عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - الأب ألبير هشام

صفحات: [1]
1
اطفال بغداد يعملون ويعلّمون الرحمة في سنة الرحمة

شاهد الفيديو
http://www.ankawa.org/vshare/view/9678/baghdad/
الأطفال يعلّمون الرحمة عندما يقومون بها ويتكلمون عنها ببساطتهم وبراءتهم المعهودة. هذا ما حدث يوم الجمعة الثالث عشر من شهر أيار عام 2016، في كنيسة مريم العذراء سلطانة الوردية ببغداد، بمناسبة يوبيل الرحمة، وتحت عنوان "اذهب فاعمل أنت أيضًا مثله"، إذ التقى أكثر من مئة طالب تعليم مسيحي من المراحل الابتدائية المنتهية من كنائس: مار توما الرسول، مار إيليا الحيري، انتقال مريم العذراء، الصعود، مار يوسف خربندة، سلطانة الوردية، ليقوموا بعمل رحمة للأيتام والمرضى وكبار السنّ من خلال أعمال بسيطة قدّموها كهدية بسخاء قلوبهم الصغيرة للنزلاء في بيت عنيا لرعاية المرضى والمهشين ولأطفال دير مرسلات المحبة لراهبات الأم تريزا.

خلال اللقاء تذكّر الأطفال أعمال الرحمة البسيطة التي قاموا بها في المدرسة وفي الشارع.

ولكن هل نستطيع أن نعمل الرحمة الآن إذا انضمّ إلينا شخص محتاج إليها؟

نستطيع أن نقوم بعمل الرحمة. بهذه الثقة تقسّم الأطفال إلى ثلاثة مجاميع: تدربت المجموعة الأولى على تمثيل مشهد السامري الصالح، وقامت المجموعة الثانية بتلوين صور ليسوع الرحيم وللعذراء مريم وللسامري الصالح وكتبوا عليها صلوات وأدعية بالشفاء للمرضى وكلمات محبة لأخوتهم من الفقراء والمهمشين. وقامت المجموعة الثالثة بأعمال يدوية بسيطة من صنع الأسوارات الملونة، وتحمّس الأطفال بمساعدة معلماتهم، إذ صنع كلّ واحد منهم أكثر من أسوار ولوّنوا أكثر من صورة.

وعندما قدّمت المجموعة الأولى مشهدها المسرحي، وقف السامري الصالح ليعلن عن حاجته للمساعدة لكي يستطيع بدوره مساعدة هذا الجريح، فهبّ الأطفال جميعًا ليعطوا ما صنعوه في صندوق زجاجي صغير وُضِع أمام المذبح. فعاش الأطفال كلمات يسوع عندما أنهى مثل السامري الصالح، وقال لسامعه: "اذهب فاعمل أنت أيضًا مثله".

وفي قداس احتفل به الأب فوّاز فضيل في دار بيت عنيا صباح يوم الاثنين، السادس عشر من أيار، بمناسبة عيد حلول الروح القدس على التلاميذ، وزّع الأب فوّاز هدايا الأطفال على النزلاء الحاضرين في القداس، وعلى النزلاء الباقين في البيت الذين أعربوا عن شكرهم وامتنانهم للأطفال ولأهاليهم ولمن علّموهم عمل الرحمة.

2
تقريرً إخباريً مصور عن زيارة وفد من مؤمني كنائس بغداد الكلدانية إلى مدينة أور الأثرية

http://www.ankawa.org/vshare/view/9631/or-city/

3
الأب ألبير أبونا، في الذكرى الستّين لرسامته الكهنوتية



الأب ألبير هشام - روما
يحتفلُ اليوم الأب ألبير أبونا بالذكرى الستّين لرسامته الكهنوتية (17 حزيران 1951)، الأبُ الذي يعرفه الجميع، ليس بمؤلّفاته وكتبه العديدة فحسب، بل قبل كلّ شيء بروحيته وعطائه لكنيسته وشعبه. هذا الكاهن الذي قدّم، ولا زال يقدّمُ الكثير لكنيستنا الكلدانية ولكنيسة العراق بأكملها، في خدمةٍ لم تتوقف مسيرتُها حتّى هذه اللحظة، على الرغم من ضعف قواه الجسديّة.
جعله تنوّعُ خدمته خلال ستّين عامًا من كهنوته، راعيًا للأنفس ومؤلّفًا متميّزًا ومرشدًا روحيًا، فكرّس جميعَ مواهبه لرسالةٍ سامية عاش من أجل تحقيقها، ولا يزال يحققها دون تراجع، لا إرضاءً لأحد بل خدمةً للجميع دون استثناء.

الأب ألبير أبونا ...
صلاتُنا نرفعُها في هذا اليوم الذي تحتفلُ به بستّين عامًا من العطاء، أن يمنحكَ الربّ الصحّة والقوّة ...
ونشكرُ الله على جميع النِعم التي منحها لكنيستنا وشعبنا من خلال خدمتك ومحبتك ...



4
سلامٌ لمسيحيي العراق من ساحة مار بطرس في روما

بعد تلاوته لصلاة التبشير الملائكي وفي تحيته باللغة الإيطالية، استدعى قداسة البابا بندكتس السادس عشر ظهرَ هذا اليوم، الأحد 14 نوفمبر، نعمةَ السلام للعراق، محييًا الجماعة العراقية الحاضرة في ساحة مار بطرس. وتقدّم الحضور المونسنيور فيليب نجم، الممثل البطريركي لدى الكرسي الرسولي، وعدد من الآباء الكهنة الدارسين والأخوات الراهبات وعدد من العراقيين المتواجدين في روما. ورفعَ الجميعُ الأعلامَ العراقية وصورًا  لشهداء مجزرة كنيسة سيدة النجاة ولافتاتٍ تنددُ بالاعتداءات التي يتعرّضُ لها مسيحييونا وخاصةً في الفترة الأخيرة، وتدعو إلى السلام في العراق، كما تطلبُ معونة الكنيسة الجامعة لإغاثة شعبنا الجريح.
ووصلَ أولَ البارحة إلى مستشفى "جيميلي" في روما، 26 جريحًا من بينهم ثلاثة أطفال كان قد أصيبوا في الاعتداء الذي طال كنيسة سيدة النجاة في الحادي والثلاثين من أكتوبر الماضي. ويتلقّى الجرحى العلاج والعناية اللازمة إلى جانبِ آخرين وصلوا قبل عدّة أيامٍ إلى فرنسا للغرض ذاته.
وتستمرُ في هذه الأيام وفي أنحاءٍ عديدة من العالم حيث تتواجد الجماعة المسيحية العراقية، مظاهراتٍ سلمية تدعو للسلام وتندد بالهجوم على مسيحيي العراق وتطالبُ العالمَ بالتدخّل لإنقاذه.
 
الأب ألبير هشام نعّوم
الأحد 14-11-2010 / روما


 

 
  
 

 

 

5
قداس في روما لراحة أنفس ضحايا سيدة النجاة



"الاعتداء الفظيع على الكنيسة السريانية الكاثوليكية في بغداد في 31 أكتوبر، عمل وحشي لا سابقة له، ضد أشخاص أبرياء مجتمعين للصلاة".
هذا ما قاله المطران ميخائيل الجميل، الوكيل العام لبطريركية السريان الأنطاكيين لدى الكرسي الرسولي، خلال القداس الذي احتفل به أمس في مقر البطريركية في روما، لراحة أنفس ضحايا كنيسة سيدة النجاة في بغداد.
عشرة أيام مضت على المجزرة التي أسفرت عن مقتل أكثر من 55 شخصاً وجرح أكثر من 100، كانوا قد اجتمعوا للصلاة، ويوم أمس قُتل 6 أشخاص وأصيب 33 آخرون بجروح في سلسلة اعتداءات جديدة استهدفت منازل مسيحيين.
المطران الجميل قال إن "الوضع في البلاد يزداد تعقيداً، لدرجة أن كثيرين يجدون أنفسهم مجبرين على الرحيل"، مشيراً الى أن المسيحيين "لا ينتمون إلى أي من الفصائل المتحاربة، ولا يشاركون في الصراعات داخل البلاد، وليس لديهم أسلحة، ولا حتى للدفاع عن حياتهم".
وأعرب النائب البطريركي عن قلقه حيال سياسة تحاول أن تجعل من الشرق الأوسط مجرد "مزيج من الأديان والبدع المختلفة ومن تصاميم سياسة تدمر حقيقة وجمال الشرق الأوسط، لتخلق منه وحشاً بحاجة دائمة الى العناية في مستشفى السياسة الدولية"..." سياسة – أضاف الجميل - بدون تاريخ، بدون تقاليد، بدون أخلاق دينية، بدون فادي، بدون الله!"
مع الأسف – أردف الأسقف - لم يستطع الإسلام السمح حتى الآن وضع حد للتيارات الإرهابية، داعياً الإسلام الى عدم السماح للإرهاب ولعناصر سياسية أخرى، شرقية كانت أم غربية، بإفراغ الشرق من المسيحية وبتشويه هذه الصورة الجميلة للحوار والتعايش بين الإسلام والمسيحية".

