عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - my hope

صفحات: [1]
1
شاهد العالم في القرن الماضي والحالي كثير من الحروب والاحداث لكن هل تكون هذه المرة مختلفة. منذ بداية وباء كورونا وهناك نوع من التغير في الحياة وتقريبا كلنا او اغلبنا يرغب ان ترجع الحياة الى ما كانت عليه في العام الماضي, لكن السوال هو هل حقا سترجع. الحقيقة ان لا احد يعلم وانا رايي الشخصي انها لن ترجع بل ان الاوضاع ستنهار. الاذى الذي حل بالنظم الاقتصادية هو كبير لدرجة لا يمكن اصلاحة. هناك نقص كبير بالمواد الغذائية بالعالم لا يعلم عنه الا القليلون. خطة الماسونيين تسير على قدم وساق واغلب الضن ان الله سيسمح بحدوثها هذه المرة لانه لم يعد هناك امل بالبشرية وما لم تتق صفعة قوية لن تنهض من جديد. ربما سنشاهد المزيد من الامراض حتى يقال ان المرض القادم على وشك الضهور وسيضهر علامة على الجلد. طبعا ستنتشر الثورات بالعالم  وتنهار العملات بالعالم وتتوقف التجارة وتبدا الحرب العالمية والمجاعات. نحن كمؤمنين علينا دخول هذه المعركة من جانبين. الجانب الروحي وهو الاعتراف والمصالحة مع الله والجانب المادي وهو التحضر للمجاعة ونقص الغذاء القادم. قد تكون لحذة الانهيار بعد الانتخابات الامريكية باقل من اسبوع وقد تنتظر شهر او شهرين وقد تحدث بعد اغتيال احد الرؤساء. ما اطلب منكم هو تحضير عوائلكم لما سيحدث وعدم التاخر من اليوم. قريبا سترتفع اسعار الغذاء الى ارقام جنونية وستنتشر المجاعة وستتوقف الدول عن بيع الغذاء. ابداو من اليوم بالتخزين ولا تنتظرو . اخزنو المواد التي لا تفسد كالمعكرونة والبقوليات الجافة والعدس والرز والمعلبات. مثلما قلت قد تكون لحظة الانهيار في اقل من اسبوع رجاء لا تسمحو ان تجوع عوائلكم. المؤمنون سيكون اضطهادهم اقوى تحضرو تحضرو تحضرو

2
قبل فترة كنت وضعت احدى رسائل المسيح عن هذا المرض وهنا اضع رسالة اخرى. طبعا هناك مئات الرسائل ولكن هذه الرسالة من مصدر اثق به وهي فسولا رايدن صاحبة الحياة الحقيقية في المسيح. الترجمة تمت عبر الكوكل لذلك عذرا عن اي خطا
قد تنكسر قلوبكم ، وكذلك قلبي
12 أبريل 2020
يا رب!

انا! آه فاسولا! يا طفلي ، رن نغمة من الأمل ، قد تنكسر قلوبكم 1 ، لكنني كذلك ، تعالوا واسكبوا قلوبكم مثل الأنهار أمامي ، أيها الجيل ، ولن تضيعوا! أنا أملك وزوجك ، فأي زوج لن يعتني بأملاكه؟ أنا أرضك الثابتة والآمنة التي تقف عليها ؛

لقد أغضب جيلك أبي بلا حدود. لا تسأل ، "لماذا ضربتنا دون أي أمل في العلاج؟" 2 هل أذكرك كم مرة أخطأت؟ هل أذكرك بعدد المرات التي أبعدتني فيها عن قلبك يا جيل؟ لقد رسمت عليك هذا الشر ، الشر الذي حذرتك منه وتنبأتك بهذه "النار" التي تحرقك من الداخل ؛ اسمعني: ليس هناك مخلص آخر سواي. أنا إلهك وأقول لك مرة أخرى ، لم أحثك ​​على فعل الشر ، وهذا ما تعلمه ؛ لكني أنا رب ومخلص ومن المعروف أني أغفر وأنسى عندما يأتي الخاطئ إليّ بقلب منسحق ويتوب ويطلب الغفران!

فاسولا ، أنا معروف أنني أكون رحيمًا أن أمسح دموع الحزن ، وأن أعتني بقطيعي ، وأعزك ؛ من المعروف أنني ألقيت الحكام وأطيح بالأراضي والممالك ، لذا ، ألست قادرًا على إطفاء مرض شرير لا يمكن السيطرة عليه دمر الكثير منكم؟ لكني احتاج لسماع صراخ التوبة. صلاة أي شخص ومحبة تضحية ستقبلها أنا وأبي ؛ في اليوم الذي ينادي فيه هذا الجيل باسمي سأخلصهم من آلامهم. سأخفف من هذه "العاصفة" بكلمة واحدة قوية للغاية لأنني معروف أنني سأأتي سريعًا لإنقاذ أطفالي ؛ لكن هذا الجيل يصعب الانحناء والتعلم ، حتى الآن عندما يمشون على الفحم الأحمر الحار والجثث ملقاة في أكوام ، فإنهم لا يستمعون إلي ؛

ارسلت لك ايها الجيل العديد من العلامات ولكنك غضت الطرف عنها. لقد بعثت إليكم عبيدي الأنبياء بإلحاح ، في كثير من الأحيان ، لأناشدكم للتوبة والابتعاد عن طرقكم الشريرة وتعديل أفعالك ، لكنكم أغلقتوا أذنيك حتى لا تسمعوا! الآن ترتد ذنوبكم على رؤوسكم.

تأتي! اربطوا أذهانكم بالقداسة ، اربطوا قلوبكم بقلبي الأقدس ، لأقوم بإحيائك ، فأنا رجلك الوحيد ؛ إذن ، لن يخبرك أحد: "لا تخرج إلى الريف ، لا تغامر بالسير على الطرقات" 3 لأن العدو غير المرئي موجود في كل مكان تذهب إليه ؛ أنا معك ، أيها الجيل الجامح ، لأني أب لكم جميعًا. أنتم جميعًا عزيزين ومحبوبين إليّ.

لقد خلقتكم ، جيلًا ، لتنبت مثل كرمة ، مغروسة في حديقتي السماوية ، بأوراق خضراء مورقة ، تسقى من أنهار الحياة ؛ كنت في يوم من الأيام فخر بلادي الملكية ؛ لم يكن من المفترض أن تجف ، لكن بحماقتك اخترت الابتعاد عن نوري ، مصدر حياتك ؛ ثم جفت ساقك ، وذبلت أوراقك ، وسقطت وتناثرت ؛ ذهب الأمل الذي جاء مني ، ونعم الماضي. لقد دهست تحت أقدامك ، الكرمة التي كنت أهتم بها وربتها ذات مرة وضعت تحت ظلال الموت من الذي رفضته في حماقتك؟ ألستم تفرخ الخطيئة؟ ارفع عينيك وانظر حولك ، الخراب والدمار يحيط بك ، أنت تسكن في المقابر مثل الموتى ، هذا ما استولت عليك ، أيها الجيل لأنك حرمتني كل هذه السنوات

ارفع عينيك وانظر إلى وجهي المقدس ، وعند هذا المنظر ستنمو مشعًا ، ينبض قلبك ويمتلئ ، بينما يتدفق روحي القدوس إليك من عرشي السماوي ، ويقيمك ، ويؤسسك مرة أخرى في بلدي. حدائق سماوية ستكون مساراتك الملتوية من الماضي ؛ يداك طاهرتان بيضاء كالثلج. 4 كمالكم مثل المحيط. سيأتي الكثير منكم إلى نوري. لذلك لا تقل ، جيل: "رحمة الله محدودة" أو "خطاياي كثيرة وعظيمة لدرجة لا يمكن أن تُغفر لها ؛" اسمعني: توب ، ادع باسمي ، وتخلَّ عن خطاياك ، واجعل توبتك صحيحة ، وليكن مثل رائحة ترضي أن تصل إلى أبي في السماء ، وسوف نغفر لك أنا وأبي ونردك ؛ تاج لي بأكاليل الحب. كل ما أريده هو الحب؛

صلي فاسولا لئلا تجرّبي ، فليتفرح ملكك بك ... أعطني المجد إلهك ؛ في كل شيء ، سبحوا روعة اسمي القدوس. أنا دائما بجانبك يا طفل! تأتي! جيم

 


1 بسبب الوباء ، يعاني الكثير من الناس ، إما يفقدون حياتهم أو يفقدون وظائفهم.

2 علاج لـ COVID-19.

3 جونيور 6:25.
4 فهمت هذا المصطلح على أنه: طاهر من الخطيئة.

3
قرانا عن بعض الاشخاص الذين ذكرو ان لديهم رسالة من المسيح حول مرض كورونا بعضهم قد يكون محقا وبعضهم كاذبا او مجرد تفسير لحلم.
حاولت ايجاد رسالة من المسيح تكون مؤكدة المصدر ولدي رسالة واحدة فقط اثق بمصدرها وهي من خلال فاسولا رايدن صاحبة كتاب الحياة الحقيقية في المسيح وهي رسالة بتاريخ 13 اذار ساضع اولا الرسالة باللغة الامكليزية ثم ساترجمها للعربية وعذرا ان وجدت اي اخطاء في الترجمة
March 13, 2020
summon the people and tell them: without repenting and truthfulness in your prayer this evil will last longer than you think; turn to Me, your God and repent; a sincere and universal prayer will reach Me, your God; fasting will cast away demons; any sacrifice is acceptable to Me; cast away your lethargic spirit and renounce your evil ways, and make peace with Me, your God; let Me hear: “Lord, have mercy on me, the sinner!” and I will show compassion; and I will rain blessings on all of you; come, do not fear; I am listening…  ic

God will listen if we repent and change our life from being tepid towards God, and He will be gracious to grant us peace; we will be praying for the world; ask Him to uncover His Face and shine on us; plead that He may be gracious to our supplications… we should also pray that His message of TLIG may spread quickly, and be received humbly as it was received by you; pray especially for Italy, as the TLIG messages had, as I had explained in the past, fallen on totally deaf ears and persecuted;

استدعي الناس وأخبريهم: من دون التوبة والصدق في صلاتكم سوف يستمر هذا الشر لفترة أطول مما تعتقدون ؛ اتجهو اليّ إلهكم وتوبو. صلاة صادقة وشاملة ستصل إلي ، إلهك ؛ سيطرد الصيام الشياطين. أي تضحية مقبولة لي. اطرحو روحكم الخاملة وانبذو طرقكم الشريرة ، واصنعو السلام معي ، إلهك ؛ دعوني أسمع: "يا رب ارحمني الخاطئ!" وسأظهر الرحمة. وسأمطر عليكم جميعاً. تعالو لا تخافو. أنا أستمع .

سوف يستمع الله إذا تابنا وغيّرنا حياتنا من أن نكون فاترين نحو الله ، وسيكون رحيمًا لمنحنا السلام ؛ سنصلي من أجل العالم ؛ اطلب منه كشف وجهه والتألق علينا ؛ نناشده أن يكون رحيما بدعواتنا ... وعلينا أيضا أن نصلي لكي تنتشر رسالته من الحياة الحقيقية في الله بسرعة ، وأن يتم استقبالها بتواضع كما تلقيتها ؛ نصلي بشكل خاص من أجل إيطاليا ، حيث أن رسائل الحياة الحقيقية في الله ، كما أوضحت في الماضي ، سقطت على آذان صماء تمامًا واضطهدت ؛

4
إعلم أيّها المؤمن

إنّ هذه الصلوات الخمس عشرة قد ألهمها ربّنا يسوع المسيح للقدّيسة بريجيتا، بينما كانت تخاطبه ملازمة السجود أمام صورة صليبه المقدّس في كنيسة مار بطرس بمدينة روما. وكانت بعد أن تناولت القربان المقدّس تصلّي بحرارة، تائقة لتعلم كم ضربة احتمل فادينا وقت آلامه الخلاصيّة.

فظهر لها مخلّصنا يسوع المسيح وخاطبها من صورة صليبه قائلاً: “اعلمي يا ابنتي إنّي احتملت وقت آلامي في جسدي خمس آلاف وأربع مائة وأربع وثمانين ضربة. وإن شئتِ أن تكرّمي هذه الجراحات ببعض العبادات، اتلي كلّ يوم خمس عشرة “أبانا الذي في السماوات”، وخمس عشرة “السلام عليكِ يا مريم”، مع الصلوات التالية (التي علّمها إيّاها بنفسه) طيلة سنة كاملة. وعندما تكون السنة قد انقضت، تكونين أنتِ قد كرّمتِ جراحاتي واحدةً فواحدةً”. وأضاف بعدئدٍ بقوله: “إنّ كلّ من صلّى هذه الطلبات مدّة سنة كاملة:

– إنّه يخلّص خمسة عشر نفساً من ذريّته، ويعتقهم من عقوبات المطهر.
– خمس عشر شخصاً من ذرّيته يُحفظون ويُثبتون في نعمة الله تعالى.
– يرجع من ذرّيته خمس عشر خاطئاً إلى التوبة.
– كلّ من صلّى هذه الطلبات نال الدرجات الأولى من الكمال.
– قبل موته بخمسة عشر يوماً أمنحه جسدي الثمين قوتاً، حتّى بفضله يخلص من الجوع الأبدي، وأمنحه ليشرب دمي الثمين حتّى لا يعطش إلى الأبد.
– وقبل مماته بخمس عشرة يوماً يندم بمرارة على جميع ذنوبه وتصبح له معرفة كاملة بها.
– أمامه أضع علامة صليبي الكلّي الظفر لنصرته وللدفاع عنه ضدّ وثبات اعدائه.
– قبل موته، آتي مع والدتي المحبوبة جدّاً.
– وأتقبل ببركة روحه وأمضي بها إلى السعادة الأبديّ.
– وإذا اصطحبته إلى هناك أسقيه كأساً من ينبوع لاهوتي، وهذا، ما صنعته لآخرين، إلّا للّذين يصلّون هذه الطلبات.
– ويجب معرفة إنّ من عاش ثلاثين سنة في الخطيئة المميتة وصلّى بخشوع هذه الطلبات أو وطّد العزم على أن يتلوها، غفر له الربّ جميع ذنوبه.
– ونجّاه من التجارب الشريرة.
– ووقّى وحفظ حواسه الخمس.
– ونجّاه من موت الغفلة.
– وخلّص نفسه من العقوبات الجهنميّة.
– وينال من الله تعالى ومن العذراء الفائقة القداسة كلّ ما يسأل.
– وأن كان عائشاً فيما مضى على هواه وغداً سيموت فإنّ حياته تطول.
– ويتحقّق أنّه ينال الرتبة العالية بين الملائكة.
– كل من يعلّم هذه الصلوات إلى غيره، أجره وسعادته لا ينقصان أبداً وإنّما يدومان ثابتين إلى الأبد.
– حيث تُتلى هذه الصلوات يكون الله حاضراً بنعمته.

كل هذه الامتيازات وعد بها سيّدنا يسوع المسيح المصلوب للقدّيسة بريجيتا على شرط أن نصلّي كلّ يوم هذه الطلبات مدّة سنة كاملة بكلّ خشوع.

الصلاة الأولى
الأبانا والسلام والمجد

أيا يسوع المسيح. العذوبة الأبديّة للذين يحبّونك، السعادة الفائقة، كلّ سعادة وكلّ أمنية. رجاء وخلاص الخطأة. يا من أظهرت من أجل عظيم محبّتك لهم، أنّ كمال رضاك هو أن تكون بين البشر فأتّخذت الطبيعة البشريّة في ملء الزمان. تذكّر الأوجاع التي عانيتها منذ لحظة ولادتك وخاصّة خلال آلامك المقدّسة كما كان مقرّراً ومرسوماً في الفكر الإلهيّ منذ الأزل. تذكّر، يا سيّد، وأنت في العشاء السرّي مع تلامذتك، بعد أن غسلت أقدامهم، قد أعطيتهم جسدك المقدّس ودمك الثمين، وبينما أنت تعزّيهم بعذوبة، أطلعتهم على آلامك المقبلة.
تذكّر الحزن والمرارة التي قاسيتها في نفسك كما عبّرت عنها قائلاً: “نفسي حزينة حتّى الموت”. تذكّر، يا سيّد، المخاوف والضيقات والأوجاع التي تحمّلتها في جسدك اللطيف، قبل عذاب الصليب بعد أن صلّيت ثلاث مرّات وأنت تتصبّب عرقاً دمويّاً، وبعد أن خانك تلميذك يهوذا، وقبضت عليك الأمّة التي اخترتها ورفعتها، واتهمت من شهود زور، وحاكمك ظلماً، في عيد الفصح القضاة الثلاثة، وأنت بريء وفي ريعان الشباب.
تذكّر أنّك عرّيت من ثيابك، واُلبست ثياب السخرية. وغطّوا وجهك وعينيك. وأنّك تلقّيت اللطمات، وكُلّلت بالشوك، وجعلوا في يدك قصبة، ورُبطت على عمود ممزّقاً تحت المجالد ورازحاً تحت الشتائم والعار. وتذكاراً لهذه الآلام والأوجاع التي رافقتك قبل عذابك على الصليب، أعطني، قبل مماتي ندامة حقيقيّة واعترافاً صحيحاً وكاملاً وتوبة صادقة ومغفرة جميع ذنوبي، آمين.

الصلاة الثانية
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الحريّة الحقيقيّة للملائكة، وفردوس النعيم، تذكّر هول الحزن الذي عانيته، عندما، أعداؤك كأسود ثائرة أحاطوك. وبألف إهانة وبصقة وصفعة وخدش وغيرها من أغرب العذابات التي ابتليت بها إلى أقصى حدّ. إكراماً لهذه البلايا ولهذه الكلمات المذلّة، أرجوك يا مخلّصي، أن تنجّيني من أعدائي المنظورين والغير المنظورين، وتوصلني بحمايتك إلى الكمال للخلاص الأبدي، آمين.

الصلاة الثالثة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، خالق السماء والأرض. الذي لا شيء يحويه أو يحدّه. أنت الضابط كلّ شيء بقدرتك. تذكّر العذاب الشديد المرارة الذي قاسيته عندما ربط الجنود يديك المقدّستين، وقدميك اللطيفتين على الصليب. وثقبوها من جهة إلى أخرى بمسامير ضخمة غير مسنّنة. ولمّا لم يجدوك في حالةٍ تمكّنهم من إشباع غضبهم، وسّعوا جراحاتك وزادوا ألماً على ألم. وبوحشيّة غريبة مدّدوك على الصليب وسحبوك من كلّ صوب مخلّعين أطرافك. أتضرّع إليك، بحقّ هذا الألم المقدّس المحبوب على الصليب أن تهبني مخافتك ومحبّتك، آمين.

الصلاة الرابعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الطبيب السماوي، المرفوع على الصليب لتشفي بجراحاتك جراحاتنا. تذكّر شدّة الوهن والرضوض التي احتملتها في كلّ أطرافك، حتّى لم يبقَ واحدة منها في موضعها، وحتّى لم يعد يوجد وجع يماثل وجعك من قمّة الرأس حتّى أخمص القدمين. جزء واحد من جسدك لم يبقَ بدون عذاب، ومع ذلك، تناسيت الأوجاع، ولم تملّ الصلاة لأبيك من أجل أعدائك قائلاً له: “يا أبتِ، إغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون”. من أجل هذه الرحمة الكبيرة وتذكاراً لهذا العذاب إجعل ذكرى عذابك المرير يثمر فيّ ندامة كاملة لمغفرة جميع خطاياي، آمين.

الصلاة الخامسة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، مرآة الضياء الأبدي. تذكّر الحزن الذي انتابك، وأنت تتأمّل في نور ألوهيّتك، المنتخَبين الذين سيخلصون باستحقاقات آلامك المقدّسة، وترى في نفس الوقت العدد الكبير من المنبوذين الذين استحقّوا الهلاك بسبب خطاياهم. وتتوجّع بمرارة على هؤلاء الخطأة الضائعين اليائسين. بحقّ هذه الرحمة الغير متناهية، وهذه الشفقة وخاصّة بحقّ التسامح الذي أبديته نحو اللص الصالح قائلاً: “هذا اليوم ستكون معي في الفردوس”. أتضرّع إليك، يا يسوع الوديع، أن تصنع إليّ رحمة في ساعة موتي، آمين.

الصلاة السادسة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الملك المحبوب والمرغوب للغاية، تذكر الألم الذي قاسيته، وأنت عريان، معلّق ومرفوع على الصليب كالبائس. أهلك جميعهم وأصحابك تخلّوا عنك، عدا والدتك المحبوبة التي بقيت بوفاءٍ قربك في النزاع، برفقة القدّيس يوحنّا. وأنت أوصيتهما الواحد بالآخر قائلاً: “يا امرأة هذا ابنكِ”. وللقدّيس يوحنّا: “هذه أمّك”. أتوسّل إليك، أيا مخلّصي، بحقّ سيف الوجع الذي اخترق عندئذٍ نفس والدتك القدّيسة أن ترأف بي في جميع بلاياي ومصاعبي الجسديّة والروحيّة. وأن تعينني في تجاربي وخاصّة في ساعة موتي، آمين.

الصلاة السابعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الينبوع الذي لا تنضب رحمته. يا من بتأثّر عميق من الحبّ قلت على الصليب “أنا عطشان”! ولكن العطش لخلاص الجنس البشريّ. أتوسّل إليك، يا مخلّصي، أن تشعل في قلبي التوق لأصل إلى الكمال في كلّ أعمالي، وأن تطفئ فيّ شهوات الجسد والميول الدنيويّة، آمين.

الصلاة الثامنة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، عذوبة القلوب وحلاوة النفوس، بحقّ مرارة العلقم والخلّ الذي ذقته، حبّاَ بنا، على الصليب. إمنحني أن أتناول باستحقاق جسدك ودمك الثمين مدّة حياتي وفي ساعة موتي حتّى يكونا لنفسي الدواء والتعزية، آمين.

الصلاة التاسعة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الفضيلة الملكيّة، وسعادة النفس. تذكّر الألم الذي عانيته، عندما كنت غارقاً في المرارة عند اقتراب الموت، مُهاناً ومذلولاً من البشر. ومعتقداً أنّ أباك تخلّى عنك صرخت: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”. بحق هذه الشدّة أتوسّل إليك، يا مخلّصي، لا تدعني متروكاً في الشدائد وعذابات الموت، آمين.

الصلاة العاشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، يا من أنت لكلّ شيء البداية والنهاية، الحياة والفضيلة. تذكّر أنّك، لأجلنا، غرقت في لجّة الآلام من قمّة الرأس حتّى أخمص القدمين. وإكراماً لعظيم جراحاتك. علّمني أن أحفظ وصاياك بمحبّة حقيقيّة. هذه الوصايا التي طريقها رحبٌ وسهلٌ للذين يحبّونك، آمين

الصلاة الحادية عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، يا لجّة الرحمة الكثيرة العمق، اتوسّل إليك، بحقّ ذكرى جراحاتك التي اخترقت صُلب عظامك وأحشائك، أن تنتشلني من الخطيئة، أنا الشقي الغارق في ذنوبي. وأن تخفيني، عن وجهك الغاضب، في ثقوب جراحاتك، حتّى يمرّ غضبك وسخطك العادل، آمين.

الصلاة الثانية عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، مرآة الحقيقة، علامة الوحدة، رباط المحبّة، تذكّر كثرة جراحاتك الجمّة التي ابتليت بها من الرأس إلى القدم. وممزّقاً ومضّرجاً بدمك المعبود. أيّ وجع كبير وهائل احتملته، من أجلنا، في جسدك الطاهر. يا يسوع الحلو للغاية، ما كان يمكن أن تصنعه وما صنعته؟
أتوسّل إليك، يا مخلّصي، أن تطبع بدمك الكريم، كلّ جراحاتك في قلبي، حتى بدون توقّف، أقرأ دائماً آلامك وحبّك. وتذكاراً وفيّاً لعذابك، لتتجدّد في قلبي ثمرة آلامك، وليزدد حبّك كلّ يوم حتّى أبلغ إليك، أنت الذي هو كنز كلّ الخيرات وكلّ الافراح التي، أتوسّل إليك، أن تهبني إيّاها، يا يسوع الكثير الحلاوة، في الحياة الأبديّة، آمين.

الصلاة الثالثة عشرة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الليث الشديد البأس، الملك الغير مائت والذي لا يُقهر، تذكّر الآلام التي عصفت بك، عندما تلاشت كلّ قواك، الجسديّة والقلبيّة، فأحنيت رأسك قائلاً: “كلّ شيء قد تمّ”. بحقّ هذا الضيق والألم، أتوسّل إليك، يا سيّدي يسوع، أن تترأف بي في آخر ساعة من حياتي عندما تكون روحي في النزاع، ونفسي في اضطراب، آمين.

الصلاة الرابعة عشرة
الأبانا والسلام والمجد

يا يسوع، الأبن الوحيد للآب، ضياء وصورة جوهره. تذكّر التوصية الخاشعة التي رفعهتا إلى أبيك قائلاً: “يا أبتِ بين يديك أستودع روحي”. ثمّ جسدك مُمزّق وقلبك محطّم، وأحشاء رحمتك مفتوحة لإفتدائنا أسلمت روحك. أتوسّل إليك، يا ملك القدّيسين، بحقّ هذا الموت الثمين، أن تقويني وتغيثني لأقاوم الشيطان، والجسد، والعالم، حتّى إذا متّ عن العالم، أحيا بك وحدك. اقبل، أرجوك، عند ساعة موتي، نفسي المنفيّة والمتغربّة العائدة إليك، آمين.

الصلاة الخامسة عشرة
الأبانا والسلام والمجد
يا يسوع، الكرمة الحقيقيّة الخصبة، تذكّر دمك الفيّاض الذي سكبته بغزارة كما العنب تحت المعصرة. ومن جنبك الذي طعنه الجنديّ بضربة حربة، قد أعطيت الدم والماء حتّى لم يبقَ ولا قطرة واحدة. وكرزمة بخور متصاعد من أعلى الصليب، جسدك اللطيف تلاشى وجفّت كليّاً عصارة أحشائك، وصُلب عظامك يبست. بحق مرارة هذا العذاب، وبحقّ دمك المسفوك أتوسّل إليك، يا يسوع الحنون أن تتقبّل روحي عندما أكون في النزاع، آمين.

صلاة الختام

يا يسوع الحنون، اجرح قلبي، حتّى ليلاً ونهاراً، تكون لي خبزاً دموع التكفير والألم والحبّ. إهدني كليّاً إليك. وليكن لك قلبي السكن الدائم. وأن يكون سلوكي مرضياً لك، وأن تكون نهاية حياتي تمجيداً لك، حتّى أستحقّ، بعد مماتي، فردوسك، وأمجّدك إلى الأبد مع جميع قدّيسيك، آمين.

5
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع / القسم الأول
91- (النّازفة وابنة يائير
11 / 08 / 1944
لقد تجلّت لي الرؤيا بينما كنتُ أصلّي، مُنهَكَة ومَهمومة، وبالتالي في أسوأ الحالات لأفكّر مِن تلقاء ذاتي بمثل تلك الأمور. إلّا أنّ الإنهاك الجسديّ والمعنويّ والهموم كلّها تلاشت مُذ ظَهَرَ يسوعي. وكتبتُ:
يسوع على طريق مشمسة وترابيّة تحاذي ضفاف البحيرة. يتوجّه إلى البلدة، يحيط به جمع غفير كانوا ينتظرونه بالتأكيد، ويتزاحمون حوله، رغم أنّ الرُّسُل يَدفَعونهم بأذرعهم وأكتافهم ليفسحوا له مجالاً للمرور، ويَرفَعون أصواتهم لِيَجعلوا الحشد يتركون له بعض المكان.
إلّا أنّ يسوع لا يهتمّ لهذا التَّدافُع. بل يَرفَع رأسه أعلى مِن الجمع الـمُحيطين به، ويَنظُر إليهم بابتسامة عذبة، بينما هُم يتزاحمون حوله. يردّ التحيّات، يُداعِب طفلاً يشقّ طريقاً له وسط كتلة الكبار، ويدنو منه، يَضَع يده على رؤوس الأطفال الذين ترفعهم أُمّهاتهم فوق رؤوس الناس لكي يلمسهم. كلّ ذلك وهو يسير ببطء وتَأَنّ، وسط كلّ تلك الضوضاء، وكلّ تلك التدافعات التي تُزعِج أيّاً سِواه.
صوت رجل يَصيح: «افسحوا مجالاً، افسحوا مجالاً.» إنّه صوت قَلِق، والمفروض أنّ الكثيرين يَعرفونه ويُجلّونه، كأنّه صوت رجل صاحب نفوذ، ذلك أنّ الجموع الذين يفسحون المجال بصعوبة بالغة، يَدَعون رجلاً في حوالي الخمسين مِن عمره يمرّ، وهو يرتدي ثوباً طويلاً فضفاضاً، وعلى رأسه شال أبيض، تتدلّى أهدابه على وجهه وعنقه.
عندما يَصِل قرب يسوع، يجثو عند قدميه ويقول: «آه! يا معلّم، لماذا أَطَلتَ الغياب كثيراً؟ لقد اشتدّ مرض ابنتي. ولا يمكن لأحد أن يُبرئها. أنتَ وحدكَ أملي وأمل أُمّها. تعال يا معلّم. لقد انتظرتكَ بِقَلَق لا نظير له. تعال، تعال حالاً. ابنتي الوحيدة توشك أن تموت...» ويبكي.
يَضَع يسوع يده على رأس الرجل الذي تَنهَمِر دموعه، على الرأس المنحني الذي يهزّه البكاء، ويجيبه: «لا تبكِ. آمِن. وستعيش ابنتكَ. فلنمضِ إليها. إنّهض! هيّا بنا!» يقول يسوع العبارتين الأخيرتين بلهجة الأمر. في البدء كان الـمُعزّي، والآن هو الأمر الـمُهيمِن الذي يتكلّم.
يُعاوِدون المسير. يسوع وإلى جانبه الأب الذي يبكي ويشدّ على يده. لَم يَقم بأكثر مِن ذلك، ولكن أيّة قوّة تعود إلى نَفْس عندما تَشعُر أنّها تُعامَل هكذا مِن قِبَل يسوع! قَبْل ذلك، كان يعقوب يحتلّ المكان الذي يحتلّه الأب الآن، ولكنّ يسوع جَعَلَه يُخلي المكان للأب المسكين. بطرس في الجانب الآخر، ويوحنّا إلى جانب بطرس يُحاوِل معه جَعلَ حاجِز في وجه الجمع، كما يفعل يعقوب ويهوذا في الجهة المقابلة إلى جانب الأب الذي يبكي. الرُّسُل الآخرون، قسم منهم أمام يسوع، والقسم الآخر خلفه. إنّما كان لا بدّ مِن آخرين! خاصّة الثلاثة الذين في الخلف، وأرى بينهم متّى، فإنّهم لا يتمكّنون مِن صدّ الحائط الحيّ. إنّما، حين يَصيحون أكثر، وقد أَصبَحوا على وشك أن يَشتموا جَمع المتطفّلين، يلتفت يسوع ويقول بلطف: «دَعوا هؤلاء الصغار، فَهُم لي!...»
فجأة، في لحظة معينة، يَلتَفِت تاركاً يد الأب، ويتوقّف. لا يدير رأسه فقط، بل يلتفت بكلّيّته. يبدو أكثر عَظَمَة، إذ قد اتَّخَذَ وضعيّة مَلِك، وبِنَظرة أَضحَت صارِمة، فَاحِصة، يُمعِن النَّظَر في وجوه الجميع. عيناه تُرسِلان وَمَضات تنمّ عن قَسوة، بل هي تُعبِّر عن العَظَمَة، ويَسأَل: «مَن لَمَسَني؟»
لا أحد يجيب.
«أكرّر، مَن لَمَسَني؟» يُصرُّ يسوع.
فيجيبه التلاميذ: «يا معلّم، ألا ترى كيف تزحمكَ الجموع مِن كلّ صوب. الجميع يلمسونكَ رغم كلّ جهودنا.»
«أنا أسأل: مَن لَمَسَني بغية الحصول على معجزة. فلقد شعرتُ بأنّ قوّة خَرَجَت منّي، لأنّ قلباً طَلَبَها بإيمان. مَن هو هذا القلب؟»
ويَخفض يسوع بَصَرَه مرّتين أو ثلاثاً، بينما هو يتكلّم، صوب امرأة في حوالي الأربعين، ثيابها رثّة للغاية، وقد اجتاحتها التجاعيد، وهي تُحاوِل التخفّي وسط الجمع، التستّر وسط الحشد. فأحسَّت بحرارة عينيه، وأَدرَكَت إنّها لن تتمكّن مِن الهروب، فتعود لتتقدّم وترتمي عند قدميه، ويكاد رأسها يَغرَق في التراب، ويداها مُنبَسِطتان إلى الأمام، وهما لا تَجرؤان على لمس يسوع الآن.
«عفوكَ! أنا هي. لقد كنتُ مريضة. منذ اثنتي عشرة سنة وأنا مريضة! الجميع يَهربون منّي. زوجي هَجَرَني. لقد بَذَلتُ كلّ ما أملك كي لا أُعتَبر دَنِسَة، ولكي أعيش مثل بقيّة الناس. إنّما لم يستطع أحد شفائي. أترى يا معلّم؟ لقد أَصبَحتُ عجوزاً قبل الأوان. ولقد خارت قواي مع هذا النَّـزف الذي لا يَبرأ، ومعه سلامي. قيل لي إنّكَ صالح. والذي قال لي، شَفيتَه أنتَ مِن بَرَصه. وبما أنّه اختَبَر هروب الناس منه لسنوات، لَم يَشعُر بنفور منّي. لم أجرؤ على قول ذلك قبل الآن. عفوكَ! لقد فكّرتُ أنّني لو لمستُكَ أبرأ. ولكنّني لَم أُدنِّسكَ. بالكاد لَمَستُ طَرَف ثوبكَ الذي يُجرُّ على الأرض، بل على أوساخ الأرض... وأنا كذلك نفاية... ولكنّني شُفيتُ. فلتكن مباركاً! ما أن لَمَستُ ثوبكَ حتّى توقَّفَ مَرضي في الحال. ولقد عُدتُ ككلّ النساء. لن يتحاشاني الناس بعد الآن. وسيكون بإمكان زوجي وأولادي وأهلي المكوث معي، وسأتمكّن مِن ملاطفتهم. سأكون نافعة في بيتي. شكراً لكَ يا يسوع، أيّها المعلّم الصالح. فلتكن مباركاً للأبد!»
يَنظُر إليها يسوع بِصَلاح لا متناهي الجُّود. يبتسم ويقول لها: «اذهبي بسلام يا ابنتي. إيمانكِ خَلَّصَكِ. فلتكوني مُبرَأة بشكل نهائيّ. كوني صالحة وسعيدة. اذهبي.»
وبينما كان لا يزال يتكلّم، يَصِل رجل، أظنُّه خادماً. يتوجّه إلى الأب الذي ظلّ كلّ ذلك الوقت في وضعيّة احترام وإجلال، إنّما مضطرب وكأنّه على جَمر. «لقد ماتت ابنتكَ، فلا داعي لأن تُكلِّف المعلّم أكثر. لقد لَفَظَت أنفاسها، والنساء الآن يَندبن. الأُمّ تقول لكَ ذلك وترجوكَ أن تأتي في الحال.»
يُطلِق الأب زَفرة. يَرفَع يده إلى جبهته ويَضغَطها، كما يَضغَط على عينيه، وكأنّه تلقّى ضربة.
يسوع الذي يبدو وكأنّه لم يرَ ولم يسمع شيئاً، بل وكأنّ جلّ اهتمامه مُنصَبّ على سماع المرأة وإجابَتها، يلتفت ويضع يده على كتفي الأب المسكين المنحني: «أيّها الرجل، قلتُ لكَ "آمِن". أُكرّر: "آمِن". لا تخف. ابنتكَ ستحيا. هيّا بنا إليها.» ويسير وهو يضمّ إليه الرجل المتلاشي. يقف الجمع أمام هذا الألم وتلك النِّعمة التي حَصَلَت، هَلِعِين، يتباعدون، يَدَعون يسوع وأتباعه يمرّون بحرّيّة، ثمّ يتبعون النِّعمة التي تمرّ مثل مجرّة السفينة.
يَفعَلون ذلك لحوالي المائة متر أو أكثر -لا أجيد الحساب- ويَختَرِقون مركز البلدة باطّراد. هناك جَمهرة أمام منـزل يبدو جميلاً، ويُعلِّقون على الحَدَث، مُجيبين بِصراخ حادّ على صرخات أكثر حدّة، متأتّية مِن البوّابة المفتوحة. إنّها صرخات حادّة، تتردّد على مستوى ثابت، ويبدو أنّها تُدار مِن قِبَل صوت أكثر حدّة، يرتفع بمفرده، وتَردّ عليه مجموعة أصوات أضعَف، ثمّ جوقة أخرى أكثر عدداً. إنّها مَناحة تَجعَل المرء يتأثّر.
يَأمُر يسوع أتباعه بالبقاء عند المدخل، ويأخذ معه بطرس ويوحنّا ويعقوب فقط. يَدخُل معهم البيت، وهو يشدّ على الدوام على يد الأب الباكي. يبدو وكأنّه يريد، مِن خلال هذا الشدّ على يده، أن يؤكّد له أنّه هنا كي يجعله سعيداً. تُضاعِف النائِحات نواحهنّ، لدى رؤيتهنّ ربّ البيت مع المعلّم. إنّهنّ يضربن كفّاً بكفّ، ويُحرّكن الطبول ويجعلن المثلثات تطنّ، وعلى هذه المرافقة يتركَّز النَّدب.
يقول يسوع: «اصمتوا. لا تبكوا، فالفتاة لم تمت، إنّها نائمة.»
تُطلِق النساء صيحات أقوى، وتتدحرج بعضهنّ على الأرض، ويَخمشن أنفسهنّ، ويقتلعن شعرهنّ، (أو بالحري يتظاهرن هكذا) لِيُظهِرن بإنّها ماتت حقّاً. يَهزّ الموسيقيّون والأصدقاء رؤوسهم أمام أوهام يسوع. حتماً هُم يَعتَقِدون أنّه يتوهّم. أمّا هو فإنّه يُكرِّر: «اصمتوا!» بقوّة، لدرجة أنّ الضوضاء، وإن لم تتوقّف تماماً، فقد أَضحَت دَندَنة، ويتقدّم.
يَدخُل غرفة صغيرة، فيها تمدَّدَت على السرير فتاة صغيرة مائتة. إنّها نحيلة، شاحبة، ممدّدة وهي ترتدي ثوبها، شَعرها مرتّب وممشّط بعناية. الأُمّ، في جهته اليمنى، تبكي قرب السرير الصغير وتقبّل يد المائتة الصغيرة. ويسوع... كم هو جميل في تلك اللحظة، كما قَلَّما رأيتُهُ! يتقدّم بسرعة، ولسرعته يبدو وكأنّه يتزلّج على الأرض، طائراً باتجاه ذلك السرير الصغير.
يَبقَى الرُّسُل الثلاثة عند الباب الذي يُغلِقونه في وجه الفضوليّين. يَقِف الأب عند أسفل السرير. ويَذهَب يسوع إلى يسار السرير، يمدّ يده اليسرى، يُمسك بها يد المائتة الصغيرة المستسلمة. لقد شاهَدتُ جيّداً. اليد اليسرى ليسوع واليد اليسرى للفتاة الصغيرة. يرفع ذراعه الأيمن، رافعاً اليد المفتوحة إلى مستوى الكتفين، ثمّ يَخفضهما، كَمَن يُقسِم أو يَأمُر. يقول: «أيّتها الصبية، لكِ أقول قومي!»
تَمضي بُرهة، يبقى فيها الجميع حائِرين، ما عدا يسوع والمائتة. يُطاوِل الرُّسُل رِقابهم لِيَروا جيّداً. يَنظُر الأب والأُمّ إلى ابنتهما وعيونهما حزينة. بُرهَة، ويَرتَفِع صدر المائتة الصغيرة بشهيق. ويعود لون خفيف إلى وجهها الشاحب فيخفي صبغة الموت الداكنة. وترتسم ابتسامة على الشَّفَتَين الشاحِبَتين، حتّى قبل أن تُفتَح العينان؛ كما لو أنّ الصبيّة تَحلم حُلماً جميلاً. ما يزال يسوع يُمسِك بيدها. تَفتَح الصبيّة عينيها على مهل، تَنظُر حولها كما لو كانت تستيقظ مِن النوم لِتَوّها. أوّل شيء تراه هو وجه يسوع الذي يَرمُقها بعينيه الرائعتين، ويبتسم لها بطيبة تشجّعها، وتبتسم له.
«قُومي.» يُكرِّرها يسوع، مُبعِداً لوازم الجنازة المنتشرة على السرير وقربه (الزهور، والأغطية، و... الخ) يُساعِدها في النُّـزول، وفي خطواتها الأولى فيما يزال ممسكاً بيدها.
«أعطوها الآن لتأكل.» يَأمُرهم «لقد شُفِيَت، لقد أعادها الله إليكم، فاشكروه، ولا تُخبِروا أحداً بما جرى. أنتم تَعلَمون ما الذي جرى لها، لقد آمنتُم واستأهَلتُم المعجزة، الآخرون لَم يُؤمِنوا، فَمِن غير الـمُجدي محاولة إقناعهم. فالله لا يتجلّى لِمَن يُنكِرون المعجزة. وأنتِ أيّتها الصبيّة، كوني صالحة. وداعاً‍! السلام لهذا البيت.» ويَخرُج مُغلِقاً الباب خلفه.
وتتوقّف الرؤيا.
أقول لكم إنّ الحَدَثَين اللذين أفرحاني بشكل خاصّ كانا حيث يسوع يبحث بين الحشد عَمَّن لَمَسَه، إنّما بشكل خاصّ عندما كان واقفاً قرب الصبيّة الميتة، يُمسِك بيدها ويَأمُرها بالنهوض. السلام والأمان وَلَجَا إلى أعماقي. مستحيل على مَن يمتلك الرحمة مثله، وهو قادر، ألّا يَرحَمنا ولا يَنتَصِر على الألم الذي يُميتنا.
لا يُعلِّق يسوع الآن، كما لا يقول أيّ شيء عن الأمّور الأخرى. يَراني شِبه ميتة، ولا يَرى مِن الـمُناسِب أن أكون أفضل هذا المساء. فليَكُن حسب ما يشاء هو. إنّني الآن سعيدة بما فيه الكفاية لحصولي على رؤياه.

6
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع
(تابع السنة الثانية في الحياة العلنية)
الكتاب الثاني / القسم الأول
87- (مشلول بِركة بيت صيدا)
21 / 07 / 1945
يسوع في أورشليم، وبالتحديد بالقرب مِن أنطونيا، ومعه كلّ الرُّسُل عدا الاسخريوطيّ. جَمع غفير يسير باتّجاه الهيكل. الجميع بثياب العيد، الرُّسُل، كما بقيّة الحجّاج، لذلك أنا أظُنُّ أنّها أيّام عيد العنصرة. عدد كبير مِن المتسوِّلين يَندَسّون بين الجمع، يَشكون شقاءهم، مُردِّدين لازِمات مُثيرة للشفقة، ويتوجّهون إلى أفضل الأمّاكن، جانب بوّابات الهيكل، وعند تقاطع الطرق التي تتوافد منها الجموع. يمرّ يسوع وهو يعطي الصَّدَقات لهؤلاء المساكين الذين يتفنّنون في عرض أنواع شقائهم أثناء روايتها. لديَّ انطباع أنّ يسوع قد فَرغ مِن زيارة الهيكل، ذلك أنّني أَسمَع الرُّسُل يتحدّثون عن جملائيل الذي تظاهَرَ بعدم رؤيتهم، بينما إيتيان أَعلَمَه أحد طلابه بمرور يسوع.
كذلك أَسمَع برتلماوس يَسأَل رفاقه: «تُرى ما الذي قَصَدَه أحد الكَتَبَة بهذه الجملة: "قَطيع مِن خِراف الذَّبح"؟»
فيجيب توما: «كان يتحدَّث عن أمر يخصّه.»
«لا. بل كان يُشير إلينا بإصبعه. وقد رأيتُهُ جيّداً. ثُمّ إنّ الجملة الثانية أتت تأكيداً للأولى: "عمّا قليل سوف يُجَرّ الحَمَل كذلك، ومِن ثُمّ يُقاد إلى الذَّبح".»
فيؤكِّد أندراوس: «نعم، ذلك ما سَمِعتُهُ أنا.»
«حسناً! ولكنّني أتحرّق شوقاً للعودة إلى الوراء وسؤال رفيقه الكاتب: ماذا يعرف عن يهوذا بن سمعان.» يقول بطرس.
«ولكنّه لا يعرف شيئاً! فهذه المرّة، يهوذا ليس موجوداً، لأنّه مريض حقّاً، ونحن نَعلَم ذلك. ومِن الـمُحتَمَل أنّه عانى كثيراً مِن الرحلة التي قمنا بها. فنحن أكثر مقاومة وتحمّلاً، بينما هو عاش هنا برخاء. وهو يشعر بالتعب بسرعة.» يجيب يعقوب بن حلفا.
«نعم. نعرف. ولكنّ الكاتب قال: "المجموعة ينقصها الحِرباء". أليست الحِرباء هي الحيوان الذي يُغيِّر لونه حسب مزاجه؟» يَسأَل بطرس.
«نعم يا سمعان. ولكنّه بالتأكيد، أراد القول إنّ ثيابه جديدة على الدوام. إنّه يُعنى بذلك، فهو شاب؛ ويجب أن نَعذره...» يقول الغيور بلهجة استرضائيّة.
«وهذا، كذلك، صحيح. ومع ذلك!... يا لها مِن جملة غريبة!» يستنتج بطرس.
«يبدو أنّهم يتهدّدوننا على الدوام.» يقول يعقوب بن زبدى.
«الواقع هو أنّنا نعرف أنّنا مهدَّدون، ونرى التهديدات حتّى حيث لا وجود لها...» يُبدي يوضاس تدّاوس ملاحظته.
«ونَرى أخطاء حتّى حيث لا وجود لها.» يستنتج توما.
«إنّها الحقيقة! الوسواس أمر بَشِع... مَن يدري كيف هي حال يهوذا اليوم؟ وفي أثناء ذلك، يستمتع بهذه الجنّة ووجود هؤلاء الملائكة... كنتُ سأُسَرُّ بالمرض أنا كذلك للحصول على كلّ تلك المتعة!» يقول بطرس.
ويجيبه برتلماوس: «لنأمل أن يُشفى قريباً. يجب إنّهاء الرحلة، ذلك أنّ موسم الحرارة يُداهِمنا.»
«آه! لا تنقصه العناية، ثمّ... إنّ المعلّم سيفكّر بذلك إذا ما اضطرّ الأمر.» يؤكّد أندراوس.
«عندما تركناه كانت حرارته مرتفعة جدّاً. لستُ أدري كيف أُصيب بها هكذا...» يقول يعقوب بن زبدى.
ويجيبه متّى: «كيف تأتي الحرارة؟ إنَّها تأتي لأنّه ينبغي لها أن تأتي. ولكنّ الأمر لا يهم. المعلّم غير قَلِق على الإطلاق. لو كان رأى في ذلك خطراً، لما غادَرَ قصر حنّة.»
بالفعل، فإنّ يسوع غير قَلِق على الإطلاق. إنّه يتحدّث إلى مرغزيام ويوحنّا، ويتقدّم وهو يَمنَح الهِبات. مِن المؤكَّد أنّه يشرح للطفل أشياء كثيرة، إذ أراه يشوّر ليدلّه على هذه وتلك مِن التفاصيل. يتوجّه إلى طرف جدار الهيكل، عند الركن الشماليّ الشرقيّ. فهناك جمع غفير يتوجّهون إلى مكان توجد فيه أروقة تَسبق بوّابة، أَسمَعهُم يُطلِقون عليها: «بوّابة القطيع».
«إنّها حوض الغَنَم، بِركة بيت صيدا. الآن انظر جيّداً إلى الماء. أَتَرَى كَم هو ساكن في هذا الوقت؟ سترى، بعد قليل، أنّ حركة ستطرأ عليه، ويرتَفِع حتّى يُلامِس تلك الإشارة الرطبة. هل تراها؟ إنّ ملاك الربّ يَهبط، ويَشعُر الماء بوجوده، ويُجلّه حسب ما يستطيع. والملاك يَحمِل إلى الماء أمر شفاء الإنسان الذي يُسارِع إلى النُّـزول فيه. هل ترى هذا الجّمع؟ إنّ عدداً كبيراً جدّاً منهم غافلون، ولا يَرَون الحركة الأولى للماء، أو إنّ الأقوى يَدفَع الأضعف بدون شفقة. يجب عدم الغَفلة مُطلقاً عن وجود إشارات مِن الله. يجب جَعل النَّفْس متيقّظة على الدوام، لأنّ أحداً لا يَعلَم متى يَظهَر الله أو يُرسِل ملاكه. ويجب ألّا يكون المرء أنانيّاً، حتّى في أمور الصحّة. مَرَّات كثيرة يَفقد هؤلاء المساكين الخير الناجم عن مجيء الملاك، لأنّهم يَظَلّون يتناقشون فِيمَن يَلمس الماء أوّلاً، أو فِيمَن يكون الأكثر حاجة إلى ذلك. ويَشرح يسوع ذلك كلّه لمرغزيام الذي يَنظُر إليه بعينين مُحَملِقَتين، مُتنبِّهَتين، وهو يُراقِب الماء في ذات الوقت.
«هل يمكن رؤية الملاك؟ إنّ هذا لَيُسعدني.»
«لاويّ، راعٍ في مثل سنّكَ، قد رآه. فانظر جيّداً، أنتَ كذلك، وكُن مستعدّاً لتكريمه.»
لَم يَعُد الطفل يَغفَل، فعيناه تَتَناوَبان النَّظَر تارّة إلى الماء، وتارّة إلى ما فوق الماء. ولم يَعُد يَسمَع شيئاً ولا يرى شيئاً آخر. وفي تلك الأثناء، يَنظُر يسوع إلى ذلك الجمع مِن العاجزين، العميان، المعاقين والمشلولين، وهم ينتظرون. وكذلك الرُّسُل يَنظرون بإمعان. تتلاعب الشمس بالنور فوق الماء، وتجتاح، بشكل مَلكيّ، الصفوف الخمسة مِن الأروقة المحيطة بالبِركة.
«هو ذا! هو ذا!» يَهتف مرغزيام: «الماء يَنتَفِخ، يتحرّك، يَسطَع! يا له مِن نور! الملاك!»... ويجثو الطفل.
بالفعل، فإنّ السّائل في البِركة، أثناء تحرّكه، يبدو وكأنّه يزداد حجماً، بفعل مَوجة مُفاجِئة وكبيرة، تَنفُخه، وتَرفَعهُ إلى الحافة. ويَسطَع الماء مثل مرآة تحت الشمس. وميض مُبهِر مَدى بُرهة. ويَنـزِل أعرَج بسرعة في الماء، لِيَخرُج منه بعد قليل، بساقه الموسومة بآثار جرح كبير، وقد شُفِيَت تماماً. يتشكّى الآخرون ويتشاجرون مع الرجل الذي شُفِيَ. يقولون له إنّه، في النهاية، كان لا يزال يستطيع العمل، بينما هُم فلا. ويمتدّ الشِّجار.
يَنظُر يسوع حوله فيرى مشلولاً، طريح الفراش، يبكي بهدوء. يدنو منه، ينحني ويلاطفه سائلاً إيّاه: «أتبكي؟»
«نعم، فلا أحد يُفكّر بي على الإطلاق. أبقى هنا، أبقى هنا، والجميع يُشفَون أمّا أنا فلا، على الإطلاق. ها قد مضت أعوام ثمانية وثلاثون وأنا مُلقى على ظهري. لقد صَرَفتُ كلّ ما أملك، وقد مات ذويَّ، ويعتني بي الآن أحد أقاربي البعيدين، وهو يأتي بي صباحاً إلى هنا، ويُعيدُني في المساء... ولكنّ هذا يجعلني أشعُر بأنّني أُثقِل عليه. آه! أودُّ لو أموت!»
«لا تَغتمّ. لقد صَبِرتَ كثيراً، وآمنتَ! وسوف يستجيب الله لدعائكَ.»
«آمُل ذلك... إنّما تنتابني ساعات يأس. أنتَ طيّب وصالح، إنّما الآخرون... بإمكان الذي شُفِيَ، كعرفان جميل لله، أن يبقى هنا قليلاً لإعانة الإخوة الذين لا حول لهم ولا قوّة...»
«بالفعل، ينبغي له القيام بذلك. إنّما لا يكن فيكَ حقد. فَهُم لا يُفكِّرون بذلك، ليس مِن قَبيل سوء النيّة. إنّه فرح الشفاء، وهو يجعلهم أنانيّين. اغفر لهم...»
«أنتَ صالح، ولا تتصرّف هكذا. أنا أحاول جرّ نفسي على يديّ إلى هنا، حينما يتحرّك ماء البركة. إنّما هناك مَن يَسبقني على الدوام، ولا يمكنني المكوث قرب الحافّة، فأُداس بالأرجل. وحتّى ولو بقيتُ هنا، فَمَن يُعينني على النُّـزول إلى الماء؟ لو كنتُ رأيتكَ قَبلاً لكنتُ طلبتُ ذلك منكَ...»
«أتريد حقاً أن تَبرأ؟ إذاً، قُم، احمل سريركَ وامشِ.» وانتَصَبَ يسوع لِيُصدِر أمره، ويبدو وهو يَنهَض، وكأنّه يُنهِض معه المشلول الذي يَقِف، ثمّ يسير خطوة، اثنتان، ثلاث، كما لو أنّه لا يُصدِّق، وذلك خلف يسوع الذي يَمضي، وبما أنّه يمشي حقيقة، يُطلِق صيحة تجعل الجميع يَلتَفِتون.
«ولكن مَن تكون؟ قُل لي بحقّ الله! أيمكن أن تكون ملاك الربّ؟»
«أنا أكثر مِن ملاك. اسمي الرحمة. امضِ بسلام.»
يتجمهرون جميعاً. يَودُّون الكلام. يَودُّون الشفاء. ولكنّ حُرّاس الهيكل يَهرَعون. أظنُّهم يَحرسون البِركة كذلك، ويُفرِّقون هذا التجمُّع الصاخِب بالتهديدات.
يَحمل المشلول سريره -وهو عِبارة عن عارِضَتَين، ثُبِّت عليهما زوجان مِن الدواليب، وسُمِّرت عليهما كذلك قطعة مِن القماش البالي- ويَمضي سعيداً وهو يَهتف ليسوع: «سوف ألقاكَ ثانية. لن أنسى اسمكَ ووجهكَ.»
أمّا يسوع فيختلط بالجمع ويمضي، في وجهة أخرى، صوب الجدران. ولكنّه لَم يَكَد يتجاوز الرُّواق الأخير، حتّى وَصَلَ رهط مِن اليهود، مِن أسوأ الطَّبَقات، وكأنّهم مَدفوعون برياح عاتية، يتأجَّجون برغبة التفوّه بالشتائم ليسوع. يبحثون، يَنظُرون، ويتقصّون. ولكنّهم لا يتوصّلون إلى إدراك مَن هو المقصود، ويمضي يسوع، بينما أولئك، وقد خاب فَألهم، يُهاجِمون المشلول المسكين، الـمُبرأ والسعيد، ويتّهمونه: «لماذا تَحمِل هذا السرير؟ اليوم سبت. وهذا غير مسموح به لكَ.»
يَنظُر إليهم الرجل ويقول: «أنا لا أعرف شيئاً. جُلّ ما أعرفه هو أنّ الذي شفاني قال لي: "احمل سريركَ وامش". هذا ما أعرفه.»
«بالتأكيد هو شيطان، لأنّه أَمَرَكَ أن تَنتَهِك السبت. كيف كان؟ مَن كان؟ أكان يهوديّاً؟ جليليّاً؟ صابئاً؟»
«لا أدري. كان هنا. رآني أبكي، ودنا منّي. حَدَّثَني. شَفاني. ومضى مُمسِكاً بيده طفلاً، أظنُّه ابنه، إذ يُحتمل أن يكون له ابن في مثل هذا السن.»
«وَلَد؟ إذاً ليس هو!... ماذا قال إنّ اسمه؟ ألم تَسَلْه؟ لا تكذب!»
«لقد قال لي إنّ اسمه الرحمة.»
«أبله أنتَ! فهذا ليس اسماً!»
يَرفَع الرجل كتفيه ويمضي.
يقول آخرون: «بالتأكيد كان هو. حنانيا وزكّا، مِن الكَتَبَة، شاهَدَاه في الهيكل.»
«إنّما هو لا أولاد له!»
«ومع ذلك فإنّه هو. لقد كان مع تلاميذه.»
«ولكنّ يهوذا لَم يكن. وإنّه هو مَن نَعرف جيّداً. الآخرون... قد يكونون أناساً عاديّين.»
«لا. كانوا هُم.»
ويستمرّ الجدال، بينما تمتلئ الأروقة بالمرضى…
يَعود يسوع ويَدخُل الهيكل مِن جهة أخرى، مِن الجانب الغربي، الذي هو في مواجهة المدينة. يتبعه الرُّسُل. يَنظُر يسوع حوله، وأخيراً يَرى الذي يبحث عنه: يوناثان، الذي كان يبحث عنه بدوره.
«إنَّه أفضل يا معلّم. الحرارة تهبط. كذلك أُمّكَ تقول إنّها تَأمُل التمكّن مِن المجيء السبت القادم.»
«شكراً يا يوناثان، لقد كنتَ دقيقاً في موعدكَ.»
«ليس كثيراً، فلقد استوقَفَني ماكسيمين صديق لعازر. إنّه يبحث عنكَ. لقد ذَهَبَ إلى رُواق سليمان.»
«سوف أمضي للقائه. السلام معكَ، واحمل سلامي إلى أُمّي وإلى النساء التلميذات بالإضافة إلى يهوذا.»
ويَمضي يسوع مُسرِعاً إلى رُواق سليمان، حيث يَجِد مكسيمين بالفعل.
«عَرف لعازر أنّكَ هنا. وهو يودُّ رؤيتكَ ليقول لكَ أمراً هامّاً. هل تأتي؟»
«بدون أيّ شكّ وبلا تأخير. يمكنكَ القول له أن ينتظرني في بحر هذا الأسبوع.»
وبعد بضعة كلّمات يَمضي مكسيمين كذلك.
«لنَمْضِ ونُصَلِّ، طالما عُدنا إلى هنا.» يقول يسوع ذلك ويَمضي إلى ردهة اليهود.
ولكنّه يلتقي المشلول الـمُبرأ بالقرب مِن ذلك المكان، وقد أتى ليشكر الربّ. يَراه الـمُبرأ بمعجزة وسط الجمع، فيحيّيه بفرح، ويَروي له ما حَدَث أمام البِركة بعد رحيله. ويُنهي: «أحدهم، وقد دُهِشَ مِن رؤيتي معافى، قال لي مَن تكون. أنتَ هو ماسيّا. صحيح؟»
«أنا هو. إنّما حتّى لو كنتَ شُفيتَ بالماء أو بِقُدرة أخرى، فإنّ واجبكَ تجاه الله يبقى هو هو، إنّه واجب استخدام صحّتكَ استخداماً جيّداً ، لتتصرّف بشكل جيّد. لقد شُفيتَ. اذهب إذاً، بنوايا صالحة، وعاوِد نشاطات حياتكَ، ولا تَعُد تُخطئ، فلا يعاقبكَ الله بعد. وداعاً. امض بسلام.»
«أنا رجل مسنّ ولا أعرف شيئاً... ولكنّني أودُّ لو أتبعكَ لأخدمكَ ولأتعلّم. فهل تَقبَلني؟»
«أنا لا أردُّ أحداً. إنّما فَكِّر ملياً قبل أن تأتي، وإذا قَرَّرتَ تعال.»
«أين؟ لستُ أدري أين تَذهب...»
«عَبْر العالم. ففي كلّ مكان سَتَجِد بعضاً مِن تلاميذي يقودونكَ إليَّ. وليُنر الله بصيرتكَ مِن أجل الأفضل.»
يَمضي الآن يسوع إلى مكانه ويُصلّي.
لستُ أدري ما إذا كان الـمُبرأ بمعجزة قد مضى تلقائيّاً للقاء اليهود، أو إذا كان أولئك، كونهم بالمرصاد، قد أوقَفوه لِيَسألوه إذا ما كان الذي حَدَّثَه هو نفسه الذي شَفاه بشكل عجائبيّ. الذي أَعلَمهُ هو أنّ الرجل يتحدّث إلى اليهود ثمّ يَمضي، بينما يمضي أولئك إلى جانب السلّم الذي يُفتَرَض أن يَنـزل منه يسوع للعبور إلى الباحات الأخرى والخروج مِن الهيكل. عندما يَصِل يسوع، يُبادِرونه دون إلقاء التحيّة بالقول: «أتستمرّ في نقض السبت إذن، رغم كلّ الاتّهامات التي وُجِّهت إليكَ؟ وتريد أن تُحتَرَم كَمُرسَل مِن الله؟»
«مُرسَل؟ بل أكثر: كابن. فالله أبي. وإذا ما رفضتم احترامي، فامتَنِعوا عن ذلك. أمّا أنا، فلن أتوقّف بأيّ شكل عن إتمام رسالتي. لأنّ الله لا يتوقّف لحظة عن العمل. الآن أيضاً أبي يعمل وأنا أعمل، ذلك أنّ الابن الصالح يفعل ما يفعله أبوه، ولأنّني ما أتيتُ إلى الأرض إلّا لكي أَعمَل.»
يَدنو أناس للاستماع إلى النقاش. ومِنهم مَن يَعرِف يسوع، ومِنهُم مَن قد أَحسَنَ إليهم، وآخرون يَرونَه لأوّل مرّة. كثيرون يحبّونه، آخرون يُبغضونه، وكثيرون يَظلّون لا مُبالين. يُحيط الرُّسُل بالمعلّم. مرغزيام شبه خائف، ويبدو وجهه الصغير على وشك أن تملأه الدموع.
اليهود، وهُم مَزيج مِن الكَتَبَة والفرّيسيّين والصدوقيّين، يَصرخون مُعلِنين شكّهم: «يا لجسارتكَ! آه! يَدَّعي إنّه ابن الله! أيّ انتهاك للحرمات! الله هو الكائن وليس له ابن! ولكن نادوا جملائيل! نادوا صادوق! اجمعوا الحاخامين لِيَسمعوه ويُفحِموه.»
«لا تَضطَرِبوا. نادوهم، وسيقولون لكم إذا ما كان حقّاً أنّهم يَعلَمون أنّ الله واحد وثالوث: آب وابن وروح قدس. وأنّ الكلمة، يعني ابن الفِكر، قد أتى، كما كان قد تنبّأ عنه الأنبياء، لِيُخلِّص إسرائيل والعالم مِن الخطيئة. أنا الكَلِمَة. أنا ماسيّا الذي بُشِّر به، فلا انتهاك للمقدَّسات إذن إذا ما أَسمَيت أبي، ذاك الذي هو الآب. تَقلقون لأنّني أجتَرِح المعجزات، وبِفضلها أَجذُب إليَّ الجموع وأَستَميلهم. تتّهمونني بأنّني الشيطان، لأنّني أَصنَع الخَوارق. ولكنّ بعلزبول موجود في العالم منذ قرون، وفي الحقيقة، لديه الكثير مِن العابدين الـمُكَرَّسين، فلماذا إذن لا يفعل ما أفعله؟»
يتهامس الناس: «حقّاً! حقّاً! لا أحد يفعل ما يَفعَله هو.»
يُتابِع يسوع: «أنا أقول لكم: هذا لأنّني أعرف ما لا يعرفه هو، وأستطيع ما لا يستطيعه هو. وإذا كنتُ أعمَل أعمال الله، فهذا لأنّني أنا ابنه. لا يمكن لأحد أن يَعمَل بذاته إلّا الأعمال التي رآها تُنجَز؛ وأنا، الابن، لا يمكنني عَمَل إلّا ما رأيتُ الآب يَعمَله، فأنا وهو واحد، منذ دهر الدهور، ولستُ مُختلفاً عنه بالطبيعة والسُّلطان. وكلّ ما يَفعَله الآب أفعله أنا كذلك، لأنّني ابنه، فلا بعلزبول ولا غيره يستطيع فِعل ما أَفعَله، لأنّ بعلزبول والآخرين لا يَعرِفون ما أعرفه. الآب يحبّني أنا، ابنه، ويحبّني بغير قياس، كما أحبّه أنا كذلك. لأجل ذلك هو أراني، ويُرِيني كلّ ما يَفعَله، كي أفعل أنا ما يَفعَله، أنا على الأرض، في زمن النِّعَم هذا، وهو في السماء قبل أن يكون الزمن على الأرض. وسوف يُريني أعمالاً أعظَم على الدوام لكي أُنجِزها، وتَظلّون أنتم مُندَهِشين.
فِكره لا يَنضَب في عمله. وأنا أقتدي به، كوني مثله لا أفرَغ مِن إنجاز ما يُفكِّر به الآب ويريده في تفكيره. أنتم لا تَعرِفون ما يَخلقه الحبّ دون أن يَنضَب أبداً. نحن الحبّ. لا حدود لنا، ولا شيء لا يمكن فِعله على مستوى درجات الإنسان الثلاث: الأدنى والأعلى والروحيّة. بالفعل، كما أنّ الآب يُنهِض الموتى، ويُعيد إليهم الحياة، فأنا، الابن، كذلك يُمكنني مَنح الحياة لِمَن أريد، وحتّى، بسبب الحبّ اللامحدود الذي يكنّه الآب للابن، فقد أُعطي لي أن أُعيد الحياة، ليس فقط إلى الجزء الأدنى، إنّما حتّى إلى القسم الأعلى، بإعتاق فِكر الإنسان وقلبه مِن أخطاء الروح والأهواء السيّئة، وإلى القسم الروحيّ، بإعادة تحرير الروح مِن الخطيئة. الآب، بالفعل، لا يدين أحداً، إذ قد مَنَحَ سلطان الدينونة للابن، ذلك أنّ الابن، هو الذي اشترى الإنسانيّة، بتضحيته الشخصيّة، لِيَفتَديها. وهذا يَفعَله الآب اليوم بِعَدل، لأنّه مِن العدل أن يُعطى لِمَن يَدفَع الثَّمن مِمَّا يخصّه، ولكي يُبجِّل الجميع الابن كما كَرَّموا الآب.
اعلَموا أنّكم لو فَرَّقتم الآب عن الابن أو الابن عن الآب، وما تذكّرتم الحبّ، فإنّكم لا تحبّون الله كما ينبغي أن يُحَبّ: بحقّ وحكمة، ولكنّكم تَرتَكِبون هرطقة، لأنّكم لا تَعبدون سوى واحد، بينما هو ثالوث رائع. كذلك الذي لا يُجِلّ الابن كالذي لَم يُجِلّ الآب، ذلك أنّ الآب، الله، لا يَقبَل أن يُعبَد جزء واحد منه، بل إنّما يريد أن يُعبَد كلّاً متكاملاً. مَن لا يُجِلّ الابن لا يُجِلّ الآب الذي أرسَلَهُ في فِكرة حبّ كاملة. لأنّه حينئذ يَرفض معرفة أنّ الله يَعرِف القيام بأعمال صحيحة.
الحقّ أقول لكم إنّ مَن يَسمَع كلامي، ويؤمن بِمَن أرسَلَني، فله الحياة الأبديّة، ولا يَخضَع لدينونة، ولكنّه يَعبُر مِن الموت إلى الحياة، لأنّ الإيمان بالله وتَقَبُّل كَلِمَتي يَعني أن يتقبَّل في ذاته الحياة التي لا تموت. ستأتي الساعة، وهي الآن حاضرة بالنسبة إلى الكثيرين، يَسمَع فيها الأموات صوت ابن الله، وحيث يَحيا الذي يَسمَعه، يَصدَح مُحيّياً في أعماق قلبه.
ما قولكَ أيّها الكاتب؟»
«أقول إنّ الموتى لا يَعودون يَسمعون شيئاً، وإنّكَ مجنون.»
«سوف تُقنِعك السماء بأنّ الأمر ليس كذلك، وأنّ عِلمكَ ليس بشيء، إذا ما قورِن بِعِلم الله. لقد أنْسَنْتَ الأمور فائقة الطبيعة لدرجة أنّكَ لم تَعُد تعطي الكلّمات إلّا معنى غير مباشر وأرضيّاً. لقد عَلَّمتَ الهجّادة بِصِيغ جامِدة، الصِّيَغ التي لكم، دون تَحَمُّل عناء إدراك الرموز على حقيقتها، والآن، فإنّكم، في قرارة نفسكم الـمُنهَكَة مِن جرّاء ضغط الطبيعة البشريّة التي تتغلّب على الروح، لا تؤمنون حتّى بما تُعلِّمونه. وهذا هو السبب الذي لأجله لَم تعودوا قادرين على مجابهة القوى الباطنيّة.
فالموت الذي أتحدّث عنه ليس موت الجسد، بل موت الروح. سيأتي الذين يَسمَعون كَلِمَتي بآذإنهم، ويتقبّلونها في قلوبهم، ويَعمَلون بها، فهؤلاء، حتّى ولو كانوا أمواتاً بأرواحهم، فإنّهم يستعيدون الحياة، لأنّ كلمتي تَفيض حياة. وأنا أستطيع مَنحها لِمَن أشاء، لأنّ فيَّ كمال الحياة، لأنّه، كما أنّ الآب له في ذاته تَمام الحياة، فقد حَصَلَ الابن، مِن الله، على الحياة، في ذاته، تامّة، كاملة، أبديّة، لا نهاية لها ومُتناقِلة. ومع الحياة، مَنَحَني الآب سلطان الدينونة، لأنّ ابن الآب هو ابن الإنسان، ويمكنه، بل وينبغي له دينونة الإنسان.
لا تُدهَشوا للقيامة الأولى هذه، الروحيّة، التي أَصنَعها أنا بكلمتي. وسوف تَرَون ما هو أقوى بعد، أقوى مِن أحاسيسكم الـمُثقَلَة، إذ، في الحقيقة، أقول لكم: ما مِن شيء أعظم مِن القيامة الحقيقيّة، غير المرئيّة، لروح. ستأتي الساعة قريباً، وفيها يَختَرِق صوت ابن الله القبور، ويَسمَعه كلّ مَن فيها. والذين عَمِلوا الصالحات، يَخرُجون إلى قيامة الحياة الأبديّة؛ والذين عَمِلوا السيّئات إلى قيامة الدينونة الأبديّة.
لستُ أقول لكم إنّني أقوم بذلك الآن، وسأقوم به لاحقاً، مِن ذاتي وبإرادتي وحدي، بل إنّما بإرادة الآب مُتَّحِدة بإرادتي. أقول وأحْكُم بحسب ما أَسمَع، وحُكمي عادل، لأنّني لا أعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أَرسَلَني.
لستُ مُنفَصِلاً عن الآب. أنا فيه وهو فيَّ، وأنا عالِم بِفِكره وأُترجِمه إلى كلام وفِعل.
ما أقوله لأشهد به لذاتي، لا يمكن أن تَقبَله نفسكم عديمة الإيمان التي لا تريد أن ترى فيَّ سوى الإنسان الـمُشابِه لكم جميعاً. إنسان آخر يَشهَد لي، وتقولون إنّكم تُكرِّسونه كنبيّ عظيم. وأَعلَم أنّ شهادته حقّ، ولكنّكم، أنتم الذين تقولون إنّكم تُكرِّمونه، تَرفُضون شهادته، لأنّها تُناقِض تفكيركم الـمُعادي لي. أنتم لا تَقبَلون شهادة الإنسان البارّ، آخر نبيّ في إسرائيل، لأنّها، حينما لا تناسبكم، تقولون: "إنْ هو إلّا إنسان، وقد يُخطِئ".
لقد أرسَلتُم أناساً يَسأَلون يوحنّا، عَلَّه يقول عنّي ما تَرغَبون، ما تُفكِّرون به عنّي، بل ما تَشاؤون أن تُفكِّروا به عنّي. ولكنّ يوحنّا شَهِد شهادة حقّ، لم تتمكَّنوا مِن تَقُبّلها. ذلك أنّ النبيّ قال إنّ يسوع الناصريّ هو ابن الله. ولأنّكم تَخشُون الجّموع، فإنّكم تقولون، في سرّ قلوبكم، إنّ النبيّ مجنون، كما هي حال المسيح. وبأنَّني أنا مجنون كذلك. وعلى الرغم مِن أنَّني لا أعتمد على شهادة إنسان، حتى ولو كانت صادرة عن أقدس إنسان في إسرائيل. إلّا أنَّني أقول لكم: لقد كان هو المصباح المتوقِّد والمضيء، ولكنّكم لَم تُريدوا الاستمتاع بنوره إلّا قليلاً جدّاً. وعندما سَلَّطَ هذا النُّور عليَّ، لِتَعلَموا مَن هو المسيح، جعلتم المصباح تحت المكيال، وقبل ذلك أيضاً، جعلتم بينكم وبينه جداراً لكيلا تَروا، على ضوئه، مسيح الربّ.
أنا شاكر ليوحنّا شهادته، والآب شاكر له ذلك. وسوف تكون له مكافأة عظيمة مِن أجل الشهادة التي أَعطى، مُنيراً بذلك أيضاً في السماء، أوّل شمس تتألّق بين الناس في العُلا، مُنيراً، كما كلّ الذين كانوا أوفياء مُخلِصين للحقّ ومتعطِّشين للعدل. أمّا أنا، في هذه الأثناء، فلديَّ شهادة أَعظَم مِن شهادة يوحنّا، وهذه الشهادة هي أعمالي. لأنّها الأعمال التي أعطانيها الآب لِأُتمِّمها، تلك الأعمال أُتمّمها، وهي تَشهَد لي بأنّ الآب أَرسَلَني، مانحاً إيّاي كلّ سلطان. وهكذا فإنَّ الآب نفسه هو الذي أَرسَلَني، وهو الذي يَشهَد لي.
أنتم لَم تَسمعوا صوته قط، ولَم تَروا وجهه، أمّا أنا فقد رأيتُهُ وما زِلتُ أراه، ولقد سَمِعتُه وأَسمَعه، وكَلِمَته لا يُقيم فيكم لأنّكم لا تؤمِنون بِمَن أَرسَلَه.
تَدرسون الكِتاب، ظنّاً منكم أنّكم بمعرفته تَحصلون على الحياة الأبديّة. وَأَفَلا تتنبَّهون بأنّ الكُتُب بالذَّات تتحدّث عنّي؟ لماذا إذن تستمرّون في رفضكم المجيء إليَّ لِنَيل الحياة؟ أنا أقول لكم: عندما يكون أمر ما مخالفاً لآرائكم المتأصّلة فيكم ترفضونه. يَنقصكم التَّواضُع. لا يمكنكم التوصّل إلى القول: "لقد أخطأتُ، هذا الكِتاب أو ذاك يقول ما هو كائن فعلاً، وإنّا نُخطِئ". هكذا تصرَّفتم مع يوحنّا، مع الكُتُب، ومع الكَلِمَة الذي يتحدّث إليكم. لا يمكنكم أن تَروا بَعد ولا أن تُدرِكوا، لأنّكم سجناء الكبرياء، وقد سَبَّبَت أصواتكم لكم الدُّوار.
هل تظنّون أنّني أتكلّم هكذا لأنّني أريد أن أكون مُمَجَّداً منكم؟ لا، فليكن معلوماً لديكم، أنا لا أبحث ولا أَرضَى بِمَجد يأتي مِن البشر. ما أبحث عنه وأريده هو خلاصكم الأبديّ. هذا هو المجد الذي أسعى إليه. مجدي كَمُخَلِّص، الذي لا يمكن أن يتحقّق إلّا إذا كان لي أوفياء، وهو يَتعاظم مع عدد الذين أُخلِّصهم، والذي ينبغي أن يُعطى لي مِن الأرواح التي خَلَّصتُها ومِن الآب، هو روح فائق الطُّهر، بينما أنتم لن تكونوا مُخلَّصين. أعرفكم على ما أنتم عليه. ليس فيكم حبّ الله، فأنتم بدون حبّ، لأجل ذلك لا تُقبِلون إلى الحبّ الذي يكلّمكم، ولَن تَدخُلوا ملكوت الحبّ. فأنتم فيه مَجهولون. الآب لا يعرفكم لأنّكم لا تعرفونني، أنا الذي في الآب. بل لا تريدون أن تعرفوني.
لقد أتيتُ باسم أبي، وأنتم لا تتقبّلونني، رغم أنّكم على استعداد لاستقبال أيّ كان يأتي باسمه الخاصّ، شرط أن يقول ما يَروق لكم. أتقولون إنّكم أرواح مؤمنة؟ لا، أنتم لستم كذلك. كيف يمكنكم الإيمان، أنتم يا مَن تتسوَّلون المجد، البعض مِن البعض الآخر، ولا تبحثون عن مَجد السماوات الذي يأتي مِن الله وحده؟ المجد الذي هو حقّ، وهو لا يُسَرُّ أو يَستَمتِع بالفوائد التي لا تتعدّى كونها أرضيّة، وهي تُداعِب فقط الإنسانيّة الفاسدة لأبناء آدم المنحطِّين.
أنا لن أتّهمكم لدى الآب. لا تُفكِّروا بذلك، فهناك مَن يتَّهمكم. إنّه موسى الذي تَرجون. هو مَن سوف يَتَّهمكم بعدم إيمانكم به، لأنّكم لا تؤمنون بي، فهو قد كَتَبَ عنّي، وأنتم لا تعرفونني بحسب ما تَرَكَه مكتوباً عنّي. أنتم لا تؤمنون بكلام موسى العظيم الذي تُقسِمون به. فكيف يمكنكم إذن الإيمان بكلامي؟ بكلام ابن الإنسان الذي لا تؤمنون به؟ إذا ما تكلَّمنا بشريّاً، فهذا مَنطِق. إنّما هنا، فإنّنا في حقل الروح حيث تَصطَدِم نفوسكم، فَيَنظُر إليها الله على ضوء أعمالي، ويُقابِل الأفعال التي تقومون بها مع ما أتيتُ أُعلِّمه. ويدينكم الله.
أمّا أنا فإنّني أمضي. ولن يطول الزمن الذي ترونني فيه، وتأكَّدوا كذلك أنّ هذا ليس نصراً لكم، بل إنّما هو عقاب. هيّا بنا نَرحَل.»
ويَختَرِق يسوع الجمع الذي يَظلّ قسم منه صامتاً، وقسم يتهامسون حول الاستحسان الذي يُحوّله الخوف مِن الفرّيسيّين إلى هَمس. ويَمضي يسوع.

7
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

لجزء السادس/ القسم الأول
114- (إذا تاب سبع مرّات، فاغفر له سبع مرّات)
25 / 04 / 1946
لقد أصبحوا الآن على الضفّة الأخرى. على يمينهم جبل طابور وحرمون الصغير، وعلى يسارهم جبال السامرة، خلفهم نهر الأردن، وفي قبالتهم، فيما بعد السهل، الروابي التي أمامها مجدّو (إذا ما كانت ذاكرتي جيّدة، فهذا الاسم هو الذي سمعتُه في رؤيا بعيدة، تلك حيث يسوع يعود لملاقاة يهوذا الإسخريوطيّ وتوما، بعد الافتراق الذي سَبَّبَته ضرورة إبقاء رحيل سينتيكا ويوحنّا الأندوريّ بالخفاء).
يُفتَرض أنّهم استراحوا طوال اليوم في بيت مضيف، ذلك أنّه المساء مجدّداً، ومِن الواضح أنّهم مرتاحون. ما يزال الطقس حارّاً، ولكنّ الندى قد بدأ يتساقط، مُلطّفاً الحرارة. وظلال الغسق الضاربة إلى اللون البنفسجيّ تنزل، بالتعاقب مع الاحمرار الأخير لغياب شمس حارق.
«هنا السّير سهل» يلاحظ متّى المسرور.
«نعم، على هذا النمط مِن السّير، سوف نكون في مجدّو قبل صياح الدّيك» يجيبه الغيور.
«وفي الفجر، فيما بعد الروابي، قُبالة سهل شارون» يضيف يوحنّا.
«وَبَحركَ، أليس كذلك؟» يقول له أخوه ممازحاً إيّاه.
«نعم، بَحري...» يجيب يوحنّا مبتسماً.
«وتمضي بالروح في واحدة مِن تغرّباتكَ الروحيّة» يقول له بطرس معانقاً إيّاه بعاطفة جيّاشة ووديعة. ويُنهي بالقول: «عَلِّمني أنا كذلك كيف العمل لإبراز هكذا أفكار... ملائكيّة، بالنّظر إلى الأشياء. أنا، نظرتُ إلى المياه مرّات كثيرة... أحببتُها... إنّما... لم تفدني أبداً بغير الأكل والصيد، ماذا ترى فيها أنتَ؟...»
«أرى الماء، يا سمعان، مثلكَ ومثل الجميع، بالطريقة ذاتها التي أرى فيها الآن الحقول والبساتين... إنّما بعد ذلك، علاوة على عينيّ الجسد، كأنّ لي عينين أُخريين هنا، في الداخل، فلا أعود أرى العشب والماء، بل كلمات حكمة تخرج مِن تلك الأشياء المادّيّة. لستُ أنا مَن أُفكّر، أنا لستُ مؤهّلاً لذلك، بل هو آخر يفكّر في داخلي.»
«قد تكون نبيّاً؟» يَسأَل الإسخريوطيّ بشيء مِن التهكّم.
«آه! لا! لستُ نبيّاً...»
«وإذن؟ أتظنّ أنّكَ تمتلك الله؟»
«أيضاً أقلّ...»
«إذن أنتَ تهذي.»
«ممكن أن يكون هذا، بقدر ما أنا صغير وضعيف. ولكن، إن يكن الأمر هكذا، فكم هو ممتع الهذيان، فذلك يحملني إلى الله. ويصبح مَرَضي آنذاك عطيّة ونعمة، وأُبارك الربّ عليه.»
«آه! آه! آه!» يضحك يهوذا بصخب ونشاز.
يسوع، الذي سَمِعَ، يقول: «هو ليس مريضاً، وهو ليس نبيّاً. ولكنّ الروح الطاهر يمتلك الحكمة. وهي التي تتكلّم في قلب الإنسان البارّ.»
«إذاً فأنا لن أتوصّل إلى ذلك أبداً، ذلك أنّني لم أكن صالحاً دائماً...» يقول بطرس مُحبَطاً.
«وأنا، إذاً؟» يجيبه متّى.
«أصدقائي، قليلون هم، قليلون جدّاً هم الذين يستطيعون امتلاك الحكمة لكونهم طاهرين على الدوام. إنّما التوبة والإرادة الصالحة تعملان على أنّ الإنسان، المذنب في البدء وغير الكامل، يصبح بارّاً، وحينئذ يتطهّر الضمير في حَمَّام التّواضع، الندامة والحبّ، وإذ يتطهّر هكذا يمكنه مجاراة الطاهرين.»
«شكراً يا ربّ» يقول متّى وهو ينحني ليقبّل يد المعلّم.
برهة صمت. ثمّ يهتف يهوذا الإسخريوطيّ: «لقد تعبتُ! ولا أعلم ما إذا كنتُ سأتمكّن مِن السّير طوال الليل.»
«بالطبع!» يجيبه يعقوب بن زبدى. «لقد أردتَ اليوم أن تدور مثل ذبابة ضخمة، بينما كنّا نياماً!»
«كنتُ أريد رؤية ما إذا كنتُ سأصادف بعض التلاميذ...»
«وبماذا كان يهمّكَ ذلك؟ لم يقله المعلّم. فإذن...»
«حسناً، لقد فعلتُ ذلك. وإذا ما سمح المعلّم لي، فسوف أبقى في مجدّو. أظنّ أن أحداً مِن أصدقائنا سيكون هنا حيث ينزل كلّ عام في مثل هذا الوقت، بعد حصاد القمح. أريد أن أكلّمه عن أُمّي و...»
«افعل إذاً ما تجده صالحاً. وما أن تنتهي مِن عملكَ، سوف تتوجّه إلى الناصرة. سنلتقيكَ هناك. هكذا ستُعلِم أُمّي ومريم التي لحلفا أنّنا سنكون قريباً في المنزل.»
«أنا أيضاً أقول لكَ مثل متّى: "شكراً، يا ربّ".»
لا يجيب يسوع بشيء ويتلقّى القُبلة على اليد كما تلقّى قبلة متّى. ليس ممكناً رؤية تعابير الوجوه، ذلك أنّه المساء وضوء النهار قد تلاشى نهائيّاً، ولا ضوء أيضاً مِن النجوم. والليل حالِك ممّا يعيق تقدّمهم على الطريق، ولتفادي كلّ ما لا يُحمَد عقباه، بطرس وتوما يقرّران أن يقطفا مِن الأسيجة ويشعلا أغصاناً تشتعل مُطقطِقة... إلاّ أنّ غياب النور أوّلاً، ثمّ النور المتراقص والمدخّن، لا يسمح برؤية جيّدة لتعبير الوجوه.
الروابي تقترب في هذا الوقت وظلال أكماتها ترتسم بفضل ظلمة أكثر حلكاً مِن تلك التي للحقول، حيث تَرَكَ الحصاد حشفات تميل إلى البياض في ظلام الليل، وترتسم باطّراد طالما هي تقترب، ونور طلائع النجوم تأتي لإنارتها…
«أترككَ هنا، إذ إنّ صديقي يقطن خارج مجدّو قليلاً. إنّني تَعِب للغاية...»
«هيّا اذهب. وليسهر الربّ على خطاكَ.»
«شكراً يا معلّم. وداعاً، يا أصدقائي.»
«وداعاً، وداعاً» يقول الآخرون دون إعطاء الكثير مِن الأهمّيّة للسلام.
يُكرّر يسوع: «ليسهر الربّ على أفعالكَ.»
يمضي يهوذا بخُطى طليقة.
«هوم! لم يَعُد يبدو متعباً للغاية.» يلاحظ بطرس.
«نعم! هنا كان يجرّ حذاءه. والآن، هو يجري كالغزال...» يقول نثنائيل.
«وداعكَ كان مقدّساً، يا أخي. ولكن إن لم يَفرض الله عليه مشيئته، فحضور الله لا يساعده في القيام بمساعي حميدة وأعمال مستقيمة.»
«يوضاس، ليس أنّكَ أخي يعني أنّكَ مستثنى مِن الملامات! ألومكَ كذلك على كونكَ فظّاً وخالياً مِن الرحمة تجاه رفيقكَ. له أخطاؤه، إنّما أنتَ لديكَ التي لكَ. والخطأ الأوّل، عدم معرفة مساعدتي في تأهيل هذه النَّفْس. فتغيظه بكلامكَ. فليس بالعنف نكتسب القلوب. هل تظنّ أنّ لديكَ الحقّ بمحاسبة كلّ أفعاله؟ هل تشعر بنفسكَ أنّكَ كامل لدرجة تستطيع معها فِعل ذلك؟ أذكّركَ أنّني أنا، معلّمكَ، لا أفعل ذلك، لأنّني أحبّ هذه النَّفْس غير المؤهّلة. فهذه هي التي تجعلني أرحم أكثر مِن غيرها... لأنّها بالضبط غير مؤهّلة. هل تظنّ أنّه راض عن وضعه؟ وكيف ستتمكّن غداً مِن أن تكون معلّماً للأرواح إذا لم تتدرّب تجاه رفيق لكَ على استخدام المحبّة اللامتناهية التي تفتدي الخَطَأَة؟»
يَخفض يوضاس بن حلفا رأسه منذ الكلمات الأولى. ولكن في النهاية، يجثو على الأرض قائلاً: «سامحني. أنا خاطئ ووجِّه لي اللّوم عندما أخطئ، فالتقويم حُبّ، وليس سوى الأحمق مَن لا يُدرِك نعمة أن يُقوّمه الحكيم.»
«أنتَ ترى أنّني أفعل ذلك مِن أجل خيركَ. إنّما إلى اللّوم يُضاف الغفران، لأنّني أعرف إدراك أسباب تشدّدكَ، ولأنّ تواضع الذي يُقوَّم ينزع سلاح الذي يقوِّم. انهض، يا يوضاس، ولا تعد تخطئ» ويحتفظ به إلى جانبه مع يوحنّا.
يُعلّق الرُّسُل الآخرون فيما بينهم، في البدء بصوت منخفض، وفيما بعد بصوت أقوى بسبب عادتهم بالكلام بصوت عال، وهكذا أسمعهم يورِدون المقارنة بين يهوذا ويوضاس.
«لو كان يهوذا الإسخريوطيّ الذي يسمع هذه الملامات! مَن يدري أيّة ثورة! طيّب هو أخوكَ» يقول توما ليعقوب.
«ومع ذلك... هاك... لا يمكن القول بأنّه كان يتكلّم بشكل سيّئ. لقد تكلّم بالحقّ عن يهوذا الإسخريوطيّ. هل تثق أنتَ بأنّ هناك صديقاً يذهب إلى اليهوديّة؟ أنا، لا» يقول متّى بصراحة.
«قد يعني الأمر... أعمال كُروم، كما في سوق أريحا» يقول بطرس، وهو يتذكّر الحدث الذي لا يمكنه نسيانه. يضحك الجميع.
«مِن المؤكّد أنّ المعلّم فقط يشفق عليه كثيراً...» يلاحظ فليبّس.
«كثيراً؟ بل عليكَ القول على الدوام» يردّ عليه يعقوب بن زبدى.
«لو كنتُ أنا، لما كنتُ صبوراً إلى هذا الحدّ» يقول نثنائيل.
«ولا حتّى أنا» يؤكّد متّى. «فحدث الأمس كان مثيراً للاشمئزاز.»
«على الإنسان ألاّ يكون مُدركاً تماماً» يقول الغيور ناصحاً.
«ومع ذلك» يقول بطرس «أعماله، يُجيد فعلها على الدوام، حتّى بشكل جيّد جدّاً. أراهن بمركبي، بِشِباكي، وحتّى ببيتي، متأكّداً أنّني لن أخسر، أنّه ذاهب إلى أحد الفرّيسيّين طلباً للحماية...»
«صحيح! إسماعيل! إسماعيل في مجدّو! كيف لم نفكّر في ذلك؟ ولكن يجب أن يقال هذا للمعلّم!» يهتف توما وهو يضرب جبهته بقوّة.
«لا فائدة. مرّة أخرى يعذره المعلّم ويلومنا» يقول الغيور.
«حسناً... فلنحاول. هيّا أنتَ يا يعقوب. إنّه يحبّكَ، فأنتَ واحد مِن أهله...»
«بالنسبة إليه، نحن جميعنا متساوون. فهنا، هو لا يرى فينا أهلاً أو أصدقاء، هو لا يرى سِوى رُسُل، وهو غير منحاز. ولكنّني سأذهب إرضاء لكم» يقول يعقوب بن حلفا ويُسرِع في الابتعاد عن الرّفاق والالتحاق بيسوع.
«تفكّر أنّه ذهب إلى بيت أحد الفرّيسيّين. هو أو أحد آخر، لا يهمّ... ولكنّي أظنّه فَعَلَ ذلك لكي لا يذهب إلى قيصريّة. فهو لا يأتي إليها عن طيب خاطر...» يقول أندراوس.
«يبدو أنّه قد نَفَرَ مِن الرومانيّات منذ بعض الوقت» يُلاحظ توما.
«ومع ذلك... بينما كنتم ذاهبين إلى عين جدي، وأنا كنتُ ذاهباً معه عند لعازر، كان في غاية السرور في التكلّم مع كلوديا...» يلاحظ الغيور.
«نعم... لكن... أظنّه بالتحديد في ذلك الوقت قد ارتكب خطأ ما، وأظنُّ أنّ حنّة قد عَلِمَت بذلك، ولذلك استدعَت يسوع و... و... أَعتَصِر مِن أمور كثيرة هنا في الداخل منذ أن احتدّ يهوذا هكذا في بيت ساحور...» يُتمتم بطرس بين أسنانه.
«أتقول أنّ؟...» يَسأَل متّى بفضول.
«ولكن... لستُ أدري... أفكار... سوف نرى...»
«آه! لا نفكرنّ في الشرّ! المعلّم لا يريد. ولا أدلّة لدينا بأنّه فَعَلَ شرّاً» يتوسّل أندراوس.
«لا أظنّكَ تريد القول لي إنّه حسناً يفعل في أن يتسبّب بالحزن للمعلّم، أن يقلّل مِن احترامه، أن يتسبّب بالكدر، و...»
«حسناً! يا سمعان! أؤكّد لكَ أنّه مجنون قليلاً...» يقول الغيور.
«حسناً! ممكن. ولكنّه يرتكب خطيئة ضدّ طيبة ربّنا. أنا، حتّى لو بَصَقَ في وجهي، لو صَفَعَني، كنتُ لأحتمل ذلك مُقدّماً إيّاه لله مِن أجل فدائه. لقد عزمتُ على تقديم كلّ أنواع التضحيات على نيّته، وأعضّ على لساني، وأغرز أظافري في كفيّ عندما يَظهَر بمظهر المجنون، كي أسيطر على نفسي. إنّما ما لا يمكنني مسامحته عليه، هو أن يسيء لمعلّمنا. الخطيئة التي يرتكبها بحقّه، كأنّه كان يرتكبها بحقّي أنا، ولا أسامحه. ثمّ... حتّى ولو كان ذلك نادراً! ولكنّه يتكرّر دائماً! فلا أتوصّل إلى تمرير هذا السُّخط الذي يغلي في داخلي مِن جرّاء مَشهَد قام به، وها هو يقوم بآخر! مرّة، مرّتين، ثلاث مرّات... هناك حدود!» يتحدّث بطرس وهو يكاد يصرخ ويشوّر بحدّته كلّها.
يسوع، الذي يتقدّم مسافة عشرة أمتار، يلتفت، كظلّ أبيض في الليل، ويقول: «لا حدود للحبّ والمسامحة. لا حدود لها. لا لدى الله، ولا لدى أبناء الله الحقيقيّين. طالما هي الحياة، فلا حدود. العائق الوحيد في هبوط مستوى المسامحة والحبّ، هو المقاومة غير التوّابة للخاطئ. إنّما لو تاب، فإنّه يحظى دوماً بالمغفرة. ولو خطئ ليس مرّة، مرّتين، ثلاث مرّات في اليوم، بل أكثر.
أنتم أيضاً، ترتكبون الخطايا وتريدون أن يَغفر لكم الله وتمضون إليه قائلين: "لقد أخطأتُ! اغفر لي"، ويلذّ لكم الغفران، كما يلذّ لله أن يَغفر. أنتم لستم آلهة، وبالتالي فإنّ الإهانة التي يوجّهها إليكم أحد المشابهين لكم هي أقلّ جسامة بالمقارنة مع الإهانة التي يوجّهها لِمَن لا يشبه أحداً آخر. ألا يبدو لكم ذلك؟ ومع ذلك الله يَغفر. أنتم كذلك، افعلوا بالمثل. انتبهوا لأنفسكم! انتبهوا لئلاّ يتبدّل التشدّد بضرر لكم، مثيراً تشدّداً مِن قبل الله تجاهكم.
لقد قلتُ، ولكنّني أكرّر أيضاً: كونوا رحماء لتحصلوا على الرحمة. ما مِن أحد معصوم عن الخطأ كي يتمكّن مِن أن يكون خالياً مِن الرحمة تجاه الخاطئ. انظروا إلى الأثقال التي تُرهِق قلبكم قبل التي تُرهِق قلب الآخر. أزيلوا أوّلاً أثقال روحكم، ومن ثمّ التفتوا إلى التي للآخرين لتُظهِروا للآخرين ليس الشدّة التي تدين، إنّما الحب الذي يثقّف ويساعد على التحرّر مِن الشرّ. للتمكّن مِن القول، مِن غير أن يَفرض عليكم الخاطئ الصمت، للتمكّن مِن القول: "لقد أخطأتَ إلى الله وإلى القريب" فيجب عدم ارتكاب الخطيئة، أو على الأقلّ التعويض عن الخطأ. للتمكّن مِن القول لمن يَقهَر نفسه لارتكابه الخطيئة: "آمن بأنّ الله يَغفر لِمَن يتوب"، كخدّام لهذا الله الذي يَغفر لِمَن يتوب، ينبغي لكم إظهار الكثير مِن الرحمة في المغفرة. حينئذ يمكنكم القول: "هل ترى، أيّها الخاطئ التائب؟ أنا أغفر لكَ أخطاءكَ سبع وسبع مرّات، لأنّني خادم لِمَن يغفر عدداً لا نهائيّاً مِن المرّات لِمَن يتوب بعدد مرّات ارتكابه الخطايا. فَكّر إذاً كم يغفر لكَ الكامل إذا كنتُ أنا، لأنّني فقط خادمه، أعرف أن أسامح. آمن!"
هكذا ينبغي لكم التمكن مِن القول، بل القول مِن خلال الفِعل، وليس عبر الكلام. قَول ذلك أثناء المسامحة. وبالتالي إذا أخطأ أخوكَ، لُمْهُ بحب، وإذا نَدِم، اغفر له. وإذا ما أخطأ مع بداية اليوم سبع مرّات وقال لكَ سبع مرّات: "أنا نادم"، فاغفر له بعدد المرّات. هل فهمتم؟ هل تَعِدونني بالقيام بذلك؟ بينما يكون هو بعيداً، هل تعدونني بأن تكون لديكم الرحمة تجاهه؟ أن تساعدوني على شفائه بتضحية تمالككم لأنفسكم عندما يخطئ هو؟ ألا تريدون مساعدتي على إنقاذه؟ إنّه أخ بالروح، أخوكم مِن أب وحيد، أخ مِن أصل شعب واحد، أخ في الرسالة عليكم بالتالي محبّته. إذا ما كان لكم في العائلة أخ يسبّب الألم لأبيكم، ويَجلب الكلام عليه، ألا تحاولون إصلاحه كي لا يعود أبوكم يتألّم ولا يعود الناس يتكلّمون على عائلتكم؟ فإذاً؟ أليست عائلتكم أعظم وأقدس عائلة، حيث الأب هو الله وأنا البِكر؟ لماذا إذاً لا تريدون العزاء للأب وأنا بالذات، ومساعدتنا في جعل أخ مسكين صالحاً، والذي هو، ثقوا بذلك، ليس سعيداً لكونه هكذا...»
يستعطف يسوع بقلق مِن أجل الرَّسول المفعم بالأخطاء... ويُنهي بالقول: «أنا المستعطي الكبير، وأطلب منكم الصّدقة الأثمن: هي النُّفوس التي أطلبها منكم. أنا أمضي في طلبها، أمّا أنتم، فعليكم مساعدتي... أَشبِعوا جوع قلبي الذي يبحث عن الحبّ ولا يجده إلاّ في القليل مِن الأشخاص. ذلك أنّ الذين لا يسعون إلى الكمال هم بالنسبة إليَّ الخبز الـمُنتَزَع مِن جوعي الروحيّ. امنحوا النُّفوس لمعلّمكم الحزين لكونه غير محبوب وغير مفهوم...»
يتأثّر الرُّسُل... أرادوا أن يقولوا له الكثير، إنّما كانت كلّ كلمة تبدو لهم حقيرة... يتزاحمون حول المعلّم، الجميع يبغون ملاطفته ليُشعروه بأنّهم يحبّونه.
في النهاية هو أندراوس الوديع الذي يقول: «نعم، يا معلّم. بالصبر، بالصمت والتضحية، الدموع هي التي تهدي، سوف نمنحكَ النُّفوس. هذا أيضاً... إذا ما أعاننا الله...»
«نعم، يا ربّ. وأنتَ، كُن عوناً لنا بصلاتكَ.»
«نعم، يا أصدقائي. وفي هذه الأثناء، فلنصلِّ معاً مِن أجل الرفيق الذي ذهب: "أبانا الذي في السماوات..."»
صوت يسوع الصافي يقول كلمات الأبانا مُقطِّعاً إيّاها ببطء. يرافقه الآخرون بصوت خافت. وبينما هم يُصلّون، يبتعدون تحت جنح الليل.
ملاحظة: جميع المواضيع التي انشرها يمكن نشرها بدون الاستئذان او الاشارة الي

8
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

قصيدة الإنسان - الإله / ماريا فالتورتا
بالفرنسية: (الإنجيل كما أوحي به إليّ)
ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح
الجزء الثالث / القسم الأول
13- (يسوع يُحَدِّث أَتبَاعه عن الرّسالة الأنثويّة)
03 / 05 / 1945


«ماذا أَلَـمَّ بكَ يا بطرس؟ تبدو مُتكَدِّراً.» يَسأَل يسوع الذي يسير عَبرَ طريق ريفيّ تحت أغصان اللّوز الـمُزهِرة التي تُعلِن للإنسان نهاية الفصل الرديء.
«أُفكّر، يا معلّم.»
«تُفكّر. أرى ذلك جليّاً. إنّما مظهركَ يشير إلى أنّكَ لا تُفكّر في أمور مُفرِحة.»
«ولكنّكَ أنتَ العارف بكلّ ما يخصّنا قد أَصبَحتَ تعرف الآن.»
«نعم أَصبَحتُ أعرف. حتّى الله الآب يعرف احتياجات الإنسان، ولكنّه يريد أن يَلقَى في الإنسان الثقة التي تَعرض احتياجاته الخاصّة وتَجعله يَطلب العَون. أنا أستطيع القول إنّكَ مخطئ في اضطِرابكَ.»
«إذن أليست زوجتي أقلّ شأناً بالنسبة لكَ؟»
«ولكن، لا يا بطرس. ولماذا ينبغي لها أن تكون أقلّ شأناً؟ كثيرات هنّ في السماء في مساكن لأبي، وكثيرات هنّ على الأرض مرتبطات بالرجل بالرغم مِن كونهنّ كذلك يعشن حياة القداسة، وجميعهن مباركات. لذا فهل أستطيع القول إنّ النساء اللواتي لا يقتدين بالمريمات وسوسنة لا اعتبار لهنَّ لدى الله؟»
«إيه! لا. فإنّ زوجتي كذلك تؤمن بالمعلّم ولا تفعل ما تفعله الأخريات.» يقول برتلماوس.
«وزوجتي أيضاً مع بناتها. إنّهنّ يبقين في البيت، ولكنّهنّ على استعداد دائماً لتقديم واجب الضيافة كما فعلن بالأمس.» يقول فليبّس.
«أظنّ أنّ أُمّي تفعل كذلك. وهي لا تستطيع ترك كلّ شيء... إنّها وحيدة.» يقول الاسخريوطيّ.
«صحيح! صحيح! لقد كنتُ حزيناً لأنّه كان يبدو لي أنّ التي لديّ هي أقلّ كثيراً... أقلّ كثيراً... آه! لستُ أدري كيف أُعبِّر!»
«لا تنتقدها يا بطرس. إنّها امرأة نزيهة.» يقول يسوع.
«إنّها شديدة الحياء. وأُمّها تطوي جميع البنات والكِنّات تحت جناح إرادتها.» يقول أندراوس.
«ولكنّها معي منذ سنوات طويلة، وكان مِن المفروض أن تتبدّل!»
«آه! يا أخي! حتى أنتَ لستَ لطيفاً. هل تعلم؟ إنّكَ تُمارِس تجاه امرأة خَجولة ما تفعله حَطَبَة ضخمة إذا ما رُمِيَت بين ساقيكَ. فزوجة أخي صالحة وطيّبة للغاية، والدليل أنّها تَحمَّلَت بصبر أُمّها، بكلّ سوئها وتَحَمّلتكَ أنتَ بكلّ تَسلُّطكَ.»
يضحك الجميع مِن الخُلاصة الصريحة للغاية التي خَلص إليها أندراوس، ومِن وجه بطرس المندهش الذي يتفهّم الإعلان بأنّه مُتسَلّط.
حتّى يسوع يضحك مِن كلّ قلبه. ثمّ يقول: «النساء الوفيّات اللواتي لا يشعرن بأنّهنّ مدعوّات إلى ترك بيوتهنّ لاتّباعي، يخدمنني بالدرجة ذاتها ببقائهنّ في بيوتهنّ. ولو رغبن جميعهن بالمجيء معي لتوجَّبَ عليَّ إصدار الأوامر لبعضهنّ بالبقاء في البيت، أمّـا الآن وأنّ النساء سوف يلحقن بنا، فينبغي لي كذلك التفكير بهن، فليس مِن المناسب ولا مِن الفِطنة أن تُوجَد النساء بلا مأوى. نحن، بإمكاننا جميعاً النوم على الـمَرقَد ذاته. أمّا هنّ فلا يمكنهنّ البقاء بيننا، مِن قَبيل الاحترام والفِطنة، وذلك بسبب تكوينهنّ الأكثر دقّة ورهافة. فلا ينبغي لنا على الإطلاق تجربة العناية الإلهيّة ولا تجاوز حدود معيّنة مِن الطبيعة. والآن سأجعل مِن كلّ بيت صديق حيث تقطن إحدى نسائكم مأوى للأخريات. مِن بيتكَ يا بطرس، وبيتكَ يا فليبّس، وبيتكَ يا برتلماوس وبيتكَ يا يهوذا. لا يمكننا أن نَفرض على النساء قطع المسافات التي نقطعها نحن بشكل مُتواصِل. ولكنّهنّ سوف ينتظرننا في مكان محدّد للانطلاق كلّ صباح والعودة كلّ مساء.
سوف نعطيهنّ التعليمات أثناءساعات الراحة. ولن يستطيع العالم الثرثرة إذا ما أتت إليَّ بائِسات أُخرَيات، ولن يكون الاستماع إليهنّ مُحرَّماً عليَّ. فالأُمّهات والزوجات اللواتي سوف يتبعننا، سوف يتولّين مهمّة الدفاع عن أخواتهنّ وعنّي ضدّ افتراءات العالم. تَرَونَ أنّني أقوم برحلة سريعة لإلقاء التحيّة حيث يوجد أصدقاء لي حاليّاً ويمكن أن يُوجَد آخرون بعد ذلك. وهذا ليس مِن أجلي، إنّما مِن أجل الأضعف بين التلاميذ الذين سيكون ضعفهم حماية لقوّتنا، وهو يَجعَلها مُجدِية لدى الكثير الكثير مِن الناس.»
«ولكنّنا الآن نمضي إلى القيصريّة، كما قُلتَ. فَمَن لنا هناك؟»
«الناس الذين يَتوقون إلى الله الحقّ، موجودون في كلّ مكان. ها هو الربيع يُعلِن عن ذاته في هذا البياض الورديّ لشجر اللّوز الـمُزهِر. أيّام الصقيع وَلَّت. خلال أيّام قليلة سوف أُحدّد الأماكن التي تتوجّه إليها النساء التلميذات ليَجِدن مأوى. ونُعاوِد حينئذ تَغَرُّبنا لإلقاء بذور كلمة الله دون انشغال بالنا على الأخوات، ودون الخَشية مِن الافتراءات. فصبرهنّ سوف يدعمنا وكذلك لطفهنّ. وها هي ذي الساعة تدقّ مُعلِنة ردّ اعتبار المرأة كذلك. وسوف تكون في كنيستي حديقة كبيرة مليئة بزهور مِن عذراوات وزوجات وأُمّهات قدّيسات.»


9
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

تمهيد: ذكر في انجيل يوحنا ان هناك امور كثيرة عملها يسوع  لو كتبها احد بالتفصيل لضاق العالم كله على ما اضن بالكتب التي تحتويها
لذلك احببت هذه المرة المرور على احداها

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الرابع / القسم الأول

130- (يسوع يعمل كنجّار مِن أجل أرملة في قورازين)

31 / 08 / 1945

يسوع يعمل بجدّ في مَشغل نجّار. إنّه يعمل على إنهاء عَجَلَة. يُساعده صبيّ نحيل وحزين، فيجلب له هذا أو ذاك مِن الأغراض. مناحين شاهِد لا جَدوى منه ولكنّه مُعجَب، جالس على مقعد قرب الجدار.

يَنـزَع يسوع ثوبه الكتّاني الجميل ويرتدي ثوباً غيره داكناً، وحيث إنّه ليس له، فإنّه يَصِل إلى منتصف ساقه. ثوب عَمل، نظيف، ولكنّه مُرقَّع، وقد يكون ثوب النجّار الميت.

يُشجِّع يسوع الصبيّ بابتسامات وكلّمات طيّبة، وهو يعلّمه ما يجب فعله من أجل وضع الحَلَقَة في مكانها الصحيح، وتلميع حوافّ الصندوق.

«لقد أنهيتَه بسرعة يا معلّم.» يقول مناحين وهو يَنهَض ويمرّر إصبعه على نقوش الصندوق الذي انتهى مِن صنعه ويُلمّعه الصبيّ بسائل.

«هو كان شِبه مُنته!...»

«أودُّ لو أحصل على هذا الذي صَنعتَه، ولكنّ المشتري قد وَصَلَ، ويبدو أنّ له حقوقاً... ولقد خيَّبتَ أمله. كان يأمل الحصول على الكلّ كتعويض عن الدوانق القليلة التي كان قد دَفَعَها كعربون. وبدل هذا يأخُذ أغراضه فقط لا غير. وهو لو كان، على الأقلّ، أحد الذين يؤمنون بكَ، لكان له قيمة لا تُقدَّر عنده. ولكن هل سمعتَ؟...»

«دعكَ منه. فيما عدا ذلك، يوجد هنا خشب، وستكون المرأة سعيدة جدّاً لو استفادت مِن استخدامه. اطلب مني صندوقاً وسأصنعه لكَ...»

«صحيح يا معلّم؟ ولكن هل تنوي الاستمرار في العمل؟»

«حتّى ينتهي الخشب. فأنا عامل مُتفان في عملي.» يقول وهو يبتسم ابتسامة عريضة.

«صندوق أنتَ تصنعه؟ آه! يا للذخيرة! ولكن ماذا سأضع فيه؟»

«كلّ ما تريد، يا مناحين، فإنّه مجرد صندوق.»

«إنّما ستكون أنتَ مَن صَنَعَه!»

«وإذن؟ فالآب كذلك صَنَعَ الإنسان، لقد خَلَقَ كلّ الناس. ومع ذلك ماذا وضع الإنسان في ذاته؟ وماذا يضع الناس؟» يتكلّم يسوع وهو يَعمَل، باحثاً هنا وهناك عن العُدد التي يحتاجها، شادّاً الملزمة، ثاقباً، ساحجاً، مُديراً حسب الحاجة.

«هي الخطيئة التي وُضِعت فيه، هذا صحيح.»

«تَرى! وَثِق تماماً أنّ إنساناً خَلَقَه الله أفضل كثيراً من صندوق صَنَعتُهُ أنا. لا تَخلط أبداً بين الغَرَض والفعل. واجعل مِن عملي ذخيرة لروحكَ.»

«ماذا يعني هذا؟»

«هذا يعني: أعط لروحكَ العِبرة المستخلَصَة ممّا أفعل.»

«محبّتكَ، تواضعكَ، نشاطكَ إذن... هذه هي الفضائل، أليس كذلك؟»

«نعم، وافعل أنتَ الشيء ذاته في المستقبل.»

«نعم يا معلّم، ولكن هل تَصنع لي الصندوق؟»

«أَصنَعه لكَ. ولكن انتبه، بما أنّكَ ما زِلت ترى فيه ذخيرة، فسأجعلكَ تدفع ثمنه على هذا الأساس. على الأقلّ سيقال عنّي مرّة بأنّني كنتُ نَهِماً للمـال... ولكنّكَ تَعلَم لِمَن هو هذا المال... لهؤلاء الأيتام...»

«أطلب منّي ما تشاء، وسوف أعطيكَ. على الأقلّ سوف يكون لي مبرّر لِبَطالتي، بينما أنتَ، ابن الله، تَعمَل.»

«قيل: "ستأكل خبزكَ المرويّ بعرق جبينكَ".»

«إنّما قيل ذلك للإنسان الخاطئ. وليس لكَ أنتَ!»

«آه! سأُعتبَر يوماً أنا المذنب، وسأحمل خطايا العالم كلّها. سوف آخذها معي في أوّل رحيل لي.»

