عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - شوقي يوسف بهنام

صفحات: [1]
1
ديالكتيك المهاجر والــُمهجر
رؤية نفسية


شوقي يوسف بهنام
ناقد وأكاديمي



قلنا في سطور سابقة (1) ان هناك فرقا بين عمليتي الهجرة والتهجير . علاوة على ان مفهوم الهجرة مفهوم لم يتفق عليه العاملين في حقول العلوم الاجتماعية لمشاكله القانونية والاجتماعية والإنسانية وغير ذلك . وسوف نطرح مسألة نفسية بحصر المعنى لأنها تخصنا كبشر أولا وأخيرا . هذه المسألة هي " بقية العمر " . كيف ينبغي ان نعيشها أو كيف ينبغي ان تعاش . وكلما اتسعت المسافة بينهما كلما تفاقمت الازمة  النفسية  لكليهما . وأول خبرة نفسية توجههما هي الندم remorse فالأول ندم لأنه هاجر بينما الثاني يندم لأنه لم يهاجر بعد . وتبدأ صفحة المعاتبات والملامات بينهما . وهكذا يدور الاثنين في حلقة مفرغة . والأول يحاول التعويض النفسي للثاني بتقديم النصح والمشورة بعدم الهجرة تارة ودعم خطابات البقاء والولاء تارة أخرى . وكل منهما ينطلق من قدراته وإمكانياته ومؤهلاته وحجاته ودوافعه في الحالتين . ولا أريد ان اعلق على حالات العودة أو لنقل خبرة الفشل في التوافق مع البيئة الجديدة المهاجر إليها فيختلق الف عذر وعذر حتى يبرر فشله وعدم قدرته على ذلك التوافق . بينما الثاني يصور الهجرة ، في اي بلد كان ، فردوسا ارضيا لا يستطيع رسم معالمه من فرط الانبهار به !! . ويدعو ابناء جلدته الى حذو حذوه . والشماعة التي يتكأ عليها الجميع هي الأمن . ولا بأس من الوقوف عند مفردة الأمنSecurity  في منظور العلوم الإنسانية  حتى نعرف الى مدى توظف هذه المفردة في تبرير عملية الهجرة . ويقول اصحاب معجم العلوم الاجتماعية عن هذه المفردة ما يلي :-
1-  الأمن في أساسه السيكولوجي شعور بالهدوء والطمأنينة وبعد عن القلق والاضطراب ، وهو شعور ضروري لحياة الفرد والمجتمع . ومن أهم أسبابه اطمئنان المرء على نفسه وماله ، وثقته باحترام حقوقه ، وإحساسه بالعطف والمودة ممن يحيطون به . ويتولد هذا الشعور عادة منذ الطفولة ، فمن ربى على الخوف والرهبة كثيرا ما يحمل بقايا من ذلك طوال حياته . ويطمئنه انتشار الأمن والطمأنينة  في المجتمع .
2- ومن واجبات الدولة الأولى حفظ الأمن داخل البلد ومنع العدوان الخارجي ، و لا سبيل لاطمئنان نفوس أفراد الشعب اذا كانوا مهددين في أرواحهم أو أموالهم ، والحروب مدعاة للقلق والاضطراب دائما ، وهي مرحلة استثنائية في حياة الأمم ، لذلك كان لا بد الى جانب الأمن القومي من امن دولي حاولت هيئة الأمم المتحدة حراسته والسهر عليه ، وكثيرا ما عز عليها ذلك .
3- ومن مقتضيات الأمن ان يطمئن الفرد على قوته وقوت عياله ، وكيف يتوفر الأمن لجائع أو محتاج !؟ وتعنى الدول العصرية بتوفير أسباب الأمن والضمان الاجتماعي ضد الفقر والمرض والشيخوخة . وقد صدرت قوانين للضمان الاجتماعي في بلاد كثيرة ، صدرت في مصر منذ عام 1950 ، وعدلت وتوسع فيها بعد ذلك . واضحى نظام التأمينات الاجتماعية شاملا لقسط كبير من العاملين ، ويقضى منطق الاشتراكية ان تؤمن أسباب العيش لأبناء الشعب جميعا " (2) . ذلك إذن مفهوم الأمن كما تفهمه العلوم الاجتماعية (الإنسانية) . ومن هنا دواعي الهجرة . والعلاقة بين الهجرة والامن علاقة عكسية  ، فكلما استتب الأمن فلت دواعي الهجرة العكس هو الصحيح . الا ما يلفت النظر في واقعنا  هو هذه الصورة المتناقضة التي نراها في جموع المهاجرين في أرجاء المعمورة . صورة عدم العودة وفي نفس الوقت المناداة الهجرة . وما ينبغي توثيقه للتاريخ قد يكون مدعاة لإزعاج البعض من دعاة التمسك بتربة  الوطن . ونحن نعلم ان أول من هاجر من ارض الوطن هم الإخوة الاثوريين منذ بداية الستينات ، وفق ما نعلم ، وتلاهم الكلدان والان بدأ السريان بحذو حذوهم . والمفارقة العجيبة ان الذين هاجروا  قاموا بتشكيل الاندية والحركات والاحزاب وهم في الخارج او تمويل البقية الباقية من أهل الداخل وكلها مكرسة لعدم الهجرة او وفق التعبير السائد لديهم وقف نزيف الهجرة . المهاجرون استقروا وكونوا رؤوس أموال وشركات واسهم والبعض منهم وصل الى مراكز حيوية في البلدان التي هاجروا إليها . كيف يروج آشوري او من أصول آشورية أو كلدانية  أصبح وزيرا أو محافظا او مسؤولا  في السويد او النرويج او هولندة او الويلات المتحدة  الى وقف الهجرة وهو أصبح حاملا لجنسية البلد الذي هاجر اليه . أليس في هذا تناقض وازدواجية في المشاعر والسلوك والاتجاهات ؟؟؟ وتقام المؤتمرات والندوات للحد من الهجرة والقائمين والمشرفين عليها يعودون إدراجهم في أوطانهم الجديدة ليمارسوا حياتهم اليومية التي اعتادوا عليها هنا او هناك . الذي يريد  الحد من الهجرة عليه ان يدعو الى الهجرة المعاكسة ويكون أول المنفذين لها والقائمين عليها . ما فائدة من تعاطف الذين يجلسون في نوادي أوروبا الليلية ، ويفعلون ما يفعلون ، ويتحاورون حول الشعب ووحدته ومصيريه وهم يدفعون دولارات قد لا تساوي ثمن اقداح الوسكي او البيرة التي يحتسونها في تلك النوادي هناك دعما للشعب الذي يقولون عنه بان حالته مزرية  !!! . وتتسع الهوة السيكولوجية بين الـُمهاجر وأخيه في الوطن عندما يسمع الروايات والحكايات ؛ سواءا أكانت مختلقة ومن نسج الخيال او واقعية لوضعية لذلك الذي غادر وطنه وهو يذرف الدموع على أطلال وطنه . تلك الاخبار سوف تزيد من هموم الذي لم يهاجر بعد . ويلاحقه السؤال مت سوف يهاجر ويعيش مثلما يعيش فلان وفلان وعلان في هذا البلد او ذاك الذي منحه شقة ورتبا شهريا وتأمينا صحي وكل مباهج الحياة الأخرى التي نراها او نعرفها او نتخيلها . سوف أموت في قريتي التعيسة التي تفتقر الى ما تفتقر ولا أرى ألمانيا او أمريكا او الدنمكارك او السويد او استراليا بكل مباهجها وأساليب لهوها وحياتها .وسوف يقال له سوف تعمل طوال اليوم أنت وزوجتك وبنوك حتى تعيش يومك . وهكذا تتوالد الصراعات التي تعج بها النفس التي لم تهاجر بعد . ويزور المهاجر وطنه وهو يحمل في حقيبة سفره ما لم يحلم به ذاك الذي لا يتمكن من مغادرة قريته خوفا من هذا السبب او ذاك . ويقص القصص ويروي الحكايات حول الحياة في المهجر ويأتي ليختار زوجة لابنه او زوجا لابنته . لا ثقة في نساء وفتيات هولندة وأمريكا يختار فتاة من قرقوش او تلكيف او برطلي وغيرها . يتزوجها ويسافر الى بلده الثاني الحامل لجنسيته وفي الوقت نفسه يترك بضعة دولارات في جيب احدهم  ويذرف بضعة دمعات ويستقل طائرته ليكون في موعده في حياته الجديدة ناصحا أخيه الذي منحه تلك الحفنة من الدولارات : اياك .. اياك  ان تتخلى عن هويتك وآثرك (وطنك)  وتغادره ولا تذق طعم المرارة التي نذوقها كل لحظة هناك . قلوبنا ودولارتنا (الفائضة ) في خدمتكم وخدمة قضايا شعبنا . اعتذر يا أخي من الاستمرار معك لأن موعد طائرتي قد حان .. علي ان أكون في المطار في الساعة الفلانية . وهكذا يستمر هذا الديالكتيك بين من الداخل مع من في الخارج الى ما لانهاية . وهكذا تتلاشى تلك الهوية التي صارت شماعة في فم فلان وفلان أولئك الذين ما زالوا يحلمون ان يكونوا اعضاء في البرلمان او في هذا الموقع او ذاك . ومتى وصل الى هدفه ملأ وجيوبه وانتهت دورته فيغادر مثلما غادر أسلافه ويسلم الراية .. اعني راية الهوية والقضية الى اولئك الذين ما يزالوا  يحلمون مثلما حلم هو في وقت ما من الاوقات وليصير داعية وبطلا لقوميته او لشعبه ...!!          
    
الهوامش :-
1- بهنام ، شوقي يوسف ، شعبنا وأحلام ودغدغات الهجرة ، موقع عنكاوة ؛ المنبر الحر .
2- نخبة من الاختصاصين المصرين والعرب ، معجم العلوم الاجتماعية ، ص 66 -67 .  
 
 

2
                                                                        بسم الاب والابن والروح القدس
                                                                               الاله الواحد امين
قداسة مار اغناطيوس افرام الثاني كريم بطريرك الكنيسة السريانية الارثوذكسية

اتقدم اليكم بأحر التهاني والتبريكات لأختياركم أبا وبطريركا لكرسي انطاكيا للسريان الأرثوذكس من قبل أباء المجمع السنهاديقي المقدس خليفة لمثلث الرحمات مار أغناطيوس الأول عيواص.
اننا نصلي من أجلكم من أعماق القلب، طالبين لكم من رب المجد مخلصنا يسوع المسيح أن يمنحكم القوة والإيمان لتقودوا دفة هذه الكنيسة الى ميناء السلام وخاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وخاصة العراق سوريا. تقبلوا منا يا صاحب القداسة تهانينا متمنين لكم الصحة والسلام وسنرافقكم بصلاتنا دائما ولتكن بركة الرب معكم وتقود خطاكم.
شوقي يوسف بهنام
استاذ جامعي
كلية التربية - الحمدانية
جامعة الموصل

3
                                      وحدة الشعب الى أين ؟؟
                                                                                                                                        شوقي يوسف بهنام
                                                                                                                                           ناقد وأكاديمي
لا تعني مفردة الشعب أو الأمة Nation كما يتبادر الى الذهن العام  مجموعة بشرية ما قد تكتلت ، كيفما اتفق ، وصارت مزيجا اجتماعيا عرفت بالأمة أو الشعب . وابسط تعريف لهذا المفهوم هو كما يقدمه أهل الاختصاص في مجال العلوم الاجتماعية فهو .. اعني مفهوم الأمة " مجتمع كبير ، له صفات موحدة ، وشعور عام متجانس ومصالح عامة موحدة ، ويقطن إقليما جغرافيا واحدا ، وتستمد الأمة قوتها من حضارتها المميزة ، التي تقوم على ركائز عدة ، أهمها: التاريخ المشترك ، واللغة الواحدة ، والدين الواحد . وقد يكون للأمة كيان سياسي واحد ، كما قد تكون لها كيانات متعددة " (1) . ويعرفه معجم العلوم الاجتماعية على انه :-
1-  لغة ، جماعة من الناس تربطهم صفات وعادات متجانسة .
2- اصطلاحا ، مجتمع بشري ذو نظم وتقاليد معينة تحقق وحدته ، وينتمي الى وطن واحد . وهي في الغالب امتداد للأسرة . ومن أخص خصائصها ثقافة مشتركة تنمو على مر الزمن ، وتعيش بأهداف واحدة ، وبفضلها يتحقق وجود الأفراد وتقاربهم في تعاون وتراحم .
3- يذهب رينان الى ان قوام الأمة الاشتراك في ماض زاخر وتراث حافل بالانتصارات والآلام ، وفي ارادة صادقة للمحافظة عليه ، وفي رغبات مشتركة يسعى الجميع الى تحقيقها .
4- تحتاج كل أمة الى نظام سياسي واداري هو ما يعرف بالدولة (Etat) ، ولكن هناك دولة تنتظم شعوبا مختلفة كالاتحاد السوفيتي وكندا . وقد يكون للأمة أكثر من لغة كما هو الشأن في سويسرا ، وأكثر من ثقافة وطنية كما هو في الصين ، وأكثر من دين كما في الهند .
5- على الرغم من الاختلافات العنصرية والدينية واللغوية في الأمة الواحدة ، فأن افرادها يلتقون عند شعور بوحدة روحية وأخلاقية مشتركة ، ومن هنا تمتاز الأمة عن الدولة . وقد كانت الدولة النمساوية مؤلفة من عدة أمم ، والأمة البولندية تحكمها ثلاث دول مختلفة .
6- نمت فكرة الأمة بظهور القوميات الحديثة في أوروبا ، كالأمة الايطالية ، والأمة الأسبانية ، وتوطدت في القرنين 18 ، 19 . وكان لليعاقبة  * شأن في هذا التطور ، وبلغت الفكرة قمتها في القرن العشرين . وأصبحت رمز الأفراد والدول ، وملجأهم الذي ينتسبون اليه ، ويفخرون بانضمامهم تحت لوائه ، وهي فوق الطوائف والطبقات ، وفي سبيلها يضحى الفرد بكل شيئ . والعلاقات الدولية إنما هي صلات وروابط بين الأمم (2) .
تلك إذن هي معاني مفردة الأمة أو الشعب كما تعرضها أو تقدمها المراجع المتخصصة في هذا المجال . ونحن عندما نتعامل مع المفردة لا نتعامل على أساس انها لصالح هذا أو ذاك بل نتعامل معها كمفردة لها استخدامها في لغة العلوم الاجتماعية على وجه الحصر . هل كتابنا يتعاملون مع مفردة الأمة على هذا الأساس ؟؟ . سؤال مفتوح نتركه لكل من يتعامل مع المفردة سواء أكان على علم به أم كان على النقيض من ذلك . ونتمنى من كتابنا حين يكتبون عن قضايا الأمة ان يكونوا على دراية فيما يكتبون ويطرحون الأفكار  وينطلقون من مسلمات صحيحة وسليمة ومرجعيات موثوقة في مرجعيتها . ولكن للأسف الشديد  نرى في الساحة الإعلامية صورة معاكسة لذلك تماما . حيث التناحر والاختلاف والتمزق هو لسان حال كتابنا ومنظرينا في تلك الساحة !! وحتى التراشق بالألفاظ والعبارات غير اللائقة هي السائدة في تلك الحوارات . ووحدة الشعب هي الشماعة وهي كبش الفداء للذين يحملون الفلم ويكتبون . سواءا أكانوا كتابا  يمتلكون مؤهلات الكتابة السليمة أم أشباه الكتاب كما يحلو للبعض من ان يطلق هذا النعت لمخالفيه في الرأي . لكن نحن نعتقد ان من يكتب في مجال ما ينبغي ان يكون مؤهلا تأهيلا أكاديميا سليما حتى يمكنه من ان يكتب على النحو السليم . فالكتابة ليست هواية أو رغبة عابرة أو تمرين بل هي مسؤولية تاريخية خطيرة لاسيما اذا كان موضوع الكتابة وثيمتها خطيرة ومصيرية مثل وحدة الشعب أو هويته أو تاريخه أو حضارته . ولا ينبغي لكل من هب ودب من ان يقوم بذلك و كائنا من كان !!! . فعندما أتناول موضوعا يخص علم الآثار Archaeology   ، واغلب مشكلاتنا في ما يخص التسميات مرتبطة بهذا الميدان بشكل أو بآخر ،  ينبغي ان احمل تأهيلا – على الأقل أوليا – في هذا المجال وعندما أكون كذلك فينبغي ان أكون في منتهى الحذر في فيما اكتب لأن الأبحاث في محال الآثار وكذلك في المجالات الأخرى في تقدم مستمر بحيث لا يمكن للباحث الواحد ان يلم بكل ما يكتب في مجال ما وبلغات مختلفة كثيرة . وهكذا مع كل ما نكتب من هموم وقضايا تخص وجودنا وكينونتنا ومصيرنا وآمالنا . وينبغي ايضا ان تكون لغة الكتابة لغة مسئولة ويحسب لها الف حساب بعيدة عن العواطف والانفعالات والمواقف الآنية . الخبرة في مجال الكتابة المتخصصة حول هذه القضايا مطلوبة إذن . ما يهمنا من هذا الاستطراد هو تحديد ملامح ما يجري الآن في الساحة . وما تزال الأنفاس التي تفرق وتمزق وتشتت هي المهيمنة على هذه الساحة لأسباب لا يهمنا تحديد مصادرها وغايتها وستراتيجاتها . فعلى سبيل المثال لا الحصر ؛ الأحزاب التي تحمل مسميات كثيرة والتي في طور التكوين و التأسيس أو التي تفكر في التأسيس مستقبلا هي من الكثرة بحيث لا تتفق وحجم كثافتنا السكانية في واقعها الحالي . وتمنى بان ما سنقوله الان لا يخدش مشاعر شخص ما او جهة ما . فالتكوينات الجماعية التي تسمى أنفسها أحزابا أو حركات والتي جاءت عقب الأحداث التي مر بها العراق إنما هي في الواقع تكوينات قبلية وعشائرية بالدرجة الأولى . وفي الواقع نحن غير ملمين ذلك الإلمام الكافي بخلفية تلك التكوينات الجماعية التي ظهرت على مسرح الأحداث ومن دون سابق إنذار . وظهرت ومعها برامجها السياسية ومفاصل تركيباتها التنظيمية . وكل منها يدعي بأنه الأم والأصل والأساس وما علينا نحن الا الانتماء والأتباع والانقياد و...و...و ونظرة الى كم الحركات التي راحت تتسابق في الحضور وتتفنن في وسائل الإقناع والتأثير . والخلافات والنزاعات والشقاقات حادة  فيما يبنها ؛ فهذا " بازنيا " وهذا " تيراياي ** " وهذا " اشتنايا " وغيرها وغيرها من تسميات قبلية وعشائرية جاءت معهم . ولو تأتي الى مسميات تلك الحركات لوجدت العجب العجاب فيها . فهناك العشرات من الفصائل والحركات والأحزاب !! لا مجال لذكرها جميعا هنا . سواء في الداخل أم في المهجر (3) . والتي تعد من مصادر التمويل الأساسية للحركات التي تعمل في الداخل . ونظرة فاحصة نقدية للخطابات والبرامج التي تطرحها هذه الحركات على شكل كتيبات أو كراسات لا تحمل بعدا إيديولوجيا بالمعنى المتعارف والمألوف للمفردة . بل كلها تتمركز وتدور حول وحدة الشعب ووحدة هويته . كل هذه التجمعات السياسية اصطبغت بالصبغة الآشورية أو الآثورية لأنها جاءت من الجبل !! . وتتكأ هذه التجمعات على مأساة مذبحة سميل على سبيل المثال كمحرك أساسي للنضال القومي أو الوعي القومي الذي نشأ لديهم . من جانب آخر وعلى أثر الكم من الحركات السياسية التي ظهرت عند الآشوريين برزت مشاعر مشابهة للتسيس لدى الكلدان . فظهرت محاولات للتنظير وإعادة كتابة التاريخ من جديد وتبين ان كلدو هو اسبق من آشور . ولذلك كان كلدو هو الأجدر بالزعامة وقيادة الشعب . وكتاب " عامر حنا فتوحي " " الكلدان منذ بدء الزمان " هو نموذج لهذا الخطاب . فالكلدان هم أقدم شعوب الارض بالنسبة لهذا الخطاب . وهكذا برز تيار ثاني لهذه الأقلية السكانية التي تمثل هذا الشعب الذي لا يزال حتى اليوم يسعى الى إثبات وتحديد هويته ومن يكون . بقي الشق الثالث الا وهو السريان . ونحن نعلم ان السريان الكاثوليك مثلا هم مرغمون للانسياق مع تيار الكثلكة لأعتبار عقائدي بحت فهم مع الكلدان في تبعيتهم لبابا روما (4). فما يسري على الكلدان يسري على السريان الكاثوليك . وبالفعل خرج السريان برد فعل مماثل ومشابه للكلدان والآشوريين . فكانت الحركات السريانية . كانت الأولى منها حركة السريان المستقل . ولحسن الحظ لم تتكئ هذه الحركة على المعتقد المذهبي ظاهريا على الأقل . وراح السريان يروجون الى  فكرة انهم بقايا الشعب الآرامي .. وينقسمون الى سريان مشارقة وسريان مغاربة . وهكذا تتولى الحركات والأحزاب والكتل . وهذه تنشق من هذه او هذه تعود الى تلك  أو هذا ينظمان الى مسمى واحد والجميع يدورون ويلتفون حول مفردات أو كلمات أو حكايات او أسطوريات أو موروثات أو أو ... والشعب يبقى بلا وجهة يتوجه نحوها ولا طريق واحد يسلكه . أخيرا نتساءل :
حتى متى يبقى البعير على التل !! 
                 
الهوامش :-
1- د. سليم ، شاكر مصطفى ، 1981 ، قاموس الانثروبولوجيا ، جامعة الكويت ، الكويت ، ط1 ، ص 666 .
* اليعاقبة : جماعة أطلق عليهم هذا الاسم نسبة الى دير القديس يعقوب في فرنسا ، الذي اعتادوا الاجتماع فيه ، دافعوا خلالها عن إلغاء النظام الملكي في فرنسا مطالبين بنظام حكم جمهوري يحقق المساواة والعدل بين الناس . اعتبر هذا النادي بمثابة بذرة لنشوء الأحزاب ، عند تأسيسه بتاريخ 10-1790 ، وكان يتألف هذا النادي من 152 عضو شكل كتلة داخل الجمعية التأسيسية خلال الثورة الفرنسية ، وانتخب ماكسميليان روبسبير رئيسا له ، وعقب سقوط الملكية في فرنسا عام 1792 انتخب رئيسه أول مندوب لباريس للمؤتمر القومي . في عصر الإرهاب تعرض زعيم اليعاقبة روبسبير ومائة من أعضاء النادي للإعدام بالمقصلة . (الموسوعة الحرة – شبكة الانترنيت) ولا علاقة لهؤلاء باليعاقبة من أتباع يعقوب البرادعي صاحب المذهب اللاهوتي المعروف . ولذلك اقتضى التنويه .
2- نخبة من الباحثين المصرين والعرب ، 1975 ، معجم العلوم الاجتماعية ، ص 65-66 . 
** عذرا لصعوبة اللفظ .
3- سوف نعالج سايكولوجية المهاجر وعلاقته بالوطن في حلقتنا المعنونة " ديالكتيك المهاجر والمهجر " .
4- ليست مهمتنا ان نعالج قضايا الانتماء الكنسي أو اللاهوتي قدر ما نريد ان نطرح رؤى للانتماء السليم دون ظهور مشاعر التخندق لهذا المذهب أو ذاك . ونحن نعالج وحدة الشعب القومية ، وفقا للتسميات ، وليس وحدة الشعب وفقا للاهوتيات !!! .
 

4
                                                  شعبنا  ودغدغات  وأحلام الهجرة
                                                       رؤية نفسية اجتماعية                                                                                                                                                                                                            شوقي يوسف بهنام
                      
                                                                                                                                                                                    
قبل ان نتناول موضوع الهجرةMigration  في ضوء الوضع الراهن للأحداث التي تجري في مناطقنا المحلية والإقليمية لابد من الوقوف على دلالة المفردة في ضوء محددات ودلالات المفردة كما يعرفها علماء العلوم الإنسانية ، فهي :-
1- يستعمل لفظ هجرة في العلوم الاجتماعية للدلالة على تحركات جغرافية لأفراد أو جماعات ، وهناك هجرة داخلية وأخرى خارجية ، وهجرة اختيارية وأخرى قهرية ، وهجرة كاملة وأخرى ناقصة ، وتحاول الهيئة الدولية للهجرة وضع تعاريف دقيقة لهذه الأنواع المختلفة حتى يمكن المقارنة الإحصائية بين الهجرة الى الداخل والهجرة الى الخارج . وأوضحت هيئة العمل الدولية  أن تشمل الهجرة الدائمة انتقال الفرد من دولة إلى أخرى ليقيم بها مدة تزيد عن الشهر وتقل عن عام للقيام بمهمة أو لشغل وظيفة .
2- وقد قررت هيئة الأمم المتحدة  مناقشة الخبراء أن تعتبر التحركات التالية نوعا من الهجرة :-
أ – المسافرون من غير السياح ورجال الاعمال والطلاب أو من يحملون جواز مرور .
ب- المسافرون غير المقيمين على الحدود ويقتضى عملهم تخطي الحدود باستمرار .
ج – المسافرون من غير اللاجئين  أو الأشخاص الذين نقلوا لظروف قاهرة الى غير وطنهم ، ويعتبر المسافرون الذين يبحثون عن عمل بصفة مستديمة أو موسمية أو مؤقتة ومن يعولونهم مهاجرين وتعد حركاتهم هجرة .
د – ويقسم بعض الاجتماعيين التحركات الدولية الى نوعين من الهجرة : الهجرة الأولية والهجرة الثانوية . ويقصد بالنوع الأولي التوطن  في جهات غير مأهولة بالسكان ، ويقصد بالنوع الثانوي الإقامة بين المواطنين والاندماج فيهم والتكيف بوسائل معيشتهم ، وتتميز الهجرة الثانوية بشيء من العنف لمحاولتها إفساح مكان لها قد يكون على حساب غيرها .
هـ - والهجرة الداخلية هي التحركات السكانية التي تحدث داخل حدود الدولة ، في حين ان الهجرة الخارجية هي التحركات السكانية عبر الحدود الإقليمية . وما زال موضوع الهجرة الخارجية يثير مناقشات بين الاجتماعين للاتفاق على الشروط التي ينبغى ان تتوافر كي يعتبر شخص ما مهاجرا . وفي مقدمة الشروط المقترحة توافر نية الإقامة في البيئة المهاجر إليها والاستقرار فيها لفترة معينة . وتحدث الهجرة ، في الغالب ، استجابة لما يتوقعه المهاجر من تحقيق غاية أو الوصول الى أمنية . وهناك هجرة قهرية كالتي تحدث للفارين من وجه الغزاة أو على اثر اضطهاد ديني ، وهناك هجرات تاريخية كبرى بني إسرائيل من مصر وهجرة محمد واصحابة من مكة الى المدينة (1) .
يمكننا إذن ان نستنتج ان موضوع الهجرة موضوع مرتبط باهتمام وتنظيرات العاملين في مجال العلوم الإنسانية على وجه الحصر لاسيما علم الاجتماع . وليس من اهتمام عابر سبيل ما . وعلم النفس له حصته في دائرة هذا الاهتمام . حيث يهتم علم النفس حول سلوك وشخصية المهجر واتجاهاته بعد عملية التهجير خصوصا إذا اذا كانت عملية التهجير قد تمت والشخصية قد اكتمل بنائها النفسي والانفعالي والاجتماعي . ولا نجد تلك الآثار مع المهجرين الصغار . ولذلك فالهجر ترتبط ارتباطا ايجابيا بالفترة العمرية . فالمهجر الصغير هو الأكثر توافقا  وتكيفا مع بيئته الجديدة من المهجر الكبير . ولذلك نجد ان المهجر الكبير هو اكثر عرضه للإصابة باضطرابات التوافق السلوكية أو ظهور مشاعر ما يسمى بالحنين الى الوطن Homesickness   وما يرافقها من علامات وأعراض الحزن والاكتئاب والقلق واتساع المسافة القيمية بين الإباء والأبناء وخصوصا الصغار منهم . ويساهم علم النفس في دراسة اثر التهجير على الشخصية ومشكلات السلوك والتوافق مع البيئة الجديدة المهجرة إليها . حيث ظهرت الكثير من الدراسات والبحوث في دوريات علمية متخصصة في هذا المجال والكثير من وسائل القياس لموضوع الهجرة لا يتسع المجال لذكرها أو الوقوف عندها بشكل تفصيلي  (2). فالشعوب والحضارات عرفت ومارست وتمارس عمليات التهجير لهذا العامل أو ذاك عبر مختلف الحقب التاريخية المختلفة . والمشكلة تنبع من تفرق الجماعة وضياع أصولها إذا تمت عملية التهجير الى مناطق مختلفة . ومن هنا تأتي محنة أو أزمة الهوية . وهذه مشكلة يواجهها علماء النفس والاجتماع بشكل خاص في عمليات التهجير . علاوة على المشاكل القانونية والسياسية والدينية والعرقية التي تنتج من عملية التهجير .وعلى صعيد هذا الجانب أطلقت هيئة الأمم المتحدة مفهوم " لم الشمل " لجمع أفراد الأسرة الواحدة اذا كانت الهجرة فردية مثلا وهذا يتطلب كما هو معروف الكثير من الجهد والوقت والثمن مما يترك اثارا سلبية مختلفة الابعاد على الفرد أو العائلة أو المجموعة المهجرة . ان العلوم الإنسانية تهتم ليس فقط بدوافع الهجرة بل بنتائجها وآثارها على البناء النفسي للفرد أو الجماعة بمختلف أشكاله وصوره . ونأتي الآن على ما يشهده واقعنا الحالي لمعرفة موقع فكرة الهجرة منه . والواقع ان الموضوع ليس بالأمر السهل أو البسيط أو الهين مقارنة بالصورة الموجزة التي وقفنا عندها في السطور السابقة لهذا الموضوع . فالهجرة موضوع معقد وشائك . سواءا أكان فرديا ام جماعيا .. وسواءا أكان قهريا أو ذاتيا . فالهجرة كما رأينا في تعريفها المذكور أعلاه تبقى الهجرة خلاصا وفرارا من موقف مكدر ما والرغبة في مواصلة الحياة عبر بيئة جديدة لتحقيق الأحلام والرغبات . فالهجرة الإقليمية مشكلة كبيرة لدرجة ان هيئة الأمم المتحدة والعاملين معها  لازالوا ، كما قلنا ، غير متفقين على تحديد مفهومها أو شروطها  أو خصائصها حتى تميز هذا السلوك أو ذاك بأنه هجرة . ونحن نعلم ان هيئة الأمم لا تعمل بمعزل عن جهود الباحثين في العلوم الإنسانية لأنها بالأساس هيئة إنسانية  هدفها الاول هو الانسان بما هو إنسان أولا وقبل كل شيئ . والهجرة القسرية هي الأخرى من أنواع الهجرة  التي لها الكثير من المشكلات والصعوبات التي تعالجها ولذلك فأن هذه الهيئة خصصت لها قطاعا من قطاعاتها سمي بدائرة الهجرة والمهجرين . ان مثل هذه الهجرة مشكلة تواجه السياسة والعلاقات الدولية مثلا . ونحن لن نزج أنفسنا في هذا الجانب قدر ما هو إشارة عابرة لخطورة المسألة لا غير . ولذلك ينبغى ان نتعامل مع موضوع الهجرة تعاملا علميا صرفا بعيدا عن المواقف العاطفية والتوجهات الفردية أو ما يشابهها منطلقين من هذا الاعتبار أو ذاك . كما ان هذا الموضوع ليس من حقل دائرة لا تمتلك أرضية ممتازة وثرية في مجال العلوم الإنسانية . كما انها ليست موضوعا إعلاميا يتحدث به كل من يشاء ووقت ما يشاء . فهو موضوع يحتاج الى بحث علمي لا يتوافر الا عند الاكاديمين المهتمين بهذا المجال حصرا . فهو ليس موضوع السياسي ولا رجل الدين و لا الدعاة الذين يتكأوون على هذا المبرر أو ذاك . وينبغي ان نفهم بشكل سليم دوافع الهجرة .. اعني قياس مستوى الرأي العام قياسا موضوعيا وفق المناهج السائدة لفكرة الهجرة ودوافعها . انه الخطوة الأولى والأساسية لتلك العملية و لا يخضع للأهواء أو للمصالح الشخصية قبل المصالح العامة . جانب آخر هو تتبع عملية الهجرة تاريخيا لوقوف على مدى مسارها ؛ تزايدا أو تناقصا  ومرة أخرى تحديد دوافعها والأسباب التي أدت إليها . وهذا يساعد على برمجة وتنظيم عملية الهجرة في الحاضر أو المستقبل . الهجرة ظاهرة ، كما رأينا ، معروفة وشائعة إبان الأحداث غير العادية التي تواجهها المجتمعات الإنسانية من كوارث  طبيعية أو الحروب بنوعيها الداخلية والخارجية ، الصراعات السياسية والاجتماعية ، الاضطهاد العرقي أو الديني ، وما إلى غير ذلك من الأحداث التي تواجهها جماعة بشرية ما في مكان ما . هذه الإحصائيات لنسبة المهاجرين والمهجرين معا ضرورية لهندسة عملية الهجرة . وينبغي ان تقام تفرقة بين الهجرة والتهجير . في الحالة الأولى هي عملية اختيارية إرادية بينما في الحالة الثانية هي قسرية إجبارية . فعندما تكون اختيارية يكون دافعها هو مصالح الفرد أو الجماعة هو المحرك الاول لها . بينما يختلف الأمر في الحالة الثانية حيث يكون عامل النجاة هو المحرك الأساسي لها . وعندما تكون الهجرة اختيارا فالفرد هو الذي يتحمل مسؤولية سلوكه وآثاره وحده . بينما تكون مسؤولية الجهة التي سببت الهجرة هي الأساس في عملية التهجير في الحالة الثاني اي عندما تكون الهجرة قسرية . وإذا بقي هاجس الهجرة يطارد الفرد او الجماعة لهذا السبب او ذاك فأن الهجرة ينبغي ان تبرمج برمجة سليمة ومدروسة حتى يبقى عامل الهوية هو المحرك الأساسي لها . اننا نعرف في ضوء دراسات علم النفس الاجتماعي مثلا ان الفرد لا يستطيع ان يعيش بلا عملية الانتماء . فالانتماء هو الشرط الأساسي لديمومة الهوية الجمعية أو الفردية . وحتى تدام الهوية مع وجود هاجس الهجرة او أسبابها المباشرة والملحة فينبغي ان يكون التفكير في الهجرة أمر من أولويات تفكير الجماعة لضمان وتحديد مستقبلها . كما ان اختيار الجهة التي سوف يتم الهجرة اليها هو الآخر عامل خطير لديمومة تلك الهوية . فأين سوف تكون الهوية عندما نجد أفراد الجماعة متفرقين في ما يسمى بالشتات ؟؟ . ان الشتات هم جمعي  يسعى للعودة الى حلم الهوية وديمومتها . وهذه مشكلة تواجه الأقليات التي تعيش في مجتمع مغاير لها في هذا الاعتبار أو ذاك . ونحن نعلم ان موضوع الأقليات هو من اهتمام علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي . لأن لكل أقلية خصوصياتها القيمية والدينية والاجتماعية وما الى غير ذلك . وهذه الخصوصية تلزم الجماعة بالانصياع الى سياقات الأكثرية بدرجة أو بأخرى وبشكل أو بآخر . وأي خلل في علاقة الأكثرية بالأقلية أو العكس  يؤدي الى ظهور ما يسمى بلغة علم النفس السياسي بالصراع . وليس من شأننا هنا ان ندخل في التنظيرات حول ماهية هذا الصراع . ومعروفة آثار ذلك الصراع وأسبابه ونتائجه . ولذلك يبقى موضوع الهجرة موضوعا إشكاليا يواجه جميع الثقافات في مختلف الاوقات وليس شماعة ولا بوقا يستخدمه هذا أو ذاك . ولذلك كانت الهجرة الجماعية في مختلف الحقب التاريخية لمختلف الجماعات هي الحل الأنسب للحفاظ على ديمومتها  وهويتها . وتبقى الجماعة صاحبة الاختيار والقرار في ذلك . وخلاصة القول ان هندسة الهجرة هو السبيل السليم لها .                              
الهوامش :-
1-  نخبة من الاختصاصين المصرين والعرب ، 1975 ، معجم العلوم الاجتماعية ، تصدير ومراجعة : د. إبراهيم  مدكور ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، د . ط ، ص 629 .
2- يمكن للقارئ ان يتجول عبر شبكة الانترنيت للبحث عن موضوع الهجرة والدراسات والبحوث  التي ظهرت وتظهر في هذا المجال .            