 
القداس تمّ في كنيسة السريان في روما يوم البارحة 10-10-2010 الساعة الرابعة عصرًا بتوقيت روما أي السادسة مساء بتوقيت بغداد بحضور نيافة الكردينال موسى داود وعدد من الآباء الكهنة الدارسين في روما ومن المؤمنين بعد القداس أقيمت صلاة الجناز عن راحة نفس الشهداء



كلمة المطران ميخائيل الجميل في قداس في روما لراحة انفس ضحايا سيدة النجاة في بغداد
"الاعتداء على الكنيسة عمل وحشي لا سابقة له"

 

روما، الأربعاء 10 نوفمبر 2010 (zenit.org). - ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها المطران ميخائيل الجميل، الوكيل العام لبطريركية السريان الأنطاكيين لدى الكرسي الرسولي، باللغة الإيطالية، خلال القداس الذي احتفل به اليوم مقر البطريركية في روما، لراحة أنفس ضحايا كنيسة سيدة النجاة في بغداد:
"الاعتداء الفظيع على الكنيسة السريانية الكاثوليكية في بغداد في 31 أكتوبر، عمل وحشي لا سابقة له، ضد أشخاص أبرياء مجتمعين للصلاة".
منذ سنوات ومسيحيو العراق هدف لهجمات وحشية: كهنة يُقتلون، أساقفة يُختطفون وآخرون يُقتلون، عائلات تُقتل داخل بيوتها، قافلات طلاب يُعتدى عليها. مجزرة 31 أكتوبر أسفرت عن قتل 55 شخصاً من بينهم كاهنان، وأدت الى جرح حوالي المائة. الوضع في البلاد يزداد تعقيداً، لدرجة أن كثيرين يجدون أنفسهم مجبرين على الرحيل.
إن هجرة المسيحيين من مختلف البلدان في الشرق الأوسط ، وخصوصاً هجرة مسيحيي العراق ، تقلقنا. ونحن لا نتحدث فقط عن أقلية دينية - حتى ولو كان صحيحاً ان المسيحيين أقلية في بلدان الشرق الأوسط – وإنما نتحدث عن أماكن جذور المسيحية. هذه الجذور هي بمثابة خميرة تعزز التعايش السلمي والتآخي بين المسيحية والإسلام والأديان الأخرى.
كان جواب السلطات الحكومية العراقية ان المسيحيين هم ضحايا مناخ من العنف في البلاد كغيرهم من المواطنين. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن المسيحيين لا ينتمون إلى أي من الفصائل المتحاربة، ولا يشاركون في الصراعات داخل البلاد، وليس لديهم أسلحة، ولا حتى للدفاع عن حياتهم. وفي مواجهة الظروف المعيشية الصعبة، يرفعون الصلاة من أجل الاستقرار والأمن والمصالحة.
يمكن لهذا السيناريو أن يتكرر وهو يتكرر في بلدان شرق أوسطية أخرى حيث يشكل المسيحيون اقلية. المسيحيون ينتظرون من الإسلام أن يستعيد الدور الذي لعبه عندما كان المسيحيون والمسلمون يصنعون الحضارة العربية معاً، وأن لا يسمح للإرهاب ولعناصر سياسية أخرى، شرقية كانت أم غربية، بإفراغ الشرق من المسيحية وبتشويه هذه الصورة الجميلة للحوار والتعايش بين الإسلام والمسيحية.
إن فكرة خلق شرق أوسط جديد مقلقة. إن المعنى الحقيقي والواقع الحقيقي لهذه البلدان يكمن في قِدَمها كأرض الجذور، أرض الوحي والخلاص، أرض التعايش بين مختلف الديانات. وبحسب هذه الفكرة السائدة، ماذا سيكون مصير الشرق الاوسط؟ مزيج من الأديان والبدع المختلفة ومن تصاميم سياسة تدمر حقيقة وجمال الشرق الأوسط، لتخلق وحشاً بحاجة دائمة الى العناية في مستشفى السياسة الدولية، سياسة بدون تاريخ، بدون تقاليد، بدون أخلاق دينية، بدون فادي، بدون الله!
نقرأ في بعض وسائل الإعلام أن بعض الوكالات السياسية الغربية تريد التعاطي فقط مع شرق أوسط مسلم، فبالنسبة لها، يشكل وجود المسيحيين عائقاً. نعم، هذا الوجود هو عائق لبعض المشاريع السياسية والمصالح الاقتصادية.
وفي ظل الوضع السائد، كل شيء ممكن. هذا لأن الديمقراطيات الغربية التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان، لا تتوصل الى فهم العقلية الشرقية وبخاصة المنطق السياسي لبعض التيارات الإسلامية التعصبية التي تعتبر المواطينين المسيحيين امتداداً للغرب المستعمِر او حتى استمرارية للحملات الصليبية.
هذا الموقف هو موقف البدع المتعصبة الإرهابية النامية داخل العالم الإسلامي. ولكن مع الأسف، لم يستطع الإسلام المعتدل حتى الآن وضع حد لهذه التيارات. لقد كان لمسيحيي الشرق الأوسط دائماً علاقة تعايش وأخوّة وطيدة مع إخوتهم المسلمين، ولكن الوضع السياسي الآني المربك يشعرهم بالضياع ويفقدهم الثقة.
ونحن نأمل أن يعرف المسلمون أن يكونوا صارمين في حماية الأخلاق المدنية والدينية لديهم، وأن يعملوا على تعزيز ثقة وطمأنينة إخوتهم المسيحيين. إن حضور المسيحيين في الشرق الأوسط هو علامة واضحة على أن إخوتنا المسلمين يريدون منع التعصب والإرهاب من تدمير جوهر الإسلام.
ومن الغرب وديمقراطيته ومبادئه في الدفاع عن حقوق الإنسان، يطلب الشرق إلقاء نظرة معمَّقة على الوضع الحالي، ويطلب - بدلاً من التعصب بين مختلف الجماعات الدينية في الشرق - التحلي بالشجاعة لرفع الصوت عالياً ضد كل تعصب وضد كل ظلم وعنف، للدفاع عن مختلف مكونات بلداننا الشرق أوسطية وعن الأقليات الدينية

6
مَنْ نكونُ نحنُ مسيحيو العراق؟


شهداءُ كنيسة أمِّنا "سيدةِ النجاة" عرّفوا العالمَ مرةً أخرى مَنْ نكونُ نحنُ، مسيحيو العراق، وانضمّوا إلى قافلة شهداء كنيستنا ممّن ضحّوا بأرواحهم ليقدّموها للمسيح ربّنا الذي علّمنا أن نشهدَ للقيامة، للحياة، للغفران، للمحبة، للرجاء، للإيمان، للفرح. دماءُ شهدائنا الأبطال تصرخُ للعالم وللإنسانية جمعاء وتدعونا نحنُ مسيحيي العراق أينما كنّا لكي "نبشّر" العالمَ بالمسيح المتألم والقائم الذي يعيشُ في أرضنا المجروحة.

مسيحيو العراق اختبروا بعمق معنى الحياة لأنّهم عاشوا فرحها بعدَ أن جرّبوا غمّ حزنها؛ عاشوا رجاءها بعد أن اختبروا قوّة مأساتها؛ عاشوا ضحكتها بعد أن ذرفوا غزارة دموعها؛ عاشوا ابتسامتها بعد أن كسرَ العنفُ إرادتهم فيها. هؤلاء هم حقًا مسيحيو العراق

أتريدون مثالاً عن كلّ ذلك؟!

ستتولى كنيسةُ سيدة النجاة الأمرَ وستنطقُ باسم مسيحيي العراق أجمع وتعطيكم أمثلةً مكتوبةً بدمِ شهدائها. فهل سمعتم كيفَ وبأيّ طريقة استشهدَ الأبوان الشجاعان ثائر سعد الله ووسيم صبيح في هذه المجزرة؟! هل عرفتم أنّهما دافعا عن المؤمنين وحاولا الحفاظ على حياتهم وقدّما أنفسيهما بدلاً عنهم منذ اللحظة الأولى لدخول القتلة إلى الكنيسة؟!

هل عرفتم أن أبًا حمى حياة ابنه الصغير في الكنيسة بأن غطّاه كليًا بجسمه وهما ممددان على الأرض، فقُتِل الأبُ بوابلٍ من الرصاص ليبقي ابنه على قيد الحياة؟!

هل سمعتم أن القتلة الأشرار قتلوا طفلةً عمرها أربعة أشهر وكذلك شابةً كانت قد تلقّت يوم استشهادها أجملَ بشرى وهي حملها لطفلٍ في بطنها، وجاءت إلى الكنيسة لتشكرَ الربّ على هذه النعمة؟!

فهؤلاء هم مسيحيو العراق يا شعوبَ العالم، فاسمعوا واشهدوا جميعًا بذلك !

وأنتم يا مسيحيو العراق، إن كانَ الحزنُ يسودُ نفوسَكم الآن وقد حجب عن عيونكم رؤية المستقبل، فانظروا إلى فوق، إلى ربّ السماء والأرض، واعلموا جيدًا مَنْ أنتم وعرّفوا العالمَ به.
فليشهد أصحاب الضمائر الإنسانية بما يحدثُ لنا، لكي يسمعَ من صمّ أذنيه وينطقَ من سدّ فاه بمَن هم مسيحيو العراق !



http://www.h2onews.org/arabian/137-events/224447094-news_id_3131.html

7
فليعرفْ الجميعُ من هو ثائر سعد الله ووسيم صبيح !