«هل تظنّ أنّ العالم لن يعود يخطئ؟»

«ينبغي له ذلك... ولكنّه سوف يخطئ على الدوام. لأجل ذلك، سيكون حِملي ثقيلاً لدرجة أنّه سوف يحطّم قلبي. إذ إنّني سأحمل على كاهلي كلّ الخطايا المرتكبة منذ آدم وحتّى هذه الساعة، ومنذ هذه الساعة حتّى منتهى الدهر. سوف أُكفِّر عن خطايا الناس كلّها.»

«ولن يفهمكَ الإنسان ولن يحبّكَ أيضاً... هل تظنّ أنّ قورازين ستهتدي بهذه العبرة الصامتة والمقدّسة التي أنتَ في صَدَد إعطائها بعملكَ المنجَز لإعانة عائلة؟»

«لا بل ستقول: "إنّه فَضَّلَ العمل لتمضية الوقت وكَسب المال". إنّما أنا ليس لديّ مال. فلقد أعطيتُ كلّ شيء. وسوف أُعطي على الدوام كلّ ما معي حتّى آخر فلس، ولقد عَمِلتُ مِن أجل أن أُعطي مالاً.»

«ومِن أجل الطعام لكَ ولمتّى؟»

«الله يتدبّر الأمر في ذلك.»

«ولكنّكَ أعطيتَنا لنأكل.»

«صحيح.»

«كيف فعلتَ ذلك؟»

«أسأل سيَّد البيت.»

«سوف أسأله بكلّ تأكيد لدى عودتنا إلى كفرناحوم.»

يَضحَك يسوع بهدوء بلحيته الشقراء.

صَمت يسود بينما لا يُسمع سِوى صَرير الـمِلزمة التي تَشدّ على قطعتين مِن عجلة.

ثمّ يَسأل مناحين: «ماذا تنوي أن تفعل قبل السبت؟»

«الذهاب إلى كفرناحوم وانتظار الرُّسُل. فالمتّفق عليه هو الاجتماع كلّ يوم جمعة مساء وتمضية السبت كلّه معاً. ومِن ثمّ أُصدر أوامري. وإذا ما شُفي متّى فسيكون هناك ستّة أزواج للتبشير. وإلّا... هل تودّ الذهاب معهم؟»

«أُفضِّل البقاء معكَ يا معلّم... ولكن رغم ذلك، دعني أُسدي لكَ نصيحة!»

«قُلها. وإذا كانت صائبة فسأقبلها.»

«لا تبقَ بمفردكَ مطلقاً. فإنّ أعداءكَ كثيرون يا معلّم.»

«أعلَم. ولكن هل تظنّ الرُّسُل يَفعلون شيئاً يُذكَر في حال الخطر؟»

«إنّهم يحبّونكَ، على ما أظُنّ.»

«بكلّ تأكيد، ولكن هذا لا يجدي نَفعاً. فالأعداء، إذا ما كانت لديهم نيّة القبض عليّ، فإنّهم يصطحبون معهم قوّة أعظم كثيراً مِن قوّة الرُّسُل.»

«لا يهمّ. لا تبقَ وحيداً.»

«خلال أسبوعين سوف ينضمّ إليَّ العديد من التلاميذ. أُعِدُّهم لِأُرسِلهم هُم أيضاً للتبشير. ولن أكون وحيداً. كن مطمئناً.»

أثناء حديثهما هذا، يأتي العديد مِن فضوليّي قورازين يُلقون نَظرة ويَمضون دون كلام.

«إنّهم مُندَهِشون لرؤيتهم إيّاكَ تعمل.»

«نعم. ولكنّهم لا يَعرفون أن يَتواضعوا حتّى يقولوا: "هكذا يُعطينا العِبرة". إنّ أفضل ممّن لدي هنا هُم الآن مع التلاميذ، ما عدا عجوز مات. إنَّما لا يهمّ. فالعبرة هي العِبرة على الدوام.»

« ماذا سيقول الرُّسُل لدى معرفتهم أنّكَ كنتَ تعمل؟»

«إنّهم أحد عشر، ذلك أنّ متى قَد أبدى رأيه. وسيكون هناك أحد عشر رأياً مختلفاً. وعلى الأغلب، آراؤهم متضاربة. ولكنّ ذلك يفيدني في تعليمهم.»

«هل تسمح لي بحضور تعليمكَ؟»

«إذا شئتَ البقاء...»

«ولكنّني تلميذ وهُم رُسُل!»

«ما يفيد الرُّسُل يفيد التلاميذ كذلك.»

«سوف يَشعُرون بالإحراج لدى تقويمهم بحضوري.»

«سوف يفيد ذلك من أجل تواضعهم. ابقَ، ابقَ يا مناحين. أَقبَلكَ معي عن طيب خاطر.»

«وأنا أبقى عن طيب خاطر.»

تَحضُر الأرملة وتقول: «الطعام جاهز يا معلّم، ولكنّكَ تَعمل كثيراً...»

«إنّني أكسَب قُوتي أيّتها المرأة. وثمّ... هوذا زبون آخر. وهو يريد صندوقاً كذلك. ثمّ هو يدفع جيّداً. مكان الخَشَب سيظل فارغاً.» يقول يسوع وهو يَنـزَع مِئزراً كان قد ائتزَرَ به، ويَخرج مِن الغرفة ليغتسل في وعاء (لَكَن) جَلَبَته له المرأة إلى الحديقة.

وهي، بابتسامة مُبهَمَة، تبدو بعد فترة طويلة مِن البكاء، تقول: «الفراغ هو في مَوضِع الخشب، بينما البيت يملؤه وجودكَ، والقلب يملؤه السلام. لم أعُد أخشى مِن الغد، يا معلّم، كما لا تخشى أنتَ مِن إمكانيّة أن ننساكَ.»

يَدخُلون إلى المطبخ وتنتهي الرؤيا.

10
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء السابع / القسم الأول

189- (يسوع، الفرّيسيّون، الزانية)

20 / 03 / 1944

أرى داخل نطاق الهيكل، أي واحدة مِن الباحات الكثيرة المحاطة بأروقة. وأرى كذلك يسوع، المتدثّر جيّداً بمعطفه الّذي يغطّي ثوبه، وهو ليس أبيضاً وإنّما أحمر داكن. (يبدو أنّه مِن قماش صوفيّ ثقيل)، إنّه يتحدّث إلى الجمع الّذي يحيط به.
يبدو أنّه يوم شتويّ، لأنّ الجميع متدثّرون جيّداً، فالطقس بالأحرى بارد، لأنّه وبدلاً مِن البقاء ساكنين، فإنّ الجميع يسيرون بسرعة كما كي يتدفّأوا. هناك ريح تحرّك المعاطف وتثير غبار الباحات.
إنّ المجموعة الّتي تحتشد حول يسوع، التي هي الوحيدة الواقفة بثبات، فيما الآخرون، الّذين هم حول هذا المعلّم أو ذاك يروحون ويجيئون، تنفتح لتسمح بمرور رَهْط كَتَبَة وفرّيسيّين يشوّرون وينفثون سمّاً أكثر مِن أيّ وقت. ينضحون سمّاً مِن نظراتهم، مِن وجوههم المحمرّة، مِن أفواههم، يا لهم مِن أفاعٍ! وهم يقتادون، بالأحرى يجرّون امرأة في حوالي الثلاثين مِن العمر، شعثاء، غير مرتّبة في هندامها كما لو قد أسيئت معاملتها، وباكية. يُلقون بها عند قدميّ يسوع كأنّها كومة مِن الخِرَق أو جثّة هامدة. وهي تلبث هناك، متكوّرة على نفسها، وجهها مستند إلى ذراعيها، اللتين تخفيانه وتشكّلان وسادة بين وجهها والأرض.
«يا معلّم، هذه قد تمّ القبض عليها بالزنا المشهود. زوجها كان يحبّها، لم يكن يُنقِص عليها شيئاً. قد كانت مَلِكَة في بيتها. وهي خانته لأنّها خاطئة، فاسقة، جاحدة، مدنِّسة. زانية هي، وبالتالي يجب رجمها. موسى قال ذلك. في شريعته، هو يأمر بأنّ اللواتي كهذه يجب أن يُرجَمن مثل حيوانات نجسة. نجسات هنّ. لأنّهنّ يخنّ الوفاء الزوجيّ والرجل الّذي يحبّهنّ ويرعاهنّ، لأنّهنّ مثل أرض لا تشبع أبداً، هنّ جائعات دوماً للشهوة. أسوأ مِن البغايا هنّ، لأنّهنّ مِن دون عضّة الحاجة يقدّمن أنفسهنّ كي يغذّين فجورهنّ. فاسدات هنّ. مُعدِيات هنّ. يجب أن يُحكَم عليهنّ بالموت. موسى قد قال ذلك. وأنتَ، يا معلّم، ماذا تقول بهذا الخصوص؟»
يسوع، الذي كان قد توقّف عن الكلام عند الوصول الصاخب للفرّيسيّين، والّذي كان قد نظر إلى الرّهْط الحاقد نظرة مخترِقة، والّذي مِن ثمّ أَخفَضَ نظره إلى المرأة الذليلة، المرميّة عند قدميه، يصمت. لقد انحنى، مع بقائه جالساً، ويكتب بإصبع على حجارة الرواق، الّتي غطّاها الغبار الّذي أثارته الريح بطبقة تراب. أولئك يتكلّمون، وهو يكتب.
«يا معلّم؟ إنّنا نكلّمكَ. أَنصِت إلينا. أجِبنا. ألم تفهم؟ هذه المرأة قد أُمسِكت بزنا مشهود. في بيتها. في سرير زوجها. هي قد لطّخته بشهوتها»
يسوع يكتب.
«إنّما هذا الرجل أبله! ألا تَرَون أنّه لا يفهم شيئاً، ويخطّ رموزاً على الغبار مثل مجنون بائس؟»
«يا معلّم، لأجل سمعتكَ الطيّبة، تكلّم. لتجب حكمتكَ على استفساراتنا. نكرّر لكَ: هذه المرأة لم يكن ينقصها شيء. كانت تملك الملابس، الطعام، المحبّة. وخانت»
يسوع يكتب.
«لقد كذبت على الرجل الّذي وثق بها. بفمها الكَذوب قامت بتحيّته، وبابتسامة رافَقَته إلى الباب، ومِن ثمّ فتحت الباب السرّيّ وأدخلت عشيقها. وبينما كان رجلها غائباً ويعمل مِن أجلها، فهي، كما بهيمة نَجِسة، قد تمرّغت في شبقها»
«يا معلّم، إنّها مدنِّسة للشريعة بالإضافة إلى الفراش الزوجيّ. متمرّدة، مدنِّسة، مجدّفة.»
يسوع يكتب. يكتب ويمحو الكتابة بقدمه المحتذية نعله ويكتب أبعد، دائراً على مهل حول نفسه لإيجاد مكان. يبدو كطفل يلعب. لكنّ ما يكتبه ليس كلام لهو. لقد كَتَبَ تباعاً: "مرابٍ"، "مخادع"، "ابن عديم الاحترام"، "فاسق"، "قاتل"، "مدنّس للشريعة"، "سارق"، "شَبِق"، "مغتصِب"، "زوج وأب غير جدير"، "مجدِّف"، "متمرّد على الله"، "زانٍ". يكتب ويكتب فيما متَّهِمون جدد يتكلّمون.
«إنّما، الخلاصة، يا معلّم! حكمكَ. المرأة يجب أن تحاكم. لا يمكن بثقلها أن تلوّث الأرض. إنّ نَفَسَها هو سمّ يعكّر صفو القلوب»
يسوع ينهض. يا للرحمة! يا له مِن وجه! ومضات بروق تنقضّ على المتَّهِمين. يبدو أطول قامة طالما جَعَلَ رأسه منتصباً. يبدو مَلِكاً على عرشه لشدّة ما هو صارم ومهيب. لقد سقط معطفه عن أحد كتفيه مشكّلاً حاشية خفيفة وراءه. لكنّه لا يكترث به.
وبوجه منقبض ودونما أيّ أثر لابتسامة على الفم أو في العينين، يغرز تينك العينين في وجوه الجمع، الذي يتراجع كما أمام نصلين مشحوذين جيّداً. يحدّق فيها الواحد تلو الآخر. بتفحّص مُركّز يبعث على الخوف. مَن يحدّق فيهم يسعون إلى التراجع والاختفاء وسط الجمع. وهكذا تتسع الدائرة وتتفتّت كأنّما قوة غامضة قد قوّضتها.
أخيراً يتكلّم. «مَن منكم بلا خطيئة لِيَرمِ المرأة بأوّل حجر». والصوت هو رعد تصحبه نظرات تقدح شرراً. يسوع، مصالباً ذراعيه على صدره، يلبث هكذا، منتصباً مثل قاضٍ، ينتظر. نظرته لا تمنح سلاماً. تفتّش، تخترق، تتّهم.
بدايةً واحد، ثمّ اثنان، ثمّ خمسة، ثمّ بمجموعات، يبتعد الحاضرون مطأطئي الرأس. ليس فقط الكَتَبَة والفرّيسيّون، بل كذلك أولئك الّذين كانوا قبلاً حول يسوع وآخرون كانوا قد اقتربوا ليسمعوا المحاكمة والإدانة، والّذين، هؤلاء أو أولئك، كانوا قد اتّحدوا معاً لإهانة المذنبة وليطلبوا الرجم.
يسوع يبقى وحيداً مع بطرس ويوحنّا. لا أرى الرُّسُل الآخرين.
يسوع يستأنف الكتابة، فيما يتمّ هروب المتَّهِمين، والآن يكتب: "فرّيسيّون"، "أفاعٍ"، "قبور نتانة"، "كَذَبَة"، "خَوَنَة"، "أعداء الله"، "شاتمو كلمته"...
حينما تفرغ الساحة كلّياً ويحلّ صمت مطبق، ولا يعود يبقى سوى صوت هفيف الريح وصوت نافورة عند زاوية، يسوع يرفع رأسه وينظر. وجهه قد هدأ الآن. إنّه حزين، إنّما لم يعد غاضباً. يلقي نظرة على بطرس، الّذي ابتعد بعض الشيء ليستند إلى عمود، ونظرة على يوحنّا، الّذي هو تقريباً خلف يسوع، ينظر إليه بنظرته الـمُحِبّة. ليسوع ظلّ ابتسامة فيما ينظر إلى بطرس وابتسامة أكثر حيويّة وهو ينظر إلى يوحنّا. ابتسامتان مختلفتان.
ثمّ ينظر إلى المرأة، الّتي لا تزال ساجدة وباكية عند قدميه. يراقبها. ينهض، يعيد تسوية المعطف كما لو كان على وشك الانطلاق. يشير إلى الرسولين بأن يتوجّها نحو المخرج.
حينما يصبح وحيداً، ينادي المرأة. «يا امرأة، أنصتي إليَّ، أنظري إليَّ». يكرّر أمره، لأنّها لا تجرؤ على رفع وجهها. «يا امرأة، نحن وحدنا. أنظري إليَّ»
البائسة ترفع وجهاً يشكّل عليه البكاء والغبار قناع مَذَلّة.
«أين هم، يا امرأة، مَن كانوا يتّهمونكِ؟» يسوع يتكلّم على مهل، بجدّية مفعمة شفقة. إنّه يُبقي وجهه وجسمه مائلين قليلاً نحو الأرض، نحو ذلك البؤس، وعيناه مفعمتان تعبيراً متسامحاً ومُصلِحاً. «ألم يدنكِ أحد؟»
المرأة، بين تنهيدة وأخرى، تجيب: «لا أحد، يا معلّم»
«وكذلك أنا لا أدينكِ. امضي. ولا تخطئي بعد. اذهبي إلى بيتكِ. وأَحسِني أن يُغفَر لكِ، من قِبَل الله ومن قِبَل الـمُساء إليه. لا تستغلّي رأفة الربّ. امضي.»
ويساعدها على النهوض ممسكاً بيدها، لكنّه لا يباركها ولا يعطيها السلام. ينظر إليها وهي تمضي، رأسها منحنٍ ومترنّحة تحت وطأة خجلها، ومِن ثمّ، عندما اختفت، ينطلق بدوره مع التلميذين.

الجزء السابع / القسم الأول

190- (للمذنبة أشير إلى الطريق الواجب اتّباعها لفداء نفسها)

20 / 03 / 1944

يقول يسوع:

«ما كان يجرحني هو انعدام المحبّة والصدق عند الـمُتَّهِمين، ليس لأنّ الاتّهام كان كاذباً. فالمرأة كانت مذنبة بحقّ. إنّما كان الصدق غائباً وقد أثاروا فضيحة لأمر ارتكبوه ألف مرّة، وأنّ فقط دهاءً أكبر وحظّاً أكثر قد سمحا بأن يبقى مخفيّاً. المرأة، في أوّل خطيئة لها، كانت أقلّ دهاءً وأقلّ حظّاً. وما مِن أحد مِن مُتَّهِميها ومُتَّهِماتها -فحتّى النساء، وإن لم يكنّ قد رفعن الصوت، كنّ يتّهمنها في أعماق قلوبهنّ- كان منزّهاً عن الخطيئة.

الزاني هو مَن ينتقل إلى الفعل، ومَن يشتهي الفعل ويتوق إليه بكلّ قِواه. فالفُجور موجود في مَن يخطئ كما هو في مَن يشتهي الخطيئة. لا يكفي عدم فِعل الشرّ، بل ينبغي أيضاً عدم اشتهاء فِعله.

تذكّري، يا ماريّا، كلمة معلّمكِ الأولى، حينما ناداكِ مِن حافّة الهاوية حيث كنتِ: "لا يكفي عدم فِعل الشرّ، بل ينبغي أيضاً عدم اشتهاء فعله".

مَن يداعب أفكاراً شهوانيةّ، ويثير أحاسيس شهوانيةّ، بقراءات ومشاهد يتمّ السعي إليها عمداً، وبعادات منحرفة، هو نجس تماماً كَمَن يرتكب الخطيئة المادّيّة. وأجرؤ على القول: هو أكثر ذنباً. لأنّه يمضي بفكره ضدّ الطبيعة، ليس فقط ضدّ الأخلاق. لا أتكلّم بعد عمّن ينتقلون إلى أفعال حقيقيّة ضدّ الطبيعة. العذر الوحيد لهؤلاء هو مرض عضويّ أو نفسيّ. ومَن ليس لديه هكذا عذر هو أدنى بعشر درجات مِن أقذر بهيمة. للإدانة بعدالة يجب أن نكون منزّهين عن الخطيئة.

أعيدكم إلى إملاءات سابقة، حيث تحدّثتُ عن الشروط الرئيسيّة لنكون قضاة.

لم تكن مجهولة بالنسبة لي قلوب الفرّيسيّين وقلوب الكَتَبَة، ولا قلوب أولئك الّذين كانوا قد انضمّوا إليهم في الثورة ضدّ المذنبة. مخطئين ضدّ الله وضدّ القريب، كانت فيهم خطايا ضدّ الدين، خطايا ضدّ أهلهم، خطايا ضدّ القريب، وفوق ذلك خطايا كثيرة ضدّ زوجاتهم. ولو أنّني بمعجزة أمرتُ دمهم أن يَكتب على جِباههم خطيئتهم، فَمِن بين التهم العديدة كانت قد سادت تهمة "زُناة" بالفِعل أو بالرغبة. لقد قلتُ: "إنّ ما يأتي مِن القلب هو ما يدنّس الإنسان". وباستثناء قلبي، لم يكن أحد مِن بين القضاة يملك قلباً غير مُدَنَّس.

بلا صدق وبلا محبّة. ولا حتّى كونهم شبيهين بها بالجوع الشهوانيّ  قد حثّهم على المحبّة. أنا مَن كان لديه محبّة للمرأة الـمُذَلّة. أنا، الوحيد الّذي كان يجب أن أكون مشمئزّاً منها. إنّما تذكّروا جيّداً هذا: "أنّه كلّما كنّا أفضل، كلّما كنّا أكثر شفقة تجاه المذنبين". لا نتساهل حيال الخطيئة بحدّ بذاتها. هذا لا. لكنّنا نشفق على الضعفاء الّذين لم يقدروا على مقاومة الخطيئة.

الإنسان! آه! أكثر مِن قصبة هشّة ولبلاب رفيع لهو أسهل أن يُلوى تحت التجربة، ويميل إلى التشبّث حيث يأمل بالحصول على تعزية.

لأنّه في الغالب الخطأ يحدث، خصوصاً عند الجنس الأضعف، نتيجة لهذا البحث عن التعزية. كذلك أقول أنّ مَن يفتقر إلى العاطفة تجاه امرأته، وحتّى تجاه ابنته بالذات، لهو مسؤول تسعين مرّة مِن مائة عن خطيئة امرأته أو ابنته، وسوف يُساءَل عنهما. إنّ عاطفة بلهاء، الّتي هي مجرّد استعباد أحمق مِن قِبَل رجل تجاه امرأة أو مِن قِبَل أب تجاه ابنته، وكذلك غياب العاطفة، أو ما هو أسوأ: خطيئة شغف ذاتية تقود زوجاً إلى غراميّات أخرى، أو تقود أهلاً لاهتمامات أخرى بغير أبنائهم، هي بؤر للزنا والفسق، وهي، على هذا النحو، مُدانة مِن قِبلَي. إنّكم كائنات ممنوحة عقلاً وترشدها شريعة إلهيّة وشريعة أخلاقيةّ. أن تَنحَطّوا إذن إلى سلوك متوحّشين أو بهائم، يجب أن يُدِبّ الرعبّ في كبريائكم العظيم. لكنّ الكبرياء، الّذي قد يكون مفيداً في هذه الحالة، هو لديكم لأمور أخرى.

لقد نظرتُ إلى بطرس ويوحنّا بطريقة مختلفة، فللأوّل، كرجل، أردتُ أن أقول: "بطرس، لا تفتقر أنتَ أيضاً للمحبّة والصدق"، وأن أقول له كذلك، كَحَبري المستقبليّ: "تذكّر هذه الساعة واحكم مثل معلّمكَ في المستقبل"، فيما للثاني، الفَتيّ ذي نَفْس طفل، أردتُ أن أقول: "أنتَ يمكنكَ أن تحكم، ولا تحكم، لأنّ لديكَ قلبي ذاته. شكراً، أيّها المحبوب، أن تكون لي إلى حدّ أن تكون ذاتاً ثانية لي". لقد أَبعَدتُ الاثنين قبل أن أنادي المرأة، كي لا أزيد مَذَلَّتها بوجود شاهِدَين.

تعلّموا، أيا أيّها البشر عديمو الرحمة. مهما كان شخص خاطئاً، يتعيّن معاملته باحترام ومحبّة على الدوام. عدم التمتّع بمصابه، عدم الاندفاع ضدّه ولا حتّى بنظرات فضوليّة. الرحمة، الرحمة لِمَن يسقط!

للمُذنِبة أشير إلى الطريق الواجب اتّباعها لفِداء نفسها. العودة إلى منزلها، طلب الصفح بتواضع واكتسابه بحياة مستقيمة. عدم الإذعان للجسد بعد. عدم استغلال الرأفة الإلهيّة والطيبة البشريّة، لعدم دفع ثمن أقسى عنه في المرّة الأولى للخطيئة المزدوجة أو المضاعفة. الله يغفر، ويغفر لأنّه الصلاح. إنّما الإنسان، رغم قولي: "اغفر لأخيكَ سبعين مرّة سبع مرّات"، لا يُحسن أن يغفر مرّتين.

لم أمنحها السلام والبركة لأنّه لم يكن فيها ذاك الانسلاخ التامّ عن خطيئتها، اللازم كي يُغفَر لها. ففي جسدها، وللأسف في قلبها، لم يكن لديها الغثيان مِن الخطيئة. إنّ مريم المجدليّة، بعد أن ذاقت طعم كلمتي، كان لديها نفور مِن الخطيئة، وقد أتت إليَّ بإرادة تامّة بأن تكون واحدة أخرى. إنّما هي، فكانت متذبذبة بين صوت الجسد وصوت الروح. وهي، في اضطراب اللحظة، لم تكن تقدر بعد أن تضع الفأس على أصل الجسد وتقطعه، كي تمضي إلى ملكوت الله مجرّدة مِن ثِقل جشعها. مجرّدة ممّا كان هلاكاً لها، إنّما مزوّدة بما هو خلاص.

أتريدين معرفة فيما إذا كانت قد خلصت بعد ذلك؟ لم أكن للجميع مخلّصاً. أردتُ أن أكون للجميع كذلك، لكنّني لم أكُنه لأنّه ليس لدى الجميع الإرادة بأن يخلصوا. وذلك كان واحداً مِن أكثر السهام نفاذاً لِنِزاعي في الجتسمانيّة.

اذهبي في سلام، أنتِ يا ماريا الّتي لمريم، وارغبي ألاّ تخطئي، ولا حتّى في تفاهات. فلا يوجد تحت رداء مريم سوى أشياء نقيّة. تذكّري ذلك.

ذات يوم، مريم أُمّي، قالت لكِ: "أَطلبكم مِن ابني باكيةً." ومرّة أخرى: "أترك ليسوعي أمر جعلي محبوبة… حين تحبّونني آتي. ومجيئي هو فرح وخلاص."

الأُمّ أَرادَتكِ. وأنا أعطيتُكِ لها. بالأحرى أَخَذتُكِ إلى هناك، لأنّني أَعلَم أنّه حيث بوسعي الإخضاع بالسُّلطة، هي تأخذكم بملاطفات مَحبّة، وهي تأخذكم هناك بأفضل حتّى ممّا أفعل أنا. لَـمْسَتها ختم يهرب أمامه الشيطان. الآن لديكِ ثوبها، وإذا ما كنتِ وفيّة لصلوات النظامين، فسوف تتأمّلين في مجمل حياة أُمّنا كلّ يوم: في أفراحها وآلامها. أي، أفراحي وآلامي. لأنّني مذ أنا، الكلمة، صرتُ يسوع، قد اغتبطتُ وبكيتُ معها للأسباب ذاتها.

فإذن ترين بأنّه أن تحبّي مريم هو أن تحبّي يسوع. أي أن تحبّيه بأكثر سهولة. فأنا أجعلكِ تحملين الصليب، وأنا أضعكِ على الصليب. بينما الأُمّ، على العكس، تحملك أو تلبث عند أسفل الصليب لتتلقّاكِ على قلبها الذي لا يعرف سوى أن يحبّ. حتّى في ساعة الموت حضن مريم هو ألطف مِن مهد. مَن يَقضِي فيها فهو لا يسمع سوى أصوات الأجواق الملائكيّة الّتي تَدْور حول مريم. إنّه لا يَرى الظلمات، إنّما إشعاع نجمة الصبح العذب. لا يَسمَع نحيباً، بل يرى ابتسامتها. إنّه لا يَعرف رعباً. مَن منّا، نحن الذين نحبّها، يجرؤ على أن ينتزع مِن بين ذراعيّ مريم واحداً مِن مخلوقاتها؟

لا تقولي لي "شكراً". اشكريها هي، الّتي لم تُرِد أن تتذكّر أيّ شيء عنكِ سوى الخير القليل الّذي فعلتِه، والمحبّة التي تكنّينها لي، ولذلك هي قد أَرادَتكِ، لتُخضِع تحت قدمها ما لم تنجح إرادتكِ الصالحة في إخضاعه. اصرخي: "عاشت مريم!" والبثي عند قدميها عند أقدام الصليب. سوف تزيّنين ثوبكِ بياقوتات دمي الحمراء، وبلآلئ دموعها. سوف تحظين بثوب مَلِكَة مِن أجل دخولكِ إلى ملكوتي.

اذهبي بسلام. أبارككِ.»

11
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.

ترجمه إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح

الجزء الثاني / القسم الأول

14- (يسوع في عرس قانا)

16 / 01 / 1944

«عنـدما يحين الوقت للقيـام بعمـل منظّم، سـتندرج رؤيـا عـرس قـانـا هنـا. اكـتبي التـاريـخ (16 / 01 / 1944)»

عرس قانا:

أرى منزلاً شرقيّاً حقيقيّاً: هو مكعّب أبيض، رحابته أكثر من ارتفاعه، ذو فتحات قليلة، تعلوه شرفة هي بمثابة السطح ومحاطة بجدار يرتفع حوالي المتر تقريباً، وتظلّلها عريشة كَرمَة تتسلّق إليها باسِطَة أغصانها إلى أكثر من منتصف هذه الشرفة المشمسة.

سلّم خارجيّ يصعد على طول الواجهة إلى مستوى باب يُفتَح في منتصف الواجهة. في الأسفل، على مستوى الأرض، هناك أبواب منخفضة وقليلة، ليس أكثر من اثنين في كلّ جهة، وهي تُفضِي إلى غُرف منخفضة ومُعتِمة. يرتفع البيت وسط ساحة، هي بالأحرى مرج، وفي مركزها بئر، كما توجد هناك أشجار تين وتفّاح. يطلّ البيت على الطريق دون أن يكون على حافّتها. إنّه إلى الخلف قليلاً، ويخترق المرج زقاق عرقوب حتّى الطريق التي تبدو رئيسيّة.

يبدو البيت وكأنّه في محيط قانا: إنّه بيت فلّاحين ملاّكين يعيشون وسط حقلهم الصغير. وتمتدّ القرية إلى أبعد من البيت بأبعاد اخضرارها الهادئ. شمس هذا اليوم جميلة وزرقة السماء صافية، بادئ ذي بدء لا أرى شيئاً آخر. المنزل فقط.

ثمّ أرى امرأتين، ثوباهما طويلان ومعطفاهما يقومان مقام الوشاح كذلك. إنّهما تتقدّمان على الطريق، ثمّ على الزقاق. الواحدة وهي الأكبر سنّاً، في حوالي الخمسين من عمرها، بثياب قاتمة بلون كستنائيّ أصهب، وكأنّه صوف طبيعيّ. والأخرى بثياب أفتح، ثوبها أصفر شاحب ومعطفها لازورديّ، وتبدو وكأنّها في الخامسة والثلاثين. إنّها جميلة جدّاً، هيفاء، مظهرها مليء بالوقار، كما أنّها مفعمة لُطفاً وتواضعاً. عندما أصبَحَت على مقربة، لاحظتُ لون وجهها الشاحب، وعينيها اللازورديّتين وشعرها الأشقر الذي يَظهَر على جبهتها تحت الوشاح، تعرّفتُ على مريم الكلّية القداسة. أمّا الأخرى السمراء الأكبر سنّاً، فلستُ أدري من تكون. إنّهما تتحادثان فيما بينهما، وتبتسم السيّدة العذراء. وعندما تصبحان بجانب البيت تماماً، هناك مَن هو بالتأكيد مُكَلَّف بِتَرَقُّب القادِمين، ويقوم بالتنبيه، فيهرع رجال ونساء لملاقاتهما، والجميع بثياب احتفاليّة. يحتفي الجميع بهما وخاصّة بمريم الكلّية القداسة.

يبدو الوقت صباحاً، أظنّها الساعة التاسعة تقريباً أو ربما أقلّ، إذ إنّ مظهر القرية ما يزال محتفظاً بنداوة ساعات النهار الأولى مع الندى الذي يجعل العشب أكثر اخضراراً والمرج غير ذي غبار. يبدو لي أنّه الربيع، ذلك أنّ عشب المروج لم تحرقه شمس الصيف ولم يَزَل القمح في الحقول بشكل عشب، دون سنابل، وهو أخضر. أوراق التين والتفّاح خضراء وطريّة أيضاً. إلّا أنّني لستُ أرى زهراً على شجر التفّاح ولا التين ولا الكروم. ذلك أنّ التفّاح قد أزهَرَ منذ وقت قليل، ولكنّ الثمـار الصغيرة لم تَظهَر للعيان بعد.

مريم مُحتَفى بها جيّداً، يصحبها رجل مُسنّ يُفتَرَض أنّه صاحب البيت، تصعد السلّم الخارجيّ وتدخل غرفة كبيرة، يبدو أنّها تشغل القسم الأكبر إن لم يكن كلّ الطابق العلوي.

أظنّني أدركتُ أنّ غرف الطابق الأرضيّ هي غرف السكن الحقيقيّة، وغرف المؤونة وغرف المهملات وأقبية الخمر، وأنّ الطابق العلويّ مخصص للاستخدامات الخاصّة: أعياد أو احتفالات استثنائيّة، أو أعمال تتطلّب مكاناً رحباً أو لتخزين المنتجات الزراعيّة. ففي أثناء الاحتفالات تُفرَّغ وتُزيَّن، كما هي اليوم، بأغصان خضراء وسجّاد وموائد حافلة.

في الوسط مائدة حافلة، غنيّة جدّاً، عليها أباريق وأطباق زاخرة بالفواكه. على طول الجدار، إلى يميني، طاولة أخرى حافلة إلّا أنّها أقلّ غنى، وإلى يساري نوع من طاولات الخدمة، طويلة، عليها أطباق فيها أجبان ومآكل أخرى تبدو لي وكأنّها فطائر مغطّاة بالعسل وحلوى. على الأرض، ودائماً إلى يساري، جِرار أخرى وسِتّة أوعية كبيرة على شكل أواني كالأباريق من نحاس. بالنسبة إليّ هي أجاجين.

تُنصِت مريم بانتباه إلى ما يقوله لها الجميع، ثمّ تخلع معطفها بتؤدة وتساعد في إنهاء استعدادات الطاولة. أراها تروح وتجيء ترتّب فرش الطاولة، وتُعَدِّل أكاليل الزهور، جاعلة أطباق الفواكه في أبهى مظهر ومهتمّة بزيت المصابيح. إنّها تبتسم وتتكلّم قليلاً جدّاً بصوت خافت جدّاً. بالمقابل، هي تسمع كثيراً وبكثير من الصبر.

صَخَب كبير لآلات موسيقيّة (قليلة التناغم بالحقيقة) يُسمَع مِن الطريق. يركض الجميع إلى الخارج باستثناء مريم. أرى العروس تَدخُل مزيّنة وسعيدة، محاطة بالأهل والأصدقاء، إلى جانب العريس الذي هَرَعَ أوّلاً إلى لقائها.

هنا يَحدُث تغيير في الرؤيا. بَدَل البيت أرى بلدة. لستُ أدري ما إذا كانت قانا أو قرية مجاورة:

أرى يسوع مع يوحنّا ورجل آخر قد يكون يوضاس تدّاوس، ذلك أنّني مِن الممكن أن أُخطِئ في هذا الآخر، أمّا يوحنّا فلستُ أُخطِئ به أبداً. يسوع يرتدي الأبيض ومعطفاً لازورديّاً قاتماً. عند سماع صوت الموسيقى، يَستَفسِر مُرافِق يسوع مِن أحد الرجال مِن الشـعب ويُعلِم يسوع. يقول يسـوع مبتسـماً: «لنذهب ونُفرح والدتي.» ويَغذّ السير عبر الحقول مع مرافقيه باتّجاه المنزل.

لقد فاتني القول إنّ انطباعي هو أنّ مريم من أهل أو من أصدقاء الزوج الحميمين، ذلك أنّني أراهم في انسجام تام.

عندما يَصِل يسوع يُخطِر الخَفير الآخرين، فينزل ربّ المنزل للقاء يسوع ومعه وَلَده العريس ومريم، ويحيّيه باحترام، ويحيّي كذلك الآخرين، ويفعل العريس الشيء نفسه. أمّا ما أثار إعجابي فهو تحيّة مريم لابنها المفعمة باحترام مُحِبّ، والعكس كذلك. ليس هناك اندفاع في إظهار العواطف، إنّما نظرة تُصاحِب كلمات التحيّة: «السلام معكَ.» مع ابتسامة تساوي مائة قبلة ومائة معانقة. ترتجف القبلة على شفتي مريم ولكنّها لا تعطيها. إنّها تَضَع فقط يدها البيضاء على كتف يسوع وتلمس تقصيبة من شعره الطويل في مداعبة عاشِقة عفيفة.

يَصعَد يسوع إلى جانب والدته، يتبعه التلميذان وصاحب المنزل، ويدخل غرفة الاستقبال حيث تهتمّ النساء بإضافة كراسي ولوازم المائدة للزوّار الثلاثة غير المنتَظَرين، على ما يبدو لي. أظنّ أنّ مجيء يسوع كان غير مؤكّد ومجيء صاحبيه غير مُنتَظَر بتاتاً.

أَسمَع جليّاً صوت المعلّم الممتلئ، الرجوليّ، واللطيف جدّاً يقول وهو يَدخُل الغرفة: «السلام لهذا البيت وبركة الله تحلّ عليكم جميعاً.» تحيّة جماعيّة لكلّ الموجودين ومفعمة وقاراً. يُهيمن يسوع على الجميع بقوامه ومظهره. إنّه الضيف، وغير الـمُنتَظَر، ولكنّه يبدو ملك الحفل، أكثر من العريس وأكثر من ربّ البيت، مع بقاء كونه متواضعاً ومُتَنازِلاً، فهو يفرض احترامه.

يتّخذ يسوع له مكاناً على الطاولة الرئيسيّة مع العريس والعروس وأهل العروسين والأصدقاء ذوي المكانة الفضلى. أمّا التلميذان، فاحتراماً للمعلّم، يوضع لهما كرسيّان على الطاولة ذاتها.

ظَهْر يسوع إلى الجدار حيث الجِّرار، فهو إذن لا يراها ولا حتّى انهماك كبير الخدّام حول أطباق اللحوم المشويّة التي تُجلَب مِن خلال بويب أرضيّ بجانب طاولات الخدمة.

لاحَظتُ شيئاً. لا يجلس مِن النساء على هذه الطاولة سوى مريم ووالدتي العروسين. كلّ النساء موجودات ويُحدِثن الضجيج على الطاولة الممتدّة على طول الجدار والتي تُخدَم بعد العروسين والضيوف المتميّزين. يسوع إلى جانب ربّ البيت ومريم في مقابله إلى جانب العروس.

يبدأ الطعام، وأؤكّد لكم أنّ الأكل على قدم وساق وكذلك الشرب. إثنان يأكلان ويشربان قليلاً، هما يسوع ووالدته، وهما كذلك يتكلّمان قليلاً جدّاً. يسوع يتكلّم أكثر قليلاً. إلّا أنّه، رغم كلامه القليل، فهو ليس عابساً في حديثه ولا متعالياً. إنّه رجل مُجامِل إنّما ليس ثرثاراً. عندما يُسأل يجيب ويهتمّ بما يُقال له ويُدلي برأيه، ثمّ بعدئذ يعود إلى خلوته كمن اعتاد التأمّل. إنّه يبتسم ولكنّه لا يضحك أبداً. وإذا سَمِع نكتة تتجاوز الحدود يتصرّف كمن لم يسمع شيئاً. تتغذّى مريم من تأمّل يسوعها وكذلك يفعل يوحنّا الجالس على طرف الطاولة الذي يظلّ متعلّقاً بشفتي معلّمه.

تُلاحِظ مريم أنّ الخدّام يتحدّثون إلى كبير الخدم وأنّ هذا الأخير منزعج وتُدرِك أنّ شيئاً ما يجري على غير ما يرام. «يا ابني.» تقولها بهدوء لافتة انتباه يسوع بهذه الكلمة. «يا ولدي، لَم يَعُد لديهم خمر.»

«ما لي ولكِ، بعد اليوم، يا امرأة؟» ويبتسم يسوع لدى قوله هذه الجملة بلطف أكثر، وتبتسم مريم، مثل اثنين يعرفان حقيقة، هي سرّهما السعيد الذي يجهله الجميع.

تأمر مريم الخدّام: «كلّ ما يقوله لكم فافعلوه.» لقد قَرَأَت مريم في عيني ابنها الباسمتين الموافقة المغشّاة بأمثولة عظيمة لكلّ «المدعوين».

ويأمر يسوع الخدّام: «املَأوا الأجاجين ماء.»

أرى الخدّام يملأون الأجاجين ماء محمولاً من البئر (إنّي أسمع أزيز البَكَرَة التي تُصعِد وتُنزِل الدلو الذي يَطفَح.) أرى كبير الخَدَم الذي يستقي القليل من هذا السائل بذهول، وهو يجرّبه بإيماءة دهشة كبيرة ويتذوّقه. ثمّ يتحدّث إلى ربّ البيت والعريس الذي بجواره.

تنظر مريم أيضاً إلى ابنها وتبتسم، ثمّ بينما يردّ عليها بابتسامة تخفض رأسها وقد اعتراها الاحمرار قليلاً. إنّها سعيدة.

تجري همهمة في الغرفة. الرؤوس تدور صوب يسوع ومريم. يَقِفون لِيَروا بشكل أفضل. يذهبون صوب الجِّرار. صَمت، ثم سَيل مِن المديح ليسوع.

لكنّه يقف ويقول كلمة واحدة: «اشكروا مريم.» ومن ثمّ يترك الوليمة. وعند العتبة يكرّر: «السلام لهذا البيت وبركة الله عليكم جميعاً.» ويضيف: « أحيّيكِ أمي.»

وتتوقف الرؤيا.

الجزء الثاني / القسم الأول

15- (ما لي ولكِ، بعد اليوم، يا امرأة؟)

16 / 01 / 1944

يسوع يشرح لي معنى الجملة:

«هذه الـ "بعد اليوم" التي يَـمُرُّ عليها الكثير مِن المترجِمين بالصمت واللامبالاة هي مفتاح الجملة، وهي التي تشرحها بمعناها الصحيح.

لقد كنتُ الابن الخاضع لأمّه حتّى اللحظة التي أشارَت لي فيها إرادة أبي أنّ الساعة قد زَفَّت لأكون المعلّم. فاعتباراً من اللحظة التي بَدَأَت فيها الرسالة، لم أعد الابن الخاضع لأمّه، بل خادم الله. والروابط التي تربطني بمن حَبلت بي وولدتني قد انقَطَعَت. لقد تحوَّلَت إلى روابط ذات طبيعة أسمى كثيراً. لقد ارتَدَّت كلّها إلى الروح. فالروح ينادي دائماً مريم، قدّيستي "ماما". والحبّ لم يعرف حدوداً، ولم يَفتَر، إنّما على العكس تماماً، لم يكن أبداً كاملاً بقدر ما كان عليه لحظة انفصالي عنها من أجل ولادة ثانية، حيث وَهَبَتني للعالم، من أجل العالم، كماسيا، كمبشّر. وأمومتها الروحانيّة الثالثة السامية كانت عندما، في انفطار القلب على الجلجلة، وَلَدَتني للصليب جاعلة منّي فادي العالم.

"ما لي ولكِ بعد اليوم؟" لقد كنتُ في البدء لكِ، فقط لكِ. لقد كنتِ تأمرينني وكنتُ أطيعكِ. كنتُ خاضعاً لكِ. والآن أنا لرسالتي.

ألم أقل ذلك؟ "إنّ مَن يَضَع يده على المحراث ويلتفت إلى الوراء لتحيّة مَن بَقِيَ فهو غير أهل لملكوت السماوات". لقد وَضَعتُ يدي على المحراث لأفتح بالسكّة ليس الأرض بل القلوب، لأزرع فيها كلمة الله. ولم أرفع هذه اليد إلّا حينما انتَزَعوها منّي ليسمّروها على الصليب، ولأفتح بعذاب هذا المسمار قلب أبي بإخراجي مِن الجرح الغفران لكلّ البشريّة.

هذه الـ "بعد اليوم"، التي نَسِيَها الكثيرون كانت تريد قول هذا: "كنتِ لي كل شيء، أيّتها الأمّ، طالما كنتُ يسوع بن مريم الناصريّ، وكنتِ كلّ شيء في روحي، ولكن مُذ أصبحتُ ماسيا الـمُنتَظَر فقد أصبحتُ في ما هو لأبي. انتظري قليلاً بعد، وما أن تنتهي رسالتي حتّى أعود من جديد بكلّيتي لكِ. سوف تضمّينني كذلك بين ذراعيكِ كما حينما كنتُ صغيراً، ولن يزاحمكِ أحد على ذلك، هذا الابن الذي هو لكِ والذي سيُنظَر إليه وكأنّه عار البشريّة، والذي ستُرمى لكِ جثّته لتلبسي أنتِ أيضاً خزي كونكِ أُمّ مجرم. ومن ثمّ سوف تحصلين عليّ من جديد منتصراً، وثمّ ستحصلين عليّ على الدوام منتصرة أنتِ أيضاً في السماء. أمّا الآن فأنا لكلّ هؤلاء الناس وأخُصّ الآب الذي أرسَلَني إليهم.

هذا ما عَنَته الـ "بعد اليوم" الصغيرة الـمُحَمَّلة بالدلالات.»

أعطاني يسوع هذه المعلومة:

«عندما قُلتُ للتلاميذ: "هيّا بنا نُفرِح والدتي". أردتُ إعطاء هذه الجملة معنى أسمى ممّا يبدو. فلم يكن ذلك الفرح برؤيتي، إنّما بأن تكون البادئة بنشاطي العجائبيّ، وأولى الـمُحسِنات إلى البشريّة.

تذكّروا ذلك على الدوام. معجزتي الأولى حَصَلَت بواسطة مريم. الأولى. وهذا هو الرمز إلى أنّ مريم هي مفتاح المعجزة، فأنا لا أرفض شيئاً لوالدتي، وبسبب صلاتها أجعل النعمة سابقة لأوانها. أَعرِف والدتي، فهي في المرتبة التالية بعد الله في الصلاح. أنا أعرف أنّ منحكم النِّعم يعني إسعادها لأنّها "الكلّية الحبّ"، لذلك قُلتُ أنا الذي كنتُ أَعلَم: "هيّا بنا نُفرِحها".

بالإضافة إلى ذلك فقد أردتُ أن أُظهِر للعالم قدرتها بنفس الوقت مع قدرتي. كونها مدعوّة للاتّحاد بي بالجسد -ذلك أنّنا كنّا جسداً واحداً: أنا فيها وهي حولي، مثل بتلات الزنبق حول المدقّة ممتلئة عطراً وحياة، ومتّحدة بي بالألم ـ ذلك أنّنا كنّا معاً على الصليب، أنا بجسدي وهي بروحها، تماماً مثل الزنبقة يفوح أريجها من تويجها ومن العطر المستخرج منها على السواء- فقد كان صحيحاً أنّها كانت متّحدة بي بالقدرة التي ظَهَرَت للعالم.

أقول لكم ما كنتُ أقوله للمدعوّين: "اشكُروا مريم. فبواسطتها حصلتم على معلّم المعجزة ونلتم كلّ نِعَمي، خاصّة نِعَم الغفران".

استريحي بسلام. نحن معكِ.»



12
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.

 

في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.
تمهيد:رغم ان هذا الحدث لا يبدو من الاحداث الرئيسية في الانجيل الا اني اخترته لان يسوع يقوم بشرح بعض التفاصيل الرائعة عن انه لماذا يسمح يسوع بالمصائب ان تاتي الينا وهل يتدخل الله في حياة الانسان

الجزء الثالث
(تابع السنة الثانية في الحياة العلنية)
الكتاب الأول / القسم الثاني

45- (تسكين العاصفة)

30 / 01 / 1944

كم كان سُكوني عظيماً اليوم.

كنتُ أُطرِّز وأَسمَع الموسيقى بصحبة أشخاص من العائلة. وبالتالي فقد كنتُ ساهِية عن الأشياء الاعتياديّة. وإذا بالرؤيا تَعزِلني بُغتة عنها، جاعِلة وجهي يبدو مُختلفاً، لحسن الحظّ أنّ باولا هي الوحيدة التي أَدرَكَت وفَهِمَت. مَكَثتُ مع هذا الفرح والابتهاج طوال فترة بعد الظهر. لقد حَصَلَ ذلك قبل الموعد المعتاد، لأنّني عند حصول تلك الرؤيا، خَبِرتُ تشتّتاً قويّاً في قِواي الجسديّة وخاصّة القلبيّة، ولم يجعلني ذلك أتألّم لأنّني كوفِئتُ بِفَرَح روحيّ عارم. الآن وقد نام الجميع، فإنّني أشاطركم ابتهاجي.

لقد رأيتُ إنجيل اليوم، مع العِلم أنّني، هذا الصباح، أثناء قراءتي له، كنتُ أقول لنفسي: "هذا الفصل من الإنجيل لن أراه مطلقاً، لأنّه لا يتلاءم مع الرؤيا." بينما على العكس، ففي اللّحظة التي كنتُ فيها أقلّ إعمالاً لِفِكري، أَتَت بالضبط لتملأني حبوراً. هذا ما شاهدتُهُ:

مَركب شراعيّ، ليس كبير الحجم كثيراً، ولكنّه كذلك ليس صغيراً. إنّه مركب صيد، يمكن لخمسة أو ستّة أشخاص أن يتحرّكوا عليه بسهولة. وهو يمخر عباب مياه البحيرة الزرقاء.

ينام يسوع في المؤخّرة. إنّه يرتدي الثوب الأبيض كالمعتاد. يَسند رأسه على ذراعه اليسرى، وقد وَضَعَ تحت ذراعه ورأسه معطفه الرماديّ الضَّارِب إلى الزُّرقة، وقد طُوِيَ عدّة طيّات. إنّه جالس وليس متمدّداً، في قاع المركب، ويسند رأسه إلى رفّ صغير موجود في نهاية المؤخّرة. لستُ أدري ماذا يسمّيها البحّارة. إنّه ينام بسكون. فهو تَعِب، وهو هادئ.

بطرس يستلم الدفَّة، واندراوس يهتمّ بالأشرعة، ويوحنّا مع اثنين، لستُ أعرف مَن يكونان، يُعيدون تَوضيب الشِّباك والحِبال في قاع المركب، كما لو أنّهم كانوا عازِمِين على التحضير للصيد أثناء اللّيل. أقول إنّ النهار يُشرِف على الغروب، فالشمس تَنـزل الآن في أُفُق الغَرب. أمّا التلاميذ فقد شَمَّروا أثوابهم جميعاً ليكونوا أكثر حرّية في تحرّكاتهم، والذهاب من مكان إلى آخر في المركب، مارّين فوق المجاديف والسِّلال والمقاعد والشِّباك مِن دون مضايقة الأثواب. ولقد نَزَعوا معاطفهم جميعاً.

أرى السماء تُظلِم، والشمس تختفي خلف غيوم عاصِفة، تَخرُج بَغتَة مِن خلف قِمّة رابية، وتدفعها الرياح بسرعة صوب البحيرة. وما زالت الرياح حتّى الآن عالية، والبحيرة ساكنة. وهي تبدو فقط أكثر ظلاماً ويتموَّج سطحها. لم تُصبِح بعد أمواجاً، إنّما يبدأ الماء بالتحرك.

بطرس واندراوس يراقبان السماء والبحيرة ويُجهِّزان نفسيهما للعمل على إرساء المركب. ولكنّ الرياح تَهُبّ فوق البحيرة، وفي خلال بضعة دقائق يَحتَدِم كلّ شيء ويُزبِد. فالأمواج التي تتلاطَم وتَصدم المركب، وترفعه وتُنـزله وتُديره في كلّ الاتجاهات تَحْول دون عمل الدفّة، كما أنّ الرياح تُعيق عَمَل الأشرعة التي يجب، في هذه الحال، أن تُطوَى.

ينام يسوع. فلا الخطوات ولا صيحات التلاميذ ولا هدير الرياح وتصادُم الأمواج على جوانب المركب ومقدّمته توقِظه. يتموّج شعره بِفِعل الريح، ويتلقّى بعض الرذاذ. ولكنّه نائم. يذهب يوحنّا مِن مقدّمة المركب إلى مؤخّرته ويغطّيه بمعطفه الذي سَحَبَه مِن تحت رفّ صغير. يغطّيه بحبّ مُرهَف.

العاصفة تُصبِح، أكثر فأكثر، هوجاء، والبحيرة سوداء، وكأنّ حِبراً قد سُكِبَ فيها، وهي مُخطَّطَة بِزَبَد الأمواج. امتلأ المركب ماء، وقد دَفَعَته الرياح إلى عرض البحيرة. وبدأ العَرَق يتصبّب مِن جرّاء العمل على غَرف المياه التي تَقذفها الأمواج. ولكنّ ذلك لا ينفع في شيء. وها هم الآن يتخبّطون في المياه التي ارتَفَعَت حتّى وَصَلَت إلى منتصف سيقانهم، وهي تزيد ثِقل المركب.

يَفقد بطرس هدوءه وصبره. ويُسلِّم الدفّة لأخيه، ويمضي وهو يترنّح صوب يسوع، ويهزّه بعنف. يستيقظ يسوع ويرفع رأسه.

«أنقِذنا يا معلّم فإنّنا نَهلك!» يهتف إليه بطرس (يجب أن يَصرُخ لكي يُسمَع).

يُمعِن يسوع النَّظر في تلميذه، يَنظُر إلى الآخرين، ثمّ يَنظُر إلى البحيرة: «هل تؤمن أنّني أستطيع إنقاذكَ؟»

«بسرعة يا معلّم.» يهتف بطرس بينما كان جبل حقيقيّ من الماء مُقبِلاً مِن منتصف البحيرة، ويتوجّه بسرعة إلى المركب الفقير. تحسبه إعصاراً مائيّاً، لشدّة ما كان مُرتَفِعاً ومُخيفاً.

التلاميذ الذين يَرَونَه مُقبِلاً يَجثون، ويتمسّكون حيث هُم وكما يستطيعون، مُقتَنِعِين بأنّها النهاية.

يَنهَض يسوع، واقفاً على رفّ المؤخّرة، ووجهه الأبيض يطلّ على العاصفة، ويمدّ ذراعيه صوب الموجة، ويقول للرياح: «توقّفي واصمتي». وللمياه: «اسكني. هكذا أريد.»

حينئذ ذابَت الموجة الهائلة في الزَّبَد الذي يتساقط بغير ضَرَر. زمجرة أخيرة خَمَدَت بِهَمهَمَة، كما أنّ صفير الرياح قد تحوَّلَ إلى تَنهُّد. وعلى البحيرة التي سَكَنَت يعود صفاء السماء، والرجاء والإيمان إلى قلب التلاميذ.

لا يمكنني وصف عَظَمَة يسوع. يجب رؤيتها لإدراكها. وإنّني لَأَتذوّقها في داخلي، لأنّها دائمة الحضور. وأعود لأرى كم كان نوم يسوع مُستكيناً، وكم كان قَديراً سلطانه على الرياح والأمواج.


46- (المصائب تساعد على إقناعكم بعَدَميَّتكم)

30 / 01 / 1944

يقول يسوع فيما بعد الرُّؤيا السابقة:

«لستُ أشرَح لكِ الإنجيل كما يشرحه الجميع. بل سوف أُسلِّط الضوء على ما يَسبق الحَدَث في الإنجيل.

لماذا كنتُ نائماً؟ أعَلى سبيل الصُّدفة، ولَم أكن أعلَم أنّ العاصفة ستهبّ؟ بلى كنتُ أعلَم. وقد كنتُ الوحيد الذي أَعرِف ذلك. وإذن لماذا كنتُ أنام؟

كان الرُّسُل بَشراً، يا ماريّا. تُحَرِّكهم نواياهم الحسنة، ولكنّهم بالرغم من ذلك، هُم "بشر" فقط. والإنسان يظنّ نفسه دوماً قادراً على كلّ شيء. وبعدئذ، عندما يصبح حقيقة قادراً على كلّ شيء، يصبح ممتلئاً بالاكتفاء والتمسّك "بإجادة العمل". بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنّا كانوا صيّادين ماهرين، ولهذا السبب كانوا يظنّون أنّ لا أحد يفوقهم في عمل المراكب. وأنا، بالنسبة إليهم، كنتُ "رابي" عظيماً، إنّما عديم الكفاءة كبحّار. لذلك كانوا يعتبرونني غير أهل لمساعدتهم. وعندما يَصعَدون إلى المركب لاجتياز بحر الجليل، كانوا يرجونني البقاء جالساً، لأنّني غير أهل للقيام بشيء آخر. عاطفتهم كذلك كانت، مِن أجل شيء ما، فلم يكونوا يَبغون فرض أعباء مادّيّة عليّ. ولكنّ تَشَبُّثهم "بإجادتهم العمل" كان يتجاوز العواطف أيضاً.

أنا لا أفرض نفسي إلّا في حالات استثنائيّة، يا ماريّا. بشكل عامّ، أنا أترككم أحراراً، وأنتَظِر. في ذلك اليوم كنتُ تَعِباً، وكانوا يرجونني أن أستريح، أي أن أدعهم يَعمَلون، وهُم المؤهَّلون لذلك. لذا نمتُ. وفي نومي كذلك كانت تتداخل تلك الواقعة، أنّ الإنسان هو "إنسان"، وأنّه يريد التصرّف بذاته، دون التنبّه إلى أنّ الله لا يطلب إلاّ أن نسأله العون. وفي هؤلاء "الصُّمّ الروحيّين"، في هؤلاء "العميان الروحيّين"، كنتُ أرى كلّ الصُّمّ والعُميان الروحيّين الذين، على مدى عصور وعصور، يمضون إلى خرابهم بإرادتهم "التصرّف بذواتهم"، بينما أكون أنا منحنياً على احتياجاتهم، في انتظار طَلَبهم العون منّي.

عندما صَرَخَ بطرس: "أنقِذنا!" سَقَطَت مرارتي مثل حصاة أفلَتَت. فأنا لستُ "إنساناً"، بل أنا "الله-الإنسان". أنا لا أتصرّف كما تتصرّفون أنتم. فإنّكم عندما يَرفض أحد نصيحتكم وعونكم، حينما تَجِدونه في ضيق، حتّى ولو لم تكونوا أشراراً كفاية لتَبتَهِجوا لذلك، فإنّ لديكم ما يكفي لتَحتقروه، فلا تُبالون به، بل وتَنظُرون إليه دون أن يحرّككم نداؤه لكم وطلبه العون. وبسلوككم تجعلونه يُدرِك: "عندما رغبتُ في مساعدتكَ، أبَيْتَ. الآن دَبِّر نفسكَ". أمّا أنا فإنّني يسوع، إنّني الـمُخلِّص. وأنا أُخلِّص، يا ماريّا. أُخلِّص على الدوام، حالما يُنادونني.

يمكن للناس المساكين أن يَعتَرِضوا: "وإذن، فلماذا تسمح للعواصف المخصَّصة أو المعمَّمة أن تَحدُث؟" فإذا كنتُ، بِسُلطاني، أُدمِّر الشرّ، مهما يكن، فسوف تَعتَقِدون أنّكم أنتم فاعِلو الخير الذي هو، في الحقيقة، عطيّة منّي، ولا تَعودون تتذكّرونني على الإطلاق. على الإطلاق. فإنّكم، أيّها الأبناء المساكين، في حاجة إلى الألم ليذكّركم بأنّ لكم أباً. مِثل الابن الشاطر الذي تذكّر أنّ له أباً عندما عَضَّه الجُّوع.

المصائِب تساعد في إقناعكم بعَدَميَّتكم، بعدم صوابيّتكم، سبب أخطاء جَمّة، سبب شرّكم، سبب أحزان كثيرة وآلام كثيرة، سبب خطاياكم، سبب عقوبات كثيرة تجلبونها لأنفسكم، وهي سبب وجودي وسلطاني وصلاحي. هذا ما يقوله لكم إنجيل اليوم. إنجيلكم للساعة الحاليّة، أيّها الأبناء المساكين.

اطلُبوني. فيسوع لا ينام، إلاّ أنّه قَلِق مِن رؤيتكم بغير حُبّ تجاهه. نادوني وسآتي.»

آسف لعدم مجيئكَ اليوم، لأنّكَ كنتَ سترى وجه غِبطة، وكنتُ أنا تمكّنتُ مِن معرفة إلامَ أتبدَّل، ذلك أنّ باولا تقول إنّها لاحَظَت ذلك رغم استمراري بالعمل، حتّى بأسرع من المعتاد، ولكنّها لا تعرف شرح المزيد... على الأقلّ أعرف أن أضبط نفسي، وبالمناسبة أفعَل مِثل موسى: أن أضع وشاحاً على وجهي.

13
تمهيد: يتحدث المسيح في هذا القسم عند ارادة الله وكيف يجب ان تحترم. ويتكبم عن الجملة الشهيرة في الكتاب المقدس والتي تقول ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات.

الجزء الثالث / القسم الأول

36- (في أسفل الجبل. السبت بعد الحديث)

01 / 06 / 1945

يَبتَعِد يسوع قليلاً أثناء الليل، يَصعَد على الجبل، بحيث يَجعَله الفجر يبدو وكأنّه واقف على منحدر شديد. وبطرس الذي يراه يدلّ رفاقه عليه، ويَصعَدون إليه.

«يا معلّم، لماذا لم تأت معنا؟» يسأل البعض.

«كنتُ في حاجة إلى الصلاة.»

«ولكنّكَ في حاجة ماسّة إلى الاستراحة.»

«أصدقائي، أتاني صوت من السماء، أثناء الليل، يسألني الصلاة من أجل الصالحين والسيّئين، وأيضاً من أجل ذاتي.»

«لماذا؟ هل أنتَ في حاجة إليها؟»

«كالآخرين. إنّ غذاء قُوَّتي هو الصلاة والفرح في إتمام مشيئة أبي. لقد أشار إليَّ أبي باسمين لشخصين، وبألم لي. وتلك الأمور الثلاثة تستوجِب الكثير من الصلاة.» يسوع حزين للغاية، ويَنظُر إلى أتباعه بعين تبدو مُتوسِّلة، وهي تطلب شيئاً، أو تسأل. يتّكئ على هذا أو ذاك، وأخيراً يتّكئ على يهوذا الاسخريوطيّ متوقّفاً عنده.

يُلاحِظ الرسول ذلك ويسأل: «لماذا تنظر إليَّ هكذا؟»

«لم أكن أراكَ. فلقد كانت عيني تتأمّل شيئاً آخر...»

«ماذا؟»

«طبيعة التلميذ. كلّ الخير والشرّ الذي يمكن لتلميذ أن يُسبِّبه لمعلّمه. كنتُ أفكّر بالتلاميذ، بالأنبياء، بأولئك الذين ليوحنّا، وكنتُ أفكّر بتلاميذي. وكنتُ أصلّي من أجل يوحنّا ومن أجل التلاميذ ومن أجل ذاتي...»

«إنّكَ حزين وتَعِب هذا الصباح، يا معلّم. بُحْ بغمّكَ للذين يحبّونكَ.» يُلحّ بالطلب يعقوب بن زبدى.

«نعم. قُل، وإذا كان هناك ما يمكنه أن يخفّف عنكَ، فسنفعله.» يقول يوضاس ابن عمّه.

يتحدّث بطرس مع برتلماوس وفليبّس، ولكنّني لا أُدرِك ماذا يقولون.

يجيب يسوع: «كونوا صالحين. اجتَهِدوا في أن تكونوا صالحين وأوفياء. ذاك هو ما يعزّيني، ولا شيء آخر، يا بطرس. هل سمعتَ؟ دَع الشكوك جانباً. أحِبّوني وأحبّوا بعضكم بعضاً. لا تَدَعوا الذين يبغضونني يَستَميلونكم. أحبّوا خاصّة إرادة الله.»

«هه! إذا كان كلّ شيء يأتي منها، فأخطاؤنا ذاتها تأتي منها!» يُعبِّر توما عن رأيه وكأنّه فيلسوف.

«هل تظنّ ذلك؟ ليس الأمر هكذا. إنّما هناك أناس كثيرون مُستَيقِظون ويَنظُرون هنا. لننـزل. ولنكرِّس اليوم المقدّس بكلمة الله.»

يَهبطون بينما يتزايد عدد المستيقظين. الأطفال، مبتهجين كالحَسَاسِين، أصبَحوا يُناغُون وهم يركضون ويقفزون وسط الحقول. يبلّلهم الندى، وتُسمَع بعض الصفعات متبوعة ببكاء. إنما بعدئذ يركض الأولاد إلى يسوع الذي يلاطفهم، معيداً إليهم الابتسامة، كما لو كان يعكس هذا السرور البريء في ذاته. طفلة صغيرة تريد أن تضع له في حزامه باقة زهر قَطَفَتها من الحقول، حيث «الثوب أجمل هكذا»، كما تقول، ويَدَعها يسوع تفعل، تاركاً الرُّسُل يُتمتِمون، وحتّى يسوع يقول لهم: «ولكن كونوا مسرورين لأنّهم يحبّونني! الندى يُزيل الغبار عن الورود، وحبّ الأطفال يَنـزَع الحزن من قلبي.»

يَصِل وسط الحجّاج، في الوقت ذاته، يسوع القادم من الجبل، ويوحنّا الكاتب القادم من بيته مع مجموعة من الخُدّام يَحمِلون سلال الخبز، وآخرون يحملون الزيتون والجبن وحَمَلاً صغيراً مشويّاً للمعلّم. يوضع كلّ شيء عند قدميه. وهو يُنظِّم التوزيع، مُعطياً لكلّ واحد رغيف خبز مع قطعة جبن وقبضة زيتون، ولكنّه يعطي قِطعة مِن الحَمَل المشويّ لإحدى الأمّهات التي تحمل على صدرها طفلاً يبتسم، وقد بَزَغَت أولى أسنانه. ويتصرّف هكذا مع اثنين أو ثلاثة هم في حاجة إلى التغذية بشكل خاصّ.

«ولكنّه لكَ يا معلّم»، يقول الكاتب.

«سوف آكل منه، لا يكن لديكَ شكّ. ولكن كما ترى... أن يستفيد البعض مِن صلاحكَ يجعله بالنسبة إليَّ أكثر لذّة.»

ينتهي التوزيع، ويَقضم الناس الخبز مع الاحتفاظ ببعضه لما بعد. كذلك يسوع يشرب القليل من الحليب الذي يصرّ الكاتب على سكبه له في فنجان ثمين مِن زجاجة مُقشَّشَة تُشبه الجرّة، يحملها أحد الخُدّام.

«الآن ينبغي أن تتكرّم عليَّ بمنحي فَرَح الاستماع إليكَ.» يقول الكاتب يوحنّا الذي يحيّيه حرماس باحترام وإيتيان بأكثر احتراماً.

«لن أرفض طلبكَ. تعال هنا.» ويبدأ يسوع الحديث.

«لقد جَمَعَتنا إرادة الله في هذا المكان، إذ إنّ المضي أبعد من ذلك، بعد المسافة التي قَطَعنَاها، يشكّل خرقاً للوصايا وسبباً للشكّ. مِن البرّ هو تقدّيس الأعياد وتمجيد الربّ في أماكن الصلاة. ولكن الخليقة كلّها يمكنها أن تكون مكاناً للصلاة، إذا عَرف الناس جعلها كذلك، برفع الروح صوب الآب. إنّ سفينة نوح كانت مكاناً للصلاة عندما كانت على الأمواج على غير هدى. وبطن الحوت كان مكان صلاة بالنسبة إلى يونان. وبيت فرعون كان مكاناً للصلاة، حينما عاش فيه يوسف. وكذلك خيمة هولوفرن بالنسبة إلى يهوديت العفيفة. ثُمّ أَلَم يكن مقدّساً جدّاً في عيني الربّ المكان الفاسد الذي كان دانيال النبي يعيش فيه عَبدَاً، مُقدَّساً بقداسة خادمه الذي كان يُقدِّس المكان، لدرجة استحقاق نبوءات المسيح السامية وسابق المسيح، مُفتاحيّ الأزمنة الحاليّة والأزمنة الأخيرة؟ فبالأحرى أن يكون مقدَّساً هذا المكان الذي، بألوانه وعطوره ونقاء هوائه وغِنى المحاصيل وجواهر الندى، يتحدّث عن الله الآب والخالق ويقول: "أنا أؤمن، ولتؤمنوا أنتم، لأنّنا شهود لله". فليكن إذن معبد هذا السبت، ولنقرأ في هذا المكان الصفحات الأزليّة على تويجات الزهور والسنابل المضاءة بمصباح السماء المقدّس.

ذَكَرتُ لكم دانيال، وقُلتُ لكم: "ليكن هذا المكان كنيسنا"، فهو يذكّرنا "بِبَاركِوا" البهيجة، التي رَدَّدَها الأطفال الثلاثة وسط لهيب الأتون: أيّتها السماوات والمياه، الندى والجليد، الصقيع والثلج، النيران والألوان، الأنوار والظلمات، الصواعق والسحب، الجبال والتلال، كلّ ما يَنبُت ويُفرِّخ، الطيور والسمك والحيوانات البرّية، مَجِّدي الربّ وبارِكيه مع البشر ذوي القلب المتواضع والقدّيس. هذا هو مُلخَّص النشيد المقدّس الذي يلقِّن المتواضعين والقدّيسين الكثير. فيمكننا أن نصلّي ونستحقّ السماء في كلّ مكان. نستحقّها عندما نتمّم مشيئة الآب. وفي بداية هذا النهار قيلت لي ملاحظة مفادها: "إذا كان كلّ شيء يأتي من الإرادة الإلهيّة فأخطاء البشر آتية كذلك من تلك الإرادة". وهذا خطأ، بل خطأ شائع جدّاً. هل يمكن لأب أن يرضى بأن يصبح ابنه مُستَوجباً الدينونة؟ لا يمكنه ذلك. ومع ذلك نرى ضمن العائلات بعض الأبناء يَستَوجِبون الدينونة، رغم أنّ لهم أباً بارّاً يرشدهم إلى الخير ليفعلوه، ويدلّهم على الشرّ ليهربوا منه. وما مِن إنسان مستقيم يدين هذا الأب بأنّه دَفَعَ ابنه إلى الشرّ.

الله هو الأب. والبشر هم الأبناء. يرشدهم الله إلى الخير ويقول: "ها إنّني أضعكَ في هذا الوَضع مِن أجل خيركَ"، أو أيضاً عندما يُسبِّب الخبيث وخُدّامه مِن البشر المآسي للناس، يقول الله: "هاكَ، في هذه الساعة العصيبة، تَصَرَّف هكذا، حينئذ يؤدّي ذلك الشرّ إلى جعلكَ تَكتَسِب خيراً أبديّاً". ينصحكم، ولكنّه لا يرغمكم. حينذاك، إذا ما فَضَّلَ أحدهم مخالفته، رغم معرفته أنّها إرادة الله، هل يمكن القول : إنّها إرادة الله؟ مستحيل.

أحِبّوا إرادة الله. أحِبّوها جيداً، أكثر من إرادتكم، واتَّبِعوها ضدّ إغراءات وسلطان قوى العالم والجسد والشيطان. فإنّ حتّى أولئك لهم إرادتهم، ولكن، الحقّ أقول لكم: الويل لِمَن يخضع لها. تَدعونَني "ماسيا وربّاً". تقولون إنّكم تحبّونني وتُهلِّلون لي. تتبعونني، وهذا يبدو لكم حبّاً. إنّما، الحقّ أقول لكم: لن يدخل جميعكم ملكوت السماوات، فحتّى بين أقدم وأحدَث تلاميذي، هناك مَن لا يَدخُلونها، لأنّ الكثيرين يَفعَلون إرادتهم أو إرادة الجسد أو العالم أو الشيطان، إنّما ليس إرادة أبي.

ليس الذين يقولون لي: "يا ربّ! يا ربّ!" هم الذين يَدخلون ملكوت السماوات، إنّما الذين يُتمّمون مشيئة أبي. أولئك فقط يَدخلون ملكوت الله. سيأتي يوم أُصبِح فيه، أنا الذي أحدّثكم، دَيَّاناً، بعد أن كنتُ راعياً. فلا يَغُرَّنَّكم مظهري الحالي، فاليوم عصاي، كراعٍ، تجمع كلّ النفوس المشتَّتَة، وهي ناعمة لتدعوكم إلى المجيء إلى مراعي الحقيقة. أمّا حينذاك، فَبَدَل العصا، سيكون صولجان الـمَلِك الديَّان، وسلطاني سيكون مختلفاً تماماً. فليس بلطف، بل بعدل لا يَرحَم، سأُفرّق حينذاك الخِراف التي تغذَّت على الحقيقة عن تلك التي كانت تَمزج بين الحقيقة والخطأ، أو التي تتغذّى فقط على الخطأ.

سيكون لي هذا الموقف مرّة أولى وثانية أيضاً. والويل لِمَن يَمثلون أمام الديّان ولا يكونون قد تطهَّروا مِن السمّ بين المرّة الأولى والثانية. الفئة الثالثة لن تتطهَّر، ولا يمكن لأيّة عقوبة أن تُطهِّرها. فهي لم تشأ سوى الخطأ، وستبقى في الخطأ. ومع ذلك، فحينذاك، يوجد بينهم من يقول وهو يئنّ: "ولكن كيف يا ربّ؟ ألم نتنبّأ باسمكَ، ألم نطرد الشياطين كذلك باسمكَ؟ وألم نفعل باسمكَ الخَوارِق الكثيرة؟"

وأنا، سوف أقول لهم حينئذ ، بجلاء تام: "نعم، لقد تجاسرتم على ارتداء اسمي، والظُّهور بما لستم عليه. لقد أردتم تمرير شيطانيّتكم بيسوع. ولكن ثمرة أعمالكم تدينكم. أين هُم الذين خَلَّصتموهم؟ أين تحقّقت نبوءاتكم؟ ماذا نَفَعت تعويذاتكم؟ ما هو الدافع لخوارقكم؟ آه! إنّ عدوّي ذو سلطان عظيم، ولكنّه ليس أعظم من سلطاني. لقد حالَفَكم لتكون لكم غنيمة عظيمة للغاية، وبعملكم توسَّعَت دائرة أولئك الذين سَقَطَوا في الهرطقة. نعم، لقد صنعتم الخوارق، حتّى إنّها، في ظاهرها، أعظم مِن تلك التي لِخُدّام الله الحقيقيّين، الذين ليسوا مشعوذين يَبهرون الجموع، ولكنّهم، بتواضعهم وطاعتهم يُدهِشون الملائكة. هُم، خُدّامي الحقيقيّون، بتضحياتهم، لا يَخلقون أشباحاً، بل يطردونها من القلوب؛ هُم، خُدّامي الحقيقيّون، لا يفرضون أنفسهم على البشر، ولكنّهم يَدلّون نفوس البشر على الله. هُم، لا يفعلون غير إتمام مشيئة الآب، ويقودون الآخرين إلى إتمامها. كما الموجة تَدفَع الموجة السابقة وتَسحَب اللاحِقة. إنّهم لا يَعتَلون عرشاً ليقولوا: "انظروا". هُم، خدّامي الحقيقيّون، يفعلون ما أقول، ولا يفكّرون إلّا بفعله، وأعمالهم تحمل خاتم السلام الذي لا يُقارَن والوداعة والترتيب. هاكُم لماذا يمكنني أن أقول لكم: هكذا هُم خُدّامي؛ أنتم لستُ أعرفكم. اذهبوا بعيداً عني، أنتم جميعاً يا فاعِلي الـمُنكَر".

هذا ما سأقوله لكم. وسوف يكون كلاماً رهيباً. اعمَلوا على ألّا تستحقّوه، وتعالوا في الدرب الآمن، درب الطاعة، رغم كونه مضنياً، إلى مجد ملكوت السماوات. والآن تمتّعوا باستراحتكم ليوم السبت، وأنتم تمجّدون الله من كلّ قلبكم. وليكن السلام معكم.»

يُبارِك يسوع الجمع قبل أن يتشتّتوا بحثاً عن الظل، وهم يتحدّثون جماعات جماعات، مُردِّدين الكلام الذي سَمِعوه. وإلى جانب يسوع، يبقى الرُّسُل والكاتِب يوحنّا الذي لا يتكلّم، ولكنّه يتأمّل بعمق مُراقِباً تصرّفات يسوع.

واختُتِمَت حَلَقَة العِظَة على الجبل.

14
الجزء الثالث / القسم الأول

35- (شفاء الأبرص في أسفل الجبل)

30 / 05 / 1945

(في مثل هذا اليوم، منذ أربعين عاماً 30 / 05 / 1905 كنتُ قد تقبَّلتُ سرّ التثبيت على يد الكردينال أندريا فرّاري)

وسط الزهور التي لا تحصى والتي تُعطِّر الأرض وتُبهِج النَّظَر، ينتَصِب شبح أبرص مُريع، وقد غَطَّت جسمه القروح التي تَنبَعِث منها رائحة نَتِنَة، وقد تأكَّله البرص.

يَصرخ الناس مذعورين، ويَرتدّون مِن جديد إلى أوّل منحدرات الجبل، وقد تناول بعضهم الحجارة ليرموها على المتهوِّر. ولكن يسوع يلتَفِت، فاتحاً ذراعيه، وهو يهتف: «هدوءاً! ابقوا في أماكنكم ولا تخافوا. ضعوا الحجارة من أيديكم. أشفقوا على هذا الأخ المسكين. فهو كذلك ابن لله.»

يطيع الناس، وقد هيمَن عليهم سلطان المعلّم. ويتقدّم عبر الأعشاب الطويلة إلى مسافة خطوات مِن الأبرص الذي يتقدّم بدوره بعدما أدرَكَ أنّ يسوع كان يحميه. ويدنو مِن يسوع، ويجثو، والعشب الـمُزهِر يَغمُره مثل مياه عذبة ومعطّرة، والزهور التي تتموّج، تبدو وكأنّها تَنشر حجاباً على المآسي التي تُخفيها. وحده الصوت المثير للرثاء الذي ينبعث منها يُذكِّر بأنّ هناك كائناً مسكيناً. ويقول الصوت: «سيّدي، إن شئتَ فأنتَ قادر أن تُطهِّرني. فارحمني.»

يجيبه يسوع: «ارفع وجهكَ وانظُر إليَّ. على الإنسان معرفة النَّظَر إلى السماء عندما يؤمن بها. وأنتَ تؤمن، بما أنّكَ تَلتَمِس.»

يتحرّك العشب وينفتح من جديد. ويبدو وجه الأبرص مثل رأس غريق يطفو على سطح البحر، دون شعر ودون لحية. جمجمة ما يزال عليها بعض مِن بَشَرَة. حينئذ تجرّأ يسوع ووضع رؤوس أصابعه على تلك الجبهة الجليّة، وهي سليمة دون قروح، حيث لا يوجد سوى جلد شمعيّ، مُحرشَف بين تآكُلَين مُتقيِّحَين، أحدهما خَرَّب فروة الرأس، والآخر فَتَحَ حفرة حيث كانت العين اليمنى. لستُ أعرف القول إذا ما كان في هذا التجويف الكبير، الممتدّ مِن الصَّدغ إلى الأنف، مُعرِّياً عَظم الوَجنَة وغضاريف الأنف، وهي ممتلئة قَذارة، قد بَقِيَت مُقلَة أم لا.

يقول يسوع، ويده الجميلة مُستَنِدَة بِطَرَفها هناك: «شئتُ فابرأ.»

وكأنّ الرجل لم يتأكّله البرص، ولم تكن القروح تغطّيه، إنّما فقط دَرنات سُكِب عليها سائل مُطهِّر، وها هو البرص يختفي. في البدء اندَمَلَت القروح، ليعود الجلد صافياً، وتعود العين للظهور بين الجفنين اللذين أُعيد تَشَكُّلهما، وأُغلِقَت الشَّفَتان من جديد على أسنان تميل إلى الاصفرار، فقط الشعر واللحية بقيا غائبين إلّا مِن خُصلات قليلة حيث كانت هناك بقايا جلد سليم.

يَصرخ الجمهور مِن الذهول، ويُدرِك الرجل أنّه شُفِيَ لدى سماعه هتافات الفرح. يرفع يديه اللتين كانتا مخبّأتين حتّى ذلك الحين في العشب، ويتلمّس عينه حيث كانت الحفرة الكبيرة. يَلمِس رأسه حيث كانت القرحة الكبيرة التي كانت تغطّي الجمجمة، ويتلمّس الجلد الجديد. حينئذ يَنهَض ويَنظُر إلى صدره وردفيه... كلّ شيء سليم ونظيف... ويَخرّ الرجل من جديد في الحقل المزهر باكياً من الفرح.

«لا تبكِ. انهض واسمعني. عُد إلى حياتكَ مُحافِظاً على الشَّعائِر، ولا تقل لأحد حتّى يتمّ. اذهب إلى الكاهن في أسرع وقت وأَرِه نفسكَ. وقَرِّب ما أَمَرَ به موسى مِن قربان شهادة للمعجزة التي أدَّت إلى شفائكَ.»

«لكَ أنتَ ينبغي لي أن أشهَد يا سيّدي!»

«ستفعل ذلك بحبّك لـمَذهَبي. امضِ.»

يدنو الجمع من جديد، ومحافِظِين على المسافة المفروضة، يُهنِّئون الذي حَدَثَت المعجزة له. ويشعر البعض بالحاجة إلى منحه معونة لسفره، فيرمون له قِطعاً نقديّة. ويرمي له آخرون خبزاً وزاداً. أحد الرجال، وقد رأى ثوب الأبرص الذي ليس سوى خرقة بالية تستره بشكل سيّئ، يَخلَع معطفه جاعلاً منه صرّة، ويرميه للأبرص الذي يتمكّن هكذا من ستر جسده بشكل مُحتَشِم. وآخر، حيث إنّ المحبّة مُعدِية، عندما يكون الناس على شكل جماعة، لا يُقاوِم الرغبة في توفير حذاء له، فيخلع حذاءه ويرميه له.

«ولكن، وأنتَ؟» يسأله يسوع الذي يراه يفعل.

«آه! أنا اقطن قريباً من هنا. ويمكنني السير حافي القدمين. أمّا هو فدربه طويل.»

«ليبارككَ الله، وجميع الذين أسدوا خدمة لهذا الأخ. يا رجل، سوف تُصلّي من أجلهم.»

«نعم، نعم من أجلهم، ومن أجلكَ ليؤمن العالم بكَ.»

«وداعاً. اذهب بسلام.»

يبتَعِد الرجل بضعة أمتار، ثمّ يعود ويهتف: «لكن هل يمكنني البوح للكاهن بأنّكَ أنتَ مَن شفيتَني؟»

«لا. يجب ألّا تفعل. قل له فقط: "الربّ ترأّفَ بي". إنّها الحقيقة الصَّرف. ولا شيء آخر.»

يتزاحم الجمهور حول المعلّم، يشكّلون دائرة لا يمكن فتحها بأيّ ثمن. ولكن في تلك الأثناء مالت الشمس. إنّه بدء استراحة السبت. البلدات بعيدة. ولكنّ الناس لا يَتحسَّرون على البلدات ولا على القوت ولا على أيّ شيء. حينئذ أخذ الرُّسُل يَقلَقون، وكَلَّموا يسوع بهذا الخصوص. حتّى الرُّسُل الأكبر سنّاً قَلِقوا. فهناك النساء والأطفال، وإذا كان الليل دافئاً، وعشب الحقول طريّاً، فالنجوم ليست خبزاً، وحجارة المنحدر لا تُوفِّر ما يُؤكل.

يسوع هو الوحيد الذي لا يهتمّ للأمر. وفي غضون ذلك، يأكل الناس ما تبقّى لديهم وكأنّ شيئاً لم يكن. ويَلفت يسوع انتباه أتباعه إلى ذلك: «الحقّ أقول لكم، إنّ هؤلاء الناس أسمى منكم! انظروا بأيّة لا مبالاة يُنهون ما بقي لديهم. لقد قلتُ لهم: "مَن لا يمكنه الإيمان بأنّ الله سيعطي غداً أبناءه ما يأكلون، فلينسَحِب". وهُم ظَلّوا. والله لا يُكذِّب مسيحه ولا يَخذل الذين يأملون به.»

يرفع الرُّسُل أكتافهم، ولا يعودون يهتمّون بشيء آخر. بعد غسق أحمر، يهبط الليل هادئاً وجميلاً، وصمت الريف يخيّم على كلّ شيء، بعد أمسية غنائيّة أخيرة أدتها العصافير. بعض مِن هفيف الريح، ثمّ طيران صامت لعصفور ليل في اللحظة التي تُشرِق فيها النجمة الأولى، وأوّل نقيق ضفدع.

لقد نام الأطفال، والكبار يتحدّثون فيما بينهم، وبين الفينة والفينة، يذهب أحدهم إلى المعلّم طالباً إيضاحاً. ولا نندهش كذلك عندما نرى شخصيّة هامّة، مَظهَراً ولباساً وسنّاً، قادماً على درب بين حقلي قمح. وخلفه رجال يتبعونه. يَلتَفِت الجميع للنَّظَر إليه، ويشيرون متهامسين. تمتمة قصيرة من مجموعة لأخرى تنشط وتخمد. والمجموعة الأكثر ابتعاداً يقتربون مدفوعين بالفضول.

يَصِل الرجل ذو المظهر النبيل إلى يسوع الذي كان جالساً عند أسفل شجرة يستمع إلى بعض الناس، ويحيّيه بعمق. ينهض يسوع فوراً ويردّ التحيّة بالاحترام ذاته. ويتابع الموجودون جميعهم الحَدَث بانتباه شديد.

«لقد كنتُ على الجبل. وقد تكون فَكَّرتَ بأنّني كنتُ أفتَقد إلى الإيمان، لأنّني كنتُ قد مَضَيتُ لكيلا أبقى على الريق. ولكنّني مَضَيتُ بدافع آخر. كنت أريد أن أكون أخاً بين الأخوة، الأخ البِكر. أودّ أن أبوح لكَ بما أفكّر على انفراد. هل يمكنك الاستماع إليَّ؟ أنا لا أُضمِر العداء لكَ، رغم كوني مِن الكَتَبَة.»

«هيّا بنا نبتعد قليلاً...» ويذهبان إلى وسط حقول القمح.

«كنتُ أودُّ توفير الطعام للحجّاج، وقد نَزَلتُ لإصدار الأمر بتأمين الخبز لكلّ هذا الجمع، وكما ترى، فأنا ضمن نطاق الشَّرع، ذلك أنّ هذه الحقول لي، ومِن هنا حتى القمّة، طريق يمكنني قطعها يوم السبت. كنتُ سآتي غداً مع خُدَّامي، ولكنّني عَلِمتُ أنّكَ هنا مع الجمع. أرجوكَ السماح لي بتأمين الطعام لهم أثناء السبت. وإلّا فيسوءني أنّي تخلّيتُ عن الاستماع إليكَ سُدى.»

«لم يكن ذلك سُدى أبداً، فالآب سيمنحكَ أنواره أجراً. ولكنّني أشكركَ، ولن أُخيِّب رجاءكَ. أَلفِت نَظَرَكَ فقط إلى أنّ الجمع غفير.»

«لقد جَعَلتُ الأفران كلّها تعمل، حتّى تلك التي تُستَخدَم لتجفيف المحاصيل. وسأتوصّل للحصول على الخبز للجميع.»

«ليس هذا. كنتُ أودّ الحديث عن كميّة الخبز...»

«آه! هذا لا يزعجني. فالغلال كانت وفيرة العام الماضي. وهذا العام، أنتَ ترى السنابل. دعني أفعل. وسيكون هذا أفضل ضمان لحصادي. ثمّ، يا معلّم... يا لذاك الخبز الذي مَنَحتَنيه اليوم... أنتَ، نعم، أنتَ خبز الروح!...»

«إذن، ليكن كما تريد. هيّا بنا نقول ذلك للحجّاج.»

«لا. لقد قُلتَه.»

«هل أنتَ مِن الكَتَبَة؟»

«نعم، أنا كذلك.»

«فليَقُدكَ الربّ إلى حيث يستحقّ قلبكَ.»

«أُدرِك ما لا تقوله. تريد القول: إلى الحقيقة. لأنّ فينا الكثير من الأخطاء... والكثير من سوء النيّة.»

«مَن أنتَ؟»

«أنا ابن لله. صلِّ إلى الآب مِن أجلي. وداعاً.»

«ليكن السلام معكَ.»

يعود يسوع على مهل إلى أتباعه، بينما يبتعد الرجل مع خُدّامه.

«مَن كان ذاك؟ ماذا كان يريد؟ هل قال لكَ ما يُزعِج ويُكدِّر؟ هل لديه مرضى؟» وانهالت الأسئلة على يسوع.

«مَن يكون، لا أدري. يعني أَعلَم أنّها نفس صالحة وهذا...»

«إنّه يوحنّا، أحد الكَتَبَة.» يقول واحد من الجمع.

«حسناً، الآن وقد قُلتَها، أَعرِف، كان يريد بكلّ بساطة أن يكون خادم الله في أبنائه. صَلّوا من أجله، فسنأكل غداً بفضل طيبه وصلاحه.»

«في الحقيقة إنّه بارّ.» يقول أحدهم.

«نعم، ولستُ أدري كيف يمكنه أن يكون صَديق الآخرين.» يُعلِّق آخر.

«تَلُفّه الروادِع والسنن مثل مولود جديد. ولكنّه ليس سيّئاً.» يَخلص ثالث.

«هل هذه الحقول ملكه؟» يسأل كثير من الناس الغريبين عن البلدة.

«نعم. أظنّ أنّ الأبرص كان أحد خدّامه أو أحد فلّاحيه، ولكنّه كان يتغاضى عن وجوده في الجوار، وأظنّ أنّه كان يطعمه كذلك.»

الحوار مستمرّ، ولكنّ يسوع يُفلِت منه منادياً الاثني عشر إلى جانبه، حيث يسألهم: «والآن ماذا ينبغي لي أن أقول لكم حول قلّة إيمانكم؟ ألم يُرسِل الآب خبزاً لنا جميعاً، وبِيَدَيّ مَن تُضمِر لنا طَبَقَتَه العداء؟ آه! يا قليلي الإيمان!... ولكن اذهبوا وناموا في العشب الوثير. سوف أصلّي إلى الآب ليفتح قلوبكم، وأشكره على صلاحه. السلام لكم.»

ويمضي إلى مشارف منحدرات الجبل. وهناك يجلس ويختلي بنفسه في الصلاة. وهو، إذ يرفع عينيه، يرى قطيع النجوم المتلألئة في السماء. وإذ يخفضهما، يرى قطيع النيام المتمدِّدِين في الحقول. لا شيء آخر. ولكن هذا كان فرح قلبه حتّى بدا أنّه يتجلّى نوراً.

15
هنا يطلب منّي يسوع أن أُدرِج الرؤيا المؤرخة في 12 / 08 / 1944:

--------------------------------------------------

12 / 08 / 1944

يقول لي يسوع:

«انظري واكتبي. إنّه إنجيل الرحمة الذي أمنَحه للجميع، وخاصة لأولئكَ الذين يُقِرّون أنّهم خَطَأَة، والذين أدعوهم إلى سلوك طريقه للخلاص.»

يسوع واقف على صخرة، يتحدّث إلى جمهور غفير. إنّه موضِعه الجبليّ. رابية منفردة بين واديين. قمّة الرابية على شكل نِير، أو بالحريّ سنام جَمَل، وعلى بعد أمتار قليلة من القمّة فسحة على شكل مسرح طبيعي، حيث رَجْع الصوت جليّ، كما في قاعة حفلات موسيقيّة مدروسة البناء.

الرابية ليست سوى زهرة. يُفتَرَض أنّه الفصل الجميل. غِلال السهول بدأت تتلوّن باللون الأشقر، وقريباً ستكون جاهزة للحصاد. إلى الشمال جبل شاهق، يتلألأ تحت الشمس. تحته مباشرة، إلى الشرق، بحر الجليل، يبدو كمرآة مكسورة، بحيث تبدو شظاياها التي لا تُحصى وكأنّها أحجار سفير تتوهّج بفعل الشمس. إنّه يُبهِر ببريقه الأزرق والذهبيّ، بحيث لا ينعَكِس عليه سوى بضعة غيمات صوفيّة المظهَر، تجتاز سماء نقية جدّاً، والظِّلال المتحرّكة لبعض الأشرعة. المفروض أيضاً أنّها ساعات الصباح الأولى، ذلك أنّ عشب الجبل ما زال يحتفظ ببعض ماساته من الندى المبعثرة بين السوق. خلف بحيرة جنّسارت، هناك سهول بعيدة، تبدو، بفعل ضباب خفيف، قد يكون تَشَكَّلَ مِن تَبَخُّر الندى، وكأنّها امتداد للبحيرة، إنّما بألوان عين الهرّ مُعرَّقة بالأخضر، وأبعد منها سلسلة جبال، مُنحَدَرها المتعرّج يوحي برسم غيوم في سماء صافية.

البعض يجلس على الحجارة أو العشب، آخرون واقفون. الهيئة الرسوليّة ليست مُكتَمِلة. أرى بطرس واندراوس ويوحنّا ويعقوب، وأسمع مَن ينادي الاثنين الآخرين نثنائيل وفليبّس. ثمّ هناك آخر موجود أو غير موجود مع المجموعة، وقد يكون آخر الواصلين، ينادونه: سمعان. أمّا الآخرون فليسوا هنا، إلّا إذا لم أميّزهم وسط الجمهور الغفير.

الحديث بَدَأَ منذ برهة. أُدرِك أنّ موضوعه هو العِظة على الجبل. ولكنّ التطويبات عُرِضَت. أقول، حتّى إنّ الحديث يُشرِف على نهايته، إذ إنّ يسوع يقول: «افعلوا ذلك، وسيكون أجركم عظيماً، لأنّ أباكم السماويّ رحيم مع الصالحين، ويعرف رَدَّها أضعافاً مضاعَفَة. أقول لكم إذن...»

حَصَلَت حركة هائلة وسط الجمهور المتواجد صوب الدرب المؤدّي إلى الهضبة. يلتفت الناس الأكثر قُرباً من يسوع. يَنصَرِف الانتباه إليها. يتوقّف يسوع عن الكلام، ويَلتَفِت بنظره إلى الاتّجاه ذاته كالآخرين. إنّه رصين وجميل بثوبه الأزرق القاتم، بذراعيه المتصالبين على صدره، والشمس تُلامِس وجهه بأوّل شعاع يمرّ فوق أنف الهضبة الشرقيّ.

«أفسَحوا مجالاً أيّها العَوامّ.» صوت رجل غاضب يَصرُخ: «أفسحوا مجالاً للجَّمَّال الذي يمرّ»... في المقدّمة أربعة مُتبرِّجين، وأحدهم رومانيّ بالتأكيد، فهو يرتدي حلّة الرومان، يَحملون مريم المجدليّة على أيديهم المتشابكة ليجعلوا مِنها مقعداً، وهي ما تزال خاطئة عظيمة.

تضحك بفمها الجميل جدّاً، تُرجِع إلى الخلف رأسها ذا الشعر الذهبيّ على شكل جدائل وحلقات حُجزَت بدبابيس ثمينة، وصفيحة ذهبيّة مُرصَّعة بالأحجار الكريمة تحيط بقمّة الجبهة مثل تاج، حيث تتدلّى حلقات خفيفة لتغشى عينيها الرائعتين وقد جَعَلَتها أكبر أيضاً وأكثر فِتنة. بعد ذلك يختفي التاج خلف الأذنين، تحت كتلة الجدائل المتدلّية على العنق الأبيض المكشوف. وحتّى ... المكشوف أبعد مِن العُنق. الكَتِفان مَكشوفان حتّى لوح الكَتِف، والصَّدر أكثر أيضاً. ثوبها ممسوك عند الكتفين بسلسلتين ذهبيّتين. الكُمَّان كأنّ لا وجود لهما. فالكلّ مغطى، لو جاز التعبير، بِسَتر لا عمل له سوى جَعل الجلد في مأمن من التلوّن بلون البرونز. الثوب خفيف للغاية، والمرأة حينما ترتمي، كما تفعل عادة للمُمالَقة، على هذا أو ذاك مِن الـمُعجَبين، تبدو وكأنّها ترتمي عليهم عارية. لديّ انطباع بأنّ الرومانيّ هو المفَضَّل، إذ تتوجّه إليه بأفضل الابتسامات والغمزات، ويتلقّى في الغالب الرأس على كَتِفه.

«ها هي ذي الآلهة راضية» يقول الرومانيّ. «روما قد أعطَت فينوس الجديدة مَطيّة، وهنا يوجد أبولّون الذي أردتِ أنتِ رؤيته. فافتِنيه إذاً واخلبي لبّه... ولكن اتركي لنا بعض فَضَلات فِتنَتكِ.»

تضحك مريم، وبحركة رشيقة ومثيرة ترتمي على الأرض، كاشِفة عن قدميها الـمُنتَعِلَتَين أحذية بيضاء بإبزيمات ذهبيّة وقِسماً مِن الساق. ثم تغطي الكلّ، فالثوب فضفاض جدّاً، من الصوف الناعم كالـﭭوال، وأبيض ناصع، محصور عند الخصر، إنّما منخفض كثيراً على مستوى الوركين، بحزام ذي إبزيمات ذهبيّة منحلّة. وتنتصب المرأة مثل زهرة مِن جَسَد، زهرة دَنِسَة، متفتّحة بسحر على البساط الأخضر حيث زنابق الوادي والنرجس البرّيّ.

إنّها أجمل من أيّ وقت مضى. الفم صغير وأرجوانيّ، يبدو كقرنفلة تنفصل عن بياض صف أسنان متكامل. بإمكان الوجه والجسم إرضاء ذوق الرسّام أو النحّات الأصعب مزاجاً، إنْ من ناحية الألوان أو الأشكال. صدر عريض مع وركين متناسقين بشكل جيّد، مع قامة ناعمة بشكل طبيعيّ، ومَرِنَة، مقارنة مع الصدر والوركين، فهي تبدو كآلهة، حسب قول الرومانيّ، آلهة منحوتة مِن مرمر ورديّ قليلاً، حيث يَستَرسِل القماش الخفيف على جوانبه، ليتهدّل بعدئذ بثنيات كثيرة إلى الأمام. كلّ شيء مدروس للإرضاء.

يَنظُر إليها يسوع بإمعان، وتَنظُر هي بوقاحة، وهي تضحك، وتلتفت قليلاً بسبب الدَّغدَغَة التي يُحدِثها لها الرومانيّ، بتمريره، على كتفها وصدرها المنكشفين، غريسة من زنبق الوادي، قُطفَت من بين العشب. ومريم، بغضب مدروس وماكر، ترفع وشاحها قائلة: «احتَرِم طهارتي»، ممّا يجعل الأربعة يَنفَجِرون بضحكة صاخبة.

يَستمرّ يسوع في تثبيت نَظَره إليها. وعندما يخفّ ضجيج انفجار الضحك، يبدو وكأنّ ظهور المرأة قد أَضرَمَ لهيب الحديث الذي كان قد أُهمِل، يُعاوِد يسوع الكلام ولا يَعود يَنظُر إليها. ولكنّه يَنظُر إلى سامعيه الذين يَبدون مُضطَرِبين وساخِطِين من تلك الـمُغامِرة.

يتابع يسوع: «لقد قلتُ لكم أن تكونوا أوفياء للشريعة، متواضِعِين، رَحيمين، وأن تحبّوا ليس فقط الأخوة المولودين من أبويكم، إنما كلّ الذين هُم بالنسبة إليكم إخوة، لأنّ لهم الأصل البشريّ نفسه. قلتُ لكم إنّ المغفرة أكثر فائدة مِن الحقد، وإنَّ الشَّفَقَة أفضل مِن القَسوة. ولكنّني الآن أقول لكم إنّ المفروض ألّا يَدين المرء إذا لم يكن معصوماً من الخطيئة التي تَحمِلنا على الإدانة. لا تفعلوا كالكَتَبَة والفرّيسيّين الصَّارِمين مع الجميع ، ولكن ليس مع ذواتهم. فيُطلِقون صِفة الدَّنَس على ما هو خارجيّ ولا يُلطِّخ إلّا الخارج، ويتقبَّلون الدَّنَس في أعمق أعماق صدرهم، في قلبهم.

لا يكون الله مع المدنَّسين، ذلك أنّ الدَّنِس يُفسِد ما هو مِلك لله: النُّفوس، وخاصّة نفوس الأطفال الذين هم ملائكة منتشرون على الأرض. الويل لمن يَنـزَع عنهم الأجنحة بضراوة الحيوانات الضارية الشيطانيّة، والذين يَرمُون في الوحل أزهار السماء تلك، بأن يجعلوهم يتذوّقون طعم المادّة! الويل!... فالأفضل لهم أن يموتوا مُحتَرِقين بنار الصاعقة من أن يتوصَّلوا إلى ارتكاب مثل تلك الخطيئة!

الويل لكم أيّها الأغنياء والشهوانيّون! إذ في وسطكم بالضبط يتخمَّر الدَّنَس الأعظم، حيث يقوم المال والبطالة بالنسبة لكم مقام السرير والوسادة! الآن أنتم ممتَلِئون مُشبَعون. غذاء الشهوات يَصِل حتّى البلعوم ويخنقكم. ولكنّكم سوف تكونون جياعاً، جوعاً مُرعِباً لا يُشبِعه شيء، ولا يسكن مدى الأبديّة. الآن أنتم أغنياء. وكَم مِن الخير يمكنكم أن تفعلوا بغناكم! ولكنّكم تفعلون الشرّ بذواتكم وبالآخرين. يوماً ما ستَختَبِرون فقراً مُريعاً، لن تكون له نهاية. إنّكم تضحكون الآن، تعتبرون أنفسكم مُنتَصِرين. ولكنّ دموعكم سوف تملأ مستنقع جهنّم ولن تتوقّف.

أين يأوي الزّنى؟ أين يعشّش إفساد الصبايا؟ مَن ذا الذي لديه سريران أو ثلاثة، غير سرير الزوجيّة، عليها يُبدِّد ماله وطاقة جسد مَنَحَه إيّاه الله سليماً معافى ليعمل من أجل عائلته، وليس لكي يُنهِك ذاته بالخلاعات المقزِّزة التي تجعله أدنى مِن حيوان نَجِس؟ لقد تعلّمتم أنّه قيل: "لا تَزن". أمّا أنا فأقول لكم: إنَّ مَن يَنظُر إلى امرأة بشهوة دَنِسَة، والتي تمضي إلى الرجل بشهوة دَنِسَة، فبهذا فقط يُرتَكَب الزّنى في القلب. وما مِن سبب يُبرِّر الزّنى أبداً. فلا الهجر ولا طلاق الزوج، ولا الإشفاق على امرأة مطلَّقة. فليس لديكم سوى نَفس واحدة، وعندما تكون مرتبطة مع أخرى بميثاق أمانة ووفاء، فلا تكذبنّ، وإلّا فذلك الجسد الجميل، الذي به تَقتَرِن الخطيئة، يذهب معكِ، أيّتها النفوس المتدنِّسة، إلى النار التي لا تُطفأ. فالأفضل أن يُشَوَّه مِن أن يُقتَل إلى الأبد بعذاب جهنّم. وأنتم أيّها الأغنياء، فلتَعُودوا أناساً، يا حرّاس الرذيلة الـمُقمِّلين، عودوا أناساً لكيلا تَستَنشِقوا الاشمئزاز والتقزّز في السماء...»

في البداية، استَمَعَت مريم بوجه كأنّه قصيدة تَهَكُّم وإغواء وتضليل، مُنفَجِرة، بين الحين والحين، بضحكات مُحتَقِرة. وعند ختام الحديث أضحَت حَمراء مِن الغضب، وهي تُدرِك أنّ يسوع يوجِّه الحديث لها دون النَّظَر إليها. ويتأجَّج غَضَبها باستمرار. تتمرّد، وفي النهاية لم تَعُد تُقاوِم، تتوشّح، مُحتَقَرَة، بوشاحها، ومتبوعة بنظرات الجمهور الذي يَحتَقِرها، وبصوت يسوع الذي يتبعها، تَهرُب وهي تُطلِق ساقيها للريح على المنحَدَر، تاركة نُتفاً مِن الثياب للأشواك والنسرين التي على جانبي الدرب. وتَضحَك مِن الغيظ والاحتقار.

لَم أَعُد أرى شيئاً ولكنّ يسوع يقول لي سَتَرَين أيضاً بعد.

--------------------------------------------------

تابع رؤيا 29 / 05 / 1945

يُعاوِد يسوع الحديث: «إنَّكم ساخطون مِن ذاك الحَدَث. منذ يومين ومأوانا، حتّى فوق الوحل، مُضطَرِب بفعل صغير الشيطان. فلم يَعُد إذن مأوى، وسوف نتركه. ولكنّني أريد أن أُتمِّم لكم مُدوَّنة "الأكمَل"، في هذه الرَّحابة مِن نور الأفق. فهنا، حقيقة، يَظهَر الله في عظمته كخالق، ولدى معاينة عظائمه، يمكننا الإيمان بكلّ ثبات أنّه هو المعلّم، وليس الشيطان. فالخبيث لا يمكنه أن يَخلق غريسة عشب. ولكنّ الله قادر على كلّ شيء. فليكن ذلك معزّياً لنا. ولكنّكم الآن جميعكم تحت الشمس، وهذا يضايقكم، فَتَفَرَّقوا إذاً على المنحدرات، لأنّ فيها ظلّاً وانتعاشاً. تناولوا طعامكم إذا شئتم. سوف أحدّثكم عن الموضوع ذاته. فإنّ أسباباً كثيرة أَخَّرَتنا. ولكن لا تأسفوا لذلك. فإنّكم هنا مع الله أنتم.»

يهتف الجمهور: «نعم، نعم، معكَ.» ويمضي الناس تحت الخمائل الـمُبَعثَرة من جهة الشرق، بحيث يحميهم سفح الرابية وكذلك الأغصان من الشمس التي أضحَت حادّة.

في تلك الأثناء يقول يسوع لبطرس أن يفكّ الخيمة.

«ولكن هل نمضي حقيقة؟»

«نعم.»

«لأنّها أتت، هي...»

«نعم، ولكن لا تقل ذلك لأحد، وخاصّة الغيور، فيغتمّ لذلك بسبب لعازر. ولا يمكنني أن أسمح بأن تتعرّض كلمة الله لسخرية الوثنيّين...»

«أفهم، أفهم...»

«إذاً فَافهَم أيضاً أمراً آخر.»

«ما هو يا معلّم؟»

«ضرورة الصمت في بعض الحالات. إنّني أثق بكَ. أنتَ غالٍ عليَّ جدّاً، ولكنّكَ كذلك نَزِق بشكل تُبدي فيه ملاحظات جارحة.»

«أفهَم... لا تريد بسبب لعازر وسمعان...»

«ومِن أجل آخَرِين أيضاً.»

«أتظنّ بأنّه سيَحدُث اليوم؟»

«اليوم وغداً وبعد غد. وسيكون من الضروريّ مراقبة نَزَق عزيزي سمعان بن يونا على الدوام. اذهب، اذهب وافعل ما أمرتكَ به.»

يمضي بطرس طالباً من رفاقه مساعدته.

يمكث الاسخريوطيّ غارقاً في تفكيره في أحد الأركان. يناديه يسوع ثلاث مرّات، لأنّه لم يَسمَع. أخيراً يَلتَفِت ويسأل: «أتريدني يا معلّم؟»

«نعم، اذهب أنتَ كذلك، تناول طعامك وساعد رفاقكَ.»

«أنا لستُ جائعاً. وأنتَ؟»

«وأنا كذلك، إنّما الدوافع متعاكِسة. أأنتَ مُضطَرِب يا يهوذا؟»

«لا يا معلّم، بل تَعِب...»

«نذهب الآن إلى البحيرة، ثمّ إلى اليهوديّة، وإلى بيت أمّكَ يا يهوذا. لقد وعدتكَ بذلك...»

يَشعر يهوذا بتحسّن: «أتذهب معي وحدي؟»

«بالطبع. أحبّني كثيراً يا يهوذا. أودّ لو يكون حبّي فيكَ للدرجة التي يحميكَ فيها مِن كلّ شرّ.»

«يا معلّم... إنّني إنسان، ولستُ ملاكاً. تمرّ عليَّ لحظات تعب. هل الشعور بالحاجة إلى النوم خطيئة؟»

«لا. لو تنام على صدري. انظر إلى الناس هناك، كَم هُم سعداء، وكم المنظر جَذِل من هنا! في هذه الأثناء ينبغي أن تكون اليهوديّة كذلك جميلة في الربيع.»

«جميلة جدّاً يا معلم. فقط هناك الجبال مرتفعة أكثر من هذه، فالربيع يتأخّر أكثر. ولكنّ الزهور جميلة للغاية. بساتين التفّاح آية في الروعة. وبُستاني، بفضل عناية أمّي، هو واحد مِن أجمل البساتين. وعندما تتنـزّه فيه وتَلحَق بكَ طيور الحَمام لتحظى بالحبوب، ثِق تماماً بأنّه مَنظَر مُهدِّئ للقلب.»

«أعتقد ذلك. ولو لم تكن أمّي تَعِبَة جدّاً لكان يسعدني اصطحابها إلى بيت أمّكَ. كانتا ستتحابّان. لأنّهما كلتيهما صالحتان.»

يهوذا، وقد استهوته الفكرة، عاد إلى سكونه وطمأنينته. نَسِيَ قلّة شهيّته وتعبه، وها هو يركض إلى رفقائه ضاحكاً فرحاً. ولِكِبر حجم جسمه فإنّه يَحل عُقَد الخيمة الأكثر ارتفاعاً دون عناء، ويأكل خبزه وزيتونه، فَرِحاً كالطفل. يَنظُر إليه يسوع بإشفاق، ثم يتوجّه إلى رُسُله.

«هو ذا رغيف خبز وبيضة يا معلّم. لقد جعلتُ ذلك الغنيّ اللابس الأحمر يعطينيها، قلتُ له: "أنت سعيد بالاستماع إليه، وهو يتكلّم، وقد أُنهك. أعطني بيضة مِن التي بحوزتكَ، وهذا يفيده أكثر منكَ".»

«ولكن يا بطرس.»

«لا يا معلّم! فإنّكَ شاحب مثل رضيع يَرضَع مِن صَدر مُنهَك. وإنّكَ لَتَنحف مثل سمكة بعد موسم التزاوج. دعني أفعل؛ لا أريد أن أتحمّل اللائمة الآن، سوف أَضَعها في هذا الجَّمر، إنّها الأغصان التي أحرقتُها، وسوف تَشرَبها. لستُ أدري كم من الوقت... كم يوماً؟ بالتأكيد أسابيع لم نأكل فيها سوى الخبز والزيتون وقليل من الحليب... تحسبنا نتناول مُسهِلاً، وأنتَ تأكل أقلّ من الجميع وتتحدّث إلى الجميع. تلك هي البيضة، اشربها طالما هي فاتِرة. هذا سيفيدكَ.»

يطيع يسوع، ولدى رؤيته بطرس لا يأكل سوى الخبز يسأله: «وأنتَ؟ الزيتون؟»

«سوف يكون ذا فائدة لي فيما بعد. لقد وَعَدتُهم به.»

«مَن؟»

«أطفال. إنَّما، إذا لم يُحافِظوا على الهدوء حتّى النهاية، فسآكل الزيتون وأعطيهم النوى. يعني صَفعات.»

«ولكن جيّد جدّاً.»

«هه! لن أعطيها أبداً. ولكن إذا لم نفعل هكذا! فأنا كذلك تلقَّيتُ الكثير، ولو كان من المفروض إعطائي كلّ ما كنتُ أستحقُّ من أجل تصرُّفاتي الصبيانيّة، فقد كان ينبغي أن أتلقّى عشرة أضعاف! ولكن هذا يأتي بفائدة. ولأنّني تلقّيتُ مثلها، فأنا الآن هكذا.»

يضحك الجميع مِن صراحة الرسول.

«يا معلّم، أودّ القول إنّ اليوم هو الجمعة، وأولئك الناس... لستُ أدري إذا ما كانوا سيتمكّنون من تأمين طعامهم، في الوقت المناسب، مِن أجل الغد، أو يعودون إلى بيوتهم.» يقول برتلماوس.

«هذا صحيح، فاليوم هو الجمعة!» يقول البعض.

«لا يهمّ. فالله سوف يتدبّر الأمر. ولكنّنا سنقول لهم ذلك.»

يَنهَض يسوع ليذهب على مكانه وسط الناس المبعثَرين بين الخمائِل: «في المقام الأوّل أذكِّركم أنّ اليوم هو الجمعة. والآن أقول لكم إنّ الذين يَخشون عدم التمكّن من العودة إلى بيوتهم في الوقت المناسب، أو لا يتوصّلون إلى الإيمان بأنّ الله سيمنح غداً الغذاء لأبنائه، فبإمكانهم الانسحاب فوراً لكيلا يُداهِمهم الليل في الطريق.»

مِن مجموع الجمهور، يَنهَض حوالي الخمسين شخصاً. أمّا الباقون فيَمكثون في أماكنهم.

يبتسم يسوع ويبدأ الحديث.

