عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - my hope

صفحات: [1]
1
شاهد العالم في القرن الماضي والحالي كثير من الحروب والاحداث لكن هل تكون هذه المرة مختلفة. منذ بداية وباء كورونا وهناك نوع من التغير في الحياة وتقريبا كلنا او اغلبنا يرغب ان ترجع الحياة الى ما كانت عليه في العام الماضي, لكن السوال هو هل حقا سترجع. الحقيقة ان لا احد يعلم وانا رايي الشخصي انها لن ترجع بل ان الاوضاع ستنهار. الاذى الذي حل بالنظم الاقتصادية هو كبير لدرجة لا يمكن اصلاحة. هناك نقص كبير بالمواد الغذائية بالعالم لا يعلم عنه الا القليلون. خطة الماسونيين تسير على قدم وساق واغلب الضن ان الله سيسمح بحدوثها هذه المرة لانه لم يعد هناك امل بالبشرية وما لم تتق صفعة قوية لن تنهض من جديد. ربما سنشاهد المزيد من الامراض حتى يقال ان المرض القادم على وشك الضهور وسيضهر علامة على الجلد. طبعا ستنتشر الثورات بالعالم  وتنهار العملات بالعالم وتتوقف التجارة وتبدا الحرب العالمية والمجاعات. نحن كمؤمنين علينا دخول هذه المعركة من جانبين. الجانب الروحي وهو الاعتراف والمصالحة مع الله والجانب المادي وهو التحضر للمجاعة ونقص الغذاء القادم. قد تكون لحذة الانهيار بعد الانتخابات الامريكية باقل من اسبوع وقد تنتظر شهر او شهرين وقد تحدث بعد اغتيال احد الرؤساء. ما اطلب منكم هو تحضير عوائلكم لما سيحدث وعدم التاخر من اليوم. قريبا سترتفع اسعار الغذاء الى ارقام جنونية وستنتشر المجاعة وستتوقف الدول عن بيع الغذاء. ابداو من اليوم بالتخزين ولا تنتظرو . اخزنو المواد التي لا تفسد كالمعكرونة والبقوليات الجافة والعدس والرز والمعلبات. مثلما قلت قد تكون لحظة الانهيار في اقل من اسبوع رجاء لا تسمحو ان تجوع عوائلكم. المؤمنون سيكون اضطهادهم اقوى تحضرو تحضرو تحضرو

2
قبل فترة كنت وضعت احدى رسائل المسيح عن هذا المرض وهنا اضع رسالة اخرى. طبعا هناك مئات الرسائل ولكن هذه الرسالة من مصدر اثق به وهي فسولا رايدن صاحبة الحياة الحقيقية في المسيح. الترجمة تمت عبر الكوكل لذلك عذرا عن اي خطا
قد تنكسر قلوبكم ، وكذلك قلبي
12 أبريل 2020
يا رب!

انا! آه فاسولا! يا طفلي ، رن نغمة من الأمل ، قد تنكسر قلوبكم 1 ، لكنني كذلك ، تعالوا واسكبوا قلوبكم مثل الأنهار أمامي ، أيها الجيل ، ولن تضيعوا! أنا أملك وزوجك ، فأي زوج لن يعتني بأملاكه؟ أنا أرضك الثابتة والآمنة التي تقف عليها ؛

لقد أغضب جيلك أبي بلا حدود. لا تسأل ، "لماذا ضربتنا دون أي أمل في العلاج؟" 2 هل أذكرك كم مرة أخطأت؟ هل أذكرك بعدد المرات التي أبعدتني فيها عن قلبك يا جيل؟ لقد رسمت عليك هذا الشر ، الشر الذي حذرتك منه وتنبأتك بهذه "النار" التي تحرقك من الداخل ؛ اسمعني: ليس هناك مخلص آخر سواي. أنا إلهك وأقول لك مرة أخرى ، لم أحثك ​​على فعل الشر ، وهذا ما تعلمه ؛ لكني أنا رب ومخلص ومن المعروف أني أغفر وأنسى عندما يأتي الخاطئ إليّ بقلب منسحق ويتوب ويطلب الغفران!

فاسولا ، أنا معروف أنني أكون رحيمًا أن أمسح دموع الحزن ، وأن أعتني بقطيعي ، وأعزك ؛ من المعروف أنني ألقيت الحكام وأطيح بالأراضي والممالك ، لذا ، ألست قادرًا على إطفاء مرض شرير لا يمكن السيطرة عليه دمر الكثير منكم؟ لكني احتاج لسماع صراخ التوبة. صلاة أي شخص ومحبة تضحية ستقبلها أنا وأبي ؛ في اليوم الذي ينادي فيه هذا الجيل باسمي سأخلصهم من آلامهم. سأخفف من هذه "العاصفة" بكلمة واحدة قوية للغاية لأنني معروف أنني سأأتي سريعًا لإنقاذ أطفالي ؛ لكن هذا الجيل يصعب الانحناء والتعلم ، حتى الآن عندما يمشون على الفحم الأحمر الحار والجثث ملقاة في أكوام ، فإنهم لا يستمعون إلي ؛

ارسلت لك ايها الجيل العديد من العلامات ولكنك غضت الطرف عنها. لقد بعثت إليكم عبيدي الأنبياء بإلحاح ، في كثير من الأحيان ، لأناشدكم للتوبة والابتعاد عن طرقكم الشريرة وتعديل أفعالك ، لكنكم أغلقتوا أذنيك حتى لا تسمعوا! الآن ترتد ذنوبكم على رؤوسكم.

تأتي! اربطوا أذهانكم بالقداسة ، اربطوا قلوبكم بقلبي الأقدس ، لأقوم بإحيائك ، فأنا رجلك الوحيد ؛ إذن ، لن يخبرك أحد: "لا تخرج إلى الريف ، لا تغامر بالسير على الطرقات" 3 لأن العدو غير المرئي موجود في كل مكان تذهب إليه ؛ أنا معك ، أيها الجيل الجامح ، لأني أب لكم جميعًا. أنتم جميعًا عزيزين ومحبوبين إليّ.

لقد خلقتكم ، جيلًا ، لتنبت مثل كرمة ، مغروسة في حديقتي السماوية ، بأوراق خضراء مورقة ، تسقى من أنهار الحياة ؛ كنت في يوم من الأيام فخر بلادي الملكية ؛ لم يكن من المفترض أن تجف ، لكن بحماقتك اخترت الابتعاد عن نوري ، مصدر حياتك ؛ ثم جفت ساقك ، وذبلت أوراقك ، وسقطت وتناثرت ؛ ذهب الأمل الذي جاء مني ، ونعم الماضي. لقد دهست تحت أقدامك ، الكرمة التي كنت أهتم بها وربتها ذات مرة وضعت تحت ظلال الموت من الذي رفضته في حماقتك؟ ألستم تفرخ الخطيئة؟ ارفع عينيك وانظر حولك ، الخراب والدمار يحيط بك ، أنت تسكن في المقابر مثل الموتى ، هذا ما استولت عليك ، أيها الجيل لأنك حرمتني كل هذه السنوات

ارفع عينيك وانظر إلى وجهي المقدس ، وعند هذا المنظر ستنمو مشعًا ، ينبض قلبك ويمتلئ ، بينما يتدفق روحي القدوس إليك من عرشي السماوي ، ويقيمك ، ويؤسسك مرة أخرى في بلدي. حدائق سماوية ستكون مساراتك الملتوية من الماضي ؛ يداك طاهرتان بيضاء كالثلج. 4 كمالكم مثل المحيط. سيأتي الكثير منكم إلى نوري. لذلك لا تقل ، جيل: "رحمة الله محدودة" أو "خطاياي كثيرة وعظيمة لدرجة لا يمكن أن تُغفر لها ؛" اسمعني: توب ، ادع باسمي ، وتخلَّ عن خطاياك ، واجعل توبتك صحيحة ، وليكن مثل رائحة ترضي أن تصل إلى أبي في السماء ، وسوف نغفر لك أنا وأبي ونردك ؛ تاج لي بأكاليل الحب. كل ما أريده هو الحب؛

صلي فاسولا لئلا تجرّبي ، فليتفرح ملكك بك ... أعطني المجد إلهك ؛ في كل شيء ، سبحوا روعة اسمي القدوس. أنا دائما بجانبك يا طفل! تأتي! جيم

 


1 بسبب الوباء ، يعاني الكثير من الناس ، إما يفقدون حياتهم أو يفقدون وظائفهم.

2 علاج لـ COVID-19.

3 جونيور 6:25.
4 فهمت هذا المصطلح على أنه: طاهر من الخطيئة.

3
قرانا عن بعض الاشخاص الذين ذكرو ان لديهم رسالة من المسيح حول مرض كورونا بعضهم قد يكون محقا وبعضهم كاذبا او مجرد تفسير لحلم.
حاولت ايجاد رسالة من المسيح تكون مؤكدة المصدر ولدي رسالة واحدة فقط اثق بمصدرها وهي من خلال فاسولا رايدن صاحبة كتاب الحياة الحقيقية في المسيح وهي رسالة بتاريخ 13 اذار ساضع اولا الرسالة باللغة الامكليزية ثم ساترجمها للعربية وعذرا ان وجدت اي اخطاء في الترجمة
March 13, 2020
summon the people and tell them: without repenting and truthfulness in your prayer this evil will last longer than you think; turn to Me, your God and repent; a sincere and universal prayer will reach Me, your God; fasting will cast away demons; any sacrifice is acceptable to Me; cast away your lethargic spirit and renounce your evil ways, and make peace with Me, your God; let Me hear: “Lord, have mercy on me, the sinner!” and I will show compassion; and I will rain blessings on all of you; come, do not fear; I am listening…  ic

God will listen if we repent and change our life from being tepid towards God, and He will be gracious to grant us peace; we will be praying for the world; ask Him to uncover His Face and shine on us; plead that He may be gracious to our supplications… we should also pray that His message of TLIG may spread quickly, and be received humbly as it was received by you; pray especially for Italy, as the TLIG messages had, as I had explained in the past, fallen on totally deaf ears and persecuted;

استدعي الناس وأخبريهم: من دون التوبة والصدق في صلاتكم سوف يستمر هذا الشر لفترة أطول مما تعتقدون ؛ اتجهو اليّ إلهكم وتوبو. صلاة صادقة وشاملة ستصل إلي ، إلهك ؛ سيطرد الصيام الشياطين. أي تضحية مقبولة لي. اطرحو روحكم الخاملة وانبذو طرقكم الشريرة ، واصنعو السلام معي ، إلهك ؛ دعوني أسمع: "يا رب ارحمني الخاطئ!" وسأظهر الرحمة. وسأمطر عليكم جميعاً. تعالو لا تخافو. أنا أستمع .

سوف يستمع الله إذا تابنا وغيّرنا حياتنا من أن نكون فاترين نحو الله ، وسيكون رحيمًا لمنحنا السلام ؛ سنصلي من أجل العالم ؛ اطلب منه كشف وجهه والتألق علينا ؛ نناشده أن يكون رحيما بدعواتنا ... وعلينا أيضا أن نصلي لكي تنتشر رسالته من الحياة الحقيقية في الله بسرعة ، وأن يتم استقبالها بتواضع كما تلقيتها ؛ نصلي بشكل خاص من أجل إيطاليا ، حيث أن رسائل الحياة الحقيقية في الله ، كما أوضحت في الماضي ، سقطت على آذان صماء تمامًا واضطهدت ؛

4
إعلم أيّها المؤمن

إنّ هذه الصلوات الخمس عشرة قد ألهمها ربّنا يسوع المسيح للقدّيسة بريجيتا، بينما كانت تخاطبه ملازمة السجود أمام صورة صليبه المقدّس في كنيسة مار بطرس بمدينة روما. وكانت بعد أن تناولت القربان المقدّس تصلّي بحرارة، تائقة لتعلم كم ضربة احتمل فادينا وقت آلامه الخلاصيّة.

فظهر لها مخلّصنا يسوع المسيح وخاطبها من صورة صليبه قائلاً: “اعلمي يا ابنتي إنّي احتملت وقت آلامي في جسدي خمس آلاف وأربع مائة وأربع وثمانين ضربة. وإن شئتِ أن تكرّمي هذه الجراحات ببعض العبادات، اتلي كلّ يوم خمس عشرة “أبانا الذي في السماوات”، وخمس عشرة “السلام عليكِ يا مريم”، مع الصلوات التالية (التي علّمها إيّاها بنفسه) طيلة سنة كاملة. وعندما تكون السنة قد انقضت، تكونين أنتِ قد كرّمتِ جراحاتي واحدةً فواحدةً”. وأضاف بعدئدٍ بقوله: “إنّ كلّ من صلّى هذه الطلبات مدّة سنة كاملة:

– إنّه يخلّص خمسة عشر نفساً من ذريّته، ويعتقهم من عقوبات المطهر.
– خمس عشر شخصاً من ذرّيته يُحفظون ويُثبتون في نعمة الله تعالى.
– يرجع من ذرّيته خمس عشر خاطئاً إلى التوبة.
– كلّ من صلّى هذه الطلبات نال الدرجات الأولى من الكمال.
– قبل موته بخمسة عشر يوماً أمنحه جسدي الثمين قوتاً، حتّى بفضله يخلص من الجوع الأبدي، وأمنحه ليشرب دمي الثمين حتّى لا يعطش إلى الأبد.
– وقبل مماته بخمس عشرة يوماً يندم بمرارة على جميع ذنوبه وتصبح له معرفة كاملة بها.
– أمامه أضع علامة صليبي الكلّي الظفر لنصرته وللدفاع عنه ضدّ وثبات اعدائه.
– قبل موته، آتي مع والدتي المحبوبة جدّاً.
– وأتقبل ببركة روحه وأمضي بها إلى السعادة الأبديّ.
– وإذا اصطحبته إلى هناك أسقيه كأساً من ينبوع لاهوتي، وهذا، ما صنعته لآخرين، إلّا للّذين يصلّون هذه الطلبات.
– ويجب معرفة إنّ من عاش ثلاثين سنة في الخطيئة المميتة وصلّى بخشوع هذه الطلبات أو وطّد العزم على أن يتلوها، غفر له الربّ جميع ذنوبه.
– ونجّاه من التجارب الشريرة.
– ووقّى وحفظ حواسه الخمس.
– ونجّاه من موت الغفلة.
– وخلّص نفسه من العقوبات الجهنميّة.
– وينال من الله تعالى ومن العذراء الفائقة القداسة كلّ ما يسأل.
– وأن كان عائشاً فيما مضى على هواه وغداً سيموت فإنّ حياته تطول.
– ويتحقّق أنّه ينال الرتبة العالية بين الملائكة.
– كل من يعلّم هذه الصلوات إلى غيره، أجره وسعادته لا ينقصان أبداً وإنّما يدومان ثابتين إلى الأبد.
– حيث تُتلى هذه الصلوات يكون الله حاضراً بنعمته.

كل هذه الامتيازات وعد بها سيّدنا يسوع المسيح المصلوب للقدّيسة بريجيتا على شرط أن نصلّي كلّ يوم هذه الطلبات مدّة سنة كاملة بكلّ خشوع.

الصلاة الأولى
الأبانا والسلام والمجد

أيا يسوع المسيح. العذوبة الأبديّة للذين يحبّونك، السعادة الفائقة، كلّ سعادة وكلّ أمنية. رجاء وخلاص الخطأة. يا من أظهرت من أجل عظيم محبّتك لهم، أنّ كمال رضاك هو أن تكون بين البشر فأتّخذت الطبيعة البشريّة في ملء الزمان. تذكّر الأوجاع التي عانيتها منذ لحظة ولادتك وخاصّة خلال آلامك المقدّسة كما كان مقرّراً ومرسوماً في الفكر الإلهيّ منذ الأزل. تذكّر، يا سيّد، وأنت في العشاء السرّي مع تلامذتك، بعد أن غسلت أقدامهم، قد أعطيتهم جسدك المقدّس ودمك الثمين، وبينما أنت تعزّيهم بعذوبة، أطلعتهم على آلامك المقبلة.
تذكّر الحزن والمرارة التي قاسيتها في نفسك كما عبّرت عنها قائلاً: “نفسي حزينة حتّى الموت”. تذكّر، يا سيّد، المخاوف والضيقات والأوجاع التي تحمّلتها في جسدك اللطيف، قبل عذاب الصليب بعد أن صلّيت ثلاث مرّات وأنت تتصبّب عرقاً دمويّاً، وبعد أن خانك تلميذك يهوذا، وقبضت عليك الأمّة التي اخترتها ورفعتها، واتهمت من شهود زور، وحاكمك ظلماً، في عيد الفصح القضاة الثلاثة، وأنت بريء وفي ريعان الشباب.
تذكّر أنّك عرّيت من ثيابك، واُلبست ثياب السخرية. وغطّوا وجهك وعينيك. وأنّك تلقّيت اللطمات، وكُلّلت بالشوك، وجعلوا في يدك قصبة، ورُبطت على عمود ممزّقاً تحت المجالد ورازحاً تحت الشتائم والعار. وتذكاراً لهذه الآلام والأوجاع التي رافقتك قبل عذابك على الصليب، أعطني، قبل مماتي ندامة حقيقيّة واعترافاً صحيحاً وكاملاً وتوبة صادقة ومغفرة جميع ذنوبي، آمين.

الصلاة الثانية
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الحريّة الحقيقيّة للملائكة، وفردوس النعيم، تذكّر هول الحزن الذي عانيته، عندما، أعداؤك كأسود ثائرة أحاطوك. وبألف إهانة وبصقة وصفعة وخدش وغيرها من أغرب العذابات التي ابتليت بها إلى أقصى حدّ. إكراماً لهذه البلايا ولهذه الكلمات المذلّة، أرجوك يا مخلّصي، أن تنجّيني من أعدائي المنظورين والغير المنظورين، وتوصلني بحمايتك إلى الكمال للخلاص الأبدي، آمين.

الصلاة الثالثة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، خالق السماء والأرض. الذي لا شيء يحويه أو يحدّه. أنت الضابط كلّ شيء بقدرتك. تذكّر العذاب الشديد المرارة الذي قاسيته عندما ربط الجنود يديك المقدّستين، وقدميك اللطيفتين على الصليب. وثقبوها من جهة إلى أخرى بمسامير ضخمة غير مسنّنة. ولمّا لم يجدوك في حالةٍ تمكّنهم من إشباع غضبهم، وسّعوا جراحاتك وزادوا ألماً على ألم. وبوحشيّة غريبة مدّدوك على الصليب وسحبوك من كلّ صوب مخلّعين أطرافك. أتضرّع إليك، بحقّ هذا الألم المقدّس المحبوب على الصليب أن تهبني مخافتك ومحبّتك، آمين.

الصلاة الرابعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الطبيب السماوي، المرفوع على الصليب لتشفي بجراحاتك جراحاتنا. تذكّر شدّة الوهن والرضوض التي احتملتها في كلّ أطرافك، حتّى لم يبقَ واحدة منها في موضعها، وحتّى لم يعد يوجد وجع يماثل وجعك من قمّة الرأس حتّى أخمص القدمين. جزء واحد من جسدك لم يبقَ بدون عذاب، ومع ذلك، تناسيت الأوجاع، ولم تملّ الصلاة لأبيك من أجل أعدائك قائلاً له: “يا أبتِ، إغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون”. من أجل هذه الرحمة الكبيرة وتذكاراً لهذا العذاب إجعل ذكرى عذابك المرير يثمر فيّ ندامة كاملة لمغفرة جميع خطاياي، آمين.

الصلاة الخامسة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، مرآة الضياء الأبدي. تذكّر الحزن الذي انتابك، وأنت تتأمّل في نور ألوهيّتك، المنتخَبين الذين سيخلصون باستحقاقات آلامك المقدّسة، وترى في نفس الوقت العدد الكبير من المنبوذين الذين استحقّوا الهلاك بسبب خطاياهم. وتتوجّع بمرارة على هؤلاء الخطأة الضائعين اليائسين. بحقّ هذه الرحمة الغير متناهية، وهذه الشفقة وخاصّة بحقّ التسامح الذي أبديته نحو اللص الصالح قائلاً: “هذا اليوم ستكون معي في الفردوس”. أتضرّع إليك، يا يسوع الوديع، أن تصنع إليّ رحمة في ساعة موتي، آمين.

الصلاة السادسة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الملك المحبوب والمرغوب للغاية، تذكر الألم الذي قاسيته، وأنت عريان، معلّق ومرفوع على الصليب كالبائس. أهلك جميعهم وأصحابك تخلّوا عنك، عدا والدتك المحبوبة التي بقيت بوفاءٍ قربك في النزاع، برفقة القدّيس يوحنّا. وأنت أوصيتهما الواحد بالآخر قائلاً: “يا امرأة هذا ابنكِ”. وللقدّيس يوحنّا: “هذه أمّك”. أتوسّل إليك، أيا مخلّصي، بحقّ سيف الوجع الذي اخترق عندئذٍ نفس والدتك القدّيسة أن ترأف بي في جميع بلاياي ومصاعبي الجسديّة والروحيّة. وأن تعينني في تجاربي وخاصّة في ساعة موتي، آمين.

الصلاة السابعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الينبوع الذي لا تنضب رحمته. يا من بتأثّر عميق من الحبّ قلت على الصليب “أنا عطشان”! ولكن العطش لخلاص الجنس البشريّ. أتوسّل إليك، يا مخلّصي، أن تشعل في قلبي التوق لأصل إلى الكمال في كلّ أعمالي، وأن تطفئ فيّ شهوات الجسد والميول الدنيويّة، آمين.

الصلاة الثامنة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، عذوبة القلوب وحلاوة النفوس، بحقّ مرارة العلقم والخلّ الذي ذقته، حبّاَ بنا، على الصليب. إمنحني أن أتناول باستحقاق جسدك ودمك الثمين مدّة حياتي وفي ساعة موتي حتّى يكونا لنفسي الدواء والتعزية، آمين.

الصلاة التاسعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الفضيلة الملكيّة، وسعادة النفس. تذكّر الألم الذي عانيته، عندما كنت غارقاً في المرارة عند اقتراب الموت، مُهاناً ومذلولاً من البشر. ومعتقداً أنّ أباك تخلّى عنك صرخت: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”. بحق هذه الشدّة أتوسّل إليك، يا مخلّصي، لا تدعني متروكاً في الشدائد وعذابات الموت، آمين.

الصلاة العاشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، يا من أنت لكلّ شيء البداية والنهاية، الحياة والفضيلة. تذكّر أنّك، لأجلنا، غرقت في لجّة الآلام من قمّة الرأس حتّى أخمص القدمين. وإكراماً لعظيم جراحاتك. علّمني أن أحفظ وصاياك بمحبّة حقيقيّة. هذه الوصايا التي طريقها رحبٌ وسهلٌ للذين يحبّونك، آمين

الصلاة الحادية عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، يا لجّة الرحمة الكثيرة العمق، اتوسّل إليك، بحقّ ذكرى جراحاتك التي اخترقت صُلب عظامك وأحشائك، أن تنتشلني من الخطيئة، أنا الشقي الغارق في ذنوبي. وأن تخفيني، عن وجهك الغاضب، في ثقوب جراحاتك، حتّى يمرّ غضبك وسخطك العادل، آمين.

الصلاة الثانية عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، مرآة الحقيقة، علامة الوحدة، رباط المحبّة، تذكّر كثرة جراحاتك الجمّة التي ابتليت بها من الرأس إلى القدم. وممزّقاً ومضّرجاً بدمك المعبود. أيّ وجع كبير وهائل احتملته، من أجلنا، في جسدك الطاهر. يا يسوع الحلو للغاية، ما كان يمكن أن تصنعه وما صنعته؟
أتوسّل إليك، يا مخلّصي، أن تطبع بدمك الكريم، كلّ جراحاتك في قلبي، حتى بدون توقّف، أقرأ دائماً آلامك وحبّك. وتذكاراً وفيّاً لعذابك، لتتجدّد في قلبي ثمرة آلامك، وليزدد حبّك كلّ يوم حتّى أبلغ إليك، أنت الذي هو كنز كلّ الخيرات وكلّ الافراح التي، أتوسّل إليك، أن تهبني إيّاها، يا يسوع الكثير الحلاوة، في الحياة الأبديّة، آمين.

الصلاة الثالثة عشرة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الليث الشديد البأس، الملك الغير مائت والذي لا يُقهر، تذكّر الآلام التي عصفت بك، عندما تلاشت كلّ قواك، الجسديّة والقلبيّة، فأحنيت رأسك قائلاً: “كلّ شيء قد تمّ”. بحقّ هذا الضيق والألم، أتوسّل إليك، يا سيّدي يسوع، أن تترأف بي في آخر ساعة من حياتي عندما تكون روحي في النزاع، ونفسي في اضطراب، آمين.

الصلاة الرابعة عشرة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الأبن الوحيد للآب، ضياء وصورة جوهره. تذكّر التوصية الخاشعة التي رفعهتا إلى أبيك قائلاً: “يا أبتِ بين يديك أستودع روحي”. ثمّ جسدك مُمزّق وقلبك محطّم، وأحشاء رحمتك مفتوحة لإفتدائنا أسلمت روحك. أتوسّل إليك، يا ملك القدّيسين، بحقّ هذا الموت الثمين، أن تقويني وتغيثني لأقاوم الشيطان، والجسد، والعالم، حتّى إذا متّ عن العالم، أحيا بك وحدك. اقبل، أرجوك، عند ساعة موتي، نفسي المنفيّة والمتغربّة العائدة إليك، آمين.

الصلاة الخامسة عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، الكرمة الحقيقيّة الخصبة، تذكّر دمك الفيّاض الذي سكبته بغزارة كما العنب تحت المعصرة. ومن جنبك الذي طعنه الجنديّ بضربة حربة، قد أعطيت الدم والماء حتّى لم يبقَ ولا قطرة واحدة. وكرزمة بخور متصاعد من أعلى الصليب، جسدك اللطيف تلاشى وجفّت كليّاً عصارة أحشائك، وصُلب عظامك يبست. بحق مرارة هذا العذاب، وبحقّ دمك المسفوك أتوسّل إليك، يا يسوع الحنون أن تتقبّل روحي عندما أكون في النزاع، آمين.

صلاة الختام

يا يسوع الحنون، اجرح قلبي، حتّى ليلاً ونهاراً، تكون لي خبزاً دموع التكفير والألم والحبّ. إهدني كليّاً إليك. وليكن لك قلبي السكن الدائم. وأن يكون سلوكي مرضياً لك، وأن تكون نهاية حياتي تمجيداً لك، حتّى أستحقّ، بعد مماتي، فردوسك، وأمجّدك إلى الأبد مع جميع قدّيسيك، آمين.

5
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع / القسم الأول
91- (النّازفة وابنة يائير
11 / 08 / 1944
لقد تجلّت لي الرؤيا بينما كنتُ أصلّي، مُنهَكَة ومَهمومة، وبالتالي في أسوأ الحالات لأفكّر مِن تلقاء ذاتي بمثل تلك الأمور. إلّا أنّ الإنهاك الجسديّ والمعنويّ والهموم كلّها تلاشت مُذ ظَهَرَ يسوعي. وكتبتُ:
يسوع على طريق مشمسة وترابيّة تحاذي ضفاف البحيرة. يتوجّه إلى البلدة، يحيط به جمع غفير كانوا ينتظرونه بالتأكيد، ويتزاحمون حوله، رغم أنّ الرُّسُل يَدفَعونهم بأذرعهم وأكتافهم ليفسحوا له مجالاً للمرور، ويَرفَعون أصواتهم لِيَجعلوا الحشد يتركون له بعض المكان.
إلّا أنّ يسوع لا يهتمّ لهذا التَّدافُع. بل يَرفَع رأسه أعلى مِن الجمع الـمُحيطين به، ويَنظُر إليهم بابتسامة عذبة، بينما هُم يتزاحمون حوله. يردّ التحيّات، يُداعِب طفلاً يشقّ طريقاً له وسط كتلة الكبار، ويدنو منه، يَضَع يده على رؤوس الأطفال الذين ترفعهم أُمّهاتهم فوق رؤوس الناس لكي يلمسهم. كلّ ذلك وهو يسير ببطء وتَأَنّ، وسط كلّ تلك الضوضاء، وكلّ تلك التدافعات التي تُزعِج أيّاً سِواه.
صوت رجل يَصيح: «افسحوا مجالاً، افسحوا مجالاً.» إنّه صوت قَلِق، والمفروض أنّ الكثيرين يَعرفونه ويُجلّونه، كأنّه صوت رجل صاحب نفوذ، ذلك أنّ الجموع الذين يفسحون المجال بصعوبة بالغة، يَدَعون رجلاً في حوالي الخمسين مِن عمره يمرّ، وهو يرتدي ثوباً طويلاً فضفاضاً، وعلى رأسه شال أبيض، تتدلّى أهدابه على وجهه وعنقه.
عندما يَصِل قرب يسوع، يجثو عند قدميه ويقول: «آه! يا معلّم، لماذا أَطَلتَ الغياب كثيراً؟ لقد اشتدّ مرض ابنتي. ولا يمكن لأحد أن يُبرئها. أنتَ وحدكَ أملي وأمل أُمّها. تعال يا معلّم. لقد انتظرتكَ بِقَلَق لا نظير له. تعال، تعال حالاً. ابنتي الوحيدة توشك أن تموت...» ويبكي.
يَضَع يسوع يده على رأس الرجل الذي تَنهَمِر دموعه، على الرأس المنحني الذي يهزّه البكاء، ويجيبه: «لا تبكِ. آمِن. وستعيش ابنتكَ. فلنمضِ إليها. إنّهض! هيّا بنا!» يقول يسوع العبارتين الأخيرتين بلهجة الأمر. في البدء كان الـمُعزّي، والآن هو الأمر الـمُهيمِن الذي يتكلّم.
يُعاوِدون المسير. يسوع وإلى جانبه الأب الذي يبكي ويشدّ على يده. لَم يَقم بأكثر مِن ذلك، ولكن أيّة قوّة تعود إلى نَفْس عندما تَشعُر أنّها تُعامَل هكذا مِن قِبَل يسوع! قَبْل ذلك، كان يعقوب يحتلّ المكان الذي يحتلّه الأب الآن، ولكنّ يسوع جَعَلَه يُخلي المكان للأب المسكين. بطرس في الجانب الآخر، ويوحنّا إلى جانب بطرس يُحاوِل معه جَعلَ حاجِز في وجه الجمع، كما يفعل يعقوب ويهوذا في الجهة المقابلة إلى جانب الأب الذي يبكي. الرُّسُل الآخرون، قسم منهم أمام يسوع، والقسم الآخر خلفه. إنّما كان لا بدّ مِن آخرين! خاصّة الثلاثة الذين في الخلف، وأرى بينهم متّى، فإنّهم لا يتمكّنون مِن صدّ الحائط الحيّ. إنّما، حين يَصيحون أكثر، وقد أَصبَحوا على وشك أن يَشتموا جَمع المتطفّلين، يلتفت يسوع ويقول بلطف: «دَعوا هؤلاء الصغار، فَهُم لي!...»
فجأة، في لحظة معينة، يَلتَفِت تاركاً يد الأب، ويتوقّف. لا يدير رأسه فقط، بل يلتفت بكلّيّته. يبدو أكثر عَظَمَة، إذ قد اتَّخَذَ وضعيّة مَلِك، وبِنَظرة أَضحَت صارِمة، فَاحِصة، يُمعِن النَّظَر في وجوه الجميع. عيناه تُرسِلان وَمَضات تنمّ عن قَسوة، بل هي تُعبِّر عن العَظَمَة، ويَسأَل: «مَن لَمَسَني؟»
لا أحد يجيب.
«أكرّر، مَن لَمَسَني؟» يُصرُّ يسوع.
فيجيبه التلاميذ: «يا معلّم، ألا ترى كيف تزحمكَ الجموع مِن كلّ صوب. الجميع يلمسونكَ رغم كلّ جهودنا.»
«أنا أسأل: مَن لَمَسَني بغية الحصول على معجزة. فلقد شعرتُ بأنّ قوّة خَرَجَت منّي، لأنّ قلباً طَلَبَها بإيمان. مَن هو هذا القلب؟»
ويَخفض يسوع بَصَرَه مرّتين أو ثلاثاً، بينما هو يتكلّم، صوب امرأة في حوالي الأربعين، ثيابها رثّة للغاية، وقد اجتاحتها التجاعيد، وهي تُحاوِل التخفّي وسط الجمع، التستّر وسط الحشد. فأحسَّت بحرارة عينيه، وأَدرَكَت إنّها لن تتمكّن مِن الهروب، فتعود لتتقدّم وترتمي عند قدميه، ويكاد رأسها يَغرَق في التراب، ويداها مُنبَسِطتان إلى الأمام، وهما لا تَجرؤان على لمس يسوع الآن.
«عفوكَ! أنا هي. لقد كنتُ مريضة. منذ اثنتي عشرة سنة وأنا مريضة! الجميع يَهربون منّي. زوجي هَجَرَني. لقد بَذَلتُ كلّ ما أملك كي لا أُعتَبر دَنِسَة، ولكي أعيش مثل بقيّة الناس. إنّما لم يستطع أحد شفائي. أترى يا معلّم؟ لقد أَصبَحتُ عجوزاً قبل الأوان. ولقد خارت قواي مع هذا النَّـزف الذي لا يَبرأ، ومعه سلامي. قيل لي إنّكَ صالح. والذي قال لي، شَفيتَه أنتَ مِن بَرَصه. وبما أنّه اختَبَر هروب الناس منه لسنوات، لَم يَشعُر بنفور منّي. لم أجرؤ على قول ذلك قبل الآن. عفوكَ! لقد فكّرتُ أنّني لو لمستُكَ أبرأ. ولكنّني لَم أُدنِّسكَ. بالكاد لَمَستُ طَرَف ثوبكَ الذي يُجرُّ على الأرض، بل على أوساخ الأرض... وأنا كذلك نفاية... ولكنّني شُفيتُ. فلتكن مباركاً! ما أن لَمَستُ ثوبكَ حتّى توقَّفَ مَرضي في الحال. ولقد عُدتُ ككلّ النساء. لن يتحاشاني الناس بعد الآن. وسيكون بإمكان زوجي وأولادي وأهلي المكوث معي، وسأتمكّن مِن ملاطفتهم. سأكون نافعة في بيتي. شكراً لكَ يا يسوع، أيّها المعلّم الصالح. فلتكن مباركاً للأبد!»
يَنظُر إليها يسوع بِصَلاح لا متناهي الجُّود. يبتسم ويقول لها: «اذهبي بسلام يا ابنتي. إيمانكِ خَلَّصَكِ. فلتكوني مُبرَأة بشكل نهائيّ. كوني صالحة وسعيدة. اذهبي.»
وبينما كان لا يزال يتكلّم، يَصِل رجل، أظنُّه خادماً. يتوجّه إلى الأب الذي ظلّ كلّ ذلك الوقت في وضعيّة احترام وإجلال، إنّما مضطرب وكأنّه على جَمر. «لقد ماتت ابنتكَ، فلا داعي لأن تُكلِّف المعلّم أكثر. لقد لَفَظَت أنفاسها، والنساء الآن يَندبن. الأُمّ تقول لكَ ذلك وترجوكَ أن تأتي في الحال.»
يُطلِق الأب زَفرة. يَرفَع يده إلى جبهته ويَضغَطها، كما يَضغَط على عينيه، وكأنّه تلقّى ضربة.
يسوع الذي يبدو وكأنّه لم يرَ ولم يسمع شيئاً، بل وكأنّ جلّ اهتمامه مُنصَبّ على سماع المرأة وإجابَتها، يلتفت ويضع يده على كتفي الأب المسكين المنحني: «أيّها الرجل، قلتُ لكَ "آمِن". أُكرّر: "آمِن". لا تخف. ابنتكَ ستحيا. هيّا بنا إليها.» ويسير وهو يضمّ إليه الرجل المتلاشي. يقف الجمع أمام هذا الألم وتلك النِّعمة التي حَصَلَت، هَلِعِين، يتباعدون، يَدَعون يسوع وأتباعه يمرّون بحرّيّة، ثمّ يتبعون النِّعمة التي تمرّ مثل مجرّة السفينة.
يَفعَلون ذلك لحوالي المائة متر أو أكثر -لا أجيد الحساب- ويَختَرِقون مركز البلدة باطّراد. هناك جَمهرة أمام منـزل يبدو جميلاً، ويُعلِّقون على الحَدَث، مُجيبين بِصراخ حادّ على صرخات أكثر حدّة، متأتّية مِن البوّابة المفتوحة. إنّها صرخات حادّة، تتردّد على مستوى ثابت، ويبدو أنّها تُدار مِن قِبَل صوت أكثر حدّة، يرتفع بمفرده، وتَردّ عليه مجموعة أصوات أضعَف، ثمّ جوقة أخرى أكثر عدداً. إنّها مَناحة تَجعَل المرء يتأثّر.
يَأمُر يسوع أتباعه بالبقاء عند المدخل، ويأخذ معه بطرس ويوحنّا ويعقوب فقط. يَدخُل معهم البيت، وهو يشدّ على الدوام على يد الأب الباكي. يبدو وكأنّه يريد، مِن خلال هذا الشدّ على يده، أن يؤكّد له أنّه هنا كي يجعله سعيداً. تُضاعِف النائِحات نواحهنّ، لدى رؤيتهنّ ربّ البيت مع المعلّم. إنّهنّ يضربن كفّاً بكفّ، ويُحرّكن الطبول ويجعلن المثلثات تطنّ، وعلى هذه المرافقة يتركَّز النَّدب.
يقول يسوع: «اصمتوا. لا تبكوا، فالفتاة لم تمت، إنّها نائمة.»
تُطلِق النساء صيحات أقوى، وتتدحرج بعضهنّ على الأرض، ويَخمشن أنفسهنّ، ويقتلعن شعرهنّ، (أو بالحري يتظاهرن هكذا) لِيُظهِرن بإنّها ماتت حقّاً. يَهزّ الموسيقيّون والأصدقاء رؤوسهم أمام أوهام يسوع. حتماً هُم يَعتَقِدون أنّه يتوهّم. أمّا هو فإنّه يُكرِّر: «اصمتوا!» بقوّة، لدرجة أنّ الضوضاء، وإن لم تتوقّف تماماً، فقد أَضحَت دَندَنة، ويتقدّم.
يَدخُل غرفة صغيرة، فيها تمدَّدَت على السرير فتاة صغيرة مائتة. إنّها نحيلة، شاحبة، ممدّدة وهي ترتدي ثوبها، شَعرها مرتّب وممشّط بعناية. الأُمّ، في جهته اليمنى، تبكي قرب السرير الصغير وتقبّل يد المائتة الصغيرة. ويسوع... كم هو جميل في تلك اللحظة، كما قَلَّما رأيتُهُ! يتقدّم بسرعة، ولسرعته يبدو وكأنّه يتزلّج على الأرض، طائراً باتجاه ذلك السرير الصغير.
يَبقَى الرُّسُل الثلاثة عند الباب الذي يُغلِقونه في وجه الفضوليّين. يَقِف الأب عند أسفل السرير. ويَذهَب يسوع إلى يسار السرير، يمدّ يده اليسرى، يُمسك بها يد المائتة الصغيرة المستسلمة. لقد شاهَدتُ جيّداً. اليد اليسرى ليسوع واليد اليسرى للفتاة الصغيرة. يرفع ذراعه الأيمن، رافعاً اليد المفتوحة إلى مستوى الكتفين، ثمّ يَخفضهما، كَمَن يُقسِم أو يَأمُر. يقول: «أيّتها الصبية، لكِ أقول قومي!»
تَمضي بُرهة، يبقى فيها الجميع حائِرين، ما عدا يسوع والمائتة. يُطاوِل الرُّسُل رِقابهم لِيَروا جيّداً. يَنظُر الأب والأُمّ إلى ابنتهما وعيونهما حزينة. بُرهَة، ويَرتَفِع صدر المائتة الصغيرة بشهيق. ويعود لون خفيف إلى وجهها الشاحب فيخفي صبغة الموت الداكنة. وترتسم ابتسامة على الشَّفَتَين الشاحِبَتين، حتّى قبل أن تُفتَح العينان؛ كما لو أنّ الصبيّة تَحلم حُلماً جميلاً. ما يزال يسوع يُمسِك بيدها. تَفتَح الصبيّة عينيها على مهل، تَنظُر حولها كما لو كانت تستيقظ مِن النوم لِتَوّها. أوّل شيء تراه هو وجه يسوع الذي يَرمُقها بعينيه الرائعتين، ويبتسم لها بطيبة تشجّعها، وتبتسم له.
«قُومي.» يُكرِّرها يسوع، مُبعِداً لوازم الجنازة المنتشرة على السرير وقربه (الزهور، والأغطية، و... الخ) يُساعِدها في النُّـزول، وفي خطواتها الأولى فيما يزال ممسكاً بيدها.
«أعطوها الآن لتأكل.» يَأمُرهم «لقد شُفِيَت، لقد أعادها الله إليكم، فاشكروه، ولا تُخبِروا أحداً بما جرى. أنتم تَعلَمون ما الذي جرى لها، لقد آمنتُم واستأهَلتُم المعجزة، الآخرون لَم يُؤمِنوا، فَمِن غير الـمُجدي محاولة إقناعهم. فالله لا يتجلّى لِمَن يُنكِرون المعجزة. وأنتِ أيّتها الصبيّة، كوني صالحة. وداعاً‍! السلام لهذا البيت.» ويَخرُج مُغلِقاً الباب خلفه.
وتتوقّف الرؤيا.
أقول لكم إنّ الحَدَثَين اللذين أفرحاني بشكل خاصّ كانا حيث يسوع يبحث بين الحشد عَمَّن لَمَسَه، إنّما بشكل خاصّ عندما كان واقفاً قرب الصبيّة الميتة، يُمسِك بيدها ويَأمُرها بالنهوض. السلام والأمان وَلَجَا إلى أعماقي. مستحيل على مَن يمتلك الرحمة مثله، وهو قادر، ألّا يَرحَمنا ولا يَنتَصِر على الألم الذي يُميتنا.
لا يُعلِّق يسوع الآن، كما لا يقول أيّ شيء عن الأمّور الأخرى. يَراني شِبه ميتة، ولا يَرى مِن الـمُناسِب أن أكون أفضل هذا المساء. فليَكُن حسب ما يشاء هو. إنّني الآن سعيدة بما فيه الكفاية لحصولي على رؤياه.

6
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع
(تابع السنة الثانية في الحياة العلنية)
الكتاب الثاني / القسم الأول
87- (مشلول بِركة بيت صيدا)
21 / 07 / 1945
يسوع في أورشليم، وبالتحديد بالقرب مِن أنطونيا، ومعه كلّ الرُّسُل عدا الاسخريوطيّ. جَمع غفير يسير باتّجاه الهيكل. الجميع بثياب العيد، الرُّسُل، كما بقيّة الحجّاج، لذلك أنا أظُنُّ أنّها أيّام عيد العنصرة. عدد كبير مِن المتسوِّلين يَندَسّون بين الجمع، يَشكون شقاءهم، مُردِّدين لازِمات مُثيرة للشفقة، ويتوجّهون إلى أفضل الأمّاكن، جانب بوّابات الهيكل، وعند تقاطع الطرق التي تتوافد منها الجموع. يمرّ يسوع وهو يعطي الصَّدَقات لهؤلاء المساكين الذين يتفنّنون في عرض أنواع شقائهم أثناء روايتها. لديَّ انطباع أنّ يسوع قد فَرغ مِن زيارة الهيكل، ذلك أنّني أَسمَع الرُّسُل يتحدّثون عن جملائيل الذي تظاهَرَ بعدم رؤيتهم، بينما إيتيان أَعلَمَه أحد طلابه بمرور يسوع.
كذلك أَسمَع برتلماوس يَسأَل رفاقه: «تُرى ما الذي قَصَدَه أحد الكَتَبَة بهذه الجملة: "قَطيع مِن خِراف الذَّبح"؟»
فيجيب توما: «كان يتحدَّث عن أمر يخصّه.»
«لا. بل كان يُشير إلينا بإصبعه. وقد رأيتُهُ جيّداً. ثُمّ إنّ الجملة الثانية أتت تأكيداً للأولى: "عمّا قليل سوف يُجَرّ الحَمَل كذلك، ومِن ثُمّ يُقاد إلى الذَّبح".»
فيؤكِّد أندراوس: «نعم، ذلك ما سَمِعتُهُ أنا.»
«حسناً! ولكنّني أتحرّق شوقاً للعودة إلى الوراء وسؤال رفيقه الكاتب: ماذا يعرف عن يهوذا بن سمعان.» يقول بطرس.
«ولكنّه لا يعرف شيئاً! فهذه المرّة، يهوذا ليس موجوداً، لأنّه مريض حقّاً، ونحن نَعلَم ذلك. ومِن الـمُحتَمَل أنّه عانى كثيراً مِن الرحلة التي قمنا بها. فنحن أكثر مقاومة وتحمّلاً، بينما هو عاش هنا برخاء. وهو يشعر بالتعب بسرعة.» يجيب يعقوب بن حلفا.
«نعم. نعرف. ولكنّ الكاتب قال: "المجموعة ينقصها الحِرباء". أليست الحِرباء هي الحيوان الذي يُغيِّر لونه حسب مزاجه؟» يَسأَل بطرس.
«نعم يا سمعان. ولكنّه بالتأكيد، أراد القول إنّ ثيابه جديدة على الدوام. إنّه يُعنى بذلك، فهو شاب؛ ويجب أن نَعذره...» يقول الغيور بلهجة استرضائيّة.
«وهذا، كذلك، صحيح. ومع ذلك!... يا لها مِن جملة غريبة!» يستنتج بطرس.
«يبدو أنّهم يتهدّدوننا على الدوام.» يقول يعقوب بن زبدى.
«الواقع هو أنّنا نعرف أنّنا مهدَّدون، ونرى التهديدات حتّى حيث لا وجود لها...» يُبدي يوضاس تدّاوس ملاحظته.
«ونَرى أخطاء حتّى حيث لا وجود لها.» يستنتج توما.
«إنّها الحقيقة! الوسواس أمر بَشِع... مَن يدري كيف هي حال يهوذا اليوم؟ وفي أثناء ذلك، يستمتع بهذه الجنّة ووجود هؤلاء الملائكة... كنتُ سأُسَرُّ بالمرض أنا كذلك للحصول على كلّ تلك المتعة!» يقول بطرس.
ويجيبه برتلماوس: «لنأمل أن يُشفى قريباً. يجب إنّهاء الرحلة، ذلك أنّ موسم الحرارة يُداهِمنا.»
«آه! لا تنقصه العناية، ثمّ... إنّ المعلّم سيفكّر بذلك إذا ما اضطرّ الأمر.» يؤكّد أندراوس.
«عندما تركناه كانت حرارته مرتفعة جدّاً. لستُ أدري كيف أُصيب بها هكذا...» يقول يعقوب بن زبدى.
ويجيبه متّى: «كيف تأتي الحرارة؟ إنَّها تأتي لأنّه ينبغي لها أن تأتي. ولكنّ الأمر لا يهم. المعلّم غير قَلِق على الإطلاق. لو كان رأى في ذلك خطراً، لما غادَرَ قصر حنّة.»
بالفعل، فإنّ يسوع غير قَلِق على الإطلاق. إنّه يتحدّث إلى مرغزيام ويوحنّا، ويتقدّم وهو يَمنَح الهِبات. مِن المؤكَّد أنّه يشرح للطفل أشياء كثيرة، إذ أراه يشوّر ليدلّه على هذه وتلك مِن التفاصيل. يتوجّه إلى طرف جدار الهيكل، عند الركن الشماليّ الشرقيّ. فهناك جمع غفير يتوجّهون إلى مكان توجد فيه أروقة تَسبق بوّابة، أَسمَعهُم يُطلِقون عليها: «بوّابة القطيع».
«إنّها حوض الغَنَم، بِركة بيت صيدا. الآن انظر جيّداً إلى الماء. أَتَرَى كَم هو ساكن في هذا الوقت؟ سترى، بعد قليل، أنّ حركة ستطرأ عليه، ويرتَفِع حتّى يُلامِس تلك الإشارة الرطبة. هل تراها؟ إنّ ملاك الربّ يَهبط، ويَشعُر الماء بوجوده، ويُجلّه حسب ما يستطيع. والملاك يَحمِل إلى الماء أمر شفاء الإنسان الذي يُسارِع إلى النُّـزول فيه. هل ترى هذا الجّمع؟ إنّ عدداً كبيراً جدّاً منهم غافلون، ولا يَرَون الحركة الأولى للماء، أو إنّ الأقوى يَدفَع الأضعف بدون شفقة. يجب عدم الغَفلة مُطلقاً عن وجود إشارات مِن الله. يجب جَعل النَّفْس متيقّظة على الدوام، لأنّ أحداً لا يَعلَم متى يَظهَر الله أو يُرسِل ملاكه. ويجب ألّا يكون المرء أنانيّاً، حتّى في أمور الصحّة. مَرَّات كثيرة يَفقد هؤلاء المساكين الخير الناجم عن مجيء الملاك، لأنّهم يَظَلّون يتناقشون فِيمَن يَلمس الماء أوّلاً، أو فِيمَن يكون الأكثر حاجة إلى ذلك. ويَشرح يسوع ذلك كلّه لمرغزيام الذي يَنظُر إليه بعينين مُحَملِقَتين، مُتنبِّهَتين، وهو يُراقِب الماء في ذات الوقت.
«هل يمكن رؤية الملاك؟ إنّ هذا لَيُسعدني.»
«لاويّ، راعٍ في مثل سنّكَ، قد رآه. فانظر جيّداً، أنتَ كذلك، وكُن مستعدّاً لتكريمه.»
لَم يَعُد الطفل يَغفَل، فعيناه تَتَناوَبان النَّظَر تارّة إلى الماء، وتارّة إلى ما فوق الماء. ولم يَعُد يَسمَع شيئاً ولا يرى شيئاً آخر. وفي تلك الأثناء، يَنظُر يسوع إلى ذلك الجمع مِن العاجزين، العميان، المعاقين والمشلولين، وهم ينتظرون. وكذلك الرُّسُل يَنظرون بإمعان. تتلاعب الشمس بالنور فوق الماء، وتجتاح، بشكل مَلكيّ، الصفوف الخمسة مِن الأروقة المحيطة بالبِركة.
«هو ذا! هو ذا!» يَهتف مرغزيام: «الماء يَنتَفِخ، يتحرّك، يَسطَع! يا له مِن نور! الملاك!»... ويجثو الطفل.
بالفعل، فإنّ السّائل في البِركة، أثناء تحرّكه، يبدو وكأنّه يزداد حجماً، بفعل مَوجة مُفاجِئة وكبيرة، تَنفُخه، وتَرفَعهُ إلى الحافة. ويَسطَع الماء مثل مرآة تحت الشمس. وميض مُبهِر مَدى بُرهة. ويَنـزِل أعرَج بسرعة في الماء، لِيَخرُج منه بعد قليل، بساقه الموسومة بآثار جرح كبير، وقد شُفِيَت تماماً. يتشكّى الآخرون ويتشاجرون مع الرجل الذي شُفِيَ. يقولون له إنّه، في النهاية، كان لا يزال يستطيع العمل، بينما هُم فلا. ويمتدّ الشِّجار.
يَنظُر يسوع حوله فيرى مشلولاً، طريح الفراش، يبكي بهدوء. يدنو منه، ينحني ويلاطفه سائلاً إيّاه: «أتبكي؟»
«نعم، فلا أحد يُفكّر بي على الإطلاق. أبقى هنا، أبقى هنا، والجميع يُشفَون أمّا أنا فلا، على الإطلاق. ها قد مضت أعوام ثمانية وثلاثون وأنا مُلقى على ظهري. لقد صَرَفتُ كلّ ما أملك، وقد مات ذويَّ، ويعتني بي الآن أحد أقاربي البعيدين، وهو يأتي بي صباحاً إلى هنا، ويُعيدُني في المساء... ولكنّ هذا يجعلني أشعُر بأنّني أُثقِل عليه. آه! أودُّ لو أموت!»
«لا تَغتمّ. لقد صَبِرتَ كثيراً، وآمنتَ! وسوف يستجيب الله لدعائكَ.»
«آمُل ذلك... إنّما تنتابني ساعات يأس. أنتَ طيّب وصالح، إنّما الآخرون... بإمكان الذي شُفِيَ، كعرفان جميل لله، أن يبقى هنا قليلاً لإعانة الإخوة الذين لا حول لهم ولا قوّة...»
«بالفعل، ينبغي له القيام بذلك. إنّما لا يكن فيكَ حقد. فَهُم لا يُفكِّرون بذلك، ليس مِن قَبيل سوء النيّة. إنّه فرح الشفاء، وهو يجعلهم أنانيّين. اغفر لهم...»
«أنتَ صالح، ولا تتصرّف هكذا. أنا أحاول جرّ نفسي على يديّ إلى هنا، حينما يتحرّك ماء البركة. إنّما هناك مَن يَسبقني على الدوام، ولا يمكنني المكوث قرب الحافّة، فأُداس بالأرجل. وحتّى ولو بقيتُ هنا، فَمَن يُعينني على النُّـزول إلى الماء؟ لو كنتُ رأيتكَ قَبلاً لكنتُ طلبتُ ذلك منكَ...»
«أتريد حقاً أن تَبرأ؟ إذاً، قُم، احمل سريركَ وامشِ.» وانتَصَبَ يسوع لِيُصدِر أمره، ويبدو وهو يَنهَض، وكأنّه يُنهِض معه المشلول الذي يَقِف، ثمّ يسير خطوة، اثنتان، ثلاث، كما لو أنّه لا يُصدِّق، وذلك خلف يسوع الذي يَمضي، وبما أنّه يمشي حقيقة، يُطلِق صيحة تجعل الجميع يَلتَفِتون.
«ولكن مَن تكون؟ قُل لي بحقّ الله! أيمكن أن تكون ملاك الربّ؟»
«أنا أكثر مِن ملاك. اسمي الرحمة. امضِ بسلام.»
يتجمهرون جميعاً. يَودُّون الكلام. يَودُّون الشفاء. ولكنّ حُرّاس الهيكل يَهرَعون. أظنُّهم يَحرسون البِركة كذلك، ويُفرِّقون هذا التجمُّع الصاخِب بالتهديدات.
يَحمل المشلول سريره -وهو عِبارة عن عارِضَتَين، ثُبِّت عليهما زوجان مِن الدواليب، وسُمِّرت عليهما كذلك قطعة مِن القماش البالي- ويَمضي سعيداً وهو يَهتف ليسوع: «سوف ألقاكَ ثانية. لن أنسى اسمكَ ووجهكَ.»
أمّا يسوع فيختلط بالجمع ويمضي، في وجهة أخرى، صوب الجدران. ولكنّه لَم يَكَد يتجاوز الرُّواق الأخير، حتّى وَصَلَ رهط مِن اليهود، مِن أسوأ الطَّبَقات، وكأنّهم مَدفوعون برياح عاتية، يتأجَّجون برغبة التفوّه بالشتائم ليسوع. يبحثون، يَنظُرون، ويتقصّون. ولكنّهم لا يتوصّلون إلى إدراك مَن هو المقصود، ويمضي يسوع، بينما أولئك، وقد خاب فَألهم، يُهاجِمون المشلول المسكين، الـمُبرأ والسعيد، ويتّهمونه: «لماذا تَحمِل هذا السرير؟ اليوم سبت. وهذا غير مسموح به لكَ.»
يَنظُر إليهم الرجل ويقول: «أنا لا أعرف شيئاً. جُلّ ما أعرفه هو أنّ الذي شفاني قال لي: "احمل سريركَ وامش". هذا ما أعرفه.»
«بالتأكيد هو شيطان، لأنّه أَمَرَكَ أن تَنتَهِك السبت. كيف كان؟ مَن كان؟ أكان يهوديّاً؟ جليليّاً؟ صابئاً؟»
«لا أدري. كان هنا. رآني أبكي، ودنا منّي. حَدَّثَني. شَفاني. ومضى مُمسِكاً بيده طفلاً، أظنُّه ابنه، إذ يُحتمل أن يكون له ابن في مثل هذا السن.»
«وَلَد؟ إذاً ليس هو!... ماذا قال إنّ اسمه؟ ألم تَسَلْه؟ لا تكذب!»
«لقد قال لي إنّ اسمه الرحمة.»
«أبله أنتَ! فهذا ليس اسماً!»
يَرفَع الرجل كتفيه ويمضي.
يقول آخرون: «بالتأكيد كان هو. حنانيا وزكّا، مِن الكَتَبَة، شاهَدَاه في الهيكل.»
«إنّما هو لا أولاد له!»
«ومع ذلك فإنّه هو. لقد كان مع تلاميذه.»
«ولكنّ يهوذا لَم يكن. وإنّه هو مَن نَعرف جيّداً. الآخرون... قد يكونون أناساً عاديّين.»
«لا. كانوا هُم.»
ويستمرّ الجدال، بينما تمتلئ الأروقة بالمرضى…
يَعود يسوع ويَدخُل الهيكل مِن جهة أخرى، مِن الجانب الغربي، الذي هو في مواجهة المدينة. يتبعه الرُّسُل. يَنظُر يسوع حوله، وأخيراً يَرى الذي يبحث عنه: يوناثان، الذي كان يبحث عنه بدوره.
«إنَّه أفضل يا معلّم. الحرارة تهبط. كذلك أُمّكَ تقول إنّها تَأمُل التمكّن مِن المجيء السبت القادم.»
«شكراً يا يوناثان، لقد كنتَ دقيقاً في موعدكَ.»
«ليس كثيراً، فلقد استوقَفَني ماكسيمين صديق لعازر. إنّه يبحث عنكَ. لقد ذَهَبَ إلى رُواق سليمان.»
«سوف أمضي للقائه. السلام معكَ، واحمل سلامي إلى أُمّي وإلى النساء التلميذات بالإضافة إلى يهوذا.»
ويَمضي يسوع مُسرِعاً إلى رُواق سليمان، حيث يَجِد مكسيمين بالفعل.
«عَرف لعازر أنّكَ هنا. وهو يودُّ رؤيتكَ ليقول لكَ أمراً هامّاً. هل تأتي؟»
«بدون أيّ شكّ وبلا تأخير. يمكنكَ القول له أن ينتظرني في بحر هذا الأسبوع.»
وبعد بضعة كلّمات يَمضي مكسيمين كذلك.
«لنَمْضِ ونُصَلِّ، طالما عُدنا إلى هنا.» يقول يسوع ذلك ويَمضي إلى ردهة اليهود.
ولكنّه يلتقي المشلول الـمُبرأ بالقرب مِن ذلك المكان، وقد أتى ليشكر الربّ. يَراه الـمُبرأ بمعجزة وسط الجمع، فيحيّيه بفرح، ويَروي له ما حَدَث أمام البِركة بعد رحيله. ويُنهي: «أحدهم، وقد دُهِشَ مِن رؤيتي معافى، قال لي مَن تكون. أنتَ هو ماسيّا. صحيح؟»
«أنا هو. إنّما حتّى لو كنتَ شُفيتَ بالماء أو بِقُدرة أخرى، فإنّ واجبكَ تجاه الله يبقى هو هو، إنّه واجب استخدام صحّتكَ استخداماً جيّداً ، لتتصرّف بشكل جيّد. لقد شُفيتَ. اذهب إذاً، بنوايا صالحة، وعاوِد نشاطات حياتكَ، ولا تَعُد تُخطئ، فلا يعاقبكَ الله بعد. وداعاً. امض بسلام.»
«أنا رجل مسنّ ولا أعرف شيئاً... ولكنّني أودُّ لو أتبعكَ لأخدمكَ ولأتعلّم. فهل تَقبَلني؟»
«أنا لا أردُّ أحداً. إنّما فَكِّر ملياً قبل أن تأتي، وإذا قَرَّرتَ تعال.»
«أين؟ لستُ أدري أين تَذهب...»
«عَبْر العالم. ففي كلّ مكان سَتَجِد بعضاً مِن تلاميذي يقودونكَ إليَّ. وليُنر الله بصيرتكَ مِن أجل الأفضل.»
يَمضي الآن يسوع إلى مكانه ويُصلّي.
لستُ أدري ما إذا كان الـمُبرأ بمعجزة قد مضى تلقائيّاً للقاء اليهود، أو إذا كان أولئك، كونهم بالمرصاد، قد أوقَفوه لِيَسألوه إذا ما كان الذي حَدَّثَه هو نفسه الذي شَفاه بشكل عجائبيّ. الذي أَعلَمهُ هو أنّ الرجل يتحدّث إلى اليهود ثمّ يَمضي، بينما يمضي أولئك إلى جانب السلّم الذي يُفتَرَض أن يَنـزل منه يسوع للعبور إلى الباحات الأخرى والخروج مِن الهيكل. عندما يَصِل يسوع، يُبادِرونه دون إلقاء التحيّة بالقول: «أتستمرّ في نقض السبت إذن، رغم كلّ الاتّهامات التي وُجِّهت إليكَ؟ وتريد أن تُحتَرَم كَمُرسَل مِن الله؟»
«مُرسَل؟ بل أكثر: كابن. فالله أبي. وإذا ما رفضتم احترامي، فامتَنِعوا عن ذلك. أمّا أنا، فلن أتوقّف بأيّ شكل عن إتمام رسالتي. لأنّ الله لا يتوقّف لحظة عن العمل. الآن أيضاً أبي يعمل وأنا أعمل، ذلك أنّ الابن الصالح يفعل ما يفعله أبوه، ولأنّني ما أتيتُ إلى الأرض إلّا لكي أَعمَل.»
يَدنو أناس للاستماع إلى النقاش. ومِنهم مَن يَعرِف يسوع، ومِنهُم مَن قد أَحسَنَ إليهم، وآخرون يَرونَه لأوّل مرّة. كثيرون يحبّونه، آخرون يُبغضونه، وكثيرون يَظلّون لا مُبالين. يُحيط الرُّسُل بالمعلّم. مرغزيام شبه خائف، ويبدو وجهه الصغير على وشك أن تملأه الدموع.
اليهود، وهُم مَزيج مِن الكَتَبَة والفرّيسيّين والصدوقيّين، يَصرخون مُعلِنين شكّهم: «يا لجسارتكَ! آه! يَدَّعي إنّه ابن الله! أيّ انتهاك للحرمات! الله هو الكائن وليس له ابن! ولكن نادوا جملائيل! نادوا صادوق! اجمعوا الحاخامين لِيَسمعوه ويُفحِموه.»
«لا تَضطَرِبوا. نادوهم، وسيقولون لكم إذا ما كان حقّاً أنّهم يَعلَمون أنّ الله واحد وثالوث: آب وابن وروح قدس. وأنّ الكلمة، يعني ابن الفِكر، قد أتى، كما كان قد تنبّأ عنه الأنبياء، لِيُخلِّص إسرائيل والعالم مِن الخطيئة. أنا الكَلِمَة. أنا ماسيّا الذي بُشِّر به، فلا انتهاك للمقدَّسات إذن إذا ما أَسمَيت أبي، ذاك الذي هو الآب. تَقلقون لأنّني أجتَرِح المعجزات، وبِفضلها أَجذُب إليَّ الجموع وأَستَميلهم. تتّهمونني بأنّني الشيطان، لأنّني أَصنَع الخَوارق. ولكنّ بعلزبول موجود في العالم منذ قرون، وفي الحقيقة، لديه الكثير مِن العابدين الـمُكَرَّسين، فلماذا إذن لا يفعل ما أفعله؟»
يتهامس الناس: «حقّاً! حقّاً! لا أحد يفعل ما يَفعَله هو.»
يُتابِع يسوع: «أنا أقول لكم: هذا لأنّني أعرف ما لا يعرفه هو، وأستطيع ما لا يستطيعه هو. وإذا كنتُ أعمَل أعمال الله، فهذا لأنّني أنا ابنه. لا يمكن لأحد أن يَعمَل بذاته إلّا الأعمال التي رآها تُنجَز؛ وأنا، الابن، لا يمكنني عَمَل إلّا ما رأيتُ الآب يَعمَله، فأنا وهو واحد، منذ دهر الدهور، ولستُ مُختلفاً عنه بالطبيعة والسُّلطان. وكلّ ما يَفعَله الآب أفعله أنا كذلك، لأنّني ابنه، فلا بعلزبول ولا غيره يستطيع فِعل ما أَفعَله، لأنّ بعلزبول والآخرين لا يَعرِفون ما أعرفه. الآب يحبّني أنا، ابنه، ويحبّني بغير قياس، كما أحبّه أنا كذلك. لأجل ذلك هو أراني، ويُرِيني كلّ ما يَفعَله، كي أفعل أنا ما يَفعَله، أنا على الأرض، في زمن النِّعَم هذا، وهو في السماء قبل أن يكون الزمن على الأرض. وسوف يُريني أعمالاً أعظَم على الدوام لكي أُنجِزها، وتَظلّون أنتم مُندَهِشين.
فِكره لا يَنضَب في عمله. وأنا أقتدي به، كوني مثله لا أفرَغ مِن إنجاز ما يُفكِّر به الآب ويريده في تفكيره. أنتم لا تَعرِفون ما يَخلقه الحبّ دون أن يَنضَب أبداً. نحن الحبّ. لا حدود لنا، ولا شيء لا يمكن فِعله على مستوى درجات الإنسان الثلاث: الأدنى والأعلى والروحيّة. بالفعل، كما أنّ الآب يُنهِض الموتى، ويُعيد إليهم الحياة، فأنا، الابن، كذلك يُمكنني مَنح الحياة لِمَن أريد، وحتّى، بسبب الحبّ اللامحدود الذي يكنّه الآب للابن، فقد أُعطي لي أن أُعيد الحياة، ليس فقط إلى الجزء الأدنى، إنّما حتّى إلى القسم الأعلى، بإعتاق فِكر الإنسان وقلبه مِن أخطاء الروح والأهواء السيّئة، وإلى القسم الروحيّ، بإعادة تحرير الروح مِن الخطيئة. الآب، بالفعل، لا يدين أحداً، إذ قد مَنَحَ سلطان الدينونة للابن، ذلك أنّ الابن، هو الذي اشترى الإنسانيّة، بتضحيته الشخصيّة، لِيَفتَديها. وهذا يَفعَله الآب اليوم بِعَدل، لأنّه مِن العدل أن يُعطى لِمَن يَدفَع الثَّمن مِمَّا يخصّه، ولكي يُبجِّل الجميع الابن كما كَرَّموا الآب.
اعلَموا أنّكم لو فَرَّقتم الآب عن الابن أو الابن عن الآب، وما تذكّرتم الحبّ، فإنّكم لا تحبّون الله كما ينبغي أن يُحَبّ: بحقّ وحكمة، ولكنّكم تَرتَكِبون هرطقة، لأنّكم لا تَعبدون سوى واحد، بينما هو ثالوث رائع. كذلك الذي لا يُجِلّ الابن كالذي لَم يُجِلّ الآب، ذلك أنّ الآب، الله، لا يَقبَل أن يُعبَد جزء واحد منه، بل إنّما يريد أن يُعبَد كلّاً متكاملاً. مَن لا يُجِلّ الابن لا يُجِلّ الآب الذي أرسَلَهُ في فِكرة حبّ كاملة. لأنّه حينئذ يَرفض معرفة أنّ الله يَعرِف القيام بأعمال صحيحة.
الحقّ أقول لكم إنّ مَن يَسمَع كلامي، ويؤمن بِمَن أرسَلَني، فله الحياة الأبديّة، ولا يَخضَع لدينونة، ولكنّه يَعبُر مِن الموت إلى الحياة، لأنّ الإيمان بالله وتَقَبُّل كَلِمَتي يَعني أن يتقبَّل في ذاته الحياة التي لا تموت. ستأتي الساعة، وهي الآن حاضرة بالنسبة إلى الكثيرين، يَسمَع فيها الأموات صوت ابن الله، وحيث يَحيا الذي يَسمَعه، يَصدَح مُحيّياً في أعماق قلبه.
ما قولكَ أيّها الكاتب؟»
«أقول إنّ الموتى لا يَعودون يَسمعون شيئاً، وإنّكَ مجنون.»
«سوف تُقنِعك السماء بأنّ الأمر ليس كذلك، وأنّ عِلمكَ ليس بشيء، إذا ما قورِن بِعِلم الله. لقد أنْسَنْتَ الأمور فائقة الطبيعة لدرجة أنّكَ لم تَعُد تعطي الكلّمات إلّا معنى غير مباشر وأرضيّاً. لقد عَلَّمتَ الهجّادة بِصِيغ جامِدة، الصِّيَغ التي لكم، دون تَحَمُّل عناء إدراك الرموز على حقيقتها، والآن، فإنّكم، في قرارة نفسكم الـمُنهَكَة مِن جرّاء ضغط الطبيعة البشريّة التي تتغلّب على الروح، لا تؤمنون حتّى بما تُعلِّمونه. وهذا هو السبب الذي لأجله لَم تعودوا قادرين على مجابهة القوى الباطنيّة.
فالموت الذي أتحدّث عنه ليس موت الجسد، بل موت الروح. سيأتي الذين يَسمَعون كَلِمَتي بآذإنهم، ويتقبّلونها في قلوبهم، ويَعمَلون بها، فهؤلاء، حتّى ولو كانوا أمواتاً بأرواحهم، فإنّهم يستعيدون الحياة، لأنّ كلمتي تَفيض حياة. وأنا أستطيع مَنحها لِمَن أشاء، لأنّ فيَّ كمال الحياة، لأنّه، كما أنّ الآب له في ذاته تَمام الحياة، فقد حَصَلَ الابن، مِن الله، على الحياة، في ذاته، تامّة، كاملة، أبديّة، لا نهاية لها ومُتناقِلة. ومع الحياة، مَنَحَني الآب سلطان الدينونة، لأنّ ابن الآب هو ابن الإنسان، ويمكنه، بل وينبغي له دينونة الإنسان.
لا تُدهَشوا للقيامة الأولى هذه، الروحيّة، التي أَصنَعها أنا بكلمتي. وسوف تَرَون ما هو أقوى بعد، أقوى مِن أحاسيسكم الـمُثقَلَة، إذ، في الحقيقة، أقول لكم: ما مِن شيء أعظم مِن القيامة الحقيقيّة، غير المرئيّة، لروح. ستأتي الساعة قريباً، وفيها يَختَرِق صوت ابن الله القبور، ويَسمَعه كلّ مَن فيها. والذين عَمِلوا الصالحات، يَخرُجون إلى قيامة الحياة الأبديّة؛ والذين عَمِلوا السيّئات إلى قيامة الدينونة الأبديّة.
لستُ أقول لكم إنّني أقوم بذلك الآن، وسأقوم به لاحقاً، مِن ذاتي وبإرادتي وحدي، بل إنّما بإرادة الآب مُتَّحِدة بإرادتي. أقول وأحْكُم بحسب ما أَسمَع، وحُكمي عادل، لأنّني لا أعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أَرسَلَني.
لستُ مُنفَصِلاً عن الآب. أنا فيه وهو فيَّ، وأنا عالِم بِفِكره وأُترجِمه إلى كلام وفِعل.
ما أقوله لأشهد به لذاتي، لا يمكن أن تَقبَله نفسكم عديمة الإيمان التي لا تريد أن ترى فيَّ سوى الإنسان الـمُشابِه لكم جميعاً. إنسان آخر يَشهَد لي، وتقولون إنّكم تُكرِّسونه كنبيّ عظيم. وأَعلَم أنّ شهادته حقّ، ولكنّكم، أنتم الذين تقولون إنّكم تُكرِّمونه، تَرفُضون شهادته، لأنّها تُناقِض تفكيركم الـمُعادي لي. أنتم لا تَقبَلون شهادة الإنسان البارّ، آخر نبيّ في إسرائيل، لأنّها، حينما لا تناسبكم، تقولون: "إنْ هو إلّا إنسان، وقد يُخطِئ".
لقد أرسَلتُم أناساً يَسأَلون يوحنّا، عَلَّه يقول عنّي ما تَرغَبون، ما تُفكِّرون به عنّي، بل ما تَشاؤون أن تُفكِّروا به عنّي. ولكنّ يوحنّا شَهِد شهادة حقّ، لم تتمكَّنوا مِن تَقُبّلها. ذلك أنّ النبيّ قال إنّ يسوع الناصريّ هو ابن الله. ولأنّكم تَخشُون الجّموع، فإنّكم تقولون، في سرّ قلوبكم، إنّ النبيّ مجنون، كما هي حال المسيح. وبأنَّني أنا مجنون كذلك. وعلى الرغم مِن أنَّني لا أعتمد على شهادة إنسان، حتى ولو كانت صادرة عن أقدس إنسان في إسرائيل. إلّا أنَّني أقول لكم: لقد كان هو المصباح المتوقِّد والمضيء، ولكنّكم لَم تُريدوا الاستمتاع بنوره إلّا قليلاً جدّاً. وعندما سَلَّطَ هذا النُّور عليَّ، لِتَعلَموا مَن هو المسيح، جعلتم المصباح تحت المكيال، وقبل ذلك أيضاً، جعلتم بينكم وبينه جداراً لكيلا تَروا، على ضوئه، مسيح الربّ.
أنا شاكر ليوحنّا شهادته، والآب شاكر له ذلك. وسوف تكون له مكافأة عظيمة مِن أجل الشهادة التي أَعطى، مُنيراً بذلك أيضاً في السماء، أوّل شمس تتألّق بين الناس في العُلا، مُنيراً، كما كلّ الذين كانوا أوفياء مُخلِصين للحقّ ومتعطِّشين للعدل. أمّا أنا، في هذه الأثناء، فلديَّ شهادة أَعظَم مِن شهادة يوحنّا، وهذه الشهادة هي أعمالي. لأنّها الأعمال التي أعطانيها الآب لِأُتمِّمها، تلك الأعمال أُتمّمها، وهي تَشهَد لي بأنّ الآب أَرسَلَني، مانحاً إيّاي كلّ سلطان. وهكذا فإنَّ الآب نفسه هو الذي أَرسَلَني، وهو الذي يَشهَد لي.
أنتم لَم تَسمعوا صوته قط، ولَم تَروا وجهه، أمّا أنا فقد رأيتُهُ وما زِلتُ أراه، ولقد سَمِعتُه وأَسمَعه، وكَلِمَته لا يُقيم فيكم لأنّكم لا تؤمِنون بِمَن أَرسَلَه.
تَدرسون الكِتاب، ظنّاً منكم أنّكم بمعرفته تَحصلون على الحياة الأبديّة. وَأَفَلا تتنبَّهون بأنّ الكُتُب بالذَّات تتحدّث عنّي؟ لماذا إذن تستمرّون في رفضكم المجيء إليَّ لِنَيل الحياة؟ أنا أقول لكم: عندما يكون أمر ما مخالفاً لآرائكم المتأصّلة فيكم ترفضونه. يَنقصكم التَّواضُع. لا يمكنكم التوصّل إلى القول: "لقد أخطأتُ، هذا الكِتاب أو ذاك يقول ما هو كائن فعلاً، وإنّا نُخطِئ". هكذا تصرَّفتم مع يوحنّا، مع الكُتُب، ومع الكَلِمَة الذي يتحدّث إليكم. لا يمكنكم أن تَروا بَعد ولا أن تُدرِكوا، لأنّكم سجناء الكبرياء، وقد سَبَّبَت أصواتكم لكم الدُّوار.
هل تظنّون أنّني أتكلّم هكذا لأنّني أريد أن أكون مُمَجَّداً منكم؟ لا، فليكن معلوماً لديكم، أنا لا أبحث ولا أَرضَى بِمَجد يأتي مِن البشر. ما أبحث عنه وأريده هو خلاصكم الأبديّ. هذا هو المجد الذي أسعى إليه. مجدي كَمُخَلِّص، الذي لا يمكن أن يتحقّق إلّا إذا كان لي أوفياء، وهو يَتعاظم مع عدد الذين أُخلِّصهم، والذي ينبغي أن يُعطى لي مِن الأرواح التي خَلَّصتُها ومِن الآب، هو روح فائق الطُّهر، بينما أنتم لن تكونوا مُخلَّصين. أعرفكم على ما أنتم عليه. ليس فيكم حبّ الله، فأنتم بدون حبّ، لأجل ذلك لا تُقبِلون إلى الحبّ الذي يكلّمكم، ولَن تَدخُلوا ملكوت الحبّ. فأنتم فيه مَجهولون. الآب لا يعرفكم لأنّكم لا تعرفونني، أنا الذي في الآب. بل لا تريدون أن تعرفوني.
لقد أتيتُ باسم أبي، وأنتم لا تتقبّلونني، رغم أنّكم على استعداد لاستقبال أيّ كان يأتي باسمه الخاصّ، شرط أن يقول ما يَروق لكم. أتقولون إنّكم أرواح مؤمنة؟ لا، أنتم لستم كذلك. كيف يمكنكم الإيمان، أنتم يا مَن تتسوَّلون المجد، البعض مِن البعض الآخر، ولا تبحثون عن مَجد السماوات الذي يأتي مِن الله وحده؟ المجد الذي هو حقّ، وهو لا يُسَرُّ أو يَستَمتِع بالفوائد التي لا تتعدّى كونها أرضيّة، وهي تُداعِب فقط الإنسانيّة الفاسدة لأبناء آدم المنحطِّين.
أنا لن أتّهمكم لدى الآب. لا تُفكِّروا بذلك، فهناك مَن يتَّهمكم. إنّه موسى الذي تَرجون. هو مَن سوف يَتَّهمكم بعدم إيمانكم به، لأنّكم لا تؤمنون بي، فهو قد كَتَبَ عنّي، وأنتم لا تعرفونني بحسب ما تَرَكَه مكتوباً عنّي. أنتم لا تؤمنون بكلام موسى العظيم الذي تُقسِمون به. فكيف يمكنكم إذن الإيمان بكلامي؟ بكلام ابن الإنسان الذي لا تؤمنون به؟ إذا ما تكلَّمنا بشريّاً، فهذا مَنطِق. إنّما هنا، فإنّنا في حقل الروح حيث تَصطَدِم نفوسكم، فَيَنظُر إليها الله على ضوء أعمالي، ويُقابِل الأفعال التي تقومون بها مع ما أتيتُ أُعلِّمه. ويدينكم الله.
أمّا أنا فإنّني أمضي. ولن يطول الزمن الذي ترونني فيه، وتأكَّدوا كذلك أنّ هذا ليس نصراً لكم، بل إنّما هو عقاب. هيّا بنا نَرحَل.»
ويَختَرِق يسوع الجمع الذي يَظلّ قسم منه صامتاً، وقسم يتهامسون حول الاستحسان الذي يُحوّله الخوف مِن الفرّيسيّين إلى هَمس. ويَمضي يسوع.

7
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

لجزء السادس/ القسم الأول
114- (إذا تاب سبع مرّات، فاغفر له سبع مرّات)
25 / 04 / 1946
لقد أصبحوا الآن على الضفّة الأخرى. على يمينهم جبل طابور وحرمون الصغير، وعلى يسارهم جبال السامرة، خلفهم نهر الأردن، وفي قبالتهم، فيما بعد السهل، الروابي التي أمامها مجدّو (إذا ما كانت ذاكرتي جيّدة، فهذا الاسم هو الذي سمعتُه في رؤيا بعيدة، تلك حيث يسوع يعود لملاقاة يهوذا الإسخريوطيّ وتوما، بعد الافتراق الذي سَبَّبَته ضرورة إبقاء رحيل سينتيكا ويوحنّا الأندوريّ بالخفاء).
يُفتَرض أنّهم استراحوا طوال اليوم في بيت مضيف، ذلك أنّه المساء مجدّداً، ومِن الواضح أنّهم مرتاحون. ما يزال الطقس حارّاً، ولكنّ الندى قد بدأ يتساقط، مُلطّفاً الحرارة. وظلال الغسق الضاربة إلى اللون البنفسجيّ تنزل، بالتعاقب مع الاحمرار الأخير لغياب شمس حارق.
«هنا السّير سهل» يلاحظ متّى المسرور.
«نعم، على هذا النمط مِن السّير، سوف نكون في مجدّو قبل صياح الدّيك» يجيبه الغيور.
«وفي الفجر، فيما بعد الروابي، قُبالة سهل شارون» يضيف يوحنّا.
«وَبَحركَ، أليس كذلك؟» يقول له أخوه ممازحاً إيّاه.
«نعم، بَحري...» يجيب يوحنّا مبتسماً.
«وتمضي بالروح في واحدة مِن تغرّباتكَ الروحيّة» يقول له بطرس معانقاً إيّاه بعاطفة جيّاشة ووديعة. ويُنهي بالقول: «عَلِّمني أنا كذلك كيف العمل لإبراز هكذا أفكار... ملائكيّة، بالنّظر إلى الأشياء. أنا، نظرتُ إلى المياه مرّات كثيرة... أحببتُها... إنّما... لم تفدني أبداً بغير الأكل والصيد، ماذا ترى فيها أنتَ؟...»
«أرى الماء، يا سمعان، مثلكَ ومثل الجميع، بالطريقة ذاتها التي أرى فيها الآن الحقول والبساتين... إنّما بعد ذلك، علاوة على عينيّ الجسد، كأنّ لي عينين أُخريين هنا، في الداخل، فلا أعود أرى العشب والماء، بل كلمات حكمة تخرج مِن تلك الأشياء المادّيّة. لستُ أنا مَن أُفكّر، أنا لستُ مؤهّلاً لذلك، بل هو آخر يفكّر في داخلي.»
«قد تكون نبيّاً؟» يَسأَل الإسخريوطيّ بشيء مِن التهكّم.
«آه! لا! لستُ نبيّاً...»
«وإذن؟ أتظنّ أنّكَ تمتلك الله؟»
«أيضاً أقلّ...»
«إذن أنتَ تهذي.»
«ممكن أن يكون هذا، بقدر ما أنا صغير وضعيف. ولكن، إن يكن الأمر هكذا، فكم هو ممتع الهذيان، فذلك يحملني إلى الله. ويصبح مَرَضي آنذاك عطيّة ونعمة، وأُبارك الربّ عليه.»
«آه! آه! آه!» يضحك يهوذا بصخب ونشاز.
يسوع، الذي سَمِعَ، يقول: «هو ليس مريضاً، وهو ليس نبيّاً. ولكنّ الروح الطاهر يمتلك الحكمة. وهي التي تتكلّم في قلب الإنسان البارّ.»
«إذاً فأنا لن أتوصّل إلى ذلك أبداً، ذلك أنّني لم أكن صالحاً دائماً...» يقول بطرس مُحبَطاً.
«وأنا، إذاً؟» يجيبه متّى.
«أصدقائي، قليلون هم، قليلون جدّاً هم الذين يستطيعون امتلاك الحكمة لكونهم طاهرين على الدوام. إنّما التوبة والإرادة الصالحة تعملان على أنّ الإنسان، المذنب في البدء وغير الكامل، يصبح بارّاً، وحينئذ يتطهّر الضمير في حَمَّام التّواضع، الندامة والحبّ، وإذ يتطهّر هكذا يمكنه مجاراة الطاهرين.»
«شكراً يا ربّ» يقول متّى وهو ينحني ليقبّل يد المعلّم.
برهة صمت. ثمّ يهتف يهوذا الإسخريوطيّ: «لقد تعبتُ! ولا أعلم ما إذا كنتُ سأتمكّن مِن السّير طوال الليل.»
«بالطبع!» يجيبه يعقوب بن زبدى. «لقد أردتَ اليوم أن تدور مثل ذبابة ضخمة، بينما كنّا نياماً!»
«كنتُ أريد رؤية ما إذا كنتُ سأصادف بعض التلاميذ...»
«وبماذا كان يهمّكَ ذلك؟ لم يقله المعلّم. فإذن...»
«حسناً، لقد فعلتُ ذلك. وإذا ما سمح المعلّم لي، فسوف أبقى في مجدّو. أظنّ أن أحداً مِن أصدقائنا سيكون هنا حيث ينزل كلّ عام في مثل هذا الوقت، بعد حصاد القمح. أريد أن أكلّمه عن أُمّي و...»
«افعل إذاً ما تجده صالحاً. وما أن تنتهي مِن عملكَ، سوف تتوجّه إلى الناصرة. سنلتقيكَ هناك. هكذا ستُعلِم أُمّي ومريم التي لحلفا أنّنا سنكون قريباً في المنزل.»
«أنا أيضاً أقول لكَ مثل متّى: "شكراً، يا ربّ".»
لا يجيب يسوع بشيء ويتلقّى القُبلة على اليد كما تلقّى قبلة متّى. ليس ممكناً رؤية تعابير الوجوه، ذلك أنّه المساء وضوء النهار قد تلاشى نهائيّاً، ولا ضوء أيضاً مِن النجوم. والليل حالِك ممّا يعيق تقدّمهم على الطريق، ولتفادي كلّ ما لا يُحمَد عقباه، بطرس وتوما يقرّران أن يقطفا مِن الأسيجة ويشعلا أغصاناً تشتعل مُطقطِقة... إلاّ أنّ غياب النور أوّلاً، ثمّ النور المتراقص والمدخّن، لا يسمح برؤية جيّدة لتعبير الوجوه.
الروابي تقترب في هذا الوقت وظلال أكماتها ترتسم بفضل ظلمة أكثر حلكاً مِن تلك التي للحقول، حيث تَرَكَ الحصاد حشفات تميل إلى البياض في ظلام الليل، وترتسم باطّراد طالما هي تقترب، ونور طلائع النجوم تأتي لإنارتها…
«أترككَ هنا، إذ إنّ صديقي يقطن خارج مجدّو قليلاً. إنّني تَعِب للغاية...»
«هيّا اذهب. وليسهر الربّ على خطاكَ.»
«شكراً يا معلّم. وداعاً، يا أصدقائي.»
«وداعاً، وداعاً» يقول الآخرون دون إعطاء الكثير مِن الأهمّيّة للسلام.
يُكرّر يسوع: «ليسهر الربّ على أفعالكَ.»
يمضي يهوذا بخُطى طليقة.
«هوم! لم يَعُد يبدو متعباً للغاية.» يلاحظ بطرس.
«نعم! هنا كان يجرّ حذاءه. والآن، هو يجري كالغزال...» يقول نثنائيل.
«وداعكَ كان مقدّساً، يا أخي. ولكن إن لم يَفرض الله عليه مشيئته، فحضور الله لا يساعده في القيام بمساعي حميدة وأعمال مستقيمة.»
«يوضاس، ليس أنّكَ أخي يعني أنّكَ مستثنى مِن الملامات! ألومكَ كذلك على كونكَ فظّاً وخالياً مِن الرحمة تجاه رفيقكَ. له أخطاؤه، إنّما أنتَ لديكَ التي لكَ. والخطأ الأوّل، عدم معرفة مساعدتي في تأهيل هذه النَّفْس. فتغيظه بكلامكَ. فليس بالعنف نكتسب القلوب. هل تظنّ أنّ لديكَ الحقّ بمحاسبة كلّ أفعاله؟ هل تشعر بنفسكَ أنّكَ كامل لدرجة تستطيع معها فِعل ذلك؟ أذكّركَ أنّني أنا، معلّمكَ، لا أفعل ذلك، لأنّني أحبّ هذه النَّفْس غير المؤهّلة. فهذه هي التي تجعلني أرحم أكثر مِن غيرها... لأنّها بالضبط غير مؤهّلة. هل تظنّ أنّه راض عن وضعه؟ وكيف ستتمكّن غداً مِن أن تكون معلّماً للأرواح إذا لم تتدرّب تجاه رفيق لكَ على استخدام المحبّة اللامتناهية التي تفتدي الخَطَأَة؟»
يَخفض يوضاس بن حلفا رأسه منذ الكلمات الأولى. ولكن في النهاية، يجثو على الأرض قائلاً: «سامحني. أنا خاطئ ووجِّه لي اللّوم عندما أخطئ، فالتقويم حُبّ، وليس سوى الأحمق مَن لا يُدرِك نعمة أن يُقوّمه الحكيم.»
«أنتَ ترى أنّني أفعل ذلك مِن أجل خيركَ. إنّما إلى اللّوم يُضاف الغفران، لأنّني أعرف إدراك أسباب تشدّدكَ، ولأنّ تواضع الذي يُقوَّم ينزع سلاح الذي يقوِّم. انهض، يا يوضاس، ولا تعد تخطئ» ويحتفظ به إلى جانبه مع يوحنّا.
يُعلّق الرُّسُل الآخرون فيما بينهم، في البدء بصوت منخفض، وفيما بعد بصوت أقوى بسبب عادتهم بالكلام بصوت عال، وهكذا أسمعهم يورِدون المقارنة بين يهوذا ويوضاس.
«لو كان يهوذا الإسخريوطيّ الذي يسمع هذه الملامات! مَن يدري أيّة ثورة! طيّب هو أخوكَ» يقول توما ليعقوب.
«ومع ذلك... هاك... لا يمكن القول بأنّه كان يتكلّم بشكل سيّئ. لقد تكلّم بالحقّ عن يهوذا الإسخريوطيّ. هل تثق أنتَ بأنّ هناك صديقاً يذهب إلى اليهوديّة؟ أنا، لا» يقول متّى بصراحة.
«قد يعني الأمر... أعمال كُروم، كما في سوق أريحا» يقول بطرس، وهو يتذكّر الحدث الذي لا يمكنه نسيانه. يضحك الجميع.
«مِن المؤكّد أنّ المعلّم فقط يشفق عليه كثيراً...» يلاحظ فليبّس.
«كثيراً؟ بل عليكَ القول على الدوام» يردّ عليه يعقوب بن زبدى.
«لو كنتُ أنا، لما كنتُ صبوراً إلى هذا الحدّ» يقول نثنائيل.
«ولا حتّى أنا» يؤكّد متّى. «فحدث الأمس كان مثيراً للاشمئزاز.»
«على الإنسان ألاّ يكون مُدركاً تماماً» يقول الغيور ناصحاً.
«ومع ذلك» يقول بطرس «أعماله، يُجيد فعلها على الدوام، حتّى بشكل جيّد جدّاً. أراهن بمركبي، بِشِباكي، وحتّى ببيتي، متأكّداً أنّني لن أخسر، أنّه ذاهب إلى أحد الفرّيسيّين طلباً للحماية...»
«صحيح! إسماعيل! إسماعيل في مجدّو! كيف لم نفكّر في ذلك؟ ولكن يجب أن يقال هذا للمعلّم!» يهتف توما وهو يضرب جبهته بقوّة.
«لا فائدة. مرّة أخرى يعذره المعلّم ويلومنا» يقول الغيور.
«حسناً... فلنحاول. هيّا أنتَ يا يعقوب. إنّه يحبّكَ، فأنتَ واحد مِن أهله...»
«بالنسبة إليه، نحن جميعنا متساوون. فهنا، هو لا يرى فينا أهلاً أو أصدقاء، هو لا يرى سِوى رُسُل، وهو غير منحاز. ولكنّني سأذهب إرضاء لكم» يقول يعقوب بن حلفا ويُسرِع في الابتعاد عن الرّفاق والالتحاق بيسوع.
«تفكّر أنّه ذهب إلى بيت أحد الفرّيسيّين. هو أو أحد آخر، لا يهمّ... ولكنّي أظنّه فَعَلَ ذلك لكي لا يذهب إلى قيصريّة. فهو لا يأتي إليها عن طيب خاطر...» يقول أندراوس.
«يبدو أنّه قد نَفَرَ مِن الرومانيّات منذ بعض الوقت» يُلاحظ توما.
«ومع ذلك... بينما كنتم ذاهبين إلى عين جدي، وأنا كنتُ ذاهباً معه عند لعازر، كان في غاية السرور في التكلّم مع كلوديا...» يلاحظ الغيور.
«نعم... لكن... أظنّه بالتحديد في ذلك الوقت قد ارتكب خطأ ما، وأظنُّ أنّ حنّة قد عَلِمَت بذلك، ولذلك استدعَت يسوع و... و... أَعتَصِر مِن أمور كثيرة هنا في الداخل منذ أن احتدّ يهوذا هكذا في بيت ساحور...» يُتمتم بطرس بين أسنانه.
«أتقول أنّ؟...» يَسأَل متّى بفضول.
«ولكن... لستُ أدري... أفكار... سوف نرى...»
«آه! لا نفكرنّ في الشرّ! المعلّم لا يريد. ولا أدلّة لدينا بأنّه فَعَلَ شرّاً» يتوسّل أندراوس.
«لا أظنّكَ تريد القول لي إنّه حسناً يفعل في أن يتسبّب بالحزن للمعلّم، أن يقلّل مِن احترامه، أن يتسبّب بالكدر، و...»
«حسناً! يا سمعان! أؤكّد لكَ أنّه مجنون قليلاً...» يقول الغيور.
«حسناً! ممكن. ولكنّه يرتكب خطيئة ضدّ طيبة ربّنا. أنا، حتّى لو بَصَقَ في وجهي، لو صَفَعَني، كنتُ لأحتمل ذلك مُقدّماً إيّاه لله مِن أجل فدائه. لقد عزمتُ على تقديم كلّ أنواع التضحيات على نيّته، وأعضّ على لساني، وأغرز أظافري في كفيّ عندما يَظهَر بمظهر المجنون، كي أسيطر على نفسي. إنّما ما لا يمكنني مسامحته عليه، هو أن يسيء لمعلّمنا. الخطيئة التي يرتكبها بحقّه، كأنّه كان يرتكبها بحقّي أنا، ولا أسامحه. ثمّ... حتّى ولو كان ذلك نادراً! ولكنّه يتكرّر دائماً! فلا أتوصّل إلى تمرير هذا السُّخط الذي يغلي في داخلي مِن جرّاء مَشهَد قام به، وها هو يقوم بآخر! مرّة، مرّتين، ثلاث مرّات... هناك حدود!» يتحدّث بطرس وهو يكاد يصرخ ويشوّر بحدّته كلّها.
يسوع، الذي يتقدّم مسافة عشرة أمتار، يلتفت، كظلّ أبيض في الليل، ويقول: «لا حدود للحبّ والمسامحة. لا حدود لها. لا لدى الله، ولا لدى أبناء الله الحقيقيّين. طالما هي الحياة، فلا حدود. العائق الوحيد في هبوط مستوى المسامحة والحبّ، هو المقاومة غير التوّابة للخاطئ. إنّما لو تاب، فإنّه يحظى دوماً بالمغفرة. ولو خطئ ليس مرّة، مرّتين، ثلاث مرّات في اليوم، بل أكثر.
أنتم أيضاً، ترتكبون الخطايا وتريدون أن يَغفر لكم الله وتمضون إليه قائلين: "لقد أخطأتُ! اغفر لي"، ويلذّ لكم الغفران، كما يلذّ لله أن يَغفر. أنتم لستم آلهة، وبالتالي فإنّ الإهانة التي يوجّهها إليكم أحد المشابهين لكم هي أقلّ جسامة بالمقارنة مع الإهانة التي يوجّهها لِمَن لا يشبه أحداً آخر. ألا يبدو لكم ذلك؟ ومع ذلك الله يَغفر. أنتم كذلك، افعلوا بالمثل. انتبهوا لأنفسكم! انتبهوا لئلاّ يتبدّل التشدّد بضرر لكم، مثيراً تشدّداً مِن قبل الله تجاهكم.
لقد قلتُ، ولكنّني أكرّر أيضاً: كونوا رحماء لتحصلوا على الرحمة. ما مِن أحد معصوم عن الخطأ كي يتمكّن مِن أن يكون خالياً مِن الرحمة تجاه الخاطئ. انظروا إلى الأثقال التي تُرهِق قلبكم قبل التي تُرهِق قلب الآخر. أزيلوا أوّلاً أثقال روحكم، ومن ثمّ التفتوا إلى التي للآخرين لتُظهِروا للآخرين ليس الشدّة التي تدين، إنّما الحب الذي يثقّف ويساعد على التحرّر مِن الشرّ. للتمكّن مِن القول، مِن غير أن يَفرض عليكم الخاطئ الصمت، للتمكّن مِن القول: "لقد أخطأتَ إلى الله وإلى القريب" فيجب عدم ارتكاب الخطيئة، أو على الأقلّ التعويض عن الخطأ. للتمكّن مِن القول لمن يَقهَر نفسه لارتكابه الخطيئة: "آمن بأنّ الله يَغفر لِمَن يتوب"، كخدّام لهذا الله الذي يَغفر لِمَن يتوب، ينبغي لكم إظهار الكثير مِن الرحمة في المغفرة. حينئذ يمكنكم القول: "هل ترى، أيّها الخاطئ التائب؟ أنا أغفر لكَ أخطاءكَ سبع وسبع مرّات، لأنّني خادم لِمَن يغفر عدداً لا نهائيّاً مِن المرّات لِمَن يتوب بعدد مرّات ارتكابه الخطايا. فَكّر إذاً كم يغفر لكَ الكامل إذا كنتُ أنا، لأنّني فقط خادمه، أعرف أن أسامح. آمن!"
هكذا ينبغي لكم التمكن مِن القول، بل القول مِن خلال الفِعل، وليس عبر الكلام. قَول ذلك أثناء المسامحة. وبالتالي إذا أخطأ أخوكَ، لُمْهُ بحب، وإذا نَدِم، اغفر له. وإذا ما أخطأ مع بداية اليوم سبع مرّات وقال لكَ سبع مرّات: "أنا نادم"، فاغفر له بعدد المرّات. هل فهمتم؟ هل تَعِدونني بالقيام بذلك؟ بينما يكون هو بعيداً، هل تعدونني بأن تكون لديكم الرحمة تجاهه؟ أن تساعدوني على شفائه بتضحية تمالككم لأنفسكم عندما يخطئ هو؟ ألا تريدون مساعدتي على إنقاذه؟ إنّه أخ بالروح، أخوكم مِن أب وحيد، أخ مِن أصل شعب واحد، أخ في الرسالة عليكم بالتالي محبّته. إذا ما كان لكم في العائلة أخ يسبّب الألم لأبيكم، ويَجلب الكلام عليه، ألا تحاولون إصلاحه كي لا يعود أبوكم يتألّم ولا يعود الناس يتكلّمون على عائلتكم؟ فإذاً؟ أليست عائلتكم أعظم وأقدس عائلة، حيث الأب هو الله وأنا البِكر؟ لماذا إذاً لا تريدون العزاء للأب وأنا بالذات، ومساعدتنا في جعل أخ مسكين صالحاً، والذي هو، ثقوا بذلك، ليس سعيداً لكونه هكذا...»
يستعطف يسوع بقلق مِن أجل الرَّسول المفعم بالأخطاء... ويُنهي بالقول: «أنا المستعطي الكبير، وأطلب منكم الصّدقة الأثمن: هي النُّفوس التي أطلبها منكم. أنا أمضي في طلبها، أمّا أنتم، فعليكم مساعدتي... أَشبِعوا جوع قلبي الذي يبحث عن الحبّ ولا يجده إلاّ في القليل مِن الأشخاص. ذلك أنّ الذين لا يسعون إلى الكمال هم بالنسبة إليَّ الخبز الـمُنتَزَع مِن جوعي الروحيّ. امنحوا النُّفوس لمعلّمكم الحزين لكونه غير محبوب وغير مفهوم...»
يتأثّر الرُّسُل... أرادوا أن يقولوا له الكثير، إنّما كانت كلّ كلمة تبدو لهم حقيرة... يتزاحمون حول المعلّم، الجميع يبغون ملاطفته ليُشعروه بأنّهم يحبّونه.
في النهاية هو أندراوس الوديع الذي يقول: «نعم، يا معلّم. بالصبر، بالصمت والتضحية، الدموع هي التي تهدي، سوف نمنحكَ النُّفوس. هذا أيضاً... إذا ما أعاننا الله...»
«نعم، يا ربّ. وأنتَ، كُن عوناً لنا بصلاتكَ.»
«نعم، يا أصدقائي. وفي هذه الأثناء، فلنصلِّ معاً مِن أجل الرفيق الذي ذهب: "أبانا الذي في السماوات..."»
صوت يسوع الصافي يقول كلمات الأبانا مُقطِّعاً إيّاها ببطء. يرافقه الآخرون بصوت خافت. وبينما هم يُصلّون، يبتعدون تحت جنح الليل.
ملاحظة: جميع المواضيع التي انشرها يمكن نشرها بدون الاستئذان او الاشارة الي

8
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

قصيدة الإنسان - الإله / ماريا فالتورتا
بالفرنسية: (الإنجيل كما أوحي به إليّ)
ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح
الجزء الثالث / القسم الأول
13- (يسوع يُحَدِّث أَتبَاعه عن الرّسالة الأنثويّة)
03 / 05 / 1945


«ماذا أَلَـمَّ بكَ يا بطرس؟ تبدو مُتكَدِّراً.» يَسأَل يسوع الذي يسير عَبرَ طريق ريفيّ تحت أغصان اللّوز الـمُزهِرة التي تُعلِن للإنسان نهاية الفصل الرديء.
«أُفكّر، يا معلّم.»
«تُفكّر. أرى ذلك جليّاً. إنّما مظهركَ يشير إلى أنّكَ لا تُفكّر في أمور مُفرِحة.»
«ولكنّكَ أنتَ العارف بكلّ ما يخصّنا قد أَصبَحتَ تعرف الآن.»
«نعم أَصبَحتُ أعرف. حتّى الله الآب يعرف احتياجات الإنسان، ولكنّه يريد أن يَلقَى في الإنسان الثقة التي تَعرض احتياجاته الخاصّة وتَجعله يَطلب العَون. أنا أستطيع القول إنّكَ مخطئ في اضطِرابكَ.»
«إذن أليست زوجتي أقلّ شأناً بالنسبة لكَ؟»
«ولكن، لا يا بطرس. ولماذا ينبغي لها أن تكون أقلّ شأناً؟ كثيرات هنّ في السماء في مساكن لأبي، وكثيرات هنّ على الأرض مرتبطات بالرجل بالرغم مِن كونهنّ كذلك يعشن حياة القداسة، وجميعهن مباركات. لذا فهل أستطيع القول إنّ النساء اللواتي لا يقتدين بالمريمات وسوسنة لا اعتبار لهنَّ لدى الله؟»
«إيه! لا. فإنّ زوجتي كذلك تؤمن بالمعلّم ولا تفعل ما تفعله الأخريات.» يقول برتلماوس.
«وزوجتي أيضاً مع بناتها. إنّهنّ يبقين في البيت، ولكنّهنّ على استعداد دائماً لتقديم واجب الضيافة كما فعلن بالأمس.» يقول فليبّس.
«أظنّ أنّ أُمّي تفعل كذلك. وهي لا تستطيع ترك كلّ شيء... إنّها وحيدة.» يقول الاسخريوطيّ.
«صحيح! صحيح! لقد كنتُ حزيناً لأنّه كان يبدو لي أنّ التي لديّ هي أقلّ كثيراً... أقلّ كثيراً... آه! لستُ أدري كيف أُعبِّر!»
«لا تنتقدها يا بطرس. إنّها امرأة نزيهة.» يقول يسوع.
«إنّها شديدة الحياء. وأُمّها تطوي جميع البنات والكِنّات تحت جناح إرادتها.» يقول أندراوس.
«ولكنّها معي منذ سنوات طويلة، وكان مِن المفروض أن تتبدّل!»
«آه! يا أخي! حتى أنتَ لستَ لطيفاً. هل تعلم؟ إنّكَ تُمارِس تجاه امرأة خَجولة ما تفعله حَطَبَة ضخمة إذا ما رُمِيَت بين ساقيكَ. فزوجة أخي صالحة وطيّبة للغاية، والدليل أنّها تَحمَّلَت بصبر أُمّها، بكلّ سوئها وتَحَمّلتكَ أنتَ بكلّ تَسلُّطكَ.»
يضحك الجميع مِن الخُلاصة الصريحة للغاية التي خَلص إليها أندراوس، ومِن وجه بطرس المندهش الذي يتفهّم الإعلان بأنّه مُتسَلّط.
حتّى يسوع يضحك مِن كلّ قلبه. ثمّ يقول: «النساء الوفيّات اللواتي لا يشعرن بأنّهنّ مدعوّات إلى ترك بيوتهنّ لاتّباعي، يخدمنني بالدرجة ذاتها ببقائهنّ في بيوتهنّ. ولو رغبن جميعهن بالمجيء معي لتوجَّبَ عليَّ إصدار الأوامر لبعضهنّ بالبقاء في البيت، أمّـا الآن وأنّ النساء سوف يلحقن بنا، فينبغي لي كذلك التفكير بهن، فليس مِن المناسب ولا مِن الفِطنة أن تُوجَد النساء بلا مأوى. نحن، بإمكاننا جميعاً النوم على الـمَرقَد ذاته. أمّا هنّ فلا يمكنهنّ البقاء بيننا، مِن قَبيل الاحترام والفِطنة، وذلك بسبب تكوينهنّ الأكثر دقّة ورهافة. فلا ينبغي لنا على الإطلاق تجربة العناية الإلهيّة ولا تجاوز حدود معيّنة مِن الطبيعة. والآن سأجعل مِن كلّ بيت صديق حيث تقطن إحدى نسائكم مأوى للأخريات. مِن بيتكَ يا بطرس، وبيتكَ يا فليبّس، وبيتكَ يا برتلماوس وبيتكَ يا يهوذا. لا يمكننا أن نَفرض على النساء قطع المسافات التي نقطعها نحن بشكل مُتواصِل. ولكنّهنّ سوف ينتظرننا في مكان محدّد للانطلاق كلّ صباح والعودة كلّ مساء.
سوف نعطيهنّ التعليمات أثناءساعات الراحة. ولن يستطيع العالم الثرثرة إذا ما أتت إليَّ بائِسات أُخرَيات، ولن يكون الاستماع إليهنّ مُحرَّماً عليَّ. فالأُمّهات والزوجات اللواتي سوف يتبعننا، سوف يتولّين مهمّة الدفاع عن أخواتهنّ وعنّي ضدّ افتراءات العالم. تَرَونَ أنّني أقوم برحلة سريعة لإلقاء التحيّة حيث يوجد أصدقاء لي حاليّاً ويمكن أن يُوجَد آخرون بعد ذلك. وهذا ليس مِن أجلي، إنّما مِن أجل الأضعف بين التلاميذ الذين سيكون ضعفهم حماية لقوّتنا، وهو يَجعَلها مُجدِية لدى الكثير الكثير مِن الناس.»
«ولكنّنا الآن نمضي إلى القيصريّة، كما قُلتَ. فَمَن لنا هناك؟»
«الناس الذين يَتوقون إلى الله الحقّ، موجودون في كلّ مكان. ها هو الربيع يُعلِن عن ذاته في هذا البياض الورديّ لشجر اللّوز الـمُزهِر. أيّام الصقيع وَلَّت. خلال أيّام قليلة سوف أُحدّد الأماكن التي تتوجّه إليها النساء التلميذات ليَجِدن مأوى. ونُعاوِد حينئذ تَغَرُّبنا لإلقاء بذور كلمة الله دون انشغال بالنا على الأخوات، ودون الخَشية مِن الافتراءات. فصبرهنّ سوف يدعمنا وكذلك لطفهنّ. وها هي ذي الساعة تدقّ مُعلِنة ردّ اعتبار المرأة كذلك. وسوف تكون في كنيستي حديقة كبيرة مليئة بزهور مِن عذراوات وزوجات وأُمّهات قدّيسات.»


9
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

تمهيد: ذكر في انجيل يوحنا ان هناك امور كثيرة عملها يسوع  لو كتبها احد بالتفصيل لضاق العالم كله على ما اضن بالكتب التي تحتويها
لذلك احببت هذه المرة المرور على احداها

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع / القسم الأول

130- (يسوع يعمل كنجّار مِن أجل أرملة في قورازين)

31 / 08 / 1945

يسوع يعمل بجدّ في مَشغل نجّار. إنّه يعمل على إنهاء عَجَلَة. يُساعده صبيّ نحيل وحزين، فيجلب له هذا أو ذاك مِن الأغراض. مناحين شاهِد لا جَدوى منه ولكنّه مُعجَب، جالس على مقعد قرب الجدار.

يَنـزَع يسوع ثوبه الكتّاني الجميل ويرتدي ثوباً غيره داكناً، وحيث إنّه ليس له، فإنّه يَصِل إلى منتصف ساقه. ثوب عَمل، نظيف، ولكنّه مُرقَّع، وقد يكون ثوب النجّار الميت.

يُشجِّع يسوع الصبيّ بابتسامات وكلّمات طيّبة، وهو يعلّمه ما يجب فعله من أجل وضع الحَلَقَة في مكانها الصحيح، وتلميع حوافّ الصندوق.

«لقد أنهيتَه بسرعة يا معلّم.» يقول مناحين وهو يَنهَض ويمرّر إصبعه على نقوش الصندوق الذي انتهى مِن صنعه ويُلمّعه الصبيّ بسائل.

«هو كان شِبه مُنته!...»

«أودُّ لو أحصل على هذا الذي صَنعتَه، ولكنّ المشتري قد وَصَلَ، ويبدو أنّ له حقوقاً... ولقد خيَّبتَ أمله. كان يأمل الحصول على الكلّ كتعويض عن الدوانق القليلة التي كان قد دَفَعَها كعربون. وبدل هذا يأخُذ أغراضه فقط لا غير. وهو لو كان، على الأقلّ، أحد الذين يؤمنون بكَ، لكان له قيمة لا تُقدَّر عنده. ولكن هل سمعتَ؟...»

«دعكَ منه. فيما عدا ذلك، يوجد هنا خشب، وستكون المرأة سعيدة جدّاً لو استفادت مِن استخدامه. اطلب مني صندوقاً وسأصنعه لكَ...»

«صحيح يا معلّم؟ ولكن هل تنوي الاستمرار في العمل؟»

«حتّى ينتهي الخشب. فأنا عامل مُتفان في عملي.» يقول وهو يبتسم ابتسامة عريضة.

«صندوق أنتَ تصنعه؟ آه! يا للذخيرة! ولكن ماذا سأضع فيه؟»

«كلّ ما تريد، يا مناحين، فإنّه مجرد صندوق.»

«إنّما ستكون أنتَ مَن صَنَعَه!»

«وإذن؟ فالآب كذلك صَنَعَ الإنسان، لقد خَلَقَ كلّ الناس. ومع ذلك ماذا وضع الإنسان في ذاته؟ وماذا يضع الناس؟» يتكلّم يسوع وهو يَعمَل، باحثاً هنا وهناك عن العُدد التي يحتاجها، شادّاً الملزمة، ثاقباً، ساحجاً، مُديراً حسب الحاجة.

«هي الخطيئة التي وُضِعت فيه، هذا صحيح.»

«تَرى! وَثِق تماماً أنّ إنساناً خَلَقَه الله أفضل كثيراً من صندوق صَنَعتُهُ أنا. لا تَخلط أبداً بين الغَرَض والفعل. واجعل مِن عملي ذخيرة لروحكَ.»

«ماذا يعني هذا؟»

«هذا يعني: أعط لروحكَ العِبرة المستخلَصَة ممّا أفعل.»

«محبّتكَ، تواضعكَ، نشاطكَ إذن... هذه هي الفضائل، أليس كذلك؟»

«نعم، وافعل أنتَ الشيء ذاته في المستقبل.»

«نعم يا معلّم، ولكن هل تَصنع لي الصندوق؟»

«أَصنَعه لكَ. ولكن انتبه، بما أنّكَ ما زِلت ترى فيه ذخيرة، فسأجعلكَ تدفع ثمنه على هذا الأساس. على الأقلّ سيقال عنّي مرّة بأنّني كنتُ نَهِماً للمـال... ولكنّكَ تَعلَم لِمَن هو هذا المال... لهؤلاء الأيتام...»

«أطلب منّي ما تشاء، وسوف أعطيكَ. على الأقلّ سوف يكون لي مبرّر لِبَطالتي، بينما أنتَ، ابن الله، تَعمَل.»

«قيل: "ستأكل خبزكَ المرويّ بعرق جبينكَ".»

«إنّما قيل ذلك للإنسان الخاطئ. وليس لكَ أنتَ!»

«آه! سأُعتبَر يوماً أنا المذنب، وسأحمل خطايا العالم كلّها. سوف آخذها معي في أوّل رحيل لي.»

«هل تظنّ أنّ العالم لن يعود يخطئ؟»

«ينبغي له ذلك... ولكنّه سوف يخطئ على الدوام. لأجل ذلك، سيكون حِملي ثقيلاً لدرجة أنّه سوف يحطّم قلبي. إذ إنّني سأحمل على كاهلي كلّ الخطايا المرتكبة منذ آدم وحتّى هذه الساعة، ومنذ هذه الساعة حتّى منتهى الدهر. سوف أُكفِّر عن خطايا الناس كلّها.»

«ولن يفهمكَ الإنسان ولن يحبّكَ أيضاً... هل تظنّ أنّ قورازين ستهتدي بهذه العبرة الصامتة والمقدّسة التي أنتَ في صَدَد إعطائها بعملكَ المنجَز لإعانة عائلة؟»

«لا بل ستقول: "إنّه فَضَّلَ العمل لتمضية الوقت وكَسب المال". إنّما أنا ليس لديّ مال. فلقد أعطيتُ كلّ شيء. وسوف أُعطي على الدوام كلّ ما معي حتّى آخر فلس، ولقد عَمِلتُ مِن أجل أن أُعطي مالاً.»

«ومِن أجل الطعام لكَ ولمتّى؟»

«الله يتدبّر الأمر في ذلك.»

«ولكنّكَ أعطيتَنا لنأكل.»

«صحيح.»

«كيف فعلتَ ذلك؟»

«أسأل سيَّد البيت.»

«سوف أسأله بكلّ تأكيد لدى عودتنا إلى كفرناحوم.»

يَضحَك يسوع بهدوء بلحيته الشقراء.

صَمت يسود بينما لا يُسمع سِوى صَرير الـمِلزمة التي تَشدّ على قطعتين مِن عجلة.