5


 الناقد العراقي الدكتور حسين سرمك حسن   في موقع الناقد العراقي

د. حسين سرمك حسن : شوقي يوسف بهنام في مشروعه النقدي : إتساعٌ في الرؤيا .. ونضجٌ في الأدوات المنهجية
ادب, نقدحسين سرمك حسنالتعليقات : 0 بتاريخ : 2014/02/24
hussein 7
تضيق مساحة النقد الذي يعتمد على أطروحات ونظريات وكشوفات التحليل النفسي يوماً بعد آخر في العراق والوطن العربي والعالم . ويكفينا القول أن من يشتغلون عليه في العراق لا يزيد على أصابع اليد الواحدة . وهكذا هو الحال أيضاً في الوطن العربي . قد يعود هذا الإنحسار إلى اسباب عدة في المقدّمة منها زحف المناهج النقدية التي تتسلح برؤى الحداثة وما بعدها ، خصوصا التي تقوم على مبدأ فصل النصّ عن مبدعه ، وموت مؤلّفه (صار الحداثويون يسمّونه منشىء النصّ) من جانب ، وعن حواضنه الإجتماعية والثقافية والتاريخية من جانب آخر . صار استنطاق النص عبر مبدعه وربطه به بأي شكل من الأشكال سبّة ومثلبة . في حين أنك لو رفعت أقنعة نصوص رولان بارت مثلاً لوجدت وجه بارت نفسه ، وليس غيره (ومن اللامنطقي بل الجنوني أن نجدها فارغة) . وليس قليلا أن يتحدّث جاك دريدا عن تأثير جرحه اليهودي كما يصفه في بناء “فلسفته” وأفكاره .
وعلى الرغم من كل هذه الأطروحات فقد ثبت أن المؤلف هو الحي الذي لا يموت ، وأنّ من المستحيل إعلان موته أو عزله عن نصوصه . وهذه من أخطر أطروحات التحليل النفسي كنظرية ، ومن أبرز أدواته الفاعلة كمنهج . لكنني أحذّر هنا من الربط الفج بين المبدع ونتاجه من ناحية ، ومن الإستخدام العقائدي (القاطع الدوغماتي) لأطروحات التحليل النفسي من ناحية أخرى . أتذكّر حادثة قال فيها “كارل غوستاف يونغ” أنه لم يطرح على أستاذه فرويد قبل انشقاقه الأوديبي عليه ، حلماً تكرر في منامه كثيراً عن غرفة خفيّة في بيتهم ، لأنه كان يتوقع من فرويد أن يؤول الحلم بالقول أن الغرفة هي فرج أمّه !!
ويرتبط بهذا العامل أن أغلب النقاد الذين يعتمدون منهج التحليل النفسي في الوطن العربي – الذين لم يبق منهم حسب متابعاتي غير اثنين فقط – اتخذوه عقيدة ، وهذه كارثة أدّت إلى موت المنهج على أيدي أصحابه وبها ، قبل أيدي أعدائه . وهناك فارق جذري بين أن تكون النظرية عقيدة وأن تكون منهجاً . والطريق المستقيمة التي توصل إلى “انتحار” أي منهج ، هي أن تتحوّل أطروحاته وفرضيّاته إلى عقائد وآيات منزّلة لا يقربها – أبداً – احتمال الخطأ الموصل إلى المراجعة والتطوير . وقد أوصلنا هذا العامل إلى حال أكثر خطورة وأشد إثارة للألم ، وهي أن النقّاد المحلّلين ظلّوا مُحصّنين ضدّ التطوّرات الحديثة العاصفة في مجال النقد الأدبي بشكل خاص ، والنظرية الأدبية بشكل عام . لم يستطيعوا استيعاب الكشوفات الهائلة التي تحققت في المجالات الثقافية المختلفة وانعكست بقوّة على الممارسة النقدية ، وخصوصا في المجال اللغوي ، على الرغم من أن مفجّر أهم التحوّلات في هذا المنحى اللغوي وعلاقة الدال بالمدلول كان محللا نفسيا هو الفرنسي “جاك لاكان” ، بعد أن مهّد السويسري “دي سوسير” الأرضية النظرية (قبله عبد القاهر الجرجاني بعشرة قرون) .
وأعتقد أن من أهم العوامل في هذا الإنحسار ، هو شعور النقد الغربي – وهذا الشعور ينعكس على النقد العربي باعتبارنا نعتاش على أمصاله وأحياناً على نفاياته – بالنقص تجاه العلم وحركته الساحقة . حاول الناقد تقعيد فعله على أسس رياضية “علمية” مثل العالِم ، ولهذا اختنقت الدراسات والمقالات
شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام
النقدية بالجداول الرياضية والمعادلات الجبرية والأشكال الهندسية . وترتبط بهذا المناخ مواقف امبراطوريات الصناعات الدوائية التي ترفض التعامل مع لاشعور يؤمن به التحليل النفسي ولا تعلم اين يكمن لزرقه بالحقن وملء فمه بالأقراص والحبوب المهدّئة . التركيز على “العضوية” والتشخيص أثّر على حضور منهج التحليل النفسي في النقد والحياة الثقافية .
ومن الضروري الإشارة إلى دور أواليّة “المقاومة” كاستجابة نفسية لاشعورية تفزع إليها النفس البشرية تجاه العوامل التي تهدّد صورة نرجسيتها ، وتُنذر بكشف المسكوت عنه في أعماقها المظلمة . ولعل هذا من شرور التحليل النفسي التي لابدّ منها . والتحليل النفسي كما قال معلّم فيينا هو الضربة الماحقة الثالثة التي مزّقت نسيج النرجسية البشرية . فقد كان الإنسان  أولاً – يعتقد أن أرضه التي يمشي عليها هي مركز الكون الذي يدور حولها بأكمله ، فاثبت كوبرنيكوس العكس وأن الأرض ما هي إلا جرم صغير يدور حول الشمس . وكان الإعتقاد السائد – ثانياً – هو أن الإنسان هو نسيج وحده ، وهو الكائن الرفيع المقدّس ، فظهر أنه لا يزيد عن حلقة من سلسلة تطور حيواني مديد ، وأنه يشترك مع هذه الحيوانات في غرائزه وصراعاته من أجل اليقاء . ثم جاءت الضربة الثالثة على يدي معلم فيينا . فقد كان الإنسان معتزاً – بل مغترّاً – بعقله “الرسمي” الظاهر ، فظهر أن ما يحكم من عقلنا ما هو إلى عشر جبل الثلج الطافي كما يرد في ادبيات التحليل النفسي عادة ، وأن عقلاً خفيّاً – اللاشعور – هو الذي يتحكم في أغلب افعالنا ، ويصوغ جواهر أفكارنا ، بل يتلاعب بنا ويوصلنا إلى المهالك . وليس سهلا على النفس البشرية – نفس المبدع والقارىء وحتى الناقد على حد سواء – تقبّل منهج يشعر أنه قد بفضح صراعاته الدفينة ، ويقوّض ركائز نرجسيته .
ووسط علامات هذا الإنحسار المنذرة ، افرحني كثيراً تصاعد نشاط الناقد الأستاذ “شوقي يوسف بهنام” يوماً بعد آخر . ففي كل يوم يطلع علينا بدراسة أو مقالة أو كتاب تكتسب أهميتها من أن كاتبها من الإمكانات القليلة جدا في مجال النقد الذي يستخدم أواليات منهج التحليل النفسي في حقل النقد في الثقافة العراقية . وحين أقول : (في الثقافة العراقية) ، فلأن شوقي لم يقصر جهده على الجانب الأدبي والفني ، بل تعداه إلى حقول معرفية أخرى كما سنرى .
kh shawki 2وقد أختلف مع الناقد الأستاذ “شوقي يوسف بهنام” في موضوعات جوهرية كثيرة في الأسلوب والمنهجية اللذين يتبعهما في توظيفه منهج التحليل النفسي في النقد ، لكن من الضروري عدم التردد في إزجاء التحية المخلصة له على الجهد الهائل الذي يبذله في هذا الإطار ، والذي تابعت دراسات طويلة ومعمقة له نشرتها في موقع الناقد العراقي الذي أشرف عليه منذ 12/3/ 2009 وحتى الوقت الحاضر بصورة يومية . لقد نشر شوقي دراستين طويلتين بصورة حلقات :
1-    من أوراق حسين مردان السرية (7 حلقات) ؛ منها : حسين مردان وعوالم العقاقير المرعبة، رؤية نفسية لمجموعة “صور مرعبة” ، حسين مردان سيرة ذاتية ، الشبق الجنسي .. وغيرها .
2- ثم نشر حتى الآن أربع حلقات عن “أدونيس” منها : أدونيس وعذابات الانتماء – قراءة نفسية لقصيدة “لو سكنت” ، أدونيس وجنون الاستذآب – رؤية نفسية ، أدونيس والطائر الشمعي – رؤية نفسية ، وأودنيس وعصر الحذاء – قراءة لقصيدة (العصر الذهبي) . ومازلنا ننتظر نشر الحلقات المقبلة .
كما أصدر شوقي قبل شهر كتابين مهمين هما :
1-”الشافعي بوصفه رائداً للتحليل النفسي”
تناول فيه مجموعة من النصوص الشعرية والتي عالج خلالها الشافعي جملة من الظواهر النفسية والسلوكية ؛ الموضوعية منها والذاتية . واشتمل الكتاب (200 صفحة من القطع المتوسط) على (18) محورا عالجت موضوعات متفرقة ثرة وإشكالية منها : الشافعي والشعور بالذنب وسيكولوجية القضاء والقدر ، والشافعي والتعامل مع الانفعالات ، وقلق الموت ، والمستقبل عند الشافعي ، والشافعي واستشراف المستقبل ، والشافعي بوصفه رائدا للتحليل النفسي وغيرها .
2-”بلند الحيدري وتعشّق الظلمة”
وتضمن قراءات نفسية لبعض مجموعات الشاعر “بلند الحيدري” ، حاول الناقد فيها استجلاء العوالم النفسية لهذا الشاعر الذي ترك بصمته على الشعر العراقي والعربي الحديث . ومن عناوين قراءات هذا الكتاب (100 صفحة من القطع المتوسط) : أحزان الخيبة ، ضجيج الرنين ، الرحيل وسراب الخلاص ، من كوة الزنزانة ، حوار مع العدم ، من الأعماق ، وبلند وتعشق الظلمة .
kh shawki 3وقبل ايام صدر لهذا الناقد كتاب مهم آخر عن الشاعرة العراقية “لميعة عباس عمارة” عنوانه “لميعة عباس عمارة وهموم الضياع – رؤية نفسية” (182 صفحة من القطع المتوسط) . ومما يؤسف له أن نتاج هذه الشاعرة الحداثية المهم لم يحصل على الإهتمام النقدي اللازم الذي يتناسب مع الموقع الريادي لمنجزها ، ومع الشخصية الأسلوبية التي تمتلكها .
وقد ضم هذا الكتاب بالإضافة إلى قراءات نفسية مهمة لمجموعات الشاعرة : عراقية ، ولو أنبأني العرّاف ، ويسمّونه الحب ، دراسات مهمة أخرى منها : عذاب الكتمان .. قراءة نفسية لقصيدة “العطر المكتوم” ، لميعة عباس عمارة وأحزان أوديب ، صورة الأب عند لميعة عباس عمارة ، من عوالم ذات منجرحة : لميعة عباس عمارة ولعبة تفخيم الذات وتأليه الأنا ، مَنْ هو حبيب لميعة؟ رؤية نفسية لاعتراف صريح ، مشاعر الغيرة عند لميعة عباس عمارة .. وغيرها .
ولكن لدي مؤاخذات على مشروع الشاعر الذي تابعته بدقّة تفصيلية منها :
-عدم عناية الناقد بأدواته اللغوية من ناحية الأساسيات النحوية والقواعدية والإملائية ، الأمر الذي يضعف اقتدار الناقد وملامح شخصيته النقدية ، فالنقد ومهما كان المنهج الذي يتبعه هو عمل لغوي أولاً .
-إن تركيز الناقد على الجانب “المرضي” في النصوص الشعرية ، والمحاولة المستميتة في ربط النص بشخصية مبدعه ، ومحاولة كشف “العقد” النفسية في الجانب اللاشعوري المستتر ، والإمساك بتمظهراته النصيّة ، سوف تجعل النص وكأنه “مريض” يراجع العيادة .
-هذا الأمر يدفعنا إلى دعوة الباحث المثابر والمجتهد ليوسّع اهتمامه بحيث يشمل الجانب الجمالي وهو جانب أساسي في الإشتغال النقدي برغم أنه قال في مقدمة كتابه بأنه ليس مختصا بالنقد الأدبي وجماليات الشعر وأنه “قاريء نفسي” .
-ضرورة الإهتمام بدور اللاشعور في تشكيل التعبير اللغوي بدرجة اكبر وأوسع ، الأمر الذي توفّره محاولات معلم فيينا في هذا المجال وخصوصا في الفصول الأخيرة من كتابه الفتح “تفسير الأحلام” و “تحليل رواية غراديفا جنسن” وغيرها .
kh shawki 3وبين أيدينا الآن ، إنجاز جديد للناقد هو ” حجازي وأحزان البهلوان – رؤية نفسية” يتناول فيه المنجز الشعري للشاعر الكبير “أحمد عبد المعطي حجازي” ، هذا المنجز المعبّر عن التجربة الثرة والواسعة – زمنياً وإبداعياً – لحجازي الإنسان والشاعر . فقد طبع هذا الشاعر بصمته الشعرية ، والأهم – في هذا الزمن الرديء المدوّخ – بصمته الإنسانية السلوكية المقاومة في نفس وعقل المتلقي العربي . ويمكنني القول أن احمد عبد المعطي حجازي هو من الشعراء “الساموراي” الأخيرين ، والمثقفين “الساموراي” العرب الأخيرين في الحياة العربية . واهتمام الأستاذ شوقي يوسف بهنام بمنجز هذا الشاعر يصبّ في مجرى يكتسب جانبا كبيرا من أهميته من هذا المنظور .
أما السمة الأخرى في هذا الكتاب فهي درجة النضج التي حققها شوقي في تناوله لمنجز حجازي من ناحية الرؤيا والأدوات المنهجية . فقد اتسعت الرؤيا – ولم تضق العبارة طبعاً ، فهذا من شأن المتصوّفة ، وعلى الناقد المحلل أن يفيض ويتوسّع موضوعيا – وأصبح النص ملتحماً بمبدعه الذي لم يعد “يُحاسَب” إلّا من خلال صوره ومفرداته وتعبيراته ، والأهم ما تقدّمه “لغته” . وصار النص يؤخذ ككل .. كذات – في الحقيقة ذات مزدوجة : ذات النص وذات المبدع منسربة فيه – وكموضوع . أخذ شوقي النص كجزء من عالم كلّي متفجّر بالصراعات والمتناقضات وعلى محور الزمان في حركته الجدلية الخلاقة بين أبعاده الثلاثة المعروفة : الماضي والحاضر والمستقبل ، بدلا من التركيز على ماضي الشاعر والنص كما يحصل لدى المحللين عادة . ولو أخذتَ – على سبيل المثال – مقالته : “حجازي وحرائق الانتقام .. قراءة نفسية لقصيدة الاغتيال” ، لوجدتَ هذه الحركة الخلّاقة بين الشاعر والجلّاد ذهاباً وإياباً ، وتداعيات الذاكرة الجريحة ، وإحباطات النفس البشرية الموجعة التي يتعامل معها الناقد برؤيا الآن والراهن ، ليحقق تماهينا بها والتحامنا بآلام راويها وكأنها آلامنا نحن ، وتداعيات عصرنا المفزعة . هنا يعيد الناقدُ النصَّ إلى منطلقه ورحمه الأول الذي جاء عبر مخاضه وهو : الحياة – وليس العيادة  – الحياة العظيمة بكل أهوالها وفظاعاتها ونذر خرابها .
وفي مقالة ثانية هي : “حجازي واحزان البهلوان : قراءة نفسية لقصيدة مرثية لاعب السيرك” تلمس هذه الإحاطة الشمولية والنظرة الكلّية بصورة أكثر قوّة . فمن المهرّج إلى الشاعر ، ومن الأخير إلى ذواتنا .. ثم عودة معاكسة تليها رجعة أخرى .. وهكذا . فالمهرّج هنا ليس مهرّج “بيكاسو” في لوحته الشهيرة . قد يكون فيه شيء من هذا . لكن فيه الكثير – في البداية على الأقل – من مشاعر بهلوان “نيتشه” . هذا ما أمسك به شوقي بإحكام غائصاً في المعنى الوجودي العميق ، المتمثل في السطوة الرهيبة والحتمية للمثكل : الموت كما وصفه جدنا جلجامش ، متحرّراً – أقصد الناقد – من أطر وقيود النظرة التحليلية التقليدية .
وفي أغلب المقالات التي ضمّها هذا الكتاب ، يركّز الناقد على الإرتفاع بالهمّ الإنساني والإنشغالات الأساسية المستخلصة من النصوص إلى مستوى الهمّ الجمعي والإنشغالات الروحية الخَلاصِية العميقة ، بعيداً عن دائرة الإنشغالات “العضوية” – وهي فردية بطبيعتها – التي ينهمّ بها النقّاد المحلّلون عادة . يتجلى هذا في مقالة ” حجازي سجينا : قراءة نفسية لقصيدة السجن” حيث يصبح الوطن – بل العالم كله – سجناً كبيراً يشعر الشاعر بثقله وطغيانه من مدخل تجربته الفردية في السجن . وكذلك الحال في مقالة : “حجازي عاريا : قراءة نفسية لقصيدة : لا أحد” حيث يغترب الإنسان عن ذاته حدّ التمزّق النفسي والخراب العقلي .
وقد تناول شوقي نصوص الشاعر بصورة مقتدرة ، وفق تقنيات التحليل النفسي في التعامل مع الحلم أو النصّ الحلمي ، الذي يفترض وجود طبقتين مضمونيتين لكل حلم : طبقة المعنى الظاهر – manifest content المراوغة المجازية والمربكة ، وطبقة المعنى الباطن – latent content التي تلوب في أحشائها الرغبات والصراعات اللاشعورية ، وتتحكّم في تشكيل الشكل الشعري خصوصاً في مكوّنه الرمزي عبر عمل الحلم – dream work الماكر الخلّاق . وهذا الأمر جعل الناقد يستهل أكثر مقالاته – أو يضمّتها – بتمهيدات ووقفات عن معاني وتداعيات الرموز المركزية في النصوص كما حصل في مقالات مثل : حجازي عارياً (رمزية العري) ، حجازي وعصاب الهجر (رمزية العين) ، حجازي متحسّراً (رمزية الزورق) .. وغيرها . وقد اعتمد الناقد على مرجع رئيسي واحد في هذا المجال ، هو كتاب “معجم الرموز” للباحث “خليل أحمد خليل” ، الأمر الذي حدّد سعة وثراء الرؤية التحليلية في ارتباطها بمتغيّرات النص نفسه ، خصوصاً أنَ خليل أحمد خليل لم يتناول الرموز من منظور التحليل النفسي بصورة أساسية .
وكملاحظة أخيرة ، لن أمل من كثرة التنبيه على ضرورة الإهتمام باللغة كأداة وحيدة وحاسمة للتوصيل بين يدي الناقد . فقد يُفسد الرداء اللغوي المهلهل أو الفضفاض أجمل الأجساد المضمونية ، ويضيّع ملامحها ، ويشوّه رشاقة معانيها .
وفي الختام أحيي الجهد الرائع والمثابر للناقد “شوقي يوسف بهنام” .
بغداد المحروسة
21/11/2013


6
                                                      رؤى سوسيولوجية وسيكولوجية  حول وحدة الشعب
                                                                   
                                                               
انشغل الفكر الأوربي ، خصوصا ، في نهاية القرن الثامن عشر بموضوع القومية أو الهوية الذاتية للمكون الاجتماعي ؛ أقليات أم أكثريات ، إن صحت المفردة ، من التجمعات الإنسانية . وراح هذا الفكر ينشغل بعناصر تلك الهوية identity  فحاول حصرها بالأرض أو اللغة  أو العرق أو التاريخ  وظهر ما يسمى بعصر القوميات . ونحن نعرف من خلال فروع الانثروبولوجيا المختلفة ؛ الثقافية أو البيولوجية أو الا ثنوغرافية وغيرها من تلك الفروع ، انه ليس هناك من بدايات محددة لظهور النوع الإنساني على هيئته المعاصرة ولازالت هذه العلوم تعتمد على الحفريات الإنسانية التي تكتشف من حين الى آخر . وراح الفكر الأوربي يخلق فكرة الشعب الاول أو العرق الأفضل على الأعراق الأخرى مثل فكرة أفضلية الانسان الابيض  على غيره  واعتباره الانسان الأرقى !! . والواقع ان فكرة الشعب المختار لم تك جديدة على الفكر الإنساني ولكن الفكر الأوربي بلورها على نحو موضوعي أكثر من الأفكار السابقة لهذه الفكرة . وفكرة الشعب المختار أو العرق الأفضل تهاوت أمام ظهور تيارات فكرية تنطلق من الشمولية الإنسانية .. اعني وحدة النوع البشري باختلافاته العرقية معتبرا ان الانسان أثمن رأسمال  كما قال ماركس مثلا .. ولكن الشعور السايكولوجي  حتى عند فرويد المعلم الاول للتحليل النفسي لم يتمكن من التخلص من نزعة الشعب الأفضل أو الاول أو المختار بشكل من الإشكال . وليس هنا مجال لأن نخوض في موضوعية فرويد في هذا المجال . فكان الرعيل الاول من جيل التحليل النفسي كلهم من اليهود الاوربين الذين وظفوا معطيات التحليل النفسي لخدمة  سايكولوجية الشعب المختار . والواقع انه لا يمكن ان يتنصل الانسان من جذوره الانتمائية ، أيا كانت ومن اي أساس تنطلق . لأنه من خلال هذا  التنصل تموت وتندثر مشاعر الهوية وتتلاشى أمام الهويات الأخرى . وهذا ما نلاحظه في موضوع صراع الأقليات والاكثريات في اي مجتمع تكثر فيه ظاهرة التنوع الاثنوغرافي . ولا يزال هذا الموضوع يشغل الفكر السوسيولوجي والسايكولوجي والانثروبولجي بشكله الأكاديمي قبل ان يكون شماعة يتكأ عليها هذا أو ذاك من الدعاة  من أنصار الهوية الثقافية . ولم تنته الأبحاث في هذا المجال و التي يعج بها ميدان البحث الأكاديمي بدورياته ومجلاته العلمية المتخصصة . نحن لن نهتم ، هنا ، بما يدور في خلد الساسة في هذا المجال بل نحن نتناول ظاهرة إنسانية صرفة هي موضوع  أكاديمي من الموضوعات المهمة في اهتمام العلوم الإنسانية  قبل ان تكون راية يحملها هذا السياسي أو ذاك في هذا الظرف أو ذاك . موضوع الهوية ليس موضوع الشارع بمفرداته اليومية وليس موضوع الإعلام بصيغه وأساليبه  البراقة وليس موضوع الساعة ينتهي بانتهائها . نحن أمام ظاهرة من الظواهر التي وجدت منذ ان وجد الانسان ومن منذ ان تكاثر وانتشر . نأخذ مثلا صورة لهذه الظاهرة تناولتها التوراة بعد حادثة الطوفان وانقسام شعوب الارض الجديدة من أبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث . ولا شأن لنا بموضوع تبلبل الألسنة كما ترويها لنا رواية برج بابل عندما كان العالم شعب واحد او امة واحدة . فظهرت الأعراق والشعوب والاقوام والتسميات ووو . وبقعتنا الجغرافية ليست استثناءا من ذلك فنحن ورثة ذلك الانقسام العرقي ، إذا صحت العبارة ، واعتمادا على الرواية التوراتية . وما من شك ، ايضا بحسب تلك الرواية ،  ان الأقوام التي سكنت المشرق كانت من سلالة سام . بينما الأقوام الأوربية هم أبناء يافث والأفارقة من أبناء حام . نحن إذن ساميون بالمحصلة . والتقارب اللغوي هو مؤشر لذلك . ولكن ثمة حدث تاريخي ظهر على مسرح الأحداث الا وهو ظهور المسيحية كحركة دينية في المجتمع العبري  وكمؤسسة  في ما بعد . ظهور الكنسية هو بحد ذاته الغى فكرة القوميات ؛ انطلاقا من عبارة القديس بولس " لا عبد ولا حر .. لا يهودي ولا يوناني .. لا ذكر ولا أنثى .. الكل واحد في المسيح " . هذه الدعوة بحد ذاتها هي الخروج من صورة انتماء الى صورة انتماء أخرى . هنا أصبحت الكنيسة هي الخيمة التي تحتوي العرق . على الأقل على المستوى العقائدي بشخص المسيح . صحيح ان المسيحية لم تلغي العرق بشكله النهائي ذلك بقيت كل جماعة عرقية قد تشكلت على هيئة كنيسة ؛ فكانت كنيسة أورشليم ثم إنطاكية ثم روما ثم الإسكندرية لدى الأقباط وباقي الكنائس الأخرى كالكنيسة الارمنية والحبشية مثلا . ثم كان الحدث التاريخي الخطير في حياة الكنيسة . هذا الحدث كان منطلقا من إشكال لاهوتي لقراءة النص . مهما كانت الحركات اللاهوتية التي ظهرت في القرون السابقة على مجمع نيقيه عام 325  فلم تكن ذات تأثير مثل هذا المجمع . لقد كان هذا المجمع بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال في المثل الدارج . ولكن القشات الكبرى التالية كانت  مجامع افسس وقسطنطينية وخليقيدونيه  وغيرها وبعدها انقسام كنائس المشرق عن الكنيسة الغربية . لسنا معنين هنا بتاريخ الكنسية اللاهوتي (1)  بل ما يهمنا هو هموم وجودنا واشكالياته في المشرق ولاسيما في العراق وما يدور على الساحة الإعلامية ، على وجه الخصوص ، من مشادات وحوارات كثيرة بل وصيحات  من إطراف مختلفة وأشخاص كثيرين قد يكونوا على دراية بالموضوع أو يكونوا غير ذلك . قلنا ان موضوع الهوية الثقافية ليست موضوعا للكلام اليومي بل هي موضوع كبير ينتمي الى موضوعات العلوم الإنسانية . ومن ليس له باع أو تخصص في هذا المجال فعليه ان لا يقحم نفسه فيه لهذا السبب أو ذاك . ومن هموم هذه الأقلية ؛ شعبنا ، هي الوحدة والتسمية . فلا زال الشعب يرزح تحت تأثير القراءة اللاهوتية للنص بخضوعه لفكر هذه الكنسية وايدولوجيتها أو تلك . وتقام المؤتمرات واللقاءات والحوارات ولكن النتيجة هي الخروج بالسؤال الأزلي والأبدي معا .. من الأفضل  .. من الاول ... من الأجدر .. من الأقوى .. من الأكثر .. من الأكفأ .. من  الأصح . .. من الأنقى عرقيا .. ؟؟؟؟... وهكذا يخرجون لكي يدخلوا في حلقة مفرغة لا تنتهي . ثمة حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها . الا وهي ان العراق كان على طول التاريخ ضحية من ضحايا الحروب والغزوات والاحتلال والصراعات منذ بدايات ظهور الانسان فيه حتى أيامنا الراهنة !! . هل السبب يعود الى موقعه ؟ خيراته .. أرضه .. أم قدره اللعين . البلد محصلة كل هذه المتغيرات . فمن هو الأنقى ومن هو الاول فيه ؟؟؟ . لكننا في كل الأحوال نحن منتمون إليه شئنا ذلك أم أبينا . وما يجمعنا  هو حملنا لجنسيته ولاسمه . ولن نستطيع الإجابة على هذا السؤال . لسنا شعبا يعيش في حضارات ما قبل التاريخ ولا في قارة لا يصلها احد حتى نكون انقياء العرق والنسب . المهم ان نحافظ على ما تبقى لدينا من عناصر وحدة الهوية ؛ اللغة ، الموروث الحضاري بمختلف مستوياته ومن الإنتاج الفكري الراقي ووصولا الى مورثنا الشعبي الجمعي الذي ينبغى ان يعالج معالجة علمية أكاديمية رصينة وعدم الاكتفاء بالمحاولات الفردية والبسيطة ، الجانب المهم بل والاهم ، من الناحية الانثروبولجية والسوسيولجية والسيكولوجية هو المصاهرة والزواج دون الأخذ بنظر الاعتبار التسمية أو الانتماء الكنسي للحد من ظاهرة التفاخر بها .. اعني التسمية لخلق جيل يؤمن بهوية واحدة الشعب دون الاتكاء على هذه التسمية أو تلك من التسميات . وعلى الرغم من وجود تسامح جزئي إزاء ظاهرة المصاهرة الا اننا ندعو الى ترسيخها وتشجيعها بين عناصر (شعبنا) لكي ندعم ونعزز من وحدته .. فبهذه العملية وبها وحدها نحقق ذلك ..  سكان الجبل .. سكان السهل .. هذا نسطوري .. هذا يعقوب .. هذا كلداني .. هذا سرياني .. آشوري .. كلداني أو غير من ذلك من اتكاءات أو عكازات صارت شماعات ..  كيف نوحد الشعب وهذه العوائق والموانع لا زالت تفرز تأثيراتها على واقعنا الاجتماعي . نحن أقلية ما من شك في ذلك . وموضوع الأقليات موضوع ليس سياسيا بل هو من صميم  مجال علم الاجتماع الأقليات وسايكولوجيتها .. اما موضوع الهجرة فهو موضوع يحتاج الى بحث أكاديمي وموضوعي وليس الى وجهات نظر أنية  وانفعالية . في ختام هذه نقترح تسمية لهذا المكون الاجتماعي  هي مسيحيوا العراق لا غير .       
الهوامش :-
1-  انظر على سبيل المثال لا الحصر سلسلة الكتيبات التي أصدرها الأب جورج رحمة بعنوان " الكنيسة الكاثوليكية والبدع " وقد ظهر منها ثمانية  حلقات يتابع فيها الأب الوقور تاريخ الكنسية اللاهوتي ، 2009 ، مركز الدراسات والأبحاث المشرقية ، انطلياس ، لبنان وكتب كثيرة تناولت بقلم باحثين من الشرق والغرب  هذا الجانب الذي لم يحسم بعد .           
                                                                     شوقي يوسف بهنام
                                                                      مدرس علم النفس   
                                                                  كلية التربية – الحمدانية       
                                                                         جامعة الموصل 
                                                               shawqiyusif@hotmail.com     
                                                                        07701745658                       

7

نص الرسالة الموجهة الى بريدي الالكتروني متضمنة قبولي عضوا في شعبة الابداع والنقد وهي احدى الشعب التابعة للشبكة العربية للعلوم النفسية والتي انها عضوا بها

                                                          الناقد والاكاديمي
                                                        شوقي يوسف بهنام
                                                      كلية التربية - الحمدانية
                                                          جامعة الموصل

To: shawqiyusif@hotmail.com
dr.alyousef88@gmail.com
شكراً لك

تم الإطلاع على السيرة الذاتية وضم اسمكم الكريم لأعضاء الشعبة ( الإبداع والنقد ) ونتشرف بإنضمامك.