«تعلّمتم أنّه قيل في السابق: "لا تَزنِ". والذين مِن بينكم سَمِعوني في أماكن أُخرى، يَعلَمون أنّني تحدّثتُ عن هذه الخطيئة مرّات عِدّة. لأنّ، انتَبِهوا جيّداً، هذه الخطيئة لا تعني شخصاً واحداً فقط، ولكنّها تعني شخصين أو ثلاثة. أُوَضِّح. الذي يرتَكِب الزّنى يخطئ بحقّ نفسه، وبحقّ شريكته، ويخطئ بِحَمله الزوجة أو الزوج المغدور على ارتكاب الخطيئة، وقد يَصِلان بذلك إلى اليأس، أو يُخطِئان هُما ذاتهما. هذا بالنسبة إلى الخطيئة التامّة الواقِعة فِعلاً. وعلاوة على ذلك أقول لكم: "ليست الخطيئة التامّة فقط، بل الرغبة في إتمامها بحدّ ذاتها خطيئة". ما هو الزّنى؟ إنّه الرغبة المحمومة بذاك أو بتلك التي ليست لنا. فالخطيئة تبدأ بالرغبة، وتستمرّ بالغواية، وتتمّ بالاقتناع، أمّا الفعل فيتوِّج كلّ شيء.

كيف نبدأ. عادة بِنَظرَة دَنِسة. وهذا يقودنا إلى ما كنتُ أقوله سابقاً. العين النَّجِسة تَرَى ما خَفِيَ عن الطَّاهِر، ومِن خلال العين يَدخُل العَطَش إلى البلعوم، والجوع إلى الجسد، والحمّى إلى الدم. عَطَش وجوع وحمىّ الجسد، وهذا هو بداية الهَذَيان. فإذا كان الآخر، الشخص المنظور إليه، نزيهاً، فالذي يَهذِي يبقى وحيداً، يتقلّب على فحم متأجّج، أو بالحريّ يَصِل حدّ الافتراء من أجل الانتقام. وإذا كان الشخص غير نزيه، فإنّه يتواطأ مع النَّظرَة، ويبدأ بالتالي بالانحدار إلى الخطيئة. كذلك أقول لكم: "مَن نَظَرَ إلى امرأة ليشتهيها فقد زَنى، إذ قد ارتَكَبَ الفعل الذي يشتهي، ولكن بِفِكره". وأكثر من ذلك، إذا شَكَّكَتكَ عينكَ السليمة فاقلَعها وارمها بعيداً عنكَ. فالأفضل لكَ أن تكون أعوراً مِن أن تُزَجَّ إلى الأبد في الظُّلُمات الجهنّميّة. وإذا أخطَأَت يدكَ القويمة فاقطعها وارمها. فالأفضل لكَ أن يَنقص منكَ عضو مِن أن تهوي كاملاً إلى جهنّم. لقد قيل بحقّ: إنّ المشوَّهين لا يمكنهم خدمة الله في الهيكل. ولكن بعد هذه الحياة، فالمشوَّهون منذ الولادة، إذا كانوا قدّيسين، أو الذين أصبحوا كذلك بفعل الفضيلة، فسيصبحون أكثر بهاء من الملائكة، وسيَخدمون الله وهم يحبّونه في فرح السماء.

لقد قيل كذلك: "مَن طَلَّق امرأته، فليعطها كتاب طلاق". إلّا أنّه أمر يدعو إلى الاستهجان. فهو لم يأت مِن الله. قال الله لآدم: "هذه هي الرفيقة التي كوَّنتُها لكَ. فانموا واكثروا على الأرض واملأوها وأخضِعوها لسلطانكم". وآدم، لامتلائه ذكاء سامياً، حيث لم تكن الخطيئة بعد قد عَكَّرَت فِكره الخارج مِن عند الله كاملاً، يهتف: "هي ذي أخيراً عَظم مِن عظامي ولحم من لحمي. وتُسمّى امرأة، أي ذاتي الأُخرى، لأنّها مِن امرئ أُخِذَت". لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويصبحان كلاهما جسداً واحداً. وبِسنا روعة متنامية، أقرَّ النور الأزليّ بابتسامة، ما قاله آدم، والذي أصبح الشريعة الأولى الرَّاسخة. الآن، وإذا كان، بسبب قسوة الإنسان المتعاظِمة على الدوام، فقد اضطرَّ لوضع المكابِح، والقول: "ومع ذلك فإذا طلَّقتَها، فلا يمكن استردادها"، فإنّ ذلك لا يلغي الشريعة الأولى الأصليّة، التي أُنشِئت في الجنّة الأرضيّة، وأقرَّها الله.

أمّا أنا فأقول لكم: "مَن طَلَّق امرأته إلّا في حالة الفحشاء الثابتة، عَرَّضَها للزنى"، لأنّه بالفعل، ماذا تفعل المرأة في تسعين بالمائة من حالات الطلاق؟ تتزوّج ثانية. مع أيّة تبعات؟ آه! فهناك الكثير ممّا يُقال حول هذا الموضوع! ألا تعلمون أنّكم تستطيعون التسبّب في زنى المحارم اللاإرادي بالتصرّف بهذه الطريقة؟ كَم مِن الدموع انسَكَبَت مِن أجل حالة فجور! نعم. حالة فجور. وليس لذلك اسم آخر. كونوا صريحين. يمكن التغلب على كلّ شيء، عندما يكون الروح مستقيماً. إنّما كلّ شيء يرضى بتبرير ما يُشبع الشهوات، عندما يكون الروح روح فجور. فإنّ برودة المرأة، البلادة، عدم الأهليّة في الأعمال، المزاج المشاكِس، حبّ الفخفخة، كلّ ذلك يمكن التغلّب عليه، حتّى الأمراض، حتّى حدّة الطبع، إذا كنّا نتحابّ بقداسة. ولكن، بما أنّ الناس لا يعودون يتحابّون بعد فترة، كما تحابّوا في اليوم الأوّل، فحينذاك يَجِدون مستحيلاً ما هو أكثر من ممكن، وتُرمى امرأة مسكينة في الشارع وتُرسَل إلى ضياعها.

مَن طَلَّق امرأته فقد زَنَى، ومَن تزوَّج مُطلَّقة فقد زَنى. فالموت وحده يُبطِل الزواج. تذكّروا هذا. وإذا اخترتم اختياراً بائساً، فتحمَّلوا نتائجه كصليب. ستكونان بائِسَين كلاكما، ولكن كُونَا قدّيسين. كي لا تجعلا من أبنائكما أكثر بؤساً، أولئك الأبرياء الذين يعانون أكثر من تلك الأوضاع الصعبة. ينبغي لحبّ أولادكم أن يجعلكم تفكّرون مائة مائة مرة، حتّى في حالة موت القَرين. آه! لو تعرفون أن تَرتَضوا بما حصلتم عليه، والذي قال عنه الله: "هذا يكفي"! لو كنتم تَعلَمون، أنتم أيّها الأرامل، ذكوراً وإناثاً، أن تروا في الموت، ليس انتقاصاً، بل سموّاً إلى إحدى الكمالات الوالديّة! أن تكون أُمّاً، حتّى في حال الأُمّ المتوفّاة؛ أن تكون أباً، حتّى في حال الأب الفقيد؛ أن يكون للمرء نَفْسان في واحدة، تَقَبُّل حبّ الأولاد حتّى على شفاه الشخص المائت الباردة الخامدة، والقول: "امض بسلام دون خشية على الذين أتوا منكَ. سوف أستمرّ في حبّهم، مِن أجلكَ ومِن أجلي، حبّاً مضاعفاً، سوف أكون الأب والأمّ، ولن يُثقِل سوء طالع اليُتم كاهلهم. لن يعرفوا الحَسَد الطبيعيّ من ابن القريب المتزوّج ثانية من ذاك الذي يأخذ المكان المقدّس الذي لأب أو لأمّ، أحدهما، وقد ناداه الله لسكنى ديار أخرى".

أبنائي، تعليمي يَصِل إلى نهايته، كما يُشرِف على نهايته النهار الذي يميل مع الشمس إلى الغرب. من هذا اللقاء على الجبل، أودّ أن تتذكّروا الكلمات. احفروها في قلوبكم. اقرؤوها غالباً. ولتكن لكم الدليل الـمُرشِد الدائم. وفوق كلّ شيء كونوا صالحين مع الضعفاء. لا تدينوا لئلّا تُدانوا. تذكّروا أنه قد تأتي الساعة التي يذكّركم فيها الله: "هكذا كنتَ تدين. كنتَ تعرف أنّ ذلك سيّئ وشرّ. لقد اقترفتَ الخطيئة إذاً مع علمكَ التامّ ماذا كنتَ تفعل. فالآن تحمّل العذاب".

المحبّة الآن هي مغفرة. فلتكن فيكم المحبّة، للجميع، وفي أيّ ظرف. وإذا ما وَهَبَكم الله معونات كثيرة ليحفظكم في الاستقامة، فلا تتكبّروا لذلك. إنّما حاوِلوا أن تَصعَدوا سلّم الكمال مهما كان طويلاً، ومُدّوا اليد للمتعَبين، للجاهِلين، للذين هُم ضحيّة خيبة أمل مفاجِئة. لماذا التحديق في القذى الذي في عين أخيكَ، إذا لم تكن تأبه للجِّذع الذي في عينكَ؟ كيف يمكنكَ القول لقريبكَ: "دعني أُخرِج القذى الذي في عينكَ"، بينما يعميكَ الجسر الذي في عينكَ؟ لا تَكن مُنافِقاً يا بُنيَّ. أَخرِج أوّلاً الجذع الذي في عينكَ، وحينئذ تستطيع إخراج القذى لأخيكَ دون تعطيله بالكامل.

تحاشوا كذلك التهوُّر، كتحاشيكم قلّة المحبّة. فقد قُلتُ لكم: "مُدّوا اليد للمُتعَبين، للجاهلين والذين هُم ضحيّة خيبة أمل غير متوقّعة". ولكن لو كان من قبيل المحبّة أن تُثقِّفوا الجاهلين، أن تُشجِّعوا الـمُنهَكين وأن تَمنَحوا أجنحة جديدة للذين، لأسباب متعدّدة، كَسَروا أجنحتهم، فإنّه لَتَهوُّر هو كشف الحقائق الأزليّة للمُبتَلين بعبادة الشيطان. سوف يستحوذون عليها ليُمثّلوا دور الأنبياء، ويتسلّلوا وسط البسطاء، ليُفسِدوا ويُحوّلوا ويُلطّخوا، بطريقة مُدنِّسة، أمور الله. فالاحترام المطلق، ومعرفة أوان الكلام وأوان الصمت، ومعرفة التصرّف، هي ذي فضائل التلميذ الحقيقيّ كي يقوم بالهداية ويخدم الله. تملكون عقلاً، وإذا كنتم بَرَرَة، فسيهبكم الله كلّ أنواره ليرشد عقلكم بشكل أفضل أيضاً. فَكِّروا بأنّ الحقائق الأزليّة كالجواهر، فلم يُشاهَد أحد قطّ يرمي الجواهر للخنازير التي تُفضِّل المستنقعات والمياه الآسِنة التي في الكهاريز على الجواهر الثمينة، وهي تدوسها بلا هوادة، وبعد ذلك، غاضِبة لِخِداعها، ترتدّ عليكم وتمزّقكم. لا تعطوا ما هو مُقدَّس للكلاب. أقول هذا من أجل الوقت الحاضر والمستقبل.

أبنائي، لقد أطلتُ حديثي إليكم. اسمَعوا أقوالي. فَمَن يَسمَعها ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً أراد أن يبني بيتاً فاختار أرضاً صخريّة. فهو بالتأكيد سيتعذَّب في بناء الأساسات، وسيتحتّم عليه العمل بالمعول والإزميل، فتقسو يداه ويَتعَب كاهله، إنّما يصبح بإمكانه بعدئذ صبّ الجير في الحفر التي في الصخور، ويضع عليها الآجرّ المرصوص، كما في سور القلعة، فيرتَفِع البيت صلباً في بنيانه مثل الجبل. وإنْ تأتِ بعد ذلك رداءات الطقس والأعاصير، وإن تَجعَل الأمطارُ الأنهارَ تَفيض، وإن تَعصُف الرياح وتضربه الأمواج، فسيصمد البيت في مواجهة كلّ ذلك. هكذا سيكون الحال لدى مَن كان إيمانه مبنيّاً على أساس صلب متين. وعلى العكس من ذلك، فمن يَسمَع ولا يتأثّر ولا يَجتَهِد في حفر كلامي في قلبه، لأنّه يَعلَم أنّ عليه أن يعاني من أجل ذلك، ويختبر الألم، ويستأصل أشياء كثيرة، فهذا يشبه مَن ، بغباء منه وكَسَل، يبني بيته على الرمل، وحالما تأتي رداءة الطقس، فالبيت الذي بُنِيَ بسرعة، يهوي بتلك السرعة عينها كذلك، ويَنظُر الأحمق حزيناً إلى الأنقاض وتَلاشي مُقتَنَاه. وهنا، لا يبقى سوى خراب واحد يمكن إصلاحه ببذل المال وتحمُّل الجهد. أمّا بالنسبة إلى بناء الروح الـمُنهار، لأنّ بناءه كان سيّئاً، فلا يبقى أيّ شيء لإعادة البناء والترميم. فلا بناء في الحياة الأخرى. والويل لمن ليس لديه سوى أنقاض يُقَدِّمها!

انتهيتُ. سأهبط الآن إلى البحيرة، وأبارككم باسم الله الواحد والثالوث. وليكن سلامي معكم.»

ولكنّ الجمهور يهتف: «نأتي معكَ. دعنا نأتي! فلا أحد يتحدّث مثل حديثكَ!»

ويتبعون يسوع الذي يَهبط، ليس من الجهة التي صَعَدَ منها، بل من الجهة المقابلة، ويمضي مباشرة صوب كفرناحوم. المنحَدَر أكثر شدّة، ولكنّه أسرع كثيراً، وقد وَصَلوا بسرعة إلى أسفل الجبل الذي ينتهي في سهل أخضر مُزهِر.

يقول يسوع: «يكفي اليوم هذا. إلى الغد...»

16
تمهيد: في هذا القسم يبدا المسيح بحل بعض المشاكل الاجتماعية لاشخاص ليسو هم المتحدثين معه مثل امراة تركها زوجها من اجل زانية. واب انحرفت ابنته عن الطريق. واخ يتهمه اخوته بانه اخفى المال. ثم يتحدث عن خيار الانسان في الاختيار بين الله والشيطان. وايضا يحدث ضهور لمريم المجدلية عندما كانت لاتزال خاطئة.
الجزء الثالث / القسم الأول

34- (العِظَة على الجبل: "التطويبات V")

29 / 05 / 1945

صبيحة رائعة ونقاء الهواء فيها أكثر من المعتاد. فالبعيد يبدو أقرب، ويظنّ المرء نفسه أنّه يرى الأشياء من خلال عدسة مكبِّرة تُظهِر أدقّ التفاصيل. الجمهور يتهيّأ لسماع المعلّم. مِن يوم ليوم تصبح الطبيعة أكثر بهاء باستعادة ثوبها الثريّ من قلب الربيع، الذي يبدو لي أنّه يقع في فلسطين بين آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، لأنّه بعد ذلك يأخُذ الجوّ مظهراً صيفيّاً، مع الغِلال اليانِعة (الناضجة) والإيراقات الكثيفة الـمُكتَمِلة.

الآن إنْ هو إلّا زهرة. فَمِن أعلى الجبل الذي اكتسى بالزهور، حتّى المواضع الأقلّ استعداداً من غيرها لهذا الإزهار، يُرى السهل وقد تموَّجَ قمحه الذي ما يزال طريّاً، والذي يُكسِبه الهواء حركة الأمواج الخضراء الضاربة إلى الزرقة، وهي بالكاد تكتَسِب اللون الذهبيّ الشاحب في قمّة السنابل التي تتشكّل حبّاتها وسط شعاع السنابل. أعلى من الغلال التي يجعلها هواء خفيف تتموَّج، تَنتَصِب أشجار الفاكهة وقد اكتَسَت بالبَتلات. تَحسَبها طُرراً (حَوَاف) عملاقة من المسحوق، أو أيضاً مُكوَّرات كتّان رقيق أبيض، أو ورديّ خفيف، أو أحمر قاني. حالمة في ثيابها، ثياب النسّاك التائبين، أشجار الزيتون تُصلّي، وتتحوّل صلاتها إلى ثلج، ما يزال غير واضح المعالم، من الزهيرات البيضاء.

قمّة حرمون مرمر ورديّ تُقبِّله الشمس، وينساب منه خَيطَان ماسيّان. مِن هنا تحسَبهُما خَيطَين تُطلِق منهما الشمس تلألؤاً شبه وهميّ، ثمّ يختفيان تحت أروقة الغابات الخضراء، ولا يعودان للظهور إلّا في الوديان حيث يشكّلان مجريي ماء يتوجّهان حتماً إلى بحيرة ميرون، غير المرئيّة من هنا، ثمّ تَخرُج مع مياه الأردن الحلوة، لتغوص بعد ذلك من جديد في سفير بحر الجليل الذي إنْ هو إلّا تلألؤ سطوعات ثمينة، حيث تقوم الشمس مقام فُصوص الخاتم والشُّعلات. تحسب الحُجُب التي تَنسَدِل على تلك المرآة الهادئة والمتلألئة في إطارها المكوَّن مِن بساتين وأرياف رائعة، موجَّهة مِن السُّحُب الخفيفة التي تَمخُر عباب بحر السماء الآخر.

في الحقيقة، إن الخليقة كلّها تضحك في يوم الربيع هذا، وفي هذه الساعة الصباحيّة.

يتدفّق الناس، يتدفّقون بلا توقّف. يصعدون إلى هناك من جميع الجهات: شيوخ، أناس أصحّاء، مرضى، أطفال ورُضَّع، أزواج يريدون بدء حياتهم ببركة كلمة الله، متسوّلون، ميسورون ينادون الرُّسُل ويعطونهم تقادمهم من أجل الـمُعدَمين، وهم يبدون وكأنّهم يعترفون لشدّة تكتّمهم أثناء قيامهم بذلك. أَخَذَ توما إحدى حقائب سفرهم، وفَرَّغ فيها بهدوء كلّ هذا الكنـز من القطع النقديّة، كما لو كان خبيصة للدجاج، ثمّ يحمل الكلّ إلى جانب الصخرة التي يقف عليها يسوع ليتحدّث، ويضحك سعيداً وهو يقول: «افرح يا معلّم! يوجد اليوم للجميع!»

يبتسم يسوع ويقول: «وسنبدأ حالاً، لكي يُسَرَّ الحزانى في الحال. أنتَ والرفاق، عايِنوا المرضى والفقراء وأتوا بهم إلى الأمام.»

يَحصل هذا في زمن قصير نسبيّاً، إذ ينبغي الاستماع إلى هذا وذاك، وقد كان الأمر يتطلّب زمناً أطول كثيراً لولا تنظيم توما العمليّ، فلقد وَقَفَ على صخرة، لكي يراه الجميع، وهتف بصوته الجهوري: «فليذهب كلّ الذين يعانون جسديّاً إلى يميني، حيث يوجد ظلّ.» يُقلِّده الاسخريوطيّ الذي يتمتّع بصوت قوي وجميل قَلَّ نظيره، ويهتف بدوره: «كلّ الذين يعتقدون أنّ لهم الحقّ في الصَّدَقَة، فليأتوا هنا حولي. وانتبهوا جيّداً إلى ألّا تكذبوا، لأنّ عين المعلّم تقرأ ما في القلوب.»

يتحرّك الجمهور، وينقسم إلى فئات ثلاث: المرضى، الفقراء، وأولئك الذين ينتظرون فقط التعليم. وبين هؤلاء هناك اثنان أو ثلاثة يحتاجون إلى شيء ليس مالاً ولا علاجاً صحّيّاً، ولكنّه أكثر ضرورة. امرأة ورَجُلان، يَنظُرون، يَنظُرون إلى الرُّسُل ولا يتجاسَرون على الكلام. يَمرُّ سمعان الغيور، بمظهره الصارم؛ ثمّ ها هو بطرس مُنشَغِل، يَخطب في عشرة مِن "العفاريت"، يعدهم بالزيتون إذا ما لبثوا هادئين حتّى النهاية، وبالصَّفَعات إذا ما أحدثوا ضجّة بينما يتكلّم المعلّم؛ يمرّ برتلماوس،كَهل ورَصين؛ ثمّ متّى وفليبّس يحملان على أذرعهما كسيحاً عانى الكثير من الألم لشقّ طريق له بين الجمهور المتراصّ؛ ثمّ ابنا عمّ يسوع اللذين يمدّان اليد لمتسوّل شبه أعمى، ولامرأة فقيرة لستُ أدري كم تبلغ من العمر، وهي تبكي بينما تقصّ على يعقوب كلّ مآسيها؛ ثمّ ها هو يعقوب بن زبدى وعلى ذراعيه طفلة صغيرة مريضة، وقد أَخَذَها بالتأكيد من أمّها التي تتبعه متلهّفة، لكيلا تدع الجمهور يسبب لها الألم؛ وأخيراً مَرَّ الاثنان اللذان لا يفترقان، اندراوس ويوحنّا، إذ لو ذهب يوحنّا، بطبيعته الهادئة كالولد القدّيس، مع جميع الرفاق، فاندراوس، بسبب خَجَله الكبير، يُفضِّل الذهاب مع رفيق الصيد القديم، ورفيق الإيمان مع المعمدان. فَهُما قد مَكَثَا عند تقاطع الدربين ليوجّها الجموع إلى أماكنهم، أمّا الآن، فلم يعد هناك حجاج على دروب الجبل الوَعِرة، ويجتمع الاثنان ليتوجّها صوب المعلّم مع التَّقادِم التي حَصَلا عليها.

يسوع مُنحَنٍ على المرضى، والأوشعنا من الجمهور تشير إلى كلّ معجزة.

المرأة التي تبدو متألّمة للغاية، تتجرّأ وتشدّ ثوب يوحنّا الذي يتحدّث إلى اندراوس ويبتسم. فينحني ويسألها: «ما بكِ يا امرأة؟»

«أودّ التحدّث إلى المعلّم...»

«هل أنتِ مريضة؟ فأنتِ لستِ فقيرة...»

«لستُ مريضة ولا فقيرة، ولكنّني في حاجة إليه... لأنّ هناك آلاماً بلا حُمّى، ومآس بلا فقر، ومُصابي... مُصابي...» وتبكي.

«أترى يا اندراوس، هذه المرأة لديها هَمّ تريد البوح به للمعلّم. فما العمل؟»

يَنظُر اندراوس إلى المرأة ويقول: «بالطبع هو أمر تتألّم من إعلانه...» وتشير المرأة بالإيجاب، بحركة من رأسها. ويتابع اندراوس: «لا تبكي... يوحنّا، خذها إلى خيمتنا. وسآتي بالمعلّم إلى هناك.»

ويوحنّا، مبتسماً، يَطلب إفساح المجال له ليمرّ، بينما يمضي اندراوس في الاتّجاه المعاكس، صوب يسوع. ولكنّ الرجلين المحزونين يلاحظان التصرّف، ويوقف الواحد يوحنّا، والآخر يوقف اندراوس، وها هما بعد قليل مع يوحنّا والمرأة، خلف دريئة الأغصان المستخدَمَة كجدار للخيمة.

يَلحَق اندراوس بيسوع في اللحظة التي يشفي فيها الكسيح الذي يرفع عكّازتيه مثل نُصبين تذكاريين، لَيِّن الحركة كراقص، وهو يهتف ببركته. يقول اندراوس بصوت منخفض: «يا معلّم، خلف خيمتنا ثلاثة يبكون، ولكنّ آلامهم آلام قلب هي، ولا يمكن جعلها عامة...»

«حسناً. ما زال لديّ هذه الصبيّة الصغيرة وتلك المرأة، ومن ثمّ آتي. اذهب وقل لهم أن يتحلّوا بالإيمان.»

يمضي اندراوس، بينما ينحني يسوع على الطفلة التي تضمّها أمّها إلى صدرها: «ما اسمكِ؟» يسألها يسوع.

«مريم.»

«وأنا ما اسمي؟»

«يسوع.» تجيب الطفلة.

«ومَن أكون؟»

«مسيح الربّ الآتي ليفعل الخير للأجساد والنفوس.»

«من قال لكِ ذلك؟»

«أمّي وأبي، وكلّ أمَلهُما بكَ مِن أجل حياتي.»

«عيشي وكوني صالحة.»

أظنّ أنّ الطفلة كانت تعاني من إصابة في العامود الفقريّ، إذ رغم كونها تبلغ السابعة من عمرها، أو أكثر، فلم تكن تُحرِّك غير يديها، وقد شُدَّت بأربطة كبيرة قاسية جدّاً مِن إبطيها وحتّى ردفيها. لقد شوهِدَت هكذا حينما كَشَفَت الأمّ الثوب الصغير لإظهارها. تبقى الطفلة بلا حركة لدقائق قليلة، ثمّ تقفز، تنـزلق من صدر أمها إلى الأرض، وتركض صوب يسوع أثناء شفائه المريضة التي لم أُدرِك حالتها. فلقد استجاب لكلّ المرضى، وهم الذين يهتفون بقوّة أكبر بين الجمهور كثير العدد الذي يصفّق: «ابن داود، مَجد الله ومَجدنا.»

يمضي يسوع إلى الخيمة. يهتف الاسخريوطيّ: «يا معلّم! وهؤلاء؟»

يلتفت يسوع ويقول: «فلينتظروا حيث هُم، فَهُم كذلك سينالون المؤاساة.» ويمضي مسرعاً إلى خلف جدار الأغصان، حيث يتواجد الأشخاص الثلاثة المتألّمون مع اندراوس ويوحنّا.

«المرأة أوّلاً. هيّا معي إلى تلك الأدغال وتكلّمي دون خوف.»

«سيّدي، لقد تركني زوجي من أجل زانية. لديّ خمسة أولاد، أصغرهم عمره سنتان... ألمي عظيم... وأفكر بأولادي... لستُ أدري إذا ما كان يريدهم أو يتركهم لي. الصبيان، البِكر على الأقلّ، يريده... وأنا التي أنجبتُه، أفلا ينبغي لي أن أحظى بفرح رؤيته؟ وماذا سيفكرون بأبيهم وبي؟ مِن المفروض أنّهم سيُفكِّرون بالسوء في واحد منا. وأنا لا أريدهم أن يحكموا على أبيهم...»

«لا تبكي. فأنا سيّد الحياة والموت. لن يتزوج زوجكِ تلك المرأة. امضي بسلام وكوني صالحة على الدوام.»

«ولكن لن تُميتَه، أليس كذلك؟ آه! سيّدي، إنّني أحبّه!»

يبتسم يسوع: «أنا لا أقتل أحداً. إنّما هناك مَن يَحتَرِف هذا العمل. اعلَمي أنّ الشيطان ليس أسمى مِن الله. لدى عودتكِ إلى مدينتكِ، سوف تَعلَمين أن الإنسانة المسيئة قد قُتِلَت بطريقة يُدرِك معها زوجكِ ما كان مزمعاً أن يُقدِم عليه، وسوف يحبّكِ حبّاً متجدّداً.»

تُقبِّل المرأة يد يسوع التي كان قد وَضَعَها على رأسها، وتمضي.

يأتي أحد الرَّجُلين: «لديّ ابنة يا سيّدي. بكلّ أسف، ذَهَبَت إلى طبريّا مع رفيقاتها، وكأنّها ابتلعت سُمّاً. عادت إليَّ كالسكرانة. كانت تريد الذهاب مع يونانيّ... ثمّ... ولكن لماذا وُلِدَت لي؟ أمّها مريضة من الغمّ، وقد تموت... أمّا أنا... فكلماتكَ التي سَمِعتُها الشتاء الماضي وحدها مَنَعَتني من قتلها. ولكنّني أقرّ لكَ أنّ قلبي قد لَعَنَها.»

«لا. فالله الذي هو الأب، لا يَلعَن إلّا من أجل الخطيئة الـمُكتَمِلة والمستمرّة. ماذا تريد مني؟»

«أن تعيدها إلى التوبة.»

«لستُ أعرفها، وهي بالتأكيد لن تأتي إليَّ.»

«أمّا أنتَ فبإمكانكَ تغيير القلب حتّى من بعيد! هل تَعلَم مَن أرسَلَني إليكَ؟ حنّة التي لقوزى. كانت على وشك الذهاب إلى أورشليم، عندما ذهبتُ إلى قصرها أسألها إذا ما كانت تعرف ذلك اليونانيّ القَذِر. كنتُ أظنُّها لا تعرفه، لأنّها صالحة، وهي تعيش في طبريّا، ولكن، بما أن قوزى يُعاشِر الوثنيّين... وهي حقّاً لا تعرفه، ولكنّها قالت لي: "اذهب إلى يسوع. فإنّه قد استدعى روحي من البعيد البعيد، وقد شفاني مِن السلّ بذلك الاستدعاء. وسيشفي قلب ابنتكَ. أنا سوف أصلّي، أمّا أنتَ فآمِن". أنا أؤمن. أنتَ ترى ذلك. فارحم يا معلّم.»

«قبل المساء ستبكي ابنتكَ على ركبتي أمّها طالبة الصفح. وأنتَ كذلك، كن صالحاً مثل أمّها. اغفر. فما فات قد مات.»

«نعم يا معلّم. كما تريد. ولتكن مباركاً.»

يَدور ليمضي... ثمّ يعود على أعقابه: «عفواً يا معلّم... ولكنّني خائف للغاية... الفجور، يا له من شيطان! أعطِني خيطاً مِن ثوبكَ، وسأضعه على رأس سرير ابنتي. ولن يجرّبها الشيطان أثناء نومها.»

يبتسم يسوع ويهزّ رأسه... ولكنّه، إرضاء للرجل، يقول له: «كي تكون أكثر اطمئناناً. ولكن ثِق تماماً أنّه حينما يقول الله "أريد"، يمضي الشيطان دون الحاجة إلى أيّ شيء آخر. أريدكَ أن تَحتَفِظ بهذا على سبيل الذكرى منّي.» ويعطيه خُصلة مِن أهدابه.

يتقدّم منه الثالث: «يا معلّم، لقد مات أبي. كنّا نعتقد أنّ لديه مالاً كثيراً. ولم نجد منه شيئاً. وما هذا إلا نصف السوء، لأنّنا، كإخوة، لا نفتَقِر إلى القُوت. ولكن كَوني البِكر، وكنتُ أعيش مع أبي، يتّهمني أَخَواي بأنّني أخفيتُ المال، ويريدان رفع قضيّة سرقة ضدّي. تَرَى قلبي. لم أسرق ولا أيّة قطعة نقديّة مهما بَلَغَت مِن الصِّغر. فقد كان أبي يحتفظ بدوانقه في علبة ضمن صندوق حديديّ. وعند وفاته، فَتَحنَا صندوق الحديد، ولم تكن العلبة موجودة. وهما يقولان: "أنتَ أخذتها ليلاً، بينما كُنّا نياماً". وهذا ليس صحيحاً. ساعِدني لإعادة السلام والاحترام المتبادل فيما بيننا.»

يَنظُر إليه يسوع بإمعان ويبتسم.

«لماذا تبتسم يا معلّم؟»

«لأنّ الـمُذنِب هو أبوكَ. خَطَأ طفل يُخفي لعبته لئلّا يأخذها أحد.»

«ولكنّه لم يكن بخيلاً. ثِق بذلك. لقد كان مُحبّاً لفعل الخير.»

«أعلَم ذلك. ولكنّه كان متقدّماً في السنّ كثيراً... إنّها أمراض الشيخوخة... كان يريد وَضع ما يَملك في مأمن، ولمصلحتكم، وقد فَرَّقَكم لِفرط محبّته لكم. إلّا أنّ العُلبة مدفونة في أسفل سلّم القبو. أقول لكَ ذلك كي تَعرف أنّني أعلَم. وأثناء حديثي معكَ، وبينما كان أخوكَ الأصغر يَضرب الأرض بغضب، اهتزَّت واكتَشَفا العُلبة. إنّهما مُضطَرِبان ونادمان على اتّهامهما إيّاكَ. عُد إلى بيتكَ مطمئنّاً، وكن لطيفاً معهما. لا تَلُمهُما على قلة تقديرهما لكَ.»

«لا يا سيّدي. لن أذهب. بل سأبقى أستمع إليكَ. وغداً أذهب.»

«وإذا أخذا مِن مالكَ؟»

«أنتَ تقول بوجوب عدم كوننا طامعين. وأنا لا أريد ذلك. يكفيني أن يحلّ السلام بيننا. فيما عدا ذلك... لم أكن أعرف ما كان داخل العلبة، ولن أكلّف نفسي العناء من أجل تصريح غير صحيح. أفكّر أنّه كان ممكناً أن يُفقَد هذا المال... وإذا ما أنكراه عليَّ، فأعيش كما كنتُ أعيش في السابق. يكفيني ألّا يُسمِّياني لصاً.»

«لقد تقدمتَ كثيراً في طريق الله. استمرّ وليكن السلام معكَ.»

ويمضي مسروراً. ويعود يسوع إلى الجمهور، إلى الفقراء، ويوزّع الصدقات كما يراه موافقاً. الجميع الآن راضون ويمكن ليسوع أن يتحدّث.

«السلام معكم.

عندما أشرح لكم سُبُل الربّ، فلكي تسلكوها. هل يمكنكم سلوك الدرب النازل إلى اليمين والدرب النازل إلى اليسار في الوقت ذاته؟ لا تستطيعون، إذ لو سلكتم الواحد فعليكم ترك الآخر. حتّى ولو كان الدربان متجاورين، فلا يمكنكم الاستمرار في المسير ورِجل في الواحد والأخرى في الثاني. سينتهي الأمر بكم إلى الإنهاك والضَّلال حتّى ولو كنتم على رِهان. إلّا أنّ المسافة شاسعة بين درب الله ودرب الشيطان، وهي لا تَني تتَّسِع، تماماً كهذين الدربين اللذين يلتقيان هنا، ولكنهما كلما نَزلا في الوادي، كلما ابتعد الواحد عن الآخر، الواحد يذهب صوب كفرناحوم والآخر صوب بطولمايس (عكا).

هكذا هي الحياة. تنساب بين الماضي والحاضر، بين الخير والشرّ. في الوسط هو الإنسان بإرادته وحريّة اختياره؛ عند الأطراف هناك الله وسماؤه من جهة، ومن الأخرى الشيطان وجحيمه. ويمكن للإنسان أن يختار، فلا أحد يرغمه. ولا يقل لي قائل: "ولكن الشيطان يجرّبنا"، ليَجِد لِنفسه عذراً لسلوكه السبيل الأسفل. فالله يجرّبنا بحبّه، وهذه التجربة قويّة جدّاً، بكلامه، وكلامه مقدّس للغاية، بوعوده، وهي مغرية كثيراً! لماذا الاستسلام لتجربة أحدهما، للذي يستحقّ أقلّ من الآخر أن نستمع إليه؟ هل كلام الله ووعوده وحبّه، كلّ هذا، لا يكفي لإبطال مفعول سمّ الشيطان؟

انتَبِهوا لكيلا يعود عليكم ذلك بالشرّ. عندما يكون المرء سليماً معافى جسميّاً، فهو ليس في مأمن مِن العدوى، ولكنّه يتجاوزها بسهولة. أمّا إذا كان، على العكس، مريضاً، وبالتالي ضعيفاً، فيَهلك بشكل شبه مؤكّد بإصابة جديدة، وإذا ما نجا، فإنّه يكون أكثر مَرَضاً من السابق، إذ لم تَعُد في دمه القدرة على القضاء على جراثيم الإصابة كلّيّاً. والأمر ذاته بالنسبة إلى الجزء الأسمى. فإذا كان المرء وجدانيّاً وروحيّاً سليماً وقويّاً، فكونوا على ثقة بأنّه ليس مُستَثنى من التجربة، ولكنّ الشرّ لا يتجذّر فيه. عندما أسمَع من يقول لي: "عاشَرتُ هذا أو ذاك، قرأتُ هذا وذلك، حاولتُ جلب هذا أو ذاك إلى الخير، ولكن، في الحقيقة، فإنّ الشرّ الكائن في روحهم وقلبهم، الشرّ الذي كان في الكتاب، دَخَلَ فيَّ". أستنتج: "هذا يدلّ على أنّكَ كنتَ آنذاك قد أوجدتَ الأرضيّة المناسبة للولوج. وهذا يدلّ على أنكَ ضعيف وينقصكَ البأس الوجدانيّ والروحيّ. إذ ينبغي أن نَستَخرِج الخير حتّى من أعدائنا. فلدى رؤيتنا أخطاءهم، ينبغي لنا تَعلُّم كيفيّة عدم الوقوع. الإنسان الذكيّ لا يترك نفسه ينهار عند أوَّل مَذهَب يَسمعه. الإنسان المتشرّب مَذهَباً، لا يمكن أن يترك مكاناً في ذاته للمَذاهِب الأخرى. وهذا يفسّر الصعوبات التي يصادفها المرء في محاولته استمالة الـمُقتَنِعين بتعاليم أخرى إلى اتِّباع المذهب الصحيح. ولكنّكَ لو بُحتَ لي بأنّكَ تُغيِّر رأيكَ لأقلّ نسمة، فأراكَ مُفعَماً فراغاً، قدرتكَ الروحيّة مُتصدِّعة مِن كلّ الجهات، والسُّدود التي تُحافِظ على أفكاركَ متهدِّمة مِن ألف مكان، حيث تهرب المياه الصحيحة وتَدخُل المياه الآسِنة، وإنّكَ لَغافِل وبَليد، لدرجة لا تُلاحظ معها ذلك، ولا تتناول أيّ دواء. فأنتَ بائِس".

فلتَعرفوا إذاً اختيار الدرب الصالح وتَسلكوه، مع مقاومة ومقاومة، ومقاومة إغواءات الشهوة والعالم والعِلم، وإغواءات الشيطان. فالإيمانات المختَلَطة والحلول الوسط والعهود التي يتعارض بعضها مع بعض، دعوها لرجال المجتمع. ومن المفروض ألّا تكون بينهم إن كانوا نزيهين. إنّما أنتم، أنتم على الأقل، رجال الله، فلا تكن لديكم. لا يمكن إجراء تسويات مع الله، ولا مع الشيطان. فلا تكن فيكم، لأنّها ستكون بلا قيمة. أفعالكم، في حال كونها مُختَلَطَة بين ما هو صالح وما هو غير صالح، لا قيمة لها. وما كانت صالحة بمجملها تُلغيها التي ليست كذلك. والشرّيرة منها توقعكم مباشرة في أيدي العدوّ. فلا تفعلوها إذن. بل اعمَلوا بإخلاص.

لا يمكن لأحد أن يَخدم معلّمَين، أفكارهما متضاربة. لأنّه إذا ما أحبَّ الواحد فسَيكرَه الآخر، والعكس بالعكس. لا يمكنكم الانتماء إلى الله وإلى الشيطان في الآن ذاته. ولا يمكن لروح الله أن يتّفق مع روح العالم. فالواحد يسمو والآخر يَهبط. الواحد يُقدِّس والآخر يُنجِّس. وإذا كنتم نَجِسِين فكيف يمكنكم التصرّف بطهارة؟ تتأجّج الشهوة لدى أولئك النَّجِسِين، ومِن جَرّاء الشهوة، الرغبات الأخرى الـمُفسِدة. وتَعلَمون كيف أُفسِدت حواء، وآدم بواسطتها.

لقد قَبَّلَ الشيطان عين المرأة وسَحَرَها بشكل أضحت فيه كلّ رؤية كانت حتّى ذلك الوقت طاهرة، تتَّخِذ مَظهَراً دَنِساً، وتُوقِظ رغبات في الإطِّلاع والفضول غريبة. ثمّ قَبَّلَ الشيطان أذنيها وفَتَحَهُما على كلّ معرفة مجهولة: معرفته هو. حتّى فِكر حواء أراد معرفة ما لم يكن بالضروريّ. ثمّ أظهَرَ للعين والفكر المتفتِّحَين على الشرّ ما لم يكونا قد رأيَاه ولا أدرَكاه، وتَفَتَّح كلّ شيء في حواء وفَسَد. والمرأة، وهي ماضية إلى الرجل، استنهَضَت سرّها واستمالت آدم لتذوق الثَّمَرة الجديدة، الجميلة للنَّظَر، والممنوعة حتّى ذلك الحين. وقَبَّلَته ونَظَرَت إليه بفم وعينين كان لا يزال فيها الاضطراب الشيطانيّ. ودَخَلَ الفساد في آدم الذي رأى واشتَهَت عينه الثَّمَرة المحرَّمَة. وقَضَمَها مع شريكته، ساقطاً مِن سموّ كهذا إلى دَرك الوحل.

عندما يَفسُد امرؤ، فإنّه يَجرُّ الآخر إلى الفساد، اللهمّ إذا لم يكن قدّيساً بكلّ ما في الكلمة من معنى.

انتبهوا إلى نَظَركم أيّها الناس، إلى نَظَر العين ونَظَر الروح. لأنّهما إذا ما فَسَدا فلا يمكنهما إلّا إفساد الباقي. العين سِراج الجسد، والفِكر سِراج القلب. ولكن إذا لم تكن عينكَ طاهرة، فكلّ ما فيكَ يصبح اضطراباً، وسُحُب الإغواء تَخلق فيكَ تصوّرات دَنِسَة، وذلك نتيجة لخضوع الأعضاء للفكر، فبفكرة واحدة فاسدة تَفسُد الأحاسيس. كلّ شيء يكون طاهراً في ذاك الذي لديه فِكر طاهر يمنحه نَظَراً طاهراً، ونور الله يهبط بشكل رئيسيّ حيث لا تقف الأحاسيس عائقاً. ولكن، لو بسوء نيّة، عَوَّدتَ العين على رؤى مضطَرِبة، فكلّ ما فيكَ يُصبح ظلاماً. وعَبَثاً تَنظُر حتّى إلى الأشياء الأكثر قداسة. ففي الليل لن تكون سوى الظُّلُمات، وسوف تَعمَل أعمال الظُّلُمات.

كذلك، يا أبناء الله، احموا أنفسكم مِن أنفسكم. راقِبوا ذواتكم بكلّ انتباه مِن كلّ التجارب. أن يُجَرَّب المرء ليس شرّاً. فبالكفاح يهيِّئ الرياضيّ النصر. ولكن الشرّ يكمن في أن يُهزَم المرء بسبب خطأ في التدريب والانتباه. أَعرِف أنّ كلّ شيء يَخدم التجربة. أَعلَم أنّ المقاومة تُوتِّر الأعصاب. أَعلَم أنّ الكفاح يُنهِك. ولكن فَكِّروا بما تُوفِّره لكم تلك الأشياء. فهل تريدون فقدان أبديّة مِن السلام مقابل ساعة مِن المتعة من أيّ نوع كانت؟ ماذا تُبقي لكم متعة الجسد والذهب والفِكر؟ لا شيء. ماذا تُحقِّقون برفضها؟ كلّ شيء. أتحدّث إلى خَطَأَة لأنّ الإنسان خَطَّاء. حسناً قولوا لي حقيقة: بعد إشباع لِشهوة الحسّ أو الكبرياء أو الطمع، هل شعرتم أنكم أكثر نضارة، أكثر فرحاً، وأكثر هدوءاً وطمأنينة؟ خلال الساعة التي تلي الإشباع، والتي هي دائماً ساعة تفكير، هل شعرتم في الواقع، وبكلّ صدق، أنّكم سعداء؟ أنا لم أذق طعم خُبز شهوة الحسّ تلك. ولكنّني أجيب عنكم: "لا. بل ذبول وعدم رضا وإبهام وغَثَيان وخوف واضطراب. هي ذي العصارة التي وَفَّرَتها لكم ساعة المتعة تلك".

بَيد أنّني أرجوكم. عندما أقول لكم: "لا تفعلوا ذلك مطلقاً"، فإنّني أقول لكم كذلك: "لا تكونوا عديمي الرحمة مع الذين يخطئون". تذكّروا أنّكم جميعاً إخوة، مخلوقين من جسد واحد، ولديكم النَّفْس ذاتها. فَكِّروا أنّ الأسباب التي تجعل الإنسان يخطئ كثيرة. كونوا رحماء تجاه الخَطَأَة، ارفعوهم بِصلاح، واجذبوهم إلى الله بإظهاركم لهم أنّ الدرب الذي سَلَكوه محفوف بالمخاطر للجسد والفكر والروح. افعلوا ذلك، وسيكون أجركم عظيماً، لأنّ أباكم السماويّ رحيم مع الصالحين، ويعرف رَدَّها أضعافاً مضاعَفَة.

أقول لكم إذاً...


17
تمهيد: يتحدث المسيح في هذا القسم عن الاستخدام العادل للثروات وتكديس الكنوز على الارض ويتكلم عن عدم القلق من المستقبل.
الجزء الثالث / القسم الأول

33- (العِظَة على الجبل: "التطويبات IV")

27 / 05 / 1945

يوماً إثرَ يوم يتعاظَم عدد الجمهور. فهناك رجال ونساء وشيوخ وأطفال، أغنياء وفقراء. وكذلك إيتيان وحرماس ما يزالان هناك، رغم عدم انضمامهما بعد إلى التلاميذ القُدامَى، وعلى رأسهم إسحق. وهناك كذلك الزَّوجيّ الجديد المتشكِّل أمس من العجوز والمرأة. إنّهما في المقدّمة، بالقرب مِن مُعزِّيهِما، ويبدوان في حال أفضل مِن حال الأمس. العجوز، كما للتعويض عن الأشهر الطويلة أو السنوات التي تَرَكَته فيها ابنته، يَضَع يده الخَشِنَة على رُكبَتيّ المرأة التي تُلاطِفها، بتلك الحاجة الفطريّة، لدى المرأة سَليمَة الطوية (النيَّة)، إلى ممارسة أمومتها.

يمرّ يسوع بجانبهما ليَصعَد إلى مَجلِسه. وأثناء مروره يلامس بِلُطف رأس العجوز الذي أصبَحَ يَنظُر إليه كما إلى إله. يَهمس بطرس بشيء ما إلى يسوع الذي يشير كما ليقول: «لا يهمّ.» ولكنّني لا أُدرِك ماذا قال الرسول الذي بَقِيَ، مع ذلك، إلى جانب يسوع، وقد لَحق به بعدئذ يوضاس تدّاوس ومتّى. أمّا الآخرون فتائهون وسط الجمهور.

«السلام لكم جميعاً!

في الأمس تحدّثتُ عن الصلاة والقَسَم والصوم. واليوم أريد أن أحدّثكم عن كمالات أخرى. وهي كذلك: صلاة وثقة وصدق وحبّ وَدِين.

الأولى التي سأتحدّث عنها هي: الاستخدام الصحيح العادل للثروات، كي تتحوّل، بحسن إرادة الخادم الأمين إلى ثروات سماويّة جَمَّة. فكنوز الأرض لا تدوم، أمّا كنوز السماء فتدوم إلى الأبد. هل لديكم الحبّ لما تملكون؟ هل عدم استطاعتكم الاهتمام بخيراتكم، ووجوب تركها يسبِّب لكم الألم حتّى الموت؟ إذاً فانقلوها إلى السماء! تقولون: "ما هو أرضيّ لا يَلِج السماء، وأنتَ تَعلَم أنّ الفضّة فيها أكثر أشياء الأرض مَبعَثاً للاشمئزاز. فكيف نستطيع إذن نقلها إلى السماء؟" لا، لا يمكنكم نقل القطع النقديّة المادّيّة إلى المملكة التي هي بأكملها روحيّة، إنّما يمكنكم نقل ثَمَرَة تلك النقود. فأنتم حينما تُعطون ذهبكم إلى مصرفيّ، فلماذا تعطونه إيّاه؟ لكي يَستَثمره. ولستم تَحرمون أنفسكم منه بالتأكيد، حتّى ولو مؤقّتاً، لكي يُعيده إليكم كما هو. ولكنّكم تريدونه أن يُعيد إليكم العشر وزنات زائدة واحدة أو أكثر أيضاً. حينذاك تكونون سعداء وتمتَدِحون المصرفيّ. أمّا غير ذلك فتقولون: "إنّه نزيه ولكنَّه أحمق". ثمّ إذا ما أعطاكم بَدَل العشر وزنات زائدة واحدة، لم يَردّ سوى تسع قائلاً: "خَسِرتُ الباقي". فإنّكم تشتكونه وتَرمونه في السجن.

ما هي ثَمَرَة الفضّة؟ هل مثلاً يَبْذُر المصرفيّ دوانقكم ويسقيها حتّى يجعلها تنمو؟ لا. فالثَمَرَة تُعطى بالاستخدام البارع للأشياء، بشكل أنّ، مع الرهونات والقروض التي بفائدة، ينمو المال من الفائدة المستوجِبة للذهب الذي تمّ اقتراضه. أليس كذلك؟ إذن فاسمَعوا: يمنحكم الله الثروات الأرضيّة، يَمنَح البعض كثيراً، وآخرين بشكل يكاد يكفي الضروريّ لقوت يومهم، ويقول لكل منكم: "الآن جاء دوركَ. لقد مَنَحتُكَ إيّاها أنا، فاصنَع أنتَ بتلك الوسائل نهاية يشتهيها حبّي لخيركَ. أَئتَمِنكَ عليها، ولكن ليس لتجعَل الشرّ يَصدر عنها. ولكن، بسبب التقدير الذي أُكنّهُ لكَ، وعرفاناً بجميل نِعَمي، اجعَل خيراتكَ تُثمر بما يتناسب مع هذا الموطن الحقيقيّ.

وهاكم الطريقة لبلوغ تلك النهاية.

لا تَرغَبوا في تكديس كنوزكم على الأرض وتحيوا لأجلها، مُظهِرين أنفسكم قساة بسببها، جالِبين بذلك لأنفسكم اللَّعنات مِن القريب ومِن الله. فهي لا تستحقّ كل ذلك. ليس لها أيّ ضمان في هذه الدنيا، إذ يمكن للصوص على الدوام أن يسرقوها منكم، كما يمكن للنيران أن تلتَهِم البيوت، ولأمراض النبات والقطعان أن تقضي على الثمار أو الحيوانات. كَم من الأخطار تتربّص بالخيرات! إن تكن عقارات كالبيوت أو تكن غير قابلة للفساد كالذهب؛ إن تكن بطبيعتها قابلة للهلاك مثل كلّ ما يحيا، كما هي الحال بالنسبة للنبات والحيوان؛ وإن تكن أخيراً أقمشة نفيسة يمكنها أن تتلف. الصاعقة على البيوت أو الحريق أو الفيضانات؛ واللصوص والصدأ والجفاف والقوارض والحشرات في الحقول؛ دوار الغنم والحمّى والكساح والأوبئة التي تصيب الحيوانات؛ العثّة للأقمشة النفيسة والجرذان للأثاث الثمين؛ الكسر للأواني والتأكسد للثريات والحواجز المشبّكة الفنية؛ كلّ شيء، كلّ شيء يمكنه أن يَفسُد.

إنّما لو صنعتم مِن كلّ هذا الخير الأرضيّ خيراً فائق الطبيعة، حينئذ يَسلَم مِن كلّ إتلاف الزمن والناس والأحوال الجويّة السيّئة. اكنـزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يصل اللصوص وحيث لا يحصل أيّ سوء. أتِمّوا عملكم برحمة تجاه كلّ شقاء الأرض. داعِبوها، نَعَم، قَبِّلوا قطعكم النقديّة إن أردتم، اسعَدوا بالمواسم المزدَهِرة والكروم كثيرة العناقيد وشجر الزيتون الذي ينحني تحت ثِقل حبّات الزيتون التي لا تُحصى، والنِّعاج ذات الأحشاء الخصيبة والضروع المنتَفِخة. قُوموا بكلّ ذلك، إنّما ليس بطريقة عقيمة، بشريّة. قوموا بذلك بحبّ وإجلال، بفرح وبحساب فائق الطبيعة.

"شكراً يا إلهي على هذا المال، وهذه الغلال، وهذه الأشجار وهذه النِّعاج وعلى هذه المتاجرات! شكراً لكِ أيّتها النِّعاج والأشجار والحقول والمتاجرات التي كنتِ لي مفيدة! مبارَكة أنتِ جميعاً، إذ بصلاحكَ أيّها الأزليّ، وبصلاحكِ أيّتها الأشياء، ها أنذا أتمكّن من فعل الكثير من الخير للجِّياع والعُراة والمشرَّدين والمرضى والوحيدين... العام الماضي فعلتُ ذلك لعشرة. وهذا العام -رغم أنّي أعطيتُ الكثير كَصَدَقات، ما زال معي الكثير، فالغِلال أوفَر والقطعان أكثر عدداً- ها أنذا أَمنَح ضِعفيّ أو ثلاثة أضعاف ما قَدَّمتُه العام الماضي، ليَسعَد معي الجميع حتّى الذين لا يملكون شيئاً لهم شخصيّاً، وليبارِكوك معي، أنتَ الربّ الأزليّ". تلك هي صلاة البار. تلك الصلاة التي، إذا ما اقتَرَنَت بالعمل، تَنقُل خيراتكم إلى السماء، وليس فقط لتحفظها لكم إلى الأبد، وإنما لتجعلها تزداد وتنمو بثمار الحبّ المقدَّسة.

فليكن كنـزكم في السماء ليكون هناك قلبكم، أعلى وأبعد مِن أن يطاله الخطر، كي لا تلحق الويلات، ليس فقط بالذهب والبيوت والحقول والقطعان، ولكن كي لا يُصاب قلبكم، يُنـزَع، يَفسُد، يُحرَق ويُقتَل بروح العالم. إذا ما تصرّفتم هكذا، فسوف يكون كنـزكم في قلبكم، لأنّ الله سيكون فيكم حتّى اليوم المغبوط الذي تصبحون أنتم في الله.

فَكِّروا إذاً، لكيلا تَقلَّ ثمار المحبّة، أن تكون فيكم المحبّة بروح فائق الطبيعة. وكما قُلتُ عن الصلاة والصوم، أقول كذلك عن فِعل الخير وكلّ الأعمال الصالحة التي يمكنكم القيام بها.

حافِظوا على الخير الذي تَعمَلون في مأمن مِن انتهاكات شهوانيّة العالم. حافِظوا عليه غير مَشوب بالمديح البشريّ. لا تُدنِّسوا الوردة العَطِرة؛ الـمَبخَرة الحقيقيّة للعطور المقبولة لدى الربّ، الوردة العَطِرة لمحبّتكم وأفعالكم الصالحة. ما يُدنِّس الخير هو روح الكبرياء، الرغبة في الظهور عند فعل الخير والبحث عن المديح. حينئذ تُصبِح وردة المحبّة ملوَّثة وفاسِدة في القواقِع الدَّبِقة للكبرياء الـمُشبَع، وتسقط على الـمَبخَرة القشّات النَّتِنة التي لِفراش الدَّواب الذي يتبختَر عليه المتكبّر مثل حيوان شبعان.

آه! أفعال الخير تلك التي صُنِعَت لأجل الحديث عنكم! إنّما يُفَضَّل، بل أفضل كثيراً، ألا تُفعَل! فمن لا يَفعَلها يَقتَرِف خطيئة القسوة. أمّا مَن يفعلها مُعلِناً القيمة الممنوحة واسم المستفيد، مستجدياً المديح، فيقترف خطيئة الكبرياء بإعلامه عن التَّقدِمة، فهو كَمَن كان يقول: "أَتَرون ما يمكنني فِعله؟" وهو يَقتَرِف خطيئة ضدّ المحبّة، إذ يُذِلّ المستفيد بالتعريف باسمه، خطيئة البخل الروحيّ برغبته في تراكم المديح البشريّ... إنّه القشّ، القشّ ليس إلّا. فاعمَلوا بشكل يكون فيه الله وملائكته هم الذين يمدحونكم.

أنتم، عندما تؤدّون الصدقة، فلا تنفخوا في البوق لتلفتوا انتباه المارّة، وتُكَرَّموا مثل المنافقين الذين يبحثون عن تصفيق الناس لهم، ولذلك فهم لا يؤدّون الصَّدَقَة إلّا حيث يشاهدهم العدد الأكبر من الناس. فهم، بذلك، قد نالوا أجرهم، ولن يكون لهم أجر آخر مِن الله. أمّا أنتم فلا تقعوا في تلك الخطيئة ذاتها، وفي ذلك الغرور. ولكن عندما تُؤدُّون الصَّدقة، فلا تدعوا يدكم اليسرى تعلم ما فَعَلَتهُ يدكم اليمنى، ولتكن صدقتكم خفيّة وعفيفة، وبعد ذلك انسُوها. ولا تظلّوا تفتخرون بالعمل الذي قمتم به، نافِخين ذواتكم مثل الضفدع الذي يتفاخر وعيناه مغشيّتان في المستنقع، والذي، حينما يَرى في المياه الساكنة صورة السحاب والأشجار والعربة المتوقّفة قرب الشاطئ، والذي حين يرى نفسه صغيراً، بالمقارنة مع تلك الأشياء، يَنفُخ نفسه بالهواء حتّى ينفجر. محبّتكم أنتم لا شيء إذا ما قيست بمحبة الله اللانهائيّة، وإذا أردتم أن تصبحوا شبيهين به، وأن تجعلوا محبّتكم الصغيرة كبيرة كبيرة، كبيرة لِتُعادل محبّته، فستمتلئون برياح الكبرياء وتنتهون بالهلاك.

انسوه. انسوا الفعل ذاته. وسيبقى لكم حاضراً على الدوام نورٌ، كلمة لذيذة كالعسل، وهذا يجعل يومكم مشرقاً، لطيفاً وسعيداً. إذ إن ذلك النور هو ابتسامة الله، وذاك العسل هو السلام الروحي الذي هو أيضاً الله، وذلك الصوت صوت الله-الآب الذي يقول لكم: "شكراً". وهو يرى الشرّ الخفيّ والخير الذي يتخفّى ويكافئكم عنه...»

«يا معلم، أنتَ تُناقِض كلامكَ!»

هذه الإهانة الماكرة وغير المتوقّعة تأتي من وسط الجمهور. يلتفت الجميع صوب ذلك الصوت. تَحدُث بَلبَلة. ويقول بطرس: «كنتُ قد قُلتُ لكَ ذلك! هه! عندما يكون واحد من أولئكَ... فلا يعود يسير شيء على ما يرام!»

مِن الجمهور مَن يُقاطِع الـمُهين بالصفير، ومَن يَصرخ في وجهه. يسوع هو الوحيد الذي يظلّ هادئاً. يُصالِب ذراعيه على صدره، ويَنتَصِب، تُنير الشمس جبهته، مُنتَصِباً على صخرته بثوبه الأزرق القاتم.

يُتابِع الـمُهين دونما اكتراث بردة فعل الجمهور: «أنتَ معلّم سيئ، تُعلِّم ما لا تَعمَل، و...»

«اصمُت! ارحَل! عار عليكَ!» يهتف الجمهور. وأيضاً: «اذهَب إلى كَتَبَتِكَ! نحن يكفينا المعلّم. فالمنافقون مع المنافقين! والمعلّمين المزيّفين! والمرابين!...» ويستمرّون، غير أنّ يسوع يقول بصوت كالرعد: «صمتاً، دعوه يتكلّم.» ويكفّ الناس عن الصراخ، إنّما يُتمتِمون تقريعاتهم مترافقة بنظرات غاضبة.

«نَعم، أنتَ تُعَلِّم ما لا تَعمَل. تقول إنّه ينبغي لنا أن نؤدّي الصَّدَقَة دون أن يرانا أحد. وأمس، بحضور كلّ الناس قُلتَ لِفَقيرَين: "ابقيا وسأُشبِعكُما".»

«ما قُلتُه هو: "ليَبْقَ الفقيران. وسيكونان ضيفَين مُبارَكَين ويمنحان قوْتَنا طعماً لذيذاً". ليس أكثر. لم أقل شيئاً عن إرادتي إشباعهما. مَن هو الفقير الذي لا يملك رغيفاً على الأقل؟ أمّا نحن فقد كان فرحنا في أن نمنحهما صداقتنا الصَّالحة.»

«هه! نَعم! إنّكَ مُراوِغ، وتجيد لعب دور الحَمَل!...»

يَنهَض العجوز، يَلتَفِت رافعاً عصاه، ويَصرُخ: «أيّها اللِّسان الجهنّميّ، أنتَ يا مَن تتّهم القدّيس، أتعتقد أنّكَ تعرف كلّ شيء وبإمكانكَ الاتّهام بما تَعرِف؟ كَم تَجهَل مَن هو الله، ومَن هو ذاك الذي تُهينَه، وبذلك تَجهَل أفعاله. لا أحد يَعلَمَها إلّا الملائكة وقلبي الذي تملؤه الغِبطة. اسمعوا أيّها الناس، اسمعوا جميعاً وتنبّهوا إذا ما كان يسوع هو الكاذِب المتكبّر الذي يعنيه قذارة الهيكل هذا. إنّه...»

«اصمُت يا إسماعيل! اصمُت حُبّاً بي! إذا ما جَعَلتُكَ سعيداً، فاجعلني أنتَ سعيداً بصَمْتكَ.» يقول له يسوع ذلك على شكل رجاء.

«أطيعكَ أيّها الابن القدّيس. ولكن دعني أقول هذا فقط: "بَرَكَة الإسرائيليّ العجوز عليه، وهو الذي نلتُ على يديه الخير الذي مِن قِبَل الله. هذه البَرَكَة وَضَعَها الله على شفتيّ مِن أجلي ومِن أجل سارة، ابنتي الجديدة. إنّما لن تكون على رأسكَ بَرَكَة. لستُ ألعنكَ، ولا أُوسِّخ باللَّعنة فمي الذي ينبغي له أن يقول لله: "تَقَبَّلني". وأنا لم ألعن حتّى تلك التي أنكَرَتني، وها إنّ الله يكافئني. ولكن سيكون هناك مَن يدافع عن البريء الذي يتّهمون وعن إسماعيل صديق الله الذي يباركه.»

تَبِعَ حديث العجوز الذي عاد ليجلس مِن جديد صياح، ورَجُل ينسلّ ويَبتَعِد، وقد انهالت عليه الملامات. ثمّ يهتف الجمهور ليسوع: «تابع، تابع أيّها المعلّم القدّيس! نحن لا نستمع لسواكَ، وأنتَ استَمِع لنا. لا تستمع لأولئك الغربان الملعونين! إنّهم يغارون لأنّنا نحبّكَ أكثر منهم! ولكنّكَ قِدّيس وهم منحرفون. تحدّث، تحدّث! فأنتَ ترى أنّ لا رغبة لنا بغير كلامكَ. بيوت، متاجرات؟ كلّ ذلك لا شيء لمن يريد الاستماع إليكَ.»

«نعم، سأتكلّم. ولكن لا تَجلبوا لأنفسكم المتاعب. صَلّوا مِن أجل ذلك البائس. اغفروا كما أغفر أنا، لأنّكم إذا غفرتم للناس أخطاءهم يَغفر لكم أبوكم السماويّ كذلك خطاياكم. إنّما إذا ما كنتم تُضمِرون الحقد ولا تغفرون للناس، فأبوكم كذلك لن يَغفر لكم أخطاءكم. والجميع في حاجة إلى المغفرة.

كنتُ أقول إنّ الله سيكافئكم، حتى ولو لم تَطلبوا منه الثواب على الخير الذي فَعَلتموه. إنّما أنتم فلا تفعلوا الخير من أجل الثواب، للحصول على ضمان من أجل الغد. لا تفعلوا الخير وأنتم تَحسبونه وقد تملّككم الخوف: "ثمّ، بالنسبة إليَّ، فهل أحصل على المزيد؟ وإذا لم يَعُد لديّ شيء، فمن سيمدّ لي يد العون؟ هل سأجد مَن يَفعَل معي ما فَعَلتُه مع الآخرين؟ وعندما لا يعود بإمكاني إعطاء أيّ شيء فهل سأظلّ محبوباً؟

انظروا: لي أصدقاء مُقتَدِرون مِن الأغنياء، وأصدقاء من البائسين. والحقّ أقول لكم: ليس الـمُقتَدِرون هُم الذين أحبّهم أكثر. أَذهَب إليهم، ليس للبحث عن ذاتي أو عن مصالحي، ولكن لأنّني أستطيع الحصول منهم على الكثير من أجل الذين لا يملكون شيئاً. أنا فقير. لا أملك شيئاً. وأودُّ لو أمتَلِك كلّ كنوز العالم لأُحوِّلها إلى خبز من أجل الجياع، بيوتاً للمشرّدين، وثياباً للعراة، وأدوية للمرضى. ستقولون: "أنتَ تستطيع الشفاء". نعم، أستطيع ذلك وأشياء أخرى. ولكن لا يتوفّر الإيمان لدى الآخرين، وأنا لا يمكنني فِعل ما أفعَل وما أريد أن أفعَل إلّا إذا وُجِد في القلوب الإيمان بي. أودُّ أن أفعَل الخير حتّى للذين لا إيمان لديهم، ولأنّهم لا يَطلبون المعجزة من ابن الإنسان، فأبغي نجدتهم مِن رَجُل لِرَجُل. ولكن لا شيء لديّ. لذلك أمدّ اليد للذين يملكون وأطلب إليهم: "قُم معي بفعل محبّة باسم الله". هاكُم لماذا لديّ أصدقاء مِن مقام رفيع. غداً، عندما لا أعود على الأرض، سيكون هناك أيضاً فقراء، وأنا لن أكون لا لاجتراح المعجزات للذين لديهم الإيمان، ولا للتصدُّق كي أقود إلى الإيمان. إنّما سيكون الأغنياء آنئذ قد تَعَلَّموا، باحتكاكهم بي، كيف العمل لأداء فعل الخير، ورُسُلي، باحتكاكهم بي كذلك، سيكونون قد تَعَلَّموا كيفيّة التصدّق حبّاً بالإخوة. وسوف ينال الفقراء المعونة على الدوام.

حسناً، أمس تلقّيتُ مِن إنسان، لا يملك شيئاً، أكثر مِن كلّ ما أعطانيه الذين يملكون الكثير. إنّه صديق أكثر فقراً منّي، ولكنّه مَنَحَني ما لا يمكن شراؤه بالمال، وما جَعَلَني سعيداً بتذكيري بساعات صفاء كثيرة لطفولتي وشبابي، وذلك عندما كانت يدا صِدّيق توضعان على رأسي كلّ مساء، وكنتُ أَخلُد على الراحة مصحوباً ببركته لحماية نومي. وأمس جَعَلَني هذا الصديق الفقير مَلِكاً ببركته. تَرَون أنّ ما أعطانيه هو، لا أحد مِن أصحابي الأغنياء قد مَنَحنيه قط. فلا تخافوا إذن. حتّى ولو لم يكن لديكم ما تتصدّقون به، يكفي أن يملأ قلبكم الحبّ والقداسة. سوف تتمكّنون مِن فِعل الخير لِمَن هو فقير ومُنْهَك أو محزون.

من أجل ذلك أقول لكم: لا تقلقوا كثيراً خوفاً من امتلاك القليل. فسيكون لكم الضروريّ على الدوام. لا تَنشَغِلوا كثيراً في التفكير بالمستقبل، فلا أحد يَعلَم المستقبل الذي ينتظره. لا تفكروا بما تأكلون لتحافظوا على حياتكم، ولا بما تلبسون لتُدفِّئوا أجسادكم، فحياة أرواحكم أثمن من بطنكم وأعضائكم، إنّها أهمّ كثيراً من الغذاء والكساء، كما الحياة المادّيّة أهمّ من الغذاء، والجسم أهمّ من الكساء. وأبوكم يَعلَم ذلك. فاعلَموا إذاً أنتم كذلك. انظروا إلى الطيور، إنّها لا تبذر ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، ومع ذلك فهي لا تَنفُق جوعاً لأنّ الأب السماويّ يَرزقها. وأنتم أيّها الناس، المخلوقات المفضّلة لدى الآب، إنّكم أكرم منها كثيراً.

لا تكونوا قليلي الإيمان. لا تَقلَقوا من أجل مستقبل غير واضح المعالم بقولكم: "عندما سأصبح عجوزاً كيف سأتدبّر طعامي؟ ماذا سأشرب؟ وكيف ألبس؟" دعوا تلك الاهتمامات كلّها للوثنيّين الذين لا يملكون اليقين الـمُنير مِن الأبوّة الإلهيّة. أمّا أنتم فلديكم ذلك، وتعرفون أنّ أباكم يَعلَم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه وأنّه يحبّكم. ثِقوا به إذاً. اطلبوا أوّلاً الأمور الضروريّة حقّاً: الإيمان والصلاح والمحبّة والتواضع والرحمة والعفاف والبرّ والوداعة، الفضائل الرئيسيّة الثلاث أو الأربع، وكلّ الأخريات أيضاً، بشكل تكونون فيه أصدقاء الله، وأن يكون لكم الحقّ في ملكوته. وأؤكّد لكم أنّ كلّ ما زاد على ذلك يُمنَح لكم حتّى دون أن تطلبوه. فليس غنيّ أكثر غِنى مِن القدّيس وأكثر ثقة منه. الله مع القدّيس. والقدّيس مع الله. وهو لا يَطلب شيئاً لجسده، والله يمنحه الضروريّ. ولكنّه يَعمَل مِن أجل روحه، الروح الذي يَهِبه الله ذاته في هذه الدنيا، والفردوس بعد الحياة.

لا تتحمّلوا عناء ما لا يستحقّ عناءكم. احزَنوا لكونكم غير كاملين، وليس لأنّكم محرومون من الخيرات الأرضيّة. لا يهمّكم أمر الغد، فالغد يهتمّ بنفسه، وستهتمّون به عندما تعيشونه. فلماذا الاهتمام به منذ الآن؟ أليست الحياة مليئة بذكريات الأمس المضنية واهتمامات اليوم المؤلمة، حتّى تَختَبِروا الحاجة إلى زيادة كوابيس "ماذا سيكون" غداً؟ دعوا لكلّ يوم معاناته! فلكلّ يوم من العناء ما يكفيه! قولوا دائماً مقولة الله العظيمة: "اليوم". كونوا أبناءه الـمَخلوقِين على مثاله. فقولوا إذن معه: "اليوم".

واليوم أمنحكم بركتي. ولتصحبكم حتّى بداية اليوم الجديد: غداً، أي حينما سأمنحكم، مِن جديد، السلام باسم الله.»

18
تمهيد: في هذا القسم يتكلم المسيح عن القسم وعن الصلاة والصوم
الجزء الثالث / القسم الأول

32- (العِظَة على الجبل: "التطويبات III")

26 / 05 / 1945

المكان ذاته والتوقيت ذاته، والجمهور ذاته ما عدا الرومانيّ، وقد يكون أكثر عدداً إذ يتواجدون حتّى بداية السيل المؤدّي إلى الوادي.

يسوع يتكلّم:

«واحدة من الأخطاء المتواتِرة لدى الإنسان، قلّة النـزاهة حتّى تجاه نفسه. كم هو صعب على الإنسان أن يكون صادقاً ونزيهاً! لقد كَيَّف ذاته على شكيمة (عادة) يرغم بها ذاته على اتّباع الطريق التي يرغب. علاوة على ذلك، هي شكيمة تُساهم في أن يغيّر مكانه بسهولة مثل حصان لم يُرَوَّض، فيُعدِّل مشيته على هواه أو يلغيها نهائيّاً، متصرِّفاً كما يطيب له، دون الاكتراث باللائمة التي يمكن أن يتلقّاها من الله، ومن الناس، وتأنيب ضميره.

هذه الشكيمة هي القَسَم. ولكن القَسَم ليس ضرورياً بين أناس يَتَّسِمون بالنـزاهة، والله، من جهته، لم يُعلِّمكم إيّاه، بل على العكس، جَعَلَكم تقولون: "لا تشهد بالزور"، دون أيّة إضافة. إذ ينبغي للإنسان أن يكون صادقاً دون الحاجة لأيّ شيء آخر غير الوفاء لكلمته. عندما يكون الكلام في تثنية الاشتراع حول النذور التي إنّما هي أمر نابع من قلب يعتقد أنّه مرتبط بالله، إمّا بمشاعر الحاجة، وإمّا بمشاعر العرفان، فيقال: "ينبغي لكَ الحفاظ على شَرَف كَلِمَتك لمجرّد خروجها مِن بين شفتيك، بتنفيذ ما وَعَدتَ به الربّ إلهكَ، ما قُلتَه بفمكَ بمحض إرادتكَ." والحديث دائماً عن كلمة مُعطاة، ولا شيء غير الكلمة. مَن يَشعر بالحاجة إلى القَسَم، فهذا يعني أنّه غير واثق بنفسه ولا برأي القريب فيما يخصّه. وما يستدعي القَسَم هو تحدّي صدق ونزاهة مَن يَنطق به.

كما تَرَون، إنّ عادة القَسَم تلك هي نتيجة لعدم نزاهة الإنسان. وهذا خُزي للإنسان. خُزي مضاعَف، ذلك أنّ الإنسان غير نزيه حتّى في ذلك الأمر المخجِل الذي هو القَسَم، وبسخريّته من الله بنفس السهولة التي يَسخَر بها من القريب، يتوصّل إلى الحَنَث بالقسم بأعظم سهولة وأقصى سكون. وهل يمكن في ذلك أن يكون مخلوق أكثر خسّة مِن الحانِث باليمين؟ وذاك غالباً ما يَعمَد إلى صيغة مكرَّسة مقدَّسة، طالباً، بنتيجة ذلك، مشاركة وضمانة الله، أو يتذرّع بالعواطف الأثمن والأغلى: الأب، الأمّ، الزوجة، الأطفال، أمواته، حياته ذاتها وأعضائه الأكثر أهمّية التي يستَجلِبها للاستناد إليها في أقاويله الكاذبة، وبذلك يجعل قريبه يَثِق به. إذاً فهو يخدعه. إنّه مُنتَهِك للحُرُمات، سارق، خائن وقاتل. مَن؟ الله، لأنّه يَخلط الحقّ بسفالة أكاذيبه، ويَسخَر منه بالاستخفاف به: "اضربني، كَذِّبني لو استطعتَ. فأنتَ هناكَ وأنا هنا، وأَسخَر منكَ." نعم! اضحكوا، اضحكوا جيّداً أيّها الكَذَبَة والـمُتهكِّمون! ولكن سيأتي الوقت الذي لا تعودون تضحكون فيه، وسيكون ذلك عندما يَظهَر لكم الذي له كلّ سلطان مُريعاً بعَظَمَته، وبمظهره وحده سوف يجعلكم متنبِّهين، ويَصعَقكُم بمجرد نظرته، حتّى قبل أن يرمي صوته بكم إلى مصيركم الأزليّ لاعناً إيّاكم.

إنّه سارق، لأنّه يستولي على تقدير لا يستحقّه، يمنحه إيّاه القريب الذي استحوَذَ عليه بيمينه، وتتحوّل الحَيّة إلى زينة بظهورها في غير ما هي عليه. إنّه خائن غَدَّار، لأنّه بِقَسَمه يَعِد بما لا يريد الوفاء به. إنّه قاتل لأنّه، إن يكن قد قَتَلَ شَرَف شبيهه بانتزاعه منه بيمينه الكاذب احترام القريب، وإن لم يكن قد قَتَلَ نفسه، إذ إنّ الحانث باليمين هو خاطئ خسيس في عيني الله اللتين تَرَيان الحقيقة حتّى ولو لم يرها أحد سواه. فلا نخدعنّ الله لا بكلام كاذِب ولا بتصرّف مُنافِق. إنّه يَرَى. لا يغيب إنسان عن نَظَره لحظة. فليست هناك قِلاع ولا أقبية لا يَصِل نَظَره إلى أعماقها. حتّى أعماقكم الداخليّة، القلعة التي لدى كلّ إنسان حول قلبه، يَختَرِقها الله. ولا يُدينكم على إيمانكم، بل على أعمالكم.

إليكم لماذا أنا، بحسب الأمر الذي أُعطيَ، حينما وُضِعَ القَسَم موضع الاستخدام، ليَضَع حدّاً ويَكبَح الكَذِب وسهولة أن يَخلف المرء بوعده، أُبدِّله بأمر آخر. فلا أقول كما قيل قديماً: "لا تَحنثوا باليمين ولكن كونوا أوفياء لِقَسَمكم". بل إنما أقول لكم: "لا تُقسِموا أبداً، لا بالسماء عرش الله، ولا بالأرض موطئ قدميه، ولا بأورشليم وهيكلها موطِن الـمَلِك العظيم وبيت الربّ إلهكم".

لا تُقسِموا على أضرحة الأموات ولا بأرواحهم. فالقبور مُترَعَة ببقايا ما هو دُون في الإنسان، وما هو مُشْتَرَك مع البهائم. أمّا الأرواح فَدَعوها في مساكِنها. لا تجعلوها تتألّم وتُرَوَّع إذا كان الأمر يخصّ نفوس الأبرار التي أضحَت في حالة تَعَرُّف إلى الله. ولأنّ الأمر يعود إلى تَعَرُّف إلى الله أي إلى معرفة جزئيّة به، ذلك أنّهم، حتّى لحظة الفداء، لن يمتلكوا الله في ملء تألّقه، ولا يستطيعون إلّا أن يتألّموا من رؤيتكم خَطَأَة. وإذا لم يكونوا أبراراً، فلا تزيدوا عذابهم بتذكيرهم بخطيئتهم من خلال خطيئتكم. دعوا، دعوا الأموات القدّيسين في السلام، وغير القدّيسين في أَلَمهم. لا تنـزعوا شيئاً من الأَوَّلين، ولا تزيدوا شيئاً للآخرين. لماذا تنادون الأموات؟ لا يمكنهم الكلام. فالقدّيسون تمنعهم المحبّة من ذلك: لأنّه ينبغي لهم، في أغلب الأحيان، أن يُكذِّبوكم. والهالِكون، لأنّ جهنم لا تفتح أبوابها، ولأنّ الهالكين لا يَفتَحون أفواههم إلّا لِيَلعَنوا، ولأنّ كلّ صوت من أصواتهم مخنوق بحقد إبليس والشياطين، لأنّ الهالِكِين هم شياطين.

لا تَحلفوا برأس أبيكم ولا برأس أمّكم ولا برأس عروسكم ولا أولادكم ولا أولاد الأبرياء. لا حقّ لكم في ذلك. هل كانوا يوماً نقوداً أو سِلَعاً للسُّوق؟ هل هم توقيع على ورقة؟ إنّهم أكثر أو أقل من تلك الأشياء. إنّهم دم ولحم، دمكَ أيّها الإنسان، ولكنّهم كذلك أحرار، ولا يمكن استخدامهم كعبيد لضمان تزييف قمتَ أنتَ به. وهُم أقل مِن توقيعكَ، لأنّكَ عاقل، حُرّ وبالِغ السنّ، ولستَ قاصراً أو طفلاً غير مُطَّلِع، ولهذا السبب ينبغي أن يكون أهلك أولياء أمركَ. فأنتَ ما أنتَ عليه: إنسان موهوب بفكر، وبالتالي فأنتَ مسؤول عن أفعالكَ، وينبغي لكَ أن تتصرّف بنفسكَ، ضامناً أفعالكَ وكلامكَ بنـزاهتكَ وصدقكَ، والاعتبار الذي عَرفتَ أنتَ إيجاده لدى القريب، وليس بنـزاهة وصدق الأهل، والاعتبار الذي عَرفوا، هُم، إيجاده. هل الأهل مسؤولون عن أولادهم؟ نعم، إنّما طالما هُم صِغار السنّ. أمّا بعد ذلك فيصبح كلّ واحد مسؤول عن نفسه. أولاد الأبرار ليسوا أبراراً دائماً، وامرأة قدّيسة، لا تكون بالضرورة وعلى الدوام متزوّجة من رجل قدّيس. فلماذا تَبنون إذاً ضمانتكم على برّ قرينتكم؟ وبالمقابل، يمكن أن يُولَدَ لِخَاطِئ أبناءٌ قدّيسون، وطالما هُم بريئون، فَهُم جميعاً قدّيسون، فلماذا إذن اتّخاذ إنسان طاهِر وسيلة لضمان ذلك الفِعل النَّجِس الذي هو القَسَم الذي سوف يُحنَث به فيما بعد؟

لا تَحلفوا كذلك برأسكم وعينيكم ولسانكم ويديكم. لا حقّ لكم بذلك. كلّ ما هو لكم إنما هو مُلك لله. ولستم سوى حرّاس مؤقّتين على الكنوز المعنويّة أو الماديّة التي مَنَحَكم إيّاها الله. فلماذا التصرّف بما ليس لكم؟ هل يمكنكم إضافة شعرة لرأسكم أو تغيير لونها؟ إذا كنتم لا تستطيعون ذلك، فلماذا ضمان قَسَم أقسَمتموه بِنَظَركم، بكلمتكم، وحرّيّة أعضائكم؟ لا تَسخَروا مِن الله. إذ يمكنه أن يأخذ عليكم كلمتكم، ويجفّف عينيكم، كما يمكنه تجفيف أشجار بساتينكم، أو انتزاع أولادكم منكم، كما يستطيع اقتلاع بيوتكم ليذَكِّركم بأنّه هو الربّ، وأنّكم مِن ممتلكاته، ومَلعون كلّ مَن يَعبد ذاته لدرجة أن يَعتَبِر نفسه أسمى من الله بالسخرية منه بالكَذِب.

ليكن كلامكم: النَّعَم، نَعَم، والّلا لا. وكل ما زاد على ذلك فهو مِن إبليس، ليَسخَر منكم فيما بعد، لأنّكم، في حال عدم تمكّنكم من الوفاء، تَقَعون في الكَذِب، ويَسخَرون منكم، وتُكَوِّنون لنفسكم صيت كاذِبِين. الصدق الصدق أيّها الأبناء، إنْ بالكلام وإنْ بالصلاة.

إيّاكم أن تَفعلوا كالمرائين، حينما يُصَلّون، يُحيُون الصلاة قياماً في المجامع ومُلتَقَى الطُّرُقات، ليراهم الناس ويمدحوهم كرجال أتقياء وبَرَرَة، وعندما يكونون وسط عائلاتهم يسيئون إلى الله وإلى القريب. أفلا تَرَون بالمقابل أنّ هذا هو نوع مِن الحَنَث بالقَسَم؟ لماذا تريدون الجزم بما ليس صحيحاً بهدف اكتساب اعتبار لا تستحقّونه؟ الصلاة النفاقيّة تَفتَرِض القول: "في الحقيقة أنا قدّيس. أُقسِم على ذلك بعيون الذين يَرَونَني أُصلّي ولا يستطيعون تكذيب أنّهم رأوني أُصلّي". إنْ ذلك إلّا ستار يُحجَب به شرّ حقيقيّ. والصلاة التي تُقام بهذه النيّة تصبح تَجديفاً.

دعوا لله العناية بإعلانكم قدّيسين. واجعَلوا حياتكم كلّها تَهتف مِن أجلكم: "هو ذا خادم الله". ولكن أنتم، محبّة بأنفسكم، ورفقاً بها، ظَلّوا صامتين. لا تجعلوا مِن لسانكم، المدفوع بكبريائكم، أداة شكّ في عيون الملائكة. فالأفضل لكم أن تُصبِحوا بُكماً في الحال إذا لم تكن لكم المقدرة على السيطرة على كبريائكم ولسانكم اللَّذَين يدفعانكم إلى إعلان ذواتكم أبراراً ومقبولين لدى الله. دعوا للناس المتكبِّرين والمزيَّفين هذا المجد البائس! دعوا لهم ذلك الأجر العابر. يا للأجر الضئيل! ولكنّه هو الـمُراد، ولن يكون لهم غيره، لأنّ الأجر يُعطى مرّة واحدة. أمّا الأجر الحقيقيّ الآتي من السماء، فهو أزليّ وعادل، وأمّا هذا الأجر الزائف الآتي من الأرض فيدوم قَدر عمر الإنسان وحتّى أقلّ، ويجب بعدئذ تسديده، كونه جائراً، بعد الحياة الدنيا، بعقاب مُذِلّ جداً.

اسمَعوا. كما أنّه ينبغي لكم أن تُصَلّوا بشفاهكم، بعملكم، وبكلّ كيانكم، باندفاع قلب يحبّ الله، نعم، وأنتم ترون فيه أباً، كذلك عليكم أن تتذكّروا أنّه الخالق، وأنتم أنفسكم خليقته، أنتم قلب يحفظ ذاته بحبّ وَقور في حضرة الله على الدوام، سواء أكان يُصلّي أم يهتمّ ببعض الأعمال، سواء أيمشي أم يستريح، سواء أيقبَض أجراً أم يَدفَع الأجر لآخَر. قُلتُ باندفاع القلب. ذلك أنّه الصفة الأولى والأساسيّة، إذ إنّ كلّ شيء ينبع من القلب. وكما يكون القلب كذا يكون الفكر والكلام والنَّظَر والفِعل.

فَمِن قلبه يَجني البارُّ الخيرَ، وكلّما جنى أكثر كلما وَجَدَ أكثر، إذ إنّ الخير الذي تفعل يُوَلِّد خيراً جديداً. إنّه كالدم الذي يتجدّد أثناء دورته في الأوعية الدمويّة ليعود إلى القلب مزوَّداً دائماً بعناصر جديدة، آتية مِن الأوكسيجين الذي امتصَّه، أو مِن عصارات الأغذية التي تمثّلها. أمّا الإنسان المنحرف، فعلى العكس، لا يمكنه أن يحصل مِن قلبه المظلم والمفعم كذباً وسمّاً إلّا على كذب وسمّ يتزايدان باستمرار، متقويّين بالأخطاء التي يجعلانها تتراكم كما تتراكم بَرَكات الله على مَن كان صالحاً. ثِقوا تماماً أن مِن فيض ما في القلب تتكلّم الشفاه ويَظهَر في الأفعال.

ليكن قلبكم متواضعاً وطاهراً، محبّاً وواثقاً وصادقاً. أحِبّوا الله كحبّ عذراء عفيف لعروسها. الحقّ أقول لكم: كلّ نفس هي عذراء زُفَّت إلى الخطيب الأزليّ، إلى الله ربنا. حياة الأرض هي زمن الخطوبة، حيث الملاك الممنوح لكلّ إنسان، كحارس له، هو شِبه حوريّة روحيّة، كلّ الأوقات، كلّ الطوارئ في الحياة هي جميعاً خادمات تهيّئ جهاز العروس الزفافيّ. ساعة الموت هي ساعة إتمام حفل الزفاف، حينئذ تأتي: المعرفة والعفاف والانصهار، ومتزيّنة بثوب العروس، يمكن للنَّفْس نزع وشاحها والارتماء بين ذراعي الله دون أن يكون حبّ العروس ذاك سبباً لشكّ الآخرين.

ولكن، في الوقت الحاضر، ما زلتم نفوساً مكرَّسة برباط الخطوبة مع الله. عندما تَودُّون الحديث مع العروس، ادخلوا في سلام مسكنكم الداخليّ وتحدّثوا، وملاككم الحارس يؤازر ملاك الجسد، وتحدّثوا إلى مَلِك الملائكة. تحدّثوا إلى أبيكم في سرّ قلبكم وسرّ مسكنكم الداخليّ. دعوا خارجاً كلّ ما هو لهذا العالم: إنْ يكن هَوَس لَفت الأنظار إليكم، وإن يكن هَوَس أن تكونوا قُدوة، أو تورّع الصلوات الطويلة المترعة كلاماً، الرتيبة، الفاترة، والخالية من الحبّ. حُبّاً بالله! تخلَّصوا مِن المعايير في الصلاة. في الحقيقة يقضي أشخاص كثيرون ساعات وساعات في مُنُولوج تُردِّده الشفاه فقط. إنّها مناجاة فرديّة حقيقيّة، إذ إن الملاك الحارس نفسه لا يسمعها لكونها ضوضاء باطِلة، يُحاوِل معالَجَتها بأن يَغرَق في صلاة حارّة مِن أجل ذاك السطحيّ المكلّف بحراسته. في الحقيقة، هناك أشخاص لا يَستَخدِمون تلك الساعات بطريقة أخرى، حتى ولو ظَهَرَ لهم الله ذاته ليقول: "خلاص العالم يتطلّب أن تتركوا هذه الثرثرة التي بلا روح، للذهاب، بكلّ بساطة، لسحب الماء مِن البئر وسقاية الأرض حُبّاً بي وبأخوتكم الذين يشبهونكم". في الحقيقة، هناك أشخاص يَعتَقِدون أنّ مونولجهم أكثر أهمّية من استقبال زائر بكياسة، أو نجدة مُحِبّة لمحتاج. فتلك النفوس قد وَقَعَت في عبادة الصَّلاة.

الصلاة فِعل حبّ. فيمكنكم الحبّ وأنتم تصنعون الخير تماماً كما وأنتم تُصلّون، بمساعدة عاجز كما في التأمّل، في الاهتمام بواجبات عائليّة كما في رحلة حجّ إلى الهيكل، في التضحية، حتّى برغباتنا البارّة في التأمّل بالربّ كما في ذبيحة حَمَل. يكفي طَبع الكيان كلّه والنشاط كلّه بطابع الحبّ. لا تخافوا! فالآب يرى. الآب يُدرِك. الآب يَسمَع. الله يَمنَح اللّازم. كَمْ مِن النِّعم يمنحها لِزَفرة حبّ واحدة، وحقيقيّة وكاملة! لا تُشبِهوا الوثنيّين. فالله لا يحتاج لأن تقولوا له ما ينبغي له فِعله، لأنّكم في حاجة إليه. فذلك، حتّى الوثنيّون يمكنهم قوله لأصنامهم التي لا يمكنها سماعه. ولكن لا تتصرّفوا هكذا مع الله، مع الله الحقيقيّ، الروحيّ، الذي ليس فقط إلهاً ومَلِكاً، بل هو كذلك أبوكم، ويَعرِف قبل أن تسألوه ما أنتم في حاجة إليه.

اطلُبوا تُعطَوا. ابحثوا تَجِدوا. اقرَعوا يُفتَح لكم. مَن يَسأل يُعطَ، ومن يبحث يَجِد، ومَن يَقرَع الباب يُفتَح له. عندما يمدّ طفل يده الصغيرة قائلاً: "أبتاه أنا جائع". هل فيكم مَن يُعطيه حجراً مثلاً؟ وإذا سَأَلَ سمكة، فهل مَن يُعطيه حَيَّة؟ لا، بكل تأكيد، بل مع إعطاء الخبز والسمك تُضيفُون ملاطَفة وبَركة، ذلك أنّه ممتع للأب أن يُغذّي ابنه ويرى ابتسامته السعيدة. فإذا كنتم أنتم أصحاب القلوب غير الكاملة، تعرفون كيف تعطون أبناءكم الأشياء الصالحة، لمجرّد الحبّ الطبيعيّ الذي هو لدى الحيوان كذلك تجاه صغاره، فكم بالأحرى أبوكم السماويّ يَمنَح الذين يسألونه الصالح والضروريّ لخيرهم. لا تَخشوا مِن السؤال، ولا تخافوا مِن ألّا تَنالوا!

آنئذ أُحذِّركم مِن خطأ يَسهُل الوقوع فيه. حينئذ لا تفعلوا كالضعفاء في إيمانهم وحبّهم، وثنيّي الديانة الحقيقيّة. بالفعل، بين المؤمنين هناك وثنيّون، ديانتهم المسكينة هي مجرّد مجموعة مُزدَحِمة مِن خُرافات وإيمان، صَرحٌ مٌتداعٍ اجتاحَته نباتات طفيليّة من كلّ الأنواع، بشكل يجعله يتفتّت ويقع متهدّماً. هؤلاء الناس الضعفاء والوثنيّون يحسّون بالإيمان يموت إذا لم يروا أنفسهم مستجاباً لهم.

أنتم تسألون. ويبدو لكم الطَّلَب عادلاً. بالفعل، في تلك الأثناء لا تكون النِّعمة غير مجدية. ولكنّ الحياة لا تنتهي مع تلك اللحظة. وما هو خير اليوم قد لا يكون كذلك غداً. هذا لا تعرفونه لأنّكم لا تعرفون سوى اللحظة الحاضرة، وهذا أيضاً نِعمة مِن الله. ولكنّ الله يَعلَم المستقبل أيضاً، وغالباً ما يَترُك صلاة مِن غير استجابة ليُجنِّبكم معاناة أعظَم. خلال عام من حياتي العامة سَمِعتُ أكثر مِن مرّة قلوباً تئنّ: "كم تألّمتُ حين لم يَستَمِع الله إليَّ. لكنّني الآن أقول: حسناً كان هكذا، إذ إن تلك النِّعمة كانت ستمنعني من الوصول إلى ساعة الله هذه". وسَمِعتُ قلوباً أخرى كانت تقول لي: "لماذا، يا سيّد، لا تستجيب لي؟ تمنح ذلك للآخرين ولا تمنحه لي؟" حينئذ، ولألمي مِن رؤيتهم يتألّمون، كان عليَّ أن أقول: "لا أستطيع". إذ إنّ الاستجابة لهم كانت ستعني إعاقة طيرانهم نحو الحياة الكاملة.

الأب كذلك يقول أحياناً: "لا أستطيع". وهذا لا يعني أنّه لا يستطيع إتمام الفِعل فوراً. ولكنّه يرفض ذلك لِعِلمه بالنتائج المستقبليّة. اسمعوا. طفل يعاني من مرض في أمعائه. لَجَأَت الأمّ إلى الطبيب، والطبيب قال: "لكي يَبرَأ عليه الالتزام بِحِمية مُطلَقَة". يبكي الطفل، يَصرُخ، يَتضرَّع ويبدو أنّه يَضعُف. والأُمّ الـمُفعَمَة رحمة على الدوام، تضمّ نحيبها إلى نحيب ابنها. ويبدو لها هذا المنع الـمُطلَق قسوة مِن قِبَل الطبيب. يبدو لها أنّ ذلك الصيام وتلك الدموع تؤذي وَلَدها. ولكن الطبيب يبقى صارماً، ثابتاً. وفي النهاية يقول: "يا امرأة، أنا أَعلَم وأنتِ لا تعلمين. هل تريدين أن تفقدي ولدكِ أَمْ تريدينني أن أنقذه لكِ؟" فتصرخ الأم:"أريده أن يعيش!". "وإذن". يقول الطبيب: "لا أستطيع أن أسمح بالطعام لأنّ به يكون موته". فهكذا يتكلّم الآب أحياناً. أنتم أمّهات مُفعَمات رحمة للأنا فيكم، لا تريدون سماعها تبكي لحجب نِعمة عنها. ولكنّ الله يقول: "لا أستطيع، ففي ذلك شقاؤكِ". ويأتي يوم أو الأزليّة، حيث يُقال: "شكراً يا إلهي لعدم استماعكَ لِطَلَبي الأحمق وتلبيتكَ له!"

ما قُلتُه عن الصلاة، أقولُه عن الصوم. عندما تصومون، لا تَعبسوا كما يفعل المنافقون الذين يُكلِّحون وجوههم ليَعلَم العالم ويعتقد، حتّى ولو لم يكن ذلك صحيحاً، أنّهم صائمون. فَهُم كذلك نالوا أجرهم بمديح العالم، ولن يكون لهم أجر آخر. أمّا أنتم، عندما تصومون، فلتنفَرِج أساريركم ولتَغسلوا وجوهكم بمياه كثيرة لتبدو نَضِرَة وملساء، وادهنوا لحيتكم بالزيت، وعَطِّروا شَعركم، ولتكن الابتسامة على شفاهكم ابتسامة مَن فَطر جيداً. آه! وليكن، في الحقيقة، الحبّ هو الذي يقوم بتغذيتكم أكثر من الطعام! الحقّ أقول لكم، حتّى ولو عامَلَكُم العالم "كمتفاخِرين مغرورين" و"كعشّارين"، فإنّ أباكم سيرى سرّكم البطوليّ، ويجازيكم ضعف المكافأة، مِن أجل الصوم ومن أجل التضحية بالمديح الذي كان بإمكانكم الحصول عليه.

الآن وقد تَغذَّت نفسكم، امضوا لتَمنَحوا الغذاء لجسدكم. وليبقَ هذان المسكينان معنا. سيكونان الضيفين المباركين اللذين سيمنحان قوْتَنا طعمه اللذيذ. السلام معكم.»

ويبقى الفقيران. امرأة نحيلة جدّاً وشيخ عجوز، عجوز جدّاً. ولكنّهما ليسا معاً. لقد اجتَمَعا بالصدفة وكانا قد بقيا في أحد الأركان متواضِعَين، مادَّين يديهما بلا جدوى للمارِّين أمامهما.

ولأنّهما لا يجرؤان على التقدّم، يمضي يسوع إليهما، ويأخذهما من يديهما ويقودهما إلى وسط جمهور التلاميذ المتواجدين تحت شكل من أشكال الخيمة نَصَبَها بطرس في إحدى الزوايا، قد يكونون يجتمعون تحتها ليلاً، أو خلال ساعات اليوم الأكثر حرارة. إنّها خيمة من أغصان و... معاطِف. ولكنّها مفيدة رغم كونها منخفضة، حتّى إن يسوع والاسخريوطيّ، الاثنين الأكثر طولاً، يُضطرّان للانحناء كي يَدخُلا.

«هو ذا الأب، وهذه أخت. هاتوا ما لدينا، وأثناء تناول طعامنا سنستمع إلى قصّتهما.» ويَخدم يسوع شخصيّاً الفقيرَين الخَجِلَين، ويستمع إلى القصّة المثيرة للرثاء. العجوز وحيد مذ ذَهَبَت ابنته بعيداً، مع زوجها، ونَسِيَت أباها. والمرأة كذلك وحيدة مذ قَتَلَت الحمّى زوجها، وفضلاً عن ذلك هي مريضة.

«يحتقرنا العالم لأنّنا فقراء.» يقول العجوز. «أمضي طالباً الصَّدَقَة لأجمع ما أُتمّ به الفصح. عمري ثمانون عاماً. أؤدّي الفصح على الدوام، وهذا قد يكون الأخير. ولكنّني أودّ المضي إلى حضن إبراهيم دون أيّ تأنيب. آمَلاً أن يُغفَر لي بالطريقة نفسها التي أغفِر بها لابنتي. أريد إتمام الفصح.»

«ولكنّ الطريق طويلة يا أبتاه.»

«وطريق السماء تكون أطول إن لم نُتِمّ الطقس.»

«أتسير وحيداً؟ وإذا ما ألمَّ بِكَ مَرَض على الطريق؟»

«ملاك الله يُغمض لي عيني.»

يُلامِس يسوع تحبّباً رأسه المرتَجِف والأبيض، ويسأل المرأة: «وأنتِ؟»

«إنّني أمضي بحثاً عن عَمَل. لو كنتُ تغذّيتُ بشكل أفضل، لشفيتُ مِن الحمّى، ولو كنتُ شفيتُ لكنتُ أعمل في الحقول.»

«أتعتقدين أنّ الغذاء وحده يشفيكِ؟»

«لا. أنتَ كذلك. ولكنّني شيء تافه، شيء مسكين جدّاً، أكثر تفاهة من إمكانيّة طَلَب الرحمة.»

«ولو شَفَيتُكِ ماذا كنتِ ستطلبين بعد؟»

«لا شيء أكثر. كنتُ حصلتُ على أكثر مما كنتُ أتأمّل.»

يبتسم يسوع ويعطيها قطعة خبز مبلّلة بقليل من الماء والخلّ المستخدم كمشروب. تأكلها المرأة دون كلام، ويستمرّ يسوع في الابتسام.

ينتهي تناول الطعام بسرعة. لقد كان متقشّفاً جدّاً! يمضي الرُّسُل والتلاميذ بحثاً عن ظلّ على المنحدرات، وسط الأدغال. يبقى يسوع تحت الخيمة. يتمدّد العجوز على العشب وينام من التعب.

بعد قليل، المرأة التي كانت قد ابتعدت لتأخذ قسطاً من الراحة في الظلّ تأتي إلى يسوع الذي يبتسم لها ليشجعها. تتقدّم خَجِلَة ولكنّها مع ذلك فَرِحَة، حتّى تصل إلى موقع قريب من الخيمة، ثمّ، إذ كان الفرح قد سيطَرَ عليها، تخطو الخطوات الأخيرة مسرعة لترتمي جاثية وهي تصرخ صرخة مَخنوقة: «لقد شفيتَني! مبارك أنتَ! إنّها ساعة الارتعاش الأعظميّ، لم أعد اشعر به... آه!» وتُقبِّل قدمي يسوع.

«هل أنتِ متأكّدة من شفائكِ؟ أنا لم أقل ذلك. لعلّها تكون صدفة...»

«آه! لا! الآن أدركتُ سبب ابتسامتكَ عندما أعطيتَني قطعة الخبز تلك. قُدرَتكَ اخترَقَت أعماقي مع تلك اللقمة. ليس لديّ ما أعطيكه بالمقابل، لا شيء سوى قلبي. أَصدِر أوامركَ لخادمتكَ، وخادمتكَ ستطيعكَ حتّى الممات.»

«نَعَم. أترين ذلك العجوز؟ إنّه وحيد وبارّ. لقد كان لكِ زوج انتَزَعَه منكِ الموت. وكانت له ابنة، انتَزَعَتها منه الأنانيّة. ومع ذلك فهو لا يتذمّر. وليس من العدل أن يمضي وحيداً إلى ساعته الأخيرة. فكوني له الابنة.»

«نعم يا سيدي.»

«ولكنّ ذلك يعني أن تعملي من أجل اثنين.»

«الآن أنا قويّة، وسأفعل ذلك.»

«إذاً فاذهبي هناك على ذاك المنحدر، وقولي للرجل الذي يرتاح فيه ، لذاك الذي يرتدي الثوب الشتويّ أن يأتي لمقابلتي.»

تمضي المرأة مسرعة لتعود مع سمعان الغيور.

«تعال يا سمعان، لديَّ ما أقوله لكَ. انتَظِري يا امرأة.»

يبتعد يسوع لبضعة أمتار.

«هل تظنّ أن لدى لعازر صعوبة في تَقَبُّل عامِلة إضافيّة؟»

«لعازر؟ أظنّه لا يَعرِف كَم لديه من الخُدّام. فواحد زيادة أو نقصان!... ولكن مَن تكون؟»

«تلك المرأة. لقد شَفَيتُها، و...»

يكفي يا معلم، إذا شَفَيتَها فهذه إشارة إلى أنّكَ تحبّها. وكلّ ما ومَن تحبّه أنتَ فهو مقدّس لدى لعازر. أنا أكفَلهُ.»

«صحيح. كلّ ما ومَن أحبّه يكون مقدَّساً لدى لعازر. حسناً قلتَ. ولهذا السبب سيصبح لعازر قدّيساً، إذ إنّ حُبَّه لِما أُحبُّه أنا يجعله يحبّ الكمال. أودّ أن أجعل ذلك العجوز وتلك المرأة يَجتَمِعان، وأن أجعل ذلك الشيخ يَحتَفِل بفصحه الأخير بِفَرَح. أُحبُّ كثيراً الشيوخ القدّيسين، وإذا استطعت منحهم غروباً صافياً أكون سعيداً.»

«تحب كذلك الأطفال...»

«نعم، والمرضى...»

«والباكين...»

«والوحيدين...»

«آه! يا لمعلّمي! ولكن ألستَ تُلاحِظ أنّكَ تحبّ كلّ الناس حتّى أعداءكَ؟»

«لا أنتبه لذلك، يا سمعان. فالحبّ طبيعي هو. ها هو ذا الشيخ يستيقظ. هيّا بنا نقول له إنّه سَيُعَيِّد الفصح وإلى جانبه ابنة وأنّه لن ينقصه القُوت.»

يَعودَان إلى الخيمة حيث تنتظرهما المرأة، ويمضون هُم الثلاثة إلى العجوز الجالس الذي يعيد ربط سِير حذائه.

«ماذا تفعل يا أبتاه؟»

أُعاوِد النـزول إلى الوادي بأمل إيجاد مأوى لليل، وغداً سوف أتسوّل على الطريق، ثمّ... رويداً رويداً... خلال شهر، إذا لم أمت فسأكون في الهيكل.»

«لا.»

«ألا ينبغي لي فِعل ذلك؟ لماذا؟»

«لأنّ الله لا يريد ذلك. لن تذهب وحدكَ. ستأتي هذه المرأة معكَ. ستقودكَ حيث أقول لها، وهناك سوف تُستَقبلان حُبَّاً بي. سوف تُعيِّد الفصح، ولكن دون أن تُرهِق نفسكَ. لقد حَمَلتَ صليبكَ أيّها الأب. أَنزِله الآن، واخْتَلِ بنفسكَ في صلاة شكر لله.»

«ولكن لماذا؟... ولكن لماذا؟... أنا... أنا لا أستحقّ كلّ ذلك... أنتَ... ابنة... هذا أكثر ممّا لو كنتَ مَنَحتَني عشرين سنة... وأين، أين تُرسِلني؟» يبكي الرجل العجوز في دَغل لحيته الطويلة.

«لدى لعازر تيوفيلس. لا أدري إذا ما كنتَ تَعرفه.»

«آه! إنّني مِن تخوم سورية وأتذكّر تيوفيلس... ولكن... لكن... آه! يا للابن المبارَك لله، دعني أبارككَ.»

ويسوع، جالساً على العشب كما هو، في مواجهة العجوز، ينحني حقيقة ليَسمَح له بأن يضع يده على رأسه بمهابة. وبصوت كالرعد، بصوته الأجش كعجوز، يَنطُق بالبَرَكَة القديمة: «ليبارككَ الربّ ويحفظكَ. وليُظهِر لكَ الربّ وجهه ويرحمكَ. وليُحوّل الربّ نَظَرَه إليكَ ويمنحكَ سلامه.»

يسوع وسمعان والمرأة يجيبون معاً :«آمين.»


19
تمهيد: في هذا القسم يتحدث الله عن قديسيه وعن الانبياء الكذبة كذلك يتكلم عن وصية العين بالعين والسن بالسن.

الجزء الثالث / القسم الأول

31- (العِظَة على الجبل: "التطويبات II")

25 / 05 / 1945

ما زال المكان ذاته والزمان ذاته. والحشد كذلك، إنّما أكثر عدداً. في أحد الأركان، بالقرب مِن عرقوب، هناك أحد الرومانيّين، يَستَمِع كما لو كان يريد ذلك إنّما دون التسبّب في عداء الجمهور، أَتعرَّف عليه من ثوبه القصير ومعطفه المختلف. إيتيان وحرماس ما يزالان هناك.

يعود يسوع إلى مكانه ببطء ويعاود الكلام.

«لِما قُلتُه في الأمس، ينبغي لكم ألاّ تُفكِّروا بأنّني إنّما أتيتُ لِأُبطِل الشريعة. لا. فقط باعتباري ابن الإنسان وأُدرِك مواطن ضعف الإنسان، أردتُ تشجيعكم وحثّكم على اتِّباعها مُوجِّهاً نظركم الروحيّ، ليس صوب الهوّة المظلِمة، بل صوب الغور المضيء. لأنّه، إذا كان الخوف من العقاب يمكنه أن يَضبط بنسبة ثلاثة إلى عشرة، فالتأكّد مِن الثواب يمنحكم الدفع بنسبة سبعة إلى عشرة. فالثقة إذاً أكثر فعاليّة من الخوف. وأريدها أن تكون لكم كاملة ومؤكَّدَة، لتتمكّنوا من تحقيق ليس سبعة أجزاء من عشرة من الخير، إنّما عشرة أجزاء من عشرة، واكتساب ذلك الثواب الكلّيّ القداسة الذي هو السماء.

لستُ أُغيِّر حرفاً من الشريعة. ومَن الذي أعطاها وَسط الصواعق في سيناء؟ العلي.

مَن هو العليّ؟ الله الواحد والثالوث.

مِن أين أَخَذَها؟ مِن فِكره.

كيف أعطاها؟ بِكَلِمته.

لماذا أعطاها؟ بسبب حبّه. تَرَون إذاً أنّ الثالوث كان حاضراً. والكَلِمَة، المطيع، كما على الدوام للفكر والحبّ، تكلَّمَ باسم الفكر والحبّ.

هل يمكنني تكذيب نفسي؟ لا. لا يمكنني ذلك. ولكنّني أستطيع، لأنّني قادر على كلّ شيء، إتمام الشريعة، جَعلها كاملة بشكل إلهيّ، ليس كما جَعَلَها الناس الذين جَعَلوها على مرّ العصور، لا كاملة، بل فقط لا يمكن فكّ رموزها، وغير قابلة للتنفيذ، بأن كَدَّسوا عليها شرائع وأنظمة، وأنظمة وتشريعات، مستَنبَطَة مِن فكرهم، بما يتماشى مع مصالحهم بشكل يؤدّي إلى رجم وخنق، بل إلى دفن الشريعة المعطاة مِن الله وجعلها عقيمة. هل يمكن لنبتة أن تستمرّ في النموّ إذا ما اجتاحَتها بشكل متواصل الانهيارات والأنقاض والفيضانات؟ لا. بل تموت النبتة. كما ماتت الشريعة في قلوب الكثيرين، مُختَنِقة تحت انهيارات الكثير من التراكمات والإضافات. وها قد أتيتُ لأنزعها كلّها، والشريعة حالما تَخرُج مِن القبر، حالما تَنبَعِث، ستراني أجعل منها ليس فقط شريعة، بل مَلِكَة.

الـمَلِكات هُنَّ اللواتي يُصدِرن الشرائع. التشريعات عَمَل الـمَلِكات. وأنا على العكس، أجعل مِن الشريعة مَلِكَة: أُتمّمها، أُتوِّجها بوضع إكليل المشورات الإنجيليّة على رأسها. في السابق كان إصدار الأمر. الآن أكثر من الأمر. في السابق كان المحَتَّم، والآن أكثر مِن المحَتَّم. الآن هو الكمال. من يلتزم بالشريعة كما أُعطيكُموها، فهو الآن مَلِك، لأنّه أَدْرَكَ "الكمال"، ذلك أنّه لم يكن طائعاً فقط، ولكنّه بطوليّ، يعني قدّيس. فالقداسة هي مجموع الفضائل محمولة إلى أعلى قمّة يمكن الإنسان بلوغها، فضائل محبوبة ببطولة، ومخدومة بالتجرّد الكامل مِن كلّ ما هو توق أو إمعان بشريّ لأيّ شيء كان. ويمكنني القول إنّ القدّيس هو مَن يتناقَض لديه الحبّ مع الشهوة، مِن أيّة وِجهة ليست الله. وذلك بعدم كونه شارد الذهن في وجهات دنيا، وبكون عيني قلبه ثابِتَتَين على التألّق الكلّيّ القداسة الذي هو الله، وفيه يَرَى، لأنّ في الله كلّ شيء، يَرَى الإخوة الذين يَضطَرِبون ويمدّون أيديهم المتوسِّلة، ودون أن يشيح بعينيه عن الله، يَفتَح قلبه لإخوته المتوسِّلين. وضدّ الجسد، ضدّ الثروات، ضدّ الرَّفاه، ينتَصِب مَثَله الأعلى: الخدمة. هل القدّيس كائن مسكين؟ أهو كائن مَنقوص؟ لا. بل هو قد توصَّلَ إلى امتلاك الحكمة الحقيقيّة والغنى الحقيقيّ. إنّه إذن يمتلك كلّ شيء. ولا يحسّ بالتعب، لأنّه إذا كان حقيقيّاً أنّه لا يَكفّ عن الإنتاج، فهو حقيقيّ كذلك أنّه لا يَكفّ عن التغذية. لأنّه إذا كان حقيقيّاً أنّه يُدرِك ألم العالم، فهو حقيقيّ أيضاً أنّه يتغذى مِن فَرَح السماء. فَمِن الله يأتيه غذاؤه، وفي الله فرحه. إنّه الإنسان الذي فَهِم معنى الحياة.