ثمّ يَسأل مناحين: «ماذا تنوي أن تفعل قبل السبت؟»

«الذهاب إلى كفرناحوم وانتظار الرُّسُل. فالمتّفق عليه هو الاجتماع كلّ يوم جمعة مساء وتمضية السبت كلّه معاً. ومِن ثمّ أُصدر أوامري. وإذا ما شُفي متّى فسيكون هناك ستّة أزواج للتبشير. وإلّا... هل تودّ الذهاب معهم؟»

«أُفضِّل البقاء معكَ يا معلّم... ولكن رغم ذلك، دعني أُسدي لكَ نصيحة!»

«قُلها. وإذا كانت صائبة فسأقبلها.»

«لا تبقَ بمفردكَ مطلقاً. فإنّ أعداءكَ كثيرون يا معلّم.»

«أعلَم. ولكن هل تظنّ الرُّسُل يَفعلون شيئاً يُذكَر في حال الخطر؟»

«إنّهم يحبّونكَ، على ما أظُنّ.»

«بكلّ تأكيد، ولكن هذا لا يجدي نَفعاً. فالأعداء، إذا ما كانت لديهم نيّة القبض عليّ، فإنّهم يصطحبون معهم قوّة أعظم كثيراً مِن قوّة الرُّسُل.»

«لا يهمّ. لا تبقَ وحيداً.»

«خلال أسبوعين سوف ينضمّ إليَّ العديد من التلاميذ. أُعِدُّهم لِأُرسِلهم هُم أيضاً للتبشير. ولن أكون وحيداً. كن مطمئناً.»

أثناء حديثهما هذا، يأتي العديد مِن فضوليّي قورازين يُلقون نَظرة ويَمضون دون كلام.

«إنّهم مُندَهِشون لرؤيتهم إيّاكَ تعمل.»

«نعم. ولكنّهم لا يَعرفون أن يَتواضعوا حتّى يقولوا: "هكذا يُعطينا العِبرة". إنّ أفضل ممّن لدي هنا هُم الآن مع التلاميذ، ما عدا عجوز مات. إنَّما لا يهمّ. فالعبرة هي العِبرة على الدوام.»

« ماذا سيقول الرُّسُل لدى معرفتهم أنّكَ كنتَ تعمل؟»

«إنّهم أحد عشر، ذلك أنّ متى قَد أبدى رأيه. وسيكون هناك أحد عشر رأياً مختلفاً. وعلى الأغلب، آراؤهم متضاربة. ولكنّ ذلك يفيدني في تعليمهم.»

«هل تسمح لي بحضور تعليمكَ؟»

«إذا شئتَ البقاء...»

«ولكنّني تلميذ وهُم رُسُل!»

«ما يفيد الرُّسُل يفيد التلاميذ كذلك.»

«سوف يَشعُرون بالإحراج لدى تقويمهم بحضوري.»

«سوف يفيد ذلك من أجل تواضعهم. ابقَ، ابقَ يا مناحين. أَقبَلكَ معي عن طيب خاطر.»

«وأنا أبقى عن طيب خاطر.»

تَحضُر الأرملة وتقول: «الطعام جاهز يا معلّم، ولكنّكَ تَعمل كثيراً...»

«إنّني أكسَب قُوتي أيّتها المرأة. وثمّ... هوذا زبون آخر. وهو يريد صندوقاً كذلك. ثمّ هو يدفع جيّداً. مكان الخَشَب سيظل فارغاً.» يقول يسوع وهو يَنـزَع مِئزراً كان قد ائتزَرَ به، ويَخرج مِن الغرفة ليغتسل في وعاء (لَكَن) جَلَبَته له المرأة إلى الحديقة.

وهي، بابتسامة مُبهَمَة، تبدو بعد فترة طويلة مِن البكاء، تقول: «الفراغ هو في مَوضِع الخشب، بينما البيت يملؤه وجودكَ، والقلب يملؤه السلام. لم أعُد أخشى مِن الغد، يا معلّم، كما لا تخشى أنتَ مِن إمكانيّة أن ننساكَ.»

يَدخُلون إلى المطبخ وتنتهي الرؤيا.

10
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء السابع / القسم الأول

189- (يسوع، الفرّيسيّون، الزانية)

20 / 03 / 1944

أرى داخل نطاق الهيكل، أي واحدة مِن الباحات الكثيرة المحاطة بأروقة. وأرى كذلك يسوع، المتدثّر جيّداً بمعطفه الّذي يغطّي ثوبه، وهو ليس أبيضاً وإنّما أحمر داكن. (يبدو أنّه مِن قماش صوفيّ ثقيل)، إنّه يتحدّث إلى الجمع الّذي يحيط به.
يبدو أنّه يوم شتويّ، لأنّ الجميع متدثّرون جيّداً، فالطقس بالأحرى بارد، لأنّه وبدلاً مِن البقاء ساكنين، فإنّ الجميع يسيرون بسرعة كما كي يتدفّأوا. هناك ريح تحرّك المعاطف وتثير غبار الباحات.
إنّ المجموعة الّتي تحتشد حول يسوع، التي هي الوحيدة الواقفة بثبات، فيما الآخرون، الّذين هم حول هذا المعلّم أو ذاك يروحون ويجيئون، تنفتح لتسمح بمرور رَهْط كَتَبَة وفرّيسيّين يشوّرون وينفثون سمّاً أكثر مِن أيّ وقت. ينضحون سمّاً مِن نظراتهم، مِن وجوههم المحمرّة، مِن أفواههم، يا لهم مِن أفاعٍ! وهم يقتادون، بالأحرى يجرّون امرأة في حوالي الثلاثين مِن العمر، شعثاء، غير مرتّبة في هندامها كما لو قد أسيئت معاملتها، وباكية. يُلقون بها عند قدميّ يسوع كأنّها كومة مِن الخِرَق أو جثّة هامدة. وهي تلبث هناك، متكوّرة على نفسها، وجهها مستند إلى ذراعيها، اللتين تخفيانه وتشكّلان وسادة بين وجهها والأرض.
«يا معلّم، هذه قد تمّ القبض عليها بالزنا المشهود. زوجها كان يحبّها، لم يكن يُنقِص عليها شيئاً. قد كانت مَلِكَة في بيتها. وهي خانته لأنّها خاطئة، فاسقة، جاحدة، مدنِّسة. زانية هي، وبالتالي يجب رجمها. موسى قال ذلك. في شريعته، هو يأمر بأنّ اللواتي كهذه يجب أن يُرجَمن مثل حيوانات نجسة. نجسات هنّ. لأنّهنّ يخنّ الوفاء الزوجيّ والرجل الّذي يحبّهنّ ويرعاهنّ، لأنّهنّ مثل أرض لا تشبع أبداً، هنّ جائعات دوماً للشهوة. أسوأ مِن البغايا هنّ، لأنّهنّ مِن دون عضّة الحاجة يقدّمن أنفسهنّ كي يغذّين فجورهنّ. فاسدات هنّ. مُعدِيات هنّ. يجب أن يُحكَم عليهنّ بالموت. موسى قد قال ذلك. وأنتَ، يا معلّم، ماذا تقول بهذا الخصوص؟»
يسوع، الذي كان قد توقّف عن الكلام عند الوصول الصاخب للفرّيسيّين، والّذي كان قد نظر إلى الرّهْط الحاقد نظرة مخترِقة، والّذي مِن ثمّ أَخفَضَ نظره إلى المرأة الذليلة، المرميّة عند قدميه، يصمت. لقد انحنى، مع بقائه جالساً، ويكتب بإصبع على حجارة الرواق، الّتي غطّاها الغبار الّذي أثارته الريح بطبقة تراب. أولئك يتكلّمون، وهو يكتب.
«يا معلّم؟ إنّنا نكلّمكَ. أَنصِت إلينا. أجِبنا. ألم تفهم؟ هذه المرأة قد أُمسِكت بزنا مشهود. في بيتها. في سرير زوجها. هي قد لطّخته بشهوتها»
يسوع يكتب.
«إنّما هذا الرجل أبله! ألا تَرَون أنّه لا يفهم شيئاً، ويخطّ رموزاً على الغبار مثل مجنون بائس؟»
«يا معلّم، لأجل سمعتكَ الطيّبة، تكلّم. لتجب حكمتكَ على استفساراتنا. نكرّر لكَ: هذه المرأة لم يكن ينقصها شيء. كانت تملك الملابس، الطعام، المحبّة. وخانت»
يسوع يكتب.
«لقد كذبت على الرجل الّذي وثق بها. بفمها الكَذوب قامت بتحيّته، وبابتسامة رافَقَته إلى الباب، ومِن ثمّ فتحت الباب السرّيّ وأدخلت عشيقها. وبينما كان رجلها غائباً ويعمل مِن أجلها، فهي، كما بهيمة نَجِسة، قد تمرّغت في شبقها»
«يا معلّم، إنّها مدنِّسة للشريعة بالإضافة إلى الفراش الزوجيّ. متمرّدة، مدنِّسة، مجدّفة.»
يسوع يكتب. يكتب ويمحو الكتابة بقدمه المحتذية نعله ويكتب أبعد، دائراً على مهل حول نفسه لإيجاد مكان. يبدو كطفل يلعب. لكنّ ما يكتبه ليس كلام لهو. لقد كَتَبَ تباعاً: "مرابٍ"، "مخادع"، "ابن عديم الاحترام"، "فاسق"، "قاتل"، "مدنّس للشريعة"، "سارق"، "شَبِق"، "مغتصِب"، "زوج وأب غير جدير"، "مجدِّف"، "متمرّد على الله"، "زانٍ". يكتب ويكتب فيما متَّهِمون جدد يتكلّمون.
«إنّما، الخلاصة، يا معلّم! حكمكَ. المرأة يجب أن تحاكم. لا يمكن بثقلها أن تلوّث الأرض. إنّ نَفَسَها هو سمّ يعكّر صفو القلوب»
يسوع ينهض. يا للرحمة! يا له مِن وجه! ومضات بروق تنقضّ على المتَّهِمين. يبدو أطول قامة طالما جَعَلَ رأسه منتصباً. يبدو مَلِكاً على عرشه لشدّة ما هو صارم ومهيب. لقد سقط معطفه عن أحد كتفيه مشكّلاً حاشية خفيفة وراءه. لكنّه لا يكترث به.
وبوجه منقبض ودونما أيّ أثر لابتسامة على الفم أو في العينين، يغرز تينك العينين في وجوه الجمع، الذي يتراجع كما أمام نصلين مشحوذين جيّداً. يحدّق فيها الواحد تلو الآخر. بتفحّص مُركّز يبعث على الخوف. مَن يحدّق فيهم يسعون إلى التراجع والاختفاء وسط الجمع. وهكذا تتسع الدائرة وتتفتّت كأنّما قوة غامضة قد قوّضتها.
أخيراً يتكلّم. «مَن منكم بلا خطيئة لِيَرمِ المرأة بأوّل حجر». والصوت هو رعد تصحبه نظرات تقدح شرراً. يسوع، مصالباً ذراعيه على صدره، يلبث هكذا، منتصباً مثل قاضٍ، ينتظر. نظرته لا تمنح سلاماً. تفتّش، تخترق، تتّهم.
بدايةً واحد، ثمّ اثنان، ثمّ خمسة، ثمّ بمجموعات، يبتعد الحاضرون مطأطئي الرأس. ليس فقط الكَتَبَة والفرّيسيّون، بل كذلك أولئك الّذين كانوا قبلاً حول يسوع وآخرون كانوا قد اقتربوا ليسمعوا المحاكمة والإدانة، والّذين، هؤلاء أو أولئك، كانوا قد اتّحدوا معاً لإهانة المذنبة وليطلبوا الرجم.
يسوع يبقى وحيداً مع بطرس ويوحنّا. لا أرى الرُّسُل الآخرين.
يسوع يستأنف الكتابة، فيما يتمّ هروب المتَّهِمين، والآن يكتب: "فرّيسيّون"، "أفاعٍ"، "قبور نتانة"، "كَذَبَة"، "خَوَنَة"، "أعداء الله"، "شاتمو كلمته"...
حينما تفرغ الساحة كلّياً ويحلّ صمت مطبق، ولا يعود يبقى سوى صوت هفيف الريح وصوت نافورة عند زاوية، يسوع يرفع رأسه وينظر. وجهه قد هدأ الآن. إنّه حزين، إنّما لم يعد غاضباً. يلقي نظرة على بطرس، الّذي ابتعد بعض الشيء ليستند إلى عمود، ونظرة على يوحنّا، الّذي هو تقريباً خلف يسوع، ينظر إليه بنظرته الـمُحِبّة. ليسوع ظلّ ابتسامة فيما ينظر إلى بطرس وابتسامة أكثر حيويّة وهو ينظر إلى يوحنّا. ابتسامتان مختلفتان.
ثمّ ينظر إلى المرأة، الّتي لا تزال ساجدة وباكية عند قدميه. يراقبها. ينهض، يعيد تسوية المعطف كما لو كان على وشك الانطلاق. يشير إلى الرسولين بأن يتوجّها نحو المخرج.
حينما يصبح وحيداً، ينادي المرأة. «يا امرأة، أنصتي إليَّ، أنظري إليَّ». يكرّر أمره، لأنّها لا تجرؤ على رفع وجهها. «يا امرأة، نحن وحدنا. أنظري إليَّ»
البائسة ترفع وجهاً يشكّل عليه البكاء والغبار قناع مَذَلّة.
«أين هم، يا امرأة، مَن كانوا يتّهمونكِ؟» يسوع يتكلّم على مهل، بجدّية مفعمة شفقة. إنّه يُبقي وجهه وجسمه مائلين قليلاً نحو الأرض، نحو ذلك البؤس، وعيناه مفعمتان تعبيراً متسامحاً ومُصلِحاً. «ألم يدنكِ أحد؟»
المرأة، بين تنهيدة وأخرى، تجيب: «لا أحد، يا معلّم»
«وكذلك أنا لا أدينكِ. امضي. ولا تخطئي بعد. اذهبي إلى بيتكِ. وأَحسِني أن يُغفَر لكِ، من قِبَل الله ومن قِبَل الـمُساء إليه. لا تستغلّي رأفة الربّ. امضي.»
ويساعدها على النهوض ممسكاً بيدها، لكنّه لا يباركها ولا يعطيها السلام. ينظر إليها وهي تمضي، رأسها منحنٍ ومترنّحة تحت وطأة خجلها، ومِن ثمّ، عندما اختفت، ينطلق بدوره مع التلميذين.

الجزء السابع / القسم الأول

190- (للمذنبة أشير إلى الطريق الواجب اتّباعها لفداء نفسها)

20 / 03 / 1944

يقول يسوع:

«ما كان يجرحني هو انعدام المحبّة والصدق عند الـمُتَّهِمين، ليس لأنّ الاتّهام كان كاذباً. فالمرأة كانت مذنبة بحقّ. إنّما كان الصدق غائباً وقد أثاروا فضيحة لأمر ارتكبوه ألف مرّة، وأنّ فقط دهاءً أكبر وحظّاً أكثر قد سمحا بأن يبقى مخفيّاً. المرأة، في أوّل خطيئة لها، كانت أقلّ دهاءً وأقلّ حظّاً. وما مِن أحد مِن مُتَّهِميها ومُتَّهِماتها -فحتّى النساء، وإن لم يكنّ قد رفعن الصوت، كنّ يتّهمنها في أعماق قلوبهنّ- كان منزّهاً عن الخطيئة.

الزاني هو مَن ينتقل إلى الفعل، ومَن يشتهي الفعل ويتوق إليه بكلّ قِواه. فالفُجور موجود في مَن يخطئ كما هو في مَن يشتهي الخطيئة. لا يكفي عدم فِعل الشرّ، بل ينبغي أيضاً عدم اشتهاء فِعله.

تذكّري، يا ماريّا، كلمة معلّمكِ الأولى، حينما ناداكِ مِن حافّة الهاوية حيث كنتِ: "لا يكفي عدم فِعل الشرّ، بل ينبغي أيضاً عدم اشتهاء فعله".

مَن يداعب أفكاراً شهوانيةّ، ويثير أحاسيس شهوانيةّ، بقراءات ومشاهد يتمّ السعي إليها عمداً، وبعادات منحرفة، هو نجس تماماً كَمَن يرتكب الخطيئة المادّيّة. وأجرؤ على القول: هو أكثر ذنباً. لأنّه يمضي بفكره ضدّ الطبيعة، ليس فقط ضدّ الأخلاق. لا أتكلّم بعد عمّن ينتقلون إلى أفعال حقيقيّة ضدّ الطبيعة. العذر الوحيد لهؤلاء هو مرض عضويّ أو نفسيّ. ومَن ليس لديه هكذا عذر هو أدنى بعشر درجات مِن أقذر بهيمة. للإدانة بعدالة يجب أن نكون منزّهين عن الخطيئة.

أعيدكم إلى إملاءات سابقة، حيث تحدّثتُ عن الشروط الرئيسيّة لنكون قضاة.

لم تكن مجهولة بالنسبة لي قلوب الفرّيسيّين وقلوب الكَتَبَة، ولا قلوب أولئك الّذين كانوا قد انضمّوا إليهم في الثورة ضدّ المذنبة. مخطئين ضدّ الله وضدّ القريب، كانت فيهم خطايا ضدّ الدين، خطايا ضدّ أهلهم، خطايا ضدّ القريب، وفوق ذلك خطايا كثيرة ضدّ زوجاتهم. ولو أنّني بمعجزة أمرتُ دمهم أن يَكتب على جِباههم خطيئتهم، فَمِن بين التهم العديدة كانت قد سادت تهمة "زُناة" بالفِعل أو بالرغبة. لقد قلتُ: "إنّ ما يأتي مِن القلب هو ما يدنّس الإنسان". وباستثناء قلبي، لم يكن أحد مِن بين القضاة يملك قلباً غير مُدَنَّس.

بلا صدق وبلا محبّة. ولا حتّى كونهم شبيهين بها بالجوع الشهوانيّ  قد حثّهم على المحبّة. أنا مَن كان لديه محبّة للمرأة الـمُذَلّة. أنا، الوحيد الّذي كان يجب أن أكون مشمئزّاً منها. إنّما تذكّروا جيّداً هذا: "أنّه كلّما كنّا أفضل، كلّما كنّا أكثر شفقة تجاه المذنبين". لا نتساهل حيال الخطيئة بحدّ بذاتها. هذا لا. لكنّنا نشفق على الضعفاء الّذين لم يقدروا على مقاومة الخطيئة.

الإنسان! آه! أكثر مِن قصبة هشّة ولبلاب رفيع لهو أسهل أن يُلوى تحت التجربة، ويميل إلى التشبّث حيث يأمل بالحصول على تعزية.

لأنّه في الغالب الخطأ يحدث، خصوصاً عند الجنس الأضعف، نتيجة لهذا البحث عن التعزية. كذلك أقول أنّ مَن يفتقر إلى العاطفة تجاه امرأته، وحتّى تجاه ابنته بالذات، لهو مسؤول تسعين مرّة مِن مائة عن خطيئة امرأته أو ابنته، وسوف يُساءَل عنهما. إنّ عاطفة بلهاء، الّتي هي مجرّد استعباد أحمق مِن قِبَل رجل تجاه امرأة أو مِن قِبَل أب تجاه ابنته، وكذلك غياب العاطفة، أو ما هو أسوأ: خطيئة شغف ذاتية تقود زوجاً إلى غراميّات أخرى، أو تقود أهلاً لاهتمامات أخرى بغير أبنائهم، هي بؤر للزنا والفسق، وهي، على هذا النحو، مُدانة مِن قِبلَي. إنّكم كائنات ممنوحة عقلاً وترشدها شريعة إلهيّة وشريعة أخلاقيةّ. أن تَنحَطّوا إذن إلى سلوك متوحّشين أو بهائم، يجب أن يُدِبّ الرعبّ في كبريائكم العظيم. لكنّ الكبرياء، الّذي قد يكون مفيداً في هذه الحالة، هو لديكم لأمور أخرى.

لقد نظرتُ إلى بطرس ويوحنّا بطريقة مختلفة، فللأوّل، كرجل، أردتُ أن أقول: "بطرس، لا تفتقر أنتَ أيضاً للمحبّة والصدق"، وأن أقول له كذلك، كَحَبري المستقبليّ: "تذكّر هذه الساعة واحكم مثل معلّمكَ في المستقبل"، فيما للثاني، الفَتيّ ذي نَفْس طفل، أردتُ أن أقول: "أنتَ يمكنكَ أن تحكم، ولا تحكم، لأنّ لديكَ قلبي ذاته. شكراً، أيّها المحبوب، أن تكون لي إلى حدّ أن تكون ذاتاً ثانية لي". لقد أَبعَدتُ الاثنين قبل أن أنادي المرأة، كي لا أزيد مَذَلَّتها بوجود شاهِدَين.

تعلّموا، أيا أيّها البشر عديمو الرحمة. مهما كان شخص خاطئاً، يتعيّن معاملته باحترام ومحبّة على الدوام. عدم التمتّع بمصابه، عدم الاندفاع ضدّه ولا حتّى بنظرات فضوليّة. الرحمة، الرحمة لِمَن يسقط!

للمُذنِبة أشير إلى الطريق الواجب اتّباعها لفِداء نفسها. العودة إلى منزلها، طلب الصفح بتواضع واكتسابه بحياة مستقيمة. عدم الإذعان للجسد بعد. عدم استغلال الرأفة الإلهيّة والطيبة البشريّة، لعدم دفع ثمن أقسى عنه في المرّة الأولى للخطيئة المزدوجة أو المضاعفة. الله يغفر، ويغفر لأنّه الصلاح. إنّما الإنسان، رغم قولي: "اغفر لأخيكَ سبعين مرّة سبع مرّات"، لا يُحسن أن يغفر مرّتين.

لم أمنحها السلام والبركة لأنّه لم يكن فيها ذاك الانسلاخ التامّ عن خطيئتها، اللازم كي يُغفَر لها. ففي جسدها، وللأسف في قلبها، لم يكن لديها الغثيان مِن الخطيئة. إنّ مريم المجدليّة، بعد أن ذاقت طعم كلمتي، كان لديها نفور مِن الخطيئة، وقد أتت إليَّ بإرادة تامّة بأن تكون واحدة أخرى. إنّما هي، فكانت متذبذبة بين صوت الجسد وصوت الروح. وهي، في اضطراب اللحظة، لم تكن تقدر بعد أن تضع الفأس على أصل الجسد وتقطعه، كي تمضي إلى ملكوت الله مجرّدة مِن ثِقل جشعها. مجرّدة ممّا كان هلاكاً لها، إنّما مزوّدة بما هو خلاص.

أتريدين معرفة فيما إذا كانت قد خلصت بعد ذلك؟ لم أكن للجميع مخلّصاً. أردتُ أن أكون للجميع كذلك، لكنّني لم أكُنه لأنّه ليس لدى الجميع الإرادة بأن يخلصوا. وذلك كان واحداً مِن أكثر السهام نفاذاً لِنِزاعي في الجتسمانيّة.

اذهبي في سلام، أنتِ يا ماريا الّتي لمريم، وارغبي ألاّ تخطئي، ولا حتّى في تفاهات. فلا يوجد تحت رداء مريم سوى أشياء نقيّة. تذكّري ذلك.

ذات يوم، مريم أُمّي، قالت لكِ: "أَطلبكم مِن ابني باكيةً." ومرّة أخرى: "أترك ليسوعي أمر جعلي محبوبة… حين تحبّونني آتي. ومجيئي هو فرح وخلاص."

الأُمّ أَرادَتكِ. وأنا أعطيتُكِ لها. بالأحرى أَخَذتُكِ إلى هناك، لأنّني أَعلَم أنّه حيث بوسعي الإخضاع بالسُّلطة، هي تأخذكم بملاطفات مَحبّة، وهي تأخذكم هناك بأفضل حتّى ممّا أفعل أنا. لَـمْسَتها ختم يهرب أمامه الشيطان. الآن لديكِ ثوبها، وإذا ما كنتِ وفيّة لصلوات النظامين، فسوف تتأمّلين في مجمل حياة أُمّنا كلّ يوم: في أفراحها وآلامها. أي، أفراحي وآلامي. لأنّني مذ أنا، الكلمة، صرتُ يسوع، قد اغتبطتُ وبكيتُ معها للأسباب ذاتها.

فإذن ترين بأنّه أن تحبّي مريم هو أن تحبّي يسوع. أي أن تحبّيه بأكثر سهولة. فأنا أجعلكِ تحملين الصليب، وأنا أضعكِ على الصليب. بينما الأُمّ، على العكس، تحملك أو تلبث عند أسفل الصليب لتتلقّاكِ على قلبها الذي لا يعرف سوى أن يحبّ. حتّى في ساعة الموت حضن مريم هو ألطف مِن مهد. مَن يَقضِي فيها فهو لا يسمع سوى أصوات الأجواق الملائكيّة الّتي تَدْور حول مريم. إنّه لا يَرى الظلمات، إنّما إشعاع نجمة الصبح العذب. لا يَسمَع نحيباً، بل يرى ابتسامتها. إنّه لا يَعرف رعباً. مَن منّا، نحن الذين نحبّها، يجرؤ على أن ينتزع مِن بين ذراعيّ مريم واحداً مِن مخلوقاتها؟

لا تقولي لي "شكراً". اشكريها هي، الّتي لم تُرِد أن تتذكّر أيّ شيء عنكِ سوى الخير القليل الّذي فعلتِه، والمحبّة التي تكنّينها لي، ولذلك هي قد أَرادَتكِ، لتُخضِع تحت قدمها ما لم تنجح إرادتكِ الصالحة في إخضاعه. اصرخي: "عاشت مريم!" والبثي عند قدميها عند أقدام الصليب. سوف تزيّنين ثوبكِ بياقوتات دمي الحمراء، وبلآلئ دموعها. سوف تحظين بثوب مَلِكَة مِن أجل دخولكِ إلى ملكوتي.

اذهبي بسلام. أبارككِ.»

11
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الثاني / القسم الأول

14- (يسوع في عرس قانا)

16 / 01 / 1944

«عنـدما يحين الوقت للقيـام بعمـل منظّم، سـتندرج رؤيـا عـرس قـانـا هنـا. اكـتبي التـاريـخ (16 / 01 / 1944)»

عرس قانا:

أرى منزلاً شرقيّاً حقيقيّاً: هو مكعّب أبيض، رحابته أكثر من ارتفاعه، ذو فتحات قليلة، تعلوه شرفة هي بمثابة السطح ومحاطة بجدار يرتفع حوالي المتر تقريباً، وتظلّلها عريشة كَرمَة تتسلّق إليها باسِطَة أغصانها إلى أكثر من منتصف هذه الشرفة المشمسة.

سلّم خارجيّ يصعد على طول الواجهة إلى مستوى باب يُفتَح في منتصف الواجهة. في الأسفل، على مستوى الأرض، هناك أبواب منخفضة وقليلة، ليس أكثر من اثنين في كلّ جهة، وهي تُفضِي إلى غُرف منخفضة ومُعتِمة. يرتفع البيت وسط ساحة، هي بالأحرى مرج، وفي مركزها بئر، كما توجد هناك أشجار تين وتفّاح. يطلّ البيت على الطريق دون أن يكون على حافّتها. إنّه إلى الخلف قليلاً، ويخترق المرج زقاق عرقوب حتّى الطريق التي تبدو رئيسيّة.

يبدو البيت وكأنّه في محيط قانا: إنّه بيت فلّاحين ملاّكين يعيشون وسط حقلهم الصغير. وتمتدّ القرية إلى أبعد من البيت بأبعاد اخضرارها الهادئ. شمس هذا اليوم جميلة وزرقة السماء صافية، بادئ ذي بدء لا أرى شيئاً آخر. المنزل فقط.

ثمّ أرى امرأتين، ثوباهما طويلان ومعطفاهما يقومان مقام الوشاح كذلك. إنّهما تتقدّمان على الطريق، ثمّ على الزقاق. الواحدة وهي الأكبر سنّاً، في حوالي الخمسين من عمرها، بثياب قاتمة بلون كستنائيّ أصهب، وكأنّه صوف طبيعيّ. والأخرى بثياب أفتح، ثوبها أصفر شاحب ومعطفها لازورديّ، وتبدو وكأنّها في الخامسة والثلاثين. إنّها جميلة جدّاً، هيفاء، مظهرها مليء بالوقار، كما أنّها مفعمة لُطفاً وتواضعاً. عندما أصبَحَت على مقربة، لاحظتُ لون وجهها الشاحب، وعينيها اللازورديّتين وشعرها الأشقر الذي يَظهَر على جبهتها تحت الوشاح، تعرّفتُ على مريم الكلّية القداسة. أمّا الأخرى السمراء الأكبر سنّاً، فلستُ أدري من تكون. إنّهما تتحادثان فيما بينهما، وتبتسم السيّدة العذراء. وعندما تصبحان بجانب البيت تماماً، هناك مَن هو بالتأكيد مُكَلَّف بِتَرَقُّب القادِمين، ويقوم بالتنبيه، فيهرع رجال ونساء لملاقاتهما، والجميع بثياب احتفاليّة. يحتفي الجميع بهما وخاصّة بمريم الكلّية القداسة.

يبدو الوقت صباحاً، أظنّها الساعة التاسعة تقريباً أو ربما أقلّ، إذ إنّ مظهر القرية ما يزال محتفظاً بنداوة ساعات النهار الأولى مع الندى الذي يجعل العشب أكثر اخضراراً والمرج غير ذي غبار. يبدو لي أنّه الربيع، ذلك أنّ عشب المروج لم تحرقه شمس الصيف ولم يَزَل القمح في الحقول بشكل عشب، دون سنابل، وهو أخضر. أوراق التين والتفّاح خضراء وطريّة أيضاً. إلّا أنّني لستُ أرى زهراً على شجر التفّاح ولا التين ولا الكروم. ذلك أنّ التفّاح قد أزهَرَ منذ وقت قليل، ولكنّ الثمـار الصغيرة لم تَظهَر للعيان بعد.

مريم مُحتَفى بها جيّداً، يصحبها رجل مُسنّ يُفتَرَض أنّه صاحب البيت، تصعد السلّم الخارجيّ وتدخل غرفة كبيرة، يبدو أنّها تشغل القسم الأكبر إن لم يكن كلّ الطابق العلوي.

أظنّني أدركتُ أنّ غرف الطابق الأرضيّ هي غرف السكن الحقيقيّة، وغرف المؤونة وغرف المهملات وأقبية الخمر، وأنّ الطابق العلويّ مخصص للاستخدامات الخاصّة: أعياد أو احتفالات استثنائيّة، أو أعمال تتطلّب مكاناً رحباً أو لتخزين المنتجات الزراعيّة. ففي أثناء الاحتفالات تُفرَّغ وتُزيَّن، كما هي اليوم، بأغصان خضراء وسجّاد وموائد حافلة.

في الوسط مائدة حافلة، غنيّة جدّاً، عليها أباريق وأطباق زاخرة بالفواكه. على طول الجدار، إلى يميني، طاولة أخرى حافلة إلّا أنّها أقلّ غنى، وإلى يساري نوع من طاولات الخدمة، طويلة، عليها أطباق فيها أجبان ومآكل أخرى تبدو لي وكأنّها فطائر مغطّاة بالعسل وحلوى. على الأرض، ودائماً إلى يساري، جِرار أخرى وسِتّة أوعية كبيرة على شكل أواني كالأباريق من نحاس. بالنسبة إليّ هي أجاجين.

تُنصِت مريم بانتباه إلى ما يقوله لها الجميع، ثمّ تخلع معطفها بتؤدة وتساعد في إنهاء استعدادات الطاولة. أراها تروح وتجيء ترتّب فرش الطاولة، وتُعَدِّل أكاليل الزهور، جاعلة أطباق الفواكه في أبهى مظهر ومهتمّة بزيت المصابيح. إنّها تبتسم وتتكلّم قليلاً جدّاً بصوت خافت جدّاً. بالمقابل، هي تسمع كثيراً وبكثير من الصبر.

صَخَب كبير لآلات موسيقيّة (قليلة التناغم بالحقيقة) يُسمَع مِن الطريق. يركض الجميع إلى الخارج باستثناء مريم. أرى العروس تَدخُل مزيّنة وسعيدة، محاطة بالأهل والأصدقاء، إلى جانب العريس الذي هَرَعَ أوّلاً إلى لقائها.

هنا يَحدُث تغيير في الرؤيا. بَدَل البيت أرى بلدة. لستُ أدري ما إذا كانت قانا أو قرية مجاورة:

أرى يسوع مع يوحنّا ورجل آخر قد يكون يوضاس تدّاوس، ذلك أنّني مِن الممكن أن أُخطِئ في هذا الآخر، أمّا يوحنّا فلستُ أُخطِئ به أبداً. يسوع يرتدي الأبيض ومعطفاً لازورديّاً قاتماً. عند سماع صوت الموسيقى، يَستَفسِر مُرافِق يسوع مِن أحد الرجال مِن الشـعب ويُعلِم يسوع. يقول يسـوع مبتسـماً: «لنذهب ونُفرح والدتي.» ويَغذّ السير عبر الحقول مع مرافقيه باتّجاه المنزل.

لقد فاتني القول إنّ انطباعي هو أنّ مريم من أهل أو من أصدقاء الزوج الحميمين، ذلك أنّني أراهم في انسجام تام.

عندما يَصِل يسوع يُخطِر الخَفير الآخرين، فينزل ربّ المنزل للقاء يسوع ومعه وَلَده العريس ومريم، ويحيّيه باحترام، ويحيّي كذلك الآخرين، ويفعل العريس الشيء نفسه. أمّا ما أثار إعجابي فهو تحيّة مريم لابنها المفعمة باحترام مُحِبّ، والعكس كذلك. ليس هناك اندفاع في إظهار العواطف، إنّما نظرة تُصاحِب كلمات التحيّة: «السلام معكَ.» مع ابتسامة تساوي مائة قبلة ومائة معانقة. ترتجف القبلة على شفتي مريم ولكنّها لا تعطيها. إنّها تَضَع فقط يدها البيضاء على كتف يسوع وتلمس تقصيبة من شعره الطويل في مداعبة عاشِقة عفيفة.

يَصعَد يسوع إلى جانب والدته، يتبعه التلميذان وصاحب المنزل، ويدخل غرفة الاستقبال حيث تهتمّ النساء بإضافة كراسي ولوازم المائدة للزوّار الثلاثة غير المنتَظَرين، على ما يبدو لي. أظنّ أنّ مجيء يسوع كان غير مؤكّد ومجيء صاحبيه غير مُنتَظَر بتاتاً.

أَسمَع جليّاً صوت المعلّم الممتلئ، الرجوليّ، واللطيف جدّاً يقول وهو يَدخُل الغرفة: «السلام لهذا البيت وبركة الله تحلّ عليكم جميعاً.» تحيّة جماعيّة لكلّ الموجودين ومفعمة وقاراً. يُهيمن يسوع على الجميع بقوامه ومظهره. إنّه الضيف، وغير الـمُنتَظَر، ولكنّه يبدو ملك الحفل، أكثر من العريس وأكثر من ربّ البيت، مع بقاء كونه متواضعاً ومُتَنازِلاً، فهو يفرض احترامه.

يتّخذ يسوع له مكاناً على الطاولة الرئيسيّة مع العريس والعروس وأهل العروسين والأصدقاء ذوي المكانة الفضلى. أمّا التلميذان، فاحتراماً للمعلّم، يوضع لهما كرسيّان على الطاولة ذاتها.

ظَهْر يسوع إلى الجدار حيث الجِّرار، فهو إذن لا يراها ولا حتّى انهماك كبير الخدّام حول أطباق اللحوم المشويّة التي تُجلَب مِن خلال بويب أرضيّ بجانب طاولات الخدمة.

لاحَظتُ شيئاً. لا يجلس مِن النساء على هذه الطاولة سوى مريم ووالدتي العروسين. كلّ النساء موجودات ويُحدِثن الضجيج على الطاولة الممتدّة على طول الجدار والتي تُخدَم بعد العروسين والضيوف المتميّزين. يسوع إلى جانب ربّ البيت ومريم في مقابله إلى جانب العروس.

يبدأ الطعام، وأؤكّد لكم أنّ الأكل على قدم وساق وكذلك الشرب. إثنان يأكلان ويشربان قليلاً، هما يسوع ووالدته، وهما كذلك يتكلّمان قليلاً جدّاً. يسوع يتكلّم أكثر قليلاً. إلّا أنّه، رغم كلامه القليل، فهو ليس عابساً في حديثه ولا متعالياً. إنّه رجل مُجامِل إنّما ليس ثرثاراً. عندما يُسأل يجيب ويهتمّ بما يُقال له ويُدلي برأيه، ثمّ بعدئذ يعود إلى خلوته كمن اعتاد التأمّل. إنّه يبتسم ولكنّه لا يضحك أبداً. وإذا سَمِع نكتة تتجاوز الحدود يتصرّف كمن لم يسمع شيئاً. تتغذّى مريم من تأمّل يسوعها وكذلك يفعل يوحنّا الجالس على طرف الطاولة الذي يظلّ متعلّقاً بشفتي معلّمه.

تُلاحِظ مريم أنّ الخدّام يتحدّثون إلى كبير الخدم وأنّ هذا الأخير منزعج وتُدرِك أنّ شيئاً ما يجري على غير ما يرام. «يا ابني.» تقولها بهدوء لافتة انتباه يسوع بهذه الكلمة. «يا ولدي، لَم يَعُد لديهم خمر.»

«ما لي ولكِ، بعد اليوم، يا امرأة؟» ويبتسم يسوع لدى قوله هذه الجملة بلطف أكثر، وتبتسم مريم، مثل اثنين يعرفان حقيقة، هي سرّهما السعيد الذي يجهله الجميع.

تأمر مريم الخدّام: «كلّ ما يقوله لكم فافعلوه.» لقد قَرَأَت مريم في عيني ابنها الباسمتين الموافقة المغشّاة بأمثولة عظيمة لكلّ «المدعوين».

ويأمر يسوع الخدّام: «املَأوا الأجاجين ماء.»

أرى الخدّام يملأون الأجاجين ماء محمولاً من البئر (إنّي أسمع أزيز البَكَرَة التي تُصعِد وتُنزِل الدلو الذي يَطفَح.) أرى كبير الخَدَم الذي يستقي القليل من هذا السائل بذهول، وهو يجرّبه بإيماءة دهشة كبيرة ويتذوّقه. ثمّ يتحدّث إلى ربّ البيت والعريس الذي بجواره.

تنظر مريم أيضاً إلى ابنها وتبتسم، ثمّ بينما يردّ عليها بابتسامة تخفض رأسها وقد اعتراها الاحمرار قليلاً. إنّها سعيدة.

تجري همهمة في الغرفة. الرؤوس تدور صوب يسوع ومريم. يَقِفون لِيَروا بشكل أفضل. يذهبون صوب الجِّرار. صَمت، ثم سَيل مِن المديح ليسوع.

لكنّه يقف ويقول كلمة واحدة: «اشكروا مريم.» ومن ثمّ يترك الوليمة. وعند العتبة يكرّر: «السلام لهذا البيت وبركة الله عليكم جميعاً.» ويضيف: « أحيّيكِ أمي.»

وتتوقف الرؤيا.

الجزء الثاني / القسم الأول

15- (ما لي ولكِ، بعد اليوم، يا امرأة؟)

16 / 01 / 1944

يسوع يشرح لي معنى الجملة:

«هذه الـ "بعد اليوم" التي يَـمُرُّ عليها الكثير مِن المترجِمين بالصمت واللامبالاة هي مفتاح الجملة، وهي التي تشرحها بمعناها الصحيح.

لقد كنتُ الابن الخاضع لأمّه حتّى اللحظة التي أشارَت لي فيها إرادة أبي أنّ الساعة قد زَفَّت لأكون المعلّم. فاعتباراً من اللحظة التي بَدَأَت فيها الرسالة، لم أعد الابن الخاضع لأمّه، بل خادم الله. والروابط التي تربطني بمن حَبلت بي وولدتني قد انقَطَعَت. لقد تحوَّلَت إلى روابط ذات طبيعة أسمى كثيراً. لقد ارتَدَّت كلّها إلى الروح. فالروح ينادي دائماً مريم، قدّيستي "ماما". والحبّ لم يعرف حدوداً، ولم يَفتَر، إنّما على العكس تماماً، لم يكن أبداً كاملاً بقدر ما كان عليه لحظة انفصالي عنها من أجل ولادة ثانية، حيث وَهَبَتني للعالم، من أجل العالم، كماسيا، كمبشّر. وأمومتها الروحانيّة الثالثة السامية كانت عندما، في انفطار القلب على الجلجلة، وَلَدَتني للصليب جاعلة منّي فادي العالم.

"ما لي ولكِ بعد اليوم؟" لقد كنتُ في البدء لكِ، فقط لكِ. لقد كنتِ تأمرينني وكنتُ أطيعكِ. كنتُ خاضعاً لكِ. والآن أنا لرسالتي.

ألم أقل ذلك؟ "إنّ مَن يَضَع يده على المحراث ويلتفت إلى الوراء لتحيّة مَن بَقِيَ فهو غير أهل لملكوت السماوات". لقد وَضَعتُ يدي على المحراث لأفتح بالسكّة ليس الأرض بل القلوب، لأزرع فيها كلمة الله. ولم أرفع هذه اليد إلّا حينما انتَزَعوها منّي ليسمّروها على الصليب، ولأفتح بعذاب هذا المسمار قلب أبي بإخراجي مِن الجرح الغفران لكلّ البشريّة.

هذه الـ "بعد اليوم"، التي نَسِيَها الكثيرون كانت تريد قول هذا: "كنتِ لي كل شيء، أيّتها الأمّ، طالما كنتُ يسوع بن مريم الناصريّ، وكنتِ كلّ شيء في روحي، ولكن مُذ أصبحتُ ماسيا الـمُنتَظَر فقد أصبحتُ في ما هو لأبي. انتظري قليلاً بعد، وما أن تنتهي رسالتي حتّى أعود من جديد بكلّيتي لكِ. سوف تضمّينني كذلك بين ذراعيكِ كما حينما كنتُ صغيراً، ولن يزاحمكِ أحد على ذلك، هذا الابن الذي هو لكِ والذي سيُنظَر إليه وكأنّه عار البشريّة، والذي ستُرمى لكِ جثّته لتلبسي أنتِ أيضاً خزي كونكِ أُمّ مجرم. ومن ثمّ سوف تحصلين عليّ من جديد منتصراً، وثمّ ستحصلين عليّ على الدوام منتصرة أنتِ أيضاً في السماء. أمّا الآن فأنا لكلّ هؤلاء الناس وأخُصّ الآب الذي أرسَلَني إليهم.

هذا ما عَنَته الـ "بعد اليوم" الصغيرة الـمُحَمَّلة بالدلالات.»

أعطاني يسوع هذه المعلومة:

«عندما قُلتُ للتلاميذ: "هيّا بنا نُفرِح والدتي". أردتُ إعطاء هذه الجملة معنى أسمى ممّا يبدو. فلم يكن ذلك الفرح برؤيتي، إنّما بأن تكون البادئة بنشاطي العجائبيّ، وأولى الـمُحسِنات إلى البشريّة.

تذكّروا ذلك على الدوام. معجزتي الأولى حَصَلَت بواسطة مريم. الأولى. وهذا هو الرمز إلى أنّ مريم هي مفتاح المعجزة، فأنا لا أرفض شيئاً لوالدتي، وبسبب صلاتها أجعل النعمة سابقة لأوانها. أَعرِف والدتي، فهي في المرتبة التالية بعد الله في الصلاح. أنا أعرف أنّ منحكم النِّعم يعني إسعادها لأنّها "الكلّية الحبّ"، لذلك قُلتُ أنا الذي كنتُ أَعلَم: "هيّا بنا نُفرِحها".

بالإضافة إلى ذلك فقد أردتُ أن أُظهِر للعالم قدرتها بنفس الوقت مع قدرتي. كونها مدعوّة للاتّحاد بي بالجسد -ذلك أنّنا كنّا جسداً واحداً: أنا فيها وهي حولي، مثل بتلات الزنبق حول المدقّة ممتلئة عطراً وحياة، ومتّحدة بي بالألم ـ ذلك أنّنا كنّا معاً على الصليب، أنا بجسدي وهي بروحها، تماماً مثل الزنبقة يفوح أريجها من تويجها ومن العطر المستخرج منها على السواء- فقد كان صحيحاً أنّها كانت متّحدة بي بالقدرة التي ظَهَرَت للعالم.

أقول لكم ما كنتُ أقوله للمدعوّين: "اشكُروا مريم. فبواسطتها حصلتم على معلّم المعجزة ونلتم كلّ نِعَمي، خاصّة نِعَم الغفران".

استريحي بسلام. نحن معكِ.»



12
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.
تمهيد:رغم ان هذا الحدث لا يبدو من الاحداث الرئيسية في الانجيل الا اني اخترته لان يسوع يقوم بشرح بعض التفاصيل الرائعة عن انه لماذا يسمح يسوع بالمصائب ان تاتي الينا وهل يتدخل الله في حياة الانسان

الجزء الثالث
(تابع السنة الثانية في الحياة العلنية)
الكتاب الأول / القسم الثاني

45- (تسكين العاصفة)

30 / 01 / 1944

كم كان سُكوني عظيماً اليوم.

كنتُ أُطرِّز وأَسمَع الموسيقى بصحبة أشخاص من العائلة. وبالتالي فقد كنتُ ساهِية عن الأشياء الاعتياديّة. وإذا بالرؤيا تَعزِلني بُغتة عنها، جاعِلة وجهي يبدو مُختلفاً، لحسن الحظّ أنّ باولا هي الوحيدة التي أَدرَكَت وفَهِمَت. مَكَثتُ مع هذا الفرح والابتهاج طوال فترة بعد الظهر. لقد حَصَلَ ذلك قبل الموعد المعتاد، لأنّني عند حصول تلك الرؤيا، خَبِرتُ تشتّتاً قويّاً في قِواي الجسديّة وخاصّة القلبيّة، ولم يجعلني ذلك أتألّم لأنّني كوفِئتُ بِفَرَح روحيّ عارم. الآن وقد نام الجميع، فإنّني أشاطركم ابتهاجي.

لقد رأيتُ إنجيل اليوم، مع العِلم أنّني، هذا الصباح، أثناء قراءتي له، كنتُ أقول لنفسي: "هذا الفصل من الإنجيل لن أراه مطلقاً، لأنّه لا يتلاءم مع الرؤيا." بينما على العكس، ففي اللّحظة التي كنتُ فيها أقلّ إعمالاً لِفِكري، أَتَت بالضبط لتملأني حبوراً. هذا ما شاهدتُهُ:

مَركب شراعيّ، ليس كبير الحجم كثيراً، ولكنّه كذلك ليس صغيراً. إنّه مركب صيد، يمكن لخمسة أو ستّة أشخاص أن يتحرّكوا عليه بسهولة. وهو يمخر عباب مياه البحيرة الزرقاء.

ينام يسوع في المؤخّرة. إنّه يرتدي الثوب الأبيض كالمعتاد. يَسند رأسه على ذراعه اليسرى، وقد وَضَعَ تحت ذراعه ورأسه معطفه الرماديّ الضَّارِب إلى الزُّرقة، وقد طُوِيَ عدّة طيّات. إنّه جالس وليس متمدّداً، في قاع المركب، ويسند رأسه إلى رفّ صغير موجود في نهاية المؤخّرة. لستُ أدري ماذا يسمّيها البحّارة. إنّه ينام بسكون. فهو تَعِب، وهو هادئ.

بطرس يستلم الدفَّة، واندراوس يهتمّ بالأشرعة، ويوحنّا مع اثنين، لستُ أعرف مَن يكونان، يُعيدون تَوضيب الشِّباك والحِبال في قاع المركب، كما لو أنّهم كانوا عازِمِين على التحضير للصيد أثناء اللّيل. أقول إنّ النهار يُشرِف على الغروب، فالشمس تَنـزل الآن في أُفُق الغَرب. أمّا التلاميذ فقد شَمَّروا أثوابهم جميعاً ليكونوا أكثر حرّية في تحرّكاتهم، والذهاب من مكان إلى آخر في المركب، مارّين فوق المجاديف والسِّلال والمقاعد والشِّباك مِن دون مضايقة الأثواب. ولقد نَزَعوا معاطفهم جميعاً.

أرى السماء تُظلِم، والشمس تختفي خلف غيوم عاصِفة، تَخرُج بَغتَة مِن خلف قِمّة رابية، وتدفعها الرياح بسرعة صوب البحيرة. وما زالت الرياح حتّى الآن عالية، والبحيرة ساكنة. وهي تبدو فقط أكثر ظلاماً ويتموَّج سطحها. لم تُصبِح بعد أمواجاً، إنّما يبدأ الماء بالتحرك.

بطرس واندراوس يراقبان السماء والبحيرة ويُجهِّزان نفسيهما للعمل على إرساء المركب. ولكنّ الرياح تَهُبّ فوق البحيرة، وفي خلال بضعة دقائق يَحتَدِم كلّ شيء ويُزبِد. فالأمواج التي تتلاطَم وتَصدم المركب، وترفعه وتُنـزله وتُديره في كلّ الاتجاهات تَحْول دون عمل الدفّة، كما أنّ الرياح تُعيق عَمَل الأشرعة التي يجب، في هذه الحال، أن تُطوَى.

ينام يسوع. فلا الخطوات ولا صيحات التلاميذ ولا هدير الرياح وتصادُم الأمواج على جوانب المركب ومقدّمته توقِظه. يتموّج شعره بِفِعل الريح، ويتلقّى بعض الرذاذ. ولكنّه نائم. يذهب يوحنّا مِن مقدّمة المركب إلى مؤخّرته ويغطّيه بمعطفه الذي سَحَبَه مِن تحت رفّ صغير. يغطّيه بحبّ مُرهَف.

العاصفة تُصبِح، أكثر فأكثر، هوجاء، والبحيرة سوداء، وكأنّ حِبراً قد سُكِبَ فيها، وهي مُخطَّطَة بِزَبَد الأمواج. امتلأ المركب ماء، وقد دَفَعَته الرياح إلى عرض البحيرة. وبدأ العَرَق يتصبّب مِن جرّاء العمل على غَرف المياه التي تَقذفها الأمواج. ولكنّ ذلك لا ينفع في شيء. وها هم الآن يتخبّطون في المياه التي ارتَفَعَت حتّى وَصَلَت إلى منتصف سيقانهم، وهي تزيد ثِقل المركب.

يَفقد بطرس هدوءه وصبره. ويُسلِّم الدفّة لأخيه، ويمضي وهو يترنّح صوب يسوع، ويهزّه بعنف. يستيقظ يسوع ويرفع رأسه.

«أنقِذنا يا معلّم فإنّنا نَهلك!» يهتف إليه بطرس (يجب أن يَصرُخ لكي يُسمَع).

يُمعِن يسوع النَّظر في تلميذه، يَنظُر إلى الآخرين، ثمّ يَنظُر إلى البحيرة: «هل تؤمن أنّني أستطيع إنقاذكَ؟»

«بسرعة يا معلّم.» يهتف بطرس بينما كان جبل حقيقيّ من الماء مُقبِلاً مِن منتصف البحيرة، ويتوجّه بسرعة إلى المركب الفقير. تحسبه إعصاراً مائيّاً، لشدّة ما كان مُرتَفِعاً ومُخيفاً.

التلاميذ الذين يَرَونَه مُقبِلاً يَجثون، ويتمسّكون حيث هُم وكما يستطيعون، مُقتَنِعِين بأنّها النهاية.

يَنهَض يسوع، واقفاً على رفّ المؤخّرة، ووجهه الأبيض يطلّ على العاصفة، ويمدّ ذراعيه صوب الموجة، ويقول للرياح: «توقّفي واصمتي». وللمياه: «اسكني. هكذا أريد.»

حينئذ ذابَت الموجة الهائلة في الزَّبَد الذي يتساقط بغير ضَرَر. زمجرة أخيرة خَمَدَت بِهَمهَمَة، كما أنّ صفير الرياح قد تحوَّلَ إلى تَنهُّد. وعلى البحيرة التي سَكَنَت يعود صفاء السماء، والرجاء والإيمان إلى قلب التلاميذ.

لا يمكنني وصف عَظَمَة يسوع. يجب رؤيتها لإدراكها. وإنّني لَأَتذوّقها في داخلي، لأنّها دائمة الحضور. وأعود لأرى كم كان نوم يسوع مُستكيناً، وكم كان قَديراً سلطانه على الرياح والأمواج.


46- (المصائب تساعد على إقناعكم بعَدَميَّتكم)

30 / 01 / 1944

يقول يسوع فيما بعد الرُّؤيا السابقة:

«لستُ أشرَح لكِ الإنجيل كما يشرحه الجميع. بل سوف أُسلِّط الضوء على ما يَسبق الحَدَث في الإنجيل.

لماذا كنتُ نائماً؟ أعَلى سبيل الصُّدفة، ولَم أكن أعلَم أنّ العاصفة ستهبّ؟ بلى كنتُ أعلَم. وقد كنتُ الوحيد الذي أَعرِف ذلك. وإذن لماذا كنتُ أنام؟

كان الرُّسُل بَشراً، يا ماريّا. تُحَرِّكهم نواياهم الحسنة، ولكنّهم بالرغم من ذلك، هُم "بشر" فقط. والإنسان يظنّ نفسه دوماً قادراً على كلّ شيء. وبعدئذ، عندما يصبح حقيقة قادراً على كلّ شيء، يصبح ممتلئاً بالاكتفاء والتمسّك "بإجادة العمل". بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنّا كانوا صيّادين ماهرين، ولهذا السبب كانوا يظنّون أنّ لا أحد يفوقهم في عمل المراكب. وأنا، بالنسبة إليهم، كنتُ "رابي" عظيماً، إنّما عديم الكفاءة كبحّار. لذلك كانوا يعتبرونني غير أهل لمساعدتهم. وعندما يَصعَدون إلى المركب لاجتياز بحر الجليل، كانوا يرجونني البقاء جالساً، لأنّني غير أهل للقيام بشيء آخر. عاطفتهم كذلك كانت، مِن أجل شيء ما، فلم يكونوا يَبغون فرض أعباء مادّيّة عليّ. ولكنّ تَشَبُّثهم "بإجادتهم العمل" كان يتجاوز العواطف أيضاً.

أنا لا أفرض نفسي إلّا في حالات استثنائيّة، يا ماريّا. بشكل عامّ، أنا أترككم أحراراً، وأنتَظِر. في ذلك اليوم كنتُ تَعِباً، وكانوا يرجونني أن أستريح، أي أن أدعهم يَعمَلون، وهُم المؤهَّلون لذلك. لذا نمتُ. وفي نومي كذلك كانت تتداخل تلك الواقعة، أنّ الإنسان هو "إنسان"، وأنّه يريد التصرّف بذاته، دون التنبّه إلى أنّ الله لا يطلب إلاّ أن نسأله العون. وفي هؤلاء "الصُّمّ الروحيّين"، في هؤلاء "العميان الروحيّين"، كنتُ أرى كلّ الصُّمّ والعُميان الروحيّين الذين، على مدى عصور وعصور، يمضون إلى خرابهم بإرادتهم "التصرّف بذواتهم"، بينما أكون أنا منحنياً على احتياجاتهم، في انتظار طَلَبهم العون منّي.

عندما صَرَخَ بطرس: "أنقِذنا!" سَقَطَت مرارتي مثل حصاة أفلَتَت. فأنا لستُ "إنساناً"، بل أنا "الله-الإنسان". أنا لا أتصرّف كما تتصرّفون أنتم. فإنّكم عندما يَرفض أحد نصيحتكم وعونكم، حينما تَجِدونه في ضيق، حتّى ولو لم تكونوا أشراراً كفاية لتَبتَهِجوا لذلك، فإنّ لديكم ما يكفي لتَحتقروه، فلا تُبالون به، بل وتَنظُرون إليه دون أن يحرّككم نداؤه لكم وطلبه العون. وبسلوككم تجعلونه يُدرِك: "عندما رغبتُ في مساعدتكَ، أبَيْتَ. الآن دَبِّر نفسكَ". أمّا أنا فإنّني يسوع، إنّني الـمُخلِّص. وأنا أُخلِّص، يا ماريّا. أُخلِّص على الدوام، حالما يُنادونني.

يمكن للناس المساكين أن يَعتَرِضوا: "وإذن، فلماذا تسمح للعواصف المخصَّصة أو المعمَّمة أن تَحدُث؟" فإذا كنتُ، بِسُلطاني، أُدمِّر الشرّ، مهما يكن، فسوف تَعتَقِدون أنّكم أنتم فاعِلو الخير الذي هو، في الحقيقة، عطيّة منّي، ولا تَعودون تتذكّرونني على الإطلاق. على الإطلاق. فإنّكم، أيّها الأبناء المساكين، في حاجة إلى الألم ليذكّركم بأنّ لكم أباً. مِثل الابن الشاطر الذي تذكّر أنّ له أباً عندما عَضَّه الجُّوع.

المصائِب تساعد في إقناعكم بعَدَميَّتكم، بعدم صوابيّتكم، سبب أخطاء جَمّة، سبب شرّكم، سبب أحزان كثيرة وآلام كثيرة، سبب خطاياكم، سبب عقوبات كثيرة تجلبونها لأنفسكم، وهي سبب وجودي وسلطاني وصلاحي. هذا ما يقوله لكم إنجيل اليوم. إنجيلكم للساعة الحاليّة، أيّها الأبناء المساكين.

اطلُبوني. فيسوع لا ينام، إلاّ أنّه قَلِق مِن رؤيتكم بغير حُبّ تجاهه. نادوني وسآتي.»

آسف لعدم مجيئكَ اليوم، لأنّكَ كنتَ سترى وجه غِبطة، وكنتُ أنا تمكّنتُ مِن معرفة إلامَ أتبدَّل، ذلك أنّ باولا تقول إنّها لاحَظَت ذلك رغم استمراري بالعمل، حتّى بأسرع من المعتاد، ولكنّها لا تعرف شرح المزيد... على الأقلّ أعرف أن أضبط نفسي، وبالمناسبة أفعَل مِثل موسى: أن أضع وشاحاً على وجهي.

13
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.
مقدمة: يمكن اعتبار العضة على الجبل اهم ما يميز المسيحية من حيث الاخلاق ومحبة الله عن سائر الاديان والمعتقدات وبما انها طويلة جدا فسوف اضع كل الاجزاء المرتبطة بها بموضوع واحد ورغم كونه سيكون طويلا لكن يجب ان تتذكرو ان ملكوت السماوات تغتصب والمجاهدين هم من يدخلوها وليس هناك مكان للكسالى.
تمهيد: في هذا القسم يوجه المسيح رساله خاصة الى رسله وتلاميذه وحتى المسيحيين بصورة عامة ويدعوهم نور الارض وملح العالم.


الجزء الثالث / القسم الأول

29- (العِظَة على الجبل: "أنتم ملح الأرض")

22 / 05 / 1945

يسير يسوع وحيداً، وبخطى حثيثة على طريق رئيسيّة. يتوجّه صوب جبل مُنتَصِب على مقربة من الطريق الرئيسيّة ومتّجه صوب الغرب، انطلاقاً من البحيرة. على مسافة قريبة كانت بدايته، على أرض مائلة ميولاً لطيفاً ممتدّة لمسافات بعيدة، مُشكِّلة هَضَبَة، تُشاهَد منها البحيرة كلّها مع بلدة طبريّا، باتّجاه الجنوب، والبلدات الأخرى الأقلّ جمالاً، الجاثمة صوب الشمال. ثمّ يرتفع الجبل بسرعة أكبر حتّى إحدى القمم، وينخفض، ثمّ يرتفع مرّة أخرى ليشكّل قمّة أخرى شبيهة بالأولى، ومجموع الاثنين يُشكِّل ما يشبه السَّرج.

يَسلك يسوع الطريق الصاعدة صوب الهضبة، عَبْر درب ترابيّ، هو كذلك جميل بما فيه الكفاية، ويَصِل إلى بلدة صغيرة يَحصد أهلها تلك الهضبة المرتفعة، حيث اتَّخَذَ القمح شكل السنابل. يجتاز البلدة ويتقدّم عَبْر الحقول والمروج الموشّاة بالزهور أو التي تموج بالحصاد.

اليوم صاف، ممّا يسمح بظهور جمال الطبيعة المحيطة كلّها بكامل قيمته. وراء الجبل الصغير المنعزل الذي يتوجّه إليه يسوع، تُرى في الجنوب قِمّة حرمون المهيب، الذي تبدو قِمّته كَدُرّة عملاقة ترتكز على قاعدة من الزمرّد، لشدّة بياض القِمّة المكلّلة بالثلج الذي يتعاكس بياضه مع اخضرار المنحدرات المغطّاة بالخمائل. وراء البحيرة، بل بينها وبين حرمون، السهل الأخضر، حيث بحيرة ميرون التي، مع ذلك، لا تُرى من هذا المكان، ثمّ جبال أخرى متّجهة صوب بحيرة طبريّا، من الناحية الشماليّة الغربيّة، ووراء البحيرة جبال أخرى في البعيد تلطّفها، وسهول أخرى في الجنوب، ووراء الطريق الرئيسيّة هناك الروابي التي أظنّها تخفي الناصرة. وكلّما ارتفعنا، كلّما اتَّسَعَ الأفق. لستُ أدري ماذا في الجهة الغربيّة لأنّ الجبل يحجب الرؤيا.

يلتقي يسوع أوّلاً الرَّسول فليبّس الذي يبدو وكأنّه عُيِّن خفيراً على ذلك المكان: «كيف هذا يا معلّم؟ أأنتَ هنا؟ كنّا ننتظركَ على الطريق. وأنا أنتظر الرفاق الذين ذَهَبوا لجلب الحليب من عند الرُّعاة الذين يَرعون قطعانهم على القمم. في الأسفل، على الطريق، هناك سمعان ويهوذا بن سمعان ومعهما اسحق و... آه! ها هم. تعالوا! تعالوا! المعلّم هنا!»

الرُّسُل الذين كانوا يَهبطون ومعهم القُرَب، يبدأون بالجري، ومن الطبيعي أن يصل الشباب أوّلاً. يُهلِّلون للمعلّم، إنّه لمشهد مؤثّر. أخيراً اجتَمَعوا، وبينما يسوع يبتسم، يريد الجميع التحدّث إليه ورؤيته…

«ولكنّنا كنّا ننتظركَ على الطريق العامّة!»

«كنّا نظنّ أنّكَ لم تكن لتأتي اليوم حتّى.»

«آه! كنّا منـزعجين لأنّه كان هناك كَتَبَة وحتّى تلاميذ لجملائيل...»

«ولكن نعم يا معلّم! في الحقيقة أنّكَ تركتَنا في الوقت المناسب! لم أشعر بالخوف يوماً كما في ذلك الحين. فلا تجعلني ألعب دوراً كهذا فيما بعد.»

بطرس يتشكّى ويسوع يبتسم ويسأل: «ولكن هل حَصَلَ لكم مكروه؟»

«آه! لا! على العكس... آه! يا معلّمي! ولكن ألا تعلَم أنّ يوحنّا قد تكلَّم؟... وكان يبدو وكأنّكَ أنتَ تتكلّم بلسانه. أنا... نحن كنّا مُنذَهِلين... ذاك الصبيّ الذي لم يكن قادراً منذ عام سوى على رمي الشِّباك... آه!» ما يزال بطرس تحت تأثير الإعجاب، ويقوم بهزّ يوحنّا الضاحك الصامت. «انظروا إذا كان يبدو ممكناً لهذا الصبيّ بفمه الضاحك أن يكون قد تفوَّهَ بتلك الكلمات! كنّا نحسبه سليمان.»

«وكذلك سمعان قد أحسَنَ الكلام يا سيّدي. لقد كان بحقّ الرئيس.» يقول يوحنّا.

«لستُ أدري! لقد حَصَرَني في الزاوية! ولكن... يقولون إنّني أحسنتُ الحديث. ممكن، أنا لا أعلَم... إذ بسبب الدهشة التي سَبَّبَها لي حديث يوحنّا والخوف من التحدّث وسط جمع غفير، ومِن أن أجعلكَ تبدو دون المستوى، فقد كنتُ مُضطَرِباً...»

«أن تجعلني أبدو دون المستوى؟ أنا؟ ولكنّكَ أنتَ الذي كنتَ تتحدّث، وأنتَ الذي كنتَ ستبدو دون المستوى يا سمعان.» يقول له يسوع على سبيل المغايظة.

«آه! بالنسبة إليَّ... لم يكن يهمّني كثيراً. لم أكن أريدهم أن يَسخَروا منكَ لاتّخاذكَ أبلهاً رسولاً لكَ.»

يَشعّ يسوع فرحاً لتَواضُع وحُبّ بطرس. ولكنّه يسأل فقط: «والآخرون؟»

«الغيور أيضاً قد أحسَنَ الكلام. إنّما هو... نعرفه. ولكن هذا كان مفاجأة! إلّا أنّه مذ كنّا في خلوة الصلاة والوَلَد يبدو وكأنّ نَفْسه في السماء على الدوام.»

«حقيقة! حقيقة!» يؤكّد الجميع كلام بطرس، ثمّ يستمرّ الكلام.

«وهل تعلَم؟ بين التلاميذ الآن اثنان، حسب قول يهوذا بن سمعان، مهمّان جدّاً. يهوذا مُنهَمِك للغاية، هه! حقيقيّ! إنّه يعرف أولئك الناس جيّداً... منذ زمن بعيد، وهو يعرف كيف يتحدّث إليهم. ويحبّ التحدّث... بل يجيد التحدّث. ولكنّ الناس يُفضِّلون سماع سمعان وإخوتكَ، خاصّة هذا الصبيّ. أمس قال لي أحدهم: "هذا الشاب يجيد التكلّم -وكان يقصد يهوذا- ولكنّني أُفضِّلكَ عليه". آه! يا مسكين! تُفضِّلني أنا الذي لا أعرف أن أقول سوى أربع كلمات!... ولكن لماذا أتيتَ إلى هنا؟ والموعد كان على الطريق، وقد كنّا هناك.»

«لأنّني كنتُ أعلَم أنّني أجدكم هنا. الآن اسمعوا. اهبطوا وقولوا للآخرين أن يأتوا، وأيضاً للتلاميذ المعروفين. لا تدعوا الناس يأتون اليوم. أودُّ التحدّث إليكم فقط.»

«إذن، مِن الأفضل انتظار المساء. فعند المغيب يتفرّق الناس إلى القرى المجاورة، ويعودون صباحاً لانتظاركَ. وإلّا... فَمَن سيستبقيهم؟»

«حسناً. افعلوا كذلك. أنتَظِركم في الأعلى عند القِمّة. الآن دافئ هو الليل حتّى إنّه يمكننا النوم في العراء.»

«حيثما تريد، يا معلّم. يكفي أن تكون معنا.»

يمضي التلاميذ، ويُعاوِد يسوع الصعود حتّى القِمّة. إنّها تلك التي رأيتُها في رؤيا العام الماضي، عند نهاية الحديث على الجبل واللقاء الأوّل لمريم المجدليّة. ويبدو المنظر العام أكثر اتّساعاً عند مغيب الشمس. يَجلس يسوع على صخرة ويستغرق في التأمّل. ويبقى هكذا حتى ينبّهه وقع الأقدام على الدرب أنّ الرُّسُل في طريق العودة. لقد وَصَلوا مساء. ولكن على ذاك الارتفاع، تستمرّ الشمس في جعل العطر يفوح من النبات والزهور. زنابق برّية يفوح منها عَبَق قويّ، وسوق النرجس الكبيرة تهزّ نجومها وبراعمها كما لتنادي الندى.

يَنهَض يسوع ويحيّي قائلاً: «السلام معكم.»

تلاميذ كثيرون يَصعَدون مع الرُّسُل. يقودهم اسحق بابتسامته، ابتسامة الناسك الزاهد على وجهه النحيل. يتجمّعون كلّهم حول يسوع الذي يحيّي خاصّة يهوذا الاسخريوطيّ وسمعان الغيور.

«أردتكم جميعاً معي للمكوث بضعة ساعات معكم فقط والحديث إليكم، إليكم فقط. فلديّ ما أقوله لكم لتهيئتكم للرسالة بشكل أفضل. سنتناول الطعام ثمّ نتحدّث، وأثناء النوم تستمرّ النَّفْس بالتنعّم بالـمَذهب.»

يتناولون الوجبة البسيطة، ثمّ يتزاحمون متحلّقين حول يسوع الجالس على صخرة. إنّهم حوالي المائة، وقد يكونون أكثر، ما بين تلاميذ ورُسُل. تاج من الوجوه المتنبِّهة تنيرها شعلتان من النيران المتّقدة بشكل غريب. يتحدّث يسوع بتمهّل وبحركات هادئة. يبدو وجهه أكثر ابيضاضاً، منفرداً عن ثوبه الأزرق الداكن، ينيره شعاع من هلال القمر الذي يهبط على مستواه بالضبط، فاصلة صغيرة في السماء، شريطة من نور تداعب معلّم السماء والأرض.

«أردتكم هنا، خصوصاً لأنّكم أصدقائي، لقد دعوتُكم بعد الاختبار الأوّل الذي خَضَعَ له الاثنا عشر، ولأُوَسِّع حلقة تلاميذي الفاعِلين، ولأسمع منكم ردود الفعل الأولى حيال الذين يرأَسونَكم، والذين أمنحكُم إيّاهم كاستمرار لي. إنّني أعلَم أنّ كلّ شيء جرى على ما يُرام. كنتُ أدعَم وأُسانِد بصلاتي نفوس الرُّسُل، الخارجين مِن خلوة الصلاة بقوّة جديدة في الروح والقلب. قوّة لا تأتي من الدراسة، إنّما من الاستسلام الكامل لله.

الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا أنفسهم أكثر. فنسيان الذات أمر عسير.

الإنسان مجبول بالذكريات. والتي منها تَرفَع صوتها أكثر، هي ذكريات الأنا الشخصيّة. يجب التفريق بين أنا وأنا. فهناك الأنا الروحيّة التي تأتي من النَّفْس وتتذكّر الله وأصلها الإلهيّ. وهناك الأنا الدنيا، أنا الجسد التي تنطوي على ألوف المتطلّبات والأهواء التي لها. تَخرُج منها أصوات كثيرة، تُشكِّل جوقة تُهيمِن، إذا لم يكن الروح قويّاً جدّاً، وصوت الروح الفريد الذي يتذكّر أصله النبيل كابن لله. يجب إذاً -عدا تلك الذكرى المقدَّسة التي يجب دائماً دفعها أكثر وإحياؤها وتقويتها- يجب عليكم، لتكونوا كاملين كتلاميذ، معرفة نسيان الذات بكلّ الذكريات والمتطلّبات والمنعَكَسات المخيفة للأنا البشريّة.

في هذا الاختبار الأوّل للاثني عشر، الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا نفسهم أكثر. ناسين ليس فقط ماضيهم، إنّما كذلك شخصيّتهم المحدودة. إنّهم أولئك الذين لم يَعودوا يتذكّرون مَن كانوا ومَن هُم الآن لشدّة ذوبانهم في الله، بحيث لم يعودوا يخشون شيئاً. لماذا تحفّظات البعض؟ لأنّهم تذكَّروا حَرَجَهم المعتاد، واعتباراتهم المعتادة، وظُنونهم المعتادة. لماذا إيجاز الآخرين؟ لأنّهم تذكَّروا عدم أهليّتهم المذهبيّة، ولأنّهم خافوا أن يَظهَروا أو أن يجعلوني أبدو دون المستوى. لماذا التَّفاخر الظَّاهِر لآخرين أيضاً؟ لأنّ هؤلاء تذكَّروا كبرياءهم المعتاد، ورغبتهم في أن يكونوا في موقع النجوميّة، أن يُصَفَّق لهم، وأن يتفرَّدوا، وأن يكونوا "شيئاً مميّزاً". أخيراً، لماذا التجلّي غير المتوقّع لآخرين، في حديث هو حديث معلّم واثِق، مُقنِع وظافِر؟ لأنّ أولئك، وأولئك فقط، عَرفوا أن يتذكّروا الله. ولكنّ الأمر كذلك لدى أولئك الذين كانوا متواضعين، وكانوا يحاولون ألّا يلاحظهم أحد، والذين، في الوقت المناسب، عرفوا أن يتولّوا مباشرة قيادة الدفّة التي أُنعِم بها عليهم، والذين لم يكونوا يريدون ممارستها خوفاً من أن يكونوا مغرورين. الفئات الثلاث الأولى تذكَّروا الأنا الدنيا. أمَّا الفئة الرابعة، فقد تذكَّروا الأنا السامية ولم يخافوا. آه!‍ يا للإقدام المقدَّس المتأتّي من الاتّحاد بالله.

فإذن اسَمعوا، أنتم وأنتم: رُسُل وتلاميذ. أنتم أيّها الرُّسُل قد سمعتم تلك الأفكار. إنّما الآن فسَتدُركونها بشكل أعمق. وأنتم، أيّها التلاميذ، لم تسمعوها، أو كان ذلك بشكل جزئيّ. يجب أن تُنقَش في قلوبكم، إذ إنّني سوف أستعين بكم كثيراً وعلى الدوام، طالما قطيع المسيح لا يني يتعاظَم، إذ إنّ العالم سوف يهاجمكم أكثر فأكثر، وسيزداد عدد الذئاب المتألِّبة ضدّي، أنا الراعي، وضدّ قطيعي. أريد أن أضع بين أيديكم السلاح الذي تذودون به عن مَذهَب قطيعي. ما يكفي قطيعي لا يكفيكم أيّها الرُّعاة الصغار. إذا كان مسموحاً للنعاج ارتكاب الأخطاء وهي تقضم الأعشاب التي تجعل الدم مُرّاً وتثير الشهوات، فليس مسموحاً لكم أنتم ارتكاب الأخطاء نفسها مُودِين بقطيع كبير العدد إلى خرابه. فَكِّروا أنّه حيث يوجد راعٍ وثنيّ تَنفُق النعاج بالسمّ أو تهاجمها الذئاب.

أنتم ملح الأرض ونور العالم. إذا ما قصّرتم في رسالتكم فسَتُصبِحون ملحاً لا طعم له ولا نفع. ولا يمكن لشيء أن يعيد الطعم لكم إذا لم يمنحكم إيّاه الله. إذا كنتم، بتقبّلكم العطيّة، جعلتموها تَفقد طعمها بتمديدها بمياه الإنسانيّة التَّفِهة والملوّثة، وبتخفيفها بعذوبة الشهوات الفاسدة، بمزجكم ملح الله النقيّ بفضلات الكبرياء والشهوة والشراهة والفجور والغضب والكسل، بشكل تحصلون فيه على حبّة ملح واحدة مقابل سبع مرّات سبع حبّات من كلّ رذيلة. فلا يعود ملحكم آنذاك سوى مزيج من حصى فيها حبّة الملح تائهة، حصى تصرّ تحت الأسنان، وتترك في الفم طعم التراب وتجعل الطعام كريهاً ومقزِّزاً. فلا يعود صالحاً، ولا حتّى للاستخدامات الدنيا، حيث معرفة مجبولة بالرذائل السبع تسيء حتّى إلى الرسالات الإنسانيّة. حينئذ لا يعود الملح صالحاً لغير الرمي والدوس بأرجل الناس اللامبالية. كَم مِن الشعوب، كَم مِن الأمم ستتمكّن هكذا مِن دوس رجال الله! إذ إنّ أولئك المدعويّن سيكونون قد سَمَحوا للأمم اللامبالية أن تدوسهم، إذ لم يعودوا الجَّوهر الذي نسعى إليه لنَجِد طعم الأشياء النبيلة والسماويّة، إنّما سيكونون فقط فضلات.

أنتم نور العالم. أنتم كهذه النعمة التي كانت الأخيرة في وداعها للشمس، والأولى في تلقّي نور القمر الفضّيّ. المتواجد في الأعالي يُشرِق ويُرى، ذلك أنّ العين، حتّى الأكثر سهواً، تركّز أحياناً على الأعالي. أقول إنّ العين المادّيّة، التي نقول عنها إنّها مرآة النَّفْس، تعكس رغبة النَّفْس، الرغبة غير الـمُلاحَظة غالباً، إنّما الناشطة دائماً، طالما الإنسان ليس شيطاناً، الرغبة في الارتقاء إلى الأعالي، حيث يضع الفكر، بشكل غريزي، الكلّيّ السمو، ويَرفَع النَّظر إلى العَلى أثناء البحث عن السماوات، أقلّه بعض المرّات في سياق الحياة.

أرجوكم أن تتذكّروا ما نفعله جميعنا، منذ الطفولة الأكثر حداثة، أثناء الدخول إلى أورشليم. أين تتزاحم الأنظار؟ صوب جبل مورياح الذي يتوّجه قوس المعبد من المرمر والذهب. وعندما نكون داخل أسواره، ننظر إلى القبب الثمينة التي تشعّ وتتلألأ تحت الشمس. كم من الجمالات داخل الأسوار المقدَّسة، مُنتَشِرة في ردهاته وفي أروقته وساحاته! ولكنّ العين تنطلق إلى العُلى. أرجوكم أيضاً أن تتذكّروا أسفارنا. أين ينطلق نَظَرنا كيما ننسى طول الطريق والرتابة والتعب والحرارة والوحل؟ صوب القمم، حتّى ولو كانت قليلة الارتفاع، وحتّى ولو كانت بعيدة. وكم يُسرّى عنّا لمجرّد رؤيتها قد ظَهَرَت، عندما نكون في سهل منبَسِط بشكل رتيب! أأوحال في الأسفل؟ في الأعلى هو الطُّهر. أحرارة خانقة في الأسفل؟ في الأعلى هو الانتعاش. هل الأفق محدود في الأسفل؟ في الأعلى يمتدّ بلا حدود. ولمجرّد النظر إليه يبدو اليوم أقلّ حرارة، والوحل أقلّ لزوجة، والمسير أقلّ غمّاً. ثمّ لو لَمَعَت بلدة على قمّة جبل، فحينئذ لا تُرى عيوناً لا تُعجَب بها. حتّى لَتَحسب أنّ بلدة لا أهمّية لها تصبح جميلة، لو وُضِعَت في مكان شبه فضائيّ، على قمّة جبل. ولأجل ذلك تُرى في الديانات الحقيقيّة والديانات الخاطئة أنّه كلّما كان مستطاعاً يُبنى الهيكل في مكان مرتفع، وإذا لم تكن هناك هضبة أو جبل، فتُبنى له قاعدة من حجر بقوة السواعد على السطح المنبَسِط الذي يتوضّع عليه الهيكل. لماذا التصرّف بهذا الشكل؟ لأنّ المراد هو أن يُرى الهيكل، فيُذَكِّر برؤيته بالتفكير الموجّه صوب الله.

قُلتُ كذلك إنّكم نور. والذي يضيء مصباحاً ليلاً في البيت، فأين يضعه؟ أفي حفرة تحت الموقد؟ أم في المغارة المستخدَمَة كقبو؟ أَم مُغلقاً عليه في صندوق؟ أم بكلّ بساطة يخفيه تحت مكيال؟ لا، لأنّ إنارته آنذاك لا يعود لها فائدة. ولكنّه يَضَع المصباح على طاولة، أو يُعلِّقه على حامل المصباح، لكي، في حال وَضَعَه في مكان مرتفع يضيء الغرفة كلّها، ويُنير كلّ الموجودين فيها. ولكنّ ذلك، وبالتحديد سبب وضعه في مكان مُرتَفِع، الهدف منه هو التذكير بالله، ومنح النور، فينبغي له أن يكون على مستوى وظيفته.

أنتم يا مَن ينبغي لكم التذكير بالله الحقيقيّ، اعمَلوا على ألّا تكون فيكم الوثنيّة ذات العناصر السبعة. وإلّا فسَتُصبِحون مواضع دنيويّة مرتفعة بواسطة أخشاب مقدَّسة، مكرَّسين لهذا أو ذاك من الآلهة، جارِّين في وثنيّتكم الذين ينظرون إليكم كهياكل لله. ينبغي لكم أن تَحملوا نور الله. فمصباح مُتَّسِخ، أو غير المزوَّد بالزيت، يدخِّن ولا يعطي نوراً، بل يُطلِق روائح كريهة ولا يُضيء. ومصباح مخفي وراء زجاج (كريستال) متَّسخ، لا يعطي التألّق الظريف، ولا التأثير الرائع للنّور النّقي على المعادن اللّامِعة، ولكنه يَبهُت خلف ستار من الدخان الأسود الذي يجعل مأواه الماسيّ ذا غَباشَة كثيفة.

نور الله يتألّق حيث توجد إرادة جادّة يوميّاً في إزالة النفايات الناتجة عن العمل ذاته، بالاحتكاكات التي لا يمكن تحاشيها، التفاعلات وردود الفعل وخيبات الأمل. نور اللهَ سَطع عندما يكون المصباح مزوّداً بسائل وَفير ِمن الصلاة والمحبّة. نور الله يتضاعف تألُّقه بشكل لا نهائيّ، عندما تتواجد كمالات الله، حيث إنّ كلّ واحدة منها تَبعَث في القدّيس فضيلة تُمارَس ببطولة، إذا ما حافَظَ خادم الله على الزُّجاج حصيناً من نفسه، في مأمن مِن الدخان الأسود الذي لكلّ الأهواء السيّئة المدخِّنة. زجاج حَصين، حَصين! (يتكلّم يسوع بصوت كالرَّعد في هذه الخلاصة، ويُدَوّي الصوت في هذا المدرج الطبيعيّ.) الله وحده يملك الحقّ والقدرة على أن يُخطِّط هذا الكريستال، أن يَكتب فيه اسمه الكلّيّ القداسة بماسَة إرادته. حينئذ يُصبِح هذا الاسم تزييناً يُضاعِف سُطيحات الجمال فائق الطبيعة على الزجاج النقيّ جدّاً.

أمّا إذا كان خادم الله الغافِل، الذي بفقدانه ضبط نفسه ورؤية رسالته الفائقة الطبيعة فقط وبأكملها، يجعل تزيينات خاطئة ومزيّفة تترك أثرها على هذا الكريستال، خُدشاً وليس نَقشاً، شيفرات سرّية وشيطانيّة خَطَّتها أظافر الشيطان الناريّة. حينئذ لا، فالمصباح الرائع، لا يعود له بهاؤه وجماله الدائم الذي لا عيب فيه، ولكنّه يتصدَّع ويتحطَّم، خانقاً الشعلة تحت حطام الكريستال الـمُنفَجِر، أو إذا لم يتحطَّم، فإنّ مجموعة من العلامات الواضحة التي تفضح طبيعتها تتشكَّل على سطحه، ثمَّ يتسلَّل الشَّحار إلى داخله مفسداً إيّاهُ.

الويل! والويل الويل الويل للرُّعاة الذين يفقدون المحبّة، والذين يأبون الصعود يوماً إثر يوم ، ليُصعِدوا القطيع الذي ينتظر زهدهم ليَصعَد. سوف أضرُبهم بإسقاطهم من مكانهم، وبإطفاء كلّ دُخّانهم.

الويل! والويل الويل الويل للمعلِّمين الذين يرفضون الحكمة ليَشبَعوا مِن عِلم، هو غالباً مُناقِض، دائماً متكبّر، أحياناً شيطانيّ، لأنّه يدنيهم من إنسانيّتهم، إذ -اسمَعوا جيّداً واحفَظوا- بينما قَدَر كلّ إنسان أن يصبح شبيهاً بالله بالتقدّيس الذي يجعل الإنسان ابن الله، فالمعلّم-الكاهن ينبغي له، منذ حياته على هذه الأرض، أن يكون له مَظهَر ابن الله وإيّاه فقط. ينبغي له أن يكون إنساناً، هو بكلّيّته نَفْس وكمال. ينبغي أن يكون له كلّ ذلك ليَصِل بتلاميذه إلى الله. اللعنة تحلّ على المعِلّمين المكلَّفين بتأمين التعليم الفائق البشر الذين يصبحون أوثان المعرفة البشريّة.

الويل! والويل سبع مرات لأولئك الذين، بين كَهَنَتي، قد ماتت نفوسهم، الذين أصبَحوا تافهين، الذين تعاني أجسادهم من حرارة مَرَضيّة، والذين نَومهم مُفعَم بالتهيّؤات والهلوسة لكلّ ما هو موجود، ما عدا الإله الواحد والثالوث؛ الـمُفعَم بكلّ أنواع الحسابات، ما عدا الرغبة فائقة الطبيعة في زيادة ثروات القلب والله. إنّهم يعيشون، مغمورين بإنسانيّتهم، خسيسين، مُخَدَّرين، جارّين إلى مياههم المائتة الذين يتبعونهم وهم يظنّون أنّهم "الحياة". لعنة تحلّ على الذين يُفسِدون قطيعي الصغير، القطيع المحبوب. فليس مِن الذين هَلكوا نتيجة توانيكم، يا خُدَّام الربّ المقصِّرين، بل منكم أنتم سوف أُطالِب بالحساب، وبكم سوف أُنزِل القصاص، من أجل كلّ ساعة وكلّ وقت مُبَدَّد، من أجل كلّ السوء الذي كان يمكن أن يقع أو الذي نَتَجَ عنه.

تذكَّروا هذه الكلمات. والآن اذهبوا. إنّي صاعد إلى القمّة. أمّا انتم فناموا. غداً سوف يَفتَح الراعي للقطيع مراعي الحقيقة.»

14
الفصل السابع والستون
قيامة الرب

لقد نظرت نفس الرب بين ملاكين، كانت في ثياب محاربين: كانت مضيئة، مُشرقة، متألقة كالشّمس في منتصف النهار؛ تخترق الصّخرة، تمسّ الجسد المقدّس، تجتاز فيه، ويتحد الاثنان فى الحال، وصارا واحدا. ثم رأيت الأطراف تتحرّك، وجسد يسوع أتحّد ثانية بنفسه وبلاهوته، قام ونفض الكفن الملتفّ حوله وأضئ كل ما فى الكهف .
فى نفس اللّحظة رأيت انفجار حية ضخمة مخيفة على الأرض أسفل القبر. لقد كانت حية ترفع رأسها لتهاجم يسوع؛ وكان لها رأس بشرى. لكن الرب أمسك بعصا بيضاء فى يده، مثبت بها راية كبيرة؛ ووضع قدمه على رأس الحية، وضرب ذيلها ثلاث مرات بعصاه، بعد ذلك اختفت الحية. لقد كنت أرى هذه الرّؤيا نفسها عديد من المرات قبل القيامة، ورأيت مثل هذه الحية، تسعي أن تخفي نفسها في وقت الحبلِ بيسوع: شَبهَ الحية التي أغرت والدينا الأوائل في الفردوس، فقط كانت أكثر ترويعاً. اعتقدتُ بأن هذه الرّؤياِ كَانَت إشارة للكَلِماتُ النّبوية " بنسل المرأةِ يَسْحقَ رأسِ الحية " والذي كَانَ كله مقصودَ أَنْ يَبرهن على غلبة إلهنا على الموتِ، لأنه في نفس اللّحظةِ التي رَأيته يَسْحقُ فيها رأسَ الحية، اختفي القبر من بصري أيضا.
ثم رَأيتُ الجسد المُمَجَّد للرب يقوم، ويعَبرَ خلال الصخور الصلبِة بسهولة وكأن هذه الصخور قَدْ تشُكّلَت من مادة مرنةِ. اهَتزّتْ الأرض، ونزل ملاك في زيِ محاربِ من السّماءِ بسرعةِ البرقِ، دَخلَ القبرَ، رَفعَ الحجر ووَضعه على الجانبِ الأيمنِ، وجلسَ فوقه. برؤية هذا المنظر سقط الجنودِ على الأرض، وبَقوا كأنهم بلا حياة. عندما رأى كاسيوس الضّوءَ السّاطع الذي أنار القبر، اقتربَ من المكانِ حيث وُضِعَ الجسد المقدّس، نَظرَ ومَسَّ الأكفانَ وتَركَ القبر ليَذْهبَ ويُخبر بيلاطس بكل ما حَدث. إلا أنه تَلكّأَ لوقتَ قصيرَ ليُراقبَ تقدم الأحداثِ؛ لأنه على الرغم من أنه قَدْ شَعرَ بالزّلزال ورَأىَ الملاكَ يحركَ الحجرِ، ونَظرَ القبرِ الفارغِ، إلا أنه لم يرىَ يسوع بعد.
فى ذات اللّحظةِ التي دخل فيها الملاكِ القبرَ واهتزت الأرضَ، رَأيتُ الرب يَظْهرُ إِلى أمه المقدّسةِ فى الجلجثةِ. جسده كَانَ جميلَ ومرحَ، وجماله كَان جمال كائن سماويِِ. كان مكُتسِيا بعباءةِ كبيرةِ، بدت بيضاء بتألق، كما كانت تهفهف فى الهواءِ، ترفرف ذهاباً وإياباً مع كل نسمةِ رّيحِ، وتعكس آلاف الألوان الرائعة كلما عَبرتْ أشعة الشمسِ عليها. أشرقتْ جراحه المفتوحة على نَحْو ساطع‏، وكانت مُمكنُ أَنْ تَرى من مسافةِ عظيمةِ: جراح يديه كَانتْ كبيرَ جداً حتى أنه ممكن وضع الإصبعِ فيها بلا صعوبةِ؛ ونفذت أشعة الضّوء منها، منفرجة من جهةِ أصابعه. نفوس البطاركةِ رَكعتْ أمام أمِ مُخلصنا، وتكلم يسوع إليها مُشيرا إلى قيامته، مُخبرا إياها بأشياء عديدة قَدْ نَسيتُها. أراها جراحه؛ وانطرحت مريم لتُقبّلَ قدميه المقدّسة؛ لكنه اَخذَ يدّها، أقامها، واختفىَ.ِ
عندما كُنْتُ على مسافةِ من القبرِ رَأيتُ أضواءَ عذبة متوهِّجة هناك، ورأيت بقعةَ مضيئةَ كبيرةَ في السّماءِ فوق أورشليم.
تأمل الرب يسوع
الجمعة المقدّسة قَدْ تلاه فجرِ أحد القيامة المجيدِ. إن كنت قَدْ قَرّرتُ أَنْ لا أفني العالم، فذلك يَعْني أننّي أُريدُ أَنْ أُجدّده وأن أنعشه. أن الأشجار القديمة تَحتاجُ أَنْ تَفْقدَ أوراقها وأن تُشَذَّب لكي تستطيع أَنْ تَعطى نباتات جديدة. أما الأغصان القديمة والأوراق الجافّة، فتصير للُحرق .
افصلْوا الكباش الصّغيرةَ عن الخرافِ، لتستطيع أَنْ تجد مراعي خصبة مُعدة جيداً حيث تستطيع أَنْ تُشبع جوعها وأن تشرب من ماءِ ينابيع الخلاص الصافية ِ....إن دمى الفادى يسَقى الأراضي القاحلة التي أَصْبَحتْ صحاريَ عالمِ النفوس. وهذا الدّمِ سَيَجرى على الأرض دائما طالما أن هناك إنسان واحد ينبغى أن يخلص.
أحبائى, أنى اَرْغبُ ما لستم تُريدونهُ، لكنى أستطيع أَنْ أفعَْلُ ما لا تستطيعوا أَنْ تحصلوا عليه. أن مُهمتكم أَنْ تجعلوني محَبوب من النفوس، وأَنْ تُعلّموهم أَنْ َيعِيشوا معي. أنا لم أمتُّ على الصليبِ، وتعرضت لآلاف العذابات كى أزود جهنم بالنفوس، بل بالأحرىَ، كى أزود السماء بنفوس المختارين .


الفصل الثامن والستون
النّساء القدّيسات عند القبر

النّساء القدّيسات كن بالقرب من باب دار نيقوديموس في لحظة قيامة الرب؛ لكنهم لم يروا أي شئ من الأعاجيب التي كانت تحدث عند القبر. لم يكن مدركات بأنّ الحرس قد وضعوا حوله، لأنهم لم يزرن الموضع فى اليوم السّابق، لكونه كان السبت. كانت كل واحدة منهن تسأل الأخرى ماذا سيفعلن بخصوص الحجر الكبير الموضوع على الباب، من الشّخص الملائم الذى يجب أن يسألنه عن إزالته، لأنهن كن منسحقات بالأسى حتى أنهن ما فكّرن في الموضوع من قبل. نيتهن كانت أن يسكبن الطيب على جسد يسوع، وبعد ذلك ينثرن عليه زهور من أكثر الأنواع النّادرة والعطرة، هكذا يقدمون كل الكرامة الممكنة إلى سيدهم الإلهى في قبره. سالومه، التي جلبت أشياء أكثر من أي شخص آخر، كانت سيدة غنية، كانت تعيش في أورشليم، كانت تمت بصفة قرابة للقديس يوسف، قررت النّساء القدّيسات أن يضعن الحنوط على الحجر الذي أغلق باب القبر، وينتظرن حتى يأتي أحد ليدحرجه .
كان الحرّاس ما زالوا راقدين على الأرض، التشنجات القوية التى هزتهم أظهرت كم كان عظيماً رعبهم، والحجر الكبير قد ألقى على أحد الجانبين، حتى أن الباب ممكن فتحه بلا صعوبة. لقد استطعت أن أرى الأكفان التي كانت تلف جسد يسوع مبعثرة في القبر، واللفافة الكبيرة موضوعة في نفس المكان مثلما تركوها، لكنها ملتوية بطريقة بحيث أنك ترى فى الحال أنها لم تعد تحتوى على أي شئ سوى الحنوط التي كان قد وضع حول الجسد، والضّمادات كانت خارج القبر. المنديل الذي غلّفت به مريم الرّأس المقدّس لابنها كان ما زال هناك.
رأيت النّساء القديسات يأتون إلى البستان؛ لكن عندما ميزوا النور القادم من قناديل الحراس، وأشكال الجنود السّاجدة حول القبر، ارتعبن وتراجعن نحو الجلجثة. مريم المجدلية كانت أكثر شجاعة ودخلت البستان وتبعتها سالومه، بينما ظلت بقية النّساء بالخارج.
بدت المجدلية فزعة للحظة عندما اقتربت من الحراس. تراجعت بضع خطوات وانضمّت ثانية إلى سالومه، لكنهما استعادا رباطة جأشهما وسارا سوياً وسط الحرّاس السّاجدين، ودخلن الكهف الذى يحتوي القبر. أدركن على الفور أن الحجر قد دُحرج، لكن الأبواب كانت مغلقة. فتحت المجدلية الأبواب بسرعة، نظرت بحرص في القبر، وكم كانت عظيمة دهشتها برّؤية الأكفان التي أحاطوا الرب بها موضوعة فى أحد الأجناب، وأن الموضع الذى أودعوا فيه الجسد المقدّس فارغاً. ملأ نور سماوي الكهف، وجلس ملاك على الجانب الأيمن. تجمدت المجدلية من خَيْبَة الأمَل‏ والرعب. أنا لا اعرف إن كانت قد سمعت الكلمات التي خاطبها بها الملاك أم لا، لكنها تركت البستان سريعاً بقدر ما تستطيع، وركضت نحو المدينة لتخبر التلاميذ الذين تجمّعوا هناك بما قد حدث. أنى لست اعرف إن كان الملاك قد تكلّم إلى مريم سالومه، لأنى لم أراها تدخل القبر؛ بل رأيتها تترك البستان مباشرة بعد المجدلية، كى تروى كل ما حدث لبقية النّساء القديسات، اللواتي كنّ خائفات ومسرورات بالأخبار، لكن لم يستقر رأيهن إن كانوا سيذهبن إلى البستان أم لا .
في نفس الوقت كان كاسيوس قد بقى قرب القبر بأمل رؤية يسوع، كما اعتقد أنه سيظهر بالتأكيد للنّساء القديّسات؛ لكنه لم يرى شيء، فاتجه نحو قصر بيلاطس ليقص عليه كل ما حدث، توقف أولاً في الوضع الذى تجمعت فيه بقية النّساء القدّيسات، ليخبرهن بما قد رآه، وليحثهن أن يذهبن فورا إلى البستان. تبعوا نصيحته، وذهبن هناك فى الحال. ما أن وصلوا لباب القبر حتى نظروا ملاكان مكتسيان بأردية كهنوتية بيضاء باهرة. النّساء كنّ مرتعبات للغاية، غطوا وجوههم بأياديهم، وسجدوا على الأرض؛ لكن أحد الملاكين خاطبهم, دعاهم ألا يخافوا، واخبرهم إنهم لا يجب أن يطلبوا يسوع المصلوب هناك، لأنه حي، لقد قام، ولم يعد ساكنا بالقبر. أشار إليهم في نفس اللحظة إلى القبر الفارغ، وأمرهن أن يذهبن ويقصوا على التلاميذ كل ما قد رأوه وسمعوه. اخبرهن أيضاً أن يسوع سيذهب أمامهم نحو الجليل، وذكّرهم بالكلمات التي قالها مُخلصنا لهم فى مناسبة سابقة : " أن ابن الإنسان سيسلّم في أيادي الخطاة وأنه سيصلب، ويقوم فى اليوم الثالث ". حينئذ اختفي الملاكان، وتركا النّساء القدّيسات ممتلئات بالبهجة، مع أنهن قد تأثرن بشّدة بالطبع وبكين، نظروا إلى القبر الفارغ والأكفان وبدءوا على الفور يرجعن إلى المدينة. لكنهم كن مُنهكات بعديد من الأحداث المذهلة التي وقعت، حتى أنهم سرن ببطء جداً، وتوقفوا ونظروا للخلف كثيراً، على آمل رؤية الرب، أو على الأقل المجدلية.
في أثناء ذلك وصلت المجدلية إلى حيث تجمع التلاميذ. كانت مثارة وقرعت الباب بعجالة. كان بعض التلاميذ ما زالوا نائمين، وأولئك الذين كانوا مستيقظين كانوا يتحدّثون معاً. فتح بطرس ويوحنا الباب، لكنها كانت تصيح دون أن تدخل الدّار : " لقد أخذوا جسد سيدي، ولست اعرف أين وضعوه " ورجعت فورا إلى البستان. رجع بطرس ويوحنا للدّار، وبعد أن قالا بضع كلمات إلى التّلاميذ الآخرين تبعوها راكضين بسرعة بقدر ما يستطيعون، لكن يوحنا سبق بطرس.
ثم رأيت المجدلية تدخل البستان، وتوجهت نحو القبر؛ بدت قلقة بشّدة، من جهة بسبب الحزن، ومن جهة أخرى لكونها مشت بسرعة. ملابسها كانت رطبة تماما بالنّدى، وتعلقت طرحتها من جانب واحد، بينما شّعرها الذي كانت تتفاخر به كثيرا فى السابق قد سقط على كتفيها دون تنسيق، مشكّلاً عباءة. بكونها بمفردها، كانت خائفة من دخول الكهف، بل توقف للحظة خارجه، وسجدت لأسفل لترى القبر بشكل أفضل. لقد كانت تحاول أن تدفع شعرها الطّويل الذي سقط على وجهها حاجباً الرؤية عنها للخلف، عندما لاحظت الملاكان اللذان قد جلسا في القبر، وسمعت أحدهما يخاطبها قائلاً : " يا امرأة، لماذا تبكين ؟ " أجابت، بصوت مُختنق بالدموع لأنها قد غمرت تماما بالأسى باكتشاف أن جسد يسوع قد اختفى حقا : " لقد اخذوا سيدي، ولست اعرف أين وضعوه ". لم تقل شئ أخر، لكن برؤية الكفن الفارغ، خرجت من القبر وبدأت تنظر حولها في المناطق الأخرى. شعرت بهاجس داخلي أنها ليست فقط يجب أن تجد يسوع، بل أنه قريب إليها تماما؛ ووجود الملائكة بدا لا يزعجها على الأقلّ؛ لم تُظهر حتى أنها مدركة إنهم ملائكة، كل فكرها كان مُستغرقا بالكامل فى فكره واحدة " يسوع ليس هناك! أين يسوع؟ " لقد راقبتها هائمة كشخص مجنون، شعرها يطير على نحو طليق في الرّيح: بدا أن شعرها يغيظها كثيراُ، لأنها حاولت مرة أخرى أن تدفعه بعيد عن وجهها، وبعد ما قسّمته لجزأين، ألقته على كتفيها.
ثم رفعت رأسها ونظرت حولها، ولاحظت منظر شخص ما طويل، مكتسيا بملابس بيضاء، يقف على بعد حوالي عشرة خطوات من القبر على الجانب الشّرقي للبستان، حيث كان هناك علو قليل في اتجاه المدينة؛ الشّكل قد اختفى جزئياً من بصرها بنخلة، لكنها بوغتت بمن يخاطبها بهذه الكلمات : " يا امرأة، لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ " ظنت أنه البستاني؛ لأن رداءه كان يشبه رداء البستاني الذى وصفه يسوع في المثل الذي قصه على النّساء القديسات في بيت عنيا قبل وقت قصير من آلامه. جسده لم يكن مضيء، مظهره بالكامل كان بالأحرى مظهر رجل مرتدي ثياب بيضاء ورؤى فى الغسق. بكلمات " من تطلبين ؟ " نظرت إليه وأجابت بسرعة : " سيدي، إن كنت أخذته، أخبرني أين وضعته؛ وأنا آتى وآخذه. " وبدت متلهفة. قال لها يسوع " يا مريم " حينئذ ميزت على الفور صوّته الحبيب، والتفتت بسرعة وأجابت " رابوني " وألقت بنفسها على ركبتيها أمامه، ومدت يديها لتمسّ قدميه؛ لكنه أومأ إليها أن تهدأ، وقال : " لا تلمسّيني، لأنى لم أصعد بعد إلى أبي؛ بل أذهبي إلى أخوتي وقولي لهم: أنى صاعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم. ثم اختفى.
سبب كلمات يسوع " لا تلمسّيني " قد أتضّح لي بعد ذلك، لكنى لدى فقط تذكر غير واضح لهذا التّفسير. أعتقد أنه استعمل تلك الكلمات بسبب تهور مشاعر المجدلية، التي جعلتها لدّرجة ما تنسي السر العظيم الذي قد اكتمل، وشعر كما لو أن ما تنظره ما زال فى عينيها جسد بشري وليس جسداً ممجّداً.
أما بالنسبة لكلمات يسوع " أنى لم أصعد بعد إلى أبي " فأنا قد أُخبرت بأنّ معناها أنه قد قدّم نفسه إلى أبيه على نحو حار منذ قيامته، ليقدم له الشكر لانتصاره على الموت، ولأجل عمل الفداء الذي أتمّه. لقد رغب منها أن تستنتج من هذه الكلمات، أن الثّمار الأولى للفرح تخص الرب، وأنها يجب أن تعكس وتقدم الشكر له لأجل إتمام سر الفداء المجيد، ولأجل الغلبة التى نالها على الموت؛ وإن هي قبّلت قدميه كما تعودت قبل آلامه، فأنها ما كانت ستفكّر فى شئ سوى فى سيدها الإلهى، وفي نشوة الحبّ قد نسيت بالكامل الأحداث الرّائعة التي كانت تسبّب مثل هذه الدّهشة والبهجة في السّماء. لقد رأيت المجدلية تنهض بسرعة، بمجرد أن اختفى الرب، وتركض لتنظر ثانية في القبر, كما لو أنها ظنت أنها تحت تأثير حلم. رأت الملاكين ما زالا جالسان هناك، وتكلّموا إليها بخصوص قيامة الرب بنفس الكلمات التى خاطبوا بها المرأتان من قبل. رأت أيضاً الكفن الفارغ، وبعد ذلك، شعرت بالتأكيد بأنها ليست واهمة، وأن ظهور الرب كان حقيقي، سارت بسرعة للرجوع للجلجثة لتطلب مرافقيها، الذين كانوا يتجوّلون ذهاباً وإيابا، يراقبون عودتها بلهفة، ومطلقين العنان لنوع من الأمل المُبهم إنهم لابد أن يروا أو يسمعوا شيء ما عن يسوع.
استغرق كل هذا المشهدِ أكثر قليلاًَ من دقيقتان أو ثلاث دقائقِ. كانت حوالي الثالثة والنّصفِ عندما ظهر الرب إِلى المجدلية، ودخل يوحنا وبطرس البستان بينما كانت تَتْركها. يوحنا الذي سبق بطرس قليلاَ، وَقفَ في مدخلِ الكهفِ ونَظرَ داخله. رَأىَ الأكفان موضوعة على أحد الجوانبِ، وانتظرَ حتى جاء بطرس ودَخل القبرَ بعده، ورَأوا الأكفان فارغة. آمن يوحنا بقيامة الرب فى الحال، وفهما كلاهما الكَلِماتَ التى خاطبهم بها يسوع قبل آلامه بوضوح، وأيضا الفقرات المختلفة في الكتاب المقدّسِ التى تتعلق بذلك الحدثِ، الذي كان مازال غامضا إليهم. وَضعَ بطرس الأكفان تحت عباءته، ورَجعوا بعجالة إلي المدينةِ من خلال المدخلِ الصّغيرِ الذى يخص نيقوديموس.
مظهر القبر المقدسِ عندما دَخل التلميذان كَانَ هو نفسه عندما دخلته المجدلية أولا. الملاكان اللذان يَمجدان قَدْ جلسَا، واحد عند الرّأسِ، والآخر في الحدّ الأقصىِ من القبرِ، في نفس الموقفِ عندما كان جسده المبارك يرقد هناك. أنا لا أَعتقدُ أن بطرس كَانَ شاعر بحضورهم. سَمعتُ يوحنا بعد ذلك يُخبرُ تلميذي عمواس، أنه عندما نَظرَ في القبرِ رَأىَ ملاكَ. ربما قَدْ بوغت من قبل هذا المنظرِ، ولهذا رجع للخلف وجعل بطرس يَدْخلَ القبرَ أولا.
بدأ الحرّاس يفيقون في هذه اللّحظةِ، ونهضوا وجَمّعَوا رماحهم، وانزلواْ القناديل، التي كَانتْ على البابِ، كى يَلقونَ بصيصَ من الضوء على الأشياءِ التى تحيط بهمِ. ثم رَأيتهم يَمْشونَ بعجالة خارج البستان في خوفِ وهلعِ واضحِ، في اتجاه المدينةِ.
في أثناء ذلك انضمت المجدلية ثانية إلى النِّساءِ القديّساتِ، وروت لهم رُؤيتها للرب في البستان وبكَلِماتِ الملائكةِ بعد ذلك، وعندئذ ربَطوا ذهنيّا‏ فوراً ما كَانوا قَدْ رَأوه بأنفسهم، وذهبت المجدلية بسرعة إِلى أورشليم، بينما عادت النِّساءَ إِلى البستان حيث توَقّعوا أَنْ يَجدوا التلميذان. قبل أن يَصلوا البستان، ظَهرَ لهم يسوع. وقَدْ اكتُسِى في عباءةِ بيضاءِ طويلةِ، اخفتْ حتى يديه، وقالَ لهم " مرحبا " وثبوا بدّهشةِ، والقوا أنفسهم عند قدميه؛ تَكلّمَ معهم بضع كَلِماتَ، مد يده كما لو أنه يُشيرَ إلى شيء ما إليهم، واختفيْ. ذهبت النِّساء القديسات فى الحال إِلى العلية واخبروا التّلاميذ الذين تجُمّعوا هناك إنهم قَدْ رَأوا الرب؛ كَان التلاميذ مرتابينَ، ولَم يؤمنوا ولا بما ذكرته المجدلية. لقد تعَاملا فى كلتا الحالتين كأنهم متأثرين بتخيلاتهمِ؛ لكن عندما دخل بطرس ويوحنا الغرفةَ ورويا ما قَدْ رَأوا، لم يعَرفوا بماذا يُجيبوا، وقَدْ امتلئوا بالدّهشةِ.
ترك بطرس ويوحنا العلية فورا، الأحداثِ الرّائعةِ التي قَدْ حَدثتْ جعلتهم صامتين ومستغرقين في التفكير‏، وبعد قليل قَابلا يعقوب الصغير ووَتَدَّاوُسُ، اللذان رَغباَ أَنْ يُرافقوهما إِلى القبرِ. كل من يعقوب ووَتَدَّاوُسُ كانا منهكان بشّدة، لأن الرب قَدْ ظَهرَ إليهم قبل وقت قصير من لقائهم لبطرس ويوحنا. رَأيتُ أيضا يسوع يمر بقرب بطرس ويوحنا. أَعتقدُ أن يوحنا قد ميزه، لأنه انطلق‏ فجأة، لكنى لا أَعتقدُ أن بطرس قد رآه.



الفصل التاسع والستون
الرواية التي أعطتْ مِن قِبل الحراسِ الذين وُضِعوا حول القبر

أسرع كاسيوس إِلى دارِ بيلاطس بعد حوالي ساعةِ من القيامةِ، كى يَعطيه تقرير مُفصل عن الأحداثِ الهائلةِ التي حَدثتْ. لم يكن بيلاطس قد استيقظ بعد، لكن كاسيوس سُمِحَ له أَنْ يَدْخلَ غرفة نومه. لقد قص عليه كل ما حَدثِ، واظهرَ مشاعره بنبرة قوية. لقد وَصفَ كيف أن الصّخرةَ قد انشقت، وكيف أن ملاك قَدْ نزل من السّماءِ ودَفعَ الحجر جانباً؛ تَكلّمَ عن الأكفان الفارغِة أيضا، وأضافَ بكل تأكيد أن يسوع هو المسيح المنتظرَ، ابن الرب، وأنه قَدْ قام حقاً. استمع بيلاطس إلى هذا التقرير وارتعدَ وارتجفَ بالرّعبِ، لكنه أخفى هياجه بأقصى قوته، وأجاب كاسيوس قائلا : " هل تؤمن أنت أيضاً بالخرافات؛ لقد كان بغاية الحماقة أَنْ تَذْهبَ إلى قبرِ ألجليلي؛ أن آلهته استغلّتْ ضعفك، وأظهرت كل تلك الرُّؤىِ السّخيفةِ كى تُخيفك. أَوصيك أَنْ تظل صامتا، ولا تسرد من جديدَ مثل هذه الحكاياتِ السّخيفةِ إِلى الكهنة، لأنك ستنال منهم ما يُسيئك " لقد ادّعىَ أَنهْ يَعتقدَ بأنّ جسدَ يسوع قَدْ أُخذ مِن قِبل تلاميذه، وأن الحراس قَدْ ارتشِوا ونَاموا، أو ربما كانوا مَخْدُوعين بالسّحرِ، قَدْ اخترعوا هذه القصة من أجل أَنْ يُبرّرَوا تصرفهم. عندما قال بيلاطس كل ما يستطيعه فى هذا الموضوع، تركه كاسيوس، وذَهبَ بيلاطس ليقدم تقدمته إِلى آلهته.
وصل الجنود الأربعة الذين كانوا فى حَراسة القبر بعد قليل إلي قصرِ بيلاطس، وبدءوا يُخبرونه بكل ما كان قَدْ سَمعهَ مسبقا من كاسيوس؛ لكنه لم يَستمعُ إلى شيء أكثرِ وأرسلهم إِلى قيافا. تجُمّع بقية الحرّاسِ في ساحة كبيرةِ بقُرْب الهيكلِ ممتلئة باليهودِ المسنينِ، الذين، بعد مشاورات سّابقةِ، اَخذَوا الجنودَ على أحد الجوانبِ ورّشوهم وّهددوهم سَعيَا أن يُقنعونهم أَنْ يَقُولوا بأنّهم ناموا، وبينما كَانوا نائمين جاء التلاميذ وأخذوا جسد يسوع. الجنود، مع ذلك، اعتَرَضوا، لأن التقرير الذي سيقدمه رفاقهم إِلى بيلاطس سيُناقضُ أي قصة سيخترعونها الآن، لكن الفريسيون وَعدوهم أَنْ يُرتّبوا كل شيء مع الحاكمِ. بينما كانوا ما زالوا يُعارضونَ، جاء الحرّاس الأربعة من مقابلةِ بيلاطس، وسعى الفريسيون أن يُقنعونهم أَنْ يَخفوا الحقيقة؛ لكنهم رَفضوا ذلك وأعلنوا بقوة إنهم لَنْ يُغيّروا ما أعلنوه أولا ولا قيد أنملة.
النّجاة الإعجازية ليوسف الرامى من السّجنِ قَدْ شاعت، وعندما آتهم الفريسيون الجنود بأنهم سَمحَوا للحواريون أَنْ يَحْملوا جسد يسوع، وهَدّدوهم بعقابهم بأقصى عقابِ إن لم يوجدوا الجسد، أجابوا، كما أنه من المحال تماماً عليهم أَنْ يُوجدوا جسد يسوع، فأنه كذلك من المحال للجنودِ الذين هاجموا يوسف الرامى أَنْ يُرجعونه ليسجنوه ثانية. لقد تَكلّموا بأعظمِ ثبات وشّجاعةِ؛ الوعود والتّهديدات كَانت غير مؤثّرةَ على حد سواء. أعلنوا إنهم لن يَتكلّمونَ إلا بالحق ولاشيء إلا الحق وأن عقوبة الموتِ التي أُجيزت على يسوع كَانتْ ظّالمةَ وجائرةَ؛ وأن الجريمة التي اُرتكبت بوَضْعه إِلى الموتِ كَانتَ السّببَ الوحيدَ لمقاطعةِ الاحتفال بالفصحِ. الفريسيون، لَكُونُهم غاضبين تماماً جعلوا الجنودَ الأربعة يُعتَقلونَ ويلقون في السّجنِ، والآخرون، الذين قَبلوا الرشاوى، أشاعوا أنّ جسدَ يسوع قَدْ حُمِلَ مِن قِبل التّلاميذ بينما كانوا نَائمين؛ سعى الفريسيون والصديقونين وأعضاء حزب هيرودس أن يروجوا هذه الأكذوبةِ بأقصى قدرتهم، ليس فقط في المعابد بلِ بين الشعب أيضاِ؛ وصاحبوا هذا التّصريحِ الباطلِ بالأكثر الافتراءات كذبا على يسوع.
كل هذه التدابير الوقائية نَفعتَ لكن قليلاَ، لأنه بعد القيامةِ، عديد من الأشخاصِ الذين سَبَقَ أَنْ ماتوا منذ أمد طويل نُهِضوا من قبورهم، وظَهرواَ إِلى من هم من ذريتهم الذين لم يكونوا قساة القلوب للدرجة التى تمنع نفّاذ النعمةَ، ويَحْثونّهم أنْ يتوبوا ويؤمنوا. أن هؤلاء الموتى قَدْ رآهم عديد من التلاميذ، الذين غلبهم الخوف واهتز إيمانهم وهَربَوا إلى القرى. لقد حَثوهم وشَجّعوهم أَنْ يَرْجعوا، وأعادوا لهم شجاعتهم المفقودة، قيامة هؤلاء الأموات لا تشبه بأقل درجة قيامة يسوع. الذى قام بجسدِ مُمَجَّدِ ليس معرض بعد لا للفساد ولا للموت، وصَعدَ إلي السّماءِ بهذا الجسدِ المُمَجَّدِ على مرأى من كل تلاميذه؛ لكن أجسادَ هؤلاء الموتى كانت جثثَ ساكنةَ، والأرواح الذي سَكنتهم ذات مرة قَدْ سُمِح لها أَنْ تَدْخلها وتُعيدا تحركهم لفترة، وبعد أداء المهمة الموكولة لهم، تركت الأرواح هذه الأجسادِ ثانية، التي رَجعتْ إِلى حالتها الأصليةِ في أحشاء الأرضِ حيث سَيَبْقونَ حتى القيامة في يوم الدينونة. لا يُمكنُ أَنْ أن نقارن عودتهم إِلى الحياةِ إلى إقامة لعازر من الموتِ؛ لأنه رَجعَ حقاً إِلى حياةِ جديدةِ، وماتَ مرة أخرى.