علماً بأنني أنشأت موقع واتس أپ للتواصل بيننا ، ويشرفني انضمامك ان أمكن إرسال رقم جوالك للتواصل في حال ناسبكم ذلك ، وإلا فسنستمر بالتواصل عبر الإيميل بإذن الله.

أخوك / د. محمد اليوسف

8
عن دار امل الجديدة - دمشق - سوريا  صدر الطبعة الاولى من كتاب " لميعة عباس عمارة وهموم الضياع "  للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام التدريسي في كلية التربية الحمدانية  - جامعة الموصل وهو يتضمن الحلقات الثلاثة عشرة التي نشرت في موقع الناقد العراقي وبعض منها في موقع عنكاوة ويقع الكتاب في مائة وستة وسبعين صفحة من الحجم المتوسط والكتاب متوفر لدى المؤلف للبيع
مع الاعتزاز


                                                                 الناقد والاكاديمي
                                                               شوقي يوسف بهنام






9
عندما يكون اللون دالا على الذات
مجموعة " اللون يؤدي اليه "

للقاص بولص آدم


ان الطبيعة الرثائية التي تتسم بها نصوص بولص آدم والمعنونة " اللون يؤدي اليه " توحي للمتلقي بانها تنتمي الى باب الاخوانيات . فمحور هذه النصوص هو شقيق صاحبها الفنان (الرسام لوثر ايشو) . والرثاء هو علامة من علامات قوة التأثير التي يتركها الشخص المرثي .. والراثي هنا هو شخص متلقي لهذا الاثر . معنى هذا ان العلاقة بين صاحب المجوعة وموضوعها هي علاقة تنتمي  الى دائرة التعاطف .. ويمكن القول انها تنتمي الى دائرة التماهي . وقد سماها بالوحشية تيمنا بالمدرسة الوحشية التي ظهرت في اروبا ضمن مدارس الرسم الحديث في مطلع القرن المنصرم . وعندما عنون الناص نصوصه هذه بهذا العنوان فانه يريد القول ان الفنان لوثر يمكن فهمه أعني عوالمه من خلال اللون . فاللون هنا هو لوثر نفسه . وهذا يعني ان قارئ اللون يتمكن من قراءة لوثر . فاللون عند لوثر يعنى دالة اليه .. علامة له .. وخمسة نصوص من المجموعة مهداة الى روح شقيقه .. وباقي النصوص هي انطباعات شخصية .. منها نص مهدى الى سركون بولص ونص اخر الى صديقه مروان ياسين الدليمي .. لنقف الى النص الذي يحمل عنوان المجموعة " اللون يؤدي اليه " . يقول آدم :-
اللمحة تؤدي اليه ، والمعنى ..
استدير باحلامه متشبثا بمزاياه
يمهلني فرصه البحث عنه
طال انتظارك .. اخي !
ما يثير الارتباك ، يغربل استفهامه
حديثه بأعين تبحث ، تأمله بروح شوافة
الطيور المهاجرة ، جثامينها في الفناءات ، حطت بدمها في لوحاته
استعادات .. بغيابه احتراق ،
كل صباح ، اصحو من حلم كان زائري فيه ،
البيت الذي سنقتل لو التقينا فيه ثانية ،
نحن ، في نشرة الانقراض ،
 والأحبة الذين يذكرني وجهه بهم
استنجد بحكاياهم لأتنفس قصته
لمحة بعد لمحة  ، اقاوم وجعي ،
وحده من ترك لي ما أنا فيه ،
هو من يذكرني به .. المعلم
انشغال بالإبادات ، اخذني بعيدا عنها
غافلني كل شيء وأبعدني عنه ،
من فرط حرمان الحياة ،
جاءت خاتمة الموت ك ،
كيف الحال
هناك ، واخبارك يا لوثر ؟
عندكم هناك .. تعلمون كل شيء

                                    (المجموعة ، ص 28 -29)    
                                   *******************
هذا نص واضح المعالم .. جلي الصورة على تماهي الناص باخيه وتوحده بشخصيته .. لقد كان بمثابة المعلم له وسارد حكايات الذين يحبهم .. ان لوثر هو الزائر الوحيد الذي يأتي من خلال احلامه .. ولكن باغته وخطف من هذا الزائر على حين غرة .. والنغمة نفسها نراها في نصه المعنون " دفتر الخدمة التشكيلية " يقول آدم :-
المدعو لوثر ايشو آدم
ولد ليكون مهاجرا ابد الدهر
يساق الى الخدمة بعد زوال الاعذار .
التحق بالمرسم وخدم في وحدة المظلات الانطاباعية
نقل الى صنف القوات البصرية وخدم جندي قوات خاصة الوان
نقل الى الفرقة المائية وخدم في فوج حماية الطبيعة العراقية .
نقل الى مدرسة البحث والتجريب وخدم كضابط اقدم في لواء
المختلفين .. ظهر في اوامر قسمه الثاني ، مجلسه التحقيقي في محكمة
الواقعية الوحشية وسجنه القدري في زنزانة الاطار .
’أخلي سبيله بشرط رسم (الحقيقة) زوجة (كامل الصدق) آمر كتيبة
المدفعية الزيتية ..
تم انتدابه للتدريس في كافة المراحل والمواسم في مادة التربية الفنية
طلب للخدمة ثانية وسيق ، ثم تمرد وعاد نادما ثم تمرد وعاد مقبوضا
عليه من قبل سرية
انضباط المعارض ، قضى سجنه في جملونات سجن الكارثية
تخفى زاحفا من لوحة إلى لوحة ناظرا دربه بأنف الهم وعين الزمان
سجل عائدا الى بيته وتم ضبطه في مرسمه بكامل البزة الابداعية مع الجعب اللونية وفرشاة
لتنظيف التكوينات وسكين لقشط البثور على بشرة الكنفاس (قماش مجهز خصيصا للرسم ) ..
 وعند البحث عن روحه ،
انهمرت دموع المزامير في لوحاته ..
والآن ،
في لحظة التسريح .. سيق الى خلوده
                                 (المجموعة ، ص 34 -35)
ذلك إذن هي حياة لوثر ايشو .. وتلك هي مسيرته وقلقه الدائم فهو مهاجر ابدا لا يعرف غير الزيت والفرشاة وعلبة الالوان .. القصيدة سرد لكفاحه الفني .. لغته التمرد والاختلاف مساق الى حيث لا يرغب .. معطل الطاقات .. والمفارقة ان تلك المسيرة انتهت الى خلوده .. كم مات مع لوثر في ذات اللحظة التي مات بها . ولكن من بقي في ذاكرة التاريخ مثلما بقي لوثر ؟ والواقع ان نصوص المجموعة برمتها تشير الى عذابات وانجراحات بولص آدم وسوء توافقه مه زمانه المرير . حتى الشخوص التي تماهى بها امثال سركون بولص تشكل علامات فارقة في ذاكرة الشاعر ولاوعيه معا . وقفنا عند نصين فقط لاننا لم نرغب في الاطالة مع باقي نصوص المجموعة والتي تعد تفريغا لاحزان الشاعر وهمومه وصور توحده وتماهيه وتعاطفه ...

                                                                  الناقد والاكاديمي
                                                                شوقي يوسف بهنام
                                                             كلية التربية – الحمدانية
                                                                   جامعة الموصل
e-mail:-shawqiyusif@yahoo.com                                          
e-mail:-shawqiyusif@yahoo.com                                          
                                                                          


10
السيد نينوس بثيو المحترم
كنا لفيف من الاصدقاء قد طرحنا نفس الفكرة الوحدودية لكن ليس بالضرورة ان يكونوا منتمين الى زوعا وكان مشروعنا تحت مسمى الامتناي الاحرار ولكن لم نستطع استكمال هذا المشروع لسبب أو لآخر .. نحن نريد تنظيما يجمع التنظيمات الاخرى تحت مسمى واحد واذا احببتم الحوار فنحن مستعدون لذلك

الناقد والاكاديمي
شوقي يوسف بهنام
جامعة الموصل
shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com

11
عن دار اراس للطباعة والنشر في اربيل صدر للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام التدريسي في كلية التربية الحمدانية / جامعةالموصل كتابين جديدين هما :
1- الشافعي بوصفه رائدا للتحليل النفسي : رؤية نفسية
2- بلند الحيدري وتعشق الظلمة : رؤية نفسية في المنجز الشعري
على امل ان يصدر في الوقت القريب في احدى دور النشر السورية كتاب الشافعي اعلاه وكتاب لميعة عباس عمارة وهموم الضياع
والكتابين اعلاه سيتم توزيعهما في الاسواق قريبا




     شوقي يوسف بهنام / كلية التربية / الحمدانية / جامعة الموصل

12
                                                                     لميعة عباس عمارة وأحزان أوديب
                                                                                 رؤية نفسية
                                                                                                                                                       شوقي يوسف بهنام
                                                                                                                                                        مدرس علم النفس
                                                                                                                                                            جامعة الموصل 

أكثر من شاعر كتب عن أوديب بطل الأسطورة اليونانية المعروف ومنها انطلق مؤسس التحليل النفسي " فرويد " لتسليط الضوء على واحدة من أهم الظواهر النفسية خطورة على صحة الشخصية الإنسانية. تلك هي عقدة أوديب . والشعراء وكتاب المسرح الذين تناولوا شخصية أوديب ليسوا مجهولين للمتتبع للنتاج الثقافي عموما . وهاهي لميعة تنظم إلى هؤلاء . والواقع ان مثل هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مسحية مطولة  نحصي كم شاعر ومسرحي وروائي اهتم بهذا البطل . وما دمنا مع لميعة فسنؤجل فكرة هذه الدراسة إلى وقت آخر . وأوديب لميعة ، إذا صح مثل هذا التعبير، شخص يعاني السلبية negativism بالمعنى النفسي للمفردة ." وهي سلوك يتسم باستجابات عكس الاستجابات المتوقعة ، ويسمى أحيانا الاتجاه أو السلوك السلبي ، ويقابل الطاعة العمياء .وتسمى الفترة بين سن 18 شهرا إلى أربع سنوات المقاومة أو فترة السلوك المخالف . والمقاومة في هذه السن إما سلبية أو إيجابية للإيحاءات أو الأوامر الصادرة من الآخرين . والمقاومة الموجبة هي أن يفعل الطفل عكس ما يطلب إليه ؛ أما السالبة  فهي الامتناع عن فعل ما يطلب منه . وهذه السلبية ، أو هذا السلوك المخالف ، في شكله البسيط ، مشكلة من مشاكل  التعليم التربية ،ولكن السلبية طويلة الأمد أو المستمرة ظاهرة عصابية أو ذهانية . وعندما تكون السلبية أو السلوك المخالف اتجاها ثابتا موجها ضد كل الناس ،فهي ظاهرة مرضية خطيرة ،وهي عرض من أعراض الفصام "(1) . لنرى إذن كيف صورت لنا شاعرتنا لميعة أحزان هذا البطل. تقول لميعة :-
مورد الخدين
أقنى ،
شعره سحاب

نام   به خيط من البرق
كشيبتين ؛
يداه تبحثان في يديه
عن جملة أضاعها .. ليبدأ الخطاب
                                           (اغاني عشتار ، 97-98)
                                 ********************
سمة الخجل والارتباك والحيرة ولا يعرف ما يقول .ذلك هو أوديب لميعة . هل هو طفلها الذي راح ينساق وراء عقدته الأوديبية بعدما تفجرت على حين فجأة .أم آدمها الذي غاب عنها عشرين عاما كما سوف تقول لميعة في مقطع تالي وجاء ليعاتبها ويراجع معها قصة حبهما التي لم تعطها ما ينبغي ان تعطيه . لميعة كالمعتاد منشغلة بهمومها وأحلامها وطموحاتها ، ولا وقت لها لترهات الحب . لقد عنونت الشاعرة لميعة مجموعة أخرى من قصائدها بعنوان تبث فيه شكوكها حول ما يسميه الناس بالحب . وعنوان المجموعة هو" يسمونه الحب " .لا وجود لهذه المفردة في قاموس لميعة ويسيء فهمها الناس . وسياق القصيدة هو الذي سيساعدنا على العثور على الجواب المناسب لسؤالنا هذا . ترى ماذا لميعة من ان يكون هذا الكائن المورد الخدين أوديبا ؟ .نميل إلى الظن إلى ان لميعة تريد الرجال ان يكونوا أطفالا على وجه الإطلاق. وتكون هي مصدر الحنان والحب والرعاية لهم . تريد ان تكون أ‘ما على الإطلاق وهم الأبناء . لميعة ترى في نفسها  انها ينبغي ان تكون مصدرا للاستقطاب . هي المحور ..هي مركز الدائرة ..هي الشمس وكل المخلوقات أقمار تدور حولها . هو الذي جاء .. يلفه الحزن والارتباك... لا يعرف من أين يبدأ . يبحث في أدراج ذاكرته عن حروف ومفردات ليبدأ خطابه وكلامه . ولم تسعفه اللغة في ذلك . لميعة هي الخطاب وهي اللغة وهي الحروف فما حاجته بعد إلى لغة وحروف ؟ . ما عليه الا الصمت في حضرة والخشوع والطأطأة لهذا المارد اللغوي الذي يدعى لميعة . هي من يأخذ بيديه ويدله إلى الحروف التي ينبغي ان ينطقها ويعبر بها عما يجول بداخله . ذلك هو مفهوم السلبية .وأوديب هنا هو هذا الرجل الذي لا يعرف من أين يبدأ فهو متعلق بلميعة وتنقصه المهارات الخاصة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي . لقد تاه َ في متاهة لميعة على ما يبدو . ثم تستمر لميعة في هذا السرد لخصائص أوديبها الماثل أمامها وهو ملفوف بالصمت . ها هي لميعة تقول :-
أهدابه‘ شراع
أقلعَ في لوحة  (سوريال) على الجدار
واقلع َ النهار
إلا بقاياه على مقاعد أضجرها الفراغ
مثل أفاع ٍ حثــَّها صفير
ستشرئب لحظة
ثم تغوص‘ في سلال الصمت بانكسار .
                                         (المصدر السابق ، ص 98)   
                               ******************************
أمضى صاحبنا ليليته وهو تائه في هذا البحر . عينا لميعة بحر لا نهاية له . على الجدار لوحة سوريال . ما الذي تقصده لميعة عندما ضمنت قصيدتها أو غرفتها ، لوحة سوريال . أوديب لا يدري إلى ان ينظر . لقد أصابه الدوران . لأنه بين بحرين غامضين ..لميعة ولوحة السوريال . تريد لميعة ان تقول لنا أنها هي السوريال بحد ذاته .وإذا كان سلفادور دالي قد عرف لميعة ما كان قد ابتكر المدرسة السوريالية في فن الرسم . كان وقتها اكتفى في النظر إلى لميعة . جو الغرفة ملفوف بالصمت المنكسر . كلاهما غارقان في بحر الصمت هذا . ولكن هناك فرق بين صمت لميعة وصمت أوديب . لميعة منشغلة بسوريلها وبحره . أوديب منشغل في سوريال لميعة . سوف ينطق أوديب ..هاهو ينطق . لقد نطق . تقول لميعة :-
-   " وَدَدت‘ أن أقول .. "
شفاهه‘ تاهت على صدر ،
ولما يشبع الرضيع
لملمها ونام
جنة أعناب يرف فوقها السلام
والحب والربيع .
                            (المصدر نفسه ، 99)
                                **********************
ماذا كان ينوي القول ؟ ماذا كان يود أن يقول . حتى راحت تاهت شفاهه على صدر..  مثل رضيع وهو متعلق بثدي أمه . الموقف أوديبي بحت وفق التفسير الفرويدي لتطور ونمو الرغبة الجنسية . هنا الطور الفمي من النمو . لا أريد ان أضع في دائرة ما . أنا أحاول متابعة مسار القصيدة لا غير . في المقطع ستقول لميعة ما قاله أوديبها لها . ولا اعتقد انها تتعامل مع رضيع لا يدرك العالم الا من خلال العين والفم والأخير على وجه خاص . تتابع لميعة قول أوديب فيقول أوديب على لسانها :-
"عشرون عاما ضيعت رجال
وأنضجت أجيال
وأنت ِ وأنت ِ
لفتة الفتنة في ترفع التمثال "
                                 (المصدر نفسه ،ص99) 
                             ***********************
لا يعقل البتة ان يكون هذا الكلام صادر من شفاه رضيع لم تتدرب على تلفظ الكلمات والجمل بعد . في قول أوديب هذا اتهام خطير إلى لميعة . لميعة ضيعت الكثير من الرجال في عشرين عاما وأنضجت أجيال وهي لا تزال هي . لقد وصفها أوديب بالتمثال لأنها لا تحرك ساكن منذ عشرين عاما . لميعة تؤثر في الآخرين من خلال عيناها .اليست هاتين العينين بحر كبير . لا ننسى ان لميعة عاشت شطر من حياتها في بيروت على ساحل البحر المتوسط . يبدو انها تعشق البحر ولذلك اقتنت في غرفتها أو بيتها بلوحات سوريالية متعددة .  يمكن اختصار تجربة لميعة كما يرى أوديب في محصلتين لتلك التجربة وهما :-
1-  تضييع الرجال .
2- إنضاج أجيال .
تلك هي محصلة خبرة لميعة خلال العشرين سنة . ما قيمة رجل مقابل جيل منه . اعني من الرجال . تريد تقول لميعة  انها ضحت بحياتها الخاصة مقابل أجيال ربتها وأنضجتها إيديولوجيا . وهذا هو المهم عند لميعة وهذا هو السبب وراء عزوفها عن الرجال . لقد استخدمت لميعة مفردة " ضيعت " بصورة تدل على الخسارة والندم والأسف. ولكنها تتغافل هذا السلوك . لنرى كيف ردت لميعة على هجوم أوديب على هذا العتاب المؤلم للميعة . تقول لميعة :-
-  أنـا !؟
- " أجل أنت ِ ، وتجهلين
إنــّا حببناك ِ بلا أمل
كنت ِ لبعضنا الهوى العذري والغزل
كنـّا .. ولم أزل ْ "
                                  (المصدر نفسه ، ص100)     
                               **************************
لميعة غائصة في الذات وكأن هؤلاء الرجال كلهم كانوا محض ظلال  في شمس لميعة . شمس لميعة ضيعت كل شيئ . لميعة هنا يلفها الاندهاش ... الاستغراب ... الا ان أوديب يصر على ما قاله لها في المقطع السابق . من هنا نرى لميعة تتهم نفسها بالغباء وعدم إدراكها لأبسط الحقائق . تقول لميعة :-
-  يا لغبائي
كيف لم أحزر ؟
- " وهل من حاجة ان يحزر الضياء
حاجة الناس للضياء ؟ "
                               (المصدر نفسه ، ص 100)
                               ************************
هنا لوم الذات عند لميعة يبرز بشكل جلي ويأخذ صورة اتهام الذات بالغباء وهذا أمر صعب لدى لميعة .لقد أضاعت عمرها بالأوهام كما يقال . لقد كان كلام أوديب بمثابة الصعقة الكهربائية .. أعادها إلى الوراء ...إلى العشرين عاما من حياتها . ماذا جنت لميعة ؟ بعد هذا الزمن . لا شيئ سوى ترفع التمثال المقنع .. كبرياء زائف .. هذا ما توحي إليه القصيدة . بعد هذا الحوار الساخن بينها وبين أوديب . تحي لميعة أوديب . لنرى تفاصيل ذلك في المقطع التالي :-
صافحته‘
فجمعت ْ شفاهه الزمان والحنين
في قبلة على يدي يشدها سؤال :
- " الا تفلبينني ؟
                      الا تقبلين ؟"
                                   (المصدر نفسه ، ص 101) 
                               ******************
هذه إشارة أخرى على ان هذا الاوديب ليس طفلا كما يعتقد . فعل المصافحة إنساني يدل على المودة والاحترام ودفء العلاقة بين أثنين . وهذا أمر لا يدركه الطفل الرضيع أو حتى في بدايات الطفولة . أوديب يريد قبلة بمعناها الحصري .لقد صافحته وقبل يدها وسؤاله هو انه يريد قبلة . ويصنف الحفني أنماط التقبيل على النحو التالي :-
1-  على الجبين تعني  الاحترام
2- على الخد تعني  الصداقة والمودة
3- على اليد تعني الولاء
4-على القدم تعني العبودية
5 – على الفم تعني الحب (2)
لقد قبل يدها وبادلته نفس مشاعر الاحترام من خلال المصافحة . وطلب منها ان تقبله فكانت نظرته نظرة طفل لديه جوع عاطفي .تقول لميعة في وصف ذلك الطلب :-
وسمرتْ نظرته الأبعاد
طفلا يرى في قبلة لجرحه ضماد
ينهي بها البكاء والعناد .
                                  (المصدر نفسه ،ص 101)
هذا الوصف هو في الحقيقة نظرة لميعة إلى هذا الذي ضيع عمره في الأوهام هو الآخر . بينه وبين لميعة مسافات ومسافات لا يمكن عبورها . لميعة هنا تشفق عليه ...تتحنن له ولكن أن يكون موضوعا للحب فهذا أمر غير وارد عند لميعة . صحيح ان مشاعر غزت لميعة غزوا هائلا لكنها مترفعة كالتمثال يعيش في صمت أزلي . فقط له سحر الإيماءة وعنفوانها . لميعة لوحة سوريالية بحد ذاتها . لقد أنضجت أجيال .. ومن المؤكد ان هذا الذي يمثل أمامها الآن هو واحد منهم . فكانت تلك اللثمة على جبينه . تقول لميعة في خاتمة القصيدة :-
لثمته‘
نفحة شلال بتموز على جبهته
مراشف الأمومة

لم يترك الدهر .....                 (آثار الحب )    من عندياتنا   


بلى !
قد تركت قبلته في شفتي نعومة
                                           (المصدر نفسه ، ص 102)
                                 ******************
هنا لميعة لا تستطيع إنكار الواقع  بشكل كلي .  وعلى الرغم من ان لميعة تريد في  مسار القصيدة ان تقنعنا أن قلبها لن يشغله أحد ولن يتربع على عرشه أحد . الا ان لميعة إنسانة قبل كل شيئ وتحتاج ما يحتاجه الناس وقد أكدت هي لنا بذلك ولذلك فهي تحتاج لأن تكون محبوبة من الغير وان تحب الغير وإلا لما كانت قبلته قد تركت نعومة على شفاه لميعة ولا أريد ان اعلق على هذه العبارة وما تحمله  من دلالة جنسية واضحة المعالم في تقديرنا . لكن في حالة لميعة فأن العنصر الأول من المعادلة هو المتغلب لدى لميعة . هي لا تحب أحدا ولكنها تريد ان تكون محبوبة من قبل الجميع وأن تكون راية لهم . 

         
الهوامش :-
1-   د. الحفني ، عبد المنعم ، 1978 موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، ج2 ، ص 15 .
2-   د. الحفني ،عبد المنعم ،1992 ، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، مصر ، ط1 ،ص 392 .         
   shawqiyusif@yahoo.com                                                       
shawqiyusif@hotmail.com                                                       

13
                                                                         عذاب الكتمان
                                                            قراءة نفسية لقصيدة " العطر المكتوم "
                                                               للشاعرة لميعة عباس عمارة
                                                                                                                            شوقي يوسف بهنام
                                                                                                                            مدرس علم النفس
                                                                                                                      كلية التربية -  الحمدانية
                                                                                                                          جامعة الموصل
الكتمان فعل أرادي غايته الكبرى حماية الذات من الانكشاف وهتك حجب تلك الذات وعدم فضحها أمام الآخر خشية التقليل من احترامها لذاتها . ولذلك تلجأ إليه مغبة الوقوع فريسة سخرية الآخر. وغالبا ما يكون الأمر المكتوم ما يخالف المعايير الاجتماعية السائدة وفي مفاهيم التحليل هناك الكبت repression والقمع suppression  وهما من آليتان دفاعيتان غرضهما حماية الأنا من تهديدات الهو والانا الأعلى وهذه هما شكل من أشكال الكتمان أو العكس اي الكتمان شكل من أشكال القمع والكبت . ويعتبر " فرويد " ان آليتي القمع والكبت هما الأساس في نشوء وظهور العصاب والذهان وغالبا ما يعمل الكبت أو القمع على طرد فكرة غير مرغوبة أو فعل مخالف لنواهي الأنا الأعلى . ومن هنا عذاب القمع أو الكبت وبالتالي الكتمان . ويدخل السر في دائرة الكتمان . حيثما وجد سر هناك يوجد الكتمان . والعكس هو الصحيح .وكلما ازداد زمن الكتمان زاد عذابه واشتد على صدر صاحبه . ويهدف العلاج النفسي عموما والتحليل النفسي خصوصا الى التخلص من آثار القمع أو الكبت أو الكتمان من خلال عملية التفريغ الانفعاليabreaction  أو التطهير الانفعاليcatharsis   من خلال تقنيات التداعي الحر وفقا للطريقة الفرويدية . والهدف ، كما قلنا هو إزالة مشاعر القلق والذنب بسبب الفكرة المكبوتة أو المقموعة أو المكتومة . والتعامل معها التعامل السوي والسليم . والشاعرة لميعة عباس عمارة مبتلية هي الأخرى بهذا الداء ..اعني داء الكتمان إن صح التعبير . ولذالك لم تعد لميعة تتحمل بعد ضغوط الفكرة التي تطاردها  ، وبصورة قصدية أو غير قصدية تمارس فعل المكابرة وعلمية خداع الذات self-deception  . وفي القصيدة عودة الى الذات وعودة الاستبصارinsight لديها . وعنوان القصيدة هو الآخر دال على هذه المفارقة .. اعني مفارقة المكابرة وخداع الذات . العطر المكتوم ..وأي عطر لا يستطاع النفاذ والانتشار إن لم يك عطرا كاذبا وفاسدا أو ليس بالعطر بالمرة . ولا ادري هل ان لميعة كانت مدركة لعنوان القصيدة .. أميل الى الظن انها تعني ما تقول . فالقصيدة سيرة واضحة للمكابرة (1)وخداع الذات . لميعة تعيش ذات المحنة . القصيدة بهذا المعنى .. مكاشفة ... إعلان ... رفع الراية البيضاء ... لنقرأ القصيدة ونرى أي عطر تتباهى به لميعة أمام هذا المحبوب . هذا العطر أصبح في خبر كان .. غير نافذ .. مهجور ..محصور في أوانيه ..انه مثل صاحبته محصورة بين أسوار ذاتها التي وصلت حد الانهيار أمام جبروت جماله .. تقول القصيدة :-
أتدري بأنـّي أذوب حنينا إليك َ
وأهفو لأدنى خبر .
‘تصدق أنـّي أأرق حتى الصباح
ألون منك الفكر ؟
                                      (اغاني عشتار ، ص 84)
                                 *************************
ينبغي ان نلاحظ لغة الانكسار والتذلل الواضحة في المقطع . لغة المقطع غريب على لميعة في كبريائها وشموخها وعنفوان أناها . أهذه هي لميعة التي يتمنى لفتتها القمر ؟؟! . أنها الآن تذوب حنينا إليه وتأرق حتى الصباح . والنقطة المهمة انه لا يدري بذلك .هي التي تشعره وتعلن حبها له . ما أسعده من مخلوق في هذا العالم . مسكين أيها القمر الجميل انك تتمنى لفتة من لفتات لميعة إليك وهي ذائبة بمن لا يدري بها . لميعة والقمر مسكينان !!! . تستمر لميعة في سرد أحزان مكابرتها :-
أتعلم‘ أن عنادي ضباب
وهجري رياء
وأن التي تتجنى عليك
َتمنـّى لقاء ؟
                                   (المصدر نفسه ، ص 85)  
                                   *********************
ها هي لميعة تعلن إفلاس عنادها وتعتبره محض ضباب . جميل هذا التعبير . انه اعتراف بأن عنادها لم يك في محله . حتى هجرها له كان محض رياء . انظروا كم كانت لميعة تتجنى عليه . لقد كان هذا التجني محض غطاء لحب عميق . ومن وجهة النظر التحليلية فأن سلوك التجني ليس غير آلية تكوين رد الفعل reaction formation  وما تسمى بآلية التكوين العكسي كما يترجمها الدكتور مصطفى حجازي وهي " موقف أو مظهر نفساني خارجي يذهب في اتجاه معاكس لرغبة مكبوتة ، وبشكل رد فعل ضدها ..(2) الهجر إذن  هو تكوين عكسي لرغبة الحب . تسأله لميعة عن دموع الكبرياء . ترى ماذا قالت له :-
أأبصرت من خلل الكبرياء
دموعا ذليلة
وروحا تسيل على راحتيك
وتبدو بخيلة ؟
                                          (المصدر نفسه ، ص 85)
                                 **************************
ها هنا تكمن الإشكالية الكبرى عند لميعة . كيف نوازي أو توازي لميعة ، إذا شئنا الدقة ، بين الكبرياء ودموع التذلل ؟ تعبير عن معاناة نفسية عميقة الغور .. لقد احدث حبها له انجراحا لنرجسيتها التي ما انفكت لميعة تعبر عنها وتعلنها في منجزها الشعري على وجه العموم . لا نجد لدى لميعة مثل هذا النمط من التفكير . الأنا عندها منتفخة بشكل صريح . لكننا هنا نجدها تذرف دموع التذلل على رغم انف الكبرياء . ماذا ينفعني الكبرياء وهو بعيد عني . لكنها تعود فتسيل لتقول ان روحها تسيل على راحتيه على الرغم من ظهورها بمظهر البخل وهو دالة الكبرياء أيضا . لنرى ما هي المظاهر الأخرى لهذا الرياء النفسي الذي تعيشه شاعرتنا لميعة . تقول لميعة :-
احبكَ ، يكذب زم الشفاه  
ويهذي عنادي
احبك َ في هربي ، وافتعال الخلاف
وطول ابتعادي
                                    (المصدر نفسه ، ص86)
مازالت لميعة تتمركز حول عنادها الضبابي هذا . زم الشفاه اندفاع شعوري كاذب .. لميعة هي التي تقول ذلك . اندفاع للتهرب وعدم المواجهة أو موقف ينطوي على صراع بين رغبتين متضادتين متعاكستين تعيشان في لا وعي لميعة . الأولى إنني لست بحاجة إلى رجل .. انها كما قالت للشاعر ابو ريشة جمع " لا " . ومهما كانت لميعة ممعنة في رغبتها بأن تكون نجم يسطع في سماء الشعر .. الا ان هذه الرغبة لن تخلصها من جسم امرأة يريد ما يريد . وهذه هي الرغبة الثانية المضادة للأولى . لميعة تتوسط هذا الصراع الدائر بين هاتين الرغبتين . وهنا تتجلى الرغبة الثانية بوضوح . فمهما افتعلت الخلاف وهربت من نور وجهه خوفا من الاحتراق ..ومهما ابتعدت وعاشت رحلة الوهم وهذيان عنادها .. يبقى حبها له هو الطريق الوحيد للخلاص . ترى كيف بدت السماء ... تلك الظاهرة التي ألهمت الكثيرين من الشعراء والفلاسفة والفنانين . نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر عبارة الفيلسوف الألماني عمانؤيل كانط المشهورة " اثنان يثير بي العجب : السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي " . تقول لميعة :-
وكنت أموه‘  وجه السماء
وأكتم عطري
وأغمض عيني عما أحس
لتجهل أمري
                                        (المصدر نفسه ، ص86)  
                                *************************
التعبير واضح في هذا المقطع . وجه السماء قد تغير عند لميعة . أو إذا شئنا الدقة ، هي التي غيرته من خلال عملية التمويه له . نعتقد ان في عملية التمويه هذه تكمن رغبة عميقة ودفينة عند لميعة وهي خشيتها وخوفها من تحول وجه السماء كله الى وجه من تجب  فيحيط بها من كل جانب ويلاحقها أينما ذهبت . ولذلك لجأت إلى إغماض العين والعبارة ذات دلالة نفسية  تعني ممارسة آلية الإنكار للواقع لكي تبقى تعيش في دائرة الوهم ..المهم هوان لا ينكشف أمرها له مغبة تصدع جدار الكبرياء لديها . لميعة ملت من مسيرة المكابرة تلك وهاهي تناديه بكل ما لديها ..ترى كيف كان ذلك النداء :-
وإشراقتي
والتماع عيوني
وبرد يديه
تناديك يا سادرا في الضياع
" تعال إليه ! "
                                        (المصدر نفسه ، 87)
                               *********************
على الرغم من إشراقتها ولمعان عينيها الا انه بارد اليدين . في تقديرنا البرد دلالة على عدم  شعور هذا الغائب السادر في الضياع شوق لميعة ولهفتها للقائه . ترى هل استجاب هذا البارد اليدين لنداء لميعة ؟. هذا ما لا شأن لنا به ..                
  