كما تَرَون، فأنا لا أُبدِّل ولا أُنقِص الشريعة، كما لا أُفسِدها بأن أُكدِّس عليها نظريّات بشريّة تتخمّر على الدوام. بل أنا أُتمِّها. إنّها على وضعها، وستبقى هكذا حتّى آخر الأزمنة، دون أن تتغيّر كلمة واحدة ولا حذف وصيّة واحدة. ولكنّها ستكون مكلَّلَة بالكمال. للحصول على الخلاص يكفي قبولها كما أُعطِيَت. للاتّحاد بالله مباشرة يجب أن تُعاش بالأسلوب الذي أَنصَح به. ولكن بما أنّ الأبطال هُم استثناء، فسأتّحدث إلى النُّفوس العاديّة، إلى الأغلبيّة من النُّفوس، لكيلا يُقال إنّه، بغية طَلَب الكمال، فقد أَبقَى الضروريّ مجهولاً. حينئذ، احفَظوا جيّداً هذا الذي أقوله لكم: مَن يسمح لنفسه بانتهاك إحدى أصغر تلك الوصايا، فسوف يُعتَبَر الأصغر في ملكوت السماوات. ومَن يَجعَل غيره يَنتَهِكها، يُعتَبَر الأكثر صغراً مِن أجل ذاته ومن أجل الذين جَعَلَهم يَنتَهِكونها. وعلى العكس، فإنّ مَن يحثّ الآخرين على طاعتها بحياته وبأفعاله أكثر من أقواله، فهذا يُعتَبَر عظيماً في ملكوت السماوات، وتتعاظم عَظَمَته مِن أجل كلّ واحد مِن الذين حَمَلَهُم على الطاعة وعلى التَقَدُّس بتلك الطريقة. أعرف أن ما سوف أقوله سيكون غير مقبول مِن قِبَل عدد كبير. ولكنّني لا أستطيع الكذب حتى ولو كانت الحقيقة التي سأقولها ستخلق لي الأعداء.

الحقّ أقول لكم، إنْ لم يَعُد برّكم ليولَدَ مِن جديد، مُتجَرِّداً تماماً من ذلك الشيء المسكين الذي سُمّي ظلماً "البرّ"، ذاك الذي للكَتَبَة والفرّيسيّين، إن لم تكونوا بحقّ أكثر برّاً من الفرّيسيّين والكَتَبَة الذين يعتقدون أنفسهم كذلك، بتكديسهم الصِّيَغ إنّما دون تغيير أرواحهم بعمق، فلن تَدخُلوا ملكوت السماوات.

احذَروا مِن الأنبياء الكَذَبَة الذين يُعَلِّمون الغَلَط. يأتونكم كالحِملان وهُم ذِئاب خاطِفة. يأتونكم بمَظهَر مِن القداسة ويَسخَرون مِن الله. يَدَّعُون حبّ الحقّ ويتغذّون على الكذب. ادرُسوهم قبل اتِّباعِهم.

للإنسان لسان للكلام، وعينان للنَّظَر ويدان للقيام بالحركات. إنّما هناك شيء آخر يَشهَد أكثر وبحقّ على ما هو في الحقيقة: أفعاله. ماذا تريدون مِن يدين مضمومتين للصلاة أن تكونا، إذا كان الإنسان بعد ذلك سارقاً وفاسقاً؟ ومِن عينين أن تكونا، إذا كانتا، وهما تريدان التظاهُر بالإلهام، تتلوَّيان في كلّ الجهات، وبعد ذلك، في حال انتهاء زمن الكوميديا، تَستَمتِعان بالنَّظَر بلهفة إلى المرأة، أو بالعَدْو في رغبة عارمة مِن الفِسق والإجرام؟ وماذا تريدون مِن لسان يَعرِف أن يُرتِّل أناشيد التسبيح الكاذبة، ويُغري بالكلام المعسول، بينما بعدئذ يفتري عليكم ويستَغيبكم، وهو قادر على أن يَحلِف كَذِباً ليحوّلكم إلى أناس حقيرين؟ ماذا يكون اللسان الذي يتلو صلوات نِفاقيّة طويلة، ويمضي بعد ذلك لقتل سمعة وتلويث صِيت القريب أو تضليل نيّته الحسنة؟ إنّه ممقوت! ممقوتة هي العيون والأيدي التي تكذب. ولكن أفعال الإنسان، الأفعال الحقيقيّة، أي أسلوبه في التصرّف ضمن العائلة، في التجارة وتجاه القريب والخُدَّام، هي التي تشهد: "هذا خادم الربّ". إذ إنّ الأفعال المقدَّسة هي ثمرة ديانة حقيقيّة.

الشجرة الطيّبة لا تَطرَح ثماراً فاسدة، والشجرة الفاسدة لا تُثمِر ثماراً طيّبة. هل يمكن للعوسج الشائك أن يَطرَح عِنباً لذيذاً؟ والعلّيق الأكثر شوكاً، هل يمكنه طرح تين شهيّ؟ لا، في الحقيقة إنّكم لا تجنون مِن الأولى سوى بعض التوت المقبول بعض الشيء، وتلك الثمار التي تطرحها الزهرات الشائكة غير صالحة للأكل، رغم كونها زهرات. والإنسان غير البارّ، الظالم، يمكن لمظهره أن يوحي بالاحترام، إنّما بذلك فقط. حتى ذلك العلّيق الريشيّ، فإنّه يبدو كباقة مِن خيوط الفضّة الناعمة جدّاً وقد رَصَّعَها الندى بالماس. ولكن، لو لمستموه، بغفلة منكم، لوجدتم أنّ تلك الباقة ليست سوى كتلة شائكة تسبّب لكم الألم، وهي ضارّة بالنِّعاج. وكذلك الرُّعاة يَنتَزِعونها ويرمونها في النار المتأجّجة أثناء الليل، حتّى لا تَفلِت البذور من الهلاك. مقياس مُناسِب للتبصّر والاحتراز. أنا، لا أقول لكم: "اقتُلوا الأنبياء الكَذَبَة والمؤمنين المنافِقين". على العكس، أنا أقول لكم: "دعوا المهمّة لله". ولكنّني أقول لكم: "تنبّهوا، ابتعدوا عنهم لكيلا تَتَسَمَّموا بعصارتهم".

كيف ينبغي أن يُحَبَّ الله، قُلتُ ذلك في الأمس. وأُصرُّ على الأسلوب الذي ينبغي أن نحبّ به القريب.

قديماً قيل: "أحبِب صديقكَ واكرَه عدوّكَ". لا. لا، ليس كذلك. كان يَصلح هذا في الأزمنة التي لم يكن الإنسان فيها قد حَصَلَ على التعزية من ابتسامة الله. أمّا الآن، فلقد حَلَّت أزمِنة حديثة، أزمِنة أحَبَّ الله الإنسان فيها كثيراً، حتّى إنّه أرسَلَ له كَلِمته ليفتديه. والكَلِمَة يتحدَّث الآن، والنِّعمة أضحَت تَنتَشِر. ومِن ثمّ، فسوف يُتمِّم الكَلِمَة ذبيحة السلام والفداء، ولن تكون النِّعمة مُنتَشِرة وحسب، بل سوف تُمنَح لكلّ نفس تؤمِن بالمسيح. لذلك يجب الارتقاء بحبّ القريب إلى الكمال الذي لا يُفرِّق بين صديق وعدوّ.

أيُفتَرى عليكم؟ أحِبّوا وسامِحوا. أتُضرَبون؟ أحِبّوا وحَوِّلوا الخَدَّ الآخر لمن يصفعكم، وأنتم تفكّرون أنّه من الأفضل أن يَتطَاوَل الغضب عليكم أنتم، يا مَن تَعرفون كيف تتحمّلونه، مِن أن يتطاول على آخر قد يَنتَقِم للإهانة. أتُسرَقون؟ فلا تُفكِّروا: "قريبي جَشِع". ولكن فَكِّروا بمحبّة: "أخي المسكين محتاج". وإذا ما أَخَذَ منكم الثوب فأعطوه الرِّداء أيضاً. فإنّكم بذلك تَضَعونه في موقف يستحيل معه تكرار السرقة، لأنّه لن يكون في حاجة إلى سَرِقَة ثوب إنسان آخر. وتقولون: "قد يكون ذلك من قبيل الرذيلة لا الحاجة". حسناً، ومع ذلك أعطوه إيّاه. وسيكافئكم الله، وسيُكفِّر الظالم عن خطيئته. إنما في الأغلب، وهذا يذكِّر بما قُلتُه في الأمس عن الوداعة. وحينما يرى الخاطئ نفسه مُعامَلاً هكذا، سيُقلِع عن رذيلته، ويُكفِّر عن ذنبه، وتعويضاً عن السرقة يُعيد المسروق.

كونوا كُرَماء تجاه الذين، بأكثر نزاهة، يسألونكم حاجَتَهم بدل سَرِقَتكم. لو كان الأغنياء فقراء بالروح حقيقة، كما عَلَّمتُكم أمس، لما وُجِدَت تلك التباينات الاجتماعيّة المؤلمة، وهي سبب الكثير من المآسي البشريّة والفائقة البشر. فَكِّروا على الدوام: "ولكن لو كنتُ أنا المحتاج، فما الأثر الذي يُخلِّفه لي رفض العون؟" وبحسب الإجابة تصرَّفوا. افعَلوا للآخَرين ما تريدون أن يَفعَله الآخرون لكم، ولا تفعلوا للآخرين ما لا تريدون أن يفعلوه لكم.

المقولة القديمة: "العين بالعين، والسن بالسن" ليسَت ضِمن الوصايا العشر، ولكنّها أُضيفَت لأنّ الإنسان المحروم مِن النِّعمة شَرِس، لدرجة لا يُدرِك معها أنّ الانتقام شَرّ. وقد أُلغِيَت، بكلّ تأكيد أُلغِيَت بالمقولة الجديدة: "أحبِب مُبغِضكَ وبارِك لاعِنَكَ، بَرِّر مَن يفتري عليكَ، صَلِّ مِن أجل مضطَهِدكَ، وأحسِن إلى المسيء إليكَ، كُن مُسالِماً مع الـمُشاكِس، ومُتنازِلاً مَع مَن يُثقِل عليكَ، ومُعيناً لِمُلتَمِسكَ عن طيب خاطر. لا تكن مُرابياً، لا تَنتَقِد ولا تَحكُم". لا تَعرفون دوافع أفعال الناس. في كلّ أنواع العون كونوا كُرماء وكونوا رُحَماء. وكلّما أَعطَيتم أكثر تُعْطَون أكثر، وسيُفرِغ الله في حضن الإنسان الكريم مكيالاً مليئاً ومحشوّاً. سيعطيكم الله، ليس فقط مِن أجل الذي أعطيتمُوه، إنّما أكثر وأكثر. حاوِلوا أن تحبّوا وأن تكونوا محبوبين. القضيّة تكلف أكثر مِن التسوية الودّية، وطيب الخاطر مثل العسل الذي يدوم طعمه على اللسان طويلاً.

أحِبّوا، أحِبّوا! أحِبّوا الأصدقاء والأعداء، لِتَكونوا شبيهين بأبيكم الذي يُنـزِل المطر على الأخيار والأشرار، ويُشرِق شمسه على الأبرار والفُجَّار، مُرجِئاً مَنحَ الندى والشمس الأزليَّين، والنار والبَرَد الجهنّميَّين إلى حين يُفرَز الأخيار كالسنابل المختارة، في غمار جني المحصول. لا يكفي أن تحبّوا الذين يحبّونكم، والذين تأملون منهم المقابل. فذلك لا أجر له: إنّه فرح، وحتّى الناس النـزيهين بشكل طبيعيّ يعرفون أن يفعلوا ذلك، والعشّارون والوثنيّون يفعلونه كذلك. إنّما أنتم فأحِبّوا على شاكلة الله، وأحِبّوا احتراماً لله الخالق، حتّى مَن هُم أعداء لكم أو قليلو الظُرف. أريد فيكم كمال الحبّ، ولأجل ذلك أقول لكم: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل".إنّ وصيّة حُبّ القريب عظيمة جدّاً، ولإتقان وصيّة حبّ القريب، لن أقول لكم كما قيل سابقاً: "لا تقتل" لأنّ مَن يقتل يُحكم عليه مِن البشر، إنّما أقول لكم: "لا تَغضَبوا" لأنّكم بذلك تَخضَعون لقضاء أكثر سموّاً، يأخُذ بعين الاعتبار الأفعال غير الماديّة. مَن يُحَقِّر أخاه يُحكَم عليه مِن المجمع، ولكن الذي يُعامِله كمجنون، وبذلك يَرتَكِب الإساءة، فذاك يُدان مِن الله. باطِلة هي تقدمة القرابين للهيكل إذا لم تتمّ التضحية مُسبَقاً، ومِن عمق القلب، بالأحقاد الشخصيّة مِن أجل حبّ الله، وإذا لم يُمارَس الطقس المقدَّس: إجادة المسامحة. بالنتيجة فعندما تكون على وشك تقديم القرابين لله، وتتذكَّر أنّكَ أسأتَ إلى أخيكَ، أو تَحمل حِقداً في قلبكَ بسبب خطيئة منه، فدع القربان أمام الهيكل، ضَحِّ أوّلاً بحبّ ذاتكَ، وذلك بمصالحتكَ مع أخيكَ، وتعال بعد ذلك إلى الهيكل، وحينئذ، وحينئذ فقط تُصبِح ذبيحتكَ مقدَّسَة. الوفاق الحَسَن هو أفضل الأعمال. ما أوهى حُكم الإنسان، والذي يمكن أن يُفقِدَه حجّته بالعناد الشجاع أو يَفرض عليه دفع كلّ ما يملك للخصم أو إطالة إقامته في السجن.

في كلّ الأمور، ارفَعوا نظركم إلى الله. اسألوا أنفسكم: "هل أملك الحقّ في أن أفعل بالآخرين ما لا يفعله الله بي؟" فالله ليس قاسياً، بلا رحمة، ومُتعنِّتاً مثلكم. الويل لكم لو كان كذلك! فلا أحد يَخلص. وليَقُدْكم هذا التَبَصُّر إلى مشاعر وديعة ومتواضعة ومُفعَمة رحمة. وحينئذ، في هذه الدنيا، وبعد ذلك، سوف تنالون الأجر من الله.

هنا، أمامي، رَجُل يَكرَهني، ولا يجرؤ على القول: "اشفِني"، لأنّه يَعرِف أنّني أَعلَم ما في فِكره. إنّما أنا فأقول: "فليكن لكَ كما تشتهي، وكما تَسقُط القشور مِن عينيكَ، كذلك فلتسقط عن قلبكَ الظُّلُمات والحقد".

امضوا جميعكم مصحوبين بسلامي. وغداً سأتحدّث إليكم أيضاً.»

يَبتَعِد الناس ببطء، مُنتَظِرين ربما الإعلان عن معجزة، ولم يَحصل.

حتّى الرُّسُل والتلاميذ الأكثر قِدَماً، الباقون على الجبل، يسألون: «ولكن مَن كان؟ هل يمكن ألّا يكون قد شُفِيَ؟» ويُلحّون على المعلّم الواقف، ويداه مُتصالِبَتان، وهو يَنظُر إلى الناس يَنـزِلون.

إلاّ أنّ يسوع، في البدء، لا يجيب. ولكنّه بعدئذ يقول: «أمّا العينان فقد شُفِيَتا، وأمّا النَّفْس فلا. لا يمكنها ذلك لأنّها مُثقَلَة بالحقد والكراهية.»

«ولكن مَن هو؟ ألعلَّهُ ذلك الرومانيّ؟»

«لا. بل هو رجل مسكين.»

«ولماذا شَفَيتَه إذن؟» يسأل بطرس.

«هل ينبغي لي سَحق كلّ الذين على شاكِلَته؟»

«سيّدي... أعلَم أنّكَ لا تريد أن أقول "نَعَم"، إذاً فلن أقولها... ولكنّني أفكّر بها... وهذا سيان...»

«الأمر ذاته، يا سمعان بن يونا، ولكنّكَ تَعلَم حينذاك... آه! كَم مِن القلوب حولي مُغلَقَة بقشور الكراهية! هيّا. ولنمضِ مباشرة إلى القمّة، لننظر مِن الأعلى إلى بحر الجليل. أنا وأنتَ، وحدنا.

20
تمهيد: في هذا القسم يتحدث المسيح عن محبة الله للانسان وعن خلود الانسان وكذلك عن استفسار الانسان عن كيف هي السماء وكيف الوصول اليها.

الجزء الثالث / القسم الأول

30- (العِظَة على الجبل: "التطويبات I")

24 / 05 / 1945

يتحدّث يسوع إلى الرُّسُل، مُحدِّداً لكلّ منهم مكاناً يتواجد فيه ويُراقِب الجمهور الذي يَصعَد منذ ساعات الصباح الأولى برفقة مرضى محمولين على الأذرع أو على محفَّات أو يَجُرّون أنفسهم على عكازات. ووسط الجمع هناك إيتيان وحرماس.

الهواء نقيّ ومنعش قليلاً، ولكنّ الشمس سَخَّنَت بسرعة هواء الجبل النشط إلى حدّ ما. وهذا كلّه فائدة، لأنّ الشمس تُكسِب الهواء انتعاشاً لا بأس به. يَجلس الناس على حجارة أو صخور منتشرة في الوادي بين القمّتين. والبعض ينتظر ريثما تُجفِّف الشمس العشب الذي رَطَّبَه الندى، للجلوس على الأرض. جمع غفير قَدِمَ مِن كلّ أرجاء فلسطين، وتحت ظروف شتّى. ضاع الرُّسُل وسط الجمع، ولكنّهم مثل النحل الذي يروح ويجيء بين الحقل والمنحلة، يعودون بين الحين والحين إلى قرب المعلّم، لإعلامه، لسؤاله، وليَحصَلوا على متعة أن يَنظُر إليهم المعلّم عن قُرب. يَصعَد يسوع إلى أعلى قليلاً من الحقل الذي في قعر الوادي، يسند ظهره إلى صخرة ويبدأ الحديث.

«سَأَلَني كثيرون، في خلال عام مِن الكرازة: "ولكن أنتَ يا مَن تَدَّعي أنّكَ ابن الله، قُل لنا ما هي السماء، ما هو الملكوت وما هو الله؟ ذلك أنّ أفكارنا مُشَوَّشة. نَعلَم أنّ السماء موجودة مع وجود الله والملائكة. إنّما لم يأتِ أحد قطّ ليخبرنا كيف هي، لأنّها حِكر على الأبرار". حتّى إنّني سُئِلتُ ما هو الملكوت وما هو الله. وحاولتُ جاهداً أن أشرح لكم ماهيّة الملكوت، وماهيّة الله. حاولتُ جاهداً، ليس لأنّه كان من الصعب عليَّ أن أُوضِح فكرتي، إنّما لأنّه من الصعب، لظروف كثيرة متوقَّعة، أن أجعلكُم تتقبَّلون حقيقة تَصطَدِم، فيما يخص الملكوت، ببنيان هائل من الأفكار المتراكمة على مدى العصور، وفي ما يخصّ الله تَصطَدِم بسموّ طبيعته.

سأَلَني آخرون أيضاً: "حَسَن هو هذا، لن نَسأَل ما هو الملكوت وما هو الله، إنّما نَسأَل: كيف نكتسب هذا أو ذاك؟" وهنا أيضاً حاولتُ أن أشرح لكم بطول أناة روح شريعة سيناء الحقيقيّة. والذي يتبنّى روح الشريعة ذاك فإنّه يمتَلِك السماء. ولكن لكي أشرح لكم شريعة سيناء، يجب كذلك إسماعكم الصوت الصارم للمشرِّع ونبيّه. وإذا كانا يَعِدان بالبركات للذين يَعمَلون بها، فإنّهما يُهَدِّدان بالعذابات المريعة واللعنات للذين يخالفونها. كان التجلّي في سيناء رهيباً، وتلك الرهبة تنعَكِس على الشريعة كلّها، تنعكس في كلّ العصور وفي كلّ النفوس.

ولكن الله ليس مُشَرِّعاً وحسب. بل هو أب. وأب يتمتّع بصلاح وطيبة واسعة.

وبدون أيّ شكّ، إنّ نفوسكم التي أضعَفَتها الخطيئة الأصليّة والأهواء والخطايا والأنانيّات بمختلف أشكالها، أنانياتكم وأنانيّات الآخرين، حين تجعل لكم أنانيّات الآخرين نفساً ساخطة، وأنانيّاتكم تجعل لكم نفساً مُنغَلِقة، قد لا تستطيع نفوسكم الارتقاء إلى تأمل كمالات الله اللامتناهية والصَّلاح، بل حتّى أيّ شيء آخر، لأنّ الفضيلة المترافقة مع الحبّ هي أقلّ ما يمكن أن يكوّن حصّة الفانين الهالكين. الصَّلاح! يا لروعة وعذوبة أن يكون الناس صالحين، دون حقد ولا كراهية ولا حسد وبغير كبرياء! أن تكون للمرء عينان ولا تنظران إلا لتُحِبّا، ويدان لا تمتدّا إلّا لحركات حبّ، وشفتان لا تتحرّكان إلا لتقولا كلام حبّ، وبشكل خاصّ قلب مفعم بالحبّ يَدفَع العينين واليدين والشفتين للقيام بأفعال حبّ!

الأكثر حكمة بينكم يعرفون النِّعَم التي كان الله قد أنعَمَ بها على آدم، هو وذريّته. وحتّى الأكثر جهلاً مِن أبناء إسرائيل يَعلَمون أنّ فينا روحاً. الوثنيّون المساكين وحدهم يجهلون ذلك الضيف الـمَلَكي، نفحة الحياة تلك، وذاك النور السماويّ الذي يقدِّس ويُحيي جسدنا. ولكنّ الأكثر حكمة يَعلَمون أيّة عطايا كانت قد مُنِحَت للإنسان، لروح الإنسان.

لم يكن الله أقلّ سخاء مع الروح منه مع لحم ودم الخليقة التي جَبَلَها بقليل من الطين ونسمته. كما كان قد وَهَبَها النِّعم الطبيعيّة من جمال ونزاهة وذكاء وإرادة، نِعمة حبّ الذات وحبّ الآخرين، وبنفس الطريقة كان قد وَهَبَها النِّعم الأخلاقيّة مع خضوع الشهوات للعقل. وهكذا ففي الحرّيّة والسيطرة على الذات والإرادة الخاصة التي وَهَبَها الله لآدم، لم تتسلّل العبوديّة الفاسدة للشهوات والأهواء، بل إنّما حبّ الذات كان حرّاً، والإرادة حرّة، وحرّة هي مجرّد المتعة التي تستعبدكم بجعلكم تتذوّقون ذاك السمّ الذي نَشَرَه الشيطان، والذي يفيض جالباً إيّاكم إلى خارج السرير الطَّاهِر، إلى أراض موحِلة، إلى مستنقعات ملوَّثَة، حيث تتخمّر حُمَّى الشهوات الجسديّة والشهوات الوجدانيّة. كي تَعلَموا أنّ رغبة الفكر تأتي أيضاً من الشهوة الحسّيّة. ونالَ البشر مواهب فائقة الطبيعة، لمعرفة النِّعمة المقدِّسة والمصير الأسمى ومعاينة الله.

النعمة المقدِّسة: حياة النَّفْس. ذلك الأمر الروحانيّ إلى أبعد الحدود المتوضِّع في نفسنا الروحيّة. النِّعمة التي تجعلنا أبناء الله، إذ إنّها تَقينا من موت الخطيئة، والذي لم يمت "يحيا" في بيت الآب: الفردوس؛ في مملكتي: السماء. ما هي تلك النِّعمة التي تُقدِّس وتَهِب الحياة والملكوت؟ آه! لا تستَخدِموا كثرة الكلام! فالنِّعمة هي الحبّ. وبالنتيجة فإنّ النِّعمة هي الله. هي الله الذي لشدّة إعجابه بذاته في الخليقة التي خَلَقَها كاملة، فإنّه يحبّ ذاته فيها، يتأمّل ذاته فيها، يرغب في أن يكون هو ذاته فيها، يعطي نفسه ما هو ملكُه ليُضاعِف ما يَملك، ليستمتع بهذه المضاعَفَة، ليحبّ نفسه في الكائنات الكثيرة التي هي الأخرى ذاته هو.

آه! أيّها الأبناء! لا تَحرموا الله ممّا هو حقّه! لا تنـزعوا مِن الله ما هو ملك له! لا تخيّبوا أمل الله في رغبته! فَكِّروا أنّه يتصرّف بحبّ. حتى ولو لم تكونوا موجودين، فهو على الدوام اللانهائيّ، وسلطانه لا يَنقص. ولكنّه هو، رغم كونه كاملاً في مقياسه اللانهائيّ، الذي بغير قياس، هو يريد، لا له، ولا فيه -لا يمكنه ذلك لأنّه اللانهائيّ، اللامحدود- إنّما من أجل المخلوق، خليقته، فهو يريد للحبّ أن ينمو طالما أصبَحَ لدى هذا المخلوق ما يسمح بمنح النِّعمة: الحبّ. لكي تحملوه في ذواتكم بكمال القدّيسين، ولكي تمتلئوا ثانية بذلك الكنـز المأخوذ من الكنـز الذي وَهَبَكُم إيّاه الله مع نعمته، والمتعاظِم بكلّ أفعالكم المقدّسة، بكلّ حياتكم البطوليّة كقدّيسين، في المحيط اللانهائيّ حيث هو الله: في السماء.

حاويات الحبّ الإلهيّة، الإلهيّة، الإلهيّة! هذه هي أنتم، وكيانكم لم يُعْطَ الموت، لأنّكم خالدون مثل الله، لكونه الله. سوف تكونون، ولا تكون لكينونتكم نهاية، ذلك أنّكم، باعتباركم خالدين، مثل الأرواح القدّيسة التي تغذّيكم بشكل فائق، بالعودة إلى ذواتكم مُغتَنين باستحقاقاتكم الشخصيّة. إنّكم تحيون وتتغذّون، تحيون وتَغتَنون، تحيون وتُشَكِّلون هذا الشيء الفائق القداسة الذي هو اتّحاد الأرواح، بدءاً من الله، الروح الكلّيّ الكمال، حتى ذاك الكائن الصغير جدّاً المولود حديثاً الذي يتناول صدر أمّه لأوّل مرّة.

لا تحكموا عليَّ خطأ في أعماق قلوبكم، أنتم أيّها العلماء! لا تقولوا: "إنّه مجنون! كاذب! يجب أن يكون مجنوناً كي يتحدّث عن النِّعمة فينا، إذ إن الخطيئة قد حَرَمَتنا، يكذب في قوله لنا إنّنا أصبحنا مُتَّحِدين بالله". نعم، الخطيئة موجودة؛ نعم الانفصال موجود؛ إنّما أمام سلطان الفادي، فإنّ الخطيئة والانفصال الفظيع الذي حَصَلَ بين الأب والأبناء، سَيَنهَاران مثل جدار هزّه شمشون الجديد. لقد أمسكتُ به وأهزّه وهو يتزعزع، والشيطان يستشيط غضباً وعَجزَاً، وهو لا يستطيع شيئاً أمام سلطاني، وهو ينظر إلى غنائم كثيرة تُنتَزَع منه، وقد أصبَحَ جَرّ الإنسان إلى الخطيئة أكثر صعوبة، لأنّني حينما أوصلكم إلى أبي بواسطتي، وحينما تكونون قد أصبحتم أطهاراً وأقوياء بفعل إراقة دمي وألمي، ستعود إليكم النِّعمة حيّة، متيقّظة وقادرة، وستكونون منتصرين، إذا أنتم أردتم ذلك.

لا يَستَخدِم الله العنف مع فكركم ولا في تقدّيسكم. إنّكم أحرار. ولكنّه يعيد إليكم القوّة. إنّه يحرّركم من هيمنة الشيطان. ولكم أن تستعيدوا النّير الجهنّمي أو تتَّخِذوا لأنفسكم أجنحة ملاك. كلّ ذلك يعود إليكم، أن تعتبروني أخاً فأقودكم وأُقيتكم قوتاً خالداً.

تقولون: "كيف العمل لامتلاك الله بسلوك طريق أخرى ألطف من طريق سيناء الصارمة؟" ما من سبيل آخر. إنّما لا نَنْظُرَنّ إليه آنئذ في شكل التهديد والوعيد، إنّما في شكل الحبّ. لا نقولنّ: "الويل لي إذا لم أفعل هذا!" مع البقاء مُضطَرِبين في انتظار الخطيئة، بألّا نكون قادرين على ألّا نخطئ. بل فلنقل: "طوبى لي إذا فعلتُ هذا". ومع اندفاع فرح فائق الطبيعة، فلنندَفِع فَرِحِين صوب هذه الطوبى التي تُولَد مِن الحفاظ على الشريعة كما تُولَد الورود مِن دغل مليء بالأشواك.

"طوبى لي إذا كنتُ فقيراً بالروح، فحينذاك يكون لي ملكوت السماوات!

طوبى لي إذا كنتُ وديعاً لأنّني سوف أَرِثُ الأرض!

طوبى لي إذا كنتُ قادراً على البكاء دون تمرُّد لأنّني سأُعَزَّى!

طوبى لي إذا لم يعد لي سوى الخبز والخمر لإشباع جسدي، وأنا جائع إلى البِرّ لأن البِرّ سيُشبِعني!

طوبى لي إذا كنتُ رحيماً لأنّني سأستفيد من الرحمة الإلهيّة!

طوبى لي إذا كنتُ طاهر القلب إذ إن الله سوف ينحني على قلبي الطاهر وسوف أعاينه أنا!

طوبى لي إذا كان لديّ روح السلام، إذ إنّ الله سوف يدعوني ابناً له، وذلك لأنّني سأكون في السلام وفي الحبّ، والله هو الحبّ الذي يحبّ مَن يشبهه!

طوبى لي إذا كنتُ مُضطَهَداً من أجل أمانتي للبرّ، إذ تعويضاً لي عن اضطهادات الأرض سوف يمنحني الله ملكوت السماوات!

طوبى لي إذا شَتَموني وافتروا عليّ كلّ كذب لمعرفتي أن أكون ابناً لكَ يا الله! فذلك لن يسبّب لي الحزن، بل الفرح، لأنّه يجعلني على مستوى أفضل خُدَّامك، الأنبياء، الذين اضطُهِدوا لنفس السبب، وأؤمِن إيماناً ثابتاً أنّني سأقتسم معهم الأجر ذاته، العظيم والأزليّ في السماء التي تصبح لي!"

هكذا فلننظر إلى طريق الخلاص من خلال فرح القدّيسين.

"طوبى لي إذا كنتُ فقيراً بالروح".

آه! يا حُمَّى الثَّروات الشيطانيّة، إلى أيّة هَذَيانات تقودين الإنسان! الأغنياء والفقراء. الغنيّ الذي يحيا لِذَهَبه، الصَّنم الـمُخزي لأطلال روحه. والفقير الذي يحيا على الكره الذي لديه تجاه الغنيّ الذي يملك الذهب، فإنّه حتّى ولو لم يصبح قاتلاً مادّيّاً، يُطلِق لَعناته ضدّ الأغنياء، متمنّياً لهم كلّ أنواع الشرور. عدم ارتكاب الشرّ لا يكفي، بل يجب أيضاً عدم الرغبة في فِعله. فالذي يَلعَن متمنّياً البؤس والويل والموت، لا يختلف كثيراً عن مرتكب القتل المادّيّ، لأنّ لديه، في ذاته، الرغبة في رؤية الذي يَكرَه يَهلك. الحقّ أقول لكم: إنّ الرغبة ليست سوى فعل نَكْبتُه، مثل ثَمَرَة حَمْل تشكَّلَت ولكنّها لم تخرج إلى حيز الوجود. فالرغبة الشرّيرة تُسمِّم وتُفسِد، لأنّها تدوم أكثر من الفعل العنيف. إنّها تتجذّر أكثر عمقاً من الفعل نفسه.

الفقير بالروح، إذا كان غنيّاً مادّيّاً، لا يرتكب خطيئة بسبب الذهب، ولكنّه يُحقِّق بالذَّهب تقدّيس نفسه، لأنّه يستخدمه في أفعال حبّ. محبوباً ومُبارَكاً، يشبه تلك الينابيع التي تنقذ المسافرين في الصحارى، وهي تعطي ذاتها دونما بُخل، سعيدة لتمكّنها من مَنح ذاتها لإغاثة البائسين. وإذا كان فقيراً بحقّ، فهو سعيد في فقره ويجد طعامه لذيذاً. إنّه فرح لأنّه يتخلَّص مِن حمّى الذهب، وهو يجهل الكوابيس أثناء نومه، وينهض بتمام الراحة ليبدأ بسكون عمله الخفيف بالنسبة إليه لأنّه يقوم به دون جشع ودون حسد.

يمكن للإنسان أن يكون غنيّاً مادّيّاً بالذهب، ووجدانيّاً حينما يتعلّق به. ويندَرِج تحت اسم الذهب، ليس فقط المنابع النقديّة، بل إنما البيوت أيضاً والحقول والحليّ والمفروشات والقطعان، بالإجمال كلّ ما يضفي على الحياة رفاهية. والثروات الوجدانيّة تكمن في: روابط الأهل أو الزواج، الصداقات أو الثروات الفكريّة والمسؤوليّات العامّة. كما تَرَون، بالنسبة إلى الفئة الأولى، يمكن للفقير أن يقول: "آه! بالنسبة إليَّ، يكفيني ألّا أحسد الذي يَملك، وأقنَع بالوضع الذي فُرِضَ عليَّ". أمّا الفئة الثانية، فعلى الفقير أن يُراقِب ذاته أيضاً، إذ إن الإنسان الأكثر بؤساً، يمكنه أن يصبح مذنباً إذا لم يكن روحه متجرّداً. فالذي يتعلّق بشيء ما بإفراط، فذاك يخطئ.

ستقولون: "ولكن، حينئذ، هل ينبغي لنا أن نكره الخير الذي يَهِبنا إيّاه الله؟ ولكن لماذا يأمر بحبّ الأب والأمّ والزوجة والأولاد، لماذا يقول: ”أحبِب قريبكَ كنفسكَ“؟". يجب التفريق. ينبغي لنا أن نحبّ الأب والأم والزوجة والقريب، ولكن ضمن الحدود التي رَسَمَها الله لنا: "كنفسنا". بينما يجب أن يكون الله محبوباً فوق كلّ شيء وبكل كياننا، فلا ينبغي لنا أن نحبّ الله كما نحبّ أكثر الناس أَثَرَةً وأعزَّهم علينا: هذه لأنّها أرضَعَتنا، وتلك لأنّها تنام على صدرنا وتمنحنا الأطفال، ولكن علينا أن نحبّه بكلّ كياننا: يعني بكلّ ما لدى الإنسان من قدرة على الحبّ: حبّ الابن، حبّ القرين، حبّ الصديق، آه! لا تتعثَّروا! حبّ الأب. نعم من أجل مصالح الله، ينبغي أن تكون لدينا العناية نفسها التي لدى أب تجاه أبنائه الذين يسهر على خيرهم بكلّ الحبّ وينمّيهم، ويهتم وينشَغِل بنموّهم البدنيّ والثقافيّ وبنجاحهم في هذا العالم.

الحبّ ليس شرّاً، ويجب ألّا يصبح شرّاً. النِّعم التي يمنحنا الله ليست شرّاً ويجب ألّا تصبح شرّاً. إنّها حبّ، وبحبّ مُنِحَت. ويجب استخدام ثروات العواطف والخيرات تلك التي يمنحنا إيّاها الله. ووحده الذي لا يجعل منها أصناماً، بل وسائل لخدمة الله في القداسة، يُظهِر أن لا تَعَلُّق آثماً لديه بالخيرات التي يملك. حينذاك يُمارِس الفقر الروحيّ المقدّس الذي يجعله يتجرّد من كلّ شيء ليكون أكثر حرّية للحصول على الإله القدّوس، الغِنى الأسمى. فالحصول على الله يعني امتلاك ملكوت السماوات.

"طوبى لي إذا كنتُ وديعاً".

يمكن لذلك أن يبدو مُناقِضاً لأمثلة الحياة اليوميّة. فالذين تنتفي عنهم صفة الوداعة، يبدون مُنتَصِرين ضمن العائلات وفي المدن والبلدان. وهل هذا هو انتصار حقيقيّ؟ لا. إنّه الخوف الذي يجعل الرازِحين تحت حكم طاغية خاضِعين، ظاهريّاً، بينما في الحقيقة، ذلك ليس سوى حجاب يخفي غَلَيان التمرّد على الظالم المستبدّ. إنّهم لا يملكون قلوب المقَرَّبين إليهم، ولا قلوب مواطنيهم، ولا أندادهم الغاضبين المتسلِّطين. فلا يُخضِعون أفكارهم وأرواحهم لتعاليمهم، أولئك المعلّمين أصحاب: "قلتُ هذا وقلتُ ذاك". ولكنّهم لا يُشَكِّلون سوى بعض العِصاميّين، أناس يبحثون عن مفتاح يمكنه فتح الأبواب الموصَدَة لحكمة أو عِلم هُم يرتابون بوجوده وهو يتعارض مع ما فُرِض عليهم.

إنَّهم لا يَقودون إلى الله، أولئك الكهنة الذين لا يَمضُون إلى أَسْر الأرواح بوداعة صابرة متواضعة ومحبةّ، ولكنّهم يبدون محارِبِين مسلَّحين يُقحِمون أنفسهم في الهجوم، لشدّة ما يواجِهون النفوس بعنف وتشدُّد... آه! يا للنفوس المسكينة! لو كانت قدّيسة، لما كانت في حاجة إليكم، أيّها الكَهَنَة، لِتَصِل إلى النور. بل لكان النور فيها. لو كانت بارّة، لما كانت في حاجة إليكم أيّها القضاة لتُضبَطَ بمكابح العدل، بل لكانت هي فيها. لو كانت سليمة لما احتاجت إلى أحد للعناية بها. كونوا إذاً وُدَعَاء. لا تجعلوا النفوس تَفرّ. اجذبوها بالحبّ، فالوداعة حبّ، تماماً كالفقر الروحي.

إذا كنتم وُدَعاء فإنّكم تَرِثون الأرض. تأخذون إلى الله ذلك الميدان الذي كان مِلكاً للشيطان. بالفعل فإنّ وَداعَتكم، التي هي أيضاً حبّ وتواضُع، ستنتصر على البغض والكبرياء، ويصبح العالم لكم، وبالتالي لله، إذ إنّكم ستُصبِحون الأبرار الذين يَعتَبِرون الله السيّد الـمُطلَق للخليقة، وله ينبغي التسبيح والبركة وإعادة كلّ ما هو ملك له.

"طوبى لي إذا عرفتُ البكاء دون تمرّد".

الألم موجود على الأرض، والألم يَنتَزِع الدموع من الإنسان. ولم يكن الألم موجوداً ولكنّ الإنسان هو الذي جَلَبَه إلى الأرض، وبفساد فكره يَعمَل على إنمائه بكلّ السُّبُل. فهناك الأمراض، والمآسي التي تجلبها الصاعقة، وكذلك العاصفة والانهيارات والزلازل، ولكن لكي يتألّم الإنسان، بل على الأخصّ لكي يؤلم -إذ نريد ألّا نكون نحن، بل الآخرون هُم الذين يُعانون من الوسائل المدروسة للإيلام- ها هو يَبتَدِع أسلحة قاتلة، وأكثر فظاعة باطّراد، وعذابات معنوية وبأكثر مُراوَغَة على الدوام. كم يَنتَزِع الإنسان من الدموع من أخيه الإنسان بإيعاز مِن مَلِكَه السرّيّ، الشيطان! ومع ذلك، الحقّ أقول لكم: إنّ تلك الدموع لا تُقلِّل من شأن الإنسان، بل تجعله أفضل.

الإنسان طفل غير مسؤول، طائش سطحيّ، بل هو كائن ذو ذكاء بطيء النموّ، حتّى تجعله الدموع بالغاً، مُفكِّراً وذكيّاً. وحدهم الذين يبكون أو الذين قد بكوا يعرفون الحبّ والإدراك. حبّ الإخوة الذين يبكون مثلهم، إدراكهم وتفَهُّم وضعهم في آلامهم، مساعدتهم بصلاح وطيبة، ذلك أنّهم قد اختَبَروا كم يسيء ويؤلم أن يكون المرء وحيداً ساعة يبكي. ويَعرفون حبّ الله إذا أدرَكوا أنّ كلّ شيء ما خلا الله ألم، لأنّهم أدرَكوا أن الدموع المستسلِمة لإرادة الله والتي لا تحطِّم الشريعة، ولا تجعل الصلاة عقيمة، ولا تعرف التمرّد، تتغيّر طبيعتها، وبدل الألم تصبح عزاء.

نَعَم. إن الّذين يبكون وهم يحبّون الله فإنّهم سوف يُعَزَّون.

"طوبى لي إذا ما جعتُ وعطشتُ إلى البرّ".

منذ اللحظة التي يُولَد فيها الإنسان، وحتى اللحظة التي يموت فيها، هو متلهّف للطعام. لدى ولادته يفتح فمه ليمسك بالحلمة، وفي كوابيس الاحتضار يفتح شفتيه ليَمتصّ ما يُقيتُه. يعمل ليقتات. والأرض بالنسبة إليه صَدر عملاق، ودائماً وبلا تَوَقُّف، يستمدّ منها القوت للذي يموت. ولكن ما هو الإنسان؟ أحيوان هو؟ لا. بل هو ابن الله. إنّه في منفى لسنوات قليلة أو كثيرة، ولكنّ حياته لا تنتهي عندما يُبدِّل المقام.

توجد حياة داخل الحياة كما اللبّ داخل الجوزة. فالقشرة ليست الجوزة، ولكنّ اللبّ الداخليّ هو الجوز. وإذا ما زرعتم قشرة الجوز فلا ينبت شيء، أمّا إذا زرعتم القشرة مع اللبّ فتنبت شجرة كبيرة. هكذا هو الأمر مع الإنسان. فليس الجسد هو الذي يصبح خالداً، بل إنّما هي النفس. فيجب تغذيتها لنَصِل بها إلى الخلود الذي، بحبّ، يمكنه أن يَصِل بالجسد إلى القيامة المغبوطة. غذاء النفس: الحكمة والبرّ. هي تمتصّهما كشراب وغذاء مقويِّيَن. وكلّما تَغَذَّينا بهما، كلّما ازداد النَّهَم المقدَّس لامتلاك الحكمة ومعرفة البرّ. ولكن سيأتي يوم فيه تَشبَع النَّفس النَّهِمة لذاك الجوع المقدَّس. سوف يأتي ذلك اليوم. وسيهب الله ذاته لابنه، يربطه مباشرة بصدره، والابن في الجنّة، سيشبع من الأم الرائعة التي هي الله ذاته، فلا يعود يعرف الجوع، بل يستريح مغبوطاً على الصدر الإلهيّ. ما مِن عِلم بشريّ يمكنه التوصّل إلى هذا العِلم الإلهيّ. ففضول الفكر يمكنه الاكتفاء، إنّما ليس احتياجات الروح. وحتّى مع اختلاف النكهات، فالروح يختَبِر اشمئزازاً، ويشيح بفمه عن الحلمة الـمُرَّة، مُفضِّلاً المعاناة من الجوع على امتصاص الغذاء الذي لا يأتي من الله.

لا يكن لديكم خوف أيّها الجياع والعطاش إلى الله! ظلّوا أوفياء وسَتَشبعون ممن يحبّكم.

"طوبى لي إذا كنتُ رحيماً".

مَنْ مِنَ الناس يمكنه القول: "لستُ أحتاج إلى الرحمة"؟ لا أحد. لأنّه إذا قيل في الشريعة القديمة: "العين بالعين والسنّ بالسنّ"، فلماذا لا ينبغي لنا القول في الشريعة الجديدة: "مَن يكن رحيماً يَجِد الرحمة"؟ فالجميع في حاجة إلى المغفرة.

إذاً، ليست صيغة الطقس وشكله، وهما لا يَتَعَدَّيان، كونهما رموزاً ظاهريّة متآلفة مع الروح الإنسانيّ الكثيف الأغبش، هما اللذان يحصلان على المغفرة. بل إنّما هو الطقس الداخليّ للحبّ، أو أيضاً الرحمة. وإذا ما فُرِضَت ذبيحة تيس أو حَمَل وتقدمة بعض القطع النقديّة، فلأنّ ذلك جُعِل بسبب وجود جَذرَين في أساس كلّ شرّ على الدوام هما: الطَّمَع والكبرياء. ولقد عوقِبَ الطَّمَع بالدفع الذي يجب أن يكون بالتقدمة، والكبرياء بالمجاهرة العامّة للطقس: "أُقدِّم هذه الذبيحة لأنّني أخطأتُ". ويكون ذلك أيضاً للإعلان عن الأزمنة ودلالات الأزمنة، والدم الـمُراق هو رمز الدم الذي سوف يُراق لمحو خطايا الناس.

مغبوط إذاً من يَعرف أن يكون رحيماً بالجياع والعراة والمشرَّدين بلا مأوى، ومَن هم أيضاً في حالة أكثر بؤساً، الذين يَتَّصِفون بطبع سيئّ يُسبِّب الألم لمن يَتَّصِفون به والذين يحيون معهم. كونوا رُحماء. اغفُروا، أشفِقوا، أنجِدوا وعَلِّموا وسانِدوا. لا تتقوقعوا في برج من الكريستال قائلين: "أنا طاهر، فلا أنزل بين الخَطَأَة". لا تقولوا: "إنّني غنيّ وسعيد، ولا أريد سماع الحديث عن مآسي الآخرين". فَكِّروا أنّه بأسرع ممّا تُبدِّد ريح عظيمة الدخان، يمكن أن تتبدَّد ثرواتكم، وكذلك صحّتكم، ورفاهكم العائليّ. وتذكّروا أنّ الكريستال يَعمَل عَمَل العدسة المكَبِّرَة، وأنّ ما يمكنه أن يمرّ دون أن يلاحظه أحد باختلاطكم بالناس، لا يمكنكم إبقاءه مخفيّاً إذا ما أقمتم في برج كريستاليّ، وحيدين، مُنعَزِلين، ومُسلَّطَة عليكم الأضواء من كلّ صوب.

الرحمة مِن أجل إتمام ذبيحة سريّة ودائمة ومقدّسة ككفّارة لنيل الرحمة.

"طوبى لي إذا كان قلبي طاهراً".

الله هو الطُّهر. والفردوس مملكة الطُّهر. وما مِن شيء نجس يمكنه ولوج السماء حيث هو الله. بالنتيجة، إذا كنتم نَجِسين، فلا يمكنكم دخول ملكوت الله. ولكن، آه! فرح! فرح مُسبَق يمنحه الله لأبنائه! مَن يكن طاهراً يملك، منذ وجوده على هذه الأرض، بداية السماء. لأنّ الله ينحني على مَن كان طاهراً، والإنسان الذي يحيا على الأرض يرى إلهه. لا يعرف طعم أنواع الحبّ البشريّ، ولكنّه يتذوّق، حتّى النشوة، طعم الحبّ الإلهيّ. يمكنه القول: "أنا معكَ وأنتَ فيَّ. أنا أمتلككَ، إذن فأنا أعرفكَ كعروس لنفسي محبوب للغاية". وثِقوا أنّ مَن يمتلك الله، وبشكل لا تفسير له، حتّى له شخصيّاً، تجعله تبدّلات جوهريّة قدّيساً، حكيماً وقويّاً. وعلى شفاهه تتفتّح كلمات، وأفعاله تمتلك قُدرَة ليست مِن الخليقة، إنّما مِن الله الذي يحيا فيه.

ما هي حياة الذين يَرَون الله؟ غبطة. وتريدون حرمان أنفسكم مِن نعمة كتلك، مِن أجل نجاسة نَتِنَة؟

"طوبى لي إذا كان لي روح سلام".

السلام هو إحدى مميّزات الله. فلا وجود لله إلّا في السلام. لأنّ السلام حبّ، بينما الحرب حقد وكراهية. الشيطان هو الكره. والله هو السلام. لا يمكن لأحد الادعاء أنّه ابن الله، ولا يمكن لله أن يعرف له ابناً، إنساناً ذا روح سريع الغضب، وجاهز على الدوام لإثارة العواصف، ليس هذا فقط، إنّما كذلك لا يمكن أن يدَّعي أنّه ابن الله مَن إذا لم يُثِر شخصيّاً العواصف، لا يساهم بسلامه الكبير في تهدئة العواصف المثارة مِن الآخرين. صانع السلام يَنشُر السلام حتّى وهو صامت. ومالكاً زمام نفسه، وأجرؤ على القول مَالِكاً الله، يحمل السلام كما المصباح يحمل النور، كما المبخَرَة تَنشُر عَبَقها، وكما القُربة تحمل سائلها، وينبثق النور وسط السحب النافثة الأحقاد. يُنقّي الهواء مِن وَخَم الخشونات وعَفَنها، يهدّئ أمواج القضايا الهائجة بذاك الزيت اللذيذ الذي هو روح السلام الذي يفيض من أبناء الله.

فاجعَلوا الله والناس يَدعُونكم هكذا.

"طوبى لي إذا اضطَهَدوني من أجل البر".

الإنسان متأثّر بالشيطان لدرجة يَكره فيها الخير أينما وُجِد، يكره مَن هو صالح، كما لو كان هذا الصالح، حتّى ولو بصَمْته، يتّهِمه ويَدينُه. بالفعل فإنّ صلاح امرئ يُظهِر شرّ الشريّر أكثر قتامة. بالفعل فإنّ إيمان المؤمن الحقيقيّ يُبرِز، وبشكل أكثر حيويّة، رياء المؤمن المزيَّف. بالفعل، لا يمكن أن لا يكون مكروهاً من الظالمين، ذلك الذي يَشهَد بأسلوب عيشه، وبلا انقطاع، لصالح البرّ والعدل. وحينئذ تراهم يثورون ضدّ الذين يحبّون البرّ والعدل.

هنا كذلك، كما في الحروب، يتقدّم الإنسان في فنّ الاضطهاد الشيطانيّ أكثر من تقدّمه في فن الحبّ المقدّس. إلّا أنّه لا يمكنه أن يضطَهِد إلّا ما كان عمره قصيراً. وما كان أزليّاً في الإنسان، فينجو من الفخاخ، ويكتَسِب بذلك حيويّة أكثر قوّة، بفعل الاضطهاد. تتلاشى الحياة من الجراح الدامية أو الحرمانات التي تُهلِك المضطَهَد، إلاّ أنّ الدم يُشَكِّل أرجوان مَلِك المستقبل، والحرمانات هي الدرجات اللازمة للارتقاء إلى العروش التي هيّأَها الله لشهدائه الذين خُصّصَت لهم المجالس الملكيةّ في ملكوت السماوات.

"طوبى لي إذا احتَقَروني وافتَروا عليَّ".

لا تفعلوا إلّا ما يمكنه أن يستحقّ أن تُكتَب أسماؤكم لأجله في الكتب السماويّة، حيث لا تُكتَب الأسماء بموجب أكاذيب الناس والمدائح المفروضة حُكماً للذين هُم أقلّ من يستحقّونها. بل على العكس، حيث تُدَوَّن بعدل وحبّ أعمال الصالحين ليتمكّنوا من الحصول على الأجر الموعود للمبارَكين من الله.

حتّى الآن، احتَقَروا الأنبياء وافتَروا عليهم. ولكن حينما تُفتَح أبواب السماوات، يَدخُلون مدينة الله كَمُلوك وَقورين، ويقدِّم لهم الملائكة التحيّة مرنِّمين طرباً. أنتم كذلك، مُحتَقَرون ومُفْتَرى عليكم لأنّكم أصبحتم مِلكاً لله، سوف تنالون إكليل النصر السماويّ، وعند انقضاء الدهر وامتلاء الفردوس، آنذاك تصبح كلّ دمعة ثمينة، لأنّها ستكون قد كَسَبَت لكم هذا المجد الأزليّ الذي أَعِدُكم به باسم الآب.

امضوا الآن. وغداً سأتحدّث إليكم أيضاً. وليبقَ المرضى فقط لأسعفهم في آلامهم. ليكن السلام معكم، وليضعكم التأمّل في الخلاص بواسطة الحبّ على الطريق المؤدّية إلى السماء.

21
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.
مقدمة: يمكن اعتبار العضة على الجبل اهم ما يميز المسيحية من حيث الاخلاق ومحبة الله عن سائر الاديان والمعتقدات وبما انها طويلة جدا فسوف اضع كل الاجزاء المرتبطة بها بموضوع واحد ورغم كونه سيكون طويلا لكن يجب ان تتذكرو ان ملكوت السماوات تغتصب والمجاهدين هم من يدخلوها وليس هناك مكان للكسالى.
تمهيد: في هذا القسم يوجه المسيح رساله خاصة الى رسله وتلاميذه وحتى المسيحيين بصورة عامة ويدعوهم نور الارض وملح العالم.


الجزء الثالث / القسم الأول

29- (العِظَة على الجبل: "أنتم ملح الأرض")

22 / 05 / 1945

يسير يسوع وحيداً، وبخطى حثيثة على طريق رئيسيّة. يتوجّه صوب جبل مُنتَصِب على مقربة من الطريق الرئيسيّة ومتّجه صوب الغرب، انطلاقاً من البحيرة. على مسافة قريبة كانت بدايته، على أرض مائلة ميولاً لطيفاً ممتدّة لمسافات بعيدة، مُشكِّلة هَضَبَة، تُشاهَد منها البحيرة كلّها مع بلدة طبريّا، باتّجاه الجنوب، والبلدات الأخرى الأقلّ جمالاً، الجاثمة صوب الشمال. ثمّ يرتفع الجبل بسرعة أكبر حتّى إحدى القمم، وينخفض، ثمّ يرتفع مرّة أخرى ليشكّل قمّة أخرى شبيهة بالأولى، ومجموع الاثنين يُشكِّل ما يشبه السَّرج.

يَسلك يسوع الطريق الصاعدة صوب الهضبة، عَبْر درب ترابيّ، هو كذلك جميل بما فيه الكفاية، ويَصِل إلى بلدة صغيرة يَحصد أهلها تلك الهضبة المرتفعة، حيث اتَّخَذَ القمح شكل السنابل. يجتاز البلدة ويتقدّم عَبْر الحقول والمروج الموشّاة بالزهور أو التي تموج بالحصاد.

اليوم صاف، ممّا يسمح بظهور جمال الطبيعة المحيطة كلّها بكامل قيمته. وراء الجبل الصغير المنعزل الذي يتوجّه إليه يسوع، تُرى في الجنوب قِمّة حرمون المهيب، الذي تبدو قِمّته كَدُرّة عملاقة ترتكز على قاعدة من الزمرّد، لشدّة بياض القِمّة المكلّلة بالثلج الذي يتعاكس بياضه مع اخضرار المنحدرات المغطّاة بالخمائل. وراء البحيرة، بل بينها وبين حرمون، السهل الأخضر، حيث بحيرة ميرون التي، مع ذلك، لا تُرى من هذا المكان، ثمّ جبال أخرى متّجهة صوب بحيرة طبريّا، من الناحية الشماليّة الغربيّة، ووراء البحيرة جبال أخرى في البعيد تلطّفها، وسهول أخرى في الجنوب، ووراء الطريق الرئيسيّة هناك الروابي التي أظنّها تخفي الناصرة. وكلّما ارتفعنا، كلّما اتَّسَعَ الأفق. لستُ أدري ماذا في الجهة الغربيّة لأنّ الجبل يحجب الرؤيا.

يلتقي يسوع أوّلاً الرَّسول فليبّس الذي يبدو وكأنّه عُيِّن خفيراً على ذلك المكان: «كيف هذا يا معلّم؟ أأنتَ هنا؟ كنّا ننتظركَ على الطريق. وأنا أنتظر الرفاق الذين ذَهَبوا لجلب الحليب من عند الرُّعاة الذين يَرعون قطعانهم على القمم. في الأسفل، على الطريق، هناك سمعان ويهوذا بن سمعان ومعهما اسحق و... آه! ها هم. تعالوا! تعالوا! المعلّم هنا!»

الرُّسُل الذين كانوا يَهبطون ومعهم القُرَب، يبدأون بالجري، ومن الطبيعي أن يصل الشباب أوّلاً. يُهلِّلون للمعلّم، إنّه لمشهد مؤثّر. أخيراً اجتَمَعوا، وبينما يسوع يبتسم، يريد الجميع التحدّث إليه ورؤيته…

«ولكنّنا كنّا ننتظركَ على الطريق العامّة!»

«كنّا نظنّ أنّكَ لم تكن لتأتي اليوم حتّى.»

«آه! كنّا منـزعجين لأنّه كان هناك كَتَبَة وحتّى تلاميذ لجملائيل...»

«ولكن نعم يا معلّم! في الحقيقة أنّكَ تركتَنا في الوقت المناسب! لم أشعر بالخوف يوماً كما في ذلك الحين. فلا تجعلني ألعب دوراً كهذا فيما بعد.»

بطرس يتشكّى ويسوع يبتسم ويسأل: «ولكن هل حَصَلَ لكم مكروه؟»

«آه! لا! على العكس... آه! يا معلّمي! ولكن ألا تعلَم أنّ يوحنّا قد تكلَّم؟... وكان يبدو وكأنّكَ أنتَ تتكلّم بلسانه. أنا... نحن كنّا مُنذَهِلين... ذاك الصبيّ الذي لم يكن قادراً منذ عام سوى على رمي الشِّباك... آه!» ما يزال بطرس تحت تأثير الإعجاب، ويقوم بهزّ يوحنّا الضاحك الصامت. «انظروا إذا كان يبدو ممكناً لهذا الصبيّ بفمه الضاحك أن يكون قد تفوَّهَ بتلك الكلمات! كنّا نحسبه سليمان.»

«وكذلك سمعان قد أحسَنَ الكلام يا سيّدي. لقد كان بحقّ الرئيس.» يقول يوحنّا.

«لستُ أدري! لقد حَصَرَني في الزاوية! ولكن... يقولون إنّني أحسنتُ الحديث. ممكن، أنا لا أعلَم... إذ بسبب الدهشة التي سَبَّبَها لي حديث يوحنّا والخوف من التحدّث وسط جمع غفير، ومِن أن أجعلكَ تبدو دون المستوى، فقد كنتُ مُضطَرِباً...»

«أن تجعلني أبدو دون المستوى؟ أنا؟ ولكنّكَ أنتَ الذي كنتَ تتحدّث، وأنتَ الذي كنتَ ستبدو دون المستوى يا سمعان.» يقول له يسوع على سبيل المغايظة.

«آه! بالنسبة إليَّ... لم يكن يهمّني كثيراً. لم أكن أريدهم أن يَسخَروا منكَ لاتّخاذكَ أبلهاً رسولاً لكَ.»

يَشعّ يسوع فرحاً لتَواضُع وحُبّ بطرس. ولكنّه يسأل فقط: «والآخرون؟»

«الغيور أيضاً قد أحسَنَ الكلام. إنّما هو... نعرفه. ولكن هذا كان مفاجأة! إلّا أنّه مذ كنّا في خلوة الصلاة والوَلَد يبدو وكأنّ نَفْسه في السماء على الدوام.»

«حقيقة! حقيقة!» يؤكّد الجميع كلام بطرس، ثمّ يستمرّ الكلام.

«وهل تعلَم؟ بين التلاميذ الآن اثنان، حسب قول يهوذا بن سمعان، مهمّان جدّاً. يهوذا مُنهَمِك للغاية، هه! حقيقيّ! إنّه يعرف أولئك الناس جيّداً... منذ زمن بعيد، وهو يعرف كيف يتحدّث إليهم. ويحبّ التحدّث... بل يجيد التحدّث. ولكنّ الناس يُفضِّلون سماع سمعان وإخوتكَ، خاصّة هذا الصبيّ. أمس قال لي أحدهم: "هذا الشاب يجيد التكلّم -وكان يقصد يهوذا- ولكنّني أُفضِّلكَ عليه". آه! يا مسكين! تُفضِّلني أنا الذي لا أعرف أن أقول سوى أربع كلمات!... ولكن لماذا أتيتَ إلى هنا؟ والموعد كان على الطريق، وقد كنّا هناك.»

«لأنّني كنتُ أعلَم أنّني أجدكم هنا. الآن اسمعوا. اهبطوا وقولوا للآخرين أن يأتوا، وأيضاً للتلاميذ المعروفين. لا تدعوا الناس يأتون اليوم. أودُّ التحدّث إليكم فقط.»

«إذن، مِن الأفضل انتظار المساء. فعند المغيب يتفرّق الناس إلى القرى المجاورة، ويعودون صباحاً لانتظاركَ. وإلّا... فَمَن سيستبقيهم؟»

«حسناً. افعلوا كذلك. أنتَظِركم في الأعلى عند القِمّة. الآن دافئ هو الليل حتّى إنّه يمكننا النوم في العراء.»

«حيثما تريد، يا معلّم. يكفي أن تكون معنا.»

يمضي التلاميذ، ويُعاوِد يسوع الصعود حتّى القِمّة. إنّها تلك التي رأيتُها في رؤيا العام الماضي، عند نهاية الحديث على الجبل واللقاء الأوّل لمريم المجدليّة. ويبدو المنظر العام أكثر اتّساعاً عند مغيب الشمس. يَجلس يسوع على صخرة ويستغرق في التأمّل. ويبقى هكذا حتى ينبّهه وقع الأقدام على الدرب أنّ الرُّسُل في طريق العودة. لقد وَصَلوا مساء. ولكن على ذاك الارتفاع، تستمرّ الشمس في جعل العطر يفوح من النبات والزهور. زنابق برّية يفوح منها عَبَق قويّ، وسوق النرجس الكبيرة تهزّ نجومها وبراعمها كما لتنادي الندى.

يَنهَض يسوع ويحيّي قائلاً: «السلام معكم.»

تلاميذ كثيرون يَصعَدون مع الرُّسُل. يقودهم اسحق بابتسامته، ابتسامة الناسك الزاهد على وجهه النحيل. يتجمّعون كلّهم حول يسوع الذي يحيّي خاصّة يهوذا الاسخريوطيّ وسمعان الغيور.

«أردتكم جميعاً معي للمكوث بضعة ساعات معكم فقط والحديث إليكم، إليكم فقط. فلديّ ما أقوله لكم لتهيئتكم للرسالة بشكل أفضل. سنتناول الطعام ثمّ نتحدّث، وأثناء النوم تستمرّ النَّفْس بالتنعّم بالـمَذهب.»

يتناولون الوجبة البسيطة، ثمّ يتزاحمون متحلّقين حول يسوع الجالس على صخرة. إنّهم حوالي المائة، وقد يكونون أكثر، ما بين تلاميذ ورُسُل. تاج من الوجوه المتنبِّهة تنيرها شعلتان من النيران المتّقدة بشكل غريب. يتحدّث يسوع بتمهّل وبحركات هادئة. يبدو وجهه أكثر ابيضاضاً، منفرداً عن ثوبه الأزرق الداكن، ينيره شعاع من هلال القمر الذي يهبط على مستواه بالضبط، فاصلة صغيرة في السماء، شريطة من نور تداعب معلّم السماء والأرض.

«أردتكم هنا، خصوصاً لأنّكم أصدقائي، لقد دعوتُكم بعد الاختبار الأوّل الذي خَضَعَ له الاثنا عشر، ولأُوَسِّع حلقة تلاميذي الفاعِلين، ولأسمع منكم ردود الفعل الأولى حيال الذين يرأَسونَكم، والذين أمنحكُم إيّاهم كاستمرار لي. إنّني أعلَم أنّ كلّ شيء جرى على ما يُرام. كنتُ أدعَم وأُسانِد بصلاتي نفوس الرُّسُل، الخارجين مِن خلوة الصلاة بقوّة جديدة في الروح والقلب. قوّة لا تأتي من الدراسة، إنّما من الاستسلام الكامل لله.

الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا أنفسهم أكثر. فنسيان الذات أمر عسير.

الإنسان مجبول بالذكريات. والتي منها تَرفَع صوتها أكثر، هي ذكريات الأنا الشخصيّة. يجب التفريق بين أنا وأنا. فهناك الأنا الروحيّة التي تأتي من النَّفْس وتتذكّر الله وأصلها الإلهيّ. وهناك الأنا الدنيا، أنا الجسد التي تنطوي على ألوف المتطلّبات والأهواء التي لها. تَخرُج منها أصوات كثيرة، تُشكِّل جوقة تُهيمِن، إذا لم يكن الروح قويّاً جدّاً، وصوت الروح الفريد الذي يتذكّر أصله النبيل كابن لله. يجب إذاً -عدا تلك الذكرى المقدَّسة التي يجب دائماً دفعها أكثر وإحياؤها وتقويتها- يجب عليكم، لتكونوا كاملين كتلاميذ، معرفة نسيان الذات بكلّ الذكريات والمتطلّبات والمنعَكَسات المخيفة للأنا البشريّة.

في هذا الاختبار الأوّل للاثني عشر، الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا نفسهم أكثر. ناسين ليس فقط ماضيهم، إنّما كذلك شخصيّتهم المحدودة. إنّهم أولئك الذين لم يَعودوا يتذكّرون مَن كانوا ومَن هُم الآن لشدّة ذوبانهم في الله، بحيث لم يعودوا يخشون شيئاً. لماذا تحفّظات البعض؟ لأنّهم تذكَّروا حَرَجَهم المعتاد، واعتباراتهم المعتادة، وظُنونهم المعتادة. لماذا إيجاز الآخرين؟ لأنّهم تذكَّروا عدم أهليّتهم المذهبيّة، ولأنّهم خافوا أن يَظهَروا أو أن يجعلوني أبدو دون المستوى. لماذا التَّفاخر الظَّاهِر لآخرين أيضاً؟ لأنّ هؤلاء تذكَّروا كبرياءهم المعتاد، ورغبتهم في أن يكونوا في موقع النجوميّة، أن يُصَفَّق لهم، وأن يتفرَّدوا، وأن يكونوا "شيئاً مميّزاً". أخيراً، لماذا التجلّي غير المتوقّع لآخرين، في حديث هو حديث معلّم واثِق، مُقنِع وظافِر؟ لأنّ أولئك، وأولئك فقط، عَرفوا أن يتذكّروا الله. ولكنّ الأمر كذلك لدى أولئك الذين كانوا متواضعين، وكانوا يحاولون ألّا يلاحظهم أحد، والذين، في الوقت المناسب، عرفوا أن يتولّوا مباشرة قيادة الدفّة التي أُنعِم بها عليهم، والذين لم يكونوا يريدون ممارستها خوفاً من أن يكونوا مغرورين. الفئات الثلاث الأولى تذكَّروا الأنا الدنيا. أمَّا الفئة الرابعة، فقد تذكَّروا الأنا السامية ولم يخافوا. آه!‍ يا للإقدام المقدَّس المتأتّي من الاتّحاد بالله.

فإذن اسَمعوا، أنتم وأنتم: رُسُل وتلاميذ. أنتم أيّها الرُّسُل قد سمعتم تلك الأفكار. إنّما الآن فسَتدُركونها بشكل أعمق. وأنتم، أيّها التلاميذ، لم تسمعوها، أو كان ذلك بشكل جزئيّ. يجب أن تُنقَش في قلوبكم، إذ إنّني سوف أستعين بكم كثيراً وعلى الدوام، طالما قطيع المسيح لا يني يتعاظَم، إذ إنّ العالم سوف يهاجمكم أكثر فأكثر، وسيزداد عدد الذئاب المتألِّبة ضدّي، أنا الراعي، وضدّ قطيعي. أريد أن أضع بين أيديكم السلاح الذي تذودون به عن مَذهَب قطيعي. ما يكفي قطيعي لا يكفيكم أيّها الرُّعاة الصغار. إذا كان مسموحاً للنعاج ارتكاب الأخطاء وهي تقضم الأعشاب التي تجعل الدم مُرّاً وتثير الشهوات، فليس مسموحاً لكم أنتم ارتكاب الأخطاء نفسها مُودِين بقطيع كبير العدد إلى خرابه. فَكِّروا أنّه حيث يوجد راعٍ وثنيّ تَنفُق النعاج بالسمّ أو تهاجمها الذئاب.

أنتم ملح الأرض ونور العالم. إذا ما قصّرتم في رسالتكم فسَتُصبِحون ملحاً لا طعم له ولا نفع. ولا يمكن لشيء أن يعيد الطعم لكم إذا لم يمنحكم إيّاه الله. إذا كنتم، بتقبّلكم العطيّة، جعلتموها تَفقد طعمها بتمديدها بمياه الإنسانيّة التَّفِهة والملوّثة، وبتخفيفها بعذوبة الشهوات الفاسدة، بمزجكم ملح الله النقيّ بفضلات الكبرياء والشهوة والشراهة والفجور والغضب والكسل، بشكل تحصلون فيه على حبّة ملح واحدة مقابل سبع مرّات سبع حبّات من كلّ رذيلة. فلا يعود ملحكم آنذاك سوى مزيج من حصى فيها حبّة الملح تائهة، حصى تصرّ تحت الأسنان، وتترك في الفم طعم التراب وتجعل الطعام كريهاً ومقزِّزاً. فلا يعود صالحاً، ولا حتّى للاستخدامات الدنيا، حيث معرفة مجبولة بالرذائل السبع تسيء حتّى إلى الرسالات الإنسانيّة. حينئذ لا يعود الملح صالحاً لغير الرمي والدوس بأرجل الناس اللامبالية. كَم مِن الشعوب، كَم مِن الأمم ستتمكّن هكذا مِن دوس رجال الله! إذ إنّ أولئك المدعويّن سيكونون قد سَمَحوا للأمم اللامبالية أن تدوسهم، إذ لم يعودوا الجَّوهر الذي نسعى إليه لنَجِد طعم الأشياء النبيلة والسماويّة، إنّما سيكونون فقط فضلات.

أنتم نور العالم. أنتم كهذه النعمة التي كانت الأخيرة في وداعها للشمس، والأولى في تلقّي نور القمر الفضّيّ. المتواجد في الأعالي يُشرِق ويُرى، ذلك أنّ العين، حتّى الأكثر سهواً، تركّز أحياناً على الأعالي. أقول إنّ العين المادّيّة، التي نقول عنها إنّها مرآة النَّفْس، تعكس رغبة النَّفْس، الرغبة غير الـمُلاحَظة غالباً، إنّما الناشطة دائماً، طالما الإنسان ليس شيطاناً، الرغبة في الارتقاء إلى الأعالي، حيث يضع الفكر، بشكل غريزي، الكلّيّ السمو، ويَرفَع النَّظر إلى العَلى أثناء البحث عن السماوات، أقلّه بعض المرّات في سياق الحياة.

أرجوكم أن تتذكّروا ما نفعله جميعنا، منذ الطفولة الأكثر حداثة، أثناء الدخول إلى أورشليم. أين تتزاحم الأنظار؟ صوب جبل مورياح الذي يتوّجه قوس المعبد من المرمر والذهب. وعندما نكون داخل أسواره، ننظر إلى القبب الثمينة التي تشعّ وتتلألأ تحت الشمس. كم من الجمالات داخل الأسوار المقدَّسة، مُنتَشِرة في ردهاته وفي أروقته وساحاته! ولكنّ العين تنطلق إلى العُلى. أرجوكم أيضاً أن تتذكّروا أسفارنا. أين ينطلق نَظَرنا كيما ننسى طول الطريق والرتابة والتعب والحرارة والوحل؟ صوب القمم، حتّى ولو كانت قليلة الارتفاع، وحتّى ولو كانت بعيدة. وكم يُسرّى عنّا لمجرّد رؤيتها قد ظَهَرَت، عندما نكون في سهل منبَسِط بشكل رتيب! أأوحال في الأسفل؟ في الأعلى هو الطُّهر. أحرارة خانقة في الأسفل؟ في الأعلى هو الانتعاش. هل الأفق محدود في الأسفل؟ في الأعلى يمتدّ بلا حدود. ولمجرّد النظر إليه يبدو اليوم أقلّ حرارة، والوحل أقلّ لزوجة، والمسير أقلّ غمّاً. ثمّ لو لَمَعَت بلدة على قمّة جبل، فحينئذ لا تُرى عيوناً لا تُعجَب بها. حتّى لَتَحسب أنّ بلدة لا أهمّية لها تصبح جميلة، لو وُضِعَت في مكان شبه فضائيّ، على قمّة جبل. ولأجل ذلك تُرى في الديانات الحقيقيّة والديانات الخاطئة أنّه كلّما كان مستطاعاً يُبنى الهيكل في مكان مرتفع، وإذا لم تكن هناك هضبة أو جبل، فتُبنى له قاعدة من حجر بقوة السواعد على السطح المنبَسِط الذي يتوضّع عليه الهيكل. لماذا التصرّف بهذا الشكل؟ لأنّ المراد هو أن يُرى الهيكل، فيُذَكِّر برؤيته بالتفكير الموجّه صوب الله.

قُلتُ كذلك إنّكم نور. والذي يضيء مصباحاً ليلاً في البيت، فأين يضعه؟ أفي حفرة تحت الموقد؟ أم في المغارة المستخدَمَة كقبو؟ أَم مُغلقاً عليه في صندوق؟ أم بكلّ بساطة يخفيه تحت مكيال؟ لا، لأنّ إنارته آنذاك لا يعود لها فائدة. ولكنّه يَضَع المصباح على طاولة، أو يُعلِّقه على حامل المصباح، لكي، في حال وَضَعَه في مكان مرتفع يضيء الغرفة كلّها، ويُنير كلّ الموجودين فيها. ولكنّ ذلك، وبالتحديد سبب وضعه في مكان مُرتَفِع، الهدف منه هو التذكير بالله، ومنح النور، فينبغي له أن يكون على مستوى وظيفته.

أنتم يا مَن ينبغي لكم التذكير بالله الحقيقيّ، اعمَلوا على ألّا تكون فيكم الوثنيّة ذات العناصر السبعة. وإلّا فسَتُصبِحون مواضع دنيويّة مرتفعة بواسطة أخشاب مقدَّسة، مكرَّسين لهذا أو ذاك من الآلهة، جارِّين في وثنيّتكم الذين ينظرون إليكم كهياكل لله. ينبغي لكم أن تَحملوا نور الله. فمصباح مُتَّسِخ، أو غير المزوَّد بالزيت، يدخِّن ولا يعطي نوراً، بل يُطلِق روائح كريهة ولا يُضيء. ومصباح مخفي وراء زجاج (كريستال) متَّسخ، لا يعطي التألّق الظريف، ولا التأثير الرائع للنّور النّقي على المعادن اللّامِعة، ولكنه يَبهُت خلف ستار من الدخان الأسود الذي يجعل مأواه الماسيّ ذا غَباشَة كثيفة.

نور الله يتألّق حيث توجد إرادة جادّة يوميّاً في إزالة النفايات الناتجة عن العمل ذاته، بالاحتكاكات التي لا يمكن تحاشيها، التفاعلات وردود الفعل وخيبات الأمل. نور اللهَ سَطع عندما يكون المصباح مزوّداً بسائل وَفير ِمن الصلاة والمحبّة. نور الله يتضاعف تألُّقه بشكل لا نهائيّ، عندما تتواجد كمالات الله، حيث إنّ كلّ واحدة منها تَبعَث في القدّيس فضيلة تُمارَس ببطولة، إذا ما حافَظَ خادم الله على الزُّجاج حصيناً من نفسه، في مأمن مِن الدخان الأسود الذي لكلّ الأهواء السيّئة المدخِّنة. زجاج حَصين، حَصين! (يتكلّم يسوع بصوت كالرَّعد في هذه الخلاصة، ويُدَوّي الصوت في هذا المدرج الطبيعيّ.) الله وحده يملك الحقّ والقدرة على أن يُخطِّط هذا الكريستال، أن يَكتب فيه اسمه الكلّيّ القداسة بماسَة إرادته. حينئذ يُصبِح هذا الاسم تزييناً يُضاعِف سُطيحات الجمال فائق الطبيعة على الزجاج النقيّ جدّاً.

أمّا إذا كان خادم الله الغافِل، الذي بفقدانه ضبط نفسه ورؤية رسالته الفائقة الطبيعة فقط وبأكملها، يجعل تزيينات خاطئة ومزيّفة تترك أثرها على هذا الكريستال، خُدشاً وليس نَقشاً، شيفرات سرّية وشيطانيّة خَطَّتها أظافر الشيطان الناريّة. حينئذ لا، فالمصباح الرائع، لا يعود له بهاؤه وجماله الدائم الذي لا عيب فيه، ولكنّه يتصدَّع ويتحطَّم، خانقاً الشعلة تحت حطام الكريستال الـمُنفَجِر، أو إذا لم يتحطَّم، فإنّ مجموعة من العلامات الواضحة التي تفضح طبيعتها تتشكَّل على سطحه، ثمَّ يتسلَّل الشَّحار إلى داخله مفسداً إيّاهُ.

الويل! والويل الويل الويل للرُّعاة الذين يفقدون المحبّة، والذين يأبون الصعود يوماً إثر يوم ، ليُصعِدوا القطيع الذي ينتظر زهدهم ليَصعَد. سوف أضرُبهم بإسقاطهم من مكانهم، وبإطفاء كلّ دُخّانهم.

الويل! والويل الويل الويل للمعلِّمين الذين يرفضون الحكمة ليَشبَعوا مِن عِلم، هو غالباً مُناقِض، دائماً متكبّر، أحياناً شيطانيّ، لأنّه يدنيهم من إنسانيّتهم، إذ -اسمَعوا جيّداً واحفَظوا- بينما قَدَر كلّ إنسان أن يصبح شبيهاً بالله بالتقدّيس الذي يجعل الإنسان ابن الله، فالمعلّم-الكاهن ينبغي له، منذ حياته على هذه الأرض، أن يكون له مَظهَر ابن الله وإيّاه فقط. ينبغي له أن يكون إنساناً، هو بكلّيّته نَفْس وكمال. ينبغي أن يكون له كلّ ذلك ليَصِل بتلاميذه إلى الله. اللعنة تحلّ على المعِلّمين المكلَّفين بتأمين التعليم الفائق البشر الذين يصبحون أوثان المعرفة البشريّة.

الويل! والويل سبع مرات لأولئك الذين، بين كَهَنَتي، قد ماتت نفوسهم، الذين أصبَحوا تافهين، الذين تعاني أجسادهم من حرارة مَرَضيّة، والذين نَومهم مُفعَم بالتهيّؤات والهلوسة لكلّ ما هو موجود، ما عدا الإله الواحد والثالوث؛ الـمُفعَم بكلّ أنواع الحسابات، ما عدا الرغبة فائقة الطبيعة في زيادة ثروات القلب والله. إنّهم يعيشون، مغمورين بإنسانيّتهم، خسيسين، مُخَدَّرين، جارّين إلى مياههم المائتة الذين يتبعونهم وهم يظنّون أنّهم "الحياة". لعنة تحلّ على الذين يُفسِدون قطيعي الصغير، القطيع المحبوب. فليس مِن الذين هَلكوا نتيجة توانيكم، يا خُدَّام الربّ المقصِّرين، بل منكم أنتم سوف أُطالِب بالحساب، وبكم سوف أُنزِل القصاص، من أجل كلّ ساعة وكلّ وقت مُبَدَّد، من أجل كلّ السوء الذي كان يمكن أن يقع أو الذي نَتَجَ عنه.

تذكَّروا هذه الكلمات. والآن اذهبوا. إنّي صاعد إلى القمّة. أمّا انتم فناموا. غداً سوف يَفتَح الراعي للقطيع مراعي الحقيقة.»

22
الفصل السابع والستون
قيامة الرب

لقد نظرت نفس الرب بين ملاكين، كانت في ثياب محاربين: كانت مضيئة، مُشرقة، متألقة كالشّمس في منتصف النهار؛ تخترق الصّخرة، تمسّ الجسد المقدّس، تجتاز فيه، ويتحد الاثنان فى الحال، وصارا واحدا. ثم رأيت الأطراف تتحرّك، وجسد يسوع أتحّد ثانية بنفسه وبلاهوته، قام ونفض الكفن الملتفّ حوله وأضئ كل ما فى الكهف .
فى نفس اللّحظة رأيت انفجار حية ضخمة مخيفة على الأرض أسفل القبر. لقد كانت حية ترفع رأسها لتهاجم يسوع؛ وكان لها رأس بشرى. لكن الرب أمسك بعصا بيضاء فى يده، مثبت بها راية كبيرة؛ ووضع قدمه على رأس الحية، وضرب ذيلها ثلاث مرات بعصاه، بعد ذلك اختفت الحية. لقد كنت أرى هذه الرّؤيا نفسها عديد من المرات قبل القيامة، ورأيت مثل هذه الحية، تسعي أن تخفي نفسها في وقت الحبلِ بيسوع: شَبهَ الحية التي أغرت والدينا الأوائل في الفردوس، فقط كانت أكثر ترويعاً. اعتقدتُ بأن هذه الرّؤياِ كَانَت إشارة للكَلِماتُ النّبوية " بنسل المرأةِ يَسْحقَ رأسِ الحية " والذي كَانَ كله مقصودَ أَنْ يَبرهن على غلبة إلهنا على الموتِ، لأنه في نفس اللّحظةِ التي رَأيته يَسْحقُ فيها رأسَ الحية، اختفي القبر من بصري أيضا.
ثم رَأيتُ الجسد المُمَجَّد للرب يقوم، ويعَبرَ خلال الصخور الصلبِة بسهولة وكأن هذه الصخور قَدْ تشُكّلَت من مادة مرنةِ. اهَتزّتْ الأرض، ونزل ملاك في زيِ محاربِ من السّماءِ بسرعةِ البرقِ، دَخلَ القبرَ، رَفعَ الحجر ووَضعه على الجانبِ الأيمنِ، وجلسَ فوقه. برؤية هذا المنظر سقط الجنودِ على الأرض، وبَقوا كأنهم بلا حياة. عندما رأى كاسيوس الضّوءَ السّاطع الذي أنار القبر، اقتربَ من المكانِ حيث وُضِعَ الجسد المقدّس، نَظرَ ومَسَّ الأكفانَ وتَركَ القبر ليَذْهبَ ويُخبر بيلاطس بكل ما حَدث. إلا أنه تَلكّأَ لوقتَ قصيرَ ليُراقبَ تقدم الأحداثِ؛ لأنه على الرغم من أنه قَدْ شَعرَ بالزّلزال ورَأىَ الملاكَ يحركَ الحجرِ، ونَظرَ القبرِ الفارغِ، إلا أنه لم يرىَ يسوع بعد.
فى ذات اللّحظةِ التي دخل فيها الملاكِ القبرَ واهتزت الأرضَ، رَأيتُ الرب يَظْهرُ إِلى أمه المقدّسةِ فى الجلجثةِ. جسده كَانَ جميلَ ومرحَ، وجماله كَان جمال كائن سماويِِ. كان مكُتسِيا بعباءةِ كبيرةِ، بدت بيضاء بتألق، كما كانت تهفهف فى الهواءِ، ترفرف ذهاباً وإياباً مع كل نسمةِ رّيحِ، وتعكس آلاف الألوان الرائعة كلما عَبرتْ أشعة الشمسِ عليها. أشرقتْ جراحه المفتوحة على نَحْو ساطع‏، وكانت مُمكنُ أَنْ تَرى من مسافةِ عظيمةِ: جراح يديه كَانتْ كبيرَ جداً حتى أنه ممكن وضع الإصبعِ فيها بلا صعوبةِ؛ ونفذت أشعة الضّوء منها، منفرجة من جهةِ أصابعه. نفوس البطاركةِ رَكعتْ أمام أمِ مُخلصنا، وتكلم يسوع إليها مُشيرا إلى قيامته، مُخبرا إياها بأشياء عديدة قَدْ نَسيتُها. أراها جراحه؛ وانطرحت مريم لتُقبّلَ قدميه المقدّسة؛ لكنه اَخذَ يدّها، أقامها، واختفىَ.ِ
عندما كُنْتُ على مسافةِ من القبرِ رَأيتُ أضواءَ عذبة متوهِّجة هناك، ورأيت بقعةَ مضيئةَ كبيرةَ في السّماءِ فوق أورشليم.
تأمل الرب يسوع
الجمعة المقدّسة قَدْ تلاه فجرِ أحد القيامة المجيدِ. إن كنت قَدْ قَرّرتُ أَنْ لا أفني العالم، فذلك يَعْني أننّي أُريدُ أَنْ أُجدّده وأن أنعشه. أن الأشجار القديمة تَحتاجُ أَنْ تَفْقدَ أوراقها وأن تُشَذَّب لكي تستطيع أَنْ تَعطى نباتات جديدة. أما الأغصان القديمة والأوراق الجافّة، فتصير للُحرق .
افصلْوا الكباش الصّغيرةَ عن الخرافِ، لتستطيع أَنْ تجد مراعي خصبة مُعدة جيداً حيث تستطيع أَنْ تُشبع جوعها وأن تشرب من ماءِ ينابيع الخلاص الصافية ِ....إن دمى الفادى يسَقى الأراضي القاحلة التي أَصْبَحتْ صحاريَ عالمِ النفوس. وهذا الدّمِ سَيَجرى على الأرض دائما طالما أن هناك إنسان واحد ينبغى أن يخلص.
أحبائى, أنى اَرْغبُ ما لستم تُريدونهُ، لكنى أستطيع أَنْ أفعَْلُ ما لا تستطيعوا أَنْ تحصلوا عليه. أن مُهمتكم أَنْ تجعلوني محَبوب من النفوس، وأَنْ تُعلّموهم أَنْ َيعِيشوا معي. أنا لم أمتُّ على الصليبِ، وتعرضت لآلاف العذابات كى أزود جهنم بالنفوس، بل بالأحرىَ، كى أزود السماء بنفوس المختارين .


الفصل الثامن والستون
النّساء القدّيسات عند القبر

النّساء القدّيسات كن بالقرب من باب دار نيقوديموس في لحظة قيامة الرب؛ لكنهم لم يروا أي شئ من الأعاجيب التي كانت تحدث عند القبر. لم يكن مدركات بأنّ الحرس قد وضعوا حوله، لأنهم لم يزرن الموضع فى اليوم السّابق، لكونه كان السبت. كانت كل واحدة منهن تسأل الأخرى ماذا سيفعلن بخصوص الحجر الكبير الموضوع على الباب، من الشّخص الملائم الذى يجب أن يسألنه عن إزالته، لأنهن كن منسحقات بالأسى حتى أنهن ما فكّرن في الموضوع من قبل. نيتهن كانت أن يسكبن الطيب على جسد يسوع، وبعد ذلك ينثرن عليه زهور من أكثر الأنواع النّادرة والعطرة، هكذا يقدمون كل الكرامة الممكنة إلى سيدهم الإلهى في قبره. سالومه، التي جلبت أشياء أكثر من أي شخص آخر، كانت سيدة غنية، كانت تعيش في أورشليم، كانت تمت بصفة قرابة للقديس يوسف، قررت النّساء القدّيسات أن يضعن الحنوط على الحجر الذي أغلق باب القبر، وينتظرن حتى يأتي أحد ليدحرجه .
كان الحرّاس ما زالوا راقدين على الأرض، التشنجات القوية التى هزتهم أظهرت كم كان عظيماً رعبهم، والحجر الكبير قد ألقى على أحد الجانبين، حتى أن الباب ممكن فتحه بلا صعوبة. لقد استطعت أن أرى الأكفان التي كانت تلف جسد يسوع مبعثرة في القبر، واللفافة الكبيرة موضوعة في نفس المكان مثلما تركوها، لكنها ملتوية بطريقة بحيث أنك ترى فى الحال أنها لم تعد تحتوى على أي شئ سوى الحنوط التي كان قد وضع حول الجسد، والضّمادات كانت خارج القبر. المنديل الذي غلّفت به مريم الرّأس المقدّس لابنها كان ما زال هناك.
رأيت النّساء القديسات يأتون إلى البستان؛ لكن عندما ميزوا النور القادم من قناديل الحراس، وأشكال الجنود السّاجدة حول القبر، ارتعبن وتراجعن نحو الجلجثة. مريم المجدلية كانت أكثر شجاعة ودخلت البستان وتبعتها سالومه، بينما ظلت بقية النّساء بالخارج.
بدت المجدلية فزعة للحظة عندما اقتربت من الحراس. تراجعت بضع خطوات وانضمّت ثانية إلى سالومه، لكنهما استعادا رباطة جأشهما وسارا سوياً وسط الحرّاس السّاجدين، ودخلن الكهف الذى يحتوي القبر. أدركن على الفور أن الحجر قد دُحرج، لكن الأبواب كانت مغلقة. فتحت المجدلية الأبواب بسرعة، نظرت بحرص في القبر، وكم كانت عظيمة دهشتها برّؤية الأكفان التي أحاطوا الرب بها موضوعة فى أحد الأجناب، وأن الموضع الذى أودعوا فيه الجسد المقدّس فارغاً. ملأ نور سماوي الكهف، وجلس ملاك على الجانب الأيمن. تجمدت المجدلية من خَيْبَة الأمَل‏ والرعب. أنا لا اعرف إن كانت قد سمعت الكلمات التي خاطبها بها الملاك أم لا، لكنها تركت البستان سريعاً بقدر ما تستطيع، وركضت نحو المدينة لتخبر التلاميذ الذين تجمّعوا هناك بما قد حدث. أنى لست اعرف إن كان الملاك قد تكلّم إلى مريم سالومه، لأنى لم أراها تدخل القبر؛ بل رأيتها تترك البستان مباشرة بعد المجدلية، كى تروى كل ما حدث لبقية النّساء القديسات، اللواتي كنّ خائفات ومسرورات بالأخبار، لكن لم يستقر رأيهن إن كانوا سيذهبن إلى البستان أم لا .
في نفس الوقت كان كاسيوس قد بقى قرب القبر بأمل رؤية يسوع، كما اعتقد أنه سيظهر بالتأكيد للنّساء القديّسات؛ لكنه لم يرى شيء، فاتجه نحو قصر بيلاطس ليقص عليه كل ما حدث، توقف أولاً في الوضع الذى تجمعت فيه بقية النّساء القدّيسات، ليخبرهن بما قد رآه، وليحثهن أن يذهبن فورا إلى البستان. تبعوا نصيحته، وذهبن هناك فى الحال. ما أن وصلوا لباب القبر حتى نظروا ملاكان مكتسيان بأردية كهنوتية بيضاء باهرة. النّساء كنّ مرتعبات للغاية، غطوا وجوههم بأياديهم، وسجدوا على الأرض؛ لكن أحد الملاكين خاطبهم, دعاهم ألا يخافوا، واخبرهم إنهم لا يجب أن يطلبوا يسوع المصلوب هناك، لأنه حي، لقد قام، ولم يعد ساكنا بالقبر. أشار إليهم في نفس اللحظة إلى القبر الفارغ، وأمرهن أن يذهبن ويقصوا على التلاميذ كل ما قد رأوه وسمعوه. اخبرهن أيضاً أن يسوع سيذهب أمامهم نحو الجليل، وذكّرهم بالكلمات التي قالها مُخلصنا لهم فى مناسبة سابقة : " أن ابن الإنسان سيسلّم في أيادي الخطاة وأنه سيصلب، ويقوم فى اليوم الثالث ". حينئذ اختفي الملاكان، وتركا النّساء القدّيسات ممتلئات بالبهجة، مع أنهن قد تأثرن بشّدة بالطبع وبكين، نظروا إلى القبر الفارغ والأكفان وبدءوا على الفور يرجعن إلى المدينة. لكنهم كن مُنهكات بعديد من الأحداث المذهلة التي وقعت، حتى أنهم سرن ببطء جداً، وتوقفوا ونظروا للخلف كثيراً، على آمل رؤية الرب، أو على الأقل المجدلية.
في أثناء ذلك وصلت المجدلية إلى حيث تجمع التلاميذ. كانت مثارة وقرعت الباب بعجالة. كان بعض التلاميذ ما زالوا نائمين، وأولئك الذين كانوا مستيقظين كانوا يتحدّثون معاً. فتح بطرس ويوحنا الباب، لكنها كانت تصيح دون أن تدخل الدّار : " لقد أخذوا جسد سيدي، ولست اعرف أين وضعوه " ورجعت فورا إلى البستان. رجع بطرس ويوحنا للدّار، وبعد أن قالا بضع كلمات إلى التّلاميذ الآخرين تبعوها راكضين بسرعة بقدر ما يستطيعون، لكن يوحنا سبق بطرس.
ثم رأيت المجدلية تدخل البستان، وتوجهت نحو القبر؛ بدت قلقة بشّدة، من جهة بسبب الحزن، ومن جهة أخرى لكونها مشت بسرعة. ملابسها كانت رطبة تماما بالنّدى، وتعلقت طرحتها من جانب واحد، بينما شّعرها الذي كانت تتفاخر به كثيرا فى السابق قد سقط على كتفيها دون تنسيق، مشكّلاً عباءة. بكونها بمفردها، كانت خائفة من دخول الكهف، بل توقف للحظة خارجه، وسجدت لأسفل لترى القبر بشكل أفضل. لقد كانت تحاول أن تدفع شعرها الطّويل الذي سقط على وجهها حاجباً الرؤية عنها للخلف، عندما لاحظت الملاكان اللذان قد جلسا في القبر، وسمعت أحدهما يخاطبها قائلاً : " يا امرأة، لماذا تبكين ؟ " أجابت، بصوت مُختنق بالدموع لأنها قد غمرت تماما بالأسى باكتشاف أن جسد يسوع قد اختفى حقا : " لقد اخذوا سيدي، ولست اعرف أين وضعوه ". لم تقل شئ أخر، لكن برؤية الكفن الفارغ، خرجت من القبر وبدأت تنظر حولها في المناطق الأخرى. شعرت بهاجس داخلي أنها ليست فقط يجب أن تجد يسوع، بل أنه قريب إليها تماما؛ ووجود الملائكة بدا لا يزعجها على الأقلّ؛ لم تُظهر حتى أنها مدركة إنهم ملائكة، كل فكرها كان مُستغرقا بالكامل فى فكره واحدة " يسوع ليس هناك! أين يسوع؟ " لقد راقبتها هائمة كشخص مجنون، شعرها يطير على نحو طليق في الرّيح: بدا أن شعرها يغيظها كثيراُ، لأنها حاولت مرة أخرى أن تدفعه بعيد عن وجهها، وبعد ما قسّمته لجزأين، ألقته على كتفيها.
ثم رفعت رأسها ونظرت حولها، ولاحظت منظر شخص ما طويل، مكتسيا بملابس بيضاء، يقف على بعد حوالي عشرة خطوات من القبر على الجانب الشّرقي للبستان، حيث كان هناك علو قليل في اتجاه المدينة؛ الشّكل قد اختفى جزئياً من بصرها بنخلة، لكنها بوغتت بمن يخاطبها بهذه الكلمات : " يا امرأة، لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ " ظنت أنه البستاني؛ لأن رداءه كان يشبه رداء البستاني الذى وصفه يسوع في المثل الذي قصه على النّساء القديسات في بيت عنيا قبل وقت قصير من آلامه. جسده لم يكن مضيء، مظهره بالكامل كان بالأحرى مظهر رجل مرتدي ثياب بيضاء ورؤى فى الغسق. بكلمات " من تطلبين ؟ " نظرت إليه وأجابت بسرعة : " سيدي، إن كنت أخذته، أخبرني أين وضعته؛ وأنا آتى وآخذه. " وبدت متلهفة. قال لها يسوع " يا مريم " حينئذ ميزت على الفور صوّته الحبيب، والتفتت بسرعة وأجابت " رابوني " وألقت بنفسها على ركبتيها أمامه، ومدت يديها لتمسّ قدميه؛ لكنه أومأ إليها أن تهدأ، وقال : " لا تلمسّيني، لأنى لم أصعد بعد إلى أبي؛ بل أذهبي إلى أخوتي وقولي لهم: أنى صاعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم. ثم اختفى.
سبب كلمات يسوع " لا تلمسّيني " قد أتضّح لي بعد ذلك، لكنى لدى فقط تذكر غير واضح لهذا التّفسير. أعتقد أنه استعمل تلك الكلمات بسبب تهور مشاعر المجدلية، التي جعلتها لدّرجة ما تنسي السر العظيم الذي قد اكتمل، وشعر كما لو أن ما تنظره ما زال فى عينيها جسد بشري وليس جسداً ممجّداً.
أما بالنسبة لكلمات يسوع " أنى لم أصعد بعد إلى أبي " فأنا قد أُخبرت بأنّ معناها أنه قد قدّم نفسه إلى أبيه على نحو حار منذ قيامته، ليقدم له الشكر لانتصاره على الموت، ولأجل عمل الفداء الذي أتمّه. لقد رغب منها أن تستنتج من هذه الكلمات، أن الثّمار الأولى للفرح تخص الرب، وأنها يجب أن تعكس وتقدم الشكر له لأجل إتمام سر الفداء المجيد، ولأجل الغلبة التى نالها على الموت؛ وإن هي قبّلت قدميه كما تعودت قبل آلامه، فأنها ما كانت ستفكّر فى شئ سوى فى سيدها الإلهى، وفي نشوة الحبّ قد نسيت بالكامل الأحداث الرّائعة التي كانت تسبّب مثل هذه الدّهشة والبهجة في السّماء. لقد رأيت المجدلية تنهض بسرعة، بمجرد أن اختفى الرب، وتركض لتنظر ثانية في القبر, كما لو أنها ظنت أنها تحت تأثير حلم. رأت الملاكين ما زالا جالسان هناك، وتكلّموا إليها بخصوص قيامة الرب بنفس الكلمات التى خاطبوا بها المرأتان من قبل. رأت أيضاً الكفن الفارغ، وبعد ذلك، شعرت بالتأكيد بأنها ليست واهمة، وأن ظهور الرب كان حقيقي، سارت بسرعة للرجوع للجلجثة لتطلب مرافقيها، الذين كانوا يتجوّلون ذهاباً وإيابا، يراقبون عودتها بلهفة، ومطلقين العنان لنوع من الأمل المُبهم إنهم لابد أن يروا أو يسمعوا شيء ما عن يسوع.
استغرق كل هذا المشهدِ أكثر قليلاًَ من دقيقتان أو ثلاث دقائقِ. كانت حوالي الثالثة والنّصفِ عندما ظهر الرب إِلى المجدلية، ودخل يوحنا وبطرس البستان بينما كانت تَتْركها. يوحنا الذي سبق بطرس قليلاَ، وَقفَ في مدخلِ الكهفِ ونَظرَ داخله. رَأىَ الأكفان موضوعة على أحد الجوانبِ، وانتظرَ حتى جاء بطرس ودَخل القبرَ بعده، ورَأوا الأكفان فارغة. آمن يوحنا بقيامة الرب فى الحال، وفهما كلاهما الكَلِماتَ التى خاطبهم بها يسوع قبل آلامه بوضوح، وأيضا الفقرات المختلفة في الكتاب المقدّسِ التى تتعلق بذلك الحدثِ، الذي كان مازال غامضا إليهم. وَضعَ بطرس الأكفان تحت عباءته، ورَجعوا بعجالة إلي المدينةِ من خلال المدخلِ الصّغيرِ الذى يخص نيقوديموس.
مظهر القبر المقدسِ عندما دَخل التلميذان كَانَ هو نفسه عندما دخلته المجدلية أولا. الملاكان اللذان يَمجدان قَدْ جلسَا، واحد عند الرّأسِ، والآخر في الحدّ الأقصىِ من القبرِ، في نفس الموقفِ عندما كان جسده المبارك يرقد هناك. أنا لا أَعتقدُ أن بطرس كَانَ شاعر بحضورهم. سَمعتُ يوحنا بعد ذلك يُخبرُ تلميذي عمواس، أنه عندما نَظرَ في القبرِ رَأىَ ملاكَ. ربما قَدْ بوغت من قبل هذا المنظرِ، ولهذا رجع للخلف وجعل بطرس يَدْخلَ القبرَ أولا.
بدأ الحرّاس يفيقون في هذه اللّحظةِ، ونهضوا وجَمّعَوا رماحهم، وانزلواْ القناديل، التي كَانتْ على البابِ، كى يَلقونَ بصيصَ من الضوء على الأشياءِ التى تحيط بهمِ. ثم رَأيتهم يَمْشونَ بعجالة خارج البستان في خوفِ وهلعِ واضحِ، في اتجاه المدينةِ.
في أثناء ذلك انضمت المجدلية ثانية إلى النِّساءِ القديّساتِ، وروت لهم رُؤيتها للرب في البستان وبكَلِماتِ الملائكةِ بعد ذلك، وعندئذ ربَطوا ذهنيّا‏ فوراً ما كَانوا قَدْ رَأوه بأنفسهم، وذهبت المجدلية بسرعة إِلى أورشليم، بينما عادت النِّساءَ إِلى البستان حيث توَقّعوا أَنْ يَجدوا التلميذان. قبل أن يَصلوا البستان، ظَهرَ لهم يسوع. وقَدْ اكتُسِى في عباءةِ بيضاءِ طويلةِ، اخفتْ حتى يديه، وقالَ لهم " مرحبا " وثبوا بدّهشةِ، والقوا أنفسهم عند قدميه؛ تَكلّمَ معهم بضع كَلِماتَ، مد يده كما لو أنه يُشيرَ إلى شيء ما إليهم، واختفيْ. ذهبت النِّساء القديسات فى الحال إِلى العلية واخبروا التّلاميذ الذين تجُمّعوا هناك إنهم قَدْ رَأوا الرب؛ كَان التلاميذ مرتابينَ، ولَم يؤمنوا ولا بما ذكرته المجدلية. لقد تعَاملا فى كلتا الحالتين كأنهم متأثرين بتخيلاتهمِ؛ لكن عندما دخل بطرس ويوحنا الغرفةَ ورويا ما قَدْ رَأوا، لم يعَرفوا بماذا يُجيبوا، وقَدْ امتلئوا بالدّهشةِ.
ترك بطرس ويوحنا العلية فورا، الأحداثِ الرّائعةِ التي قَدْ حَدثتْ جعلتهم صامتين ومستغرقين في التفكير‏، وبعد قليل قَابلا يعقوب الصغير ووَتَدَّاوُسُ، اللذان رَغباَ أَنْ يُرافقوهما إِلى القبرِ. كل من يعقوب ووَتَدَّاوُسُ كانا منهكان بشّدة، لأن الرب قَدْ ظَهرَ إليهم قبل وقت قصير من لقائهم لبطرس ويوحنا. رَأيتُ أيضا يسوع يمر بقرب بطرس ويوحنا. أَعتقدُ أن يوحنا قد ميزه، لأنه انطلق‏ فجأة، لكنى لا أَعتقدُ أن بطرس قد رآه.



الفصل التاسع والستون
الرواية التي أعطتْ مِن قِبل الحراسِ الذين وُضِعوا حول القبر

أسرع كاسيوس إِلى دارِ بيلاطس بعد حوالي ساعةِ من القيامةِ، كى يَعطيه تقرير مُفصل عن الأحداثِ الهائلةِ التي حَدثتْ. لم يكن بيلاطس قد استيقظ بعد، لكن كاسيوس سُمِحَ له أَنْ يَدْخلَ غرفة نومه. لقد قص عليه كل ما حَدثِ، واظهرَ مشاعره بنبرة قوية. لقد وَصفَ كيف أن الصّخرةَ قد انشقت، وكيف أن ملاك قَدْ نزل من السّماءِ ودَفعَ الحجر جانباً؛ تَكلّمَ عن الأكفان الفارغِة أيضا، وأضافَ بكل تأكيد أن يسوع هو المسيح المنتظرَ، ابن الرب، وأنه قَدْ قام حقاً. استمع بيلاطس إلى هذا التقرير وارتعدَ وارتجفَ بالرّعبِ، لكنه أخفى هياجه بأقصى قوته، وأجاب كاسيوس قائلا : " هل تؤمن أنت أيضاً بالخرافات؛ لقد كان بغاية الحماقة أَنْ تَذْهبَ إلى قبرِ ألجليلي؛ أن آلهته استغلّتْ ضعفك، وأظهرت كل تلك الرُّؤىِ السّخيفةِ كى تُخيفك. أَوصيك أَنْ تظل صامتا، ولا تسرد من جديدَ مثل هذه الحكاياتِ السّخيفةِ إِلى الكهنة، لأنك ستنال منهم ما يُسيئك " لقد ادّعىَ أَنهْ يَعتقدَ بأنّ جسدَ يسوع قَدْ أُخذ مِن قِبل تلاميذه، وأن الحراس قَدْ ارتشِوا ونَاموا، أو ربما كانوا مَخْدُوعين بالسّحرِ، قَدْ اخترعوا هذه القصة من أجل أَنْ يُبرّرَوا تصرفهم. عندما قال بيلاطس كل ما يستطيعه فى هذا الموضوع، تركه كاسيوس، وذَهبَ بيلاطس ليقدم تقدمته إِلى آلهته.
وصل الجنود الأربعة الذين كانوا فى حَراسة القبر بعد قليل إلي قصرِ بيلاطس، وبدءوا يُخبرونه بكل ما كان قَدْ سَمعهَ مسبقا من كاسيوس؛ لكنه لم يَستمعُ إلى شيء أكثرِ وأرسلهم إِلى قيافا. تجُمّع بقية الحرّاسِ في ساحة كبيرةِ بقُرْب الهيكلِ ممتلئة باليهودِ المسنينِ، الذين، بعد مشاورات سّابقةِ، اَخذَوا الجنودَ على أحد الجوانبِ ورّشوهم وّهددوهم سَعيَا أن يُقنعونهم أَنْ يَقُولوا بأنّهم ناموا، وبينما كَانوا نائمين جاء التلاميذ وأخذوا جسد يسوع. الجنود، مع ذلك، اعتَرَضوا، لأن التقرير الذي سيقدمه رفاقهم إِلى بيلاطس سيُناقضُ أي قصة سيخترعونها الآن، لكن الفريسيون وَعدوهم أَنْ يُرتّبوا كل شيء مع الحاكمِ. بينما كانوا ما زالوا يُعارضونَ، جاء الحرّاس الأربعة من مقابلةِ بيلاطس، وسعى الفريسيون أن يُقنعونهم أَنْ يَخفوا الحقيقة؛ لكنهم رَفضوا ذلك وأعلنوا بقوة إنهم لَنْ يُغيّروا ما أعلنوه أولا ولا قيد أنملة.
النّجاة الإعجازية ليوسف الرامى من السّجنِ قَدْ شاعت، وعندما آتهم الفريسيون الجنود بأنهم سَمحَوا للحواريون أَنْ يَحْملوا جسد يسوع، وهَدّدوهم بعقابهم بأقصى عقابِ إن لم يوجدوا الجسد، أجابوا، كما أنه من المحال تماماً عليهم أَنْ يُوجدوا جسد يسوع، فأنه كذلك من المحال للجنودِ الذين هاجموا يوسف الرامى أَنْ يُرجعونه ليسجنوه ثانية. لقد تَكلّموا بأعظمِ ثبات وشّجاعةِ؛ الوعود والتّهديدات كَانت غير مؤثّرةَ على حد سواء. أعلنوا إنهم لن يَتكلّمونَ إلا بالحق ولاشيء إلا الحق وأن عقوبة الموتِ التي أُجيزت على يسوع كَانتْ ظّالمةَ وجائرةَ؛ وأن الجريمة التي اُرتكبت بوَضْعه إِلى الموتِ كَانتَ السّببَ الوحيدَ لمقاطعةِ الاحتفال بالفصحِ. الفريسيون، لَكُونُهم غاضبين تماماً جعلوا الجنودَ الأربعة يُعتَقلونَ ويلقون في السّجنِ، والآخرون، الذين قَبلوا الرشاوى، أشاعوا أنّ جسدَ يسوع قَدْ حُمِلَ مِن قِبل التّلاميذ بينما كانوا نَائمين؛ سعى الفريسيون والصديقونين وأعضاء حزب هيرودس أن يروجوا هذه الأكذوبةِ بأقصى قدرتهم، ليس فقط في المعابد بلِ بين الشعب أيضاِ؛ وصاحبوا هذا التّصريحِ الباطلِ بالأكثر الافتراءات كذبا على يسوع.
كل هذه التدابير الوقائية نَفعتَ لكن قليلاَ، لأنه بعد القيامةِ، عديد من الأشخاصِ الذين سَبَقَ أَنْ ماتوا منذ أمد طويل نُهِضوا من قبورهم، وظَهرواَ إِلى من هم من ذريتهم الذين لم يكونوا قساة القلوب للدرجة التى تمنع نفّاذ النعمةَ، ويَحْثونّهم أنْ يتوبوا ويؤمنوا. أن هؤلاء الموتى قَدْ رآهم عديد من التلاميذ، الذين غلبهم الخوف واهتز إيمانهم وهَربَوا إلى القرى. لقد حَثوهم وشَجّعوهم أَنْ يَرْجعوا، وأعادوا لهم شجاعتهم المفقودة، قيامة هؤلاء الأموات لا تشبه بأقل درجة قيامة يسوع. الذى قام بجسدِ مُمَجَّدِ ليس معرض بعد لا للفساد ولا للموت، وصَعدَ إلي السّماءِ بهذا الجسدِ المُمَجَّدِ على مرأى من كل تلاميذه؛ لكن أجسادَ هؤلاء الموتى كانت جثثَ ساكنةَ، والأرواح الذي سَكنتهم ذات مرة قَدْ سُمِح لها أَنْ تَدْخلها وتُعيدا تحركهم لفترة، وبعد أداء المهمة الموكولة لهم، تركت الأرواح هذه الأجسادِ ثانية، التي رَجعتْ إِلى حالتها الأصليةِ في أحشاء الأرضِ حيث سَيَبْقونَ حتى القيامة في يوم الدينونة. لا يُمكنُ أَنْ أن نقارن عودتهم إِلى الحياةِ إلى إقامة لعازر من الموتِ؛ لأنه رَجعَ حقاً إِلى حياةِ جديدةِ، وماتَ مرة أخرى.

الفصل السبعون
نهاية التّأملات

فى يوم الأحدِ التّالي , إن كنت أَتذكّرُ بشكل صحيح، رَأيتُ اليهودَ يَغْسلونَ ويطهرون الهيكل. يقدمون ذبائح تكفيرِ، يزيلوا البقايا ويسَعوا أن يَخفوا تأثيراتَ الزّلزالِ بوَضْعِ ألواح خشبيةِ وسجادِ على الهوّةِ والشّقوقِ التى حدثت في الجدرانِ والأرض؛ وأوصوا بالاحتفال بالفصحَ، التي كَان قَدْ قوطعْ في منتصفه، أعلنَوا أنّ الاضطراب كَانَ سببه حضورَ أشخاصِ ملوّثين، وسَعوا أن يُوضّحَوا ظهوراتَ الموتى. أشاروا إلي رؤيا حزقيال، لكني لَمْ أعُدْ أَتذكّرُ. لقد هَدّدوا كل من يتَجاسر ويَقُول كلمة عن الأحداثَ التي حَدثتْ، أو من يتجرأ أن يهمس بها، بالطّردِ وبعقوباتِ قاسية أخرىِ. لقد نَجحوا في إسْكاتِ بعض الأشخاصِ القساة القلوب، المدركين لذنوبهم ويرَغبَون أَنْ يُبعدواَ الموضوع من أذهانهم، لكنهم لم يؤثروا على من كانت قلوبهم ما زالَتْ تَحْتجزُ بعض بقاياِ من الفضيلةِ؛ لقد ظلوا صامتين لفترة، مُخبئين إيمانهم الدّاخليَ، لكن فيما بعد، اسْتِعْاَدوا شجاعتهم، أعلنوا إيمانهم بيسوع إِلى العالمِ بصوت عالي. رؤساء الكهنة كَانوا بغاية الارتباك عندما أدركوا كيف تنتشر تعاليم المسيحِ بسرعة فى كل أرجاء الوطن. عندما كان اسطفانوس شمّاساَ، كل من أوفيل والجانب الشّرقي من صهيون كَانا صغيرانَ جداً على أَنْ يَحتويا على الجماعات المسيحية العديدة، وأضطر جزء منهم أَنْ يقيم في بلدة تقع بين أورشليم وبيت عنيا .
رَأيتُ حنّان في حالةِ من الجنون ويتصرف كإنسان داخله شيطان؛ فى النهاية قَدْ أٌجبر أنْ يلزم بيته، ولم يحدث مرة أخرى مطلقاً أَنْ ظهر على الملأ. قيافا كَانَ ظاهريا أقل تأثيرا، لكنه كان يُباد داخليا بهذا الغضب والغيرةِ .
لقد رَأيتُ بيلاطس؛ كَانَ فى بحث عن زوجته في كل أجزاءِ المدينةِ، لكن جهوده لم تُثمرَ؛ لقَدْ اختبأت في دارِ لعازر في أورشليم. لا أحد فَكّرَ أن يبحث عنها هناك، لأن الدّارِ لم يكن بها سيدات؛ لكن أسطفانوس كان يحَملَ لها الطعامَ هناك، ويعلمها بكل ما يحدث في المدينةِ. أسطفانوس كَانَ ابن عمَ القديس بولس. لقد كَانا أبناءَ أخوين. فى اليومِ التالي للسبت، ذهب سمعان القيروانى إلى الحواريين وناشدهم أن يعلموه كى ينال المعمودية.

