأصوات و76% من المقاعد، بدأنا أكثر انفتاحاً وثقة بالنفس مثلما هي تجربة الإضراب الطلابي أواخر العام 1967 وأوائل العام 1968، خصوصاً بعد انشقاق مجموعة عزيز الحاج (القيادة المركزية) التي كان الاتحاد من حصتها الأكبر، ولعلّ الغالبية الساحقة من التنظيمات الحزبية الطلابية كانت معها.
وبالمناسبة فإن تجربة الإضراب الطلابي سبقت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا العام 1968 وفي ألمانيا لاحقاً وبعض بلدان أوروبا، وهو ما أشار إليه الكاتب والروائي العراقي فاضل العزاوي، في كتابه المهم " الروح الحيّة- جيل الستينات".
هكذا بدأ يتبلور تدريجياً في قيادة الاتحاد فكرة مفادها أن الاتحاد هو الأكثر تمثيلاً وشرعية عن تطلعات وآمال الطلبة، وليس الممثل الوحيد والشرعي، كما كنّا نقول في أواخر الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات، وعلى أقل تقدير، فنظرتنا منذ كونفرنس العام 1965 الطلابي بدأت تأخذ شكلاً أكثر رحابة وانفتاحاً، وكانت مناسبة الانتخابات الطلابية العام 1967 فرصة مهمة للاتصال بالقوى الأخرى بهدف التحالف معها، لكن الأمر لم يحصل باستثناء مجموعة صغيرة لكنها متميّزة، وأعني بها "المنظمة العمالية" التي كانت قد تشكلت العام 1964 على هامش انشقاق في حزب البعث وحملت "اسم الكادحين العرب" قبل انقلاب العام 1963 وتبنّت الماركسية، وكان أبرز قياداتها قيس السامرائي ودرع  غزّاي وهناء الشيباني وطارق الدليمي ومزهر المرسومي وصادق الكبيسي، وقد إنضوت هذه المجموعة تحت قائمة اتحاد الطلبة العام في انتخابات العام 1967، ولكن بعد انشقاق القيادة المركزية إلتحقت بها، باستثناء قيس السامرائي، الذي إلتحق بالمقاومة الفلسطينية وأصبح أحد أبرز قيادات الجبهة الديمقراطية حتى الآن.
وفي أواخر الستينيات شجّعنا الحركة الاشتراكية على تأسيس تنظيم طلابي مهني، وكان بإسم " جبهة الطلبة التقدميين" كما شجّعنا جماعة علي صالح السعدي حزب العمال الثوري العربي لتأسيس تنظيم طلابي مهني، وقد شرعوا بذلك، وكان محمد سليمان هو صلة الوصل معنا، وقد اضطر للهرب إلى  سوريا، لكن الأحداث المتسارعة واجهت الجميع، بشن حملة ملاحقة جديدة ضد الحزب الشيوعي واتحاد الطلبة والحركة الاشتراكية العربية وحزب العمل الاشتراكي العربي (فؤاد الركابي وهاشم علي محسن) وحزب العمال الثوري العربي (جماعة السعدي وسعدي محمد صالح، وكان من قياداته قبل هذا التاريخ محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وآخرين) .
وعلى الرغم من إقرار الإتحاد الوطني لاحقاً بقبول التعدّدية، لكنه ظلّ متمسكاً بوحدانية التنظيم وشرعيته، ويسعى ضمن أطروحاته لاحتواء الآخرين في إطار الاتحاد الوطني، أو أنه ينسجم مع السلطة في تحريم العمل خارج إطاره.

انتخابات ونتائج
لكن المشكلة الأكبر والمسألة الأهم التي واجهت اتحاد الطلبة بعد بدء المفاوضات بينه وبين الاتحاد الوطني في أوائل العام 1969، هي قيام الحكومة بشن حملة جديدة ضد اتحاد الطلبة، خصوصاً بعد عدم التوصل إلى  اتفاق لتوحيد المنظمتين وبعد النتائج التي تمخضت عنها انتخابات خريف العام 1969، التي تم الطعن فيها من جانب " اتحاد الطلبة"، خصوصاً التقرير الذي تم نشره بشأن الانتخابات، وقد قابلت الحكومة والاتحاد الوطني الذي يؤيدها ويشكّل جزءًا من تركيبتها، اتحاد الطلبة بسخط شديد واتخذت إجراءات قاسية بحقّه طالت عشرات من أعضائه بمن فيهم عضو مكتب السكرتارية والوجه المعروف لؤي أبو التمن، حيث كان المؤتمر الأول للاتحاد الوطني الذي انعقد بُعيد الانتخابات في خريف عام 1969 قد منح عضوية شرف لـ 28 "مناضلاً طلابياً" كما أسماه القرار، بينهم 20 من البعثيين و4 من الأكراد و4 من قادة اتحاد الطلبة لدورهم في الحركة الطلابية كما جاء في القرار وهم نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمن وعبد الحسين شعبان.
ولم تكتفِ الحكومة العراقية بممارسة الضغط على قيادة الحزب الشيوعي بعد بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 وتوجيه حملة ضد أنصاره وبخاصة الطلبة، فإنها مارست ضغطاً عربياً ودولياً على العديد من المنظمات والاتحادات والحكومات وبخاصة الدول الاشتراكية السابقة لحملها على الاعتراف بالاتحاد الوطني والتعاون معه. والجدير هنا أن أذكر أن وفد قيادة اتحاد الطلاب العالمي الذي زار بغداد بُعيد الانتخابات قد تعرّض للضغط هو الآخر، فاضطر كجمن ممثل ألمانيا الديمقراطية إلى  تغيير تقريره بضغط من سفارة ألمانيا الديمقراطية في بغداد حيث كان العراق قد اعترف بألمانيا الديمقراطية في أيار (مايو) العام 1969.
لكن اتحاد الطلاب العالمي أخذ بتقرير فتحي الفضل (السودان) وباتفاق مع د. مهدي الحافظ ممثل الاتحاد في IUS آنذاك، الذي طعن بنتائج الانتخابات، وقد التقينا سرًّا بالوفد الذي جاء كبعثة لتقصي الحقائق في أحد بيوت بغداد الجديدة، وتم تنظيم اجتماع خاص له مع سكرتارية اتحاد الطلبة واجتماع آخر خاص بممثلين عن القائمة التقدمية الديمقراطية (التي دخلت انتخابات العام 1969)، وخلال بقائهما في بغداد كنّا حميد برتو وأنا على اتصال دائم بهما، وأتذكّر أننا اصطحبناهما إلى  سينما سميراميس لمشاهدة أحد الأفلام.
جدير بالذكر أن مقرّ القائمة التقدمية الديمقراطية التي خاضت الانتخابات كان في مقهى عزيز قرب مقهى شط العرب في بغداد، التي ضجّت باللقاءات حتى تم استبدالها إلى  مواقع أخرى، خصوصاً وقد أصبح أمرها مريباً.
وكنّا قبل ذلك قد أعددنا لانعقاد المؤتمر الرابع في بستان يعود إلى  أحد أعضاء مكتب السكرتارية طه صفوك في الراشدية في 28/12/1968 وساهم فيه 58 مندوباً، والذي أكّد أن مظهر التعددية يعني الإقرار بوجود أكثر من منظمة طلابية، وهي نتاج الواقع السياسي والاجتماعي والقومي للحركة الوطنية وامتداداتها في الوسط الطلابي، كما أكّد على وحدتها ووحدة الأهداف المهنية والنقابية، ابتداءً من التنسيق وصولاً إلى  برنامج عمل وطني وديمقراطي، وندّد المؤتمر باحتكار العمل الطلابي.
وعقب ذلك وبسبب بعض التغييرات والتطورات انعقد الكونفرنس الرابع (المجلس الاتحادي) في 10/10/1969 في جزيرة أم الخنازير وحضره 44 مندوباً، وناقشنا فيه القانون رقم 97 وموضوع الانتخابات الطلابية وتقرّر المشاركة فيها بصورة منفردة أو بالتعاون مع القوى الأخرى، سواءً مع الاتحاد الوطني في حالة الوصول إلى اتفاق أو مع قوى أخرى خارج وهو ما حصل.
وإذا كان " اتحاد الطلبة" قد بدأ ينفتح على التيارات الأخرى بفعل ضرورات موضوعية وتطور ذاتي وإن كان بطيئاً جداً، الاّ أن التيارات الأخرى (القريبة من الحكم) وبخاصة تيار الاتحاد الوطني بدى أكثر انغلاقاً من الفترة الأولى للمفاوضات، وخصوصاً بعد الانتخابات مباشرة، وسعى لاحتكار العمل وادّعاء تمثيل الحركة الطلابية العراقية برمتها لاسيّما بعد اتفاقه مع اتحاد  طلبة كردستان الذي تحالف معه بعد اتفاقية 11 آذار (مارس) عام 1970.
وللأسف فإن نزعة احتكار العمل لم تقتصر على العراق العربي، بل شملت كردستان أيضاً، من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولعلّ ذلك جزء من الثقافة السائدة آنذاك، تلك التي يقرّ الجميع بأنها كانت أحد أسباب وصولنا إلى  ما نحن عليه، وقد دفع الجميع أثماناً باهظة جرّاء نزعات احتكار العمل السياسي والغرور وادّعاء الأفضليات ومحاولات تهميش الآخرين أو إقصائهم أو عزلهم، وبالطبع فإن الذي في موقع السلطة والقرار هو غيره في موقع الاختلاف أو المعارضة، وهو الفارق بين الحاكم والمحكوم، وبين السلطة والمعارضة.
غياب وحضور
منذ أواسط السبعينيات لم ألتق كريم الملاّ، فقد تنقّل بين الوزارة والسفارة، ولكنني التقيت محمد دبدب بعد عودتي إلى العراق،واستقبلني الرجل على أحسن ما يرام وعرض عليّ أية مساعدة أحتاج إليها، لكن الوضع السياسي كان قد ساء وتدهورت العلاقات بين الشيوعيين والبعثيين وازدادت نزعة التمركز والتفرد والإقصاء لدرجة أنها لم تكتفي بالحلفاء الشيوعيين، بل شملت كادرات بعثية وهو ما حصل بعد العام 1979، وكان دبدب هو الآخر من ضحايا تلك الموجة.
وبعد احتلال العراق في العام 2003 وعودتي إلى بغداد، ألقيت محاضرة في الجامعة المستنصرية التي احتفلت بعودتي وقامت بتكريمي، وكان بين الحاضرين محمد دبدب ومحسن الشيخ راضي وآخرين من البعثيين والقوميين، ومن الجهة الأخرى حضر الرفيق كاظم فرهود ونايف الحسن وسلمان الحسن وعشرات من الشيوعيين، وكان أول كلمة نطقت بها أنني سعيد بزيارة بغداد بعد غياب طويل، لكنني كنت سأكون أسعد وأكثر اطمئناناً وراحة بال لو أن المحتلين غير موجودين في بغداد، لأن وجودهم يكّدر المزاج والضمير والوجدان العراقي.
بعد الاحتلال وكنت أحضر مؤتمراً في الجزائر، فإذا بي أجد كريم الملاّ أمامي في الفندق، وفرحت وفرح كثيراً، وتركنا أمور السياسة والقيل والقال والشغب المألوف، وانصرفنا للحديث عن العائلة والاستقرار والصحة والمزاج وأمور الدنيا الأخرى، ولم نتحدث بالسياسة قط، لكن ذكرياتنا وذاكراتنا كانت على الطاولة، حيث نستعيد هذا الموقف وذلك التعليق وغياب هذا الصديق أو ذاك، وقد سألني الملاّ بحرارة تلك الأيام عن لؤي أبو التمن، وكما قال لي حين عاتبته في براغ عن اعتقاله أنه متألم لذلك، وهو حاول لكن آذاناً صمّاء كانت تواجهه، وفهمت حينها أنه كان معارضاً لاعتقال أي منّا، لكن الأجهزة هي الأجهزة ،ولم يكن بالإمكان تخطّي الأمور الأمنية التي أصبحت مع مرور الأيام لها الأولوية على كل شيء، وعلى الجهاز الحزبي الامتثال إليها، لأنها حسب بعض التوجهات " تعرف شغلها".
لعلّ شخصية حسّاسة  مثل كريم الملاّ سيكون ألمها كبيراً ، خصوصاً إذا كانت لا تستطيع أن تردّ أذى عن صديق أو رفيق أو تعيد حقاً له أو تدفع عنه باطل، ومثل هذا الأمر عاشته جميع التجارب الشمولية، وهناك فروق كبيرة بين الحزبي والسياسي وبين المهني والسياسي وبين المبدئي والوظيفي، وأظن في ذلك جزء من معاناة كريم الملاّ الذي عاش مثل غيره الكثير من الإزدواجية، لعدم الانسجام بين الخاص والعام، وبين الوظيفي والإنساني.
كان كريم الملاّ سياسياً، أكثر مما هو حزبي، وكان مهنياً ونقابياً، أكثر مما هو سياسي، وكان أقرب إلى المثالية أكثر مما هو إلى الواقعية، وكان له عالمه الخاص الذي كثيراً ما يتعارض مع العام، ولذلك تكسّرت أحلامه وتبدّدت آماله، فلم يستطع أن يقف إلى ما لا نهاية بين الضحية والجلاد، كان إنساناً له رأي وصاحب وجهة نظر وقد ساهمت ثقافته ودراسته لمدة من الزمن في ألمانيا من تشذيب الكثير من ملامح شخصيته، فأصبح أكثر رقّة وسلاماً. لم يكن كريم الملاّ  انتهازياً أو انتفاعياً، لهذا ظلّ يشعر أكثر من غيره بمعاناة الآخرين ومراراتهم وعذاباتهم، لأنه كان يبحث عن الحقيقة، بل ينقب عنها ولو بإبرة خياطة في مواجهة جبل قاهر !.

515
كريـــــــم المــــلاّ
سردية الاختلاف ونبض الائتلاف
د.عبد الحسين شعبان
يوم اتّصل بي الصديق كريم الملاّ سررت كثيراً، لأنه مرّ بظرف صحي عصيب، وهذا يعني أنه تجاوز حدوده الخطرة، وثانياً عندما أعلمني أن ابنته الدكتورة "شهد" تنوي إصدار كتاب عنه، وطلبت من بعض أصدقائه كتابة ذكرياتهم عنه ومعه، بمن فيهم من القوى السياسية والتيارات الفكرية الأخرى، وكان قد أدرج اسمي ضمن قائمة الشخصيات التي يمكنها المشاركة في هذه المبادرة، وقلت مع نفسي ما كنت أردّد دائماً "الاختلاف لا يفسد في الودّ  قضية"، وفي نهاية المطاف لا يصحّ الاّ الصحيح، ولعلّ ما يبقى هو المعيار الإنساني، وهو بالنسبة لي فوق كل اعتبار، وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس "الإنسان مقياس كل شيء".
I
تعارف وتفاوض وصداقة
كانت علاقتنا التعارفية قد بدأت قبل 17 تموز (يوليو) 1968 ووصول حزب البعث إلى السلطة، ولكنها توثّقت وتعمّقت بعد ذلك، وخصوصاً خلال لقاءاتنا المستمرة في فترة التفاوض بين اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية الذي كنا نمثّله لؤي أبو التمن وأنا، وبين الاتحاد الوطني لطلبة العراق الذي مثله كريم الملاّ ومحمد دبدب وآخرين (والإسمان الرسميان للاتحادين هما اللذان درجنا على استخدامهما).
ولعلّ استحضار كريم الملاّ الصديق والسياسي والمهني والإنسان، بعد نحو خمسة عقود من الزمان تتطلّب العودة إلى ظروف العراق في تلك الفترة، وخصوصاً العلاقات بين الشيوعيين والبعثيين، وهي علاقات بقدر ما اتّسمت بالصراع والحدّة ومحاولات الإلغاء والاستئصال، كان فيها الكثير من جوانب التلاقي والقربى السياسية كالعداء للامبريالية والصهيونية والنضال من أجل التحرر والتقدم الاجتماعي وبعض المشتركات الآيديولوجية، ناهيكم عن بعض عناصر التشابه التنظيمي المعروف باسم "المركزية الديمقراطية"، والتنفيذ اللاّشرطي للقرارات، حسبما هو المصطلح الشيوعي، وخضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا والأقلية للأكثرية، الذي اصطلح عليه بعثياً، باسم " نفّذ ثم ناقش" في إطار تنفيذ قرارات القيادة، وأساس ذلك كتاب لينين: ما العمل؟ الصادر في العام 1903، والذي تأثّرت به معظم الأحزاب الشمولية، من التوجهات القومية إلى التنظيمات الإسلامية، وبالطبع يقع في المقدمة منها الأحزاب الشيوعية والماركسية والاشتراكية. وبقدر نقاط التقارب والالتقاء، كان هناك نقاط اختلاف وتعارض شديدة، فكرية وسياسية، ناهيكم عمّا حملته من منافسة في الكثير من الجوانب العملية المشروعة وغير المشروعة.
يمكن القول إن هذه الأحزاب جميعها هي أحزاب تندرج ضمن الوصفة اللينينية للتنظيم ذو الضبط الحديدي وشبه العسكري، وبهذا المعنى فإنها تنظيمات منحازة ضد المارتوفية نسبة إلى يوليوس مارتوف الثوري الروسي وزعيم المناشفة الذي وقف ضد فلاديمير لينين زعيم البلاشفة.، والذي كانت صيغته أقرب إلى تيار واسع وعريض، ومن المفارقة إن هذا الموديل جاء وقته بعد نحو قرن من الزمان، لاسيّما بعد انهيار تجارب البلدان الاشتراكية وانتشار قضايا التعددية والاعتراف بالتنوّع وحق الاختلاف وحرية التعبير، بما فيها تعدّد الأصوات داخل الحزب أو التيار الواحد.
ولعلّ الأحزاب الشمولية بنسختها الشيوعية أو البعثية- القومية أو الإسلامية أضحت بالتدرّج، وخصوصاً عند الوصول إلى السلطة أو الاقتراب منها، أحزاباً ستالينية قلباً وقالباً في التوجّه والتنظيم وعبادة الفرد، بغضّ النظر عن آيديولوجياتها وأهدافها السياسية، لاسيّما الاستئثار بالحكم ونزعة الانفراد بالسلطة واحتكار العمل السياسي والنقابي والاجتماعي والثقافي، وخصوصاً إذا كان الوصول إليها بطريق غير ديمقراطي وليس عبر صندوق الاقتراع، الأمر الذي يبرّر التمسّك بها، بالأوامرية والتعليمات البيروقراطية وأساليب القمع والتضليل، وفي ظروف العمل السري، كان مبرر الخوف من اختراقات العدو والحذر من الإندساس وغير ذلك من الذرائع التي تعطي مسوّغات لتحوّل التنظيمات إلى أدوات مطيعة بزعم وحدة الإرادة والعمل وتنفيذ القرارات، ولكن ذلك بغض النظر عن الأهداف يؤدي إلى التسلّط وانحسار قاعدة الديمقراطية على حساب المركزية الصارمة والضبط الحديدي. وهكذا لا بدّ من انسجام الوسيلة مع الغاية، فكما هي الشجرة من البذرة، فالوسيلة من الغاية على حدّ تعبير المهاتما غاندي.
II
محطات: الفصل والوصل وما بينهما
الحديث عن كريم الملاّ يتطلب الوقوف عند بعض المحطات التي جمعتنا، وخصوصاً ونحن على مدى عدّة أشهر كنّا نلتقي يومياً تقريباً لمناقشة مسألة الاتفاق البعثي- الشيوعي في إطار الحركة الطلابية العراقية، بهدف توحيدها وتأطيرها على برنامج موحد مهني وحقوقي، يستهدف إجراء إصلاحات حقيقية في إطار الجامعة وتعزيز التعاون بين الأطراف الطلابية لتأكيد ديمقراطية التعليم ، وصولاً لتأسيس كيانية طلابية موحّدة، أرادها البعثيون تحت اسم "الاتحاد الوطني لطلبة العراق"، بل أصرّوا على ذلك، وأردناها شراكة يتم الاتفاق على شروطها وأبعادها والمراحل التي تتطلبها، سواء على شكل جبهة طلابية مهنية ونقابية، أو علاقة تعاون وتنسيق، أو كيان موحد جامع يضم الاتحادين، لدرجة يمكن أن يتطوّر ليصل مع القوى الأخرى الكردية والقومية العربية، إلى إتحاد واحد في إطار الأهداف المشتركة.
وكانت نزعة الوحدانية إلى جانب الشرعية سائدة في الوسط السياسي والنقابي، والكل مأخوذون بها، وخصوصاً من هو قريب من السلطة بادعاء التمثيل أو الشرعية لهذا القطاع أو النقابة أو الاتحاد أو الجمعية، لتصل المسألة إلى الزعم بتمثيل الطبقة وصولاً إلى تمثيل الشعب، كل الشعب. لكننا مع رغبتنا الصادقة في التوصل إلى اتفاق رفضنا على نحو قاطع القبول بفكرة احتواء اتحاد الطلبة، لينضوي تحت خيمة الاتحاد الوطني تحت مبررات إنهم قادوا الثورة (الانقلاب) وتحمّلوا مشقة ذلك، وهم الآن يمسكون بالسلطة، وبالتالي فهم من باب الحرص يريدون مشاركتنا (بما نستحق) وبما يرتّبه ميزان القوى في إطار برنامج كدنا نتفق على 80% من خطوطه العريضة، لكن ذلك لم يحصل وهو ما استغرق فيه الحوار نحو عام ونيّف، وكانت النتيجة المعروفة المزيد من الصراع والتباعد، حين استخدمت السلطة آلتها الأمنية لضرب اتحاد الطلبة والحزب الشيوعي، على أمل تفكيكهما أو إضعافهما ومن ثم معاودة الكرّة لتحالف تكون قوته الأساسية حزب البعث والاتحاد الوطني والسلطة، وهو ما حصل بالفعل.
لم تقتصر علاقتي بكريم الملاّ على تلك الفترة، فبعد ملاحقات واعتقالات في العام 1970 شملت الوجه الطلابي الشيوعي المعروف عضو الوفد المفاوض لؤي أبو التمن والممنوح عضوية شرف من الاتحاد الوطني في مؤتمره الذي انعقد بعد الانتخابات الطلابية العام 1969، اضطررتُ إلى مغادرة العراق والذهاب للدراسة العليا في تشيكوسلوفاكيا لنيل الدكتوراه عبر مسيرة طويلة، من الكويت إلى الشام ومنها إلى بيروت فاسطنبول وصوفيا، وصولاً إلى براغ، بعد أن تعذّر وصولي في الوقت المناسب إلى روستوك (ألمانيا الديمقراطية) حيث كنّا نقيم فعّالية لتنظيمات الخارج الطلابية. وكنت قد تخرّجت من جامعة بغداد في وقت سابق، ولكنني انتدبتُ للعمل في هذا القطاع لفترة غير قصيرة بسبب الحاجة وانقطاع الخبرة التي سببها ذهاب الغالبية الساحقة من تنظيمات الطلبة مع القيادة المركزية العام 1967.
وخلال زيارته المتكررة إلى براغ تواصلت علاقتنا سواء بحضور مشترك مع الأخ د. مهدي الحافظ للقاءات في اتحاد الطلاب العالمي، أو خلال لقاءات خاصة، سواء بحضور أصدقاء من الاتحاد الوطني أو بدونهم، وكما كان يقول عنها الملاّ أنها امتدادات لحوارات بغداد الجميلة على اختلافاتنا وتقاطع مواقفنا أو تقاربها أحياناً. ووجدت في كل مرّة أكون قريباً من كريم الملاّ أشعر بدرجة صراحته ووضوحه، وأستطيع القول بعد هذه السنوات وما حصل للعراق من قمع وويلات وحروب وحصار واحتلال، أنه كان إيجابياً ومرناً ومتفهماً لظروف الغير ولأوضاعنا تحديداً، كما وجدت لديه فروسية حتى في الاختلاف، وأخلاقاً عالية تنمُّ عن حسن تربية، وتلك مسائل أذكرها الآن للتاريخ، علماً بأن ظروف العمل والعلاقات كانت قاسية وحدّية أحياناً، وهي أكبر من الرغبات الشخصية، لاسيّما عندما يكون فريق في موقع السلطة  وآخر في خارجها.
III
براغ وعبد الرحمن الملاّ
خلال وجودي في براغ وقبيل إنهاء دراستي بفترة اتصل بي عبد الرحمن الملاّ (لا أتذكّر رتبته العسكرية لكنني أظن أنه كان مقدّماً) وكان قد وصل إلى براغ واستقر فيها،  لتسلّم مسؤولية الملحقية العسكرية، وأبلغني أنه شقيق كريم الملاّ، وسألني فيما إذا احتجت إلى شيء أو تسهيل مهمة أو معاملة، فإنه سيكون جاهزاً. واتفقنا على لقاء حين قبل دعوتي على الغداء بعد أن أصرّ على دعوتي هو، حيث كنت طالباً وهو موظف كما برّر حينها، لكنني حسمت الأمر للقاء باشتراط قبول دعوتي التي لبّاها شاكراً، وتكرّرت لقاءاتي معه في السفارة العراقية عند مراجعاتي معاملات تخصّني أو تخص الطلبة ومشاكلهم، حيث كنت ألتقيه، سواءً بالمرور عليه أو مصادفة، وأحياناً أتصل به مسبقاً لإبلاغه بأنني سأزور السفارة، فإذا كان موجوداً فيمكنني اللقاء به لغرض التواصل الإنساني.
وبالمناسبة كان السفراء الذين اختيروا من أفضل السفراء وأكثرهم تفهّماً لمشاكل الطلبة، وخصوصاً تواصلهم مع الشيوعيين وأقول ذلك كقراءة ارتجاعية للماضي، علماً بأنني كنت لفترتين رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين، إضافة إلى مسؤوليتي الحزبية. وعلى ما أتذكر أن السفراء الذين كانوا خلال وجودي في براغ هم: محسن دزئي وأعقبه نعمة النعمة ثم جاء عبد الستار الدوري الذي سبق له أن عمل ملحقاً ثقافياً، وكانت العلاقات معهم جميعاً على أحسن ما يرام.
وجدت في عبد الرحمن الملاّ وقد رحل عن دنيانا سريعاً، قلباً كبيراً ومودّة صادقة ومنزّهة عن الغرض والهوى، وأخبرني في إحدى المرّات أنه يريد أن يعاملني كما يعامل كريم الملاّ شقيقه، وأنه بغضّ النظر عن أي شيء وأي اعتبار وأية مواقع وأية انتماءات حزبية، فإنه مستعد لتقديم أية تسهيلات، وعليّ أن أقبل ذلك، وهو الممنون كما يقول، وأبلغني أن هذه توصية خاصة من كريم الملاّ الذي كنت متأكداً من صدق نواياه الشخصية تجاهي مع تباين المواقف السياسية وأحياناً حراجتها، وهو ما كنت أشعر به، خصوصاً بتضايق لوجود شخص آخر معنا في المفاوضات، وهو حسن المطيري، ولاسيّما بعد أن عرفناه وشخّصنا من يكون المدعو "فيصل"، وهو "الملازم فيصل" أحد المسؤولين في قصر النهاية، لكنني كنت أشعر أنه كان مفروضاً عليه، حيث كان ملتزماً بما تقرّره القيادة القطرية، وأنا كذلك بما تقرره اللجنة المركزية، مع وجود هوامش للاجتهاد أحياناً، في ظروف المعرفة الميدانية والتفصيلية.
ولعلّ حادثة طريفة حصلت مع عبد الرحمن الملاّ، وهي تتعلق بإرسال والدي عزيز شعبان مبلغاً من المال لي (خمسة آلاف دولار حينها) لشراء سيارة وشحن حاجياتي الشخصية وشراء بعض المستلزمات الضرورية، وكان قد أرسل المبلغ بواسطة أخي حيدر عبر صديق له وهو ابن أحد رفاقنا الذين استشهدوا العام 1963، لكن الشاب الذي حمل المبلغ طمع به ووصل إلى براغ لبضعة ساعات وسأل عني، ثم قيل لي أنه سافر إلى برلين.
وظل الشاب نحو ثلاثة أشهر يتردّد بين برلين وبراتسلافا ودمشق، يشتري ويبيع بالسيارات، وأنا انتظره لغرض ترتيب أمور عودتي، وصادف أن سألني عبد الرحمن الملاّ خلال مراجعتي السفارة لتصديق شهاداتي الدراسية عن عودتي، فأخبرته إن ما يعطّلني هو هذا السبب، وحاول إقناعي بالاتصال بالسفارة في يوغسلافيا لحجزه أو الاتصال بالعراق للإخبار عنه، ولكنني أقنعته بأنه سيعيد المبلغ وأنا متأكد من ذلك، وقد يكون هناك من أغراه بالاسترزاق، ولكن كيف أستطيع إقناعه هذه المرّة، بعدم قبول المبلغ المذكور أو ما يوازيه لحين وصول المبلغ الأصلي، وقد بذلت جهداً مضنياً بذلك، ووعدته بأنه إذا لم يصل المبلغ خلال شهر ، فإنني سأسلّم ما يعادل المبلغ في بغداد إلى من يكون من جانبه، على أن أستلم منه ذلك، ولحسن الحظ فبعد ثلاثة أيام جاء الشاب معتذراً وخجلاً ومعه المبلغ كاملاً، واتصلت به لأخبره بذلك.
وهناك حادثة أخرى طريفة، فقد التقينا عنده مع الصديق المحامي محسن العذاري، الذي كان يزور السفارة أيضاً، ابراهيم فيصل الأنصاري رئيس أركان الجيش السابق، وقد عرّفنا عليه، ولا أدري إن كان العذاري يعرفه قبل ذلك، وعندما خرجنا العذاري وأنا أصرّ الأنصاري على إيصالنا بسيارته، ولا أدري ما الذي حصل فقد شن هجوماً لاذعاً ضد الشيوعيين وصل إلى الشتائم ودون سبب يُذكر، ولكنني لم أنبس ببنت شفة ولم أعلّق، وكنت أنتظر أن أعرف السبب، وبادر العذاري، فقال له ألا تعرف عبد الحسين شعبان والتفت إلى الخلف، وقال له إنه شيوعي، وحاول الأنصاري الاعتذار مبرّراً أن الموضوع يتعلّق بالجيك وليس بالعراقيين، وأنه يعرف بعض الشيوعيين وأنه لم يقصد بذلك الاستفزاز، وقلت له بأدب لست ضد أن تختلف مع الشيوعيين، ولكن ضد أن تشتمهم وتتهمهم بهذه الطريقة، وأصرّ الأنصاري  على دعوتنا للغداء لتصحيح الموقف ومعالجة الأمر، فاعتذرنا.
IV
حوارات في مجالين
في حوار أجراه معي الصحافي العراقي توفيق التميمي ونشره في جريدة الناس (24 حلقة) حاول استفزاز الذاكرة بهدف الكشف عن بعض مخزونها، باستذكار أحداث وقضايا والتوقّف عند أسماء ومحطات، كجزء من الصراع السياسي والفكري الذي عاشته الحركة الوطنية العراقية، وكل في مجاله، ولأنه إعلامي تمرّس في علاقة متينة مع الحرف وتصادق مع الكلمة محاولاً تطويعها للبوح والكشف عن مكنونات لا التاريخ فحسب، بل النفس البشرية، فقد توقّف عند محطة مبكّرة من علاقاتي السياسية، وخصوصاً مع القوى الأخرى، حيث كنت رئيساً لوفدين مفاوضين، الأول – مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق والثاني، مع الجمعية العراقية للعلوم السياسية، حيث كنت أمثل الحزب فيها بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968، وذلك استمراراً للمباحثات بخصوص تأسيسها قبل نحو عام من حدوث الانقلاب وباتفاق بين القوى المختلفة وخصوصاً البعث لاسيّما جناح البكر – صدام الذي كان قويّاً في هذا القطاع وقسم من جناح سوريا والحركة الاشتراكية العربية والحزب الديمقراطي الكردستاني (جناح المكتب السياسي الذي كان له حضور في هذا القطاع بحكم دور طيب محمد طيّب وصلاح عقراوي وآخرين).
وكانت العلاقة الأولى مع محمد محجوب الذي أعدم العام 1979، ولكنها توسعت وتطورت مع زهير يحيى الذي كان مسؤولاً عن وزارة الخارجية ثم مدينة الثورة وبعد أن أصبح مسؤولاً للموصل تواصلت العلاقة مع طه الحديثي ومجبل السامرائي ونجم عنها اتفاق تحالف ضم حزب البعث والحزب الشيوعي وجناح المكتب السياسي للحزب الوطني الديمقراطي (جناح ابراهيم احمد- جلال الطالباني) والحركة الاشتراكية العربية.
ولعلّ العنوان الذي اختاره التميمي للقسم الرابع من الكتاب الذي ضمّ هذه الحوارات ومعها حوارات أخرى إضافية، حمل اسم: أحلام وأوهام- اتحاد الطلبة والاتحاد الوطني: صراع الأضداد وحوارها. أما عنوان الكتاب الأساسي فهو " المثقف في وعيه الشقي – حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان".
 وعلى الرغم من تركة الماضي الثقيلة للحركة الوطنية، فقد قرّر الحزب الشيوعي الاستجابة لمطلب حزب البعث بإجراء حوار، عسى أن يتم التوصّل إلى جبهة وطنية موحّدة، كنّا نريدها واسعة وتضم مختلف الأطراف السياسية، بما فيها الحركة الكردية حيث كان شعارنا يومها: الديمقراطية العراق والحكم الذاتي لكردستان. وكان حزب البعث يريد الاتفاق مع كل قوة على انفراد ليتمكّن منها في محاولة لتقريب جهة وإبعاد أو إقصاء جهة أخرى، وهو ما حصل، فحين اتفق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) بقيادة الملاّ مصطفى البارزاني في بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 الشهير أبعد الآخرين من القوى الكردية، وشن هجوماً شديداً ضد الحزب الشيوعي.
وعندما انفرط التحالف مع حدك، واقترب الحزبان الشيوعي والبعثي ووقعا لاحقاً الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقت) في 16 تموز (يوليو) 1973 بعد القضاء على حركة ناظم كزار التي كادت أن تطيح بتحالف البكر – صدام في 30 حزيران (يونيو) 1973، وهكذا كانت الدينامية مستمرة بإقصاء قوة وتقريب أخرى.
واعتبرنا حينها أن القضاء على "مؤامرة" ناظم كزار قد يفتح الطريق أمام تعاون وطني بناء، وذلك بعد تجربة عام ونيّف من استيزار عامر عبدالله ومكرّم الطالباني، وتجربة تأميم النفط، الخطوة الوطنية التقدمية الراديكالية الهائلة في 1 حزيران (يونيو) 1972، وتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي في 9 نيسان (ابريل) العام 1972، وإصدار قوانين العمل والضمان الاجتماعي العام 1970، وقانون جديد للاصلاح الزراعي العام 1969 والاعتراف بألمانيا الديمقراطية في 1 أيار (مايو) 1969 العام، وقبلها إطلاق سراح المعتقلين وإعادتهم إلى أعمالهم (على الرغم من أن الفترة ذاتها شهدت اعتقالات وأعمال تعذيب ولاسيّما في قصر النهاية شملت مختلف القوى من الحزب الشيوعي بجناحيه، وخصوصاً القيادة المركزية والقوى القومية العربية بما فيها جناح حزب البعث السوري والحركة الكردية).
لكننا اعتبرنا تلك مرحلة مضت ولا بدّ من تصفية مخلّفاتها مع فشل مؤامرة ناظم كزار والتوجّه لحلحلة التحالف بالاتفاق على الجبهة، لدرجة إن مهمة تصفية "الجيب العميل" كما كان الحكم ينعت بها الحركة الكردية، شملت مشاركتنا بها وتحمّس لها بعض ملاكاتنا، تعبيراً عن حسن نية القيادة إزاء التحالف، وهو ما حاولناه منذ طرح مشروع ميثاق العمل الوطني في أواخر العام 1971 وما بعده، وكنّا قد استبشرنا خيراً بعد اتفاق 11 آذار (مارس) لعام 1970 مع الحركة الكردية، لكن آمالنا في قيام تحالف واسع يضم القوى الوطنية جميعها أو أغلبيتها الساحقة خابت، وظلّت السلطة تقدّم خطوة وتؤخر أخرى، وتتحالف مع قوة سياسية وتنحّي قوة أخرى جانباً، لكن ذلك لا يعني أن بعض القوى الأخرى لا تتحمل مسؤولية ما وصلت إليه العلاقة بين القوى الوطنية، لاسيّما بتداخل بعض العوامل الخارجية.
V
عروض وعقبات
أقول ذلك الآن وكنّا كطلبة شيوعيين أو ممثليهم على الأقل، قد أجلّنا اللقاء والحوار والتفاوض مع الاتحاد الوطني ثلاث مرّات، الأولى عندما هوجم احتفالنا في ساحة السباع بمناسبة ثورة اكتوبر الاشتراكية (الذكرى الحادية والخمسين) (7 نوفمبر/1968) وسقط ثلاثة شهداء و12 جريحاً وتم اعتقال 42 مشاركاً (بينهم طلبة).
والثانية حين كدنا أن نحدّد الموعد بعد أن عرفنا من خلال الحديث أن الطرف الثاني (أي الاتحاد الوطني) سيمثله الشاعر حميد سعيد، ولكننا فوجئنا باسم ناظم كزار قبل أن يتولى مديرية الأمن العامة فوجدنا حجة للاعتذار بالتأجيل، ولكن اللقاء تحقق مع كريم الملاّ، وحضر حميد سعيد معنا أحد الاجتماعات. وقد اعتذرنا عن حضور الاجتماع مع ناظم كزار تحت مبرّر، نبلّغكم بالموعد والتفاصيل في وقت لاحق، وذلك نظراً للتاريخ الدموي للرجل ولحساسية الموقف بالنسبة لنا، لاسيّما على المستوى الشخصي.
والثالثة تحدّد موعد اللقاء، ولكننا طلبنا تأجيله نظراً لإعدام مطشر حواس يوم 6/1/1969 لاتهامه بالصدام المسلح ضد عناصر تابعة للسلطة، علماً بأن كان على ملاك القيادة المركزية، وهو شقيق كريم حوّاس الذي اعتقل في قصر النهاية لاحقاً وتم تعذيبه على نحو شديد.
أسوق هذه التواريخ لحساسيتنا ولدقة المشهد السياسي العراقي، لاسيّما في هذا القطاع الحيوي آنذاك، لكننا نحن من بادر إلى طلب اللقاء بواسطة عزيز حسون عذاب بعد صدور القانون رقم 97 لعام 1969 بخصوص تأسيس "الاتحاد العام لطلبة العراق" كما ورد اسمه ولتنظيم الانتخابات الطلابية. وكنّا قد اعتبرنا ذلك القانون يحتوي على أسس صالحة للحوار مع تحفظاتنا على الكثير من النقاط التي وردت فيه، وكان اللقاء من طرف الاتحاد الوطني برئاسة كريم الملاّ وعضوية عصام البصّام وحضر عزيز حسّون عذاب وأنا من اتحاد الطلبة، وكنّا قد أبلغنا صباح عدّاي من الحركة الاشتراكية العربية بموعد اللقاء فحضر أيضاً.
ليس هناك ما نذيعه من إفشاء سرٍّ إذا قلنا أن نظرتنا كانت سلبية للاتحاد الوطني لطلبة العراق، الذي كنّا نعتبره انشقاقاً في الحركة الطلابية العراقية ممثلة في بداية الأمر باتحاد الطلبة العراقي العام الذي تأسس في 14 نيسان (أبريل) العام 1948، ثم أصبح اسمه اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وحيث أجريت انتخابات طلابية كانت أقرب إلى أجواء الحرية التي جاءت بها الثورة في عامها الأول، ففازت قائمة الاتحاد المدعومة من الحزب الشيوعي، الذي كان انعطاف الشارع نحوه كبيراً وحاول هو الهيمنة على المنظمات المهنية والاجتماعية والنقابات والاتحادات، الأمر الذي خلق ردود فعل سلبية إزاءه واتحدت غالبية القوى المخلوعة والمحسوبة على ملاك العهد الملكي أولاً ثم المعارضة لحكم قاسم ضدّه، وخصوصاً عندما اندلع الصراع القومي البعثي- الشيوعي إزاء قضايا داخلية وعربية، منها الموقف من مسألة الوحدة العربية أو الاتحاد الفيدرالي، وهما شعاران عاطفيان رفعهما المتصارعون، بل احتربوا ونزفوا دماً لتأكيد وجهة نظر كل منهم وتخطئة الآخر واتهامه.
VI
مراجعة للتاريخ
كان شعار البعث ومعه القوميون يدعو للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، ولاسيّما بعد زيارة ميشيل عفلق إلى العراق مباشرة بعد ثورة العام 1958، وتدريجياً ارتبط شعار الوحدة العربية بتذييل يدعو لإسقاط الشيوعية "وحدة ، وحدة عربية فلتسقط الشيوعية"، أما شعار الحزب الشيوعي فكان يدعو للاتحاد الفيدرالي والصداقة السوفييتية، وتدريجياً كان  الإقصاء سائداً تحت عناوين "لا حرّية لأعداء الحرية" "ولا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية" وبالطبع، فنحن من نحدّد من هم أعداء الحرية وأعداء الديمقراطية، إلى أن سرى الشعار المدوّي " ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة"، مثل النار في الهشيم كما يقال، تاركاً بصمة الاستئثار والعزل، وللأسف فإن الطرفين وضعا أهداف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست العام 1957 وهيأت للثورة، على الرف، مقدّمين ما هو ثانوي وظرفي وطارئ ومؤقت على حساب ما هو ستراتيجي وبعيد المدى وثابت ودائم. ولم يكن ميدان الطلبة سوى انعكاس ومرآة لما يحصل في الوسط السياسي.
وزاد الأمر الانحيازات السياسية، فالبعث والحركة القومية اندفعت ضد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وعملت على الإطاحة به بتشجيع ودعم من قيادة الجمهورية العربية المتحدة، والرئيس جمال عبد الناصر، سواء في حركة الشواف (الموصل) في 8 آذار (مارس) 1959 أو في محاولة رأس القرية (بغداد) لاغتيال، الزعيم قاسم، أو غيرها من الحركات والتمرّدات وصولاً لانقلاب 8 شباط (فبراير)1963، في حين اندفع الحزب الشيوعي، ومعنا القوى الكردية في بداية الأمر للذود عن قاسم مستخدمين أداته الحكومية لقمع الآخرين، غير موفّرين على الشارع الشحن والاستعداء ضد الآخرين في موجة ارهاب فكري وسياسي، وتوّجت بصدامات مسلحة في الموصل 8-9 (آذار/مارس) 1959 وارتكابات وحشية من جانبنا،خصوصاً ما سمّي بمحكمة الدملماجة وإعدام 17 متهماً خارج القضاء والذي أدّى إلى انفراط آخر حبّة في سلسلة التقارب الوطني بين القوى السياسية.
ثم بأعمال إرهابية حصلت في كركوك في 14-15 تموز (يوليو) 1959، وحاول قاسم دمغنا بها بالكامل عندما وصف الشيوعيين بالفوضويين في خطابه بكنيسة مار يوسف ببغداد، وأثارت تلك الأحداث حنق التركمان ضدنا وضد حدك، ولكن ذلك لا يعفي مسؤولية القوى الأخرى بما فيها شركة النفط والقوى الخارجية في التحريض والتأليب والاندساس، الأمر الذي جعل الصدام أمرٌ يومي وقائم ويتحيّن كل بالآخر الفرص للانتقام والثأر، وهو ما حصل بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حين انفتح العنف على مصراعيه ليشمل عشرات الآلاف، لاسيّما بصدور بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين، وشملت حملة المداهمات والتعذيب في مقرّات الحرس القومي العديد من القوى والتيارات الوطنية.

الكوسك
في جانب آخر من الصراع كان تشكيل الاتحاد الوطني لطلبة العراق في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1961 وعلاقته لاحقاً إلى منظمة الكوسك " الندوة الطلابية العالمية" اليمنية والمشبوهة بتعابير الصراع آنذاك، زيادة في التباعد والاحتراب، خصوصاً وكان اتحاد الطلبة قد نظم في بغداد العام 1960 المؤتمر السادس لاتحاد الطلاب العالمي واختير ممثلاً عنه أميناً عاماً للاتحاد العالمي نوري عبد الرزاق، الأمر الذي جعل الصراع يتسم بالحدّة زادها تحريم اتحاد الطلبة وملاحقة أعضائه بعد العام 1963، بل إن الكثير من أعضائه تعرّضوا للتعذيب في مقرّات الحرس القومي واستشهد عدداً من قياداته وكوادره، بمشاركة من أعضاء الاتحاد الوطني.
لقد كان تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق مقدمة للاطاحة بحكم قاسم، حين أعلن إضراباً طلابياً عاماً، لم يكن سوى البروفة الأولى لجس نبض السلطة والحركة الوطنية وردود فعلهما إزاء تحرّك من هذا النوع.وبالطبع فقد كنت مثل غيري من الطلبة الشيوعيين والاتحاديين ضد الإضراب، الذي اعتبره الحزب الشيوعي عملاً سياسياً تآمرياً للاطاحة بالسلطة الوطنية والإجهاز على ما تبقى من منجزاتها.
ولا أذيع سرًّا الآن إذا قلت كما ذكرت لمحاوري التميمي أنني كنت قلقاً، فمن جهة نحن ضد قاسم وسياساته الداخلية، باستثناء الشحنات الإيجابية، التي كنّا نضعها بشكل عام في ميزان السياسة السلبية، مثلما كنّا نخضع ذلك لمعيار آخر نعتبره إيجابي وهو سياسته الخارجية، لهذا السبب لا نريد الإطاحة بقاسم، وكان شعارنا آنذاك:كفاح، تضامن، كفاح، الذي هو إحدى مفارقاتنا، وتلك مسألة لم أكن استوعبها ضمن وعي وتجربتي المحدودة آنذاك.
وعندما استعدت المشهد لاحقاً مع تبادل المواقع، فقد كان الحزب الشيوعي بجناحيه، لاسيّما القيادة المركزية، تريد الاطاحة بحكم عبد الرحمن عارف، ونظمنا إضراباً شاملاً في كلية الزراعة، ثم امتدّ إلى كلية التربية وكلية الاقتصاد، ليشمل لاحقاً جامعة بغداد بأسرها (أواخر العام 1967- وأوائل 1968) وتصدّت لنا السلطة بالرصاص في حينها، وخصوصاً في كلية التربية، وسقط عدد من الجرحى وانتظمت الغالبية الساحقة من الحركة الطلابية في مسيرة احتجاجية ضمّت نحو عشرة آلاف طالب، وتقدّمت بمذكرة إلى رئاسة الجامعة حملت مطالب مهنية تتعلّق بالمنحة والأقسام الداخلية والتعيينات ما بعد التخرج وغيرها، لكن حزب البعث وجناحه الطلابي الاتحاد الوطني، وقفا ضد الإضراب وحاولا كسره بالقوة، علماً بأن القوميين العرب والأكراد وجناح سوريا لحزب البعث كانوا جميعاً مع الإضراب وشاركوا فيه مشاركة غير قليلة.
المهني والسياسي
استعدت ذلك والعلاقة بين المهني والحقوقي من جهة، وبين السياسي والحزبي من جهة ثانية، فلاحظت هيمنة الثانية بصورة تكاد تكون مطلقة على الأولى لدى البعثيين والشيوعيين والآخرين على حد سواء، لضعف الثقافة الحقوقية والمهنية من جهة ولشدّة الصراع السياسي وسخونة العلاقات الدائرة بين الأطراف السياسية، الأمر الذي يضعف إلى حدود كبيرة الاستقلالية والمهنية والجانب الحقوقي، ويطغى الصراع السياسي والتوجّه الآيديولوجي، بحيث تصبح هذه المنظمات واجهة للحزب، وخصوصاً للاتجاهات الضيقة فيه، وهي غالباً ما تجد لها أرضية خصبة من جانب الصقور.
إذا استعدت اليوم موقفنا العام 1962-1963، فأعتقد من الناحية المهنية أنه لم يكن صحيحاً، لاسيّما الوقوف ضد الإضراب، حتى وإن كنّا نعرف مسبقاً أهدافه السياسية، لكن بعض المطالب النقابية كانت مشروعة وصحيحة، وكان لا بدّ من المشاركة فيه وقطع الطريق على القوى الأخرى، ولاسيّما حزب البعث والاتحاد الوطني لقيادته، وأعتقد إن قيادة الحزب حاولت في الأسابيع الأخيرة ما قبل الإنقلاب فتح خطوط مع الآخرين، لكن التباعد كان واسعاً والاختلاف تناحرياً. وقد نجحت قيادة البعث والاتحاد الوطني في مشروعهما للاطاحة بحكم قاسم، أي بتوظيف ما هو نقابي لخدمة ما هو سياسي، من جانب حزب البعث، لكن حزب البعث والاتحاد الوطني أخطأ كثيراً بالوقوف ضد إضراب الطلبة العام 1967-1968 وقاد ذلك إلى عزلتهما، لاسيّما ما قيل من تواطؤ مع حكم عبد الرحمن عارف، وخصوصاً بالوقوف ضد المطالب النقابية الطلابية.
الفارق بيننا وبين البعثيين هو أننا قدّمنا أنفسنا وخدماتنا للآخرين (الدفاع عن قاسم) دون أن يُطلب منّا، في حين أنهم قدّموا خدماتهم تحضيراً لانقلاب عسكري في المرتين الأولى عام 1963 والثانية عام 1968، وفي المرتين دفعنا الثمن باهظاً، حتى وإن كان موقفنا مبدئياً من الناحية السياسية، فإن العمل المهني والنقابي يحتاج إلى مرونة وتواصل والبحث عن المشتركات مع الآخرين، بما فيها في النقابات الصفراء على تعبير لينين.
وإذا كانت مفاوضات الجمعية العراقية للعلوم السياسية قد نجحت بعد تواصل دام ثلاثة أشهر ونيّف حيث مثّلنا فيها نعمان شعبان وصديق آخر، انتمى إلى حزب البعث لاحقاً، وكانت الأمور يسيرة، وحصل لقاء مع الرئيس أحمد حسن البكر الذي بارك التعاون، فإن المفاوضات مع الاتحاد الوطني لم تنجح، وكانت شاقة ومضنية، وكانت حجج الطرفين قويّة ومؤثرة.
وأقول اليوم لو لم تتدخل قيادة حزب البعث لكان من المحتمل أن نصل مع كريم الملاّ ومحمد دبدب إلى اتفاق، لأنهما اتّسما بشيء من المرونة، وكنّا نشعر بذلك، لأن ما كان يأتي من قيادة البعث، كان كريم الملاّ يقول: هذا رأي القيادة ولا نستطيع مخالفته أو دعونا نتفق قبل أن أذهب غداً إلى القيادة التي قد تغيّر حتى مشروع مقترحاتنا وهو ما كنّا نعتبره في حينها نوعاً من الابتزاز أو التأثير السيكولوجي على مسار الحوار، ولعلّ تعنّت القيادة البعثية ومحاولاتها إملاء شروطها يعود لأسباب تتعلق بالصراع ومراكز القوى وتوازنها، وهو ما سآتي عليه لاحقاً.
وكنت قد ذكرت في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية " أن لقاءً كان قد حصل في المجلس الوطني بحضور عبد الخالق السامرائي وعبدالله السلّوم السامرائي ومن جانبنا عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق، ودخل عليهما شاب أنيق يلتقيان به لأول مرة، وأصرّ على الجلوس قرب الباب ورفض الكرسي الذي اختاره له عبد الخالق السامرائي، وقام الأخير بتعريفه لعبدالله ولعبد الرزاق، باعتباره الرفيق أبو عدي، ولم يلفت انتباههما بادئ الأمر ولم يتحدث على مدى أكثر من ساعة، وقبيل اختتام جلسة الحوار، خاطب المجتمعون: نحن نريد جبهة ستراتيجية، فإما أن نتفق على التفاصيل ونكون بمركب واحد، وإما لا حاجة لنا باتفاق مؤقت أو ظرفي، ولا نريد اتفاقاً تؤيدوننا به بهذه الخطوة وتعارضوننا بخطوة أخرى. نريد اتفاقاً شاملاً ونتحمل مسؤوليته بصورة مشتركة، وإلاّ فلا حاجة لذلك، وغادر الغرفة، وعرفنا لأول مرّة أنه صدام حسين، والحديث هنا لنوري عبد الرزاق.
وللتاريخ أقول أننا منذ أن ابتدأت العلاقات مع كريم الملاّ لاحظنا نزعة مرنة وغير متشجنة وقابلية على التفهم، بل ورغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق ( طبعاً بشروط الحكم وتوازن القوى)، ويشاركه في ذلك محمد دبدب، لكن وجود حسن المطيري في الوفد المفاوض معهم كان أشبه بلغم اكتشفناه بعد اجتماعين من خلال الصديقين طيب محمد طيب وفاضل رسول ملاّ محمود (الذي اغتيل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا في العام 1988 واتهمت الحكومة الإيرانية بذلك) .

VII
فخ في مقهى
كان اللقاء الرسمي الأول الذي تم بين اتحاد الطلبة والاتحاد الوطني قد انعقد في مقهى رعد في شارع أبو نواس، بناء على اقتراحنا وحضر من جانب الاتحاد الوطني كريم الملاّ – رئيس الوفد وعصام البصّام /كلية الصيدلة، وصباح عدّاي (من الحركة الاشتراكية) وعزيز حسون عذاب (من الحزب الشيوعي- اتحاد الطلبة وعبد الحسين شعبان رئيس الوفد)، وقد أبلغنا صباح عدّاي بموعد اللقاء كما أبلغنا الملاّ الذي رحّب كثيراً، واعتبر موقفنا إلتزاماً سياسياً بالحركة الاشتراكية.
وعند احتدام النقاش وكنتُ أمسك ببيان كنّا قد أصدرناه في حينها وكان كريم الملاّ قد أخرجه من جيبه تضمّن اعتراضات وانتقادات على السياسة الأُحادية التمييزية للاتحاد الوطني، وكنت أناقش فيه الملاّ بخصوص الأقسام الداخلية والقبول الجامعي، والدراسات العليا، والبعثات، والحريات النقابية وغيرها، وإذا بالمقهى يطوّق من جميع الجوانب، وكان أحدهم قد تقدّم منّي ووضع المسدس الذي يخفيه تحت جريدة فوق رأسي وسحب البيان من يدي وطلب هوّياتنا.
كان عدد الذين طوّقوا المكان نحو 25 شخصاً، ولم أعرف كيف أجيب سوى أنني وجهت الكلام إلى  صاحب المسدس قائلاً: لدى الأستاذ كريم، وقد انفعل كريم الملاّ جداً، وسأله بحدّة من الذي أرسلكم فقال له: أعطني هوّيتك ودون سؤال، وعندما فتش الملاّ عن هوّيته وجدها وكان مكتوب فيها "مجاز بحمل السلاح بأمر من مجلس قيادة الثورة- التوقيع شفيق الدراجي (أمين سرّ المجلس- كما أطلعني عليها حسبما أتذكّر).
وبعد أن إطّلع رجل الأمن ومن معه على الهوّية خاطب كريم الملاّ: قائلاً عفواً سيدي، واستمرّ الملاّ يلحّ عليه من أرسلكم، إلى أن أجاب: ملازم أمن عبدالرزاق- وأردف بالقول: الاتصال جاءنا من مركز البتاوين، وهذه الإخبارية كانت بهدف إلقاء القبض على اجتماع شيوعي، فأجابه الملاّ :نحن نتفاوض مع رفاقنا الشيوعيين، ثم انسحب رجال الأمن وبعد انسحابهم خاطبني الملاّ: لقد رفضتم الجلوس معنا في مقرّاتنا، ونحن نعلم أنه حتى ليس لديكم مكان للاجتماع، فجئنا إلى  المقهى وحصل ما حصل، تصوّر أنني لو نسيت هوّيتي ماذا ستقولون؟ ألستم ستشكّون أننا نصبنا لكم كميناً، قلت له وما زال الشك قائماً، وهو أمرٌ وارد، لكنه قد لا يكون من طرفك!
ثم قرّرنا عقد اجتماعاتنا لاحقاً بعد ابلاغ قيادة الحزب الشيوعي في مقر الاتحاد الوطني وكان هذا رأيهم، لطالما أننا نتحاور ومعروفون لديهم، ومن الجدير بالذكر أن مجلة الصياد اللبنانية حينها نشرت أن لقاءات شيوعية تجري في عدد من مقاهي أبو نواس وسمّت منها "مقهى رعد" ومقهى الربيع بالتحديد، تلك التي كنّا نرتادها، مساءً، إضافة إلى  مقهى "زناد" و"عارف آغا" و"الشابندر" و"البرازيلية" وهذه كانت أماكن للقاءاتنا ظهراً أو عصراً، أما المواعيد فكانت معظمها في الشوارع العامة وفي مواقف الباصات وفي بعض الصيدليات أو المكتبات.
زهير يحيى
أما ما يتعلّق الجمعية العراقية للعلوم السياسية فقد توصلنا إلى  اتفاق مع حزب البعث، حيث كان يفاوض عنهم حامد الجبوري لجلسة واحدة، وفيما بعد محمد محجوب، ومجبل السامرائي لاحقاً، ولعلّه أول اتفاق حصل بعد 17 تموز (يوليو) والذي ساعد في انضاج الاتفاق والتوصل إلى  نتائج إيجابية، مردّه إيجابية السامرائي ومرونته، وقبل ذلك الأجواء التي وفّرها زهير يحيى القيادي البعثي الذي كان صديقاً شخصياً لي، وكان متفهماً ويرغب في تقديم كل شيء للوصول إلى  اتفاقات مع الشيوعيين، لكنه للأسف الشديد، كان هو الآخر أحد ضحايا العسف والصراعات الداخلية، وتوفّي في ظروف غامضة بعد عزلة مريرة، وكان قد اختير عضواً احتياطياً في قيادة حزب البعث في المؤتمر القطري الثامن العام 1974.
وبودي التوقف عند زهير يحيى فعندما حدث انقلاب 17 تموز (يوليو) كان زهير يحيى عضواً في قيادة فرع بغداد، ثم أصبح مسؤولاً عن وزارة الخارجية، ثم مسؤولاً عن تنظيمات مدينة الثورة (الصدر حالياً) وبعدها مسؤولاً عن الموصل، ثم انقطعت أخباره المباشرة عنّي، وكنت قد عرفته قبل 17 تموز بنحو سنتين، وكنّا نناقش أوضاع العراق، يوم كان عائداً من لندن وأكمل دراسته معنا، وكان مثقفاً ومنفتحاً ومعتدلاً، وكانت همومه عراقية وأكبر من حزب البعث، وأعتقد أنه من المخلصين لقضية اللقاء الشيوعي – البعثي، لاسيّما بتوجهاته اليسارية، وقد طلب مني قبل 17 تموز (يوليو) أن يعرف موقف الحزب الرسمي من إحتمال استلام حزب البعث السلطة بالتعاون مع آخرين، وهل لديه استعداد للتعاون معه، قبل أو بعد ذلك وقلت لهم أظن أن قنوات أخرى أهم منّي لمعرفة رأي الحزب، لكنه طلب مني شخصياً، وكتبت رسالة إلى  المكتب السياسي أعلمه بذلك وجاء الجواب سلبياً، أو قلْ مشروطاً بشروط قبل الوصول إلى  السلطة ، لكنه بعد الوصول إلى  السلطة تغيّر  الموقف.
رصاص في ساحة السباع
دعاني زهير يحيى على العشاء في مطعم سميراميس (في الكرادة) واتفقنا على ذلك، وحصل اللقاء بعد 4 أيام من احتفالنا بساحة السباع، حيث تم إطلاق الرصاص كما ورد ذكره وكان صادق جعفر الفلاحي يلقي كلمته. وكان معنا في اللقاء: أحمد سعود الذكير، وعبد الحسن الحاج راهي الفرعون، وسمير الشيخلي (كان لا يزال آنذاك طالباً)، ومجبل السامرائي، ومالك العاني، وأعتقد ان زهير يحيى في تلك الفترة كان مسؤولهم جميعاً أو مشرفاً عليهم. وعاتبتهم بشدّة على ما حصل في ساحة السباع قائلاً أهذا هو الطريق للجبهة كما تقولون؟ ومن المسؤول عن ذلك: أليس صدام التكريتي؟.. وعلى الرغم من أنه أدان العمل الإجرامي كما أسماه، ولعلّ الأحياء ما يزالوا يتذكّرون ذلك اللقاء، لكنه رفض أية علاقة لصدام حسين بالحادث، وحاول إلصاق التهمة ببقايا أجهزة نظام عارف ومعاداة الشيوعية والتصدّي لأي عمل معارض.
وعندما أخبرته بأننا كنّا قد بلّغنا قيادة البعث وأخذنا موافقة مبدئية بعدم التصدّي لنا، أجاب مهما كانت المسؤولية، فليس هناك قرار حزبي بضرب الشيوعيين، بل بالعكس، لاسيما بتمييز جماعة اللجنة المركزية عن جماعة عزيز الحاج، الذي كانوا يناصبونه مثلما يناصبهم العداء، لكن ذلك لم يقنعني بالطبع وهو ما ذكرته له وللحاضرين، وأعتقد أن جبار كردي وستار كردي المتهمان الأساسيان بإطلاق النار والقتل، كانا يعملان في جهاز خاص، هو إمتداد لجهاز حنين أو"العلاقات العامة" السرّي الذي تم تأسيسه بعد 17 تموز (يوليو)، وهذا الجهاز كان بإشراف صدام حسين ومعه سعدون شاكر ومحمد فاضل وناظم كزار وعلي رضا باوه وآخرين. وعلى الرغم من اعتقالهما لفترة بسيطة فقد تم إطلاق سراحهما، ثم دبّرت لهما عمليات اغتيال على الطريقة المعروفة، والمهم اختفى كل أثر لهما، ولم تتم الإشارة إلى  التحقيقات بخصوص تلك الجريمة.
لا أنسى ما نقله لي زهير يحيى من اندساس لأحد الأشخاص الذي كان قد تقدّم برسالة للحزب عن طريقي، ولكنه تم إلقاء القبض عليه وهو محسوب على القيادة المركزية، لكنه أطلق سراحه بعد 17 تموز (يوليو) أو قبيلها بأيام، وكان على اتفاق للعمل مع الأمن براتب قدره 15 دينار شهرياً. أخبرني بالمعلومات الكاملة قائلاً:لعلّ من واجبي ألاّ أخبرك، فأنتم ما زلتم خصومنا، ولست راغباً بشيء، لكنني من جانب الوفاء للصداقة الشخصية فقط، وعليك أن تتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة، سواءً بإبلاغ الحزب أودون إبلاغه، لكن تأكّد يا فلان أن الشخص المعني يعمل لحساب الأمن، ثم قال يعمل لحسابنا الآن، فنحن الحكومة، لكن ذلك يشعرني بالحرج إزاء الصداقة.
وكان قد أخبرني على انفراد أنه بعد 17 تموز كلّف بقراءة بعض الملفات في الأمن (الخاصة ببعض جماعتهم ممن عليهم بعض الشكوك) لكنه من باب الفضول قرأ فايلات بعض الأصدقاء، ومن ضمنهم فايلي، ووجد اللغم المشار إليه.
وعندما كنت أستمع إليه، قال لي لا أريد منك جواباً، فأنتم أعرف  بمثل هذه الأمور، وكنّا قد وضعنا علامة استفهام قبل ذلك حول الشخص المعيّن، وبرّرنا عدم ضمّنا له لأسباب فنّية وظروف خاصة، ثم بالتدريج قطعنا صلته الاتحادية، التي بقيت معي، وكانت صلته الحزبية مقطوعة، باستثناء علاقته بي.
أسوق ذلك الآن لأن العلاقات السياسية تردّت إلى  حدود لا أخلاقية لاحقاً ليس بين القوى السياسية بعضها مع بعض، بل حتى داخل الحزب الواحد، لدرجة أن البعثي يخاف من البعثي أكثر مما يخاف من الآخرين، وراجت عمليات كتابة التقارير و"كسر الرقاب" كما يقال، وهي عادة الأنظمة الشمولية جميعها، خصوصاً بوصولها إلى السلطة، حيث تصل الأمور إلى درجة مريعة،  لكنها في العراق وفي ظروف التخلّف والبداوة والقروية والشكوك المستحكمة، كانت صارخة، وأدّت إلى  تدمير المجتمع العراقي، حين أصبح الأخ يخاف من أخيه، والأب من إبنه أوإبنته والزوج من زوجته، وأعتقد أن الجميع يعرفون قصصاً مثيرة عن ذلك، وهناك أمثلة فاقعة، لاسيما ما حصل في مجزرة العام 1979 "المؤامرة المشهورة" والمعروفة بمجزرة قاعة الخلد والتي أودت بثلث القيادة القطرية وتم تنفيذ حكم الإعدام بـ 22 بعثياً وحكم على 33 منهم بعقوبات غليظة، وروى لي بعضهم (فارس حسين وغسان مرهون) قصصاً أقرب إلى  الخيال عن التعذيب، ولم يخرج منهم في العام 1983، أي بعد أربع سنوات، سوى 17 شخصاً، أما البقية الباقية فقد فارقت الحياة في السجن. وقد رويت ما يوازي ذلك تحت عنوان ليلة السكاكين الطويلة بخصوص عدد من الحوادث المشابهة التي حصلت في العديد من الأحزاب والقوى الفاشية أو الشيوعية أو غيرها.
سافرت خلال فترة المفاوضات وعشية الانتخابات الطلابية  (الجامعية) إلى  براغ ومنها إلى  كراكوف (بولونيا) لحضور مؤتمر تحضيري لميلاد لينين(الذكرى المئوية) وحلّ محلي إضافة إلى  لؤي أبو التمن، حميد برتو وهو من القيادات الطلابية البارزة ووجه وطني واجتماعي، وقد عرفّناه بإسم " أبو رياض" خلال الجلسة المشتركة التي حضرناها سويّة وبهدف التعارف، وظل حسن المطيري بعد عودتي وسفر حميد برتو إلى  براغ يسأل عن أبو رياض. جدير بالذكر أن الذي قام لاحقاً بتعذيب لؤي أبو التمن في قصر النهاية هو حسن المطيري، وحين كان معصوب العينين ومعلّقاً، وكان يسمع أحياناً صوت حسن المطيري ويستطيع أن يميّزه عن غيره، مثل سالم الشكرة، لأنه كان يجلس معه وجهاً لوجه لأكثر من عام ونيّف في المفاوضات، وكان محمد دبدب رئيس الاتحاد الوطني لاحقاً قد استذكر في حوار تلفزيوني معه العلاقات الايجابية التي جمعتنا وهو أمرٌ صحيح تماماً، لكن هذا الوجه السلبي والقمعي واللاأخلاقي ساد بالتدريج وغلب على كل شيء، بما فيه على البعثيين أنفسهم الذين أصبح بعضهم من ضحاياه، بينهم الصديق محمد دبدب.
وأتذكّر في أحد اللقاءات مع الاتحاد الوطني بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970 وبحضور كريم الملاّ أنني كنت أحمل في جيبي أسماء المعتقلين من الطلبة والشبيبة الذين اعتقلوا وهم يخطّون على الجدران شعارات تؤيد اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970، أو يعبّرون عن ذلك بطرق مختلفة، بينهم محمد حسن السلامي وفلاح خضير الصكَر وآخرين، وطلبت من كريم الملاّ المساعدة في إطلاق سراحهم، وكانوا عشرة أسماء، وعندما وضعت القائمة على الطاولة كانت بين الملاّ وحسن المطيري، الذي دسّ أنفه وحرّك كرسيّه ليقرأ من في القائمة، وربما كانوا من ضحاياه، وبادرت إلى  القول ليطلّع عليها الاستاذ حسن " أبو فلاح"، واستخدمت اسمه الصريح لأول مرّة بدلاً من " فيصل" وسألني الملاّ لماذا، قلت له لأنه قريب من أبو حرب (المقصود ناظم كزار) وهنا ضحك الجميع، وبعد خروجنا علّق لؤي أبو التمن ونحن نمشي من مقر الاتحاد الوطني، إلى  حيث أترك سيارتي، أعتقد أنه بدأ يتشهّى تعذيبنا، وحصل الأمر فعلاً مع لؤي أبو التمن بعد أسابيع قليلة.
فشل مزدوج!
لقد فشلت مفاوضاتنا على الرغم من اتفاقنا على برامج جيّد تضمّن نحو 80 % من مطالبنا وقد تمسك البعث باسم " الاتحاد الوطني لطلبة العراق" وإلغاء اسم " اتحاد الطلبة" مع أخذ ورد حول النسب، وكان اقتراح كريم الملاّ أن يكون المجلس التنفيذي من 27 عضواً (الرئيس منهم ولنا نائب الرئيس أو السكرتير العام) وهكذا يكون للأكراد وحسب الصلاحيات (وكانوا يقصدون جماعة المكتب السياسي- جلال الطالباني- ابراهيم أحمد) في حين كنّا نقول أنهم لا يمثلون جميع الكرد، فهناك الملاّ مصطفى البارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، لكنهم يعتبرونه "عميلاً" حتى عشية بيان 11 آذار (مارس)، وعلى الرغم من وجود مفاوضات معه، وكنّا نسعى إلى  صيغة متوازنة، مع أنها غير ممكنة.
وأستطيع أن أقول الآن من باب النقد الذاتي، بأن الصيغة التي كنا قد اقترحناها، غير واقعية أيضاً، وهي بقدر ما يأخذ البعثيون من حصة فهي حصتنا، وبقدر ما يأخذ القوميون الأكراد من حصة،  يعادلها حصة القوميين العرب (الحرك