الهوامش :-
1-   تناولنا بالتحليل تحت عنوان " من أحزان المكابرة " قصيدة " ماذا أقول له " للشاعر نزار قباني وهي منشورة على موقع الندوة العربية للشعر .  
2-   لابلانش ،جان – بونتاليس ، ج. ب ، 1987 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي ، ترجمة : الدكتور مصطفى حجازي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ص 195-197 .
shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com

14
شرع الناقدوالاكاديمي شوقي يوسف بهنام بكتابة مشروعين نقديين جديدين اولهما عن الشاعر حسين مردان وقد انجز من هذا المشروع سبع حلقات سوف تنشر تباعا على موقع الناقد العراقي ولازال الناقد ماضيا في مشروعه هذا .
اما المشروع الثاني فهو عن الشاعر سركون بولص وقد انجز منه اربعة حلقات سوف تظهر الحلقة الاولى في مجلة موتوا عمايا التي يصدرها المجلس القومي الكلداني السرياني الاشوري ومن جهة اخرى فقد كلفت جمعية الثقافة المندائية في اربيل الناقد بكتابة مشروع نقدي عن الشاعر المندائي تريكو الصكر وقد قدم عنه نبذة تعريفية نشرت في موقع الناقد العراقي الذي يراسه الدكتور حسين سرمك   

15


                                                               سعدي المالح ومتاعب الحظ
                                                                   رؤية نفسية لقصة الحظ
 
                                                                                                                            شوقي يوسف بهنام
                                                                                                                              مدرس علم النفس
                                                                                                                           كلية التربية – الحمدانية
                                                                                                                                  جامعة الموصل

يبدأ القاص سعدي المالح قصته القصيرة المعنونة " الحظ " باعتراف مباشر يعلن من  خلاله عن معتقد او تصور او رؤية عن مسار الاحداث في العالم . فالعالم لا يخضع لقوانين عمياء تقوده حيث تشاء . ولذلك فهو يؤمن بحتمية ما قد تكون مؤدلجة تقوم بتسيير هذا العالم لاسيما الانساني منه . اعني حياتنا الاجتماعية على وجه الخصوص . ولذلك فهو لا يؤمن بالحظ كما يؤمن به الاخرين من الناس عندما يعيشون تحت وطأة القلق من قدوم الاتي الذي يحمل بين جنباته ما يحمله من مخفيات ومفاجآت  وما شاكل ذلك . يقول القاص ما يلي :
" ينبغي ان اعترف اولا انني لا آخذ فتح الفال والتنجيم وقراءة الكف والفنجان ، وكشف الطالع ، على محمل الجد ، حتى وان وجدت نفسي احيانا اقدم فنجاني لقارئة محنكة ، او اقرأ برجي في جريدة ، او اسرد حلمي امام زوجتي التي سرعان ما تفتح كتابها العجيب في تفسير الاحلام وتقرأ لي ما يعنيه حلمي فيكون هذا مجرد لتسلية . اي انني ، والحق يقال ، اقرب الى الاعتقاد بالقول السائد : كذب المنجمون ولو صدقوا " . ص 66 .
                                      ******************
ذلك إذن هو الاقرار الرئيسي للقاص سعدي المالح إزاء تلك الممارسات المألوفة لدى جميع الحضارات في قراءة المستقبل وكشف حجب الغيب . هذه الحاجة بشرية بالمعنى الدقيق للمفردة وفي علم النفس ندرسها تحت مفهوم قلق المستقبل . فقط هي الاحلام التي دخلت مجال الخبرة العلمية وصارت رموزها تعني الكثير لدى العاملين في مجال التحليل النفسي . وما من شك فان سعدي المالح لا يعني هذا الجانب من رمزية الاحلام . هو يقصد ، فيما نعتقد ، تلك الكتب الشعبية الرائجة حول تفسير الاحلام . والقاص لا ينكر ممارسة هذه الممارسات ، ولكنه يبررها تحت غطاء التسلية ، وهذا ما يقوله الجميع ازائها . ولكن قلق المستقبل خبرة انسانية يعيشها الجميع ولكن بمستويات مختلفة وذلك وفقا لخبرات النجاح والفشل في حياة كل منا . فالفرد الذي اجتاز خبرات نجاح مستمرة سوف يعزو ذلك النجاح الى قدراته العقلية وجهوده وثقته وما الى ذلك وبالتالي فانه لا يجد مكانا لشيئ اسمه حظ او قدر . وعلى العكس من هذا فان الفرد الذي مر بخبرات فشل كثيرة واحباطات مختلفة سوف يلجأ الى مفاهيم القدر والحظ وسوف يكون اقرب الى التفتيش عن نقطة تطمئنه وتقدم له مسكنا لقلقه من الشخص الاول . في علم النفس نسمي هذا الاحساس بمركز السيطرة . فالذي يعزو نجاحه الى ذاته نسميه صاحب التفكير بمركز السيطرة الداخلية على حين الشخص الاخر هو صاحب مركز السيطرة الخارجي . والقاص ، لهذا يعيش قلق المستقبل ولكن ، على ما يبدو ، فترات قليله من حياته . ان مسار النجاح عند القاص مسار سليم لا يحتاج الى ما يبرره . كذلك كم الاحباط لديه كم قليل . زوجته ، على رغم من عقليتها الشعبية ، الان انها تشاطر القاص همومه ، والقاص بدوره منفتح عليها . لقد اصبحت وديعة اسراره وخزائنها . يتابع القاص سرده عن ممارسة لا يؤمن بفعاليتها مسبقا . فيقول :-
 " ولكن قراءة برجي اليوم قد مرت كسابقتها في صحيفة الصباح دون اي اهتمام للرجل الذي سالتقي ، والتغيير الجذري الذي سيحدثه في حياتي ، كما يزعم معد الابراج ، لولا الاتصال الهاتفي لمدير المؤسسة التي اعمل فيها ، في حوالي الظهر ، ليخبرني ان علي ان احضر في الساعة السادسة من مساء اليوم اجتماعا هاما سوف يضم كبار الشخصيات في البلد في الشيراتون "  ص 66- 67 .
                                          *******************
إذن فالقاص سعدي المالح معتاد على قراءة الابراج . هذا الاعتياد هو بحد ذاته رغبة لا شعورية تقوده الى مثل هذا السلوك . ولكن لكون قراءة الابراج في ما مضى لم تمنحه املا مثل ما منحه قراءة هذا اليوم . لقد حدث اقتران عند القاص . فبينما يقرأ برجه رن الهاتف فكان المدير هو المتحدث .
 " عليك ان تحضر اجتماع هام في السادسة من هذا اليوم ".
                                         *********************
كان برجه يقول ان رجلا مهما سوف تلتقيه وسوف يغير حياتك . ها هي نبوءة البرج قد تحققت من خلال اتصال المدير معه . اهي  محض صدفة ام نبوءة سطرها برجه هذا اليوم ؟. نستطيع القول ان موقفه من الابراج والفناجين والكف بدأ بالتخلخل . لنرى كيف يصف لنا حالته الانفعالية وهو يفكر في نبوءة البرج من جهة وما سيحدث في الاجتماع هذا اليوم . يقول سعدي المالح :-
" كانت هذه اول مرة يدعوني فيها المدير لحضور مثل هذا الاجتماع ، فتملكتني هواجس وروادتني خيالات . عدت الى الجريدة اقرأ حظي مرة اخرى " عطارد المتحكم في برجك سيتآلف اليوم مع المريخ في زاوية النجاح الكامنة ، ستلتقي بشخصية هامة جدا لم تكن تتوقعها ، ويتمخض عن هذا اللقاء نتائج مهمة تغير حياتك تغييرا جوهريا ، رقم الحظ 6 ، يوم السعد الاربعاء " نظرت الى ساعتي : اليوم اربعاء ، ونحن في السادس من الشهر ، يا الهي ، قد يكون اليوم هو يوم الحظ الموعود بالفعل . لم لا ، الحظ يأتي مرة واحدة ، يطرق الباب فجأة ويدخل دون ان يحس به المرء " ص 67 .
                                       ********************
على الرغم من الخيالات  والهواجس التي طاردت القاص الا ان توجهه كان نحو الامل وليس مع اليأس . ونستطيع ان نقول انها مشاعر توقع الافضل . راح يعاود قراءة الجريدة من جديد لكي يعيد قراءة التفاصيل . ان نبوءة البرج آخذة بالتحقق تماما . اليوم والشهر والساعة .. كلها تطابقت مع اليوم . ان اتصال المدير هو تحقيق النبوءة إذن . لقد تغيرت اتجاهات سعدي المالح ونظراته نحو تلك الموضوعات التي كان يعتبرها ترهات وخرافات لا غير . وان ممارستها ليست غير ضرب من التسلية وقتل الوقت . ان الموضوع اصبح جديا وها هو يأخذ الامور على محمل الجد . سعدي المالح ، وفقا لنص القصة ، يعتبر نفسه مهمشا في العمل . لأن المدير لم يدعوه الى حضور هكذا اجتماعات من قبل . ومن هنا كانت دهشته تلك . الامور آخذة بالتغيير نحو الافضل . لقد كانت هذه الدعوة بمثابة نقطة تحول في حياته المهنية على اقل تقدير ... لقد بدأت تباشير الامل تلوح في الافق في ظلمة حياته . من هنا هذا التعود اللاشعوري ، إذا صحت العبارة ، على قراءة الابراج والفناجين حتى وان تلبست بغطاء التسلية وقتل الوقت . لقد اعادت دعوة المدير له حالة اعتبار الذات لديه . الان ليس بالموظف المهمش . ها هو المدير يضعه في مكانه الصحيح والذي كان جديرا به منذ زمن طويل . لقد جاءه الحظ هذه المرة . وصار سعدي المالح يؤمن بقدومه ومجيئه حتى ولو كان لمرة واحدة في حياة الانسان ومن دون ان يشعر او يحس به . لنرى كيف يصف القاص حيانه الجوانية . انه يقول :-
" اجتاحني شعور بالغبطة ، رحت اشغل نفسي بالعمل . كان الوقت لا يزال ظهرا ، وحتى الساعة السادسة هناك ساعات طويلة من العمل اولا ثم الغداء والقيلولة . فكرت في من عساه يكون الشخص الذي سألتقي : مدير شركة مهمة ؟ لا بد سأجلس الى جانبه اثناء العشاء ويقترح علي العمل لديه براتب مغر ! أم قائدا سياسيا ؟ يقترح علي ان انتمي لحزبه ليرشحنى عضوا في البرلمان ! هكذا اذن ، واخيرا طرق الحظ بابي ولن تضع سنوات الغربة هباء ، سأعود معززا مكرما ، ذا مال وجاه ، ماذا اريد اكثر ؟ الصحة والمال وطول العمر ، كما يقال . وراحت الافكار تأخذ برأسي وتجعله يسرح بعيدا اكثر بحيث لم اتمكن من التركيز على عملي فخرجت قبل انتهاء الدوام " ص 67 .
                                  ******************
تلك هي تباشر الامل قد لاحت في افق ظلمة سعدي المالح بعد سنوات طويلة من الغربة . لم يذكر سبب غربته . الا ان امله بلقاء قائد سياسي يدعوه لحزبه ليرشحه عضوا في البرلمان تدفعنا الى الاعتقاد ان سبب غربته هو الخطاب السياسي الذي يتبناه . الخيارات التي فكر بها القاص هي انه يريد تعويض سنوات غربته الطويلة التي كانت منطلقة من اساس صحيح . ذلك الاساس هو ان خطابه هو الذي ينبغي ان يكون هو الحل لمشاكل الحياة . الصورة واضحة عن اغتراب المثقف في المجتمعات التي تشبه مجتمع القاص . انه يفكر في السلطة . في البرلمان على اقل تقدير . لكي يتمتع بمزايا وصلاحيات عضو البرلمان . سنوات الغربة اذن لم تك هباء ولا عبثا . جاء الوقت المناسب لجني ما زرعه سعدي المالح في اراضي غربته الطويلة . او ان يلتقي بمدير شركة مهمة ويمنحه راتب مغر . المهم هو ان يكون تحت الاضواء . ويكون شخصا مهما وله معية يصدر لها الاوامر ويجلس على كرسي هزاز وأمامه منضدة مصممة تصميما يليق برجل مثله .. سافر واغترب وعانى وجاع وتشرد من اجل قضية ومن اجل خطاب  وبجانبه عددا من الهواتف الملونة . كلا الخيارين يعملان على تحقيق الذات لديه في اقصى صورة ممكنة . الا ان رغبته بان يكون قائدا سياسيا هو الانسب له على الاقل لا شعوريا عند سعدي المالح . قلنا ان غربة المثقف في مجتمعاتنا هي غربة خطاب وغربة مخالفة ومقاطعة مع المعيار السائد في المجتمع . ولذلك لم يفكر بان يكون شاعرا او فنانا او فيلسوفا او استاذا في الجامعة او طبيبا مثلا . طبيعة هذه المهن لا تطلب اللقاء بالجماهير الا في حدود معينة . فكر في العمل في شركة او ان يكون عضوا في البرلمان . حصيلة هذا التفكير هي " المال والصحة والحياة " اقانيم الحياة الخالدة التي يحلم بها البشر الاسوياء وبلا استثناء . انه سعدي المالح هنا يبدو لنا رجلا براغماتيا اي عمليا صرفا تغرب لكي يجني ثمار غربته .  
على اثر هذه الهواجس التي زاحمت ذهن القاص شغل نفسه بالعمل . الا ان هذا الانشغال لم يك نتيجة للفراغ والملل بل للاسراع بالزمن والامساك به لتكون الساعة السادسة . ومن فرط هذه الزحمة خرج البطل من العمل لعله يجد ما يطمئنه . فاين ذهب ؟ . يقول القاص :-
" في البيت تعجبت زوجتي من عودتي المبكرة ، قلت لها :
جئت لأنام ساعة اضافية في القيلولة لان امامي اجتماع مطول في المساء .
فشكرت الله على احضارها الطعام قبل موعده ، وقالت :
وكأن احساسا خامرني بأنك تأتي مبكرا . " ص 68 .
                                     ******************
مجيئه المبكر هو الدافع الى تغيير موعد الطعام . شكره لله هو بمثابة صورة من الرضا على حياته الاسرية التي وصلت الى شكلها الحالي . الوضع الاسري كما يرسمه سعدي المالح لنا وضع متناغم وسليم قائم على الانفتاح والتفاعل والقبول والرضا . من هنا هذا التخاطر عن بعد بينهما . لقد خامرها ذلك الشعور الغريب بأنه سوف يأتي مبكرا . هذا التخاطر وليد لتلك العلاقة التي تربط القاص بزوجته . يستمر سعدي المالح في سرد عملية احضار الطعام مخفيا سبب قدومه المبكر هذا وكل حيثياته ودوافعه متقنعا بأنه ملزم بحضور اجتماع مطول في المساء .
" عن اي شعور تتحدثين ؟ كيف احست انني سأعود باكرا ؟  
اجابت :
لا ادري ، كنت اشاهد فلما ومع انه كان ممتعا الا ان قوة غامضة ، غير مدركة دفعتني لأترك التلفزيون وأتوجه الى المطبخ واحضر الطعام بسرعة ص68 .
                                          ****************
بهذا الحدس الذي يعزوه القاص الى زوجته يجعلها ضمن ملاذاته النفسية . وفي ذهنه العبارة التي تقول " ان وراء كل رجل عظيم امرأة . القاص يتقمص الشخصيات الروائية  الاشتراكية ؛ العمال .. الفلاحين .. الكادحين .. المناضلين عموما لا تستقيم حياتهم الا بجهود نسائهم ، فهن المحرك لهم وهن وقودا لحياتهم . زوجته .. اعني زوجة القاص تفهمه من كل زاوية . فلا عجب اذن عندما تتوقع هذا المجيء المبكر له وكانت هي السباقة فأعدت الطعام فور استلامها ذلك الصوت الذي جاءها من اعماقها . وهذا الذي دفع القاص الى القول بان حدوس زوجته كانت السبب في تعزيز اعتقاده بان الحظ قد اتاه اليوم .  يقول القاص :-
" زاد حدس زوجتي هذا من املي في ان يحالفني اليوم ، لكني لم اخبراها شيئا عن تصوراتي خوفا من ان تسخر مني وتقول : منذ متى اصبحت تؤمن بالحظ والابراج " . اسرعت الى غرفة النوم للتمتع بقيلولتي في الفراش ساعة ، ساعتين اتقلب يمنة ويسرة ، افكر ، تتزاحم الخيالات والسيناريوهات برأسي ، ولم استطع ان انام دقيقة " ص 68 .
                                     *****************
في هذه الفقرة يمارس القاص سلوكا انسحابيا واضحا من خلال الاسراع في الذهاب الى غرفة النوم . عدم اخباره لزوجته بسر مجيئه المبكر هو عدم خلخلة صورة الذات لدى زوجته . عرفته زوجته مناضلا .. مكافحا .. واقعيا .. لا يؤمن بالمثاليات او الغيبيات على وجه العموم . هذه هي اول مرة يعيش صراعا مثل هذا النوع . الحظ سوف يأتيه هذا اليوم . لقد اكدت حدوس زوجته ذلك .. اتصال المدير .. كل هذه العوامل جعلته يفتح قلبه وعقله لموضوع الحظ . ولكنه خشي من ان يقول لها خشية ان تسخر منه . فتتخلخل صورتها عنه . وتقلل من طموحها لتواكب المسيرة النضالية معه . ولكن لا جدوى من هذا الانسحاب او الهروب فلا يزال الصراع قائما ولا زالت الخيالات متزاحمة في ذهنه . لنرى كيف واجه القاص توتره النفسي بعدما لم يتمكن من نوم قيلولته . يقول سعدي :-
" نهضت متكاسلا ، دخلت الحمام ، ووقفت تحت رشاش الحمام البارد لأعيد النشاط الى جسدي المتعب . وفعلا ارتاح جسدي قليلا لكن فكري بقي مهموما ، حتى ان زوجتي لاحظت ذلك وقالت لي وهي تناولني ملابسي :
-   اراك اليوم متقلب المزاج ، تارة مهموما ، وتارة فرحا ، وكأن امرا ما سيحدث ". ص 68-69 .  
                            ******************
النهوض المتكاسل دلالة على عدم الرغبة في المواجهة من جهة وعلى عدم استقرار القرار وعلامة على التردد ومن ثم الحيرة . القاص يركز كثيرا على حدوس زوجته فها هو اكثر من مرة يذكر ذلك الامر . وهو يعني ان زوجته هي الكائن الوحيد الذي استطاع ان يحتويه . ملاحظتها هذه جعلته يؤكد على قدرتها على التخاطر بينهما . ولكنه لا يزال هو لائذ بالصمت . قلنا ان صمته هو نتيجة خشيته من سخرية زوجته منه . هذه السخرية علامة على خلخلة صورة الذات لديهما في وقت واحد .يستمر القاص في سرده لمسار شعوره فيقول :-
" فكرت " ياالهي ، ما ارهف حاستها السادسة ، انها تكاد تعرف كل شيئ "بيد اني فضلت الصمت وخرجت الى الاجتماع " . ص 68-69 .
                                     ***********************
حتى خروجه الى الاجتماع كان نوعا من انواع الهروب مارسه ليواجه ما سوف يأتي . الى حد هذه اللحظة . لا يدري لما اتصل به المدير ودعاه الى الاجتماع . صحيح ان برجه هذه اليوم قال له اشياء لم تك في ذهن المدير اصلا . مسألة البرج مسألة سرية بينه وبين نفسه . هي عملية رهان يريد التحقق منها لا غير . وصحيح ايضا ان دعوة المدير له ولأول مرة شكلت اساسا لبداية قناعته بمضمون البرج . مضمون البرج هو اساسا احلامه .. رغباته .. طموحاته .. لماذا اختار الغربة لو لم يك يريد ما يقوله البرج ؟ . من جانب أخر حدوس زوجته المتكررة هي الاخرى كانت عامل تعزيز لقناعته بمضمون البرج . ولكنه لحد هذه اللحظة لم يستسلم للبرج بعد . لا يزال منشطر الى نصفين . النصف الاول نصف واقعي لا يؤمن بالغيبيات ونصف بدأ يشعر بحاجته الى ان يكون الحظ معه ولو لمرة واحدة . هو الان يعيش هذا الرجحان بين هذين النصفين لا يدري الى اي نصف يتجه وينظر .. فكان خروجه السريع نحو الاجتماع علامة على الاسراع بالزمن لكي يكشف ويفضح دعاوي وصرخات البرج لهذا اليوم . المقطع التالي يصف لنا القاص وصوله الى صالة الفندق لحضور الاجتماع . يقول في ذلك :-
" وصلت قبل الموعد بنصف ساعة . فضلت ان اجلس في مقهى الفندق اشرب قهوتي بهدوء ، كان ، ثمة في وسط المقهى ، رجلان يتحدثان بصوت عال حول طاولة ، ورجل ثالث يرتدي بدلة انيقة ، يبدو عليه انه مسؤول كبير أو تاجر غني ، يجلس بعيدا في زاوية ، جلست في الزاوية الاخرى . اصبح الرجل في مواجهتي . كلما التفت يسارا رأيته يتحرك ويعتدل في جلسته ، ومنذ ان جلست لم يحد بصره عني ، بل انه قام غير مرة بحركات تلفت انتباهي أو هكذا تراءى لي . قلت في نفسي :" انه هو ، هو بعينه ، الرجل الهام الذي سألتقي اليوم " ورحت انظر اليه باهتمام ايضا "  ص  69  .
                                    ***********************
دخول الشيراتون ليس بالأمر السهل على الرغم من عموميته . ل ايرتاده ايا كان . فقط الناس الميسورين والأثرياء وأصحاب الذوات وما شاكلهم . وعندما يكون الزائر رجل مهما تنقلب الدنيا رأسا على عقب . ترى سيارات الشرطة تحيط بالفندق وترى رجال الامن حاملين معهم هواتفهم الطويلة النقالة وهم في حالة اسنتفار قصوى . القاص لم يذكر هذه التفاصيل في قصته . دخل الى صلب الموضوع مباشرة . دخل الفندق وهو الموظف البسيط .. الذي سحقته الغربة ايما سحق .. هو ليس من اصحاب هذه الاماكن .. هو لا يؤمن بقيم مرتاديها وزوارها . بل هو عدو لدود لهم . ولكن القدر اجبره على المجيئ الى هنا .. لولا دعوة المدير له ما كان يفكر ، البتة ، على رؤية زيف الحياة الارستقراطية ومباهجها البراقة الكاذبة . لقد عاش طويلا على ارصفة شوارع  بعض الدول الاجنبية يعتاش على سندويجات ساخنة سريعة ويدخن ارخص انواع السكائر متخذا من القهوة والكحول اصدقاء اعزاء له ويحلم ببناء مدينة حمراء يقودها اصحاب البدلات الزرقاء التي ينضح منها زيت المكائن والآلات . لكنه مجبر على تقمص شخصية زائر فندق الشيراتون ولو لبضع ساعات . إذن وجوده في الفندق مرهون بحضور الاجتماع على الرغم من ان لا شعوره مغمور بالكامل بالأمنيات والرغبات التي تتمحور في حياة على هذا النمط . وصوله الى الفندق مبكر اي قبل نصف ساعة علامة على مسألتين . الاولى حرصه على ان لا يتأخر على موعد الاجتماع وبالتالي حتى يأخذ مديره انطباعا حسنا عنه قد يفيده في ترقية ما وتحسين علاقته مع مديره . الامر الثاني هو ان يكون ملما  بتفاصيل وحيثيات هذا الاجتماع منذ لحظاته الاولى . عادة ما تكون صالات الفنادق ذات النجوم الخمسة في هذا المناسبات محجوزة مقدما والذين يجلسون فيها يعتبرون ضيوفا على شرف الاجتماع فكل طلباتهم التي تحتويها الصالة تكون مجابة على الفور . ها هو قاصنا هو الاخر كان من الاوائل الذين جلسوا في الصالة . لم يك في الصالة سوى اشخاصا قليلون . اثنان منهم يتحاوران بصوت عالي . المألوف في هذه الاماكن ان يكون الهمس هو سيد الموقف وليس الصوت العالي . يبدو انهما من الزوار غير العارفين بأعراف وتقاليد هكذا فنادق . بالنسبة الى البطل ثقافته وإطلاعه هما اللذين يحكمان سلوكه في هذه المواقف . مخيلة القاص وإسقاطاته جعلته يعتبر الشخص الجالس بمواجهته هو الشخص الذي رسمت معالمه سرديات البرج . انه إما رجل مسؤول أو رجل غني صاحب شركة عملاقة يمتلكها في كبريات دول العالم . وعلى وجه السرعة افترض القاص انه هو الشخص الذي تنبأ به البرج . لأنه كان يلاحقه بنظراته وحركاته ويستفزه لكي يستجيب على ذلك الاستفزاز . كان يرتدي بدلة انيقة . لكنها ليست زرقاء ولا أثر لزيوت المكائن عليها ايضا . هذا الاهتمام الذي ابداه هذا الرجل لبطل القصة إنما يعني ، سايكولوجيا ً، ان البطل ذو شخصية كارزمية لا يستطيع ايا كان ان يحتويها او ان يخضعها لتأثيره . البطل هو الذي ينبغي ان يقود لا ان يكون منقادا . ولكنه القدر او الحظ الذي اوصله الى هكذا حال . اعني حالة انتظار مزاج الحظ ورغبات القدر . ها هو يعيش احدى هذه اللحظات ويكون ضحية احدى رغبات القدر انه يعيش ما يمكن تسميته بمحنة الانتظار . ولكنه انتظار مؤلم لا لشيء الا لأنه انطلق من بعض المعطيات التي لا تشكل يقينا ما . بل عملية ضرب الاسداس بالأخماس لا غير . سوف يحسب لكل حدت هنا بألف حساب .انه يوم السعد كما اخبره برجه اليوم .
لنرى ماذا ينتظر البطل من حيثيات متتالية . يقول سعدي المالح :-
" في الاثناء هذه جاءت النادلة وسألتني عن طلبي ، في طريق عودتها ناداها الرجل ، توجهت نحوه ، وقفت امامه ، قال لها شيئا ،وكأنها لم تسمعه أحنت رأسها اليه ، ثم هزت رأسها موافقة وغادرته . خيـّل إلي انه عندما كان يحدثها كان ينظر تجاهي ، فهتف لي صوت من داخلي انه فعلا كان يسأل عني ، ولهذا انتظرت بصبر نافذ ان تأتي النادلة لي بطلبي لاستفسر منها عن صحة توقعاتي . ولحسن الحظ لم تغب طويلا ، جاءت حاملة فنجان قهوة وقدح ماء . لكنني رأيت على الصينية ايضا الحظ الذي كنت بانتظاره ، فكرت : " هو ذا الحظ يقترب " . اقتربت النادلة مبتسمة ، ابتسمت لها وسألتها في سري :" هات بالحظ اولا " ، غير انها ابت الا ان تضع القهوة والماء على الطاولة بتأني ، ثم اقتربت مني خطوة وسألتني :
-  هل انت السيد عبد الله .
فوجئت بسؤالها . كنت اتوقع ان تسألني اي سؤال الا هذا ، وتلفظ اسمي مباشرة ! انتفضت من مكاني  رأسا وأردت ان اصرخ من فرحي ، لكني تذكرت وجودي في مكان عام فكبحت انفعالي وقلت بصوت لا يخلو جذل واضح :
-  نعم ، لماذا ؟
- قالت :
السيد الذي هناك (واشارت باتجاه الرجل ) ينتظر السيد عبد الله ، فهل انت من شركة " الجنائن الخضراء " ؟
وأحسست برجفة غير متوقعة في داخلي ، وبعرق بارد يتصبب من جسدي ، فسألت بصوت متهدج :
-  " الجنائن الخضراء ؟ لا قولي له انني من " الجنائن المعلقة " .
قالت :
نعم سيدي .     ص 69-70 .
                                     *********************
في هذا المقطع من نصنا موضوع هذه السطور يستمر البطل " سعدي المالح " بالترقب الايجابي للأحداث . هذا الترقب راجع الى حاجته الى تحقيق ما يصبو اليه . في بداية دخوله صالة المقهى في فندق الشيراتون حيث جاء مبكرا بنصف ساعة حيث  رأى الرجلين اللذين كانا يتحدثان بصوت عالي والرجل صاحب البدلة الانيقة الذي صنفه على انه إما رجل اعمال كبير أو مسؤول سياسي مهم . هذا التصنيف ، بحد ذاته ، هو امتداد لتوقعات سرديات البرج . وكما قلنا فقد جعل البطل من نفسه شخصية كارزمية في البداية الا اننا نرى هنا ان هذه الصورة قد انقلبت الى رجل يعيش محنة الانتظار وقلق المستقبل . ان الهالة الكاريزمية سرعان ما تلاشت عندما نادى ذالك الرجل النادلة . ودلالات هذا التلاشي تتجلى بالبعد الانفعالي للبطل عندما سمع النادلة تسأله :-
-  هل انت السيد عبد الله ؟
ولننطلق من الاسم اولا . حيث ان اسم عبد الله اسم تذللي للقدرة الالهية او الكونية او أي مفردة تشاءها للتعبير عن ذالك الذي يسـّير مجرى التاريخ . البطل هنا اتخذ من هذا الاسم صورة للتواضع بل اذا ذهبنا ابعد صورة لتصغير الذات . انه العبد الفقير الذي ظلمه القدر وجنى عليه التاريخ وعبثت به سنوات الغربة الطوال  . الا ان هذا القدر الى حد هذه اللحظة كان متوافقا مع رغبات البطل . نعم اسمه عبد الله فعلا  فكانت هذه الرغبة الجامحة للانتفاض من مكانه لمصداقية سرديات البرج . ولكن سؤالها الثاني هو الذي افسد كل شيئ ودمر كل ما كان يحلم به . انه ليس من الجنائن الخضراء بل من الجنائن المعلقة . الجنائن المعلقة .. تلك التي بناها الملك نبوخذنصر ملك الكلدانيين في غابر الزمان لزوجته التي احضرها من بلاد فارس . انها من عجائب الدنيا السبع في التاريخ القديم . و لا اعتقد ان القاص سعدي المالح اختار هذا الاسم عبثا على الاطلاق !!! . بل من ايمانه العميق بأنه امتداد لتلك الجنائن حضاريا ... هنا تلاشت كل تلك الاحلام والتوقعات ولذلك نرى ان جسده قد تصبب عرقا وعلى المستوى السايكولوجي افرز كل مظاهر الالم واليأس والقنوط والخيبة . لقد تراجع نحو الوراء ولم يعد يهتم لفنجان القهوة وقدح الماء اللذين احضرتهما النادلة فور رؤيتها له . واجاب بصوت متهدج كما يقول هو :-
لا ؟ قولي له انني من الجنائن المعلقة ".
لنلاحق البطل مع مساره الانفعالي ولنرى كيف توحل ذلك الامل الى هذا اليأس ..
يقول سعدي المالح :-
" وغادرت ، قلت في نفسي :" ربما قرأت اليوم برج شخص آخر بدلا من برجي " وارتشفت جرعة كبيرة من القهوة . كانت القهوة مرة مرارة شديدة ، فتجرعتها على مضض ولم اطلب سكرا "ص 70 .
                                           ************
العادة في المطاعم والفنادق ذات النجوم الخمسة هي تقديم القهوة بدون سكر . السكر يقدم تلقائيا وبقدح آخر تحسبا ان طالبه ربما يكون مصابا بمرض السكر وهذا التحسب هو تجنب ازعاج النادل . وقوله ان ربما قرأ برج غيره علامة على ان يبقي له بعض الامل . فإذا كان الامر كذلك فما يزال الحظ في الطريق اليه . هذا من جانب . اما من الجانب الآخر فان قراءة برجه اليومي  يتناقض وقوله ان لا يؤمن بهكاذا ممارسات . هذا يعني ان سيئ الحظ على طول الخط . ارتشافه للقهوة بكمية كبيرة هي الاخرى دالة من دالات الانزعاج ويعزز هذه الدالة من انه لم يطلب سكرا . ان حظه إذن مر كمرارة القهوة الشديدة وان السكر قد لا يغير من مذاقها شيئا . السكر هنا رمز لخداع الذات . انك سيئ الحظ فالأمل لن يجعلك سعيدا به ابدا ..
يستمر سعدي المالح في صراعه مع رغاباته واحلامه . كان موضوع الجنائن الخضراء والمعلقة بمثابة الاحباط الاول في يوم السعد هذا . لنرى كيف سار مجري توقعات سعدي . ها هو يقول :-
" في قاعة الاجتماع كان هناك الكثير من الرجال والنساء من بلدان عديدة . في باب القاعة قدمت نفسي ، رحبوا بي ترحيبا حارا وعلقوا شارة على صدري وطلبوا مني ان اجلس في زاوية بعيدة من القاعة لتكون مهمتي تسجيل وقائع الاجتماع وتلخيصها لتقديمها لمديري في اليوم الثاني ، لأنه تعذر عليه الحضور اليوم " ص 70-71 "
                                   *******************
في هذا المقطع يحاول سعدي ترميم بنائه النفسي المحطم . اول عملية التحطيم كانت انا لم يكن من شركة الجنائن الخضراء . ولكن مع ذلك كان البطل ذو اتكيت حضاري . حيث انه قدم نفسه باعتباره ينتمي الى شركة الجنائن المعلقة . الترحيب الحار الذي تلقاه عند تقديم اسمه دلالة على اعتبارية شركته . وزاد هذا الاعتبار تغيب المدير عن حضور الاجتماع. لقد اصبح بمثابة المدير ولو لساعات . وبالفعل علقت له شارة على صدره . وهذا يعني ان اصبح واحد من اعضاء الاجتماع . ولكن هذه العضوية وحدها غير كافية من دون إناطة  مهمة ما له . فكانت مهته هي مراقبة وقائع الاجتماع . ان سايكولوجية هذه المهمة هي اشعاره بانه شخص مهم . لقد اصبح بمثابة مركزا للسيطرة النوعية والتقرير الذي سوف يقدمه في الغد الى مديره دليل على انه قد احاط بوقائع الاجتماع احاطة سليمة وكبيرة . وبالتالي فان مهمة كهذه هي علامة من علامات الترميم ذاك . لنرى هل ان البطل ما زال متعلقا بهاجسه الاولي ذاك ؟. يقول القاص سعدي المالح :-
" على الرغم من ذلك كان لي أمل كبير في ان يتقدم احدهم مني ويقول لي مثلا " انا هو الشخص الذي تنتظره " كنت اكتب ، ألخص التقارير والنقاشات ، وكل مسؤول يتحدث انتبه جيدا الى اسمه ووظيفته ومركزه ، واحلل إن كان هو الشخص المتوقع ان التقي . في الحقيقة ، كان هناك رؤساء شركات كبيرة ومسؤولون حكوميون وتجار كبار ، وكل اسم من تلك الاسماء كان له صدى كبيرا في البلد ، غير ان احدا لم يتقدم مني أو يسألني حتى من أكون ، كما لم تسنح لي اي فرصة لكي التعرف على احد ، بيد اني مع ذلك ، ولا ادري لماذا ،كنت واثقا من ان يحدث لي شيئ هام في تلك الساعات ويغـّير مجرى حياتي تغييرا كليا "ص 71 .
                                    *****************
لا يزال سعدي المالح متمسكا بالأمل . انه يشبه على حد تعبير المثل الشعبي " التمسك بشباك الحسين "  .انه تشبث بالأمل لعله يصيب . وها هي الهالة الكاريزمية تعود ادراجها الى لاوعي سعدي المالح من جديد . ويعيش من جديد محنة الانتظار وقلقه .. والاجتماع الذي كان بمثابة المرشحة له كان يضج بالشخصيات ذات VIP وهو ملخص للعبارة الانكليزية شخصيات مهمة جدا . وسعدي شغوف بمثل هذه الشخصيات يطمح الى ان يكون مثلها في الهيمنة والسيطرة والقدرة لتمرير خطابه بالتالي . ومع ذلك لم تفعل تلك الهالة الكاريزمية فعلها على تلك الشخصيات الى درجة انه لم يسئل من يكون هو . في بنية السرد هناك خلل في البناء . فعندما دخل البطل قاعة الاجتماع كانت هالة كاريزميته فعالة جدا ولكنها هنا معطلة تماما . الان يشعر بمرارة التهميش بشكله الاقصى . ولا يزال موقنا بسرديات البرج الذي قرأه هذا الصباح .كان احتمال قراءة برج شخص احتمال لا يمتلك تلك القوة من الترجيح ولذلك لم يتكأ عليه. لنرى ماذا حل بالبطل بعد الانتهاء من الاجتماع . يقول سعدي المالح :-
" بعد الاجتماع ، خرجت الى بهو الفندق ، وجلست هناك فترة في انتظار أن يدنو الحظ قليلا ، لعلها تكون فرصتي الاخيرة ، او بالأحرى اردت ان اقدم للحظ تسهيلات ومغريات للتحرك .ويبدو انني كنت متعبا جدا والكنبة التي اخترتها كانت مريحة هي الاخرى ، فأخذتني سنة من النوم . عندئذ رأيت رجلا وحشد كبير من الناس يركض وراءه ، سألت : من عساه يكون ؟ قالوا لي : انه الحظ .وهؤلاء الناس يركضون للحاق به ، علهم يظفرون بشيء منه . تعجبت إنني طول اليوم ابحث عنه وانتظره ، وهو يركض هنا بعيدا لا يأبه بي ،وهذا الحشد من الناس يركضون وراءه بهذا اللهاث المضني ! التحقت بالحشد وركضت معه . وللمرة الاولى  اكتشفت أنني أعدو خفيفا سريعا ولا اتعب ، وسرعان ما نسيت كل همومي ووجدت نفسي في مقدمة الحشد ، لكن المشكلة كانت ان الرجل كان يعدو اسرع منا جميعا ، فلم نستطع ان نلحق به .وإنني شخصيا اصبحت غير مرة على مقربة خطوة او خطوتين  منه ، ومددت يدي لامسك به ، استعدت جيدا قواي ، ولا اعرف من اين جاءتني تلك القوة ووثبت عليه كالنمر ، فوقع طرف سترته بيدي ، لكن في الاثناء هذه رن هاتفي النقال فصحوت من غفلتي . كانت زوجتي على الطرف الاخر من الخط تسألني عن سبب تأخري .نظرت الى ساعتي ،كان الليل على وشك الانتصاف ، قلت لها : " انتهيت الآن من عملي ، سآتيك بعد قليل " . وقررت ان ابقى حتى ينتصف الليل وينتهي ذلك اليوم تماما ولا اضيع اية فرصة امام الحظ الذ كنت بانتظاره . ص 71-72 .  
                              *************************
هذه الفقرة هي خاتمة هذه المأساة إن صح التعبير . لقد انتهى الاجتماع وصاحبنا كان خلاله يحلل ويراقب ويتنبه ويسجل ويقارن و..و .. ولكنه مركون في زاوية بعيدة من القاعة .وبعد انتهاء الاجتماع خرج البطل الى بهو الفندق يكمل احزان انتظاره ..انتظار من يغبر مجرى حياته. ويبدو من سياق السرد ان البطل غير راض ٍ على حياته .عدم الرضا هذا هو الذي جعله يلجأ الى الحظ على الرغم من عدم ايمانه بدوره وفعاليته في تغيير مجرى الاحداث . ومن جراء الاجتماع وبتعبير ادق من جراء الانتظار كان الاجهاد والتعب قد اخذ مأخذه منه ومن حسن حظه هذه المرة كانت الكنبة التي اختارها للجلوس عليها مريحة فراح في غفوة . ما رآه كان حلما جميلا . في علم الاحلام يعد الحلم تحقيقا لرغبة غير مشبعة كما يرى مؤسس علم الاحلام الحديث اعني فرويد . والحلم الذي رآه سعدي المالح يتمركز حول الحظ ايضا .إذن الحظ ظل يلاحق البطل حتى في احلامه . رآه رجلا يركض خلفه حشد كبير من الناس هؤلاء الناس هم عاثري الحظ مثل البطل . السرعة متفاوتة بين الناس وهذا الرجل . تساءل سعدي عمن يكون هذا الرجل . اجاب الجميع بأنه الحظ . سعدي ينقاد وراء الجميع وينظم اليهم .هذا الانضمام هو تخلي سعدي المالح من قناعاته إزاء الحظ وأصبح منقادا من قبل الوعي الجمعي في تصوراتهم وقناعاتهم . هنا اصبح سعدي واحدا منهم بل فاق الجميع في ملاحقة الحظ . يصف سرعته التي يندهش منها . ولا يدري ان في الحلم تصبح الانا ذات قدرة اطلاقية . تغوص في اعماق البحار وتتسلق قمم شاهقة من الجبال بل تتسلق الى السماء . وباختصار تفعل ما تشاء . من سرعته غير العادية هذه في ملاحقة الحظ . لقد صار الاول من بين الجميع وأصبح قريبا منه لا تبعده غير خطوة او خطوتين . وبالفعل لمس طرف سترته ووثب عليه مثل النمر . هنا دلالة على الحاجة العميقة للحصول عليه . النمر حيوان لا يعرف الرحمة واذا جاع فيثب على فريسته ويمزقها اربا اربا .. كذلك سعدي فقد وثب عليه الا انه ويا لسوء حظه رنين هاتفه النقال كان حجر عثرة في تحقيق تلك الوثبة . وبدلا من يثب على النمر وثب على رنين نقاله . فكانت زوجته على الطرف الآخر . ترك سعدي الحظ يمضي الى سبيله  وترك الناس يستمرون في الركض خلفه واعدا زوجته بان يعود بعد انتصاف الليل ووعد نفسه بان لا يسمح لها بان تعطي فرصة لهذا الحظ ان يطرق بابها .. ترى هل استمر البطل في قراءة برجه في جريدته اليومية  ؟؟؟ . هذا ما لا شأن لنا به ...  