الى هنا انتهت الاجزاء المترجمة للغة العربية حول الرسائل التي الهمها ربنا يسوع المسيح للقديسة انا اميرتش

23
اخي مواضيعك ليس بها اي اساس من المسيحية اتمنى ان تحذفها كلها. كلها تاليف.

24
عشية القيامة
نحو نهاية يومِ السبت، جاء يوحنا ليَرى النِّساء القديّسات. حاول أن يَقدم بعض التّعزيةِ، لكنه لم يتَمَكّنَ من أَنْ يمنع دموعه، ومكث لفترة قصيرة معهم. كَانَ فى زيارتهم أيضا كل من بطرس ويعقوب الكبير، بعد ذلك اختلوا فى صوامعهم، أعطوا متنفس لأحزانهم، جلسوا على الرماد, وحْجبُوا أنفسهم أكثر.
صلاة العذراءِ المباركةِ كَانتْ بلا توقفَ. عينيها ظلت دوما مُثبّتة بشكل داخلي على يسوع، وقَدْ توهجت تماماً برغبة عارمة أن تنظر مرة أخرى من أحَبّتْه بمثل هذا الحبِّ المتعذر وصفه. فجأة وَقفَ ملاك بجانبها، ودعاها أن تنَهضَ وتَذْهبُ إلى بابِ منزلِ نيقوديموس، لأن الرب كَانَ قُرْيب. قفز قلب العذراءِ المباركةِ بالبهجةِ. لَفّتْ عباءتها بعجالة حولها، وتَركتْ النِّساء القديّسات، دون أن تُعلمهم إلى أين هي ذْاهبةُ. رَأيتُ مشيتها المسرعةَ إِلى مدخلِ صغيرِ كان في سور المدينةِ، يماثل المدخل الذي دَخلتْ منه عندما رْجعُت مع مرافقيها من القبرِ.
كان حوالى الساعة التاسعة ليلا، عندما وصلت العذراء المباركة للمدخل، رَأيتهاُ تقف فجأة في بقعةِ منعزلة جداً، وتنظر لأعلى في نشوةِ مبهجة، لأنها رأت ألهنا على قمةِ سور المدينةِ، متألقا بالنور، بدون ظهور الجراحِ، ومحاطَ بالبطاركةِ. لقد نزل نحوها، التفت إِلى مرافقيه، وَقدمها لهم قائلا " ها هى مريم، ها هى أمي " ظَهرَ لي يُحيّيها بقبلةِ، واختفىَ بعد ذلك. سَجدتْ العذراءُ المباركةُ لأسفل، وقَبّلتْ الأرض التي وَقفَ عليها بإجلال، وطبعة يديها ورُكَبتيها ظلت مَطْبُوعةَ على الأحجارِ. هذا المنظر مَلأها ببهجةِ يتعذر وصفهاِ، وانضمّتْ فى الحال مرة أخري بالنِّساءِ القديّساتِ اللواتي كن منشغلات في إعْداْدِ الأطياب والحنوطِ. لمَ تخبرهم بما رَأتْه، لكن ثباتها وقوه فكرها قَدْ عادا إليها, لقد تجددتْ تماماً وأُراحت كل الباقينِ، وسَعتْ أن تَقوّي إيمانهم.
عندما عادت مريم كانت كل النِّساءِ القدّيساتِ يَجْلسنَ على منضدةِ طويلةِ، يتدلى غطائها حتى الأرض؛ حزم الأعشابِ كُوّمتْ حولهم، وقد تم خَلطهم سوية وترَتيّبهم ؛ كانت توجد أيضا قوارير صغيرة، تَحتوي على زيوت عطرية وماء العنبرِ، أيضا باقاتِ الزّهورِ الطّبيعيةِ، ميزت منها زهرة السوسن. المجدلية، مريم ابنة كلوبا، سالومه، يونا، ومريم سالومه، قَدْ اشترينَ كل هذه الأشياءِ من المدينةِ خلال غياب مريم. نيتهم كَانتْ أَنْ يَذْهبنَ إلى القبرِ قبل شروق الشمسِ فى اليوم التاليِ، من أجل أَنْ يَنْثرنَ هذه الزّهورِ والعطورِ على جسدِ سيدهم الحبيبِ.
الفصل الخامس والستون
يوسف الرامى طليقَ بمعجزة سمائية‏
بعد وقت قصير من عودة العذراءِ المباركةِ إِلى النِّساءِ القدّيساتِ، رأيت السّجنِ الذي حُبس فيه يوسف الرامى. كَانَ يَصلّي بتوهج، عندما أنير كل المكان فجأة بنور رائع، وسَمعتُ صوتَ يَدْعوه بالاسم، بينما فَتحْ السّقفِ في نفس اللحظة، وظهر شكل ساطع، مُمسك بلفائف تَشْبهُ التى لَفَّ بها جسد يسوع. أمسك يوسف بها بكلتا يديهِ، وسُحب لأعلى من الفتحةِ، التي أغَلقتَ ثانية بمجرد خروجه منها؛ واختفىَ الظّهور فى اللّحظةَ التى كَانَ فيها فى أمانِ في قمةِ البرجِ. لَستُ اَعْرفُ سواء كان الرب بنفسه أو ملاك هو الذي حرر يوسف .
مَشى يوسف الرامى على قمّةِ السور حتى وَصلَ إلى جوارَ العلية، التي كَانتَ قُرْب السور الجنوبيِ لصهيون، وبعد ذلك قفز وطَرقَ باب ذلك الصّرحِ، حيث كانت الأبوابِ قَدْ أُغلقت. التلاميذ الذين تجمعوا هناك كَانوا بغاية الحُزِنَ عندما فقدوا يوسف، الذي اعتقدوا أنه قَدْ ألقي في حفرة. عظيمة كانت َ بهجتهم عندما فَتحوا البابَ ووَجدوا أنه هو بنفسه؛ حقاً، كَانت تقريباً بنفس القدر فرحتهم عندما نجا بطرس بطريقة معجزية من السّجنِ بعد ذلك ببضع سَّنَواتِ. عندما روى لهم ما حَدثَ، كانوا ممتلئين بالدّهشةِ والفرح؛ وبعد أن شُكْرواِ الرب بتأجج أعطوه بعض المرطبات التي كان بغاية الاحتياج إليها. لقد تَركَ أورشليم فى نفس اللّيلةِ، وهَربَ إِلى أرمنيا، موطنه الأصلي، حيث بَقى حتى عرف أنه يستطيع أَنْ يَرْجعَ بأمان إِلى أورشليم
بالمثل رَأيتُ قيافا بقرب نهاية يومِ السبت، في دارِ نيقوديموس. كَانَ يَتحدّثُ معه ويسُأله عديد من الأسئلةِ بشّفقةِ مزعومة. أجاب نيقوديموس بقوة واستمر يُؤكّدَ على براءة يسوع. لم يبَقيا معا طويلا .

الفصل السادس والستون
ليلة القيامة

بعد ذلك رأيت قبر الرب. كل شئ حوله كَانَ هادئَ وصامتَ. كان هناك ستة جنودُ على أهبة الاستعداد، كانوا إمّا جالسين أو واقفين قبالة البابِ، وكاسيوس كَانَ معهم. شكله كَانَ شكل إنسان مستغرق في تّأملِ ومتوقعِ حدثِ عظيمِ. جسد فادينا المقدّس قَدْ لُفَّ في الأكفان ومُحاطَ بالنور، بينما جلس ملاكان في وضع العبادة، واحد عند الرّأسِ، والآخر عند القدمينِ. لقَدْ رَأيتهم في نفس الوضعِ منذ أن وُضع الجسد المقدس في القبرِ. كانت هذه الملائكةِ فى زي الكهنة. وضعهم، والأسلوب الذي أجازوا به أياديهم على صدورهم، ذَكّرني بالملائكةِ التي أحاطت بتابوت العهدِ، فقط هم كَانوا بدون أجنحةَ؛ أو على الأقل أنا لم أرَي لهم أجنحة. كل القبرِ ذَكّرني بتابوت العهدِ في فتراتِ تاريخية مختلفةِ. محتمل أن كاسيوس كَانَ مدرك لحضورِ الملائكةِ، والضّوءِ السّاطع الذي مَلأَ القبر، لأن موقفه كَانَ مثل موقف إنسان في تّأملِ عميقِ أمام سر العشاء الرباني المباركِ.
ثم رأيت إلهنا يَدْخلُ القبرِ من خلال الصّخرِ برفقةَ البطاركةِ الذين حَرّرهمَ. لقد أراهم الجراحَ التي تغطى بها جسده المقدّسِ؛ وظَهرَ لي أن الأكفان التى التف بها قد أزيلت، وأن يسوع أراد أَنْ ترى النفوس الألم البالغ الذى قَدْ تَحمّلَه كى يفديهم. ظَهرَ الجسد لي واضحا تماماً، حتى أن عمقَ كل الجراحِ كان مُمكنُ أَنْ يُرى؛ وهذا المنظر مَلأَ النفوس المقدّسةَ بالإعجابِ، مع أن مشاعر عميقة من الشّفقةِ جذبت الدموعَ من أعينهم.
رؤيتي التالية كَانتْ غامضةَ جداً لدرجة أنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَها أو حتى أرويها بأسلوب واضحِ. ظَهرَ لي أن نفس وجسد يسوع قَدْ أخذا سوية خارج القبرِ، بدون أن تتَحّدِ النفس ثانية بالجسد بالكامل، الذي كان لم يزل ساكنا فى القبر. اعتقد أنى رَأيتُ ملاكان كَانا سْاجدانِ ويُمجّدانِ عند رّأسِ وقدميِ الجسدِ المقدّسِ، يَرْفعانه ويَحْفظانه في الوضعِ المضبوطِ الذي كان فيه راقدا في القبرِ ويَحملانه غير مُغطى ومشَوّهَ بالجراحِ عبر الصّخرة، التي اهتزت بينما يعَبرون. ثم ظَهرَ لي أن يسوع قَدّمَ جسده، موسوم بعلامات آلامه، إِلى أبيه السّماويِ، الذي، جلسَ على عرشِ، مُحاطَ بربوات غير معدودةِ من الملائكةِ التى كانت مُستغرقة فى سعادة في إنشاد تراتيل العبادة والتهليل. الحالة كَانتْ من المحتمل هى نفسها عندما مات يسوع، كثير جداً من النفوس المقدّسةِ دخلت ثانية أجسادها، وظَهرتْ في الهيكلِ وفي أجزاءِ مختلفةِ من أورشليم؛ لأنه لَيسَ على الأرجح‏ أن الأجسادِ التي تحَرّكوا بها كَانتْ حيَة حقاً، لأنه في تلك الحالةِ كَانَ لابد أَنْ تَمُوت ثانية، إلا إنهم رَجعوا إِلى حالة موتهم بدون صعوبةِ ظاهرةِ؛ لكنه يُفتَرضُ أنّ ظهورهم في الشّكلِ الإنسانيِ كَان َمشابهَ إِلى ظهور الرب يسوع، عندما رَافقَ جسده ( إن صح التعبير مجازا ) إِلى عرشِ أبيه السّماويِ.ْ
فى تلك اللحظةِ اهتزت الصّخرةِ بغاية القوة، من القمّةِ إِلى القاعدة، حتى أن ثّلاثة حرّاسِ سقطوا وغابوا عن الوعي تقريباً. الأربعة الآخرين كانوا بعيدين في ذلك الوقت، لأنهم ذُهِبواَ إلى المدينةِ ليُحضروا شيء ما. الحرّاس الذين طُرحوا ساقطين نُسِبوا الصّدمة المفاجئة إِلى زلزالِ؛ لكن كاسيوس، الذي مع أنه غَيْر واثِق‏ لما يدل عليه كل هذا، مع ذلك شَعرِ بهاجس داخلي أنه مقدمة لحدثِ هائلِ، وَقفَ مَذهولا بتّوقعِ مضطرب مُنتَظِر أَنْ يَرى ما يَتْلى ذلك. رَجع الجنود الذين كانوا قَدْ ذُهِبوا إلى أورشليم فى الحال .
رأيت النِّساءَ القدّيساتِ ثانية: لقَدْ انتهوا من إعْداْد الأطياب، وكَن يَسترحنَ في غرفهم؛ غير مَمدّينُ على الأرائكِ، بل يتكئن على أغطية الفراشِ، التي قَدْ لُفّتْ. لقد رَغبوا أَنْ يَذْهبوا إلى القبرِ قبل بزوغ فجر اليومِ، لأنهم خَافوا لقاء أعداءَ يسوع لكن العذراءَ المباركَة، التي تجدّدتِ بالكامل وامتلأت بالشّجاعةِ مجددا منذ أن رَأتْ ابنها، وَاستهم وأوصتهم أَنْ يَنَاموا لبعض الوقتِ، وبعد ذلك يَذْهبنُ بجراءة إِلى القبرِ، لأن لا أذىُ سيلحق بهن؛ على ذلك تبعوا نصيحتها فوراً، وسَعوا أن يَنَمن.
نحو الساعة الحادية عشر ليلا, اتشحت العذراء المباركة بعباءةَ رمادية وتَركتَ الدّار وحيدة تماماً، مدفوعة بمشاعرِ الحب المتعذرة الكبتِ، عندما رَأيتها تَفعَلُ هذا، قلت لنفسي، " كيف ممكن لهذه الأمِ المقدّسةِ، التي بغاية الإنهاك من الألمِ والتعب، أَنْ تُخاطرَ أَنْ تَمْشي وحيدة فى الشّوارعِ في مثل هذه الساعةِ؟ " رَأيتها تذَهبَ أولا إِلى دارِ قيافا، وبعد ذلك إِلى قصرِ بيلاطس، الذي كَانَ بعيد بمسافةِ عظيمةِ؛ لقد رَاقبتها خلال كل رحلتها الفردية على طول الطريق الذي كَانَ قَدْ وطئه ابنها حاَمّلاَ صليبه الثّقيلِ؛ لقد توَقفتْ في كل مكان حيث قَدْ عَانى مُخلصنا معاناة خاصة، أو نال فيه أي إساءةِ جديدة من أعدائه البرابرة. مظهرها، بينما كانت تسير ببطء، كَانَ مظهرها مظهر شخصِ ينشد شيئا ماَ؛ لقد انحنتْ كثيرا على الأرض، مَسّتَ الأحجارَ بأياديها، وبعد ذلك غمرتها بالقُبَلِ, إن الدّمَ الثّمينَ لابنها الحبيبِ كان عليها. لقد مَنحها الرب في هذا الوقتِ أنوار ونِّعَمِ خاصةِ، وكَانتْ قادرةَ بدون أدنى صّعوبةِ أَنْ تُميّزَ كل موضع تقدس بآلامه. لقد رَافقتها خلال كل زيارتها المقدسة، وسَعيتُ أن أُقلّدها بقدر قوتي، بقدر ما سمح لى ضعفي.
ثم ذهبت مريم إلى الجلجثةِ؛ لكن عندما وَصلت إليها، توَقفتْ فجأة، ورَأيتُ مُخلصنا واقفا أمامها. يتقدمه ملاك والملاكان اللذان قَدْ رَأيتُهما في القبرِ كانا بجانبه، والنفوس التي حررها تتبعه بالمئات. جسد يسوع كَانَ رائع وجميلَ، لكن مظهره لم يكنَ مظهر جسدِ حيّ، مع أن صوت قد صدرَ منه؛ وسَمعته يَصفُ للعذراءِ المباركةِ كل ما فعلَه في عالم النسيانِ، وبعد ذلك يُطمئنها أنه سيقوم ثانية بجسده المُمَجَّدِ؛ حينئذ سيُظهر نفسه إِليها، وأنها يَجِبُ أَنْ تَنتظرَ قُرْب صخرة جبل الجلجثةِ. ثم مضى مُخلصنا نحو أورشليم، واتشحت العذراء المباركة ثانية بطرحتها، انطرحَت فوراً على البقعة التي أشار إليها. كانت الساعة حينئذ على ما أَعتقد تتجاوز منتصف الليل، لأن زيارة مريم لطريقِ الصّليبِ قَدْ استغرق ساعة على الأقل؛ ثم رأيت بعد ذلك نفوس القديسين الذين حررهم يسوع يجتازون بدورهم طّريقِ الصّليبِ، ويَتأمّلُون الأماكن المختلفة حيث قَدْ تَحمّلَ مثل هذه الآلامِ المخيفةِ من أجلهم ومن أجل كل الخليقة. جَمّعت الملائكة التي رَافقتهم قطع لّحمِ مُخلصنا الإلهى التي كَانتَ قَدْ تناثرت مِن جسده بسبب الضّربِ المتكررِ الذى نالهَ وحَفظوهاْ، وأيضا الدّماءِ التي نزفت على الأرضِ فى كل بُقَعة .
رَأيتُ مرة أخرى جسد الرب المقدّس راقدا كما رأيته أولاَ في القبرِ؛ الملائكة كانت مستغرقة في إرجاع قطع لحمه التى قَدْ جَمّعوها، وأنهم نالوا معونة خارقَة في تأدية ذلك. تَأمّلته بعد ذلك في أكفانه، محاطَ بنور ساطع وملاكان يمجدانه بجانبه. أنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَ كيف تحدث كل هذه الأشياءِ، لأنها بعيدة عن فهمنا الإنسانيُ؛ وحتى إن فْهمتها أنا تماماً عندما أراها، فأنها تبدوا مظلمةَ وغامضةَ عندما اَسْعي أن أوضّحها للآخرين.
ما أن أشرق بصيص ضعيف من الفجرِ، رَأيتُ المجدلية ومريم ابنة كلوبا، يونا زوجة خوزى وسالومه يتركن المسكن، ملتفين في إزارهم. حاَملين الأطياب؛ أضاءت إحداهن شمعة في يدّها، سَعتْ أن تَخفيها تحت عباءتها. رَأيتهن يتجهن نحو البابَ الصّغيرَ لدارِ نيقوديموس.

25

الفصل الرابع والستون
الهبوط إلى الجحيم

عندما مات يسوع، بعدما صرخ بصوت عالي " أَبتاه، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي " رَأيتُ نفسه السّماويةَ تحت شكلِ يُشبه نيزكِ ساطع تخترق الأرض عند موضع الصّليبِ، مصحوبة بالملاك غبريال وبعديد من الملائكةِ الأخرىِ. طبيعته الإلهية ظلت متّحدة إِلى نفسه وإلى جسده أيضا، الذي كان ما زالَ مٌعلق على الصّليبِ، لكنى لا أستطيع أَنْ أُوضّحَ كيف كان هذا مع أنى رَأيت ذلك بوضوح في ذهني. المكان الذي دخلته نفس يسوع قَدْ قُسّمَ إلي ثلاثة أجزاءِ، بدت لي مثل ثلاث عوالمِ؛ وشَعرتُ أنّها كَانت مستديرَة، وأن كل جزء منفُصِلِ عن الآخرِ .
نَظرتُ فضاءَ ساطع وجميلَ قبالة عالم النسيانَ؛ الذى كان مطَليا بالزّهورِ، نسائم لذيذة تهَبّْ منه؛ ونفوس عديدة قَدْ وُضِعتْ هناك قبل قبولها في السّماءِ. عالم النسيان، هو المكان الذى كانت تَنتظرُ فيه النفوس الفداء، قَدْ قُسّمَ إلي مقصوراتِ مختلفةِ، ومُحاطَا بغلاف ضبابيِ سميكِ. ظَهرَ إلهنا متألقاَ بالنور ومُحاطَ بالملائكةِ، التي صاحبته بشكل منتصر بين أثنين من هذه المقصورات؛ واحدة على اليسار بها البطاركة الذين عِاشَوا قبل زمن أبينا إبراهيم، والتى على اليمين بها أولئك الذينِ ِ عِاشواَ من أيامِ أبينا إبراهيم وحتى القديس يوحنا المعمدان. هذه النفوس لم تميز يسوع في بادئ الأمر، لكن على الرغم من هذا كانت ممتلئة بأحاسيسِ الفرح والرجاء. لم يكن هناك بقعةَ في تلك المناطق لم تَتسّعُ بمشاعرِ السّعادةِ. مرور يسوع ممكن أن يُقارنُ بهَبّوبِ نسمه من الهواءِ، بومضةِ نور مفاجئةِ، أو بالاغتسال بالنّدىِ، لكنه سريع كالعاصفةِ. بعد المرورِ بين المقصورتين، وَصلَ إلى بقعةَ مظلمةَ حيث كَانا آدم وحواء يَقفانِ؛ تَكلّمَ إليهم، انطرحوا ومَجّدوه في نشوةِ فرح تامةِ، وانضما فى الحال لفرقةَ الملائكةِ، ورَافقوا إلهنا إِلى المقصورةِ التى على اليسارِ، التي احتوتْ على البطاركة الذين عِاشوا قبل أبينا إبراهيم. المدخل كان مثل بابِ مغُلِق، لكن الملائكةَ طَرقتْ واعتقد أنى سَمعتهم يَقُولونَ : " اَفْتحُوا هذه الأبوابِ. " عندما دَخلَ يسوع منتصراِ تفرقت الشّياطينِ، صْارخُة في نفس الوقت، " ماذا هناك بينك وبيننا؟ ما الذى أتى بك هنا ؟ هَلْ ستَصْلبنا أيضا ؟ " طردتهم الملائكة بعيدا، بعد أن قَيّدتهم أولا. النفوس المسكينة المحبوسة في هذا المكانِ كَانَ لديها فقط حِس داخلي‏ ضئيل وفكرة مُبهمة عن حضورِ يسوع؛ لكن فى اللّحظةَ التى اخبرهم بها أنه هو بنفسه، انفجروا بفرح فى استقبال حافلَ ورَحّبوا به بتراتيلِ البهجة والفرح. نفس إلهنا حينئذ أخذت طريقها إِلى اليمين، نحو ذلك الجزءِ الذي يكَوّنَ علم النسيان حقاً؛ وهناك لاقى اللّصِ اليمين الذي حملته الملائكةِ إِلى حضن إبراهيم، بينما جرجرت الشياطين اللص السّيئِ إلي جهنمِ. وبعد ذلك دَخلَ الرب حضن إبراهيم، تصاحبه عديد من الملائكةِ والنفوس المقدّسةِ، وأيضا مع تلك الشّياطينِ التي قُيّدتْ وطُرِدَت من المقصورةِ.
هذه النّاحيةِ ظَهرتْ لي أكثر ارتفاعا من الأجزاءِ المحيطةِ؛ وأستطيع فقط أن أصف أحاسيسي بدُخُولها، بمُقَارَنتها بأحاسيس شخصِ يَجيءُ فجأة إلى داخلِ كنيسةِ، بعد ما كانَ لبعض الوقتِ في سراديب‏ الدّفنِ. الشّياطين، التي قَدْ قُيّدتْ بقوة، كَانتْ مشمئزةَ بشدة من أَْن تَدْخلَ، وقَاومتْ بأقصى قوتها، لكن الملائكةَ أرغمتها على أَنْ تَتقدّم. تجمع كل الأبرار الذين عِاشواَ قبل زمن المسيحِ هناك؛ البطاركة وموسى والقضاة، والملوك على الجانبِ الأيسرِ؛ وعلى جانبِ الأيمنِ الأنبياء وأسلاف إلهنا وأيضا أقربائه القُريْبين، مثل يواقيم وحنة ويوسف النجار وزكريا وإليصابات ويوحنا المعمدان. لم تكَنَ هناك شياطينُ في هذا المكانِ، والمشقة الوحيدة التي كَان يشُعِر بها أولئك المَوْضُوعين هناك كَانت رغبة متلهفة لإنجازِ الوعدِ؛ وعندما دخل إلهنا حَيّوه بالتّراتيلِ المُفرحة والامتنان والشّكرِ لإنجازه للوعد، انطرحوا ومَجّدوه، والأرواح الشّريّرة التي كَانتْ سُحِبتْ إلي حضن إبراهيم عندما دخل إلهنا قَدْ أُرغمتْ على أَنْ تَعترفَ بخزيِ أنها قَدْ قُهِرت. عديد من هذه النفوس المقدّسةِ أمرها الرب أَنْ تَرْجعَ إِلى الأرضِ، وتعود لأجسادها، وهكذا تُقدم شهادة مهيبة ورائعة عن الحقِيقة. في ذات هذه اللّحظةِ تَرك عديد من الموتى قبورهم في أورشليم وبعد ما أنجزتَ المُهمة التى ائتمنوا عليها رقدوا ثانية.
رَأيتَ بعد ذلك إلهنا، بموكبه المنتصرِ، يَدْخلُ موضع قَدْ مُلئ بالوثنيين الأخيار الذين لكونهم كَانَ لديهم بصيصُ ضعيف من الحقيقةِ، قَدْ اشتاقَوا إلى إنجازها: هذا الموضع كَانَ عميقَ جداً، ويحتوى بضع شياطين، وأيضا بعض من أصنامِ الوثنيين. رَأيتُ الشّياطينَ تُرغم على أَنْ تَعترفَ بالمكر الذى مَارسوه فيما يتعلق بهذه الأصنامِ، ونفوس الوثنيين المساكين تَلقى بنفسها تحت أقدامِ يسوع، وتمَجّده ببهجةِ يتعذر وصفهاِ: هنا، على نفس النمط، الشّياطين كَانتْ مقيدة بالسّلاسلِ وجُرت بعيدا. رَأيتُ مُخلصنا يُؤدّي عديد من الأعمالِ الأخرىِ؛ لكنى عَانيتُ بحدة في نفس الوقت، حتى أنى لا أستطيع أَنْ اسردها. أخيراً، رأيته يَقتربُ من إِلى مركزِ الهاويةِ العظيمةِ، بعبارة أخرى، إِلى جهنمِ نفسها؛ وتعبير مُحياه كَانَ أكثر حدّةِ.
المظهر الخارجي لجهنمِ كَانْ مُروّعُ ومخيف؛ كانت هائلة، ثقيلة المظهر، والصّوان الذي تشَكّلتَ منه، مع أنه أسود، إلا أنه له سّطوعِ معدنيِ؛ والأبواب المظلمة والثّقيلة جدا قَدْ ثَبّتت بتلك المزاليج الفظيعةِ التي لا أحد يستطيع أَنْ يَنْظرها دون أن يرتِعد. آهات عميقة وصرخات اليأسِ تُميز بوضوح بينما الأبوابَ مغُلِقة بإحكام؛ لكن، أه, من يستطيع أَنْ يَصفَ الصّراخ والعويل المُخيف الذي يفجرِ الأذنِ عندما تُحلّ المزاليج وتُفتح الأبواب ؛ وأه, من الذى يستطيع أَنْ يُصف المظّهر الكئيب لساكني هذا المكانِ التّعسِ!
إنّ الشّكلَ الذي تُصور عليه أورشليم السّماوية عموماً في رُؤاي هو صورة مدينةِ جميلةِ ومُنَظَّمةِ بشكل جيدِ، ودرجات المجد المختلفة التي ينالها المنتخبين تُبرهن عنها روعةِ قصورهم أو الثمار الرّائعة والزّهور التي تُزين بها حدائقِهمِ. جهنم أٌظهرت لي تحت نفس الشّكلِ، لكن كل شئ داخلها ضيق، مضطرب ومزدحم؛ كل شيء يَمِيلُ أَنْ يَمْلأَ العقل بأحاسيسِ الألمِ والأسىِ؛ إنّ علاماتَ غضبِ وانتقام الرب مرئيُة في كل مكان؛ اليأس، كعقابِ، يَقْضمُ كل قلبِ، والتنافر والبؤس يسودان بالكامل. فى أورشليم السّماوية الجميع فى سلامُ وانسجام أبدى، بِداية ونهاية كل شيءِ هو سعادةَ صافيةَ وكاملة ؛ إنّ المدينةَ ملآنة بالبناياتِ الرّائعةِ، مزَيّنةَ بأسلوب يأخذ بكل عينِ ويُبهجُ كل إحساسِ؛ إنّ سأكنى هذا المسكنِ المبهجِ يَفِيضُون بالنشوة والاغتباط، الحدائقِ مشرقة بزّهورِ جميلةِ، والأشجار مغَطّاة بثّمارِ لّذيذةِ تَعطي حياة أبدية. فى مدينةِ جهنم لاشيء يُرى سوى زنزاناتَ كئيبةَ، كهوف مظلمة، صحاري مخيفة، مستنقعات نتنة ملآنة من كل نوع قابل للتخيلِ من الزّاحفِ السّامةِ والمُثيرة للاشمئزاز. فى السّماءِ أنت تَنْظرُ السّعادةَ واتحاد القديسين المسالمَ؛ في جهنمِ، مشاهد أبدية من التنافر الرديء وكل أنواع الخطيئةِ والفسادِ، إمّا تحت أكثر الأشكالِ ترويعاً قابل للتخيل، أو ممَثّلَة بأنواعِ مختلفةِ من العذابِ المُخيفِ. كل شئ فى هذا المسكنِ الكئيبِ يَمِيلُ إلى أَنْ يَمْلأَ العقل بالرّعبِ؛ لا كلمةَ رّاحةِ تُسمعُ أو فكرة مُوَاساة يسمح بها المجال؛ الفكر الوحيد هو أن عدالة الرب القدير والتى تُسدد إلى أقصى حد‏ ليست سوى ما استحقّوه بالكامل وهى الإدانةُ التى تستحوذ على النفس وتُغرقُ كل القلبِ. تَظْهرُ الرّذيلةُ في أصحابها فى ألوان مُثيرة للاشمئزاز متجهمة، عاريةَ من القناعِ الذي تختبئ تحته في هذا العالمِ، وتُريِ أفعى لعينة تُلتَهِم أولئك الذين تعلقوا بها أو راعوها هنا تحت. باختصار، جهنم هي هيكلُ الألمِ واليأسِ، بينما ملكوت الرب هو هيكلُ السّلامِ والفرحِ. هذا سهلُ أَنْ يَفْهمَ عندما يُري؛ لكنه من شبه المستحيل أَنْ يوُُصفَ بوضوح.
الانفجار الكبير للأقسامِ واللعنات ونداءات اليأسِ والصياح المخيف الذي أنفجر كدوي الرّعدِ عندما فُتِحتْ أبوّاب جهنمِ بالملائكةِ، سَيَكُونُ من الصعب حتى َتخيّلَه؛ تكلم الرب أولا إِلى روحِ يهوذا، وأرغمت الملائكة كل الشّياطينِ أَنْ تَعترف بيسوع وتُمجّده. إنهم كَانوا يُفضّلونَ بشكل مُطلَق‏ المزيد من العذاب عن مثل هذا الإذلالِ؛ لكن الكل قَدْ اُلزمَ أَنْ يخضع. كثيرين قَدْ قُيّدَوا في دائرةِ قَدْ وُضِعتْ حول دوائر. فى مركزِ جهنمِ رَأيتُ هاويةَ مظلمةَ ومروّعَه المظهرَ، وفي هذه كان إبليسِ موضوع، بعدما تقيد بقوة بالسّلاسلِ؛غيوم سميكة من دخان أسود كبريتي كان يصعد من أعماقها المخيفةِ، وتغَلّفَ شكله المخيف في طّيّاتِ كئيبةِ، هكذا تُخفيه بشكل فعّال عن كل مشاهدِ. الرب بنفسه قَدْ أمر بهذا؛ ولقَدْ أُخبرتُ على نفس النمط، إن كنت أَتذكّرُ بشكل صحيح أنه سَيُحَرّرُ قبل سنة 2000 للمسيح بخمسين أو ستين سنة. تواريخ عديد من الأحداثِ الأخرىِ قَدْ أُشير إليها لكنى لا أَتذكّرها الآن؛ لكن سَيفك عددَ محدد من الشّياطينِ قبل إبليسِ كى تُجرب البشر، وأَنْ تَخْدمَ كأدوات انتقام إلهي. لابد أَنْ أَعتقدَ أنّ البعض يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْلُول حتى في الوقت الحاضرِ، والآخرون سَيُطلقونَ في وقتِ قصيرِ.
سَيَكُونُ من المستحيل تماماً لي أَنْ أَصفَ كل الأشياءِ الذي أُظهرت لي؛ أن عددهم كَانَ عظيمَ جداً لدرجة أننى لم أتَمَكّن من أَنْ أقللها لأرتبها وأعرفها وأُعيدها بوضوح. بالإضافة إلى أن آلامي كانت عظيمةُ جداً، وعندما أَتكلّمُ عن موضوعِ رُؤاي أنظرها في عينِ ذهني مرَسومة بمثل هذه الألوانِ الشّديدة الوضوحِ، أن المنظر كافي تقريباً أَنْ يُسبّبَ ضعف مُهلك لنفسي .
رَأيتِ بعد ذلك حشود غير معدودة من النفوس المفدية مُحَرّرة من موضع العذاب ومن عالم النسيانِ، وتتبع إلهنا إِلى بقعةِ مبهجةِ تَقع فوق أورشليم السّماوية، حيث وضع فيها منذ وقت قليل جداً، روحَ شخصِ عزيزَ جداً علي. روح اللّصِ اليمين قَدْ اُخِذَ أيضا هناك، وتحقق وعد إلهنا : " اليومِ, ستكون معي في الفردوس ".
ليس في قدرتي أَنْ أُوضّحَ الوقت المضبوط لحدوث كل حدث من هذه الأحداثِ، ولا أستطيع أَنْ أروى نصفِ الأشياءِ التي رَأيتُها وسَمعتُها؛ لأن البعض كَانَ غامضَ حتى لنفسي، والأخرى سَيساء فهمها إن حَاولتُ أن أرويها. لقَدْ رَأيتُ إلهنا فى أماكنِ عديدة مختلفةِ. حتى في البحرِ ظَهرَ لي كى يُقدّسَ ويحرر كل شيء مخلوقِ. الأرواح الشريّرة هَربتْ في اقترابه، وألقت بنفسها في هاويةِ مظلمةِ. لقد رأيته أيضا في أجزاءِ مختلفةِ من الأرضِ، أولا داخل قبرِ آدم، تحت الغولغوثا؛ وعندما كَانَ هناك أنفس آدم وحواء صَعدتا إليه، وتَكلّمَ إليهما لبعض الوقتِ. ثم زارَ قبور الأنبياءِ التي دُفِنتْ علي عمقِ هائلِ تحت الأرض؛ لكنه عَبرَ خلال التّربةِ في لمحة عينِ. أرواحهم عادتْ ودخلت أجسادهم فوراً، وتَكلّمَ إليهم ووَضّحَ أعجب الأسرار. ثم رَأيته، ترَافقهَ فرقةِ مُختَاَرةِ من الأنبياءِ، من بينهم ميزت داود، زار أجزاءِ من الأرضِ التي قَدْ قُدّستْ بمعجزاته وبآلامه. وضح لهم بأعظم حبِّ وصلاح الرّموز المختلفة للشريعة القديمةِ وكيف أنها تعبّر عن المستقبلِ؛ وأراهم كيف أنه بنفسه قَدْ حقق كل نبؤِه. منظر إلهنا مُحاطَ بهذه النفوس السّعيدةِ، ومتألقا بالنور، كَانَ يفوق الوصف بينما كان ينساب منتصرا خلال الهواء، أحياناً يعبر بسرعةِ البرقِ، على الأنهارِ، ثم مُختَرِقا خلال أصلب الصّخورِ إِلى مركزِ الأرضِ، أو مُتحركا بلا ضوضاء على سطحها.
أنى لا أستطيع أَنْ أَتذكّرَ شيء سوى الحقائق التي رويتها والتى تختص بهبوط يسوع إلي عالم النسيانِ، حيث ذَهبَ من أجل أَنْ يُقدّمَ إِلى النفوس المحتجزة هناك نّعمةَ الفداء التي كسبها لهم بموته وبآلامه؛ ولقد رَأيتُ كل هذه الأشياءِ في فترة قصيرةِ جداً من الوقتِ؛ في الحقيقةِ، أن الوقت عَبرَ بشكل سريع جدا حتى أنه بدا لي أنه ليس سوى لحظةَ. إلهنا، على أية حال، عَرضَ أمامي، في نفس الوقت، صورة أخرى، التي نَظرتُ فيها الرّحمةَ الهائلةَ التي يَمْنحُها في الوقت الحاضرِ إلى النفوس المسكينة التي في العذابِ؛ لعل فى كل ذكرىِ لهذا اليومِ العظيمِ، عندما تَحتفلُ كنيسته بسر موته المجيد، يَلقي نظرةَ رحمة على النفوس التى في العذاب، ويُحرّرُ بعض الذينِ أثموا ضده قبل صلبه. رأيت هذا اليومِ يسوع يُنجى عديد من النفوس؛ البعض كنت أعرفه والآخرون كَانوا غرباءَ بالنسبة لي، لكنى لا أستطيع أَنْ أَسمّي أيا منهم.
إلهنا، بالنزول إلى الجحيم، َزْرُع في بستان الكنيسة الرّوحيةِ، شجرة غامضة، ثمارها تعني استحقاقاته المُعينة لراحةِ ثّابتةِ للنفوس المسكينة التى في العذابِ. مجاهدي الكنيسةِ يَجِبُ أَنْ يَفْلحَوا الشّجرة، ويجمعون ثمارها، من أجل أَنْ يُقدّمونها إِلى ذلك الجزءِ المتألمِ من الكنيسةِ الذي لا يستطيع أَنْ يفعَلُ شيء لنفسه. هكذا بكل استحقاقات المسيحِ؛ نحن يَجِبُ أَنْ نَعْملَ معه إن رْغبُنا أَنْ نَحْصلَ على حصّتنا منها؛ نحن يَجِبُ أَنْ نَكْسبَ خبزنا بعرقِ جبيننا. كل شيء قد فعله إلهنا من أجلنا في حينه يَجِبُ أَنْ يُنتجَ ثمار للأبدية؛ لكننا يَجِبُ أَنْ نجمّعَ هذه الثّمارِ، التى لا يُمكنُ بدونها أَنْ نَمتلكها في الأبدية. إنّ الكنيسةَ هى أكثر الأمهاتِ تدبيرا وتّفكيراً؛ إنّ السّنةَ الكنسية لهي بستان هائل ورائعةُ، فيها تتجمع كل تلك الثّمارِ للأبد، حتى نَستعملها في حينهِ. كل سنةِ تَحتوي ما يكفي أَنْ يسد احتياجات الجميع؛ لكن الويلَ للبستانيِ المهملِ أو الغشّاشِ الذي يَسْمحُ أن تهلك أي ثّمرةِ موضوعه تحت عنايته؛ إن َفْشلُ في أن يتاجر بتلك النِّعَمِ التي تُعيدُ الصحة للمرضى والقوة للضّعفاء والطّعام للجوعى! عندما يأتى يوم الحساب، سَيَطْلبُ سيد البستان حساب صارم، ليس فقط عن كل شجرةِ، بل أيضا عن كل ثّمرةَ نبتت في البستان

26
الفصل الحادي والستون
ظهورات بمناسبة موت يسوع
من بين الأموات الذي قاموا من قبورهم في أورشليم، والذين كَانوا حوالي مائة، لم يكنَ هناك أقرباء ليسوع. رَأيتُ في أجزاءِ متعدّدةِ من الأرضِ المقدّسة موتى آخرين يظَهرَون ويحملون شهادة عن ألوهية يسوع. هكذا رَأيتُ صادوق، الرّجل التقى، الذي وهب كل أملاكه للفقراءِ وللهيكلِ، يَظْهرُ لعديد من الأشخاصِ بجوارِ حبرون " الخليل حاليا ". صادوق هذا قَدْ عِاشَ قبل يسوع بقرن، وكَانَ مؤسسَ لجماعةِ الإسينيين, لقَدْ أشتاق بحماس لمَجيءِ المسيا، ونال بِضْع رؤى عن هذا الموضوعِ. لقد رَأيتُ بعض أموات آخرين يظَهرون إِلى التّلاميذ المَختبئين، ويَعطونهم تحذيرات مختلفة.
عم الرّعب والخراب حتى أكثر الأجزاءِ بعدا فى إسرائيل، ولم تحدث هذه الأعاجيب المخيفة في أورشليم فقط. بل سقطت أبراج السّجنِ الذى حرر يسوع منه بعض الأسرىِ مِن قِبل. فى الجليل، حيث سَافرَ يسوع كثيراً، رَأيتُ عديد من البناياتِ، وخاصة ديارِ أولئك الفريسيون الذين كَانوا أول من اضطهدوا مُخلصنا، والذين كَانواَ جميعا حينئذ في العيدِ، تصدعت وسقطت على الأرض، سْاحقُة زوجاتهم وأولادهم. حوادث عديدة حَدثتْ بجوارِ بحيرةِ جنيسارت. سقطت عديد من البناياتِ في كفر ناحوم؛ وتَصدّعَ حائط الصّخورِ الذي كَانَ أمام بستان زربابل القائد الروماني. فِاضتْ البحيرةُ في الواديِ، وانحدرت مياهها حتى كفر ناحوم، التي تبعد حوالي ميلَ ونصف. بيت بطرس ومنزل العذراءِ المباركةِ اللذان فى مُقدِّمة‏ المدينةِ، بَقيا قائمين. تزلزلت البحيرة بقوة؛ انهارتْ شواطئها في بِضْعَ أماكنِ، وشكلها تبدل كثيرا وأصبحت كما هى عليه الآن في الوقت الحاضر. حَدثتْ تغييرات عظيمة، خاصة في أقصىِ الحدّ الجنوبي الشرقي، لأنه كان هناك في هذا الجزءِ طريقَ طويلَ مُعبد من الأحجارِ، أنهار كل هذا الطّريقِ بالزّلزالِ. حَدثتْ عديد من الحوادثِ على الجانبِ الشّرقيِ للبحيرةِ، فى البقعة التى غرقت فيها خنازير الجرجيسيين ، وأيضا في كورة الجرجيسين، وفي كل منطقةِ كورزين. تزلزلَ الجبل الذى حدثت به معجزة إشباع الجموع الثانية، وأنشق الحجر الذى تمت عليه المعجزةِ لأثنين. فى منطقة العشر مدن، انهارتْ كل المدن حتى الأرضِ؛ وفي آسيا، في بِضْع نواحيِ، شُعِرَ الزّلزال بشدة، خاصة شّرقِ وشمال شرق بانياس. فى الجليل الأعلى، عديد من الفريسيون وَجدوا بيوتهم خرابِ عندما رَجعوا من العيدِ. تلقى عدد منهم أخبارَ ما قَدْ حَدث، بينما كانوا ما زالوا في أورشليم، ولهذا كانت جهود أعداء يسوع قليلةِ جداً ضد جماعةِ المسيحيينِ في عيد العنصرةِ.
سقطَ نصف مجمع الناصرة، الذي أخرج يسوع منه عنوة، بالإضافة إلي ذلك جزء من الجبلِ الذي سعى أعدائه أن يلقوه منه. تغيرات كثيرة حدثت فى الأردن بسبب كل هذه الصّدماتِ وتعَدل في عديد من الأماكنِ. فى كورة بنى ماكير وفي المدنِ الأخرىِ التى تخص هيرودس، كل شيء ظل هادئَ، لأن ذلك البلدِ كان خارج مجالِ التوبة والتحذيرِ، مثل أولئك الرّجالِ الذين لم يسَقطوا على الأرض في بستان الزّيتونِ، ولذلك، لم ينَهضا ثانية.
فى أجزاءِ عديدة أخرىِ كانت هناك أرواحُ شريّرةُ، رَأيتُ هذه الأرواح تختفي في أجسامِ كبيرةِ وسط الجبالِ المنهارة والبناياتِ. ذَكّرتني الزّلازل بتشنّجِ الذين تسكنهم الشياطينِ عندما يَشْعرُ العدو بأنّه يَجِبُ أَنْ يَهْربَ. فى كورة الجرجيسين، جزء من الجبلِ الذي ألقى الشّياطينِ أنفسهم من عليه مع الخنازيرِ في المستنقعِ، سقط في هذا المستنقعِ نفسهِ؛ ورَأيتُ حينئذ فرقة من الأرواحِ الشّريّرةِ تلقى بأنفسها في الهاويةِ، مثل سحابة مظلمةِ.
الفصل الثاني والستون
وضع الحرس حول قبر يسوع

في ليلة الجمعة، رَأيتُ قيافا وبعض رّجالِ اليهودِ مجتمعين ليتشاورا فيما بينهم عن أفضل أسلوب يَتّبعونهَ لمواجهة الأعاجيب التي تحَدث، ومواجهة التّأثيرات التى تُحدثها على الناسِ. استمرّوا فى مشاوراتهم حتى الصّباحِ، وبعد ذلك أسرعوا إِلى دارِ بيلاطس، ليُخبروه أن ذلك المُضِل‏ قالَ بينما كان بعد حي أنه بعد ثلاث أيامِ سَيقوم ثانية وأنه سَيَكُونُ من الصواب أَنْ يَأْمرَ بحراسة القبر حتى اليومِ الثالث، وإلا سيأتى تلاميذه ويَسْرقونه ويَقُولونَ للشعب ها هو قام من الموت فتكون الضلالة الأخيرة اشر من الأولى. قرر بيلاطس ألا يفعل شيء أكثر وأجاب : " عندكم حراس اذهبوا واضبطوه كما تعلمون " ومع ذلك‏ عَيّنَ كاسيوس كى يواصل مراقبة كل ما يحدث وأن يَعطيه تقرير كامل عن كل ما يحدث. لقد رَأيتُ هؤلاء الرّجالِ وعددهم اثنا عشرَ، يتركون المدينةِ قبل شروق الشمسِ، يرَافقَهم بعض الجنودِ الذين لا يرتدون الزيّ الرّوماني، لَكُونهم مختصين بالهيكلَ. يحَملون فوانيسَ مرَبوطة فى نهايةِ عصيان طّويلةِ، لكى يَكُونوا قادرون أَنْ يَروا كل شيء يحيطهم، على الرغم من ظلمة اللّيلِ، وأيضا ليكون لديهم بعض الضّوءِ في ظلمة مغارة القبرِ.
ما أن وَصلوا القبرَ، حتى اطمأنوا أولاُ بأعينهم أن جسدِ يسوع كَانَ حقاً هناك، رَبطوا حبلَ عبر باب القبرِ، وأخر عبر الحجر العظيم الذى وُضِع في المقدمة، خْاتمينُ الكلَ بختمِ ذو شكل نصفِ مستديرِ. ثم رَجعوا إِلى المدينةِ، وأقام الحرّاس أنفسهم مقابل الباب الخارجي. لقد كَانوا ستة جنود، يتناوبون الحراسة ثلاثة بعد ثلاثة بشكل متعاقب. لم يتَركَ كاسيوس مكانه، بل ظل جالسا أو واَقفاِ أمام مدخل الكهفِ، لكي يرى جانبِ القبرِ حيث استقرت أقدام مُخلصنا. لقَدْ نال كثير من النعم الدّاخلِية، وكانَ وُهب أَنْ يَفْهمَ عديد من الأسرارِ. لكونه غير مُتَعَوّدُ بالكاملُ عِلى حالة التنويرِ الروحيِ هذه، فقَدْ نُقِلَ تماماً خارج نفسه؛ وبَقى تقريباً كل الوقت غير واعي بوجود الأمور الخارجيةِ. لقَدْ تغُيرَ بالكامل، لقَدْ أَصْبَحَ إنسان جديدَ، وقضى طول النهار في محاسبة نفسه وتقديم الشكر بتوهج ويَمجدِ الرب في تواضع.

الفصل الثالث والستون
لمحة عن تلاميذ يسوع فى يوم السبت المقدّس

تجمع تلاميذ يسوع الأمناء ليَحْفظَوا ليلة السبت. كَانوا حوالي عشرون، ارتدوا ملابس بيضاءِ طّويلةِ، وتمنطقوا فى أوساطهم. كانت الغرفة مضاءة بقنديلِ؛ وعاد معظمهم بعد تناول الطعام إلى البيت. ثم تجَمّعوا ثانية فى الصّباحِ التّالي وجَلسوا يَقْرءونَ سوية ويَصلّونَ بالتناوب؛ وإن دخل صديقَ الغرفةَ، نَهضوا وحَيّوه بمودة .
فى الجزءِ الذى كانت تشغله العذراءِ المباركةِ كانت هناك غرفةَ كبيرةَ، مقَسّمَة إلي حُجيْرات‏ صّغيرةِ مثل الصوامع، كَانتْ تستعمل من قبل النِّساءَ القدّيساتِ للنَّوْمِ في الليل. عندما رَجعن من القبرِ، أضاءت واحدة منهن قنديل كَانَ مُعلّقُ في منتصف الغرفةِ، وتجمعن جميعاً حول العذراءَ المباركةَ، وشَرعوا فى الصَّلاة بحزن ِلكنْ بهدوء. بعد وقت قصير، جاءت مرثا وماروني ودينا ومارا، الذين أتوا توا مع لعازر من بيت عنيا، حيث قَدْ عَبروا السبت، دَخلَوا الغرفةَ. العذراء المباركة ومرافقيها أعطوهم تقرير مُفصّلَ من موتِ ودفنِ يسوع، يصحب كل رواية عديد من الدّموعِ. المساء كَانَ يَتقدّمُ، ودخل يوسف الرامى مع بضع تلاميذ آخرين، ليَسْألَ إن كانت أي من النِّساءِ يرَغبَن أَنْ يَرْجعَن إِلى بيوتهن، حيث أنه مستعد أَنْ يُصحبهن. البعض قْبل الاقتراح ورحلوا على الفور؛ لكن قبل أن يَصلوا محكمةَ قيافا، أوقف بعض الرّجالِ المُسَلَّحين يوسف الرامى وقبضوا عليه ووضعوه في برجِ مَهْجُورِ قديمِ كما ذكرنا من قبل.ِ
جلست النِّساءِ القديّساتِ اللواتي لم يتَركنَ البيت ليَسترحن فى ما يشبه صومعة: رَبطوا رؤوسهن بمناديل، جلسوا بحزن على الأرض، واتّكئوا على أرائكِ وُضِعت قبالة الحائطِ. بعد وقتِ نَهضن ونشرن أغطية الفراشَ التي لُفّتْ على الأرائكِ واستعدن للنوم. فى منتصف الليلِ، نَهضن وتجمعوا حول القنديل ليواصلوا صلواتهم مع العذراءِ المباركةِ.
عندما انتهت أم يسوع ورفيقاتها من صلاتهم اللّيلية (ذلك الواجبِ المقدّسِ الذي مورسَ مِن قِبل كل أولاد الرب المخلصين والنفوس المقدّسةِ، الذين أمّا قد شَعرا بأنفسهم مدَعوين إليه بنعمةِ خاصّةِ، أو الذين يَتْلون قاعدة أُعطتْ مِن قِبل الرب وكنيسته)، سَمعوا طرق على البابَ ودخل يوحنا وبعض التّلاميذ ليصحبوا النساء إِلى الهيكلِ. كانت الثالثة صباحا تقريبا حينئذِ، وذَهبوا مباشرة إِلى الهيكلِ، لقد كان مألوفَ بين عديد من اليهودِ أَنْ يَذْهبوا هناك قبل شروق فجر اليوم التالي لأَكل حمل الفصح؛ ولهذا السبب كان الهيكل مفتوحَ منذ منتصف الليلِ، حيث تبدأ التّضحياتِ مبكّرةَ جداً. لقد بَدأت تقريبا في نفس السّاعةِ التى وضع فيها الكهنة ختمهم على القبرِ. مظهر الأشياءِ في الهيكلِ كَانَت مع هذا مختلفة تماما عن ما كُنْتُ علية عادة في مثل هذه الأوقاتِ، لأن التّضحياتِ قَدْ توُقِفَت، والمكان كَانَ خاويا ومُقفراً لأن كل شخصِ قَدْ رحل بسبب أحداث اليومِ السّابقِ.
الهيكل كَانَ مع ذلك مفتوحا؛ القناديل مضاءة والناس في حريةِ أَنْ تَدْخل دهليز الكهنة، حيث كَانَ هذا امتيازَ مألوفَ فى هذا اليومِ، وأيضا فى اليوم الذي يَلي عشاء الفصح. الهيكل كَانَ خاويا تماماً كما قُلتُ من قبل، باستثناء كاهن أو خادم يعبر مصادفة؛ وحمل كل جزءِ من الهيكل مظاهر الاضطراب والأحداثِ الغير عادية والمخيفةِ التي حَدثتْ فى اليوم السابق.
كَان أبناء سمعان وأبناء شقيق يوسف الرامى، حُزاِنىَ بسَماعهم نبأ القبض على عمهم، لكنهم رَحّبوا بالعذراءِ المباركة ومرافقيها، وقادوهم في جميع أنحاء الهيكل بدون أى صعوبةَ. توقفت النِّساء القديسات في صّمتِ وتَأمّلنَ بمشاعرِ رّهبةِ عميقةِ كل العلاماتِ الفظيعةِ والتى أظهرت غضبِ الرب، وبعد ذلك استمعَن باهتمام لعديد من التّفاصيل. كانت تأثيرات الزّلزالِ ما زالَتْ مرئيُة، لأن القليلِ قَدْ عُمِلَ نحو إَصلاح الشقوق العديدةِ والشروخ في الأرض والجدرانِ. فى ذلك الجزءِ من الهيكلِ حيث يتصل الدّهليز بالقدّسَ، الحائط كان قد أهتزَ بشدة بالزّلزالِ، ونتج عنه شق عريض بما يكفيِ لعبور شخصِ من خلاله، وبقية الحائطِ بدا غير مستقرَ، وكان ممكن أن ينهار فى أي لحظة. حجاب القدّسِ أنشق لنصفين وتدلي علي الجانبينُِ؛ لاشيء كَانَ يَرى سوى جدران منهارة، بلاطَ مُفتت، وأعمدة متساقطة أمّا جزئياً أو بالكامل .
زارت العذراء المباركة كل الأجزاءِ التي جعلها يسوع مقدّسة في عينيها؛ انطرحتْ أمامها وقَبّلتها، ووَضّحتْ للآخرين والدّموعِ في عينيها أسباب تَبجيلهاِ لكل بقعةِ، عند ذلك فعلوا مثلها فى الحال.
التّبجيل الأعظم كان يُرى دائما مِن قِبل اليهودِ لكل الأماكنِ التي جُعلت مقدّسة بمظاهر القوةِ الإلهية، وكان من المألوف أَنْ توضع الأيادي بوقاّر على مثل هذه الأماكنِ، يُقبّلونها ويَنطرحوا إِلى الأرضِ أمامها. أنى أَعتقدُ أنه ليس هناك أي شئ مدهشِ في مثل هذا التقليدِ، لأنهم جميعا عَرفوا ورَأوا وشَعروا بأنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إنما هو إله حيّ، وأن سكناه بين شعبه كَانَ في الهيكلِ في أورشليم؛ بِناء على ذلك‏ كَانَ يمكنُ أَنْ يَكُونَ مُدهِشَ أكثرَ بشكل لانهائي إن لم يبَجّلوا تلك الأجزاءِ المقدّسةِ حيث قوته قَدْ أُظهرت على نحو خاص، لأن الهيكلِ والأماكنِ المقدّسةِ كَانت بالنسبة لهم ما للعشاء الربانى المباركَ من قداسة عند المسيحيين.
سارت العذراء المباركة فى الهيكلِ مع رفاقها، وأشارت لهم إلى البقعة حيث قُدّمتْ إلى الهيكل عندما كانت ما تزالَ طفلُة، والأجزاء التى عَبرتْها خلال طفولتها، والمكان الذى خُطِبتْ فيه إِلى القديس يوسف النجار، والبقعة التى وَقفتْ فيها عندما قَدّمتْ يسوع وسَمعتْ نبؤه سمعان الشيخ وبذكر كَلِماته بَكت بحرقة، لأن ها هي النبؤه قَدْ تحققت، وسيف الأسىِ قَدْ طَعنَ قلبها؛ أوَقفتْ رافقاها مرة أخرى عندما وَصلتْ لذلك الجزءَ من الهيكلِ حيث وَجدتْ يسوع يُعلّمُ عندما فَقدته وهو فى الثانية عشر من العمر، وقَبّلتْ الأرضَ التي وقف عليها آنذاك. عندما نظرت النِّساء القديّسات كل مكان تقدس بحضورِ يسوع، بَكين وصَلّوا فيه، ثم رَجعن إِلى صهيون .
لم تترك العذراء المباركة الهيكل بدون ذرف عديد من الدّموعِ، بينما كانت تتَأمّلْ حالة الخرابِ التي وصل إليها، مظهر الخرابِ الذي بدا يناقض بوضوح الحالة العاديةِ للهيكلِ فى يومِ العيد. وبدلاً من الأغاني وترانيم الابتهاج، يسود الصمت الحزين هذا الصّرح الضخم، وفى مواضع العابدين المبتهجين والأتقياء، تَجوّلتْ العين على خلاء واسع وكئيب. بكل صدق، وآسفاهً، أن هذا التّغييرِ يَدْلُّ على الجريمةِ المخيفةِ التي اُرتكبتْ مِن قِبل شعب الرب، وتَذكّرتْ كيف أن يسوع قَدْ بَكى على الهيكلِ وقال : " اهدموا هذا الهيكلِ وأنا أقيمه في ثلاثة أيامِ مرة أخري." أنه عنى هدم هيكلِ جسدِه الذى قَدْ تم مِن قِبل أعدائه، وقد تَنهّدتْ برغبة متلهفة لفجر اليومِ الثالث عندما تتحقق كَلِمات الحقِ الأزلي.
كان الفجرِ يلوح عندما وصلت مريم ورفاقها المسكن، واختلوا في البنايةِ التي على اليمينِ، بينما دخل يوحنا وبعض التّلاميذ العلية وتجمع حوالي عشرون رجلَ حول قنديلَ، وانشغلوا في الصّلاةِ. بين الحين والآخر يقترب أشخاص جدد من البابِ، يدَخلَون على نحو خجول، يقتربَون من المجموعةِ التى حول القنديلَ، ويخاطبوهم ببضع كَلِماتِ حزينةِ ترافقها الدّموعِ. كل شخصُ أظهر ليوحنا مشاعرِ الاحترام؛ لكونه مكث مع يسوع حتى الموتَ؛ لكن مشاعرِ الاحترام هذه امتزجت بشعور عميق من الخزيِ والارتباك، عندما فَكَّروا مَليّا‏ فى تصرفهم الجبان بتَرْكِ ربهم وسّيدهم في سّاعةِ الضيقِ. تَكلّمَ يوحنا إِلى كل شخصِ بأعظمِ محبة وحنو؛ أسلوبه كَانَ معتدلَ ومتواضعَ كما لطفلِ، وبدا أَنْه يَخَافَ أن ينال المدحَ. رَأيتُ المجموعةَ تَأْخذُ وجبة واحدة خلال ذلك اليومِ، لكن أعضائها كَانَوا في معظم الوقت صامتين؛ لَم يُسمع صوتَ فى الدّار، والأبواب أغُلِقت بأحكام، ولو أنه في الحقيقةِ، لم يكن هناك إمكانيةُ أن يُزعجهم أى أحد، لأن الدّارُ تخص نيقوديموس، وهو قد تركها لهم لوقتِ العيد .
مكثت النِّساء القدّيسات في هذه الغرفةِ حتى المساءِ؛ كانت الغرفة مضاءة بقنديلِ وحيدِ؛ الأبواب قَدْ أُغلِقتْ، وأسدلت الستائر على النّوافذَ. أحياناً يتَجمّعون حول العذراءَ المباركةَ ويصَلّوا تحت القنديلِ؛ في أوقاتِ أخرىِ يجلسن فى جانبِ الغرفةِ، مغَطّيين رؤوسهم بمناديل سّوداءِ، أو يجَلسَن على الرماد علامة للحدادِ، أو يصَلّون بوجوههم نحو الحائطَ؛ من كانت منهن بصحةِ معتلة أخِذتْ طعام قليل، لكن الأخريات صمن .
لقد نَظرتُ إليهم مراراً وتكراراً، ورَأيتهم دوما في نفس الأسلوب، بعبارة أخرى، أمّا في صّلاةِ أو في حدادِ على آلامِ سيدهم الحبيبِ. عندما تَجوّلتْ أفكاري من تأملِ العذراءِ المباركةِ إِلى تأمل ابنها الإلهي، نَظرتُ القبر المقدسَ بستة أو سبعة حراسِ في المدخل, كاسيوس واقفا قبالة بابِ الكهفِ، مستغرقا في تّأملِ عميقِ، الباب الخارجي مُغَلقَ، والحجر موجود أمامه. على الرغم من الباب السّميك الذي يفصل بين جسدِ مُخلصنا وبيني إلا أننى استطعت أَنْ أراه بوضوح؛ لقد كان واضحاً تماماً بضوءِ إلهى، وكان هناك ملاكان بجانبه يُمجّدانه. لكن أفكاري تحولت حينئذ إِلى تأملِ النفس المُباركة لمخلصي، وصورة شاملِة وصعبة لهبوطه إلي الجحيم قَدْ أُظهرت لي، التي أستطيع أَنْ أتذكّرَ فقط جزء صغير منها، سَأَصفُها على قدر طاقتي.

27
الفصل السابع والخمسون
وضع جسد الرب في القبر
وضع الرّجال الجسدَ المقدّسَ على حاملة يد جلديةِ، مغَطّاة بقماشِ أسود، ذات عصاتان طويلتان. هذا ذَكّرني بتابوت العهدِ. وضع نيقوديموس ويوسف الرامى طرفي العصيتان على أكتافها وسارا فى الأمامِ، بينما ابن ادار ويوحنا من الخلف. بعدهم جاءَت العذراء المباركة، مريم التى لهالى شقيقتها الكبرى، المجدلية ومريم التى لكلوبا، وبعد ذلك مجموعة من النِّساءِ اللواتي كن جالساتُ على مسافة قريبة, فيرونيكا، يونا التى لجوزى، مريم أمّ مرقص، سالومه زوجة زبدي، مريم ابنه سالومه، سالومه التى من أورشليم، سوسنة، وحنا أبنه أخ القديس يوسف النجار. كاسيوس والجنود فى نهاية الموكبَ. النِّساء الأخريات، مثل مارونا التى من ناين، دينا السامرية، ومارا السوفانيه، كَاناَ في بيت عنيا، مع مرثا ولعازر. أحضر جنديان مشاعل في أياديهم، سارا فى الأمام، ليضيئا القبرِ؛ واستمر الموكب يَتقدّمَ بهذا الترتيب حوالي سبع دقائقِ، الرّجال والنِّساء أنشدوا مزامير بنبرات حلوةِ لكنها حزينة. رَأيتُ يعقوب الكبير، شقيق يوحنا، واقفا على تلِ فى الجانبِ الآخرِ من الواديِ، ليراهم عندما يعُبِرون، ورَجعَ فى الحال بعد ذلك ليُخبرَ التّلاميذ الآخرين بما رَأىَ.
توَقفَ الموكبُ عند مدخلِ بستان يوسف الرامى الذي فُتِحَ بإزالةِ بعض الأوتاد. ووضعوا الجسد المقدس قبالة صّخرة، على لوح طويلُ مُغطى بملاءة. الكهف، الذي قَدْ نُحت حديثاً، كَانَ خدم نيقوديموس قَدْ نُظّفَوه مؤخراً، ليكون من الدّاخلَ مُرتب. جلست النِّساء القدّيسات أمام الكهف، بينما حمل أربعة رّجالَ جسد الرب، مصطبة مجوفة جزئيا مُعدة لوضع الحنوط العطريِ، وموضوع عليها قطعة قماش، وضعوا عليها الجسدَ المقدّسَ بإجلال. بعد ما عبروا جميعا مرة أخرى عن محبّتهم بدّموعِ، تَركوا الكهفَ. ثم دخلت العذراءِ المباركِ، جلستَ بقربَ رأسِ ابنها الحبيب، وانحنت على جسده بدّموعِ غزيرة. عندما تَركتْ الكهفَ، تقدمت المجدلية بعجالة ولهّفة، ونثرت بعض الزّهورِ والأغصان التي كانت قَدْ جمّعتْها من البستان على الجسدِ. ثم شَبكتْ يديها وببكاءِ قَبّلتْ قدمي يسوع؛ لكن الرّجالَ بعد ما اعلموها إنهم يَجِبُ أَنْ يَغْلقوا القبر، رَجعتْ إِلى النِّساءِ الأخرياتِ. غَطّوا الجسدَ المقدّسَ بأطراف الملاءة التي كان يرقد عليها، ووَضعواَ فى النهاية مفرش أسود، وأغَلقواَ الباب الذى كان يطوي ومصنوع من معدن بُلَوَّنِ برونزي، ووضعوا أمامه عصاتان، واحدة رأسية والأخرى أفقية ليُشكّلاَ شكل صليب .
الحجر الكبيرة الذي اعتزموا أَنْ يَغْلقوا القبر به، والذي كان ما زال أمام الكهف، كَانَ طوله بطول رجلِ وكان ثقيلاً جداً حتى أنه بالعتلاتِ فقط أستطاع الرّجال أَنْ يدحرجوه أمام بابِ القبرِ. مدخل الكهفِ أغُلِقَ ببوّابة ِمصنوعة من الأغصان المجدولة معا. كل شيء قَدْ عُمِلَ داخل الكهف كَانَ لابد أَنْ يُتمَّ بضوء المشاعل، لأن ضوء النهارِ لم يكن يدخله.

الفصل الثامن والخمسون
العودة من القبر
وضع يوسف الرامى في السّجن

السبت كَانَ يلوح، وعاد نيقوديموس ويوسف الرامى إِلى أورشليم من بابِ صغيرِ غير بعيدَ عن البستان، والذي سُمح ليوسف الرامى أَنْ يفتحه في سور المدينةِ. اخبرا العذراءَ المباركةَ والمجدلية ويوحنا وبعض النِّساءِ الذين كَانوا عائدين للجلجثةِ كى يَصلّوا هناك، بأن هذا البابِ، بالإضافة إلي باب علية صهيون، سَيَفْتحُ لهم فى أى وقت. شقيقة العذراءِ المباركةِ، مريم التى لهالي، رَجعَت إِلى المدينةِ مع مريم أمّ يوحنا وبعض النِّساءِ الأخرياتِ. ذهب خدم نيقوديموس ويوسف الرامى إلى الجلجثةِ ليَجْلبوا الأشياء التي تُرِكتْ هناك.
أنضم الجنود لزملائهم الذينَ كَانَ يَحْرسُون بوّابة المدينةَ قُرْب الجلجثة؛ وذهب كاسيوس إلى بيلاطس وقص عليه كل ما رآه، ووَعدَ أَنْ يَعطيه تقرير كامل عن كل شيءِ سيَحْدثَ إن وَضعُ تحت سيطرته الحراسِ الذين يَسْألونه اليهود أَنْ يَضعهم حول القبرَ. استمعَ بيلاطس لكَلِماته برّعبِ ، لكن اخبره في رده أن خرافاته تبَلغ الجنونِ.
التقى يوسف الرامى ونيقوديموس ببطرس ويعقوب الكبير والصغير في المدينةِ. ذرفوا جميعاً دّموعِ غزيرة، لكن بطرس كان مغُموِراَ تماماً بالحزن. لقد عَانقهم ولام نفسه لكونه لم يكن حاضر موتِ مُخلّصنا، وشَكرهم لكونهم أدوا مناسك الدفن لجسده المقدّسِ. اتفقوا على أنّ بابَ علية صهيون سيكون مَفْتوحَ لهم فى أى وقت، وبعد ذلك خَرجوا لينشدوا بعض التّلاميذ الآخرين الذين تشتتوا في جهاتِ متعدّدةِ. بعد ذلك رَأيتُ العذراءَ المباركة ورفاقها يَدْخلونَ علية صهيون؛ كذلك أتى ابن ادار وقَدْ أمن؛ تجَمّع جزء عظيم من الحواريين والتّلاميذ هناك. النِّساء القدّيسات شغلن جزءِ من البنايةِ حيث كانت العذراء المباركة توجد. تناولوا بعض الطّعامِ، وصَرفوا مزيد من الدقائق فى البكاء، وروت كل واحدة منهن على الأخريات ما قَدْ رَأتهَ. غير الرّجال ملابسهم وقد رَأيتهم يَقفونَ أسفل مصباحِ ويَحْفظونَ السبت لكن بدون الاحتفال بأي طقوس ، لأنهم كانوا قَدْ أكلوا حمل الفصح فى الليلة السابقة. لقد كَانوا جميعا قلَقينِ في الرّوحِ، وملآنين بالأسىِ. قضت النِّساء القدّيسات وقتهم في الصَّلاةِ مع العذراءِ المباركةِ تحت القنديلِ. فيما بعد، عندما غشى الليل تماماً، جاء لعازر وأرملة ناين والمرأة السّامرية دينا، ومارا التى من سوفان , جاءوا من بيت عنيا، وبعد ذلك، مرة أخرى، وُصف كل ما قَدْ حَدثِ، وذُرفت دموعِ غزيرة .
دينا، المرأة السّامرية، هى نفسها التي تَحدّثَت مع يسوع عند بئر يعقوب. لقد ولدَت قُرْب دمشق، من والدينِ كَاناَ أحدهم يهوديَ والأخر من الأمم. لقد مات والداها منذ الصغر، ولِكَونِها رُبّيتْ مِن قِبل امرأةِ سيئةِ، نبتت شرورها في قلبها مبكّراَ. لقد كان لها بِضْع أزواجَ، الذين كان كل واحد منهم يحل محل الأخر تباعاً، والأخير عِاش في سوخار، حيث تبعته وغَيّرتْ أسمها من دينا إِلى سالومه. كَانَ عِنْدَها ثلاثة بنات وابنان، الذين تبعا التلاميذ بعد ذلك. الراهبة إميريتش كَانتْ تَقُولُ بأنّ حياةَ هذه المرأةِ السّامريةِ كَانتْ نبويةَ لأن يسوع قَدْ تَكلّمَ إِلى كل طائفةِ السّامريّين في شخصها، وأنهم قَدْ ارتُبِطوا بأخطائهم برباطات عديدة بقدر ما ارتكبتْ هى من زنا.
مارا التى من سوفان كَانتَ موآبية، جاءت من سوفان، وكَانتَ من نسل عُرْفَةُ، أرملة كِلْيُونَ ابن نعمى. عُرْفَةُ تَزوّجَت ثانية في مؤاب. مِن قِبل عُرْفَةُ، زوجة شقيق زوج راعوث، مارا كانت ذات صله بعائلةِ داود، الذي جاء يسوع من نسلهَ. الراهبة إميريتش رَأتْ يسوع يُخرج من مارا أربعة شياطينِ ويمنحها مغفرة آثامها فى التاسع من سبتمبر فى السّنةِ الثّانية من حياته العامّةِ. لقد كَانتْ تَعِيشُ في عين نون، بعد ما طُلقت مِن زوجها، وهو يهودي غني، الذي أحتَفظَ بالأطفال الذين أنجبهم منها. لقد كَانَ لها ثلاث أطفال آخرين من الزنا.
تقول الراهبة إميريتش : " لقد رَأيتُ كيف أن الفرعَ الضّالَّ من شجرة داود قَدْ تنُقّى داخلها بنعمةِ يسوع، وانضمت لحضن الكنيسةِ. أنا لا أستطيع أن أعبر كم عديد من هذه الجذورِ والأغصان رأيتها تُصير مَضْفُورة كل منها مع الأخرى، تُفقد، وبعد ذلك تأتى إلى النور مرة أخرى. "
عاد يوسف الرامى إلى البيت متأخّراَ من علية صهيون، وكَانَ يَمْشي بشكل حزين جداً فى شوارعِ صهيون، يرَافقهَ بعض التلاميذ والنِساءِ، فجأة هاجمتهم فرقة من الرّجالِ المُسَلَّحين كَانوا كامنين بجوارِ محكمة قيافا، وقبضوا على يوسف الرامى، وهرب رفاقه وهم يطلقون صيحات الفزع. لقد سجنوه في برجِ متاخمِ لسور المدينةِ، لَيسَ بعيدَا عن المحكمةِ. هؤلاء الجنودِ كَانوا وثنيين، وليس عليهم حْفظ السبت، لهذا كان قيافا قادرَ أَنْ يستخدمهم فى السبتِ. كَانتْ النّية مُبيته أَنْ يُتْركَ يوسف الرامى حتى الموت جوعاِ، ويظل اختفائه سرا.
هنا ينتهي وصفُ كل ما حْدُثِ فى يومِ آلام إلهنا؛ لكننا سَنُضيفُ بعض الأمور الإضافيةِ التى تختص بيوم السبت من حيث الهبوط إلي الجحيم والقيامة .
الفصل التاسع والخمسون
أسم الجلجثة

بينما كنت أتَأَمُّلَ فى أسم الغولغوثا أو الجُلجثة، موضع الجمجمة، الذى أطلق على الصّخرةِ التي صُلِبَ عليها يسوع، اصبح مستغرقة بعمق في التّأملِ، وأنَظر بالرّوحِ كل الأجيال من زمن آدم وحتى زمن المسيحِ، وفي هذه الرؤى صار أصلِ هذا الاسم معُروِف لي. وها أنا أَعطي هنا كل ما أَتذكّرهُ عن هذا الموضوعِ.
لقد رَأيتُ آدم، بعد أن طُرد من الفردوس، يَبْكي في المغارة التى عرّقَ فيها يسوع دمَا وماءَ، على جبل الزيتون. رَأيتُ كيف قَدْ وُعِدَ شيث إِلى حواءِ في مغارة مزود البقر في بيت لحم، وكيف أنها ولدته في نفس ذلك الكهفِ. رَأيتُ حواء تعيش في بعض المغائر قُرْب حبرون " الخليل حاليا"، حيث تأسس دير للرهبان اليونانيين بعد ذلك.
ثم رأيت البلدة التى بنيت حيث توجد أورشليم حاليا، كما ظْهرت بعد الطّوفانِ، الأرض كَانتَ كلها غَيْر مأهولة، حجرية، سوداءِ، ومختلفة جداً عن ما سَبَقَ آن كَانتَ عليه من قبل. على عمقِ هائلِ تحت الصّخرةِ التي تُكوّنُ جبلَ الجلجثة ( الذي قَدْ تشُكّلْ في هذه البقعةِ بتدفق المياهِ )، رَأيتُ قبرَ آدم وحواء. رّأس وأحد الأضّلع كَاناَ مفقودان من أحد الهياكل العظميةِ، والرأس الباقية قَدْ وُضِعت ضمن الهيكل العظمي الذي لا يخصها. عظام آدم وحواء لم تترك كلها فى هذا القبرِ، لأن نوح أخذ البعض منها معه في السّفينةِ، وقَدْ نُقلوا من جيلِ إِلى جيلِ من قبّل البطاركةِ. نوح، وأيضا إبراهيم، كَاناَ يضعان دائما بعض من عظامِ آدم على المذبحِ عندما يقدمان ذبيحة، ليُذكّراَ الرب بوعده. عندما أعطى يعقوب ليوسف قميصه الملون، أعطاه في نفس الوقت بعض من عظامِ آدم، لتُحْفَظُ كآثار مقدَّسة‏. كان يوسف يلَبسهم دائما على صدره، وقَدْ وُضِعوا مع عظامه في وعاء الذخائر المقدسةِ الذي أحضره أبناء إسرائيل من مصر. لقَدْ رَأيتُ عديد من الأمور المشابهةِ، لكن البعض قَدْ نَسيتُه، ومرات أخرى أفشل فى أن أَصفَها.
فيما يتعلق بأصل أسم الجلجثةِ، ها أنا أَعطي هنا كل ما اَعْرفُه. لقد رأيت الجبلَ الذي يَحْملُ هذا الاسم كما كَانَ في وقتِ النّبيِ إيليا. لم يكن حينئذ على نفس الشكل الذى كان عليه فى وقت صّلبِ إلهنا، بل كَانَ تلَ، بعديد من الأسوار والمغائر التى تُشْبهُ القبورَ فوقه. رَأيتُ النبيَ إيليا يَنزل في هذه المغائر، أنا لا أستطيع أَنْ أَقُولَ سواء كان هذا في الواقع أم في الرؤيا فقطِ، ورَأيته يُخرجُ جمجمةَ من قبرِ كانت به عظامِ. شخص ما كان بجانبه, اعتقد أنه ملاكَ, قالَ له : " هذه هى جمجمةُ آدم." إيليا النّبي كَانَ توّاقَ أَنْ يَأْخذها، لكن الملاك مَنعه. رَأيتُ على الجمجمةِ بعض الشعر بلونِ جميل .
علّمتُ أيضا بأنّ النّبيِ بعد ما روُى له هذا، صار أسم هذه البقعةَ الجلجثةِ " الجمجمة". أخيراً، رَأيتُ أنّ صليبَ يسوع قَدْ وُضِعَ رأسيا على جمجمةِ آدم. لقَدْ أُعلمت بأن هذه البقعةِ هى المركزَ المضبوطَ للأرضِ؛ لقَدْ رَأيتُ هذا المركزِ من فوق، وكأني أراه بعينِ طائر. إن المرء يرى بهذه الطّريقةِ كل البلدانِ المختلفةِ والجبال والصحاري والبحار والأنهار والمدن وحتى أصغر الأماكن، سواء البعيدة أو القُريْبة, يراها في متناول اليد بوضوح أكثر مما يراه على الخريطةِ.

الفصل الستون
الصّليب ومعصرة العنب

بينما كُنْتُ أَتأمّلُ فى كَلِماتِ أو بالأصح فى أفكار يسوع عندما عُلق على الصّليب: " ها أنا أُعتصر كالنّبيذِ الذى وَضعَ هنا تحت المعصرة لأول مرة؛ أن دمي لابد أَنْ يواصل الَتدفّقَ حتى يأتى الماءِ، لكن خمرا لن يُصنع هنا فيما بعد " أُعطى لى تفسير بواسطة رّؤيا أخرى تَتعلّقَ بالجلجثةِ.
رَأيتُ هذا البلدِ الصّخريِ في فترةِ سابقةِ على الطّوفانِ؛ كان حينئذ أقل برية وقاحل أقل مما اصبحِ عليه بعد ذلك، وقَدْ كان فيه مزارع عنبِ وحقولِ. رَأيتُ هناك البطريرك يافث، رجل عجوز ذو مظهر أسمر فخم، مُحاطَ بأسرابِ وقطعانِ هائلةِ وأولاده لأجيال قادمةِ عديدةِ وهو نفسه كَانَ له مساكن منقورة في الأرضِ ومُغَطّاة بأسقفِ من أغصان الشجر، تنمو عليها الأعشابِ والزهورِ. كانت هناك كروم فى كل الدائرة، وطريقة جديدة فى صنع النّبيذِ كَانتْ تُحاولُ على الجلجثةِ، في حضورِ يافث. رَأيتُ أيضا الطّريقةَ القديمةَ لإعْداْدِ النّبيذِ، لكنى لا أستطيع أَنْ أَعطي سوى الوصف التّالي لها. في بادئ الأمر كان البشر يأْكلون العنب؛ بعد ذلك عصروه بمدقاتِ من أحجار مجوفة، وأخيراً في خنادقِ خشبيةِ كبيرةِ. معصرة النبيذِ الجديدةِ هذه، كانت تَشْبهُ الصّليبَ المقدّسَ في الشّكلِ؛ كانت تتكون من جذع شجرةِ مجوف توضع رأسيا، بكيس من العنبِ معَلّقا عليه. على هذا الكيس كانت تُربِطْ مدقة، يعلوها ثقل؛ وعلى كل من جوانبِي هذا الجزع كانت توجد أذرع مربوطة بالكيس، من خلال فتحات مصنوعة لأجل هذا الغرض، وعندما كانت تٌحرك هذه الأذرع بإنزال نهاياتهاِ، كانت تعصر العنبَ. فيتَدفّقَ العصيرُ خارج الجذع من خمسة فتحات، ويسقط في حوضِ حجريِ، حيث يتَدفّقَ خلال قناةِ مصنوعة من اللحاء والمكَسوة بمادة صمغيةِ، إلي صّهريجِ محفور في صّخرةِ حيث سُجن يسوع قبل صلبه. فى مقدمة عصارة النّبيذِ، عند الحوضِ الحجريِ، كان توجد شبكة كى تمنع القشور، التي كانت توُضِع على أحد الجوانبِ. عندما صنعوا عصارة نبيذهم، ملئوا الكيس بالعنبِ، سَمّروه إِلى قمةِ الجذع ووَضعَوا المدقةَ، وحركوا الأذرع الجانبية، ليجعلوا النّبيذَ يتدفق. كل هذا ذكرني بقوة بالصّلبِ، بسبب التّشابه بين معصرة النّبيذِ والصّليبِ. كَانَ لديهم قصبةُ طويلةُ، في نّهايتها أفرع، لكي تشَبهَ أشواكِ كبيرة، وكانوا يديرون هذا القصبة خلال القناةِ وجزع الشّجرةِ عندما يكون هناك أي إعاقةِ. لقَدْ تذُكّرتُ الرّمحِ والإسفنجةِ. كان هناك أيضا بعض الزّجاجاتِ الجلديةِ، والأواني المصنوعة من لحاء الأشجار والمكسوة بمادة صمغية. رَأيتُ بْعض الشبابَ، بلا شيء سوى قماشَ ملَفّوفَ حول خصرهم مثل يسوع، يعمِلون في معصرة النّبيذِ هذه. يافث كَانَ عجوز جداً؛ ذو لحيةَ طويلةَ، ورداء مصنوع من جلدِ الوحوشِ؛ ونَظرَ إلي معصرة النّبيذَ الجديدةَ برّضاِ واضحِ. لقد كان يوم عيد، وقدموا ذبائح على مذبحِ حجري من بعض الحيواناتِ التي كَانتْ تَجْري طليقة في الكرمة، عنزات وخراف. أنه لم يكن فى نفس المكانِ الذي جاءَ إليه إبراهيم ليَضحّي بإسحاق؛ الذى كان على جبل الموريا. لقَدْ نَسيتُ عديد من الدروس المختصة بالنّبيذِ والخلّ والجلود، والطرق المختلفة التى كان كل شيءِ يُوزّعُ بها إِلى اليمينِ وإِلى اليسار؛ وأنى آسفة لذلك، لأن هذه الأمورِ لها معنىُ رمزيُ عميق. إن كانت إرادة الرب لي أَنْ أَجْعلها معُروِفة، فهو سَيُريهم لي ثانية.

28
الفصل الخامس والخمسون
إنزال يسوع من على الصّليب

في الوقت الذى ترك فيه الجميع الصليب، وقف الحرّاس فقط حوله، رأيت خمسة أشخاص، أعتقد إنهم كانوا من التلاميذ، والذين يأتون من الوادي من بيت عنيا، اقتربوا من الجلجثة، نظروا لبضع لحظات على الصّليب، وبعد ذلك انصرفوا. ثلاث مرات التقيت في المنطقة بالرّجلين اللذان كانّا يتشاوران سوياً. هذان الرّجلان كانا يوسف الرامى ونيقوديموس. أول مرة كانت خلال الصّلب عندما تسبّبوا فى استعادة ملابس يسوع من الجنود، ولم يكونا حينئذ على مسافة كبيرة من الجلجثة. المرة الثّانية كانت عندما وقفا لينّظرا إن كانت الحشود قد تفرّقت أم لا، ثم ذهبا إلى القبر ليعدا بعض التّجهيزات. المرة الثالثة كانت عند عودتهم من القبر إلى الصليب، كانوا ينظران حولهم في كل اتجاه، كما لو أنهم ينتظرون لحظة مواتية، وبعد ذلك قرّرا سوياً أنهما يجب أن يُنزلا جسد يسوع عن الصليب، بعد ذلك عادا إلى المدينة.
اهتمامهم كان منحصر فى عمل الترتيبات لحمل الأشياء الضّرورية لتكفين الجسد، وأخذ خدامهم بعض الأدوات اللازمة لإنزال جسد يسوع من الصّليب، وأيضا سلّمان وجدوهما داخل مخزن قرب منزل نيقوديموس.
المرأة التي اُشترى منها الحنوط كانت قد حزمتها سوياً. أشترى نيقوديموس ما يزن بمائة دينار من الحنوط. حمل الخدم تلك الحنوط في سلال من القش معلّقة حول رقابهم وتستقر على صدورهم. إحدى هذه السلال احتوت على نوع من المساحيق. كان يوجد معهم أيضا حزم من الأعشاب في حقائب مصنوعة من رقّ الكتابة أو الجلد، وحمل يوسف الرامى صندوق به نوع من المراهم. وكان الخدم يحملون آنية وزجاجات جلدية وإسفنج وبعض الأدوات على نقالة، واخذوا أيضاً نار في فانوس مغلق. تركوا المدينة قبل سيدهم ومن بوّابة مختلفة ربما تكون بوابة بيت عنيا، وبعد ذلك اتجهوا نحو جبل الجلجثة. بينما كانوا يسيرون فى المدينة عبروا على دّار كانت توجد بها العذراء المباركة مع القديس يوحنا والنساء القديّسات لإعداد متطلبات تكفين جسد يسوع، وتبع يوحنا والنّساء القديّسات الخدم. النّساء كنّ خمسة، البعض منهن حملن حزم كبيرة من الكتان تحت عبيهم. كان ذلك عُرف‏ يتبعه النّساء عندما يخرجن في المساء، أو إن اعتزموا أن يؤدّون عمل رحمة سراً، يلفون أنفسهم بحذر بملاءة طويلة.
كان يوسف الرامى ونيقوديموس في ثياب الحداد، ولبسوا أكمام سوداء وأوشحة‏ عريضة. عباءتهم جذبوها على رؤوسهم، كانت عريضة وطّويلة، لونها رمادي وتخفي كل شيء يحملونه.
اتجهوا نحوِ بوّابةِ تَقُودُ للجلجثة. الشّوارع كانت مهجوِرةْ وهادئة، لأن الرّعبِ جعل كل شخصَ يلزم بيته. عدد عظيم كَانَ قد بْدأُ يتوب، ولكن قلة كاَنت تستعد للعيد. عندما وَصلَ يوسف ونيقوديموس إلى البوّابة وَجدوها مغَلقةَ، والطّرق والشوارع وكل زاويةِ مكتظة بالجنودِ. هؤلاء كَانوا الجنودَ الذين طلبهم الفريسيون فى حوالي الساعة الثانية، والذين ظلوا بأسلحتهم وعلى أهبة الاستعداد، حيث كانوا لا يزالوا يَخَافونَ الشغب بين الشعب. أظهر يوسف أمر موَقّعَ مِن قِبل بيلاطس، أَنْ يجعلوهم يَعْبرون بحرية، والجنود كَانوا راغبينِ أن يفَعلونَ ذلك، لكن وَضّحَوا له إنهم سعوا عدة مرات أَنْ يَفْتحَوا البوّابة، لكنهم لم يستطيعوا تحريكها؛ أظهر ذلك بجلاء أن البوّابة حدث بها عيب في بعض أجزائها؛ ولذلك أضطر الجنود الذين أرسلَوا ليَكْسرواَ سيقان اللّصوصِ أَنْ يعودوا إِلى المدينةِ من بوّابةِ أخرىِ. لكن عندما أمسك يوسف الرامي ونيقوديموس بمقبض البوابة، انفتحت وكأنها تنفتح من تلقاء نفسها، مما أثار دهشة جميع الحاضرين.
كانت الظلمة قد بدأت والسّماءُ كانت غائمةُ عندما وَصلوا جبل الجلجثةَ، حيث وَجدوا الخدمَ الذين كَانوا قَدْ أُرسلوهم قد وْصُولوا بالفعل، والنِساءِ القدّيسات جالساتِ يَبْكين أمام الصّليب. كاسيوس وبِضْعَة جنود كانوا قد أمنوا ظلوا قريبين، وسلوكهم كَان مُحترمَ ومتحفظ. وَصفَ يوسف ونيقوديموس للعذراءِ المباركة ويوحنا كل ما فعَلوه من أجل أَنْ يُنقذوا يسوع من الموتِ، وعرفا منهم كيف إنهم نَجحوا في مَنْعِ كسر عظامِ يسوع، وهكذا تحققت الّنبوءة . تَكلّموا أيضا عن الجرحِ الذي أحدثه كاسيوس برمحه. ما أن وصل ابن أدار القائد الروماني حتى بدءوا عملهم المحزن والمقدّس لإنْزالِ جسد إلهنا الحبيب من على الصّليبِ وتطييبه .‏
جلست العذراء المبارك والمجدلية أسفل الصّليبِ؛ بينما، على الجهة اليمنىِ، بين صليبِ ديماس وصليب يسوع، انشغلت النِّساء الأخريات في إعْداْدِ الكتانِ والحنوط والماء والإسفنج والأواني. تَقدّمَ كاسيوس أيضا، وروى لأبن ادار الشفاء المعجزى لعينيه. الجميع كان متأثراً بعمق وكانت قلوبهم تَفِيضُ بالحُزنِ والحبِّ؛ لكن، في نفس الوقت، ظلوا صامتين وكل حركةِ كَانت ممتلئة بالمهابة والرزانة‏. لم يكَسرَ هذا السّكونَ سوى كلمة حزن، أو آهة تفلت من هنا أو من هناك من هؤلاء الأشخاص القدّيسين، على الرغم من تلهّفهم الجادّ وانتباههم العميق إلى عملهم. أفَسحت المجدليةَ المجال لأحُزانها، ولم يلهيها حضورُ عديد من الأشخاصِ المختلفين، ولا أي اعتبار آخرِ عن ذلك .
وضع نيقوديموس ويوسف السّلمان خلف الصليب وصَعدا عليهما، ممسكين في أياديهم بمُلاءة‏ كبيره، عبارة عن ثلاث أشرطة طويلة مثبته معا. رَبطا جسدَ يسوع، من تحت الذراعين ومن عند الرُّكَبتين بعمود الصليب، وثَبّتا‏ الذراعين بقِطَعِ من الكتان وَضعتْ أسفل اليدين. ثم اقتلعا المسامير، بدَفْعها من الخلف بأوتاد قويةِ. بينما كانت المسامير تُزالَ عنوة بطرقات المطرقةِ، كانت العذراء المبارك والمجدلية، وكل أولئك الذينِ سَبَقَ أَنْ كَانَ حاضرَين الصّلبِ، يشعرون بكل ضربةِ وكأنها تَطْعنُ قلوبهم. أعاد الصّوتُ لأذهانهم رؤى كل آلامِ يسوع، ولم يتَمَكّنوا من أَنْ يُسيطروا على خوفهم المرتجفِ، خشية أن يَسْمعوا صراخه الحاد من الألمِ ثانية؛ ولو إنهم، في نفس الوقت، حَزنوا من صمتِ شفاهه المباركة، التي بَرهنتْ، بكل أسف، أنه قد ماتَ حقاً.
لم تسقط أيادي يسوع المقدّسة، وخرجت المسامير من الجراحِ؛ لأن تلك الجراح كَانَت قَدْ كبرت بتأثير ثقل الجسدِ، الذي لكونه ممسوك بالقماشِ، لَمْ يَعُدْ مُعلق من المسامير. الجزء الأسفل من الجسد، الذي منذ موت إلهنا قَدْ أنحدر لأسفل على الرُّكَبتينِ، استقر الآن بوضع طبيعيِ، مسنود بالملاءة المرَبوطةَ من أعلى بذراعي الصّليبِ. بينما كان يوسف الرامى يُخرجُ المسمار من اليد يسرىِ، وبعد ذلك يَسْمحُ للذّراع، مدعوما بقماشه، أَنْ تَنزل بهدوء لأسفل على الجسدِ، نيقوديموس كَانَ يَرْبطُ الذّراع الأيمن ليسوع بذراع الصليب، أيضا الرّأسِ المُتَوَّجهِ المقدّسِة، التي مالت على الكتفِ الأيمن. ثم أخرج المسمار، وبعد ما أحاطَ الذّراع بملاءة، تَركها تنزل بهدوء عِلى الجسدِ. في نفس الوقت، أقتلع ابن ادار بصّعوبةِ عظيمةِ، المسمار الكبيرَ الذي أخترق القدمين. تناول كاسيوس المسامير بخشوع ووَضعها عند قدمي العذراءِ المباركةِ.
بعد أن وَضعَ يوسف الرامى ونيقوديموس السلمان أمام الصّليبِ، بوضع قائم جداً، وقرب الجسدِ، حَلاَ الشّريطَ الأعلى، وثبتوه بأحد الخطّافاتِ على السّلّمِ؛ ثم فعَلوا نفس الشيء مع الشريطان الأخريانِ، وَنْقلُوهم جميعا من خطّافِ إلى خطاف، مما جعل الجسدَ المقدّسَ يَنحدرَ بهدوء نحو القائد الروماني، الذي بعد أن صَعدَ على كرسي صغيرِ تناوله بين ذراعيهِ، وأمسكه من أسفل الركبتين؛ بينما يوسف الرامى ونيقوديموس، يسندان الجزء الأعلى من الجسد، ينزلان بهدوء علىِ السلم، متوقفين عند كل درجه، وبغاية الحرص القابل للتخيل، كرجال يَحْملُون جسد صّديقِ محبوبِ قَدْ جُرِحَ بشدة. هكذا نزل جسدَ مُخلصنا الإلهى إلى الأرضِ .
لقد كان من أكثر المناظر المؤثرة. الجميعً قد أظهر نفس الحَذّر، نفس العناية، كما لو إنهم يخشون أَنْ يُسبّبوا ليسوع بعض الألمِ. لقد بدوا أنهم يركزون على الجسدِ المقدّسِ بكل الحبِّ والتّبجيلِ الذي شعروا به نحو مُخلّصهم خلال حياته. أعين الكل قَدْ ثُبّتتْ على الجسدِ الجدير بالحب‏، وتتبع كل ما يحدث له؛ وكَانوا يَرْفعونَ أياديهم نحو السماء بشكل مستمر, ذارفين الدموع، ويعبرون بكل طريقِ ممكنة عن زيادةِ أساهم وآلامهم. ومع ذلك فأنهم ظلوا جميعاً هادئَين تماماً، وحتى أولئك الذين كانَوا مشغولين جداً بأمور الجسدِ المقدّسِ كانوا يؤدون أعمالهم بغاية الهدوء، وعندما كانوا يضطرون أَنْ يتكلموا لإبداء ملاحظةِ ضّروريةِ، كانوا يفعلون هذا همساً .
عندما نزل الجسد لُفَّ في الكتان من الرُّكَبتينِ إِلى الخصرِ، وبعد ذلك وَضعَ في أحضان العذراءِ المباركةِ، التي مدت أياديها لتحتضن بكل الحُزنِ والحبِّ، جسد ابنها وإلهها الحبيب.
الفصل السادس والخمسون
تطييب جسد يسوع

جلست العذراء المباركة على قطعة قماشِ كبيرِ فُرشت على الأرضِ، وأسندت ظهرها على بعض العِبيِ الملفوفة معا لتُشكّلَ مسندِ. لم توجد وسيله ما تستطيع بأية طريقة أن تخفف من آلامها ومن مأساة نفسها العميقِة، لأن الواجب المحزن والذي بغاية القداسة والذى كَانتْ عَلى وَشَكِ أَنْ تُنجزَه يتعلق بجسد ابنها الحبيبِ. استقرت رّأس يسوع على ركبةِ العذراء مريم، ووضع جسده على ملاءة. العذراء المباركة قَدْ غُمِرتْ بالحُزنِ والحبِّ. مرة أخرى، وللمرة الأخيرةِ، أخذت بين ذراعيهاِ جسدِ ابنها الحبيب، الذي كَانتْ عاجزةَ عن أَنْ تُقدم له أي شهادةِ حبِّ خلال سّاعات استشهاده الطّويلة. وقد حَدّقتْ فى جراحه واحتضنت خديه الملطّخة بالدمِاء بحنان، بينما ضمت المجدلية قدميه على وجهها.
مضى الرّجال إلي مغارة صغيرة تقع على الجانبِ الجنوبي الغربي من الجلجثةِ، ليَعدوّاَ هناك الأشياء الضرورية للتَكفين؛ ظل كاسيوس بعيدا مع بضع من الجنودِ الذين قَدْ اهتدوا، كل الأشخاصِ النّاقمين قَدْ رُجِعوا إِلى المدينةِ، والجنود الذين كَانوا حاضرينَ خُدِموا بشكل مجرّد ليُشكّلوا حراسة ليَمْنعَوا أي مقاطعةِ للإكرام الأخيرِ الذي كَانَ يُعدَ لجسدِ يسوع. بعض هؤلاء الجنودِ قدموا مساعدة عندما رَغبَوا. حملت النِّساء القديّسات الأواني والإسفنج والكتّان والحنوط حسبما يُطلب؛ لكن عندما كانوا لا يُطالبون بشئ كانوا يظلوا مبتعدين، يحدقون بيقظة على العذراءِ المباركةِ بينما هى ماضية في مهمتها الحزينةِ، لم تترك المجدلية جسد يسوع؛ وقدم يوحنا المساعدةَ للعذراءِ المباركِة، وذَهبَ وعاد بين الرّجالِ والنِّساءِ، مُقدما معونة لكليهما. النِّساء كَانَ معهم بعض الزّجاجاتِ الجلديةِ الكبيرةِ وأناء ممتلئ بالماءِ موضوع على فحمِ مشتعل. أعطوا العذراءَ المباركةَ والمجدلية، حسب ما يَطلّبان، آنية ملآنة بالماءِ النظيف والإسفنج، الذي كانوا يعَصرونه بعد ذلك في الزّجاجاتِ الجلديةِ.
تواصلت شّجاعة وثبات مريم في وسطِ آلامها المتعذر وصفها . بالتأكيد كان من المحال لها أَنْ تَتْركَ جسد ابنها في الحالة المُخيفة التي كَان عليها من قبل آلامه، ولهذا بَدأتْ بنّشاط جاد تَغْسلَ وتَُطهر جسده المقدس من آثارِ الإساءةِ التي ارتكبت ضده. جذبت بعناية فائقة تاجَ الشّوكِ، فْتحته من الخلف، وبعد ذلك نزعت شوكة تلو الأخرى من الأشواك التي انغرست بعمق في رأسِ يسوع، حتى لا تُوسّعَ الجراح. وضِعَت التّاج بجانبِ المساميرِ، وبعد ذلك نزعت الأشّواكَ التي بَقيتْ في الجلدِ بكلاباتِ , وأرتهم بحزن إِلى أصدقائها. هذه الأشّواكِ قَدْ وُضِعتْ مع التّاجِ، لكن بعضها لابد أَنْه حُفَظ منفصلاً.
وجه مُخلصنا الإلهى كَانَ ممكن تميزهً بالكاد، كان بغاية التشَوّهَ بالجراحِ التي غَطته. اللّحية والشّعر قَدْ تغُطّيا بالدّمِاء. غَسلَت العذراء مريم الرّأسَ والوجهَ، ومررت إسفنج مبلل على الشّعرِ لتُزيلَ الدّم المُتجلط، وكلما كانت تمَضى في مهمتها المقدسة، كلما تظهر أكثر مدى القسوةِ المُرعبةِ التي مورستْ ضد يسوع، وكانت مشاعرها تزدِاد حنوا وألما كلما عَبرتْ من جرحِ إِلى آخرِ. لقد غَسلتْ الرّأس والعينان التى كانت ملآنة بالدّم وكذلك الأنف والآذنان بإسفنجةِ وقطعةِ صغيرةِ من الكتان فردتها على أصابعِ يدّها اليمنى؛ وبعد ذلك غسلت بنفس الأسلوب الفم النّصف مَفْتُوح واللّسان والأسنان والشّفاه. ثم قَسّمتْ ما تبَقيْ من شّعرِ يسوع لثلاثة أجزاء , جزء ينسدل على كل خد، والثالث على رأسه من الخلف؛ وعندما حَلّتْ مقدمة الشّعر وصففته وضعته خلف آذانه. عندما أكملت غسل الرّأس، غطتها بمنديل بعد ما قَبّلَت خدي ابنها الحبيبِ. ثم اهتمت بالرّقبةِ والكتفين والصدر والظهر والأيدي المثقوبة. كل عظامِ الكتف والمفاصل قَدْ تخُلِعت ولم يكن من الممكن ثنيها. كَانَ هناك جرحَ مخيفَ على الكتفِ الذي حَملَ الصليبِ، وكل الجزءِ العلوي من الجسدِ قَدْ تغُطّى بالكدماتِ وتأثرت بعمق من ضرباتِ السّياطِ. عند الثدي الأيسر كَانَ هناك جرحَ صغيرَ حيث خَرجتْ منه حربة كاسيوس، وعلى الجانبِ الأيمن كَانَ يوجد الجرحَ الكبيرَ الذى صُنع بنفس الرّمحِ، والذي ثَقبَ القلب من جهتين. غسلت العذراء مريم كل هذه الجراحِ، والمجدلية، على رُكَبتيها، تسَاعدها من وقت لآخر؛ لكن بدون تَرْكَ قدميِ يسوع، التي غسلتها بدّموعِها ومَسحتْهما بشعر رأسها.
رّأس وصدر وأقدام يسوع قَدْ غُسِلت الآن، واستقر الجسد المقدّس على رُكَبتيِ مريم ، هذا الجسد الذي تغُطّى بعلامات سّمراءِ وحمراءِ في الأماكنِ التى كان الجلد فيها قَدْ تمُزّقَ، وبلونِ أبيضِ مزرق، مثل اللّحمِ الذي صُفى من الدّمِ، غَطّت العذراء الأجزاء التي غَسلتْها بمنديل، وبعد ذلك مَضتْ فى تتُطيب كل الجراحِ. النِّساء القديسات سَجدنَ بجانبها، وتباعاً قَدّمنَ لها الصّندوقِ، الذى كانت تأخذ منه بعض الحنوط الثّمينِ، وتملئ وتغَطّيْ الجراح. دَهنتْ الشّعرَ أيضا، وبعد ذلك، أْخذُت أياديَ يسوع في يدها اليسرى، قَبّلتهم ومَلأَت الجراح الكبيرة التى أحدثتها المسامير بهذا الحنوط. مَلأتْ الآذنينَ والأنف وجرح الجنبِ بنفس الخليطِ الثّمينِ. في نفس الوقت مسحت المجدلية أقدام الرب وطيبتهما، وبعد ذلك غَسلتهما ثانية بدموعها، وضمتهما إلى وجهها.
الماء الذي كَانَ يستعملَ لم يكنَ يَرْمي، بل كان يُصَبَّ في زّجاجاتِ جلديةِ بعصر الإسفنج فيها. لقد رَأيتُ كاسيوس وبعض الجندِ الآخرينِ يَذْهبُون عدَة مرات ليَجْلبَوا ماء عذب من نبع جيحون، الذي لم يكن على مسافةُ كبيرة. عندما ملأت العذراء المباركة كل الجراحِ بالحنوطِ، أغَلقتْ العينان النّصفَ مفتوحةَ، وأبقت يدّها فوقها لبعض الوقتِ. أغَلقتْ الفمَ أيضا، وبعد ذلك احتضنت جسد ابنها الحبيبِ، ضمت وجهه بحنان وتبجيل على وجهها ثم لَفّتْ الرّأسَ بالكتان. يوسف الرامى ونيقوديموس كَاناَ يَنتظرُان، عندما اقتربَ يوحنا إِلى العذراءِ المباركِ وتَوسّل إليها أَنْ تسمح لهم بأخذ جسد ابنها منها، لإكمال التطييب لأن السبت كَانَ يلوح. احتضنت مريم جسد يسوع المقدّس مرة أخرى، ونطقت بكلمات وداعها بلهجة بغاية التأثر، وبعد ذلك رَفعوه الرجال من حضنها على ملاءة، وحَملوه على بعد خطوات. حُزن مريم العميق قَدْ خَفَّ بمشاعرِ الحبِّ والوقارِ التي أتمّتْ بها مهمتها المقدّسة؛ لكن حزنها قد غْمرها الآن مرة أخرى، ووقعت بين أيادي النِّساءِ القدّيساتِ. شَعرت المجدلية كما لو أن حبيبها سيؤخذ منها بعيدا قسراً، وجَرت للأمام بضعة خطوات بعجالة، وذراعيهاِ ممدودتان للأمام؛ لكن بعد لحظةِ، رَجعَت إِلى العذراءِ المباركةِ.
تأمل العذراء المُباركة مريم
تَكلّم كثير من الأنبياءِ عنيّ: تنبئوا أنهّ كان لابد أَنْ أَعاني لأكون مستحقّة أن أَكُونَ والدة الإله. لقد تَوقّعوا أن يعرفونني على الأرضِ لكن ذلك كَانَ لابد أَنْ يَكُونَ بطريقةِ حذرة جداً. فيما بعد تَحدّث عنى الإنجيليين، خاصة لوقا, طبيبي الحبيب, طبيب النفوس أكثر من كونه طبيب الأجسادِ. بعد ذلك بُدِأتْ تؤخذ بعض الإيماءات كقاعدةِ أساسية للأحُزانِ والآلامِ التى عَانيتُها. وهكذا عُرف بشكل عام بأنّي اختبرت سبعة أحُزانَ رئيسيَة.
أبنائي، لقَدْ كَافأتْ أمكمَ وسَتُكافئُ الجهود والحبّ الذي تكنونه لي. لكن كما فعل يسوع، أُريدُ أَنْ أَتكلّمَ معكم بشكل شامل عن أحُزاني. حينئذ، ستتحدثون إِلى اخوتكَم عنها، وأخيراً سَيُقتاد بى كل شخص. بسبب ما عَانيتُه، أنى أمجد يسوع باستمرار ولا أَطْلبُ شيء سوى أن يَكُونُ مُمَجَّداًَ فيّ.
انظروا يا أبنائي الصغار، إنه لمحزن أَنْ أَتحدّثَ عن هذه الأشياءِ إِلى أبنائي، لأن كل أمِّ تَحْتفظُ بأحُزانها لنفسها. وهذا ما قد أملاه على واجبى خلال حياتي على الأرض ‏؛ لذلك، فأن رغبتي كأمِّ احترمتْ مِن قِبل الرب. الآن بكوني هنا، حيث الابتسامة أبدية ، ومثل كل الأمهات تلاشى الحزن الذى اختبرته بالفعل، أن َتحدّثتَ عن آلامي فهذا كي يعرف أولادي شيئاً ما عن حياتي.
أنى اَعْرفُ الثّمارَ التي سَتَحصلون عليها من ذلك وكيف أن هذه الثمار ستسر أبني الحبيب يسوع. أنا سَأَتحدّثُ عنها طالما أنكم تستطيعوا أَنْ تَفْهموني.
قال يسوعى: " كل من هو أولُ فليجعل نفسه أخراً " وهو فعل هذا حقاً لأنه وهو الأولُ في بيت الرب، لكنه نَزلَ حتى الدرجة الأخيرةِ. الآن، بسبب حبي له، أنا لَنْ آخذَ منه لا الموضع الأولً هذا ولا الأخير اللذان يخصانه. بالأحرى، أُجاهدُ أن أجعلكم تَفْهمَون هذه الحقيقةِ، وبهجتي سَتَكُونِ أعظمَ عندما تَقتنعُوا، لَيس من خلال طريقِ المعرفةِ البسيطةِ بل من خلال اقتناع عميق الجذّورِ. ليَكنُ هو الأولَ ونحن الأخيرينَ.
إن كَانَ هو الأولَ، هناك من يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثّاني في سلّمِ الحبِّ والمجد؛ ولذلك، بتواضع وبانسحاقِ. لابد أنكم فَهمتَم الآن ما يَجِبُ أَنْ أَكُونَ علية. أبنائي الصغار، مجدوا الرب الذي بعد ما خَلقَ مسافة هائلة بين يسوع وبيني، ما زالَ يريد أَنْ يَضعني التالية له مباشَرةً‏.
أبنائي، ما يبدوا مُهماً إِلى العالم,ِ لَيس بالضرورة أن يكون هكذا أمام الرب. اختياري كوالدة الإله انطوى بداهة‏ على تقديم تَضحّيات مُحزنة واستسلام، وأول تلك التضحيات كاُن عندما عُرْفت من خلال جبرائيل الاختيار الذى تم بمحبة الرب. لقَدْ أردت أَنْ أظل فى حالة معرفةِ متواضعةِ ومختفية في الرب. لقد أردت هذا أكثر من أي شئ أخر لأن ذلك كان لذّتي أَنْ أَعْرفَ نفسي كأخيرةِ في كل شيءِ.
بمعُرْفِة اختيارِ الرب لى أجبتُ كما تعرفون، لكنه كان من الصعبَ أَنْ اَرتفعَ إِلى الكرامةِ التي قَدْ دُعِيتُ إليها.
أبنائي الصغار، هَلْ تَفْهمُون حُزني الأولَ الذي أَتكلّمُ عنة؟ تأملوا ملياً فيه، أَعطوا أمكَم البهجة العظيمةِ فى تقييم ذلك الأتضاع الذي أقيمه أنا أكثر من بتوليتى. نعم، أنا كُنْتُ الآمة التى يطلب منها أي شئ، وقد قَبلتُ فقط لأن استسلامي كُان بنفس دّرجةَ محبّتي.
لقد تَمتّعتَ يا إلهي بأن تَرْفعني نحوك، وتَمتّعتُ أنا بقُبُولَي لأن طاعتي كَانتَ تَسرك. لكنكَ تَعْرفُ كم كان هذا حزيناً جداً لي، وأن هذا الحُزنِ نفسهِ أمامك الآن في احتياج إلى النور من أجل هؤلاء الأطفالِ، الذين تَحْبّهمَ والذين اَحْبّهمُ. أنا العبدة، أه يا أطفالي، وكما تحقق لى ذلك، فليتحقق الآن لكم جميعاً بلا ارتياب كل ما يُريدُه الرب لكم!
القبول أعطى الرب الجوابَ الذي سَيَمنح البشر الَدْخولُ إِلى الفداء، وبهذا تحُقّقتْ تلك العبارةِ الرائعة :" هو ذا العذراءُ سَتَحبل وتَلدُ أبناً سَيَدْعى أسمه عمانوئيل. "
أن قبولي أَنْ أُصبحَ أم عمانوئيل، تَضمّنَ هديتي إِلى ابن الرب بكون أنّ أمه تَمْنحُ نفسها إليه، قبل أن تتُشكّلُ بشرية يسوع داخلها. لهذا كانت هديتي نتيجةَ للنّعمةِ، وأيضا سّبباً للنّعمةِ. والأسبقية يَجِبُ أَنْ تَُعرفَ أن الرب هو السّببُ الأوّلُ؛ ومع ذلك، يَجِبُ أَنْ أُؤكّدَ أنّ قبولي تم بخطةِ النّعمةِ كسبب مُرَافَقَِ .
إنهم يَدْعونني شريكة الفداء من أجل الأحُزانِ التى عَانيتُها؛ لكنى كُنْتُ هكذا حتى من قبل، من جراء منحي لذاتي له من خلال جبرائيل. يا أبني الإلهي ! كم أردت كثيراً أَنْ تَعطي الإكرام إلى أمكَ لتعوضها عن الحُزنِ العظيمِ الذى عَانتُه فسموت بكرامةِ أمكَ!
أنتم يا أطفالي الصغار كالعميان في هذا العالم، لكن حين تبصرون الأمور الرائعة فأنها ستصير حوافز لأن تفرحوا من أجلى. ستروا أي تناغم بين المجد والأتضاع هنا حيث يسوعى هو الشّمس التي لن تغيب. ستكتشفون حكمه التدبير الذى تحقق من خلال تضحيتي وفى أتضاع حياتي الخفية المستترة .
لكن أصغوا إلى الآن. بقدر ما كانت أمومتي تتقدّم, كان على أن أتحدّث إلى البعض من أحبائي عن الكرامة التى نلتها, وقد فعلت ذلك فى تكتم بقدر ما أستطيع. لقد زهدت فى إعلان غلبة سر الرب ليتمجد الرب بنفسه فى .
ومع ذلك فسرعان ما غمرني الفرح بمعرفة أنى قد اعتبرت امرأة كسائر الأخريات. ابتهجت روحي لأن آمة الرب, التى أرادت التواضع قدر استطاعتها، قد صارت مداسه من قبل العالم. عندما شك فىّ يوسف، لم أعاني، ابتهجت حقا. لا تقولوا بأنّي عانيت لأن ذلك غير صحيح. لقد كان ذلك ليلبى الرب رغبتي فى الأتضاع. هذه كانت أجرة الرب بكونى صرت أم الرب أن أعتبر امرأة ساقطة. تعلموا يا أولادي معرفة الحبّ، تعلّموا تقييم التواضع المقدس، ولا تخافوا لأنها فضيلة تشرق بنور متألق .
عندما عُقد الزّواج، لم يكن عندي مشاكل. عرفت مجريات الأمور ولم أخاف شيء. حقا أن الرب يعطى من يعطون أنفسهم بالكامل له, يعطيهم مكاناً مثالياً فى أكثر المواقف تناقضاً، كما كان الحال لي: لقد أجبرت من قبل الالتزام البشرى أن أتزوّج رجل، حتى عندما عَرفتُ بأنّي أستطيع أَنْ أنتمي فقط إِلى الرب.
لقد عَانيتُ كثيراً جداً من الأحُزانِ على الأرض! إذ ليس من السهل أن أكون أم العلى، أنى أؤكد لكم. ولا نستطيع أن ندعوها مشكله عويصة ما نقوم به من أجل أنقى غاية ومن أن نكون مُرضيين للرب. تذكّروا هذا !
هل سبق أن فكرتم يوماً ما الذى سبّب لى أعظم حزن فى تلك الليلة المقدسة في بيت لحم؟ أنكم تصرفون انتباهكم فى الإسطبل وفى المزود وفى الفاقة. أنا، من ناحية أخرى، أقول لكم أنني قضيت تلك الليلة في نّشوة كاملة مع ابني. ومع ذلك كان على أن أعمل ما تعمله كل أمّ لطفلها الصّغير، إلا أنى لم أترك نشوتي ولا نعمتي. الشيء الوحيد الذي سبّب حزني فى ليله الحب تلك كان رؤيتي لمأساة يوسف المسكين وهو يبحث عن مأوى, عن أى مكان لي. لقد كان مدركاً لما سيحدث ومن هذا الذى سيجيء إلى الأرض، زوجي الحبيب، برُؤيةِ أننى كنت قلقة أصبحَ حزينُاً وشَعرتُ بعطفَ كثيرَ من أجله. بعد ذلك امتلأنا بالبهجة ونسينا كل قلق .
هَربنَا إِلى مصر وكل ما هو ممكن أن يُقال عن ذلك قد قيِلِ، مع ذلك فالبعض ركزِوا خيالهم على إعياءِ الرّحلةِ أكثر من التركيز على خوف الأمِّ التي تعَرف أنّها تمتلكْ أعظم كنزَ في السّماءِ والأرضِ.
فيما بعد عشنا فى الناصرة، يسوع الصغير كَانَ يَكْبرُ مملوءاً بالحياةِ، وفي ذلك الوقت، سَبّب لنا قلق قليل جداً ومحدود جداً. أن كل أمِّ تَعْرفُ ما تتمناه لصحةِ طفلها، وكيف أن شيء بسيط جداً يعتبر كغيمةِ مظلمةِ عظيمةِ. وقد أُصيب ولدى بكل أوبئةِ وأمراضِ طفولةِ تلك الأوقاتِ. مثل كل أمِّ، لم أستطيع أَنْ أكُونَ محصّنة ضد أي قلقِ ينتاب قلب أى أمِّ .
لكن ذات يومَ أُظَلَّمتِ غيمة مظلمةِ جداً نور فرح أمِ الرب. تلك الغيمةِ تَدْعى فَقْدان يسوع..... لا شاعرُ ولا كاتب ماهر يُستطيع أَنْ يَتخيّل مريم عندما عَرفتْ أنّها فَقدتْ ابنها المُمَجَّد ولَيْسَ عِنْدَهُا أخبارُ عنه لمدة ثلاث أيامِ....يا أطفالي الصغار, لا تندهشوا من كَلِماتي، لقد اختبرت أعظم قلق فى حياتي. أنكمَ لم تتأملوا ملياً بدرجة كافية فى كلماتي:" يا أبني، أبوكَ وأنا كُنا نَبْحثُ عنكَ لثلاث أيامِ. لماذا صنعت بنا هذا ؟ " الهي، فى الوقت الذى أَتكلّمُ فيه الآن إِلى هؤلاء الأطفالِ المحبوبين، لا أستطيع أَنْ أتوَقفَ عن تسبيحك. أنكَ من تختفي كى تَجْعلنا نَشْعرَ بفرحة العثور عليك. أه! كما لو كنت تذوقت أناء ملئ بالعسل ينسكب في نفسك هكذا كان احتضاني لمن هو لى كل شئ .
أنى كما تَرون، أُخبركمَ أيضاً عن فرحتي؛ لكن لَيسَ بلا سببَ أربط وأصل بين الحزن والفرح معاً. اكتسبوا فوائد بأفضل طريقة ممكنة، من كل ما حْدثِ. الرب يختفي كى يُوْجَدُ. البعض يعَرفَون تلك الحقيقةِ، الآخرون يُفكّرونَ بحُزنِ رهيب بعد ما يفَقدونَ يسوع، يفَعَلونُ كل شيءَ كى يَجدونه. أنتمَ لا يَجِبُ أَنْ تَظلوا خامدين ومقهورين .
أن أمكم تودّ أن تنقذكم من التّعامل مع ما لا يزال يقال. أولاً هناك أشياء لم يعلن عنها ولذا لم تقدر بعد حق التقدير. ثانيا بمعرفتها يجب أن تشاركوني معاناتي وهمومي المؤلمة. علاوة على ذلك فأن كل شيء يريده يسوعى قد أعلن بدون أي معارضة على الإطلاق.
هَلْ تظنوا أنّي قضيت حياتناَ العائلية بهدوء في الناصرة ؟ لقد كانت هادئة في فضيلةِ الانتظام فى محبّةِ الرب. لكن مع المخلوقاتِ، كان هناك الكثير من المشاكلَ!
طريقتنا الفريدة فى الحياةِ قَدْ لوحظَت، ولذلك كنا موضع سُخِرية بشكل عامّ. لقَدْ اعتبرتُ مفرطة بسبب أنّه عندما كان يسوع يترك الدّارَ، لم أكن أتَمَكّنُ من كبت دموعي، ويسوع كان يخَرجَ بشكل متكرر. يوسف قَدْ أُرهق وكَانَ كعبدَ ليسوع ولى. ما الذى يستطيع أن يَفْهمَه العالم؟ لقد القينا بكل همومنا على من عاش بيننا، المعبود في كل مظاهره .
يا له من ابن محبوب كان هذا الصبي الصغير؛ أنه أكثر وسامة من البحرِ، أعقل من سليمان، وأقوى من شمشون. كل الأمهاتِ كَنَ يرغبن أن يَأْخذونه منّي؛ بمثل هذا السّحرَ كان مُحَاط. ذو الأفق الضّيّق يغمروني بأحكامهم الصارمة؛ لم يتورعوا عن انتقاد هذا الأبّ الذي لم يكن يكل, الذي ظنوه أنه خاضع ليس لزوجته المخلصة بل الغيورةَ. كان الجميع مطلعين على وفائي, إلا إنهم جميعاً ظنوا أن ذلك عاده متأصلة فى وميلاً أنانياً.
هذا يا أطفالي الصّغار، ما لم يكن يَعْرفُ. هذه الانتقادات جاءت من عالمِ لا يَمَكّنَ أَنْ يَرى ولا أن يَفْهمُ أطهر أم. أحتفظ يسوع بهدوئه دون أن يُشجّعني، لأن أمَ الرب كَانتَ يجبُ أَنْ تُصفى خلال تلك البوتقةِ، وهذا قد كان، كامرأة بين سائر النساء اللاتي آرائهم لا ينبغى أن يعتد بها.
تعجبوا من حكمةَ الرب في هذه الأشياءِ واكتشفوا المعنىَ الإلهي، تلك الحكمة التى تَرْبطُ بين أعظم سّموِّ وبين الاختبارات الأكثرُ ألماً في علاقةِ بمثل هذا السّموِّ.
ودنت سّاعة الافتراق, سّاعة عملِ يسوع. وحان معها، اليوم المُخوف لمغادرةِ الناصرة. لقَدْ تَكلّمَ يسوع معى عن مُهمته على نحو شامل وعن الثّمارِ التى سيجنيها هو وكل البشر؛ لقَدْ جَعلني اَحْبّها مقدماً. هذا الفراق كان حتمي ولو إلى حين .... ودعنا وقَبّلنا وتَقدّمَ نحو مهمته كمعلّمِ للإنسانيةِ. غير أن رحيله لم يكن خفياً في تلك القريةِ الصّغيرةِ حيث كان يسوع محبُوباً جداً.
كانت هناك إيماءات المودةِ والبركاتِ ولأنهم لم يعَرفوا الصلاح الذى كَانَ يسوع سيقوم بهُ، تمثلت لهم مدى الخسارة التي آلمت بهؤلاء الناسِ ذو الفكرِ البسيط ولكن أسخياء في القلبِ.
وأنا، فى غمرة كثير جداً من المشاعرِ، تُرى ماذا كانت مشاعري؟ انتابتنيّ آلاف الهواجس، لكنه لم يُرجئ رحيله دقيقةِ واحدة. يسوعي كان يعَرفِ ما ينتظره بعد مواعظه. لقَدْ اخبرني فى عديد من المرات وبإسراف شديد عن خيانةِ الفريسيون والآخرين. والآن ها هو يرحل، يرحل وحيداً بدوني كى ينفذ مهمته؛ يرحل بدوني أنا من ربيته بدفءِ قلبي؛ بدوني أنا من مَجّدته كما لم يُمجّده أى أحد قط !
بعد ذلك تبعته. وَجدته عندما كان مُحاط مِن قِبل كثير من الجموع حتى أنه لم يكن من الممكن لى أَنْ أَراه. وهو بالحقيقة ابن الرب قد أعطىَ أمه أجابه رائعة نابعة من حكمته، لكنها طعنت هذا القلبِ الأموي واخترقته من جانب لآخرِ. نعم لقد فَهمت أجابته بالكامل، لكن ذلك الفهم لم يحَرّرني من الحُزنِ. بالعلاقةِ الإنسانيةِ، هو خالف الوصية التي كُنْتُ فيها مُتضمّنة، إنه حقيقي؛ وعلى الرغم من هذا، ملاحظات الآخرين جرحتني .
الضّربة الأولي قَدْ تُلِيتْ ببهجةِ رُؤيةِ عظمته، برُؤيتهِ مُكرماً، مُبَجَّلاً، ومحَبَّوباً مِن قِبل الناسِ؛ وسرعان ما ألتئم هذا الجرحِ أيضا. لقد سَافرتُ الطّرقَ معه، مفتونة بمعرفته، مبهورة بتعاليمه، ومَا تعبتُ أبداً لا من حَبّهِ ولا من الإعجاب به .
ثم جاءَ احتكاكه الأول مع السنهدريم. حَدثتْ المعجزةُ: المعجزة التي أحدثت ضجة عظيمة في عقولِ كهنة اليهود المفتخرين. لقد كُرِهوهَ، اضطَهَدوه، راقبوه وجربَوه. وأنا؟ أنا كنت أعَرف كل شيءَ ومن ذلك الحين، بأذرع مفتوحةِ، قدمت محرقة أبني، قدمت استسلامه، وموته المروّع والمخزي في أياديِ الأبِ. لقد كنت أعَرف مسبقا بخيانة يهوذا؛ عَرفتُ الشّجرةَ التي ستؤخذ منها الخشبة التى ستكون صليب أبني.
أنكَم لا يُمكنُ أَنْ تَتخيّلَوا المأساة المروعة التي عشتها سوياً مع يسوعي، من أجل أن يتحقق الفداء .
لقَدْ قُلتُ من قبل: أنني شريكة الفداء. لهذا، فالحُزن العادي لم يكَنَ كافياً. الاتحاد العظيم بآلامه العظيمة كَانَ حتمياً، كي يتحرر كل البشر. لذاً، ولأني ذَهبتُ معه من مدينةِ إِلى مدينةِ، صرت أكثر فأكثر مطلّعَة على النداءات التي كان يسكبها خلال عديد من اللّياليِ بلا نومِ والتى كان يقضيها في الصّلاةِ والتّأملِ بقلب مُنسحق. اتضحت أمامي كل مرحلة من مراحل تفكيره وبالحقيقة جلجثتى وصليبي بدءا منذ ذلك الحين .
عديد من الاعتباراتِ ضاعفت من أحُزاني كل يومِ لأنى كُنْتُ أمه وأمكم! عديد من الآثامِ، بل كل الآثامِ؛ كثير من الحُزن، بل كل الحُزنِ؛ عديد من الأشّواكِ، بل كل الأشّواكِ؛ يسوع لم يكَنَ وحيداً. لقد عَرف ذلك، وشَعر به. لقد رَأىَ أمه في اتحادِ مستمرِ معه. لقَدْ آلمه ذلك، آلمه كثيراً جداً، لأن آلامي كَانتَ بالنسبة له أعظم الآلام.
يا أبني، يا أبني المُمَجَّد، ليت هؤلاء البنين والبناتِ يعرفون فقط ما حَدثَ حينئذ بينك وبيني! وحانت سّاعة المحرقة بعد عذوبة عشاءِ الفصحِ. وبعد ذلك، كَانَ علىّ أَنْ أَنضمَّ مرة أخرى إلى الجموع. أنا، من أحَببتُه ومَجّدته بطريقةِ فريدةِ، كَانَ لِزاماً علىّ أَنْ أَكُونَ بعيدهَ عنه. هل تَفْهمُون ذلك يا أطفالي؟ لقد كنت عالمه بكل خطوه يخطوها يهوذا الغادر, ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله؛ وكنت أعلم أنّ يسوع قد عرّق دماً في البستان ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله من أجله. ثم اعتقلوه وأهانوه وأُدَانوه بخبث .
أنا لا أستطيع أَنْ أُخبركَم بكل شيء. سأخبركم فقط أنّ قلبي كَانَ في اضطراب وفى قلقِ مستمرِ؛ قلبي كان عرش من المرارةِ المستمرة والقلق، كان موضع خربِ، كان متعب ومغموم. فهل بعد كل ذلك تُفقد كل هذه النفوس ؟ هل بعد كل ذلك تتواجد كل هذه المتاجرة بالمقدسات وهذا التبديل الدنس لها؟ أه يا أطفال أحزاني! إن كنت أعطيكم اليوم نعمة التألم من أجلى، باركوا من أعطاها لكم بكرمه، وضحوا بأنفسكم بلا تردد.
أنكم تُفكّرونُ فى عظمتي يا أطفالي الأحباء. من المفيد لكم أن تفكّروا في ذلك؛ لكن أَصغوا إليّ: لا تُفكّرواُ فيّ، بل فكّروا فيه. كم أوَدُّ أَنْ أكون منسية، إن كَانَ ذلك ممكن! أعطِوا كل حنو له، إِلى يسوعي، إِلى يسوعكَم، إِلى يسوع حبيبكم وحبيبي .
لذا يا أطفالي الصغار، كان حُزن قلبي مثل سيفَ يطعن نفسى وحياتي دوماً. لقد شَعرت به، عندما أراحني يسوع بقيامته، عندما ضمدت فرحتي الهائلة فجأة كل الجراحِ التي نَزفتْ داخلي.
لقد ظللت أكْررَ " يا أبني, لماذا كل هذا الأسى؟ أن أمكَ بقربك. هَلْ حبّي لَيسَ كافي؟ كم كثيراً من المرات أرّحتكَ من بلاياكَ؟ والآن، هَلْ ليس بوسع أمكَ أَنْ تَهبك بعض الراحةِ؟ أه يا أبا يسوعي، أنا لا أُريدُ أي شئ أكثر مما تُريدهُ أنت. أنك تَعْلم ذلك؛ لكن أنظر أن كان ممكن أن تخفف من بلاياه. أن أم أبنكِ تَسْألكُ هذا .
والآن على الجلجثة صرت احتج قائلة :" الهي، أعد النور لتلك الأعينِ التي أُمجّدُها! النور الذي طَبعتهَ فيها منذ اليوم الذى أعطيته لي, أيها الأب الإلهى، أنظر رعبَ ذلك الوجهِ القدّوسِ! هَلْ ليس من المُمكنُ على الأقل أن تَمْسحَ هذه الدماء الكثيرة؟ يا أبا أبني، يا عريس حبّي، يا من أنتَ بنفسك الكلمة التي شاءت أَنْ يَكُونَ لها ناسوتها منّي! ليت صلوات تلك الأيادي المتضرعة نحو السّماءِ من الأرضِ أن تَكُونُ توسلاً لأجله ولأجل استجابتي !
أنّظر يا إلهى، إِلى أى حد أنت قد خُفّضَته! إنها أمه من تَسْألكِ أَنْ تُخفّفَ كثيراً من أحزانه. بعد وقتِ قليلِ، سَأكُونُ بدونه. لذا فالوعد، الذي قطعته على نفسي من قلبي في الهيكلِ، سَيتحقق بالكامل. نعم، أنا سَأَبْقى وحيده، لكن خفف دون أن تلتفت لآلامي .