516
جدلية الثقافة والوعي
د.عبد الحسين شعبان
يصبّ الفهم البراغماتي للثقافة في أحيان غير قليلة في طاحونة الخطاب السياسي والآيديولوجي لسلطة ما أو حزب ما أو جهة ما أو قائد ما على حساب العملية الإبداعية وعلى حساب المستوى الفني والمعيار الجمالي، ومثل هذا الفهم يؤثر على استقلالية المثقف بإدغام عمله مباشرة في العمل السياسي واللجوء الفظ إلى أشكال من التدخّل لحساب الثاني.
ولهذا تظهر عملية اغتراب المثقف وكأنها أشبه بعملية اغتراب العامل عن الآلة في المجتمع الرأسمالي أو اغتراب العامل عن الملكية العامة في المعمل الاشتراكي أو القطاع العام في البلدان النامية، إذْ أن الشرط الضروري لإيجاد العلاقة بين المثقف وثقافته هو الوعي، حيث يحدّد المثقف موقعه.
وفي ظل غياب الوعي أو ضعفه تصبح الممارسات البيروقراطية ومحاولة إسقاط الآيديولوجيا على الواقع، عبئاً على المثقف وأحياناً تحدّد حركته ونشاطه الإبداعي، لاسيّما إذا اقتربت الآيديولوجيا من الدائرة النسقية المغلقة والتي تنظر إلى الواقع من فوق وباستعلاء وأنفة، وتحاول بدلاً من دراسته ومعرفته، بهدف تطويره، تفرض عليه آراءً مسبقة وأفكاراً جاهزة هي أقرب إلى الشعاراتية والتهريج بادعاء الأفضليات لتبرير خطاب الحاكم، وهو ما يلحق أضراراً كبيرة بقضية الإبداع والتطور الديمقراطي، حيث يهتم بالمثقف في هذه الحالة باللجوء إلى التسويغ والتبرير، وليس إلى التمثيل والتعبير، تهرّبا من استحقاقات السلطة.
إن علاقة الثقافة بالوعي متداخلة، خصوصاً إذا ما عبّرت عن الحرية التي هي بتعبير ماركس وعي الضرورة، وذلك من خلال التوفيق بين الحرية والالتزام الذي لن يكون رحباً إلاّ بظلّها وفي إطار مرن بحيث يمكن قبول التنوّع والتعددية وهما أساسان في كل مجتمع ناهيك عن كل عمل إبداعي، وذلك بعيداً عن الإكراه أو العسف السياسي أو الآيديولوجي، حيث يستطيع المبدع والمثقف عموماً، التعبير عن قناعاته بحرية ومن دون اللجوء إلى التمجيد والتنديد، أو التدنيس والتقديس.
والمثقف بتعرّضه للقمع السياسي والفكري، يضطر أحياناً للهرب إلى خارج المؤسسة الثقافية للسلطة أو للحزب، ولكنه في أحيان أخرى يرضخ ويضطر عندها لتزويق إجراءاتها وتسويغها إبداعياً. وقد تعرّض العديد من المثقفين السوفييت ومن بلدان أوروبا الشرقية لمثل هذه المواقف واضطرّ بعضهم للهرب، والبعض الآخر إلى الدعاية بزعم ادعاء الأفضليات لتبرير خطاب الحاكم، وتكبّد المثقفون خسائر كبيرة لم تكن قابلة للتعويض بسبب نهج الاستبداد في العديد من البلدان العربية والعالمثالثية. ومارس بعض المثقفين دوراً سلبياً للترويج لآيديولوجية السياسي ومواقعه، سواء كان في السلطة أو خارجها وذلك لتبرير بعض مواقفه وغضّ النظر عن هدر حقوق الإنسان وانتهاكات الحريات والحرمات وهو ما ينبغي قوله صراحة وعلناً ودون مواربة.
ويمكن القول إنه في فترة الحرب العراقية الإيرانية بشكل خاص، وما بعدها اضطر العديد من المثقفين العراقيين والعرب، إلى المساهمة في ما سمّي «بأدب الحرب»، من دون قناعة لدى الكثيرين منهم، وإلاّ فإن ما ينتظرهم كان مهولاً بكل معنى الكلمة من اتهام واعتقال وتغييب، إضافة إلى حجب حقهم في النشر أو إبراز عملهم الإبداعي والفني، وعلى العكس من ذلك فإن من تسابقوا إلى مديح السلطة وترويج خطابها الحربي والسياسي، حصلوا على المكرمات والنياشين، أي إن الإغراء والإغواء بالمال أو بالامتيازات كان وراء بعض تصرفاتهم.
لقد أخذ التبرير الجدانوفي (نسبة إلى جدانوف) طريقه للتسويغ الإبداعي، وأدّى ذلك إلى إلحاق أضرار بالغة بالإبداع والثقافة على الرغم من الأعمال الرفيعة والراقية التي شهدتها تلك الفترة على يد مبدعين كبار. فمثلاً ثار نقاش واسع بين النقاد حول النهاية المأساوية لرواية الكاتب السوفييتي جنكيز أتماتوف «السفينة البيضاء» (من المؤسف أنه وعدد من المثقفين السوفييت زاروا تل أبيب أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات بعد أن كان بعضهم يعتبرها دولة عنصرية) ومخالفتها لما يسمى ب «الواقعية الاشتراكية» إذْ ما زال قسم غير قليل يفكّر حتى الآن بصورة «البطل» الإيجابي ومفاهيم الانتصارات الشعبية الكبرى، ويدعو إلى ذلك بتفاؤل ساذج، ويدافع عن حتمية تاريخية، ويحاول إسباغ ذلك على الأعمال الإبداعية، وما عدا ذلك يُدمغ المبدع والمثقف بالسوداوية والتطرّف والعطب الداخلي والليبرالية، وما إلى ذلك من مفردات. وقد عانت ساحتنا الثقافية العربية من طغيان مثل هذا الخطاب السياسي المباشر ولا تزال تعاني كذلك.
لا بدّ من التأكيد على ضرورة التوقّف جدياً عند بعض الظاهرات التي سادت في الوسط الثقافي، ونقدها بجرأة، وإجراء كشف حساب بأضرارها البالغة ونتائجها الوخيمة، كهيمنة النظرة الأحادية الجانب والخطاب الواحدي والسعي للهيمنة وادعاء احتكار تمثيل الثقافة والمثقفين. ولابدّ أيضاً من الإقرار بالتعددية والجدل أساسان لا غنى عنهما لتطوير الثقافة والوعي ولتعزيز التوجّه الديمقراطي على صعيد العمل الثقافي أو العمل السياسي، ويتطلب ذلك ممارسة فعلية في وسطنا الثقافي وهيئاتنا ومؤسساتنا. وكذلك ينبغي التخلّص من النظرة الانعزالية الإرادوية، التي سادت زمناً غير قصير في خطابنا الثقافي والفكري ملحقة أضراراً بالغة بتوجّهاتنا وحركتنا، لاسيّما ادعاء الأفضليات وحجب النقد بزعم مخالفته للإجماع أو لرأي الأغلبية أو للخط السياسي السائد في السلطة أو في المعارضة.
إن أي اختلال في المعايير الديمقراطية وشحّ الحريات يؤدي إلى انكفاء وتراجع للثقافة في حين أن آفاقاً رحبة تنتظرها بإشاعة الحريات الديمقراطية والفردية واحترام حقوق الإنسان ومنها حقوق المثقف، المتجسّدة في صيرورة وعيه.
ويتطلّب ذلك أيضاً تعاملاً جدياً مسؤولاً مع أدبنا وثقافتنا الوطنية والقومية، من موقع ديمقراطي منفتح وحرّ خارج نطاق المسلّمات الجاهزة والتصوّرات المقولبة، وكذلك مع «التراث» في إطار احترام حرّية المثقف بعيداً عن الوصاية وأساليب الوعظ والإرشاد، فينابيع المثقف يمكن أن تتفجر وعالم المبدع الروحي المليء بالألغاز يمكن أن يتدفّق، ليتحفنا بروائع وأعمال إنسانية، خصوصاً في أجواء فسيحة من الحرية، بعيداً عن عوالم الرعب والفزع من السلطة أو الكليشهات والقوالب الجامدة ومن أي جهة يمكن أن تمثّل «سلطة» ترهب المثقف سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولا يختلف الأمر إن كانت حزبية أو مجتمعية أو سلطوية وتضطره للتسويغ والتبرير في حجب الرأي الآخر، بل وتجريمه وتحريمه أحياناً.
وللأسف الشديد أن يسهم بعض المثقفين في عمليات التسويغ تلك على حساب زملاء لهم من أصحاب الصوت الآخر، بل في إجراءات التنكيل أيضاً. كما إن من المؤسف حقاً أن يسهم مثقفون عرب في تبرير خطاب أنظمة الاستبداد، وكم كان مؤلماً تشجيع صدام حسين وأطروحاته الفكرية والسياسية والحربية بخصوص حل المشاكل في المنطقة، سواءً مع إيران، أو بشأن الكويت، وما جرّه ذلك من كارثة على العراق والأمة العربية، ويحاول هؤلاء ازدراء آراء ومواقف مثقفين عراقيين مكتوين بنار الإرهاب والحرب معاً، فضلاً عن نار الغربة، لحسابات ضيقة، أو حالات إحباط ويأس، أو دعاوى زائفة، غاضّين الطرف عمّا جرى ويجري من كبت للحريات وهدر لحقوق الإنسان وثلم لسيادة الوطن ودمار وخراب شاملين.
كم كان مؤلماً تبرير بعض المثقفين العراقيين والعرب مسألة احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة واعتبارها " تحريراً" ولا يزال بعضهم حتى الآن على الرغم من المآسي التي يعيشها العراق منذ العام 2003 عند موقفه هذا، مثلما كان مؤلماً أن يطلب بعض المثقفين والمعارضين الدول المتنفذة في مجلس الأمن، تشديد الحصار على العراق بحجة انتهاكات نظامه الدكتاتوري لحقوق الإنسان.
إن المبدع بتعرّضه للقمع السياسي والفكري قد يضطر إلى الهرب خارج المؤسسة الثقافية (للسلطة) أو يضطر أيضاً في بعض الأحيان لتبرير إجراءاتها وتسويغها إبداعياً. وقد تعرّض المبدعون السوفييت لمثل هذا الموقف واضطرّ بعضهم إلى الهرب والبعض الآخر إلى التسويغ، وقد عبّر عن ذلك غورباتشوف في دعوته إلى البيريسترويكا «إعادة البناء» والغلاسنوست «الشفافية» حين علّق على قضايا الاستبداد بحق المبدعين قائلاً «تكبّد المثقفون ومنهم الحزبيون البلاشفة خسائر كبيرة لم تكن قابلة للتعويض أحياناً، نتيجة خرق الشرعية الاشتراكية والقمع في الثلاثينات...» أقول ذلك بغض النظر عمّا آلت إليه النتائج التي أطاحت بالبلدان الاشتراكية الواحدة بعد الأخرى، ابتداء من بولونيا ومروراً بهنغاريا، ثم بعد انهيار جدار برلين وسقوط النظام في ألمانيا الديمقراطية ولحقته تشيكوسلوفاكيا، وامتدّت عملية الانهيار إلى رومانيا ويوغوسلافيا اللتين فاقت تأثيراتهما الدموية واللاإنسانية جميع الصعد.
لقد اعترف غورباتشوف بشحّ الحريات وانعكاس ذلك على المثقفين، ومرّة أخرى أقول إذا كان الإصلاح أمراً حيوياً ولا غنى عنه لانتشال الاشتراكية من بؤسها وواقعها المزري، فإن ذلك كان يتطلّب ظروفاً موضوعية وذاتية وتدرجاً وتراكماً طويلاً، أما وقد حصل الأمر بهذه السرعة الخارقة فإن الأمر كان بمثابة هزيمة تاريخية لصالح النظام الرأسمالي العالمي يقول غورباتشوف «كانت البريسترويكا ضرورة حيوية ملحّة من أجل تحرير المبدعين والجماهير في القوالب الجامدة والتغّرب... ووسائل التفكير الجديدة ليست المراسم أو الأوامر، بل الحوار بين الآراء والمنافسة بين تنوّع الإبداعات والآراء والمؤسسات الفكرية والثقافية».
إن عملية التغيير تستند أولاً وأخيراً على الإنسان، وهذا بمعرفته وعقله وثقافته، إضافة إلى تجربته الذاتية، يمكنه من تعميق الوعي، ناهيك عن قدرته على ممارسة عمله الإبداعي بحرية وهو ما يعكس جدلية الثقافة والوعي.


517
علي كريم: أول الفلسفة سؤال!
(نصوص)
عبد الحسين شعبان

I
لا يمكن أن أستحضر براغ أو دمشق في ذاكرتي إلاّ ويقفز إلى ذهني، زملاء وأصدقاء وأحبّة، كانوا بالنسبة لي جزءًا من سرديّة المكان وسرديّة الزمان في الوقت نفسه. ومن بين هؤلاء الدكتور علي كريم سعيد (زاغي). وعلى الرغم من إنني لم أزر دمشق الحبيبة، خلال السنوات الأربعة الماضية ، لكن طيفها لم يفارقني. أما براغ فإنني أتردّد عليها بين حين وآخر وإنْ ابتعدتُ عنها، فعلى الكراهية أيضاً. بين دمشق وبراغ علاقة حميمة على حدّ تعبير الشاعر الكبير الجواهري، الذي عاش مثلما عشنا علي كريم وأنا في المدينتين الرائعتين.
ولا بدّ من كلمة سريعة في المدينتين اللتين وقعنا نحن الثلاثة في حبّهما وتطارحنا معهما الغرام، وهما يبادلان المحبة بالمحبة والرفقة بالرفقة والصداقة بالصداقة، فدمشق "الشام" ومدينة الياسمين والغوطة التي تحتضنها قال فيها المؤرخ ياقوت الحموي " ما وُصفت الجنّة بشيء، الاّ وفي دمشق مثله" وكتب الشاعر نزار قباني قصيدة يقول فيها : كتب الله أن تكوني دمشقا/ بك يبدأ وينتهي التكوين.
المدينة ذات التاريخ العريق والتي تعتبر من أقدم المدن في العالم والمعروفة قبل 2000 ق.م بـ "داماسكي" وقبل ذلك تيمساك أو تيماسكي أو دمشقا أو دمشقو (وتعني المكان الوافر بالمياه) وبعد الفتح الإسلامي عُرفت بدمشق الشام تمييزاً عن غرناطة في الأندلس التي سمّيت بدمشق العرب، وحسب التنقيبات الجيولوجية والآثار فإن غوطة دمشق ووادي نهر بردى كانا مأهولين بالبشر منذ نحو عشرة آلاف عام ، وضمّت المدينة أضرحة يوحنّا المعمدان – يحيى_ في الجامع الأموي وضريح السيدة زينب وأم سلمة وحفصة بنت عمر الخطاب وبلال الحبشي ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس ومحي الدين بن عربي والفارابي، مثلما دفن فيها الجواهري ومصطفى جمال الدين وهادي العلوي وعبد اللطيف الراوي وعبد الوهاب البياتي وعلي كريم، وشاء القدر أن تضم قبر والدتي أيضاً.
أما براغ وتكنّى بالمدينة الذهبية وتُعرف بمدينة المئة برج، لكثرة الأبراج فوق كنائسها وقصورها، وقد تأسست المدينة في أواخر القرن التاسع الميلادي وازدهرت إبان حكم الملك تشارلس الرابع، الذي بنى جسر جارلس (الحجري) وجامعة جارلس العام 1348 وهي من أقدم الجامعات في العالم ، عرفت الكثير من المشاهير ، منهم العالم اللغوي كومنسكي مؤسس اللغة التشيكية الحديثة  وعالم الوراثة ميندل والروائي فرانس كافكا والروائي ميلان كونديرا،وبتراجشك المستشرق الكبير الذي ترجم القرآن، والموسيقار دفورجاك، كما اشتهرت براغ بالمسارح، مثل مسرحها الشهير " المسرح الوطني" والمسرح الأسود واللاتيرنا ماجيكا " الفانوس السحري"، وغيرها وامتازت بكاتدرائياتها القوطية وبنائها المعماري القديم، من الفن الباروكي وعصر النهضة والفن القوطي، إلى الفن الحديث.
وكنت مؤخراً في رحلة استشفاء إلى جمهورية تشيكيا وبصحبة صديق عزيز هو الدكتور عصام الحافظ الزند، الذي اصطحبني إلى مصحّ " بودي برادي"، وفي حين كنتُ  مستغرقاً بالتفكير في ذكرياتي " الغالية"، وإذا به يفاجئني بسؤال مثير كعادته: متى تكتب عن علي كريم؟
شعرتُ إن الزند وهو يداهمني بسؤاله، كأنه كان يقرأ أفكاري، فبراغ التي قضيتُ فيها فترة من شبابي " الأول"، ظلّت تلهمني بالكثير من القصص والحكايات والنوادر والحِكَمْ، التي كنت أستعيدها مع نفسي، ومع الأصدقاء باستمرار، ومنها العلاقة مع أصدقاء رحلوا عن دنيانا، منهم موسى أسد الكريم (أبو عمران) وغازي فيصل وشمران الياسري (أبو كاطع) ومحمود البياتي وعلي كريم ومؤخراً عباس عبيدش وغيرهم.
جمعتني مع علي كريم مدن ومناطق وحارات، وأفكار وسجالات ومواقف، فقد عرفته في النجف في محلّة البراق، وعلى نحو متقطّع إلتقيته في بغداد في مطالع الستينيات من القرن الماضي، ولكن معرفتي الحقيقية به كانت في دمشق، ومن ثم في براغ، في السبعينيات، وبعد ذلك التقينا في الجزائر وفي مدينة لايدن الهولندية حيث أقام، وفي لندن، حيث كنت أقيم. وكان "رفيق" علي كريم " الدائم" وصديقه الحميم هو السؤال، وأول الفلسفة سؤال كما يُقال، وكان ذلك طريقه إلى المعرفة، ولأن الأسئلة كانت تتوالد لديه، فقد اختار دراسة الفلسفة في جامعة دمشق.
قلتُ له في النصف الأول من السبعينيات في دمشق وبعد مكاشفات ومصارحات وهموم، لماذا لم تصبح شيوعياً؟ قال أنتم السبب، قلت ولماذا؟ قال لأنكم لم تدركوا مزاج الناس، ولاسيّما وهم في أول الطريق، فقد أرسلتم لي من لا يستحق "اللقب" في حين أن الصورة لديّ " مثالية"، فأعرضتُ عنه وعن الذين يمثّلهم، مع إن أجواء العائلة كانت مع اليسار، كما تعرف.
وسألته متى أصبحت بعثياً؟ فأجابني بعد العام 1963 وسقوط تجربة البعث الأولى، وأضاف تصوّر أنا المعجب بمحمد موسى التتنجي أتوجه إلى حزب البعث بدلاً من الحزب الشيوعي. وبالمناسبة فمحمد موسى كان أحد الأبطال الشعبيين، الذين يمثّلون رمزاً شجاعاً للشيوعية في المدينة، وقد استشهد تحت التعذيب في العام 1963، وأُخفيتْ جثته ولم يظهر له أي أثر، وكان قد تعرّض للتعذيب في النجف والحلّة وبغداد.
لقد اختار علي كريم، حزب البعث بعد الإطاحة بحكمه لينضمّ إليه، وليس عندما كان في السلطة، وقد تكون تلك إحدى مفارقاته ، وكما أخبرني بأنه انشغل مع أصدقائه ومعارفه من البعثيين ومن بينهم مهدي الشرقي وحمد القابجي وصدقي أبو طبيخ بمراجعة التجربة ونقدها، وهو ما أقنعه بالمسار الجديد كما قال، ووجده وسيلة للتعبير عن طموحه وآماله، لأسباب تتعلّق بإيمانه بالوحدة العربية والموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية، ولكنه حتى وإنْ كان في ذلك الموقع، فإنه كان يتطلّع إلى يسار أكثر راديكالية، خصوصاً في قضايا التحوّل الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وهو ما كان يطلق عليه " الاشتراكية العلمية"، في موجة يسارية عارمة على صعيد الكثير من الحركات القومية والوطنية.
وفي المسائل التي يشتبك فيها الشيوعيون مع البعثيين، لم يكن ينحاز بطريقة مسبقة، بل كان يميل إلى الحقيقة أحياناً، كما يتصوّرها، سواء ضده أحياناً أم معه، فلم ينظر للمسألة من زاوية تعصّبية ضيقة، وإنْ كان لا يجاهر بها أو يعلنها صراحة بحكم الالتزام الحزبي، لكنه يهمس بها هنا، ويسرّبها هناك، وتلك مفارقة ثانية، خصوصاً عندما يتعارض فيها الأكاديمي مع السياسي لدى علي كريم، ويتناقض السياسي مع الحزبي، والحقيقة على ما سواها من التنظيرات والتبريرات.
قلتُ له في أحد المرّات أنه كيانياً وعاطفياً  مع حزب البعث، وشعورياً وعقلياً أقرب إلى اليسار والماركسية، وقد استحلى تلك الفكرة، وأضفتُ أنت تجلس على مقعد وتتطلّع إلى مقعد الآخر، وكنتُ أشعر أنه يجد راحة له وطمأنينة أكثر بمثل هذا الاستبدال أو التناظر، بل إنه لا يجد غضاضة أو تناقضاً فيه، بقدر ما هو تفاعل وتواصل وتكامل، لاسيّما في البحث عن الحقيقة.
والحقيقة عند علي كريم ليست مقدّسة بذاتها، إنها سؤال قد يقود إلى رحلة مضنية، وتلك الرحلة في البحث عن الحقيقة هي الأكثر جدارة وصدقية والأقرب إلى روح علي كريم، حتى وإن كانت تعني تخلّيه عن راحة البال، فالبحث عن الحقيقة يستوجب مثل تلك التضحية التي كان يشعر بمتعة خاصة حين يقاربها حتى وإن امتزجت بالألم. لا توجد حقائق ثابتة أو سرمدية لدى علي كريم، فقد كان مسكوناً بالشك الديكارتي، والشك هو طريقه للمعرفة .
لا أدري إن كان علي كريم قد قرأ عبارة كافكا " العيش في الحقيقة" التي استخدمها في إحدى رسائله أو يومياته، وعادت وتكرّرت لدى كونديرا حين استخدمها في روايته الرائعة " خفّة الكائن التي لا تحتمل " ولكنني اكتشفت وأنا أراجع كتب فاسلاف هافل التي أعارني إياها عصام الحافظ الزند، وهي : كتاب مفتوح إلى غوستاف هوساك، وكتاب ضمّ مسرحياته الثلاث في فصل واحد " المواطن فاينك"، أما كتابه الثالث فهو بعنوان " قوة المستضعفين" الذي يتحدث فيه عن " العيش في الحقيقة" كوسيلة لمقاومة الوهم ورفض الزيف في نظم ما بعد الشمولية.
والثلاثة كان يهمّهم أن تكون الحياة حقيقية بعيداً عن الإكراه والقسر والتدليس. وقد يكون ذلك هو ما قصدته من بحث علي كريم عن الحقيقة، التي كان يتمنّى أن تنطبق مع قناعاته وآرائه، مع إن الشك يملأ قلبه، فيما إذا كانت الحقيقة بلا رتوش هي التي قصدها أم قريبة منها، وكم كان يقلق فيُهاتفني ليلاً ليسأل عن حادث ما أو اسم ما أو يصحح رأياً ما أو يعدّل استنتاجاً ما، خصوصاً عندما كتب عن " البيرية المسلحة" "
مفارقة ثالثة امتاز بها علي كريم، فهو وإنْ اختار التيار القومي بعاطفته وقد يكون بوعيه لاحقاً، لكّنه ظلّ مشدوداً إلى التيار اليساري الماركسي، لا بعقله فحسب، بل بحكم اشتباك علاقاته، خصوصاً وقد كان يعيش بأجواء يسارية: عائلته وأصدقاؤه وجيرانه، ناهيك عن وضعه الاجتماعي، لكنه فضّل البعث على سواه، حتّى وإن ظلّت عينيه تتطلّع إلى الآخر، بل وترنو إليه، فقد كان يميل إلى جوار الأضداد وحوارها.
وأعتقد إن جيلاً من البعثيين واليساريين تأثر بأفكار ياسين الحافظ، لاسيّما المزاوجة بين العروبة والقضية الاجتماعية، مثلما ترك الياس مرقص في قراءاته غير التقليدية للماركسية في وقت مبكر تأثيرات بالغة الأهمية على الحركة اليسارية والشيوعية ، على الرغم من اليقينيات التي كانت سائدة والجمود العقائدي المتحكّم ، وبقدر ما ينطبق الأمر على علاقة علي كريم باليسار، فإنه ينطبق أيضاً على نظرته للتيار الإسلامي وعلاقته به .
امتاز علي كريم بشجاعة وإقدام كبيرين، حتى إنه كان يتسلّل من سوريا التي كان فيها لاجئاً إلى العراق لكي ينقل بريداً حزبياً، أو يتّصل بعدد من العوائل البعثية اليسارية المقطوعة، ليوصل إليها بعض المساعدات كما أخبرني، وحصل ذلك معه لأكثر من مرّة، وقد أعلمني أن الأمر كان بتكليف خاص من أحمد العزاوي الأمين القطري للتنظيم العراقي، الذي اغتيل في مكتبه بالقيادة القومية في السبعينيات وفي ظروف غامضة.
قلتُ له ماذا تريد من عملك هذا أو بالأحرى ماذا تريدون؟ قد يكون الأمر مفهوماً بالنسبة لنا : نحن نريد إقامة نظام اشتراكي وفقاً للماركسية ، ولكن ماذا تريدون أنتم هل "استبدال البعث بالبعث"؟ في ممازحة مملّحة، فقال لي أن نجاحنا سيقرّبكم منّا، وعلى أقلّ تقدير فإن وضع الشيوعيين في سوريا وعلاقتهم مع السلطة أفضل من العراق، مع فارق نفوذ الشيوعيين العراقيين .
قلتُ له إن موقفكم من القضية الكردية لا يزال قاصراً حتى بعد بيان 11 آذار/مارس العام 1970، لاسيّما لمشروع الحكم الذاتي، وكان حزب البعث "اليساري" حتى أواخر العام 1971 لم يقرّ صيغة الحكم الذاتي، فقال لي إن في ذلك قيداً من التنظيم القومي مثلما لديكم قيوداً من المركز الأممي، أما علاقتهم مع الأكراد، فهم حلفاء لنا ونحن لدينا علاقات إيجابية معهم.
حين بدأتْ مجاميع مسلّحة تتكاثر في كردستان مع مطلع الثمانينيات أسّس اللواء حسن النقيب بالتعاون مع باقر ياسين الأمين القطري الأسبق لحزب البعث، فصائل الثورة العراقية بدعم من سوريا، وذهب علي كريم وشفيق الياسري وراضي الحصونة وأسعد الجبوري ومحمود شمسه وآخرين إلى كردستان لبضعة أسابيع أو أشهر، وهؤلاء جميعهم كانوا بعثيين ولكن خارج قيادة قطر العراق التي كان يقودها رسمياً عبد الجبار الكبيسي (حازم حسين). وفي تلك الفترة عرّفني علي كريم على محمد عبد الطائي" أبو يوسف" الشخصية المسالمة والراقية، والذي استشهد في مطلع التسعينيات في العراق، وكنتُ قد كتبتُ رثاءً عنه في حينها.
II
في السبعينيات كان علي كريم رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة العراق في دمشق، وعمل على تأسيس جبهة طلابية مع المنظمات الطلابية التابعة إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي (بقيادة ابراهيم علاّوي بعد اعتقال عزيز الحاج) والاتحاد الوطني الكردستاني بعد تأسيسه في العام 1975 والحركة الاشتراكية العربية، وذلك بعد تأسيس "التجمّع الوطني العراقي"، وقد استضافني مع الصديق لؤي أبو التمن في مقرّ الاتحاد  وأجرى حوارات صريحة معنا بحضور نخبة من الأصدقاء والقياديين بينهم "محمود" (رشاد الشيخ راضي)، كما عرّفني حينها على ضرغام عبدالله واسمه الحركي (ياسين) عضو القيادة القومية (الاحتياط) في حينها وذلك قبل عودته إلى العراق، ووجدته شخصاً متميّزاً، كما عرفت حسن الذهب ومحسن العسّاف وفاضل الأنصاري وكانوا من البعثيين القدامى، ولكلٍّ منهم مواصفاته الخاصة، كما ربطتني علاقة متميّزة مع الأمين القطري باقر ياسين، وكذلك مع فوزي الراوي وهو صديق قديم منذ أواسط الستينيات في بغداد وسهيل السهيل وكاظم لملوم الركابي (وهؤلاء جميعهم على ملاك القيادة القومية) وكذلك مع اسماعيل القادري وشفيق الياسري وحكمت الهلالي (وائل) ومهدي العبيدي " أبو صلاح" وحامد سلطان (القامشلي) وشناوة طاهر حنيّن (أبو رياض) وآخرين.
أخبرني أن السوريين اقترحوا عليه العمل في إحدى الملحقيات الثقافية (مساعد ملحق) بعد تخرّجه من قسم الفلسفة في جامعة دمشق، وكان معجباً حينها بأستاذه العروبي اليساري الدكتور "الطيب تيزيني"، الذي أصبح صديقاً لي فيما بعد، واشتركتُ معه في أكثر من ندوة ومؤتمر في دمشق والرقّة وفي العديد من العواصم العربية، وأخبرته أنني تعرّفتُ عليه قبل أن أقرأ له، من خلال علي كريم أحد طلابه في السبعينيات.
قلت لعلي كريم، الوظيفة زائلة ولها مشاكلها، أما الشهادة والعلم فهما الباقيان، فاختَرْ دراسة الدكتوراه وأنت مؤهل لذلك. بعد بضعة أشهر استلمتُ منه برقية يبلغني فيها أنه قادم إلى براغ للدراسة، وكان يريد قبل ذلك اختيار موسكو، وعندما سألني عن رأيي قلت له: اخترْ إما برلين أو براغ .
وصل علي كريم براغ هو وفؤاد الشيخ راضي، الشاب المؤدب الوسيم، الذي عاد بعد بضعة أشهر إلى دمشق ومنها إلى العراق، حيث توفّي في ظروف غامضة، وساد الاعتقاد حينها أن سبب وفاته لم يكن بعيداً عن السلطة في العراق، فمارست عليه ضغوطاً لم يتحمّلها.
في براغ استضفته لعدّة أيام وعملت على حلّ بعض مشاكله مع الجامعة بحكم كوني رئيساً للطلبة في تشيكوسلوفاكيا، وحصل نوع من التوافق، بالاعتراف بشهادته مقابل إعطائه عدداً من الامتحانات كبرنامج خاص، وهو الأمر الذي حصل معي أيضاً.
عرّفته على "أبو كاطع" (شمران الياسري) وموسى أسد الكريم " أبو عمران" والجنرال غضبان السعد ومحمود البياتي وعصام الحافظ الزند  وحميد الياسري وآخرين، وتعرّف لاحقاً إلى علي الشوك الذي جعل من علي كريم أحد شخصيات روايته " مثلث متساوي الساقين" كما نبّهني إلى ذلك الدكتور الزند، وكان كثيراً ما يدخل نقاشات معهم إلاّ أنها وعلى الرغم من حدّتها أحياناً، تنتهي دائماً بالمودة وتعزيز العلاقة على الرغم من أن هناك من كان يحاول استفزازه، من خارج هذه الدائرة.
كان السفير السوري عبد الرحمن فرزات " أبو رشا" قد وصل براغ، وكنت قد تعرّفتُ عليه في المؤتمر العاشر لاتحاد الطلاب العالمي، حيث كان عضواً قيادياً مع ماجد هدّاد ومحمود الحسن وآخرين. وقد أخبرته بأننا رشّحنا "سوريا" لتكون عضواً في اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلاب العالمي، وذلك بعد قبول الاتحاد الوطني مباشرة في عضوية الاتحاد وهو ما تفاجأ به، وساهم ذلك في تعزيز جسور الثقة بيننا، حيث نشأت صداقة بين عبد الرحمن فرزات وبيني، وكان قد عرض عليّ فيما إذا احتجنا لأية مساعدات أو جوازات سفر أو الحصول على عمل في الشام ، فإنه سيقدّمها لي شخصياً أو لمن أمثّلهم دون أية اشتراطات، وتلك كانت توجيهات من قيادته (الرئيس حافظ الأسد) في السبعينيات كما أبلغني.
وشكرته على سخاء عرضه، وكنّا نجتمع أحياناً ويصحبنا علي كريم، ونناقش الوضع العراقي والسوري على الرغم من اختلاف النظامين، وقربنا من النظام العراقي حيث كنّا في جبهة وطنية معه في حين إن اختلافهم كان تناحرياً وإلغائياً معه، وعندما عاد فرزات إلى الشام أصبح مديراً لمكتب عبدالله الأحمر (نائب الأمين العام لحزب البعث) ومسؤولاً عن العلاقة مع حركات التحرّر الوطني. وكنّا نجتمع أحياناً في مكتب عبد الرحمن النعيمي (البحرين) وننسّق مواقفنا، خصوصاً عندما كنتُ مسؤولاً عن العلاقات مع القوى الأخرى في الشام.
وفي الشام تعرّف علي كريم على الكثير من الشيوعيين، وكان مستبشراً بوجودهم، وطرح على الكثير منهم أسئلة شائكة عن فترة الجبهة وعن توجّهنا الجديد، وكانت من اللقاءات الممتعة اجتماعاتنا ولقاءاتنا لدى الصديق طارق الدليمي بكرمه المعهود، حيث كان يتردّد عليه هادي العلوي وسعدي يوسف ومظفر النواب ومحمد عبد الطائي وعلي كريم وعدنان المفتي وأحمد الموسوي وماجد عبد الرضا وشاكر السماوي وعبدالله الركابي وجمعة الحلفي وفاضل الربيعي وشيركو بيكسه وكاظم السماوي ( عند زيارتها إلى دمشق) وآخرين.
كان علي كريم يبحث عن التكامل مع الآخر، وبدونه يشعر بالركود والملل أحياناً، فقد جُبلَ على النقاش والحوار والاختلاف بحثاً عن الحقيقة. تعاون مع المفكر العراقي حسن العلوي على إصدار "صحيفة الشمس" في الشام، مثلما كانت علاقته وطيدة مع المجموعات القومية العربية والكردية، إضافة إلى علاقاته الإيجابية بشكل عام مع اليسار والحركة الشيوعية على اختلاف مدارسها وتوجهاتها وقد استضافني في الجزائر ونظّم لي ندوة تحدثت فيها عن حركة المنبر الشيوعية والاختلاف بينها وبين القيادة الرسمية للحزب، كما ارتبط أيضاً بعلاقات طيبة مع التيار الإسلامي، وكانت صلته وثيقة بالسيد مصطفى جمال الدين، وكذلك بنوري المالكي وباقر صولاغ وصلاح عبد الرزاق وابراهيم الجعفري وآخرين.
كنت أمازح علي كريم بمقولة المفكر الفرنسي الماركسي ألتوسير: إن فهم التاريخ هو قراءة الوعي بضدّه أو كما يقول الشاعر علي بن جبلة "ضدّان لما استجمعا حسناً / والضد يكشف حسنه الضدّ"، فلو اكتمل العالم فأي معنى سيبقى لحياتنا، وأين سيكون سؤاله الفلسفي التاريخي في البحث عن الحقيقة، وقد حاول التعبير عنه بالموقف من الآخر في كتبه الثلاثة:الأول الموسوم بـ أصول الضعف - دراسة في الميل العربي المشترك وهو كتاب احتوى على ومضات جريئة قد يكون بعضها متسرعاً أو لم يكتمل أو يدقق بما فيه الكفاية، خصوصاً وأنها لم تخلُ من حماسة ثورية، وهي التي لاحظها مصطفى جمال الدين في تقديمه للكتاب.
والكتاب الثاني كان بعنوان: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم - مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، الذي كتبت عنه تقريضاً في جريدة الحياة (اللندنية) في حينها، وإضافة إلى أهمية مراجعة الذاكرة لقطب بعثي قيادي عريق ودبلوماسي متمرّس، فإن الأهم منها هي التعليقات والتدقيقات والشروحات التي قام بها المؤلف، داخل متن الكتاب.
أما الكتاب الثالث، فقد اختار عنواناً له: البيرية المسلحة - حركة حسن السريع ، قطار الموت 1963، وهو تسجيل لبعض وقائع حركة حسن السريع، نائب العريف الذي قاد انتفاضة شيوعية ضد حكم البعث الأول (3 تموز/يوليو/1963)، وأعدم هو ومجموعة من رفاقه. وقد اتّسم الكتاب بسعة المعلومات وحجم التعليقات والآراء التي أوردها المؤلف، والتي لها قيمة تاريخية وموضوعية لتوثيق حدث هام لم تتم عملية " أرشفته" أو توثيقه أو تدقيقه. وباختصار إنه لم يتم نقد ومراجعة التجربة بصورة كافية من جانب الشيوعيين. ولم تلقَ اهتماماً تستحقه من جانب المؤرخين حتى الآن، وقد يعود السبب في ذلك إلى نظرة التقديس أو التدنيس.
علي كريم بأسئلته المتواصلة وبحثه عن أجوبة لا وجود لها كان يمثّل دور الناقد للفكر السائد فهو لا يستكين ولا يسلّم بفرضيات جاهزة أو حتميات مسبقة، بل كان يبحث عن التجريب، في الخطأ والصواب وفي إطار منهج نقدي تاريخي مقارن.
عانى علي كريم في سنواته الأخيرة من مرض "الصدفية" ومشاكل الكبد التي استفحلت في السنتين الأخيرتين وعاش صراعاً بين اليأس والأمل، والأمل حسب الفيلسوف نيتشه "آخر الشرور، لأنه يطيل العذاب"، وهناك مثلاً شعبياً نردّده يقول " وقوع البلاء خيرٌ من انتظاره"، وهكذا فقد قرّر الرحيل بهدوء، بعد مقاومة شرسة، فقد كان يدرك أن العلاقة عضوية ومتداخلة بين الموت والحياة، وحسب الروائية رضوى عاشور : الحياة تؤطر الموت، تسبقه وتليه، وتفرّق حدوده، تحيطه من الأعلى والأسفل ومن الجانبين، وكان مثل هذا الاستنتاج حصيلة تجربتها مع المرض لحدود الموت، وقد دوّنته قبل رحيلها في العام 2013 برواية أقرب إلى سيرة ذاتية أو مقاطع منها بعنوان " أثقل من رضوى"، ورضوى اسم جبل في ينبع بالمدينة المنورة غرب المملكة العربية السعودية وهو من الجبال الوعرة، ويمكن اختيار رضوى عاشور الاسم عنواناً للكتاب تورية عن اسمها وعن المرض الثقيل الذي ألمّ بها.!!
توفّي علي كريم بعد عودته من رحلة لأداء مناسك الحج، في 25 شباط (فبراير) العام 2003، وكان حينها في أوج عطائه ونضجه. لا أدري إنْ كان قد استعجل في موته؟ ولكنه فعلها هكذا " أبو فراس" وغادرنا سريعاً. ربّما لم يرغب وهو المتطلّع إلى التغيير في أن يرى بلاده رهينة للاحتلال والمحتلّين فقرّر هو الرحيل، في حين كانت الجحافل تتوجّه صوب البلاد . وقد يكون ذلك سؤاله الأخير إلى أين أنتم ذاهبون؟ وماذا تريدون؟ وهل تتصوّرون أنّكم ستنعمون بشمس بغداد الذهبية؟
في لقائنا ببغداد الدكتور أحمد الموسوي وأنا وآخرين استعدنا ذكرى علي كريم العطرة بحزن وألم وتخيّلناه لو كان موجوداً، كيف سيدخل نقاشاً هنا وحواراً هناك وسجالاً واختلافاً، مع أن الأمر أخذ يزداد خطورة مع مرور الأيام. وبعد عام ونيّف من هذا اللقاء اختفى أحمد الموسوي (قسرياً حسب مصطلح الأمم المتحدة) حيث اقتيد إلى جهة مجهولة ولم يظهر له أي أثر حتى الآن وهو المدافع عن حقوق الإنسان والناشط في هذا المجال خلال العقد الأخير، فما بالك بالآخرين.
هكذا لم يدعنا القدر نلتقط أنفاسنا، فالموت صاحب حيلة لها دياميسها وطرقها الملتوية ووسائلها المعقّدة، " تعدّدت الأسباب والموتُ واحدُ". فهذا القدر الغاشم يُرسل إلينا باستمرار إشارات قد لا نعي مدلولاتها أو لا نعرف مغزاها، إنه يحاول " اللعب" معنا، يختبئ حيناً ويظهر حيناً آخر، وتارة  يهجم علينا كوحش كاسر يريد أن يفترسنا في الحال، وتارة أخرى يتعامل معنا بمكرٍ ومراوغة ونعومة ليتمكن منّا، وذلك بعد أن يُقعدنا مرضى ومحبطين، والمرض يكسر كبرياء الإنسان حسب المسرحي سعدالله ونّوس الذي شرب المرارة بكأس التحدّي، وكم يكون قاسياً على المرء حين يشعر بضعفه وانكسار كبريائه، بعد أن تخور قواه البدنية.
حينما رحل علي كريم ورحل أصدقاء آخرون بعده، كنت أقول مع نفسي ما كان يردّده " أبو كاطع" مع الفارق في التشبيه– موتك بُطر يا حاتم السلطان، نقلاً عن أحد الفلاحين المعدمين، والذي جاء باكياً، بل لاطماً على صدره ورأسه، وهو يعيد العبارة الأثيرة، وعندما سأله أحد المعزّين عن درجة قربه من الراحل، أجاب: لماذا يموت؟ أهو محتاج إلى شيء كي يذهب حسرة وألماً فيغادرنا، لأن كل شيء لديه: العزّ والجاه والأبناء والأراضي ... فلم لماذا يموت إذاً؟ فالموت حسب هذه التورية " الحسجة" هو للفقراء والفلاحين وليس للأثرياء والشيوخ.
كان علي كريم غنيّاً بالقيم الإنسانية والنبل الشخصي، وكان بيته في دمشق وبراغ والجزائر ولايدن مفتوحاً لكل صديق أو زائر أو حتى طالب مساعدة ، فقد كان اجتماعيا وسخيّاً ومحبّاً للخير وخدمة الناس. بذلك كان علي كريم غنياً، وهو فخور بذلك الغنى على الرغم من فقر الحال أحياناً، لكنه غنى النفس وكرم الأخلاق وثراء القيم الإنسانية.
قلت مع نفسي بعد استعادة الحدث لماذا تتركنا يا علي كريم وأنت الكريم وترحل؟ ثم من يجرؤ على مغادرة هذا الكم الهائل من الأصدقاء والمحبّين؟ وأبقى عند كل فقدان وفداحة بصديق أستعيد تفاصيله الصغيرة، وأرسم عليها بالألوان صوراً ونقوشاً  وأغزل منها "حكاياً" كثيرة، لأحيكَ بعدها نسيجاً قد يرضي الراحل وقد لا يرضيه.
لقد كان علي كريم شجرة باسقة ولكنّه كان دائماً بحاجة إلى ريح عاصفة لتهزّها، لتصبح قوية وسامقة ومؤهلة لكي تعطي ثمارها، فكثيراً ما كان بحاجة إلى التحدّي.وأستطيع القول أنه كان يبحث عنه.
علي كريم كان صاحب أسئلة، والشك ما بعد الشك طريقه إلى اليقين، وهذا الأخير ليس نهائياً، بل إنه مصدر شك أيضاً، وسؤال، وتلك واحدة من سماته الشخصية الإنسانية المتميّزة.
زمن تتقدم فيه الأسئلة وينهزم الجواب، كما يقول أدونيس.


في الصورة:
عبد الرزاق الصافي وعبد الحسين شعبان وعلي كريم سعيد

518
مفارقات السياسي والأكاديمي
     
د. عبد الحسين شعبان
حين تفترق مواقف السياسي عن الأكاديمي تكون الخسارة للحقيقة كبيرة جداً، خصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بالجوانب الإنسانية والحقوقية، وهكذا للتاريخ مفارقاته، بل ومكره ومراوغته على حد تعبير هيغل. وإذا كان فهم التاريخ هو قراءة الوعي بضدّه، حسبما يقول المفكر الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير، فإن التناقض يبدو صارخاً أحياناً بين السياسي الذي يقوم بالتبشير والدعاية لإيديولوجيته وأفكاره، وبين الأكاديمي الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة بغضّ النظر مع من وضد من، وفي ذلك تعارض كبير. أستعرض هنا ثلاث مفارقات لها دلالات مهمة لعلاقة السياسي بالأكاديمي:
المفارقة الأولى مضى عليها 35 عاماً وأعني بها الحرب العبثية (العراقية - الإيرانية) التي ابتدأت في 22 سبتمبر/أيلول العام 1980، خصوصاً بعد الاستفزازات الإيرانية وكذلك التحرشات الحدودية والدعوة لتصدير الثورة، حيث قامت القوات العراقية باجتياح الأراضي الإيرانية بعد أن مزّق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين اتفاقية 6 مارس/آذار لعام 1975 والمعروفة باسم «اتفاقية الجزائر». وكانت هذه الاتفاقية مُجحفة بحق العراق الذي وافق على اعتبار خط الثالويك هو الحد الفاصل للحدود في شطّ العرب، في حين إنه نهر وطني عراقي وليس نهراً دولياً، كما وافق على التنازل عن أراضي عراقية في منطقة نوكان (ناوزنك) في شمال العراق (كردستان)، مقابل وقف دعم إيران للحركة الكردية المسلّحة، بل أكثر من ذلك سكتت الاتفاقية عن احتلال إيران للجزر العربية الثلاث التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي احتلتها إيران في العام 1971، وهي جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
وإذا كانت الحكومة العراقية قد أقدمت على الحرب، فإنها أعلنت عن رغبتها في وقفها والجلوس إلى طاولة المفاوضات، لاسيّما بعد أن اضطرّت إلى سحب القوات العراقية من الأراضي الإيرانية بعد معركة المحمرة (خرمشهر) في العام 1982، ولكن إيران التي حرّرت أراضيها رفضت وقف الحرب، وأعلنت من جانبها الاستمرار فيها حتى يتم الإطاحة بالنظام العراقي، إضافة إلى شروط أخرى. وقد كان قيام الحرب واستمرارها 1980-1988 مصدر اختلاف شديد في أوساط المعارضة العراقية في الخارج، فالقوى الإسلامية دعت هي الأخرى إلى استمرار الحرب حتى النصر، ولم يكن في برامج القوى الكردية موضوع وقف الحرب، وسوريا ومن معها كانوا إلى جانب عدم توسيع رقعة الحرب، واليسار الذي كان موقفه داعياً لوقف الحرب فوراً والانسحاب العراقي من الأراضي الإيرانية، والجلوس إلى طاولة مفاوضات لحلّ الخلافات طبقاً للقانون الدولي، بدا مشوشاً إزاء المشروع السياسي والحربي الإيراني، خصوصاً اختراق القوات الإيرانية للأراضي العراقية، وهو الأمر الذي أثار تعارضات شديدة وانقسامات متعدّدة داخله، لاسيّما من جانب بعض المثقفين الشيوعيين.
لم يكن حجم القسوة ومئات الآلاف من الضحايا، سوى أرقام لدى السياسيين وكأن المسألة، حفلة صيد، وليست أرواح بشر، وظلّت اللغة الخشبية مهيمنة على الخطاب السياسي للقوى والأحزاب والجماعات، سواء كانت حاكمة أو معارضة ومهاجرة، لدرجة أن الشعار السياسي كان يتقدّم على الواقع، مقابل تراجع الخطاب الأكاديمي الذي جرت محاولات لتوظيفه لصالح السياسي. البشر الذين كانوا يحترقون بنار الحرب والقصف اليومي والرعب المستمر، لم يكن يجدوا لهم مكاناً في خطاب إرادوي يُسقط فيه السياسي رغباته على الواقع، بعيداً في أحيان كثيرة عن آلام الناس وعذاباتهم.
كتب بريمي ليفي عن المحرقة النازية ومعاناة الضحايا يقول «معظم الذين نجوا من المحرقة، يذكرون شفهياً أو في مذكراتهم المكتوبة، حلماً كان يراودهم باستمرار خلال ليالي احتجازهم، يختلف في تفاصيله، لكن جوهره واحد: إنهم عادوا إلى منازلهم يصفون لأحبائهم بانفعال عذاباتهم الماضية، لكن هؤلاء لم يصدّقوهم، والحق إنهم لم ينصتوا إليهم، وفي الشكل الأكثر نمطية (والأكثر قسوة) كان المستمع يستدير ويغادر بصمت».
لاحظت ذلك من خلال قصص المهجّرين إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية المزعومة، وقد نشرت في كتابي «من هو العراقي؟» أربع عشرة شهادة عن مأساتهم ومعاناتهم المتواصلة، وهي شهادات مركّبة ومعقّدة وأقرب إلى الخيال في بعض تفاصيلها، حيث تتحوّل القسوة في زمن الأزمات الأخلاقية والانحلال القيمي إلى نوع من الخضوع والتخلي عن المسؤولية وتبرير ما هو قائم.
المفارقة الثانية بين سلوك السياسي والأكاديمي ترتبط بحادث قصف «إسرائيل» للمفاعل النووي العراقي في حزيران (يونيو) العام 1981، وكنت قد كتبت مقالة بعنوان «السلاح النووي في الصراع العربي- «الإسرائيلي» وشجعني عامر عبدالله على نشرها في مجلة الثقافة الجديدة العراقية «المهاجرة» وطلب مني المقالة ووافقت على طلبه. وصدر العدد الذي تلا الحدث ولم تنشر المقالة، وصدر عددان آخران، ولم تر المقالة النور. وبعد أخذ وردّ واستفسارات، لا تخلو من غموض، جاء الرد مفاجئاً بأن «الجماعة» على الرغم من تقديرهم علمية ورصانة المقالة، لكنهم يعتبرونها غير منسجمة مع سياسة الحزب الراهنة التي ترفع شعار إسقاط السلطة، ولذلك فإن نشرها قد يفسّر على إنه تخفيض من مستوى شعارنا على الصعيد السياسي، وزاد الأمر تعقيداً حين أكّد أنهم لا ينصحون بنشرها، إلاّ إذا أجريت عليها تعديلات وحذوفات من شأنها أن تلغي مثل هذا الانطباع. وللأمانة فإن رأيه كما قال لي لم يكن منسجماً مع هذا التوّجه.
وعلى الرغم من استغرابي من مثل هذا الاستنتاج، فإنني قرّرت نشر المقالة في مكان آخر، خصوصاً وإنها كُتبت بالأساس ضد «إسرائيل» والصهيونية، فاضحاً إياهما قانونياً في إطار محاججة فقهية وعلى أساس القانون الدولي، ومطالباً «إسرائيل» بالتعويض، فضلاً عن مطالبة المجتمع الدولي بإدانتها على عدوانها. ومع ذلك لم تنس المقالة نقد الحكم في العراق وتحميله المسؤولية عن عدم حماية هذه الثروة الوطنية التي لا تخصّ الحكم وحده، بل العراق ومستقبله والتوازن العسكري لعموم دول المنطقة. اكتفيت بمعالجة الأمر بهدوء ولكن ليس بمعزل عن تعليق ساخر من قبيل «يبدو أن العراق قصف نفسه».
الوجه الآخر لهذه المفارقة حين طلب مني مركز الإنماء القومي في بيروت مقالة إلى مجلته، فأعطيتهم هذه المقالة الجاهزة، وبعد انتظار أكثر من شهرين وصدور عددين، وإذا برئيس التحرير مطاع الصفدي يعتذر مني على عدم تمكّنه من نشر المقالة رغم عمقها ونفسها العروبي على حد تعبيره، فإنها تحمّل الحكم في العراق جزءاً من المسؤولية، ومثل هذا الرأي ليس مكانه، واقترح لنشرها حذف فقرتين وردتا في سياق التحليل.
المفارقة الثالثة هي الموقف من الحكم من جانب المعارضة في السابق والحاضر، فالبعض ممن يعارضون حكومة ما، لا يتورّعون للقيام بكل ما يضعف البلد، وتراهم يذهبون إلى أبعد من ذلك حين ينظرون إلى الضحايا بدم بارد، سواء أيام الحصار الدولي الذي استمر نحو 13 عاماً أو بعد الاحتلال، فبعضهم لا تهزّه مشاهد التفجيرات وأعمال القتل والعنف والإرهاب، طالما هي تضعف الحكم، العدو أو الخصم الأساسي للمشروع السياسي الذي يمثّله.
كم كان مُحزناً حين طالب نائب بريطاني (ليس الوحيد بالطبع) رئيس الوزراء حينها توني بلير (العمّالي) بضرورة رفع الحصار اللاّإنساني بحق العراق، فكان أن أجابه بلير: هم الذين يدعونني (المقصود بعض المعارضين ورسائل وقّع عليها بعض المثقفين) إلى مواصلة فرض الحصار، بل يقولون لي: اقصفوا.. اقصفوا!
خدر الضمير لدى بعض المعارضين في السابق ينتقل إلى بعضهم حالياً، لاسيّما إزاء الضحايا، فيتعاطون ببرود مع ما فعلته "داعش" بالموصل وعموم المناطق التي احتلّتها، طالما هي ضد الحكومة التي يعارضونها. ذكّرني هذا الخدر اللاّإنساني للضمير إزاء ضحايا الحصار الذي قالت عنه مادلين أولبرايت وهي تردّ على محاورتها في برنامج 60 دقيقة حول موت 650 ألفاً من العراقيين: أيستحقون ذلك، قالت بكل استهتار.. نعم إنهم يستحقون ذلك.
المسألة ليست قسوة رجل شرير أو مشروعاً سياسياً أو مذهبياً أو مصالح غربية وأهدافاً «إسرائيلية»، إنها جزء من ظاهرة العنف اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ونفسياً بحاجة إلى دراسة واتساق، ما بين الأخلاقي والسياسي، وما بين السياسي والأكاديمي، فالقسوة لا تعني إلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحايا، وتحطيم معنوياتهم فحسب، بل تعني محاولة سلخ إنسانيتهم ونزع شعورهم الإنساني والتلقائي بالانتماء إلى بني البشر.


519
المنبر الحر / ورطة العبادي
« في: 18:58 17/09/2015  »
ورطة العبادي
                 
عبد الحسين شعبان
يبدو أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في ورطة حقيقية، وهذه الورطة لم تكن ناجمة عن الحراك الشعبي الواسع وحركة الاحتجاج العارمة، بل هي جزء من الأزمة المستفحلة التي يعيشها العراق منذ احتلاله في العام 2003، فضلاً عن مخرجاته، بما فيها نظام المحاصصة الطائفية والإثنية واستشراء الفساد المالي والإداري، وتفشي العنف وشيوع ظاهرة الإرهاب المنفلت من عقاله.
وقد أسهمت تلك العوامل والمتغيرات في إضعاف مبادئ المواطنة والهوّية الموحّدة، وعززت الشعور بالتمييز وعدم المساواة لدى فئات واسعة من السكان، في ظل انعدام الأمن والأمان، وتصدّع وحدة الدولة العراقية أو ما تبقّى منها، بعد أن حلّ الحاكم المدني الأمريكي، بول بريمر الجيش العراقي.
العبادي الذي أعلن عن رغبة في الإصلاح الفوري، وباشر بتحديد إطاره العام، لم يكتف بذلك، بل أكدّ أنه سيضرب بيد من حديد جميع الفاسدين حتى إنْ كانوا من حزبه أو كتلته. ولكن هل يكفي ذلك لإنجاح عملية الإصلاح؟ أم أنه بحاجة إلى مستلزمات ضرورية لابدّ من توفّرها لنجاحه؟ فالإعلان وحده ليس كافياً لتحقيق الإصلاح، أو وضع حدّ للفساد كغول جبّار، الذي يمثّل الوجه الآخر للإرهاب والعنف.
الإصلاح يحتاج بعد توفّر الإرادة السياسية، إلى دراسات معمّقة لجوانب الحياة كافة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً، ووضع الخطط والبرامج العلمية والعملية لمعالجتها، بحيث تعكس حاجات المجتمع وتطلّعاته من دون إهمال أي منها، بما فيها مشاركة المجتمع المدني، الذي يتطلّب منه أيضاً عدم الاكتفاء بدوره كقوة احتجاج أساسية في الدعوة للإصلاح وفي حركة التظاهر والاعتراض، بل التحوّل إلى قوة اقتراح للقوانين والأنظمة، في اتخاذ القرار، بما يعزّز وحدة الإرادة والعمل.
الإصلاح يحتاج أيضاً إلى كفاءات، ومعرفة بمتطلّبات التغيير وأجهزة الدولة ومكامن الفساد التي استحكمت فيها، مثلما يحتاج إلى قضاء مستقل ونزيه (وشجاع في هذه المرحلة بالذات) لملاحقة الفاسدين والمفسدين، وتمكين العدالة من قول كلمتها، بغضّ النظر عن مجاملة هذه الكتلة أو تلك، أو هذا الحزب أو ذاك، أو هذا المسؤول أو ذاك.
وإذا أراد العبادي فتح ملفّات الفساد كما قال، فسيواجه طابوراً طويلاً وطاقماً عريضاً من الذين ستطالهم المحاسبة منذ احتلال العراق وحتى الآن، بمن فيهم رؤساء وزارات، ووزراء ومسؤولون كبار، وبالطبع فإن الولايات المتحدة تتحمّل مسؤولية أساسية في ما وصلت إليه البلاد، وكانت وراء الفساد الذي أخذ يتغلغل في مفاصل الدولة العراقية المتفكّكة، ويعشش في جوانبها وثناياها المختلفة، عبر تعيين فاسدين والتواطؤ معهم أو غضّ النظر عن فسادهم، لاعتبارات سياسية أو مصلحية، ابتداءً من مجلس الحكم الانتقالي وما بعده. فهل يستطيع العبادي بإمكاناته المحدودة ومن دون حلفاء يُذكرون أن يحقق ذلك؟
لقد بدّد بول بريمر وحده ثمانية مليارات و800 مليون دولار، وسارت على منواله الحكومتان اللتان تلته، بحيث ضاع أكثر من 20 مليار دولار من دون أي إنجاز يُذكر. والكارثة الأكبر بذهاب أكثر من 700 مليار دولار وهي واردات النفط خلال سنوات ما بعد الاحتلال، هباءً منثوراً، سواء بسرقات أو عقود وهمية أو امتيازات أو عدم شعور بالمسؤولية إزاء المال العام، حتى إنه تم صرف عشرات المليارات من الدولارات لإعادة الكهرباء طيلة الثلاثة عشر عاماً المنصرمة من دون أي تحسّن حقيقي، وكذا الحال بالنسبة للخدمات الأخرى، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، إضافة إلى البطالة التي تزيد على 20% حسب تقديرات الأمم المتحدة، في حين أنها أكثر بكثير من ذلك إذا احتسبنا البطالة المقنّعة، والأمية التي ارتفعت ما يزيد على نسبة البطالة، وبالطبع فإن ذلك كلّه يشكّل بيئة خصبة للإرهاب وحاضنة للعنف.
لا يخفى إن حركة الاحتجاج الأخيرة عجّلت إعلان العبادي عن توجهاته لتحقيق الإصلاح، وزاده الأمر تشجيعاً إعلان مجموعة رجال الدين المتنفذة في النجف، وفي مقدمتهم السيستاني عن تأييده لتوجّهه، خصوصاً بعد أن أصبح مستقبل السلطة السياسية في العراق على كفّ عفريت، ولاسيّما مع استمرار احتلال «داعش» للموصل والعديد من المدن العراقية، وبقاء الخلافات مع إقليم كردستان، على الرغم من محاولات تطويقها، وكذلك الانتقادات والاتهامات لاحقاً ضد الحشد الشعبي، إضافة إلى تخفيض ميزانية الدولة بسبب انخفاض أسعار النفط.
وإذا كان «الجميع» قد أعلن تأييده للإصلاح، ولو على مضض، لاسيّما بعد أن زكمت رائحة الفساد الأنوف «طلعت ريحتهم» على الطريقة اللبنانية، فإن الخوف من الاتهام بالفساد كان وراء هذا «التأييد»، ولكن أغلبية الأطراف أبدت تحفّظات غير معلنة على توجّه العبادي، تارة بحجة عدم استشارتها أو من دون علمها، وتارة أخرى بزعم إن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت وليست المهمة ذات طابع آني.
نقول إن العبادي في ورطة، لماذا؟ لأن الإعلان عن تبنّي نهج الإصلاح يحتاج إلى أدوات مناسبة قد لا تكون متوفرة وجاهزة في ظل صخرة الواقع الصلد، خصوصاً أن لدى الفاسدين خطوط دفاع كثيرة، وجدراناً سميكة يصعب اختراقها، فهل يمكن الاعتماد على من شارك أو تواطأ أو سكت على الفساد طيلة السنوات الماضية؟ كما لا تكفي الشعارات ذات الطبيعة التعبوية لتحقيق الإصلاح، الذي هو مسار طويل الأمد، وقد يكون متعرّجاً، ولذلك يحتاج إلى صبر طويل وإصرار على مواصلته.
يُذكر إن جميع الكتل والأحزاب والقوى من دون استثناء متورّطة في الفساد بدرجة أو أخرى، كبيرة كانت أم صغيرة، وجميعها سكتت عن عمليات النهب للمال العام والفساد والرشا والتزوير، وتواطأت مع الفاسدين من منتسبيها، وكذلك مع الذين تم توظيفهم لحساب جهات خارجية، سواء قبل الاحتلال أو بعده، حتى إن حملوا أسماء للمجتمع المدني أو مراكز أبحاث أو غيرها.
إن التركة التي خلّفتها الحكومات السابقة للعبادي ثقيلة جداً، خصوصاً إنه جاء عقب فترة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي التي دامت ثماني سنوات، ولم تحقّق أية إنجازات على الصعيد العملي، خصوصاً في ميدان الخدمات والكهرباء والماء والصحة والتربية والتعليم والثقافة والعمل وغيرها، وارتفعت خلالها وتيرة الانقسام المذهبي والإثني وزاد الطين بلّة احتلال «داعش» للموصل وتهديده بالتمدّد نحو بغداد.
ولذلك فإن تجاوز الآثار الضارة والخطرة ستكون عملية صعبة وقاسية ومعقّدة ولن تكون من دون خسائر، ولا يُستبعد أن تطيح العبادي ذاته إنْ لم تتوفّر عوامل موضوعية وذاتية تمكّنه من الاستمرار في نهجه من دون توقّف أو تراخ أو تراجع، وقد يحتاج الأمر منه لمواصلة نهج الإصلاح اتخاذ خطوات حازمة وجريئة، مثل إعلان حالة الطوارئ وحلّ البرلمان وتشكيل وزارة جديدة خارج إطار المحاصصة، لأن أي نكوص عمّا هو معلن سيوقعه صريعاً، خصوصاً وهو يقف ضد الطاقم السياسي الحاكم برمته.
لقد حاول الزعيم السوفييتي خروتشوف في العام 1956 والذي أعقب الزعيم الكاريزمي ستالين، إجراء إصلاحات، خصوصاً بعد أن كشف في تقرير قدّمه للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، حجم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكنه لم يستطع تحقيق نجاحات تُذكر، وظلّت الإصلاحات التي دعا إليها فوقية، خصوصاً إن طاقم ستالين وموظفيه ظلّ متربصاً، وهكذا أزيح خروتشوف، وعادت الستالينية التي لم تبارح موقعها أصلاً إلى الظهور بثوب بريجينيفي جديد.
كما حاول غورباتشوف منذ تولّيه الحكم في العام 1985 الدعوة إلى حزمة إصلاحات عميقة تتعلق بإعادة البناء والشفافية والتي عُرفت باسم (البريسترويكا والغلاسنوست) لكن خططه للدمقرطة ومواجهة البيروقراطية والترهل الإداري والفساد الحزبي والحكومي، لم يُكتب لها النجاح، لأنها كانت مستعجلة وغير مدروسة في بعض جوانبها، وفي جوانب أخرى غير تدرّجية، فضلاً عن وجود عوائق كبيرة أمامها، ولهذه الأسباب لم يطح بغورباتشوف فحسب، بل أطيح بالمنظومة الاشتراكية بكاملها، وبالاتحاد السوفييتي آخر قلاعها وأهمها، فهل سيطاح بالعبادي وحده إنْ فشلت خططه للإصلاح، أم يطاح بما تبقّى من العراق؟
ولكي يتجنّب العبادي مصير خروتشوف وغورباتشوف مع الفارق في التشبيه، فعليه مواصلة نهجه خارج منظومة الطاقم الحاكم، وبناء تحالفات جديدة، واتخاذ إجراءات فعّالة من دون تردّد أو انتظار، وإلاّ فإنه سينتحر أو يُنحر، وفي كل الأحوال فإن ذلك خسارة حقيقية للإصلاح ودعاته وللعراق ومستقبله، وتلك هي ورطة العبادي.