الفصل السبعون
نهاية التّأملات

فى يوم الأحدِ التّالي , إن كنت أَتذكّرُ بشكل صحيح، رَأيتُ اليهودَ يَغْسلونَ ويطهرون الهيكل. يقدمون ذبائح تكفيرِ، يزيلوا البقايا ويسَعوا أن يَخفوا تأثيراتَ الزّلزالِ بوَضْعِ ألواح خشبيةِ وسجادِ على الهوّةِ والشّقوقِ التى حدثت في الجدرانِ والأرض؛ وأوصوا بالاحتفال بالفصحَ، التي كَان قَدْ قوطعْ في منتصفه، أعلنَوا أنّ الاضطراب كَانَ سببه حضورَ أشخاصِ ملوّثين، وسَعوا أن يُوضّحَوا ظهوراتَ الموتى. أشاروا إلي رؤيا حزقيال، لكني لَمْ أعُدْ أَتذكّرُ. لقد هَدّدوا كل من يتَجاسر ويَقُول كلمة عن الأحداثَ التي حَدثتْ، أو من يتجرأ أن يهمس بها، بالطّردِ وبعقوباتِ قاسية أخرىِ. لقد نَجحوا في إسْكاتِ بعض الأشخاصِ القساة القلوب، المدركين لذنوبهم ويرَغبَون أَنْ يُبعدواَ الموضوع من أذهانهم، لكنهم لم يؤثروا على من كانت قلوبهم ما زالَتْ تَحْتجزُ بعض بقاياِ من الفضيلةِ؛ لقد ظلوا صامتين لفترة، مُخبئين إيمانهم الدّاخليَ، لكن فيما بعد، اسْتِعْاَدوا شجاعتهم، أعلنوا إيمانهم بيسوع إِلى العالمِ بصوت عالي. رؤساء الكهنة كَانوا بغاية الارتباك عندما أدركوا كيف تنتشر تعاليم المسيحِ بسرعة فى كل أرجاء الوطن. عندما كان اسطفانوس شمّاساَ، كل من أوفيل والجانب الشّرقي من صهيون كَانا صغيرانَ جداً على أَنْ يَحتويا على الجماعات المسيحية العديدة، وأضطر جزء منهم أَنْ يقيم في بلدة تقع بين أورشليم وبيت عنيا .
رَأيتُ حنّان في حالةِ من الجنون ويتصرف كإنسان داخله شيطان؛ فى النهاية قَدْ أٌجبر أنْ يلزم بيته، ولم يحدث مرة أخرى مطلقاً أَنْ ظهر على الملأ. قيافا كَانَ ظاهريا أقل تأثيرا، لكنه كان يُباد داخليا بهذا الغضب والغيرةِ .
لقد رَأيتُ بيلاطس؛ كَانَ فى بحث عن زوجته في كل أجزاءِ المدينةِ، لكن جهوده لم تُثمرَ؛ لقَدْ اختبأت في دارِ لعازر في أورشليم. لا أحد فَكّرَ أن يبحث عنها هناك، لأن الدّارِ لم يكن بها سيدات؛ لكن أسطفانوس كان يحَملَ لها الطعامَ هناك، ويعلمها بكل ما يحدث في المدينةِ. أسطفانوس كَانَ ابن عمَ القديس بولس. لقد كَانا أبناءَ أخوين. فى اليومِ التالي للسبت، ذهب سمعان القيروانى إلى الحواريين وناشدهم أن يعلموه كى ينال المعمودية.

الى هنا انتهت الاجزاء المترجمة للغة العربية حول الرسائل التي الهمها ربنا يسوع المسيح للقديسة انا اميرتش

15
عشية القيامة
نحو نهاية يومِ السبت، جاء يوحنا ليَرى النِّساء القديّسات. حاول أن يَقدم بعض التّعزيةِ، لكنه لم يتَمَكّنَ من أَنْ يمنع دموعه، ومكث لفترة قصيرة معهم. كَانَ فى زيارتهم أيضا كل من بطرس ويعقوب الكبير، بعد ذلك اختلوا فى صوامعهم، أعطوا متنفس لأحزانهم، جلسوا على الرماد, وحْجبُوا أنفسهم أكثر.
صلاة العذراءِ المباركةِ كَانتْ بلا توقفَ. عينيها ظلت دوما مُثبّتة بشكل داخلي على يسوع، وقَدْ توهجت تماماً برغبة عارمة أن تنظر مرة أخرى من أحَبّتْه بمثل هذا الحبِّ المتعذر وصفه. فجأة وَقفَ ملاك بجانبها، ودعاها أن تنَهضَ وتَذْهبُ إلى بابِ منزلِ نيقوديموس، لأن الرب كَانَ قُرْيب. قفز قلب العذراءِ المباركةِ بالبهجةِ. لَفّتْ عباءتها بعجالة حولها، وتَركتْ النِّساء القديّسات، دون أن تُعلمهم إلى أين هي ذْاهبةُ. رَأيتُ مشيتها المسرعةَ إِلى مدخلِ صغيرِ كان في سور المدينةِ، يماثل المدخل الذي دَخلتْ منه عندما رْجعُت مع مرافقيها من القبرِ.
كان حوالى الساعة التاسعة ليلا، عندما وصلت العذراء المباركة للمدخل، رَأيتهاُ تقف فجأة في بقعةِ منعزلة جداً، وتنظر لأعلى في نشوةِ مبهجة، لأنها رأت ألهنا على قمةِ سور المدينةِ، متألقا بالنور، بدون ظهور الجراحِ، ومحاطَ بالبطاركةِ. لقد نزل نحوها، التفت إِلى مرافقيه، وَقدمها لهم قائلا " ها هى مريم، ها هى أمي " ظَهرَ لي يُحيّيها بقبلةِ، واختفىَ بعد ذلك. سَجدتْ العذراءُ المباركةُ لأسفل، وقَبّلتْ الأرض التي وَقفَ عليها بإجلال، وطبعة يديها ورُكَبتيها ظلت مَطْبُوعةَ على الأحجارِ. هذا المنظر مَلأها ببهجةِ يتعذر وصفهاِ، وانضمّتْ فى الحال مرة أخري بالنِّساءِ القديّساتِ اللواتي كن منشغلات في إعْداْدِ الأطياب والحنوطِ. لمَ تخبرهم بما رَأتْه، لكن ثباتها وقوه فكرها قَدْ عادا إليها, لقد تجددتْ تماماً وأُراحت كل الباقينِ، وسَعتْ أن تَقوّي إيمانهم.
عندما عادت مريم كانت كل النِّساءِ القدّيساتِ يَجْلسنَ على منضدةِ طويلةِ، يتدلى غطائها حتى الأرض؛ حزم الأعشابِ كُوّمتْ حولهم، وقد تم خَلطهم سوية وترَتيّبهم ؛ كانت توجد أيضا قوارير صغيرة، تَحتوي على زيوت عطرية وماء العنبرِ، أيضا باقاتِ الزّهورِ الطّبيعيةِ، ميزت منها زهرة السوسن. المجدلية، مريم ابنة كلوبا، سالومه، يونا، ومريم سالومه، قَدْ اشترينَ كل هذه الأشياءِ من المدينةِ خلال غياب مريم. نيتهم كَانتْ أَنْ يَذْهبنَ إلى القبرِ قبل شروق الشمسِ فى اليوم التاليِ، من أجل أَنْ يَنْثرنَ هذه الزّهورِ والعطورِ على جسدِ سيدهم الحبيبِ.
الفصل الخامس والستون
يوسف الرامى طليقَ بمعجزة سمائية‏
بعد وقت قصير من عودة العذراءِ المباركةِ إِلى النِّساءِ القدّيساتِ، رأيت السّجنِ الذي حُبس فيه يوسف الرامى. كَانَ يَصلّي بتوهج، عندما أنير كل المكان فجأة بنور رائع، وسَمعتُ صوتَ يَدْعوه بالاسم، بينما فَتحْ السّقفِ في نفس اللحظة، وظهر شكل ساطع، مُمسك بلفائف تَشْبهُ التى لَفَّ بها جسد يسوع. أمسك يوسف بها بكلتا يديهِ، وسُحب لأعلى من الفتحةِ، التي أغَلقتَ ثانية بمجرد خروجه منها؛ واختفىَ الظّهور فى اللّحظةَ التى كَانَ فيها فى أمانِ في قمةِ البرجِ. لَستُ اَعْرفُ سواء كان الرب بنفسه أو ملاك هو الذي حرر يوسف .
مَشى يوسف الرامى على قمّةِ السور حتى وَصلَ إلى جوارَ العلية، التي كَانتَ قُرْب السور الجنوبيِ لصهيون، وبعد ذلك قفز وطَرقَ باب ذلك الصّرحِ، حيث كانت الأبوابِ قَدْ أُغلقت. التلاميذ الذين تجمعوا هناك كَانوا بغاية الحُزِنَ عندما فقدوا يوسف، الذي اعتقدوا أنه قَدْ ألقي في حفرة. عظيمة كانت َ بهجتهم عندما فَتحوا البابَ ووَجدوا أنه هو بنفسه؛ حقاً، كَانت تقريباً بنفس القدر فرحتهم عندما نجا بطرس بطريقة معجزية من السّجنِ بعد ذلك ببضع سَّنَواتِ. عندما روى لهم ما حَدثَ، كانوا ممتلئين بالدّهشةِ والفرح؛ وبعد أن شُكْرواِ الرب بتأجج أعطوه بعض المرطبات التي كان بغاية الاحتياج إليها. لقد تَركَ أورشليم فى نفس اللّيلةِ، وهَربَ إِلى أرمنيا، موطنه الأصلي، حيث بَقى حتى عرف أنه يستطيع أَنْ يَرْجعَ بأمان إِلى أورشليم
بالمثل رَأيتُ قيافا بقرب نهاية يومِ السبت، في دارِ نيقوديموس. كَانَ يَتحدّثُ معه ويسُأله عديد من الأسئلةِ بشّفقةِ مزعومة. أجاب نيقوديموس بقوة واستمر يُؤكّدَ على براءة يسوع. لم يبَقيا معا طويلا .

الفصل السادس والستون
ليلة القيامة

بعد ذلك رأيت قبر الرب. كل شئ حوله كَانَ هادئَ وصامتَ. كان هناك ستة جنودُ على أهبة الاستعداد، كانوا إمّا جالسين أو واقفين قبالة البابِ، وكاسيوس كَانَ معهم. شكله كَانَ شكل إنسان مستغرق في تّأملِ ومتوقعِ حدثِ عظيمِ. جسد فادينا المقدّس قَدْ لُفَّ في الأكفان ومُحاطَ بالنور، بينما جلس ملاكان في وضع العبادة، واحد عند الرّأسِ، والآخر عند القدمينِ. لقَدْ رَأيتهم في نفس الوضعِ منذ أن وُضع الجسد المقدس في القبرِ. كانت هذه الملائكةِ فى زي الكهنة. وضعهم، والأسلوب الذي أجازوا به أياديهم على صدورهم، ذَكّرني بالملائكةِ التي أحاطت بتابوت العهدِ، فقط هم كَانوا بدون أجنحةَ؛ أو على الأقل أنا لم أرَي لهم أجنحة. كل القبرِ ذَكّرني بتابوت العهدِ في فتراتِ تاريخية مختلفةِ. محتمل أن كاسيوس كَانَ مدرك لحضورِ الملائكةِ، والضّوءِ السّاطع الذي مَلأَ القبر، لأن موقفه كَانَ مثل موقف إنسان في تّأملِ عميقِ أمام سر العشاء الرباني المباركِ.
ثم رأيت إلهنا يَدْخلُ القبرِ من خلال الصّخرِ برفقةَ البطاركةِ الذين حَرّرهمَ. لقد أراهم الجراحَ التي تغطى بها جسده المقدّسِ؛ وظَهرَ لي أن الأكفان التى التف بها قد أزيلت، وأن يسوع أراد أَنْ ترى النفوس الألم البالغ الذى قَدْ تَحمّلَه كى يفديهم. ظَهرَ الجسد لي واضحا تماماً، حتى أن عمقَ كل الجراحِ كان مُمكنُ أَنْ يُرى؛ وهذا المنظر مَلأَ النفوس المقدّسةَ بالإعجابِ، مع أن مشاعر عميقة من الشّفقةِ جذبت الدموعَ من أعينهم.
رؤيتي التالية كَانتْ غامضةَ جداً لدرجة أنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَها أو حتى أرويها بأسلوب واضحِ. ظَهرَ لي أن نفس وجسد يسوع قَدْ أخذا سوية خارج القبرِ، بدون أن تتَحّدِ النفس ثانية بالجسد بالكامل، الذي كان لم يزل ساكنا فى القبر. اعتقد أنى رَأيتُ ملاكان كَانا سْاجدانِ ويُمجّدانِ عند رّأسِ وقدميِ الجسدِ المقدّسِ، يَرْفعانه ويَحْفظانه في الوضعِ المضبوطِ الذي كان فيه راقدا في القبرِ ويَحملانه غير مُغطى ومشَوّهَ بالجراحِ عبر الصّخرة، التي اهتزت بينما يعَبرون. ثم ظَهرَ لي أن يسوع قَدّمَ جسده، موسوم بعلامات آلامه، إِلى أبيه السّماويِ، الذي، جلسَ على عرشِ، مُحاطَ بربوات غير معدودةِ من الملائكةِ التى كانت مُستغرقة فى سعادة في إنشاد تراتيل العبادة والتهليل. الحالة كَانتْ من المحتمل هى نفسها عندما مات يسوع، كثير جداً من النفوس المقدّسةِ دخلت ثانية أجسادها، وظَهرتْ في الهيكلِ وفي أجزاءِ مختلفةِ من أورشليم؛ لأنه لَيسَ على الأرجح‏ أن الأجسادِ التي تحَرّكوا بها كَانتْ حيَة حقاً، لأنه في تلك الحالةِ كَانَ لابد أَنْ تَمُوت ثانية، إلا إنهم رَجعوا إِلى حالة موتهم بدون صعوبةِ ظاهرةِ؛ لكنه يُفتَرضُ أنّ ظهورهم في الشّكلِ الإنسانيِ كَان َمشابهَ إِلى ظهور الرب يسوع، عندما رَافقَ جسده ( إن صح التعبير مجازا ) إِلى عرشِ أبيه السّماويِ.ْ
فى تلك اللحظةِ اهتزت الصّخرةِ بغاية القوة، من القمّةِ إِلى القاعدة، حتى أن ثّلاثة حرّاسِ سقطوا وغابوا عن الوعي تقريباً. الأربعة الآخرين كانوا بعيدين في ذلك الوقت، لأنهم ذُهِبواَ إلى المدينةِ ليُحضروا شيء ما. الحرّاس الذين طُرحوا ساقطين نُسِبوا الصّدمة المفاجئة إِلى زلزالِ؛ لكن كاسيوس، الذي مع أنه غَيْر واثِق‏ لما يدل عليه كل هذا، مع ذلك شَعرِ بهاجس داخلي أنه مقدمة لحدثِ هائلِ، وَقفَ مَذهولا بتّوقعِ مضطرب مُنتَظِر أَنْ يَرى ما يَتْلى ذلك. رَجع الجنود الذين كانوا قَدْ ذُهِبوا إلى أورشليم فى الحال .
رأيت النِّساءَ القدّيساتِ ثانية: لقَدْ انتهوا من إعْداْد الأطياب، وكَن يَسترحنَ في غرفهم؛ غير مَمدّينُ على الأرائكِ، بل يتكئن على أغطية الفراشِ، التي قَدْ لُفّتْ. لقد رَغبوا أَنْ يَذْهبوا إلى القبرِ قبل بزوغ فجر اليومِ، لأنهم خَافوا لقاء أعداءَ يسوع لكن العذراءَ المباركَة، التي تجدّدتِ بالكامل وامتلأت بالشّجاعةِ مجددا منذ أن رَأتْ ابنها، وَاستهم وأوصتهم أَنْ يَنَاموا لبعض الوقتِ، وبعد ذلك يَذْهبنُ بجراءة إِلى القبرِ، لأن لا أذىُ سيلحق بهن؛ على ذلك تبعوا نصيحتها فوراً، وسَعوا أن يَنَمن.
نحو الساعة الحادية عشر ليلا, اتشحت العذراء المباركة بعباءةَ رمادية وتَركتَ الدّار وحيدة تماماً، مدفوعة بمشاعرِ الحب المتعذرة الكبتِ، عندما رَأيتها تَفعَلُ هذا، قلت لنفسي، " كيف ممكن لهذه الأمِ المقدّسةِ، التي بغاية الإنهاك من الألمِ والتعب، أَنْ تُخاطرَ أَنْ تَمْشي وحيدة فى الشّوارعِ في مثل هذه الساعةِ؟ " رَأيتها تذَهبَ أولا إِلى دارِ قيافا، وبعد ذلك إِلى قصرِ بيلاطس، الذي كَانَ بعيد بمسافةِ عظيمةِ؛ لقد رَاقبتها خلال كل رحلتها الفردية على طول الطريق الذي كَانَ قَدْ وطئه ابنها حاَمّلاَ صليبه الثّقيلِ؛ لقد توَقفتْ في كل مكان حيث قَدْ عَانى مُخلصنا معاناة خاصة، أو نال فيه أي إساءةِ جديدة من أعدائه البرابرة. مظهرها، بينما كانت تسير ببطء، كَانَ مظهرها مظهر شخصِ ينشد شيئا ماَ؛ لقد انحنتْ كثيرا على الأرض، مَسّتَ الأحجارَ بأياديها، وبعد ذلك غمرتها بالقُبَلِ, إن الدّمَ الثّمينَ لابنها الحبيبِ كان عليها. لقد مَنحها الرب في هذا الوقتِ أنوار ونِّعَمِ خاصةِ، وكَانتْ قادرةَ بدون أدنى صّعوبةِ أَنْ تُميّزَ كل موضع تقدس بآلامه. لقد رَافقتها خلال كل زيارتها المقدسة، وسَعيتُ أن أُقلّدها بقدر قوتي، بقدر ما سمح لى ضعفي.
ثم ذهبت مريم إلى الجلجثةِ؛ لكن عندما وَصلت إليها، توَقفتْ فجأة، ورَأيتُ مُخلصنا واقفا أمامها. يتقدمه ملاك والملاكان اللذان قَدْ رَأيتُهما في القبرِ كانا بجانبه، والنفوس التي حررها تتبعه بالمئات. جسد يسوع كَانَ رائع وجميلَ، لكن مظهره لم يكنَ مظهر جسدِ حيّ، مع أن صوت قد صدرَ منه؛ وسَمعته يَصفُ للعذراءِ المباركةِ كل ما فعلَه في عالم النسيانِ، وبعد ذلك يُطمئنها أنه سيقوم ثانية بجسده المُمَجَّدِ؛ حينئذ سيُظهر نفسه إِليها، وأنها يَجِبُ أَنْ تَنتظرَ قُرْب صخرة جبل الجلجثةِ. ثم مضى مُخلصنا نحو أورشليم، واتشحت العذراء المباركة ثانية بطرحتها، انطرحَت فوراً على البقعة التي أشار إليها. كانت الساعة حينئذ على ما أَعتقد تتجاوز منتصف الليل، لأن زيارة مريم لطريقِ الصّليبِ قَدْ استغرق ساعة على الأقل؛ ثم رأيت بعد ذلك نفوس القديسين الذين حررهم يسوع يجتازون بدورهم طّريقِ الصّليبِ، ويَتأمّلُون الأماكن المختلفة حيث قَدْ تَحمّلَ مثل هذه الآلامِ المخيفةِ من أجلهم ومن أجل كل الخليقة. جَمّعت الملائكة التي رَافقتهم قطع لّحمِ مُخلصنا الإلهى التي كَانتَ قَدْ تناثرت مِن جسده بسبب الضّربِ المتكررِ الذى نالهَ وحَفظوهاْ، وأيضا الدّماءِ التي نزفت على الأرضِ فى كل بُقَعة .
رَأيتُ مرة أخرى جسد الرب المقدّس راقدا كما رأيته أولاَ في القبرِ؛ الملائكة كانت مستغرقة في إرجاع قطع لحمه التى قَدْ جَمّعوها، وأنهم نالوا معونة خارقَة في تأدية ذلك. تَأمّلته بعد ذلك في أكفانه، محاطَ بنور ساطع وملاكان يمجدانه بجانبه. أنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَ كيف تحدث كل هذه الأشياءِ، لأنها بعيدة عن فهمنا الإنسانيُ؛ وحتى إن فْهمتها أنا تماماً عندما أراها، فأنها تبدوا مظلمةَ وغامضةَ عندما اَسْعي أن أوضّحها للآخرين.
ما أن أشرق بصيص ضعيف من الفجرِ، رَأيتُ المجدلية ومريم ابنة كلوبا، يونا زوجة خوزى وسالومه يتركن المسكن، ملتفين في إزارهم. حاَملين الأطياب؛ أضاءت إحداهن شمعة في يدّها، سَعتْ أن تَخفيها تحت عباءتها. رَأيتهن يتجهن نحو البابَ الصّغيرَ لدارِ نيقوديموس.

16

الفصل الرابع والستون
الهبوط إلى الجحيم

عندما مات يسوع، بعدما صرخ بصوت عالي " أَبتاه، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي " رَأيتُ نفسه السّماويةَ تحت شكلِ يُشبه نيزكِ ساطع تخترق الأرض عند موضع الصّليبِ، مصحوبة بالملاك غبريال وبعديد من الملائكةِ الأخرىِ. طبيعته الإلهية ظلت متّحدة إِلى نفسه وإلى جسده أيضا، الذي كان ما زالَ مٌعلق على الصّليبِ، لكنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَ كيف كان هذا مع أنى رَأيت ذلك بوضوح في ذهني. المكان الذي دخلته نفس يسوع قَدْ قُسّمَ إلي ثلاثة أجزاءِ، بدت لي مثل ثلاث عوالمِ؛ وشَعرتُ أنّها كَانت مستديرَة، وأن كل جزء منفُصِلِ عن الآخرِ .
نَظرتُ فضاءَ ساطع وجميلَ قبالة عالم النسيانَ؛ الذى كان مطَليا بالزّهورِ، نسائم لذيذة تهَبّْ منه؛ ونفوس عديدة قَدْ وُضِعتْ هناك قبل قبولها في السّماءِ. عالم النسيان، هو المكان الذى كانت تَنتظرُ فيه النفوس الفداء، قَدْ قُسّمَ إلي مقصوراتِ مختلفةِ، ومُحاطَا بغلاف ضبابيِ سميكِ. ظَهرَ إلهنا متألقاَ بالنور ومُحاطَ بالملائكةِ، التي صاحبته بشكل منتصر بين أثنين من هذه المقصورات؛ واحدة على اليسار بها البطاركة الذين عِاشَوا قبل زمن أبينا إبراهيم، والتى على اليمين بها أولئك الذينِ ِ عِاشواَ من أيامِ أبينا إبراهيم وحتى القديس يوحنا المعمدان. هذه النفوس لم تميز يسوع في بادئ الأمر، لكن على الرغم من هذا كانت ممتلئة بأحاسيسِ الفرح والرجاء. لم يكن هناك بقعةَ في تلك المناطق لم تَتسّعُ بمشاعرِ السّعادةِ. مرور يسوع ممكن أن يُقارنُ بهَبّوبِ نسمه من الهواءِ، بومضةِ نور مفاجئةِ، أو بالاغتسال بالنّدىِ، لكنه سريع كالعاصفةِ. بعد المرورِ بين المقصورتين، وَصلَ إلى بقعةَ مظلمةَ حيث كَانا آدم وحواء يَقفانِ؛ تَكلّمَ إليهم، انطرحوا ومَجّدوه في نشوةِ فرح تامةِ، وانضما فى الحال لفرقةَ الملائكةِ، ورَافقوا إلهنا إِلى المقصورةِ التى على اليسارِ، التي احتوتْ على البطاركة الذين عِاشوا قبل أبينا إبراهيم. المدخل كان مثل بابِ مغُلِق، لكن الملائكةَ طَرقتْ واعتقد أنى سَمعتهم يَقُولونَ : " اَفْتحُوا هذه الأبوابِ. " عندما دَخلَ يسوع منتصراِ تفرقت الشّياطينِ، صْارخُة في نفس الوقت، " ماذا هناك بينك وبيننا؟ ما الذى أتى بك هنا ؟ هَلْ ستَصْلبنا أيضا ؟ " طردتهم الملائكة بعيدا، بعد أن قَيّدتهم أولا. النفوس المسكينة المحبوسة في هذا المكانِ كَانَ لديها فقط حِس داخلي‏ ضئيل وفكرة مُبهمة عن حضورِ يسوع؛ لكن فى اللّحظةَ التى اخبرهم بها أنه هو بنفسه، انفجروا بفرح فى استقبال حافلَ ورَحّبوا به بتراتيلِ البهجة والفرح. نفس إلهنا حينئذ أخذت طريقها إِلى اليمين، نحو ذلك الجزءِ الذي يكَوّنَ علم النسيان حقاً؛ وهناك لاقى اللّصِ اليمين الذي حملته الملائكةِ إِلى حضن إبراهيم، بينما جرجرت الشياطين اللص السّيئِ إلي جهنمِ. وبعد ذلك دَخلَ الرب حضن إبراهيم، تصاحبه عديد من الملائكةِ والنفوس المقدّسةِ، وأيضا مع تلك الشّياطينِ التي قُيّدتْ وطُرِدَت من المقصورةِ.
هذه النّاحيةِ ظَهرتْ لي أكثر ارتفاعا من الأجزاءِ المحيطةِ؛ وأستطيع فقط أن أصف أحاسيسي بدُخُولها، بمُقَارَنتها بأحاسيس شخصِ يَجيءُ فجأة إلى داخلِ كنيسةِ، بعد ما كانَ لبعض الوقتِ في سراديب‏ الدّفنِ. الشّياطين، التي قَدْ قُيّدتْ بقوة، كَانتْ مشمئزةَ بشدة من أَْن تَدْخلَ، وقَاومتْ بأقصى قوتها، لكن الملائكةَ أرغمتها على أَنْ تَتقدّم. تجمع كل الأبرار الذين عِاشواَ قبل زمن المسيحِ هناك؛ البطاركة وموسى والقضاة، والملوك على الجانبِ الأيسرِ؛ وعلى جانبِ الأيمنِ الأنبياء وأسلاف إلهنا وأيضا أقربائه القُريْبين، مثل يواقيم وحنة ويوسف النجار وزكريا وإليصابات ويوحنا المعمدان. لم تكَنَ هناك شياطينُ في هذا المكانِ، والمشقة الوحيدة التي كَان يشُعِر بها أولئك المَوْضُوعين هناك كَانت رغبة متلهفة لإنجازِ الوعدِ؛ وعندما دخل إلهنا حَيّوه بالتّراتيلِ المُفرحة والامتنان والشّكرِ لإنجازه للوعد، انطرحوا ومَجّدوه، والأرواح الشّريّرة التي كَانتْ سُحِبتْ إلي حضن إبراهيم عندما دخل إلهنا قَدْ أُرغمتْ على أَنْ تَعترفَ بخزيِ أنها قَدْ قُهِرت. عديد من هذه النفوس المقدّسةِ أمرها الرب أَنْ تَرْجعَ إِلى الأرضِ، وتعود لأجسادها، وهكذا تُقدم شهادة مهيبة ورائعة عن الحقِيقة. في ذات هذه اللّحظةِ تَرك عديد من الموتى قبورهم في أورشليم وبعد ما أنجزتَ المُهمة التى ائتمنوا عليها رقدوا ثانية.
رَأيتَ بعد ذلك إلهنا، بموكبه المنتصرِ، يَدْخلُ موضع قَدْ مُلئ بالوثنيين الأخيار الذين لكونهم كَانَ لديهم بصيصُ ضعيف من الحقيقةِ، قَدْ اشتاقَوا إلى إنجازها: هذا الموضع كَانَ عميقَ جداً، ويحتوى بضع شياطين، وأيضا بعض من أصنامِ الوثنيين. رَأيتُ الشّياطينَ تُرغم على أَنْ تَعترفَ بالمكر الذى مَارسوه فيما يتعلق بهذه الأصنامِ، ونفوس الوثنيين المساكين تَلقى بنفسها تحت أقدامِ يسوع، وتمَجّده ببهجةِ يتعذر وصفهاِ: هنا، على نفس النمط، الشّياطين كَانتْ مقيدة بالسّلاسلِ وجُرت بعيدا. رَأيتُ مُخلصنا يُؤدّي عديد من الأعمالِ الأخرىِ؛ لكنى عَانيتُ بحدة في نفس الوقت، حتى أنى لا أستطيع أَنْ اسردها. أخيراً، رأيته يَقتربُ من إِلى مركزِ الهاويةِ العظيمةِ، بعبارة أخرى، إِلى جهنمِ نفسها؛ وتعبير مُحياه كَانَ أكثر حدّةِ.
المظهر الخارجي لجهنمِ كَانْ مُروّعُ ومخيف؛ كانت هائلة، ثقيلة المظهر، والصّوان الذي تشَكّلتَ منه، مع أنه أسود، إلا أنه له سّطوعِ معدنيِ؛ والأبواب المظلمة والثّقيلة جدا قَدْ ثَبّتت بتلك المزاليج الفظيعةِ التي لا أحد يستطيع أَنْ يَنْظرها دون أن يرتِعد. آهات عميقة وصرخات اليأسِ تُميز بوضوح بينما الأبوابَ مغُلِقة بإحكام؛ لكن، أه, من يستطيع أَنْ يَصفَ الصّراخ والعويل المُخيف الذي يفجرِ الأذنِ عندما تُحلّ المزاليج وتُفتح الأبواب ؛ وأه, من الذى يستطيع أَنْ يُصف المظّهر الكئيب لساكني هذا المكانِ التّعسِ!
إنّ الشّكلَ الذي تُصور عليه أورشليم السّماوية عموماً في رُؤاي هو صورة مدينةِ جميلةِ ومُنَظَّمةِ بشكل جيدِ، ودرجات المجد المختلفة التي ينالها المنتخبين تُبرهن عنها روعةِ قصورهم أو الثمار الرّائعة والزّهور التي تُزين بها حدائقِهمِ. جهنم أٌظهرت لي تحت نفس الشّكلِ، لكن كل شئ داخلها ضيق، مضطرب ومزدحم؛ كل شيء يَمِيلُ أَنْ يَمْلأَ العقل بأحاسيسِ الألمِ والأسىِ؛ إنّ علاماتَ غضبِ وانتقام الرب مرئيُة في كل مكان؛ اليأس، كعقابِ، يَقْضمُ كل قلبِ، والتنافر والبؤس يسودان بالكامل. فى أورشليم السّماوية الجميع فى سلامُ وانسجام أبدى، بِداية ونهاية كل شيءِ هو سعادةَ صافيةَ وكاملة ؛ إنّ المدينةَ ملآنة بالبناياتِ الرّائعةِ، مزَيّنةَ بأسلوب يأخذ بكل عينِ ويُبهجُ كل إحساسِ؛ إنّ سأكنى هذا المسكنِ المبهجِ يَفِيضُون بالنشوة والاغتباط، الحدائقِ مشرقة بزّهورِ جميلةِ، والأشجار مغَطّاة بثّمارِ لّذيذةِ تَعطي حياة أبدية. فى مدينةِ جهنم لاشيء يُرى سوى زنزاناتَ كئيبةَ، كهوف مظلمة، صحاري مخيفة، مستنقعات نتنة ملآنة من كل نوع قابل للتخيلِ من الزّاحفِ السّامةِ والمُثيرة للاشمئزاز. فى السّماءِ أنت تَنْظرُ السّعادةَ واتحاد القديسين المسالمَ؛ في جهنمِ، مشاهد أبدية من التنافر الرديء وكل أنواع الخطيئةِ والفسادِ، إمّا تحت أكثر الأشكالِ ترويعاً قابل للتخيل، أو ممَثّلَة بأنواعِ مختلفةِ من العذابِ المُخيفِ. كل شئ فى هذا المسكنِ الكئيبِ يَمِيلُ إلى أَنْ يَمْلأَ العقل بالرّعبِ؛ لا كلمةَ رّاحةِ تُسمعُ أو فكرة مُوَاساة يسمح بها المجال؛ الفكر الوحيد هو أن عدالة الرب القدير والتى تُسدد إلى أقصى حد‏ ليست سوى ما استحقّوه بالكامل وهى الإدانةُ التى تستحوذ على النفس وتُغرقُ كل القلبِ. تَظْهرُ الرّذيلةُ في أصحابها فى ألوان مُثيرة للاشمئزاز متجهمة، عاريةَ من القناعِ الذي تختبئ تحته في هذا العالمِ، وتُريِ أفعى لعينة تُلتَهِم أولئك الذين تعلقوا بها أو راعوها هنا تحت. باختصار، جهنم هي هيكلُ الألمِ واليأسِ، بينما ملكوت الرب هو هيكلُ السّلامِ والفرحِ. هذا سهلُ أَنْ يَفْهمَ عندما يُري؛ لكنه من شبه المستحيل أَنْ يوُُصفَ بوضوح.
الانفجار الكبير للأقسامِ واللعنات ونداءات اليأسِ والصياح المخيف الذي أنفجر كدوي الرّعدِ عندما فُتِحتْ أبوّاب جهنمِ بالملائكةِ، سَيَكُونُ من الصعب حتى َتخيّلَه؛ تكلم الرب أولا إِلى روحِ يهوذا، وأرغمت الملائكة كل الشّياطينِ أَنْ تَعترف بيسوع وتُمجّده. إنهم كَانوا يُفضّلونَ بشكل مُطلَق‏ المزيد من العذاب عن مثل هذا الإذلالِ؛ لكن الكل قَدْ اُلزمَ أَنْ يخضع. كثيرين قَدْ قُيّدَوا في دائرةِ قَدْ وُضِعتْ حول دوائر. فى مركزِ جهنمِ رَأيتُ هاويةَ مظلمةَ ومروّعَه المظهرَ، وفي هذه كان إبليسِ موضوع، بعدما تقيد بقوة بالسّلاسلِ؛غيوم سميكة من دخان أسود كبريتي كان يصعد من أعماقها المخيفةِ، وتغَلّفَ شكله المخيف في طّيّاتِ كئيبةِ، هكذا تُخفيه بشكل فعّال عن كل مشاهدِ. الرب بنفسه قَدْ أمر بهذا؛ ولقَدْ أُخبرتُ على نفس النمط، إن كنت أَتذكّرُ بشكل صحيح أنه سَيُحَرّرُ قبل سنة 2000 للمسيح بخمسين أو ستين سنة. تواريخ عديد من الأحداثِ الأخرىِ قَدْ أُشير إليها لكنى لا أَتذكّرها الآن؛ لكن سَيفك عددَ محدد من الشّياطينِ قبل إبليسِ كى تُجرب البشر، وأَنْ تَخْدمَ كأدوات انتقام إلهي. لابد أَنْ أَعتقدَ أنّ البعض يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْلُول حتى في الوقت الحاضرِ، والآخرون سَيُطلقونَ في وقتِ قصيرِ.
سَيَكُونُ من المستحيل تماماً لي أَنْ أَصفَ كل الأشياءِ الذي أُظهرت لي؛ أن عددهم كَانَ عظيمَ جداً لدرجة أننى لم أتَمَكّن من أَنْ أقللها لأرتبها وأعرفها وأُعيدها بوضوح. بالإضافة إلى أن آلامي كانت عظيمةُ جداً، وعندما أَتكلّمُ عن موضوعِ رُؤاي أنظرها في عينِ ذهني مرَسومة بمثل هذه الألوانِ الشّديدة الوضوحِ، أن المنظر كافي تقريباً أَنْ يُسبّبَ ضعف مُهلك لنفسي .
رَأيتِ بعد ذلك حشود غير معدودة من النفوس المفدية مُحَرّرة من موضع العذاب ومن عالم النسيانِ، وتتبع إلهنا إِلى بقعةِ مبهجةِ تَقع فوق أورشليم السّماوية، حيث وضع فيها منذ وقت قليل جداً، روحَ شخصِ عزيزَ جداً علي. روح اللّصِ اليمين قَدْ اُخِذَ أيضا هناك، وتحقق وعد إلهنا : " اليومِ, ستكون معي في الفردوس ".
ليس في قدرتي أَنْ أُوضّحَ الوقت المضبوط لحدوث كل حدث من هذه الأحداثِ، ولا أستطيع أَنْ أروى نصفِ الأشياءِ التي رَأيتُها وسَمعتُها؛ لأن البعض كَانَ غامضَ حتى لنفسي، والأخرى سَيساء فهمها إن حَاولتُ أن أرويها. لقَدْ رَأيتُ إلهنا فى أماكنِ عديدة مختلفةِ. حتى في البحرِ ظَهرَ لي كى يُقدّسَ ويحرر كل شيء مخلوقِ. الأرواح الشريّرة هَربتْ في اقترابه، وألقت بنفسها في هاويةِ مظلمةِ. لقد رأيته أيضا في أجزاءِ مختلفةِ من الأرضِ، أولا داخل قبرِ آدم، تحت الغولغوثا؛ وعندما كَانَ هناك أنفس آدم وحواء صَعدتا إليه، وتَكلّمَ إليهما لبعض الوقتِ. ثم زارَ قبور الأنبياءِ التي دُفِنتْ علي عمقِ هائلِ تحت الأرض؛ لكنه عَبرَ خلال التّربةِ في لمحة عينِ. أرواحهم عادتْ ودخلت أجسادهم فوراً، وتَكلّمَ إليهم ووَضّحَ أعجب الأسرار. ثم رَأيته، ترَافقهَ فرقةِ مُختَاَرةِ من الأنبياءِ، من بينهم ميزت داود، زار أجزاءِ من الأرضِ التي قَدْ قُدّستْ بمعجزاته وبآلامه. وضح لهم بأعظم حبِّ وصلاح الرّموز المختلفة للشريعة القديمةِ وكيف أنها تعبّر عن المستقبلِ؛ وأراهم كيف أنه بنفسه قَدْ حقق كل نبؤِه. منظر إلهنا مُحاطَ بهذه النفوس السّعيدةِ، ومتألقا بالنور، كَانَ يفوق الوصف بينما كان ينساب منتصرا خلال الهواء، أحياناً يعبر بسرعةِ البرقِ، على الأنهارِ، ثم مُختَرِقا خلال أصلب الصّخورِ إِلى مركزِ الأرضِ، أو مُتحركا بلا ضوضاء على سطحها.
أنى لا أستطيع أَنْ أَتذكّرَ شيء سوى الحقائق التي رويتها والتى تختص بهبوط يسوع إلي عالم النسيانِ، حيث ذَهبَ من أجل أَنْ يُقدّمَ إِلى النفوس المحتجزة هناك نّعمةَ الفداء التي كسبها لهم بموته وبآلامه؛ ولقد رَأيتُ كل هذه الأشياءِ في فترة قصيرةِ جداً من الوقتِ؛ في الحقيقةِ، أن الوقت عَبرَ بشكل سريع جدا حتى أنه بدا لي أنه ليس سوى لحظةَ. إلهنا، على أية حال، عَرضَ أمامي، في نفس الوقت، صورة أخرى، التي نَظرتُ فيها الرّحمةَ الهائلةَ التي يَمْنحُها في الوقت الحاضرِ إلى النفوس المسكينة التي في العذابِ؛ لعل فى كل ذكرىِ لهذا اليومِ العظيمِ، عندما تَحتفلُ كنيسته بسر موته المجيد، يَلقي نظرةَ رحمة على النفوس التى في العذاب، ويُحرّرُ بعض الذينِ أثموا ضده قبل صلبه. رأيت هذا اليومِ يسوع يُنجى عديد من النفوس؛ البعض كنت أعرفه والآخرون كَانوا غرباءَ بالنسبة لي، لكنى لا أستطيع أَنْ أَسمّي أيا منهم.
إلهنا، بالنزول إلى الجحيم، َزْرُع في بستان الكنيسة الرّوحيةِ، شجرة غامضة، ثمارها تعني استحقاقاته المُعينة لراحةِ ثّابتةِ للنفوس المسكينة التى في العذابِ. مجاهدي الكنيسةِ يَجِبُ أَنْ يَفْلحَوا الشّجرة، ويجمعون ثمارها، من أجل أَنْ يُقدّمونها إِلى ذلك الجزءِ المتألمِ من الكنيسةِ الذي لا يستطيع أَنْ يفعَلُ شيء لنفسه. هكذا بكل استحقاقات المسيحِ؛ نحن يَجِبُ أَنْ نَعْملَ معه إن رْغبُنا أَنْ نَحْصلَ على حصّتنا منها؛ نحن يَجِبُ أَنْ نَكْسبَ خبزنا بعرقِ جبيننا. كل شيء قد فعله إلهنا من أجلنا في حينه يَجِبُ أَنْ يُنتجَ ثمار للأبدية؛ لكننا يَجِبُ أَنْ نجمّعَ هذه الثّمارِ، التى لا يُمكنُ بدونها أَنْ نَمتلكها في الأبدية. إنّ الكنيسةَ هى أكثر الأمهاتِ تدبيرا وتّفكيراً؛ إنّ السّنةَ الكنسية لهي بستان هائل ورائعةُ، فيها تتجمع كل تلك الثّمارِ للأبد، حتى نَستعملها في حينهِ. كل سنةِ تَحتوي ما يكفي أَنْ يسد احتياجات الجميع؛ لكن الويلَ للبستانيِ المهملِ أو الغشّاشِ الذي يَسْمحُ أن تهلك أي ثّمرةِ موضوعه تحت عنايته؛ إن َفْشلُ في أن يتاجر بتلك النِّعَمِ التي تُعيدُ الصحة للمرضى والقوة للضّعفاء والطّعام للجوعى! عندما يأتى يوم الحساب، سَيَطْلبُ سيد البستان حساب صارم، ليس فقط عن كل شجرةِ، بل أيضا عن كل ثّمرةَ نبتت في البستان

17
الفصل الحادي والستون
ظهورات بمناسبة موت يسوع
من بين الأموات الذي قاموا من قبورهم في أورشليم، والذين كَانوا حوالي مائة، لم يكنَ هناك أقرباء ليسوع. رَأيتُ في أجزاءِ متعدّدةِ من الأرضِ المقدّسة موتى آخرين يظَهرَون ويحملون شهادة عن ألوهية يسوع. هكذا رَأيتُ صادوق، الرّجل التقى، الذي وهب كل أملاكه للفقراءِ وللهيكلِ، يَظْهرُ لعديد من الأشخاصِ بجوارِ حبرون " الخليل حاليا ". صادوق هذا قَدْ عِاشَ قبل يسوع بقرن، وكَانَ مؤسسَ لجماعةِ الإسينيين, لقَدْ أشتاق بحماس لمَجيءِ المسيا، ونال بِضْع رؤى عن هذا الموضوعِ. لقد رَأيتُ بعض أموات آخرين يظَهرون إِلى التّلاميذ المَختبئين، ويَعطونهم تحذيرات مختلفة.
عم الرّعب والخراب حتى أكثر الأجزاءِ بعدا فى إسرائيل، ولم تحدث هذه الأعاجيب المخيفة في أورشليم فقط. بل سقطت أبراج السّجنِ الذى حرر يسوع منه بعض الأسرىِ مِن قِبل. فى الجليل، حيث سَافرَ يسوع كثيراً، رَأيتُ عديد من البناياتِ، وخاصة ديارِ أولئك الفريسيون الذين كَانوا أول من اضطهدوا مُخلصنا، والذين كَانواَ جميعا حينئذ في العيدِ، تصدعت وسقطت على الأرض، سْاحقُة زوجاتهم وأولادهم. حوادث عديدة حَدثتْ بجوارِ بحيرةِ جنيسارت. سقطت عديد من البناياتِ في كفر ناحوم؛ وتَصدّعَ حائط الصّخورِ الذي كَانَ أمام بستان زربابل القائد الروماني. فِاضتْ البحيرةُ في الواديِ، وانحدرت مياهها حتى كفر ناحوم، التي تبعد حوالي ميلَ ونصف. بيت بطرس ومنزل العذراءِ المباركةِ اللذان فى مُقدِّمة‏ المدينةِ، بَقيا قائمين. تزلزلت البحيرة بقوة؛ انهارتْ شواطئها في بِضْعَ أماكنِ، وشكلها تبدل كثيرا وأصبحت كما هى عليه الآن في الوقت الحاضر. حَدثتْ تغييرات عظيمة، خاصة في أقصىِ الحدّ الجنوبي الشرقي، لأنه كان هناك في هذا الجزءِ طريقَ طويلَ مُعبد من الأحجارِ، أنهار كل هذا الطّريقِ بالزّلزالِ. حَدثتْ عديد من الحوادثِ على الجانبِ الشّرقيِ للبحيرةِ، فى البقعة التى غرقت فيها خنازير الجرجيسيين ، وأيضا في كورة الجرجيسين، وفي كل منطقةِ كورزين. تزلزلَ الجبل الذى حدثت به معجزة إشباع الجموع الثانية، وأنشق الحجر الذى تمت عليه المعجزةِ لأثنين. فى منطقة العشر مدن، انهارتْ كل المدن حتى الأرضِ؛ وفي آسيا، في بِضْع نواحيِ، شُعِرَ الزّلزال بشدة، خاصة شّرقِ وشمال شرق بانياس. فى الجليل الأعلى، عديد من الفريسيون وَجدوا بيوتهم خرابِ عندما رَجعوا من العيدِ. تلقى عدد منهم أخبارَ ما قَدْ حَدث، بينما كانوا ما زالوا في أورشليم، ولهذا كانت جهود أعداء يسوع قليلةِ جداً ضد جماعةِ المسيحيينِ في عيد العنصرةِ.
سقطَ نصف مجمع الناصرة، الذي أخرج يسوع منه عنوة، بالإضافة إلي ذلك جزء من الجبلِ الذي سعى أعدائه أن يلقوه منه. تغيرات كثيرة حدثت فى الأردن بسبب كل هذه الصّدماتِ وتعَدل في عديد من الأماكنِ. فى كورة بنى ماكير وفي المدنِ الأخرىِ التى تخص هيرودس، كل شيء ظل هادئَ، لأن ذلك البلدِ كان خارج مجالِ التوبة والتحذيرِ، مثل أولئك الرّجالِ الذين لم يسَقطوا على الأرض في بستان الزّيتونِ، ولذلك، لم ينَهضا ثانية.
فى أجزاءِ عديدة أخرىِ كانت هناك أرواحُ شريّرةُ، رَأيتُ هذه الأرواح تختفي في أجسامِ كبيرةِ وسط الجبالِ المنهارة والبناياتِ. ذَكّرتني الزّلازل بتشنّجِ الذين تسكنهم الشياطينِ عندما يَشْعرُ العدو بأنّه يَجِبُ أَنْ يَهْربَ. فى كورة الجرجيسين، جزء من الجبلِ الذي ألقى الشّياطينِ أنفسهم من عليه مع الخنازيرِ في المستنقعِ، سقط في هذا المستنقعِ نفسهِ؛ ورَأيتُ حينئذ فرقة من الأرواحِ الشّريّرةِ تلقى بأنفسها في الهاويةِ، مثل سحابة مظلمةِ.
الفصل الثاني والستون
وضع الحرس حول قبر يسوع

في ليلة الجمعة، رَأيتُ قيافا وبعض رّجالِ اليهودِ مجتمعين ليتشاورا فيما بينهم عن أفضل أسلوب يَتّبعونهَ لمواجهة الأعاجيب التي تحَدث، ومواجهة التّأثيرات التى تُحدثها على الناسِ. استمرّوا فى مشاوراتهم حتى الصّباحِ، وبعد ذلك أسرعوا إِلى دارِ بيلاطس، ليُخبروه أن ذلك المُضِل‏ قالَ بينما كان بعد حي أنه بعد ثلاث أيامِ سَيقوم ثانية وأنه سَيَكُونُ من الصواب أَنْ يَأْمرَ بحراسة القبر حتى اليومِ الثالث، وإلا سيأتى تلاميذه ويَسْرقونه ويَقُولونَ للشعب ها هو قام من الموت فتكون الضلالة الأخيرة اشر من الأولى. قرر بيلاطس ألا يفعل شيء أكثر وأجاب : " عندكم حراس اذهبوا واضبطوه كما تعلمون " ومع ذلك‏ عَيّنَ كاسيوس كى يواصل مراقبة كل ما يحدث وأن يَعطيه تقرير كامل عن كل ما يحدث. لقد رَأيتُ هؤلاء الرّجالِ وعددهم اثنا عشرَ، يتركون المدينةِ قبل شروق الشمسِ، يرَافقَهم بعض الجنودِ الذين لا يرتدون الزيّ الرّوماني، لَكُونهم مختصين بالهيكلَ. يحَملون فوانيسَ مرَبوطة فى نهايةِ عصيان طّويلةِ، لكى يَكُونوا قادرون أَنْ يَروا كل شيء يحيطهم، على الرغم من ظلمة اللّيلِ، وأيضا ليكون لديهم بعض الضّوءِ في ظلمة مغارة القبرِ.
ما أن وَصلوا القبرَ، حتى اطمأنوا أولاُ بأعينهم أن جسدِ يسوع كَانَ حقاً هناك، رَبطوا حبلَ عبر باب القبرِ، وأخر عبر الحجر العظيم الذى وُضِع في المقدمة، خْاتمينُ الكلَ بختمِ ذو شكل نصفِ مستديرِ. ثم رَجعوا إِلى المدينةِ، وأقام الحرّاس أنفسهم مقابل الباب الخارجي. لقد كَانوا ستة جنود، يتناوبون الحراسة ثلاثة بعد ثلاثة بشكل متعاقب. لم يتَركَ كاسيوس مكانه، بل ظل جالسا أو واَقفاِ أمام مدخل الكهفِ، لكي يرى جانبِ القبرِ حيث استقرت أقدام مُخلصنا. لقَدْ نال كثير من النعم الدّاخلِية، وكانَ وُهب أَنْ يَفْهمَ عديد من الأسرارِ. لكونه غير مُتَعَوّدُ بالكاملُ عِلى حالة التنويرِ الروحيِ هذه، فقَدْ نُقِلَ تماماً خارج نفسه؛ وبَقى تقريباً كل الوقت غير واعي بوجود الأمور الخارجيةِ. لقَدْ تغُيرَ بالكامل، لقَدْ أَصْبَحَ إنسان جديدَ، وقضى طول النهار في محاسبة نفسه وتقديم الشكر بتوهج ويَمجدِ الرب في تواضع.

الفصل الثالث والستون
لمحة عن تلاميذ يسوع فى يوم السبت المقدّس

تجمع تلاميذ يسوع الأمناء ليَحْفظَوا ليلة السبت. كَانوا حوالي عشرون، ارتدوا ملابس بيضاءِ طّويلةِ، وتمنطقوا فى أوساطهم. كانت الغرفة مضاءة بقنديلِ؛ وعاد معظمهم بعد تناول الطعام إلى البيت. ثم تجَمّعوا ثانية فى الصّباحِ التّالي وجَلسوا يَقْرءونَ سوية ويَصلّونَ بالتناوب؛ وإن دخل صديقَ الغرفةَ، نَهضوا وحَيّوه بمودة .
فى الجزءِ الذى كانت تشغله العذراءِ المباركةِ كانت هناك غرفةَ كبيرةَ، مقَسّمَة إلي حُجيْرات‏ صّغيرةِ مثل الصوامع، كَانتْ تستعمل من قبل النِّساءَ القدّيساتِ للنَّوْمِ في الليل. عندما رَجعن من القبرِ، أضاءت واحدة منهن قنديل كَانَ مُعلّقُ في منتصف الغرفةِ، وتجمعن جميعاً حول العذراءَ المباركةَ، وشَرعوا فى الصَّلاة بحزن ِلكنْ بهدوء. بعد وقت قصير، جاءت مرثا وماروني ودينا ومارا، الذين أتوا توا مع لعازر من بيت عنيا، حيث قَدْ عَبروا السبت، دَخلَوا الغرفةَ. العذراء المباركة ومرافقيها أعطوهم تقرير مُفصّلَ من موتِ ودفنِ يسوع، يصحب كل رواية عديد من الدّموعِ. المساء كَانَ يَتقدّمُ، ودخل يوسف الرامى مع بضع تلاميذ آخرين، ليَسْألَ إن كانت أي من النِّساءِ يرَغبَن أَنْ يَرْجعَن إِلى بيوتهن، حيث أنه مستعد أَنْ يُصحبهن. البعض قْبل الاقتراح ورحلوا على الفور؛ لكن قبل أن يَصلوا محكمةَ قيافا، أوقف بعض الرّجالِ المُسَلَّحين يوسف الرامى وقبضوا عليه ووضعوه في برجِ مَهْجُورِ قديمِ كما ذكرنا من قبل.ِ
جلست النِّساءِ القديّساتِ اللواتي لم يتَركنَ البيت ليَسترحن فى ما يشبه صومعة: رَبطوا رؤوسهن بمناديل، جلسوا بحزن على الأرض، واتّكئوا على أرائكِ وُضِعت قبالة الحائطِ. بعد وقتِ نَهضن ونشرن أغطية الفراشَ التي لُفّتْ على الأرائكِ واستعدن للنوم. فى منتصف الليلِ، نَهضن وتجمعوا حول القنديل ليواصلوا صلواتهم مع العذراءِ المباركةِ.
عندما انتهت أم يسوع ورفيقاتها من صلاتهم اللّيلية (ذلك الواجبِ المقدّسِ الذي مورسَ مِن قِبل كل أولاد الرب المخلصين والنفوس المقدّسةِ، الذين أمّا قد شَعرا بأنفسهم مدَعوين إليه بنعمةِ خاصّةِ، أو الذين يَتْلون قاعدة أُعطتْ مِن قِبل الرب وكنيسته)، سَمعوا طرق على البابَ ودخل يوحنا وبعض التّلاميذ ليصحبوا النساء إِلى الهيكلِ. كانت الثالثة صباحا تقريبا حينئذِ، وذَهبوا مباشرة إِلى الهيكلِ، لقد كان مألوفَ بين عديد من اليهودِ أَنْ يَذْهبوا هناك قبل شروق فجر اليوم التالي لأَكل حمل الفصح؛ ولهذا السبب كان الهيكل مفتوحَ منذ منتصف الليلِ، حيث تبدأ التّضحياتِ مبكّرةَ جداً. لقد بَدأت تقريبا في نفس السّاعةِ التى وضع فيها الكهنة ختمهم على القبرِ. مظهر الأشياءِ في الهيكلِ كَانَت مع هذا مختلفة تماما عن ما كُنْتُ علية عادة في مثل هذه الأوقاتِ، لأن التّضحياتِ قَدْ توُقِفَت، والمكان كَانَ خاويا ومُقفراً لأن كل شخصِ قَدْ رحل بسبب أحداث اليومِ السّابقِ.
الهيكل كَانَ مع ذلك مفتوحا؛ القناديل مضاءة والناس في حريةِ أَنْ تَدْخل دهليز الكهنة، حيث كَانَ هذا امتيازَ مألوفَ فى هذا اليومِ، وأيضا فى اليوم الذي يَلي عشاء الفصح. الهيكل كَانَ خاويا تماماً كما قُلتُ من قبل، باستثناء كاهن أو خادم يعبر مصادفة؛ وحمل كل جزءِ من الهيكل مظاهر الاضطراب والأحداثِ الغير عادية والمخيفةِ التي حَدثتْ فى اليوم السابق.
كَان أبناء سمعان وأبناء شقيق يوسف الرامى، حُزاِنىَ بسَماعهم نبأ القبض على عمهم، لكنهم رَحّبوا بالعذراءِ المباركة ومرافقيها، وقادوهم في جميع أنحاء الهيكل بدون أى صعوبةَ. توقفت النِّساء القديسات في صّمتِ وتَأمّلنَ بمشاعرِ رّهبةِ عميقةِ كل العلاماتِ الفظيعةِ والتى أظهرت غضبِ الرب، وبعد ذلك استمعَن باهتمام لعديد من التّفاصيل. كانت تأثيرات الزّلزالِ ما زالَتْ مرئيُة، لأن القليلِ قَدْ عُمِلَ نحو إَصلاح الشقوق العديدةِ والشروخ في الأرض والجدرانِ. فى ذلك الجزءِ من الهيكلِ حيث يتصل الدّهليز بالقدّسَ، الحائط كان قد أهتزَ بشدة بالزّلزالِ، ونتج عنه شق عريض بما يكفيِ لعبور شخصِ من خلاله، وبقية الحائطِ بدا غير مستقرَ، وكان ممكن أن ينهار فى أي لحظة. حجاب القدّسِ أنشق لنصفين وتدلي علي الجانبينُِ؛ لاشيء كَانَ يَرى سوى جدران منهارة، بلاطَ مُفتت، وأعمدة متساقطة أمّا جزئياً أو بالكامل .
زارت العذراء المباركة كل الأجزاءِ التي جعلها يسوع مقدّسة في عينيها؛ انطرحتْ أمامها وقَبّلتها، ووَضّحتْ للآخرين والدّموعِ في عينيها أسباب تَبجيلهاِ لكل بقعةِ، عند ذلك فعلوا مثلها فى الحال.
التّبجيل الأعظم كان يُرى دائما مِن قِبل اليهودِ لكل الأماكنِ التي جُعلت مقدّسة بمظاهر القوةِ الإلهية، وكان من المألوف أَنْ توضع الأيادي بوقاّر على مثل هذه الأماكنِ، يُقبّلونها ويَنطرحوا إِلى الأرضِ أمامها. أنى أَعتقدُ أنه ليس هناك أي شئ مدهشِ في مثل هذا التقليدِ، لأنهم جميعا عَرفوا ورَأوا وشَعروا بأنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إنما هو إله حيّ، وأن سكناه بين شعبه كَانَ في الهيكلِ في أورشليم؛ بِناء على ذلك‏ كَانَ يمكنُ أَنْ يَكُونَ مُدهِشَ أكثرَ بشكل لانهائي إن لم يبَجّلوا تلك الأجزاءِ المقدّسةِ حيث قوته قَدْ أُظهرت على نحو خاص، لأن الهيكلِ والأماكنِ المقدّسةِ كَانت بالنسبة لهم ما للعشاء الربانى المباركَ من قداسة عند المسيحيين.
سارت العذراء المباركة فى الهيكلِ مع رفاقها، وأشارت لهم إلى البقعة حيث قُدّمتْ إلى الهيكل عندما كانت ما تزالَ طفلُة، والأجزاء التى عَبرتْها خلال طفولتها، والمكان الذى خُطِبتْ فيه إِلى القديس يوسف النجار، والبقعة التى وَقفتْ فيها عندما قَدّمتْ يسوع وسَمعتْ نبؤه سمعان الشيخ وبذكر كَلِماته بَكت بحرقة، لأن ها هي النبؤه قَدْ تحققت، وسيف الأسىِ قَدْ طَعنَ قلبها؛ أوَقفتْ رافقاها مرة أخرى عندما وَصلتْ لذلك الجزءَ من الهيكلِ حيث وَجدتْ يسوع يُعلّمُ عندما فَقدته وهو فى الثانية عشر من العمر، وقَبّلتْ الأرضَ التي وقف عليها آنذاك. عندما نظرت النِّساء القديّسات كل مكان تقدس بحضورِ يسوع، بَكين وصَلّوا فيه، ثم رَجعن إِلى صهيون .
لم تترك العذراء المباركة الهيكل بدون ذرف عديد من الدّموعِ، بينما كانت تتَأمّلْ حالة الخرابِ التي وصل إليها، مظهر الخرابِ الذي بدا يناقض بوضوح الحالة العاديةِ للهيكلِ فى يومِ العيد. وبدلاً من الأغاني وترانيم الابتهاج، يسود الصمت الحزين هذا الصّرح الضخم، وفى مواضع العابدين المبتهجين والأتقياء، تَجوّلتْ العين على خلاء واسع وكئيب. بكل صدق، وآسفاهً، أن هذا التّغييرِ يَدْلُّ على الجريمةِ المخيفةِ التي اُرتكبتْ مِن قِبل شعب الرب، وتَذكّرتْ كيف أن يسوع قَدْ بَكى على الهيكلِ وقال : " اهدموا هذا الهيكلِ وأنا أقيمه في ثلاثة أيامِ مرة أخري." أنه عنى هدم هيكلِ جسدِه الذى قَدْ تم مِن قِبل أعدائه، وقد تَنهّدتْ برغبة متلهفة لفجر اليومِ الثالث عندما تتحقق كَلِمات الحقِ الأزلي.
كان الفجرِ يلوح عندما وصلت مريم ورفاقها المسكن، واختلوا في البنايةِ التي على اليمينِ، بينما دخل يوحنا وبعض التّلاميذ العلية وتجمع حوالي عشرون رجلَ حول قنديلَ، وانشغلوا في الصّلاةِ. بين الحين والآخر يقترب أشخاص جدد من البابِ، يدَخلَون على نحو خجول، يقتربَون من المجموعةِ التى حول القنديلَ، ويخاطبوهم ببضع كَلِماتِ حزينةِ ترافقها الدّموعِ. كل شخصُ أظهر ليوحنا مشاعرِ الاحترام؛ لكونه مكث مع يسوع حتى الموتَ؛ لكن مشاعرِ الاحترام هذه امتزجت بشعور عميق من الخزيِ والارتباك، عندما فَكَّروا مَليّا‏ فى تصرفهم الجبان بتَرْكِ ربهم وسّيدهم في سّاعةِ الضيقِ. تَكلّمَ يوحنا إِلى كل شخصِ بأعظمِ محبة وحنو؛ أسلوبه كَانَ معتدلَ ومتواضعَ كما لطفلِ، وبدا أَنْه يَخَافَ أن ينال المدحَ. رَأيتُ المجموعةَ تَأْخذُ وجبة واحدة خلال ذلك اليومِ، لكن أعضائها كَانَوا في معظم الوقت صامتين؛ لَم يُسمع صوتَ فى الدّار، والأبواب أغُلِقت بأحكام، ولو أنه في الحقيقةِ، لم يكن هناك إمكانيةُ أن يُزعجهم أى أحد، لأن الدّارُ تخص نيقوديموس، وهو قد تركها لهم لوقتِ العيد .
مكثت النِّساء القدّيسات في هذه الغرفةِ حتى المساءِ؛ كانت الغرفة مضاءة بقنديلِ وحيدِ؛ الأبواب قَدْ أُغلِقتْ، وأسدلت الستائر على النّوافذَ. أحياناً يتَجمّعون حول العذراءَ المباركةَ ويصَلّوا تحت القنديلِ؛ في أوقاتِ أخرىِ يجلسن فى جانبِ الغرفةِ، مغَطّيين رؤوسهم بمناديل سّوداءِ، أو يجَلسَن على الرماد علامة للحدادِ، أو يصَلّون بوجوههم نحو الحائطَ؛ من كانت منهن بصحةِ معتلة أخِذتْ طعام قليل، لكن الأخريات صمن .
لقد نَظرتُ إليهم مراراً وتكراراً، ورَأيتهم دوما في نفس الأسلوب، بعبارة أخرى، أمّا في صّلاةِ أو في حدادِ على آلامِ سيدهم الحبيبِ. عندما تَجوّلتْ أفكاري من تأملِ العذراءِ المباركةِ إِلى تأمل ابنها الإلهي، نَظرتُ القبر المقدسَ بستة أو سبعة حراسِ في المدخل, كاسيوس واقفا قبالة بابِ الكهفِ، مستغرقا في تّأملِ عميقِ، الباب الخارجي مُغَلقَ، والحجر موجود أمامه. على الرغم من الباب السّميك الذي يفصل بين جسدِ مُخلصنا وبيني إلا أننى استطعت أَنْ أراه بوضوح؛ لقد كان واضحاً تماماً بضوءِ إلهى، وكان هناك ملاكان بجانبه يُمجّدانه. لكن أفكاري تحولت حينئذ إِلى تأملِ النفس المُباركة لمخلصي، وصورة شاملِة وصعبة لهبوطه إلي الجحيم قَدْ أُظهرت لي، التي أستطيع أَنْ أتذكّرَ فقط جزء صغير منها، سَأَصفُها على قدر طاقتي.

18
الفصل السابع والخمسون
وضع جسد الرب في القبر
وضع الرّجال الجسدَ المقدّسَ على حاملة يد جلديةِ، مغَطّاة بقماشِ أسود، ذات عصاتان طويلتان. هذا ذَكّرني بتابوت العهدِ. وضع نيقوديموس ويوسف الرامى طرفي العصيتان على أكتافها وسارا فى الأمامِ، بينما ابن ادار ويوحنا من الخلف. بعدهم جاءَت العذراء المباركة، مريم التى لهالى شقيقتها الكبرى، المجدلية ومريم التى لكلوبا، وبعد ذلك مجموعة من النِّساءِ اللواتي كن جالساتُ على مسافة قريبة, فيرونيكا، يونا التى لجوزى، مريم أمّ مرقص، سالومه زوجة زبدي، مريم ابنه سالومه، سالومه التى من أورشليم، سوسنة، وحنا أبنه أخ القديس يوسف النجار. كاسيوس والجنود فى نهاية الموكبَ. النِّساء الأخريات، مثل مارونا التى من ناين، دينا السامرية، ومارا السوفانيه، كَاناَ في بيت عنيا، مع مرثا ولعازر. أحضر جنديان مشاعل في أياديهم، سارا فى الأمام، ليضيئا القبرِ؛ واستمر الموكب يَتقدّمَ بهذا الترتيب حوالي سبع دقائقِ، الرّجال والنِّساء أنشدوا مزامير بنبرات حلوةِ لكنها حزينة. رَأيتُ يعقوب الكبير، شقيق يوحنا، واقفا على تلِ فى الجانبِ الآخرِ من الواديِ، ليراهم عندما يعُبِرون، ورَجعَ فى الحال بعد ذلك ليُخبرَ التّلاميذ الآخرين بما رَأىَ.
توَقفَ الموكبُ عند مدخلِ بستان يوسف الرامى الذي فُتِحَ بإزالةِ بعض الأوتاد. ووضعوا الجسد المقدس قبالة صّخرة، على لوح طويلُ مُغطى بملاءة. الكهف، الذي قَدْ نُحت حديثاً، كَانَ خدم نيقوديموس قَدْ نُظّفَوه مؤخراً، ليكون من الدّاخلَ مُرتب. جلست النِّساء القدّيسات أمام الكهف، بينما حمل أربعة رّجالَ جسد الرب، مصطبة مجوفة جزئيا مُعدة لوضع الحنوط العطريِ، وموضوع عليها قطعة قماش، وضعوا عليها الجسدَ المقدّسَ بإجلال. بعد ما عبروا جميعا مرة أخرى عن محبّتهم بدّموعِ، تَركوا الكهفَ. ثم دخلت العذراءِ المباركِ، جلستَ بقربَ رأسِ ابنها الحبيب، وانحنت على جسده بدّموعِ غزيرة. عندما تَركتْ الكهفَ، تقدمت المجدلية بعجالة ولهّفة، ونثرت بعض الزّهورِ والأغصان التي كانت قَدْ جمّعتْها من البستان على الجسدِ. ثم شَبكتْ يديها وببكاءِ قَبّلتْ قدمي يسوع؛ لكن الرّجالَ بعد ما اعلموها إنهم يَجِبُ أَنْ يَغْلقوا القبر، رَجعتْ إِلى النِّساءِ الأخرياتِ. غَطّوا الجسدَ المقدّسَ بأطراف الملاءة التي كان يرقد عليها، ووَضعواَ فى النهاية مفرش أسود، وأغَلقواَ الباب الذى كان يطوي ومصنوع من معدن بُلَوَّنِ برونزي، ووضعوا أمامه عصاتان، واحدة رأسية والأخرى أفقية ليُشكّلاَ شكل صليب .
الحجر الكبيرة الذي اعتزموا أَنْ يَغْلقوا القبر به، والذي كان ما زال أمام الكهف، كَانَ طوله بطول رجلِ وكان ثقيلاً جداً حتى أنه بالعتلاتِ فقط أستطاع الرّجال أَنْ يدحرجوه أمام بابِ القبرِ. مدخل الكهفِ أغُلِقَ ببوّابة ِمصنوعة من الأغصان المجدولة معا. كل شيء قَدْ عُمِلَ داخل الكهف كَانَ لابد أَنْ يُتمَّ بضوء المشاعل، لأن ضوء النهارِ لم يكن يدخله.

الفصل الثامن والخمسون
العودة من القبر
وضع يوسف الرامى في السّجن

السبت كَانَ يلوح، وعاد نيقوديموس ويوسف الرامى إِلى أورشليم من بابِ صغيرِ غير بعيدَ عن البستان، والذي سُمح ليوسف الرامى أَنْ يفتحه في سور المدينةِ. اخبرا العذراءَ المباركةَ والمجدلية ويوحنا وبعض النِّساءِ الذين كَانوا عائدين للجلجثةِ كى يَصلّوا هناك، بأن هذا البابِ، بالإضافة إلي باب علية صهيون، سَيَفْتحُ لهم فى أى وقت. شقيقة العذراءِ المباركةِ، مريم التى لهالي، رَجعَت إِلى المدينةِ مع مريم أمّ يوحنا وبعض النِّساءِ الأخرياتِ. ذهب خدم نيقوديموس ويوسف الرامى إلى الجلجثةِ ليَجْلبوا الأشياء التي تُرِكتْ هناك.
أنضم الجنود لزملائهم الذينَ كَانَ يَحْرسُون بوّابة المدينةَ قُرْب الجلجثة؛ وذهب كاسيوس إلى بيلاطس وقص عليه كل ما رآه، ووَعدَ أَنْ يَعطيه تقرير كامل عن كل شيءِ سيَحْدثَ إن وَضعُ تحت سيطرته الحراسِ الذين يَسْألونه اليهود أَنْ يَضعهم حول القبرَ. استمعَ بيلاطس لكَلِماته برّعبِ ، لكن اخبره في رده أن خرافاته تبَلغ الجنونِ.
التقى يوسف الرامى ونيقوديموس ببطرس ويعقوب الكبير والصغير في المدينةِ. ذرفوا جميعاً دّموعِ غزيرة، لكن بطرس كان مغُموِراَ تماماً بالحزن. لقد عَانقهم ولام نفسه لكونه لم يكن حاضر موتِ مُخلّصنا، وشَكرهم لكونهم أدوا مناسك الدفن لجسده المقدّسِ. اتفقوا على أنّ بابَ علية صهيون سيكون مَفْتوحَ لهم فى أى وقت، وبعد ذلك خَرجوا لينشدوا بعض التّلاميذ الآخرين الذين تشتتوا في جهاتِ متعدّدةِ. بعد ذلك رَأيتُ العذراءَ المباركة ورفاقها يَدْخلونَ علية صهيون؛ كذلك أتى ابن ادار وقَدْ أمن؛ تجَمّع جزء عظيم من الحواريين والتّلاميذ هناك. النِّساء القدّيسات شغلن جزءِ من البنايةِ حيث كانت العذراء المباركة توجد. تناولوا بعض الطّعامِ، وصَرفوا مزيد من الدقائق فى البكاء، وروت كل واحدة منهن على الأخريات ما قَدْ رَأتهَ. غير الرّجال ملابسهم وقد رَأيتهم يَقفونَ أسفل مصباحِ ويَحْفظونَ السبت لكن بدون الاحتفال بأي طقوس ، لأنهم كانوا قَدْ أكلوا حمل الفصح فى الليلة السابقة. لقد كَانوا جميعا قلَقينِ في الرّوحِ، وملآنين بالأسىِ. قضت النِّساء القدّيسات وقتهم في الصَّلاةِ مع العذراءِ المباركةِ تحت القنديلِ. فيما بعد، عندما غشى الليل تماماً، جاء لعازر وأرملة ناين والمرأة السّامرية دينا، ومارا التى من سوفان , جاءوا من بيت عنيا، وبعد ذلك، مرة أخرى، وُصف كل ما قَدْ حَدثِ، وذُرفت دموعِ غزيرة .
دينا، المرأة السّامرية، هى نفسها التي تَحدّثَت مع يسوع عند بئر يعقوب. لقد ولدَت قُرْب دمشق، من والدينِ كَاناَ أحدهم يهوديَ والأخر من الأمم. لقد مات والداها منذ الصغر، ولِكَونِها رُبّيتْ مِن قِبل امرأةِ سيئةِ، نبتت شرورها في قلبها مبكّراَ. لقد كان لها بِضْع أزواجَ، الذين كان كل واحد منهم يحل محل الأخر تباعاً، والأخير عِاش في سوخار، حيث تبعته وغَيّرتْ أسمها من دينا إِلى سالومه. كَانَ عِنْدَها ثلاثة بنات وابنان، الذين تبعا التلاميذ بعد ذلك. الراهبة إميريتش كَانتْ تَقُولُ بأنّ حياةَ هذه المرأةِ السّامريةِ كَانتْ نبويةَ لأن يسوع قَدْ تَكلّمَ إِلى كل طائفةِ السّامريّين في شخصها، وأنهم قَدْ ارتُبِطوا بأخطائهم برباطات عديدة بقدر ما ارتكبتْ هى من زنا.
مارا التى من سوفان كَانتَ موآبية، جاءت من سوفان، وكَانتَ من نسل عُرْفَةُ، أرملة كِلْيُونَ ابن نعمى. عُرْفَةُ تَزوّجَت ثانية في مؤاب. مِن قِبل عُرْفَةُ، زوجة شقيق زوج راعوث، مارا كانت ذات صله بعائلةِ داود، الذي جاء يسوع من نسلهَ. الراهبة إميريتش رَأتْ يسوع يُخرج من مارا أربعة شياطينِ ويمنحها مغفرة آثامها فى التاسع من سبتمبر فى السّنةِ الثّانية من حياته العامّةِ. لقد كَانتْ تَعِيشُ في عين نون، بعد ما طُلقت مِن زوجها، وهو يهودي غني، الذي أحتَفظَ بالأطفال الذين أنجبهم منها. لقد كَانَ لها ثلاث أطفال آخرين من الزنا.
تقول الراهبة إميريتش : " لقد رَأيتُ كيف أن الفرعَ الضّالَّ من شجرة داود قَدْ تنُقّى داخلها بنعمةِ يسوع، وانضمت لحضن الكنيسةِ. أنا لا أستطيع أن أعبر كم عديد من هذه الجذورِ والأغصان رأيتها تُصير مَضْفُورة كل منها مع الأخرى، تُفقد، وبعد ذلك تأتى إلى النور مرة أخرى. "
عاد يوسف الرامى إلى البيت متأخّراَ من علية صهيون، وكَانَ يَمْشي بشكل حزين جداً فى شوارعِ صهيون، يرَافقهَ بعض التلاميذ والنِساءِ، فجأة هاجمتهم فرقة من الرّجالِ المُسَلَّحين كَانوا كامنين بجوارِ محكمة قيافا، وقبضوا على يوسف الرامى، وهرب رفاقه وهم يطلقون صيحات الفزع. لقد سجنوه في برجِ متاخمِ لسور المدينةِ، لَيسَ بعيدَا عن المحكمةِ. هؤلاء الجنودِ كَانوا وثنيين، وليس عليهم حْفظ السبت، لهذا كان قيافا قادرَ أَنْ يستخدمهم فى السبتِ. كَانتْ النّية مُبيته أَنْ يُتْركَ يوسف الرامى حتى الموت جوعاِ، ويظل اختفائه سرا.
هنا ينتهي وصفُ كل ما حْدُثِ فى يومِ آلام إلهنا؛ لكننا سَنُضيفُ بعض الأمور الإضافيةِ التى تختص بيوم السبت من حيث الهبوط إلي الجحيم والقيامة .
الفصل التاسع والخمسون
أسم الجلجثة

بينما كنت أتَأَمُّلَ فى أسم الغولغوثا أو الجُلجثة، موضع الجمجمة، الذى أطلق على الصّخرةِ التي صُلِبَ عليها يسوع، اصبح مستغرقة بعمق في التّأملِ، وأنَظر بالرّوحِ كل الأجيال من زمن آدم وحتى زمن المسيحِ، وفي هذه الرؤى صار أصلِ هذا الاسم معُروِف لي. وها أنا أَعطي هنا كل ما أَتذكّرهُ عن هذا الموضوعِ.
لقد رَأيتُ آدم، بعد أن طُرد من الفردوس، يَبْكي في المغارة التى عرّقَ فيها يسوع دمَا وماءَ، على جبل الزيتون. رَأيتُ كيف قَدْ وُعِدَ شيث إِلى حواءِ في مغارة مزود البقر في بيت لحم، وكيف أنها ولدته في نفس ذلك الكهفِ. رَأيتُ حواء تعيش في بعض المغائر قُرْب حبرون " الخليل حاليا"، حيث تأسس دير للرهبان اليونانيين بعد ذلك.
ثم رأيت البلدة التى بنيت حيث توجد أورشليم حاليا، كما ظْهرت بعد الطّوفانِ، الأرض كَانتَ كلها غَيْر مأهولة، حجرية، سوداءِ، ومختلفة جداً عن ما سَبَقَ آن كَانتَ عليه من قبل. على عمقِ هائلِ تحت الصّخرةِ التي تُكوّنُ جبلَ الجلجثة ( الذي قَدْ تشُكّلْ في هذه البقعةِ بتدفق المياهِ )، رَأيتُ قبرَ آدم وحواء. رّأس وأحد الأضّلع كَاناَ مفقودان من أحد الهياكل العظميةِ، والرأس الباقية قَدْ وُضِعت ضمن الهيكل العظمي الذي لا يخصها. عظام آدم وحواء لم تترك كلها فى هذا القبرِ، لأن نوح أخذ البعض منها معه في السّفينةِ، وقَدْ نُقلوا من جيلِ إِلى جيلِ من قبّل البطاركةِ. نوح، وأيضا إبراهيم، كَاناَ يضعان دائما بعض من عظامِ آدم على المذبحِ عندما يقدمان ذبيحة، ليُذكّراَ الرب بوعده. عندما أعطى يعقوب ليوسف قميصه الملون، أعطاه في نفس الوقت بعض من عظامِ آدم، لتُحْفَظُ كآثار مقدَّسة‏. كان يوسف يلَبسهم دائما على صدره، وقَدْ وُضِعوا مع عظامه في وعاء الذخائر المقدسةِ الذي أحضره أبناء إسرائيل من مصر. لقَدْ رَأيتُ عديد من الأمور المشابهةِ، لكن البعض قَدْ نَسيتُه، ومرات أخرى أفشل فى أن أَصفَها.
فيما يتعلق بأصل أسم الجلجثةِ، ها أنا أَعطي هنا كل ما اَعْرفُه. لقد رأيت الجبلَ الذي يَحْملُ هذا الاسم كما كَانَ في وقتِ النّبيِ إيليا. لم يكن حينئذ على نفس الشكل الذى كان عليه فى وقت صّلبِ إلهنا، بل كَانَ تلَ، بعديد من الأسوار والمغائر التى تُشْبهُ القبورَ فوقه. رَأيتُ النبيَ إيليا يَنزل في هذه المغائر، أنا لا أستطيع أَنْ أَقُولَ سواء كان هذا في الواقع أم في الرؤيا فقطِ، ورَأيته يُخرجُ جمجمةَ من قبرِ كانت به عظامِ. شخص ما كان بجانبه, اعتقد أنه ملاكَ, قالَ له : " هذه هى جمجمةُ آدم." إيليا النّبي كَانَ توّاقَ أَنْ يَأْخذها، لكن الملاك مَنعه. رَأيتُ على الجمجمةِ بعض الشعر بلونِ جميل .
علّمتُ أيضا بأنّ النّبيِ بعد ما روُى له هذا، صار أسم هذه البقعةَ الجلجثةِ " الجمجمة". أخيراً، رَأيتُ أنّ صليبَ يسوع قَدْ وُضِعَ رأسيا على جمجمةِ آدم. لقَدْ أُعلمت بأن هذه البقعةِ هى المركزَ المضبوطَ للأرضِ؛ لقَدْ رَأيتُ هذا المركزِ من فوق، وكأني أراه بعينِ طائر. إن المرء يرى بهذه الطّريقةِ كل البلدانِ المختلفةِ والجبال والصحاري والبحار والأنهار والمدن وحتى أصغر الأماكن، سواء البعيدة أو القُريْبة, يراها في متناول اليد بوضوح أكثر مما يراه على الخريطةِ.

الفصل الستون
الصّليب ومعصرة العنب

بينما كُنْتُ أَتأمّلُ فى كَلِماتِ أو بالأصح فى أفكار يسوع عندما عُلق على الصّليب: " ها أنا أُعتصر كالنّبيذِ الذى وَضعَ هنا تحت المعصرة لأول مرة؛ أن دمي لابد أَنْ يواصل الَتدفّقَ حتى يأتى الماءِ، لكن خمرا لن يُصنع هنا فيما بعد " أُعطى لى تفسير بواسطة رّؤيا أخرى تَتعلّقَ بالجلجثةِ.
رَأيتُ هذا البلدِ الصّخريِ في فترةِ سابقةِ على الطّوفانِ؛ كان حينئذ أقل برية وقاحل أقل مما اصبحِ عليه بعد ذلك، وقَدْ كان فيه مزارع عنبِ وحقولِ. رَأيتُ هناك البطريرك يافث، رجل عجوز ذو مظهر أسمر فخم، مُحاطَ بأسرابِ وقطعانِ هائلةِ وأولاده لأجيال قادمةِ عديدةِ وهو نفسه كَانَ له مساكن منقورة في الأرضِ ومُغَطّاة بأسقفِ من أغصان الشجر، تنمو عليها الأعشابِ والزهورِ. كانت هناك كروم فى كل الدائرة، وطريقة جديدة فى صنع النّبيذِ كَانتْ تُحاولُ على الجلجثةِ، في حضورِ يافث. رَأيتُ أيضا الطّريقةَ القديمةَ لإعْداْدِ النّبيذِ، لكنى لا أستطيع أَنْ أَعطي سوى الوصف التّالي لها. في بادئ الأمر كان البشر يأْكلون العنب؛ بعد ذلك عصروه بمدقاتِ من أحجار مجوفة، وأخيراً في خنادقِ خشبيةِ كبيرةِ. معصرة النبيذِ الجديدةِ هذه، كانت تَشْبهُ الصّليبَ المقدّسَ في الشّكلِ؛ كانت تتكون من جذع شجرةِ مجوف توضع رأسيا، بكيس من العنبِ معَلّقا عليه. على هذا الكيس كانت تُربِطْ مدقة، يعلوها ثقل؛ وعلى كل من جوانبِي هذا الجزع كانت توجد أذرع مربوطة بالكيس، من خلال فتحات مصنوعة لأجل هذا الغرض، وعندما كانت تٌحرك هذه الأذرع بإنزال نهاياتهاِ، كانت تعصر العنبَ. فيتَدفّقَ العصيرُ خارج الجذع من خمسة فتحات، ويسقط في حوضِ حجريِ، حيث يتَدفّقَ خلال قناةِ مصنوعة من اللحاء والمكَسوة بمادة صمغيةِ، إلي صّهريجِ محفور في صّخرةِ حيث سُجن يسوع قبل صلبه. فى مقدمة عصارة النّبيذِ، عند الحوضِ الحجريِ، كان توجد شبكة كى تمنع القشور، التي كانت توُضِع على أحد الجوانبِ. عندما صنعوا عصارة نبيذهم، ملئوا الكيس بالعنبِ، سَمّروه إِلى قمةِ الجذع ووَضعَوا المدقةَ، وحركوا الأذرع الجانبية، ليجعلوا النّبيذَ يتدفق. كل هذا ذكرني بقوة بالصّلبِ، بسبب التّشابه بين معصرة النّبيذِ والصّليبِ. كَانَ لديهم قصبةُ طويلةُ، في نّهايتها أفرع، لكي تشَبهَ أشواكِ كبيرة، وكانوا يديرون هذا القصبة خلال القناةِ وجزع الشّجرةِ عندما يكون هناك أي إعاقةِ. لقَدْ تذُكّرتُ الرّمحِ والإسفنجةِ. كان هناك أيضا بعض الزّجاجاتِ الجلديةِ، والأواني المصنوعة من لحاء الأشجار والمكسوة بمادة صمغية. رَأيتُ بْعض الشبابَ، بلا شيء سوى قماشَ ملَفّوفَ حول خصرهم مثل يسوع، يعمِلون في معصرة النّبيذِ هذه. يافث كَانَ عجوز جداً؛ ذو لحيةَ طويلةَ، ورداء مصنوع من جلدِ الوحوشِ؛ ونَظرَ إلي معصرة النّبيذَ الجديدةَ برّضاِ واضحِ. لقد كان يوم عيد، وقدموا ذبائح على مذبحِ حجري من بعض الحيواناتِ التي كَانتْ تَجْري طليقة في الكرمة، عنزات وخراف. أنه لم يكن فى نفس المكانِ الذي جاءَ إليه إبراهيم ليَضحّي بإسحاق؛ الذى كان على جبل الموريا. لقَدْ نَسيتُ عديد من الدروس المختصة بالنّبيذِ والخلّ والجلود، والطرق المختلفة التى كان كل شيءِ يُوزّعُ بها إِلى اليمينِ وإِلى اليسار؛ وأنى آسفة لذلك، لأن هذه الأمورِ لها معنىُ رمزيُ عميق. إن كانت إرادة الرب لي أَنْ أَجْعلها معُروِفة، فهو سَيُريهم لي ثانية.

19
الفصل الخامس والخمسون
إنزال يسوع من على الصّليب

في الوقت الذى ترك فيه الجميع الصليب، وقف الحرّاس فقط حوله، رأيت خمسة أشخاص، أعتقد إنهم كانوا من التلاميذ، والذين يأتون من الوادي من بيت عنيا، اقتربوا من الجلجثة، نظروا لبضع لحظات على الصّليب، وبعد ذلك انصرفوا. ثلاث مرات التقيت في المنطقة بالرّجلين اللذان كانّا يتشاوران سوياً. هذان الرّجلان كانا يوسف الرامى ونيقوديموس. أول مرة كانت خلال الصّلب عندما تسبّبوا فى استعادة ملابس يسوع من الجنود، ولم يكونا حينئذ على مسافة كبيرة من الجلجثة. المرة الثّانية كانت عندما وقفا لينّظرا إن كانت الحشود قد تفرّقت أم لا، ثم ذهبا إلى القبر ليعدا بعض التّجهيزات. المرة الثالثة كانت عند عودتهم من القبر إلى الصليب، كانوا ينظران حولهم في كل اتجاه، كما لو أنهم ينتظرون لحظة مواتية، وبعد ذلك قرّرا سوياً أنهما يجب أن يُنزلا جسد يسوع عن الصليب، بعد ذلك عادا إلى المدينة.
اهتمامهم كان منحصر فى عمل الترتيبات لحمل الأشياء الضّرورية لتكفين الجسد، وأخذ خدامهم بعض الأدوات اللازمة لإنزال جسد يسوع من الصّليب، وأيضا سلّمان وجدوهما داخل مخزن قرب منزل نيقوديموس.
المرأة التي اُشترى منها الحنوط كانت قد حزمتها سوياً. أشترى نيقوديموس ما يزن بمائة دينار من الحنوط. حمل الخدم تلك الحنوط في سلال من القش معلّقة حول رقابهم وتستقر على صدورهم. إحدى هذه السلال احتوت على نوع من المساحيق. كان يوجد معهم أيضا حزم من الأعشاب في حقائب مصنوعة من رقّ الكتابة أو الجلد، وحمل يوسف الرامى صندوق به نوع من المراهم. وكان الخدم يحملون آنية وزجاجات جلدية وإسفنج وبعض الأدوات على نقالة، واخذوا أيضاً نار في فانوس مغلق. تركوا المدينة قبل سيدهم ومن بوّابة مختلفة ربما تكون بوابة بيت عنيا، وبعد ذلك اتجهوا نحو جبل الجلجثة. بينما كانوا يسيرون فى المدينة عبروا على دّار كانت توجد بها العذراء المباركة مع القديس يوحنا والنساء القديّسات لإعداد متطلبات تكفين جسد يسوع، وتبع يوحنا والنّساء القديّسات الخدم. النّساء كنّ خمسة، البعض منهن حملن حزم كبيرة من الكتان تحت عبيهم. كان ذلك عُرف‏ يتبعه النّساء عندما يخرجن في المساء، أو إن اعتزموا أن يؤدّون عمل رحمة سراً، يلفون أنفسهم بحذر بملاءة طويلة.
كان يوسف الرامى ونيقوديموس في ثياب الحداد، ولبسوا أكمام سوداء وأوشحة‏ عريضة. عباءتهم جذبوها على رؤوسهم، كانت عريضة وطّويلة، لونها رمادي وتخفي كل شيء يحملونه.
اتجهوا نحوِ بوّابةِ تَقُودُ للجلجثة. الشّوارع كانت مهجوِرةْ وهادئة، لأن الرّعبِ جعل كل شخصَ يلزم بيته. عدد عظيم كَانَ قد بْدأُ يتوب، ولكن قلة كاَنت تستعد للعيد. عندما وَصلَ يوسف ونيقوديموس إلى البوّابة وَجدوها مغَلقةَ، والطّرق والشوارع وكل زاويةِ مكتظة بالجنودِ. هؤلاء كَانوا الجنودَ الذين طلبهم الفريسيون فى حوالي الساعة الثانية، والذين ظلوا بأسلحتهم وعلى أهبة الاستعداد، حيث كانوا لا يزالوا يَخَافونَ الشغب بين الشعب. أظهر يوسف أمر موَقّعَ مِن قِبل بيلاطس، أَنْ يجعلوهم يَعْبرون بحرية، والجنود كَانوا راغبينِ أن يفَعلونَ ذلك، لكن وَضّحَوا له إنهم سعوا عدة مرات أَنْ يَفْتحَوا البوّابة، لكنهم لم يستطيعوا تحريكها؛ أظهر ذلك بجلاء أن البوّابة حدث بها عيب في بعض أجزائها؛ ولذلك أضطر الجنود الذين أرسلَوا ليَكْسرواَ سيقان اللّصوصِ أَنْ يعودوا إِلى المدينةِ من بوّابةِ أخرىِ. لكن عندما أمسك يوسف الرامي ونيقوديموس بمقبض البوابة، انفتحت وكأنها تنفتح من تلقاء نفسها، مما أثار دهشة جميع الحاضرين.
كانت الظلمة قد بدأت والسّماءُ كانت غائمةُ عندما وَصلوا جبل الجلجثةَ، حيث وَجدوا الخدمَ الذين كَانوا قَدْ أُرسلوهم قد وْصُولوا بالفعل، والنِساءِ القدّيسات جالساتِ يَبْكين أمام الصّليب. كاسيوس وبِضْعَة جنود كانوا قد أمنوا ظلوا قريبين، وسلوكهم كَان مُحترمَ ومتحفظ. وَصفَ يوسف ونيقوديموس للعذراءِ المباركة ويوحنا كل ما فعَلوه من أجل أَنْ يُنقذوا يسوع من الموتِ، وعرفا منهم كيف إنهم نَجحوا في مَنْعِ كسر عظامِ يسوع، وهكذا تحققت الّنبوءة . تَكلّموا أيضا عن الجرحِ الذي أحدثه كاسيوس برمحه. ما أن وصل ابن أدار القائد الروماني حتى بدءوا عملهم المحزن والمقدّس لإنْزالِ جسد إلهنا الحبيب من على الصّليبِ وتطييبه .‏
جلست العذراء المبارك والمجدلية أسفل الصّليبِ؛ بينما، على الجهة اليمنىِ، بين صليبِ ديماس وصليب يسوع، انشغلت النِّساء الأخريات في إعْداْدِ الكتانِ والحنوط والماء والإسفنج والأواني. تَقدّمَ كاسيوس أيضا، وروى لأبن ادار الشفاء المعجزى لعينيه. الجميع كان متأثراً بعمق وكانت قلوبهم تَفِيضُ بالحُزنِ والحبِّ؛ لكن، في نفس الوقت، ظلوا صامتين وكل حركةِ كَانت ممتلئة بالمهابة والرزانة‏. لم يكَسرَ هذا السّكونَ سوى كلمة حزن، أو آهة تفلت من هنا أو من هناك من هؤلاء الأشخاص القدّيسين، على الرغم من تلهّفهم الجادّ وانتباههم العميق إلى عملهم. أفَسحت المجدليةَ المجال لأحُزانها، ولم يلهيها حضورُ عديد من الأشخاصِ المختلفين، ولا أي اعتبار آخرِ عن ذلك .
وضع نيقوديموس ويوسف السّلمان خلف الصليب وصَعدا عليهما، ممسكين في أياديهم بمُلاءة‏ كبيره، عبارة عن ثلاث أشرطة طويلة مثبته معا. رَبطا جسدَ يسوع، من تحت الذراعين ومن عند الرُّكَبتين بعمود الصليب، وثَبّتا‏ الذراعين بقِطَعِ من الكتان وَضعتْ أسفل اليدين. ثم اقتلعا المسامير، بدَفْعها من الخلف بأوتاد قويةِ. بينما كانت المسامير تُزالَ عنوة بطرقات المطرقةِ، كانت العذراء المبارك والمجدلية، وكل أولئك الذينِ سَبَقَ أَنْ كَانَ حاضرَين الصّلبِ، يشعرون بكل ضربةِ وكأنها تَطْعنُ قلوبهم. أعاد الصّوتُ لأذهانهم رؤى كل آلامِ يسوع، ولم يتَمَكّنوا من أَنْ يُسيطروا على خوفهم المرتجفِ، خشية أن يَسْمعوا صراخه الحاد من الألمِ ثانية؛ ولو إنهم، في نفس الوقت، حَزنوا من صمتِ شفاهه المباركة، التي بَرهنتْ، بكل أسف، أنه قد ماتَ حقاً.
لم تسقط أيادي يسوع المقدّسة، وخرجت المسامير من الجراحِ؛ لأن تلك الجراح كَانَت قَدْ كبرت بتأثير ثقل الجسدِ، الذي لكونه ممسوك بالقماشِ، لَمْ يَعُدْ مُعلق من المسامير. الجزء الأسفل من الجسد، الذي منذ موت إلهنا قَدْ أنحدر لأسفل على الرُّكَبتينِ، استقر الآن بوضع طبيعيِ، مسنود بالملاءة المرَبوطةَ من أعلى بذراعي الصّليبِ. بينما كان يوسف الرامى يُخرجُ المسمار من اليد يسرىِ، وبعد ذلك يَسْمحُ للذّراع، مدعوما بقماشه، أَنْ تَنزل بهدوء لأسفل على الجسدِ، نيقوديموس كَانَ يَرْبطُ الذّراع الأيمن ليسوع بذراع الصليب، أيضا الرّأسِ المُتَوَّجهِ المقدّسِة، التي مالت على الكتفِ الأيمن. ثم أخرج المسمار، وبعد ما أحاطَ الذّراع بملاءة، تَركها تنزل بهدوء عِلى الجسدِ. في نفس الوقت، أقتلع ابن ادار بصّعوبةِ عظيمةِ، المسمار الكبيرَ الذي أخترق القدمين. تناول كاسيوس المسامير بخشوع ووَضعها عند قدمي العذراءِ المباركةِ.
بعد أن وَضعَ يوسف الرامى ونيقوديموس السلمان أمام الصّليبِ، بوضع قائم جداً، وقرب الجسدِ، حَلاَ الشّريطَ الأعلى، وثبتوه بأحد الخطّافاتِ على السّلّمِ؛ ثم فعَلوا نفس الشيء مع الشريطان الأخريانِ، وَنْقلُوهم جميعا من خطّافِ إلى خطاف، مما جعل الجسدَ المقدّسَ يَنحدرَ بهدوء نحو القائد الروماني، الذي بعد أن صَعدَ على كرسي صغيرِ تناوله بين ذراعيهِ، وأمسكه من أسفل الركبتين؛ بينما يوسف الرامى ونيقوديموس، يسندان الجزء الأعلى من الجسد، ينزلان بهدوء علىِ السلم، متوقفين عند كل درجه، وبغاية الحرص القابل للتخيل، كرجال يَحْملُون جسد صّديقِ محبوبِ قَدْ جُرِحَ بشدة. هكذا نزل جسدَ مُخلصنا الإلهى إلى الأرضِ .
لقد كان من أكثر المناظر المؤثرة. الجميعً قد أظهر نفس الحَذّر، نفس العناية، كما لو إنهم يخشون أَنْ يُسبّبوا ليسوع بعض الألمِ. لقد بدوا أنهم يركزون على الجسدِ المقدّسِ بكل الحبِّ والتّبجيلِ الذي شعروا به نحو مُخلّصهم خلال حياته. أعين الكل قَدْ ثُبّتتْ على الجسدِ الجدير بالحب‏، وتتبع كل ما يحدث له؛ وكَانوا يَرْفعونَ أياديهم نحو السماء بشكل مستمر, ذارفين الدموع، ويعبرون بكل طريقِ ممكنة عن زيادةِ أساهم وآلامهم. ومع ذلك فأنهم ظلوا جميعاً هادئَين تماماً، وحتى أولئك الذين كانَوا مشغولين جداً بأمور الجسدِ المقدّسِ كانوا يؤدون أعمالهم بغاية الهدوء، وعندما كانوا يضطرون أَنْ يتكلموا لإبداء ملاحظةِ ضّروريةِ، كانوا يفعلون هذا همساً .
عندما نزل الجسد لُفَّ في الكتان من الرُّكَبتينِ إِلى الخصرِ، وبعد ذلك وَضعَ في أحضان العذراءِ المباركةِ، التي مدت أياديها لتحتضن بكل الحُزنِ والحبِّ، جسد ابنها وإلهها الحبيب.
الفصل السادس والخمسون
تطييب جسد يسوع