هل يعرفُ كثيرون من هو ثائر سعد الله ووسيم صبيح؟! هل كانت السيرةُ الذاتية لكليهما كافيةً لتسليط الضوء على حياة هذين الكاهنين الشابين الشهيدين؟! لا أعتقدُ على الإطلاق، فهناك جوانب عديدة في حياتهما يعرفها فقط من عاشَ معهما واختبر عمقهما. واسمحوا لي، وليسمحا لي هما أيضًا، أن أكتبَ هذه الأسطر بعد سنين من إخوّةٍ وصداقة لن يمحيها الموتُ بل سيخلّدها لتبقى حيّةً. وأعلمُ مسبقًا أن أسطرَ مثل هذه تنحرجُ أمامهما وتُصابُ بالخجل أمام دمائهما البارّة، ولكنها تبقى مع ذلك تعبيرًا من الأعماق لأنها تنبع من عمقِ مَن يعرفون حقًّا مَن يكونا، وهي رسالةٌ فلنوجهها إلى العالم أجمع ليعرفَ الجميعُ الحقيقة وليس غيرها.
مَن يعرفُ هذين الشهيدين؟! أجزمُ وبقوّة أن الفقراءَ، ليس في الكرّادة فقط بل في مناطق أخرى من بغداد الجريحة، يعرفون جيدًا مَن هو ثائر سعد الله، إذ لم يكونوا قد نسوه لحظةً، لا بل أن استشهاده سيحفرُ اسمه في ذاكرتهم وقلوبهم إلى الأبد. واجزمُ أيضًا أن الشبابَ يعرفون جيدًا مَن هو وسيم صبيح، ولم ينسوا ولو للحظةٍ ابتسامتَه المشرقة وروحَه المرحة، وقد أحزنهم استشهاده الآن والذي كان مثل غيمةٍ سوداء حلّت على جميعنا، ولكنه سيعطيهم معنىً لحياة الشباب. أؤكدُ وبثقةٍ كبيرة أن صورتيهما ستظلّ تدورُ في مخيلة الأطفال الذين كانا يلعبان معهم، وفي كبار السنّ الذين كانا يعتبرانهم مثل والديهم، وفي الناس البسطاء الذينَ يعلمون الكثير عنهما. ويكفي أن يكونا مَلكين في قلوب مثلَ هؤلاء الناس وذائعي الصيت عندهما، فهكذا كانَ يسوعُ أيضًا ... !
بكلمةٍ واحدة أقول إنّهما لم يصبحا شهيدين يوم الأحد الماضي 31 أكتوبر، بل كانا شهيدين منذ أن أصبحا كهنة وخدما الناس بكلّ محبّة وغيرة وتفانٍ. فقد أحبّا الناس وأحبّهم الجميع إلى درجة أننا نسمعُ عن طيبة قلبيهما وكيف ساعدا المحتاجين، وأصغيا إلى مَن كان بحاجةٍ للإصغاء وأرشدا كلّ من كان بحاجةٍ إلى إرشاد ... تجدونهما يطيران كالحمام في أرجاء الكنيسة ليلتقيا بالجميع ويلبّيا حاجةَ الكلّ، حتى يَصعبُ أحيانًا وجدانهما، كما وجدَ مريمُ ويوسفُ صعوبةً في إيجادِ يسوع عندما كان صبيًّا صغيرًا !
هكذا عرفَ الناسُ شهيدانا الأبرار. أليست هذه شهادة؟! إنّها شهادةُ حياةٍ ليست بأقلّ قيمةٍ من شهادة الدمّ التي قدّماها، لا بل أن هذه الأخيرة كللت أرواحهم بحيث لا أستطيعُ تخيّلهم الآن سوى ملائكة في السماء، وهناك لن تستطيع من بعد أيّ يدٍ أن تمّسهما لأنّهما يحلّقان في سماء ربّنا وينظران إلينا ويرعيانا بهذه النظرة من فوق ... !
فيا ريتنا نصلّي من أجلهما في يوم استشهادهما، كما يصلّيان هما أيضًا من أجلنا، ليعرّفا هذان الشابان الجميعَ كيف يعيشُ المسيحيُ في هذا البلد المسكين، وماذا يريدُ وما نوعيةُ قلبه. ليعرفَ الجميعُ من خلال بضع سنين من كهنوتيهما ما معنى الخدمة والصلاح وحبّ الأرض التي عاشا فيها. وليعرفَ الجميعُ من خلال استشهاديهما كم المحبةُ غالية ولا تقدّر بثمنٍ وكم الكراهية بغيضة ولا تساوي فلسًا. ليعرفَ الجميعُ من خلال شبابهما كم العالمُ بحاجةٍ إلى رجاء الشباب الواسع وإلى فرح الأطفال غير المحدود وإلى الحبّ المستعد للتضحية بالذات. فلتصحَ الإنسانيةُ من نومها الذي تغطّ فيه ولتسمعْ صوت دمائهما وهي تسيلُ في أرضِ الشهداء، وليعرفْ الجميعُ مَن هو ثائر سعد الله ووسيم صبيح ... !
الراحة الأبدية أعطهما يا ربّ ولجميع شهدائنا الأبرار، والتعزية والصبر لجميع ذويهم وأعزّائهم. آمين.

الأب ألبير هشام نعّوم 
1/11/2010

8
مشكلتُنا في "الخوف من العُزلة"

أودّ في مقالي هذا، أن أقدّم للقرّاء بصورةٍ مقتضبة ومبسّطة، نظريةَ باحثةٍ ألمانية تُدعى أليزابيث نيومان والتي وافتها المنية في مارس الماضي عن عمرٍ تجاوزُ التسعين، ونظريتها بعنوان: "لولبُ الصمت" (The Spiral of silence)، وهي تكشفُ بطريقةٍ فريدة كيفية تشكيل "الرأي العام" (Public Opinion) والعوامل التي تؤثر فيه، وبالإمكان تطبيقها ليس على الحياة السياسية فحسب، بل على الاجتماعية بمعناها الأوسع. وأعتقدُ أنّ بالإمكان إيجاد علاقةٍ بين هذه النظرية وواقعنا اليوم، ولهذا السبب بالذات رغبتُ بالتطرّق لهذا الموضوع. لنرَ أولاً علامَ تقومُ هذه النظرية.
أثبتت نيومان في نظريتها أن هناك علاقة بين "الرأي العام" وبين الطبيعة الاجتماعية (وكذلك النفسية) للبشر من ناحية أهمية شعور الإنسان بالقبول من المحيط الذي يعيشُ فيه، وخوفه من العزلة الاجتماعية. يعملُ هذا الخوف على تغذية الضغط الذي يمارسه "الرأي العام السائد" على جميع الأفراد والذين يميلون بالتالي للتعبير بحريّة عن آرائهم الخاصّة فقط عندما يشعرون بأنها تتوافقُ مع آراء الأغلبية، وعلى العكس يحافظون على صمتهم المطبق عندما يشعرون بأنها تضادد آراء البقية. وهذا التناقضُ بين حرية التعبير والصمت، يصبحُ على شكل "لولب" تصبحُ فيه الأفكارُ الأقلّ تداولاً بين الأغلبية غيرَ معبرٍ عنها، بغضّ النظر عن قيمتها، وتتحولُ إلى صمتٍ يدورُ في لولب.
فالمصطلح الأساسي في هذه النظرية هو "الخوف من العزلة" (Fear of isolation) لأنّه القوة النابضة التي تحرّكُ لولبَ الصمت، كما تدفع الأفراد لمراقبة الأجواء المحيطة بهم، بانتباهٍ شديد وبصورةٍ مستمرة، لمعرفة كيف تفكرُ الأغلبية وإلى ماذا تميل في قراراتها وأي مواقف تتّخذ من أجل اتّباعها. علمًا أن رأي "الأغلبية" هذا، لا يعبّر بالضرورة عن رأي أغلبية الناس، ولكنه يصبح كذلك نتيجة خوف الأفراد من العزلة فيجعلون منه بالتالي رأيًا عامًا يتبعه الجميع (وفي هذه الحالة يمكنُ لفئةٍ محدودة أن تتسلّط على الرأي العام من خلال قيامها بتنمية هذا الخوف بمختلف الوسائل، وتشرحُ نيومان هنا دور وسائل الإعلام ومن يتحكّم بها، من وراء الأضواء، في هذا المجال). ومع هذا فإن الأفراد، بحسب نيومان، يعرفون جيدًا كيف يميزون بين الآراء الحقيقية وتلك السائدة نتيجة الخوف، ويحاولون أن يصيغوا آراءهم الخاصة على هذا الأساس، ولكنهم غير مستعدين للتعبير عنها لخوفهم من العزلة، وبالنتيجة، يلجأون إلى الصمت كأهون الشرّين.
هناك من أرادوا، بحسن نيةٍ أو بدونه، أن يحرّروا العراق من الخوف الذي كان يرتابه في زمن النظام السابق وأن يخرج من عزلته التي وُضِعَ فيها ومن انقياده القسري لفكرٍ واحد، وقد نجحوا في مهمتهم هذه. ومع هذا، فالعراق لم يتحرر بعد من خوفه، ولكنه يعاني اليوم من خوفٍ من نوعٍ آخر: إذ لا يوجدُ اليوم من بعد خوفٌ من عزلة نتيجة معارضة الرأي العام الذي كان سائدًا على الجميع بالقوّة، ولكن يوجدُ اليوم خوفٌ من عزلةٍ أخرى تمسّ الهويّة، إذا صحّ التعبير، لا بل انّه تحوّل إلى أزمة لابدّ من الخروج منها. إنها أزمة "فراغٍ" لم يُملأ بطرقٍ صحيحة، بل بأمورٍ بعيدة عن الخير العام، فأدّى بالنتيجة إلى معالجة الخوف من العزلة هذا بطرقٍ خاطئة لا زالت تهدد بعواقب سلبية على الجميع. إنها حقيقة يعلمها ويعيشها الجميع، عن قريبٍ أو بعيد، ولكنها بحاجة للتعمّق فيها ... !
وفي إشارة إلى مسيحيينا الذين يشكّلون مكوّنًا أساسيًا من هذا البلد، أودّ أن أشير أولاً إلى فقرتين من وثيقة العمل الخاصة بسينودس أساقفة الشرق الأوسط، والذي سيُعقَد في روما من 10-24 أكتوبر القادم، حول موضوع "الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط: شركة وشهادة". وهما يشيدان بدور المسيحيين في بلداننا الشرق أوسطية، ولكنهما يحذّران في الوقت ذاته، من خطر العزلة هذا، إذ تقول أولهما: "وحتّى اذا كان المسيحيّون أقلية ضعيفة في جميع بلاد الشرق الأوسط تقريبًا، إلا أنهم في كل مكان يعملون بحيويّة، ديناميكيون، ومُشرِقون، حيث يكون ذلك ممكنًا اجتماعيًا وسياسيًا. ويكمنُ الخطرُ في الإنطواء على الذات والخوف من الآخر. فيجب في الوقت نفسه تقوية إيمان وروحانية مؤمنينا، وتدعيم الرباط الاجتماعي والتضامن فيما بينهم، من دون أن نقع في حالة الخندقة" (فقرة 28).
وتضيفُ الفقرة الأخرى، وهي تشرح الواقع الحالي لبلداننا: "إزاء هذه الوقائع المختلفة (من الصراعات السياسية في بعض بلدان الشرق الأوسط)، يظلّ البعض راسخين في إيمانهم المسيحيّ والتزامهم في المجتمع، متقاسمين كافة التضحيات، ومساهمين في المشروع الاجتماعي المشترك. وبعكس ذلك، ييأس البعضُ الآخر، ويفقدون الثقة في مجتمعهم وفي قدرته على أن يوفّر لهم المساواة مع كلّ المواطنين. ولهذا يتخلّون عن كلّ التزام، وينسحبون إلى كنيستهم ومؤسساتها، ويعيشون في جزرٍ منعزلة، بدون تفاعلٍ مع الكيان الاجتماعي" (فقرة 35).
هاتان الفقرتان لا بل مضمون وثيقة العمل لهذا السينودس تدعو المسيحيين في بلادنا وفي الشرق الأوسط ككل، لاكتشاف هويتهم ورسالتهم فيه وتهدف لمساعدتهم على عيشها، هم الذين يعانون من خوفٍ من العزلة، حاولَ كثيرون منهم معالجته بالهجرة تاركين البلاد، وآخرون بطرقٍ أخرى ليست كفيلة. ويعودُ السببُ في ذلك إلى فقدانهم لمعنى وجودهم الأساسي والبحث عن طرقٍ أخرى علّها تساعدهم على إيجاده، إنهم بحاجة إلى من يسندهم ويكشف لهم عن أهمية وجودهم ومعناه، وبحاجة إلى من يجمعهم ويوحّدهم ويقوّي عزيمتهم وثباتهم ويكون معهم. وهذه الحقيقة تدعو كلّ من يهمهم الأمر للتفكير بجديّة في هذا الأمر واكتشاف الداء الحقيقي من أجل معالجته ومن أجل رفع مستوى بلدنا وشعبنا.