520
تروست الأدمغة القديم والحرب الباردة الجديدة

عبد الحسين شعبان
تروست الأدمغة القديم والحرب الباردة الجديدة – مقالات  – عبد الحسين شعبان
هل التجاذب الروسي – الأمريكي بخصوص أوكرانيا أو الأزمة السورية أو الملف النووي الإيراني والصواريخ البالستية في أوروبا وغيرها،  يعني عودة الحرب الباردة التي استمرت ما يزيد عن 40 عاماً بين واشنطن وموسكو؟ هناك قراءتان أمريكيتان لشخصيتين وازنتين وارنا دوراً كبيراً في رسم الستراتيجية والتاكتيك الأمريكيين في الستينيات وحتى مطلع الثمانينيات وهما زبيغينو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق  وهنري كيسنجر  مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأسبق، حيث كان لما يُعرف بتروست الأدمغة اللذان عملا فيه  شأن كبير ومؤثر، في الصراع الآيديولوجي والحرب الباردة بين الشرق والغرب آنذاك، وهو الأمر الذي استبدل بـ ” الإسلام ”  بعد انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني/ 1989.
توقفت عند آراء بريجنسكي وكيسنجر من خلال مقابلتين صحافيتين فيما يتعلق بالراهن والمستقبلي. المقابلة الأولى أعطاها زبيغينو بريجنسكي لمجلة “دير شبيغل” الألمانية في يوليو /تموز 2015 . أما المقابلة الثانية فقد كانت  للمجلّة ذاتها، وقد سبق أن أجرتها مع هنري كيسنجر، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014  ويمكن قراءتها استكمالاً لمقابلة جريدة الصاندي تايمز مع كيسنجر التي أعطاها يوم 7 سبتمبر/ أيلول من العام ذاته، أي قبل شهرين على مقابلته مع مجلة الدير شبيغل.
جوهر المقابلة الأولى يصبّ في موضوع عودة الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة، لدرجة أن ” الصقر” البولوني الأصل  زبيغينو بريجنسكي  شدّد على القول “نحن عملياً في حرب باردة”، وخاطب الغرب بقوله إن عليه ” الوقوف في وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا”، وإن عليه أيضاً أن يجعل الأمور صعبة على الروس لاستخدام القوة . ودليله على عودة الحرب الباردة هو موضوع أوكرانيا واحتمال التصعيد العسكري الروسي وزيادة ترسانة موسكو من الصواريخ العابرة للقارات، في مقابل سعي واشنطن لنشر قواعد الصواريخ والأسلحة الثقيلة في أراضي أوروبا الشرقية المنخرطة في إطار حلف شمال الأطلسي.
ويمكن القول إن الدور الروسي في المفاوضات مع إيران 5+1 بشأن الاتفاق على الملف النووي، وكذلك الموقف من نظام الحكم في سوريا، هو عودة محدودة لهذه الحرب الباردة التي تحدّث عنها بريجنسكي، لاسيّما بعد خذلان روسيا في ليبيا وبعد خيبتها في العراق، إضافة إلى مصر، وهي مناطق نفوذ تاريخية بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق، خصوصاً لدوره في موضوع الصراع العربي- الصهيوني.
أما هنري كيسنجر “الثعلب العجوز″ والألماني الأصل فلم يختفِ عن الأضواء، وظلّ يدلي بآرائه بين فترة وأخرى، وهذه الآراء تلقى اهتماماً كبيراً وأحياناً مبالغاً فيه، لدرجة هناك من يتحدّث عن “حكمة” صاحب “النظرية الواقعية ” في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من مغادرته البيت الأبيض بانتهاء فترة الرئيس جيرالد فورد في العام 1976  الاّ أنه كان يقوم ببعض المهمات الاستشارية في الحكومات اللاحقة، وهو ما اعترفت به مؤخراً السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في إدارة الرئيس أوباما من  20 يناير /كانون الثاني، العام  2009 حتى 1 فبراير/ شباط  2013.
  وكان كيسنجر قد انتقد مؤخّراً إدارة الرئيس باراك أوباما متّهماً إيّاها بالفشل، بخصوص التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية، “داعش” ودعا إلى شن حرب قوية ضده وعدم التمييز بين العراق وسوريا.
 ويجب أن لا ننسى إن كيسنجر عندما يبحث ويفكّر، فإنه يجمع في شخصه رجل الدولة والباحث والمفكّر، الذي يعطي لما يكتبه أو يقوله أهمية خاصة، وإنْ كان هناك افتراقاً بين كيسنجر الأكاديمي وكيسنجر السياسي.
أما في مقابلته مع مجلة الدير شبيغل  فقد وجّه كيسنجر انتقادات مباشرة إلى الغرب بخصوص المسألة الأوكرانية ، وطلب قراءة جديدة لموقع روسيا، لأنها تريد أن تكون جزءًا من أوروبا ، كما خطّأ موقف واشنطن بشأن سوريا ، وقال كان يُفترض ” التفاهم” مع الروس، في إشارة إلى عودة التوازن الذي كان سائداً في فترة الحرب الباردة، وأخيراً حاول التفريق بين أوروبا والولايات المتحدة، فالأولى تؤمن بالدبلوماسية الناعمة بالدرجة الأساسية، في حين أن واشنطن تؤمن بالقوة التي تأتي الدبلوماسية مكمّلاً لها.
ويعتبر الرئيس جون كيندي 1960 -1963 أول من اهتم بشكل كبير بمراكز الأبحاث والدراسات، حيث جمع العديد من الكفاءات حوله لتأسيس “مجمّع العقول” الذي أخذ يؤثر في  صناعة وتوجيه القرار السياسي للبيت الأبيض الأمريكي. وكان من أبرز العاملين فيها الذين احتلوا مواقع مهمة لاحقاً، إضافة إلى كيسنجر وبريجنسكي، كل من مادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وستيفن هادلي .
ويقوم ترست الأدمغة ” بتطوير” ستراتيجية الدعاية والحرب النفسية وتاكتيكها بالاعتماد على وسائل الصراع الآيديولوجي. وارتبط شيئاً فشيئاً بشكل وثيق بالمؤسسات الحكومية، وهو ما دعي، فيما بعد بـ”المجمّع السياسي- الأكاديمي” وكان ذلك في بداية تكوين ” المجمّع الصناعي- العسكري” في الستينيات.
عُرفت سياسة كيسنجر في الشرق الأوسط باسم سياسة الخطوة – خطوة Step by Step  حتى أن بعض الزعماء العرب، أعلن انبهاره  بسحر وفاعلية تلك السياسة ووصف الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات مخطِطَها كيسنجر، بالساحر وصانع المعجزات ورجل الدولة من الطراز الأول.
وعلى الرغم من تمرّغ هيبة رئيسه نيكسون بالوحل العام 1974 إثر فضيحة ووترغيت إلاّ أن نجم كيسنجر لم ينطفئ وقد استطاع توظيف موقعه السابق بما يعطي الانطباع على استمراره الفاعل في السياسة الخارجية، من خلال تصريحات وتحليلات واستشرافات، كان قد قال بعضها في السبعينيات ومنها: علينا أن نقيم دويلة وراء كل بئر نفط، وكان من آرائه زعزعة النظام في العراق، عن طريق تشجيع إيران الشاه، بدعم المجموعات الكردية المسلحة، لمشاغلة الجيش العراقي، ومنع مشاركته في التصدي لإسرائيل، وعندما وصلت الأمور إلى لحظة حرجة، لم يكن بعيداً عن حلحلتها، عبر اتفاقية الجزائر العام 1975  بادر إلى “التدخل” لضمان سكوت الحكومة العراقية عن المطالبة بالجزر العربية الثلاث أبو موسى والطنبين، وهو ما كان يريده شاه إيران، مقابل وقف دعم الحركة الكردية المسلحة الذي يريده صدام حسين، إضافة إلى ذلك كان من توجهاته إذكاء نار الصراع بين سوريا والعراق، إضافة إلى مناصبة جمهورية اليمن الديمقراطية العداء السافر، والدعوة للإطاحة بنظامها.
أما زبيغينيو بريجنسكي فقد أصبح مديراً لاحد من أهم معاهد الأبحاث الذي أُسس في جامعة كولومبيا العام 1961 وعُرف باسم ” معهد القضايا الشيوعية” ويعد بريجنسكي من الآباء الروحيين لنظرية بناء الجسور، حيث كان يعمل مستشاراً للرئيس جونسون للشؤون الخارجية، ثم أصبح مستشاراً للأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس جيمي كارتر 1977-1981  ثم عَمِل في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية.
كانت آراء كيسنجر وبريجنسكي، تطبيقاً لنظرية بناء الجسور، التي تم تحضيرها في عهد الرئيس كيندي، وجاء دورها في عهد الرئيس نيكسون، واستمرت لاحقاً، حيث يتم الاستعانة بها، للصراع الحالي ضد “أعداء” الولايات المتحدة. وعلى الرغم من  أن تلك النظرية ظهرت في سنوات الستينيات، إلاّ أنها ظلّت تحتفظ ” بسحر” خاص في الستراتيجية الأمريكية  لحين انهيار الكتلة الاشتراكية، فضلاً عن استمرارها في صراعها ضد “الإسلام” السياسي، وذلك تحت ذريعة أو مبرّر حلول  “العصر الأمريكي”، لتعميم نمط الحياة الاجتماعية وطرائق التفكير والوسائل الاستهلاكية الضرورية الأمريكية، تلك التي تفتقر إليها الكثير من البلدان التي تعارض سياسة واشنطن، كما عملت على التسلّل داخل هذه البلدان من خلال أساليب مختلفة، أهمها وسائل الإعلام، ولاسيّما الفضائيات، والثقافة بكل أنواعها، من السينما إلى الفن والأدب، ومن لعب الأطفال إلى الكتب والمطبوعات، ومن الاتصال المباشر إلى الانترنيت وغير ذلك.
الحرب الباردة الجديدة هي صناعة لترست الأدمغة القديم.
{ باحث ومفكر عربي


521
الفساد والحوكمة والتنمية
                     
د. عبد الحسين شعبان
منذ احتلال العراق في العام 2003 وقضايا الفساد والحوكمة والتنمية تطرح على بساط البحث على نحو شديد نظراً لحساسيتها وتأثيراتها في موضوعات الإرهاب والعنف والطائفية، إضافة على تفكك الدولة وتراجع هيبتها على نحو مريع، وكان لاحتلال "داعش" للموصل وتمدّدها لتشمل محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من كركوك وديالى والتي تصل إلى نحو ثلث الأراضي العراقية، قد أثار شجوناً قديمة تتعلق بهذه المسائل الثلاث، أي الفساد والحوكمة والتنمية، سواء في المؤسسة العسكرية والأمنية أو في مفاصل الدولة الأخرى.
يرتبط الفساد بغياب ما يسمى «بالحكم الصالح» أو «الحوكمة»، وهذان الأمران يرتبطان على نحو وثيق سلباً أو إيجاباً بمسألة التنمية، خصوصاً وأن تقليص دائرة الفساد المالي والإداري، فضلاً عن اعتماد مبادئ الحوكمة، ستكون ضامناً لتحويل النمو الاقتصادي ليصبح تنمية إنسانية شاملة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية وغيرها.
ويبقى مفهوم التنمية بأبعادها الدولية بحاجة إلى تأصيل وتبيئة، وخصوصاً في العالم العربي، الذي يتسم بضعف المشاركة ومركزية الدولة والدور المحدود للقطاع الخاص ولهيئات الحكم المحلي، إضافة إلى غياب أو ضعف هيئات الرقابة والمساءلة ومحاولات تسييس القضاء والتأثير في نزاهته واستقلاله، إضافة إلى ضعف مؤسسات المجتمع المدني أو اقتصار دورها على الاحتجاج في حين يفترض مشاركتها باتخاذ القرار والتحوّل إلى قوة الاقتراح مع استمرار دورها الرصدي والرقابي.
وقد كشفت أحداث الربيع العربي بغض النظر عن «خيباته» وعدم تمكنه من تحقيق أهدافه حجم الفساد المستشري في الطبقات العليا للدولة العربية، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة، لاسيّما وقد أصبحت المسألة اضطراراً، بل إنها حاجة ماسّة ولا غنى عنها، وهي لا تتعلق بالإصلاح الإداري ومحاربة الفساد فحسب، بل للمضي في طريق التنمية الإنسانية الشاملة والمنشودة، لاسيّما باعتماد مبادئ الحوكمة.
مرّ مفهوم التنمية عالمياً بأربعة مراحل: المرحلة الأولى حيث كان التركيز على النمو الاقتصادي، وفي المرحلة الثانية أصبح التركيز على التنمية البشرية وفي المرحلة الثالثة على التنمية البشرية المستدامة، وفي المرحلة الرابعة على التنمية الإنسانية بمعناها الشامل، وبذلك تم الانتقال من الرأسمالي البشري، إلى الرأسمال الاجتماعي، أي الترابط بكل مستويات النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقانوني والتربوي والصحي والبيئي وغير ذلك، استناداً إلى مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الأمد في الحقول المختلفة بتوخّي قدراً من العدالة والشرعية والتمثيل الاجتماعي مع وجود عنصر المساءلة.
واقترنت المرحلة الرابعة للتنمية بإدخال مفهوم الحكم الصالح «الحوكمة»، ولاسيّما في أدبيات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولعلّ السبب في أن بعض البلدان حققت نموّاً اقتصادياً، لكنها لم تستطع أن تحقّق تحسّناً في مستوى معيشة أغلبية السكان، وهكذا فإن تحسّن الدخل القومي لا يعني تلقائياً تحسّن نوعية حياة الناس وطريقة عيشهم.
مفهومان للتنمية أحدهما ضيق، والمقصود به النمو الاقتصادي، والآخر واسع، وهو ما قصدناه التنمية الإنسانية الشاملة، كما أن فكرة الحوكمة أو الحكم الصالح تستخدم على نحو ضيق وواسع أيضاً، فالمفهوم الأول الذي كان يذهب إليه البنك الدولي في أدبياته، يقصد به الإدارة الرشيدة أو الجيدة بدلالة النمو الاقتصادي، أما المفهوم الواسع فهو يصدر بدلالة معالجة مسألة الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والإدارة والفرد، من خلال الشرعية والمشاركة والتمثيل والمساءلة وقضايا الحريات واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون واستقلال القضاء، إضافة إلى مبادئ الإدارة العامة الرشيدة، بهدف ب «عملية توسيع خيارات الناس».
وهكذا يتّسع مفهوم التنمية لمبدأ المساواة والحرية وحق اكتساب المعرفة وحق التمتع بالجمال واحترام الكرامة الإنسانية والمشترك الإنساني، وهو بهذا المعنى لا يقتصر على الوفرة المادية، بل يشمل القدرات البشرية المطلوبة وتوظيفها العقلاني في مجالات النشاط الإنساني المتنوّع والإنتاج والسياسة والمجتمع المدني، لتحقيق الرفاه، كما يشمل مفهوم التنمية أيضاً، الحريات المدنية والسياسية.
وركّزت تقارير البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة منذ العام 1990 على مفهوم نوعية الحياة وعلى محورية الإنسان في عملية التنمية، مثلما أصبح النمو الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق التنمية، ومن واجب الحكم الصالح أن يتأكد من تحقيق المؤشرات النوعية لتحسين حياة الناس، وهذه المؤشرات تتعدّى الجوانب المادية ليندرج فيها العلم والصحة والثقافة والكرامة الإنسانية والمشاركة.
وترتبط مسألة الفساد والحوكمة بقضية التنمية من خلال ثلاثة أطر هي:
1- الإطار الوطني، ويشمل مشاركة الحضر والريف وجميع الطبقات والفئات الاجتماعية في عملية التنمية، ولاسيّما مشاركة المرأة.
2- الإطار الدولي، تقويم مدى التوزيع العادل للثروة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ومدى الاحترام في نطاق العلاقات الدولية للدول كبيرها وصغيرها وقانونية وشرعية العلاقات التي تحكمها، وذلك من خلال المشترك الإنساني.
3- الإطار الزمني، مراعاة الأجيال الحالية والأجيال اللاحقة، وفي إطار ذلك يمكن قراءة الأبعاد السياسية للحوكمة كنظام للقيم والسياسات والمؤسسات التي يدير المجتمع من خلالها شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما تتحدّد أبعاد الحوكمة ومؤشراتها في مدى استخدام المفهوم لإعطاء حكم قيمي على ممارسة السلطة لإدارة شؤون المجتمع لتحقيق التقدم والتنمية وذلك بأبعادها الأربعة:
البعد الأول- السياسي الذي يتعلق بطبيعة السلطة السياسية وشرعية تمثيلها، وأساليب اتخاذ القرارات ودرجة تعبيرها عن قطاعات المجتمع.
البعد الثاني- التقني، المتعلّق بعمل الإدارة العامة وفاعلياتها ودرجة كفاءتها.
البعد الثالث- الاقتصااجتماعي المتعلق بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية في توزيع الثروة والدخل والفقر والأمية ودور المرأة وقضايا المعرفة وغيرها.
البعد الرابع- يتعلق بدور المجتمع المدني ومدى حيويته واستقلاله عن الدولة وقدرته في أن يكون قوة رصد واقتراح وشراكة في اتخاذ القرار.
وقد ذهب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 كانون الأول (ديسمبر) العام 2000 (الجلسة )81 والموسوم: حول تعزيز مبادئ الديمقراطية إلى الإشارة الصريحة للحكم الصالح (الحوكمة) كما ورد ذكره في إعلان ألفية الأمم المتحدة (الدورة الخامسة والخمسين) باعتباره من العوامل التي لا غنى عنها لبناء وتعزيز مجتمعات يعمّها السلام والرخاء والديمقراطية.
وأكّد القرار على تعزيز الديمقراطية بواسطة الحكم الصالح من خلال تحسين شفافية المؤسسات العامة؛ واتخاذ تدابير قانونية وإدارية وسياسية لمكافحة الفساد؛ وتقريب الحكومة من الشعب باستخدام مستويات التفويض المناسبة؛ وتعزيز إمكانية حصول الجمهور، بأكبر قدر ممكن، على المعلومات المتعلقة بأنشطة السلطات الوطنية والمحلية؛ والتشجيع على تحقيق مستويات رفيعة من الكفاءة وحسن السلوك والاقتدار المهني داخل الخدمة المدنية.
ومن أهم مؤشرات الحوكمة في أي بلد تفترض الاقتراب أو الابتعاد من اعتماد المعايير التي سبق ذكرها من خلال هيئات ومؤسسات تتمثل في تحقيق التنمية ومكافحة الفساد وإعمال حكم القانون، وقد ابتلى العراق منذ احتلاله في العام 2003 بالفساد المالي والإداري لدرجة فاق بها كل اعتبار، كما تذكر منظمة الشفافية العالمية، التي وضعته لسنوات في أسفل السلّم العالمي، ومع أن هناك توجهات للرقابة والمساءلة، لكن الفساد لا يزال مستشرياً، باستمرار وجود 20% من السكان دون خط الفقر، وإن البطالة تزيد على الرقم، مثلما أن الأمية تزيد عليه كذلك، علماً بأن موارد العراق خلال السنوات من العام 2003 ولغاية الآن بلغت ما يزيد على 700 مليار دولار حسب بعض التقديرات.
لعلّ مناسبة الحديث هذا هو ما قامت به الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي في إطار مشروع تقديم المساعدة الفنية لمكاتب المفتشين العامين ووزاراتهم، وهو المشروع الذي استفاد منه نحو 40 مفتشاً عاماً وقاضياً، وبتنفيذ من المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، الذي ضم فريق عمله عدداً من الخبراء الدوليين، حيث تم اعتماد وثيقة إرشادية بعد سلسلة من الدراسات والتقارير التقويمية فيما يتعلق بالأداء المؤسسي لهيئات القطاع العام وأدوات قياس الإدارات العامة وأطر وتطبيقات الحوكمة «الإدارة الرشيدة» وصولاً إلى وضع مبادئ ومؤشرات الحوكمة للإصلاح المؤسسي وتعزيز القدرات والمعارف ووضع خطط عمل لتطوير مكاتب المفتشين بالتعاون مع هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.
وفي إطار التقويم تم التوصل إلى قناعة عامة تقوم على أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح المؤسسي دون تعاون هيئة النزاهة مع ديوان الرقابة المالية ومكتب المفتش العام في كل وزارة سواءً في العراق، أو في نظيراتها من هيئات حسب تجربة كل بلد، وأولاً وقبل كل شيء لا بدّ من توفّر إرادة سياسية عابرة للمحاصصات والتقسيمات الطائفية والإثنية، بحيث يمكنها اتباع قواعد الشفافية والمساءلة، لوضع حد لظاهرة الفساد، وبالطبع لن يكون ذلك ممكناً دون سلام مجتمعي واستقرار أهلي وأمن وأمان وإعادة مؤسسات الدولة العراقية وهيبتها وسمعتها، تلك التي تصدّعت على نحو شديد خلال العقد ونيّف الماضي، سواءً بفعل الاحتلال أو بسبب المحاصصة، وأخيراً بعد وقوع مناطق واسعة بيد «داعش».


522
عبد الحسين شعبان في: "أغصان الكرمة- المسيحيون العرب" *

صحيفة الأيام ، الثلاثاء،01 أيلول 2015


عباس شبلاق **

وسط حالة الانكسار والتعصب الديني والطائفي التي باتت تنتشر في المنطقة العربية، يدفع الدكتور والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان بكتابه الصادر حديثا والموسوم «...- المسيحيون العرب « بتشكيلاتهم المتعددة، جذورهم التاريخية، هوياتهم وإشكاليات تنوعهم الثقافي، الأدوار التي لعبوها في التحديث السياسي والتربوي والمجتمعي في حركات التنوير والتمسك بالعروبة والدعاوى القومية في المشرق العربي وتعايشهم في المجتمعات الإسلامية، والاشكالات المعاصرة التي يواجهونها.
يختار شعبان عنوانا لكتابه «أغصان الكرمة» فهو يستمده من عبارة استخدمها السيد المسيح مخاطبا تلامذته بقوله «انتم أغصان الكرمة..» وهو اقتباس ذو دلالة مهمة في الحديث عن المسيحيين العرب «المتجذرين في أرضهم وأوطانهم على الرغم من الشدائد والأهوال التي تعرضوا ويتعرضون لها هذه الأيام». ص 10
ليس غريباً على شعبان أن يطرق هذا الموضوع، فالكتاب يضم في غالبه دراسات نشرها الكاتب حول ضرورة ومحورية المواطنة والمساواة في الإصلاحات المفترضة في الأنظمة السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية ووضع «الأقليات» في هذه المجتمعات. شعبان يحبذ مع ذلك استبدال استعمال اصطلاح «الأقليات» بـ «التنوع الثقافي» فهو لا يرى تمييزاً بين البشر في الحقوق قائماً على أساس «الأقلية» و»الأكثرية» لما يمكن أن يحمله الاصطلاح في ثناياه من التسيًد والاستعلائية. ص 85
الحقوق بالنسبة لشعبان شاملة وعامة تخص الإنسان «بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته وجنسه وأصله الاجتماعي، لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها أو الافتئات عليها لأي سبب كان». ص 60
يرى شعبان أن الانتفاضات العربية التي استهدفت التغيير والانتقال الديمقراطي، ربما عززت فتح آفاق أرحب نحو تبني مبادئ المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان، إلا أن موقف بعض المعارضات بمن فيها المشاركة بالتغيير لم يكن – في رأيه- أفضل من موقف الحكومات السابقة ذاتها بسبب أنها جاءت من «الخميرة الآيديولوجية ذاتها في السلطة، إذ رضع كلاهما من ثدي واحد». وهو بذلك لا يوفر أيا من التيارات القائمة على إدارة ظهرها للممارسة الديمقراطية والسعي نحو الاستفراد في السلطة وإقصاء الآخر، وقد يكون ذلك في رأيه لأسباب «وجذور دينية طائفية أو قومية شوفينية أو ماركسية يسارية منغلقة أو متحولة نحو الليبرالية الجديدة». ص 77
يستذكر شعبان المساهمات الجليلة للمسيحيين العرب في تاريخ الحضارة العربية – الإسلامية والحضارة الإنسانية بشكل عام ويورد أسماء وانجازات العديد من الرواد من المسيحيين العرب ومنهم جورج انطونيوس وكتابه «يقظة العرب» ولويس شيخو وكتاب تاريخ الآداب العربية، وجورج علاًف وكتابه «نهضة العرب» وانستاس الكرملي وغيرهم. ويتساءل شعبان عن دور الجماعات «الاسلاموية» المعاصرة التي تستهدف في عنفها وجاهليتها إلغاء خمسة آلاف عام من الوجود المسيحي في المشرق العربي. ويرى شعبان المنشغل في الكثير من أعماله بالقضية الفلسطينية بأن غياب المسيحيين يعني «طوفان الصراع الطائفي على السطح، وهو ما تتمناه اسرائيل الساعية لتصوير الصراع في المنطقة بوصفه صراعا دينيا بين المسلمين واليهود الساعين لتحييد المسيحيين. ص 121
 يناقش شعبان هنا قضايا عديدة في حزمة كاملة لحقوق الانسان بما فيها التسامح واستبعاد العنف، والحق في الجنسية والمواطنة، وفي الحريات العامة وحكم القانون ومساواة المرأة. ليس ذلك مستغربا فشعبان القادم من خلفية أكاديمية قانونية وقناعات إنسانية لم يعالج هذه القضايا في جانبها النظري بل في جانبها التطبيقي، فهو الناشط المدافع عن هذه الحقوق ذو الحضور القوي في المحافل الدولية والعربية المعنية بحقوق الانسان.
ولعلّ الندوة الحوارية التي أقيمت في بيروت تكريماً لمؤلف الكتاب واحتفاءً بإضافة جهد فكري متميز وشجاع إلى المكتبة العربية، كانت التفاتة مناسبة من ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار لإعلان ضرورة تجميع الجهد العربي الشعبي والرسمي، الديني والمدني، الثقافي والسياسي لحماية المسيحيين وضمان حقوقهم الكاملة، وبالأساس حقهم في مواطنة متساوية وتامة، ووضع حد لما يتعرضون له من عسف وتمييز وتهميش، خصوصاً بعد استفحال هيمنة «داعش» في العراق وسورية والتيارات التكفيرية الأخرى في العديد من البلدان العربية والإسلامية. كتاب شعبان ولا شك حري بالاحتفاء به من قبل كافة المعنيين من مثقفين وأصحاب قرار سواء من جهة التوقيت في إصداره أو من جهة المعالجة والمحتوى.

* د. عبد الحسين شعبان، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد، صيف 2015.
** كاتب وأكاديمي فلسطيني وزميل باحث في جامعة أكسفورد، دائرة دراسات التنمية الدولية. معني بدراسات الشتات والهجرة القسرية للاجئين وعديمي الجنسية داخل بلادهم وخارجها، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط ومؤلف كتاب «هجرة أو تهجير»- ظروف وملابسات هجرة يهود العراق، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2015.

523
ماذا لو فشل العبادي؟

عبد الحسين شعبان
كاتب ومفكر عراقي


واجه العراق منذ احتلاله عام 2003 خمسة تحديات أساسية، ظلت تنخر في كيانه الذي بات مهددا بالانقسام والتشطير والتشظي، وفي مقدمة هذه التحديات المحاصصة الطائفية والإثنية، والفساد المالي والإداري، والإرهاب والعنف، وضعف المواطنة، خصوصا بالعودة إلى كيانات ما قبل الدولة، وأخيرا ضياع إمكانية إعادة بناء الدولة، لا سيما بحل الجيش والمؤسسات الأمنية.

هذه التحديات الخمسة واجهتها جميع الحكومات السابقة، سواء أثناء الاحتلال الأميركي للعراق أو بعد انسحاب القوات الأميركية منه أواخر عام 2011، ويواجهها اليوم رئيس الوزراء حيدر العبادي على نحو صارخ، في ظل موجة احتجاج شعبي وغضب عام وتدهور الأوضاع الأمنية بشكل خاص منذ احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الموصل في العاشر من يونيو/حزيران عام 2014، وتمدده لأراض شاسعة شملت عدة محافظات، حيث أصبح نحو ثلث الأراضي العراقية تحت سيطرته.

وكان انقطاع التيار الكهربائي في ظل موجة الحر اللاهب -حيث وصلت درجة الحرارة هذا الصيف لأكثر من خمسين درجة مئوية- سببا إضافيا في انفجار الأوضاع وارتفاع الأصوات المطالبة بالإصلاح ومحاسبة المفسدين ووضع حد لظاهرة الفساد.
واجتمع حول عنوان الكهرباء جميع الفئات والقوى ومن مختلف التوجهات والشرائح، ويضاف إليه شح الماء الصافيوالنقص الحاد في الخدمات البلدية والصحية والتربوية، واستمرار الفاسدين في مواقعهم والتمتع بالامتيازات التي توفرها لهم العملية السياسية القائمة على المحاصصة.

بعد عدة أيام من اندلاع المظاهرات، التي بدأت في البصرةوامتدت إلى بقية المحافظات بما فيها العاصمة بغداد، اضطر رئيس الوزراء العبادي إلى اتخاذ عدد من الإجراءات وإقرارها في مجلس الوزراء لعرضها على البرلمان، والتي سميت "حزمة الإصلاحات"، وكانت هذه الخطوات هي التحدي الثاني للعبادي خلال عام واحد، ففي سبتمبر/أيلول عام 2014 كان عليه أن يشكل الحكومة، أو يعلن فشله في ذلك، لا سيما بعد استبعاد نوري المالكي من الحصول على ولاية ثالثة رغم نيله 93 مقعدا.

لم يتمكن أي من المسؤولين من معارضة العبادي صراحة في خطته للإصلاح، وستعد أية توجهات مخالفة لذلك ضد الإصلاح، وهذا سيعني الوقوف ضد الموجة العارمة من الغضب الشعبي التي تطالب بإصلاحات عاجلة، لا سيما بشأن الخدمات (الماء والكهرباء) ومكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين والمقصرين.

لقد صوّت 297 نائبا من مجموع 328 بتأييد خطة الإصلاحات دون أية تحفظات، وأعلن رئيس البرلمان أنه سيتم نشر أسماء النواب الغائبين عن هذه الجلسة التي صوّت فيها جميع الحاضرين على تأييد حزمة الإصلاحات (باستثناء نائب واحد).

"الإصلاح فورا" عبارة طالما رددها العبادي، فماذا تعني؟ وهل يمكن تحقيقها؟ ومن الجهات التي تريد عرقلة الإصلاح والتستر على المفسدين؟ هذه تحديات جديدة تواجه حكومة العبادي وتواجهه شخصيا، ويتوقف على اجتيازه هذا الاختبار الصعب إمكانية مواصلة مسؤولياته، وحسبما يبدو فإنه يدرك الصعوبات والعراقيل التي تقف في وجهه، فقد سبق أن تردد على لسانه أن هناك من يريد اغتياله، وقالها متحديا باللهجة العراقية "خلي يغتالوني".

وتكرر الأمر حتى بعد تصويت البرلمان بالإجماع على ورقتي الإصلاح الحكومية والنيابية، فقد هنأ العبادي جميع العراقيين وتعهد بمواصلة مكافحة الفساد والمفسدين، حتى لو كلفته حياته. "الإصلاح فورا" تعني عدم وجود سقف زمني طويل لتنفيذ خطط الإصلاح، وقد دعا العبادي هيئة النزاهة إلى منع المتهمين بالفساد من مغادرة البلاد، كما طالب بتقديمهم إلى القضاء.
العبادي -الذي وصل إلى السلطة بعملية قيصرية داخلية وخارجية (دولية وإقليمية)- حظي بدعم قلّ نظيره، لكن الأمور لم تتحسن ولم يحصل الشعب العراقي إلا على النيات الطيبة وتشخيص بعض مظاهر الفساد والتعهد بمحاربة المفسدين، وها هو العام الأول يقارب نهايته، ولم يتحقق شيء جدي على الأرض.

هذه هي الفرصة الثانية والتحدي الأخطر أمام العبادي الذي حصل على شبه تخويل شعبي، لا سيما بعد تصويت البرلمان للضرب بيد من حديد -كما قال- لمحاربة الفساد وملاحقة المفسدين ومساءلة المقصرين.

المظاهرات المستمرة تختلف عن سابقاتها، فليس بالإمكان اعتبارها "مؤامرة" كما كان المالكي يصف حركة الاحتجاج، كما لم يعد بالإمكان إهمال المطالب الملحة والآنية، التي أيدتها مجموعة رجال الدين في النجف، الداعمة للحكومات الشيعية المتعاقبة، لأن الأمر تجاوز حدوده الدنيا، وبات الانفجار العام وشيكا.

المظاهرات الحالية أدانت الطبقة السياسية بمجموعها منذ الاحتلال عام 2003 وحتى الآن، فهل بإمكان العبادي تغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة على المحاصصة واستبدالها بتشكيل حكومة تكنوقراط من كفاءات عراقية؟ أم أن المماطلة والتسويف ووضع العصي أمام عجلة التغيير ستمارسها القوى المتنفذة بحيث يتم إفراغها من محتواها بعد حين؟

ولعل ذلك أخطر ما يواجه العبادي إذا استمرت الحال على ما هي عليه دون تحسن يُذكر، فإن ذلك قد يقضي على مستقبله السياسي، وهو يدرك أن العملية معقدة وأمامها الكثير من الألغام، حيث سيعمل المتضررون بكل ما يستطيعون على تخريب كل خطوة، وحسب العبادي نفسه فإن "المسيرة لن تكون سهلة وستكون مؤلمة"، والفاسدون وأصحاب المصالح والامتيازات سيقاتلون من أجل منع الإصلاح.
وشدد العبادي في حديث بمناسبة يوم الشباب مخاطبا إياهم "لن أدافع عن باطل ولن أدافع عن فاسد، ولكن لن أتقصد أحدا، الفاسد لو كان من حزبي أنا ضده، والصالح لو كان من حزب عدوي أنا معه". وهذا سيعني أن قائمة الأعداء والخصوم" ستكون كبيرة، وأن رؤوسا كثيرة ستكون ضمن قائمة المستهدفين، سواء من حزب الدعوة الحاكم الذي ينتسب إليه العبادي، أو من القوى المشاركة في العملية السياسية.
إذن، هل تعد خطة الإصلاح التي تبناها العبادي مغامرة غير محسوبة؟ وهل يستطيع تحقيقها؟ وماذا لو فشلت؟ وهل سيبقى العراق موحدا؟ إنها أسئلة تتعلق بصميم الحياة اليومية والضرورية والملحة للناس، خاصة بعد أن فاحت رائحة الفساد، وبدأت تتضخم ملفاته التي تشمل كبار مسؤولي الدولة، لدرجة أن العراق منذ 13 عاما يصنف في أعلى هرم الدول الفاسدة حسب منظمة الشفافية العالمية.

العبادي وضع في خطته للإصلاح خمسة محاور كانت الاحتجاجات الشعبية قد طالبت بها، حيث شمل المحور الأول: الإصلاح الإداري، لا سيما إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، والتقليص الشامل والفوري لأعداد الحمايات، وإبعاد المناصب العليا عن المحاصصة وترشيق الوزارات.

أما محور الإصلاح المالي فقد ركز على إصلاح نفقات وإيرادات الدولة، وشمل محور الإصلاح الاقتصادي تشكيل خلية أزمة لتنشيط موضوع الاستثمار والقطاع الخاص. وكان قطاع الخدمات من أهم القطاعات المقررة للإصلاح، لا سيما حل مشاكل الكهرباء. أما المحور الخاص بمكافحة الفساد فهو الأكثر حساسية، ويشمل إطلاق حملة "من أين لك هذا"؟ وتعزيز دور الرقابة والعمل على كشف المُفسدين وفتح ملفات الفساد السابقة والحالية.

هل بإمكان العبادي البقاء في حزب الدعوة أو في حكومة محاصصة إذا استمر في توجهاته الإصلاحية؟ أم أن حزب الدعوة ونظام المحاصصة هما من سيلفظانه؟ وهذا يعني فشل مبادرة الإصلاح، وبالتالي العودة إلى المربع الأول؟




524
الأديان ورسالة اللاّعنف
           
عبدالحسين شعبان
في رواية دستوفسكي الشهيرة «الأخوة كارامازوف» يتحاور إيفان وأليوشا وهما شقيقان، بخصوص عذاب الأطفال، فيقول إيفان لشقيقه ما معناه: القصاص أو العقاب عندي لا يساوي دمعة من عين طفل، أوَتقول لي إن الجلادين سوف يتعذّبون في الجحيم؟ ويتساءل ولكن ما جدوى ذلك؟ إنه يطلب الغفران وزوال العذاب.
استذكرتُ ذلك بمناسبة صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي اللاّعنفي جان ماري مولير «نزع سلاح الآلهة: المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللاّعنف» المترجم إلى اللغة العربية من قبل جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في بيروت، وهو ما أعادني إلى حوار دار بين الزعيم اليساري الجزائري بشير الحاج علي وشاب معتقل معه، فيقول الحاج علي: كنت كلّما أفيق من المغطّس أسمع شاباً بجواري يقول سنعذّبهم مثلما عذّبونا، وسنستخدم جميع الوسائل لإذلالهم مثلما حاولوا إذلالنا، فما كان منه إلاّ أن يجيبه على الرغم من أنه خارج لتوّه من حفلة تعذيب: ولكن ما الفرق بيننا وبينهم إذا فعلنا ذلك؟ نحن نريد كنس التعذيب وإنهاءه كظاهرة لا إنسانية وإلى الأبد، وهو ما يسميه دستوفسكي «التناغم الأبدي».
عشية إطلاق كتاب «نزع سلاح الآلهة» اجتمع مؤلفه الفرنسي المسيحي مع رجلي دين مسلمين لبنانيين، فقال الشيخ حسين شحادة: لماذا اخترت عنواناً للكتاب «نزع سلاح الآلهة»، ألم يكن ممكناً اختيار عنوان «نزع سلاح الشياطين» بدلاً من الآلهة؟ فأجابه مولير على الفور ودون لحظة تأمل: ولكن الآلهة، هم الشياطين على الأرض، فالإله واحد، وهو الإله الحقيقي المنزوع السلاح، لأن الله محبة والمحبّة لا تجتمع مع العنف في قارب واحد.
أما إذا نسبنا محبتنا إلى الآلهة فهذا خطأ فظيع، لأن الآلهة هم من صنع البشر، أما الله فهو المطلق، الخير، السلام، التسامح، واللاّعنف. الله هو الذي خلق الإنسان ودوداً، عاقلاً، مسالماً، وحيثما وجد الإحسان وجد الله ووجدت المحبّة، وحيثما وجدت الطيبة حضر الله، وهدف جميع الأديان نشر الحب والرحمة والسلام، وليس العنف والغلظة والانتقام والقمع والإرهاب والحروب، وأضاف: إن الديانات ليست بالنصوص، بل بالعقيدة والمقاصد.
استكمل السيد علي فضل الله، هذا الحوار المعمّق، حول مفهوم اللاّعنف، حيث قال: إنه أقرب إلى الرفق، والرفق حسب القواميس يأتي من الرفقة، أي التواصل والمودّة والمشترك الإنساني، والشراكة، ومثل هذه المفاهيم وجدتها أيضاً، بخصوص مفهوم التسامح لدى الفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي قال عنه بأنه الرفق والصبر، أما التعصّب فلا ينتج إلا منافقين وعصاة، وبما أن البشر خطّاؤون فعلينا أن نسامح بعضنا بعضاً.
لقد توصّلنا كل بطريقته إلى اللاّعنف، حتى وإن جئنا إلى فريضته أو فضيلته من مواقع ومنابع مختلفة بما فيها عنفية، لكننا اهتدينا إليه بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا، وآن الأوان للبحث عن اللاّعنف في تراثنا وتعميمه، وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإنْ كنّا لا نستطيع إلغاء العنف من حياتنا.
وصديقنا الفيلسوف اللاّعنفي الذي يعتبر الأكثر شهرة في العالم المعاصر، ونعني به مؤلف الكتاب جان ماري مولير، انتقل إلى فريضة اللاّعنف، حين أريد له أن يقاتل في الجزائر، مع الجيش الفرنسي ضد الجزائريين الذين ذاقوا مرارة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ما يزيد على قرن وثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع وسجن (لمدة ستة أشهر) وأقصي، وهكذا تكوّنت لديه قناعات بأهمية الانخراط في العمل اللاّعنفي الذي كرّس له حياته منذ الستينات وحتى اليوم. إن كتابه «نزع سلاح الآلهة» هو دعوة للتأمل في ماهية الخير والشر، وقد جاء تتويجاً لعمل معرفي وحركية ديناميكية طوال ما يزيد على خمسة عقود ونصف من الزمان، وهو كتاب مرجعي تأسيسي، خصوصاً أنه شامل، لاسيّما بعد كتابه «قاموس اللاّعنف».
الفريضة أو الفضيلة التي يريد مولير تعميمها تمنحنا هذه القدرة الاستثنائية، من الحب والتطهّر والروحانية الإنسانية، وتقرّبنا من بعضنا على نحو يتّسم بتعزيز المشترك الإنساني، سواء كنّا من أتباع الديانة المسيحية أو من أتباع الديانة الإسلامية، وسواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، ومتدينين أو غير متدينين، لكننا نجتمع تحت خيمة اللاّعنف ذات الطبيعة الإنسانية.
وكان الروائي الروسي تولستوي، صاحب رواية «الحرب والسلام» المنشورة لأول مرة بين عامي 1865 و 1869، هو من دعا إلى عدم مقاومة الشر بالعنف، وأراد في كتابه «ما هو إيماني؟» الصادر عام 1884 القول: لا ترتكب عنفاً أبداً، بمعنى آخر، لا ترتكب أي فعلة مناقضة للمحبّة، أي أن الانتقام وسيلة سيئة مهما كانت المبررات. وقد تعزّزت أفكار اللاّعنف لدى تولستوي عندما حدثت الحرب الروسية- اليابانية في العام 1904 التي أدت إلى انتفاضة ثورية ضد حكم القيصر في العام 1905، لكنها لم تنجح وتمكّن القيصر من قمعها.
لقد كانت الحرب المتغير الكبير الذي استوحى منه تولستوي روايته الذائعة الصيت، وقد كانت مشاهد حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، مقدمة للحرب الروسية - اليابانية، التي تحدّث عنها باعتبارها حرباً بين مسيحيين وبوذيين، يقتل أحدهما الآخر في حين أن المسيحية والبوذية، لا تدعوان للقتل وتحرّم ديانتهما قتل البشر، بل إن البوذية تحرّم حتى قتل الحيوانات.
لقد رفض تولستوي طاعة أوامر الدولة التي تفضي إلى العنف، لأنه غالباً ما يكون عنفاً ظالماً، وكان يقول لا للجيش الذي يلقّن العنف لقهر الشعب. وترك تولستوي تأثيراً كبيراً لدى المهاتما غاندي، وقد كتب الأخير عنه بمناسبة مئويته في العام 1928 نصاً مؤثراً حين قال: «كان أكثر رجال عصره صدقاً. اتّسمت حياته بجهد دؤوب محموم للبحث عن الحقيقة، ولوضعها موضع الممارسة بمجرد العثور عليها... إنه أعظم رُسل اللاّعنف الذين شهدهم عصرنا الحالي».
إن تحقيق السلام حسب تولستوي لا ينبغي أن يفرض إلاّ بوسائل سلمية، ولا يريد من الأذلة المسحوقين (الضعفاء) سفك دماء الأقوياء. أراد لهم التمسّك بالتمرّد السالب، ورفض طاعة المتسلّطين الظالمين، وإذا تمكّن ملايين الفقراء من غير عنف، ومن غير محاكاة لبطش المتسلّطين، ومن غير ثورة مأساوية على الطريقة الغربية، من صرف قلوبهم وأذرعتهم عن فعلة الظلم والحرب والقتل، يومذاك سوف تنحلُّ سلطات الكذب والقهر البالية من تلقاء نفسها.
المراسلة بين غاندي وتولستوي عبّرت عن القناعة الأخلاقية المشتركة، لاسيّما أن تراث كل منهما غنيّ وعميق. وقد فهم تولستوي الأهمية العميقة بين عدم مقاومة الشر بالعنف، وبين الضمير والعصيان وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية التي تتحمل مسؤولية القهر، وقد استلهم حكيم روسيا ذلك من تراثه الديني المسيحي مثلما استلهم حكيم الهند ذلك من تراثه الديني البوذي.
وإذا كان غاندي قد كتب عن تولستوي في مئويته، فقد كتب البابا بولس السادس رسالة إلى رئيس جمهورية الهند بمناسبة مئوية غاندي في 22 أغسطس/آب 1969 جاء فيها «كان لدى غاندي فكرة سامية عن الكرامة الإنسانية وحس ثاقب بالعدالة الاجتماعية، وبحماسة متّقدة وإدراك بصير بالخير المستقبلي لشعبه، عمل بلا هوادة للوصول إلى أهدافه غارساً دوماً في تلاميذه مبدأ اللاّعنف المثير للإعجاب». تلك هي رسالة الأب الروحي للمسيحيين إلى رمز الهند وحكمتها غاندي.
تلك دعوات رُسل اللاّعنف، أي المقاومة السلمية السلبية كما تسمّى، بمعنى عدم الرّد على العنف بالعنف وذلك ليس استسلاماً، بل مقاومة باللاّعنف، بالصمت والامتناع عن المشاركة في الحروب أو الانخراط في أعمال العنف أو التمرّد على أوامر الدولة ورفض دفع الضرائب والاحتجاج والتظاهر وصولاً للعصيان المدني، وهو ما اتبعه مارتن لوثر كنغ في حركته للمطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وما قام به من نشاط تسامحي ولا عنفي نيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا.
إن المقاومة تلك حسب مولير قادرة على تغيير العالم الذي أراد فيه أن تكون «الآلهة» طيبة قبل أن تكون قويّة، وطالب بإلغاء ما يبرّر العنف والقطيعة ضد ما يدعو إليه، والدعوة إلى أخلاقيات موحّدة للعمل العالمي اللاّعنفي في المسيحية والإسلام، وفي ذلك دعوة ليس لقبول الحق في الاختلاف، بل لرفض التشابه والتماثل والتطابق، لأنه ليس من طبيعة الأشياء.





525
فن الضحك والسخرية في أدب أبو كَاطع
روائي الريف بفلاحيه وإقطاعيّيه – نصوص – عبد الحسين شعبان
 حين صدر كتابي عن أبو كَاطع (شمران الياسري) والموسوم ” على ضفاف السخرية الحزينة” في أواخر التسعينيات في لندن كان قد مضى على رحيل الصحافي والروائي الساخر أكثر من عقد ونصف من الزمان، ولعلّ الكثير من جيل الثمانينيات والتسعينيات، وخصوصاً خارج العراق، لم يكن قد قرأ أو ربما سمع عن ” أبو كَاطع″ ناهيكم التعرّف على نتاجه الإبداعي، خصوصاً عموده الصحافي الذائع الصيت ” بصراحة” أو أعماله الروائية متمثلة “بالرباعية”: ” الزناد وبلابوش دنيا وغنم الشيوخ وفلوس حميّد” أو “قضية حمزة الخلف” على الرغم من أنها طبعت في بيروت بعد وفاته ، أما برنامجه الإذاعي الشهير والموجّه حينها إلى الفلاحين بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  فكاد أن يُنسى، على الرغم من أنه كان حينها مثار اهتمام أوساط واسعة في الريف والمدينة، لكنه مضى زمن عليه فنسيه الكثيرون، كما لم يسمع به من جاء بعدهم.شيء واحد ظلّ عالقاً بأذهان الناس، بل ذهب مثلاً أحياناً يردّده من يعرف أبو كَاطع أو لا يعرفه، ألا وهو عنوان برنامجه الشهير “إحجيه بصراحة يبو كَاطع″، حين كانت الأفواه والألسن تردّده، كلما أرادوا من محدثهم الإفصاح عن الحقيقة، أو كلما اضطروا إلى مطالبته بالصراحة والوضوح.أقول ذلك لأن ” أبو كَاطع″ أصبح محظوراً ومحرّماً منذ أواسط السبعينيات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لأن الرجل غادرنا قبل الأوان، سواءً إلى الغربة ” كلاجئ غير سياسي” على حد تعبيره في العام 1976  ومن ثم توفي باكراً في براغ في 17  آب (أغسطس) العام 1981  ودفن في بيروت في مقبرة الشهداء الفلسطينيين.وإذا كنت لا أخال أن أحداً ممن أدركهم الوعي وشغلهم الاهتمام بالحرف من جيل الخمسينيات، وخصوصاً بعد الثورة، لم يسمع بأبو كَاطع وبرنامجه الإذاعي، خصوصاً ما كان يناقشه من مشكلات وإشكالات وقضايا تمثل هموم الريف العراقي بشكل خاص وهموم المجتمع وتطلعاته بشكل عام، لدرجة إنه كان حديث المجالس أحياناً، لكن نحو أربعة عقود من الزمان كانت كفيلة لأن يطوي النسيان صور الماضي، لاسيّما في ظل مشاغل جديدة وأعباء كثيرة ، فما بالك إذا كانت تلك السنون مليئة بالأحداث والانقلابات والحروب الدراماتيكية والصراعات السياسية والحصار والهجرة.ولذلك كانت مسؤولية التصدّي للتعريف بفن وأدب أبو كَاطع وعموده الصحافي وبرنامجه  الإذاعي ورواياته المملّحة بالسخرية الحزينة “فرض عين وليس فرض كفاية” كما يُقال، والهدف الأساسي إبقاؤه في دائرة الضوء وعدم جعل النسيان يتسلّل إلى تراثه وحروفه وكلماته، فقد تمكن أبو كَاطع من حرفته، مستخدماً أدواته على نحو بارع مستوعباً الدور المنوط بالمثقف وما ينتظر منه، مستقطباً جمهوراً واسعاً، من خلال نقده الساخر الممزوج بالألم، والذي كان من خلاله يعبّر عن المعاناة الفائقة والزيف الطافح وأجواء اللامبالاة في المحيط الاجتماعي.فأبو كاطع على حد تعبير الروائي غائب طعمة فرمان: إنسان ثابت في أرضه يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافية روح، وشجاعة قلب، وحكمة فطرية ومكتسبة بما يمثّل الهيكل الإنساني لحياة إبن الريف. ويضيف فرمان: لقد وظف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريته، ووضع كل ذلك في يد صديقه وأخيه الفلاّح، ليلتمس مواطن الضعف والمأسوية في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصاً يمكن أن ترى وتجلب التعاطف وتسجل تاريخاً لم يجرؤ المؤرخون على تسجيله”.ويدرك فرمان أن التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل إن من يكتبه هم الأدباء والفنانون وأصحاب الفكر، وحسب مكسيم غوركي، ذلك هو التاريخ الحقيقي للإنسان، فما بالك إذا كان هذا التاريخ وفقاً لهيغل يعيد نفسه أحياناً، وقد يظهر على شكل مأساة وأخرى على ملهاة، ولعلّ الملهاة أو السخرية لا تعني الهزل أو الكوميديا، بقدر ما يترك الضحك من حزن وألم ينظر إليه مفكر وفيلسوف مثل، كارل ماركس على نحو شديد الجدّية، بقوله: إني أقف مما هو مضحك، موقفاً جاداً، وأظنه هو ما كان يقصده الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي حين قال: وماذا بمصر من المضحكات/ ولكنه ضحكٌ كالبكاء.لقد عرّفتنا سخرية أبو كَاطع مشاكل الفلاحين وبخاصة فلاحي الجنوب، وبالقدر نفسه عرفنا حجم الألم والمرارة من خلال المواجهة لواقعه، ومرّة أخرى وذلك عبر جوانب حيّة من حياة المجتمع وشخصياته حيث تمكّن أبو كاطع من ربط ذلك بهارموني دقيق التناسق، لاسيّما بمنظومة الريف، وفقاً لمعايير جمالية وصوراً واقعية، مكتوبة بحسّ درامي يعكس الواقع بكل ما عليه وما له.لقد حاول أبو كَاطع استخدام ما اصطلح عليه الشخص الثالث أو “القصّخون” في المقاهي البغدادية أيام زمان أو ما يسمّى بالصوت الآخر أو “الفلتون” حسب  استخدام سميرة الزبيدي، وكان صوته الآخر هو الذي يعبّر عمّا يريد أحياناً، لكنه يجعل ذلك بمسؤوليته المحدّث، ومحدثه هو ” خلف الدوّاح” مبدعه الباطني ومحاوره ومنولوجه وملهمه، إنه شخصية أوهم أبو كَاطع قارئه بأنها وهمية وغير موجودة، لكنه في واقع الأمر كان شخصية واقعية، موجودة، دماً ولحماً كما يقال، إنه كَعود الفرحان الذي نشرنا صورته لأول مرّة في كتابنا “على ضفاف السخرية الحزينة”، ولعلّ بساطته كفلاح تصلح مدخلاً لتوظيفه من جانب أبو كَاطع، ناسباً إليها الحكمة والمعرفة والخزين الاجتماعي للحكايات والأمثال والأشعار والتجارب، فضلاً عن سرعة البديهة وطلاوة اللسان.لقد رافق أبو كاطع في حياته الإبداعية شيئان لا يستطيع الاستغناء أو التفريط  بأحدهما: الأول – صحبته مع خلف الدواح وهي المرحلة الثانية، حيث كان اسم كعود قد شغل المرحلة الفنيّة الأولى، وكعود أو خلف الدوّاح هو رفيق الحرف وصديق الكلمة والثاني السخرية، فقد كان الضحك ملازماً له حتى إن كان يتفجّر حزناً، لأن ذلك واحد من رهاناته ضد أعدائه التقليدين وضد خصومه البيروقراطيين، وعبر خلف الدوّاح والسخرية كان يجد التعبير المتميز عن القرية وحياة الريف العراقي دون اسقاطات أو رغبات في الكتابة عن قوم يحاول التعاطف معهم لأنهم يتعرّضون للظلم، وهي الصورة التي دائماً ما تتكرر عندما يكتب أحد المبدعين عن الريف، ولكن في حالة أبو كَاطع إنه كتب من داخل الريف بكل تفاصيله وحيثياته بسلبياته وإيجابياته، بنقاط ضعفه ومصادر قوته، بقبحه وجماله، ولم يكتب عن الريف من خارجه، كما كان يكتب بعض أدباء المدينة، مثلما هي رؤية الأديب ذو نون أيوب ” الأرض والسيد والماء” التي سبقت الرباعية بعقدين ونيّف من الزمان، ففي حين كان الأول أصيلاً في التعبير عن مشاعر الريف والفلاحين، كان الثاني دخيلاً لأنه من خارج البيئة الاجتماعية الحسّية المنظورة وذلك ما رصده الناقد مصطفى عبود.
إنك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين أبو كَاطع وبين السخرية، ففن وأدب وعمود أبو كَاطع الصحافي الذي انتشر شفيفاً خفيفاً كان لصيقاً بالسخرية اللاذعة الحزينة التي لم يعرفها الأدب العراقي عموماً، لكنها مع أبو كَاطع اكتسبت شكلاً جديداً أكثر عمقاً وشمولاً وخفّة دم كما يقال. وبقدر سخرية أبو كَاطع، كانت الرواية شكلاً جديداً للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادة طازجة يحتويها عموده الصحفي وبقدر المتعة والضحك، فإنها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقاراً هائلاً، حتى وإن كنّا نضحك من الأعماق.حدثني في إحدى الليالي الخريفية عام 1976 وكان قد فرض على نفسه إقامة جبرية بسبب إلتباسات الوضع السياسي والحزبي، قائلاً إنه ضمن المشهد السائد يشعر مثل “المعكَّل بالمرقص (أي من يلبس العقال والكوفية- اليشماغ) وهو يراقص فتاة، وأردف قائلاً نعم أنه معكَّل بمرقص السياسة. وكان يسمّي علاقات تلك الأيام ” عرس واوية” أي ” زواج ثعالب” نظراً لتردّي العلاقة بين الأطراف السياسية، لاسيّما الحكومة وحلفائها.كان أبو كَاطع يثير الكثير من الأسئلة، وقد تبدو للسامع أو للقارئ، إنها أسئلة سهلة، لكنها من السهل الممتنع، فالأسئلة السهلة هي أكبر الأسئلة وأخطرها: مثل الحرية والإيمان والإلتزام والتضحية والعنف والسلام والوفاء والتعايش وغيرها، أما لغته فكانت سلسة وقوية يطرّز فصحاه الخصبة بالعامية الجميلة، وبشيء من المرونة، فيحاور الدولة على لسان خلف الدواح وينتقد الأوضاع السياسية ويناقش الحركات والأفكار ويتمنطق بمصطلحات آيديولوجية وبحبكة درامية، كلّ ذلك مغلّف بالسخرية، لينتقل من حديث المجالس والشفاهة، إلى الكتابة، ومن الريف إلى المدينة، ومن هموم الفلاح، إلى مشاغل المثقف.وإذا كان غايب طعمه فرمان، روائي المدينة، ولاسيّما بغداد بحواريها وأزقتها، بنسائها ورجالها، بجوامعها وكنائسها وحاناتها وملاهيها وتطلعاتها نحو الحداثة والحرية، فإن أبو كَاطع كان بحق روائي الريف بفلاحيه وإقطاعيه، بعاداته وتقاليده، بأنهاره وجداوله، بحياته البائسة وتطلعه نحو التمدّن والعصرنة والعدالة.كان عمود أبو كَاطع الصحافي خطاً من خطوط المواجهة السياسية الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبي أبو كَاطع وأدبه، لكي يتمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرأونه أيضاً، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة ذاتها، ولديهم أيضاً، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة أبو كَاطع حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسي والعكس صحيح، وكان موقع عمود في الصفحة الأخيرة من جريدة “طريق الشعب”، حيث يتربع ” بصراحة” وهكذا كان القراء يبدأون بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخلية، كتب أبو كَاطع “نزّلوك لو صعوّدك؟” أي لماذا تم نقل العمود، مع غمز ولمز!!؟.كان عمود أبو كَاطع يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدون والبيروقراطيون من كل صنف ولون وفي كل زمان ومكان، وكانت شخصيته المملحة ” خلف الدوّاح” ما يوازي شخصية حنظلة في ريشة الفنان ناجي العلي، فالقلم والريشة والشخصيتان الأثيرتان مثّلتا ذلك السحر الآخاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحرية والتنوير.عمود أبو كَاطع الصحافي مثل كاريكاتير ناجي العلي، يمسّ الروح ويتألق مع العقل وينساب إلى الوعي عميقاً ولاذعاً، وعندما نقول خلف الدوّاح فأنت تقصد أبو كَاطع، مثلما تعني ناجي العلي عندما نقول حنظلة، وفي كلا الحالين تعني: مقاومة الظلم والاستبداد والانحياز إلى الإنسان وحقوقه… ولا يمكن تصوّر حنظلة بدون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح دون الحديث عن الريف العراقي، والعراق ككل.هي السخرية في الحالين إذاً: وجوه ومؤخرات، زهورٌ وتوابيت، طيورٌ وبنادق، مظلومون وظالمون، هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته، مثلما تصوره ريشة ناجي العلي يعكسه قلم أبو كَاطع: السخرية المشتركة والهوّية المشتركة والأمل المشترك للمثقفين والمظلومين والمنفيين، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.
لم يعرف العراق أدباً وكتابة ساخرة الاّ على نحو محدود، فمنذ العشرينيات وحتى الخمسينيات كانت هناك محاولات جنينية بدأت على يد نوري ثابت صاحب جريدة “حبزبوز″، ثم بدأت مع عبد الجبار وهبي وعموده ” كلمة اليوم” في العام 1959 في صحيفة اتحاد الشعب الشيوعية، وكان شاكر مصطفى سليم قد نشر مسلسلاً ساخراً في “صحيفة الحرية” القومية التوجّه العام 1960 بعنوان ” يوميات قومي متآمر”، وتشكّل كتابات أبو سعيد ” عبد الجبار وهبي” وشاكر مصطفى سليم، ثنائياً لمن يريد التعرّف على تلك الفترة المضطربة والحساسة من تاريخ العراق، خصوصاً امتزاج النقد الاجتماعي بالسخرية السياسية.ويمكن الإشارة إلى الكتابة الصحفية الفكاهية، فضلاً عن الرسوم الكاريكاتورية في الخمسينيات، كما عكستها كتابات خالد الدرة في مجلة ” الوادي” وصادق الأزدي في مجلة “قرندل”، وذلك ارتباطاً بحياة المدينة، ولاسيّما بغداد في جانبها الاجتماعي والسياسي، كما كانت هناك كتابات عكست شيئاً من السخرية في فترة الستينيات مثلما كان يعبّر عنها جليل العطية في جريدة “النصر” وغيرها، لكن السخرية الحزينة استحوذت على أبو كَاطع، واختتم هذه المقالة بمشهد كوموتراجيدي، خصوصاً وأنه في رواية ” قضية حمزة الخلف” بدا أقل تأثراً بالآيديولوجيا، مما هو في الرباعية، التي حملت إيمانية شديدة وتقريرية روتينية وتبشيرية منحازة، لكن هذا التمثّل خفّ في بنيته السردية في قضية حمزة الخلف.ففي خضم المأساة يجعلنا أبو كَاطع نردّد ” شرّ البلية ما يضحك”، خصوصاً عندما يقدّم صوراً، متناقضة كومتراجيدية، فعندها يهجم “الحرس القومي” على القرية، حيث يتم تطويق البيت الذي يختفي فيه مطشر اليساري المطلوب من الحكومة، وإذ به يفاجئنا حين يُخرجه عارياً، حيث كان عند عشيقته “زينة!! ففي تلك الليلة كان بزينة رغبة للتعرّف على مذاق أصناف أخرى من الحب، شفتاها تنتزعان منه الوعي. كل الأشياء صارت في ذهنه ضلالاً باهتة. نسي أباه ونسي نوبة الحراسة (المكلّف بها)، لم يعد حقيقياً في الوجود إلاّ زينة وملمس جسدها، وعرف البخور النفّاذ وطعم شفتيها… لكن أبو كاطع مع استغراقه في هذا المشهد الرومانسي وحبكته الدرامية يصوّر لنا الوجه الآخر للدراما القائمة، فإذا بمسؤول مفرزة الحرس القومي يهتف فجأة: تقدّم، فيرتج بيت داود، حيث كان مطشر عند عشيقته، ولكي يحكم حبكته ويصل المشهد إلى ذروته، يُحدث المصادفة، فأفراد الحرس القومي جاءوا يقصدون بيت “عودة الكبر” الذي يقال أنه من الشيوعيين، بينما هم يهاجمون بيت داوود صاحبهم والمخبر لديهم عن طريق الخطأ، وهكذا تنكشف حكاية مطشر وزينة عن دون سابق ترصّد وإصرار، لكن اندلاع الرصاص  وتعالي صوته، أدّى إلى خروج مطشر عارياً، واستطاع الهرب ووصل إلى بيته فرآه والده عارياً، وهذه مفاجأة أخرى في خضم المأساة الساخرة أو السخرية الحزينة لدى أبو كَاطع بصورتها الكومتراجيدية.
{ أكاديمي وأديب عراقي



526
رصاصة الفراشة وصورة «إسرائيل»
       
عبد الحسين شعبان
لم يكن قد مضىت بضع ساعات على حرق الطفل الفلسطيني الرضيع علي سعد الدوابشة (18 شهراً) في قرية دوما بنابلس (شمالي الضفة الغربية) على يد مستوطنين «إسرائيليين» متطرّفين ومتعصّبين، بل ومتعطّشين للدماء، حتى أقدم جندي «إسرائيلي» على جريمة جديدة، حين أطلق النار على الفتى الفلسطيني ليث فضل الخالدي، (16 عاماً) على أحد الحواجز «الإسرائيلية» المقامة بين القرى الفلسطينية.
هاتان الجريمتان اللتان ارتكبتا بدم بارد، هما جزء من سلسلة متّصلة من الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات العشر المنصرمة التي بلغت 11 ألف اعتداء، حيث قتل في الشهور الماضية أكثر من 30 فلسطينياً، منهم الوزير زياد أبو عين، وقبل أيام قامت مجموعات مسلحة من المستوطنين بحرق منزلين أثناء نوم أصحابهما، وأصيب هؤلاء جميعاً بحروق متفاوتة، مثلما تخترق رصاصة الفراشة ظهر الفتى ليث فضل الخالدي وترديه قتيلاً.
وترتكب هذه الجرائم سواء في القدس الشرقية أو في الضفة الغربية في وضح النهار، وتحت حماية حكومية، سواءً بتقديم التسهيلات أو حماية المرتكبين، الأمر الذي يعني تصاعد الطبيعة العنصرية للاحتلال «الإسرائيلي»، وفقاً لتصنيف لجنة الأمم المتحدة للقضاء على أشكال التمييز العنصري كافة. فالاستيطان بحد ذاته يعتبر جريمة حسب القانون الدولي وبروتوكولي جنيف لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف، فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولأحكام القانون الدولي الإنساني، لاسيّما معاملة المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال، كما تنصّ على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة الصادرة عن الأمم المتحدة في 12 أغسطس/آب 1949.
ولم تتردّد صحيفة "الإندبندنت" البريطانية في وصف حرق الرضيع الفلسطيني علي الدوابشة، بأنه فاجعة تاريخية، وأن المستوطنين هم مرآة تعكس صورة «إسرائيل». والفاجعة لا تتعلق بقتل طفل أو بسنّ الضحية، ولكن دلالاتها هي المهمة، لاسيّما الكشف عن ساديّة لا مثيل لها من جانب المستوطنين «المستعْمِرين» إزاء الفلسطينيين المدنيين العزّل، من دون أن تتحرك السلطات «الإسرائيلية» لكبح جماحهم، مثلما اعترف به الرئيس «الإسرائيلي» رؤوفين ريفلين، حسبما ذكرت الصحيفة.
الإرهاب «الإسرائيلي» الحالي يجد مسوّغاته بغطاء ديني، خصوصاً عندما يتم تبريره وشرعنته من حاخامات متطرفين دأبوا على التحريض عليه، أو من سياسيين لا يتورّعون عن الدعوة لقتل الفلسطينيين، وقد كشف كتاب «توراة الملك» الذي صدر في العام 2009، وهو من تأليف الحاخامين إسحاق شابيرا ويوسف إليتسور، كما ذكرت مقالة تحليلية للصحيفة، الطبيعة العنصرية للممارسات «الإسرائيلية» التي تحاول التستّر بالدين. ويدعي هذان الحاخامان أن الشريعة اليهودية تسمح بقتل الأطفال غير اليهود لأنهم يشكّلون خطراً مستقبلياً. وبلا أدنى شك فإن مثل هذا التحريض العنصري، ليس دعوة للكراهية والانتقام والحقد والكيدية فحسب، بل لممارسة القتل جهاراً نهاراً بحق الأطفال العزّل، لاسيّما بتبرير العنصرية.
إن هدف المتطرّفين ليس حرق الطفل الرضيع ووالده وقتل الفتى الفلسطيني، بل الإساءة إلى العرب وإذلال الفلسطينيين، وبالطبع فهذه ليست جرائم فردية، وإنما هي جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وهو ما يذكّرنا بما قاله شارون "... وأقسم بأن أحرق كل فلسطيني يولد في هذه المنطقة"، فالمشكلة ليست بالأفراد المتطرّفين والإرهابيين، وإنما في دولة تأسست على الإرهاب والعنف والتطرّف منذ نشأتها، وعلى لسان قادتها كوزيرة العدل «الإسرائيلية» إيليت شاكيد التي قالت رداً على حرق الطفل: «الأطفال الفلسطينيون ثعابين صغيرة نقتلها قبل أن تكبر»، كما دعت إلى إبادة الشعب الفلسطيني، خصوصاً الأمهات «لأنهن ينجبن إرهابيين وثعابين صغاراً».
نقول، إن مثل هذه الجرائم ليست فردية، إذْ شكّل المستوطنون مجموعات إرهابية ومن أبرزها منظمة «تدفيع الثمن»، التي قامت بمئات الاعتداءات السابقة التي لا تختلف عن جرائم «داعش» بحق العراقيين والسوريين، ولعلّ جرائم "دواعش" الصهيونية لا تقوم بالقتل وتدمير الكنائس والمساجد والمباني والمنشآت فوق رؤوس أصحابها فحسب، وهو ما يقوم به المتطرفون، بل تعمد إلى عمليات إبادة، تلك التي يتولاها الجيش «الإسرائيلي»، كما حصل في العدوان على غزة، ثلاث مرات خلال 6 سنوات ونيّف فقط، وسبقها العدوان على لبنان الذي استمر 33 يوماً العام 2006.
وقد أشعلت حادثة حرق الطفل الفلسطيني فتيل الغضب في جمعة حزينة حين تصاعدت المواجهات الفلسطينية مع «الإسرائيليين»، علماً بأن ردة الفعل العربية كانت باهتة، ونبرة الغرب كانت خافتة في إدانة الإجرام «الإسرائيلي»، والأمر استمر بالتناقص منذ حرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس/آب العام 1969. إن الهدف من هذه الارتكابات هو دفع الفلسطينيين إلى ترك البلاد والهجرة، خصوصاً عندما تصبح أبسط مستلزمات الحياة عصيّة، بل ومنعدمة، لاسيّما أجواء العزلة المفروضة عليهم والمحاطة بالمستوطنات والمعسكرات والحواجز.
السلطة الفلسطينية اكتفت بتقديم وزير خارجيتها رياض المالكي ملفّاً خاصاً إلى المحكمة الجنائية الدولية، يتعلّق بحادثة حرق الطفل الفلسطيني الدوابشة. جدير بالذكر إن فلسطين التي قبلت عضواً في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني العام 2012، تقدّمت بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في العام 2014، وجرى قبولها في 1 إبريل/نيسان العام 2015.
وفي رسالة من والد الشهيد ليث فضل الخالدي إلى جامعة اللاّعنف جاء فيها ما معناه: حتى بعد رحيل ولدنا فإن قرارنا هو «الاستمرار في نضالنا اللاّعنفي» والمطالبة بحقنا، وطلبت الرسالة: مشاركتهم في النضال والمقاومة للاحتلال وضد الظلم الواقع عليهم، كما قرّروا التوجّه إلى المحافل الدولية وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، بهدف ملاحقة المرتكبين، بالوسائل القانونية الشرعية، خصوصاً وهم يعدّون ملفّاً عن الحادثة، ويمكن للسلطة الفلسطينية أن تضمّه إلى الملفّات الخاصة بالجرائم «الإسرائيلية»، وتقوم بتقديمه إلى المحكمة، كما حصل في قضية الطفل الرضيع علي سعد الدوابشة. رسالة والد الشهيد ليث، اطّلعت عليها، وأجرت في ضوئها د. أوغاريت يونان مؤسسة الجامعة وكاتب السطور، اتصالاً خاصاً مع والد الشهيد الخالدي ووالدته، في رام الله.
حتى بعد مقتل قرّة عينها، اختارت عائلة الخالدي المقاومة باللاّعنف، وهو خيار جدير بالاحترام، إنه خيار للنضال ضد الظلم ولردع العدوان ومنع قتل الأطفال، وطلبت عائلة الشهيد من الجامعة كإدارة تبنّي القضية، والبدء بتحضير مراجعة قانونية دولية لمحاكمة الظالمين، وكأساتذة ومحاضرين المشاركة في هذه القضية، وطلبوا من الأصدقاء والزملاء الطلبة، المشاركة من خلال دراسة الحالة والتفكير في تقديم مقترحات لا عنفية لاسترداد الحق ولمنع استمرار وقوع الظلم، كما جاء في رسالة والد الشهيد ليث.
ولعلّ مبادرة من هذا النوع تحتاج إلى جهود كبيرة، حيث يمكن التقدّم إلى المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تقديم لائحة اتهام إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بالتعويض، كجزء من الإدانة لارتكابات «إسرائيل»، كما يمكن التقدّم وعبر منظمات دولية وأصدقاء من مختلف البلدان الأوروبية بدعاوى ضد المرتكبين في بلدان، مثل إسبانيا وبلجيكا وبريطانيا وألمانيا وكندا، وغيرها من البلدان، التي تسمح قوانينها بالتقدّم بدعوى للتحقيق في حالة زيارة المرتكبين لهذه البلدان، بغضّ النظر عن جنسيتهم ومكان وقوع الجريمة.
كما يمكن تقديم ملف خاص إلى المنظمات الدولية، وفي مقدمتها المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، وإلى الاتحاد الأوروبي، وإلى المنظمات الدولية غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية (لندن)، ومرصد حقوق الإنسان (واشنطن) والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (باريس) والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة)، وغيرها بهدف تعبئة الرأي العام، خصوصاً الحقوقي ضد انتهاكات «إسرائيل» وعدوانها وجرائمها.
وإذا كانت عملية الحرق مسألة قديمة لجأ إليها المستوطنون، فإن استخدام رصاصة الفراشة، مسألة جديدة، لاسيّما حين تنفجر هذه الرصاصة في الجسم لتمزّق شرايين الضحية وأمعاءه وتقضي عليه في الحال، وهو ما حصل لليث فضل الخالدي.
أوَليس تلك نازية جديدة، عاناها اليهود أنفسهم؟ لكن المرتكبين لا يتّعظون من الماضي، وليس بمقدورهم رؤية المستقبل، خصوصاً عندما يركبهم الغرور والاستعلاء، وحينما تأكلهم نار الكراهية والحقد، ويتصرّفون على نحو بربري ولا إنساني، لا يعرفون سوى القوة وإذلال الآخر وسلب حقوقه، وتلك هي صورة «إسرائيل».


