عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - بولص آدم

صفحات: [1]
1



سرديات السجن والترويع الجسدي
بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

  أ.د. نادية هناوي
  جريدة الشرق الأوسط


 من بديهيات السرد والنقد أن الأمكنة عنصر مهم من عناصر العمل السردي، وهي في دراسات ما بعد الحداثة موضوع من الموضوعات الفكرية المكتنزة بالدلالة وذات الأثر العميق في الحيوات الإنسانية المختلفة مما تجلى في كتابات باشلار وكشوفات فوكو من بعده. وفي القصة القصيرة تتجلى مشاهد السرد من خلال المكان المختار مسرحاً لتجسدها، مبرزة تفاصيلها وحيثيات دلالاتها وما يتبلور عنها من معالجات جمالية.
وكلما كان المكان محدداً كان التعاطي السردي مع الأحداث وتوجيه القصص أكثر تركيزاً وعمقاً. وإذا كان السجن بوصفه مؤسسة انضباط وعقاب هو أكثر الأمكنة تمثيلاً للترويع والترهيب بسبب ما فيه من انغلاق وعزلة، فإنه أيضاً الأكثر مداً بالأفكار التي تصلح أن تكون قصصاً مكثفة بالدرامية وغنية بالرمزية. وهذا التلاؤم بين الضيق المكاني والتكثيف الدرامي إنما يناسبه جنس القصة القصيرة. ورغم ذلك، فإن استثمار السجن قصصياً كمنطلق للأحداث ما زال قليلاً إن لم نقل نادراً لدى غالبية قصاصينا.
لعل السبب يكمن فيما تتطلبه واقعية السجن من معايشة حقيقية للتفاصيل اليومية التي تجري داخل زنازينه وردهاته، حتى أن الاعتقاد ظل سائداً بأن من يكتب قصة موضوعها السجن عليه أن يخوض مرارة الحبس ويذوق ويلات الاعتقال ومآسيه، وعندها فقط يتمكن من تحويل لحظة ما إلى مادة قصصية مشوقة فنياً وذات تأثير نفسي.
بيد أن من المهم في سرديات السجن التركيز على دلالتي السجن الواقعية والرمزية اللتين بهما نعرف أن الحبس خلف القضبان هو الحياة حين تنعدم فيها مقومات العيش. ذلك أن كلاً من السجن والحياة تتهددهما سلطتان لا مفر منهما: المراقبة التي تعني المحاسبة والتلصص والتجسس، والعقاب الذي يجعل وظيفة الحبس مضادة للحياة ونقيضاً للحرية، كما يجعل الحياة مشابهة للسجن في عدوانيته التي تستبد بالأجساد وتحطمها.
لكن كيف يوفق القاص بين إحساس السارد بالمراقبة وبين ممارسته القص معاقَباً على جريمة لم يرتكبها أو ارتكبها؟ وما المكسب المتصور للسارد أن يحققه وهو يحكي عن فاعلية العقوبة عند كل من المسجونين والسجانين؟
لعل من بديهيات اتخاذ السجن موضوعاً واقعياً ومكاناً سردياً أن يكون السجين هو هذا المركز الذي حوله تدور العناصر الأخرى، فيبدو السجين مثيراً للاهتمام القصصي بينما يغدو المجرم هو العنصر الأقل إثارة لهذا الاهتمام، وتكون العبودية هي العقوبة الأكثر قسوة من الموت في حسابات المفارقة ومقتضيات العقوبة. وكلما كانت لحظات العبودية مكثفة ومتراصة صار السارد أكثر وحدة وانعزالاً في تمثيل نفسه والتعبير عن محنته وحيداً حتى أن فكرة الظفر بالحياة والنجاة من العقاب ستبدو أكثر إخافة وإزعاجاً من فكرة الموت من دون عقاب.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن لا قوانين في السجن تهدد جهازه الرقابي، فإن واقعية الترويع ستغدو متحققة في الإساءات الجسدية، لأن لا قانون يضبطها كما لا روابط في أذهان المحكوم عليهم أفراداً أو جماعات تجمع بين المعاقبة على الجريمة والإساءة للأجساد. وهو ما نجد مثاله في قصص «باصات أبو غريب» للكاتب العراقي بولص آدم والصادرة عن دار نينوى بدمشق 2021 وقد استهلت بجملة خارج قصصية أو ميتاسردية دالة تقول: «مجموعتي القصصية هذه تمثل الكتاب الثالث من واقعيتي الوحشية».
وقد تعني الوحشية أن في الواقع ما هو فوق غرائبي أو تحت عجائبي أو ربما هما معاً كنوع من توكيد حقيقة الظلم الذي يطال السجين، ولا يصبح جزءاً من هندسة المكان فحسب، بل يغدو هذا المكان خارجاً على القانون كمؤسسة ليست للإصلاح ـ كما يفترض، بل للجنوح وفيها السجين إنسان إجرامي يحتاج دوماً سلطة عقابية تعيد تنظيم ذاته بالعقوبات وتقنن سلوكه بالقواعد الإجرائية.
هذه المفارقة جسدتها قصص بولص آدم التسع وفيها المكان واحد هو السجن والأجساد الآدمية فيه تتعرض إلى إيذاء واعتداء وإهانة وكأن الحياة هي السجن الذي لا هروب منه إلا إليه، ولا مخرج منه إلا بالدوران حوله. وهذا وحده عقاب فرضه السارد على نفسه مراقباً التجاذب الجسدي بين المتضادات ورائياً كل جسد وهو ينال عقاباً لا نهائياً مقابل الفعل الذي قام به.
وهو ما واجهه السارد السجين في قصة «العنقرجي» نائباً عن المسرودات، يتحدث بلسانها ككائنات ليست آدمية لا تعرف أن تتحرك إلا بأمر السجان (كنا خلف مطبخ السجن ننتظر السجان ليعيدنا ثانية إلى الزنزانة السابعة) ص35.
وإذا كان الإنسان مجرداً عن الفعل، فذلك يعني أنه خارج آدميته، وقد نجح السارد العنقرجي في التعبير عن هذه اللاآدمية رمزياً بالكلب الذي تتكرر صورته داخل القصة (يتربع كومة قشور البطاطا على حافة المزبلة) أو(عاد السجين إلى محله وهو يشيع الكلب بأرق النظرات وأحنها... انتصب الكلب هز ذيله ونبح) أو(لا تهتم هو مجرد كلب)، أما كلمة حيوان فلفظ يشعر السارد السجين بأنه في ظروف أخف كثيراً من غيرها وأرحم.
وما بين المساجين والسجانين وشاة بسببهم تتحول ممرات السجن وحجراته إلى أياد تصفع وأفواه تشتم وآذان تتجسس وتغدو النشرة الإخبارية نشرة إجبارية وتكون فكرة البقاء في الحبس مثل رواية طويلة من الثرثرة لا بد أن تكون لها نهاية.
حتى إذا أُطلق سراح العنقرجي وأُعطي كيس الجوت الذي يحوي أشياءه تكون المفارقة أن الإفراج ليس هو الحرية فلقد شاهد السجان يأتي معه إلى كراج السيارات، وهنا يقرر السارد الذهاب إلى النهر، مخرجاً قطعة الخبز ومطعماً إياها للنوارس (أخرجت الخبز الجاف وضعته قربي انتظرت النوارس ورحت في سابع نومة) (ص 38)، وهو ما يواجهه أيضاً رحيم في قصة «حدث ذات مرة في الممر»، متصوراً السجناء مثل السردين في علب ضخمة. أما السجن فيصفه بالسينما الهندية، حيث لحظة الوصول إلى نهاية الممر لا تعني إطلاق السراح بل تعني مزيداً من الانضباط قبالة إدارة السجن. وحين أشار إليه السجان صاحب المفاتيح بالدخول إلى الزنزانة الجديدة قال رحيم: «كان الحلم وهما وتلك أقسى لحظة» (ص 42).
ومثلما أن السجون أعدت للمعاقبة (لا للإصلاح) تغدو الحياة دستوبيا من الترهيب الجماعي بصور تحفر في الذاكرة كالوشم حتى لا نكاد نميز فكرة الجريمة عن فكرة العقاب والقصاص. وهو ما تؤكده قصة «صندوق بنيامين»، حيث الحياة تلخصها الذاكرة التي هي صندوق ينبغي ألا نغامر بفتحه (كي لا نصطدم بحقيقة كونه فارغاً، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بأنها في صناديقنا) (ص 43)، ويغدو الجنون وحده حافزاً لبنيامين على الاستمرار بطقسه الجنوني مع صندوقه، وهو يغالب الآخرين على عدم فتحه، عارفاً أن الصرخة في داخله إذا انفجرت كانت لغماً.
بينما الحياة في قصة «طعنة غامضة» عراك بالسكاكين لا بد فيه من غالب طاعن. وبالفعل طعن زياد الخائن سبهان على مرأى من الحارس وبرج المراقبة. فالسجن هو الحياة ظلاماً وعنفاً وكراهيةً وحبساً حتى ما عاد هناك فرق بين أن يكون الموت في الهواء الطلق أو في سجن انفرادي.
ولأن السجن تجسيد مادي للسلطة العقابية وطريقة رقابية للسيطرة على الأجساد، تساءل ميشيل فوكو: هل السجن مدينة عقابية أو مؤسسة إكراهية؟ وأجاب أن السجن عقاب والغاية من ورائه اثنتان: الأولى إشراك الجميع بعدو اجتماعي واحد، والثانية جعل ممارسة العقاب علنية ورسمية غير مقننة بموجب التشريع بل هي استراتيجية إصلاح مهددة بالانفراط. وهو ما نجد تمثيله واضحاً في قصة «باصات أبو غريب» التي اتخذت المجموعة منها اسمها، وفيها تظهر ثلاثة فواعل: السجان والمساجين والساحة الرصاصية، الأولان يتحركان عليها بتضاد، والثالثة منضبطة بالتضاد الذي يغلب العقاب.
وبرغم محاولة الشخصيتين أنويا وسمير الحلاوي التمرد على هذا الانضباط بأن تخيلا باصات تهبط من السماء تنقل المساجين إلى بيوتهم مباشرة (اصعد أخي استعجل نفر واحد بغداد، بغداد) بيد أن الانضباط سيطر على مشهد التجمع الصباحي في الساحة. لهذا (فضل السجان إبقاء يديه دافئتين في جيبه واكتفى بالقول: اجلس يا حيوان) (ص 50) فساحة السجن ضبطت إيقاع الأحداث لوحدها مكررة مشهد التجمع مجدداً، وكأن شيئاً لم يكن.
والتهميش هو الذي يجعل الانضباط الجسدي فعالاً، تارة باقتران الجسد بالعزل في حجرة، وتارة أخرى باقتران الجسد بالحركة في الساحات والصفوف. وبهذا تتم السيطرة على الجسد المفرد كعنصر لا أهمية لوضعه وتحريكه وإعادة تنظيمه سوى الموقع الذي يشغله والفسحة التي يغطيها وضرورة أن تجري تنقلاته بانتظام وترتيب جيدين، كما في شخصية صاحب «العلاكات» ذي الاسم الحركي (تعبان) الذي خُفض حكمه من الإعدام إلى المؤبد فصار دائم الإثارة لإشاعات العفو العام وكذلك شخصية «دعير» مطرب السجن الذي كان يبكي وهو يغني وشخصية «محمود الذهبي» حائك الكيوات الذي ظل يراقب الحمامة من شق سقف السجن وهي مستغرقة في صنع عشها فراح يحترف صنع الحكايات ويكتبها لرفاق السجن، وشخصية سامر في قصة «موجات إذاعية» الذي مات في السجن ولم ينفعه تاريخ والده عامر سائق القطار الذي أنقذ مساجين كان من الممكن أن يموتوا في القطار المتوجه بهم إلى سجن السماوة.
إن هذا التهميش والتفتيش والمراقبة والإشراف وسائل تزيد من دور السجن في توجيه العقاب سواء بعزل السجين عن العالم الخارجي أو بحرمانه من الحرية، وتجعل السجن مؤسسة كاملة وصارمة ليس لها خارج كما أنها بدون ثغرة. أما الجنوح والإصلاح فتوأمان كما يقول فوكو يتكفلان بكل أوجه الفرد وحالاته كتقوية جسده واستعداده للعمل وسلوكه اليومي وموقفه الأخلاقي وكفاءاته.
ومن ثم، تكون القصة القصيرة قادرة على الإفادة مما في التاريخ الشقي للسجن من شهادات شفهية ووثائق سرية ومذكرات تسجيلية توظف كلها في سبر آفاق تاريخ سردية السجون. وهو ما قام به القاص بولص آدم ببراعة في «باصات أبو غريب».

2
 

دَرسْ يورغن هابرماس في تقبل النقد وعدم تسليم الراية

  بولص آدم

 راية التنوير بيد المثقف، هي كود خاص به وهي رمزه وشاهدة تاريخه، لو سلمها الى مثقف من صنفه فجدلية التاريخ الثقافي ستستمر.. اما اذا سلمها لمن ستكون دعاية له تحت اغراء مادي.. هنا يكون المثقف قد أصبح سلعة.

 بعد ان قبلَ جائزة الشيخ زايد للكتاب 2021 والتي تبلغ قيمتها حوالي 225 ألف يورو عن فئة شخصية العام الثقافية، الا أنه بعد يومين من ذلك، رفضها الفيلسوف يورغن هابرماس، فيلسوف التنوير التواصلي البالغ من العمر 91 عامًا، وبعبارة اخرى، قبل يورغن هابرماس في البداية جائزة سخية من أبو ظبي، الآن قد غير رأيه! تحدث بعد ذلك عن "قرار خاطئ" ، "وهو ما أصححه بموجب هذا". وكانت صفحات ثقافية  لمجلة دير شبيغل الألمانية  قد أشارت في وقت سابق إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في الإمارات  واستجوبت هابرماس بشكل نقدي بشأن قبوله الجائزة.»قرار خاطئ«  ثم كتب هابرماس في بيان أرسله عبر دار نشر شوركامب : "لم أوضح لنفسي بشكل كافٍ الصلة الوثيقة جدًا بين المؤسسة التي تمنح هذه الجوائز في أبو ظبي والنظام السياسي القائم هناك". وبحسب لجنة التحكيم، فإن الجائزة من نصيب شخصيات عربية ودولية معروفة ساهمت في عملها "في نشر الثقافة العربية والتسامح والتعايش السلمي". راعي الجائزة هو محمد بن زايد الذي لم يقم حتى الآن بأداء دوره كولي عهد لإمارة أبوظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة بروح من التسامح والتعايش السلمي. لا يوجد جمهور ليبرالي ناقد في أبو ظبي، وأعضاء المعارضة يتعرضون للاضطهاد، ويتهم تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2020 الحكومة بالاعتقالات التعسفية والسجن السياسي والتعذيب في الأسر... تنتهي مقالة "شبيغل" اليوم حول هذا الموضوع بجملة: "عادة، عندما يلتقي العقل والقوة، تفوز السلطة". على المدى القصير، نعم ، لكن لفترات أطول أؤمن بالقوة التنويرية للكلمة النقدية، إذا ظهرت فقط في الرأي العام السياسي. كتبي التي ترجمتُها إلى العربية ، لحسن الحظ ، كافية للتعبير عن ذلك"
 عاد الكاتب ديتمار بيبر ثانية وكتب في ثقافية مجلة "شبيغل": ( اعتبر انسحاب هابرماس في  يوم 2 مايو على أنه "قرار سيادي" تجنب به خطر "أن يصبح تذكارًا للنظام" بتصحيح نفسه، يظل فيلسوف التنوير التواصلي وفيا لأهم قيمه.) اي أنه لم يسلم الراية الى ممثلي النظام الأبوي البطريركي من مشايخ الخليج من منتهجي نظام الرعاية الريعية على مواطنيهم داخليا ومحاولاتهم تلميع صورتهم وصورة نظامهم بتوظيف الأمول في شراء رايات المفكرين والفلاسفة الكبار وتلويح سافر بأعلام المثقف النموذج لأغراض دعائية تُجملُ صورة مُسوقي السياسة الخشنة والتدخلات السافرة سراً وعلناً في شؤون دول المنطقة ومحاربة كل ما له صلة بالتغيير المشروع خشية على سلطتهم من الزوال وحتى لو كلف ذلك دعم الأرهاب الدولي والمحلي.
 على موقع الجائزة وباللغة الإنجليزية، يقول الرعاة عن انسحاب الفيلسوف: "جائزة الشيخ زايد للكتاب تعرب عن أسفها لقرار يورغن هابرماس بسحب قبوله للجائزة، لكنها تحترمها". " وتجسد الجائزة قيم التسامح والمعرفة والإبداع وفي نفس الوقت تبني الجسور بين الثقافات وستواصل الوفاء بهذه المهمة. !!
 لكن ديتمار بيبر وعن قرار هابرماس إلغاء موافقته على الجائزة يُضيف :
( أظهر هابرماس نفسه منفتحًا على المعلومات والحجج الجديدة، وهو أمر يجده كثير من الناس صعبًا. بالنسبة لشخص يبلغ من العمر 91 عامًا ابتكر عملاً هائلاً في الحياة، فإن هذه الرشاقة العقلية غير المنقوصة تبدو مثيرة للإعجاب. في الأمارات الكلمات الجميلة لا تتبعها أفعال. سيكون الأمر مختلفًا إذا ظهر على الأقل اتجاه نحو الديمقراطية وسيادة القانون. لكن حتى الآن لا يوجد شك في ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة وعاصمتها أبو ظبي. لهذا السبب كانت هناك مخاطرة كبيرة في أن يكون الفائز هابرماس، تحت رعاية الحاكم الإماراتي محمد بن زايد، مجرد جائزة أخرى، جانب من جوانب العمل الدعائي المبهر. كان لا بد من تقييم شيء آخر بعد الترشيح: الاحتمال المغري لهابرماس لاختراق أعماله على نطاق أوسع من ذي قبل. الآن لم يعد هناك أي شك في كيفية تقييمه لهذه المسألة  الأساسية. ما يمكن للكلمات أن تتحرك في كثير من الأحيان يصبح واضحًا في وقت لاحق فقط. مع مفكر مثل هابرماس، من الواضح على الأقل أن نتطرق إلى عصر التنوير التاريخي: الروح والقوة.
  أعتُبِرَ هابرماس نموذجاً للمثقف الديناميكي الذي يتفاعل مع حركة المجتمع والتاريخ، إيمانا منه أن النظرية تحتاج دائماً إلى أن تدلل على نفسها كلما حاولت أن تطبق نفسها في ميدان أو آخر. وهكذ .. لم يخذلنا هابرماس بتسليم الراية لتلك السلطة وهو الذي لم يسلمها في تاريخه لأي سلطة كانت. خاصة ونحن نتحدث عن جائزة تأتي من جهة رسم الروائيّ عبد الرحمن منيف لها، صورة حية جسَّدت التحوُّلات التي طالت شبه الجزيرة حينما قال واصفا مدن الخليج وظهور الدول، باعتبارها "نشأت في بُرهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي، بمعنى أنها لم تظهر نتيجة تراكم تاريخي طويل أدَّى إلى قيامها ونموها واتساعها، وإنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة (النفط) أدَّت إلى قيام مدن مُتضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد".



3
المنبر الحر / مهزلة ابدية
« في: 09:15 10/05/2021  »
 



مهزلة ابدية
   
  بولص آدم

البلاد تحتفظ بعدد من المصابيح
 لكل مدينة عدد منها
ثم لكل بقعة عدد اقل من اقل
من لم يحصل على مصباحه قال:
اين ذلك الصباح الذي رأيناه بالأمس ؟
...
البلاد لها حيواناتها
حديقة فيها نمر
اخرى فيها كذا، عفوا، اسد لابد من ذكره
 و.. حديقة اخرى فيها الحارس فقط .
...
البلاد فيها قمامة كبيرة
ثم لكل بقعة قمامة اقل
مالي اشعر بان انسان ملثم مسلح يعادل قمامة العالم
...
البلاد ملتوية، مرتفعة، مستوية،
وكل بقعة فيها..
مالي ارى الناس يحولون شكلها،
يسرقونها ويطردون اهلها
هل يرونها افضل مقعرة؟
...
البلاد لها جنودها
قد يكفي الف جندي لحماية هضبة
عشرة منهم لحماية شارع وهكذا
كان لنا جيش كبير
كنت صغيرا، سمعت القائد يقول
- لم احتل بلدنا ؟!
...
البلاد فيها مركبات
في بغداد عددها كذا
في البصرة اقل
الموصل اقل من اقل
مركبة واحدة حتما لاتكفي الآن لكل انسان
ثلاثة تكفي،
واحدة تسحله، واحدة تقتله، واخرى الى الرب تنقله
...
البلاد كفاها.. ماء نفط وتمر
معدنوس سكر وبصل
حنطة  صحف  ديجتال  عصافير  قرنفل
شئ واحد ينقصها دوما دوما،
      السكاكين

27.04.2007

4

اكتشاف كنيسة غارقة في بحيرة تركية
 
  الحرة-واشنطن

 بين حين واخر تُكتشف مُدن وآثار ومعابد أو قصور غارقة تحت الماء والكنائس الغارقة في المكسيك هي منها، وايضاً اكتشاف أثري تحت الماء يعتقد علماء أنه يضم بقايا "سفينة نوح .. لكن اكتشفاً جديداً لكنيسة غارقة في بحيرة تركية هو محط اهتمام وبحث وقد نقلت الوكالات الأخبارية هذا الخبر وادناه ما هو موسع حول ذلك:
https://www.alhurra.com/varieties/2021/05/08/%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81-%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%AD%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9

6
 
 
المعمارية نهلة إلياس ججو/ محكم محلف للجائزة الكبرى AFEX 2021 للعمارة الفرنسية في العالم

  خاص بعنكاوا.كوم:
  انه لحدث مهم للغاية، اختيار الفنانة والمهندسة المعمارية  نهلة إلياس ججو (Nahla JAJO-LEGRAND)  في هيئة المحلفين و لها امتياز كونها جزءًا من لجنة تحكيم/ النسخة 2021 للجائزة الكبرى AFEX 2021 للعمارة الفرنسية في العالم، وذلك  في 20 مايو على مسرح قصر غراسي في فينيسيا/ايطاليا، في اليوم السابق لافتتاح بينالي البندقية. يبلغ مجموع المشاريع الهندسية المشاركة 25 مشروعاً ..
تُعبر السيدة ججو :
"من المثير للغاية مناقشة مشاريع متنوعة للغاية، بمقاييس مختلفة، منتشرة في جميع أنحاء العالم. بالنسبة لمهندس عالمي مثلي، فإن رؤية كل هذه المشاريع الفرنسية التي يتم تصديرها يمثل تحديًا حقيقيًاو متعة!"
وهي حاملة بكالوريوس هندسة معمارية-جامعة بغداد وشهادة المجلس الكندي في الهندسة المعمارية، تعمل في مكتب  شاربنتييه/باريس للتخطيط الحضري والمشاريع المعمارية، مهامها تتلخص في وضع تصور جميع مراحل التصميم من المسودة الأولى إلى الانتهاء - دراسات الجدوى والقدرات - تنسيق وإدارة المشروع، السياق الوطني والدولي- التطوير التجاري والتنموي خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغرب إفريقيا..
 ألف مبروك ولمعرفة المزيد عنها:
https://ankawa.com/forum/index.php/topic,1014293.msg7750169.html#msg7750169

7




إستباحة حقل الحنطة في عنكاوا

      بولص آدم

     أشعر تماماً بما تشعرون..
  انا من زرع في ارض الأجداد واندهش لأخضرار الزرع وهامت روحه بوشوشات السنابل وهي تتمايل في رقصة الريح وعطش المصلين بانتظار المطر، وانا ابن النهارات التي أصفرت الحقول فيها واشرأبت السنابل وحان الحصادُ .. سلاماً للبيدر ومذراة الحنطة يابيدر العمر والخير المُنتظر، وتحية لكل مزارع عنكاوي يكد ويعمل، عرق جبينه لم يجف من بعد، مُنتظراً السنابل الزاهية بصبر وحبُّ الأرض في الصدرِ. في وقت يجوب فيه التنابل والباشوات واصحاب الصولجان، من ضحايا الأمس وامراء اليوم، لامُبالين بموت الزراعة والصناعة وخيانة الجار والأستلقاء مفتوحي الفاه تحت شجرة التفاح.. الى متى لاتتخلون عن خذلان من ضحى معكم وخسر قراه واراضيه ودمرت منازله واحرقت فوق رأسه مرتين وقُتِلوا وشُردوا والى متى تكذبون وتستغلون وتتسلون نافخين الجيوب بسياحة لا يعجبكم الا إذا انشئت على أراضي الجار وتتبجحون بجميل الكلمات وانتم تُزيدون مصائب من تكذبون وتقولون بأنهم زهوركم، وتزيدون التعب على التعب، مُصيبة أخرى تُضيفونها على المكدس منها لاغير ؟!
   حقل الحنطة في عنكاوا، يَسلبونه المٌسَلبين ويجرفونه المٌستهترين.
       ستمُرُّ هذه المرة ايضاً مرور الكرام؟!
         سُبحان الله،
  بالأمس فقط أكدوا لوزير خارجية اميركا بأنهم يؤكدون على التعايش..والخ من كليشة جاهزة. لكن الواقع اليومَ معكوس تماماَ وفي وضح النهار يَمسَحُ  الماسحون!
  وبالأمس قالوا انهم شكلوا لجنة وزارية من عدة وزراء لمتابعة قضية التجاوز على الأراضي و... الخ من الكليشة الجاهزة التي ليس عند المُخادعين غيرها.. فسبحان الله.. عندما يُسأل فريق يقود عملية جرف حقل الحنطة في عنكاوا عن السبب وهل ان هذا معقول وهل انهم لايخافون ربهم و... يأتي الجواب بأنهم مؤتمرون من قبل الأسياد والأرض مُنحت لتُستغل عبر شركة! فهل أصحابُها كانوا آخر من يعلمون؟ ونحن نسألُ، هل في شهر رمضان تحللون لأنفسكم ما يطيب لكم وهو لغيركم، فهل هذا حَلالٌ أم.. ؟
 وبالأمس قالوا انهم كلفوا فٌلان ليُتابع القضية بنت القضية وابنة عم القضية، حفيدة القضية التي تعجنونها وتخبزونها وتأكلونها لوحدكم يا مُناضلين..
  لعُمري لم يتبقَ حل بيد الصامدين من أبناء بيث نهرين الشرفاء، الا النزوح الجماعي نحو الحدود والأصطفاف بالآلآف هناك، لعلَّ هناك من سينتبه ويصحو ضميره ويحمي ماتبقى صامداَ منا على ارض الأجداد......هذا الشعب الأصلي الأصيل يستحق الحياة..
                     حقاً كان وسيظل العراق بلد العجائب والغرائب بهمة الأشقياء الفاسدين!

8


قصة السيدة كلب لمراسل حربي من فيتنام، هو المذيع أوبي يادغار المولود في بغداد

   بولص آدم

تفاعل الصحفيون المعتمدون في فيتنام بحرية مع القوات وقدموا تقارير غير خاضعة للرقابة حول الحرب وأهوالها. كان الباب المفتوح للصحافة سمة مميزة للحرب.  مراسلو الحرب في حقبة فيتنام يرتدون الزي الرسمي ويأكلون حصصًا من الإعاشة ويتشاركون العديد من الحرمان والأخطار التي يتعرض لها المقاتلون العاديون. وقُتل الكثيرين منهم مثل سافانوك، الصحفي العسكري والرقيب في الجيش، عندما تعرض للهجوم في 18 أبريل 1969 بالقرب من كام لو، في مقاطعة كوانغ تري. خلال المعركة، وضع كاميرته لمساعدة جندي جريح وقتل بنيران العدو. تمت تسمية المكتبة في مدرسة معلومات الدفاع في فورت ميد بولاية ماريلاند باسمه، إلى جانب جائزة الصحافة العسكرية السنوية.. تخيلوا ان مراسلين يرسلون الصور والتقارير ليس لأغلبهم صور منشورة وهناك من اشتكى، روبرت هوديرني أعرب عن "لم يتم نشر صورة لي قط"! نتذكر صورة تعدى تأثيرها أي تأثير آخر لأي صورة على مدار التاريخ، هذه الصورة كانت السبب الرئيسي لإنهاء حرب فيتنام، وستظل محفورة في ذاكرة التاريخ كإحدى أبشع الصور في القرن العشرين. الصورة للطفلة الفيتنامية وقتها “كيم فوك”، فبعد مرور أكثر من 40 عاما على حرب فيتنام لا تزال صورة “كيم” وهي تهرول عارية وتصرخ بعد أن أحرقت النيران جسدها بقنابل النابالم المحرمة دوليا، محفورة في ذاكرة التاريخ. والتقط الصورة المصور “نيك اوت” الذي حصل على جائزة بوليتزر عام 1973 هذه الصورة التي كانت من أسباب إنهاء الحرب الأميركية على فيتنام، حسب كايرو دار.. مع ان بعد خمسة عقود، تضاءلت صفوفهم، لكن من بقوا ما زالوا يروون قصصًا عن "آخر حرب جيدة" للصحفيين المقاتلين. ومنهم الآشوري (أوبي يادغار) اسمه أوبِليت ولكنه عُرِفَ ب أوبي في فرقة المشاة الرابعة بجيش الولايات المتحدة، وعمل كمراسل حرب في فيتنام في عامي 1967 و1968. المعروف كمذيع محبوب. هو شخصية إذاعية آشورية أمريكية من غليندال-ويسكونسن. ولد يَدغار في بغداد العراق 1945. نشأ في طهران، وانتقل إلى الولايات المتحدة في عام 1957. أمضى يَدغار ثماني سنوات في محطة WFMR في ميلووكي خلال السبعينيات، وبعد 10 سنوات في المحطة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. حصل على لقب "أفضل مذيع إخباري صباحي" وفقًا لمجلة ميلووكي في عام 1996، انتقل إلى محطة شيكاغو WNIB. في عام 2002 انتقل إلى WFMR، ثم توقف عن العمل في تلك الأذاعة عام 2004 لنقل المحطة إلى البرامج التي يتم تسليمها عبر القمر الصناعي. شارك في مجلة زيندا الآشورية وروج لها، وعمل في إذاعة شيكاغو العامة. أجرت الصحف الأميركية عدة لقاءات معه وفي لقاء جودي ياكوبس من صحيفة شيكاغو تريبيون، تفاصيل جميلة عن حبه لعمله، واسلوبه الجذاب وسعة اطلاعه وخاصة عن الموسيقى الشعبية والكلاسيكية منها، وكان مسموعاً بصوته الجميل والعمل الحرفي المتواصل والذي لم يتأثر بأي ظروف، فقد انتظره المستمعون دوماً وخاصة في فترات البث الصباحية.. كتب عن فترة فيتنام بأسلوب سردي فني، يمكنني القول بأنه أسلوب أدبي وغير تقريري ويتمثل ذلك في قصة السيدة كلب التي كتبها بالأنكليزية واضيفت الى ارشيف المراسلين الحربيين الناجين من جحيم عنوانه حرب فيتنام:

 
السيدة كلب
بقلم أوبي يادغار

بينما كنت أستريح على جدار من أكياس الرمل وأقوم بإخراج المعكرونة الباردة وكرات اللحم من علبة C-Ration لاحظت أنها تجلس على رجليها الخلفيتين على بعد بضعة أقدام وتهز ذيلها. كانت كلبًا يصعب وصفه، وكلها سوداء باستثناء بقعة بيضاء على صدرها، وإذا لم أكن أعرف أفضل، أعتقد أنها كانت تتحدث معي. الحرب تلعب بالعقل، هل تعلم ذلك؟
الرائحة النفاذة للنباتات والأرض المتعفنة الممزوجة بالكوردايت والكبريت جعلت غدائي أقل شهية. من بعيد، ذكرني صوت متقطع من نيران الأسلحة الصغيرة والأسلحة الثقيلة بوجوه الحرب المختلفة.
"حسنًا، سيدة كلب، أعتقد أنك سعيدة لوجودي هنا أيضًا، قلت ذلك وأنا أسمع السخرية في صوتي. لماذا اتواصل مع سيدة كلب لا أعرفها. برز اسمها للتو في رأسي، وكنت أعنيه بالطريقة التي يخاطب بها المرء سيدة مولودة نبيلة. لا أستطيع أن أشرح ذلك حقًا. ربما رأيت شيئًا نبيلًا في هيئة نجت من حرب مؤلمة لا معنى لها ولا تزال تهز ذيلها.
سمعت من سيادتها نباحًا صغيرًا واقتربت قليلاً ولا تزال تهز ذيلها. حتى المغفل يرحب بصوت ودود، قلت لنفسي، "هل ستنضم إلي في متعة تذوق الطعام هذه؟" وجدت قطعة من سعف النخيل وأفرغت نصف كمية السباغيتي عليها، مددت يدي نحوها. اقتربت منها دون خوف، تلعق مافي الورقة ويدي معها. منذ تلك اللحظة فصاعدًا، كنت أنا والسيدة كلب رفقاء حرب.
 كنت قد هَبطت في فيتنام في يوم عيد الميلاد عام 1967، والآن، في وقت مبكر من عام 1968، انتقل اللواء الذي كُلفت به للتو إلى معسكر القاعدة الكبير في مدينة كوي نون الساحلية وأربعة منا مراسلون مقاتلون في مكتب الأعلام العام، ينتظر أوامر لنصب خيمتنا المؤقتة. بعد ذلك بوقت قصير، خطط اللواء لتحرك القافلة إلى كون توم في المرتفعات الوسطى، ولم أكن أعلم أن السيدة كلب ستستمر معي، وأننا سنجري العديد من المحادثات.
نادرًا ما غادرت بعيداً عني، إلا عندما خرجتُ كمراسل في دورية وأغطي المهمات مع المشاة. خلال النهار، كانت تختفي لبعض الوقت، لتتواصل مع أصدقائها من الكلاب أو أيًا كان ما تفعله، لكن يمكنك المراهنة على حضورها في أوقات الإفطار والغداء والعشاء. نظرًا لأنه لم يُسمح لها بالدخول إلى خيمة قاعة الطعام، فقد أحضرتُ لها دائمًا نصف طعامي لمشاركتي به.
في الليل، كانت تنام عند سفح سريري في الخيمة، رغم أنني كنت أسمعها تنبح في الخارج أحيانًا. لا أعرف إلى أين كانت تذهب، لكني كنت أخشى أن تتجول في إحدى الليالي حول المحيط الخاضع للحراسة وتفجر نفسها بواسطة لغم، أو أن حركتها الصامتة وظلها قد يؤديان إلى إطلاق نيران مدفع رشاش من جندي كان على أهبة الاستعداد في ملجأ.. لحسن الحظ لم يحدث هذا قط.
عندما انطلق اللواء إلى المرتفعات الوسطى في قافلة طويلة، مع تحليق طائرات الهليكوبتر الحربية، ركبت مجموعتي في سيارة جيب مفتوحة في مكان ما في منتصف القافلة، اثنان في المقعد الأمامي واثنان في الخلف مع السيدة كلب في الخلف. اختنقنا بالغبار الأحمر الخافق على الرغم من العصابات التي ربطناها حول أنوفنا مثل قطاع الطرق في أفلام الويسترن.
لم يكن لدى السيدة كلب مثل هذه الحماية. حملت مقصفًا إضافيًا من الماء لكي تشربه فقط، وسكبته في خوذتي الفولاذية، واستخدمت أيضًا بعضًا من الماء لترطيب قماشة ومسح حلقة الغبار من عينيها كل بضع دقائق. بالنسبة لطعامها، يمكن أن تكون الحصة الغذائية الصغيرة مثالية، وقد أكلت ما أكلته. بين الحين والآخر، عندما توقفت القافلة للحظات، تركتها تخرج من الجيب؛ ثم عادت إلى الطريق مرة أخرى.
لا أتذكر المدة التي استغرقتها الرحلة، على الرغم من أنني أتذكر وصولي إلى كون توم قبل حلول الظلام دون كمين أو أي حوادث أخرى. طوال الرحلة الصعبة، ركبت معنا دون أن تسبب لنا أي مشاكل في الجيب. كانت السيدة طوال الطريق.
في مكان ما من الرحلة أتذكر أنني قلت لها، "حسنًا سيدة كلب، إنها ليست بالضبط رحلة في رولز رويس، ولكن هذا أفضل من مطاردة القافلة والنوم في الغبار."
أجابت السيدة بصوت ضعيف.
قلتُ وأنا أمسح عينيها: "أفكر كذلك، سيدتي العزيزة".
بحلول الوقت الذي وصلت فيه القافلة إلى كون توم، كان الغبار الأحمر في المرتفعات الوسطى قد حوّل معطفها إلى اللون الرمادي. أصبح زينا الزيتي الجديد أفتح لونًا، كما كان سيبدو كذلك بعد شهور والشمس الحارقة والغبار ظلل الجزء المكشوف من وجهي بألوان مختلفة. تم تسكيني مؤقتًا في خيمة مع فريق دورية سلاح بعيد المدى (LRP) - حول مجموعة الجنود الأمريكيين الأكثر شجاعة الذين قابلتهم على الإطلاق. كانت السيدة كلب قد حصلت بالفعل على جناحها الفاخر عند سفح سريري، وكان الرجال كرماء ونبلاء بما يكفي لتحملها.
في الأسابيع القليلة التالية، دخلت الحياة في روتين، إذا كان لديك روتين في الحرب، هذا هو. خلال النهار قامت بعملها المعتاد للاختفاء، حيث ظهرت لتناول الإفطار والغداء والعشاء. كان سريري أيضًا مكتبيًا وكتبت منحنًيا على الآلة الكاتبة المحمولة والسيدة كلب تغفو بجانبي.
..............................
معنى الأسم يادغار هو: الهدية التذكارية الثمينة.

9

الروائي ايفان كاكوفيتش، هربت أمه الحامل به من مذبحة سيميلي
 
  بولص آدم

  كانت (قاتي) حامل عندما هربت من الجحيم خلال مذبحة سيميلي مع عائلتها، بعد ثلاثة أشهر وصلوا الى مدينة كييف في اوكرانيا، ولد إيوان في 9 ديسمبر 1933 وكان اسم والده كاكو، فسُجِّل بأسم ( إيفان كاكوفيتش) ومعنى اسمه، ملك الخير والمقصود منه، الذي يفعل الخير بإستمرار دون مقابل ومعروف وسط الناس بذلك. انها من الأمور الجديرة بالتقدير لمعدن هؤلاء الناس، فرغم الرعب الذي تعرضوا له وقلِعوا من أرض الوطن وتحملوا مشقة الرحيل وهم يواجهون المجهول تحت اقسى ظروف المسير، وما تتحمله امرأة حامل من جراء ذلك. لم يجنحوا قيد انملة عن قيم الخير. ايفان كان كاتبا آشوريا وصحفيا وأستاذا وزعيما للقوميين. كتب البيان الآشوري ورواية "جبل سيميلي". عن مذبحة سيميلي في أغسطس 1933. الموضوع الذي سيكون (إيفان) مهووسا به لبقية حياته..
  في عام 1938، عندما كان إيفان في الخامسة من عمره، انتقلت الأسرة إلى كازاخستان، حيث ذهب إلى المدرسة الابتدائية. في عام 1944 وتحت رُحى الحرب العالمية، انتقلت العائلة مرة أخرى، ولكن هذه المرة نحو الآشوريين في طهران، وفي إيران، التحق بمدرسة الأبرشية الفرنسية في سانت لويس مع شقيقيه توما وشريك. كانت مدرسة ضيقة الأفق.. عام 1956 في سن ال 23، ذهب إيفان إلى فرنسا ودرس الأدب الكلاسيكي. وبعد بضع سنوات انتقل إلى ستراسبورغ لمواصلة تعليمه في مجال الكلاسيكيات. عام 1959 في سن ال26، انتقل إيفان إلى واشنطن D.C وحصل على وظيفة في مدرسة بيرلتز للغات. درس الروسية والفرنسية والفارسية. كما عمل في وقت واحد في صوت أمريكا، وترجم إلى الروسية والفرنسية والفارسية. وكان إيفان أيضا حالة  فريدة من نوعها في المجتمع الآشوري لنظام معتقداته الإلحادية. وكما قال في روايته الشهيرة جبل سيميلي، لم يكن إيفان ليتخيل أن هناك حياة أخرى بعد الموت وبأي شكل.. أصبح إيفان معروفا على نطاق واسع في أواخر السبعينيات عندما كتب (البيان الآشوري). خطة لتشكيل حكومة آشورية مؤقتة. قدم إيفان البيان في المؤتمر الآشوري السنوي في شيكاغو وأيدت جماعات سياسية مثل التحالف العالمي الآشوري وحزب بيت نهرين الديمقراطي بحماس خطة إيفان وتم دعمه ماليا. وفي ذلك الاجتماع تقرر إعادة إيفان إلى واشنطن لافتتاح مكتب الاتحاد الدولي للشعب الآشوري ICAN. وبعد بضعة أشهر فقط توقف مع عدم وصول المزيد من دعم المشروع ماليا، أغلق إيفان مكتب واشنطن.. في عام 1983، بينما كان إيفان يحضر المؤتمر الآشوري، التقى بزوجته هيلين وتزوجها، وانتقل إيفان إلى هايوارد، كاليفورنيا. بعد عام تقريبًا، وُلد ابن إيفان الوحيد، أرسانيس "سيرجي". بينما كان طفلاً صغيراً، انفصل إيفان وزوجته. بقي إيفان في هايوارد ليكون قريبًا من ابنه، لكنه انتقل في النهاية إلى سايبريس كاليفورنيا. بينما كان يعيش في كاليفورنيا، أنهى  أخيرا كتابة قصة كان مهووسا بها منذ ولادته، وكتب رواية "جبل سيميلي" في عام 2001. ولم تؤثر المذبحة  التي راح ضحيتها الشعب الآشوري على أسرة إيفان، التي أجبرت على مغادرة قريتها في العراق وانتقلت من بلد إلى آخر فحسب، بل أثرت أيضا على حياة إيفان الشخصية. في 21 ديسمبر 2006، بينما كان يقضي عطلته في فرنسا، توفي إيفان بشكل غير متوقع، على الرغم من أنه طوال حياته لم يكن لديه مشاكل صحية معينة. دفن يوم الثلاثاء، 9 يناير 2007، في مقبرة فورست لاون في لوس أنجلوس.
 عمل إيفان كاكوفيتش الحياتي عبارة عن رواية تحكي مأساة الآشوريين المعاصرين من حوالي عام 1915 إلى مذبحة سيميلي عام 1933. بالإضافة إلى تقديم وصف تفصيلي للغاية لما حدث للآشوريين خلال تلك الفترة، يخبر كاكوفيتش أيضًا قصة جدته، سونيا ( شموني نونا)، وعلى وجه الخصوص، عمه الأكبر ميخائيل نونا، وكلاهما مرتبط إلى حد كبير بما حدث للآشوريين. في أبريل 1915، كانت عائلة نونا تعيش في قرية مار بيشو (الآن في تركيا ، بالقرب من الحدود مع الجزء الشمالي الغربي من إيران). ذهبوا لحضور حفل زفاف في أورميا لكن بيسي، الحامل في شهرها الثامن بسونيا، قررت عدم الحضور. يعيش الآشوريون بالقرب من الأكراد ولديهم علاقات جيدة معهم بشكل عام، على الرغم من الاختلافات الدينية (الأكراد كانوا مسلمين والآشوريين مسيحيين). في الواقع، خلال هذه الرواية، سنرى الشعبين يتقاتلان ويساعدان بعضهما البعض ومع ذلك، أثناء وجودهم في حفل الزفاف، علموا أن الآذريين  والأكراد سيهاجمونهم. هرب الآشوريون دون أن يصابوا بأذى وعاد ساركيس وابنه ميخائيل إلى ديارهم في مار بيشو. عندما يصلون إلى هناك، يجدون المكان مهجورًا. وفجأة تصل مجموعة من الأكراد. في الواقع، كان الأكراد يعيدون الممتلكات المسروقة هذه المرة لكن سركيس يخطئ في فهم الأمر. يطلق النار عليهم، يردون عليه بالمثل ويقتلونه  كما قتل نجل الشيخ الكردي. وتصبح فرس سركيس من نصيب ابنه..هربت بيسي ببعض المساعدة وأنجبت سونيا، لكن لن يلتقي ميخائيل بأخته لبعض الوقت. سوف يذهب إلى فرنسا ويدخل أكاديمية عسكرية هناك. سوف يصبح تدريجيا قائدا للآشوريين. حتى أنه سيُجبر (بشكل غير إرادي) على القتال من أجل ماخنو في روسيا ، حيث سيكتسب سمعة كبيرة وفوق كل شيء، سيحاول دون جدوى كما اتضح ، أن يؤسس الآشوريين كأمة ذات أرض معترف بها. القوى الكبرى، وخاصة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، هي ألد أعداء الآشوريين، وخاصة البريطانيين. يتم إحباط محاولاتهم لإنشاء إقليم مستقل في كل محاولة لأن البريطانيين (وكذلك الفرنسيين والأمريكيين) يخشون من أن الآشوريين سيكونون تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي. قام البريطانيون والفرنسيون بتقسيم الشرق الأوسط وخلق العراق وإيران اللذين ينوون السيطرة عليهما. غالبية سكان الموصل من الآشوريين طردوا، ووجدوا مأوى مؤقتًا في سوريا قبل أن يطردهم الفرنسيون إلى العراق، واستقروا في جبل سيميلي، قبل المذبحة الأخيرة. إنها قصة معقدة للغاية، يصفها كاكوفيتش بتفصيل كبير، سواء فيما يتعلق بما يحدث للآشوريين وتعاملاتهم مع القوى الكبرى والشعوب الأخرى المحرومين، وكذلك احوالهم في دول المنطقة، تركيا وإيران والعراق. يقدم لنا كاكوفيتش أيضًا وصفًا مفصلًا إلى حد ما عن حياة ميخائيل العاطفية وتجواله بالإضافة إلى إخبارنا عن ثقافة الآشوريين، ولاتزال سردية رائعة، ربما تكون غير معروفة كثيرًا في الغرب..من الواضح أن الكاتب اطلق عبر روايته نداء للآشوريين، الذي نجا مع اخته ريتا واخويه توما وشريك، ومن ثم خطيبته ريما وابنه سيرجي.. موت ايفان كاكوفيتش المفاجئ، يضل خسارة كبيرة يوم رحيله والآن وفي المستقبل.

10


المذيع ألبرت كوشوي، الحاصل على الجائزة الأولى لمهرجان الصوت الدولي

   بولص آدم

    نختار اليوم مبدعاً من عالم الأذاعة، هذا الاختراع الذي خرج منه إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في عام 1939..
  تعد الإذاعة أداة فعالة للاحتفاء بالحياة الإنسانية على تنوعها، وتوفر منبراً لنشر الخطاب الديمقراطي. وتظل الإذاعة أكثر وسائل الإعلام استخداماً على الصعيد العالمي.وإذ تملك الإذاعة هذه القدرة الفريدة على الوصول إلى عدد كبير جداً من الناس، فإنها تستطيع أن ترسم معالم حياة المجتمعات في إطار التنوع وتواصل ريادتها وتعزز حضورها الرقمي..نتذكر المنولوجست عزيز علي واغنيته الشهيرة (الراديو)أيام زمان: "ها اليوم يوم الراديو ..." والراديو عدته الوحيدة في التواصل هي الصوت البشري بما يحمله من لكنة مميزة لكل مذيع، وما فيه من دفء، وعاطفة، وغضب، وألم، وضحك أحيانا، وما يطرأ عليه من تردد، وتوقف، وبطء أو إسراع، وعلو أو انخـــــــــفاض في الصوت. وإذا كنا قد استضفنا في بيوتنا وامكنة العمل والسيارة والحقل مذيعين من بيث نهرين العريق امثال كلاديس يوسف وشميم رسام وشمعون متي ونسرين جورج.. فلم يكن بمقدورنا سماع صوت متميز قيل عنه في إيران، بأنه إذا تكلم عبر الميكروفون فالطيور تصمت! وهو أشهر مذيع في إيران ومفخرة إذاعة طهران لستة عقود، إنه المذيع الآشوري ألبرت كوشوي الذي حصل على الجائزة الأولى لمهرجان الصوت الدولي عامي 1990 و1991.
  ولد في 28 يوليو 1958 في مدينة همدان. عندما بلغ الرابعة من عمره، ذهب مع عائلته إلى عبدان. كان والده يعمل في شركة النفط، فعاش في عبادان حتى تخرجه.. بعد تخرجه، عين في راديو أورمية (الرضائية في ذلك الوقت). بعد ذلك درس الأدب واللغة الإنجليزية في مدرسة بارس الثانوية في طهران ثم درس في كلية الترجمة لمدة أربع سنوات. بعد عام أو عامين تقريبًا، بدأ حياته المهنية. هو الآن مذيع إذاعي وتلفزيوني مخضرم ويعمل في مجالات الكتابة والترجمة والصحافة والفنون البصرية والمسرح والسينما. يدرّس كوشوي أيضًا إعداد التقارير والصحافة والتمثيل الصوتي. منتج وراوي لبرامج إذاعية مختلفة، ترجم كتاب "حفلة موسيقية غير منتهية" (مجموعة قصائد لفريدريك غارسيا لوركا من الإنجليزية إلى الفارسية)، مؤلف مجموعة من البرامج الإذاعية في شكل كتاب بعنوان "A Word to Say"، محرر العديد من المجلات الثقافية والعلمية والرياضية، واضافة الى النسخة الثانية من الملحمة الآشورية "قَطينا" التي دَوّنها "ويليام دانيال" ترجمها "ألبرت كوشوي" ونشرتها دار نشر "بويانده"، ورسمها "هانيبال الخاص". الفنان التشكيلي الآشوري المعروف (قال عنها ألبرت دانيال: هي أعظم ملحمة آشورية، ملحمة "قَطينا" الشهيرة تعادل ملحمة "شاهنامه" للفردوسي) وبالمناسبة فمعرض الفنان التشكيلي هانيبال الخاص، تحت عنوان «قصة الآشوريين»، رصد في أعماله جوانب من التراث والحضارة الآشورية المتقاطعين مع حضارات المنطقة، والتي لم ينحسر تأثيرهما وحضورهما لغاية الآن. وللأسف فقد اختفت أجزاء من هذه الملحمة الشهيرة بعد الغزو المغولي.
  سرد كوشوي القصص وقراءة الروايات الإيرانية والأجنبية، الدبلجة والتمثيل الصوتي في البرامج التليفزيونية والوثائقية، كتابة العديد من المقالات في الصحف والمجلات المحلية والنقد المسرحي والسينمائي، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات الأجنبية مثل The Independent، وThe Guardian and Time، ومحاضر في التقارير الصحفية والصحافة، ومن برامجه: برامج "طهران مورنينغ" و "المرور في طهران" و "طهران في الليل" هي برامج كوشوي المعروفة على شبكة إذاعة طهران. كما أنه حاصل على درجة الماجستير في الأخبار ونصوصها، ونشر كتاب آخر  بعنوان "المخطوطات"، وهو يتحدث عن أحداث ثقافية وفنية مهمة واقتباسات من عظماء هذا المجال.
  في يوبيله الذهبي وتحت عنوان (اليوم هو يوم ألبرت كوشوي) بعد نصف قرن من النشاط الثقافي والفني. يقول انه بدأ بالدبلجة مع خسرو شكيبائي وجورج بتروسيان. رافق حفل إحياء ذكرى هذا الفنان حضور قدامى المذيعين في الإذاعة ومجموعة من أصدقائه في المتحف الوطني الإيراني، وحضر الحفل فنانون مخضرمون مثل أمير نوري وفرهنغ جولاي. وفي ختام الحفل تم الكشف عن مسلسله المستمر الى الآن "ممر في طهران". كان منوشهر نيازي أحد الرسامين المخضرمين الآخرين الذين شاركوا ذكرياته مع كوشوي في الحفل، وذكّر الفنان بأنه عرف ألبرت كوشوي منذ 60 عامًا، وقال: "أحبَّ الأعمال الفنية وأنا أعرفه كفنان صحفي وناقد فني" إنه إنسان حقيقي من الداخل والخارج، لديه معلومات قوية للغاية من فترة الدادائية في الحرب العالمية الأولى حتى الفن المعاصر، مُذكراً بواحد من أهم برامجه القديم قبل الثورة "صباح الخير يا طهران" والذي غطى فيه كوشوي الفنون التشكيلية. وقال سايروس مادانكين، مدير إذاعة طهران في كلمة ألقاها في الحفل: "لعل هذا من الأشياء الجيدة في الوقت الذي أقف فيه بحضور ألبرت كوشوي للاحتفال بنصف قرن من نشاطه" عندما جاء إلى الراديو، كنت لا أزال مُستجداً في هذا العالم وتابع: إن تاريخ الإذاعة البالغ من العمر 70 عامًا في إيران يظهر أن هذا الإعلامي النبيل والدافئ له مكانة كبيرة في قلوبنا كمستمعين، خلال العامين اللذين أمضيتهما في الخدمة مع الأستاذ ألبرت كوشوي، رأيت بعض الخصائص الفريدة له، أحدهما، ما يميز معرفته والحب الذي لا يتزعزع للآخر، وتواضعه الذي يعلم الشباب الاحترام والكرامة. وكان یوناثن بت‌ کلیا الممثل الآشوري في مجلس الشورى الإسلامي حاضرا، خاطب الجمهور أولاً باللغة الآشورية ثم ترجمها، قال: "نحن الآشوريون نعيش في إيران منذ أكثر من 3700 عام"، ألبرت كان حاضراً بصوته ومقالاته وكتبه في مجتمعنا لمدة 24 ساعة، الخدمات التي قدمها بالنسبة للمجتمع الآشوري العالمي هي ثمينة للغاية وكبيرة، ثقافة وتاريخ وأسطورة بالنسبة لنا.
  قال كوشوي الحاصل على دكتوراه مسرح فخرية، الذي رافقته عائلته في الحدث "خلف كل رجل ناجح إمرأة، ولكن ورائي ليست امرأة ناجحة فقط،
   لكن أيضا ثلاث نساء أخريات هُنَّ بناتي."
 