جلست العذراء المباركة على قطعة قماشِ كبيرِ فُرشت على الأرضِ، وأسندت ظهرها على بعض العِبيِ الملفوفة معا لتُشكّلَ مسندِ. لم توجد وسيله ما تستطيع بأية طريقة أن تخفف من آلامها ومن مأساة نفسها العميقِة، لأن الواجب المحزن والذي بغاية القداسة والذى كَانتْ عَلى وَشَكِ أَنْ تُنجزَه يتعلق بجسد ابنها الحبيبِ. استقرت رّأس يسوع على ركبةِ العذراء مريم، ووضع جسده على ملاءة. العذراء المباركة قَدْ غُمِرتْ بالحُزنِ والحبِّ. مرة أخرى، وللمرة الأخيرةِ، أخذت بين ذراعيهاِ جسدِ ابنها الحبيب، الذي كَانتْ عاجزةَ عن أَنْ تُقدم له أي شهادةِ حبِّ خلال سّاعات استشهاده الطّويلة. وقد حَدّقتْ فى جراحه واحتضنت خديه الملطّخة بالدمِاء بحنان، بينما ضمت المجدلية قدميه على وجهها.
مضى الرّجال إلي مغارة صغيرة تقع على الجانبِ الجنوبي الغربي من الجلجثةِ، ليَعدوّاَ هناك الأشياء الضرورية للتَكفين؛ ظل كاسيوس بعيدا مع بضع من الجنودِ الذين قَدْ اهتدوا، كل الأشخاصِ النّاقمين قَدْ رُجِعوا إِلى المدينةِ، والجنود الذين كَانوا حاضرينَ خُدِموا بشكل مجرّد ليُشكّلوا حراسة ليَمْنعَوا أي مقاطعةِ للإكرام الأخيرِ الذي كَانَ يُعدَ لجسدِ يسوع. بعض هؤلاء الجنودِ قدموا مساعدة عندما رَغبَوا. حملت النِّساء القديّسات الأواني والإسفنج والكتّان والحنوط حسبما يُطلب؛ لكن عندما كانوا لا يُطالبون بشئ كانوا يظلوا مبتعدين، يحدقون بيقظة على العذراءِ المباركةِ بينما هى ماضية في مهمتها الحزينةِ، لم تترك المجدلية جسد يسوع؛ وقدم يوحنا المساعدةَ للعذراءِ المباركِة، وذَهبَ وعاد بين الرّجالِ والنِّساءِ، مُقدما معونة لكليهما. النِّساء كَانَ معهم بعض الزّجاجاتِ الجلديةِ الكبيرةِ وأناء ممتلئ بالماءِ موضوع على فحمِ مشتعل. أعطوا العذراءَ المباركةَ والمجدلية، حسب ما يَطلّبان، آنية ملآنة بالماءِ النظيف والإسفنج، الذي كانوا يعَصرونه بعد ذلك في الزّجاجاتِ الجلديةِ.
تواصلت شّجاعة وثبات مريم في وسطِ آلامها المتعذر وصفها . بالتأكيد كان من المحال لها أَنْ تَتْركَ جسد ابنها في الحالة المُخيفة التي كَان عليها من قبل آلامه، ولهذا بَدأتْ بنّشاط جاد تَغْسلَ وتَُطهر جسده المقدس من آثارِ الإساءةِ التي ارتكبت ضده. جذبت بعناية فائقة تاجَ الشّوكِ، فْتحته من الخلف، وبعد ذلك نزعت شوكة تلو الأخرى من الأشواك التي انغرست بعمق في رأسِ يسوع، حتى لا تُوسّعَ الجراح. وضِعَت التّاج بجانبِ المساميرِ، وبعد ذلك نزعت الأشّواكَ التي بَقيتْ في الجلدِ بكلاباتِ , وأرتهم بحزن إِلى أصدقائها. هذه الأشّواكِ قَدْ وُضِعتْ مع التّاجِ، لكن بعضها لابد أَنْه حُفَظ منفصلاً.
وجه مُخلصنا الإلهى كَانَ ممكن تميزهً بالكاد، كان بغاية التشَوّهَ بالجراحِ التي غَطته. اللّحية والشّعر قَدْ تغُطّيا بالدّمِاء. غَسلَت العذراء مريم الرّأسَ والوجهَ، ومررت إسفنج مبلل على الشّعرِ لتُزيلَ الدّم المُتجلط، وكلما كانت تمَضى في مهمتها المقدسة، كلما تظهر أكثر مدى القسوةِ المُرعبةِ التي مورستْ ضد يسوع، وكانت مشاعرها تزدِاد حنوا وألما كلما عَبرتْ من جرحِ إِلى آخرِ. لقد غَسلتْ الرّأس والعينان التى كانت ملآنة بالدّم وكذلك الأنف والآذنان بإسفنجةِ وقطعةِ صغيرةِ من الكتان فردتها على أصابعِ يدّها اليمنى؛ وبعد ذلك غسلت بنفس الأسلوب الفم النّصف مَفْتُوح واللّسان والأسنان والشّفاه. ثم قَسّمتْ ما تبَقيْ من شّعرِ يسوع لثلاثة أجزاء , جزء ينسدل على كل خد، والثالث على رأسه من الخلف؛ وعندما حَلّتْ مقدمة الشّعر وصففته وضعته خلف آذانه. عندما أكملت غسل الرّأس، غطتها بمنديل بعد ما قَبّلَت خدي ابنها الحبيبِ. ثم اهتمت بالرّقبةِ والكتفين والصدر والظهر والأيدي المثقوبة. كل عظامِ الكتف والمفاصل قَدْ تخُلِعت ولم يكن من الممكن ثنيها. كَانَ هناك جرحَ مخيفَ على الكتفِ الذي حَملَ الصليبِ، وكل الجزءِ العلوي من الجسدِ قَدْ تغُطّى بالكدماتِ وتأثرت بعمق من ضرباتِ السّياطِ. عند الثدي الأيسر كَانَ هناك جرحَ صغيرَ حيث خَرجتْ منه حربة كاسيوس، وعلى الجانبِ الأيمن كَانَ يوجد الجرحَ الكبيرَ الذى صُنع بنفس الرّمحِ، والذي ثَقبَ القلب من جهتين. غسلت العذراء مريم كل هذه الجراحِ، والمجدلية، على رُكَبتيها، تسَاعدها من وقت لآخر؛ لكن بدون تَرْكَ قدميِ يسوع، التي غسلتها بدّموعِها ومَسحتْهما بشعر رأسها.
رّأس وصدر وأقدام يسوع قَدْ غُسِلت الآن، واستقر الجسد المقدّس على رُكَبتيِ مريم ، هذا الجسد الذي تغُطّى بعلامات سّمراءِ وحمراءِ في الأماكنِ التى كان الجلد فيها قَدْ تمُزّقَ، وبلونِ أبيضِ مزرق، مثل اللّحمِ الذي صُفى من الدّمِ، غَطّت العذراء الأجزاء التي غَسلتْها بمنديل، وبعد ذلك مَضتْ فى تتُطيب كل الجراحِ. النِّساء القديسات سَجدنَ بجانبها، وتباعاً قَدّمنَ لها الصّندوقِ، الذى كانت تأخذ منه بعض الحنوط الثّمينِ، وتملئ وتغَطّيْ الجراح. دَهنتْ الشّعرَ أيضا، وبعد ذلك، أْخذُت أياديَ يسوع في يدها اليسرى، قَبّلتهم ومَلأَت الجراح الكبيرة التى أحدثتها المسامير بهذا الحنوط. مَلأتْ الآذنينَ والأنف وجرح الجنبِ بنفس الخليطِ الثّمينِ. في نفس الوقت مسحت المجدلية أقدام الرب وطيبتهما، وبعد ذلك غَسلتهما ثانية بدموعها، وضمتهما إلى وجهها.
الماء الذي كَانَ يستعملَ لم يكنَ يَرْمي، بل كان يُصَبَّ في زّجاجاتِ جلديةِ بعصر الإسفنج فيها. لقد رَأيتُ كاسيوس وبعض الجندِ الآخرينِ يَذْهبُون عدَة مرات ليَجْلبَوا ماء عذب من نبع جيحون، الذي لم يكن على مسافةُ كبيرة. عندما ملأت العذراء المباركة كل الجراحِ بالحنوطِ، أغَلقتْ العينان النّصفَ مفتوحةَ، وأبقت يدّها فوقها لبعض الوقتِ. أغَلقتْ الفمَ أيضا، وبعد ذلك احتضنت جسد ابنها الحبيبِ، ضمت وجهه بحنان وتبجيل على وجهها ثم لَفّتْ الرّأسَ بالكتان. يوسف الرامى ونيقوديموس كَاناَ يَنتظرُان، عندما اقتربَ يوحنا إِلى العذراءِ المباركِ وتَوسّل إليها أَنْ تسمح لهم بأخذ جسد ابنها منها، لإكمال التطييب لأن السبت كَانَ يلوح. احتضنت مريم جسد يسوع المقدّس مرة أخرى، ونطقت بكلمات وداعها بلهجة بغاية التأثر، وبعد ذلك رَفعوه الرجال من حضنها على ملاءة، وحَملوه على بعد خطوات. حُزن مريم العميق قَدْ خَفَّ بمشاعرِ الحبِّ والوقارِ التي أتمّتْ بها مهمتها المقدّسة؛ لكن حزنها قد غْمرها الآن مرة أخرى، ووقعت بين أيادي النِّساءِ القدّيساتِ. شَعرت المجدلية كما لو أن حبيبها سيؤخذ منها بعيدا قسراً، وجَرت للأمام بضعة خطوات بعجالة، وذراعيهاِ ممدودتان للأمام؛ لكن بعد لحظةِ، رَجعَت إِلى العذراءِ المباركةِ.
تأمل العذراء المُباركة مريم
تَكلّم كثير من الأنبياءِ عنيّ: تنبئوا أنهّ كان لابد أَنْ أَعاني لأكون مستحقّة أن أَكُونَ والدة الإله. لقد تَوقّعوا أن يعرفونني على الأرضِ لكن ذلك كَانَ لابد أَنْ يَكُونَ بطريقةِ حذرة جداً. فيما بعد تَحدّث عنى الإنجيليين، خاصة لوقا, طبيبي الحبيب, طبيب النفوس أكثر من كونه طبيب الأجسادِ. بعد ذلك بُدِأتْ تؤخذ بعض الإيماءات كقاعدةِ أساسية للأحُزانِ والآلامِ التى عَانيتُها. وهكذا عُرف بشكل عام بأنّي اختبرت سبعة أحُزانَ رئيسيَة.
أبنائي، لقَدْ كَافأتْ أمكمَ وسَتُكافئُ الجهود والحبّ الذي تكنونه لي. لكن كما فعل يسوع، أُريدُ أَنْ أَتكلّمَ معكم بشكل شامل عن أحُزاني. حينئذ، ستتحدثون إِلى اخوتكَم عنها، وأخيراً سَيُقتاد بى كل شخص. بسبب ما عَانيتُه، أنى أمجد يسوع باستمرار ولا أَطْلبُ شيء سوى أن يَكُونُ مُمَجَّداًَ فيّ.
انظروا يا أبنائي الصغار، إنه لمحزن أَنْ أَتحدّثَ عن هذه الأشياءِ إِلى أبنائي، لأن كل أمِّ تَحْتفظُ بأحُزانها لنفسها. وهذا ما قد أملاه على واجبى خلال حياتي على الأرض ‏؛ لذلك، فأن رغبتي كأمِّ احترمتْ مِن قِبل الرب. الآن بكوني هنا، حيث الابتسامة أبدية ، ومثل كل الأمهات تلاشى الحزن الذى اختبرته بالفعل، أن َتحدّثتَ عن آلامي فهذا كي يعرف أولادي شيئاً ما عن حياتي.
أنى اَعْرفُ الثّمارَ التي سَتَحصلون عليها من ذلك وكيف أن هذه الثمار ستسر أبني الحبيب يسوع. أنا سَأَتحدّثُ عنها طالما أنكم تستطيعوا أَنْ تَفْهموني.
قال يسوعى: " كل من هو أولُ فليجعل نفسه أخراً " وهو فعل هذا حقاً لأنه وهو الأولُ في بيت الرب، لكنه نَزلَ حتى الدرجة الأخيرةِ. الآن، بسبب حبي له، أنا لَنْ آخذَ منه لا الموضع الأولً هذا ولا الأخير اللذان يخصانه. بالأحرى، أُجاهدُ أن أجعلكم تَفْهمَون هذه الحقيقةِ، وبهجتي سَتَكُونِ أعظمَ عندما تَقتنعُوا، لَيس من خلال طريقِ المعرفةِ البسيطةِ بل من خلال اقتناع عميق الجذّورِ. ليَكنُ هو الأولَ ونحن الأخيرينَ.
إن كَانَ هو الأولَ، هناك من يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثّاني في سلّمِ الحبِّ والمجد؛ ولذلك، بتواضع وبانسحاقِ. لابد أنكم فَهمتَم الآن ما يَجِبُ أَنْ أَكُونَ علية. أبنائي الصغار، مجدوا الرب الذي بعد ما خَلقَ مسافة هائلة بين يسوع وبيني، ما زالَ يريد أَنْ يَضعني التالية له مباشَرةً‏.
أبنائي، ما يبدوا مُهماً إِلى العالم,ِ لَيس بالضرورة أن يكون هكذا أمام الرب. اختياري كوالدة الإله انطوى بداهة‏ على تقديم تَضحّيات مُحزنة واستسلام، وأول تلك التضحيات كاُن عندما عُرْفت من خلال جبرائيل الاختيار الذى تم بمحبة الرب. لقَدْ أردت أَنْ أظل فى حالة معرفةِ متواضعةِ ومختفية في الرب. لقد أردت هذا أكثر من أي شئ أخر لأن ذلك كان لذّتي أَنْ أَعْرفَ نفسي كأخيرةِ في كل شيءِ.
بمعُرْفِة اختيارِ الرب لى أجبتُ كما تعرفون، لكنه كان من الصعبَ أَنْ اَرتفعَ إِلى الكرامةِ التي قَدْ دُعِيتُ إليها.
أبنائي الصغار، هَلْ تَفْهمُون حُزني الأولَ الذي أَتكلّمُ عنة؟ تأملوا ملياً فيه، أَعطوا أمكَم البهجة العظيمةِ فى تقييم ذلك الأتضاع الذي أقيمه أنا أكثر من بتوليتى. نعم، أنا كُنْتُ الآمة التى يطلب منها أي شئ، وقد قَبلتُ فقط لأن استسلامي كُان بنفس دّرجةَ محبّتي.
لقد تَمتّعتَ يا إلهي بأن تَرْفعني نحوك، وتَمتّعتُ أنا بقُبُولَي لأن طاعتي كَانتَ تَسرك. لكنكَ تَعْرفُ كم كان هذا حزيناً جداً لي، وأن هذا الحُزنِ نفسهِ أمامك الآن في احتياج إلى النور من أجل هؤلاء الأطفالِ، الذين تَحْبّهمَ والذين اَحْبّهمُ. أنا العبدة، أه يا أطفالي، وكما تحقق لى ذلك، فليتحقق الآن لكم جميعاً بلا ارتياب كل ما يُريدُه الرب لكم!
القبول أعطى الرب الجوابَ الذي سَيَمنح البشر الَدْخولُ إِلى الفداء، وبهذا تحُقّقتْ تلك العبارةِ الرائعة :" هو ذا العذراءُ سَتَحبل وتَلدُ أبناً سَيَدْعى أسمه عمانوئيل. "
أن قبولي أَنْ أُصبحَ أم عمانوئيل، تَضمّنَ هديتي إِلى ابن الرب بكون أنّ أمه تَمْنحُ نفسها إليه، قبل أن تتُشكّلُ بشرية يسوع داخلها. لهذا كانت هديتي نتيجةَ للنّعمةِ، وأيضا سّبباً للنّعمةِ. والأسبقية يَجِبُ أَنْ تَُعرفَ أن الرب هو السّببُ الأوّلُ؛ ومع ذلك، يَجِبُ أَنْ أُؤكّدَ أنّ قبولي تم بخطةِ النّعمةِ كسبب مُرَافَقَِ .
إنهم يَدْعونني شريكة الفداء من أجل الأحُزانِ التى عَانيتُها؛ لكنى كُنْتُ هكذا حتى من قبل، من جراء منحي لذاتي له من خلال جبرائيل. يا أبني الإلهي ! كم أردت كثيراً أَنْ تَعطي الإكرام إلى أمكَ لتعوضها عن الحُزنِ العظيمِ الذى عَانتُه فسموت بكرامةِ أمكَ!
أنتم يا أطفالي الصغار كالعميان في هذا العالم، لكن حين تبصرون الأمور الرائعة فأنها ستصير حوافز لأن تفرحوا من أجلى. ستروا أي تناغم بين المجد والأتضاع هنا حيث يسوعى هو الشّمس التي لن تغيب. ستكتشفون حكمه التدبير الذى تحقق من خلال تضحيتي وفى أتضاع حياتي الخفية المستترة .
لكن أصغوا إلى الآن. بقدر ما كانت أمومتي تتقدّم, كان على أن أتحدّث إلى البعض من أحبائي عن الكرامة التى نلتها, وقد فعلت ذلك فى تكتم بقدر ما أستطيع. لقد زهدت فى إعلان غلبة سر الرب ليتمجد الرب بنفسه فى .
ومع ذلك فسرعان ما غمرني الفرح بمعرفة أنى قد اعتبرت امرأة كسائر الأخريات. ابتهجت روحي لأن آمة الرب, التى أرادت التواضع قدر استطاعتها، قد صارت مداسه من قبل العالم. عندما شك فىّ يوسف، لم أعاني، ابتهجت حقا. لا تقولوا بأنّي عانيت لأن ذلك غير صحيح. لقد كان ذلك ليلبى الرب رغبتي فى الأتضاع. هذه كانت أجرة الرب بكونى صرت أم الرب أن أعتبر امرأة ساقطة. تعلموا يا أولادي معرفة الحبّ، تعلّموا تقييم التواضع المقدس، ولا تخافوا لأنها فضيلة تشرق بنور متألق .
عندما عُقد الزّواج، لم يكن عندي مشاكل. عرفت مجريات الأمور ولم أخاف شيء. حقا أن الرب يعطى من يعطون أنفسهم بالكامل له, يعطيهم مكاناً مثالياً فى أكثر المواقف تناقضاً، كما كان الحال لي: لقد أجبرت من قبل الالتزام البشرى أن أتزوّج رجل، حتى عندما عَرفتُ بأنّي أستطيع أَنْ أنتمي فقط إِلى الرب.
لقد عَانيتُ كثيراً جداً من الأحُزانِ على الأرض! إذ ليس من السهل أن أكون أم العلى، أنى أؤكد لكم. ولا نستطيع أن ندعوها مشكله عويصة ما نقوم به من أجل أنقى غاية ومن أن نكون مُرضيين للرب. تذكّروا هذا !
هل سبق أن فكرتم يوماً ما الذى سبّب لى أعظم حزن فى تلك الليلة المقدسة في بيت لحم؟ أنكم تصرفون انتباهكم فى الإسطبل وفى المزود وفى الفاقة. أنا، من ناحية أخرى، أقول لكم أنني قضيت تلك الليلة في نّشوة كاملة مع ابني. ومع ذلك كان على أن أعمل ما تعمله كل أمّ لطفلها الصّغير، إلا أنى لم أترك نشوتي ولا نعمتي. الشيء الوحيد الذي سبّب حزني فى ليله الحب تلك كان رؤيتي لمأساة يوسف المسكين وهو يبحث عن مأوى, عن أى مكان لي. لقد كان مدركاً لما سيحدث ومن هذا الذى سيجيء إلى الأرض، زوجي الحبيب، برُؤيةِ أننى كنت قلقة أصبحَ حزينُاً وشَعرتُ بعطفَ كثيرَ من أجله. بعد ذلك امتلأنا بالبهجة ونسينا كل قلق .
هَربنَا إِلى مصر وكل ما هو ممكن أن يُقال عن ذلك قد قيِلِ، مع ذلك فالبعض ركزِوا خيالهم على إعياءِ الرّحلةِ أكثر من التركيز على خوف الأمِّ التي تعَرف أنّها تمتلكْ أعظم كنزَ في السّماءِ والأرضِ.
فيما بعد عشنا فى الناصرة، يسوع الصغير كَانَ يَكْبرُ مملوءاً بالحياةِ، وفي ذلك الوقت، سَبّب لنا قلق قليل جداً ومحدود جداً. أن كل أمِّ تَعْرفُ ما تتمناه لصحةِ طفلها، وكيف أن شيء بسيط جداً يعتبر كغيمةِ مظلمةِ عظيمةِ. وقد أُصيب ولدى بكل أوبئةِ وأمراضِ طفولةِ تلك الأوقاتِ. مثل كل أمِّ، لم أستطيع أَنْ أكُونَ محصّنة ضد أي قلقِ ينتاب قلب أى أمِّ .
لكن ذات يومَ أُظَلَّمتِ غيمة مظلمةِ جداً نور فرح أمِ الرب. تلك الغيمةِ تَدْعى فَقْدان يسوع..... لا شاعرُ ولا كاتب ماهر يُستطيع أَنْ يَتخيّل مريم عندما عَرفتْ أنّها فَقدتْ ابنها المُمَجَّد ولَيْسَ عِنْدَهُا أخبارُ عنه لمدة ثلاث أيامِ....يا أطفالي الصغار, لا تندهشوا من كَلِماتي، لقد اختبرت أعظم قلق فى حياتي. أنكمَ لم تتأملوا ملياً بدرجة كافية فى كلماتي:" يا أبني، أبوكَ وأنا كُنا نَبْحثُ عنكَ لثلاث أيامِ. لماذا صنعت بنا هذا ؟ " الهي، فى الوقت الذى أَتكلّمُ فيه الآن إِلى هؤلاء الأطفالِ المحبوبين، لا أستطيع أَنْ أتوَقفَ عن تسبيحك. أنكَ من تختفي كى تَجْعلنا نَشْعرَ بفرحة العثور عليك. أه! كما لو كنت تذوقت أناء ملئ بالعسل ينسكب في نفسك هكذا كان احتضاني لمن هو لى كل شئ .
أنى كما تَرون، أُخبركمَ أيضاً عن فرحتي؛ لكن لَيسَ بلا سببَ أربط وأصل بين الحزن والفرح معاً. اكتسبوا فوائد بأفضل طريقة ممكنة، من كل ما حْدثِ. الرب يختفي كى يُوْجَدُ. البعض يعَرفَون تلك الحقيقةِ، الآخرون يُفكّرونَ بحُزنِ رهيب بعد ما يفَقدونَ يسوع، يفَعَلونُ كل شيءَ كى يَجدونه. أنتمَ لا يَجِبُ أَنْ تَظلوا خامدين ومقهورين .
أن أمكم تودّ أن تنقذكم من التّعامل مع ما لا يزال يقال. أولاً هناك أشياء لم يعلن عنها ولذا لم تقدر بعد حق التقدير. ثانيا بمعرفتها يجب أن تشاركوني معاناتي وهمومي المؤلمة. علاوة على ذلك فأن كل شيء يريده يسوعى قد أعلن بدون أي معارضة على الإطلاق.
هَلْ تظنوا أنّي قضيت حياتناَ العائلية بهدوء في الناصرة ؟ لقد كانت هادئة في فضيلةِ الانتظام فى محبّةِ الرب. لكن مع المخلوقاتِ، كان هناك الكثير من المشاكلَ!
طريقتنا الفريدة فى الحياةِ قَدْ لوحظَت، ولذلك كنا موضع سُخِرية بشكل عامّ. لقَدْ اعتبرتُ مفرطة بسبب أنّه عندما كان يسوع يترك الدّارَ، لم أكن أتَمَكّنُ من كبت دموعي، ويسوع كان يخَرجَ بشكل متكرر. يوسف قَدْ أُرهق وكَانَ كعبدَ ليسوع ولى. ما الذى يستطيع أن يَفْهمَه العالم؟ لقد القينا بكل همومنا على من عاش بيننا، المعبود في كل مظاهره .
يا له من ابن محبوب كان هذا الصبي الصغير؛ أنه أكثر وسامة من البحرِ، أعقل من سليمان، وأقوى من شمشون. كل الأمهاتِ كَنَ يرغبن أن يَأْخذونه منّي؛ بمثل هذا السّحرَ كان مُحَاط. ذو الأفق الضّيّق يغمروني بأحكامهم الصارمة؛ لم يتورعوا عن انتقاد هذا الأبّ الذي لم يكن يكل, الذي ظنوه أنه خاضع ليس لزوجته المخلصة بل الغيورةَ. كان الجميع مطلعين على وفائي, إلا إنهم جميعاً ظنوا أن ذلك عاده متأصلة فى وميلاً أنانياً.
هذا يا أطفالي الصّغار، ما لم يكن يَعْرفُ. هذه الانتقادات جاءت من عالمِ لا يَمَكّنَ أَنْ يَرى ولا أن يَفْهمُ أطهر أم. أحتفظ يسوع بهدوئه دون أن يُشجّعني، لأن أمَ الرب كَانتَ يجبُ أَنْ تُصفى خلال تلك البوتقةِ، وهذا قد كان، كامرأة بين سائر النساء اللاتي آرائهم لا ينبغى أن يعتد بها.
تعجبوا من حكمةَ الرب في هذه الأشياءِ واكتشفوا المعنىَ الإلهي، تلك الحكمة التى تَرْبطُ بين أعظم سّموِّ وبين الاختبارات الأكثرُ ألماً في علاقةِ بمثل هذا السّموِّ.
ودنت سّاعة الافتراق, سّاعة عملِ يسوع. وحان معها، اليوم المُخوف لمغادرةِ الناصرة. لقَدْ تَكلّمَ يسوع معى عن مُهمته على نحو شامل وعن الثّمارِ التى سيجنيها هو وكل البشر؛ لقَدْ جَعلني اَحْبّها مقدماً. هذا الفراق كان حتمي ولو إلى حين .... ودعنا وقَبّلنا وتَقدّمَ نحو مهمته كمعلّمِ للإنسانيةِ. غير أن رحيله لم يكن خفياً في تلك القريةِ الصّغيرةِ حيث كان يسوع محبُوباً جداً.
كانت هناك إيماءات المودةِ والبركاتِ ولأنهم لم يعَرفوا الصلاح الذى كَانَ يسوع سيقوم بهُ، تمثلت لهم مدى الخسارة التي آلمت بهؤلاء الناسِ ذو الفكرِ البسيط ولكن أسخياء في القلبِ.
وأنا، فى غمرة كثير جداً من المشاعرِ، تُرى ماذا كانت مشاعري؟ انتابتنيّ آلاف الهواجس، لكنه لم يُرجئ رحيله دقيقةِ واحدة. يسوعي كان يعَرفِ ما ينتظره بعد مواعظه. لقَدْ اخبرني فى عديد من المرات وبإسراف شديد عن خيانةِ الفريسيون والآخرين. والآن ها هو يرحل، يرحل وحيداً بدوني كى ينفذ مهمته؛ يرحل بدوني أنا من ربيته بدفءِ قلبي؛ بدوني أنا من مَجّدته كما لم يُمجّده أى أحد قط !
بعد ذلك تبعته. وَجدته عندما كان مُحاط مِن قِبل كثير من الجموع حتى أنه لم يكن من الممكن لى أَنْ أَراه. وهو بالحقيقة ابن الرب قد أعطىَ أمه أجابه رائعة نابعة من حكمته، لكنها طعنت هذا القلبِ الأموي واخترقته من جانب لآخرِ. نعم لقد فَهمت أجابته بالكامل، لكن ذلك الفهم لم يحَرّرني من الحُزنِ. بالعلاقةِ الإنسانيةِ، هو خالف الوصية التي كُنْتُ فيها مُتضمّنة، إنه حقيقي؛ وعلى الرغم من هذا، ملاحظات الآخرين جرحتني .
الضّربة الأولي قَدْ تُلِيتْ ببهجةِ رُؤيةِ عظمته، برُؤيتهِ مُكرماً، مُبَجَّلاً، ومحَبَّوباً مِن قِبل الناسِ؛ وسرعان ما ألتئم هذا الجرحِ أيضا. لقد سَافرتُ الطّرقَ معه، مفتونة بمعرفته، مبهورة بتعاليمه، ومَا تعبتُ أبداً لا من حَبّهِ ولا من الإعجاب به .
ثم جاءَ احتكاكه الأول مع السنهدريم. حَدثتْ المعجزةُ: المعجزة التي أحدثت ضجة عظيمة في عقولِ كهنة اليهود المفتخرين. لقد كُرِهوهَ، اضطَهَدوه، راقبوه وجربَوه. وأنا؟ أنا كنت أعَرف كل شيءَ ومن ذلك الحين، بأذرع مفتوحةِ، قدمت محرقة أبني، قدمت استسلامه، وموته المروّع والمخزي في أياديِ الأبِ. لقد كنت أعَرف مسبقا بخيانة يهوذا؛ عَرفتُ الشّجرةَ التي ستؤخذ منها الخشبة التى ستكون صليب أبني.
أنكَم لا يُمكنُ أَنْ تَتخيّلَوا المأساة المروعة التي عشتها سوياً مع يسوعي، من أجل أن يتحقق الفداء .
لقَدْ قُلتُ من قبل: أنني شريكة الفداء. لهذا، فالحُزن العادي لم يكَنَ كافياً. الاتحاد العظيم بآلامه العظيمة كَانَ حتمياً، كي يتحرر كل البشر. لذاً، ولأني ذَهبتُ معه من مدينةِ إِلى مدينةِ، صرت أكثر فأكثر مطلّعَة على النداءات التي كان يسكبها خلال عديد من اللّياليِ بلا نومِ والتى كان يقضيها في الصّلاةِ والتّأملِ بقلب مُنسحق. اتضحت أمامي كل مرحلة من مراحل تفكيره وبالحقيقة جلجثتى وصليبي بدءا منذ ذلك الحين .
عديد من الاعتباراتِ ضاعفت من أحُزاني كل يومِ لأنى كُنْتُ أمه وأمكم! عديد من الآثامِ، بل كل الآثامِ؛ كثير من الحُزن، بل كل الحُزنِ؛ عديد من الأشّواكِ، بل كل الأشّواكِ؛ يسوع لم يكَنَ وحيداً. لقد عَرف ذلك، وشَعر به. لقد رَأىَ أمه في اتحادِ مستمرِ معه. لقَدْ آلمه ذلك، آلمه كثيراً جداً، لأن آلامي كَانتَ بالنسبة له أعظم الآلام.
يا أبني، يا أبني المُمَجَّد، ليت هؤلاء البنين والبناتِ يعرفون فقط ما حَدثَ حينئذ بينك وبيني! وحانت سّاعة المحرقة بعد عذوبة عشاءِ الفصحِ. وبعد ذلك، كَانَ علىّ أَنْ أَنضمَّ مرة أخرى إلى الجموع. أنا، من أحَببتُه ومَجّدته بطريقةِ فريدةِ، كَانَ لِزاماً علىّ أَنْ أَكُونَ بعيدهَ عنه. هل تَفْهمُون ذلك يا أطفالي؟ لقد كنت عالمه بكل خطوه يخطوها يهوذا الغادر, ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله؛ وكنت أعلم أنّ يسوع قد عرّق دماً في البستان ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله من أجله. ثم اعتقلوه وأهانوه وأُدَانوه بخبث .
أنا لا أستطيع أَنْ أُخبركَم بكل شيء. سأخبركم فقط أنّ قلبي كَانَ في اضطراب وفى قلقِ مستمرِ؛ قلبي كان عرش من المرارةِ المستمرة والقلق، كان موضع خربِ، كان متعب ومغموم. فهل بعد كل ذلك تُفقد كل هذه النفوس ؟ هل بعد كل ذلك تتواجد كل هذه المتاجرة بالمقدسات وهذا التبديل الدنس لها؟ أه يا أطفال أحزاني! إن كنت أعطيكم اليوم نعمة التألم من أجلى، باركوا من أعطاها لكم بكرمه، وضحوا بأنفسكم بلا تردد.
أنكم تُفكّرونُ فى عظمتي يا أطفالي الأحباء. من المفيد لكم أن تفكّروا في ذلك؛ لكن أَصغوا إليّ: لا تُفكّرواُ فيّ، بل فكّروا فيه. كم أوَدُّ أَنْ أكون منسية، إن كَانَ ذلك ممكن! أعطِوا كل حنو له، إِلى يسوعي، إِلى يسوعكَم، إِلى يسوع حبيبكم وحبيبي .
لذا يا أطفالي الصغار، كان حُزن قلبي مثل سيفَ يطعن نفسى وحياتي دوماً. لقد شَعرت به، عندما أراحني يسوع بقيامته، عندما ضمدت فرحتي الهائلة فجأة كل الجراحِ التي نَزفتْ داخلي.
لقد ظللت أكْررَ " يا أبني, لماذا كل هذا الأسى؟ أن أمكَ بقربك. هَلْ حبّي لَيسَ كافي؟ كم كثيراً من المرات أرّحتكَ من بلاياكَ؟ والآن، هَلْ ليس بوسع أمكَ أَنْ تَهبك بعض الراحةِ؟ أه يا أبا يسوعي، أنا لا أُريدُ أي شئ أكثر مما تُريدهُ أنت. أنك تَعْلم ذلك؛ لكن أنظر أن كان ممكن أن تخفف من بلاياه. أن أم أبنكِ تَسْألكُ هذا .
والآن على الجلجثة صرت احتج قائلة :" الهي، أعد النور لتلك الأعينِ التي أُمجّدُها! النور الذي طَبعتهَ فيها منذ اليوم الذى أعطيته لي, أيها الأب الإلهى، أنظر رعبَ ذلك الوجهِ القدّوسِ! هَلْ ليس من المُمكنُ على الأقل أن تَمْسحَ هذه الدماء الكثيرة؟ يا أبا أبني، يا عريس حبّي، يا من أنتَ بنفسك الكلمة التي شاءت أَنْ يَكُونَ لها ناسوتها منّي! ليت صلوات تلك الأيادي المتضرعة نحو السّماءِ من الأرضِ أن تَكُونُ توسلاً لأجله ولأجل استجابتي !
أنّظر يا إلهى، إِلى أى حد أنت قد خُفّضَته! إنها أمه من تَسْألكِ أَنْ تُخفّفَ كثيراً من أحزانه. بعد وقتِ قليلِ، سَأكُونُ بدونه. لذا فالوعد، الذي قطعته على نفسي من قلبي في الهيكلِ، سَيتحقق بالكامل. نعم، أنا سَأَبْقى وحيده، لكن خفف دون أن تلتفت لآلامي .

حُمِلَ الجسد المقدّس إِلى بقعةِ أسفل مستوى قمةِ الجلجثة، حيث كان يوجد سّطح نّاعم لصخرةِ مناسبَة لتطييب الجسد عليها. لقد رأيت أولا قطعة قماش كتّانيةِ، تُشبه كثيراَ شرائط الزينة ورَأيتُ ملاءة كبيرةَ أخرى مفَتوحَة. وُضع جسد مُخلصنا على قطعةِ القماش الكتاني، ووضع بعض الرّجالِ الآخرين الملاءة الأخرى فوقه. ثم سجدا كل من نيقوديموس ويوسف الرامى، وتحت هذه الَغْطاء حلا الكتان الذى كانا قَدْ لفاه حول خصرَ مُخلصنا عندما انزلا جسده من الصّليبِ. ثم مرروا الإسفنج أسفل هذه الملاءة وغَسلوا الأجزاء السفلي من الجسد ؛ بعد ذلك رَفعوه بمساعدةِ قِطَعة كتان جازت أسفل الخصرَ والرُّكَبتينَ، وغَسلاَ الظّهر دون أن الاضطرار لقلب الجسد المبارك. استمرّا يَغْسلانَ حتى صار الماء الذى يُعصر من الإسفنجِ صافىَ. ثم سكبا ماءَ نبات المرِّ على الجسدِ بالكاملِ، وبعد ذلك، أعدا الجسد بوقارِ، مدداه بالطول الطبيعيَ، لأنه كان ما زالَ في الوضعِ الذي مات عليه, الخصر والرُّكَب منحنية. ثم وَضعا أسفل فخذيه ملاءة عرضها ياردةَ وطولها ثلاث ياردات، ووَضعا حزمِ من الأعشابِ ذات الرائحة الحلوةِ، ونثرا على الجسدِ بالكاملِ بودرة كان نيقوديموس قَدْ جَلبَها. بعد ذلك لفوا الجزءَ الأسفل من الجسدِ، ورَبطوا القماش الذي وَضعوا أسفله بقوة. بعد هذا دَهنوا جراحَ الفخذِين، ووَضعَوا حزمَ من الأعشابِ بين السّاقينِ، التي مدوها بطولها الطبيعيِ، ولَفّوها بالكامل بهذا الحنوط .
أخذ يوحنا العذراء المباركة والنِّساء القدّيسات الأخريات مرة أخرى إِلى الجسد. سجدت مريم بجانب رأسِ يسوع، ووَضعَت أسفله قطعة ناعمة جداً من الكتان التي كَانتْ زوجة بيلاطس قَدْ أعطتها لها، بعد ذلك وبمسَاعدَ النِّساءِ القديّساتِ، وَضعتْ حزمِ الأعشابِ والحنوط والمساحيق ذات الرائحة الحلوةِ من الأكتافِ إِلى الخدين، ولفت بقوة قطعةِ الكتان هذه حول الرّأسِ والأكتافِ. سكبت المجدلية أيضا زجاجة صغيرة من البلسمِ علي جرحِ الجنبِ، ووضعت النِساء القديّسات المزيد من الأعشاب على جراح الأياديِ والأقدامِ. ثم وضع الرّجالِ حنوط حول كل بقيّةِ الجسدِ، وضعا الذراعان المقدّسةَ على هيئة صليب على الصّدرِ، ولفا ملاءة بيضاء كبيرة حول الجسد من الرأس حتى الصّدر، أخيراً، وَضعا الرب يسوع على ملاءة كبيرةِ، طولها حوالى ستة ياردات، كان يوسف الرامى قَدْ اشتراها ولَفوّه فيها. كَانَ يَرقد عليها بشكل قطري ، وزاوية من الملاءة قَدْ رُفِعتْ من الأقدامِ إِلى الصّدرِ، الأخرى على الرّأسِ والأكتافِ، بينما الزاويتان الأخريان لفا مرتان حول الجسدَ.
العذراء المباركة، النِّساء القدّيسات، الرّجال, الكل كان سْاجداُ حول جسدَ يسوع ليودعوه، عندما حدثت معجزةِ مؤثرة أمامهم. جسد يسوع المقدّس، بكل جراحه، ظَهرَ مَطْبُوعَ على القماشِ الذي غَطاه، كما لو أنه كَانَ مسرورَ أَنْ يُكافئهم على محبّتهم، ويَتْرك لهم صورة نفسه خلال القماش الذي التف به. بالدّموعِ احتضنوا الجسدَ الجدير بالحبَ، وبعد ذلك قَبّلواَ بتبجيل الرسم الذى طُبع الذي قَدْ تَركَه. زادت دهشتهم عندما رَفْعواِ الملاءة ، رَأوا أنّ كل الأربطة التي تحيط بالجسد قَدْ ظلت بيضاء كما هى، وأن القماشِ الأخير فقط هو الذى قَدْ طُبع بهذا الأسلوب الرّائعِ. أنه لم يكن تأثير الجراحِ النَّازِفةِ، لأن الجسد بالكامل قَدْ لف وتغُطّيْ بالحنوط، لكنها كانت صورة خارقةَ، تحمل شهادة عن القوةِ المبدعةِ الإلهية السَّاكِنةِ دوما في جسدِ يسوع. لقَدْ رَأيتُ عديد من الأشياءِ تختص بتاريخ قطعة الكتان هذه، لكنى لا أستطيع أَنْ أصفها بشكل متماسك. بعد القيامة ظلت الأكفان ملكِ لرفاق يسوع، لكنها وقعت مرّتين في أياديِ اليهودِ، وبعد ذلك كُرّمتَ في بِضْعَ أماكنِ مختلفةِ. لقَدْ رَأيتها في مدينةِ من آسيا، ملكِ لبعض المسيحيين المتأججين. لقَدْ نَسيتُ أسم المدينةِ، التي تَقعُ في ولايةِ قُرْب بلد الملوكِ الثّلاثة.

20
الفصل الحادي والخمسون
الزّلزال
ظهور الموتى في أورشليم

لقد رأيت نفس يسوع، في لحظة موته، تظهر على شكل شبه نيزك ساطع يخترق الأرض عند موطئ الصّليب وترافقها الملائكة، من بين الذين ميّزتهم كان الملاك غبريال. رأيت هذه الملائكة تلقي بعدد من الأرواح الشّريّرة في هاوية عظيمة، وسمعت يسوع يأمر بعض النفوس التى في عالم النسيان أن تدخل الأجساد التي سكنوها ذات مرة، لكى يملأ منظرها الخطاة بمخافة ذات فائدة، وأن تؤدى هذه النفوس شهادة مهيبة عن لاهوته.
ألحق الزّلزال الذي انتج الهوّة العميقة في الجلجثة أضراراً عظيمة فى كثير من أجزاء إسرائيل، لكن تأثيره كان أعظم في أورشليم. كان سكانها فى بداية اطمئنانهم بعودة ظهور الشمس، عندما أرعبتهم اهتزازات الزّلزال والضوضاء والفزع الرهيب الذى سببه انهيار البيوت والجدران من كل جانب، وازداد فزعهم بالظّهور المفاجئ لأشخاص من بين الأموات، يواجهون الفاجرين المرتجفين الذين كانوا يهربون كي يخفوا أنفسهم، ويخاطبونهم بلهجة حادّة وبتّأنيب.
نصح رؤساء الكهنة الشعب أن يواصلوا ذبح حمل الفصح الذى توقّفت بسبب الظّلمة الغير متوقّعة، وكانوا مبتهجين بالنّصر‏ بعودة ضياء الشمس، عندما اهتزت الأرض فجأة من تحتهم، انهارت البنايات المجاورة، وأنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل. في بادئ لأمر, الرّعب جعل الذين فى الخارج صّامتين، لكن بعد فترة انفجروا في الصراخ والبكاء.
كانت الحشود التى داخل الهيكل عظيمة، لكن الطقوس كانت منفذة بمهابة من قبل الكهنة. جاءت أولاً تقدمة الحمل، ثم رُش دمه، متبوعاً بترتيل الأناشيد الدينية وهتاف الأبواق. كان الكهنة يسعون إلى الاستمرار فى الذبائح، عندما نشاء فجأة توقف مروّع غير متوقّع؛ تمثّل الرّعب والدّهشة على كل وجه؛ الكل كان مرتبكاً؛ لا صوت قد سُمع؛ توقف الذبح ؛ كان هناك اندفاع عامّ نحو أبوّاب الهيكل؛ كانت الجموع تسعى للهرب سريعاً بقدر ما تستطيع. أزداد الفزع والخوف؛ بظهور أشخاص سبق أن كانوا فى عداد الأموات ودفنوا منذ عدة سنوات في وسط الجموع! نظر هؤلاء الأشخاص إليهم بصرامة، ووبّخوهم بشدة على الجريمة التى ارتكبوها فى ذلك اليوم، بجلب الموت للإنسان البار وصياحهم بأن دمه على رؤوسهم. حتى في وسط هذا الارتباك، كانت تُبذل بعض المحاولات من قبل الكهنة للمحافظة على النظام؛ حاولوا منع من كانوا في الجزء الدّاخلي من الهيكل من الاندفاع للأمام، وتقدموا وسط الحشود التى كانت تتقدمهم، ونزلوا الدرجات التى تقود إلى خارج الهيكل: حتى إنهم استمروا فى الذبائح في بعض الأجزاء، وسعوا إلى أن يهدّئوا من رعب الناس.
قيافا وحاشيته لم يفقدوا صوابهم، وبالهدوء الذى اكتسبوه بقساوة قلوبهم، هدئوا الاضطراب إلي درجة عظيمة، وبعد ذلك فعلوا ما بوسعهم ليمنعوا الشعب من النّظر إلى هذه الأحداث الهائلة كشهادة عن براءة يسوع. أدت الحامية الرّومانية التى تخص قلعة أنطونيا جهوداً عظيمة للمحافظة على النظام؛ ولذلك، اضطراب الاحتفال بالعيد لم يتلوه شغب، ولو أن كل قلب أمتلئ بالخوف والقلق، القلق الذي سعى الفريسيون, وفي بعض الحالات بنجاح, أن يهدّئوه.
أنى أتذكّر بضع أحداث أخرى: بالدرجة الأولى، العمودان اللذان علي مدخل قدّس الأقداس، واللذان يوجد بينهما حجاب فخم، لقد تأرجحا حتى أساساتهما؛ العمود الذى على الجانب الأيسر سقط فى اتجاه الجنوب، والذي على الجانب الأيمن سقط في اتجاه الشمال، وهكذا أنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل بصوت رهيب، وأنكشف قدّس الأقداس إلى نّظر العامّة. أنحلّت حجارة كبيرة وسقطت من الحائط الذى في مدخل القدّس، بالقرب من الموضع الذى كان يسجد فيه سمعان الشيخ، وأنكسر القوس. ارتفعت الأرض لأعلى، وسقطت عديد من الأعمدة الأخرى في أجزاء أخرى من الهيكل.
ظهر الكاهن الأكبر زكريا، الذي ذُبح بين الهيكل والمذبح، لقد شوهد في القدّس ونطق بتهديدات رهيبة، تكلّم عن موت زكريا الثّاني , وعن موت يوحنا المعمدان، وأيضا عن الموت العنيف للأنبياء الآخرين. أبني الكاهن الأكبر سمعان, المُلقب بالبار ، ظهرا في الجزء الذى يشغله فى العادة مُعلمي الناموس؛ تكلّما أيضا بتّعبيرات رّائعة عن موت الأنبياء، عن ذبائح العهد القديم التي على وشك أن تتوقّف الآن، وقد حثّوا كل الموجودين على أن يؤمنوا بالرب يسوع كرب وفادي وأن يعتنقوا التعاليم التي أوصى بها. ظهر أيضاً النبي أرميا؛ ووقف قرب المذبح، وصرّح، بنبرة تهديد، أن الذبائح القديمة قد أتت لنهايتها، وأن ذبيحة جديدة قد بدأت.
بنما كانت تحدث ظّهورات أخرى فى الأجزاء التى لا يُسمح لأحد بالدخول فيها إلا للكهنة، كان قيافا وبضع من الآخرون فقط من يميزونها، وقد سعوا بأقصى ما يستطيعون، أمّا أن ينكروا حقيقتها، أو أن يخفونها. هذه الأعاجيب قد تليت بأعاجيب أخرى أكثر روعة. انفتحت أبواب القدّس من تلقاء نفسها، وسُمع صوت ينطق بهذه الكلمات : " فلنترك هذا الموضع " ورأيت كل ملائكة الرب تترك الهيكل فى الحال. الاثنين والثّلاثين فريسي الذين ذهبوا إلى الجلجثة قبل وقت قصير من موت يسوع آمنوا جميعهم تقريبا وهم عند الصّليب. رجعوا إلى الهيكل في وسط الفوضى، وكانوا مصعوقين تماما من كل ما حدث هناك. تكلّموا بصرامة إلى حنّان وقيافا، وتركوا الهيكل. حنان الذى كان دوماً من أكثر أعداء يسوع كراهية، وترأّس كل إجراء أُتخذ ضده؛ كان للأحداث الخارقة التي حدثت تأثيراً عظيماً على أعصابه حتى أنه لم يكن يعرف أين يخفي نفسه. قيافا كان منتبّه جداً وممتلئ بالقلق، لكن كبريائه كان عظيماً جدا حتى أنه أخفى مشاعره بأقصى ما يستطيع، وسعى أن يطمئن حنّان. نجح لبعض الوقت؛ لكن الظّهور المفاجئ للأشخاص الذين سبق أن ماتوا منذ عديد من السنوات أفسد تأثير كلماته، وصار حنّان مرة أخرى فريسة للرّعب والخوف والندم.
بينما كانت هذه الأشياء تحدث في الهيكل، لم تكن الفوضى والرّعب في أورشليم أقل. أشخاص أمواتاً كانوا يتجولون فيها، وعديد من الجدران والبنايات قد اهتزّت بالزّلزال وانهارت أجزاء منها. خَوْف بيلاطس مِن المجهول‏ أفزعه؛ وصمت تماما من الرّعب؛ اهتزّ قصره إلى أساساته ومادت الأرض تحت قدميه. ركض بتهور من غرفة إلى غرفة، والموتى وقفوا بشكل ثابت أمامه، يوبخونه عن الحكم الجائر الذى أصدره ضد يسوع. لقد ظن إنهم آلهة الجليلي، والتجأ إلى غرفة داخلية، حيث قدم بخور ونذر نذور لأصنامه ملتمساً معونتهم. هيرودس كان مضطرباً هو أيضاً؛ لكنه أغلق قصره على نفسه، كي لا يبصره أحد .
أكثر من مائة شخص من الذين ماتوا في عهود مختلف عادوا ودخلوا الأجساد التى شغلوها عندما كانوا على الأرض، ظهروا في مختلف أجزاء أورشليم، وملئت ساّكنيها بذّعر متعذر وصفه. تلك النفوس التي أُطلقت من قبل يسوع من عالم النسيان كشّفت وجوهها وتجوّلت ذهابا وإيابا في الشّوارع، ومع أن أجسادهم كانت نفس الأجساد التي عاشوا فيها عندما كانوا على الأرض، إلا أن هذه الأجساد ما ظهرت تمسّ الأرض بينما كانت تسير. دخلوا بيوت ذويهم وأعلنوا براءة يسوع، ووبّخوا الذين شاركوا في موته بشدة. لقد رأيتهم يعبرون الشّوارع الرّئيسية؛ وكانوا يسيرون أزواجاً، وظهروا لي وكأنهم ينزلقون على الهواء بدون أن يحركوا أقدامهم. وجوه البعض كانت شاحبة؛ الآخرون كانوا بصبغة صفراء؛ لحاهم كانت طويلة، وأصواتهم كانت غريبة وكئيبة. أكفانهم كانت الأكفان التى كانت قيد الاستعمال في زمن موتهم. عندما وصلوا المكان الذى أُعلن فيه حكم الموت ضد يسوع قبل أن يبدأ الموكب نحو الجلجثة، توقّفوا للحظة، وصاحوا في صوت عالي : " المجد ليسوع إلي الأبد، والإبادة لأعدائه! ". فى نحو الساعة الرابعة عاد كل الموتى إلى قبورهم. الذبائح في الهيكل كانت قد قوطعت، والفوضى التى سببتها الأعاجيب المختلفة كانت عظيمة جدا، حتى أن بضع أشخاص أكلوا حمل الفصح فى ذلك المساء.

الفصل الثاني والخمسون
طلب يوسف الرامى لجسد يسوع

ما أن بدأ الاضطراب الذي ساد المدينة أن ينحسر، حتى أرسل اليهود الذين من المجلس إلى بيلاطس يطلبون أنّ تُكسر سيقان المصلوبين، لكى تنتهي حياتهم قبل فجر السبت. أرسل بيلاطس جنود فى الحال إلى الجلجثة لينفّذوا رغباتهم.
سمع يوسف الرامى عن موت يسوع، وقرر هو ونيقوديموس أن يدفناه فى قبر جديد شيده يوسف في نهاية حديقته التى لم تكن بعيدة عن الجلجثة. كان بيلاطس ما زال قلقاً ومهموماً، وتعجب كثيراً برؤية شخص ذو مكانة عالية مثل يوسف يحرص على أن يُعطى إذن بدفن مجرم بكرامة بالرغم من أدانته بأن يصلب بشكل مخزي. طلب بيلاطس ابن ادار القائد الروماني، الذي عاد إلى أورشليم بعد أن تشاور مع التّلاميذ الذين اختبئوا في المغائر، وسأله إن كان ملك اليهود قد مات حقا. قدم ابن ادار تقريراً مُفصلاً لبيلاطس عن موت يسوع وكلماته الأخيرة وصرخته العالية التى نطقها قبل الموت، والزّلزال التي أنتجت الهوّة العظيمة في الصّخور. الشيء الوحيد الذي فاجأ بيلاطس كان الموت السريع ليسوع، حيث أن الذين صلبوا من قبل كانوا يعيشون لفترة أطول فى المعتاد؛ لكن مع أنه قال كلمات قليلة جدا، إلا أن كل كلمة نطقها يوسف الرامى زادت من فزعه وندمه. أعطى بيلاطس ليوسف مطلبه على الفور، والذي من قبله قد خوّل له أن يُنزل جسد ملك اليهود من على الصّليب، وأن يؤدّي طقوس الدفن حالا. بدا بيلاطس أنه يسعى بمنحه هذا الطّلب، أن يُعوض ولو بدرجه عن تصرفه السابق القاسي والظّالم، وكان سعيداً جداً أيضاً بأن يفعل ما هو متأكد أنه يغيظ الكهنة بشدة، لأنه يعرف أن رغبتهم كانت أن يُدفن يسوع بشكل مخزي بين اللّصين. فبعث رسول إلى الجلجثة ليتحقق من تنفيذ أوامره. أنى أعتقد أن الرّسول كان ابن ادار، لأنى رأيته يساعد في إنزال يسوع من على الصّليب.
عندما غادر يوسف الرامي قصر بيلاطس، انضمّ إليه فوراً نيقوديموس، الذي كان ينتظره في دار امرأة تقية، غير بعيدة من ذلك الممر الذى كان يسوع يُساء فيه معاملته على نحو مُهين عندما شرع فى حمل صليبه. كانت المرأة بائعة أعشاب عطرية، واشتري نيقوديموس منها عديد من العطور الضرورية لتطييب جسد يسوع. لقد دبّرت بمشقّة‏ أنفس الأنواع من أماكن عديدة، وخرج يوسف الرامى ليبتاع لفائف كتانية ناعمة. أحضر خدامه السلالم والمطارق وكلابات وأواني ماء وإسفنج من مبنى مجاور, ووضعوهم على عربة يد تشبه تلك التى حمل عليها تلاميذ يوحنا المعمدان جثمانه عندما حملوه من القلعة .

الفصل الثالث والخمسون
طعن جنب يسوع
موت اللّصين

ساد الصمت حول الجلجثة بينما كانت تحدث هذه الأحداث في أورشليم. تفرّقت الجماهير التي كانت منذ وقت قصير صاخبة وهائجة؛ الكل كان مذعوراً؛ مشهد ذلك الرّعب قد انتج توبة صادقة فى البعض, لكن البعض الآخر لم يُحدث تأثير ذو قيمة.
كل من العذراء مريم ويوحنا والمجدلية ومريم التى لكلوبا وسالومه ظلوا أمام الصليب أمّا واقفين أو جالسين أمام الصّليب يبكون بصمت. كان هناك بضع جنود يتكئون على مِصْطَبَة‏ بقرب الربوة؛ كاسيوس كان يروح ويجئ؛ السّماء كانت مكفهر‏ة، واكتست كل الطّبيعة بالحداد. ظهر ستة جنود جالبين معهم سلالم وجواريف وحبال وهراوات حديدية كبيرة لأجل كسر سيقان المصلوبين، ليعجّلوا بموتهم. عندما اقتربوا من صليب يسوع، تراجع رفاقه بضع خطوات للخلف وغشي العذراء المباركة الخوف خشية أن يُطلِقون العِنان لكراهيتهم ليسوع بإهانة حتى جسده الميت. لم يكن خوفها بلا أساس، لأنهم عندما وضعوا سلالمهم على الصّليب أعلنوا أنّه فقط يدعى الموت؛ في بضع لحظات رأوا أنّه كان بارداً ومتصلباً، تركوه، وأزالوا سلالمهم إلى الصّليبين اللذين كان لا يزال اللّصين معلّقين عليهما أحياء. رفعوا هراواتهم الحديدية وكسروا أذرع اللّصين من أعلى وأسفل المرفق؛ بينما كسر جندي آخر في نفس اللحظة سيقانهما، من أعلى وأسفل الرّكبة. أطلق جيماس صرخات مخيفة، لهذا قتلوه بثلاث ضربات من هراوة ثقيلة على صدره. أطلق ديماس آهة عميقة ومات: لقد كان الأول بين الهالكين الذي كان لديه الفرح بالانضمام ثانية إلى فاديه. ثم حلوا الحبال وسقط الجسدان على الأرض، وجرهما الجنود إلى مستنقع عميق، بين الجلجثة وأسوار المدينة، ودفنوهما هناك.
كان الجنود ما زالوا مرتابين من موت يسوع، والوحشية التى أظهروها في كسر سيقان اللّصين جعلت النّساء القدّيسات يرتعدن لما يمكن أن يرتكبونه ضد جسد يسوع. لكن كاسيوس، الضّابط الشاب الذى كان فى حوالي الخامسة والعشرون من العمر، قد أنير فجأة بالنّعمة، وتأثر تماما من التّصرف القاسي للجنود ومن الحزن العميق للنّساء القدّيسات، فقرر أن يهدأ قلق الجنود بإثبات أن يسوع قد مات حقاً. شفقة قلبه حثّته، لكن بشكل غَيْر مقصود‏ منه, لتتحقق النبوءة, أخذ رمحه في كلتا يديه ودفعه بالكامل في الجانب الأيمن ليسوع إلى درجة أنه اخترق القلب وظهر من الجانب الأيسر. عندما أخرج كاسيوس رمحه من الجرح تدفق منه دّما وماء على وجهه وجسده. هذه النوع من الاغتسال انتج تأثيرات مشابهة لتأثير مياه المعمودية: النعمة والخلاص دخلا نفسه فى الحال. قفز من على حصانه وألقى بنفسه على ركبتيه وقرع صدره، واعترف بصوت عالي أمام الجميع بإيمانه الراسخ بألوهية يسوع.
العذراء المباركة ورفيقاتها كن لا يزلن واقفات قريبا وأعينهم مثبّتة على الصّليب، لكن عندما دفع كاسيوس الرمح في جانب يسوع كن مذهولات، وأسرعن عائدين له. بدت مريم وكأن الرّمح قد طعن قلبها هى وليس قلب ابنها الإلهي، وبالكاد استطاعت أن تسند نفسها. كاسيوس ظل ساجداً أثناء ذلك وشكر الرب، ليس فقط عن النّعم التى نالها بل أيضاً على شفاء عينيه، التي كانت مصابة بالضّعف والحول. هذا العلاج اثّر في نفس اللّحظة على الظّلمة التي كانت تملأ نفسه سابقا وقد أزيلت الآن.
تعمّد كاسيوس باسم لونجينوس وصار برتبة شمّاس، وبَشَّر بالإيمان. وحفظ دائما البعض من دماء السيد المسيح، ووجدوها داخل تابوته بإيطاليا.
تأثر كل قلب من منظر الدماء التى تدفقت من يسوع والتي سالت إلي تجويف‏ فى الصّخر عند موطئ الصّليب. جمّعت العذراء مريم ويوحنا والنّساء القديّسات وكاسيوس الدّماء والماء في قوارير، ومسحوا من تبقى بقطع من الكتان.
كاسيوس، الذي أستعاد قوة أبصاره, انفتحت تماما عيني نفسه في نفس اللّحظة، لقد تأثر بعمق، واستمرّ فى صلاته لشّكر الرب. أصيب الجنود بالدّهشة من المعجزة الذي حدثت، والقوا أنفسهم على ركبهم بجانبه، قارعين في نفس الوقت صدورهم مُعترفين بيسوع. استمر الماء والدّم يتدفّقان من جرح يسوع الكبير الذى في جنبه؛ حتى أنه سال نحو تجويف في الصّخر والنساء القدّيسات يضعنه في آواني، بينما العذراء مريم والمجدلية يمزجنه بدموعهم. تسلم الجنود رسالة من بيلاطس، يأمرهم فيها بألا يمسّوا جسد يسوع.
حدثت كل هذه الأحداث قرب الصّليب، قبل الرابعة بقليل، بينما كان يوسف الرامى ونيقوديموس يجمّعان سوية الأشياء الضرورية لدفن يسوع. لكن خدم يوسف الرامى بعد ما أرسلوا لينظّفوا القبر، أخبرهم رفاق يسوع أن سيدهم نوى أن يأخذ جسد يسوع ويضعه في قبره الجديد. عاد يوحنا فى الحال إلى المدينة مع النّساء القديّسات؛ لكى تستعيد العذراء قوتها قليلا، ولكى يشتري بعض الأشياء التي ستتطلّب للدّفن. كان للعذراء المباركة مسكناً صغيراً قريباً بين البنايات. لم يدخلوا المدينة من خلال البوّابة التي كانت بقرب الجلجثة، لأنها أغلقت، وكانت تحت حراسة الجنود الذين وضعوا هناك من قبل الفريسيون؛ لكنهم ذهبوا خلال تلك البوّابة التي تقود إلى بيت لحم.

الفصل الرابع والخمسون
وصف لبعض أجزاء أورشليم العتيقة

البوّابة التي تقع على الجانب الشّرقي من أورشليم، جنوب الركن الجنوبي الشرقي من الهيكل، كانت تقود إلى ضاحية أوفيل. بوّابة الخراف كانت تقع شمال شرق ركن الهيكل. بين هاتين البوّابتين كانت توجد بوابة تقود إلى بعض الشّوارع التى تقع شرق الهيكل، ومعظم سكانها من البناءين وعمّال آخرين. تخص معظم البيوت التى في هذه الشّوارع نيقوديموس، حيث أته هو الذي بناها وكان يشغلها العمّال الذين كانوا يعملون معه. كان نيقوديموس قد شيد منذ وقت ليس بطويل بوّابة جميلة كمدخل إلى هذه الشّوارع، دعاها بوّابة الموريا. كان قد أنتهي للتو من استكمالها، ومنها دخل يسوع المدينة فى أحد السعف. هكذا دخل من البوّابة الجديدة لنيقوديموس. ولم يكن أحد قد عبر منها بعد، ودفن في قبر جديد ليوسف الرامى، لم يكن أحد قد دُفن به بعد. هذه البوّابة قد سُددت الآن بالحجارة، وكان هناك تقليد أن يدخل المسيحيين المدينة من خلالها. حتى في الوقت الحاضر، البوّابة المسدودة تدعى من قبل الأتراك بالبوّابة الذّهبية.
الطّريق الذى يقود إلى الغرب من بوّابة الخراف يوجد بالضبط على الجانب الشمال الغربي لجبل الجلجثة. من هذه البوّابة حتى الجلجثة مسافة حوالي ميلين وربع؛ ومن قصر بيلاطس إلى الجلجثة حوالي ميلين. قلعة انطونيو تقع شمال غرب جبل الهيكل، على صخرة مستقلة. الشخص الذى يذهب نحو الغرب من قصر بيلاطس، كان عليه أن يجعل هذه القلعة على يساره. على أحد أسوارها كانت توجد شرفة تُطِلّ‏ على المحكمة، والتى أعتاد بيلاطس أن يصدر منها بياناته إلى الشعب: لقد فعل هذا، على سبيل المثال، عندما أعلن القوانين الجديدة.
عندما كان المسيح يحمل صليبه داخل المدينة، كان جبل الجلجثة على يمينه. هذا الطّريق، يتجه إلي الناحية الجنوبية الغربية، ويقود إلى بوّابة في سور داخلي للمدينة، فى اتجاه صهيون. خلف هذا السور، إلى اليسار، كانت توجد ضّاحية، تحتوي على حدائق أكثر مما تحتوى على منازل؛ وفى اتجاه السور الخارجي للمدينة توجد بعض القبور لها مداخل من حجارة. على هذا الجانب كانت توجد دار تخص لعازر بحدائق جميلة، تمتدّ قليلاً نحو جزء يتحول فيه السور الخارجي الغربي من أورشليم إلى الجنوب. أنى أعتقد أنّ هذا باب خاصّ صغير، جُعل في سور المدينة، ومن خلاله كان يسوع وتلاميذه يعبرون غالبا بسماح من لعازر ويقود إلى هذه الحدائق.
البوّابة التى توجد فى الركن الشمال الغربي للمدينة تقود إلى بيت صور، التي تقع نحو الشّمال من عمواس ويافا. الجزء الغربي من أورشليم كان منخفض من أي جزء آخر: كانت الأرض تنحدر أولا إلي اتجاه السور المحيط بها، ثم ترتفع ثانية عندما تقترب منه؛ وعلى هذا المنحدر توجد حدائق ومزارع عنب، يوجد خلفها طريق مُتسع يقود إلى الأسوار والأبراج. عند الجانب الآخر، تنحدر الأرض بدون السور نحو الوادي، حتى أن الأسوار التى تحيط بالجزء المنخفض من المدينة تبدو كأنها بنيت على شرفة عالية. توجد هناك حدائق ومزارع عنب على التّل الخارجي حتى في الوقت الحاضر. عندما وصل يسوع إلي نهاية طريق الصّليب، كان على يساره ذلك الجزء من المدينة حيث كان توجد هناك كثير جدا من الحدائق؛ ومن ذلك المكان‏ كان سمعان القيروانى أتياً عندما لاقى الموكب.
البوّابة التى غادر يسوع منها المدينة لم تكن تواجه الغرب بالكامل، بل تواجه الجنوب الغربي. سور المدينة على الجانب الأيسر، بعد المرور من البوّابة، يجرى في اتجاه الجنوب قليلاً، ثم يتجه نحو الغرب، وبعد ذلك إلى الجنوب ثانية، حول جبل صهيون. عند هذا الجانب يوجد برج كبير، مثل القلعة. البوّابة التى ترك يسوع المدينة منها لا تبتعد كثيرا عن بوّابة أخرى نحو الجنوب، تقود لأسفل الوادي وحيث طريق يتجه إلى اليسار في اتجاه بيت لحم. يتجه الطّريق إلى الشّمال نحو جبل الجلجثة بعد قليل من تلك البوّابة التى ترك يسوع منها أورشليم عندما حمل صليبه. جبل الجلجثة كان شديد الانحدار على جانبه الشّرقي مواجهة المدينة، ويهبط تدريجياً فى جانبه الغربي؛ وعلى هذا الجانب، يُري الطّريق إلى عمواس، كان هناك حقل، رأيت لوقا فيه يجمّع بضع نباتات عندما كان هو وكلوبا ذاهبان إلى عمواس، وقابلا يسوع في الطريق. قرب الأسوار، على شّرق وجنوب الجلجثة، كانت هناك حدائق وقبور ومزارع عنب. الصّليب كان قد دفن على الجانب الشمالي الشرقي، في سفح جبل الجلجثة .
يقع بستان يوسف الرامى قرب بوّابة بيت لحم، على مسيرة سبع دقائق من الجلجثة: كان بستانا جميلا جدا، بأشجار طّويلة وجسور وتعاريش، جعلت به ظلال كثيرة، ويقع على أرض صاعدة ممتدّة إلى أسوار المدينة. الشخص الذى يجيء من الجانب الشّمالي للوادي ويدخل البستان كان على يساره ربوه صغيرة تمتد حتى سور المدينة؛ وعلى يمينه، في نهاية البستان، صخرة منفصلة، حيث تقع مغارة القبر. المغارة التي قد جُعل القبر فيها تقع فى اتجاه الشّرق؛ وعلى الجوانب الجنوبية الغربية والشمالية الغربية لنفس الصّخرة كان يوجد قبران آخران أصغر، كانا جديدان أيضا وبواجهة ضيقة.
كان يوجد ممر، يبدأ على الجانب الغربي لهذه الصّخرة ويلتف حولها. الأرض التى أمام القبر كانت أعلى من الأرض التى أمام مدخله، والشخص الذى يرغب أن يدخل المغارة كان عليه أن ينزل بضع درجات. كانت المغارة كبير تسع لأربعة رجال يستطيعوا أن يقفوا قرب الحوائط على كل جانب بدون إعاقة تحرك حاملي الجثمان. مقابل الباب كان يوجد تجويف في الصّخرة، حيث القبر قد جعل؛ كان يعلو حوالي قدمين فوق مستوى الأرض، ويتصل بالصّخرة من جانب واحد فقط، كمذبح: شخصان ممكن أن يقفا، واحد عند الرّأس وواحد عند القدمين؛ وكان هناك أيضاً مكان لثالث في المُقدِّمة‏، حتى لو كان باب التّجويف مُغلق. هذا الباب كان مصنوع من بعض المعادن، ربما من النّحاس، وكان له ضلفتان تطويان. هذه الضلف ممكن أن تغلق بحجر يُدحرج أمامها؛ والحجر المستعمل لهذا الغرض قد حفظ خارج الكهف. ما أن وضع يسوع في القبر حتى دُحرج الحجر أمام الباب. كان كبيراً جدا، ولا يمكّن أن يزال بدون جهود بضع رجال.
مقابل مدخل الكهف كان يوجد مقعد حجري، وبالصعود عليه يمكن للمرء أن يتسلّق الصّخرة المغطاة بالعشب، ومن ذلك المكان تُرى أسوار المدينة والأجزاء العالية من جبل صهيون وبعض الأبراج وأيضا بوّابة بيت لحم ونبع جيحون. الصّخرة بالداخل كان لونها أبيض، بعروق حمراء وزّرقاء.

21
الفصل الخمسون
كلمات يسوع على الصّليب
إظلام الشّمس

ما أن أنتهي الجنود من صلب اللّصين وتقسّيم ملابس يسوع بينهم، حتى جمّعوا أدواتهم ووجهوا بضع كلمات مُهينة إلى الرب يسوع وذهبوا. أنطلق الفريسيون أيضاً إلى يسوع ونظروا إليه باحتقار، وتكلموا ببعض التّعبيرات المخزية، وبعد ذلك تركوا المكان. رحل الجنود الرّومان، الذين كان مائة منهم يحيطون بالجلجثة، وجاء مكانهم خمسون آخرين، تحت قيادة ابن ادار، العربي المولد، الذي اخذ بعد ذلك اسم كتسيفون في المعمودية؛ والثّاني في القيادة كان كاسيوس، الذي أصبح مسيحيا وُعرف باسم لونجينوس؛ وقد استخدمه بيلاطس بشكل متكرر كرسول. سعى اثنا عشر فريسيا واثنا عشر من الصدوقيين وعديد من الكتبة وبضع شيوخ إلى بيلاطس ليقنعوه بتغييّر اللوحة التى وُضعت على صليب يسوع، جاءوا الآن غاضبين لأن الحاكم الرّوماني رفض مطلبهم. انطلقوا حول الموضع وعندما عبروا بجوار صليب يسوع هزّوا رؤوسهم بازدراء‏ صائحين : " يا هادم هيكل الرب وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك, انزل عن الصّليب. فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصّليب، حتى نرى ونؤمن " استهزأ الجنود أيضاً منه .
وجه يسوع وكل جسده أصبح أكثر شحوباً: بدا على وشك أن يفقد الوعي، وجيماس اللّص الذى على يساره صاح "إن الشّيطان الذي بداخله على وشك أن يتركه" حينئذ أخذ جندي إسفنجه وملأها بالخلّ، وضعها على قصبة وقدّمها إلى يسوع، الذي بدا أنه يشرب. حينئذ قال له الجندي " إن كنت أنت ملك اليهود، أنقذ نفسك وانزل عن الصّليب " حدثت هذه الأمور خلال الفترة التي كانت تُستبدل فيها فرقة الجنود الأولى بفرقة ابن ادار. رفع يسوع رأسه قليلاً وقال : "أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. " وصرخ جيماس : " إن كنت أنت المسيح، أنقذ نفسك وإيانا " ديماس اللّص الذى على اليمين ظل صامتاً، لكنه تأثر بعمق من صلاة يسوع من أجل أعدائه.
عندما سمعت العذراء مريم صوت ابنها، لم تستطع أن تمنع نفسها، أسرعت للأمام وتبعها يوحنا وسالومه ومريم التى لكلوبا، واقتربوا من الصّليب، حيث لم يمنعهم القائد الروماني العطوف.
أعطت صلوات يسوع اللّص الذى على اليمين نعمة أكثر قوة؛ فتذكّر فجأة أنه يسوع ابن مريم الذي شفاه من البرص في طفولته وصاح بصوت عال وواضح فى زميله :" كيف تهينه هكذا بينما يصلّي هو من أجلك؟ لقد كان صامتاً، وعانى كل إساءتك بصّبر؛ إنه حقا نبياً, إنه ملكنا, إنه ابن الرب. " سبّب هذا التّأنيب الغير متوقّع من شفاه شرير بائس على وشك أن يموت على الصليب اضطراباً كبيراً بين الموجودين؛ فجمّعوا حجارة، ورغبوا أن يلقوها عليه؛ لكن ابن ادار القائد الروماني لم يسمح لهم بذلك.
واست صلاة يسوع العذراء المباركة كثيراً وقوّتها، وقال ديماس لجيماس، الذي كان ما زال يجدف على يسوع " ألا تخاف الرب، ها أنت تحت نفس الإدانة. ونحن نُعاقب بعدل، لأننا ننال نظير أعمالنا؛ لكن هذا الرجل لم يفعل شراً. تذكّر أنك الآن على وشك الموت وتب " لقد استنار وتأثر واعترف بآثامه إلى يسوع وقال : " إلهى، إن أنت أدنتني فذلك سيكون بعدل. " فأجابه يسوع " إنك ستختبر رحمتي" . بدأ ديماس فى الحال وقد امتلأ بالنّدم، يشكر الرب لأجل النّعم العظيمة التى نالها، وتأمل فى الآثام التى اقترفها فى حياته الماضية.
كل هذه الأحداث حدثت بين الثانية عشرة والثانية عشرة والنّصف بعد الصّلب بقليل؛ لكن حدث تغيير عجيب فى مظهر الطّبيعة أدهش الحاضرين وملأ فكرهم بالرّهبة والرّعب.
كان قليل من البرّد قد سقط حوالي الساعة العاشرة، عندما كان بيلاطس يُجيز العقوبة، وصفا الجو بعد ذلك حتى نحو الثانية عشر، حيث بدأ ضباب كثيف محمر يحجب الشّمس. نحو السّاعة الثانية عشر أظلمت الشّمس فجأة.
لقد كُشف لى السّبب لهذه الظّاهرة؛ لكنى على نحو يؤسَف له‏ نسيته جزئياُ، والذي لم أنسه لا أستطيع أن أجد الكلمات لأعبر عنه؛ لكنى أستطيع القول بأنني قد أُصعدت من الأرض، ونظرت النّجوم والكواكب تتحرّك حول مداراتها الصّحيحة. ثم رأيت القمر مثل كرة هائلة من النّار تتدحرج كما لو أنها تطير من الأرض. ثم عدت فجأة إلى أورشليم، ورأيت القمر يظهر ثانية وراء جبل الزّيتون، يبدو شاحباً وكاملاً، وتقدّم بشكل سريع نحو الشمس, التي كانت معتمة ومُلبدة بالضباب. رأيت في شرق الشّمس جسماً مظلماً كبيراً له مظهر الجبل، والذي أخفى الشّمس بالكامل فى الحال. صارت السّماء أكثر ظلمة وظهرت النّجوم تسكب نوراً أحمر بشعاً. كل من الإنسان والحيوان أصيبوا بالرّعب؛ توقف أعداء يسوع عن سبه، بينما سعا الفريسيين أن يقدموا أسباب فلسفية لما يحدث، لكنهم فشلوا في محاولتهم ولزموا الصمت. كثيرون استولى عليهم النّدم وقرعوا صدورهم صارخين : " ليقع دمه على قاتليه! " آخرون سواء كانوا قرب الصليب أو بعيدين عنه، سقطوا على ركبهم وتوسّلوا أن يغفر يسوع لهم، أدار يسوع عينيه بحنو نحوهم في وسط آلامه. واستمرّت الظّلمة فى ازدياد، وترك الجميع الصّليب باستثناء العذراء مريم ورفاق يسوع المخلصين.
رفع ديماس رأسه حينئذ، وبنغمة متواضعة وبرجاء قال ليسوع " إلهى، تذكّرني عندما تجيء إلى ملكوتك". وأجابه يسوع " الحق أقول لك, أنك اليوم ستكون معي في الفردوس ", وقفت المجدلية ومريم التى لكلوبا ويوحنا بقرب صليب الرب يسوع ونظروا إليه، بينما توسّلت العذراء المباركة إلى ابنها، ممتلئة بالمشاعر الحبّ الأمومي الشديد، أن يجيز لها أن تموت معه، لكنه ألقي نظرة رّقيقة عليها تفوق الوصف والتفت إلى يوحنا وقال : يا امرأة، هو ذا ابنك " ثم قال ليوحنا : " ها هى ذى أمك " نظر يوحنا إلى فاديه المحتضر وحيّا هذه الأمّ المحبوبة التي اعتبرها من ذلك الوقت أمه بأسلوب بغاية التوقير. غلب الحزن العذراء المباركة من كلمات يسوع هذه فغابت عن الوعي تقريبا، وحُملت إلى مسافة صغيرة من الصّليب من قبل النّساء القديّسات.
لقد شعرت بشكل داخلي أن يسوع أعطى مريم إلى يوحنا كأمّ، ويوحنا إلى مريم كابن. فى رّؤى مشابهة كنت أشعر غالبا بالأشياء الغير مكتوبة، والكلمات ممكن أن تُظهر فقط جزء منها، أن مدلولها يكون واضحاً ولا يتطلّب أي تفسير. لهذا السبب لم أندهش لكون يسوع يدعو العذراء المباركة يا امرأة، بدلا من أن يدعوها يا أمي. لقد شعرت أنّه قصد أن يبرهن أنّها هى تلك المرأة التى تكلّم عنها في الكتاب المقدّس التي ستسحق رأس الحية، وأنه فى تلك اللّحظة قد تحقق ذلك الوعد بموت ابنها. لقد عرفت بأنّ يسوع، بإعطائها كأمّ إلى يوحنا، أعطاها أيضا كأمّ إلى كل من يؤمنون به، الذين صاروا أبناء الرب، ولم يولدوا من لّحم ومن دّم، أو من مشيئة إنسان، بل من الرب وُلدوا. لم يبدوا لي مفاجئاً أن الأكثر طُهراً، الأكثر تواضعا، والأكثر طاعة بين النّساء، التي، عندما حياها الملاك دعاها " الممتلئة نّعمة " أجابت على الفور " ها أنا آمة الرب، ليكن لي كقولك " والتى صار الكلمة فى الحال فى رحمها المقدّس جسداً، التي، عندما اعلمها ابنها المحتضر أنها ستصبح الأمّ الرّوحية لأبن آخر، أجابت بنفس الكلمات بطاعة متواضعة، وتبنت فى الحال كل أبناء الرب كأولاد لها وأخوة ليسوع المسيح. أن هذه الأمور أسهل أن تشعر بها بنعمة الرب أكثر من أن يًعبر عنها‏ بالكلمات. أتذكّر مرة قال لى فيها عريسي السّماوي " أن كل شيء يُدمغ في قلوب أولاد الكنيسة الذين يؤمنون ويترجون ويحبون "
كانت حوالي الساعة الواحدة والنّصف عندما آُخذت إلى أورشليم لأرى ما يحدث. كان السّكان هناك بغاية الرّعب والقلق؛ الشّوارع مظلمة وكئيبة، وبعض الأشخاص كانوا يلتمسون طرقهم بها، بينما الآخرون، جلسوا على الأرض ورؤوسهم مُغطاة ويقرعون صدورهم، أو يصعدون لأسطح بيوتهم، ينظرون إلي السّماء وينفجرون في بكاء مرّ. حتى الحيوانات أطلقت نداءات حزينة، واخفت نفسها؛ الطّيور طارت وحطت على الأرض. رأيت بيلاطس يتشاور مع هيرودس على حالة الانزعاج السائدة, كلاهما كان مضطربا بشدة، وتأمّلا مظهر السّماء من الشرفة التى كان يقف بها هيرودس عندما اسلّم يسوع ليُهان من قبل الرّعاع الغاضبين. صاح كلاهما : " أن هذه الأحداث ليست من السياق الشائع للطّبيعة، لابد أن يكون سببها غضب الآلهة التى استاءت من القسوة التي لاقاها يسوع الناصري" , أحاط الجنود ببيلاطس وهيرودس بينما كانا يتجهان بخطي مرتعشة متعجلة إلى قصر هيرودس. التفت بيلاطس برأسه عندما عبر جباثا التى حكم فيها على يسوع بالصلب، الميدان كان فارغاً تقريبا؛ بضعة أشخاص كانوا يرون عائدين لبيوتهم بأسرع ما يستطيعون، وآخرون يركضون ويبكون، بينما ظهرت مجموعتان صغيرتان أو ثلاث على البعد.
أرسل بيلاطس فى طلب بعض الشيوخ وسألهم عن ما تنذر عنه هذه الظّلمة العجيبة فى رأيهم، وقال إنّه يعتبرها برهاناً رهيباً عن غضب إله اليهود بصلب الجليلي، الذي كان بكل تأكيد نبيهم وملكهم وأضاف أنّه ليس عليه شيء ليلوم نفسه عليه، لأنه غسل يديه من القضية بالكامل، وأنه بهذا برئ تماما. كان الشيوخ قساة كعادتهم دوماً وأجابوا بنغمة متجهّمة، أنه ليس هناك شيء غير طبيعي فى سياق الأحداث وأنه ممكن تعليل الظلمة بسهولة من قبل الفلاسفة، وإنهم ليسوا نادمين على أي شئ مما فعلوه. على أية حال، فقد آمن عديد من الأشخاص ومن بينهم أولئك الجنود الذين وقعوا على الأرض من كلمات يسوع عندما أُرسلوا ليعتقلوه في بستان الزّيتون.
تجمّع الرّعاع أمام دار بيلاطس، وبدلا من الصياح " أصلبه، أصلبه! " الذي دوّى في الصّباح، سُمع فقط صيحات " فليسقط القاضي الجائر! ليقع دم هذا الرجل البار على قاتليه! ". كان بيلاطس منزعجاً كثيراً؛ طلب حرّاس إضافيين، وسعى أن يضع كل اللائمة على اليهود. أعلن ثانية أن الجريمة لم تكن جريمته؛ أنه لم يكن له موضوع مع يسوع، وإنهم من جلبوا له الموت على نحو ظالم، وإنه كان ملكهم ونبيهم وقدّوسهم؛ وبالتالي هم فقط المذنبون، كما يجب أن يكون واضحاً للجميع أنه أدان يسوع فقط من قبل الإكراه
عجّ الهيكل باليهود الذين كانوا مُعتزمين ذبح حمل الفصح؛ لكن عندما ازدادت الظّلمة إلى هذه الدرجة حتي أنه كان من المحال أن تُميّز شخصاً من الأخر، استولى عليهم الخوف والرعب والفزع وعبروا عن ذلك بصرخات الحزن والبكاء. سعى رؤساء الكهنة إلى أن يفرضوا السكون والهدوء. أُشعلوا كل القناديل؛ لكن الاضطراب كان يتعاظم فى كل لحظة، وبدا حنان مشلولاً تماما بالرّعب. لقد رأيته يسعي ليختبئ فى موضع وبعد ذلك في موضع آخر.
عندما تركت الهيكل، ومشيت فى شّوارع أورشليم ، رأيت أبواب ونوافذ البيوت تهتز كما لو أنها في زوبعة، مع أن الهواء كان ساكناً، وكانت الظّلمة تزداد كثافة فى كل لحظة .
الذّعر الناتج عن الظّلمة المفاجئة في جبل الجلجثة كان متعذراً وصفه. عندما بدأت، كان تشويش جلبة المطارق وصخب الرّعاع وصراخ اللّصين عند تقيدهما إلى صليبهما وأحاديث‏ الفريسيون المُهينة، وتقيم الجنود وصيحات الجنود السكارى، كان كل ذلك قد يستغرق بالكامل انتباه كل شخص، والتّغيير الذي كان يجيء تدريجياً على وجه الطّبيعة لم يكن يلاحظه أحد؛ لكن ما أن ازدادت الظّلمة حتى توقف كل صوت، وأخذ الندم والرعب يملكان على كل قلب، بينما ابتعد الحاضرون كل واحد عن الآخر وابتعدوا عن الصّليب.
تلي ذلك أن أعطي يسوع أمه إلى القديس يوحنا، وفقدت الوعي جزئياً وحُملت بعيداً لمسافة قليلة. بينما استمرت الظّلمة تزداد بصورة أكثر كثافة، الصّمت صار مّذهلاً تماما؛ بدا كل شخص فى رعب؛ نظر البعض نحو السّماء، بينما التفت الآخرون نحو الصّليب، كانوا ممتلئين بالنّدم وقرعوا صدورهم وآمنوا. مع أن الفريسيون كانوا في واقع الأمر منزعجين تماما بنفس القدر كالآخرين، إلا إنهم سعوا في بادئ الأمر أن يبدوا متماسكين لما يحدث، وأعلنوا إنهم لا يروون أي شيء غير قابل للتفسير في هذه الأحداث؛ لكن أخيرا فقدوا سلامهم وفّضلوا الصمت.
كان قرص الشّمس كان قد صُبغ بالظلمة، كان بالأحرى يشبه جبلاً عندما يُشاهد بضوء القمر ومُحاط بحلقة نارية ساطعة؛ ظهرت النّجوم، لكنّ ضّوئها كان محمراً وشاحباً؛ كانت الطّيور بغاية الفزع وحطت على الأرض؛ البهائم ارتعدت وناحت؛ خيل وحَمير‏ الفريسيون زحفت أقرب ما يمكن لبعضها البعض، ووضعوا رؤوسهم بين سيقانهم. اخترق الضّباب السّميك كل شيء.
خيم السّكون حول الصّليب. يسوع مُعلّقا عليه وحيداً؛ متروكاً من قبل الجميع، من التلاميذ والمعارف والأصدقاء، حتى أمه أبعدوها من جانبه؛ ولا شخص واحد من الآلاف الذين أغدق عليهم بالمنافع كان قريباً منه ليقدم له أدنى تّخفيف لمعاناته المرّة، نفسه كانت ملآنة بشعور متعذر وصفه من المرارة والأسى، كل شئ داخله كان كئيباً ومظلماً وبائساً. الظّلمة التي خيمت حوله كانت مجرد رمز لما انتشر داخله؛ وعلى الرغم من هذا التفت إلى أبيه السّماوي وصلّى من أجل أعدائه، مقدماً كأس آلامه لأجل فدائهم، استمرّ يصلّي كما كان يفعل خلال كل آلامه، وكرّر أجزاء من تلك المزامير التى تّنبأت عنه والتى تتحقق فيه الآن ورأيت الملائكة تقف حوله.
نظرت ثانية إلى يسوع, عريسي الحبيب, على صليبه، معذّباً ويحتضر، ومع ذلك ما زال في عزلة كئيبة. لقد تحمل في تلك اللّحظة الألم الذي لا يستطيع أن يصفه قلم، لقد شعر بذلك الألم الذي يغمر إنساناً ضعيفاً مسكيناً حُرم فى لحظة من كل تّعزية، سواء إلهية أو بشرية، وبعد ذلك يُرغم على عبور صّحراء عاصفة بمفرده، بدون أي معونة أو نور، مُدعوماً فقط بالإيمان والرجاء والمحبة.
أن آلامه كان متعذر وصفها؛ لكن من قبلها نحن استحققنا نّعمة ضرورية لنقاوم ذلك الأغراء الذى سيهاجمنا ليجعلنا نيأس في سّاعة الموت، تلك السّاعة المروِّعة‏ عندما سنشعر بأنّنا على وشك أن نترك كل ما هو عزيز علينا هنا على الأرض. عندما يفقد ذهننا الضعيف من قبل المرض قوة التّفكّير، وحتى آمالنا فى الرّحمة والمغفرة تصبح مغلّفة بالغشاوة والشك، حينئذ علينا أن نهرب إلى يسوع، نوحّد مشاعرنا بالعزلة مع مشاعر العزلة المتعذر وصفها التي تحمّلها على الصّليب، ونكون واثقين من الحصول على غلبة مجيدة على أعدائنا. لقد قدم يسوع إلى أبيه السّرمدي فاقته وهجره وأعماله، وقبل كل شيء، الآلام المرة التى سبّبتها تحمّله لها في التّكفير عن آثامنا وضعفاتنا؛ لهذا لا أحد قد وحّد نفسه بيسوع في أحضان كنيسته يجب أن ييأس في تلك اللّحظة المرعبة التى تسبق خروجه من هذه الحياة، حتى لو كان محروماً من كل بصيص الوعي والرّاحة؛ لأنه يجب أن يتذكّر حينئذ أنّ المسيحي لم يعد ملزما أن يدخل هذه الصّحراء المظلمة وحيداً وغير محمياً، لأن يسوع قد تحمل عنا بهذا الترك الذى عاناه على الصليب سواء الهجر الدّاخلي أو الخارجي ما كان ينبغى أن نشعر به فى لحظة الموت، بِناء على ذلك‏ فإنه لن يُترك ليتغلب على مشكلات‏ الموت بمفرده، أو يعانى من أن يترك هذا العالم بترك الرّوح، محروماً من التّعزية السّماوية. لهذا يجب أن نترك كل الخوف من الوحدة واليأس في الموت؛ لأن يسوع، الذي هو نورنا الحقيقي والطّريق والحق والحياة، قد سبقنا فى ذلك الطّريق الكئيب، لقد نشره بالبركات، ورفع صليبه فوقه، لمحة واحدة عليه ستهدّئ كل خوفنا.
لقد قدم يسوع وصيّته لأبيه وأورث استحقاقات موته وآلامه إلى الكنيسة وإلى الخطاة. لم تُنس نفس مُخطئة واحدة؛ لقد فكّر فى كل شخص؛ مصّلياً، أيضاً، حتى من أجل أولئك الهراطقة الذين سعوا إلى إن يبرهنوا بأنّه لكونه إلهاً فأنه لم يُعانى كإنسان. إن الصراخ الذي سُمح أن يعبر على شفاهه في علو معاناته لم يدل فقط عن زيادة الآلام التى كان يتحمّلها حينئذ، بل كانت أيضاً ليشجّع كل النفوس المبتلية التي تعترف بالرب كأبيها أن تضع حزنها بثّقة بنوية عند قدميه.
لقد كانت نحو الساعة الثالثة عندما صرخ يسوع بصوت عال : " إلوي، إلوي لما شبقتني ؟ " التى معناها " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ " هذه الكلمات لإلهنا قطعت الصّمت المميت الذي استمرّ طويلاً؛ التفت الفريسيون نحوه، وقال واحد منهم : " ها هو ينادى إيليا " وآخر قال " فلنرى إن كان إيليا سيجيء لينجيه " . عندما سمعت مريم صوت ابنها الإلهي، كانت عاجزة عن أن تمنع نفسها أكثر، بل اندفعت للأمام، ورجعت إلى أقدام الصّليب، وتبعها يوحنا ومريم التى لكلوبا ومريم المجدلية وسالومة.
كانت فرقة من حوالي ثلاثين خيالاً من اليهودية وضواحي يافا فى طريقهم إلى أورشليم للاحتفال بالعيد، تعبر عندما كان كل شئ حول الصليب صامتاً، الجميع كانوا مملوءين بالرّعب والخوف. عندما نظروا يسوع مُعلقاً على الصليب، رأوا القسوة التى عُومل بها، وميزوا العلامات الاستثنائية لغضب الرب التي ملأت الطّبيعة، امتلئوا بالرّعب وصاحوا " لو لم يكن هيكل الرب في أورشليم، لكانت المدينة احترقت حتى الأرض لكونها آخذت على نفسها هذه الجريمة المخيفة ", هذه الكلمات التى جاءت من شفاه غرباء, بدوا كأشخاص ذوى شأن كبير, تركت تأثيراً عظيماً على الحاضرين وهمهمة عالية وصياحاً حزيناً قد سمع من كل جانب؛ تجمّع بعض الأشخاص سوية في مجموعات، مطلقين العنان لأحزانهم، ولو أن جزء من الحشد استمرّ يسب ويلعن كل من حوله.
أضطر الفريسيون أن يُظهروا نغمة أكثر تواضعا، لأنهم خافوا من عِصيان مسلَّح‏ بين الناس، لكونهم مدركين جيّداً للإثارة العظيمة الموجودة بين سكان أورشليم. لهذا استشاروا ابن أدار، القائد الروماني، واتفقوا معه أن تُغلق بوّابة المدينة، التي بجوار موضع الصليب، لمنع أى اتصال إضافي، وإنهم يجب أن يرسلوا إلى بيلاطس وهيرودس حوالي خمسمائة رجل ليمنعوا أى فرصة للتمرد، القائد الروماني، في أثناء ذلك كان يفعل كلّ ما فى قدرته ليحافظ على النظام ويمنع الفريسيون من إهانة يسوع، خشية أن يثير ذلك الناس.
بعد الساعة الثالثة بقليل بدأ النور يظهر ثانية، بدأ القمر يبتعد عن قرص الشّمس، بينما أشرقت الشّمس ثانية، ولو أن ظهورها كان خافتاً، لكونها محاطة بسّحب حمراء؛ أصبحت تدريجياً أكثر سطوعا، واختفت النّجوم، لكن السّماء كانت ما زالت كئيبة. استعاد أعداء يسوع روحهم المتغطرسة عندما رأوا النور يرجع؛ وعندئذ صاحوا : " ها هو ينادى إيليا "
كان يسوع يغيب عن الوعي تقريبا؛ لسانه كان جافاً وقال : " أنى عطشان " نظر التلاميذ إليه بأعمق تّعبير عن الحزن، أضاف يسوع " ألم تستطيعوا أن تعطوني قليلاً من الماء ؟ " بهذه الكلمات أعطاهم أن يفهموا بأنّ لا أحد كان سيمنعهم من فعل ذلك خلال الظّلمة. ملئ يوحنا بالنّدم وأجاب: " نحن لم نفكّر أن نفعل هذا يا رب " نطق يسوع ببضع كلمات أكثر، بمعنى : " إن أصحابي ومعارفي قد نسوني أيضاً، ولم يعطوني لأشرب، هذا ليتم المكتوب " هذا الإهمال قد أذاه كثيرا جدا ً" حينئذ عرض التلاميذ مال على الجنود ليأذنوا لهم أن يعطوه قليل من الماء لكنهم رفضوا، لكنهم غمّسوا إسفنجه في الخلّ الممزوج بالمر وكانوا على وشك أن يقدموها ليسوع، عندما آخذها منهم ابن ادار القائد الروماني، الذي تأثر قلبه وغمس إسفنجه فى بعض الخلّ وربطها إلى قصبة، وضع القصبة في نهاية رمح، وقدّمه ليسوع ليشرب. سمعت الرب يقول بضعة أشياء أخرى، لكنى أتذكّر فقط هذه الكلمات : " عندما سيصمت صوتي، ستُفتح أفواه الموتى"
حانت سّاعة يسوع أخيرا؛ كفاح موته قد شرع؛ انتشر العرق على كل أطرافه. وقف يوحنا عند قدم الصليب، ومسح قدمي يسوع بردائه. انحنت المجدلية بتذلّل‏ على الأرض بانسحاق تام وأسى خلف الصّليب. وقفت العذراء المباركة بين يسوع واللّص اليمين، مستندة على سالومة ومريم التى لكلوبا، وعيناها مثبّتتان على وجه ابنها المحتضر. حينئذ قال يسوع : " قد أُكمل " ورفع رأسه وصرخ بصوت عظيم " أبتاه، في يديك أستودع روحي." هذه الكلمات، التي نطقها بنبرة واضحة وعالية، دوّت خلال السّماء والأرض؛ وبعدها أنحني رأسه واسلم الروح.
لقد رأيت نفسه، بصورة تُشبه نيزك ساطع، تخترق الأرض عند موطئ الصّليب. ركع يوحنا والنّساء القديّسات ساجدين على الأرض. ثبت ابن ادار القائد الروماني عينيه بقوة على وجه يسوع، وقد غُمر بالكلية بكل ما حدث. عندما نطق يسوع كلماته الأخيرة، ارتجفت الأرض وتشققت صخرة الجلجثة، مًشكّلة هوّة عميقة بين صليب يسوع وصليب جيماس.
تردد صوت يسوع خلال كل الكون؛ وقد كسر الصّمت المهيب الذي تخلّل كل الطّبيعة. كل شئ قد تمّ. نفس يسوع تركت جسده: ملأت صرخته الأخيرة كل صدر بالرّعب. قدمت الأرض المشققة الإجلال إلى خالقها: طعن سيف الأسى قلوب أولئك الذين أحبّوه. هذه اللّحظة كانت لّحظة نّعمة لأبن ادار؛ ارتعد حصانه من تحته؛ تأثر قلبه؛ لقد كان قلبه كالصخر الصلب؛ ألقى برمحه بعيداً، قرع صدره وصرخ : " مُبارك يكون الإله العلى، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ حقا أن هذا الرّجل كان ابن الرب! " أقنعت كلماته عديداً من الجنود، التي تبعوا مثاله، وتحوّلوا أيضاً إلى الإيمان بيسوع ربا وفاديا .
اصبح ابن ادار من تلك اللّحظة إنساناً جديداً؛ مُمجداً الإله الحقيقي، ولم يعد يخدم أعدائه. أعطى حصانه ورمحه إلى ضابط اسمه كاسيوس، الذي، بعد ما خاطب الجنود ببضع كلمات، أمتطي جواده، واخذ على عاتقة السّيطرة على المكان. ترك ابن ادار حينئذ الجلجثة، وذهب إلى وادي جِيحُونَ إلى مغارات في وادي هنوم، حيث اختبأ التّلاميذ، وأعلن لهم عن موت يسوع، وذهب بعد ذلك إلى المدينة، ليلاقى بيلاطس.
ما أن أعلن ابن ادار شهادته على الملأ بإيمانه بألوهية يسوع، حتى تبعه عدد كبير من الجنود، كما فعل أيضا بعض من الموجودين، وكثير من الفريسيون قرعوا صدورهم باكين وعادوا إلى بيوتهم، بينما مزق آخرون ملابسهم وأهالوا التراب على رؤوسهم، وامتلأ الجميع بالرّعب والخوف. نهض يوحنا وأتت بعض من النّساء القدّيسات اللواتي كنّ على مسافة قصيرة إلى العذراء المباركة وأخذوها بعيدا عن الصّليب.
عندما أسلم يسوع، رب الحياة, روحه في يدي أبيه، وسمح للموت أن يملك على جسده، أرتجف هذا الجسد المقدّس وصار شاحباً جداً؛ بدت الجراح الغير معدودة التي تغطت بالدم المتجمد كعلامات داكنة؛ خداه صارا غائرين أكثر، أنفه أكثر تدبّبا، وعيناه اللذان قد حجبا بالدّم، بقيتا شبه مفتوحة. رفع رأسه المرهق، الذي كان ما زال متوّجاً بالأشّواك، للحظة، وبعد ذلك سقط ثانية في معاناة الألم؛ بينما شفاهه الجافّة والممزّقة كانت مُغلقة جزئيا وبدا لسانه دّمويا ومنتفخ. في لحظة الموت فُتحت يديه، التي كانت قد تقلّصت حول المسامير فى وقت من الأوقات، فُتحتا وعادتا إلى حجمها الطّبيعي وكذلك ذراعيه؛ جسده أصبح جثّة، وثقله بالكامل قد أُلقي على قدميه، ركبتاه انحنتا وقدماه التفتتا قليلا على جانب واحد.
ما من كلمات ممكن أن تُعبر عن أسى العذراء المباركة, عيناها منًغلقتان، شاحبة كالموتى؛ عاجزة عن أن تقف, فسقطت على الأرض، لكن النساء أقمنها سريعاً واستندت على يوحنا والمجدلية والآخرون. نظرت أكثر من مرة على ابنها الحبيب, ذلك الابن الذي حبلت به من الروح القدس، إنه لحم من لحمها وعظم من عظامها وقلب من قلبها, على الصليب بين لّصين؛ مخزياً ومصلوباً، مُداناً من قبل من جاء إلى الأرض كي يخلصهم؛ ولعله جيّداً أن تُلقب في تلك اللّحظة بـ " ملكة الشهداء. "
الشّمس ما زالت تبدو خافتة؛ وخلال وقت الزّلزال كان الهواء راكداً وثقيل الوطأة‏، لكن مع الوقت اصبح صافياً ومتجدداً .
عندما مات يسوع كانت حوالي الساعة الثالثة. كان الفريسيون في بادئ الأمر مرتعبين من الزّلزال؛ لكن عندما مرت الصّدمة الأولى استعادوا أنفسهم، بدءوا يلقون الأحجار في الهوّة، وحاولوا أن يقيسوا عمقها بالحبال. اكتشفوا إنهم لا يستطيعوا أن يقيسوا عمق قاعها، اصبحوا مستغرقين في التفكير‏، يستمعون بقلق‏ إلى آهات النّادمين، الذين كانوا ينوحون ويقرعون صدورهم، وبعد ذلك تركوا الجلجثة. آمن عديد من الموجودين حقا، والجزء الأعظم منهم عاد إلى أورشليم مغلّوباً تماما بالخوف.
وُضع الجنود الرومان علي الأبوّاب وفي الأجزاء الرئيسية الأخرى من المدينة، ليمنعوا احتمال التمرد. بقى كاسيوس على الجلجثة مع حوالي خمسين جندياً. وقف رفاق يسوع حول الصّليب، يتأمّلون الرب ويبكون؛ عديد بين النّساء القدّيسات رجعن إلى بيوتهن، وكنّ صامتات ومغلّوبات بالأسى.
تأمل الرب يسوع
ها صليبي يَرْفعُ الآن. ها هى سّاعةُ افتداء العالمِ! أنا المشهد الذى سخرت منه الجموع ِ ....ِ لكنى أيضا من وقرته وأحبته النفوس. إن هذا الصّليبِ، حتى تلك اللحظة, كان آداه التّعذيبِ حيث يلقى المجرمون عليه حتفهم ، أنه سيصْبَحُ، من الآن فصاعداً، نور وسلام العالمِ.
سَيَجدَ الخطاة مغفرة وحياة في كتبي المقدسةِ. أن دمائي سَتَغْسلُ وتَمْحو آثامهم. النفوس النقية سَتَأتي إِلى جراحي المقدّسةِ كى تُنعش نفسها وكي يتأججون في محبّتي. سَيَأْخذونَ فيها ملجأً وسَيَجْعلونهاَ مسكنهم إلى الأبد.
أبتاه، أَغْفرُ لهم لأنهم لا يَعْرفونَ ما يفعلونَ، إنهم لم يتعَرفوا على من هو حياتهم.... لقَدْ تخلصوا من كل ضراوة ظلمهم فيه. لكنى أناشدك يا أبى! أطلقْ عليهم قوةَ رحمتكِ.
اليوم سَتَكُونُ معي في الفردوس، لأن إيمانكَ برحمةِ مُخلّصك قَدْ مَحا جرائمكَ. أن الرّحمة تَقُودكِ نحو الحياةِ الأبدية .
يا امرأة، هو ذا ابنك! يا أمي، ها هم أخوتي! أحميهم، أَحْبيّهم... إنهم لَيسوا بمفردهم .
وأنتَم، يا من بذلت حياتي من أجلهم، ها أنتم لديكم الآن الأمُ التي تستطيعون أَنْ تُناشدوها من أجل كل احتياجاتكم. لقَدْ وَحّدتُكم جميعاً بأشدِّ الأربطة عندما أعطيتكم أمي .
النفس يحق لها الآن أَنْ تَقُولَ ِلربها " إلهى, إلهى, لماذا تَركتني؟ " في الواقع، بعد أن حققت سر الفداء، الإنسان قد أَصْبَحَ ابن الرب مرة أخرى، صار أخاً ليسوع، وصار وارثاً للحياةِ الأبدية ....
أه يا أبتاه..... أنا عطشانُ لمجدكَ .... وقد حانت السّاعةِ. من الآن فصاعداً، ستتُحققُ كَلِماتي، سَيَعْرفُ العالم أنّك أنت من أرسلتني، وأنك ستكون مُمَجّدُاً!
أنا عطشانُ لمجدكَ، عطشان للنفوس.... وكي أَرْوي هذا العطشِ، سكبت دمي حتى القطرة الأخيرة! لهذا السبب أستطيع أَنْ أقول: قد أُكمل. أن سر الحب العظيم قَدْ أُكمل الآن؛ السر الذى من أجله قد تنازل الرب عن أبنه إِلى العالم كى يُعيدَ الحياة إِلى الإنسان .....لقد أتيت إِلى الأرضِ كى أَعمَلُ مشيئتك، أه يا أبى. إنها قد كمُلت الآن!
بين يديك, أستودع روحي. بهذه الطريقة تستطيع النفوس التي تَتممُّ مشيئتي أَنْ تقول بصدق " الكل قد أُكملُ " يا ربى وإلهي، تَسلمُ روحي....أنى أَضعها في يديكَ المحبوبتين .
لقد قدمت موتي إِلى أبي من أجل النفوس المحتضرةِ، وهم سَيكونُ لهم حياةُ. بصرختي ِ الأخيرة التى أطلقتها من على الصّليبِ، عَانقتُ كل الإنسانيةِ: الماضية والحاضرة والآتية. فورة النشاط القوية التى حررت بها نفسي من الأرضِ، قَدْ تلقيتها من أبى بحبِّ لانهائيِ، واغتبط كل السمائيين بها لأن إنسانيتي كَانَت داخلة في المجدِ. فى نفس اللّحظةِ التي أسلمتُ فيها روحي، قَابلتني حشود من النفوس : أولئك الذين رَغبوني من قرونَ مضت وأولئك الذينَ رَغبوني قبل بضعة شهور أو من أيام مضت، لكنهم جميعاً رَغبوني بشدة. هذه البهجةِ كَانتْ كافيةَ لتعوض عن كل المصاعبِ التى عَانيتْها.
يَجِبُ أَنْ تَعْرفَوا أنّ تذكارِ ذلك الاجتماع البهيجِ، حملني على أن أقَرّر أَنْ أُساعدَ المحتضرين وكثيراً من المرات صنعت هذا جهاراً, أنى أَعطيهم الخلاص لأُكرم أولئك الذين استقبلوني بمودّة في السّماءِ. لذا صلّوا من أجل هؤلاء المحتضرين، لأني اَحْبّهم كثيراً. فى كل مرة ستطلقون الصرخة الأخيرةَ التي قدمتها إِلى الأبِ، ستكونوا مُسْموَعُين لأن نفوساً كثيرة ستُعطي لي من خلال تلك الصرخة،
لقد كانت لحظة مبهجةِ عندما تجمّعتْ سوياً كل القوات السّماويةِ باغتباط مَنتظرةَ موتي، لقَدْ تقدّمَت نحوى. لكن من بين كل النفوس التي أحاطتني، كانت توجد نفس قَدْ غُمِرَت بوضوح، غُمرَت كثيراً، نفس كانت تتَلألأَ بالفرح، بالحب ... إنه يوسف الذى كان أكثر من أي شخص آخر، يفَهمَ المجدَ الذى اكتسبتُه بعد هذه المعاركِ القاسية. لقد قادَ كل النفوس التي كَانَت تَنتظرني؛ لقَدْ مُنِحَ أنْ يَكُونَ سفيري الأولَ فى عالم الانتظار. الملائكة برتبها، قدموا لى الإكرام بحيث أنّ بشريتي، المتألقة بالفعل، قَدْ أحيطت بعدد غير محدود مِن القديسين الذين وقروني ومَجّدوني.
أبنائي، لا توجد هناك صلبانُ مجيدةُ على الأرضِ؛ أنها كلها مُغلفة بالغموض وبالظّلمةِ وبالغضبِ. بالغموض لأنكم لا تَفْهمونها؛ بالظّلمةِ لأنها تُربك العقلَ؛ وبالغضبِ لأنها تَضْربُ بالضبط في المواضع التى لا تريدوا أن تضرب فيها.
لا تَنُوحواُ؛ لا تتوانوا. أنى أقول لكم أننى لم أحمل فقط الصّليبَ الخشبيَ الذي قادني نحو المجد، بل قبل كل شيء، حملت ذلك الصليب المخفيِ لكنه دائمَ الذي قَدْ تكون من صلبانِ آثامكمَ. نعم، ومن صلبان آلامكمَ. أن كل ما تَعانون منه كَانَ موضوع أحُزاني، لأنى لم أتألم فقط كى أَهبكم الفداء، بل أيضا من أجل ما ينبغي عليكم أَنْ تَعانوا منه اليوم. انظرْوا إلى الحبِّ الذي وَحّدني بكم؛ أن فيه تأكيداً لمشيئتي الإلهية فى توَحيّدْ نفوسكم بي، مُلاحظين كيف أنى عملت بمرارةِ بلا حدودِ.
لقَدْ اتَخذتُ قطعة من الخشب كرمزِ، صليب. لقَدْ حَملته بحبِّ عظيمِ، من أجل خير الجميع. لقَدْ عَانيتُ مأساة حقيقية لكي يستطيع كل شخصَ أَنْ يبتهج معي. لكن اليوم، كم نفساً تؤمن بمن أَحْبّكمَ حقاً ومازال يَحْبّكمَ؟ تأملوني وأنا بصورةِ المسيحِ الذي بْكى وَنْزفُ. هناك وبهذه الطريقة يستطيع العالم أن يتناولني.

22
الفصل الثامن والأربعون
صلب اللّصين
خلال وقت صلب يسوع، تُرك اللّصان راقدين على الأرض على مسافة قليلة؛ أياديهم مقيدة، ووقف بقربهما بعض الجنود. الاتهام الذي كان قد ثبت ضدهم أنهما اغتالا امرأة يهودية كانت مسافرة مع أطفالها من أورشليم إلى يافا. وكانا قد سجنا لوقت طويل قبل أن يُحاكما. اللّص الذى وُضع على الجانب الأيسر كان أكبر سناً بكثير من الآخر وكان يُدعى جيماس؛ لقد كان أثيماً مُحترفاً، وهو الذي افسد الأصغر الذى كان يدعى ديماس وهو اللص اليمين. كلاهما كانا ينتميان إلى عصابة من اللّصوص التى روعت تخوم مصر؛ وكانا يسكنان مغارة عندما كانت العائلة المقدسة هاربة إلى مصر، في وقت مذبحة الأطفال. الطّفل المسكين المصاب بالبرص، الذي برأ فى الحال بمجرد أن غُمر في الماء الذي كان قد استخدم لاستحمام الطفل يسوع، لم يكن سوى ديماس هذا، ومحبة أمّه، باستقبال وإكرام العائلة المقدّسة، قد كوفئ بعلاج طفلها؛ بينما كانت هذه التّنقية الخارجية رمزاً للتّنقية الدّاخلية التى تحققت بعدئذ في نفس ديماس على جبل الجلجثة، من خلال ذلك الدّم المقدّس الذي كان يُراق حينئذ على الصّليب لأجل فدائنا. لم يكن ديماس يعرف شيئاً على الإطلاق عن يسوع، لكن لأن قلبه لم يكن قاسياً، منظر الصّبر الهائل ليسوع أثر فيه كثيراً.
عندما أتم الجنود رفع صليب يسوع، أمروا اللّصين أن ينهضا بلا تأخير، وحلّوا قيودهم من أجل أن يصلبا فى الحال، لأن السّماء صارت مُكفهرة جدا مُنذرة باقتراب زوبعة. بعد إعطائهما بعض المرّ والخلّ، نزعوا لباسهما وربطا الحبال حول أياديهم، وبمساعدة سّلالم صّغيرة جروهما إلى أماكنهما على صّليبيهما. ثم قيد الجنود أياديهم إلى الصليبين بالحبال، وقيدوا رسغيهما وكوعيهما وركبهما وأقدامهما أيضاً، جذبوا الحبال جدا حتى تكسرت مفاصلهما وتدفق الدم منها وصرخا بصرخات حادة، واللص اليمين صاح بينما كانوا يجذبونه لأعلى " أن هذا العذاب لمخيف، لكن إن كانوا عاملونا كما عاملوا هذا الجليلى المسكين، لكنا هلكنا منذ فترة طويلة."
قسّم الجنود ملابس يسوع، من أجل أن يجروا قرعة بينهم؛ عباءته، وردائه الأبيض الطّويل والحزام والثوب الداخلي الذي تشبع بالكامل من دمه المقدّس. ولأنهم لم يتفقوا من سيصبح مالك العباءة التى نسجتها أمه والتى بلا خياطة والتى لا يمكّن أن تُقطّع وتُقسّم، أحضروا ما يشبه رقعة الشطرنج مرسومة بأشكال، وكانوا على وشك أن يلقوا قرعة، عندما أعلمهم رسول، مُرسل من قبل نيقوديموس ويوسف الرامى، أن هناك من يريد أن يشترى كل ملابس يسوع؛ حينئذ جمّعوا كل ثيابه وباعوها كلها معا وهكذا تملك المسيحيون هذه الآثار المقدَّسة‏ الثّمينة.

الفصل التاسع والأربعون
يسوع مُعلق على الصّليب بين لّصين

الهزّة الهائلة التى سببها سقوط الصّليب في الفتحة المُعدّة له جعلت الحواف الحادّة لتاج الشّوك، الذى كان ما زال على رأس مُخلصنا الحبيب، تنغرس بصورة أعمق في جسده المقدّس، وسال الدم لأسفل ثانية من رأسه ومن يديه وقدميه. ثم وضع الجنود سلالم على الصليب وصعدوا عليها وحلّوا الحبال التي كانت تقيد يسوع بالصليب .
دمه كان قد صار، بدّرجة معينة، راكدا فى موضعه الأفقي من ضغط الحبال، لكن عندما حلٌت الحبال، استأنف دمه جريانه المعتاد، وتسبّب حل الحبال فى ألام من جراحه الغير معدودة، حتى أنه أحنى رأسه، وبقى كما لو أنه ميت لأكثر من سبع دقائق. أنشغل فيها الجنود بتقسيم ملابسه؛ أبواق الهيكل لم تعد تدوّي؛ وكل فاعلي هذه المأساة المخيفة بدوا منهكين من الجهود التى بذلوها ليتمموا مهمتهم الشّريرة، وابتهج اليهود لنجاحهم أخيرا في جلب الموت إلى من حسدوه طويلا.
بمشاعر مختلطة من الخوف والشّفقة وجهت عيناي نحو يسوع، يسوع فاديّ، مُخلص العالم. رأيته ساكناً، بلا حياة تقريبا. شعرت كما لو أنى أنا نفسي يجب أن أنتهي؛ غُمر قلبي بالأسى والحبّ والفزع؛ فكرى كان نصف تائه، يداي وقدماي مشتعلتان بحرارة محمومة؛ كل عروقي وأعصابي وأطرافي أجهدت بألم متعذر وصفه؛ لم أر شيء بشكل متميّز، باستثناء عريسي الحبيب مُعلقاً على الصّليب. تأمّلت مُحياه المشوّه، رأسه المطوّق بتّاج الشّوك، فمه جَاف‏ ونصف مفتوح من الإعياء، شعر رأسه ولحيته مُلبد بالدّم. صدره مُمزّق ومجروح من ضربات العصي، كوعيه ورسغيه وكتفيه متورمين بشدة وتخلعوا تقريبا؛ يسيل الدم بشكل ثابت لأسفل من الجراح المفتوحة في يديه، واللّحم قد تمزّق عن ضلوعه التي كان ممكن إحصائها. ساقاه وفخذاه، مثل ذراعيه أيضاً، قد شُدت تقريبا حتى الخلع، اللّحم والعضلات بالكامل متعرّية حتى أن كل عظمة كانت مرئية، وجسده بالكامل تغطّى بجراح متضرَّجة بالدم‏. الّدم الذي تدفّق من جراحه كان في بادئ الأمر أحمر، لكنه اصبح خفيف ومائي، وكل مظهر جسده كان مظهر جثة جاهزة للدّفن. ومع ذلك، على الرغم من الجراح المروّعة التي تغطّى بها، على الرغم من حالة العار التي قد آل إليها، كانت ما زالت هناك تلك النّظرة المتعذر وصفها, نظرة النبل والطّيبة التي ملأت كل المشاهدين بالرّهبة.
وُضع صليبا اللّصين واحد على يمين صليب يسوع والآخر على يساره؛ كانت هناك مسافة كافية متروكة لراكبي الخيول ليجولوا بينهم. مظهر اللّصين على صليبيهما كان من الصعب تخيله؛ لقد عانا بشدة، والذي على الجانب الأيسر لم يتوقّف عن اللعن والسب. الحبال التي قُيدا بها كانت ضيّقة جدا، وسبّبت لهما آلاماً عظيمة؛ منظرهما كان شاحباً، وأعينهم ملتهبة وعلى وشك أن تُقتلع من محاجرها. علو صليبي اللّصين كان أقل بكثير من علو صليب يسوع .


23
الفصل الرابع والأربعون
يسوع فى جبل الجلجثة
تحَرّكَ الموكبُ ثانية؛ كَانَ الطّريق شديد الانحدار ووعراً جداً بين أسوار المدينةِ والجلجثةِ، وكَانَ يسوع يجد صّعوبةُ عظيمة في السير بحمله الثّقيلِ على كتفيه؛ لكن أعدائه القساة، بعيدا عن الشعورِ بأدنى شّفقةِ، ودون إعطائه أقل مساعدة، استمروا يَحْثونّه بضّرباتِ قاسية والتفوه باللّعناتِ المُخيفةِ. أخيراً وَصلوا إلى بقعةَ حيث الممر يتحول فجأة نحو الجنوبِ؛ هنا تَعثّرَ وسقط يسوع للمرة السادسة. السّقوط كَانَ مُخيفاَ، لكن الحرّاسَ ضَربوه بطريقة أقسى ليُجبرونه على النهوض، وما أن وصل إلى الجلجثةَ حتى سقط للمرة السابعة.
سمعان القيروانى قَدْ مُلئ بالتّذمرِ والرّحمةِ؛ على الرغم من إعيائه، رَغبَ فى البقاء رُبَما يُساعدُ يسوع، لكن الجنود شَتموه وأبعدوه، صار سمعان القيروانى بعد ذلك مسيحيا وتبع التلاميذ. أمر الجلادون العُمّال والأولاد الذين يحَملون آلات التّنفيذِ أَنْ يرحلوا، ووصل الفريسيون فى الحال، لأنهم كَانوا على صهوة الجيادِ، وقَدْ اَخذوا الطّريق الممهد السّهل الذي يمتد شرقِ الجلجثةِ. منظرَ مدينةِ أورشليم بالكاملِ كان يُرى من قمةِ الجلجثةِ. هذه القمةِ كَانتْ مستديرة ومحاطةَ بسور منخفضِ ولها خمسة مداخلِ منفصلةِ. إن هذا العدد كان أمراً عادياً في تلك المناطق، لأنه كانت هناك خمسة طرقُ عند الحمامات، في الموضع حيث يتعَمّدوا، في بركةِ بيت صيدا، وكان هناك أيضا عديد من المدنِ ذات خمس بوّاباتِ. من هذا، كما في عديد من الخواصِ الأخرىِ للأرضِ المقدّسةِ، كَانَ هناك مغزىَ نبويَ عميقَ؛ عددِ خمسة هذا كَانَ يرمِز إلى‏ جراحِ مُخلصنا المقدّسةِ الخمسة، التي فْتحَت لنا أبوّاب السّماءِ.
توقف الخيالة عند الجانبِ الغربيِ للجبلِ، حيث لم يكنَ المنحدر شديد الانحدار؛ لأن الجانبِ الذي أتى منه يسوع كَان وعراً وشّديد الانحدار. أنتشر حوالي مائة جندي فى أجزاءِ الجبل المختلفةِ، ولأنه كان مطلوب خلو المكان، لم يُحضر اللّصان لأعلى، بل أمروا أَنْ يَتوقّفا قبل أن يصِلوا هناك، وأَنْ يرقدا على الأرضِ وأياديهم مقيدة بصليبيهما ووقف الجنود حولهما ليحَرسوهما، بينما وقفت جموع الناس الذين لم يخشوا من تَدْنيس أنفسهم قُرْب الرّصيفَ أو على المرتفعاتِ المُجَاوِرةِ؛ هؤلاء كَانوا في الغالب من الغرباءِ من الطبقات الدنيا ومن العبيد الوثنين، وعدد منهم كَن من النِساءَ.
كانت حوالي الساعة الثانية عشر إِلا ربعاً عندما وصل يسوع لموضع الصلب. جره الجلادون البرابرة لأعلى بالحبالِ التي رَبطوها حول خصره، وبعد ذلك حَلواَّ ذراعي الصّليبِ والقوهما على الأرضِ. منظر إلهنا المباركِ في هذه اللّحظةِ كَان حقاً يُحرّكَ أقسى القلوب نحو الرحمة؛ لقد وَقفَ أو بالأحرى انحنىَ على الصليب، لكونه قادراً بالكاد أن يسندِ نفسه؛ مُحياه السّماوي كَان شاحبا كما لشخصِ على حافة الموت، على الرغم من‏ أن الجراح والدماء شَوّهته لدرجةِ مخيفةِ؛ لكن قلوبَ هؤلاء الرّجالِ القساة كَانت للأسفً! أقسى من الحديدِ نفسه، وبعيدا عن إظهار أدنى رثاء له، طرحوه أرضاً بوحشية، صائحين باسْتِهْزاءِ : " أيها الملك القدير، ها نحن عَلى وَشَكِ أَنْ نَعدَّ لك العرش " وَضعَ يسوع نفسه فوراً على الصليب، وقِاسوه ووضعوا علامات فى أماكن قدميه ويديه، بينما استمر الفريسيون فى أهانه ذبيحتهم المستسلمة. عندما انتهوا من القياس، اقتادوه إِلى مغارة منحوتة في الصّخر، كَانت تُستعملْ فى السابق كقبوِ، فَتحواَ البابَ، ودَفعوه بغاية القسوة حتى أنه لولا مساندةِ الملائكةِ، لانكسرت ساقاه بالسقوط الصّعبِ جداً على الأرض الحجريةِ. لقد سَمعتُ آهات آلامه بوضوح، ثم أغلقوا البابَ بسرعة، ووَضعوا حرّاساً أمامه، وواصل الجنود إعدادهم للصليبِ. منتصف الرّصيفِ كَانَ جزءاً أكثر ارتفاعا، كان عبارة عن ربوة مستديرة، ترتفع قدمين تقريبا، وكان على المرء أَنْ يَصْعد درجتين أو ثلاث ليَصلَ إليها. حفر الجلادون ثلاث حفر للصّلبانِ الثّلاثة في قمةِ هذه الربوة، وَضعوا صليبى اللّصين واحد على يمينِ صليب يسوع والآخرِ عن يساره؛ كان كليهما أقل ارتفاعا من صليبه. ثم حَملوا صليب مُخلصنا إِلى البقعةِ حيث نَووا أَنْ يَصْلبوه، ووَضعوه بطريقة بحيث يَسهل سْقوطه في الفتحةِ المُعدة له. رَبطوا ذراعي الصليب بقوة بالجزء الطولي، سَمّرواَ قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصليب حيث ستستند القدمين، ثقبوا أماكن المسامير، وجوفوا أماكن مختلفة في الخشب في الأجزاءِ التي بها رّأس وظهر المسيح، من أجل أن يستقر جسده على الصليب، بدلاً من يَكُونُ معلّقاً منه. هدفهم من هذا لم يكن رحمة منهم بل كَان إطالةَ مدة تعذيبه، لأن لو سُمح لوزنَ الجسد بالكاملَ أَنْ يتدلى من الأياديِ لتمزقت فتحاتِ المسامير تماما ويموت بسرعة أكثر مما يريدون. ثم جلب الجلادون قِطَعاً من الخشب يستعملوها كأوتاد ليحفظوا بها الصّليب قائماً.


الفصل الخامس والأربعون
مريم والنّساء القديّسات فى الجلجثة .

مع أن العذراء المباركة كانت قَدْ حُملت بعيدا غائبة عن الوعي بعد اللقاء الحزينِ مع ابنها وهو حاَملا صليبه، إلا أنها استعادتْ وعيَها سريعا؛ لأن حبّها ورغبتها المتوهجة لرُّؤيته مرة أخرى، منحها شّعوراً خارقاً بالقوةِ. ذَهبتْ بصحبة مرافقيها إلى دارِ لعازر حيث تجمعت مارثا والمجدلية وعديد من النِّساءِ القديّساتِ مسبقا. الجميع كن حزانى ومُحبَطات، لكن المجدلية لم تتَمَكّنَ من حبس دموعها وبكائها. لقد بَدأن يسرن من هذه الدّارِ طريق الصّليبِ، بعبارة أخرى، لقد أردن أَنْ يَتْتبعن كل خطوه خطاها يسوع في هذه الرحلةِ الأكثر ألماً. حَسبَت مريم كل خطوةِ، ولَكُونُها أنَيّرتَ بشكل داخلي، أشارت إِلى مرافقيها إلى تلك الأماكنِ التي قَدْ كُرّستْ بآلام خاصة. حينئذ جاز السّيفَ الحادَّ الذى أنبأ به سمعان الشيخ فى البداية في قلبِ مريم, ذلك الولاءِ المؤثر الذى مارسته بشكل ثابت مَنحته مريم لمرافقيها، وهم بدورهم تَركوه لأجيالِ المستقبلِ، عطية ثمينة حقاً، مَُنحَت مِن قِبل إلهنا لأمه الحبيبةِ، والتى جازت من قلبها إِلى قلوبِ أولادها من خلال صّوتِ التّقليد.
عندما وَصلن النِّساءِ القدّيساتِ إلى دار فيرونيكا دَخلنه، لأن بيلاطس وضبّاطه كَانوا في ذلك الوقت يمرون خلال الشّارعِ، فى طريقهم للرجوع. لقد انفجرن باكيات عندما رأين وجه يسوع مطَبوعاً على الشال، وشكرن الرب على تلك العطية التى مَنحَها لخادمته الأمينة. آخذن النّبيذِ الذي منع اليهودِ يسوع من شُرْبِه، وبَدأَن معا المسير نحو الجلجثة. أزداد عددهم إلى حدٍّ بعيد، لأن عديد من الرّجال والنِّساء الأتقياء الذين ملأتهم آلام إلهنا بالرّحمةِ قَدْ انضموا إليهن، وارتقوا ‏الجانبَ الغربيَ للجلجثةِ، حيث المنحدرِ هناك لم يكنَ عظيما. أم يسوع برفقةَ ابنه أختها، مريم أبنه كلوبا ويوحنا وسالومه ذَهبن لحدود الرّصيفِ المستديرِ؛ لكن مرثا ومريم التى لهالى وفيرونيكا ويوحانان وخوزي وسوسنا ومريم أمّ مرقص بَقين مع المجدلية، التي استطاعت أَنْ تسند نفسها بصعوبة.
أسفل الجبلِ كانت هناك مجموعةَ ثالثة من النِّساءِ القدّيساتِ، وكان هناك بعض الأفرادُ المُبَعثَرين بين المجموعاتِ الثّلاث، كانوا يحَملون الرسائل من مجموعة إِلى الأخرِى. الفريسيون الذين يمتطون الجيادِ كانوا يجولون ذهاباً وإيابا بين الشعبِ، وكانت المداخل الخمسة بحراسة الجنودِ الرّومان. ثبتت مريم عينيها على بقعةِ الصلب، ووَقفتْ وكأنها مسلوبة القلب، لقد كان حقاً منظر يُروّعَ ويُمزّقَ قلب أى أمِّ. كان هناك الصليب الرهيب‏، المطارق، الحبال، المسامير، وبمحاذاة آلاتِ التعذيب المخيفةِ هذه وَقف الجلادون المتوحشون، نصف سكارى وتقريباً بلا ملابس، يلعنون ويجدفون، بينما يعدون أنفسهم. ازدادتْ آلام العذراءِ المباركةِ بشّدة لكونها لم تكن قادرة على رؤية ابنها؛ عَرفتْ أنّه ما زالَ حياً، وشَعرتْ برغبة متوهجة فى أَنْ تَنْظره مرة أخرى، بينما التفكيرَ فى العذابِ الذى ما زالَ عليه أَنْ يَتحمّلَه جعِلَ قلبها يفيض بالأسىِ.
كان قليل من الندى قد سْقط خلال بعض أوقات الصّباح، لكن الشّمسَ أشرقت بعد العاشرة، وضباب أحمر كثيف بَدأَ يحجبها نحو الثانية عشرَ.