الأب ألبير هشام
26-9-2010   / روما

9
عيشُ حياةٍ أخرى وهمية في شبكة الانترنت

سأذكرُ في البداية حدثًا واقعيًا سيساعدُ على توضيح ما أبغي توصيلُهُ من خلال مقالتي هذه...
عام 1999، قامَ أحدُ روّاد شبكة الانترنت بتصميم موقعٍ فيها، يهدفُ إلى تقديم خدمةٍ جديدة لزائريه، وهي تقديمُ أراضٍ في عالمٍ وهمي – لا وجودَ له في الواقع سوى على شبكة الانترنت – وتشجيعُ كلّ من يقتني واحدةً منها على بناءِ منزله الخاص عليها، وتصميمه على مزاجه وذوقه، فيستمتع به ولكن، في شبكة الانترنت فقط! بعد مرور أربعة سنواتٍ فقط، أي عام 2003، تطوّرت فكرةُ هذا المشروع في موقعٍ آخر، يمكّن صاحبَه هذه المرة من أن يعيش "حياةً أخرى، ثانية"؛ إذ يسمحُ له باختيارِ شخصيةٍ أخرى "افتراضية" أو "وهمية"، وبأن يضعَ بنفسه ملامحَ هذه الشخصية، الجسدية منها: كلون الشعر والعينين، الطول والوزن... والنفسية: كالمزاج والحياة الاجتماعية... كما يمكنُ أن يعطي لنفسه إسمًا جديدًا، وأن يختارَ البلدَ الذي يعيشُ فيه، والعمل والدراسة التي يرغبُ فيهما، والأشخاص الذين تربطهم به علاقة حب أو صداقة... الخ. فهذه التقنيّة باختصار تعطي المرءَ حريّة وإمكانية عيش حياةٍ ثانية، عادةً ما تكون مختلفة عن تلك الواقعية، يبدأ بممارسة نشاطاتها وعيشها حصريًا على الانترنت، ولها من الخصائص الأخرى ما لا يمكن حصرُهُ هنا في أسطرَ قليلة.
نعلمُ أن الانترنت مبنيٌ في الأساس على مبدأ "الافتراضية" (Virtual) وهي مرحلةٌ من التطور وصلتْ إليها التقنيةُ الحديثة لإيصال المعلومات ونقلها، وهي تقنيةٌ رائعة جدًا يمكنُ الاستفادة منها اليوم لأغراض البحث والدراسة أو التسلية وتبادل المعلومات بكلّ سهولة وفي كلّ مكان، والتي توفّرها لنا اليوم شبكة الانترنت الضخمة في حجمها وتنوعها. حتّى أن الكنيسة في وثائقها تشجّعُ على استخدام هذه الشبكة ليس من أجل نقل بشرى الخلاص فحسب، بل من أجل استغلالها في جميع المجالات التي تعمل على نموّ الإنسان وتقدّمه... إلا أن هذا المثل المذكور أعلاه، يعكسُ لنا وجودَ خطرٍ كبير، يكمنُ في سوء فهم هذه الوسيلة الافتراضية، ويتمثّلُ بالعيش في هذه الافتراضية ذاتها، أي باستخدام الانترنت كوسيلةٍ للهروب من عالمنا، والدخول في عالمٍ آخر أهمُّ ما يميّزُه هو الوهمية وعدم الواقعية.
حتّى أهمُ مقومّات الإنسان وهي علاقاته الإنسانيّة مع إخوتِه البشر، يحاولُ البعضُ الهروبَ منها في الواقع ليلجأ لخلقِ علاقاتٍ جديدة محصورةٍ بشبكة الانترنت لا تمسّ أرضَ الواقع، تساعده في ذلك برامجُ "التواصل الاجتماعي" المتعددة على الشبكة. إذ يتمُّ استخدامها من قِبلِ البعض لعيش علاقاتٍ وهمية، غير حقيقية، مبنيةٍ على فراغٍ عاطفي وإنساني واجتماعي، بينما وُضعِت هذه البرامج في الأساس  لتحافظ على "تواصل" العلاقات التي بدأت وترعرعت في الواقع، وتعملُ على تعزيزها وتقويتها بالرغم من بعد المسافات بين البشر. فهي إذًا تقدّم خدمةً لا غنى عنها لكل مستخدميها اليوم، ولكن البعض أساء فهمها واستخدامها، وهنا يكمنُ الخطر.
يبقى السؤال الذي لابدّ ان يُطرَح: لماذا يهربُ المرءُ من العالم؟ يجدُ الكثيرونَ منّا رغبةً في ذلك، ربما بسبب أعباء الحياة الثقيلة ومشاكلها وتعقيداتها، أو لفشلٍ في عيشِ حياةٍ يحلمُ بها المرء في داخله ويتعثّر في تحقيقها في الواقع، ... وتتعددُ الأسباب لتبقى الرغبةُ واحدة: الهروبُ من هذا العالم والبحث عن عالمٍ آخر يضمن فيه الراحة والأمان والاستقرار، وذلك من خلال البحث عن وسائل معاصرة تساعدُ في هذا الهدف. وهنا تصبحُ شبكة الانترنت المكان الذي يستطيع المرءُ من خلاله تحقيق جميعَ احلامه غير المحققة في الواقع، سواء في الماضي أو في الحاضر، وسواء كانت هذه الاحلامُ شهرةً اجتماعية أو علاقاتٍ شخصيّة أو الحصولَ على منصبٍ ما... الخ. وأعتقدُ أننا كلنا معرّضين لهذه التجربة...!
من يقرأ قصة لقاء يسوع بنيقوديموس في إنجيل يوحنا (3: 1-13)، يجدُ ربّنا يتكلّمُ عن "ولادةٍ ثانية"، كما تترجمها بعضُ طبعات الإنجيل. ولكنه يجدُ ايضًا أن نيقوديموس لم يفهم هذه الولادة بمعناها الصحيح الذي أراده ربّنا، بل يفهمها بمعنى "بدءِ حياةٍ أخرى" إذ يتسائل قائلاً: "كيفَ يمكنُ للإنسانِ أن يولَدَ وهو شيخٌ كبير؟ أيستطيعُ أن يعودَ إلى بطنِ أمِّه ثانيةً ويولَد؟!". يُلتَمسُ من خلال هذا القول رغبة في البحث عن حياةٍ أخرى ثانية بعدما أثقلت الشيخوخة كاهل حياته الأولى، رغبةٌ دفعته ليتسلل ليلاً من دون أن يراه أحد، ليلتقي بيسوع المعلّم. ولكن يسوع الربّ يوجهه نحو حياةٍ "روحيّة" من شأنها أن تجدد حياته الأرضية "نفسها"، ولا يدعوه بتاتًا، مثلما لا يدعونا نحنُ أيضًا، إلى نبذ هذه الحياة وعيش حياةٍ أخرى مختلفة عنها. فالأبدية هي إكمالُ مسيرة الحياة التي بدأت في الأرض، وربّنا نفسه عاش حياتنا الأرضية هذه، تلك التي غالبًا ما نحاولُ التهرّب منها، وجرّب فيها أقسى ظروفها وحالاتها، وصليبه شاهدٌ على ذلك.
لابدّ إذًا من قراءةٍ مزدوجة: قراءةٌ معمقّة للـ"واقع" المعاصر الذي يحاولُ البعضُ التهرّبَ منه باستخدام وسائل عدّة كالانترنت، وقراءةُ معمقةٌ أيضًا للإنجيل واكتشاف "الحقيقة" من خلاله، لنصلَ بهاتين القراءتين إلى عيشِ "الحقيقة" في "الواقع"، وعدم البقاء أو العيش في "أوهام" لا جدوى منها سوى أنها تعبثُ بحياتنا وتوصلها إلى نهايةٍ مسدودة.
إيمانُنا يدعونا لنحبّ عالمنا هذا، لأن الله يحبّه لا بل ضحّى بذاته من أجله، فهو الذي خلقه ووضع فيه الحياة. أما العالمُ "الافتراضي" فلم يصنعهُ الإنسان ليعيشَ فيه ويجعل منه مسكنًا، بل ليستخدمه فقط للخير الخاص والعام. فمن الخطر الالتجاء إليه ظنًّا أنه يحققُ السعادةَ ويخلّصُ من هموم الحياة التي نشتكي منها دومًا، لأنه في الحقيقة يقودُ في النهاية إلى حياةٍ فارغة، لا معنى لها بتاتًا، لأنها بكلّ بساطة: "غيرُ واقعيّة". والواقعُ وحدُه هو الموجود، وهو ما يجبُ أن نعيشهُ ونقبله، ونقبل وجودَنا فيه لا بل أن رسالتنا هي أن نشارك مع ربّنا في بناء هذا الواقع إنسانيًا وروحيًا متخطّين جميع الصعوبات والنقوصات والاخفاقات التي غالبًا ما تطبعه.
الأب ألبير هشام
روما



10
روعةُ "رسالةِ كاهنٍ إلى جريدة نيو يورك تايمز"