                                                                                                                               shawqiyusif@yahoo.com                                                                
                                                                                                                               shawqiyusif@hotmail.com                                                                          

          
                                    
    
 
            
  
الهوامش :-
*  بردى ، هيثم بهنام ، 2009 ، قصاصون عراقيون سريان في مسيرة القصة العراقية ، وزارة الثقافة ، اربيل . ط1 ، ص 66- 72 .






16
                                  تسميات شعبنا بين الاستخدام السياسي وبين البحث العلمي الرصين
                                                                 نحو رؤية للتوحيد
شعبنا الذي عانى الكثير من الويلات بسبب تنصره وحمله لراية الصليب ومن ثم تمزقه وتشتته سواء على صعيد المكان او التوجه المذهبي . ولولا هذا التنصر لبقي هذا الشعب ، إذا كان ذلك ممكنا قبائل يتبادلها من كان الاقوى والاصلب في امكنة تواجده . ونحن حال كنائسنا المتباينة المذاهب تحت هيمنة السلطة الرسمية عبر التاريخ . اهل البحث التاريخي ادرى منا جميعا بتلك الاحوال وما كتب وما سيكتب وما لم ولن يكتب لسبب أو لآخر كفيلا بتسليط الضوء على تلك الاحوال . شعبنا الذي يتصارع حول تسميه تحفظ له ما الوجه ناسين ان سبب هذه التمزقات ليست التسمية قدر ما هي  انتمائنا الديني . فجميع اطياف شعبنا يرون ان لغتنا الام على سبيل الافتراض هي اللغة السريانية سليلة اللغة الاشورية والكلدانية . وعلى الرغم من هذه الامور لن تجد الجواب لها عند اهل السياسة اليوم بل تجد ذلك الجواب عند الباحثين في مجالات التاريخ واللغة والانثروبولجيا  والآثار ويمكن ان يساهم في ذلك علوم النفس والاجتماع والجغرافية . واغلب الدراسات في هذا المجال هي لمستشرقين وفدوا من الغرب ودرسونا على اهوائهم اما نحن فما زلنا نتخندق او نتكأ على مسميات لا تعتمد على اسس تاريخية لها دعمها المنهجي السليم . ولذلك ينبغي ان ترك المجال لأهل التخصص الدقيق في المجالات والعلوم التي مر ذكرها .ومن المؤكد ان هكذا ابحاث لا يمكن ان تقوم بشكل الا اذا توخينا الحيادية والموضوعية السليمة وينبغي ايضا ان يشاركنا في رجالات الكنيسة ممن لهم باع في تاريخنا الديني والطقسي حتى نجد الروابط المشتركة ، وما أكثرها ، ونعزل الغث من السمين منها لأبناء هذا الشعب . في تقديرى ان الجغرافية الطبيعية قد تساعدنا شيئا ما . هذا الشعب سكن الجبل والسهل معا . ولكل من الطبيعتين ؛ اعني الجبل والسهل لهما أثرهما النفسي والاجتماعي والمزاجي وحتى الاساس العرقي ايضا . ولذلك نحتاج الى جهد علمي كبير لتحديد تلك الاصول على مر التاريخ سواء قبل النتصر أو بعده . قلنا ان التنصر هو سبب عزلتنا الاجتماعية والحضارية في اوطاننا . تنصرنا يرسم لنا طريقا في السلوك والتوجه والنظرة الى العالم . وأيضا يرسم بيننا وبين من يخالفونا الاعتقاد خطوطا وفواصل . فكيف معنا ومع من لا ينتمي الى تنصرنا من بعيد او قريب . وحللا انيا للإشكال نقترح تسمية شعبنا السكان في الجبل وشعبنا الساكن في السهل من دون الوقوف عند هذه التسمية أو تلك . طبعا لا ننسى الخلاف اللاهوتي الذي عزز مثل هذه العزلة بين ساكني الجبل وساكني السهل ... ولذلك نقول ان مفتاح التسميات ليس عند الساسة بل عند اهل الخبرة والاختصاص مهما كانت انتماءاتهم ..
                                                        شوقي يوسف بهنام
                                                       مدرس علم النفس
                                              كلية التربية – جامعة الموصل       
                                       e-shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com                                                     

17
                                        هموم الضياع 
                          قراءة نفسية لمجموعة " يسمونه الحب " *
                                للشاعرة لميعة عباس عمارة
                                                                  شوقي يوسف بهنام
                                                                  مدرس – علم النفس
                                                                     جامعة الموصل
في مجموعتها الموسومة " يسمونه الحب " تعيش الشاعرة لميعة عباس عمارة خبرات نفسية متعددة يمكن إدراجها ضمن مفهوم الضياع Disengagement أو الاغتراب Alienation . ففي اغلب قصائد المجموع تفوح رائحة الضياع منها . ولا ننوي ، في هذه المقدمة ، الدخول في تفاصيل هذان المفهومان فالقارئ يتمكن من التعرف على هذين المفهومين في المراجع التي تناولت موضوع الاغتراب (1).   ولمفهوم الضياع استخدامين ؛ سوسيولوجي  وسيكولوجي ، والاستخدام الأول يخص البناء الاجتماعي ويتميز إما بغياب المعايير أو القواعد المحددة للسلوك ، أو بعدم وضوح هذه المعايير ، أو بصراعها مع بعضها البعض . أما الاستخدام الآخر فهو استخدام سيكولوجي للإشارة إلى حالة نفسية الفرد ، وتتميز بالإحساس بالتفكك الشخصي personal disorganization أو بفقدان التوجه disorientation وتستطرد الباحثة المصرية " هند طه " في استعراض الخلفية التاريخية لمفهوم الضياع في علمي النفس والاجتماع حتى تصل إلى تعريف عام لمفهوم الضياع وتحدده على أنه حالة نفسية يشعر الفرد فيها بفقدان التوجه ، واليأس ، وعدم الرضا ، وفقدان الطمأنينة ، والميول الانتحارية (2). ولن نطيل كثيرا في الدخول في التنظيرات النفسية الحديثة  لمفهوم الضياع لأن هذا أمر خارج عن مهمة هذه السطور . ولا نريد ان نضع الشاعرة في دائرة الاضطرابات النفسية ،على الرغم من ان هذا الأمر لا يشكل عائقا أو مانعا من دراسة منجزها الشعري من وجهة نظر نفسية خالصة . ان أول إحساس بالضياع هو ضياع المفاهيم والخبرات . ولعل الحب هو المفهوم الأكبر الذي يلعب دورا خطيرا ومهما عند لميعة ...اعني في منجزها الشعري . فهذا المفهوم غير واضح الأبعاد والدلالات . بتعبير أدق تريد تقول لميعة انه ليس هناك شيئ اسمه الحب . الحب هراء .. عبث .. بلا معنى ولنصغ الى لميعة عندما تسأل أو تتسائل عن ماهية ما يسمونه الحب . تقول لميعة :-
تظل ببالي
كلحن يساير عمري
وعبرك َ تنساب أحداث‘ يومي ،
أحب‘
وأفهم ‘
أو نصف فهم
يسمونه الحب
ظنا ً ،
ولست أسميه ِ
ليست له صفة فأسمّي .
                                     (يسمونه الحب ، ص7)   
                              *************************
على الرغم من ان لميعة لا تنكر ان وجوده ذات أهمية كبيرة لوجودها أو حياتها فمن خلاله تنساب أحداث يومها وهي لا تنكر أيضا بأنها تحب ولكنها على غير يقين من حقيقة هذه التجربة أو هذه الخبرة ..واعني بها تجربة الحب . هذه التجربة من الصعوبة والغرابة بحيث لا تتحمل مثل هذه التسمية . والمهم عند لميعة ليست لديها في قاموسها ، و ينبغيان لا ننسى ، ان المتحدثة شاعرة ! ، مفردة مناسبة للتعبير عن دلالة هكذا خبرة يعيشها الناس جميعهم . فالحب عند لميعة ، بهذا المعنى ، وهم أو ظن ، إذا استخدمنا تعبير لميعة نفسها . معنى هذا ان الجميع أسرى الوهم  في وجود الحب . لميعة وحدها متحررة من هذا الوهم إذن . هذه الحرية ليست مدعاة فخر للميعة ، في تقديرنا ، لأنها لا تعرف ما هو وبماذا أو بأي مفردة تسميه أو تعبر عنه . هل هذا يعني ان لميعة لا تدرك ماهية مشاعرها الوجدانية نحو هذا الذي من خلاله أو عبره تنساب أحداث يومها . ومع انها تحب وتفهم أو نصف ذلك الفهم فأن قناعاتها لا زالت تشوبها الشكوك و الحيرة .. معنى هذا ان لميعة تعيش أسيرة لدوائر الضياع . وهي تصر على عدم معرفتها بهذا الذي يسمونه الحب . وفي هذا التعبير رائحة السخرية والتهكم لما هو متعارف عليه حول الحب على انه ظاهرة إنسانية لا قيمة  لوجود الإنسان بدونها . ولميعة لا تسمي هذه الخبرة بهذا المسمى وبهذه المفردة على وجه التحديد . فتتركنا مثلها حيارى غارقين في بحر الضياع . هنا تبدو لميعة وكأنها صرخة واحتجاج  في وجه المفاهيم والتصورات الاجتماعية السائدة حول ما يسمونه الحب . ولكنها لم تطرح البديل لهذه التسمية الخاطئة في تقديرها . وتكتفي بأنها لا تسميه . في قصيدتها التالية لهذه التي وقفنا عندها والمعنونة " وحدك " تعيش لميعة ، في تقديرنا ، من خلالها خبرة الشك وهو شكل من أشكال الضياع النفسي . لنرى كيف صورت لنا لميعة ذلك . تقول لميعة :-
‘يخيـّل لي
أنني لم أحب سواك َ .
تقول دموعي ،
إذا ما قرأتكَ
للمرة الألف بين السطور
وأنتَ تموه ‘
أنتَ تثورْ
وأنتَ تئن كسيحا 
وأنتَ تموت مسيحا
وأنتَ تشفى
                                   (يسمونه الحب ، ص 11)
                             *** *** ***********************
أول مفردة في القصيدة ، ومن الممكن اعتبارها مفتاح لها ، تعيش لميعة أزمة الشك في الذات self-doubt  . ولميعة ليست بعيدة عن خفايا اللغة وأسرارها ، وبالتالي فأنها مدركة لمعانيها . لماذا تتخيل أو ‘يخـّيل إليها بأنها لم تحب سواه ؟ . لميعة تلجأ إلى دموعها لتسألها عن ذلك الحب ..أو ما يسمونه الحب . كل الصفات التي ألصقتها لميعة الى هذا الذي ‘يخيـّل إليها بأنها تحبه هي صفات شخص غير مبالي بها تماما . التمويه ... الثورة .. الائنين .. والموت مثل المسيح .. جميعها .. هذه الصفات هي لشخص يعيش في عالم غير عالم لميعة  .. ومع ذلك فلميعة تقرأه ألف مرة بين سطور حياتها . في المقطع التالي تكشف لميعة مأساتها معه .. لنرى ما هي تلك المأساة :-
لأني ‘سجنت‘
وتفخر‘ أنكَ "لم تبك ِ لي
وأنّي بكيت "
ألا قد تشفيت َ مني ،
فهلا شفيت .
                                      (يسمونه الحب ، ص 12)
                                ***********************
لن أتحدد بالمعنى المألوف لمفردة السجن . في قصيدة أخرى سنقف عندها فيما بعد توجه لميعة الى سجين في معتقل " نقرة السلمان " . ولكن ، هنا ، نجد لميعة تضعنا في منظور آخر للسجن . ونحن بدورنا ندرجه بما يمكن ان نسميه ب" السجن النفسي " . حيث ان لميعة تعيش أحزان الغرفة الواحدة أو الوحيدة . فهي بهذا المعنى شبيه بشاعرنا الكبير أبي العلاء المعري ؛ رهين المحبسين . ولميعة سجينة الغرفة والشعر والعطور لا غير !!! . هي تذرف الدموع وتبكي وصاحبنا غير مهتم بها بل على العكس فهو يتشفى بها . ولميعة في نهاية المقطع تطرح سؤالا عليه " فهلا شفيت " لميعة تتركنا في غياهب المجهول .
تستمر لميعة  في حوار مع الغياب أو مع الغائب ، إذا شئنا الدقة . لنرى ما هو هذا الحوار :-
حبـبتك أكثر
حين الهوى لا ينال
وأنت محال ،
وكنت‘ أعينك َ في البعد عني
أتلفت‘ كل رسائلك الحارقة
كما تبعد التوبة الصادقة
بقايا اللذاذات من ذاكره ،
وأقصتك عني
عشر وعشر وخير وشر
                                   (يسمونه الحب ، ص12-13 )
                                ********************
هنا تحاول لميعة اللجوء الى التجاهل والإنكار لتأثير هذا الغائب عليها . ولكن سوف أركز على نقطة مهمة في هذا المقطع الا وهي ان لميعة ترى في حضور هذا الغائب أو حبه ضرب من المحال . ترى لماذا مثل التصور له ؟ . هل ان وجوده أو حضوره سيشكل خطرا على لميعة مثلا .. أم أنه ضرب من الخيال هو الآخر وبالتالي فأن حضوره هو محض محال . .. بل هو المحال بعينه . فعملية إتلاف الرسائل هو دلالة على هذا التجاهل له . وهو شبيه بل صورة مطابقة لحرق الرسائل وإطعامها للنيران عند   بطلة نزار . لميعة هي الأخرى تتلف رسائله .هل ميت مثل الأب ومن ثم سيكون حضوره ضرب من المستحيل وبالتالي فأن لميعة ستكون غارقة في الضياع أيما غرق . لم يبقى منه غير لذاذات في الذاكرة . وهي مصرة على هذا الإقصاء له. الا مع هذا الإقصاء القصدي له الا انه سوف يبعث من جديد .. ليس هو بل صورته أو ذكراه .تقول لميعة :-
وها أنت َ
‘تبعث‘ في خاطره
" فأبكي لوجهك بين السطور "
" وتمسح كفاي عنه الغبار "
ويعتادني الأمس
طفلا صغير
نقيا كوجه إله ،
أراك المكابر 
تحن
وتخشى
‘تكني
عن الشعب ..عني
‘تسرَّب‘ في ظل نبع حلال
وتكتب‘ عن شبح أو خيال
عن الألم الفذ 
عنا
لأّنا 
-   كما قلتَ يوما –
نطل ‘ على الكون صدفة .

                        (يسمونه الحب ، ص13-14)
                   ***********************
نحن نتساءل هل هذا الحبيب المحال له علاقة بقضايا الشعب ومتاعبه ومعاناته ؟؟. لميعة في أكثر من مناسبة تربط همومها بهموم شعبها ومعاناته . معاناة شعبها هي الشغل الشاغل لها . من هنا هذا الاعتزاز والإعجاب بالذات عند لميعة . ليست لميعة امرأة عادية مثل باقي النساء . أو قل هكذا تتمنى أو ترغب في أن تكون كذلك . سوف يرسم صورة للشعب من صورة لميعة .. هذه المرأة التي رافقت القلق مع بداية وجودها إذا صح مثل هذا التعبير . لكنفي نهاية المقطع تعلن لميعة ان الوجود برمته ..وجودها ووجود غيرها ليس غير محض صدفة . والواقع أن هذا القول ليس من عندياتها .. بل هو قول ذلك الذي ذهب ولم ولن يعد . هنا لميعة تتفلسف على حساب علاقاتها مع هذا الغائب . ستمضي صدفة مثلما طلت علة الكون صدفة . لميعة تتبنى مثل هذا التصور عن الوجود ..ومن هنا أيضا ما يعزز الشعور بالضياع لديها . في قصيدتها المعنونة " بغداد هواي " تعيش لميعة ما يمكن التعبير عنه بلغة علم الحنين الى الأوطان Nostalgia والقصيدة تعبير عن هذه الحالة . لكن لميعة توظف القصيدة للربط بين الحبيب وبغداد وبدلا من يكون عنوان القصيدة " بغداد هواي " يمكن ان يكون " أنت الذي يسكن بغداد هواي " . وفي القصيدة صورة للضياع المكاني وبالتالي النفسي الذي تعيشه لميعة . لنرى أبعاد تلك الصورة . تقول لميعة :-
كان وهما :
شواطئ البحر تقصينا
فأنساه ،
كان وهما فراري .

                                (يسمونه الحب ، 47)     
                           *********************
لميعة صريحة وواضحة في التعبير عن محنتها هذه .اعني محنة الضياع ورحلة الوهم . كل شواطئ البحر لن تفلح في ان تكون حاجزا بين لميعة وبين من تحب . رجل محدد في بالها . وطنها الذي عاشت به شطر من حياتها  .. خطابها الذي أمنت به ..مرجعيتها الانتمائية ورموزها . كل تلك الموضوعات هي محل حب عند  لميعة شأنها شأن اي إنسان في هذا الوجود .وهاهي الآن عبر البحر بعيدة عن موضوعات حبها . عملية الفرار إذن هي سلوك انسحابي واضح المعالم . لن اعلق على مسبباته . لكن هو عمل لا يتفق وطموحات لميعة ومنطلقات تفكيرها . لكن هي مجبرة عليه على ما يبدو . إذن هي في وهم . لنرى مظاهر الضياع تلك التي تعيشها لميعة . ها تقول :-
كنت‘ أمشي
بلا حياة
بلا روح
يحس الجمال حولي احتضاري
صامت كل ما أراه
من الوحشة منحوت ،
وما زالت بتوقيت بغداد ساعتي
ارصد فيها
 نهاره
لا نهاري
                      (ما يسمونه الحب ، ص 47-48)
                       **************************
لميعة تعيش عبثية المكان إن صح مثل هذا التعبير . المكان موحش بالنسبة إليها.لا يشكل لها اي معنى حتى لو سارت اينما شاءت . وإذا كانت لميعة في هذه القصيدة قد عنونتها بهذا العنوان .. اعني ب " بغداد هواي " ، فإنها لن تعني بغداد المكان بل بغداد بما تحمله من ذكريات عن من يعيش أو عاش في بغداد . بغداد عند لميعة لا تعني ، فقط ، المباني والشوارع والحدائق والأزقة .. بل من هو الذي على بال لميعة ويعيش في بغداد !! . ان القصيدة نموذج للضياع . فلميعة صريحة التعابير عن محنتها للبحث عن معنى لحياتها وهذا المعنى لن يتحدد الا بمجيء هذا الذي لن يأتي . ولميعة تعرف ذلك أما نحن فلن نقول شيئا لأنه لو كان قد جاء لما كتب لميعة كل ما كتبت .. هذا في تقديرنا لو كانت لميعة في مصداقية مع ما تكتب . والجمال لا معنى له أمام احتضار لميعة وهي تموت في وحشتها . انها غير متكيفة مع توقيت البلد الذي تعيش به ..وهنا  في زمن كتابة هذه القصيدة كانت في تونس . فالصمت يواجهها أنى ذهبت . فتوقيت ساعتها لازال على توقيت بغداد . وهي تحاول رصد نهاره لا نهارها . ليس لديها نهار . لميعة تعيش أبدا في عتمة الليل ووحشته . ولذلك لحاجة لها لرصده . بينما هو في عتمة الغياب . ثمة فرق بين العتمتين . عتمة لميعة لا نهار لها . عتمة غيابه تنجلي بحضوره . حضوره سوف يضيئ ليل لميعة . ترى هل أضاء ليل لميعة وانبلج من عتمته الظلماء ؟؟. في قصيد " في المرقص " تحاول لميعة الهروب مجددا والعيش في عالم غير عالمها . اعتقد انها تجربة واحدة ووحيدة عاشتها لميعة عندما كانت في المرقص . وعلى الرغم من انها تنقلنا تماما الى ذلك العالم  العجيب .. الغريب .. الا ان لميعة في هذا المكان ما كانت غير هاربة وفارة من عالمها الموحش هذا . لنرى كيف تصف لنا لميعة أجواء هذا المكان .. اعني المرقص . تقول لميعة واصفة إياه :-

تتلوى الراقصة السمراء
وحافية قدماها ،
والقبو الأحمر
جمر ودخان
وعيون تتشهاها .
وشراب الليمون
أمامي
خجل من خجلي
والعري السكران
يتباهى
                                  (يسمونه الحب ، ص 51) 
                        **********************
وصف جميل لأجواء المرقص . لميعة خجولة واخجل منها شراب الليمون الذي أمامها . إذن ما الذي دفع لميعة الى الذهاب الى هذا المكان ؟!. الا تعلم لميعة بطبيعة هذه الأمكنة ..ألم تسمع بها ؟؟ ألم تقرأ عنها ؟ و..و . كلها أسئلة محتملة  يمكن توجيهها الى شاعرتنا لمعرفة لماذا ارتادت هذا المكان المعروف بوبائه . ولكننا نعتقد ، على المستوى النفسي على الأقل ، ان مثل هذه التجارب إنما تدل على الحيرة والملل ومحاولة كسرها واختراق حجب محظوراتها . ولميعة إنسان قبل كل شيئ ، وهي بهذا لا تختلف عن الآخرين كما ستخبرنا هي بذلك في وقت لا حق ، لأنها تريد ان تكون مثل الناس العاديين لهم الحق في اللهو واللعب ومظاهر قتل الفراغ الأخرى . إذن يمكن القول ان ذهاب لميعة الى المرقص هو ضرب من هذا السلوك الذي يهدف الى قتل الوقت ونوعا من أنواع الهروب من الواقع المتعب الذي يواجهه الانسان في مسيرة حياته لاسيما إذا كان مغتربا عن مجتمعه ووطنه . لميعة عندما ذهبت الى المرقص نست من هي . أو حاولت تناسي ذلك . وفي ذلك التناسي مصدر ارتياح لها . وعندما نتناول المسألة واقعيا ؛ نقول كيف سمحت لميعة .. تلك الشاعرة الوقورة .. المتزنة ...الناضجة .. صحابة قضايا الشعب  ... كيف سمحت لنفسها ان ترداد مثل هذه الأمكنة ؟؟ . ولكن ما يلفت النظر في تصور لميعة عن المرقص هذا السخط الداخلي الناقم لمجتمع العبث ..وتلخص لميعة ذلك بقولها : والعري السكران يتباهى . أما هي فالصمت يلفها وقدح الليمون الحزين أمامها !! .
تستمر لميعة في وصف أجواء المرقص الصاخب ...اللاهب ..فتقول :-
يا أنغام الجاز
خذي أذني
زيدي صخبا
لا أسمع أخبار القتلى في فيتنام
والعدو الإسرائيلي على . . .
يا أنغام الجاز
خذي سمعي
لست‘ إلاهاً .
                             (يسمونه الحب ، ص52 ) 
هنا أقصى ما تعيشه لميعة من حزن على ما تحمله من مبادئ وقيم . هنا تعيش لميعة صراع بين ميلين . ميل يشدها نحو قيمها وميل يشدها نحو إنسانيتها . لميعة وهي في المنفى مثلها أبناء جيلها من الشعراء والمثقفين .. مقصيين من الوطن ..مهمشين فيه .. بعيدين عنه . وعندما تساوي لميعة بين القتلى في فيتنام والعدوان الإسرائيلي على فلسطين أو مصر فانها تنطلق من منظورها الاممي لا غير . وكما عودنا البياتي أو الحيدري أو سعدي يوسف حيث انهم لا يفرقون بين مناضل ينتمي إلى هذا البلد ومناضل ينتمي إلى بلد آخر . كلهم في كفة واحدة طالما ان الاستعمار هو عدو الشعوب . لميعة ستنظم الى شعراء جيلها في هذا المنظور . هذا الصراع سينتهي بصرخة لميعة :-
لست‘ إلاها ً
                                 ******************
ما أنا الا بشر لا غير . وفي هذا الإقرار ، في تقديرنا ، انهيار للميعة . لقد انهارت لميعة .. سنرى في المقطع كيف تجلى هذا الانهيار النفسي لديها .تقول لميعة :-
يا ‘عري الترف اسحرني
َ غنّـج عيني
حفاة بلادي كثر ،

وعيوني لا تسع الكل .