الفصل السادس والأربعون
تسمير يسوع على الصّليب

ذهب أربعة جنود إلى المغارة حيث حبسوا يسوع وجروه خارجاً بوحشيتهم المعتادة، بينما الغوغاء ينظرونه ويُهينونه بإهانات بالغة، والتزم الجند الرّومان الحياد، ولم يفكّروا فى شيء سوى بإصدار الأوامر. عندما اقتيد يسوع ثانية، أعطت النّساء القديّسات رجل بعض المال، وناشدنه أن يقدم للجنود أي شئ يطلبوه إن سمحوا ليسوع أن يشرب النّبيذ الذي أعدته فيرونيكا؛ لكن الجنود القساة، بدلا من أن يعطونه ليسوع، شربوه هم.
كان مع الجنود إناءان، إحداها يحتوى على خل ممزوج بالمر، والآخر خليط من نّبيذ الممزوج بالمرّ والحنظل؛ فقدموا قدح من الخمر الممزوجة ليسوع، الذي بعد أن تذوقه، لم يشاء أن يشرب منه.
كان هناك ثمانية عشر جندياً فى موضع الصلب؛ السّتة الذين جلدوا يسوع، الأربعة الذين اقتادوه إلى الجلجثة، اثنان حملا الحبال التي دعمت الصليب، والستة الآخرون جاءوا لغرض صلبه. كانوا يختلفون عن اليهود أو الرومان؛ كانوا رجالا قصار القامة، ذوى مظهر شرس، بالأحرى يشبهون الوحوش، وهم الذين نفذوا عملية الصّلب.
هذا المشهد رأيته بصورة مخيفة برؤية الشّياطين، التى كانت غير ظاهرة للآخرين، رأيت أجساماً كبيرة من الأرواح الشّريّرة تحت أشكال ضّفادع وثعابين وتنانين وحشرات سامّة، يحثونّ هؤلاء الرّجال الأشرار على أن يكونوا بأعظم قسوة، واظلموا الهواء تماما. زحفوا في أفواههم وقلوبهم، جلسوا على أكتافهم، ملئوا أذهانهم بصّور شّريرة، وحرّضوهم على أن يشتموه ويهينوه بكل وحشية.
وقفت الملائكة الباكية حول يسوع، ومنظر دموعهم واساني قليلاً، وقد رافقتهم ملائكة المجد. كانت هناك أيضاً ملائكة الرّحمة وملائكة التّعزية التى كانت تقترب من العذراء المباركة بشكل متكرر ومن بقية الأشخاص الأتقياء الذين تجمّعوا هناك، وهمسوا بكلمات الرّاحة التي مكّنتهم من أن يتحمّلوا الموقف بثبات .
فى الحال نزع الجنود عباءة يسوع والحزام الذي رُبطت به الحبال وحزامه الخاص، عندما وجدوا أنه من المحال أن ينزعوا رداءه الصّوفي الذي كانت أمه قد نسجته له من على رأسه، بسبب تاج الشّوك؛ مزّقوا التاج المؤلم وهكذا تفتحت كل جراحه من جديد، واستولوا على الرداء. وقف إلهنا الحبيب ومُخلصنا عارياً أمام أعدائه القساة إلا من سترة قصيرة كانت على كتفيه، والملابس الكتانية التي تستر عريه. رداؤه الصوفي كان قد التصق بالجراح، ومن المتعذر وصف آلامه عندما نزعوه عنه بالقوة. لقد ارتجف من الألم، لقد كان بغاية الضعف والألم من نزف الدّم حتى أنه لم يتمكّن من أن يسند نفسه أكثر من بضع لحظات؛ لقد تغطّى بالجراح المفتوحة، وكتفاه وظهره قد تمزّقا حتى العظام من الجلد المخيف الذى ناله. لقد كان على وشك أن يسقط عندما أقتاده الجنود إلى حجر كبير وأجلسوه عليه بقسوة، خوفاً من أن يموت، وهكذا يحرمهم من مسّرة صّلبه، لكن ما أن أجلسوه حتى جددوا آلامه بوضع تاج الشّوك ثانية على رأسه. ثم قدموا بعض الخلّ الممزوج بالمر، لكنه لم يشأ أن يشرب واستدار في صّمت.
لم يسمح له الجنود أن يستريح طويلاً، بل أنهضوه ووضعوه على الصّليب الذي سيسمّرونه عليه. ثم أمسكوا بذراعه اليمين وسحبوها حتى الفتحة المعدة للمسمار، وأوثقوها بأحكام بحبل، جثا واحد منهم على صدره، بينما أمسك آخر بيدّه ليجعلها مفتوحة، والثالث أمسك بمسمار غليظ وطويل، غرزه فى راحة يده المفتوحة، التي كانت دوما مفتوحة لتمنح البركات والحسنات لليهود الجاحدين، وبمطرقة حديدية عظيمة جعله يخترق راحة يده وينفذ خلال الفتحة المُعدة من قبل في خشبة الصليب. تأوه يسوع بآهة واحدة عميقة مكتومة، وتدفق دمه وانتثر على أيدي الجنود. كانت المسامير كبيرة جدا، رّؤوسها بحجم قطعة النقود، وسّمكها كسمك إبهام الرجل.
وقفت العذراء المبارك ساكنة؛ من وقت لآخر يُسمع منها صوت أنين حزين؛ بدت كما لو أنها تغيب عن الوعي من الأسى، والمجدلية كانت بجانبها .
بعدما سمر الجنود يدّ يسوع اليمنى، أدركوا أنّ يده اليسرى لن تصل إلى الفتحة التى أعدوها مُسبقاً لنفاذ المسمار فيها، لهذا ربطوا ذراعه اليسرى بالحبال، ودعموا أقدامهم فى الصليب، شدوا اليد اليسرى بقسوة حتى وصلت المكان المُعد لها. هذه العملية المخيفة سبّبت ليسوع آلاماً يتعذر وصفها، صدره ارتفع، ساقاه تقلّصتا تماما. جثوا ثانية فوقه، أوثقوا ذراعيه، وسمروا المسمار الثّاني في يده اليسرى؛ تدفق دمه ثانية، وآهاته الضّعيفة سُمعت أكثر من مرة بين ضربات المطرقة، لكن لا شيء كان ممكن أن يحرّك قلوب هؤلاء الجنود القساة. هكذا امتدّت ذراعا يسوع، لم تعدا تغطّيان ذراعي الصّليب، اللتان كانتا منحدرتين وكان هناك فراغ واسع بينها وبين إبطيه.
كل عذاب وإهانة وقعت على يسوع سبّبت آلاماً جديدة لقلب أمه المباركة؛ لقد صارت شاحبة كجثة، بل أن الفريسيون سعوا لزيادة آلامها بكلمات وإيماءات مهينة، فأخذها التلاميذ إلى مجموعة من النساء التقيات اللاتي كن يقفن على بعد قليل .
ثبت الجنود قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصّليب حيث ستُسمر قدما يسوع، لأن ثقل جسده لن تتحمله ثقوب راحة يديه، وأيضاً لكى تمنع كسر عظام قدميه عندما تسمّر على الصّليب. كانت هناك فتحة مُعدة فى الخشبة لينفذ فيها المسمار بعدما ينفذ من قدميه، وكان هناك أيضاً مكان صغير مجوف لأجل عقبيه, هذه التدابير الوقائية‏ قد اتخذت خشية أن تتمزق جراحه وتنفتح من قبل ثقل جسده، ويموت قبل أن يعانى كل التّعذيب الذي تمنّوا أن يروه وهو يُقاسيه على الصليب.
جسد يسوع بالكامل قد سُحب لأعلى، وتقلّص من الطريقة العنيفة التي مددّ بها الجنود ذراعيه، وركبتاه تقلصتا لأعلى؛ لهذا فردوها وقيدوها لأسفل بالحبال بإحكام؛ لكن سريعاً أدركوا أن قدميه لن تصلا لقطعة الخشب التي وضعوها لتستقر القدمان عليها وصاروا غاضبين. اقترح بعضهم عمل فتحات جديدة للمسامير الخاصة بيديه، لأنه ستكون هناك صعوبة في إزالة قطعة الخشب، لكن الآخرين لم يتوقفوا وصاحوا : " أنه لن يمدّ نفسه لكننا سنساعده " ورافقت هذه الكلمات الأقسام واللّعنات، وبعد ما ربطوا حبلاً بساقه اليمنى، سحبوها بقسوة حتى وصلت للخشبة، وبعد ذلك ربطوها بإحكام. الآلام التى جازت على يسوع من هذا الشد العنيف لمن المتعذر وصفها؛ " إلهي، إلهي " أفلتت هذه الكلمات من شفاهه، وزاد الجنود من ألمه بربط صدره وذراعيه بالصليب، خشية أن تتمزق الأيادي من المسامير. ثم ثبتوا قدمه اليسرى بقدمه اليمنى، جاعلين أولاً فتحة فيهما بمثقاب, لأنهم لم يستطيعوا أن يضعوهما بمثل هذا الوضع ليسمّرا معاُ. بعد ذلك اخذوا مسماراً طويلاً جدا وأنفذوه بالكامل فى كلتا القدمين وفي الصّليب، لقد أحصيت على الأقل ستة وثلاثون ضربة من المطرقة.
خلال فترة صّلب الرب لم يتوقّف يسوع عن الصلاة، وترديد فقرات من المزامير التي كان يرددها، مع ذلك, من وقت لآخر كان يُسمع أنين ضعيف بسبب زيادة الألم. بهذه الطريقة كان الرب يصلّى عندما كان يحمل صليبه، وهكذا استمرّ يصلّي حتى موته. سمعته يردد كل هذه الّنبوءات وكرّرتها بعده .
عندما انتهى صلب يسوع، أمر قائد الجنود الرّومان أن تُسمر اللوحة التى أمر بها بيلاطس على قمة الصّليب. أثار هذا سخط الفريسيون، وأزداد غضبهم من سخرية الجنود الرّومان، الذين أشاروا إلى ملكهم المصلوب؛ لذا تعجّل الفريسيون فى الرجوع إلى أورشليم وقد قرروا أن يبذلوا أفضل مساعيهم ليقنعوا الحاكم أن يسمح لهم أن يستبدلوا اللوحة بلوحة أخري.
كانت الساعة حوالي الثانية عشر والربع عندما صلب الرب يسوع؛ وفي اللحظة التى أرتفع فيها الصّليب، دوّت أبواق الهيكل، التي كانت تدوي دائما لتعلن عن ذبح حمل الفصح.
تأمل الرب يسوع
انظرْوا بأية قسوةِ التف حولي هؤلاء الرّجالِ القساة. بعضهم جذب الصّليبِ ووضعوه على الأرضِ؛ الآخرون يُمزّقونَ ملابسي المُلتصقة بجراحي فانفتحت مرة أخرى فتفجرت الدماء منها.
انظروا يا أبنائي الأحباء، بأي خجل وخزي عانيت برُؤيةَ نفسي بهذه الطّريقةِ أمام هذه الحشود الهائلة ِ....أى ألم تجرعته نفسي ؟!
الجلادون يُنزعون ردائي ويلقوا قرعَة علية؛ هذا الرداء كثيرا ما غَطّتني به أمي بكثير من العنايةِ خلال طفولتي، وقَدْ نَما مع نموي. ماذا ستكون أحُزانَ أمي عندما تَتأمّلَ هذا المشهدِ؟ كم كَانتْ ستَرغب أَنْ تَحْتفظَ بذلك الرداءِ، إنه ملوّث الآن ومشبع بدمائي.
لكن السّاعةَ قَدْ حانت ومددني الجلادون على الصّليبِ، أمسكوا ذراعيّ وجذبوهما كى يَصلا للثقوب المُعدة فيه من قبل. كل جسدي تَمزق، لقد تلويت من جانب لآخر وأشواك إكليل الشوك اَنغرست بصورة أعمقَ في رأسي. أصغْوا إلى الضّربةِ الأولىِ للمطرقةِ التي سَمّرتَ يديّ اليمني...أن صوتها يَدوّي حتى أعماقِ الأرضِ.... أصغوا أكثر ... ها هم يُسمّرونَ يدى اليسرى، أمام مثل هذا المنظرِ، ارتعدت السّماوات، وطرحتُ الملائكة نفسهما. لقد اَحتْفظُت بأعمق صّمتَ. لا شكوىُ، ولا أنينُ أفلت من شفاهي، لكن دموعي اَختلطُت بالدّماءِ التى غَطت وجهي.
بعد ما سَمّروا يديّ، جذبوا قدمّي بقسوة... تَفْتحتُ جراحي، تمزقت أعصاب يديّ وذراعيّ، تَخْلعت العظام... أن الآلام لرهيبة! قدماي تُسمّرتاُ ودمي تخلل الأرضَ!....
تأمّلْوا للحظةِ هذا الدّمِ الذى لَطّخَ الأياديَ والأقدامَ ....تأمّلْوا هذا الجسدِ العاريِ، هذا الجسد المُغَطّى بالجراحِ والعرق والدم والأوَساّخْ .... تأملوا هذه الرّأس المثقوبة بالأشّواكِ الحادّةِ، المنقّوعة في العرقِ، المملوءة بالترابِ والمُغَطاة بالدّمِاء .
تعجبوا من الصّمتَ، تعجبوا من الصّبر والخضوع الذي قْبلُت به كل هذا الآلام. من الذى تألم بمثل هذا، من الذى ضحى بمثل هذا الإذلالِ؟ إنه ابن الإله! إنه من صنع السّماوات، إنه من أوجد الأرض والبحار، إنه من صنع كل الموجودات .... أنه خاَلقَ الإنسان، أنه من ثبّت المسكونة بقدرته الأزلية... أنه هناك بلا حراك, مُحتَقَراًُ، عارياً، وستتبعه حشود من النفوس التى ستَتْركُ من أجله الممتلكات الدنيوية، سيتركون من أجله العائلة والأوطان، سيتركون الكرامة ومحبة الذات، سيتركون مجد العالم وكل ما هو ممكن أَنْ يَكُونَ ضروري, وسيتبعونه كى يَعطوه المجد ويُظهروا له الحبّ الذى يُكنوه له
تفطني يا ملائكة السماء، وأنتم أيضاً يا أحبائي ... ها هم الجنود سيقلبون الصّليب على ظهره، ليثبّتوا المسامير حتى لا تنخلع بتأثير ثقل جسدي مما قد يؤدى إلى أن أسقط. ها هو جسدي سيعطي الأرض قبلة السّلام الآن. وبينما كان صوت المطارق يدوى خلال الفضاء الخارجي، اكتمل عند قمة الجلجثة المشهد الأكثر من رائع .... وبناء على طلب أمي التي عايشت كل ما كان يَحْدثُ وبَكُونهاُ كانت عاجزة عن أَنْ تُعطيني الراحة، التمست الرحمةَ من أبي السّماوي.... َنْزلت طغمات من الملائكةِ كى تُمجّدَ جسدي، وكي تبقيه هكذا كى لا يَمْسُّ الأرض، لتجنّبهَ أن ينَسْحق تحت ثقل الصّليبِ.
تأمّلواْ يسوعكَم، مُعلقاً على الصّليبَ، عاجزاً عن القيام بأدنى حركة... عارياً، بلا سمعة، بلا شرف، بلا حرية... لقَدْ سلبوا منه كل شيء! لم يكن هناك من يشفق عليه ويَشْعرُ بالآسف لآلامه! أنه فقط من يتلقى العذاب والسخرية والهزء! إن كنتم تَحْبونّني حقاً، فهَلْ سَتَكُونونُ مستعدينَ أنْ تقتدوا بى؟ ما الذى سَتَرْفضُونه كى تُطِيعوني، كى تُسروني وتَواسوني؟ اطرحوا ذواتكم على الأرض ودعوني أُقول لكم بضع كَلِماتَ: ليت مشيئتي تملك عليكم! ليت محبّتي تسحقكم ! ليت آلامكم تُمجّدني!


الفصل السابع والأربعون
نصب الصّليب

عندما انتهى الجنود من صلب يسوع، ربطوا الصليب بالحبال، وثبتوا نهايات هذه الحبال حول دعامة ثبّتت بشكل قوي في الأرض علي بعد قليل، وبهذه الحبال نصبوا الصّليب. البعض منهم سندوه بينما دفع الآخرون قاعدته نحو الحفرة المعدّة لتثبيته, سقط الصليب الثّقيل في هذه الحفرة بصدمة هائلة، تأوه يسوع بصرخة واهنة، وتمزّقت جراحه بطريقة مخيفة وتفجرت دمائه ثانية، وعظامه النّصف مخلوعة أحتك بعضها ببعض. دفع الجنود الصّليب ليجعلوه بشكل شامل في الفتحة، وجعلوه يتأرجح ليغرسوا خمسة أوتاد ليثبتوه .
منظر رهيب، لكن في نفس الوقت مؤثر أن تنظر الصّليب منتصباً في وسط حشد عريض من الأشخاص الذين تجمّعوا جميعاً حوله؛ لم يكن هناك الجنود والفريسيين المفتخرون وغوغاء اليهود القساة فقط، بل كان هناك أيضاً غرباء من كل الجهات.
لقد رددوا فى الفضاء هتافات ونّداءات سّاخرة عندما نظروا الصليب مرتفعاً عالياً، الذى بعدما تأرجح للحظة في الجو، سّقط بصدمة عنيفة في الفتحة التى أُعدت له في الصّخور. لكن دوّت فى الفضاء في نفس اللّحظة كلمات الحبّ والشّفقة؛ وهذه الكلمات والأصوات صدرت من الكلية القداسة, مريم العذراء, ويوحنا والنّساء القديّسات وكل أنقياء القلب, لقد ركعوا ومجّدوا الكلمة الذى صار جسداً مسمّراً على الصّليب؛ مدّوا أياديهم كما لو إنهم يتوقون أن يٌعينوا قدّوس القديسين، الذي نظروه مسمّراُ على الصّليب. لكن عندما سُمع صّوت سقوط الصّليب في الفتحة المعدةّ له في الصّخر، ساد صمت رهيب، امتلأ كل قلب بشعور غامض من الرّهبة والحنو لم يحدث أن جُرّب من قبل مطلقا، ولا يستطيع أحد أن يصفه حتى لنفسه؛ كل سجناء جهنم ارتجفوا بالرّعب، ونفّسوا عن تهيّجهم بالسعي إلى تحريض أعداء يسوع أن يواصلوا غضبهم ووحشيتهم؛ النفوس التى في عالم الانتظار امتلئوا بالبهجة والأمل، لأن الصّوت كان بالنسبة لهم بشير السعادة، مقدمة لظهور مُحررهم. هكذا زٌرع الصّليب المُبارك لإلهنا لأول مرة على الأرض؛ وجيّداً أن نقارنه بشجرة الحياة التى في الفردوس، لأن جراح يسوع كانت كينابيع مقدّسة، يتدفّق منها أربعة أنهار تستطيع أن تنقّي العالم من لعنة الخطيئة، وأن تعطيه خصوبة، لكي ينتج ثمار الخلاص.
الربوة التى غُرس الصّليب عليها كانت تعلو حوالي قدمين عن الأجزاء المحيطة بها؛ كانت قدمي يسوع قريبة من الأرض بما يكفى لأحبائه أن يصلوا إليها ليقبّلوها، ووجهه كان يتجه نحو الشمال الغربي.

24
الفصل الأربعون
حِمل‏ الصّليب
عندما ترك بيلاطس المحكمةَ تبعه جماعة من الجنودِ، وصاحبوا المذنبين. جاء ثمانية وعشرون فريسياً مُسَلَّحاً إِلى الساحة على الجيادِ، من أجل أَنْ يُرافقَوا يسوع إِلى موضع تّنفيذِ الحكم، ومن بين هؤلاء كَان أعداءَ يسوع السّتة، الذين سَاعدوا في اعتِقاله في بستان الزّيتونِ. أقتاد الجنود يسوع إلى منتصفِ القاعةِ، طرح العبيد الصّليبَ عند قدميه، والذراعان قَدْ رُبِطا حالاً على القطعة العمودية. ركع يسوع بجانبه، طَوّقه بيديه المقدّسةِ، وقَبّله ثلاث مرات، موجهاً في نفس الوقت، صلاة شكر مؤثرة للغاية إِلى أبيه السّماويِ لأجل عملِ الفداء الذي قَدْ بَدأهَ. لقد كان التقليد بين الأمم أَنْ يُعانقَ الكاهن المذبح الجديد، ويسوع بمثل ذلك عَانق صليبه، ذلك المذبحِ الجليلِ الذي كَان عَلى وَشَكِ أَنْ تُقدم عليه الذبيحة الدّمويةِ والكفاريةِ. أنهضه الجنود وبعد ذلك سْجدُ ثانية، ووُضع الصّليبِ الثّقيلِ على كتفه الأيمنِ، سانداً وزنه العظيمَ بيدّه اليمنى بينما كَانَ على رُكَبتيه وكان ما زالَ يَصلّي .
وضع الجلادون أذرع الصليبان الآخرين على ظهرِ اللّصين، ورَبطواْ أياديهم بإحكام بها. الأجزاء العمودية للصّليبينِ حملها بعض العبيد، لأن القِطَعِ المستعرضةِ لم تكن مثبتة حتى قبل وقتِ التّنفيذ. أعلن صَوّتَ البوقُ مغادرة خيالةِ بيلاطس، وجاء أحد الفريسيون الذى ينتمى إلى الحرس إِلى يسوع، الذي كان لا يزالَ راكعاً وقالَ له " انهض، لقد أَخَذنا كفايتنا من الكلام المعسول؛ اَنْهضُ للمسير " لقد أقاموه عنوة، لأنه كَانَ عاجزَا بالكليةً عن أَنْ يَنْهضَ بدون مساعدة، وشَعر على أكتافه بثقل ذلك الصّليبِ الذي يَجِبُ أَنْ نَحْملَه خلفه، طبقاً لوصيته الصادقة والمقدّسة بأَنْ نتبعه. هكذا بَدأَ ذلك الموكبِ المنتصرِ لملكِ الملوكِ، موكب بغاية الخزي على الأرضِ، وبغاية المجد في السّماءِ.
سند جنديان الصليب بواسطة الحبال التي ربطها الجلادون به، ليَمْنعَا تُشَابَكه في أي شئ، وأمسك أربعة جنود آخرين بالحبالِ الأربعة، التي رَبطوها بيسوع أسفل ملابسه. منظر إلهنا الحبيب مَرتجف تحت حمله، ذَكّرني بإسحاق، عندما حَملَ حطبَ محرقته إلى الجبلِ. أعلن بوق بيلاطس الأمر ببدء الموكب، لأنه نَوى أَنْ يَذْهبَ بنفسه إلى الجلجثةِ علي رأسِ فصيلةِ من الجنودِ، ليَمْنعَ أى إمكانية للتمردِ. كَانَ على صهوة جوادِ، مُغطى بدّرعِ ومحاطَ مِن قِبل ضّبّاطه وسلاح الفرسانِ، ويتبعه حوالي ثلاثمائة من المشاةِ. تقدم الموكب نافخ البوق الذي نفخ بوقه في كل زاويةِ وأعلن الحكم. سار عدد من النِّساءِ والأطفالِ خلف الموكبَ بالحبالِ والمسامير والأوتاد وبسلال ممتلئة بأشياء مختلفةِ في أياديهم؛ الآخرون، الذين كَانوا أقوىَ، حملوا السلالم والقطع الرأسية لصليبي اللّصين، وتَابع بعض من الفريسيون الموكب على ظهور الجيادَ. حمل صبى اللوحة التى كتبها بيلاطس للصليب، حَملَ أيضا علي طرف عصى طويلةِ إكليل الشوك الذي كان قَدْ أزيل عن رأس يسوع، أنه لم يبدُو شّريرا وقاسياِ مثل الباقينِ. بعد ذلك رأيت مُخلّصنا المباركَ وفادينا, قدميه عاريتين ومتورمين تَنزفان وظهره منحنى كما لو كَانَ عَلى وَشَكِ الغرقَ تحت الوزنِ الثّقيلِ للصّليبِ، وجسده بالكامل مغَطّي بالجراحِ والدّمِ.
بَدا بغاية الإعياءِ لكونه لم ينام ولا شرب منذ عشاء اللّيلةِ السّابقةِ، بدا ضعيف من نزف الدّماءِ، ظمآن نتيجة الحمىِ والألمِ. لقد كان يسند الصّليبَ الموضوع على كتفه الأيمن بيدّه اليمنىِ، يده اليسرى تدلت بضعف بجانبه، لكنه حاول من وقت لأخر أَنْ يمسك بها رداؤه الطّويل ليَمْنعَ قدميه النَّازِفتين من أن تتُشَابَكا معه. سار الجنود الأربعة الذين أمسكوا بالحبال التي رُبِطتْ حول خصره بعيدا عنه قليلا، الاثنان اللذان فى الأمامِ يسحبانه، والاثنان اللذان فى الخلف كانا يجرانه للخلف، لكي لا يستطيع الَتقدّمَ بالمرة إلا بصّعوبة. يداه تقطعَتا مِن الحبالِ التي قُيد بها؛ وجهه كان ملطخاً بالدماء ومشَوّهَاً؛ شعره ولحيته مشبعان بالدّمِ؛ وزن الصّليبِ وقيوده جعلت رداؤه الصّوفي يخترق جراحه، ويُعيدُ فتحها: الكَلِمات الساخرة والقاسية هى فقط التى وُجهت إليه، لكنه استمرَّ يَصلّي من أجل مضطهديه، ومُحياه يُبدى تعبيراً ينم عن الحبِّ والاستسلام. سار عديد من الجنودِ المسلّحين بجانبِ الموكبِ، وبعد يسوع جاءَ اللّصان، اللذان كانا يُقتادان على نفس النمط، أذرع صليبيها، مَوْضُوعَة على ظهريها وأياديهم مقيدة بأحكام بنهايتها. كانا يرتديان مآزر‏ كبيرةِ، مع وشاح بلا أكمام يغَطّى الجزء الأعلى من جسمهما، وكَانا يرتديان قلنسوتين على رأسيهما. اللّص الصغير السن كَانَ هادئا، لكن الآخرَ كُان على العكس، غاضبا ولم يتَوقّف عن اللَّعْن والسب. مؤخّرة الموكبِ كان بها بقيّةِ الفريسيون على ظهور الجيادِ، كانوا يمشون ذهاباً وإياباً لحفظ النظام. بيلاطس وحاشيته كَانواَ علي مسافةِ فى الخلف؛ كان في وسطِ ضبّاطه مرتدياً دّرعهِ، تسَبقَه فرقة من سلاح الفرسانِ، ويتَلوه حوالي ثلاثمائة جندي من المشاةِ؛ عَبرَ الساحة، وبعد ذلك دَخلَ أحد الشّوارع الرّئيسية، لأنه كَانَ يسير خلال المدينةِ من أجل أَنْ يَمْنعَ أي شغب بين الشعب .
اقتيد يسوع من شارعِ خلفيِ ضيّقِ، لكى لا يُزعج الموكب الأشخاص الذاهِبينَ إلى الهيكلِ، ولكي يأخذ بيلاطس وفرقته الشّارعُ الرّئيسيُ بالكامل لأنفسهم. الجموع كانت قد تفَرّقَت بعد قِراءةِ الحكم، والجزء الأعظم من اليهودِ أمّا رَجعوا إِلى بيوتهم أو إِلى الهيكلِ، ليعدوا حمل الفصح؛ لكن البعض منهم كانْ لا يزالَ يُسْرِع‏ في فوضىِ كي يبصروا مرور الموكبَ السّوداوي؛ منع الجنود الرّومان كل الأشخاصِ من الانضمام للموكبِ، لهذا كان الأكثر فضولاً مضطراً أَنْ يتجه نحو الشّوارعِ الخلفيةِ، أو أَنْ يُسرّعَ ليصلَ الجلجثة قبل يسوع.
الشّارع الذى اقتادوا يسوع خلاله كان ضيقاً وقذراً؛ لقد عَانى الكثيرَ من المرورِ منه، لأن الجنود كَانَوا قريبين ويحثونه. الأشخاص الذين وَقفوا على أسطح البيوت، وفي النّوافذِ أهانوه بلّهجة مخزيةِ؛ العبيد الذين كَانوا يَعْملونَ في الشّوارعِ القوا القاذورات والطينَ عليه: حتى الأطفال حَرّضهم أعداؤه، لقَدْ ملئوا جيوبهم بالحجارة، وكانوا يلقونها أمام أبوابهم حيث كان سيعَبرَ يسوع، لكى يضطر أَنْ يَدُوسَ عليها.
تأمل الرب يسوع
بينما كان قلبي مستغرقاً فى الحزن من أجل هلاك يهوذا الأبدي، وَضع الجلادون القساة، عديمي الحس بآلامي، الصّليبِ الصّعبِ والثّقيلِ على كتفي المَجْرُوح, الصليب الذي كان علىّ أَنْ أُكملَ علية سر فداء العالم ِ.
تأمّلوني يا ملائكة السّماءِ. انظروا خالقَ كل الأعاجيب؛ انظروا الإله الذي تُقدم إليه كل الأرواحِ السّماويةِ الإجلال؛ انظروا الإله يَسْير نحو الجلجثةَ حاملاً على كتفيه الخشبة المقدّسةِ والمباركةِ؛ انظروا الإله الماضي كي يُلفظ أنفاسه الأخيرة.
اَنْظروا إلى أيضا يا أحبائي, يا من ترغبوا فى أنْ تَكُونواَ مُقتدين أمناء بى. إن جسدي المُنسحق بكثير من العذابات يَمْشي بلا قوةَ، مغسولاً في العرقِ والدّماء .... إنى أُعاني، بدون أن يكون هناك أي أحد آسفاً على آلامي! الغوغاءُ يَمْشون معي ولَيسَ هناك شخصَ واحد يَشْعرُ بالرحمة تجاهي. إنهم جميعاً يُحيطون بي كذّئابِ جوعي تُريد أَنْ تَلتهمَ فريستها... كل الشّياطينِ جاءتْ من جهنمِ كى تَجْعلَ آلامي أسوأ.
إنّ الإعياءَ الذي شْعرت به كان عظيماً جداً والصّليبُ ثقيلُ جداً حتى أننى فى منّتصف الطريقِ، سْقطُت. انظروا كيف يَنهضوني أولئك الرّجالِ المتوحشين بغاية الوحشية. أحدهم يجذبني من ذّراعي، آخر يجذب ملابسي المُلتصقة بجراحي، بتُمزّقها انَفْتحَت جراحي مرة أخرى.... هذا الحارس يمسكني من رّقبتي، الآخر من شّعري، آخرون يضربونني بقبضات أياديهم وكذلك بأقدامهم ضرباتِ موجعة في جميع أنحاء جسدي. سّقط الصليب فوقي وبوزنه تسبّبُ فى جراحَ جديدةَ... وجهي نظّفُ أحجارِ الطّريقِ والدّمِ الذي نزف من وجهي التصق بعيني اللتين انَغْلقتاِ تقريباً بسبب الضّرب الذى نالاهما؛ التراب والطّين اختلطا بالدّمِ وقد تحوّلتُ إلى شيء أكثر من كريه. أرسلْ أبى ملائكةَ لمعونتي لمساندة نفسي لكي لا يفقد جسدي الوعي عندما يَسْقطُ، حتى لا تُحسم المعركةَ قبل أوانها ويُفقد كل شعبي .
لقد دُسُت على الأحجارِ التي أدمت قدمايّ. تعثّرتُ وسْقطُت مرة ومرة أخرى. نْظرتُ إلى جانبيِ الطّريقِ، بْاحثاً عن نظرةِ حب صغيرةِ، نظرةِ استسلام، نظرةِ اتحاد بآلامي، لكنى لم آري ولا نظرةِ واحدة.
أبنائي، يا من تَتبعوا آثار خطاي، لا تَتْركُوا صليبكَم حتى وإن بدا ثقيلاً جداً. افعلوا هذا من أجلى. بحَمْلِ صليبكَم، سَتُساعدونني على حْملُ صليبى، وفى الطّريقِ الصّعبِ، سَوف تَجدُون أمي وكل النفوس المقدّسة وسيَعطونكَم المساندة والراحة. استمرّْوا معي لبضع لحظاتِ، وبعد عدة خطوات ستبصرونني بحضورِ أمي المقدّسةِ التي خْرجُت كى تلاقيني وقلبها مطعون بالألمِ, لقد جاءت لسّببين: أولهما لتنال المزيد من القوة لمواجهة آلامها برؤية إلهها، ثانيهما كى تَعطي ابنها بصمودهاِ البطولي التشجيع ليَستمرّ فى عمل الفداءِ.
خذوا بعين الاعتبار‏ استشهاد هذين القلبين. إن ما أحبته أمي بالأكثر هو ابنها.... أنها لا تستطيع أَنْ تُهدّئَ آلامي وهي تَعْرفَ أنّ زيارتها سَتَجْعلُ آلامي أكثر سوءاً، لكن ذلك سَيَزِيدُ قوتي أيضا كى أنفذ مشيئة الأب.
إن أمي أعظم حبيب لى على الأرضِ، وليس فقط أننى لم أستطع أَنْ أعزيها، بل أن الحالة الحزينةَ التى َرأتني عليها سبّبُت لقلبها آلاماً عميقة مثل آلامي. لقد دعت تنهداتها تفلت منها. لقد تلقت في قلبها الموتِ الذي كنت أَعانيه في جسدي.أه كم ثبّتتُ عينيها عليّ وثبّتُ عينيّ عليها! نحن لم نَنْطقُ بكلمة واحدة، لكن قلبينا قالا أشياءِ كثيرة في هذه النّظرةِ المؤلمةِ.
نعم، لقد شَهدتْ أمي كل عذابِ آلامي من خلال رؤى سمائية. بِضْع تلاميذ، بالرغم من إنهم ظلوا بعيدينًَ خوفاً من اليهودِ، إلا أنهم حَاولَوا أَنْ يَكتشفوا كل شيء ويُعلمُوا أمي. وعندما وَجدتْ أنّ حكم الموتِ قَدْ صدر بالفعل، رحلت كى تُقابلني ولم تتَركني حتى وَضعوني في القبرِ.


الفصل الحادي والأربعون
سّقوط يسوع والاستعانة بسمعان القيروانى

الشّارع الذي تَكلّمنَا عنه، بعد انحرافه لليسار قليلا، صار واسعاً وشديد الانحدار وتعبر أسفله قناةِ تأتى من جبل صهيون، وبه حفر تمتلئ دوماً بالماءِ والطّينِ بعد الأمطارِ، وُضعت حجارة كبيرة في منتصفه ليستطيع الناس َعبوره بسهولة. عندما وَصلَ يسوع إلى هذه البقعةِ، كانت قوته قَدْ استنزفْت تماماً؛ لقد كَانَ عاجزاً تماماً عن أَنْ يتحرّكَ؛ وبينما كان الجنود يجرونه ويدَفعونه بلا أدنى رحمة، سَقطَ على هذه الحجارةِ، وسقط الصّليب بجانبه. واضطر الجنود أَنْ يَتوقفوا، شتموه وضَربوه بلا رحمة, لكن كل الموكبَ تَوقّفَ، مما تسَبّبَ فى بعض الاضطراب. عبثاً مد يدّه ليساعده أى أحدِ ليَنْهضَ، صاح : " آه!, إن كل شئ سَينتهي قريباً " وصَلّى من أجل أعدائه. قالَ الفريسيون : " أنهضوه وإلا فإنه سَيَمُوتُ في أيدينا. " كان هناك عديد من النِّساءِ والأطفالِ يَتبعون الموكبَ؛ بكت النساء وخاف الأطفالِ. على أية حال، لقد نال يسوع مساندةَ من فوق ورَفعْ رأسه؛ لكن هؤلاء الرّجالِ القساة، كانوا بعيدا عن السَعي لتخفيف آلامه، ووَضعَوا تاجَ الشّوكِ ثانية على رأسه قبل أن يسَحبوه من الطّينِ، وما أنَ وقف مرة أخرى على قدميه حتى وضعوا الصّليبَ على ظهره. زِادَ تاج الشّوكِ الذي طَوّقَ رأسه من آلامه بما يفوق الوصف, والزمه أَنْ يميل برأسه على أحد الجانبِين ليَعطي مكاناً لصليبه، الذى طُرح بشدّة على كتفيه.
تركت مريم الساحة فور إعلان الحكم الجائر، يرَافقهاَ يوحنا وبعض النِّساءِ. لقَدْ آلت على نفسها أن تسير متجهة إِلى عديد من الأماكن التى تقَدّستْ مِن قِبل إلهنا وترويها بدموعها؛ لكن عندما أعلن صوتَ البوقِ وتدافع الناسِ وضجيج الخيالةِ أنّ الموكب عَلى وَشَكِ المضي للجلجثةِ، لم تتمكن من أَنْ تُقاومَ رغبتها الملحة فى أَنْ ترى ابنها الحبيب مرة أخرى، توسلت إلي يوحنا أَنْ يَأْخذها إِلى الأماكنِ التي يَجِبُ أَنْ يَجتازها. قادها يوحنا إِلى قصر عِنْد مدخلُ الشّارعِ الذي سقط فيه يسوع أولِ مرة؛ لقد كان، كما اَعتقدُ، محل إقامة الكاهن الأكبرِ قيافا. حصل يوحنا على إذنِ من خادمِ عطوف أن يقف عند المدخل مع مريم ورفاقها. أم الرب كَانتْ شاحبَة، عينيها حمراء من كثرة البُكاءِ، وقَدْ لُفّتْ بإحكام‏ بعباءةِ رمادية. الصّخب والكلام المًهين للحشود الهائجة كان يُسْمع بوضوح؛ وأعلن منادي في تلك اللّحظةِ بصوتِ عال، أن ثلاثة مجرمين عَلى وَشَكِ أَنْ يُصْلبوا. فَتحَ الخادمُ البابَ؛ أصبحت الأصوات المُخيفة أكثر وضوحاً؛ وألقت مريم بنفسها على رُكَبتيها. بعد الصَلاةِ بتأجج، التفتت إِلى يوحنا وقالتْ : هَلْ أَبْقى؟ هَلْ على أَنْ أخْرجَ؟ هَلْ سَيكونُ لدى القوةُ لأبصرِه, أجابَ يوحنا: " إن لم تَبْقى لتَريه، فأنك سَتَحْزنُين بعد ذلك." لهذا ظلوا قُرْب البابَ، وأعينهم مثَبّتةَ على الموكبِ، الذي كان ما زالَ بعيدا، لكنه كان يَتقدّمُ بخطي بطيئةِ. عندما أقترب الذين يَحْملُون آلات التّنفيذِ، ورأت مريم نظراتهم الوقحةَ والمنتصرةَ، لم تتَمَكّنَ من السيطرَة على مشاعرها، بل مدت يديها كما لو أنها تُنشدَ معونة السّماءِ؛ مما جعل أحد المارة يقولَ لرفاقه : " من هذه المرأة التي تجيش بمثل هذا البكاءِ؟ ' فأجَاب رفيقه : " إنها أمُ الجليلى " عندما سمع الرّجال القساة هذا، بعيدا عن أن يتأثروا ببكائها بدءوا يتلهون بحزن هذه الأمِ المكلومة: أشاروا إليها، واَخذ واحد منهم المسامير التي ستستعمل فى تسمير يسوع بالصليب، وقَدّمها إِليها بأسلوب مهينِ؛ لكنها استدارتْ، مثَبّتةَ عينيها على يسوع، الذى كان يَقتربُ، واستندت على عمودِ، لئلا تَغِيبَ عن الوعي ثانية من الأسىِ، لأن وجهها كَان شاحبا كالموتى، وشفتاها شبه زرقاء. عَبر الفريسيون الذين على ظهور الجيادِ أولا، يتبعهم الصبي الذى يحمل اللوحة. ثم جاءَ ابنها الحبيب. غاْرقُاً تقريباً تحت ثّقلِ صليبه، ورأسه، الذى ما زالَ مُتوّجاً بالشّوكِ، كَانَ يَتدلّى في ألم على كتفه. ألقى نظرةَ شّفقةِ وحُزنِ على أمه، تَمايَل، وسقط لثاني مرة على يديه ورُكَبتيه. تعذبت مريم تماماً من هذا المنظر؛ نَسيتْ كل شئ ما عدا هذا؛ لا رَأتْ الجنود ولا الجلادين؛ لم تر شيء سوى ابنها الَحْبيبَ؛ وَقْفزتُ من المدخلِ إلي وسطِ المجموعةِ التي كَانَ تُهينُه وتشتمه، ألقت بنفسها على رُكَبتيها بجانبه واحتضنته. الكَلِمات الوحيدة التى سَمعتها هى : " أيا أبني الحبيب! " و" أماه! ".
بدا بعض الجنودِ متأثرين، ومع إنهم اجبروا العذراءَ المباركةَ على أَنْ تنسحب إلى المدخلِ، إلا أنه لا أحد منهم وَضعُ يديه عليها. أحاط بها يوحنا والنِّساء بينما سَقطتْ غائبة عن الوعيَ على الحجارةِ التي كَانتْ قُرْب المدخلَ، والتي انطبعت عليها يداها. هذه الحجارةِ كَانتْ صلبه جداً، وقَدْ انتقلت بعد ذلك إِلى أول كنيسةِ بْنيت في أورشليم، قُرْب بركة بيت صيدا، خلال فترة أسقفية القديس يعقوب الصغير لتلك المدينةِ. التّلميذان اللذان كانا مع أمِ يسوع حَملاها داخل الدّارِ، وأُغلق الباب. أثناء ذلك أنهض الجنود يسوع وأجبروه على أَنْ يَحْملَ الصّليب بأسلوب مختلفِ. لكون ذراعي الصليب لم تكن مثبتة من الوسط، ومُقيدة بالحبالِ التي كَانَ مقيد بهاَ، فأنه سندها بذراعه، وبهذه الطريقة ثقل الصّليبِ قد خف قليلا، حيث أنه جُر أكثر على الأرضِ. لقد رَأيتُ عدداً من الأشخاصِ يَقفُون في مجموعاتِ، الجزء الأعظم منهم كان يَسلّي نفسه بإهانةِ يسوع بطّرقِ مختلفةِ، لكن بضع نساء مؤتزرات كُنّ يَبْكينَ.
نشأ اضطراب مؤقتُ. سعى يوحنا والنِّساء القديّسات أن يُنهضوا مريم من على الأرضِ، ووبخها فريق الصلب، قال لها أحدهم : " ماذا تفعلين هنا يا امرأة؟ لقد كَانَ من الممكنُ ألا يَكُونَ أبنك في أيدينا لو كَانَ تربى بطريقة أفضلَ "
وَصلَ الموكب إلى بوابة في سور قديمِ فى المدينةِ، قبالة ميدان، تنتهي فيه ثلاثة شوارعِ، عندما تَعثّرَ يسوع فى حجرِ كبيرِ موُضوع، انزلق الصّليب من على كتفه وسَقطَ يسوع على الحجرِ وكَانَ عاجزَا بالكلية عن أَنْ يَنْهضَ. وقف عديد من الأشخاصِ كَانوا فى طريقهم إِلى الهيكلِ وصِاحوا على نحو عطوف : " انظروا لذلك الرجل المسكين، أنه يحتضر بالتأكيد!" لكن أعدائه لم يبدوا أية شفقةُ. تسبب هذا السّقوطِ فى تأخيرَ آخرَ، لم يتَمَكّنَ يسوع من أَنْ يَنْهضَ ثانية، وصاح الفريسيون فى الجنودِ : " نحن لَنْ نصل به إِلى مكانِ التّنفيذِ حياً ما لم تَجدُوا أحداً يَحْملَ صليبه. " فى تلك اللحظة كان سمعان القيروانى يَعْبرَ الطريق، يرَافقهَ ثلاثة مِن أولاده. إنه بستانيَ من الأمم كان عائدا توا إلى البيت بعد العَمَلِ في بستان قُرْب السور الشّرقي للمدينة ويحَمْل حزمة من الأغصان المُشَذَّبةِ. فهم الجنود من ردائه أنه من الأمم، امسكوه وآمروه أَنْ يُساعدَ يسوع في حَمْلِ صليبه. رَفضَ في بادئ الأمر، لكنه أُرغم على أَنْ يَطِيعَ، صرخ أولاده من الخوف وبكوا وأحدثوا جلبة عظيمة، مما جعل بعض النِساءِ يهدئون من روعهم . لقد كَانَ سمعان مغتاظاً للغاية واظهرِ سخطه لَكونه مُضطر أَنْ يسير مع رجل ذو مظهر يُرثى له وبحالة بغاية من الاتساخ والبؤسِ؛ لكن يسوع بَكى ونظر إليه نظرة وديعة وسماويةِ حتى أن الرجل تأثر وبدلا من مواصلة إظهار الإحجام سَاعده على النهوض، ربط الجلادون الصّليبِ على كتفيه، ومَشى خلف الرب يسوع، هذا أراحه بدرجة عظيمِة من ثقله؛ وعندما ترتبَ كل شئ، تحرك الموكب للأمام. كَانَ سمعان رجلاً قويَ المظهرَ، يبدو تقريباً فى الأربعين من العُمرِ. أكبر أولاده يُسَمَّى روفوس والثاني ألكسندر وقد صارا فيما بعد من عداد المُبشرين؛ الثالث كَانَ أصغرَ بكثيرَ، لكن بعد بضع سَنين ذَهبتْ ليَعِيشَ مع القديس اسطفانوس.
تأمل الرب يسوع
ها أنا فى طريقي نحو الجلجثة. أولئك الرّجالِ الأشرار، خَوفُاً من يَروني أَمُوتَ قبل وُصُولِي للنّهايةِ، بْحثُوا عن أحدِ لمساعدتي فى حْملُ الصليب، أمسكوا برجلِ من منطقة مُجاوِرة‏ يُدَعى سمعان .
انظرواْ إليه خلفي وهو يُساعدني على حْملُ الصّليبَ، وفوق كل شيء خذوا بعين الاعتبار أمرين: أولاً أن هذا الرّجلِ تَنْقصُه النية الحسنةَ، ثانياً أنه إن كان قد جاء وشاركني فى ثّقل الصّليبِ، فذلك لأنه كان مكرهاً على ذلك. لهذا السّببِ، عندما شْعرُ أنه مُتعب جداً, تْركُ الثقل كله يقع عليّ وهكذا سْقطُت على الأرض مرّتان. إن هذا الرّجلِ يُساعدني على حْملُ جزءَ من الصّليبِ لكنة لم يحمل صّليبيَ كله.
هناك نفوساً تسير خلفي بهذه الطريقة. إنهم يَقْبلونَ مساعدتي على حْملَ صليبي لكنهم ما زالوا حريصين على رفاهيتهم وراحتهم. كثيرون آخرون يُوافقونَ على أن يَتْبعوني حتى النّهايةِ، مُنتهجين حياة مثالية. لكنهم لا يَتْخلون عن مصالحهم الشخصيّة، التي تظل تحيى فيهم، في عديد من الحالاتِ، تكون هى أولوياتهم. لهذا يَتردّدونَ ويَسْقطونَ صليبي عندما يثقل عليهم أكثر من اللازم. إنهم يسعون وراء المَعاناة لكن بأقلّ قدر من العناءِ، إنهم يرفضون نكران ذواتهم، يَتجنّبُون الإذلالَ ويَتْعبُون بقدر محتمل، ويَتذكّرونُ ربما بحُزنِ، ما قد تَركوه وراءهم، إنهم يُحاولونَ أَنْ يَحْصلوا على بعض الرّاحة والسّرور لنفوسهم.
باختصار، هناك نفوس أنانية ومغرورة قَدْ جاءت بالأكثر من أجل مصالحها ولا يسعونِ خلفي من أجلى أنا. إنهم يَتخلون عن ذواتهم فقط كى يقدموا لى ما يُضايقهم وما لا يُستطيعوا أَنْ يَضعوه جانبا ... ًإنهم يُساعدوني بحْملَ جزء صغير جداً من صليبي، وبمثل هذا الأسلوب يستطيعون وبصعوبة أَنْ يَكتسبوا استحقاقات لا غنى عنها لأجل خلاصهم . لكنهم في الأبدية، سَيَرواَ مدى بعدهم عن الطّريق الذي كَانَ يجبُ أَنْ يسلكوه .
بالمقابل، هناك نفوس، وهى لَيسَت بقليلة، تتحَرّك برغبتها للخلاص, أنهم مدفوعين بالحبِّ أساساً عندما رأوا ما عَانيتهُ من أجلهم، قرّرواُ أَنْ يَتْبعوني فى الطّريقِ نحو الجلجثةِ. لقد اعتنقوا حياةَ الكمال وأَعطواَ نفوسهم لخدمتي، ليس كى يُساعدوني بحْملُ جزء من الصّليبِ فقط, بل بحمل الصليب كلّه. رغبتهم الوحيدة كانت أَنْ يَريحوني وأَنْ يَواسوني. إنهم يَقدمون أنفسهم إِلى كل شيءِ تطلبه منهم مشيئتى، بْاحثُين عن أي شئ يُمكنُ أَنْ يُسرني. إنهم لا يُفكّرونَ فى الاستحقاقات أو المُكافئة التي تنتظرهم، ولا فى التعب أو الآلام التي ستَتْبع ذلك. الشيء الوحيد الذى يشغهلم هو الحب الذى يستطيعون إظهاره لى، والرّاحة التى سيَعطونها لى .
إن كان صليبي يُقدّمُ لهم كمرضِ، إن كان مخفياًَ تحت عمل يناقض ميولهم ويتفق قليلاًِ مع قدراتهم؛ إذا كان يَجيءُ مُرَافَقَاً لغيابِ الناسِ الذين يُحيطون بهم، فإنهم يقَبلونه باستسلام كاملِّ.
أه! هذه هى النفوس التي تَحْملُ صليبي حقاً؛ تُمجّده. يتحينون الفرصة، ليؤكدوا مجدي دون أدنى اهتمام آخر وبدون أي مُقابل آخر سوى حبّي. إنهم من يُبجلوني ويُمجّدوني.
أحبائي, إن لم تَروا نتائج لآلامكمَ، نتائج لنكران ذواتكَم، فحتماً سترون ذلك فيما بعد، تأكدوا أن ذلك لم يكَن بلا طائل أو بلا ثمر، بل، على العكس، فالثّمار سَتَكُونُ وفيرة.
النفوس التى تَحْبُّ حقاً، لا تَحتْفظُ بكشف حساب عن مدى ما عَانته أو ما صنعته، ولا تَتوقّعُ هذه المكافئة أو تلك، بل ستبحث فقط عما تؤمن أنه يُمجّدُ إلهها .... إنها من أجله لا تُوفّرُ لا الجهد ولا المشقة.
أنها لاْ تَصْبحَ مضطربة ولا مُستاءة، أنها لا تَفْقدُ سلامها إن وَجدُت نفسها مُحبَطَة أو مذلَّة لأن الحافزَ الوحيدَ لأفعالها هو الحبُّ، والحبّ لا يبالى لا بالعواقب ولا بالنَّتائِجَ. هذا هو هدفُ النفوس التى لا تَطْلبُ المُقابل. الشيء الوحيد الذي يتمنونه هو مجدي، مواساتي، راحتي، ولذلك السّببِ يأخذون صليبي وكل الثّقل الذى أشاء أَنْ أضعه عليهم.
أَدْعوني بأسمى يا أولادي، لأن كلمة يسوع تعنى كل شيءِ. أنا سَأَغْسلُ أقدامكَم، تلك الأقدامِ التي خَطتْ على طريقِ زلقِ وَجْرحتُها الصّخورِ. أنا سَأَمْسحُ دموعكَم، سأَشفيكمَ وأُقبّلكَم، ولن تَعْرفُوا طريق آخر سوى ذلك الطريق الذى يقودكمَ نحوى.
نحن الآن في الجلجثةِ! إنّ الغوغاءَ ثائرونُ لأن اللّحظةَ الرهيبة تقُترْب.... أنى مُنهَك بالإعياءِ، أستطيع أَنْ أسير بصعوبة. قدماي تَنْزفان بسبب أحجارَ الطريق.... ثلاث مرات سَقطتُ فى الطّريقِ: مرة كى أَعطي الخطاة الذين تعودوا على الآثمَ القوة أن يتوبواَ؛ الثانية كى أُشجّعَ النفوس التي تسَقطَ بَكُونُها ضعيفة، النفوس التى أعماها الحزنِ والضجر, كي تَنْهضَ وتباشر بشّجاعةِ طريقِ الفضيلةِ؛ والثالثة كى أُعين النفوس على أن تترك الخطيئةِ حتى لو في سّاعةِ موتها.


الفصل الثاني والأربعون
فيرونيكا
بينما كان الموكبَ يجتاز شارعاًِ طويلاً، حَدثتْ حادثة أوجدت تأثيراً قوياً على سمعان القيروانى. عدد من الأشخاصِ كَانوا يُسرعون نحو الهيكل، كثيرين منهم تنحى بعيدا عندما رَأوا يسوع، خوفا من أن يتلوثواِ، بينما الآخرون، بالعكس، وَقفَوا واظهروا رحمة نحو آلامه. لكن عندما تقدم الموكبَ حوالي مأتى خطوةِ من البقعةِ التى بَدأَ فيها سمعان فى مُساعدُة الرب في حَمْلِ صليبه، فُتح باب دارِ على اليسار وخَرجَت امرأة ممسكة بيد فتاة صغيرة وسارت نحو مقدمة الموكبِ. كَانَ اسم المرأةِ الشّجاعةِ التى تَجاسرتْ على أَنْ تُواجهَ الحشود الغاضَبة سيرافيا؛ إنها زوجةَ سيراخ، أحد أعضاء مجلس الهيكلِ، وقَدْ عُرِفت بعد ذلك باسم فيرونيكا، الذي يتكون من شقين هما vera icon ومعناه صورة الوجه الحقيقي، لتخليد ذكرى تصرفها الشّجاع فى هذا اليومِ.
كانت سيرافيا قَدْ أعدّتَ بعض النّبيذِِ، الذي نَويتْ أَنْ تُقدّمهَ ليسوع ليُعينه وهو فى طريقه المؤلمِ إِلى الجلجثةِ. لقد وقفت في الشّارعِ لبعض الوقت ثم رَجعتَ للدّارِ لتَنتظرَ. عندما رأيتها أولا كانت مرتدية شالا طويلا وممسكة بفتاة صغيرة فى حوالي التاسعة من العُمرِ تسَعى إلى إخفاء النّبيذِ. أولئك الذين كَانوا على رأس الموكبِ حَاولَوا أَنْ يَدْفعوها للخلف؛ لكنها شقت طريقها خلال الغوغاءِ والجنود وفرقة الصلب حتى وَصلَت إلى يسوع، سقطت على رُكَبتيها أمامه، وقَدّمَت شالها قائلة : " اسمح لى يا ربي أَنْ اَمْسحَ وجهك " اَخذ يسوع الشال بيده اليسرى ومَسحَ وجهه النَّازِفَ، وأرَجعه بشكر. قَبّلته سيرافيا ووَضعته تحت عباءتها. قدمت البنت حينئذ النّبيذ بخجل، لكن الجنودَ المتوحشين لَم يَسْمحوا ليسوع بأَنْ يَشْرب منه. هذا التصرف الشّجاعِ لسيرافيا فَاجأَ الحرّاس، وتسَبّبَ فى توقف الموكب بصورة مؤقتة استطاعت خلاله أَنْ تُقدّم الشال إِلى سيدها الإلهي. غضب الفريسيون والحرس بشّدة، ليس فقط للتّوقّفِ المفاجئِ، بل بالأكثر بالشّهادةِ العامّةِ للتّبجيلِ الذى قدمته ليسوع، وانتقموا لأنفسهم بضّرِبهِ وسبه، بينما عادت سيرافيا بعجلةِ إِلى دارها.
ما أن عادت إلى غرفتها حتى وَضعتْ شالها الصّوفيَ على منضدةِ، وركعت فاقد الوعي‏ تقريباً على رُكَبتيها. دخل صديق الغرفة بعد وقت قصير ووَجدها سْاجدة هكذا والطّفلةِ تبكى بجانبها، ورَأىَ بدهشة الوجه الدّموي ليسوع مطَبوعاً على الشال ويشبهه تماما، مع أنه مؤلماً أن تَنْظرَ إليه. أنهض سيرافيا وأشار إِلى الشال فسَجدتْ ثانية راكعة وصِاحتْ وهى تبكى: " سَأَتْركُ الآن كل شئ بقلبِ سعيدِ، لأن إلهى قَدْ أعطاني ذكرى عن نفسه "
هذا الشال كَانَ من الصّوفِ الناعم؛ طوله حوالي ثلاث أضعاف عرضه، وكان يُلُبِسَ على الأكتافِ. فيا بعد كان من المألوف أَنْ يُقدّمَ هذه الشال إِلى الأشخاصِ الذين يكونوا فى تجربة شديدة أو فى تْعب شديد أو مرض، لكى يَمْسحوا وجوههم به، وكانوا يفعلون هذا لينالوا تعزية وشفقة. احتفظت فيرونيكا بهذا الشال حتى موتها، وعَلّقته علي رأسِ سريرها؛ ثم أُعطىَ للعذراءِ المباركِة، التي تَركته للحواريين، وهم بعد ذلك تركوه للكنيسةِ.
سيرافيا ويوحنا المعمدان كَاناَ أبنيّ عمَ، أبوها كان شقيق زكريا. عندما جاءا يواقيم وحنة والعذراءَ المباركةَ وهى فى الرابعة من العمر، إلى أورشليم ليَضعاها بين العذارىِ في الهيكلِ، قطنا في دارِ زكريا التي تُقِع قُرْب سوق السّمكِ. سيرافيا كَانَت أكبر من العذراء المباركة بخمس سَنَوات على الأقل، كَانتَ حاضرة لخطبتها للقديس يوسف النجار، وهى أيضاً قريبة لسمعان الشيخ، الذي تَنبّأَ عندما حمل يسوع علي ذراعيهِ. لقَدْ تربّت مع أبنائه. عندما كان يسوع فى الثانية عشر من العمر، ومكث يُعلم في الهيكلِ، سيرافيا، التي لم تكَنَ قد تَزوّجت آنذاك، كانت تُرسلَ له الطعامَ يومياً فى مسكن صغير على مسافة ربع ميلِ من أورشليم حيث كان يُقيم عندما لا يكون في الهيكلِ. ذَهبَت العذراء مريم هناك لمدة يومين، عندما كانت فى طريقها من بيت لحم إِلى أورشليم لتقدم ابنها في الهيكلِ. الشيخان اللذان احتفظا بهذا البيت كَانا من اليونانيين، ويعرفان العائلةِ المقدّسةِ جيدا؛ كان البيت يحتوى على أساسِ فقيرِ، ويسوع وتلاميذه كانوا يترددن كثيرا هناك لقضاء الليلِ.
سيرافيا تَزوّجَت فى سن متأخّرة نوعا ما؛ زوجها، سيراخ، كان من نسل سوسنة العفيفة، وكَانَ عضوَ فى السنهيدرم. كان في بادئ الأمر مُعارضاً بشّدة ليسوع، وعَانت زوجته كثيراً معه بسبب ارتباطها بيسوع وبالنِّساءِ القديّساتِ، لكن يوسف الرامى ونيقوديموس أثرا عليه فسَمحَ لسيرافيا أَنْ تتبع يسوع. عندما اتّهمَ يسوع على نحو ظالم في محكمةِ قيافا، أنضم زوج سيرافيا إلى يوسف الرامى ونيقوديموس في مُحاولُة تبرئة يسوع، واستقال الثلاثة من مقاعدهم في المجلسِ.
كَانَت سيرافيا فى الخمسين تقريبا عند دخل يسوع أورشليم فى أحد السعفِ، وقد رَأيتُها تخلع شالها وتضعه على الأرضِ كى يسير عليه. كان هو نفس الشال الذي قَدمتْه ليسوع في موكبه الثّاني هذا، هذا الموكب الذي يبدو بعيداً عن أي مجد، لكنه في الحقيقة أكثر مجدا. بسبب هذا الشال تغير اسمها من سيرافيا إلى فيرونيكا .

الفصل الثالث والأربعون
السّقوط الرابع والخامس ليسوع
بنات أورشليم
كان الموكب لا يزالَ علي مسافةِ من البوّابةِ الجنوبية الغربيةِ، إنها بوابة كبيرةَ، ومرتَبطة بالتّحصيناتِ، كان الشّارع وعر وشديد الانحدار؛ كَانَ يعبر أولا تحت قوسِ مُقَبَّبِ، ثم على جسرِ، وأخيراً أسفل قوسِ ثانٍ. السور الذى على الجانبِ الأيسر للبوّابةِ كان يتجه أولاَ نحو الجنوبِ ثم يَنحرفُ قليلا إِلى الغربِ، ويتجه أخيراً نحو الجنوبِ خلف جبل صهيون. عندما كان الموكب يقترب من هذه البوّابةِ، دَفع الجنود المتوحشون يسوع في بركةِ راكدةِ، كَانتْ قريبة منه؛ سمعان القيروانى، رغبة منه فى أَنْ يَتجنّبَ البركة، لف الصّليبُ، مما جعل يسوع يسقط للمرة الرابعة في وسطِ الأوحال القذرة، وبصعوبة بالغة رَفْعِ سمعان الصّليبِ ثانية. حينئذ صِاحَ يسوع بنبرة مؤثرة وحزينة إلا أنها كانت واضحة : " أورشليم، كم من مرة أردت أن أجمع بنيك معا كما تجمع الدّجاجةِ فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا " عندما سمع الفريسيون هذه الكَلِماتِ، صاروا أكثرَ غضبا، واستهلوا إهاناتهم وضربهم ليُجبروه على النهوض من الوحل. أثارت قسوتهم هذه سمعان القيروانى حتى أنه صِاحَ " إن واصلتم هذه التّصرفاتِ الوحشيةِ، فسَأَطْرحُ الصّليب ولن أعود اَحْمله حتى لو قْتلتموني "
ظهر طريق ضيّق وحجري بعد المرور من البوّابةَ، وهذا الطّريقِ يتجه نحو الشمال، ويقودَ إِلى الجلجثةِ. أنقسم الطّريق الرئيسي بعد قليل إلي ثلاث طرقِ، احدهم يتجه إِلى الجنوب الغربي ويقود إِلى بيت لحم من خلال واديِ جيحون؛ الثاني إِلى الجنوبِ نحو عمواس ويافا؛ الثالث نحو الجنوب الغربي أيضا، يلف حول الجلجثةِ وينتهيَ ببوّابةِ تقودَ إِلى بيت صور. الشخص الذى يَبْلغُ البوّابةَ التى اقتِيدَ يسوع من خلالها يستطيع أن يَرى بسهولة بوّابة بيت لحم. كانت هناك لوحة معلقة فى بداية الطّريقِ إِلى الجلجثةِ، تُعلنَ للعابرين أن يسوع واللّصين قَدْ أدينوا إِلى الموتِ. تجمعت مجموعة من النِّساءِ قُرْب هذه البقعةِ، وكن يَبْكين ويَنحنُ؛ كثيرات منهن يحملن أطفالاً صّغار علي أياديهن؛ مُعظمهن كنَ عذارىَ صغيراتَ ونِساءَ من أورشليم، كن قَدْ سَبقن الموكب، وقليلات جئن من بيت لحم ومن حبرون "الخليل حاليا" ومن أماكنِ أخرىِ مُجَاوِرةِ ، للاحتفال بعيد الفصح .
كَانَ يسوع على وشك السقوط ثانية، لكن سمعان، الذي كَانَ خلفه، بتدارك أنّه لا يستطيع أَنْ يَقفَ، أسرع كى يسنده؛ اتكأ يسوع عليه، وهكذا أنقذه من السُقُوطِ على الأرض. عندما رأت النِّساء والأطفال الحالة التى يرثى لها التى كان يسوع عليها، بكين بأصوات عاليةَ، وطبقاً للتّقليد اليهودي، قَدّمن قماشاً ليَمْسحَن وجهه. التفت يسوع نحوهم وقالَ : " يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيِّ، بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ! فَهَا إِنَّ أَيَّاماً سَتَأْتِي يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ اللَّوَاتِي مَا حَمَلَتْ بُطُونُهُنَّ وَلاَ أَرْضَعَتْ أَثْدَاؤُهُنَّ! عِنْدَئِذٍ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا، وَلِلتِّلاَلِ: غَطِّينَا! فَإِنْ كَانُوا قَدْ فَعَلُوا هَذَا بِالْغُصْنِ الأَخْضَرِ، فَمَاذَا يَجْرِي لِلْيَابِسِ؟ " ثم وجه بضع كَلِمات التّعزيةِ إليهن لا أَتذكّرها بالضبط.
توقّف الموكبُ مؤقتا. وَصل الجلادون إلى الجلجثة بآلاتِ التّنفيذِ، وتُلاهم مائة من الجنودِ الرّومان الذين كانوا مع بيلاطس؛ الذى رَافقَ الموكب حتى المدخل ثم عاد إِلى المدينةِ.

25
نضرا لكثرة فصول هذه الؤيا وعدم انتضامها داخل المنتدى قررت وضعها جميعا في رابط واحد وبما اني لم اقم بتنزيل الفصول حتى الان فساقوم بتحديث هذه الصفحة كلما اضفت فصول جديدة
الفصل 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,869282.0.html
الفصول 2 3 4 6 7
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,869339.0.html
الفصول 8 9
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=869976.msg7570929#msg7570929
الفصل ال 10
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902218.0.html
الفصول 11 و 12 و 13
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902212.0.html
الفصل ال 14
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,870190.0.html
الفصل ال 15
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902213.0.html
الفصول 16 و 17 و 18
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,870823.0.html
الفصول 19 و 20 و 21
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902214.0.html
الفصول 22 و 23 و24
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902215.0.html
الفصول 25 و 26
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902216.0.html
الفصل 27
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,872591.0.html
الفصول 28 و29 و 30 و 31
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,874847.0.html
الفصول 32 و 33
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,875539.0.html
الفصول 34 و 35 و 36
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,884298.0.html
الفصول 37 و 38
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=892368.msg7599825#msg7599825
الفصل 39
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=901656.msg7612346#msg7612346

26
لاحضت عند تنزيلي لهذا الفصل في المرة السابقة انه لم يكن كامل وهذا هو الفصل الكامل


الفصل العاشر
عشاء الفصح الأخير.

قبل القيلولة دعا السيد المسيح بطرس ويوحنا، تَكلّمَ معهم عن ما يَجِبُ أَنْ يَفعلونه، عن الاستعدادات التى يَجِبُ أَنْ يَعدونها في أورشليم لأكل حملِ الفصحِ. سَألَ التلاميذ السيد المسيح أين سيَأْكلُ الفصح. اليوم، قَبلَ الفَجرِ، طَلبَ الرب بطرس ويعقوب ويوحنا، تَكلّمَ معهم عن أمور تتعلّقُ بكُلّ ما يجب أنْ يَعدّوه في أورشليم وأخبرَهم أنهم عندما سيَصْعدونَ جبلَ صهيون، فأنهم سيلاقون رجلَ يَحْملُ جرة ماءِ.
لقد كانوا يعلمون جيداً هذا الرجلِ، لأنه فى الفصح الأخير، في بيت عنيا، كَانَ هو الذي أعدَّ الطعام للسيد المسيح، ولهذا يَقُولُ القديس متى: رجل مُعين. كَان عليهم أَنْ يَتْبعوه إلي بيتَ، ويقولون له: "السيد يقول، إن وقتي قُرْب، مَعك سأَصْنعُ الفصح مَع تلاميذي " كَان عليهم حينئذ أن يروا غرفةَ العشاءَ، ويَصْنعونَ كُلّ الاستعدادات الضرورية. رَأيتُ تلميذان يَصْعدانِ نحو أورشليم، على طول الوادي، إلى جنوب الهيكلِ، وفي اتّجاهِ الجانبِ الشماليِ لجبل صهيون.
على الجانبِ الجنوبيِ للجبلِ الذي كان الهيكلِ عليه، كان هناك بَعْض البيوتِ؛ فساروا عكس هذه البيوتِ، تابعين مجرى سيلِ. عندما وَصلوا قمّةَ جبلِ صهيون، التي أعلى مِنْ جبلِ الهيكلِ، التفتوا نحو الجنوبِ، وبمجرد أن صعدوا قليلا حتي التقوا بالرجلَ الذي قَدْ حُدّدَ إليهم؛ تَبعوه وتَكلّموا معه بما أمر به السيد المسيح. لقد كَانَ مُسرَّور كثيراً بكلماتِهم، وأجاب بأنّ العشاء قَدْ طُلِبَ أن يُعدََّ في بيتِه (على الأرجح مِن قِبل نيقوديموس)، لكنه لم يكَنَ مدركَ لمن، وأبتهج لكونه عِلْم بأنّه مُعد للسيد المسيح.
اسم هذا الرجلِ هالي، وهو نسيبَ زَكَريا الذي من حبرون، الذي أعلن السيد المسيح من بيته في العام الماضي عن موتَ يوحنا المعمدان. عِنْدَهُ إبنُ واحد فقط، كَانَ لاويّ وصديق القديس لوقا قبل أن يُدعى مِن قِبل الرب، وخمس بناتِ لم يتزوجن جميعاً. كان يصعد كُلّ سَنَة مع خدامِه فى عيد الفصح ويستأجرَ غرفة ويُعدَّ الفصح للأشخاصِ الذين ليس عِنْدَهُمْ صديقُ في البلدةِ ليقيموا مَعه.
استأجرَ هذه السَنَةِ غرفة عشاءِ تخص نيقوديموس ويوسف الرامي. بيّن للتلميذان موقعِها وترتيبِها الداخليِ. لقد كَانَت على الجانبِ الجنوبيِ لجبلِ صهيون وقريبة مِنْ قلعة داوود ومِنْ السوقِ، كَانَت على المنحدر الشرقيِ تطل على ساحةِ مفتوحةِ مُحاطة بأفنية ذات جدرانِ هائلةِ وبين صفوفِ من الأشجارِ.
على يمين ويسار المدخلِ، كانت توجد بنايات أخرى مُلاصقة للجدارِ وبالقرب منه البيت الذي قَضتْ فيه العذراءَ المباركةَ والنِساءَ القدّيساتَ أغلب وقتِهم بعد موتِ السيد المسيح. غرفة العشاءَ، التي كَانتْ أكبرَ أصلاً، كَانتْ سابقاً مَشْغُولةَ مِن قِبل قادةِ داوود الشجعان، الذين تَعلّموا استعمال الأسلحةِ هناك. كانت في الماضي مُلحقة لمبني الهيكلِ، وتابوت العهدِ قَدْ استقرّتْ فيها لمدة طويلة مِنْ الوقتِ، وآثار وجودِه فيها ما زالَت توْجَدَ في غرفةِ تحت الأرض.
رَأيتُ النبي ملاخي مختفي تحت نفس هذا السقفِ حيث كَتبَ هناك نبوءاتَ تَتعلّقُ بالقربان المقدَّس‏ المباركِ وذبيحة العهد الجديدِ. كّرم الملك هذا البيتِ وعَملَ ضمن جدرانِه بَعْض العملِ المجازيِ والرمزيِ لكني نَسيته. عندما تهدم جزء عظيم من أورشليم من قِبل البابليين، نجا هذا البيتِ. لقد رَأيتُ عديد مِنْ الأشياءِ الأخرى التى تَتعلّقُ بنفس هذا البيتِ، لَكنِّي أَتذكّرُ فقط ما أخبرتُ به الآن.
هذه البنايةِ كَانتْ في حالةٍ مُخَرَّبة جداً عندما آلت ملكيته إلى نيقوديموس ويوسف الرامي، اللذان رتّبا البنايةَ الرئيسيةَ بطريقةٍ مناسبة جداً، وجعلاها كغرفة عشاءِ للغرباءِ الذين يأتون إلى أورشليم بغرضِ الاحتفال بعيد الفصح. هكذا استخدمه الرب فى السَنَةَ السابقةَ.
علاوة على ذلك، البيت والبنايات المُحيطة البناياتِ اُستخدمت كمخازنِ للآثار والأحجارِ الأخرى، وكورش للعُمّالِ؛ لأن يوسف الرامي كان يمتلكَ محاجر‏ ثمينةَ في بلادِه، وكان يجلب منها كُتَل كبيرة مِنْ الحجارةِ ليّشكلها عُمّاله تحت أشرافه إلى قبورِ وحُلي معمارية وأعمدة. كَانَ نيقوديموس شريك في هذا العملِ واعتاد أن يقضي ساعاتِ عديدة فى النَحْت بنفسه.
لقد عمل في الغرفةِ، أَو في شُقَّة تحت الأرض كَانتْ تحتها، باستثناء فترات الأعياد؛ وهذه الحرفةِ جعلته مرتبط بيوسف الرامي وصاروا أصدقاءَ، وينضمَّان إلى أغلب الأحيان معاً في صفقاتِ مُخْتَلِفةِ.
هذا الصباحِ، بينما كان بطرس ويوحنا يتحدّثانِ مَع الرجلِ الذي استأجرَ غرفةَ العشاءَ، رَأيتُ نيقوديموس في البناياتِ على يسار الباحةِ، حيث عدد كبير من الأحجارِ تمَلئ الممراتَ المؤدّية إلى غرفةِ العشاءَ. فى أسبوع قبل ذلك، رَأيتُ عِدّة أشخاص يعملون في وَضْع الأحجارِ على جانب واحد وينظفون الساحةِ ويَعدّونَ غرفةَ العشاءَ للاحتفالِ بالفصح؛ ظْهرُ لي أنه كان هناك بينهم بَعْض رسل الرب، ربما أرام وسيمي، أبناء عم يوسف الرامي.
غرفة العشاءَ، مدعوة بشكل جيّد، كَانَ تقريباً في وسط الساحةِ؛ طولها أعظمَ مِنْ عرضِها؛ مُحاطَة بصفّ من الأعمدةِ المنخفضةِ، وإن فَرّغت‏ الفراغاتِ التى بين الأعمدةِ لكَانَت سَتشكّلُ وحدها غرفةِ داخليةِ كبيرةِ، لأن كل الصرحِ كَانَ، إذا جاز التعبير، شفّاف؛ كَانَ عاديَا، ماعدا في مناسبات خاصة، لأن الممراتِ كانت تُغلَقُ. كانت الغرفة مُضاءة بفتحاتِ في قمةِ الجدرانِ.
في المقدمةِ، كان هناك أولاً دهليز، يمكن دخوله من خلال ثلاثة أبوابِ، الغرفة الداخلية الواسعة، حيث تتدلي عِدّة مصابيح مِنْ المنصّةِ؛ الجدران كانت مُزُيّنة للعيد للنصف بحصيرةِ جميلةِ أَو نسيج ذو رسوم‏ وكان هناك فتحةِ في السقفِ ومُغَطّاة بشاشِ أزرقِ شفّافِ. الجزء الخلفي من هذه الغرفةِ مُنفصل عنْ الباقي مِن قِبل ستارة من الشاشِ الشفّافِ الأزرقِ أيضاً. هذا الانقسام لغرفةِ العشاءَ لثلاثة أجزاءِ جعلها تشبه الهيكلِ، هكذا تتشكّلُ: الساحةَ الخارجيةَ فالقدّس فقدس الأقدَّاس.
في آخر هذه الأقسامِ، وُضع على كلا الجانبينِ الملابس والأشياء الأخرى الضروري للاحتفالِ بالعيدِ. في الوسط كان هناك شئ كالمذبحِ. مقعد حجري علي ثلاث درجات، وعلي شكل مستطيل، بارز عنْ الحائطِ: لابدَّ أنْه يُشكّلَ الجزءَ من الفرنِ المستخدم لشي حملِ عيد الفصحِ، لأن اليوم الدرجات كانت ساخِنة تماماً أثناء الأكل. أنا لا أَستطيعُ أن أصْف كُلّ ما كان في هذا جزءِ من الغرفةِ بالتفصيل، لكن كُلّ أنواع الترتيباتِ قَدْ أُعدت هناك للاسْتِعْداد لعشاءِ عيد الفصحِ.
فوق هذا الموقدِ أَو المذبحِ، كان هناك ما يُشبه كوّةِ في الجدارِ، رأيت أمامها صورةَ حملِ عيد الفصحِ، بسكين في حنجرتِه، ويظهر الدمّ مُتدَفُّق قَطرَةٌ قَطرَة على المذبحِ؛ لَكنِّي لا أَتذكّرُ بوضوح كَيف عُمِلَ هذا. في كوّة في الجدارِ كان هناك ثلاثة دواليبِ ذات ألوانِ مُخْتَلِفةِ، التي تحولت مثل معابدِنا، للفتح أَو الإغلاق. أُستعمل عدد مِنْ الأوعيةِ في الاحتفال بالفصح وحُفظت فيهم؛ لاحقاً، وُضع هناك القربان المُقدس المبارك. في الغُرَفِ في جوانبِ غرفةِ العشاءَ، كان هناك بَعْض الأرائكِ، وُضع عليها أغطية سميكة والتي يُمْكِنُ أَنْ تُستَعملَ كأسِرّة.
كانت هناك أقبية فسيحةَ تحت كلّ هذه البنايةِ. أستقر تابوت العهدِ سابقاً أسفل البقعةِ حيث شُيد الموقد بعد ذلك. كان هناك أسفل البيتِ خمس قنوات ضيِّقة‏ لإفْراغ القمامةِ إلى منحدرِ التَلِّ، فى الطرف الأعلى حيث شٌيد البيت. رَأيتُ السيد المسيح سابقاً يَعظ ويُشفي مرضي بطريقة أعجوبية، والتلاميذ يقضون الليلَ كثيراً في الغُرَفِ الجانبيةِ.
عندما تكلم التلاميذ مع هالي الذي من حبرون، رجع هالي إلى البيتِ بالساحةِ، لَكنَّهم اتّجهوا نحو اليمين، وأسرعوا لأسفل الجانبِ الشماليِ للتَلِّ، من خلال جبل صهيون. عبروا علي جسر ومشوا فى طريق مُغَطّى بنبات العُلّيق‏ ووَصلَ إلى الجانبَ الآخرَ من الوادي الذي كَانَ أمام الهيكل وأمام صفِّ البيوتِ الذين كَانوا جنوب تلك البنايةِ. كان هناك بيتُ سمعان الشيخ، الذي ماتَ في الهيكل بعد تقديمِ الرب؛ وأبنائه، البعض مِنْهم كَانوا رسل للسيد المسيح في الخفاء، كَانوا يعِيشُون في الحقيقة هناك. تَكلّمَ التلاميذ مع أحدهمِ, رجل أسْمَر البشرة وطويل، الذي يشغل ما يُشبه مكتبِ في الهيكل. خَرجوا مَعه إلى الجانبِ الشرقيِ للهيكل من خلال ذلك الجزءِ من أوفيل الذي دخل منه السيد المسيح أورشليم فى أحدِ السعف، ومن هناك إلى سوقِ الماشيةَ، الموجود في البلدةِ شمال الهيكل.
رَأيتُ في الجزءِ الجنوبيِ من هذا السوقِ بعض السياج الصَغيرةَ بها بَعْض الحملانِ الجميلةِ التى كَانتْ تَثِبُ حولها. كانت خراف الفصح تُشتري من هنا. رَأيتُ أبن سمعان يَدْخلُ أحداها والحملان تثب حوله كما لو أنَّهم يعَرفونه. اختارَ أربعة وآتي بهم إلى غرفةِ العشاءَ. رَأيتُه بعد الظهر في غرفةِ العشاءَ مُنشغلَ في إعْداْد حملِ عيد الفصحِ. رَأيتُ بطرس ويوحنا يَذْهبُان لأجزاء مختلفة مِنْ البلدةِ ويَطْلبُان أشياءَ مُخْتَلِفةَ. رَأيتُهما أيضاً يوقفاً مُقابل بابَ البيت الذي يخص فيرونيكا والذي يقعَ شمال جبل الجلجثة، حيث عاشَ تلاميذ السيد المسيح لجزء عظيم من الوقتِ، أرسلَ بطرس ويوحنا بَعْض التوابعِ مِنْ هناك إلى غرفةِ العشاءَ وأوكلوا إليهم بعض المهام التي نَسيتها.
دَخلوا بيتَ فيرونيكا أيضاً، حيث كَانَ عِنْدَهُمْ عِدّة ترتيبات ليعَمَلوها. كان زوجها، الذي كَانَ عضو بالمجلسَ، غائبَ عادة ومشَغولَ في العملِ؛ لكن حتى عندما كَانَ في البيت كانت تراه قليلاً. كَانتْ امرأة فى عُمرِ العذراءِ المُباركة، وكَانتْ لِفترة طويلة مُرتَبَطة بالعائلةِ المقدّسةِ؛ لأنه عندما ظل الصبي يسوع لثلاث أيامَ في أورشليم بعد العيدِ، كانت هي التي تمده بالطعام.
أَخذ التلميذان أشياءِ أخرى مِنْ هناك، آخذا الكأس الذي أستخدمه الرب سر العشاء الرباني المباركِ. الكأس الذي أحضره التلاميذ مِنْ بيتِ فيرونيكا كَانَ رائعَا وغامضَ في مظهرِه. لقد ظل لوقت طويل في الهيكلِ بين الأشياءِ الثمينةِ الأخرى مِنْ التحفة الفنيّة القديمةِ العظيمةِ، استعماله وأصله كَانا قَدْ أُهملا. نفس الشئ حدث بدرجات متفاوتة في الكنيسةِ المسيحيةِ، حيث عديد مِنْ الجواهرِ المُكَرَّسةِ أُهملتْ وأُصبحتْ بلا استعمال بالوقتِ.
الأواني والجواهر القديمة، دَفنَت تحت الهيكلَ، غالباً ما حُفِرَ عليها وبيعت أَو أعدَت. هكذا كَانَ ذلك، بترخيص من اللَّهِ، هذا الإناء المقدّسِ، الذي لم يستطيع أحد أن يصهرِه لكونه صَنع من مادّةِ مجهولةِ، والذي كَانَ قَدْ وُجِدَ مِن قِبل الكهنةِ في خزينةِ الهيكلِ بين الأشياءِ الأخرى لَم تعد تُستعملَ، كَانَ قَدْ بِيعَ إلى بَعْض دارسي الأشياء الأثريّة‏. لقد اشترته فيرونيكا واستعمله السيد المسيح عدة مرات في الأعياد، ومِنْ يومِ العشاء الأخيرِ، أصبحَ ملكيةَ خاصّةَ للجماعةِ المسيحيةِ المقدّسةِ.
الكأس كَانَ كمثرى الشكل, ضخم, مصقول للغاية، ذو حُلي ذهبيةِ ومَقبضين صغيرين يُرفع منهما. قاعدته مِنْ الذهبِ، مصنوعة بشكل مُتقَن، مُزَيّنَة بثعبان وعنقود عنب صغير، وغنية بالأحجار الكريمةِ. حُفظت الكأس في كنيسةِ أورشليم، في يدي القدّيس يعقوب الصغير؛ وأنا أَرى أنّه ما زالَ محفوظ في تلك البلدةِ وأنه سَيظْهرُ ثانية يوماً ما، بنفس الطّريقة كما من قَبْلَ. أَخذتْ الكنائسُ الأخرى الكؤوسُ الصَغيرةُ التي كانت تُحيط بالكأس؛ وصاروا بحوزة البطاركةِ، الذين كانوا يشَربون منها عندما يتَلقّوا بركة أَو عندما يعطوا منح البركة، كما رَأيتُ العديد مِنْ المراتِ.
هذا الكأس كَانَ من أملاك أبينا إبراهيم؛ جَلبَه مالكي صادق مِنْ أرضِ السامريين إلى أرضِ كنعان، عندما كَانَ يَبْدأُ في عمل الترتيبان فى البقعة حيث بُنِيتْ أورشليم بعد ذلك؛ لقد استعملَها حينئذ لتَقديم ذبيحة، عندما مَنحَ الخبز والخمر في حضورِ أبينا إبراهيم، وتَركَه في ملكيةِ ذلك الأبِّ المقدّسِ. هذا الكأسِ نفسهِ كَانَ قَدْ حُفظ في فُلكِ نوح. وُضع في الجزءِ العلوي من الفُلكِ. لقد حفظه موسى أيضاً في مقتنياته. الكأس كَانَ ضخم كالجرس. كان يبدوا وكأنه شُكّلَ بالطبيعةِ ولَيسَ من قبل فَنانِّ. السيد المسيح وحده هو الذي يعَرفَ ما ماذا صُنع.
في الصباحِ، بينما كان التلاميذ مشغولين في أورشليم لأعداد الفصح، السيد المسيح، الذي بَقى في بيت عنيا، أَخذَ فى وداعَ النِساءِ القدّيساتِ ولعازر وأمِّه المباركةِ، وأعطاهم بَعْض التعاليم النهائيةِ. لقد رَأيتُ الرب يَتحدّثُ مَع أمِّه على حِدة وأخبرَها، من بين أشياءِ أخرى، بأنّه أرسلَ بطرس، تلميذ الإيمانِ، ويوحنا، تلميذ الحبِّ، ليعدا الفصح في أورشليم. عندما تكلم عن المجدلية قال أن حزنها شديد، لأن حبّها كَانَ عظيمَ، لكنه ما زالَ إلى حد ما‏ بشريَ، وبسبب هذا حُزنِها جَعلَها بجانب نفسها.
تَكلّمَ أيضاً عن مخططاتِ يهوذا الخائنِ، وصَلّتْ العذراء المباركة من أجله. تَركَ يهوذا بيت عنيا ليذِهب إلى أورشليم، تحت حجة سداد بَعْض الديونِ المُسْتَحقّة. قَضى طول اليومَ في الذهاب والإياب من فريسي إلى آخر، ويَبرم اتفاقياتَه النهائيةَ مَعهم. لقد أروه الجنود المُكلفين بالقَبْض على شخصَ منقذِنا الإلهي، ولقد نظّمَ يهوذا رحلاتَه ذهاباً وإيابا ليكون قادر على تَفسير غيابِه. لقد رأيت كُلّ مخططاته الشرّيرة وكُلّ أفكاره. لقد كَانَ يهوذا نشيطَ وخدومَ على نحو طبيعي، لكن هذه الإمكانيات الجيدةِ تبددت بالجشعِ والطموح والحسد، تلك المشاعر التى لم يبذل أي جُهدِ للسَيْطَرَة عليها. لقد أدّى معجزاتَ وشفىَ المرضى في غيابِ الرب.
عندما أخبر الرب أمِّه المباركةِ بما هو عتيد أن يقع, لقد تَوسّلتْ إليه، بأكثر التعبيرِات حزناً بأن يدعها تَمُوتُ مَعه. لَكنَّه نَصحَها بأن تُبدي المزيد من الهدوءِ في أحُزانِها أكثر مِنْ النِساءِ الأخرياتِ، أخبرَها بأنّه سيقوم ثانيةً، وحدّدتْ البقعةَ التى سيَظْهرَ فيها إليها. أنها لَمْ تَبْكِ كثيراً، لكن حزنَها كَانَ يتعذر وصفهَ، وكان هناك شيءُ مُرعبُ في نظراتها. إلهنا القدوس أعادَ شكرها كابن مُحب لكُلّ الحبّ الذى حملته له وضَمها فى صدره. أخبرَها أيضاً بأنَّه سيجْعلُ العشاء الأخيرَ مَعها، روحياً، وحدّد لها في أَيّ ساعة ستَتلقّى جسدَه الثمينَ ودمَّه. ثمّ مرةً أخرى، بلغةِ مؤثرة، ودّعَ الجميع وأعطاَهم تعاليم مختلفةَ.
قُبَيلَ ظهرِ، ذهب السيد المسيح والتلاميذ التسعة مِنْ بيت عنيا إلى أورشليم، وتَبعَه سبعة من الرسل، الذين جائوا مِنْ أورشليم وضواحيها باستثناء نثنائيل وسيلا. من بين هؤلاء يوحنا مرقص، وأبن الأرملةِ الفقيرةِ التي قدّمَت فلسيها في الهيكلِ فى الخميس سابق بينما كان السيد المسيح يَعِظُ هناك.
لقد ضمه السيد المسيح إلى جماعتِه قبل أيام قَليلة. تَبعتْه النِساءُ القدّيساتُ لاحقاً. سار السيد المسيح ورفاقه هنا وهناك حول جبلِ الزيتون، خلال وادي يهوشافاط وحتى بقرب جبل الجلجثة. لقد أعطاهم السيد المسيح طوال سيرهم تعاليم مستمرة. من بين الأشياءِ الأخرى أخبرَ التلاميذ بأنّه حتي الآن أعطاَهم خبزَه وخمره، لكنه سيعطيهم اليوم جسده ودمَّه. بأنه سيَمْنحُهم كُلّ ما عِنْدَهُ.
بينما كان يَنْطقُ بهذه الكلماتِ، وجه الرب كان مُتأثراً، كما لو أنَّه كَان يسْكبُ نفسه بالكامل، كما لو أنَّه يَذبُل‏ بالحبِّ ليعْطي نفسه للإنسان. لَمْ يَفْهُم تلاميذه كلماتَه, لقد اعتقدوا بأنّه كَانَ يُشيرُ إلى حملِ عيد الفصحِ. لا كلماتَ تستطيع أَنْ تَصف حنانة، كَمْ كان السيد المسيح صبوراً في تعاليمه الأخيرةِ سواء التى في بيت عنيا والتى كانت أثناء ذهابه إلى أورشليم.
وَصلتْ النساء القدّيسَات في وقت لاحق إلي بيتِ مريم أم مرقص. لم يرافقهم الرسل السبعة الذين تبعوا الرب إلى أورشليم. لقد حَملوا الملابس اللازمة لمراسم عيد الفصح. بعد أن وَضْعوهم في غرفةِ الانتظار مَضوا إلى بيتِ مريم أم مرقص. عندما وَصلَ بطرس ويوحنا العلية بالكأسِ الذي جَلبوا مِنْ فيرونيكا، كانت ملابس المراسمِ التى أحضرها الرسل السبعة أو بعض رفاقِهم موجودة في غرفةِ الانتظار. لقد كسّوا جدرانَ غرفةِ العشاءَ وفَتحَوا الفتحاتَ التى في السقفِ وأعدّوا المصابيح الثلاث المُعلّقةِ. بإنهاء ذلك خَرجَ بطري ويوحنا إلى وادي يهوشافاط ودعوا الرب والتلاميذ التسعة.
جلي الرسل والأصدقاء الذي كَانوا سيأكلون فصحهم في العلية في ثلاث مجموعاتِ منفصلةِ يتكون كل منها مِنْ أثني عشرَ شخص، يتَرَأّس كل مجموعة شخص الذي يعمل كمضيّفِ. كان السيد المسيح والتلاميذ الإثني عشرَ في نفس القاعةِ؛ نثنائيل مَع عديد مِنْ الرسل الأكبر سناً في أحد الغُرَفِ الجانبيةِ؛ وفي الغرفة الأخرى مع أثني عشر آخرين جلس الياقيم، أبن كلوبا ومريم التى لهالي، وشقيق مريم التى لكلوبا. لقد كَانَ أحد تلاميذ يوحنا المعمدان. في أحد البناياتِ الجانبيةِ قُرْب مدخلِ ساحة العلية، تناولت النساء القديسات طعامهم.
لقد تم تقديم ثلاثة حملانِ في الهيكلِ، لكن كان هناك حمل رابع تم تقديمه في غرفةِ العشاءَ، وكَانَ هذا هو الموضوع أمام السيد المسيح مَع تلاميذه. لم يكن يهوذا مهتماً بهذا الاحتفال، لكونه مُنشَغلَ بتَخطيط خيانتِه للرب، لقد عادَ قبل لحظات قَليلة من الأكل، وبعد أن تم تقديم الحملِ. أكثر المشاهد تأثيراً كَانَ مشهدَ ذبح الحملِ الّذي سَيُؤْكَلُ مِن قِبل السيد المسيح وتلاميذه؛ حَدثَ في دهليزِ غرفةِ العشاءَ.
أنشد التلاميذ والرسل الحاضرين المزمور 118. تَكلّمَ السيد المسيح عن فترة جديدة ثمّ بِداية، وقالَ بأنّ تضحيةَ موسى وشخصية حملِ الفصحِ على وَشَكِ أَنْ يَتم إكمالَهم، لكن ذلك على حسابِه، الحمل الذي سيًضَحَّى به بنفس الطّريقة كما فى الماضي في مصر، وبأنّهم حقاً على وشَكُ أَنْ يَتحرروا مِنْ بيتِ العبوديةِ.
أُعدت الأواني والآلات الضرورية، وبعد ذلك جلب المرافقون حمل صَغير جميل مُقلّدَ بتاج، الذي سبق وأُرسلَ إلى العذراءِ المباركةِ في الغرفةِ التى تمَكث فيها مَع النِساءِ القدّيساتِ الأخرياتِ.
قُيد الحمل وظهرِه مقابل خشبة بحبل حول جسدِه، وذكّرَني ذلك بالسيد المسيح المُقيّد بعمودِ وجَلدَ. حَملَ أبن سمعان رأس الحملَ؛ حزّ السيد المسيح حزاً طفيف في رقبتِه بطرف السكين، ثمّ أعطىَ أبن سمعان السكين ليُكملُ ذبحه. بَدا السيد المسيح مكروها وهو يحز رقبة الحمل، وكَانَ سريعَ في حركاتِه، بالرغم من أن وجهِه كَانَ مُتَجَهّمَ وطريقته مُثيرة للاحترام. سُكب الدمُّ في حوض، وجلب المرافقون غصن من نباتِ الزّوفا غمّسَه السيد المسيح في الحوض ثمّ ذَهبَ إلى بابِ الغرفةِ ومسح جانبيةَ والقفلَ بالدمِّ، ووَضع الفرعَ الذي كَانَ قَدْ غُمّسَ في الدمِّ فوق البابِ. ثمّ تَكلّمَ مع التلاميذ وأخبرَهم، بين أشياءِ أخرى، بأنَّ الملاك المُهلّك سيَعبر عنهم, فعليهم أن يُمجّدُوا في تلك الغرفةِ بدون خوف أَو قلق، عندما هو، حمل الفصح الحقيقي، الذي سيُضحّي به، ذلك عهد جديد وذبيحة جديدة عَلى وَشَكِ أَنْ تَبْدأَ وستَدُومُ حتى نهاية العالمِ.
ثمّ مَضوا إلى موقدِ الفصحِ في نهايةِ القاعةِ حيث وُضع تابوت العهد سابقاً. هناك وَجدوا نار موقدة. رَشَّ السيد المسيح الموقد بالدمِّ، كرّسَه كمذبح. بقيّة الدمِّ مع الدهنِ ألقي فى النارِ تحت المذبحِ ثم تَجوّلَ السيد المسيح حول العلية يَغنّي المزاميرَ وكرّسَها كهيكل جديد.
أُغلِقتْ الأبواب خلال هذه المراسمِ، هذه الأثناء أعدَّ ابنُ سمعان الحمل. ثُبّتَ على ، الأرجل الأماميةَ رَبطتْ إلى عارضة، والخلفية إلى. آه! أنها تٌشبه كثيراً السيد المسيح على الصليبِ! ثمّ وُضع مع الثلاثة الآخرين الذين ذُبِحوا في الهيكلِ في الفرنِ ليتم شيهم. كُلّ حملان فصح ضُحّي بها في ساحةِ الهيكلِ، في إحدى الأماكنِ المختلفةِ الثلاثة، حسبما كون مٌقدميهم أغنياء، أَو فقراء، أَو غرباء.
ومع أن حمل السيد المسيح لَمْ يُذْبَحُ في الهيكلِ، إلا أنه التزمَ بكُلّ نقاط الشريعة بكل صرامة. ذلك الحملِ لم يكن إلا رمز للسيد المسيح نفسه الذي سيُصبحُ فى اليوم التالي حملَ الفصحَ الحقيقيَ. فيما بعد تكلم السيد المسيح مع التلاميذ عن حملِ الفصحِ وعن إتمام ما كان يرَمزَ إليه، ولأن الوقت كَانَ يَقتربُ ويهوذا قد عاد، بَدأوا بإعْداْد الموائدِ.
بَعْدَ ذلك ارتدوا ملابس الرحيل الطقسية، التي كَانتْ في غرفةِ الانتظار، وغيّروا أحذيتَهم. يتكون الرداء مِنْ سترة بيضاء مثل قميص، وفوقه عباءة قصيرة من الأمامِ عنْ الظهرِ. السترة طُوِيتْ لأعلى إلى النطاقِ، والأكمام الواسعة حُضِرتْ. هكذا استعدوا، ذَهبتْ كُلّ مجموعة إلى مائدتِها: مجموعتان مِنْ الرسل إلى القاعةِ الجانبيةِ، السيد المسيح والحواريون فى العلية. أَخذَ كُلّ أحد عصا في يَدِّه، وبعد ذلك مَشوا أثنين أثنين إلى المائدةِ حيث وَقف كل واحد في مكانِه، ذراعيه مرَفوعة، والعصا مستندة على أحدي اليدين. وَقفَ السيد المسيح في مركزِ المائدةِ. كَانَ معه عصاتان صغيرتانُ قدمها سيدُ العيدِ إليه. كانا منحنٍيان‏ بعض الشّيء من أعلى، وبَديا مثل عصي الراعي. وُضع خطّاف في أحد الجناب، كأنه قُطع غصن. ألصقهم السيد المسيح فى نطاقِه على هيئة صليب على صدرِه، وعندما صلّوا، سند ذراعيه المَرْفُوعتان على الخطّافاتِ. كَانَ منظراً مُؤَثِّرِ للغاية برُؤية السيد المسيح يَتّكئ على هذه العصي كلما تَحرّكَ. كما لو أنّه عِنْدَهُ الصليبُ، الذي سيثقل على كتفِيه قريباً، الآن يسنده أسفل ذراعيه.
في هذه الأثناء كان الجميع يهْتفُون، " مُباركَ يَكُونَ الرب إله إسرائيل، المجد للرب ". عندما انتهتْ الصلاة، أعطىَ السيد المسيح أحدي العصي إلى بطرس والآخري إلى يوحنا, وهم أما وضعوها جانباً، أَو مرّروها من يدٍّ لأخرى بين باقي التلاميذ، لكن علي ماذا يدل هذا، أنا لا أَستطيعُ أن أتذكر الآن. المائدة كَانتْ ضيّقَة وترتفع نحو قدمِ ونِصْف فوق ركبةِ الإنسان الوقف بجانبها. كانت على شكلِ حدوة حصان؛ ومٌقابل السيد المسيح، في الجزءِ الداخليِ للنِصْف دائرةِ، كان هناك فراع متروك لخِدْمَة الصُحونِ.
بقدر ما أستطيع أَنْ أَتذكّرَ، وَقفَ على يمينِ السيد المسيح يوحنا، يعقوب الكبير، يعقوب الصغير ؛ ثمّ جاءَ بارثليماوس على اليمينِ أيضاً، لكن بقرب نهايةِ المائدةِ؛ وحول الركن في الجانبِ الداخليِ وَقفَ توما وبجانبه يهوذا الأسخريوطي. على يسارِ السيد المسيح وقف بطرس، أندراوس، تداوس؛ ثمّ على الجانبِ المُقابل، جاءَ سمعان؛ وحول الجانبِ الداخليِ، متى وفيلبس. وُضع حمل الفصح في وسط المائدةِ على صحن، رأسه يستند على رجليه الأماميةِ المٌَتقاطعة وقدميه الخلفية ممتدّة بطولها.
على حافة الصحنِ كَانتْ هناك مجموعاتَ صغيرة من الثومِ. بجانبه صحن آخراً به لحمِ الفصح المشويِ، وعلي كلا الجانبين صحون من الأعشابِ الخضراءِ. رُتّبَت هذه الصحون في وضعِ مستقيم‏ وعن قرب جداً بِحيث بدوا كما لو أنّهم يَنْمونَ. كان هناك صحنُ آخرُ به مجموعاتِ صَغيرةِ مِنْ الأعشابِ المرّةِ، بَدتْ مثل الأعشابَ العطريةَ. أمام مكانِ السيد المسيح مباشرة وضعت إناء من الأعشابِ الخضراءِ مع قليل من الاصفرار، وآخري بها نوع من الصلصة السمراء. وضُعت أرغفةُ مستديرةُ وصغيرةُ للضيوفُ واستعملوا سكاكينِ العظميةِ. بعد الصلاةِ، وضع سيد العيدِ على المائدةِ أمام السيد المسيح السكين لتقَطْيع حملِ الفصحِ، وْضُع كأس النبيذِ أمامه، ومِنْ دورق مَلأَ ستّة كؤوسَ أخرى، وضع كلّ واحد منها بين أثنين مِنْ التلاميذ. باركَ السيد المسيح النبيذ وشَربَ كل أثنين من التلاميذ مِنْ كأسِ واحدة.
قطّعَ الرب حملَ الفصحَ. تناول التلاميذ تباعاً أرغفتَهم الصَغيرةَ وتلقّي كُلّ واحد نصيبه. أَكلوه بسرعة وفْصلوا اللحمَ عنْ العظمِ بسكاكينِهم العاجيةِ، وأُحرقتْ العظام بعدئذ. أَكلوا وبسرعة جداً أيضاً الثوم والأعشاب الخضراء، كانوا يُغمّسُونها أولاً فى الصلصةِ. لقد أَكلوا حملِ الفصحِ واقفين، مَائلين قليلاً على ظهر المقاعدِ. ثمّ كَسرَ السيد المسيح أحد أرغفةِ الخبزِ الخالي من الخمير، غَطّى جزءَ منه، وقسّمَ بقيته بين التلاميذ. بعد ذلك أَكلوا الأرغفةَ الصَغيرةَ التي عَملتْ كصحونِ. أُحضر كأس آخر من النبيذِ جُلِبَ. شَكرَ السيد المسيح لكنه لم يشَربَ منه. لقد قالَ: " خذُوا هذا النبيذِ واقتسّمَوه بينكم، لأني لَنْ أَشْربَ من الآن أي نبيذِ، حتى يأتي ملكوت الله " بَعْدَ أَنْ شَربَ الحواريين، أثنين أثنين، رتّلوا، وصَلّى السيد المسيح وعلّمَ. بعد ذلك غَسلوا أيديهم ثانيةً، وبعد ذلك اتّكئوا على المقاعدِ. لقد كَانوا واقِفينَ أثناء المراسمِ السَابِقةِ، أَو مستندين بعض الشّيء على المقاعد، وعُمِلَ كُلّ شيء بسرعة. قطّعَ السيد المسيح حمل آخر، حُمِلَ إلى النساء القديسات في المبنى الجانبيِ حيث تناولوا فصحهم.
تَناولوا التلاميذ الأعشابِ والسلطة والصلصة. كَانَ السيد المسيح هادئَا جداً ورابِط الجأش‏، أكثر من أي مرة رَأيتُه فيها. نْسي التلاميذ همومُهم. حتى العذراء المباركة كَانتْ مُشرقة ومبتهجةَ أثناء جلوسها مَع النساء على المائدة. كَانَ مؤثراً جداً رُؤيتها تلتفت بكل بساطة إلى امرأة أخرى عندما يقتربوا مِنْها ويجذبوا انتباهَها بشد طرحتها.
بينما كَان التلاميذ يَأْكلونَ الأعشابَ، واصل السيد المسيح التَحَدُّث مَعهم بمودة، لكنه بعد ذلك أصبحَ مُتَجَهّم وحزين وقالَ: "واحد منكم سَيَخُونُني, واحد يضع يَدَّه مَعي في الصحنِ." في تلك اللحظة كان أحدهم يُوزّعُ أحد الخضرِوات، وبالتحديد الخسّ الذي كان موضوع على صحنُ واحد فقط. كَانَ يَمرره بجانبِه وناوله ليهوذا، الذي كَانَ يَجْلسُ مقابله، ليوزعه على الجانبِ الآخرِ.
ما أن أشار السيد المسيح للخيانة حتى اضطرب التلاميذ. ثمّ كرر السيد المسيح كلامه " واحد يَدّه مَعي علي المائدةِ، أَو من يغمّس بيده مَعي فى الصحنِ، " الذي وكأنه قال "أحد الإثني عشرَ الذين يَأْكلُون ويَشْربُون مَعي, أحد الذين كسرُت لهم خبزَي." بهذه الكلماتِ لم يَفشي السيد المسيح يهوذا للآخرين، لأن التَغْميس فى نفس الصحنِ كَانَ تعبير شائع عنْ الصداقةِ الأكثر عمقاً. كان السيد المسيح مازال يقَصدَ بذلك أَنْ يُحذّرَ يهوذا، لأنه كان حقاً يُغمّسُ يَدَّه مَعه فى الصحنِ أثناء توزيع الخسَّ.
لاحقاً، قالَ: " إن أبن الإنسانِ ماضي حقاً كما هو مكتوبُ عنه، لكن الويلَ لذلك الإنسانِ الذي مِن قِبله سيُسلم أبن الإنسانِ! لقد كَان أفضل لَهُ أن لا يولد." بهذه الكلماتِ، أضطرب التلاميذ كثيراً وسألوا كل بدوره: هَلْ أنا يا رب؟ " لأنهم جميعا لَمْ يَفْهُموه بالكامل.
في أثناء ذلك مال بطرس خلف السيد المسيح نحو يوحنا، أشارَ إليه أن يسأل الرب مَنْ يكون، لأنه تلقي دوما تأنيبَ مِنْ السيد المسيح، لقد كَانَ قلق لئلا يَكُونُ هو نفسه. الآن، كَانَ يوحنا يَتّكئ على يمين السيد المسيح، وبينما كَان الجميع يتّكئ على الذراعِ الأيسرِ كي يَأْكلَ باليدّ اليمنى، مال يوحنا برأسهِ بقرب صدرِ السيد المسيح وسَألَ " يا رب، مَنْ هو؟ " فحُذّرَ بشكل داخلي أن السيد المسيح يٌشيرَ إلى يهوذا.
أنا لَمْ أَرى السيد المسيح يَقُولُ بشفاهِه: "أنه الذي سَأَعطيه اللقمةَ المغمّوسة " ولا أَستطيعُ أن أقول إن كان قال هذا بهدوء ليوحنا أَو لم يَقُولُه. لكن يوحنا فَهمَ ذلك عندما غمّس السيد المسيح لقمة الخبز في الصلصة وطواها بالخسِّ وقدّمَها بمحبة ليهوذا، الذي كَانَ يَسْألُ أيضاً " يا رب, هَلْ هو أنا؟ "نَظرَ السيد المسيح إليه بمودّة وأجابَ إجابة عامة.
إعْطاء الخبزِ المغمّوسَ كَانَ تعبير عن الحبِّ والثقةِ، والسيد المسيح فعل ذلك بحبِّ صادقِ، ليحذر يهوذا وليجَنُّبه شبهاتِ الآخرين. لكن يهوذا كان مُشتعل بالغضب داخليا, طوال مدة العشاء، كان يجْلسُ عند قدميه مِسْخ‏ صغير, كان ينَهضَ على قلبِه كثيراً. أنني لَمْ أَرى يوحنا يُذكر لبطرس ما علّمَه مِنْ السيد المسيح، لكني رَأيتُه يُطمئنُه بإيماءة.

27
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقدت اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول


الفصل الخامس والعشرون
اعتقال يسوع في سّجن تحت الأرض

أودع اليهود يسوع سجن صغير، بعد ما استنزفوا همجيتهم تماما، ليبقى فيه حتى الصباح. لازمه اثنان من الحراس، وقد استبدلوا باثنين آخرين فيما بعدً. لقد كان ما زال يرتدى العباءة القذرة القديمة، ومُغطّى بالبصاق والقاذورات الأخرى التي القوها عليه؛ لأنهم لم يسمحوا له أن يرتدى ملابسه ثانية، بل أبقوا يديه مُقيدتين بأحكام معاً.
عندما دخل يسوع هذا السّجن، صلّى بأكثر توهج لأبيه السّماوي أن يقبل كل ما يعانيه، وكل ما هو عتيد أن يعانيه كذبيحة كفارية، ليس فقط أن يقبل عذاباته، بل أيضاً عذابات كل الذين عليهم أن يتألمون في العصور التالية مثلما قد تألم هو، ويكونوا مُجربين بنفاد الصبر أو بالغضب.
لم يسمح أعداء الرب له بلحظة راحة، حتى في هذا السّجن الكئيب، بل قيدوه إلى عمود منتصب في وسطه، ولم يسمحوا له أن يتّكئ عليه، على الرغم من أنه كان مستنزفاً تماما من المعاملة السيئة ومن ثقل سلاسله وسقوطه العديد، حتى أنه كان يستطيع بالكاد أن يسند نفسه على قدميه المتورمتان والممزّقتان. لم يتوقفوا للحظة عن أهانته؛ وعندما تعبت المجموعة الأولى، أبدلوها بأخرى .
من المستحيل تماما أن أصف كل ما عاناه قدوس القديسين من هذه الكائنات القاسية؛ لأن المنظر أثّر فيّ جدا حتى أنى أصبحت مريضة حقا، وشعرت كما لو أننى لست أستطيع أن أحيا آلامه. نحن يجب أن نخجل حقاً من ذلك الضّعف الذي يجعلنا عاجزين عن أن نستمع برباطة جأش لأوصاف تلك الآلام التي تحملها الرب بشكل هادئ جداً وبصبر من أجل خلاصنا أو التكلّم عنها. إنّ الرّعب الذى نشعر به عظيم مثل رعب ذلك القاتل الذي يُجبر على أن يضع يديه على الجراح التى أوقعها هو بنفسه على ضحيّته. لقد تحمّل يسوع كل شئ دون أن يفتح فاه؛ أنى أنا أيضاً آثمة عظيمة، وآثامي تسبّبت فى هذه الآلام. فى يوم الدينونة، عندما ينكشف المستور، نحن سنرى النصيب الذى قد تسببنا فيه من العذاب الذى تحمّله ابن الرب؛ سنرى كم كثيراً قد تسبّبنا فيها من قبل الآثام التى نرتكبها بشكل متكرر، وأنها في الحقيقة، شكل من أشكال الموافقة التي نبديها والاشتراك الفعلي في العذاب الذي لاقاه يسوع من قبل أعدائه القساة. إن تأملنا بجدية فى هذا، نحن يجب أن نكرّر بأعظم تأجّج الكلمات الذي نجدها في كتب الصّلاة : " إلهى، هبني أن أموت، بدلا من أهينك مرة أخرى بالخطيئة."
استمرّ يسوع يصلّي من أجل أعدائه، ولكونهم تعبوا تركوه أخيرا في سّلام لوقت قصير، عندما اتّكأ على العمود ليستريح، أشرق حوله نور ساطع. كان النهار قد بدأ يلوح، إنه نهار يوم آلامه، أنه يوم فدائنا، واخترق شعاع ضعيف فتحة ضّيّقة فى السّجن، سقط على الحمل المقدّس الذي بلا عيب، الذي اخذ على نفسه كل آثام العالم. التفت يسوع نحو شعاع النور ورفع يديه المكبلتين، وبأسلوب بغاية التأثر، قدم الشكر لأبيه السّماوي لأجل فجر ذلك اليوم، ذلك الفجر الذي اشتاقت إليه الأنبياء طويلاً، والذي أشتاق هو إليه بحماس منذ لّحظة ميلاده على الأرض والذي أشار إليه لتلاميذه عندما قال لهم: " لِي مَعْمُودِيَّةً عَلَيَّ أَنْ أَتَعَمَّدَ بِهَا، وَكَمْ أَنَا مُتَضَايِقٌ حَتَّى تَتِمَّ ؟ " لقد صلّيت معه؛ لكنى لا أستطع أن أتذكر كلمات صلاته، لأني كنت مُنهكة بالكامل، ومتأثرة بسماعه يقدم الشكر لأبيه عن الآلام الفظيعة التي يتحمّلها بالفعل من أجلي، ولأجل أعظم الآلام التي كان على وشك أن يتحمّلها. لقد استطعت فقط أن أكرّر مرارا وتكرارا بأعظم تّأجّج : " إلهى، أتوسّل إليك, أعطني هذه الآلام؛ أنها تخصني أنا؛ إنى استحقها كعقاب عن آثامي " لقد أنهكت تماما بمشاعر الحبّ والحنان عندما نظرت كم أنه يرحب بفجر يوم تضحيته العظيم، وذلك الشعاع الذي اخترق سجنه ربما يكون مُماثلا لزيارة القاضي الذي يرغب أن يتصالح مع مجرم قبل أن تنفذ فيه عقوبة الموت التي قد أصدرها ضده .
استيقظ الحراس، الذين كانوا مغلوبين بالنعاس‏، للحظة ونظروا إليه بدهشة: لم يقولوا شيئاً، بل بدوا متعجّبين وخائفين. لقد سُجن يسوع في هذا السّجن حوالي ساعة.