11



أدباء أتراك قاوموا ثقافة الأفلات من العقاب!

   بولص آدم

  المذابح والإبادة الجماعية للأرمن(1915-1916)التي يصفها أغلب المؤرخين في العالم بأنها أول إبادة جماعية في القرن العشرين، قال عنها الروائي الألماني توماس مان: اول مهرجان عالمي للموت!... إن أصل مصطلح الإبادة الجماعية وتدوينه في القانون الدولي يرجع جذوره إلى القتل الجماعي للأرمن. الموقف التركي الرسمي تجاه مذابح الأرمن على يد العثمانيين. هو ( لن يقول الأتراك أبداً عن آبائهم إنهم كانوا قتلة)! وبهذه الجملة أنهى المؤرخ جستن مكارثي خطابه في البرلمان التركي عام 2005، فوقف النواب الأتراك مصفقين بحرارة لما قاله. تلخص هذه الجملة الختامية موقفهم الرسمي الى حد اللحظة وهو( إن الأرمن كانوا ضحايا حرب سقط فيها أيضاً مئات الألوف من الأتراك والعرب وغيرهم).
  بعد المذبحة الرهيبة بثلاث سنوات اي 1919 كتب الروائي التشيكي فرانز ورفل، رواية تناولت جماعة الدفاع عن النفس الأرمينية (الأيام الأربعون لجبل موسى) هذه الرواية انتقلت لاحقاَ سرًا بين اليهود المسجونين في الأحياء اليهودية خلال المحرقة لأنهم رأوا في تلك الرواية تشابهًا ملهمًا لمحنتهم ودعوتهم للمقاومة. منذ اعتراف الأوروغواي عام (1965)بالأبادة الجماعية للأرمن والحكومات التركية تعبر عن غضبها، وحتى آخرها ورغم ان البيان فيه كلمة(لالوم) وانها ( لكي لاتتكرر ثانية)! ونقصد اعتراف الرئيس جو بايدن رسمياً بمذبحة الأرمن على أنها إبادة جماعية للأرمن.
  غضب تركيا ليس على الدول والمنظمات المُعترفة فقط، بل مورست اقسى وابشع الممارسات والضغوط على مواطنين أتراك من صحفين وادباء ومؤرخين وعامة، لأنهم أدانوا جرائم الأجداد ولم يتمسكوا بثقافة الأفلات من العقاب! التي أصبح فيها الناس يعتقدون أن بإمكانهم فعل ما يريدون دون عقاب في سياق الإبادة الجماعية، فهذا يعني أن ثقافة البلد كانت لدرجة أن الناس شعروا حرفيًا أنهم يمكن أن يفلتوا من القتل.
 تُمارس ضد من يقاوم ثقافة من هذا النوع  اعمال انتقامية. ضد كل من يدين الأبادة.. وربما تذكّرنا حادثة الملاحقة القضائية للكاتب الشهير الحائز نوبل للآداب، أورهان باموك، بتهمة إهانة الدولة التركية وجيشها حين تحدث عام 2005 عن مقتل مليون أرمني على يد الأتراك، بمدى حساسية الأتراك تجاه هذا الأمر. الذي هدد بالسجن ثم بالقتل فهرب الى اميركا.. مرورا بالروائية التركية الأميركية ألف شفق، ففي روايتها( لقيطة اسطنبول)تناول متشابك موسع وادانة لتدمير الأرمن وقلع جذورهم وتدمير نسيجهم الأجتماعي ومعتقداتهم واماكنهم الدينية والثقافية بل محي مليون الى مليون ونصف ارمني من الوجود، وصولاً الى الروائي التركي الألماني دوغان أخانلي فهو مستمر بانتقاد السياسة والتاريخ التركي، "تركيا بالتأكيد لا تحب ذلك. تريد إسكاتي". الروائي الذي تعدى 60 عامًا لا يريد الرضوخ للضغط. قال: "لكن ابتداءً من الستين فصاعدًا، لا أريد أن أصمت بعد الآن".. اعتقل وسُجن عدة مرات وطورد حتى في عطلته باسبانيا وكل ذلك لأنه في رواياته ينتقد ويندد بالأبادة الجماعية وعندما أراد  زيارة والده المحتضر في صيف عام 2010 تم اعتقاله لدى دخوله تركيا، اتُهم بأنه عضو في منظمة إرهابية. قال أخانلي في مقابلات بعد ذلك إنه شعر وكأنه جوزيف ك. في رواية كافكا "محاكمة" ، ليس أقلها معرفته بأنها كانت التزامه بالمصالحة بين الأتراك والأكراد والأرمن، وقبل كل شيء، هناك كتابات وكتب لا ترضي السلطات التركية وتجعل منه كاتبًا مضطهدًا. في نهاية التسعينيات نشر أخانلي ثلاثية، الجزء الأخير منها "قضاة يوم القيامة"، يتناول الإبادة الجماعية للأتراك في عام 1915 ضد الأرمن. يروي أخانلي أيضًا ما قبل التاريخ لهذه الإبادة الجماعية على عدة مستويات، والمذابح التي حدثت في وقت مبكر من عام 1895/96. الإبادة الجماعية للأرمن هي أيضًا موضوع مسرحيته "صمت آن"، التي عُرضت لأول مرة في برلين عام 2012 في مسرح أونترم داش وفي كولونيا. تكتشف فيه الفتاة التركية الشابة صهيبة، التي نشأت في ألمانيا وتتمتع بموقف قومي للغاية، بعد وفاة والدتها، أن لديها أصول أرمنية.. انه الأدب في صلب مهمته، اهتمامه بالتذكر في التذكر العام ، ثانية، إنه الضمير.

12
 


دلالات جديدة في جدارية ونقوش حملة الملك آشور بانيبال لصيد الأسود

  نقلاعن/BBC:
   عن جدارية ونقوش كانت تزين جدران قصر ملكي في نينوى. قدم تقرير نشر في BBC Culture، ونقله القسم العربي صباح هذا اليوم، بعنوان (جدارية صيد الأسود للملك آشور بانيبال: أخبار زائفة عمرها 2700 عام). إستكشاف أدلة جديدة لتفسير المعاني وراء هذه البرك من دماء الأسود التي تجسدها هذه الجداريات. ودلالات التفاصيل فيها وبراعة الفنان النحات المُذهلة، ارجو الأطلاع على التفاصيل في الرابط:
https://www.bbc.com/arabic/vert-cul-56850275
 

13


في اليوم العالمي للكتاب 23أبريل، القراءة تقوي الروح

"أي شخص يقرأ، لديه مفتاح الأعمال العظيمة والفرص التي لا يمكن تصورها."  ألدوس هكسلي

      بولص آدم

    في البدء، أقدم أجمل التهاني لمن ألف كتاباَ او شارك في تأليفه وساعده ان يرى النور من أبناء شعبنا، ورغم أن حصادنا النوعي كان جيداً ومتنوعاً، غير أن عدد الكتب التي صدرت منذ نيسان العام الماضي وحتى اليوم، حصاده عددياً قليل. الأسباب عديدة، ولكننا نطمح لما هو أفضل، فالكل يتفق أن شعبنا غني بكفاءاته ومرت عليه احداث مهمة.. اين الكٌتب؟! وهل نحن نقرأ بانتظام فعلاً ؟
    نحب الكتب ويتفق معنا اليونسكو. اقترحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يوم الكتاب العالمي يوم 23 أبريل كيوم للاحتفال بفرحة القراءة.
   مائة دولة تحتفل باليوم العالمي للكتاب ولماذا لا؟ الأطفال الذين يقرؤون بانتظام من أجل الاستمتاع يحصلون على درجات اختبار أعلى،ويطورون مفردات أوسع، ويزيدون من المعرفة العامة ويفهمون الثقافات الأخرى بشكل أفضل من نظرائهم الذين لا يقرؤون. سواء كنت تقرأ كتبًا تقليدية ذات غلاف ورقي أو تلجأ إلى جهاز Kindle / iPad / أيًا كان، فإن القراءة جواز سفر الى العديد من العوالم الأخرى. لذا احتفل معنا في 23 أبريل! إنه يوم للاحتفال بامتياز القدرة على القراءة، توجه إلى المكتبة أو استلق على الأريكة وكن مجرد دودة كتب! القراءة هي شكل ممتاز من أشكال الترفيه ايضاً وتتطلب أن تستخدم خيالك بدلاً من مجرد مشاهدة العناصر المرئية على الشاشة. هناك أيضًا شيء علاجي للغاية حول الإحساس الفعلي للكتاب، برائحته من الصفحات المطبوعة والأغلفة اللامعة. تعتبر الكتب جانبًا قيمًا في المجتمع ولكن لم يكن هذا هو الحال دائمًا. عندما تم تطوير المفردات والكتابة منذ آلاف السنين، تم استخدام الألواح الطينية. تطور هذا إلى رق بردي. حقق الصينيون الشكل الأول للكتاب في القرن الثالث، على الرغم من أن كتبهم كانت تتكون من صفحات سميكة مصنوعة من الخيزران تم حياكتها معًا. بحلول منتصف القرن الخامس عشر، أحدثت المطبعة ثورة في الكتب لتصبح ما هي عليه اليوم وجعلتها في متناول الجميع. بفضل هذا الاختراع العبقري، أصبحنا قادرين على الاستمتاع بالنثر والشعر لعدد لا يحصى من المؤلفين والشعراء مثل من شكسبير وتولستوي. تم إنشاء يوم الكتاب العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في 23 أبريل 1995. تم اختيار هذا التاريخ لأنه ذكرى وفاة ويليام شكسبير والمؤرخ الإسباني البارز إنكا جارسيلاسو دي لا فيجا. قبل ذلك، كانت هناك عدة أفكار حول موعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. في الأصل، اقترح الكاتب فيسنتي كلافيل أندريس، أن يكون هذا اليوم  يوم يكرم المؤلف ميغيل دي سيرفانتس. هذا يعني أنه يمكن أن يكون إما في عيد ميلاده ، في 7 أكتوبر، أو يوم وفاته، في 23 أبريل. لأن يوم وفاته تزامن مع التاريخ الذي توفي فيه ويليام شكسبير وإنكا جارسيلاسو دي لا فيغا أيضًا ، هذا التاريخ تم اختياره. من المثير للدهشة أن هناك العديد من المؤلفين المشهورين الآخرين الذين ماتوا أيضًا في 23 أبريل، مثل ويليام وردزورث وديفيد هالبرستام.
  يعد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب فرصة مثالية لمقابلة مؤلفك المفضل أو تقديم كتاب هدية أو شراء تلك الرواية التي طالما رغبت في الحصول عليها بخصم مغر. علاوة على ذلك، يقوم أمناء المكتبات والمتاحف والمؤسسات الثقافية الأخرى عادة بتنظيم أنشطة خاصة للاحتفال بهذه المناسبة (موائد مستديرة، توقيع كتب، محاضرات، زيارات إرشادية، ورش عمل للأطفال، رواة القصص، حفلات موسيقية، قراءات عامة، إلخ..). دعوة لتجربة عالم الآداب بطريقة مختلفة.
   في عام 2015 حققت النمسا مثلا رقماً قياسيا في عدد الفعاليات الكبرى احتفاءا بالكتاب وتشجيع القراءة وفي اسبانيا وعلى سبيل المثال لا الحصر، يصادف يوم سانت جوردي في كاتالونيا الاحتفال الشعبي لسانت جوردي. وفقًا للتقاليد، من المعتاد في هذا اليوم إعطاء هدية كتاب للرجال ووردة للنساء. وهكذا تحولت مدن مثل برشلونة إلى مكتبة ضخمة لبيع الكتب في الهواء الطلق، مليئة بالأكشاك مع المؤلفين الذين يوقعون نسخًا من أعمالهم. سيرفانتس و "دون كيشوت" في 23 أبريل، مسقط رأس الكاتب ميغيل دي سيرفانتس، ألكالا دي إيناريس، يرتدي حلة رائعة: في قاعة الجامعة، يقدم ملك وملكة إسبانيا جائزة سرفانتس، وهي أهم تمييز أدبي يُمنح في عالم اللغة الإسبانية. بأسم بطل الرواية في يوم الكتاب العالمي. وفي كل عام، في Column Room في أكاديمية Círculo de Bellas Artes في مدريد، هناك قراءة متواصلة للرواية: يتضمن ذلك 48 ساعة من القراءة المستمرة من قبل شخصيات من عالم الثقافة والسياسة بالإضافة إلى المواطنين. تُقرأ رواية "دون كيشوت" أيضًا في العديد من مراكز معهد سيرفانتس وفروعه في الخارج، من أجل الاحتفال بهذا التاريخ. يُقام ليلة الكتب في مدريد. تظل أكثر من 100 مكتبة مفتوحة حتى منتصف الليل مع برنامج ثقافي خاص يتضمن كل شيء من الموسيقى الحية واللقاءات مع الكتاب إلى أنشطة الأطفال. علاوة على ذلك، سيحصل أي شخص يشتري كتابًا في ذلك اليوم على خصم 10٪ على السعر. يُعد هذا طريقة رائعة لمحبي الكتب لإثارة شهيتهم لمعارض الكتب العديدة التي تقام في جميع أنحاء إسبانيا بعد ذلك بقليل خلال السنة.
  في جميع أنحاء العالم، هناك العديد من التواريخ الأخرى التي يتم فيها الاحتفال باليوم العالمي للكتاب. تحتفل المملكة المتحدة والسويد وأيرلندا باليوم العالمي للكتاب في تواريخ مختلفة. ومن اللآفت أن المانيا وكرد فعل لما في الذاكرة وفي يوم مشؤوم من عام 1933تم حرق الكتب وكانت واحدة من جرائم الفاشيست الأولى التي مهدت للحرب الكونية الثانية، فحارقي الكتب أشعلوا حرباً مازال العالم يعيش تداعياتها المُرة، لذلك المانيا تعيد الأعتبار الى الكتاب ويُحتفى به ايما احتفاء متوجة ذلك بمعرض فرانكفورت للكتاب وربما هو اهم معرض عالمي لهذا الكائن العجيب الكتاب.
 تبقى مشكلة قائمة وهي ظروف الطبع وعلاقة المؤلف بدار النشر والتوزيع ومشكلة حقوق المؤلف.. هي تتفاوت من بلد لآخر ومن قارة لأخرى، لكننا نعاني كثيراً من هذه المشكلة. وأخيراً القراءة تجعلنا نضحك وأحيانًا نحزن، فهي تستحضر صورًا أمام أعيننا الداخلية، بل إن بعض الكتب تأسرنا كثيرًا. نتفق: القراءة أجمل شيء في العالم! وصدق فولتير: القراءة تقوي الروح..

14



جديد الفنانة مادلين إيشويفا، مليون وردة حمراء

    بولص آدم

  بعد اشهر قليلة من اطلاق اغنية RIGDA D’ AWAHATAN و التي كتبتُ عنها حينها ومن خلالها مسيرتها الفنية من مكان ولادتها في قرية أرزين الآشورية في أرمينيا وحتى غنائها في الكرملين عدة مرات ، كما هو في الرابط نهاية هذه المقالة.. تطل علينا ثانية، الفنانة الآشورية مادلين إيشويفا، عن طريق الأغنية المعروفة (مليون وردة حمراء)، نسخة بنكهة آشورية مُعاصرة، هي فرصة جميلة لتوحيد مشاعر الحب إنسانياً، فهذه الأغنية غناها العشرات من المطربين وبلغات كثيرة، سائرين في هذا الطريق الرومانتيكي نغمياً مع امنية بمُسحة حزينة..أشهر من غناها ،الروسية (آلا بوغاتشيفا)..
 فلنسمعها اولا بصوت إيشويفا وهي التي أطلقتها مؤخراً، ܡܠܝܘܢ ܘܪܕܝ ܣܡܘܦܝ:
https://www.youtube.com/watch?v=ccY5wdWNw-c
  وراء كل عمل فني حكاية، حكاية هذه الأغنية هي:
  ..مَنَحَ الفتاة حياة، هي أغنية لاتفية وضع لحنها الموسيقار الليتواني الشهير ريموند بولس، وزير الثقافة أيام السوفيات، وصاغ كلماتها الشاعر ليون بريديس (تم أداؤها في عام 1981 في Mikrofona aptauja بواسطة Aija Kukule وLīga Kreicberga).
    الأغنية هي واحدة من أشهر أغاني بولس. تمت تغطية هذه الأغنية بنُسَخ مُقلِدة Cover من قبل العديد من الفنانين أبرزهم، أعظم مطربة روسية وديفا البوب آلا بوغاتشيفا في عام 1982 من كلمات أندريه فوزنيسينسكي باسم "مليون زهرة حمراء" (بالروسية: Миллион алых роз ، Million alykh roz). فإذا بها تصبح على كل شفة ولسان، كيف لا وأنها من حنجرة واحاسيس وعواطف جياشة لفنانة تُعتبر أسطورة الموسيقى والغناء الحديثة في روسيا.. بوغاتشيفا، احد رموز الحقبة السوفيتية وفخر الروس، أغانيها حفظها حتى الأطفال وبيعَ 100 مليون نسخة من ألبوماتها و شهرة عالمية بنسختها من هذه الأغنية الرائعة..بوغاتشيفا كانت قد حققت لنفسها مكانة كبيرة في قلوب الجماهير عام 1977، حيث ظهرت  في فيلمها الأول  بدور البطولة في (Zenshchina، kotoraya poyot 1977). كما أنها كانت مؤلفة الموسيقى لهذا الفيلم تحت اسم مستعار "بوريس غوربونوس". حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا في شباك التذاكر بحضور أكثر من 60 مليون شخص في الاتحاد السوفيتي. حصلت بوجاتشيفا على لقب أفضل ممثلة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية لعام 1979.
   قصة الحب المأساوي التي استُلهِمَت في كلمات الأغنية:
  في 1969 أقام «اللوفر» معرضاً لأعمال بوريسماني. كانت هناك لوحات كثيرة مدهشة. لكن الزوار والصحافة اهتمت بلوحة «مرغريتا» تنقل صورة سيدة مُسنة ترابط أمامها، في عينيها شجن وعلى وجنتيها يتورد الخجل. لعلها الملهمة وقد جاءت تّتبع عطر المليون وردة.. هذه حكاية اذن، قرأتها بنسخ عديدة وأفضل أن أقدم لكم الحكاية كما سردتها الروائية الصديقة انعام كجه جي: (نيكو بوريسماني كان واحداً من مشاهير رسامي بلده. عاش في القرن التاسع عشر وأدرك القرن العشرين. مات معدماً وطافت لوحاته متاحف العالم من بعده. نيويورك ولندن وبرلين وباريس. وباريس هي موطن مرغريتا دو سيفر، الممثلة المسرحية التي تقول الأسطورة إن الرسام رآها، ذات يوم بعيد، وهام بها ولم يعد يرى سواها. زارت بلاده في جولة فنية وحام حولها كثيرون، ولم يكن بورسيماني يملك سوى القليل، وموهبته. رسم لها لوحة صارت بمثابة «موناليزا جورجيا». تبدو فيها بسطوة إلهة دنيوية ذات شعر فاحم وحاجبين معقودين على عينين تلهوان بالمعاني. باع الرسام كل ما عنده واشترى لها مليون وردة حمراء فرشها، ليلاً، أمام فندقها. واستفاقت الجميلة في الصباح وفتحت نافذتها وخفق قلبها سروراً. لم يخطر بورسيماني على بالها واتصلت بمُعجب ثري تشكره على الهدية.) 
  لنسمعها بصوت آلا بوغاتشيفا، وهي من روائع الاغاني الروسية
 https://www.youtube.com/watch?v=ieqlySC2M-Y
     أغنية: مليون وردة حمراء
 ترجمها عن الروسية: أدهم الغزالي.

في وقت مضى كان هناك رسام
كان يملك بيتا صغيرا وقماش
لكنه أغرم بممثلة كانت تحب الورد
يومها قرر بيع بيته
باع رسوماته، باع مأواه
و بالمال الذي تقاضاه
اشترى محيطا كاملا من الورود
مليون،مليون، مليون وردة قرمزية
عبر النافذة، عبر النافذة تُلوح من بعيد
المغرمون المحبون الذين يحبون بصدق
قد يقلبون حياتهم إلى ورد من أجلك
    ...                                   
في الصباح كنت تقفين عند النافذة
ربما كنت قد فقدت صوابك
و كأنه استمرار لحلم ما
الفناء يمتلئ بالورود
ثم تمالكت روحك
من هذا الثري الذي يغازلني
كان تحت النافذة بالكاد يلتقط أنفاسه
يقف الرسام المسكين
      ...                                       
مليون،مليون، مليون وردة قرمزية
اللقاء كان قصيرا
في الليل حملها القطار بعيدا
ولكن بقيت في حياتها
أغنية الورود المجنونة
الرسام تابع حياته وحيدا
يقاسي كثيرا من الصعاب
ولكن ظل شيء في حياته
فناء ممتلئ بالورود
  ...                                     
مليون،مليون، مليون وردة قرمزية
عبر النافذة، عبر النافذة تلوح من بعيد
المغرمون المحبون الذين يحبون بصدق
قد يقلبون حياتهم إلى ورود من أجلك
 
https://ankawa.com/forum/index.php/topic,997689.msg7730242.html#msg7730242

15


اسطيفان بانوسي ذهب لدراسة اللآهوت لكنه عاد فيلسوفاً ولغوياً

(إذا تحدثت إلى رجل بلغة يفهمها، هذا يذهب إلى عقله. إذا تحدثت إلى رجل بلغته الخاصة، هذا يذهب إلى قلبه -نيلسون مانديلا)

     بولص آدم

   يحتفل به المفكرون والأكاديميون في إيران على أنه فيلسوف وعالم لغوي (ايراني آشوري/ وی از ایرانیان آشوری). أما الوسط الفلسفي الأميركي
 فيعرفه على أنه (أميركي إيراني) عالم لغوي، فيلسوف، مستشرق. ومنذ عام من 2000 أستاذ الفلسفة في كلية أنتيلوب فالي بكاليفورنيا (أستاذ الفلسفة
 الفخري والمستشرق، اللغات الفارسية والعربية والآرامية الجديدة).
     اتقن عشر لهجات متفرعة عن الآرامية وعُدَّ من أكبر خبرائها في العالم.
   نظرا لأن الأحاطة بما تعلم وعلم هذا المعلم الكبير ستطول فسنختار ونختصر ويبقى ذلك مطولا ففي جعبته الكثير!
   ولد الدكتور اسطيفان بانوسي في 11 سبتمبر 1935 في سنندج بإيران، وهو الثالث بين أربعة إخوة وأخت واحدة في عائلة آشورية كاثوليكية. في المنزل ومع المجتمع المحيط به، كان يتحدث السنايا الآشورية، وهي لهجة آرامية حديثة (إنها لغة الآشوريون في الأصل من سنندج الإيرانية. يعيش معظم متحدثي السنايا الآن في كاليفورنيا 200 شخص ولا يزال عدد قليل من العائلات يعيشون في طهران يتحدثونها 60 شخص والمجموع مع دارسيها الأجانب فلايتعدون 500شخص). نظرًا لأن المتحدثين من أصل آشوري، فإن اللغة تعتبر اللهجة الآرامية الآشورية الجديدة. Senāyaܣܢܝܐ. Māḏnhāyā alphabet) . Hopkins, Simon1999The Neo-Aramaic Dialects of Iran). خاصة وأنها شديدة التأثر بلهجة (أورمجنايي). اما خارج المنزل تحدث الكردية، وفي المدرسة تعلم الفارسية الحديثة. بعد المدرسة الابتدائية في سنندج، هُجر آشوريوا سنندج الى طهران واورميا لكي لايبقى احدا فيها يتحدث السنايا! في طهران التحق بالمدرسة الداخلية للآباء الساليزيين. في سن الخامسة عشر، تم إرساله إلى الموصل ودخل معهد البطريركية الكلدانية لإعداد الكهنة المحتملين. على الرغم من أنه بدأ لتوه في تعلم اللغة الليتورجية، إلا أنه حصل على المركز الثالث في الفصل في السنة الدراسية الأولى. حصل على المركز الثاني في السنة الثانية والمركز الأول في السنة الثالثة من الدراسة بين طلبة العراق. كانت قاعدة المعهد هي إرسال أولئك الذين حصلوا على أفضل الدرجات في المدرسة إلى روما حيث سيكونون أكثر استعدادًا لمهمة الكهنوت. في السنة الأولى في روما، في سن التاسعة عشرة، التحق ببرنامج خاص للكلية الرومانية، لإعداده لدخول الجامعة البابوية في الفاتيكان: " Urbaniana University of Propaganda " حصل على بكالوريوس الفلسفة عام 1957 وماجستير فلسفة عام 1958 بامتياز مع مرتبة الشرف.. في سن 23 عامًا، بدأ الدراسات اللاهوتية في عام 1958. وكانت الدورات الدراسية في 1958-1959 هي "مقدمة اللاهوت الأساسي، الدفاع عن اللاهوت، اللاهوت الأخلاقي، تاريخ الكنيسة، اللاهوت المسيحي، قانون باترولوجيا الكنيسة الأساسية، اليونانية، العبرية التوراتية، الطب ".
  في مرحلة حرجة في حياته بدأ بدراسة الفلسفة حيث يمكن أن تكون حرجًا نسبيًا ان تتبعها دراسة اللاهوت حيث كنت في الغالب خاضعًا لمذاهب الكنيسة، وعند قراءة العديد من كتب التحليل النفسي، أصبح أكثر فأكثر وعيًا بتأثير الوالدين في اختيار الطريق المؤدي إلى الكهنوت. في عام 1959 قرر الابتعاد عن طريق أن يصبح كاهنًا وفكر في خيار الذهاب ودراسة اللغات الشرقية أكاديميًا أو دراسة الطب المؤدي إلى تخصص في الطب النفسي أو في التحليل النفسي. بعد أن حصل بالفعل على بكالوريوس وماجستير في الفلسفة، أمكنه أيضًا التسجيل للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة. قرر أن يحاول أولاً دراسة الطب. انتقل إلى لوفان، بلجيكا، لبدء دراسته الجديدة هناك وبالفرنسية، وهي لغة جديدة تضاف إلى مجموعته من اللغات التي يتقنها. في صيف عام 1960، كان ملك إيران آنذاك محمد رضا شاه يزور البلدان الأوروبية. تم اختيار اسطيفان بانوسي نيابة عن الطلاب في بلجيكا من قبل سفارة إيران في باريس لكتابة خطاب للترحيب بالشاه. وبعد الكلمة التقى به الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية في بروكسل وأبلغه أنهم تلقوا هذه التقارير من السفارة الإيرانية في روما وأن هذه النتائج كانت رائعة. ثم سُئل لماذا لم يتابع الفلسفة واستمر في دراسة الطب. والسبب ببساطة هو أنه تم منح المساعدات المالية والمنح الدراسية للطلاب الإيرانيين في العلوم الطبيعية ولكن ليس الإنسانية. ومن ثم أكد له الملحق الثقافي أنهم سيقدمون له منحة دراسية إذا واصل دراسته في التخصصات الإنسانية. في 19 أكتوبر 1961 حصل على درجته الأولى في الدكتوراه.
  للحصول على الدرجة الثانية من الدكتوراه، كان من الضروري تقديم رسالة الدكتوراه والدفاع عنها علنًا والتي أراد إجراؤها بعد مواصلة دراسته للغات الشرقية في ألمانيا. كانت اللغة الألمانية، ليس فقط بالنسبة له ولكن أيضًا لأي باحث جاد آخر في هذا المجال، الشرط الرئيسي للوصول إلى مصادر موثوقة للحصول على درجة الدكتوراه. أطروحة في الفلسفة. سجل في نفس الوقت للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة وماجستير. باللغات الشرقية.
في 20 نوفمبر 1961، تم تسجيله في جامعة توبنغن في ألمانيا. حاضَرَ عام 1961 في: "زرادشت النبي، العربية للمتعلمين المتقدمين، الغزالي، السريانية الآرامية الثانية، مقدمة في لغة أوستا، الفارسية الوسطى، عمر شايام كشاعر، الأدب والسياسة في فرنسا". حاضَرَ عام 1962 في: فلسفة اللغة، فلسفة عصر النهضة، الأسئلة الفلسفية الأساسية، حول البحث عن الكلمات الهندو أوروبية، اللغة العربية للمتقدمين، الآرامية المتقدمة، لغة أويستا، الفارسية القديمة، الفارسية الجديدة. حاضَرَ في عام 1963: "المجتمع وعلم الاجتماع في الولايات المتحدة الأمريكية، تاريخ مفهوم المادة، فلسفة القرن التاسع عشر، ندوة بعد المحاضرة، الكوميديا الألهية ، اللغة العربية المتقدمين: القرآن، العربية الفصحى الحديثة، جامعة العصور الوسطى المبكرة [جونديشابور]. "
  حاضَرَ في 1963. عمانويل كانت: فلسفة معاصرة، وتحليل ألف ليلة وليلة، قصائد عربية بالأضافة الى تعميق الفارسية والآرامية. حاضَرَ في عام 1964: ماركس وإنجلز، الأنثروبولوجيا الفلسفية، اللغة الألمانية، الصوفيون العرب، دراسات النباتات والعقاقير عند الفرس، في هذه المرحلة في توبنغن (1961-1964)، عرضت جامعة ماربورغ على أحد الأساتذة (البروفيسور أوتو روسلر) أن يذهب إلى هناك ويؤسس الدراسات السامية بالقرب من ماربورغ، احتاجت جامعة جيسن إلى محاضر في اللغات الشرقية. اقترح البروفيسور روسلر على البروفيسور بانوسي أن يتبعه في جامعتي جيسين وماربورغ وأن يقوم بتدريس بعض المواد التي أتقنها بالفعل. اتبع البروفيسور بانوسي نصيحته وذهب إلى جيسن لمواصلة تعليمه ولإتاحة الفرصة له للقيادة إلى ماربورغ للتدريس هناك أيضًا. الدورات التي قام بتدريسها الأستاذ بانوسي في جيسن لعام 1964 كانت: "السريانية الجديدة، مقدمة في اللغة الفارسية، المحادثة العربية الفصحى للمبتدئين، المحادثة العربية الفصحى للمتعلمين المتقدمين" الدورات التي تم تدريسها في "الفصل الصيفي" لعام 1965 كانت: تمارين القراءة والكتابة والمحادثة باللغة العربية للمبتدئين، الأطروحة التاسعة عن الميتافيزيقيا لابن سينا، مقارنة مع Elementa Theologica بواسطة Proclus و Liber de Causis، قراءات وتمارين أسلوب في الأدب الفارسي الحديث ". 1965/196، لقاءات بين الفلسفة العربية والفلسفة الغربية"، تصنيفات أرسطو بالسريانية-العربية، قراءة من الكتابات الفلسفية الفارسية لـ " ابن سينا ". منذ حصوله على الدكتوراه الأولى. في عام 1961 وحتى هذه المرحلة من حياته الأكاديمية، كان قد جمع ما يكفي من المواد للأطروحة الفلسفية كما كان مطلوبًا من قبل جامعة لوفان الكاثوليكية الجامعية/ بلجيكا، من أجل الحصول أيضًا على درجة الدكتوراه الثانية في الفلسفة. ثم تقدم بطلب للحصول على منحة دراسية لمدة عام واحد (1966-1967) من وزارة التعليم العالي البلجيكية لتسهيل تنقيح وتقديم أطروحته في لوفان. بعد حصوله على المنحة، عاد إلى لوفان حيث عمل على تنقيح أطروحته: "La Notion de Participation dans la Philosophie d’Avicenne. E'tudes Historiques et Doctrinals "، في VIII + 327 صفحة. في السادس من مايو عام 1967، تم التقديم والدفاع عن أطروحته في الجامعة الكاثوليكية في لوفان، حيث حصل على الدكتوراه الثانية في الفلسفة. في سن الثانية والثلاثين، تلقى البروفيسور بانوسي رسالة من البروفيسور رودولف ماكوتش/جامعة برلين الحرة. كان البروفيسور ماكوش قد قرأ بعض منشوراته وكان مستشرقًا كبيرًا في المجالات المهنية للغات السامية، وخاصة في الدراسات الماندية، وقد تلقى البروفيسور ماكوتش دعوة من برلين للذهاب إلى هناك وتطوير قسم السامية والدراسات العربية في معهد الشرق في تلك الجامعة. واقترح على البروفيسور بانوسي الذهاب إلى برلين للانضمام إليه وأن يصبح مساعده الخبير.
  انتقل البروفيسور بانوسي إلى برلين عام 1967 درس: السريانية القديمة والحديثة، أرسطو في السريانية والعربية. منطق ابن سينا في كتاب الشفاء (بانوسي-ماكوتش)، مشاكل فلسفة القرون الوسطى المبنية على مبادئ المصادر اليهودية الإسلامية. عام 1971. أثناء وجوده في برلين، نشرالبروفيسور بانوسي أيضًا العديد من المقالات، خاصة من أطروحته الفلسفية. خلال السنوات التي قضاها في برلين، حصل على تقدير لمساعدة البروفيسور كاسل في كتابه نص البلاغة الأرسطية: نقد المقولات.. في مقارنة النسخة الخاطئة لعبد الرحمن بدوي للنسخة العربية الفريدة لبلاغة أرسطو، حوالي ثمانية قرون بعد الميلاد، مع المخطوطة العربية الأصلية المحفوظة في مكتبة باريس الوطنية، وفي مقارنة مخطوطة باريس بالنص الأصلي باللغة اليونانية، وكذلك ترجمة العديد من المقاطع من النسخة العربية إلى الألمانية لاستخدامها من قبل الأستاذ كاسل في كتابه.
  في هذه المرحلة من إنجازاته الأكاديمية في حياته، تلقى دعوة من رئيس وزراء إيران آنذاك، أمير عباس حويدة ليكون ضيفًا على الحكومة الإيرانية خلال إجازته الصيفية وانتهاز الفرصة للاتصال بالجامعات الأيرانية والنظر في التوظيف هناك. قبل البروفيسور بانوسي الدعوة وزار خلال ذلك الصيف طهران وأصفهان وشيراز وسنندج مسقط رأسه. في طهران، اتصل بالجامعة الرئيسية في طهران وحصل على منصب في قسم الثقافات واللغات القديمة.  قبل عام واحد من الثورة الإسلامية ضد النظام الملكي الإيراني، تلقى البروفيسور بانوسي دعوة من جامعة يوتا، سولت ليك سيتي، للذهاب إلى هناك كباحث زائر، وعرض قدراته الأكاديمية على عدد قليل من المرشحين للدكتوراه. مستوى اللغات الشرقية. بعد قبول هذه الدعوة، ذهب أولاً إلى بوكاتيلو- أيداهو، بعد نصف عام من تحسين مهارته في اللغة الإنجليزية، تولى المهام في جامعة يوتا، حيث بدأ التدريس باللغة السريانية والفارسية واللغويات والأدب، من 1978 إلى 1981. وأثناء وجوده في مدينة سالت ليك، تعاون مع البروفيسور مهدي مرعشي في ترجمة كتاب مورمون إلى اللغة الفارسية الحديثة. أثناء وجود مرعشي في سولت ليك سيتي/أسكتلاند، كتب البروفيسور بانوسي رسالة يطلب فيها تعاونه في إصدار جديد من البلاغة الأرسطية. أرسل له البروفيسور بانوسي جميع الإضافات والمحذوفات في النسخة العربية مقابل الأصل اليوناني والعديد من إصداراته. م. ومع ذلك، نشر ليونز نسخته الجديدة من البلاغة الأرسطية بالعربية، دون أن يذكر على النحو الواجب أي مساهمة محددة للبروفيسور بانوسي في عمله!  في عام 1981، عاد البروفيسور بانوسي إلى جامعة طهران حيث واصل تعاليمه السابقة عن السريانية القديمة والآرامية القديمة والآرامية التوراتية واللاتينية كلغة هندو أوروبية. بالإضافة إلى ذلك، تولى أيضًا القسم الإيطالي للغات الأجنبية حيث بدأ في تدريس اللغة الإيطالية أيضًا. أثناء وجوده في طهران، بدأ أيضًا في تحقيق المجلدات الثلاثة من معجم يوهان أوجست فولرز، معجم بيرسيكو لاتينيوم إتيمولوجيكوم، وجمع المواد لأول قاموس لاتيني فارسي محتمل يتم تجميعه في المستقبل. في عام 1988، تلقى دعوة من جامعة آيخشتات الكاثوليكية في ألمانيا لقضاء عام واحد في تلك الجامعة على أساس منحة دراسية مقدمة من KAAD. تمكن من العودة مرة أخرى إلى أوروبا، هذه المرة برفقة عائلته، بدأ العمل في مشروع بحث بمساعدة الكمبيوتر بينما قام أيضًا بتدريس بعض الدورات حسب الحاجة في جامعة آيخشتات الكاثوليكية. تتكون الدورات التي يتم تدريسها هناك من الآرامية التوراتية والعربية والفارسية والمواجهة الشرقية والغربية في الفلسفة حيث تسترشد بالاقتباسات المأخوذة من الأبحاث ذات الصلة في هذا المجال. نشر بعض المقالات عن اللهجة الآرامية الجديدة في لهجة سينايا، وفي موضوع الفلسفة. ومع ذلك، كان عمله الرئيسي هو وضع مواده التي كان قد جمعها سابقًا، أثناء وجوده في طهران، من أجل قاموس لاتيني-فارسي في بنك بيانات كمبيوتر نتج عنه حوالي 900 صفحة، لا تزال جاهزة لمزيد من العمل عليها. امتدت إقامته المخطط لها لمدة عام واحد في آيخشات إلى ثلاث سنوات، ولكن في عام 1992، بعد اختياره من بين العديد من المرشحين من جميع أنحاء العالم ليصبح المحاضر الأول للغة العربية في الجامعة السويدية في غوتنبرغ، قسم اللغات الشرقية والأفريقية، انتقل بانوسي مع عائلته إلى غوتنبرغ بالسويد. وبمجرد وصوله، بدأ أولاً في تدريس مواده باللغة الإنجليزية، بينما كان يتعلم اللغة السويدية، ليُضاف إلى مجموعته من اللغات. من 1992 إلى 2000، عام تقاعده الإلزامي بعمر 65 عامًا، درس قواعد العربية وفي مختلف المستويات حتى الماجستير في العربية والآرامية الجديدة" لطلاب الدكتوراه. خلال الفترة 1995-1998، تمت الموافقة على منحة من قبل المجلس السويدي للبحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية للعمل على "لهجة سينايا الآشورية على النصوص الآرامية الجديدة والقواعد والقاموس. أنتج مشروعه ثلاث مجلدات تتكون من I. سينايا، آرامية جديدة . مع مقدمة من قبل البروفيسور الراحل وولفارت هاينريشس/ جامعة هارفارد (حوالي 400 صفحة مقاس A4). 2. قواعد سينايا (حوالي 300 صفحة A4) ومعجم لهجة سينايا الآرامية الجديدة (حوالي 800 صفحة مقاس A4).  بعد تقاعده من جامعة جوتنبرج في 11 سبتمبر 2000، التحق بصفته باحثًا زائرًا بجامعة هارفارد للعمل بشكل أكبر في مشروع سينايا والاستفادة من خبرة صديقه وزميله البروفيسور الراحل وولفارت هاينريش في هذا الشأن.  في عام 2002، انضم إلى عائلته في بالمديل كاليفورنيا، وتوجه إلى قسم اللغات والفنون بكلية Antelope Valley College للحصول على فرصة لتعليم أي من اللغات التي تعلمها خلال تجربته الأكاديمية الطويلة. لم يكن لديه أي فرصة في قسم اللغات والفنون، ثم اتصل بقسم العلوم الاجتماعية. وهكذا، منذ عام 2002 مستمر بتدريس بعض الفصول في الفلسفة: الأخلاق، القضايا الأخلاقية في المجتمع، مقدمة في المنطق.
 لديه 25 مؤلفاً بالفارسية والأنكليزية والألمانية والفرنسية. بعض أعماله كالتالي:
- خلال السنوات التي قضاها أستاذاً في جامعة طهران، ألف ثلاثة كتب، "مقدمة في اللاتينية الكلاسيكية"، و "مقدمة في اللاتينية"، و "مقارنة بين قواعد اللغة الفارسية والإيطالية".
- E. Panoussi: „Dērabūni dialect notes“, Studia Iranica, Mesopotamica et Anatolica,1997, 3:179-182.
- الثقافة الفارسية اللاتينية
- لهجة سينايا من الآرامية الجديدة: نص وقواعد وقاموس.
E. Panoussi: „Ein vorläufiges Vergglossar zum aussterbenden neuaramäischen Senaya-Dialekt“ ، Rivista Degli Studi Orientali، vol. LXV ، (1991)
- من أعماله المهمة في مجال الفلسفة كتاب بعنوان "أثر الثقافة الإيرانية ونظرتها للعالم على أفلاطون". صدر هذا الكتاب في 2003. كما أعيد طبعه من قبل المعهد الإيراني لأبحاث الفلسفة.
- Panoussi، E. and R. Macuch: Neo-Syriac Chrestomathy. Wiesbaden 1974، Cambridge، 1982)
- الاتجاهات العلمية والثقافية لإيران: من الأخمينيين إلى نهاية الصفويين، 2004. بلخ للنشر في طهران.

16


الفنان الآشوري رازميك خُسرويف والميدالية الذهبية من أرمينيا

  بولص آدم

  ولد الممثل الآشوري رازميك خوسرويف في 3 مايو 1949، لعائلة مكونة من سبع شقيقات وشقيقين. ينحدر من قرية خسروف قرب بلدة سلامس الآشورية الجميلة والقريبة من اورميا ايران. جده قاتو كان من سلامس حيث عاش الآشوريون الى جانب الأرمن. والده ياقو تزوج هناك من ارمينية، ولد الممثل والمخرج خسرويف في قرية جلايسور(حديقة آشورية)الواقعة بين مضيق غارني ومحمية غابات خسروف. استقرت هناك 20 عائلة آشورية هاجرت من تركيا عام 1805. حدثت الموجة الثانية من هجرة الآشوريين إلى أرمينيا في 1826-1828، أثناء الحرب الروسية الفارسية. كانت معاهدة تركمانشاي، المبرمة بين روسيا وإيران في مستوطنة تركمانشاي عام 1828، بمثابة نهاية للحرب. في ذلك الوقت طلبت 100 عائلة آشورية الحصول على إذن للاستقرار في أراضي روسيا وأقاموا في أرمينيا. في عام 1949، تعرضت قرية جيلاسور لضغوط من جانب السلطات السوفيتية، التي اشتبهت في أن الآشوريين ينتمون إلى المشاعر المؤيدة للغرب. تم نفي معظم سكان القرية إلى سيبيريا / بارناول، بينما أعيد توطين آخرين في قرى مختلفة. يقول رازميك خسرويف إن العديد من أقربائنا استقروا في فيرين دفين. هكذا يصور رازميك خسرويف مواطنيه: "يقول الأجانب دائمًا، الآشوريون لديهم ضلع إضافي، أي أنهم أناس عنيدون. إذا قال الآشوري "لا" ، فلا شيء على وجه الأرض يمكن أن يجعله يغير رأيه. بالطبع ، إنها سمة وطنية جيدة.
درس جامعياً مرتين، الأولى بوليتكنيك والثانية فن التمثيل. في عام 1970 تخرج من مدرسة فاردان أكيميان. في 1974-1979 درس في المعهد التربوي الحكومي الكيروفاكي. عمل في مسرح هوفانيس أبليان في فانادزور، حيث قدم مسرحيات بالأرمينية والروسية، كلاسيكيات عالمية: شيرفانزاد، سوندوكيان، موراتسان، شانت، ليرمونتوف ، تشيخوف، دوستويفسكي، أوستروفسكي، شكسبير، بريشت، ميترلينغ ، فيل. و من أعمال يوجين وكامو ايضاً.
 قام بجولة في العديد من عواصم الاتحاد السوفياتي، جنيف، باريس، ستراسبورغ ، لشبونة، الولايات المتحدة الأمريكية.
 قام بالعديد من الأدوار: ريتشارد الثاني، ماروتخانيان، ساغاتيل، غير معروف، همتون، شماغا، مارميلادوف، لينيا، شيريا، الأب دواسو.
 قام بتأليف مسرحيات "الآشوريون" و "المنسيون". منذ عام 1997 كان ممثلاً في مسرح Yerghan Sundukyan National Academic Theatre. وهو عضو في اتحاد الشخصيات المسرحية في أرمينيا منذ عام 1966. منذ عام 1999 يعمل كمدرس في معهد يريفان الحكومي للمسرح والسينما، ومنذ عام 2001 في جامعة يريفان الحكومية التربوية بعد خاتشاتور أبوفيان ، كان أستاذًا مشاركًا.
  حصل على الميدالية الذهبية من قبل وزارة الثقافة في جمهورية أرمينيا لجائزة Artavazd  للخدمة اللائقة للفنون المسرحية. وهو رئيس المجلس التنسيقي لثقافة الأقليات القومية برئاسة رئيس جمهورية أرمينيا. يشارك في الحفاظ على الثقافة العرقية للأقليات القومية التي تعيش في أرمينيا وتطويرها، وقد نشر في إطارها العديد من المقالات في الصحافة الأرمينية ، وألقى خطابات في التلفزيون وفي المؤتمرات الدولية. وهو عضو في لجنة التعليم والعلوم والثقافة بالمجلس العام لجمهورية أرمينيا.
  بصفته كاتب سيناريو ومخرجًا ، بأمر من وزارة الثقافة في جمهورية أرمينيا ، قام بتصوير الفيلم الوثائقي "الآشوريون في أرمينيا" ، والذي تم في عام 2011.  في عام 2012  شارك في مهرجان Golden Apricot السينمائي الدولي، وفي عام 2012 في المهرجان الأول للأفلام الإثنوغرافية لبلدان رابطة الدول المستقلة في كازاخستان.
  كمخرج ، قدم ما يلي: "الآشوريون" ، "تصبحين على خير امي"، "أطفال الغابة الكبيرة" ، "خا طَبالا"، "مريض خيالي"، "على الارض"، وقف إطلاق النار... الأدوار في السينما: "خمسة أيام أخرى" ، "هايفيلم"،  فيلم "ريتشارد الثاني" ، "مذكرات كاراباخ غير المكتملة" ، "هايفيلم"، "أين كنت يا رجل الله؟" ، "هايفيلم"، عرض فيلم "قف ، المحكمة قادمة"، "أعمال الرجال"، "موسفيلم"، "باحثو الماس"، "موسفيلم"، المسلسل التلفزيوني الأرمني "الحياة الصعبة"، مسلسل ارميني "ثمن الحياة"، "آباء" (روسيا)، "أسئلة" (أرمينيا) .
كل ممثل له عدة أدوار في حياته.إذا أخذنا Vahram Papazyan العظيم، يمكننا أن نتذكره بدور عطيل. وبنفس الطريقة لعب خسرويف دورين مهمين في المسرح بعد H. Abelyan. الأول هو Arbenin في "Masquerade" لليرمونتوف، والثاني هو ريتشارد الثاني لشكسبير، والذي بالمناسبة، مسرحية لعبت لأول مرة في الاتحاد السوفيتي بأكمله.
  وعن احلامه: "الحلم هو شيء جيد". في كثير من الأحيان أفضل من رؤيته منجزًا. أستطيع أن أندم على كل الأدوار التي لم ألعبها. لكن في هذا العمر أفضل أن ألعب دور الملك لير، لأنني أقرب إلى مدرسة شكسبير. وهو يرى بان فكرة المسرح يجب أن تبقى، لكن المقاربات والقراءات ومفاتيح المعالجات ممكنة. يجب أن تكون مراحلنا اليوم أكثر انسجاما مع عصرنا اليوم. أعني "هيكل المسرح"، الأداء بما يجب أن يقوله. أود أن يجد المسرح مكانه في مجال الثقافة. في رأيي، يجب أن يصبح المسرح فنًا نخبويًا، مثل الأوبرا. افرح ان مسارحنا تمتلئ بالجمهور وفي ييريفان 12مسرحا له برنامج طوال الموسم.
 يفتخر رازميك بآشوريته ويحترم ابناء جلدته ويطمح دوما للعمل في خدمتهم، ساعد في بناء كنيسة المشرق الآشورية في غوربان باسم مار توما لكي يصلوا فيها ويتعلموا اللغة التي يتمسكون بها، ألف كتاب (براتا سورَيتا) باللغة الأم وبالأرمنية ايضاً عن مذابح الآشوريين 1915. يتشارك الأرمن والآشوريين في اشياء كثيرة ومنها انهم تعرضوا للأضطهاد وفي نفس الأمكنة ونفس الزمان وعلى ايدي نفس القتلة. لذلك فأنه معروف كآشوري في ارمينيا. يقول: منذ الصغر تعلمت ان لاأخجل ان اقول انا آشوري في أرمينا. واعمل افلام عن الآشوريين واترجمها الى الأرمينية والأنكليزية. والبلد اعطاناحقوقنا واهما توفير مستلزمات واماكن تعلم لغتنا.
  عاش اغلب فترات حياته في العاصمة ييرفان بسبب امتهانه التمثيل على مسارحها المعروفة، وهو يصر على أن الآشوري يجب أن يجيد التحدث بلغته ابنته الدكتورة أناهيت خسرويف ناشطة ومؤرخة وخبيرة في شؤون تخص المذابح، مطلعة بشكل عميق على تاريخ الآشوريين وتجيد القراء والكتابة بلغتنا.. اللآفت هنا أن لاتعليم عالي باللغة الأم الا انهم يرسلونهم الى اورميا لتكملة تحصيلهم الدراسي بلغة الأم الآشورية فيعودوا للتدريس بعد تلقي دورات تربوية لتعليم الجيل الجديد ما يتعلق بهويتهم الأثنية. ومن جهود واعمال الفنان القدير خسرويف، إقناع الحكومة الأرمنية باستقبال 1500مسيحي عراقي وسوري بعد جرائم داعش هناك.. حينها، قال ممثل الطائفة الأشورية في أرمينيا السيد رازميك خوسرويف أن ما يحدث في الشرق الأوسط هي مشكلة حقيقية لا تعني فقط الأشوريين بل العالم المسيحي بأسره. وقال خوسرويف أن ما يحدث من تهجير وقتل في سوريا والعراق لطالما كانت تركيا والإسلاميين المتشددين راغبين به خلال السنوات الـ ١٠٠ الماضية. وأضاف مسؤول الطائفة أمام وسائل الإعلام الأرمنية: “يجب على العالم المسيحي بأسره أن يقف وقفة واحدة لإدانة ما يحدث بحق أبناء الأمة الأشورية في سوريا والعراق من تهجير وقتل.. نطالب حكومة أرمينيا والعالم بأسره منع ارتكاب جرائم جديدة لأن كل حرب قد تؤدي إلى إبادة جديدة”. وختم خوسروييف بالقول: “نحن نعرف كيف استضافت أرمينيا الأرمن السوريين ونتمنى قرارات مماثلة بخصوص الأشوريين ومسيحيي الطوائف الأخرى في العراق وسوريا”.