على أثرِ أحداث التحرشات الجنسية بالأطفال من قبل بعض رجال الدين والتي سمعنا وقرأنا عنها في وسائل الاعلام، قابلت جريدة نيو يورك تايمز الامريكية بنوعٍ خاص هذه الأحداث بنوعٍ من التهجّم على الكنيسة الكاثوليكية خلال الفترة القليلة الماضية. ردًا على ذلك، كتبَ أبٌ من الرهبنة السالزيانية من بلادِ أنغولا الافريقية، رسالةً إلى هذه الجريدة، فيها يعرّف عن نفسه وعن رسالته الكهنوتية، ويعرضُ جانبًا من حياة الكاهن اليومية وذلك عن طريق ما يرويه من خبراته الشخصيّة وخبرات غيره من أخوته الكهنة في بلاده، والتي قد تكون مخفيةً، بل بالأحرى تلك التي يخفيها الاعلام في كثيرٍ من الأحيان، ليبحث فقط عن الفضائح ونقاط الضعف مهاجمًا من خلالها الكنيسة. بينما توجدُ جوانبٌ في حياة كاهن اليوم، والتي يفصّلها كاهننا السالزياني في رسالته، تستحقُ كلّ الاهتمام وأن تُؤخَذَ بنظرِ الاعتبار لتكون عبرةً روحيّة للجميع.
إنّ ما يتكلّم عنه هذا الأب هنا، ليس هو مجرّد "ردّة فعل" على ما كتبته الصحافة العالمية، وجريدة نيو يورك تايمز على وجه الخصوص، حول أحداث التحرشات الجنسية بالأطفال من قبل بعضِ الكهنة، ولا هي أيضًا دفاعٌ متعصّب عن هؤلاء الكهنة المتورطين بهذه التحرشات (يظهرُ بالعكس تمامًا لأنه يدينهم في مستهلّ رسالته)، وإنمّا يقدّم في العمق صورةً عن الكاهن، لا توجدُ في بلاده فحسب، بل يستطيعُ المرء أن يجدها ويكتشفها ببعض الإرادة والنيّة الصالحة في كل مكانٍ من عالمنا اليوم، صورةً تستحقُ الاحترام فعلاً.
إنها درسٌ أيضًا لكل وسائل الإعلام اليوم بكلّ أنواعها، ولكلّ من يعمل أو يساهم فيها بمشاركةٍ أو رأي، في كيفية استخدام الاعلام بنزاهةٍ وموضوعيّة، وفي كيفية استخدام قلم الكتابة لأهدافٍ تبني الآخرين وتساعدهم، وليس لهدفِ تدميرهم وتهميشهم...!
لروعةِ وواقعية وموضوعية وقوّة هذه الرسالة، أودّ أن أنقل لجميع قرّاء موقع عينكاوة الأعزّاء نصّها نقلاً عن موقع Lex moris  الالكتروني (المشار إليه في الرابط أدناه)، وقد ترجمها إلى العربية الأب بيار نجم، وتناقلتها بعض المواقع الالكترونيّة الآخرى. وأتركُ للقرّاء الكرام أن يستلهموا من هذه الرسالة "روحها"، طالبًا إليهم أن لا يبقوا عند قشورها، أو على مستوى الأحداث التي دعت لكتابتها، بل أن يعتبروها بالأحرى كفرصةٍ دفعت هذا الكاهن أن يكتبَ رسالته الرائعة هذه عن الكاهن اليوم. مع الشكر.

نصّ الرسالة:
أخي الصحافي، أختي الصحافّية

أنا كاهن كاثوليكيّ بسيط، وأنا سعيد وفخور بدعوتي. أحيا كمرسل في أنغولا منذ عشرين عاماً.
يؤلمني جدّاً هذا الشر الكبير، أن يكون الأشخاص الّمدعوّوين لأن يكونوا علامة حبّ الله، قد أضحوا خنجراً في حياة الأبرياء. لا توجد كلمات يمكنها أن تبرّر أعمالاً كهذه. وممّا لا شكّ فيه أن لا يمكن للكنيسة إلاً أن تكون الى جانب الضعفاء، وغير المحميّين. وبالتالي فإن كافة التدابير التي يمكن اتّخاذها في سبيل حماية كرامة الأطفال وصونها تبقى دوماً أولويّة مطلقة.

أشاهد في الكثير من وسائل الإعلام، وبنوع أخصّ في جريدتكم، توسّعاً مَرَضّياً لهذا الموضوع، باحثين بالتفاصيل في حياة بعض كهنة إعتدوا على أطفال. وهكذا ظهر واحد في مدينة من مدن الولايات المتّحدة، في سبعينيّات القرن الماضي، وآخر في إستراليا في الثمانينيّات، وهكذا دواليك حتى حالات أكثر حداثة... لا شكّ أنّها كلّها حالات مدانة. لا شكّ أنّنا نجد تحقيقات صحافيّة موضوعيّة ومعتدلة، وأخرى مبالغة، مملوءة أحكاماً مسبقة، وحتّى حقداً.

عجيبة ضآلة الإعلام، وعدم الإهتمام بأخبار الآلاف والآلاف من الكهنة الّذين يبذلون ذاتهم في سبيل الأطفال والمراهقين، والفقراء في أربعة جهات العالم! أفترض إن لا يهم وسيلتكم الإعلاميّة حقيقة أنّني كنت أنقل شخصيّاً، عام ٢٠٠٢، وعبر طرقات مزروعة بالألغام العديد من الأطفال يعانون من سوء التغذية من كانجومبي لغاية لوينا في أنغولا، لأن الحكومة لم يكن الأمر يعنيها، والمنظمّات غير الحكومية لم تكن تملك الأذن بالتحرّك. لا يعنيكم أيضاً أنّ وجب عليّ إن أدفن العشرات من الأطفال الموتى من بين النازحين بسبب الحرب، ومن بين أولئك العائدين. لا يعنيكم أنّنا أنقذنا حياة الآلاف من الأشخاص في موكيكو من خلال المركز الطبّي الوحيد في مساحة ٩٠،٠٠٠ كلم مربّع، وعبر توزيع الغذاء والحبوب. لا يعنيكم أنّنا أفسحنا إمكانيّة التعليم لأكثر من ١١٠،٠٠٠ طفل في غضون السنوات العشرة هذه... هو ليس أمر مثير للإهتمام أن قد كان علينا، بمعيّة كهنة آخرين، أن نعين حوالي ١٥،٠٠٠ شخص خلال الأزمة الإنسانيّة في مخيّمات المقاتلين، بعد استسلامهم، لأنّ المواد الغذائيّة من قبل الحكومة ومن قبل المنظّمات غير الحكوميّة لم تكن تصل. هو ليس خبر مثير للإهتمام أن كاهناً في الخامسة والسبعين من العمر، الإب روبرتو، كان يجوب شوارع لواندا ليعتني بأطفال الشوارع، يحملهم الى بيت ضيافة، لكيما يعالج إدمانهم على الكاز، أو أنّهم أزالوا الأمّية بين آلاف المساجين. وأن كهنة آخرين، مثل الأب استيفانو، يديرون بيوتاً تأوي الأطفال المعنّفين، المساءة معاملتهم حتى الإغتصاب، والّذين يفتّشون عن مأوى. ولا يعنيكم أيضاً الأخ ماياتو، أبن الثمانين عاماً، يدور من بيت الى بيت، يعزّي المرضى والفاقدي الرجاء. هو ليس خبر يستحقّ النشر أن ٦٠،٠٠٠ ألفاً من بين ال ٤٠٠،٠٠٠ كاهن ومكرّس، قد تركوا أرضهم وعائلتهم ليخدموا إخوتهم في مشفى للبرص، في عيادات، في مخيّمات لاجئين، في مياتم تأوي أطفالاً أبناء أشخاص متّهمين بالشعوذة، أو أبناء أهل قضوا بسبب السيدا، وفي مدارس مفتوحة لأفقر الفقراء، في مراكز نتشئة مهنيّة، في مراكز عناية بأشخاص إيجابيّي المصل... ولكن بنوع أخصّ في رعايا وإرساليّات، يحفّزون الشعب على الحياة وعلى المحبّة.

هو ليس خبر مثير للإهتمام، أن الإب ماركوس أوريليو، لكيما ينقذ مجموعة شبّان خلال حرب أنغولا، نقلهم من كالولو الى دوندو، وفي طريق العودة الى مركز إرساليّته، تمّ إطلاق النار عليه في الطريق؛ وأنّ الأخ فرنسيسكو ومعه خمسة سيّدات تعلّمن التعليم المسيحيّ، قضوا جميعاً في حادث سير فيما هم ذاهبون لمساعدة الناس في الأماكن النائية؛ وأنّ عشرات المرسلين في أنغولا قد ماتوا بسبب نقص الإسعاف الصحّي، بسبب مجرّد ملاريا؛ وأنّ آخرين قد تطايروا في الهواء بسبب لغم أرضيّ بينما هم ذاهبون لافتقاد ناسهم. في مدافن كالولو موجودة قبور أوّل كهنة وصلوا الى المنطقة، ولا واحد منهم تخطّى سنّ الأربعين.
هو ليس خبر مثير أن ترافقوا كاهن "عاديّ" في حياة كلّ يوم، في مصاعبه وأفراحه، يبذل حياته في سبيل الجماعة التي يخدمها.
ولكن الحقيقة هي أنّه لا يهمّنا أن نصبح خبراً، ما يهمّنا فقط هو أن نحمل الخبر السّار، هذه البشرى التي بدأت ليلة الفصح دون ضجيج. فشجرة تسقط تخلق ضجيجاً أكبر من غابة تنمو.

لا أبتغي الدفاع عن الكنيسة وعن الكهنة. الكاهن ليس بطلاً ولا هو مريض نفسيّ. هو رجل عاديّ، بإنسانيّته يفتّش عن اتّباع يسوع وعن خدمة أخوته. فيه مآس وفقر وضعف كما في كلّ كائن بشريّ، وفيه أيضاً جمال وطيبة كما في كلّ خلائق الله...
إن الإصرار بطريقة مهووسة ومضطَِهدة على موضوع، وفقدان الصورة الشاملة، يخلق صورة هزليّة ومهينة للكاهن الكاثوليكيّ، صورة أشعر عبرها بأنّني مهان.

أسألك فقط، صديقي الصحافيّ، أن فتّش عن الحقّ، وعن الجودة وعن الجمال. فهذا يجعلك نبيلاً في مهنتك.

بالمسيح،
الأب مارتين لازارتي الساليسياني
أنغولا- أفريقيا

الأب ألبير هشام
روما
مصدر الرسالة:
http://www.lexamoris.com/historia/epistulaadnewyorktimes.html