حُمِلَ الجسد المقدّس إِلى بقعةِ أسفل مستوى قمةِ الجلجثة، حيث كان يوجد سّطح نّاعم لصخرةِ مناسبَة لتطييب الجسد عليها. لقد رأيت أولا قطعة قماش كتّانيةِ، تُشبه كثيراَ شرائط الزينة ورَأيتُ ملاءة كبيرةَ أخرى مفَتوحَة. وُضع جسد مُخلصنا على قطعةِ القماش الكتاني، ووضع بعض الرّجالِ الآخرين الملاءة الأخرى فوقه. ثم سجدا كل من نيقوديموس ويوسف الرامى، وتحت هذه الَغْطاء حلا الكتان الذى كانا قَدْ لفاه حول خصرَ مُخلصنا عندما انزلا جسده من الصّليبِ. ثم مرروا الإسفنج أسفل هذه الملاءة وغَسلوا الأجزاء السفلي من الجسد ؛ بعد ذلك رَفعوه بمساعدةِ قِطَعة كتان جازت أسفل الخصرَ والرُّكَبتينَ، وغَسلاَ الظّهر دون أن الاضطرار لقلب الجسد المبارك. استمرّا يَغْسلانَ حتى صار الماء الذى يُعصر من الإسفنجِ صافىَ. ثم سكبا ماءَ نبات المرِّ على الجسدِ بالكاملِ، وبعد ذلك، أعدا الجسد بوقارِ، مدداه بالطول الطبيعيَ، لأنه كان ما زالَ في الوضعِ الذي مات عليه, الخصر والرُّكَب منحنية. ثم وَضعا أسفل فخذيه ملاءة عرضها ياردةَ وطولها ثلاث ياردات، ووَضعا حزمِ من الأعشابِ ذات الرائحة الحلوةِ، ونثرا على الجسدِ بالكاملِ بودرة كان نيقوديموس قَدْ جَلبَها. بعد ذلك لفوا الجزءَ الأسفل من الجسدِ، ورَبطوا القماش الذي وَضعوا أسفله بقوة. بعد هذا دَهنوا جراحَ الفخذِين، ووَضعَوا حزمَ من الأعشابِ بين السّاقينِ، التي مدوها بطولها الطبيعيِ، ولَفّوها بالكامل بهذا الحنوط .
أخذ يوحنا العذراء المباركة والنِّساء القدّيسات الأخريات مرة أخرى إِلى الجسد. سجدت مريم بجانب رأسِ يسوع، ووَضعَت أسفله قطعة ناعمة جداً من الكتان التي كَانتْ زوجة بيلاطس قَدْ أعطتها لها، بعد ذلك وبمسَاعدَ النِّساءِ القديّساتِ، وَضعتْ حزمِ الأعشابِ والحنوط والمساحيق ذات الرائحة الحلوةِ من الأكتافِ إِلى الخدين، ولفت بقوة قطعةِ الكتان هذه حول الرّأسِ والأكتافِ. سكبت المجدلية أيضا زجاجة صغيرة من البلسمِ علي جرحِ الجنبِ، ووضعت النِساء القديّسات المزيد من الأعشاب على جراح الأياديِ والأقدامِ. ثم وضع الرّجالِ حنوط حول كل بقيّةِ الجسدِ، وضعا الذراعان المقدّسةَ على هيئة صليب على الصّدرِ، ولفا ملاءة بيضاء كبيرة حول الجسد من الرأس حتى الصّدر، أخيراً، وَضعا الرب يسوع على ملاءة كبيرةِ، طولها حوالى ستة ياردات، كان يوسف الرامى قَدْ اشتراها ولَفوّه فيها. كَانَ يَرقد عليها بشكل قطري ، وزاوية من الملاءة قَدْ رُفِعتْ من الأقدامِ إِلى الصّدرِ، الأخرى على الرّأسِ والأكتافِ، بينما الزاويتان الأخريان لفا مرتان حول الجسدَ.
العذراء المباركة، النِّساء القدّيسات، الرّجال, الكل كان سْاجداُ حول جسدَ يسوع ليودعوه، عندما حدثت معجزةِ مؤثرة أمامهم. جسد يسوع المقدّس، بكل جراحه، ظَهرَ مَطْبُوعَ على القماشِ الذي غَطاه، كما لو أنه كَانَ مسرورَ أَنْ يُكافئهم على محبّتهم، ويَتْرك لهم صورة نفسه خلال القماش الذي التف به. بالدّموعِ احتضنوا الجسدَ الجدير بالحبَ، وبعد ذلك قَبّلواَ بتبجيل الرسم الذى طُبع الذي قَدْ تَركَه. زادت دهشتهم عندما رَفْعواِ الملاءة ، رَأوا أنّ كل الأربطة التي تحيط بالجسد قَدْ ظلت بيضاء كما هى، وأن القماشِ الأخير فقط هو الذى قَدْ طُبع بهذا الأسلوب الرّائعِ. أنه لم يكن تأثير الجراحِ النَّازِفةِ، لأن الجسد بالكامل قَدْ لف وتغُطّيْ بالحنوط، لكنها كانت صورة خارقةَ، تحمل شهادة عن القوةِ المبدعةِ الإلهية السَّاكِنةِ دوما في جسدِ يسوع. لقَدْ رَأيتُ عديد من الأشياءِ تختص بتاريخ قطعة الكتان هذه، لكنى لا أستطيع أَنْ أصفها بشكل متماسك. بعد القيامة ظلت الأكفان ملكِ لرفاق يسوع، لكنها وقعت مرّتين في أياديِ اليهودِ، وبعد ذلك كُرّمتَ في بِضْعَ أماكنِ مختلفةِ. لقَدْ رَأيتها في مدينةِ من آسيا، ملكِ لبعض المسيحيين المتأججين. لقَدْ نَسيتُ أسم المدينةِ، التي تَقعُ في ولايةِ قُرْب بلد الملوكِ الثّلاثة.

29
اعتقد عندي وجهة نضر في الموضوع. في زمننا هذا اصبحت فرصة الناس في الخلاص قليلة بسبب ضروف الحياة المختلفة ومرض السرطان هو احد وسائل الرب لتطهير النفوس من خلال الالم ومن خلال معرفة اقتراب الموت. ولنفرض شخص معين اصيب بالسرطان وتغيرت حياته الروحية نحو الاحسن واصبح يصلي طلبا للشفاء عند هذه النقطة ومن خلال معرفة الرب المسبقة بالمستقبل في كثير من الاحيان لا يمنحه الشفاء والسبب انه عند شفاءه سيعود الى حياته العادية وربما لن يصل الى حاله النعمة اللي وصل اليها وهو مريض فيفضل عدم الشفاء لتخليص روحه

30
الفصل الحادي والخمسون
الزّلزال
ظهور الموتى في أورشليم

لقد رأيت نفس يسوع، في لحظة موته، تظهر على شكل شبه نيزك ساطع يخترق الأرض عند موطئ الصّليب وترافقها الملائكة، من بين الذين ميّزتهم كان الملاك غبريال. رأيت هذه الملائكة تلقي بعدد من الأرواح الشّريّرة في هاوية عظيمة، وسمعت يسوع يأمر بعض النفوس التى في عالم النسيان أن تدخل الأجساد التي سكنوها ذات مرة، لكى يملأ منظرها الخطاة بمخافة ذات فائدة، وأن تؤدى هذه النفوس شهادة مهيبة عن لاهوته.
ألحق الزّلزال الذي انتج الهوّة العميقة في الجلجثة أضراراً عظيمة فى كثير من أجزاء إسرائيل، لكن تأثيره كان أعظم في أورشليم. كان سكانها فى بداية اطمئنانهم بعودة ظهور الشمس، عندما أرعبتهم اهتزازات الزّلزال والضوضاء والفزع الرهيب الذى سببه انهيار البيوت والجدران من كل جانب، وازداد فزعهم بالظّهور المفاجئ لأشخاص من بين الأموات، يواجهون الفاجرين المرتجفين الذين كانوا يهربون كي يخفوا أنفسهم، ويخاطبونهم بلهجة حادّة وبتّأنيب.
نصح رؤساء الكهنة الشعب أن يواصلوا ذبح حمل الفصح الذى توقّفت بسبب الظّلمة الغير متوقّعة، وكانوا مبتهجين بالنّصر‏ بعودة ضياء الشمس، عندما اهتزت الأرض فجأة من تحتهم، انهارت البنايات المجاورة، وأنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل. في بادئ لأمر, الرّعب جعل الذين فى الخارج صّامتين، لكن بعد فترة انفجروا في الصراخ والبكاء.
كانت الحشود التى داخل الهيكل عظيمة، لكن الطقوس كانت منفذة بمهابة من قبل الكهنة. جاءت أولاً تقدمة الحمل، ثم رُش دمه، متبوعاً بترتيل الأناشيد الدينية وهتاف الأبواق. كان الكهنة يسعون إلى الاستمرار فى الذبائح، عندما نشاء فجأة توقف مروّع غير متوقّع؛ تمثّل الرّعب والدّهشة على كل وجه؛ الكل كان مرتبكاً؛ لا صوت قد سُمع؛ توقف الذبح ؛ كان هناك اندفاع عامّ نحو أبوّاب الهيكل؛ كانت الجموع تسعى للهرب سريعاً بقدر ما تستطيع. أزداد الفزع والخوف؛ بظهور أشخاص سبق أن كانوا فى عداد الأموات ودفنوا منذ عدة سنوات في وسط الجموع! نظر هؤلاء الأشخاص إليهم بصرامة، ووبّخوهم بشدة على الجريمة التى ارتكبوها فى ذلك اليوم، بجلب الموت للإنسان البار وصياحهم بأن دمه على رؤوسهم. حتى في وسط هذا الارتباك، كانت تُبذل بعض المحاولات من قبل الكهنة للمحافظة على النظام؛ حاولوا منع من كانوا في الجزء الدّاخلي من الهيكل من الاندفاع للأمام، وتقدموا وسط الحشود التى كانت تتقدمهم، ونزلوا الدرجات التى تقود إلى خارج الهيكل: حتى إنهم استمروا فى الذبائح في بعض الأجزاء، وسعوا إلى أن يهدّئوا من رعب الناس.
قيافا وحاشيته لم يفقدوا صوابهم، وبالهدوء الذى اكتسبوه بقساوة قلوبهم، هدئوا الاضطراب إلي درجة عظيمة، وبعد ذلك فعلوا ما بوسعهم ليمنعوا الشعب من النّظر إلى هذه الأحداث الهائلة كشهادة عن براءة يسوع. أدت الحامية الرّومانية التى تخص قلعة أنطونيا جهوداً عظيمة للمحافظة على النظام؛ ولذلك، اضطراب الاحتفال بالعيد لم يتلوه شغب، ولو أن كل قلب أمتلئ بالخوف والقلق، القلق الذي سعى الفريسيون, وفي بعض الحالات بنجاح, أن يهدّئوه.
أنى أتذكّر بضع أحداث أخرى: بالدرجة الأولى، العمودان اللذان علي مدخل قدّس الأقداس، واللذان يوجد بينهما حجاب فخم، لقد تأرجحا حتى أساساتهما؛ العمود الذى على الجانب الأيسر سقط فى اتجاه الجنوب، والذي على الجانب الأيمن سقط في اتجاه الشمال، وهكذا أنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل بصوت رهيب، وأنكشف قدّس الأقداس إلى نّظر العامّة. أنحلّت حجارة كبيرة وسقطت من الحائط الذى في مدخل القدّس، بالقرب من الموضع الذى كان يسجد فيه سمعان الشيخ، وأنكسر القوس. ارتفعت الأرض لأعلى، وسقطت عديد من الأعمدة الأخرى في أجزاء أخرى من الهيكل.
ظهر الكاهن الأكبر زكريا، الذي ذُبح بين الهيكل والمذبح، لقد شوهد في القدّس ونطق بتهديدات رهيبة، تكلّم عن موت زكريا الثّاني , وعن موت يوحنا المعمدان، وأيضا عن الموت العنيف للأنبياء الآخرين. أبني الكاهن الأكبر سمعان, المُلقب بالبار ، ظهرا في الجزء الذى يشغله فى العادة مُعلمي الناموس؛ تكلّما أيضا بتّعبيرات رّائعة عن موت الأنبياء، عن ذبائح العهد القديم التي على وشك أن تتوقّف الآن، وقد حثّوا كل الموجودين على أن يؤمنوا بالرب يسوع كرب وفادي وأن يعتنقوا التعاليم التي أوصى بها. ظهر أيضاً النبي أرميا؛ ووقف قرب المذبح، وصرّح، بنبرة تهديد، أن الذبائح القديمة قد أتت لنهايتها، وأن ذبيحة جديدة قد بدأت.
بنما كانت تحدث ظّهورات أخرى فى الأجزاء التى لا يُسمح لأحد بالدخول فيها إلا للكهنة، كان قيافا وبضع من الآخرون فقط من يميزونها، وقد سعوا بأقصى ما يستطيعون، أمّا أن ينكروا حقيقتها، أو أن يخفونها. هذه الأعاجيب قد تليت بأعاجيب أخرى أكثر روعة. انفتحت أبواب القدّس من تلقاء نفسها، وسُمع صوت ينطق بهذه الكلمات : " فلنترك هذا الموضع " ورأيت كل ملائكة الرب تترك الهيكل فى الحال. الاثنين والثّلاثين فريسي الذين ذهبوا إلى الجلجثة قبل وقت قصير من موت يسوع آمنوا جميعهم تقريبا وهم عند الصّليب. رجعوا إلى الهيكل في وسط الفوضى، وكانوا مصعوقين تماما من كل ما حدث هناك. تكلّموا بصرامة إلى حنّان وقيافا، وتركوا الهيكل. حنان الذى كان دوماً من أكثر أعداء يسوع كراهية، وترأّس كل إجراء أُتخذ ضده؛ كان للأحداث الخارقة التي حدثت تأثيراً عظيماً على أعصابه حتى أنه لم يكن يعرف أين يخفي نفسه. قيافا كان منتبّه جداً وممتلئ بالقلق، لكن كبريائه كان عظيماً جدا حتى أنه أخفى مشاعره بأقصى ما يستطيع، وسعى أن يطمئن حنّان. نجح لبعض الوقت؛ لكن الظّهور المفاجئ للأشخاص الذين سبق أن ماتوا منذ عديد من السنوات أفسد تأثير كلماته، وصار حنّان مرة أخرى فريسة للرّعب والخوف والندم.
بينما كانت هذه الأشياء تحدث في الهيكل، لم تكن الفوضى والرّعب في أورشليم أقل. أشخاص أمواتاً كانوا يتجولون فيها، وعديد من الجدران والبنايات قد اهتزّت بالزّلزال وانهارت أجزاء منها. خَوْف بيلاطس مِن المجهول‏ أفزعه؛ وصمت تماما من الرّعب؛ اهتزّ قصره إلى أساساته ومادت الأرض تحت قدميه. ركض بتهور من غرفة إلى غرفة، والموتى وقفوا بشكل ثابت أمامه، يوبخونه عن الحكم الجائر الذى أصدره ضد يسوع. لقد ظن إنهم آلهة الجليلي، والتجأ إلى غرفة داخلية، حيث قدم بخور ونذر نذور لأصنامه ملتمساً معونتهم. هيرودس كان مضطرباً هو أيضاً؛ لكنه أغلق قصره على نفسه، كي لا يبصره أحد .
أكثر من مائة شخص من الذين ماتوا في عهود مختلف عادوا ودخلوا الأجساد التى شغلوها عندما كانوا على الأرض، ظهروا في مختلف أجزاء أورشليم، وملئت ساّكنيها بذّعر متعذر وصفه. تلك النفوس التي أُطلقت من قبل يسوع من عالم النسيان كشّفت وجوهها وتجوّلت ذهابا وإيابا في الشّوارع، ومع أن أجسادهم كانت نفس الأجساد التي عاشوا فيها عندما كانوا على الأرض، إلا أن هذه الأجساد ما ظهرت تمسّ الأرض بينما كانت تسير. دخلوا بيوت ذويهم وأعلنوا براءة يسوع، ووبّخوا الذين شاركوا في موته بشدة. لقد رأيتهم يعبرون الشّوارع الرّئيسية؛ وكانوا يسيرون أزواجاً، وظهروا لي وكأنهم ينزلقون على الهواء بدون أن يحركوا أقدامهم. وجوه البعض كانت شاحبة؛ الآخرون كانوا بصبغة صفراء؛ لحاهم كانت طويلة، وأصواتهم كانت غريبة وكئيبة. أكفانهم كانت الأكفان التى كانت قيد الاستعمال في زمن موتهم. عندما وصلوا المكان الذى أُعلن فيه حكم الموت ضد يسوع قبل أن يبدأ الموكب نحو الجلجثة، توقّفوا للحظة، وصاحوا في صوت عالي : " المجد ليسوع إلي الأبد، والإبادة لأعدائه! ". فى نحو الساعة الرابعة عاد كل الموتى إلى قبورهم. الذبائح في الهيكل كانت قد قوطعت، والفوضى التى سببتها الأعاجيب المختلفة كانت عظيمة جدا، حتى أن بضع أشخاص أكلوا حمل الفصح فى ذلك المساء.

الفصل الثاني والخمسون
طلب يوسف الرامى لجسد يسوع

ما أن بدأ الاضطراب الذي ساد المدينة أن ينحسر، حتى أرسل اليهود الذين من المجلس إلى بيلاطس يطلبون أنّ تُكسر سيقان المصلوبين، لكى تنتهي حياتهم قبل فجر السبت. أرسل بيلاطس جنود فى الحال إلى الجلجثة لينفّذوا رغباتهم.
سمع يوسف الرامى عن موت يسوع، وقرر هو ونيقوديموس أن يدفناه فى قبر جديد شيده يوسف في نهاية حديقته التى لم تكن بعيدة عن الجلجثة. كان بيلاطس ما زال قلقاً ومهموماً، وتعجب كثيراً برؤية شخص ذو مكانة عالية مثل يوسف يحرص على أن يُعطى إذن بدفن مجرم بكرامة بالرغم من أدانته بأن يصلب بشكل مخزي. طلب بيلاطس ابن ادار القائد الروماني، الذي عاد إلى أورشليم بعد أن تشاور مع التّلاميذ الذين اختبئوا في المغائر، وسأله إن كان ملك اليهود قد مات حقا. قدم ابن ادار تقريراً مُفصلاً لبيلاطس عن موت يسوع وكلماته الأخيرة وصرخته العالية التى نطقها قبل الموت، والزّلزال التي أنتجت الهوّة العظيمة في الصّخور. الشيء الوحيد الذي فاجأ بيلاطس كان الموت السريع ليسوع، حيث أن الذين صلبوا من قبل كانوا يعيشون لفترة أطول فى المعتاد؛ لكن مع أنه قال كلمات قليلة جدا، إلا أن كل كلمة نطقها يوسف الرامى زادت من فزعه وندمه. أعطى بيلاطس ليوسف مطلبه على الفور، والذي من قبله قد خوّل له أن يُنزل جسد ملك اليهود من على الصّليب، وأن يؤدّي طقوس الدفن حالا. بدا بيلاطس أنه يسعى بمنحه هذا الطّلب، أن يُعوض ولو بدرجه عن تصرفه السابق القاسي والظّالم، وكان سعيداً جداً أيضاً بأن يفعل ما هو متأكد أنه يغيظ الكهنة بشدة، لأنه يعرف أن رغبتهم كانت أن يُدفن يسوع بشكل مخزي بين اللّصين. فبعث رسول إلى الجلجثة ليتحقق من تنفيذ أوامره. أنى أعتقد أن الرّسول كان ابن ادار، لأنى رأيته يساعد في إنزال يسوع من على الصّليب.
عندما غادر يوسف الرامي قصر بيلاطس، انضمّ إليه فوراً نيقوديموس، الذي كان ينتظره في دار امرأة تقية، غير بعيدة من ذلك الممر الذى كان يسوع يُساء فيه معاملته على نحو مُهين عندما شرع فى حمل صليبه. كانت المرأة بائعة أعشاب عطرية، واشتري نيقوديموس منها عديد من العطور الضرورية لتطييب جسد يسوع. لقد دبّرت بمشقّة‏ أنفس الأنواع من أماكن عديدة، وخرج يوسف الرامى ليبتاع لفائف كتانية ناعمة. أحضر خدامه السلالم والمطارق وكلابات وأواني ماء وإسفنج من مبنى مجاور, ووضعوهم على عربة يد تشبه تلك التى حمل عليها تلاميذ يوحنا المعمدان جثمانه عندما حملوه من القلعة .

الفصل الثالث والخمسون
طعن جنب يسوع
موت اللّصين

ساد الصمت حول الجلجثة بينما كانت تحدث هذه الأحداث في أورشليم. تفرّقت الجماهير التي كانت منذ وقت قصير صاخبة وهائجة؛ الكل كان مذعوراً؛ مشهد ذلك الرّعب قد انتج توبة صادقة فى البعض, لكن البعض الآخر لم يُحدث تأثير ذو قيمة.
كل من العذراء مريم ويوحنا والمجدلية ومريم التى لكلوبا وسالومه ظلوا أمام الصليب أمّا واقفين أو جالسين أمام الصّليب يبكون بصمت. كان هناك بضع جنود يتكئون على مِصْطَبَة‏ بقرب الربوة؛ كاسيوس كان يروح ويجئ؛ السّماء كانت مكفهر‏ة، واكتست كل الطّبيعة بالحداد. ظهر ستة جنود جالبين معهم سلالم وجواريف وحبال وهراوات حديدية كبيرة لأجل كسر سيقان المصلوبين، ليعجّلوا بموتهم. عندما اقتربوا من صليب يسوع، تراجع رفاقه بضع خطوات للخلف وغشي العذراء المباركة الخوف خشية أن يُطلِقون العِنان لكراهيتهم ليسوع بإهانة حتى جسده الميت. لم يكن خوفها بلا أساس، لأنهم عندما وضعوا سلالمهم على الصّليب أعلنوا أنّه فقط يدعى الموت؛ في بضع لحظات رأوا أنّه كان بارداً ومتصلباً، تركوه، وأزالوا سلالمهم إلى الصّليبين اللذين كان لا يزال اللّصين معلّقين عليهما أحياء. رفعوا هراواتهم الحديدية وكسروا أذرع اللّصين من أعلى وأسفل المرفق؛ بينما كسر جندي آخر في نفس اللحظة سيقانهما، من أعلى وأسفل الرّكبة. أطلق جيماس صرخات مخيفة، لهذا قتلوه بثلاث ضربات من هراوة ثقيلة على صدره. أطلق ديماس آهة عميقة ومات: لقد كان الأول بين الهالكين الذي كان لديه الفرح بالانضمام ثانية إلى فاديه. ثم حلوا الحبال وسقط الجسدان على الأرض، وجرهما الجنود إلى مستنقع عميق، بين الجلجثة وأسوار المدينة، ودفنوهما هناك.
كان الجنود ما زالوا مرتابين من موت يسوع، والوحشية التى أظهروها في كسر سيقان اللّصين جعلت النّساء القدّيسات يرتعدن لما يمكن أن يرتكبونه ضد جسد يسوع. لكن كاسيوس، الضّابط الشاب الذى كان فى حوالي الخامسة والعشرون من العمر، قد أنير فجأة بالنّعمة، وتأثر تماما من التّصرف القاسي للجنود ومن الحزن العميق للنّساء القدّيسات، فقرر أن يهدأ قلق الجنود بإثبات أن يسوع قد مات حقاً. شفقة قلبه حثّته، لكن بشكل غَيْر مقصود‏ منه, لتتحقق النبوءة, أخذ رمحه في كلتا يديه ودفعه بالكامل في الجانب الأيمن ليسوع إلى درجة أنه اخترق القلب وظهر من الجانب الأيسر. عندما أخرج كاسيوس رمحه من الجرح تدفق منه دّما وماء على وجهه وجسده. هذه النوع من الاغتسال انتج تأثيرات مشابهة لتأثير مياه المعمودية: النعمة والخلاص دخلا نفسه فى الحال. قفز من على حصانه وألقى بنفسه على ركبتيه وقرع صدره، واعترف بصوت عالي أمام الجميع بإيمانه الراسخ بألوهية يسوع.
العذراء المباركة ورفيقاتها كن لا يزلن واقفات قريبا وأعينهم مثبّتة على الصّليب، لكن عندما دفع كاسيوس الرمح في جانب يسوع كن مذهولات، وأسرعن عائدين له. بدت مريم وكأن الرّمح قد طعن قلبها هى وليس قلب ابنها الإلهي، وبالكاد استطاعت أن تسند نفسها. كاسيوس ظل ساجداً أثناء ذلك وشكر الرب، ليس فقط عن النّعم التى نالها بل أيضاً على شفاء عينيه، التي كانت مصابة بالضّعف والحول. هذا العلاج اثّر في نفس اللّحظة على الظّلمة التي كانت تملأ نفسه سابقا وقد أزيلت الآن.
تعمّد كاسيوس باسم لونجينوس وصار برتبة شمّاس، وبَشَّر بالإيمان. وحفظ دائما البعض من دماء السيد المسيح، ووجدوها داخل تابوته بإيطاليا.
تأثر كل قلب من منظر الدماء التى تدفقت من يسوع والتي سالت إلي تجويف‏ فى الصّخر عند موطئ الصّليب. جمّعت العذراء مريم ويوحنا والنّساء القديّسات وكاسيوس الدّماء والماء في قوارير، ومسحوا من تبقى بقطع من الكتان.
كاسيوس، الذي أستعاد قوة أبصاره, انفتحت تماما عيني نفسه في نفس اللّحظة، لقد تأثر بعمق، واستمرّ فى صلاته لشّكر الرب. أصيب الجنود بالدّهشة من المعجزة الذي حدثت، والقوا أنفسهم على ركبهم بجانبه، قارعين في نفس الوقت صدورهم مُعترفين بيسوع. استمر الماء والدّم يتدفّقان من جرح يسوع الكبير الذى في جنبه؛ حتى أنه سال نحو تجويف في الصّخر والنساء القدّيسات يضعنه في آواني، بينما العذراء مريم والمجدلية يمزجنه بدموعهم. تسلم الجنود رسالة من بيلاطس، يأمرهم فيها بألا يمسّوا جسد يسوع.
حدثت كل هذه الأحداث قرب الصّليب، قبل الرابعة بقليل، بينما كان يوسف الرامى ونيقوديموس يجمّعان سوية الأشياء الضرورية لدفن يسوع. لكن خدم يوسف الرامى بعد ما أرسلوا لينظّفوا القبر، أخبرهم رفاق يسوع أن سيدهم نوى أن يأخذ جسد يسوع ويضعه في قبره الجديد. عاد يوحنا فى الحال إلى المدينة مع النّساء القديّسات؛ لكى تستعيد العذراء قوتها قليلا، ولكى يشتري بعض الأشياء التي ستتطلّب للدّفن. كان للعذراء المباركة مسكناً صغيراً قريباً بين البنايات. لم يدخلوا المدينة من خلال البوّابة التي كانت بقرب الجلجثة، لأنها أغلقت، وكانت تحت حراسة الجنود الذين وضعوا هناك من قبل الفريسيون؛ لكنهم ذهبوا خلال تلك البوّابة التي تقود إلى بيت لحم.

الفصل الرابع والخمسون
وصف لبعض أجزاء أورشليم العتيقة

البوّابة التي تقع على الجانب الشّرقي من أورشليم، جنوب الركن الجنوبي الشرقي من الهيكل، كانت تقود إلى ضاحية أوفيل. بوّابة الخراف كانت تقع شمال شرق ركن الهيكل. بين هاتين البوّابتين كانت توجد بوابة تقود إلى بعض الشّوارع التى تقع شرق الهيكل، ومعظم سكانها من البناءين وعمّال آخرين. تخص معظم البيوت التى في هذه الشّوارع نيقوديموس، حيث أته هو الذي بناها وكان يشغلها العمّال الذين كانوا يعملون معه. كان نيقوديموس قد شيد منذ وقت ليس بطويل بوّابة جميلة كمدخل إلى هذه الشّوارع، دعاها بوّابة الموريا. كان قد أنتهي للتو من استكمالها، ومنها دخل يسوع المدينة فى أحد السعف. هكذا دخل من البوّابة الجديدة لنيقوديموس. ولم يكن أحد قد عبر منها بعد، ودفن في قبر جديد ليوسف الرامى، لم يكن أحد قد دُفن به بعد. هذه البوّابة قد سُددت الآن بالحجارة، وكان هناك تقليد أن يدخل المسيحيين المدينة من خلالها. حتى في الوقت الحاضر، البوّابة المسدودة تدعى من قبل الأتراك بالبوّابة الذّهبية.
الطّريق الذى يقود إلى الغرب من بوّابة الخراف يوجد بالضبط على الجانب الشمال الغربي لجبل الجلجثة. من هذه البوّابة حتى الجلجثة مسافة حوالي ميلين وربع؛ ومن قصر بيلاطس إلى الجلجثة حوالي ميلين. قلعة انطونيو تقع شمال غرب جبل الهيكل، على صخرة مستقلة. الشخص الذى يذهب نحو الغرب من قصر بيلاطس، كان عليه أن يجعل هذه القلعة على يساره. على أحد أسوارها كانت توجد شرفة تُطِلّ‏ على المحكمة، والتى أعتاد بيلاطس أن يصدر منها بياناته إلى الشعب: لقد فعل هذا، على سبيل المثال، عندما أعلن القوانين الجديدة.
عندما كان المسيح يحمل صليبه داخل المدينة، كان جبل الجلجثة على يمينه. هذا الطّريق، يتجه إلي الناحية الجنوبية الغربية، ويقود إلى بوّابة في سور داخلي للمدينة، فى اتجاه صهيون. خلف هذا السور، إلى اليسار، كانت توجد ضّاحية، تحتوي على حدائق أكثر مما تحتوى على منازل؛ وفى اتجاه السور الخارجي للمدينة توجد بعض القبور لها مداخل من حجارة. على هذا الجانب كانت توجد دار تخص لعازر بحدائق جميلة، تمتدّ قليلاً نحو جزء يتحول فيه السور الخارجي الغربي من أورشليم إلى الجنوب. أنى أعتقد أنّ هذا باب خاصّ صغير، جُعل في سور المدينة، ومن خلاله كان يسوع وتلاميذه يعبرون غالبا بسماح من لعازر ويقود إلى هذه الحدائق.
البوّابة التى توجد فى الركن الشمال الغربي للمدينة تقود إلى بيت صور، التي تقع نحو الشّمال من عمواس ويافا. الجزء الغربي من أورشليم كان منخفض من أي جزء آخر: كانت الأرض تنحدر أولا إلي اتجاه السور المحيط بها، ثم ترتفع ثانية عندما تقترب منه؛ وعلى هذا المنحدر توجد حدائق ومزارع عنب، يوجد خلفها طريق مُتسع يقود إلى الأسوار والأبراج. عند الجانب الآخر، تنحدر الأرض بدون السور نحو الوادي، حتى أن الأسوار التى تحيط بالجزء المنخفض من المدينة تبدو كأنها بنيت على شرفة عالية. توجد هناك حدائق ومزارع عنب على التّل الخارجي حتى في الوقت الحاضر. عندما وصل يسوع إلي نهاية طريق الصّليب، كان على يساره ذلك الجزء من المدينة حيث كان توجد هناك كثير جدا من الحدائق؛ ومن ذلك المكان‏ كان سمعان القيروانى أتياً عندما لاقى الموكب.
البوّابة التى غادر يسوع منها المدينة لم تكن تواجه الغرب بالكامل، بل تواجه الجنوب الغربي. سور المدينة على الجانب الأيسر، بعد المرور من البوّابة، يجرى في اتجاه الجنوب قليلاً، ثم يتجه نحو الغرب، وبعد ذلك إلى الجنوب ثانية، حول جبل صهيون. عند هذا الجانب يوجد برج كبير، مثل القلعة. البوّابة التى ترك يسوع المدينة منها لا تبتعد كثيرا عن بوّابة أخرى نحو الجنوب، تقود لأسفل الوادي وحيث طريق يتجه إلى اليسار في اتجاه بيت لحم. يتجه الطّريق إلى الشّمال نحو جبل الجلجثة بعد قليل من تلك البوّابة التى ترك يسوع منها أورشليم عندما حمل صليبه. جبل الجلجثة كان شديد الانحدار على جانبه الشّرقي مواجهة المدينة، ويهبط تدريجياً فى جانبه الغربي؛ وعلى هذا الجانب، يُري الطّريق إلى عمواس، كان هناك حقل، رأيت لوقا فيه يجمّع بضع نباتات عندما كان هو وكلوبا ذاهبان إلى عمواس، وقابلا يسوع في الطريق. قرب الأسوار، على شّرق وجنوب الجلجثة، كانت هناك حدائق وقبور ومزارع عنب. الصّليب كان قد دفن على الجانب الشمالي الشرقي، في سفح جبل الجلجثة .
يقع بستان يوسف الرامى قرب بوّابة بيت لحم، على مسيرة سبع دقائق من الجلجثة: كان بستانا جميلا جدا، بأشجار طّويلة وجسور وتعاريش، جعلت به ظلال كثيرة، ويقع على أرض صاعدة ممتدّة إلى أسوار المدينة. الشخص الذى يجيء من الجانب الشّمالي للوادي ويدخل البستان كان على يساره ربوه صغيرة تمتد حتى سور المدينة؛ وعلى يمينه، في نهاية البستان، صخرة منفصلة، حيث تقع مغارة القبر. المغارة التي قد جُعل القبر فيها تقع فى اتجاه الشّرق؛ وعلى الجوانب الجنوبية الغربية والشمالية الغربية لنفس الصّخرة كان يوجد قبران آخران أصغر، كانا جديدان أيضا وبواجهة ضيقة.
كان يوجد ممر، يبدأ على الجانب الغربي لهذه الصّخرة ويلتف حولها. الأرض التى أمام القبر كانت أعلى من الأرض التى أمام مدخله، والشخص الذى يرغب أن يدخل المغارة كان عليه أن ينزل بضع درجات. كانت المغارة كبير تسع لأربعة رجال يستطيعوا أن يقفوا قرب الحوائط على كل جانب بدون إعاقة تحرك حاملي الجثمان. مقابل الباب كان يوجد تجويف في الصّخرة، حيث القبر قد جعل؛ كان يعلو حوالي قدمين فوق مستوى الأرض، ويتصل بالصّخرة من جانب واحد فقط، كمذبح: شخصان ممكن أن يقفا، واحد عند الرّأس وواحد عند القدمين؛ وكان هناك أيضاً مكان لثالث في المُقدِّمة‏، حتى لو كان باب التّجويف مُغلق. هذا الباب كان مصنوع من بعض المعادن، ربما من النّحاس، وكان له ضلفتان تطويان. هذه الضلف ممكن أن تغلق بحجر يُدحرج أمامها؛ والحجر المستعمل لهذا الغرض قد حفظ خارج الكهف. ما أن وضع يسوع في القبر حتى دُحرج الحجر أمام الباب. كان كبيراً جدا، ولا يمكّن أن يزال بدون جهود بضع رجال.
مقابل مدخل الكهف كان يوجد مقعد حجري، وبالصعود عليه يمكن للمرء أن يتسلّق الصّخرة المغطاة بالعشب، ومن ذلك المكان تُرى أسوار المدينة والأجزاء العالية من جبل صهيون وبعض الأبراج وأيضا بوّابة بيت لحم ونبع جيحون. الصّخرة بالداخل كان لونها أبيض، بعروق حمراء وزّرقاء.

31
الفصل الخمسون
كلمات يسوع على الصّليب
إظلام الشّمس

ما أن أنتهي الجنود من صلب اللّصين وتقسّيم ملابس يسوع بينهم، حتى جمّعوا أدواتهم ووجهوا بضع كلمات مُهينة إلى الرب يسوع وذهبوا. أنطلق الفريسيون أيضاً إلى يسوع ونظروا إليه باحتقار، وتكلموا ببعض التّعبيرات المخزية، وبعد ذلك تركوا المكان. رحل الجنود الرّومان، الذين كان مائة منهم يحيطون بالجلجثة، وجاء مكانهم خمسون آخرين، تحت قيادة ابن ادار، العربي المولد، الذي اخذ بعد ذلك اسم كتسيفون في المعمودية؛ والثّاني في القيادة كان كاسيوس، الذي أصبح مسيحيا وُعرف باسم لونجينوس؛ وقد استخدمه بيلاطس بشكل متكرر كرسول. سعى اثنا عشر فريسيا واثنا عشر من الصدوقيين وعديد من الكتبة وبضع شيوخ إلى بيلاطس ليقنعوه بتغييّر اللوحة التى وُضعت على صليب يسوع، جاءوا الآن غاضبين لأن الحاكم الرّوماني رفض مطلبهم. انطلقوا حول الموضع وعندما عبروا بجوار صليب يسوع هزّوا رؤوسهم بازدراء‏ صائحين : " يا هادم هيكل الرب وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك, انزل عن الصّليب. فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصّليب، حتى نرى ونؤمن " استهزأ الجنود أيضاً منه .
وجه يسوع وكل جسده أصبح أكثر شحوباً: بدا على وشك أن يفقد الوعي، وجيماس اللّص الذى على يساره صاح "إن الشّيطان الذي بداخله على وشك أن يتركه" حينئذ أخذ جندي إسفنجه وملأها بالخلّ، وضعها على قصبة وقدّمها إلى يسوع، الذي بدا أنه يشرب. حينئذ قال له الجندي " إن كنت أنت ملك اليهود، أنقذ نفسك وانزل عن الصّليب " حدثت هذه الأمور خلال الفترة التي كانت تُستبدل فيها فرقة الجنود الأولى بفرقة ابن ادار. رفع يسوع رأسه قليلاً وقال : "أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. " وصرخ جيماس : " إن كنت أنت المسيح، أنقذ نفسك وإيانا " ديماس اللّص الذى على اليمين ظل صامتاً، لكنه تأثر بعمق من صلاة يسوع من أجل أعدائه.
عندما سمعت العذراء مريم صوت ابنها، لم تستطع أن تمنع نفسها، أسرعت للأمام وتبعها يوحنا وسالومه ومريم التى لكلوبا، واقتربوا من الصّليب، حيث لم يمنعهم القائد الروماني العطوف.
أعطت صلوات يسوع اللّص الذى على اليمين نعمة أكثر قوة؛ فتذكّر فجأة أنه يسوع ابن مريم الذي شفاه من البرص في طفولته وصاح بصوت عال وواضح فى زميله :" كيف تهينه هكذا بينما يصلّي هو من أجلك؟ لقد كان صامتاً، وعانى كل إساءتك بصّبر؛ إنه حقا نبياً, إنه ملكنا, إنه ابن الرب. " سبّب هذا التّأنيب الغير متوقّع من شفاه شرير بائس على وشك أن يموت على الصليب اضطراباً كبيراً بين الموجودين؛ فجمّعوا حجارة، ورغبوا أن يلقوها عليه؛ لكن ابن ادار القائد الروماني لم يسمح لهم بذلك.
واست صلاة يسوع العذراء المباركة كثيراً وقوّتها، وقال ديماس لجيماس، الذي كان ما زال يجدف على يسوع " ألا تخاف الرب، ها أنت تحت نفس الإدانة. ونحن نُعاقب بعدل، لأننا ننال نظير أعمالنا؛ لكن هذا الرجل لم يفعل شراً. تذكّر أنك الآن على وشك الموت وتب " لقد استنار وتأثر واعترف بآثامه إلى يسوع وقال : " إلهى، إن أنت أدنتني فذلك سيكون بعدل. " فأجابه يسوع " إنك ستختبر رحمتي" . بدأ ديماس فى الحال وقد امتلأ بالنّدم، يشكر الرب لأجل النّعم العظيمة التى نالها، وتأمل فى الآثام التى اقترفها فى حياته الماضية.
كل هذه الأحداث حدثت بين الثانية عشرة والثانية عشرة والنّصف بعد الصّلب بقليل؛ لكن حدث تغيير عجيب فى مظهر الطّبيعة أدهش الحاضرين وملأ فكرهم بالرّهبة والرّعب.
كان قليل من البرّد قد سقط حوالي الساعة العاشرة، عندما كان بيلاطس يُجيز العقوبة، وصفا الجو بعد ذلك حتى نحو الثانية عشر، حيث بدأ ضباب كثيف محمر يحجب الشّمس. نحو السّاعة الثانية عشر أظلمت الشّمس فجأة.
لقد كُشف لى السّبب لهذه الظّاهرة؛ لكنى على نحو يؤسَف له‏ نسيته جزئياُ، والذي لم أنسه لا أستطيع أن أجد الكلمات لأعبر عنه؛ لكنى أستطيع القول بأنني قد أُصعدت من الأرض، ونظرت النّجوم والكواكب تتحرّك حول مداراتها الصّحيحة. ثم رأيت القمر مثل كرة هائلة من النّار تتدحرج كما لو أنها تطير من الأرض. ثم عدت فجأة إلى أورشليم، ورأيت القمر يظهر ثانية وراء جبل الزّيتون، يبدو شاحباً وكاملاً، وتقدّم بشكل سريع نحو الشمس, التي كانت معتمة ومُلبدة بالضباب. رأيت في شرق الشّمس جسماً مظلماً كبيراً له مظهر الجبل، والذي أخفى الشّمس بالكامل فى الحال. صارت السّماء أكثر ظلمة وظهرت النّجوم تسكب نوراً أحمر بشعاً. كل من الإنسان والحيوان أصيبوا بالرّعب؛ توقف أعداء يسوع عن سبه، بينما سعا الفريسيين أن يقدموا أسباب فلسفية لما يحدث، لكنهم فشلوا في محاولتهم ولزموا الصمت. كثيرون استولى عليهم النّدم وقرعوا صدورهم صارخين : " ليقع دمه على قاتليه! " آخرون سواء كانوا قرب الصليب أو بعيدين عنه، سقطوا على ركبهم وتوسّلوا أن يغفر يسوع لهم، أدار يسوع عينيه بحنو نحوهم في وسط آلامه. واستمرّت الظّلمة فى ازدياد، وترك الجميع الصّليب باستثناء العذراء مريم ورفاق يسوع المخلصين.
رفع ديماس رأسه حينئذ، وبنغمة متواضعة وبرجاء قال ليسوع " إلهى، تذكّرني عندما تجيء إلى ملكوتك". وأجابه يسوع " الحق أقول لك, أنك اليوم ستكون معي في الفردوس ", وقفت المجدلية ومريم التى لكلوبا ويوحنا بقرب صليب الرب يسوع ونظروا إليه، بينما توسّلت العذراء المباركة إلى ابنها، ممتلئة بالمشاعر الحبّ الأمومي الشديد، أن يجيز لها أن تموت معه، لكنه ألقي نظرة رّقيقة عليها تفوق الوصف والتفت إلى يوحنا وقال : يا امرأة، هو ذا ابنك " ثم قال ليوحنا : " ها هى ذى أمك " نظر يوحنا إلى فاديه المحتضر وحيّا هذه الأمّ المحبوبة التي اعتبرها من ذلك الوقت أمه بأسلوب بغاية التوقير. غلب الحزن العذراء المباركة من كلمات يسوع هذه فغابت عن الوعي تقريبا، وحُملت إلى مسافة صغيرة من الصّليب من قبل النّساء القديّسات.
لقد شعرت بشكل داخلي أن يسوع أعطى مريم إلى يوحنا كأمّ، ويوحنا إلى مريم كابن. فى رّؤى مشابهة كنت أشعر غالبا بالأشياء الغير مكتوبة، والكلمات ممكن أن تُظهر فقط جزء منها، أن مدلولها يكون واضحاً ولا يتطلّب أي تفسير. لهذا السبب لم أندهش لكون يسوع يدعو العذراء المباركة يا امرأة، بدلا من أن يدعوها يا أمي. لقد شعرت أنّه قصد أن يبرهن أنّها هى تلك المرأة التى تكلّم عنها في الكتاب المقدّس التي ستسحق رأس الحية، وأنه فى تلك اللّحظة قد تحقق ذلك الوعد بموت ابنها. لقد عرفت بأنّ يسوع، بإعطائها كأمّ إلى يوحنا، أعطاها أيضا كأمّ إلى كل من يؤمنون به، الذين صاروا أبناء الرب، ولم يولدوا من لّحم ومن دّم، أو من مشيئة إنسان، بل من الرب وُلدوا. لم يبدوا لي مفاجئاً أن الأكثر طُهراً، الأكثر تواضعا، والأكثر طاعة بين النّساء، التي، عندما حياها الملاك دعاها " الممتلئة نّعمة " أجابت على الفور " ها أنا آمة الرب، ليكن لي كقولك " والتى صار الكلمة فى الحال فى رحمها المقدّس جسداً، التي، عندما اعلمها ابنها المحتضر أنها ستصبح الأمّ الرّوحية لأبن آخر، أجابت بنفس الكلمات بطاعة متواضعة، وتبنت فى الحال كل أبناء الرب كأولاد لها وأخوة ليسوع المسيح. أن هذه الأمور أسهل أن تشعر بها بنعمة الرب أكثر من أن يًعبر عنها‏ بالكلمات. أتذكّر مرة قال لى فيها عريسي السّماوي " أن كل شيء يُدمغ في قلوب أولاد الكنيسة الذين يؤمنون ويترجون ويحبون "
كانت حوالي الساعة الواحدة والنّصف عندما آُخذت إلى أورشليم لأرى ما يحدث. كان السّكان هناك بغاية الرّعب والقلق؛ الشّوارع مظلمة وكئيبة، وبعض الأشخاص كانوا يلتمسون طرقهم بها، بينما الآخرون، جلسوا على الأرض ورؤوسهم مُغطاة ويقرعون صدورهم، أو يصعدون لأسطح بيوتهم، ينظرون إلي السّماء وينفجرون في بكاء مرّ. حتى الحيوانات أطلقت نداءات حزينة، واخفت نفسها؛ الطّيور طارت وحطت على الأرض. رأيت بيلاطس يتشاور مع هيرودس على حالة الانزعاج السائدة, كلاهما كان مضطربا بشدة، وتأمّلا مظهر السّماء من الشرفة التى كان يقف بها هيرودس عندما اسلّم يسوع ليُهان من قبل الرّعاع الغاضبين. صاح كلاهما : " أن هذه الأحداث ليست من السياق الشائع للطّبيعة، لابد أن يكون سببها غضب الآلهة التى استاءت من القسوة التي لاقاها يسوع الناصري" , أحاط الجنود ببيلاطس وهيرودس بينما كانا يتجهان بخطي مرتعشة متعجلة إلى قصر هيرودس. التفت بيلاطس برأسه عندما عبر جباثا التى حكم فيها على يسوع بالصلب، الميدان كان فارغاً تقريبا؛ بضعة أشخاص كانوا يرون عائدين لبيوتهم بأسرع ما يستطيعون، وآخرون يركضون ويبكون، بينما ظهرت مجموعتان صغيرتان أو ثلاث على البعد.
أرسل بيلاطس فى طلب بعض الشيوخ وسألهم عن ما تنذر عنه هذه الظّلمة العجيبة فى رأيهم، وقال إنّه يعتبرها برهاناً رهيباً عن غضب إله اليهود بصلب الجليلي، الذي كان بكل تأكيد نبيهم وملكهم وأضاف أنّه ليس عليه شيء ليلوم نفسه عليه، لأنه غسل يديه من القضية بالكامل، وأنه بهذا برئ تماما. كان الشيوخ قساة كعادتهم دوماً وأجابوا بنغمة متجهّمة، أنه ليس هناك شيء غير طبيعي فى سياق الأحداث وأنه ممكن تعليل الظلمة بسهولة من قبل الفلاسفة، وإنهم ليسوا نادمين على أي شئ مما فعلوه. على أية حال، فقد آمن عديد من الأشخاص ومن بينهم أولئك الجنود الذين وقعوا على الأرض من كلمات يسوع عندما أُرسلوا ليعتقلوه في بستان الزّيتون.
تجمّع الرّعاع أمام دار بيلاطس، وبدلا من الصياح " أصلبه، أصلبه! " الذي دوّى في الصّباح، سُمع فقط صيحات " فليسقط القاضي الجائر! ليقع دم هذا الرجل البار على قاتليه! ". كان بيلاطس منزعجاً كثيراً؛ طلب حرّاس إضافيين، وسعى أن يضع كل اللائمة على اليهود. أعلن ثانية أن الجريمة لم تكن جريمته؛ أنه لم يكن له موضوع مع يسوع، وإنهم من جلبوا له الموت على نحو ظالم، وإنه كان ملكهم ونبيهم وقدّوسهم؛ وبالتالي هم فقط المذنبون، كما يجب أن يكون واضحاً للجميع أنه أدان يسوع فقط من قبل الإكراه
عجّ الهيكل باليهود الذين كانوا مُعتزمين ذبح حمل الفصح؛ لكن عندما ازدادت الظّلمة إلى هذه الدرجة حتي أنه كان من المحال أن تُميّز شخصاً من الأخر، استولى عليهم الخوف والرعب والفزع وعبروا عن ذلك بصرخات الحزن والبكاء. سعى رؤساء الكهنة إلى أن يفرضوا السكون والهدوء. أُشعلوا كل القناديل؛ لكن الاضطراب كان يتعاظم فى كل لحظة، وبدا حنان مشلولاً تماما بالرّعب. لقد رأيته يسعي ليختبئ فى موضع وبعد ذلك في موضع آخر.
عندما تركت الهيكل، ومشيت فى شّوارع أورشليم ، رأيت أبواب ونوافذ البيوت تهتز كما لو أنها في زوبعة، مع أن الهواء كان ساكناً، وكانت الظّلمة تزداد كثافة فى كل لحظة .
الذّعر الناتج عن الظّلمة المفاجئة في جبل الجلجثة كان متعذراً وصفه. عندما بدأت، كان تشويش جلبة المطارق وصخب الرّعاع وصراخ اللّصين عند تقيدهما إلى صليبهما وأحاديث‏ الفريسيون المُهينة، وتقيم الجنود وصيحات الجنود السكارى، كان كل ذلك قد يستغرق بالكامل انتباه كل شخص، والتّغيير الذي كان يجيء تدريجياً على وجه الطّبيعة لم يكن يلاحظه أحد؛ لكن ما أن ازدادت الظّلمة حتى توقف كل صوت، وأخذ الندم والرعب يملكان على كل قلب، بينما ابتعد الحاضرون كل واحد عن الآخر وابتعدوا عن الصّليب.
تلي ذلك أن أعطي يسوع أمه إلى القديس يوحنا، وفقدت الوعي جزئياً وحُملت بعيداً لمسافة قليلة. بينما استمرت الظّلمة تزداد بصورة أكثر كثافة، الصّمت صار مّذهلاً تماما؛ بدا كل شخص فى رعب؛ نظر البعض نحو السّماء، بينما التفت الآخرون نحو الصّليب، كانوا ممتلئين بالنّدم وقرعوا صدورهم وآمنوا. مع أن الفريسيون كانوا في واقع الأمر منزعجين تماما بنفس القدر كالآخرين، إلا إنهم سعوا في بادئ الأمر أن يبدوا متماسكين لما يحدث، وأعلنوا إنهم لا يروون أي شيء غير قابل للتفسير في هذه الأحداث؛ لكن أخيرا فقدوا سلامهم وفّضلوا الصمت.
كان قرص الشّمس كان قد صُبغ بالظلمة، كان بالأحرى يشبه جبلاً عندما يُشاهد بضوء القمر ومُحاط بحلقة نارية ساطعة؛ ظهرت النّجوم، لكنّ ضّوئها كان محمراً وشاحباً؛ كانت الطّيور بغاية الفزع وحطت على الأرض؛ البهائم ارتعدت وناحت؛ خيل وحَمير‏ الفريسيون زحفت أقرب ما يمكن لبعضها البعض، ووضعوا رؤوسهم بين سيقانهم. اخترق الضّباب السّميك كل شيء.
خيم السّكون حول الصّليب. يسوع مُعلّقا عليه وحيداً؛ متروكاً من قبل الجميع، من التلاميذ والمعارف والأصدقاء، حتى أمه أبعدوها من جانبه؛ ولا شخص واحد من الآلاف الذين أغدق عليهم بالمنافع كان قريباً منه ليقدم له أدنى تّخفيف لمعاناته المرّة، نفسه كانت ملآنة بشعور متعذر وصفه من المرارة والأسى، كل شئ داخله كان كئيباً ومظلماً وبائساً. الظّلمة التي خيمت حوله كانت مجرد رمز لما انتشر داخله؛ وعلى الرغم من هذا التفت إلى أبيه السّماوي وصلّى من أجل أعدائه، مقدماً كأس آلامه لأجل فدائهم، استمرّ يصلّي كما كان يفعل خلال كل آلامه، وكرّر أجزاء من تلك المزامير التى تّنبأت عنه والتى تتحقق فيه الآن ورأيت الملائكة تقف حوله.
نظرت ثانية إلى يسوع, عريسي الحبيب, على صليبه، معذّباً ويحتضر، ومع ذلك ما زال في عزلة كئيبة. لقد تحمل في تلك اللّحظة الألم الذي لا يستطيع أن يصفه قلم، لقد شعر بذلك الألم الذي يغمر إنساناً ضعيفاً مسكيناً حُرم فى لحظة من كل تّعزية، سواء إلهية أو بشرية، وبعد ذلك يُرغم على عبور صّحراء عاصفة بمفرده، بدون أي معونة أو نور، مُدعوماً فقط بالإيمان والرجاء والمحبة.
أن آلامه كان متعذر وصفها؛ لكن من قبلها نحن استحققنا نّعمة ضرورية لنقاوم ذلك الأغراء الذى سيهاجمنا ليجعلنا نيأس في سّاعة الموت، تلك السّاعة المروِّعة‏ عندما سنشعر بأنّنا على وشك أن نترك كل ما هو عزيز علينا هنا على الأرض. عندما يفقد ذهننا الضعيف من قبل المرض قوة التّفكّير، وحتى آمالنا فى الرّحمة والمغفرة تصبح مغلّفة بالغشاوة والشك، حينئذ علينا أن نهرب إلى يسوع، نوحّد مشاعرنا بالعزلة مع مشاعر العزلة المتعذر وصفها التي تحمّلها على الصّليب، ونكون واثقين من الحصول على غلبة مجيدة على أعدائنا. لقد قدم يسوع إلى أبيه السّرمدي فاقته وهجره وأعماله، وقبل كل شيء، الآلام المرة التى سبّبتها تحمّله لها في التّكفير عن آثامنا وضعفاتنا؛ لهذا لا أحد قد وحّد نفسه بيسوع في أحضان كنيسته يجب أن ييأس في تلك اللّحظة المرعبة التى تسبق خروجه من هذه الحياة، حتى لو كان محروماً من كل بصيص الوعي والرّاحة؛ لأنه يجب أن يتذكّر حينئذ أنّ المسيحي لم يعد ملزما أن يدخل هذه الصّحراء المظلمة وحيداً وغير محمياً، لأن يسوع قد تحمل عنا بهذا الترك الذى عاناه على الصليب سواء الهجر الدّاخلي أو الخارجي ما كان ينبغى أن نشعر به فى لحظة الموت، بِناء على ذلك‏ فإنه لن يُترك ليتغلب على مشكلات‏ الموت بمفرده، أو يعانى من أن يترك هذا العالم بترك الرّوح، محروماً من التّعزية السّماوية. لهذا يجب أن نترك كل الخوف من الوحدة واليأس في الموت؛ لأن يسوع، الذي هو نورنا الحقيقي والطّريق والحق والحياة، قد سبقنا فى ذلك الطّريق الكئيب، لقد نشره بالبركات، ورفع صليبه فوقه، لمحة واحدة عليه ستهدّئ كل خوفنا.
لقد قدم يسوع وصيّته لأبيه وأورث استحقاقات موته وآلامه إلى الكنيسة وإلى الخطاة. لم تُنس نفس مُخطئة واحدة؛ لقد فكّر فى كل شخص؛ مصّلياً، أيضاً، حتى من أجل أولئك الهراطقة الذين سعوا إلى إن يبرهنوا بأنّه لكونه إلهاً فأنه لم يُعانى كإنسان. إن الصراخ الذي سُمح أن يعبر على شفاهه في علو معاناته لم يدل فقط عن زيادة الآلام التى كان يتحمّلها حينئذ، بل كانت أيضاً ليشجّع كل النفوس المبتلية التي تعترف بالرب كأبيها أن تضع حزنها بثّقة بنوية عند قدميه.
لقد كانت نحو الساعة الثالثة عندما صرخ يسوع بصوت عال : " إلوي، إلوي لما شبقتني ؟ " التى معناها " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ " هذه الكلمات لإلهنا قطعت الصّمت المميت الذي استمرّ طويلاً؛ التفت الفريسيون نحوه، وقال واحد منهم : " ها هو ينادى إيليا " وآخر قال " فلنرى إن كان إيليا سيجيء لينجيه " . عندما سمعت مريم صوت ابنها الإلهي، كانت عاجزة عن أن تمنع نفسها أكثر، بل اندفعت للأمام، ورجعت إلى أقدام الصّليب، وتبعها يوحنا ومريم التى لكلوبا ومريم المجدلية وسالومة.
كانت فرقة من حوالي ثلاثين خيالاً من اليهودية وضواحي يافا فى طريقهم إلى أورشليم للاحتفال بالعيد، تعبر عندما كان كل شئ حول الصليب صامتاً، الجميع كانوا مملوءين بالرّعب والخوف. عندما نظروا يسوع مُعلقاً على الصليب، رأوا القسوة التى عُومل بها، وميزوا العلامات الاستثنائية لغضب الرب التي ملأت الطّبيعة، امتلئوا بالرّعب وصاحوا " لو لم يكن هيكل الرب في أورشليم، لكانت المدينة احترقت حتى الأرض لكونها آخذت على نفسها هذه الجريمة المخيفة ", هذه الكلمات التى جاءت من شفاه غرباء, بدوا كأشخاص ذوى شأن كبير, تركت تأثيراً عظيماً على الحاضرين وهمهمة عالية وصياحاً حزيناً قد سمع من كل جانب؛ تجمّع بعض الأشخاص سوية في مجموعات، مطلقين العنان لأحزانهم، ولو أن جزء من الحشد استمرّ يسب ويلعن كل من حوله.
أضطر الفريسيون أن يُظهروا نغمة أكثر تواضعا، لأنهم خافوا من عِصيان مسلَّح‏ بين الناس، لكونهم مدركين جيّداً للإثارة العظيمة الموجودة بين سكان أورشليم. لهذا استشاروا ابن أدار، القائد الروماني، واتفقوا معه أن تُغلق بوّابة المدينة، التي بجوار موضع الصليب، لمنع أى اتصال إضافي، وإنهم يجب أن يرسلوا إلى بيلاطس وهيرودس حوالي خمسمائة رجل ليمنعوا أى فرصة للتمرد، القائد الروماني، في أثناء ذلك كان يفعل كلّ ما فى قدرته ليحافظ على النظام ويمنع الفريسيون من إهانة يسوع، خشية أن يثير ذلك الناس.
بعد الساعة الثالثة بقليل بدأ النور يظهر ثانية، بدأ القمر يبتعد عن قرص الشّمس، بينما أشرقت الشّمس ثانية، ولو أن ظهورها كان خافتاً، لكونها محاطة بسّحب حمراء؛ أصبحت تدريجياً أكثر سطوعا، واختفت النّجوم، لكن السّماء كانت ما زالت كئيبة. استعاد أعداء يسوع روحهم المتغطرسة عندما رأوا النور يرجع؛ وعندئذ صاحوا : " ها هو ينادى إيليا "
كان يسوع يغيب عن الوعي تقريبا؛ لسانه كان جافاً وقال : " أنى عطشان " نظر التلاميذ إليه بأعمق تّعبير عن الحزن، أضاف يسوع " ألم تستطيعوا أن تعطوني قليلاً من الماء ؟ " بهذه الكلمات أعطاهم أن يفهموا بأنّ لا أحد كان سيمنعهم من فعل ذلك خلال الظّلمة. ملئ يوحنا بالنّدم وأجاب: " نحن لم نفكّر أن نفعل هذا يا رب " نطق يسوع ببضع كلمات أكثر، بمعنى : " إن أصحابي ومعارفي قد نسوني أيضاً، ولم يعطوني لأشرب، هذا ليتم المكتوب " هذا الإهمال قد أذاه كثيرا جدا ً" حينئذ عرض التلاميذ مال على الجنود ليأذنوا لهم أن يعطوه قليل من الماء لكنهم رفضوا، لكنهم غمّسوا إسفنجه في الخلّ الممزوج بالمر وكانوا على وشك أن يقدموها ليسوع، عندما آخذها منهم ابن ادار القائد الروماني، الذي تأثر قلبه وغمس إسفنجه فى بعض الخلّ وربطها إلى قصبة، وضع القصبة في نهاية رمح، وقدّمه ليسوع ليشرب. سمعت الرب يقول بضعة أشياء أخرى، لكنى أتذكّر فقط هذه الكلمات : " عندما سيصمت صوتي، ستُفتح أفواه الموتى"
حانت سّاعة يسوع أخيرا؛ كفاح موته قد شرع؛ انتشر العرق على كل أطرافه. وقف يوحنا عند قدم الصليب، ومسح قدمي يسوع بردائه. انحنت المجدلية بتذلّل‏ على الأرض بانسحاق تام وأسى خلف الصّليب. وقفت العذراء المباركة بين يسوع واللّص اليمين، مستندة على سالومة ومريم التى لكلوبا، وعيناها مثبّتتان على وجه ابنها المحتضر. حينئذ قال يسوع : " قد أُكمل " ورفع رأسه وصرخ بصوت عظيم " أبتاه، في يديك أستودع روحي." هذه الكلمات، التي نطقها بنبرة واضحة وعالية، دوّت خلال السّماء والأرض؛ وبعدها أنحني رأسه واسلم الروح.
لقد رأيت نفسه، بصورة تُشبه نيزك ساطع، تخترق الأرض عند موطئ الصّليب. ركع يوحنا والنّساء القديّسات ساجدين على الأرض. ثبت ابن ادار القائد الروماني عينيه بقوة على وجه يسوع، وقد غُمر بالكلية بكل ما حدث. عندما نطق يسوع كلماته الأخيرة، ارتجفت الأرض وتشققت صخرة الجلجثة، مًشكّلة هوّة عميقة بين صليب يسوع وصليب جيماس.
تردد صوت يسوع خلال كل الكون؛ وقد كسر الصّمت المهيب الذي تخلّل كل الطّبيعة. كل شئ قد تمّ. نفس يسوع تركت جسده: ملأت صرخته الأخيرة كل صدر بالرّعب. قدمت الأرض المشققة الإجلال إلى خالقها: طعن سيف الأسى قلوب أولئك الذين أحبّوه. هذه اللّحظة كانت لّحظة نّعمة لأبن ادار؛ ارتعد حصانه من تحته؛ تأثر قلبه؛ لقد كان قلبه كالصخر الصلب؛ ألقى برمحه بعيداً، قرع صدره وصرخ : " مُبارك يكون الإله العلى، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ حقا أن هذا الرّجل كان ابن الرب! " أقنعت كلماته عديداً من الجنود، التي تبعوا مثاله، وتحوّلوا أيضاً إلى الإيمان بيسوع ربا وفاديا .
اصبح ابن ادار من تلك اللّحظة إنساناً جديداً؛ مُمجداً الإله الحقيقي، ولم يعد يخدم أعدائه. أعطى حصانه ورمحه إلى ضابط اسمه كاسيوس، الذي، بعد ما خاطب الجنود ببضع كلمات، أمتطي جواده، واخذ على عاتقة السّيطرة على المكان. ترك ابن ادار حينئذ الجلجثة، وذهب إلى وادي جِيحُونَ إلى مغارات في وادي هنوم، حيث اختبأ التّلاميذ، وأعلن لهم عن موت يسوع، وذهب بعد ذلك إلى المدينة، ليلاقى بيلاطس.
ما أن أعلن ابن ادار شهادته على الملأ بإيمانه بألوهية يسوع، حتى تبعه عدد كبير من الجنود، كما فعل أيضا بعض من الموجودين، وكثير من الفريسيون قرعوا صدورهم باكين وعادوا إلى بيوتهم، بينما مزق آخرون ملابسهم وأهالوا التراب على رؤوسهم، وامتلأ الجميع بالرّعب والخوف. نهض يوحنا وأتت بعض من النّساء القدّيسات اللواتي كنّ على مسافة قصيرة إلى العذراء المباركة وأخذوها بعيدا عن الصّليب.
عندما أسلم يسوع، رب الحياة, روحه في يدي أبيه، وسمح للموت أن يملك على جسده، أرتجف هذا الجسد المقدّس وصار شاحباً جداً؛ بدت الجراح الغير معدودة التي تغطت بالدم المتجمد كعلامات داكنة؛ خداه صارا غائرين أكثر، أنفه أكثر تدبّبا، وعيناه اللذان قد حجبا بالدّم، بقيتا شبه مفتوحة. رفع رأسه المرهق، الذي كان ما زال متوّجاً بالأشّواك، للحظة، وبعد ذلك سقط ثانية في معاناة الألم؛ بينما شفاهه الجافّة والممزّقة كانت مُغلقة جزئيا وبدا لسانه دّمويا ومنتفخ. في لحظة الموت فُتحت يديه، التي كانت قد تقلّصت حول المسامير فى وقت من الأوقات، فُتحتا وعادتا إلى حجمها الطّبيعي وكذلك ذراعيه؛ جسده أصبح جثّة، وثقله بالكامل قد أُلقي على قدميه، ركبتاه انحنتا وقدماه التفتتا قليلا على جانب واحد.
ما من كلمات ممكن أن تُعبر عن أسى العذراء المباركة, عيناها منًغلقتان، شاحبة كالموتى؛ عاجزة عن أن تقف, فسقطت على الأرض، لكن النساء أقمنها سريعاً واستندت على يوحنا والمجدلية والآخرون. نظرت أكثر من مرة على ابنها الحبيب, ذلك الابن الذي حبلت به من الروح القدس، إنه لحم من لحمها وعظم من عظامها وقلب من قلبها, على الصليب بين لّصين؛ مخزياً ومصلوباً، مُداناً من قبل من جاء إلى الأرض كي يخلصهم؛ ولعله جيّداً أن تُلقب في تلك اللّحظة بـ " ملكة الشهداء. "
الشّمس ما زالت تبدو خافتة؛ وخلال وقت الزّلزال كان الهواء راكداً وثقيل الوطأة‏، لكن مع الوقت اصبح صافياً ومتجدداً .
عندما مات يسوع كانت حوالي الساعة الثالثة. كان الفريسيون في بادئ الأمر مرتعبين من الزّلزال؛ لكن عندما مرت الصّدمة الأولى استعادوا أنفسهم، بدءوا يلقون الأحجار في الهوّة، وحاولوا أن يقيسوا عمقها بالحبال. اكتشفوا إنهم لا يستطيعوا أن يقيسوا عمق قاعها، اصبحوا مستغرقين في التفكير‏، يستمعون بقلق‏ إلى آهات النّادمين، الذين كانوا ينوحون ويقرعون صدورهم، وبعد ذلك تركوا الجلجثة. آمن عديد من الموجودين حقا، والجزء الأعظم منهم عاد إلى أورشليم مغلّوباً تماما بالخوف.
وُضع الجنود الرومان علي الأبوّاب وفي الأجزاء الرئيسية الأخرى من المدينة، ليمنعوا احتمال التمرد. بقى كاسيوس على الجلجثة مع حوالي خمسين جندياً. وقف رفاق يسوع حول الصّليب، يتأمّلون الرب ويبكون؛ عديد بين النّساء القدّيسات رجعن إلى بيوتهن، وكنّ صامتات ومغلّوبات بالأسى.
تأمل الرب يسوع
ها صليبي يَرْفعُ الآن. ها هى سّاعةُ افتداء العالمِ! أنا المشهد الذى سخرت منه الجموع ِ ....ِ لكنى أيضا من وقرته وأحبته النفوس. إن هذا الصّليبِ، حتى تلك اللحظة, كان آداه التّعذيبِ حيث يلقى المجرمون عليه حتفهم ، أنه سيصْبَحُ، من الآن فصاعداً، نور وسلام العالمِ.
سَيَجدَ الخطاة مغفرة وحياة في كتبي المقدسةِ. أن دمائي سَتَغْسلُ وتَمْحو آثامهم. النفوس النقية سَتَأتي إِلى جراحي المقدّسةِ كى تُنعش نفسها وكي يتأججون في محبّتي. سَيَأْخذونَ فيها ملجأً وسَيَجْعلونهاَ مسكنهم إلى الأبد.
أبتاه، أَغْفرُ لهم لأنهم لا يَعْرفونَ ما يفعلونَ، إنهم لم يتعَرفوا على من هو حياتهم.... لقَدْ تخلصوا من كل ضراوة ظلمهم فيه. لكنى أناشدك يا أبى! أطلقْ عليهم قوةَ رحمتكِ.
اليوم سَتَكُونُ معي في الفردوس، لأن إيمانكَ برحمةِ مُخلّصك قَدْ مَحا جرائمكَ. أن الرّحمة تَقُودكِ نحو الحياةِ الأبدية .
يا امرأة، هو ذا ابنك! يا أمي، ها هم أخوتي! أحميهم، أَحْبيّهم... إنهم لَيسوا بمفردهم .
وأنتَم، يا من بذلت حياتي من أجلهم، ها أنتم لديكم الآن الأمُ التي تستطيعون أَنْ تُناشدوها من أجل كل احتياجاتكم. لقَدْ وَحّدتُكم جميعاً بأشدِّ الأربطة عندما أعطيتكم أمي .
النفس يحق لها الآن أَنْ تَقُولَ ِلربها " إلهى, إلهى, لماذا تَركتني؟ " في الواقع، بعد أن حققت سر الفداء، الإنسان قد أَصْبَحَ ابن الرب مرة أخرى، صار أخاً ليسوع، وصار وارثاً للحياةِ الأبدية ....
أه يا أبتاه..... أنا عطشانُ لمجدكَ .... وقد حانت السّاعةِ. من الآن فصاعداً، ستتُحققُ كَلِماتي، سَيَعْرفُ العالم أنّك أنت من أرسلتني، وأنك ستكون مُمَجّدُاً!
أنا عطشانُ لمجدكَ، عطشان للنفوس.... وكي أَرْوي هذا العطشِ، سكبت دمي حتى القطرة الأخيرة! لهذا السبب أستطيع أَنْ أقول: قد أُكمل. أن سر الحب العظيم قَدْ أُكمل الآن؛ السر الذى من أجله قد تنازل الرب عن أبنه إِلى العالم كى يُعيدَ الحياة إِلى الإنسان .....لقد أتيت إِلى الأرضِ كى أَعمَلُ مشيئتك، أه يا أبى. إنها قد كمُلت الآن!
بين يديك, أستودع روحي. بهذه الطريقة تستطيع النفوس التي تَتممُّ مشيئتي أَنْ تقول بصدق " الكل قد أُكملُ " يا ربى وإلهي، تَسلمُ روحي....أنى أَضعها في يديكَ المحبوبتين .
لقد قدمت موتي إِلى أبي من أجل النفوس المحتضرةِ، وهم سَيكونُ لهم حياةُ. بصرختي ِ الأخيرة التى أطلقتها من على الصّليبِ، عَانقتُ كل الإنسانيةِ: الماضية والحاضرة والآتية. فورة النشاط القوية التى حررت بها نفسي من الأرضِ، قَدْ تلقيتها من أبى بحبِّ لانهائيِ، واغتبط كل السمائيين بها لأن إنسانيتي كَانَت داخلة في المجدِ. فى نفس اللّحظةِ التي أسلمتُ فيها روحي، قَابلتني حشود من النفوس : أولئك الذين رَغبوني من قرونَ مضت وأولئك الذينَ رَغبوني قبل بضعة شهور أو من أيام مضت، لكنهم جميعاً رَغبوني بشدة. هذه البهجةِ كَانتْ كافيةَ لتعوض عن كل المصاعبِ التى عَانيتْها.
يَجِبُ أَنْ تَعْرفَوا أنّ تذكارِ ذلك الاجتماع البهيجِ، حملني على أن أقَرّر أَنْ أُساعدَ المحتضرين وكثيراً من المرات صنعت هذا جهاراً, أنى أَعطيهم الخلاص لأُكرم أولئك الذين استقبلوني بمودّة في السّماءِ. لذا صلّوا من أجل هؤلاء المحتضرين، لأني اَحْبّهم كثيراً. فى كل مرة ستطلقون الصرخة الأخيرةَ التي قدمتها إِلى الأبِ، ستكونوا مُسْموَعُين لأن نفوساً كثيرة ستُعطي لي من خلال تلك الصرخة،
لقد كانت لحظة مبهجةِ عندما تجمّعتْ سوياً كل القوات السّماويةِ باغتباط مَنتظرةَ موتي، لقَدْ تقدّمَت نحوى. لكن من بين كل النفوس التي أحاطتني، كانت توجد نفس قَدْ غُمِرَت بوضوح، غُمرَت كثيراً، نفس كانت تتَلألأَ بالفرح، بالحب ... إنه يوسف الذى كان أكثر من أي شخص آخر، يفَهمَ المجدَ الذى اكتسبتُه بعد هذه المعاركِ القاسية. لقد قادَ كل النفوس التي كَانَت تَنتظرني؛ لقَدْ مُنِحَ أنْ يَكُونَ سفيري الأولَ فى عالم الانتظار. الملائكة برتبها، قدموا لى الإكرام بحيث أنّ بشريتي، المتألقة بالفعل، قَدْ أحيطت بعدد غير محدود مِن القديسين الذين وقروني ومَجّدوني.
أبنائي، لا توجد هناك صلبانُ مجيدةُ على الأرضِ؛ أنها كلها مُغلفة بالغموض وبالظّلمةِ وبالغضبِ. بالغموض لأنكم لا تَفْهمونها؛ بالظّلمةِ لأنها تُربك العقلَ؛ وبالغضبِ لأنها تَضْربُ بالضبط في المواضع التى لا تريدوا أن تضرب فيها.
لا تَنُوحواُ؛ لا تتوانوا. أنى أقول لكم أننى لم أحمل فقط الصّليبَ الخشبيَ الذي قادني نحو المجد، بل قبل كل شيء، حملت ذلك الصليب المخفيِ لكنه دائمَ الذي قَدْ تكون من صلبانِ آثامكمَ. نعم، ومن صلبان آلامكمَ. أن كل ما تَعانون منه كَانَ موضوع أحُزاني، لأنى لم أتألم فقط كى أَهبكم الفداء، بل أيضا من أجل ما ينبغي عليكم أَنْ تَعانوا منه اليوم. انظرْوا إلى الحبِّ الذي وَحّدني بكم؛ أن فيه تأكيداً لمشيئتي الإلهية فى توَحيّدْ نفوسكم بي، مُلاحظين كيف أنى عملت بمرارةِ بلا حدودِ.
لقَدْ اتَخذتُ قطعة من الخشب كرمزِ، صليب. لقَدْ حَملته بحبِّ عظيمِ، من أجل خير الجميع. لقَدْ عَانيتُ مأساة حقيقية لكي يستطيع كل شخصَ أَنْ يبتهج معي. لكن اليوم، كم نفساً تؤمن بمن أَحْبّكمَ حقاً ومازال يَحْبّكمَ؟ تأملوني وأنا بصورةِ المسيحِ الذي بْكى وَنْزفُ. هناك وبهذه الطريقة يستطيع العالم أن يتناولني.

32
الفصل الثامن والأربعون
صلب اللّصين
خلال وقت صلب يسوع، تُرك اللّصان راقدين على الأرض على مسافة قليلة؛ أياديهم مقيدة، ووقف بقربهما بعض الجنود. الاتهام الذي كان قد ثبت ضدهم أنهما اغتالا امرأة يهودية كانت مسافرة مع أطفالها من أورشليم إلى يافا. وكانا قد سجنا لوقت طويل قبل أن يُحاكما. اللّص الذى وُضع على الجانب الأيسر كان أكبر سناً بكثير من الآخر وكان يُدعى جيماس؛ لقد كان أثيماً مُحترفاً، وهو الذي افسد الأصغر الذى كان يدعى ديماس وهو اللص اليمين. كلاهما كانا ينتميان إلى عصابة من اللّصوص التى روعت تخوم مصر؛ وكانا يسكنان مغارة عندما كانت العائلة المقدسة هاربة إلى مصر، في وقت مذبحة الأطفال. الطّفل المسكين المصاب بالبرص، الذي برأ فى الحال بمجرد أن غُمر في الماء الذي كان قد استخدم لاستحمام الطفل يسوع، لم يكن سوى ديماس هذا، ومحبة أمّه، باستقبال وإكرام العائلة المقدّسة، قد كوفئ بعلاج طفلها؛ بينما كانت هذه التّنقية الخارجية رمزاً للتّنقية الدّاخلية التى تحققت بعدئذ في نفس ديماس على جبل الجلجثة، من خلال ذلك الدّم المقدّس الذي كان يُراق حينئذ على الصّليب لأجل فدائنا. لم يكن ديماس يعرف شيئاً على الإطلاق عن يسوع، لكن لأن قلبه لم يكن قاسياً، منظر الصّبر الهائل ليسوع أثر فيه كثيراً.
عندما أتم الجنود رفع صليب يسوع، أمروا اللّصين أن ينهضا بلا تأخير، وحلّوا قيودهم من أجل أن يصلبا فى الحال، لأن السّماء صارت مُكفهرة جدا مُنذرة باقتراب زوبعة. بعد إعطائهما بعض المرّ والخلّ، نزعوا لباسهما وربطا الحبال حول أياديهم، وبمساعدة سّلالم صّغيرة جروهما إلى أماكنهما على صّليبيهما. ثم قيد الجنود أياديهم إلى الصليبين بالحبال، وقيدوا رسغيهما وكوعيهما وركبهما وأقدامهما أيضاً، جذبوا الحبال جدا حتى تكسرت مفاصلهما وتدفق الدم منها وصرخا بصرخات حادة، واللص اليمين صاح بينما كانوا يجذبونه لأعلى " أن هذا العذاب لمخيف، لكن إن كانوا عاملونا كما عاملوا هذا الجليلى المسكين، لكنا هلكنا منذ فترة طويلة."
قسّم الجنود ملابس يسوع، من أجل أن يجروا قرعة بينهم؛ عباءته، وردائه الأبيض الطّويل والحزام والثوب الداخلي الذي تشبع بالكامل من دمه المقدّس. ولأنهم لم يتفقوا من سيصبح مالك العباءة التى نسجتها أمه والتى بلا خياطة والتى لا يمكّن أن تُقطّع وتُقسّم، أحضروا ما يشبه رقعة الشطرنج مرسومة بأشكال، وكانوا على وشك أن يلقوا قرعة، عندما أعلمهم رسول، مُرسل من قبل نيقوديموس ويوسف الرامى، أن هناك من يريد أن يشترى كل ملابس يسوع؛ حينئذ جمّعوا كل ثيابه وباعوها كلها معا وهكذا تملك المسيحيون هذه الآثار المقدَّسة‏ الثّمينة.

الفصل التاسع والأربعون
يسوع مُعلق على الصّليب بين لّصين

الهزّة الهائلة التى سببها سقوط الصّليب في الفتحة المُعدّة له جعلت الحواف الحادّة لتاج الشّوك، الذى كان ما زال على رأس مُخلصنا الحبيب، تنغرس بصورة أعمق في جسده المقدّس، وسال الدم لأسفل ثانية من رأسه ومن يديه وقدميه. ثم وضع الجنود سلالم على الصليب وصعدوا عليها وحلّوا الحبال التي كانت تقيد يسوع بالصليب .
دمه كان قد صار، بدّرجة معينة، راكدا فى موضعه الأفقي من ضغط الحبال، لكن عندما حلٌت الحبال، استأنف دمه جريانه المعتاد، وتسبّب حل الحبال فى ألام من جراحه الغير معدودة، حتى أنه أحنى رأسه، وبقى كما لو أنه ميت لأكثر من سبع دقائق. أنشغل فيها الجنود بتقسيم ملابسه؛ أبواق الهيكل لم تعد تدوّي؛ وكل فاعلي هذه المأساة المخيفة بدوا منهكين من الجهود التى بذلوها ليتمموا مهمتهم الشّريرة، وابتهج اليهود لنجاحهم أخيرا في جلب الموت إلى من حسدوه طويلا.
بمشاعر مختلطة من الخوف والشّفقة وجهت عيناي نحو يسوع، يسوع فاديّ، مُخلص العالم. رأيته ساكناً، بلا حياة تقريبا. شعرت كما لو أنى أنا نفسي يجب أن أنتهي؛ غُمر قلبي بالأسى والحبّ والفزع؛ فكرى كان نصف تائه، يداي وقدماي مشتعلتان بحرارة محمومة؛ كل عروقي وأعصابي وأطرافي أجهدت بألم متعذر وصفه؛ لم أر شيء بشكل متميّز، باستثناء عريسي الحبيب مُعلقاً على الصّليب. تأمّلت مُحياه المشوّه، رأسه المطوّق بتّاج الشّوك، فمه جَاف‏ ونصف مفتوح من الإعياء، شعر رأسه ولحيته مُلبد بالدّم. صدره مُمزّق ومجروح من ضربات العصي، كوعيه ورسغيه وكتفيه متورمين بشدة وتخلعوا تقريبا؛ يسيل الدم بشكل ثابت لأسفل من الجراح المفتوحة في يديه، واللّحم قد تمزّق عن ضلوعه التي كان ممكن إحصائها. ساقاه وفخذاه، مثل ذراعيه أيضاً، قد شُدت تقريبا حتى الخلع، اللّحم والعضلات بالكامل متعرّية حتى أن كل عظمة كانت مرئية، وجسده بالكامل تغطّى بجراح متضرَّجة بالدم‏. الّدم الذي تدفّق من جراحه كان في بادئ الأمر أحمر، لكنه اصبح خفيف ومائي، وكل مظهر جسده كان مظهر جثة جاهزة للدّفن. ومع ذلك، على الرغم من الجراح المروّعة التي تغطّى بها، على الرغم من حالة العار التي قد آل إليها، كانت ما زالت هناك تلك النّظرة المتعذر وصفها, نظرة النبل والطّيبة التي ملأت كل المشاهدين بالرّهبة.
وُضع صليبا اللّصين واحد على يمين صليب يسوع والآخر على يساره؛ كانت هناك مسافة كافية متروكة لراكبي الخيول ليجولوا بينهم. مظهر اللّصين على صليبيهما كان من الصعب تخيله؛ لقد عانا بشدة، والذي على الجانب الأيسر لم يتوقّف عن اللعن والسب. الحبال التي قُيدا بها كانت ضيّقة جدا، وسبّبت لهما آلاماً عظيمة؛ منظرهما كان شاحباً، وأعينهم ملتهبة وعلى وشك أن تُقتلع من محاجرها. علو صليبي اللّصين كان أقل بكثير من علو صليب يسوع .


33
الفصل الرابع والأربعون
يسوع فى جبل الجلجثة
تحَرّكَ الموكبُ ثانية؛ كَانَ الطّريق شديد الانحدار ووعراً جداً بين أسوار المدينةِ والجلجثةِ، وكَانَ يسوع يجد صّعوبةُ عظيمة في السير بحمله الثّقيلِ على كتفيه؛ لكن أعدائه القساة، بعيدا عن الشعورِ بأدنى شّفقةِ، ودون إعطائه أقل مساعدة، استمروا يَحْثونّه بضّرباتِ قاسية والتفوه باللّعناتِ المُخيفةِ. أخيراً وَصلوا إلى بقعةَ حيث الممر يتحول فجأة نحو الجنوبِ؛ هنا تَعثّرَ وسقط يسوع للمرة السادسة. السّقوط كَانَ مُخيفاَ، لكن الحرّاسَ ضَربوه بطريقة أقسى ليُجبرونه على النهوض، وما أن وصل إلى الجلجثةَ حتى سقط للمرة السابعة.
سمعان القيروانى قَدْ مُلئ بالتّذمرِ والرّحمةِ؛ على الرغم من إعيائه، رَغبَ فى البقاء رُبَما يُساعدُ يسوع، لكن الجنود شَتموه وأبعدوه، صار سمعان القيروانى بعد ذلك مسيحيا وتبع التلاميذ. أمر الجلادون العُمّال والأولاد الذين يحَملون آلات التّنفيذِ أَنْ يرحلوا، ووصل الفريسيون فى الحال، لأنهم كَانوا على صهوة الجيادِ، وقَدْ اَخذوا الطّريق الممهد السّهل الذي يمتد شرقِ الجلجثةِ. منظرَ مدينةِ أورشليم بالكاملِ كان يُرى من قمةِ الجلجثةِ. هذه القمةِ كَانتْ مستديرة ومحاطةَ بسور منخفضِ ولها خمسة مداخلِ منفصلةِ. إن هذا العدد كان أمراً عادياً في تلك المناطق، لأنه كانت هناك خمسة طرقُ عند الحمامات، في الموضع حيث يتعَمّدوا، في بركةِ بيت صيدا، وكان هناك أيضا عديد من المدنِ ذات خمس بوّاباتِ. من هذا، كما في عديد من الخواصِ الأخرىِ للأرضِ المقدّسةِ، كَانَ هناك مغزىَ نبويَ عميقَ؛ عددِ خمسة هذا كَانَ يرمِز إلى‏ جراحِ مُخلصنا المقدّسةِ الخمسة، التي فْتحَت لنا أبوّاب السّماءِ.
توقف الخيالة عند الجانبِ الغربيِ للجبلِ، حيث لم يكنَ المنحدر شديد الانحدار؛ لأن الجانبِ الذي أتى منه يسوع كَان وعراً وشّديد الانحدار. أنتشر حوالي مائة جندي فى أجزاءِ الجبل المختلفةِ، ولأنه كان مطلوب خلو المكان، لم يُحضر اللّصان لأعلى، بل أمروا أَنْ يَتوقّفا قبل أن يصِلوا هناك، وأَنْ يرقدا على الأرضِ وأياديهم مقيدة بصليبيهما ووقف الجنود حولهما ليحَرسوهما، بينما وقفت جموع الناس الذين لم يخشوا من تَدْنيس أنفسهم قُرْب الرّصيفَ أو على المرتفعاتِ المُجَاوِرةِ؛ هؤلاء كَانوا في الغالب من الغرباءِ من الطبقات الدنيا ومن العبيد الوثنين، وعدد منهم كَن من النِساءَ.
كانت حوالي الساعة الثانية عشر إِلا ربعاً عندما وصل يسوع لموضع الصلب. جره الجلادون البرابرة لأعلى بالحبالِ التي رَبطوها حول خصره، وبعد ذلك حَلواَّ ذراعي الصّليبِ والقوهما على الأرضِ. منظر إلهنا المباركِ في هذه اللّحظةِ كَان حقاً يُحرّكَ أقسى القلوب نحو الرحمة؛ لقد وَقفَ أو بالأحرى انحنىَ على الصليب، لكونه قادراً بالكاد أن يسندِ نفسه؛ مُحياه السّماوي كَان شاحبا كما لشخصِ على حافة الموت، على الرغم من‏ أن الجراح والدماء شَوّهته لدرجةِ مخيفةِ؛ لكن قلوبَ هؤلاء الرّجالِ القساة كَانت للأسفً! أقسى من الحديدِ نفسه، وبعيدا عن إظهار أدنى رثاء له، طرحوه أرضاً بوحشية، صائحين باسْتِهْزاءِ : " أيها الملك القدير، ها نحن عَلى وَشَكِ أَنْ نَعدَّ لك العرش " وَضعَ يسوع نفسه فوراً على الصليب، وقِاسوه ووضعوا علامات فى أماكن قدميه ويديه، بينما استمر الفريسيون فى أهانه ذبيحتهم المستسلمة. عندما انتهوا من القياس، اقتادوه إِلى مغارة منحوتة في الصّخر، كَانت تُستعملْ فى السابق كقبوِ، فَتحواَ البابَ، ودَفعوه بغاية القسوة حتى أنه لولا مساندةِ الملائكةِ، لانكسرت ساقاه بالسقوط الصّعبِ جداً على الأرض الحجريةِ. لقد سَمعتُ آهات آلامه بوضوح، ثم أغلقوا البابَ بسرعة، ووَضعوا حرّاساً أمامه، وواصل الجنود إعدادهم للصليبِ. منتصف الرّصيفِ كَانَ جزءاً أكثر ارتفاعا، كان عبارة عن ربوة مستديرة، ترتفع قدمين تقريبا، وكان على المرء أَنْ يَصْعد درجتين أو ثلاث ليَصلَ إليها. حفر الجلادون ثلاث حفر للصّلبانِ الثّلاثة في قمةِ هذه الربوة، وَضعوا صليبى اللّصين واحد على يمينِ صليب يسوع والآخرِ عن يساره؛ كان كليهما أقل ارتفاعا من صليبه. ثم حَملوا صليب مُخلصنا إِلى البقعةِ حيث نَووا أَنْ يَصْلبوه، ووَضعوه بطريقة بحيث يَسهل سْقوطه في الفتحةِ المُعدة له. رَبطوا ذراعي الصليب بقوة بالجزء الطولي، سَمّرواَ قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصليب حيث ستستند القدمين، ثقبوا أماكن المسامير، وجوفوا أماكن مختلفة في الخشب في الأجزاءِ التي بها رّأس وظهر المسيح، من أجل أن يستقر جسده على الصليب، بدلاً من يَكُونُ معلّقاً منه. هدفهم من هذا لم يكن رحمة منهم بل كَان إطالةَ مدة تعذيبه، لأن لو سُمح لوزنَ الجسد بالكاملَ أَنْ يتدلى من الأياديِ لتمزقت فتحاتِ المسامير تماما ويموت بسرعة أكثر مما يريدون. ثم جلب الجلادون قِطَعاً من الخشب يستعملوها كأوتاد ليحفظوا بها الصّليب قائماً.


الفصل الخامس والأربعون
مريم والنّساء القديّسات فى الجلجثة .

مع أن العذراء المباركة كانت قَدْ حُملت بعيدا غائبة عن الوعي بعد اللقاء الحزينِ مع ابنها وهو حاَملا صليبه، إلا أنها استعادتْ وعيَها سريعا؛ لأن حبّها ورغبتها المتوهجة لرُّؤيته مرة أخرى، منحها شّعوراً خارقاً بالقوةِ. ذَهبتْ بصحبة مرافقيها إلى دارِ لعازر حيث تجمعت مارثا والمجدلية وعديد من النِّساءِ القديّساتِ مسبقا. الجميع كن حزانى ومُحبَطات، لكن المجدلية لم تتَمَكّنَ من حبس دموعها وبكائها. لقد بَدأن يسرن من هذه الدّارِ طريق الصّليبِ، بعبارة أخرى، لقد أردن أَنْ يَتْتبعن كل خطوه خطاها يسوع في هذه الرحلةِ الأكثر ألماً. حَسبَت مريم كل خطوةِ، ولَكُونُها أنَيّرتَ بشكل داخلي، أشارت إِلى مرافقيها إلى تلك الأماكنِ التي قَدْ كُرّستْ بآلام خاصة. حينئذ جاز السّيفَ الحادَّ الذى أنبأ به سمعان الشيخ فى البداية في قلبِ مريم, ذلك الولاءِ المؤثر الذى مارسته بشكل ثابت مَنحته مريم لمرافقيها، وهم بدورهم تَركوه لأجيالِ المستقبلِ، عطية ثمينة حقاً، مَُنحَت مِن قِبل إلهنا لأمه الحبيبةِ، والتى جازت من قلبها إِلى قلوبِ أولادها من خلال صّوتِ التّقليد.
عندما وَصلن النِّساءِ القدّيساتِ إلى دار فيرونيكا دَخلنه، لأن بيلاطس وضبّاطه كَانوا في ذلك الوقت يمرون خلال الشّارعِ، فى طريقهم للرجوع. لقد انفجرن باكيات عندما رأين وجه يسوع مطَبوعاً على الشال، وشكرن الرب على تلك العطية التى مَنحَها لخادمته الأمينة. آخذن النّبيذِ الذي منع اليهودِ يسوع من شُرْبِه، وبَدأَن معا المسير نحو الجلجثة. أزداد عددهم إلى حدٍّ بعيد، لأن عديد من الرّجال والنِّساء الأتقياء الذين ملأتهم آلام إلهنا بالرّحمةِ قَدْ انضموا إليهن، وارتقوا ‏الجانبَ الغربيَ للجلجثةِ، حيث المنحدرِ هناك لم يكنَ عظيما. أم يسوع برفقةَ ابنه أختها، مريم أبنه كلوبا ويوحنا وسالومه ذَهبن لحدود الرّصيفِ المستديرِ؛ لكن مرثا ومريم التى لهالى وفيرونيكا ويوحانان وخوزي وسوسنا ومريم أمّ مرقص بَقين مع المجدلية، التي استطاعت أَنْ تسند نفسها بصعوبة.
أسفل الجبلِ كانت هناك مجموعةَ ثالثة من النِّساءِ القدّيساتِ، وكان هناك بعض الأفرادُ المُبَعثَرين بين المجموعاتِ الثّلاث، كانوا يحَملون الرسائل من مجموعة إِلى الأخرِى. الفريسيون الذين يمتطون الجيادِ كانوا يجولون ذهاباً وإيابا بين الشعبِ، وكانت المداخل الخمسة بحراسة الجنودِ الرّومان. ثبتت مريم عينيها على بقعةِ الصلب، ووَقفتْ وكأنها مسلوبة القلب، لقد كان حقاً منظر يُروّعَ ويُمزّقَ قلب أى أمِّ. كان هناك الصليب الرهيب‏، المطارق، الحبال، المسامير، وبمحاذاة آلاتِ التعذيب المخيفةِ هذه وَقف الجلادون المتوحشون، نصف سكارى وتقريباً بلا ملابس، يلعنون ويجدفون، بينما يعدون أنفسهم. ازدادتْ آلام العذراءِ المباركةِ بشّدة لكونها لم تكن قادرة على رؤية ابنها؛ عَرفتْ أنّه ما زالَ حياً، وشَعرتْ برغبة متوهجة فى أَنْ تَنْظره مرة أخرى، بينما التفكيرَ فى العذابِ الذى ما زالَ عليه أَنْ يَتحمّلَه جعِلَ قلبها يفيض بالأسىِ.
كان قليل من الندى قد سْقط خلال بعض أوقات الصّباح، لكن الشّمسَ أشرقت بعد العاشرة، وضباب أحمر كثيف بَدأَ يحجبها نحو الثانية عشرَ.