 في الرابط ادناه فيلم انتج عنه في أرمينيا  مترجم الى الأنكليزية ويتضمن مختارات من ادواره التمثيلية:
(Floating Dreams Pictures and Open Society Institute (Armenia)
         Razmik Khosroev " Who We Are"
  https://www.youtube.com/watch?v=_OgJEqPuSEw&t=10s

17
عالمة الأجتماع د. فالنتين مقدم، أول من فحص الأصولية بشكل مقارن ومتقاطع ثقافيا

  بولص آدم

  خلال اليوم الأول من المؤتمر الدولي للنسوية الإسلامية في برشلونة في 27 أكتوبر 2005. ذكرت في كلمتها، عالمة الأجتماع الآشورية الأمريكية البروف د. فالنتين مقدم: بالنسبة للعديد من النساء اللاتي تحدثت إليهن، فإن نضالهن لدفع الإسلام إلى الأمام من خلال العودة إلى ماضيه ونقده لا يمثل شيئًا أقل من ثورة. "هذا صراع عالمي". وارى الحركة على أنها رد مهم على "الإحباط من الأصولية الإسلامية". ولا يوجد شك في ذهني أيضًا: إن نوع الأيديولوجية التي تُخضع النساء عن طيب خاطر يمكن أن تعزز الكراهية أيضًا.
  ولدت عالمة الأجتماع د. فالنتين مقدم، لأسرة آشورية حضرية راقية في طهران عام 1952، بعد حصولها على تعليمها الثانوي في مدرسة دولية، أمضت أول عامين لها في هيئة تحرير إحدى الصحف اليومية الكبرى، كيهان. بعد فترة، قامت مقدم بتدريس اللغة الإنجليزية في مدرسة إمبريال للقوات الجوية للغات. بعد تجارب العمل الأولية هذه، سعت د. فالنتين مقدم، بدعم من والديها، الحصول على تعليم جامعي في الغرب.
  درست في جامعة واترلو (أونتاريو، كندا)، حيث "انضمت إلى الحركة الطلابية الإيرانية وأصبحت ناشطة يسارية". كطالبة جامعية، تخصصت في التاريخ والعلوم السياسية وحصلت على درجة البكالوريوس عام 1978. حصلت مقدم على ماجستير (1983) ودكتوراه (1986) في علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في واشنطن العاصمة. شملت مجالات أبحاث فالنتين مقدم "العولمة، والشبكات النسوية العابرة للحدود الوطنية، والمجتمع المدني والمواطنة، وتوظيف المرأة في الشرق الأوسط". خبراتها التي نشأت في إيران أثرت على آرائها السياسية، والتي أصبحت أكثر وضوحاً في تعليمها الجامعي.  الثورة الإيرانية عام 1979 وما تلاها الأسلمة في إيران بعد الثورة ترك بصمة على أيديولوجية مقدم. أثار هذا الوضع، وما نتج عن ذلك من وضع المرأة الإيرانية، اهتمامها بسياسة النوع الاجتماعي. بعد حصولها على درجة الدكتوراه، وجهت مقدمة انتباهها إلى دور المرأة في التنمية، وتعزز تعريفها كنسوية. واليوم، فإن أكثر القضايا العالمية التي تشغل بال مقدم هي "الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية والعسكرة" والنضال من أجل "حقوق المرأة في كل مكان، وخاصة في إيران والعراق وأفغانستان. وتعتبر اليوم عالمة اجتماع رائدة في التنظير النسوي ودراسات العولمة ونظريات الحركات الاجتماعية من خلال مناقشة شكل تنظيمي جديد وشكل جديد للعمل الجماعي النسائي في عصر العولمة: الشبكات النسوية عابرة الوطنية (TFNs) يُقال إن الحركة النسائية يجب أن تُفهم ليس فقط من منظور مظاهرها المحلية ولكن كظاهرة عالمية، تتميز بفئات انتخابية وأهداف واستراتيجيات ومنظمات فوق وطنية. على هذا النحو، فهي جزء لا يتجزأ من الأسرة المتنامية للحركات والمنظمات الاجتماعية العالمية.
   تقول: عمومًا، كانت مظالم الناس وإحباطهم تتصاعد على مدار العقد الماضي بسبب اتساع عدم المساواة الاجتماعية والبطالة واستمرار الفقر وقمع أي معارضة وعدم وجود العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
  وتقول: إن تراكم الإحباط هذا يغذي المظاهرات ويساعد في تفسير سبب اندلاع الاحتجاجات في مناطق متعددة.
  هي عضو في مجموعة متنوعة من المنظمات المهنية والنسوية. إنها تنتمي إلى الرابطة الأمريكية لعلم الاجتماع والرابطة الدولية لعلم الاجتماع وعضوة بارزة في لجنتها التنفيذية. في مارس 1995، كانت عضوًا في وفد الأمم المتحدة إلى القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن. في وقت لاحق من ذلك العام، شاركت أيضًا في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين. كما ساعدت في إنشاء مركز المرأة الفلسطينية للبحوث والتوثيق الموجود في رام الله. كتابها (تحديث المرأة: النوع الاجتماعي والتغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط) حصل على جائزة الاختيار الأكاديمي المتميز للعام الدراسي 1993 / 1994.
  مسارها المهني والوظيفي: أستاذ مساعد زائر في قسم علم الاجتماع في جامعة نيويورك من عام 1985 إلى عام 1988، قامت الد. مقدم بتدريس العديد من الدورات في علم الاجتماع والمرأة والتنمية. في العام التالي، في إطار مركز بيمبروك للتدريس والبحث حول المرأة في جامعة براون أكملت مقدم البحث كزميل ما بعد الدكتوراه. في خريف عام 1989 درّست أيضًا كأستاذ مساعد زائر في برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة روتجرز. كمحاضر زائر في خريف عام 1990 ومحاضر زائر في خريف عام 1992، قامت مقدم بالتدريس في جامعة هلسنكي. ثم، من 1990 إلى 1995، أكملت البحث في هلسنكي، فنلندا في معهد WIDER في جامعة الأمم المتحدة كباحث أول ومنسق برنامج البحث حول المرأة والتنمية. من مايو 2004 إلى ديسمبر 2006، عملت د.مقدم في باريس، كرئيسة لقسم المساواة بين الجنسين والتنمية في قطاع الخدمات الاجتماعية والبشرية في اليونسكو. في يناير 2007، تم تعيين د.مقدم مديرة لبرنامج دراسات المرأة بكلية الفنون الليبرالية في جامعة بوردو، حيث تعمل أيضًا أستاذة في قسم علم الاجتماع.  قبلت منصبًا لتصبح أستاذًا في علم الاجتماع ومدير قسم الشؤون الدولية في جامعة نورث إيسترن.
  ألقت محاضرات ونشرت على نطاق واسع وتشاورت مع العديد من المنظمات الدولية. وهي مساهمة في تقرير عام 2001، بتنسيق من مركز كوثر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حول تأثير العولمة على الظروف الاقتصادية للمرأة في العالم العربي. كما أعدت ورقة عن خلفية الإسلام والثقافة وحقوق المرأة في الشرق الأوسط لتقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004؛ وهي محررة مشاركة مع مسعود كارشيناس لكتاب حول السياسة الاجتماعية في الشرق الأوسط، نشرته شركة بالغريف في عام 2006.
  في الطبعة الثالثة من كتابها: العولمة والحركات الاجتماعية، التحدي الشعبوي والبدائل الديمقراطية. تطرح مقدم أسئلة، ما هي العلاقة بين العولمة والحركات الاجتماعية؟ كيف استجاب الناس بشكل جماعي لمظاهر وتحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية؟ وكيف تؤثر الحركات والشبكات الاجتماعية المعاصرة على تقدم العولمة؟ يجيب هذا الكتاب الواضح والمختصر عن هذه الأسئلة من خلال دراسة الحركات الاجتماعية والشبكات عابرة الوطنية في سياق العولمة بجميع أشكالها - الاقتصادية والسياسية والثقافية والتكنولوجية على حد سواء. من خلال الجمع بين النظرية الدقيقة والأمثلة التجريبية الغنية، تقدم الباحثة الرائدة د.مقدم، دراسات متعمقة: النسوية العالمية والشبكات النسوية العابرة للحدود الوطنية؛ الإسلاموية العالمية تتراوح من البرلمانية إلى المتطرفة. وحركة العدالة العالمية والمنتدى الاجتماعي العالمي؛ والأصناف وديناميكيات النوع الاجتماعي للشعوب. لفتت الانتباه إلى ظهور ونمو الحركات الشعبوية اليمينية والأحزاب السياسية والحكومات، ليس فقط في أوروبا ولكن في جنوب الكرة الأرضية أيضًا. تٍعرِّف العولمة على أنها عملية معقدة تأخذ فيها حركة رأس المال والشعوب والمنظمات والحركات والأفكار شكلاً دوليًا بشكل متزايد، يوضح المؤلف كيف ساعدت الحركة المادية والإلكترونية المتزايدة في خلق حركات اجتماعية عالمية ديناميكية. من خلال استكشاف الجذور التاريخية للإسلاموية والنسوية والعدالة العالمية والشعبوية، توضح مقدم أيضًا كيف تم تحفيز هذه الحركات من خلال عمليات العولمة الحديثة نسبيًا. تكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بينهما، والتمايز الداخلي، والعلاقة بالعولمة والدول، والفرص والتحديات التي تواجهها الحركات. وبتقييم مدى مساهمة الحركات في الديمقراطية، أو-على العكس- تعريضها للخطر، فإنها تنظر في احتمالات ظهور شكل متجدد وأكثر قوة للديمقراطية. مستنيرًا من قبل النسوية والأنظمة العالمية، والنظام السياسي العالمي، ونظريات الحركة الاجتماعية في إطار متكامل بسلاسة، سيكون عملها بمثابة قراءة أساسية لجميع طلاب العولمة.
 الجوائز والتكريمات والمنح:
- مجلس مراكز البحوث الأمريكية في الخارج ، زمالة للبحوث الإقليمية حول "التحرير الاقتصادي وتوظيف المرأة في مصر والأردن وتركيا" (1996-1997).
- الزمالة الزائرة، مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية 1996-1997.
- منحة IREX للسفر قصير الأجل، يونيو 1993. السفر إلى ميامي لثلاثة علماء من أوروبا الشرقية للمشاركة في مؤتمر ASA، ولتقديم أوراق حول الاقتصاد وأدوار الجنسين في وسط وشرق أوروبا. حلقة نقاش حول النوع الاجتماعي وإعادة الهيكلة في أوروبا الشرقية: الميزانية العمومية والآفاق، من تنظيم ف. م. مقدم.
- تم اختيار "تحديث المرأة" ليكون كتابًا أكاديميًا متميزًا في الاختيار لعام 1993-1994.
- مدرجة في المؤلفون المعاصرون1993.
- فولبرايت، برنامج الزمالة الهندية الأمريكية، بحث متقدم في الهند، 1990-1991. المشروع: بحث عن الحركة النسائية في الهند من منظور مقارن.
- زمالة ما بعد الدكتوراه ، مركز بيمبروك لأبحاث المرأة ، جامعة براون ، بروفيدنس ، رود آيلاند. 1988-89.
- منحة سفر ACLS (إلى يوغوسلافيا) ، 1988.
https://www.youtube.com/watch?v=Lq2b3AAdpuI

18


هيكل شعبنا العظمي و موقعنا من الأعراب!

    بولص آدم
   
  اعتبر فلوريان بيبر أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة غراتس النمساوية أن “الوباء (كورونا) وفّر للحكومات الدكتاتورية والديمقراطية، على حد سواء، فرصة للتعسف، وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية”.) من هنا ننطلق لنسأل، ما هو موقعنا من الأعراب؟
  هذه الجملة الكلاسيكية (الموقع من الأعراب)  مهمة جدا في كل زمان ومكان .. تحليل الجملة، يتفادى الأعلان عن تأويلها المتعدد،  يعالجها باتقان ورهافة تليقان بأهمية الجملة، يتعامل معها كدور للوجود وعلاقتنا بذواتنا والآخر كموجود.. عندما نطرح السؤال الأنثروبولوجي، ماهو الأنسان؟ سيكون هناك صدىً ما لمعنى يدركه المبدع المرهف، وهو يسأل نفسه بلا هوادة، ماموقعي من الأعراب؟ يبحث عن الكلمة الفصل ولسلطة الكلمة سلطة غامضة جدا، عصية جدا،  مريبة وغامضة ومشكوك بأمرها جدا .. وكل كاتب يرى عالمه مرهوناً بموقف معين، هو ايضا يرغب ان يؤدي دور المسؤول  كناقد للنمط بجهد وبأتجاه يناسب عمق وادراك معين، لانقيسه بأحتمالين متناقضين فقط،  بل نخضعه للآليات والآليات احيانا ضعيفة تبعاً للتدبير العقلي ومدى مدركها المؤثر، وذلك منسوب أقل مما يجابهنا ونتصدى له بهشاشة، أو أنه متطور وبآلية مثالية وهذه تخضع لآليات منافسة أطراف لاترحب بها وتعمل المستحيل لتدميرها وتقويض موقعنا من الأعراب، فيخرج الآخر مواجهاً لنا باحثاً عن موقعه من الأعراب، دياناً لنا وحجته أننا انتهينا لنكون هيكلنا العظمي وهذا تم على ايدينا! فيعلو صراخ  مواقف سطحية وببغائية هي موقع للآخر من الأعراب، للأثبات العام والأنخراط في الفهم العام، ونحن نعبر عن عشق الحرية والعدالة والمساواة وحق الوجود ونبذ العنف ونبذ الجريمة والدعوة الى حياة المثل والأخلاقيات .. ليكون لنا موقع من الأعراب ! ماموقعنا من الأعراب ؟
  لطالما نساير سلطات ومفاهيم عامة تروض المجتمعات، فنحن نسهل لها عملها، فهل نحن ندرك الالتقاء بين السلطة ومجالات الحياة، الحياة بمعناها الأكثر مباشرة وحسية، الحياة العضوية؟  آمل ذلك. هل لنا فهم حقيقي لما يدور حولنا؟ ام أننا لا نجيد سوى ترديد أن السياسات البائسة نهشت لحمنا وأكملت عمل وحوش الأرض التي قضمت تدريجياً لحم شعبنا منذ سقوط نينوى وبابل؟ وتحولنا بقدرية تاريخية الى الهيكل العظمي لشعبنا ليس كل واحد بل موزعاً بين الوطن والشتات ؟ هذا صحيح ولكنه لا يكفي ليكون لنا موقع من الأعراب. فنحن جلّ انجازنا هو الهروب من أن يكون لنا موقع اعراب في عالم اصبح فيه التنافس على ذلك الموقع مرهوناً بشروط باعة السلاح والطاقة واللقاح.. لطالما تكون مغنطة امبراطورية الميديا من يوجهنا وليس لنا فعل حقيقي كمثقفين. فنحن سطحيون وابداعنا زائل لامحالة.  كيف لا وعندما يجد الجد ويأتي وقت العمل الحقيقي فنحن ندير ظهورنا ونقطع الأتصال بموقعنا من الأعراب اي نولي الأدبار .. عندما كان ميشيل فوكو في تونس والثورة الطلابية اشتعلت شرارتها عام 1968،  الفيلسوف هربرت ماركوزه  تساءل باستنكار (أين كان فوكو في زمن متاريس مايو 1968؟). اي اين موقعك من الأعراب ياسيد فوكو؟ هو ايضا من وجد له موقعا يتفحص عن كثب ألغازاَ للقوى، يعلن موقفه في توازن معين لكي يضع لنفسه جوابا على سؤال يطرحه كل مفكر عارف جدا وصادق، الا وهو السؤال الواضح جدا : ماهو موقعي، مكانتي، محلي من الأعراب ؟ الكل سيسألنا سؤالا عن ذلك مثل ماركوزة، والا فنحن لامحل لنا، ان في الأعراب او في غيره من المواقع !
  هل لك وزن معين في خطابك، في لغتك التعبيرية، ايا كانت وسيلتك ام انك تكتب وفق ماتعرف وتجيد وتكتفي بذلك القدر، يقرأ كتاباتك عدد من القراء ثم تُطوى الصفحة وانتهى؟ لأنك مقتنع بالكفاية تجنبا وتجنبا للأتهامات المهيئة والمتربصة بك، فأنت تسجن نفسك في الأطار فتوحي صورتك انك لست حرا في زمان الحرية الذي تعيشه اخرسا.. وهل انا انطق عبر كتاباتي، كعبد محرر ام كحر مؤجل؟ ما منسوب الشجاعة المتوفرة لدينا وماهي معارفنا حول روح نتحدث عنها باسهاب ونتفنن في تدويرها دون تضحية ما ؟!  هل لنا موقع في ذلك الموقع الخجول ؟!
  لاعجلة في تسمية ما للموقف ولامطالبة للتراصف( تجنبا لخدش مشاعر نعامات الثقافة ) ماهي اذن بدائلنا؟ هل استنفذنا طاقة السؤال حول علاقتنا بكل مايستحق علاقتنا به وهل للضمير دور هنا، ام ماذا ؟!.. تقييم لموقعنا من الأعراب ليس قضية مترفة..بل في صميم موقعنا وحيزنا الذي نعلن عنه في نتاجنا، نتاجنا المقرون بأنسانية وانسنة لكل اشارة في اقوالنا وافعالنا قبل ان نعلن في منتوجنا صفاته، ونتأمل متوسلين تلقيه بحرارة .

19
عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي

  بولص آدم

  لم اهتم لجرح ما عندما كنت طفلا، بقدرما كان الذهاب الى مستوصف سكك حديد الموصل كابوساً! أعود الى بيتنا باكياً من شدة الألم، مُصاباً أُغادر الشارع الملعب المحاذي للخط المتري للقطار، يفصلنا عنه سياج قضبان خضر متراصة جنباً الى جنب طوال الخط.. سترسلني امي الى الدكتور، أمشي والخوف كظلي يرافقني، اقطع الدربونة الطويلة المحصورة بين جداري دفلى عاليين وزهوره الوردية سجادتان جميلتنا معبأتان بالبعوض الشرس الذي سيبدأ عند المساء غزواته الكبيرة، لكن أم الدخان، كفيلة بالفتك به وياويلنا في ليلة تحت خراطيم البعوض اللآسع لو لم تحضر سيارة تحمل ماكينة ضخ الدخان الثلجي الذي كنا نسبح فيه راكضين خلفه ونعود وزيت النفط يسيح علينا من الرأس وحتى القدم.. وعندما سقط عادل على وجهه حملناه نحن الأربعة كل منا ممسكاً بطرف من أطرافه، توجهنا لاهثين نحو المستوصف، لم يكن المضمد في مكانه، هممنا بلا وجل دافعين باب الدكتور، نهض من مكانه متفاجئا وتقدم نحو عادل الممدد على الأرض مغطى وجهه بدمه النازف من أنفه وجبينه، تكتف وتنفس بعمق ثم نظر الينا وقال:
- المفروض يا مقصوفين العمر، ان تأخذوه الى المحروسة أمه اولا، لتغسله بالماء والصابون، بياع النفط هذا!
  يتوسط المستوصف حديقة جميلة، يسيجها الآس وتظلل مبناه المرفرف أعلاه علم، اشجار سرو وصنوبر عاليات..
يستقبلنا مضمد يسجل الاسم ويعطينا بطاقة صغيرة مشيراً الى غرفة الطبيب وكان وجه المضمد مرسوماً عليه كل مرة عبارة: انت ثانية؟!
أما الدكتور أبو لؤي، فكان على كرسيه الدوار جالساً دوماَ، ظهره نحو الباب ووجه نحو الحائط حيث اللوحة التي ينتصب فيها الهيكل العظمي للأنسان، وخيط الدخان يتصاعد من سيكارة على منفضة فوق المنضدة، يستدير نحوي وكأنني ارتكبت جٌرمَ قطع افكاره ويسألني نفس السؤال الذي فيه توبيخ، بأننا نركض كالعميان ونصدم بعضنا البعض اثناء الجري خلف الكرة قبل ان يعدل كرشه الشبيه بالبالكونة ويسعل مرتين وهو يكتب المرهم اللازم لتضميد الجرح على الركبة او الذراع او القدم، هو نفس المرهم القرمزي..
  نلعب الكرة على الاسفلت الصلب ساعات طوال وتنتهي المباراة بجرحى دوماً. ذات مرة كنا ثلاثة معاً، اتخذنا طريقنا نحو مستوصف السكك، وكان علينا المرور من امام مركز الشرطة الذي تدل عليه كابينة خضراء، جالساَ ينام فيها شرطي من شرطة السكك الكسالى الذين يسكرون في الليل ووجوههم في النهار يعلوها التثاؤب، والبيريات على رؤوسهم بشكل سفائني، منزلقة اما على الجانب او متدلية الى خلف بين الأذنين، سمعنا صوت صافرته، أمرنا بقف، أشار الي وقال:
- أيقظتني من نومي أمس، ماراً بنا بغنائك بصوت عالٍ، ماهذه الأغنية الغريبة؟
_ آتيوت غازلا بي طورا وبريا (انت غزالة الجبل والبرية..).
_ امشي وَلّي مع جماعتك المُكَسَّرين. الغناء ممنوع حوالي مركز الشرطة!
 ضحكنا رغم آلامنا المبرحة وكالعادة سنصل غرفة الدكتور وسنتلقى على يد المضمد الطيب لطخة مرهم من علبة كبيرة يمسح بها جروحنا بسكين مفلطحة تشبه مالج البناء، ونحصل على مخروط ورقي ابيض يحوي اقراصاً بيضاء وهي نفسها كانت تُسلم للجميع، أنفلونزا او معدة أو الآم اخرى، هي هي نفس الحبوب وحبة واحدة ثلاث مرات في اليوم..
  رغم أن والدي كان يصف كل إنسان بالطيب بالفطرة وخاصة الكبار الذين كان يردد دوماً بأننا يجب ان لا نلتفت الى شئ سئ فيهم بقدر التعلم منهم. إلا ان الكيل قد طفح عندي وقصصت عليه حكايات ووقائع استقبالنا المتجهم من قبل الدكتور وبتنا نخاف الذهاب الى المستوصف..
 - عيني عليكم، هل شتمكم أو ضربكم؟
- يا أبي، لم يضربنا أو يشتمنا، لكن...
- لكن ماذا؟ هو يعرف شغله، ثم انه درس الطب في لندن..
 ولندن هذه لم تكن تسقط من فم لؤي ابن الدكتور الذي يلعب معنا، يتحدث عن والده في استراحات بين سويعات اللعب الضاري، جالسين تحت فيء شجرة التوت:
 _ والدي أعظم طبيب في العراق والرئيس طلبه كطبيب خاص فرفض وفضل مستوصف السكك، فلماذا لا تشكرونه بدل ان تتشكون من معاملته لكم.
 - هل صحيح ان الرئيس ....
- حقكم، أنتم كالعادة لا تعرفون اي شيء عن اي شئ!
 يكبرنا لؤي بسنوات وكان شئ طبيعي ان يلعب معنا من هو أكبر منا، فابن الفورمان صباح، طالب متوسطة يلعب معنا الدعابل
- انا لؤي.. تعرفون بأنني لا أكذب، أبي ليس بحاجة لفحص المريض فبمجرد النظر الى عينيه، ينطبع اسم الدواء في دماغه 
_ قبل ان تأتوا الى هنا، اين كان والدك يعمل؟
_ أوووووه، الم أقل انكم لا تعرفون.. والدي فعل المعجزات لجرحى الحروب، اعاد اذرعاً مقطوعة الى مكانها، وأحشاء مندلقة الى مكانها وأخاط بطونهم، وليكن في معلومكم، لو لم نكن في سرسنك، عندما فصل السلك الكهربائي المتقاطع عمودياً مع السكة، رأس الجندي عن جسده المنتصب على دبابة، تحملها عربة يسحبها القطار الآتي من بغداد متوجها الى سوريا في حرب تشرين، حتما كان ابي سيجد حلًا!
 كنا نسمع هذه المدائح والعجائب فاغري الأفواه، الا أن عبير، سأله:
_ يعني، هل والدكم، مَسيح؟!
_ أوووووه انظروا ياعالم واسمعوه.. اقول لك ان أبي اعاد يداً مقطوعة لعامل بناء روماني...!
 بطريقة أو أخرى أثر فينا كلامه رغم الشك الذي حل في مخيلاتنا الطرية حول عجائب الدكتور ابو لؤي.. وكانت ايام تلقيه رسائل في مظاريف ملصقة من شباب المحلة بعضها موجهة الى والده يسترجونه رحمة الاستقبال مثلي، واخرى علمنا لاحقاً عندما كبرنا بأنها جنجلوتيات رومانسية موجهة الى شقيقاته الثلاث الجميلات المهذبات اللواتي يمشين على مهل الى المدرسة، لاينظرن يمين أو يسار ويلحقهن من بعيد هائم يبلع ريقه دون ان يتجرأ الأقتراب مِنهُن!
 وكانت الرسائل السرية تختلط مع بعضها البعض، فرسالة الهيام تصل يد الدكتور ورسالة الشاكين من غرائب الدكتور تصل بناته وهكذا. اما رسالتي اليه:(ارجوك عمو، لا تصرخ بوجهي) التي حملها لؤي مع رسائل الآخرين، تسببت في ان اتوقف نهائياً عن الذهاب عند الحاجة الى المستوصف اياه وتحولنا الى مستوصف باب الجديد.. فبعد ان هدني التعب إثر اللعب اتكأت على السياج الأخضر وفكرت ان أوسع الفتحة بين قضيبين حديديين وأمر من خلالهما لوضع قطعة نقدية على السكة فتمر عجلات القطار عليها لتفلطحها وتحولها الى رقاقة كبيرة، ما أن حشرت رأسي في الفتحة، فالورطة كانت أكبر من توقعاتي، لم أستطع بعدها النفاذ الى امام ولاسحب رأسي والتخلص من هذه الكماشة الحديدية.. سحب رأسي الأصدقاء الى خلف، وخرجت بآذان مخدوشة...
  ذهبت هذه المرة واثقاَ من ان الدكتور الخارق سيرأف بحالي، فقد أكد لؤي بأن رسائلنا تُقرأ وتلقى من جناب أبيه كل الرعاية والحنان، حتى أنه يسأله عن سر القلوب المرسومة في الرسائل؟  فكان لؤي يُخبره بأنها محبتهم الكبيرة لكم أبي الطبيب الشهير، فيعاود ابو لؤي يسأله: ولماذا يكتبون أسماء خواتك فيها، فيجيبه لؤي: يا أبتاه إنه الارتباك فقط فهم تحت رهبتك يرتبكون ويهذون ويكتبون لمياء بدل أبو لؤي.
  ما أن وقفت امام الدكتور:
                 - عُد الى أُمك كما أتيت، والله يا زمن، إبنٌ التاسعة يَطلُب يد لُمياء!

20


الفنانة نهلة ججو، من بغداد الى اعظم فرقة كمنجات في باريس

  بولص آدم

  نظراً لأنني كنت في طفولتي مشروع عازف كمان وشاركت طفلا مع مجموعة اطفال تعزف على عدة الآت موسيقية في مهرجان الربيع ونقلت الحفلة من قاعة الربيع في الموصل بالبث الحي تلفازياً، الا انني وقعت تحت غواية كرة القدم وسرقتني من عالم الكمنجات ووصلت الى منتخب شباب الموصل قبل ان اعود الى الفن مزاوجا اياه بالأدب وكانت سعادة والدي الراحل كبيرة، فعند تركي الكمان تألم كثيراً ووبخني بشدة وشرب العرق في تلك الليلة أكثر مما ينبغي ... لكنني لم انقطع عن التركيز على صوت الكمان متى ما ظهر منفرداً في اي لحن او اي مقطوعة خاصة بالكمان ومازلت اتابع اشهر العازفين في العالم سواء في اسطوانات صولو او في مرافقتهم للفرق الموسيقية فمن العبقري الألماني ديفد غاريت محطم الأرقام القياسية في العزف والعازف العالمي صامويل يرفنيان مروراً بفانيسا وليمز و...حتى فنانتنا نهلة الياس ججو، خريجة مدرسة الموسيقى والباليه والتي اكملت الهندسة المعمارية وكانت فارسة بارعة تعرف كيف توجه الجياد.. وما اجمل ما قاله عنها الفنان باسم حنا بطرس: ( نهلة هو إسم لفتاة ناعمة جميلة المحيّا، كَفراشة تهفُّ بجناحيها دون أزيز؛ ولَجت ميدان الموسيقى من سنٍّ مبكرة، لتجذب إهتمام ومن ثم عناية الهيئات الموسيقية الرسمية في بغداد؛ فكان دخولُها تليمذةً للموسيقى في مدرسة الموسيقى والبالية ببغداد، مِن سن السادسة، لتتعلَّم العزف على آلة الكمان وعلوم الموسيقى، بالأسلوب الكلاسيكي الأوربي. فكان أنْ أختير لها، كما لأقرانها الأطفال الصغار، آلةَ كمان صغيرة الحجم، تلك التي ندعوها بـ (الكمان الطفل – Baby Violin) لتتمكن من الإمساك بها وتحريك أناملها الناعمة على أوتارها الأربعة. وهي في ذات الوقت، تلميذة في الدراسة العامة.)
  بدايتها كانت اذن في مدرسة الموسيقى والباليه، الكائنة قبالة متنزَّه الزوراء ببغداد وشاركت فنانتنا في الفعاليات الفنية السنوية، لثلاث ليالٍ متتالية، على قاعة الشعب في الباب المعظم ببغداد، وكانت تحظى بتغطية اعلامية متميزة بالكامل ومن ثم بثِّها على قنوات التلفزيون العراقي. شاركت في التشكيلات الموسيقية في العراق بثقة عالية تعزف على المسرح وصول انضمامها الى الفرقة السمفونية الوطنية العراقية وفي  ذروةً نشاط الفرقة المتميز في مشاركاتها في مهرجان بابل الدولي. وتقديم حفلات خارج العراق عربياً وأوربياً. كانت تقدِّم تحت قيادة قادة إختصاصيين من الخارج ، المؤلفات الموسيقية للمؤلفين الكبار أمثال باخ وموزارت وبيتهوفن وجايكوفسكي وغيرهم، ومؤلفات لموسيقيين عراقيين أمثال حنا بطرس، منذر جميل حافظ، بياتريس أوهانيسيان، إكنس بشير، والتي تقدمها الفرقة للجمهور على مختلف القاعات، كالمسرح الوطني، ومسرح الرشيد إضافة إلى القاعات القديمة، قاعة الخلد وقاعة الشعب إضافةً إلى عدد من المحافظات،
 إبنة بيث نهرين البارة، هي سليلة  أول أغنية حب في التاريخ شهدتها أرضنا الطيبة.هذا الإرث الروحي انتقل إلى أجيال من نساء بلاد النهرين عبر عصور مختلفة وتجدد وظهر معاصراً من خلال مبدعاتنا الكبيرات وانطلقن محلقات فراشات سلام وذوق وحطت نهلة ججو في اعظم محطة فنية لها في باريس ونقلت صديقتنا الروائية انعام كجه جي في حينها تحياتي لها، ان فنانة الكمان نهلة في أشهر فرقة موسيقية فرنسية للكمنجات وشاركت العزف مع الاوركسترا السمفونية المعروفة باسم(كمنجات أنغر). الفرقة الفرنسية قد تشكلت عام 1909 لكي تضم في البداية طلبة مدرسة الفنون الجميلة في باريس. واتخذت من اسم الرسام والموسيقي الشهير جان اوغست أنغر (1780 ـ 1867) مسمى لها، ثم توسعت لتضم الطلبة السابقين وأصدقاءهم من الهواة وواصلت تقديم المئات من الحفلات بدون أن تتوقف سوى في سنوات الحربين العالميتين الاولى والثانية. هذه اهمية هذه المحطة في حياتها الفنية، فهو فخر كبير ان تعزف تحت قيادة كلود ريمون وفي حفلة كنيسة سان جيرمان المتميزة بفضل مشاركة فرقة (كورال اليزابيث براسور)..
  سمعت بعدها اخبارا مؤداها انها ستنتقل الى كندا.. اينما كانت فنحن نحييها و نفتخر بها متمنين لها التألق الدائم.
  ويستمر الكمان بإدهاشنا ومن باخ إلى بارتوك، آلة ألهمت أعظم المؤلفين مقطوعات وألحاناً خالدة لا تنسى، إنه الكمان الذي لا يمكن أن يضاهيه
 آلات أخرى بصوته الرقيق والمؤثر وقدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية بشكل مذهل.
https://www.youtube.com/watch?v=YJ5V6ud7ubw

21
المنبر الحر / في بيتنا كورونا
« في: 22:53 07/04/2021  »
في بيتنا كورونا

  بولص آدم

   قبل حوالي اسبوعين أصيب ولدي الأصغر بكورونا، في البداية اتصلت بنا المديرة وقالت: نفضل ان يبقى ابنائكم وبناتكم في البيت لنقص في الهيئة التعليمية في الروضة! اثار ذلك استغرابنا وبدأت الشكوك تساورنا وبعد سويعات اتصلوا بنا وابلغونا عن اصابات عديدة في روضته وانه قد خالط المصابين. فثبت في فحصه فعلا انه مصاب بالفيروس.
  دخلنا حجراً منزلياً وانتظرنا ظهور الأعراض عليه وعلينا ربما فنحن بحكم اننا عائلة تعيش حياتها الأعتيادية،  يبدأ المرء منطقيا بتهيئة نفسه للأزمة. اصعب لحظة كانت عندما انهمرت دموعه وقال: بابا انا مصاب بالكورونا. تحركنا على وجه السرعة بعزله في غرفة الأطفال موفرين له كل مايحتاجه و شجعناه بعبارات جعلته هادئاً وبعد يوم لازمه رشح وعطس والم في البلعوم وحرارة، واستمر الحال عدة ايام بين هذا وذاك..  ظهرت عليه مشاعر انه معزول، فكان يفتح الباب وينظر الينا بشوق.
  في ذلك الوقت كانت الأم في مرحلة صعبة فقد تلقت جرعة اللقاح الأولى (أآسترازينيكا) كونها معلمة، وظهرت عليها اعراض كالتي يعاني منها المصابين بكورونا وعانت بشدة. فلم يكن من بد سوى ان نحافظ انا واخوه الأكبر على مساعدتهم واضعين كمامات مزدوجة ومعقمين ايادينا وكل شئ باستمرار.. اتصلت بأخي الأكبر مني في كندا ونصحنا بشرب اقداح وباستمرار من الماء الساخن والغرغرة بماء مملح وهذا اعتمدناه بالأضافة الى مانعرفه من تدابير اخرى.. واجهنا صعوبات جمة مع الأقوال غير المتوافقة والتقديرية للجهات الصحية، واكثرها اهمية انهم قالوا بأن الأم تلقت لقاحاً لن يكون له مفعول يذكر قبل اسبوعين او ثلاث.. اما عن حالة ولدي فكانت اجوبتهم: تنتهي ب نعتقد او وفق تقديريتنا او من المفروض و اخيرا، لانعلم! مؤكدين في نفس الوقت اننا يجب ان نتصل بهم لنقله الى المستشفى عند الضرورة.. عشنا اياما لانعرف بالضبط فيها، هل نحن كلنا حاملين للفيروس او مصابين به فعلاً.. شخصيا لم اعد بعدها مهتماً سوى بممارسة حياتنا اليومية بشكل طبيعي متمنياً وضعاً افضل له ولنا من حوله منتظراً ما سيأتي . مرت الأعياد على نفس الحال وتحولت كأب وتحولت الأم بعد خروجها من اعراض ما بعد التلقيح الى معالجين نفسانيين ومنظفين ومعقمين كل شئ في البيت وقضيت وقتاً طويلا على فترات متقطعة تحولت كالعادة الى حكواتي وقارئ قصص لأبني المصاب واخيه الذي يكبره بأربع سنوات. نطبخ حساء الدجاج ونقدمه لهم مع مزيد من الخضار والفواكه وشاي البيبون. اليوم نهضت عند الفجر ووقفت عند النافذة ، كان الثلج يهطل بهدوء وكسى لونه ما هو امامي في الحديقة،  ومرت مقتطفات في ذهني من كل ما مر بنا خلال عام منذ سمعنا بالكورونا وحتى الآن من تقارير تحليلية طبية واخبار الدول واللقاح ونظريات المؤامرة وكل التفلسف والتفكر بكل مايخصه ووضع العالم الذي يتوازى معه متقاطعاً متماهياً متحلزناً عاليه بأسفله معه واخذتني التخيلات الى اقصى التجاويف الغامقة السوداوية.. ثم رجعت مسرعاَ كالعادة الى تلاويح الأمل فبه وحده نعيش فهو الوحيد الذي لا ينضب ونظرت الى السماء البيضاء وتضرعت الى البياض الثلجي السرمدي ان ينجو ولدي وننجو معه..بعد الفطور اشرقت شمس واذابت ذلك الثلج فظهرت النراجس ثانية وشجرة التوليب تنفست براعمها الصغيرة الخضراء شمس الله العظيمة ، انقلب الطقس ثانية ونزل الثلج لمدة ساعة واعقبتها شمس نيسانية باسمة تحمل معها املا ووعدا بل وخبراً انتظرناه بلهفة الباحثين عن النجاة من عاصفة ضربت مركب العائلة.. بعد الظهر ظهرت فحوصاتنا الأخيرة بأنها سلبية. ذلك يعني بأن اصغرنا قد تعافى وباقي العائلة قد أفلت والفيروس غادر بيتنا غير مأسوف عليه ونتمنى ان لايدخل بيتنا ثانية ولا اي بيت في العالم. ودمت بالف خير وبموفور الصحة اجمعين.
     

22
العالم ميخائيل دافيدوف، من ملاكم الى رئيس الأكاديمية الروسية للعلوم الطبية

  بولص آدم

  رغم تلقيه تعليم موسيقي وفضل الموسيقى الكلاسيكية، علاوة على انه كان بطلا على حلبات الملاكمة حتى سن 21، الا أن هذا الآشوري سليل عائلة من العوائل الآشورية التي لاقت الأمرين وكافحت لتنشئة اولادها وبناتها من ثم ليتبوؤا في مجتمعهم مراكز مهمة. وهذا ما تحقق للأم (أسمر تمرز)  فقد اصبح ولدها ميخائيل عالماً مشهوراً يشار اليه بالبنان.
  هو: ميخائيل إيفانوفيتش دافيدوف، عالم سوفيتي وروسي، جراح أورام، أستاذ. مدير المركز الروسي لأبحاث السرطان. N.N. Blokhina (RCRC) 2001-2017، أكاديمي (منذ 2004) ورئيس للأكاديمية الروسية للعلوم الطبية (2006-2011) وأكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم (منذ 2003) وكبير أطباء الأورام في المركز الطبي للقسم الإداري الرئيسي للاتحاد الروسي، ورئيس قسم الأورام في أول مستشفى حكومي في موسكو جامعة. إم سيشينوف. عضو في جمعية الجراحين الأوروبية والأمريكية ، جمعية الجراحين الدولية.
  ولد في 11 أكتوبر 1947 في مدينة كونوتوب الأوكرانية بمنطقة سومي، وهو سليل لاجئين آشوريين من منطقة جيافار (إيران). في عام 1966 تخرج من مدرسة كييف سوفوروف العسكرية، خدم 3 سنوات في القوات المحمولة جوا.في عام 1970 التحق بمعهد موسكو الطبي الأول.Sechenov ، حيث عمل كمساعد مختبر في قسم الجراحة الجراحية (1971-1973) تخرج من المعهد في عام 1975. أكمل التطبيق (1975-1977) ودراساته العليا (1977-1980) في مركز علم الأورام المسمى على اسم ف. بلوخين. دافع عن أطروحة الدكتوراه "الاستئصال المشترك واستئصال المعدة لسرطان المعدة القريبة" وأطروحة الدكتوراه "عمليات خطوة واحدة في العلاج المركب والجراحي لسرطان المريء"، وحصل على اللقب الأكاديمي الأستاذ. في عام 1986 أصبح باحثًا رائدًا في قسم الصدر، وفي عام 1992 ترأس معهد أبحاث علم الأورام السريري في N.N. Blokhin ، في عام 2001 أصبح مدير مركز الأورام الروسي. بلوخين.
  في عام 2003 تم قبوله كعضو كامل العضوية في الأكاديمية الروسية للعلوم، في عام 2004- في الأكاديمية الروسية للعلوم الطبية. في عام 2006 تم انتخابه رئيسًا للأكاديمية الروسية للعلوم الطبية. شغل هذا المنصب حتى 1 مارس 2011. يُطلق اسم ( الدماغ الذهبي) على المبنى الجديد لأكاديمية العلوم الروسية .. الأكاديمية الروسية للعلوم الطبية (RAMS ؛ 1992-2013) هي أكاديمية تابعة للدولة للعلوم في روسيا ، وهي مركز علمي هدفه تنسيق البحوث الأساسية في مجال الطب في روسيا. تم تشكيلها على أساس أكاديمية العلوم الطبية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، وفي عام 1992 حصلت على وضع أكاديمية الدولة للعلوم في الاتحاد الروسي. في أكتوبر 2013، في إطار إصلاح الأكاديمية الروسية للعلوم، تم دمج الأكاديميات الحكومية التابعة للأكاديمية الروسية للعلوم الطبية والأكاديمية الروسية للعلوم الزراعية مع الأكاديمية الروسية للعلوم. في الوقت نفسه، أصبحت RAMS قسم العلوم الطبية في الأكاديمية الروسية للعلوم، وأصبحت مؤسساتها جزءًا من القسم المحدد.
  حصل على تكريم كبير. عالم من الاتحاد الروسي (1997) لجدارة في النشاط العلمي. حائز على جائزة الدولة للاتحاد الروسي في مجال العلوم والتكنولوجيا (2001)، وهو كبير أطباء الأورام في المركز الطبي للقسم الإداري الرئيسي للاتحاد الروسي، ورئيس قسم الأورام في أول مستشفى حكومي في موسكو جامعة إم سيشينوف. عضو في جمعية الجراحين الأوروبية والأمريكية، جمعية الجراحين الدولية.
  تكرست  أنشطة دافيدوف العلمية والعملية لتطوير طرق جديدة وتحسين الأساليب الحالية للعلاج الجراحي لأورام الرئة والمريء والمعدة. طور طريقة جديدة بشكل أساسي للمفاغرة المعوية والمريئية المعوية داخل الجنبة، والتي تتميز بأصالة الأداء الفني والسلامة وعلم وظائف الأعضاء العالي. بفضل استخدام تشريح العقدة الليمفاوية المنصفية وخلف الصفاق، تم تحسين نتائج علاج سرطان المريء والرئة والمعدة. كان دافيدوف أول من أجرى عمليات جراحية في جراحة الأورام باستخدام اللدائن في الوريد الأجوف والشريان الرئوي والشريان الأورطي. طور طريقة للاستئصال المشترك للمريء مع الاستئصال الدائري والجراحة التجميلية للقصبة الهوائية في سرطان المريء المعقد بسبب ناسور المريء والقصبة الهوائية.
تحت إشراف دافيدوف صاحب شهادتي دكتوراه، تم الدفاع عن 70 رسالة دكتوراه و 100 رسالة مرشح. وهو مؤلف ومشارك في تأليف أكثر من 300 ورقة علمية، بما في ذلك 3 دراسات مهمة و 6 أفلام علمية ومنهجية.
  ومن الجوائز والألقاب ايضا، فقد حصل على وسام "من أجل الاستحقاق للوطن" (17 نوفمبر 2016) لمساهمة كبيرة في تطوير الرعاية الصحية والعلوم الطبية وسنوات عديدة من العمل الواعي.
  وسام الشرف (31 يوليو 2002)  لنجاح العمل المحقق وسنوات عديدة من العمل الجاد.
       ومسك الختام هو ابنه واسمه ميخائيل أيضا (مواليد 1985) جراح الأورام و عضو مراسل في الأكاديمية الروسية للعلوم .


 

23

إلينا أكوبوفا تؤدي مقطوعة "في قصر آشوربانيبال" لإيليا ديموتسكي

  بولص آدم

  ولدت عازفة البيانو الشابة الينا أكوبوفا الحائزة على الجائزة الدولية الأولى هلسنكي2016 من اب وأم آشوريين(عائلة بيث ياقو). شجعها والدها منذ نعومة أظفارها لتعلم العزف وكان شخصياً عازف ترومبيت، جدها عزف بمهارة على عدة الآت وشقيقه كان قائد جوق موسيقي عسكري خلال الحرب العالمية الثانية، الجو الموسيقي العائلي أثر فيها، فقررت دخول مدرسة الموسيقى واكملت في كلية الموسيقى لترتقي الى الدراسة العليا في كونسرفاتوريوم موسكو. في الثالثة من عمرها لمست اصابعها الطرية مفاتيح البيانو مقلدة ببراءة ماتسمعه مرافقا لأفلام كارتون روسية.
 عُرفت بعزفها الصولو أو ضمن الفرق السمفونية والفرق الموسيقية الحديثة والفولكلورية وخاصة ضمن احتفالات الآشوريين في روسيا هذا بالأضافة الى تدريس الموسيقى فهي تحمل شهادة اكاديمية راقية واجاز خاصة احترافية لتعليم العزف على البيانو وعلى هذا الصندوق الوتري الذي تطرق اوتاره عبر ثمان وثمانون مفتاحاً عزفت عليها ما تفضله من مؤلفات يوهان سباستيان باخ العبقرية وتعبيره النغمي الحقيقي الصافي و مقطوعات فرانز شوبيرت فيعجبها كما تقول الخط الذي ابتكره لعبور الكلاسيك والدخول الى الرومانتيك بانسسابية ورهافة احساس فني موسيقي أخاذ، اضافة الى دوبوسي الهارموني الفرنسي وطبعا عمالقة التأليف السمفوني وصولوات الآلآت من امثال تشايكوفسكي وخاجودريان وغيرهم من افذاذ الروس والقوقاز. وهي مؤلفة منذ الصغر ايضاً وان بدأت بتآليف بسيطة الا أنها بمرور الزمن تمكنت من تركيب النغمات لأيصال ماهو واضح وتتقبله الأذن بارتياح. لها جولات  فنية وابرزها خرج روسيا رحلتها الى كاليفورنيا ومشاركتها في ليلة ميسوتاميا ومناسبات اخرى واعتبارا من 2010 هي عضوة في رابطة تعليم الموسيقى هناك ولها ستوديو خاص بها تعطي فيه باحترافية دروس العزف للموهوبين في سانفيل وتُدَرِّس ايضاً في أكاديمية سان خوزيه وهي كرسي مشرف على مهرجان بالو والتو الموسيقي .
 اما عن المقطوعة البيانوية (في قصر آشوربانيبال) التي عزفتها للمرة الأولى في جامعة بيركلي و من بعد على المسارح الأميركية الأخرى فهي من تأليف ايليا ديموتسكي، يرتبط كلاهما بصداقة فنية عميقة، وقد حدثته اكوبوفا عن آلامها كآشورية ولدت بعيدا عن موطن الآشوريين، كونها آشورية يعني لها اشتراك تام بمآلات واقدار ومحن الآشوريين وماتعرضوا لهم بشكل مستمر وخاصة في المئة سنة الأخيرة،وتؤكد على ثقافتهم المُهددة وآثارهم المُدمرة. ان النقاش مع مؤلف كبير ادى الى انبثاق فكرة تأليفه لمقطوعة بيان يُهديها الى الآشوريين وبدأ على الفور بالتأليف. صادف ذلك في نفس الوقت دعوة موجهة من جامعة بيركلي لها للأشتراك في مشروع خاص بثقافة الشرق الأوسط، ورأت بأن هذا العمل مناسب جدا وشاركت بعزفها المقطوعة وتقبلها الجمهور بتأثر وجداني بالغ.
  ابداع ايليا ديموتسكي متنوع للغاية: موسيقى السيمفونية وأوركسترا الحجرة ، موسيقى الآلات والصوت، أعمال الكورال، الموسيقى الإلكترونية وموسيقى الأفلام. حاصل على عدة شهادات اكاديمية موسيقية عليا وجوائز دولية عديدة ومنها حصوله عام 2016 على جائزة افضل موسيقى تصويرية لفيلم سينمائي في مهرجان السينما الأوربية كما نشاهد معا في فيديو تسلمه الجائزة في الرابط اسفل المقالة . يؤدي بنشاط كمايسترو وقائد جوقات الفرق الروسية والأجنبية، يعمل  مع مخرج الفيلم الوثائقي الكلاسيكي سيرجي ميروشنشينكو، الحائز على جائزة الأوسكار ورسام الرسوم المتحركة ألكسندر بيتروف. وهو مؤلف الموسيقى الخاصة بافتتاح دورة الألعاب البارالمبية لعام 2014 في سوتشي ("Flight of the Firebird") ، ومؤلف الموسيقى لأول فيلم وثائقي رسمي على الإطلاق حول دورة الألعاب البارالمبية "Spirit in Motion" ، بالإضافة إلى للفيلم الوثائقي الرسمي عن الألعاب الأولمبية في سوتشي "حلقات العالم". من بين موسيقى المسرح الدرامي عروض كيريل سيريبرينكوف "(M) الطالب" و "من يعيش بشكل جيد في روسيا". في عام 2015، تم عرض عرض باليه "بطل زماننا" في البولشوي ونورييف في عام 2017. وتطول قائمة اعماله العالمية لتوصل عشاق الموسيقى من روسيا والى اميركا واوستراليا وغيرها خاصة وانه حول اعمالا ادبية ودرامية الى اوبرات مرموقة وهو موهبة موسيقية كبيرة يثق بضمها الى برامجها أكبر مسارح ودور الأوبرا المرموقة.
  تنقلنا مفاتيح البيانو واوتاره بأصابع أكوبوفا الى عالم درامي يتناسق فيه الشعور المعاصر مع التصور التاريخي في دقائق من الذوق الموسيقي الرفيع وهو واحدة من منتوجات الثقافة الأنسانية وتلاقح الحساسية الفنية ودعم الصلات الحضارية بين الشعوب، ليس اكثر من تنويع الأكوردات وتراكيب تتناوب بين المفاتيح البيضاء للسلم الموسيقي والمفاتيح السوداء التي تنحو نحو الرخامة وتعزف اكوبوفا بالنقر احيانا وبمختلف السرعات وبما يتناسب والنحت في الزمان وهذه هي الموسيقى وتجريديتها لنسمع المقطوعة:
https://www.youtube.com/watch?v=VqWKvpBMKwM
  ايليا ديموتسكي - الملحن الأوروبي 2016
 https://www.youtube.com/watch?v=zlj1Da7y5cc


24
رحلة عائلة الأوساني الكلدانية الى أميركا عام 1893

  بولص آدم

في كتابها (الغرباء في الغرب) تسرد د. ليندا ك.جاكوبس، القصة التي لم ترو من قبل عن المهاجرين العرب الأوائل الذين استقروا في مدينة نيويورك. كانوا من الباعة المتجولين والتجار والقابلات والأطباء والقساوسة والصحفيين والراقصين الشرقيين والمخرجين على مسرح الفودفيل والأداء في جميع أنحاء البلاد بالزي المحلي. لقد تعلموا اللغة الإنجليزية وأسسوا الأعمال التجارية، وأصبحوا خيطًا مهمًا في النسيج الثري لثقافة المهاجرين في نيويورك في القرن التاسع عشر وبين 1880 و 1900 بنى هؤلاء المهاجرون مستعمرة مزدهرة سرعان ما أصبحت المركز الثقافي والاقتصادي للشتات في أمريكا. وهي ايضاً تخص في مقالات بحثية اخرى عن المهاجرين الأوائل. ترسم د.جاكوبس صورة حية للحياة في مجتمع المهاجرين هذا والأشخاص الذين أسسوه من خلال الأرشفة والبحوث الديموغرافية الشاملة. غطت د.جاكوبس هويات كل فرد تقريبًا في مجتمع القرن التاسع عشر هذا. من خلال القيام بذلك، أوجدت مورداً لا يقدر بثمن للمؤرخين والعلماء وغيرهم من المهتمين بتاريخ العرب وباقي المهاجرين في أمريكا. ما يهمني هنا أنها كتبت عن رحلة الأخوين أوساني.   
  كانت عائلة الأوساني من بغداد هي العائلة الكلدانية الأولى والوحيدة التي استقرت هناك في القرن التاسع عشر.