11
المعنى واللامعنى
إعداد: الأب ألبير هشام

قلنا في مراتٍ عديدة أننا لابد أن نبحث عن معنى كل شيء نفعله، وإلا وقعنا في فخ سطحية الحياة وهي أكبر مرض يصيب الإنسان في حياته. ولكن البحث عن المعنى ليس سهلاً دائماً، فليس هو دائماً نتيجة تحليل عقلاني نجريه على الأشياء كأن يكون تحليلاً علمياً أو عن طريق معرفة سبب وجودها... وإنما هو شعور يعطيه الإنسان للأشياء وللأحداث، أو يكتسبه الإنسان منها. إنه شعور إذاً أكثر من أي شيء آخر.
حتى بالنسبة للأوضاع بصورةٍ عامة، قد تمرّ بأزمات قوية، ولكن لا تعني الأزمات دوماً أمراً سلبياً وإنما قد يكون فيها فائدة لأنها ربما تنتج عن النمو. كان بيغي يميز، سواء في حياتنا الفردية أم في تاريخ الحضارات، بين الحِقَب والعصور. فالحقبة زمن لا يجري فيه أي شيء يذكر، إذ ان الافراد والجماعات تعيش على اندفاعها، فلا تُدعى إلى قرارات مهمة. أما العصر فهو زمن يجري فيه شيء يُذكر،  يتحرك فيه الإنسان ليخرج نفسه من الركود والروتين. بالنتيجة ليس النيام من يدخلون ملكوت الله. لذلك علينا أن نتخذ قرارات مهمة ولا يجوز لنا أن نتهرب منها. فقيمتنا بقيمة قراراتنا. والإنسان يُعرَف شخصياً بقوة قراراته...
فاليوم هناك أزمة بحث عن المعنى كما يقول أحدهم: "صحيح ان الناس يحتاجون إلى العدل والمحبة، ولكن قد يكونون أشد حاجةً إلى المعنى". فهناك أمور كثيرة لها معنى، والحمد لله! فالصداقة لها معنى، والحب له معنى، والثقافة لها معنى... المعنى موجود في كل مكان. ولكن هناك لا معنى. فأمام أنواع الموت الرهيبة التي نشهدها (الانفجارات، الكوارث الطبيعية، القتل...)، أين المعنى؟ وقد تأتي أيام ينسحب من حياتنا كل معنى وكأن كل شيء كان له معنى في حياتنا أصبح اليوم بلا معنى! (وقد تقود البعض إلى الانتحار أو إنهاء حياته بطرق أخرى). وفي هذه الحالات وغيرها يُطرح علينا السؤال: ما الذي سيتغلب في نهاية الأمر: المعنى أم اللامعنى؟ هل اللامعنى هو الذي سيكون المنتصر؟ يمكن ألا ننتبه إلى هذا الأمر، فنحن محاطون بأناس غائصين بمعاني الوجود الجزئية، من حب وصداقة وثقافة، إنهم يلهون ويعيشون عيشة سطحية. يمكن ألا ننتبه إلى السؤال الأساسي، لكن لابدّ أن يُطرح علينا حالما ننتبه.
يظهر الإيمان المسيحي بمظهر جواب على ذلك السؤال الذي يحدد هويتنا البشرية. فالمسيحي هو المؤمن بالجواب الذي يأتي به الله في يسوع المسيح على ذلك السؤال البشري. والإيمان المسيحي يجعل منا خصوم اللامعقول أو اللامعنى وأنبياء المعنى، أو شهود المعنى. المسيحي هو القادر على اضفاء معنى ثانٍ، أعمق بكثير، على ما كان له معنى كالصداقة والحب والثقافة، والقادر على إضفاء معنى على لا معنى له. أليست عظمة حريتنا في أن المعنى لا يكمن في الأشياء، بل في أنه علينا نحن أن نُضفي معنى على ما لا معنى له.
وأريد هنا، على سبيل تكملة الموضوع، أن أظهر الفرق القائم بين اللامبالاة والشك. فهناك من يشك بصدق، يبحث، فهو لا يرفض المسيح، بل يتردد لأنه لا يعلم. أما اللاأبالي، فهو الذي لا يريد أن يعلم أين هو المعنى، بل يلهى للتهرب من طرح السؤال في معنى الحياة، ولخنق صوت الضمير الذي لا يسعه إلا أن يسمعه، مهما خفّ انتباهه. لا ندِن أحداً، لأننا لا نعلم هل هناك لا مبالٍ في الحقيقة وعلى وجه تام، فإن وُجِد فهو لا إنساني أو فاقد الإنسانية. كل فعل بشري، بما في ذلك وبوجه خاص فعل الإيمان، لا يكون بشرياً، ما لم يكن له مبرر. وليس صاحب الشك الصادق ذاك الشكاك الذي يجعل من الحذر مبدأ، فهذا التصرف مرض من أمراض العقل. وليس هو ذلك الإنسان الذي يخاف الالتزام والذي يلجأ، بسبب هذا الخوف، إلى الشك النظري، فهذا التصرف مرض من أمراض الإرادة. فهل أنت تشك لأنك تخاف الالتزام؟ الإيمان هو التزام، لا رأي فقط. فلا يؤمن الإنسان بوجود الله، كما يعتقد أو لا يعتقد بوجود صحون طائرة. إن كان الله موجوداً، كان أمراً أساسياً أن يلتزم الإنسان نحوه، وأن يلتزم من صميم كيانه.
من الواضح جداً أن هناك كثيراً من مرضى العقل وكثيراً من مرضى الإرادة. والمرض الكبير أن لا ينتبه الإنسان، أن يدعْ السؤال الأساسي عن الوجود ومعناه الأخير يخرج من ذاته، أو بعبارة أخرى، أن لا يسعى لاستخلاص جوهر الإيمان.
ولا توضع جميع الأشياء على مستوى واحد. فهناك الجوهري والأقل جوهراً، ما هو مرتبط بالجوهري ارتباطاً مباشراً إلى حدٍ بعيد أو قريب. ولذلك علينا اليوم أن نرتب جدول اهتماماتنا ونعطي الأولوية لأمور جوهرية في الحياة وهكذا نرتب بقية الأمور بحسب معناها بالنسبة إلينا.
نستطيع أن نعطي معنى لكل شيء وحدث في حياتنا بالحب. فقط عندما نحب شيئاً ما فإننا نعطيه معنىً. حتى لو كان هذا الشيء بسيطاً جداً "... كأس ماء بارد ... الحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره" أي انه ذات معنى. وكما تقول الأم تريزا أم الفقراء: قوموا بأصغر الأشياء بمحبة. فأحياناً، على صعيد مسيحيتنا، قد نستغرق أحياناً في أمورٍ كبيرة... وننسى أن مسيحيتنا تكمن في أصغر الأمور والتي ربما لا ننتبه إليها. فهل سنعطي معنى لكل شيء في حياتنا؟!

12
قيامةُ يسوع وخوفُنا
الأب ألبير هشام

 وما أصعب فهمَ القيامة في أبعادها العميقة والكثيرة، ومع ذلك وعلى الرغم من صعوبة فهمنا، فنحنُ واثقون في شخص المسيح القائم الذي دخل حياتنا بكل أبعادها وأعطاها روحاً جديدة. وسنحاول اليوم أن نتأمل في إحدى أبعاد حياتنا التي هي بأمسّ الحاجة لأن يدخلها يسوع القائم ويقيمها معه وهي الخوف الذي غالباً ما يقيد حياتَنا ويسيطر عليها. علماً بأن الخوف هو شعور طبيعي في الإنسان، وأنّ يسوع لم يأتِ ليلغي ما هو طبيعي فينا، ولكن ليمنحه بعداً جديداً فيخلّص الإنسان من سلبياته ويحولّها إلى إيجابيّة، وهذا كلّه يتم بمساعدة الإنسان نفسه وبإرادته، ومن خلال تسليم حياته للرب.
ولنبدأ أولاً بالسؤال: ممّا يخاف الإنسان اليوم؟ وأولُ جوابٍ يتوارد على بالنا هو أن الإنسان، وخاصةً في بلدنا هذا، يخاف أن يفقد حياته أو حياة الناس المقربين إليه، وذلك من جراء الظروف الأمنيّة السيئة وتوابعها العديدة التي لم يسلم منها بيتٌ أو عائلة تقريباً، بحيث أصبح هذا الخوف هاجساً يلاحقنا ويُقلق راحتنا كلّ يوم. ولكن الإنسان يخافُ اليوم من أمورٍ أخرى عديدة لا تقل أهميةً عن هذا الخوف. إنه يخاف على نفسه من الناس الآخرين. إنه يخاف أن يسلبَه الآخرون من القيمة أو الصورة التي وضعها لنفسه ومن كبريائه. ونتيجةً لذلك، أصبحت علاقاته مع الآخرين مبنيّة على هذا الخوف، وهذا أمرٌ مؤسف حقاً، لأن الإنسان يحاولُ بذلك أن يبني حواجز بينه وبين الآخرين (قد تكون حواجز دينيّة أو طائفيّة أو قوميّة أو...) وذلك ليخلّص بها حياتَهُ. ولكنه بهذه الطريقة سيخسرها لأن يسوع يقول: "الذي يريدُ أن يخلّصَ حياتَهُ يخسرُها، ولكن الذي يخسَرُ حياتَهُ في سبيلي يجدُها" (متى 16: 25). وربما يرجع سبب كآبتنا، إذا صحّ التعبير، وسبب ضعف جماعتنا إلى تفكير كل واحدٍ منّا بخلاص نفسه وخوفه عليها فقط، دون أن يتضامن مع أخوته البشر.
كما أن الإنسان أيضاً يخاف من الله، وهذا الخوف لا ينفصل حتماً عن خوفه من الآخرين، فيؤثر فيه ويتأثر به في آنٍ واحد. وهذا الخوف من الله ينتج من الصوَر الخاطئة التي يأخذها الإنسان عنه، فيتصوره مثلاً إلهاً قاسياً مراقباً له في كل حينٍ ليعاقبه على هفواته وخطاياه. كما يعتقد أن الله يريد أن يستعبدَه بوصاياه وأوامره، فيخاف بالتالي أن يُدخله إلى حياته، في حين أن الله يريد من خلال كل شيء أن ينمّي حياة الإنسان ويعمل على اكتماله الإنساني، كما يقول مار بولس: "لأنّ الروحَ الذي نلتموه لا يستعبدُكم ويردُكم إلى الخوف، بل يجعلكم أبناء الله وبه نصرخ إلى الله: «أيها الآب أبانا»" (روما 8: 15). ولكن هناك خوفٌ إيجابي من الله، وربما يصحّ أن نسميه "مخافة"، وهو ينتج عن مواقف معينة يكتشف الإنسان حضورَ الله فيها يرافقها شعورٌ بالرهبة. فمثلاً عندما شفى يسوع الرجلَ الكسيح أمام الجميع، يقول الإنجيل: "استولتْ الحيرةُ عليهم كلِّهم، فمجّدوا اللهَ. وملأهم الخوف، فقالوا: «اليومَ رأينا عجائبَ!»" (لوقا 5: 26). ولما ظهر الملاك لمريم المجدلية ومريم الأخرى، عندما كانتا في قبر يسوع، وأعلن لهما أن يسوع ليس ههنا بل قامَ، يقول الإنجيلي متّى، "تركتْ المرأتان القبرَ مسرعَتين وهما في خوفٍ وفرحٍ عظيمين، وذهبتا تحملان الخبر إلى التلاميذ" (متى 28: 8). أخيراً، فإن الإنسان يخاف من المستقبل المجهول ومن كل ما يخفيه من أحداث، مما يجعل التفكير به مؤذياً للإنسان إلى أبعد الحدود. وكل خوف سلبي مهما كان نوعُه يجعلنا نتخاذل ونتراجع عن اتخاذ قراراتٍ مهمة في حياتنا، فنصير ضعفاء لا نستطيع تحمّل مسؤوليات حياتنا أو علاقتنا مع الآخرين فيصبح الفشل حليفُنا.
ولكن يسوع الذي انتصر على الموت وغلب العالم بقيامته هو يخلّصنا اليوم من كلّ خوفٍ سلبي يشلّ حياتنا. ففي وسط ظروفنا السيئة، يكرر علينا قولَهٌ: "لا تخافوا الذينَ يقتلونَ الجسدَ ولا يقدرون أن يقتلوا النفسَ، بل خافوا الذي يقدرُ أن يهلكَ الجسدَ والنفسَ معاً في جهنّم" (متى 10: 28). وهذا لا يعني أن نخاف من الله، بل أن نضعه كأساس لحياتنا، لجسدنا ونفسنا معاً!. كما أن الرسالة إلى العبرانيين تقول: "فيمكننا أن نقول واثقين: «الرب عوني فلا أخاف، وماذا يمكن للإنسان أن يصنع بي؟»" (13: 6). وهذه الثقة بالله تأتي من تصحيح نظرتنا إلى الله وبالتالي إلى الناس الآخرين وإلى الحياة بأكملها، من إله مستعبِد ومعاقِب إلى إلهٍ كلُّه محبة، هذه المحبة التي هي القوة الوحيدة التي تستطيع أن تنزع كل خوف منّا تجاه الآخرين وتجاه الله. هذه المحبة هي التي قامت اليوم في المسيح لتبقى إلى الأبد، فالذي يحب لا يخاف لأنه سيكون مستعداً بأن يضحي بنفسه في سبيل من يُحِب. فلا يخاف على نفسه لأنه أسلم حياته في يد من أحبّه، أي الله خالقه والإنسان أخيه. فلنثقْ إذاً مع ذلك الذي قال: "لا تخافوا" وهو يعطينا في يوم قيامته هذا نعمةَ أن نحيا بلا أي خوف. آمين. [/size]