يا قديمها
دوسي المثل الأحببت‘
حطاما ‘عدت‘
بقية أعوام تنعى
أني عشت‘ .
                              (يسمونه الحب ، ص 53)   
                       ******************************
هل من حاجة إلى تعليق أو تأويل أو تشريح نفسي ؟ الإقرار واضح وجلي . وعندما تخاطب لميعة الراقصة إلى ان تدوس بقديمها العاريتين قيم لميعة ومبادئها التي أحببت . ماذا يعني هذا ؟ يعني ان لميعة قد فشلت فشلا ذريعا في الوصول الى تلك المبادئ والقيم . وفي الحقيقة ان عيناها لا تتسع للجميع ولكن في النهاية كانت حطاما وبقية أعوامها تنعى لحياتها وكيف انها عاشتها بسقم وألم . وسط هذا الحزن ستلتفت الى الوراء وتنسى حاضرها وخطابها وقيمها وتصلي كراهبة مندائية تناجي شهيدها الأعظم . انه يوحنا المعمدان أو يحيى بحسب المنظور القرآني . لا ننسى القرابة بين يوحنا المعمدان والمسيح .أنهما أولاد خالة . سيختار يوحنا من بين بنات المندائيين لميعة لكي يخصها بنعمة الظهور . بعد ألفي عام سوف يظهر يوحنا ويخاطب لميعة .ما أعظمها من نعمة . ولميعة هنا في حضرة هذا الشهيد لكي  تعترف له  بكل ذنوبها الظاهرة وغير الظاهرة . ان الدافع لوقوفنا عند هذه القصيدة لنرى وجه غير معلن للميعة .هذا الوجه هو تعلق لميعة بخلفيتها الانتمائية .هذا يعني ان المقدس لا يزال له تأثيره ويمارس دوره عند لميعة . لميعة إذن غير منقطعة الجذور في هذا الجانب .ونميل الى الاعتقاد أن وجود هذه القصيدة في هذه المجموعة يمثل ، في تقديرنا ، تشبث لميعة بقشة وهي الغريقة في البحر  وهذه القشة هي أهداب معتقداتها طلبا للخلاص من محنة الضياع التي تعيشها من خلال مجموعتها هذه . انه نكوص وتقهقر إلى الخطاب الديني عند لميعة . لنرى كيف تصف لنا لميعة نبيها المختار حيث تقول في قصيدتها " هل نحن الأحياء "  :-
لمن الصوت‘ الصارخ في البرية
واعجبي
يسأل عني
ِمن بين عباد الله .؟
مولاي َ
أأنت هو الـ ...
ألفا عام بين الصوت وبيني
َوهِمت أذناي
وهمت عيناي ،
لكن الصوت يناديني
وحزام الصوف الاعر‘فه‘ (الهميان)
. . الثوب الأبيض  ،
والنعلان 
وهذا الغصن الزيتون ؛
هل تصدق بعد الألفين عيون ؟
                          (يسمونه الحب ، ص 63-64)

                              ********************
إذن هي خبرة رؤيا تعيشها لميعة . لن أتمادى وأقول متكئا على تصنيفات الطب النفسي للأعراض المرضية ..ان لميعة ، هنا ، تعاني من هلوسة بصرية . ولكن سوف أتعامل معها على انها خبرة إعجاب وتقديس لرموزها المقدسة لا غير . وهذا ما يجعلني ان أقف موقف المتشكك بنواياها حول تبنيها للخطاب الذي تسعى للتبشير بمفرداته. فلميعة هنا تعيش خبرة المتعبد التقليدي ؛ إن صح القول ، في أبعاد معتقداته التقليدية . فهي تحتمي بنبيها ورسولها . لم تلجأ الى ماركس أو انجلز  .. بل الى يوحنا المعمدان . على المستوى النفسي يمثل هذا التقهقر أو النكوص تثبيتا على مرجعيتها الدينية ورموزها . ولعل يوحنا هو الرمز الأكبر بين الرموز المندائية . سنرى لميعة كم هي معجبة بهذا البطل وهي تسرد لنا سيرته ونضاله من اجل مبادئه . هنا نقاط الاتفاق والتشابه بين لميعة والمعمدان . هنا نتسائل : هل ان لميعة متماهية مع المعمدان ؟ أم انها محتفظة بالمسافات النفسية والرمزية بينهما . هل تعتبر نفسها يوحنا القرن العشرين ؟ لنرى كيف تجلى هذا الإعجاب عند لميعة بهذا البطل . تقول لميعة :- 

يملأني صوتك مولاي
أسفارك مبهمة
وحديثك رمز ،
وأنا أجهل‘ هذه اللغة
المرشوشة في الصفحات
أعرفها كلا ،
مثل ندائك إياي
وتخذلني الكلمات .
                              (يسمونه الحب ، ص 64-65)
                        ********************
ذلك إذن هو المعمدان بلغته وخطابه وأسفاره وحديثه ووو . الا تعيش لميعة مثل المواصفات . لم يفهمها احد ؟ لم يقدرها احد ؟ حديثها رمز وإشارة وايماءة .ألم تقل يوما لأحدهم " انا جمع لا " . فهي الحيرة بذاتها .. الغموض كله .. السر بخفاياه . وفي النهاية لا تدري لمَ اختارها هذا النبي ليزورها ويكلمها ؟؟ هل لكي يبشرها بغلام نوراني ينقذ العالم من غيه وضياعه وتصبح هي بالتالي سيدة العالمين ..مختارة المندائيين ؟؟؟ . نستمر مع لميعة في الدخول في اللوحة التي ترسمها لنا عن نبيها ..فتقول :-
أفطرت‘
ذكرتكَ في الصباح
في عسل النحل ،
جميل أنت ،
دماؤك من عسل النحل ،
نقي من ماء الأردن
أجئتَ تعمدنا بالماء
هل يقوى شبح ..
-   عفوكَ -
هل نحن الأحياء ؟
                                (يسمونه الحب ، ص 65)
                             **********************
في هذا المقطع ، في تقديرنا ، تشكيك في قدرات المعمدان على مجيئه للتعميد . المعمودية طقس مندائي أصيل .لا شأن لنا بمنشأه  أو جذوره عندهم .لقد جعلت لميعة من المعمدان شبحا لا يقوى ..ولكنها تتدارك الموقف وتعتذر منه . وعلى الرغم من هذا يبقى المعمدان نموذجا روحيا عند لميعة .فهناك نعتته " مولاي " وهنا تنعته بصاحب الدماء الآتية  من عسل النحل البري .. الإنجيل يقول عن المعمدان انه " صوت صارخ في البرية ". وهنا تنعته بالجميل وجاء ليعمد الناس ، كلهم ، بالماء ، إيذانا لنيلهم الخلاص ودخولهم مملكة الرب أو العالم الأثيري بحسب المعتقد المندائي . لنرى ما هي فكرة عن طقس المعمودية ؟ تقول لميعة :-
أكبر‘ من ماء الأردن خطايانا
يسود - إذا نزلتَ فيه - الماء .
كل فتاة في بيتك سالومي ،
كل امرأة هيرود ،
أولاد أفاع من جاروت
ورأسك َ غال ٍ .
                               (يسمونه الحب ، ص66)
تسرد لميعة بصورة مختصرة قصة مقتل نبيها على يد هيرودس الوالي الروماني عندما وهب رأس المعمدان للراقصة سالومي بنت هيرودية أمام ضيوفه . لميعة حزينة على هذا الرأس . يذكرنا هذا برأس الحسين في حادثة كربلاء . إذن رأس يوحنا غال عند لميعة . تستطرد لميعة في حواريتها مع صاحب الرأس  فتقول :-
صوتك ‘يحييني
عّـمدني
بعماد (ابراهيم ) الأقدم
لست‘ مسيحا
أهدي الناس ،
ولكني
أملك صلبي
فأنا في صف (العشارين ) ،
وكل (الأمم ) المغضوب عليها ،
ونساء يرجمهن الزانون ،
وأنا أصلح‘ أن تنسب لي
كل الأخطاء
                                  (يسمونه الحب ، ص 66-67)
                                 *********************
لميعة تشعر ولديها إحساس عميق بالموت . الصوت الوحيد الذي يستطيع ان يحييها هو صوت المعمدان . لكننا نريد ان نركز على حاجة لميعة الى التعميد ولذلك فهي تطلبه من نبيها . الحاجة الثانية عندها ..انها ليست مسيحا يهدي الناس . في المرقص صرخت لميعة بوجه التاريخ " أنا لست إلاها " وهنا تصرخ بوجه التاريخ انها مع العشارين .. اي الخطاة وإنها ليست المسيح ولم تأت لهداية الناس . نميل إلى الاعتقاد ان لميعة قد أعلنت الخسارة والانسحاب من  طموحاتها . هنا نقلة نوعية في اتجاهات لميعة ونمط التفكير عندها . لقد غدت راهبة مندائية تعيش الشطح الصوفي ومعاناته . والنص الذي بين أيدينا نموذجا جميلا لذلك . فهي تنتهي بالنص الى عوالم التوبة والندامة وطلب العون والهداية. نعود الى لميعة وإحساسها بالضياع الذي خيم على هذه المجموعة .ففي قصيدتها الجميلة المعنونة " عشر نساء " تعيش لميعة خبرة ما يمكن تسميته بلغة الطب النفسي " الشخصية المتعددة " حيث تقول فيها :-
عشر نساء في جلدي
يا ضيعتهن
كلُّ عشيقات الشعراء
شظايا منهن .
من منهن  أنا
لا أعرفني
أعرفهن
عشر نساء في جلدي
يظهرن تباعا ..
مات ..
ولم يخلق ..
من يجمعهن ،
                             (يسمونه الحب ، ص 71-72)
                         ***********************
نص صغير ولكنه متسم بالعمق . رمزية رقم عشرة من الرموز المهمة والأساسية في الحضارة الإنسانية (4). هذه إشارة عابرة لا غير . والمهم عدنا في قراءتنا لنص لميعة هو إحساسها العميق بالضياع بين هاته النسوة . ترى من تكن لميعة منهن . الظهور متتالي . بمعنى ان لكل فترة زمنية تتقمص لميعة واحدة منهن حتى انتهى الأمر بليمعة انها لا تدري من هي . من الذي مات ؟ ولم يأت بعده أو لم يخلق بعده ليجمعهن بشخص لميعة الراهنة . أقولها وبجرأة انه عباس عمارة !!!!!!!!!!!! . القصيدة نموذجا للضياع النفسي وتفكك في مجال الشخصية . والقصيدة الأخرى  والمعنونة " آخر من أحببت " لهي دليل على منطقية قراءتنا لمنجز لميعة ،  في تقديرنا على الأقل ، في هذه القصيدة تعلن لميعة ، على الرغم من أن العنوان يوحي على انها كانت مع الكثر ولكنه ..اعني بطل القصيدة هوالفارس الأوحد الذي استطاع أن يصطاد لميعة بشباكه فكان هذا الاستسلام له .هذا الاستسلام وصل بليمعة الى ان يجعلها لا تفرق بين الشخوص الذين من حولها . لن اسمي هذه الحالة وفق تصنيفات الطب النفسي . نحن لسنا بصدد تقديم تشخيص نفسي لشاعرتنا اللامعة ..ولكن النص هو الذي يجبرنا على قول كهذا .ولذلك دعنا نسمعها بصورة مباشرة حيث تقول :-
لست َ ‘مصدقني
أنّي في لبنان
أحضر قداس الأحد
ورفاقي في أغلب أيام الأسبوع
الرهبان .
الأب أوغسطين الصادق
يسأل عني كل صباح
وأحب الدعوات الى نفسي
في بيت المطران .
لو طال بي الوقت هنا
لدخلت‘  الدير
كي تعلم
أنكَ آخر من أحببت
وأنّي
أنفض كفي من الدنيا
لو نوّر في قلبك
زهر النسيان
                          (يسمونه الحب ، ص 81-82)
                     ******************************
لن أتجنى على لميعة وأقول أنها تعيش حيرة دينية على المستوى المعرفي في إشكاليات الأديان . وبهذه المناسبة يسعدني بل يشرفني ان اذكر لقائي مع الأب الدكتور العراقي المولد والنشأة " باسيل عكولة " في بيروت قبل سنتين (5)وقد ذكر لي شخصيا انه كان من الأوائل الذين سعوا الى  تقديم وتعريف الشاعرة لميعة الى الوسط الثقافي في بيروت وهيأ لها فرص لقراءة شعرها هناك .فلا غرابة إذن من أن تكون لميعة ، على حد قولها ، رفيقة الرهبان . إذن كان حضورها لقداس الأحد هو محصلة لتلك العلاقات المثمرة معهم ..اعني مع الرهبان . لميعة تتعامل مع الرهبان والمطران تعاملا حضاريا انطلاقا من رؤيتها للعلاقات الإنسانية . قلنا ان يوحنا والمسيح هما أبناء خالة . هذا يساعد على نشوء هكذا علاقات . وانطلاقا من هذه الرؤية فلن تجد لميعة ضررا لا في حضور قاس الأحد ولا في حوارية مع الأب أوغسطين وقبول دعوات المطران التي وصفتها بانها الأحب الى نفسها . الا ان لميعة وفي هذا الوسط المعرفي والروحي والطبيعي ...لا تنسى حبها ، في تقديرنا ، للبحر ، لن تنسى بل لن تنساه هذا الذي دوخ لميعة العمر كله . انه كما قالت :
مات
ولم يخلق من يجمعهن
                              *****************
لا الرهبان ولا الأب أوغسطين الصادق ولا المطران قادرين على خلخلة ذاكرة لميعة وزعزعة وجدانها ..لميعة هي هي من كانت تعيش في بغداد ومن كان تعشق في بغداد . لميعة في منظور الآخر كتلة من الحب ! التعبير استوحيناه من قصيدتها المعنونة " حتى مروحتي "  لنرى كيف ترى لميعة نفسها من خلال منظور الآخر لها . تقول :-
متهم بالحب
 من كلمت‘
ومن صافحت‘
ومن عاتبتْ

في نظراتي حب
في نبراتي حب
في أنفاسي حب
حتى في مروحتي الصندل
في عقدي العنبر
حب
حب
حتى في الصمت .

من ‘يسمعـني يوما
أن المتهمين براء
من ‘يسمعني
أني
أنا أحببتْ . ؟
                                    (يسمونه الحب ،ص 85-86)
                         *********************
إذن هذه هي لميعة (5). كل شيئ فيها ينطق .. بالحب !! . أو هكذا ينظر إليها الآخر ، إذا شئنا استخدام فكرة لميعة نفسها . ولميعة هنا تشعر بل تعتقد اعتقادا راسخا بانها متهمة من الغير بتهمة ..هذه التهمة تتمثل بكونها كتلة من الحب . وهذه التهمة أوقعتها في حيرة كبيرة وهم دائم . إذا كان قدر لميعة على هذا النحو .. اعني أن تكون بهكذا مواصفات ...فما ذنبها هي إذن . وجهها هذا الذي تفنن في رسمه فناننا الكبير جواد سليم وصوتها الموسيقي و و وكل شيئ لا دخل للميعة به . شاء القدر ان تكون شاعرتنا على هذا النحو .وبالتالي فمن حق الجميع ان يتكالب عليها . ولكن المفارقة التي تريد شاعرتا ان تكشفها لنا هي انها لم تعرف ولم تذق طعم الحب . أهذا معقول ؟؟ لميعة تجيب بالإيجاب . يدهش من يعرف انها لم تحب ولم تجد سبيلا إليه . وهذه القصيدة يمكن ان تكون جوابا لسؤالها الذي طرحته في قصيدتها المعنونة " يسمونه الحب " . لقد كانت لميعة ضحية تهمة وهي منها براء .       
                               
الهوامش  :-
*  عمارة ، لميعة عباس ، 1972 ، يسمونه الحب : مجموعة شعرية ، دار العودة ، بيروت ، لبنان .
1-   على سبيل المثال ؛ المرجع المهم عن موضوع الاغتراب ونشأته في الفلسفة الحديثة للباحث ريتشارد شاخت  وترجمة : يوسف كامل حسين والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت في 1980  و  هناك دراسة جميلة تناولت علاقة العزلة بالأدب  بقلم " هيويل د . لويس ". راجعها في الكتاب المعنون " الفلسفة والأدب " : تحرير ، أي ، فيليبس كريفثنز ،  وترجمة : ابتسام عباس ومراجعة وتقديم الدكتور عبد الأمير الاعسم  والصادر عن دار الشؤون الثقافية ببغداد ، العراق ، عام 1989 ، ط1 ، ص 15-33 .
2-    د.طه ، هند ، 1994 ، مفهوم الضياع : دراسة نظرية وسيكومترية ، المجلة الاجتماعية القومية ، المجلد الحادي والثلاثون ، العدد الثاني ، ص 123- 152 .
3-   تذكرنا هذه الحوارية برثاء شاعرنا الكبير أدونيس لرأس الحسين . راجع دراستنا عن هذه القصيدة والمعنونة " مأساة الحسين كما يراها أدو نيس " وهي منشورة في صفحتنا في موقع الندوة العربية ، ويرى الباحث اللبناني الدكتور خليل أحمد خليل عن رمزية الرأس فيقول" يرمز الرأس عموما إلى حماس العنصر الفعال ، ويتضمن السلطة والسلطان . الرئاسة من الرأس الذي يأمر ويحكم ويوجه (من الوجه ) ويعّين (من العين) ويسمع (من سماع الأذن)  الخ  .كما يرمز الى الروح المتجلي ، الى الجسد الذي يجسد المادة . بشكله الدائري ، الفلكي يرمز الرأس البشري الى العالم المصغر .يدل بوحدانيته  على الواحد والكامل ، على الكمال والشمس والألوهة . في الحرب ، كان يقطع رأس الخصم ، تدليلا على النصر ، وقهر العدو ؛ راجع د.خليل ،أحمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الكتاب اللبناني ، ط1 ، ص 77 ، بينما يفصل سيرينج رمزية الرأس أو الجمجمة  بصورة أكثر تفصيلا ومن وجهة نظر حضارية وانثروبولوجية   ؛ راجع كتابه ، سيرينج ، فيليب ، 1993 ، الرموز في الفن- الأديان الحياة ، ترجمة : عبد الهادي عباس ،  دار دمشق ، ط1 ، ص 245-248       
4-   د. الدقاق ، عمر ، 2006 ، موسوعة الأعداد ، دار فصلت للطباعة والنشر ، حلب ، سورية ،ط1 ، ص 229-237 .
5-   عنونا إحدى حلقات هذا المشروع بهذا العنوان .
6-   كان لي شرف هذا اللقاء في عام 2009 إبان فترة تقديمي الى الجامعة اللبنانية لغرض إكمال دراستي الجامعية للدكتوراه الا ان القدر لم يك حليفا لي في ذلك ، وكنت وقت اللقاء قد أنجزت دراستين عن هذه الشاعرة المهوسة بفكرة الضياع ومعاناته . فقال الأب عكولة انه مسرور جدا  بهكذا مشروع عن الشاعرة لميعة عباس عمارة ...



18
ما ‘شيد في الماضي مازال قائما وحيا 
كانت حركة " طقسا آشورايا شخلبا زونانيا " التي تأسست في 1/4/1976 بداية أولى ومبكرة للعمل القومي  والتي كان يترأسها الأب الروحي للعمل القومي في الربع الأخير من القرن العشرين  توما هرمز الزيباري .. وكانت تلك البداية لا تعرف تقوقعا أو تخندقا سواء أكان قبليا أو عشائريا أو كنسيا أو مسمى آخر بل كانت انفتاحا وتعبيرا لروح هذا الشعب التي تعددت مسمياته وكناه وهو في مكوناته يعد شعبا واحدا شكلا ومضمونا . وحتى مؤسسيها كانوا يعملون لهذا الغرض وبأسلوب وحدوي لا يعرف الانتماءات التي شاعت اليوم بما يسمى بالكلداني أو السرياني أو الآشوري ولا بأس من ان نذكر بعض الأسماء التي كان من طلائع هذا التأسيس وهم ؛ المرحوم حنا يوخانيس نيسان ؛ الأستاذ طيماثيوس حنا ؛ الأستاذ عبد المسيح ، عوديشو بوداغ ؛  وشمشون كليانا  ؛ ومختار قرية تلسقف حنا حنوش ، والكسندر برشم  ، أدور يوآرش ،  شمائيل ننو ، رابي شمعون ميخائيل ، والدكتور زيا اسحق لاجين ، والمهندس خوشابا سولاقا  وآخرين غيرهم ومعروف هو نظامهم الداخلي ونشاطهم الإعلامي والثقافي على الساحة القومية ولدى كل الذين كانوا وما يزالوا يعملون في هذا الجانب منذ ذلك التاريخ . ولكن دخول روح الأنانية والتسلطية أو المحسوبيات وانتشار حمى الأنا أو النحن لسبب معروف لدى هؤلاء أو لسبب غير معروف لهم أو لغيرهم . وان الاوان ان يعاد ذالك التاريخ الحافل بالتفاؤل والثقة  والأمل بروح الأمة وضرورة إحياء طاقاتها وتفجيرها لإنقاذ ما تبقى من شتاتها في الوطن أو المهجر . ولماذا المهجر ؟ المهجر هو نتيجة لهذا التشتت  . المهجر حلم خلاص من ضغوط متعددة .. لعل أهمها هذا التمزق في الخطاب السياسي للأمة . سواء أكان هذا التمزق يعود الى التسميات أو الانتماءات الدينية أو سيطرة المصالح الذاتية على المصالح القومية . المهجر هو غياب الأمل في الإصلاح . وذابت حركة " الطقسا " و‘ذوب أعضائها لسبب أو لآخر و‘غيب خطابها و‘ميعت مفردات ذلك الخطاب لتكتيك نفعوي  أو لمحسوبية عشائرية  أو تبعية لخطاب سياسي ما  مغاير لحركة " الطقسا " و تضييع بعض من شخوصها ورموزها وتهميشهم  وإقصائهم  وعزلهم والوشاية بهم لدى من له المصلحة في ذلك . وهكذا سار العمل القومي بعد التنكيل بحركة " الطقسا " وتشويه صورتها وطمس معالم نضالها ، ممزقا .. مشتتا .. منقسما .. كل يحمل راية ما وشعار ما ولافتة ما  ويغوي من يغوي ويغري من يغري بما يغري وما يغوي . تعددت وسائل الإغراء والإغواء ؛ مادية منها أو معنوية ، اختيارية منها أو قسرية ... مستخدمة الأسلوب أو التكتيك الذي يلائم هذا أوس ذاك . ولكن الامتناي الأحرار بقوا أمناء وأوفياء لما شيده طقسا عام 1976 . مدركين للسبل والطرائق التي واجهوها أو واجهتهم ووسائل الإغراء والإغواء التي اعترضتهم .. نعم كانوا ولا يزالوا على رسلهم وسماتهم وخصائصهم ومصداقيتهم لروح انتمائهم لخطاب الطقسا . لم ولن ينكسروا أو يخضعوا لمسمى غير مسمى  حركة الطقسا . ولذلك تعد حركة الامتناي الأحرار امتدادا وتواصلا روحيا وقيميا ومبدئيا لحركة الطقسا  التي تأسست في منتصف السبيعينيات . وهي تعمل جاهدة .. بما لديها من إمكانات وطاقات محدودة  لإعادة روح ومضمون  خطاب حركة الطقسا . أيادي الامتناي مفتوحة وممدودة للتعاون  مع كل من يحلم بإحياء  روح الأمة وضميرها في أرض بيث نهرين الخالدة ....   

                                                               شوقي يوسف بهنام
                                                                07701745658
                                                         ع . حركة الامتناي الأحرار   
e-mail:-shawqiyusif@yahoo.com                                               
e-mail:-shawqiyusif@hotmail.com                                             
                                       

19
                                       ما ‘شيد في الماضي مازال قائما وحيا  - الامتناي الاحرار امتداد وتواصل لحركة الطقسا
كانت حركة " طقسا آشورايا شخلبا زونانيا " التي تأسست في 1/4/1976 بداية أولى ومبكرة للعمل القومي  والتي كان يترأسها الأب الروحي للعمل القومي في الربع الأخير من القرن العشرين  توما هرمز الزيباري .. وكانت تلك البداية لا تعرف تقوقعا أو تخندقا سواء أكان قبليا أو عشائريا أو كنسيا أو مسمى آخر بل كانت انفتاحا وتعبيرا لروح هذا الشعب التي تعددت مسمياته وكناه وهو في مكوناته يعد شعبا واحدا شكلا ومضمونا . وحتى مؤسسيها كانوا يعملون لهذا الغرض وبأسلوب وحدوي لا يعرف الانتماءات التي شاعت اليوم بما يسمى بالكلداني أو السرياني أو الآشوري ولا بأس من ان نذكر بعض الأسماء التي كان من طلائع هذا التأسيس وهم ؛ المرحوم حنا يوخانيس نيسان ؛ الأستاذ طيماثيوس حنا ؛ الأستاذ عبد المسيح ، عوديشو بوداغ ؛  وشمشون كليانا  ؛ ومختار قرية تلسقف حنا حنوش ، والكسندر برشم  ، أدور يوآرش ،  شمائيل ننو ، رابي شمعون ميخائيل ، والدكتور زيا اسحق لاجين ، والمهندس خوشابا سولاقا  وآخرين غيرهم ومعروف هو نظامهم الداخلي ونشاطهم الإعلامي والثقافي على الساحة القومية ولدى كل الذين كانوا وما يزالوا يعملون في هذا الجانب منذ ذلك التاريخ . ولكن دخول روح الأنانية والتسلطية أو المحسوبيات وانتشار حمى الأنا أو النحن لسبب معروف لدى هؤلاء أو لسبب غير معروف لهم أو لغيرهم . وان الاوان ان يعاد ذالك التاريخ الحافل بالتفاؤل والثقة  والأمل بروح الأمة وضرورة إحياء طاقاتها وتفجيرها لإنقاذ ما تبقى من شتاتها في الوطن أو المهجر . ولماذا المهجر ؟ المهجر هو نتيجة لهذا التشتت  . المهجر حلم خلاص من ضغوط متعددة .. لعل أهمها هذا التمزق في الخطاب السياسي للأمة . سواء أكان هذا التمزق يعود الى التسميات أو الانتماءات الدينية أو سيطرة المصالح الذاتية على المصالح القومية . المهجر هو غياب الأمل في الإصلاح . وذابت حركة " الطقسا " و‘ذوب أعضائها لسبب أو لآخر و‘غيب خطابها و‘ميعت مفردات ذلك الخطاب لتكتيك نفعوي  أو لمحسوبية عشائرية  أو تبعية لخطاب سياسي ما  مغاير لحركة " الطقسا " و تضييع بعض من شخوصها ورموزها وتهميشهم  وإقصائهم  وعزلهم والوشاية بهم لدى من له المصلحة في ذلك . وهكذا سار العمل القومي بعد التنكيل بحركة " الطقسا " وتشويه صورتها وطمس معالم نضالها ، ممزقا .. مشتتا .. منقسما .. كل يحمل راية ما وشعار ما ولافتة ما  ويغوي من يغوي ويغري من يغري بما يغري وما يغوي . تعددت وسائل الإغراء والإغواء ؛ مادية منها أو معنوية ، اختيارية منها أو قسرية ... مستخدمة الأسلوب أو التكتيك الذي يلائم هذا أوس ذاك . ولكن الامتناي الأحرار بقوا أمناء وأوفياء لما شيده طقسا عام 1976 . مدركين للسبل والطرائق التي واجهوها أو واجهتهم ووسائل الإغراء والإغواء التي اعترضتهم .. نعم كانوا ولا يزالوا على رسلهم وسماتهم وخصائصهم ومصداقيتهم لروح انتمائهم لخطاب الطقسا . لم ولن ينكسروا أو يخضعوا لمسمى غير مسمى  حركة الطقسا . ولذلك تعد حركة الامتناي الأحرار امتدادا وتواصلا روحيا وقيميا ومبدئيا لحركة الطقسا  التي تأسست في منتصف السبيعينيات . وهي تعمل جاهدة .. بما لديها من إمكانات وطاقات محدودة  لإعادة روح ومضمون  خطاب حركة الطقسا . أيادي الامتناي مفتوحة وممدودة للتعاون  مع كل من يحلم بإحياء  روح الأمة وضميرها في أرض بيث نهرين الخالدة ....  