 كانت أسرة تجار، تتاجر بين العراق وبلاد فارس على مدى أجيال، وقد ارتبطوا بعلاقات تجارية وثيقة مع اشوريين نساطرة في أصفهان، وعمل أربعة إخوة أوساني في هذه التجارة مع والدهم توماس (طنوس). قرر إرسال اثنين من أبنائه إلى معرض شيكاغو العالمي، الذي كان من المقرر افتتاحه في مايو من عام 1893. انتشر خبر المعرض في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتوجه الآلاف من الشرق والجزائر ومصر وتونس إلى شيكاغو؛ ربما كان الشرق الأوسط أفضل منطقة تمثيلا من العالم في المعرض. وَقَّعَ  جوزيف الابن الأكبر للأوساني عقدًا مع مجموعة من المستثمرين السوريين لجلب بضائع وأفراد "لا يزيد عددهم عن اثني عشر" إلى شيكاغو. غادر جوزيف بغداد في 7 آذار، حاملاً أربعين صندوقًا من البضائع ويرافقه عشرات الفرس( تعتقد د. جاكوبس ان اشوريين نساطرة من ضمنهم) وسافروا لمدة ثمانية وثلاثين يومًا على متن قافلة جمال حتى الساحل السوري ويسرد جوزيف بأختصار يومياته ابتداءا من نزولهم في ابو غريب ومكوثهم ليلة عند احد المعارف التجار الذين استقبلوهم بحفاوة ومن ثم نصبهم ورفعهم ( الجادر)اينما استراحت قافلتهم في الفلوجة وهيت وحديثة وبموازاة نهر الفرات ويصف باقتضاب مايشاهده وما يتعرضون لهم من مطر ونهارات مشمسة ثم تنقلهم سفينة إلى مرسيليا بفرنسا، ومنها ينزلآن أخيرًا في ميناء نيويورك في 3 مايو.
 كان المعرض الكولومبي أكبر معرض في العالم على الإطلاق ؛ حضره  أكثر من عشرين مليون شخص ( ربع إجمالي سكان الولايات المتحدة في ذلك الوقت). يتألف من جزأين: المعرض المناسب، حيث قامت كل دولة وكل ولاية ببناء جناح لعرض منتجاتها. وما يسمى ميدواي بلايسانس، وهو متنزه بطول ميل خارج المعرض، حيث توفرت متعة حقيقية . كان الوجود الشرق أوسطي في ميدواي واسعًا، بما في ذلك "القرية الجزائرية والتونسية" و "قصر الموريش" و "شارع القاهرة" و "القرية التركية" و "القصر الفارسي" آخر ما بناه الأوسانيون. قدمت كل من هذه المعالم مزيجًا من الترفيه والطعام والسلع المعروضة للبيع. كل من عمل فيها   كان يرتدي "الزي الأصلي". قيل أن الأوساني أصيبوا بخيبة أمل من  الحضور الضعيف في القصر الفارسي في البداية وقرروا إضافة بعض التوابل إلى العروض من خلال استيراد فتيات علب من باريس. بدأ الأشخاص ذوو المعرفة يطلقون على المكان اسم "قصر إيروس الفارسي". ومن غير المؤكد ان كانت القصة دقيقة أم لا، فقد نجح الأوسانيون في المعرض، لأنه عندما انتقل الشقيقان إلى نيويورك بعد ختام المعرض في نوفمبر، أقاما شركتين: شركة تصنيع التبغ والسجائر في بارك بليس بالقرب من قاعة المدينة، ومحل لبيع البضائع الشرقية في شارع 23 الشرقي في عام 1895. لتعزيز أعمالهم في التبغ، أسسوا ما كان على الأرجح أول صالة تدخين تركية في نيويورك: مقهى القاهرة في شارع 29 ويست. قاموا بتزيين المكان بمفروشات شرقية، وباعوا القهوة والشاي التركي، وقدموا السجائر أو الشيشة للعملاء. سرعان ما أصبح المكان نقطة ساخنة ؛ كان الشباب يتفرجون على الرقصات والراقصات ويشربون الخمور التي يبيعها الأوسانيون بشكل غير قانوني في صالونهم. سرعان ما افتتح الأخوان صالة تدخين ثانية بالقرب من برودواي وأطلقوا عليها اسم "الشيبوك" (نوع من غليون شرق أوسطي طويل الساق). لقد ازدهروا وتوسعوا تجاريا. بحلول عام 1900، كان هناك المئات من "صالات التدخين التركية" في نيويورك، وكلها على غرار صالات الأوساني، يبدو ان الأنظار تركزت على الحضور الكثيف من الأمريكيات بملابسهن الفيكتورية الضيقة في صالات الأوساني للتدخين بالشابوك الطويل. بدأت الفضائح  تطاردهم. وقد تم تشويه سمعة المكانين في الصحافة التي دعت إلى إغلاقهما. كانوا هدفًا منتظمًا لجمعية قمع الرذيلة. داهمتهم الشرطة في كثير من الأحيان، وتمت إحالة جوزيف وزوجته الأيرلندية مارجريت شيا إلى المحكمة، ليتم الإفراج عنهما بعد دفع غرامة متواضعة. لم يتم اتهام الزوجين فقط ببيع الخمور بدون ترخيص، ولكن تم اتهامهما أيضًا بإدارة "بيت دعارة". في غضون ذلك، جمع الأوسانيون ثروة. ومن الجلي ان جوزيف ارسل الى عائلته في بغداد رسالة يخبرهم فيها وفي رسالة تعكس التزاما اخلاقياً وانه تعرف على فتاة كاثوليكية من عائلة كريمة (الأيرلندية مارجريت شيا) تزوج جوزيف أوساني منها في نيويورك عام 1896.
 في عام 1900، حل الأخوين ياك وجوزيف شراكتهما. باعوا بضائعهم الشرقية، وتولى ياك تجارة التبغ، وذهب جوزيف إلى العقارات (كان يمتلك بالفعل ثلاثة مبانٍ في مانهاتن). باعوا صالات التدخين لرائد الأعمال السوري نحمي حمصي. في نفس العام ، قامت شركة جوزيف ببناء مبنيين سكنيين في نيويورك ، والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا: سميراميس وزنوبيا، وكلاهما في سنترال بارك نورث. احتفظ بشقة كبيرة في سميراميس ، حيث كان يأمل في بناء كازينو، وامتلك قصرًا كبيرًا في هاستينغ أون هودسون، وزرع ثلاثمائة فدان من العنب في فريسنو، كاليفورنيا. كانت جميع منازله مؤثثة بطاولات شرقية رائعة وسجاد ومصابيح نحاسية وحلي..
 جاء باقي أفراد عائلة الأوساني - ثلاثة أشقاء وأخت وأمهم - للانضمام إلى جوزيف وياك في عام 1900 (توفي والدهم توماس). انضم بيتر إلى جوزيف في مجال العقارات والبناء، بينما دخل جون في شراكة مع ياك. وشقيهم غبريال أوساني، كاهن كلداني، قام بالتدريس والوعظ في مدرسة القديس يوسف في يونكرز. حتى بعد وفاة ياك بشكل غير متوقع في عام 1903 ، نجح جون في إدارة تجارة السجائر حتى الكساد. قام جوزيف وبيتر بشراء وبيع عقارات في مانهاتن طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ، وشراء عقارات ممنوعة قاموا بقلبها من أجل الربح. قسم جوزيف وقته بين نيويورك وكاليفورنيا وأصبح معروفًا على السواحل.
 على الرغم من لغتهم المشتركة، لم يكن للعائلة سوى روابط ضعيفة مع المستعمرة السورية على الجانب الغربي السفلي من مانهاتن؛ لم يتم إبعادهم جسديًا عن المستعمرة فحسب، بل كان لديهم القليل من التعامل معهم. ولكن في الجيل التالي، تعزز هذا الارتباط عندما تزوجت ابنة جوزيف إيزابيل من السوري نصري فليحان في حفل زفاف رائع في قصر هاستينغز أون هدسون.
 على الرغم من نجاحاته المالية، كانت حياة جوزيف الشخصية مضطربة، حيث رفعت زوجته الثانية دعوى ضده بتهمة الطلاق على أساس الزنا والعديد من الفضائح اللاحقة. في عام 1934، أصيب جوزيف بعربة ترولي في هاستينغز أون هدسون وتوفي متأثراً بجروحه الداخلية. تم دفنه هو وزوجته الأولى في الضريح الفخم الذي أقامه جوزيف في مقبرة الجلجلة في كوينز.
 وفي الرابط ادنا مواد ارشيفية مثل اغلفة رسائل من بغداد وبالعكس وجوازاتهم العثمانية وايصالات مالية وغيرها :
https://lebanesestudies.omeka.chass.ncsu.edu/items?page=1&sort_field=added&sort_dir=d






25
الأسكافي الآشوري لادو بطلا للأتحاد السوفيتي

 بولص آدم

  كان في محطة سكة حديد ياروسلافل في موسكو، كابينة الأسكافي لادو دافيدوف، عند تقاطع ثلاثة خطوط سكك حديدية. نادرًا ما كان يمر أحد الركاب بمحطات القطار في ساحة كومسومولسكايا دون ان يلحظ لادو منهمكا بتصليح حذاء او تلميعه، مئزر ازرق فوق ركبتيه وسيكارة في زاوية فمه، ينظر زميل دافيدوف الجندي القديم في رحلة عمل أو في إجازة إلى الكابينة الزجاجية إلى لادو. لطالما أصبح هذا المكان بمثابة نقطة تجمع لأولئك الذين قاتلوا معه ذات مرة في اللواء 255. وبمجرد أن يأتي صديق قديم للزيارة، حتى لو نظر إلى الداخل لمدة دقيقة، دائمًا ما يكون لدى دافيدوف كأس من النبيذ الجيد يقدمه له و "أكثر أنواع الليمون بلسمًا". زملائه الجنود اصبحوا بعضهم مدراء وبعضهم مهندسين كبار. دعاه الجميع: "ارمي فرشك، سنجد لك وظيفة ولن تندم عليها بعد كل شيء أنت بطل. لكن دافيدوف يرد متحمساً:
- جدي كان ينظف الأحذية طوال حياته، والدي كان ينظف الأحذية طوال حياته!
  من قصص والده، عرف لادو كيف سُحقت انتفاضة الفلاحين الآشوريين ضد الطغاة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى. ساعد الآشوريون على الجبهة القوقازية رفقائهم المؤمنين الجنود الروس على إيجاد الطرق الضرورية في الجبال، وأخذوهم عبر الممرات. قاتلت الكتائب الآشورية بشجاعة كجزء من الجيش الروسي ... عندما اندلع العام المصيري 1917 وترك الجنود الذين اختلفوا مع البلاشفة  الجبهة، عاد العسكريون الأتراك وبدأوا في الانتقام من الآشوريين. تدفقت تيارات من اللاجئين الآشوريين على أرمينيا، كوبان، هاربين من الإبادة الجماعية. ذهب الفلاحون الأميون، الذين لا يعرفون الحرف إلى المدن الكبرى.ان يبقوا عاطلين عن العمل كمهاجرين كان يعني الموت جوعاً، كان امامهم اما العمل في المزارع او بيع الكيروسين او التنظيف، كانوا لا يجيدون التحدث بالروسية ولم يكونوا قد تعودوا على ان يؤتمروا فقد عاشوا اسياد انفسهم احرار في الجبال العصية، حتى أمر كالينين القيادي الشيوعي البارز وصديق ستالين الآشوريين بالعمل كإسكافيين وصباغي احذية ليس في موسكو فقط ..
 الشعب الآشوري، الذي قدم مساهمة كبيرة في تطور الحضارة، قد وَلّد  محاربين في جميع الأوقات. وبعد ستة آلاف سنة من سقوط آشور القديمة، أثبت سليلهم، الرقيب الصغير لادو دافيدوف مرة أخرى هذه الحقيقة..عثرت في قاعدة بيانات المحاربين القدامى على ان:
تاريخ الميلاد: 18 أغسطس 1924. توفي: 30 يوليو 1987
مكان الوفاة: موسكو - 30.7.1987
 بطل الاتحاد السوفياتي
 تواريخ المراسيم 1944/7/22 (ميدالية رقم 4147)
 هربًا من الإبادة الجماعية، انتقل الحرفي الآشوري الفقير شيرينشا دافيدوف (عشيرة ديزنا) من إيران إلى روسيا إلى مدينة فلاديكافكاز عاصمة جمهورية أوسيتيا الشمالية. هنا انضم إلى أرتيل الحرفيين الحضريين. بدأ ابنه لادو، حياته العملية هنا منذ صغره. بعد التخرج من الصف الرابع، ذهب الشاب للعمل كصانع أحذية إلى مدبغة، حيث تم تكريم العامل المبتكر بجوائز وامتنان. قامت عائلة دافيدوف ببناء منزل  باستخدام مدخرات اليد العاملة. لكن الحرب بدأت.
  في مايو 1942، في سن ال 17 تطوع للجبهة. خدم في البداية في فوج سلاح الفرسان، ومنذ يوليو 1942 حارب في صفوف المدافعين عن القوقاز، وكان في سرية استطلاع في فرقة المشاة 339 من الجيش 56  أظهر دافيدوف نفسه بالفعل في معارك أغسطس 1942 في الدفاع عن مدينة كراسنودار. في 10 أغسطس ، بالقرب من محطة خولمسكايا بالقرب من كراسنودار، أصابت رصاصة معادية القائد الملازم أول فومينكو بجروح قاتلة. ثم تولى دافيدوف قيادة السرية وواصل بمهارة المعركة غير المتكافئة مع النازيين. حارب  وألهم رفاقه لاتخاذ إجراءات شجاعة من خلال القدوة الشخصية، وأصيب بجروح خطيرة، لكنه لم يغادر ساحة المعركة حتى فقد وعيه. تحت قيادته، أخرت السرية  تقدم العدو لأكثر من ساعتين، مما أتاح للوحدات الأخرى إعادة تجميع صفوفها. في ذلك الوقت ، كان يبلغ من العمر 18 عامًا فقط!
في أكتوبر 1942 ، اقتربت القوات الألمانية والرومانية من  (فلاديكافكاز) ، حيث ألقى طيار هتلري بلا رحمة قنبلة على منزل دافيدوف، وحولته إلى رماد. أبلغه الأقارب عن المحنة التي حلت بهم. وتعهد الجندي الشاب بالانتقام من النازيين لمنزله والانتقام لآلاف المنازل المدمرة، والملايين من الناس الذين نزفوا.
 طوال خريف عام 1942 تقريبًا ، عولج دافيدوف في المستشفى. ومع ذلك ، فإن الجندي الشاب درس بجد، وحسن مهاراته، واستعد، مثل العديد من رفاقه ليصبح كشافًا مظليًا.
يعلم الجميع أن جهاز المخابرات أثناء الحرب هو الأشرف والأخطر في نفس الوقت. الاستطلاع دائمًا في الخدمة ، دائمًا في العمل. الوحدات تتقدم - الكشافة في المقدمة وعلى الأجنحة وأحيانًا خلف خطوط العدو. الوحدات في موقع دفاعي - يقوم الكشافة بشن غارات على معسكر العدو. في المخابرات خدم لادو حتى نهاية الحرب.
 بعد تعافيه في نهاية عام 1942، تم تعيينه كشفيًا في اللواء البحري 255 للجيش الثامن عشر، المتمركز بالقرب من نوفوروسيسك. ذات مرة، خلال عملية الاستطلاع ، اكتشف قناصة فاشيون دافيدوف ؛ أصابت إحدى رصاصات العدو الرئة، وثانية استقرت فوق القلب. اقلقت لادو وذكرته بالحرب حتى وفاته. أمضى ثلاثة أسابيع في مستشفى في خوست ، ثم تم تجنيده مرة أخرى في سلاح مشاة البحرية 255. وفقًا لخطة القيادة ، كان اللواء جزءًا من قوة الهبوط المساعدة، التي كان من المفترض أن تهبط في منطقة ستانيشكا.
 في 4 فبراير 1943 ، هبط دافيدوف ، كجزء من قوة هبوط قيصر كونيكوف على ميسكاكو. أولاً ، تم الاستيلاء على رأس جسر صغير، يُطلق عليه اسم "الأرض الصغيرة". كان من أوائل الذين اقتحموا موقع العدو مع مجموعة من المظليين. هنا قاتل لأكثر من ستة أشهر. وقف المظليين حتى الموت كما لو كانوا مصبوبين من الفولاذ. وهذه واحدة من اخطر واشهر معارك الحرب.
 في مايو 1943 ، كان على مجموعة استطلاع ، التي كان عضوًا فيها، الاستيلاء على مطار للعدو. تم تنفيذ العملية ببراعة. توغل الكشافة، مع أنصار مفرزة "جروزا"  ، بعمق في مؤخرة القوات الفاشية ودمروا المطار. في الوقت نفسه، تم تدمير ما يصل إلى 15 طائرة. للتنفيذ المثالي للأمر وللإجراءات النشطة في تلقى دافيدوف الثناء من قائد اللواء 255 المحمول جواً. حتى بداية سبتمبر 1943 ، حارب دافيدوف في "مالايا زمليا". يتذكر "الموت لم يكن فظيعًا فقط. كان من الصعب دفن الرفاق." إنه أحد المحاربين القلائل الذين نجوا من "فقراء الأرض". خلال القتال من أجل مدينة نوفوروسيسك من 9 إلى 16 سبتمبر 1943 ، كان دافيدوف في صفوف أولئك الذين اقتحموا المدينة. كان جزءًا من المفرزة الأولى المحمولة جواً التي هبطت في رصيف كابوتازنايا. كان هذا القتال من أصعب الأوقات. واجه النازيون المظليين بالمدفعية الثقيلة وقذائف الهاون.
 في يونيو 1944. قامت قوات جبهة البلطيق الأولى، في طريقها للهجوم بدعم من المدفعية والضربات الجوية، باختراق "جدار الدب" - وهو دفاع شديد التنظيم لمنطقة فيتيبسك المحصنة ووصلت إلى نهر دفينا الغربي. حددت مجموعة الاستطلاع التي ضمت جندي الجيش الأحمر دافيدوف قائد السرية المهمة: استكشاف الضفة الغربية للنهر بعناية بالقرب من قرية شاريبينو وتعيين مكان لعبور القوات الرئيسية.. عندما كان طفلاً، دافيدوف سبح عبر نهر تيريك ولكن الآن كان من الضروري ليس فقط السباحة. كان من الضروري عدم الوقوع في فوهة رشاشاشات من جهة العدو، كما حدث في استطلاع الفوج المجاور؛ كان من الضروري عدم الاصطدام بالدورية الساحلية؛ عدم الخطو على لغم. عبور غابة العرعر والاختباء في خندق في طريق الغابة .. لقد فعل كل هذا، ووضع سلاحه وسترته والحذاء على طشت خشبي فوق ظهره، وسبح عابرا نهر ليس واسعًا  ولكنه سريع الجريان، ثم تسلل مع مجموعة الاستطلاع إلى قرية شاريبينو  حيث كان الألمان واقفين، وفي الليل هرع الكشافة إلى الهجوم. في معركة قصيرة، تم قتل 30 نازيًا. أطلق دافيدوف شخصيًا النار على الضابط الفاشي، دافيدوف وكشافة دفاعه المنظم، صد جميع الهجمات الألمانية وضمن عبور النهر لبقية سرية الاستطلاع والوحدات الأمامية. لكن الشيء الأكثر أهمية هو الضابط الذي طارده دافيدوف في الأحراش، يمسك حقيبته المحفظة ويضمها الى صدره. ما نوع الأوراق الموجودة في المحفظة ؟ لا يعرف لادو دافيدوف. لقد فهم اللغة الآشورية والأوسيتية والإنجوشية والجورجية، ولكن ليس اللغة الألمانية.  لكن عندما تم تسليم الحقيبة إلى مقر الفرقة ، كانوا يلهثون: احتوت على رسم تخطيطي للدفاع الألماني بأكمله على طول غرب دفينا!
 في 4 يونيو 1944، تم ترشيح ضابط استخبارات مظلي شاب ولكن من ذوي الخبرة بالفعل للحصول على لقب بطل الاتحاد السوفيتي. لقد كانت حقًا أفضل ساعة لرجل آشوري يبلغ من العمر 19 عامًا من مدينة فلاديكافكاز.
  خاض لادو دافيدوف آخر قتال له عام 1985 في موسكو. في المصعد هاجمه مخادع من أجل الاستيلاء على النجمة الذهبية للبطل. قاتل لادو حتى النهاية، لكن المصارعة كانت غير متكافئة. ونقل البطل المخضرم المذهول إلى المستشفى مصابا بجروح خطيرة. ولم يأخذ اللص معه سوى نسخة مقلدة من الميدالية!
 بقيت النجمة الذهبية الأصلية في المنزل على سترة دافيدوف الرسمية. لا تزال تلمع على طية صدر السترة. إنه لأمر مؤسف أن البطل نفسه مات منذ فترة طويلة. توفي عام 1987. وإذا لم يكن الأمر كذلك لتلك المعركة الأخيرة، فلا يزال بإمكانه العيش. بعد كل شيء، كان عمره 63 عامًا فقط ... يحتفظ حفيده الأستاذ في اكاديمية العلوم التاريخية بالسترة والميدالية.

26

حوار اذاعة عنكاوا حول" تجريف سور نينوى"مع الكاتب مروان ياسين الدليمي والنائب  السابق جوزيف صليوه :

https://www.youtube.com/watch?v=t_-e6clxQ68

27
سر ظاهرة جونا، آخر ملكة للشعب الآشوري

  بولص آدم

  صدر في أواخر الثمانينات في كلّ من النمسا وألمانيا وسويسرا، كتاب بعنوان «جونا» وكان من أكثر الكتب رواجا، كما كرست لها إحدى أكبر الشركات التلفزيونية الاميركية برنامجا يستغرق ساعة ونصف الساعة تحت اسم «جونا تبوح بأسرارها». مارست جونا الطب الروحاني وكانت فلكية  وفيلسوفة وفنانة تشكيلية وشاعرة بل حتى ممثلة على المسرح ومغنية.، وقد أعلنت نفسها في عام 1997 أنّها «آخر ملكة آشورية» للشعب الآشوري. غير أن تاجها الذي كان وزنه 3 كغم من الذهب سُرق من عيادتها بعد رحيلها بالأضافة الى عدد من لوحاتها باهضة الثمن وهدايا ثمينة تلقتها من كبار الشخصيات التي تولت معالجتها.

منحت لقب بطلة العمل الاشتراكي للاتحاد السوفيتي ووسام صداقة الشعوب. ولديها عضوية في المجلس الاستشاري لدى الرئاسة الروسية واتحاد الرسامين الروس واتحاد الكتاب الروس. أشيع عنها طاقاتها الهائلة التي أذهلت البعض.
  جونا دافيتوشفيلي، عُرِفَت على أنها  المعالجة الأكثر شعبية عن طريق التدليك دون تلامس في الحقبة السوفياتية. لم تكن البلاد تعرف معالجًا أو منجمًا مشهورًا أكثر من امرأة غامضة ترتدي ملابس سوداء ومع العديد من الزخارف الباهظة الثمن، كانت تسمى لغزًا وظاهرة، دعيت إلى أكثر المنازل نفوذًا وشهرة، موثوق بها لعلاج نجوم البوب والفنانين والسياسيين والكهنة ومن عامة الشعب، حتى انهم كان يستقبلونها خلال عودتها الى بيتها في شارع أربات الشهير قرب الكريملن ويتجمعون حولها في حلقة كبيرة فتحدثم عن حالاتهم الصحية والروحية والأجتماعية.. في وقت قصير اكتسب اسمها شعبية واسعة في السوفيتات وأبعد من حدودها. وقد رسم الفنانون المشهورون العديد من صور جونا ، وقد كرس الشعراء هديتها الشافية لقصائد متحمسة، حتى أن العلماء الموثوقين صاغوا مصطلح "ظاهرة جونا".

  المعالجة الشهيرة في المستقبل جونا دافيتوشفيلي (مواليد 22 يوليو 1949  وبأسم أوجينيا) في قرية أورميا الآشورية في مقاطعة كراسنودار، من عائلة مهاجر آشوري هو  يفاس بيث مَلّك ساركيس. جاء والد جونا إلى الاتحاد السوفيتي من إيران في سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى، لكنه تزوج واستقر في القرية. طوال حياته كان يعمل في مزرعة جماعية، لم يكن رجلاً عادياً وكما زعم العديد من أقارب جونا، فهي نسخة طبق الأصل عن والدها. ومتمكن أيضا التنبؤ بالمستقبل، بل وتوقع وفاته. وفقاً للمعالجة نفسها، كانت لديها علاقة صعبة مع والدتها. بدت ابنتها غريبة جداً عليها: فكثير من الغرابة  أخافت والدتها، وكثيراً ما كانت تعاقب الفتاة. كانت طفولة وشباب جونا صعبة. عاشت العائلة بشكل سيء للغاية واضطرت الفتاة إلى بدء العمل من سن 13 عاماً في مزرعة جماعية في كوبان. بعد تخرجها من المدرسة سجلت في كلية روستوف للسينما والتلفزيون، و بعد عامين  ودرست في كلية روستوف الطبية وحصلت على تعيين في تبليسي الجيورجية فالمعمول به يومذاك كان التعيين بعد التخرج في اماكن بعيدة.
لعبت شهرتها في جورجيا، دورا كبيرا في حياتها. رئيس هيئة تخطيط الدولة للاتحاد السوفياتي نيكولاي بايباكوف سمع عنها. واقتيدت إيفغيني  دافاتاشفيلي بصحبة رجلي مخابرات إلى موسكو لعلاج مسؤول كبير، وبعد فترة انفصلت هناك عن زوجها. وفي عام 1990، أسست جونا دافيتشفيلي الأكاديمية الدولية للعلوم البديلة. في تلك السنوات بلغت أوج شهرتها واستمرت حتى بعد وفاتها وقبل ايام قدمت القناة الروسية حلقة خاصة عنها. والجدل مستمر حول هذه الظاهرة المكتنزة بالأسرار..
في أوقات مختلفة كان مرضى جونا، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف، واندروبوف ويلتسين  والبابا يوحنا بولس الثاني الذي اهدته لوحة مريم العذراء بريشتها ويقال انه ظل يحق في يديها طويلا، والفنان ايليا غلازونوف، والممثلون السينمائيون جولييت مازينا، وروبرت دي نيرو،وناستازيا كنسكي ومارسيلو ماستروياني، والمخرجون السينمائيون أندريه تاركوفسكي وفيديريكو فيلليني. عالجت جونا أركادي رايكين، روبرت كريسماس، صوفيا روتارو، فلاديمير فيسوتسكي، المخرج السينمائي سيرجي بوندارتشوك وغيرهم الكثير. وقد غيّر الاتصال الوثيق المستمر مع كبار الشخصيات إلى حد كبير الحياة اليومية. وتخضع لحراسة مستمرة، يرافقها ممثلون عن الكي جي بي. وتوقفت عن التواصل حول مواضيع شخصية عبر الهاتف، وكانت سيارات الليموزين الموفدة من الكرملين تأتي بانتظام لتأخذها من شقتها التي تحولت إلى مقصد يتوافد إليه السياسيون والفنانون للاستشارة. وعرفت بتكتمها، فلم تكن يومًا تكشف عن المشورات التي تقدمها. وفي فترة تألقها دار جدل بين العلماء تناولته صفحات الجرائد والمجلات، يتساءل عن قدرة جونا في معالجة الأمراض، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبحت هي نفسها موضوع محاجات عنيفة، وخضعت لأبحاث علمية دقيقة استمرت طوال ثلاث سنوات في مختبر معهد التقنية اللاسلكية والالكترونية. وقد أثبتت التجارب حقيقة أن يدي جونا تسخنان أثناء استخدامها لهما في عمليات علاجية، إلى درجة تتمكنان معها من التأثير بجلد الانسان عن بعد وتأثيرهما قوي خصوصا في أماكن الألم. واستنتج أن هذه الظاهرة عبارة عن «تدليك من دون لمس»، بواسطة الأشعة تحت الحمراء التي تنبعث من يدي جونا التي تمتلك هبة الادراك فوق الحسي. وأظهرت التجارب أيضًا أنها تستطيع بقوة ارادتها زيادة قدرة مجالها البيولوجي عدة أضعاف؛ بحيث تستطيع جونا قياس ضغط الدم بنفس دقة الاجهزة الطبية، وتشخيص التهاب جذور الاعصاب واضطرابات نبضات القلب وغيرها العديد من الأمراض المستعصية.
  فسّر بعض العلماء «ظاهرة جونا» على أنها عبارة عن تنويم مغناطيسي يخفف عن المريض حالته النفسية. فالتنويم المغناطيسي قادر على شفاء المرضى. وقد حصلت جونا على 13 اختراعا في مجال الطب. أحد الأعمال هو جهاز التصحيح الحيوي Juna-1، وهو آلة للعلاج الطبيعي التي ليس لديها نظائر في العالم. وهو يستخدم لعلاج والوقاية من الأمراض في مجالات أمراض القلب والمسالك البولية وأمراض النساء وطب الأطفال وغيرها من مجالات الطب. ومن المثير للاهتمام أن أنشطة جونا تمت الموافقة عليها من قبل الكنيسة الروسية  وهي حالة نادرة. دعاها البطريرك بيمن. ثم زارته مراراً وتكراراً وتحدث إليها لفترة طويلة. باركها للأعمال الصالحة، بل وقدم ساعة ذهبية "نايرا" مع سوار ذهبي مزين بـ الجمشت. وكثيراً ما كانت جونا تزور الأزقة بالقرب من بريشيستينكا، حيث كان يعيش العديد من الشخصيات الكنسية البارزة، ولا يقل كثيراً عن دعوتها إليها. في عام 1981، استضافها فلاديمير غونداييف، الذي كان آنذاك رئيس الأكاديمية الروحية في لينينغراد، وفي وقت لاحق البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. مع انها من كنيسة المشرق. ومنحت جونا في أوقات مختلفة أكثر من ثلاثين ميدالية وجائزة، بما في ذلك وسام "الصداقة بين الأمم" الذي منح بموجب مرسوم من الرئيس الروسي بوريس يلتسين في نيسان/أبريل 1994. وهي بطلة العمل الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي.
  قال المتشككين والمنتقدين لها بأنها النسخة النسائية من راسبوتين "راسبوتين في تنورة" ! والمشعوذة.  ولكن تم الاعتراف بقدرات جونا من قبل كل من العالم العلمي والكنيسة. حيث قدم عالمان من اميركا لدراسة وفحص اسلوبها واثبتوا ان ماتقوم به فعال ولها قدرة خارقة.
  في السنوات الأخيرة، بعد الوفاة المأساوية لابنها فاخو في عام 2001.
تحولت المرأة المفجوعة إلى منعزلة بعد المأساة، ولم تقدم مقابلات ونادراً ما ظهرت في الأماكن العامة. شاركت جونا حزنها مع المعجبين فقط في عام 2014 في برنامج "وحده مع الجميع". ولا تزال ظروف وفاة ابن جونا غير واضحة. وذكرت دافيتوشفيلي نفسها ان فاختانغ قد لقى مصرعه فى الساونا. توفيت جونا دافيتوشفيلي في 8 يونيو/حزيران 2015 ، وجرت جنازة جون في مقبرة فاغانكوف.. بقي الناس في حيرة من تنبؤاتها الصحيحة حو كارثة تشيرنوبل و غرق سفينة في البحر الأسود وتنبأت بانهيار الأتحاد السوفياتي وبعد كشف بعض الأسرار القديمة مؤخراً، ظهر انها كانت قد اخبرت غورباتشوف عن ذلك مبكرا.. واخيرا وبينما كان ابنها فاخو اعز ماكانت تملك الى جانبها، نظر طويلا في عينيها قبل ان يقول لها بأنه سيرحل ويفترقان وحصل ذلك وتحققت نبوءته عن مومته بعد عام تماماً مثلما حصل مع جده الآشوري. بقي ان نضيف انها سقطت وهي طفلة في البئر اثر محاولتها انقاذ اخيها الذي سقط فيه قبلها وانقذ من قبل  اهل القرية واكتشفوا انها ايضا في البئر بعد عشرين دقيقة ولكنها بقيت على قيد الحياة و حكت لاحقا بأنها شعرت بأنها تطير وبصرها نحو السماء.. وكانت في كل تجمع آشوري تستقبل بباقات الزهور مثلما كانت تستقبل في كل مكان وكان عليها في كل مرة ان تلقي كلمة حثت الناس فيها على المحبة والأيمان والتكاتف والحفاظ على التقاليد.
  https://www.youtube.com/watch?v=O_CKqPNv16w


28


  بولص آدم

   تقديم ومضي:

  ذات مرة، قرأت مقالة نقدية للناقد العراقي البارع عدنان ابو أندلس، لفتت انتباهي إليه لبراعتها ودقة التحليل، رحت ابحث عن المزيد، عثرت فجأة على تحليله لنصي ( العقرب في السهل ) ونصي هذا هو عن مأساة سهل نينوى.. الأستاذ عدنان، الف كتباً نقدية وفكرية وكتب بغزارة دراسات ومقالات منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي والى يومنا هذا واتمنى له دوام الصحة والمزيد من الثمار اليانعة فهو انسان رائع وَشَمَ مداركه بصفاء روحه ووعيه النير. بين فترة واخرى يستل من ذاكرته منديل الحنين الأبيض الى الأيام الخوالي ويضعه بين ايادي القراء منقوشاً عليه مقاطع حميمة من سيرته الذاتية وتتصدرها عناوين جميلة بجمال الوقائع التي نقرأها وتترك ليدنا اثراً طيباً، وقد اخترت لكم احبتي قارئات وقراء موقعنا الأغر عنكاوا، واحدة من مقالاته تلك ذات الطابع الخاص، تجسد طابع البراءة في السرد العفوي المنظم، اتمنى لكم وقتاً طيباً معها..

 
نظرية “فيثاغورس” وزميلي “أندريوس” كانا وراء هجري الجامع وتركي الصلاة.

عدنان أبو أندلس

تعودُ بي الذاكرة إلى مستهل آذار من العام 1970 ، كنتُ آنذاك في مدرسة ” الحكمة المتوسطة ” كما هو مدون بلوحتها والتي تعلو بابها الرئيسي ، وتحديداً في الصف الثاني المتوسط ، صبياً لم أبلغ من العمر الـ 14 عاماً ؛ بعد ، عشتُ في بيئةٍ مغلقة وخامدة من ناحية التَطلع الحياتي ، لذا نشأتُ فيها عكس ثوابتها ، متمرداً، عنيداً، محرضاً ؛ لكن بعفوية البراءة المُستحبة التي نألفها عن سجية باذخة في الصدق ، بدءاً ؛ لاقيتُ صعوبة في تفهم مادة ” الهندسة ” والتي كان يدرسنا فيها الأُستاذ المصري على ما أعتقد هو ” رمزي رفلة ” القاسي بطبعهِ المراوغ والشّديد البُخل بالدرجة حدَ قطع النفس ، إضافةً لإملائهِ علينا بالمواد من خارج المنهج المُقرر بحجة اتساع مداركنا لاحقاً كي نصبح أكثر مهنية ، مما أركسنا في متاهة النظريات الهندسية” الاقليدية ” بقطبها ، ومحورها ، وخطوطها ، وقائمها ، ووترها ، والتي لم نسمع بها آنذاك ، وقدْ التبس علينا الأمر ، نحنُ الجماعة الذين تعودنا أن نقرأ الدروس العلمية ومنها النظريات الهندسية في أطراف القرية ودروبها المتشعبة وبصوتٍ عالٍ شفاهاً حالها حال درس التاريخ ، ولا اثر لورقة أو قلم بين أيدينا في دراستها كي ندعم ذلك تحريراً . مما زاد في كرهنا لها البتة ، راجعنا أنفسنا بتغيير مسار توجهنا كي ننجح في هذا العام ، وعلى اثر ذلك قد طرأت مجدداً فكرة لي ، ولم أتردد بطرحها على الصُحب ، ألا وهي ؛ مواصلة خدمة الجامع بطلب الشفاعة والملاذ كما في العام الماضي وذلك بعد أن نتطهر ونصفي النية وحسب أحلام صِبانا البيضاءَ ، وفعلاً أبدوا الموافقة بكل ترحابِ ، وبدأنا فعلاً نتوضأ ونسابق الكبار في لصفوف الأمامية لصلاة الفرائض وكسب الثواب والنجاح معاً ، نعم نقيم الصلاة ونشارك في حملة تنظيفه وترتيبه خاصة قبل صلاة الجمعة ،وعلى ما أذكر كان قد حُدّدَ لنا امتحانا بـ المادة ذاتها بعد عطلة ما ، لم تعد تخطر ببالي الآن ، مما حدا بنا أن ندرس المواضيع للامتحان في الجامع لتترسخ في أذهانا مستعينين بـ دعاماته التي تتوسطهُ وقد كان قياسنا لها مثل أضلاع المثلث قائم الزاوية ، وقد ركزنا على نظريات مهمة يرغبها المدرس والتي كان يهذي بها دائماً على مسامعنا ، وخصوصاً نظرية ” 49 ” فيثاغورس ، قلنا : هي المعنية لا مُحال ، وقد حفظناها عن ظهر قلب وبمفردة ” الدْرّخ ” ، إضافةً إلى نتيجة النظرية التي كان يعشقها من كثرة ترديدها المُبالغ ، لكن في يوم الامتحان وعند كتابة الأسئلة على اللوحة لم يظهر أي حرف مما نبتغيهِ ، وقد خاب سعينا وأيقنا بعدم الإجابة المراد لها ، وبعد أيامٍ وزعت الأوراق وظهر بأننا المعنيين فقط بالرسوب في ذلك الفصل ، وزميلي الطالب الآشوري ” أندريوس ” الذي يجلس معي على الرحلة كان قد نجح بدرجة ممتازة ، سألتهُ في الحال بعد اطلاعي على ورقتهِ بنوع من الحسد الطفولي ، أندريوس : هل أديت قُداس الصلاة في الكنيسة قبل الامتحان ؟.. ، ابتسم وحدّق بي قائلاً باستغراب يفضي إلى تساؤل : لا ، لم أؤدها ، وما علاقة الصلاة بالامتحان !. سكتُ ولمْ أُجبهُ ، وقد همستُ مع نفسي بأخذ الثأر والانتقام . وحال انتهاء الدوام وفي طريقنا إلى البيت ، قلتُ لأصحابي : أنا من الآن متنازل عن خدمة الجامع وسأهجرهُ وسأترك الصلاة فيهِ من الآن ؛ وسيحصل ما يحصل !.. رغم إني أصغرهم سناً لكنهم عاضدوني وآزروني بما طرحتُ لهم وانقطعنا عنهُ نهائياً ، واستمرينا على هذا الاتفاق وقتاً ما ، وقد ترانا قدْ نجحنا بالدرس ذاتهِ في الأشهر اللاحقة من دون صلاةٍ تُذكر مجتازين تلك المعضلة ،وبقينا على هذا المنوال و حالما نبصر القيَم على الجامع وهو جًدي ” الحجي ” من بعيد نتهرب منهُ خشيةً من أن يلومنا على الانقطاع من الجامع ، وترك الصلاة فيهِ ، وذاتِ يوم وحين ترجلنا من السيارة وحال عبورنا الشارع العام بعد صلاة العصرٍ بفوضانا تلك ، خرج ” الحجي ” لتوهِ من الجامع ، وفجأةً كنا أمامهِ وجهاً لوجههٍ ، يا للمصادفة المحرجة !.. وليس لنا عُذرٍ يُذكر ، سلمنا عليهِ بخجل وبارتباك واحداً تلو الآخر ، ومضينا مهطعين رؤوسنا ومسرعين لئلا يسألنا عن الآمر ، ردّ السلام منادياً : ها أين ذهبت صلاتكم ؟!… ، كانت مصلحة وطمع ، عرفتكم منذ العام الماضي ، بقولهِ : ” تركتكم لعلكم تعقلون ” أسرعنا نحثُ الخُطى دون التفاتة تذكر، وبتسارعٍ محموم للخلاص ، وقهقهه مخبوءة على حالنا بتقريعاته اللاذعة تلك ، والمصادفة التي كانت مربكة بوضعنا لحظتها ؛ حقاً .

29


تتبع أسلاف السيدة نينوى دنخا، مراسلة شبكة فوكس نيوز باستخدام الحمض النووي


  بولص آدم

   في اختبار الحمض النووي (DNA) باستخدام عينة من الخلايا. يكون الحمض النووي على شكل حلزون مزدوج في كروموسومات الخلايا وهو الناقل للمعلومات الجينية في جميع الكائنات الحية. وبناءً على ذلك، فإن مجالات تطبيق اختبار الحمض النووي متنوعة وتتراوح من الطب إلى علم الإجرام إلى علم الأنساب الجيني وبمساعدة هذا الأخير، يمكن تحديد دليل على أصل الأجداد وأسلاف المرء ويمكن تقديم بيانات حول العلاقات الأسرية.
بواسطة التنميط الجيني genotyping لتحليل الحمض النووي الخاص بك يمكن تحديد أصولك العِرقية، والمنطقة الجغرافية التي يرجع إليها أصلك.

 بخصوص السيدة نينوى دنخا التي عملت كمراسلة إخبارية ومقدمة في شبكة فوكس الأمريكية، تم تشخيص جذورها التي تعود إلى  بداية العصر الآشوري الوسيط  باستخدام الحمض النووي. وبالتحديد الجغرافي بين سوريا و تركيا .
  نينوى دنخا
هي شخصية تلفزيونية أمريكية آشورية ولدت في السويد. هي مؤسسة HER Magazine ™. أمضت عقدًا من العمل كصحفية في محطات التلفزيون المحلية في أريزونا (KYMA ، NBC) ويوتا (KSTU ، FOX). قادها شغفها بالكتابة إلى مهنة لمدة عقد في مجال الأخبار التلفزيونية. وتشمل الجوائز التي حصلت عليها جائزة إدوارد آر مورو ، وجوائز أسوشيتد برس، وتقدير من جمعية المذيعين في ولاية يوتا والمجتمع الآشوري لتميزها في الصحافة. كما تم التصويت عليها كواحدة من كبار المراسلين في الولاية من قبل مجلة سولت ليك سيتي ويكلي لأكثر من خمس سنوات. من التلفزيون إلى سيدة الأعمال ، نينوى هي أيضًا المؤسس المشارك لـ GMR) Get Media Ready) والمؤسس المشارك لـ Lash Media Group تخرجت من جامعة ولاية كاليفورنيا إيست باي وحصلت على شهادة في الصحافة الإذاعية في عام 2004.
 تابع هذا الفيديو Assyrian DNA - Fox News - Know Your Roots 2 عن ذلك:
https://www.youtube.com/watch?v=ptaT0Rmjzeg


30
بولص ادم، يتحدث عن تجربة هيثم بردى الابداعية

  الفيديو التالي، يتحدث فيه الأديب بولص آدم عن جانب من تجربة القاص والروائي هيثم بهنام بردى، عن مؤلفاته السردية وجمالياتها، للكبار والصغار، فهو الذي كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية ويعتبر من رواد كتابة القصة القصيرة جدا ومن ابرز كتابها في العراق وخارجه. وحصل في العام الماضي على جائزة كتارا عن رواية للفتيان بعنوان العهد.
 
http://www.ankawa.org/vshare/view/11808/pols-adam/

31
المنبر الحر / نعم أم لا ؟
« في: 22:14 08/02/2021  »
نعم أم لا ؟

   بولص آدم

 انا اسأل دوما ماذا تريد؟ نعم
 لاأحد يسألك ماذا تريد؟ نعم
 ولا ما تتمناه؟ نعم
 بابا اريد ..؟ نعم
 من فضلك ناولني؟ نعم
 ارجو ان تهاتفني؟ نعم
 لَمّع حذائي؟ نعم
 قُل عني عظيم؟ نعم
 نعلم عنك كل شئ؟ نعم
 ولما ذهبت الى أقصى الصحاري؟ نعم
 كي تصرخ بكلمة لا؟ نعم
 اصمت؟ نعم
 تكلم؟ نعم
 ادخل الزنزانة؟ نعم
 أخرج؟ نعم
 هرول؟ نعم
 انبطح؟ نعم
 انت مُطيع؟ نعم
 مُخلص؟ نعم
 أنا راضٍ عنك؟ نعم
 هل تدري ما تُريد؟ نعم
 وما تتمنى؟ نعم
 ان تولد ثانية؟ نعم
 في عصر ماقبل الكُرسي

  08.02.2021

32

مرايا موقع عنكاوا امام وجه السيد موفق نيسكو وصورته الأخيرة خارجه!

بولص آدم

 أطرح هنا رأياً شخصياً فقط.
 يستمر السيد نيسكو من خارج الموقع وفي مواقع أخرى وعبر اسماء مستعارة ووكلاء عنه في موقع عنكاوا في التهجم ومحاولة تخريب المنبر الحر انتقاما واشرسها عملية افساد وتعطيل فرصة الحوار والنقاش حول مواضيع الأخوة أعضاء الموقع.

 من المعروف عن موقع عنكاوا الأغر، انه الموقع الألكتروني الأول لأبناء شعبنا، وفي مقدمة اعلام شعبنا، و يقدم خدمة جليلة بدون ضجيج وادعاءات. لقد إلتزم خطه الأجتماعي المتنوع واهتمامه السياسي كاعلام محايد. هو موقع بدأ بمساحة صغيرة ثم توسع وتطور شكلا ومحتوى، فضل هذا الموقع علينا كبير.. ما ينشر فيه يعبر عن آراء اعضائه وليس بالضرورة يعبر عن ادارة الموقع.. لاننسى بأنه موقع عراقي وفي الصدارة. نحن اعضاء الموقع نذهب ونجئ. الا ان الموقع ثابت لأكثر من عقدين من الزمن. البعض من اعضائه حاول استغلال الموقع لصالحه، هناك فرق بين ممارسة شرعية في استخدام ماهو متاح في اي وسيلة اعلامية وبين ان يعتقد المرء بأنها فرصة للبروباغندا والتعبير عن رؤى شخصية على الوسيلة الأعلامية المقصودة تبنيها والترويج لها، وذلك خطأ ووهم. الحرية شئ وتجاوزها شئ آخر. الموقع له ضوابط وهو موقع مرن ويغض النظر احيانا كثيرة مضطرا لكي لايتهم بالأنحياز، اذ انه سعى دوماً لخلق توازن وذلك توجه صائب.. اذا كنا لا نقدر الجهود والتضحيات الكبيرة للأخ امير المالح المحترم وكل من يساهم في ادارته وفي كل منتدياته. على حساب وقتهم الشخصي الثمين. فنحن نجانب العدل في حكمنا ونريد ان ننحاز الى رغباتنا فقط.
 كان للسيد موفق نيسكو، فرصة قول كل مايريد قوله وقد فعل. بدأ ما اطلق عليه بحثاً علمياً تاريخياً في مجال التسميات وروج الى ان سرياني تعني مسيحي فقط وليس لها اي مدلول قومي وان حسب قوله حتى عام ٢٠١٣ وبأن اعتبار الآرامية قومية هو خطأ تاريخى ووقف على الضد من هنري كيفا ود. أسعد صوما في هذه المسألة وتناغم معهم بما يعتقدون به بأن الآشوريين والكلدان الحاليين لا علاقة لهم بأجدادهم القدماء، السيد نيسكو اعترف باستمرارية الكلدان والآشوريين تحت مسمى آخر. فلم يذكر اي مؤرخ وليس هناك ما يدعم نظرية فناء تلك الأقوام. هذا بحث آخر مستقل ليس موضوعي هنا. هل تدخل الموقع ضاغطاً على السيد نيسكو؟ جوابي هو، كلا؟ ومن يقول عكس ذلك كذاب!
نقتبس من مقالة لنيسكو بعنوان ( نعم وردت كلمة سريان في الكتاب المقدس والسيد المسيح سرياني وليس آرامي)
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=715306.0
 اقتباس
(... ويريد بعض السريان  واغلبهم من موطني الدولة السورية استعادة الاسم الآرامي القديم والتخلي عن الاسم السرياني، وفرض الاسم الآرامي غلى جميع السريان بمن فيهم الآشوريين والكلدان وأن يُسمَّون آراميين. (هذا هو الموضوع). انتهى الأقتباس.
 اقتباس آخر من نفس المقالة:
 (... إن الاسم السرياني بمعناه الحالي جاء بعد المسيحية وليس قبلها.) انتهى الأقتباس.
 اقتباس آخر من نفس المقالة التي حسب قوله قد طرحته مريضا!:
 ( بَرَزتْ في الآونة الأخيرة كتابات تقول إن كل السريان هم آراميون وإن الاسم السرياني مرادف للآرامي..الخ، وهذا خطأ تاريخي كبير ) انتهى الأقتباس.
اقتباس آخر:
(أقول: إن كلمة سرياني جاءت في بداية المسيحية، ولم يكن لها مدلول قومي أو سياسي، بل مدلول ديني فقط، ومعناها مسيحي، ولكن ليس كل مسيحي، المسيحيون الذين تبعوا كنيسة أنطاكية السريانية (السورية) فقط.)  انتهى الأقتباس.
 نستنتج بناءا على رأي موفق نيسكو حنوكا (حناكا عيد يهودي!) نستنتج من رايه بأن المسيح سرياني وبما ان سرياني وحسب تأكيده تعني مسيحي ينتج  (المسيح مسيحي)!
 عندما بدأ السيد نيسكو بتسييس الرأي ( العلمي التاريخي حسب ادعائه) بدأ اعضاء موقع عنكاوا من مناقشيه ومؤيديه في ردودهم عليه ينفضون من حوله، عندما اكتشفوا انزياح قناعه عن وجهه ، هل كان للأخ امير المالح تدخلا في ذلك؟ الجواب كلا وكل من يدعي عكس ذلك كذاب!
 عندما نشر د.أسعد صوما مقالا بثلاث حلقات عن معنى كلمة(سريان)وخرج برأي ان الآشوريين الحاليين والكلدان الحاليين هم سريان، رأينا تأثر السيد نيسكو بذلك وبدأ مشروعه ( الكل سريان لاآشوريين لاكلدان) وبدأ بإثارة النعرات الطائفية وضرب الكل بالكل وسماهم يهودا.
 ذهب الى العراق وزار فرعا لأحد الأحزاب في احدى بلدات سهل نينوى وابدى تضامنه مع ( السريان الكلدان الآشوريين) هذا ما اعلن عنه في خبر نشر عنها في حينها، وكل محاولاته وادعاءاته بالعمل القومي وزياراته اسفرت عن تشكيل فريق كرة قدم للصغار و قاعة تابعة لكنيسته في قرية مركي، ترحماً على روح والده. من محاولاته السياسية الفاشلة، رسالة كتبها وسلمها لسفير العراق في الدنمارك ضد الآشوريين. هل للموقع والأخ امير المالح كلمة في ذلك؟ الجواب كلا، ومن يدعي عكس ذلك كذاب!
 اراد السيد نيسكو تحويل المنبر الحر الى ساحة يصول ويجول فيها ناشراً فيه الفكر العنصري الأنقسامي واعتقدَ بأن الموقع يجب ان يقف الى جانبه فهذا هو مفهومه لحرية النشر في الموقع.
 غادر نيسكو موقع عنكاوا ولكنه موجود فيه ومستمر في البروباغاندا عبر آخرين وبواسطة اسماء مستعارة. هل حذف موقع عنكاوا شيئا غير ما يتضمن الأساءات لأعضاء آخرين من كتاب الموقع بالشتم واللعن والأقصاء والخ؟ الجواب كلا وكل من يدعي عكس ذلك كذاب!