الفصل السادس والأربعون
تسمير يسوع على الصّليب

ذهب أربعة جنود إلى المغارة حيث حبسوا يسوع وجروه خارجاً بوحشيتهم المعتادة، بينما الغوغاء ينظرونه ويُهينونه بإهانات بالغة، والتزم الجند الرّومان الحياد، ولم يفكّروا فى شيء سوى بإصدار الأوامر. عندما اقتيد يسوع ثانية، أعطت النّساء القديّسات رجل بعض المال، وناشدنه أن يقدم للجنود أي شئ يطلبوه إن سمحوا ليسوع أن يشرب النّبيذ الذي أعدته فيرونيكا؛ لكن الجنود القساة، بدلا من أن يعطونه ليسوع، شربوه هم.
كان مع الجنود إناءان، إحداها يحتوى على خل ممزوج بالمر، والآخر خليط من نّبيذ الممزوج بالمرّ والحنظل؛ فقدموا قدح من الخمر الممزوجة ليسوع، الذي بعد أن تذوقه، لم يشاء أن يشرب منه.
كان هناك ثمانية عشر جندياً فى موضع الصلب؛ السّتة الذين جلدوا يسوع، الأربعة الذين اقتادوه إلى الجلجثة، اثنان حملا الحبال التي دعمت الصليب، والستة الآخرون جاءوا لغرض صلبه. كانوا يختلفون عن اليهود أو الرومان؛ كانوا رجالا قصار القامة، ذوى مظهر شرس، بالأحرى يشبهون الوحوش، وهم الذين نفذوا عملية الصّلب.
هذا المشهد رأيته بصورة مخيفة برؤية الشّياطين، التى كانت غير ظاهرة للآخرين، رأيت أجساماً كبيرة من الأرواح الشّريّرة تحت أشكال ضّفادع وثعابين وتنانين وحشرات سامّة، يحثونّ هؤلاء الرّجال الأشرار على أن يكونوا بأعظم قسوة، واظلموا الهواء تماما. زحفوا في أفواههم وقلوبهم، جلسوا على أكتافهم، ملئوا أذهانهم بصّور شّريرة، وحرّضوهم على أن يشتموه ويهينوه بكل وحشية.
وقفت الملائكة الباكية حول يسوع، ومنظر دموعهم واساني قليلاً، وقد رافقتهم ملائكة المجد. كانت هناك أيضاً ملائكة الرّحمة وملائكة التّعزية التى كانت تقترب من العذراء المباركة بشكل متكرر ومن بقية الأشخاص الأتقياء الذين تجمّعوا هناك، وهمسوا بكلمات الرّاحة التي مكّنتهم من أن يتحمّلوا الموقف بثبات .
فى الحال نزع الجنود عباءة يسوع والحزام الذي رُبطت به الحبال وحزامه الخاص، عندما وجدوا أنه من المحال أن ينزعوا رداءه الصّوفي الذي كانت أمه قد نسجته له من على رأسه، بسبب تاج الشّوك؛ مزّقوا التاج المؤلم وهكذا تفتحت كل جراحه من جديد، واستولوا على الرداء. وقف إلهنا الحبيب ومُخلصنا عارياً أمام أعدائه القساة إلا من سترة قصيرة كانت على كتفيه، والملابس الكتانية التي تستر عريه. رداؤه الصوفي كان قد التصق بالجراح، ومن المتعذر وصف آلامه عندما نزعوه عنه بالقوة. لقد ارتجف من الألم، لقد كان بغاية الضعف والألم من نزف الدّم حتى أنه لم يتمكّن من أن يسند نفسه أكثر من بضع لحظات؛ لقد تغطّى بالجراح المفتوحة، وكتفاه وظهره قد تمزّقا حتى العظام من الجلد المخيف الذى ناله. لقد كان على وشك أن يسقط عندما أقتاده الجنود إلى حجر كبير وأجلسوه عليه بقسوة، خوفاً من أن يموت، وهكذا يحرمهم من مسّرة صّلبه، لكن ما أن أجلسوه حتى جددوا آلامه بوضع تاج الشّوك ثانية على رأسه. ثم قدموا بعض الخلّ الممزوج بالمر، لكنه لم يشأ أن يشرب واستدار في صّمت.
لم يسمح له الجنود أن يستريح طويلاً، بل أنهضوه ووضعوه على الصّليب الذي سيسمّرونه عليه. ثم أمسكوا بذراعه اليمين وسحبوها حتى الفتحة المعدة للمسمار، وأوثقوها بأحكام بحبل، جثا واحد منهم على صدره، بينما أمسك آخر بيدّه ليجعلها مفتوحة، والثالث أمسك بمسمار غليظ وطويل، غرزه فى راحة يده المفتوحة، التي كانت دوما مفتوحة لتمنح البركات والحسنات لليهود الجاحدين، وبمطرقة حديدية عظيمة جعله يخترق راحة يده وينفذ خلال الفتحة المُعدة من قبل في خشبة الصليب. تأوه يسوع بآهة واحدة عميقة مكتومة، وتدفق دمه وانتثر على أيدي الجنود. كانت المسامير كبيرة جدا، رّؤوسها بحجم قطعة النقود، وسّمكها كسمك إبهام الرجل.
وقفت العذراء المبارك ساكنة؛ من وقت لآخر يُسمع منها صوت أنين حزين؛ بدت كما لو أنها تغيب عن الوعي من الأسى، والمجدلية كانت بجانبها .
بعدما سمر الجنود يدّ يسوع اليمنى، أدركوا أنّ يده اليسرى لن تصل إلى الفتحة التى أعدوها مُسبقاً لنفاذ المسمار فيها، لهذا ربطوا ذراعه اليسرى بالحبال، ودعموا أقدامهم فى الصليب، شدوا اليد اليسرى بقسوة حتى وصلت المكان المُعد لها. هذه العملية المخيفة سبّبت ليسوع آلاماً يتعذر وصفها، صدره ارتفع، ساقاه تقلّصتا تماما. جثوا ثانية فوقه، أوثقوا ذراعيه، وسمروا المسمار الثّاني في يده اليسرى؛ تدفق دمه ثانية، وآهاته الضّعيفة سُمعت أكثر من مرة بين ضربات المطرقة، لكن لا شيء كان ممكن أن يحرّك قلوب هؤلاء الجنود القساة. هكذا امتدّت ذراعا يسوع، لم تعدا تغطّيان ذراعي الصّليب، اللتان كانتا منحدرتين وكان هناك فراغ واسع بينها وبين إبطيه.
كل عذاب وإهانة وقعت على يسوع سبّبت آلاماً جديدة لقلب أمه المباركة؛ لقد صارت شاحبة كجثة، بل أن الفريسيون سعوا لزيادة آلامها بكلمات وإيماءات مهينة، فأخذها التلاميذ إلى مجموعة من النساء التقيات اللاتي كن يقفن على بعد قليل .
ثبت الجنود قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصّليب حيث ستُسمر قدما يسوع، لأن ثقل جسده لن تتحمله ثقوب راحة يديه، وأيضاً لكى تمنع كسر عظام قدميه عندما تسمّر على الصّليب. كانت هناك فتحة مُعدة فى الخشبة لينفذ فيها المسمار بعدما ينفذ من قدميه، وكان هناك أيضاً مكان صغير مجوف لأجل عقبيه, هذه التدابير الوقائية‏ قد اتخذت خشية أن تتمزق جراحه وتنفتح من قبل ثقل جسده، ويموت قبل أن يعانى كل التّعذيب الذي تمنّوا أن يروه وهو يُقاسيه على الصليب.
جسد يسوع بالكامل قد سُحب لأعلى، وتقلّص من الطريقة العنيفة التي مددّ بها الجنود ذراعيه، وركبتاه تقلصتا لأعلى؛ لهذا فردوها وقيدوها لأسفل بالحبال بإحكام؛ لكن سريعاً أدركوا أن قدميه لن تصلا لقطعة الخشب التي وضعوها لتستقر القدمان عليها وصاروا غاضبين. اقترح بعضهم عمل فتحات جديدة للمسامير الخاصة بيديه، لأنه ستكون هناك صعوبة في إزالة قطعة الخشب، لكن الآخرين لم يتوقفوا وصاحوا : " أنه لن يمدّ نفسه لكننا سنساعده " ورافقت هذه الكلمات الأقسام واللّعنات، وبعد ما ربطوا حبلاً بساقه اليمنى، سحبوها بقسوة حتى وصلت للخشبة، وبعد ذلك ربطوها بإحكام. الآلام التى جازت على يسوع من هذا الشد العنيف لمن المتعذر وصفها؛ " إلهي، إلهي " أفلتت هذه الكلمات من شفاهه، وزاد الجنود من ألمه بربط صدره وذراعيه بالصليب، خشية أن تتمزق الأيادي من المسامير. ثم ثبتوا قدمه اليسرى بقدمه اليمنى، جاعلين أولاً فتحة فيهما بمثقاب, لأنهم لم يستطيعوا أن يضعوهما بمثل هذا الوضع ليسمّرا معاُ. بعد ذلك اخذوا مسماراً طويلاً جدا وأنفذوه بالكامل فى كلتا القدمين وفي الصّليب، لقد أحصيت على الأقل ستة وثلاثون ضربة من المطرقة.
خلال فترة صّلب الرب لم يتوقّف يسوع عن الصلاة، وترديد فقرات من المزامير التي كان يرددها، مع ذلك, من وقت لآخر كان يُسمع أنين ضعيف بسبب زيادة الألم. بهذه الطريقة كان الرب يصلّى عندما كان يحمل صليبه، وهكذا استمرّ يصلّي حتى موته. سمعته يردد كل هذه الّنبوءات وكرّرتها بعده .
عندما انتهى صلب يسوع، أمر قائد الجنود الرّومان أن تُسمر اللوحة التى أمر بها بيلاطس على قمة الصّليب. أثار هذا سخط الفريسيون، وأزداد غضبهم من سخرية الجنود الرّومان، الذين أشاروا إلى ملكهم المصلوب؛ لذا تعجّل الفريسيون فى الرجوع إلى أورشليم وقد قرروا أن يبذلوا أفضل مساعيهم ليقنعوا الحاكم أن يسمح لهم أن يستبدلوا اللوحة بلوحة أخري.
كانت الساعة حوالي الثانية عشر والربع عندما صلب الرب يسوع؛ وفي اللحظة التى أرتفع فيها الصّليب، دوّت أبواق الهيكل، التي كانت تدوي دائما لتعلن عن ذبح حمل الفصح.
تأمل الرب يسوع
انظرْوا بأية قسوةِ التف حولي هؤلاء الرّجالِ القساة. بعضهم جذب الصّليبِ ووضعوه على الأرضِ؛ الآخرون يُمزّقونَ ملابسي المُلتصقة بجراحي فانفتحت مرة أخرى فتفجرت الدماء منها.
انظروا يا أبنائي الأحباء، بأي خجل وخزي عانيت برُؤيةَ نفسي بهذه الطّريقةِ أمام هذه الحشود الهائلة ِ....أى ألم تجرعته نفسي ؟!
الجلادون يُنزعون ردائي ويلقوا قرعَة علية؛ هذا الرداء كثيرا ما غَطّتني به أمي بكثير من العنايةِ خلال طفولتي، وقَدْ نَما مع نموي. ماذا ستكون أحُزانَ أمي عندما تَتأمّلَ هذا المشهدِ؟ كم كَانتْ ستَرغب أَنْ تَحْتفظَ بذلك الرداءِ، إنه ملوّث الآن ومشبع بدمائي.
لكن السّاعةَ قَدْ حانت ومددني الجلادون على الصّليبِ، أمسكوا ذراعيّ وجذبوهما كى يَصلا للثقوب المُعدة فيه من قبل. كل جسدي تَمزق، لقد تلويت من جانب لآخر وأشواك إكليل الشوك اَنغرست بصورة أعمقَ في رأسي. أصغْوا إلى الضّربةِ الأولىِ للمطرقةِ التي سَمّرتَ يديّ اليمني...أن صوتها يَدوّي حتى أعماقِ الأرضِ.... أصغوا أكثر ... ها هم يُسمّرونَ يدى اليسرى، أمام مثل هذا المنظرِ، ارتعدت السّماوات، وطرحتُ الملائكة نفسهما. لقد اَحتْفظُت بأعمق صّمتَ. لا شكوىُ، ولا أنينُ أفلت من شفاهي، لكن دموعي اَختلطُت بالدّماءِ التى غَطت وجهي.
بعد ما سَمّروا يديّ، جذبوا قدمّي بقسوة... تَفْتحتُ جراحي، تمزقت أعصاب يديّ وذراعيّ، تَخْلعت العظام... أن الآلام لرهيبة! قدماي تُسمّرتاُ ودمي تخلل الأرضَ!....
تأمّلْوا للحظةِ هذا الدّمِ الذى لَطّخَ الأياديَ والأقدامَ ....تأمّلْوا هذا الجسدِ العاريِ، هذا الجسد المُغَطّى بالجراحِ والعرق والدم والأوَساّخْ .... تأملوا هذه الرّأس المثقوبة بالأشّواكِ الحادّةِ، المنقّوعة في العرقِ، المملوءة بالترابِ والمُغَطاة بالدّمِاء .
تعجبوا من الصّمتَ، تعجبوا من الصّبر والخضوع الذي قْبلُت به كل هذا الآلام. من الذى تألم بمثل هذا، من الذى ضحى بمثل هذا الإذلالِ؟ إنه ابن الإله! إنه من صنع السّماوات، إنه من أوجد الأرض والبحار، إنه من صنع كل الموجودات .... أنه خاَلقَ الإنسان، أنه من ثبّت المسكونة بقدرته الأزلية... أنه هناك بلا حراك, مُحتَقَراًُ، عارياً، وستتبعه حشود من النفوس التى ستَتْركُ من أجله الممتلكات الدنيوية، سيتركون من أجله العائلة والأوطان، سيتركون الكرامة ومحبة الذات، سيتركون مجد العالم وكل ما هو ممكن أَنْ يَكُونَ ضروري, وسيتبعونه كى يَعطوه المجد ويُظهروا له الحبّ الذى يُكنوه له
تفطني يا ملائكة السماء، وأنتم أيضاً يا أحبائي ... ها هم الجنود سيقلبون الصّليب على ظهره، ليثبّتوا المسامير حتى لا تنخلع بتأثير ثقل جسدي مما قد يؤدى إلى أن أسقط. ها هو جسدي سيعطي الأرض قبلة السّلام الآن. وبينما كان صوت المطارق يدوى خلال الفضاء الخارجي، اكتمل عند قمة الجلجثة المشهد الأكثر من رائع .... وبناء على طلب أمي التي عايشت كل ما كان يَحْدثُ وبَكُونهاُ كانت عاجزة عن أَنْ تُعطيني الراحة، التمست الرحمةَ من أبي السّماوي.... َنْزلت طغمات من الملائكةِ كى تُمجّدَ جسدي، وكي تبقيه هكذا كى لا يَمْسُّ الأرض، لتجنّبهَ أن ينَسْحق تحت ثقل الصّليبِ.
تأمّلواْ يسوعكَم، مُعلقاً على الصّليبَ، عاجزاً عن القيام بأدنى حركة... عارياً، بلا سمعة، بلا شرف، بلا حرية... لقَدْ سلبوا منه كل شيء! لم يكن هناك من يشفق عليه ويَشْعرُ بالآسف لآلامه! أنه فقط من يتلقى العذاب والسخرية والهزء! إن كنتم تَحْبونّني حقاً، فهَلْ سَتَكُونونُ مستعدينَ أنْ تقتدوا بى؟ ما الذى سَتَرْفضُونه كى تُطِيعوني، كى تُسروني وتَواسوني؟ اطرحوا ذواتكم على الأرض ودعوني أُقول لكم بضع كَلِماتَ: ليت مشيئتي تملك عليكم! ليت محبّتي تسحقكم ! ليت آلامكم تُمجّدني!


الفصل السابع والأربعون
نصب الصّليب

عندما انتهى الجنود من صلب يسوع، ربطوا الصليب بالحبال، وثبتوا نهايات هذه الحبال حول دعامة ثبّتت بشكل قوي في الأرض علي بعد قليل، وبهذه الحبال نصبوا الصّليب. البعض منهم سندوه بينما دفع الآخرون قاعدته نحو الحفرة المعدّة لتثبيته, سقط الصليب الثّقيل في هذه الحفرة بصدمة هائلة، تأوه يسوع بصرخة واهنة، وتمزّقت جراحه بطريقة مخيفة وتفجرت دمائه ثانية، وعظامه النّصف مخلوعة أحتك بعضها ببعض. دفع الجنود الصّليب ليجعلوه بشكل شامل في الفتحة، وجعلوه يتأرجح ليغرسوا خمسة أوتاد ليثبتوه .
منظر رهيب، لكن في نفس الوقت مؤثر أن تنظر الصّليب منتصباً في وسط حشد عريض من الأشخاص الذين تجمّعوا جميعاً حوله؛ لم يكن هناك الجنود والفريسيين المفتخرون وغوغاء اليهود القساة فقط، بل كان هناك أيضاً غرباء من كل الجهات.
لقد رددوا فى الفضاء هتافات ونّداءات سّاخرة عندما نظروا الصليب مرتفعاً عالياً، الذى بعدما تأرجح للحظة في الجو، سّقط بصدمة عنيفة في الفتحة التى أُعدت له في الصّخور. لكن دوّت فى الفضاء في نفس اللّحظة كلمات الحبّ والشّفقة؛ وهذه الكلمات والأصوات صدرت من الكلية القداسة, مريم العذراء, ويوحنا والنّساء القديّسات وكل أنقياء القلب, لقد ركعوا ومجّدوا الكلمة الذى صار جسداً مسمّراً على الصّليب؛ مدّوا أياديهم كما لو إنهم يتوقون أن يٌعينوا قدّوس القديسين، الذي نظروه مسمّراُ على الصّليب. لكن عندما سُمع صّوت سقوط الصّليب في الفتحة المعدةّ له في الصّخر، ساد صمت رهيب، امتلأ كل قلب بشعور غامض من الرّهبة والحنو لم يحدث أن جُرّب من قبل مطلقا، ولا يستطيع أحد أن يصفه حتى لنفسه؛ كل سجناء جهنم ارتجفوا بالرّعب، ونفّسوا عن تهيّجهم بالسعي إلى تحريض أعداء يسوع أن يواصلوا غضبهم ووحشيتهم؛ النفوس التى في عالم الانتظار امتلئوا بالبهجة والأمل، لأن الصّوت كان بالنسبة لهم بشير السعادة، مقدمة لظهور مُحررهم. هكذا زٌرع الصّليب المُبارك لإلهنا لأول مرة على الأرض؛ وجيّداً أن نقارنه بشجرة الحياة التى في الفردوس، لأن جراح يسوع كانت كينابيع مقدّسة، يتدفّق منها أربعة أنهار تستطيع أن تنقّي العالم من لعنة الخطيئة، وأن تعطيه خصوبة، لكي ينتج ثمار الخلاص.
الربوة التى غُرس الصّليب عليها كانت تعلو حوالي قدمين عن الأجزاء المحيطة بها؛ كانت قدمي يسوع قريبة من الأرض بما يكفى لأحبائه أن يصلوا إليها ليقبّلوها، ووجهه كان يتجه نحو الشمال الغربي.

34
الفصل الأربعون
حِمل‏ الصّليب
عندما ترك بيلاطس المحكمةَ تبعه جماعة من الجنودِ، وصاحبوا المذنبين. جاء ثمانية وعشرون فريسياً مُسَلَّحاً إِلى الساحة على الجيادِ، من أجل أَنْ يُرافقَوا يسوع إِلى موضع تّنفيذِ الحكم، ومن بين هؤلاء كَان أعداءَ يسوع السّتة، الذين سَاعدوا في اعتِقاله في بستان الزّيتونِ. أقتاد الجنود يسوع إلى منتصفِ القاعةِ، طرح العبيد الصّليبَ عند قدميه، والذراعان قَدْ رُبِطا حالاً على القطعة العمودية. ركع يسوع بجانبه، طَوّقه بيديه المقدّسةِ، وقَبّله ثلاث مرات، موجهاً في نفس الوقت، صلاة شكر مؤثرة للغاية إِلى أبيه السّماويِ لأجل عملِ الفداء الذي قَدْ بَدأهَ. لقد كان التقليد بين الأمم أَنْ يُعانقَ الكاهن المذبح الجديد، ويسوع بمثل ذلك عَانق صليبه، ذلك المذبحِ الجليلِ الذي كَان عَلى وَشَكِ أَنْ تُقدم عليه الذبيحة الدّمويةِ والكفاريةِ. أنهضه الجنود وبعد ذلك سْجدُ ثانية، ووُضع الصّليبِ الثّقيلِ على كتفه الأيمنِ، سانداً وزنه العظيمَ بيدّه اليمنى بينما كَانَ على رُكَبتيه وكان ما زالَ يَصلّي .
وضع الجلادون أذرع الصليبان الآخرين على ظهرِ اللّصين، ورَبطواْ أياديهم بإحكام بها. الأجزاء العمودية للصّليبينِ حملها بعض العبيد، لأن القِطَعِ المستعرضةِ لم تكن مثبتة حتى قبل وقتِ التّنفيذ. أعلن صَوّتَ البوقُ مغادرة خيالةِ بيلاطس، وجاء أحد الفريسيون الذى ينتمى إلى الحرس إِلى يسوع، الذي كان لا يزالَ راكعاً وقالَ له " انهض، لقد أَخَذنا كفايتنا من الكلام المعسول؛ اَنْهضُ للمسير " لقد أقاموه عنوة، لأنه كَانَ عاجزَا بالكليةً عن أَنْ يَنْهضَ بدون مساعدة، وشَعر على أكتافه بثقل ذلك الصّليبِ الذي يَجِبُ أَنْ نَحْملَه خلفه، طبقاً لوصيته الصادقة والمقدّسة بأَنْ نتبعه. هكذا بَدأَ ذلك الموكبِ المنتصرِ لملكِ الملوكِ، موكب بغاية الخزي على الأرضِ، وبغاية المجد في السّماءِ.
سند جنديان الصليب بواسطة الحبال التي ربطها الجلادون به، ليَمْنعَا تُشَابَكه في أي شئ، وأمسك أربعة جنود آخرين بالحبالِ الأربعة، التي رَبطوها بيسوع أسفل ملابسه. منظر إلهنا الحبيب مَرتجف تحت حمله، ذَكّرني بإسحاق، عندما حَملَ حطبَ محرقته إلى الجبلِ. أعلن بوق بيلاطس الأمر ببدء الموكب، لأنه نَوى أَنْ يَذْهبَ بنفسه إلى الجلجثةِ علي رأسِ فصيلةِ من الجنودِ، ليَمْنعَ أى إمكانية للتمردِ. كَانَ على صهوة جوادِ، مُغطى بدّرعِ ومحاطَ مِن قِبل ضّبّاطه وسلاح الفرسانِ، ويتبعه حوالي ثلاثمائة من المشاةِ. تقدم الموكب نافخ البوق الذي نفخ بوقه في كل زاويةِ وأعلن الحكم. سار عدد من النِّساءِ والأطفالِ خلف الموكبَ بالحبالِ والمسامير والأوتاد وبسلال ممتلئة بأشياء مختلفةِ في أياديهم؛ الآخرون، الذين كَانوا أقوىَ، حملوا السلالم والقطع الرأسية لصليبي اللّصين، وتَابع بعض من الفريسيون الموكب على ظهور الجيادَ. حمل صبى اللوحة التى كتبها بيلاطس للصليب، حَملَ أيضا علي طرف عصى طويلةِ إكليل الشوك الذي كان قَدْ أزيل عن رأس يسوع، أنه لم يبدُو شّريرا وقاسياِ مثل الباقينِ. بعد ذلك رأيت مُخلّصنا المباركَ وفادينا, قدميه عاريتين ومتورمين تَنزفان وظهره منحنى كما لو كَانَ عَلى وَشَكِ الغرقَ تحت الوزنِ الثّقيلِ للصّليبِ، وجسده بالكامل مغَطّي بالجراحِ والدّمِ.
بَدا بغاية الإعياءِ لكونه لم ينام ولا شرب منذ عشاء اللّيلةِ السّابقةِ، بدا ضعيف من نزف الدّماءِ، ظمآن نتيجة الحمىِ والألمِ. لقد كان يسند الصّليبَ الموضوع على كتفه الأيمن بيدّه اليمنىِ، يده اليسرى تدلت بضعف بجانبه، لكنه حاول من وقت لأخر أَنْ يمسك بها رداؤه الطّويل ليَمْنعَ قدميه النَّازِفتين من أن تتُشَابَكا معه. سار الجنود الأربعة الذين أمسكوا بالحبال التي رُبِطتْ حول خصره بعيدا عنه قليلا، الاثنان اللذان فى الأمامِ يسحبانه، والاثنان اللذان فى الخلف كانا يجرانه للخلف، لكي لا يستطيع الَتقدّمَ بالمرة إلا بصّعوبة. يداه تقطعَتا مِن الحبالِ التي قُيد بها؛ وجهه كان ملطخاً بالدماء ومشَوّهَاً؛ شعره ولحيته مشبعان بالدّمِ؛ وزن الصّليبِ وقيوده جعلت رداؤه الصّوفي يخترق جراحه، ويُعيدُ فتحها: الكَلِمات الساخرة والقاسية هى فقط التى وُجهت إليه، لكنه استمرَّ يَصلّي من أجل مضطهديه، ومُحياه يُبدى تعبيراً ينم عن الحبِّ والاستسلام. سار عديد من الجنودِ المسلّحين بجانبِ الموكبِ، وبعد يسوع جاءَ اللّصان، اللذان كانا يُقتادان على نفس النمط، أذرع صليبيها، مَوْضُوعَة على ظهريها وأياديهم مقيدة بأحكام بنهايتها. كانا يرتديان مآزر‏ كبيرةِ، مع وشاح بلا أكمام يغَطّى الجزء الأعلى من جسمهما، وكَانا يرتديان قلنسوتين على رأسيهما. اللّص الصغير السن كَانَ هادئا، لكن الآخرَ كُان على العكس، غاضبا ولم يتَوقّف عن اللَّعْن والسب. مؤخّرة الموكبِ كان بها بقيّةِ الفريسيون على ظهور الجيادِ، كانوا يمشون ذهاباً وإياباً لحفظ النظام. بيلاطس وحاشيته كَانواَ علي مسافةِ فى الخلف؛ كان في وسطِ ضبّاطه مرتدياً دّرعهِ، تسَبقَه فرقة من سلاح الفرسانِ، ويتَلوه حوالي ثلاثمائة جندي من المشاةِ؛ عَبرَ الساحة، وبعد ذلك دَخلَ أحد الشّوارع الرّئيسية، لأنه كَانَ يسير خلال المدينةِ من أجل أَنْ يَمْنعَ أي شغب بين الشعب .
اقتيد يسوع من شارعِ خلفيِ ضيّقِ، لكى لا يُزعج الموكب الأشخاص الذاهِبينَ إلى الهيكلِ، ولكي يأخذ بيلاطس وفرقته الشّارعُ الرّئيسيُ بالكامل لأنفسهم. الجموع كانت قد تفَرّقَت بعد قِراءةِ الحكم، والجزء الأعظم من اليهودِ أمّا رَجعوا إِلى بيوتهم أو إِلى الهيكلِ، ليعدوا حمل الفصح؛ لكن البعض منهم كانْ لا يزالَ يُسْرِع‏ في فوضىِ كي يبصروا مرور الموكبَ السّوداوي؛ منع الجنود الرّومان كل الأشخاصِ من الانضمام للموكبِ، لهذا كان الأكثر فضولاً مضطراً أَنْ يتجه نحو الشّوارعِ الخلفيةِ، أو أَنْ يُسرّعَ ليصلَ الجلجثة قبل يسوع.
الشّارع الذى اقتادوا يسوع خلاله كان ضيقاً وقذراً؛ لقد عَانى الكثيرَ من المرورِ منه، لأن الجنود كَانَوا قريبين ويحثونه. الأشخاص الذين وَقفوا على أسطح البيوت، وفي النّوافذِ أهانوه بلّهجة مخزيةِ؛ العبيد الذين كَانوا يَعْملونَ في الشّوارعِ القوا القاذورات والطينَ عليه: حتى الأطفال حَرّضهم أعداؤه، لقَدْ ملئوا جيوبهم بالحجارة، وكانوا يلقونها أمام أبوابهم حيث كان سيعَبرَ يسوع، لكى يضطر أَنْ يَدُوسَ عليها.
تأمل الرب يسوع
بينما كان قلبي مستغرقاً فى الحزن من أجل هلاك يهوذا الأبدي، وَضع الجلادون القساة، عديمي الحس بآلامي، الصّليبِ الصّعبِ والثّقيلِ على كتفي المَجْرُوح, الصليب الذي كان علىّ أَنْ أُكملَ علية سر فداء العالم ِ.
تأمّلوني يا ملائكة السّماءِ. انظروا خالقَ كل الأعاجيب؛ انظروا الإله الذي تُقدم إليه كل الأرواحِ السّماويةِ الإجلال؛ انظروا الإله يَسْير نحو الجلجثةَ حاملاً على كتفيه الخشبة المقدّسةِ والمباركةِ؛ انظروا الإله الماضي كي يُلفظ أنفاسه الأخيرة.
اَنْظروا إلى أيضا يا أحبائي, يا من ترغبوا فى أنْ تَكُونواَ مُقتدين أمناء بى. إن جسدي المُنسحق بكثير من العذابات يَمْشي بلا قوةَ، مغسولاً في العرقِ والدّماء .... إنى أُعاني، بدون أن يكون هناك أي أحد آسفاً على آلامي! الغوغاءُ يَمْشون معي ولَيسَ هناك شخصَ واحد يَشْعرُ بالرحمة تجاهي. إنهم جميعاً يُحيطون بي كذّئابِ جوعي تُريد أَنْ تَلتهمَ فريستها... كل الشّياطينِ جاءتْ من جهنمِ كى تَجْعلَ آلامي أسوأ.
إنّ الإعياءَ الذي شْعرت به كان عظيماً جداً والصّليبُ ثقيلُ جداً حتى أننى فى منّتصف الطريقِ، سْقطُت. انظروا كيف يَنهضوني أولئك الرّجالِ المتوحشين بغاية الوحشية. أحدهم يجذبني من ذّراعي، آخر يجذب ملابسي المُلتصقة بجراحي، بتُمزّقها انَفْتحَت جراحي مرة أخرى.... هذا الحارس يمسكني من رّقبتي، الآخر من شّعري، آخرون يضربونني بقبضات أياديهم وكذلك بأقدامهم ضرباتِ موجعة في جميع أنحاء جسدي. سّقط الصليب فوقي وبوزنه تسبّبُ فى جراحَ جديدةَ... وجهي نظّفُ أحجارِ الطّريقِ والدّمِ الذي نزف من وجهي التصق بعيني اللتين انَغْلقتاِ تقريباً بسبب الضّرب الذى نالاهما؛ التراب والطّين اختلطا بالدّمِ وقد تحوّلتُ إلى شيء أكثر من كريه. أرسلْ أبى ملائكةَ لمعونتي لمساندة نفسي لكي لا يفقد جسدي الوعي عندما يَسْقطُ، حتى لا تُحسم المعركةَ قبل أوانها ويُفقد كل شعبي .
لقد دُسُت على الأحجارِ التي أدمت قدمايّ. تعثّرتُ وسْقطُت مرة ومرة أخرى. نْظرتُ إلى جانبيِ الطّريقِ، بْاحثاً عن نظرةِ حب صغيرةِ، نظرةِ استسلام، نظرةِ اتحاد بآلامي، لكنى لم آري ولا نظرةِ واحدة.
أبنائي، يا من تَتبعوا آثار خطاي، لا تَتْركُوا صليبكَم حتى وإن بدا ثقيلاً جداً. افعلوا هذا من أجلى. بحَمْلِ صليبكَم، سَتُساعدونني على حْملُ صليبى، وفى الطّريقِ الصّعبِ، سَوف تَجدُون أمي وكل النفوس المقدّسة وسيَعطونكَم المساندة والراحة. استمرّْوا معي لبضع لحظاتِ، وبعد عدة خطوات ستبصرونني بحضورِ أمي المقدّسةِ التي خْرجُت كى تلاقيني وقلبها مطعون بالألمِ, لقد جاءت لسّببين: أولهما لتنال المزيد من القوة لمواجهة آلامها برؤية إلهها، ثانيهما كى تَعطي ابنها بصمودهاِ البطولي التشجيع ليَستمرّ فى عمل الفداءِ.
خذوا بعين الاعتبار‏ استشهاد هذين القلبين. إن ما أحبته أمي بالأكثر هو ابنها.... أنها لا تستطيع أَنْ تُهدّئَ آلامي وهي تَعْرفَ أنّ زيارتها سَتَجْعلُ آلامي أكثر سوءاً، لكن ذلك سَيَزِيدُ قوتي أيضا كى أنفذ مشيئة الأب.
إن أمي أعظم حبيب لى على الأرضِ، وليس فقط أننى لم أستطع أَنْ أعزيها، بل أن الحالة الحزينةَ التى َرأتني عليها سبّبُت لقلبها آلاماً عميقة مثل آلامي. لقد دعت تنهداتها تفلت منها. لقد تلقت في قلبها الموتِ الذي كنت أَعانيه في جسدي.أه كم ثبّتتُ عينيها عليّ وثبّتُ عينيّ عليها! نحن لم نَنْطقُ بكلمة واحدة، لكن قلبينا قالا أشياءِ كثيرة في هذه النّظرةِ المؤلمةِ.
نعم، لقد شَهدتْ أمي كل عذابِ آلامي من خلال رؤى سمائية. بِضْع تلاميذ، بالرغم من إنهم ظلوا بعيدينًَ خوفاً من اليهودِ، إلا أنهم حَاولَوا أَنْ يَكتشفوا كل شيء ويُعلمُوا أمي. وعندما وَجدتْ أنّ حكم الموتِ قَدْ صدر بالفعل، رحلت كى تُقابلني ولم تتَركني حتى وَضعوني في القبرِ.


الفصل الحادي والأربعون
سّقوط يسوع والاستعانة بسمعان القيروانى

الشّارع الذي تَكلّمنَا عنه، بعد انحرافه لليسار قليلا، صار واسعاً وشديد الانحدار وتعبر أسفله قناةِ تأتى من جبل صهيون، وبه حفر تمتلئ دوماً بالماءِ والطّينِ بعد الأمطارِ، وُضعت حجارة كبيرة في منتصفه ليستطيع الناس َعبوره بسهولة. عندما وَصلَ يسوع إلى هذه البقعةِ، كانت قوته قَدْ استنزفْت تماماً؛ لقد كَانَ عاجزاً تماماً عن أَنْ يتحرّكَ؛ وبينما كان الجنود يجرونه ويدَفعونه بلا أدنى رحمة، سَقطَ على هذه الحجارةِ، وسقط الصّليب بجانبه. واضطر الجنود أَنْ يَتوقفوا، شتموه وضَربوه بلا رحمة, لكن كل الموكبَ تَوقّفَ، مما تسَبّبَ فى بعض الاضطراب. عبثاً مد يدّه ليساعده أى أحدِ ليَنْهضَ، صاح : " آه!, إن كل شئ سَينتهي قريباً " وصَلّى من أجل أعدائه. قالَ الفريسيون : " أنهضوه وإلا فإنه سَيَمُوتُ في أيدينا. " كان هناك عديد من النِّساءِ والأطفالِ يَتبعون الموكبَ؛ بكت النساء وخاف الأطفالِ. على أية حال، لقد نال يسوع مساندةَ من فوق ورَفعْ رأسه؛ لكن هؤلاء الرّجالِ القساة، كانوا بعيدا عن السَعي لتخفيف آلامه، ووَضعَوا تاجَ الشّوكِ ثانية على رأسه قبل أن يسَحبوه من الطّينِ، وما أنَ وقف مرة أخرى على قدميه حتى وضعوا الصّليبَ على ظهره. زِادَ تاج الشّوكِ الذي طَوّقَ رأسه من آلامه بما يفوق الوصف, والزمه أَنْ يميل برأسه على أحد الجانبِين ليَعطي مكاناً لصليبه، الذى طُرح بشدّة على كتفيه.
تركت مريم الساحة فور إعلان الحكم الجائر، يرَافقهاَ يوحنا وبعض النِّساءِ. لقَدْ آلت على نفسها أن تسير متجهة إِلى عديد من الأماكن التى تقَدّستْ مِن قِبل إلهنا وترويها بدموعها؛ لكن عندما أعلن صوتَ البوقِ وتدافع الناسِ وضجيج الخيالةِ أنّ الموكب عَلى وَشَكِ المضي للجلجثةِ، لم تتمكن من أَنْ تُقاومَ رغبتها الملحة فى أَنْ ترى ابنها الحبيب مرة أخرى، توسلت إلي يوحنا أَنْ يَأْخذها إِلى الأماكنِ التي يَجِبُ أَنْ يَجتازها. قادها يوحنا إِلى قصر عِنْد مدخلُ الشّارعِ الذي سقط فيه يسوع أولِ مرة؛ لقد كان، كما اَعتقدُ، محل إقامة الكاهن الأكبرِ قيافا. حصل يوحنا على إذنِ من خادمِ عطوف أن يقف عند المدخل مع مريم ورفاقها. أم الرب كَانتْ شاحبَة، عينيها حمراء من كثرة البُكاءِ، وقَدْ لُفّتْ بإحكام‏ بعباءةِ رمادية. الصّخب والكلام المًهين للحشود الهائجة كان يُسْمع بوضوح؛ وأعلن منادي في تلك اللّحظةِ بصوتِ عال، أن ثلاثة مجرمين عَلى وَشَكِ أَنْ يُصْلبوا. فَتحَ الخادمُ البابَ؛ أصبحت الأصوات المُخيفة أكثر وضوحاً؛ وألقت مريم بنفسها على رُكَبتيها. بعد الصَلاةِ بتأجج، التفتت إِلى يوحنا وقالتْ : هَلْ أَبْقى؟ هَلْ على أَنْ أخْرجَ؟ هَلْ سَيكونُ لدى القوةُ لأبصرِه, أجابَ يوحنا: " إن لم تَبْقى لتَريه، فأنك سَتَحْزنُين بعد ذلك." لهذا ظلوا قُرْب البابَ، وأعينهم مثَبّتةَ على الموكبِ، الذي كان ما زالَ بعيدا، لكنه كان يَتقدّمُ بخطي بطيئةِ. عندما أقترب الذين يَحْملُون آلات التّنفيذِ، ورأت مريم نظراتهم الوقحةَ والمنتصرةَ، لم تتَمَكّنَ من السيطرَة على مشاعرها، بل مدت يديها كما لو أنها تُنشدَ معونة السّماءِ؛ مما جعل أحد المارة يقولَ لرفاقه : " من هذه المرأة التي تجيش بمثل هذا البكاءِ؟ ' فأجَاب رفيقه : " إنها أمُ الجليلى " عندما سمع الرّجال القساة هذا، بعيدا عن أن يتأثروا ببكائها بدءوا يتلهون بحزن هذه الأمِ المكلومة: أشاروا إليها، واَخذ واحد منهم المسامير التي ستستعمل فى تسمير يسوع بالصليب، وقَدّمها إِليها بأسلوب مهينِ؛ لكنها استدارتْ، مثَبّتةَ عينيها على يسوع، الذى كان يَقتربُ، واستندت على عمودِ، لئلا تَغِيبَ عن الوعي ثانية من الأسىِ، لأن وجهها كَان شاحبا كالموتى، وشفتاها شبه زرقاء. عَبر الفريسيون الذين على ظهور الجيادِ أولا، يتبعهم الصبي الذى يحمل اللوحة. ثم جاءَ ابنها الحبيب. غاْرقُاً تقريباً تحت ثّقلِ صليبه، ورأسه، الذى ما زالَ مُتوّجاً بالشّوكِ، كَانَ يَتدلّى في ألم على كتفه. ألقى نظرةَ شّفقةِ وحُزنِ على أمه، تَمايَل، وسقط لثاني مرة على يديه ورُكَبتيه. تعذبت مريم تماماً من هذا المنظر؛ نَسيتْ كل شئ ما عدا هذا؛ لا رَأتْ الجنود ولا الجلادين؛ لم تر شيء سوى ابنها الَحْبيبَ؛ وَقْفزتُ من المدخلِ إلي وسطِ المجموعةِ التي كَانَ تُهينُه وتشتمه، ألقت بنفسها على رُكَبتيها بجانبه واحتضنته. الكَلِمات الوحيدة التى سَمعتها هى : " أيا أبني الحبيب! " و" أماه! ".
بدا بعض الجنودِ متأثرين، ومع إنهم اجبروا العذراءَ المباركةَ على أَنْ تنسحب إلى المدخلِ، إلا أنه لا أحد منهم وَضعُ يديه عليها. أحاط بها يوحنا والنِّساء بينما سَقطتْ غائبة عن الوعيَ على الحجارةِ التي كَانتْ قُرْب المدخلَ، والتي انطبعت عليها يداها. هذه الحجارةِ كَانتْ صلبه جداً، وقَدْ انتقلت بعد ذلك إِلى أول كنيسةِ بْنيت في أورشليم، قُرْب بركة بيت صيدا، خلال فترة أسقفية القديس يعقوب الصغير لتلك المدينةِ. التّلميذان اللذان كانا مع أمِ يسوع حَملاها داخل الدّارِ، وأُغلق الباب. أثناء ذلك أنهض الجنود يسوع وأجبروه على أَنْ يَحْملَ الصّليب بأسلوب مختلفِ. لكون ذراعي الصليب لم تكن مثبتة من الوسط، ومُقيدة بالحبالِ التي كَانَ مقيد بهاَ، فأنه سندها بذراعه، وبهذه الطريقة ثقل الصّليبِ قد خف قليلا، حيث أنه جُر أكثر على الأرضِ. لقد رَأيتُ عدداً من الأشخاصِ يَقفُون في مجموعاتِ، الجزء الأعظم منهم كان يَسلّي نفسه بإهانةِ يسوع بطّرقِ مختلفةِ، لكن بضع نساء مؤتزرات كُنّ يَبْكينَ.
نشأ اضطراب مؤقتُ. سعى يوحنا والنِّساء القديّسات أن يُنهضوا مريم من على الأرضِ، ووبخها فريق الصلب، قال لها أحدهم : " ماذا تفعلين هنا يا امرأة؟ لقد كَانَ من الممكنُ ألا يَكُونَ أبنك في أيدينا لو كَانَ تربى بطريقة أفضلَ "
وَصلَ الموكب إلى بوابة في سور قديمِ فى المدينةِ، قبالة ميدان، تنتهي فيه ثلاثة شوارعِ، عندما تَعثّرَ يسوع فى حجرِ كبيرِ موُضوع، انزلق الصّليب من على كتفه وسَقطَ يسوع على الحجرِ وكَانَ عاجزَا بالكلية عن أَنْ يَنْهضَ. وقف عديد من الأشخاصِ كَانوا فى طريقهم إِلى الهيكلِ وصِاحوا على نحو عطوف : " انظروا لذلك الرجل المسكين، أنه يحتضر بالتأكيد!" لكن أعدائه لم يبدوا أية شفقةُ. تسبب هذا السّقوطِ فى تأخيرَ آخرَ، لم يتَمَكّنَ يسوع من أَنْ يَنْهضَ ثانية، وصاح الفريسيون فى الجنودِ : " نحن لَنْ نصل به إِلى مكانِ التّنفيذِ حياً ما لم تَجدُوا أحداً يَحْملَ صليبه. " فى تلك اللحظة كان سمعان القيروانى يَعْبرَ الطريق، يرَافقهَ ثلاثة مِن أولاده. إنه بستانيَ من الأمم كان عائدا توا إلى البيت بعد العَمَلِ في بستان قُرْب السور الشّرقي للمدينة ويحَمْل حزمة من الأغصان المُشَذَّبةِ. فهم الجنود من ردائه أنه من الأمم، امسكوه وآمروه أَنْ يُساعدَ يسوع في حَمْلِ صليبه. رَفضَ في بادئ الأمر، لكنه أُرغم على أَنْ يَطِيعَ، صرخ أولاده من الخوف وبكوا وأحدثوا جلبة عظيمة، مما جعل بعض النِساءِ يهدئون من روعهم . لقد كَانَ سمعان مغتاظاً للغاية واظهرِ سخطه لَكونه مُضطر أَنْ يسير مع رجل ذو مظهر يُرثى له وبحالة بغاية من الاتساخ والبؤسِ؛ لكن يسوع بَكى ونظر إليه نظرة وديعة وسماويةِ حتى أن الرجل تأثر وبدلا من مواصلة إظهار الإحجام سَاعده على النهوض، ربط الجلادون الصّليبِ على كتفيه، ومَشى خلف الرب يسوع، هذا أراحه بدرجة عظيمِة من ثقله؛ وعندما ترتبَ كل شئ، تحرك الموكب للأمام. كَانَ سمعان رجلاً قويَ المظهرَ، يبدو تقريباً فى الأربعين من العُمرِ. أكبر أولاده يُسَمَّى روفوس والثاني ألكسندر وقد صارا فيما بعد من عداد المُبشرين؛ الثالث كَانَ أصغرَ بكثيرَ، لكن بعد بضع سَنين ذَهبتْ ليَعِيشَ مع القديس اسطفانوس.
تأمل الرب يسوع
ها أنا فى طريقي نحو الجلجثة. أولئك الرّجالِ الأشرار، خَوفُاً من يَروني أَمُوتَ قبل وُصُولِي للنّهايةِ، بْحثُوا عن أحدِ لمساعدتي فى حْملُ الصليب، أمسكوا برجلِ من منطقة مُجاوِرة‏ يُدَعى سمعان .
انظرواْ إليه خلفي وهو يُساعدني على حْملُ الصّليبَ، وفوق كل شيء خذوا بعين الاعتبار أمرين: أولاً أن هذا الرّجلِ تَنْقصُه النية الحسنةَ، ثانياً أنه إن كان قد جاء وشاركني فى ثّقل الصّليبِ، فذلك لأنه كان مكرهاً على ذلك. لهذا السّببِ، عندما شْعرُ أنه مُتعب جداً, تْركُ الثقل كله يقع عليّ وهكذا سْقطُت على الأرض مرّتان. إن هذا الرّجلِ يُساعدني على حْملُ جزءَ من الصّليبِ لكنة لم يحمل صّليبيَ كله.
هناك نفوساً تسير خلفي بهذه الطريقة. إنهم يَقْبلونَ مساعدتي على حْملَ صليبي لكنهم ما زالوا حريصين على رفاهيتهم وراحتهم. كثيرون آخرون يُوافقونَ على أن يَتْبعوني حتى النّهايةِ، مُنتهجين حياة مثالية. لكنهم لا يَتْخلون عن مصالحهم الشخصيّة، التي تظل تحيى فيهم، في عديد من الحالاتِ، تكون هى أولوياتهم. لهذا يَتردّدونَ ويَسْقطونَ صليبي عندما يثقل عليهم أكثر من اللازم. إنهم يسعون وراء المَعاناة لكن بأقلّ قدر من العناءِ، إنهم يرفضون نكران ذواتهم، يَتجنّبُون الإذلالَ ويَتْعبُون بقدر محتمل، ويَتذكّرونُ ربما بحُزنِ، ما قد تَركوه وراءهم، إنهم يُحاولونَ أَنْ يَحْصلوا على بعض الرّاحة والسّرور لنفوسهم.
باختصار، هناك نفوس أنانية ومغرورة قَدْ جاءت بالأكثر من أجل مصالحها ولا يسعونِ خلفي من أجلى أنا. إنهم يَتخلون عن ذواتهم فقط كى يقدموا لى ما يُضايقهم وما لا يُستطيعوا أَنْ يَضعوه جانبا ... ًإنهم يُساعدوني بحْملَ جزء صغير جداً من صليبي، وبمثل هذا الأسلوب يستطيعون وبصعوبة أَنْ يَكتسبوا استحقاقات لا غنى عنها لأجل خلاصهم . لكنهم في الأبدية، سَيَرواَ مدى بعدهم عن الطّريق الذي كَانَ يجبُ أَنْ يسلكوه .
بالمقابل، هناك نفوس، وهى لَيسَت بقليلة، تتحَرّك برغبتها للخلاص, أنهم مدفوعين بالحبِّ أساساً عندما رأوا ما عَانيتهُ من أجلهم، قرّرواُ أَنْ يَتْبعوني فى الطّريقِ نحو الجلجثةِ. لقد اعتنقوا حياةَ الكمال وأَعطواَ نفوسهم لخدمتي، ليس كى يُساعدوني بحْملُ جزء من الصّليبِ فقط, بل بحمل الصليب كلّه. رغبتهم الوحيدة كانت أَنْ يَريحوني وأَنْ يَواسوني. إنهم يَقدمون أنفسهم إِلى كل شيءِ تطلبه منهم مشيئتى، بْاحثُين عن أي شئ يُمكنُ أَنْ يُسرني. إنهم لا يُفكّرونَ فى الاستحقاقات أو المُكافئة التي تنتظرهم، ولا فى التعب أو الآلام التي ستَتْبع ذلك. الشيء الوحيد الذى يشغهلم هو الحب الذى يستطيعون إظهاره لى، والرّاحة التى سيَعطونها لى .
إن كان صليبي يُقدّمُ لهم كمرضِ، إن كان مخفياًَ تحت عمل يناقض ميولهم ويتفق قليلاًِ مع قدراتهم؛ إذا كان يَجيءُ مُرَافَقَاً لغيابِ الناسِ الذين يُحيطون بهم، فإنهم يقَبلونه باستسلام كاملِّ.
أه! هذه هى النفوس التي تَحْملُ صليبي حقاً؛ تُمجّده. يتحينون الفرصة، ليؤكدوا مجدي دون أدنى اهتمام آخر وبدون أي مُقابل آخر سوى حبّي. إنهم من يُبجلوني ويُمجّدوني.
أحبائي, إن لم تَروا نتائج لآلامكمَ، نتائج لنكران ذواتكَم، فحتماً سترون ذلك فيما بعد، تأكدوا أن ذلك لم يكَن بلا طائل أو بلا ثمر، بل، على العكس، فالثّمار سَتَكُونُ وفيرة.
النفوس التى تَحْبُّ حقاً، لا تَحتْفظُ بكشف حساب عن مدى ما عَانته أو ما صنعته، ولا تَتوقّعُ هذه المكافئة أو تلك، بل ستبحث فقط عما تؤمن أنه يُمجّدُ إلهها .... إنها من أجله لا تُوفّرُ لا الجهد ولا المشقة.
أنها لاْ تَصْبحَ مضطربة ولا مُستاءة، أنها لا تَفْقدُ سلامها إن وَجدُت نفسها مُحبَطَة أو مذلَّة لأن الحافزَ الوحيدَ لأفعالها هو الحبُّ، والحبّ لا يبالى لا بالعواقب ولا بالنَّتائِجَ. هذا هو هدفُ النفوس التى لا تَطْلبُ المُقابل. الشيء الوحيد الذي يتمنونه هو مجدي، مواساتي، راحتي، ولذلك السّببِ يأخذون صليبي وكل الثّقل الذى أشاء أَنْ أضعه عليهم.
أَدْعوني بأسمى يا أولادي، لأن كلمة يسوع تعنى كل شيءِ. أنا سَأَغْسلُ أقدامكَم، تلك الأقدامِ التي خَطتْ على طريقِ زلقِ وَجْرحتُها الصّخورِ. أنا سَأَمْسحُ دموعكَم، سأَشفيكمَ وأُقبّلكَم، ولن تَعْرفُوا طريق آخر سوى ذلك الطريق الذى يقودكمَ نحوى.
نحن الآن في الجلجثةِ! إنّ الغوغاءَ ثائرونُ لأن اللّحظةَ الرهيبة تقُترْب.... أنى مُنهَك بالإعياءِ، أستطيع أَنْ أسير بصعوبة. قدماي تَنْزفان بسبب أحجارَ الطريق.... ثلاث مرات سَقطتُ فى الطّريقِ: مرة كى أَعطي الخطاة الذين تعودوا على الآثمَ القوة أن يتوبواَ؛ الثانية كى أُشجّعَ النفوس التي تسَقطَ بَكُونُها ضعيفة، النفوس التى أعماها الحزنِ والضجر, كي تَنْهضَ وتباشر بشّجاعةِ طريقِ الفضيلةِ؛ والثالثة كى أُعين النفوس على أن تترك الخطيئةِ حتى لو في سّاعةِ موتها.


الفصل الثاني والأربعون
فيرونيكا
بينما كان الموكبَ يجتاز شارعاًِ طويلاً، حَدثتْ حادثة أوجدت تأثيراً قوياً على سمعان القيروانى. عدد من الأشخاصِ كَانوا يُسرعون نحو الهيكل، كثيرين منهم تنحى بعيدا عندما رَأوا يسوع، خوفا من أن يتلوثواِ، بينما الآخرون، بالعكس، وَقفَوا واظهروا رحمة نحو آلامه. لكن عندما تقدم الموكبَ حوالي مأتى خطوةِ من البقعةِ التى بَدأَ فيها سمعان فى مُساعدُة الرب في حَمْلِ صليبه، فُتح باب دارِ على اليسار وخَرجَت امرأة ممسكة بيد فتاة صغيرة وسارت نحو مقدمة الموكبِ. كَانَ اسم المرأةِ الشّجاعةِ التى تَجاسرتْ على أَنْ تُواجهَ الحشود الغاضَبة سيرافيا؛ إنها زوجةَ سيراخ، أحد أعضاء مجلس الهيكلِ، وقَدْ عُرِفت بعد ذلك باسم فيرونيكا، الذي يتكون من شقين هما vera icon ومعناه صورة الوجه الحقيقي، لتخليد ذكرى تصرفها الشّجاع فى هذا اليومِ.
كانت سيرافيا قَدْ أعدّتَ بعض النّبيذِِ، الذي نَويتْ أَنْ تُقدّمهَ ليسوع ليُعينه وهو فى طريقه المؤلمِ إِلى الجلجثةِ. لقد وقفت في الشّارعِ لبعض الوقت ثم رَجعتَ للدّارِ لتَنتظرَ. عندما رأيتها أولا كانت مرتدية شالا طويلا وممسكة بفتاة صغيرة فى حوالي التاسعة من العُمرِ تسَعى إلى إخفاء النّبيذِ. أولئك الذين كَانوا على رأس الموكبِ حَاولَوا أَنْ يَدْفعوها للخلف؛ لكنها شقت طريقها خلال الغوغاءِ والجنود وفرقة الصلب حتى وَصلَت إلى يسوع، سقطت على رُكَبتيها أمامه، وقَدّمَت شالها قائلة : " اسمح لى يا ربي أَنْ اَمْسحَ وجهك " اَخذ يسوع الشال بيده اليسرى ومَسحَ وجهه النَّازِفَ، وأرَجعه بشكر. قَبّلته سيرافيا ووَضعته تحت عباءتها. قدمت البنت حينئذ النّبيذ بخجل، لكن الجنودَ المتوحشين لَم يَسْمحوا ليسوع بأَنْ يَشْرب منه. هذا التصرف الشّجاعِ لسيرافيا فَاجأَ الحرّاس، وتسَبّبَ فى توقف الموكب بصورة مؤقتة استطاعت خلاله أَنْ تُقدّم الشال إِلى سيدها الإلهي. غضب الفريسيون والحرس بشّدة، ليس فقط للتّوقّفِ المفاجئِ، بل بالأكثر بالشّهادةِ العامّةِ للتّبجيلِ الذى قدمته ليسوع، وانتقموا لأنفسهم بضّرِبهِ وسبه، بينما عادت سيرافيا بعجلةِ إِلى دارها.
ما أن عادت إلى غرفتها حتى وَضعتْ شالها الصّوفيَ على منضدةِ، وركعت فاقد الوعي‏ تقريباً على رُكَبتيها. دخل صديق الغرفة بعد وقت قصير ووَجدها سْاجدة هكذا والطّفلةِ تبكى بجانبها، ورَأىَ بدهشة الوجه الدّموي ليسوع مطَبوعاً على الشال ويشبهه تماما، مع أنه مؤلماً أن تَنْظرَ إليه. أنهض سيرافيا وأشار إِلى الشال فسَجدتْ ثانية راكعة وصِاحتْ وهى تبكى: " سَأَتْركُ الآن كل شئ بقلبِ سعيدِ، لأن إلهى قَدْ أعطاني ذكرى عن نفسه "
هذا الشال كَانَ من الصّوفِ الناعم؛ طوله حوالي ثلاث أضعاف عرضه، وكان يُلُبِسَ على الأكتافِ. فيا بعد كان من المألوف أَنْ يُقدّمَ هذه الشال إِلى الأشخاصِ الذين يكونوا فى تجربة شديدة أو فى تْعب شديد أو مرض، لكى يَمْسحوا وجوههم به، وكانوا يفعلون هذا لينالوا تعزية وشفقة. احتفظت فيرونيكا بهذا الشال حتى موتها، وعَلّقته علي رأسِ سريرها؛ ثم أُعطىَ للعذراءِ المباركِة، التي تَركته للحواريين، وهم بعد ذلك تركوه للكنيسةِ.
سيرافيا ويوحنا المعمدان كَاناَ أبنيّ عمَ، أبوها كان شقيق زكريا. عندما جاءا يواقيم وحنة والعذراءَ المباركةَ وهى فى الرابعة من العمر، إلى أورشليم ليَضعاها بين العذارىِ في الهيكلِ، قطنا في دارِ زكريا التي تُقِع قُرْب سوق السّمكِ. سيرافيا كَانَت أكبر من العذراء المباركة بخمس سَنَوات على الأقل، كَانتَ حاضرة لخطبتها للقديس يوسف النجار، وهى أيضاً قريبة لسمعان الشيخ، الذي تَنبّأَ عندما حمل يسوع علي ذراعيهِ. لقَدْ تربّت مع أبنائه. عندما كان يسوع فى الثانية عشر من العمر، ومكث يُعلم في الهيكلِ، سيرافيا، التي لم تكَنَ قد تَزوّجت آنذاك، كانت تُرسلَ له الطعامَ يومياً فى مسكن صغير على مسافة ربع ميلِ من أورشليم حيث كان يُقيم عندما لا يكون في الهيكلِ. ذَهبَت العذراء مريم هناك لمدة يومين، عندما كانت فى طريقها من بيت لحم إِلى أورشليم لتقدم ابنها في الهيكلِ. الشيخان اللذان احتفظا بهذا البيت كَانا من اليونانيين، ويعرفان العائلةِ المقدّسةِ جيدا؛ كان البيت يحتوى على أساسِ فقيرِ، ويسوع وتلاميذه كانوا يترددن كثيرا هناك لقضاء الليلِ.
سيرافيا تَزوّجَت فى سن متأخّرة نوعا ما؛ زوجها، سيراخ، كان من نسل سوسنة العفيفة، وكَانَ عضوَ فى السنهيدرم. كان في بادئ الأمر مُعارضاً بشّدة ليسوع، وعَانت زوجته كثيراً معه بسبب ارتباطها بيسوع وبالنِّساءِ القديّساتِ، لكن يوسف الرامى ونيقوديموس أثرا عليه فسَمحَ لسيرافيا أَنْ تتبع يسوع. عندما اتّهمَ يسوع على نحو ظالم في محكمةِ قيافا، أنضم زوج سيرافيا إلى يوسف الرامى ونيقوديموس في مُحاولُة تبرئة يسوع، واستقال الثلاثة من مقاعدهم في المجلسِ.
كَانَت سيرافيا فى الخمسين تقريبا عند دخل يسوع أورشليم فى أحد السعفِ، وقد رَأيتُها تخلع شالها وتضعه على الأرضِ كى يسير عليه. كان هو نفس الشال الذي قَدمتْه ليسوع في موكبه الثّاني هذا، هذا الموكب الذي يبدو بعيداً عن أي مجد، لكنه في الحقيقة أكثر مجدا. بسبب هذا الشال تغير اسمها من سيرافيا إلى فيرونيكا .

الفصل الثالث والأربعون
السّقوط الرابع والخامس ليسوع
بنات أورشليم
كان الموكب لا يزالَ علي مسافةِ من البوّابةِ الجنوبية الغربيةِ، إنها بوابة كبيرةَ، ومرتَبطة بالتّحصيناتِ، كان الشّارع وعر وشديد الانحدار؛ كَانَ يعبر أولا تحت قوسِ مُقَبَّبِ، ثم على جسرِ، وأخيراً أسفل قوسِ ثانٍ. السور الذى على الجانبِ الأيسر للبوّابةِ كان يتجه أولاَ نحو الجنوبِ ثم يَنحرفُ قليلا إِلى الغربِ، ويتجه أخيراً نحو الجنوبِ خلف جبل صهيون. عندما كان الموكب يقترب من هذه البوّابةِ، دَفع الجنود المتوحشون يسوع في بركةِ راكدةِ، كَانتْ قريبة منه؛ سمعان القيروانى، رغبة منه فى أَنْ يَتجنّبَ البركة، لف الصّليبُ، مما جعل يسوع يسقط للمرة الرابعة في وسطِ الأوحال القذرة، وبصعوبة بالغة رَفْعِ سمعان الصّليبِ ثانية. حينئذ صِاحَ يسوع بنبرة مؤثرة وحزينة إلا أنها كانت واضحة : " أورشليم، كم من مرة أردت أن أجمع بنيك معا كما تجمع الدّجاجةِ فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا " عندما سمع الفريسيون هذه الكَلِماتِ، صاروا أكثرَ غضبا، واستهلوا إهاناتهم وضربهم ليُجبروه على النهوض من الوحل. أثارت قسوتهم هذه سمعان القيروانى حتى أنه صِاحَ " إن واصلتم هذه التّصرفاتِ الوحشيةِ، فسَأَطْرحُ الصّليب ولن أعود اَحْمله حتى لو قْتلتموني "
ظهر طريق ضيّق وحجري بعد المرور من البوّابةَ، وهذا الطّريقِ يتجه نحو الشمال، ويقودَ إِلى الجلجثةِ. أنقسم الطّريق الرئيسي بعد قليل إلي ثلاث طرقِ، احدهم يتجه إِلى الجنوب الغربي ويقود إِلى بيت لحم من خلال واديِ جيحون؛ الثاني إِلى الجنوبِ نحو عمواس ويافا؛ الثالث نحو الجنوب الغربي أيضا، يلف حول الجلجثةِ وينتهيَ ببوّابةِ تقودَ إِلى بيت صور. الشخص الذى يَبْلغُ البوّابةَ التى اقتِيدَ يسوع من خلالها يستطيع أن يَرى بسهولة بوّابة بيت لحم. كانت هناك لوحة معلقة فى بداية الطّريقِ إِلى الجلجثةِ، تُعلنَ للعابرين أن يسوع واللّصين قَدْ أدينوا إِلى الموتِ. تجمعت مجموعة من النِّساءِ قُرْب هذه البقعةِ، وكن يَبْكين ويَنحنُ؛ كثيرات منهن يحملن أطفالاً صّغار علي أياديهن؛ مُعظمهن كنَ عذارىَ صغيراتَ ونِساءَ من أورشليم، كن قَدْ سَبقن الموكب، وقليلات جئن من بيت لحم ومن حبرون "الخليل حاليا" ومن أماكنِ أخرىِ مُجَاوِرةِ ، للاحتفال بعيد الفصح .
كَانَ يسوع على وشك السقوط ثانية، لكن سمعان، الذي كَانَ خلفه، بتدارك أنّه لا يستطيع أَنْ يَقفَ، أسرع كى يسنده؛ اتكأ يسوع عليه، وهكذا أنقذه من السُقُوطِ على الأرض. عندما رأت النِّساء والأطفال الحالة التى يرثى لها التى كان يسوع عليها، بكين بأصوات عاليةَ، وطبقاً للتّقليد اليهودي، قَدّمن قماشاً ليَمْسحَن وجهه. التفت يسوع نحوهم وقالَ : " يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيِّ، بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ! فَهَا إِنَّ أَيَّاماً سَتَأْتِي يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ اللَّوَاتِي مَا حَمَلَتْ بُطُونُهُنَّ وَلاَ أَرْضَعَتْ أَثْدَاؤُهُنَّ! عِنْدَئِذٍ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا، وَلِلتِّلاَلِ: غَطِّينَا! فَإِنْ كَانُوا قَدْ فَعَلُوا هَذَا بِالْغُصْنِ الأَخْضَرِ، فَمَاذَا يَجْرِي لِلْيَابِسِ؟ " ثم وجه بضع كَلِمات التّعزيةِ إليهن لا أَتذكّرها بالضبط.
توقّف الموكبُ مؤقتا. وَصل الجلادون إلى الجلجثة بآلاتِ التّنفيذِ، وتُلاهم مائة من الجنودِ الرّومان الذين كانوا مع بيلاطس؛ الذى رَافقَ الموكب حتى المدخل ثم عاد إِلى المدينةِ.

35
لست مستعد للنقاش معك لان افكارك لا اساس لها ولكن لاحذر بقية القارئين من افكارك
اولا لو لم تكن مسيحيا لما كان هناك مشكلة ولكنك تدعي انك مسيحي وغرضك تخريب المسيحية وهنا لدي استنتاجين
اما انك مدفوع من جهة معينة او ان لديك تهيؤات خيالية في عقلك وهذا ما ارجحة
ساذكر بعض الامثلة لاوضح لقرائك من انت
انت مثلا كتبت في احد مواضيعك
العالم السماوي مُرَكَّب من فئات إلهية مختلفة مصدر خلقهم – خالق مصادرهم هو الله لكن منهم تمردّوا على الله ومنهم خانوا الله. وفئات أُخرى مصدر خلقهم مّن عَمَلَ مع الله ونال من الله قدرة على الخلق ومن ثم تَمرد على الله وخان الله وجعل لذاته ممالك تخدمه.
مصدر كل فئة إله أو ثلاثة يُكوِّنون مملكة، لكل فئة مملكة. المملكة عبارة عن سماء أو ندعوها نفق سماوي فيهِ جميع الصفات والمواهب والقدرات والإمكانيات والقوّة ونِعَم وأفكار ورؤوس ومحبة وغضب وسلوك وأقوال ومقولات و... صفات متنوعة ما قرره إله أو آلهة هذا النفق السماوي أو هذه السماء أو هذه المملكة السماوية. مَن يختار إله هذا النفق السماوي ينال من ما يوجد به وفقا لقرار صاحب هذا النفق.
كل إله أو آلهة صاحبة نفق سماوي لديه/هم قدرة لتركيب صفات للخلائق، لذلك نرى ناس متحاربين لأن الصفات وعملية التفكير وسلوك الأجساد... هي معادية لفئات أُخرى من الناس عندها الخليقة من تركيب آلهة النفق السماوي يعملون وفقا لذاتهم الذي قرره آلهة النفق وهو معادٍ لفئات ما. لكن خلائق النفق عادة (ليس جميع الفئات) يُحِبون بعضهم البعض.

انت هنا تتكلم عن الهة والحقيقة لا يوجد اله غير الله مع العلم انه انت ربما تقصد الشياطين ولكن لايجوز تسميتها الهة. ايضا تقول كل الهة صاحبة نفق سماوي لديههم قدرة لتركيب صفات للخلائق يعني حسب كلامك احتمال اني ماخذ عقلي من الاله بوكيمون
في احد كتاباتك كتبت
ألكنائس يستعملون كلمة الرب ويُصلون للله صلوات هامشة. قد يكون لكَ إلمام بسيط لصلوات الكنائس لكني تعمقت بالصلوات.
كل مملكة سماوية ينسبون لمصدر المملكة بانه الله ومنهم ينسبون له بأنه الرب.
صلوات الكنائس للأرباب - الرب أمر سيء جدا يجب عليهم تعريف مَن هو الرب. مثال نُصلي للرب يسوع المسيح ابن الله. ولا يُصلوا فقط للرب دون تعريف فالممالك السماوية ذو قُدُرات فوق طبيعية بواسطتها يستطيعون، دون حق، تضليل الإنسان ويَنسبون بأنه يُصلي لهم. الأسواء، بأن من الكنائس تعارفوا بأن معنى الرب هو كل مسئول روحي كبير مثل مطران بطرك أو كاهن لرعية كبيرة والسيد هو مسئول روحي لرعية صغيرة.


عندما نصلي للرب نقصد الرب يسوع او الله او الثالوث وهما متساويان وليس مهما ماذا تفهم انت.

في احد كتاباتك كتبت

إنكم متشبثون بالتقاليد الدينية التي لا تفيد كثيرا لعمل الحلول الروحية تجاه أعداء الله وتجاه أعداء ملكوت الله.

أتمنى بأن يحصل تجاوب مع التيار الروحي الجديد الذي نرى نتائجه بالعالم.

مستعد لكل شرح وتجاوب مع الإستفسارات عن التيار الجديد وعن لماذا لا نستطيع دحض الأعداء بالعمل وفقا للمُتَّبع الروحي القديم (ما يدرسونه السلك الديني).


ما شاء الله راح تسوي تيار ديني جديد يمكن انت احد رسل المسيح واحنا مندري

في احد كتاباتك تقول
لذلك أفهم ولا شك بالفَهم بأني على حق بأن الثالوث منفصل.
لاحقا سأُحلل لكم هل جميعهم الله الآب والله الإبن والله الروح القدس؟ المعنى هل متساوون؟ منذ الآن أقول لكم النتيجة: "لا"

كذلك تقول
الله يعرف بأنه المصدر وبأن الإبن والروح القدس غير مساوين له في القدرات ولا في الحياة ولا في الطبيعة وهم منفصلين كلٌ عن الآخر ولا أحد فيهم مساوٍ للآخر، لكلٍ منهم قُدُراته وحياته المعطاة من الله. أيضا يعرف بأن التحليل صادق وسليم، يمت للواقع وللحقائق بكل صِلة. ويعلم بأن الصلاة للثالوث الغير منفص والمتساوٍ في الجوهر هي صلاة لإله غير الله.

هذا دليل انك لست مسيحي

واخيرا اقول لك ان موقعك هوة مع الكذبة والمسحاء الدجالين ولن اناقشك واضيع وقتي معك بعد الان


36
اخي العزيز انا لا احاول النقاش معك لان افكارك الروحية ليس لها اساس مسيحي يعني لو كانت نسبة الخطا 10 بالمئة كنا لنناقش افكارك ولكن كاها مغلوطة للاسف
تحياتي

37
اخي العزيز انا مقتنع بما اقوله وربما لا استطيع اقناعك ولكن المشكلة انك تطرح افكارك في موقع مسيحي للاسف لا يوجد فيه مشرفين لذلك انا رددت على موضوعك لابين عدم صحة افكارك ولافتراضاتك التي لا تختلف عن الحضارات اليونانية القديمة بوجود الهة متعددة. ولاثبت للقراء صحة كلامي فاني ساقتبس بعض من كلامك في هذا الموضع
انت كتبت (هذه الحياة المنبثقة يُدعى إلهاً له شكلٌ ثابتٌ أو هيئَةٌ ثابِتَةٌ لا يتغيرا، لا يستطيع اتخاذ أي شكلٍ آخر، كذلك لا يستطيع عمل حياة آخر من ذاته ولا يستطيع عمل انبثاقاً من ذاته؛ لكي يجعل منه حياةً يجب أن يستعمل خلائق جسدية من ما خَلَقَهُ خالق الكون؛ خالق الكون خلق كل واحد منهم بقدرات إلهية وسماوية وروحية إلخ).
حسب الكلام المكتوب بالازرق فانت انكرت المسيح اذا انت لست مسيحيا من الاساس

38
اخي العزيز حاول ان تلجا للكنيسة وتفسيرها لان تفسيرك لا يمت للواقع
تحياتي

39
اخي العزيز اولا بالنسبة للايه مال الوصايا العشرة من كال أنا هو الرب إلهك لا يكن لك آله غيري قصد هاي الاوثان اللي الناس تعبدهه وتعتبرهة الهة مقصد الهة حقيقية. طبعا الشيطان يعتبر نفسة اله وعندة عالمة وعندة اتباع واتباعة يعتبروه الههم بس هوة بالنهاية شيطان وقدراتة محدودة. بالنسبة للصلوات اللي انت كاتبها اسلوبها ليس مسيحي مئة بالمئة وافضل تجنبها

40
اخي العزير الامور التي تذكرها هرطقة وليست حقيقة ارجو ان تحذف هكذا مواضيع لانها لا تمت للايمان المسيحي بصلة

41
اخي العزيز انا مستغرب من اسلوب طرحك للموضوع وقد قرات موضوع اخر لك عن افتراض انه يوجد الهة اخرى وغير ذلك.اخي لايوجد غير اله واحد وهو الثالوث الاقدس وليس مهما اننا نسمية الله او يهوة او الخالق المهم اننا نقصده هوة. هناك بعض الكتابات التي تشير الى المختارين او الناس الذين سيخلصون بان الله يدعوهم الهة وهذا قد لا يتناقض مع الانجيل لانه المسيحي بعد ان يتعمد يصبح هيكل الروح القدس والمختارين هم الاشخاص الذين استطاعو ان يقتلو كل جزء شرير فيهم وخضعو للروح القدس يعني جعل اراده الاله هية المسيطرة وبالتالي تسميتهم لهة ربما لهذا الغرض. نصيحتي ركز على قراءة العهد الجديد ما دام يحدث عندك تضارب بالمعلومات.

42
تكملة
يغضبون الرب يسوع أيضا في الأسرار المقدسة. رأيت عديداً من الذين أمنوا وعلّموا بعقيدة الوجود الحقيقي، لكنهم لم يأخذوها بكفاية إلى القلب، لأنهم نسوا وأهملوا قصر وعرش وكرسي الرب الحيّ؛ بعبارة أخرى : الكنيسة والمذبح والخيمة والكأس ووعاء القربان المقدس، الأواني والحلي؛ بكلمة واحدة، كل ما يستعمل في عبادته أو ما يزيّن داره.
كل إهمال يسود في أي مكان، كل الأشياء التى تركت لتبلى في التراب والأقذار، وعبادة الرب، إن لم تكن تُدنّس سرّا‏، كانت على الأقل تُهان ظاهريّا‏. وهذا لم يكن نتيجة افتقار حقيقي، بل نتيجة اللامبالاة والتكاسل، نتيجة الاستغراق‏ العقلي فى شّؤون العالم العقيمة، وغالبا أيضا نتيجة الغرور والموت الروحي؛ لأنى رأيت إهمالاً من هذا النّوع في الكنائس ذات القساوسة والشعب الغني، أو من الأثرياء على نَحْو مقبول‏. لقد رأيت عديداً من الدنيويين, عديمي الطعم, بحلي غير مناسبة قد بدلوا زّينة التقوى بزينة العالم .
لقد رأيت أنّه كلما كان الإنسان فقيراً كلما كان مقامهم في أكواخهم أفضل أمام سيد السماء والأرض في كنائسه. إن لم يقم البشر بحُسن الضيافة‏ فأن ذلك يُحزن يسوع بعمق، وهو الذي أعطى نفسه إليهم ليكون غذاءهم! حقا، ليس هناك احتياج أن يكون الإنسان غني من أجل أن يلتقي بمن يكافئ بمائة ضعف نظير قدح من الماء البارد تعطيه للعطشان؛ لكن كم يكون تصرفنا مخزياً عندما لا نسقى الرب الإله، العطشان لنفوسنا، عندما نعطيه ماء فاسداً في قدح قذر! عاقبة كل هذا الإهمال، رأيت ضّعفاً مروّعاً، رأيت الأسرار المقدسة مدنّسة، الكنائس مهجورة، والقساوسة مُستخف بهم. أن هذه الحالة من التلوّث والإهمال تمتد حتى إلى النفوس المخلصة، التي تركت مساكن قلوبهم غير مستعدة وغير نظيفة عندما كان يسوع على وشك أن يدخلها، بالضبط نفس ما حدث عندما تركوا خيمته على المذبح.
إن كان علَّى أن أتكلم لعام كامل، لما تمكّنت من أن أسرد كل الإهانات التى تُقدم إلى يسوع في الأسرار المقدسة, تلك الإهانات التى جُعلت معروفة لي بهذه الطريقة. لقد رأيت مُبدعي تلك الإهانات يهاجمون يسوع في فرّق, ويضربونه بأسلحة مختلفة، أسلحة تُطابق إهاناتهم المتعدّدة. لقد رأيت مسيحيين عديمي الاحترام من كل الأعمار، قساوسة مهملين أو مدنسين، حشود من الفاترين والغير مستحقين، جنود أشرار يدنّسون الأوعية المقدّسة، وخدام الشّيطان يستعملون القربان المقدس في الأسرار المُخيفة للعبادة الشيطانية. من بين هذا الجماعات رأيت عدداً عظيماً من علماء الدين، الذين انجذبوا في البدع من قبل آثامهم، يهاجمون يسوع في أسرار كنيسته المقدسة، وينتزعون من قلبه، بكلماتهم المغرية ووعودهم، عديد من النفوس الذين أراق دمه من أجلهم. آه! لقد كان حقا منظر مرعباً، لأننى رأيت الكنيسة كجسد السيد المسيح؛ وكل هذه الجماعات من البشر، الذين فصلوا أنفسهم عن الكنيسة، مشوَّهين وممزّقين قطعاً كاملة من لحمه الحيّ. واحسرتاه! لقد نظر إليهم بأسلوب فى غاية التأثر وناح عليهم لأنهم هكذا لابد أن يتسبّبوا فى خسارتهم الأبدية. لقد أعطى ذاته الإلهية إلينا لإطعامنا في العشاء الرباني المقدّس، من أجل أن نتحد في جسد واحد الذى هو جسد الكنيسة، عروسه, أن البشر الذين كان لهم امتداد لانهائي انقسموا وانفصل كل منهم عن الآخر؛ والآن نظر إلى نفسه مُمزقاً ومنشطراً لأثنين في ذات جسده؛ لأن عمل محبته الرّئيسي، العشاء الرباني، الذي كان على البشر أن يصيروا فيه بالكلية واحداً، قد صار، من قبل حقد المعلمين الكذبة، موضوع للانفصال. لقد نظرت أمماً كاملة تُنتزع من حضنه، وتُحرم من أي مشاركة في كنز النّعم المتروك للكنيسة. أخيرا، رأيت كل من انفصلوا عن الكنيسة مغمورين في أعماق الخيانة, الخرافة, البدع والفلسفة الدنيوية الباطلة؛ وقد أعطوا مُتنفساً لتهيّجهم العنيف بالارتباط معاً في الأجسام الكبيرة ليهاجموا الكنيسة، لكونهم منُقادين من قبل الثّعبان الذي كان يسلّي نفسه في وسطهم. وا أسفاه! لقد كان كما لو أن يسوع نفسه قد تمزّق إلي ألف قطعة!
عظيماً جدا كان رعبي ورهبتي، أن عريسي السّماوي ظهر لي، وعلى نَحْو رحيم‏ وضع يدّه على قلبي، قائلاً : " لا أحد قد رأى حتى الآن كل هذه الأمور، وكان قلبي ليطفح بالحزن إن لم أعطك هذه القدرة. "
لقد رأيت الدّم يتدفّق في قطرات كبيرة لأسفل من الوجه الشّاحب لمُخلّصنا، شعره كان مُتَلَبِّد‏اً ولحيته ملطخة بالدم ومُتشابكة. بعد الرّؤيا التي وصفتها توا، هرب، إن جاز التعبير، خارج المغارة وعاد إلى تلاميذه. لكنه كان يترنّح بينما يمشى؛ ظهوره كان ظهور إنسان مُغّطى بالجراح ومنحني تحت عبء ثقيل، ولقد تعثّر في كل خطوه.
عندما صعد إلى التلاميذ الثّلاثة، لم يكونوا مضطجعين نائمين كما سبق أول مرة، لكن رؤوسهم كانت مغطاة، وقد غرقوا لأسفل على ركبهم، في وَضْع جسْمانِي‏ يُفترض غالبا من قبل أناس تلك البلد عندما يكونوا حزانى أو عندما يرغبون فى الصلاة. لقد ناموا، مقهورين بالأسى والإعياء. يسوع الذى كان مرتعداً ويتأوَّه‏، دنا منهم، وهم استيقظوا.
لكن عندما رأوه واقفاً أمامهم فى ضوء القمر، وجهه شاحباً وملطخاً بالدماء، وشعره غير مرتب، لم تميزه أعينهم المرهقة في بادئ الأمر، لأنه كان قد تغيّر بما يفوق الوَصْف‏. شبك يديه معا، فنهضوا وسندوه بأياديهم بمودّة وأخبرهم بلّهجة حزينة إنه ينبغى أن يُساق للموت فى اليوم التالي وإنه خلال ساعة سيُقبض عليه ويُقاد أمام محكمة، ستُساء مُعاملته ويُهان ويُجلد وأخيرا يُساق إلى الموت الأكثر قسوة. ناشدهم أن يواسوا أمه، وأيضا المجدلية. إنهم لم يجيبوا، لأنهم لم يعرفوا ماذا عليهم أن يقولوا، لقد أزعجهم إلى حد بعيد ظهوره هكذا ولغته أيضاً، وظنوا أن عقله لابد أن يكون قد شت. عندما أراد أن يعود إلى المغارة، لم يكن لديه القوة على المشي. رأيت يوحنا ويعقوب يسندانه من الخلف ورجعا عندما دخل المغارة. لقد كانت حينئذ حوالي الساعة الحادية عشر والربع.
تأمل الرب يسوع
نعم, لقد رَجعتُ مرة أخرى لأَيقظَ تلاميذي، لكن إشعاعات العدل الإلهي كانت قَدْ تَركتني في أخدودِ دائمِ.... لقد أصبحوا مَمْلُوءينَ بالخوفِ عندما رَأوني كإنسان مُضطرب، ومن تألم بالأكثر كَانَ يوحنا. لقد صمتّ ... هم ذهلوا.... بطرس فقط من كَانَ عِنْدَهُ الشّجاعةُ أن يَتكلّمَ. مسكين أنت يا بطرس، إن كنت قَدْ عرفت فقط أن جزءِاً من قلقي كنت أنت السبب فيه .
لقَدْ أَخذتُ أصدقائي الثّلاثة كي أستطيع أَنْ أستَريحَ فيهم وفي محبّتهم، كي يُساعدوني بمُشَارَكتهم لآلامي، ويَصلوا معي .... كيف أَصفُ ما شْعرتُ به عندما رأيتهم نياماً؟
كم يتألم قلبي حتى اليوم، مُحتاجاً أن أجدَ الراحة في أحبائي، إنى اَذْهبُ إليهم فأَجدهم نياما. أكثر من مرة، عندما أريد أَنْ أيقظهم وأن أُخرجهم من ذواتهم، أن أخرجهم بعيداً عن مشاغلهم. يُجيبونني، إن لم يكن بالكَلِماتِ، يكون بالتصرفات : " لَيسَ الآن، أنى مُتعبُ جداً؛ عندي الكثير كى أعْمَلُه؛ أن هذا ضار لصحتي؛ أنى بَحاجةُ لقليل من الوقتَ؛ أنى أُريدُ بعض السّلامِ. "
فأَصرُّ وبلطف أُخبرُ تلك النفسِ: لا تَخَافُى.إن تْركُت راحتك من أجلى، فأنا سَأُكافئكَ. تعالى وصلّى معي، فقط ساعة واحدة! انظري، هذه هى اللّحظةُ التى أَحتاجكَ فيها! فأجدها تجيبني" هلا توَقفُت، هَلْ أنتَ مُطالب بجدول أعمالَ الآن ؟ " كم كثير من المراتِ اَسْمعُ ذلك الجوابِ نفسهِ!
يا لك من نفس مسكينة، أما كُنْتَ قادرةَ أَنْ تظلي معى لساعةَ واحدة؟ قريباً أنا سآجيء وأنتَ لَنْ تَسْمعيني لأنك ستكونى نائمُة. أنا سَأُريدُ أَنْ أَعطيكَ النّعمة لكن لكونك نائمةُ، فأنتَ لَنْ تَكُونَى قادرة أَنْ تناليها. ومن سيكون مَتأكّداً أنّه سَيكونُ عِنْدَه القوةُ أن يَستيقظَ؟... من المُمكن أن تكونوا مَحْرُومِين من الطّعامِ، حينئذ سَتَكُونُ نفوسكم ضعيفَة ولَنْ تَكُونواَ قادرين أَنْ تَخْرجَوا من ذلك الفتور. كثير من النفوس فاجئها الموتِ في منتصفِ نومهاِ العميقِ، تُرى متى وكيف أفاقت ؟
أحبائي، أُريدُ أَنْ أُعلّمكَم أيضا كم أنه بلا فائدة وبلا جدوى أَنْ تَبْحثَوا عن الراحةِ في المخلوقاتِ. أنهم غالباً ما يكونوا نائمين وبدلاً من أن أجد الراحةِ التى أنشدها فيهم، أُتْركُ بمرارةِ لأنهم لم يتجاوبوا لا إِلى مشيئتنا ولا إِلى محبّتنا.
عندما صَلّيتُ إِلى أبي وسألتهْ المعونة، كانت نفسى المخذولة والحزينة تَُعاني آلام الموتِ. لقد أحسست بالقُهر مع ثقّل أسوأ جحودِ .
الدّم الذي سكبته من كل مسامِ جسدي والدم الذى تدفّقُ بعد وقتِ قصيرِ من كل جراحي، سَيَكُونُ بلا فائدة لعددِ عظيمِ من النفوس التي سُتَفْقدُ. سَيَكُونُ بلا فائدة لكثيرين ممن يُهينوني ولكثيرين ممن لَمْ يَعْرفوني! بعد قليل سأَسْكبُ دمي من أجل الجميع وميراثي سيكون َمُتاحاً لكل واحد منهم. دماُ إلهياً! استحقاقات لانهائية! ومع ذلك، سيكون ذلك بلا فائدة لكثير جداً من النفوس .
لكن فوق كل ذلك لقد كنت ذاهِباًٌ بالفعل لأواجه أشياءِ أخرىِ، إرادتي قَدْ مالت إِلى إنجازها. أيها البشر، إن كنت تألمت، فذلك بالتأكيد لن يَكُونُ بلا ثمر وليس بلا سببُ. إن الثّمار التي حَصلتُ عليها كَانتْ المجدَ والحبَّ. إن الأمر الآن يعود إليكم، بمعونتي، تستطيعون أَنْ تَبرهنوا لي أنكم تُقدّرُون عملي.
أنا لَنْ أكل! تعالوا إليّ! تعالوا إِلى من يستجيب حباً لكم والوحيد الذى يَعْرفُ كيف يَعطيكَم الحبّ الحقيقي الذي يسود في السّماءِ وحَوّلكَم الآن على الأرضِ.
النفوس التى تتذّوقِ عطشي، التى تشرب من كأسي المرّ والمجيدِ، أقول لها, إن الأبَ يُريدُ أَنْ يدخر بعض من قطراتِ هذا الكأسِ لها. فَكّرواْ بتلك القطراتِ القليلة هذه التى أَُخذتْ منّي وبعد ذلك، إن صدقتم، أُخبروني أنكم لستم تُريدوها. أنا لَم أضع حدّودُاً ولا يَجِبُ أَنْ تضعوا أنتم حدوداًِ. لقَدْ سُحقت بلا رحمة من أجل الحبِّ، يَنبغى أَنْ تَسْمحوا لي أَنْ أُسحق تقديركم لذواتكم. إنى من يعملُ فيكم، كما أن أبي هو من عَملَ فيّ عندما كنت في البستان .
أنى أنا من يَعطيكَم الآلام لكي تَكُونوا فى ذات يومَ سعداء. كُونُوا طيعين؛ كُونُوا طيعين بإقتدائكم بى لأن هذا يعينكم كثيراً ويَسرّني بقدر عظيمَ. لا تَفْقدُوا أي شئ، بل بالأحرىَ اكتسبَوا المحبّة. كيف يُمكنُ أَنْ اَسْمحَ لأحبائي أَنْ يَعانوا من خسائر حقيقية بينما هم يُحاولون أَنْ يظهروا لى الحبّ؟
إنى أَنتظركمَ. إنى أَنتظرُ دائما ولَنْ أُتعبَ. تعالوا إليّ؛ تعالوا إلى كما أنتم، إن ذلك غير مَهْمُّ طالما أنكم ستأتونُ. سَتَرون عندما تأتون أنّي سَأُزيّنُ جباهكمَ بالجواهرِ، سأزينها بقطراتِ الدمِ التي سَكبتُها في جَثْسَيْمَانِي , إن تلك القطراتِ تخصكم، إن أردتموها. تعالوا إلىّ آيتها النفوس، تعالوا إِلى يسوع الذي يناديكم .
لقد قُلتُ: أبتاه؛ ولم أقُل: إلهى. هذا ما أُريدُ أَنْ أُعلّمه لكمَ: عندما تزداد آلامكم، يَجِبُ أَنْ تَقُولواَ " أبتاه " واَسْألوه التّعزيةِ. أروه آلامكَم، خوفكم، وبأنين ذكّروه بأنكم أبناؤه. أخبروه أن نفوسكم لم تعد تحتمل! اسألوهْ بثقةِ البنين وانتظروه، لأن أبيكم سَيُساعدكَم؛ سَيَعطيكَم القوة الكافية كى تتغلبوا على أتعابكم, لأنه يعطي دوماً النفوس التي تثق فيه.
هذه هى الكأسُ التي قَبلتهاُ وشربتها حتى قطرتها الأخيرةِ. كل ما أريد أن أُعلّمه لكَم يا أبنائي الأعزاء، ألا تعودوا تؤمنوا أبداً مرة أخرى أنّ الألمِ بلا قيمة. إن لم تَروا نَتائِج مُتحققة دائما، أخضعوا لقضائكم واَسْمحُوا للإرادة الإلهية أنْ تتحقق فيكم .
لقد كنت عالماً أنه سيُقبض علىّ في البستان، مع ذلك أني لم أتَراجع. بل بالعكس, بَقيتُ هناك. لم أشأ أَنْ اَهْربَ من أعدائي. . . . الّليلة، اَسْمحُوا لدمي يا أبنائي أَنْ يَروى جذوركم الصغيرةِ ويَقوّيها.

خلال معاناة يسوع هذه، رأيت أيضا العذراء المباركة في دار مريم أمّ مرقص مغمورة بالحزن وبألم الرّوح، لقد كانت مع المجدلية ومريم أم مرقص في بستان يتبع الدّار، وساجدة من الأسى، لقد كانت ساجدة تقريبا بكل جسدها. لقد غابت عن الوعي بضع مرات، لأنها نظرت بالروح مراحل معاناة يسوع المختلفة. لقد أرسلت بعض الرّسل لتستعلم عنه، لكن قلقها العميق لم يدعها تنتظر عودتهم، فذهبت مع المجدلية وسالومة إلى وادي يهوشافاط. لقد سارت ورأسها مستتر، وذراعاها تمتدان بشكل متكرر للأمام نحو جبل الزيتون؛ لأنها كنت تبصر يسوع بالروح مستحماً في عرق دموي، وإشاراتها كانت كما لو أنها ترغب أن تمسح بيديها الممتدّة وجه ابنها. لقد رأيت تعبيراتها الدّاخلية تجاه يسوع، الذي كان يُفكّر فيها، وأدار عينيه تجاهها، كما لو أنه يطلب معونتها. لقد أبصرت الاتصال الرّوحي الذى بين كل منهما، تحت شكل أشعة تعبر ذهابا وإيابا بينهما. فكر إلهنا القدوس أيضا فى المجدلية، لقد تأثر بكآبتها، وأوصّى تلاميذه أن يواسوها؛ لأنه عرف أنّ حبّها لشخصه الحبيب أعظم من مشاعر أي أحد تجاهه ماخلا أمه المباركة، وقد علم أنّها تعاني كثيراً من أجله، وأنها لن تعد تهينه فيما بعد
في هذا الوقت، كان التلاميذ الثّمانية قد عادوا إلى جَثْسَيْمَانِي ، وبعد أن تحدّثوا سوياً بعض الوقت، استقر رأيهم على الذهاب للنوم. لقد كانوا حيارى، مُحبّطين، ومُجربين جدا. لقد كان كل شخص منهم يبحث عن مكان يختبئ فيه في حالة الخطر، وتساءلوا بقلق : " ماذا سنفعل عندما يسوقونه إلى الموت؟ ها نحن قد تركنا كل شئ لنتبعه؛ إننا فقراء وليس بمقدورنا تطهير العالم؛ لقد أخضعنا أنفسنا بالكامل لخدمته، وها هو الآن حزيناً جدا ونفسه حزينة جدا، حتى إنه لا يستطيع أن يقدم لنا التعزية. "
تجوّل باقي التلاميذ في بادئ الأمر حول جهات متعدّدة، لكن الآن، بعد أن سمعوا شيئاً مما يختص بالنبوءات المُخيفة التي أنبأ بها يسوع، تراجعوا جميعاً إلى بيت فاجى .
إنى أري يسوع ما زال يصلّي في المغارة، يجاهد ضد كراهية الألم التي تخص الطبيعة البشرية، وترك نفسه بالكلية إلى إرادة أبيه الأزلى. هنا فُتحت الهاوية أمامه، ورأى الجزء الأول لعالم النسيان. رأى آدم وحواء، البطاركة، الأنبياء، والبشر الأتقياء، أبوي أمه، يوحنا المعمدان، رآهم جميعاً ينتظرون بلهفة عظيمة وصوله للعالم السفلي، لدرجة أن المنظر قواه وشجع قلبه المُحبّ. إن موته سيفتح السماء لهؤلاء الأسرى، أن موته سيخرجهم من ذلك السّجن الموضعين فيه! عندما نظر يسوع بعاطفة عميقة، قديسي العصر القديم، قدّمت إليه الملائكة كل جموع قديسي أجيال المستقبل، الذين ضموا أعمالهم إلى استحقاقات آلامه، لقد كانوا يتحدوا بأبيه السّماوي من خلاله، لقد كانت هذه الرؤيا بغاية الجمال والمواساة، لقد نظر فيها الخلاص والتقديس يتدفّقان بلا توقف من ينبوع الفداء الذى فُتح بموته.
لقد ظهر أمامه الرسل، التلاميذ، العذارى، والنسوة القديّسات، الشّهداء، المعترفون، النساك، الباباوات والأساقفة وجموع كبيرة من المتدينين من كلا الجنسين, بكلمة واحدة، ظهر أمامه كل جيش المُباركين. كان الجميع يحملون على رؤوسهم أكاليل الغلبة، وكانت زهور أكاليلهم تختلف في الشّكل واللّون والرّائحة والكمال، طبقا لاختلاف الآلام والأعمال والانتصارات التى منحتهم مجداً أبدياً. التى منحتهم حياتهم بالكامل، وكل أعمالهم واستحقاقاتهم وقوتهم وكل مجد غلبتهم، جاء فقط من خلال اتحادهم باستحقاقات يسوع المسيح .
التّأثير المتبادل الذى أظهَر‏ من قبل هؤلاء القديسين كل منهم على الآخر، والأسلوب الذي شربوا به جميعا من نبع واحد, السر المقدس المحبوب وآلام الرب شكّل مشهداً فى غاية التأثير والروعة. لاشيء يخصهم كان مجرد من المعنى العميق، أعمالهم، استشهادهم، انتصاراتهم، مظهرهم ولباسهم، كل شئ، مع إنّه متنوع بما يفوق الوَصْف‏، إلا أنه مُنظم في انسجام لانهائي ووحدة؛ وهذه الوحدة مع التّنوع قد نتجت بأشعة شّمس واحدة، بآلام الرب، الكلمة الذى صار جسداً، الذي فيه كانت الحياة، نور البشر، الذي أشرق في الظّلمة، والظّلمة لم تفهمه.
جاز جيش قديسي المستقبل أمام الرب، الذي وضع هكذا بين بطاركة راّغبين، وفرقة المستقبل المنتصرة المُباركة، وهذان الجيشان انضما معاً، وأكمل كل منهما الآخر، إن جاز التعبير، طوقوا قلب مُخلّصنا الحبّيب بإكليل الغلبة. منح هذا المنظر كثير من المواساة ودرجة من القوة والرّاحة ليسوع. آه! إنه أحبّ أخوته وخليقته حتى إنه إن كان سيتمّم الفداء عن نفس واحدة، لكان سيقبل بفرح كل الآلام التي كان يكرّس لها نفسه الآن. بينما كانت هذه الرؤى تشير إلي المستقبل، انتشرت لعلو محدد في الهواء.
لكن رّؤى المواساة هذه تلاشت، وعرضت الملائكة أمامه مشاهد آلامه قرب الأرض، لأنها كانت قريبة في متناول اليد. لقد أبصر كل مشهد رُسم بشكل متميّز، من قبلة يهوذا حتى كلماته الأخيرة على الصليب، وقد رأي في هذه الرّؤيا الواحدة كل رؤى الألم التى أراها في تأملاتي. لقد رأى خيانة يهوذا، هروب التلاميذ، الإهانات التي قدمت للرب أمام حنان وقيافا، إنكار بطرس، محكمة بيلاطس، مهزلة هيرودس، الجلد والتتويج بالأشواك، الحكم بالموت، حمل الصليب، منديل فيرونيكا، الصّلب، إهانات الفريسيون، حزن مريم والمجدلية ويوحنا، جرح الرّمح في جنبه، ما بعد الموت؛ في كلمة واحدة، كل جزء من الألم رآه بالتّفصيل. لقد قبل كل شئ طوعا، خاضعاً لكل شيء من أجل محبّته للإنسان. لقد رأى أيضا وشعر بالآلام التى تتحمّلها أمه في تلك اللّحظة، التي كان اتحادها الداخلي بمعاناته كامل للغاية حتى إنها غابت عن الوعي في أذرع رفيقاتها.
مناجاة الأب
[/size]
أنى أَرى أبنَي، مُرتعداً في ظّلال جَثْسَيْمَانِي ، نازلاً مِنْ السماءِ وآخذاً هيئة وجوهر خليقتِي، خليقتِي التي تعتقد وما زاِلت تَعتقدُ أنّها تستطيع أَنْ تتمرد ضدّ خالقِها. إنّ الرجلَ، ذلك الرجلِ الوحيدِ والمضطّربِ، هو الذبيحة المعيّنةُ، وعلى عاتقه، بذات دمِّه، عليه أن يَطهر كُلّ الإنسانيةِ التي يُمثّلها. أنه مَرتعدُ وخائفاً بشعوره بنفسه مُغَطاة بالآثم، حتى أنه يَرى نفسه محكوم عليه، بكتلةِ لا تصدّقِ مِنْ الخطايا التي كَانَ لِزاماً عليه أَنْ يأخذها من الضمائرِ المُظَلَّمةِ لملايينِ وملايينِ من المخلوقاتِ الغير طاهرة.
أيا أبني المسكين، لقد أَوصلك الحبّ إلى هذا وها أنت الآن مُخوف به. من يَجِبُ أَنْ يُمجّدَك في السماء عندما تَرْجعُ إليه مُتألقاً؟ أيُمْكِنُ أَنْ يَعطيك أيّ مخلوق المجد الذى تستحقه، أيستطيع أيّ مخلوق أَنْ يَعطيك الَحبُّ الذى تستحقه؟ وما هو تمجيد وحبُّ البشر، حبُّ ملايينِ البشر، بالمقارنة بالحبِّ الذى قَبلتَ به أكثر وأكبر الاختبارات التي مُمْكِنُ أَنْ توجدَ على الأرضِ؟ كلا يا أبني الحبيب، لا يوجد أحد سوي أبّيكَ الذى يستطيع أَنْ يَساويك فى الحب، لا أحد سوي أنا، الذي بروحِي, روح الحبِّ، مُمْكِنُ أَنْ أمجدك وأحبَّك لتضحيتِكَ فى تلك الليلِة.
لقد وَصلتَ يا أبني الحبيب الذي أُريحُ فيه كُلّ إحساني إلى سكرة الموتِ بالاستمرار فى المعاناةِ التى بغاية المرارةِ في البستان. لقَدْ بلغت بحدود منزلتك الإنسانية إلى كل وأصدق ألم يستطيع القلبِ الإنسانيِ أن يناله: أن تتألم من أجل الإهانات التى تُرتكب ضدي، بل أن تتألم من أجلهم بأنقى وأقوي حبِّ فيك. لقد وَصلتَ للحدَّ الذى تستطيع من خلاله أَنْ تنال الإنسانيةِ فداءاً كاملاً. لقد انتزعت يا أبني الحبيب بعرق دموي، لَيسَ فقط نفوس أخوتِكِ، بل أنتزعت ما هو أعظم، لقد انتزع منك أيها الإنسان مجدك الشخصي, مجدك الذي يَجِبُ أَنْ يسمو بك، متساوياً مَعي، لتكون إله مثله.
لقَدْ جذبت منى العدل الأكثر كمالاً، والحبّ الأكثر كمالاً. في الوَقت الذى كانوا يشكّلون فيه نفاية العالمِ، وأنت أصبحتَ كذلك من خلال قبولِكَ الاختياري والحرِّ. أنك الآن، بين الكلّ، إكرامي ومجدي وبهجتي. أنت لم تكن مُذنباً أمامي، لَيسَ أنت. أنك دائماً أبني الحبيبَ، الذي وَضعتُ فيه مسرتى. أنت لم تكن النفاية لأني رغم كل ذلك رَأيتُك كما كُنْتَ دائماً: نوري، كلمتي، ذلك هو أنا بذاتي. أبني، يا من ارتعدت واستسلمت من أجل كرامتي، لتستحق أنّ يُعلنُك أبّيكَ للعالمِ، إلى ذلك العالمِ الأعمى، الذي يَجْرحُنا على الرغم من حبنا العظيم له!
آه يا أبني الحبيب، أنى أَراك وسَأَراك دائماً في ليلِة مرارتِكَ تلك، وأنت دائماً في فكريِ! بسبب حبِّكَ أَنا تصَالَحت إلى الخليقة ومع الخليقة. أنك لم تَستطيعُ أَنْ تَرْفعَ وجهَكَ نحوي؛ لقد كان مغطى بالكامل بذنوبهم. الآن، لأجل مسرتك، أَجْعلُهم يَرْفعونَ وجوهَهم إلينا لكي مِن قِبل لَمْحَة من ضيائكِ، يظلون أسرى حبِّنا.
الآن يا أبني الحبيب دائماً، سأفعْلُ ما أخبرتُك به آنذاك في ظِلال جَثْسَيْمَانِي ، وهي سَتكُون أشياءَ عظيمةَ لمَنْحك المسرة والإكرام .

عندما انتهت رؤى الألم، شعرت بوجه يسوع كوجه إنسان على حافة الموت؛ اختفت الملائكة، وأصبح العرق الدّموي أكثر غزارة، حتى إنى رأيته قد نقع على ردائه. سادت الظلمة كُل المغارة، عندئذ نظرت ملاكاً ينزل إلى يسوع. هذا الملاك كان من قامة أعلى من أي ملاك رأيته من قبل، وشكله كان أيضاً أكثر وضوحاً وأكثر شبهاً بالإنسان. لقد كان مكتسياً ككاهن في كساء طويل، ويحمل أمامه، في يديه، أناء صغيراً، في الشّكل تشبه الكأس المستعملة في العشاء الأخير. على قمة هذا الكأس، كان هناك جسم بيضاوي صغير، وكان ينتشر منه ضوء محمّر. مد الملاك يدّه اليمنى للأمام إلى يسوع دون أن يمسّ الأرض بقدميه، نهض يسوع عندما وضع الملاك الطّعام الغامض في فمه وأعطاه ليشرب من الكأس المضيء. ثم اختفى.
بعد ما قبل يسوع كأس آلامه بحريته، ونال قوة جديدة، ظل في الكهف لبضع دقائق، مستغرقاً‏ في تّأمل هادئ، ومُعيد الشكر لأبيه السّماوي. كان ما زال في حزن روح عميق، لكنه هادئ على نحو خارق لدرجة أنه كان قادراً على الذهاب إلى تلاميذه دون أن يترنّح بينما يسير، أو ينحني تحت ثقل آلامه. طلعته كانت ما زالت شاحبة ومتبدلة، لكن خطاه كانت قويّة وراسخة. لقد مسح وجهه ورتّب شعره الذي انسدل على كتفيه المُبللتين بالدّم.
عندما جاء يسوع إلى تلاميذه، كانوا مُستندين على سور، نائمين، ورؤوسهم مُغطاة. قال لهم إلهنا أنه ليس هناك وقت للنّوم، بل يجب أن ينهضوا ويصلّوا : " انظروا ها قد قربت السّاعة، وابن الإنسان سيسلم في أيادي الخطاة قوموا، فلنذهب، انظروا ها هو قد أقترب الذى سيسلمني. لقد كان الأفضل لذلك الإنسان أن لم يكن ولد. "
نهض التلاميذ مذعورين، ونظروا حولهم بقلق. عندما استعادوا أنفسهم إلى حد ما‏، قال بطرس بانفعال : " إلهى، سأدعو الآخرين، حتى نحميك " لكن يسوع أشار إلى الوادي، على الجانب الآخر من البستان، إلى فرقة من الرّجال المسلّحين، الذين كانوا يتقدّمون بالمشاعل، وقال إنّ واحداً منهم قد خانه. لقد تكلّم بهدوء، حثّهم أن يواسوا أمه، وقال: " فلنذهب لنلاقيهم, أنى سأسلّم نفسي بلا مقاومة في أيادي أعدائي. " حينئذ ترك بستان الزّيتون مع التلاميذ الثّلاثة، وذهب ليقابل الجنود على الطّريق الذي يقود من بستان الزيتون إلى جَثْسَيْمَانِي .
عندما استعادت العذراء المباركة إحساسها، تحت عناية المجدلية وسالومة، قادها أحد التلاميذ، عندما رأي الجنود يقتربون، للرجوع إلى دار مريم أمّ مرقص. سلك الجنود طريق أقصر من الطريق الذي سلكه يسوع عندما ترك علية صهيون .
المغارة التى صلى فيها يسوع فى هذا اليوم لم تكن المغارة التى كان معتاد أن يصلّى فيها على جبل الزيتون. إنه عادة ما يذهب لموضع أبعد، حيث صلى يوما ما بحزن روح عظيم بذراعين ممدودتين ومتكئاً على صخرة بعد ما لعن شّجرة التين الغير مثمرة.

43
نضرا لكثرة فصول هذه الؤيا وعدم انتضامها داخل المنتدى قررت وضعها جميعا في رابط واحد وبما اني لم اقم بتنزيل الفصول حتى الان فساقوم بتحديث هذه الصفحة كلما اضفت فصول جديدة
الفصل 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,869282.0.html
الفصول 2 3 4 6 7
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,869339.0.html
الفصول 8 9
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=869976.msg7570929#msg7570929
الفصل ال 10
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902218.0.html
الفصول 11 و 12 و 13
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902212.0.html
الفصل ال 14
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,870190.0.html
الفصل ال 15
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902213.0.html
الفصول 16 و 17 و 18
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,870823.0.html
الفصول 19 و 20 و 21
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902214.0.html
الفصول 22 و 23 و24
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902215.0.html
الفصول 25 و 26
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,902216.0.html
الفصل 27
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,872591.0.html
الفصول 28 و29 و 30 و 31
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,874847.0.html
الفصول 32 و 33
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,875539.0.html
الفصول 34 و 35 و 36
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,884298.0.html
الفصول 37 و 38
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=892368.msg7599825#msg7599825
الفصل 39
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=901656.msg7612346#msg7612346

44
لاحضت عند تنزيلي لهذا الفصل في المرة السابقة انه لم يكن كامل وهذا هو الفصل الكامل


الفصل العاشر
عشاء الفصح الأخير.