تأمل الرب يسوع

تأملوني في السّجنِ حيث قضيت جزءَ من اللّيلِ. أُهانني الجنود بالكَلِماتِ والأفعالِ، لقد كانوا يَدْفعوني ويَضْربوني وسْخروا من حالي كإنسان .
بقرب الفجر، سئموا مني، فتَركوني وحيداًَ مُقيداً في غرفة مُظلمةِ، رطبة وذات رائحة كريهةِ، مليئة بالجرذانِ. لقَدْ قيدوني بطريقة بحيث كَانَ لِزاماً علّي أَنْ أقف أو أجلس على صخرةِ مدبّبةِ كَانتْ هى كل ما أعطوه لى كمقعدِ. جسدى المتَوَجُّع قَدْ تخُدّرَ تقريباً من البردِ. تَذكّرتُ آلافَ المرات التي دثرت فيها أمي جسدي، تُغطيني عندما أكُونْ فى حاجة للدفء .. فبكيت .
فلنُقارنُ الآن بين الهيكل والسّجنِ، وقبل كل شئ، بين السجن وقلوبِ البشر. فى السّجنِ قضيت ليلهَ واحدة.... كم عدد اللّيالي التى أقضيها في الهيكل ؟
فى السجنِ الجنودِ الذين كَانواَ أعدائي, جَرحوني؛ أما في الهيكل فأُعاملُ بشكل سيئ وأهانَ من قبل نفوس تَدْعوني أباها. فى السّجنِ كُنْتُ حزينَاً وخجلاناً، جوعاناً ونعساناً وبردَاناً، متَوَجُّعا ووحيداً ومهجوراً. لقد كنت أستطيع أَنْ أري، على مدى الزمنِ، كيف في كثير جداً من الهياكل لَنْ يَكونَ عِنْدَي كساء الحبِّ. كثير جداً من القلوبِ الباردةِ سَتَكُونُ لي مثل هذه الصّخرةِ التى في السّجنِ!
كثيراً جداً من المرات سَأكُونُ عطشان للحبِّ، عطشان للنفوس! أياماً كثيرة جداً انتظر أن تَزُورني نفس، أن تلاقيني في قلبها لأننى قضيت اللّيل كله وحيداً وقَدْ فَكّرتُ فى تلك النفس من أجل أَنْ تَرْوي عطشي! مرات كثيرة جداً أَشتاقُ لأحبائي، أشتاق لوفائهم ولكرمهم!
هَلْ يَعْرفونَ كيف يُهدّئون هذا الشّوقِ؟ عندما يكون عليهم أَنْ يتألموا يسيراً، هل سَيَعْرفونَ أَنْ يُقولوا لى : " أنْ نَكُونَ معك في وحدتكَ, فهذا سيُساعدكُ على أَنْ تُهدّئَ حزنكَ" ؟. وأه ! ليتكم على الأقل تتحدوا معى, وطالما أنكمَ تَواسون قلبي، فأنكمَ ستطوقونه بالكامل بالسّلامِ وسيتُقَوَّى.
فى السّجنِ شَعرتُ بالخجل عندما سَمعتُ الكَلِماتَ المروّعةَ التي قِيلتْ عنيّ، وذلك الخجل نَما عندما رَأيتُ أن هذه الكَلِماتِ نفسهاِ سَتُكرّرهاُ النفوس الحبيبةِ.
عندما صفعتني وضَربتني تلك الأيادي، رَأيتُ كيف أنه فى كثير من المرات سَأكُونُ مصفوعاً ومضُروباً مِن قِبل كثير جداً من النفوس التي بدون أن تُطهر نفسها من الخطيئةِ، بدون أن تُنظّفُ مسكنها بالاعتراف الجيدِ، تتناولني. رأيت أن تلك الآثامِ المألوفةِ ستَضْربني مراراً وتكراراً, رأيت عندما سيجْعلونني اَنْهضُ بدَفْعي، بَكُونُي بلا قوةَ وبسبب السّلاسلَ التى تقيدني، سْأسقطُ على الأرض. رَأيتُ كيف أن كثير جداً من النفوس التى تقيدني بسلاسلِ الجحودِ، ستَتْركني اَسْقطُ على الأحجارِ مُجدّدينُ خزيي ومُطيلُين وحدتي.
تأمّلواُ يا نفوسى المُختَاَرة، تأمّلواُ عريسكم في السّجنِ. تأمّلوني فى تلك الليلةِ واعلموا أن هذه الآلام تطولُ في عزلة كثير جداً من الهياكلِ، تطول هذه الليالي في برودةِ كثير جداً من القلوبِ.
إن أُردتم أَنْ تَعطوني برهان عن محبّتكمَ، اَفْتحُوا لى قلوبكمَ لأستطيع أَنْ اَجْعلها سجني. قيدوني بسلاسلِ محبّتكَم. غطوّني برقتكم؛ غذّوني بحنانكم. أروْا عطشي بتوهجكم. واسوا أحزاني ووحدتي بمشاركتكَم الأمينة. اجعلْوا خزيي يَختفي بنقاوتكمَ وبنواياكمَ الصّادقةِ. إن كنتم تُريدوا أَنْ أستَريحَ فيكم، تجنّبُوا صخب أهوائكم وفي صمتِ نفوسكم، أنا سَأَنَامُ بسلام .
من وقت لآخر سَتَسْمعُون صوتي يُخبركمَ بهدوء: يا عروسي، أنك الآن موضع راحتي، سَأكُونُ أنا موضع راحتك إلى الأبد. إليكم، يا من تُزوّدني بقلوبكم كسجن بكثير من التكريسِ والحبِّ، أنى أَعدُكم أنّ أجركم سيكون بلا حدودُ، والتّضحيات التى أديتموها من أجلي خلال حياتكَم لَنْ تجعلكم فى الموازين لأسفل .
عندما كنت في السّجنِ رَأيتُ المقتدين بآلامى يَتعلّمونَ منى وداعتي، يتعلمون صبري وسكوني. ليس فقط بقبول الآلام والازدراء، بل مُحبين حتى الذينََ يَضطهدونهم، وأن اقتضى الأمر، يَضحّون بأنفسهم من أجلهم كما ضَحّيتُ أنا بنفسي.
خلال ساعات العزلة تلك وفي غمرة كثير من الآلام، صرت متوهجاً أكثر فأكثر برغبتى فى إكمال إرادة أبى بالتمام. . هكذا قدمت نفسي لأصلح مجده المُهان بعمق! هكذا أنتم آيتها النفوس التقية, الذين تجدوا نفوسكم في سّجن اختياري من أجل المحبة، أكثر من مرة ستكونون في أعين الآخرين كمخلوقات بلا فائدة ومن المحتمل مخلوقات ضارّة، لا تخافوا. دعوهم يصيحون ضدكم, وخلال ساعات الألم والعزلة تلك, وحدوا قلوبكم بحميه مع إلهكم، مع موضوع محبتكم الوحيد. كفروا لأجل مجده المهان من قبل كثير جداً من الآثام.


بينما كان يسوع في هذه الزّنزانة، يهوذا، الذي كان يتجوّل أعلى وأسفل وادي هنون كالمجنون، توجه نحو دار قيافا بالثلاثين قطعة فضة، مكافأة خيانته، التى كانت ما زالت مُعلقة على خاصرته. كل شئ حوله كان صامتاً، وتوجه إلى بعض الحراس، دون أن يتركهم يعرفون من هو، وسألهم عما حدث للجليلي. كانت الإجابة : " لقد أدين بالموت، وسيصلب بالتأكيد ". مشي يهوذا ذهابا وإيابا، واستمع إلى الأحاديث المختلفة التي تختص بيسوع. البعض تكلّم عن المعاملة القاسية التى نالها، تكلم آخرون عن صبره العجيب، بينما آخرين، ثانية، ناقشوا باهتمام المحاكمة المهيبة التي ستحدث في الصّباح أمام المجلس العظيم.
بينما كان الخائن يستمع بلهّفة إلى الآراء المختلفة، أشرق النهار؛ شرع أعضاء المحكمة فى استعداداتهم، وانسلّ يهوذا خلف البناية لكى لا يراه أحد، لأنه مثل قايين طلب أن يخفي نفسه عن أعين البشر، وبدأ اليأس يدب فى نفسه. الموضع الذي اتخذه كمخبأ صادف وكان نفس البقعة التى كان العمّال يعدّون فيها الخشب لصنع صليب يسوع؛ كل شئ كان مُعداً، والرّجال كانوا نائمين بجانبه. امتلأ يهوذا بالرّعب من المنظر: ارتجف وهرب عندما نظر آداه ذلك الموت القاسي الذي أسلّم إليه إلهه وسّيده لقاء مبلغ تافه من المال؛ جرى ذهابا وإيابا في آلام مُبرِّحة‏ من النّدم، وأخفى نفسه أخيرا في مغارة مجاورة، حيث صمّم على أن ينتظر المحاكمة التي كانت ستحدث في الصّباح

الفصل السادس والعشرون
محاكمة الصّباح

تجمّع قيافا وحنان والشيوخ والكتبة مرة أخرى في الصّباح في القاعة الكبيرة ليعقدوا محاكمة قانونية، لأن اجتماعات الليل لم تكن قانونية، ويمكن فقط أن تنظر التمهيد للمحاكمة. نام أغلب الأعضاء في دار قيافا، حيث أُعدت لهم الأسرّة، لكن البعض ومن بينهم نيقوديموس ويوسف الرامى عادوا لمنازلهم ثم عادوا فجر اليوم. كان الاجتماع حاشدا، وشرع الأعضاء فى مهمتهم بأسرع ما يمكن. لقد رغبوا أن يدينوا يسوع بالموت فى الحال، لكن نيقوديموس ويوسف الرامى، وبعض الآخرين عارضوا رغباتهم وطلبوا أنّ يرجئ القرار إلى ما بعد العيد، خوفاُ من التسبب فى تمرد بين الشعب، مؤكدين أيضاً أنهّ لا يمكن أن يُحاكم مُتهم بعدل باتهامات لم تثبت، وأنه في الحالة التى أمامهم الآن فأن كل الشّهود يناقضون بعضهم البعض. أغتاظ كبار الكهنة والموالون لهم وقالوا ليوسف الرامى ولنيقوديموس بكلمات بسيطة، إنهم لم يندهشوا للاستياء الذى أظهراه في السابق، لأنهما مواليان للجليلي ولتعاليمه، وإنهما يخشيان أن يدان. نجح رئيس الكهنة فى أن يُبعد من المجلس كل الأعضاء الذين لديهم أدنى دّرجة من التعاطف مع يسوع. احتج هؤلاء الأعضاء بأن غسلوا أياديهم من كل إجراءات المجلس وتركوا القاعة وذهبوا إلى الهيكل، ومنذ هذا اليوم لم يشغلوا مقاعدهم مرة أخرى في المجلس.
أمر قيافا الحرّاس أن يُحضروا يسوع مرة أخرى أمامه، وأن يعدّ كل شيء لأخذه مباشرة إلى محكمة بيلاطس لأنه يجب أن يعلن العقوبة. أسرع الحرس إلى السّجن، وبوحشيتهم المعتادة حلّوا وثاق يدي يسوع، نزعوا العباءة القديمة التي كانت قد تركوها على كتفيه وجعلوه يضع عباءته، وجروه خارج السّجن بعدما ربطوا الحبال حول خصره. عندما عبر يسوع خلال الحشود التى تجمّعت عند مدخل الدّار، كان منظره كمنظر ذبيحة تُقاد للذبح؛ تغيّرت معالمه بالكلية وتشوّهت من المُعاملة القاسية، ملابسه تلطّخت وتمزّقت؛ لكن منظر آلامه كان بعيداً عن إثارة الشعور بالشّفقة في قلوب اليهود القاسية الذين امتلئوا بالاشمئزاز وزاد هياجهم. حقا أن الرحمة كانت شعوراً غير معروف في صدورهم القاسية.
خاطب قيافا يسوع دون أن يبذل أدنى جهد ليخفي كراهيته قائلا: " إن كنت أنت المسيح، قل لنا ذلك صراحة. " حينئذ رفع يسوع رأسه وأجاب بوقاره وهدوئه العظيم : " إن قلت لكم، فإنكم لن تصدقوني؛ وإن سألتكم، فإنكم لن تجيبوني ولن تطلقوني. إلا أن ابن الإنسان سيجلس من الآن على يمين قوة الرب. " نظر رؤساء الكهنة كل منهم للآخر، وقالوا إلى يسوع بازدراء : " أأنت إذن ابن الرب؟ " أجاب يسوع بصوت الحق الأزلى قائلاً: " أنتم قلتم أنى أنا هو " بهذه الكلمات صاحوا جميعا " ما حاجتنا بعد لأي شهادة أخرى؟ فأننا قد سمعنا ذلك بأنفسنا من ذات فمه "
نهضوا جميعا فى الحال ونافس كل منهم الآخر فى أهالة أردأ الصّفات على يسوع، الذى دعوه فاجراً ووضيع المَوْلِد‏، الذي يطمح فى أن يكون مسيحهم المنتظر، ويزعم أنه مؤهّل لأن يجلس على يمين الرب. لقد أمروا الحراس أن يربطوا يديه ثانية وأن يربطوا سلسلة حول رقبته ، وحينئذ استعدّوا لأن يقتادوه إلى بيلاطس، حيث أرسلوا إليه رسولاً بالفعل ليستجدونه أن يُعد كل شئ لمحاكمة مجرم، كما أنه من الضروري ألا يتأخر بسبب يوم العيد.
همهم اليهود بين أنفسهم أنه لابد أن يقدّم إلى الحاكم الرّوماني لتأكيد عقوبتهم، لأن ذلك كان ضرورياً، حيث أنه لم يكن لهم الحق فى مًحاكمة المجرمين باستثناء الأمور التى تتعلق بالدين والهيكل فقط، وإنهم لا يستطيعون أن يُجيزوا عقوبة الموت. لقد رغبوا أن يثبتوا له أنّ يسوع عدو للإمبراطورية، وهذا الاتهام كان يخص أمور تحت نطاق سُلطة‏ بيلاطس.
اصطف الجنود أمام الدّار، محاطين بحشود كبيره من أعداء يسوع ومن العامة الذين انجذبوا بدافع الفضول. سار رؤساء الكهنة وجزء من أعضاء المجلس على رأس الموكب، ثم يسوع يقتاده الحراس بالإضافة لبعض الجنود الذين يتبعونهم، بينما سار الغوغاء فى الخلف فى المؤخّرة. كان عليهم أن ينحدروا من جبل صهيون، ويجتازوا الجزء المنخفض من المدينة ليصلوا إلى قصر بيلاطس، وذهب عديد من الكهنة الذين حضروا المجلس إلى الهيكل مباشرة بعد ذلك، للاستعداد للعيد .

28
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول

الفصل الثاني والعشرون
الإهانات التى وُجهت ليسوع في محاكمة قيافا

ما أن غادر قيافا القاعة هو وأعضاء المجلس حتى أحاطت الحشود بيسوع كالزّنابير الغاضبة، وبدءوا ينهلون عليه بكل أهانة قابلة للتخيل. حتى خلال المحاكمة، بينما كان الشّهود يتكلّمون، لم يستطع الحرس وبعض من الآخرين أن يمتنعوا عن إظهار ميولهم الوحشية، فنزعوا الكثير من شعره ومن لحيته، صفعوه على وجهه، لكموه بقبضات أياديهم، جرحوه بعِصِي‏ مدبّبة، ووخزوه بالإبر في جسده؛ عندما ترك قيافا القاعة لم يضعوا حدوداً لهمجيتهم. أولاً وضعوا إكليلاً، مصنوعاً من القش وأغصان الأشجار على رأسه، وبعد ذلك أزالوه وًحيوه بكلمات مهينة، قالوا مثلاً : " انظروا ها هو ابن داود يرتدى تاج أبيه " و " ها هنا من هو أعظم من سليمان؛ ها هو الملك الذي يُعدّ وليمة العرس لابنه " وهكذا حوّلوا تلك الحقائق الأزلية إلى مادة للسّخرية, تلك الحقائق التي علّمها لهم من جاء من السّماء ليخلصهم من خطاياهم على صورة أمثال؛ وبينما كانوا يكررون هذه الكلمات السّاخرة، واصلوا ضربه بقبضات أياديهم وعصيهم وبصقوا في وجهه. ثم وضعوا تاج القش على رأسه.
ثم نزعوا عباءته، والقوا عباءة ممزّقة قديمة على كتفيه، بالكاد تصل لركبتيه؛ علّقوا سلسلة حديدية طويلة حول رقبته تنتهي بحلقة حديدية في كل نهاية ومزودة بأسنان حادّة، كبلوا ذراعيه ثانية، وضعوا قصبة في يدّه وغطّوا وجهه الإلهى بالبصاق. القوا بكل أنواع القاذورات على شعره وعلى صدره وعلى العباءة القديمة. عصبوا عينيه بخرقة قذرة وضربوه صارخين بأصوات عالية : تنبّأ لنا أيها المسيح، من الذى ضربك ؟ ", لم يجبهم بكلمة واحدة، بل تنهّد، وصلّى من أجلهم سراً.
وضعوا عليه غطاء رأس كبير يرتديه أعضاء المجلس، كان قيافا يضعه علي رأسه وكان ما زال في الغرفة، وبدوا مُبتهجين وهم ينظرون هذا المشهد المخزي الذي شرّعوا فيه، ناظرين بكل السرور للطقوس الأكثر قداسة وقد تحوّلت إلى مراسم للهزء. الحرّاس ألعديمي الرحمة غمروه بالطّين والبصاق، وبرزانة وهمية صاحوا : تسلم المسحة النّبوية, تسلم المسحة الملوكية ", ثم سخروا من مراسم الّعماد بشكل أثيم، ومن صنيع المجدلية فى إفراغ زجاجة الطيب على رأسه. صاحوا " كيف تجرؤ أن تظهر أمام المجلس بمثل هذه الحالة ؟ أتطهر الآخرين، ولا تقدر أن تُطهر نفسك؛ لكننا سنطهرك قريبا " وأحضروا حوضاً مملوءاً بالماء القذر، وسكبوه على وجهه وكتفيه، بينما احنوا ركبهم أمامه صائحين : " ها هى المسحة الثمينة, ها هو الطيب الذى يُقدر بثلاثمائة دينار؛ ها أنت قد تعمّدت في بركة بيت حسدا ". لقد تعمدوا أن يسخروا من تصرف المجدلية، عندما سكبت الطيب الثّمين على رأسه، في بيت الفريسي.
بعد عديد من الإهانات، أمسكوا بالسّلسلة التي علقوها على رقبته وسحبوه نحو الغرفة التي كان يتشاور فيها أعضاء المجلس، ودفعوه بعصيهم صائحين: تقدم يا ملك القش! أظهر نفسك للمجلس بشارة الشرف الملوكي التى نقدمها لك. "
لقد جروه حول الغرفة، أمام كل أعضاء المجلس، الذين استمرواّ يخاطبونه بلّغة تّأنيبية وسّيئة. بدا كل وجه كوجه شيطان غاضب، وكل ما حولهم كان مًظلماً ومشوشاً ورديئاً‏. يسوع بالمقابل رأيته كما رأيته فى تلك اللّحظة عندما أعلن فيها أنه هو ابن الرب، لقد كان مُحاطاً بهالة من النور. كثير من المّجتمّعين بدا عليهم أنه لهم معرفة مشوّشة بهذه الحقيقة، وامتلئوا بالذّعر بإدراك أنه لا إساءة ولا عار ممكن أن يُبدِّل‏ من السمة الملوكية لمُحياه .
حرّضت الهالة التي أشرقت حول يسوع منذ اللّحظة التى أعلن فيها نفسه أنه هو المسيح، ابن الرب الحيّ، حرّضت أعداءه على غضب أعظم، ومع ذلك كانت متألقة جدا حتى إنهم لم يستطيعوا أن ينظروا إليها، وأعتقد أن نيتهم برمي الخرق القذرة على رأسه كان لكى يخفون سطوعها.
تأمل الرب يسوع
تأمّلْوا كيف أساءوا معاملتي: لقد ضُربت على وجهي، بُصق عليّ، لوى عنقي ليُسْخرَ مني؛ نُتفت لحيتي؛ عُصرَ ذراعيّ؛ ضُربت على أعضاء رجولتي، وعندما سْقطتُ، جُررت من شعري.



الفصل الثالث والعشرون
إنكار القديس بطرس

في اللحظة التى قال فيها يسوع : " أنك قد قلت ذلك " وشق فيها رئيس الكهنة ثيابه، دوّت كل الغرفة بنّداءات صّاخبة. لم يستطع بطرس ويوحنا تحمل المنظر أكثر من ذلك، لقد تألما بشدة من المشهد الذي حدث فى التو، واجبرا أن يشهداه بصّمت، لهذا نهض بطرس ليترك الغرفة، وتبعه يوحنا فى الحال. ذهب يوحنا إلى العذراء المباركة، التى كانت في دار مرثا مع النّساء القديسات، محبّة بطرس ليسوع لم تجعله قادراً أن يتركه؛ قلبه كان يتمزق، وبكى بمرارة على الرغم من أنه سعى أن يمنع دموعه أو أن يخفيها. لقد كان من المستحيل عليه أن يبقى في المحكمة، فأن عاطفته العميقة برؤية آلام سيده الحبيب كانت ستخونه؛ لهذا دخل الدّهليز واقترب من النّيران التى كان يجلس حولها بعض الجنود وعامة الناس وكانوا يتحدّثون بأسلوب قاس ومثير للاشمئزاز‏ عن آلام يسوع ويقصون ما فعلوه هم بأنفسهم به. كان بطرس صامتاً، لكن صمته وسلوكه المحزن جعل من حوله يشكّون فى أمره. جاءت البوّابة نحو النيران في وسط الحديث ونظرت إلى بطرس وقالت " أنك أنت أيضا كنت مع يسوع الجليلي " باغتت هذه الكلمات بطرس ونبّهته؛ ارتعد لما يمكن أن يتبع ذلك إن اعترف بهذه ‏الحقيقة أمام رفاقه القساة، وأجاب بسرعة : " يا امرأة، أنى لست اعرفه " ونهض وترك الدّهليز. فى هذه اللحظة صاح دّيك من مكان ما عند أطراف المدينة. بينما كان بطرس يخرج نظرت إليه جارية أخرى وقالت لمن معها : " إن هذا الرّجل كان معه أيضا " والأشخاص الذين خاطبتهم سألوا بطرس فورا إن كانت كلماتها صادقة قائلين : " ألست واحداً من تلاميذ هذا الرّجل؟ " بطرس كان أكثر حذراً من ذى قبل وجدّد إنكاره قائلا : " كلا أنى لست أعرف هذا الرّجل. "
ترك بطرس القاعة الدّاخلية ودخل القاعة الخارجية وهو يبكي، وكان اضطرابه وحزنه عظيمان حتى أنه لم يفكر فى الكلمات التى نطقها تواً. كانت القاعة الخارجية قد امتلأت بالناس، وتسلّق البعض قمة الحائط ليستمعوا إلى ما يُقال في القاعة الدّاخلية التي مُنّعوا من دخولها. كان هناك بعض التلاميذ أيضاً، لأن قلقهم بخصوص يسوع كان عظيماً جدا حتى إنهم لم يتمكّنوا من أن يظلوا مختبئين في مغائر وادي هنوم. جاءوا إلى بطرس، وبكثير من الدّموع سألوه بخصوص سيدهم الحبيب، لكنه كان فاقداً شجاعته‏ وخائفاَ للغاية من خيانته، حتى أنه أوصاهم باختصار أن يخرجوا، حيث إنه من الخطر أن يمكثوا وتركهم فى الحال. لقد استمرّ يُطلِق العِنان لحزنه العنيف، بينما أسرعوا هم بترك المدينة. لقد ميزت بين هؤلاء التلاميذ، الذين كانوا حوالي ستة عشر، بَرْثلْمَاوُس، نثنائيل، ستيرنينوس، يهوذا برسابا، سمعان الذي أصبح بعد ذلك أسقف أورشليم، زكا، ومناحم، الرّجل الذي ولد أعمى وشفاه يسوع .
لم يستطيع بطرس أن يستريح فى أي مكان، وحبّه ليسوع حثّه على أن يرجع إلى القاعة الدّاخلية، التي سُمح له أن يدخلها، لأن يوسف الرامى ونيقوديموس كانا قد أدخلاه في المرة الأولى. ولكنه لم يدخل الدهليز، بل أنعطف يميناً وذهب نحو الغرفة المستديرة التي كانت خلف المحكمة، والتي كان يخضع فيها يسوع لكل احتقار وإهانة ممكنة من أعدائه القساة. سار بطرس بخوف نحو الباب، ومع أنه كان واعياً تماما أنه محل شكّ من قبل كل الحاضرين بأنه من الموالين ليسوع، ومع ذلك لم يتمكّن من أن يبقى خارجاً؛ حبّه لسيده دفعه للأمام؛ دخل الغرفة، تقدّم، ووقف قريبا في وسط الحشد البغيض الذي كان يمتّع نظره بآلام يسوع. لقد كانوا في تلك اللّحظة يجرونه بشكل مخز ذهابا وإيابا بتاج القش على رأسه؛ ألقى يسوع عليه نظرة حزينة جدا وحادّة، نظرة مزقت قلبه، لكنه كان لا يزال منتبّهاً للغاية، وفي تلك اللّحظة سمع بعضاً من الذين حوله يصيحون " من هذا الرّجل؟ " فرجع مرة أخرى إلي القاعة، وشاهد الناس الذين في الدّهليز يراقبونه، أتى نحو النيران ووقف أمامها لفترة. لاحظ بعض الأشخاص وجهه المضطرب الحريص وبدءوا يتكلّمون بكلمات مخزية عن يسوع وقال له أحدهم : " إنك أيضا أحد تلاميذه؛ أنك جليلي أيضا؛ أن لهجتك تُظهرك " نهض بطرس معتزماً أن يترك الغرفة، عندما أتى شقيق ملخس إليه وقال : " هل لم أرك في البستان معه؟ ألست أنت الذى قطع أذن أخي؟ "
حينئذ أصبح بطرس بغاية الرّعب؛ بدأ يلعن ويقسم " إني لست أعرف الرّجل " وخرج من الدّهليز إلى القاعة الخارجية؛ حينئذ صاح الدّيك مرة ثانية، وكان يسوع في تلك اللّحظة يُقتاد عبر القاعة، ألقى نظرة ممتزجة بالحنو والأسى على تلميذه. طعنت نظرة يسوع تلك قلب بطرس، لقد ذكّرته بالأسلوب القويّ والشديد الذى تكلم به يسوع معه فى المساء السّابق : " أنك قبل أن يصيح الدّيك مرّتين, ستنكرني ثلاث مرات." لقد نسى كل وعوده وتأكيداته إلى يسوع، أنه ممكن أن يموت بدلا من أن ينكره, لقد نسى تحذير يسوع له؛ لكن عندما نظر إليه يسوع، شعر بفداحة ذنبه، وقلبه كان يطفح بالأسى. لقد أنكر سيده، عندما كان ذلك السيد المحبوب مهاناً، مُذلاً, مُسلّماً في أيادي قُضاة ظّالمين، عندما كان يعاني كلّ شئ بصبر وبصّمت. أن إحساسه بالنّدم كان فوق كل تعبير؛ لقد رجع إلى القاعة الخارجية وغطّى وجهه وبكى بمرارة؛ كل خوفه من أن يتعرفون عليه قد ولى؛ وكان مستعداً أن يعلن للعالم كله ذنبه وتوبته.
لقد ترك الرب بطرس لقوته، وهو كان ضعيفاً، مثل كل من ينسون القول " اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة "

تأمل الرب يسوع

بينما كان قلبي يَعاني من كل هذه المِحَنِ، بطرس، الذي وَعد منذ ساعات مضت أَنْ يتبعني حتى الموت، أُنكرني فى إجابة لسؤالَ بسيطَ قد وجه إليه وكَانَ ممكن أَنْ يَخْدمه في إعْطاءِ شهادةِ عنّي. ولأن الخوف أُستوليْ عليه أكثر، عندما تكرر السّؤال، أقسمُ بأنّه ما سَبَقَ أَنْ عَرفني قط ولا أنه تلميذي. بَسْؤُاله لثالث مرة، أجابَ بلّعناتِ رديه .
أبنائي الصغار، عندما يَحتجُّ العالم ضدي وتتحول عنى نفوس مُختَاَرينى، واَرى نفسي متَروكاً ومُنكرُاً، هَلْ تَعْرفُون كم تكون عظمة الحزنُ والمرارةُ في قلبي؟
سَأُخبرهم كما أخبرتُ بطرس : أحبائي، يا من اَحْبّهمُ كثيراً، هَلْ لا تَتذكّرونُ اختبارات الحبِّ التي أعطيتها لكَم؟ هَلْ نَسيتمَ كم مرة وعدتموني أنْ تكُونواَ أمناء وأَنْ تدافعوا عنى ؟ أنكَم لا تثقون بأنفسكم لأنكم ضالون؛ لكن إن أتيتم لي باتضاع وبإيمان ثابت، لا تخافوا شيئاً؛ فأنكم ستكونون مسنودين جيّداً .
أحبائي، يا من تحيون مُحفوفين مِن قِبل كثير من الأخطارِ، لا تَدْخلُوا في فرص الخطيئةِ من خلال الفضولِ العقيمِ؛ كُونُوا حذرينُ فأنكم قد تَسْقطون مثلما سقط بطرس.
وأنتَم يا من تَعْملُون في كرمى، إن شْعرتُم أنكم تتحركون بدافع الفضولِ أو بدافع بعض الإشباع البشرىِ، فسَأُقول لكم أَنْ تَهْربَوا. لكن إن كنتم تَعْملُوا من أجل الطاعةِ وكنتم مَدْفوعينُ بتأجج من أجل النفوس ومن أجل مجدي، فلا تخافوا. فأنا سَأَحْميكَم وأنتَم ستغلبون.
عندما آخذني الجنود سجيناًَ، كَانَ بطرس نصف مُختبئ في أحد الأروقةِ وسط الحشودِ. نظراتنا تلاقت؛ عيناه كانت مُتحُيّرةْ، لقد كان ذلك لجزء من الثانية فقط ومع ذلك، أخبرته بالكثير!... لقد رَأيته يَبكى بمرارة لخطيئته وبقلبي قلت له : " إن العدو قَدْ حَاولَ أَنْ يَمتلككَ لكنى لم أَتْرككَ. أنى اَعْرفُ أنّ قلبكَ لم ينكرني. كُنُ مُستعداً لمعركةِ اليومِ الجديدِ، للمعارك المتكررة ضدّ الظّلمةِ الرّوحيةِ وأعد نفسك لتتلقى أخباراً جيدة. إلى اللقاء يا بطرس . "
كم من مرة اَنْظرُ نحو النفس التى أَثمتُ، لكن هَلْ تَنْظرُ هى إلىّ أيضا ؟ ليس دائما تتلاقى أعيننا. كم كثيراً من المرات اَنْظرُ إلي النفس وهى لا تَنْظرُ إليّ؛ أنها لا تَراني؛ إنها عمياء.... إنى اَدْعوها باسمها وهى لا تُجيبني. أُرسل لها الأحُزانَ، الآلام، عسى أن تستطيع أَنْ تفيق من نومها، لكنها لا تُريدُ أَنْ تَستيقظَ.
أحبائي، إن لم تَنْظرُوا نحو السّماءِ، فأنتَم سَتَحيون ككائناتِ محَرومةْ من الحافزِ. ارفعْوا رؤوسكَم وتأمّلْوا المسكن الذي ينتظركَم. ابحثواْ عن إلهكَم وأنتَم سَتَجدونه دائما وعيناه مًثَبّتة عليكم، وفي نظرته سَتَجدُون سلاماً وحياة.


الفصل الرابع والعشرون
العذراء مريم في دار قيافا

كانت العذراء المباركة متّحدة دوماً بابنها الإلهي باتصالات رّوحية دّاخلية؛ لهذا كانت مُدركة بالكامل لكل ما يحدث له, لقد عانت معه، وانضمت إلي صلاته المستمرة من أجل قاتليه. لكن مشاعرها الأمومية حثّتها أن تتضرّع إلى الرب القدير بكل تأجج ألا يجعل الجريمة تكتمل، وأن ينقذ ابنها من هذا العذاب المخيف. لقد رغبت بلهّفة أن ترجع إليه؛ وعندما جاء يوحنا إلى دار لعازر ليعتني بها بعدما ترك المحكمة في اللحظة التى ارتفع فيها الصياح المخيف : " أنه مذنب ومستحق الموت " وروى تفاصيل المشهد المخيف الذى شهده، ترجته العذراء والمجدلية وبعض من النّساء القدّيسات الأخريات أن يأخذهن إلى حيث يعاني يسوع. يوحنا، الذي كان قد ترك مُخلصنا تواً من أجل أن يواسي تلك التى يحبها أكثر من أى أحد بعد مُعلمه الإلهى، استجاب فى الحال لطلبهم وقادهم خلال الشّوارع التي كانت مضاءة بالقمر فقط، ومزدحمة بأناس يتعجلون للرجوع لبيوتهم. النّساء القدّيسات قد تحجبن بإحكام‏؛ لكن البكاء الذي لم يستطعن منعه جعل عديد ممن يعبرن عليهن يلاحظهن، وتعَذَّبت مشاعرهن بالألقاب البذيئة التى سمعنها مُصادفة والتى مُنحت ليسوع من قبل أولئك الذين كانوا يتحدّثون عن موضوع اعتقاله. العذراء المباركة، التي نظرت دوما بالروح المعاملة المخزية التي ينالها ابنها العزيز، استمرت تضع فى قلبها كل هذه الأشياء؛ وقد عانت مثله في صّمت؛ لكن أكثر من مرة كانت تغيب عن الوعي تماما. رآها بعض تلاميذ يسوع الذين كانوا عائدين من قاعة قيافا، وتوقفوا لينظروها بشفقة وحيوها بهذه الكلمات : " السلام لك! السلام للأم الحزينة، السلام لأم أقدس من فى إسرائيل، لأكثر الأمهات ابتلاء ! " فرفعت مريم رأسها وشكرتهم بامتنان، وواصلت رحلتها الحزينة.
عندما اقتربوا من دار قيافا, ازدادت أحزانهم برؤية بعض الرّجال مُنشغلين فى إعداد الصليب لصلب يسوع. أصدر أعداء يسوع أوامر أن يُعدّ الصّليب بعد اعتقاله مباشرة، حتى ينفذوا العقوبة التي يأملوا أن يقنعوا بيلاطس أن يُجيزها عليه دون تأخير. كان الرومان قد اعدواّ صليبي اللّصين مسبقا، وكان العمّال الذي يُعدون صليب يسوع مُتذمرين كثيراُ لكونهم مُضطرين أن يعملوا خلال اللّيل؛ إنهم لم يحاولوا أن يخفوا تذمرهم من هذا، ونطقوا بأقسام ولّعنات مُخيفة طعنت قلب أم يسوع الحنونة مراراً وتكراراً؛ لكنها صلّت من أجل هذه المخلوقات العمياء التي تجدف بجهل على المُخلص الذي كان على وشك أن يموت من أجل خلاصهم ويعدون الصّليب ليُنفذ عليه هذا الحُكم القاسي بالإعدام‏.
اجتازت مريم ويوحنا والنساء القدّيسات القاعة الخارجية الملحقة بدار قيافا. وقفوا عند الباب الذي يُفتح على القاعة الدّاخلية. قلب مريم كان مع ابنها الإلهى ورغبت بتوهج أن ترى هذا الباب مفتوحاً، كى تتمكن أن تراه لأنها عرفت أن هذا الباب هو الشيء الوحيد الذى يفصلها عن السّجن حيث قد سُجن. فُتح الباب وأسرع بطرس خارجاً، وجهه كان مغطّى بعباءته وكان يعتصر يديه ويبكى بمرارة. على ضوء المشاعل تعرف فى الحال على يوحنا والعذراء المباركة، لكن رؤيتهم جدّدت مشاعر النّدم التي أيقظتها نظرة يسوع في صدره. اقتربت منه العذراء على الفور وقالت : " سمعان، اخبرني، أتوسّل إليك، ما هو حال يسوع، أبني!" طعنت هذه الكلمات قلبه؛ لم يتمكّن حتى أن ينظر إليها، بل استدار، واعتصر يديه ثانية. اقتربت مريم منه وقالت في صوت يرتجف بالانفعال : " يا سمعان بن يونا، لماذا لا تجيبني؟ " صرخ بطرس بنغمة حزينة " أماه، لا تتكلّمي إلى, لأن ابنك يعاني أكثر مما تستطيع أن تعبر عنه الكلمات, لا تتكلّمي إلى! لأنهم قد أدانوه إلى الموت، وأنا أنكرته ثلاث مرات " جاء يوحنا ليسأل بضعة أسئلة، لكن بطرس ركض خارج القاعة ولم يتوقف للحظة واحدة حتى وصل مغارة في جبل الزيتون, تلك المغارة التى انطبعت على صخورها يدا مُخلّصنا على نحو عجيب. أعتقد إنها ذات المغارة التى أتخذها آدم مأوى ليبكي فيها بعد سقوطه.
كانت العذراء المباركة حزينة بما يفوق الوَصْف‏ بسماع ما أوقع الألم على قلب ابنها الإلهي الحبيب، الألم بأن يجد نفسه مُنكراً من قبل ذلك التّلميذ الذي كان أول من اعترف به كابن الإله الحيّ؛ لقد كانت عاجزة عن أن تسند نفسها، ووقعت على حجارة الباب، التي أنطبعت قدميها ويديها عليها حتى الوقت الحاضر. لقد رأيت الحجارة تُحفظ بمكان ما لكنى لا أستطيع أن أتذكر أين فى هذه اللّحظة. لم يُغلق الباب ثانية، لأن الحشد كان يتفرق، وعندما أفاقت العذراء المباركة، توسلت إليهم أن يأخذوها إلى أقرب موضع ممكن لابنها الإلهى. قادها يوحنا حينئذ هى والنّساء القدّيسات إلى مقدمة السّجن حيث قد أُحتجز يسوع. مريم كانت مع يسوع بالرّوح، ويسوع كان معها؛ لكن هذه الأم المحبّة رغبت أن تسمع بأذنيها صوت ابنها الإلهى. لقد أصغت وسمعت ليس فقط تأوهاته، بل أيضا اللّغة السّيئة لأولئك الذين حوله. كان من المستحيل على النّساء القدّيسات أن يبقين في القاعة أكثر من ذلك دون جذب الانتباه. حزن المجدلية كان عنيفاً جدا حتى أنها كانت عاجزة عن أن تخفيه؛ وعلى الرغم من أن العذراء المباركة، بنعمة خاصّة من الرب القدير، احتفظ‏ت بهدوئها ووقارها وسط آلامها، إلا أنها عرفت وسمعت كلمات قاسية مثل هذا : " أليست هذه أم الجليلى؟ سيُعدم ابنها بكل تأكيد، لكن ليس قبل الاحتفال، ما لم يكن قبله، حقا، إنه لمن أعظم المجرمين."
تركت العذراء المباركة القاعة وصعدت إلى المستوقد‏ في الدّهليز، حيث كان لا يزال بعض الأشخاص واقفين. عندما وصلت للبقعة التى أعلن يسوع فيها أنّه ابن الرب، وصرخ حينئذ اليهود الأشرار : " أنه مذنب ويستحق الموت " غابت عن الوعي ثانية، وحملها يوحنا والنّساء القديّسات بعيداً، بمظّهر يشبه مظهر جثة أكثر من كونها شخص حيّ. لم يتفوه المحيطين بهم بكلمة؛ بدوا مندهشين وصمتوا .
عبرت النّساء القدّيسات المكان ثانية حيث كان يعدّ الصّليب؛ بدا أن العمّال يجدون صعوبة في إكماله بنفس قدر الصعوبة التى واجهها القضاة في إصدار العقوبة وكانوا مُجبرين أن يجلبوا خشباً جديداً فى كل لحظة، لأن بعض القطع لم تكن ملائمة، والأخرى تنشطر؛ استمر هذا حتى وضعت أنواع مختلفة للخشب في الصّليب طبقا لنوايا التّدبير الإلهى. رأيت الملائكة التي ألزمت هؤلاء الرّجال بإكمال عملهم، ولم يتركوهم يستريحون، حتى تم كل شئ بأسلوب صحيح؛ لكن تذكري لهذه الرّؤيا غَيْر متميِّز‏ .

29
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول
الفصل التاسع عشر
محاكمة يسوع أمام حنان

وصل يسوع إلى قصر حنان نحو منتصف الليل وعلى الفور اقتاده حرّاسه نحو قاعة فسيحة، حيث جلس حنان مُحاطاً بثمانية وعشرين عضواً من أعضاء المجلس على منصَّة‏ ترتفع قليلاُ عن مستوى الأرض موضوعة قبالة المدخل. جر الجنود يسوع بفظاظة أمام المنصة. كانت الغرفة ممتلئة تماماً، ميزت عدداً من الغوغاء بين جنود وخدم حنان وكذلك الشهود الكذبة الذين ذهبوا بعد ذلك إلى قاعة قيافا .
ابتهج حنان برؤية يسوع لكونه حضر أمامه وكان ينتظر وصوله بفارغ الصبر. تعبيرات وجهه كانت بغيضة، حيث أظهرت كل قسمات وجهه ليس فقط البهجة الشيطانية التي امتلأ بها، بل أيضاً كل خداع ونفاق قلبه. لقد كان حنان رئيس نوع من المحاكم المؤسّسة لغرض استجواب الأشخاص المتّهمين بترويج تعاليم دينية باطلة؛ وإن أدينوا هناك فأنهم يؤخذون حينئذ أمام الكاهن الأكبر.
وقف يسوع أمام حنان. بدا مُسْتَنْفَداً‏ ومنهكاً؛ ملابسه مُغطاة بالطّين، يداه مقيّدتان، رأسه منحنية، ولم يتكلّم بكلمة. حنان كان نحيلاً,‏ سخيفاً, يبدو عجوزاً بلحية غير منسقة. كبرياؤه وافتخاره كانا عظيمين؛ وعندما جلس ابتسم ابتسامة ساخرة مدّعياً أنّه لا يعرف شيئاً على الإطلاق، وبدا مندهشاً تماما باكتشاف أن السّجين الذي قد أُعلم به تواً والذي جُلب أمامه، ليس سوى يسوع الناصري. قال له : " هل هذا ممكن، هل أنت فعلا يسوع الناصري؟ أين إذن تلاميذك وأتباعك العديدين؟ أين هى مملكتك؟ أخشى أن تكون الأمور قد تحولت عما كنت تتوقّعه. أعتقد أن السلطات قد اكتشف أنهّ الوقّت المناسب لوضع نهاية لتصرفاتك العديمة الاحترام نحو الرب وكهنته وإلى انتهاكاتك للسبت. أي توابع لك الآن؟ أين ذهبوا جميعا ؟ أنك صامت! تكلّم أيها المغرّر! تكلّم أيها المحرّض على التمرّد! هل لم تأكل الفصح بأسلوب غير قانوني، في وقت غَيْر ملائم‏، وفي مكان غَيْر ملائم‏ ؟ هل لم ترغب أن تقدّم تعاليم جديدة؟ من أعطاك حق الوعظ ؟ أين درست؟ تكلّم، ما هى معتقدات ديانتك؟
حينئذ رفع يسوع رأسه المرهق ونظر إلى حنان وقال : " لقد تكلّمت إلى العالم علانية؛ لقد علّمت دوما في المجمع وفي الهيكل، حيثما يتردد كل اليهود؛ وفي السّر لم أتكلّم بشيء. لماذا تسألني؟ أسأل أولئك الذين سمعوا بما تكلّمت به؛ إنهم يعرفون بأى أمور قد تكلمت بها إليهم"
عندما أجابه يسوع هكذا أزبد وجه حنان بالغضب والسخط. أدرك خادم ‏ كان يقف بالقرب منه هذا ولطم يسوع فورا على وجهه صائحاً : " أهكذا تجيب رئيس الكهنة ؟ " يسوع شبه وقع من عنف اللطمة، حتى أنه عندما شتمه الحرّاس وضربوه، سقط تماما لأسفل، وتقطّر الدم من وجهه إلى الأرض. دوت القاعة بالضّحك وبالإهانات والكلمات المرّة. سحبه الجنود بفظاظة وأوقفوه وقال بهدوء: إن كنت قد تكلّمت رديا فاشهد على الردى؛ لكن إن كنت تكلمت حسناً، فلماذا تضربني؟ "
غضبً حنان أكثر عندما رأى سّلوك يسوع الهادئ والتفت إلى الشّهود، رغب منهم أن يقدّموا اتهاماتهم. بدءوا يتكلّمون جميعا فى الحال : " أنه زعم أنه ملك؛ أنه يقول أن الرب أبوه؛ لقد قال أن الفريسيون لهم جيل زانى. لقد تسبّب فى تمرد بين الشعب؛ أنه يشفي المرضى بمعونة الشّيطان فى السبت. أن سكان أوفيل تجمّعوا حوله وخاطبوه بلقب المُخلص والنّبي. لقد دعا نفسه يُلقب بابن الرب؛ أنه يقول أنّه مُرسل من قبل الرب؛ أنه يتنبّأ‏ بدمار أورشليم. أنه لا يصوم؛ إنه يأكل مع الخطاة ومع الوثنيين ومع جُباة الضرائب‏، ويرافق نساء ذي سمعة سيئة. منذ وقت قصير قال لرجل أعطاه بعض الماء ليشرب عند بوّابات أوفيل، أنه سيعطيه ماء الحياة الأبدية، من يشرب منه لن يعطش فيما بعد. إنه يغوي الناس بكلمات ذات معنى مزدوج الخ ....الخ .
كانوا جميعاً يصيحون بهذه التهم؛ وقف بعض الشّهود أمام يسوع وأهانوه بينما تكلّموا بإشارات سّاخرة، ومضى الجنود يضربونه، قائلين في نفس الوقت : " تكلّم؛ لماذا لا تُجيب ؟ " أضاف حنان ومناصروه الهزء ليهينوه وكانوا يصيحون في كل مهلة باتهامات أخرى : " أهذا هو التعليم ؟ أليس هو؟ ألا تستطيع أن تجيب على هذا؟ ألست أنت الملك العظيم؛ الإنسان المُرسل من قبل الرب، برهن على مُهمتك " واصل حنان تساؤلاته بنغمة احتقار لاذِع‏ " من أنت ؟ من قبل من أنت مُرسل؟ ألست أنت ابن نجار مغمور‏، أم أنت إيليا الذى صعد للسّماء في عربة نارية؟ أنه يقال أنه ما زال حياً، وقد قيل لى أنك تستطيع أن تجعل نفسك غير مرئي عندما تريد. ربما أنت ملاخى النبي، الذي تقتبس كلماته كثيراً. البعض قال بأنّ الملاك كان أبوه، وأنه أيضاً ما زال حياً. أن منتحل مثلك من الممكن أن ينال الفرصة أن ينتحل صفة هذا النّبي. أخبرني بلا مراوغة، إلى أي نوع من الملوك تنتمى؟ هل أنت أعظم من سليمان؟ على الأقل أنك تتظاهراً بأن تكون هكذا. كن سهلاً، فأنا لن أعد أرفض اللقب والصولجان اللذان تستحقّهما بعدل.
حينئذ طلب حنان رقّ الكتابة، وكتب سلسلة من الكلمات بأحرف كبيرة، وكل كلمة تُعبر عن تهمة مختلفة من التهم التي اتهموه بها ثم طواها ووضعها في أنبوب فارغ صغير ربطها بعناية على قمة قصبة وقدّم هذه القصبة إلى يسوع قائلاً : " أمسك بقضيب المُلك؛ أنه يحتوي على الألقاب، كما أنه يحتوى أيضا على مدى الكرامة التى أنت آهل لها، وعلى الحق فى العرش. خذوه إلى الكاهن الأكبر، من أجل أن يعترف بالكرامة الملوكية، ويُعاملك طبقا لما تستحقه. اربطوا يدي هذا الملك، وخذوه أمام الكاهن الأكبر. "
قيُدت حينئذ يدي يسوع عبر صدره بأسلوب يجعله قادراً على أن يحمل قضيب المُلك المزعوم والذي احتوى على اتهامات حنان، واقتيد إلى محكمة قيافا وسط استهجان وصّيحات الغوغاء والضربات التى انهالت عليه منهم من كل جانب.
لم تكن دار حنان تبعد عن دار قيافا بأكثر من ثلاثمائة خطوة؛ كانت هناك أسوار عالية ومنازل بمظهر عام مشترك على كلا جانبي الطّريق الذي أنير بمشاعل وفوانيس موضوعة على أعمدة، وكانت هناك جموع من اليهود واقفة تتّحدّث بأسلوب هائج وغاضب. استطاع الجنود أن يشقوا طريقهم بصعوبة خلال الحشود، وأولئك الذين تصرّفوا بشكل مخزي مع يسوع في محكمة حنان استمرّوا فى إهاناتهم له وواصلوا تصرفاتهم الخسّيسة خلال كل المدة المنصرفة في المسير نحو دار قيافا. لقد رأيت نقوداً تُعطى لأولئك الذين تصرّفوا بطريقة سيئة مع يسوع من الرّجال المسلّحين الخاصين بالمحكمة، ورأيتهم ينحون عن الطّريق كلَّ الذين نظروهم ينظرون بعطف إلي يسوع. أما الآخرون فقد سمحوا لهم أن يدخلوا محكمة قيافا

الفصل العشرون
محكمة قيافا

كان على المرء أن يعبر خلال قاعة كبيرة ليدخل محكمة قيافا، تُسمى القاعة الخارجية؛ من هناك يدخل إلي قاعة داخلية، تمتدّ بطول كل البناية. البناية نفسها كانت طّويلة، وكان هناك في الأمام دّهليز مفتوح محاط من ثلاث جوانب بأعمدة. كانت الأعمدة التى بالجانب الرابع أعلى من باقي الأعمدة، وخلفها كانت توجد غرفة كبيرة كالدّهليز نفسه، حيث وضعت مقاعد أعضاء المجلس على منصة مستديرة مرتفعة عن مستوى الأرض. كانت المنصة المخصّصة للكاهن الأكبر أعلى من الأولى.
كان على الجاني أن يقف في مركز نّصف الدائرة المُشكّلة بالمقاعد. ويقف الشّهود والمدّعين أمّا على الجانب أو خلف السّجين. كانت هناك ثلاثة أبواب خلف مقاعد القضاة تقود إلي غرفة أخرى، ممتلئة أيضاً بالمقاعد. كانت هذه الغرفة تستعمل للمداولات السّرية. وضعت المداخل على يمين ويسار هذه الغرفة وتُفتح على القاعة الدّاخلية المستديرة. أولئك الذين يتركون الغرفة بالباب الذى على الجهة اليمنى كانوا يتجهون نحو بوّابة تقود إلى سجن أسفل أرض الغرفة. كان هناك العديد من السّجون أسفل الأرض، وفي أحد هذه السجون اُحتجز كل من بطرس ويوحنا ليلة كاملة عندما شفيا الرّجل الكسيح في الهيكل بعد العنصرة. امتلأت الدّار والقاعة بالمشاعل والقناديل مما جعلهم يبدوان كما فى نور النهار. كانت هناك نار كبيرة مشتعلة في منتصف الرواق، توجد على كل جانب منها أنابيب تستخدم كمداخن، وحول هذه النّار كان يقف الجنود والخدم والشهود الكذبة الذين أخذوا رشاوى للإدلاء بشهادتهم الكاذبة. كان هناك بضع النساء عملهم هو صبّ نوع من الشّراب الأحمر للجنود.
جلس القضاة حول قيافا وامتلأ الرواق تقريبا من الشّهود الكذبة، بينما مُنع عديد من الأشخاص الآخرين الذين سعوا للدخول ليرضوا فضولهم. دخل بطرس ويوحنا القاعة الخارجية، في زي مسافرين قبل وقت قصير من مجيء يسوع، ونجح يوحنا في النفاذ إلي القاعة الدّاخلية عن طريق خادم يعرفه وأُغلق الباب بعده فوراً، لهذا مُنع بطرس، الذي كان فى الخلف قليلاً. لقد ترجى جارية من الخدم أن تفتح الباب له، لكنها رفضت كل التماساته والتماسات يوحنا، وظل بالخارج حتى لاقى نيقوديموس ويوسف الرامى اللذان جاءا في هذه اللّحظة وأخذاه معهما للداخل. أعاد التلميذان العباءتان اللتان كانا استعاراها وظلا في مكان يستطيعان منه رؤية المُحاكمة ويسمعان كل شيء.
جلس قيافا في مركز المنصة المرتفعة، والتف حوله سبعون من أعضاء السنهدريم، بينما كان يقف الموظفون‏ العموميون والكتبة والشيوخ على كلا الجانبين، والشّهود الكذبة خلفهم. اصطف الجنود من المنصة وحتى باب الدّهليز الذي كان على يسوع أن يدخل منه. كان مُحيا قيافا مهيباً للغاية لكن جاذبيته رافقتها علامات واضحة عن غيظ مكتوم ونّوايا شّرّيرة. كان مرتدي عباءة طويلة ذات لون أحمر مطرّزة بالزّهور ومزينة بحافة مذّهبة ومربوطة علي الأكتاف والصّدر ومزيّنة من الأمام بمشابك ذّهبية. كانت رأسه مغطاة ومزيّنة بأشرطة مُعلقة، الجوانب كانت مفتوحة، وكانت تشبه تاج الأسقف. كان قيافا ينتظر مع تابعيه من المجلس العظيم لبعض الوقت، وبعدم صبر نهض عدة مرات ودخل القاعة الخارجية وسأل بغضب عن مجيء يسوع الناصري وعندما رأى الموكب يقترب عاد إلى مقعده.


الفصل الحادي والعشرون
مُحاكمة يسوع أمام قيافا

اُقتيد يسوع عبر القاعة، ولاقاه الغوغاء بالآهات والاستهجان. بينما كان يعبر أمام بطرس ويوحنا نظر إليهما لكن دون أن يلتفت تجاههما لكى لا يكشفهما. وصل بصعوبة غرفة المجلس، حينئذ صاح قيافا بنغمة عالية : " ها أنت قد جئت أخيرا يا عدو الرب, أيها المُجدف يا من تزعج سلام هذه اللّيلة المقدّسة! ". وقام بفتح الأنبوب الذي يحتوى اتهامات حنان والذي رُبط بقضيب الملك المزعوم في يدي يسوع وأتم تلاوته .
استخدم قيافا أسلوباً مُهيناً وضرب الجنود يسوع ثانية وشتموه صائحين : " أجب فى الحال, تكلّم! هل أنت أخرس؟ ", اصبح قيافا أكثر غضباً من حنان وسأل ألف سؤال, الواحد بعد الآخر، لكن يسوع وقف أمامه صّامتاً، وعيناه تنظران لأسفل. حاول الجنود أن يجبروه على أن يتكلّم بضّربات متكرّرة، وبخبث ضغطوا إبهامه في شفاهه وأمروه بسخرية‏ أن يعضّه. ثم نودي على الشّهود.
كان الشهود الأوائل أشخاصاً من أردأ نوعية، اتهاماتهم كانت غَيْر متماسكة ومتناقضة كشهادة محكمة حنان، ولاشيء يمكن أن يُستخلص منها؛ لهذا التفت قيافا إلى الشّهود الرّئيسيين، الفريسيون والصديقيون، الذين جُمّعوا من كل أنحاء البلد. لقد سعوا أن يتكلّموا بشكل هادئ، لكن وجوههم وأسلوبهم أظهرا الحسد والكراهية التي تفيض بها قلوبهم نحو يسوع، ولقد كرّروا مرارا وتكرارا نفس الاتهامات التي أجاب عنها يسوع سابقا عدة مرات : " إنه يشفى المرضى ويطرد الشّياطين بمعونة الشّياطين, إنه يدنّس السبت, يحرّض الناس على الثورة, يدعو الفريسيين سلالة الأفاعي وزناة, توقّع دمار أورشليم, يتردّد على مجتمع جباة الضرائب والخطاة, يحشد الناس حوله كملك ونبي وابن الرب. " وأضافوا : " أنه يتكلّم دوماً عن مملكته، إنه منع الطلاق، دعا نفسه خبز الحياة، وقال إنّ كل مَنْ لا يأكل جسده ويشرب دمه فلن تكون له حياة أبدية
وهكذا حرّفوا وأساءوا فهم كلماته والوصايا التى أعطاها لهم والأمثال التي وضح بها وصاياه، مُعطين لها مظهر الجرائم. لكن هؤلاء الشّهود لم تتفق شهادتهم، لأن أحدهم قال : " إنه يدعو نفسه ملك " وناقضه الثاني فى الحال قائلاً : " كلا، إنه سمح للناس أن تدعوه هكذا؛ لكن عندما حاولوا بشكل مباشر أن يبايعوه كملك، هرب منهم " قال آخر: " إنه يدعو نفسه ابن الرب " لكنه قُوطع من قبل الرابع الذي صاح : " كلا، أنه يُلقب نفسه فقط بابن الرب لأنه يعمل إرادة أبيه السّماوي " بعض الشّهود أعلنوا أنّه قد شفاهم، لكن أمراضهم قد عادت، وأن علاجه المزعوم قد أداه فقط بقوة السّحر. تكلّموا أيضاً عن علاج الرّجل الكسيح الذى عند بركة بيت حسدا، لكنهم حرّفوا الحقائق كي يعطوها مظهر الجرائم، وحتى في هذه الاتهامات لم يستطيعوا أن يتفقوا، وكانوا متناقضين. الفريسيون الذين ناقشوا موضوع الطّلاق ذات مرة معه، اتهموه بأنه يُعلم تعاليم باطلة، وشاب الناصرة، الذي رفض أن يسمح له أن يصبح أحد تلاميذه، كان خسيساً بما يكفي لكى يشهد ضده.
لقد وجدوا أنه من المستحيل تماما إثبات تهمة واحدة، وبدا أن الشّهود يتقدّمون لأجل غرض واحد وهو أهانة يسوع، بدلا من أن أثبات صدق ادعاءاتهم. بينما كانوا يعارضون بعضهم البعض، وظَّف قيافا نفسه مع بعض أعضاء المجلس في سؤال يسوع، وكانوا يحولون إجاباته إلى موضوع من السخرية‏. " أي نوع من الملوك أنت؟ برهن على قوتك! استدع جحافل الملائكة التي تكلّمت عنها فى بستان الزّيتون! ماذا تفعل بالأموال التى تُعطى لك من قبل الأرامل البسطاء اللاتي أغويتهن بتعاليمك الباطلة؟ أجب فى الحال: تكلّم، هل أنت أخرس؟ لقد كان ممكن أن تكون أعقل لو كنت التزمت الصمت عندما كنت وسط الغوغاء الحمقى: لقد تكلّمت هناك كثيرا."
كل هذه الأسئلة كانت يرافقها الضّرب من خدم أعضاء المحكمة، ولو لم يكن يسوع مدعوماً من أعلى، لكان من غير الممكن أن يبقى حياً فى ظل هذه المعاملة. سعى بعض من الشّهود أن يبرهنوا أنّه ابن غير شرعي؛ لكن الآخرين أعلنوا أنّ أمّه كانت عذراء تقية من عذارى الهيكل، وأنها بعد ذلك رأوها مخطوبة لرّجل يخاف الرب. وبخ الشّهود يسوع وتلاميذه لكونهم لا يقدمون ذبيحة في الهيكل. واستمر أعداء يسوع فى اتّهامه بأنه ساحر، وأكد قيافا بضع مرات أن تناقض روايات الشّهود سبّبه السّحر فقط.
قال البعض إنه قد أكل خروف الفصح فى اليوم السّابق، وهذا يناقض الشريعة، وأنه صنع فى السّنة السابقة تعديلات مختلفة في أسلوب الاحتفال بهذه المراسم. لكن الشّهود ناقضوا بعضهم البعض لدرجة أن قيافا ومؤيديه وجدوا أنه لا توجد تهمة واحدة يمكن إثباتها حقا. نودي على نيقوديموس ويوسف الرامى، وطُلب منهما أن يبررا كيف أنهما سمحا له أن يأكل الفصح فى اليوم الخطأ في غرفة تخصهما، فبرهنا لهم من وثائق قديمة أنه منذ زمن بعيد قد سُمح للجليليين أن يأكلوا الفصح فى يوم مبكر عن بقية اليهود. وأضافوا أن كل الطقوس قد مورست طبقا للشريعة، وأنه كان هناك بعض الأشخاص الحاضرين العشاء الذين ينتمون للهيكل. أربك ذلك الشّهود تماما وأزاد نيقوديموس غيظ أعداء يسوع بذكر الفقرات التى تبرهن على صحة الجليلى من واقع السجلات، التى أوضحت السّبب الذى من أجله قد مُنح هذا الامتياز.
السّبب كان أن الذبائح لم يكن من الممكن أن تنتهي بيوم السبت لو تجمع هذا العدد الهائل سوياً لذلك الغرض ليؤدوا جميعاً المراسم فى نفس اليوم؛ مع أن الجليليين لم يستفيدوا دوما بهذا الحق، ومع ذلك فأن وجوده قد برهن من قبل نيقوديموس؛ وارتفع غضب الفريسيون بإيماءاته بأن أعضاء المجلس قد تسببوا فى أن يهان المجلس بشّدة بتّناقضات روايات الشّهود، وأن الأسلوب الاستثنائي والمُسرع الذي تقاد به القضية قد أظهر أن الحقد والحسد هى الحوافز الوحيدة التي أقنعت المدّعين وجعلتهم يجلبون القضية في لحظة كان الجميع فيها منشغل في الإعداد لأكثر الأعياد مهابة فى السّنة.
لقد نظروا إلي نيقوديموس بغضب ولم يتمكّنوا من أن يجيبوه، لكن استمروا يسألون الشّهود بأسلوب متهوِر‏ وأحمق. تقدّم شاهدان أخيرا وقالا : " إن هذا الرّجل قال أنى سأهدم هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفى ثلاثة أيام سأبني آخر غير مصنوع بالأيادي." ومع ذلك فحتى هذان الشاّهدان ما اتفقا في شهادتهما، لأن أحدهم قال أنّ المتّهم رغب أن يبني هيكل جديد، وأنه قد آكل الفصح في مكان غير عادي، لأنه رغب فى دمار الهيكل القديم؛ لكن الآخر قال : " ليس هكذا : أن الموضع الذى آكل فيه الفصح قد بنى أيضاً بأيادي بشرية، لهذا لم يكن ممكنا أنه يشير إلي ذلك. "
كان غضب قيافا متعذر وصفه؛ لأن المعاملة القاسية التي عاناها يسوع وصبره الإلهى وتناقض أقوال الشّهود، قد بدأت تؤثّر تأثيرا كبيرا على عديد من الأشخاص الحاضرين، سٌُمعت همهمات قليلة وتأثرت قلوب بعض الذين لم يستطيعوا أن يسكتوا أصوات ضمائرهم. ترك عشرة جنود المحكمة تحت ذريعة التّوعك لكن في الواقع كانت مشاعرهم قد غلبتهم. بينما يعبرون المكان حيث كان يقف كل من بطرس ويوحنا صاحوا : " إن صمت يسوع الناصري، وسط مثل هذه المعاملة القاسية، لهو فوق طاقة البشر: أنه ليُصهر حتى القلوب الحديدية, إنّ العجيب أن الأرض لم تنفتح وتبتلع مثل هؤلاء الفاسقين. لكن اخبرونا، أين يجب أن نذهب؟ " التلميذان أمّا ارتابا في الجنود، أو خافا أن يتعرف عليهم من يُحيطون بهما ويتهموهما كتلاميذ ليسوع، لأنهما أجابا بنغمة كئيبة : " إن كان حقاً قد دعاكم، اتبعوه، وكل شئ سيكون حسناً من تلقاء نفسه. " خرج الجنود فوراً من الغرفة وتركوا أورشليم فى الحال. وقابلوا أشخاص عند أطراف المدينة أرشدوهم إلى المغائر التي تمتدّ إلى جنوب أورشليم، على الجانب الآخر من جبل صهيون، حيث التجأ عديد من التلاميذ. في بادئ الأمر تنبّه التلاميذ برؤية غرباء يدخلون مخبأهم؛ لكن الجنود بددوا كل خوف فى الحال وأعطوهم تفاصيل لآلام يسوع.
كان قيافا بالفعل مُضطرباً واغتاظ تماما من الشهادة المتناقضة للشّاهدين الأخيرين، وقام من مقعده واقترب من يسوع وقال له: " أما تجيب بشيء لما يدعيه هذان الشاهدان؟ "
لم يرفع يسوع رأسه ولا نظر نحو الكاهن الأكبر، مما ازداد غضبه لدّرجة عظيمة؛ والجنود إزاء هذا أمسكوا يسوع من شعره، جاذبين رأسه للخلف، وضربوه أسفل ذّقنه؛ لكنه احتفظ بعينيه تنظران لأسفل. رفع قيافا يديه وصاح بنبرة غاضبة : " أستحلفك بالرب الحيّ أخبرنا إن كنت أنت المسيا المنتظر، ابن الرب الحيّ؟ "
أجاب يسوع بعد تمهل بصوت إلهي : " أنك قد قلت. وأقول لكم أيضاً، منذ الآن سترون ابن الإنسان جالساً على يمين قوة الرب وآتياً على سحاب السّماء "
عندما أعلن يسوع هذه الكلمات، ظهر لي نور ساطع يُحيط به وانفتحت السّماء فوق رأسه ورأيت الآب الأزلى؛ لكن لا كلمات إنسان تستطيع أن تصف المنظر الُمدرك بالحس الذي أجيز لى أن أحياه. لقد رأيت أيضاً الملائكة والصلوات صاعدة تواً إلي عرش الرب.
فى نفس اللّحظة لاحظت هاوية جهنم واسعة مثل نيزك ناري عند أقدام قيافا؛ لقد كانت ممتلئة بالشّياطين المروّعين؛ ضباب مُهلهل فقط ظهر يفصله عن نيرانها المظلمة. استطعت أن أرى الغضب الشّيطاني الذي كان يفيض به قلبه، وبدا كل البيت لي كجهنم. في الوقت الذي أعلن فيه يسوع كلماته المهيبة : " أنا هو المسيح، ابن الرب الحيّ " بدت جهنم تهتز من أقصاها إلى أدناها، وبعد ذلك، بدت وكأنها تنفجر وتغمر كل شخص في بيت قيافا بمشاعر الكراهية المتضاعفة نحو الرب.
عندئذ نهض قيافا، حيث حثّه إبليس ورفع نهاية عباءته وشقها بالسكين ومزعها من أولها حتى نهايتها صائحاً بصوت عالٍ " إنه قد جدف. ما حاجتنا إذن لشّهود؟ لقد سمعتم الآن تجديفه: ماذا تظنون ؟ " نهض كل الحاضرين وصاحوا: " إنه مذنب ويستحق الموت! "
وسط المأساة المرّة التي فاض بها قلب يوحنا، كانت أفكاره مع العذراء؛ لقد خشي أن تّصلها أخبار إدانة ابنها فجأة أو أن يعطيها بعض الأعداء المعلومات بأسلوب قاس. لذا نظر إلى يسوع وقال بصوت منخفض : " إلهى أنت تعلم لماذا أتركك " وخرج بسرعة ينشد العذراء المباركة، كما لو أنه مرسل من قبل يسوع نفسه.
كان بطرس مقهوراً تماماً بالقلق والحزن، لذا كان مُرهقاً مما جعله يشعر بالبرد؛ لهذا، ولأن الصّباح كان بارداً، صعد بجانب النيران ليستدفئ مع عديد من العامة. لقد فعل ما بمقدوره كى يخفي حزنه في حضورهم، كما لم يستطع أن يستقر فى رأيه إن كان سيذهب إلى البيت أم سيظل مع سيده الحبيب.

تأمل الرب يسوع

لقَدْ اقتادوني أمام حنان وقيافا، حيث اُستقبلت بسّخرية وبإهاناتِ. أحد جنود حنان صفعني على خدّي. وكانت هذه هى الضربة الأولى التى تلقيتها فى المحاكمة ورَأيتُ فيها الخطيئةَ المُميتة الأولىَ لكثير من النفوس التي بعد ما عِاشَت في النّعمةِ، تقترف تلك الخطيئةِ الأولى .... خطايا أخرى عديدة تتبع تلك الخطيئةِ الأولىِ، أنها تؤدى كنموذجِ لتقترفها نفوس أخرىَ أيضاً. تلاميذي تَركوني وبطرس ظل مُختبئاً خلف سياجَ، بين الخدمِ، مُراقباً بدافع الفضولِ.
كَانَ معي رجالَ يُحاولونَ فقط أَنْ يُجمّعوا الجرائم ضدي, اتهامات تستطيع إلى حد بعيد أن تُثير غضب أمثال هؤلاء القضاةِ الأشرار. هناك تراءت لى وجوهَ كل الشّياطين، وجوه كل الملائكة الأشرار. لقد اتّهموني بإقلاق النظام، بأني محرض ونبي كذاب، اتهموني بالتجديف وبتَدْنيس السبت. والجنود اهتاجوا بتلك الافتراءات، صاحوا وتوعدوني.
حينئذ صَرخَ صمتي، مُزلزلاً جسدي بالكاملَ. أين أنتَم يا حواريي وتلاميذي الذين كنتم شهوداًَ لحياتي، شهوداً لتعاليمي ومعجزاتي؟ من كل هؤلاء الذين كُنْتُ أَتوقّعُ بعض البرهانِ عن الحبِّ، لم يكن هناك ولا واحد ليدافع عنى. لقد كنت وحيداًُ ومُحاطاً مِن قِبل جنودِ يُريدُون التهامي كذّئابِ.

30
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول


الفصل الخامس عشر
خيانة يهوذا
لم يكن يهوذا يتوقّع أن تؤدي خيانته لمثل هذه النّتائج القاتلة. لقد كان حريصاً على أن يحصل على المكافئة التى وعد بها اليهود من يسلم يسوع، وعلى أن يُسعد الفريسيون بتسليم يسوع في أياديهم، لكنه لم يحسب أن الأمور ستذهب إلى هذا الحدّ، أو فكر أن أعداء سيده سيحضرونه فعلاً للمحاكمة ويصلبونه؛ كان فكره مُستغرقاً فى محبّته للمال فقط، وحثّه بعض الفريسيون والصديقيون الخبثاء الذين اتصل بهم، على الخيانة بتملقه. لقد كان مُتعباً من الإجهاد العَصَبي‏ والتجوال والحياة المضطهدة التي كان يحياها هو والتلاميذ. كما كان يسرق منذ بضع شهور أموال الفقراء التي كانت تحت عنايته، حرّضه جشعه ورفضه لما أنّفقته المجدلية بسكب الطيب الثّمين على قدمي الرب على جريمة من أعظم الجرائم. لقد تمنّى دوما أن يؤسس يسوع مملكة أرضية، ويمنحه فيها مكانة عالية ومربحة، لكن ظنه خاب، فحول أفكاره نحو تكديس الثروة. لقد رأى أن آلام وأضطهدات الرب وتلاميذه فى ازّدياد ، فسعى أن يصادق أعداء مُخلصنا الأقوياء قبل أوان الخطر، لأنه رأي أنّ يسوع لن يصبح ملكاً، وأن الكرامة والقوة الحقيقية كانت للكاهن الأكبر ولكل من يتصل بخدمته، وأثر ذلك بشدة على فكره.
لقد بدأ يدخل في ارتباطات مع موظفيهم، الذين كانوا يغرونه دوما، ويطمئنونه بأقوال قوية بأنه، في أية حال، لابد أنه هناك نهاية سريعة موضوعة لسيرة يسوع. لقد استمع بلهّفة أكثر فأكثر إلى اقتراحات قلبه الفاسدة الإجرامية، ولم يكن يفعل شيئاً خلال الأيام القليلة الأخيرة سوى الذهاب والإياب ليقنع رؤساء الكهنة أن يصلوا معه لاتفاق. لكنهم كانوا غير راغبين أن يتصرّفوا فى الحال، وعاملوه باحتقار. قائلين إن الوقت المناسب لا يمكن أن يكون قبل العيد، وأنه لابد أنه سيكون هناك شغب بين الشعب. وكان السنهدريم فقط من استمع إلى مقترحاته ببعض الانتباه.
بعدما تلقى يهوذا السر المقدس على نحو دنس، تملكه الشيطان وذهب فى الحال ليكمل جريمته. لقد بَحَث بالدرجة الأولى عن‏ أولئك الأشخاص الذين أغروه ودخلوا في اتفاقيات معه، والذين ما زالوا يستقبلونه بصّداقة زائفة. البعض كان قد أنضم للاحتفال، ومن بين هؤلاء كان حنان وقيافا، وهذا الأخير عامله بكبرياء وازدراء. كل أعداء المسيح هؤلاء كانوا مترددين وبعيدين عن الشّعور بأي ثقة فى النّجاح، لأنهم كانوا يرتابون في يهوذا.
أنى أرى مملكة جهنم منقسّمة ضد نفسها؛ اشتهي إبليس جريمة اليهود، واشتاق بلهفة لموت يسوع، هادى النفوس، المعلّم القدوّس، الإنسان البار الذي كان يمقته جدا؛ لكنه في نفس الوقت يشعر بخوف داخلى غير عادى من موت هذه الذبيحة البريئة، الذي لا يخفي نفسه عن مضطهديه. لقد رأيته حينئذ، من ناحية، يثير كراهية وغضب أعداء يسوع، ومن ناحية أخرى، يلمِّح‏ إلى البعض منهم بأن يهوذا شخص حقير وشرير، وأن الحُكم بعقوبة‏ الموت ليس بالإمكان إعلانها قبل الاحتفال، أو أن العدد الكافي للشّهود ضد يسوع لن يتجمّع .
لقد اقترح كل شخص شيئاً مختلفاً، والبعض سأل يهوذا: " هل سنكون قادرين على أخذه؟ هل ليس لديه رجال مسلّحون ؟ " وأجاب الخائن: " كلا، أنه وحيد مع أحد عشر تلميذاً؛ أنه مُحبَط‏ للغاية، والأحد عشر لهم رجال جبناء " اخبرهم إما الآن وإما لن يتملكون يسوع أبداً، أخبرهم أيضاً إنه قد لا تكون عنده فيما بعد القوه أن يسلم يسوع في أياديهم، وأنه قد لا يرجع إليه ثانية، لأنه لبضعة أيام ماضية كان واضحاً جدا أن التلاميذ الآخرين ويسوع نفسه يرتابون فيه وإنهم بالتأكيد سيرفضونه إن رجع إليهم. اخبرهم أيضاً إنهم إن لم يعتقلوه حالا، فأنه سيهرب ويعود مع جيش من المُوالين‏ له لينصب نفسه ملكاً. أتت تهديدات يهوذا هذه ببعض التّأثير وقُبلت مقترحاته، وتسلم ثمن خيانته ثلاثون قطعة من الفضة.
يهوذا لكونه مُدركاً إنهم يعاملونه باحتقار وارتياب، لأن لغتهم وإشاراتهم خانت مشاعرهم، اقترح عليهم بازدراء‏ أن يعيد المال كتقدمة للهيكل، من أجل أن يجعلهم يفترضون أن نواياه مُجردة ونزيهة. لكنهم رفضوا اقتراحه‏, لأن ثمن الدّم لا يمكن يكون تقدمة للهيكل. رأى يهوذا كيف إنهم احتقروه، وكانت ثورته شديدة. أنه لم يتوقّع أن يحصد الثّمار المرّة لخيانته حتى قبل أن تتم، لكنه كان قد ذهب بعيداً مع هؤلاء الرّجال حتى أنه قد صار تحت سيطرتهم، والتراجع لم يعد ممكنا. لقد راقبوه بحذر، ولم يتركوه يغيب عن أعينهم، حتى أراهم بالضبط ما هى الخطوات التى ستتخذ من أجل القبض على يسوع. رافقه ثلاث فريسيين عندما ذهب لغرفة يتجمع فيها جنود الهيكل, البعض منهم كانوا يهودا، والباقين من جنسيات متعدّدة. عندما صار كل شيء مستقراً، وتجمّع العدد الضّروري من الجنود، أسرع يهوذاً إلى عُلية صهيون أولاً، يرافقه خدم الفريسيون، ليتحقق من أن يسوع قد رحل، أو يقبضون عليه هناك بدون صعوبة .
قبل وقت قصير من تسلم يهوذا لثمن خيانته، خرج فريسي وأرسل سبعة عبيد ليجلبوا الخشب الذي يجب أن يعدّ ليكون صّليب مُخلصنا في حالة مُحاكمته، لأن اليوم التالي لن يكون هناك وقت كاف بسبب بدء عيد الفصح. لقد أتوا بهذا الخشب من بقعة على بعد حوالي ثلاثة أرباع الميل، قرب سور عال، حيث كانت هناك كمية عظيمة من الأخشاب تخص الهيكل، وسحبوها إلى ميدان يقع خلف محكمة قيافا. القطعة الرّئيسية للصّليب جاءت من شجرة نمت سابقا في وادي يهوشافاط قرب مجرى قدرون، والتى استعملت كجسر بعد ما سقطت عبر النبع، عندما أخفى نحميا النار المقدّسة والأوعية المقدّسة في بركة بيت صيدا، ألقيت هذه الخشبة فى هذه البقعة، مع قطع أخرى من الخشب، ثم بعد ذلك أُخذت من هناك، وتركت على أحد الاجناب. الصّليب قد اعدّ بأسلوب غريب جدا، أمّا بشيء من السخرية من نبل يسوع، أو إما ما يعتبره البشر صدفة. لقد كان مُعداً من خمس قطع من الخشب، باستثناء‏ اللوحة. لقد رأيت العديد من الأشياء الأخرى التى تختص بالصليب، ومعنى التفاصيل المختلفة قد جُعلت معروفة لي، لكنى نسيت كل ذلك.
عاد يهوذا، وقال بأنّ يسوع لم يعد فى العلية، لكنه لابد أن يكون على جبل الزيتون، في البقعة التى اعتاد أن يصلّي فيها. طلب أنّ يُرسلوا معه عدداً قليلاً من الرّجال، خشية أن يُدرك التلاميذ الذين كانوا سهارى أي شئ ويحضوا على المقاومة. ثلاثمائة رجل كانوا على البوّابات وفي شوارع أوفيل وعلى طول وادي القلعة وحتى دار حنان وعلى قمة جبل صهيون، لكى يكونوا مستعدين أن يرسلوا تعزيزات فى حالة الضرورة، لأنه قال، أن كل شعب أوفيل الفقراء سينحازون ليسوع. دعاهم الخائن أيضاً أن يكونوا حذرين، خشية أن يهرب منهم حيث أنه، بوسائل غامضة، كان يخفى نفسه غالبا في الجبل، ويجعل نفسه فجأة غير مرئياً لمن حوله. أوصاهم أيضا أن يربطوه بسلسلة، ويستعملون بعض السّحر ليمنعوه من كسرها. استمع اليهود إلى كل هذه النصائح باحتقار وعدم اهتمام وأجابوه " ما أن نقبض عليه في أيادينا، سنحذر ألا ندعه يذهب. "
بعد ذلك بدأ يهوذا يُعد ترتيباته بأولئك الذين سيرافقونه. رغب أن يدخل البستان أمامهم، ويعانقه ويحيّيه كما لو أنه يرجع إليه كصديق وتلميذ، وبعد ذلك يأتى الجنود ويقبضوا عليه. لقد كان حريصاً على أنّ يبدو الأمر كأنه محض صدفة، حتى يهرب عندما يظهرون، مثل التّلاميذ الآخرين ولا يعد يُسمع عنه فيما بعد. اعتقد أيضاً، إنه فى الشغب الذى سيتبع ذلك، إن التلاميذ سيحمون أنفسهم، ويجوز يسوع وسط أعدائه، كما كان يفعل كثيراً من قبل. لقد استقر على هذه الأفكار, خاصة عندما جرح أسلوب اليهود المتكبّر والمُهين كبريائه؛ لكنه لم يندم قط على أنه قد أسلم نفسه للشّيطان بالكلية. لقد كانت رغبته أيضا ألا يحمل الجنود الذين يتلونه سلاسل أو حبال، وتظاهر شركاؤه بقبول كل رغباته، بينما هم في الواقع يتعاملون معه كما مع خائن لن يؤتمن، بل أضمروا أن يُلقوه بعيداً بمجرد أن يفعل ما هو مطلوب منه.
تسلم الجنود الأوامر أن يظلوا بقرب يهوذا وأن يراقبوه بحذر، وألا يدعوه يغيب عن أنظارهم حتى يقبضوا على يسوع، لأنه تسلم أجرته، وكانوا خائفين أن يهرب بالمال ولا يُقبض على يسوع بعد كل هذا. تكونت فرقة الرّجال التى اختيرت لترافق يهوذا من عشرين جندياً، مختارين من حرس الهيكل ومن جنود آخرين من الجيش كانوا تحت آمرة حنان وقيافا. كان زيهم مثل زي الجنود الرّومان، كانت لهم شارات مثلهم، ولكن لحاهم كانت طويلة، بينما الجنود الرّومان في أورشليم كان لهم شوارب فقط ويحلقون لحاهم. كان معهم جميعا سيوفاً والبعض مسلّح بالرّماح أيضاً، ولقد حملوا عصى مع فوانيس ومشاعل؛ لكنهم أضاءوا المشاعل فقط. في بادئ الأمر كان مُرتباً أن يرافق يهوذا جنود أكثر، لكنه جذب انتباههم إلى حقيقة أنّ العدد الكبير من الرّجال سيُرى بسهولة جداً لأن جبل الزيتون يكشف كل الوادي. لهذا ظل أغلب الجنود في أوفيل، وانتشر الحراس على كل الجوانب ليواجهوا أي محاولة لإطلاق سراح يسوع. بدأ يهوذا بعشرين جندياً، لكن كان يتبعه على مسافة منه أربعة من قادة الجنود، حاملين حبال وسلاسل، ويتلوهم سّتة رجال ممن كانوا على اتصال بيهوذا لبعض الوقت. أحدهم كان كاهناً ومستشاراً لحنان، الثاني كان مكرّساً لقيافا، الثالث والرابع كانا من الفريسيون، والاثنان الآخران أحدهم من الصديقيون والأخر من أَعْضَاءِ حِزْبِ هِيرُودُسَ. هؤلاء الرجال الستة كانوا من رجال حاشية‏ حنان وقيافا ويعملون كجواسيس وكانوا أكثر الأعداء مرارةّ ليسوع
ظل الجنود على مودة مع يهوذا حتى وصلوا إلى الطّريق الذى يفصل بين بستان الزّيتون وبستان جَثْسَيْمَانِي ، وهناك رفضوا أن يسمحوا له أن يتقدّم بمفرده، وغيّروا أسلوبهم معه بالكامل وعاملوه بفظاظة .

31
قائم احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول
الفصل الحادي عشر
غسل الأقدامِ

نهض السيد المسيح هو ورفاقه عن المنضدةِ، وبينما كَانوا يُنظّمونَ عباءاتَهم، كما يفعلون عادة قبل الصلاة، جاءَ شخص مع خادمين لأَخْذ المنضدةِ. تكلم السيد المسيح وهو واقِفا وسطِ تلاميذه، تَكلّمَ معهم لمدة طويلة، بأسلوب بغاية الجدّيةِ. أنا لا أَستطيعُ أَنْ أُردّدَ حديثَه بالكاملَ، لَكنِّي أَتذكّرُ بأنّه تَكلّمَ عن ملكوتِه وعن أنه ذْاهبُ إلى أبّيه، بأنه سيَتْركُهم الآن لأنّه عَلى وَشَكِ أَنْ يُؤْخَذَ. لقد أعطاَهم أيضاً بَعْض التعاليم التى تَتعلّقُ بالكفّارةِ والاعتراف بالخطايا والتوبة والتبرير.
شَعرتُ بِأَنَّ هذه التعاليم تُشير إلى غسيل الأقدامِ، ورَأيتُ بأنّ كُلّ التلاميذ يعترفون بآثامِهم ويتِوبون عنها، باستثناء يهوذا. هذا الحديثِ كَانَ طويلَ وجدّيَ. عندما أنتهي ذلك، أرسلَ السيد المسيح يوحنا ويعقوب الصغير لإحضار ماءِ مِنْ الدهليزِ، وأخبرَ التلاميذ أن يرتبوا المقاعدِ في نِصْف دائرةِ. ذَهبَ بنفسه إلى غرفةِ الانتظار حيث رَبطَ نفسه بمنشفة. أثناء ذلك الوقتِ، تكلم التلاميذ فيما بَينَهم، وبَدأوا يتناقشون من منهم سَيَكُون الأعظمَ، لأن الرب أعلَن بأنّه عَلى وَشَكِ أَنْ يَتْركَهم وأنّ ملكوتَه قد اقترْب، شَعروا بأنَّ الرب لديه خططُ سريةُ وبأنّه كَانَ يشير إلى النصرِة الدنيويِة التي ستَكُونُ لهم في اللحظة الأخيرة.
في هذه الأثناء ,في غرفةِ الانتظار، أخبر السيد المسيح يوحنا أن يأَخْذ حوض، وأن يأخذ يعقوب جيمس إبريق مَُمتلئ بالماءِ، وأن يتبعاه إلى الغرفةِ، حيث وضُعَ حوض فارغ آخر. بعودة السيد المسيح إلى تلاميذه بطريقة متواضعِة للغاية، خاطبَهم ببضع كلمات اللومِ على موضوعِ النزاعِ الذي ظَهر بينهم وقال بين أشياءِ أخرى، بأنّه كان بنفسه خادمَهم وعليهم أَنْ يَجْلسوا لأنهُ سيغَسْل أقدامِهم.
جَلس التلاميذ بنفس النظامِ الذي كانون جَالسين بها علي المائدةِ. ذَهبَ السيد المسيح مِنْ واحد إلى آخر وسكب الماءَ مِنْ الحوضِ الذي كان يحمله يوحنا على قدمِي كُلّ واحد، وبعد ذلك، أْخذُ المنشفةِ التي ائتزر بها ومَسحَهم. بغاية المَحَبَّة والعطاءِ كَانَ أسلوبَ الرب بانحنائه على أقدام تلاميذه ويغسلها. عندما دوره جاءَ دور بطرس، بسبب التواضع حاولَ مَنْع السيد المسيح من غَسْل أقدامِه, فصاح " يا رب, أنت تَغْسلُ أقدامَي؟" أجاب السيد المسيح " ما أنا فاعله, أنت لَسْتَ تَعْرفُه الآن، لَكنَّك سَتَعْرفه فيما بعد" بَدا لي بأنّه قالَ له بشكل خاص " يا سمعان, لقد استحقَّقت أن يُعلن لك أبي من أَنا، من أين أتيت، وإلى أين سأَذْهبُ، أنت وحدك اعترفَت بذلك بشكل واضح، لذا سَأَبْني عليك كنيستَي، وأبواب الجحيمِ لَنْ تَقوي عليها.
سلطتي سَتَبْقى مَع خلفائك حتى نهاية العالمِ." السيد المسيح أظهرَه للتلاميذ الآخرينِ، وقالَ بأنّه عندما لن يَكُونَ حاضرَ بينهم، سيملئ بطرس مكانَه. قالَ بطرس" أنت لَنْ تَغْسلَ أقدامَي! " فأجاب الرب " إن لم غْسلُك، فلن يكونُ لكَ دورَ مَعي" حينئذ صاحَ بطرس " يا رب، لَيسَ أقدامَي فقط، بل يداي ورأسي أيضاً" أجاب السيد المسيح " من هو مَغْسُولُ، ليس بحاجة إلا لغَسْل أقدامِه، لأنه طاهر بالكليةً. وأنتم طاهرين، لكن لَيسَ الكُلّ." أشارَ الرب بهذه الكلمات الأخيرةِ ليهوذا. تَكلّمَ عن غسيل الأقدامِ كدلالة عن التنقيةِ مِنْ الأخطاءِ اليوميةِ، لأن الأقدامَ، التي تتصل بالأرض بشكل مستمر، تكون أيضاً عُرْضَة للتَلوث بشكل مستمر، ما لم تنال عناية عظيمة.
غسيل الأقدامِ هذا كَانَ روحيَا، وعَملَ كنوع من الغفرانِ. لم يري بطرس، في حماسِه، شيئا فيه سوي تصرف مُتضع من ناحية سيدِه؛ لم يعَرفَ أنه لإنْقاذه فالسيد المسيح فى اليوم التالي مباشرةً سيضعُ نفسه حتى الموتِ المخزيِ للصليبِ. عندما غَسلَ السيد المسيح أقدام يهوذا، كَانَ ذلك بأسلوب بغاية لمحبِّة والتأثِّيرِ؛ لقد أحنىَ وجهَه المقدّسَ حتى قدمِي الخائنِ؛ ودعاه بصوتٍ منخفض يَدْخلُ على الأقل الآن إلى نفسه، لأنه كَانَ خائن غير آمين. بَدا يهوذا حريصاً أن لا يُبالي بكلماتِه، وتَكلّمَ مع يوحنا، مما جعل بطرس يصيح غاضباً " يهوذا، إن الرب يَتكلّمُ إليك! "



الفصل الثاني عشر
تأسيس سر العشاء الرباني المُبارك.

بأمرِ الرب، مَدَّت المائدة ثانيةً؛ ثمّ، بَعْدَ أَنْ وَضعَت مرةً أخرى في وسطِ الغرفةِ، جئ بجرّةَ مَمتلئة بالنبيذِ وأخرى بالماءِ. دَخلَ بطرس ويوحنا فى أحد أجزاء الغرفةِ قُرْب الموقدِ، ليُحضرا الكأسَ الذي جَلبوه مِنْ بيتِ فيرونيكا، والذي كان ما زالَ ملفوف في غطائه.
حَملوه بينهم كما لو كانوا يَحْملونَ خيمة، ووَضعوه على المائدةِ أمام السيد المسيح. كان هناك صحنُ بيضاويُ هناك مع ثلاث أرغفة بيضاء، وَضعَت على قطعة من الكتان، بجانبِ نِصْف الرغيفِ كان السيد المسيح وَضعَه جانباً أثناء عشاء الفصحِ، كان هناك أيضاً جرّة تَحتوي على نبيذ وماءَ، وثلاثة صناديقِ، واحد مَمْلُوء بزيت غليظ القوام, الثاني بزيت سائلِ، والثلث فارغُ. في الأزمنة السابقةِ، كَانَ على كل من هم علي المائدةِ أن يأكلوا من نفس الرغيفِ ويشربِوا من نفس الكأسِ في نهايةِ العشاء، بذلك لإبْداء صداقتِهم وحبِّهم الأخويِ، وللترحيب ببعضهم البعض وودّاعَ بعضهم البعض. أعتقد إن الكتاب مقدّس يحتوي على شيءَ يخص هذا الموضوعِ.
في يومِ العشاء الأخيرِ، رفع السيد المسيح هذا التقليدِ (الذي لم يكَنَ سوي طقس رمزي ومجازي) إلى كرامةِ أقدسِ للطقوس الدينية. إحدى التهمِ التى وَضعتْ أمام قيافا أن السيد المسيح أدخل‏ شيء جديد‏ لمراسمِ الفصحِ، لكن نيقوديموس بَرهنَ مِنْ الكتاب المقدّسِ بأِنَّهُ كَانَ عادةً قديمةً.
جلس السيد المسيح بين بطرس ويوحنا، أُغلقت الأبواب، وكُلّ شيء عُمِلَ بأسلوبِ بغاية الغموضِ والمهابة. عندما أُخرج الكأس من غطائه، صَلّى السيد المسيح وتَكلّمَ مع تلاميذه بمنتهي المهابة.
لقد رَأيتُه يَعطيهم تفسيرَ العشاءِ، ولكُلّ المراسمِ، وكُنْتُ مُنتبهة بقوّة لكاهن يُعلّمُ الآخرين بتعاليم القداس. ثم جذب السيد المسيح ما يُشبه رفِّ ذو أخاديدِ مِنْ اللوحةِ التي وُضعت عليها الجرارِ، وأْخذُ قطعة كتان بيضاءِ الذي به كان الكأسِ مغُطّى بها، فردها على اللوحةِ والرفِّ. ثمّ رَأيته يَرْفعُ صحن مستدير، ويضعَه على نفس الرفِّ، بعيدا عن قمةِ الكأسِ.
بعد ذلك أَخذ الأرغفةَ مِنْ أسفل قطعة الكتان، ووَضعهم أمامه على اللوحةِ؛ ثمّ أخرجَ مِنْ الكأسِ زهرية أصغر، ونظّمَ الأقداحَ الصَغيرةَ الستّة على كُلّ جانب منه. ثمّ باركَ الخبزَ والزيتَ، بحدود معرفتي، بعد ذلك رَفعَ الأرغفةِ عاليا علي أيديه ورَفعَ عينَيه وصَلّى، ثم وضع لأرغفة على المائدة وغطّاها ثانيةً. ثمّ أَخذَ الكأسَ، وكَانَ بطرس قد صبّ بَعْض النبيذِ فيه مع بَعْض الماءِ، الذي باركَه يوحنا أولاً، وأضافُ إليه قليل من الماء، الذي سكبه بملعقة صغيرة، وبَعْدَ هذا باركَ الكأسَ ورَفعَه عاليا وهو يصلي ووضعه على المائدة.
صَبَّ يوحنا وبطرس بَعْض الماءِ على يديه، الذي حَملَ على الصحنِ الذي وُضِعتْ عليه الأرغفةِ؛ ثمّ أَخذَ قليل من الماءِ الذي صُبَّ على يديه، بالملعقةِ التي أَخذَها مِنْ الجزءِ السُفلى للكأسِ، وصَبَّه عليهم. بعد هذا، مُررت الزهرية حول المائدةَ، وغَسلَ كُلّ التلاميذ أيديهم فيها. أنا لا أَتذكّرُ إن كان هذا هو النظامَ الدقيقَ الذي أدّيتْ به هذه المراسيمِ؛ كُلّ ما أَعْرفه بأنّهم ذكّروني بطريقةٍ مُدهشة بذبيحة القداس المقدّسةِ.
في هذه الأثناء، أصبحَ إلهنا القدوس أكثر فأكثر حنون ومحبّ في سلوكِه؛ أخبرَ تلاميذه بأِنَّهُ عَلى وَشَكِ أَنْ يَعطيهم كُلّ ما عِنْدَهُ، بمعني، سيعطي كُلّ نفسِه، وبدا كما لو أنه على نَحْو كامِل‏ تَحوّل إلي حبِّ. رَأيتُه يُصبحُ شفّافَ، حتى ماثلَ ظِلّ مضيء. ثم كَسرَ الخبز لعِدّة قِطَع، ثم وَضعَها فى صينية، وبعد ذلك أَخذ قطعة من القطعةِ الأولى وأسَقطَها فى الكأسِ. في لحظة فعل هذا، بدا لى إني أري العذراءِ المُباركة تتلقي القربان المقدّسَ بطريقةٍ روحية، بالرغم من أنّها لم تكَن موجودة في غرفةِ العشاءَ.
أنا لا أَعْرفُ كَيفَ تم هذا، لَكنِّي أعتقد بأنّني رَأيتُها تدْخلُ دون أن تمْس الأرضِ، وتأتي أمام الرب لتتَلْقي العشاء الرباني المقدّسِ؛ وبعد ذلك لم أعد أراها. السيد المسيح كان قد أخبرَها في الصباحِ، في بيت عنيا، بأنَّه سيحفظ الفصح مَعها روحياً، وحدّدَ في أي ساعةَ يجب أَنْ تَختلي بنفسها فى الصلاةِ، كي تتلقّاه بالروحِ. صَلّى السيد المسيح ثانيةً وعلّمَ؛ خرجت كلماته مِنْ شفاهِه مثل نارِ ونور، ودَخلتْ إلى كُلّ التلاميذ، باستثناء يهوذا. لقد أَخذَ الصحن بقِطَعِة الخبزِ وقالَ: " خذوا كلُوا؛ هذا هو جسدي الذي أعطيه لكم " مد يدّه اليمنى وكـأنه يبَارَكَ، وبينما يفعل ذلك, خرج منه نور رائع، كلماته كَانتْ منيرة، دَخلَ الخبزَ أفواهَ التلاميذ كمادة رائعة، وبَدا النور يختِرقهم ويُحيط بهم جميعاً، يهوذا فقط ظل مُظلماً. قدّمَ السيد المسيح الخبز أولاً إلى بطرس، ثم إلى يوحنا ثم أومأ إلى يهوذا أن يقترب. يهوذا بهذا كان الثالث فى تناول العشاء الرباني، لكن كلماتَ الرب ظَهرتْ وكأنها تبتعد عن فَمِّ الخائنِ، وتعود لمُبدعها الإلهي. لقد اضطربت جداً بالروح من هذا المنظر، حتى أن مشاعري لا يُمْكن أنْ تُوْصَفَ. قال السيد المسيح له: " ما أنت فاعله أفعله بسرعة" ثمّ أدارَ العشاء الرباني المُبارك إلى باقي التلاميذ، الذين اقتربوا إثنان إثنان.
رَفعَ السيد المسيح الكأس من مَقابضِه لمستوى وجهَه، ونَطق بكلماتَ التكريسِ. أثناء فعْلُ هذا، ظَهرَ مُتجليا بشكل كامل، شفاف, إن جاز التعبير، وكما لو أنه يعبر بالكامل إلى ما سيَعطيه لتلاميذه. جَعلَ بطرس ويوحنا يَشْربُان مِنْ الكأسِ التي يحَملَها في يَدِّه، وبعد ذلك وَضعَه ثانيةً على المائدةِ. صَبَّ يوحنا الدمّ الإلهي مِنْ الكأسِ إلى الأقداحِ الصغيرة، وقدّمَها بطرس للتلاميذ، حيث شرب كل إثنان معاً مِنْ نفس الكأسِ. أعتقد، لكني لست مُتَأَكِّدة, أن يهوذا تَناولَ الكأسِ أيضاً؛ لكنه لَمْ يُرجعْ إلى مكانِه، لكنه ترك غرفةَ العشاءَ فى الحال، واعتقدَ باقي التلاميذ أنّ السيد المسيح كلفه ببعضَ الأمور. لقد غادر المكان دون أن يصَلي أَو يُقدم أيّ شكر، ولِذلك فأننا قَدْ نُدركُ كَم هو شرّير أَنْ نُهملَ الرجوع للشكر سواء بعد تَلْقي طعامِنا اليوميِ، أَو بعد تَنَاوُل الخبزِ المُعطي الحياة. أثناء كُلّ العشاء، كنت أري شكل صَغير مخيف، بقدمِ واحد كالعظام اليابسة، يَمْكثُ قرب يهوذا، لكن عندما وَصلَ البابَ، رأيت ثلاث شياطينَ يُحيطون به؛ دخل واحد إلى فَمِّه، الثاني كان يحَثّه، والثالث سَبقَه. لقد كَانَ ليلاً، وبَدت تلك الشياطين تُنير الطريق له، بينما أسرعَ راكضاً كالمجنون.
صَبَّ الرب بضع قطرات من الدمِّ الثمينِ المُتَبْقى في الكأسِ إلى الزهريةِ الصَغيرةِ التي تَكلّمتُ عنها، وبعد ذلك وَضع أصابعَه على الكأسِ، بينما كان بطرس ويوحنا يصَبّا الماءَ والنبيذ عليهم. هذا العْمل، جَعلَهم يشُرْب ثانيةً مِنْ الكأسِ، وما تبقي مِنْ محتوياته صُبّتْ فى الأقداحِ الصغيرِة، ووزّع على باقي التلاميذ. ثمّ مسح السيد المسيح الكأسَ، وَضعَ فيه الزهريةِ الصَغيرةِ التي تَحتوي بقيّةَ الدمِّ القدسيِ، ووَضع فوقه الصينية بأجزاءِ الخبزِ المُكَرَّسِ، ثم غطاها ثانيةً وأغلقَ الكأسَ ووضعه وسطِ الكؤوسِ الصغيرةِ الستّة. لقد رَأيتُ التلاميذ يتناولون معاً بقايا العشاء الرباني هذا بعد القيامة.
أني لا أَتذكّرُ بأني رأيت الرب بنفسه يَأْكلُ ويشربِ من العناصرِ المُكَرَّسةِ، ولا رَأيتُ ملكيصادق، عندما قدم الخبزِ والنبيذِ، يتذوق منهم بنفسه. لقد أعلنَ لي لماذا الكهنة يَتناولونَهم، بالرغم من أن السيد المسيح لَمْ يتناوله. هنا نَظرتْ الراهبة إميريتش فجأة لأعلى، وبَدتْ وكأنه تستَمِع. لقد أعطي لها بَعْض التفسيرِ عن هذا الموضوعِ، لكن الكلماتَ التاليةَ كَانتْ كُلّ ما يُمْكِنُها أَنْ تُكرّرَه إلينا: " إن كان مكتبِ تَوزيع العشاء الرباني قَدْ أعطىَ إلى الملائكةِ، لما كَانوا سيَشتركونَ فيه، لكن إن لم يُشارك فيه الكهنةِ, لكان القربان المقدس المُبارك سَيُفْقَدُ, من خلال اشتراكهم فهو محفوظُ. " كان هناك جديةُ ونظام متعذر وصفهما في كُلّ أعمالِ السيد المسيح أثناء تأسيسه لسر العشاء الرباني المقدّسِ، وكُلّ حركة له كَانتْ ملوكيةَ. لقد رَأيتُ التلاميذ يُسجّلونَ أشياء في لفائف رقِّ الكتابة الصغيرة وحملوها بأنفسهم. لقد لاحظت عدّة مرات أثناء المراسيمِ بأنّهم ينحنوا لبعضهم البعض، بنفس الطّريقة التي يفعلها كهنتنا الآن.

الفصل الثالث عشر
التعاليم والتكريس الخاصّ.
أعطىَ السيد المسيح تلاميذه بَعْض التعاليم الخاصّةِ مليئة بالأسرار؛ أخبرَهم كيف عليهم أَنْ يَحْفظون القربان المقدس المبارك لذكره، حتى نهاية العالمِ؛ علّمَهم الطرقَ الضروريةَ للاسْتِفْاَدة منه والتواصل معه، وبأي شكل عليهم تعاليم وإعْلان هذا السر؛ أخيراً أخبرَهم متى عليهم أَنْ يَتلقّوا ما تبقي مِنْ العناصرِ المُكَرَّسةِ، متى عليهم أن يَعطوا منه للعذراءِ المباركةِ، وكَيفَ يُكرّسونَ هم أنفسهم، بعد أنْ يُرسلَ لهم المعزي الإلهي. ثمّ تَكلّمَ عن أمور تتَعَلُّق بالكهنوت، عن المسحة المقدّسة، وتحضير الزيوت مقدّسة. كَانَ لديه ثلاثة صناديقِ، إثنان منهم يحتويان على مَزِيْج من الزيتِ والبلسمِ.
علّمَهم كَيفَ يَصْنعونَ هذا المَزِيْجِ، أي أجزاء الجسدِ ينبغي أن تًدْهُن به وفي أي مناسبة. أَتذكّرُ، من بين أشياءِ أخرى، بأنّه ذَكرَ حالة لا يجب أنْ يُؤْخَذَ فيها المقدس المقدّس؛ ربما ما قالَه كَانَ عِنْدَهُ إشارةُ إلى المسحة الفائقة، لأن تذكّرِي لهذه النقطةِ لَيس واضحاً. تَكلّمَ عن الأنواعِ المختلفةِ مِنْ الدَهْن، وبشكل خاص المختص بالملوكِ، فقالَ بأنّ الملوكِ الأشرارِ الذين دُهِنوا، يجتذبون منه سلطات خاصّة. وَضعَ مرهماً وزيّتَ في الصندوقِ الفارغِ، وخَلطَهم معاً، لَكنِّي لست مُتَأَكِّدِة إن كَانَ ذلك في هذه اللحظة، أَو في وقت تكريسِ الخبزِ.
رَأيتُ بعد ذلك السيد المسيح يَمسح بطرس ويوحنا، سكب على أياديهم الماءَ الذي تَدفّقَ من يده، وأعطاهم ليشُرْبوا لكن من الكأسِ. ثمّ وَضعَ يديه على أكتافِهم ورؤوسِهم، بينما ضموا هم أياديهم ورْكعُوا أمامه، لقد دَهنَ إبهامَ وسبّابةَ يديهم، ومسحهم على رؤوسِهم. قالَ بِأَنَّ هذا سيظْلُّ مَعهم حتي نهايةِ العالمِ. تكرّس أيضاً يعقوب الصغير ,أندراوس ويعقوب الكبير وبرثالماوس. رَأيتُ أيضاً الرب يلَفَّ الوشاح الصغير الذي يرتديه بطرس حول رقبتِه على هيئة صليب على صدرِه، بينما وضعه على الآخرين ببساطة على هيئة صليب، مِنْ الكتفِ الأيمنِ إلى الجانبِ الأيسرِ.
أنا لا أَعْلمُ إن كان هذا تم في وقت تأسيس سر العشاء الرباني أَم للمسح فقط. فَهمتُ بأنّ السيد المسيح نَقلَ إليهم بهذه المسحة شيءِ يفوق قوَّتِي عن الوَصْف. أخبرَهم بأنّه عندما ينالوا الروحَ القدس يجب أَنْ يُكرّسوا الخبزَ والنبيذَ، ويَمسحون الرسل الآخرينَ. لقد أعلنَ لي حينئذ إن في يومِ العنصرة، وضع بطرس ويوحنا أياديهم على التلاميذ الآخرينِ، وبَعْدَ أسبوع على عِدّيد من الرسل. بعد القيامة، أعطىَ يوحنا العشاء الرباني للمرة الأولى للعذراءِ المباركةِ. هذا الحدثِ مُجّدَ كمهرجان بين التلاميذ. أنه لم يظل مهرجان في الكنيسةِ التى على الأرضِ، لَكنِّي أَرى بأنّه يُحتفلَ به في الكنيسةِ المنتصرةِ. للأيام القليلة الأولى بَعْدَ العنصرة رَأيتُ بطرس ويوحنا فقط يُكرّسانِ القربان المقدسَ المباركَ، لكن في وقت لاحق كان بقية التلاميذ يكرّسون أيضاً.
كُلّ ما فعله السيد المسيح فى هذه المناسبةِ عُمِل على انفراد، وعَلَّم بالتساوي‏ على انفراد. احتفظتْ الكنيسةُ بكُلّ ما ما هو أساسي فى هذه التعاليم السريةِ، وتحت إلهامِ الروحِ القدس، طوّرَتهم وكيّفَتهم طبقا لكُلّ احتياجاتها. أنا لا أَستطيعُ التَظَاهُر بقَول سواء بطرس ويوحنا كَانا كلاهما يكرسان الأساقفة، أَو بطرس وحده كأسقف ويوحنا ككاهن، أَو لمن نال كرامةِ من التلاميذ الأربعة. لكن الطرقَ المختلفةَ التي نظّمَ بها الرب شالاتَ التلاميذ تُظهر الدرجاتِ المختلفةِ للتكريسِ. عندما قُرّرتْ هذه المراسيمِ المقدّسةِ، أسترجع الكأس ( الذي كان بقُرْب الزيت المبارك)، وُحمل القربان المُقدس مِن قِبل بطرس ويوحنا إلى الجزءِ الخلفيِ من الغرفةِ، الذي كان ينفصل عن تلك الغرفة مِن قِبل ستارة، ومِنْ ذلك الوقت أصبحَ هيكلاً. البقعة التى حُفظ بها القربان المقدس لم يكن بعيداً عن موقدِ الفصحِ.
أعتني يوسف الرامي ونيقوديموس بالمكان المقدّسِ وبغرفةِ العشاءَ أثناء غيابِ التلاميذ. علّم السيد المسيح تلاميذه لوقتِ طويل وصَلّوا أيضاً عدّة مرات. بَدا كثيراً يتَحَدُّث مَع أبّيه السماويِ، وفائضاً بالتوهج والحبِّ. التلاميذ أيضاً كَانوا بغاية التوهج والفرحِ وسَألَوه أسئلةَ مُخْتَلِفةَ أجابَ عنها فى الحال. لابد أن الكتب المقدّسة تَتضمّنَ مُعظم هذا الحديثِ والمحادثةِ الأخيرةِ. لقد أخبرَ بطرس ويوحنا بأمور مختلفة ليعلنوها لاحقاً لباقي التلاميذ، الذين سيعلنوها بدورِهم للرسل والنِساءِ القدّيساتِ، طبقاً لقدرةِ كُلّ واحد لاستيعاب هذا المعرفةِ. كَانَ له محادثة خاصّة مَع يوحنا الذي أخبرَه بأنَّ حياته ستَكُونُ أطول مِنْ حياةِ الآخرين. تَكلّمَ معه عن سبع كنائسِ، عن بَعْض الأكاليل والملائكةِ، وأعلمه بمعنى بَعْض الأرقامِ الغامضةِ، التي تُبَيّن، بحدود معرفتي، عهود مختلفة. كان لدي باقي التلاميذ بعض الغيرة بسبب هذا الحديث الخاص مع يوحنا.
تَكلّمَ السيد المسيح أيضاً عن الخائنِ." أنه يعمل الآن هذا أَو ذلك،" قالَ، وأنا، في الحقيقة، رَأيت يهوذا يفعل بالضبط كما قالَ منه. بينما كَانَ بطرس يعترض بشكل عنيف بأنَّه سيَظْلُّ مخلص دائماً، قال الرب له " سمعان سمعان، ها هو الشيطان يريدَ أن يُغربلُكم كالحنطة. لَكنِّي صَلّيتُ من أجلك بأنّ لا يسقط إيمانَكَ: ولأنك تقويت مرة، قوي إخوتَكَ." قالَ الرب ثانية بأنّه سيذهب إلى حيث لا يَستطيعونَ أَنْ يَتْبعوه، عندئذ صاحَ بطرس " يا رب، أَنا مستعدُّ للذِهاب مَعك للسجنِ وللموتِ. " فأجاب المسيح " آمين، آمين، أَقُولُ لك، قبل أن يصيح الديكَ مرّتين، سَتُنكرُني ثلاث مرات." قال السيد المسيح، بينما كان يُعلنُ لتلاميذه بأن الأوقات الصعبةِ قريبة منهم " عندما أُرسلُتكم بدون كيس أَو مزود أَو أحذية، هل أعوزكم شئ ؟ " أجابوا: " لا شيء. " فواصل الرب كلامه " لكن الآن، من له كيس فليأخذه، ومن له مزود فليأخذه، ومن ليس عنده, فليبيع ثوبه ويشتري سيفاً. لأني أَقُولُ لك، ما قد كُتب, لابد أن يتم فيّ: ومع الأشرارِ قد حُسِبَ. لأن الأشياءِ التى تَتعلّقُ بي لها نهايةُ."
فهم التلاميذ كلماتَه بمعنى دُنيوي‏، وأظهر بطرس سيفان، كَانت قصيرة وسميكة، مثل السواطيرِ. قال السيد المسيح قالَ: " هذا يكفيُ: فلنَذْهبُ الآن." ثمّ أنشدوا ترتيله الشكر، وَوضعَوا المائدةَ على أحد الجناب ودَخلوا الدهليزَ. هناك، وَجدَ السيد المسيح أمّه ومريم التى لكلوبا والمجدلية، التي تَوسّلتْ إليه بأن لا يَذْهبَ إلى جبل الزيتون، لأن هناك ما يوحي بأنّ أعدائه يُريدونَ إلْقاء الأيادي عليه. لكن السيد المسيح وَاساهم ببِضْع كلماتِ، وأسرعوا لكون الساعة كانت حوالي التّاسعة. هَبطوا الطريقَ الذي أتي منه بطرس ويوحنا إلى غرفةِ العشاءَ، وساروا نحو جبلِ الزيتون.
لقد رَأيتُ دائماً الفصح وتأسيس العشاء الرباني المباركِ يحدث بالنظامِ الذي سبق ذكره. لكن مشاعرَي كَانتْ كُلّ مرة بغاية التوهج وعواطفي بغاية العظمة، حتي أنّني لا أَستطيعُ أَنْ أَنتبه كثيراً لكُلّ التفاصيل، لكني رَأيتُهم الآن بوضوح أكثر. لا كلماتَ ممْكِنُ أَنْ تَصفَ كَم هو مؤلم ومُنْهِك مثل هذا المشهدِ, كمشهد نَظْر الأعماق الخفيةِ للقلوبِ، محبّة وثبات مُخلّصنا، وأن تعْرِف في نفس الوقت كُلّ ما سَيَحْدثُ له. كَيْفَ يَكُونُ مُمكنَ أن نلاحظ ما هو ليس سوي مظهر خارجيُ! إنّ القلبَ يَفِيضُ بالإعجابِ، بالامتنان والحبّ, إن عمى البشر يَبْدو غير مفهومَ, والنفس لمَغْمُورةُ بالحُزنِ بالتفكير في جحودِ كل العالم وفى آثامها الخاصةِ! أكل حملِ الفصحِ تم بسرعة من قِبل السيد المسيح، وبغاية الالتزام بالشريعة. نثر الفريسيين المراسمَ مع بَعْض الشعائر التى من ذواتهم.