ادناه بالنص، مختارات من تهجم السيد نيسكو على موقع عنكاوا وشخص الأخ أمير المالح. ومع ذلك لم يُحذَف ؟! فمن ياترى هو الكذاب؟
موفق نيسكو:
تاريخ شعبنا، التسميات وتراث الاباء والاجداد / رد: تلبيةً لطلب الكاهن ألبير أبونا، تعريف بكتاب الكلدو آشوريين
« في: 12:32 27/05/2018  »
(إلى أمير المالح
في زيارتي الأخيرة للعراق طلب أكثر من جهة مني إقامة محاضرة في بغداد واربيل لكنهم شرطوا علي أن أجلب لهم أخر ثلاثة أشهر مقالاتي منشورة على الواجهة الرئيسية في موقعكم لكي يعتبروني باحث أو مؤرخ، فقلت لهم لا استطيع أن ألبي طلبكم، لأن أمير المالح نفسه ليس لديه مقال، لا في الواجهة ولا داخل المنتديات، على الأقل انا لدي في الداخل، فأرجو تقديمي باسم نصف باحث، فقالوا واين تُنشر مقالتك في الداخل؟، قلت لهم في المنبر السياسي وتاريخ التسميات، فقالوا إذن لن نقبل بنصف باحث، فهذا اللقب ينطبق على المنبر الحر فقط، ولذلك سنسميك ثلث باحث، فوافقتً، ثم تحاشياً للمشكلة قلت لهم هناك حل آخر، قدموني باسم هاوي، فوافقوا وفرحوا ورحبوا بي، ولكن وقتي القصير وانشغالي بطبع كتابي الأخير رد على تيودورية- نسطورية البطريرك ساكو وغيرها اعتذرتُ، ولم استطيع أن ألبي طلبهم، لذلك أرجوكم ان تضعوا مقالي في الواجهة لكي اثبت للناس مستقبلاً إني مؤرخ أو باحث، وليس هاوي.
 
مع احترامي للطيبين من الإخوة الآشوريين والكلدان ولكن اعتقد أن هذه الأمة لا تحتاج إلى كُتَّاب أو هواة مثلي لتثبت أنها أمة فاشلة
فمجرد وجود موقع كموقع عينكاوا قائمين عليه كأمير واسكندر بيقاشا وفريقه دليل كافي على أن هذه الأمة فاشلة.)!!

اقتباس من موفق نيسكو/ في (تعليقي على الأخ وسام موميكا في مقال مقال ( حول التراتيل السريانية)):

(... فنحن الذين نخدم القضية وليس الجهلة، وتعصب أمير المالح وغيره، بل العكس فتصرفاته تأتي بنتائج وخيمة وتزيد العداوة، وسيترتب عليها أمور مستقبلية لا يعرفها أمير وغيره، وأنا شخصياً لست بحاجة لموقع مشبوه كهذا، ولكني أكتب متعمداً باعتباري صاحب قضية أقارع موقع عدو للسريان، وبكل تواضع وضعف، وبقوة الرب، لولاي أنا، لأكل المتأشورين الجميع، أما الآن فتراهم بدئوا يعترفون بالحقيقة شيئا فشيئا.)
 اقتباس آخر من موفق نيسكو في موقع عنكاوا ايضاً:
(هذا الموقع ليس منتدى ثقافي، بل موقع عصابة، وأمير المالح هو رئيس عصابة، مثل البطرك أيشاي، وقد أغاظني كثيراً قيام هذه العصابة باستغلال موقعهم المشبوه بالدخول بقلمهم الأزرق وصورهم ذو الضحكة الصفراء التي تنقط كراهية على كل مثقف، ولم أكن أتصور أن يصل مستواهم الضحل لشطب تعليق عادي وترتيلة لمطران ورهبان سريان يرتلون ضد أعدائهم الآشوريون مثل ما يرتل المسيحيون ضد اليهود.) !!!!!

 شكرا موقع عنكاوا لعدم حذف هذه الأقوال ( العلمية الأكاديمية التاريخية!)  فهي مرآة تعكس وجه قائلها وكل من يركب ركبه ويسئ الى نفسه اكثر مما يسئ الى غيره ورحم الله من عرف قدر نفسه.

الى اين وصل مركب السيد نيسكو خارج موقع عنكاوا ؟ ذلك ما يمكن معرفته في مقاله الأخير وصورته الأخيرة في مرآة خارج موقع عنكاوا هنا:

http://www.algardenia.com/maqalat/47694-2021-01-30-08-18-40.html

33
أدب / الحصار
« في: 12:15 26/01/2021  »
الحصار


     إلى روحك.. حسين سرمك

   
بولص آدم


سحنة مُقَنّع بالحديد
يقذفُ طفولتنا في اللهب
أهذا العالمُ عالمٌ لما نتذكَّر
أم تحليل نفسي لعرشه الذي احترق
شلة رايات البلدان متشابكة هو
أم صواريخ في الرأس هو؟
توهمتَ انه قبعة ثلج للقصص
أغنية أطفال نشطة
وتوهمت انه عناق وضيافات
العالمُ يلامس جنبكَ، تُراوغُ دَهسَكَ، حياتنا تكرار
التقينا في طابور مكممين طويل
والعالمُ مسدودٌ بلوح انتقام
سحنة جاسوس على شاشة
أم شفرة أعراقٍ تنتهي بالمذابح
كم تود اقتراباً منه وتختلط به
نور مُذَهَّب على صفحة النهرين وانعتاق
وصفة يرثها الأبناءُ عن الآباء
في القلوب حوارُ الذكريات
وأنظَفُ الكلمات ناجية من مغطس
أم صارية المحروسة بغداد تلوح اليك في الأفق
سَحَرَتكَ مائية العراق
لوحة غسلتها الروحُ على بلاطات السماء
لَستَ مُتعباً حد الغرق
هذا العالمُ ضجيجُ خطايا
وهو الهروبُ فيما مضى
وحتى طلوع النهار
14.01.2021

34


                                     
فأر الوجود
                           
    حسين سرمك حسن

"القصة القصيرة فن .. والرواية عِلْم.."*
حين وصلتْ القصة الأولى "باصات أبو غريب" ، والتي سوف تحمل عنوانها -لاحقا- هذه المجموعة التي بين يديك عزيزي القارىء، من القاص "بولص آدم" إلى موقع "الناقد العراقي" الذي أُشرفُ عليه، كان الأمر بالنسبة إليّ يحمل معنى البشارة. فقد كنتُ قد كتبتُ وتحدثتُ كثيرا عن النقص الفادح الذي يعاني منه الأدب العراقي في حقل "أدب السجون" فكتبتُ هذه الإشارة التقديمية للقصة عند نشرها:
(إشارة:
بالرغم من أن وطننا صار في مراحل كثيرة من تاريخه سجناً كبيراً، وبالرغم من أن الكثير من المبدعين العراقيين قد تعرّضوا لتجارب مريرة من السجن والتعذيب، إلا أنّ ما كُتب عن أدب السجون العراقي كان قليلا جدا بصورة تثير الكثير من الغرابة والتساؤلات. وقد يكفينا القول إنّ دورة معرض القاهرة الدولي 48 للكتاب لعام 2017 شهدت 30 رواية من أدب السجون لم يكن بينها رواية عراقية واحدة في هذا المجال. التفاتة الأديب الأستاذ “بولص آدم” في هذه السلسلة من القصص القصيرة من أدب السجون العراقي المطبوعة بحرارة التجربة الذاتية هي التفاتة مهمة تسد نقصا كبيرا في المكتبة السرديّة العراقية في هذا المجال.. فتحية له).
وقد تمنيتُ على بولص الاستمرار في مشروعه أو مشروعنا كما وصفته حيث كانت دار الشؤون الثقافية في بغداد المحروسة قد أصدرت لي قبل أشهر قليلة كتابا نقديا عنوانه "من أدب السجون العراقي" (1) تناولتُ فيه النصوص التي كتبها ساردون وشعراء عراقيون عن تجربة السجن السياسي خصوصا مثل: شاكر خصباك، يوسف الصائغ، محمود البريكان، حامد فاضل، ضياء سالم، حميد المختار، رعد مشتت وضرغام الدباغ. وقد تناولتُ في مقدمة الكتاب ظاهرة لفتت انتباهي وناقشتها مع الأستاذ بولص آدم في الرسائل المتبادلة بيننا وهي النقص الفادح في نتاجات الأدباء العراقيين التي تعالج تجربة السجن عموما والسجن السياسي خصوصا. فما كُتب في الأدب العراقي عن تجربة السجن يُعد من بين الدول العربية الأقل كمّاً بين الأقطار العربية البارزة في النشاط السياسي والثقافي. وبالإضافة إلى الملاحظة السابقة التي ذكرتها في "إشارة" التقديم لقصة بولص "باصات أبو غريب" عن معرض القاهرة الدولي للكتاب قلتُ أنني في موقع سوري واحد وجدت أكثر من خمسين عملا عن تجربة السجن بين رواية ومجموعة قصصية وفيلم سينمائي. أمّا في الأدب الفلسطيني فهناك نهضة حقيقية في أدب السجون حيث صدرت عشرات الروايات والمجموعات الشعرية والقصصية والكتب السِيَرية التي تكشف عذابات السجين السياسي وآلامه الباهضة. وما يلفت النظر أن الكثير من هذه الروايات الفلسطينية قد كتبها أسرى فعليون من وراء القضبان وتمّ تهريبها وطباعتها ونشرها. والأكثر إثارة للدهشة وللاحترام هو أن بعض من كتبوا هذه الروايات محكوم عليهم بأحكام مؤبّدة لا تُصدّق هي أطول أحكام بالسجن في تاريخ البشرية مثل الأسير عبد الله البرغوثي (تولد في 1972م) وهو مهندس وقائد كتائب عز الدين القسام سابقاً في الضفة الغربية، والذي يقضي حاليا حكماً من أعظم الأحكام في التاريخ بالسجن المؤبد 67 مرة، إضافة إلى خمسة آلاف ومائتي (5200) سنة!!. كتب هذا الأسير البطل مجموعة من الروايات منها: أمير الظل ، الماجدة ، فلسطين العاشقة والمعشوق ، المقدسي وشياطين الهيكل المزعوم ، المقصلة ، ومهندس على الطريق.
وقد قامت الشاعرة المقدسية "إيمان مصاروة" بتقديم جردة موجزة عن الروايات الفلسطينية المتعلقة بأدب السجون في كتابها المهم "أدب السجون في فلسطين" (صدر عام 2017)..
والعجيب أن أغلب الكتاب العراقيين خصوصا الكبار منهم هم ممن تعرّضوا للسجن السياسي لسنوات طويلة بما يتضمنه ذلك من تعذيب وعزلة وحرمان خصوصا في السجن الرهيب سيء الذكر "نقرة السلمان". (راجع مقدمة كتابي "من أدب السجون").
والمهم أن حسرةً تكثّفت في الروح بسبب هذا النقص غير المبرّر في أكثر جوانبه. ولهذا قلتُ أنّ مجىء النص الأول "باصات أبو غريب" من هذه المجموعة إلى الموقع مثّل "بشارة" سعدتُ بها أيّما سعادة وصار لزاما عليّ أن أكتب مقدمة لها حين عرض علي أخي بولص الفكرة برغم ابتعادي عن الكتابة النقدية منذ ست سنوات بسبب انشغالي بإصدار موسوعتي "التاريخية" المهمة والأولى في العالم في مجالها وهي "موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية" بأجزائها الخمسين التي صدر منها ثلاثون جزءا حتى الآن.
كما مثّل وصول القصة الأولى مفاجأة أخرى لي أيضا. فقد تابعتُ الكثير من النصوص الشعرية لبولص آدم خصوصا التي نشرها في الموقع في زاوية "من أدب ثورة تشرين" التي ابتكرتْها أسرة الموقع تضامنا مع ثورة تشرين الشعبية الباسلة المعبرة عن روح العراق الطاهرة الجبّارة التي ترفض الضيم والقهر والفساد. لكنني لم أكن أعرف أنه يكتب القصة -وهذا نقص منّي- وباقتدار كما رأيتُ وسيرى السادة القراء.
وتبقى ملاحظة أخرى مهمة وهي أن بولص أخبرني بأنه كان قد أرسل قبل سنوات واحدا من هذه النصوص إلى المبدع الكبير "سعدي يوسف" فأعاده إليه مع ملاحظة تقول "استمر.. هذا كنز". وهي ملاحظة مُنصفة وفي غاية الدقة تصدر من عقلية مبدعة وباهرة لا تخشى في الإبداع لومة لائم.
سأتناول هنا قصة "بانتظار الأبوذية" أنموذجا تحليلياً لباقي النصوص والتي يستهلها القاص بالقول:
"الليلة الوحيدة التي، لم يُغني فيها (دعَيّر) مُطرب أبو غريب الريفي، كانت بسبب موت طفله الوحيد.
بينما كانت الأم مُنهمكة بالبحث عن فأر عَصي، سقطَ حمَيِّد الذي كان يلعبُ أمامَ الدار في البالوعة.." (ص- ؟؟)
هذا الاستهلال المصوغ بهذه الطريقة الصادمة هو سمة أسلوبية تطبع الكتابة السردية لبولص في أغلب قصص هذه المجموعة أو جميعها:
" مَرَّت فترة طويلة لم نرَ فيها كَلب، الحيوان الوحيد هُنا، هو قمل الرأس الذي يعيش على دمنا، حسناً، هو ذا كَلبٌ يتربع كومة قشور بطاطا على حافة المزبلة، كنّا خلف مطبخ السجن، ننتظر السجان ليعيدنا ثانيةً الى الزنزانة السابعة، حاول مَن كان أقرب اليه أن يقترب منه، السجان صَرَخ :
ــ عُد الى مكانك يا حيوان. " (استهلال قصة "العنقرجي"- ص ؟؟)
" مرّتْ سنوات وتغيّرت أشياء، إندثر عددٌ منها وأصبح إستعادة عدد اخر رغم اهميته بلا طعم، مع انه هو الآخر أُستُهلك ودخل قفص الأبهام، يجد المبهم من تلك الأشياء نفسه مسجونا ليضمحل هناك ويترك مكانه لفراغ يشغله صندوق نخاف فتحه، لكي لانصطدم بحقيقة كونه فارغا، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بانها في صناديقنا، لذا نُبقي تلك الصناديق بعيدة عن فضولنا، لنحيا ابدا على امل غامض في أشياء تتمتع برعاية الذاكرة" (استهلال قصة "صندوق بنيامين" – ص ؟؟)
"قتال بالسكاكين شهده الممر الفاصل بين نوعين من المساجين في ابو غريب، عوقبنا جميعا بالحبس الجماعي في ساحة كرة القدم، تضورنا جوعا تحت مطر كانون الثاني .. قتال بين نوعين من المحكومين بالأحكام الثقيلة والخفيفة .. الكُل يتحدث عن رجلين تبادلا الطعن في وقت واحد و بطعنة واحدة فقط، أحدهما مُخطر في مستشفى السجن، والثاني إختفى طيلة الساعات التي تلت فجر الطعنة الغامضة" (استهلال قصة "الطعنة الغامضة"- ص ؟؟)
وهكذا تمضي استهلالات النصوص الأخرى في اختلاف توتري طبيعي ومُصمّم من قبل القاص لتتناسب قوة إدهاشه وصدمه للقارىء مع مسارات سرد الحكاية المقبلة. إن الاستهلال بالنسبة لبولص هو الذي يتكفل بخلخلة الأرضية النفسية للمتلقي تمهيدا لإنفاذ "ضربات" الحوادث المقبلة التي تأتي أقل حدّة ومتفرّعة من "ضربة" الاستهلال التمهيدية الأشدّ قوة.
وعندما أقول "الحوادث" فهي ليست وقائع مستقلة قائمة بذاتها، ولا هي حوادث فرعية تنبني على أساس الحدث المركزي، بل هي تتفرع أولا -وكما قلتُ قبل قليل- من ضربة الاستهلال الأوّلية التي تقدّم "لقطة" مكثفة ومضغوطة لكل واقعة الحكاية؛ عقدةٌ تمتد منها خيوط تلتحم في النهاية ليس في عودة إلى الحدث الافتتاحي بل تلتم على لحظة تنوير كونية ترتبط بالثيمات الفلسفية للحياة الإنسانية. نعم. في كل قصة من قصص هذه المجموعة "البسيطة" معضلة فلسفية عميقة يطرق عليها الكاتب بهدوء وصبر .. و .. مَكْر.
وهنا تظهر الحاجة لما أكرّره كثيراً، وهو حاجة النص الكبير لـ "قرّاء" لا "قارىء" ، والفارق معروف وكبير بين صيغة "فعّال" و "فاعل". نصوص بولص بحاجة إلى "قرّاء" يلتقط المعالجة "الفلسفية" العميقة والعامة التي تتراءى بهدوء وصعوبة خلف ستارة الحدث "الشخصي" كما سنرى بعد قليل.
إنّ الحدث "الشخصي" الرئيسي في هذه الحكاية يتمثل في استعصاء البكاء على "دعيّر" الذي أُبلغ وهو في السجن بموت ولده الوحيد "حميّد". واختيار الإسمين: إسم الوالد السجين "دعيّر" واسم ولده الفقبد "حميّد" ينسجم مع منحدر الأب الريفي الذي يلقبه السارد بـ "مطرب أبو غريب الريفي" الذي أثارت فاجعة الانثكال لديه مفارفة باهضة حيث صار عليه أن يبكي هو الذي تخصّص باستنزال دموع باقي المساجين بغزارة.

35


أخبار شعبنا: زيارة. توضيح. بيان. تصريح. تهنئة!

بولص آدم


(زيارة)

في يوم 15/1/0000 ولمناسبة الذكرى الـ (00) لتأسيس ال(00) زار وفد من حزبنا برئاسة سكرتير عشيرتنا وعضو المكتب السياسي ومسؤول الأعلام المركزي، وأستقبل الوفد من قبل السيد المُنسق العام وعدد من أعضاءه وكوادره، حيث قدمنا تهاني وتبريكات حزبنا الى المُنسق العام والكوادر الأخرى متمنياً لهم النجاح في مهامهم، مثمناً دورهم في أبراز دور المكونات القومية والدينية والأهتمام بشؤونهم وحقوقهم ومعاناتهم، داعياً الأستمرار على هذا النهج من خلال الأهتمام بشعبنا وجميع المكونات الأخرى.
 
(توضيح)

ابرزت مواقع التواصل الاجتماعي  مقطعا فيديويا يظهر من خلاله سيارة نقل جماعي صغيرة تجوب شوارع البلدة وقد ثبت فيها مكبر صوت يدعو اهالي البلدة لعدم الاحتفال بتلك الزيارة  حيث انكر مثل تلك الاحتفالات التي يحتفل بها المحتفلون. وابرز المقطع الفيديوي  دعوات  مجهولة  من قبل تلك السيارة ، مبينا باحترام قرب ذكرى مؤلمة والتي تتزامن مع احتفالات راس السنة داعيا لاحترام تلك الذكرى. وكانت محلات الهدايا في المدينة المذكورة قد شهدت هذا العام اقبالا على شراء صور تلك الزيارة على نحو غير مسبوق مما اثار الاوساط المتشددة  التي ابرزت مثل تلك المبادرات  لغرض الزام اهالي المدينة على عدم الاحتفال بتلك الزيارة .. وحسب تقرير نشره موقع  فضائية "المهزلة" أن كل هذه الفيديوهات تبدو حديثة التصوير.

 
(بيان)

 مثلما كان متوقعاً، فقد دأبت بعض الأبواق الصدئة والأقلام الصفراء، على تفسير الزيارة وفق الأهواء والأجندات المشبوهة، فالزيارة تمت أثناء شرب الماء من علبه المعدنية ولم يتم تقديم أي شئ آخر وخلال مناقشة قضيتنا العادلة وحقوقنا المشروعة كمكون تاريخي، غير الشاي! حتى أن سكرتير عشيرتنا لم يتذوقه حتى، ملتزما بإبقاء الكمامة بمكانها ، ليكون قدوة لعشيرته في إلتزامنا بالوسائل الوقائية الصحية من الفيروس ، لكن فيروسات الحسد والتسقيط السياسي ونظريات المؤامرة فقد لاحقت زيارتنا التاريخية وأثبتت تلك الأبواق المعادية والأقلام المأجورة عما ينضح به ماؤها والله والشعب من وراء القصد وان غدا لناضره قريب .
 
(تصريح)

اتهم النائب السابق، الخميس (4 كانون الأول 0000)، جهات رسمية باحداث تغيير ديمغرافي في مناطقنا، معتبرا ان ذلك هو "سياسة عنصرية". وقال النائب في برنامج "زيارات أخرى" الذي يقدمه الزميل همام السالم عبر فضائية e t.v، وتابعه موقع 00 NEWS، إن هنالك سياسات ناعمة وممنهجة لأضفاء صبغة معينة على مناطقنا من خلال البعض من أطراف مدعومة، كما تم اعطاء الصبغة الدخيلة، صفة شرعية وهذا ماتم الأتفاق عليه بينهم في تلك الزيارة التي تمت ، وأضاف، أن "بعض الجهات الرسمية في مؤسسات الدولة توجه كتبا خاصة لمنح اراضي للبعض في مناطق ذو اغلبيتنا بغية احداث تغيير ديموغرافي ممنهج ومقنن، إذ يعود مسقط رأس البعض لمناطق  أخرى، عاداً هذا الأمر بأنه "سياسة عنصرية". يا اخوان، هل يٌعقل أننا ندفع ثمن احتلال وتحرير نينوى مرتين؟! الله أكبر!.. ونؤكد بأنهم حتى ولو كانوا قد شربوا المياه المعدنية والشاي فقط ونحن لسنا ضد ذلك من منطق صون حقوق الأنسان فإننا في الوقت نفسه نحذر من الدسائس التي يتم تحت الطاولة نسجها، لتصفية وجودنا وتقويض قضيتنا العادلة وقد أعذر من أنذر!

(تهنئة)

لمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة وجه المكتب السياسي لحزببنا  الديمقراطي برقية فيما يلي نصها:
لمناسبة عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية الجديدة (0000)، بأسم المكتب السياسي للحزب نتقدم الى ابناء شعبنا  وعمومه في العالم بأحر التهاني والتبريكات، متمنين لهم اعياداً سعيدة وسنة مباركة مليئة بالانجازات والمكاسب القومية والوطنية لشعبنا، داعين الرب ان يعم الوطن الامن والامان والسلام وكل عام وشعبنا وعموم شعوب الارض بألف خير. ولتسقط مؤامرات الشاي وكل تأويلات الخسة والنذالة بخصوص المياه المعدنية ونؤكد على أهمية تبادل الزيارات وتبادل الشهادات التقديرية والدروع مع قرب الأنتخايات وايميلنا بانتظار كل ما تودون عرضه علينا لحلحلة كل المعيقات والتجاوزات بحقكم ونعاهدكم بعدم خيانة المبادئ والعمل على تحقيق مصالح شعبنا العليا ومن الله التوفيق ودمتم. 

حزبنا الديمقراطي
المكتب السياسي


 



 

36


وداعاً صائدُ الصداقات حسين سرمك حسن!

بولص آدم

في اليوم الأخير من عام الرُّعب..
..كيف لا يكون وحشاً، هذا المجهري كورونا،  إن لم يكن عند ولادة لقاحه يزداد تغولا وصيداَ للأرواح؟ وكيف يكون الوحش عندما يفلُت منه إنسان يقتلَ عوضاً عنه المئات.. وما أن نجا بالكاد إبنُ وبنت الراحل أخي الفنان لوثر إيشو من مجساته القبيحة، وما أن أرسل الى الأبدية أقرباء لي وأرعب الملايين وخطف الأرواح بالعدل والقسطاط على وجه الأرض وعلى سليقة الوحوش من البشر وغير البشر، وما أن ودعتُ في عام الشؤم هذا احد أصدقاء العمر، الفنان ريسان رشيد، حتى وبينما أنفخ بالونات عيد ميلاد ابني الأصغر في السابع والعشرين من هذا الشهر، إنفجر بالونه في حياة الصديق وصائد الصداقات الكبرى الدكتور حسين سرمك حسن، وخطفه بلا أدنى رحمة و بلا شفقة علينا نحنُ أصدقاء العراقي الغيور أبا علي، جراح النفس و جراح النصوص الأدبية ومؤلف تسعين كتاباً وتلّ من المقالات والترجمات والآراء والمخطوطات تحت الطبع والرسائل وموقعه الناقد العراقي الذي كُلما كُنا نطرق بابه يفتح لنا قلبه بصباح الخير ومساء الخير ويختمٌ ببغدادكَ المحروسة! نحن دونه أدباء يتامى، فموقعه كان رابطتنا واتحادُنا وجمعية الكتاب التي أدمنا الدهشة على عتباتها ..
 لكن كرات الأشرار ما أن إرتدت بعكس اتجاه ارطامها بجدار العالم حتى أصابتنا لعنات الحروب والغدر والكوارث والفيروسات الفتاكة.. فيا أرحم الراحمين نتضرع اليك خاشعين أن تحمي كل المُحبين الأبرياء الشرفاء فقراء الروح والحال وليكُن عالمُنا ولو لعام واحد مكاناً يُحتمَل، عوضنا بعام خير محل عام الرُّعب هذا.. في أيام عام الرعب الأخيرة كان لك أخي حسين بالمرصاد، لقد أبكى قلوبنا برحيلك، هل هو فأر الوجود الذي كنتَ تعنيه عندما وضعتَهُ عنواناً لمقدمة مجموعتي القصصية باصات أبو غريب وهل غيبَك الفيروس في سجنه، الملعون حكم عليك بالأعدام، شنق رئتيك وأمتد حبله الى كليتيك، ألم أقل إنه وحش، ألم تكن توصينا بوقاية ارواحنا منه، ألم تكن مقالتك الأخيرة تجديداً للنصائح الطبية لتُضيفها على نصائحك الأنسانية لتوزعها علينا أملا.. كنت رغم كل الأنهيارات الوطنية واللاوطنية تنثرها في كتاباتك الرائعة وبحوثك الأروع .. نم في الأبدية طفلاً للروح الخالدة.. لن نترُكَ سلاحك بحربة الكلمة الشريفة عُرضةً للصدأ، سنُكملُ الطريق حتى آخر قطرة صدقٍ في دمنا. أنحني أمام رحيلك وأُوقد شمعة الوفاء لكَ، ربما أكون مع نفسي مُرتاح الضمير بأقل ما يُمكن ومن حيثُ كُنتُ لاأدري قد أدخلت الفرحة في قلبك عندما أرسلتُ شهادة للتاريخ بحقك وأجبتني بتواضع المُعلم الكبير:
أخي الأعز د. حسين سرمك حسن
تحية أخوية
ماأذكره في هذه الرسالة هو للتاريخ
 إن النص النقدي الموقع من قبل الناقد د. حسين سرمك حسن، كمقدمة لمجموعة ( باصات أبو غريب ) القصصية لمؤلفها بولص آدم ، هو ألماسة تاج النقد الأدبي العراقي وقد كان بمستوى المعايير النقدية بكل مستوياتها وأدواتها في حرص غير مسبوق على أختيار أكثر نصوص المجموعة صعوبة بتقديري وعلى أي ناقد كان، فقصة (بأنتظار الأبوذية) هي في الحقيقة سرد القصة القصيرة اعتمادا على قصص متكاملة أقصر في مشيمتها، لقد توصل الناقد الى اللعبة الفنية التي كانت هي الأخرى في بالوعة النص! الطريق الذي سلكه الناقد من أسطر النص النقدي الأولى، أنذرني ككاتب للمجموعة بأنه سيجعلني أطالب النقاد للأنقطاع سنوات ست عن كتابة النقد، لكي يبدعوا كما يبدع ناقد مجموعتي هذه! وعند وصولي معه الى أستهلاله النقدي وهو داخل النص المقصود، بدأت أتخيله مسجوناً خفياً كان معي في السجن، وسألت نفسي، كيف لم أتعرف عليه وهو الذي كان معنا؟! وهنا تعمق يقيني بأنه قد قطع المسافة النقدية
 بالجهد اللآزم وبأيقاع التحليل البارع، لتحطيم رقمه القياسي النقدي عند ملامسته شريط النهاية حيث الشباك وطابوقة رحيم.. مبروك له هذا الأنجاز الرفيع، وإذا كان قبل هذا العمل النقدي حول مجموعتي القصصية ، قد أنجز نصوصاَ تفتخر بها النخبة الأدبية والقراء، فما كان يلزم لكي يضع كاتبها في مكانه الذي يستحقه بجدارة، بين ألمع مبدعي العراق وفي كل المجالات ، سوى هذا النص النقدي الذي أتمنى أن يُدَرَّس، فهو في النصف الثاني من نصه النقدي، لم يُفند خرافة موت النقد السايكولوجي للأدب فقط، بل زاوجه بالنقد السوسيولوجي، والنقد الميثولوجي، في قراءة فلسفية تفكيكية فقرة فقرة، في مهمة الكشاف البارع كشفت مراوغتي النفسية للقارئ، إذ لولاها لما وصل النهاية محطماَ رقمه القياسي في صنعة النقد وحكمتها، وأكد لي صحة أختياري له لكي يقدم لمجموعتي القصصية هذه، الناقد الجيد هو الحكيم  هنا، وهو ماكنت أصبو إليه، لاأستطيع إخفاء مشاعر التأثر البالغ عند الأنتهاء من قراءة هذا المنجز الكبير، وأطلب من الرب له مزيدا من التأليف الذي نحن بأمس الحاجة إليه واتمنى أن يعطف الله عليه برحمته الدائمة ويكون بموفور الصحة والسلامة . بلا شك ولتواضعه الجم، سيُبدى تواضعاً أكبر عند قراءة شهادتي بحقه، ولكن، ليسمح بتقبل ما سمحت لنفسي بالأفصاح به من صميم القلب و أقصى تركيز العقل، كلماتي التي أقدمها بتواضع له، فشكرا لك أيها المُعلم,
 بولص آدم
النمسا، في 20.03.2020
.............................
في اليوم التالي وصلني جوابه رحمه الله:

أخي الوفي المبدع الرائع الأستاذ بولص آدم
تحية طيبة
ومنذ الصباح وبعد أن قرأتُ رسالتك الكريمة المُشرّفة وأنا – كتلميذ غِرّ – لا أعرف كيف أختار الكلمات المناسبة كي أرد على فيض كرمك بهذه العواطف النبيلة التي أغرقتني بها والتقييم الذي يعبر عن روحك الإنسانية العراقية المبدعة العالية.
تقبّلْ من أخيك العبد الفقير آيات المحبة والتقدير.
وحفظك الله والعائلة الكريمة من كل مكروه.
ويهمني القول أنّك حين تصدر هذه المجموعة بإذن الله ستدخل تاريخ وطنك العراق الثقافي حيث سيقال فورا وفي أي يوم يتم تناول موضوعة أدب السجون أنك صاحب المجموعة القصصية الأولى في الأدب العراقي في هذا المجال. وهو امتياز لا يضاهيه أي امتياز آخر في الحياة تبقيه لأولادك ووسام يُعلق في لوحة تاريخك الشخصي.
دمت أخا نبيلا ومبدعا أصيلا.
أخوك: حسين
بغدادك المحروسة

37



إشارات ولسان السلطة في اللغة السياسية

         
(إذا قمت بإزالة عنصر النية من اللغة، فإن وظيفتها بأكملها تنهار) لودفيغ فيتغنشتاين

  بولص آدم

    يقوم السياسيون في جميع أنحاء العالم بدفع حدود ما يمكن قوله. تتحول الكلمات الى أسلحة! هذا يفرق الناس ويؤدي الى ضحايا.
  اللغة هي العالم. وليس عليك أن تكون فيلسوف ما بعد حداثي لتعرف ماذا يعني ذلك.. يقول السياسي شئ ما، عندما يُدرك الضرر الذي تحدثه كلماته، يقول إنه بالطبع لم يقل ذلك بهذه الطريقة، أو على الأقل لم يقصدها بهذه الطريقة. يبقى الضرر. اللغة السياسية هي صراع مع الكلمات للتأثير على الرأي العام. أفضل ثلاث طرق معروفة وأكثرها شيوعًا للقيام بذلك هي التسمية والاحتلال والتستر. فالسياسي عندما يتلفظ لغوياً بأجتثاث الفساد والطائفية والمساواة بين المكونات مثلا، قد إحتل لغوياً بنية التمويه على حقيقة الحفاظ على سلطته الأنانية كحزب، جماعة إثنية، جماعة مذهبية والخ على حساب كُل ما يأتي في لغته السياسية المُعلنة. ولا يختلف الأستخدام السياسي للغة عن إستخدامها بعصر سابق، فالدفاع عن العراق كان دفاعاً عن شخص بعينه، وحماية الحزب وأهدافه ما كانت تعني سوى بلاغات لغوية أداتها تعمل على تلميع الشخص وخلق الصنم واحتلال المجتمع، عن طريق لغة سياسية تستتر بالقوالب التي يتم ترسيخها في الأعلام وكافة الخطابات التي تُفرض الكلمة فيها على المجتمع وتحل محل السلاح، الناتج هو إحلال الكذب محل الحقيقة. ينعدم حينئذ الفارق بين الديموقراطية والشمولية، فالمجتمع يتقهقر في كلا الحالتين واللغات السياسية المُعتمدة بعد إداء وضيفة كُلية لصالح السلطة، يصحو المجتمع على رثاثتها، فهي الفتات الوحيد الذي حصل عليه من السلطة ويبقى الضرر كبير..
  اللغة السياسية تعني الاستخدام السياسي للغة. عندما تستخدم القوى المتصارعة في المجتمع اللغة علنًا في صراعاتها على السلطة، فإنها تستخدم اللغة سياسيًا. إذا نجحت هذه القوى في التأثير على الآراء والمواقف أو حتى سلوك الناس وفي كسب الأغلبية لأنفسهم، فإن هذا الاستخدام قد أتى بثماره. هذه هي السياسة في أوقات اللامسؤولية، الأساسيات تذوب. الديمقراطية لعبة معقدة كما نرى الآن. لا تتمتع بميزة المعقولية الفورية كما كان يعتقد لفترة من الوقت. كانت السياسة محاولة للسيطرة على أنانية الأفراد. كانت لغة ، نقاش ، قناعة . حولت اللغة الصراع إلى شيء مشترك ومتاح وقابل للتفاوض. اليوم اللغة نفسها هي الصراع. إنها تعيد الكلمات إلى أسلحة. استندت دعاية الأنظمة الشمولية والفاشية في القرن العشرين إلى حقيقة أن الكلمات يمكن أن تخلق الواقع - دون الالتفاف المزعج عبر الحقيقة. الكذب كوسيلة من وسائل السياسة. يطلق العديد من المعلقين اليوم على هذه "سياسات ما بعد الحقيقة". لكن لا توجد سياسة بدون حقيقة - أو على الأقل محاولة رؤية حقيقة الآخر كاحتمال، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للتفاوض بشأنها. عندما كتب مكيافيلي عن السياسة والأكاذيب منذ ما يقرب من 500 عام تقريبًا في بداية العصر العقلاني ، كان يفكر في شيء آخر. الفرق هو أن الكذبة لم يعد يُنظر إليها على أنها كذبة : الكذبة ليست وسيلة للخداع ، ولكنها تحل محل الحقيقة مباشرة وتكتسب حقيقتها ومعقوليتها.
  هذه اللغة هي التي تشكل السياسة، لكنها اللغة التي تشكل وسائل الإعلام من خلال استخدام كلمات بلا عقل وبلا قلب في كثير من الأحيان هي التي تحفز السياسة. يتضح هنا الفشل الكامل في إجراء خطاب عقلاني بمعية الغباء لبعض السياسيين، ليس سوى التعبير الأكثر وضوحا عن عدم قدرة السياسة والإعلام والمؤسسات لفعل الشيء الصحيح. وبالفعل، يبدو أنه كان هناك ترتيب صامت لتأجيل شروط ديمقراطيتنا بالمماطلة والأدعاءات المجانية والبحث عن العدو في الخارج. كان هذا هو الإدراك المحزن، وعندما كان هناك الكثير من الحديث عن الأزمة والحصص.. لا يبدو أن أزمة الحقيقة الحالية سهلة الحل. لذا فمن المستحسن أن ننظر إلى معنى اللغة السياسية. كيف تؤثر السياسة على تفكيرنا وأفعالنا بمساعدة اللغة.
  "طريقة النضال" الأخرى المعروفة، هي احتلال المصطلحات. أي شخص يعيد تفسير المصطلحات ويعيد تعريف محتواها (الدلالة) بما في ذلك الكاريزما العاطفية لتلك الدلالة، لديه فرصة جيدة لجعل موقفه قادرًا على تحقيق الأغلبية. فكر فقط في محاولات الحصول على تعريف لمصطلحات مثل "الأسرة" أو "التعليم". نظرًا لأن معنى الكلمات يكمن في استخدامها، فإن السلطة السياسية تكتسب القوة لأنها تفرض استخدام كلمات معينة في الأماكن العامة وفي وسائل الإعلام. ويمتد ذلك الى اللغة السياسية عالمياً، ذلك عليه عدد لايُحصى من الأمثلة، إنه مشابه لبدايات كلمتي "ذري" و "نووي". كلمة "ذرة" لها دلالة سلبية اليوم. إنها تغذي أفكار مثل "القنبلة الذرية". في النقاش حول التسلح النووي للقوات المسلحة الألمانية (أواخر الخمسينيات)، المعارض كونراد أديناور أهان المستشار آنذاك بأنه "مستشار نووي" ووزير دفاعه فرانز جوزيف شتراوس بأنه "شتراوس الذري". فسر العديد من دعاة السلام إعادة التسمية هذه على أنها تقليد للسياسة في اللوبي النووي. على سبيل المثال ، لا يزال معارضو الطاقة النووية يستخدمون في الغالب مصطلح "ذرة" ، بينما تفضل شركات الطاقة كلمة "طاقة نووية" لتجنب الارتباطات السلبية. هي أمثلة على أختيار مفردة معينة بدل مفردة أخرى. لكن الضرر الذي يُبعده السياسي لُغوياً  هو خدعة  فالضرر يلوح شبحه في الأُفق. هذا يؤدي الى عدم ثقة واحباط يولد الأغتراب .. وقس على ذلك من الألاعيب في اللغة السياسية.
  لذلك هناك يأس وهروب جماعي يُسميه السياسي (هجرات يؤسف لها) بل ويستخدم اللغة سياسياً (العمل على الحد من الهجرة).. في حقيقة الأمر، نحن نبقى ندور في فلك المشكلة ولن نحصل على حل، فالحلول تتقاطع مع أنانية السياسي والحلول حقل ألغام لمن يتكئ على اللغة السياسية الجوفاء وينتهي عمله عند استخدام المصطلح دون الكيفية وذلك آخر مايهمه. فاما هو عاجز لو ان النية طيبة أو هُناك تستر على مايؤمن به، يُخفيه بخبث ولايجاهر به علناَ حتى يتُم تحقيق الهدف، هو يعتقد بلاشك، أن الآخر هو الجحيم بعينه! لذلك، نسمع كثيراً في اللغة السياسية أمثلة: ( إصلاحات) ( ملف حساس) ( كثافة تعددية) ( تجاوز على حقوق الأنسان) (الخروج من بوتقة الخلافات الضيقة) (الألتقاء في القواسم المُشتركة) (تحريك الراكد) (تشكيل لجنة لحلحلة..) (توافق) (نبذ) (إرساء) (تشاركية) (مصلحة عليا) والخ.. هذه كلها في اللغة السياسية لها تفسيرات مُختلفة وحسب السياق السياسي وغالباً تعني مفهوم واحد هو (الفقاعة)!



38
نبذة عن حياة العالم اللغوي الآشوري  ميخائيل يوخانوفيتش سادو

بولص آدم

  للجالية الآشورية  في الاتحاد السوفيتي السابق تاريخ مُثير. سنعود بالأستقصاء اليه إضافة الى هذا المقال، لقراءة ذلك التاريخ من جوانب متعددة.. نخصص هذه المادة لعالم أعتبر منذ عام 2003واحدا من العشرة الأوائل من الآشوريين في روسيا ورابطة الدول المستقلة حالياً. هو الذي  لسنوات عديدة، قام بجمع معلومات حول مصير الآشوريين في روسيا. كانت نتيجة هذا العمل المضني نشر كتاب "مواد لقاموس السيرة الذاتية للآشوريين في روسيا" (الطبعة الأولى في عام 1990 ، والثانية في عام 2006) .
في 9 يونيو 1934 ولد ميخائيل يوخانوفيتش سادو، ܡܝܟ݂ܐܝܠ ܒܝܬ ܣܗܕܐ ميخايل بيت سهذا. هو عالم لغوي آشوري سوفيتي وروسي، عالم لغات سامية وشخصية آشورية سياسية وعامة. يرقد في مقبرة نيكولسكوي التابعة لألكسندر نيفسكي لافرا.
إنصبت مساعيه في كل من الأنشطة العلمية والتعليمية والاجتماعية في هدف واحد - بناء الحياة على أساس مسيحي. هذه بالضبط هي المهمة التي وضعها الاتحاد الاجتماعي المسيحي لتحرير الشعب لعموم روسيا (VSKhSON)، وكان ميخائيل سادو من منظميها، قال  في مقابلة  في أوائل الستينيات. اتحدت مجموعة من الشباب للتعبير عن ألمهم لروسيا  وعقيدتها وتقاليدها". - أردنا حماية بلادنا، قلت للناس: "استيقظوا من حلم السحرة. كنا نعلم أننا سنعتقل وربما سنهلك. لكن ضميرنا لم يسمح لنا بالتصرف بطريقة أخرى .. كان الاتجاه الوحيد لعملنا هو إشراك جميع الأشخاص الشرفاء الذين جمعتنا الحياة معهم في العمل الثقافي المسيحي للمنظمة ". إتهمت الحكومة السوفيتية هؤلاء الشباب بتنظيم انقلاب. أمضى ميخائيل سادو 13 عامًا في المعسكرات (1967-1980). مواطن من عائلة آشورية ، خبير في اللغات السامية (خريج كلية الدراسات الشرقية في جامعة لينينغراد الحكومية) ، في الستينيات، نظم حلقة في شقته لدراسة لغة الأشوريين، بعد مغادرة الأبراج المحصنة للسجون، تمكن ميخائيل من العثور على وظيفة في تخصصه. عينه عميد أكاديمية لينينغراد اللاهوتية  رئيس الأساقفة كيريل (غوندياييف) (الآن قداسة بطريرك موسكو وعموم روسيا)  كمدرس للغة العبرية والآرامية، بالإضافة إلى علم الآثار التوراتي. عمل سادو كمساعد لرئيس مكتبة SPbDA. عمله العلمي الرئيسي في حياة ميخائيل يوخانوفيتش هو "مواد لقاموس السيرة الذاتية للآشوريين في روسيا". وقد أكمل أبنه الراهب اصطيفان التأليف في هذا المجال اعتمادا على مواد جمعها والده ميخائيل  نفسه. ميخائيل سادو هو أحد أهم الشخصيات في الشتات الآشوري في روسيا. هو مؤسس مدرسة التربية الخاصة الآشورية في لينينغراد، مُنظم المهرجانات الآشورية الأولى - تجمعات المثقفين الآشوريين في موسكو ولينينغراد، رئيس جمعية "أتور" ، عضو المجلس التنسيقي للمؤتمر الآشوري الدولي أخيرًا، من خلال جهوده أقيم نصب تذكاري للآشوريين ضحايا قمع ستالين في مقبرة ليفاشوف التذكارية "الشهيد الآشوري". أقيمت مراسم جنازة المتوفى في 1 سبتمبر2010 في كاتدرائية الثالوث المقدس في ألكسندر نيفسكي لافرا. قال رئيس الأكاديمية اللاهوتية، المطران أمبروز من غاتشينا الذي أدى خدمة الجنازة  في تأبينه: "جاء ميخائيل يوخانوفيتش إلى الكنيسة في وقت كان كل من دخل الكنيسة مدرجًا في قائمة معينة. لكنه لم يقبل الفكر الإلحادي للدولة السوفيتية. نحتاج أن نتذكر هؤلاء الناس - خلال سنوات الاضطهاد ، عانوا حرمان الحرية من أجلنا "
ولد ميخائيل يوخانوفيتش سادو في لينينغراد في عائلة من الطبقة العاملة. والدا العالم آشوريان قدموا إلى روسيا من تركيا (محافظة حكاري) عام 1916. ي أعقاب القمع الجماعي ضد الآشوريين . قُتل جده  الكاهن سادو خامس عام 1938 ؛ اعتقل الأب يوخانوفيتش مرتين - في عامي 1938 و 1948 ، وقضى ما مجموعه 17 عامًا في السجن.
خلال الحرب الوطنية العظمى، أُجبرت العائلة على الإخلاء من لينينغراد المحاصرة ورُحِّلت إلى قرية أورميا. بعد الحرب، عاد ميخائيل سادو مع عائلته إلى لينينغراد. بعد تخرجه من المدرسة عام 1954 ، خدم في الجيش في القوات المحمولة جواً. كان بطل لينينغراد في المصارعة الكلاسيكية (1952). في عام 1957 التحق بقسم علم الساميات في الكلية الشرقية بجامعة لينينغراد. تخصص في الآرامية والعبرية والآشورية الحديثة. في نفس الوقت تدرب على اللغة العربية. ودرس اللغة الألمانية. موضوع إطروحته الدكتوراه هي: "اللهجات الآشورية الحديثة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية".
في عام 1962 تزوج من زينا إيفانوفنا، ولدت عام 1937 - عادت عام 1961 من إيران حيث طردت مع والديها خلال القمع الستاليني. الأبناء: كيوركيس مواليد 1963 وسرجون/الراهب اصطيفان، ولد عام 1965 (رئيس مكتبة أكاديمية سانت بطرسبرغ اللاهوتية).  كان سادو أحد مؤسسي المنظمة المناهضة للسوفييت ، الاتحاد الاشتراكي المسيحي لتحرير الشعب الروسي..عند محاكمته سُئلَ عن سبب قيامه (بمحاولة إنقلاب) فكان جوابه: لن نسمح لأنفسنا أن نكون ضعفاء مهما كلفنا ذلك! قضى عقوبته في سجن فلاديمير، وكذلك في  موردوفيا ومنطقة بيرم. لعمله المتميز كعالم، كُرِّمَ و مُنح في عام 1996 الدبلوم البطريركي "بمناسبة الذكرى 275 للتأسيس والذكرى الخمسين لإحياء مدارس سانت بطرسبرغ اللاهوتية". . كان سادو هو البادئ بالحركة الثقافية القومية الآشورية في سانت بطرسبرغ في الثمانينيات، ومؤسس مدرسة التربية الخاصة الآشورية في لينينغراد من 1979 إلى 1985. كان رئيسًا لجمعية أتور منذ عام 1995 ، وعضوًا في المجلس التنسيقي للمؤتمر الآشوري الدولي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية من عام 1991 إلى عام 1995.  كان سادو عالِمًا بارزًا ومعلمًا معروفًا وشخصًا متعاطفًا. كانت خدمة الكنيسة وشعبه الآشوري هي معنى حياته كلها.
له ترجمات للعديد من الأغاني والقصائد الروسية إلى اللغة الآشورية. وهو مؤلف الأغنية الشهيرة "Binisane" "الربيع".

39




   رجالٌ فوق القانون يسقون الزُّهور سُمّا!

  بولص آدم


 اقطعوا الطريق علينا بأن لانكتُب أولًا ما لايُعجب مُمثلينا الروحيين والسياسيين الذين هم في شركة روحية مجتمعية و سياسية على أرض الواقع  في الأقليم معكم، ونتمنى أن تستمر وتزدهر الشراكة الحقيقية. بات شعبنا ومثقفينا يستخفون بدورهم مع احترامنا لهم ووفروا على أنفسكم ثانياَ السادة أعلى هرم السلطة الموقرين في الأقليم، الوقت والجهد للعمل على إزدهار كوردستان وشعبها، بحل متكامل حاسم لقضايا التجاوزات على الأراضي، واعتبروا كلمتي هذه دعماً لنياتكم وسعيكم بمعالجة جذرية لقضية مُعمرة لعدة عقود، يتم ترحيلها عاماً إثر عام بدون خلق حالة الرضا والفرحة على وجوه وفي قلوب ابناء شعبنا، وهم جيران وأخوة وأخوات وأهل لكم حفظكم اللهُ من كل مكروه، ويشهدُ عز وجل بأن العبد الفقير لله  كاتب هذا المقال مُستقل تماماً وليس حتى عضواً في أية جمعية إثنية أو رابطة مهنية، لكن قضايا الوطن وشعبنا العادلة كانت نُصب عيني دوماَ، وقالها لي بيشمركة مُخضرم لاجئ مثلي هنا: إرحم نفسكَ، الى متى ستهتم بالمطحنة؟! وعندما رحل المرحوم صديقي الكوردي ابن العمادية، أشعلتُ الشموع له وبكيتُه كما بكيتُ أيَّ قريب مني جداً. محبتنا لكم كبيرة وأمنياتنا لكم حارة بموفور الصحة والسلامة في زمن الكورونا ونتمنى لكوردستان والعراق عموما، ان يكونوا بمصاف الأمم التي نتمنى أن تخرج من خانة العالم الثالث وتنتقل الى خانة الذهنية الموضوعية العقلانية التقدمية، وهي المرحلة الثالثة في التطور التي حددها المُفكر أوجست كونت، بالتزام الموضوعية العقلانية والتأسيس عليها عبر ذهنية علمية تقدمية  نحو النور ضد سطوة الظلام بكل مسمياته ورموزه.. تتقدم أمثلة في عصرنا بصون الحقوق والقوانين وأحترام الدساتير قولا وفعلا وليس مُجاملات ووعود، وحضراتكم الموقرين  تعيشون عالم اليوم وتتطلعون بأمل نحو الأفضل رغم الصعاب والقضايا المُستفحلة التي تعيق تحقيق الأهداف الصادقة. وبذلك يُصان السلم والتعايش بين أبناء الشعب الواحد مهما كانت تركيبته الأثنية والثقافية الأجتماعية ومهما تنوعت المعتقدات، ولايغُرنكم الصراعات الدولية و الخفايا في مطابخ القوى الأقتصادية السياسية من حولكم والعالم،  فالأمم تستنهض للدفاع عن كل مواطن من مواطنيها ولن تسمح لأي مواطن ليعتدي بالتجاوز على أرض وممتلكات مواطن آخر في نطاق بلدانهم، ونقدر عالياَ، إقرار وتثبيت حقوقنا المعنوية والأعتبارية في الدستور وفق مبادئ حقوق الأنسان المثبتة والموقع عليها بقناعة تامة وبلا رجعة من السلطة التشريعية والتي تمت المُصادقة عليها ووقع قانونها السيد مسعود البارزاني المحترم. ولسنا في حِلِّ إعادة سرديات مظلومياتنا عبر القرون وحتى هذه اللحظة.. يعني التناقص العددي الخطير لأبناء شعبنا والأطماع بأراضي مواطنيكم من شعبنا، إنتصاراً لعدونا المشترك ياأخوتنا الكورد.. يعني أن آلاف الشهداء الكورد الذين رووا بدمائهم التراب الطاهر ضد الهجمة التكفيرية الداعشية الهمجية، ستستصرخ ضمائركم وشخوصكم الموقرة ومبادئكم التي ناضلتم عقوداً من أجلها، يقوم نفر من فوق القانون بأقتراف التشويه لدوركم الذي كان هدفه، قلع سطوة الظلم وإحقاق الحقوق.. لذلك، يستوجب التعامل الحاسم والفوري مع من يعتبرون أنفسهم فوق القانون، فأعتدائهم بالتجاوز على كُل شبرٍ من أرضنا هو تذكير بكل سرديات الهمجية والبربرية التي تعرض لها الملايين من الكورد والأيزيديين والسريان والكلدان والآشوريين وكل الشعوب العظيمة التي تعيش في الأقليم وإضافة الى كافة العراقيين الذين لجأوا الى كوردستان التي منحتهم الطمأنينة والأمان.. التشريع مكتمل وواضح، ماعلى السلطة التنفيذية الموقرة سوى الحَسم وتوجيه الرجال الذين يتصرفون من فوق القانون والفارضين قانونهم الخاص  الظالم. أن يتوقفوا عن الأساءة الى سُمعة كوردستان بقضية التجاوزات التي يزداد سُمك ملفها تدريجياً، وبعد كل جهودكم لبناء مجتمع المكونات التي تعيش بمساواة وعدل وسلام و أعتبرتمونا زهور كوردستان.. لاتسمحوا رجاءً، أن تُسقى الزهورَ سُمّا !