قبل القيلولة دعا السيد المسيح بطرس ويوحنا، تَكلّمَ معهم عن ما يَجِبُ أَنْ يَفعلونه، عن الاستعدادات التى يَجِبُ أَنْ يَعدونها في أورشليم لأكل حملِ الفصحِ. سَألَ التلاميذ السيد المسيح أين سيَأْكلُ الفصح. اليوم، قَبلَ الفَجرِ، طَلبَ الرب بطرس ويعقوب ويوحنا، تَكلّمَ معهم عن أمور تتعلّقُ بكُلّ ما يجب أنْ يَعدّوه في أورشليم وأخبرَهم أنهم عندما سيَصْعدونَ جبلَ صهيون، فأنهم سيلاقون رجلَ يَحْملُ جرة ماءِ.
لقد كانوا يعلمون جيداً هذا الرجلِ، لأنه فى الفصح الأخير، في بيت عنيا، كَانَ هو الذي أعدَّ الطعام للسيد المسيح، ولهذا يَقُولُ القديس متى: رجل مُعين. كَان عليهم أَنْ يَتْبعوه إلي بيتَ، ويقولون له: "السيد يقول، إن وقتي قُرْب، مَعك سأَصْنعُ الفصح مَع تلاميذي " كَان عليهم حينئذ أن يروا غرفةَ العشاءَ، ويَصْنعونَ كُلّ الاستعدادات الضرورية. رَأيتُ تلميذان يَصْعدانِ نحو أورشليم، على طول الوادي، إلى جنوب الهيكلِ، وفي اتّجاهِ الجانبِ الشماليِ لجبل صهيون.
على الجانبِ الجنوبيِ للجبلِ الذي كان الهيكلِ عليه، كان هناك بَعْض البيوتِ؛ فساروا عكس هذه البيوتِ، تابعين مجرى سيلِ. عندما وَصلوا قمّةَ جبلِ صهيون، التي أعلى مِنْ جبلِ الهيكلِ، التفتوا نحو الجنوبِ، وبمجرد أن صعدوا قليلا حتي التقوا بالرجلَ الذي قَدْ حُدّدَ إليهم؛ تَبعوه وتَكلّموا معه بما أمر به السيد المسيح. لقد كَانَ مُسرَّور كثيراً بكلماتِهم، وأجاب بأنّ العشاء قَدْ طُلِبَ أن يُعدََّ في بيتِه (على الأرجح مِن قِبل نيقوديموس)، لكنه لم يكَنَ مدركَ لمن، وأبتهج لكونه عِلْم بأنّه مُعد للسيد المسيح.
اسم هذا الرجلِ هالي، وهو نسيبَ زَكَريا الذي من حبرون، الذي أعلن السيد المسيح من بيته في العام الماضي عن موتَ يوحنا المعمدان. عِنْدَهُ إبنُ واحد فقط، كَانَ لاويّ وصديق القديس لوقا قبل أن يُدعى مِن قِبل الرب، وخمس بناتِ لم يتزوجن جميعاً. كان يصعد كُلّ سَنَة مع خدامِه فى عيد الفصح ويستأجرَ غرفة ويُعدَّ الفصح للأشخاصِ الذين ليس عِنْدَهُمْ صديقُ في البلدةِ ليقيموا مَعه.
استأجرَ هذه السَنَةِ غرفة عشاءِ تخص نيقوديموس ويوسف الرامي. بيّن للتلميذان موقعِها وترتيبِها الداخليِ. لقد كَانَت على الجانبِ الجنوبيِ لجبلِ صهيون وقريبة مِنْ قلعة داوود ومِنْ السوقِ، كَانَت على المنحدر الشرقيِ تطل على ساحةِ مفتوحةِ مُحاطة بأفنية ذات جدرانِ هائلةِ وبين صفوفِ من الأشجارِ.
على يمين ويسار المدخلِ، كانت توجد بنايات أخرى مُلاصقة للجدارِ وبالقرب منه البيت الذي قَضتْ فيه العذراءَ المباركةَ والنِساءَ القدّيساتَ أغلب وقتِهم بعد موتِ السيد المسيح. غرفة العشاءَ، التي كَانتْ أكبرَ أصلاً، كَانتْ سابقاً مَشْغُولةَ مِن قِبل قادةِ داوود الشجعان، الذين تَعلّموا استعمال الأسلحةِ هناك. كانت في الماضي مُلحقة لمبني الهيكلِ، وتابوت العهدِ قَدْ استقرّتْ فيها لمدة طويلة مِنْ الوقتِ، وآثار وجودِه فيها ما زالَت توْجَدَ في غرفةِ تحت الأرض.
رَأيتُ النبي ملاخي مختفي تحت نفس هذا السقفِ حيث كَتبَ هناك نبوءاتَ تَتعلّقُ بالقربان المقدَّس‏ المباركِ وذبيحة العهد الجديدِ. كّرم الملك هذا البيتِ وعَملَ ضمن جدرانِه بَعْض العملِ المجازيِ والرمزيِ لكني نَسيته. عندما تهدم جزء عظيم من أورشليم من قِبل البابليين، نجا هذا البيتِ. لقد رَأيتُ عديد مِنْ الأشياءِ الأخرى التى تَتعلّقُ بنفس هذا البيتِ، لَكنِّي أَتذكّرُ فقط ما أخبرتُ به الآن.
هذه البنايةِ كَانتْ في حالةٍ مُخَرَّبة جداً عندما آلت ملكيته إلى نيقوديموس ويوسف الرامي، اللذان رتّبا البنايةَ الرئيسيةَ بطريقةٍ مناسبة جداً، وجعلاها كغرفة عشاءِ للغرباءِ الذين يأتون إلى أورشليم بغرضِ الاحتفال بعيد الفصح. هكذا استخدمه الرب فى السَنَةَ السابقةَ.
علاوة على ذلك، البيت والبنايات المُحيطة البناياتِ اُستخدمت كمخازنِ للآثار والأحجارِ الأخرى، وكورش للعُمّالِ؛ لأن يوسف الرامي كان يمتلكَ محاجر‏ ثمينةَ في بلادِه، وكان يجلب منها كُتَل كبيرة مِنْ الحجارةِ ليّشكلها عُمّاله تحت أشرافه إلى قبورِ وحُلي معمارية وأعمدة. كَانَ نيقوديموس شريك في هذا العملِ واعتاد أن يقضي ساعاتِ عديدة فى النَحْت بنفسه.
لقد عمل في الغرفةِ، أَو في شُقَّة تحت الأرض كَانتْ تحتها، باستثناء فترات الأعياد؛ وهذه الحرفةِ جعلته مرتبط بيوسف الرامي وصاروا أصدقاءَ، وينضمَّان إلى أغلب الأحيان معاً في صفقاتِ مُخْتَلِفةِ.
هذا الصباحِ، بينما كان بطرس ويوحنا يتحدّثانِ مَع الرجلِ الذي استأجرَ غرفةَ العشاءَ، رَأيتُ نيقوديموس في البناياتِ على يسار الباحةِ، حيث عدد كبير من الأحجارِ تمَلئ الممراتَ المؤدّية إلى غرفةِ العشاءَ. فى أسبوع قبل ذلك، رَأيتُ عِدّة أشخاص يعملون في وَضْع الأحجارِ على جانب واحد وينظفون الساحةِ ويَعدّونَ غرفةَ العشاءَ للاحتفالِ بالفصح؛ ظْهرُ لي أنه كان هناك بينهم بَعْض رسل الرب، ربما أرام وسيمي، أبناء عم يوسف الرامي.
غرفة العشاءَ، مدعوة بشكل جيّد، كَانَ تقريباً في وسط الساحةِ؛ طولها أعظمَ مِنْ عرضِها؛ مُحاطَة بصفّ من الأعمدةِ المنخفضةِ، وإن فَرّغت‏ الفراغاتِ التى بين الأعمدةِ لكَانَت سَتشكّلُ وحدها غرفةِ داخليةِ كبيرةِ، لأن كل الصرحِ كَانَ، إذا جاز التعبير، شفّاف؛ كَانَ عاديَا، ماعدا في مناسبات خاصة، لأن الممراتِ كانت تُغلَقُ. كانت الغرفة مُضاءة بفتحاتِ في قمةِ الجدرانِ.
في المقدمةِ، كان هناك أولاً دهليز، يمكن دخوله من خلال ثلاثة أبوابِ، الغرفة الداخلية الواسعة، حيث تتدلي عِدّة مصابيح مِنْ المنصّةِ؛ الجدران كانت مُزُيّنة للعيد للنصف بحصيرةِ جميلةِ أَو نسيج ذو رسوم‏ وكان هناك فتحةِ في السقفِ ومُغَطّاة بشاشِ أزرقِ شفّافِ. الجزء الخلفي من هذه الغرفةِ مُنفصل عنْ الباقي مِن قِبل ستارة من الشاشِ الشفّافِ الأزرقِ أيضاً. هذا الانقسام لغرفةِ العشاءَ لثلاثة أجزاءِ جعلها تشبه الهيكلِ، هكذا تتشكّلُ: الساحةَ الخارجيةَ فالقدّس فقدس الأقدَّاس.
في آخر هذه الأقسامِ، وُضع على كلا الجانبينِ الملابس والأشياء الأخرى الضروري للاحتفالِ بالعيدِ. في الوسط كان هناك شئ كالمذبحِ. مقعد حجري علي ثلاث درجات، وعلي شكل مستطيل، بارز عنْ الحائطِ: لابدَّ أنْه يُشكّلَ الجزءَ من الفرنِ المستخدم لشي حملِ عيد الفصحِ، لأن اليوم الدرجات كانت ساخِنة تماماً أثناء الأكل. أنا لا أَستطيعُ أن أصْف كُلّ ما كان في هذا جزءِ من الغرفةِ بالتفصيل، لكن كُلّ أنواع الترتيباتِ قَدْ أُعدت هناك للاسْتِعْداد لعشاءِ عيد الفصحِ.
فوق هذا الموقدِ أَو المذبحِ، كان هناك ما يُشبه كوّةِ في الجدارِ، رأيت أمامها صورةَ حملِ عيد الفصحِ، بسكين في حنجرتِه، ويظهر الدمّ مُتدَفُّق قَطرَةٌ قَطرَة على المذبحِ؛ لَكنِّي لا أَتذكّرُ بوضوح كَيف عُمِلَ هذا. في كوّة في الجدارِ كان هناك ثلاثة دواليبِ ذات ألوانِ مُخْتَلِفةِ، التي تحولت مثل معابدِنا، للفتح أَو الإغلاق. أُستعمل عدد مِنْ الأوعيةِ في الاحتفال بالفصح وحُفظت فيهم؛ لاحقاً، وُضع هناك القربان المُقدس المبارك. في الغُرَفِ في جوانبِ غرفةِ العشاءَ، كان هناك بَعْض الأرائكِ، وُضع عليها أغطية سميكة والتي يُمْكِنُ أَنْ تُستَعملَ كأسِرّة.
كانت هناك أقبية فسيحةَ تحت كلّ هذه البنايةِ. أستقر تابوت العهدِ سابقاً أسفل البقعةِ حيث شُيد الموقد بعد ذلك. كان هناك أسفل البيتِ خمس قنوات ضيِّقة‏ لإفْراغ القمامةِ إلى منحدرِ التَلِّ، فى الطرف الأعلى حيث شٌيد البيت. رَأيتُ السيد المسيح سابقاً يَعظ ويُشفي مرضي بطريقة أعجوبية، والتلاميذ يقضون الليلَ كثيراً في الغُرَفِ الجانبيةِ.
عندما تكلم التلاميذ مع هالي الذي من حبرون، رجع هالي إلى البيتِ بالساحةِ، لَكنَّهم اتّجهوا نحو اليمين، وأسرعوا لأسفل الجانبِ الشماليِ للتَلِّ، من خلال جبل صهيون. عبروا علي جسر ومشوا فى طريق مُغَطّى بنبات العُلّيق‏ ووَصلَ إلى الجانبَ الآخرَ من الوادي الذي كَانَ أمام الهيكل وأمام صفِّ البيوتِ الذين كَانوا جنوب تلك البنايةِ. كان هناك بيتُ سمعان الشيخ، الذي ماتَ في الهيكل بعد تقديمِ الرب؛ وأبنائه، البعض مِنْهم كَانوا رسل للسيد المسيح في الخفاء، كَانوا يعِيشُون في الحقيقة هناك. تَكلّمَ التلاميذ مع أحدهمِ, رجل أسْمَر البشرة وطويل، الذي يشغل ما يُشبه مكتبِ في الهيكل. خَرجوا مَعه إلى الجانبِ الشرقيِ للهيكل من خلال ذلك الجزءِ من أوفيل الذي دخل منه السيد المسيح أورشليم فى أحدِ السعف، ومن هناك إلى سوقِ الماشيةَ، الموجود في البلدةِ شمال الهيكل.
رَأيتُ في الجزءِ الجنوبيِ من هذا السوقِ بعض السياج الصَغيرةَ بها بَعْض الحملانِ الجميلةِ التى كَانتْ تَثِبُ حولها. كانت خراف الفصح تُشتري من هنا. رَأيتُ أبن سمعان يَدْخلُ أحداها والحملان تثب حوله كما لو أنَّهم يعَرفونه. اختارَ أربعة وآتي بهم إلى غرفةِ العشاءَ. رَأيتُه بعد الظهر في غرفةِ العشاءَ مُنشغلَ في إعْداْد حملِ عيد الفصحِ. رَأيتُ بطرس ويوحنا يَذْهبُان لأجزاء مختلفة مِنْ البلدةِ ويَطْلبُان أشياءَ مُخْتَلِفةَ. رَأيتُهما أيضاً يوقفاً مُقابل بابَ البيت الذي يخص فيرونيكا والذي يقعَ شمال جبل الجلجثة، حيث عاشَ تلاميذ السيد المسيح لجزء عظيم من الوقتِ، أرسلَ بطرس ويوحنا بَعْض التوابعِ مِنْ هناك إلى غرفةِ العشاءَ وأوكلوا إليهم بعض المهام التي نَسيتها.
دَخلوا بيتَ فيرونيكا أيضاً، حيث كَانَ عِنْدَهُمْ عِدّة ترتيبات ليعَمَلوها. كان زوجها، الذي كَانَ عضو بالمجلسَ، غائبَ عادة ومشَغولَ في العملِ؛ لكن حتى عندما كَانَ في البيت كانت تراه قليلاً. كَانتْ امرأة فى عُمرِ العذراءِ المُباركة، وكَانتْ لِفترة طويلة مُرتَبَطة بالعائلةِ المقدّسةِ؛ لأنه عندما ظل الصبي يسوع لثلاث أيامَ في أورشليم بعد العيدِ، كانت هي التي تمده بالطعام.
أَخذ التلميذان أشياءِ أخرى مِنْ هناك، آخذا الكأس الذي أستخدمه الرب سر العشاء الرباني المباركِ. الكأس الذي أحضره التلاميذ مِنْ بيتِ فيرونيكا كَانَ رائعَا وغامضَ في مظهرِه. لقد ظل لوقت طويل في الهيكلِ بين الأشياءِ الثمينةِ الأخرى مِنْ التحفة الفنيّة القديمةِ العظيمةِ، استعماله وأصله كَانا قَدْ أُهملا. نفس الشئ حدث بدرجات متفاوتة في الكنيسةِ المسيحيةِ، حيث عديد مِنْ الجواهرِ المُكَرَّسةِ أُهملتْ وأُصبحتْ بلا استعمال بالوقتِ.
الأواني والجواهر القديمة، دَفنَت تحت الهيكلَ، غالباً ما حُفِرَ عليها وبيعت أَو أعدَت. هكذا كَانَ ذلك، بترخيص من اللَّهِ، هذا الإناء المقدّسِ، الذي لم يستطيع أحد أن يصهرِه لكونه صَنع من مادّةِ مجهولةِ، والذي كَانَ قَدْ وُجِدَ مِن قِبل الكهنةِ في خزينةِ الهيكلِ بين الأشياءِ الأخرى لَم تعد تُستعملَ، كَانَ قَدْ بِيعَ إلى بَعْض دارسي الأشياء الأثريّة‏. لقد اشترته فيرونيكا واستعمله السيد المسيح عدة مرات في الأعياد، ومِنْ يومِ العشاء الأخيرِ، أصبحَ ملكيةَ خاصّةَ للجماعةِ المسيحيةِ المقدّسةِ.
الكأس كَانَ كمثرى الشكل, ضخم, مصقول للغاية، ذو حُلي ذهبيةِ ومَقبضين صغيرين يُرفع منهما. قاعدته مِنْ الذهبِ، مصنوعة بشكل مُتقَن، مُزَيّنَة بثعبان وعنقود عنب صغير، وغنية بالأحجار الكريمةِ. حُفظت الكأس في كنيسةِ أورشليم، في يدي القدّيس يعقوب الصغير؛ وأنا أَرى أنّه ما زالَ محفوظ في تلك البلدةِ وأنه سَيظْهرُ ثانية يوماً ما، بنفس الطّريقة كما من قَبْلَ. أَخذتْ الكنائسُ الأخرى الكؤوسُ الصَغيرةُ التي كانت تُحيط بالكأس؛ وصاروا بحوزة البطاركةِ، الذين كانوا يشَربون منها عندما يتَلقّوا بركة أَو عندما يعطوا منح البركة، كما رَأيتُ العديد مِنْ المراتِ.
هذا الكأس كَانَ من أملاك أبينا إبراهيم؛ جَلبَه مالكي صادق مِنْ أرضِ السامريين إلى أرضِ كنعان، عندما كَانَ يَبْدأُ في عمل الترتيبان فى البقعة حيث بُنِيتْ أورشليم بعد ذلك؛ لقد استعملَها حينئذ لتَقديم ذبيحة، عندما مَنحَ الخبز والخمر في حضورِ أبينا إبراهيم، وتَركَه في ملكيةِ ذلك الأبِّ المقدّسِ. هذا الكأسِ نفسهِ كَانَ قَدْ حُفظ في فُلكِ نوح. وُضع في الجزءِ العلوي من الفُلكِ. لقد حفظه موسى أيضاً في مقتنياته. الكأس كَانَ ضخم كالجرس. كان يبدوا وكأنه شُكّلَ بالطبيعةِ ولَيسَ من قبل فَنانِّ. السيد المسيح وحده هو الذي يعَرفَ ما ماذا صُنع.
في الصباحِ، بينما كان التلاميذ مشغولين في أورشليم لأعداد الفصح، السيد المسيح، الذي بَقى في بيت عنيا، أَخذَ فى وداعَ النِساءِ القدّيساتِ ولعازر وأمِّه المباركةِ، وأعطاهم بَعْض التعاليم النهائيةِ. لقد رَأيتُ الرب يَتحدّثُ مَع أمِّه على حِدة وأخبرَها، من بين أشياءِ أخرى، بأنّه أرسلَ بطرس، تلميذ الإيمانِ، ويوحنا، تلميذ الحبِّ، ليعدا الفصح في أورشليم. عندما تكلم عن المجدلية قال أن حزنها شديد، لأن حبّها كَانَ عظيمَ، لكنه ما زالَ إلى حد ما‏ بشريَ، وبسبب هذا حُزنِها جَعلَها بجانب نفسها.
تَكلّمَ أيضاً عن مخططاتِ يهوذا الخائنِ، وصَلّتْ العذراء المباركة من أجله. تَركَ يهوذا بيت عنيا ليذِهب إلى أورشليم، تحت حجة سداد بَعْض الديونِ المُسْتَحقّة. قَضى طول اليومَ في الذهاب والإياب من فريسي إلى آخر، ويَبرم اتفاقياتَه النهائيةَ مَعهم. لقد أروه الجنود المُكلفين بالقَبْض على شخصَ منقذِنا الإلهي، ولقد نظّمَ يهوذا رحلاتَه ذهاباً وإيابا ليكون قادر على تَفسير غيابِه. لقد رأيت كُلّ مخططاته الشرّيرة وكُلّ أفكاره. لقد كَانَ يهوذا نشيطَ وخدومَ على نحو طبيعي، لكن هذه الإمكانيات الجيدةِ تبددت بالجشعِ والطموح والحسد، تلك المشاعر التى لم يبذل أي جُهدِ للسَيْطَرَة عليها. لقد أدّى معجزاتَ وشفىَ المرضى في غيابِ الرب.
عندما أخبر الرب أمِّه المباركةِ بما هو عتيد أن يقع, لقد تَوسّلتْ إليه، بأكثر التعبيرِات حزناً بأن يدعها تَمُوتُ مَعه. لَكنَّه نَصحَها بأن تُبدي المزيد من الهدوءِ في أحُزانِها أكثر مِنْ النِساءِ الأخرياتِ، أخبرَها بأنّه سيقوم ثانيةً، وحدّدتْ البقعةَ التى سيَظْهرَ فيها إليها. أنها لَمْ تَبْكِ كثيراً، لكن حزنَها كَانَ يتعذر وصفهَ، وكان هناك شيءُ مُرعبُ في نظراتها. إلهنا القدوس أعادَ شكرها كابن مُحب لكُلّ الحبّ الذى حملته له وضَمها فى صدره. أخبرَها أيضاً بأنَّه سيجْعلُ العشاء الأخيرَ مَعها، روحياً، وحدّد لها في أَيّ ساعة ستَتلقّى جسدَه الثمينَ ودمَّه. ثمّ مرةً أخرى، بلغةِ مؤثرة، ودّعَ الجميع وأعطاَهم تعاليم مختلفةَ.
قُبَيلَ ظهرِ، ذهب السيد المسيح والتلاميذ التسعة مِنْ بيت عنيا إلى أورشليم، وتَبعَه سبعة من الرسل، الذين جائوا مِنْ أورشليم وضواحيها باستثناء نثنائيل وسيلا. من بين هؤلاء يوحنا مرقص، وأبن الأرملةِ الفقيرةِ التي قدّمَت فلسيها في الهيكلِ فى الخميس سابق بينما كان السيد المسيح يَعِظُ هناك.
لقد ضمه السيد المسيح إلى جماعتِه قبل أيام قَليلة. تَبعتْه النِساءُ القدّيساتُ لاحقاً. سار السيد المسيح ورفاقه هنا وهناك حول جبلِ الزيتون، خلال وادي يهوشافاط وحتى بقرب جبل الجلجثة. لقد أعطاهم السيد المسيح طوال سيرهم تعاليم مستمرة. من بين الأشياءِ الأخرى أخبرَ التلاميذ بأنّه حتي الآن أعطاَهم خبزَه وخمره، لكنه سيعطيهم اليوم جسده ودمَّه. بأنه سيَمْنحُهم كُلّ ما عِنْدَهُ.
بينما كان يَنْطقُ بهذه الكلماتِ، وجه الرب كان مُتأثراً، كما لو أنَّه كَان يسْكبُ نفسه بالكامل، كما لو أنَّه يَذبُل‏ بالحبِّ ليعْطي نفسه للإنسان. لَمْ يَفْهُم تلاميذه كلماتَه, لقد اعتقدوا بأنّه كَانَ يُشيرُ إلى حملِ عيد الفصحِ. لا كلماتَ تستطيع أَنْ تَصف حنانة، كَمْ كان السيد المسيح صبوراً في تعاليمه الأخيرةِ سواء التى في بيت عنيا والتى كانت أثناء ذهابه إلى أورشليم.
وَصلتْ النساء القدّيسَات في وقت لاحق إلي بيتِ مريم أم مرقص. لم يرافقهم الرسل السبعة الذين تبعوا الرب إلى أورشليم. لقد حَملوا الملابس اللازمة لمراسم عيد الفصح. بعد أن وَضْعوهم في غرفةِ الانتظار مَضوا إلى بيتِ مريم أم مرقص. عندما وَصلَ بطرس ويوحنا العلية بالكأسِ الذي جَلبوا مِنْ فيرونيكا، كانت ملابس المراسمِ التى أحضرها الرسل السبعة أو بعض رفاقِهم موجودة في غرفةِ الانتظار. لقد كسّوا جدرانَ غرفةِ العشاءَ وفَتحَوا الفتحاتَ التى في السقفِ وأعدّوا المصابيح الثلاث المُعلّقةِ. بإنهاء ذلك خَرجَ بطري ويوحنا إلى وادي يهوشافاط ودعوا الرب والتلاميذ التسعة.
جلي الرسل والأصدقاء الذي كَانوا سيأكلون فصحهم في العلية في ثلاث مجموعاتِ منفصلةِ يتكون كل منها مِنْ أثني عشرَ شخص، يتَرَأّس كل مجموعة شخص الذي يعمل كمضيّفِ. كان السيد المسيح والتلاميذ الإثني عشرَ في نفس القاعةِ؛ نثنائيل مَع عديد مِنْ الرسل الأكبر سناً في أحد الغُرَفِ الجانبيةِ؛ وفي الغرفة الأخرى مع أثني عشر آخرين جلس الياقيم، أبن كلوبا ومريم التى لهالي، وشقيق مريم التى لكلوبا. لقد كَانَ أحد تلاميذ يوحنا المعمدان. في أحد البناياتِ الجانبيةِ قُرْب مدخلِ ساحة العلية، تناولت النساء القديسات طعامهم.
لقد تم تقديم ثلاثة حملانِ في الهيكلِ، لكن كان هناك حمل رابع تم تقديمه في غرفةِ العشاءَ، وكَانَ هذا هو الموضوع أمام السيد المسيح مَع تلاميذه. لم يكن يهوذا مهتماً بهذا الاحتفال، لكونه مُنشَغلَ بتَخطيط خيانتِه للرب، لقد عادَ قبل لحظات قَليلة من الأكل، وبعد أن تم تقديم الحملِ. أكثر المشاهد تأثيراً كَانَ مشهدَ ذبح الحملِ الّذي سَيُؤْكَلُ مِن قِبل السيد المسيح وتلاميذه؛ حَدثَ في دهليزِ غرفةِ العشاءَ.
أنشد التلاميذ والرسل الحاضرين المزمور 118. تَكلّمَ السيد المسيح عن فترة جديدة ثمّ بِداية، وقالَ بأنّ تضحيةَ موسى وشخصية حملِ الفصحِ على وَشَكِ أَنْ يَتم إكمالَهم، لكن ذلك على حسابِه، الحمل الذي سيًضَحَّى به بنفس الطّريقة كما فى الماضي في مصر، وبأنّهم حقاً على وشَكُ أَنْ يَتحرروا مِنْ بيتِ العبوديةِ.
أُعدت الأواني والآلات الضرورية، وبعد ذلك جلب المرافقون حمل صَغير جميل مُقلّدَ بتاج، الذي سبق وأُرسلَ إلى العذراءِ المباركةِ في الغرفةِ التى تمَكث فيها مَع النِساءِ القدّيساتِ الأخرياتِ.
قُيد الحمل وظهرِه مقابل خشبة بحبل حول جسدِه، وذكّرَني ذلك بالسيد المسيح المُقيّد بعمودِ وجَلدَ. حَملَ أبن سمعان رأس الحملَ؛ حزّ السيد المسيح حزاً طفيف في رقبتِه بطرف السكين، ثمّ أعطىَ أبن سمعان السكين ليُكملُ ذبحه. بَدا السيد المسيح مكروها وهو يحز رقبة الحمل، وكَانَ سريعَ في حركاتِه، بالرغم من أن وجهِه كَانَ مُتَجَهّمَ وطريقته مُثيرة للاحترام. سُكب الدمُّ في حوض، وجلب المرافقون غصن من نباتِ الزّوفا غمّسَه السيد المسيح في الحوض ثمّ ذَهبَ إلى بابِ الغرفةِ ومسح جانبيةَ والقفلَ بالدمِّ، ووَضع الفرعَ الذي كَانَ قَدْ غُمّسَ في الدمِّ فوق البابِ. ثمّ تَكلّمَ مع التلاميذ وأخبرَهم، بين أشياءِ أخرى، بأنَّ الملاك المُهلّك سيَعبر عنهم, فعليهم أن يُمجّدُوا في تلك الغرفةِ بدون خوف أَو قلق، عندما هو، حمل الفصح الحقيقي، الذي سيُضحّي به، ذلك عهد جديد وذبيحة جديدة عَلى وَشَكِ أَنْ تَبْدأَ وستَدُومُ حتى نهاية العالمِ.
ثمّ مَضوا إلى موقدِ الفصحِ في نهايةِ القاعةِ حيث وُضع تابوت العهد سابقاً. هناك وَجدوا نار موقدة. رَشَّ السيد المسيح الموقد بالدمِّ، كرّسَه كمذبح. بقيّة الدمِّ مع الدهنِ ألقي فى النارِ تحت المذبحِ ثم تَجوّلَ السيد المسيح حول العلية يَغنّي المزاميرَ وكرّسَها كهيكل جديد.
أُغلِقتْ الأبواب خلال هذه المراسمِ، هذه الأثناء أعدَّ ابنُ سمعان الحمل. ثُبّتَ على ، الأرجل الأماميةَ رَبطتْ إلى عارضة، والخلفية إلى. آه! أنها تٌشبه كثيراً السيد المسيح على الصليبِ! ثمّ وُضع مع الثلاثة الآخرين الذين ذُبِحوا في الهيكلِ في الفرنِ ليتم شيهم. كُلّ حملان فصح ضُحّي بها في ساحةِ الهيكلِ، في إحدى الأماكنِ المختلفةِ الثلاثة، حسبما كون مٌقدميهم أغنياء، أَو فقراء، أَو غرباء.
ومع أن حمل السيد المسيح لَمْ يُذْبَحُ في الهيكلِ، إلا أنه التزمَ بكُلّ نقاط الشريعة بكل صرامة. ذلك الحملِ لم يكن إلا رمز للسيد المسيح نفسه الذي سيُصبحُ فى اليوم التالي حملَ الفصحَ الحقيقيَ. فيما بعد تكلم السيد المسيح مع التلاميذ عن حملِ الفصحِ وعن إتمام ما كان يرَمزَ إليه، ولأن الوقت كَانَ يَقتربُ ويهوذا قد عاد، بَدأوا بإعْداْد الموائدِ.
بَعْدَ ذلك ارتدوا ملابس الرحيل الطقسية، التي كَانتْ في غرفةِ الانتظار، وغيّروا أحذيتَهم. يتكون الرداء مِنْ سترة بيضاء مثل قميص، وفوقه عباءة قصيرة من الأمامِ عنْ الظهرِ. السترة طُوِيتْ لأعلى إلى النطاقِ، والأكمام الواسعة حُضِرتْ. هكذا استعدوا، ذَهبتْ كُلّ مجموعة إلى مائدتِها: مجموعتان مِنْ الرسل إلى القاعةِ الجانبيةِ، السيد المسيح والحواريون فى العلية. أَخذَ كُلّ أحد عصا في يَدِّه، وبعد ذلك مَشوا أثنين أثنين إلى المائدةِ حيث وَقف كل واحد في مكانِه، ذراعيه مرَفوعة، والعصا مستندة على أحدي اليدين. وَقفَ السيد المسيح في مركزِ المائدةِ. كَانَ معه عصاتان صغيرتانُ قدمها سيدُ العيدِ إليه. كانا منحنٍيان‏ بعض الشّيء من أعلى، وبَديا مثل عصي الراعي. وُضع خطّاف في أحد الجناب، كأنه قُطع غصن. ألصقهم السيد المسيح فى نطاقِه على هيئة صليب على صدرِه، وعندما صلّوا، سند ذراعيه المَرْفُوعتان على الخطّافاتِ. كَانَ منظراً مُؤَثِّرِ للغاية برُؤية السيد المسيح يَتّكئ على هذه العصي كلما تَحرّكَ. كما لو أنّه عِنْدَهُ الصليبُ، الذي سيثقل على كتفِيه قريباً، الآن يسنده أسفل ذراعيه.
في هذه الأثناء كان الجميع يهْتفُون، " مُباركَ يَكُونَ الرب إله إسرائيل، المجد للرب ". عندما انتهتْ الصلاة، أعطىَ السيد المسيح أحدي العصي إلى بطرس والآخري إلى يوحنا, وهم أما وضعوها جانباً، أَو مرّروها من يدٍّ لأخرى بين باقي التلاميذ، لكن علي ماذا يدل هذا، أنا لا أَستطيعُ أن أتذكر الآن. المائدة كَانتْ ضيّقَة وترتفع نحو قدمِ ونِصْف فوق ركبةِ الإنسان الوقف بجانبها. كانت على شكلِ حدوة حصان؛ ومٌقابل السيد المسيح، في الجزءِ الداخليِ للنِصْف دائرةِ، كان هناك فراع متروك لخِدْمَة الصُحونِ.
بقدر ما أستطيع أَنْ أَتذكّرَ، وَقفَ على يمينِ السيد المسيح يوحنا، يعقوب الكبير، يعقوب الصغير ؛ ثمّ جاءَ بارثليماوس على اليمينِ أيضاً، لكن بقرب نهايةِ المائدةِ؛ وحول الركن في الجانبِ الداخليِ وَقفَ توما وبجانبه يهوذا الأسخريوطي. على يسارِ السيد المسيح وقف بطرس، أندراوس، تداوس؛ ثمّ على الجانبِ المُقابل، جاءَ سمعان؛ وحول الجانبِ الداخليِ، متى وفيلبس. وُضع حمل الفصح في وسط المائدةِ على صحن، رأسه يستند على رجليه الأماميةِ المٌَتقاطعة وقدميه الخلفية ممتدّة بطولها.
على حافة الصحنِ كَانتْ هناك مجموعاتَ صغيرة من الثومِ. بجانبه صحن آخراً به لحمِ الفصح المشويِ، وعلي كلا الجانبين صحون من الأعشابِ الخضراءِ. رُتّبَت هذه الصحون في وضعِ مستقيم‏ وعن قرب جداً بِحيث بدوا كما لو أنّهم يَنْمونَ. كان هناك صحنُ آخرُ به مجموعاتِ صَغيرةِ مِنْ الأعشابِ المرّةِ، بَدتْ مثل الأعشابَ العطريةَ. أمام مكانِ السيد المسيح مباشرة وضعت إناء من الأعشابِ الخضراءِ مع قليل من الاصفرار، وآخري بها نوع من الصلصة السمراء. وضُعت أرغفةُ مستديرةُ وصغيرةُ للضيوفُ واستعملوا سكاكينِ العظميةِ. بعد الصلاةِ، وضع سيد العيدِ على المائدةِ أمام السيد المسيح السكين لتقَطْيع حملِ الفصحِ، وْضُع كأس النبيذِ أمامه، ومِنْ دورق مَلأَ ستّة كؤوسَ أخرى، وضع كلّ واحد منها بين أثنين مِنْ التلاميذ. باركَ السيد المسيح النبيذ وشَربَ كل أثنين من التلاميذ مِنْ كأسِ واحدة.
قطّعَ الرب حملَ الفصحَ. تناول التلاميذ تباعاً أرغفتَهم الصَغيرةَ وتلقّي كُلّ واحد نصيبه. أَكلوه بسرعة وفْصلوا اللحمَ عنْ العظمِ بسكاكينِهم العاجيةِ، وأُحرقتْ العظام بعدئذ. أَكلوا وبسرعة جداً أيضاً الثوم والأعشاب الخضراء، كانوا يُغمّسُونها أولاً فى الصلصةِ. لقد أَكلوا حملِ الفصحِ واقفين، مَائلين قليلاً على ظهر المقاعدِ. ثمّ كَسرَ السيد المسيح أحد أرغفةِ الخبزِ الخالي من الخمير، غَطّى جزءَ منه، وقسّمَ بقيته بين التلاميذ. بعد ذلك أَكلوا الأرغفةَ الصَغيرةَ التي عَملتْ كصحونِ. أُحضر كأس آخر من النبيذِ جُلِبَ. شَكرَ السيد المسيح لكنه لم يشَربَ منه. لقد قالَ: " خذُوا هذا النبيذِ واقتسّمَوه بينكم، لأني لَنْ أَشْربَ من الآن أي نبيذِ، حتى يأتي ملكوت الله " بَعْدَ أَنْ شَربَ الحواريين، أثنين أثنين، رتّلوا، وصَلّى السيد المسيح وعلّمَ. بعد ذلك غَسلوا أيديهم ثانيةً، وبعد ذلك اتّكئوا على المقاعدِ. لقد كَانوا واقِفينَ أثناء المراسمِ السَابِقةِ، أَو مستندين بعض الشّيء على المقاعد، وعُمِلَ كُلّ شيء بسرعة. قطّعَ السيد المسيح حمل آخر، حُمِلَ إلى النساء القديسات في المبنى الجانبيِ حيث تناولوا فصحهم.
تَناولوا التلاميذ الأعشابِ والسلطة والصلصة. كَانَ السيد المسيح هادئَا جداً ورابِط الجأش‏، أكثر من أي مرة رَأيتُه فيها. نْسي التلاميذ همومُهم. حتى العذراء المباركة كَانتْ مُشرقة ومبتهجةَ أثناء جلوسها مَع النساء على المائدة. كَانَ مؤثراً جداً رُؤيتها تلتفت بكل بساطة إلى امرأة أخرى عندما يقتربوا مِنْها ويجذبوا انتباهَها بشد طرحتها.
بينما كَان التلاميذ يَأْكلونَ الأعشابَ، واصل السيد المسيح التَحَدُّث مَعهم بمودة، لكنه بعد ذلك أصبحَ مُتَجَهّم وحزين وقالَ: "واحد منكم سَيَخُونُني, واحد يضع يَدَّه مَعي في الصحنِ." في تلك اللحظة كان أحدهم يُوزّعُ أحد الخضرِوات، وبالتحديد الخسّ الذي كان موضوع على صحنُ واحد فقط. كَانَ يَمرره بجانبِه وناوله ليهوذا، الذي كَانَ يَجْلسُ مقابله، ليوزعه على الجانبِ الآخرِ.
ما أن أشار السيد المسيح للخيانة حتى اضطرب التلاميذ. ثمّ كرر السيد المسيح كلامه " واحد يَدّه مَعي علي المائدةِ، أَو من يغمّس بيده مَعي فى الصحنِ، " الذي وكأنه قال "أحد الإثني عشرَ الذين يَأْكلُون ويَشْربُون مَعي, أحد الذين كسرُت لهم خبزَي." بهذه الكلماتِ لم يَفشي السيد المسيح يهوذا للآخرين، لأن التَغْميس فى نفس الصحنِ كَانَ تعبير شائع عنْ الصداقةِ الأكثر عمقاً. كان السيد المسيح مازال يقَصدَ بذلك أَنْ يُحذّرَ يهوذا، لأنه كان حقاً يُغمّسُ يَدَّه مَعه فى الصحنِ أثناء توزيع الخسَّ.
لاحقاً، قالَ: " إن أبن الإنسانِ ماضي حقاً كما هو مكتوبُ عنه، لكن الويلَ لذلك الإنسانِ الذي مِن قِبله سيُسلم أبن الإنسانِ! لقد كَان أفضل لَهُ أن لا يولد." بهذه الكلماتِ، أضطرب التلاميذ كثيراً وسألوا كل بدوره: هَلْ أنا يا رب؟ " لأنهم جميعا لَمْ يَفْهُموه بالكامل.
في أثناء ذلك مال بطرس خلف السيد المسيح نحو يوحنا، أشارَ إليه أن يسأل الرب مَنْ يكون، لأنه تلقي دوما تأنيبَ مِنْ السيد المسيح، لقد كَانَ قلق لئلا يَكُونُ هو نفسه. الآن، كَانَ يوحنا يَتّكئ على يمين السيد المسيح، وبينما كَان الجميع يتّكئ على الذراعِ الأيسرِ كي يَأْكلَ باليدّ اليمنى، مال يوحنا برأسهِ بقرب صدرِ السيد المسيح وسَألَ " يا رب، مَنْ هو؟ " فحُذّرَ بشكل داخلي أن السيد المسيح يٌشيرَ إلى يهوذا.
أنا لَمْ أَرى السيد المسيح يَقُولُ بشفاهِه: "أنه الذي سَأَعطيه اللقمةَ المغمّوسة " ولا أَستطيعُ أن أقول إن كان قال هذا بهدوء ليوحنا أَو لم يَقُولُه. لكن يوحنا فَهمَ ذلك عندما غمّس السيد المسيح لقمة الخبز في الصلصة وطواها بالخسِّ وقدّمَها بمحبة ليهوذا، الذي كَانَ يَسْألُ أيضاً " يا رب, هَلْ هو أنا؟ "نَظرَ السيد المسيح إليه بمودّة وأجابَ إجابة عامة.
إعْطاء الخبزِ المغمّوسَ كَانَ تعبير عن الحبِّ والثقةِ، والسيد المسيح فعل ذلك بحبِّ صادقِ، ليحذر يهوذا وليجَنُّبه شبهاتِ الآخرين. لكن يهوذا كان مُشتعل بالغضب داخليا, طوال مدة العشاء، كان يجْلسُ عند قدميه مِسْخ‏ صغير, كان ينَهضَ على قلبِه كثيراً. أنني لَمْ أَرى يوحنا يُذكر لبطرس ما علّمَه مِنْ السيد المسيح، لكني رَأيتُه يُطمئنُه بإيماءة.

45
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقدت اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول


الفصل الخامس والعشرون
اعتقال يسوع في سّجن تحت الأرض

أودع اليهود يسوع سجن صغير، بعد ما استنزفوا همجيتهم تماما، ليبقى فيه حتى الصباح. لازمه اثنان من الحراس، وقد استبدلوا باثنين آخرين فيما بعدً. لقد كان ما زال يرتدى العباءة القذرة القديمة، ومُغطّى بالبصاق والقاذورات الأخرى التي القوها عليه؛ لأنهم لم يسمحوا له أن يرتدى ملابسه ثانية، بل أبقوا يديه مُقيدتين بأحكام معاً.
عندما دخل يسوع هذا السّجن، صلّى بأكثر توهج لأبيه السّماوي أن يقبل كل ما يعانيه، وكل ما هو عتيد أن يعانيه كذبيحة كفارية، ليس فقط أن يقبل عذاباته، بل أيضاً عذابات كل الذين عليهم أن يتألمون في العصور التالية مثلما قد تألم هو، ويكونوا مُجربين بنفاد الصبر أو بالغضب.
لم يسمح أعداء الرب له بلحظة راحة، حتى في هذا السّجن الكئيب، بل قيدوه إلى عمود منتصب في وسطه، ولم يسمحوا له أن يتّكئ عليه، على الرغم من أنه كان مستنزفاً تماما من المعاملة السيئة ومن ثقل سلاسله وسقوطه العديد، حتى أنه كان يستطيع بالكاد أن يسند نفسه على قدميه المتورمتان والممزّقتان. لم يتوقفوا للحظة عن أهانته؛ وعندما تعبت المجموعة الأولى، أبدلوها بأخرى .
من المستحيل تماما أن أصف كل ما عاناه قدوس القديسين من هذه الكائنات القاسية؛ لأن المنظر أثّر فيّ جدا حتى أنى أصبحت مريضة حقا، وشعرت كما لو أننى لست أستطيع أن أحيا آلامه. نحن يجب أن نخجل حقاً من ذلك الضّعف الذي يجعلنا عاجزين عن أن نستمع برباطة جأش لأوصاف تلك الآلام التي تحملها الرب بشكل هادئ جداً وبصبر من أجل خلاصنا أو التكلّم عنها. إنّ الرّعب الذى نشعر به عظيم مثل رعب ذلك القاتل الذي يُجبر على أن يضع يديه على الجراح التى أوقعها هو بنفسه على ضحيّته. لقد تحمّل يسوع كل شئ دون أن يفتح فاه؛ أنى أنا أيضاً آثمة عظيمة، وآثامي تسبّبت فى هذه الآلام. فى يوم الدينونة، عندما ينكشف المستور، نحن سنرى النصيب الذى قد تسببنا فيه من العذاب الذى تحمّله ابن الرب؛ سنرى كم كثيراً قد تسبّبنا فيها من قبل الآثام التى نرتكبها بشكل متكرر، وأنها في الحقيقة، شكل من أشكال الموافقة التي نبديها والاشتراك الفعلي في العذاب الذي لاقاه يسوع من قبل أعدائه القساة. إن تأملنا بجدية فى هذا، نحن يجب أن نكرّر بأعظم تأجّج الكلمات الذي نجدها في كتب الصّلاة : " إلهى، هبني أن أموت، بدلا من أهينك مرة أخرى بالخطيئة."
استمرّ يسوع يصلّي من أجل أعدائه، ولكونهم تعبوا تركوه أخيرا في سّلام لوقت قصير، عندما اتّكأ على العمود ليستريح، أشرق حوله نور ساطع. كان النهار قد بدأ يلوح، إنه نهار يوم آلامه، أنه يوم فدائنا، واخترق شعاع ضعيف فتحة ضّيّقة فى السّجن، سقط على الحمل المقدّس الذي بلا عيب، الذي اخذ على نفسه كل آثام العالم. التفت يسوع نحو شعاع النور ورفع يديه المكبلتين، وبأسلوب بغاية التأثر، قدم الشكر لأبيه السّماوي لأجل فجر ذلك اليوم، ذلك الفجر الذي اشتاقت إليه الأنبياء طويلاً، والذي أشتاق هو إليه بحماس منذ لّحظة ميلاده على الأرض والذي أشار إليه لتلاميذه عندما قال لهم: " لِي مَعْمُودِيَّةً عَلَيَّ أَنْ أَتَعَمَّدَ بِهَا، وَكَمْ أَنَا مُتَضَايِقٌ حَتَّى تَتِمَّ ؟ " لقد صلّيت معه؛ لكنى لا أستطع أن أتذكر كلمات صلاته، لأني كنت مُنهكة بالكامل، ومتأثرة بسماعه يقدم الشكر لأبيه عن الآلام الفظيعة التي يتحمّلها بالفعل من أجلي، ولأجل أعظم الآلام التي كان على وشك أن يتحمّلها. لقد استطعت فقط أن أكرّر مرارا وتكرارا بأعظم تّأجّج : " إلهى، أتوسّل إليك, أعطني هذه الآلام؛ أنها تخصني أنا؛ إنى استحقها كعقاب عن آثامي " لقد أنهكت تماما بمشاعر الحبّ والحنان عندما نظرت كم أنه يرحب بفجر يوم تضحيته العظيم، وذلك الشعاع الذي اخترق سجنه ربما يكون مُماثلا لزيارة القاضي الذي يرغب أن يتصالح مع مجرم قبل أن تنفذ فيه عقوبة الموت التي قد أصدرها ضده .
استيقظ الحراس، الذين كانوا مغلوبين بالنعاس‏، للحظة ونظروا إليه بدهشة: لم يقولوا شيئاً، بل بدوا متعجّبين وخائفين. لقد سُجن يسوع في هذا السّجن حوالي ساعة.

تأمل الرب يسوع

تأملوني في السّجنِ حيث قضيت جزءَ من اللّيلِ. أُهانني الجنود بالكَلِماتِ والأفعالِ، لقد كانوا يَدْفعوني ويَضْربوني وسْخروا من حالي كإنسان .
بقرب الفجر، سئموا مني، فتَركوني وحيداًَ مُقيداً في غرفة مُظلمةِ، رطبة وذات رائحة كريهةِ، مليئة بالجرذانِ. لقَدْ قيدوني بطريقة بحيث كَانَ لِزاماً علّي أَنْ أقف أو أجلس على صخرةِ مدبّبةِ كَانتْ هى كل ما أعطوه لى كمقعدِ. جسدى المتَوَجُّع قَدْ تخُدّرَ تقريباً من البردِ. تَذكّرتُ آلافَ المرات التي دثرت فيها أمي جسدي، تُغطيني عندما أكُونْ فى حاجة للدفء .. فبكيت .
فلنُقارنُ الآن بين الهيكل والسّجنِ، وقبل كل شئ، بين السجن وقلوبِ البشر. فى السّجنِ قضيت ليلهَ واحدة.... كم عدد اللّيالي التى أقضيها في الهيكل ؟
فى السجنِ الجنودِ الذين كَانواَ أعدائي, جَرحوني؛ أما في الهيكل فأُعاملُ بشكل سيئ وأهانَ من قبل نفوس تَدْعوني أباها. فى السّجنِ كُنْتُ حزينَاً وخجلاناً، جوعاناً ونعساناً وبردَاناً، متَوَجُّعا ووحيداً ومهجوراً. لقد كنت أستطيع أَنْ أري، على مدى الزمنِ، كيف في كثير جداً من الهياكل لَنْ يَكونَ عِنْدَي كساء الحبِّ. كثير جداً من القلوبِ الباردةِ سَتَكُونُ لي مثل هذه الصّخرةِ التى في السّجنِ!
كثيراً جداً من المرات سَأكُونُ عطشان للحبِّ، عطشان للنفوس! أياماً كثيرة جداً انتظر أن تَزُورني نفس، أن تلاقيني في قلبها لأننى قضيت اللّيل كله وحيداً وقَدْ فَكّرتُ فى تلك النفس من أجل أَنْ تَرْوي عطشي! مرات كثيرة جداً أَشتاقُ لأحبائي، أشتاق لوفائهم ولكرمهم!
هَلْ يَعْرفونَ كيف يُهدّئون هذا الشّوقِ؟ عندما يكون عليهم أَنْ يتألموا يسيراً، هل سَيَعْرفونَ أَنْ يُقولوا لى : " أنْ نَكُونَ معك في وحدتكَ, فهذا سيُساعدكُ على أَنْ تُهدّئَ حزنكَ" ؟. وأه ! ليتكم على الأقل تتحدوا معى, وطالما أنكمَ تَواسون قلبي، فأنكمَ ستطوقونه بالكامل بالسّلامِ وسيتُقَوَّى.
فى السّجنِ شَعرتُ بالخجل عندما سَمعتُ الكَلِماتَ المروّعةَ التي قِيلتْ عنيّ، وذلك الخجل نَما عندما رَأيتُ أن هذه الكَلِماتِ نفسهاِ سَتُكرّرهاُ النفوس الحبيبةِ.
عندما صفعتني وضَربتني تلك الأيادي، رَأيتُ كيف أنه فى كثير من المرات سَأكُونُ مصفوعاً ومضُروباً مِن قِبل كثير جداً من النفوس التي بدون أن تُطهر نفسها من الخطيئةِ، بدون أن تُنظّفُ مسكنها بالاعتراف الجيدِ، تتناولني. رأيت أن تلك الآثامِ المألوفةِ ستَضْربني مراراً وتكراراً, رأيت عندما سيجْعلونني اَنْهضُ بدَفْعي، بَكُونُي بلا قوةَ وبسبب السّلاسلَ التى تقيدني، سْأسقطُ على الأرض. رَأيتُ كيف أن كثير جداً من النفوس التى تقيدني بسلاسلِ الجحودِ، ستَتْركني اَسْقطُ على الأحجارِ مُجدّدينُ خزيي ومُطيلُين وحدتي.
تأمّلواُ يا نفوسى المُختَاَرة، تأمّلواُ عريسكم في السّجنِ. تأمّلوني فى تلك الليلةِ واعلموا أن هذه الآلام تطولُ في عزلة كثير جداً من الهياكلِ، تطول هذه الليالي في برودةِ كثير جداً من القلوبِ.
إن أُردتم أَنْ تَعطوني برهان عن محبّتكمَ، اَفْتحُوا لى قلوبكمَ لأستطيع أَنْ اَجْعلها سجني. قيدوني بسلاسلِ محبّتكَم. غطوّني برقتكم؛ غذّوني بحنانكم. أروْا عطشي بتوهجكم. واسوا أحزاني ووحدتي بمشاركتكَم الأمينة. اجعلْوا خزيي يَختفي بنقاوتكمَ وبنواياكمَ الصّادقةِ. إن كنتم تُريدوا أَنْ أستَريحَ فيكم، تجنّبُوا صخب أهوائكم وفي صمتِ نفوسكم، أنا سَأَنَامُ بسلام .
من وقت لآخر سَتَسْمعُون صوتي يُخبركمَ بهدوء: يا عروسي، أنك الآن موضع راحتي، سَأكُونُ أنا موضع راحتك إلى الأبد. إليكم، يا من تُزوّدني بقلوبكم كسجن بكثير من التكريسِ والحبِّ، أنى أَعدُكم أنّ أجركم سيكون بلا حدودُ، والتّضحيات التى أديتموها من أجلي خلال حياتكَم لَنْ تجعلكم فى الموازين لأسفل .
عندما كنت في السّجنِ رَأيتُ المقتدين بآلامى يَتعلّمونَ منى وداعتي، يتعلمون صبري وسكوني. ليس فقط بقبول الآلام والازدراء، بل مُحبين حتى الذينََ يَضطهدونهم، وأن اقتضى الأمر، يَضحّون بأنفسهم من أجلهم كما ضَحّيتُ أنا بنفسي.
خلال ساعات العزلة تلك وفي غمرة كثير من الآلام، صرت متوهجاً أكثر فأكثر برغبتى فى إكمال إرادة أبى بالتمام. . هكذا قدمت نفسي لأصلح مجده المُهان بعمق! هكذا أنتم آيتها النفوس التقية, الذين تجدوا نفوسكم في سّجن اختياري من أجل المحبة، أكثر من مرة ستكونون في أعين الآخرين كمخلوقات بلا فائدة ومن المحتمل مخلوقات ضارّة، لا تخافوا. دعوهم يصيحون ضدكم, وخلال ساعات الألم والعزلة تلك, وحدوا قلوبكم بحميه مع إلهكم، مع موضوع محبتكم الوحيد. كفروا لأجل مجده المهان من قبل كثير جداً من الآثام.


بينما كان يسوع في هذه الزّنزانة، يهوذا، الذي كان يتجوّل أعلى وأسفل وادي هنون كالمجنون، توجه نحو دار قيافا بالثلاثين قطعة فضة، مكافأة خيانته، التى كانت ما زالت مُعلقة على خاصرته. كل شئ حوله كان صامتاً، وتوجه إلى بعض الحراس، دون أن يتركهم يعرفون من هو، وسألهم عما حدث للجليلي. كانت الإجابة : " لقد أدين بالموت، وسيصلب بالتأكيد ". مشي يهوذا ذهابا وإيابا، واستمع إلى الأحاديث المختلفة التي تختص بيسوع. البعض تكلّم عن المعاملة القاسية التى نالها، تكلم آخرون عن صبره العجيب، بينما آخرين، ثانية، ناقشوا باهتمام المحاكمة المهيبة التي ستحدث في الصّباح أمام المجلس العظيم.
بينما كان الخائن يستمع بلهّفة إلى الآراء المختلفة، أشرق النهار؛ شرع أعضاء المحكمة فى استعداداتهم، وانسلّ يهوذا خلف البناية لكى لا يراه أحد، لأنه مثل قايين طلب أن يخفي نفسه عن أعين البشر، وبدأ اليأس يدب فى نفسه. الموضع الذي اتخذه كمخبأ صادف وكان نفس البقعة التى كان العمّال يعدّون فيها الخشب لصنع صليب يسوع؛ كل شئ كان مُعداً، والرّجال كانوا نائمين بجانبه. امتلأ يهوذا بالرّعب من المنظر: ارتجف وهرب عندما نظر آداه ذلك الموت القاسي الذي أسلّم إليه إلهه وسّيده لقاء مبلغ تافه من المال؛ جرى ذهابا وإيابا في آلام مُبرِّحة‏ من النّدم، وأخفى نفسه أخيرا في مغارة مجاورة، حيث صمّم على أن ينتظر المحاكمة التي كانت ستحدث في الصّباح

الفصل السادس والعشرون
محاكمة الصّباح

تجمّع قيافا وحنان والشيوخ والكتبة مرة أخرى في الصّباح في القاعة الكبيرة ليعقدوا محاكمة قانونية، لأن اجتماعات الليل لم تكن قانونية، ويمكن فقط أن تنظر التمهيد للمحاكمة. نام أغلب الأعضاء في دار قيافا، حيث أُعدت لهم الأسرّة، لكن البعض ومن بينهم نيقوديموس ويوسف الرامى عادوا لمنازلهم ثم عادوا فجر اليوم. كان الاجتماع حاشدا، وشرع الأعضاء فى مهمتهم بأسرع ما يمكن. لقد رغبوا أن يدينوا يسوع بالموت فى الحال، لكن نيقوديموس ويوسف الرامى، وبعض الآخرين عارضوا رغباتهم وطلبوا أنّ يرجئ القرار إلى ما بعد العيد، خوفاُ من التسبب فى تمرد بين الشعب، مؤكدين أيضاً أنهّ لا يمكن أن يُحاكم مُتهم بعدل باتهامات لم تثبت، وأنه في الحالة التى أمامهم الآن فأن كل الشّهود يناقضون بعضهم البعض. أغتاظ كبار الكهنة والموالون لهم وقالوا ليوسف الرامى ولنيقوديموس بكلمات بسيطة، إنهم لم يندهشوا للاستياء الذى أظهراه في السابق، لأنهما مواليان للجليلي ولتعاليمه، وإنهما يخشيان أن يدان. نجح رئيس الكهنة فى أن يُبعد من المجلس كل الأعضاء الذين لديهم أدنى دّرجة من التعاطف مع يسوع. احتج هؤلاء الأعضاء بأن غسلوا أياديهم من كل إجراءات المجلس وتركوا القاعة وذهبوا إلى الهيكل، ومنذ هذا اليوم لم يشغلوا مقاعدهم مرة أخرى في المجلس.
أمر قيافا الحرّاس أن يُحضروا يسوع مرة أخرى أمامه، وأن يعدّ كل شيء لأخذه مباشرة إلى محكمة بيلاطس لأنه يجب أن يعلن العقوبة. أسرع الحرس إلى السّجن، وبوحشيتهم المعتادة حلّوا وثاق يدي يسوع، نزعوا العباءة القديمة التي كانت قد تركوها على كتفيه وجعلوه يضع عباءته، وجروه خارج السّجن بعدما ربطوا الحبال حول خصره. عندما عبر يسوع خلال الحشود التى تجمّعت عند مدخل الدّار، كان منظره كمنظر ذبيحة تُقاد للذبح؛ تغيّرت معالمه بالكلية وتشوّهت من المُعاملة القاسية، ملابسه تلطّخت وتمزّقت؛ لكن منظر آلامه كان بعيداً عن إثارة الشعور بالشّفقة في قلوب اليهود القاسية الذين امتلئوا بالاشمئزاز وزاد هياجهم. حقا أن الرحمة كانت شعوراً غير معروف في صدورهم القاسية.
خاطب قيافا يسوع دون أن يبذل أدنى جهد ليخفي كراهيته قائلا: " إن كنت أنت المسيح، قل لنا ذلك صراحة. " حينئذ رفع يسوع رأسه وأجاب بوقاره وهدوئه العظيم : " إن قلت لكم، فإنكم لن تصدقوني؛ وإن سألتكم، فإنكم لن تجيبوني ولن تطلقوني. إلا أن ابن الإنسان سيجلس من الآن على يمين قوة الرب. " نظر رؤساء الكهنة كل منهم للآخر، وقالوا إلى يسوع بازدراء : " أأنت إذن ابن الرب؟ " أجاب يسوع بصوت الحق الأزلى قائلاً: " أنتم قلتم أنى أنا هو " بهذه الكلمات صاحوا جميعا " ما حاجتنا بعد لأي شهادة أخرى؟ فأننا قد سمعنا ذلك بأنفسنا من ذات فمه "
نهضوا جميعا فى الحال ونافس كل منهم الآخر فى أهالة أردأ الصّفات على يسوع، الذى دعوه فاجراً ووضيع المَوْلِد‏، الذي يطمح فى أن يكون مسيحهم المنتظر، ويزعم أنه مؤهّل لأن يجلس على يمين الرب. لقد أمروا الحراس أن يربطوا يديه ثانية وأن يربطوا سلسلة حول رقبته ، وحينئذ استعدّوا لأن يقتادوه إلى بيلاطس، حيث أرسلوا إليه رسولاً بالفعل ليستجدونه أن يُعد كل شئ لمحاكمة مجرم، كما أنه من الضروري ألا يتأخر بسبب يوم العيد.
همهم اليهود بين أنفسهم أنه لابد أن يقدّم إلى الحاكم الرّوماني لتأكيد عقوبتهم، لأن ذلك كان ضرورياً، حيث أنه لم يكن لهم الحق فى مًحاكمة المجرمين باستثناء الأمور التى تتعلق بالدين والهيكل فقط، وإنهم لا يستطيعون أن يُجيزوا عقوبة الموت. لقد رغبوا أن يثبتوا له أنّ يسوع عدو للإمبراطورية، وهذا الاتهام كان يخص أمور تحت نطاق سُلطة‏ بيلاطس.
اصطف الجنود أمام الدّار، محاطين بحشود كبيره من أعداء يسوع ومن العامة الذين انجذبوا بدافع الفضول. سار رؤساء الكهنة وجزء من أعضاء المجلس على رأس الموكب، ثم يسوع يقتاده الحراس بالإضافة لبعض الجنود الذين يتبعونهم، بينما سار الغوغاء فى الخلف فى المؤخّرة. كان عليهم أن ينحدروا من جبل صهيون، ويجتازوا الجزء المنخفض من المدينة ليصلوا إلى قصر بيلاطس، وذهب عديد من الكهنة الذين حضروا المجلس إلى الهيكل مباشرة بعد ذلك، للاستعداد للعيد .

46
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول

الفصل الثاني والعشرون
الإهانات التى وُجهت ليسوع في محاكمة قيافا

ما أن غادر قيافا القاعة هو وأعضاء المجلس حتى أحاطت الحشود بيسوع كالزّنابير الغاضبة، وبدءوا ينهلون عليه بكل أهانة قابلة للتخيل. حتى خلال المحاكمة، بينما كان الشّهود يتكلّمون، لم يستطع الحرس وبعض من الآخرين أن يمتنعوا عن إظهار ميولهم الوحشية، فنزعوا الكثير من شعره ومن لحيته، صفعوه على وجهه، لكموه بقبضات أياديهم، جرحوه بعِصِي‏ مدبّبة، ووخزوه بالإبر في جسده؛ عندما ترك قيافا القاعة لم يضعوا حدوداً لهمجيتهم. أولاً وضعوا إكليلاً، مصنوعاً من القش وأغصان الأشجار على رأسه، وبعد ذلك أزالوه وًحيوه بكلمات مهينة، قالوا مثلاً : " انظروا ها هو ابن داود يرتدى تاج أبيه " و " ها هنا من هو أعظم من سليمان؛ ها هو الملك الذي يُعدّ وليمة العرس لابنه " وهكذا حوّلوا تلك الحقائق الأزلية إلى مادة للسّخرية, تلك الحقائق التي علّمها لهم من جاء من السّماء ليخلصهم من خطاياهم على صورة أمثال؛ وبينما كانوا يكررون هذه الكلمات السّاخرة، واصلوا ضربه بقبضات أياديهم وعصيهم وبصقوا في وجهه. ثم وضعوا تاج القش على رأسه.
ثم نزعوا عباءته، والقوا عباءة ممزّقة قديمة على كتفيه، بالكاد تصل لركبتيه؛ علّقوا سلسلة حديدية طويلة حول رقبته تنتهي بحلقة حديدية في كل نهاية ومزودة بأسنان حادّة، كبلوا ذراعيه ثانية، وضعوا قصبة في يدّه وغطّوا وجهه الإلهى بالبصاق. القوا بكل أنواع القاذورات على شعره وعلى صدره وعلى العباءة القديمة. عصبوا عينيه بخرقة قذرة وضربوه صارخين بأصوات عالية : تنبّأ لنا أيها المسيح، من الذى ضربك ؟ ", لم يجبهم بكلمة واحدة، بل تنهّد، وصلّى من أجلهم سراً.
وضعوا عليه غطاء رأس كبير يرتديه أعضاء المجلس، كان قيافا يضعه علي رأسه وكان ما زال في الغرفة، وبدوا مُبتهجين وهم ينظرون هذا المشهد المخزي الذي شرّعوا فيه، ناظرين بكل السرور للطقوس الأكثر قداسة وقد تحوّلت إلى مراسم للهزء. الحرّاس ألعديمي الرحمة غمروه بالطّين والبصاق، وبرزانة وهمية صاحوا : تسلم المسحة النّبوية, تسلم المسحة الملوكية ", ثم سخروا من مراسم الّعماد بشكل أثيم، ومن صنيع المجدلية فى إفراغ زجاجة الطيب على رأسه. صاحوا " كيف تجرؤ أن تظهر أمام المجلس بمثل هذه الحالة ؟ أتطهر الآخرين، ولا تقدر أن تُطهر نفسك؛ لكننا سنطهرك قريبا " وأحضروا حوضاً مملوءاً بالماء القذر، وسكبوه على وجهه وكتفيه، بينما احنوا ركبهم أمامه صائحين : " ها هى المسحة الثمينة, ها هو الطيب الذى يُقدر بثلاثمائة دينار؛ ها أنت قد تعمّدت في بركة بيت حسدا ". لقد تعمدوا أن يسخروا من تصرف المجدلية، عندما سكبت الطيب الثّمين على رأسه، في بيت الفريسي.
بعد عديد من الإهانات، أمسكوا بالسّلسلة التي علقوها على رقبته وسحبوه نحو الغرفة التي كان يتشاور فيها أعضاء المجلس، ودفعوه بعصيهم صائحين: تقدم يا ملك القش! أظهر نفسك للمجلس بشارة الشرف الملوكي التى نقدمها لك. "
لقد جروه حول الغرفة، أمام كل أعضاء المجلس، الذين استمرواّ يخاطبونه بلّغة تّأنيبية وسّيئة. بدا كل وجه كوجه شيطان غاضب، وكل ما حولهم كان مًظلماً ومشوشاً ورديئاً‏. يسوع بالمقابل رأيته كما رأيته فى تلك اللّحظة عندما أعلن فيها أنه هو ابن الرب، لقد كان مُحاطاً بهالة من النور. كثير من المّجتمّعين بدا عليهم أنه لهم معرفة مشوّشة بهذه الحقيقة، وامتلئوا بالذّعر بإدراك أنه لا إساءة ولا عار ممكن أن يُبدِّل‏ من السمة الملوكية لمُحياه .
حرّضت الهالة التي أشرقت حول يسوع منذ اللّحظة التى أعلن فيها نفسه أنه هو المسيح، ابن الرب الحيّ، حرّضت أعداءه على غضب أعظم، ومع ذلك كانت متألقة جدا حتى إنهم لم يستطيعوا أن ينظروا إليها، وأعتقد أن نيتهم برمي الخرق القذرة على رأسه كان لكى يخفون سطوعها.
تأمل الرب يسوع
تأمّلْوا كيف أساءوا معاملتي: لقد ضُربت على وجهي، بُصق عليّ، لوى عنقي ليُسْخرَ مني؛ نُتفت لحيتي؛ عُصرَ ذراعيّ؛ ضُربت على أعضاء رجولتي، وعندما سْقطتُ، جُررت من شعري.



الفصل الثالث والعشرون
إنكار القديس بطرس

في اللحظة التى قال فيها يسوع : " أنك قد قلت ذلك " وشق فيها رئيس الكهنة ثيابه، دوّت كل الغرفة بنّداءات صّاخبة. لم يستطع بطرس ويوحنا تحمل المنظر أكثر من ذلك، لقد تألما بشدة من المشهد الذي حدث فى التو، واجبرا أن يشهداه بصّمت، لهذا نهض بطرس ليترك الغرفة، وتبعه يوحنا فى الحال. ذهب يوحنا إلى العذراء المباركة، التى كانت في دار مرثا مع النّساء القديسات، محبّة بطرس ليسوع لم تجعله قادراً أن يتركه؛ قلبه كان يتمزق، وبكى بمرارة على الرغم من أنه سعى أن يمنع دموعه أو أن يخفيها. لقد كان من المستحيل عليه أن يبقى في المحكمة، فأن عاطفته العميقة برؤية آلام سيده الحبيب كانت ستخونه؛ لهذا دخل الدّهليز واقترب من النّيران التى كان يجلس حولها بعض الجنود وعامة الناس وكانوا يتحدّثون بأسلوب قاس ومثير للاشمئزاز‏ عن آلام يسوع ويقصون ما فعلوه هم بأنفسهم به. كان بطرس صامتاً، لكن صمته وسلوكه المحزن جعل من حوله يشكّون فى أمره. جاءت البوّابة نحو النيران في وسط الحديث ونظرت إلى بطرس وقالت " أنك أنت أيضا كنت مع يسوع الجليلي " باغتت هذه الكلمات بطرس ونبّهته؛ ارتعد لما يمكن أن يتبع ذلك إن اعترف بهذه ‏الحقيقة أمام رفاقه القساة، وأجاب بسرعة : " يا امرأة، أنى لست اعرفه " ونهض وترك الدّهليز. فى هذه اللحظة صاح دّيك من مكان ما عند أطراف المدينة. بينما كان بطرس يخرج نظرت إليه جارية أخرى وقالت لمن معها : " إن هذا الرّجل كان معه أيضا " والأشخاص الذين خاطبتهم سألوا بطرس فورا إن كانت كلماتها صادقة قائلين : " ألست واحداً من تلاميذ هذا الرّجل؟ " بطرس كان أكثر حذراً من ذى قبل وجدّد إنكاره قائلا : " كلا أنى لست أعرف هذا الرّجل. "
ترك بطرس القاعة الدّاخلية ودخل القاعة الخارجية وهو يبكي، وكان اضطرابه وحزنه عظيمان حتى أنه لم يفكر فى الكلمات التى نطقها تواً. كانت القاعة الخارجية قد امتلأت بالناس، وتسلّق البعض قمة الحائط ليستمعوا إلى ما يُقال في القاعة الدّاخلية التي مُنّعوا من دخولها. كان هناك بعض التلاميذ أيضاً، لأن قلقهم بخصوص يسوع كان عظيماً جدا حتى إنهم لم يتمكّنوا من أن يظلوا مختبئين في مغائر وادي هنوم. جاءوا إلى بطرس، وبكثير من الدّموع سألوه بخصوص سيدهم الحبيب، لكنه كان فاقداً شجاعته‏ وخائفاَ للغاية من خيانته، حتى أنه أوصاهم باختصار أن يخرجوا، حيث إنه من الخطر أن يمكثوا وتركهم فى الحال. لقد استمرّ يُطلِق العِنان لحزنه العنيف، بينما أسرعوا هم بترك المدينة. لقد ميزت بين هؤلاء التلاميذ، الذين كانوا حوالي ستة عشر، بَرْثلْمَاوُس، نثنائيل، ستيرنينوس، يهوذا برسابا، سمعان الذي أصبح بعد ذلك أسقف أورشليم، زكا، ومناحم، الرّجل الذي ولد أعمى وشفاه يسوع .
لم يستطيع بطرس أن يستريح فى أي مكان، وحبّه ليسوع حثّه على أن يرجع إلى القاعة الدّاخلية، التي سُمح له أن يدخلها، لأن يوسف الرامى ونيقوديموس كانا قد أدخلاه في المرة الأولى. ولكنه لم يدخل الدهليز، بل أنعطف يميناً وذهب نحو الغرفة المستديرة التي كانت خلف المحكمة، والتي كان يخضع فيها يسوع لكل احتقار وإهانة ممكنة من أعدائه القساة. سار بطرس بخوف نحو الباب، ومع أنه كان واعياً تماما أنه محل شكّ من قبل كل الحاضرين بأنه من الموالين ليسوع، ومع ذلك لم يتمكّن من أن يبقى خارجاً؛ حبّه لسيده دفعه للأمام؛ دخل الغرفة، تقدّم، ووقف قريبا في وسط الحشد البغيض الذي كان يمتّع نظره بآلام يسوع. لقد كانوا في تلك اللّحظة يجرونه بشكل مخز ذهابا وإيابا بتاج القش على رأسه؛ ألقى يسوع عليه نظرة حزينة جدا وحادّة، نظرة مزقت قلبه، لكنه كان لا يزال منتبّهاً للغاية، وفي تلك اللّحظة سمع بعضاً من الذين حوله يصيحون " من هذا الرّجل؟ " فرجع مرة أخرى إلي القاعة، وشاهد الناس الذين في الدّهليز يراقبونه، أتى نحو النيران ووقف أمامها لفترة. لاحظ بعض الأشخاص وجهه المضطرب الحريص وبدءوا يتكلّمون بكلمات مخزية عن يسوع وقال له أحدهم : " إنك أيضا أحد تلاميذه؛ أنك جليلي أيضا؛ أن لهجتك تُظهرك " نهض بطرس معتزماً أن يترك الغرفة، عندما أتى شقيق ملخس إليه وقال : " هل لم أرك في البستان معه؟ ألست أنت الذى قطع أذن أخي؟ "
حينئذ أصبح بطرس بغاية الرّعب؛ بدأ يلعن ويقسم " إني لست أعرف الرّجل " وخرج من الدّهليز إلى القاعة الخارجية؛ حينئذ صاح الدّيك مرة ثانية، وكان يسوع في تلك اللّحظة يُقتاد عبر القاعة، ألقى نظرة ممتزجة بالحنو والأسى على تلميذه. طعنت نظرة يسوع تلك قلب بطرس، لقد ذكّرته بالأسلوب القويّ والشديد الذى تكلم به يسوع معه فى المساء السّابق : " أنك قبل أن يصيح الدّيك مرّتين, ستنكرني ثلاث مرات." لقد نسى كل وعوده وتأكيداته إلى يسوع، أنه ممكن أن يموت بدلا من أن ينكره, لقد نسى تحذير يسوع له؛ لكن عندما نظر إليه يسوع، شعر بفداحة ذنبه، وقلبه كان يطفح بالأسى. لقد أنكر سيده، عندما كان ذلك السيد المحبوب مهاناً، مُذلاً, مُسلّماً في أيادي قُضاة ظّالمين، عندما كان يعاني كلّ شئ بصبر وبصّمت. أن إحساسه بالنّدم كان فوق كل تعبير؛ لقد رجع إلى القاعة الخارجية وغطّى وجهه وبكى بمرارة؛ كل خوفه من أن يتعرفون عليه قد ولى؛ وكان مستعداً أن يعلن للعالم كله ذنبه وتوبته.
لقد ترك الرب بطرس لقوته، وهو كان ضعيفاً، مثل كل من ينسون القول " اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة "

تأمل الرب يسوع

بينما كان قلبي يَعاني من كل هذه المِحَنِ، بطرس، الذي وَعد منذ ساعات مضت أَنْ يتبعني حتى الموت، أُنكرني فى إجابة لسؤالَ بسيطَ قد وجه إليه وكَانَ ممكن أَنْ يَخْدمه في إعْطاءِ شهادةِ عنّي. ولأن الخوف أُستوليْ عليه أكثر، عندما تكرر السّؤال، أقسمُ بأنّه ما سَبَقَ أَنْ عَرفني قط ولا أنه تلميذي. بَسْؤُاله لثالث مرة، أجابَ بلّعناتِ رديه .
أبنائي الصغار، عندما يَحتجُّ العالم ضدي وتتحول عنى نفوس مُختَاَرينى، واَرى نفسي متَروكاً ومُنكرُاً، هَلْ تَعْرفُون كم تكون عظمة الحزنُ والمرارةُ في قلبي؟
سَأُخبرهم كما أخبرتُ بطرس : أحبائي، يا من اَحْبّهمُ كثيراً، هَلْ لا تَتذكّرونُ اختبارات الحبِّ التي أعطيتها لكَم؟ هَلْ نَسيتمَ كم مرة وعدتموني أنْ تكُونواَ أمناء وأَنْ تدافعوا عنى ؟ أنكَم لا تثقون بأنفسكم لأنكم ضالون؛ لكن إن أتيتم لي باتضاع وبإيمان ثابت، لا تخافوا شيئاً؛ فأنكم ستكونون مسنودين جيّداً .
أحبائي، يا من تحيون مُحفوفين مِن قِبل كثير من الأخطارِ، لا تَدْخلُوا في فرص الخطيئةِ من خلال الفضولِ العقيمِ؛ كُونُوا حذرينُ فأنكم قد تَسْقطون مثلما سقط بطرس.
وأنتَم يا من تَعْملُون في كرمى، إن شْعرتُم أنكم تتحركون بدافع الفضولِ أو بدافع بعض الإشباع البشرىِ، فسَأُقول لكم أَنْ تَهْربَوا. لكن إن كنتم تَعْملُوا من أجل الطاعةِ وكنتم مَدْفوعينُ بتأجج من أجل النفوس ومن أجل مجدي، فلا تخافوا. فأنا سَأَحْميكَم وأنتَم ستغلبون.
عندما آخذني الجنود سجيناًَ، كَانَ بطرس نصف مُختبئ في أحد الأروقةِ وسط الحشودِ. نظراتنا تلاقت؛ عيناه كانت مُتحُيّرةْ، لقد كان ذلك لجزء من الثانية فقط ومع ذلك، أخبرته بالكثير!... لقد رَأيته يَبكى بمرارة لخطيئته وبقلبي قلت له : " إن العدو قَدْ حَاولَ أَنْ يَمتلككَ لكنى لم أَتْرككَ. أنى اَعْرفُ أنّ قلبكَ لم ينكرني. كُنُ مُستعداً لمعركةِ اليومِ الجديدِ، للمعارك المتكررة ضدّ الظّلمةِ الرّوحيةِ وأعد نفسك لتتلقى أخباراً جيدة. إلى اللقاء يا بطرس . "
كم من مرة اَنْظرُ نحو النفس التى أَثمتُ، لكن هَلْ تَنْظرُ هى إلىّ أيضا ؟ ليس دائما تتلاقى أعيننا. كم كثيراً من المرات اَنْظرُ إلي النفس وهى لا تَنْظرُ إليّ؛ أنها لا تَراني؛ إنها عمياء.... إنى اَدْعوها باسمها وهى لا تُجيبني. أُرسل لها الأحُزانَ، الآلام، عسى أن تستطيع أَنْ تفيق من نومها، لكنها لا تُريدُ أَنْ تَستيقظَ.
أحبائي، إن لم تَنْظرُوا نحو السّماءِ، فأنتَم سَتَحيون ككائناتِ محَرومةْ من الحافزِ. ارفعْوا رؤوسكَم وتأمّلْوا المسكن الذي ينتظركَم. ابحثواْ عن إلهكَم وأنتَم سَتَجدونه دائما وعيناه مًثَبّتة عليكم، وفي نظرته سَتَجدُون سلاماً وحياة.


الفصل الرابع والعشرون
العذراء مريم في دار قيافا

كانت العذراء المباركة متّحدة دوماً بابنها الإلهي باتصالات رّوحية دّاخلية؛ لهذا كانت مُدركة بالكامل لكل ما يحدث له, لقد عانت معه، وانضمت إلي صلاته المستمرة من أجل قاتليه. لكن مشاعرها الأمومية حثّتها أن تتضرّع إلى الرب القدير بكل تأجج ألا يجعل الجريمة تكتمل، وأن ينقذ ابنها من هذا العذاب المخيف. لقد رغبت بلهّفة أن ترجع إليه؛ وعندما جاء يوحنا إلى دار لعازر ليعتني بها بعدما ترك المحكمة في اللحظة التى ارتفع فيها الصياح المخيف : " أنه مذنب ومستحق الموت " وروى تفاصيل المشهد المخيف الذى شهده، ترجته العذراء والمجدلية وبعض من النّساء القدّيسات الأخريات أن يأخذهن إلى حيث يعاني يسوع. يوحنا، الذي كان قد ترك مُخلصنا تواً من أجل أن يواسي تلك التى يحبها أكثر من أى أحد بعد مُعلمه الإلهى، استجاب فى الحال لطلبهم وقادهم خلال الشّوارع التي كانت مضاءة بالقمر فقط، ومزدحمة بأناس يتعجلون للرجوع لبيوتهم. النّساء القدّيسات قد تحجبن بإحكام‏؛ لكن البكاء الذي لم يستطعن منعه جعل عديد ممن يعبرن عليهن يلاحظهن، وتعَذَّبت مشاعرهن بالألقاب البذيئة التى سمعنها مُصادفة والتى مُنحت ليسوع من قبل أولئك الذين كانوا يتحدّثون عن موضوع اعتقاله. العذراء المباركة، التي نظرت دوما بالروح المعاملة المخزية التي ينالها ابنها العزيز، استمرت تضع فى قلبها كل هذه الأشياء؛ وقد عانت مثله في صّمت؛ لكن أكثر من مرة كانت تغيب عن الوعي تماما. رآها بعض تلاميذ يسوع الذين كانوا عائدين من قاعة قيافا، وتوقفوا لينظروها بشفقة وحيوها بهذه الكلمات : " السلام لك! السلام للأم الحزينة، السلام لأم أقدس من فى إسرائيل، لأكثر الأمهات ابتلاء ! " فرفعت مريم رأسها وشكرتهم بامتنان، وواصلت رحلتها الحزينة.
عندما اقتربوا من دار قيافا, ازدادت أحزانهم برؤية بعض الرّجال مُنشغلين فى إعداد الصليب لصلب يسوع. أصدر أعداء يسوع أوامر أن يُعدّ الصّليب بعد اعتقاله مباشرة، حتى ينفذوا العقوبة التي يأملوا أن يقنعوا بيلاطس أن يُجيزها عليه دون تأخير. كان الرومان قد اعدواّ صليبي اللّصين مسبقا، وكان العمّال الذي يُعدون صليب يسوع مُتذمرين كثيراُ لكونهم مُضطرين أن يعملوا خلال اللّيل؛ إنهم لم يحاولوا أن يخفوا تذمرهم من هذا، ونطقوا بأقسام ولّعنات مُخيفة طعنت قلب أم يسوع الحنونة مراراً وتكراراً؛ لكنها صلّت من أجل هذه المخلوقات العمياء التي تجدف بجهل على المُخلص الذي كان على وشك أن يموت من أجل خلاصهم ويعدون الصّليب ليُنفذ عليه هذا الحُكم القاسي بالإعدام‏.
اجتازت مريم ويوحنا والنساء القدّيسات القاعة الخارجية الملحقة بدار قيافا. وقفوا عند الباب الذي يُفتح على القاعة الدّاخلية. قلب مريم كان مع ابنها الإلهى ورغبت بتوهج أن ترى هذا الباب مفتوحاً، كى تتمكن أن تراه لأنها عرفت أن هذا الباب هو الشيء الوحيد الذى يفصلها عن السّجن حيث قد سُجن. فُتح الباب وأسرع بطرس خارجاً، وجهه كان مغطّى بعباءته وكان يعتصر يديه ويبكى بمرارة. على ضوء المشاعل تعرف فى الحال على يوحنا والعذراء المباركة، لكن رؤيتهم جدّدت مشاعر النّدم التي أيقظتها نظرة يسوع في صدره. اقتربت منه العذراء على الفور وقالت : " سمعان، اخبرني، أتوسّل إليك، ما هو حال يسوع، أبني!" طعنت هذه الكلمات قلبه؛ لم يتمكّن حتى أن ينظر إليها، بل استدار، واعتصر يديه ثانية. اقتربت مريم منه وقالت في صوت يرتجف بالانفعال : " يا سمعان بن يونا، لماذا لا تجيبني؟ " صرخ بطرس بنغمة حزينة " أماه، لا تتكلّمي إلى, لأن ابنك يعاني أكثر مما تستطيع أن تعبر عنه الكلمات, لا تتكلّمي إلى! لأنهم قد أدانوه إلى الموت، وأنا أنكرته ثلاث مرات " جاء يوحنا ليسأل بضعة أسئلة، لكن بطرس ركض خارج القاعة ولم يتوقف للحظة واحدة حتى وصل مغارة في جبل الزيتون, تلك المغارة التى انطبعت على صخورها يدا مُخلّصنا على نحو عجيب. أعتقد إنها ذات المغارة التى أتخذها آدم مأوى ليبكي فيها بعد سقوطه.
كانت العذراء المباركة حزينة بما يفوق الوَصْف‏ بسماع ما أوقع الألم على قلب ابنها الإلهي الحبيب، الألم بأن يجد نفسه مُنكراً من قبل ذلك التّلميذ الذي كان أول من اعترف به كابن الإله الحيّ؛ لقد كانت عاجزة عن أن تسند نفسها، ووقعت على حجارة الباب، التي أنطبعت قدميها ويديها عليها حتى الوقت الحاضر. لقد رأيت الحجارة تُحفظ بمكان ما لكنى لا أستطيع أن أتذكر أين فى هذه اللّحظة. لم يُغلق الباب ثانية، لأن الحشد كان يتفرق، وعندما أفاقت العذراء المباركة، توسلت إليهم أن يأخذوها إلى أقرب موضع ممكن لابنها الإلهى. قادها يوحنا حينئذ هى والنّساء القدّيسات إلى مقدمة السّجن حيث قد أُحتجز يسوع. مريم كانت مع يسوع بالرّوح، ويسوع كان معها؛ لكن هذه الأم المحبّة رغبت أن تسمع بأذنيها صوت ابنها الإلهى. لقد أصغت وسمعت ليس فقط تأوهاته، بل أيضا اللّغة السّيئة لأولئك الذين حوله. كان من المستحيل على النّساء القدّيسات أن يبقين في القاعة أكثر من ذلك دون جذب الانتباه. حزن المجدلية كان عنيفاً جدا حتى أنها كانت عاجزة عن أن تخفيه؛ وعلى الرغم من أن العذراء المباركة، بنعمة خاصّة من الرب القدير، احتفظ‏ت بهدوئها ووقارها وسط آلامها، إلا أنها عرفت وسمعت كلمات قاسية مثل هذا : " أليست هذه أم الجليلى؟ سيُعدم ابنها بكل تأكيد، لكن ليس قبل الاحتفال، ما لم يكن قبله، حقا، إنه لمن أعظم المجرمين."
تركت العذراء المباركة القاعة وصعدت إلى المستوقد‏ في الدّهليز، حيث كان لا يزال بعض الأشخاص واقفين. عندما وصلت للبقعة التى أعلن يسوع فيها أنّه ابن الرب، وصرخ حينئذ اليهود الأشرار : " أنه مذنب ويستحق الموت " غابت عن الوعي ثانية، وحملها يوحنا والنّساء القديّسات بعيداً، بمظّهر يشبه مظهر جثة أكثر من كونها شخص حيّ. لم يتفوه المحيطين بهم بكلمة؛ بدوا مندهشين وصمتوا .
عبرت النّساء القدّيسات المكان ثانية حيث كان يعدّ الصّليب؛ بدا أن العمّال يجدون صعوبة في إكماله بنفس قدر الصعوبة التى واجهها القضاة في إصدار العقوبة وكانوا مُجبرين أن يجلبوا خشباً جديداً فى كل لحظة، لأن بعض القطع لم تكن ملائمة، والأخرى تنشطر؛ استمر هذا حتى وضعت أنواع مختلفة للخشب في الصّليب طبقا لنوايا التّدبير الإلهى. رأيت الملائكة التي ألزمت هؤلاء الرّجال بإكمال عملهم، ولم يتركوهم يستريحون، حتى تم كل شئ بأسلوب صحيح؛ لكن تذكري لهذه الرّؤيا غَيْر متميِّز‏ .

47
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول
الفصل التاسع عشر
محاكمة يسوع أمام حنان

وصل يسوع إلى قصر حنان نحو منتصف الليل وعلى الفور اقتاده حرّاسه نحو قاعة فسيحة، حيث جلس حنان مُحاطاً بثمانية وعشرين عضواً من أعضاء المجلس على منصَّة‏ ترتفع قليلاُ عن مستوى الأرض موضوعة قبالة المدخل. جر الجنود يسوع بفظاظة أمام المنصة. كانت الغرفة ممتلئة تماماً، ميزت عدداً من الغوغاء بين جنود وخدم حنان وكذلك الشهود الكذبة الذين ذهبوا بعد ذلك إلى قاعة قيافا .
ابتهج حنان برؤية يسوع لكونه حضر أمامه وكان ينتظر وصوله بفارغ الصبر. تعبيرات وجهه كانت بغيضة، حيث أظهرت كل قسمات وجهه ليس فقط البهجة الشيطانية التي امتلأ بها، بل أيضاً كل خداع ونفاق قلبه. لقد كان حنان رئيس نوع من المحاكم المؤسّسة لغرض استجواب الأشخاص المتّهمين بترويج تعاليم دينية باطلة؛ وإن أدينوا هناك فأنهم يؤخذون حينئذ أمام الكاهن الأكبر.
وقف يسوع أمام حنان. بدا مُسْتَنْفَداً‏ ومنهكاً؛ ملابسه مُغطاة بالطّين، يداه مقيّدتان، رأسه منحنية، ولم يتكلّم بكلمة. حنان كان نحيلاً,‏ سخيفاً, يبدو عجوزاً بلحية غير منسقة. كبرياؤه وافتخاره كانا عظيمين؛ وعندما جلس ابتسم ابتسامة ساخرة مدّعياً أنّه لا يعرف شيئاً على الإطلاق، وبدا مندهشاً تماما باكتشاف أن السّجين الذي قد أُعلم به تواً والذي جُلب أمامه، ليس سوى يسوع الناصري. قال له : " هل هذا ممكن، هل أنت فعلا يسوع الناصري؟ أين إذن تلاميذك وأتباعك العديدين؟ أين هى مملكتك؟ أخشى أن تكون الأمور قد تحولت عما كنت تتوقّعه. أعتقد أن السلطات قد اكتشف أنهّ الوقّت المناسب لوضع نهاية لتصرفاتك العديمة الاحترام نحو الرب وكهنته وإلى انتهاكاتك للسبت. أي توابع لك الآن؟ أين ذهبوا جميعا ؟ أنك صامت! تكلّم أيها المغرّر! تكلّم أيها المحرّض على التمرّد! هل لم تأكل الفصح بأسلوب غير قانوني، في وقت غَيْر ملائم‏، وفي مكان غَيْر ملائم‏ ؟ هل لم ترغب أن تقدّم تعاليم جديدة؟ من أعطاك حق الوعظ ؟ أين درست؟ تكلّم، ما هى معتقدات ديانتك؟
حينئذ رفع يسوع رأسه المرهق ونظر إلى حنان وقال : " لقد تكلّمت إلى العالم علانية؛ لقد علّمت دوما في المجمع وفي الهيكل، حيثما يتردد كل اليهود؛ وفي السّر لم أتكلّم بشيء. لماذا تسألني؟ أسأل أولئك الذين سمعوا بما تكلّمت به؛ إنهم يعرفون بأى أمور قد تكلمت بها إليهم"
عندما أجابه يسوع هكذا أزبد وجه حنان بالغضب والسخط. أدرك خادم ‏ كان يقف بالقرب منه هذا ولطم يسوع فورا على وجهه صائحاً : " أهكذا تجيب رئيس الكهنة ؟ " يسوع شبه وقع من عنف اللطمة، حتى أنه عندما شتمه الحرّاس وضربوه، سقط تماما لأسفل، وتقطّر الدم من وجهه إلى الأرض. دوت القاعة بالضّحك وبالإهانات والكلمات المرّة. سحبه الجنود بفظاظة وأوقفوه وقال بهدوء: إن كنت قد تكلّمت رديا فاشهد على الردى؛ لكن إن كنت تكلمت حسناً، فلماذا تضربني؟ "
غضبً حنان أكثر عندما رأى سّلوك يسوع الهادئ والتفت إلى الشّهود، رغب منهم أن يقدّموا اتهاماتهم. بدءوا يتكلّمون جميعا فى الحال : " أنه زعم أنه ملك؛ أنه يقول أن الرب أبوه؛ لقد قال أن الفريسيون لهم جيل زانى. لقد تسبّب فى تمرد بين الشعب؛ أنه يشفي المرضى بمعونة الشّيطان فى السبت. أن سكان أوفيل تجمّعوا حوله وخاطبوه بلقب المُخلص والنّبي. لقد دعا نفسه يُلقب بابن الرب؛ أنه يقول أنّه مُرسل من قبل الرب؛ أنه يتنبّأ‏ بدمار أورشليم. أنه لا يصوم؛ إنه يأكل مع الخطاة ومع الوثنيين ومع جُباة الضرائب‏، ويرافق نساء ذي سمعة سيئة. منذ وقت قصير قال لرجل أعطاه بعض الماء ليشرب عند بوّابات أوفيل، أنه سيعطيه ماء الحياة الأبدية، من يشرب منه لن يعطش فيما بعد. إنه يغوي الناس بكلمات ذات معنى مزدوج الخ ....الخ .
كانوا جميعاً يصيحون بهذه التهم؛ وقف بعض الشّهود أمام يسوع وأهانوه بينما تكلّموا بإشارات سّاخرة، ومضى الجنود يضربونه، قائلين في نفس الوقت : " تكلّم؛ لماذا لا تُجيب ؟ " أضاف حنان ومناصروه الهزء ليهينوه وكانوا يصيحون في كل مهلة باتهامات أخرى : " أهذا هو التعليم ؟ أليس هو؟ ألا تستطيع أن تجيب على هذا؟ ألست أنت الملك العظيم؛ الإنسان المُرسل من قبل الرب، برهن على مُهمتك " واصل حنان تساؤلاته بنغمة احتقار لاذِع‏ " من أنت ؟ من قبل من أنت مُرسل؟ ألست أنت ابن نجار مغمور‏، أم أنت إيليا الذى صعد للسّماء في عربة نارية؟ أنه يقال أنه ما زال حياً، وقد قيل لى أنك تستطيع أن تجعل نفسك غير مرئي عندما تريد. ربما أنت ملاخى النبي، الذي تقتبس كلماته كثيراً. البعض قال بأنّ الملاك كان أبوه، وأنه أيضاً ما زال حياً. أن منتحل مثلك من الممكن أن ينال الفرصة أن ينتحل صفة هذا النّبي. أخبرني بلا مراوغة، إلى أي نوع من الملوك تنتمى؟ هل أنت أعظم من سليمان؟ على الأقل أنك تتظاهراً بأن تكون هكذا. كن سهلاً، فأنا لن أعد أرفض اللقب والصولجان اللذان تستحقّهما بعدل.
حينئذ طلب حنان رقّ الكتابة، وكتب سلسلة من الكلمات بأحرف كبيرة، وكل كلمة تُعبر عن تهمة مختلفة من التهم التي اتهموه بها ثم طواها ووضعها في أنبوب فارغ صغير ربطها بعناية على قمة قصبة وقدّم هذه القصبة إلى يسوع قائلاً : " أمسك بقضيب المُلك؛ أنه يحتوي على الألقاب، كما أنه يحتوى أيضا على مدى الكرامة التى أنت آهل لها، وعلى الحق فى العرش. خذوه إلى الكاهن الأكبر، من أجل أن يعترف بالكرامة الملوكية، ويُعاملك طبقا لما تستحقه. اربطوا يدي هذا الملك، وخذوه أمام الكاهن الأكبر. "
قيُدت حينئذ يدي يسوع عبر صدره بأسلوب يجعله قادراً على أن يحمل قضيب المُلك المزعوم والذي احتوى على اتهامات حنان، واقتيد إلى محكمة قيافا وسط استهجان وصّيحات الغوغاء والضربات التى انهالت عليه منهم من كل جانب.
لم تكن دار حنان تبعد عن دار قيافا بأكثر من ثلاثمائة خطوة؛ كانت هناك أسوار عالية ومنازل بمظهر عام مشترك على كلا جانبي الطّريق الذي أنير بمشاعل وفوانيس موضوعة على أعمدة، وكانت هناك جموع من اليهود واقفة تتّحدّث بأسلوب هائج وغاضب. استطاع الجنود أن يشقوا طريقهم بصعوبة خلال الحشود، وأولئك الذين تصرّفوا بشكل مخزي مع يسوع في محكمة حنان استمرّوا فى إهاناتهم له وواصلوا تصرفاتهم الخسّيسة خلال كل المدة المنصرفة في المسير نحو دار قيافا. لقد رأيت نقوداً تُعطى لأولئك الذين تصرّفوا بطريقة سيئة مع يسوع من الرّجال المسلّحين الخاصين بالمحكمة، ورأيتهم ينحون عن الطّريق كلَّ الذين نظروهم ينظرون بعطف إلي يسوع. أما الآخرون فقد سمحوا لهم أن يدخلوا محكمة قيافا

الفصل العشرون
محكمة قيافا

كان على المرء أن يعبر خلال قاعة كبيرة ليدخل محكمة قيافا، تُسمى القاعة الخارجية؛ من هناك يدخل إلي قاعة داخلية، تمتدّ بطول كل البناية. البناية نفسها كانت طّويلة، وكان هناك في الأمام دّهليز مفتوح محاط من ثلاث جوانب بأعمدة. كانت الأعمدة التى بالجانب الرابع أعلى من باقي الأعمدة، وخلفها كانت توجد غرفة كبيرة كالدّهليز نفسه، حيث وضعت مقاعد أعضاء المجلس على منصة مستديرة مرتفعة عن مستوى الأرض. كانت المنصة المخصّصة للكاهن الأكبر أعلى من الأولى.
كان على الجاني أن يقف في مركز نّصف الدائرة المُشكّلة بالمقاعد. ويقف الشّهود والمدّعين أمّا على الجانب أو خلف السّجين. كانت هناك ثلاثة أبواب خلف مقاعد القضاة تقود إلي غرفة أخرى، ممتلئة أيضاً بالمقاعد. كانت هذه الغرفة تستعمل للمداولات السّرية. وضعت المداخل على يمين ويسار هذه الغرفة وتُفتح على القاعة الدّاخلية المستديرة. أولئك الذين يتركون الغرفة بالباب الذى على الجهة اليمنى كانوا يتجهون نحو بوّابة تقود إلى سجن أسفل أرض الغرفة. كان هناك العديد من السّجون أسفل الأرض، وفي أحد هذه السجون اُحتجز كل من بطرس ويوحنا ليلة كاملة عندما شفيا الرّجل الكسيح في الهيكل بعد العنصرة. امتلأت الدّار والقاعة بالمشاعل والقناديل مما جعلهم يبدوان كما فى نور النهار. كانت هناك نار كبيرة مشتعلة في منتصف الرواق، توجد على كل جانب منها أنابيب تستخدم كمداخن، وحول هذه النّار كان يقف الجنود والخدم والشهود الكذبة الذين أخذوا رشاوى للإدلاء بشهادتهم الكاذبة. كان هناك بضع النساء عملهم هو صبّ نوع من الشّراب الأحمر للجنود.
جلس القضاة حول قيافا وامتلأ الرواق تقريبا من الشّهود الكذبة، بينما مُنع عديد من الأشخاص الآخرين الذين سعوا للدخول ليرضوا فضولهم. دخل بطرس ويوحنا القاعة الخارجية، في زي مسافرين قبل وقت قصير من مجيء يسوع، ونجح يوحنا في النفاذ إلي القاعة الدّاخلية عن طريق خادم يعرفه وأُغلق الباب بعده فوراً، لهذا مُنع بطرس، الذي كان فى الخلف قليلاً. لقد ترجى جارية من الخدم أن تفتح الباب له، لكنها رفضت كل التماساته والتماسات يوحنا، وظل بالخارج حتى لاقى نيقوديموس ويوسف الرامى اللذان جاءا في هذه اللّحظة وأخذاه معهما للداخل. أعاد التلميذان العباءتان اللتان كانا استعاراها وظلا في مكان يستطيعان منه رؤية المُحاكمة ويسمعان كل شيء.
جلس قيافا في مركز المنصة المرتفعة، والتف حوله سبعون من أعضاء السنهدريم، بينما كان يقف الموظفون‏ العموميون والكتبة والشيوخ على كلا الجانبين، والشّهود الكذبة خلفهم. اصطف الجنود من المنصة وحتى باب الدّهليز الذي كان على يسوع أن يدخل منه. كان مُحيا قيافا مهيباً للغاية لكن جاذبيته رافقتها علامات واضحة عن غيظ مكتوم ونّوايا شّرّيرة. كان مرتدي عباءة طويلة ذات لون أحمر مطرّزة بالزّهور ومزينة بحافة مذّهبة ومربوطة علي الأكتاف والصّدر ومزيّنة من الأمام بمشابك ذّهبية. كانت رأسه مغطاة ومزيّنة بأشرطة مُعلقة، الجوانب كانت مفتوحة، وكانت تشبه تاج الأسقف. كان قيافا ينتظر مع تابعيه من المجلس العظيم لبعض الوقت، وبعدم صبر نهض عدة مرات ودخل القاعة الخارجية وسأل بغضب عن مجيء يسوع الناصري وعندما رأى الموكب يقترب عاد إلى مقعده.


الفصل الحادي والعشرون
مُحاكمة يسوع أمام قيافا

اُقتيد يسوع عبر القاعة، ولاقاه الغوغاء بالآهات والاستهجان. بينما كان يعبر أمام بطرس ويوحنا نظر إليهما لكن دون أن يلتفت تجاههما لكى لا يكشفهما. وصل بصعوبة غرفة المجلس، حينئذ صاح قيافا بنغمة عالية : " ها أنت قد جئت أخيرا يا عدو الرب, أيها المُجدف يا من تزعج سلام هذه اللّيلة المقدّسة! ". وقام بفتح الأنبوب الذي يحتوى اتهامات حنان والذي رُبط بقضيب الملك المزعوم في يدي يسوع وأتم تلاوته .
استخدم قيافا أسلوباً مُهيناً وضرب الجنود يسوع ثانية وشتموه صائحين : " أجب فى الحال, تكلّم! هل أنت أخرس؟ ", اصبح قيافا أكثر غضباً من حنان وسأل ألف سؤال, الواحد بعد الآخر، لكن يسوع وقف أمامه صّامتاً، وعيناه تنظران لأسفل. حاول الجنود أن يجبروه على أن يتكلّم بضّربات متكرّرة، وبخبث ضغطوا إبهامه في شفاهه وأمروه بسخرية‏ أن يعضّه. ثم نودي على الشّهود.
كان الشهود الأوائل أشخاصاً من أردأ نوعية، اتهاماتهم كانت غَيْر متماسكة ومتناقضة كشهادة محكمة حنان، ولاشيء يمكن أن يُستخلص منها؛ لهذا التفت قيافا إلى الشّهود الرّئيسيين، الفريسيون والصديقيون، الذين جُمّعوا من كل أنحاء البلد. لقد سعوا أن يتكلّموا بشكل هادئ، لكن وجوههم وأسلوبهم أظهرا الحسد والكراهية التي تفيض بها قلوبهم نحو يسوع، ولقد كرّروا مرارا وتكرارا نفس الاتهامات التي أجاب عنها يسوع سابقا عدة مرات : " إنه يشفى المرضى ويطرد الشّياطين بمعونة الشّياطين, إنه يدنّس السبت, يحرّض الناس على الثورة, يدعو الفريسيين سلالة الأفاعي وزناة, توقّع دمار أورشليم, يتردّد على مجتمع جباة الضرائب والخطاة, يحشد الناس حوله كملك ونبي وابن الرب. " وأضافوا : " أنه يتكلّم دوماً عن مملكته، إنه منع الطلاق، دعا نفسه خبز الحياة، وقال إنّ كل مَنْ لا يأكل جسده ويشرب دمه فلن تكون له حياة أبدية
وهكذا حرّفوا وأساءوا فهم كلماته والوصايا التى أعطاها لهم والأمثال التي وضح بها وصاياه، مُعطين لها مظهر الجرائم. لكن هؤلاء الشّهود لم تتفق شهادتهم، لأن أحدهم قال : " إنه يدعو نفسه ملك " وناقضه الثاني فى الحال قائلاً : " كلا، إنه سمح للناس أن تدعوه هكذا؛ لكن عندما حاولوا بشكل مباشر أن يبايعوه كملك، هرب منهم " قال آخر: " إنه يدعو نفسه ابن الرب " لكنه قُوطع من قبل الرابع الذي صاح : " كلا، أنه يُلقب نفسه فقط بابن الرب لأنه يعمل إرادة أبيه السّماوي " بعض الشّهود أعلنوا أنّه قد شفاهم، لكن أمراضهم قد عادت، وأن علاجه المزعوم قد أداه فقط بقوة السّحر. تكلّموا أيضاً عن علاج الرّجل الكسيح الذى عند بركة بيت حسدا، لكنهم حرّفوا الحقائق كي يعطوها مظهر الجرائم، وحتى في هذه الاتهامات لم يستطيعوا أن يتفقوا، وكانوا متناقضين. الفريسيون الذين ناقشوا موضوع الطّلاق ذات مرة معه، اتهموه بأنه يُعلم تعاليم باطلة، وشاب الناصرة، الذي رفض أن يسمح له أن يصبح أحد تلاميذه، كان خسيساً بما يكفي لكى يشهد ضده.
لقد وجدوا أنه من المستحيل تماما إثبات تهمة واحدة، وبدا أن الشّهود يتقدّمون لأجل غرض واحد وهو أهانة يسوع، بدلا من أن أثبات صدق ادعاءاتهم. بينما كانوا يعارضون بعضهم البعض، وظَّف قيافا نفسه مع بعض أعضاء المجلس في سؤال يسوع، وكانوا يحولون إجاباته إلى موضوع من السخرية‏. " أي نوع من الملوك أنت؟ برهن على قوتك! استدع جحافل الملائكة التي تكلّمت عنها فى بستان الزّيتون! ماذا تفعل بالأموال التى تُعطى لك من قبل الأرامل البسطاء اللاتي أغويتهن بتعاليمك الباطلة؟ أجب فى الحال: تكلّم، هل أنت أخرس؟ لقد كان ممكن أن تكون أعقل لو كنت التزمت الصمت عندما كنت وسط الغوغاء الحمقى: لقد تكلّمت هناك كثيرا."
كل هذه الأسئلة كانت يرافقها الضّرب من خدم أعضاء المحكمة، ولو لم يكن يسوع مدعوماً من أعلى، لكان من غير الممكن أن يبقى حياً فى ظل هذه المعاملة. سعى بعض من الشّهود أن يبرهنوا أنّه ابن غير شرعي؛ لكن الآخرين أعلنوا أنّ أمّه كانت عذراء تقية من عذارى الهيكل، وأنها بعد ذلك رأوها مخطوبة لرّجل يخاف الرب. وبخ الشّهود يسوع وتلاميذه لكونهم لا يقدمون ذبيحة في الهيكل. واستمر أعداء يسوع فى اتّهامه بأنه ساحر، وأكد قيافا بضع مرات أن تناقض روايات الشّهود سبّبه السّحر فقط.
قال البعض إنه قد أكل خروف الفصح فى اليوم السّابق، وهذا يناقض الشريعة، وأنه صنع فى السّنة السابقة تعديلات مختلفة في أسلوب الاحتفال بهذه المراسم. لكن الشّهود ناقضوا بعضهم البعض لدرجة أن قيافا ومؤيديه وجدوا أنه لا توجد تهمة واحدة يمكن إثباتها حقا. نودي على نيقوديموس ويوسف الرامى، وطُلب منهما أن يبررا كيف أنهما سمحا له أن يأكل الفصح فى اليوم الخطأ في غرفة تخصهما، فبرهنا لهم من وثائق قديمة أنه منذ زمن بعيد قد سُمح للجليليين أن يأكلوا الفصح فى يوم مبكر عن بقية اليهود. وأضافوا أن كل الطقوس قد مورست طبقا للشريعة، وأنه كان هناك بعض الأشخاص الحاضرين العشاء الذين ينتمون للهيكل. أربك ذلك الشّهود تماما وأزاد نيقوديموس غيظ أعداء يسوع بذكر الفقرات التى تبرهن على صحة الجليلى من واقع السجلات، التى أوضحت السّبب الذى من أجله قد مُنح هذا الامتياز.
السّبب كان أن الذبائح لم يكن من الممكن أن تنتهي بيوم السبت لو تجمع هذا العدد الهائل سوياً لذلك الغرض ليؤدوا جميعاً المراسم فى نفس اليوم؛ مع أن الجليليين لم يستفيدوا دوما بهذا الحق، ومع ذلك فأن وجوده قد برهن من قبل نيقوديموس؛ وارتفع غضب الفريسيون بإيماءاته بأن أعضاء المجلس قد تسببوا فى أن يهان المجلس بشّدة بتّناقضات روايات الشّهود، وأن الأسلوب الاستثنائي والمُسرع الذي تقاد به القضية قد أظهر أن الحقد والحسد هى الحوافز الوحيدة التي أقنعت المدّعين وجعلتهم يجلبون القضية في لحظة كان الجميع فيها منشغل في الإعداد لأكثر الأعياد مهابة فى السّنة.
لقد نظروا إلي نيقوديموس بغضب ولم يتمكّنوا من أن يجيبوه، لكن استمروا يسألون الشّهود بأسلوب متهوِر‏ وأحمق. تقدّم شاهدان أخيرا وقالا : " إن هذا الرّجل قال أنى سأهدم هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفى ثلاثة أيام سأبني آخر غير مصنوع بالأيادي." ومع ذلك فحتى هذان الشاّهدان ما اتفقا في شهادتهما، لأن أحدهم قال أنّ المتّهم رغب أن يبني هيكل جديد، وأنه قد آكل الفصح في مكان غير عادي، لأنه رغب فى دمار الهيكل القديم؛ لكن الآخر قال : " ليس هكذا : أن الموضع الذى آكل فيه الفصح قد بنى أيضاً بأيادي بشرية، لهذا لم يكن ممكنا أنه يشير إلي ذلك. "
كان غضب قيافا متعذر وصفه؛ لأن المعاملة القاسية التي عاناها يسوع وصبره الإلهى وتناقض أقوال الشّهود، قد بدأت تؤثّر تأثيرا كبيرا على عديد من الأشخاص الحاضرين، سٌُمعت همهمات قليلة وتأثرت قلوب بعض الذين لم يستطيعوا أن يسكتوا أصوات ضمائرهم. ترك عشرة جنود المحكمة تحت ذريعة التّوعك لكن في الواقع كانت مشاعرهم قد غلبتهم. بينما يعبرون المكان حيث كان يقف كل من بطرس ويوحنا صاحوا : " إن صمت يسوع الناصري، وسط مثل هذه المعاملة القاسية، لهو فوق طاقة البشر: أنه ليُصهر حتى القلوب الحديدية, إنّ العجيب أن الأرض لم تنفتح وتبتلع مثل هؤلاء الفاسقين. لكن اخبرونا، أين يجب أن نذهب؟ " التلميذان أمّا ارتابا في الجنود، أو خافا أن يتعرف عليهم من يُحيطون بهما ويتهموهما كتلاميذ ليسوع، لأنهما أجابا بنغمة كئيبة : " إن كان حقاً قد دعاكم، اتبعوه، وكل شئ سيكون حسناً من تلقاء نفسه. " خرج الجنود فوراً من الغرفة وتركوا أورشليم فى الحال. وقابلوا أشخاص عند أطراف المدينة أرشدوهم إلى المغائر التي تمتدّ إلى جنوب أورشليم، على الجانب الآخر من جبل صهيون، حيث التجأ عديد من التلاميذ. في بادئ الأمر تنبّه التلاميذ برؤية غرباء يدخلون مخبأهم؛ لكن الجنود بددوا كل خوف فى الحال وأعطوهم تفاصيل لآلام يسوع.
كان قيافا بالفعل مُضطرباً واغتاظ تماما من الشهادة المتناقضة للشّاهدين الأخيرين، وقام من مقعده واقترب من يسوع وقال له: " أما تجيب بشيء لما يدعيه هذان الشاهدان؟ "
لم يرفع يسوع رأسه ولا نظر نحو الكاهن الأكبر، مما ازداد غضبه لدّرجة عظيمة؛ والجنود إزاء هذا أمسكوا يسوع من شعره، جاذبين رأسه للخلف، وضربوه أسفل ذّقنه؛ لكنه احتفظ بعينيه تنظران لأسفل. رفع قيافا يديه وصاح بنبرة غاضبة : " أستحلفك بالرب الحيّ أخبرنا إن كنت أنت المسيا المنتظر، ابن الرب الحيّ؟ "
أجاب يسوع بعد تمهل بصوت إلهي : " أنك قد قلت. وأقول لكم أيضاً، منذ الآن سترون ابن الإنسان جالساً على يمين قوة الرب وآتياً على سحاب السّماء "
عندما أعلن يسوع هذه الكلمات، ظهر لي نور ساطع يُحيط به وانفتحت السّماء فوق رأسه ورأيت الآب الأزلى؛ لكن لا كلمات إنسان تستطيع أن تصف المنظر الُمدرك بالحس الذي أجيز لى أن أحياه. لقد رأيت أيضاً الملائكة والصلوات صاعدة تواً إلي عرش الرب.
فى نفس اللّحظة لاحظت هاوية جهنم واسعة مثل نيزك ناري عند أقدام قيافا؛ لقد كانت ممتلئة بالشّياطين المروّعين؛ ضباب مُهلهل فقط ظهر يفصله عن نيرانها المظلمة. استطعت أن أرى الغضب الشّيطاني الذي كان يفيض به قلبه، وبدا كل البيت لي كجهنم. في الوقت الذي أعلن فيه يسوع كلماته المهيبة : " أنا هو المسيح، ابن الرب الحيّ " بدت جهنم تهتز من أقصاها إلى أدناها، وبعد ذلك، بدت وكأنها تنفجر وتغمر كل شخص في بيت قيافا بمشاعر الكراهية المتضاعفة نحو الرب.
عندئذ نهض قيافا، حيث حثّه إبليس ورفع نهاية عباءته وشقها بالسكين ومزعها من أولها حتى نهايتها صائحاً بصوت عالٍ " إنه قد جدف. ما حاجتنا إذن لشّهود؟ لقد سمعتم الآن تجديفه: ماذا تظنون ؟ " نهض كل الحاضرين وصاحوا: " إنه مذنب ويستحق الموت! "
وسط المأساة المرّة التي فاض بها قلب يوحنا، كانت أفكاره مع العذراء؛ لقد خشي أن تّصلها أخبار إدانة ابنها فجأة أو أن يعطيها بعض الأعداء المعلومات بأسلوب قاس. لذا نظر إلى يسوع وقال بصوت منخفض : " إلهى أنت تعلم لماذا أتركك " وخرج بسرعة ينشد العذراء المباركة، كما لو أنه مرسل من قبل يسوع نفسه.
كان بطرس مقهوراً تماماً بالقلق والحزن، لذا كان مُرهقاً مما جعله يشعر بالبرد؛ لهذا، ولأن الصّباح كان بارداً، صعد بجانب النيران ليستدفئ مع عديد من العامة. لقد فعل ما بمقدوره كى يخفي حزنه في حضورهم، كما لم يستطع أن يستقر فى رأيه إن كان سيذهب إلى البيت أم سيظل مع سيده الحبيب.

تأمل الرب يسوع

لقَدْ اقتادوني أمام حنان وقيافا، حيث اُستقبلت بسّخرية وبإهاناتِ. أحد جنود حنان صفعني على خدّي. وكانت هذه هى الضربة الأولى التى تلقيتها فى المحاكمة ورَأيتُ فيها الخطيئةَ المُميتة الأولىَ لكثير من النفوس التي بعد ما عِاشَت في النّعمةِ، تقترف تلك الخطيئةِ الأولى .... خطايا أخرى عديدة تتبع تلك الخطيئةِ الأولىِ، أنها تؤدى كنموذجِ لتقترفها نفوس أخرىَ أيضاً. تلاميذي تَركوني وبطرس ظل مُختبئاً خلف سياجَ، بين الخدمِ، مُراقباً بدافع الفضولِ.
كَانَ معي رجالَ يُحاولونَ فقط أَنْ يُجمّعوا الجرائم ضدي, اتهامات تستطيع إلى حد بعيد أن تُثير غضب أمثال هؤلاء القضاةِ الأشرار. هناك تراءت لى وجوهَ كل الشّياطين، وجوه كل الملائكة الأشرار. لقد اتّهموني بإقلاق النظام، بأني محرض ونبي كذاب، اتهموني بالتجديف وبتَدْنيس السبت. والجنود اهتاجوا بتلك الافتراءات، صاحوا وتوعدوني.
حينئذ صَرخَ صمتي، مُزلزلاً جسدي بالكاملَ. أين أنتَم يا حواريي وتلاميذي الذين كنتم شهوداًَ لحياتي، شهوداً لتعاليمي ومعجزاتي؟ من كل هؤلاء الذين كُنْتُ أَتوقّعُ بعض البرهانِ عن الحبِّ، لم يكن هناك ولا واحد ليدافع عنى. لقد كنت وحيداًُ ومُحاطاً مِن قِبل جنودِ يُريدُون التهامي كذّئابِ.

48
قام احد الاعضاء مشكورا بتنبيهي بوجود فصول مفقودة اعتقد اني قمت بتنزيلها. ولي عتاب لبقية قراء المضوع لعدم تنبيهي طوال هذه المدة ونتمنى تفاعل اكثر من القراء وساقوم بتنزيل هذة الفصول كما ساقوم بوضع موضوع خاص يحتوي روابط جميع الفصول


الفصل الخامس عشر
خيانة يهوذا
لم يكن يهوذا يتوقّع أن تؤدي خيانته لمثل هذه النّتائج القاتلة. لقد كان حريصاً على أن يحصل على المكافئة التى وعد بها اليهود من يسلم يسوع، وعلى أن يُسعد الفريسيون بتسليم يسوع في أياديهم، لكنه لم يحسب أن الأمور ستذهب إلى هذا الحدّ، أو فكر أن أعداء سيده سيحضرونه فعلاً للمحاكمة ويصلبونه؛ كان فكره مُستغرقاً فى محبّته للمال فقط، وحثّه بعض الفريسيون والصديقيون الخبثاء الذين اتصل بهم، على الخيانة بتملقه. لقد كان مُتعباً من الإجهاد العَصَبي‏ والتجوال والحياة المضطهدة التي كان يحياها هو والتلاميذ. كما كان يسرق منذ بضع شهور أموال الفقراء التي كانت تحت عنايته، حرّضه جشعه ورفضه لما أنّفقته المجدلية بسكب الطيب الثّمين على قدمي الرب على جريمة من أعظم الجرائم. لقد تمنّى دوما أن يؤسس يسوع مملكة أرضية، ويمنحه فيها مكانة عالية ومربحة، لكن ظنه خاب، فحول أفكاره نحو تكديس الثروة. لقد رأى أن آلام و