32

الفصل التاسع والثلاثون
الحكم على يسوع بالصلب

بيلاطس، الذي لم يرد أَنْ يَعْرفَ الحقيقة، بل كَانَ حريصاً فقط أَنْ يَخْرجَ من المأزق بدون مشاكل، صار متردداً أكثرَ من ذى قبل؛ هَمسَ ضميره داخله : " أن يسوع برئُ " قالتْ له زوجته " إنه قدّيسُ " مشاعره المؤمنة بالخرافات جَعلته يَخَافُ من أنّ يكون يسوع فعلا عدواً لآلهته؛ وجبنه مَلأه بالُخوفِ لئلا يُنتقم يسوع لنفسه إن كان هو فعلا الرب. لقد كَانَ غاضَباً ومنتبّهَ لكلمات يسوع الأخيرةِ، وحاول مرة أخرى إطلاق سراحه؛ لكن اليهودَ هَدّدوه فى الحال إنهم سيتّهمونهِ أمام الإمبراطورِ. هذا التّهديد أفزعه، وقرر أن يذعن لرغباتهم، مع أنه مقتنعَ ببراءةِ يسوع بقوة، وواعيا تماماً أنه بنطق عقوبة الموتِ علي يسوع فإنه يَنتهكَ كل قوانينِ العدالةِ، هذا بالإضافة إلى نْكثُه بوعده الذى وعد به زوجته هذا الصّباحِ. وهكذا ضحى بيسوع، وسْعي إلى أن يرضى ضميره بغَسْلِ يديه أمام الشعب قائلا " إنى بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. فَانْظُرُوا أَنْتُمْ فِي الأَمْرِ!. " عبثاً تُعلنُ هذه الكَلِماتِ يا بيلاطس, لأن دمه على رأسك أيضاً؛ أنك لا تستطيع أن تغسلَ دماه لا عن نفسك، ولا عن يديك
ما أن تَوقّفَت تلك الكَلِماتِ المخيفةِ : " دمه علينا وعلى أولادنا " عن أن تَدوّي، حتى شرع بيلاطس فى إعداد حكم الموت. طَلبَ الرداء الذي يرتديه فى المناسباتِ الرسمية، وَضعَ تاجاً مرصع بمجموعة من الأحجار الكريمةِ على رأسه، غَيّرَ عباءته وجعل عصا أمامه. لقد كان مُحاطَاً بجنودِ وضبّاطِ المحكمةِ، وبعض الكتّبِة، الذين حَملواَ رقائق الكتابةِ وكتبِ تستعملَ لكِتابَةِ الأسماءِ والتواريخِ. سار رجلُ إلى الأمام وكان يحَملَ بوقاً. تقدَّم‏ الموكبُ بهذا الترتيب من قصرِ بيلاطس إِلى الساحةِ، حيث يوجد مقعد مرتفع، يُستعمل فى هذه المناسباتِ الخاصةِ، موُضِوعَ قبالة العمود حيث جُلِدَ يسوع. هذه المحكمةِ تُدعِي جَبَّاثَا؛ أنها شرفة واسعةِ مستديرةِ، يُصَعدَ إليها بدرج؛ يوجد بها مقعدَ لبيلاطس، وخلف هذا المقعدِ منصة، ويصطف عددَ من الجنودِ حول الشرفة وكذلك على الدرج. غادر عديد من الفريسيون القصر ومضوا إلى الهيكلِ، وتبع حنان وقيافا وثمانية وعشرون كاهناً الحاكم الرّوماني إِلى الساحةِ، وأُخذا اللّصان إلى هناك في ذلك الوقت الذي قَدّمَ فيه بيلاطس مُخلصنا إِلى الشعب قائلا :" انظروا الرجل "
كان يسوع ما زالَ يكتسي بردائه الأرجواني وتاج الشّوك على رأسه، ويداه مقَيّدتان، عندما أحضره الجنود إِلى المحكمةِ، ووَضعاه بين الشّريرين. ما أن جلس بيلاطس، حتى بدأ يخاطب أعداءَ يسوع ثانية بهذه الكَلِماتِ " اَنْظرُوا ملككَم! " لكن نداءاتَ " أَصْلبه! أصلبه! ' دَوّت من كل جانبِ. قال بيلاطس " أأصْلبُ ملككَم؟ ". رَدَّ كبار الكهنة " لَيْسَ لنا ملكُ سوى قيصرَ!" .
وَجدَ بيلاطس أنه لا يجدي بالمرة أَنْ يَقُولَ أي شئ آخر، ولهذا شَرعَ فى إعداد حكم الموت. اللّصان كانا قد تلقيا الحكم بصلبِهما من قبل؛ لكن كبار الكهنة قَدْ حَصلوا على تأجيلِ لهما، من أجل أن يُصلب يسوع معهما ليَعاني عاراً إضافياً لَكُونُه يُصلب مع مجرمين من أردأ المجرمين. صليبا اللّصان كَانا بجانبهما؛ أما صليب يسوع لم يكن قد جُلب بعد، لأنه لم يكَنَ قد حُكمَ عليه بالموتِ حتى الآن.
اقتربتَ العذراء المباركة لتَسْمعَ النطق بعقوبة الموتِ على ابنها وإلهها. وَقفَ يسوع وسطِ الجنود، عند بداية السّلمِ الذى يُؤدّي إلى المحكمةِ. دوى البوق ليَطْلبَ الصمت، وبعده أعلن القاضي الجبان، بصوتِ مرتجفًِ مترددً، عقوبة الموتِ على الإنسان البارِ. أنهكني منظر جبنِ ونفاق هذا الإنسان، وكذلك بهجة الجلادين ووجوه كبار الكهنة الذين بدوا منتصرين، بالإضافة إِلى الحالة المحزنةِ التي وصل إليها مُخلصنا الحبيب، وأسى أمه الحبيبة, كل ذلك زِادَ من آلامي. نَظرتُ ثانية، ورَأيتُ اليهود القساة يَلتهمونَ تقريباً ضحيّتهم بأعينهم، الجنود يَقفونَ ببرود، وحشود من الشّياطينِ المروّعةِ تَعْبرُ ذهاباً وإيابا وتخَتلْط بالحشودِ. شَعرتُ أنّي كَانَ يجبُ أَنْ أكُونَ في موضع يسوع، عريسي الحبيب، لأن العقوبة حينئذ لَنْ تكون ظالمةَ؛ لكنى كنت مقهورة بالألمِ، وآلامي كَانت حادةَ جداً، حتى أنى لا أستطيع أَنْ أَتذكّرَ بالضبط كل الذي رَأيتُه. على أية حال، سوف أروى كل شئ تقريباً بقدر الإمكان .
بعد مقدمةِ طويلةِ، قَدْ أُعدّتْ بالدرجة الأولى‏ كقصيدة مدح للإمبراطور ِطيباريوس، تَكلّمَ بيلاطس عن الاتهامات الموجهة ضد يسوع من قِبل رؤساء الكهنة. قالَ إنهم قَدْ أدانوه إِلى الموتِ لكونه يُعكر السّلام العامّ، وكَسرَ ناموسهم بدُعوةِ نفسه ابن الرب ِوملكِ اليهودِ؛ وأن الشعب قَدْ طَالب بشكل جماعي أن حكمهم لابد أَنْ يُنفّذَ. هذا القاضيِ على الرغم من قناعته المتكرّرة ببراءةِ يسوع، لم يكن خجلاناً من أن يقَولِ أنه أيضاً احترم‏ قرارهم كقرار عادل، وإنه لهذا يَجِبُ أَنْ يعلنَ الحكم الذى صاغه في هذه الكَلِماتِ : " إني أُدينُ يسوع الناصري، ملك اليهودِ، بأنْ يُصْلَبُ " وأَمرَ الجلادين أَنْ يُحضروا الصّليب. أَعتقد أنى أَتذكّرُ أيضاً أنه اَخذَ عصا طويلةَ في يديه وكَسرها، وألقاها عند قدمي يسوع.
بسّماعِ كَلِماتِ بيلاطس هذه, أغمى على أم يسوع لبضع دقائق، لأنها تأكدت الآن أن ابنها الحبيبَ لابد أَنْ يَمُوتَ الموت الأكثر خزيا وألماِ. حملها يوحنا والنِّساء القديّسات، لَمْنعَ هذه الكائنات القاسية التي أحاطت بهم من أضافه جريمةِ إِلى جريمتهم بالسخْرِية منِ أحزانها؛ لكنها أفاقت بعد مدة قليلةَ وتوسلت لرفاقها أنْ يأخذوها ثانية إِلى كل بقعةِ قَدْ تقُدّستْ بآلامِ ابنها، من أجل أَنْ تُبلّلها بدموعها؛ وهكذا قامت أمَ إلهنا، باسم الكنيسةِ، بتكريم تلك الأماكنِ المقدّسةِ.ُ
كتب بيلاطس الحكم، وأولئك الذين وَقفوا خلفه نَسخوه فى ثلاث نسخ. الكَلِمات التي كَتبَها كَانتْ مختلفةَ تماماً عن الكلمات التي أعلنها؛ إنى أستطيع أَنْ أرى بوضوح أنّ ذهنه قَدْ تحرك على نَحْو مُفزِع‏, ظَهرَ ملاك كى يُوجّهَ يدّه. خلاصة الحكم المكتوبِ كَانتْ كالآتي : " لقد أُرغمتُ، خوفاً من التمردِ، أَنْ أخضع لرغباتِ رؤساء الكهنة والسنهدريم والشعب، الذين طَلبوا الموت بصخب‏ ليسوع الناصري، الذي اتّهموه بأنه يٌعكر السّلام العامّ، وأيضا لكونه يجدف ويكَسرَ ناموسهم. لقَدْ أسلمته لهم كى يُصْلَب، على الرغم من أن اتهاماتهم بَدت بلا أساسِ. لقَدْ فعلتُ هذا خوفا من وشايتهم للإمبراطورِ بأنني أُشجّعُ التمردَ، وأُتسبّبُ فى الاستياء بين اليهودِ بإنْكار حقوقهم فى العدالةِ." ثم كَتبَ لوحة للصّليبِ، بينما كان كتّابه ينَسخَون الحكم عدة مرات، لُترسل هذه النّسخِ إِلى المناطق البعيدةِ من البلدِ.
استاء رؤساء الكهنة بشدة من كَلِماتِ الحكم، التي قالوا إنها ليست صادقة؛ وأحاطوا المحكمةَ بصخب سْاعين أن يُقنعوه بأَنْ يُعدّلَ اللوحة، وأَلا يَضعُ كلمة ملك اليهودِ، بل أنه قالَ، أنا ملكُ اليهودِ. اغتاظ بيلاطس وأجابَ بشكل غير صبور، " ما قَدْ كَتبته قَدْ كَتبته! '
لقد كَانوا حريصينَ أيضاً على ألا يكون صليبِ يسوع أعلى من صليبي اللّصين، لكن ذلك كان ضروريَا، وإلا لن يكون هناك مكانَ كافٍ لوضع لوحة بيلاطس؛ لذا كانوا حريصين على أَنْ يُقنعوه بألا تُوضع هذه اللوحة البغيضِة بالمرة. لكن بيلاطس كان مصمماً ولم تؤثر كَلِماتهم عليه؛ لذا كان لابد من تطويل الصّليب بقطعةِ إضافية من الخشبِ. ولذلك كان شكل الصّليبِ مميزاً, بدا الذراعان مثل فرعىِ شجرةِ ينْموان من جذعِ شجرة، والشّكل كَان على شكل حرف Y، الجزءِ السفلي أطَوّلَ لكي يرتفع بين الذراعين اللذين قَدْ وُضِعاَ منفصلين، وكَانَا أنحفَ من جسمِ الصّليبِ. سُمّرتْ قطعة خشب قرب نهاية ساق الصّليبِ لتستقر عليها القدمان.
خلال الوقت الذي كان فيه بيلاطس يُعلنُ حكمه الجائر، رَأيتُ زوجته، كلوديا بروكليس، تُرد له التعهد الذي سبق أن أعطاه لها، وفي المساءِ تَركتْ القصر وانضمت إلى رفاق يسوع، الذين أخفوها في قبو تحت الأرضِ في دارِ لعازر في أورشليم. بعد ذلك في نفس اليوم. صارت كلوديا بروكليس مسيحيةَ وتبعت القديس بولس وأصبحت أحد رفاقه المقربين .
ما أن أعلن بيلاطس حكمه على يسوع حتى أُسلم إلي أياديِ الجنود، والملابس التي قَدْ تبدلت في محكمةِ قيافا أعادوها إليه ليرتديها ثانية. أَعتقدُ أن بعض الأشخاصِ المُحسنين قَدْ غَسلوها، لأنها بدت نظيفة. الأشرار الذين أحاطوا بيسوع حَلّوا يديه ليبدل رداءه، وجذبوا العباءة القرمزية التي كَسوه بها ليسخروا منهِ، بذلك تفتحت كل جراحه مرة أخرى؛ أرتدي ملابسه بأيادي مرتعدة، والقوا وشاحه على كتفيه. ولأن تاجِ الشّوكِ كَانَ كبيراً جداً ومنِعَ العباءة الغير مُخيطة، التي صنعتها له أمه، من المرور من رأسه، نزعوه بقسوة، غير عابئين بالألمِ الذى وقعَ عليه. القوا رداؤه الصّوفي الأبيض بعد ذلك على كتفيه، وأعطوه حزامه العريض وعباءته. بعد هذا، ربطوا ثانية حلقه مغَطّاة بقطع حديديةِ مدببة حول خصره، ورَبطوا بها الحبالَ التي اُقتيد بها، فاعلين كل ذلك بقسوتهم الوحشيةِ المعتادةِ.
كَانا اللّصان يَقفانِ، واحد على يمينِ يسوع والآخرِ على يساره، أياديهم مقيدة وكانت توجد سلسلةَ حول رِقابهم؛ وقَدْ تغُطّوا بعلاماتِ سّوداءِ وزرَقاء مِن أثر الضرب, نتائج‏ الجَلْدِ فى اليومِ السّابقِ. وكان سّلوك أحدهم هادئاَ ومسالمَ، بينما الآخرِ على العكس، كَانَ عنيفا ووقحاً، وشارك الجنود في إهانةِ يسوع والتجديف عليه، بينما نَظرَ يسوع على رفيقيه بحبِّ وشّفقةِ، وقدم آلامه لأجل خلاصهما.
جمع الجنود كل ما هو ضروري من أدواتِ لأجل الصّلبِ، وأعدوا كل شيء للرّحلةِ الشاقة والمؤلمةِ إِلى الجلجثة .
تَخلّى حنان وقيافا أخيرا عن مُعَارَضَةِ بيلاطس، وانسحبا بغضب، آْخذُين رقّ الكتابةِ التي كُتِب عليها الحكم؛ خَرجوا في عجالةِ، خشية أَنْ يصلوا الهيكلِ متأخرين لذبح الفصحِ. هكذا فعَلَ رؤساء الكهنة بجهل‏، تاركين حملِ الفصحِ الحقيقيِ. لقد ذَهبوا إلى هيكلِ مصنوع من حجارةِ، ليذبحوا ذلك الحملِ الذي لم يكن سوى رمزَ، وتَركوا حملَ الفصحَ الحقيقيَ، الذي كَانَ يُقاد إِلى مذبحِ الصّليبِ مِن قِبل جلادين قساة؛ لقد كَانوا حريصين ألا يرتكبون أدنى تلوث خارجي، بينما كانت نفوسهم من الداخل مدُنّسَة بالكامل بالغضبِ والكراهية والحسد. لقَدْ قالوا " أن دمه علينا وعلى أولادنا ! " وبهذه الكَلِماتِ أتموا الطقس، حيث وَضع مُقدم الذبيحة يده على رأسِ الذبيحة. هكذا تشّكل طّريقان, طريق يقود إِلى مذبحِ يختص بالشريعة اليهوديةِ، وآخر يقود إِلى مذبحِ النّعمةِ.
اَخذَ بيلاطس، ذلك الملحد المتكبر والمتردّدِ، عبدِ ذلك العالمِ، الذي ارتعدَ في حضرة الإله الحقيقيِ، ومع ذلك مَجّدَ آلهته الكاذبة، طريقَاً متوسّطَاً وعاد إِلى قصره. صدر الحكم الجائر في حوالي العاشَرة صّباحاِ.

33
الفصل السابع والثلاثون
التتويج بالأشّواك
خَطبَ بيلاطس فى عامة الناسَ مرات عديدة خلال وقت جَلْدِ يسوع، لكنهم كانوا يقَاطعونه ويصرخون : " أنه سَيُعدم، حتى لو متنا من أجل ذلك. " عندما اقتيد يسوع نحو بيت الحرسِ، صرخوا جميعاً ثانية : " أَصْلبه، أَصْلبه! "
بعد هذا كانت هناك فترة صمتَ. شغل بيلاطس نفسه فيها بإعْطاءِ الجنود أوامر مختلفة، وأحضر خدم رؤساء الكهنة بعض المرطباتِ لهم؛ بعد ذلك دخل بيلاطس إلى الجزءَ الدّاخليَ من قصره لأجل أن يَستشيرَ آلهته، وكي يبخر لها .
عندما جمعت العذراء المباركة والنِّساء القدّيسات دماء يسوع، من العمودِ ومن الأجزاءِ المجاورةِ له، تَركن الساحة ودَخلن دارِ صغيرة مُجَاوَرَة، لم أعرف مالكها. يوحنا على ما أعتقد، لم يكن حاضرا عند جَلْدِ يسوع.
فى رواق يحيط بالقاعة الدّاخليةَ لبيت الحرسِ تُوّجَ يسوع بالأشّواكِ، والأبواب كَانتْ مفتوحةَ. الأشرار الجبناء، الذين كَانوا يَنتظرونَ بلهّفة أن يَرضوا قسوتهم بتَعذيبِ وإهانةِ إلهنا، كَانواَ خمسين تقريباً، معظمهم عبيد أو خدم للسّجّانين والجنودِ. تجمع الغوغاء حول البنايةَ، لكنهم أزيحوا فى الحال مِن قِبل ألف جنديِ روماني كانوا قد اصطفوا هناك ومُنعوا من أَنْ يَتْركَوا صفوفهم، هؤلاء الجنودِ على الرغم من هذا فعَلوا كل ما بوسعهم بالضّحكِ والتّصفيقِ ليُحرّضوا الجلادين القساة على مضاعفة إهاناتهم كذلك زادت كَلِمات تشجيعهمِ قسوة هؤلاء الرّجالِ كثيراً .
فى وسط القاعة انتصب هناك عمودِ، ووضع عليه كرسي صغير منخفض جداً غطاه هؤلاء الرّجالِ القساة بمكر بأحجار حادةِّ وقطعِ من الخزفِ المَكْسُورِ. ثم نزعوا ملابسَ يسوع، لذا انفتحت كل جراحه مرة أخرى؛ القوا على كتفيه عباءة قرمزية قديمة وَصلتْ بالكاد إلى رُكَبتيه؛ جروه إِلى المقعدِ، ودَفعوه عليه بقسوة، ووَضعَوا إكليل الشّوكِ على رأسه. إكليل الشّوك كَانَ مصنوعاً من ثلاث أفرعِ مضَفرة معا، الجزء الأعظم من الأشّواك كان متجهاً للداخل عن قصد لكي يَثْقبَ رأس الرب. وضعوا أولاً هذه الفروعِ المَلْفُوفةِ على جبهته، رَبطوها بإحكام من الخلف، وما أن أُتمّواِ ذلك حتى وَضعوا قصبةَ كبيرةَ في يدّه، فاعَلين كل ذلك بسّخريةِ كما لو إنهم كَانوا يُتوّجونه ملكاً حقاً. ثم أخذوا القصبةِ، وضَربوه على رأسه بها بغاية القسوة حتى أن عينيه قَدْ امتلأتا بالدّمِ؛ لقد سَجدوا أمامه، سَخرواَ منه، بصقوا في وجهه وصفعوه قائلين في نفس الوقت، " السلام يا ملك اليهودِ! " ثم طَرحوا كرسيه الصغيرَ، أقاموه ثانية من الأرضِ حيث كان قَدْ سَقطَ، أجلسوه بأعظم وحشيةِ ممكنة.
من المحال تماماً أَنْ أَصفَ الإساءة القاسية التي ارتكبها هؤلاء الوحوشِ التى بهيئة بشر. مُعاناة يسوع من العطشِ كَانتْ حادَة، سببها الحمى التي أوجدتها جراحه وآلامه . لقد ارتجف جسده بالكامل، لحمه قَدْ مُزّقَ إرْبا إرْبا‏، لسانه تَقلّصَ، والترطيب الوحيد الذى ناله كَانَ الدّمَ الذي يقطّرَ من رأسه على شفاهه الجافّةِ. هذا المشهدِ المخزيِ قَدْ امتد نصف ساعة كاملة، واستمر الجنود الرّومان خلال كل الوقت يُصفّقون ويُشجّعَون الجناة على فعل المزيد من الإساءةُ .
تأمل الرب يسوع

انظرْوا، لقد عشَت أياماً من الحزنِ الشديد بإرادة الأبِ بلا تذمر بل بَقْبولُ ما أراده الآب أَنْ يَجْعلني اَشْعرَ به. عندما قُبض علىّ في البستان، أسرعوا فى اتهامي كاذبين, وأنا بلا أدنى مقاومة, سَمحت لهم أَنْ يَأْخذوني إِلى حيثما أرادوا أن يأخذوني. وعندما أرادوا أَنْ يُطوّقوا رأسي بتاجِ الشّوكِ، أحنيتُ رأسي بلا مقاومة، لأنى أَخذتُ كل شيءَ من أياديِ من أرسلني في العالمِ.
عندما استنزفتني أذرع أولئك الرّجالِ القساة بقوةِ الضرب الذى وجهوه ضد جسدي، وَضعوا تّاجاً نَسجوه من أفرعِ الشّوكِ على رأسي، واسْتِعْرضوا أمامي قائلين :" ها أنتَ هكذا ملك؟ ها نحن نُحيّيك!", البعض صفعني؛ آخرون أهانوني؛ آخرون وجهوا الضربَ من جديد ضد رأسي، كل ضربة أضافت ألماً جديداً إِلى جسدي، المجروح والمسحوق بالكامل .
لقد تعبُت؛ لم يكن لى أى موضع لأستريح فيه. أعيروني قلوبكمَ وأياديكم لأَغطّي نفسي بحبّكمَ. أنى مرتجفاً من البرد ومحموماً؛ احتضنوني ولو للحظةِ قبل أن يَستمرّوا فى هدم هيكلِ الحبِّ هذا.
دفع بعض الجنود والجلادون جسدى بأياديهم القذرة وآخرون دفعوني برماحهم لكونهم مشمئزين من دمائي، وبهذا أُعادوا فتح جراحي. أجلسوني عنوة على أحجارِ مدببة؛ لقد كنت أبكى بصّمتِ بسبب الألم. بطريقةِ بشعةِ، سْخرواَ من دموعي. فى النهاية مزّقواَ صدغيّ، وغرسوا لأسفل التّاجَ المنسوج من الأغصان الشّائكةِ.
خذوا بعين الاعتبار كيف أنني بذلك التّاجِ، أردتُ أَنْ اصنع كفارة عن خطيئةِ الكبرياءِ عن الكثير من النفوس التي ترَغْب أنْ تُمْدَحُ على نَحْو زائد‏، تاَركه نفسها متأثرة بآراءِ العالم الباطلة. فوق كل شيء، سَمحت لهم أَنْ يُتوّجوا رأسي بالأشّواكِ. تألم رأسي بقسوة بهذه الطّريقة كي أصنع كفارة من خلال الإذلالِ الإرادي من أجل البغض‏ والافتخار والمظهرية لكثير جداً من النفوسِ. النفوس التى بسبب منزلتها وحالتها، يَحْكمون علىّ بلا استحقاقَ، رافضين أَنْ يتَبعوا الطّريق الموَضوعَ لهم بتدبيري.
لا يوجد طريق مُهين عندما يكون مُخَطّطاًَ بإرادة الرب .... بلا جدوى تَعتزمون خْداع أنفسكم، فكّروا فى إتباع إرادة الرب وباستسلام كامل مهما كان ما يطلبه منكم.
هناك أناسُ في العالمِ، عندما تحين لّحظة اتخاذ قرارِ، يفكرون مَليّا‏ ويَمتحنُون رغبات قلوبهم. فعلى سبيل المثال من يريدون الزواج يبحثون عن شريك حياتهم لعلهم يَجدون فيمن ينوون الاقتران بهم الأساس الصّلب والتقى للحياة المسيحية. قد يَرون إنهم سَيَتبعون واجبات عائلاتهم بطريقة ما ضرورية تَرضى رغباتهم فى السّعادةِ. لكن الزهوَ والكبرياءَ يَحْجبان روحهم فيَتْركون أنفسهم مُنجذبين برغبة أن يَكُونُوا بارزين وظاهرين. حينئذ يَفْعلونَ ما بمقدورهم كى يَبْحثوا عن شخص يَكُونَ أغنى أو من طبقة أعلي، كي يَرضون طموحهم. أه! كم بعناد يَعمونَ أنفسهم. كلا، أنا سَأُقول لهم، أنكَم لَنْ تَجدواَ سعادة حقيقية في هذا العالمِ وأَتمنّى أن تَجدوها في العالم الآتي, انتبهْوا، أنكم تَضعُون نفوسكم في خطرِ عظيمِ!
سَأَتحدّثُ أيضا إِلى النفوس التي اَدْعوها إِلى طريقِ الكمالِ. كم كثير من الأوهامِ تكون في أولئك الذينِ يُقولون لى إنهم مستعدين أَنْ يصنعون مشيئتي وبعد ذلك يَثْقبونَ رأسي بأشواكِ تاجي.
هناك أيضا نفوساً أُريدهاُ لي. أنى أَعْرفها وأحَبّها، أُريدُ أَنْ أضعها حيث أقيم، أريد أن أضعها بحكمتي اللانهائيةِ حيث سَيَجدونَ كل ما هو ضروري ليَصلَوا إلى القداسة. هناك حيث سَأَجْعلُ ذاتي مُعلنة لهم، وحيث سَيَعطونني راحة أكثر، محبة أكثر، ونفوساً أكثر. لكن، بكثير جداً من المكرِ! كثيراً جداً من النفوس تكون مَعمية بالكبرياءِ والزهو من أجل طّموحِ واه. مالئين رؤوسهم بأفكارِ عقيمةِ وبلا فائدةِ؛ إنهم يَرْفضونَ أَنْ يَتبعوا الطّريق الذي وَضعَته بدافع محبّتي لهم.
أحبائي يا من قَدْ اخترتُهم، هَلْ تظنون أنّكم تُحققون مشيئتي بمُقَاوَمَةِ صوتِ النّعمةِ الذي يَدْعوكمَ ويرشدكم إلى ذلك الطّريقِ الذي يَرْفضه كبرياؤكَم ؟
هناك نفوس تُدَعىْ إِلى حالة الكمالِ، لكنها تتُناقشُ مع النّعمةِ وتتّراجعِ عندما توَاجه مذلةِ الطّريقِ الذي أريه لها، َخَائفة كيف إنها ستُحاكم من قبل العالمِ أو عندما تُُقيّم قدراتها، مُقنعة أنفسها إنها سَتَكُون أكثر فائدة فى موضع آخر لخدمتي ومن أجل مجدي.
سأجيب تلك النفوسِ: قولوا لى، هل رَفضتُ أو حتى تَردّدتُ عندما رَأيتُ نفسي أولدَ في الليل لوالدينِ فقيرين متواضعين وفي إسطبلِ، بعيداً عن مسكني وعن بلدي وفي أقسى فصولِ السّنةِ؟
بعد ذلك عِشتُ ثلاثين سنةَ أمارس عملاً بسيطاً في ورشةِ: مُتعرضاً لازدراء ومهانة الناسِ الذين يطَلبون عملاً مِن يوسف، أبي. أنى لم أبغض مُسَاعَدَة أمي في أكثر المهام خدمهِ في الدّارِ. ومع هذا، هَلْ لم يكَنَ لدى موهبةُ أكثرُ من تلك التى يتَطَلّبهاِ العملِ القاسيِ كنجارِ؟ أنا، من في سن الثانية عشر عَلّمتَ العلماء في الهيكلِ ... لكنها كانت إرادة أبي السّماويَ وهكذا، مَجّدته. عندما تَركتُ الناصرة وبَدأتُ حياتي العامّة، كَانَ من الممكنُ أَنْ أجعل نفسي معَروفاً أنى أنا المسيا وابن الإله، حتى يسمع البشر تعاليمي بتّبجيلِ، لكنى لم أفعَلُ ذلك لأن رّغبتي الوحيدة كانت أَنْ أَعمَلُ مشيئة أبى ....
وعندما حان وقت آلامي، من خلال قسوةِ البعض وإهاناتِ الآخرين، من خلال هجر خاصتى وجحودِ الغوغاءِ، من خلال العذاب العظيم الذى لا يوصف لجسدي واشمئزاز نفسي، انظروا كيف بأعظم حب, كنت ما زِلتُ كاشفاً ومُعانقُاً إرادة أبي السّماوي.
هكذا عندما تَتغلّبُون على الصّعوباتِ وعلى الاشمئزاز، تُقدّمُ النفس ذاتها بشكل كريم إِلى إرادة الرب. تأتى لحظةُ، تجدون أنفسكم متّحدين بقوة به، وتَتمتّعُ النفس بعذوبة يتعذر وصفها .
ما قُلتهُ للنفوس التي تَحتقرُ الحياة المتواضعة والمخفية، أُكرّرهُ إِلى أولئك الذينِ أَدْعوهم إِلى اتصال ثابتِ بالعالمِ، بينما يفضلون هم أن يحيوا فى عزلة كاملةَ وعملَ متواضعَ ومخفيَ.
أحبائي المختارين، إن سعادتكمَ وكمالكمَ لا يقومان على أتباع مذاق ما تفضلونه وعلى اتباع ميولكمَ الطّبيعية، بَكُونُكم مَعْرُوفين أو مجهولين من قبل المخلوقاتِ، بكونكم تسْتِعْملون أو تَخفون الموهبة التى لديكم، بل ستكون سعادتكم بتَوحيدِ وتَوفيُقِ نفوسكم من خلال محبِّة مشيئة الرب والاستسلام الكلى لهاِ، الاستسلام إِلى من يطلب منكم من أجل مجده ومن أجل قداستكَم .
أن الجلادين الذين يُحطّمونَ جسدي ليسوا عشَره ولا عشرين. هناك الكثير من الأياديِ التي تجرح جسدي؛ مُتلقيين العشاء الرباني في الأيادي, أنه العملِ المدنسِ لإبليس !
كيف يستطيعون أَنْ يَتأمّلوني في خضّم هذا الألمِ والمرارةِ بدون أن تتحرك قلوبهم بالشّفقةِ علىّ؟ لكن لَيسَ الجلادين من ينبغى أَنْ يَواسوني بل أنتم، أنتم أحبائي المختارينَ، واسوني حتى تخففوا آلامي. تأمّلواْ جراحي وانظروا إن كان هناك من تألم بقدر ما تألمت أنا لأظهر محبّتي لكم
.

الفصل الثامن والثلاثون
الحكم علي يسوع

حينئذ عاد الجلادون القساة واقتادوا يسوع إلى قصر بيلاطس والعباءة القرمزية كانت ما زالت مُلقاة على كتفيه وتاج الشّوك على رأسه والقصبة في يديه المقيّدتين. لقد كان من المستحيل تمييزه بالمرة، عيناه، فمه، لحيته, الكل مُغطّى بالدّم، لم يكن جسده سوى جرح واحد، وظهره انحنى كأنه رجل مُسن، بينما كانت كل أطرافه ترتعد عندما يسير. عندما رآه بيلاطس واقفاً عند مدخل محكمته، حتى هو, وهو المعروف عنه القسوة, ارتخى وارتجف بالرّعب والحنو، بينما كان الكهنة البرابرة وعامة الشعب بعيدين عن الإحساس بالشفقة تجاهه، استمروا فى إهاناته والسخرية منه. عندما صعد يسوع الدّرج، تقدّم بيلاطس، أعلن البوق أنّ الحاكم على وشك أن يتكلّم، وخاطب رؤساء الكهنة قائلاً : " انظروا الرجل، لقد أحضرته إليكم، لكى تعرفوا أننّي لست أجد علة فيه. "
حينئذ اقتاد الجنود يسوع نحو بيلاطس، حتى يُمتع الشعب عيونهم القاسية مرة أخرى برؤيته، في الحالة المُزرية التى وصل إليها. مُهاناً ومُحتقراً حقا كان المنظر الذى قُدّم به، انفجر صياح الرّعب من الحشود، تلاه صمت مميت، عندما رفع يسوع بصّعوبة رأسه الجريح المتوّج بالأشّواك، وألقى نظرة منهكة على الحشود الثائرة. صاح بيلاطس بينما يشير إلى الشعب: " انظروا الرّجل! "
كراهية رؤساء الكهنة وتابعيهم كانت تزداد من منظر يسوع، وصرخوا : أسلمه إلى الموت؛ أصلبه. " فقال بيلاطس " ألستم قانعين. لقد نال عقاباً يكفي بدون شك أن يحرمه من كل شهوة لأن يجعل من نفسه ملكاً ", لكنهم صرخوا أكثر، وواصلت الحشود الصراخ : " اصلبه، اصلبه! " حينئذ قال بيلاطس : " خذوه أنتم واصلبوه، لأنى لست أجد علة فيه" أجاب الكهنة " نحن لدينا ناموسنا، وطبقا لذلك الناموس هو يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الرب. "
جملة "جعل نفسه ابن الرب" جددت رعب بيلاطس؛ فاخذ يسوع في غرفة أخرى وسأله؛ " من أين أنت ؟ " لكن يسوع لم يُجب. قال بيلاطس " ألا تكلمني؟ ألا تعلم أن لى سلطاناً أن أصلبك وسلطاناً أن أطلقك ؟ " فأجابه يسوع " ليس لك أي سلطان علىّ، ما لم يُعط لك من فوق؛ لهذا الذي أسلّمني إليك خطيئته أعظم. "
تردد وضّعف بيلاطس ملأ زوجته كلوديا بروكليس بالقلق؛ أرسلت له رسولا آخر، لتذكّره بوعده، لكنه رجع فارغاً بإجابة تعنى أنه يجب أن يترك القرار فى القضية فى النهاية إلى الآلهة.
بعد أن سمع رؤساء الكهنة والفريسيين عن جهود كلوديا لإنقاذ يسوع، أشاعوا بين الشعب، أن الموالين ليسوع قد أضَلوها، وأنه سيُطلق سراحه وبعد ذلك سينضم للرومان وسيجلب الدمار لأورشليم ويبيد اليهود.
كان بيلاطس في حالة من التّردد والاضطراب؛ لقد كان لا يعرف ما هى الخطوة التالية التى ينبغي عليه أن يخطوها، وخاطب أعداء يسوع ثانية بنفسه، مُعلناً أنه لا يجد أى جرم فيه لكنهم طلبوا موته بصورة أكثر شغباً. حينئذ تذكّر تناقض التهم الموجهة ضد يسوع وأحلام زوجته الغامضة، والتأثير الغير قابل للتفسير الذي أحدثته كلمات يسوع عليه هو شخصياً، ولهذا صمّم أن يسأله ثانية لكى يحصل على بعض المعلومات التي قد ترشده للطريق الذى يجب أن يتّبعه؛ لذا رجع إلى القصر، ذهب بمفرده في غرفة، وطلبت يسوع. نظر إلى الإنسان المعصور والناّزف أمامه، وصاح فى نفسه : " أيمكن أن يكون هذا إلهاً " ثم التفت إلى يسوع واستحلفه أن يخبره إن كان هو الرب، إن كان هو الملك الذي قد وُعد به اليهود، فأين مملكته تكون، وإلى أى صنف من الآلهة ينتمي, أما يسوع فقد لزم الصمت.
كان بيلاطس متردداً بين الخوف والغضب من كلمات يسوع؛ عاد إلى الشّرفة، وأعلن ثانية إنه سيطلق يسوع؛ لكنهم صرخوا " إن أنت أطلقت هذا الرّجل, فلن تكون مُحب لقيصر, لأن كل من يجعل نفسه ملكاً يكون ضد قيصر." آخرون قالوا إنهم سيتّهمونه إلى الإمبراطور بأنه أزعج عيدهم؛ وأنه لابد أن يقرر فى الحال، لأنهم ينبغى أن يكونوا في الهيكل قبل العاشرة ليلاُ.
دوّى صياح " أصلبه! أصلبه! " فى كل الجوانب؛ حتى أنها تردّدت من أسطّح البيوت التى قرب المحكمة، حيث تجمّع عليها عديد من الأشخاص. رأى بيلاطس أنّ كل جهوده عقيمة، وأنه لن يستطع أن يؤثر على الغوغاء الغاضبين؛ الذين كانت صرخاتهم ولعناتهم تصمّ الأذان، وبدأ يخاف من التمرد. حينئذ اخذ ماء وغسل يديه أمام الشعب قائلا : " إني برئ من دم هذا الرجل البار؛ أبصروا أنتم فى ذلك ", حينئذ صدر صياح مخيف وجماعي من الحشود التي تجمّعت من كل أجزاء إسرائيل " دمه علينا وعلى أبنائنا ".
تأمل الرب يسوع
مُتَوَّجاً بالأشّواكِ ومُغَطّى بعباءةِ أرجوانيةِ، قَدّمني الجنود مرة أخرى إِلى بيلاطس. بدون أن يَجد فيّ جريمة واحدة كى يُعاقبني عليها، سَألني بِضْعة أسئلةَ، تسائل لماذا لا أجيبه رغم علمي أنّه له كل السّلطة علىّ .
حينئذ، كْسرتُ صمتي وقلت له :" أنك لَنْ يَكونَ لك ذلك السلطان ما لم تنله من فوق، لكن لابد أن تتم الكتب المقدّسةِ " وَتْركتُ نفسي إِلى أبي السّماويِ، لقد صمتَّ مرة أخرى .

34
الفصل الرابع والثلاثون
جلد يسوع

كرر بيلاطس عدَة مراتُ عبارة " أنى لست أَجدُ جُرماً فيه, لذا سَأؤدبه ثم أطلقه " لكن اليهود استمرّوا يَرْددّون، " اَصْلبه! اصلبه!" لكنه صَمّمَ على أن يَتمسّكَ بقراره بعدم إُدانةُ الرب إِلى الموتِ، وأَمر أنْ يُجْلَدُ طبقاً للأسلوب الروماني.
اَقتاد الحرّاس يسوع وسط الحشود الغاضبةِ إِلى الساحة، وفعلوا ذلك بوحشيةِ بالغة، في نفس الوقت واصلوا سبه وأهانته، وضَربه بعصيهم.
يقع العمود الذى كان يُجلد عليه المجرمون شمالِ قصرِ بيلاطس، قُرْب بيت الحرسِ، وَصل الجلاّدون فى الحال، حاملين السياط والعصي والحبال، التى القوها أسفل العمود. لقد كَانوا ستة أفراد، ذى بشرة داكنة، أقصر قليلا من يسوع؛ صدورهم مغُطاة بقطعةِ من الجلد، أذرعهم القوية المشعرة عارّية. كَانوا أشراراً من تخوم مصر وقد أدينوا لأجل جرائمهم بالأشغال الشاقةِ، وقَدْ استخدموا من حيث المبدأ في شق القنواتِ، وفي نَصْبِ البناياتِ العامّةِ، لقد اُختير الأكثر جرماً ليَقُوموا بدور الجلادين في دار الولاية.
هؤلاء الرّجالِ القساة كَانوا قد جلدوا عديداً من المرات مذنبين مساكين علي هذا العمودِ حتى الموتِ. إنهم يشَبهون الوحوشَ أو الشياطين، وبَدوا نصف سكارىِ. ضَربوا الرب بقبضات أياديهم، وجروه بالحبالِ التي كان مُكبلاً بهاَ، مع أنه تبعهم دون أن يبدى أدنى مقاومةِ، وفى النهاية طرحوه بشكل بربري عند العمودِ. وُضعَ هذا العمودِ وحده في منتصف القاعة ولم يكن له أى دور فى حمّلَ أي جزءِ من البنايةِ؛ لم يكن مرتفعاً، كان ممكن لأي إنسان طويلِ القامة أَنْ يَمْسَّ قمّته بمِدِ ذراعه؛ كَانت هناك حلقة حديديةَ عند قمته، وحلقة وخُطاف أسفل قليلا. من المستحيل تماماً أَنْ أصفَ القسوة التى رأيتها فى هؤلاء الأشرارِ تجاه يسوع: لقد مَزّقوا العباءةَ التى كَانَ مكتسي بها عندما سّخروا منه في محكمةِ هيرودس، وطرَحوه شبه ساجداً.
أرتعد يسوع وارتجف عندما وَقفَ قبالة العمودِ، وخلع ملابسه بسرعة بقدر ما يستطيع، لكن يديه كَانتا ملطختين بالدماء ومتورمتين. المقابل الوحيدة الذى صنعه عندما ضربه جلادوه المتوحشون وسبوه كَانَ الَصلاة من أجلهم بأسلوبِ مؤثر للغاية: أدارَ وجهه مرة نحو أمه، التي كَانتْ تَقفُ مقهورة بالأسىِ؛ هذه النّظرةِ أفقدتها شجاعتها تماماً: غِابتْ عن الوعي، وكَادت أن تَسْقطُ، لولا أن النِّساءُ القدّيساتُ سندنها. وضع يسوع ذراعيهَ حول العمودِ مطوقاً إياه، وعندما رُفعت يداه هكذا، قيدها الجلادون بالحلقة الحديدية التي علي قمةِ العمودِ؛ ثم شدوا ذراعيه عالياً بحيث كانت قدميه المقيدة بأحكام بقاعدةِ العمودِ تمَسَّ بالكاد الأرضَ. هكذا كَانَ قدوس القديسين ممدّداً بقسوة، بدون أى لُباسِ، على عمودِ يستعملَ لعقابِ اعتي المجرمين؛ وبعد ذلك بدأ شريران هائجان متعطشان لدمه بأسلوب بغاية البربرية يَجْلدَان جسده المقدّس من الرّأسِ إِلى القدمينِ. السّياط التي استعملوها أولا بدت لي مصنوعة من نوع من الخشب الأبيضِ المرنِ، لكن ربما كانت تنتهي بأوتار الثيرانِ، أو بأشرطةِ من الجلدِ.
إلهنا الحبيب، ابن الرب، الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي، تَلوّى تحت ضرباتِ هؤلاء البرابرةِ؛ آهاتَه العميقةَ كانت تُسْمعُ من بعيد؛ لقد دَوت خلال الأثير‏ِ. هذه الآهاتِ تشَبه بالأحرىَ صراخاً مؤثراً نابعاً من الصّلاةِ والتّضرّعِ أكثر من كونها أنيناً من الألمِ. صخب الفريسيون والشعب شَكّل نوعاً أخرَ من المصاحبة، كانت في بعض الأوقات مثل زوبعةِ رعديةِ تجلب الُصمّم تخَفّت وتخَنق هذه النّداءاتِ المقدّسةِ والمحزنةِ، وترددت صيحات " أسلمه إِلى الموتِ! أَصْلبه!" أستمر بيلاطس يَتفاوضُ مع الشعب، وعندما طَلبَ الصمتَ ليستطع الَتكلّمَ، كان مضطراً إلى أَنْ يعلن عن رغباته إِلى الحشود الصّاخبةِ بصوتِ البوقِ، وفي مثل هذه اللّحظاتِ رُبَما تَسْمعَ ثانية أصوات السّياطِ وأنين يسوع ولعنات الجنودِ، وَمأمأة حملانِ الفصحِ التي كَانت تُغْسل في بركةِ بروباتيكا، على مسافةُ قريبة من الساحة. كَانَ هناك شيء ماَ مؤثر بشكل غريب في المأمأة الحزينة لهذه الحملانِ: لقد بدت كأنها توحّد أنينها وتمزجه بالأنين المؤلم لمخلصنا.
تُجمّع غوغاء اليهود علي مسافةِ قليلة من العمودِ حيث كَان يتم العقاب المُخيفِ، وكان الجنود الرومان منتشرين في مناطق مختلفةِ. عديد من الأشخاصِ كَانوا يَمْشونَ ذهاباً وإيابا، البعض في صّمتِ، وآخرون يَتكلّمونَ عن يسوع بأكثر التعبيرات مهانة، وبدا القليل متأثر، واعتقد أنى نَظرتُ أشعةَ من النور تُصدرُ من إلهنا وتدُخُلِ قلوبِ هؤلاء.
رَأيتُ مجموعاتَ من الشّبابِ الوقح والسّيئ السمعة، يشغلون أنفسهم قُرْب دار الحراسة في إعْداْدِ سياطِ جديدةِ، بينما ذَهبَ الآخرون ليَنشدوا فروعاً من الأشّواكِ. ْبعض من خدمِ رؤساء الكهنة صعدوا إِلى الجلادين المتوحشين وأعطوهم أموالاً ودورقاً كبيراً ممتلئ بسائلِ أحمرِ ساطع أسكرهم تماماً، وزِادَت قسوتهم نحو ضحيتهم البريئة عشرات الأضعاف. استمرّ الشّريران يَضْربان إلهنا بعنفِ متواصلِ لمدة ربع ساعةِ، ثم استبدلا بآخرين. لقد تغطى جسده بالكامل بعلامات زرقاء وسوداء وحمراء؛ الدّم كَانَ يقطّرُ ساقطاً على الأرضِ، ومع ذلك أظهرت النّداءات الغاضبة التي صدرتْ من اليهودِ المُتجَمَّعين أنّ قسوتهم كَانتْ بعيدةَ من أن تَكُونُ مُشبَعة.
شرع الجلادان الجديدان فى جَلْد يسوع بأقصى ضراوة‏ ممكنة؛ لقد استعملا نوعاً مختلفاً من العصي، نوع من العصي الشّائكِة، مغَطاة بالعقدِ والنتوءات. الضّربات من هذه العصي مَزّقتْ لحمه إِلى قِطَعِ؛ اندفع دمه ليُلطّخَ عصيهم، وهو تَأَوَّه‏ وصَلَّى وارتجفَ. فى هذه اللّحظةِ، اجتاز الساحة بعض الغرباءِ الممتطين الجمال؛ توَقفوا للحظةِ، وقَدْ تُأثروا تماماً برّحمةِ ورّعبِ من المشهدِ الذى أمامهم، وَضّحَ بعض من الموجودون لهم سببَ ما يشَهدونه. كَانَ بعض من هؤلاء المسافرين قَدْ تعمّد على يد يوحنا، والآخرون قَدْ سَمعوا عظة يسوع على الجبلِ. كَان صخب وجلبة الغوغاءِ يصم الأذان حتى قُرْب دارَ بيلاطس.
آخذ جلادان جديدان أماكن الأخيرينِ، كانت سياطهم مصنوعة من سّلاسلِ صّغيرةِ، أو أشرطة مغَطاة بخطّافاتِ حديديةِ، لقد كانت تخترق إِلى العظم وتمَزّقْ قِطَعاً كبيرة من اللّحمِ في كل ضربةِ. أى كلمات مُمكنُ أَنْ تَصفَ هذا المشهد الفظيع ؟ ليس هناك كلمات ممكن أن تصفه!
مع ذلك, قسوة هؤلاء البرابرةِ لم تشبع بعد؛ حَلا يسوع ورْبُطاه ثانية بظهره ملتصق بالعمودَ. ولأنه كَانَ عاجزاً بالكلية عن أَنْ يَسند نفسه في وضع الوقوف، أجازوا الحبال حول خصره وتحت ذراعيهِ ومن فوق رُكَبتيه، وقيدوا يديه بإحكام في الحلقاتِ التي وُضِعتْ في الجزءِ الأعلى من العمودِ، وجْلداه بضراوة أعظمِ من ذى قبل؛ واحد منهم ضَربه بشكل ثابت على وجههِ بعصاِ جديدةِ. لقد تمزق جسد إلهنا تماماً إِلى قطع صغيرةِ، إنه لم يكن سوى جرحَ واحد. لقد نَظرَ إلى مُعذبيه بعينيه الملآنة بالدّمِ، كما لو أنه ينشد الرحمة؛ لكن وحشيتهم بدت أَنْها تَزدادَ، وتأوهاته صارت تخفت أكثر فى كل لحظة.
تواصل الجَلْد المُخيف بلا توقف لمدة ثلاثة أرباعِ الساعةِ، حينئذ أسرع من وسط الحشودِ إنسان غريب قريب لكتسيفون، الرّجل الأعمى الذي أبرأه يسوع، واقتربَ من العمودِ بسكينِ على شَكّلَ سيف قصير مقوّس‏ في يدّه. وصاح بنغمةِ غاضبة : كفى! كفى! لا تجلدوا هذا الرّجلِ البريء حتى الموت! " آَخذوَا الأوغاد‏ السّكارى على حين غرة، توَقفاَ لبرهةَ، بينما قَطعَ الرجل الحبالَ التي تُقيد يسوع بالعمودِ بسرعة واختفىَ بين الحشودِ. سَقطَ يسوع تقريباً دون وعي على الأرضِ، التي قَدْ اغتسلت من دماه. تركه الجلادان هناك، وانضما ثانية إلى رفاقهم القساة، الذين كَانوا يَسلّونَ أنفسهم في دارِ الحراسِة بالشُرْبِ، وضَفْر إكليل الشّوكِ.
ظل إلهنا لوقتِ قصيرِ على الأرضِ، عند العمودِ، مستحمَّاً في دمه، واقتربت بعض الفتيات الوقحات ليَرضينَ فضولهن بالنَظْر إليه. ثم اَستدرن مشمئزات، في هذا الوقت كانت ألام جراحِ يسوع شديدة جدا حتى أنه رُفِعَ رأسَه النَازْفة ونَظرَ إليهن. تراجعن بسرعة، وضحك الجنود وسخر منهن الحرّاس .
خلال جَلْدِ إلهنا، رَأيتُ ملائكةَ باكية تَقتربُ منه لمرات عديدة؛ سَمعتُ أيضاً الصّلواتَ التى يُوجها إلى أبيه بشكل ثابت ليغفر لنا آثامنا, صلوات لم تتَوقّف خلال تعرضه لهذا العقابِ القاسي.
بينما كان يسوع ممدداً مستحمّاً في دمه رَأيتُ ملاكاً يقدم إليه وعاء يَحتوي على شرابَ ساطع المظهرَ الذي بدا أَنْه يُنشّطه لدّرجةِ معينة. رَجع الجنود فى الحال، وبعد أن وجهوا له بعض الضّرباتِ بعصيهم, أمروه أن يَنْهضُ ويَتْبعهم. لقد نهض بصّعوبةِ بالغة، لأن قدميه المرتجفتان استطاعتا بالكاد أن تحملا جسده؛ أنهم لم يعطوه الوقت الكافي ليرتدى ملابسه، بل ألقوا ردائه على كتفيه العاريتين واقتادوه من العمودِ إِلى بيت الحرسِ، حيث مَسحَ الدّمَ الذي كان يَقطّرَ من وجهه بطرف ردائه. عندما اجتاز أمام المقاعدِ التى يجلس عليها رؤساء الكهنة، صَرخوا، " أسلموه إِلى الموتِ! اصلبوه! اصلبوه! " وبعد ذلك استدارواَ بازدراء‏. اقتاد الجلادون يسوع إلي داخلِ بيت الحرسِ، الذي كان ممتلئاً بالعبيدِ والجلاّدين‏ وأناس سكارى من الشعبِ، لكن لم يكَنَ هناك جنودُ.
نَبّه الهياج العظيم بين عامة الناسِ بيلاطس كثيراً، حتى أنه أرسلَ إِلى قلعةِ أنطونيو يطلب تعزيزاتِ من الجنودِ الرّومان، وأُرسلتْ هذه الفِرَق العسكريةِ حول بيت الحرسَ؛ لقَدْ سُمح لهم أَنْ يَتحدّثوا وأَنْ يَسْخروا من يسوع بمختلف الطرق الممكنة، لكنهم مُنّعواَ من أَنْ يَتْركواَ صفوفهم. كان عدد هؤلاء الجنودِ، الذين طَلبَهم بيلاطس كى يُخيفَوا الغوغاء، حوالي ألف جندي.
تأمل الرب يسوع

لاحظوا كيف كان هذا الرّجل مذهولا, بغاية الاضطراب ولا يَعْرفُ ماذا يَفعَلُ معي. وكي يهدئِ غضبِ الغوغاءِ، أْمر أن أجَلد.
أُمَثاَّل بيلاطس، رَأيتُ نفوساً تنَقصَها الشّجاعة أن تَنفصلَ نهائياً عن مطالبِ العالم وعن طبيعتهم. وبدلاً من تفادى الأخطارِ التى يخبرهم ضميرهم عنها, بأن لا ينقادوا من قبل العالمِ ولا من قبل طّبيعتهمِ، يُخبرهم عقلهم الواعي أَنْ لا يَكُونوا تابعين لرّوحِ الصلاحِ. ومن ثم يَستسلمونَ لنزوةِ، ويُمتّعُون أنفسهم برضاءِ عابر، ويَستسلمونَ جزئياً إِلى ما تتطلبه عواطفهم. وليُسكتواَ إحساسهم بالذنب، يُقولون لأنفسهم :" لقد حَرمت نفسي بالفعل من هذا أو من ذاك، وهذا يكفيُ. "
سَأقول فقط إِلى هذه النفس : " أنك تَجْلديني كما صنع بيلاطس, لقَدْ خطوت خطوة بالفعل وغداً ستُكون الخطوة التاليةً. هَلْ أنت عازمة أَنْ تَرضي عواطفك بهذه الطريقة؟ كلا! أن عواطفك ستَطْلبُ المزيد قريباً. وكما لَمْ يكن عندك الشّجاعةَ لتُقاتليَ طبيعتكِ في هذا الشيء الصّغيرِ، فيما بعد ستكون شجاعتك أقل عندما ستكون الواقعة أعظم."
لقد عوقبت بكثير من العنفِ قبل الجلد بحيث أنه لم يكنَ هناك جزءاً منّي لم يكنَ فريسةَ للألمِ الأكثر فظاعة. الضّرب والرّكل سَبّبت جراحَ لا حصر لها ومرة بعد مرة سَقطتُ بسبب الألمَ الذى سببته الركلات.
انظرْوا إليّ يا أحبائي. لقد تَرْكت نفسي مُقاد بوداعة الحملِ إِلى تّعذيبِ الجلّد الفظيعِ. انهال الجلادون بوحشيه وبقسوة رهيبة على جسدى المغطّى بالفعل بالضرب والمقهور بالإعياء بسياط من حبال مضفرة وبعصي. العصيَ مَزّقتْ ونثرت أجزاء من جلدي ومن جسدى. تفجرت الدماء من كل أعضائي. جسدي كَانَ في حالة بشعة حتى أنى أشَبهتُ مسخ مشوه أكثر منى كإنسان. قسمات وجهي قَدْ فَقدتْ شكلها؛ لقد كان مُنْتَفخِاً بالكامل.
التفكير فى أن عديد من النفوس، التي ستكون بعد ذلك مُلهمهُ كى تَتبع خطواتي، قد ذوانى حبِّاَ.


الفصل الخامس والثلاثون
العذراء مريم خلال جلد إلهنا

لقد رَأيتُ العذراءَ المباركةَ خلال وقتِ جَلْدِ ابنها الإلهي؛ لقد رَأتْ وعَانتْ بحبِّ وأسىِ يتعذر وصفه كل العذابِ الذى كَانَ يَتحمّلهُ. كانت تتأوه بضعف، وعيناها كَانتْ حمراء من كثرة البُكاءِ. لقد كانت مُغطاة بإزار كبير، ومتكئة على مريم التى لهالي، أختها الأكبر سنا , التي كَانتَ كبيرة السنَ ومثل أمّها حنة, كَانت هناك أيضا مريم التى لكلوبا، ابنة مريم التى لهالي. وقف رفاق يسوع ومريم حول مريم؛ مرتدين إزارات كبيرةَ، بدوا مغلّوبُين بالأسىِ والقلقِ، وكَانواَ يَبْكون. رداء مريم كَانَ أزرقَ؛ طويلاً، ومُغَطَّى جزئيا بعباءةِ مصنوعة من الصّوفِ الأبيضِ، وإزارها كَان إلى حد ما‏ أبيضِ مُشرباً بصفرة. كانت المجدلية مستغرقة بالكلية فى الأسىِ وشعرها كَان طليقاً تحت إزارها .
عندما سقط يسوع عند العمودِ، بعد الجلدِ، رَأيتُ كلوديا بروكليس، زوجة بيلاطس، تُرسلُ بعض قِطَعِ من الكتان الكبيرةِ إِلى أمِ الرب. لم اَعْرفُ إن كانت تظن أنّ يسوع سَيُطلقُ سراحه، وأن أمه ستحتاج للكتان لتكسى جراحه، أم أن هذه السّيدةِ العطوفةِ كَانتْ مدركه للاستعمال الذي سَيَؤدى بهديتها. عند انتهاء الجَلْدِ، انتبهت مريم لنفسها لبرهة، ورَأت ابنها الإلهي مُمَزَّقاً بالكامل ومشوهاً، لِكَونِهِ اقِتيدَ بعيداً بعد الجَلْدِ مِن قِبل الجنود, مَسحَ عينيه، اللتين امتلأتا بالدّمِ، لكي يَنْظرُ إلي أمه، وهي مدّتْ يديها نحوه، واستمرّتْ تَنْظرَ إلي آثارِ الدّمِ على مواضع خطاه. ثم رَأيتُ مريم والمجدلية تقتربان من العمود حيث جُلِدَ يسوع؛ وسَجدا راكعتين على الأرضِ قُرْب العمود، ومَسحا الدّم المقدّس بالكتّانِ الذي أرسلته كلوديا بروكليس. يوحنا لم يكنَ فى ذلك الوقت مع النِّساءِ القدّيساتِ، اللواتي كُنّ حوالي عشرون سيدةِ. كان هناك أبناء سمعان وعوبيد، وفيرونيكا، وأيضا أبني أخ يوسف الرامى آرام وسيمني, بينما كان يوحنا في الهيكلِ، وبَدا مَغْمُوراً بالأسىِ. لم تكن الساعة قد جاوزت التاسعة صباحاً عندما انتهى جَلْد يسوع .

الفصل السادس والثلاثون
وصف المظّهر الشّخصي للعذراء المباركة

بينما كانت هذه الأحداثِ الحزينةِ تَجري كُنْتُ في أورشليم، أحياناً في نّاحيةِ وأحياناً في ناحية آخرِ؛ لقَدْ كنت مُغلّوبة تماماً، آلامي كَانتْ حادَة، وشَعرتُ كما لو أنى عَلى وَشَكِ الموت. خلال وقت جَلْدِ عريسي الحبيبِ، جَلستُ بقربه، في الجزءِ الذي لم يتَجاسرَ يهوديُ أن يقترب منه، خوفا من أن يُدنّسُ نفسه؛ لكنى لم أخِاف، كُنْتُ حريصة فقط على أَنْ تَسْقطَ قطرةِ من دّماءِ إلهى عليّ، لتَنقّيني. لقد شَعرتُ بأنني منسحقة القَلْب‏ بالكامل حتى أنى يَجِبُ أَنْ أَمُوت طالما أنى لا أستطيع أَنْ أُحل محل يسوع، وكل ضربةِ نالها جذبت منّي مثل هذه التنهدات والتأوهات حتى أنّي شَعرتُ بأنى مذهولة تماماً لَكُوني لم أُبَعَد. عندما أخذ الجلادون يسوع نحو بيت الحرس, ليُتوّجوه بالأشّواكِ، اشتقت أَنْ اَتبعه لأَتأمّله ثانية في آلامه. حينئذ أم يسوع، ترَافقَها النِّساءِ القدّيساتِ، اقتربنَ من العمودِ ومَسحنَ الدّم من عليه ومن على الأرضِ من حوله. كَانَ باب بيت الحرسِ مفتوحَاً، وسَمعتُ الضّحكَ الموجع للرّجالِ القساة الذين انشغلوا في إنْهاءِ إكليل الشّوكِ الذي أعدّوه لإلهنا. لقد كُنْتُ متأُثّرة كثيرا حتى الَبْكاء، لكنى سَعيتُ أن أذهب بقُرْب المكانِ حيث كَانَ الرب يسوع سيُتوّجُ بالأشّواكِ.
مرة أخرى رَأيتُ العذراء المباركة؛ كَانتْ شاحبَة وضعيفة، عيناها حمراء من كثرة البُكاءِ، لكن نُبلها البسيطَ فى سلوكها لا يُمكنُ أَنْ يُوْصَفَ. على الرغم من حزنها وآلامها، على الرغم من الإعياء الذي تَحمّلتْه لكونها كَانتْ تجولُ منذ المساء السّابق خلال شوارعِ أورشليم وعبر وادي يهوشافاط، إلا أن مظهرها كَانَ هادئاًَ ومعتدلاًَ، ولا طيّةَ من ردائها كانت فى غير موضعها. نَظرتْ حولها بنبل، وطرحتها متهدلة على كتفيها. تحَرّكتْ بهدوء، ومع أن قلبها كَانَ فريسةَ للأسىِ المرّ، هيئتها كَانتْ هادئةَ ومستسلمة. ردائها كان مبتل من النّدىِ الذي سَقطَ عليه خلال اللّيل، ومن الدّموعِ التي ذرفتها بمثل هذه الوفرةِ؛ دون هذا كان غير مُتسخ بالكليةً. جمالها كَان عظيماً، لكن يتعذر وصفه، لأنه فوق طاقة البشر,َ خليطَ من العظمة والقداسة والبساطة والنقاوة.
مظهر مريم المجدلية كَانَ مختلفَ بالكليةً؛ كَانتْ أطولَ وأكثر قوةَ، تعبيرات مُحياها أظهرت تصميماً أعظمَ، لكن جمالها قَدْ ذبل تقريباً من طريقة حياتها السابقة التى انغمسَت فيها طويلا، ومن التوبة والحزن الذى عاشته منذ أن أحست بخطاياها. كان مؤلماً أَنْ تَنْظرَ إليها؛ لقد كَانتْ صورةَ من اليأسِ، شعرها الطّويل الغير مرتب قَدْ تغُطّيِ جزئيا بطرحتها المُمَزَّقةِ والمبلّلةِ، ومظهرها كَان مظهر إنسان مستغرق‏ بالكامل فى البلاء، ومنزوية فى نفسها من الحُزنِ. كثيرين من سكان مدينة مجدل كَانوا يَقفونَ قُريْبا، يحدقون فها بدهشة وفضولِ، لأنهم كانوا يعَرفونها في الأيامِ السّابقةِ، أولا في ازدهار وبعد ذلك في إذلالِ وبؤسِ. أشاروا إليها، القوا الوحل عليها، لكنها لم تر شيئاً ولا عَرفتَ شيئاً ولا شَعرتْ بشيء، محتفظة بآلام أحزانها

35
الفصل الثاني والثلاثون
يسوع أمام هيرودس
بُنِى قصر هيرودس في المدينةِ الجديدةِ على الجانبِ الشّماليِ للساحةِ؛ على مسافة ليست بعيدة عن قصر بيلاطس. سار الموكب برفقة جنودِ رومان. كان أعداء يسوع بغاية الغيظ لكونهم قَدْ أُرغموا على أَنْ يسلكوا الطريق ذهابا وإيابا، ولهذا نَفّسوا عن غيظهم فى يسوع.
سبق رسول بيلاطس الموكب، ولذلك كان هيرودس يَتوقّعهم. كان جالساً في قاعةِ واسعة ومُحاطاً مِن قِبل حاشيته وحراسه. دخل رؤساء الكهنة واتكئوا بجانبه، تْاركُين يسوع في المدخلِ. كان هيرودس مبتهجاَ ومسروراً كثيرا من بيلاطس لكونه اعترفِ علانية بحقه فى محُاكْمةِ الجليلى، واُبتَهَج أيضاً برُؤيةِ يسوع الذي لم يسَبَقَ أَنْ تَنازلَ وَظْهرَ أمامه وقد أهين بمثل هذه الحالة من الإذلالِ. فضوله قد أثير بشّدة بالتّعبيراتِ التي أعلن بها يوحنا المعمدان عن مَجيء يسوع، وسَمعَ كثيراً أيضاً عنه من هيروديا ومن عديد من الجواسيسِ الذين أرسلهم في مختلف المناطقِ: لهذا كَانَ مسروراً لكونه وجد فرصةِ لاسْتِْجوابه في حضورِ رجال حاشيته وكهنة اليهود، مَتمنّياً أَنْ يَقدم يسوع عرضاً كبيراً عن معرفته ومواهبه. ولكون بيلاطس قد أرسل له خطاباً يقول فيه : " أنه لم يستطع أَنْ يَجدَ علة في الرّجل " فقد استنتجَ بأن هذه الكَلِماتِ قَدْ تكون تلميحِ بأن بيلاطس يرَغبَ أن يُعامل مُتهمي يسوع باحتقار وارتياب. لهذا خاطبهم بأسلوب متغطرسِ بأقصى ما يستطيع مما زِادَ من غيظهم وغضبهم بما يفوق الوصف .
بدأ الجمع فى الحالً يَصِيح باتهامات سمعَها هيرودس بصعوبة، ولكونه اعتزم أن يرْضى فضوله باختبار سريع ليسوع، الذى تمنى كثيراً أَنْ يَراه. لكن عندما نَظره عاَرّيا من كل لباسِ باستثناء‏ عباءةِ وقادراً بالكاد أَنْ يَقفَ، وطلعته تشَوّهتْ بالكلية من الضّرب الذى ناله، ومن الطّينِ الذي ألقاه الرّعاع علي رأسه، استدارا الأمير المترف والمخنث في اشمئزازِ، ناَطقَا باسمَ الرب، وقال للكهنة بنغمةِ هى خليط من الرّحمةِ والاحتقار : " خذوه من هنا، ولا ترجعوه إلى حضرتي بمثل هذه الحالة المذرية ", أخذ الحرّاس يسوع إلي القاعة الخارجيةِ، ودبّروا بمشقّة‏ بعض الماءِ في أناء ونظفوا ملابسه المُلَوَّثةَ ووجهه المشَوّه؛ لكنهم لم يتَمَكّنوا من أَنْ يمنعوا توحشهم حتى بينما كانوا يفعَلَون هذا، ولم يبالوا بالجراحِ التى قَدْ تغُطّى بها.
أثناء ذلك تَحرّشَ هيرودس بالكهنة كما فعل بيلاطس وقال لهم " إن سلوككمَ يَشْبهُ جداً سلوك الجزارين، وها أنتمَ قد شْرعُتم فى ذبائحكم مبكّراً‏ في الصّباحِ." تلا رؤساء الكهنة اتهاماتهم فى الحال. أدعى هيرودس عندما جاء يسوع ثانية إلي حضرته أَنْه يَشْعرَ ببعض الشّفقةِ، وقدم له قدحاً من الخمر ليُجددَ قوته؛ لكن يسوع أدارَ رأسه بعيداً ورَفضَ.
بَدأَ هيرودس حينئذ يُسهِب‏ بثّرثرةِ عظيمةِ عن كل ما سَمعهَ بخصوص يسوع. سَألَه كثيراً وحَثّه أَنْ يؤدى معجزة في حضرته؛ لكن يسوع لم يُجبَه بكلمةَ ووَقفَ أمامه وعيناه ناظرتان لأسفل، مما جعل هيرودس يُغضَب ويرتبكَ، مع أنه سَعى أن يُخفى غضبه واستمرَّ فى استجواباته. في بادئ الأمر عبَّر عن‏ دهشته واستعملَ كَلِماتِ مقنعةِ : " هل ممكن أن تظهر بنفسك يا يسوع أمامي كمجرمِ؟ لقَدْ سَمعتُ عن أعمال كثيرةً تخصك يتحدثون بشأنها. ربما تكون غير مدرك أنك أهنتني بشدة بإطْلاقِ صراح السّجناءِ الذين حبستهم، لكن ربما كانت النوايا حسنه. لقَدْ أرسلَك الحاكم الرّوماني إلي الآن لتُحاْكَمُ؛ أي جواب ممكن أن تَعطيه لى عن كل هذه الاتهامات؟ لماذا أنت صامت؟ لقَدْ سَمعتُ كثيراً عن حكمتك، وعن الدّيانة التى تنادى بها, دعني اَسْمعُ إجابتك وفنّد ما يدعيه خصومك. هل أنت ملك اليهودِ؟ هل أنت ابن الرب؟ من أنت ؟ لقد قيل لى أنك تؤدى معجزات عظيمة؛ أصنع واحدة الآن في حضرتي. فإن لى السلطة أَنْ أطلقك. هَلْ أعدت حقاً البصرَ للأعمىُ وأحييت لعازر من الموتِ، وأطعمت ألفين أو ثّلاث آلاف إنسان ببضعة أرغفةِ؟ لماذا لا تجيبَ؟ لقد أمرتك أَنْ تفَعْلَ معجزة بسرعة أمامي؛ ربما تُسر بعد ذلك لكونك امتثلتَ لرغباتي. " استمر يسوع مَحتفظاً بصمته واستمرَّ هيرودس يَسْأله بثرثرةِ أكثرِ.
" من أنت ؟ من أين تستمد قوتك؟ كيف أنك لم تعد تَمتلكها؟ هل أنت من كان ميلادك قَدْ أُنبّأ به بمثل هذا الأسلوب العجيب؟ لقد جاء ملوك من الشّرقِ إِلى جدي ليَروا ملك اليهودِ المولود حديثاً: هَلْ حقاً أنك أنت ذلك الطّفلِ؟ هل هربت عندما ذُبح الكثير من الأطفال، وكيف دبرت أمر هروبكَ؟ لماذا كنت غير معروف لعديد من السَنَوات؟ أجب عن أسئلتي! هل أنت ملك؟ أن مظهرك الآن لا يُعطى بالتأكيد ذلك الانطباع. لقد قيل لى أنّك كنت ذاهباً إِلى الهيكلِ في موكب منذ وقت قصير. ماذا كَانَ يُعنى مثل هذا الموكبِ؟ تكلّمُ حالاً! أجبني! "
استمرَّ هيرودس يَسْألَ يسوع بهذا الأسلوب السّريعِ؛ لكن يسوع لم يجبه. لقَدْ رأيت أن يسوع كَانَ صامتاً هكذا لأن هيرودس كُان فى حالة عزلة، بسبب زواجه الغير شرعي من هيروديا، ولأنه أعطىَ أمراً بقتل يوحنا المعمدان. عندما شاهد حنان وقيافا كيف أن هيرودس ساخطاً من صمتِ يسوع، سَعيا فى الحال أن يَستغلاُ مشاعر غضبِه، وأعلنا تهمهما قائلين أن يسوع قَدْ وصف هيرودس نفسه بالثعلب؛ وأن هدفه العظيم لسنوات عديدّة مضت هو أَنْ يُسقطَ عائلةِ هيرودس؛ وأنه كَانَ يسعي إلى أن يُؤسّسَ ديانةَ جديدَ، وإنه احتفلَ بالفصح فى اليومِ السّابقِ. ومع أن هيرودس قَدْ اُغتاظ بشدة من تصرفاتِ يسوع، إلا أنه لم يُبعد نظره عن النّهاية السّياسيةِ التي أراد أَنْ يحققها. لقَدْ قرر أَلا يُدينُ يسوع، لأنه أحس بإحساس غامض بالرّعبِ في حضوره، ولأنه ما زالَ نادماً لكونه أسلم يوحنا المعمدان إِلى الموتِ، بالإضافة أنه يمَقتَ رؤساء الكهنة لأنهم لم يسَمحوا له أَنْ يُشتركَ في التّضحياتِ بسبب زواجه الغير شرعي من هيروديا.
لكن دافعه الرّئيسيَ لقراره بألا يُدينُ يسوعَ، أنه أراد أَن يصنع مودة مع بيلاطس لأجل مجاملته له، واعتقدَ أن أفضلَ مُقابل سيَكُونُ إظهار التقديرَ لقراره ومُوَافَقَته في الرّأيِ. لكنه تَكلّمَ بأسلوب محتقر إِلى يسوع، والتفت إِلى الحرّاسِ والخدمِ الذين أحاطوه، وكَان عددهم يُناهز مأتى شخص قائلاًَ :' خذُوا هذا الغبيِ، وقدموا له الإجلال الذى يستحقه؛ إنه مجنونُ، لكنه ليس مذنباً بأي جريمةِ. "
حينئذ اُخِذوا يسوع فى الحال إلى قاعة كبيرةِ، حيث أهانوهِ واحتقروه بكل أهانه ممكنة. كانت هذه القاعة بين جناحي القصرِ، وقف هيرودس ليشاهدَ ذلك لبعض الوقتِ. كان حنان وقيافا بجانبه، يَسْعيان إلى إقناعه بأَنْ يُدينَ مُخلصنا. لكن جهودهم كَانتْ غير مثمرةَ، وأجاب هيرودس بنغمةِ عاليةِ تكفى أنْ تُسْمَعُ مِن قِبل الجنودِ الرّومان : " كلا، سأكون مُخطئاً بالتأكيد إن أنا أدنته. " بما معناه، أنه سَيَكُونُ مخطئاً إذا أدان شخصاً كمذنبِ بينما يرى بيلاطس أنه برئُ، وأنه يرجأ الحكم النّهائي له.
عندما أدرك رؤساء الكهنة وباقي خصوم يسوع أنّ هيرودس قَدْ قرر أَلا يَستسلمُ لرغباتهم، أرسلوا مبعوثين إلى الجزء الذى يسُكِنهَ الفريسيون من المدينة، ليعلموهم إنهم يَجِبُ أَنْ يحتشدوا بجوارِ قصرِ بيلاطس وأن يجمّعواُ الرّعاعَ ويَرْشوهم ليصنعوا ضوضاء، ويَطاْلبوا بإدانة يسوع. وبَعثوا بوكلاءَ سريين أيضاً كى يُحذروا الشعب بتهديدات الثّأرِ الإلهى إن لم يصروا على قتل يسوع، الذي يعتبرونه مُجدفاً. لقَدْ أمروا هؤلاء الوكلاءِ أَنْ يحذروا الشعب بإعْلانِ أنه إن لم يُقتل يسوع، فأنه سيَذْهبُ إِلى الرومانِ، وسيُساعدُ على إبادةِ الأمةِ اليهوديةِ، لأن ذلك كان ما يُشير إليه عندما تَكلّمَ عن مملكته المُقبلة. لقد سَعوا فى نْشر تقريرَ في أجزاء أخرى من المدينةِ، أن هيرودس قَدْ أدانه، لكن ما زالَ ضروري للشعب أَنْ يُظهر رغبته، كما أن الموالين له سيَخَافونَ؛ لأنه إن أطلق سراحه فأنه سيتقرب للرومان، ويصنع اضطراباً فى يومِ العيدِ، وينتقم بوحشية منهم. رَوّج البعض منهم تقارير تحذير مناقضة ليُثيروا الشعب ويتسبّبُوا فى حدوث تمرد؛ بينما وزع آخرون أموال بين الجنودِ ليَرْشوهم ليسيئوا معاملة يسوع، لكي يتُسبّبَوا فى موته، الذي كَانوا مُتلهفين على َجْلبه بأسرع ما يمكن، خشية أن يُبرّئه بيلاطس.
بينما كان الفريسيون يُعدون أنفسهم بهذا الأسلوب، كان مُخلصنا المبارك يَعاني أبلغ إساءة من الجنودِ الهمج الذين سلم هيرودس يسوع لهم، لقد سْخروا منه كأحمق. لقد سَحبوه إلي القاعة، وكان لواحد منهم كيس أبيض كبير كَانَ فيما سبق مَمْلُوءاً بالقطنِ، صنعوا فتحةَ في وسطه بالسيفِ، وبعد ذلك ألقوه على رأسِ يسوع ومصاحبين كل فعلِ بالضحك مُستهزئين به. أحضر جنديُ آخرُ عباءةِ قِرمزيةِ قديمةِ، ووضعها حول رقبته، بينما أحنى الباقون رؤوسهم أمامه وكانوا يَدْفعونه ويسبونه ويتفلون عليه ويصفعونه على وجههِ، لأنه رَفضَ أَنْ يُجيبَ ملكهم، سخروا منه بالتظاهر بأنهم يُبايعونه, ألقوا الوحل عليه, أوثقوه من خصرهِ كي يَجْعلوه يَرْقصَ؛ ثم طرحوه أرضاً، جروه إلى إلي جانبِ القاعةِ، لتصطدم رأسه المقدّسة بالأعمدة وبجوانب الحوائطِ، وعندما أنهضوه فى النهاية، كان ذلك فقط لكي يواصلوا إهاناتهم. بَلغ جنود وخدم هيرودس الذين تجُمّعوا في هذه القاعة أكثر من مائتين، وكل فكرهمِ أَنْ يتوددوا إِلى حاكمهم بتَعذيبِ يسوع ببعض الطّرقِ التى لم يُسمع بها من قبل. كثيرون منهم قَدْ أرتشي مِن قِبل خصوم يسوع كى يَضْربوه على رّأسهِ بعصيهم، وقد استغلّوا الفوضى والضّوضاءِ ليفعلوا هكذا. نَظرَ يسوع إليهم بشّفقةِ؛ زيادة الألمِ جعلته يتأوه ويئن، لكن أعداءه ابتهجوا بآلامه، وهزءوا بتأوهاته، ولا واحد من بين كل الّجمّعِ أظهر أدنى دّرجة من الرحمة. لقد رَأيتُ الدمَ ينزف من رأسه، وثلاث مرات طرحه الضّرب أرضاً، لكن الملائكةَ التى كَانتْ تَبْكي بجانبه كانت تدَهن رأسه ببلسمِ سّمائيِ. لقد كُشفَ لي ذلك لأعلم أنه لولا تلك المعونة لأفضت تلك الجراحِ إلى موت يسوع. أن الفلسطينيين في غزة، الذين أعطوا متنفساً لغضبهم بتَعذيبِ شمشون الأعمىِ، كَانَوا أقل بربريَة ووحشية من هؤلاء الجلادين اليهود القساة .
لم يكن الكهنة صبورين فى الرجوع إِلى الهيكلِ؛ لهذا، بعد ما تأكدوا من أن طلباتهم بخصوص يسوع لن تُطاع، رَجعوا إِلى هيرودس، وسَعوا لإقناعه بإدانة يسوع. لكنه، لِكَونِهِ قد قرر أن يفَعَلُ كل ما فى مقدوره كى يُسر بيلاطس، رْفضُ أَنْ ينصاع لرغباتهم، وأعاد يسوع ثانية مُكتسياً بزي الحمقى .
تأمل الرب يسوع
أَمرَ بيلاطس أن يَأْخذوني إِلى هيرودس, إنه رجلاً فاسداً مسكيناً من الذين يبَحثونَ عن اللذة فقطِ، سْامحاً لها أنْ تُسوقُه إِلى مشاعر منحرفةِ. لقد كَانَ يأمل أنَ يراني آتياً أمام محكمته لأنه تَمنّى أَنْ يَسلّي نفسه بكَلِماتي وبمعجزاتي.
خذوا بعين الاعتبار يا أبنائي النّفور الذي شَعرتُ به في حضرِة أكثر الرجال إثارة للاشمئزاز، الذي غَطّتني كلماته وأسئلته وإيماءاته بالتّشويشِ. أيتها النفوس النقية والعفيفة، تعالوا لتُحيطَوا بعريسكم ولتَحْمونه.
توقّع هيرودس أَنْ أُجيبَه على أسئلته السّاخرة لكنني لم اَنْطقُ بكلمة؛ اَحتْفظُت بصّمتَ مُطلق أمامه. عدم إجابتي كَانتَ أعظم برهانَ أستطيع أَنْ أَعطيه له عن منزلتي. كَلِماته البذيئة لم تكن جديرة بأَنْ تلتقي بكلماتي النقية. فى نفس الوقت، قلبي كان قَدْ توُحّدَ بشكل لانهائي مع أبي السّماويِ. لقد كنت متشوقاً برغبة أَنْ أسفك دمى حتى القطرة الأخيرة من أجل فداء النفوسِ. إن فكرة أن كل إنسان، سيتبعني بعد ذلك، سيغلب بمثالي وسخائي، اشعلتني حباً، ولذا لم أمتنع فقط عن ذلك الاستجواب الفظيعِ بل أردتُ أَنْ أركض نحو عذابِ الصّليبِ.
لقد سَمحت لهم أَنْ يُعاملوني كإنسان أحمق وقد غطّوني بسترةِ قرمزية كعلامة سخريتهم وهزئهم بى. بعد ذلك، في وسط صراخ صّياحهم الساخر، اقتادوني مرة أخرى إلى بيلاطس .


الفصل الثالث والثلاثون
اقتياد يسوع من هيرودس إلى بيلاطس

غضب أعداء يسوع تماماً لَكُونهمَ مُضطرين للعودة بيسوع إِلى بيلاطس الذي أعلن براءته مراراً وأنه غير مُدَانُ. لقد اقتادوه فى طريقِ أكثر طولاِِ، كي يدّعوا أناس تلك المناطق من المدينةِ يَرونه في حالة العارِ التي كَانَ عليهاَ، ومن ناحية أخرى كي يَعطوا رسلهم وقتاً كافياً ليُثيروا عامة الشعب.
هذا الطّريقِ كَانَ صعباً وغير ممهد؛ وبتحريض الفريسيين لم يمتنع الجنود لحظةَ عن تَعذيبِ يسوع. كان الرداء الطّويل الذي يرتديه يعَرقَل خطاه، وتسَبّب فى سْقوطه أكثر من مرة؛ وبدلاً من أن يُساعده حرّاسه القساة في إعيائهِ سعوا بمشاركة كثيرين من عامة الناسِ الهمج أن يجبروه على النهوض بالضّربِ والرّكلِ .
لم يبد يسوع أدنى مقاومةَ إِلى كل الإساءات؛ بل كان يصَلّى باستمرار إِلى أبيه لأجل النّعمةِ والقوةِ التي لولاهما لكان أنهار، لكى يتمم آلامه لأجل فدائنا .
وصل الموكب لقصرَ بيلاطس. الحشود كَانتَ كثيرة، وكان الفريسيون يسيرون ذهاباً وإيابا، يَسْعون أن يُحرّضُوا الجموع أكثرُ. جَمّعَ بيلاطس أكثر من ألف جنديِ، وأرسلهم حول دار الولاية والساحة وقصره لأنه تَذكّرَ التمرد الذي حَدثَ السّنة الماضية في عيد الفصحِ.
العذراء المباركة ومريم التى لكلوبا والمجدلية، وحوالي عشرين من النِّساءِ القديّساتِ، كَنَ يَقفنُ في موضع يستطعن منه أَنْ يَرين كل ما يحَدث، وفي بادئ الأمر كَانَ يوحنا معهم.
أقتاد الفريسيين يسوع، الذى كان ما زالَ يرتدى ذلك الرداء، وسطِ الغوغاءِ الوقحين، وقَدْ فعَلَوا كل ما فى قدرتهم ليجمّعواَ الحقراء والأشرار الفجار من حثالةِ الشعب. كان هناك خادمُ قَدْ وَصلَ بالفعل إلى بيلاطس مُرسلَ مِن قِبل هيرودس، ومعه رسالةِ تُظهر أن سيده يقَدّرَ بالكامل رأيه، لكنه ينَظرَ إلى الجليلى على أنه ليس سوى إنسان أحمق، وأنه عَامله على هذا الأساس وها هو يرجعه له الآن. رضىَ بيلاطس تماماً لكونه وجد أن هيرودس قَدْ وصل إِلى نفس النتيجة التى وصل إليها هو نفسه، ولهذا أرجعه برسالة مهذبة. من تلك السّاعةِ اصبحا صديقان، بعد ما كاناَ أعداء لعديد من السَّنَواتِ؛ منذ أن انهارت القناةِ .
اقتيد يسوع ثانية إِلى قصر بيلاطس. جره الجنود على الدّرجِ بوحشيتهم المعتادةِ؛ أقدامه تُشَابكت مع ردائه الطّويلِ، وسَقطَ على الدرج الرّخاميِ الأبيضِ، الذى تلُطّخْ من الدّمِ النازف من رأسه المقدّسِ. أخذ أعداؤه مقاعدهم ثانية عند مدخلِ الساحةِ؛ سَخرَ الغوغاءُ من سقوطه، وضرب الجنود ضحيتهم البريئةَ، بدلاً من أن يُساعدونه على الَنْهوضَ. كان بيلاطس يَتّكئ على كرسي وأمامه منضدةِ صغيرة ومحاطَاً بضّبّاطِ وأشخاصِ يحَملون أشرطة رقّ الكتابةِ فى أياديهم. تَقدّمَ وقالَ إِلى من يتّهمون يسوع : " لقد قَدّمتَم لي هذا الرّجلِ، كشخص يُفسد الشعب، وها أنا بعد ما اختبرته أمامكم، لم أجد علة فيه من جهة تلك الأمور التى تشتكون بها عليه. كلا، ولا هيرودس. لأنى أرسلتكمَ إليه، وإنه لم يفعل شيئاً يستحقّ عليه الموتِ. لهذا أنا سأؤدبه وأُطلقه. "
غضب الفريسيون عندما سمعوا هذه الكَلِماتِ، وسَعوا بكل قدرتهم أَنْ يُقنعَوا الشعب أَنْ يَتمرّد، مُوزّعين الأموال عليهم ليصلوا إلىَ هذا الغرضِ. نظر بيلاطس حوله باحتقارِ، وخاطبهم بكَلِماتِ هازئة .
وكان من المعتاد طبقاً لتقليد قديم، أن الشعب كَانَ له امتياز طَلَبِ إطلاق سراح أحد السّجناء. أرسل الفريسين مبعوثون ليُقنعوا الشعب أَنْ يَطْلبوا الموت ليسوع. تَمنّى بيلاطس أن يطلبوا يسوع، وقرر أن يَعطيهم أَنْ يَختاروا بينه وبين مجرم يُدعِيِ باراباس، الذي كَانَ قَدْ أدين بجرائم قتلِ مُخيفةِ ارتكبَها خلال العصيان، وأيضا بعديد من الجرائمِ الأخرىِ، وكَانَ، علاوة على ذلك، مَكروه مِن الشعب.
كَانَ هناك هياج بين الحشودِ؛ تَقدّمَ قسم مُعين، وكلم خطباؤهم بيلاطس بصوتِ عال قائلينَ : " امنحنا الامتياز الذى تمَنحه لنا دوماً فى يومِ العيد " فأجاب بيلاطس : " لقد اعتدت أَنْ أُسلّمَ لكم مجرماً في عيد الفصحِ؛ من ستطلبون أن أُطلقُ لكم، باراباس، أم يسوع الذى يُدعى ملك اليهود ؟ "
مع أن بيلاطس كان متأكداً بأن يسوع ليس ملكَ اليهودِ، إلا أنه دَعاه هكذا، من ناحية لأن كبرياءه الرّومانيَ جَعله يستمد سعادته من إذْلاْلِ اليهودِ بدُعوةِ مثل هذا الشخصِ الحقيرِ المظهرِ بملكهم؛ ومن ناحية أخرى لأنه شَعرَ بنوعَ من الاعتقاد الدّاخليِ أن يسوع رُبَما يكون حقاً ُ ذلك الملكِ العجيب، ذلك المسيح المنتظر الموُعوِدَ. لقد رَأىَ بوضوح أنّ الكهنة قَدْ حُرّضوا بالحسدِ فقط في اتهاماتهم ضد يسوع؛ هذا جَعله يحرصِ أكثر على أَن يُخيّب آمالهم؛ وكَانَ هناك بعض التّرددِ بين الحشودِ عندما سأل بيلاطس هذا السّؤالِ، أجابت بعض الأصوات: " باراباس "
جاءه خادمَ مُرسل مِن قِبل زوجته في هذه اللّحظةِ؛ تَركَ بيلاطس الرّصيفَ، وقَدّم الرسول التعهد الذي أعطاه بيلاطس لزوجته، قائلاً في نفس الوقت : " إن كلوديا بروكليس تَستجديكَ أَنْ تَتذكّرَ وعدكَ لها فى هذا الصباح " سار الفريسيين والكهنة بحرص وبعجالة بين الحشودِ، يهددون البعض ويأَمْرونِ الآخرين، مع أنه، في الحقيقةِ، قليلاً الذى تطلّبَ لتُحرّيضَ الحشود التى كانت غاضبة بالفعل .
وقفت العذراء مريم مع المجدلية ويوحنا والنِساء القديّسات، في ركن الساحة، مَرتعدات يَبْكين؛ لأنه مع أن أمِ يسوع كَانتَ مدركةَ بالكامل بأنّ فداء البشر لا يَمَكّنَ أَنْ يتم مِن قِبل أي وسائلِ أخرىِ إلا بموتِ ابنها، إلا أنها امتلئت بالألمِ كأمِّ، وبرغبة متلهفة فى أَنْ تُنقذه من ذلك العذابِ ومن ذلك الموتِ الذي كَانَ عَلى وَشَكِ أَنْ يَعانيه. لقد صَلّتْ إلى الرب ألا يَسْمحُ أنْ تُرتَكبُ هذه جريمةِ المخيفة؛ لقد كَرّرتْ نفس كَلِماتَ يسوع في بستان جَثْسَيْمَانِي : " إن أمكن، فلتجيز هذا الكأسِ " كانت لم تزالَْ تشعر ببصيص من الأملِ، لأنه كان هناك تقريرَ شائع أن بيلاطس يرَغبَ فى تبرئة يسوع. تُجمّع بجوارها مجموعة من الناس، أغلبهم من كفر ناحوم، حيث عَلّمَ يسوع وأجرى عديداً من معجزات الشفاء بينهم؛ لقد ادّعوا إنهم لا يَتذكّرونَها لا هى ولا باقي رفاقها. لقد فكرت كثيراً، كما فعَلَ رفاقها أيضاً، أن هؤلاء الأشخاصِ على الأقل سيَرْفضونَ باراباس ويطلبون حياة مُخلصهم وفاديهم؛ لكن هذه الآمالِ كَانتْ، للأسف، أوهاماً.
أعاد بيلاطس التعهدَ إِلى زوجته، كتأمينِ عن نيته بأَنْ يَحْفظَ وعده. تَقدّمَ ثانية إلى الرّصيفِ، وجلسَ علي المنضدةِ الصغيرة. أخذ كبار الكهنة مقاعدهم أيضاً، وسأل بيلاطس مرة أخرى: " أي من الرجلين على أَنْ أطلق لكم؟ " دَوّى صراخ عامَّ خلال القاعةِ : " لَيسَ هذا الرّجلِ، بل باراباس! " فرد بيلاطس : " لكن ماذا أفعل بيسوع، الذى يًدعى المسيح ؟ " صرخ الجميع بطريقة صاخبةِ : " فليصلب! فليصلب " سأل بيلاطس لثالث مرة: " لكن أي شر قَدْ فعلَ؟ أنى لست أَجدُ علة فيه. لذا سَأَجْلدهُ وبعد ذلك أُبرّئه. " لكن الصراخ " أَصْلبه! أصلبه! " دوى من الحشودِ، ودوت الأصوات كعاصفةِ جهنميةِ؛ صرخ رؤساء الكهنة والفريسيين وأسرعوا ذهاباً وإيابا كالمجانين. بيلاطس فى النهاية؛ لم يتَمَكن من أَنْ يُقاومَ مثل هذه المظاهراتِ العنيفةِ؛ أطلق باراباس للشعب، وقرر أنْ يُجْلَدُ يسوع.
تأمل الرب يسوع
كَانَ بيلاطس يَبْحثُ عن طّريقة كى يُطلقني. لقَدْ كان قُلِقاًَ بسبب تحذير زوجته وارتبك بين شعورِ ضميره بالذنب وبين الخوفِ من أن يُحدث الناس الشغب ضده. بالحالة التى يُرثى لها التى وَجدتُ فيها نفسي، قدمني إِلى الغوغاءِ مُقترحُاً أن يطلقني وأن يُدينُ باراباس، اللص الشهير القاتل في مُقابلي. أجاب الناس بصّوتِ واحد :" دعة يَمُوتُ وأطلق باراباس ! "
آيتها النفوس التي تَحْبّني، انظروا كيف إنهم قَدْ قَارنوني بمجرمِ، كيف إنهم قَدْ خفضوني عن أكثر البشر انحرافاً. أنصتوا إلى الصّياحِ الغاضبِ الذى أطلقوه ضدي. انظروا بأى غضبِ يَطلبون موتي. هَلْ رَفضتُ أَنْ أواجه مثل هذه المجابهةِ المخزيةِ؟ كلا، بالعكس، لقد عَانقتها من أجل محبّتي للأنفس وكي أريهم أن هذا الحبِّ لم يأخذني فقط حتى الموتِ، بل حتى الموتِ الأكثر خزياًً .
ومع ذلك، لا تَظنوا أنّ طبيعتي البشريةَ لم تشَعر بالاشمئزاز أو بالأمُ. بالعكس، لقد أردتُ أَنْ اَشْعرَ بكل اشمئزاز طبيعة البشر، وأن أَكُونُ مُتعرضاً لنفس حالتهاِ، مَعطيكمَ النموذج الذي سَيَهبكم القوة في كل ظروفِ الحياةِ وأن أُعلّمكِم أَنْ تتغلبوا على الرفض متى سُئلتم أن تْتمموا المشيئة الإلهية َ.
تأمّلْوا للحظةِ فى عذاب قلبي الذى لا يوُصف، تأملوا برُؤيةِ أنى قد وَضعَت خلف باراباس. تأملوا كيف أنى تَذكّرتُ حينئذ حنان أمي عندما كانت تحتضني وتضمني إلى قلبها! وكيف كان القلقَ والإعياءَ شديد الوضوح على أبي بالتبّني كى يُظهر لى محبّته. تأملوا كيف أنى تَذكّرتُ المُساعدات‏ التى سكبتها مجاناً على هؤلاء الناسِ النّاكرين للجميل: مُعطياً البصرِ للعميانِ، شافيا للمرضىَ، مُرجعا الحياة لأطرافهم التى فَقدوها، مطعماً الحشودِ، ومُقيماً لموتى. الآن أرى نفسي خُفّضتُ إِلى أكثر الحالات احتقارا! لقد صرت إنساناً مَكْرُوهاً من قبل البشرِ، ومُدان كلصِ بلا سمعةِ.

36
الفصل الثامن والعشرون
يسوع يؤخذ أمام بيلاطس

وقفت العذراء مريم مع يوحنا والمجدلية عند ركن بناية غير بعيدة عن دار قيافا، وقفوا ينتظرون يسوع. لقد كانت نفسها متّحدة بنفسه؛ لكن من قبل محبّتها، لم تترك وسيلة لم تجرّبها لتقترب منه. لقد ظلت بعض الوقت بعد زيارتها فى منتصف الليل لمحكمة قيافا ضعيفة وصامتة من الأسى؛ لكن عندما اقتيد يسوع من السجن، ليقف مرة ثانية أمام قضاته، نهضت وقالت للمجدلية ويوحنا : " فلنتبع ابني إلى محكمة بيلاطس؛ لابد أن أنظره مرة أخرى " فذهبوا إلى موضع لابد أن يعبر الموكب منه وانتظروه. لقد عرفت العذراء مريم أنّ ابنها يعاني على نحو مخيف، لكنها ليس بإمكانها أن تخفف آلامه.
ظهر فى بداية الموكب الكهنة، أكثر الأعداء مرارةّ لابنها الإلهى. كانوا متزيّنين بملابسهم؛ لكن من المؤلم أن نقول، عوضاً عن المظّهر المتألق في شخصهم ككهنة العلي، فأنهم قد تحوّلوا إلي كهنة إبليس، لأن لا أحد يستطيع أن ينظر على مُحياهم دون أن يرى ميولهم الشّريّرة التى امتلأت بها نفوسهم، لقد كانوا متشوقين لتنفيّذ تلك الجريمة، مُتشوقين لموت مُخلصهم وفاديهم، ابن الرب الوحيد. يتبعهم الشّهود الكذبة مُحاطين من قبل عامة الناس؛ وآخر الكل كان ابنها يسوع، ابن الرب، ابن الإنسان، مُقيدا بالسّلاسل، قادرا بالكاد أن يسند نفسه، لكنهم يجرونه بلا رحمة، يُضرب من البعض، ويُركل من الآخرين، وتسبه كل حشود الرّعاع وتلعنه. لقد كان من المستحيل تمييزه بالمرة حتى لأعين العذراء، لقد كان عرّياناً لا يكسوه سوى بقايا ردائه الممزّق،
لقد كان وحيدا في وسطِ الاضطهاد مُتألم, لكنه مستسلم، كشاه تُساق للذبح، لم يرَفعَ يديه إلا للتّضرّعِ لأبيه الأزلى ليصفحِ عن أعدائه. ما أن اقتربَ من الموضع الذى تقف فيه العذراء مع رفاقها، حتى صِاحتْ بنبرة مؤثرةِ : " واحَسْرتاه‏ً! أهذا ابني؟ آه، نعم! إنى آري إنه أبني الحبيبَ, يسوع، يسوعي! " عندما كان الموكب مقابلَها تقريباً، نَظرَ يسوع إليها بأعظم تعبيرِ عن الحبِّ والشّفقةِ؛ لقد كانت هذه النّظرةِ أكثر من قدرة الأمِّ المفجوعةِ على الاحتمال, لقد فقدت الوعيِ بالكامل للحظةً، وسعي يوحنا والمجدلية لأن يَحْملاها للبيت، لكنها أفاقت بسرعة، ورَافقتْ التلميذ المحبوب إِلى قصرِ بيلاطس.
تجمع كل سكان مدينةِ أوفيل في أرض فضاءِ ليُلاقوا يسوع، لكن ليس ليريحوه، بل لضيفوا آلاماً جديدة إِلى كأس أحُزانِه؛ لقد أصابوه بذلك الألمِ الحادِّ الذي لابد أَنْ يَكُونَ إحساس أولئك الذينِ يَرون أصدقاءهم يَتْركونهم في سّاعةِ الضيقةِ. لقد أدى يسوع أعَمالاً كثيرة لسكانِ أوفيل، لكن ما أن رَأوه فى مثل هذه الحالة من البؤسِ والإذلالِ، حتى أهتزَّ إيمانهم به؛ لَمْ يَعُودوا يؤمنون أنْه ملكَ أو نبي أو أنه المسيا المنتظر أو ابن الرب. استهزأ بهم الفريسيون وسخروا منهم، بسبب إعجابهم السابق بيسوع وصاحوا قائلين لهم. " اَنْظرواُ إلى ملككَم الآن, هيا بايعوه؛ ألن تقدموا له التهانيُ لكونه عَلى وَشَكِ الآن أَنْ يُتَوَّج ويجلسَ على عرشه؟ لقد انتهت كل معجزاتهِ؛ لقد وضع رئيس الكهنة نهاية لخداَعه وسحره. "
على الرغم من تّذكر هؤلاء الناسِ المساكين للمعجزاتِ والأشفية الرّائعِة التي صنعها يسوع أمام أعينهم؛ على الرغم من المنافع العظيمة التى قدمها لهم، إلا إن إيمانهم أهتزَّ عندما نَظْروه مُهاناً ويُشارَ إليه كشيء محتقرِ مِن قِبل رئيس الكهنة وأعضاءِ السنهيدريم، هذا الذي أُستقبل في أورشليم بأعظم تّبجيلِ. البعض ذَهبَ وهو يشكّ فيه، بينما الآخرون مكثوا وسَعوا أن ينضموا إلى الرّعاعَ، لكن الحرّاسِ الذين أُرسلوا مِن قِبل الفريسيون، ليَمْنعوا أعمال الشغب والفوضى, منعوهم .
الفصل التاسع والعشرون
يسوع أمام بيلاطس
كانت حوالي الثمانية صّباحاِ، عندما وصل الموكب إلى قصر بيلاطس. وقف حنّان وقيافا وكبار أعضاء مجلس السنهدريم في الجزءِ الذى يقع بين الساحة ومدخلِ دار الولاية، حيث وضعت بعض المقاعدِ الحجريةِ لهم. جر الحرّاس المتوحشين يسوع إِلى بداية الدّرجِ الذي يقودَ إِلى مقعدِ الحكمِ. كَانَ بيلاطس مُضجعاً على كرسيِ مريحِ فى شرفة تُشرف على الساحةِ وبجانبه منضدة صّغيرة ذات ثلاث أرجل وُضِعَت عليها شارة مكتبه وأشياء أخرى. كان يحيط به ضّبّاطِ وجنودِ يرتدون زي الجيشِ الرّومانيِ. لم يدخل اليهود والكهنة دار الولاية، لئلا يُدنّسُوا أنفسهم، بل ظلوا فى الخارج.
عندما رَأىَ بيلاطس الموكبَ الصّاخبَ يَدْخلُ، وأدرك كيف عَامل اليهود القساة سجينهم، نَهضَ وكلمهم بنغمةِ محتقرة بقدر ما يستطيع : "ماذا أتى بكم مبكّراً جداً؟ لماذا بالغتم فى الإساءة فى معاملة هذا السّجينِ على نحو مُخجل ؟ ألم يكن من الممكن أَنْ تَمتنعَوا من تُمَزيِّق مجرميكم أربا وإعدامهم حتى قبل أنْ يُحاْكموا؟ " فلم يجيبواُ بل صِاحوا إِلى الحرّاسِ " أحضروه, أحضروه ليُحاْكَمُ! " وبعد ذلك التفتوا إِلى بيلاطس وقالوا " اَستمعُ لاتهاماتنا ضد هذا الشّريرِ؛ لأننا لا نستطيع أَنْ نَدْخلَ المحكمة خشية أن نُدنّسُ أنفسنا. " ما أن انتهوا من هذه الكَلِماتِ، حتى صاح من وسطِ الحشود؛ شيخاً عجوزاً " أنكَم على حق في عدم دْخولُ دار الولاية، لأنها تقُدّستَ بدمِ الأبرياءِ؛ ليس لأحد الحق فى أَنْ يَدْخلَ سوى شخصاً واحداً، وهو الوحيد الذى يستطيع أَنْ يَدْخل، لأنه هو الوحيد النقي كالأبرياءِ الذين ذُبِحوا هناك" الشيخ الذي نَطقَ بهذه الكَلِماتِ بصوتِ عالِ، وبعد ذلك اختفىَ بين الحشودِ، كَانَ رجلاً غنياَ اسمهِ صادوق وهو ابن عم سيراخ زوج فيرونيكا؛ لقد ذُبح اثنين من أطفاله من بين الأطفال الذين أمر هيرودس بذبحهم عند مولدِ مُخلصنا. لقد يأس منَ العالم منذ تلك اللّحظةِ المُخيفةِ، لقد رَأىَ مُخلصنا ذات مرة في دارِ لعازر وسَمعه هناك يتناقشُ، وبرؤية الأسلوب البربريِ الذي يُجر به يسوع أمام بيلاطس تَذكّرَ كل ما عَاناه عندما قُتل طفليه بقسوة أمام عينيه، وقرر أن يُقدم هذه الشّهادةِ العلنية عن إيمانه ببراءةِ يسوع. أما الكهنة وحاشيتهم لكونهم كَانوا مغتاظين من الأسلوب المتغطرسِ الذي يعاملهم به بيلاطس، وبالوضعِ المهين الذى اضطروا أَنْ يتخذوه، لم يبالوا بكَلِماتِ هذا الرجل.
جر الحرّاس المتوحشون يسوع على السلمِ الرّخاميِ واقتادوه إِلى نهايةِ الشرفة، حيث كان بيلاطس يَتشاورُ مع كهنة اليهود. لقد سمع الحاكم الرّوماني عن يسوع كثيراً ومع ذلك فهو لم يسَبَقَ أَنْ رَآه، وقَدْ انُدهشَ تماماً بالمظهر الهادئِ لتصرفِ الرجلِ الذى جُلبَ أمامه في حالة يرثى لها. أن السّلوك الوحشي للكهنة والشيوخ قد أثاره وزِادَ من احتقاره لهم، وأعلمهم فى الحال أنه لَيْسَ لديه أدنى نّيةُ لإدانةِ يسوع بدون براهين مقنعة عن حقيقةِ اتهاماتهم. وقال مُخاطباً الكهنة بنّغمةِ أكثر احتقاراً : " أي اتّهام تَجْلبُونه ضد هذا الرّجلِ؟ " أجابَ الكهنة بتجهّم : " ما لم يكنَ شريرا لما كُنّا أُسلّمناه إليك " فقال لهم بيلاطس : " خذوه، وَحاْكموه أنتم طبقاً لناموسكم " فقالوا له : " إنك تعلم جيداً إنه لا يحق لنا أَنْ نحكم على أي إنسان بالموتِ. " كان أعداء يسوع غاضبين ورُغِبوا أَنْ يَنهوا المحاكمةُ، ويُعدموا ضحيّتهم بأسرع ما يمكن، لكى يستعدوا للاحتفال بالفصحِ، ولم يعرف هؤلاء التعساء الأردياء، أن من ساقوه أمام محكمةِ قاضِ وثنيِ لم يدخلوا منزله خوفاً من أن يُدنّسُوا أنفسهم قبل تَنَاوُلِ الذبيحة الرّمزيةِ، ليس سوي هو، وهو فقط، كَانَ حملَ الفصحَ الحقيقيَ، ولم تكن الحملان الأخرى إلا مجرد ظّل له فقط.
أمرهم بيلاطس أَنْ يُقدموا اتهاماتهم. هذه الاتهامات كَانَت ثلاث، وقَدّموا عشَر شهودَ ليَشْهدوا عن صدق كل اتهام. لقد كان هدفهم الأعظم هو أَنْ يَجْعلَوا بيلاطس يُصدق أن يسوع زعيمَ مؤامرةِ ضد الإمبراطورِ، لكى يُدينه إِلى الموتِ كمتمرّدِ، لقد سعوا أَنْ يُدينوه بإغْواءِ الشعب وتُحريضه عِلى التّمرّدِ، وأنه عدو للسّلامِ العامّ والهدوء.
ليُبرهنَوا على صدق هذه الاتهامات قَدّموا بعض الشّهودِ الكذبة، أعلنوا أيضا أنه انتهكَ السبت ودَنّسه بشفاء المرضىِ فى ذلك اليومِ. قَاطعهم بيلاطس عند هذا الاتهام وقالَ لهم باسْتِهْزاءِ : " من الواضح أن لا أحد منكم كان من بين هؤلاء المرضى وإلا لما كُنتُم ستَشتكونَه لكُونه قد شفاكم فى السبت. " فرد رؤساء الكهنة : " إنه يُحرض الشعب، ويَغْرسُ تعاليم كريهة. إنه يقول، لا أحد يستطيع أَنْ ينال الحياة الأبدية ما لم يَأْكلَ لحمه ويَشْربَ دمه " أغتاظ بيلاطس تماماً من الكراهيةِ الحادةِ التي أظهرتها كَلِماتهم ووجوههم وصاح بنظرةِ ازدراء : " أنكم بكل تأكيد تَرْغبَون أَنْ تَتْبعوا تعاليمه وأَنْ تنالوا حياة أبدية، لأنكم متعطشون لجسده ولدمه. "
ثم قدم اليهود الاتهام الثّاني ضد يسوع، أنه منع الشعب من أَنْ يَدْفعَ الجزية إِلى الإمبراطورِ. هذه الكَلِماتِ أيقظتْ نقمة بيلاطس، لأنه كان يَرى من موضعه أنّ كل الضّرائبِ قَدْ دُفِعتَ بشكل سليم، وصِاحَ بنغمةِ غاضبةِ : " ذلك كذبُ! لابد أنى اَعْرفَ ذلك أكثر منكم. " هذا أكره أعداءِ يسوع أَنْ يَمْضوا إلى الاتهام الثالث، الذي أعلنوه قائلين : " مع أن هذا الرّجلِ ذو مولد غامض، إلا أنه رئيسُ حزبِ كبيرِ. أنه يسكب اللعناتَ على أورشليم، ويروى أمثالاً ذات معنىِ مزدوج فيما يتعلق بملك يَعدُّ لحفل عرس لابنه. إن الجموع التي جمّعَها على جبلِ سَعت ذات مرة أَنْ تَجْعله ملكاً عليهم؛ لكن لكون ذلك كان أقرب مما نَوى؛ لأن خططه لم تكن قد نْضجُت بعد؛ لهذا هَربَ وأخفىَ نفسه. حديثا‏ قَدْ تَقدّمَ أكثر, فقبل أيام دَخلَ أورشليم علي رأسِ جمّعِ صاخبِ، الذين بأمره جَعلوا الشعب يشقون الجو باستقبال حافلِ صارخين : " أوصنا لابن داود! مباركة هى مملكة أبينا داود، التي تَبْدأُ الآن. " أنه يُلزمُ الموالين له أَنْ يقدموا له كرامة ملوكية، ويُخبرهم أنه هو المسيحُ، مسيح الرب، المسيا المنتظر، ملك اليهودِ الموَعود، إنه يَرْغبُ أنْ يُنادى بهذه الألقاب الرّفيعةِ ". ثم قدموا عشَرة شهود تختص شهادتهم بتلك الأمور .
أدى الاتهام الأخير بأن يسوع قد جعل نفسه يُدْعَى ملكاً إلى بعض التأثير على بيلاطس؛ فاصبحَ مستغرقاً في التفكير‏ قليلاً وترك الشرفة وأَلقي نظرة فاَحْصة على يسوع، ثم دَخلَ الغرفة المُجَاوِرةَ، وأَمرَ الحرّاس أَنْ يَأتوا بيسوع بمفرده إلي حضرته. لم يكن بيلاطس يؤمن فقط بالخرافات، بل كان أيضاً ضعيفَ العقل بشدة وسريع التأثُّر. لقد سمع كثيراً، خلال منهج تعليمه الإلحادي، عن إشارات عن أبناءِ آلهته الذين قَدْ سَكنوا لفترة على الأرضِ؛ لقد كَانَ مدركاً بالكامل أيضاً بأنّ أنبياءِ اليهود قد تنبئوا منذ أمد بعيد بأنّ شخصاً ما يَجِبُ أَنْ يَظْهرَ في وسطهم وأنه سيَكُونَ مسيح الرب، مُخلّصهم ومنجيهم من العبوديةِ؛ وأن كثيرين من بين الناسِ يؤمنون بهذا إيماناً قوياً.
لقد تَذكّرَ أيضاً هؤلاء الملوكِ الذين قَدْ جاءَوا من الشّرقِ إِلى هيرودس، جد الملكِ الحالي وبنفس ذلك الاسم، ليقدموا الولاء إِلى ملكِ لليهودِ مولودِ حديثاً، وأن هيرودس لهذا أمر بذبح الأطفال. لقَدْ سَمعَ كثيراً من التّقليدِ بما يختص بالمسيح المنتظر وملك اليهودِ، حتى أنه امتحنهم ببعض الفضولِ؛ ولو بالطبع، بَكُونُه مُلحدَاً, بدون أدنى إيمان، من المحتمل أن يكون قَدْ وَافقَ حزب هيرودس وأولئك اليهودِ الذين يتَوقّعوا ملكاً قوياً ومنتصراً. بمثل هذه الانطباعات، فكرة أن يَتّهمُ اليهودِ هذا الشخص المسكين الذي جَلبوه في حضرته بوَضعُ نفسه كملكِ وكالمسيح المنتظرِ المَوْعُودِ، بدت له بالطبع فكرة سخيفة؛ لكن لأن أعداءِ يسوع قَدّموا هذه الاتهامات ببرهانِ الخيانةِ ضد الإمبراطورِية، اعتقد أنه من الأسلم له أَنْ يَستوجبه سراً.
قال بيلاطس ناظراً إلى يسوع : " أأنت ملك اليهودِ؟ " ولم يقدر أَنْ يخفى دهشته من المظهر الإلهى لطلعته. أُجابه يسوع : " هل تقول هذا الشيء من نفسك, أم الآخرون يقولون ذلك عنّي؟" أما بيلاطس فقَدْ شعر أنه أُهين بأن يظن يسوع أنه من الممكن أَنْ يؤمن بمثل هذا الأمر وأجابَ : " وهَلْ أنا يهودي؟ أن أمتك ورؤساء الكهنة قَدْ أسَلّموك إلي كمستحق للموتِ؛ ماذا فعلت؟ "أجاب يسوع : " لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. وَلَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدامي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. أَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هُنَا" تأثر بيلاطس بهذه الكَلِماتِ المهيبةِ إلى حد ما، وتكلم إليه بنبرة أكثرِ جديّة : " فَهَلْ أَنْتَ مَلِكٌ إِذَنْ؟" أَجَابَهُ يسوع : " أَنْتَ قُلْتَ، إِنِّي مَلِكٌ. وَلأجل هَذَا وُلِدْتُ وَلأجل هَذَا جِئْتُ إِلَى الْعَالَمِ: لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يُصْغِي لِصَوْتِي" نَظرَ بيلاطس إليه ونهض من مقعده وقالَ : " الحق! ما هو الحق؟ "
ثم تبَادلا بضع كَلِمات لكنى لا أَتذكّرها الآن، وعاد بيلاطس إِلى الشرفة. كَانت إجابات وتصرفات يسوع بعيدَة عن فهمه؛ لكنه رَأىَ بوضوح أن إدعاء المَلوَكِيَّة‏ لا يَتعارض مع الإمبراطورية، لأنها ليست مملكةُ دنيويةُ تلك التي ينشدهاَ؛ بينما الإمبراطوريةُ لا تهتم بشيء أبعد من هذا العالمِ. لهذا خاطب رؤساء الكهنة ثانية من الشرفة وقالَ : " إنى لست أَجدُ علة فيه" غضب أعداء يسوع ونَطقوا باتهامات مختلفة ضد مُخلّصنا. لكنه ظل صامتاًَ، مُستغرقاً بالكلية في الصَّلاةِ من أجل أعدائه، عندما خاطبه بيلاطس قائلاً : " أما تجيب بشيء ؟ اَنْظرُ بكم عديد من الأمور يَتّهمونك!" لم يُجبَه يسوع بشيء
قالَ بيلاطس وقَدْ أمتلئ بالدّهشةِ : " أنى أرى بوضوح أنّ كل ما تدعونه لهو باطل " أما متهموه، الذين استمر يتَزاِيد غضبهم، صْرخوا : " ألست تَجدُ علة فيه؟ ألم يجرم عندما حرّضُ الشعب على الَتمرّد في كل أنحاء المملكةِ ليَنْشروا تعاليمه الباطلة؟ ليس هنا فقط، بل في الجليل أيضاً ؟ "
ذكر الجليل جَعل بيلاطس يتردد: تأمل للحظةِ، وبعد ذلك سَألَ : " أهذا الرّجلِ جليلي، ومن اختصاص هيرودس؟ فأجابوا " أنه جليلى؛ وعِاش والديه في الناصرة، ومنزله حالياً في كفر ناحوم. "
أجاب بيلاطس : " فى تلك الحالةُ، خذوه أمام هيرودس؛ إنه هنا لأجل العيد، ومُمكنُ أَنْ يَحْاكمه حالاً، لأن هذا اختصاصه " اقتيد يسوع فى الحال لخارج الساحةِ، وبعث بيلاطس بضابطَ إِلى هيرودس، ليُعلمه أن يسوع الناصري، الذي من اختصاصه عَلى وَشَكِ أَنْ يصل إليه ليُحاْكَمهُ.
كان لدى بيلاطس سببان ليتصرف هذا التصرفِ؛ بالدرجة الأولى أنه قَدْ سر أَنْ يَهْربَ من أن يَحاْكمَه بنفسه، حيث أنه شَعرَ بغاية القلق من تلك القضيةِ بالكامل؛ وبالدرجة الثّانية كَانَ مسروراً لكونه وجد فرصةِ لكى يسَرِ هيرودس، الذي كَانَ على خلافَ معه، لأنه عَرف أنه فضوليَ جداً ويريد أَنْ يَرى يسوع.
غضب أعداء يسوع لكُونهم طردوا هكذا مِن قِبل بيلاطس في حضورِ هذه الحشود، وأعطوا متنفساً لغضبهم بإسَاْءَة معاملة يسوع أكثر من ذى قبل. كبلوه ثانية وبعد ذلك لم يتَوقّفوا عن أن يَغْمروه باللّعناتِ والضّربِ واقتادوه بعجالة خلال الحشدِ نحو قصر هيرودس، الذي كان على مقربة من الساحةِ. وانضم بعض الجنودِ الرّومان للموكب.
خلال وقت المحاكمة أرسلت كلوديا بروكليس، زوجة بيلاطس، رسائل متكررة لزوجها تُعلنَ فيها أنّها ترُغِب بشدة فى محادثته؛ وعندما أُرسلَ يسوع إِلى هيرودس، وقفت فى شرفةِ ورَاقبتْ التّصرف القاسى لأعدائه بمشاعرِ مَخْتلُطةِ من الخوفِ والأسى والرعب.
تأمل الرب يسوع
فى الفجر أَمرهم قيافا أَنْ يَأْخذوني إِلى بيلاطس كي يُعلنُ حكم الموتِ. سَألني بيلاطس، أملاً أن يجد سبباً ليُدينني، لكن في نفس الوقت عذبه ضميره وشَعرَ بخوفَ عظيمَ من الظّلمِ الذي سيَرتكبُه. أخيراً وَجدَ طريقَه ليتجاهلني وأوعز باقتيادي إِلى هيرودس.
فى بيلاطس مثال صادق عن النفوس التي تَشْعرُ بحركة النّعمةِ وتعميها في نفس الوقت أهوائها الخاصة بحبِّ الذات، وتَسْمحُ للنّعمة أَنْ تَعْبرَ عنها مخافةّ من أن تَكُونَ مُستهّْزأ بها.
أنا لم أجب عن أي من أسئلةِ بيلاطس. لكن عندما سَألنيَ :" أأنتَ ملك اليهودِ؟ "، أجبتهُ حينئذ بجديةِ وباستقامة : " أنتَ قَدْ قُلتَ، أنى أنا ملكُ، لكن مملكتي لَيستْ من هذا العالمِ " بهذه الكَلِماتِ أردتُ أَنْ أُعلّمَ عديداً من النفوس كيف يَتحمّلَون الآلام أو الإذلال الذى يستطيعوا أن يتجنبوه بسهولة عندما تواتيهم الفرصةِ، إنهم يَجِبُ أَنْ يُجيبوا بسماحه :" إن مملكتي لَيستْ من هذا العالمِ ..." هذا بمعنى، إنني لست اَبْحثُ عن المديح مِن قِبل البشرِ. إن مسكني لَيسَ فى هذا العالم، أنا سَأستَريحُ فى بيتي الحقيقي."
الآن، تُشَجَّعَوا كي تُتمموا اهتماماتي بدون أن تأَخْذوا في الاعتبار رأيِ العالم. أن تقيمه ليس له قيمة, بل المهم هو أَنْ تتبعوا صوت النّعمةِ كي تتخلّصوا مِن‏ إغراء الطبيعة‏‏. إن لم تكونوا قادرين على أَنْ تغلبوا بمفردكم، َاَطلبواُ القوةِ والَنْصحُ‏، لأنة فى مناسباتِ عديدة، الأهواء والكبرياء المفرط يَعميان النفس ويَدْفعانها إلى أَنْ تَتصرّفَ على نحو خاطئ.