527
قانون التمييز والكراهية.. رسائل إلى العالم
عبد الحسين شعبان

شاع في العقدين ونيّف الماضيين خطاب إتّسم بالتمييز وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، وهو خطاب يحضّ على كراهية الآخر والاستعلاء عليه، بل وتشجيع العنف وتبرير الإرهاب، وقد استخدمت منابر إعلامية ودينية للترويج لمثل هذا الخطاب، دون أي اعتبار لقانون أو عُرف أو تعاليم دينية، بحيث أضحى خطاب التكفير والدعوة للتمييز بحجج دينية أو طائفية أو مذهبية أو إثنية، أمراً سائداً على المستوى العالمي.
وكرد فعل لبعض الأعمال الإرهابية التي حصلت في العالم، والتي عانى منها الشرق الأمرين قبل غيره، ولاسيّما البلدان العربية والإسلامية، انتعشت بعض التوجهات الفاشية والعنصرية الجديدة في الغرب ضد المسلمين والعرب منهم بشكل خاص، وهو ما أطلقنا عليه " الإسلامفوبيا"، وضد الأجانب بشكل عام،  الأمر الذي اتّخذ شكل قوانين وإجراءات لعدد من البلدان الغربية، وخصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001 الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة.
كما برزت في الوقت نفسه اتجاهات متطرّفة ومتعصّبة في العالم العربي وفي بلاد المسلمين عموماً، واتسمت بالتكفير والتحريم والتجريم للآخر، بل والقتل خارج القضاء على نحو لم يبق له مثيل، فالآخر حسب وجهة نظرها، غريب وكل غريب مريب، فما بالك إذا كان الآخر غربياً، فهو "كافر" ويستحق القتل. يستدل على ذلك من الخلفية التي يتم توظيفها بشأن العداء والكراهية، خصوصاً باستمرار هضم حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ودعم الغرب لـ" إسرائيل" والصهيونية العالمية، التي ما فتئت تقوم بالعدوان تلو الآخر ضد الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية، وتتنكّر للحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرّف وفي مقدمتها حق تقرير المصير. وقد أطلقنا على فكرة كراهية الغرب بالمطلق وتحميله نتائج جميع إخفاقاتنا وسوء أوضاعنا " الويستفوبيا- الغربفوبيا".
الموجتان المتطرّفتان لدى الأوساط المتنفذة الغربية، والتي يقابلها جماعات التكفير والإرهاب في العالم العربي والإسلامي، قادتا إلى الصدام التناحري الإلغائي، حيث لا يمكن التعايش بينهما، فتحت حجة مكافحة الإرهاب، تعتبر الأوساط المتنفّذة في الغرب، الإسلام عدواً بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، وهي لا تفرّق أحياناً بين الإسلام والجماعات الإرهابية الإسلاموية المتطرّفة، مثلما ليست المسيحية تمثّل المجاميع المتطرّفة في الغرب ودعاة الحروب، فذلك من شأنه أن يجعل الصراع بين أتباع الأديان متواصلاً ولا نهاية له.  وقد ارتكب الرئيس جورج دبليو بوش خطأً شنيعاً حين وصف حركات المقاومة ضد الاحتلال، بالفاشية الإسلامية، ولم يحصل الأمر سهواً أو زلّة لسان كما يقال، ولكن مع سبق الإصرار والوثوق، وذلك بالترويج في الوقت نفسه لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ثم للشرق الأوسط الجديد.
ومن جهة أخرى فإن الجماعات الإرهابية المتعصّبة والمتطرّفة عزفت على وتر واحد، مهما اتخذت من أسماء سواء تنظيمات القاعدة أو داعش أو جبهة النصرة أو ميليشيات مسلحة أخرى شيعية أو سنية، وذلك حين اعتبرت الغرب كلّه عدواً، وبالتالي لا بدّ من التصادم معه، ونسيت أن الغرب مستودعاً لخير ما أنجبته الإنسانية من علوم وتكنولوجيا وآداب وفنون وعمران وجمال، وخصوصاً في الثلاثمائة سنة الأخيرة، حيث استمر العالم العربي والحضارات القديمة في نفق مظلم، لا زال بعضها يعيش فيه.
وإذا كانت الأوساط المتنفذة في الغرب السياسي، معادية للعرب والمسلمين وتريد فرض الهيمنة عليهم واستتباعهم ونهب مواردهم واستغلالهم سوقاً لتصدير الأسلحة والسلع والبضائع، مقابل حصولهم على مصادر الطاقة بأسعار منخفضة، ولاسيّما النفط والغاز، فإن الغرب الثقافي بشكل عام ولدى أوساط غير قليلة منه، كان مناصراً لقضايانا العربية والإسلامية العادلة، ووقف ضد حكوماته للدفاع عن مصالح شعوبنا، كما هو الحال الموقف من القضية الفلسطينية والحرب على العراق وقصف ليبيا، ناهيك عن فضائله في تقديم المنجز الثقافي الكبير للعالم، وهو أمر ينبغي التفريق بينه وبين الغرب السياسي.
ليس الغرب كلّه "غرباً" يدعو إلى صدام الحضارات مثل صموئيل هنتنغتون، وإلى نهاية التاريخ مثل فرانسيس فوكوياما، بل هناك غرب يقف موقفاً مشرفاً بإدانة ثقافة الكراهية ونبذ الآخر ويدعو لاحترام حقوق الإنسان ومبادئ المساواة والمشترك الإنساني. كما ليس كل العرب والمسلمين دعاة تعصّب وتطرّف وغلو وعنف وإرهاب، فالظاهرة الإرهابية التي اكتوى بها العالم العربي والإسلامي قبل غيره، لا تشكّل إلاّ نسبة ضئيلة جداً ولا تُذكر، وإنْ كان فعلها الإجرامي كبيراً، وتأثيرها خطيراً، وكان الغرب يغضّ النظر عنها، بل ويشجعها أحياناً.
إن مناسبة هذه المطالعة هو إصدار دولة الامارات العربية المتحدة، مرسوماً بقانون، بشأن مكافحة التمييز ونبذ الكراهية وازدراء الأديان، ويأتي هذا القانون في وقت تشهد فيه منطقتنا موجة شديدة وعاتية من خطابات التكفير والكراهية، حتى إن الكثير من الممارسات وفي العديد من البلدان، استمرأت التمييز ومارسته، سواءً كان دينياً أو مذهبياً أو إثنياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو بسبب اللون أو اللغة أو تحت أي مبرّر كان، وسعت لإيجاد ذرائع ومسوّغات لممارساتها المنكرة تلك.
إن إصدار سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، المرسوم بقانون، هو مبادرة مهمة تستحق وقفة تأمل ومسؤولية إزاء خطورة الأوضاع التي تشهدها المنطقة العربية والعالم ، فإضافة إلى كون هذه المبادرة سبّاقة في توجهها، فإن تأتي تأكيداً للدور الذي يمكن أن تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة، ليس على صعيد العمران والبناء والنجاحات الكبيرة في ميادين التربية والتعليم والصحة والتنمية، بل في ميدان مكافحة الإرهاب والدعوة للتسامح ونبذ خطابات الكراهية والتمييز وازدراء الأديان وذلك استكمالاً للنهج الذي اختطّه مؤسسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
القانون استهدف تحصين مجتمع الإمارات والمجتمعات العربية عموماً من شرور وآفات التمييز والتعصّب والتطرّف، خصوصاً عندما وضع أحكاماً غليظة على كل من يرتكب مثل تلك الأعمال أو يحرّض أو يتستر عليها، فهؤلاء جميعاً سيكونوا تحت طائلة المساءلة القانونية، والهدف هو ردع كل من تسوّل له نفسه ممارسة التمييز وتحبيذ الكراهية ضد الآخر وازدراء الأديان والانتقاص من المقدسات كالذات الإلهية والأنبياء والرسل والكتب السماوية ودور العبادة، أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملّة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الإثني، والهدف الآخر هو جعل المجتمع أكثر تماسكاً من خلال قواعد التعايش والمشترك الإنساني، بما يعزّز الأمن والاستقرار ويساعد في تمتين العلاقات بين مختلف البشر في إطار الوحدة الوطنية.
وهناك هدف آخر يمكن استخلاصه من إصدار القانون، وهو سعيه لوضع المخاطر التي تهدّد مجتمعاتنا في إطارها الصحيح ، وتحديد الوسائل لمجابهتها ليس بالقانون لوحده، وإن وضع القانون قواعد ضرورية لذلك، ولكن من خلال القيم المضادة مثل مبادئ المساواة والمواطنة السليمة، ولاسيّما للنشء الجديد، بما يساعد في تربيتهم  على احترام الآخر وخصوصيته وهوّيته الفردية والجماعية، وتلك تحدّيات كبرى تواجه مجتمعاتنا، فإن لم نستطع مجابهتها والانتصار عليها، فإنها ستؤدي إلى المزيد من التشظي والتشتت والاحتراب والعنف.
لقد زاوج القانون بين الأحكام الغليظة من جهة وبين التوعية الثقافية من جهة أخرى،  أي بالردع والإقناع في آن، فليس بالعقوبات وحدها يمكن وأد الإرهاب والقضاء على العنف والتمييز، فلا بدّ أن تصاحب صدور القانون حملة فكرية وثقافية واجتماعية ضد التكفير وثقافة الكراهية والتمييز، أي العمل على تجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه لا بدّ أن تأخذ بنظر الاعتبار التطبيق السليم لأحكامه وتجنّب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الضد من أهدافه، ودائماً كما يقال العبرة بالتنفيذ، وسيكون ذلك رادعاً كبيراً فكرياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً ونفسياً لمحاصرة بؤر التكفير والكراهية .
   إن التواؤم بين المعايير الوطنية والإنسانية العربية والإسلامية التي احتواها المرسوم بقانون، وبين المعايير الدولية القانونية والحقوقية، سواء على الصعيدين  النظري أو العملي مسألة مهمة، لأن منظومة القيم الإنسانية واحدة، وهي شاملة وتخص بني البشر جميعاً، ولا يمكن تجزئتها أو الافتئات عليها أو الانتقاص منها.
لم يعد خطاب الكراهية والتوحّش والدعوة إلى القتل وإلى إلغاء الآخر، مداناً فحسب، بل أصبح بموجب القانون جريمة تستحق أقسى العقوبات، لأنها تؤدي إلى الفتنة والاحتراب وتفتيت المجتمعات، وهو ما سعى المرسوم إلى تأكيده وتلك إحدى رسائله إلى العالم، وقد لاقى القانون صدى عربياً وإسلامياً وعالمياً إيجابياً واسعاً، الأمر الذي يحتاج إلى جهود مشتركة وتعاون عربي ودولي، لوضع حد لأعمال التعصّب والتطرّف وخطابات التكفير والكراهية والتمييز وازدراء الأديان، وتلك مهمة  يمكن أن يساهم فيها المثقفون بحيوية وجدارة.


528
المنبر الحر / حلبجة البوسنة!
« في: 18:35 29/07/2015  »
حلبجة البوسنة!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

مثل مدينة حلبجة الكردية التي قتل فيها ببضع ساعات أو أيام معدودة نحو خمسة آلاف إنسان، فقد احتاج قتل 8 آلاف مواطن مسلم في البوسنة إلى خمسة أيام فقط. وكانت تلك المجزرة التي فاحت رائحتها أسوأ الفظائع التي حصلت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من مرور 20 عاماً على تلك الجريمة التي وقعت في 11 تموز (يوليو) 1995 بعد تخلّي الأمم المتحدة عن مسؤولياتها في الفترة بين 1992 و1995، فإن ما يزيد عن ألف ضحية لم يعثر على جثامينهم أو مايستدلّ عليهم. وكل عام يتم اكتشاف ودفن عدد من الضحايا، وأصبح ذلك تقليداً سنوياً ما بعد المجزرة الكبرى في سربرنيتشا، وفي هذا العام وحده، عثر على آثار 136 ضحية.
إن تلك المجزرة تعتبر الصفحة الأكثر سواداً والأشد عاراً في أوروبا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، على الرغم من الكثير من التشدّقات، ولو كان الأمر لغير المسلمين، لكانت الدنيا قد أقيمت ولم تقعد، أما إذا كانوا من الغربيين أو اليهود ، فإن ذلك سيكون بمثابة تطهير عرقي وجريمة عنصرية، حتى ولو شملت شخصاً واحداً أو مجموعة من السوّاح، دون الاستهانة بأرواح البشر أياً كانوا، فالجريمة ستبقى جريمة بغض النظر عن عدد ضحاياها. صحيح إن موت إنسان واحد مأساة، ولكن ماذا لو قتل ثمانية آلاف إنسان، ألا يعني ذلك ثمانية آلاف مأساة؟ بل أكثر من ذلك حين يتعلّق الأمر بذوي الضحايا وأقربائهم وأصدقائهم ومجتمعهم. إن موت هذا العدد الكبير من الناس قد لا يعني الطغاة وغلاظ القلوب، فبالنسبة لهم تلك مجرد إحصائية، كما يُنسب إلى ستالين.
وحسبما ورد في القرآن الكريم أن حياة البشر مقدسة ولا يمكن التهاون بها بغير حق في سورة المائدة، الآية رقم 32 :" مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "، وكما قيل قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر.
مرّت هذه المجزرة الرهيبة حتى الآن، دون عقاب للمجرمين ، لاسيّما لمن أصدر الأوامر ومن أعطى التعليمات، ومن قام بالتنفيذ، خلافاً لكل الشرائع القانونية والإنسانية والدينية، فالقتل خارج القضاء يعتبر جريمة تستحق العقاب، فما بالك إذا كانت جريمة بهذا الحجم، وفقاً للقوانين الدولية، أو للقوانين الداخلية. وعلى الرغم من أن مذبحة المسلمين في سربرنيتشا كانت جريمة للإبادة الجماعية، شملت الرجال والفتيان، وأدت إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، وقام بتنفيذها الجيش الصربي تحت قيادة الجنرال راتكو ملاديتش، إلاّ أن الأمم المتحدة أخفقت من دمغها باعتبارها جريمة للإبادة الجماعية، وذلك بفعل الفيتو الروسي ضد مشروع قرار قدّمته بريطانيا إلى مجلس الأمن مؤخراً.
إن خدر أو خمول الضمير العالمي إزاء هذه الجريمة يعتبر إهانة للإنسانية جمعاء، فما بالك بعائلات الضحايا، فمثل هذه الجريمة وتهاون المجتمع الدولي وموقف الأمم المتحدة اللاّ مسؤول، يعكس مدى العيوب البنيوية في النظام العالمي الذي بدا بعد انهيار نظام القطبية الثنائية، على ما فيه من ثغرات وعيوب، أكثر وحشية وأقل عدالة من السابق.
لقد مضى على تلك المذبحة 20 عاماً، لكن مجلس الأمن يفشل حتى الآن من الاعتراف بوجود إبادة جماعية، أفليس هذا استهتاراً بالقيم العالمية، وعدم الشعور بالمسؤولية، إزاء المنظومة الحقوقية والقانونية والدينية والأخلاقية؟ صحيح أن الاعتراف وحده ليس كافياً، لكنه خطوة في طريق السعي لتجريم المرتكبين بتقديمهم إلى العدالة الدولية، خصوصاً بعد إنشاء نظام روما العام 1998 وتأسيس المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيّز التنفيذ العام 2002، ليس هذا فحسب، بل إن توفير العدالة للضحايا، يتطلّب أيضاً دعماً للناجين، والذين تعرّضوا للعسف والعنف الجنسي، ناهيك عن كشف مصير المفقودين حتى الآن.
وعلى الرغم من وصف محكمتين دوليتين المجزرة بحق مسلمي البوسنة والهرسك، بأنها جرائم إبادة، وكذلك اعتراف البرلمان الأوروبي بحصول جريمة إبادة، نقول على الرغم من ذلك، فإن الفيتو الروسي حال دون اتخاذ قرار، فيما امتنعت الصين وأنغولا ونيجيريا وفينزويلا عن التصويت على مشروع القرار، وبعض هذه البلدان يتناقض موقفها مع ما تعلن عنه، خصوصاً عندما تتبع سياسة انتقائية وازدواجية في المعايير، وتلك إحدى مفارقات السياسة الدولية وغرائبيتها.
ويحاول الصربيون تمييع قضية الاعتراف والاستمرار في الإنكار أو تعويم القضية أو حتى المطالبة بإدانة جميع الجرائم، أي المساواة أحياناً بين الضحية والجلاّد، ومعروف أن الضحايا من المسلمين بلغوا 92% في حين إن ضحايا الصرب 5% أما الكروات فإن نصيبهم كان 3%، في حين أن العالم يشهد على فرادة وفظاعة ما حصل، لاسيّما بإطلاق النار على عزّل، ومدنيين وخارج دائرة النزاع المسلح.
وعلى الرغم من إدانة محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة بعض المرتكبين واتهامهم بممارسة جرائم ترتقي للإبادة الجماعية، إلاّ أنها قامت بتبرئة صربيا من المسؤولية المباشرة لتلك المجزرة، وحصرتها بصرب البوسنة، ولكن ذلك لا يعفي مسؤولية الزعيم الصربي رادوفان كراجيتش والجنرال راتكو ملاديتش، الذي كان قائداً للجماعات الصربية المسلحة، المدعومة من صربيا لتنفيذ تلك الجرائم الجماعية، مثلما شاركت مجاميع عسكرية من روسيا واليونان وبلغاريا ورومانيا في تلك المجزرة تحت ذرائع قومية أو دينية، حيث تم رفع أعلام بلدانهم على جماجم الضحايا، حسبما أمر بذلك الجنرال ملاديتش.
وإذا كان طريق العدالة طويلاً ومعقّداً أحياناً، ويخضع لاعتبارات عديدة وتوازن قوى ومصالح، فإن ملفّات القضاء الدولي سجّلت قرارات من جانب محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة في العام 2010 تقضي بإنزال عقوبات غليظة بعدد من المدانين بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، وخرق قواعد القانون الدولي المتعلّق بالمدنيين، لاسيّما اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها لعام 1977، ومع ذلك فإن مثل هذه الإدانات  لم تكن منصفة للضحايا بالكامل، الأمر يجعل البوسنيون والمسلمون منهم بشكل خاص، بانتظار تحقيق العدل، مهما طال الزمن.
لا زالت ثقافة الإنكار سائدة بخصوص الكثير من الجرائم الدولية، وباستثناءات محدودة، فإن عدم الاعتراف بالمسؤولية يستمر في مغالطة وتدليس للتاريخ. وإذا ما اعتبرنا اعتذار بلجيكا عن جرائم ارتكبتها ضد الكونغو خلال استعمارها، مسألة تستحق التقدير، فإن الأتراك لا زالوا ينكرون  الجرائم ضد الأرمن، والفرنسيون ضد الجزائريين، ولا يعترف الأمريكان بجرائهم بحق سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر، فضلاً عن جرائمهم في الفيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها، ويتنكّر "الإسرائيليون" للجرائم والحروب والعدوان والاحتلال والإجلاء والاستعمار الاستيطاني والممارسات العنصرية، ضد أهل البلاد الأصليين من العرب والفلسطينيين. ولا زالت الجرائم المرتكبة بحق الكرد في العراق، بما فيها حملة الأنفال الدموية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، وحلبجة واستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دولياً في عدد من مناطق كردستان، مصدر تشكيك، لاسيّما من الشوفينيين والاستعلائيين.
صحيح إن بعض المنصفين الذين يقرّون بالوقائع والفظاعات المرتبكة من قبل حكوماتهم في السابق والحاضر، لكن الغالبية الساحقة لا تزال منحازة بشكل أعمى وتنكر الحقائق الدامغة، وتحاول إيجاد تبريرات أو تفسيرات لنقضها. وقد أراد بعض الناس في بلغراد تقديم تعازيهم لأهالي الضحايا في سربرنيتشا، لكنه تم منعهم، إلاّ أنهم اجتمعوا ليحملوا الشموع والزهور بالمناسبة، وقد اضطرّ رئيس الوزراء الصربي الكسندر فوسيتش، إلى الفرار من مكان إقامة مراسم إحياء الذكرى بعد أن تم رشقة بالحجارة والأحذية.
وكان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قد ترأس وفد بلاده إلى البوسنة لحضور مراسيم تأبين الضحايا وشاركت في الوفد وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأسبق مادلين أولبرايت، مثلما وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسالة بالمناسبة قال فيها: نريد عالماً لا يقتل الأطفال، وخاطب البوسنيين، كونوا على ثقة إن قلوبنا البعيدة عنكم شعرت بالمآسي التي عشتموها في ذاك اليوم.
لعلّ خير ما نختم به هذه المقالة التي حدّدت المسؤولية عن تلك المأساة الإنسانية هو قول أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي أنان العام 2005، في رسالة وجهها بمناسبة إحياء ذكرى الضحايا بمرور 10 سنوات : إن اللوم يقع بالدرجة الأولى على أولئك الذين خططوا ونفذوا المذبحة  والذين ساعدوهم ، ولكنه يقع أيضاً على الدول الكبرى والأمم المتحدة، كون الأولى فشلت  في اتخاذ إجراءات كافية، والثانية، أي الأمم المتحدة، ارتكبت أخطاء جسيمة قبل وأثناء وقوع المجزرة، لذلك ستبقى مأساة سربرنيتشا نقطة سوداء في تاريخ الأمم المتحدة إلى الأبد.





529
الملف النووي الإيراني: هزيمة أم انتصار.؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

على الرغم من تأكيد وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف عشية التوقيع على الاتفاق الذي كان مقرراً في 30 يونيو (حزيران) الماضي، من أنه " لا يزال أمامنا عملاً شاقاً" إلاّ إن النتيجة كانت  ترجّح الحل الدبلوماسي، حتى إن الغرب بشكل عام تهاون بشأن امتلاك إيران قوة نووية مدنية، وذلك بتخلّيها عن السلاح النووي، وهو ما عبّر عنه وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس حين وصل إلى فيينا للمشاركة في اجتماعات العدّ التنازلي.
ومثلما يرفع الغربيون من سقف مطالبهم في الساعات الأخيرة، فإن إيران هي الأخرى تحاول أن ترفع من سقف مطالبها، فقد أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن الإتفاق ممكن في حال تخلّي الطرف الآخر عن مطالبه المفرطة، وعليه أن يتقبّل الحقائق وأن يعترف بحقوق الشعب الإيراني، ولاسيّما بخصوص رفع العقوبات.
حتى الآن مرّت المفاوضات بطرق شاقة وصعبة، ولا تزال أمامها بعض الصعوبات التي لا بدّ من التوافق بشأنها لإنجاز الاتفاق، ولم يُعرف في تاريخ الدبلوماسية الدولية، مفاوضات مستمرة ومعقّدة مثلها، حيث بدأت منذ العام 2003، لكن واشنطن لم ترغب حينها بإبرام اتفاق مع " محور الشر" . أما معارضو الاتفاق في إيران فقد كانوا لا يريدون إبرام اتفاق مع "الشيطان الأكبر".
ما الذي حصل عشية الموعد المحدد 30 يونيو (حزيران) الماضي للاتفاق بعد انجاز الإطار العام في ابريل (نيسان) الماضي؟ لقد قررت إيران والدول الستة 5+1، تمديد المفاوضات لأسبوع واحد، أي أن الموعد الجديد سيكون يوم 7 يوليو (تموز) الجاري وذلك بسبب اختلافات جوهرية، ناهيك عن اتهامات أمريكية وغربية لإيران، وتحميلها نتائج التراجع التي تضمنها مشروع الاتفاق .
وظلّت العديد من القضايا معلّقة حتى بعد اتفاق لوزان، فلكل طرف تفسيراته للاتفاق، ومن أبرز الخلافات هو آليات رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية المفروضة على طهران، إضافة إلى إمكانية إعادتها أتوماتيكياً، إذا أخلّت طهران بالاتفاق المرتقب، لاسيّما ما يتعلّق بتفتيش مواقعها العسكرية، واستجواب علمائها النوويين، كما إن مدّة الاتفاق كانت موضع أخذ ورد،  فضلاً عن مسألة البحوث في البرنامج النووي الإيراني وتطويره.
وحسبما ترشّح من جهات عديدة، بما فيها وزارة الخارجية الروسية، بأنه تم تذليل العديد من العقبات، وإن الاتفاق أصبح قاب قوسين أو أدنى، وإن تقدّماً ملموساً قد حصل، وبقيت بعض الجوانب الإجرائية وليست التقنية، وهذه يمكن تسويتها، وهو ما ذهب إليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافرورف في مؤتمر صحافي في فيينا.
وتتشدّد إيران بشأن الفقرة المتعلقة بتفتيش المنشآت العسكرية، خصوصاً بعد القرار الذي اتخذه البرلمان الإيراني، الذي رفض بشكل قاطع قبول التفتيش وهو الموقف الذي أكّد عليه أكثر من مرّة مرشد الثورة علي خامنئي، في حين تعتبر الدول 5+1 التفتيش مسألة أساسية ولا غنى عنها لإتمام الاتفاق.
وتطالب إيران بإلغاء العقوبات المفروضة عليها فوراً لمجرد توقيع الاتفاق النهائي بشأن الملف النووي، لاسيّما الحصار الاقتصادي والمالي والمصرفي، والأمر يتعلق بقرارات الكونغرس الأمريكي أو الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أكثر من 12 عام، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن بشأن فرض العقوبات الدولية على طهران، وكذلك الاتحاد الأوروبي.
إن سبب إصرار الدول 5+1 على تفتيش المنشآت العسكرية، هو للتأكّد من أن طهران سوف لا تستخدم هذه المنشآت لتجارب نووية أو لمحاولة إنتاج قنبلة نووية، في حين ترفض إيران ذلك وتعتبره وسيلة للتجسس على الجيش الإيراني، وهي مسألة تدركها حسب التجارب التي سبقتها، سواء في العراق أو ليبيا أو غيرها. ولعلّ الاقتراح الذي يمكن أن يعتبر مساومة مقبولة، هو سماح إيران بزيارة المفتشين الدوليين للمواقع والمنشآت العسكرية، ولكن ليس لغرض التفتيش أو أخذ عينات، ولكن للاطلاع.
أما موضوع رفع العقوبات الفوري الذي تطالب به إيران، فإن دول 5+1 تقترح وضع خطة زمنية متدرّجة وذلك لخشيتها من احتمال خرق إيران لمواد الاتفاق. وترشحت بعض الأخبار عن احتمال التوصل إلى اتفاق من 3 مراحل، في المرحلة الأولى (قرار الاتفاق)، أما المرحلة الثانية في " تفعيل الاتفاق"، أي تسوية المشاكل الداخلية للأطراف المختلفة بخصوص إقرار الاتفاق، والعمل على تنفيذه بإزالة الاعتراضات التي قد تبديها القوى السياسية أو البرلمانية عليه.
وهذا يعني مراجعة موقف الكونغرس الأمريكي بشأن الاتفاق، وهي فترة تستغرق 30 يوماً، إضافة إلى 22 يوماً للموافقة أو للرفض، ولاستعمال الرئيس الفيتو، إذا ما احتاج لذلك، وإذا فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق قبل 10 يوليو (تموز) الجاري، فإن فترة المراجعة الممنوحة للكونغرس سترتفع إلى شهرين (60 يوماً).
أما المرحلة الثالثة فهي "تنفيذ بنود الاتفاق"، حسبما ورد فيه  من نصوص وآليات، خصوصاً إذا ما تعزّزت الثقة بين الأطراف، وشعر كل فريق بأن الطرف الآخر جاد في تنفيذ المسؤوليات التي تقع على عاتقه.
إن الطريق المعقدة والطويلة للمفاوضات الغربية- الإيرانية، إضافة إلى المعاناة الإيرانية من نظام العقوبات القاسية قد تكون السبب في التوصل إلى اتفاق، حتى وإن سمح لإيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تقل عن 5%، وهي النسبة الكافية لإيران كما تقول لاستخدامها للأغراض السلمية.
وبعد ذلك فالاتفاق يثير قلق الكثير من الأوساط العربية والخليجية، ناهيك عن "إسرائيل" التي تعارضه بشدّة، وتدعو صراحة وعلناً إلى مواجهة حاسمة مع إيران، حتى لو اقتضى الأمر عسكرياً لتدمير المفاعلات النووية، وليس مستبعداً أن تقدم على ذلك منفردة بمغامرة لتوريط الغرب بحرب قد تكون نتائجها كارثية على جميع شعوب دول المنطقة، وهو ما هدّدت به باستمرار.
إن توقيع الاتفاق سيفضي إلى تغيير جيوستراتيجي في المنطقة، من آسيا الوسطى حتى ضفاف المتوسط ، دون نسيان دول جوار إيران، بما فيها دول الخليج العربي، وسيكون أي هجوم " إسرائيلي" محتمل بمثابة عدوان على برنامج مدني بإقرار المجتمع الدولي وباتفاقية إيرانية مع دول 5+1.
هناك العديد من الأسباب التي دفعت الطرفين لقبول هذه الصفقة، فإيران عانت من نظام العقوبات، وتعرّض اقتصادها وعملتها إلى مشكلات عديدة، ناهيكم عن انعكاسات الحصار اجتماعياً، وخصوصاً بارتفاع معدّلات الفقر وانتشار الجريمة المنظمة والمخدرات، وتصدّع الكثير من القيم الأخلاقية، الأمر الذي استغلته المعارضة إلى حدود غير قليلة، مع أن هناك موقفاً يكاد يكون موحّداً بخصوص الملف النووي وسياسة إيران الخارجية في مواجهة التحدّيات الغربية.
لم يكن أمام إيران طريق آخر، غير التوصل إلى اتفاق بعد جهد دبلوماسي مكثّف، لاسيّما من جانب وزير الخارجية محمد جواد ظريف، حيث كانت طهران حريصة على استمرار المفاوضات حتى التوصل إلى اتفاق، وحتى لو تعثر إبرامه الآن، فإن إيران ستواصل ذلك بطول نفس  ودهاء كبيرين، لأنها لا تريد قطع المفاوضات، خصوصاً حاجتها إلى إبرام اتفاق لفك الحصار المفروض عليها، وهي تدرك مدى تأثيراته العميقة على مختلف شرائع المجتمع الإيراني.
أما الغرب والولايات المتحدة تحديداً، ولاسيّما بعد الفشل الذريع في العراق بعد احتلاله العام 2003 والانسحاب منه في نهاية العام 2011 كان أقرب إلى هزيمة، خصوصاً وإن سياستها وحروبها في المنطقة لم تحظَ بالتأييد، فليس هناك من حل أمامه غير الاتفاق، وقد عبّر عن ذلك الرئيس الأمريكي باراك أوباما  بقوله " وحدها الدبلوماسية يمكنها أن تؤدي إلى حل دائم للتحدي الذي يمثّله البرنامج النووي الإيراني" واعتبر ما هو مطروح فرصة للتوصل إلى اتفاق شامل وسلمي، ولا شكّ أن ذلك لم يكن بمعزل عن الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة التي ضربت الولايات المتحدة منذ العام 2008، وليس بعيداً عن ذلك ما تعمل عليه واشنطن منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود ونيف من الزمان  لخلخلة الوضع الداخلي الإيراني على أمد الإطاحة بالنظام، خصوصاً وأن تأثيراته الإقليمية باتت كبيرة، وضغوطه على حلفائها أصبح لا يحتمل.
وقد كان للعامل الروسي الدور المهم في إمكانية التوصل إلى اتفاق وهو موقف جديد لروسيا، سواء بخصوص سوريا أو إيران أو أزمات المنطقة بشكل عام، وبحدود معيّنة كان للدور الصيني أثره في مواجهة التفرد الأمريكي والأطلسي للهيمنة على العالم.
لقد أطلق توماس فريدمان على مشروع الاتفاق، وصفاً مثيراً، وذلك حين اعتبره "زلزالاً جيوسياسياً" وكتب ذلك في مقالة له في صحيفة The New York Times ، وحسب هذا التحليل السياسي يتوصل الكاتب إلى أن مثل هذا الاتفاق سيكون له أثر أكبر من كامب ديفيد والثورة الإيرانية معاً، في إعادة ترتيب الشرق الأوسط!!
قد يكون لحل هذا الملف انعكاساته على الأزمة السورية والانسحاب الأمريكي من أفغانستان والوضع في العراق ولبنان واليمن وبعض دول الخليج، كما قد يكون له تأثيرات على مسألة الدروع الصاروخية في تركيا، والعلاقة الروسية- الأمريكية، وحلحلة موضوع أوكرانيا، ومسألة قواعد الصواريخ في بعض دول أوروباً الشرقية، ولكن المهم حسب تقديري هو هل يمكن للاتفاق أن يحمي دول المنطقة من نزاعات وحروب وصراعات محتملة، ويضمن عدم الصدام العسكري، بل اللجوء إلى الدبلوماسية، التي هي في مصلحة جميع الأطراف، ليس في هذه القضية فحسب، بل بشأن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، حيث لا تزال "إسرائيل" تتغوّل على الأمة العربية؟.
لا أظن أن هناك انتصاراً أو هزيمة أو هناك رابح وخاسر من هذا الاتفاق، فحماية السلم، هي ربح للجميع وهزيمة مشروع الحرب المحتمل هو فوز للجميع أيضاً.


530
الثقافة واليسار والتبديد
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي



ما حصل لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، لا يكفي إدانته وشجبه، بل يستوجب اتخاذ خطوات عملية ملموسة لوضع حد لمن تسوّل له نفسه الاعتداء على الثقافة والمثقفين تحت أي مبرر كان أو مسوّغ أو تأويل، سواء كان سياسياً أو فكرياً أو اجتماعياً أو دينياً، الأمر الذي يتطلّب رد الاعتبار على المستوى الوطني للثقافة وللمثقف العراقي، ولدوره الوطني والإبداعي، واحترام عالمه الخاص أو "مملكته" بما فيها من ألغاز وحساسية ومغامرة ونقد وخيال.
لم يعد غريباً منذ الاحتلال الأمريكي للعراق أن يرى المرء مجموعات مسلحة تجوب الشوارع والأحياء وتبطش بهذا وذاك، تحت عناوين مختلفة، تارة باسم الدين، وأخرى باسم الطائفة، وثالثة باسم الجماعة السياسية، ورابعة باسم العشيرة، وخامسة بدون إعلان وهو ما يتكرّر دائماً، خصوصاً إذا رغب المرتكبون إخفاء معالم انتهاكاتهم أو جرائمهم، لأن فيها ما يُخجل، بل ويجرح الذوق العام، فما بالك حين يتم الاعتداء على مقر اتحاد الأدباء والكتاب، ويُهان أمينه العام ويتعرّض للضرب، وهو رجل ثمانيني مكافح وصبور ومبدع، ويمثل جزءًا حيوياً من ذاكرة الثقافة الوطنية العراقية بشكل عام وذاكرة الثقافة اليسارية بشكل خاص، وأعني به الشاعر والمحامي الفريد سمعان الذي طاوعه القلم، واستهواه الحرف، فكتب بكل رشاقة ونظافة وجمال، قصائده الأثيرة.
وحصل مثل هذا الزواج الكاثوليكي بين ألفريد سمعان وبين الثقافة واليسار منذ ما يزيد عن ستّة عقود ونيّف من الزمان، تعرّض فيها للسجن مرّات عديدة وللتهميش واضطرّ للعزلة المجيدة، لكنه ظلّ محافظاً على لونه مرفوع الرأس وعالي الكرامة.
بماذا يبرّر الإرهابيون عدوانهم على الثقافة والمثقفين؟ ألأن هؤلاء يساريون أو شيوعيون؟ وما العيب في ذلك، فاليسار نشأ وترعرع مع نشوء وتوطّد الدولة العراقية، وكانت أفكار حسين الرحّال وجماعته التي شكّلت الحلقات الماركسية الأولى في العراق تمثل الإرهاص الأول لأفكار اليسار، وضمّت الجماعة محمود أحمد السيد ومصطفى علي وغيرهما، وفيما بعد اتسعت لتشمل  نوري رفائيل ويوسف متي وفهد وزكي خيري وعبد القادر اسماعيل البستاني وشقيقه عبدالله اسماعيل البستاني وغيرهم.
حركة تنوير
وأصبحت الجماعة أساساً لحركة تنوير وتحديث وجدل، سواء في موضوع حقوق المرأة، أو في النضال ضد المعاهدات الاسترقاقية المذلّة، ولاسيّما اتفاقيات العام 1922 والعام 1930 والعام 1948، وعندما تأسس الحزب الشيوعي في العام 1934، كان له فضل الريادة في التبشير بأفكار التقدّم، والنضال ضد الاستعمار والاستغلال، وضد ظلم الإقطاع، وضد الاتفاقيات غير المتكافئة والأحلاف العسكرية، والدعوة للتعدّدية الثقافية والتنوّع، والدفاع عن السلم وتشكيل لجان محو الأمية والدفاع عن مصالح الفقراء والكادحين وعموم الشعب.
وضمّ الحزب الشيوعي منذ تأسيسه مثقفين وقادة رأي وأكاديميين وشعراء وأدباء وفنانين وكتّاب وصحفيين ومثقفين من مختلف الاختصاصات، ولا يمكن اليوم الحديث عن الدولة العراقية، ناهيك عن الثقافة العراقية، دون الحديث عن الدور المجيد الذي لعب اليساريون والشيوعيون، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد الثقافي، فالحديث عن الثقافة سيجرّك إلى الحديث عن اليسار والشيوعيين لا محال، لأنهما متلازمان ولا يمكن فصلهما، وهذا بغض النظر عن الأخطاء والمثالب والعيوب، وهي أمور طبيعية في كل عمل وكل جهد إنساني، فضلاً عن الأزمات التي مرّت بها البلاد والهزائم والخذلانات التي أصابتها، وهو ما انعكس على الحزب الشيوعي أيضاً.
لا أقول ذلك من باب المديح أو التبشير، بل من باب النقد والمراجعة، ولا بدّ من إعادة قراءة التاريخ، ولاسيّما تاريخ الثقافة بروح نقدية منفتحة، مع ذكر بعض الحقائق للجيل الحالي وللأجيال القادمة، فلا حركة تجديد شعري، دون الحديث عن اليسار، من السيّاب إلى البياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصايغ وكوران وعز الدين مصطفى رسول ومظفر النواب وشاكر السماوي ورشدي العامل وفاضل العزاوي وغيرهم، وهؤلاء جميعهم مرّوا من مدرسة اليسار وكانوا بهذه الدرجة أو تلك قريبين من الحزب وتوجّهاته.
وقد اغتنى الفكر الاجتماعي والاقتصادي العراقي بأفكار اليسار، من عبد الفتاح إبراهيم إلى عبد الجبار عبدالله وابراهيم كبّة ومحمد سلمان حسن وعزيز شريف ومكرّم الطالباني وعامر عبدالله وعزيز الحاج  وغيرهم.
ولا يمكن الحديث عن المسرح العراقي دون ذكر يوسف العاني وخليل شوقي وناهدة الرماح وزينب (فخرية عبدالكريم) وسامي عبد الحميد والقائمة تطول، مثلما هي قائمة الإعلاميين من عبد الجبار وهبي ( أبو سعيد) إلى عبد المجيد لطفي وشمران الياسري (أبو كاطع) وابراهيم الحريري، وعشرات من الذين تربّوا في المدرسة الصحفية اليسارية عموماً والشيوعية كذلك، وكذا الحال في الحركة الحداثية التشكيلية والذي يعتبر أحد روّادها الكبار جواد سليم ومحمود صبري، صاحب "نظرية واقعية الكم"، والأمر كذلك في السينما والموسيقى والرواية من ذنون أيوب مروراً بـ:غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي والجيل الذي تلاهما، ناهيكم عن الكتّاب الذين أغنوا المكتبة العراقية والعربية، من الجيل الثاني الذي حمل راية التجديد والحداثة وكسر القوالب الجامدة.
ولست هنا في وارد تعداد أسماء الحزبيين الذين ساهموا بجهدهم وظروفهم القاسية، لاسيّما من الجيل الأول، ولكنني فقط أود لفت النظر، إلى أن لا ثقافة في العراق دون اليسار، وهذا لا يعني غمط حق آخرين من المفكرين والكتاب والمبدعين، الذين تركوا أثراً خلفهم، سواء محمد مهدي البصير أو محمد جعفر أبو التمن أو علي الوردي أو حسين جميل أو كامل الجادرجي أو محمد حديد أو محمد فاضل الجمالي أو خليل كنّه أو عبد الكريم الأزري أو عبد الغني الدلّي أو سعد صالح أو جواد علي أو مصطفى جواد أو علي جواد الطاهر أو محمد مهدي المخزومي أو صالح أحمد العلي أو مجيد خدوري أو من القوميين مثل صدّيق شنشل وعبد العزيز الدوري وخير الدين حسيب وعبد الحسن زلزلة وعبد العال الصكبان وحازم مشتاق وتوفيق المؤمن وأحمد الحبوبي وعبد الرزاق محي الدين وسامي مهدي وحميد سعيد وشاذل طاقة وشفيق الكمالي وسعدون حمّادي وعبدالله السلّوم السامرائي وطارق عزيز وغيرهم، ونذكر ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
وقد ساهمت المرجعية الدينية في رفد الثقافة العراقية من الشيرازي إلى  حسين النائيني وهبة الدين الشهرستاني، وصولاً إلى أبو الحسن الأصبهاني، فمحمد باقر الصدر، ومجايليه، حيث استهدفوا إصلاح الحوزة ومناهجها من خلال الانفتاح على العلم والتطوّر، وساهم مصطفى جمال الدين ومحمد بحر العلوم وغيرهما في ذلك.
وقد كان لمحمد رضا الشبيبي وعلي الشرقي دوراً تنويرياً في هذا الإطار، الذي استهدف إصلاح الخطاب الديني والسياسي، وتحديثهما للاستجابة لمنطق العصر، ولكن الشيء بالشيء يذكر، فإن أجيالاً تربّت على ثقافة اليساريين والشيوعيين ودعواتهم للتنوير والعصرنة والتجديد، وكانت مساحة ذلك تتسع لتشمل جميع الأنشطة الثقافية.
كما ساهم المثقفون الكرد بقسطهم الوافر في رفد الثقافة العراقية ذات التعددية والتنوّع، إضافة إلى المجموعات الثقافية الأخرى، ومن أبرز المثقفين الأكراد مسعود محمد وكمال أحمد مظهر وأحمد عثمان أبو بكر وابراهيم أمين بالدار واسماعيل حقي شاويس وشيركوبيكسه وجرجيس فتح الله وابراهيم أحمد وفلك الدين كاكائي ومحمد عارف وإحسان شيرزاد وغيرهم.
تدنيس الاتحاد
ماذا يقول الإرهابيون الذين اقتحموا مبنى اتحاد الأدباء والكتاب ودنّسوا حرمته وعبثوا بممتلكاته: إنهم علمانيون، نعم ولماذا لا؟ فالعلمانية لا تعني معاداة الدين ولا تعني فرض رأي بعدم التديّن على الآخرين، إنها باختصار وبساطة تعني العقلانية في التعامل مع البشر على أساس كونهم مواطنين في دولة تفترض المساواة والحرية والعدالة والمشاركة، بعيداً عن الإكراه أو الاستتباع، فالإيمان هو علاقة بين الإنسان وخالقه، أما الدولة فلها قوانينها التي لا بدّ للجميع أن يخضعوا لها. وبالتالي فإن حرية المعتقد واحترام الأديان تتوفّر في ظل الدولة المدنية، خارج نطاق التمييز لأسباب قومية أو دينية أو جنسية أو لغوية أو اجتماعية أو غير ذلك.
وماذا نقول عن الذين يرفعون شعار "الشريعة" ويتصرّفون بالضد من سماحة أحكامها وتفسيراتها، ويريدون فرض قراءتهم وتفسيرهم، بل يضعون أنفسهم فوق القانون، سواءً كانوا قد ارتدوا عباءة الإسلام الشيعي أو السنّي، أو من التكفيريين الذبّاحين، أو وقفوا خلف هذا الفقيه أو ذاك؟ فالعبرة دائماً بالممارسة والتطبيق، ولا يمكن أن تبتعد الوسيلة عن الغاية فهذه من تلك، وهما مثل البذرة والشجرة، حسب المهاتما غاندي أحد روّاد اللاّعنف في العالم، وأي تصرّف خارج القانون يستوجب المساءلة والمحاسبة، وإنزال أقصى العقوبات، وأية دولة هذه، هي التي يهاجم فيها مسلحون مجهولون، رجال الفكر والثقافة والأدب وفي وضح النهار ويفلتون من العقاب؟
إن مهمة أية دولة، هو حماية الأمن والنظام العام، وكذلك حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وإذا عجزت الدولة عن توفير الحد الأدنى من ذلك، فلماذا هي دولة، خصوصاً إذا ركبتها الموجة الطائفية وقسمتها المذهبية والإثنية واجتاحها  العنف والفساد ، ناهيك عن احتلال داعش ثلث أراضي البلاد وما زلنا نتحدث عن " انتصارات"، لعلّ بعضها أشد عاراً من الهزائم، حسب تعبير ماركس.
على الدولة أن تحمي مواطنيها بشكل عام، فما بالك بمثقفيها وعلمائها وأكاديميها وإعلاميها وجميع نخبها، لأن هؤلاء هم ثروة البلاد الحقيقية، وليس النفط والغاز، اللذان سيصيران إلى زوال، والعقول العراقية هي التي ستبقى وتعمّر، وليس غريباً أن الحصار الدولي والاحتلال لاحقاً، كان من أهدافهما الأساسية، تدمير وتهجير العقول والأدمغة العراقية، حيث بدأت بالتجويع وصولاً إلى الاغتيالات المنظّمة والعشوائية، لإحداث الرعب بعد الصدمة، وراح ضحية ذلك بضعة آلاف من المبدعين والفنانين والعلماء والأطباء والإعلاميين والمثقفين بشكل عام، وهؤلاء كلهم مبرّزون في اختصاصاتهم، واضطرّ عشرات الآلاف إلى الرحيل، حيث عانى قسم كبير منهم من البطالة، لاسيّما من رفض منهم توظيف وسيلته لصالح الاحتلال، أو للانسياق وراء أمراء الطوائف في ظل نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي المذهبي والإثني، والذي زاده انقساماً الاستقطابات العشائرية والمناطقية والجهوية.
لقد استهدفت الجهات الإرهابية أيا كان لونها وشكلها، التنوّع الثقافي والتعددية القومية والدينية بشكل خاص، فاستباحت كنائس المسيحيين وقتلت المئات منهم ورحّلت عشرات الآلاف، مثلما حصل الأمر بالنسبة للإيزيديين الذين سُبيت نساءهم والصابئة المندائيين، إضافة إلى التركمان والشبك والكاكائيين وغيرهم، وكل ما له علاقة بالفسيفساء العراقية، بل كل من وقف بوجههم عرباً وكُرداً، سنّة أو شيعة.
وإذا كان العهد الملكي قد شهد صدور بعض القوانين الغليظة تحت عناوين "محاربة الأفكار الهدّامة"، ولاسيّما عشية وبُعيد تأسيس حلف بغداد الاستعماري، وكان الهدف منها تقنين دور اليسار في حركة الثقافة، فإن تلك المرحلة ازدهرت فيها الثقافة ولعب المثقفون فيها دوراً ريادياً متقدّماً، فإن حكومات ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو)العام 1958، اتجهت بالتدريج إلى فرض الدكتاتورية الفردية، والتي سرعان ما تعمّقت بالنظام الشمولي التوتاليتاري الاستبدادي، واستُحدِثت أساليب فاشية لتطويع المثقفين ولتوجيه الثقافة وجهة خاصة بفرض آيديولوجية محدّدة عليها، ولاقى المثقفون اليساريون أنواعاً مختلفة من الاضطهاد والملاحقة.
ولكن حكم ما بعد 17 تموز (يوليو) 1968 بالرغم من فترة الانفراج النسبي، فقد بدأت قاعدته تضيق باتجاه التدمير المبرمج للثقافة، ولاسيّما اليسارية، بتكريس الواحدية والإطلاقية وإدعاء الأفضليات والإجماع المصطنع، وحجبت أسماء كبرى، فلا عجب أن يكون نجماً ساطعاً من نجوم العراق المتلألئة غائباً، وأقصد بذلك الجواهري الكبير، فما بالك بالآخرين، ولاسيّما خلال فترة الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، وفيما بعد خلال فترة الحصار الدولي الجائر، حيث سادت ما سمّي "بثقافة الحرب" والمكرمات التي لا تقبل الآخر، بل كان همّها هو التعبير عن الصوت الواحد والذوق الواحد والحزب الواحد والقائد الواحد، مختزلة العراق وثقافته بذلك.
لكن ما حصل بعد الاحتلال كان أشدّ خطراً وأكثر هولاً، حين بدأ الانتقال من التدمير المنهجي، إلى التدمير العشوائي، ومن التبديد المُبرمج إلى التبديد المُبعثر، لاسيّما في ظل الفوضى التي أغرقت البلاد بالبلاهة والرداءة والقبح والخوف والتمذهب والعنف والإرهاب والطائفية والفساد والتخلّف.
إذا كانت جميع خطط السابقين في تدمير الثقافة أو تطويعها لخدمة الحاكم قد فشلت، فإن الفشل سيصيب الذين يحاولون إعادة التاريخ إلى الوراء، بفرض ثقافة ماضوية على بلد كان يتطلع إلى الحداثة والتقدم والعمران والجمال منذ ثلاثينات القرن الماضي. ولم يكن ذلك بعيداً عن الثقافة اليسارية والشيوعية ودورهما المتميّز.
لقد مثّل الحزب الشيوعي ومثقفوه عراقاً صغيراً ونواة عراقية متجانسة بالوحدة والتنوّع، ضمّت جميع القوميات والأديان والطوائف واللغات والمناطق والجهات والأجيال، كل ذلك في إطار السعي لإخراج العراق من نظامه شبه الإقطاعي إلى نظام يتجه نحو الحداثة والتنوير والعقلانية والمدنية والتنوّع والتعددية ، وكان وضّاح شرارة على حق حين قال في التسعينيات: إذا تعافى الحزب الشيوعي تعافى العراق، ويمكنني القول كلّما ازدهرت الثقافة اليسارية المدنية، الحضارية، السلمية، المنفتحة، كلما تقلّصت مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف والتخلّف.
ولهذا فإن حادث الاعتداء على اتحاد الأدباء والكتاب، لا ينبغي أن يمرّ مرور الكرام، أو أن يعتبر حادثاً عابراً ومعزولاً عن السياسة العامة، مثلما لا يكفي الدعوة  للتحقيق فحسب، بل على الرئاسات الثلاث أن تلعب دورها لوضع حد لمثل هذه التجاوزات، وليعرف الجميع أن الثقافة اليسارية لا يمكنها أن ترضخ أو تطوّع، حتى وإن أصابها بعض الضعف والوهن والنكوص والتعويم، فتلك عوارض نجمت عن أزمة اليسار منذ ثلاثة عقود ونيّف من الزمان، وهي أزمة عامة شاملة على المستوى العالمي، وإنْ كان وقعها شديداً على اليساريين العراقيين، والأصل في ثقافة اليسار هو وطنيته ومدنيته وحضاريته وقدرته على الاستمرارية والإبداع على نحو فردي بالطبع، وعلى نحو جمعي أيضاً، بما يعيد له توازنه ذو الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والجمالية.



531

المفكر العراقي عبد الحسين شعبان:
سوراقيا مشروع خلاص مشرقي – فكر



قلم: هاني الحلبي




العالم يصطرع حول ذاته. مافيات أممية ومافيات محلية تختلق الأزمات وتراكم أسبابها. مافيات الصناعة العسكرية والمال المرتزق والسياسة الرخيصة والتديّن العنصري جميعها وغيرها يوفران المناخ المتفجر لعالم يتدحرج إلى المحرقة مجدداً، وعبثاً نسمع صوتاً عاقلاً هادياً يقول للهائمين في أوهامهم: هذا الحق وهذه الحياة.. من هنا الخلاص!

مخضرم، ككّل الكبار، يتخذ المنهج كعلم، أساساً لانطلاقته وعمله ورؤيته، أما الأشخاص مهما عظموا فيبقون أشخاصاً يصيبون ويخطئون، بلا عصمة. من الماركسية بتنوّر ينفتح على العروبة، بتجاوز التقليدي من الأفكار، ومنها يبحث في الحاضنة المشرقية الإسلامية التاريخية، متطلّعاً إلى عالم لا مفرّ له من العدل والديمقراطية والمشاركة ليتفهّم أزماته ويسبر هوّياته ويحيطها باعتراف محبّ وآمن. بجرأة عارفة يقول ليس كل ما قاله ماركس صحيحاً. ليس ما يقوله الأفراد دائماً حقيقة. المهم هو المنهج!
أين نحن الآن، في أي مستنقع نخوض بالدم والفوضى العقيمة، نتفتت. نتناحر. وتحيط بنا أطلال بداوة وحداثة في آن تتكالب علينا. تتناثر دولنا. تنتهك بلادنا وينحر إنساننا. بينما العالم يستفتي وينتخب ويسالم. إلاّ عندنا يقتل ونقتل. كفى قتلاً باسم الله وباسم الأمة وباسم المستقبل؟؟

أسئلة جوهرية مصيرية خاض فيها المفكر  والأكاديمي العراقي عبدالحسين شعبان في حوار في السياسة والهوّية والأزمة المشرقية والخلاص الوطني والقومي لـ"تحولات مشرقية". هنا نصه..


برأيكم ما الهوّية؟

أحصى أحد المفكرين أكثر من 230 هوّية دينية وإثنية وسلالية، بما فيها  هوّيات  مصغرة جداً. وهذا التناثر كان يسهم في توليد سؤال مستمر: ما هي عناصر الهوّية الرئيسية؟ هل الهوّيات  معطى سرمدياً غير قابل للإضافة والحذف أم أنها  هوّية مفتوحة وليست مغلقة؟ صحيح أن هناك عناصر أساسية للهوّية المفتوحة ذات ثبات نسبي كبير، لكنها في الوقت ذاته قابلة للتطوير بتلاقحها مع الهوّيات الأخرى، وبرفد العناصر الأخرى للهوّية، مثلاً أنا اعتبر أن اللغة والدين، إلى حدود غير قليلة، من هذه العناصر الأساسية لتشكيل هوّية ما ومن مرتكزاتها الرئيسة، لكنني لا أستطيع أن أهمل العادات والتقاليد والفنون ونمط الحياة، فهذه مؤثرة إلى حدود غير قليلة في تكوين الهوّية، ففي تشكيل الهوّية تُضاف عناصر العادات والتقاليد وغيرها إلى عنصري اللغة والدين. فعادات وتقاليد الأجداد لم تكن كما هي عاداتنا وتقاليدنا وفنوننا اليوم، بل كانت مختلفة عنها، وأظنّ أن الإمام علي هو القائل "لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".

هنا تبرز أهمية توظيف التراث في قراءة صيرورة التطور والحداثة. وهذه الأهمية عالية وملحّة. وهناك مَن يعتقد أن الهوّية استاتيكية (جامدة) ثابتة، لا يمكنها أن تتطوّر، في حين إن الهوّية هي تعبير عن تطور طبيعي لا يمكن اصطناعها بمجرد افتراضها، في الحالة الأولى ستكون منغلقة، وفي الحالة الثانية ستكون متحلّلة، في حين إن الهوّية مفتوحة وتحدث عليها تغييرات تدرّجية تؤدي بالتراكم إلى إحداث تغيير نوعي مختلف عن الاعتقادات السابقة، وذلك بحد ذاته قيمة إنسانية حقيقية، لأن الهوّية القابلة على استيعاب التطورات ومنفتحة للتغييرات ولاسيّما الإيجابية، تكون أكثر انسجاماً وتواؤماً مع سمة العصر ومع منطق الحياة والتغيير.

في مواجهة الهوّيات  المفترضة والمدعاة بكثرة لأسباب فئوية أو عرقية أو طائفية... ما الصحيح برأيك؟

الصحيح هو لأن هناك تداخلاً وتراكباً بين  هوّيات  عدة عند كل فرد منّا، الهوّية ليست واحدة لدى كل واحد منّا. أولاً لقناعته في هوّيته من جهة، ولمدى تمثّله هذه الهوّية من جهة أخرى. تُضاف إليهما زاوية النظر إلى تلك الهوية. والمثل العملي لذلك هو ما فحصه الكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف بخصوص مفهوم الهوّية، فوجد أن هناك  هوّيات  قاتلة عنوَن بها كتابه المعروف. واعتبر معلوف أن لكل فرد منّا أكثر من هوّية. فمعلوف كان عربياً، مسيحياً، فرنكوفونياً وثقافته العامة هي جزء من الثقافة العربية الإسلامية المشرقية التي لا يستطيع الخروج منها.

وهذا ما ينطبع دائماً في التكوين الأساسي للهوّيات  العامة. فلديه ولدى كل فرد هوّية خصوصية، وعليه وعلى كل فرد أن يتمسّك بهوّيته الخصوصية، لكن الهوّية الخصوصية ليست  هوّية انغلاقية، ولا ينبغي أن تكون في تعارض مع الهوّية العامة، كما إن على هذه الأخيرة احترام الهوّيات الفرعية والتعاطي معها من موقع المساواة والتكافؤ، مهما كان حجمها وعدد أفرادها، طالما تمثل كيانية خاصة ومستقلة، ويمكن أن تكون متفاعلة مع الهوّية العامة لشعب أو أمة أو جماعة.

هكذا، هل تكوّن الهوّية متفاعلة؟

بالتأكيد هناك هوّية متفاعلة وهناك هوّيات ذات طابع انعزالي لا تتأثر كثيراً بما حولها، لكن هذه الأخيرة هي الأخرى تحصل عليها تغييرات وقد تكون عاصفة إذا لم تستجب لسمة التطور الحضاري والإنساني. ويقابل ذلك محاولات محو الحدود بين الهوّيات بزعم تسيّد الهوّية العامة المشتركة، حيث لا ضفاف أو حدود لها، وبالطبع سيكون ذلك على حساب الهوّيات الفرعية  فتفقد هذه الأخيرة دلالتها وكينونتها وخاصيتها، وتسبّب ردود أفعال أحياناً ضدها وضد المشتركات الإنسانية، وأحياناً يبرز التناقض من خلال التمسّك والانغلاق على الذات ووضع حواجز أمام التفاعل مع الهوّيات الأخرى. وكان المفكر والباحث اللبناني وجيه كوثراني قد ألّف كتاباً مهماً بعنوان "الهوّيات الفائضة والمواطنة المنقوصة".

الهوّية يمكن أن تشكّل جوهر فكرة المواطنة إن تجلّت بعناصر أساسية أربعة هي: الحرية، فلا مواطنة من دون حرية، والحرية شرط في المواطنة ولها، وستبقى المواطنة ناقصة ومبتورة من دون حرية.

 المساواة، فلا مواطنة من دون مساواة. وتنقص المواطنة إذا لم تتحقق المساواة بين أبناء الشعب الواحد، أي إنها ستكون مواطنة مبتورة أو مشوّهة. والمقصود بالمساواة ليس أمام القانون فحسب، بل في الجانب الاجتماعي والاقتصادي والوظيفي والتعليمي والديني وغير ذلك.

العدالة، فلا مواطنة من دون العدالة، وبخاصة العدالة الاجتماعية. إذ كيف يمكنك أن تدافع عن وطنك إذا لم يمنحك المساوة والعدالة، بل يمنحك على الأقل شيئاً منها في عيش كريم. فإذا لم تكن متمتعاً بالحد الأدنى من هذه الحقوق، فستتعرض مواطنتك للاهتزاز والانثلام، بل وللضياع أحياناً، ويستطيع الآخرون أحياناً العبث بها وتوظيفها باتجاه ضار وخاطئ.

 أما المشاركة فهي الشرط الرابع للمواطنة، التي لا تقوم من دون وجود شعب تحققت فيه مشاركة بين أفراده في وجوه الحياة المختلفة، لاسيّما المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وعدم التمييز في تولّي الوظائف الحكومية العليا.

ويلعب عنصر اللغة، دوراً مهماً في تشكيل الهوّية، كعنصر ثابت فيها، لكنه إلى جانب ثباته فهو في حركة داخلية وبينية مع باقي العناصر في التشكيل نفسه. باللغة تستطيع أن تعبّر عن حقائق معينة، باللغة تجسّد وتتمثّل حقائق معينة، وبإضافتنا عنصر الدين إليها نكون أمام هوّية فاعلة وديناميكية.

وبهذا المعنى كلّما انتقصت من موضوع المواطنة ستمارس ضغطاً على الحرّية، فمثلاً مصطلح "الأقليات"، هو مصطلح ينمّ عن استعلاء وتسيّد ويفترض انتقاصاً من الحقوق، لذلك أرفضه، وأفضل بدلاً عنه المجاميع التعددية التنوعية أو المجموعات الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية وغيرها، لأن مصطلح الأقلية، ومثله الأغلبية، فيه انتقاص من وحدة الحياة الحقوقية للمجتمع ومن مبدأ المساواة وبالتالي من المواطنة المتكافئة، فلا يمكن أن تقيس الجماعات بالكمّ سواء أكانت أقلية أم أغلبية.

إن مصطلح الأقلية والأغلبية يمكن انطباقه على الجماعات السياسية ومعادلاتها وليس على الجماعات الدينية والإثنية واللغوية والثقافية، فإن مسيحياً واحداً يوازي كل المسلمين في الأرض، لأنه يعبّر عن حالة دينية، وهو المعادل النوعي لأديان الأرض كلّها، الأمر نفسه في حالة كل منتم إلى دين آخر أو من أتباع ديانة أو قومية أو لغة أو سلالة أخرى وهذه نقطة لا يجوز إهمالها قط.

في تعريفك الهوّية أخذت الجانب الثقافي منها بما يتمثل باللغة والدين، ألا ترى أن للهوّية أيضاً جسداً تنسجه الأرض والجماعة البشرية، فالأرض بيئات ومناطق متنوعة وأثبت علم الاجتماع تباين تأثير تنوّعها في المستقرّين فيها فتتنوّع هوياتهم؟


المكان يمكن أن يؤثر في الهوّية، لكنه لا يوفّر الطابع العام لهذه الهوّية. فإن عشت في بيئة جبلية كردية فأنت جبلي، وكذلك إذا عشت في بيئة جبلية عربية فأنت جبلي لبناني كذلك، فالجبلية مندغمة في هوّيتين مختلفتين. بهذا المعنى قد لا تكون الجبلية عنصراً من هوّيتك العامة. الجبلية هي خصوصية مكانية تتعلق بوجودك الأرضي.

الجانب الثقافي في الهوّية هو الأكثر رسوخاً مما نقصده من مفهومنا للهوّية. بهذا المعنى تكون الهوّية هي هذا النتاج وهذه الصيرورة المتعدّدة والمتنوّعة سواءً أكانت هوّية كبرى أو هوّية صغرى، أو هوّية عامة أو  هوّية خاصة، أو  هوّيات  شاملة أو  هوّيات  أشمل، أو  هوّية محلية أو هوّية وطنية، يمكن تسميتها كما تشاء، لكن في إطار هذا التفاعل والتناغم تنشأ وتتبلور المواطنة، وهي اللبّ من كل هوّية. قوميات أو أديان أو لغات أو سلالات لا يتم الاعتراف فيها ستتشكل لديها  هوّية خاصة دفاعية ضد الهوّيات  التي تحاول أن تتسيّد عليها.

بالعودة إلى الماركسية الأولى، يقول كارل ماركس: "لا يمكن لشعب يضطهد شعباً آخر أن يكون حراً. لم يقل فئة أو مجموعة بل قال شعباً، ويعني أن هناك شعوراً قومياً ما لدى شعب ما بالتسيّد على مجموعة بشرية سكانية لها خصوصيتها، أي أنها ذات هوّية خاصة، وهو الأمر الذي لا بدّ أن يؤخذ بنظر الاعتبار في الصراع العربي- الإسرائيلي، ومحاولة "إسرائيل" هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني ليس من خلال عدم الاعتراف بحقوقه فحسب، بل تدمير كامل منظومة حقوق الإنسان التي تخصّه، إضافة إلى السعي لمحو تراثه وثقافته وحضارته، سواء بتزوير التاريخ أو محاولة تزييف أحداثه، ناهيكم عن رفض وجوده واستمراره حتى داخل دولة إسرائيل العنصرية، التي يُراد لها أن تكون نقية، أي يهودية، وإلاّ لا مكان لوجود شعب آخر، حتى وإن كان من سكان البلاد الأصليين، وهو ما روّجت لها الصهيونية منذ مؤتمر بال في سويسرا العام 1897 حين دعت لقيام دولة لليهود.