                                                               شوقي يوسف بهنام
                                                                  دهوك - انيشكي
                                                                07701745658
                                                         ع . حركة الامتناي الأحرار  
shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com        



                                          
                                                

20
                                                                      أحزان الغد
                                                       قراءة نفسية لقصيدة " الغد الأعمى "
                                                                 للشاعر لميعة عباس عمارة
                                                                                                                                  شوقي  يوسف بهنام
                                                                                                                                  مدرس علم النفس
                                                                                                                                     جامعة الموصل
يمثل الغد صورة متوقعة متخيلة للحياة . انه الأفضل من اليوم والأمس . أو هو توقع لذلك . ومن هنا قول احدهم " ان الغد لناظره لقريب " . هذا القول هو قول لنفس مفعمة بالأمل والرجاء والترقب . تركل الماضي إلى حيث يمضي وتعيش ، ما أمكن ، للغد . والشاعرة لميعة على الرغم من نرجسيتها المعهودة وتفاؤلها الزاخر بالحياة ، لا ترى في هذا القول غير مطر صيف سرعان ما يلتهمه الجفاف .  وهذا يعني ان لميعة لم تعش حياتها كما كانت تحلم أو تريد . الرياح كانت ضد ما تشتهي . وفي قصيدة قبانية النفــَس تخاطب لميعة هذا الغد الملعون الذي سيكشف واقع لميعة الحزين والذي يبدو لم ولن يتغير في يوم ما . لميعة لا تريد هذا الغد ان يأتي . ولكن هذا أمر خارج إرادة لميعة . فهو سيأتي شأت ذلك أم أبت . وفي القصيدة صورة من صور رثاء الذات السلبي للشاعرة لميعة . والمهم في هذه    القصيدة هو عدم رؤية  حبيبها ، إذا جاء في الغد ، لها وهي على حالتها هذه .
تقول لميعة في قصيدتها هذه :-
غدا يزورني ،
غدا ،
ليت غدا لا يطلع
ليت غدا لأمسه
بلا عيون يرجع .
                                     (اغاني  عشتار ،ص 88 )
                                     ***********************
إذن لميعة تنتظر زائرا ما . انه الزائر المرتقب .. الأوحد .. الأقرب لها من حبل الوريد .. والمفروض ان لميعة ينبغي ان تكون سعيدة ويملأ قلبها الحبور ويغمرها الفرح بهذا المجيء. لكن هي لا تريد مجيء هذا الغد ولا تريد طلوعه وتتمنى لو لأمسه يرجع بلا عيون . هنا نجد اليأس قد غمر لميعة حتى النخاع . ترى ماذا سيجد هذا الزائر لو جاء غدا . هل ستعطيه كل رسائله وتطعم بها النيران كما تخيلت بطلة نزار ؟؟ . لنرى ما الذي سيجد هذا الزائر .تقول لميعة :-
ماذا يرى لو زارني
من فتنة تشعشع ؟
أصابعا معروقة
ونظرة تستطلع‘ ، ؟
ووجنة ذابلة
وضحكة تصطنع ‘ ؟
ومجهدا في الصدر
لا يدري لماذا يسرع ‘؟
وعتمة
لا شيئ
غير الشيب فيها يلمع ؟
                                   (المصدر نفسه ، ص89)
                                *******************
تلك إذن هي لميعة اليوم وهي تكتب قصيدتها هذه . كل شيئ فيها محطم . النظرات ضائعة لا تدري أين تتوجه . صحيح انها فتنة مشعة ، ولكن ما الفائدة منها . الأصابع التي غطاها العرق دلالة على الحيرة والارتباك وهي نتيجة من نتائج تلك النظرات الشاردة .. ذبول في الوجنتين دلالة على وحشة الزمن وقسوته على شاعرتنا . لم يأت إلى الآن . لميعة ضائعة في الانتظار قلب مجهد أكله التعب والحزن والانقباض وهي دالات الكآبة عندها . الضحك عند لميعة مفتعل .. مصطنع لا وجود لفرح حقيقي في قلبها المتعب .  هل هي مجبرة على قول كهذا ؟؟لا نميل إلى ذلك . إذا جاء هذا الزائر غدا فلن يجد في لميعة أي شيئ غير الشيب وقد التهم شعر رأسها كله . ولكن هذا الزائر ماذا متشبث بحب لميعة . ترى ماذا سيقول لها . تقول لميعة :-
يحب روحي !؟
أي روح في حطام تشفع
مواهبي !؟
إذ أكتب  الشعر ألوفا تطبع ؟
ما قيمة الذكاء في النساء
ماذا ينفع ؟
                                       (المصدر نفسه ، ص90)
                           *****************************
مع كل الحزن الذي يحيط بها من كل جانب فأن لميعة واقعية جدا في التعامل مع واقعها . ان حزنها ليس غير أسف على مستقبل لميعة الذي دمرها القدر ولم يأت حبيبها بعد . سيقول هذا الزائر :-
-  اني أحب روحك وكفى
ان لميعة لا تريد ان تكون روحا في حطام اعني جسدها . وهذا التعبير دلالة على رغبة لميعة في ان تكون موضوع حب كأمرأة  لا غير .. جسد قبل كل شيئ . وهذا ما نلمسه من تفاهة الشعر عندها . حتى لو كانت تكتب شعرا . ما قيمته . آلاف الأشعار تطبع كل يوم . ما قيمة ذلك في مجال الحب . وليس هذا فقط بل هي تذهب ابعد من ذلك بقولها ما قيمة الذكاء في النساء . وكأني بها تريد ان تلغي كل ما من شأنه لأن يقلل من المرأة كأمرأة ولا غير . لا أريد ان أركز على هذه النقطة وأقول ان لميعة قد أعلنت في مجموعتها الأولى والموسومة " الزاوية الخالية " ما نصه :-
" المرأة إحدى اثنتين : فنانة تنصرف لهوايتها ، أو أم تعني بأطفالها .وقد اخترت أن اعيش حياتي لا أن أخلد بعد مماتي ، ولهذا بقيت زاوية  خالية " ص 54 من المجموعة . وسأكتفي بهذه الملاحظة عن تصور لميعة عن دور المرأة في المجتمع على العموم . تستمر لميعة في ذكر الأسباب التي تدفعها أو تجعلها تتمنى بأن لا يأتي هذا الغد. تقول لميعة :-
أي الأحاديث غدا
بذكرها يستمتع ؟
الحب من أي فم ؟
وأي أذن تسمع ؟
الأمنيات ؟
أينها ؟
دنيا الاماني بلقع
                                    (المصدر نفسه ، ص 91)     
                               *****************************
عالم لميعة عالم مقفر .. مسوّد مفعم باليأس لا وجود للاماني في أرضه ..اعني عالم لميعة . ماذا سيتحدثان لو زارها غدا . لقد جف نهر الكلام عند لميعة . فمها اصيب بالخرس لن تستطيع ان تتلفظ حتى ولو بحرف واحد . أذنيها أصيبتا بالصمم فهي لن تسمع اي شيئ . الم تقل قبل قليل انها حطام . ها هي تصف لنا تفاصيل ذلك الحطام . لميعة هنا فقدت كل معنى التواصل مع عالمها الخارجي . انها عزلة ما بعدها من عزلة . لميعة سوف تلتفت نحو الذاكرة لكي تنسى واقعها المؤلم . تقول لميعة :-
الذكريات ؟
أفلس التاجر إذ يسترجع ، 
الموت ... والأمراض ...
يا بئس الحديث المفجع

كنت إذا ما زارنا
سوسنة   تضوع    ،
وروضة
تخضل من رش الحياة
وتينع ،
كنت‘ اندفاع الريح
لا تدري لماذا تخضع ،

إذا تراءى ظله
فقبل ظلي  أهرع ‘
                                    (المصدر نفسه ،ص93) 
                                 ****************************
هنا نكوص للماضي واجترار لذكرياتها معه . لميعة تلك الفتاة البارعة الجمال ..يغار منها القمر من لفتاتها . كانت لها ذكريات جميلة مع هذا الزائر . أنها قصة حب لم تكتمل ولم تأخذ مجراها الطبيعي . وهي تعرف جيدا ان في هذا اللجوء الى الماضي ليس غير إفلاس وهي تشبهه بإفلاس التاجر عندما يراجع سجل حساباته لعله اخطأ في أحداها . وهكذا يضيع في متاهة الأمل الكاذب . فلميعة تصور نفسها مثل هذا التاجر الضائع في هذه المتاهة . وتجتر كل ذكرياتها معه .نحن لن نصادر لميعة ونقول ان هذا الزائر لم يك الا محض وهم . نحن  نسير معها وفق ذات القصيدة . تعود لميعة إلى لحظات الحاضر . كنا معها نسير على أعتاب الماضي ها نحن أولاء ندخل حضر لميعة .
وها أنا اليوم
ألوذ بالدجى وافزع ،

تبطيء رجلاي
إذا الباب به من يقرع ،
وتعتريني حيرة
فلا أعي ما اصنع ، 
وتسخر المرآة من وجهي
ولا تشجع ؛
                                       (المصدر نفسه ، ص 94)
                            ********************
أنه منولوج مع الذات . لميعة في غرفتها وحيدة تلوذ بالدجى . ومن المؤكد انه الدجى النفسي ..عتمة الذات وضبابية العالم . كان وصف لميعة دقيقا عن وضعها الجسمي والنفسي معا . كان عمر لميعة عند كتابة هذه يبلغ (38) عام .هذا يعني ان لميعة  ستدخل عالم الأربعين . هذا العالم الأليم .عالم سن اليأس وبكل مظاهره . لم يبق بينه وبينها سوى عامين وهو لما يزل في عوالم الغياب . هنا تناص في خطاب القصيدة بين لميعة ونزار في قصيدته المعنونة " إلى رجل " (1). ومن المؤكد ان لميعة أكثر دقة في التعبير عن الانفعالات النفسية من نزار ، لأن اختلاف الجنس سوف يلعب دورا بالغا في ذلك . نزار ليس صاحب معاناة .انه ، وإذا استخدمنا تعبيرات علم النفس ليس غير متقمصا لشخصية المرأة أو متعاطفا مع همومها ومتاعبها . المسألة تختلف في حالة لميعة .فلميعة هي صاحبة الهم وهي من تتعذب وتتلوى ولذلك تكون أكثر مصاداقية في التعبير من نزار . امرأة نزار قد تعبت من الانتظار وهي متحيرة في ما ستقوله لو جاء غدا . لميعة لا تريد هذه المجيئ . لأنها أصبحت حطاما ولم تعد تلك التي تتهافت إلى لقائه . كانت تعيش تنافسا وصراعا مع ظلها للقائه . حتى الذاكرة ... ذلك المستودع الجميل .. العجيب معا ، وهن هو الآخر وتعب وهزل . تقول لميعة:-
ذاكرتي فتتها الوهن
فما تستجمع ،
فلا حديثي شيق ،
 ولا حواري مقنع ،
ورقتي خشونة
وسخرياتي تلدخ .
                                        (المصدر نفسه ، ص 95)
                                    ***********************
لا ادري في اي  حالة من حالات اضطراب السلوك أضع لميعة . فقدان الذاكرة لديها اقرب إلى الففدان الرحامي منه إلى العضوي .. هذا إذا أخذنا كلام لميعة عن ذاكرتها بمحمل الجد . لقد أصبحت عدوانية السلوك في سخريتها اللاذعة . هذا تدهور في السلوك قد يكون نتيجة تراكم اليأس لديها. أين رقة لميعة في شبابها من خشونتها الآن ؟. لميعة حطام وتعيش في عالم محطم . إذن لماذا سوف يأتي هذا الزائر الغائب . ولماذا يتحمل أعباء السفر ويقطع المسافات كلها ويأتي ليرى لميعة . ؟ ترى كيف سيراها . تخبرنا لميعة :-
ماذا يرى غدا إذا زار
وماذا يصنع ؟
بقية من عطفه
بعد غد ستنزع ،
سيرجع المشوق مخذولا
وقد لا يرجع .
غدا يزورني ، غدا ،
ليت غدا لا يطلع   
                                      (المصدر نفسه ، ص 96)
                                          ******************
لن تأخذ لميعة من زائرها غير الشفقة والعطف . ها هو سوف يعود مخذولا . لميعة تدرك ذلك جيدا . لن يرى غير حطام وكومة من لحم مترهل وعظام سقيمة . فبدلا من أن يعطيها الحب سوف يمنحها حفنة  من الشفقة والعطف . وهذا ما لا تريده لميعة . ونحن بدورنا نتساءل هل جاء هذا الغد حاملا على جناحيه هذا الزائر بعد طول غياب أم أن هذا الغد ندم وعاد من حيث أتى وبقيت لميعة في غرفتها  وحيدة مثل ذلك الرجل عندما ترك تلك التي كانت جالسة بالقرب منه ولم يراها مثل ترك جريدته على الطاولة وحيدة  (2).... 

الهوامش :-
1-   انظر مقالنا الذي تناول هذه القصيدة بالرؤية النفسية وهو بعنوان " دموع الانتظار " والمنشور على موقع " الناقد العراقي" على شبكة الانترنيت .   
2-   إشارة الى بطلة قصيدة " الى جريدة " للشاعر نزار قباني والتي قمنا بتحليلها تحت عنوان " الشفرات الضائعة " وجنسناها الى قصة قصير وبنفس العنوان .
shawqiyusif@hotmail.com                                         
shawqiyusif@yahoo.com                                             

   

         

21
                                    ثورة  "  الامتنايي "
الثورة مفهوم متداول في العلوم الاجتماعية وعلى وجه الحصر علم الاجتماع السياسي وعلم النفس السياسي  وعلم السياسة . وتحدثنا الموسوعة الفلسفية الماركسية على سبيل المثال لا الحصر عن ثورة اجتماعية وبرجوازية واشتراكية وثقافية وتكنولوجية وما يتمخض منها من حركات ثورية رافضة لواقع الحال الذي يعيشه أبناء هذه الثورة أو تلك . و  لكل ثورة من هذه الثورات أسلوبا يميزها عن غيرها طبقا لمنطلقاتها النظرية وأطرها الإيديولوجية . فنهاك ثورة سلمية ومسلحة وثقافية وثورة الحوار وما إلى غير ذلك من الأساليب المتخذة للوصول إلى هدف الثورة المرجو . و" الامتنايي " كحركة فتية وليدة مخاض لواقع  سياسي ممزق بين التسميات أو المرجعيات الدينية أو قيادات متهافتة لشهوة الكرسي وجمالياته والى الأبد ،  هي الأخرى لها أسلوبها للوصول إلى هدفها المرجو . فأسلوبها ليس غوغائيا هدفه ترويج وإشاعة مفاهيم لا تمت بواقع حياة شعبنا بصلة .كما انه ليس أسلوبا حرباويا يتسم بالنفاق والتلون والتمظهر بمظاهر مختلفة وبعيدة عن خطابها السياسي ومنطلقاته . هذه الحركة تتعامل مع الواقع تعاملها مع ذاتها ومع قيم تلك الذات ، متخذة من الحوار القائم على احترام الآخر مثلما تحترم ذاتها وتحترم خطابها . الحوار يستند فيما يستند على معطيات الواقع المعيوش كنقطة انطلاق لرسم واقع بديل وبالخيارات والوسائل المتوفرة لديها . انها تفتح الأذرع كلها وتفتح الأذان كلها من اجل تفعيل وديمومة ذلك الحوار .انها لا تنوي محاربة أو وضع العراقيل والحواجز ضد هذا أو ذاك من أصحاب الرأي أو القرار . قدر ما تريد لم الشمل وتوحيد النوايا وتنقية القلوب من اضغانها  وأحقادها . أنها تؤمن بالحضارة وقيم الحضارة ولذلك لا بد من جو حضاري للحوار بعيدا عن التخندق أو حول مسمى ما أو الوقوف عند مرجعية محددة ومعينة . انها تسعى لإزالة الحواجز والموانع بين هذا الشعب الذي لا يشكل الا نسبة قليلة قياسا إلى شعب العراق . ذلك هو أسلوب  ثورة " الامتنايي " الذي تأخذه على عاتقها للوصول إلى الهدف النبيل في هذا البلد الجريح .     
                                                                    شوقي يوسف بهنام           

22
                                           من هم الامتنايي ؟؟
 ان حركة " الامتنايي " حركة فتية وهي عصارة واقع سياسي لشعب لم يعرف الاستقرار ولم يعرف وحدة الهدف على الرغم .من الحركات التي ظهرت عبر تاريخه منذ الواقعة المريرة في مجزرة " سميل " . وعلى الرغم من صغر حجم هذا الشعب واعتباره أقلية من الأقليات لا غير ، فأن التمزق السياسي والتشتت في الرؤية هما السمتان السائدتان في هذه الواقع . وقارئ هذا الواقع ؛ إذا انطلق من بعد موضوعي سيضع يده على الفور ان الحركات كانت ذات تسميات من شأنها تفريق الشعب وتمزيقه لا جمع شمله ؛ فهذا تجمع سرياني وهذا تجمع كلداني وذاك حزب آشوري وما إلى ذلك  . والكل يتفق على هوية هذا الشعب بلغته السريانية وبلهجاتها الشرقية والغربية . ولا احد يترجم هذه الفكرة إلى واقع عملي . ومن هنا ظهور هذا الكم من الحركات والأحزاب والتجمعات لشعب صغير كشعبنا هذا الشعب الذي كان فريسة التهميش أو الاحتواء في وقت واحد لوقت طويل . والفاحص لهذا الكم من الحركات والتجمعات و الاحزاب التي ما صدقت هذه الفرصة لظهورها سوف يجد وبسرعة ان هذه الحركات تتكئ  إما على منطق عشائري قبلي كما سائد في الاحزاب لدى أهل الجبل (ناشي الطورا) أو متكئ مذهبي كنسي كما ملاحظ عند أهل السهل (ناشي الدشتا) وكلاهما يؤلفان بالضرورة شعب واحد متباين في السكن لا غير . ناهيك عن النفس السلطوي وهيمنة عقدة " الأنا الأقدم " سواء في مرحلة ما يسمى بالنضال السري أو في مرحلة العمل الجهوري المعلن . وحركة " الامتنايي " حركة تحاول ان تحتوي كل هذه الإشكاليات سواء ما تعلق منها بطبيعة الخطاب المتبنى أو نمط التنظيم المنتهج في هذه الحركة أو تلك . فهي حركة مفتوحة على الجميع سواء على كلا المنطقتين (جبل – سهل ) أو المذاهب الكنسية المعروفة التي يعتنقها أفراد هذا الشعب الذي يحلم أو يطمح بأن يأخذ مكانه ويؤدي دوره في هذا البلد الجريح . هذا الشعب هو مكون عراقي قبل ان يكون مكون عرقي ذو أصول معينة . فالخطاب الأساسي لحركة " الامتنايي " هو عرقنة الشعب وليس إذابته أو تمييعه وتفكيك وتشتيت هويته الثقافية . كما ان هذه الحركة لا تقف عند هذا المذهب أو ذاك . انها تجمع كل من يؤمن بالخطاب المار ذكره أعلاه سواء أكان  هذا المؤمن بهذا الخطاب سهليا أو جبليا .. نسطوريا أم ارذودكسيا أم كاثوليكيا . ولا تقف هذه الحركة عند حدود مسمى ما سواء أكان آشوريا أو كلدانيا أو سريانيا . انها لا تحمل مسمى يحيل إلى تسمية ذات بعد عرقي ما . فالمؤمنين بهذه الحركة هم اناس يحلمون بتوحيد الخطاب السياسي لهذا الشعب من دون ان يكون هذا التوحيد بزعامة أو بقيادة فئة جبلية أو سهلية على وجه الحصر . ان حركة  " الامتنايي " لا تؤمن بوجود زعامات أو قيادات تعيش ابد الدهر وبصلاحيات اطلاقية ابد الدهر ... انها حركة تعمل تحت مسمى " الامتنايي " لا غير . وتسعى للوصول بهذا الشعب إلى الشعور بالمواطنة الصالحة والانتماء لهذا  الشعب  ..الام .. العراق . من دون إلغاء أو إقصاء ...   
                                                                   شوقي يوسف بهنام   

23
                          مراحل وخصائص النضال القومي لشعبنا 
•   كانت مذبحة سميل عام 1933 نقطة انطلاق للشعور القومي لشعبنا بمسمياته المختلفة والتي تنطلق كلها من جذور تاريخية واحدة في جوهرها ومضمونها وإن اختلفت في مظاهرها أو ترجماتها وفق صور متباينة . وكان من طليعة هذا النضال وحاملي مشاعله الملك " ياقو" والبطريرك " ما ايشا شمعون " على أعقاب تلك الحملة والتي صارت بمثابة ارهاصات لهذا الشعور وبالتالي دافع للعمل القومي الميداني أو على الساحة الاجتماعية . وكان لصدور القرار الخاص بمنح الحقوق الثقافية والإدارية للأقليات بمثابة عامل معزز ومشجع ودافع لذلك العمل فكانت البذرة الأولى لهذا الاندفاع هو تأسيس النادي الثقافي الآثوري أو الأندية الثقافية والاجتماعية لباقي فئات شعبنا في بغداد التي أصبحت بمثابة اللولب أو القطب الذي يتمحور عليه هذا النضال من خلال نشر الوعي القومي والاهتمام بتاريخ وتراث وثقافة شعبنا على مختلف الأصعدة . الا تزايد هذا النشاط وبلورته بصورة منظمة وظهور حركات وأحزاب ذات منطلقات إيديولوجية ممنهجة وذات نظرة لها أبعادها في منتصف السبعينيات جعل من الحكومات ان تحسب لها حساب وتحمله على محمل الجد . بمعنى انه صار يشكل خطرا على بنية البلد في حساباتها . مما دفع بأجهزتها وأجندتها الى اتخاذ إجراءات ضد هذه الأنشطة لكي لا تأخذ مسارها الصحيح والسليم فبدأ عصر الاعتقالات والسجن والحساب وبدأ هذا الاجراء من عام 1980-1990وكانت الحصيلة هي استشهاد كل من الرفاق يوسف ويوبرت ويوخنا وسجن بعض الرفاق وهروب البقية وإعلان الكفاح المسلح ولكن دون القيام على أسس تنظيمية سليمة وانعزالها وحيث تم رفضها من  المشاركة في الجبهة الوطنية الديمقراطية   " جود " . بعد هذا التشتيت للجهود التي بذلها من بذلها من أبناء شعبنا ، وفي مرحلة الانتفاضة العامة في شمال العراق برزت مرحلة جديدة على ساحة العمل القومي لشعبنا . هذه المرحلة هي مرحلة الوصولية والانتهازية للوصول الى غايات ومنافع شخصية لا تنفع قضايا شعبنا لا من بعيد أو قريب وأحداث عام 1996 على مقرات اربيل هي الشاهد على ظهور هذه المرحلة . مما أصبح هذا بمثابة حافز لبروز أحزاب قومية وظهورها في ساحة العمل القومي مثل الحزب الوطني الآشوري وحزب بيث نهرين الديمقراطي وحزب حرية بيث نهرين وردود أفعال تلك الاحزاب على الحركة الديمقراطية الأشورية " زوعا "  مما اضعف روح توحيد الجهود لصالح قضايا شعبنا الاساسية . وبعد عام 2000-2010  وبعد دخول الاحتلال الأمريكي بدأت الاحزاب القومية بفتح المقرات داخل المدن العراقية بشكل عشوائي وغير مدروس واخذ كل حزب يعمل بشكل منفرد بل راحت هذه الاحزاب تتحالف مع تكتلات وقوى وطنية أخرى من اجل الحصول على المراكز والمناصب لتحقيق الأغراض الشخصية لا غير . وراحت الجهود تركز على قضية التسميات التي اصبحت بمثابة الشماعة التي يتخفى وراءها هذا الحزب أو ذاك . وفي تموز عام 2006 وعلى وجهة التحديد المؤتمر الرابع للحركة الديمقراطية الآشورية والمؤتمر الثالث للحزب الوطني الآشوري بدأت مرحلة التشرذم والتكتل في العمل القومي وقتل الروح القومية وتشتت جهود هذا النضال بين تلك الكتل من جهة وتدخل الجماعات الكنسية من جهة أخرى والكل يسعى الى تعزيز مسمى ما أو تيار ما أو جهة ما . بعد كل هذه الحيثيات ظهرت الحاجة الى مراجعة موضوعية لمراحل هذا العمل وتحديد سماته وتوجهاته ورؤاه المستقبلية حتى يواكب المتغيرات الحاصلة والتي سوف تحصل في آن واحد . أهمية هذه  المراجعة دعت مجموعة من الغيارى في هذه الأمة لأن تقوم بهذه المهمة الصعبة والشاقة لاحتواء كل الخطابات تحت لواء خطاب يلبي حاجات هذا الشعب بكل مسمياته أو بكل انتماءاته المذهبية . هؤلاء الغيارى شمروا عن ساعد الجد وراحوا يعملون بصمت طيلة سنوات عديدة محاولين لم الشمل لهذا الشعب الممزق بسبب التسميات أو الانتماءات أو الخلفيات القبلية أو العشائرية إذا شئنا الدقة . فأطلق هؤلاء الغيارى على أنفسهم حركة " الامتنايي الأحرار " . ترى من يكون هؤلاء الغيارى وما هو خطابهم ...


                                                            عوديشو بوداغ     
Snshar_Barata@yahoo.com                                                           

24
 بعد مشاركته المتواضعة في المؤتمر الثالث لرابطة علماء النفس المسلمين في ماليزيا اجرت المخرجة المندائية احلام سعيد حوارا مع الناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام حول مشاريعه النقدية عن الشعراء المندائيين امثال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والشاعرة اللامعة لميعة عباس عمارة وشاعر مندائي آخر لم يعرف ولم يظهر على الساحة الادبية في العراق وسوف يعلن عن اسمه فيما بعد حيث يقوم الناقد بانجاز مشروع نقدي عن الشاعرة لميعة و التي لم تحضى بالاهتمام الذي يليق بها وقد استغرق اللقاء زهاء النصف ساعة وسوف يبث على قناة عشتار الفضائية في اليوم الثاني من الشهر القادم للعام الجديد وفي الساعة السابعة مساءا وقد تحدث الناقد عن مشاريعه النقدية على العموم وقد ابدت المخرجة التليفزيونبة احلام سعيد ارتياحا بهذا اللقاء 

25
على حين غرة وبعد ايام من الوعكة الصحية فقد السريان في القرن العشرين نجم من نجومهم اللامعة في سمائهم ذلك النجم هو نيافة الحبر الجليل المطران اسحق ساكا والحزن دب في قريته كلها وفي عموم الكنيسة السريانية في العالم . لقد خسر السريان هذا الرجل الذي تمتع بالصبر والحكمة وسعة الصدر وافاق الرؤية وعمق النظر . كان الراحل يتمتع بحس جمالي وشعري قلما نجده بين معاصريه وهدوءا واتزانا قلما نراه بين الرجال ولكن كما يقول بولس " كتب للناس ان يموتوا مرة ثم الدينونة " فالموت امر لابد منه لكل كائن حي . رحل الفقيد وترك لنا مجموعة جميلة من الكتب والدراسات والابحاث .... نأمل من ذويه والعاملين في الكنيسة جمع ما لم ينشر من تلك الكتب تخليدا لذكراه
كل التعازي للكنيسة وعلى راسها بطريركها المعظم ما اغناطيوس زكا الاول ولذويه الصبر والسلوان

الناقد والاكاديمي
شوقي يوسف بهنام
جامعة الموصل

26
شارك الناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام بورقة علمية في المؤتمر الثالث لرابطة علماء النفس المسلمين والذي انعقد في العاصمة الماليزية
كولا لامبور بتاريخ 6-8-12-2011
والتي كانت بعنوان " قلق الموت والمستقبل عند الامام الشافعي " وقد نالت الورقة استحسانا منقطع النظير من قبل المحاضرين واعتبروا هذه المشلركة اول مشاركة علمية لباحث غير مسلم في مؤتمر يعالج قضايا علم النفس الاسلامي . وفي حوار على هامش المؤتمر اكد الباحث على ضرورة الانفتاح والحوار بين الاديان لدورها المهم في التعايش الانساني كما التقى ببعض الاساتذة والباحثين في هذا المجال من عدد من الاقطار العربية والعالمية
كما اثنى رئيس جامعة الموصل الدكنور ابي سعيد الديوجي وبارك مشاركة الباحث في هذا المؤتمر

27
يتابع الناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام مشروعه النقدي الجديد عن الشاعرة المندائية الكبيرة لميعةعباس عمارة في موقع الناقد العراقي الذي يرأس تحريريه الدكتور حسين سرمك حسن وقد نشر دراستين لحد الآن وهما بعنوان :-
1- لوعة المسافات
2- هذه هي لميعة
وكان الناقد قد نشر دراستين اخريتين عن الشاعرة وهي بعنوان
1- في حضرة العراف
2- لك ايها الطاوس الجميل اغني
وسوف يتابع الناقد نشر حلقات مشروعه هذا في الايام المقبلة

الناقد والاكاديمي
شوقي يوسف بهنام
جامعة الموصل

28
الاخوة في موقع عنكاوة المحترمون
تحية طيبة
هي المرة الثانية التي يحذف موقعكم اخبار وانشطة تقافية للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام
فقد تم حذف خبر عن التواصل بين الناقد والشاعر الكبير سعدي يوسف والخبر الاخر الذي ذكر عن مخاطبة باحثة مصرية في احدى الجامعات المصرية عن دراسة الناقد عن الشاعر البياتي والخبر الاخر هو نشر مقال الناقد دراسة عن ادونيس في جريدة السفير البيروتية
فلا ادري ما الغرض أو القصد من هذا الحذف أو التجاهل .. اليست هذه الانشطة اكبر وافضل مما يقوم به الادعياء للثقافة في هذا المجتمع
ارجو من موقعكم تفسيرا لهذه الظاهرة اللامقبولة والمتكررة
 
                                     مع الشكر

                                   الناقد والاكاديمي
                              شوقي يوسف بهنام
                                جامعة الموصل

29
        
دراسة جديدة عن بلند الحيدري


                                   صرخة من الأعماق
                             قراءة نفسية لقصيدة " انت مدان . . يا هذا "  
                                        للشاعر " بلند  الحيدري "


شوقي يوسف بهنام


ما أجمل التعبير عندما يكون نابعا من الأعماق ويعبر عن أحساس صادق من غير حاجة إلى زخرفة أو لغة مصطنعة سرعان ما تكشف عن زيفها لأول قراءة لها . هذا ما نجده في قصيدة " بلند الحيدري " التي ستتمحور عليها الأفكار التي سنحاول إدراجها في هذه السطور . و" بلند " لا يلجأ إلى ابتكار لغة خاصة به للتعبير عن معاناته ، ونقولها بصراحة ، لأننا وجدنا ان هذا الشاعر لا يكتب من اجل ان يكتب .. بل انه يكتب ليقول .. ليخاطب .. ليعبر .. وباختصار لينقل خبراته الجوانية إلى الذي يستطيع ان يفهم هذه الخبرات .. اما الذي لا يريد ان يفهم فلا شأن ل" بلند " به . ومن البدء نقول أن الضمير الذي ينطلق منه عنوان القصيدة هو ضمير " الأنا الأعلى " عند الشاعر . أنه صوت تقريع ولوم ودعوة للكف عن السير وفق غي الشاعر إذا صح التعبير . " كف عن غيك  يا هذا ولا تتمادى فيه .. انت لست غير مدان " هذا تأويل من عندياتنا للبعد الجواني لمضمون خطاب هذه الأنا التي ما انفكت تلاحق الشاعر .. كما سوف نرى من خلال قراءتنا لمقاطع القصيدة ، مطالبة إياه – على ما يبدو لنا – بالعودة إلى معايير الشاعر والتي يبدو انه انسلخ منها . وعلى اثر هذا الإلحاح من أوامر هذه الأنا .. الضابطة .. الحارسة .. المزعجة المقرفة معا ، كانت هذه الكلمات التي ضمنها " بلند " في نصه هذا والتي تعد تخريجا انفعاليا acting-out  إذا استخدمنا مصطلحات التحليل النفسي  وقد لا يكون هذا السلوك مطابقا للمصطلح بحصر المعنى  . ولو كان " بلند مستلقيا على أريكة محلل نفسي لما كان اصدق من هذه القصيدة . لنقرأ القصيدة معا مقطعا تلو الآخر ملاحقين فقراتها مصطاطين زلاتها وهفواتها إذا كان ذلك بالإمكان . يقول بلند :-

. . . وخرجت الليلة َ
كانت   في جيبي عشر هويات تسمح لي
ان اخرج هذه الليلة
اسمي . . . بلند بن أكرم
وأنا من عائلة معروفة
لم أقتل أحدا ً
لم أسرق أحدا ً
 وبجيبي عشر هويات تشهد لي
فلماذا لا اخرج هذه الليلة َ
                                                     (الأعمال الكاملة ، ص 638-639) (1)

                                    ******************
ان عملية خروج " بلند " هذه الليلة على وجه التحديد ، يعتبر ، في تقديرنا ، تحديا بحد ذاته . ويبدو ان  ثمة أقاويل قد انتشرت أو أشيعت حول شاعرنا . كنا قد اشرنا في دراسة سابقة عن مجموعة شاعرنا والموسومة " أغاني الحارس المتعب " إلى أن بلند كان قد اخبرنا بأنه " ولد وعاش خلف الباب "(2) . وهو كثيرا ما يردد هذه الفكرة وإن بعبارات مختلفة لكنها كلها تدور حول التهميش الشخصاني الذي رافقه ، على ما يبدو ، مدة طويلة منذ ان اصطدم وعي الشاعر بالوجود . ويبدو ان " بلند " كان قبل هذه الليلة التي قرر الخروج بها ، كان منكفئا على ذاته ، ملازم لكوخه الرمزي ... غرفته في احد الفنادق المتواضعة أو ما شاكل . ولا نريد التعليق على سايكولوجية هكذا نمط من الوجود . ان خروجه إذن هو التحدي لتغير هذا النمط من الوجود و لتسوية الحساب مع الآخر . وقد تجلت عملية التسوية هذه في شكل إشهار سيف تاريخ الأنا بوجه هذا الأخر . ان هذا التاريخ هو السرد الذاتي الذي افتتح " بلند "  قصيدته به . فهو تاريخ ناصع البياض .. لا تشوبه شائبة ما . فهو ابن الحسب والنسب . وذو سلوك نموذجي مع الآخر .. هو لم يقتل احد .. ولم يسرق أحد . فيده إذن لم تطال أحد . فلم تسجل الأيام ما يمكن ان يكون سبة عليه . و لا ادري ، هل كان " بلند "  يعتبر ان القيم الأخلاقية كلها يمكن ان تبدأ بالقتل والسرقة  أو ان تختزل من خلالهما ؟ وإذا كان الجواب " نعم " فأن فهم بلند للقيم الخلقية هو فهم قاصر وفهم  غير سليم . وإذا كان الجواب " بلا " فأن بلند لم يكن صادقا  ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، فلا يعقل ان يكون بلند خاليا من كل الذنوب ؛ كبيرها وصغيرها وعلى مر تاريخه الشخصي بشكل أو بآخر ولا يذكر غير السرقة والقتل كمعيار للسلوك الخلقي السليم والنموذجي ؟ . هنا انتفاخ للذات .. هنا نرجسية لبنائه الخلقي .. هنا شعور بالتفوق والتمايز . من هنا هذا الحسد من " بلند " .. من هنا هذه الغيرة من بلند . ويترجم بلند هذه الخصائص والسمات بامتلاكه " عشرة هويات " . ما معنى هذا .. على الأقل من المنظور النفسي . الهوية دلاله على صفة للشخصية وهي علامة اجتماعية لها . فكل منا يتفاخر على امتلاكه هويات لصفات لها الاعتبار الاجتماعي للدلالة على الامتياز والتفوق . هل كل منا يجرأ ان يمتلك هوية الطبيب ما لم يكن طبيبا بالفعل . أي عمل خلاف هذا يعتبر من الوجهة القانونية انتحالا لصفة لا تتوافر للشخص المعني . وهكذا يمكننا ان نتعامل مع باقي الأدوار الاجتماعية أو رموزها ودلالاتها عبر نوع الهوية والرمز الذي تحيل إليه ، فهي من ثم قناة عبور إلى هذا الرمز أو ذاك . على المستوى النفسي الذي توفره الهوية هي وضعية الاطمئنان والأمن لصاحبها ومن ثم مرونة الحركة داخل هذا النسق  أو ذلك . فلو كنت احمل هوية ضابط ... سأتصرف وبثقة وقوة وامتلاء بل وحتى الرعونة والانفلات إذا تتطلب الأمر  لأترجم سلوك الهيمنة إزاء الآخر حتى اظهر له من أنا  وبالتالي كيف ينبغي لهذا الآخر أن يتعامل معي ويحترمني ويخافني ويخشاني . وهكذا مع كل الهويات . ولا نريد ان نسأل " بلند " ما هي هوية هذه " الهويات العشر التي يحملها في جيبه " حتى أوحى لنفسه تلك القدرة للعبور أو الخروج لمواجهة الآخر ومعاتبته بل وحتى مسائلته عن سبب تحامله واتخاذ هكذا موقف منه . لا نعتقد ان بلند كان منطقيا لا مع نفسه ولا مع الواقع عندما قال .. أو تخيل انه يحمل " عشر هويات " ومتى حصل عليها لتمنحه هذه القوة للسخرية من العالم . هنا يتجلى هذا السلوك الهوسي بأعلى صوره عند  " بلند " ويمكننا اعتباره دالة واضحة على هذا الانتفاخ والتنرجس المرضي لديه . لنرى كيف يترجم " بلند " هذا الانتفاخ في سلوكي مع عالمه اليومي . يقول " بلند " :-

كان البحر بلا شطئان
والظلمة كانت أكبر من عيني انسان
                   اعمق من عيني انسان      
ورصيف الشارع كان . .
                                خلوا ً إلا من صوت حذائي