40
 

 شِتاءُ نَهلة الطويل

بولص آدم

 عندما تفتح نهلة عينيها كُل صباح
 تتفقد الأولاد وتَجرُدَالأرض شبراً شبرا
 تَشُمُّ التُرابَ وتقبله قبل أن يَغيب
 تتحسس جنباتها، ثمة ألم 
 تحسُب نهلة قطرات مياه الينابيع
 و تُصَبِّحُ بالخيرِ على الجبل
 ما أن تُخنَقَ قطرة ماء في الظلام
 تُعلن قرية كشكاوا الحداد..
 في اليوم الثالث بعد دفن القطرة
 تسألني وأنا العابرُ من خرابة الى خرابة:
 قُربانك ولدي، هل صادفكَ ربيعي؟
 أنظُرُ الى شاحنة غريبة محملة بأشجاركِ وأجيب
 فصولُكِ الأربعة في الأسواق والبياعين يُنادون..
 نهلة تهبط واديها وما أن تصل شلال سيلي
 يتعطر الجبل ببخور في جفنة كفِّيها
 يُقرع ناقوس مارت شموني، نهلة تصلي وتنتحب
 يربت الشلالُ بماءه الحنون على كتفيها
 تُزيح الشعر الأبيض العذري عن سماءها
 تهدهد نُتف الثلج صخورها الغافية
 الأطفالُ يكتبون كلمة الأرض على جبينك يانهلة
 حتى ولو تبقى من الفصول شتاء فقط
 والبرقُ أحرق الدار وَسَطا الغُرابُ على الرماد
 الا أنني أراهُ يا أٌمنا، أراه
 النِسرُ يحومُ فوق الجبل.

 
 


 
 

 
 

41

أرضنا وشعبنا وثقافتنا يُناشدون ضمائرنا!

بولص آدم

   نكتبها بعد أن طال الصبر وتدهورنا يستمر، مُختصرة بلا إحصائيات وتواريخ وأحداث وخسارات :
 هبت العواصف العاتية الحارقة بوجه شعبنا، فقلعت جذوراً قوية ولم يبق من شجرتنا الحبيبة، سوى جذوراً تقاوم قلعها الى الأبد، تناثرت أوراقها داخل الوطن وتشتت في العالم، شجرتنا تعيش على نياتنا وجهودنا وعقلنا، هل نساعد حملة فؤوس تحطيبها بوهننا وخلافاتنا وتحركاتنا الخجولة لأنقاذها.. أم نتذكر ولاننسى بأننا كنا وقوداً لنيل حقوق الغير لاحقوقنا، ولم يردوا لنا الدين بل وتم سوقنا كالخراف البريئة قرابين لقضايا لم تكن قضايانا الخاصة بنا بل كانت خاصتهم وكنا تحت الخدمة بأسم الوطن والأخوة الوطنية، حتى أتى يوم تبخرت فيه الوطنية فسُحقنا بلا رحمة ، صارحوهم هؤلاء الذين تحولوا الى من لايهمهم الأمر.. مرات وليس مرة واحدة أحرقت ودمرت قرانا وحواضرنا ومواطننا و شردنا وأضطهدنا وأطلق الرصاص علينا و على خصوصيتنا الدينية و الثقافية.. قرانا المهجورة وأراضينا التي تتعرض للسلب وبلداتنا التي يُزحفُ عليها من قبل ضحايا الأمس الذين تحولوا الى جلادينا وآخرين وآخرين.. من يَسعى فأفسحوا له المجال لكي يدافع عن شعبنا وإذا ظننا بأن سعيه لن يؤتي به ثمر، فلنسعى ونثبت أننا رجال وأهل لها، الى متى و ماذا ننتظر؟ ليكن السعي جماعياً وصوته ووقعه قوياً.. الوقت يمضي وكل يوم يمضي، يزداد الهم وتتفاقم الصعاب وتستمر آلة ديموقراطية الديموغرافيا في قضم تُرابنا! كل دقيقة تمر تكون حَولاً من المرارة عند كل فرد من أبناء شعبنا، عوائلنا مُشتتة، أرضنا تقطعت أوصالها .. ليس بيدنا سوى القلم والعقل والضمير والصلاة والتلاحُم.. نحنُ عُزلُ و الضباعُ لاتنفك عنا وتدور حولنا، هذه ليست حكاية يومنا هي حكاية القرون.. لنضع الديباجات والبيانات والأدعاءات والتعجرف والطمع والغباء والأحقاد والمصالح الشخصية والحزبية تحت أحذية الرجال الرجال الذين ننتظر أن يكونوا أهلاً لها، أم أن شجرتنا لن تموت واقفة ؟! هل قتلنا الثقة، هل نحنُ لها وهل ثمة أمَل؟



42
لماذا عبرت الدجاجة الشارع ؟!

بولص آدم

  قد يبدو سؤالًا فكاهيا، هذا صحيح؟ وقد يبدو سؤالاً لن نضيع وقتنا في التفكير بإجابة عنه كما يعتقد امرئ ما، هو محق ربما.. ماذا لو تم توجيه هذا السؤال للتلاميذ؟ حدث هذا تماماً وابتدأ التحاور بين المربية والتلاميذ، بدءا بابتسامات، ثم تدريجياً تم قبول السؤال بجدية أكثر وتوصلت المجموعة الى أن، الدجاجة ترجتهم عدم طرح هذا السؤال عليها! بالنسبة لي أعتبره إنجازاً مذهلاً أن يتم الوصول الى إجابة محظ عقلانية ترتقي بجهد المجموع  وتشبع فضول الفرد بإجابة محددة ودقيقة.
   يأخذنا هذا التبسيط الى ماهو أوسع فضاءا في أكوان العقل اللآمحدودة.. إن فكرة وصف قانون الطبيعة في شكل تحديد كمية معينة تفترض قيمة قصوى في العملية هي تقريبًا قديمة قدم التفكير العلمي بشكل عام. إن مسألة تعميم مبادئ البساطة في جميع التخصصات التي تم تطويرها وظهورها في الفيزياء، يجب أن تُطرح مرارًا وتكرارًا، نظرًا لأنها ذات صلة معرفية ومنهجية أساسية للبحث العلمي، على الرغم من جميع الصعوبات اللغوية والتواصلية، يجدر النظر في المبدأ الأساسي للبساطة في مختلف التخصصات من أجل معرفة ما هو مشترك وما هي الاختلافات التي قد تكون ذات أهمية إرشادية..أبسط الأسئلة أصعبها إجابةً. لماذا عبرت الدجاجة الشارع؟ سؤال نقول بأن من البديهي أن نُجيب عليه بسرعة. نعبر مع الدجاجة بالتخييل، مبتدئين بخطوة بسيطة فكهةالى الطرف الموغل في أفكارنا.. هذه إجابة من عديد إجاباتي وأنا أفكر بإجابة أكثر تعبيراً عني!.. نرى بأن ما لدينا من إجابات وحلول حول الصراعات والتعقيدات في البلدان و بين بعضها البعض، هي إجابات تؤدي الى أحكام نعتبرها مُسلمات، على  المنغمسين في الصراعات أن ينتبهوا إليها خدمة لشعوبهم وللبشر على سطح كوكبنا المضطرب. لكن لاأحد يسمع إجابتك،  يملكون جواباً مختلفا، نفهمه كانتهاز طفيلي الرأسمال كل الفرص للتعبير عن أنانية الأمن الأقتصادي!
 ها أنذا انطلقت من فكرة ولّدها السؤال البسيط ووصلت الى مالاعلاقة للدجاجة به.. لكنه الفضول وللفضول أهمية كبيرة في المعرفة ولذلك يستمر السؤال المطروح وتوضع له إجابات على ألسنة الناس الذي عُرِفوا بنظرتهم المميزة الى ماأهتموا به وعُرِفوا من خلاله.. إخترت عدداً من الأجابات  متمنياَ لكم متعة الفضول، هو سؤال كلاسيكي إتسع في الإنترنت: لماذا عبرت الدجاجة الشارع ؟ الكثير من الإجابات المضحكة والخيالية إبتٌكِرت بالنيابة عن المشاهير وهي مبررة ببراعة :

بيل غيتس: لقد أصدرت للتو Chicken Office 2000 الجديد، والذي به لن تعبر الشارع فحسب، بل ستضع البيض أيضًا، والبرنامج سيتعامل مع المستندات المهمة ويوازن حسابها.
نيتشه: لما لا؟
مارتن لوثر كينج الابن: أرى عالمًا يكون فيه لجميع الدجاجات حرية عبور الشوارع دون التشكيك في دوافعها.
أفلاطون: من أجل خير أكبر.
تيموثي ليري: لأن هذه كانت الرحلة الوحيدة التي سمحت المؤسسة للدجاج بالقيام بها.
مكيافيلي: خلاصة القول، أن الدجاجة عبرت الشارع. من يهتم بالسبب؟ عبور الشارع يبرر أي دافع.
فرويد: حقيقة أنك تهتم بمسألة عبور الدجاجة للشارع تكشف عن انعدام الأمن الجنسي الكامن لديك.
أينشتاين: يعتمد ما إذا كانت الدجاجة عبرت الشارع أو تحرك الشارع تحت الدجاجة بناءً على الإطار المرجعي الخاص بك.
أبيقور: للمتعة.
 كولومبوس: أرادت الذهاب إلى الهند.
أرسطو: إنها طبيعة الدجاج لعبور الطرق.
أرنولد شوارزنيجر: سوف تعود.
انجيلا ميركل: الآن دعنا ننتظر ونرى ما إذا كانت الدجاجة ستصل إلى الجانب الآخر من الشارع.
كينيث ستار: حتى لو ادعت الدجاجة أن هذا أمر خاص بها، فإنها لا تزال تمس مسألة أمن الدولة وتؤثر على النزاهة الأخلاقية والأدبية لأمتنا، وبالتالي تخلق الأساس القانوني لمطالبة الدجاجة بالشهادة في مجلس الشيوخ.
كارل ماركس: تاريخيا كان لا مفر منه.
أندرسن للاستشارات: هدد رفع القيود على الدجاج من جانب الطريق مركزها المهيمن في السوق. واجهت الدجاجة تحديات كبيرة في تطوير المهارات اللازمة للبقاء في الأسواق التنافسية الجديدة. بالشراكة مع العميل ، ساعدت شركة Andersen Consulting الدجاج على إعادة التفكير في استراتيجية التوزيع المادي وعمليات التنفيذ. باستخدام نموذج تكامل الدواجن (GIM)، ساعد أندرسن الدجاج على استخدام قدرته ومنهجيته ومعرفته ورأس ماله وخبرته لمواءمة أفراد الدجاج والعمليات والتكنولوجيا لدعم استراتيجيته الشاملة ضمن إطار إدارة البرنامج. اعتمدت الشركة  على مجموعة متنوعة من محللي الطرق وأفضل الدجاج بالإضافة إلى مستشارينا الذين يتمتعون بخبرة واسعة في صناعة النقل، والذين جلبوا في اجتماعات استمرت يومين رأسمالهم المعرفي الشخصي ضمنيًا، والتوصل إلى مستوى مشترك وخلق أوجه تآزر لتحقيق الهدف غير المشروط، وهو تطوير وتنفيذ اطر عمل قيمة على مستوى الشركة. عُقدت الاجتماعات في مكان يشبه المنتزه لخلق بيئة اختبار قوية تستند إلى الإستراتيجية وتركز على الصناعة وتؤدي إلى رسالة سوق متسقة وواضحة وفريدة من نوعها. ساعدت أندرسن للأستشارات في تغيير الدجاج ليصبح أكثر نجاحًا !




43
مادلين إيشوفا من قرية أرزني الى الغناء في الكرِملين

بولص آدم

 اللغة والحفاظ عليها عن طريق الأغنية الآشورية. هو ببساطة رفع شأن اللغة وقيمتها في قلوب الناطقين بها، أن نسمع الأغنية وتصبح لازمة مقطعية منها مصاحبة بتكرار في مختلف أوقاتنا وفي أي مكان، يعني غرس حب اللغة في نفوس أبنائها، هذا بالأضافة الى وظيفة إجتماعية هي شد أواصر قوية بين أفراد الشعب الواحد والموسيقى والأغاني غير المُبتذلة هي آصرة عابرة للقارات والسياسات والعنصريات. عندما أحيا المايسترو المعروف ياني كونسيرته الراقي أمام تاج محل في الهند، قال بأن الناس تسأله هل هو يوناني أم أمريكي وجوابه هو بأنه إنسان محب أولا فهو هندي ويوناني وأمريكي والخ..
 الفنانة مادلين إيشوفا، في أحدث أغانيها  ترجو الحفاظ على اللغة الأم من خلال كلمات أغنية: 
 RIGDA D’ AWAHATAN / 2020
 https://www.youtube.com/watch?v=W2nD20dRJg0
 ..هذه الأغنية الميلودي من كلمات تيدي دِهايا وتوزيع جون إيشو والفيديو من صنع مولوتوك برود.. مقطع من الأغنية يَرجو (اللغة التي حفظها أهلينا واجبنا الحفاظ عليها وتعليمها لأولادنا) و هذه الأغنية تم إطلاقها قبل ساعات فقط من هذا اليوم، نبارك لها أولا هذه الأضافة الجميلة الى أغانيها التي تعبر بصدق عن فنها والتزامها بأصالتها، فالمولودة في قرية أرزني الآشورية في أرمينيا كانت تغني منذ طفولتها، وتحكي بنفسها عن أن وصول كاسيت وقت الكاسيت لمطرب أو مطربة آشورية كان حدثاً وكانت القرية كلها تهتم بالأغاني التي تحويه.. لم يكن أحد ما يعتقد بأنها ستحقق حلمها  فتكون مطربة في المستقبل.  لكن، وما أن أكملت مراحل التعليم الأساسي، قررت دعم موهبتها بدراسة الموسيقى وأصول الغناء أكاديمياً في روسيا وهي ابنة ١٦ ربيعاً لتكمل لاحقاً في كلية غناء خاصة في أوكرانيا، كانت ظروف معيشية صعبة فكان عليها أن تدرس وتعمل وتربي ولدها ميخائيل. في هذا الجانب تؤكد على تحقيق توازن بين هذه العناصر الضرورية، العائلة والطموح الشخصي وأهمية تربية الأولاد وغرس حب اللغة والثقافة الأم منذ نعومة أظفارهم.. اليوم جمهورها ليس من الآشوريين في روسيا فقط بل يحضر غناءها على المسرح جمهور متنوع من الروس والأثنيات الأخرى هناك.
  أسمع أغاني مادلين على تنوعها بين العاطفية والقومية منذ أن أُتيح لنا ذلك عبر الأنترنيت وتابعت لقاءين معها كل في حينه ونشكر كل من الناشطة الآشورية يانا يوخانوفا في كرسندار الروسية والشاعر الآشوري نينوس نيراري في شيكاغو على تحقيق هذين اللقائين اللذين أتاحا لنا التعرف على المطربة مادلين إيشوفا بشكل أوسع وأعمق وهي بحق جديرة لأن تقف في المقدمة الى جانب مطربات معروفات ببصمتهن في الأغنية الآشورية ومن مُختلف الأجيال.. مادلين لها فرصة كبيرة من خلال الغناء باللغتين الروسية والأرمينية وقد أثبتت ذلك بالغناء بهاتين اللغتين وعلى مسارح كبيرة وأمام جمهور غفير، لها فرصة أن تحصل على شهرة أكبر تدر عليها مردود مادي أيضاً، لكنها فضلت الغناء بلغتها الأم وتُنفق على مجموعاتها من الأغنيات وحتى تصوير الأغاني من مالها الخاص وهي لا تحصل من بيع الCD الا جُزء صغير مما يتم صرفه عليه.. هذا لايمنع إطلاقاً إصرارها على الغناء بلغتها الأم وقد غنت عدة مرات على المسرح في الكريملن وبنفس اللغة الأم ونحن نعرف أهمية تقديم الدعوة لها للغناء هناك وبالآشورية:

https://www.youtube.com/watch?v=bJHHM9RE2sA
 رسالة هذه الفنانة: هي الحفاظ على الثقافة في عصرنا هذا عصر العولمة حيث الأقليات الأثنية ولغاتها من أبرز ضحاياها.. في مجموعة أغانيها (آتورايا) من كلمات أراهيم بيت لازار يتمثل ذلك ومن خلال كلمات أغانيها قاطبة فقد غنت نص يانشرا د تخوما المعروف لفريدون آتورايا وغنت نصوص لنينوس نيراري و آشور بابا، أبرم يوسب، سركون بيت شموئيل، ولسن أوراها وداود برخو.. لقد قدم آشور بابا كل مابوسعه لأنجاح أغانيها الأخيرة واما  آشور باندالوريس فقد ساهم ودعم السيديين الأوليين المسجلين في أوكرانيا في استوديو فيكتور بافلوف .. وهي ممتنة جداً للموزع المنتج الموسيقي فيكسلاف إليوشن وهو من أم آشورية وأب روسي وداعم للثقافة الآشورية في روسيا. اما لماذا كٌل هذا الحماس والأصرار على الأستمرار بثبات واعٍ جداً في الألتزام بالخصوصية، فليس أكثر مما تصفه بنفسها: لقد ولدت آشورية وأجدادي أتوا من نينوى ثم أورميا ثم مروا بدول قبل أن يستقروا في قرى أرمينيا الآشورية، ما تلقوه من أجداهم قبل مائتي عام في أورميا،  نقلوه معهم وحافظوا عليه ووضعوه كشعلة مضيئة في أضمومة كفينا وهو كافٍ ليواصل إضاءة قلوبنا ونحن نسلمه لمن بعدنا.. علينا جميعاً المساهمة بلا كلل وخمول ولاأبالية ومهما كانت ظروفنا للحفاظ على تلك الشعلة فما عاناه أجدادنا لم يكن هينا بل أصعب مما نعيشه اليوم في الشتات وفي وطننا الأم.. وهي تعتقد بأن لانضعف فالتخلي عن الخصوصية ضعف! خاصة وسط طغيان خصوصيات الأثنيات الأكبر التي نعيش بينها..
  من اللآفت المؤثر، أن هؤلاء الآشوريين في دول أوربا الشرقية المستقلة وروسيا لديهم حب كبير لخصوصيتهم ويتمنون التواصل مع أبناء جلدتهم في العالم.. عندما قدمت لها دعوات للغناء في اميركا واستراليا وأوربا، أول شئ فكرت فيه وأرقها كان عبارة عن هواجس من قبيل: هؤلاء الذي سأتوجه للقائهم، هل هم مثلها أي هل هناك جسر رابط للهجتهم وثقافتهم وأفكارهم مع ما لديها أم أن هناك أختلافات وعوائق؟ لقد زال هذا القلق وتبخرت الهواجس وبعد دقائق من لقاء تم عدة مرات وشعرت مادلين بأنها كمن يعرفهم جيداً منذ سنوات.. اما أعظم أمنياتها فهي أن تزور بيت نهرين ونينوى بالذات تريد شرب ماءها و أستنشاق نفس الهواء هناك تماما كما أجدادها:

https://www.youtube.com/watch?v=vmo56V3ej_E



44
الأستاذين المحترمين عصام و رياض شابا
تحية وتقدير
 لدي ايمان عميق بأن أسماء من أبناء شعبنا فعلت المستحيل في طريق التفاني والأخلاص والأبداع في خدماتها من خلال الوظائف التي عنونت تضحياتهم الكبيرة.. مع الراحل شابا دكتور نحن أمام ملحمة مؤثرة وسفر أسطوري في الالهام الأنساني لمعنى أن يكون المرء معطاءا بلاحدود .. فتحية لروح الراحل الكبير والرب يحفظكم  مع فائق التقدير.

45
إستشهاد الآشوريين في أرمينيا دفاعاً عن بلادهم

بولص آدم

في آرتساخ.. كمجتمع صغير داخل أرمينيا، احتشد الآشوريون للدفاع عن البلد الذي يسمونه الآن وطنهم. إستشهد على الأقل خمسة من آشوريي أرمينيا في الحرب، الى جانب الجرحى والمفقودين، قالت الدكتورة أناهيت خسرويفا، وهي آشورية أرمينية وباحثة بارزة في معهد التاريخ التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أرمينيا: "لدينا نفس المصير تقريبًا". "الآشوريون في أرمينيا، كونهم أمة مسيحية، لطالما اعتبروا أرمينيا وطنهم." أول شهيد آشوري في المعركة ضد القوات الأذربيجانية هو ناريك دافيد، بدأ الخدمة العسكرية قبل تسعة أشهر وأدى واجبه في الدفاع عن الأراضي الأرمنية منذ اندلاع الحرب في ناغورنو كاراباخ مع أذربيجان. كان الشهيد ناريك يقاتل على الخطوط الأمامية العسكرية منذ 27 سبتمبر. (مواليد 2001) وهو واحد من 200 آشوري يؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الأرمني. شارك حوالي 100 آشوري في القتال العنيف في ناغورنو كاراباخ، ناريك من مواليد قرية نور أرتاكيس (قرية شهريّة سابقاً). هناك  6 قرى آشورية في أرمينيا إثنتين منها مهجورة حالياً، بالأضافة الى الذين يعيشون في ييرفان ومناطق أخرى في البلاد ومعظمهم أحفاد الآشوريين ممن فروا  من إيران وتركيا في أعقاب الإبادة الجماعية في سيفو عام 1915 في الحرب العالمية الأولى. ناريك، فرت عائلته من إيران.  القرى الآشورية المأهولة في أرمينيا: أرزني، فيرين دفين، ديميتروفو ونور أرتيجرز. يبلغ عدد سكان البلاد ما يقرب من 3 ملايين نسمة وهي موطن لحوالي 5000 آشوري. كان هذا الرقم حوالي 6000 قبل بضعة عقود فقط ، لكن تفكك الاتحاد السوفياتي السابق والتحديات الاقتصادية أجبرت الكثيرين على المغادرة إلى روسيا والدول المجاورة.
تطلب أرمينيا من مواطنيها أداء الخدمة العسكرية في سن الثامنة عشرة. عندما اندلع الصراع في أرتساخ في أواخر سبتمبر، كان حوالي 25 آشوريًا في الخدمة العسكرية الفعلية. وعلى الرغم من خدمتهم لبلدهم بالفعل ، تطوع آخرون بموجب عقد مع وزارة الدفاع، ومن بين هؤلاء روديك سرخوش، 59 عامًا، الذي حُرم في البداية من الخدمة التطوعية بسبب عمره. لكن سرخوش رفض مغادرة مكتب التجنيد المحلي لمدة خمسة أيام وطالب بنقله إلى الخطوط الأمامية. في النهاية تم إرساله إلى الخطوط الأمامية. إستشهد سَرخوش  وانضم إلى أربعة أشوريين آخرين ، من بينهم ثلاثة مقاتلين في الخدمة الفعلية ومتطوع آخر.
أشارت تقارير  إلى اختفاء مقاتلين آشوريين أثناء القتال. كان أحد الجنود قد انتقل إلى أرتساخ قبل عامين فقط ليعيش مع والدته. عندما بدأت الحرب ، سجل كمتطوع. ليست الخدمة العسكرية هي الطريقة الوحيدة التي يحتشد بها الآشوريون في الخطوط الأمامية للأرمن. كما انضمت الممرضات الآشورية إلى القتال. الحاجة كانت ماسة الى الممرضات ، وبعضهن تدفقن على المستشفيات القريبة من القتال و أتيحت الفرصة لممرضة آشورية تعيش في أرتساخ للمغادرة عندما اندلعت الحرب، لكنها قررت البقاء والتطوع. اختار آخرون ، مثل آروسيك بابا من العاصمة يريفان ، التطوع ايضا. يدعم الآشوريون في البلاد الذين لا يستطيعون القتال أرمينيا من خلال جهود التبرع والمنصات الإعلامية ، بالأضافة الى 6أطنان من الملابس الشتوية ومئة الف دولار تبرع بها الآشوريون لسكان آرتساخ من السويد وأستراليا وغيرهما والتي نظمت العديد منها من قبل الكنائس المحلية. يوجد مبنيان مسجلان لـ ACOE في أرمينيا ، أحدهما في مدينة دفين والآخر في أرزني، بينما تنتشر أيضًا العديد من الكنائس الأصغر غير المسجلة . على الرغم من بنائها في حوالي عام 1830، وفي وقت ما خوفًا من الانهيار، فإن الكنائس هي شريان الحياة للقرى، ويتم تنظيم كل شيء تقريبًا من خلالها، لذلك عندما اندلع القتال مع أذربيجان لأول مرة، لم يتردد كاهن كنيسة المشرق الآشورية (ACOE) في أرمينيا الأب نيكاديموس يوخانييف ، جنبًا إلى جنب مع المتطوعين المحليين في مساعدة القوات والسكان في أرتساخ.
قال يوخانايف: "ليس لدينا وطن، لكن أرمينيا هي وطننا". "نحن نعيش هنا منذ ما يقرب من 200 عام ونحن أحرار في استخدام وتعليم لغتنا، ونحن أحرار في العبادة في كنائسنا والحفاظ على ثقافتنا. موقف الأرمن جيد جدا معنا. لهذا يعتقد كل آشوري أنه يجب أن يدافع عن وطنه ".
 
  يعود تاريخ العلاقات الأرمنيَّة والآشوريَّة إلى أوائل القرون الألف قبل الميلاد. الحدود الجنوبية الكبرى لأرمينيا التاريخية، تقاسمت الحدود مع مواطن الآشوريين التاريخية. يشترك كل الأرمن والآشوريين في العديد من العناصر الثقافية والدينية والاجتماعية، إذ كان كل من الأرمن والآشوريين من الشعوب الأولى التي اعتنقت المسيحية في العالم. والآشوريين من العرقيات الدينيَّة المسيحية. اليوم، يعيش بضعة آلاف من الأرمن في المواطن التقليديَّة للآشوريين، ويعيش حوالي ثلاثة آلاف آشوري في أرمينيا. تعرض كل من الأرمن والآشوريين على حد سواء لإبادة جماعية داخل الدولة العثمانية.  يرى عدد من الباحثين ان هذه الأحداث، تعتبر جزء من نفس سياسية الإبادة التي انتهجتها الدولة العثمانية ضد الطوائف المسيحية.  كانت أرمينيا وطنا لبعض التجمعات الآشورية الباقية على قيد الحياة و قد وصل عددهم الى الـ 6000 شخص قبيل تفكك الاتحاد السوفيتي. الآشوريون في أرمينيا هم أحفاد المستوطنين الذين بدأوا بالقدوم في بدايات القرن التاسع عشر خلال الحرب الروسية الفارسية بين الأعوام 1826-1828 حيث فرّ الآلاف من مناطقهم حول ارومية في بلاد الفرس وبعض الاشوريون آتوا من جنوب شرق تركيا وبشكل خاص منطقة هاكاري. في تلك الفترة كان شائعا أن يعيش الأرمن والآشوريون في نفس القرى، وأحب الآشوريون جيرانهم الأرمن الذين كانوا يعانون من الإبادة الجماعية التي أقامها الأتراك العثمانيين في حقهم وحق بعض الآشوريين حيث يقدر عدد الآشوريون الذين استشهدوا بسبب تلك المجازر حوالي 275000 شخصا، وهناك أيضا الكثير من الأرمن الذين فروا من الأناضول باتجاه أرمينيا الحالية وتبعهم أيضا الآشوريون فأصبحت الملجأ الوحيد للمسيحيين. وفي صفحات التاريخ لطالما كانت العلاقة بين الاآشوريين والأرمن تتسم بالمودة فكلا الطرفين عاشوا المسيحية من عصور قديمة وعانوا من اضطهادات القوى الأجنبية. نجح الاشوريون في الاندماج بالمجتمع الأرمني وحافظوا على طابعهم العرقي فيدرسون اللغة الآشورية ومعظمهم يتكلمون الأرمنية والروسية بطلاقة أيضا. معظم الآشوريون في أرمينيا يعودون إلى كنائس المشرق الآشورية وهناك تجمع صغير تعود أصولهم إلى الكلدانية. خلال مائتي عام، يوجد اليوم في العاصمة مركز للشبان الآشوريين. وفي عام 2003 تأسس في المجتمع الأرمني (المركز الآشوري بث نهرين) وهذا المركز يعمل كنادي لدراسة وترويج التاريخ والعادات والتقاليد الأشورية لأبناء هذه الطائفة. وفي نيسان من العام 2012 افتتح في العاصمة الأرمنية يريفان نصب شهداء المجازر الآشورية بحضور جماهيري كبير.
 للوقوف على الوجوه الآشورية البارزة سوف أختار عدداً منهم وذلك في مقال مستقل.
 الرحمة على أرواح الشهداء ولذويهم الصبر. متمنيا السلام الدائم في القوقاز.

 


46
المنبر الحر / وداعاً مارادونا
« في: 22:31 25/11/2020  »

وداعاً مارادونا

بولص آدم

  الخامس والعشرون من نوفمبر، هو يوم الحزن والبكاء لرحيل الأيقونة! ما أن أُعلن خبر رحيله الصادم، أمست كُل الأخبار العالمية الأخرى الى خلف خبر رحيل مبكر للأسطورة دييغو أرماندو مارادونا.. أبناء جيله يتذكرون كيف فاز بكأس العالم لوحده عام 1986، وكيف صعد بنابولي إلى أعلى السلم الأوربي، وحده كان بطلًا مبدعا في المستطيل الأخضر. رحل مبدع كروي عظيم عن عمر ناهز 60 عاما، إثر إصابته بسكتة قلبية، مخلفا وراءه ذكريات رائعة رفقة برشلونة، ونابولي، ومنتخب بلاده الأرجنتين، وهو واحد من القلائل الذين التصقت الكرة بأقدامهم بشكل فطري كما يصفونه بإعجاب حول العالم.. هو الموت كالشمس لاتستطيع التحديق فيه طويلاً، وهو أقرب الى هدفه وأسرع من كل هداف، مهما تحدثنا عنه وفلسفناه فلا نعرف عنه الا انه عندما يجد جده، يخطف من عالمنا إسماً مهماً ويترك لذاكرتنا مهمة تقديره، حتى وإن كان بعيداً عنا، فحضوره كان في اللحظة المدهشة التي قدمها بالأنجاز الأستثنائي لنا، فشكراً لك مارادونا.. وحدك الذي أنتظرناه ليخرجنا من كآبات الحرب الثمانية وصرنا نتحدث عنك لنهرب من عادات القبح والغيابات المفاجئة التي تتلطخ بها ايام الخوف والقلق في الحرب، وأنا الذي كُنت ألعب الكرة ايام بيليه وريفللينو وبيكنباور وكرويف، سحرني الأرجنتين بكامبس ولوكيه وباساريلا، واعتقدت بأن كرة القدم تكتب صفحة عمالقتها الأخيرة. وما أتيتَ الى أكثر الملاعب أهمية وأمام أكبر الفرق سرعة وقوة، حتى علمتنا أن الأبداع في عالم الكرة وكل عالم لن يكتفي بوجه واحد للعبقرية بل كُنت التالي. فاجأتنا مارادونا وظللنا محبوسين متسمريين أمام التلفاز ننتظر اللحظة التي تلتصق الكرة بقدمك وعندها كنا نعلم أن القادم عرضاً في فنون اللعبة وسحرها. لوحدك قلبت رأس عالم الكرة على عقب وأسرته رهن موهبتك الفذة، وحدك الثورة فيها مقتديا بجيفارا معبودك المثابر بلاكلل وكل الأساطين فأصبحت بسرعة البرق واحداً منهم وتركت لنا الثغر المفتوح دهشة وأنت تلتقط الكرة من على بعد 60 مترا عن الهدف ،تراوغ فريق انكلترا في عام 86 وتسجل هدف القرن في مرماها وتشق الطريق وحدك لخطف كأس العالم .. كُنتَ بعمر السابعة عشرة يوم قُلتَ "لدي حلمان، الأول أن أشارك في كأس العالم والثاني أن أحرزها". هكذا ربحت العالم بعبقريتك، و لكنك خسرت نفسك بسبب المخدرات وابتعد عن ملاعب كرة القدم مرغما. لكن إبداعك الفذ يمسح المساوئ بعد رحيلك.
 ولد مارادونا في 30 أكتوبر 1960 في لانوس إحدى ضواحي بوينوس إيرس الفقيرة. وبدأ مسيرته مع نادي أرخنتينوس جونيورز قبل عيد ميلاده السادس عشر، ثم استهل بعدها مشواره مع منتخب بلاده عام 1977. وبلغ الذروة عام 86 في مونديال مكسيكو عندما قاد منتخب بلاده لوحده إلى اللقب الثاني بعد 1978. ويمكن إطلاق اسم مونديال مارادونا على كأس العالم 86، لأن النجم الأرجنتيني طبع البطولة بطابعه الخاص وكان عزفه المنفرد مفتاح الفوز. وكانت المباراة ضد إنجلترا مشهودة لأنها اتخذت طابعا سياسيا من جراء حرب المالوين بين الدولتين وقد سبقتها حرب كلامية بين المعسكرين، لكن مارادونا حسم المباراة على الملعب لمصلحة منتخب بلاده بتسجيله هدفين، واحد بيده والثاني بعد مراوغته لجل لاعبي منتخب إنجلترا. على صعيد الأندية، انتقل إلى نادي القلب بوكا جونيورز في 1981 محرزا معه لقبه المحلي الوحيد، ثم رحل بصفقة قياسية إلى برشلونة في 1982، ومعه اكتفى بلقب الكأس المحلية في 1983. وحقق حلم مدينة نابولي بتحقيق أول لقب كبير وأحدث الفارق في تاريخ نادي نابولي الجنوبي (1984-1991)، حيث عرف معه مجدا محليا وقاده إلى إحراز لقب الدوري في 1987 و1990، والتتويج بلقب كأس الاتحاد الأوروبي 1989. عاش مارادونا حياة صاخبة خارج الملاعب، أكد مرارا أن أصعب منافسة خاضها منذ احترافه هي التوقف عن المخدرات علما بأنه أنفق الكثير من المال للتخلص من هذه الآفة. سافر إلى جنيف وتورونتو وإسبانيا وكوريا الجنوبية ليجد الدواء الشافي في مصحاتها، قبل أن يتعرض لنكسات طبية متلاحقة في السنوات الأخيرة.
 
  يكتب إدواردو غليانو، الروائي الأوروغواياني وهو من أبرز كتّاب أمريكا اللاتينية، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" :
  إنّ كرة القدم، هي مرآة للعالم، وهي تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة؛ فيها المجد والاستغلال والحب والبؤس، وفيها يتبدّى الصراع بين الحرية والخوف. أنّ كرة القدم الاحترافية "هي رهن بقوانين السوق" مع أنّ اللاعبين "أناس يجعلون الوهم ممكناً". لن ينسى العالم مارادونا، فهو أعظمهم:-
 https://www.youtube.com/watch?v=azQabU537Rs&t=81s




47

قصة  الآشوري المنسي مُراد دمير في الأناضول

بولص آدم

  اعتنق الإسلام أو مُت: واجه الآشوريون المسيحيون هذا الاختيار منذ حوالي مائة عام في الإمبراطورية العثمانية. يعيش اليوم عدد قليل من الآشوريين في الأناضول. يرى معظمهم أنفسهم مسلمين، لكنهم لا يريدون نسيان ماضيهم المسيحي. أثناء صلاة الأحد: امرأة عجوز تصلي في كنيسة القديسة مريم في ديار بكر مع الكاهن وصبي المذبح. الحضور لم يعد أكثر من ذلك بكثير. لا يزال عدد قليل من المسيحيين الآشوريين يعيشون هنا في ديار بكر، حيث كان هناك أكثر من 100000 في بداية القرن العشرين.
"داخل العائلة لم ننس أبدا"
  قتل عشرات الآلاف في مذبحة عام 1915 لمسيحيي الأناضول عندما تم ذبحهم مع الأرمن. أولئك الذين بقوا فيما بعد هاجروا إلى أوروبا وأمريكا. يعيش اليوم أكثر من 100 ألف مسيحي آشوري في ألمانيا وحدها. في ديار بكر لا يوجد أكثر من 20. هل هي نهاية شعب عريق في وطنه التاريخي؟ ربما ليس بعد - لأن الأصوات التي كان يُعتقد منذ فترة طويلة أنها صامتة ونَسَت من تكون، تتصاعد في ديار بكر:
"أنا آشوري من قرية سمسم قرب ديار بكر. كان جدي هو الرجل الأشوري الوحيد في القرية الذي نجا من المذابح. كان عمره سنة واحدة عندما قتل الأكراد الآشوريين. قتل والده. لكن كرديا أحب والدته كثيرا لدرجة أنه أخذها لنفسه وترك لها الطفل ". مراد دمير هو اسم الرجل الذي يروي القصة - تاجر يبلغ من العمر 42 عامًا وله لحية سوداء طويلة، ويتحدث بلهجة كردية ويشبه أي شخص آخر من سكان ديار بكر. لكنه يؤكد على الصعيد الخارجي فقط: "لقد نشأنا حتمًا كمسلمين، لكن داخل العائلة لم ننس أبدًا أننا آشوريون وما حدث لنا. لطالما تم تناقل ذلك في الأسرة: أي الأقارب الذين قُتلوا في ذلك الوقت ومن قتلهم. أنا من الجيل الثالث الآن، لكني أدرك كل هذا. أخبرني والدي وأعمامي وجدتي عن ذلك، وعرفت جدتي بذلك من حماتها التي مرت بكل شيء .
الإهانة والتهميش:
لا يعيش الذكرى فقط ضمن عائلته، كما يقول مراد دمير. يعيش آلاف الأشخاص في ديار بكر وهم يعلمون أنهم ينحدرون من نسل الآشوريين الذين اضطروا إلى اعتناق الإسلام قبل مائة عام من أجل البقاء على قيد الحياة على أرضهم  مع بعضهم ، أسس مراد دمير جمعية من المفترض أن تحمي الآشوريين من الاندماج الكامل. يتطلب هذا الكثير من الشجاعة ، لأن معظم الآشوريين في الأناضول كانوا حريصين على إخفاء هوياتهم لأجيال. لسبب وجيه، دمير يقول: كان جدي هو الآشوري الوحيد في قريته وكان تحت الضغط طوال حياته على الرغم من نشأته كمسلم، إلا أنه لم يسلم عن الإهانة والنبذ ​​على أنه كافر. لم يُسمح له بتغيب صلاة الجمعة في المسجد، وإلا سيقال في القرية: لماذا لم تكن هناك؟ ربما أنت لست مسلماً بعد كل شيء، فأنت تحاول فقط خداعنا؟ لقد استمر هذا طوال حياته، وباعتباره الآشوري الوحيد في القرية لم يستطع الدفاع عن نفسه ، ولم يتم قبوله على أنه أحدهم ".
يستمر مراد دمير في قصته، وليس أن الجد أراد أن يحدث ذلك: كان جدي يبلغ من العمر عامًا واحدًا عندما وقعت المجازر، وعندما كان عمره 15 عامًا كانت الجثث الآشورية لا تزال غير مدفونة. أنا شخصياً ما زلت أعرف عدة أماكن بالقرب من قريتنا حيث العظام بالكاد تغطيها الأرض. الجماجم والذراعين والساقين 20 سم تحت الأرض - في ذلك الوقت كانوا ملقيين في مكان مفتوح. تخيلوا فقط: قُتلت العائلة كلها وذُبحت، وعظامهم ملقاة غير مدفونة. وأنت تعيش مع الجناة في القرية وحدك وعاجز. كيف ينبغي للمرء أن يتصالح معهم؟ " "الناس يسموننا" الكفار المتحولين " تزوج الجد من امرأة كردية، لكن أطفالها تعرضوا للتهميش في القرية وتعرضوا لضغوط. بمجرد نشأته، انتقل والد مراد دمير إلى مدينة ديار بكر، حيث تمكن من إخفاء أصوله. تزوج من ابنة عمة بعيدا، ابنة آشوري مسلم آخر قسرا. حتى يومنا هذا، يفضل أحفاد  الآشوريين المسيحيين  الناجين، الزواج من بعضهم البعض، جزئيًا بدافع التضامن  كما يقول دمير، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العديد من العائلات الكردية ترفض السماح لهم بالزواج. لأنه ، مثل الأشوريين أنفسهم ، لم ينس جيرانهم الأكراد شيئًا، كما هو الحال في قرية سمسم التي يعيش فيها الجد، حيث لا يزال لديه أقارب وبالتالي يزورونه من حين لآخر:“في القرية، أصولنا الآشورية دائمًا ما تكون على الهمس في الآذان بها ايضاً. لكن الناس لا يسموننا آشوريين، بل يسموننا "بافل" ويعني: الكفار المتحولين. إنهم يرون المسلمين الزائفين فينا. يُقصد بذلك إهانة، ولذلك يقولون دائمًا باستخفاف: أوه ، هؤلاء هم كفارنا، ومعتنقونا!
مراد دمير مسلم من الجيل الثالث، حتى أن والده كان يحج، لكن لا يزال الآشوريون المسلمون غير مقبولين كمسلمين كاملين. "كثيرًا ما يخبرنا الناس باستغراب أننا بعد كل شيء وصلنا الآن إلى الإيمان الحقيقي - وكأننا تلقينا بعض الفوائد وشهادة اعتراف! لقد قُتل أجدادي وعائلتي، ويجب أن أقول شكراً لكم على الإيمان الصحيح. الناس هنا يرون الأمر بهذه الطريقة حقًا ".
لذلك فلا عجب أن يخفي معظم الآشوريين في ديار بكر أصولهم. في عائلته التي تضم، بالإضافة إلى الإخوة الثمانية وعائلاتهم، الأعمام والعمات وأبناء العم، فقط ثلاثة أو أربعة أفراد من 300 إلى 400 فرد يجرؤون على الاعتراف علنًا بهويتهم الآشورية، كما يقول دمير - خوفا من الانتقام، ولكن أيضا من العار. بعد قرن من المحظورات، اعتقد العديد من أحفاد الآشوريين المسلمين أنهم يخجلون من أصولهم.  جاءت نقطة التحول من خلال لقاء مع آشوري من الشتات، أطلعه على ثقافته. "علمت منه فقط أن الآشوريين هم في الحقيقة شعب متحضر قديم أنتج الحرفيين والفلاسفة. كان ذلك بمثابة وحي بالنسبة لي: إذن فنحن لسنا برابرة، كما قيل لنا دائمًا. لا يجب أن نخجل من أصولنا، بل يمكننا أن نفخر بذلك ".
"أريد أن أحافظ على جذوري"
تقول الصحفية سوزان جوستين التي إلتقت بمراد دمير ونقلت قصته عبر آثير راديو ألمانيا:  عالم آثار آشوري من السويد هو من أطلع دمير على ثقافته. كان ذلك بمثابة الشرارة الأولى لـ "جمعية الثقافة الآشورية في ديار بكر" ، التي أسسها مراد دمير مع بعض الأشخاص ذوي التفكير المماثل. تضم الجمعية الآن 70 عضوًا نشطًا وعدة آلاف من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث توفر معلومات حول تاريخ وثقافة الآشوريين في الأناضول. يقول دمير إن هدفه هو إيقاظ الآشوريين المفقودين في الأناضول على ثقافتهم قبل فوات الأوان. لأن ديار بكر اليوم مدينة كردية. "نحن مندمجون بالكامل تقريبًا. أنا لا أتحدث السورث، أنا أتحدث الكردية ونشأت في المجتمع الكردي. لكني أريد الاحتفاظ بجذوري ". في بعض الأحيان يزور أعضاء النادي كنيسة مارين كيرش في ديار بكر، ويشربون الشاي مع القس ويتحدثون معه حول التاريخ والثقافة الآشورية. يحضر بعضهم قداس الكنيسة في مناسبات مهمة مثل عيد الميلاد. يقول دمير إن العودة إلى الإيمان المسيحي لأسلافهم أمر غير وارد بالنسبة له:  غالبًا ما نتهم بالرغبة في التبشير بالمسلمين حتى يتمكنوا من التحول إلى المسيحية. علينا أن ندافع عن أنفسنا ضد هذا الاتهام، لأنه قد يكون له عواقب وخيمة، أنا دائما أقول للناس، أنا مسلم مثلكم تمامًا. أنا فقط لا أريد أن أنسى أصولي ". إنه حتى لو فات الأوان للعودة إلى المسيحية بعد قرن من الزمان في الإسلام، فإن الآشوريين المفقودين لا يزالون قادرين على العودة إلى هويتهم الثقافية. بعد كل شيء ، عاش الآشوريون كشعب فترة أطول من المسيحية.

   https://www.youtube.com/watch?v=s2NGrRdlp2E

48

 
عالمة الآشوريات الشابة نيكلا دي زورزي وسحر عالم ميزوبوتاميا


  بولص آدم

  عالمة الآشوريات (نيكلا دي زورزي) المولودة عام 1982 في فيتوريو فينيتو بإيطاليا، درست فقه اللغة الكلاسيكي وعلم الآثار والتاريخ وعلم الآشوريات في جامعة كاو فوسكاري في البندقية وجامعة فيينا. تعمل منذ عام 2014 كباحثة ما بعد الدكتوراه في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة فيينا. في عام 2018 ، حصلت على منحة البدء من ERC. هي أكاديمية شابة، عضو في الأكاديمية النمساوية للعلوم (ÖAW) .
بدأت نيكلا دي زورزي مشروعها بمنحة  مشروع ERC REPAC: التكرار والتوازي والإبداع: استعلام عن بناء المعنى في الأدب القديم لبلاد الرافدين و في صحيفة حقائق المعرفة في بداية عام 2019 في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة فيينا.
  سحر بلاد ما بين النهرين:
تدرس عالمة الآشوريات نيكلا دي زورزي في مشروعها،النصوص الأدبية والسحرية والإلهية لبلاد ما بين النهرين القديمة. تهدف في بحثها إلى التحقيق في التفكير التناظري باعتباره السمة الغالبة للدراسات القديمة في بلاد ما بين النهرين. في مشروع ERC Start Grant الخاص بها،ألقت  دي زورزي  نظرة على ثلاث مجموعات نصية كبيرة من بلاد ما بين النهرين القديمة من أجل تحليل بطريقة علمية خاصة ببلاد ما بين النهرين، يلعب فيها التفكير التناظري دورًا أساسيًا. المجموعات الثلاثة هي: النصوص الأدبية، والنصوص السحرية مثل التعويذات والطقوس المضادة للسحر، وكذلك النصوص الإلهية المرتبطة بممارسة التنجيم وقراءة الكبد. "فرضيتي هي أن تكوين هذه النصوص الأدبية والسحرية والإلهية قد تأثر بشدة بعمليات الاستدلال القياسي التي تظهر في الاستخدام الواسع لاستراتيجيات نصية معينة وأدوات صنع المعنى، ولا سيما التكرار والتوازي ،"  تمنحها المنحة التي حصلت عليها مؤخرًا على فرصة للتحقيق في هذه الفكرة على نطاق واسع من منظور متعدد الأنواع.
  الخلفية التاريخية:
تجد عالمة الآشوريات معظم مصادرها في المتحف البريطاني بلندن، والذي يضم أكبر مجموعة من الألواح الطينية القديمة لبلاد الرافدين مكتوبة بالخط المسماري، باستخدام اللغة الأكادية، وهي لغة سامية مثل العربية.تشرح دي زورزي، التي تركز على النصوص التي يعود تاريخها إلى الألفية الأولى قبل الميلاد: "هذه الألواح أنتجها ودرسها كتبة وعلماء يعملون تحت رعاية مؤسسات قوية، مثل القصور والمعابد". "إحدى المشاكل الرئيسية التي يواجهها علماء الآشوريات الذين يرغبون في دراسة هذه النصوص الضخمة هي أنه لا يوجد سياق أثري واضح للعديد من الألواح. يجب إعادة بناء السياقات على أساس الأدلة المتأصلة في الألواح."
  النظرة إلى العالم:
في مشروع ERC REPAC (التكرار والتوازي والإبداع)، تركز دي زورزي على التكرار المتغير، والذي ينتشر على نطاق واسع في جميع النصوص النصية الثلاثة التي تبحث فيها. يتضمن ذلك تكرار ميزات معينة، أو كلمة، أو عبارة، أو بنية نحوية، أو حتى صوت في شكل مماثل بعد وقت قصير من صدوره لأول مرة.
توضح الباحثة الإيطالية: "التكرار المتغير يعتمد على التشابه، وبالنسبة لعلماء دراسات بلاد ما بين النهرين القديمة، كانت الكلمات والمفاهيم والأشياء التي تشترك في عنصر التشابه مترابطة، بمعنى أنه كان يُعتقد أنها متشابكة بالفعل مع بعضها البعض". "في سحر بلاد ما بين النهرين القديمة، يمكنك جعل طفل يبكي ليهدأ من خلال فركه بمرهم يحتوي على غبار مأخوذ من برميل لأن كلمة" البكاء "(hubūru) تبدو مثل كلمة" برميل "(hubūru) في البابلية ".
  ثقافة إلهية:
في العرافة على سبيل المثال، كان يُعتقد أن كبد الخروف القرباني الذي يظهر أخدودًا يشبه الهلال يتنبأ بأن المدينة محاطة بالعدو. يعتمد الارتباط بين الاثنين على التشابه بين الظاهرة والحدث المتوقع. تشرح عالمة الآشوريات: "بالنسبة للبابليين، يعكس هذا التشابه ترابطًا فعليًا بين الاثنين، والذي بدوره يكشف عن إرادة الآلهة". "أبحث في كيف ينعكس هذا النوع من النظرة إلى العالم في مجموعات نصية مختلفة لم يتم التحقيق فيه على نطاق واسع وأنا حريصة جدًا على القيام بذلك في مشروع ERC الخاص بي."
 التكرار ثم التكرار ثم التكرار:
الأدب القديم في بلاد ما بين النهرين مليء بالتكرار المتنوع. اعتُبرت هذه الظواهر عادة مجرد زخارف شعرية من باب الأسلوب. يجادل المشروع بأن التكرار النصي في الأدب متجذر أيضًا في النظرة العالمية التناظرية القديمة لبلاد ما بين النهرين. يضيف التوازي النموذجي الذي يكرر عبارة معينة بكلمات مختلفة فروقًا دقيقة في المعنى. من خلال التحقيق في مثل هذه الظواهر، سيكتشف المشروع طبقات جديدة من المعنى حتى في النصوص الأساسية المعروفة للأدب البابلي. سيُظهر لأول مرة أن الشعرية البابلية تهدف إلى اكتساب رؤى جديدة عن حالة العالم من خلال بناء النص الذي يسترشد بالتشابه والقياس. تعطي الألواح الطينية التي يبلغ عمرها 3000 عام مع النصوص المكتوبة بخط مسماري لعالمة الآشوريات  دي زورزي رؤى جديدة حول الثقافات المفقودة منذ زمن طويل للآشوريين والبابليين. تريد العضو الجديد في  في الأكاديمية النمساوية للعلوم أن تعرف كيف فكر الناس في ذلك الوقت في العالم. وسبر رؤى جديدة حول الثقافات المفقودة منذ زمن طويل للآشوريين والبابليين.
  انغماس في عالم ميزوبوتاميا:
نيكلا دي زورزي إذا جاز التعبير، رائدة في مجال أبحاثها. هذا التفكير في المقارنات واضح بشكل خاص في نصوص الكهانة. يتم تنظيم هذه دائمًا في المنطق الشرطي. على سبيل المثال: إذا ضاع غراب في منزل شخص مريض، يمكنه أن يأمل في الشفاء العاجل. من خلال تحليل مثل هذه "البشائر" وأيضًا المقارنات الأخرى في النصوص القديمة، والبحث في نصوص تعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد. خُدِشَت من قبل الناس في أقراص طينية. ما يميزها: "كان التفكير في ثقافة بلاد ما بين النهرين مشابهًا  بمجتمعنا بشدة، أكثر بكثير مما نتخيله اليوم " و"لا يزال هناك الكثير من الموضوعات والمصادر المفتوحة التي تنتظر  الفحص فقط".  يُنظر إلى المقارنات أيضًا على أنها صلة بين عالم الرجال وعالم الآلهة. لذلك، إذا تم وضع أشياء متشابهة جنبًا إلى جنب في جوانب، يعتقد المرء أنه يمكنه استخلاص استنتاجات منهجية من واحدة إلى أخرى. مثال على الفأل من مصادري يقول: "إذا كان كبد الخروف المذبوح به منخفض على شكل منجل، فهذا يعني أن المدينة محاطة بالعدو". دي زورزي: يمكن العثور على أمثلة واضحة على وجه الخصوص للتفكير التناظري في الأدب في النصوص الإلهية، أي نصوص الكهانة التي قمت بفحصها. يتم تنظيم هذه التنبؤات دائمًا بنفس الطريقة، أي من جمل الشرط. ترتبط دائمًا الأحداث المتخيلة التي يُنظر إليها على أنها علامات محتملة للآلهة، والعواقب التي يمكن اشتقاقها منها عبر التشابهات. نحن نطلق على هذه الجمل "النذر". وهي تقول "أنا متحمسة بشكل خاص لدراسة المرحلة الثانية، والتي سنقارن فيها مجموعة من النصوص الأدبية والفلسفية الصينية القديمة مع موادنا". يعود تاريخ ثقافتي الصين وبلاد ما بين النهرين إلى نفس الفترة تقريبًا ، وهما متشابهتان جدًا في هياكلهما الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الأهم من ذلك ، أن أنظمة سعة الاطلاع الكتابية قابلة للمقارنة - التقليد الطويل للمنح الدراسية القائمة على الكتابة، والنص متعدد التكافؤ غير الأبجدي، والنظرة العالمية التماثلية الأساسية. كلاهما يبني المعنى من خلال التناظرية والجدال المتوازي المعبر عنه بالوسائل النصية. "سيكون من المثير للغاية التحقيق في أوجه التشابه والاختلاف في طريقة التفكير في هاتين الثقافتين العظيمتين في العصور القديمة. لم تتم محاولة أي شيء مثل هذا من قبل.
  في بلاد ما بين النهرين.  طور السومريون أول حضارة متقدمة في تاريخ البشرية. اخترعوا الكتابة المسمارية. وتبعهم الأكاديون والبابليون والآشوريون وغيرهم. تتناول أبحاث نيكلا دي زورزي أيضاَ الألواح الطينية من مكتبة أشوربانيبال (669-627 قبل الميلاد). كان آخر حاكم مهم للإمبراطورية الآشورية، التي غزاها الميديون والبابليون بعد وفاته.
 https://www.youtube.com/watch?v=915cyPYCwVQ





49
 

الفساد والفقر في مولدوفا: هل ستكون هناك انتخابات نزيهة وحرة هذه المرة؟

 بولص آدم

  في جمهورية مولدوفا، ستحدد انتخابات الإعادة رئيس الدولة المستقبلي يوم الأحد 15.11.2020. في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية قبل أسبوعين، كان شاغل المنصب إيغور دودون وراء منافسته الموالية للغرب مايا ساندو بشكل مفاجئ. مع أن استطلاعات الرأي عبرت عن أن الرئيس دودون الموالي لروسيا في المقدمة.  (يتباهى الرئيس دودون بزياراته المتكررة للكرملين).
يقول فيتالي: "سأصوت. أنا  لا أعرف لمن. ربما لدودون. لا يوجد مرشح جيد حقًا. في رأيي، كلهم فاسدون. لكن في هذا البلد ليس لدينا خيار. أعتقد أنه أفضل لنتطلع إلى روسيا من أجل هذا البلد بدلاً من أوروبا ".
تشرح كورينا: "أنا أصوت لساندو، لأن هذا تصويت ضد دودون. دودون - كما أوضح مرة أخرى في حملته الانتخابية - كاره شائن ومتعجرف للنساء. يجب أن يشعر المرء بالخجل لأنه رئيسنا. أنا أصوت لامرأة، مايا ساندو مثقفة في هذا المجتمع الأبوي ".
 