جدل الاضطهاد والعبودية والسيادة


المضطهَد والمضطهِد يفتقدان الحرية والتمرّس بها، معادلة تذكّرنا بعلاقة العبودية المتبادلة بين السيّد والعبد؟

سؤالك جميل. المضطهَد يعاني من الاستلاب وتُهضَم حقوقه كالذي يمارس العنف تماماً، فيعاني من عملية استلاب من نوع آخر. كعلاقة السيّد بالعبد، وعلاقة الضحيّة بالجلاد، كلاهما ضحية عنف. المعنِّف يفقد إنسانيته وحريته وصيرورته الطبيعية عندما يضطهد الآخر وعندما يقمعه. والمعنَّف بدوره، أي متلقي العنف، يشعر بالاستلاب بتلقيّه العنف من الآخر فيهدّد حقوقه وهوّيته وخصائصه وبكل ما يشعره أنه كائن بشري متميّز عن غيره بالدين وباللغة أو بالكثير من جوانب حياته وطريقة عيشه التي ليست جوهرية بحد ذاتها، لكنها في حالة ما قد تشكّل خاصية ما لهوّية متميّزة.

هكذا فإن الاحتكاكات والنزاعات القومية والدينية كانت نتيجة للهوّية والتمسك بها أو رغبة في الهيمنة والتسيّد على الهوّيات  الأخرى. مثلاً أوروبا هناك حوالى عشرين بلداً فيها تعاني من مشكلة  هوّية قومية.

وبالعودة إلى سؤال آخر متداخل مع سؤالك هذا، أقول ليس تأمين المواطنة وحده يشكّل سبباً لتشكيل  هوّية أو تعايش بين الهوّيات. فهناك الخصائص الذاتية لأي جماعة، أكانت شعباً أم أمة أم ديناً أم فئة أم طائفة أم مذهباً أم لغة، فتشكّل خصيصة مميزة لها تشمل كلّ أفرادها، وتشكل هوّيتهم الغالبة المميزة لهم.

وهنا تحضرنا أمثلة عدة منها: الاتحاد السوفياتي السابق انقسم إلى 15 دولة لكل منها كيانها (الدولة – الأمة). ويوغوسلافيا انقسمت إلى ستة كيانات آخرها كوسوفو. وتشيكوسلوفاكيا انقسمت إلى كيانين (جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا) وإن كان انقسامها مخملياً بعد سنوات ضمن فدرالية ما متفق عليها، بينما الانقسامات الأخرى كانت أكثر حدّة ودموية.

وبلجيكا تشهد صراعاً بين الوالانيين (الفرانكفونيين الذين يشكّلون 4 مليون نسمة) وبين الفلامانيين (الذين يؤلفون 6 مليون) على الثروة والخصائص والقرار أي إن الهوّية هي السبب الأهم والأكبر في الرغبة الانفصالية، علماً بأنه بلد فيدرالي وحقوق المواطنة والمساواة مكفولة. وإذا كانت بلجيكا تعتبر من الأنظمة الديمقراطية والفيدرالية وتشهد توزيعاً للسلطات ورقابة ومشاركة، ولكن الشعور بالخصوصية والهوّية المتميّزة يضغط على الطرفين الافتراق.

الفارق بين افتراقهم وافتراقنا أن افتراقهم سلميّ عادة، ولا يخلو من نماذج عنفيّة كالتي ذكرناها، بينما افتراقنا عنفيّ عادة بعدما نستنفد آخر إطلاقة على بعضنا لنتأكد بعد حين أن علينا إبرام الطلاق. والطلاق أبغض الحلال عند الله..

قومية استعلائية شوفينية مقابل انعزالية وضيق أفق وانكفاء

هكذا واقع الطلاق فردياً... وهل كذلك واقعه بين الجماعات؟

الطلاق يبقى أبغض الحلال عند الله كما يُقال، وهو كذلك بين الأمم والشعوب والجماعات ، فعندما يصبح التعايش مستحيلاً لا بدّ من الطلاق وإلاّ سيعني استمرار الحرب والدمار والقتل. خذ مثلاً نموذج السودان من العام 1956 استقلّت البلاد وظلّت منشغلة بحرب داخلية حتى العام 2010، بحرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، وفي ذلك العام حصل الانفصال بين الشمال والجنوب بعد استنزاف موارد البلد وإمكانياته وتنميته وطاقاته وشبابه وتعطيل إمكانية الديموقراطية والإصلاحات وقيام دولة يمكنها التقدّم لو اختارت طريقاً آخر غير طريق الاحتراب. وكان الانقسام عبر استفتاء شعبي حصل بموجبه الجنوبيون على تاييد أكثر من 98%.

النموذج الكردي كذلك هو نموذج خطير ومهمّ ولا يمكننا إغفاله في فحص مفهوم الهوّية. بدأ هذا النموذج يتفاعل مع الدولة العراقية منذ تأسيسها في العام 1921. وكانت معاهدة سيفر المعقودة في العام 1920 قد اعترفت بموجبها تركيا والحلفاء بجزء من حقوق الأكراد، ولاحقاً جرت مساومة بين الحلفاء وتركيا في إطار معاهدة لوزان العام 1923، أدّت إلى التنكّر لحقوق الأكراد فيها. فبقيت المشكلة متفاعلة داخل دول المنطقة وتدفع أثمانها. وهكذا توجد مشاكل كردية في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا.

في العراق اقترب الحل للمشكلة بأسباب نضج حركة اليسار والتمسّك بالشعارات العقلانية وحسن التفاعل بين القوى اليسارية العراقية والقوى القومية الكردية، وهذه الأوضاع ساعدت على تطوّر وضع الحركة الكردية فتم تبنّي شعارات ذات شكل ديمقراطي بخصوص المسألة القومية، وحلّ القضية الكردية كجزء من حلّ مشكلة الديمقراطية، إضافة إلى الجانب القومي الكردي وإن كانت هناك افتراقات ومفارقات وتداخلات بعضها لا يخلو من اختراقات خارجية.

لقد مارس الجانب العربي في العراق سياسة شوفينية واستعلائية وتعصبية تجاه المسألة الكردية حتى وإن كان ذلك من حكام معزولين واستبداديين، لكن الأمر انعكس على طابع الدولة وكان هناك بعض دعاة القومية من قال إن هؤلاء "الأكراد هم عرب سكنوا الجبال فتغيّرت لغتهم". المقولة نفسها أطلقها قوميون ترك بأن "الأكراد تركٌ سكنوا الجنوب فتغيّرت لغتهم". هذه نماذج من العقلية الاستعلائية القومية التي في مقابلها نشأ وتولّد ضيق أفق قومي كردي لدى بعض الأوساط والجهات، حيث تمادّى في انعزالية قومية كردية تمّت ترجمتها بالدعوة إلى الكراهية والانفصال في العلاقة بين كل من الكرد من جهة ومن العرب والترك والفرس من جهة أخرى، وفي إيران فإن المسألة الكردية ظلّت في الأدراج بعد قيام جمهورية ماهاباد العام 1946 ومن ثم القضاء عليها، وبعد الثورة الإيرانية العام 1979 أخذ الحديث عن حل المسألة الكردية يتناول موضوع المساواة في المواطنة على أساس الدين الواحد، إضافة إلى بعض الجوانب الثقافية التي بدأت صفحات جديدة لكرد إيران، لكن المسألة الكردية لم تحسم في كل بلدان المنطقة حتى الآن، ولا أظن أن حسماً سريعاً سيكون لها دون الإقرار بمبادئ حق تقرير المصير وإعادة رسم العلاقة الأخوية على نحو جديد ومتكافئ.

في العراق بعد جهد جهيد وحروب متواصلة،  تمّ اعتبار الأكراد شركاء في الوطن العراقي وأقرّت لهم حقوق في الدستور العراقي العام 1958، ولكن الحرب عادت واندلعت العام 1961 واستمرّت ردحاً طويلاً. ومع إطلاق بيان 11 آذار 1970 تم الاتفاق على دستور جديد أكثر تقدماً في الحقوق القومية والاجتماعية، فنصّ على أن العراق يتألف من قوميتين هما القومية العربية والقومية الكردية، وأن لكل منهما حقوقاً وواجبات متساوية.

لكن العبرة ليست في النصوص الدستورية، بل في تطبيقها العملي. وعلى أساس الدستور الجديد 1970 تمّ تشريع الحكم الذاتي وباشرت هيئاته العام 1974، ولكن بعد حين اندلع القتال مجدداً وتنكّرت الحكومة العراقية لوعودها فانساقت بعض القوى الكردية وراء دعوات مصدرها الخارج بزعم دعم الأكراد، خصوصاً من جانب شاه إيران وبعض القوى الدولية، وهو ما عبّر عنه بمرارة الزعيم الكردي الكبير الملاّ مصطفى البارزاني بعد انهيار الحركة القومية الكردية بعد اتفاقية الجزائر العام 1975، وكانت الحقيقة المرّة هي إضعاف العراق كلّه وتفتيته والإضرار بدوره  في مواجهة العدو الإسرائيلي. واستمرّ الوضع على ما هو عليه خلال الحرب العراقية - الإيرانية غير المبررة على الإطلاق.

في هذه الحرب 1980-1988 جرى الحديث عن هوّيات ملفقة، كقول غربيين إن الحرب هي بين عرب وفرس ، أو بين سنّة وشيعة بسبب المذهب الذي تنتمي إليه كل من القيادتين. وقيل أيضاً إنه صراع بين دولتين نفطيتين. وذلك بهدف طمس الصراع الحقيقي ضد الوجود الإسرائيلي. وهو صراع تناحري لا يمكن حلّه إلا بإنصاف الشعب الفلسطيني وتمتّعه بحقوقه الكاملة وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، والتصدي للصهيونية العقيدة السياسية لدولة إسرائيل باعتبارها خطراً على الإنسانية، لأن إسرائيل بطبيعتها عنصرية إحلالية إلغائية تمييزية استعلائية. هذا الصراع هو صراع من نوع آخر بين  هوّيات  قومية.

في النموذج السوداني نلاحظ تصاعدت مطالبة الانفصال الجنوبي تزامناً مع وصول التيار الإسلامي إلى الحكم الداعي لتطبيق الشريعة الإسلامية، هل الانفصال قدر السودان لو حكمه تيار مدني؟

مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي بدأ شكل جديد من الصراع الفكري والايديولوجي يأخذ مداه. كان هذا الصراع كامناً وموجوداً لكنه انفجر بعد سقوط الكتلة الاشتراكية بسبب تغيير وصف الصراع والعدو، باستبدال الشيوعية بالإسلام. فاعتبر فرنسيس فوكوياما وبعده صموئيل هنتنغتون وبخاصة في مرحلة ما بعد الهجوم على مركز التجارة الدولية في 11 أيلول/ سبتمبر العام 2001، وهو ما عبّر عنه بيان المثقفين الأميركيين الستين الشبيه ببلاغ حربي. إن الصراع حسب نظرية هنتنغتون وفوكوياما هو صراع حضارات وأنه نهاية التاريخ. على الجميع الذين يريدون الدخول في مسار التاريخ أن يتخلّوا عن أديانهم ومعتقداتهم وهوّياتهم وينخرطوا في الليبرالية الظافرة، أي الليبرالية الجديدة والقبول بالاستتباع والخضوع لهيمنتها كاملة، أي إلغاء الخصوصيات والهوّيات. هذا أمر مهم التوقف عنده.

من وجهة جيوبوليتيكية، تطوّر الصراع في السودان كتطوّر الصراع في المسألة الكردية كما ذكرنا، وفي سؤال لي مع الرئيس عمر البشير في العام 2000 في حوار تلفزيوني مباشر، قلت له: لقد فشلت الحكومات العسكرية جميعها في القضاء على الحركة الجنوبية في السودان، - بينما تسميتها في السودان هي الحركة الانفصالية وتسمية الحركة الكردية في العراق هي الجيب العميل، أو العصاة أو الانفصاليون، كما أن الحركة الجنوبية فشلت في تحقيق أهدافها بالوسائل الحربية والعسكرية، هل تفكّرون في مبادرة جديدة فيدرالية، على سبيل المثال ؟ قال لي: نحن مع هذه الفيدرالية حتى لو أدت إلى الانفصال. وكان الانفصال لم يحدث بعد، كما هو معلوم. لكن الأوان كان قد فات. حصلت اتفاقية نيباشا، وقبلها وبعدها تحققت اتفاقيات عدة، ولكن انعدام الثقة والفقر والتهميش مما تعرّض له الجنوبيون، جعل العيش المشترك مستحيلاً.

في المحصّلة تدمير متبادل، وبالأخص للحركة الجنوبية السودانية، فهناك أكثر من ربع مليون إنسان دون خط الفقر، و 750 ألف نازح، 320 ألف لاجئ، نصف الجنوبيين السودانيين هم خارج أدنى مستويات العيش، أي خارج الحياة.

خشيتي أن نصل إلى هذا الوضع في العراق وفي سوريا وقد نصل إليه أيضاً في تركيا وإيران في المستقبل. هكذا مع استحالة العيش المشترك تصعد الهوّية الخصوصية إلى أعلى مستوى حتى لو أدت إلى التدمير، فلا يمكنك أن تقول لمن هو ضحية التهميش والإقصاء ويعاني السحق: توقّف لأن هناك طريقاً آخر أقل كلفة وأجدى.

هذه المآسي لا يمكننا أن نغفلها ولا بدّ أن نحسب لها حساباً، فلو أمّنت الحكومات حقوق الجماعات في وقت مبكر وعدلت في تطبيقها لكانت اختصرت الطريق إلى سلامها الوطني والذاتي. وكانت وفّرت على نفسها وعلى المتمرّدين أو أصحاب الحقوق الخسائر التي لا تحصى أكانت منظورة أو غير منظورة، فهكذا عُطِّلت التنمية والديمقراطية.

كانت التنمية والديمقراطية مؤجلتان باستمرار بدعوى العدو على الأبواب، فلا ردّ العدو ولا تحقق الإصلاح..

حكوماتنا العربية قايضتنا طيلة 67 عاماً على التنمية والديمقراطية بحجة أن العدو يدقّ على الأبواب، وأن التحرير قاب قوسين أو أدنى، ولا شيء يتقدّم على هذا الاستحقاق، كما لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وبعد نحو 7 عقود من الزمان استبيحت الأرض خلالها ولا تزال في حوزة المحتلّ وما بقي تمت قصقصته بمقص الخياط وفق خرائط وضعت بين حي وحي وبين بيت وبيت وبين شارع وشارع، والأدهى أن بلداننا يتم تقسيمها مجدداً، لدرجة إننا أخذنا نعتبر سايكس بيكو الأولى وحدودها بمنزلة التقديس، لخشيتنا على الدولة الوطنية، على الرغم من ملاحظاتنا الكثيرة عليها، ناهيكم عن خوفنا من التشظي والتفتيت.


كيف يتم حل مسألة الهوّية دولياً؟

نلاحظ تطور مسألة الهوّية دولياً أن تيمور الشرقية انبعثت فيها الهوّية بعد الانسحاب البرتغالي، فوضعت إندونيسيا يدها عليها، فاحتجّ الشعب، إلى أن قرّر مجلس الأمن الدولي، وهذه لأول مرة، أن حكماً انتقالياً لا بدّ أن يحصل في تيمور الشرقية. واضطرت إندونيسيا أن توافق. كذلك نموذج كوسوفو التي أصبحت جزءاً من صربيا، فجرى ابتلاع الهوّية بخاصة في المناطق ذات الامتدادات الدينية والألبانية. فأعلنت كوسوفو الانفصال من طرف واحد وذهبت لمحكمة العدل الدولية فأعطتها رأياً استشارياً بالموافقة على الانفصال لحفظ هوّيتها التي لا تتعارض مع القانون الدولي، وهذا القانون بدوره ليس عقبة أمامها.

بينما في بريطانيا فقد جرى منذ أشهر استفتاء الشعب الاسكوتلندي بالانفصال أم بعدمه، فقرّر البقاء موحداً ضمن اتحاد بريطاني. ورغب الكاتالونيون في إقليم كاتالونيا الأسباني أن يجرى استفتاء حول انفصالهم، فقالت المحكمة الدستورية العليا في أسبانيا: إن هذا يتعارض مع الدستور، فرغم تمسّكهم بحقوقهم ومعرفتهم بامتياز وأهمية إقليمهم الذي تشكّل برشلونة عاصمته، قبلوا بالقرار ولم يقدموا على ما يعارضه واحترامهم للدستور، مع استمرارهم بالمطالبة بالاستقلال.

كذلك الحالة في إقليم كيبك في كندا وفي جنوب فرنسا وفي جنوب إيطاليا. هناك عشرون قضية تتعلق بالأقلّيات في أوروبا هي في حراك وتفاعل ومطروحة للنقاش والبحث لكنها لم تبلغ حالة عنفية كما تبلغ عندنا مسألة الهوّية بسبب الاستلاب الطويل الأمد والمعتق.






يجب إعادة قراءة تراثنا اللاّعنفي

لماذا العنف في سلوكنا وهل يمكن ترشيده؟

أولاً يجب إعادة قراءة تراثنا اللاّعنفي لاكتشاف الجوانب اللاّعنفية فيه. القرآن مثلاً فإن الكثير من المتشدّدين والمتعصبين تراهم يتشبثون بآيات السيف والعقاب التي تتقدم لديهم على ما سواها، ويهملون أو لا يكترثون بآيات السلام والإخاء. هذه قراءة مبتسرة للقرآن. فداعش مثلاً تقدّم قراءة جديد للقرآن، مثلاً يقول إن النساء والأطفال الذين بلغوا 9 سنوات وما فوق، هم مكلفون شرعياً ويتحقق استحقاقهم الشرعي. من كلفات هذا الاستحقاق هو الانخراط في القتال للدفاع عن الخلافة. جهاد النكاح ليس هزلاً وليس نكتة، بل هو نظام ما مستند إلى قراءة جديدة أو قديمة "مجددة" توظف فيها أحاديث وفتاوى كثيرة جداً من شيوخ هم الأقل معرفة والأكثر غلوّاً وتطرّفاً. ولكنهم موجودون وربما كثرة.

ثانياً بناء أنظمة تتوجّه نحو الديمقراطية وتعتمد على المواطنة ويمكنها حلّ خلافاتها سلمياً مستقبلاً، وذلك ضمن قواعد عقد اجتماعي وسياسي جديد يتم الاتفاق عليه باعتباره ناظماً للعلاقة بين الفرد والدولة وبين المجتمع والدولة.

ثالثاً رفع مستوى الحياة المعيشية وتأمين مستلزمات حياة لائقة، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تجفيف البيئة التي تشجع على العنف كالتخلف والفقر والبطالة والجهل. بالإضافة إلى التعصّب في قراءة النص الديني والتطرّف في تطبيقه خارج نطاق الدولة وقوانينها، والأمر يقتضي إعادة النظر في التربية السائدة في المجتمع والتربية المدرسية التقليدية التي تستند في غالبيتها على تقليد العنف، بخاصة في النظر إلى ما يقوله الفقيه وقيمته التطبيقية الاجتماعية. فالبعض يعتقد إن الفقيه يتحدّث باسم الله، في حين أن الفقيه إنسان يجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وفي الكثير من الأحيان تكون ثقافته شحيحة ومحدودة وماضوية، ولا يفقه الكثير من علوم العصر وتقنياته.

وفي مقاومة العنف كان المبدأ الغاندي يقوم على اللاّعنف. بل أكثر من ذلك في موضوع الحقوق المدنية عند مارتن لوثر كينغ استند إلى اللاّعنف. كذلك عملية التغيّر التي حصلت في جنوب أفريقيا بقيادة الزعيم نيلسون مانديلا كرّست مبدأ اللاعنف بعد أن استنفدت أغراض العنف، بإشاعة أجواء التسامح وهنا حصل تغيّر كبير جداً في النظرة إلى العنف وقيمته.

لم يعد العنف كما نظرت إليه الماركسية أنه قاطرة التاريخ والدعوة إلى الكفاح المسلح والعنف الثوري للتغيير، بل الشيء الثابت والباقي هو العدالة وليس العنف. أما كيف يمكن تحقيقها بوسائل أقلّ عنفاً وأقل كلفة وأكثر معرفة بطبيعة الإنسان وخصائصه يكون هذا التحقيق ممتازاً، لأن فيه اتّحدت الوسيلة بالغاية. يقول غاندي إن الوسيلة تمثل البذرة من الشجرة بالنسبة لها كغاية، فهناك ترابط عضوي بين الوسيلة والغاية، فلا غاية شريفة من دون وسائل شريفة تؤدي لها. والوسيلة الشريفة هي جزء من الغاية الشريفة، بل إن الوسيلة الشريفة هي أساس للغاية الشريفة وهي توصل إلى غايات عدة أكثر اتساعاً وشمولاً مما كان المرء يظن. وعنفان لا ينتجان سلاماً مثلما رذيلتان لا تنجبان فضيلة.

شتان بين الدين والتديّن

الدين ظاهرة وتراث وقوة في الآن نفسه، لكن في حالة تعدّده عبء وخطر. ما ترون لتلافي فتنته؟

الدين ظاهرة وحقيقة ولا يمكن لثوري حقيقي أن يكون ضد الدين، كما جرت محاولات في إطار الطفولية اليسارية لبعض الشيوعيين، الذين أرادوا أن يشذّوا عن مجتمعاتهم فتصرّفوا بما يعادي الدين وبما يعادي الإسلام، ولبعض أعدائهم في الآن ذاته الذين استندوا إلى عبارة عارضة مترجمة بصيغة "الدين أفيون الشعوب" فدمغوا الشيوعيين بالإلحاد، وكلاهما غير صحيح. في حين أن ماركس قصد شيئاً آخر تماماً في قوله وهو شيء ملموس يخصّ بروسيا حينذاك. وقال الدين زفرة الشعوب، بمعنى مخدر للألم الذي تعاني منه هذه الشعوب بسبب الاضطهاد. أي المشكلة ليست في الإيمان أو في الدين نفسه، بل في توظيف الدين.

قلت الدين ظاهرة. والماركسية تدرس الظواهر وهي لا تعارضها. ودعني أقل حتى لو قال ماركس ذلك فليس كل ما قاله ماركس كان صحيحاً، مثلا ما قاله ماركس كان يصلح لعصره وليس لعصرنا. نحن نستلهم المنهج ونأخذ به ونوظفه في دراسة الظواهر الاجتماعية ومنها الدين، وليس الدين فحسب بل كذلك ظاهرة التديّن. وهناك فارق بين الدين والتديّن. بين النص الديني وفاعلية هذا النص، بين النص الديني والاجتهاد الذي يمكن أن يتساوق مع التطوّر الحضاري العصري حالياً، هذه مسألة في غاية الأهمية.

ماركس تنبأ أن الثورة ستحدث في بلدان صناعية متقدّمة، بينما الثورة حصلت في بلد متأخر. ماركس تحدّث عن شعوب رجعية عندما تحدّث عن الشعب التشيكي. وهذا خطأ كبير وفادح. كيف يتحدّث عن شعوب رجعية؟ ماركس تأثر بالمركزية الأوروبية ولم يكن بعيداً عنها في حديثه عن الشرق وعن منطقتنا، لكنه عاد وتنبّه لذلك عند زيارته للجزائر، وللأسف لم يستكمل مشروعه.

ماركس تحدّث عن ذبول الدولة في المجتمعات الشيوعية، ولكن الدولة تقوت في المجتمعات الاشتراكية التي قال عنها خروتشوف العام 1960 "نحن في العام 1980 سندخل مرحلة الشيوعية". لكن في العام 1980 كنّا قد بدأنا نشهد تقهقر الدول الاشتراكية بسبب الاشتراكية المطبّقة. ماركس لم يدرس الميثولوجيا والأساطير ولم يُعرهما اهتماماً علمياً فدور الميثولوجيا هام في المجتمعات. وماركس لم يتنبه لعلم النفس وقيمته الاجتماعية بخاصة بعض المدارس، مثلاً مدرستا فرانكفورت وأريك فروم الذي درس قضية الاغتراب في ضوء منهجين جمعهما بطريقة علمية حيوية هو المنهج الماركسي المادي الديالكتيكي المعتمد على الواقع وأن الإنسان انعكاس له والمنهج النفسي الفردي الجنسي ودورها في عملية الاغتراب. ماركس تحدث عن اغتراب الإنسان، واغتراب العامل عن الآلة واغتراب العامل عن السلعة واغتراب العامل عن مجتمعه وعن محيطه واغتراب الإنسان عن الإنسان، بينما فرويد تحدث عن جوانب أخرى كالاغتراب النفسي واغتراب الإنسان عن الإنسان في ظل عوامل أخرى كوّنته وأنجبته.

 هوّية سوراقية مشرقية

بلاد الرافدين وبلاد الشام هل تجمعهما  هوّية حضارية؟ إذا كانت تجمعهما  هوّية حضارية واحدة كيف يمكن حمايتها؟

ربما... لكنني أنا سوراقي، لا أستطيع وأنا العراقي إلاّ أن أفكر بطريقة أقرب إلى سوريا أو إلى الشام. ولا أستطيع كلّما اقتربت من سوريا إلاّ ان أفكّر عراقياً. الواقع أن هناك انهماماً واندغاماً سورياً عراقياً إلى حدود كبيرة جداً. كأنهما جناحان لجسد طير واحد ولا يمكنه الطيران إلاّ بهما وإذا طار بجناح واحد فسيقع لا محالة.

هذه القناعة تولّدت لديّ منذ عقود من الزمان وأخذت تترسخ يوماً بعد يوم. ربما مزاجي العروبي يلعب دوراً في ذلك، لكني لا أكتفي بهذا المزاج ودوره العاطفي. فلكل إنسان عاطفة وينبغي أن يوليها اهتماماً ولا يستخفّ بها. العاطفة مهمة لدى الإنسان مثل الإحساس والشعور.

وأنا أصف نفسي أني حسيّ، بمعنى أني فيورباخي. يقول فيورباخ إن الأذن هي التي توصل إليك الشيء ومنها إلى الدماغ ومنه تتحول فعلاً إرادياً بمرورها في القلب أيضاً. هكذا أنا حسي. أشعر ان إحساسي مجزأ بين العراق وسوريا ولم يكن هذا اعتباطاً، إنما لشعوري إن هناك الكثير من المشتركات والامتزاجات ما بين سوريا والعراق، أكانا في جانبيهما العربي أم في جانبيهما الكردي.

فلو جئت إلى سوريا والعراق من الشمال لناحية مدينة ديار بكر التركية فستجد أنها أرض موحدة إلى يسارك المنطقة العراقية الكردية وإلى يمينك المنطقة الكردية السورية، وشمال المنطقة الكردية العراقية توجد المنطقة الكردية التركية وتتصل بالمنطقة الكردية الإيرانية، وسترى ما بعد ذلك امتداداً عربياً خالصاً أي سوريا الحقيقية العربية والعراق الحقيقي العربي، أي هو هذا الهلال الخصيب، بلاد الرافدين وسوريا التاريخية التي نعرفها، ولا تستطيع التحدّث عن سوريا من دون التحدث عن لبنان وعن فلسطين التي هي في قلب سوريا. هذا الذي يشكل هوّية مانعة جامعة للمنطقة كافة وليس لدولها. لأن هذه الدول تأسست وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو غير المشروعة، كما أشرنا سابقا وكما هو معروف للكافة.

المطلوب: إرادة سياسية للوحدة رغم فشل النخب كافة

هذه الهوّية الحضارية المتكاملة المتنامية عبر التاريخ حالياً تتعرّض لتهديدات استراتيجية خطيرة جداً، ربما بدأت هذه التهديدات مما سُمّي بالحروب الصليبية، غزوة نابوليون لمصر وفلسطين، القائمقاميتين في جبل لبنان ومن ثم المتصرفية، سايكس بيكو التي وسعت القائمقاميتين، وعد بلفور، سيفر ولوزان، كيف نحمي هذه الهوّية؟ كيف نؤمن لها الحق بالتطور الذاتي؟

التحدّي الخارجي كبير جداً. نحن أمام مرحلة من تحضيرات سايكس بيكو 2، بتمزيق الهوّيات  العامة، وتفتيت الهوّيات الوطنية، وثلم وتقسيم الكيانية الوطنية، والدولة الوطنية. كل دولة وطنية يُراد تفتيتها الآن. وحسب مخطط برنارد لويس فالمنطقة سيكون فيها 41 كيانية.

يقول كيسنجر إن علينا ان نبني حول كل بئر نفط دويلة. فسورية حسب مخطط التقسيم المتداول دولتان سنيتان في دمشق وحلب، ودولة علوية في الساحل وفي الجبل المحاذي له. ودويلة كردية ودويلة درزية، ولبنان يُراد له أن يُقسم وفقاً للطوائف والمذاهب والهوّيات والمناطقيات أيضاً لقربها من سوريا، ورغم اتصاله بها لإبعادها عنها أيضاً. والعراق مطروح أن يقسم أيضاً إلى ثلاث مناطق شيعية في الجنوب، سنية في الوسط وكردية في الشمال، علماً أن قسماً من دير الزور يُفترض أن يُضم إلى دولة الأنبار وصلاح الدين، ويمكن ضمّ الموصل إليهما أو تنشأ كيانية جديدة وخاصة. هذا المخطط ليس محلاً للتطبيق الآن.. لكن قد يُطبق. هذا مرهون بعوامل كثيرة وشروط كثيرة متعددة.
 
سألتني ما المطلوب؟ هذا يحتاج إلى إرادة سياسية بخاصة لدى النخب. للأسف النخب فشلت فشلاً ذريعاً، أكانت النخب القومية أو النخب الماركسية أو النخب الإسلامية.

ما نحتاجه الآن هو إجراء مراجعة توفّر شيئاً من الإرادة السياسية. هذه الإرادة تستطيع حماية ما هو ممكن ومقاومة تفتيت الهوّية والحفاظ على الدولة الوطنية واعتماد مبادئ مواطنة سليمة بالحريات والمشاركة والمساواة والعدالة. والمطلوب كذلك التعاون بين القوى كافة على تحقيق برنامج وطني هادف.

لا بدّ من مشروع مقاوم يطلق الحوار

هل هناك مبادرات في هذا السياق؟

كان يمكن لـ"الربيع العربي" أن يطرح مبادرات كبيرة على هذا الصعيد وهو أطلق آمالاً عريضة بهذا الخصوص، لكن ما تعرّض له من خيبات أسقطت ما كان منشوداً منه. فالقوى الامبريالية الكبرى شعرت بخذلانها لأن الربيع العربي فاجأها بخاصة في تونس وفي مصر فتحرّكت سريعاً لاحتواء المشهد السياسي العربي ككل. وبدأت الثورة السلمية في سوريا فتم العمل على دفعها دفعاً باتجاه العسكرة، وعندما بدأت الثورة بخطواتها نحو السلاح حتى لو كانت اضطراراً، فإنها عملت على أن تحفر مصير التطور السلمي الديمقراطي وتخط نهايته، إلى آخر النفق المظلم.

في ليبيا بدأ الحراك ضد النظام والقذافي ومن ثم تحوّل إلى تناحر قبائلي ما زال ناشباً لاسيّما بعد قصم ظهر الدولة وتشظيها وغياب وحدتها وفي مصر تم إسقاط الرئيس مبارك ولم يكن ممكناً إبعاد الاخوان عن السلطة كقوة كبيرة حينذاك، كما لم يكن مطلوباً منعهم فذلك حقهم، لكن ما هو متوقع كان الفشل وارداً، خصوصاً وقد بدأوا يرتكبون الأخطاء والانتهاكات منذ اليوم الأول لسلطتهم، وهكذا لم تدم مدّة حكمهم حتى يتم إخراجهم من المشهد كما حصل بعد سنة من تسلمهم الحكم في مصر، لكن تدخل الجيش سبّب متاعب آنية ومستقبلية لقضية التطور الديمقراطي في مصر.

في اليمن الجرح ما زال مفتوحاً ومقبلاً على احتمالات شتى أقلّها الحرب الأهلية، الانفصال سيتحقق للجنوب وربما سيتفتت الشمال أيضاً بخاصة مع وجود قوى مثل أنصار الله والحوثيين التي أصبحت قوى مؤثرة في الجيش والمؤسسات والدولة، وزاد الأمر تعقيداً التدخل الخارجي، حيث لا أحد يستطيع أن يقدّر نتائج "عاصفة الحزم"، فاليمن بئر عميقة وموحشة.

كيف السبيل للخروج من هذا؟ لا أحد يعلم. فداعش ما زال يفعل فعله في العراق والبلد مقسّم، فلا وجود حالياً لجيش موحد ولا لبلد موحد ولا لمجتمع موحد ولا لنخب جديرة بالعمل للنهوض بمعايير الحد الأدنى، والفساد ينخر في عروقه والعنف يستشري، والطائفية تنهكه، بل وتخرجه عن طوره وعن  وقوفه في خط التاريخ.

.. وفرادة بيروت

في لقائنا في المركز الثقافي العراقي تحدّثت عن امتياز الانطلاق الثقافي من بيروت مشرقياً وعربياً، ماذا تضيف؟

ثلاث خصائص في بيروت فهي بيروت الثقافة وبيروت الجمال وبيروت المقاومة، هذه الثلاثية الأثيرة مقصورة على بيروت وحدها. فبيروت على صغرها كبيرة ولبنان على حجمه المتواضع هو كبير جداً. ويمكن لنخب ثقافية لبنانية أن تأخذ مبادرة وتستعيد الحركة الثقافية العربية من خمولها الراهن بأركانها الأربعة: القومية العربية، الماركسية، الإسلامية والليبرالية التقدمية أي التي تؤمن بالحرية وبالسوق وتؤمن بإعلاء فردانية الفرد.

وهذه ليبرالية مختلفة عن النيوليبرالية، فهي اجتهاد فقهي واجتماعي كمدرسة من مدارس الليبرالية. فيمكن لهذه الكيانية الفكرية والثقافية في بيروت أن تتبلور في إطار حوارات فكرية جادة ومستمرة عسى أن نخرج بمشروع سيعزّز من قوى المقاومة ومن قوى الممانعة ومن القوى التي ترفض الاستسلام. ولا أقول الآن. إنما سيتحقق في المستقبل.

هل هناك مشروع كما أشرت؟

أنا أدعو لمشروع كهذا، وهناك قوى وازنة يمكنها أن تلعب دوراً من موقعها الفكري والإسلامي والمدني والسياسي والماركسي والقومي العربي، وبعض هذه القوى بدأت تؤمن بقضايا المجتمع المدني، وحقوق الإنسان وبالمنافسة الانتخابية وقواعد اللعبة الديمقراطية، وذلك بانتشار ثقافة حقوق الإنسان واللاّعنف والتسامح.

 هكذا يمكن بناء مشروع ولا أقول جبهة وطنية كما في السابق، بل يمكن بناء حالة تواصل ناشط وفاعل لكل الاتجاهات المشاركة، برغم جميع العيوب والثغرات والمثالب لكل هذه القوى، بما فيها للمجتمع المدني ذاته وضعف قياداته وعدم أهلية بعضها.

لكن لا بدّ من حوار ومن مشروع. وحريّ بنا جميعاً أن نأخذ العبرة من الذي حصل.



532
داعش وخطر تفكيك العراق- مجلة كولان  (حوارات ومقابلات)
عبد الحسين شعبان المفكر العربي المعروف لـ "كولان":

الأوضاع لا تعود إلى حالها قبل احتلال داعش للموصل مما يحمل معه خطر تفكيك العراق
***
الاستاذ عبد الحسين شعبان من الشخصيات الثقافية العربية المعروفة، وله مواقفه الخاصة به تجاه الأحداث، لذلك رأينا أنه من المهم إطلاع القراء على آرائه حول الأوضاع الحالية في العراق، وظاهرة بروز داعش، وتصوّراته حول نهاية داعش، وأوضاع ما بعد داعش، وذلك في لقاء خاص، حيث أجاب على أسئلة كولان بالشكل الآتي:


•   كيف تنظر للأوضاع الحالية لحرب إرهابي داعش واحتمالات إنهاء هذه الحرب قريباً؟

أعتقد أن داعش سينتهي إن عاجلاً أم آجلاً ، لأن أفكاره هي ضد الحياة والتقدّم والعصّرنة، وأنه بهذا المعنى لا يستطيع أن يستمر خارج السياق التاريخي. وهناك نقطة أخرى أن البيئة التي احتضنت داعش بدأت تتحرّك ضده، وعلى الأخص أهالي الموصل وصلاح الدين والأنبار وبعض المناطق التابعة لـ كركوك وديالى، التي تعيش تحت ظل داعش، فهؤلاء أصبحوا مضطرّين لتحمل أعباء الحياة التي لا قدرة لهم عليها، ويعانون من الآلام، والاضطهاد، بسبب فرض ذلك التنظيم نوعاً من الحياة المتخلّفة عليهم.
هذا إلى جانب أن دول العالم تقف ضده، وأن تحالفاً دولياً وإقليمياً، تشكّل لهذا الغرض من الولايات المتحدة الأمريكية وإلى إيران ودول الخليج ومنها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.
هذه الأسباب جعلت الجيش العراقي وقوات البيشمركة من التمكّن لمواصلة الضربات الموجعة إلى داعش، والتي ستؤثر شيئاً في إضعافها، وإن معركة تكريت كانت تمرين لمعركة تحرير الموصل، على الرغم من أنها قد تطول!.

•   يمكن للبعض أن يتساءل: أليس هذا تأكيد بأنه من الآن نواجه حرب السنّة والشيعة؟

أنا أعتقد أن الأمر ليس كذلك، ولكنني أتخوّف من أنه بعد انتهاء حرب داعش، ستبرز عدد من المشاكل الجدّية ، وعلى الأخص إذا بقيت الأسلحة بيد مسلحي الحشد الشعبي، أو الحرس الوطني، أو رؤساء العشائر، وهذه ستكون لها نتائج سلبية وربما تداعيات خطيرة.
وكذلك من الممكن أن تواجه الخارطة السياسية والديموغرافية للعراق التفكّك والانقسام، لاسيما بضعف الدولة العراقية،وعدم تمكّنها من بسط سلطاتها على جميع أرجاء الوطن، لأنه وكما أعتقد أن الموصل سوف لا تعود إلى أوضاع ما قبل  احتلال داعش، وكذلك صلاح الدين والأنبار، وحتى كركوك لا ترجع إلى أوضاع ما قبل 10 حزيران (يونيو) 2014، ولهذا فإن الوضع الجديد يحتاج إلى مفاوضات بين جميع الأطراف مثلما يحتاج إلى المصالحة الوطنية الحقيقية، لأجل إعادة النظر وتهيئة حلول مناسبة وإلاّ فإن دولة العراق ستنهار وتتفكّك.

•   ولكن المصالحة الوطنية ومنذ العام 2003 بين الأطراف العراقية لم تثمر عن أية نتيجة، وكذلك فإن السلاح هو ليس فقط بيد الدولة العراقية، بل إنه بيد أطراف عدّة؟

صحيح ، لأنه إذا لم يبقَ السلاح بيد الحكومة، فإن احتمال المواجهات والحرب سيكون وارداً بعد ذلك. أعتقد بأن الأطراف المشتركة في الحرب ضد داعش، سوف لا تسلّم أسلحتها للدولة بسهولة، وهذا يعني أن المواجهات ستندلع بين الأطراف المسلحة وفي مناطق وجودها، وستكون هذه مقدمة لحرب طائفية أخرى ما بين المكوّنات، وخصوصاً أن التغييرات التي ستحدث على الأرض ما بعد داعش، ومنها ما بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كوردستان حول تطبيق المادة 140 من الدستور، وكذلك حول حقول نفط كركوك والمشاكل الاقتصادية وصلاحيات السلطات المحلية ومشاكل أخرى عديدة، وهذه الإشكالات ستكون عبارة عن  لُغم، قد ينفجر بعد انتهاء الحرب وفي كل لحظة، ويُعقّد الوضع أكثر مما هو عليه.
•   يبرز هنا سؤال : ما هو داعش ولماذا ظهر بهذا الشكل وازداد قوة؟ صدام حسين وبكل قدراته العسكرية تمكّن أن يحكم 35 عاماً، ولكنه أزيح بين "ليلة وضحاها" من قبل أمريكا، ولكن لماذا لا تتمكن أمريكا من إزاحة داعش؟
هذا السؤال في مكانه، الحرب في المرّة الأولى كانت حرباً نظامية ما بين جيش أمريكا، أو بالأحرى بين جيوش دول التحالف مع جيش النظام السابق، ولكن الآن داعش لا يحتل الأراضي فحسب، بل هو موجود بين الناس والأبنية والمنازل والأماكن العامة، بالإضافة إلى ذلك فإن الحدود ما بين العراق وسوريا لم تبقى بسبب اضطراب  الوضع الأمني في سوريا، وأن داعش يتجوّل بحرية، وأن العديد من الشباب الأجانب الذين لا أمل لهم ويشعرون بالتهميش ويفقدون الثقة بالمستقبل، يتسلّلون عبر الحدود للانضمام لداعش.
وكذلك فإن الأمية والبطالة والفقر في العراق وسوريا وبعض البلدان العربية، دفعت بهؤلاء وبعد غسل أدمغتهم لتقبُّل أفكار هذا التنظيم، وبعدها أصبح داعش مثل " أخطبوط"، فتوسع كثيراً حتى في ليبيا وشمال أفريقيا واليمن وامتدّ إلى لبنان، فضلاً عن إن بيضة الإرهاب تصبح مثل " الفايروس" الذي ينتشر في جسم المنطقة ويسمم أجواءها، ولعلّ واحداً من أسباب ذلك هو عدم تحقيق المصالحة الوطنية وبقاء مشاكل العراق مُعلقة وكذلك فإن هذا الصراع جعل الأطراف العراقية غير منسجمة مع بعضها البعض، وبالتالي فإن ثروات البلاد تهدر وينتشر الفساد ويزداد عدد الفاسدين، بينما كان من المفترض أن هذه الثروات تستخدم للإعمار وبناء المدارس والجسور والطرق ومجال التربية والصحة .أما الوضع في سوريا، فإن نار الإرهاب شملت البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
•   البعض يدعون أن داعش انبثق من رَحم القاعدة وأن أمريكا نفسها قد خلقه ، ما هو رأيكم بهذا؟
هذا قد يكون صحيحاً، ولكن بعض هذه التنظيمات تتأسس بدعم من الجهات الأجنبية أو الدوائر الاستخباراتية أحياناً، أو التي تقوم بدعمها لاحقاً مادياً وتهيأ وتُدرَّب أفرادها، ولكن لا يشترط أن تبقى كما هي، ذلك إنه في حال تمكنها من السلاح والمال، فإنها تتّجه  نحو الاستقلالية، ولا يمكن ضبط حركتها وإيقاعها، خصوصاً إذا استطاعت تكوين قوة عسكرية وغطاء أو مسوّغ ديني.
القاعدة في بلاد الرافدين اتخذت منحىً توحيداً مع القاعدة في بلاد الشام، فتأسست داعش، على الرغم من رفض بعض عناصرهما واحترابهما، وكذلك الأمر مع  جبهة النصرة في سوريا، وهذه الأخيرة هي أيضاً منظمة إرهابية استطاعت أن تضم أناساً بدون أمل وبدون مستقبل، والتي استطاعت بسبب ضعف وجود الدولة وانهيار بعض المؤسسات الأمنية في سوريا، أن تتمدّد بهذا الشكل.
أما في العراق وبسبب الفوضى الأمنية والعسكرية وتعدّد مراكز القوى وتنازعها والتداخل الإقليمي والصراع الطائفي، فإن داعش تمكنت من احتلال الموصل دون أية مجابهة، ويعود الأمر في جزء منه إلى الفساد والرشا وعدم وجود عقيدة عسكرية جامعة. وفي سوريا  فإن داعش وجبهة النصرة تمكّنا من تقوية مركزهما في العديد من المناطق، وهذا جعل مخرج الفيلم بلا أمل، وهو الذي كان يريد أن يُخرِج فلماً طويلاً ، من أفلام هوليود باسم داعش، لكنه أصيب بصدمة كبيرة، خصوصاً بعد صدمة هزيمة في العراق .


•   في البدء تكلّمت عن أن داعش سينتهي، كيف؟

أنا أقول أن داعش سينتهي قريباً أو بعيداً في العراق، وممكن أن يستغرق ذلك سنتين أو ثلاث سنوات أو يستغرق عدّة أشهر، ولكن مصيره هو الانتهاء ولا يمكن له الاستمرار، لأنه في تكوينه وفي تصرفاته هو ضد الحياة، والعديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى كانت موجودة وانتهت، وكذلك الأمر في سوريا، وهو ما يحتاج إلى ستراتيجية موحدة ودعم دولي وإقليمي لأن خطره قد يمتد ويتصاعد، وإن كان إلى حين.

•   ولكن البعض من المسلمين يدعمون فكرة داعش؟
هؤلاء قلّة، قد يكون لبعض الإسلاميين، وتحت ضغط عوامل أشرت إليها، تعاطفاً مع داعش، سواء في إطار طائفي أو ديني، أو ردود أفعال ضد السياسات الخاطئة، أو لأسباب أخرى، ولكن هؤلاء إذا كانوا عدّة ألوف، فإن هناك مئات الملايين من المسلمين هم بالضد من داعش، لأن دين الإسلام يطلب منّا أن نكون متسامحين ودعاة سلام، وأن هذا الدين نفسه أُقيم على هذا الأساس، وكذلك مع غير المسلمين حيث يقول سبحانه وتعالى " إن خلقناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
بعض الدواعش يقرأون الآيات القرآنية المباركة بصورة معكوسة، أي يضعون إرادتهم قبل النص أو تفسيراته، وذلك بهدف تبرير أعمالهم الإجرامية، ومهما كانت الأسباب، فإن ضرر داعش وقع على نحو شديد على رؤوس البلدان التي نشطت فيها، وهذه ستواجه التفكيك والانقسام والتجزئة، ولعلّ مجرد وجودها جلب الخراب لها ودفع بالملايين إلى النزوح واللجوء في أوضاع لاإنسانية بالغة القسوة. لقد شاهدنا ماذا حدث في الموصل، وكذلك ماذا حدث في صلاح الدين والأنبار والحسكة والرقة وأماكن أخرى.
•   هذه الأقوال هي في مكانها، ولكن هناك جيلاً يعتقد أنه ما دام داعش يمارس سياسته تحت راية الإسلام ويقوم بالانتهاكات، ينتقدون الإسلام ذاته الذي يعتبره البعض يحضّ على الإرهاب، ألا ترون أن هذا بحاجة إلى إصلاح فكري؟
أولاً ، أعتقد من غير الصائب القول، بأن هناك جيلاً يتوجّه هذا التوجّه، فهؤلاء  كما أشرت وكما أعتقد هم قلّة قليلة وستنتهي، ولكن من الصحيح القول إننا بحاجة إلى إصلاح الخطاب الديني، والمشكلة ليست بالدين، بل هي في التديّن، أي طريقة استخدام أو توظيف الدين، لاسيّما من جانب بعض رجال الدين.
لذلك فإن عدم مراجعة ومتابعة وتدقيق بعض فتاوى وتصرفات بعض رجال الدين أدّى إلى توجيه الأمور على هذا النحو السلبي، وقد تم استغلال هذا الأمر لأغراض سياسية، أو أن بعضهم يرجعه إلى بعض الأسباب الدينية، ولاسيّما الاختلافات والصراعات الطائفية والاجتهادات المذهبية، التي حدثت قبل مئات السنين، دون إدراك أن الزمن قد تغيّر الآن،  ولا بدّ من مواكبة التطوّر والتقدّم، لذلك فإن كل دين عليه أن ينسجم مع العصرنة والتقدّم، وجعل التوجّهات الدينية في إطار دولاب الحياة وبالانسجام معها ، وإلاّ فإن الرجوع إلى 1400 سنة قبل الآن، حيث حدثت حادثة، أو حدث شيء ما وانتهى في حينها بغض النظر عن صوابه أو خطئه، ولكننا لا يمكن إعادة التاريخ، لأن الأمر سيعني استمرار الاحتراب والاقتتال الطائفي، ومن يعطون أنفسهم الحق في الإفتاء ويؤججون نار الكراهية والحقد والانتقام هم ، بلا أية مؤهلات ودون اعتبار للدولة وقوانينها التي لا بدّ أن تكون لها اليد العليا، فلا مرجعية أعلى من مرجعية الدولة .
لذا يجب وضع حدّ لتصرفات هؤلاء الملالي والذين يفسرون الدين ويوجهونه باتجاه خطير، وعلى الأخص باستغلال المنابر للتبشير بهذه الأفكار والتي لها آثار سلبية على المجتمع.
•   بعد خروج داعش من العراق، كيف تتصورون أن يستقر الأمر؟
داعش يستمر في الحركة وينتقل من مكان إلى آخر، وفي أي مكان كان، فإنه يجد لنفسه فرصة طالما تساعد البيئة على ذلك، وهذا سيؤثر سلباً على المجتمعات التي توجد فيها، ولكن "إشعاع" داعش الأولي سيخف كثيراً، وكما قلت فالأمر لا يشترط أن ينتهي في شهر  أو سنة، ولكنه سيضعف بالتأكيد وسينهار من الداخل، ففي كل انتكاسة يمكن أن يواجه التفكّك والتمزّق، لأن الانهيار له ألف أبٍ، ولكن النصر له أبٌ واحد.
 لقد كان  انتصار داعش في الموصل له أبٌ واحد وهو"أبو بكر البغدادي" مثلما كان لمن سبقه أبو بكر البغدادي ، ولكن بالانهيار والتقهقر سيظهر ألف أبٍ، وهذا ما هو مؤكد، مهما قربت المسافة الزمنية أو بعُدت.


533
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 16
الماركسلوجيا وسرير بروست! (تابع)

بعض قياداتنا هي الأخرى لم تكن بعيدة عن هذه التوجهات الضارة التي لا يربطها أي شيء بالشيوعية والماركسية، وقد سلكت طريق التسلّط وذلك تحت ظروف مختلفة، تارة باسم السرّية وأخرى الخوف من احتمالات اختراق العدو، وثالثة نصّبت نفسها وصية على الحزب، وعلى هذا الصعيد ارتكبت الكثير من الانتهاكات التي تخلّ بجوهر الماركسية وأهدافها الإنسانية، والأكثر من ذلك هو تعاطيها مع مشروع الاحتلال والاصطفاف مع القوى التي أيّدت  توقيع الاتفاقية العراقية – الأمريكية العام 2008 المجحفة وغير المتكافئة، وحتى عندما ثار الجدل حول تجديد هذه الاتفاقية أو توقيع اتفاقية جديدة، لم يكن موقفها مختلفاً كثيراً عن مواقف القوى الراغبة في استمرارها باعتبارها " أحسن الحلول السيئة".
ولعلّ الضعف الذي أصاب الحزب بشكل عام والتغيير الذي حصل في تركيبه أثرّ على  هوّيته من خلال ممارسة طويلة الأمد وانعكست على مساره وتوجّهه، ومن ذلك أن إدارته ظلّت في غالب الأحيان شحيحة المعارف قليلة المبادرة ومحدودة التفكير وتفتقر إلى مؤهلات قيادية. أقول ذلك مع اعتزازي بتاريخ كل فرد فيها، فذلك شيء ومواصفات القيادة شيء آخر.
لا أعتقد إن أحداً سيجادل حول " شيوعية" ستالين، على الرغم من تحذير لينين المبكر بأن حصر السلطة في يديه قد لا يكون معه الاحتراس الكافي من سوء استخدامها، فلم يكن على ثقة بذلك، ولكن تلك الشيوعية الستالينية حملت معها ضحايا لا حصر لهم، فحتى من يدافع عن ستالين لا ينكر عدداً يشمل عشرات الآلاف من الأبرياء ويبرر بظروف الاتحاد السوفييتي الاقتصادية الخاصة  والحصار المفروض عليه وكذلك اندلاع الحرب العالمية الثانية وغير ذلك، أي إن حتى مؤيدي ستالين والمدافعين عنه لا ينفون كونه " قاتلاً"، سواءً كان الأمر لعشرات الآلاف أو لعشرات الملايين كما  يفيد بذلك معارضوه  الذي يعتبرونه من أكبر مجرمي التاريخ.
والأهم بالنسبة لنا ليس عدد الضحايا، الذين حسب الروائي الألماني الكبير أريش ماريا ريمارك: موت إنسان يعني موت، أما موت مليونين فيعني إحصائية. وهكذا فإن قتل شخص واحد كأنك قتلت الناس جميعاً، فما بالك في بلد يستهدف تحقيق عدالة اجتماعية ومساواة واحترام للحقوق لرفاه وسعادة البشر ودون أي تمييز.
في أواخر العام 1934 اغتيل سيرجي كيروف سكرتير منظمة الحزب الشيوعي في لينينغراد داخل مقرّه في سمولني، وبعد يومين فقط صادق المكتب السياسي على مشروع قانون كتبه ستالين بنفسه وصدر بعد ذلك بعنوان " قانون مكافحة الإرهاب" وبموجب هذا القانون تم "شرعنة" الإرهاب والقتل، وتقرّر أن لا تزيد مدّة التحقيق عن عشرة أيام في الجرائم المتعلقة بالإرهاب، ولا يسمح بحضور محامي للدفاع ولا يجوز استئناف الأحكام، ومن يتم إدانته باعتباره مرتكباً يتم تنفيذ الحكم بحقه على الفور.
بعد صدور هذا القانون سيق مئات الآلاف إلى غياهب السجون وأرغم غالبيتهم الساحقة على الاعتراف وقتل قسم كبير منهم، كما اختفى عشرات الآلاف قسرياً، وقد عُثر على  بعضهم في الخمسينيات وبعد وفاة ستالين العام 1953 في معسكرات اعتقال لا تتوفر فيها أبسط الشروط الإنسانية.
بعض الإحصائيات بخصوص الضحايا أوردت رقماً يتجاوز الأربعة ملايين ضحية بين العام 1930-1953 بينهم من قتل رمياً بالرصاص (حوالي 800 ألف إنسان). من بين أعضاء اللجنة المركزية البالغ عددهم 139 قتل 98 منهم، وفي جمهورية أوكرانيا قتل جميع أعضاء اللجنة المركزية البالغ عددهم 200، باستثناء ثلاثة فقط بقوا على قيد الحياة. وشملت الحملة أعضاء للأحزاب الشقيقة، كانوا في موسكو مثل بيلا كون قائد الثورة الشيوعية في هنغاريا (العام 1919) وسبعة من أعضاء المكتب السياسي للحزب الألماني وغالبية أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البولوني الذين كانوا في الاتحاد السوفييتي.
واعترف بوخارين محبوب الحزب، كما كان يسمّيه لينين، ببلشفيته المشوّهة، وإنه يستحق الموت عشرات المرّات، وقال زينوفيف عن نفسه أنه تحوّل من التروتسكية إلى الفاشية، وطالب كامينيف المحكمة باتخاذ  قرار بإعدامه لأنه يستحق ذلك، ولكن المهم السير في طريق ستالين، وتذكّرني هذه الطريقة من "النقد الذاتي" بما كتبه زكي خيري نفسه في انتقاده لنفسه لدرجة التجريح والافتراء عليها عند عقوبته العام 1962. وقد تناولت ذلك بالتفصيل في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف" الصادر في العام 2009.
والأمر ينطبق في هذا السلوك الماركسيلوجي على ماوتسي تونغ والثورة الثقافية ومعاداة المثقفين ومقتل الملايين وازدراء عقول البشر وتحويلهم إلى رابوتات تعلن بمناسبة أو دون مناسبة اهتدائها بالكتاب الأحمر، ولم يتورّع ماوتسي تونغ في إحدى خطبه إبان الثورة الثقافية أواخر الستينيات أن دعا الطلبة والشباب الغاضب إلى "إحراق الكتب ومحاصرة الكتّاب" المتأثرين بالغرب، وهو حديث أقرب إلى الهذيان وينمّ عن كراهية للآخر ولأي اختلاف.
أما الزعيم الشيوعي الكمبودي بول بوت، فقد قاد "الخمير الحمر" في السبعينيات، وانقلب حين الوصول إلى السلطة من ثوري إلى سفاح، ودفع بالشعب إلى الموت أو إلى معسكرات الاعتقال أو الامتثال إلى إرادة الزعيم وتعاليمه.
هؤلاء جميعاً ومعهم عشرات من الأسماء المعروفة وغير المعروفة من شوّهوا طهرانية الشيوعية كفكرة نبيلة عن العدالة والمساواة بين البشر، خصوصاً بتجريدها من جوهرها الإنساني، وهكذا تحوّلت الماركسية من أداة لتفسير الواقع والعمل على تغييره باستخدام المنهج الجدلي إلى مجموعة من تعاويذ أو أدعية، وبدلاً من استخدامها في خدمة الناس، أصبح الناس يجهدون أنفسهم للتوافق مع مسطرة الزعيم، الذي أُضفيت عليه جميع الصفات الحسنة، وكثير من الرفاق كانوا يقعون في المأزق ذاته: بين قول الحقيقة وبين الامتثال لإدارة الحزب، التي ليست على صواب دائماً، بل في الكثير من الأحيان كانت والحقيقة على خلاف شديد وبينهما افتراق كبير.
وهنا يُثار السؤال الصعب فما هو الأهم ؟ أي أيهما سيختار الإنسان في ظروف طبيعية، هل سيختار مجافاة الحقيقة أم الحقيقة ذاتها حتى ولو كانت مخالفة لرأي إدارة الحزب؟ لكن هذا الخيار سيكون صعباً، بل وقاسياً، وأحياناً لا يمكن تحمّله في ظل حملة بالتكفير والتحريفية والخيانة وخدمة مصالح العدو، إن لم يكن الأمر مدفوعاً من جانبه، ومدسوساً من قبله.
ويتساءل جان بول سارتر: هل يجب أن أقول الحقيقة، فأخون البروليتاريا أم  يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟ وتلك معضلة العقل الحزبي والتصادم بين الضمير والواقع، وبين المصلحي والمبدئي، وبين الرأي والخنوع.
ومثلما أساء الشيوعيون للشيوعية وللماركسية واختزلوها إلى ممارسات تسلّطية ودكتاتورية ومؤامرات ودسائس واتهامات وتصفيات، فإن أكثر من أساء للفكرة العروبية، هم القوميون والبعثيون الذين حولوها إلى آيديولوجيا، وهذه الأخيرة حين أصبحت نظاماً ارتكبت كل أنواع القمع والاستبداد، وزاد على الأنظمة الاشتراكية، عنصر التخلف وقوة الموروث والعادات والتقاليد.
كما إن أكثر ما أساء إلى الإسلام هم الإسلاميون بمختلف مراتبهم وأجنحتهم وتوجّهاتهم، ولعلّ النظرة المعادية للإسلام في العالم والتي تصوّر المسلمين باعتبارهم رديفين للشر أو للإرهاب أو للعنف، ناجمة عن تصرّفات وسلوك التيارات الإسلاموية، والأكثر من ذلك حين تعتبر هذه الجهات أن تصرّفات بعض الإسلامويين تنبع من مكوّنت الدين الإسلامي الذي يحضّ على الإلغاء والإقصاء والاستئصال وعدم الاعتراف بالآخر.
ولا أعتقد أن ظاهرة الإسلامفوبيا (العداء للإسلام) أو "الرهاب منه" كانت قد نشأت بمعزل عن المجاميع الإسلاموية المتطرفة، سواء كانت تنظيمات القاعدة أو أخواتها "داعش" أو جبهة النصرة أو غيرها، فضلاً عن جماعات الإسلام السياسي بشكل عام السنيّة والشيعية وحتى الآن لا يوجد إسلام سياسي خارج الاستقطاب المذهبي، الذي لم يستطع تقديم نموذج حقيقي للاعتراف بالآخر، وتلك معضلة العقل العربي اليساري أو القومي العربي أو غيره أيضاً، إزاء فكرة التعددية والتنوّع وقبول الآخر، وحتى ولو كان هناك استثناءات فهي محدودة جداً وغير مستقرّة أو يمكن القياس عليها.
علينا مواجهة التاريخ بإجراء مراجعة ومكاشفة صريحة، أما اعتبار الماضي والموروث "مقدّساً" والتمترس عند بعض أخطائنا، فذلك لا يخدم قضية المستقبل، ولابدّ من أخذ ذلك بسياقه التاريخي، فقد كان فهمنا في تلك الفترة قاصراً في بعض القضايا، ولذلك لم نتّخذ الموقف الصحيح، وأخطأنا في التصرّف والسلوك، وإنْ تطلّب الأمر اعتذاراً أحياناً، فالشجاعة والكياسة لا تنقصنا من الاعتذار أو هكذا أفترض.
إن هدف المراجعة هو "أنسنة" بعض مواقفنا الخاطئة من خلال مراجعة ونقد، ولا توجد حركة أو تياراً، جماعة أو فرداً في المجتمع دون الوقوع في الخطأ، وتلك سمة إنسانية هي الأخرى. ومن العبث أن نحاول مدّ الوقائع بحيث تأتي مطابقة لسرير بروست، فإذا كان السرير أطول، فنجرّ صاحبه حتى يكاد يهلك، وإذا كان صاحب السرير هو الأطول، فنحاول اقتطاع جزءًا منه ليأتي مطابقاً لبعض تصوراتنا ونظرتنا الإرادوية حسب الأسطورة اليونانية، وفي كلا الحالين هي خسارة فادحة وعلينا الإقرار بذلك والتعامل مع الواقع كما هو، وسنجنّب أنفسنا ونجنب الآخرين مغبّة صراع لا معنى لها وخصوصاً بالتنكّر للحقيقة وذلك ما نعنيه حين نكتب عن "المثقف وفقه الأزمة" .


534
السياسة .. الوجه الآخر للحرب
                     
د. عبد الحسين شعبان
تتوجّه الأنظار إلى ساحة معركة دبلوماسية وقانونية جديدة، عنوانها الأساسي إحالة الكيان الصهيوني إلى المحكمة الجنائية الدولية، بهدف تطبيق مبادئ العدالة الدولية، بشأن الجرائم التي ارتكبها بحق الإنسانية، وهي تقارب جرائم حرب حسب تقرير صدر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك في الحرب على غزة في 14 يونيو/ حزيران العام 2014، والتي استمرت 51 يوماً وسميّت بعملية «الجرف الصامد». وقالت رئيسة اللجنة القاضية الأمريكية في نيويورك ماري ماكغوان ديفيس: إن مدى الدمار والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة غير مسبوقين وسيؤثران في الأجيال القادمة.
وجاء في التقرير أن أكثر من 6 آلاف غارة جوية شنّتها «إسرائيل» على الفلسطينيين، وأطلقت حوالي 50 ألف قذيفة مدفعية، وكان ثلث ضحايا العدوان «الإسرائيلي» من الأطفال، وإن عدد القتلى (الشهداء) بلغ 2217 فلسطينياً معظمهم من المدنيين، بينهم 556 طفلاً و293 سيّدة، ووصل عدد الجرحى من الأطفال إلى 2647 ومن النساء 1442.
وعلى الرغم من أن التقرير اتهم المجموعات الفلسطينية بأنها هي الأخرى ارتكبت جرائم قد ترتقي إلى جرائم حرب، إلاّ أن حركة حماس رحّبت به، واعتبرته السلطة الفلسطينية توجّهاً صحيحاً لإدانة «إسرائيل» وتحقيق حلم العدالة الدولية، ولذلك بادرت إلى رفع أول قضية ضد «إسرائيل»، حيث توجّه وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي إلى لاهاي لتقديم وثائق للمحكمة الجنائية الدولية، وهي تكشف جرائم «إسرائيل» في الضفة الغربية وخلال الحرب على غزّة، وستشمل هذه الوثائق ملفين أساسيين تم تسلّيمها إلى المدعية العامة في المحكمة فاتو بنسودا.
جدير بالذكر أن «إسرائيل» حاولت الظهور بعدم الاكتراث لكل ما يقال عن ارتكابها لجرائم حرب، وواصلت الزعم بأن جيشها كان «أخلاقياً بامتياز»، ولكنها في الوقت نفسه لم تستطع تجاهل التهم الموجهة إليها بانتهاكها للقانون الدولي، حيث قامت وزارة الخارجية بنشر تقرير حول أداء الجيش «الإسرائيلي» في الحرب على غزة، بالاعتماد على شهادات وضعها أناس كلّفتهم هي بتسويق مزاعمها بصفتهم قضاة.
وإذا كان قرار الأمم المتحدة بقبول فلسطين كعضو في المحكمة الجنائية الدولية، في 7 يناير/ كانون الثاني 2015، فإن «إسرائيل» عارضت بشدّة فكرة انضمامها ، لخشيتها من التهم التي يمكن توجيهها إلى عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين فيها. وعند إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية التوقيع على اتفاقية روما لعام 1998 والتي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2002 عاقبت «إسرائيل» الفلسطينيين بوقف تحويل أموال الضرائب إلى رام الله، وقد خلق هذا الإجراء أزمة مالية كبيرة، لكنها عادت بعد حين عن قرارها هذا، بناءً على توصيات من وزارة الحرب والقوات المسلحة وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، نظراً للخشية من زعزعة الاستقرار واحتمالات اندلاع موجة من العنف في الضفة الغربية بسبب الأزمة المالية المستفحلة.
وإثر صدور التقرير، شنّت «إسرائيل» حملة قاسية على الأمم المتحدة، لكن بعض الأوساط «الإسرائيلية» تنبّهت إلى كونه «متوازناً وأقلّ حدّة من تقرير غولدستون» الذي أعقب عملية «الرصاص المصبوب» في العام 2012، ومع ذلك فإن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء «الإسرائيلي» قاد هجوماً شرساً ضد مجلس حقوق الإنسان وكرّر اتهامه له بالانحياز.
إن محاولة الفلسطينيين التوجّه إلى المحكمة الجنائية الدولية تستهدف رفع الحصانة عن «إسرائيل»، التي ظلّت تستخفّ بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني منذ تأسيسها، حيث سيناقش القضاء الدولي لأول مرّة جرائم «إسرائيل»، سواءً في الضفة الغربية أو في القدس الشرقية أو في قطاع غزة، بدءاً من الحملة العسكرية على الخليل ومن ثم بقية مناطق الضفة الغربية، إضافة إلى عملية «الجرف الصامد»، حيث سيشمل التحقيق جرائم الحرب وقضايا الاستيطان باعتبارها جريمة مستمرة منذ العام 1967، إضافة إلى الجرائم بحق الأسرى، وهذا ما ذكره د. مصطفى البرغوثي عضو اللجنة الوطنية العليا لمتابعة ملف المحكمة الجنائية الدولية، وأضاف أن الهدف هو إحقاق العدالة وتطبيق مواثيق حقوق الإنسان، وحماية الشعب الفلسطيني، ومحاسبة المجرمين وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، فضلاً عن منع تكرار الارتكابات!
إن مثل هذه الملفات الضخمة، تؤكد أن جرائم جسيمة قد وقعت سواءً جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وهي تثبت تورّط المسؤولين الكبار «الإسرائيليين» بالاعتداء على المدنيين، سواء بالعدوان المتكرّر أو عبر جريمة الاستيطان المستمرة، والسياسة المنهجية الهادفة إلى ترحيل وإجلاء سكان البلاد الأصليين، والاستيلاء على الأراضي وبناء جدار الفصل العنصري وتدمير الممتلكات والصروح الثقافية وتشويه المعالم الأثرية للقدس الشرقية، فضلاً عن جريمة الفصل العنصري «الابرتايد» التي سبق للأمم المتحدة أن أصدرت قراراً برقم 3379 في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1975، اعتبرت فيه «الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، لكن هذا القرار التاريخي ألغي في ديسمبر/ كانون الأول العام 1991، بسبب اختلال موازين القوى على المستوى العالمي، ولاسيّما بانهيار الكتلة الاشتراكية، ونكوص العرب في دفاعهم عن هذا المكسب السياسي، الدبلوماسي، القانوني الدولي، فضلاً عن الخلافات التي عصفت بالحد الأدنى من التضامن العربي إثر غزو القوات العراقية للكويت في 2 أغسطس/ آب 1990.
إن التحرّك الدبلوماسي الفلسطيني الجديد ينسجم مع التوجّه العالمي الذي صار أكثر اهتماماً بقضايا العدالة الدولية، من خلال ملاحقات قضائية، ولاسيّما إثر تشكيل المحكمة الجنائية الدولية التي انضمت إليها «إسرائيل»، ثم عادت وانسحبت منها عند دخولها حيّز التنفيذ، ولهذه الأسباب فإنها تبذل جهداً غير اعتيادي لتقديم «رواية» مضادة بشأن الحرب على غزة.
وهنا يمكن استذكار أن عدداً من كبار القادة «الإسرائيليين» العسكريين والسياسيين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون ووزير الحرب الأسبق "بن أليعازر" ووزيرة الخارجية (سابقا)
 تسيبي ليفني، كانوا خلال العقد ونيّف الماضي قد تعرضوا إلى ملاحقات قانونية في بلجيكا وإسبانيا وبريطانيا وغيرها، وكثيراً ما هرب مسؤولون «إسرائيليون» خوفاً من احتمال اعتقالهم كما حدث للجنرال دورون ألموج، وكذلك لوزير الحرب الحالي موشي يعلون، وقد ضغط اللوبي الصهيوني في العديد من البلدان الأوروبية لتغيير بعض قوانينها لمنع ملاحقة مسؤوليها قضائياً، سواءً في بلجيكا أو في بريطانيا التي حظرت على جهات معادية ل «إسرائيل» أن تستصدر أوامر بالاعتقال الفوري بحق شخصيات «إسرائيلية»، وهو ما ساعد شاؤول موفاز رئيس هيئة الأركان العامة من دخول بريطانيا مؤخراً، لكن هذا القانون لا يمنع من صدور أمر اعتقال لاحقاً، ولكن بعد إجراءات قضائية معقّدة.
الحرب بالطبع لا تنتهي بسكوت أصوات المدافع والغارات الجوية، لكنها تستمر بأشكال مختلفة، وإذا كانت الحرب امتداداً للسياسة حسب الجنرال كارل كلاوزفيتس، فإن السياسة هي وجه آخر للحرب، حيث تكون ساحة المعركة، القنوات الدبلوماسية الدولية والإعلامية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتاريخية وغيرها، وقد يكون لها وقع أكبر، ولهذه الأسباب تبدي «إسرائيل» مخاوفها من الملاحقة القضائية، التي يمكنها الارتكاز على التقرير الذي صدر عن مجلس حقوق الإنسان، لإجراء التحقيقات الضرورية.
وإذا كان الفلسطينيون بشكل خاص والعرب عموماً لم يولوا الساحة الدولية الدبلوماسية والقانونية الاهتمام المطلوب منذ قيام «إسرائيل» العام 1948 وعدوانها المتكرر على الأمة العربية، فإنهم أدركوا اليوم الأهمية الاستثنائية الفائقة لمثل هذا التحرّك، الذي كان بفضل جهود محدودة قد استطاع الحصول على إنجازات كبرى منها صدور القرار رقم 3239 في سبتمبر (أيلول)1974 بخصوص حق العودة للفلسطينيين، وهو حق غير قابل للتصرف، ويعتبر استمراراً للقرار الذي أكّد حق العودة، في العام 1948، وقرار اعتماد فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة في العام 2012، وقرار قبول فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية العام 2015.
المعركة ستكون طويلة ومعقّدة وقد لا تنجح الدبلوماسية الفلسطينية في جلب الجناة إلى قفص الاتهام أو رؤيتهم خلف القضبان، ولكن من المؤكد أن «إسرائيل» لن تكون طليقة اليد في ارتكاب جرائم جديدة، كما كانت تفعل في الماضي، خصوصاً بعد تقديم فلسطين طلباً بملاحقتها قضائياً بموجب نظام محكمة روما، وستكون خشية «إسرائيل» كبيرة جداً، وهي لا تعود إلى تجريم المرتكبين فحسب، بل إن هذا التجريم سيتعرّض إلى عدم شرعية قيامها، خصوصاً بعد تنكّرها لتعهداتها باحترام حقوق الإنسان، وهي التعهّدات التي أعطتها ضمانة للاعتراف بها من جانب الأمم المتحدة في العام 1948.