طق . . طق .. طق ..
اجمع ظلي في مصباح حينا . . وأوزعه حينا
وضحكت لاني
ادركت بأني
أملك ظلي
وبأني  أقدر ان أرميه ورائي
ان اغرقه في بركة ماء وحل
ان اسحقه تحت حذائي
ان اخنقه بين ردائي
طق . . طق . . طق . .
 الظل ورائي  .. ورائي .. ورائي
ما أكبر ظلك أنسانا يملك عشر هويات
في زمن لا يملك أي هوية ْ

                                             ( المرجع السابق ، ص 639-640  )

                             *************************  
هذا هو العالم الذي خرج إليه " بلند " . ونستطيع القول ، وبكل ثقة ، ان هذا العالم هو عالم غريب على " بلند " . ولذلك فأن من الطبيعي أو المنطقي ان لا يشعر به " بلند "  فكلاهما على طرفي نقيض . كل منهما في اتجاه مختلف عن الاتجاه الآخر . ومن البديهي ان ينعته أو يراه على هذه الصورة أو على هذا النحو  . انها  صورة قاتمة .. سوداوية ، ولنقل بتعبيره هو  ..  مظلمة ، تملئه بالكامل . مضافا إليها الخواء والفراغ واللامعنى وإذا شئنا الدقة ، وهو ما نتوقعه ، ان " بلند " يفكر بعدمية الوجود وإلغائه . وكل المفردات التي استخدمها الشاعر هي مفردات دالة ، وبوضوح ، على ما نقول . البحر بلا شطئان . أليست العبارة مفارقة إذا أخذناه على حرفيتها . كيف يكون البحر ، وهو المملوء بالماء ، بلا شطئان . في تقديرنا انه تعبير عن ضياع العالم وفراغه . لا بل أكثر من ذلك انه مكتظ بالصمت .. بالخرس ... بالعجز عن التعبير عن ما يريده .. وعاجز عن احتواء الشاعر . هذا الصمت المميت جعل من الشاعر ان لا ينتبه إلا لصوت حذائه . هذا الانتباه تحول في ما بعد إلى انشغال هوسي وبؤرة تركيز الشاعر . سيصبح الحذاء فيما بعد رمزا إلى العالم نفسه . العالم إذن ليس غير حذاء " بلند " . هنا الانتفاخ صار أوضح وأكبر لدى الشاعر . ليس في الوجود غير " بلند " وهذا الحذاء اللعين . كان الشاعر مصدر للنور والضياء . يستطيع ان يوزع ظله وينشره كما يشاء . انها لحظة من هيمنة الشعور بالاطلاقية لدى الشاعر . كثيرا ما نجد مثل هذه اللحظات في بعض الأشكال السريرية  لمرض الفصام . والواقع ان بلند ادرك سخافة مثل هكذا أفكار . فضحك . والضحك هو الآخر علامة ، إذا كان ذاتيا محضا .. اعني إذا كان مع الذات من دون وجود الآخر ، علامة على عودة الوعي لدى الأنا وبالتالي عودتها الى العالم متقبلة إياه أو رافضة له على حد سواء . وفي هذه الحالة يكون الضحك علامة على الصحة العقلية ووجود عنصر الاستبصار     Insightلديها .  على النقيض من ذلك يكون الضحك ، خصوصا ، إذا اخذ شكلا جهوريا على شكل قهقهة عالية Roar  أو Horselaugh وعلى مرأى من الآخرين وقد يكون اجباريا ويشاهد في بعض حالات الهبفرينيا وبعض اضطرابات المهاد(3). ومن المؤكد ان " بلند " لم يكن ضمن هذه الفئة من البشر !! . فهو ضحك من سخافة أفكاره وغرابتها وكونه كان وحيدا في الشارع ولم يره احد . وقد يكون الضحك نتيجة وجود هلوسة بصرية يعتقد المريض فيها وجود شخص أمامه يلاعبه أو يلاطفه أو يثير فيه الضحك . وللمرة الأولى ، على ما يبدو ، أو كما  يقول " بلند نفسه ، ادرك بأنه حر . وهذا الإدراك للحرية جاء من اكتشافه بأنه يملك ظله . امتلاك الظل إشارة واضحة على اعتقاد " بلند " بأنه مسلوب الهوية بالكامل. وذلك السلب جاء من العالم . وهو الآن حر وسعيد لأنه وحيد في العالم أو قل انه بلا عالم يزعجه أو يكدر صفوه . وهو سعيد بموسيقى أناه الداخلية الجميلة .  ان التركيز على طقطقة الحذاء إنما هو إشارة إلى صد الوجه عن العالم . ويكرر " بلند " هذه الطقطقة لأنها تشكل لديه دلالة الانهمام بالذات .  وإذا كان بلند حرا ويمتلك ظله فلماذا هذا الخوف والتوجس منه . هل يشكل الظل الماضي المقيت والمخفي في حياة الشاعر؟ هل يرمز الظل إلى الآخر .. صاحب السلطة الذي يلاحقه أينما كان ؟ لماذا هذا العداء له . نحن لا نصادر الشاعر ونفرض عليه تصوراتنا . مفردات الشاعر هي ذاتها تحيلنا الى هذه التصورات تلقائيا . له القدرة الآن على ان يهيمن على ظله . ان يخنقه .. ان يرميه ورائه .. ان يسحقه تحت حذائه هو الآخر . هل الظل يرمز إلى العالم الذي يزعج الشاعر ويخدش أحاسيسه ومشاعره . المهم هو ان هناك عداء بين الشاعر وظله . ليته لم يكتشف ذلك . يبدو أنه أصبح عبئا ثقيلا لا يطاق .  وعلى الرغم من محاولات الشاعر على تجاوز هذا الظل .. لكن الظل لم ينفك من ملاحقته على ما يبدو .. حتى ان هوياته العشر لم تسعفه ولم تكن قادرة على جعل الشاعر من ان يتخلص من ظله . الشاعر ذاته في العبارات الأخيرة يؤكد لنا ما نذهب إليه . لم تعد هناك حاجة ما إلى كم الهويات التي يحملها .. سواءا أكان الرقم  صغيرا أم كبيرا . والمسألة المهمة  هو هذا الأسف والحزن والأنين الذي يلف الشاعر عندما عجز عن مواجهة الزمن الذي اتهمه بأنه بلا هوية . إذن هنا شعور بالخور والضعف بل وحتى الضياع في زمن ضائع . الشاعر هنا غارق في التشاؤم ولا أريد القول ان هذا التشاؤم قاد الشاعر إلى الإصابة بالضجر والملل . تلك إذن هي الليلة الأولى التي خرج بها الشاعر من صمته الإجباري إذا صح مثل هذا التعبير . يستمر الشاعر في تكراره عن التعبير عن انفعالاته في المقطع الثاني مع التركيز على بعض الانفجارات السلوكية المتناقضة   التي إن دلت على شيء فإنما تدل على السخط العميق الذي يكنه الشاعر عن  العالم . يقول الشاعر في هذا المقطع ما يلي :-

غنيت ’  
صفرت ’
صرخت ’
ضحكت .. ضحكت .. ضحكت
وأحسست بأني أملك كل البحر وكل الليل
                       وكل الأرصفة السوداء  
وإني اجبرها الان على أن تصغي لي
ان تصبح رجعا لندائي
ان تصبح جزاءا من صوت حذائي
طق .. طق .. طق  ...
ومددت يدي .. ما زالت عشر هوياتي في جيبي
هذا اسمي
هذا رسمي
هذا ختم مدير الشرطة في بلدي
هذا توقيع وزير العدل وقد مد ّ به زهو حز فمي
وأطاح بسن ٍ من اسناني
خدش بعضا من عنواني
وخشيت بأن ... فبلعت لساني
 ومعي  سبه هويات اخرى
اقسم لو مرّ بها جبل احنى قامته ولقال :
                                      هي الكبرى
عن شعري
عن ادبي
عن علمي
عن فني
ولاني
احمل عشر هويات في جيبي
غنيت
صفرت
صرخت
ضحكت .. ضحكت .. ضحكت
ما أكبر ظلك انسانا ً يحمل عشر هويات في عتمة ليل
عشر هويات في زمن لا يملك إي هوية ْ

                                    ( المرجع السابق ، ص  640-642 )

                                    ****************

الشاعر لا يزال على حاله ولم تتغير أحزانه . وهناك فلتات لسان إذا صح التعبير . فتثبيت نقاط بعد المفردة دلالة على رغبة في الإحجام عن أكمال مدلولها الكامل ومعناها الصريح . إذن هناك مسكوت عنه في المقطع . يبدو ان لدى " بلند " إشكالية مع وزير العدل . ولماذا وزير العدل على وجه التحديد ؟ . معنى هذا ان هناك عدم إنصاف في القضية ومصادرة حقوق أو سلب حريات أو كبت أراء . وكان رد فعل الشاعر هو قمع المفردة وبلع اللسان . عبارة " بلع اللسان " دالة لعملية القمع تلك . كما ان الشاعر يذكر ، صراحة ، ان الوزير أصبح مزهوا لدرجة الغى الشاعر وهمشه . ولا ادري هل كان هذا التهميش من قبل سعادة وزير العدل للشاعر بسبب انتمائه الايدولوجي أم بسبب  انتمائه القومي ؟؟؟ . ويستمر الشاعر بسرد ، وبفخر وزهو عن قدراته وطاقاته وما يمتلكه من خصائص وقدرات .. حتى انه أضاف سبعة هويات اخرى إلى هوياته السابقة . ولكنها هي الأخرى لم تجدي نفعا مع الزمن الذي لا يملك هوية أصلا . وبقي الظل هو الكائن الوحيد الذي استطاع ان يقبل الشاعر . فاستطاع ان يميزه من دجى الليل وعتماته . السلوك الذي قام به الشاعر في هذا المقطع هو الصفير . وهنا هو دال على الزهو والخيلاء التي لفت الشاعر وهو يسير في شارع معتم حاملا في جيبه  سبعة عشرة هوية  ولا احد يهتم به . كم أنت مسكين يا " بلند " . حقا ان  " قدر المفكرين لحزين " كما يقول " نيتشه "  فيلسوف الإنسان الأعلى . إذن فالحزن هو قدر الشاعر والمفكر وكل إنسان مختلف ومتمايز . يفاجئنا الشاعر في المقطع التالي أن إحساسه بالخوف ومن البوليس أو الشرطة على وجه الخصوص وهذا هاجس يعيشه المثقف العربي عموما (4) . هذا الخواف هو مصدر إزعاج مستمر للشاعر. وسواء عاشه الشاعر في مخيلته فقط أم على ارض الواقع . فهو مهيمن عليه بحيث تصبح رموز السلطة موضوع انشغال دائم لدى الشاعر . يقول " بلند " :-

في اليوم الثاني
كان ببابي شرطيان
سألاني من انت ..؟
أنا .. ؟ !
بلند بن اكرم
وانا من عائلة معروفة
وانا لم اقتل احدا ً  
وانا لم اسرق احدا ً
وبجيبي عشر هويات تشهد لي
وبأني ... فلماذا  .. ؟

 ................
                                                 ****************
أن سلوك " بلند " هنا سلوكي دفاعي نكوصي . فهو .. هو ماذا ؟ .. هو لم يقل بأنه شاعر وبأنه يملك أدبا وعلما . بل نكص إلى العائلة والهويات العشر .... كان الشاعر اعتماديا إذن . وربما أراد ان يختزل بالحالتين معا فهو هذا وذاك . لا زالت قضية الهويات ، في تقديرنا ، أمر لا علاقة له بالواقع إلى حد ما . فقليل من الناس من يمتلك سمات وانتماءات مختلفة في وقت واحد . لأن الكثرة في الانتماء دالة على الضياع والتشتت والبعثرة . و لا يقبل " بلند " على نفسه ان يكون كذلك . ولا ان يكون دعيا على سبيل المثال .. فهو شاعر له قضية يسعى إلى تحقيقها . يستمر الشاعر في سرد حكايته مع الشرطيان فيقول :-

ضحكا مني .. من كل هوياتي العشر
ورأيت يدا تومض في عيني  
تسقط ما بين الخيبة والجبن
-   انت مدان يا هذا
-   يا هذا
ماذا فعلا باسمي .. وبرسمي وبتوقيع وزير العدل
لم ادر .. لم ادر ِ
لكني ادركت بان هوياتي ما كانت الا شاهد زور
وبأني سأنام  الليلة في السجن وباسم هوياتي العشر
وضحكت .. ضحكت .. ضحكت ..

                                  ***************
أنه اكتشاف متأخر . معنى ان الشاعر كان يعيش وهما . وهاي الآن الحقيقة تتكشف وتنجلي . كيف كان وكم من الوقت مضى على الشاعر وهو يرزح تحت مطرقة هذا الوهم  اللعين ؟؟ . هل كانت يدا الشرطيان بمثابة صدمة كهربائية أعادت حالة الاستبصار أي وعيه بذاته فخلصته من ذلك السبات الطويل . فلمذا  يصف الشاعر هاتين اليدين بالجبن والخيبة ؟؟ . المهم هو الخروج من تلك الغفلة ولذلك كان من المنطقي ان يطفح على سطح السلوك نوبات هستيرية من الضحك . كما هو واضح في نهاية المقطع .
في المقطع الأخير يخرج " بلند " بحكمة .. بقاعدة ذهبية للسلوك السوي .. بنموذج امثل للتعامل مع هذا الزمن . أعني .. زمن الشاعر . لنرى ما هي هذه القاعدة الذهبية التي خرج بها الشاعر بتجربته مع الزمن . يقول " بلند " :-

في زمن لا يملك أي هوية
سيكون مدانا من يملك أي هوية
مزقها .. مزقها يا سجاني
اسحقها .. اسحقها يا سجاني
... وسمعت خطاه ورائي
طق .. طق .. طق
كان البحر له .. والليل له .. وجميع الأرصفة السوداء
طق .. طق .. طق
                                          ( المرجع السابق ، ص 644 )

                                 *****************
تلك هي القاعدة الذهبية إذن .. ان نمزق نحن أو سجانونا كل هوياتنا التي نمتلكها لكي نكون بلا هوية مثل زماننا الذي لا يملك هوية بل نسحقها تحت طقطقات الحذاء ونبقى نتيه في الليل مع البحر والأرصفة السوداء .. لا نسمع سوى صدى رتيب ومؤلم لطقطقات الحذاء المتهرئ اللعين ....














الهوامش :-
1-   الحيدري ، بلند ،1980 ، الديوان ،  دار الطليعة ، بيروت ، لبنان ، ط2 .
2-   بهنام  ، شوقي يوسف ، من كوة الزنزانة ؛ قراءة نفسية لمجموعة " أغاني الحارس المتعب " ، موقع الندوة العربية www.arabicnadwah.com
3-   د. الخولي ، وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، ص 276 .
4-    عالجنا هذه القضية عند الشاعر الكبير ادونيس في مقالنا المعنون " ادونيس وعصر الحذاء . راجع المقالة على موقع الندوة العربية .  

    
                                
 شوقي يوسف بهنام
  
 e-mail:-shawqiyusif@yahoo.com 
e-mail:-shawqiyusif@hotmail.com                                             

              

                                        
 

30
 مجلة عشتاروت وثقافة السريان
اثناء زيارتي لبيروت السابقة التقيت برئيس تحرير مجلة عشتاروت مصادفة وهو احد الاخوة السريان المقيمين في لبنان ومجلته هذه مجلة تعنى بالثقافة والفكر عموما وتنشر عددا من المقالات التي تهم الشأن السرياني عموما ، وسوف ينشر لي دراسة عن الشاعر عبدالوهاب البياتي وهي بعنوان " البياتي غجريا " كما انتخبت كعضو استشاري فيها فعلى من يرغب بالتواصل أو النشر يرجى مراسلتي عبر موقع عنكاوة أو بريدي الالكتروني
shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com

مع محبتي لكل الطيبين والصادقين

                                                        الناقد والاكاديمي
                                                        شوقي يوسف بهنام
                                                         جامعة الموصل

31
الاخ اسماعيل المحترم
ما كتبته عن ادونيس هو علامة على اعجابك بهذا الشاعر الكبير واشير عليك بقراءة كتابي المعنون " فأرة ادونيس : مقاربات نفسية في الخطاب الشعري " قد يساعدك على الغور بعيدا في اعماق هذا الشاعر
ارسل لي عنوانك البريدي الكامل ليتسنى لي ارسال نسخة منه

                                   اخوكم
                           الناقد والاكاديمي
                        شوقي يوسف بهنام

32
في البدء اريد تنويه القارئ إلى انني لست ناقدا تقنيا بالمعنى المعروف ، فأنا لست معنيا بلغة الشعر أو اسلوبه أو تقنياته أو جمالياته أو موسيقاه أو ما شاكل من الامور التي يعنى بها نقاد الشعر خصوصا والادب عموما ، ولكن ذلك لا يعني ، البتة ، انني اوافق أو اقرأ نصا ينتمي إلى الاجناس الشعرية وهو يخلو أو غير متسق في هذه الجوانب ، المعروف عني اني قارئ للشعر من وجهة نظر نفسية صرفة وما اسمعة أو اقرأه من نصوص شعرية ، على قناة عشتار تحديدا لا ينتمي إلى جنس الشعر بشكل من الاشكال ، فهو هرج ومرج ولغو وفوضى لغوية ويفتقد الى ابسط اشكال اللغة والتعبير الشعري و لا اريد ان اقف عند هذا النص أو ذاك و لا انتقد هذا الشويعر أو ذاك
فكفوا ايها الاخوة واعرفوا احجامكم فاللغة الشعرية تستلزم مخيلة خصبة وقاموس لغوي ثر و من غير هذين الشرطين لا يدعي النص شعرا
 انني  لست ضد الابداع ولكن لا اوافق على الفوضى والاضطراب  ، فما يقرأ من خلال هذه الفضائية ليس غير فوضى لغوية واضطراب اسلوبي وفقر جمالي
اقرأوا أكثر وتثقفوا قبل ان تكتبوا وتسموا ما تكتبونه شعرا و لا تزعجوا مسامعنا بلغوكم وهرجكم ومرجكم

                                                        الناقد والاكاديمي
                                                      شوقي يوسف بهنام
                                                           جامعة الموصل 

33
في البدء قد يتعجب بعض القراء من تأخر ظهور هذه السطور في موقع عنكاوة ولكن لاسباب لا اريد ان ازعج القراء بها ، كانت سببا لهذا التأخير . كنت قد نشرت دراسة صغيرة وعاجلة عن نص كتبه احد الادعياء في الشعر وهو الدعي يوسف كبو ، كنت في تلك الدراسة التي نشرتها في جريدة صدى السريان قد بينت ما في النص المنشور من تهافت منطقي و ضعف في البنيان المضموني للنص من دون ان اجنس النص الى نثر او شعر ولا الخصائص الجمالية والاسلوبية له ، لأن هذا خارج نطاق اهتماماتي النقدية وخارج عن اختصاص الاكاديمي ، ولم اهتم لردود فعل صاحب النص ، لأن الناقد يقدم انطباعاته وارائه اولا وقبل كل شيئ . النقد قراءة .,.. والقراءة وجهة نظر لا غير . ومضت الايام وانا في دمشق للتقديم لدراسة الدكتوراه فوجئت بمكالمة من اسرتي ان لدي رسالة من الاستاذ الدكتور مالك المطبي ، وكان سر المفاجأة هو معرفتي بمالك شخصسا اثناء دراستي الجامعية في بغداد واعرف من هو مالك وكيف ينظر الى نفسه وهو محق لان مالك شخص اكاديمي وباحث لامع لا نستطيع تجاوزه في مجال النقد ، ولكن في الوقت نفسه فأن المفاجأة قد زال تأثيرها لان بريدي الالكتروني مليئ يوميا بالرسائل من النقاد العرب من شرق الوطن العربي حتى غربه ، وعند عودتي الى الوطن قرأت الرسالة التي اكتشفت في ما بعد انها مزورة . وقبل اكتشافي لذلك ، تعاملت مع الموضوع تعاملا صادقا لكوني شخصا اكاديميا لي موقعي العلمي في جامعة الموصل ، فالرسالة طلبت مني ان اعلق على نص ، تزعم الرسالة انه لادونيس ، وهو معنون بالناي ، وفعلا قدمت تعليقا علميا رصينا عليه وقمت بنشره في موقع الندوه العربية ، وبعد فترة اكتشفت من بعض الاشخاص الذين كنت اكن لهم ودا كبيرا والان سقطوا بالكامل من نظري ، ان القضية لعبة قذرة قام بها  هذا الشويعر (كبو) لكي ينتقم من عملية النقد التي مارستها ضد نصه . فالرسالة لم تكن من الاستاذ الكبير مالك المطلبي والقصيدة لم تكن لأدونيس بل هي من تلفيقات هذا الدعي . انا فقط اتعجب كيف يخاف شاعر من النقد ؟؟؟ كيف لا يريد لنصه الانتشار . النقد هو وسيلة للتقويم ولترويج النص  ، والشاعر الناضج .. الصادق مع نفسه .. الصريح معها ، ومع الشعر ، ينبغي ان لا يخاف او يهاب من النقد ، بل على العكس يفرح ويكون سعيدا ويحاور الناقد ويرد عليه ويناقشه ويسائله وووو ... لا يحتال و لا ينتحل صفة شعراء ونقاد كبار مثل ادونيس ومالك وجابرعصفور .. كل هؤلاء نحن الاكاديميون نجلهم لانهم كبار ولهم فضل على الثقافة العربية . كيف يجرأ شويعر لايعرف ابسط قواعد اللغة العربية ويجهل ، كل الجهل ، عروض الشعر وموسيقاه ، ولا علاقة له بقضايا الثقافة والادب ،  ان يدعي انه ادونيس او مالك . هذه ليست اخلاق شاعر صادق مع نفسه . انه احساس بالدونية والنقص وخوف من هجمات النقد . لا ادري وانا قد كتبت اجرأ الدراسات على كبار الشعراء مثل ادونيس والبياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ولميعة عباس عمارة و ومحمود درويش وبلند الحيدري ونزار قباني وغيرهم وكانت دراساتي تعج بالتفكيك والتحليل الذي لا يعرف الحدود ، وما سمعت قط لحد الان ان شعراء احياء مثل ادونيس ومحمود درويش وعبد الرزاق قد ( زعلوا ) لاني قد حللت اشعارهم على النحو الذي قمت به  والان هناك ردود لا تقوم على اساس علمي او انها بعيدة من المنهج العلمي على كتابي فأرة أدونيس في سوريا ولبنان ، فهل ( ازعل )  واقوم بالسب والشتم او؟؟؟ . فيا عجبي من هذا الشويعر الذي تطوقه حفنة من المتخلفين ثقافيا وعلميا و لاعلاقة لهم بالشعر لا من قريب او من بعيد . انه ( زعل ) الذي ( يزعل ) من النقد فالاجدر به ان لا يكتب او لا ينشر اذا كان غير واثق من نفسه . وبالفعل فان دالة ( الزعل ) هي مؤشر على ضعف في الوعي بالذات وعدم الثقة فيها .  هذه السطور ليست موجهة فقط الى هذا الشويعر بل الى كل من تسول له نفسه ويدعي ما لا يملكه واقعا وامثال هؤلاء ، تعج بهم الساحة الثقافية ، وياللاسف ، في قرانا . ينبغي ان يكون هناك رقيب علمي  ( ينخل ) النصوص ويميز الغث من السمين منها !!!!! ويمنع من ظهور هكذا ترهات في مجال النصوص الابداعية

                                                             الناقد والاكاديمي
                                                            شوقي يوسف بهنام

                                                                جامعة الموصل


34
حضرة الاخ نمرود بيتو المحترم
تحية طيبة
بمناسبة اعياد القيامة المجيدة نقدم لكم اجمل التحايا وازكى التهاني وخالص التبريكات متمنين لكم  اياما مكللة بالزهو والفرح والسعادة



                                                               اخوكم الذي لاينساكم

                                                                 الناقد والاكاديمي
                                                                 شوقي يوسف بهنام

35
نشر موقع الندوة العربية  للشعر دراسة جديدة للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام دراسة نقدية جديدة عن الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي وهي بعنوان إنشغالات السارق وهي قراءة نفسية لقصيدة الشاعر الكبير والمعنونة  سيرة ذاتية لسارق النار ويدعو الناقد جميع محبي النقد للاطلاع على الدراسة في الموقع المذكور

                                                       مع تحيات الناقد والاكاديمي
 
                                                             شوقي يوسف بهنام 

36
نشر موقع الندوة العربية للشعر الذي يشرف عليه الشاعر المبدع سيد جودة دراسة جديدة  للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام عن الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي وهي بعنوان إنشغالات السارق وهي قراءة نفسية لقصيدة سيرة ذاتية لسارق النار وما هو جدير بالذكر ان هذه الدراسة هي الثانية من المشروع النقدي الذي يأمل الناقد بأكماله في المستقبل القريب . ويدعو الناقد جميع محبيه لزيارة الموقع للاطلاع على هذه الدراسة الجديدة

                                                             مع تحيات الناقد
                                                          شوقي يوسف بهنام

37
في رسالة خطية بعث بها الاستاذ الدكتور مالك المطلبي استاذ النقد الادبي في كلية الاداب / جامعة بغداد الى الناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام يعبر من خلالها عن اطرائه واعجابه بالاعمال النقدية للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام خصوصا عن الشاعر الكبير ادونيس وفي يلي نص الرسالة :

حضرة الأستاذ الفاضل شوقي يوسف بهنام المحترم
تحية طيبة أزفها لم من أعماق قلبي راجيا أن تكون في أتم الصحة والعافية متمنيا لك دوام الموفقية والنجاح في طريق خدمة المثقفين والثقافة .

لقد قرأت مقالاتك في موقع الندوة العربية للشعر الذي يشرف عليه الشاعر المبدع سيد جودة وخاصة المقالات النقدية الخاصة بالشاعر الكبير ادونيس ، حيث أن قلة من النقاد يستطيعون سبر غور المكامن العميقة لقصيدة ادونيس ، لكنك والحق يقال تمسك بتلابيب النص وتغوص إلى عمق مشكلات ادونيس النفسية دون تردد أو خوف وتستجوب الشاعر بأسلوب بارع قل نظيره عند النقاد والمحدثين إلى النهاية وتعرض النص للمسائلة بمهنية عالية ومنهجية دقيقة كأنك تقرأ الحالة الشعورية واللاشعورية للشاعر وتنغمس لا شعوريا في حالة القصيدة وتقتفي تجربتها وتتعقب ظلالها وتنقل إلى السطح ما يعتمر في ذلك البركان الخفي من ( التوهج والإحباط والانكسار والتطلع والأمل والخوف من المجهول والحزن ولحظات السعادة المبهجة والحب المفرط والكره المفرط ) مطبقا النظريات النفسانية وعلى خطى النقاد اللامعين ، بالاتجاهات الثلاثة : علاقة النص بالناص ممثل بالعلاقة بين المريض والحلم وفي هذا تتحول من ناقد إلى محلل والاتجاه الثاني العلاقة اللاواعية بين الشاعر والمتلقي ، والاتجاه الثالث ، العملية الشعرية وعلاقتها بعملية الخلق بحضورك احتفاله الأبدي المنبعث من الجوانب الخفية في أعماق النفس البشرية .
قليلون أولئك الذين يتجرأ ون بتناول هكذا نصوص صعبة بمفردة نقدية ثرية تقابل ثراء المفردة الشعرية وتتحسس معاناة الشاعر وعذاباته وتحدياته مهيمنا على النص هيمن كاملة ، متحصنا بمدارس ومصطلحات ومفاهيم أكثر واقعية وأغزر علمية من تلك المدارس النقدية الأكثر عمومية وضبابية المتراكمة هذه الأيام في الساحة الأدبية والتي تعمل على تسطيح المقال النقدي نتيجة قصورها العلمي وعدم واقعيتها .
أخي العزيز .........
أرسل أليك نصا جديدا للشاعر ادونيس منشور في مجلة ( دير شبيكل ) الواسعة الانتشار ف ألمانيا مترجما إلى الألمانية وقد حصلت على النص العربي من زميلي الدكتور جابر عصفور ، وقد قرأته عدة مرات لكني لم اصل إلى كل مغاليقه ، فأرجو منك كتابة مقال عنه ، ربما يكون مفتاحا لي لفك بعض رموزه التي استعصت على وأرسله مع حامل هذه الرسالة حيث سأرفقه مع المقال الذي سوف اكتبه وارسلهما إلى المجلة المذكورة بعد ترجمتها وسأكون لك شاكرا .

                                                                             اخوك
                                                                                                                                                                                                         د. مالك المطلبي

38
لا ادري كيف اعبر عن اسفي عن ما يحدث في هذا الموقع الذي ينبغي ان يكون منبرا  حرا وللجميع الا ان يكون هناك اخبار لا تتماشى مع سياسة الموقع او رغبات المشرفين عليه او هناك خطأ في الارسال للموضوعات او خطأ في النشر أو لا أدري هل هناك اسباب اخرى مجهولة !!!!!!!!! .
لقد ارسلت خبرا قبل ايام بخصوص ترشيحي للجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب وظهر الخبر وما ان تصفحت الموقع في اليوم التالي اكتشفت ان الخبر قد حذف من قائمة اخبار شعبنا كما قد نشرت تعليقات نقدية لبعض الظواهر التي يرددها .. وأقولها بكل صراحة هؤلاء الادعياء عل الشعر والادب والادب والشعر منهم براء وايضا حذفت هذه التعليقات التي كنت اود من خلالها التقويم والنقدالعلمي والاكاديمي السليم
انا لست ضد المواهب الناشئة والفتية بل انا ضد الثرثرة والكلام الذي يخلو من جمالية وايقاع سليم في البنية والشكل واعتقد ان زميلي وصديقي الدكتور سمير خوراني يشاطرني ويشاركني نفس الافكار نحن لسنا ضد اي ابداع ولكن للابداع اصوله واساسياته وشروطه ينبغي توافرها في العمل الابداعي المنجز
اخي العزيز امير المالح المحترم
انا لا اريد ان امدح نفسي فزوروا المواقع العربية الرصينة التي ,, وأقولها بكل فخر ... تتهافت على نشر مقالاتي ودراساتي والدعوات التي تنهال على بريدي الالكتروني لنشر دراساتي النقدية فيها وموقع  الندوة العربية واحد من هذه المواقع الرصينة في مجال الادب والنقد والشعر
فلماذا لماذا واكررها مرة هذا الحذف المتعمد .. على ما يبدو بكل ما يتصل بنشاطي الادبي
عزيزي امير المالح المحترم
انا معروف على الساحة العربية معرفة جعلت من واحد من اعضاء الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب ان يرشحني بدون ان اعلم الا يكفي هذا على قيمة اعمالي ودراساتي النقدية ..
لذلك فأنا غير محتاج .. على الاطلاق .. اي تقييم من بيئتي المحلية ,, وقديما قالها المسيح ليس لنبي كرامى في وطنه .. اريد فقط ان اعرف السبب في هذا التعامل مع اخبار انشطتي انت لا تعلم كم لدي حضور لدى المثقفين والااكاديميين الجادين في جامعة الموصل واذا كان هناك سبب ارو ان تعلمني حتى لا
اكلف نفسي في الكتابة اليكم مرة اخرى
مع محبتي وتقديري


                                                       الناقد
                                             شوقي يوسف بهنام
                                                  جامعة الموصل   

39
 نشر موقع الندوة العربية للشعر العربي والعالمي المترجم والذي يحرره الشاعر المصري سيد جودة
دراسة جديدة للناقد والاكاديمي شوقي يوسف بهنام وهي بعنوان :
انقسام الحب أو البياتي بين لارا وخزامى
والدراسة رؤية نفسية لمحنة الشاعر الكبير النفسية وهو تحت اعباء المنفى الاقصاء كما تحاول الدراسة
الكشف عن بعض الدوافع النفسية والسمات الشخصية لهذا الشاعر المغترب والدراسة هي باكورة لمشروع
جديد ينوي الناقد والباحث شوقي يوسف بهنام القيام به عن هذا الشاعر الكبير
والناقد في انتظار ردود افعال محبيه وبريده الالكتروني هو
shawqiyusif@yahoo.com

                                                                 مع تحيات
                                                           الناقد والاكاديمي
                                                         شوقي يوسف بهنام

40
التقى الناقد والاكاديمي العراقي  شوقي يوسف بهنام اثناء زيارته الاخيرة الى سورية عددا من النقاد والشعراء
العراقيين والعرب ومن بينهم الباحث والمترجم السوري محمود منقذ الهاشمي والروائي الفلسطيني حسن محمود
والدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب ومن بين هؤلاء التقى الناقد العراقي الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد ودار حديث بينهما استغرق مدة الساعتين وابدى الشاعر الكبير امنيته ان يقوم الناقد شوقي يوسف بهنام بكتابة دراسة حول نتاجه الشعري حيث قدم له مجموعته الاخيرة والصادرة عن الاتحاد والمعنونة ( في مواسم التعب ) وقد وعد الناقد الشاعر بتحقيق هذه الامنية في الوقت القريب كما التقى الناقد العراقي د. محمد صابرعبيد ودار بينهما حديث حول اشكاليات النقد العربي . كما اتفق الناقد العراق مع احدى دور النشر السورية لطبع كتابه عن أدونيس والمعنون ( فأرة أدونيس ).
والتقي في حلب عددا من النقاد والدارسين والشعراء والرواءيين .

صفحات: [1]