13
ماذا يريد الله منا؟ (2)
الأب ألبير هشام

"ماذا يريد الله منّا؟". إن أهمّ ما يريده اللهُ منّا هو أن نتبعه ونعرف ما يريدُهُ منّا بكل حريتنا من دون أية ضغوطٍ خارجية تدفعنا لذلك، ومن دون أية قيود حتى لو كانت دينية، لأن الحرية ضرورية لبناء علاقة صحيحة. والله نفسَهُ لا يجبر أحداً أبداً على اتّباعه، ولا يفرض على أحدٍ ما يريدهُ هو، لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل، بل يريد أن يختار ويقرر الإنسان إتّباعَه بكل حريته، وبالتالي يكون قرارُه هذا ناضجاً وواعياً وسيؤدي الهدف المرسوم له وهو خير الإنسان الحقيقي. وهذا ما وضّحه يسوع في مثل الابنين الذي قاله للجموع، إذ طلبَ أبٌ من ابنَيه أن يذهبا ليعملا في الكرم، فأجابه الأول: لا أُريد، ولكنه ندِمَ بعد حينٍ وذهب إلى الكَرم. أما الثاني فأجابه: أنا ذاهبٌ يا سيدي! ولكنه لم يذهب. فسألَ يسوع الجموع: أيّهما عمَلَ إرادةَ أبيه؟! قالوا: الأول (راجع متى 21: 28-31). فالله يفضّل الإنسان الشجاع المدرك لحقيقة اختياره، حتى لو كان رفضاً له، على ذاك الذي يقبل أن يتبعه ويُبدي استعداداً لذلك ولكن من دون فهم معنى إتّباعه هذا... وإذا قرر أيٌ منّا وأختار بحريته أن يتبع الله ويعرف ما يريدُهُ منه، فسيدرك أولاً أن الله يريده قبل كل شيء أن يكون إنساناً. وليس غريباً أبداً أن يريد الله ذلك، لأن الإنسان غالباً ما ينسى أنه خُلِقَ ليكون إنساناً، فلا يجوز أن يحطّ من قيمة نفسه ليكون مجرّد كائن يشبع غرائزه فقط، ولا أن يسمو بنفسه ليعتبر نفسه ملاكاً أو كائناً خارق الطبيعة. فكم من الصعب على المرء أن يصير "إنساناً" بكل معنى الكلمة، وكم يحتاج عالمُنا اليوم إلى إنسانيّة حقيقية، ولن يستطيع الإنسان تحقيقها إلاّ من خلال علاقته بخالقه.
وما يُطلَب من "الإنسان" أولاً هو أن يلتزم جانب الحقيقة والصدق في كل جوانب حياته، ولا أقصد بذلك أن يكون صادقاً في الكلام وفي "قول" الحقيقة فقط، فهذا نوعٌ من الصدق ينتج من الصدق الرئيسي الذي نقصده والذي فيه يقف الإنسان أمام نفسه بشجاعة ويعرف نفسه جيداً، مقرّاً بنواحي ضعفه وقوته بدون خوف ويفرح بما هو عليه. يُتوقع منه استعداداً دوماً لتغيير عقليته وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة، فلا يعتبر نفسَه مركزَ العالم، بل يجعل حياته ملتزمة بالحقيقة، ويحدد الهدف الذي من أجله يعيش وسيعيش حتى آخر لحظة. وهذا يتطلب منه أن يترك كثيراً من الأمور من حوله، وينسى حتى ماضيه مهما كان هذا الماضي، لأن الشيء الوحيد الذي يهمّ الله هو المستقبل الأفضل الذي يعد به الإنسان ويعرضه عليه والذي يجب على الإنسان أن يتّجه إليه وبقرار لا رجوع عنه. يقول يسوع: "ما مِنْ أحدٍ يضعُ يدَهُ على المحراث، ويلتفتُ إلى الوراء، يصلحُ لملكوتِ الله" (لوقا 9: 62).
ذلك هو التغيير، بأن يبقى الإنسان دوماً في ثقة ثابتة وغير متزعزعة بالله وبكلمته. فالله لا يريد من الإنسان بالدرجة الأولى أن يكون بطلاً عظيماً أو ناجحاً، ولكن أن يعيش حياته بثقة وببساطة وهدوء وإيجابية، مستغلاً كل إمكانياته بفرح وتواضع. ويعمل لا سعياً وراء الثواب ولا هرباً من العقاب، بل بوعيٍ لمسؤوليته، كما يقول يسوع: "إذا فعلتُم كلَّ ما أُمِرتُم به فقولوا: نحنُ خدمٌ بُسطاء، وما فعَلنا إلا ما كانَ يجبُ علينا أنْ نفعل" (لوقا 17: 10)، واثقاً بأنه يسير في الطريق الصحيح، لأنه يحقق هدفاً رائعاً يخدم كل الناس وسيُذكَر به، كما يقولُ المزمّر: "ذكرُ الصدّيق يدومُ إلى الأبد" (112: 6).
ولكن كل ما يريدُه الله بخصوص حياة الإنسان، لا يمكن أن يُعاش بتاتاً بدون الناس الآخرين القريبين. وقد لخّص يسوع كل الوصايا إلى وصيتي محبة الله والقريب لتصير المحبة مقياساً لكل الحياة. فمحبة الله تعلّم الإنسان أن لا يعيش من أجل نفسه، بل من أجل هدفٍ وهو العمل بكل قوة وشجاعة من أجل خير القريب الذي هو كل إنسانٍ يحتاج إليّ في الوقت الحاضر، وبغضّ النظر عن انتمائه الديني أو الطائفي أو القومي أو السياسي... لأن الله يُطلع شمسه ويُنزل مطره على الأبرار والأشرار. وهكذا فبالمحبة يظهر ما يريده الله حقاً. وبالمحبة نكون جميعنا أخوة وأخوات لهذا الأب المحب الواحد. وهذا يتطلب إزالة كل حقدٍ من القلب تجاه الآخرين ومغفرة ما أساؤا به ومحبتهم والتعاون معهم من أجل بناء عالمٍ أفضل. ولا يستطيع الإنسان أن يكون في آن واحد مع الله وعلى الإنسان، ولا يستطيع أن يطمح إلى التقوى وأن يكون لا إنسانياً.
في النهاية نعيد السؤال: "ماذا يريد الله منّا؟" من كل ما قلناه حتى الآن يُستنتج بوضوح أن الله لا يريد شيئاً لنفسه أو لمصلحته، وأنه لا يحاول أن يزيد مجده. إن الله لا يعتبر إلا منفعة الإنسان وعظمته الحقيقية وكرامته الفائقة. فمشيئة الله هي خير الإنسان أي خلاصه. بالتالي لا يُنظر إلى الله بمعزل عن الإنسان، ولا إلى الإنسان بمعزل عن الله. وبالتالي فمن يفقد الله يفقد نفسه، ومن ابتعد عن الله ابتعد عن عمق نفسه. إن الله أبا ربّنا يسوع المسيح، ليس فكرةً نعرف عنها بعضَ الأمور، ولا ديناً أو مذهباً نعتنقه، بل هو حياة نعيشها بملئها، وهذه الحياة أتى بها لنا يسوع بموته على الصليب، أي بحفاظه عليها والدفاع عنها حتى الموت. فمنه نطلب اليوم أن يمنحنا هذه الحياة لنعيش بها ونولَد من جديد لحياةٍ جديدة. آمين.