535
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 15
حزبيون أساءوا للماركسية وخدموا العدو الرأسمالي والإمبريالي عن حسن نية

وكان علينا أن لا ندخل فيها وأن نكون حمامة سلام على رؤوس الجميع. أما تحالفنا مع حدك، فسيزعج الآخر، وهكذا العكس أيضاً،علماً بأن بعض ولاءات أو ارتياحات رفاقنا الأكراد توزّعت بين حدك وأوك. فهذا يدفع بهذا الاتجاه والآخر يدفع بالاتجاه المعاكس، وهم اليوم كذلك.
وإذا كانت مسؤولية أوك في شن الحرب وافتعال المعركة لأغراض سياسية، فإن الدخول في حرب ثأرية انتقاماً لأرواح الشهداء وكردّ فعل لما حصل لم يكن مجدياً، خصوصاً وأننا لم نكن مهيأين لمثل تلك المعارك وفي ظروف وصراعات المنطقة وعقدها، الأمر الذي زاد من خسائرنا المعنوية والمادية، وبالأخص من عدد شهدائنا وهم كوادر علمية ومتخصصة. هكذا دخلنا في معارك لا مبرّر لها،ناهيكم عن الجانب الارتجالي فيها وردود فعل وأوضاع المنطقة، في حين كانت القوات الإيرانية تجتاز الحدود العراقية وتبشّر بمشروعها السياسي والحربي.
لقد استبدلنا الثقافة الشيوعية المدنية العصرية الحديثة والتقدمية بثقافة الجمداني والشروال وشدّ البغال كما عبّر أحدهم في الجبال النائية، وأصبحت هناك معايير جديدة مفروضة على الرفاق غير المعايير الشيوعية، فيها الكثير من القيود العشائرية والقبلية والاجتماعية وجوانب عديدة من التعصّب والتطرّف والمبالغات والدخول في مزايدات، ناهيكم عن معايير متخلّفة لا يجمعها جامع مع الفكر الشيوعي.
وحين نقرأ التاريخ أو نتحدّث عن وقائع تاريخية عشناها أو اطلعنا عليها أو دققنا فيها، فالهدف ليس الانتقام أو الثأر أو الكيدية، أو إثارة الضغائن وروح البغضاء وتغذية الأحقاد، بل للاستفادة من الدروس والعبر التاريخية، وعدم التورّط مستقبلاً بمثل تلك الصراعات العبثية، وتجنّب الوقوع في الأخطاء والحساسيات التي تؤدي إليها.
وسبق للكاتب أن دعا وبأعلى  صوته إلى التسامح والتعايش وإلى طي صفحة الماضي والبدء بحل الخلافات سلماً وبروح المشترك الإنساني والوطني، دون أن يعني ذلك مصادرة الحق في التقاضي واللجوء إلى القانون لتحقيق العدالة، والمساءلة عن الارتكابات أو طلب التعويض المادي والمعنوي، وقبل ذلك جبر الضرر ومعرفة حقيقة ما حصل، علماً بأن المصلحة الوطنية تقتضي المصالحة والتحلّي بأقصى درجات التسامح لتفويت الفرصة على جميع المتربصين، والحيلولة دون اندلاع أي صراع عنفي أو مسلّح من شأنه أن يلحق ضرراً بجميع الفرقاء وبالوطن والشعب بكل تأكيد.
لقد سبق للكاتب أن وجّه رسائل إلى كل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني تدعو إلى المصالحة وعدم اللجوء إلى القوة لحلّ الخلافات السياسية واحترام الحقوق والحريات واعتماد الوسائل السلمية لإنهاء النزاع المسلح، وذلك بصفته الحقوقية ولعلاقته بالطرفين خلال فترة الاقتتال الكردي – الكردي ( 1994-1998) وقد تلقّى من الطرفين رسائل تقدير على دوره ودور المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
إن الوسيلة هي جزء من الغاية، ولكي تنسجم الوسائل التي نتوخّاها مع الأهداف النبيلة التي نطمح لتحقيقها، الأمر الذي يقتضي اختيار الوسائل السليمة لأنها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالغايات الشريفة، مثلما هي علاقة الشجرة بالبذرة، فهذه من تلك مثل علاقة الأصل بالفرع حسب ما يذهب إلى ذلك زعيم المقاومة السلمية " اللاعنفية" في الهند المعاصرة المهاتما غاندي.
والشيء بالشيء يذكر ما هي خطّتنا عندما قررنا ترك البلاد؟ فقد خرج الحزب بقضه وقضيضه تقريباً إلى المنفى دون توجّه معيّن، وكانت عبارة "دبّر نفسك" هي السائدة. وإذا كان يُسجل لباقر ابراهيم وجاسم الحلوائي، أنهما بقيا إلى آخر ما يستطيعان لإخراج الغالبية الساحقة من الرفاق، فهل سنقول هذه خطة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي خطة تفريغ العراق من الشيوعيين، لدرجة أننا الآن نبذل جهداً كبيراً عندما نريد التحدث مع مستمعينا أو من نلتقيهم أو نحاور بعضهم في بغداد وعدد من المدن العراقية عن تلك المرحلة، بسبب الانقطاع التنظيمي وابتعادنا عن ساحة الوطن، وهذا ما كان يفكّر به عامر عبدالله، وما كتبه في رسالته إلى عزيز محمد، كما استحق نقاشاً جدياً ومسؤولاً مع عدد من الرفاق في إطار مراجعات عامة وقراءات انتقادية سواءً في حينها أو ما بعد ذلك.
وهل كانت خطّة التجنيد شبه الإجباري سليمة أيضاً؟ أي محاولة " عسكرة الحزب" ودفع كادره الأساسي وجمهرة أعضائه إلى الجبال النائية، حين قُطعت دراسات الطلبة وهدّد  العديد منهم بعضوياتهم إن لم يلتحقوا بالأنصار. إذا كان العمل الأنصاري شرفاً للشيوعيين، فلعلّه اختياري لكل قادر عليه. أما أن يُزج بالعوائل والنساء وعدد من المرضى وكبار السن وغير القادرين على حمل السلاح وفي ظروف قاسية، فلا أظن أن أحداً سيقول إنها خطّة إلاّ من يريد إحراز انتصارات وهمية . وقد غيّرت تلك الخطط وبعضها لم يكن بريئاً أو أخطأ في التقدير، من هوّية الحزب وأضعفت من استقلاليته وأثّرت على معنوياته وتوجهاته ونهجه وسياساته، وهو الأمر الذي تكرّس في المؤتمر الرابع، ولاسيّما إبعاد القيادات والكوادر المعارضة، لاسيّما من العرب.
ثم هل من الصحيح إرسال أعداد من الرفيقات والرفاق إلى الداخل دون مردود يُذكر، وفي ظل اختراقات كان يعرف بها الكثير من الرفاق الأنصار، ومع ذلك نستمر في تكرار التجربة بكل برودة أعصاب، ونخسر هؤلاء الشجعان الذين كان يمكن ادخارهم لمعارك حاسمة؟ والأكثر من ذلك حين يكون الوسطاء مشكوكاً بهم، وعلى الرغم من هواجس الرفاق فلا أحد كان يريد الاستماع أو التصديق لمخاوفهم وشكوكهم وقلقهم، على الرغم من الخسائر الفادحة وعلينا أن نتساءل من كان المسؤول عن ذلك؟ وما هي الإجراءات التي كان ينبغي اتخاذها بشأن هؤلاء الرفاق " العديمي المسؤولية" أو القليلي الإحساس إنسانياً.
كنت كلّما وصلتني معلومة أو سمعت خبراً عمّا جرى للرفيقات والرفاق الذين نزلوا إلى الداخل واختفى بعضهم إلى اليوم أو تعرضوا إلى ما لا يحتمل، وهو ما أسرتني به رفيقة وأخرى قدمت عرضاً لندوة حول التعذيب، لكنها لم تستطع متابعة حديثها بسبب حالة الانفعال الشديدة، التي أبكت القاعة، أقول كنت استذكر الروائي الروسي الكبير تولستوي، وروايته الشهيرة " الحرب والسلام" ، خصوصاً ما ورد على لسان الجنرال كوتوزوف: إن أكثر المعارك تجري بأوامر من رجال يفتقرون إلى الكثير من المعلومات، لنصل إلى النهاية، الجنود البسطاء هم الذين يقتلون ويقاتلون، فيما الكبار يقرأون الخرائط ويصدرون الأوامر. وكم من هؤلاء كانوا بين ظهرانينا، وكم من المغامرات الحمقاء شهدناها وكم من المرّات التي قرأنا فيها التاريخ على نحو مخطوء ؟
لم تكن خطط الطوارئ أو الخطط الأمنية لدينا سالكة، فقد عملنا بردّ الفعل دائماً وبمعارف شحيحة وفي ظل مغامرات بعضها بهلوانية. وآن الأوان لأن نتوجه على نحو جديد ومختلف لدراسة أخطاء الماضي، ولوضع خطط جديدة وتدقيقها وتجديدها حسب تطور الأوضاع، ووفقاً للمتغيّرات الكونية.
أختتم هذه الفقرة باقتباس من نشرة خاصة باللجان الحزبية حول تقييم أحداث بشتاشان، وهي صادرة عن المكتب السياسي بتاريخ 20 حزيران(يونيو) 1983، أي بعد نحو 50 يوماً من الأحداث المفجعة.
تقول النشرة الخاصة " وبصرف النظر عن الخطأ السياسي الفادح ... (الموقف من الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن موقع بشتاشان كقاعدة خلفية غير ملائم... وقد جرى التداول في (م.س) لأكثر من مرّة في فترات مختلفة لحلّ مشكلة هذا التحشّد الخطر في بشتاشان، غير إن الأمر ظلّ دون إجراءات عملية".
وبعد أن تكشف النشرة التي صدرت تحت ضغط الكادر الحزبي والأنصاري
•   إن موقع بشتاشان غير ملائم.
•   وعدم اتخاذ إجراءات عملية إزاء التحشّد الكبير،
تمضي للقول:
•   عدم وجود خطّة متكاملة للدفاع (...)
•   عدم وجود خطّة للانسحاب (...)
•   ضعف الجهاز الإداري .
•   ضعف الجاهزية القتالية.
•   ضعف الانضباط في مختلف المستويات (...)
وأعتقد أن ذلك كافياً كاعتراف من جانب أعلى هيأة قيادية في الحزب إزاء التخبط والارتباك وعدم الاستعداد الكافي لمواجهة الطوارئ، ناهيكم عن أبعادها السياسية. كانت بشتاشان حقاً تاريخاً مفصلياً كشف الكثير من نواقصنا وعيوبنا، لكن الأكثر من ذلك حين حاولنا الدخول في معركة ثانية، راح ضحيتها أيضاً عدد غير قليل من الرفاق بينهم الشهيد نزار ناجي يوسف (شقيق ثمينة ناجي يوسف أرملة سلام عادل)، ولكننا لم نحقق شيئاً يُذكر، أقول ذلك مع اعتزازي بالبطولة والبسالة التي أبداها الأنصار ودرجة تحمّلهم للصعاب والمشقات .
1.   الماركسلوجيا وسرير بروست!
في تاريخها الطويل خسرت حركتنا الشيوعية والثورية الكثير من قادتها وكوادرها في صراعها مع العدو التقليدي، الرأسمالي الإمبريالي، وعلى يد القوى الرجعية والمحافظة التي ناصبتها العداء منذ تأسيسها، ليس هذا فحسب، بل أن خسارتها كانت مضاعفة في صراعها مع قوى وطنية، في احترابات ومنافسات، قادت إلى التنكيل بها ومحاولة استئصالها وإلغائها أو تهميشها  وإضعاف دورها وتأثيرها، لكن تلك الخسائر مع العدو الطبقي والاجتماعي الخارجي والداخلي، قوّت الحركة وأكسبتها نفوذاً معنوياً كبيراً وصدقية عالية، خصوصاً باستشهاد قيادتي فهد وسلام عادل، وقد أسهمت تلك المواجهات وبطولات الشيوعيين ووطنيتهم في إعلاء شأن الحركة كقوة اجتماعية واعدة وأصيلة، لاسيّما بتمسكها بقيم الحداثة والعقلانية والعلمانية والعدالة الاجتماعية ومزاوجتها بين الأهداف الوطنية والاجتماعية، وإن حدثت بعض الاختلالات وبعض الافتراقات أحياناً الناجمة عن قراءات خاطئة وتقديرات مغلوطة، لكن خسارتها الأكبر كانت تأتي دائماً من داخلها ومن بعض طاقمها الإداري .
من أكثر الذين أساءوا للماركسية والشيوعية، هم بعض الشيوعيين من منتسبي الماركسية، فقد خدم هؤلاء حتى وإن كانوا عن حسن نيّة مصالح العدو الرأسمالي والامبريالي، من خلال تقديمهم للماركسية والشيوعية على نحو مشوّه وبعيد عن جوهرها الإنساني، ولعلّ بعضهم ألحق ضرراً تاريخياً بقضية الاشتراكية والتحوّل الاشتراكي ككل بإتباع أساليب تسلطية وتفريغ الاشتراكية من مضمونها الإنساني، ولا أظن إن أحداً سيشكّ بقيادة ستالين أو ماوتسي تونغ أو أنور خوجة أو بول بوت أو تشاوشسكو، أو حتى بقيادة منغيستو هيلا ميرام أو القيادة اليمنية في جنوب اليمن، وهذه كلّها ومعها قيادات أخرى عملت بشكل يتنافى مع أبسط المبادئ الشيوعية، ناهيكم عن القواعد الأساسية في الماركسية فضلاً عن القيم الإنسانية، وهي الأهم، لاسيّما بارتكاب الآثام والجرائم ما فاق العدو.
ولا شكّ أن هذه القيادات ظلّت جميعها تصرّ على حمل اسم الشيوعية والشرعية والحزب، بل وتتّهم أية انتقادات بالمروق والخيانة والتآمر وخدمة العدو الطبقي. إنها "ماركسية" ولكنها ضد الماركسية، هي تلك التي نطلق عليها اسم الماركسلوجيا أي استخدام التعاليم الماركسية على نحو نسقي مغلق وإفراغها من محتواها الإنساني وتحويلها إلى أوامرية زجرية بيروقراطية، بالضد من روحها الإنسانية.
هكذا اتُّهم تروتسكي بـ "يهودا الصغير" ومارتوف "بالنّمام الحقير" و"الكائن الخسيس"، واتهمت التجربة اليوغسلافية بما فيها من اجتهادات بالتحريفية القومية الضيقة الأفق، ونصبت محاكم أوروبا الشرقية الصورية لمحاكمة التحريفيين والخونة والجواسيس، وهكذا قُمعت انتفاضة دريزدن (ألمانيا الديمقراطية) العام 1953، وبعدها أطيح  بانتفاضة بولونيا، ودخلت الدبابات السوفييتية المجر للقضاء على انتفاضتها العام 1956، وأعدم أمين عام الحزب أمري ناج الذي كان يدعو إلى " هنغاريا لها خصوصية على أسس الاشتراكية الديمقراطية"، مثلما تم احتلال تشيكوسلوفاكيا للقضاء على ربيعها العام 1968، وأبعد أمين عام حزبها الشيوعي ألكسندر دوبشك، ليعاد موظفاً في إحدى التعاونيات الصغيرة، وهو الذي دعا إلى " اشتراكية ذات وجه إنساني" وإلغاء مركزية الاقتصاد الصارمة وإلى الانفتاح والتخلص من تركة الحقبة الستالينية .
المأزق الحقيقي هو اليقينيات الراسخة، التي تذهب إلى التحريم والتجريم ضد الآخر وكان لينين قد تنبّه إلى خطورة الإجراءات التي اتخذتها حكومة البلاشفة بقيادته وذلك بقوله "على أنقاض المجتمع القيصري ارتفعت دولة عمالية مشوّهة بيروقراطياً".


536
قالوا.. نظام إقليمي عربي
                   
د. عبد الحسين شعبان
لايزال موضوع الملف النووي الإيراني يثير قلق العديد من البلدان العربية، لاسيّما في ظل غياب نظام إقليمي عربي فاعل، بحيث يشكل معادلاً نوعياً للتوازن والاستقرار في المنطقة. ولكننا دائماً نقول ماذا لو، مقدّمين ما نحلم به مقابل الواقع المرير. فالنظام الإقليمي العربي يعاني عقداً مزمنة، وأمراضاً تكاد تكون مستعصية، ومفارقات عجيبة غريبة، الأمر الذي يحتاج إلى تشريحه على المستوى التعاقدي (مواثيقه واتفاقاته) وعلى مستوى الفعل والأداء، فماذا يمكن القول؟
شهد النظام الإقليمي العربي تطوّرات كبيرة ومهمة على صعيد الإقليم، خصوصاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وغيرها، في حين أن النظام الإقليمي الذي بدا واعداً في نهاية الحرب العالمية الثانية، انحدر بشكل تدريجي لدرجة فقد الكثير من تأثيراته ومقوّماته، سواء على الصعيد السياسي، حيث لم ينجح في احتواء الحروب والصراعات المسلحة والنزاعات الحدودية، أو على الصعيد العسكري حين تم تجميد معاهدة الدفاع العربي المشترك التي أبرمت العام 1950، كما فشل في تحرير فلسطين، أو في الوصول إلى حل عادل يضمن حقوق شعبها في تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وعندما تقدّمت البلدان العربية بمبادرة تم الاتفاق عليها العام 2002 في مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت، واعتمدت مقايضة «الأرض مقابل السلام» فإن «إسرائيل» أبدت عدم الاكتراث بها، بل وقامت بإهمالها لتلك المبادرة التي ظلّت عائمة، واستمرّت في عدوانها ومشاريع استيطانها ورفضها لمشروع الدولتين.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ظلّت، علاقات البلدان العربية في إطار النظام الإقليمي محدودة ومتعثّرة في الكثير من الأحيان، بل تخضع لسياسات وردود فعل وارتيابات من جانب بعضها ضد البعض الآخر، وعلى المستوى الصحي والتربوي والبيئي والعمالة والمواصلات والقوانين ومكافحة الجريمة المنظمة والفساد والاتجار في البشر وغسل الأموال وتجارة المخدّرات والهجرة، فإن ما تحقّق حتى الآن هو أقل من مستوى الطموح بكثير، في حين أن العالم تطوّر بشكل كبير في هذه الميادين، ولاسيّما على صعيد النطاق الإقليمي من خلال تعاون فعّال لمصلحة الشعوب.
جرت في عالم اليوم تحوّلات كبيرة وعميقة بفعل منظومة القيم الجديدة، أو التي تعزّزت في العقود الثلاثة الماضية، لاسيّما في ميدان احترام الحقوق والحرّيات، إضافة إلى أن العولمة كان لها دور كبير في التقارب والتواصل من خلال الثورة العالمية - التقنية وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية «الديجيتال»، بغض النظر عن وجهها السلبي، في حين ظلّ العالم العربي متباعداً، بل ومتناحراً، بما فيه، بين دول جوار يجمعها الكثير، لكنها حتى الآن لم ترتبط بخطوط مواصلات حديثة بين بعضها بعضاً، بما فيها دول ميسورة.
إن الشعور بأهمية التوازن الدولي، خصوصاً بعد هيمنة الولايات المتحدة وتحكّمها في الأمم المتحدة، دفع دولاً عدة في أمريكا اللاتينية وفي آسيا للتقارب وتقديم المصالح المشتركة، لوضع حدّ لمحاولات الهيمنة والاستتباع والانفراد بالقرار الدولي، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، فوجود قوة مثل الصين التي هي عملاق آسيوي ومارد كبير، إضافة إلى روسيا أو الهند أو البرازيل أو غيرها من البلدان الصاعدة والتي تجتمع وتأتلف مع غيرها في إطار أنظمة إقليمية، كفيل بتغيير معادلات القوة العالمية باتجاه أكثر انسجاماً وعدالة.
كل هذه التطورات الحاصلة على الصعيد الكوني، وعلى صعيد التقارب والاتصال والتعاون وأشكال من الاتحاد، لم يقابلها معادل إقليمي عربي، وعلى العكس من ذلك، فإن نكوصاً وانحساراً أصاب النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي يمكن تشخيصه من خلال مفارقات لا يمكن بحث النظام الإقليمي العربي بمعزل عنها منها:
المفارقة الأولى، هي ضعف مرجعية الدول، ولاسيّما ما بعدما يسمى «الربيع العربي»، حيث تراجعت لحساب مرجعيات أخرى، يمكننا القول إنها مرجعيات ما قبل الدولة، دينية أو طائفية أو عشائرية أو جهوية، وهذا بدوره انعكس على النظام الإقليمي العربي. وإذا كان انهيار بعض الشرعيات القديمة قد أصبح أمراً واقعاً، فإن العديد من البلدان التي حصلت فيها تغييرات لم تستطع حتى الآن إقامة شرعياتها الجديدة، ولا تزال الفوضى والاحتراب يضربان تماسك مجتمعاتها ودولها، التي لم تستقر ولم تتلمس طريق تطورها وتنميتها اللاحقة.
المفارقة الثانية، هي الأمية المتفشية في عالمنا العربي، التي لا تزال تشكل همّاً إقليمياً عربياً، حيث تبلغ أكثر من 71 مليون عربي من مجموع 300 مليون، وهذه هي الأمية الأبجدية، وليس الأمية المعرفية والثقافية والعلمية التكنولوجية، وإن معدّل القراءة لا يتجاوز نصف صفحة سنوياً، قياساً بعشرة كتب في بعض البلدان المتقدمة.
المفارقة الثالثة، هي استشراء التعصّب الديني والتطرّف المذهبي الذي قاد إلى انقسامات حادة، وأثّر في المواقف السياسية لعدد من البلدان، حيث توزعت إلى محاور إقليمية عربية وغير عربية، بحيث أضعفت التعاون، فضلاً عن الوحدة في المواقف، لاسيّما إزاء عدد من المشتركات الأساسية.
وإذا كان الدين حقيقة باهرة ولا بدّ لمن يريد إحداث تغيير في المجتمع، فضلاً عن تحقيق العدالة الاجتماعية، دراسة الظاهرة الدينية التي لا غنى عنها سواء لتأثيراتها المجتمعية أو لفهم تشابكاتها، خصوصاً وقد ارتبطت بالطائفية والإرهاب والعنف، حيث وجد التكفير والتأثيم والتجريم طريقه إلى المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة، وكان وراء الموجة التي تفشت في العالم العربي، وهكذا بدأنا نسمع عن دين سيئ وآخر جيد، وطائفة سلبية وأخرى إيجابية، وجناح ديني أو مذهبي إرهابي من هذا الفريق مقابل جناح آخر مضاد، وبالطبع فإن المسألة ليست بمعزل عن امتدادات إقليمية خارجية، لعبت دوراً في صبّ الزيت على النار وتسعيرها لكي تبقى مستمرة.
المفارقة الرابعة، هي تراجع النخب العربية التي استقال بعضها عن دوره التنويري أو انساق مع الريح الطائفية العاتية، أو من الموجة التغريبية، أو انكفأ على نفسه، خصوصاً في ظلّ شحّ الحريات وغياب مبدأ سيادة القانون وعدم احترام حقوق الإنسان وضعف دور القضاء المستقل، فضلاً عن مناهج تربوية تحرّض على التمييز والعنصرية، وتبث ثقافة استعلائية تفريقية، يلعب الإعلام دوراً أساسياً في الترويج لها، إضافة إلى ضعف المجتمع المدني، فضلاً عن بعض التداخلات الخارجية للنفاد إليه أو للتأثير في بعض أطرافه لإحداث التصدّع المطلوب.
المفارقة الخامسة، هي صعود الموجة الإرهابية العالمية وتأثيرها سلباً في العلاقة بين أطراف النظام العربي الإقليمي، حيث الترابط وثيق بين العامل الدولي والعامل الإقليمي، وفي داخل كل دولة، لاسيّما وأن الجهات المتنفّذة في المجتمع الدولي، أخذت تتحرك تحت عناوين «الحرب الوقائية» أو «الحرب الاستباقية»، وهي ليست سوى استحداثات جديدة لنظرية المجال الحيوي ومصالح الدولة القومية في ظل قواعد القانون الدولي التقليدي قبل الحرب العالمية الأولى، وتجسّد ذلك بعدد من القرارات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية العام 2001. ومن أبرزها القرار 1373 الصادر في 28 سبتمبر/أيلول 2001 الذي يعتبر من أخطر القرارات الدولية التي ترخّص استخدام القوة تحت عنوان «مكافحة الإرهاب»، وأحياناً من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما يسمى بالشرعية الدولية.
المفارقة السادسة الترابط والتأثير السلبي في النظام الإقليمي العربي، من جانب قوى الإقليم المحيط، خصوصاً بوجود «إسرائيل» وعدوانها المتكرّر على الأمة العربية، كما جرت الإشارة إليه، إضافة إلى الدور الإيراني السياسي القومي الفارسي، ذي المسحة المذهبية، إضافة إلى المشروع القومي التركي ذي المسحة التاريخية العثمانية.
وإذا لم يستطع النظام العربي الإقليمي تجاوز ذلك بإعادة نظر جديّة في أسلوب عمله ما يستجيب للتطور العالمي، فإن ما بقي من نظام إقليمي عربي قد يتفكّك ويفقد أي تأثير له، خصوصاً بازدياد شقّة التباعد والخلاف، وتحتاج المعالجة إلى البدء من المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، ومن أدنى القضايا وصولاً إلى أرقاها.
ولا يمكن بناء نظام إقليمي عربي اليوم من دون تعزيز وتقوية الدولة الوطنية، إذْ إن أي إضعاف لها سيعني إضعافاً للنظام الإقليمي. ويقوم هذا الأخير على دول ممثلة بحكوماتها، لتتفق على أهداف مشتركة ولتقيم علاقات منهجية ومؤسسية انسجاماً مع مصالحها، وهذا يحتاج إلى دور فاعل لمؤسسات المجتمع المدني، بحيث تكون قوة رقابة ورصد من جهة، وقوة اقتراح وشراكة من جهة أخرى، وليس قوة احتجاج فحسب.
drhussainshaban21@gmail.com





537
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى-ح 14
الحساسيات الموجودة بين القوى الكردية وراء الأحداث المأساوية في بشتاشان

وقد انقلب هؤلاء على نحو مفاجئ بعد مغادرة العراق ولا يريدون لأحد استذكار مواقفهم في تلك الفترة، خصوصاً عندما أرادت الجهة المتنفذة في إدارة الحزب إتباع سياسة أخرى دون دراسة كافية، وكرد فعل لسياسات البطش والإرهاب، وهكذا انتقلت حماستهم إلى الشعارات المتطرفة ذات الرنين اليساري العالي " الثورة الشعبية الظافرة؟ وانجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، وأحياناً يقولون بقيادة الطبقة العاملة، وعلى نحو كوميدي تحوّل هؤلاء إلى تأييد "مجلس الحكم الانتقالي" وحكومات ما بعد الاحتلال، بل والانخراط فيهما، حتى خرجنا من "المولد بلا حمّص" أو كما يقول اللبنانيون من " المورد بلا حمّص" ، فارتفع مجدّداً شعار العداء "للإسلام" (مغلّفاً) تحت واجهة العداء للإرهاب اعتقاداً منهم بتخفيف ضغوط العدوّ التقليدي التاريخي "الإمبريالية العالمية" والنظام الرأسمالي، مثلما يتم الاندفاع تحت شعارات المزايدة بالعلمانية (بمناسبة ودون مناسبة أحياناً) في مواجهة الإسلامية، في حين أنهم شركاء للتيار الإسلاموي الأكثر تشدّداً أحياناً.
   للأسف الشديد لم تتم مراجعة التجربة الشيوعية العراقية مراجعة نقدية معمّقة، واكتفينا بالهروب إلى أمام، وكأن المسألة لا تهمّنا، وهي تخص الخارج، ولهذا فنحن معفيون من نتائجها، بل إن هجوماً ضد كل من يدافع عن الماركسية خارج طاقم جناح الإدارة السابق والحالي، بحيث يصل إلى درجة الانتقام، الأمر الذي أصيب البعض بالمرارة والخيبة والإحساس بالخذلان، وبعضهم استسلم للواقع الجديد، وعاد إلى جادة " الصواب" واكتفى بالهمس ليس بالإمكان أحسن مما كان، ولا يمكن الإصلاح، وإلى أين نتجه؟ وغير ذلك من المبرّرات.
وظلّ الجناح الشيوعي الرسمي يحمل الاسم على نحو منقطع عن التاريخ أحياناً، فكيف يؤيد الاحتلال ويتعامل معه ويؤيد حكومات ما بعد الاحتلال، وينسجم مع الخيار الأمريكي، سواءً تجسّد باتفاقيات أو وجود عسكري، وكأنه قدر حتمي لا مفرّ منه ولا سبيل لمواجهته. هل حصل ذلك صدفة محضة وكأنها شأن قدري، أم ثمة أسباب ذاتية وموضوعية بفعل غياب طويل عن الساحة وضعف في أداء الدور التاريخي للحركة الشيوعية، وضبابية فكرية، ولاسيّما بضياع البوصلة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وممارسة سياسية فيها الكثير من الشطط، ناهيكم عن انثلامات في هوّية الحزب الوطنية واستمراء الحصول على بعض الامتيازات؟.
وتجلّى الأمر على نحو صارخ بعد الاحتلال ومحاولة التماهي مع ما سمّي " بالعراق الجديد" وقبول دستور فيه الكثير من الألغام، وعدم معارضة معاهدة أمنية مع واشنطن، أكثر إجحافاً مع الاتفاقيات السابقة التي أطلقنا عليها اسم الاتفاقيات المذلة والمشينة والاسترقاقية.
عندما نقول بعثيون وإن لم ينتموا، فالمقصود هو السلوك والتصرّف الذي يدلّ على القسوة والعسف الذي امتازت به السلطة، فالبعثيون مثلما نحن وكذلك بقية الأحزاب والجماعات، بشرٌ فيهم الصالح وفيهم الطالح وفيهم مرتكبون وفيهم ضحايا أيضاً.
1.   بشتاشان وخطط انسحابنا
ذكرتُ حول أحداث بشتاشان في كردستان (أيار/مايو) 1983 إن عامر عبدالله كان يريد أن يعرف مواقف إدارة الحزب خلال المعارك، وعندما عرف إنها آثرت الانسحاب عشية الهجوم، وتركت الرفاق يقاتلون بظهر مكشوف صعق تماماً... وهذا الوصف الذي أوردته في الكتاب، اعتبره باقر ابراهيم صورة مغايرة للواقع. وكان قد أورد في مذكراته أن القيادة الحزبية اجتمعت ليلاً، وتبيّن لنا أن الاستمرار في مقاومة العدوان، لم يعد في مقدورنا، وقررنا الانسحاب على وجبات... ويذكر بقاء كريم أحمد عضو المكتب السياسي والمسؤول الأول وسليمان يوسف بوكه (أبو عامل) (قائد الأنصار).
ولكنّني أود أن أعرض الصورة كما عرفتها وشاهدتها وعشتها أنا وعشرات الرفاق معي، وهي صورة لم تكن بهذه البساطة، بل كانت أكثر تعقيداً وتركيبية. وهي تدلّ على التخبّط وعدم الاستعداد، الأمر الذي يدلّ على الهروب إلى الأمام. وإنني إذ أذكر ذلك فإنني لا أريد الانتقاص من أحد ولا ادعاء بطولة أو مجد، لكننا نتناول المسألة من زاويتها السياسية ونتائجها وما آلت إليه، من تدهور الروح المعنوية للأنصار بشكل خاص، والحزب بشكل عام وارتفاع منسوب مشاكله وعقده من جهة، فضلاً عن النظرة السلبية له في بعض الأوساط الكردية، ولاسيّما في تلك المناطق الجبلية، التي يقيس أهلها البطولة بالنصر وليس بالهزيمة. ولعلّ خطة انسحابنا تذكّرني بخططنا في الهروب إلى الأمام إثر الهجوم البعثي ضد الحزب أواخر العام 1978-1979.
 ولأنني وعدت العديد من الرفاق، وخصوصاً الأنصار كتابة شهادتي لما حصل في بشتاشان، فإنني أرجئ ذلك لحين أن يسعفني الوقت، ولكن لا بأس من مطالعة سريعة في إطار هذه المحاورات التي يعود الفضل في تحريكها إلى عامر عبدالله، والحديث عن المثقف وفقه الأزمة.
إذا كان وجود خطة لانسحابنا من بشتاشان، فإنها حسب قناعتي هي خطة ربع الساعة الأخيرة، قبل أو خلال الإجهاز علينا وتحطيم مقراتنا ومطاردتنا في الجبال الوعرة وتبدّدنا وضياعنا في تلك العاصفة الثلجية المجنونة التي ضربتنا، والتي مات بسببها عدد من الرفاق، مثلما استشهد في المعارك العديد منهم.
لقد كنتُ مع الرفيق محمد البشيشي "أبو ظفر" الطبيب الذي استشهد لاحقاً، في المستشفى، وكان قد جاءني مساء يوم 1 أيار (مايو) مهدي عبد الكريم لإبلاغي، بأننا قرّرنا الانسحاب لبعض رفاقنا وأنت منهم دفعاً لأية احتمالات، وذلك بالتوجّه إلى مناطق آمنة، بصعودنا إلى قسم من جبل قنديل الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم، وكان في المجموعة الأولى على ما أتذكّر، عبد الرزاق الصافي، وباقر ابراهيم (وزوجته أم خولة) ومهدي عبد الكريم وعبد الوهاب طاهر وأنور طه النجار وعدد آخر من الرفاق، ولكنني اعتذرت من الذهاب معهم لسببين لاعتقادي أولاً إنني غير قادر على المسير وأنا ليس على ما يرام، وثانياً وهذا هو الأهم أبلغت الرفيق أبو العباس (أبو كسرى) بأننا إذا تركنا الإعلام (الصافي رئيس تحرير الجريدة ومهدي عبد الكريم رئيس تحرير الإذاعة، وأنا مسؤول المنظمة الحزبية والمستشار السياسي للإعلام ) فمن سيبقى من المسؤولين؟
ولذلك سأبقى مع رفاقي وليكن ما يكن، فأنا معهم سواءً بقينا أو انسحبنا، وحاول إقناعي ولكن دون جدوى، وأبلغني أن المسؤول سيكون الرفيق كريم أحمد، وهو مسؤولنا في مكتب العمل الآيديولوجي الذي كان مهدي عبد الكريم عضواً فيه أيضاً. بعد ثلاث ساعات من المسير عادت أم خولة، بقرار من الجهة المعنية تحت مبرّر ليس بإمكانها المسير في مناطق أشد وعورة، وهو ما عرفته منها صباح اليوم التالي، حيث عدت إلى موقعنا في الإعلام المركزي.
في اليوم التالي صباحاً عقدت اجتماعاً لرفاق الإعلام وكان قد التحق بالإعلام لتوّه مفيد الجزائري، ودعوناه لحضور الاجتماع  كما حضر آخرون أيضاً، وتناقشنا ماذا سنذيع؟ واتصلت بالرفيق كريم أحمد باللاسلكي وطلبني للقاء وذهبت لمقابلته في مقر المكتب العسكري المركزي (معم)، وقال لي  علينا أن لا نصعّد في خطابنا وأن نهدّئ اللعب كما يقال، وقلت له ألا يؤثر ذلك على معنويات المقاتلين؟ وكان رأيه إذا استطعنا تجنّب الصدام على الرغم من الهجوم علينا، فالأمر جيدٌ ووجدت رأيه صحيحاً.
وأبلغني بقرار المكتب السياسي: إذا تقدّم منّا جماعة أوك فأبلغ رفاق الإذاعة، ولاسيّما المهندسين بضرورة نسفها، واعترضت عليه بأن الرفاق بإمكانهم إخفاء الإذاعة الآن إذا قرّرنا ذلك وكنت قد استطلعت رأيهم سلفاً، وستكون خسارة كبيرة نسفها أو وقوعها بيد أوك. ثم سألته عمّا إذا قرّرنا الانسحاب وإخلاء المواقع؟ وهل أعددنا خطة لذلك؟ لم أسمع أية تأكيدات أو نفي  وظلّ الموضوع عائماً، إلى أن عرفنا لاحقاً بمغادرة جميع الرفاق من إدارة الحزب المركزية، باستثناء الرفيق أبو عامل.
عدتُ إلى فصيل الإعلام واجتمعت مع صارم المسؤول العسكري، وهو أحد الأبطال الحقيقيين  الذين علينا الاعتزاز بهم والاعتراف بدورهم وتكريمهم، فقد استطاع إنقاذ نحو 100 رفيق من الوقوع أسرى عند انسحابنا النهائي من المواقع المختلفة، وأبلغته بقرار م.س بنسف الإذاعة في حالة تقدّم أوك، فسألني صارم ومعه الرفيق  أبو سهيل (وهما أعضاء في اللجنة القيادية لمنظمة الاعلام المركزي) وماذا هو رأيك يا رفيق؟ قلت رأيي من رأيكم، ما تقررونه سأبلغه لإدارة الحزب واستقرّ رأينا جميعاً بعدم نسف الإذاعة وإمكانية إخفاءها خلال ساعة في أحد الكهوف التي لا يمكن الاستدلال عليها بسهولة.
اتصلت بالرفيق كريم أحمد وأبلغته قرارنا، فأكد أنكم تخالفون قرار م.س وعليكم الالتزام به، وحاولت إقناعه، ولكنه لم يقتنع، ثم تناقشنا في الأمر وتوصلنا إلى اتفاق أقنعنا أنفسنا به على مضض، بعد أن سجلنا اعتراضنا، وهو نسف الإذاعة في حالة شعورنا بأنها ستقع بيد أوك وعدم وجود إمكانية الدفاع عنها. وحفر الرفاق حفرة حول خيمة الإذاعة وسكبوا الزيت فيها ووضعوا مواداً قابلة للاحتراق.
عصر ذلك اليوم اقتربت مفرزة لأوك من كاسكان التي لا تبعد سوى ربع أو ثلث ساعة عن مقر الإعلام المركزي، وكان ثلاثة شهداء قد وصلونا قبل يومين أو ثلاثة وأتذكر منهم الرفيق "شهيد" السينمائي، وجاءت الرفيقة رفاه لتقول أن كاسكان تم احتلالها، وكان في غرفتي زهير الجزائري وكنا قد استلقينا لنحو نصف ساعة عسى أن نأخذ قيلولة بعد أن أمضينا طيلة اليومين الماضيين بلا نوم تقريباً. وأبلغته أن كاسكان تم احتلالها وعلينا التجمع لاتخاذ القرار وسماع رأي الرفاق.
اتصلت بكريم أحمد، وعلمنا أنه غادر المكان باتجاه قنديل. بعد حوالي نصف ساعة، قرّرنا اللقاء عند المستشفى وهي طريق مفتوح إلى قنديل، واجتمعنا هناك مع الرفيق يوسف سليمان بوكه (أبو عامل) مسؤول المكتب العسكري وعضو م.س. قلنا له ما هي الخطة وماذا سنفعل؟ شرح لنا بعض التفصيلات عن المواقع: اشقولكا التي سقطت ولحقتها ليوْجه وكاسكان، ولم يصلوا بعد إلى بولي، وإن هناك رفاقاً قرب القمة الصخرية كان بعضهم من الإعلام، وفي الجبال المحيطة وهم رفاق أثبتوا شجاعة نادرة، بعضهم استشهد، لكنه لم يقل أن هناك أية خطة أو ستراتيجية بعد دخولنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لكننا لم نعرف كيف نتخلّص منها.
وبعد نقاش شهده العديد من الرفاق، سواء من فصيل الإعلام أو من المكتب العسكري أو من الرفاق غير المسلحين، ومن كان موجوداً قرب المستشفى، قرّرنا جمع رفاقنا للتوجّه إلى قنديل بعد أن قالها أبو عامل وهو يكاد يبكي بأن علينا الانسحاب. كان رابط الجأش ومستقراً وهادئاً ولكنه حزين ومكتئب . قال له أحد الرفاق إذا كنتم تنوون المقاومة، فنحن هنا حتى الرمق الأخير، ولكن إذا قرّرتم الانسحاب فعلينا الإسراع!
قرّرنا عدم إبقاء أحد، حاولت أم خولة الاعتذار عن صعود الجبل معنا لأنها ذهبت واضطرّت إلى العودة وهي امرأة باسلة وصبورة، وحاول أبو انجيلا (ناصرية) البقاء لأنه مريض (مصاب بالربو الشديد) وليس بإمكانه المسير، لكنني "أجبرتهما" على الرحيل والمغادرة، وقلت لهما بالحرف الواحد، وهذا ما تكرّره أم خولة دائماً،" نموت في الطريق" أفضل من أن نقتل بطريقة الاستسلام. وهذا ما حصل حيث غادر الجميع المواقع بعد أن أبلغ الرفاق بالانسحاب. ونحن إذ نتجه بصعود قنديل فإذا بنا نشاهد في الجهة الثانية موقع الإذاعة ينفجر والنار تختلط مع العاصفة الثلجية، فيصعد لهيبها إلى السماء في لحظة غروب حزينة حيث كانت فيها السماء تنثر حبّات من الجليد الماطر، وكأنها أرادت أن تودّعنا ونحن نعتصر ألماً لمغادرة مواقعنا في ظرف عصيب وحالة انكسار. وبعد لقائنا بصارم ومجموعته شاهدنا عيونهم محمّرة من البكاء على عزيز فقدوه، وهو إذاعتهم " إذاعة صوت الشعب العراقي".
في الطريق التقينا بالرفيق عمر علي الشيخ والرفيقة أم بهار والصديق عبد الخالق زنكنة (كان من قيادة الحزب الاشتراكي الكردستاني آنذاك). وكانوا قد غادروا الموقع قبل ذلك ووصلوا إلى حوالي ربع الطريق واستقروا قليلاً، ولكننا أبلغناهم بأن بشتاشان تم احتلالها وانتقلنا سوية إلى مواصلة السير لأكثر من يوم (حوالي 30 ساعة) حتى وصلنا منطقة قريبة من مقرات حدك (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، فحملتنا سيارات كبيرة إلى قرية قريبة من "قضاء خانة" المقابلة "لقرية بانة" العراقية ويفصل بينهما جبال شاهقة، وخلال بقائنا هناك كنّا نستمع إلى المدفعية المتقابلة، فهذه تطلق وتلك ترد. وبقينا في جامع (حوالي نصف ساعة)، واكتشفنا أننا في الأراضي الإيرانية، وكنّا قد التقينا بالملازم علي (الفريق علي حالياً) وتلك قصة أخرى.
سياسياً يمكنني القول أنه لم يكن لدينا خطة حين دخلنا المعركة، فقد انجررنا إلى بعض استفزازات أوك ولم تكن لدينا خطة حين تحالفنا في ظروف معقدة، خصوصاً في ظلّ الحساسيات التاريخية والأحقاد والضغائن والمنافسة على مواقع النفوذ، ولذلك لم يكن صحيحاً التحالف مع مجموعة وإهمال أخرى، لأن الأخيرة ستحسب التحالف ضدها.
وأستطيع القول بألم أيضاً أنه لم تكن لدينا خطة حين دخلنا معركة ثأرية (ثانية) في أيلول (سبتمبر) 1983 ضد أوك، وراح ضحية تلك المعارك التي لا مبرّر لها أكثر من 60 رفيقاً وجرحى وأسرى، قتل بعضهم كما نقلت الأخبار في حينها لا يمكن لسياسة تبنى على ردّ الفعل، وكان علينا التعلّم من تجربتنا السابقة، فقد دخلنا معركة ضد حدك وحملنا السلاح ضدها العام 1974، ولم يكن المستفيد من تلك المعارك سوى الحكومة العراقية، ثم سلّمنا سلاحنا بكل ممنونية للحكومة العراقية عقب الانتهاء من تصفية الحركة المسلحة الكردية في كردستان.
أتفق مع الرفيق عزيز محمد الذي قال إن أحداث بشتاشان لم تكن قدراً لا مردّ له كي يستشهد هذا العدد الكبير من الشهداء، لكنني لم أفهم عبارته التي تلت هذه الفقرة " فما حصل هو أمر مفتعل" وإذا كانت تلك خطيئة أوك كما قال، فهذا الأمر المفتعل نالنا منه ما نالنا، ولكن كيف إذا لم يكن مفتعلاً، بل مقصوداً ومخطّطاً، وأظنّه كذلك، لأنه كان مقدمة لتحالف بين أوك والحكومة العراقية اتضحت معالمه بعد أحداث بشتاشان وأعلنت لاحقاً في العام 1984، ذلك الذي لم يجب عنه الرفيق أبو سعود، فقد أصبح صدام حسين بالنسبة لهم "حكماً" وليس خصماً، وهو أمر سياسي له علاقة باختلالات توازن القوى.
ويقول الرفيق أبو سعود " أنا لم أكن مع الأسف الشديد موجوداً في كردستان في تلك الفترة. كنت وقتها في الشام، فقال أحدهم لو كنت موجوداً لما حدثت تلك الأحداث المأسوية، ولكنني لا أريد أن أتعكّز على ذلك الرأي، ومن الممكن أن يكون هذا الرأي صحيحاً"، لكن ذلك قدرية أخرى يحاول أبو سعود إمرارها في تبرير ما حصل، فالتحالفات والاصطفافات السياسية لها اعتبارات أخرى. صحيح إن شخصاً مثل أبو سعود بوزنه السياسي وثقله الأدبي يمكن أن يؤثر ويخفف من غلواء البعض، بما عُرف عنه من وسطية وتوفيقية وقدرة على احتواء بعض الاندفاعات، ولكن ذلك لوحده ليس العامل الحاسم، بل مصالح هذه القوى والحساسيات الموجودة بين القوى الكردية هي الأساس.


538

عبد الحسين شعبان

ارتدى ملابسه وتأنّق ووضع عطره المفضل Channel blue وكأنه ذاهب إلى موعد غرامي أو لقاء حميم أو لإلقاء محاضرة أو لتوقيع كتاب أو للقيام بنزهة بريئة على البحر.  سار بثقة عالية وإنْ كان يتخلّلها أحياناً بعض قلق طبيعي، وحزن يتسلل بين حين وآخر.
وصل مستشفى CMC)  كليمنصو) وكأنه يدخل إلى فندق مثلما اعتاد طوال حياته المزدحمة بالأسفار. سجّل دخوله، مثلما هو دائماً يملأ استمارة وصوله إلى الفندق في الاستقبال. إنتظر كما ينتظر عادة باستمرار في لوبي الاستقبال، لحين أن تكون الغرفة جاهزة مع المستلزمات الضرورية. صعد إلى الطابق السادس، وكان رقم غرفته 607  ألقى نظرة على البحر من نافذتها، كان بعيداً، لكن منظره يبعث شيئاً من التفاؤل ويبدّد جزءًا من القلق.
فوجئ بأن المستشفى يطلب عدّة قناني من الدم تحضيراً لعملية الغد الجراحية 22/5/2015 . فصيلة دمه B- ويمكنها أخذ الدم من B أو O وهي غير متوفرة في المستشفى. أجرى استنفاراً وإنْ لم يخل من انزعاجات وتوتّرات استغرقت بضعة ساعات، حتى حصل على قنينتين. كاد يقرّر إلغاء العملية .
حضر الدكتور عمر حموي طبيبه المعالج ثم جاء الدكتور إيلي شماّس (وهو عضو في مجلس أصدقاء جامعة اللاّعنف) وأعقبهما الدكتور فراس بيطار من صيدا وهو جرّاح مساعد للبروفسور جبرين الخوري، الذي ستتم العملية تحت إشرافه، وهو من أشهر المختصين بهذا النوع من العمليات، حيث استكمل بحوث للدكتور المصري الشهير مجدي يعقوب في لندن. كان الرأي قد استقرّ بعد أن عجز في توفير الدم، على طلب مساعدة المستشفى بتأمين قنينتين أخريتين. مازح الدكتور البيطار بسؤاله كيف تسمح لنفسك أن تعبث بالقلوب؟ وأردف قائلاً: رفقاً بها وبساكنيها وحفظاً لأسرارها، وهو ما كتبه له في إهداء كتابه له “أغصان الكرمة- المسيحيون العرب”.
القنينتان اللتان تم تأمينهما كانت الأولى من الجامعة الأمريكية والثانية من مستشفى الرسول الأعظم، وعمل أحد معارفه  جاهداً لتأمين متبرّعين جاءوا إلى المستشفى، ولكن كانت هناك أسباب فنية حالت دون التمكّن من الاستفادة من استعدادهم للتبرّع بالدم، وعاد الثلاثة المتبرّعون من حيث أتوا. بنك الدم وكذلك مركز آخر في جونيه والصليب الأحمر لم يتمكّنوا من تأمين المستلزمات الضرورية للحصول على قناني دم. علّق ساخراً، تصوّروا كم أن الدم رخيص في عالمنا  العربي، وهو يُسال كلّ يوم بعرض جداول ووسع سواقي ليشكّل بحيرات أو أنهار، لكننا حين نريد شراء قنينتين من الدم للعلاج فلا نفلح، على الرغم من المساعي التي بذلناها واستنفارنا الكثير من معارفنا؟.
بلغت الساعة العاشرة مساءً يوم   21/5/2015 .  وقد حسم الأمر الطبيب بيطار حين أكد إن أحد طلاّبه سيحضر ويتبرّع، وإن القنينة الأخرى سdؤمّنها المستشفى. جارته اللبنانية أو هي كانت في زيارة لإحدى المريضات، جاءت إلى غرفته، وبعد أن عرفت الحالة، خاطبت الطبيب “إنني لبنانية ولكنني أكره اللبنانيين”، ما هذا الذي يجري ؟ قال مع نفسه لا يرى أي منّا إيجابيات ما عنده، فحالنا نحن العراقيين أسوأ بكثير. في الصباح اتصلت به لتسأل هل تمّ تأمين ما يكفي للعملية من قناني دم. أجابها حيدر أن المستشفى سيتكفّل بالباقي.
حلّ الصباح وكان نومه أفضل من النوم الاعتيادي، استيقظ مرحاً وبمزاج عال. ربما شَعَر إنه ذاهب إلى حفلة، قد يكون فيها شيء من التنكّر أو بعضها تنكّري، لكنها حفلة لا أحد يعلم كيف ستنتهي؟ ولكنها ستبدأ (بعد ظهر يوم  22/5/2015). الجراح البروفسور جبرين خوري وصل في الصباح الباكر من بروكسل (بلجيكا)، ونام ساعتين كما أخبره وجاء بنشاط وحيوية، أهدى له كتابه الجديد الذي أحضر نسخة له، ومازحه بالقول: أتعرف يا دكتور أنني كنت طوال حياتي ضد الدكتاتوريات بجميع أشكالها وأنواعها، ولم أرضخ لأي منها؟ لكنني الآن بيد دكتاتورية الأطباء، وأرجو أن تكون رحيمة، صحيح إنها دكتاتورية ولكنها لا تستوجب مقاومتها أو تحدّيها، بل الامتثال لأوامرها والالتزام بقراراتها طوعاً وليس قسراً هذه المرّة. ضحك الدكتور جبرين كثيراً، ومعه الدكتور بيطار الذي سيرافقه في إجراء العملية الجراحية (فتح قلبه الذي ظلّ يستقبل الأحبّة طول العمر وبلا انقطاع). خشيته كانت أن تتصدّع الذكريات أو أن تختفي، مع إن كل شيء محتمل بما فيه غيابه الأبدي، لكن الحياة تبقى جميلة، وهي أروع ما منحتنا إيّاه الطبيعة، ولذلك ينبغي الحفاظ عليها بأمانة وشرف ومحبّة ومتعة.
لا زال ينتظر لحظة الحسم، وهي لحظة طويلة بطول دهر. مضت الساعات برتابة وبطء أحياناً، من حلاقة الشعر في الصدر وفي الجسم إلى الدواء الذي أخذه في مساء أمس لتفريغ معدته، حيث أقام في الحمام طوال الليل، إلى قياس الضغط وتحليل الدم وتخطيط القلب وعمل الأشعة. حاول أن يطرد قلقه ويتحدّى المجهول، فحلق ذقنه وتعطّر، وبدأ بقراءة الصحف، كان لديهم جريدة السفير وجريدة الأخبار، قرأ لعباس بيضون في الشأن الثقافي ولنصري الصايغ وكمال خلف الطويل.
عنوان مادة بيضون ” الاعتراف” وهو يتحدث عن المبدعين، لاسيّما عن حياتهم الشخصية وليس فنّهم وإبداعهم. المهم المغامرة البشرية بكل ما فيها من رفعة وسفالة ودراماتيكية وبطولة. أما مقالة الصايغ فهي عن التكفير والتحرير، وكانت مقالة الطويل عن المقاومة والإرهاب والعروبة. وكان طوال اليومين الماضيين يتابع أخبار هجوم داعش واحتلالها تدمر، وسعيها لتدمير آثارها المتبقية والتي مضى عليها أكثر من 2000 عام، مذكّرة إيّانا بزنوبيا ملكة تدمر.
كانت محاولة اغتيال الحضارة واجتثاث التاريخ قد شغلته، تُرى لماذا ولمصلحة من؟ أهي مهمة داعشية لحساب جهات  خارجية ؟ ألا تكون الصهيونية المستفيد منها بامتياز؟ وإلاّ تحت أي منهج أو مسوّغ يتمّ تدمير متحف مدينة الموصل (أم الربيعين) والعديد من جوامعها وكنائسها وأديرتها وأماكنها المقدسة، مثلما يتم تدمير النمرود العظيم ومدينة الحضر الخالدة، ويتم القضاء على الثور المجنّح الذي تم نحره بتلك الطريقة الهمجية، مثلما يتم تشويه تاريخ فلسطين والسعي لتغيير معالم مدينة القدس العربية وتزوير الأحداث والوقائع التاريخية.
قرأ في الأخبار عن الروائي المجري لاسلوكراسنا هوركاي والذي يسمّى كافكا المجري، وتذكّر كيف قرأ كافكا في الستينيات والسبعينيات على دفعات، وكيف قرأه مرّة واحدة مؤخراً وبرؤية جديدة شملت ثلاث أجزاء لأعماله مع مقدمتين. قرأ حواراً مع الروائي المصري بهاء طاهر وقرأ مقالة لصديقه صالح علماني بعنوان ” سيرة أخرى للوركا” وتذكّر أيام الشام الحبيبة وترجماته للأدب المكتوب بالإسبانية، ولاسيّما إطلاعنا على أدب أمريكا اللاتينية.
خلال الأسبوعين الأخيرين حاول أن يُمعن في النظر بكل ما حوله لدرجة امتلاء عينيه بمشاهد الأماكن التي عرفها والصور التي اختزنها في ذهنه، والوجوه التي أحبّها، سواء خلال زيارته الأخيرة إلى لندن للاستشارة الطبيّة، أو في بيروت الثقافة والجمال والعناد، من أزقتها إلى بحرها الجميل ونسائها وخمورها. إستذكر أجمل الأيام وأكثرها عبقاً في حياته، سواء في براغ الذهبية أو في دمشق الأليفة، وقبل ذلك استعاد بغداد الحبيبة بكل جبروتها وغناها وتنوّعها، والنجف الغالية بكل إرثها وعلمها وأدبها، مثلما قفزت إلى ذهنه، أسواق الكتب والمكتبات، حيثما كان يتردّد عليها .
كان ذلك آخر ما يستذكره حتى فاق بعد يومين أو أكثر، وهو مضغوط من كل مكان ومُثقلٌ بالنباريش والأجهزة، لكنه أحسّ بشيء من الدفء، على الرغم من أن ذهنه مشتت ولا يستجمع شيء. لم تكن تلك إذاً، سوى هلوسات ما بعد الموت الذي أحسّ به ولامسه وتلاوى معه، حيث ظلّ هذا الذئب الخبيث يترصّده على مدى عقود من السنين بطريقة ماكرة ومراوغة أحياناً، وبالمجابهة والشراسة في أحيان أخرى.
شَعَر أنه أفلت من هذا الكمين الجديد، فكان أن سمع ورأى وتحاور مع ذلك الجهم العبوس الذي يجثم على الأنفاس ويقبض الأرواح، وهو يتحدّث إليه تارة بصوت عال وبضجيج وحشرجات، وأحياناً برفع سبباته بوجهه محذّراً، وتارة أخرى بصوت ناعم وخبيث وشديد اللؤم وكثير المراوغة، محاولاً إقناعه بأن لكل شيء نهاية وتلك سنّة الحياة، لكن حواره معه أشعره بأن النهاية لم يحن وقتها، ولكنها ستأتي دون شك . وكان الجواهري يردّد: يريد له (أي الموت) حجّة حتى يوكّر على رأسي.
غاب قليلاً، ثم صحا ثم غاب، ثم صحا مرّات أخرى وعلى لسانه كانت قصيدة مظفر النواب تذهب وتأتي:
روحي ..
ولا تِكْـَلها اشبيج ، وانته الماي :
مكْـَطوعه
مثل خيط السمج روحي .
حلاوة ليل محروكَه حركـَ روحي .
وعتبها اهواي ما يخلص عتب روحي .
و لا مرّيت ، ولا نِشديت ، ولا حنّيت .
وكـَالولي عليك اهواي يا ثلج اللّي ما وجيت .
فجأة وصله صوت من بعيد وعلى نحو متقطّع لم يستطع أن يميّزه أو يفهم كنهه،
“وقال لي بين النطق والصمت
برزخٌ
فيه قبر العقل
وفيه قبور الأشياء “

حين جاء الطبيب مهنّئاً للمرّة الثالثة لم يشعر بمجيئه، حيث كان في المرّة الأولى وربما الثانية في هلوسة وهذيان مستمرّين. حاول أن يستجمع حواسّه ليسأله: إنْ قرأ قصة موت معلن لغارثيا ماركيز ، أجابه نعم. أراد أن يقول له: ستقرأ قصة موت مؤجل! أو هلوسات ما بعد الموت الأول، لكنه غاب مرّة أخرى ليستفيق محاولاً استعادة تفاصيل تلك الساعات والأيام لكنه لم يتمكّن.

539
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 12
ثابت حبيب العاني يعود إلى دمشق بعد القصف الكيماوي لقوات الأنصار في كردستان

لقد حاول عامر عبدالله أن يخاطب عزيز محمد أمين عام الحزب وأن يلتقيه، لكن الأمور قد خرجت من بين أيدي الأخير، وسارت باتجاه اللاّ عودة، الأمر أدركه بعد حين وكان عليه أما القبول بما هو قائم كما فعل البعض من مجموعة المدجنين كما أطلق عليهم، تحت عناوين مختلفة، وهو أمر رفضه البعض، لاعتبارات متباينة أيضاً، علماً بأن شخصية مثل عامر عبدالله المعتّدة بنفسها لا تقبل التسليم بهزيمتها، خصوصاً وأن ظروف أواخر الثمانينيات هي غير ظروف آوائل الستينيات، ومع ذلك فإن عامر عبدالله لم يقدّم نقداً ذاتياً في ذلك الوقت، مثل رسالة زكي خيري التي عنّف فيه نفسه واتّهمها بأقسى الاتهامات تحت باب الطاعة والانضباط والقبول بقرارات الأعلى، وهو ما فعله أبو العيس أيضاً.
وقد أوردت ذلك على لسان عامر عبدالله في حواراتي معه وتعليقات حسين سلطان، الذي قال إنه كتب رسالة فيها شيء من النقد الذاتي، ولم يكن أسلوبها يرضي القيادة آنذاك، لاسيّما بعد رسالة زكي خيري وأبو العيس، فطُلب منه " تعميقها"، لكن الرسالة أهملت بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 على الرغم ممن أرسل لتفتيش غرفته بحثاً عنها، وهو الأمر أغاظ البعض وأوغر الصدور إزاء عامر عبدالله، والكاتب معه، علماً بأن الكاتب كان شديد الحرص على تجنّب الإشارة بالاسم الصريح، حتى وإن كان ناقل الكفر ليس بكافر كما يقال، لأن قضية من هذا النوع ليست رأياً.
وبالطبع لم يستمر عامر عبدالله في رؤيته تلك وتغيّرت الأمور بعد انتقاله إلى لندن، ولاسيّما بعد انحلال الكتلة الاشتراكية، الأمر الذي ولّد لديه تقديرات وآراء جديدة بعضها مغاير لمنطلقاته، وهي محطّ جدال، وقد يكون في رؤيته اللاحقة، أقرب إلى رؤية إدارة الحزب بشأن العراق ومستقبله، وتلك مسألة توقف عندها الباحث، مثلما حاول باقر ابراهيم التركيز عليها. هذا هو ما حصل وهذا كان رأي عامر عبدالله المدوّن والمنشور في الكتاب وفي مذكرات عديدة.
وللأسف فإن بعض الانفعالات كانت هي الطاغية بدلاً من مناقشة مسائل تتعلق بجوهر الصراع وإشكالياته وهي انعكاس لفقه الأزمة ومتفرّعاتها، لاسيّما القضايا ذات الطبيعة النظرية حيث اتجه الحديث إلى الإنكار والاتهام والهروب إلى الأمام، أما القضايا المختلف عليها والبحث عن الحقيقة، فقد ظلّتا بعيدتين عن دائرة النقاش وهي: 
•   الموقف من الحروب العدوانية وبالتحديد الحرب الأمريكية على العراق والتعامل مع الاحتلال لاحقاً.
•   الموقف من المقاومة وهل كل مقاومة "إرهاب"، وما هو الموقف من المقاومة السلمية؟ ولماذا لم تلجأ إدارة الحزب إلى طرح مشروع خيار المقاومة السلمية المدنية للاحتلال بدلاً من التعاطي معه؟
•   هل إن هدف النضال هو التماهي مع الحكم للحصول على تمثيل شكلي واستمراء التبعية لكي نقول أننا نتقدّم وأننا غير معزولين؟
•   لماذا ضَمُرَ اليسار وخفت صوته وتشتّت؟
•   هل أن الممارسة المتدنّية لما سمّي بالتحالفات مع فلان وفلان بامتداداتهم وارتباطاتهم المعروفة في السابق والحاضر، أي منذ الاحتلال ولحدّ الآن، هي  أمرٌ مفروض أم اختيار، بما فيه تقديم أوراق الاعتماد للاحتلال؟
•   أين ما يسمّى بالتيار اليساري؟ ولماذا نحجم عن استخداماته أم أن اسم "اليسار" أصبح ملتبساً؟
وإذا أردنا الدخول بالمسائل العملية:
•   فمن المسؤول عمّا لحق بـ ثابت حبيب العاني من إساءة وتعامل لا إنساني؟
•   ثم ألم يحن الوقت لإعادة النظر في المؤتمر الرابع ونتائجه وممارساته، خصوصاً بفصل العشرات والمئات من الرفاق في اليمن وسوريا والعديد من البلدان الاشتراكية، فضلاً عن إجراءات القمع وممارسة سياسة التجنيد الإجباري على الرفاق وإكراههم على الالتحاق بقوات الأنصار، وغيرها من الجوانب الإدراية والبيروقراطية والنزعات التفريطية؟ والأمر لا علاقة لهم بتخطئة زيد أو عمرو أو هذا الاتجاه أو ذاك بقدر ما له علاقة بالموقف من أخطائنا.
•   وكيف السبيل لاستعادة هوّية الحزب الوطنية والاجتماعية؟
•   ثم ما  هي وسائل إعادة التأهيل لتقوية الأساسات؟
علينا الاعتراف بأن الحزب مأزوم ومهزوم، إذْ لا ينبغي الفصل بين أزمة الحزب وأزمة البلاد، وهزيمة الحزب وهزيمة الوطن.
كما علينا الاعتراف أن الأزمة ومتفرعاتها ليست بالأشخاص، فقد استبدلناهم أو استبدلنا بعضهم وظلّت هيمنة مباشرة وغير مباشرة من البعض الآخر .
المطلوب معالجات في المنهج والسياسات والسلوك، والتخلي عن أسلوب التماشي أو المسايرة مع ما هو قائم في السلطة والمعارضة سابقاً، بما فيها الاحتلال وذيوله.
ثم كيف يمكن السكوت عن حوادث قتل وتعذيب تمت في مواقع الأنصار؟ ولا يزال بعضهم يطالب بالاعتذار على أقل تقدير وفي مقدمتهم الرفيق أحمد الناصري (أمين)، ناهيكم عن مساءلة المسؤولين والمتواطئين.
ولماذا تسكت إدارة الحزب السابقة عن ذلك وما مصلحة إدارة الحزب الحالية عن إخفاء ما حصل ؟ والغرض ليس نشر غسيلنا كما يقال، بل ردّ الاعتبار لقيم العدالة والحق والإنسانية والجمال، الأساس الذي قامت عليه الماركسية، وذلك عبر مصارحة هادئة ومصالحة تاريخية مع الذات أولاً ومع الشيوعي المختلف ثانياً، ومع الوسط اليساري بشكل عام ثالثاً، وهي الدوائر التي ينبغي التحرّك عليها أولاً!.
وبدلاً من دراسة أسباب فشلنا في انتخابات العام 2014، بعد تقديرات وردية وتهاني بفوز عدد من الرفاق، وإذا بنا نحصد الخيبة، ولكن البعض يتمادى في المكابرة حين يعتبر صدور كتاب عن عامر عبدالله استفزازاً له، وإساءة ربّما مشبوهة، ولها دوافع خفية، وهي من الاحتياطي النائم من النظام السابق قبل أربعة عقود من الزمان (فيا للعبقرية ووهج الضمير؟!) وكان الأوْلى أن نراجع حساباتنا، ففي انتخابات المحافظات حصلنا على " صفر"، ومع ذلك ظلّ الأمين العام يتشبث بموقعه، وكم كان لائقاً وجديراً تقديم استقالته وإفساح المجال أمام رفاق آخرين، خصوصاً وقد مضى على وجوده في موقعه أكثر من عقدين من الزمان، وطالما نحن نكثر من حديثنا المستمر عن التغيير والتناوب وتبادل المسؤوليات؟
أفلا تكون هذه مناسبة للتذكير والتفكّر والمراجعة؟!، فقد كان فشل الزعيم الاسكتلندي أليكس سالموند 18 أيلول (سبتمبر ) 2014 في إحراز النجاح في الاستفتاء على انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، سبباً منطقياً وعقلانياً في استقالته من قيادة الحزب ومن رئاسة الوزارة، دون أن يعني الإساءة إليه، وكل إنسان يخطأ ويصيب وينجح ويفشل، فقد فشل نوري المالكي في الحكم طيلة السنوات الثماني المنصرمة 2006-2014، لكنه ظل متشبثاً بموقعه بزعم الأصوات التي حصل عليها، وهي التي تمنحه الشرعية الدستورية، ناسياً أن شرعية الانجاز، أي النجاح في عمله ومهماته، التي تتقدم أحياناً على الشرعيات الأخرى، فما بالك حين ننتقل من إخفاق إلى آخر؟.
وعلينا ألاّ نبكي على الأطلال أو نتشبّث بنجاحاتنا قبل الثورة في العام 1958. الأمر يحتاج إلى دراسة منزّهة من الغرض، فالخارجون على الحزب أكثر ممن هم في داخله بعشرات المرات ، بغضّ النظر عن الأسباب، وينبغي الكف عن لغة التخوين والامتناع عن نهج الإقصاء والتخلّي عن تقديس المسؤول، ولا يكفي اليوم أن يكون في برنامجنا الاحتفالات بالمناسبات المختلفة، بقدر ما التوجّه إلى الناس ومصارحتهم وتعبئتهم. فالأزمة شاملة ومركّبة وعميقة، وهي جزء من أزمة المجتمع ككل.
ولعلّ هناك من يعتقد أن خسارتنا في الانتخابات يمكن تغطيتها بشن هجوم على عامر عبدالله وصاحب الكتاب، وكأن الأخير مسؤول عن كل هذه الخسائر دون أن ينتبه أحد إلى أن المؤلف ذاته يشعر بالحرج أيضاً إزاء هذه الخسارة، وأن ما يصيب رفاقه القدامى يضغط عليه بغض النظر عن الاختلاف، لاسيّما ما يتعلق بالبوصلة الوطنية والأخلاقية والجمالية، فانحسار دورنا هو نتيجة قاسية لممارستنا السلبية، وهو أيضاً انعكاس لسياستنا الخاطئة، وفي كل الأحوال فإن هذا الأمر طبيعي في أوضاع الاحتلال والشحن الطائفي والمذهبي والإثني.