تنقسم مولدوفا، الجمهورية السوفيتية السابقة  إلى دعاة التقارب مع الاتحاد الأوروبي وأولئك الذين يريدون الحفاظ على علاقات وثيقة مع روسيا. تعتبر مولدوفا أفقر دولة في أوروبا. يهاجر الشباب المولدوفي على وجه الخصوص بأعداد كبيرة. يقدر السياسيون المحليون أن ثلث السكان قد هاجروا بالفعل إلى روسيا أو الاتحاد الأوروبي. المولدافيون في الخارج ، في روسيا، أو في الدول الغربية وأماكن أخرى، يمكنهم أيضًا الإدلاء بأصواتهم. ستكون لنتيجة هذه الانتخابات عواقب، ليس فقط على البلد، ولكن على المنطقة بأسرها.
في الانتخابات الرئاسية في مولدوفا في عام 2016، تم انتخاب إيغور دودون رئيسًا وتمكن من الفوز على مايا ساندو  بنسبة 53٪..  في الأسابيع التي أعقبت الانتخابات المحلية لعام 2019، أطاح الحزب الاشتراكي بحكومة ماريا ساندو بعد خلاف حول إصلاح الأسلوب الانتخابي لمكتب المدعي العام لرئاسة الوزراء. تم تمرير اقتراح بتوجيه اللوم بأغلبية 63 صوتًا من أصل 101 بدعم من الديمقراطيين ، مما سمح للرئيس إيغور دودون بتعيين أيون تشيكو رئيسًا للوزراء. يتم تصوير وزير الاقتصاد السابق والمستشار المقرب من الرئيس على أنه تكنوقراط مستقل. وتحظى حكومته، التي تتكون بالكامل من مستقلين مقربين من الرئيس أو شاركوا في حكومات ديمقراطية، بدعم مشترك من الاشتراكيين والديمقراطيين. وتعيش مولدافيا، الجمهوريّة السوفياتيّة السابقة الناطقة بالرومانية والتي تقع فيها ترانسدنيستريا، المنطقة الانفصالية على الحدود مع اوكرانيا ويسيطر عليها موالون لروسيا، منذ سنوات بين الطموحات الأوروبية والتقارب مع موسكو. ويعدّ هذا البلد الصغير الذي يبلغ عدد سكانه 3,5 ملايين نسمة، احدى أفقر الدول في أوروبا. ويقدر عدد الذين هاجروا هربا من الفقر بنحو 40 % من السكان. تقع دولة مولدوفا المعروفة بزراعة العنب، بين أوكرانيا ورومانيا في منطقة التوتر السياسي بين روسيا والاتحاد الأوروبي. لقد كانت في أزمة دائمة منذ الاستقلال في عام 1991: المنطقة الحدودية مع أوكرانيا شرق نهر دنيستر إنفصلت فعليًا إلى ترانسنيستريا. وقد نشرت روسيا قوات هناك بتفويض من الأمم المتحدة. تنشأ التوترات أيضًا من حين لآخر. انزلقت مولدوفا بشكل أعمق في أزمة اقتصادية بسبب وباء كورونا. وبحسب الإحصاءات الرسمية ، سُجلت أكثر من 500 إصابة جديدة يوم الانتخابات. كان هناك أكثر من 76000 حالة منذ الربيع.
 
قال هيلموت شولتز ، عضو وفد الاتحاد الأوروبي، في اجتماع اليوم للجنة الاتحاد البرلماني الثامن:
"إن العواقب المقلقة لوباء Covid-19 المستمر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية بأكملها في مولدوفا بحاجة ماسة إلى اتفاق سياسي بين أعضاء البرلمانين. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي تجرى بها الانتخابات الرئاسية هي مصدر قلق بالغ بين أعضاء البرلمان الأوروبي. وستحدد النتيجة مسار الشراكة البناءة بين الاتحاد الأوروبي ومولدوفا. قلق بشأن المخالفات الجسيمة التي لوحظت بالفعل في عملية التسجيل المسبق للمواطنين للتصويت في الخارج. كما أن هناك خللًا كبيرًا في قرار لجنة الانتخابات المركزية بشأن عدد مراكز الاقتراع التي سيتم فتحها في الخارج. إن قضايا الفساد وإساءة استخدام المنصب في الانتخابات التي لم يتم حلها في الماضي تعطي سببًا كافيًا لافتراض أن المسؤولين عن هياكل الماضي ما زالوا يجرون الخيوط السياسية ".
"لا يزال العديد من مواطني مولدوفا ينتظرون إعادة" المليار المسروق "إلى ميزانية الدولة. متى ستتم محاكمة "اللصوص" وداعميهم في النهاية؟ كان الدليل مطروحًا على الطاولة منذ سنوات. لكننا ما زلنا ننتظر أي نتائج. لم يتم اعطاء فرصة استقلال القضاء ".
"لذلك ، يدعو البرلمان الأوروبي جميع المؤسسات العامة ذات الصلة المشاركة في مراقبة الانتخابات إلى منع أي انتهاكات لقانون الانتخابات والعملية الانتخابية في جميع مراكز الاقتراع، بما في ذلك تلك المفتوحة للمواطنين من الضفة اليسرى لنهر نيسترو. هذه هي الخطوة الأصغر والأولى في نفس الوقت من أجل استعادة الثقة في السياسة وهياكل الدولة وبالتالي في الديمقراطية وسيادة القانون ".
إن النفوذ السياسي المتزايد لموسكو في المنطقة بأكملها يستدعي إعادة التفكير في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. نتائج الانتخابات الرئاسية في مولدوفا ليست بشير خير للغرب. لكن من غير المرجح أن تكون هذه التطورات الأخيرة بمثابة مفاجأة لصناع القرار في الاتحاد الأوروبي أو في الناتو. بعد مرور أكثر من ربع قرن على سقوط الستار الحديدي، يشعر المزيد والمزيد من الناس في الكتلة الشرقية السابقة بخيبة أمل من الغرب. يرى الكثيرون أنفسهم متخلفين عن الركب وكأوروبيين من الدرجة الثانية ، وقد تم تقويض القيم المشتركة التي تم التباهي بها كثيرًا مثل الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان بسبب المجموعات القديمة والفساد المستشري والانهيار الاقتصادي العنيف.
إن التأرجح الكامل في اتجاه موسكو ليس وشيكًا - باستثناء جمهورية مولدوفا - لكن وسط وجنوب شرق أوروبا كانا يغليان لفترة طويلة. كانت جمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر تغازل روسيا ورئيسها  بوتين لبعض الوقت. وانتقدوا بانتظام عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم والحرب في شرق أوكرانيا، دون الاهتمام بالإجماع في بروكسل. وهكذا فإن حكام هذه البلدان - سواء كانوا اشتراكيين أو ليبراليين - أبقوا دائمًا خيار القرب من موسكو مفتوحًا. حتى الدول الأرثوذكسية السلافية في غرب البلقان لا تريد العبث مع أخيها الأكبر في موسكو، على الرغم من الاندماج في الاتحاد الأوروبي الذي تسعى جاهدة من أجله. عرف بوتين كيف يحول التبعيات الاقتصادية، خاصة في قطاع الطاقة، إلى قيمة ظاهرية سياسية بنجاح ملحوظ: فاز في الانتخابات سياسيون مؤيدون لروسيا بشكل متزايد. لم تكن بروكسل تريد أن تكون هذه التطورات صحيحة وبالتالي أغفلتها. سيكون من الصعب تدعيم الصدع الذي يمر عبر أوروبا.
في الناتو أيضًا، الوضع ليس مستقرًا تمامًا. تخضع تركيا للحكم الاستبدادي بشكل متزايد وتسعى أيضًا إلى التقرب من روسيا. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغييرات جذرية: يجب أن تتحمل أوروبا مزيدًا من المسؤولية، وبالتالي ستكون أكثر بمفردها. لا أحد يعرف حقًا كيف ستبدو هذه المسؤولية الجديدة. حتى الآن، على سبيل المثال، لا ترغب جميع الدول في تقديم المساعدة على قدم المساواة على الجانب الشرقي من التحالف، على الرغم من وجود إجماع حول كيفية تقويته. دول البلطيق وبولندا ورومانيا هي الدول الوحيدة في أوروبا الشرقية التي تستعد بنشاط بالتنسيق مع الولايات المتحدة لتهديد عسكري محتمل من روسيا.
ليس هناك شك: إن الميول المتزايدة المؤيدة لروسيا في أوروبا الشرقية ليست مجرد نتيجة لعودة العلاقات التاريخية. إنها نتيجة للأزمة العميقة التي يجد الاتحاد الأوروبي نفسه فيها. لسنوات ، كان لدى بروكسل إجابة واحدة فقط لهذه الاتجاهات: اجلس وانتظر بعيداً.. يجب أن ينتهي ذلك. يجب على دول الاتحاد الأوروبي وأولئك الذين يريدون أن يصبحوا كذلك أن يعترفوا بوضوح بالقيم المشتركة للديمقراطية والحرية. لم يعد بإمكان القومي والشعبوي القيام بذلك بمفرده ووضع أجندة المجتمع.
الرسائل الواضحة مطلوبة الآن داخليا وخارجيا. يمكن أن يكون هناك استرخاء فقط إذا أصبح التغيير في السلوك الإمبراطوري لموسكو واضحًا. لم تكن العقوبات ضد روسيا، بل سلوك بوتين العدواني وأفعاله هي التي أشعلت فتيل الصراع الجديد بين الشرق والغرب. يحتاج شعب روسيا إلى دعم أوروبا لمعرفة منطق بوتين للعزلة الذاتية. يجب أن تكون الدعاية المعادية للغرب من السياسيين ووسائل الإعلام الروسية مجردة من الوهم. لم يكن الغرب هو من أراد هذا الاستقطاب الجديد. لكن على الغرب أخيرًا أن يجد سياسة متماسكة حتى لا تفشل قصة النجاح الأوروبية البالغة من العمر 60 عامًا تقريبًا. قال بيتر ستانو، المتحدث باسم منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، إن الانتخابات الرئاسية في مولدوفا هي جانب مهم من جوانب الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا.
«ستكون الانتخابات لحظة مهمة في العلاقات بين مولدوفا والاتحاد الأوروبي. مولدوفا بلد منتسب وشريك مهم لنا. نحن نراقب العملية الانتخابية ونتابعها عن كثب. وقال المسؤول الأوروبي: نأمل أن تكون هذه الانتخابات نزيهة وشفافة وأن تلتزم بالحقوق والمعايير الديمقراطية. 
تأسست الدولة عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. لكن تاريخ الشعب يعود إلى أبعد من ذلك بكثير. ظلت إمارة "مولدوفا" المتأخرة في العصور الوسطى في الذاكرة التاريخية للشعب "آخر ذروة" لأمتهم، كما يقول البعض باستخفاف. كانت المنطقة الواقعة على البحر الأسود جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ثم الإمبراطورية الروسية، ثم رومانيا، وأخيراً الاتحاد السوفيتي. ترك كل هذا بصماته: سكان مختلطون عرقيا، وتعدد لغات، ولا هوية وطنية موحدة وانقسامات سياسية وإقليمية.
ينتمي الرئيس، إيغور دودون، إلى "حزب الاشتراكيين لجمهورية مولدوفا" الموالي لروسيا،أو باختصار PSRM. ولكن إذا سألت من الذي يحكم البلد حقًا، فستحصل على إجابة مختلفة تمامًا: الأوليغارشية. تعني كلمة "الأوليغارشية" المترجمة حرفياً من اليونانية "حكم القلة". يتعلق الأمر بقليل من الأغنياء الذين يريدون أن يصبحوا أكثر ثراءً. إحدى الطرق التي يتبعونها هي غسيل الأموال. في عام 2014 ، على سبيل المثال، أصبحت "سرقة القرن" معروفة: في غضون فترة قصيرة من الزمن، اختفى فجأة مليار دولار من البنوك المولدوفية. كان الناس في البلاد غاضبين ومتظاهرين. ثم حُكم على فلاد فيلات ، أحد هؤلاء القلة  بالسجن تسع سنوات. ولكن كان هناك المزيد من العقول المدبرة وراء هذا والعديد من الإجراءات الأخرى الذين لم يكن لديهم الخوف من الملاحقة القانونية. كيف يعقل ذلك؟ بكل بساطة ، لأنه لسوء الحظ يمكنك شراء الكثير بكل هذه الأموال: الصمت ، المقربين ، المتواطئين ، المكاتب في الإدارة ، العدل والسياسة ، القنوات التلفزيونية والصحف ، التصويت ، حتى كرسي الحزب. يقودنا هذا إلى واحدة من أكبر مشاكل مولدوفا: الفساد.
في غضون ذلك ، سيطر رجال مثل فلاد فيلات أو فلاد بلاهوتنيوك على حوالي 80٪ من المشهد الإعلامي وعلى الأقل حزب واحد بأكمله في البرلمان. يسمى هذا الحزب "الحزب الديمقراطي لمولدوفا" PDM. لم يكن من قبيل الصدفة أن يطلق الكثير من الناس على جمهورية مولدوفا "دولة محتجزة كرهينة" لكن في يونيو من العام الماضي ، حدث شيء غير عادي: في نهاية مفاوضات طويلة ، كان هناك تحالف بين PSRM الموالي لروسيا وتحالف الحزب الموالي لأوروبا "ACUM". "ACUM" تعني "الآن" وهي جزئياً نتيجة للحركة الاحتجاجية بعد عملية السطو على مليار دولار. تولت مايا ساندو، أحد قادة الحزب، زمام المبادرة في التحالف. كان لها هدف عظيم هو نزع حكم القلة في البلاد. لأنه من خلال هذا التحالف، فقد "الحزب الديمقراطي" بزعامة فلاد بلهوتنيوك السلطة فجأة. حالما أصبحت مايا ساندو رئيسًا للوزراء، فر "أقوى رجل في البلاد". أعطى هذا بعض الأمل. تحدث بعض الصحفيين بالفعل عن "ثورة". لكن الائتلاف الحاكم فشل بعد خمسة أشهر فقط ، في نوفمبر 2019 ، في مسألة الخلاف على النائب العام. لقد كان جزءًا من قانون الإصلاح الواسع النطاق لساندو لملء المناصب المهمة في الإدارة والقضاء بممثلين مستقلين. لكن شركاء التحالف غير المتكافئين لم يتمكنوا من الاتفاق على من يجب أن يشغل هذا المنصب المهم. والبعض يقول: إن القضاء المستقل ما كان ليصب في مصلحة كثير من مسؤولي المؤسسة السياسية ، لأن معظمهم استفاد تحديداً من حقيقة عدم وجود برلمان حقيقي. لكن ماذا يعني كل هذا بالنسبة لـ 3.5 مليون شخص يعتبرون جمهورية مولدوفا وطنهم؟ لطالما اعتبرت البلاد "البيت الفقير لأوروبا". يبقى الناس طافحين بأجور متدنية (المتوسط الوطني 377 يورو) وعمل غير قانوني. يُنظر إلى الفساد وعدم الاستقرار السياسي على أنهما العقبات الرئيسية التي تواجه الشركات ، وفقًا لتقرير التنافسية العالمية لعام 2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. أولئك الذين يعيشون في البلد يعيشون البؤس بعينه. البعض منهم ليس لديه حتى مياه جارية أو يجدون صعوبة في دفع فواتير التدفئة. يعبر الكثيرون عن استيائهم على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن من الواضح أن الناس يصوتون بأقدامهم: فقد هاجر حوالي ربع سكان مولدوفا ، بشكل أساسي إلى روسيا وإلى دول الاتحاد الأوروبي التي تعد بمستويات معيشية أعلى ومستقبل أفضل.
كيف ستستمر الأمور في البلاد لا يزال غير واضح. أعاد الرئيس دودون رئيس وزراء "اشتراكي". بالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق سراح فلات، الأوليغارشي الذي تم سجنه بالفعل بسبب إساءة استخدام المنصب، في وقت مبكر. كتب المحللون مثل أونا هاجداري، مع ذلك، أن "الثورة" لم تنته بعد، لأن مايا ساندو اكتسبت شعبية لدى الكثيرين من خلال عملها الصارم ضد السياسات الفاسدة ونهجها الإصلاحي بعيد المدى. يجب على الرئيس إيغور دودون أن يواصل الإصلاحات جزئيًا على الأقل، من ناحية لتأمين المساعدة المالية من الخارج ومن ناحية أخرى حتى يتمكن من إعادة انتخابه. اليوم انتخابات رئاسية. النتيجة ستكون مثيرة بالتأكيد.
 

50
الفكاهة السوداء في الحقبة السوفيتية ونُكات راديو يريفان

بولص آدم


إن الاستهزاء بجوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي  كان قاتلاً. لكن هذا لم يمنع المواطنين السوفييت من إلقاء النكات عنه. في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، تعرض أكثر من 100000 شخص للاضطهاد والسجن والترحيل بسبب إلقاء نكتة. لم يَنجُ الكثير منهم في السجون. حافظ رواة النكات على حريتهم في التعبير والفكر - حتى خلال الفترات الخطيرة من عمليات الترحيل الجماعي والقتل الجماعي في عهد جوزيف ستالين: "الرفيق ريختر ، ما الذي تضحك عليه بشدة؟ أخبرنا! "أنا آسف! لا أستطيع فعل ذلك! لقد حكمت للتو على شخص ما بالسجن ثلاث سنوات بسبب هذه النكتة! ".
تقول إيفا كوفاكس، العالمة في "المحفوظات التاريخية لأجهزة أمن الدولة" في بودابست: "بعد وفاة ستالين في أوائل مارس 1953 ، أدين ما لا يقل عن 100 شخص في المجر لإلقاء نكات حول ذلك". ولكن الأمر واضح أيضًا في المجر: فكلما كانت الأوقات أسوأ، ازدادت النكات. حتى أثناء الانتفاضة المجرية في عام 1956، عندما فر حوالي 200000 شخص من البلاد ، كان هناك نكتة وسخرية .. تثبت ذلك مواد الأرشيف، على سبيل المثال، أن سيرجي بوبوفيتش حُكم عليه بالسجن عشر سنوات لإلقاء ست نكات مناهضة للسوفييت. كان لا يزال محظوظًا في هذه المحنة، كما أوضحت عالمة اللغة ألكسندرا أرشيبوفا لإذاعة الحرية: "في الأربعينيات، حُكم على الناس بالإعدام بسبب الدعاية المعادية للسوفييت والنكات المضادة للثورة. لذلك ليس بعيد المنال أن الدعابة يمكن أن تكون قاتلة أيضًا. أي نوع من النكات كانت تلك التي كانت مهددة للحياة؟ منذ فترة الأربعينيات من القرن الماضي، تمت ترجمة بعضها. لا تقلق، لا شيء يمكن أن يحدث بعد الآن! تناولت بعض النكات عيوب النظام الاشتراكي.. قيل إن بوبوفيتش البائس قال:
سيدة عجوز ترى الجمل لأول مرة في حياتها وتبدأ في البكاء. "أوه ، أيها الحصان المسكين ، ما الذي صنعته منك القوة السوفيتية ..."
كما أن الدعاية السوفيتية،التي كانت تخبر فقط عن الجانب المشمس للاشتراكية وتلتزم الصمت بشأن المشاكل، كانت تُسَخّر أيضًا روح النكتة: أشباح الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون يشاهدون العرض في الميدان الأحمر. يقول ألكسندر: "لو كانت لدي دبابات سوفيتية، لكنت لا أقهر!". "لو كان لدي طائرات سوفيتية ، لكنت غزت العالم كله!" يقول القيصر. ويقول نابليون: "لو كان لدي برافدا [الجريدة السوفيتية الرئيسية] ، لما عرف العالم عن ووترلو!"
كانت الاشتراكية السوفياتية جيدة من الناحية النظرية لكنها فشلت في الممارسة. غالبًا ما كان هناك نقص في البضائع. وتعامل معها شعب الاتحاد السوفياتي بروح الدعابة.
"ماذا سيحدث عندما نجلب الاشتراكية إلى الصحراء؟" "لن يحدث شيء في الخمسين عامًا الأولى، فقط التخطيط والحديث. ثم فجأة لن يكون هناك رمل في الصحراء ".
في عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، تم تصوير ستالين على أنه شخص قاسي للغاية يخافه الجميع:
ستالين يلقي كلمة أمام جمهور كبير في الكرملين، فجأة يعطس شخص ما.
ستالين: "من كان هذا؟"
(يرتجف الجميع ولا يجرؤ أحد على الاعتراف).
ستالين: "الصف الأول، انهض وانطلق. سوف يتم إعدامك ".
(تصفيق)
ستالين: "إذن من كان؟"
(صمت مستمر)
ستالين: "الصف الثاني، انهض وانطلق. سوف يتم إعدامك ".
(تصفيق حار والهتاف: "تحية طيبة، ستالين العظيم!")
ستالين مرة أخرى: "من كان؟"
في الصف الخلفي يقف رجل يرتجف ويقول: "كنت أنا، أنا آسف".
ستالين: "لا مشكلة. الصحة أيها الرفيق ".
كلف تأميم الزراعة السوفيتية والتحول إلى كولخوز حياة عدد لا يحصى من الفلاحين. نوقش ذلك أيضًا في النكات:
ذات مرة عثر ستالين على فئران في مكتبه في الكرملين. لم ينجح أحد في مطاردتهم. لذا قدم صديق لستالين بعض النصائح: "فقط أعلن أن مكتبك مزرعة جماعية. نصف الفئران سيهرب في لمح البصر والنصف الآخر سيموت جوعا! "
في الوقت نفسه، استمرت الدعاية الرسمية للدولة في تمجيد ستالين، مما تسبب أيضًا في السخرية.
يذهب رابينوفيتش القديم إلى الاجتماع حاملاً لافتة كتب عليها: "شكرًا لك أيها الرفيق ستالين على طفولتي السعيدة!" أحد رجال الشرطة يراها: "أيها الرفيق، هذا غير منطقي. عندما كنت طفلاً، لم يكن ستالين قد ولد بعد ". "نعم ، وكانت طفولتي سعيدة حقًا بدونه. أنا ممتن له على ذلك ". 
النكات السوفيتية: نكات شجاعة ودقيقة عن لينين وستالين وشركاهما. لطالما كانت الدعابة الروسية أكثر جرأة من مثيلتها في العديد من البلدان الأخرى. النكات عن "أبطال الثورة" والقادة السوفييت توضح ذلك بوضوح. لم تكن السنوات التي تلت الثورة الروسية عام 1917 مضحكة بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، لم يفقد الروس روح الدعابة لديهم حتى في هذه الأوقات الصعبة من الحرب الأهلية- على الرغم من أنهم واجهوا فترات سجن طويلة وحتى عقوبة الإعدام بسبب النكات الانتقادية. كان الهجاء السياسي الروسي أكثر حيوية من أي وقت مضى. بعد 100 عام ، جمعت "روسيا بيوند" وترجمت النكات الأكثر غرابة عن قادة الثورة والسوفييت "الذين لا يمكن انتهاكهم". غالبًا ما يتم تصوير فلاديمير لينين في النكات على أنه منظر شديد الجدية والعاطفية وصانع رأي إيديولوجي كشخصية رئيسية في الثورة، غالبًا ما تشتمل النكات على محادثات خيالية مع معاصريه، على سبيل المثال مع المتعصب فيليكس دزيرزينسكي ، رئيس أول شرطة سرية سوفيتية شيكا.. الرسوم الكاريكاتورية لـ "آيرون فيليكس" هي التي أثرت بشدة على لينين باعتباره "ثوريًا محترفًا"، والذي، مع ذلك، يجب ألا يُظهر هذه الاستفزازات تحت أي ظرف من الظروف:
"فلاديمير إليتش ، ما هو الاقتصاد الاشتراكي؟"
"لذا ، فيليكس إدموندويتش ، أخبرني من فضلك ، هل لديك ساقان مشعرة؟"
"نعم "
"مشعر جدا؟"
"مشعر جدا".
"حسنًا،أنت لست بحاجة إلى معطف شتوي."
لينين يقترب من دزيرجينسكي ويسأل:
"هل تقفز من النافذة من أجل الثورة؟"
"بالطبع!" يجيب دزيرجينسكي  ويقفز على الفور من النافذة.
ينزل لينين الدرج ويخرج إلى الشارع وينظر إلى دزيرجينسكي الذي يرقد على الأرض. " أيرون فيليكس "، نعم؟ يا لها من شفقة! "
 
"بإلهام" من الندرة الدائمة للأحتياجات في الاتحاد السوفيتي، كان من الشائع جدًا استهداف نفس الأيديولوجية والعبارات الفارغة حول النمو الاجتماعي بسخرية. في هذه النكتة، يصور الشعار الثوري على أنه بعيد مثل حياة تشوكشي في الزاوية الأخيرة من الشرق الأقصى من الاتحاد السوفيتي السابق. يمثل ممثل تشوكشي أمام الكونجرس:
"استمتعت! قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، كان لدينا نحن تشوكشي شعوران: الجوع والبرد. الآن فقط نشعر بثلاثة أشياء: الجوع والبرد والرضا العميق ".
على الرغم من أن عبادة الشخصية تُنسب عادةً في المقام الأول إلى   جوزيف ستالين، إلا أنها لعبت بالفعل دورًا مهمًا في الأيديولوجية السوفيتية في زمن لينين. - كان المواطنون السوفييت يمزحون كثيرًا وبقسوة - كما في هذه النكتة على سبيل المثال بعنوان " مسرحية تولستوي " :
 
"اليوم نذهب إلى المسرح ونشاهد مسرحية "الجثة الحية"!
"أوه، أنا مريض. إنه دائمًا ما يتعلق الأمر بلينين في كل مكان! "
قرب نهاية الحقبة السوفيتية، تضاءلت الرقابة، وأصبحت نكات بريجنيف شائعة، وتراجعت عبادة الشخصية حول رؤساء  الاتحاد السوفيتي. ظهرت  العديد من النصوص الأكثر بساطة وبدائية - في بعض الأحيان حتى مع وجود إشارات إلى الموسيقى الحديثة من الغرب. إن وجود الحزب في كل مكان، وقادة الحزب كليي العلم والمعرفة، وجهاز المخابرات القادر بعبقرية، عكس جنون العظمة الأيديولوجي في الاشتراكية السوفيتية. يعني أيضًا أن كل نقد، كل نكتة نقدية تساوي التخريب. كل نكتة سياسية هي تدنيس للمقدسات. . شهود معاصرون مثل مفوض "تاتورت" السابق بيتر سودان، رسام الكاريكاتير إيفان شتايجر أو كاتب رواية "الديسكو الروسي" فلاديمير كامينير يروون عن عالم قد يكون فيه إلقاء نكتة أمرًا خطيرًا. يدعم هؤلاء هذه الحقائق من خلال تسجيلات أرشيفية وأفلام روائية، والتي تضمنت جنون العظمة الذي يتم تجسيده عادةً في أيديولوجية عمليات الإنتاج الجماهيري المصممة بدقة وعبادة القيادة الشيوعية. منذ الثورة البلشفية في عام 1917 ، ظهرت نفس المفارقة في جميع البلدان الاشتراكية: الحقيقة الشيوعية الرسمية كانت منمقة ومبالغ فيها وأكاذيب. كانت النكات اليومية أقرب بكثير وأكثر واقعية للواقع. مواجهات واقعية للدعاية في الصحف والسينما والتلفزيون.
يقول وولف أوسكليس، مؤلف كتاب المطرقة والضحك: "المزحة الجيدة كانت مثل الأشعة السينية وتظهر الصورة الحقيقية للاشتراكية حتى يومنا هذا!" : ما هو الفرق بين الرأسمالية والشيوعية؟ - الرأسمالية هي استغلال الإنسان للإنسان. لكن الشيوعية هي العكس تماما!

الفكاهة السوداء : راديو يريفان، بدأت في الغالب بمقدمة: "سؤال لمحطة إذاعة يريفان" ، تعتبر تعبيرًا عن السخرية اللاذعة والفكاهة السوداء التي تعامل بها الأوروبيون الشرقيون مع الوضع في بلادهم في ذلك الوقت. 
كانت النكات السياسية شائعة بشكل خاص في رومانيا خلال الشيوعية. ومع ذلك ، فهي بعيدة كل البعد عن اعتبارها اختراعًا رومانيًا. لقد حدثت بشكل متكرر في جميع ولايات الكتلة الشرقية السابقة ويمكن بالتالي وصف العديد منها بأنها شائعة ، مع بعض الاختلافات المحلية. يعتقد الكثيرون ، مع ذلك ، أن الأفضل جاء من الاتحاد السوفيتي السابق، وأن الناس اخترعها بهدف التعامل مع الحياة اليومية في مجتمع شكله النظام القمعي والتعامل مع الوضع الاقتصادي والسياسي للبلاد بروح الدعابة السوداء. استندت النكات السياسية إلى مواقف كوميدية وعبثية مختلفة ، كانت الشخصيات الرئيسية فيها في الغالب أشخاصًا عاديين، ومؤسسات الجهاز القمعي ، ودعاية الدولة والزعماء السياسيين، أو ألمحت إلى الأحداث الجارية في ذلك الوقت.
 
حظيت إذاعة يريفان بشعبية خاصة بين شخصيات النكات السياسية البارزة. أجاب طاقم التحرير الخيالي للإذاعة في عاصمة أرمينيا اليوم على أسئلة الجمهور الافتراضية بروح الدعابة السوداء ومليئة بالسخرية. بدأت معظم النكات بالمقدمة: سؤال لراديو يريفان. كانت نكات راديو يريفان قصيرة وذات مغزى و تُضحِك على الفور. إحدى نكات راديو يريفان التي ظهرت كثيرًا في بلدان الكتلة الشرقية السابقة كانت: "سؤال لمذيع يريفان: هل صحيح أن المجتمع الرأسمالي على حافة الهاوية؟ إجابتنا: من حيث المبدأ نعم، لكننا قطعنا بالفعل خطوة أخرى ".
 
يُجيب المؤرخ إدوارد أنطونيان عن سبب انتشار النكات حول محطة الراديو في العاصمة الأرمينية في رومانيا الشيوعية:
كان راديو يريفان شكلاً من أشكال الانشقاق، حتى في الاتحاد السوفيتي السابق. المفهوم نفسه شجع الفكاهة السوداء. وكما قالت نكتة مشهورة في راديو يريفان ، فإن الحمير الوحشية كانت حميرًا عادية سابقاً، قالت النكات السياسية إن الخطوط كانت في الواقع آثار قضبان. أو ما يعادل هذه النكتة المتداولة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية: هل تُكَرَّم نكات راديو يريفان؟ من حيث المبدأ ، نعم ، من 30 إلى السجن مدى الحياة في التسعينيات، بعد حصول أرمينيا على الاستقلال، جاء مدير الإذاعة الأرمينية  راديو يريفان، إلى بوخارست.  لم يكن يعرف حتى سبب شهرة المحطة التي يديرها في العاصمة الرومانية. في كل مرة ظهر اسم راديو يريفان في محادثة ، كان يجلب الابتسامة على وجه من كان يتحدث معهم ؛ حتى أن ضباط الجمارك الرومانيين طلبوا منه أن يخبرهم ببعض النكات. مع ذلك ، أن المدير الجديد للمحطة قد نشر مؤخرًا على حسابه على Facebook: "كن حذرًا ، أنا المدير الجديد لراديو يريفان ، من الآن فصاعدًا سآخذ كل نكتة شخصيًا وسأشعر بالإهانة" 
في الاتحاد السوفيتي ، كما هو الحال في كل دولة ، عملت الكليشيهات حول كل شخص تمامًا كما تعمل الكليشيهات الشائعة حول المناطق الفردية داخل البلد. يعتقد إدوارد أنطونيان أن الطريقة التي قررت بها الشعوب الاشتراكية أن تجعل من راديو يريفان الشخصية الرئيسية لنكاتهم المفضلة في الحقبة السوفيتية يرجع إلى دهاء الأرمن "في مزيج الشعوب في الاتحاد السوفيتي، كان يُنظر إلى كل شعب على أنه فرد. على سبيل المثال، اعتُبر الطاجيك والأوزبك عمومًا وقحين جدًا وليسوا أذكياء بشكل خاص. كان الروس والأوكرانيون تجسيدًا للروح السلافية في حد ذاتها، وكان ينظر إلى الليتوانيين واللاتفيين والإستونيين على أنهم غربيين، بينما كان الآخرون ينظرون إلى الأرمن على أنهم أذكياء وماكرون، وكانوا أناسًا يعرفون جيدًا، كيف تقنع بالكلمات وكيف تستغل كل موقف ملائم. أخيرًا وليس آخرًا ، كان الأرمن يُعتبرون بارعين ومرحين ، كممثلين حقيقيين لروح القوقاز، شعب يستمتع بالحياة. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن النظام الشيوعي في أرمينيا قمعيًا كما هو الحال في الجمهوريات السوفيتية الأخرى  مثل أوكرانيا. في هذا السياق ، أود أن أذكر أنستاس ميكوجان الشهير، الذي يُدعى "سيد التأخيرات اللانهائية"، الذي حل أزمة الصواريخ في كوبا ".
 
تم تداول نكات راديو يريفان أيضًا مع الاختلافات المحلية ، لكن الدعابة اللاذعة ظلت واحدة من السمات المشتركة للنكات الشهيرة. كما هو معروف ، تحدث الديكتاتور الروماني نيكولاي تشوشيسكو كثيرًا. في هذا السياق قال الرومانيون النكتة: "سؤال لراديو يريفان: هل يمكن أن يموت المرء بسرطان الحلق؟ الجواب: نعم ، لكنه لا يعاني من ذلك.
 
حتى لو اشتهرت نكات راديو يريفان على أنها نكات ذات دوافع سياسية ، فقد أصبحت غير سياسية بمرور الوقت، كما يوضح المؤرخ إدوارد أنطونيان: كانت هذه النكات سياسية في الغالب ، لكن مع مرور الوقت  طرحت تلميحات أخرى. بالطبع ، تم تكييفها أيضًا مع الظروف المحلية. إذا أراد شخص ما معرفة شيء ما عن شاوتشيسكو، فيجب على المرء توجيه السؤال ذي الصلة إلى راديو يريفان. نكتة أخرى تتبادر إلى الذهن: مراسل راديو يريفان كان يسير في المدينة عام 1968 ، أثناء الاحتلال السوفيتي لبراغ ، مرتبكًا. ثم سأل سائق سيارة أجرة ضجر اتكأ على سيارته: "هل أنت حر؟" أجاب سائق التاكسي: "لا ، لأنني تشيكي".
 نكت راديو يريفان كانت تسلي أجيالاً عديدة من شرق أوروبا قبل سقوط الجدار. حتى لو فقدت أهميتها الآن  النكات، التي عادة ما تخرج عن السيطرة ، تسخر من المجتمع وكانت حتى وسيلة للتعبير السياسي خلال الاشتراكية، عندما تم تقييد التعبير السياسي من خلال قنوات أكثر جدية بشكل كبير. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
سُئِلَ راديو يريفان "ماذا ستكون نتائج الانتخابات القادمة؟"
ورد راديو يريفان: "لا أحد يستطيع أن يخبرك. شخص ما سرق نتائج الانتخابات المقبلة بالضبط من مكتب اللجنة المركزية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية أمس".
سئل راديو يريفان ما هي الفوضى؟
ورد راديو يريفان: "لا نعلق على الاقتصاد".
سئل راديو يريفان: "هل يمكن لقنبلة ذرية أن تدمر مدينتنا الحبيبة يريفان بمبانيها الرائعة وحدائقها الجميلة؟"
ورد راديو يريفان: "من حيث المبدأ ، نعم. لكن موسكو إلى حد بعيد مدينة أجمل".
سئل راديو يريفان: "هل صحيح أن آدم وحواء كانا أول شيوعيين؟"
ورد راديو يريفان: "على الأرجح نعم. كلاهما كان يرتدي ملابس قليلة للغاية ، ومتطلبات طعام متواضعة ، ولم يكن لديهما منزل خاص بهما ، كما يعتقدان أنهما يعيشان في الجنة".
سئل راديو يريفان: "هل تسجن 10 سنوات لقولك أن بريجنيف أحمق؟"
ورد راديو يريفان: "من حيث المبدأ ، نعم ، لأن هذا من أسرار الدولة".
سئل راديو يريفان: "هل من الممكن جلب الاشتراكية إلى الصحراء؟"
أجاب راديو يريفان: "نعم ، لكن في إطار الخطة الخمسية الأولى ، علينا استيراد الرمال". 
سئل راديو يريفان: "هل صحيح أن الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي انتحر؟"
ورد راديو يريفان: "نعم ، هذا صحيح ، وحتى سجل كلماته الأخيرة يبقى:" لا تطلقوا النار أيها الرفاق. "
سئل راديو يريفان: "هل صحيح أن الاتحاد السوفياتي هو الدولة الأكثر تقدما في العالم؟"
ورد راديو يريفان: "بالطبع! كانت الحياة أمس أفضل من غد!"
سئل راديو يريفان: "هل صحيح أن لا أحد في الاتحاد السوفياتي يفتقر إلى نظام ستيريو؟"
ورد راديو يريفان: "من حيث المبدأ ، نعم ، تسمع نفس الشيء من جميع الجهات".
سئل راديو يريفان "هل صحيح أن نصف أعضاء اللجنة المركزية أغبياء؟"
ورد راديو يريفان: "قمامة. نصف اللجنة المركزية ليسوا أغبياء".
سئل راديو يريفان "هل صحيح أن الظروف في معسكرات العمل لدينا ممتازة؟"
ورد راديو يريفان: "من حيث المبدأ، نعم. قبل خمس سنوات لم يقتنع أحد مستمعينا بهذا الأمر، لذلك تم إرساله للفحص.ويبدو أنه أحب ذلك كثيرًا لدرجة أنه لم يعد بعد".
 
 
 

51

  جمالية العمارة القوطية لكنيسة فاماغوستا النسطورية في قبرص

بولص آدم

 نظراً لأنها شُيدت في مدينة فاماغوستا شمالي جزيرة قبرص، فقد سميت هذه الكنيسة النسطورية باسمها ( كنيسة فاماغوستا النسطورية ).

  فر أتباع النسطورية من المنطقة السورية الفلسطينية إلى قبرص في نهاية القرن الثاني عشر بعد إعادة إحتلال صلاح الدين الأيوبي الأراضي المسيحية.

 أفاد ليونتيوس ماتشيراس (حوالي 1380-1450) ، مؤلف تأريخ "حكاية أرض قبرص الجميلة"، أن لاشاس، وهو  تاجر نسطوري غني وصاحب سفينة، بنى الكنيسة النسطورية حوالي عام 1359 ("وهذه الكنيسة تعبر عن إيمانه، لقد عمل الإنسان الأمين الكثير من الخير لخلاص روحه ، فقام ببناء الكنيسة النسطورية من الصفر ”). وقد نجا لاشاس من القتال أثناء الفتح العثماني دون أن يصاب بأذى، ويقال إنها أصبحت للأبل مؤقتًا كمأوى ثم أستولى عليها المجتمع اليوناني الأرثوذكسي الصغير في فاماغوستا القديمة في عام 1905. كرست الكنيسة للقديس أجيوس جورجيوس إكسورينوس (Aghios Georgios Exorinós).  كانت لكنيسة فاماغوستا النسطورية قصة خاصة معهم، حيث يمكن للمرء أن يتخلص من أي شئ غير سار. كل ما كان عليك فعله هو التقاط بعض الغبار من الكنيسة المخصصة للقديس ورشها في منزل العدو وفي غضون عام يختفي من الجزيرة. وفي تلك الفترة أختفى موزاييك الكنيسة!..غادر المجتمع اليوناني البلدة القديمة بعد اندلاع الاضطرابات البلدية في عام 1957. وسيطر الأتراك على الجزيرة المعروفة بكثرة كنائسها ولكن تم تحويل عدد منها الى مساجد..  اليوم، يتم الاحتفال بالتناول المقدس في بيت الله الصغير في الأحد الأول من كل شهر من قبل السكان المسيحيين في شمال قبرص وفي عام 2014 كان أول قداس. لكن الصراع اليوناني القبرصي حول فاماغوستا المدينة، الى مدينة أشباح.
 تم بناء هذه الكنيسة اعتمادا على خصائص وجماليات العمارة القوطية..
القوطية هي حقبة أسلوبية في تاريخ الفن الأوروبي لها أهميتها الكبرى في الهندسة المعمارية، خاصة في عمارة الكنيسة، نشأت في فرنسا في منتصف القرن الثاني عشر.  تم بناء أول كنيسة قوطية هناك: كنيسة دير سان دوني في شمال باريس. بدأ بناؤهاعلى الطراز الرومانسكي واكتمل على الطراز القوطي. إذا ألقينا نظرة فاحصة سنلاحظ أن النوافذ تلعب دورًا في واجهات العمارة القوطية ، توجد نوافذ صغيرة، بينما تتكون الواجهة أحياناً أخرى من النوافذ بالكامل تقريبا. إذا ألقيت نظرة فاحصة  على النوافذ، فسوف تكتشف بصرف النظر عن الحجم، أن النوافذ الرومانية محدودة باتجاه الأعلى بنصف دائرة ، يسمى القوس الدائري. من ناحية أخرى ، فإن النوافذ القوطية "مسقوفة" بما يسمى القوس المدبب. يمكن إنشاء قوس مدبب بنفس سهولة إنشاء قوس دائري.  وتتكون ايضا من نافذة مستطيلة، ويحد من أعلاها ما يسمى بخط الأشتباك ( خط يصل بين نقطتين حواف). تسمى نقاط حوافها بالنقطتين المشتبكتين. إذا قمت برسم دوائر بنصف قطر طول خط الأشتباك حول نقاط الأشتباك، تحصل على القوس المدبب. يمكن أن يتنوع بناء الأقواس المدببة عن طريق تحويل النقاط المركزية للدوائر إلى الخارج (قوس مدبب مرتفع) أو إلى الداخل (قوس مدبب مضغوط). وفي واجهة هذه الكنيسة تم تحويل النقاط المركزية الى الخارج ( قوس مدبب مرتفع ).
 سنركز على الواجهة فواجهات الكنائس والكاتدرائيات القوطية لها معالجة جمالية معمارية متميزة.
يمكنك أن ترى نافذة في واجهة قوطية لكنيسة  فاماغوستا النسطورية. تقسم الدعامة الدائرية النافذة إلى شرائح. تسمى هذه الدعامات الإطار. يساهم في استقرار النوافذ الكبيرة مقارنة بالرومانسيك كأسلوب بناء. عادة ما يتم إغلاق الممرات من الأعلى بواسطة أقواس مدببة. فوقها عادة ما توجد دائرة مصممة بأشكال مختلفة. تسمى المنطقة الموجودة فوق المسارات بالحقل المقوس أو فناء النافذة. يسمى تصميم حقل القوس هذا بالزخرفة. الآن نحن نعرف كيف يتم بناء هذه النوافذ القوطية في شكلها الأساسي.. في الأصل ، كانت الكنيسة تتألف من صحن وحنية بثلاثة أرصفة. بعد وقت قصير من الانتهاء من بنائها ، تمت إضافة ممرات جانبية مع كوى صغيرة ، كما تم تشييد برج النواقيس. كان البناء  بحجارة الرماد المشغول بعناية. دعامات تعزز الاستقرار على جوانبها الطويلة. يُظهر برج الجرس الجميل فتحتين أكبر حيث كانت الأجراس معلقة ونهاية القوس المدببة أعلاه. هناك فتحة ثالثة أصغر حجمًا ومرة ​​أخرى. في الجزء الأمامي والخلفي من جدار الجرس الصغير كان هناك رواق ضيق (خشبي) يرتكز على الألواح الحجرية التي لا تزال مرئية بوضوح.. وفي الداخل نقوش شرقية أصلية محفوظة في أجزاء  من الجدران والأعمدة داخل الكنيسة.


 


52
المنبر الحر / نُكات سياسية
« في: 23:50 24/10/2020  »

                     
نُكات سياسية

ترجمة: بولص آدم

(1)

ثلاثة أولاد يرون أنجيلا ميركل تسير على طول الشاطئ. وفجأة تلوي ساقها وتسقط في الماء. يركض الأولاد إلى أنجي بأسرع ما يمكن وينقذونها من الغرق.
أنجيلا ميركل: "شكرًا. أنتم أنقذتم حياتي. هذا هو السبب في أن لديكم رغبة واحدة أحققها لكم الآن! "
أولا: "أريد سيارة  كابريو".
ثانيًا: "أريد دراجة نارية".
ثالثا: اريد كرسي متحرك.

ميركل متفاجئة: "لماذا تريد كرسي متحرك؟ أنت بصحة جيدة؟"
الولد: "نعم ، ولكن ليس لفترة أطول. إذا علم والدي أنني أنقذتك، فسوف يشلني! "

(2)

ثلاثة من الجراحين في تكساس يلعبون الجولف ويناقشون تقدم الجراحة.
يقول الأول: "أنا أفضل جراح في تكساس. فَقدَ عازف بيانو سبعة أصابع في حادث. قمت بخياطتها مرة أخرى وبعد ثمانية أشهر أقام حفلة موسيقية خاصة أمام ملكة إنجلترا!"
يقول الثاني: "هذا لا شيء! فقد شاب ذراعيه وساقيه في حادث. لقد خيطتهما مرة أخرى وبعد عامين فاز بميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية!"
ثم الثالث: "أنتم هواة. قبل بضع سنوات، ركب رجل حصانه منتشيًا بالكوكايين والكحول، وجهاً لوجه  أمام قطار جاء على بعد 80 ميلاً. كل ما تبقى منه هو مؤخرة الحصان وقبعة راعي البقر، لقد أجريت له عملية جراحية وهو اليوم رئيس الولايات المتحدة!