14
ماذا يريدُ اللهُ منّا؟ (1)
الأب ألبير هشام

 نُحيي نحن المسيحيون كل سنة ذكرى موت سيدنا يسوع المسيح على الصليب. ولكن فلنتساءل بكل صدق: ماذا يعني لنا موتُ المسيح؟ وهل أثّرَ أو يؤثرُ في حياتنا؟ أم إنه يثير عاطفتنا ومشاعرنا فقط، وخاصةً عندما نتخيّل العذابات والآلام القاسية التي لاقاها يسوع على طريق الجلجلة في مثل هذا اليوم؟! أو عندما نتذكّر من خلالها عذاباتِنا وآلامَنا الخاصة لنبكي ونحزن عليها؟!... إن موتَ المسيح يحملُ معنىً يتجاوزُ كل هذه الأحاسيس والعواطف ليدخل عمقَ حياتِنا، فموتُهُ متعلقٌ بحياته التي عاشها على الأرض بكل تفاصيلها، من كلامه وأفعاله، أمثاله ومعجزاته، مشاعره وأحاسيسه، والتي أراد من خلالها جميعها أن يحقق الرسالة التي جاء من أجلها، وظلّ يدافع عنها حتى أنه ضحّى بنفسه في سبيلها، ليبيّن أن رسالةَ كلِّ إنسانٍ في الحياة أو هدف حياته أو السبب الذي من أجله عاش هو أقوى من الموت، لا بل أن الموت يكلل رسالة وهدف وسبب حياته التي عاشها ويوثّقها إلى الأبد لتبقى حيةً دوماً في نفوس كلّ من عرفها وسيعرفها. وهذه هي القيامة، والتي جعلت من المسيح صاحب رسالةٍ عظيمة لا زالت حيةً في نفوس كثيرين بعد أكثر من ألفي سنةٍ من مجيئه.
ولذلك أُريد اليوم أن نتأمل سويةً في مضمون رسالة يسوع هذه، وذلك من خلال الإجابة على السؤال التالي: "ماذا يريد الله منّا؟". لأن يسوع بيّن لنا من خلال رسالته ماذا يريد الله من علاقته بالإنسان، وبالتالي لماذا يؤمن الإنسان بالله ويرتبط بعلاقة معه. ونحنُ اليوم بأمسّ الحاجة لأن نعرف ونعيش أيضاً ما يريده الله الذي نؤمن به منّا...! 
ففي أغلب الأحيان، وخاصةً عندما نصلّي إلى الله، فإننا نحاول أن نجمع طلباتنا لنرفعها إليه فقط، وكأنّه مجرّد منفّذ لطلباتنا وخاصةً تلك التي لا نستطيع القيام بها وكأنّ علاقتَنا به مقتصرةٌ على ذلك. في حين أن كل لقاء بالله، سواء من خلال الصلاة أو من خلال أحداث الحياة اليومية، يجب أن يحملنا على التأمل بما يريده هو منّا، وهذا أهم بكثير مما نريده نحن منه، لأننا عالمون ومؤمنون بأن اللهَ، كما يقول مار بولس في رسالته إلى أهل روما، "يعمَلُ سويةً مع الذينَ يحبّونه لخيرِهم في كلِّ شيءٍ..." (8: 28). فالله يريد خيرنا الحقيقي ولا شيء آخر سواه، ولذلك نؤمن نحنُ به ونتكل عليه في حياتنا. ففي وسط ظروفٍ تزداد صعوبةً وتعقيداً لا بل عنفاً وإرهاباً، ليس في بلدنا هذا فحسب وإنما في بقاعٍ كثيرة من العالم، ووسط زحمة التيارات الفكريّة والسياسيّة المتضاربة أحياناً وغيرها التي دخلت مجتمعنا وعالمنا، ووسط مجموعةٍ لا تُعد ولا تُحصى من الأمور التي حوّط بها العالمُ الإنسانَ... كل هذه الأمور وغيرها ألهته فأنستْهُ في الكثير من الأحيان البحث عن معنى وجوده وهدف حياته الذي من أجله يعيش (وكثيرةٌ هي هذه الأمور حتى صار بعضها مثل ادمانات لا يستطيع الإنسان العيش بدونها). ولكننا نستطيع من اليوم أن نضع ثقتنا في الله أبي ربّنا يسوع المسيح، ومن خلال معرفة وعيش ما يريده منّا، سنكتشف أنه هو خيرنا الحقيقي...!
أخوتي إخواتي، نحنُ اليوم أمام قرار حياةٍ مصيري علينا اتّخاذه، وإلاّ ضاعت حياتنا وخسرنا أنفسنا و"ماذا ينفعُ الإنسانَ لو رَبِحَ العالمَ كلَّه وخَسِرَ نفسَهُ؟!" (متى 16: 26). فحياتنا في هذا العصر موضوعةٌ على المِحَك، وعالمنا مليءٌ بالأمور التي تدعو، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى ترك الإيمان بالله معتبرةً إياه واحداً من الأمور التي قضى عليها الزمن، ولم يعد الإنسان المعاصر بحاجة إليها. فنحن اليوم، والحق يُقال، نعيش أزمةَ إيمانٍ قوية في العالم، كما قال يسوع نفسُهُ: "أَيجِدُ ابنُ الإنسان إيماناً على الأرض يومَ يجيءُ؟!" (لوقا 18: 8). كما نجدُ أيضاً لا أبالية خطرة منتشرة في نفوس الكثير من الناس، ولا نعلم في الحقيقة إلى أين ستقودهم لا أباليتهم هذه! كل هذه العوامل (وغيرها أيضاً والتي نتركها لكم، أنتم الحاضرين اليوم، لتفكروا فيها) تدعونا لنقرر اتّباع من هو خيرنا الحقيقي وندرك ما يريده منّا.
وسنحاول بعد قليل أن نرى "ماذا يريد الله منّا؟" وذلك من خلال ابنه يسوع المسيح، وهو يطلب منّا الثقة فقط، وليس غير الثقة به من خلال تسليم حياتنا بصورةٍ واعية إليه والإصغاء إلى كلماته وجعلها حيةً في حياتنا. فمَن غيرُه يساعدنا لكي نعرف ونعيش ما يريده الله منّا؟! طالبين منه أن يمنحنا القوة لنسمح له بأن يدخل حياتنا ويرافق مسيرتنا لأنه هو خيرنا الحقيقي. آمين.

15
كيف نعيش القيامة في حياتنا؟!

الأب ألبير هشام

كلنا "نعلم" أن القيامة هي أساس إيماننا المسيحي، ولكن هل "نعيش" هذه القيامة في حياتنا كمؤمنين أولاً قبل أن نكون خدّاماً في كنيسة الله؟! لذلك، نريد اليوم أن نرجع سويةً إلى أنفسنا وبصدق و"نفهم" معنى القيامة في حياتنا. فهي ليست نظرية أو فكرة نعتنقها ونؤمن بوجودها، بل هي "خبرة حياة" عاشها المؤمنون عبر الأجيال ونحن مدعوون معهم لعيشها "اليوم".
ولا نريد في حديثنا هذا أن نتكلم عن القيامة بحد ذاتها، بل عن خبراتنا المعاشة عنها، فنتقاسمها فيما بيننا على شكل خواطر حياتيّة. ولكن علينا أن نفهم أولاً معنى قيامة المسيح نفسه لنتمكن من فهم قيامتنا نحن. فما معنى أن المسيح قام من بين الأموات؟!
لقد جاء المسيح إلى عالمنا وهو يحمل دعوة من الله اكتشفها خلال سنّي حياته وهي أن ينشر ملكوت الله بين الناس "بالمحبة"، فينعم الجميع بالخير والسعادة. وعاش يسوع هذه الدعوة في حياته من خلال كلماته وأفعاله ومواقفه كما تحكي لنا صفحات الانجيل، وظلّ متمسكاً بدعوته هذه حتى أنّه ضحّى بنفسه حتى الموت في سبيلها ليبين أن دعوة الإنسان ورسالته في هذه الحياة أو هدف حياته أو السبب الذي لأجله يعيش هو أقوى من الموت. وهذا ما اكتشفه كل الذين تبعوا يسوع عن قرب خلال وجوده معهم، اكتشفوا من بعد مماته أنه من غير الممكن أن يقضي الموت على تلك المحبة التي أحبّ بها يسوع البشر ولا يمكن أن ينتهي شخص يسوع بالموت، فرجعوا وتذكروا كلامه وآمنوا بأنه حي وأنه سيبقى حياً إلى الأبد. لابدّ لله الآب أن يقيم المسيح من الموت، أي أن يقيم حياته وكلامه وأمثاله ومعجزاته ومواقفه لتبقى حيةً في نفوس تلاميذه الذين سيجعلون من الكنيسة مكاناً تعيش فيه الجماعة بروحٍ واحد حياة المسيح القائم من الموت والذي وحّد العالم من حوله.
كل إنسان منّا هو مدعو، بمعنى أننا نكتشف في حياتنا أن هناك من يدعونا (المسيح) للعيش من أجل هدفٍ سامٍ تكتسب حياتنا معنىً في تحقيقه، فنعيش هذا الهدف في كلامنا وأفعالنا ومواقفنا ونكون مستعدين للموت من أجله. وعندها تصبح حياتنا التي عشناها نوراً لطريق الآخرين فنعمل جميعاً على رفع البشرية و"قيامتها" من حالٍ إلى حالٍ أفضل. ولن تنتهي حياتنا هكذا بالموت "من يحيَ بي مؤمناً لن يموت إلى الأبد"، بل "تقوم" من الموت لتبقى حيةً في نفوس كل من عاشها ويعيشها. كما أن حياة المسيح لا ولن تزال حيةً في الكنيسة: لا ولن تزال كلماته فعّالة في نفوس البشر، ومحبته قابلة لأن تُعاش وأن تغيّرالإنسان...الخ. وهكذا أصبح لنا المسيح مثالاً بقيامته، هو "بكر القائمين من الموت" وهو نفسه يدعونا من خلال حياته وانجيله "بأنواع عديدة وطرقٍ شتى" إلى حياةٍ "مبنية على الصخر".
ويتطلب عيش هذه الدعوة تحمّل الكثير من الصعوبات والآلام، كما تحمّل ربّنا، إذ لا توجد قيامة بدون آلام "حبة الحنطة إن لم تمتْ فلا تثمر..". لذلك فإن القيامة تعني أن نقوم من سقطاتنا: أي أن نقبل ضعف طبيعتنا البشرية ومحدودية إمكانياتنا، وأن لا نيأس أو نحبط عندما تأتينا الصعوبات والمشاكل، بل أن نجعل منها وسيلة تقوي تمسكنا بدعوتنا وبمن دعانا...! إذ ليست ظروف الحياة هي المقياس لحياتنا، وإنما التزامنا بدعوتنا رغم كل الظروف الصعبة هو الذي يعطي لحياتنا معنىً.
وبناءً على كل ذلك، لابدّ أن نتّسم بـ"الإيجابيّة" وأن نخرج من كل سلبية لأنها توقفنا عن تحقيق دعوتنا. إذا كان المسيح قد أنتصر حتى على الموت "لا تخافوا، أنا غلبتُ العالم" فلا مجال لأي سلبية في حياتنا، بل أن ننظر إلى الحياة بعين الله الجميلة، فنحب الجميع وندعوهم إلى الإخوّة والمحبة والسلام. وبذلك نساهم في "قيامة" حياتنا وحياة الآخرين والعالم كله. آمين.

16
تحياتي القلبية أخوتي أخواتي
أنا الأب ألبير هشام كاهن كلداني في كاتدرائية مار يوسف الكلدانية في بغداد. أحب أن أشارك دوماً في موقع عينكاوة وأن أقدم مشاركات عديدة. وأتمنى أن أتعرف على الجميع. شكراً لكم.

صفحات: [1]