1.   قضية ثابت حبيب العاني
وصف محضر اجتماع حزبي قيادي الرفيق ثابت العاني " بالعبودية الفكرية" للرفيق عامر عبدالله، وإذا استبعدنا الجانب السلبي لهذا الوصف، ناهيكم عن انطباقه أو عدم انطباقه،  فإن عمق العلاقة بين الرفيقين واقتراب آرائهما قد يكون وراء هذا التقدير، خصوصاً خلال احتدام الصراع داخل المكتب السياسي بشكل خاص إبان فترة حكم عبد الكريم قاسم، حين تكتّل مجموعة الأربعة، التي ضمّت كل من عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس، وكانوا أقرب إلى سياسة قاسم، في حين كان سلام عادل وجمال الحيدري والكتلة الأكبر في المكتب السياسي واللجنة المركزية، أميل إلى التشدّد إزاء استدارة قاسم بالبلاد نحو الحكم الفردي.
وقد تردّد في الأدب السياسي في وقت لاحق اصطلاح " عصابة الأربعة"، لاسيّما خلال تنحية عصابة الأربعة الصينية التي ضمّت  جيانج كينج وهي زوجة ماو تسي تونغ الأخيرة وكانت عضواً قيادياً في الحزب، والمقربين لها تشانغ تشون تشياو وياو ون يوان ووانغ هونغ ون. وسيطرت عصابة الأربعة بشكل فعال على أجهزة السلطة في الحزب الشيوعي الصيني خلال المراحل الأخيرة من الثورة الثقافية، التي استمرت لنحو عشر سنوات 1965-1975.
ولعلّ بعض هذه العلاقات بين الرفاق أمرٌ طبيعي بحكم النشأة والمدينة والعمل المشترك والمعايشة الطويلة وغيرها من عوامل التأثير الشخصية والفكرية، ومثلما هي علاقة ثابت العاني بعامر عبدالله، فقد كانت علاقة حسين سلطان وجاسم الحلوائي وعدنان عباس بباقر ابراهيم وليس ثمة في الأمر إساءة، لاسيّما إذا استبعدنا الجانب السلبي. وقد تحمّل العاني العقوبة المخفّضة خلال تنحية عامر عبدالله من مواقعه في العام 1962 وأرسل هو الآخر  للدراسة الحزبية في موسكو.
أسوق هذه المعطيات لأؤكد العلاقة الوطيدة بين عامر عبدالله وثابت العاني . وكان عامر عبدالله قد وصلته معلومة في العام 1977 عن صلة ثابت العاني بالأجهزة العراقية خلال اعتقاله في العام 1971 وصموده البطولي، وإنه يكتب تقارير دورية فيما يخص الطلبة والعلاقات والتنظيم العسكري، وتردّد عامر عبدالله في نقل المعلومة إلى الرفيق عزيز محمد أمين عام الحزب آنذاك، وقد تشاور مع أحد الرفاق واتفقا على نقل المعلومة دون أن يعني تبنيّها.
وعندما حاول عامر عبدالله إبلاغ عزيز محمد " بالخبرية" اعتذر الأخير حتى عن الاستماع إليها، رافضاً أية إشارة تمسّ العاني أو تخدش من سمعته الثورية والأخلاقية، ونسي الأمر وكأن شيئاً لم يكن، لكن الموضوع أثير لاحقاً في بيروت بعد انتقال الحزب إلى المعارضة في أجواء صراع محمومة وعداوات وأحقاد وانتقام، فقاد أحد أعضاء ل.م. الاحتياط، الحملة ضد العاني، وتأثّر بها بعض الطامحين للوصول إلى مواقع في القيادة، فأطيح به من عضوية المكتب السياسي في اجتماع موسكو العام 1981، ثم أطيح به من عضوية اللجنة المركزية لاحقاً في العام 1982، وعُزل ولم تتم مفاتحته بالتهمة المزعومة والمنسوبة إليه إلاّ في العام 1984، فرفضها جملة وتفصيلاً، بل وسخر من تفاصيلها، وخلال عزله حظي العاني باحترام الرفاق الأنصار، وكان موقفه شجاعاً ومشرّفاً خلال أحداث بشتاشان العام 1983، وعلى الرغم من عزله من مواقعه الحزبية، فقد اختير بعد تلك الأحداث الغادرة مسؤولاً إدارياً عن تنظيمات قوات الأنصار الشيوعية.
وخلال التحضير للمؤتمر الرابع وما بعده ترشّحت معلومات عن أن حياته قد تكون في خطر، وخاطب عامر عبدالله المكتب السياسي، وأرسل عدّة رسائل إلى عزيز محمد، نافياً ما تردّد من اتهامات ضده، وإنه تحقق بطريقته الخاصة عن بطلان تلك المزاعم، ناهيكم عن عدم صدقية من نقلها. وقد أطلعني عامر عبدالله منذ مطلع العام 1982 على جهوده تلك وبعض مخاطباته مع الرفيق أبو سعود (الأمين العام السابق).
كما خاطب عامر عبدالله، ثابت العاني لأكثر من مرة بالعودة إلى سوريا وترك مواقع الأنصار، لأنه يعاني من مرض القلب، وسبق أن تعرّض إلى نوبة قلبية في العام 1973، حيث قام الرئيس أحمد حسن البكر بزيارته في المستشفى ببغداد وخلال وجوده في كردستان لحضور اجتماع اللجنة المركزية، حاول عامر عبدالله إقناع ثابت العاني " أبو حسان" بالعودة إلى سوريا، وكان العاني قد تلمّس نوعاً من التبدّل في العلاقة معه من جانب بعض أقطاب القيادة، وشعر بأن أمراً ما مبيّت له وقد رفض العاني بشدّة، كما أخبرني عامر عبدالله في موقع ناوزنك (أيلول/سبتمبر/1982). وثانياً لأن الظروف في كردستان بالغة القسوة بالنسبة للشباب، فما بالك بأوضاع أبو حسان. وثالثاً إن المكان المناسب لإجلاء صورة العاني الشيوعية الحقيقية، ليس بقائه " أسيراً" في كردستان، بل مجيئه واتصاله مع الاحزاب الشيوعية وظهوره العلني وغير ذلك، وهو ما فكّر به عامر عبدالله لاحقاً، وحاول إرسال رسالة بواسطة عادل مراد، لكن الرسالة لم تصل وتلك مسألة ورد ذكرها في الكتاب.
لكن ثابت العاني، رفض ذلك، وقد أوردت في كتابي عن عامر عبدالله تفاصيل أخرى بخصوص الموضوع، واضطرّ العاني بعد سنوات وبعد أن تعرّض للإصابة بتأثيرات القصف الكيمياوي من جانب الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار أن يعود إلى سوريا، حين انسحب مجموعة كبيرة من الرفاق قبيل وبُعيد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، العام 1988، ومن هناك ذهب إلى هنغاريا (بودابست) للاستقرار وزار براغ أيضاً، والتقى منذر المطلك السفير العراقي حينها، خلال محاولة حصوله على جواز سفر عراقي جديد، ودار حديث ذو شجون بينهما، كما نقل لي هو ذلك، وكذلك المطلك لاحقاً.وبالمناسبة فقد ذكر العاني، منذر المطلك عدّة مرّات في مذكراته التي صدرت بعد وفاته العام 1998 عن دار الروّاد في بغداد العام 2014.


540
المنبر الحر / عن القوة الناعمة
« في: 12:26 12/06/2015  »
عن القوة الناعمة
           
عبد الحسين شعبان
إذا كان تأثير القوة الناعمة في الماضي محدوداً، فقد أصبحت فاعلة ومؤثرة على نحو كبير في عالم اليوم، في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية «الديجيتل»، بل إن الحروب تبدأ وتنتهي أحياناً بالقوة الناعمة، أي باستخدام وسائل غير عنفية أو غير عسكرية لتحقيق الهدف، وخصوصاً التأثير في سلوك الخصم ليتم تقويضه من الداخل، وهذا يعني حسم المعركة بخصائص قد تفوق أحياناً استخدام القوة الصلبة. وقد كان للقوة الناعمة دور بارز في فترة الحرب الباردة بين الغرب والشرق، وخصوصاً في ظل توازن الرعب بين المعسكرين، لاسيما بوجود السلاح النووي.
لقد أسهمت القوة الناعمة بفاعلية وبراعة لإحداث تغييرات داخل المنظومة الاشتراكية، التي كانت تبدو منيعة ومحصّنة من الخارج على حد تعبير جون بول سارتر، ولكنها هشة وخاوية من الداخل، وذلك من خلال استخدام وسائل الحرب النفسية المتنوعة التي شملت بشكل خاص الدعاية والإعلام والإنتاج السينمائي والتسلّل الآيديولوجي والهيمنة الثقافية واختراق العدو والحصار الاقتصادي والتأثير النفسي، وغير ذلك من وسائل القوة الناعمة. وباختصار فإن القوة الناعمة تدخل كل مورد لا يُحتسب على القدرات العسكرية أو ضمن القوة الصلبة، حيث تشمل المؤثرات الثقافية والإعلامية والاقتصادية، إضافة إلى العلاقات العامة، التي غالباً ما تستخدم كجسر لإمرار سياسات أو مناهج.
الحرب الصلبة أو الخشنة كما تسمّى ، والمقصود استخدام القدرات العسكرية هي حرب واضحة وصريحة ومعلنة وتستخدم فيها الجيوش والقوات المسلحة، مقابل جيوش وقوات مسلحة للعدو، في مجابهة مباشرة، أو عبر مباغتات واحتلالات وخرق للحدود واحتلال أراض وغير ذلك، لفرض الشروط عليه، ويترافق معها، شحذ الهمم وتصويب الخطر نحو الخارج، ومحاولة حشد قوى الشعب للالتحاق بالجيش والنظام دفاعاً عن الوطن. وقد سبق لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق وليم غلادستون أن قال قبل أكثر من قرن وربع القرن من الزمان: إن الحرب تجعل الشعب يسير خلف حكومته لنحو 18 شهراً على الأقل.
أما في الحرب الناعمة فإن العدو يتخفّى بصورة ناعمة مراوغة وتبدو أحياناً بريئة، بهدف تعميم قيمه والتأثير على العدو بتشويه صورته وإضعاف معنوياته عبر دعاية سوداء أحياناً، وإعلام مضلل، هدفه كسر شوكته ومقاومته، وبالتالي إجباره على التقهقر والتسليم. ومن منّا لا يتذكّر صورة الجندي العراقي الذي ينحني على حذاء الجندي الأمريكي ليقبّله بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991.
الصورة بحد ذاتها خبر وقد تُغني عن مئات المقالات والتحليلات، لأنها تترك انطباعاً لدى المشاهد سلباً أو إيجاباً، فمثلاً تركت صورة الصبي محمد الدرّة انطباعاً إيجابياً لدى الرأي العام العالمي في التعاطف مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني، مثلما تركت انطباعاً سلبياً عن انتهاكات «إسرائيل» وممارساتها الوحشية. وصورة عمليات الذبح التي قام بها تنظيم «داعش» الإرهابي أحدثت تأثيراً مرعباً لدى أوساط غير قليلة أثّرت في بداية الأمر على مواجهته، لكنها في الوقت نفسه أفصحت عن حقيقته المتوحشة والإجرامية، الأمر الذي أسهم في انفضاض فئات وجماعات غير قليلة عنه، عبّأت الرأي العام العراقي والعربي والإقليمي والدولي ضده، وهو ما أدّى إلى قيام تحالف دولي ضم 60 دولة، خصوصاً بعد صدور العديد من قرارات مجلس الأمن.
وفي حرب قوات التحالف ضد العراق بعد فرض حصار دولي عليه لمدة قاربت على 13 عاماً، كان لقناة الجزيرة القدح المعلاّ في تصوير مشاهد الحرب النفسية، بعد معارك محدودة في الفاو جنوب العراق ومناطق أخرى، حتى شاهدنا الدبابتين الأمريكيتين اللتين اخترقتا بغداد وعبرتا الجسر ذهاباً وإياباً، وكان ذلك إيذاناً بسقوط بغداد واجتياح قوات التحالف العاصمة بعد معركة المطار الشهيرة.
الإعلام كجزء من القوة الناعمة وبوصفه المجال الحيوي لسيطرة السرديات التي يصنعها الغرب، الذي لديه القدرة على «استعمار الوعي» حسب إدوارد سعيد، فالصورة والشاشة والفيلم والخبر والكلمة والإنترنت وجهاز الموبايل، أصبحت بإمكانها القدرة في السيطرة على الوعي، وقد سعت القوى المتنفّذة في العالم من خلال سردياتها المهيمنة التأثير على العالم، سرديات القوة الناعمة من دون الحاجة إلى أسلحة تقليدية، فهذه السرديات لو أُحسن استخدامها ستكون سلاحاً فعالاً من أسلحة التدمير الشاملة ضد العدو، وهدفها ينصب على كسب العقول، وإفراغ الإنسان في مجتمعات العدو من قيمه وروحانياته، وإدماجه في قيم القوى المتسيّدة، لكي تتحقق غاية الهيمنة على الخصم أو العدو، ومثل هذه القدرة في التأثير، إذا ما استحكمت فإنها تستوطن في العقول، وهو ما يسميه مالك بن نبي «القابلية على الاستعمار»، وكان ابن خلدون هو من قال بنقل قيم الغالب إلى المغلوب، الذي يتبنّاها بحيث تصبح قيمه.
وتُستخدم القوى المتسيّدة والمقصود بذلك القوى الصناعية الكبرى، التكنولوجيا المتطورة في الصناعة الإعلامية التي تعتمد على سعة المعرفة في صناعة الخبر بمستوياته المقبولة من خلال تقديم حقائق هي أقرب إلى الكذب، لكنها مصاغة بشكل يجعلها أقرب إلى الحقائق، وتتم عملية حقن بعض الأكاذيب، بأجزاء من الحقيقة، لكي لا تبدو الأكاذيب فاقعة أو زائفة كلياً، وبشكل ذكي تماماً يتم اجتزاء الحقيقة وتمرير الأفكار والآراء للتأثير على الآخر.
قد يكون هدف القوة الناعمة والحرب النفسية أوضاع الحاضر، مثلما هدفها المستقبل، لكن بعض خصوصياتها تشمل الماضي أيضاً والتراث، وقد استخدمت «إسرائيل» أساليب ملتوية لتشوية تاريخ فلسطين، بزعم الوجود اليهودي فيها قبل العرب، في محاولة تزييف للتراث والممتلكات الثقافية والحضارية، مثلما تستخدم اليوم الشائعة للتأثير على الآخر، سواء كان عدوًا أو حتى صديقاً أو مناصراً، وتعتبر وسائل القوة الناعمة، جزءاً من الحرب الوقائية للدفاع أو الحرب الاستباقية بالهجوم، ولكن بوسائل غامضة وملتبسة، مثلما تستخدم «داعش» اليوم وسائل القوة الناعمة مرادفة للإرهاب الوحشي المنفلت من عقاله، بل إنها تتغذّى على ترويع الناس من خلال عمليات الذبح التي قامت بها والصورة البصرية التي نقلها التلفزيون في خطاب أبو بكر البغدادي في الجامع الكبير في الموصل بعد احتلالها في 10 يونيو/حزيران عام 2014، ثم الجريمة المروّعة والمعروفة باسم «مذبحة سبايكر» في كلية القوة الجوية في تكريت، إضافة إلى محاولة اغتيال الحضارة واجتثاث التاريخ بهدم متحف الموصل وتدمير النمرود العظيم وتجريف مدينة الحضر.
حاولت تحليل خطاب وزير إعلام «داعش» المدعو أحمد أبو سمرة والمسؤول في التنظيم أبو مسيّرة العراقي عن الحرب ضد العدو قوله: «إنها حرب ضد العالم الكافر، غرباً من أمريكا وشرقاً حتى اليابان، وما بينهما من طغاة، نحن قادمون، إنّا نحب الموت، ربيعكم كذبة... ستصلكم رسائلنا أينما كنتم، نملك ما لم يملكه غيرنا... مكافأتك حين تنضم إلينا هي الشهادة». بهذا المعنى يمكن استكمال الإرهاب بالعمل الإعلامي وبوسائل القوة الناعمة، وقد يكون الإعلامي شريك الإرهابي، وكلاهما يسعى وراء الآخر، فهذا هو المجال الحيوي لاستخدام القوة الناعمة، وأحياناً يقوم الإعلامي غير المهني بنشر ما يفيد الإرهابي على نحو ساذج، خصوصاً إذا كان يريد السبق والتميّز في نشر الخبر.
ولتحقيق معادلات القوة الناعمة نشطت واشنطن خلال أزمة خليج الخنازير 1961 مع الاتحاد السوفييتي بخصوص كوبا وما بعدها، باستخدام وسائل قديمة ومستحدثة لحشد أوسع قدر من وسائل الحرب النفسية والدعاية السوداء والتأثير الآيديولوجي، لتسير على نحو متوازي مع الاستعدادات الحربية والقوة الصلبة أو الخشنة، وذلك من خلال ما سمّي ب «تروست الأدمغة» (مجمّع العقول) الذي كان له دور متميّز منذ عهد الرئيس كينيدي، حيث استقطب العقول والكفاءات من المتفوقين الأكاديميين ليعملوا بمعيّة صاحب القرار، وقد عمل في هذا «الجهاز» المختص بالصراع الآيديولوجي كل من كيسنجر وبريجنسكي ومادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وغيرها.
وكان غراهام فولر من «مؤسسة راند»الأمريكية قد كتب بعد تحرير الكويت وتدمير العراق (العام 1991) تقريراً بعنوان: هل سيبقى العراق موحّداً العام 2002؟ وعاد في عام 2002 وكتب «العام الأخير لصدام حسين» ولم تكن تلك الأطروحات والتصوّرات نبوءات للدبلوماسي ورئيس قسم الأبحاث في الCIA سابقاً، بل هي جزء من حشد القوة الناعمة وأساليب الحرب النفسية، إضافة إلى الحصار ضد العراق والاستعدادات العسكرية.
لقد سيطرت على العالم وإعلامه أربع وكالات أنباء منذ الحرب الباردة خصوصاً بعد صيحة ونستون تشرشل عام 1947 بشأن «الخطر الشيوعي»، وهذه الوكالات التي هيمنت على أكثر من 80% من صناعة الرأي العام، وكان لها الدور المهم في الترويج لوسائل القوة الناعمة للتأثير على الخصم، وصياغة الخبر والصورة والمعلومة للتأثير على وعي العالم.
الحرب الناعمة تشترك مع الحرب النفسية في الوصول إلى الأهداف ذاتها، لكنهما يختلفان باختلاف التكتيكات، فبدلاً من استعراض القوة العسكرية وبثّ الرعب عبر وسائل الإعلام والتهديد بامتلاك قدرات غير معروفة وتطوير أسلحة خاصة، وهي من وسائل الحرب النفسية، فإن القوة الناعمة تستهدف جذب الأنصار، والتأثير على عقولهم وتقديم نماذج ثقافية وسياسية لبث اليأس من واقعهم، وزرع الأمل حتى وإن كان واهماً عن «العالم الحر» وقيمه ورفاهه في بلد الحريات والعسل والحليب، كما يطلق على أمريكا، وهكذا يمكن للقوة الناعمة أن تدخل البيوت وغرف النوم عبر شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخليوية وفي ظل العولمة الإعلامية والثقافية والمعلوماتية المفتوحة.
drshaban21@hotmail.com


541
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 10
    إنجلز ينهر محرر صحيفة الحزب: متى علمناكم أن السياسة أهم من الفكر؟

وليس الهدف من ذلك تنزيه التاريخ أو تبييض كل ما قمنا به، فالتاريخ أصبح ماضياً، أو لنقل إن الماضي أصبح تاريخاً وعلينا قراءته والاستفادة من دروسه، بقدر ما لهذه القراءة من مراجعة ونقد، ضمن اجتهادات، قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة، ولكنها على أية حال هي جزء من النقد الذاتي، وتاريخنا لا يمتلك أحد حق التصرف به، فهو ليس سجلاً عقارياً باسم أحد يحق له التصرف فيه مهما كانت منزلته.
أنه تاريخ مفتوح للشيوعيين ولغيرهم، ونحن نقرأ بعضه، وبعضه عشناه أو سمعناه أو تابعناه، وكل ذلك يخضع للاجتهاد، ومن حق أي إنسان أن يبدي رأياً فيه، لاسيّما إذا كان قد استند إلى بعض المصادر وبذل جهداً، وهدفه لا يتعلق بـ: تشويه التاريخ وكأنه ركام من الأخطاء والخطايا، أو إظهاره ناصعاً لا شائبة فيه، "فالحقيقة معنا دائماً"، مثلما يريد البعض حيث يتم الحديث على نحو عاطفي عن تاريخنا، لكن تلك ليست الحقيقة التي نبحث عنها بالطبع.
وبالنسبة لي كنتُ قد توصّلت منذ حين إلى مراجعات جزءها الأكبر، النظر إلى تاريخنا بما فيه من إشراق وعناصر قوة وهو ما أحاول إظهاره دائماً ، أما الجزء الآخر، فهناك ضلال من العتمة والنقاط السوداء شابته، وعلينا الاعتراف بأخطائنا الفكرية والسياسية، وأخطاء القيادات والإدارات الحزبية، دون أية إساءة لأحد، ولم يعد بالإمكان إنكارها أو تغطيتها، فسلاح العاجز هو الإنكار، مثلما سلاح الفاشل هو الاتهام، خصوصاً لمن يرفع عقيرته بالنقد، وذلك ليس سوى أسلوب بالي ومستهلك وتردّ سهامه دائماً إلى أصحابه.
إن فكرة ماركس عن الحزب، هي غيرها فكرة لينين وستالين ولاحقاً الأحزاب الشيوعية، حيث تحوّل مفهوم الحزب إلى الرأي الواحد. يقول إنجلز: طلب مني كارل ليبكخنت (قائد الحزب الألماني) (وهو تلميذه) برسالة رقيقة كتابة مقالة لصحيفة الحزب، وهو ما فعلته على الفور، لكنني فوجئت بالمقالة منشورة وقد تم تقطيعها إرباً إرباً، وحين سألت في رسالة عتاب( الاستاذ يسأل التلميذ) عن السبب الذي دعا محرّر الصحيفة إلى التلاعب بأفكارها ردّ هذا مفتخراً " لقد حذفنا منها كل ما يتعارض مع خط الحزب" فما كان من إنجلز إلاّ أن  قال : ومتى علّمناكم ماركس وأنا: أن السياسة أهم من الفكر.
استعدتُ هذه الحادثة وأنا أستذكر، كيف طلب هادي هاشم الأعظمي عضو المكتب السياسي من حسقيل قوجمان المفكر الماركسي (اليهودي الأصل) وهو نزيل السجن لعشر سنوات أن يغيّر دينه إلى الإسلام، لكي يتم إطلاق سراحه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وحين وافق يعقوب مصري (عادل) وعمّومة مصري (عميدة) ومادلين وسعدية مشعل (سعاد خيري) وآخرين من أتباع الديانة اليهودية على هذه المقايضة طالما يريدها الحزب، صرخ قوجمان بوجه الأعظمي: أنا الذي كنت أدرّسكم الديالكتيك في السجن، وأنت تأتي إليّ لتطلب مني تغيير ديني، بل تزجّني في قضية لست مؤمناً بها ولا ناقة لي فيها ولا جمل.
وبالطبع تحمّل قوجمان عذابات لسنوات تالية فاقت سنوات السجن العشرة، حين عُزل وقوطع اجتماعياً و"حُرم" من العمل، حتى انتهى به الأمر سجيناً في سجن العمارة، وبعد إطلاق سراحه فرّ إلى "إسرائيل" حيث لم يعد يجد مكاناً أمامه للعيش، وعند وصوله إليها، أخذ جواز السفر واتّجه إلى لندن مشدّداً على عنصرية الدولة الصهيونية، ولم يترك مناسبة طيلة نصف قرن ونيّف ولحدّ الآن، إلاّ وعبّر عن عراقية صميمية، وتأييد لحقوق عرب فلسطين، وخصوصاً حق تقرير المصير، وشيوعية صافية، حتى وإن اختلفنا مع أطروحاتها، وهو ذا الاختلاف بين الفكر والسياسة.
وهناك روايات أخرى أوردت قسماً منها في كتابي "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"، وفي محاضرة في أكسفورد "لمشروع دراسات الديمقراطية" عن " الديمقراطية داخل الأحزاب في البلاد العربية" في العام 2003، (نشرت بكتاب بالعنوان ذاته) وأصدره مركز دراسات الوحدة العربية، وكذلك في حواراتي مع الإعلامي والكاتب يوسف محسن حول: هل كان فهد "مشروعاً تنويرياً" لماركسية عراقية؟، وفي حواراتي مع الإعلامي والكاتب توفيق التميمي في كتاب بعنوان " المثقف في وعيه الشقي- حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان" العام 2014، وهناك أمثلة كثيرة على التعامل السلبي مع المثقفين، خصوصاً بسيادة العقلية الجدانوفية التأثيمية إزاءهم، ولاسيّما بخصوص الرأي الآخر، وخلّفت فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث والفترة التي أعقبتها، ولاسيّما عند الانتقال إلى المعارضة أمثلة صارخة، بصدد الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، فضلاً عن سيادة النهج البيروقراطي- التفريطي الذي كان المؤتمر الرابع عنواناً أساسياً له.
طائر الفينيق
إن الكتابة عن عامر عبدالله، إنما هي كتابة عن ظاهرة تستحق البحث والدراسة، بل تستحق التنقيب، فكيف لقائد بوزن عامر عبدالله يتم تنحيته أربع مرّات من القيادة، ويُعاد بعدها إلى مواقعه وكأنه "طائر الفينيق"، والكل يعترف بكفاءته ومواهبه وقدراته، لكن القسم الأكبر يناصبه العداء المستتر ولاحقاً المعلن؟ ودائماً ما كان الجهاز الحزبي الخاص يروّج  بعض ما يردّده الأعداء ضده، بل أن بعض الإشاعات لم تكن تجد طريقها إلاّ من صفوفنا، بطريقة الهمس أو علامات الاستفهام أو غير ذلك، وهناك أمثلة عديدة أوردتها في كتابي عن " عامر عبدالله" – النار ومرارة الأمل.
 أليس في الأمر ثمة مفارقة إذاً، بل إنه أقرب إلى لعبة "السلّم والثعبان" المعروفة شعبياً باسم " الحيّة والدرج"، حيث يصعد عامر عبدالله ليصل إلى القمة، ثم يعود إلى الأسفل، وهكذا تتجدّد المسألة وكأنها أقرب إلى لعبة أم ثمة لغز في الأمر؟. وقد حاولت التوقّف عند بعض المحطات لأكتشف أسرار تلك المنعرجات، وخصوصاً في حواراتي معه، وبالمقارنة والمقاربة مع آخرين. ويبقى الأمر بحاجة إلى إزاحة النقاب عن هذا الجزء المعقّد من تاريخ الحركة الشيوعية بتحليل بعض أسبابه الاجتماعية والسياسية والنفسية، وبتدقيقات جاء بعضها عبر تفوّهات على لسان الآخرين أو من خلال  مذكّراتهم، وقد أكون قد نجحت في بعضها أو أخطأت في البعض الآخر، لكن ما هو مؤكد إنني حاولت لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة حتى وإن أزعجت البعض، لكننا لم نحصل على أجوبة شافية لها.
إن هذه الظاهرة تستحق التوقّف طويلاً ومقارنتها عميقاً بظواهر مماثلة أو حالات مشابهة لوجود بعض المشتركات أحياناً مع تجارب شيوعية عربية ودولية أخرى، لكنها كانت حسب معرفتي فريدة من نوعها، فلم يحدث أن نحىّ الرفيق وتمت إعادته عدّة مرّات إلى مواقعه مثلما هي حالة عامر عبدالله . يمكن أن تحدث المسألة لمرّة واحدة وفي الثانية ستكون نهائية، ولديّ أمثلة كثيرة على ذلك، وحتى عملية إعادة الرفيق إلى حدود مواقعه الأولى، فإنها تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وفي حالة عامر عبدالله، فثمة انقلابات لم أستطع فهمها ولأنها ظلّت غير مبحوثة أو مسكوت عنها أو تحت ركام السرّية حيث أصبحت ملتبسة أو غامضة، خصوصاً وإن إدارة الحزب لم ترغب في توضيحها أو تسليط الضوء عليها، وكأن الأمر اعتيادي. وإذا كنت أتفهم وضع عبد السلام الناصري، فإن حالة زكي خيري وبهاء الدين نوري كانت أكثر وضوحاً من ضبابية وضع عامر عبدالله.
في حالة عامر عبدالله، فقد تم تنحيته رسمياً بعد إضعاف مواقعه، خصوصاً عند اختلافه مع قيادة سلام عادل بعد الثورة وفي العام 1959 ولغاية العام 1961، واتهامه بالتكتّل ضمن "عصابة الأربعة" في العام 1962، حين تقرّر إنزال عقوبة مشدّدة به وأرسل للدراسة في موسكو لكي يحجب تأثيره على المواقع الحزبية، ثم أعيد إلى إدارة الحزب، وكأن شيئاً لم يكن ومعه بهاء الدين نوري وزكي خيري، في العام 1964، آخذين بنظر الاعتبار  انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 الدموي، وما تركه من جروح عميقة في كيانية الحزب، الأمر الذي استوجب لملمة الموضوع وإعادة العديد من الرفاق إلى إدارة الحزب، خصوصاً بفقدان كوكبة لامعة من قيادته، الذين قتلوا تحت التعذيب وفي مقدمتهم سلام عادل، وكذلك الحاجة لسدّ النقص بإعادة عدد من الرفاق "الأكفاء" ونسيان العقوبات بحقهم حتى وإن كانت من الوزن الثقيل.
لكن عامر عبدالله نحيّ مرة أخرى أو أبعد بعد استبدال خط آب الذي كان أحد أركانه، وخصوصاً بعد اجتماع الـ25 العام 1965، وهكذا كان أول المستهدفين عند أية احتدامات في الحزب، وفي وصف ظريف له، قال: إنني كتبت صيغة بيان آب (أغسطس) بطريقة ملطّفة ومخفّفة، وحسبتها صيغة يسارية قياساً بالتوجه الأصلي لما كان ينبغي أن يصدر به ما سمّي بخط آب، واستخدم هنا مصطلح واليسار واليمين كما درجنا على استخدامهما في تلك الأيام. وفي أعقاب اجتماع الـ 25 العام 1965 الذي أعلن عن توجّه جديد، حيث تم التخلي رسمياً عن خط آب واعتمد شعار الإطاحة بسلطة عارف، علّق عامر عبدالله: يبدو أننا لا نصلح للقيادة، ولم يقصد نفسه وحده، بالطبع، بل قصد طاقم القيادة، ومن الأسماء التي ركّزت عليها القيادة المركزية لإزاحتها من قوام القيادة العام 1967 هو عامر عبد الله.
وأعيد عامر عبد الله بعدها فعلياً إلى إدارة الحزب، ولاسيّما خلال فترة انشقاق القيادة المركزية أيلول (سبتمبر)، لكنه اسقط في الكونفرنس الثالث العام 1967، ثم استعانت به إدارة الحزب بعد مجيء حزب البعث إلى السلطة، خصوصاً بعد المؤتمر الثاني العام 1970 (الذي لم يكن حظّه وفيراً فيه أيضاً بسبب الاستقطابات المسبقة)، والحاجة إليه ليكون أحد وجوه الحزب في المفاوضات، وعند العروض التي جاءت إلى الحزب باستيزار رفيقين، كان عامر عبد الله أول من فكّرت به إدارة الحزب، ويقول عزيز محمد أن اختيارنا لعامر عبدالله عبدالله ومكرّم الطالباني ليكونا وزيرين العام 1972 كان بالإجماع ولم يكن يعلمان به، وقد قام بإبلاغهما (أي أنهما لم يكونا عضوين في اللجنة المركزية في حينها).
وخلال فترة الجبهة ارتفع رصيد عامر عبدالله و"اختفت" كل عيوبه وبدأ الحديث عن كفاءاته ومحاسنه، ولكن منذ أن انفضّ التحالف أواخر العام 1978 ومطلع 1979 حيث بدأت عملية تقليم أظافره بالتدريج حتى أطيح به في المؤتمر الرابع، حيث أسقط في الانتخابات، علماً بأنه لم يحضر المؤتمر الرابع في حينها.
ألا تستحق هذه الظاهرة الدراسة إذاً، خصوصاً وأنه  اعتبر المؤتمر الرابع "مكيدة" أقرب إلى مجزرة "قاعة الخلد" بحق البعثيين العام 1979؟ والمسألة ليست بعيدة عن تجارب الكثير من الأحزاب الشمولية، سواء كانت شيوعية أو قومية أو إسلامية، سواء في ظروف العمل السري أو في ظروف العمل العلني.
وبعد فعامر عبدالله شخصية عربية محترمة على المستوى العربي، وأقول ذلك خارج نطاق الصواب أو الخطأ أو العلاقة بين المبدئي والمسلكي، وأينما ذهب وحيثما حلّ كان له حضور كبير، وأستطيع أن أقدّر اليوم بعد هذه الأعوام، كم من أصدقائه القدامى اتصلوا بي مباشرة أو بصورة غير مباشرة عندما عرفوا بصدور الكتاب، أفلا يستحق إذاً شخصية مثل عامر عبدالله الكتابة والنقد والتقويم؟.
المعلن والمستتر
لعلّ أسباباً عديدة معلنة أو مستترة، واضحة أو مغلّفة، كانت وراء بعض ردود الفعل من بعض رفاق عامر عبدالله القدامى بمن فيه من يدعي صداقته أو الانتساب إليه من "الأعدقاء" نكتفي بذكر خمسة منها:
السبب الأول هو موقفه من الحرب العراقية – الإيرانية، لاسيّما بعد أن انتقلت إلى الأراضي العراقية، حين بدأت تباينات واضحة في مواقف العديد من الرفاق، لاسيّما بازدياد المخاوف إزاء المشروع الحربي والسياسي الإيراني والبديل المنتظر، وقد أعلن عامر عبدالله عن انحيازه لمثل هذا التوجّه، ولاسيّما عند احتلال الفاو العام 1986، وكان قبل ذلك يتندّر بخصوص النفوذ الإيراني داخل أوساطنا، ويردّد من أن اللغة التي ستكون سائدة في المؤتمر الرابع هي "الفارسية"، وأن علينا تعلّمها بل وإتقانها، لأن من لا يجيدها سيكون خارج الدائرة العليا. وكانت رسالته إلى عزيز محمد، سواء مع باقر ابراهيم  وحسين سلطان العام 1986 أو مع مجموعة المنبر ورفاق آخرين، العام 1989 إعلاناً صريحاً بأن هناك نهجين أخذا  يفترقان، وكان هذا التمايز قد بدا واضحاً منذ أوائل الثمانينيات وتم التعبير عنه بوسائل مختلفة، وهو الذي قاد إلى انشقاقات وتكتلات وعقوبات، سواء لمجموعة  المنبر أو لمجموعة باقر ابراهيم وعامر عبدالله وعدد آخر من الرفاق.
السبب الثاني هو النزعة العروبية التي امتاز بها عامر عبدالله على سائر رفاقه، وهذا تقدير شخصي، قد أكون مخطئاً به، فكما أخبرني أنه هو من كتب تقرير الكونفرنس الثاني العام 1956، ذا التوجه العروبي الواضح، الأمر الذي أثار اعتراضات أقدّر بعض دوافعها، بأن سلام عادل هو المسؤول وهو من صاغ التقرير أو وضع خطوطه العريضة، ولكنني ما زلت أعتقد وذلك من خلال متابعتي أن عامر عبدالله كان له دور كبير في هذا التوجّه، ولا يهمّ إن كان الدور الأول أو الأكبر لسلام عادل، ولكن لعامر عبدالله حضوره وحججه، فضلاً عن ثقله الفكري.


542
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 9
رأيت في عزيز محمد شخصية قادرة على التوفيق بين الفرقاء ولكن للعمر أحكاماً
وتسألني هل أطمح بموقع حزبي ؟ وأجيبك لقد عُرض عليّ مثل هذا الموقع قبل نحو ربع قرن يوم كان الموقع مغرياً والاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية في عنفوان ظاهري والامتيازات يسيل لها لعاب الكثيرين ، وحيث كانت أغلبية القيادات والكوادر"تبلع" ألسنتها ، كنت أنا أرفض تلك الصفقات التي اعتبرتها وكأنها امتداداً لسوق الشورجة أو سوق الحميدية ، وذلك لاعتبارات أخلاقية ومبدئية .
كنت في العام 1980 ومنذ قدومي من العراق مسؤولاً عن العلاقات الوطنية وممثل الحزب  في العلاقة مع القيادة السورية، ونُسّبت مع عبد الرزاق الصافي لتمثيل الحزب في الجبهة الوطنية (جوقد)، ومنسّقاً للجنة الوطنية العراقية للسلم والتضامن ، وفي كردستان كنت مسؤولاً عن منظمة الإعلام المركزي وعضو مكتب العمل الآيدولوجي المركزي ، وعضو هيئة تحرير الإذاعة، ومشرفاً على تنظيمات  الشبيبة والطلبة في لجنة التنظيم النقابي المركزي وعضو في لجنة الإعلام المركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية وغيرها ، وبعد أن رفضت الصفقة التي كانت تشترط قطع صلتي ببعض الرفاق (وبالتحديد عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ) وعدم معارضة السياسة السائدة  تم تنحيتي من جميع هذه المسؤوليات. إذا كان هذا ما رفضته سابقاً فكيف أقبله الآن، خصوصاً إن مياهاً كثيرة قد مرّت من تحت الجسور كما يقال .
العلاقة الخاصة والودية مسألة إنسانية، ولا أذيع سراً إذا قلت إنني أصبحت أرى في عزيز محمد شخصيةً وطنية عامة وله دور مهم على صعيد كردستان ويستطيع أن يلعب دوراً توفيقياً بين الفرقاء، ربما لم يكن بمستطاعه أن يلعبه لو بقي أميناً عاماً للحزب الشيوعي.(ولكن للعمر والأوضاع السياسية استحقاقاتهما، ولو راجعنا كتاب "المثقف في وعيه الشقي"، سنلاحظ النقد الموضوعي لبعض القيادات والتفريق بين ما هو شخصي وما هو عام ).
وحول القيادة الحالية والسابقة للحزب بمن فيهم معارضوها، فإنه يمكنني القول وبإخلاص وتجرّد الآن، إنها كانت ضعيفة التأهيل، قليلة المعرفة، متلقية وغير مبادرة وتفتقر في الكثير من الأحيان إلى الشجاعة الأدبية ، ناهيكم عن تسلطيّتها وبيروقراطيتها ، ولربّما يعود قسم من ذلك إلى ظروف العمل السري، وكبت الحريات والملاحقة، لكن ذلك لا يمنع من القول بنضاليتها وتفانيها ودرجة تحملّها الصعاب.     
أذكر هذه الأمثلة السريعة، وأكتفي بالحديث عن ظواهر مرضية في العلاقات السياسية والثقافية، وخصوصاً إزاء الرأي الآخر وهي تعكس فقه الأزمة، وفقه الواقع المأزوم، الذي أثرّت فيه انزياحات الثقافة لصالح السياسة، التي استخدمتها وسيلة للقمع الآيديولوجي وتحطيم المخالفين، ومرّة أخرى أقول: من حق أي شخص الكتابة والنقد والتصويب والتصحيح والمعارضة، فما قيل ويقال وما كتب وما يكتب، سواء من جانب الكاتب أو أي كاتب آخر،  وهو اجتهاد قابل للنقض والاختلاف والإضافة والحذف، ولا يزعم أحد أنه يمتلك الحقيقة كاملة.
كما أن الكاتب يعفي نفسه من الانزلاق، إلى التعامل بالمثل بشأن التجريح والإسفاف بالإساءة الشخصية ورد " الصاع صاعين" وهو قادر على ذلك، وهناك الكثير الذي يقال في هذا المجال، لكنه يربأ بنفسه من الانجرار إلى هذا المستوى ويشعر بالأسف لمن يفقد الحجة والرأي من التورّط فيه، بما يرتّب من مسؤوليات قانونية. وأعود لأتناول ظاهرة عامر عبدالله كمفكر إشكالي .
القسم الثالث
المثقف والرقم الصعب
1.   المثقف واختزالات السياسة!!
لم يكن عامر عبدالله تفصيلاً عابراً في الذاكرة الشيوعية والوطنية العراقية، لكي نتعامل معه بإلقاء نظرة عجلى وكأنه أحد الأرقام السهلة التي عبرت من بوّابة " القيادة"، فنحن منذ نصف قرن تقريباً، وكلّما أردنا العودة إلى فترة الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات وحتى فترة الثمانينيات لا يمكننا إلاّ أن نتوقّف عند عامر عبدالله، ودوره ومساهماته، سواء بالإيجاب أو بالسلب كما دأبت الدعاية الحزبية الموجّهة حسب الارتياحات والظروف.
كما لم يكن عامر عبدالله مجرد عضو في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، فقد مرّ من هذه القناة أو ما يقاربها كثيرون، حتى دون أن نتذكّر أسماءهم ومواصفاتهم، لأنهم لم يتركوا أثراً يُذكر، سواء على الصعيد الفكري أو الوطني، دون أن يعني الانتقاص منهم أو من أدوارهم التي قاموا بها، لكنها بشكل عام تظلّ محدودة وبعضها غير معروف، وفي أحسن الأحوال مقتصرة على دائرة حزبية ضيقة، في حين شغل عامر عبدالله الساحة الفكرية والسياسية طولاً وعرضاً، اجتهاداً وتنظيراً، جدالاً واختلافاً، صراعاً وسجالاً، قبولاً ورفضاً، وترك بصمته المميّزة سواء على المستوى العراقي وإلى حدود غير قليلة على المستوى العربي، وأحسب في جزء منه لم يكن بعيداً عن دائرة البلدان الاشتراكية وأحزابها الحاكمة ومنظماتها العالمية، فقد منح جوائز وأوسمة، وكان حضوره فاعلاً، فلم يحظ زعيم شيوعي بالكتابة في صحيفة البرافدا (الشيوعية السوفيتية)، وفي وقت مبكّر سوى عامر عبدالله وعدد محدود من القيادات العليا، وكان قد كتب في العام 1957 مقالتين بقلم خالد محمد.
بدأب قلّ نظيره سعى عامر عبدالله لتطوير وتجديد أطروحاته تبعاً لتطوّر الأحداث والظروف، فلم يكن جامداً أو نصّياً قياساً بغيره، كما لم يكن مدرسياً مؤطراً ببعض الضوابط التي لا يستطيع الفكاك عنها، فقد اجتهد وحاول التفكير بحرارة المناضل واجتهاد الباحث، أخطأ أم أصاب. وكان من الذكاء بمكان بحيث يستطيع التقاط الجوهري من الأشياء، في التركيب والتجريب، لدرجة المغامرة أحياناً، غير هيّاب من الأخطاء أو تغيير المواقف والآراء، وفي كل ذلك كانت اللمعة الإيحائية شديدة الحضور، حيث تجد طريقها إلى مواقفه وكتاباته المكثفة والغنيّة، فلم يترك وسيلة الاّ وطرقها محاولاً التواؤم بين الجانب النظري والجانب العملي.
وبقدر استشرافه المستقبل، فقد كان ينطلق من الواقع ويحاول فهمه وتحليله وهو ما دعاه منذ وقت مبكّر لاقتراح ذلك على سلام عادل لاستبدال تاكتيكات الحزب من الكفاح السلمي حسبما قرّر كونفرنس العام 1956 إلى الكفاح العنفي، حين اشتدّ عنف السلطة وحلف بغداد الاستعماري بعد انتفاضة العام 1956 فوافق عليها سلام عادل بعد مناقشة مستفيضة، وعرضها على القياديين الذين اقتنعوا بها، وهكذا جرى تعميمها لتصبح سياسة رسمية، كما أن عامر عبدالله لم يهمل التاريخ، على معرفته بمكر هذا الأخير ودهائه، سواء كان تاريخنا العربي- الإسلامي أو التاريخ العالمي.
وامتلك عامر عبدالله جرأة تكاد تكون استثنائية، وهو وإن كان واحداً أحياناً، لكنه يشعر أنه جمعٌ وكيانية وحضور، حتى وإن جار الزمان عليه في سنواته الأخيرة، حيث رحل حزيناً ومكسوراً، يوم واجه ذلك الزائر الثقيل وحيداً، وكأن هذا الغادر الأخير الذي ظلّ يغالبه لسنوات طويلة، لم يستطع الدخول عليه إلاّ خلسة ومخادعة، وهو في ذلك الليل البهيم.
لقد فهم عامر عبدالله السياسة باعتبارها تجسيداً أعلى للثقافة والفكر، وتلك إحدى الاشكاليات  المزمنة التي عانى منها المثقفون الحزبيون، خصوصاً في مواجهة البيروقراطية الحزبية، وغالباً ما كان يحدث الافتراق بين اليومي والاستراتيجي، والآني والبعيد المدى، لأن رجل الفكر غير الداعية السياسي أو المبشّر، ورجل السياسة المؤدلج غير رجل الفكر المنفتح، والصورة التعارضية تتكثف بين الحزبي الذي يتلقى التعليمات وبين صاحب الفكر الذي تكون مهمته إنتاج الأفكار، ففي حين ينظر الأول إلى المعادلة بطريقة حسابية، يحسب الثاني معادلته من خلال التأمل، ولعلّ قليلين من جمعوا الفكر بالسياسة أو اجتمعت فيهم مزايا الفكر وبراعة السياسة، وإن تغلّبت بعد حين أحدهما على الأخرى، لكنه ظل ينهل منهما ويلاقح بينهما كلّما كان ذلك ممكناً.
عامر عبدالله : الظاهرة المثيرة
يعتبر عامر عبدالله ظاهرة مثيرة في إطار الحركة الشيوعية العراقية، ولذلك فالكتابة عنه، إنما تعني الكتابة عن مفكر ماركسي وشيوعي مخضرم، ولد مع بدايات تأسيس الدولة العراقية، وعاش مراحل تطوّرها المختلفة. ولأنه شخصية إشكالية ومتميّزة فقد كان يشكّل ظاهرة جديرة بالدراسة والاهتمام والقراءة الارتجاعية لما تركت من تأثيرات فكرية وسياسية على صعيد الحركة الشيوعية أو الحركة الوطنية، وبما له وما عليه.
ودراسة هذه الظاهرة لا تستهدف التقديس، فهو مجتهدٌ يخطأ ويصيب وبشرٌ لديه مشاعر وعواطف ويتعرّض إلى ضغوط أحياناً، تغالبه ويغالبها مثل كلّ البشر وينتصر عليها وتنتصر عليه أحياناً. وليس من أغراض دراسته التدنيس كما يريد فريق آخر، مواربة أو تلميحاً، وهو الأمر الذي ينقسم عليه بعض رفاقه الذين شغلوا مواقع موازية له، وإن لم يشغلوا المكانة التي احتلّها عامر عبد الله، وتلك أمور طبيعية، لا ينبغي أن تزعج أحداً، وحسبي هنا الاستشهاد بالحديث النبوي المعطّر: "رحم الله امرئ عرف قدر نفسه"، فعضوية اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، لا تعطي لصاحبها: المعرفة أو الثقافة أو العلم أو المكانة الاجتماعية أو المركز المرموق، بقدر ما يعطيه هو إليها وليس العكس، ولذلك ترى إن العيون والألسن أحياناً ظلّت مصوّبة نحو عامر عبد الله، لاعتبارات تتعلّق بدوره ومكانته وتأثيره، ولعوامل تتعلق بالحسد والغيرة والكيدية، ناهيكم عن بعض جوانب الضعف الإنسانية، وهي صفات لا يكاد يخلو منها مخلوق، لكنها تكبر هنا وتضمر هناك، وحسب الظروف والأوضاع، لاسيّما في ظل ردود فعل قد تكون سلبية أو غاضبة.
وهكذا كان عامر عبد الله، يختلف عن الكثير من أقرانه، فقد أضاف إلى جميع المواقع التي شغلها وأثار جدلاً لم ينقطع حتى بعد وفاته، في حين أخذ بعضهم من المواقع التي تربّع فيها، وبغيرها ما كنت ستذكرهم، بل إن بعضهم أساء إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد طواهم النسيان أحيانا لمجرد تغيّر المواقع، مهما حاول من التشبث بالتاريخ، أو التمسّح بذيوله، أو التعليق على هوامشه. ولهذه الأسباب ترى البعض شديد الحساسية إزاء المواقع، بالرضا عنه أو بخلعه، وفي كلا الحالين يظل "رهين المحبسين" على حد تعبير أبو العلاء المعرّي، فتلك تدابير " الإدارة" التي هي على صواب دائماً، كجزء من نمطية تفكير وعقلية سائدة تكرّست مع مرور الأيام لتصبح ظاهرة ملفتة تتمثّل بالخنوع، حتى بعد انهيار الأنظمة الشمولية وانكشاف الكثير من أساليبها التآمرية وانتهاكاتها الصارخة وممارساتها السلبية، اللاّإنسانية، وهي ممارسات لم تكن بعيدة عن بعض إداراتنا.
المسألة ليست إساءة لأحد، بل لتقدير دور متميّز لرفيق على آخر وهكذا هي الحياة، فالأول تجمّعت فيه بفعل عوامل مختلفة بعض الخصائص والمواصفات الريادية بحيث جعلته قائداً أخطأ أم أصاب وسياسياً أكثر منه حزبياً ومفكراً أكثر منه سياسياً أحياناً، وصاحب رأي مجاهر أكثر منه مسلكياً مستكيناً أو إدارياً بيروقراطياً "منضبطاً"، في حين كان الآخرون مسؤولين أو إداريين في سلسلة المراتب الحزبية، وقد شاءت الصدف أن يتحكّمون به وبغيره، وإنْ ظلّ البعض يذكرّ بصفاته الوظيفية تلك، وكأن تلك المواقع تمثّل إقطاعاً سياسياً توقّف عند تلك الحدود.
وإذا كان عامر عبدالله مفكّراً، فلا يعني أن إدارة الحزب ينبغي أن تكون عصبة من المفكرين، وهو الأمر الذي يحتاج إلى فكّ ارتباط من جهة، وتواؤم من جهة أخرى بين الموقع الحزبي وبين المواهب والمؤهلات الثقافية أو الفكرية أو الأدبية، وتلك المسألة لا تدركها أو لا تريد إدراكها البيروقراطية الحزبية، دون نسيان بعض الجوانب النضالية التي يتطلّبها العمل السري وظروف المواجهة.
ولعلّ إضفاء صفة المفكّر على عامر عبدالله، تعني أن مسؤوليته ستكون أكبر من غيره حتى وإن كان موقعه الوظيفي الحزبي أدنى من طاقم إدارة الحزب، التي تجمع أحياناً الغثّ والسمين، كما هي المواقع  الأخرى الأدنى تراتبياً، وهي أمور اعتيادية في الحياة والدولة ومؤسساتها وفي المجتمع وهيئاته، ولذلك فإن عامر عبدالله بقدر اعتزازه بنفسه وشيوعيته كان يشعر، وربما أكثر من غيره بمسؤوليته الفكرية والسياسية، لكنه بطبيعة الحال ليس معصوماً أو خارج دائرة النقد، وهو أمرٌ جرى التصدّي له انطلاقاً من نظرة موضوعية فيها الكثير من المغالبة للهوى الصعب والنقد الموضوعي، سواء في مراحل سابقة أو في المرحلة الأخيرة من حياته، وهكذا فإن أخطاءه ستكون أكبر من غيره أيضاً بحكم دوره الفكري.
العقلية الجدانوفية
إن مسألة الكتابة عن عامر عبدالله لا تتعلّق بالمحبة أو الصداقة، أو الكره أو البعد، فتلك أمور خارج دائرة الباحث، بل هي تتعلّق بجزء من تاريخ الحركة الشيوعية بما لها وهو كثير جداً وما عليها وهو ليس بقليل. وجاء هذا الحديث بعضه على لسانه وجاء بعضه الآخر، بالمعايشة والتجربة والمتابعة والقراءة، وذلك من خلال مراجعات وقراءات انتقادية للماضي، تهدف إعادة قراءة تاريخنا بشيء من الموضوعية وبعيداً عن العواطف والانفعالات.


543
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 8
كردستان قاعدة الحب الأساسية قد شعرت بمحاولات علي وتهميشي فرجعت إليها


ومثلما كنت ضد إجراءات الحكومة السابقة بقيادة حزب البعث لإلغاء الآخرين وتحريمهم وتجريمهم بقوانين وقرارات تعسفية بما فيها ملاحقتهم بأثر رجعي، كما حصل لحزب الدعوة الإسلامي (العميل) كما سمّاه القرار الصادر في 31/3/1980 كنت في الوقت  نفسه ضد قانون الاجتثاث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وأول من صرّح ضده من موقع معارضة هذا القانون الإستئصالي لحقوق الإنسان.
أنا ضد العزل السياسي، لأن الفكر لا يجابه إلّا بالفكر والحجّة تواجه بالحجّة والدليل بالدليل وليس بقوة القانون أو بالتحريم أو بالتجريم المسبق على نحو جماعي وأخذ البريء بجريرة المذنب. المرتكبون مكانهم قاعات المحاكم ومنصّات القضاء، وعدا ذلك فأي إجراء سيؤدي إلى ردود فعلٍ ستكون نتائجها سلبية على الحراك السياسي والاجتماعي. 
لاحظ أن القوى السياسية جميعها تقريباً مارست العزل السياسي ونهج الانفراد والإقصاء وآن الأوان للإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية والثقافية، ونبذ أساليب الماضي الاستئثارية وتحريم استخدام السلاح والعنف وسيلةً لفضّ النزاع بين الأحزاب والقوى الوطنية.
    العهد الملكي خصوصاً في الخمسينيات وعشية إبرام  حلف بغداد حاول إلغاء المعارضة. ثم جاء رفاقنا الشيوعيون وحاولوا إلغاء الناصريين والقوميين والبعثيين عام 1959 وهمّشوا دور الديمقراطيين والليبراليين والإسلاميين، وحين وصل البعثيون إلى السلطة أصدروا بيان رقم 13 يوم 8 شباط (فبراير)1963 القاضي بإبادة الشيوعيين، وصفّوا قيادات الحزب وكوادره وزجّوا آلاف المواطنين بالسجون مستخدمين جهاز "الحرس القومي"،  ثم لاحقوا الحركة الكردية وشنّوا الحرب ضد الأكراد.
وبعد انقلاب عبد السلام عارف ورغم الانفراج النسبي إلاّ أنه تم احتكار العمل السياسي من جانب (الاتحاد الاشتراكي العربي) وحرمان الآخرين منه . الحركة الكردية هي الأخرى مارست العزل السياسي في كردستان عام 1970-1974 وكذلك خلال عملية الاقتتال الكردي- الكردي عام 1994 -1998، ثم جاءت المناصفة بين الحزبين. بل إن أحدها استعان بإيران والآخر بالحكومة العراقية (الأخوة الأعداء)، لبسط نفوذه على حساب الآخر. 
    وبعد عام 1968 رغم الانفتاح في السنوات الأولى إلاّ سياسة القضم التدريجي كانت مستمرة ابتداءً من تصفية التنظيم البعثي الموازي (مجموعة سوريا)، إلى القيادة المركزية، إلى الحركة القومية والناصرية، إلى الحركة الكردية بعد الاستبشار ببيان 11 آذار (مارس) التاريخي عام 1970، إلى الحزب الشيوعي وبقية الهوامش السياسية بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية عام 1978/1979، إلى الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها.
الحكام الجدد بمساعدة الاحتلال يريدون اجتثاث البعث، بل يتهمون المقاومة ومن يدعمها بالارتباط بالنظام السابق، وذلك في محاولة لعزلها وإبعادها عن  قوى وتيارات داعمة، واستخدام الابتزاز السياسي والإرهاب الفكري وسيلة للتعريض بالخصوم السياسيين.

ثمن التعبير عن الرأي
على صعيد التجربة الشخصية كنت باستمرار ضحية التعبير عن آرائي ومواقفي سواءً داخل الحزب الشيوعي أو خارجه،علماً بأنني لم أعمل خارجه، فالمنبر كان امتداداً لتيار الحركة الشيوعية، وبخصوص العمل في المؤتمر الوطني، فهو عبارة عن تحالف سياسي أي (تجمّع ضم منظمات وأحزاباً وشخصيات) اجتمعت في مؤتمر فييّنا حزيران (يونيو) 1992 وصلاح الدين (إربيل) تشرين الأول – تشرين الثاني ( أكتوبر- نوفمبر) 1992 حيث دخلته الغالبية الساحقة من القوى السياسية العراقية ( الحركة الكردية بحزبيها الرئيسين وأحزاب أخرى والحزب الشيوعي  والحركة الإسلامية  ممثلة بحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى  ومنظمة العمل الإسلامي وأحزاب إسلامية أخرى، إضافة إلى تجمعات قومية وديمقراطية وإسلامية صغيرة وشخصيات متنوعة).
    وبسبب مواقفي المنشورة والمعلنة من ضرب العراق والموقف من الحصار وترسيم الحدود ونقد الارتهان للقوى الخارجية حصل الاحتكاك بيني وبين القوى المتنفذة في المؤتمر، والمتعاونة مع الولايات المتحدة، والتي اعتبرتها (مهادنة) للحكومة العراقية (لاحظ هنا المفارقة العجيبة ولكن يبدو إن الذين لا يستسيغون الرأي الحر والمستقل ، يرضعون من ثديّ واحد حتى وإنْ كانوا من مشارب مختلفة).أما المجموعة التي تدافع عن الماضي وارتكاباته وذيولها فتعتبر الرأي الحر والمستقل دفاعاً عن الاحتلال، والعنصر المشترك هو التشكيك والاتهامات الجاهزة .
    لكنني لم أكترث وواصلت مواقفي وكنت أول من استقال من المؤتمر لأسباب سياسية (عندما تقاطعت الرؤية وأصبح التوافق صعباً، بل يكاد يكون مستحيلاً خصوصاً بسبب الموقف من الحصار والاستعانة بالقوى الخارجية، بل والارتهان لإرادتها) وليس لأمر يتعلق باختلافات ثانوية  أو إدارية أو مالية ، كما بيّنت ذلك في مذكرتي التي قدمتها بعد سلسلة مناقشات طويلة في نيسان –أيار (إبريل- مايو) ثم في تموز (يوليو) 1993، والمنشورة في مجلة الملف العراقي التي كان يصدرها غسان العطية.   
التعبير عن الرأي كان أقرب إلى أسئلة تداهمني باستمرار ولا يروي ظمأي أجوبةً لا أراها شافية وكان قلقي وإرهاصاتي الداخلية تكبر معي، ولعلّ لظروف النشأة والتكوين والروافد الروحية  والمدينة والعائلة... كل ذلك كان عنصراً محرّكاً إضافة إلى البحث عن الحقيقة، بل والتفتيش عنها ، بما يقتضي التعبير عن الرأي والجدل واتخاذ موقف . كان ذلك يجلب لي بعض المتاعب،  لكنني الآن سعيد بها لأنها كانت صميمية ومبكرّة في حين كنت أرى كيف يتعلّم الآخرون فن الصمت ، كنت أنا مجاهراً ومحاوراً ولدي مواقف باستمرار حتى وإنْ كان بعضها خاطئاً.
أذكر لك حادثة طريفة حين تساءلت في اجتماعٍ ضمّ نخبة بينهم صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري ومهدي الحافظ  الذي كان قد أصبح عضواً في ل.م وآخرين (أرجو أن لا أكون قد أخطأت في أحد الأسماء) هل أن السوفييت هم يريدون الجبهة الوطنية أم هو رأي القيادة؟ ثم ما هي الضمانات للحريات والديمقراطية؟ عندها ثارت الدنيا وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب مني تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية ، لأن الأمر جد خطير... (وفيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه ، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة ، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف  لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا .
ومرّة أخرى عبّر أحد أعضاء ل.م. في اجتماعٍ قائلاً: نحن نقدّم المعلومات للرفاق بالقطّارة ويأتي فلان ليضعها كلّها على الطاولة. من أين له هذه المعلومات التي تشكك برأي الحزب وكيف يتجرأ على قولها أمام رفاق بمستويات مختلفة؟
     في السبعينيات تعرّضت إلى أكثر من عقوبة حزبية بعضها غير معلن، وفي الثمانينيات نحيّت من جميع المسؤوليات وذلك بسبب الرأي. كان الشائع إن الذين يرفضون الذهاب إلى كردستان يعاقبون، أما أنا فإن إصراري على العودة إلى كردستان رغم مرضي آنذاك كان سبباً في  انفتاح الصراع على المكشوف مع القيادة الرسمية، رغم عدم قناعتي بخطة ما يسمّى بالكفاح المسلح، لكنّني تلمّست محاولات عزلي وتهميش دوري واستشعرت أمراً مبيتاً  للحركة تمهيداً  لتصفية المعارضة الداخلية وعقد المؤتمر الرابع . اعتقدتُ  إن بإمكاني أن ألعب دوراً أفضل في كردستان قاعدة الحزب الأساسية آنذاك  بعد أن توضّحت الصورة أمامي كاملةً . حوسبت واعتبرت مخرّباً وان إصراري على العودة هو دليل رغبتي التكتلية والتخريبية .
    وكنت قبلها قد رفضت عروضاً مغرية بتسلّم أعلى المواقع والمسؤوليات: اليوم إلى عضوية اللجنة المركزية وغداً إلى المكتب السياسي ، فيما إذا وافقت على التعاون مع الكتلة المتنفذة بقيادة عزيز محمد- فخري كريم  ، لكنني رفضت ذلك لاعتبارات سياسية وأخلاقية وقرّرت خوض الصراع علناً ودون مواربة أو اختفاء وراء بعض الأسماء، وهكذا حسم البعض موقفه وظلّ البعض الآخر متردّداً ، ينتظر نتائج الصراع بين مجموعة المنبر وبين القيادة الرسمية، وكانت عينه وهو يشجّع المنبر على النشر، على قيادة عزيز محمد، عسى أن تعيده إلى مواقعه، بل إن بعض هذه العناصر استثمر ضد المنبر الذي أصدر جريدة وكراريس وأعلن مواقف وكوّن علاقات عراقية وعربية وعالمية واسعة .