الفصل الثلاثون
أصل طريق الصّليب

خلال كل المشهدِ الذي وَصفنَاه الآن، كانت العذراء مريم تقف مع المجدلية ويوحنا في أحد جوانب الساحةِ: مغُمِورين بحُزنِ بغاية المرارة، حزن كان يتزاِيدَ مع كل ما يسَمعونه ويرونه. عندما اُخِذَ يسوع أمام هيرودس، قادَ يوحنا العذراءَ المباركَة والمجدلية ومروا على كل المناطق التي تقُدّسَت بخطاه. لقد مروا على دّارِ قيافا ثانية، دار حنان، أوفيل، جَثْسَيْمَانِي وبستان الزّيتونِ؛ لقد توَقفوا وتَأمّلوا كل بقعةِ حيث سَقطَ، أو حيث عَانى؛ وبَكوا بصمت بتذكر كل ما خَضعَ له. سَجدتْ العذراءُ المباركةُ راكعة وقَبّلتْ الأرض حيثما سَقطَ ابنها، بينما اعتصرت المجدلية يديها من الأسىِ المرّير، ويوحنا، مع أنه لم يستطع أَنْ يمنع دموعه، إلا أنه سَعى إلى مواساتهما ومساندتهما. هكذا كَانتَ ممارسة تكريس طريق الآلام لأول مرةِ؛ هكذا كَانَ إكرام آلام يسوع أول مرة، حتى قبل أن تكتمل تلك الآلام بحمل الصليبَ، والعذراء المباركة، ذلك النموذجِ للنقاوةِ التى بلا تلوثِ، كَانَت الأولَى فى إظهار التّبجيل العميق الذى تشعر به الكنيسةِ لإلهنا الحبيب. كم هو حلو ومُعزى أَنْ نتبع تلك الأمِ التى بلا دنس، بالمرور ذهاباً وإياباً، ونُبجل تلك البُقَعِ المقدّسة بدموع توبتنا. لكن، آه! كيف نستطيع أَنْ نَصفَ السّيف الحادّ، سيف الأسىِ الذى جاز فى نفسها الرقيقة؟ تلك التي حبلتْ بمخلص العالمِ في رحمها العفيفِ وأرضعته، تلك التي حَبلت بالحقيقة بكلمةَ الرب، أنها ذات القلب الممتلئ بالنّعمةِ، الذى تَنازلَ وسكن فيه مُخلص العالم تسعة اشهرَ، إنها من شَعرت به يَعِيشُ داخلها قبل أن يظَهرَ بين البشر ليَمْنحهمَ بركة الخلاص ويُعلّمهم تعاليمه السّمائية؛ لقد عَانتْ مع يسوع، شاركُته ليس فقط آلامه المريرة، بل أيضاً تلك الرغبة المتوهجة فى تحرير البشريةِ السَاقطةَ بالموتِ المخزي على الصليب.
بهذا الأسلوب المؤثر صنعت العذراءِ كلية الطهر والقداّسةِ أساسِ الولاءِ الذى سُمى بطريقَ الصّليبِ؛ في كل موقع موسوم بآلامِ ابنها، لقد ادخرت في قلبها استحقاقات لا تنضب من آلامه، وجمّعتهم كحجر كريمِ أو كرائحة زهور حلوة لتُقَدّمُهم كتقدمة مختارة إِلى الأبِ الأبدي نيابة عن كل المؤمنين الحقيقيين.
إن حزن المجدلية كَانَ شديداً جداً حتى أنها بدت تقريباً كشّخصِ مذهول. الحبّ المقدّس والغير محدود الذى أحست به تجاه يسوع حَثها على أن تسكب نفسها عند قدميه، وتسكب هناك مشاعر قلبها كما سكبت الطيب الثّمينَ ذات مرة على رأسه بينما كان يتكئ على المائدة؛ لكن ها هنا يوجد ما يحيل بينها وبينه. إن التوبة التى عاشتها لأجل ذنوبها كَانتْ هائلةَ، وشكرها لم يكن أقلَ شدة لأجل غفرانهم؛ لكن عندما اشتاقت أَنْ تَقدم أْعمال الحبِّ والشّكرِ كرائحة بخور ذكية عند قدمي يسوع، رأته مُخاناً، مُتألماً وعَلى وَشَكِ أَنْ يَمُوتَ من أجل التكفير عن آثامها التي أَخذَها على نفسه، وهذا المشهد مَلأها بالرّعبِ، ومزقت نفسها إرباً بمشاعرِ من الحبِ والندم والشكر. منظر جحودِ أولئك الذين كَانَ يسوع عَلى وَشَكِ أَنْ يَمُوتَ من أجلهم زاد من مرارة هذه المشاعرِ كثيراً وكل خطوةِ أو كلمة أو حركة أظهرت آلام نفسها.
أمتلئ قلب يوحنا بالحبِّ، وتألم بشدة، لكنه لم ينَطقَ بكلمةَ. لقد شَجّع‏ أمَ سيده الحبيبِ في رحلتها الأولى لمواضع طريقِ الصليبِ، وسَاعدها في إعْطاءِ مثالِ عن ذلك الولاءِ الذي صار يُمَارسَ بكثير من التأجّجِ من أعضاءِ الكنيسةِ المسيحيةِ.
الفصل الحادي والثلاثون
بيلاطس وزوجته

بينما كان اليهودَ يَقتادُون يسوع إِلى هيرودس، رَأيتُ بيلاطس يَذْهبُ إلى زوجته، كلوديا بروكليس. لقد كانت متعَجّلة لملاقاته، وذَهبا معا إلى إحدى الشرفات التى تقع خلف القصرَ. بدت كلوديا متأثرة كثيراً وخائفةِ. لقد كَانتْ امرأة طويلةَ القامة، رقيقة، لكنها كانت شاحبة. شعرها مُضُفِرَ ومُزَيَّن قليلاً، لكنه مُغَطَّىَ جزئياً بخمار طويلِ يسَقطَ بشكل رشيق على كتفيها. تَحدّثتْ مع بيلاطس لوقتِ طويلِ، وتَوسّلت إليه بكل ما هو مقدّسَ عنده ألا يظلم يسوع، ذلك النّبيِ، قدّيسِ القديسين؛ وروت الأحلامِ والرُّؤى الغير عادية التى رأتها فى اللّيلةِ السّابقة والتى تختص به .
بينما كَانتْ تَتكلّم رَأيتُ أكبر جزءَ من هذه الرُّؤىِ: أولاً الأحداث الرّئيسية في حياةِ الرب يسوع : البشارةِ، الميلاد، توقير الرّعاةِ والمجوسِ، نبؤه سمعان الشيخ وحنة النبيةِ، الهروب إلي مصر، مذبحة الأطفالِ، وتجربة الرب يسوع في البريةِ. لقَدْ رأت في نومها أيضاً السمات الآخّاذ‏ة للحياةِ العامّةِ ليسوع. لقد ظَهرَ لها دائما مُحاَّطاً بضياءِ متألقِا، لكن أعداءه الخبثاء والقساة كَانوا يظهرون فى أشكالِ مروّعةِ ومثيرة للاشمئزاز. لقد رَأتْ آلامه الشديدة وصبره ومحبّته التى لا تنضب، على نفس النمط رأت آلام أمه واستسلامها الكامل. هذه الرُّؤىِ مَلأتْ زوجةَ بيلاطس بالقلقِ والرّعبِ، خاصة أنها يرافقها رّموزِ جَعلتها تفَهمَ معانيها، ومشاعرها الرقيقة قَدْ سُلِبت برؤية مثل هذه المشاهدِ المُخيفةِ. لقَدْ عَانتْ منها طوال اللّيلِ؛ وعندما أشرق الصباح واستيقظتْ على ضوضاءِ الغوغاءِ الذين كَانواَ يَسْحبُون يسوع لُيحْاكَمُ ورَأتْ فى الحال الذبيح بلا مُقَاوَمَةِ وسطِ الحشودِ، مُقيداً، متألماً، ويُعامل على نحو غير أنساني حتى أنه كانَ من الصعب تمييزه، كأنه لم يكنَ ذلك الشخص المُشرق والممجدِ الذى رأته أمام عينيها في رُؤىِ اللّيلِة الماضيةِ. لقَدْ تأثّرتْ بشّدة من هذا المنظر، وطَلبتْ بيلاطس فوراً وأعطته تقريراً عن كل ما حَدثَ لها. تَكلّمتْ بكثير من الشدة والانفعال؛ بالرغم من أن جزء عظيمَ مما رَأتْه لم تتَمَكّنَ من َفْهمَه أو توضحه، ومع ذلك تَوسّلتْ إلى زوجها ونَاشدتْه بأكثر التّعبيرات تأثيراً أَنْ يَمْنحَها طلبها.
كَانَ بيلاطس مُتعجّبَا ومضطرباً من كَلِماتِ زوجته. لقد قَارنَ بين رّوايتها مع كل ما سَمعهَ بخصوص يسوع سابقاً؛ وتأمل فى كراهيةِ اليهودِ وصّمت مُخلصنا وإجاباته الغامضة عن كل أسئلته. لقد تَردّدَ لبعض الوقتِ، لكنه تغلّبَ أخيراً بالتماسات زوجته واخبرها أنه أعلن بالفعل عن إيمانه ببراءةِ يسوع وأنه لَنْ يُدينه، لأن رَأىَ أنّ الاتهامات ليست سوي تّلفيقَ من أعدائه. لقد تَكلّمَ عن كَلِماتِ يسوع له ووَعدَ زوجته أن لا شيء يَجِبُ أَنْ يُقنعه بأَنْ يُدينَ هذا الرجل البار، حتى أنه أعطاها خاتمه قبل أن يفترقا كعربون عن وفائه بوعده.
شخصية بيلاطس كانت فاسدة ومترددة، لكن أسوأَ صفاته كَانتْ الكبرياءَ الشديد والدناءة‏ اللتين تجَعلانه لا يَتردّدَ عن فعل أى عملِ ظالمِ. أنه يؤمن بالخرافاتَ بشدة، وكان يستعين بالسّحرِ والشعوذةِ إن اعترضته أي صعوبات. لقد كَانَ مرتبكاً كثيراً ومنزعجاً بخصوص محاكمةِ يسوع؛ ولقد رَأيته يَجْري ذهاباً وإيابا، يقدم بخوراً أولاً لأحد الآلهة وبعد ذلك إِلى إله آخرِ، ويُنَاشَدهم أَنْ يُساعدونه؛ لكن الشيطانَ مَلأَ خياله بأعظمُ تشويشُ ؛ لقد غرس أولاً فكرة باطلة وبعد ذلك فكرة أخرى. ظل ذهنه مُغَلَّفاً بالظّلمةِ، واصبحَ متردداً أكثر فأكثر. لقد فكر أولاً أن يُبرّئُ يسوع، لأنه يعرف جيّداً أنْه برئَ، لكنه خَافَ تَحَمُّلَ غضبَ آلهته إن أطلق سراحه، كما أنه توهم أنه أحد أنصاف الآلهةِ، وبغيض إِليهم, لقد قال فى نفسه " من المحتمل أن يكون هذا الرّجلِ ملكِ اليهودِ الذى اختصت به عديد من الّنبوءاتِ. ربما كان هو ملك اليهودِ الذي أتى المجوس من الشّرقِ ليُمجّدَوه. ربما يكون العدوُ السريُ لكل آلهتنا والإمبراطوريةِ؛ ربما يَكُونَ إنقاذ حياته يكون أكثر الحماقات فى حياتي. من يَعْرفُ ربما يكون موته نصراً لآلهتي؟ " ثم تَذكّرَ الأحلامَ الغير عادية التي وَصفتْها له زوجته، التي لم يسَبَقَ أَنْ رَأتْ يسوع، ومرة أخرى غَيّر رأيه، وقرر أنه سَيَكُونُ أكثر آمناً إنْ لم يُدنه. حَاولَ أَنْ يُقنعَ نفسه أنه يرَغبَ أَنْ يجيز حكماً عادلاً؛ لكنه خَدعَ نفسه، لأنه عندما سَألَ نفسه، " ما هو الحق؟ " لم ينتظرَ الجواب. ذهنه قَدْ أمتلئ بالتّشويشِ، وكَانَ مرتبكاً تماماً ولا يعرف كيف يَتصرّف، أمنيته الوحيدةِ كَانتْ أَنْ لا يُعرض نفسه لأي مخاطرة .

37
الفصل السابع والعشرون
يأس يهوذا

بينما كان اليهود يقتادون يسوع إلى بيلاطس، سار يهوذا الخائن بالقربً منهم ليستمع لأحاديث الحشود التي تتبعه، فسمع هذا الحديث : " إنهم يأخذونه أمام بيلاطس؛ لقد أدان رؤساء الكهنة الجليلي إلى الموت؛ أنه سيصلب؛ إنهم سيتمّمون موته؛ لقد أساءوا معاملته بشكل مخيف؛ أن صبره غير عادى؛ أنه لم يجب بكلمة؛ كلماته الوحيدة هى أنّه هو المسيح المنتظر، والذي سيجلس على يمين الرب؛ إنهم سيصلبونه بسبب تلك الكلمات؛ لو لم يقل تلك الكلمات لما كان ممكن أن يدينوه إلى الموت. إن الفاجر الذي باعه كان أحد تلاميذه، ومنذ وقت قليل كان يأكل الفصح معه؛ لا يوجد فى مجتمعات البشر ما يجعلنى مضطراً لأتيان مثل هذا العمل الذى آتاه؛ مهما كان هذا الجليلى مذنباً، فإنه في كل الأحوال لم يبع صاحبه من أجل المال مثلما فعل هذا الشخص الكريه, إن أمثال هذا الرجل ليستحقون ما هو أكثر من الموت. " حينئذ استولي الألم واليأس على يهوذا. حثه الشيطان على الهرب. فهرب كما لو أن عاصفة في أعقابه، والكيس الذى كان معلّقا علي جانبه كان يضربه أثناء جريانه ويدفعه كالمهماز؛ فأخذه في يدّه ليتجنب ضرباته. هرب بأسرع ما يمكن، لكن إلى أين يهرب ؟ هل نحو الحشود؟ هل يلقي بنفسه تحت قدمي يسوع، مُخلصه الرّحيم، يناشده غفرانه، ويستجدى أن يموت معه؟ كلا, إنه لم يعترف بذنبه ولم يتوب توبة حقيقية أمام الرب، بل كان يسعي أن يحرر نفسه مِن عِبء‏ جريمته أمام العالم ومن ثمن خيانته.
جاء يهوذا إلى الهيكل، حيث تجمع أعضاء المجلس معاً بعد محاكمة يسوع. نظر كل منهم للآخر بدّهشة؛ وبعد ذلك أداروا وجوههم المتغطرسة بابتسامة سّاخرة. مزّق يهوذا بإيماءة هائجة حافظة الثّلاثين قطعة فضة من جنبه، وحملها بيدّه اليمنى، صاح بلهجة يائسة : " استردّوا فضتكم, تلك الفضّة التى رشوتموني بها لأسلم هذا الرجل البار؛ استردّوا فضتكم؛ أطلقوا سراح يسوع؛ إن اتفاقنا ملغى؛ لقد أثمت لأنى قد أسلمت دماً بريئاً." . أجابه الكهنة بأسلوب حقير، وكما لو كانوا خائفين من أن يلوثوا أنفسهم بلمس مكافئة الخيانة، لم يمسّوا الفضة، بل أجابوا : " ماذا علينا أن نفعل بخطيئتك ؟ إن كنت تعتقد أنك أسلمت دماً بريئاً، فإن ذلك شأن يخصك؛ لكننا نعرف ما دفعنا من أجله، ولقد حاكمناه وأنه لمستوجب الموت. إليك مالك ولا تقل شيئاً آخر " لقد خاطبوه بهذه الكلمات بنّغمة فظّة ليتخلّصوا منه، فنهض على الفور وانصرف. ملأت هذه الكلمات يهوذا بالغضب واليأس حتى أنه صار شديد الاهتياج‏؛ شق الحقيبة التي تحتوي الثّلاثين قطعة فضة، وألقاها في الهيكل، وهرب إلى أطراف المدينة.
رأيته مرة أخرى يسرع ذهابا وإيابا كالمجنون في وادي هنوم: كان إبليس بجانبه في شكل قبيح، يهمس في أذنه، ساعياً أن يسوقه إلى اليأس، تتبعه كل اللّعنات التى صبها الأنبياء على هذا الوادي، حيث ضحّى اليهود بأولادهم سابقاً إلى الأصنام.
بدت وكأن كل هذه اللعنّات تُنصب عليه، كما لو أن مثل هذه الكلمات، قيلت له : " ثُمَّ يَمْضُونَ لِمُشَاهَدَةِ جُثَثِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَمَرَّدُوا عَلَيَّ، لأَنَّ دُودَهُمْ لاَ يَمُوتُ وَنَارَهُمْ لاَ تَخْمَدُ. وَيَكُونُونَ مَثَارَ اشْمِئْزَازِ جَمِيعِ النَّاسِ” .
ثم همس الشّيطان : " قايين أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ مَاذَا فَعَلْتَ؟ إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ يَصْرُخُ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. َمُنْذُ الآنَ، تَحِلُّ عَلَيْكَ لَعْنَةُ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا وَابْتَلَعَتْ دَمَ أَخِيكَ الَّذِي سَفَكَتْهُ يَدُكَ, وَتَكُونُ شَرِيداً وَطَرِيداً فِي الأَرْضِ "
وعندما رأى مجرى قدرون بجبل الزيتون، ارتجف، استدار، ومرة أخرى دوت هذه الكلمات فى أذنيه : يا صاحب، لماذا أتيت ؟ يهوذا, أتسلم ابن الإنسان بقبلة؟ " ملأ الرعب نفسه، رأسه بدأت تترنح، وهمس العدو مرة أخرى فى أذنيه : " لقد عبر داود وادي قدرون هنا عندما هرب من أبشالوم. الذى أنهى حياته بشنق نفسه. وأنه عنك ما تكلم به داود عندما قال :" يُجَازُونَنِي شَرّاً مُقَابِلَ خَيْرِي، وَبُغْضاً بَدَلَ حُبِّي. وَلِّ عَلَى عَدُوِّي قَاضِياً ظَالِماً، وَلْيَقِفْ خَصْمُهُ عَنْ يَمِينِهِ يَتَّهِمُهُ جَوْراً. عِنْدَ مُحَاكَمَتِهِ لِيَثْبُتْ عَلَيْهِ ذَنْبُهُ، وَلْتُحْسَبْ لَهُ صَلاَتُهُ خَطِيئَةً. لِتَقْصُرْ أَيَّامُهُ وَلْيَتَوَلَّ وَظِيفَتَهُ آخَرُ. لِيَتَيَتَّمْ بَنُوهُ وَتَتَرَمَّلْ زَوْجَتُهُ. لِيَتَشَرَّدْ بَنُوهُ وَيَسْتَعْطُوا، وَلْيَلْتَمِسُوا قُوتَهُمْ بَعِيداً عَنْ خَرَائِبِ سُكْنَاهُمْ. لِيَسْتَرْهِنِ الْمُدَايِنُ كُلَّ مُمْتَلَكَاتِهِ، وَلْيَنْهَبِ الْغُرَبَاءُ ثِمَارَ تَعَبِهِ. لِيَنْقَرِضْ مَنْ يَتَرَاءَفُ عَلَيْهِ، وَلْيَنْقَطِعْ مَنْ يَتَحَنَّنُ عَلَى أَيْتَامِهِ. لِيَنْقَرِضْ نَسْلُهُ وَلْيُمْحَ اسْمُهُمْ مِنَ الْجِيلِ الْقَادِمِ. لِيَذْكُرِ الرَّبُّ إِثْمَ آبَائِهِ، وَلاَ يَغْفِرْ خَطِيئَةَ أُمِّهِ. لِتَمْثُلْ خَطَايَاهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِماً كَيْ يَسْتَأْصِلَ مِنَ الأَرْضِ ذِكْرَهُمْ. لأَنَّهُ تَغَافَلَ عَنْ إِبْدَاءِ الرَّحْمَةِ، بَلْ تَعَقَّبَ الفَقِيرَ الْمُنْسَحِقَ الْقَلْبِ، لِيُمِيتَهُ. أَحَبَّ اللَّعْنَةَ فَلَحِقَتْ بِهِ، وَلَمْ يُسَرَّ بِالْبَرَكَةِ فَابْتَعَدَتْ عَنْهُ. اكْتَسَى اللَّعْنَةَ كَرِدَاءٍ، فَتَسَرَّبَتْ إِلَى بَاطِنِهِ كَالْمِيَاهِ وَإِلَى عِظَامِهِ كَالزَّيْتِ. فَلْتَكُنْ لَهُ كَرِدَاءٍ يَتَلَفَّعُ بِهِ، وَكَحِزَامٍ يَتمَنَطَّقُ بِهِ دَائِماً. هَذِهِ أُجْرَةُ مُبْغِضِيَّ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، النَّاطِقِينَ شَرّاً عَلَى نَفْسِي"
ركض يهوذا مغلوّباً بهذه الأفكار الفظيعة، ووصل سفح الجبل. إلى بقعة مقفرة, كئيبة، ممتلئة بالقمامة والبقايا الفاسدة؛ صمت أصوات من المدينة آذنيه، وكرر الشيطان باستمرار : " إنهم على وشك أن يميتوه؛ لقد بعته. ألست تعرف كلمات الشريعة : " إِذَا خَطَفَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحَد أِخْوَتِهِ وَاسْتَرَقَّهُ وَبَاعَهُ، يَمُوتُ الْخَاطِفُ. فَتَجْتَثُّونَ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ. " ؟ ضع حداً لبؤسك أيها التعس ؛ ضع حداً لبؤسك " مزّق يهوذا حزامه مغلوباً باليأس وعلّق نفسه على شجرة نمت في شق بين الصّخور، وبعد موته تمزق جسده أرباً، وتبعثرت أشلاؤه.
تأمل الرب يسوع

بعد أسلمني يهوذا في بستان الزّيتونِ، هام على وجهه بعيداً وجرى كهاربِ دون أن يَقوى على إسكاتَ صيحات ضميره الذى أنبه على أبشع تدنيس للمقدسات, وعندما بلغت آذانه أخبار الحكم بموتي، استسلمَ لليأسِ وشنق نفسه.
من يستطيع أَنْ يَفْهمَ ألام قلبي الحادة عندما رَأيتُ تلك النفس تلقى بنفسها إِلى دينونة أبديةِ؟ وهو من قضى ثلاث سَنَوات في مدرسةِ محبّتي مُتعلماً مبادئي، مُتلقياً تَعاليمي، وكثيراً ما أستمعً من شفاهي غْفرانى لأعظم المذنبين .
يهوذا! لماذا لم تَجيءُ وتَلقى بنفسك عند أقدامى لأغْفرُ لكَ؟ إن كنت لا تَتجاسرُ أَنْ تَجيءَ بقربي خوفاً من أولئك الذينِ يُحيطون بي ويُعاملونني بغاية السوء، على الأقل أَنْظرُ إلىّ وأنتَ سَتَرى كيف سَتَنْظرُ عيناى إليك فوراًِ.
أحبائي، يا من تورطتم في أعظمِ الأثام.....إن عشتم بعض الأوقات تائهين كلاجئين بسبب جرائمكَم، إن أعمتكم الآثامَ التى أذنبتم بها وقست قلوبكمَ، إن كنتم باتِّباعِ بعض أهوائكم قَدْ سَقطتَم في أعظمِ اضطراب، لا تَسْمحُوا لليأس أَنْ يسود عليكم عندما يترككم شركاء خطيئتكَم وتُدرك نفوسكم ملامتها. طالما أن الإنسان لدية لحظةُ حياةِ، فهو ما زالَ عِنْدَهُ وقتُ كى يُنشدَ رحمتي وأن يلتمس مغفرتي.
إن كانت فضائحُ حياتكمِ الماضيةِ قد تَركتكمِ في حالة إذلالِ أمام البشر، فلا تخافوا! حتى عندما يحتقركم العالم، عندما يُعاملكَم كأناس أشّرار، عندما يُهينكمَ ويَهْجركَم، تأكدوا أن إلهكمَ لا يُريدُ أنْ تَكُونَ نفوسكم وقوداً لنيران جهنمِ. إنه يُريدكَم أَنْ تتجرءوا وتَتكلّمَون معه، أَنْ تُوجهوا نظراتكمَ وتنهداتَ قلوبكمِ نحوه، وسَتَرون فوراً أن يدّه الرّحيمة والأبوية ستَقُودكِم نحو ينبوع المغفرة والحياةِ.
إن كنتم بدافع الحقدِ قَدْ قضيتم أعظم جزء من حياتكمَ في فوضىِ ولامبالاة، والآن بدنوكم قُرْب الأبدية، يُريدُ اليأس أَنْ يُعصّبَ أعينكَم، فلا َتْدعوه يَخْدعكَم. مازال هناك وقّتُ للمغفرةِ. استمعْوا باهتمام: إن لم يكن لديكم سوى لحظة من الحياةِ، اَستغلّوها لأنكم تستطيعوا أَنْ تَكْسبونَ الحياة الأبدية خلال تلك اللحظة.
إن كانت حياتكم قَدْ مرت في جهلِ وفي خطاياِ، إن كُنْتَم قد سببَتم أعظم أذىِ للبشر وللمجتمعِ وحتى للدّينِ، ولأي سببِ أدركتُم خطياكمَ، لا تَسْمحُوا لنفوسكم أنْ تُسقَطُ بثقل العيوبِ ولا مِن قِبل الأذىِ الذي قَدْ كُنْتمَ أداته. بل بالعكس، اَسْمحُوا لنفوسكم أنْ يُختَرقُها أعمق حُزنِِ، غَطّسْوا نفوسكم تحت رعايةَ من يُنتَظِركمِ دوما كى يَغْفرَ لكَم والتفتوا نحوه.
نفس الشيء يصدق على النفوس التى قَدْ قضت سَّنَوات حياتها الأولى في مراعاة وصاياي بأمانة، لكن قليلاً قليلاً سَقطتَ من التّأجّجِ إلى حياةِ فاترةِ ومريحة .ِ
أن النفوس التى تنال يوماً ما هزة قوية لتوقظها، فتَرى فجأة أن حياتها بلا فائدة، فارغة وبلا استحقاق للأبدية. يُهاجمها الشّيطان بغيرةِ لعينة بطرق عديدة، يُبالغُ فى عيوبها. يُلهمُ فيها الحزنَ والقنوطِ، وفى النهاية يَسُوقها نحو الخوفَ واليأس.
أحبائي, يا من تنتمون إليّ، لا تَنتبهواُ إلى هذا العدوِ القاسي. بمجرد أن تَشْعرواُ بحركةَ النّعمةِ في بِدايةِ معركتكمِ، تعالوا إِلى قلبي. اشعرواْ ورَاقبواْ كيف أنه يَسْكبُّ قطرات منَ دماه على نفوسكِم، وتعالوا إليّ. أنتم ستَعْرفون أين أنا، أنا تحت ستار الإيمانِ.... ارفعوه وبإيمان كاملِ أخبروني عن كل أحُزانكمَ، أخبروني عن تعاستكَم وسقوطكمَ ....استمعوا لكَلِماتي بثقة ولا تَخَافُوا من ماضيكِم. أن قلبي قَدْ غَطّس ماضيكم في أعماقِ رحمتي الغير محدودة ومحبّتي.
إن حياتكمَ الماضية سَتَعطيكِم التواضع الذي سَيَمْلأكَم. وإن أردتم أَنْ تَعطوني أفضل برهان عن الحبِّ، آمنوا وثقوا بي واعتمدوا على مغفرتي. آمنوا أنّ آثامكَم لَنْ تَكُونَ أعظمَ من رحمتي اللانهائيةِ.
لا تَخفون أي شئ مما أُخبرتكمَ به، لأنه لفائدةِ الإنسانيةِ جمعاء. كَرّروه في وضح النهارِ؛ أَوصوا به إِلى أولئك الذينِ يُريدونُ حقاً أَنْ يَسْمعوه.

38
الفصل السادس عشر
القبض على يسوع
كان يسوع يقف مع تلاميذه الثّلاثة على الطّريق الذى يفصل جَثْسَيْمَانِي عن بستان الزّيتون، عندما ظهر يهوذا والفرقة التي ترافقه. قام نزاع بين يهوذا والجنود، لأنه أراد أن يقترب أولا بمفرده ويتكلّم مع يسوع بهدوء كما لو أن لاشيء يحدث، وبعد ذلك عليهم أن يأتوا ويقبضوا على مُخلّصنا، وهكذا يبدوا وكأنّه ليس له صله بالقضية. لكن الرّجال أجابوه بوقاحة " ليس هكذا يا صديقنا, أنك لن تهرب من أيادينا حتى نقيد الجليلي على نَحْو مضمون‏ " وبرؤية التلاميذ الثّمانية الذين أسرعوا لينضموا ثانية إلى يسوع عندما سمعوا النّزاع الذي كان مستمراً، نادوا على قادة الجنود الأربعة، الذين كانوا يتبعونهم على مسافة قليلة، ليساعدوهم على الرغم من معارضة يهوذا.
عندما رأي يسوع والتلاميذ الثّلاثة فرقة الرّجال المسلّحين، رغب بطرس أن يصدّهم بقوة السلاح وقال : " يا رب، إن الثمانية الآخرين قريبين، دعنا نهاجم قادة الجنود " لكن يسوع أمره أن لا يحمل سلاحه، وبعد ذلك التفت وسار للخلف بضع خطوات. فى هذه اللّحظة جاء أربعة تلاميذ من البستان، وسألوا : "ماذا يحدث ". كان يهوذا على وشك أن يجيب، لكن الجنود قاطعوه، ولم يتركوه يتكلّم. هؤلاء التلاميذ الأربعة كانوا يعقوب الصغير وفيلبس وتوما ونثنائيل مع ابن سمعان الشيخ وهو الذى أتصل ببعض من التلاميذ الثّمانية في جَثْسَيْمَانِي ليذهبوا لرفاق يسوع ليعرفوهم بما يحدث. كان التّلاميذ الآخرين يتجوّلون ذهابا وإيابا، مُنتبهين ومستعدين للهرب في لحظة الخطر.
سار يسوع نحو الجنود وقال بصوت واضح وقوي: " من تطلبون ؟ " أجاب زُعماؤهم : " يسوع الناصري ". فقال لهم يسوع: " أنا هو " ما أن نطق يسوع بهذه الكلمات حتى سقطوا جميعا على الأرض، كما لو إنهم أصيبوا بسكتة دماغية. يهوذا، الذي كان يقف بجانبهم، كان بغاية الانتباه، وبدا توّاقا للاقتراب، مد يسوع يده وقال : " يا صاحب، لماذا أتيت؟ " تمتم يهوذا بشيء ما بخصوص العمل الذي أتى من أجله. أجاب يسوع ببضع كلمات ما معناها :" لقد كان أفضل لهذا الإنسان ألا يكون قد ولد " على أية حال، أنا لا أستطيع أن أتذكّر الكلمات بالضبط. فى نفس الوقت، نهض الجنود، واقتربوا من يسوع ثانية، لكنهم انتظروا إشارة القبلة، التي وعد يهوذا أن يحيّي بها سيده حتى يتعرفوا عليه. أحاط بطرس والتلاميذ الآخرون بيهوذا ولعنوه، دعوه لصاً وخائناً؛ لقد حاول أن يهدأ غضبهم بكل أنواع الأكاذيب، لكن جهوده كانت عقيمة، لأن الجنود نهضوا وعرضوا عليه أن يحموه، الإجراء الذى اظهر الحقيقة فى الحال.
سأل يسوع ثانية، " من تطلبون ؟ " أجابوا : " يسوع الناصري " أجاب يسوع : " لقد قلت لكم أنّي أنا هو، إن كنتم تطلبوني، دعوا هؤلاء يمضون فى طريقهم." بهذه الكلمات سقط الجنود لثاني مرة على الأرض، في تّشنّجات تشبه تشنجات المصّروعين، أحاط التلاميذ ثانية بيهوذا واظهروا استياءهم من خيانته المخزية. قال يسوع للجنود : " انهضوا " فنهضوا، لكن في بادئ الأمر كانوا صامتين تماما من شدة الرّعب. حينئذ قالوا ليهوذا أن يعطيهم الإشارة المتفق عليها فى الحال، لأن الأوامر المُعطاة لهم كانت أن لا يقبضوا إلا على من يُقبّله يهوذا. حينئذ أقترب يهوذا من يسوع وقبّله قائلاً " مَرْحَبا‏ يا مُعلّم " أجابه يسوع : " ماذا يا يهوذا, أتسلم ابن الإنسان بقبلة؟ " أحاط الجنود بيسوع فورا، ووضع قادة الجنود أياديهم عليه. أراد يهوذا أن يهرب، لكن التلاميذ لم يسمحوا له؛ اندفعوا نحو الجنود وصرخوا: " يا سيد، هل نضرب بالسّيف؟ " بطرس الذي كان أكثر تهوّرا من الباقين، استولى على سّيف، وضرب ملخس، خادم كبير الكهنة، الذي أراد أن يُبعد التلاميذ، وقطع أذنه اليمنى؛ سقط ملخس على الأرض، وحدث اضطراب عظيم .
القي قادة الجنود القبض على يسوع، وأرادوا أن يقيدوه؛ بينما وقف ملخس وباقي الجنود حوله. عندما ضرب بطرس أولهم، كان الباقين مشغولين في صد أولئك التلاميذ الذين اقتربوا، وفي مطاردة أولئك الذين هربوا. ظهر أربعة تلاميذ من على بعد، ونظروا بخوف إلي المشهد الذى أمامهم؛ لكن الجنود كانوا لا يزالون منتبهين أكثر من اللازم بسقوطهم الأخّير لذا لم يزعجوا أنفسهم كثيراً بهم، وأيضا لم يرغبوا فى أن يتركوا منقذنا بدون بعض الرّجال ليحرسوه. هرب يهوذا بعدما قدم قبلته الخائنة، لكنه بعض التّلاميذ لاقوه وأوسعوه لّوماً. فجاء ستة فريسيين لينقذوه، وهرب بينما كان قادة الجنود مشغولين بتقييد يسوع.
تأمل الرب يسوع
بعدما أراحني رسولِ أبي، رَأيتُ يهوذا يدنو منى يتبعه كل أولئك الذينِ سيعتقلونني, كَانَ لديهم حبالُ وعصى وحجارة... خَطوتُ للأمام وقلت لهم :" عن من تَبْحثُون ؟ " وبينما يهوذا يُربت على كتفي، قَبّلني ...!
إن كثيراً جداً من النفوس قَدْ بِاعتني وسَتَبِيعني لقاء لذّةِ رديئة، من أجل لذة عابرة مؤقتة.... يا لها من نفوس مسكينة، تلك التى تُبحث عن يسوع، كما فعل هؤلاء الجنودِ.
أيتها النفوس التي اَحْبّهاُ؛ يا من تأتون إلي وتلاقوني في أحضانكم، يا من تخبروني مرات كثيرة جداً أنكم تحَبونني .... هل سَتسلّمونني بعد أن تلاقوني ؟ فى الأماكنِ التى ترتادونها توجد هناك الأحجارُ التى تجرحني، هناك المُناقشات التى تهينني، وأنتمَ يا من تتناولوني, أنكم تَفْقدُون نقاء النعمة الجميلَ هناك.
لماذا تخونني النفوس التي تَعْرفني بهذه الطريقة بينما فى أكثر من مناسبةِ تتفاخر بأنها نقيه وتتباهى بأعمال المحبة؟ أتتباهون بكل الأمور التي تستطيع أن تساعدكم حقاً وتستحق أعظم جزاء... التى ليست سوى ستار يغطّي جرائمكم فى تكديس خيرات أرضيه؟ تيقظُوا وَصلوا! قَاتلْوا بلا راحة ولا تجعلوا ميولكمَ الرديئة وعيوبكَم تُصير مألوفة لكمَ. انّظروا، إنه من الضروري أن تقتلعوا العشبِ سنوياً وأن أمكن خلال الفصول الأربعة. يَجِبُ عليكم أَنْ تصلحوا الأرض وأن تطهروها. عليكم أَنْ تَجْعلوها أفضل وأن تَحْذروا من الأعشاب الضارة التى تنّبتِ عليها. يَجِبُ أَنْ تَعتنوا بالنفس بكدِّ كثيرِ وأَنْ تَقوموا الميول المَلْتوية.
لا تظنوا أنّ النفوس التي تَبِيعني وتقدم ذاتها إلى خطيئة مُميتة، أنها قد بَدأتَ بخطيئةِ مُميتة. عادة ما يبَدأَ السّقوط العظيم بشيء ماِ صغيرِ: شيء ماُ تمتعت به النفس، ضعف، قبول للمحظور، مسرة بما هو غير مُحرّمُ لكنه لَيسَ لائقاً .... بهذه الطريقة، تَبْدأُ النفس بإعماء نفسها، أنها تُنقص في النّعمةِ، الشغف يَقوّي، وأخيراً، تنهزم .
أفهموا هذا: إن كان محزناًَ أَنْ أتلقى الإساءة والجحود من أي نفس، فإنه يكون مُحزناً أكثر عندما تَجيءُ الإساءة والجحود من أحبائي، من النفوس المُختارةَ. على أية حال، الآخرون يُستطيعون أَنْ يعوضوني ويَواسوني.
أحبائى، يا من اخترتُهم لأَجْعلَهم موضع راحتي، يا جنتي المُبهجة، أنى أَتوقّعُ منكم حناناً أعظم، لطفاً أكثر، والكثير جداً من الَحْبَّ.
أنى أَتوقّع منكم أنْ تَكُونَوا البلسمَ الذي يشفىَ جراحي، أتوقع منكم أَنْ تُنظّفواَ وجهي الذى أتسخ وجُعلَ قبيحَاً؛ أتوقع أن تساعدوني بإعطاء النور إِلى نفوس كثيرة عمياءِ تعتقلني فى ظلمةِ اللّيلِ وتقيدني كى تسلمني إلى الموت. لا تَتْركوني وحيداً...استيقظوا وتعالوا، لأن أعدائي قد وَصلُوا!
عندما اقترب الجنود قُلتُ لهم :" ها أنا! " هذه الكَلِماتِ نفسهاِ أُكرّرهاُ إِلى النفس التى عَلى وَشَكِ أَنْ تَسْقطَ في الإغراءِ وأقول لها:" ها أنا,لا يزالَ هناك وقّتُ, وإن أردت، فأنا سَأَغْفرُ لكَ. وبدلاً من أن تقيديني بحبالِ الخطيئةِ، سأقيدك أنا بأربطة الحبِّ ". تعالوا، فأنا من يَحْبّكمَ؛ أنا من لديه الكثير من الشّفقةُ لضعفكِم؛ أنا من يُنتَظِركم بلهفة ليَستقبلكم في أحضانه.

عندما ضرب بطرس ملخس، قال له يسوع: " ضع السيف مكانه؛ لأن كل من يأخذ بالسّيف سيهلك بالسيف. أتظن أنى لا أستطيع أن اسأل أبي، وهو يعطيني في الوقت الحاضر أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ كيف إذن ستتحقق الكتب المقدّسة؟ " ثم قال : " دعنى أشفي هذا الرّجل " واقترب من ملخس ومسّ أذنه وصلّى وشفاه. استمر الجنود الذين كانوا يقفون قريباً، وقادة الجنود والفريسيين السّتة أيضا، بعيداً من أن يكونوا مُتأثرين بهذه المعجزة، استمروا يهينون الرب، وقالوا للحاضرين " إنها خدعة الشّيطان، قوى السّحر جعلت الأذن تبدو مقطوعة، والآن نفس القوة تجعلها تبدو أنها شُفيت. "
حينئذ خاطبهم يسوع ثانية: " كأنكم خرجتم على سارق، بسّيوف وعصى لتعتقلوني. لقد جلست يومياً معكم أعلّم في الهيكل، وأنتم لم تضعوا الأيادي عليً، لكن هذه هى ساعتكم وقوة الظّلمة ". أمر الفريسيون أن يقيدوه بأكثر قوة، وأجابوه بنغمة محتقرة : " أنك لن تستطيع أن تسقطنا بسحرك" أجابهم يسوع لكنى لا أتذكّر كلماته، وهرب كل التلاميذ.
تأمل الرب يسوع
إن حادثة أسري اختبار جيدِ، لها الكثير من الأهميةُ. لو لم يضرب بطرس ملخس، لما كان عِنْدَي الفرصةُ كى ألفت انتباهكم إلى الطّريقةِ التى أُريدكَم أَنْ تَستخدموها في النضال من أجلي.
لقد استعملتُ مثالاً كى أُحذّرَ بطرس واعدتُ لملخس أذنَه لأنى لا اَحْبُّ العنف، بَكُونُي إله الحريةِ. لكن لاحظوا أنى حذرته من فعَل هذا، لقد أظهرت لبطرس رغبتى الراسخة فى أن تكون آلامي مُكتملة وقد جَعلته يَتأمّلُ حقيقة أنني إن أردتُ، فالأب سيَحْميني بملائكته.
انظروا كم اجتمعت أشياء عدة في حادثة واحدة فقط؟ لكن الشيء الرّئيسيَ هو بالضبط الدّرسُ الذي يجبُ أَنْ أَعطيه لكم جميعاً فى قتالِ أعدائكمَ. كل من هو مثلي سيفعَْلُ هكذا: سيَسْمحُ لنفسه أنْ يُؤْخَذُ أينما يُريدواَ أَنْ يَأْخذوه، لأنه سَينال فى لحظات القوةُ التي لا يتوقعها العالمِ, قوة ليست مِن قِبل البشر, قوة لا يتوقعها بالخبرةِ الإنسانيةِ، ولا بذكاء حبِّ الذّات .
كلا, إن كل من هو مثلي سيَبْقى في الحالةِ حيث هو وضعُ وسينال قوة مجهولة لكنها قوةَ نشيطةَ كى يتغلب على مضطهديه. تلميذي الحقيقي يَفعَلُ الأمور الأقل احتمالاً بلا أدنى اعتراض على خططي له, إن العالمُ يُسر نفسه بصفات مميِّزة‏ ببَراعَةِ، ويُظهر تفوق خاصته. هذا هو الرّوحُ الذي قَاتلتُه وقَهرتُه. لهذا أقول لكم جميعاً أَنْ تتشجعوا، لأنى قد هزمته، أن العالمِ لا يُستطيع أن يَفعلُ شيئاً الآن كى يَقْطعَ اتحادكم معي بشرط ألا تتحّدوا أنتم معه. إن اتحدتم معه، عليكم أَنْ تَعانوا من النّتائج بالإضافة إلى أننى بنفسي سأُعارضُ انتصاركم بأسلحةِ العالمِ، عديد من المرات سيكون عليكم أن تكونوا كخصومِ للعالمِ ولي, للعالم بسبب حبّه الأناني، ولي بسبب الحبِّ النقى، لأجل محبّة جوهركم الحقيقي الصالح ِ.
لذلك، لا ضرباتُ مثل ضربة بطرس إِلى آذانِ أعدائكمِ ستحميكم بدون قبول كل الكأسِ الذي أقدمه لكم. الكأس الذى ينبغى أن أَنْ تَروا فيه مشيئتى كما رَأيتُ أنا مشيئة أبى عندما سَألتُ بطرس الحبيب : " أَعِدِ السَّيْفَ إِلَى غِمْدِهِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ، أَلاَ أَشْرَبُهَا؟؟ "
تأمّلوا دائما فى آلامي وأمعنوا النظر بعمق في روحي واَحْصلُوا على الانطباعات المفيدةُ والتي تحثكم على أَنْ تُقتادوا بى. بالطبع، أنا من سأفعلُ هذه الأشياءِ فيكم لكنكم يَجِبُ أَنْ تُقدّموا ذواتكم، وبعد ذلك، سَتُنجزُون ما أَقُولهُ. آه! لو يستطيع الإنسان أن يَفْهمَ فقط هذا الجانب من آلامي ! كم سيكون أسهل كثيراً أَنْ يُنتجَ وأن يَعِيشَ حياتي مرة أخرى!
تقدموا يا أولادي، فإن كل شيء إنما هو سؤالُ عن الحبِّ، لَيسَ عن أي أمر آخر. عن الحبِّ وعن عملي الذي أُريدُ أَنْ أَتمّمهَ فيكم، وعن أن تَحْبوني أكثر دائما. توقفوا عن أن تفكّروا بطريقهِ بشريةِ؛ اَفْتحُوا أذهانكم إِلى عالميِ، افتحوها إِلى خاصتي الذين معكم. فإن هذا مهمُ!
أنكم لي لثلاثة أسبابِ: أولا لأنى خَلقتكَم من لا شيء, ثانيا لأني افتديتكم, ثالثا لأنكم سَتكنون جزءاً من إكليل مجدي. لهذا يَجِبُ أَنْ تَتذكّرواَ أنّي أَهتمَّ بكَم لهذه الأسباب الثلاثة، وأنى لا يمكن أبداً أَنْ اَفْقدَ اهتمامي بمن قَدْ خَلقتُهم وفديتهم وسيكونون مجدي.
أنكمَ تُقادون نحو هذا الطّريقِ ويَجِبُ أَنْ تُقطعوه كله. كما كَانَ ذلك لي، إنه لَنْ يَكُونَ مفيداً لكم فقط بل لكثير من أخوتكمَ الذين يَجِبُ أَنْ يَنالوا منّي النعمة والحياة من خلالكم. تّقدّموا، لأنى أُبهجُ نفسي بتقدمكم؛ تعلّمُوا، لأن الحبَّ يُريدُ أَنْ يَمتلككمَ بالكامل.
أنى أُبارككم، بركة مليئة بالوعدِ. أَعطيها لكم جميعاً بالقدرة التى تمتّعُت بها أنا كإنسان، قدرة هى لكم، وفرح سَأمنحه مع جائزةِ، جائزة ستُؤكّدُ حبّي اللانهائي لكم. لقَدْ حانت ساعتي؛ السّاعة التى علىّ أَنْ أُكملَ فيها التّضحية، فسلمتُ نفسي إِلى الجنودِ بوداعة الحملِ.

لم يسقط قادة الجنود الأربعة والفريسيين السّتة على الأرض بكلمات يسوع، لأنهم هم ويهوذا، الذي لم يسقط أيضا, كانوا تحت سطوة الشّيطان بالكامل، حيث إن كل أولئك الذين سقطوا ونهضوا ثانية قد تعمدوا بعد ذلك وصاروا مسيحيين؛ إنهم أحاطوا فقط بيسوع، ولم يضعوا الأيادي عليه. ملخس قد آمن فورا من قبل الشفاء الذى ناله، وخلال وقت الآلام كانت وظيفته أن يحمل الرسائل ذهابا وإيابا إلى مريم وإلى رفاق الرب الآخرين.
قيد قادة الجنود يسوع بوحشية بالغة، كانوا وثنيين من أدنى نَسَب‏ وأقوياء وقصار ونشيطين، ببشرة رّملية، تشبه بشرة العبيد المصريين، سيقانهم وأذرعهم ورقابهم كانت عارية.
لقد ربطوا يديه بحبال جديدة صَلبة بإحكام، ربطوا الرّسغ الأيمن تحت المرفق الأيسر، والرسغ الأيسر تحت المرفق الأيمن. طوّقوا خصره بحزام مقوى بقطع من الحديد وقيدوا يديه به, بينما وضعوا على رقبته طوقاً مُغطى بقطع حديدية، وأضافوا إلى هذا الطوق حزامين من الجلد عبّرا صدره كالشال وربطوهما بالحزام. ثم ربطوا أربعة حبال إلى أجزاء مختلفة من الحزام، وبهذه الحبال جروا إلهنا المبارك بطريقة قاسية. الحبال كانت جديدة؛ أعتقد إنها اشتريت عندما قرر الفريسيون أن يعتقلوا يسوع. أشعل الفريسيون مشاعل إضافية، وتحرك الموكب. سار عشرة جنود في الأمام، يتبعهم قادة الجنود الذين أمسكوا الحبال وجروا يسوع، ثم يتبعهم الفريسيون وعشرة جنود آخرين فى المؤخّرة.
هام التلاميذ بعيداً وبكوا وناحوا من الأسى. يوحنا فقط تبع يسوع ومشي على مسافة ليست بعيدة عن الجنود، حتى رآه الفريسيون، فأمروا الحرّاس أن يعتقلوه. فسعوا أن يمسكونه، لكنه هرب، تاركاً في أياديهم الإزار الذي يتغطى به الذي امسكوه منه عندما سعوا أن يقبضوا عليه. لقد تخلص من إزاره حتى يهرب من أيادي أعدائه ولم يحتفظ بشيء سوى ثوب قصير وبدون أكمام وشال طّويل يرتديه اليهود عادة، والذي لفه حول رقبته ورأسه وذراعيه.
تصرّف قادة الجنود بغاية القسوة مع يسوع بينما كانوا يقتادونه؛ لكى يرضوا الفريسيون السّتة، الذين يعرفون إلى أى مدى كانوا يكرهون يسوع. لقد اقتادوه على الطّريق الأكثر وعورة‏، على أحجار مدببة، وخلال الأوحال؛ لقد جذبوا الحبال بإحكام بقدر ما يستطيعون؛ ضربوه بالحبال المعقودة، كجزار يضرب بهيمة على وشك أن تُذبح؛ وقد صاحب هذه المعاملة القاسية إهانات دّنيئة وبذيئة لا أستطيع أن أصوغها.
كانت قدما يسوع عارية؛ كان يرتدى، بالإضافة إلى الثوب العادي، رداء صوفياً بلا حياكة، والعباءة التي من أعلى. لقد نسيت أن أذكر أنهّ عندما اُعتقل يسوع، كان ذلك بدون أي أوامر رسمية أو قانونية؛ لقد عومل كشخص بلا أى حماية من القانون.
مضى الموكب بخطى حثيثة؛ عندما تركوا الطّريق الذي يفصل بين بستان الزّيتون وبستان جَثْسَيْمَانِي ، انعطفوا يميناً، ووصلوا إلى جسر على مجرى قدرون. عندما ذهب يسوع إلى بستان الزّيتون مع التلاميذ، لم يعبر هذا الجسر، بل ذهب من طريق خاصّ يمرّ عبر وادي يهوشافاط، ويقود إلى جسر آخر إلى الجنوب. الجسر الذى اقتاد الجنود يسوع عليه كان طويلاً، لكونه لا يعبر المجرى فقط، الذي كان كبيراً جدا في هذا الجزء، بل أيضاً الوادي، الذي يمتدّ مسافة كبيرة إلى اليمين وإلى اليسار.
لقد رأيت يسوع يسقط مرّتين قبل أن يصل إلى الجسر، وهذا السّقوط كان نتيجة الأسلوب البربري الذي يجره به الجنود ؛ لكن عندما كانوا فى منتصف الجسر أعطوا مُتنفساً كاملاً لميولهم الوحشية، وضربوا يسوع بعنف حتى إنهم القوه من على الجسر في الماء، وأوصوه بازدراء أن يروي عطشه هناك. لو لم يحفظه الرب، لكان قُتل بهذا السّقوط؛ لقد سقط أولاً على ركبتيه، وبعد ذلك على وجهه، لكنه أنقذ نفسه بمد يديه قليلاً، التي مع أنها مقيدة بإحكام، إلا إن رباطها ارتخى، أنا لا اعرف إن كان ذلك بمعجزة أم أن الجنود قطعوا الحبال قبل أن يُلقوه في الماء؟. أن علامات قدميه ومرفقيه وأصابعه قد طُبعت على الصّخرة التى سقط عليها بشكل عجيب، وهذه العلامات قد أُظهرت بعد ذلك لتبجيل المسيحيين. إن هذه الأحجار أقل صلابة من قلوب البشر الغير مؤمنين سواء الذين أحاطوا بيسوع حينئذ، أو الذين يهينونه بطريقه أو بأخرى.
أنا لم أر يسوع ينال أى شئ من الماء ليروي العطش الذي أنهكه منذ معاناته في جَثْسَيْمَانِي ، لكنه شرب عندما سقط في قدرون، وأنا؛ سمعته يكرّر كلمات من المزمور 110 : 7 النّبوي " مِنَ النَّهْرِ يَشْرَبُ فِي الطَّرِيقِ لِذَلِكَ يَرْفَعُ الرَّأْسَ "
ما زال الجنود يمسكون بنهايات الحبال المُقيد بها يسوع، لكن كان من الصعب أن يسحبوه خارج الماء من ذلك الجانب، بسبب حائط كان مبنياً على الشّاطئ؛ فعادوا وسحبوه من قدرون إلى الشّاطئ، وبعد ذلك جعلوه يعبر الجسر مرة ثانية، مًصاحبين كل أفعالهم بالإهانات والتجديف والضرب. رداؤه الصّوفي الطّويل، الذي أبتل تماما، التصق بساقيه وعرقل كل حركته، وجعل من شبه المستحيل له أن يمشي، وعندما وصل إلى نهاية الجسر سقط تماما. سحبوه ثانية بطريقة قاسية، ضربوه بالحبال، وربطوا نهايات ردائه المبلّل بالحزام، في نفس الوقت شتموه بأسلوب بغاية الجبن.
لم يكن منتصف الليل قد حان عندما رأيت الجنود الأربعة يسحبون يسوع بشكل وحشي على طريق ضيّق على الشّاطئ المقابل من قدرون، طريق ممتلئ بالأحجار, بقطع من الصّخور ونباتات شائكة‏ وأشواك. كان الفريسيين الستة المتوحشين بقرب يسوع بقدر ما يمكن، ليضربوه بشكل ثابت بعصي مدبّبة وسّميكة، وكانت قدماه العاريتان تنزف وتتمزّق من الأحجار والأغصان الشائكة‏، حينئذ صاحوا باحتقار : " بالتأكيد إن سلفه يوحنا المعمدان لم يُعد الطريق جيداً هنا " أو " إن كلمات ملاخى النبي " ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك، ليمهّد الطريق أمامك" غير مُطبقه عملياً الآن بالضبط " كل دعابة وقحة نطق بها هؤلاء الرّجال حثت الجنود الأربعة على المُبالغة فى القسوة.
أشار أعداء يسوع بأنّ هناك بضع أشخاص يظهرون على البعد؛ لقد كانوا التلاميذ الذين تجمّعوا عندما سمعوا أنّ سيدهم قد اعتقل، والذين كانوا حريصين أن يكتشفوا ماذا ستكون النّهاية؛ لكن رؤيتهم جعلت الفريسيون يضطربون، خشية أية محاولة لإنقاذ يسوع، ولهذا أرسلوا فى طلب تعزيزات للجنود.
رأيت على مسافة قصيرة جدا من مدخل قبالة الجانب الجنوبي للهيكل، الذى يقود إلى قرية صغيرة تدعى أوفيل جنوب جبل صهيون, حيث محل إقامة حنان وقيافا، رأيت فرقة من حوالي خمسين جندياً، يحملون المشاعل، وبدت جاهزة لأي شئ؛ إن سلوك هؤلاء الرّجال كان شنيعاً، كانوا يصيحون صيحات عالية، ليعلنوا عن وصولهم، وليهنّئوا رفاقهم على نجاح مهمتهم. هذا سبّب اضطرابا بين الجنود الذين كانوا يقتادون يسوع، استغل ملخس وبضع من الآخرين ذلك ليغادروا المكان ويهربوا نحو جبل الزيتون.
عندما تركت فرقة الجنود أوفيل، رأيت أولئك التلاميذ الذين تجمّعوا. العذراء المباركة وحوالي تسع من النّساء القديسات، لكونهن مملوءات بالقلق، تقدمن نحو وادي يهوشافاط، يرافقهن لعازر ويوحنا مرقص وابن فيرونيكا وابن سمعان. الأخير كان في جَثْسَيْمَانِي مع نثنائيل والتلاميذ الثّمانية، وقد هرب عندما ظهر الجنود. لقد أعطى العذراء المباركة تقرير عن كل ما حدث، عندما انضمت فرقة الجنود الجديدة لأولئك الذين كانوا يقتادون يسوع، سمعت مريم حينئذ صخبهم العنيف ورأت ضوء المشاعل التى يحملونها. هذا المنظر تغلّب عليها تماما؛ صارت فاقدة الوعي‏، وأخذها يوحنا إلى دار مريم أمّ مرقص .
الجنود الخمسون الذين أرسلوا لينضموا للجنود الذين اخذوا يسوع، كانوا انفصلوا من مجموعة من ثلاثمائة رجل أُرسلوا ليحرسوا بوّابات وضواحي أوفيل؛ لأن الخائن يهوذا قد ذكّر الكاهن الأكبر أن سكان أوفيل, الذين من طبقة العمال، وعملهم الأساسي جلب الماء والحطب إلى الهيكل, كانوا موالين ليسوع، وربما يفعلون بعض المحاولات لإنقاذه. كان الخائن مدركاً أنّ يسوع كان قد ساعد وواسى وشفى أمراض كثيرين من هؤلاء العمّال الفقراء، وأن أوفيل كانت المكان الذى توقّف فيه خلال رحلته من بيت عنيا إلى حبرون عندما قُطعت رأس يوحنا المعمدان. عرف يهوذا أيضا أن يسوع قد شفى عديداً من البناءين الذين جرحوا بسقوط البرج فى سلوام والذين من أوفيل. لقد تعمد الجزء الأعظم من سكان أوفيل بعد صلب يسوع، وانضموا لجماعة المسيحيين الأوائل التي تشكّلت بعد العنصرة، وعندما انفصل المسيحيون عن اليهود شيدوا منازل جديدة، وضعوا أكواخهم وخيمهم في الوادي الذي يقع بين أوفيل وجبل الزيتون، وهناك عاش القديس اسطفانوس. أوفيل كانت على تل إلى جنوب الهيكل، محاطة بأسوار وسكانها فقراء جدا.
أزعجت ضوضاء الجنود نوم سّكان أوفيل الطيبين؛ فجاءوا من ديارهم وركضوا إلى مدخل القرية ليسألوا عن سبب الضّجيج؛ لكن الجنود استقبلوهم بفظاظة وأمروهم أن يعودوا إلى مساكنهم، وأجابوا أسئلتهم العديدة، قالوا: " لقد اعتقلنا يسوع، نبيكم الكذاب, الذى خدعكم بالكامل؛ أن رؤساء الكهنة على وشك أن يحاكمونه وسيصلب", أرتفع البكاء والنواح من كل جانب؛ النّساء والأطفال الفقراء ركضوا ذهاباً وإياباً، يبكون ويعتصرون أياديهم؛ ويتذكرون كل المنافع التى نالوها من الرب، ألقوا أنفسهم على ركبهم لينشدوا حماية السّماء. لكن الجنود دفعوهم جانباً، ضربوهم وأجبروهم على الرجوع إلى بيوتهم صائحين : " أي برهان أخر مطلوب بعد؟ ألا يُظهر تصرف هؤلاء الأشخاص بوضوح أنّ الجليلى كان يحرّض على التّمرّد؟ "
ومع ذلك فقد كانوا حذرين قليلاً في كلامهم وسلوكهم خوفاً من أن يتسببوا فى تمرد شعب أوفيل، ولهذا سعوا فقط أن يبعدوا سّكان القرية عن المناطق التى لابد أن يجتازها يسوع.
عندما كان الجنود القساة يقتادوا يسوع قرب أبوّاب أوفيل سقط ثانية، وبدا عاجزاً أن يخطوا خطوة واحدة، بناء على ذلك قال أحد من الجنود لآخر, لكونه تأثر بالشّفقة " ها أنت ترى أن الرّجل المسكين مُستنزف تماما، أنه لا يستطيع أن يسند نفسه من ثقل قيوده؛ إن كنا نريد أن نصحبه للكاهن الأكبر حياً فلابد أن نحلّ الحبال التي توثق يديه، لكى يقدر أن ينقذ نفسه قليلاً عندما يسقط " توقفت الفرقة للحظة وحُلت القيود، وجلب جندي عطوف آخر بعض الماء إلى يسوع من نبع مجاور. شكره يسوع وتكلّم عن " ينبوع الماء الحيّ " الذي يشرب منه أولئك الذين يؤمنون به؛ لكن كلماته أغضبت الفريسيون، وغمروه بإهانات وبألفاظ مُهينة. لقد رأيت قلبي الجنديين قد أنارت فجأة بالنّعمة؛ لقد آمنا قبل موت يسوع، وانضما فورا لتلاميذه.
بدأ الموكب ثانية، ووصل لبوّابة أوفيل. هنا تعالت ثانية نداءات الأسى والعطف من أولئك المًديونين له بكثير من الامتنان، وكان الجنود يجدون صعوبة هائلة في إبعاد الرّجال والنّساء الذين احتشدوا حوله من كل جانب. لقد شبكوا أياديهم، سقطوا على ركبهم، ناحوا وصاحوا : " أطلقوا هذا الرجل من أجلنا، أطلقوه! من سيُعيننا، من سيواسينا، من سيشفي أمراضنا؟ أطلقوه من أجلنا! " لقد كان مفجعاً حقا أن ينظروا يسوع ووجهه مشوّهاً وشاحباً ومجروحاً وشعره غير مُرتب, وكان رداؤه ملوّثاً، وحرّاسه المتوحشون والسّكارى يجرونه ويضربونه بالعصي كحيوان مسكين يُقاد لذبحة. هكذا اقتيد وسط سّكان أوفيل المفجوعين، المشلول الذى أبرأه، الأخرس الذي أعاد إليه الكلام، والأعمى الذي أبصر، اتّحدوا، في تقديم تضرّعات لأجل إطلاقه لكن دون جدوى.
أُرسل حنان وقيافا وأعداء آخرين ليسوع عديد من الأشخاص من أدنى الطبقات والأكثر انحلالا، لينضموا للموكب وليساعدون الجنود في إساءة معاملة يسوع وفي إبعاد سكان أوفيل. أن قرية أوفيل توجد على تل، ولقد رأيت كثيراً من الخشب موضوع هناك مُعداً للبناء. الموكب كان يجب أن يمضي أسفل التل، وبعد هذا يعبر خلال باب جُعل في السور. شُيدت بجانب هذا الباب بناية كبيرة كانت مُشيدة أصلاً من قبل سليمان، وعلى الجانب الأخر توجد بركة بيت صيدا. بعد العبور من هذا الباب، اتجهوا غرباً فى شارع شديد الانحدار، في نّهايته اتجهوا نحو الجنوب حيث دار حنان. لم يتوقّف الحرّاس عن مُعاملتهم القاسية لمُخلصنا الإلهى، وبرروا مثل هذه التّصرفات بقول إن الحشود التي تجمّعت أمام الموكب أرغمتهم على الشّدة. لقد سقط يسوع سبعة مرات فى المسافة من جبل الزيتون وحتى دار حنان .
كان سكان أوفيل لا يزالون في حالة ذعر وأسى عندما أبصروا العذراء المباركة، تعبر القرية ترافقها النّساء القديسات وبعض الأصدقاء الآخرين فى طريقهم من وادي قدرون إلى دار مريم أمّ مرقص، آثارهم ما زالت تتزايد، وقد جعلوا المكان يتردّد بالبكاء والنواح، بينما كانوا يحيطونها ويحملونها تقريبا على أياديهم.
كانت مريم صامتة من الأسى، ولم تفتح شفتيها حتى وصلت دار مريم أمّ مرقص، حتى وصل يوحنا، الذي قص كل ما رآه منذ أن ترك يسوع فى عُلية صهيون؛ وبعد ذلك بقليل أخذوها إلى دار مرثا، التي كانت قرب دار لعازر. ذهب بطرس ويوحنا، اللذان تبعا يسوع عن بعد، ذهبا بسرعة إلى بعض خدام الكاهن الأكبر الذين يعرفون يوحنا، من أجل محاولة دخول المحكمة حيث سيُحاكم سيدهم. كان هؤلاء الخدم يقومون بدور الرّسل، وقد أمروا أن يذهبوا إلى بيوت الشيوخ, وأعضاء المجلس الآخرين، ليستدعوهم ليحضروا الاجتماع الذي قد دُعي إليه. كما كانوا حريصين أن يلازموا التلاميذ، لكن توقعوا صعوبة كبيرة فى الحصول على أذن لدخولهم المحكمة، فأعطوهم عباءات تشبه التى يرتدونها هم أنفسهم، وجعلوهم يساعدونهم في حمل الرّسائل إلى الأعضاء من أجل أن يدخلوا بعد ذلك محكمة قيافا، ويختلطوا بالحاضرين دون أن يُميزوا بين الجنود والشّهود الكذبة، لأن كل الأشخاص الآخرين كانوا سيطردون. أمثال نيقوديموس ويوسف الرامى، وأشخاص آخرين حسنى النيّة من أعضاء هذا المجلس، أما التلميذان فقد تعهدوا لهما أن يجعلوهما يعرفان ما سيحدث في المجلس .
في أثناء ذلك تجوّل يهوذا فوق وأسفل المنحدرات الشّديدة الانحدار والموحشة التي بجنوب أورشليم، اليأس موسوم على هيئته، والشّيطان يتّبعه ذهابا وإيابا، يملأ خياله بكل الرؤى المظلمة، ولا يسمح له بلحظة راحة واحدة.

الفصل السابع عشر
أعداء يسوع يتحايلون لتنفيذ مؤامراتهم ضده

بمجرد أن اُعتقل يسوع حتى تم إبلاغ حنان وقيافا، وبدءا فوراً فى إعداد مؤامرتهم فيما يتعلق بالأعداد لما سُيتّبع. رتبا كل شئ على عجل, أضيئت الغرف ووضُع الحرّس علي المداخل، والرسل بُعثوا إلى أجزاء المدينة المختلفة ليدعو أعضاء المجلس والكتّبة وكل من له دور في المُحاكمة. تجمّع كثيرون منهم في دار قيافا عندما تم الاتفاق مع يهوذا الغادر، ومكثوا فيه لينتظروا سياق الأحداث, كما تجمع الفريسيون والصديقيون وأعضاء حزب هيرودس في أورشليم من كل النواحي للاحتفال بالعيد، وكان لديهم تقارير مطّولة من المجلس عن القبض على يسوع، أرسل رؤساء الكهنة لمن عرفوا إنهم معارضون ليسوع، وطلبوا منهم أن يجمّعوا الشّهود وكل برهان ممكن، ويُحضروا كل شئ أمام المجلس. كان الصديقيون المتفاخرون الذين من الناصرة ومن كفر ناحوم ومن سلوام الذين وبخهم يسوع كثيراً أمام الشعب، مستعدين حتى الموت أن ينتقموا منه. لذا أسرعوا إلى كل الحانات ليبحثوا عن أولئك الأشخاص الذين عرفوا إنهم أعداء ليسوع، وعرضوا عليهم رشاوى من أجل أن يضمنوا وجودهم. لكن باستثناء بضع الافتراءات السخيفة، التي كانت لتفنّد حالما تُحقّق، لاشيء ملموس كان ممكن أن يقدّم ضد يسوع، باستثناء تلك التهم الحمقاء التي كان يسوع قد دحضها كثيراً في المجمع .
أسرع أعداء يسوع بطريقة أو بأخرى، إلى محكمة قيافا، يرافقهم كتّبة وفريسيو أورشليم، وعديد من التّجار الذين طردهم يسوع من الهيكل عندما أقاموا السوق هناك؛ كما رافقهم أيضا علماء الناموس الذين أسكتهم يسوع أمام كل الشعب، وحتى بعض الذي لم يستطيعوا أن يغفروا له المهانة التى تعرضوا لها عندما علمهم في الهيكل عندما كان فى سن الثانية عشرة. كان هناك أيضا حشد كبير من الخطاة الغير نادمين الذين رفض أن يشفيهم، لعودتهم للخطايا التي كانت سبب أمراضهم، وفتية دنيويين رفض يسوع أن يكونوا تلاميذ له، وبعض الأشخاص الجشعين أغضبهم يسوع بسبب المال الذي الذى كانوا يأملون فى امتلاكه ووزعوه بنوع من الرياء على الفقراء. كان هناك أيضاً الذين شفى يسوع أقرباءهم، وقد خابت توقعاتهم فى أن يرثوا أملاكهم؛ وفاسقين تابت ضحاياهم على يد يسوع؛ وعديداً من الأشخاص الحقراء الذين جمعوا ثرواتهم بطرق غير شريفة
كل مبعوثي إبليس هؤلاء كانوا يفيضون بالغضب ضد كل شيء مقدّس، وبكراهية متعذر وصفها ضد قدوس القديسين. لقد كانوا مُحرّضين للغاية من قبل أعداء يسوع، ولهذا تجمعوا في حشود حول قصر قيافا، ليقدّموا كل اتهاماتهم الباطلة وسعوا أن يغطوا هذا الحمل الذى بلا عيب بالعار، هذا الحمل الذي اخذ على نفسه كل آثام العالم، وقبل الصليب ليصالح الإنسان مع الرب.
بينما كانت كل هذه الكائنات الشّريرة تتلقن ما يجب أن تفعله، كان الألم والقلق يملآن قلوب رفاق يسوع، لأنهم كانوا جاهلين بالسر الذي كان على وشك أن يتمّ، وكانوا هائمين متحسرين ويستمعون لمختلف الآراء. كل كلمة نطقوها سبّبت مشاعر مشابهة فى قلوب من خاطبوهم، وأن صمتوا كان صمتهم يُعتبر خطأ. عديد من حسنى النيّة لكنهم ضعفاء وذو شخصيات مترددة خضعوا للتجربة، لقد روّعوا وفقدوا إيمانهم؛ حقاً أن الذين ثابروا كان عدداً محدوداً جدا. أمور تشبه كثيرا مما‏ يحدث الآن، عندما يكون هناك أشخاص يرغبون فى خدمة الرب إن لم يواجهوا بمعارضة من زملائهم ويخجلون من الصّليب إن حُمل باحتقار. قلوب البعض كانت متأثرة بالصّبر البادي على يسوع في وسط آلامه، وانصرفوا صامتين حزانى.


الفصل الثامن عشر
نظرة على أورشليم

الصّلوات المألوفة والإعداد للاحتفال بالعيد كان يشغل الجزء الأعظم من مدينة أورشليم الكثيفة السكان، بينما غط الغرباء الذين تجمعوا هناك فى النوم بعد إعياء اليوم، عندما أُعلن القبض على يسوع، اندهش كل شخص، سواء أصدقائه أو خصومه، واستجاب البعض فى الحال لدعوة رئيس الكهنة لحضور المحاكمة، وتركوا منازلهم للتّجمّع في ساحته. مكّن ضوء القمر البعض من أن يتلمّسوا طريقهم بأمان على طول الشّوارع المظلمة والكئيبة، لكن في أجزاء أخرى اضطروا لاستعمال المشاعل. قليل جدا من المنازل قد شيدت بنوافذ تطل على الشّارع، وبشكل عام فإن أبوابها كانت في الساحات الدّاخلية، مما أعطى الشّوارع مظهراً كئيباً أكثر من المعتاد في هذه السّاعة. خُطى الجميع كانت متجه نحو جبل صهيون، وأى مُستمع مستيقظ كان يمكنه أن يسمع أشخاصاً يقفون على أبواب أصدقائهم ويقرعون ليوقظوهم ويستعجلوهم، ثم يتوقّفون ثانية كى يسألون الآخرين، وأخيرا يسرعون نحو صهيون. تجار الأخبار والخدام كانوا يتعجّلون أن يتحقّقوا مما يحدث، من أجل أن يرجعوا ويقدموا تقريراً لمن مكثوا في البيوت؛ وكان تثبيت وتحصين الأبواب يُسمع بوضوح، كما أن عديداً من الأشخاص كانوا حذرين وخائفين من التمرد، بينما قيلت آلاف المقترحات المختلفة وأعطت آراء، كالتّالي : " أن لعازر وأختيه سيعرفون قريبا من هو هذا الرّجل الذي وضعوا فيه مثل هذه الثقة القوية, يونَا وخوزِي وسوسنه ومريم أمّ مرقص وَسَالُومَةُ سيندمون، لكن متأخراً جداً, حماقة تصرفهم؛ سيرغم سيرفيا زوجة سيراخ على الاعتذار لزوجها الآن، لأنه انتقدها كثيراً جدا بتحيزها للجليلي. إن المنحازين لهذا الرّجل المتعصّب، هذا المحرّض على التمرّد، الذى زعم أنه ممتلئ بالشّفقة لن يعرفوا الآن أين يخفون رؤوسهم. إنه لن يجد الآن أحد يلقى ملابسه وينثر أغصان الزيتون عند قدميه. أولئك المنافقون الذين زعموا إنهم أفضل كثيراً من الأشخاص الآخرين سينالون عقوبات مُستحقة، لأنهم متورّطون جميعاً مع الجليلي. إنه عمل جدّي أكثر بكثير مما قد ظُن في بادئ الأمر. أنى لأحبّ أن اعرف كيف سيخرج نيقوديموس ويوسف الرامى منه؛ إن رؤساء الكهنة قد ارتابوا فيهما لبعض الوقت؛ لقد جعلوا من لعازر قضية عامة لكنهم مخدعين بشدة. أن كل شئ سيُكشف الآن على أية حال "
كلام مثل هذا قد نُطق من قبل أشخاص ساخطين، ليس فقط ضد تلاميذ يسوع، بل ضد النّساء القديّسات أيضاً اللاتي كن يجهّزن احتياجاته الدّنيوية، وكن يجهرون علانية وبجراءة بتبجيلهن لتعاليمه وبإيمانهن بمهمته الإلهية.
لكن مع أن عديداً من الأشخاص تكلّموا عن يسوع وتلاميذه بهذا الأسلوب المحتقر، إلا أنه كان هناك الآخرون الذين تمسكوا بآراء تختلف تماماً، وبعض من هؤلاء قد خاف، وآخرون، لكونهم مغلوّبين بالحزن، التمسوا أصدقاء يجدون لديهم العزاء لقلوبهم، والذين يستطيعون أمامهم أن يعطوا متنفساً لمشاعرهم بلا مخافة؛ لكن عدد الذين كان لديهم الجسارة فى إعلان ولائهم ليسوع علانية كان قليلاً.
وعلى الرغم من هذا، حدثت بعض الاضطرابات فى بعض أجزاء أورشليم, في الأجزاء التى وصلها رّسل من قبل رؤساء الكهنة والفريسيون، ليدعوا أعضاء المجلس للاجتماع وكي يدعون الشّهود. لقد ظهرت لي ورأيت مشاعر الكراهية والغضب تجتاح أجزاء مختلفة من المدينة، تحت شكل نيران، نيران تعبر الشّوارع، تتّحد بنيران أخرى وتمضى فى اتجاه جبل صهيون، كانت النيران تتزايد فى كل لحظة وجاءت أخيرا لتستقر عند محكمة قيافا، حيث استقرت مُشكّلة معاً عاصفة من النّار.
لم يكن للجنود الرّومان أى دور فيما يحدث؛ إنهم لم يفهموا مشاعر الشعب الغاضبة، لكن حراسهم تضاعفوا، اُستدعيت كتائبهم، واحتفظوا بمظهرهم الصارم؛ حقا كان هذا مألوفاً في ذلك الوقت بسبب عيد الفصح، وبسبب الأعداد الغفيرة للغرباء الذين يتجمعون فى المدينة. حاول الفريسيون أن يتجنّبوا الاقتراب من الحرس، خوفاً من أن يسألوهم، ومن التخلص من التدنس من قبل أجابه أسئلتهم.
أرسل رؤساء الكهنة رسالة إلى بيلاطس يعلنوا له فيها أسباب إرسالهم لجنود حول أوفيل وصهيون؛ لكنه ارتاب في نواياهم، أنه لم يستطيع أن ينام، بل تجول معظم اللّيل، يصغي إلى التّقارير المختلفة ويصدر أوامر متتالية بناء على ما يتلقاه من بيانات؛ نامت زوجته، لكن نومها تخللته أحلام مخيفة، وناحت وبكت بشكل متعاقب.
لم يتسبب اعتقال يسوع فى أي نوع من مظاهر الأسى فى أى بقعة من أورشليم كما حدث من سّكان أوفيل الفقراء، الذين يعمل جزء عظيم منهم كعمالة مؤقتة والباقين منهم موظفين فى مكاتب حقيرة في خدمة الهيكل. لقد جاءتهم الأخبار بشكل غير متوقّع؛ لأول وهلة شّكوا في صدق التّقرير، وتردّدوا بين الأمل والخوف؛ لكن منظر سيدهم، مانحهم النعم، مُعزيهم، مجروراً فى الشّوارع، مكُدّم وممزّق، ويساء معاملته بكل الطرق القابلة للتخيل، ملأهم بالرّعب؛ وحزنهم ازداد بمنظر أمه المكلومة وهى تجوّل هائمة من شّارع إلى شّارع، يرافقها بعض النّساء القدّيسات، ويسعين إلى الحصول على بعض الأخبار بخصوص ابنها الإلهى. هؤلاء النّسوة القديسات قد اضطررن إلى أن يختبئن في الزّوايا وتحت المداخل خوفاً من أن يكنّ مرئيات من قبل أعداء يسوع؛ لكن حتى مع هذا الحذّر كن كثيرا ما‏ يتعرضن للإهانات ويعتبرن كنساء من النوع السيئ, كانت مشاعرهن تهان على نحو متكرر من قبل سماع الكلمات المؤذية ومن تعبيرات الانتصار من اليهود القساة، ونادرا، نادرا جدا، ما كانت كلمات الشّفقة أو الرّحمة تصل لأسماعهم. لقد استنزفن بالكامل قبل وصولهن لمكانهن، لكنهن سعين إلى مواساة ومساندة كل منهن الأخرى، ولفّفن المناديل على رؤوسهن. عندما جلسن أخيرا، سمعن طرقاً مفاجئاً على الباب، أصغوا بسكون, تكرّر الطرق، لكن بهدوء، لهذا تأكدن أن الطارق ليس بعدو، ومع ذلك فتحن الباب بحذر، مخافة البراعة في الخِداع‏. لقد كان حقا صديق، فسألنه بلهّفة، لكنهن لم يتلقين أى تعزية من كلماته؛ لهذا، عجزن أن يسترحن، خرجن وسرن لبعض الوقت، وبعد ذلك رجعن ثانية إلى مكانهن وهن منسحقات القَلْب‏ أكثر من ذى قبل.
كان أغلب التلاميذ هائمين على وجوههم بين الوديان التي تحيط بأورشليم، وفي بعض الأوقات التجئوا إلى مغارات أسفل جبل الزيتون. بدءوا يتكلمون بنبرات مرتجفة واتصل بعضهم ببعض، وسكنوا فى هدوء وبدون جلبة. أولاً أخفوا أنفسهم في أحد المغائر وبعد ذلك فى مغارة أخرى، بعد ذلك سعوا إلى أن يرجعوا إلى المدينة، بينما تسلّق البعض منهم قمة جبل الزيتون ونظروا بحرص على المشاعل، ليتبينوا من ضّوئها ما يحدث فى صهيون؛ لقد استمعوا لكل صوت بعيد، خمنوا ألف تخمين مختلف، وبعد ذلك رجعوا إلى الوادي، علي آمل أن يحصلوا على بعض الأخبار‏.
أنيرت الشّوارع التى بجوار محكمة قيافا بالقناديل والمشاعل بشكل ساطع، الحشود كلما تجمّعت، كلما ازدادت الضّوضاء والفوضى. اختلطت أصوات الوحوش التي كانت خارج أسوار أورشاليم بهذه الأصوات ومأمأة الخراف. كان هناك شيء ما مؤثر في مأمأة تلك الخراف التي كانت ستُقدم كذبيحة فى اليوم التالي في الهيكل، الحمل الوحيد الذى كان على وشك أن يُقدم كذبيحة بإرادته لم يفتح فاه، كخروف بين يدي الجزار، لم يقاوم، أو كحمل صامت أمام ذابحه؛ وذلك الحمل كان حمل الرب, الحمل الذى بلا عيب, حمل الفصح الحقيقي, يسوع المسيح ذاته .
بدت السّماء مظلمة، كئيبة ومُنذرة, القمر كان محمراً ومُغطّي ببقع شاحبة؛ بدا كما لو أنه يرهب أن يصل إلى كماله، لأن خالقه كان عليه أن يموت.
بعد ذلك ألقيت نظرة خارج المدينة، وقرب البوّابة الجنوبية، نظرت الخائن، يهوذا الأسخريوطى، هائماً على وجهه، وحيداً، وفريسة لعذاب الإحساس بذنبه؛ خائفاً حتى من ظله، وقد تبعته عديد من الشّياطين، الذين سعوا أن يحولوا مشاعر النّدم إلى مشاعر من اليأس الأسود. آلاف الأرواح الشّريّرة كانت تنشط نفسها في كل الأجزاء، لتُغرى الإنسان بخطيئة واحدة وبعد ذلك بالأخرى. بدا كما لو أن أبواب الهاوية قد فتحت، وإبليس يكافح بجنون ويمارس طاقاته الكاملة ليزيد من ثّقل الإثم الذي أخذه الحمل الذى بلا عيب على نفسه.
تردّدت الملائكة بين البهجة والأسى؛ لقد رغبوا بتوهج أن يسقطوا ساجدين أمام عرش الرب، وأن يحصلوا على أذن أن يساعدوا يسوع؛ لكن في نفس الوقت كانوا ممتلئين بالدّهشة، واستطاعوا فقط أن يمجّدوا معجزة العدل الإلهى والرحمة التى وُجدت في السّماء منذ الأزل وإلى الأبد، والتى على وشك أن تتمّ؛ لأن الملائكة تؤمن مثلنا بالرب، الأب القدير، خالق السّماء والأرض، وبيسوع المسيح، أبنه الوحيد، إلهنا، الذي حُبل به من الروح القدس، وولد من مريم العذراء، والذي بدأ فى هذه اللّيلة يتألم فى عهد بيلاطس البنطى، وفى اليوم التالي سيصلب، ليموت ويدفن؛ ينزل إلى الهاوية، يقوم ثانية فى اليوم الثالث، يصعد إلى السّماء، يجلس على يمين الرب الأب القدير، ومن هناك يأتى ليدين الأحياء والأموات؛ ويؤمنون أيضاً بالروح القدس، بالكنيسة المقدّسة، بشركة القديسين، بمغفرة الآثام، بقيامة الأجساد والحياة الأبدية .



39
الفصل الرابع عشر
يسوع في بستان الزّيتون
عندما ترك يسوع عُلية صهيون مع الأحد عشر تلميذاً بعد أن أسس سر العشاء الرباني، كانت نفسه مُضطربة بعمق وحزنه فى ازّدياد. فسار مع الأحد عشر فى طريق مهجور، إلى وادي يَهُوشَافَاطَ. عندما تركوا الدّار لم يكن القمر قد ارتفع بعد.
بينما كان إلهنا القدوس يجوّل مع تلاميذه حول الوادي، اخبرهم أنه سيعود يوما ما ليدين العالم، لكن ليس في حالة فاقة واتضاع، كما هو عليه الآن، وأن هؤلاء البشر سيرتعدون من الخوف وسيصيحون : " أسقطي علينا أيتها الجبال! " فلم يفهمه تلاميذه واعتقدوا, وهذا ليس لأول مرة فى تلك اللّيلة, أن الضّعف والإعياء قد أثّرا على تفكيره. فقال لهم ثانية : " ستشكون جميعكم فيّ هذا اللّيلة. لأنه مكتوب. أنى سأضرب الرّعاة وسيتشتت غنم القّطيع. لكنى سأقوم ثانية، وسأسبقكم إلى الجليل. "
ولأن التلاميذ كانوا ما زالوا متأثرين بدرجة ما بروح الحماس والولاء الذي تلقوا به القربان المقدس المبارك ومن كلمات يسوع المهيبة والمؤثّرة التى ألهمها فيهم. فقد احتشدوا بلهّفة حوله، واظهروا محبّتهم بأساليب متباينة، محتجّين بجديةّ إنهم لن يتركوه. لكن يسوع استمرّ يتحدّث بنفس الإجهاد، فصاح بطرس: " ولو شك فيك الجميع فأنا لن أشك! " فأجابه الرب: " آمين، أنى أقول لك, إنه فى تلك اللّيلة، قبل صياح الدّيك, ستنكرني ثلاث مرات. " لكن بطرس ظل يصرّ، قائلاً : " نعم، حتى لو اضطررت أن أموت معك, فأنا لن أنكرك" وقال الآخرون كلهم نفس الشيء.
ساروا وتوقفوا عدة مرات لأن حزن الرب استمرّ فى ازدياد. حاول التلاميذ أن يريّحوه ببراهين بشرية ويطمئنوه أن ما يتوقعه لن يحدث. لقد أجهدوا أنفسهم بهذه الجهود العقيمة، ثم بدءوا يشكّون وقد هاجمتهم التجربة.
عبروا مجرى قدرون، عن طريق جسر غير الجسر الذى عبروه بعد بضع ساعات بعد ذلك عندما اُخذ يسوع سجيناً، بل عن طريق آخر، لأنهم تركوا الطّريق المباشر. كانت جَثْسَيْمَانِي، حيثما كانوا مزمعين أن يذهبوا, على بعد حوالي ميل ونصف من علية صهيون، لأن العلية كانت على بعد ثلاثة أرباع ميل من وادي يهوشافاط.
الموضع المُسمى جَثْسَيْمَانِي ( حيث كان يسوع مُعتاد أن يقضى وقت يسيرا أثناء اللّيل مع تلاميذه ) عبارة عن بستان كبير مُحاط بسياج، ويحتوى على بعض أشجار الفاكهة والزهور، بينما توجد خارجه بضع بنايات خربة ومهجورة. كان لدى التلاميذ وبضع أشخاص آخرون مفاتيح هذا البستان، الذى كان يُستعمل أحيانا كأرض تقام بها الاحتفالات، وأحيانا كمكان خلوة للصّلاة. كانت هناك بعض التعاريش المصنوعة من أغصان الشجر،
مكث ثمانية من التلاميذ فى بستان الزّيتون وقد لحق بهم الآخرين بعد ذلك. البستان كان منفصل عن جَثْسَيْمَانِي بواسطة طريق، وكانت مفتوحة ومحاطة فقط بحائط ترابي وهي أصغر من بستان جَثْسَيْمَانِي . كانت هناك مغائر وشوارع وعديد من أشجار الزيتون، وكان من السهل أن توجد هناك بقعة مناسبة للصّلاة والتّأمل. ذهب يسوع ليصلّي فى الجزء الأكثر وحشة.
كانت حوالي الساعة التاسعة ليلا عندما وصل يسوع مع تلاميذه إلى جَثْسَيْمَانِي . ارتفع القمر وبزغ نوره بالفعل في السّماء، مع أن الأرض كانت لا تزال مظلمة. كان يسوع أكثر حزنا وأخبر تلاميذه أن الأمر اقترب. شعر التلاميذ أنه مضطرب، وطلب من ثمانية من تلاميذه الذين كانوا يتبعونه أن يمكثوا بينما ذهب هو ليصلّي. أخذاً معه بطرس ويعقوب ويوحنا، وذهب هناك إلى مسافة قليلة داخل بستان الزّيتون.
لا توجد كلمات ممكن أن تصف الحزن الذي تعذبت به نفسه حينئذ، لأن الوقت كان قد اقترب. سأله يوحنا كيف يكون مُوهَن العزيمة‏ هكذا وهو من كان يواسيهم دائما؟ كانت إجابة يسوع " نفسي حزينة حتى الموت ". ونظر الآلام والتجارب التى تحيط به من كل جانب تقترب أكثر وأكثر، تحت أشكال صور مخيفة حُملت على السحب. حينئذ قال لتلاميذه الثّلاثة : " امكثوا هنا واسهروا معي. صلّوا لئلا تدخلوا في تجربة " ذهب يسوع بضع خطوات نحو اليسار، أسفل ربوة، وأخفى نفسه تحت صخرة، في مغارة عمقها حوالي ستة أقدام، بينما مكث التلاميذ في تجويف من أعلى. كانت الأرض تغرق تدريجياً فى الظلمة كلما دخلت هذه المغارة، وحَجَبت النّباتات التي كانت معلّقة على الصّخور ما بداخلها من أشخاص مثل ستار. عندما ترك يسوع تلاميذه، رأيت عديداً من الأشكال المخيفة تحيط به في دائرة مستمرة فى الضيّق.
لقد كان حزنه وألام نفسه فى ازدياد، وكان يرتعد بالكامل عندما دخل الكهف ليصلّي، مثل عابر طريق مُرهق مُسافر يطلب ملجئاً من زوبعة مفاجئة، لكن الرّؤى المرعبة تّبعته حتى هناك وأصبحت واضحة أكثر فأكثر ومميّزة. واحَسْرتاه‏! إن هذه المغارة الصّغيرة بدت أنها تحتوي على صّورة مرعبة من كل الآثام التي اُرتكبت أو سترتكب منذ سقوط آدم وحتى نهاية العالم، والعقاب الذى يُستحق عنها كان هنا على جبل الزيتون، أنها المأوى الذي اتخذه آدم وحواء عندما طردا من الفردوس ليجوّلا هائمين على الأرض، وقد بكيا وناحا على نفسيهما في ذات هذه المغارة .
لقد شعرت أنّ يسوع، بتسليم نفسه للعدل الإلهى برّضى لأجل آثام العالم، أوجب على لاهوته أن يتراجع، بطريقة ما، نحو حضن الثّالوث القدوّس، مًركّزاً نفسه، إن جاز التعبير، في بشريته النقية, المُحبّة والبريئة والقوية فقط في محبتّها التى تفوق الوصف، مُعطيها الألم والمعاناة بلا حدود.
لقد سقط على وجهه، مغموراً بحزن لا يُوصف، وظهرت أمامه كل آثام العالم، تحت أشكال غير معدودة وبكل فسادها الحقيقي. لقد أخذها جميعاً على نفسه، وفي صلاته قدم شخصه الحبيب إلى عدالة أبيه السّماوي، في سداد دين بَغيض‏ جدا. لكن إبليس، الذي توّج وسط كل هذا الرّعب، كان ممتلئ ببهجة شّيطانية برؤيته لهذا الدين، أطلق غضبه ضد يسوع، وأظهر أمام أعينه رؤى مرعبة بازدياد، في نفس الوقت وجه نحو إنسانيته الحبيبة كلمات مثل هذه : " أتأخذ حتى هذه الخطايا على نفسك؟ أترغب فى أن تتحمل عقوبتها؟ هل أنت مستعدّ أن تسدِّد دين‏ كل هذه الآثام؟ "
نزل من السّماء شعاع طويل من النور، كطريق مضيء في الهواء؛ لقد كان ذلك موكبا من الملائكة أتوا إلى يسوع وقووه ونشّطوه.
تأمل الرب يسوع


لا أحدُ يُصدق أننى عرّقتُ حقاً دمَاً فى تلك اللّيلةِ في جسثيمانى، وقليلين يؤمنون أننى عَانيتُ أكثر بكثيرَ مما عانيته في سّاعاتِ الصّلبِ. لقد كانت هذه الساعات أكثر ألماً لأنه كُشفَ لى بوضوح أن آثام كل شخصِ قَدْ صارت آثامي وأنني يَجِبُ أَنْ أُجيبَ عن كل أحد. وهكذا أنا البريء النقي، أجبت الآب كما لو أنى كُنْتُ حقاً مذنباً بالتّضليلِ وبكل التّلوّثِ الذى تُرتكبونه يا أخوتي.
أنكم تُهينون الرب الذي خَلقكَم لتَكُونَوا آداه عظمةِ الكون ولم يخلقكم لتضلوا عن الطّبيعةِ المُعطاة لكم بغرضِ أن تأخذوا تدريجياً تلك الطّبيعةِ التى ستَقُودكِم لتَنْظروا تجلّي ذاتي الإلهيّة النقية، أنا خالقكَم. لذلك، جُعِلتُ لصاً، قاتلاً، زانياً، كاذباً، شخصاً مدنِّساً‏, شتّاماً, مشوِّه السّمعة‏, ومتمرّداً ضد الآب الذي أحَببتُه دائماً.
لقد كان التباين الكامل بين محبّتي للآب وبين إرادته السبب فى أن أعرق دّماًِ. لكننى أطِعتُ حتى النّهايةِ ومن أجل محبّتي لكل شخصِ، غَطّيتُ نفسي بالذّنوبِ حتى أستطيع أَنْ أنفذ إرادة أبى وأن أخلصكم من الدينونة الأبدية .
تأملوا بكم كثير من المعاناةِ الإنسانيةِ كان على أكابد فى تلك اللّيلةِ، وصدقوني، ما من أحد كان يقدر أَنْ يُخفّفَ مثل هذا الألمِ لأنني بالمقابل كُنْتُ أرى كيف أن كل واحد منكم قد كَرّس نفسه أن يَجْعلَ موتي قاسياً في كل لحظةِ ألم أُعطيت لي من جراء الإساءات التي كان علىّ أن أسدد عقوبتها بالكامل. أريدكم أن تعلموا مره أخرى كيف أنى قد أحببت كل البشر في تلك الساعة التى كان فيها الهجر والحزن بلا سبب
فى آلامي أُريدكَم أَنْ تأخذوا فى الاعتبار قبل كل شيء، المرارة التي سببتها معرْفتي للآثامِ التى تَظلمِ فكر البشر، التى تَقُود فكرهم نحو الانحراف. إن هذه الآثامِ تكون مَقْبولُة منكم فى أغلب الأوقات كثمرةِ ميولِ طّبيعيةِ، تدعون أنها لا يُمكنُ مُقَاومَتها بإرادة المرء. اليوم كثيرون ممن يحيِّون في خطايا مُهلكةِ، يلومون الآخرين أو القضاء والقدر، بدون أن يحاولوا التَخَلُّص منها. لقد رَأيتُ هذا في جَثْسَيْمَانِي وعَرفتُ الشر العظيمَ الذى ستواجهه نفسى. لقد رأيت كثيرون جداً يفْقدونُ بالرغم من ذلك وكم عَانيتُ من أجلهم! إن هؤلاء الملائكةِ قَدْ طَمأنوني على محبّتكَ أيها الآب، وهذه البهجةِ التى أرسلتها لى، قَدْ صنعت عملاً حسناً بالرغم من مقاومتي الطّبيعيةِ.

أمتلئ بقيّة الكهف برّؤى مخيفة من جرائمنا؛ لقد أخذها يسوع كلها على نفسه، لكن ذلك القلب الحبيب، الذي امتلأ بالحبّ الكلّي الكمال نحو الرب والإنسان، قد فاض بالألم وغُمر تحت ثقّل كثير جدا من الجرائم البغيضة. عندما عبرت هذه الكتلة الهائلة من الآثم على نفسه وصارت كأمواج محيط لا يسبر غوره، قدّم الشيطان له تجارب غير معدودة، كما فعل سابقاً في البرية، حتى تجاسر أن يقدّم اتهامات متعدّدة ضده. لقد صاح : " خذ كل هذه الأشياء على نفسك, هل لن تلوث نفسك " ثم وضع الرب فى الاتهام بوقاحة جهنمية، مضيّفاً جرائم خيالية. لقد انتقده بعيوب تلاميذه، الافتراءات التي سبّبوها، والاضطرابات التى سبَّبها للعالم بالتخلي عن العادات القديمة.
ولولا كونه حكيماً وصارماً، لكان من الممكن أن يفيق الشيطان فى هذه المناسبة؛ لقد انتقد يسوع لكونه كان سببا لمذبحة الأطفال، وتسبب أيضا فى آلام والديه في مصر، ولكونه لم ينقذ يوحنا المعمدان من الموت، ولكونه جلب الانشقاق في العائلات، حامياً رجال ذى شخصيات هزيلة، وأنه رفض أن يشفي أشخاصاً عديّدين، أنه ظَلَم‏ سكان الجرجسيين لكونه سمح للأرواح النجسة أن تدخل الخنازير مما جعلها تلقى بنفسها في البحيرة؛ ولكونه هجر عائلته وبدد ملكية الآخرين؛ بكلمة واحدة، حاول أن يجعل يسوع يتردّد، لقد اقترح عليه كل فكر ممكن أن يغري به أى مُحتضر في سّاعة الموت وأن ما يريد أن يفعله لهو فوق قدرة البشر؛ لأنه قد أخفي عنه أن يسوع هو ابن الرب، وأغراه فقط كما يفعل مع كل البشر. إن مٌخلّصنا الإلهى أجاز بهذا لإنسانيته أن تخفى لاهوته، لأنه سرّ أن يتحمّل حتى ذلك الإغراء الذي يُهاجم النفوس المقدّسة في سّاعة الموت فيما يتعلق باستحقاق أعمالهم الجيدة. حتى أنه شرب كأس الألم حتى الثّمالة، لقد أجاز للرّوح الشّريّر أن يُجرب إنسانيته المقدّسة، كما يُجرب الإنسان الذي يجب أن يرغب فى أن ينسب إلى أعماله الجيدة بعض القيمة الخاصّة في نفسه، بالإضافة إلى ذلك ما يمكن أن يأخذه من قبل اتحاده باستحقاقات مُخلّصنا. لم يكن هناك فعل لم يستطيع أن يُشكل به بعض الاتهامات، وانتقد يسوع بأشياء أخرى كثيرة.
من بين آثام العالم التى أخذها يسوع على نفسه، رأيت آثامي أنا أيضا بوضوح وظهرت كل عيوبي تتدفّق نحوه من خلال التجارب التي أحاطت به. خلال هذا الوقت ثبّت عيناي على عريسي السّماوي؛ بكيت معه وصلّيت، والتفت معه نحو ملائكة المواساة. آه، إن إلهنا العزيز قد تلوّى حقا تحت ثقل آلامه وأحزانه !
بدا يسوع هادئاً في بادئ الأمر، بينما كان جاثياً على ركبتيه يصلّى، لكن بعد فترة صارت نفسه فزعة برؤية جرائم البشر الغير معدودة، وجحودهم نحو الرب، وألمه كان عظيماً جدا حتى أنه ارتعد وارتجف بينما يصيح : أبتاه، إن أمكن، فلتعبر هذه الكأس عنّي! أبتاه، إن كل الأشياء ممكنة لك, أزل هذه الكأس عنّي! " لكنه أضاف فى اللّحظة التالية: " ومع هذا، لتكن لا مشيئتى بل مشيئتك " أن مشيئته ومشيئة أبيه واحدة، لكن حبّه قد أستوجب أن يُترك الآن إلى كل ضعف طبيعته البشرية، لهذا ارتعد بمشهد الموت.
لقد رأيت المغارة التي كان راكعاً فيها ممتلئة بأشكال مخيفة؛ رأيت كل الآثام والفجور والرذائل وجحود البشرية تعذّبه وتسحقه إلى الأرض؛ لقد رأيت رهبة الموت والرّعب الذي شعر به كإنسان ينظر الآلام التّكفيرية التى كانت على وشك أن تقع عليه، تحيط به وتهاجم شخصه الإلهى تحت أشكال خيالات قبيحة. لقد سقط من جانب لآخر، شابكاً يديه؛ تغطّى جسده بعرق بارد وارتعد وارتجف. ثم نهض، لكن ركبتيه كانتا تهتزان وبالكاد تقدران على حمله؛ وجهه كان شاحباً، وتبدل مظهره تماما، شفتاه كانت بيضاء وشعره غير مُرتب.
تأمل الرب يسوع
آلامي... يا لها من هاوية بلا قاع من المرارةِ قد الّتفت علىّ! كم يخطئ كثيراً من يظن أنه يَفْهمها، على الرغم من إنهم يُفكّرونُ فقط فى آلامي الجسدية الرهيبة .
أبنائي، لقَدْ ادخرت لكم مشاهد أخرى من المآسيِ الأساسية التي عِشتُها وأَرْغبُ أَنْ أَتقاسمها معكَم لأنكم من هؤلاء الذين أعطاهم لى الآب في البستان .
أحبائى، تعلّمُوا منى أن الشيء الضّروريِ الوحيدِ، حتى وإن تمردت طبيعتكَم عليكم، هو أَنْ تُقدّمَوا نفوسكم بتواضع وأَنْ تَُسلمَوا نفوسكم كى تتحقق إرادة الرب فيكم.
لقد أردت أيضا أَنْ أُعلّمَ النفوس أن كل الأعمال الهامة يَجِبُ أَنْ تُعدً وأن تُنشط من خلال الصّلاةِ. فبالصلاةِ تتحصن النفس ضد أكثر الأشياءِ صعوبة والرب يَتّصلِ بهاِ ويَنْصحها ويُلهمها حتى لو لم تكن مدركة لذلك .
لقد انسحبتُ إِلى البستان مع ثلاثة من تلاميذي، لأُعلّمهم أن قوى النفس الثّلاث يَجِبُ أَنْ تُرافقَهم وأن تُساعدهم في الصّلاةِ.
تذكّرْوا المعونات الإلهية، كمال الرب, شفقته، قوته، رحمته والحبّ الذي يكنه لكم. بعد ذلك، انظروا بّفهمِ كيف تكافئوه عن الأعاجيبِ التي صنعها من أجلكم.... من خلال الصّلاةِ، في انزوائكم وصمتكَم، اَسْمحُوا لأرادتكم أنْ تتُحَرّكُ كى تَعمَلُ المزيد والأفضلَ للرب، وأنْ تكونوا مُكَرّسُين لإنقاذِ النفوسِ، سواء بواسطة عملكمَ الرّسولي أو بحياتكمَ المتواضعةِ والمخفيةِ. اطرحْوا ذواتكم بتواضع كمخلوقاتِ في حضرةِ خالقها، ومَجّدْوا عمله فيكم، مهما كانت تلك الأعمال، مودعين إرادتكم إلى قدوس القديسين .
بهذه الطريقة قدمت نفسي كى أُحقق عمل فداء العالمِ. آه! يا لها من لحظة عندما شَعرتُ بكل ذلك العذابِ آتياً علىّ، العذاب الذى علىّ أَنْ أَعانيه في آلامي : الافتراءات، الإهانات، الجَلْد، الرّكل، إكليل الشّوكِ، العطش، الصّليب. كل ذلك عْبرِ أمام عينيّ في الوقت نفسه الذي اخترق فيه الألم الحاد قلبي؛ الإساءات، الآثام، والبغضة التي ستُرتكبِ بمرورِ الوقتِ. وأنا لم أرها فقط، بل شَعرتُ بها وقد انغرست فىّ بكل بشاعةِ، وبهذه الطريقة قَدّمتُ نفسي إِلى أبي السّماويِ لأناشده الرحمة.
لقد قدمت نفسي كسوسنة لأُهدّئَ غضب الآب وأَسترضىَ عِقابه الإلهي‏. وعلى الرغم من هذا، بكثير جداً من الجرائمِ والآثامِ، اختبرت طبيعتي البشرية آلاماً مُميتة إلى حدّ أنى عرقت دّماُ. هَلْ مُمكن لهذا الألمِ وهذا الدّمِ أن يصْيرا بلا فائدةَ لكثير من النفوس؟ ... أن حبّي كَانَ أصلَ آلامي. إن أنا لم أرد ذلك، من كان سيَكُونَ قادراًَ أَنْ يَمْسّني؟ لقد أردت ذلك وكي أَتمّمَ إرادتي، استخدمت أقسَى مَنْ فى البشر .
قبل الألمِ، عَرفتُ نفسي كل الآلام واستطعت أَنْ أُقيّمها بالكامل. لكن بالرغم من ذلك، عندما أردتُ أَنْ أَعاني، كَانَ عندي الإحساسُ الإنسانيُ بكل هذه الآلامُ. لقد أَخذتُ كل الأحاسيس بالإضافة إِلى المعرفةِ والتّقديرِ الكامل لهاِ.
عند الحديث عن آلامي، لا أستطيع أَنْ اَدْخلَ فى تفاصيل كثيرةً. لقَدْ فعلتُ ذلك فى مرات أخرى ولم تستطيعوا أَنْ تَفْهموا ذلك. ذلك بسبب طبيعتكَم البشرية، أنكم لا تستطيعون أَنْ تبدءوا فهم المدى الهائل للألم الذي عَانيتُه. نعم، أنى أنيركمَ، لكننى أظل داخل حدود لا تستطيعون أَنْ تتخطوها. فقط أمي جَعلتهاُ تعرف كل آلامي، لهذا فهي من تألمت بآلامي أكثر من أي أحدَ. لكن اليوم, سَيَعْرفُ العالمَ أكثر مما سَمحتُ به حتى الآن، لأن أبي يُريد ذلك بهذه الطّريقةِ. لذلك السّببِ، يَزدهرُ شعاع من الحبِّ في كنيستي بسبب كل الظّروفِ المتُغَيِّرةِ التي أَخذتني من البستان إِلى الجلجثةِ. أكثر من أي شخص آخر، أنى أُظهرُ آلامي إِلى الأقرباء الأحباء الذين كَانَوا معي في البستانِ. إنهم قادرون أَنْ يَذْكروا شيئاً ما يُناسب الفكر المعاصرِ. وإن استطاعوا، فهم يَجِبُ أَنْ يفَعلوا ذلك. لهذا يُكتب كل ما أُخبركم به يا صغاري، من أجلكم ومن أجل كثيرين آخرين، من أجل راحة النفوس ومن أجل مجدِ الثّالوثِ القدّوسِ الذي يَرْغبُ فى أن تُعرف آلامي في جَثْسَيْمَانِي .
إن نفسى حزينة حتى الموتِ. فى حين أن الحزنَ لا يُمكنُ أن يَكُونُ سببا طبيعياً ًَللموتِ، لقد أردتُ أَنْ أختبر حزن الرّوحِ، الذي يتَضمّنَ الغيابِ الكاملِ لتأثيرِ اللاهوتِ والحضور المُفجع لأسبابِ آلامي .
فى نفسى, التي كَانتَ تتعذّبُ حتى الموت, كَانتَ توجد كل الأسبابِ التي دْفعتني لأَنْ أَجْلبَ المحبّة إِلى الأرضِ. أولهاً كَانتْ الإساءةَ التى جُعلتْ ضد آلامي الإلهية كإنسان، مع إدراكي الكامل بألوهيتي. أنكمَ لا تستطيعون أَنْ تَجدواَ أي شئ يماثل هذا النوعِ من الألمِ لأن الإنسان الذي أخطأ يَفْهمُ بنوري الجزء الذي يتوافق معه وفى عديد من المرات يفهمه على نَحْو ناقص، أنه لا يفقه ما مدى ما تعنيه الخطية أمامي. لذلك السّبب الرب فقط من يستطيع أن يعرف بوضوح فداحة الإساءة التى قد صُنعت له.
وبالرغم من هذا، يَجِبُ على الإنسانية أَنْ تَكُونَ قادرة على أَنْ تَقدم معرفة كاملة، حُزناً صادقاً، وتوبة إِلى اللاهوتِ، وأنا أستطيع أَنْ أدع الإنسانية تَفعلُ هكذا حينما تَرْيد. في الحقيقةِ أنا أفعَْلُ هذا بتقديم معرفتي التي عَملتُ داخلي كإنسان، كإنسان يحمل وزر الإساءة ضد الرب
هذه كَانتْ رغبتي: أنه من خلالي، سَيكونُ للأثيم التائب وسيلة ليتَقدمِ بها إِلى إلهه مُعترفاً بالإساءة التى أُرتَكَبها، وأنا، في لاهوتي، أستطيع أيضاً أَنْ أتقبل الّفهم الكامل لما قَدْ صُنع ضدي.
لقد كنت حزيناً حتى الموت لرؤيتي هذا التّراكم الضّخم للخطايا التى ترتكب في كل موضع. وإن كان لأجل خطيه واحدة اختبرت موتاً لا شبيه له, فماذا كان علىَّ أن أختبر من أجل مزيج من كل الإهانات ؟ " حزينة هى نفسى حتى الموتُ " حزناً أوهن فىّ كل مقدرة؛ حزناً قد صار له مركزاً فيّ أنا الربوبية, فى تتجمع اتجاهه كل تيارات الذنوب ورائحة نتِانة‏ النفوس التى فسدت من كل أنواع الرّذائل. لهذا السبب كنت أنا الهدف والسهم فى آن واحد, كإله كنت الهدف, وكإنسان كنت السهم. وبمجرد أن غُمرت بكل الخطايا, ظهرت أمام أبى وكأنني الأثيم الوحيد. لا يمكن أن يوجد حزناً أعظم من هذا، وقد أردت أن أناله بالكامل، من أجل محبتي للآب، ومن أجل رحمتي بكم جميعاً .
إن كان الإنسان لا يَنتبهُ إلى هذه الأمور، فأنه يَتأمّلُ فى معاني هذه الكَلِماتِ دون جدوى، تلك الكلمات التي تَتضمّنُ كل جوهري كإله وكإنسان.
انظروا نحوى في سّجنِ الروح العملاقِ هذاِ. هَلْ لا أَستحقُّ الحبّ بعد أن كَافحتُ وعَانيتُ كثيراً؟ هَلْ لا أَستحقُّ من الخليقة أَنْ أُعد من خاصتهمِ، لقد أَعطيتهم نفسي بالكامل بلا أي تحفّظ؟ أَشْربُوا جميعاً من ينبوع صلاحي الذى لا ينضبِ. أشربْوا! ها أنا أقدم لكم حزني في البستانِ؛ أَعطوني أحزانكمَ، كل أحزانكَم. أنى أُريدُ أَنْ أَجْعلَ من أحزانكَم باقة من زهر البنفسجِ، التي يتجه عطرها دائماً نحو ألوهيتي .
" أبتاه، خذُ هذا الكأسِ بعيداً عني إن كان ذلك ممكناً، لكن لتكن لا إرادتي بل أرادتك ." لقد قُلتُ هذا بعلو المرارةِ، عندما صْار الثّقل الذى وضّع علىّ دموياً حتى أنى وَجدتَ نفسى في ظّلمةِ من المستحيل تصديقها. لقد قُلت ذلك للآب لأننى، علاوة على كل الملامةِ، فأنى قَدّمتُ نفسي أمامه كأني الأثيمِ الوحيدِ قبالة كل عدالته الإلهية التى سددتهاَ. وأحسست بالحَرمان منَ ألوهيتي، فقط بشريتى هى التى ظَهرتْ أمامي.
خُذْ منّي آيها الآب، خذ هذا الكأسِ الشديدة المرارةّ التى تُقدّمهاُ لي، والتي قَبلتُها لأجل محبتّكَ عندما جِئتُ إِلى هذا العالمِ. لقَدْ وَصلتُ إلى النقطةِ التي صرت لا أميز فيها حتى نفسي. أنتَ أيها الآب، الذي يَحْبّني، قَدْ جَعلَت الإثم ميراثي وهذا جعل حضوري أمامك لا يطاق. أن جحود البشرِ قد صار مَعْرُوفاً لي, لكن كيف سأَتحمّلُ رُؤيةَ نفسي وحيداً؟ إلهي، لتكن لك رحمةُ لهذه العزلة العظيمةِ التي وَجدتُ نفسي فيها. لماذا تُريدُ أَنْ تَتْركني؟ أي معونة سَأَجدُ إذن في مثل هذا الانسحاق العظيمِ؟ لماذا تَضْربني أنت أيضاً بهذه الطريقة ؟ نعم، أنك تَحْرمني منك. أنى أحس كأنني اَسْقطُ في مثل هذه الهاويةِ التي لا أميز فيها حتى يدّكِ في هذا الوضع المأسويِ. أن الدّم الذي تَسرّبَ خارج جسدي يَعطيكَ شهادةَ عن انسحاقي تحت يدّكِ القويةِ.
هكذا، صَرختُ؛ سَقطتُ. لكنى واصلت: إنك مُحق أيها الآب القدوس أن تَعمَلُ بى ما تُريدهُ. أن حياتي لَيستْ لي، إنها بالكليةً لك. أنى لا أُريدُ أن تكون إرادتى، بل بالأحرىَ إرادتك أنت. لقَدْ قَبلتُ الموت على الصّليبِ، أنى اَقْبلُ أيضا الموتَ الظّاهرى عن ربوبيتى .
إنه العدل. كل هذا يَجِبُ أَنْ أَعطيه لكَ، وقبل ك