المنبر: خيار لم يكتمل
المنبر كان محاولة فكرية وسياسية علنية للصراع شارك في التأسيس أربعة رفاق، ثم صدر بيان باسم الرفاق الستة حول الحرب العراقية الإيرانية بعد اجتماعاتهم في براغ، وتوسّعت دائرته فيما بعد لتشمل عشرات الكوادر المثقفة. وقد صدرت جريدة باسم المنبر من بيروت وكان عددها الأخير من لندن أواخر العام 1990 (أما العدد التجريبي (صفر) فقد صدر من فيينا).  لقد تبنّى  تيار المنبر بعض القضايا المبدئية الصحيحة وقدّم اجتهادات ومواقف  صائبة ، لكنه هو الأخر عانى من أخطاء فادحة ولم تكن تلك بمعزل عن أمراض المركز المنافس.
لقد قلتُ في نقد التجربة منذ سنوات طويلة ، عندما تشكّل تيار المنبر كان لكل منّا أجندته الخاصة على الرغم من المشتركات التي تجمعنا وهي كثيرة، ولذلك بعد حين حصل التعارض بين الخاص والعام ، خصوصاً عندما استنفذ التيار أغراضه. لقد حاولنا تقديم قراءة جديدة للماركسية في ضوء تجربتنا العربية والعالمثالثية ودعونا للتجديد واتخذنا موقفاً انتقادياً  من الماضي، خصوصاً في موضوع التحالفات وقدّمنا رؤية جديدة للقضية الفلسطينية، كما اتخذنا موقفاً مسؤولاً إزاء أساليب الكفاح والمغامرة والبيروقراطية .
واتّخذ تيار "المنبر" موقفاً وطنياً صريحاً وواضحاً ضد المشروع الحربي والسياسي الإيراني بعد انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية ، لكن مراهنة البعض على السلطة في حينها أوقعنا في إشكالات زادها إصراره على العودة بطريقة فردية. وكان الاتجاه العام يعتقد بعدم جدوى مثل هذه الحلول، وإن السلطة لم تغيّر أساليبها وهي غير مستعدّة للتراجع عن أخطائها، بل إن غرورها دفعها لمغامرة جديدة باحتلال الكويت وتعريض العراق واستقلاله الوطني ومستقبله والأمة العربية كلّها لمخاطر حقيقية، وقد تكون مروّعة  وهو ما جاءت الأيام على إثباته سواءً بشن الحرب على العراق بحجة "تحرير الكويت"، ومن ثم  فرض حصار دولي وعقوبات جائرة عليه طحنت عظام العراقيين لمدة 13 عام تحضيراً للعدوان ومن ثم الاحتلال البغيض.
لو سألتني الآن بعد مرور نحو 20 عاماً (الحوار في العام 2005) عن تجربة "المنبر" هل أنت نادم عليها، لقلت لك كلاّ، ولكنني أخطأت حين اندفعت فيها، في حين كان البعض يمدّ خيوطه باتجاهات مختلفة، البعض مع السلطة والبعض الآخر مع القيادة الرسمية، وهو ما انكشف لاحقاً في حين أنني خضت الصراع بنيّة وتوجه صادقين ولاعتبارات مبدئية ، وبشجاعةٍ قد أعتبرها اليوم اندفاعاً كان يمكن أن تكلفني حياتي وربما مستقبلي. كان بإمكاني التعبير عن رأيي من موقع مستقل وليس كجزء من كيان لا يختلف كثيراً عن الأصل.
وكان الرفيق أبو جلال قد سألني عن دوري في المنبر الشيوعي ولماذا توقّف، وهناك أقاويل وأحاديث تتردد بين بعض الشيوعيين على عودة الوئام والمصالحة بينكم وبين حميد مجيد موسى (الأمين العام الحالي) والأمين العام السابق عزيز محمد وعضو م.س السابق فخري كريم: ما مدى صحة ذلك؟ وهل تطمح في موقع قيادي في الحزب الشيوعي؟ ثم ما هو رأيك بالقيادة الحالية وموقفها من الاحتلال؟
واختتم سؤاله بسؤال فرعي بقوله: ألا تفكّر بتجميع قوى اليسار الحقيقي مع آخرين، لأن فكرة اليسار أصبحت بعد سقوط المعسكر الاشتراكي تعني الانتقال إلى حضن واشنطن والمعسكر الغربي بحجة " التجديد" وعدم وجود ثوابت؟
وقد أجبت عن هذا السؤال بالتالي وأنقله حرفياً: 
نستولوجيا الشيوعية
أما عن الأقاويل والأحاديث حول عودة الوئام والمصالحة بيني وبين قيادة الحزب الممثلة بحميد مجيد موسى وعزيز محمد وفخري كريم ، فأود أن انتهز هذه الفرصة للقول إنه رغم خلافاتي الشديدة ، لم تنقطع صلتي بالقيادة الشيوعية وكذلك بالقيادة الكردية والإسلامية ، رغم أنني وضعت مسافةً واضحةً وبالخط الأحمر بعد الاحتلال ، لكن العلاقة قائمة ومستمرة وفي الوقت نفسه النقد قائم ومستمر بكل الفترات .
كنت ألتقي عزيز محمد وحميد مجيد موسى وكريم أحمد ورحيم الشيخ وكمال شاكر وسامي خالد وجلال الدباغ و ملاّ حسن وآخرين من القيادة عند زياراتي العديدة إلى كردستان لإلقاء محاضرات في جامعة صلاح الدين " لطلبة الدراسات العليا" وأتبادل معهم الرأي وأناقشهم . وكنت قد كتبت رسالة إلى الرفيق حميد البياتي "الأمين العام " حول موقف الحزب من الحرب وشجعته على اتخاذ موقف أكثر حزماً وأكثر وضوحاً، خصوصاً وأن هذه الحرب ستجرّ الويلات على العراق والمنطقة، ولكنني لم أتلقّ جواباً ، ورسالتي محفوظة وسأنشرها في الوقت المناسب، كما وجهت رسالتين إلى البارزاني والطالباني بالاتجاه ذاته، لكنني لم أتلقّ جواباً أيضاً على غير العادة ، ولعلّي أدركت حجم الالتزامات السياسية والدولية وما يرتّبه جوابهم على رسالة مثقفٍ متعطش للحقيقة يعيش همّ وطنه بدقائقه . رسالتي إلى الحزب الشيوعي سلّمتها باليد إلى سلم علي (عضو م.س) ورسالة أوك سلمتها إلى فؤاد معصوم، أما رسالتي إلى حدك،  فقد سلمتها إلى سيامند البنّا .


544
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 7
بعض البعثيين يدافعون عن مآسي الماضي وجروه وارتكاباته بحجة خطر الاحتلال


الوطنية بدون ديمقراطية تقود إلى الدكتاتورية والاستبداد. أما الديمقراطية بدون وطنية فتقود إلى الاستتباع وقبول هيمنة الأجنبي. الديمقراطية والوطنية لا بدّ أن يكون لهما فضاء إنساني. هذه هي حصيلة التجربة التاريخية، فالدكتاتورية رغبت أو لم ترغب ستنتهي إلى معاداة الشعب وستسهّل للطرف الآخر الامبريالي التسلّل والتسرّب، خصوصاً لمعاداة الديمقراطية وكبت الحريات. وكان جون كنيدي الرئيس الأمريكي الأسبق ومعه "تروست الأدمغة" والعقول قد صرّح بصدد الصراع الآيديولوجي مع المعسكر الاشتراكي بنظرية بناء الجسور،التي ستعبرها الأفكار والبضائع والسواح لمجتمعات مغلقة تعاني من القهر السياسي وقمع الحريات والاستئثار بالسلطة وغياب التعددية والتداولية السلمية.
القضايا مركّبة ومعقدة ومتداخلة ولا يمكن تبسيطها، ماذا تقول بمن يبرّر الاستبداد وأساليبه القمعية بما فيها التشويهية  بصورة مباشرة أو عبر بعض ذيوله في السلطة وخارجها أحياناً (البعثيون مثلاً)، وفي الوقت نفسه يريد المزايدة بأنه ضد الاحتلال، ولكنه يريد عودة الماضي أيضاً، بل يمارس نوعاً من الابتزاز الفكري من خلال إساءات لمجرد نقد التجربة الماضية وهذا ما حصل.
الموقف من الاحتلال سليمٌ لكنه ناقص أو غير كاف. وإذا لم يتم إعادة النظر بالموقف من الاستبداد ومصادرة حق الشعب وتحديد مسؤولية إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، فإنه والحالة هذه لا يتحمل المسؤولية الأساسية عن الماضي حسب، بل يتحمل جزءًا من مسؤولية الحاضر ولا وسيلة تمكّن الاحتلال من الاستمرار غير التشبث بالماضي وأساليبه. لا يكتمل الموقف الوطني من الاحتلال أو غيره إن لم يتزاوج ويتلاقح مع الموقف الديقراطي.
أنا معجب بموقف السيد مقتدى الصدر من رفضه الاحتلال، لكنني لا أخفي تحفظي من موضوع إسلامية الدولة التي يدعو إليها ومن مواقفه من حقوق المرأة والتقدم الاجتماعي، ولا يمكنني كمثقف مستقل إلّا أن أنتقد هذا الموقف علناً، ولكن ليس من موقع عدائي ، مثل ما أنتقد كل موقف لا يتخذ رأياً صريحاً وواضحاً من قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمبادئ الدستورية في الدولة العصرية، كما أنتقد بشدة كل موقف أو جهة تدعو صراحة أو ضمناً لاستمرار الاحتلال أو تسهيل مهمته، سواءً كانت هذه مواقف لقوى يسارية أو قومية كردية أو إسلامية. 
هذه وظيفة المثقف كما أعتقد، ولست هنا بصدد عقد تحالف سياسي لتتم الترضيات وتبويس اللحى والسكوت عن القضايا المبدئية أو الدعوة لتأجيلها بحجة وجود الاحتلال. ولعلّ هناك فارقاً بين حقوق الشعب الكردي الذي أتعاطف مع معاناته السابقة وبين مواقف قيادة الحركة الكردية. وبالنسبة لي فإن الموقف من الاحتلال  ومشروعه والتوجّه الديمقراطي هو أحد عناصر الافتراق في الرؤية والمعيار.
البعض يريد تملُّق بعض القوى مثلما تريد هي استخدامه، وذلك عن طريق ما يعرف بنظرية  "التخادم". هي تريد من يشتم الآخرين الذين يتصدّون للمواقف الخاطئة التي ما تزال متمسكة بها، عن طريق الإرهاب الفكري، إذْ تطلب من الجميع السكوت عن الماضي إنْ لم ترغب في تمجيده. البعض يريد استغلال هؤلاء الضعفاء، خصوصاً وإن الفشل السياسي يلعب دوراً في ذلك، ناهيكم عن عزلة سياسية خانقة يعيشونها، فيتطوّع للنيل من الآخرين أو الانتقاص منهم،  سواءً بإدراك  أو وعي أو دون معرفة عواقب مثل هذا التورّط على الصعيد السياسي والأخلاقي ، ناهيكم عن إمكانيات الملاحقة القانونية.
    المسألة أصبحت معروفة ولا يمكن التغطية عليها، فهؤلاء محكومون بعوامل مختلفة ، بعضهم استنفذ دوره وليس له ما يفعل سوى النيل من أي جهد أو موقف مستقل، خصوصاً تلك المواقف التي لا تعتمد الرؤية التبسيطية التسطيحية للأمور، بل تتجاوزها لرؤية  مركّبة ومتداخلة مما يدفع المحكومين بنظرية المؤامرة الكبرى وادعاء معرفة الخفايا والأسرار لاجتزاء هذا الموقف وتلك الجملة أو ذلك التصريح وتحميله ما لا يحتمل. إن ذلك يحتاج إلى خيال روائي لا يخلو من أمراض وعقد وكوابيس، كلها تشكل رؤيته المتهلوسة وتعكس أزمته هو ومشكلته مع الواقع.
أعرف إن للاستقلالية أثماناً باهظة في مجتمعاتنا، التي اعتادت على الاستكانة وعدم التفكير واعتبار الرأي المستقل خروجاً عن المألوف وربما مروقاً  وانشقاقاً يستحق التخوين والإدانة، فالسير مع الجماعة وفي ظلهم، إنّما يشكل حماية وغطاءً. السير مع القطيع  يجنّب الفداحة والنقد بكل السهولة والتبسيطية ...
أنت مع الماضي وضد الحاضر وتريد التبرير ، وترفض كل شيء جديد لأنه لا ينتسب إليك ، ولا تستطيع أن ترى الجوانب الايجابية في الظاهرة المعقّدة ، المركّبة، السلبية من حيث اتجاهاتها العامة والتي تعارضها وتقاومها، لكنك كباحث ومستقل لا يمكن أن تهمل الظواهر الجديدة وتتركها دون دراسة أو تمحيص ، كما إن عليك الإقرار ببعضها إنْ كان ايجابياً.
    سيعتبر كلامك عن حرية التعبير وحق تأسيس الجمعيات المهنية والسياسية وحق التظاهر والإضراب والكتابة والنشر وكأنه "تزويق" للاحتلال. هكذا يفكّر العقل التبسيطي، خصوصاً ممن ينتمي إلى الماضي أو من ذيوله (من البعثيين والمستفيدين من النظام السابق)، مثلما كانت تفكّر المعارضة المتعاونة مع الولايات المتحدة، فهي لا تستطيع أن ترى شيئاً ايجابياً واحداً في الماضي وظلت محكومة بعقدها، بل إنها  اعتبرت كل دعوة لرفع الحصار الدولي الجائر أو منع العدوان على العراق، وكأنه خدمة للنظام السابق ، حتى وإنْ بعض القوى الوطنية ظلّت دعوتها مائعة بخصوص الحصار الذي طالبت برفعه شرط تشديده على النظام، وفي حين يكون الجزء الأول من الشعار بنبرة خافتة، يطغى الجزء الثاني من الشعار الذي يشمل استمرار الحصار.
السياسي لا ينبغي أن ينطلق من عقده أو من إخفاقاته أو من خصوماته ، فالكراهية شيء ذميم، ولا يمكنها أن تصنع شيئاً، وهي ما تقود صاحبها إلى الوقوع في دائرة الفساد الفكري والأخلاقي أحياناً، والإصابة بتشوّهات وعقد تاريخية لا يمكن الشفاء منها آلاّ بترويض النفس واعتماد التسامح والاعتراف بالآخر منهجاً وسلوكاً. ولهذا سوف تكون الأحكام والتقديرات المبنيّة على الكراهية والكيدية والحقد لا قيمة لها، لأنها تنطلق من رؤيةٍ تسقيطية مسبقاً تعكس الأزمة الأخلاقية لأصحابها وعقدهم النفسية وستكون هذه أكبر وأخطر إذا ما رافقها فشل سياسي أو مهني أو شعور بالدونية الاجتماعية.
تركيبية المشهد
لقد كنت من معارضي النظام السابق سياسياً وحقوقياً لاحقاً وبأعلى صوتي ودون أن أختفي وراء أسماء وهمية ، وكنت ضد حربه على إيران عام 1980 ، ولكن عندما سحب الجيش العراقي قواته من الأراضي الإيرانية ، لم يعد هناك مبرّر لاستمرار الحرب التي كانت في البداية هجومية عدوانية من جانب العراق. وعند انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية كنت من أوائل الذين صرّحوا وعملوا في العديد من المحافل العربية والدولية إلى الأخذ بنظر الاعتبار التغييرات التي طرأت على طبيعة الحرب، وأدّت إلى أن تصبح  هجومية عدوانية من جانب إيران  ودفاعية وطنية من جانب العراق، وتحدثت عن ذلك في لقاءات ومؤتمرات وندوات وأعددت ملفات نشرتها صحف ومجلات كثيرة .
الموقف المعارض لا يقدّم الحزبي أو الطارئ أو المؤقت، على حساب الوطني والثابت والاستراتيجي، فالوطن هو القضية الأكبر والأهم . يريد البعض (من البعثيين) اليوم الدفاع عن الماضي بكل ارتكاباته ومآسيه وجروحه  على مستوى الدولة والسياسة وانتهاك حقوق الجماعة والفرد، بحجة إن الخطر هو الاحتلال، ولهذا ينبغي السكوت عن كل شيء أو تأجيله، وكأن المسألة  صفقة سياسية دون أن يدركوا إن نقد أخطائنا وتجربتنا كفيل بوضع أرجلنا على الطريق الصحيح ، وأي علاقات بدون مكاشفة ونقد ذاتي وشفافية ستعيدنا القهقري.
 بعض "رفاقنا" الشيوعيين لا يريدون نقد الماضي وما حصل من إرهاب فكري وسياسي على يد المقاومة الشعبية عام 1959  وما حصل من مجازر في الموصل وكركوك وغيرها. ما زال بعضهم متشبثاً بتعليق كل  شيء على شمّاعة القوى الأجنبية وشركة النفط والقوميين والبعثيين "المتآمرين"، وينزّه نفسه من تلك الآثام والارتكابات. وكنت قد تناولت تلك المراجعة والنقد الذاتي في أحاديث وكتابات، لعلّ بعضها قد نشر في كراس عام 1994 بعنوان "بعيداً عن أعين الرقيب"، مما ثارت ثائرة البعض ضدّي وهو أمر طبيعي لمن ظلّ يبرّر الماضي ويتشبّث به. وكنت قد سبقت ذلك في ندوةٍ في ديوان "الكوفة كاليري" متحدثاً بنقد لتجربتي الشخصية تحت عنوان " محطّات بين الثقافة والسياسة" .(ويمكن مراجعة مطالعتي بشأن موضوع أحداث الموصل كركوك (المأساوية) في ردّي على رسالة جاسم الحلوائي) وكذلك في مداخلتي الموسومة: فضاء الشيوعية وهواء الصندوق.
البعثيون يرمون كل  شيء (حصل في العراق وأدّى إلى احتلاله) على عاتق المؤامرة الخارجية والقوى المتعاونة معها وينسون ما قاموا به هم وما قالوه. كلامهم عن مبرّرات الحرب والإجماع المصطنع بشنها وبالانسحاب، وكذلك الإجماع المصطنع بقصة غزو الكويت عام 1991، ثم الانسحاب منها والرواية الرسمية السمجة عن "قيام حركة ثورية للإطاحة بآل الصباح"، ثم الإلحاق والضم، ثم الانسحاب والموافقة بالإجماع بعد الدخول في حرب محسومة النتائج سلفاً ، وفيما بعد جاء مسلسل القرارات الدولية المجحف والمذل، كيف تحولت الدولة إلى مهرّبٍ  وكيف تنازلت التنازل تلو التنازل للقوى الخارجية ، لكنها لم تقدم أي تنازل للشعب بإشاعة الحريات وتطبيع الحياة السياسية وتحقيق المصالحة الوطنية والتخلي عن أساليب الاستبداد والاستئثار بالعمل السياسي.
 ولا أريد هنا أن أتبجّح الآن من إنني كنت رغم معارضتي أرفع صوتي عالياً في المحافل العربية والدولية ضد الحصار وضد القرارات الدولية المجحفة، ولا أريد أن أبالغ هنا  أيضاً من أنني كنت أكثر الداعين والناشطين لرفع الحصار، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر كتابان صدرا لي عام 1994 الأول بعنوان " عاصفة على بلاد الشمس"  والآخر بعنوان" بانوراما حرب الخليج- وثيقة وخبر" الأول تضمن فصلاً عن الحصار وتأثيراته، والثاني تم تكريسه بالكامل لتفنيد الحجيّة القانونية للقرارات الدولية وللولايات المتحدة التي تقف وراءها، ومحاضرات ألقيتها في لندن وتونس والمغرب ومصر والأردن وعواصم أوروبية، ناهيكم عن عشرات المقالات ومئات التصريحات  والأحاديث الصحافية والإذاعية والتلفزيونية وغيرها.
 وبهذه المناسبة أستحضر أيضاً ثلاث مواقف تحدثت فيها ضد الحرب على العراق على المستوى الدولي وهذه على سبيل المثال لا الحصر. الأول، إلقائي خطاباً باسم المجموعة العربية التي ضمت 13 وفداً في طهران ندّدت فيه بخطط الحرب والحصار وتناولت معاناة شعب العراق وفلسطين {(كنت المتحدّث العربي الوحيد من المجتمع المدني الذي تحدث أمام الحكومات، باسم إتحاد المحامين العرب ومنظمة التضامن الآفرو- آسيوي واتحاد الصحافيين العرب ومنظمات مهنية ومراكز أبحاث ودراسات متنوعة (2001)}.
وكذلك مساهمتي المعروفة في التحضير لمؤتمر ديربن (جنوب افريقيا2001) حول العنصرية والذي أدان الصهيونية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وبالمناسبة فقد كنت الأمين العام للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية ومن مؤسسيها في أواسط الثمانينات، وكذلك مداخلتي في سيؤول (كوريا  الشمالية 2002) التي أثارت ردود فعل أمريكية شديدة عن موضوع الحرب على العراق ومحاججتي من موقع قانوني للقرارات الدولية وبخاصة الهدر السافر والصارخ لحقوق الإنسان الذي سبّبه نظام العقوبات الدولية. (وكانت مادلين أولبرايت قد حضرت المؤتمر).
ولعلّي أستذكر هنا كراسة صدرت عام 1999 بعنوان "العراق تحت الحصار" وهي ملخّص لحوارات شاركنا فيها الدكتور وميض جمال عمر نظمي وأنا بحضور نخبة مصرية متميّزة في مركز البحوث العربية والأفريقية، وقال حلمي شعراوي مدير المركز في تقديمه: لدينا رؤيتان لمفكرين عراقيين معارضين أحدهما في الداخل والآخر في الخارج. ويحضرني الآن ندوةً هامة أقمتها في لندن باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان بعنوان" الحصار الدولي والواقع العربي وحقوق الإنسان" في عام 1998 وفتح علينا هذا باب النقد والتشهير وهو نقد لا يقلّ عن النقد والتشهير دناءة الذي حاول بعض الضعاف ترويجه.
وفي كل الظروف والأحوال أحاول ألاّ أنطلق مما هو ذاتي  أو شخصاني ، إذْ رغم كل ما تعرّضت له إلاّ أنه لم يمنعني اتخاذ الموقف الوطني الذي ينسجم مع قناعتي، فمثلاً  رغم اكتشافي إن أجهزة النظام كانت تدبّر خطة لاغتيالي في كردستان، وقد ألقت السلطات الكردية القبض على المنفّذين وأطلعني الأخ كريم سنجاري (وزير الداخلية لاحقاً) على جوانب منها، لكن ذلك لم يحول بيني وبين الموقف الوطني من الحصار، وكذلك رفض موضوع ضرب العراق .
كما إن التنكيل بعائلتي واعتقال أفرادها جميعاً بما فيهم والدي ووالدتي وإخضاعهم لرعب مستمر على مدى يزيد عن عشرين عاماً لم يقف بيني وبين الموقف الوطني السليم الذي كان عليّ اتخاذه رغم كل الآلام والعذابات.
السياسي والمثقف لا ينبغي أن يتعامل مع الأمور من موقع الانتقام أو الحقد أو الضغينة، لأن الكراهية إذا ما سيطرت عليه ستحكمه وتجرّه إلى مواقف لا يريدها، بل ستلحق ضرراً به ولا أحد يدعي امتلاكه الحقيقة كاملة ولا أحد لا يخطئ وكل القوى السياسية مارست الإقصاء والعزل والاستئصال، ولذلك كنت وربما تلك إحدى دروسي الشخصية ضد الإلغاء والإقصاء والاستئصال والعزل تحت أية حجة كانت.


545
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 4
بيروت مركز إعلامي وأمني للنظام السابق وساحة مهمة من ساحاته الخارجية


كنت أعتقد أن غضب النظام على الكاتب يتأتّى من كونه قدّم سيناريو لإحالة المسؤولين عن شنّ الحرب إلى القضاء الدولي وفي مقدمتهم الرئيس السابق صدام حسين، بموجب أربع تهم أساسية، وعدد من الوثائق الدولية، وهو بتواضع أول معارض عراقي قدّم تلك المنهجية في الصراع، قانونياً وسياسياً، لكنني تيقّنت بعد حين إن ذلك أيضاً لا يعيره النظام أي اهتمام.
كان المهم لديه لدرجة الهوس والانتقام هو وضع الشيوعيين في خانة اللاوطنية، وإظهار نفسه المدافع عن مصالح البلاد العليا، ولذلك لا يقبل أية منافسة له في الدفاع عن القضية العراقية والحقوق العراقية التاريخية، التي قال ممثل النظام د. عصام عبد علي في عدن خلال انعقاد مؤتمر مجلس السلم العالمي حول " خطر الوجود العسكري الامبريالي في الشرق الأوسط والخليج العربي" وحضره وفد برئاسة عامر عبدالله والدكتورة نزيهة الدليمي وكاتب السطور، إن ذلك من حق النظام وحده، فما بالك حين يأتي كاتب ومن منظور أكاديمي ليدافع عن حقوق العراق، والأكثر من ذلك حين يكون شيوعياً، الأمر الذي أثار انفعاله ، لاسيّما وأن مزاجيته ونرجسيته لا تقبلان أي شريك، فكيف الأمر بمعارض، ومن موقع اليسار؟.
الوطنية العراقية
لم أكن أحسب إن الكتاب سيترك مثل هذا الأثر والتأثير، بل والنقمة عليّ وعلى عائلتي، الاّ بعد فترة طويلة، وهو ما عرفته من أحد أقطاب النظام لاحقاً الذي التقيت به بعد سنوات على هامش أحد المؤتمرات الدولية، فقال لي: أنتم تريدون منافستنا على آخر ما نملك وهو "الوطنية"، ولذلك كنتم أخطر علينا من الآخرين الذين نستطيع أن نكيل إليهم الاتهامات بسهولة: فهذا في الحضن الإيراني، وذاك من الموساد وثالث من الـ CIA  ورابع ضمن الأجهزة السورية، وهكذا، أما من وقف ضد احتلال إيران للعراق ووقف ضد الحصار وضد مشروع الاحتلال الأمريكي، وفي الوقت نفسه يقف ضدنا باعتبارنا دكتاتوريين ومتفرّدين بالسلطة ومستأثرين بالمواقع، فقد كان الأخطر في عرف الحلقات المتقدمة من النظام، لأنه يريد أن ينزع عنّا الورقة التي نكافح وننافح فيها وهي " الوطنية العراقية" فماذا سيتبقّى لنا؟
إن صدور كتاب عن الحرب العراقية- الإيرانية يعيد طرح المسألة الوطنية على نحو مختلف من منظور معارض، عدّه النظام اختراقاً غير مسموح به، بعد أن ظهر الرئيس صدام حسين حينها، وهو يبتسم على شاشة التلفزيون، ليعلن إلغاء اتفاقية الجزائر من طرف واحد، بل ليقوم بتمزيقها أمام الملأ في 17 أيلول (سبتبمر) العام 1980، ثم بعد خمسة أيام، أي في 22 أيلول (سبتمبر) ليبدأ بشن الحرب، ويجتاح الأراضي الإيرانية، ويزهو بانتصارات هي أشدّ عاراً من الهزيمة على حد تعبير كارل ماركس، فهذا في عرف النظام تحدّياً لا ينبغي السكوت عنه، خصوصاً وإن الكتاب حاجج بخصوص الوسائل التي كان ينبغي اتباعها وهي مقرّرة في الاتفاقية ذاتها، والتي كان يمكن اللجوء إليها تجنّباً للحرب وابعاداً لشبحها، على الرغم من جميع التحفّظات القانونية والسياسية بشأنها.
لكن الحرب كانت الكارثة الأكبر التي عرفها العراق حتى ذلك التاريخ، وتوالت بعدها الكوارث والفواجع والمآسي الواحدة تلو الأخرى، فمن الحرب التي دامت ثمان سنوات 1980-1988 إلى غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990، إلى حرب قوات التحالف ضد العراق في 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991، إلى مسلسل قرارات مجلس الأمن الدولي التي فرضت الحصار الدولي الجائر ونظام العقوبات الغليظة على العراق، والتي زادت على 60 قراراً، ثم وصلت إلى 73 قراراً صدر منها نحو 13 قرار بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وظلّ العراق يرزح تحت رحمة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات الدولية، وصولاً إلى اندلاع الإرهاب والعنف على مصراعيهما وصعود الموجة الطائفية- الإثنية.
كان موقفي من اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 سلبياً انطلاقاً من دراساتي القانونية، ولاسيّما تقييمها طبقاً لاتفاقية فيينّا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969، وهو ما كتبته في حينها بمطالعة من 13 صفحة، وهو الرأي الذي بنيت عليه فكرة الكتاب، خصوصاً بعد شن الحرب، وزاد الأمر تعقيداً تلويح إيران بمشروعها الحربي والسياسي الذي عبّر عنه السفير السيد موكري منذ وقت مبكر حين طرح أربعة شروط لوقف الحرب، تناولها الباحث في الكتاب وهي : استفتاء أكراد العراق، بالانفصال أو الانضمام إلى إيران، ووضع مدينة البصرة تحت السيادة الإيرانية المؤقتة، ومنح 150 مليار دولار تعويضات لإيران بسبب شنّ الحرب عليها، والأهم من كل ذلك هو قيام نظام حكم إسلامي (على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران) بديلاً عن صدام حسين.
وهي أطروحات أبرزها الكتاب وعارضها، بتمسّكه بحقوق العراق مستعرضاً الاتفاقيات والمعاهدات التي تنازلت بها الدولة العثمانية تاريخياً للامبراطورية الفارسية، وهي حقوق تتعلّق بالعراق أساساً، وتناول العلاقات العراقية – الإيرانية منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ولحين شن الحرب بما فيها اتفاقية العام 1937 التي تضمنت بعض التنازلات العراقية لإيران، ودور إيران الشاه في توتير العلاقات بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وانسحاب العراق من حلف بغداد الاستعماري، ثم السعي لإلغاء اتفاقية العام 1937 من طرف واحد في العام 1969، وتوقّف عند اتفاقية الجزائر التي اعتبرت شط العرب نهراً دولياً، وقسمته بموجب خط الثالويك Thalweg ، من أعمق نقطة في وسط النهر عند انخفاض منسوب المياه، وحتى البحر، علماً بأنه خط وهمي.
ولعلّ مثل هذا الإقرار يعتبر تنازلاً خطيراً لإيران، فشط العرب هو نهر وطني عراقي وليس نهراً دولياً، فضلاً عن إن انحساره تاريخياً من الضفة اليسرى، الأمر الذي سيوقعه بعد نحو 100 عام حسب علماء الطوبوغرافيا في الجانب الإيراني، إضافة إلى تنازلات أخرى عن أراضي عراقية في كردستان في منطقة نوكان- ناوزنك ( التي كان للحزب الشيوعي مواقع أنصارية فيها، وقد عاش فيها الكاتب بضعة شهور)، مقابل استعادة مناطق زين القدس وسيف سعد التي لم تعيدها إيران، فاستعادها العراق حرباً، ثم عدنا إلى اتفاقية الجزائر ذاتها بخطاب وجّهه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في 15 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1990 إلى الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني في العام 1990 في حينها بعد تورطه باحتلال الكويت، وكأن دماء نحو مليون إنسان من الطرفين، وخسارة نحو 100 مليار واحتياطي 37 ملياراً وديون ثقيلة وأسرى ومعوّقين، لا قيمة لها وذهبت هدراً.
اختراق معاكس
لعلّ صدور كتاب في بيروت التي كانت تعتبر مركزاً إعلامياً وأمنياً للنظام، وهو يفضح الحجج التي تعكّز عليها في شن الحرب، وفي الوقت ذاته كان كاتبه شديد الحساسية  إزاء حقوق العراق، كان يعني من وجهة نظر النظام اختراقاً في ساحة مهمة من ساحاته الخارجية، بل ساحة متقدمة، خصوصاً وقد جاء في ظل فعاليات سياسية وثقافية عراقية معارضة كان للحزب الشيوعي الدور الأكبر والأساس فيها، ولذلك كان ردّ الفعل شديداً، خصوصاً وأن الأمر أحدث نوعاً من التشوّش عربياً على الدعاية الديماغوجية الخارجية للنظام، وهو ما دفعه للانتقام من الكاتب وعائلته التي تحمّلت على مدى زاد على عقدين من الزمان عذابات لا حدود لها مثل العديد من العوائل السياسية العراقية المعارضة.
ولا أريد هنا التوقّف إلى ما تعرّض له الكاتب قبل ذلك من اعتقال وملاحقة ولاحقاً من ضغوط ومحاولة اغتيال وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة، فضلاً عن مصادرة مقتنياته الشخصية، لكنه تسنّى لي بعد لقائي بالوالدة بعد أكثر من عقدين ونيّف من الزمان (على آخر لقاء لي بها في بيروت حين أرسلها النظام لمقابلتي وتقديم عروض لي من جانب المخابرات العراقية) وحكت لنا تفاصيل ذلك والتهديدات التي حملتها، بحضور عبد الرزاق الصافي، عضو المكتب السياسي في حينها، وفخري كريم، مسؤول بيروت في حينها، وقد استمعنا إلى قصص وحكايات عن المعاناة الرهيبة التي عاشتها العائلة طيلة تلك الفترة.
وحين رحلت الوالدة نجاة حمود شعبان في العام 2007 كتبت خاطرة بعنوان " أحنّ إلى خبز أمي" وهي مرثية استذكار واعتذار، وفي العام 2012، وفي حواراتي مع الكاتب والإعلامي توفيق التميمي، ضمنّت ردّي على أحد أسئلته الذكية " رسالة اعتذار متأخرة" إلى والدتي ووالدي لما سبّبته لهما طيلة حياتي من أذى، لم أكن قادراً على ردّه أو إيقافه، وأكرّر مرّة أخرى، أنا فخور بهذه العائلة المتحّابة، المتسامحة ، المتفانية والنبيلة.
إذاً كان وراء الاستهداف من جانب الحكومة العراقية وجهاز مخابراتها هو محاولة احتكار الوطنية العراقية، خصوصاً باستغلال ضبابية بعض أطروحاتنا وشطط بعض ممارساتنا وقصور بعض تقديراتنا وتحالفاتنا، واستمرار رفعنا لشعار " إسقاط الدكتاتورية ووقف الحرب"، وهو الشعار الذي أثار نقاشات وجدالات وتوتّرات، وقادت هذه إلى تعارضات وانشقاقات وتباعدات، وخصوصاً بعد احتلال الفاو، شملت إدارة الحزب وكوادره بينهم: زكي خيري وعامر عبدالله وباقر ابراهيم وحسين سلطان ومجموعة المنبر التي ضمّت مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، ومجموعة من الكادر الوسطي، إضافة إلى عشرات المثقفين اليساريين بينهم سعدي يوسف ومحمد كامل عارف وهيفاء زنكنة ومظفر النواب وشاكر السماوي وطارق الدليمي وعبد اللطيف الراوي ومحمود البياتي وآخرين.
1-   كتاب وخطاب: عقدة احتكار الشيوعية
استذكرت حكاية كتاب " النزاع العراقي – الإيراني" عند بعض ردود الأفعال السلبية إزاء صدور كتابي عن : "عامر عبدالله- النار ومرارة الأمل: فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، الذي استقبل بحفاوة أكثر مما أتوقّع بكثير من لدن أوساط واسعة، حتى إن هناك من عرّف به قبل صدوره، وهناك من أجرى مقابلة مع الكاتب عنه عشية صدوره وكتب بمناسبته عن عامر عبدالله أكثر من كاتب، وهناك من اتصل ليحجز نسخة له ويسأل عن دار النشر. واحتفت به بشكل خاص أوساط أخرى من المهتمين بالحركة الشيوعية والوطنية وتاريخها وشخصياتها، التي يمثّل عامر عبدالله أحد أبرزها، حيث كان الوجه الأكثر إثارة للجدل خلال العقود الأربعة منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات، وتعرّض ما تعرّض له من إساءات بعضها لم يكن بعيداً عن أوساطنا، كما يبيّن الكتاب، فضلاً عن بعض آرائه واجتهاداته.
الوفاء الشيوعي
واعتبر كثيرون إن صدور كتاب عن عامر عبدالله هو جزء من الوفاء للتاريخ الشيوعي ولشخصية مميّزة لم يُعرف عنها الكثير إلاّ اختلاطاً، لاسيّما وسط الزحام الكثيف وفي ظل صعود موجة طائفية- إثنية، وكان إصدار كتاب عنه، ويتضمن حوارات مباشرة معه إزاء عقد تاريخية ومشكلات وطنية وأخرى حزبية، إنما إجلاء لكثير من الحقائق والمعلومات، ناهيكم ما احتواه الكتاب من وثائق ونصوص ومواد بقلمه، سواء محاضرته في الكوفة كاليري في لندن العام 1992 أو محاضرته في الملتقى الفكري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، عن: حرّية التعبير وحق المشاركة السياسية العام 1993، وهما إضافتان جديدتان تنشران لأول مرّة على نطاق واسع، لاسيّما في تطوّر فكر عامر عبدالله، وربما كانا مرتكزين لتوجّهات كتابه "مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي" الصادر في العام 1997، وشكّلا واحدة من إرهاصاته، إضافة إلى مذكرته للرفاق السوفييت العام 1986 (مع باقر ابراهيم) ومذكرته إلى عزيز محمد الأمين العام السابق العام 1989 (مع رفاق آخرين ومجموعة المنبر) وعكست هذه النصوص نظرته إزاء القمع الحزبي ومراراته بخصوص تطور الأوضاع السياسية بشكل عام والواقع التنظيمي بشكل خاص وما آلت إليه الأمور.
بيد إن هذا الاهتمام بالحركة الشيوعية وبعامر عبدالله، لم يكن يعجب بعض الإداريين السابقين في الحزب ممن أرادوا المطاولة مع عامر عبدالله بعد غيابه، فأخذوا يبحثون عن دور لهم في الإساءة لهذا الرفيق أو ذاك، لاسيّما لأصحاب وجهات النظر ومن الذين اتخذوا مواقف في الأزمة الطاحنة التي شملت الحزب منذ نحو أربعة عقود، ولا تزال مستمرة، فهناك من اعتبر الحديث عن مواصفات عامر عبدالله ودوره التاريخي مبالغة، في حين هناك من اعتبره جحوداً بحقه وتطاولاً عليه من خلال بعض الانتقادات التي تناولها، وبالطبع فإن التمجيد أو التنديد، مثلما هو التقديس أو التدنيس، ليسا من مهمات الكاتب والكتاب، وبالطبع فإن الكاتب يتفهّم طبيعة هذا النقد، ويقدّر بعض دوافعه، لكن تحوّله إلى هجوم غير مسبوق، فهو أمر خارج نطاق النقاش والجدل والخلاف الذي لا ينبغي أن يُفسد في الود قضية كما يُقال، لاسيّما حين يكشف بطريقة سافرة عن " السمّية" والحقد، بل والكراهية لدرجة التأثيم والتجريم والتحريم، وذلك لإخفاء الارتكابات التي اعتقدوا أن الذاكرة يمكن أن تمحوها أو إن النسيان سيطويها وإن الإنشغال بالهموم اليومية للناس  منذ الاحتلال ولحد الآن يمكن أن يُبعد تلك المشكلات عن دائرة الضوء أو يقلّل من أهميتها، متناسين إن الحاضر استمرار للماضي، سواء في مبالغات لخدمة الغير والتسبيح بحمده أو في الحصول عن امتيازات ومكاسب لأوضاع ملتبسة ومثيرة للتساؤل.


546
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 5
تحت بند النقد والنقد الذاتي تمت تنحية عامر عبدالله مرات عدة وإعادته للحزب

وقد عكس ذلك التوجّه الكيدي والانتقامي ضيق أفق وردّ فعل لا يجمعها جامع مع لغة الحوار واختلاف الآراء، علماً بأن كثيرين كتبوا في نقد الحزب وسياساته، بل في التعرّض بالقدح والذمّ والإساءة لأسماء وشخصيات من طاقم الإدارة القديم وتاريخهم، وهناك من وجّه اتهامات خطيرة ضدهم يربأ الكاتب بنفسه من تناولها، متعكّزاً كما يقول على معلومات، وهي الطريقة التي يتبعها بعض الحزبيين حين يريدون إغلاق الحوار، لكن هؤلاء لم يتوقف أحد عندهم إلاّ بصورة عابرة،  في حين ما هو لافت أن يشمّر البعض عن ساعده لينال من الكاتب والكتاب وموضوع الكتاب "عامر عبدالله"، بسيل من الاتهامات والإساءات الشخصية ما أنزل الله بها من سلطان.
وبقدر ما في الأمر من شعور بالحزن والأسى إلى أن مستوى الحوار والجدل والتفكير ينحدر إلى هذا الحد، الذي كان أقلّ ما ورد في قاموسه تهمة المشبوهية والخيانة التاريخية، علماً بأن الأمر يستحق المساءلة القانونية والقضائية للقدح والذم والإساءة. وعلى حد تعبير صديقنا الروائي والصحافي الساخر شمران الياسري " أبو كَاطع" فإن أية تهمة، بل أدناها، سيكون أقلّها "الإعدام". وقد سبق لي أن رويت عن ناظم كزار والتهم التي يحضّرها ضد خصومه من السياسيين، ويبدو أن مثل هذا الأسلوب يعجب بعض أصحابنا الذين يقتبسون منه في إطار قرابة للضمائر المخرّبة. وهي تدلّ على خيال مريض وواقع مملوء بالحقد واليأس والعبث والخذلان.
أقول بقدر ما في الأمر من حزن، فإنه مفرح في الوقت نفسه أن يُظهر الناس على حقيقتهم وتنكشف أحجامهم الطبيعية بعد أن ظلّوا يختبئون لمدّة طويلة وراء عناوين مختلفة وينتفخون بألقابهم الحزبية. والأمر مفيد أن يستنفر المخلوعون ما تبقّى من قواهم للردّ على كتاب، وكاتب لا يمتلك سوى سلاح النقد، لفترة عاشها وخبرها، وكتب عنها من خلال شخصية شيوعية مثيرة هو عامر عبدالله، كجزء من مراجعاته الماركسية، ولا يهم البحث عن الحقيقة إن تعرّض للسباب والشتم والاتهامات والقدح والذم والتعيير، " فالإناء ينضح بما فيه"، وتلك إحدى مآثر علم النفس الحديث، ولاسيّما نظرية العالم سيجمند فرويد حول "الإسقاط" حين يحاول الإنسان أن يسقط ما عنده على الغير في مسحة لإبعاد الشبهات التي تظلّ تحوم حول أسئلة عالقة، حتى وإنْ احتمى "بالجماعة" وقبِلَ بالتدجين وسلّم بخنوع بالمقسوم، وصدق  الرسول محمد (ص) في قوله " إذا بُليتم  بالمعاصي فاستتروا"!.
والأمر مهم أيضاً حين يتم تناول كتاب لأنه يعود إلى مدى تأثير موضوعه والمقصود عامر عبدالله، ثم مدى تأثير كاتبه وصدقيته، خصوصاً لجمهور القرّاء، ولاسيّما لعدد واسع من الشيوعيين السابقين والحاليين، اتفقوا أو اختلفوا مع بعض توجهاته، لكنهم قرأوا باهتمام بالغ ما كتب، إضافة إلى شخصيات وطنية متعدّدة ومن اتجاهات مختلفة. وقد أبلغ الناشر " دار ميزوبوتيميا"، إن الكتاب قد نفذْ (فقد بعد ثلاثة أشهر من صدوره)، ولم يصادف أن نفذَ لديه كتاب بهذه السرعة وبهذا القدر من الطلب عليه، والأكثر من ذلك أن هناك كما نقل الناشر من قام بمحاولة استنساخ الكتاب وبيعه بطريقة غير قانونية ودون موافقة دار النشر، للطلب عليه، وطلب مني إصدار ما يشير إلى إن مثل هذا الأمر غير قانوني، وإن هذا الاستنساخ التجاري غير مرخّص من قبل الكاتب الذي لم يخوّل أحداً فيه، لكنّني اعتذرت عن ذلك وقلت إن ذلك من مسؤوليات دار النشر، وليس من مسؤولية الكاتب، وإذا اقتضى الأمر طبعه مرّة ثانية، فستكون طبعة محسّنة ومنقّحة.
استنفار واستفزاز
وثمة أمر يثير التساؤل: هل يستحق كتاب لكاتب مثل هذا الاستنفار؟ أم إن وراء الأكمة ما وراءها، بمن فيه لبعض من لم يقرأ الكتاب أو يطّلع عليه أو مرّ عليه مروراً سريعاً أو تصفّحه، دون مناقشة الإشكاليات التي تتعرّض لدور عامر عبدالله وأطروحاته ومساهماته بخصوص الحرب العراقية – الإيرانية، والمؤتمر الرابع والظواهر الغريبة في حياة الحزب وصولاً إلى حالات تعذيب وقتل تحت التعذيب، ثم باستدراج عناصر من إدارة الحزب إلى بغداد وبقائها لأسابيع تحت رحمة الأجهزة المخابراتية العراقية، ثم مغادرتها أو غضّ الطرف عنها خلال وجود وفد "الجبهة الكردستانية" للمفاوضات مع الحكومة العراقية بعد فشل الانتفاضة العام 1991، والأمر ليس افتئاتاً أو إساءة لأحد أو إشاعة يتم تردادها أو تهمة تتم محاولة إلباسها بغرض التشكيك، بل واقعة حقيقية مضى عليها اليوم أكثر من عقدين من الزمان، وهناك تفاصيل أخرى لا مجال لذكرها، وهو ما نقلته بعض القيادات الكردية العليا وأكّده بعض من خضع لمثل ذلك " القدر"، ولكن إدارة الحزب السابقة سكتت عنه ولحد الآن.
وشمل الحديث عن عامر عبدالله بعض آرائه وتوجهاته كجزء من تاريخ الحزب والكونفرنس الثاني العام 1956 والنزعة العروبية والتجديدية التي سادت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وتغيير أساليب الكفاح من التوجّه السلمي إلى الخيار العنفي بعد انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر.
وليس بعيداً عن ذلك العلاقة مع سلام عادل بما فيها من عناصر وصل وعناصر فصل، وود قبل الثورة ونكد بعدها والعلاقة مع قاسم وملابساتها ، وخصوصاً موضوع إشراك الحزب الشيوعي بالحكم وتظاهرة 1 أيار (مايو) واجتماع تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) العام 1959 للجنة المركزية والنقد والنقد الذاتي، وصولاً إلى عقوبات عامر عبدالله وتنحياته المتعدّدة وعودته، وغيرها من القضايا ذات الطبيعة الإشكالية، التي حاول الكتاب مناقشتها بشفافية.
تلكم ملخّص مكثف للقضايا التي تناولها الكتاب، فضلاً عن جوانب شخصية تخصّ عامر عبدالله وطفولته ومدينة عانه وعائلته ودراسته وترجماته وكتبه وغير ذلك، إضافة إلى عدد من القضايا الشائكة والملتبسة، بما فيها خط آب العام 1964 ومسألة "العمل الحاسم" العام 1965 والتحالف مع البعث العام 1973 ودور عامر عبدالله وانفضاض عهد الجبهة وفترة المنفى واشكالياته ومشاكله، وهي قضايا تحتاج إلى حوار هادئ ومفتوح، وبقلب حار ورأس بارد، بعيداً عن الزعم باحتكار الحقيقة أو إدارة الظهر عن مشكلات حقيقية عانى منها الحزب، وهي التي أوصلته إلى ما وصل إليه الآن من أزمة بنيوية مستفحلة، قبل وبعد انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وانحلال الاتحاد السوفييتي وارتباك الخطاب الآيديولوجي، والانتقال من ضفة الولاء المطلق للسوفييت، إلى الحديث عن مقتضيات العولمة والتكيّف مع النظام الدولي الجديد ودور واشنطن فيه.
الإستنسابية الشيوعية
إن عقدة احتكار الوطنية لدى صدام حسين وحزب البعث، ولاسيّما خلال الحرب العراقية- الإيرانية، تتلبّس بعض إداراتنا وإداريينا، لاسيّما الذين تم الاستغناء عن خدماتهم تلك التي تزعم حقها في احتكار اسم الشيوعية وحق النطق باسمها، وكأنها عقار تتصرف بملكيته بموجب سند بالطابو أو علبة من زجاج تخاف عليها من الكسر،وتحاول حملها معها أينما حلّت وارتحلت، "حفاظاً"على نقاوة الماركسية، حتى وإن انتهى أمرها بتقديم أوراق اعتماد امتحان الكفاءة إلى بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، حسب تعبير الروائي والكاتب سلام عبّود، من جانب الأمين العام السابق والأمين العام الحالي، ليختار من يجده مناسباً، وهو ما حاول بريمر أن يطرق عليه في كتابه " عام قضيته في العراق".
لم يعد أعداء الحزب من الإمبرياليين والصهاينة، فهؤلاء أصبحوا بعرف بعض إداريينا وذيولهم "المجتمع الدولي" والقوى الكبرى، ولا يمكن مواجهة الولايات المتحدة بعد تبدّل ميزان القوى وانهيار الكتلة الاشتراكية، وكأنها قدر أقرب إلى "الحتمية التاريخية" التي كان البعض يتشبث بها، مثلما يتشبث المسلمون بالبسملة. وأصبحت "إسرائيل" لديهم جزءًا من القدر الحتمي الأمريكي، ويتحدث بعضهم عنها بصفة أقرب إلى الاستشراق والمستشرقين، وكأننا لسنا أبناء هذه المنطقة وشعوبها التي عانت من عدوان وإرهاب وعنف الصهاينة وحماتهم الامبرياليين، لدرجة إن منظمة حماس وحزب الله وحركة الجهاد ومنظمات مقاومة أخرى، هي منظمات إرهابية بعرف هؤلاء وذيولهم ومتفرعاتهم، لا تختلف عن داعش والقاعدة وجبهة النصرة، بل ويذهب بعضهم حتى دون حياء إلى اعتبار سبب عدوان "إسرائيل" على غزة في عملية " الجرف الصامد" العام 2014 يعود إلى استفزازات حماس ، ولا فرق لدى البعض بين حركة تحرّر وطني ، وإنْ كانت تحمل في خطابها وممارساتها نواقص وثغرات وعيوب، وبين حركات إرهابية لا برنامج لها ولا وسيلة لديها سوى العنف والقتل والإرهاب، وإذا كانت المقاومة تلتجئ إلى العنف اضطراراً، فلأن الوسائل الأخرى انعدمت أمامها من أجل التحرير واستعادة الحقوق، علماً بأن القانون الدولي أعطى للشعوب المستعمَرة والتابعة ، حق اللجوء إلى القوة وإلى جميع الوسائل المشروعة لنيل استقلالها وانعتاقها.
لكل قاموسه
سأهمل جوانب التجريح الشخصي والتطاول والإساءة المقصودة والاستفزاز ومحاولة إبعاد الحوار عن هدفه وهو إجلاء الحقيقة، وجرّه إلى لغة مهاترات لا تغني ولا تسمن من جوع، وأكتفي بالقول إن لكل شخص قاموسه ومن يريد التخويض في مثل تلك الأوحال، فلينتظر ما شاء، فلن يجد ردّاً، وقد خبرت مثل تلك الأساليب التي تحاول إيذاء الآخرين وقد سبق أن استخدمت بما يخجل الإنسان عن ذكره بحق نوري عبد الرزاق في رسالة حزبية مذيّلة من المكتب السياسي في العام 1989 ، وضد مهدي الحافظ على مدى زاد عن عقد من الزمان (كل عقد الثمانينيات)، وضد باقر ابراهيم وصلت درجة الشتائم والاتهامات الصريحة وضد عامر عبدالله وحسين سلطان وآرا خاجادور وحميد برتو وعدنان عباس، وقبل ذلك ضد بهاء الدين نوري وماجد عبد الرضا وخالد السلام وثابت حبيب العاني وصاحب الحكيم و"أبو عليوي (المناضل الفلاحي هاشم محسن)" ومظفر النواب وسعدي يوسف والقائمة تطول لتشمل عشرات ، بل مئات الكوادر وعلى مدى فترات زمنية مختلفة.
النتيجة واحدة وإنْ تعدّدت الأسباب، وباختصار فإن ذلك يعني في سلوك الإداريين إخراج غير المطيعين والمتمردين من " مجتمع المؤمنين" أو "جنّتهم" حتى وإنْ كان بينهم ما صنع الحدّاد، وهذا يعني حسب منطق المقدّس والمدنّس "الحكم على الخارجين بالذهاب إلى جهنم"، وهي الوسيلة التي استخدمت في جميع الأحزاب الشمولية في الحكم وخارجه، وفي أوروبا الشرقية بشكل خاص وفروعها ما أطلقنا عليه " دول التحرر الوطني" ، مثل التجربة البعثية والناصرية والقذافية والبومدينية واليمنية الجنوبية وغيرها.
ولنا من تجربة أفغانستان وأثيوبيا والانقلابات والمؤامرات "الماركسية" الدموية خير دليل على ذلك، مضافاً إليه تجربة الحرب الأهلية بين القبائل "الماركسية" اليمنية في 13 كانون الثاني (يناير) العام 1986، التي راح ضحيتها أكثر من 13 ألف مواطن شهيد وضحية، وقد حاول عامر عبدالله في حواراته مع الكاتب مقارنة مجزرة قاعة الخلد بحق القيادات والكوادر البعثية في العام 1979 بمكيدة "المؤتمر الرابع" والتي عصفت بنصف القيادة الشيوعية وعدد من الكوادر الحزبية في العام 1985، وإنْ كان الفارق أن البعث في السلطة، وأن المؤتمر الرابع انعقد والشيوعيون بين المنافي والجبال البعيدة والمناطق النائية.
وقد انقلب السحر على الساحر لاحقاً فأطيح بعدد من المشاركين المتحمسين لخطة المؤتمر الرابع واعتبروا فائضين عن الحاجة وأصيب بعضهم باليأس والمرارة والاندحار لكنهم استمرأوا سياسة الخنوع وأوجدوا لأنفسهم أدواراً لمداراة حرصهم وطريقة إخراجهم من الإدارة.
لا زال البعض من إداريينا يتشبثون ببعض المقولات الستالينية حتى وإن كانت صدئة وعفا عليها الزمن، وهم يرددون: إذا وجِدَ حزبان شيوعيان في بلد واحد، فأحدهما انتهازي، بل ويزيدون على ذلك بدمغه بالخيانة، فكيف الأمر إذا كان فرداً يعتز بحمله راية الشيوعية، ولكن ليس على الطريقة العاطفية، ويستخدم عقله وضميره ويعترف بتقصيراتنا ونواقصنا ويحاول وضعها في سياقها التاريخي وهو يكتب عن الحزب وتاريخه. إن حالة التطيّر التي تصيب بعض الإداريين، حتى وإن كانوا بدون إدارة حالياً، هي دليل على أنهم لا يزالوا يعيشون في الماضي ولا يريدون الخروج منه.
كتب وإشكالات!
وقبل أن أنتقل لمناقشة بعض الموضوعات ذات الصلة، أذكر أنه عندما صدر كتابي "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" في العام 1985، ولقي إقبالاً واستحساناً، على الرغم من منعه في عدد من الدول الخليجية في حينها، علّق أحد الإداريين أنه " ترجمة" وليس تأليفاً، ونسي أن الترجمة علم بذاته، ولست بقادر عليه، ولم أزعم أنني مترجم، حتى عندما ترجمت كرّاساً (أعددته مع مقدمة) ونشرته على خمس حلقات في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان " مذكرات صهيوني" أشرت بهذه المناسبة إلاّ أنني لم أقم بترجمته حرفياً، بل بإعداده، وقد صدر لاحقاً بكرّاس عن دار الصمود العربي في بيروت.
ولأن الموضوع كان مثيراً بالنسبة لي، فبذلت جهداً لإطلاع القارئ العربي عليه، وهو بالأساس أربع حلقات نشرت في صحيفة " المنبر" التشيكية في السبعينيات، وتتحدث عن علاقة الصهيونية بالنازية والتنسيق بينهما عن طريق إيغون ردليخ أحد قيادي المنظمة الصهيونية ماكابي هاكير، حتى وإن كان في السجن وقد أعدم في وقت لاحق، لكن مذكراته عُثر عليها في سقف أحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف بعد 23 سنة على إعدامه، ونشرت بعد حين.


547
المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى /ح 3
النظام لاحقني بشكل استثنائي إثر صدور كتاب النزاع العراقي- الإيراني

وتلك كانت مفردات لمحاضرة لي في الكويت، وأخرى في الجامعة اليسوعية في بيروت بتحريض من الصديقين جهاد الزين وحامد حمود العجلان، وهو الأمر طالما بقيت أبحث عنه في العديد من الحوارات واللقاءات والكتابات والاستفهامات مع عدد من الشخصيات الفكرية والثقافية، لا فيما يتعلق بالنجف، بل بالتاريخ والأحداث والسرديات والذكريات والمذكرات، خصوصاً من يمتلك قدرة في قراءة نقدية للماضي، بكل ما له وكل ما عليه.
وإذا كان هذا الاستهلال يخصّ عامر عبدالله ارتباطاً بحوارات ومدارات ومفهومات سبق للكاتب أن عرض بعضاً منها، وهو إذْ يتابع استكمال بعضها، فلأن بعض ما لديه لم ينفض الغبار عنه بعد، خصوصاً حوارات في موضوعات شائكة وتقييمات لأشخاص ومواقف وأحداث، وذلك ضمن منهج اتبعه الكاتب مع شخصيات وازنة ومبدعين نافذين، ويحتفظ ببعض قصاصات جمعها في أوقات مختلفة وبلقاءات منقطعة ومتّصلة مع عامر عبدالله وعنه، عن مدينة عانة والعانيين عموماً، وعلاقتهم بمدينة راوة، فضلاً عن دعابات وطرائف، كان مخزون عامر عبدالله غنيّاً بها ويعرضها بمنهج سسيوثقافي فيه الكثير من النقد الذاتي، مثلما هي علاقة البيبسي كولا بالحداثة مثلاً، أو ماركس بأكلة البامية وهكذا.
في المثقف وفقه الأزمة، أعود إلى ما كتبته في كتاب عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل" وما رافقه من ردود فعل إيجابية أو سلبية، إذْ يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من الذاكرة:
الأولى- الذاكرة الانفعالية، وهي شكل من أشكال الإرادوية التي يتم إسقاطها على الواقع، سواءً لتصفية حسابات أو لتبرير مواقف أو صرف النظر عن أخرى أو تحميل مسؤولية إلى جهة وتبرئة النفس عن أخطاء وممارسات أو غير ذلك، وهدف هذه الذاكرة ليس الاستذكار أو التذكّر أو إعادة قراءة الحدث التاريخي انطلاقاً من تكوّنه والعناصر الجديدة التي ظهرت عليه والوقائع المضافة التي أعقبته، والمؤثرة في تقييمه بالطبع، لاسيّما خلاصاته التاريخية، أي أخذه بسياقه التاريخي وربطه مع غيره من الأحداث، مستفاداً من العبر والدروس التي أفرزتها التجربة التاريخية، وعكس ذلك فإن الانفعالية ستؤدي إلى التقولب، خصوصاً إذا حُدّدت الوظيفة مسبقاً خارج سياق الوقائع التاريخية أو حين تتم قراءتها بطريقة مبتسرة وانتقائية والتي ستؤدي إلى الإخلال بتفاصيلها، ولعلّ بعض هذه القراءات، هي محاولة لنقض كل ما عداها لدرجة لا يمكنها أن ترى التطورات التي حدثت والوقائع الجديدة التي يمكنها تغيير مسار الوجهة الأولى، التي غالباً ما أنتجت تخندقاً سياسياً وعصبوية آيديولوجية، ترى في نفسها أفضلية على الآخر وتزعم امتلاك الحقيقة.
الثانية- الذاكرة الحسيّة، وهي القدرة على تذكّر واستذكار الأحوال والأهوال أحياناً على نحو خام، أي من خلال مفردات ووقائع وتفاصيل عند حدوث الفعل التاريخي، ولكن قراءته تأتي بعد حين، بما تُرك وما استقر في الذاكرة، باعتباره واقعاً لا جدال فيها، خصوصاً إذا ما استمرّ الوعي يشحن الانحياز المسبق، وعدم الرغبة في رؤية ما استجد وما أضيف إلى الواقعة التاريخية، بحيث يؤثر على مسارها. وبكل الأحوال فإن المادة الخام يمكن تكييفها أو إعادة عجنها حسب قراءة المؤرخ أو الشاهد أو المشارك، وفقاً لتوجهاته ودرجة وعيه ومقدرته على ملامسة الحقيقة.
الثالثة- الذاكرة المنظّمة، وهذه الذاكرة لا تقتصر على المادة الخام وإنْ كانت هذه ضرورية ولا يمكن الحديث عن ذاكرة دون هذه المادة الأولية، ولا على الرأي المسبق بالطبع، الذي يتناول الحدث بطريقة انفعالية، بالاصطفاف والتمترس، بزعم الأفضليات أو ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما تقوم على تذكّر واستخلاص المعاني التي تنتظم الذكريات في إطارها، وهذا الناظم يقوم على المادة الخام (المادة الأولية التي تتألف منها الوقائع) وصولاً إلى الدلالة، خصوصاً بفعل التحقّق، وذلك بإضفاء التفسيرات والتأويلات على النص أو الحدث أو الواقع المعيش، ونحن نتحدّث عن تاريخ مضى، وبذلك يمتزج الفكري بالتاريخي، والاجتماعي بالنفسي، والقراءة المجرّدة، بإعادة ترتيب الصور والأحداث، على نحو عضوي بتوليف عناصره، من خلال إعادة قراءة الحدث في سياقه التاريخي.
بهذه الصورة حاولت أن أقدّم عامر عبدالله من خلال محاولاته لقراءة ما حدث على نحو يؤشر وبخطوط ملوّنة إلى الواقع من خلال قراءة جديدة، وسعيت أن يشارك فيها جمهور القرّاء أيضاً، من خلال نقد ذاتي لعدد من التوجهات التقليدية السائدة والمستقرّة، أو التي تلقى المسؤولية فيها على الأعداء، وهم يتحمّلون قسطهم الكبير والوافر في ذلك، لكن عبر مراجعة لأخطائنا ونواقصنا وبعض مواقفنا وممارساتنا، على نحو يتّسم بالأريحية وعدم المغالاة. وسبق للكاتب أن قال لأكثر من مرّة إن إخفاء النواقص والعيوب والتغطية على المثالب والثغرات، هو مجافاة للحقيقة وإساءة كبيرة لتاريخنا المضيء والمليء بالعناصر الناصعة والمشرقة.
إن فعل التذكّر يشكل عنصراً أساسياً في استعادة بعض الوقائع التاريخية، مضافاً إليه فعل النقد والمراجعة، من خلال مسار تاريخي كان عامر عبدالله فيه هو صانع الحدث والمشارك فيه والشاهد عليه وذلك بإخضاعه لفحص وتدقيق ومناقشة ورؤية مختلفة أحياناً، لكن ذلك لم يكن يرضي أصحاب الذاكرة الانفعالية بشكل خاص، خصوصاً وأن الكاتب حاول استرجاع الحدث والتعرّف على تفاصيله وكأنه يحدث اليوم، من خلال ما وقع فعلاً مقارنة بأكثر من مصدر أحياناً، والأمر يحتاج إلى تمحيص وتقليب من زوايا مختلفة، إضافة إلى ما اكتسبه الإنسان من معارف جديدة، وما أضيف إليه وما كتب عنه وما ظهرت من حقائق بخصوصه، وهي محاولة درج عليها منذ ثلاثة عقود، وفي ذلك اتفق واختلف مع صانع الحدث وشاهده ومع آخرين.
المعرفة مرتبطة بالزمن الحاضر، حتى وإن كنّا نتحدث عن التاريخ، فهناك عناصر مكوّنة لها، منها درجة التعلّم والاكتساب، إضافة إلى التكوين والتخزين والاسترجاع والاستجماع والاستيعاب والإحاطة والاستنهاض والمقارنة والمقاربة، وذلك في إطار مصهر أكاديمي ومحاولة الابتعاد عن العواطف والهوى المسبق قدر ما يستطيع، ولا شكّ إن في كل ذلك تجري أحياناً عمليات انتقاء واختيار حسب القدرة على الانتباه ودرجة التأثير ومدى التشكّل في نسيج الوعي، وهو ما يحدّده علماء النفس من علاقة بين الذاكرة المادية والذاكرة الروحية، وما تبقى من الأولى في الدماغ من معلومات، ناهيكم عن طريق استحضارها، في حين أن الثانية تختلف أحياناً مع العادة التي تأتي من خلال التكرار والإعادة وعنصر الاستخدام.

القسم الثاني
المثقف والموقف من الآخر

1-   كتاب وملاحقة: الصراع على الوطنية
حين صدر كتابي " النزاع العراقي- الإيراني" في بيروت العام 1981 هاجت المخابرات العراقية للبحث عنّي سواءً لتصفيتي ومحاولة إيذائي على أقل تقدير، وكنت قبل ذلك قد كتبت مقالتين بذات المضمون في صحيفة تشرين السورية بعد عدّة أسابيع من اندلاع الحرب ( العام 1980). وعلى طريقتها المعروفة إنْ لم تستطع الوصول إلى هدفها، فتحاول المخابرات الانتقام من الأهل والعائلة والضغط عليهم بجميع الوسائل عسى أن تفلح في إضعاف خصمها، ولجأت إلى اقتحام منزلي ومنزل شقيقتي سميرة، الملاصق له في منطقة العطيفية – شارع المحامين، واحتجزت من في المنزلين، ومكثت فيهما لمدّة خمسة أيام، مع الوالد عزيز جابر شعبان الذي كان قد تعرّض إلى حادث سيّارة مدبّر قبل فترة قصيرة من هذا التاريخ، وبقي طريح الفراش حتى وفاته في مطلع العام 1985 ، والوالدة نجاة حمّود شعبان التي تحمّلت القسط الأكبر من الأذى وبقية أفراد العائلة.
وعلى مدى خمسة أيام جمعوا مكتبتي وجميع مقتنياتي الشخصية بما فيها شهاداتي الدراسية وصوري ورسائلي وأطروحاتي وثلاث مخطوطات كنت أعدّها للطبع، ونقلوها إلى المخابرات، حيث اقتادوا أفراد العائلة جميعهم إليها، واستبقيوا هناك، وأرسلت والدتي إلى بيروت للقاء بي، وتلك قصة أخرى سبق لي أن رويت جوانب منها بما يسمح فيه المجال، سواء في حواراتي مع د. حميد عبدالله لتلفزيون الاتجاه (خمس حلقات) أو لصحيفة الناس لمحاوري الإعلامي والكاتب توفيق التميمي الذي نشر منها 24 حلقة، ثم جمعها مع إضافات أخرى لتصدر في كتاب بعنوان "المثقف في وعيه الشقي".
وكان عامر عبدالله قد سألني لماذا تعتقد إن المخابرات العراقية استهدفتك بالذات، بعد أن عرف بإرسال والدتي إلى بيروت بهدف الضغط عليّ: ألأنك ممثل الحزب في العلاقات في الشام أم لنشاطك المعروف أم بسبب كتاب " النزاع العراقي- الإيراني"؟ وهنا لفت نظري إلى مسألة مهمة وحسّاسة لم أكن أعطيها الأهمية الكافية، خصوصاً وإن القوى والمواقف التي تعارض النظام كانت كثيرة ولها منشوراتها، لكن على ما يبدو أن موضوع الكتاب كان له وقعٌ آخر.
كان عامر عبدالله قد استحسن مادّة الكتاب وتوجّهه، وطالبني بتوسيعه، وكتبت لاحقاً عدّة دراسات بخصوص الحرب والنفط، والحرب والقضية الكردية، والحرب والصراع العربي- الإسرائيلي، وبانوراما الحرب، والحرب والحسم العسكري، وأسرى الحرب في القانون الدولي، وحرب المدن، وسيناريوهات الحرب، وحرب الناقلات، وعشرات المقالات غيرها في العديد من الصحف والمجلاّت الفلسطينية والسورية واللبنانية، كما ألقيت محاضرات في إطار رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين وفي مواقع فلسطينية للجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة النضال الشعبي، وبعد ذلك في مواقع قوات الأنصار في كردستان، في منطقة بشتاشان وأشقولكا وغيرها.
بارزان التكريتي
قلت لعامر عبدالله ما قاله مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي في حينها كما عرّفت به والدتي حين خاطبها " السيد العام" كما كانوا يطلقون عليه " والمدير الكبير" كما أسمته: بأن الكتاب موجود على طاولة السيد الرئيس منذ شهر (المقصود صدام حسين)، وقد أطلعها على نسخة منه في الدُرج، وقالت إن لونه وردي، وقرأت اسمي عليه. وتنبّهتُ وأنا أطلب نسخاً من الناشر الرفيق "فخري كريم" (دار الطريق الجديد) إلى نفاذه بسرعة من مكتبات بيروت، وحرصت على بعض النسخ المتبقية التي أرسلت إلى منظمة سوريا وبعضها جلبته من اليمن عند زيارتي لها، وهي لا تتعدّى بضعة نسخ، فاحتفظت ببعضها.
واتّضح أن السفارة العراقية في بيروت في حينها قامت بشراء كمّية كبيرة من النسخ وأرسلتها إلى بغداد بطلب من الأخيرة، كما يبدو، وحينها أدركت سبب الاستهداف الحقيقي، فلم يكن النشاط المعارض ضد النظام وحده، فهناك كثيرون، بل أكثر مني "خطراً" على النظام، وأنا لست سوى كاتب أعزل لا يملك سوى سلاح النقد، وهو لا يعيره النظام أي اهتمام، فكما هو معروف كان نظاماً دموياً لا يضع أية اعتبارات لما تخشاه الكثير من الأنظمة عادة، إزاء سمعتها وتورّطها بأعمال إرهاب وبطش، فما الذي يدفعه لمثل ردّ الفعل هذا إزاء صدور كتاب، لم يقرأه سوى مئات في أحسن الأحوال، في وقتها؟.
ولكن للنظام حسبما يبدو حسابات أخرى تتعلق بالصراع الفكري والسياسي، وهنا أدركت على نحو أكبر وبشكل مباشر دور الكلمة، خصوصاً عندما تكون مؤثرة، فهي مثل المدفعية الثقيلة، فإذا أحسنت استخدامها في الميدان على نحو صحيح، فإن مفعولها سيكون ماضياً، والعكس صحيح أيضاً، وتلك بعض جوانب المعركة الآيديولوجية والدعائية، الأمر الذي كان يقتضي متابعته من جانب النظام، وهو ما دعاه لاستهداف صاحب الكتاب، علماً بأن الكثير من الأدبيات والمطبوعات كانت تهاجم النظام وتلعنه صباح مساء، سواءً من جانب الإسلاميين أو الشيوعيين أو الحركة الكردية أو البعثيين الموالين لسوريا أو غيرهم، لكن ذلك شيء، والحجج القانونية التي تعكّز عليها في شن الحرب، والتي قام الكتاب بتعريتها ودحضها شيء آخر.
المختلف في الكتاب الموسوم " النزاع العراقي- الإيراني: ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" إنه يدافع بلغة واضحة ولا غموض فيها عن حقوق العراق الوطنية التاريخية في الماء واليابسة، ويندّد بالاتفاقيات غير المت