(3)

يسأل الابن الصغير الأب عن السياسة. يقول الأب: "خذ أسرتنا على سبيل المثال. أجلب المال إلى المنزل، لذلك نطلق على نفسي رأسمالية. أمك تدير المال، لذلك نسميها الحكومة. كلانا يهتم بشكل حصري تقريبًا برفاهيتكم، لذلك أنتم الشعب. خادمتنا هي الطبقة العاملة وأخوكم الصغير بالحفاضة هو المستقبل. هل تفهم ذلك؟
بدا الابن راضٍ الآن... أثناء الليل يستيقظ لأن أخيه الصغير كان يرتدي حفاضة وهو الآن يصرخ. ينهض ويقرع على باب غرفة نوم والديه ، لكن والدته  في نوم عميق ولا يمكن إيقاضها. فذهب إلى الخادمة ووجد والده معها في الفراش. ولكن حتى عندما يطرق عدة مرات، لا يسمح الاثنان بأن يزعجهما. لذلك عاد إلى سريره وعاد إلى النوم.
في الصباح يسأله والده عما إذا كان يعرف الآن ما هي السياسة. يجيب الابن: "نعم ، الآن أعلم. الرأسمالية تسيء إلى الطبقة العاملة بينما الحكومة نائمة. الناس غير مُكترثون تمامًا والمستقبل مليء بالقرف!"

(4)

الوزير: "تخيل عندما كنت صغيرا أردت أن أكون لصا!"
المستمع: "أنتم المحظوظون! من يستطيع أن يحقق حلم طفولته؟"

(5)

جورج بوش وتوني بلير وجيرهارد شرودر في بحر الشمال.
وفجأة قال بلير: "لدينا غواصة يمكنها البقاء تحت الماء لمدة 10 أيام دون التزود بالوقود".
يقول بوش: "هذا لا شيء! يمكننا البقاء تحت الماء لمدة 30 يومًا دون التزود بالوقود".
يبدو شرودر خجولا جدا وصامتا. وفجأة ظهرت غواصة، وفتحت فتحة ونظر رجل إلى الخارج: "هايل هتلر! نحن بحاجة إلى وقود!"

(6)

في يوم القيامة ، يتعين على ستالين وتشرشل وهتلر الخوض في مستنقع. كلما كذب شخص ما، زاد غرقه. تشرشل يغرق حتى الركبة وستالين حتى السرة. ثم يأتي هتلر. لا يغرق على الإطلاق.

"أدولف ، كيف تفعل ذلك؟"
"أنا أحب جوبلز".


53
     إضاءة

 قصة ( فنان الجوع ) هي قصة قصيرة للكاتب الروسي أركادي  أويرتشينكو.. في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تُقام عروض فناني الجوع، هم ليسوا فنانين بشكل إحترافي، بل فقراء يُقدمون على تحمل الجوع في عرض أمام الجمهور الذي يترقب ويتابع الفنان الجائع ولمدد طويلة! يوظف هذا الكاتب الروسي الكبير هذه الفكرة من خلال صبي آشوري ليكون الشخصية الرئيسية التي تلعب ذلك الدور والمكان هو (Panopticon بانوبتيكون)  وتعني "مراقبة الكل" هو نوع من السجون قام بتصميمه الفيلسوف الإنكليزي والمنظر الاجتماعي جيريمي بنثام في عام 1785. مفهوم التصميم هو السماح بمراقب واحد مراقبة جميع السجناء دون أن يكون المسجونين قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا.

                                      فنان الجوع

ترجمة: بولص آدم

"من تكون حضرتك؟"
"هذا ليس مهما."
"من أرسلك إلي؟"
"جئت بنفسي. يافطتك معلقة في الخارج ".
"ماذا تريد؟"
"عمل."
"ماذا يمكنك؟"
"لا شئ."
"ماذا فعلت سابقا؟"
"لا شئ."
"لكن عليك أن تعيش!"
"لقد عشت".
"وعليك أن تأكل".
"تأكل؟ لم أفعل ذلك. كنت اتضور جوعا. إذا نظرت إلي، سترى ذلك بنفسك".
الشخص الذي قال هذه الكلمات كان شابًا متهالكًا بصدر مترهل ووجه ضيق غير حليق. لكن الذي سأله كان قصيرا، سمينا، عيناه صغيرتان غبيتان، وآذانه بارزة.
جرت المحادثة في الساعة الحادية عشرة صباحًا في مبنى بانوبتيكون، الذي كان يملكه السيد تشارلز الصغير السمين، المتكلم من بطنه والساحر. في تلك اللحظة، استند السيد تشارلز على الخزانة الزجاجية التي كان يرقد فيها تركي يحتضر وهو يتنفس بشدة. انحنى الضيف الآشوري على تمثال نصفي للفتاة القاتلة هوغو شينك وسأل باهتمام:
"لماذا يتنفس التركي بصعوبة؟ لا يوجد جمهور هناك. ألا تقوم بإيقاف تشغيل الآلية؟ "
"أنت على حق!"
وانحنى مالك البانوبتيكون نحو التركي، وبقبضة أكيدة، أوقف معاناة الرجل المحتضر.
"وبالتالي! الآن دعنا نعود إلى حديثنا. "نظر إلى الشاب وفكر للحظة وقال،" إذا أردت ، سأقطعك بأسلوب تقطيع الفقير الهندي أو أمرر الإبر من خلال لسانك. إنه أمر مثير للغاية ومُربح وسيبني بلا شك بعض المنازل الكاملة ".
"حسنًا، لن يكون ذلك مجديًا. أبحث عن عمل أسهل. بعد كل شيء، كان لدي فصلين من المدرسة الابتدائية ورائي ".
"لا أعرف أي شيء أسهل. هل تتذكر، لابد أنك فعلت شيئًا في حياتك؟ "
"شيء واحد فقط: الجوع!"
صرخ صاحب البانوبتيكون بغضب "إذن استمر في الجوع!" "فقط استمر في الجوع!"
أجاب الشاب بلامبالاة: "سأفعل". "أنا لا أهتم بعملك. لن تصرخ بوجهي. أستطيع أن أفعل ذلك أيضا. أفضل أن أجوع أربعين يومًا على أن أتحمل شيئًا كهذا! "
قال السيد تشارلز فجأة: "اسمح لي". "هل يمكنك حقا أن تجوع أربعين يوما؟"
"أعتقد ذلك!"
"صديقي العزيز، يمكننا عقد صفقة. إذا تجوعت أربعين يومًا، سأدفع لك ألف روبل. ستحصل أيضًا على خمسة كوبيك مقابل كل تذكرة يتم بيعها ".
"خمسة كوبيك فقط؟" قال الصبي. "هذا لا يمكن عمله تحت عشرة كوبيك!"
"جلالتك! نعم. لكني أطلب منك ملاحظة أنه لا يتم إعطاءك سوى كوب واحد من الماء في اليوم ثم لا شيء. شروطي هي: ستوضع في صندوق بجدران زجاجية. الصندوق مختوم رسميًا من قبل الشرطة وتبقى فيه أربعين يومًا ".
"على الأقل دعني أخرج من الصندوق في الليل."
"هل جننت؟ إذا تركتك تخرج من الصندوق ليلاً، فأين التحمل و التحكم؟ إذن فهذا ليس ممتعًا.
"شرط واحد فقط، يجب أن أتناول عشاء لائق قبل أن أصل إلى الصندوق."
 على العكس تماما. يجب أن تبدأ في الجوع الآن وإلا فلن تعتاد على ذلك. يجب أن يرى الجمهور أيضًا وبوضوح أنك فنان جائع ".
صاح الفتى بعنف "ماذا تعرف عن الجوع؟"
"هدئ أعصابك. إذا أكلت فكُل وإذا جعت فاستمر. ستكون راضيًا عني ".
"لطيف. لنقم بالعقد. والآن ملصق لديناآخر سيفتح الناس أفواههم عندما يرونه ".
*
إزدحم الجمهور يراقب بفضول.
أمام البانوبتيكون كانت هناك ملصقات ملونة ضخمة كُتب عليها:
بإذن من السلطات ستقام سلسلة من العروض المثيرة في البانوبتيكون الشهير للساحر السيد تشارلز تحت شعار:
"معجزة الكائن الحي"
أو:
"أنا لا آكل أي شيء"
عرض علمي مثير للاهتمام حول عدم تناول الطعام من إنتاج الفنان الآشوري المشهور مَك چانبوك.
يحظى السيد ‎چانبوك  حاليًا باهتمام جميع الدوائر العلمية في أوروبا. إنه أعظم سر في العالم.
لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة سيستمر جائعاً في علبة زجاجية. في حضور الجمهور المُندهش، ستغلق الشرطة الصندوق. الجمهور سيحتكم  بنفسه.
تطلب إدارة بانوبتيكون: بما أن السيد ‎چانبوك يتحدث الآشورية فقط، يرجى عدم طرح أي استفسارات للفنان، لأنه أولاً لا يفهمها، وثانيًا، الضوضاء وأي إزعاج لهما تأثير معين على أعصاب الفنان في حالته كجائع طوال العرض.
الأطفال ونصف الرقباء في الجيش يدفعون ثمن نصف تذكرة.
في تمام الساعة الثامنة مساءا، سيُغلق على السيد ‎چانبوك
تنتظر الإدارة العديد من الزوار.
أحاط حشد كثيف ومتحمس بالعلبة الزجاجية التي جلس فيها السيد  چانبوک ببطء. شد صدره الهزيل بالثوب الوردي الذي ألبسه إياه السيد تشارلز ولوح بإشارة للبدء.
قال السيد تشارلز: "أغلق الغطاء". "لقد بدأ العمل العلمي!"
لعبت الأوركسترا المكونة من كمان وبيانو وطبل جاز، وصلة إستعراضية. صفق الجمهور.
قطب الآشوري حاجبيه واحتار كيف يجلس.أحيانا يتكئ ذقنه غير الحليق على كفه، وأحيانًا اخرى يستلقي. نظر إليه الجمهور مثل سمكة غريبة في الحوض.
قال طالب في المدرسة الثانوية: "حسنًا، إنه يتنفس!"
أجاب الرجل: "يا أحمق، لماذا لا يتنفس؟"
"منذ متى كان جالسا؟"
"ثماني عشرة دقيقة".
"حقاً، ألا يأكل شيئاً؟"
"عظيم! لا يمكنني أكل أي شيء من هذا القبيل أيضًا ".
وجه سيدة شابة غير سعيد:
"هل هو جالس فقط؟ وإلا فهو لا يفعل أي شيء؟
»ماذا يعني ذلك: لا يهم؟ إنه يتضور جوعا! "
"لكن يمكنه الغناء والرقص أثناء القيام بذلك!"
"في العلبة الزجاجية، آنسة؟ إنه يتضور جوعا. كيف يمكن لشخص أن يغني هناك؟ "
"أنت على حق. متى يحصل على الماء، سيد تشارلز؟ "
"نفس الوقت غدا. أرجو أن تشرفينا بزيارتك ".
شاهد الجمهور، الآشوري الذي كان قد نام لفترة. ثم غادر المشهد تدريجيا. سرعان ما كان البانوبتيكون فارغًا. فقط التركي الجريح، الذي لم يتم إيقاف آليته بسرعة، كان يتنفس بصعوبة، والثعبان الأخضر في يد كليوباترا يحرك رأسه الصغير إلى اليمين.
*
في منتصف الليل، فتح السيد تشارلز باب البانوبتيكون ونظر مرة أخرى إلى الآشوري الذي كان من المفترض أن يجلب له دشًا ذهبيًا.
وقع ضؤ المصباح على فنان الجوع. نفض رموشه ثم فتح عينيه ببطء.
"من هذا؟  سيد تشارلز! "
"عزيزي، لقد جئت للتو لأرى ما إذا كان كل شيء على ما يرام. إرجع إلى النوم. تصبح على خير."
امتد الأشوري ثم قال:
"في الواقع، ليس كل شيء على ما يرام."
"ماذا؟"
"انا اريد ان آكل."
"حسنًا، لا يزال لديك وقت لذلك. لم يتبق سوى تسعة وثلاثين يومًا. اصبر قليلا. "
"يمكنك التحدث بسهولة ههه تحلى بالصبر. لابد أنك تناولت عشاءً جيدًا ولم أتناول أي شيء في معدتي منذ الصباح. كم الساعة؟"
"الثالثة فجراً. نَم عزيزي أنا ذاهب."
قام بتغطية الفانوس وكان على وشك إغلاق الباب خلفه عندما سمع طرقًا على العلبة الزجاجية. صاح الصوت الآشوري بقوة:
"السيد تشارلز!"
"ماذا هنالك؟"
"انا اريد ان آكل. لقد فكرت في ذلك. دعني أخرج من مصيدة الفئران هذه. أريد أن أفعل شيئًا آخر ".
رأى مالك بانوبتيكون المطر الذهبي يتلاشى في ذهنه. أمسك رأسه بيأس وصرخ:
"أيها الوغد! تريد أن تدمرني! لدي بالفعل ملصقات مطبوعة للمدينة بأكملها، الجميع يتحدث عنك. لا. أنت تبقى في الصندوق ".
قال فنان الجوع: "أريد أن آكل".
"إذن لماذا كنت تعتقد أنك الأفضل؟ لماذا قلت إنك يمكن أن تتضور جوعا؟ "
"لقد فكرت في ذلك. لدي الحق في القيام بذلك، أليس كذلك؟ لم يعد هناك عبيد. لا يمكنك قفل شخص ما في علبة زجاجية رغماً عنه. إذا لم تسمحوا لي بالخروج طواعية، غدًا، عندما يكون  البانوبتيكون ممتلئًا ، سأفعل مالايُعجب. . .! الآن؟"
ذهب تشارلز بغضب إلى العلبة الزجاجية، ومزق الأختام، وخلع الغطاء الخشبي ونادى:
"إزحف، أيها الوغد!"
فنان الجوع زحف بصمت خارج الصندوق وقال بعد بُرهة: "هل علمت أن الأمر سينتهي هكذا؟" أنا فقط اعتقدت أنه يمكنني فعلها. لذلك نحن نقوم بالمحاسبة. خمسة روبل يتضور جوعا ليوم واحد وعشرة كوبيك للفرد مقابل رسوم الدخول، دعنا نقول خمسين روبل، لأنني لم أتضور جوعا طوال الليل! "
 صاحب البانوبتيكون بشدة "أخرج!"
قال فنان الجوع: "سيد تشارلز". "أنا لا أحب النكات من هذا القبيل. ليس لديك شيء لآكله؟ معدتي فارغة كما تعلم ".
على الطاولة كانت بقايا العشاء الذي تناوله السيد تشارلز مع ضابط الشرطة. لحم خنزير ونصف أوزة وخمس عشرة بيضة.. أمسك فنان الجوع بالإوزة، ومزقها إلى أشلاء، وفي غضون خمس دقائق دخلت حلقه.
وقف السيد تشارلز يتفرج بدهشة واستغراب.
ثم وصل فنان الجوع إلى لحم الخنزير، والتهمه أيضًا. كان نفس الشيء مع البيض.
جلس مالك البانوبتيكون على الكرسي في حالة صدمة وسأل:
"هل تأكل دائما كثيرا؟"
"حسنًا  دائمًا عندما أكون جائعا."
"ومتى أنت جائع؟"
"دائما."

  قال السيد تشارلز مبتهجًا: "عزيزي، لن نمزق عقدنا، بل سنقوم بتعديله فقط. ".
"وماذا عن الملصقات؟" سأل فنان الجوع وهو يمضغ اللقمة.
"سأقول إنني كنت مخطئًا في جهلي باللغة الآشورية وأنك حقًا من الذواقة الشرهين. هل يمكنك أن تنهي خمسون لفافة خبز وأوزة مشوية في إحدى الأمسيات؟ "
قال فنان الجوع: "حسنًا ، يمكنك إضافة بعض النقانق وعشر بيضات. . . "
صرخ السيد تشارلز وهو يمسك برقبته: "مخلصي!" "هذا سيجذب انتباهًا أكثر بكثير من الجوع!"
تمتم الصبي: "إنه لأمر مخز أن الوقت متأخر جدًا".
"لماذا؟"
وإلا لكان العرض قد بدأ على الفور، أليس كذلك؟ إذ أن المرء قد وجد بالفعل وظيفته المناسبة... "

   أركادي تيموفيفيتش أويرتشينكو
أسماء مستعارة: جورجونا ، ميدوسا
ولد في 18 مارس 1884 في سيفاستوبول. توفي في 12 مارس 1925 في براغ.
تم تدريب ابن رجل أعمال في البداية كمحاسب من قبل والده. في سن ال 16 ذهب إلى خاركوف ونشر نشرة فكاهية تم حظرها من قبل الحاكم العام بعد العدد الثالث. لتجنب تغريمه، غادر المدينة وذهب إلى بطرسبورغ. وبما أن قصصه القصيرة لم تصل إلى الصحف الروسية، فقد نشرها في مجلته الخاصة "Satirikon" (من عام 1913 "Nowi Satirikon") ؛ تطور ليصبح كاتب هجائي رائد في الفترة القيصرية الأخيرة.. بعد الثورة، تم حظر المجلة عام 1918. هرب أولاً إلى مسقط رأسه سيفاستوبول، حيث عمل كصحفي حتى عام 1920 ، ثم هاجر إلى براغ عبر القسطنطينية. ظهر ككوميدي على خشبة المسرح في مدن أوروبية مختلفة.



 

54
المنبر الحر / المُنقرض
« في: 22:57 15/10/2020  »



                                           المُنقرض

  بولص آدم

بما أنني تمنيتُ، أن يمتصني الجدار ويخفيني تماما وذلك غير ممكن، فقد وفر لي إمكانية التصاق به لكأنني منحوتُ منه عليه..
كُنت آخر إنسان في المدينة ربما.
أعرف مكاني والمساحة المفتوحة أمامي، شوك يحترق من الأفق الى الأفق، ينسل من بين الرعود الحارقة.
تيروصور.. يخفق بجناحين ثقيلين لكأنهما مطليان بالاسفلت، يتقدم بأتجاه سور نينوى القديم، وأي سور؟ لم يتبق منه سوى، جزء مفروش أنا عليه مثل طلاء.
كان بوسعي رؤية ظلّ الديناصور فوقي، سائل متساقط زخة محترقة إثر زخة، ظل المنقار الطويل، ظل العنق النحيف لكأنه خرطوم فيل، ظل الجناحين و ال.. إلتهمت غابة النيران أضخم ديناصور طائر رأيته في حياتي، لا لا! عيناه كزوج مناطيد ظلتا بيني وبين السماء تحدقان في، لاتُطيقان، تنتفخان وتنكمشان كحوصلتي ضفدع، و..
سقط جسم معدني كان التيروصور طائراَ معه، كامشاً إياه بمخالبه، لما هوى ولامس الحمم.. إنطفأت النيران فجأة، بعد ملامسة أدمة مُرَمّدة داخنة.
إنقطع صخب المدينة الذي كنت أسمعه كأصداء، كما يخرس قطار جمد في مكانه قبل أن يسقط في الهاوية، إثر أنهيار جسر في طريقه، ويُصفّر بعويل..
الجسم المعدني، ليس بقايا عربة أو سقف بيت أو صحن لاقط.
أسطواني الشكل تتكاثر على سطحه بمرور الثواني ثقوب فسفورية، لا يستقر في مكانه بل يتقدم بأتجاهي..
أدركت أنه ليس تابوتاً كما توهمت ومخالب التيروصور تكمشه، شئ آخر، يتحرك مقبلًا بلا عجلات، وفي ذلك السكون الذي يعقب آخر حرائق المدينة وأختفاء الصخب، ها أنذا أنتظر أن يصلني مُرتطماً بي، هي لحظاتي الأخيرة التي أعدّها ثانية بثانية، سأُقتَلُ بهذه الشظية الشبيهة ببرميل، بل، هو برميل فعلا، سَيَّرتهُ إطلاقات صامتة مكتومة، تحورات المعدن وفتحاته الناتجة عن الأصابات الدقيقة فيه، حرقاً وخرقاً لكأنها تُكتب على غلافه كلمة كلمة، طلقة طلقة، سطراً سطرا، نص برميل الماء، يكتمل فقرة فقرة، وهاهو يرتفع بفعل الصلي الرشاش من جهة مجهولة وبسلاح غير مرئي، يتقدم ويتقدم، أكثر فأكثر، يسيل رقعة إثر رقعة، كزخات الدينا صور الطائر تسيل احتراقاً.. ينفصل عنه صنبوره ويسقط بيني وبين فوهة ضخمة موجهة صوب جبيني، كانت تدفع بحممها هذا البرميل الذي تلاشى الى الأبد.
  لم أكن وحيداً اذا، لست الأنسان الأخير، فالقاتلُ يظهر حينها، حتى ولو كنت ملطوشاً على سور المدينة كظل لهوية منحوتة .. أَخفضَ الفوهة عن وجهي المُلصق هُنا منذ الأزل، وأطلق آخر رصاصة في فوهة الصنبور واحترقت آخر قطرة ماء . كانت رصاصة الرحمة!



55


                الحضارة الآشورية هي العظمة إلى أقصاها..د. خزعل الماجدي

 يُهدي د. خزعل الماجدي كتابه الجديد ( الحضارة الآشورية )  الى الآشوريين و الى سليلي حضارة وادي الرافدين وكل العالم..

    لدي يقين بأن كلما توسعت الأمبراطوريات، صارت أكثر قسوة..الأمبراطورية الآشورية ليست إستثناء. لكن الباحث العراقي د. خزعل الماجدي، يعتبرها ( الحضارة الآشورية هي العظمة إلى أقصاها ..) سواء في محاضراته في التاريخ وعنها في لاهاي، و كتابه الذي أعلن عن قرب صدوره عن دار تكوين و بعنوان ( الحضارة الآشورية ).
 يبحث في كتابه الضخم، الجوانب الأربعة الكبرى للحضارة الآشورية وهي (السياسية ، الدينية ، الإجتماعية ، الثقافية ) والتي تضمنت تفاصيل دقيقة سلطت الضؤ على المنجز الحضاري الكبير للآشوريين.
 الكتاب بسبعة عشر فصلًا يعتمد فيه على اربعمئة مصدر . وهو يبدأ بتمهيد يحوي تأسفه الشديد على ان هذه الحضارة ظُلِمَت ولُعنت وسُرِقَت. ولا يغفل من جانب آخر القسوة والتعسف  في الفترة  السرجونية وما بعدهاويبحث الأسباب.. يتحدث في الفديو المرفق مع هذه الكتابة عن كتابه ومايتضمنه وموقعه وأهميته بين كتبه في تاريخ الحضارات وما انقله نقلا ادناه لقراء موقع عنكاوا الكرام هو بعض مما جاء في محاضرته في لاهاي :
تاريخ الآشوريين هو في خمسة مراحل هي(العتيق ،القديم، الوسيط ،الحديث، المتأخر ) فقد رأى أن المستوطنات الآشورية الأولى ظهرت في حدود 4000 ق. م في شمال العراق وكانت هذه المستوطنات تنمو مع الزمن حتى اذا ماظهرت الحضارة السومرية في مرحلتها القديمة وقعت تحت النفوذ السومري وثقافته ، ثم يبدأ التاريخ القديم من الفترة الأكدية حيث تبدأ أول الأسر الآشورية بالظهور وهي ست أسر زامت العصور الأكدية والسومري الحديث ودويلات المدن الآمورية والأسر البابلية الثلاث الأولى وكانت هذه المرحلة بمثابة مرحلة دويلات المدن الآشورية التي ظلت تنمو ببطء في ظل الثقافات التي أحاطت بها أو التي تبعت لها، ثم جاء العصر الآشوري الوسيط الذي لعبت فيه الأسرة السابعة الدور الرئيسي في محاولة نشؤ دولة آشورية مضطربة الحدود والشخصية والإستقلال لكن نمواً مضطردا كان يدفع المدن الآشورية للوقوف بوجه التحديات الميتانية والكاشية والبابلية والآرامية لم تستطع خلاله أن تتكون دولة آشورية قوية بالمعنى الدقيق ، ثم تجيئ المرحلة الحاسمة في ظهور العصر الاشوري الحديث الذي شهد ولادة امبراطوريتين آشوريتين متعاقبتين كان لهما أكبر الأثر في تاريخ العالم القديم، فقد وسعت الإمبراطورية الآشورية بلدان الشرق القديم المعروفة آنذاك ونشرت حضارتها فيها ، فقد ضمت مصر والشام والأناضول وغرب إيران وشمال الجزيرة العربية ، وكان أباطرتها رموزا للشموخ الحقيقي في الحرب والعمران معاً خصوصا ملوك العائلة السرجونية الأربعة (سرجون الثاني، سنحاريب، أسرحدون ، آشور بانيبال).وأسهب في الحديث عن بعض ملوكها مثل سمير أميس واسطورتها التاريخية التي رأى أنها مطابقة لسيرة الإسكندر المقدوني الى حد كبير، والملك العظيم آشور بانيبال الأول، والملك الأخير الذي هو آشور بانيبال الثاني(سردنبال ) وأسطورته التاريخية التي أعاد فيها له الإعتبار. ثم كشف المحاضر التحامل الذي قامت به التوراة على آشور وحضارتهابسبب السبي الآشوري لأهل السامرة وماكتبه الأنبياء العبريون الذين عاصروا آشور أو عاشوا فيها (ناحوم، أشعيا ، أرميا ، يونس) رغم أن المحاضر أكد على غياب الوثائق التي تؤيد وجود هؤلاء الأنبياء وانه يتعامل مع أخبارهم ونصوصهم كروايات أدبية وغير أركيولوجية. في القسم الثاني من المحاضرة التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات قدم الماجدي الجوانب الأربعة الكبرى للحضارة الآشورية وهي (السياسية ، الدينية ، الإجتماعية ، الثقافية ) والتي تضمنت تفاصيل دقيقة سلطت الضؤ على المنجز الحضاري الكبير للآشوريين.
الحضارة السياسية للآشورين جعلتهم يقسمّون امبراطورتهم إلى 60ولاية أهمها ولاية بابل، وعينت حكاماً من أهل تك الولايات مقربين منها وكأنها جعلت من الإمبراطورية نظاما كونفدرالياً بلغتنا الحديثة وهو ماستفعله لاحقا الامبرطورية الرومانية.
 وفي الدين الآشوري ظهرت فكرة الجن والملائكة وأجنحتهم المثنى والثلاث والرباع (شيدو ولماسو) ومنهم تكون الثور المجنح والنسر المجنح والأسد المجنح. ولم يكن هناك في الدين الآشوري ولا البابلي أفكار حول الجنة والنار والحساب والعقاب والثواب في الآخرة .وسادت أسطورة الخليقة بصيغتها الآشورية حيث يحتل الإله آشور مكان مردوخ ، وظهرت أساطير عشتار المحاربة وأساطير إله العاصفة (أدد) وإله المعرفة (نبو).وكان الكهنة يتكونون من ثلاث طبقات هم كهنة التطهير والتلاوة وخدم المعبد ، واحتفلات رأس السنة (أكيتو) هي أكبر الإحتفالات الطقسية. وكان لشجرة الحياة الآشورية (يوني) أهمية استثنائية وكذلك لكائنات الحكماء السبعة (أبكالو ) التي هي كائنات الإله (إيا) والذين صوروا ايضا كملائكة للماء والهواء وفي يدهم سطول الزهور وثمرة الصنوبر المقدسة الدالة على الخلود .
   عن الجانب الثقافي من الحضارة الآشورية التي نقلتها لنا اللغة الآشورية وهي لهجة أكدية كانت تكتب بالمسمارية ثم كتبت في أواخر عهدها بالكتابة الأبجدية الآرامية. وكان الأدب الآشوري مكوناً من الأدب الديني (الأسطوري والطقسي والروحي والسحري) والأدب الدنيوي (الملحمي والقصصي والحواري والغنائي والأخلاقي ) وظهر في البلاط الآشوري الحكماء ومن أشهرهم (أحيقار) الذي ملأت شهرته أطراف العالم القديم . وفي الفنون تميز الآشوريون بمدنهم وعمارتهم الفخمة ونحتهم الفخم القريب من النحت الكلاسيكي عند الإغريق وهو الذي ألهم الإغريق في التركيز على المكونات التشريحية للجسد البشري والحيواني فقد كانت العمارة الآشورية مثالاً للطراز المعماري الراقي والمهيب المزين بمنحوتات الثيران والأسود المجنحة والأعمدة الآشورية الحلزونية الرأس والتي سبقت ظهور الأعمدة الأيونية الحلزونية الرأس الإغريقية وكذلك الأعمدة المزدوجة براس الحيوانات كالثور وكانت القصور والمعابد مكونة من طبقات وأدوار مرتبطة بسلالم داخلية وخارجية وتنتظمها الأقواس وتحيطها الأبواب الفخمة ،أما المعابد الآشورية فكانت فخمة وعالية الجدران لكن الزقورات الآشورية كانت تشمخ في المدن الآشورية كطراز معماري عظيم فاق كل التصورات .
النحت الآشوري المجسم شمل الثيران المجنّحة والأسود والملوك والآلهة ومنحوتات لجلجامش بصورته الآشورية المميزة وهو يتأبط الأسد أو يصارعه ، أما النحت البارز فقد كان معجزة حقيقية في النحت حيث يصور الحركات السريعة والقفز ومعارك الجيوش والصيد بمنتهى المهارة والدقة وكان يزين الجدران الداخلية والخارجية للقصور حيث يظهر وكأنه لقطات سيناريو لقصص حربية أو سلمية ويسمى بفن الجداريات النحتية .ويظهر التصوير الآشوري على الجدران وواجهات القصور الملكية وخصوصا الفريسكو الحاطي من تل بارسيب وهناك فن تزيين الطابوق وخصوصا من خرساباد وفن رسومات الزجاج وفن العاجيات الآشورية المميز وخصوصا عاجية الموناليزا الاشورية (التي ربما كانت لسمير أميس) واللبوة التي تفترس الزنجي وغيرها كثير جدا، كذلك يتميز فن الأختام الأسطوانية الذي يركز على الموضوعات الأسطورية ، ويلمع فن الزخرفة الآشورية لمعانا قويا وهو يجتاح بوبات القصور والمعابد ومداخلها وجدرانها الداخلية وهناك فن الديكور والحلي وأدوات الزينة ، وتظهر اللوحات الموسيقى الآشورية وأدواتها وهناك السلم الآشوري المتطور المدون بالعلامات المسمارية ، أما فن الأزياء الآشورية فهو فن متطور جدا وتسود فيه أزياء الملوك والملكات والأمراء بأبهى أشكالها والوانها مع مايرافقها من إكثوارات وحلي .
ولعل أهم مافي الأدب الآشوري هي الحوليات التاريخية للملوك وأدب الرسائل ونصوص السحر والعرافة ونصوص الأحلام وتفسيرها والتي جمعها العالم أوبنهايم في (كتاب الأحلام الآشوري)، فضلا عن الإرث العظيم الذي قدمته لنا مكتبة آشور بانيبال (بحدود ٢٢الف لوح ) من مستنسخات أدب وعلوم وحكمة السومريين والبابليين وبذلك تكون هذه المكتبة قد أنقذت تراث وادي الرافدين من الضياع وقدمته في تبويب وتصنيف جددين .وفي العلوم الآشورية تحدث الماجدي عن العدسات الطبية الآشورية التي عثر عليها في خرائب احدى القصور وعن الواح الطب الخاصة بالتعاليم الطبية والعمليات الجراحية .وتحدث عن الزودياك الآشوري وأيام الكسوف والخسوف ومعالجة الأشهر الكبيسة..

   فديو يتحدث فيه د. خزعل الماجدي عن كتابه:
 https://www.youtube.com/watch?v=kGJu5Pfi_uA



56


                            صوت آشوري من أذربيجان.. السيدة لاريسا دانيلوفا

  بولص آدم

   توقعنا في بداية انتشار فيروس كورونا، أن الصراعات المزمنة والأزمات ستزداد ضراوة والقتل سيستمر وبأن حروباً جديدة ستندلع. هاهي الآن حرب جديدة قديمة بين أذربيجان وأرمينيا يتصاعد أوارها حول إقليم كاراباخ الغني بالغاز والنفط. نسمع أخبارها ونقرأ و نشاهد عبر شاشات التلفاز  ومرة أخرى ها هي المدافع القبيحة والقنابل القذرة تتساقط هنا وهناك في حرب من الحروب بالوكالة وعلى الهواء ، فنعاود التذكير بما عبرت عنه البيلاروسية  سفيتلانا أليكسييفيتش/ نوبل للآداب 2015: (نحن كنا نموت هناك بينما كانوا يشاهدون هذه الحرب على شاشات التلفاز ، لقد كانت الحرب بالنسبة لهم مجرد فرجة، اتصدقون كنا نموت وقد كانت مجرد فرجة.)
  عندما تسمع أخبار الحرب في أي مكان تسأل نفسك: هل لي معارف هناك؟ لاأعرف الآشورية لاريسا دانيلوفا  شخصياً ولكن قبل سنوات قرأت عنها في مقالة لطالب دكتوراه أذربيجاني، سمير حسنوف في كولونيا الألمانية.. ثم تابعت قصتها وما كتبه عنها في شتاء 2018 الصحفي توم مارسدين، الذي زارها في مطعمها الذي تطبخ فيه وتديره في جويغول الأذربيجانية.. قبل سرد قصتها نعود الى كتابة سمير حسنوف، حيث يقول :
  ما بقي حتى الآن خفيًا عن الجمهور الأوروبي هو حقيقة أن أذربيجان، الدولة ذات الأغلبية الشيعية، بها أقلية آشورية. يبدأ تاريخها في بداية القرن التاسع عشر، عندما تم توطين الآشوريين مع الأرمن في مقاطعات أذربيجان الشمالية إيريفان (يريفان) وناختشيفان وكاراباخ بعد الحرب الروسية الفارسية الثانية. جاءوا بشكل رئيسي من منطقة أورمية في جنوب أذربيجان (من إيران الحالية). كانت إعادة توطين الأرمن من بلاد فارس إلى أذربيجان القيصرية عام 1826-1828 وفي بداية الحرب العالمية الأولى ، كان هناك ما يقرب من 2500آشوري. مزقت الحرب حرفياً هذا المجتمع الصغير وصارت سبل عيشهم في المنطقة موضع تساؤل.
  الوحدات القتالية الآشورية   قاتلت إلى جانب  الإمبراطورية القيصرية ضد العثمانيين، وكان عليها أن تدفع ثمناً باهظاً بعد انسحاب القوات الروسية.. لتجنب الأعمال الانتقامية، انتقل ما يصل إلى 50000 من الآشوريين جنوبًا إلى إيران ومن هناك إلى العراق لطلب الحماية من البريطانيين. عاد ما يقرب من نصفهم بعد نهاية الحرب، ولكن في ذروة موجات التطهير الستالينية، غادر 12000 آشوري مسقط رأسهم مرة أخرى.. خلال الحقبة السوفيتية ، عاش غالبية الآشوريين في القوقاز، في المقاطعات الشرقية لأرمينيا لكن كأقلية، واجهوا دائمًا وقتًا عصيبًا، فبعد سقوط الدولة السوفيتية وبعد تحول أرمينيا إلى دولة أحادية العرق، هاجر الآشوريون بشكل جماعي إلى روسيا وأوكرانيا. استند النزوح الجماعي في التسعينيات بشكل أساسي إلى قانون أكد على أولوية اللغة الأرمنية ودفع اللغة الآشورية خارج الحياة العامة. في أذربيجان العلمانية المسلمة، حيث يتم دائمًا الاستفادة من التسامح والصداقة والانفتاح تجاه أتباع الديانات الأخرى.. يتركز الآشوريون في الغرب والشمال الغربي (خاصة في مدينة زاغاتالا) من البلاد. يتراوح عددهم بين 700-1000 وفي قرى فورغون وحسانسو في مدينة أغستافا (بالقرب من الحدود الجورجية) هي أيضًا موطن للآشوريين الأذربيجانيين. يُعرف السكان المحليون باسم إيسورولار. هاجروا هنا في عام1915، عندما تم تهجير 500 عائلة آشورية باتجاه الشرق أثناء تقدم القوات العثمانية من بدليس والأراضي المحيطة بها. فقط 30إلى 40 عائلة وصلت إلى حسنسو واستقرت هناك مع الأذربيجانيين والألمان، عاش الآشوريون معًا بسلام. ومع ذلك، تبع مصادرة وترحيل الألمان في عام 1949 إعادة توطين قسري للآشوريين في تومسك أوبلاست في روسيا. سُمح لعدد قليل منهم بالبقاء. يمكن أيضًا رؤية عدد قليل من الآشوريين في بلدة غويغول(هاليندورف سابقًا). وأشهر ممثل لها هي سيدة الأعمال لاريسا دانيلوفا، التي صنعت اسمًا كبيرًا عبر المناطق بمطعمها (المعروف بين السكان المحليين باسم مطعم لاريسا)  يحافظ الآشوريون من أذربيجان على هويتهم وتقاليدهم وتقاليدهم الدينية دون عوائق.. لكن الطقوس المتعلقة بذلك تختلف اختلافًا جوهريًا عن تلك الخاصة بالمسيحيين الأوروبيين. يصلون على ركبهم مرتين في اليوم، في مواجهة الشمس . حيث كان الآشوريون يعبدون إله قبل أن يعترفوا بالمسيحية. بالإضافة إلى ذلك، يصوم "إيسورولار" مرتين في السنة، مع تجنب استهلاك الأسماك واللحوم والزبدة بشكل عام خلال هذه الفترة.
تمثل تقاليد الزفاف الآشورية، بما في ذلك الرقصات، تشابهًا مذهلاً مع تقاليد الأذربيجانيين (على سبيل المثال أغاني الرقص "يالي" أو "كوتشاري" أو "شيشانا"). يبدأ الحفل الفعلي في وقت متأخر من المساء ويستمر حتى الساعات الأولى من الصباح. بعد ذلك يتم اصطحاب العروس إلى منزل العريس بشموع مضاءة، على غرار حفلات الزفاف الأذربيجانية. يتبع الآشوريون أيضًا عاداتهم الخاصة عندما يتعلق الأمر بالجنازات. عندما يموت أحد أفراد الأسرة الصغار، يسود جو من الحداد في المنزل لمدة 7 سنوات، وجدران المنزل من الداخل مطلية بطلاء أزرق داكن، وهو رمز الحداد. يعتمد مراسم الجنازة بالكامل على التقاليد المسيحية االشرقية. كان التعايش الخالي من النزاعات بين الناس من مختلف الطوائف أمرًا طبيعيًا في أذربيجان على مر القرون ويشكل هذه الصورة أيضًا في العصر الحديث، حتى لو كان على البلاد أن تتحمل أوقاتًا صعبة، خاصة في المائتي عام الماضية. لا يهم ما إذا كان يمكن احتساب المجتمعات العرقية والدينية في متناول اليد: التسامح والقبول والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية في أرض النار تنطبق على الجميع والآشوريون ليسوا استثناء..

 موجز ما كتبه الصحفي توم مارسدين  عن لاريسا دانيلوفا في شتاء 2018:

لقد صادفت بالفعل هذه السيدة الآشورية المتواضعة منذ بضع سنوات خلال زيارتي الأولى إلى منطقة غانجا... زوفات هو فنان التقيته في غويغول في ذلك اليوم، سمعت منه إطراء عن لاريسا صاحبة المطعم المحلي وخرجنا لتناول وجبة هناك لا تنسى. كانت لاريسا مرحة ولبقة وطيبة تماما، لقد جلست هناك قبالتها، وهي أكثر استعدادًا لمشاركة القصة وراء مطعمها غير العادي، الذي ينبع إلهام الطهي فيه من المستعمرين الألمان القدامى. عمل الألمان مع لحم الخنزير، واستهلكوا الكثير ؛ قاموا بتربية الخنازير، وكانت صناعتهم الرئيسية هي لحم الخنزير: لقد صنعوا الوجبات من الكبد ولحم الخنزير ولحم البقر ولحم العجل  فعلوا ذلك. وقد تبنى شعبنا هنا هذا منهم، والآن هم ليسوا هنا ولكن بعد مغادرتهم احتفظنا بالخنازير والأبقار وكل شيء. لقد بقي منها: كولباسا أحمر (نقانق  محررة) .. كل شيء بقي منهم. لقد تبنيت كل هذا من والدي و من والد زوجي.  تعمل لاريسا بشكل موسمي ويعمل مطعمها فقط خلال فصل الشتاء (من أول أكتوبر إلى أوائل أبريل) عندما يتم استهلاك لحم الخنزيرو الأسماك. تقضي بقية العام في منزلها على الجانب الآخر من الطريق استعدادًا للموسم المقبل: تخليل التفاح  والثوم البري والملفوف، وصنع الجبن والنبيذ. لديها أيضًا الوقت للسفر وزيارة الأقارب. الأطباق الرئيسية للمطعم هي السرديلكي (النقانق الألمانية)، ولأولئك الذين لا يأكلون لحم الخنزير فهي دائمًا ما تحتفظ بالعجل المقدد. لذلك يحصل الزبائن على طعم أصيل من الماضي، وإن كان ذلك مع لمسة لاريسا الصغيرة الخاصة: صنع الألمان كلباسة حمراء ودخنوها، لكنني تقول الآشورية لاريسا:  ببساطة، أعملها في المنزل طازجة مباشرة، وأقدمها إلى المائدة .. تدعي بفخر أن مطعمها هو المطعم الوحيد الذي يقدم السرديلكي في أذربيجان، بالإضافة إلى بعض المعجنات الألمانية. بخلاف هذا التأثير الألماني، فإن مطبخها يأخذ أيضًا عناصر من الريف المحيط الخصب، والتفاح والكمثرى. وتقول إنه لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار الألمان هذه المنطقة بالذات، مضيفة أنها تسعد كثيرًا بطهي الأطباق الطبيعية والصديقة للبيئة، مع كوب من الكبوت الطازج والنبيذ محلي الصنع. في إحدى الغرف الخاصة الموزعة في جميع أنحاء المنطقة المركزية للمطعم مع طابعها غير الرسمي وكأنه بيتك. يضيف النبيذ المصنوع منزليًا إلى الدفء العام للجو، تستغرق لاريسا وقتًا للجلوس أمامي وتوضيح كيفية انتقالها من ربة منزل إلى صاحبة مطعم.
أخبرتني أن المطعم افتتح في عام 1990وسط اضطرابات نزاع كاراباخ عندما أصبح المبنى شاغرًا وانتهزت لاريسا، التي تعيش في الجهة المقابلة، الفرصة لفتح المطعم.  معظم السكان المحليين يشيرون إلى المطعم ببساطة على أنه "لاريسا" ، مثل شخصية المضيف ووجوده.
عاشت لاريسا في جويغول  لمدة 42 عامًا ولكنها ولدت بالفعل في سيبيريا حيث أمضت سبعة أيام (ومع ذلك لا تزال تشعر بعلاقة روحية قوية بالمنطقة) قبل أن تترعرع في إغستافا (في غرب أذربيجان) وجورجيا. سبب كل هذا التجوال وميزة أخرى مميزة للمطعم هي عرق لاريسا: إنها واحدة من آخر الآشوريين في جويغول ، وهي من شعب  معتاد على الهجرة.
يقول الصحفي توم مارسدين : متردد في الكشف عن جهلي! ومع ذلك أسأل: من هم الآشوريون؟
 لاريسا تجيب :الآشوريون، هم شعب قديم جدًا. جاءوا من العراق بين نهري دجلة والفرات وبلاد ما بين النهرين.

      لاريسا دانيلوفا تغني:
 https://www.youtube.com/watch?v=zUh4RKRUC-M






   


57


من نصوصي في أدب ثورة تشرين


بولص آدم

العصفور

ابو الحناء
من شباك البيت الاسمر
يطل
لاقطرة في إبريق الشاي المحطم
البيدر القريب، مهجور
لا الحرب توسطت فيما يقتات
ولا الحصار وفر له حبة للنقر
حط العصفور معرف الجناحين
نقر ملتفا حول نفسه خيش عتبة الدار
تمرغ في اهتراء تلك القطعة
افزعته طلقات ودخان
تمايل فوق الشارع المكتظ
هوى على كف امرأة تطبخ للثوار
حبة رز، حبتين..
ارتوى من قطرات على الوشم
ثم
حلق إلى الابد
25.11.2019

الشارع
 
وهو يمضي إلى الرقاد
في ليلة تراب
الشارع المطفا
سألني بصوت منخفص
هل انت متعب سيدي؟
لزمت الصمت
انت لاتضايقني مطلقا
هل انت متعب؟
لم اتلفظ بكلمة منذ ايام، منذ سنوات
لم اعد اتحمل شيئا
استدار الشارع وهم بالذهاب
الى تقاطع فيه، اريقت عليه دماء
توسلت اليه البقاء
لااريد ازعاجك قال
برز وجهه مجددا
عينان تتفرسان كأنهما تهذيان
جلسنا أحدنا قبالة الآخر
فهمت ان الشارع يريد التكلم
ان يروي لي شيئا من احلام النور
لمحت فجأة وميض غريب
تدفق الضوء فوقنا
بدا لي انني اسمع صوت تنفسه
وفي غمرة ارتباكي سمعت دقات قلبه
لم اطق الصمت الذي خيم بيننا
و
هتفت

25.11.2019

بلادي

ثقتي بالبلاد عميقة
حتى ولو التوى عقلي وكسح قلبي واستغربت فتعجبت
شكل جنينها مرعب، عظم اكتافها ناشف
أصابها عمى الأنهار وقرحة المستنقعات
يتكاثر القتلة واللصوص كالقمل في فروة رأسها
تناوب الغزاة على دفنها حية
احبها وكل شئ يعيدني اليها
لم يتعطل، لم يعطب او يضمحل
كل عشق راقٍ يَليقُ بها، وكل شئ فيها تتحسسه عظامي
الفجر والضحى، القطار والصدى
الكتاب والندى، الفلم والقلم، الحكاية والسر
كل شئ في العالم يربطني بها
رائحة الحقيقة ودمع الجسور، تدافع الجنود المجازين
ابتسامة الحرية على شفاه المنسي وفرحة العائلة بشفاء المعيل
الشهيد المنقول في قارب لأن الشارع محترق
كل شئ هنا يربطني بالعراق
شرفي ايضاً

الام

اشتقت اليك
اطوف على غير هدى في الفضاء
اراك تنظر نحوي
من مكانك
حيث المهابة
القمر هذه الليلة اصفر
الاشجار تذوي
هل انت بعيد ام بعيد جدا
اهامس طيفك واقول
هو في غفوة نادرة
نوم بلااحلام
ابلل جبينك المتقد
نضجت مبكرا
وازحتُ الستار
تضحية
اتى وقت لن تسكت فيه
ثورة
يسري الان في اطرافي ثلج ونار
وسط ذلك الهدير
امتصت روحك فوهة
شيعتك حمامات الساحة
سفينة القتلة غارقة
على اي حال
17.11.2019

الحنو الممتع


أرنو إلى عين ترحب بي
لا عين كارهة كعين قاطع الحجر
عينين محمرتين لمتوحش يلف القتيل بسجادة
ارنو الى مدن رجالها غير منفعلين
وكأنهم في ساحة المعركة
أرنو الى قلع الاعشاب الضارة والجز
لن افترض انها ارض غريبة
وانا سىء الحظ
أرنو الى لافتة الشارع الصحيحة
مكان حام الدخان فيه و العزف لا يتوقف
إلى نساء يخففن الروع
يتحدثن بلا إيحاءات عند الأبواب
يتوقعن التهديد ويبكين
أرنو الى نقاش عيار الذهب قبل الزفاف
وليس عيار تسعة ملم في غمرة الهلع
زمن تعيب فيه الاشباح والكوابيس
أرنو الى من يسأل، اتحتاج مساعدة؟
إلى حافلة مكتظة بعمال النهار
حنو ممتع لمزحات الثوار
إلى شباب الملعب
محاطين بإطار من ضوء الشارع
ابق حيث الضوء
افعل
لا تتمتع بالثورة
15.11.2019

اماني ثورية

ماء النوافير في القلب يدور
رذاذ الهتاف لايجاريه مطر
تنهيدة في عربة الثورة
عناق قديم يتجدد
صباحات واسعة كذراعين مفتوحتين
نهارات لااكاذيب
ليالي لانواح
طليعةوجماهير
كأول ضحكة لطفل
بداية جديدة
لن نفترق
هذه المرة نصل
وطن لا زعيق
صداقة لااسوار
وضح ما تعني بالنور
خميرة الحلم جديدة
نشرب مياه أخرى
نردم بئر الخرافة
كيف الحال؟ اسمعك
مالتالي؟
خلية عراق
شباب نحل
ثورة عسل
خرطوش الكاتم فاسد
لاتراجع
نور الثورة حارق خارق
14.11.2019

الشهيد

المفتون الثوري
يعود إلى بيته
يلاحقه قاتل
أمجد
بين السماء والجحيم كان
الآن في ميسان تفتقد النجوم
بعد اليوم
لن يكون انتظاره طويلا محفوفاً بالمخاطر
أمجد الدهامات
لن يتحرك والكتاب بين يديه
بين جذوع النخيل
لن يعبر الطريق بعد اليوم
ويقول صباح الخير
على التلال العارية البعيدة
لنا وجه يبتسم
لمعان عيون بضوء الشموع
وجه بين قصب العمارة يخلد
شعلة الثورة تعانق السماء
 13.11.2019


جدار بغداد

بين الشمال والجنوب
بين المرء وذاكرته
بين الاحلام والمستقبل
بين الفم واللقمة
بين المريض والدواء
بيننا والنور جدار
بينكم والعالم جدار
شباب
شباب هنا فلتسمع
بث حي في الاقدام
ماتأخرنا عن الدوام
الا لندخل فصل الثورة بقوة
يامعلمنا الجليل
هذا المفتاح بيدنا، نفتح به خزانة الوطن
لدينا مكنسة ايضا!
لم ننس جدار برلين
على الجسر ايضا جدار؟
خلف الدخانية ام الدخان انتم
بضغطة على زر النقال بيد شاب
كثلج يذوب تحت الشمس
يسقط هذا الجدار
07.11.2019

58


                                          قصص موجزة ومعبرة   


ترجمة: بولص آدم


"الاختزال والدقة، من أهم خصائص النثر."
ألكسندر بوشكين


صدفة عمياء
ستانيسلاف جيرزي ليك

خلال الحرب، يشتغل فلاح في أرضه.  يراه طيار عدو يقود طائرته فوق الوادي.  وكما يفعل كالعادة طيار حربي، اسقط قنبلة.  أنا لا أحبذ القصص البغيضة، ولم أكن لأذكر هذه الحادثة، لولا النهاية غير المتوقعة.  مع أن القنبلة ضربت جمجمة الفلاح القوية، لم تنفجر، وحفرت مخترقة الأديم لتستقر في عمق الأرض.  بجانب الفلاح ال.


قصة للقراءة
ولفغانغ بورخيرت

كان هناك ذات مرة رجلان، عندما كانا في الثانية من سنوات العمر تضاربا بالأيدي.
عندما بلغا الثانية عشر، تضاربا بالحجر.
عندما بلغا الثانية والعشرين، تبادلا إطلاق النار بالبنادق.
عندما بلغا الثانية والأربعين تقاذفا بالقنابل.
عندما بلغا الثانية والستين أصيبا ببكتيريا.
عندما بلغا الثانية والثمانين توفيا ودفنا جنبا إلى جنب.
بعد قرن، بينما شقت الديدان التي تنشط بعد المطر طريقها في الأرض تقتات على ما يصادفها، لم تميز بالمرة، بين رجلين مختلفين مدفونين.  كانت نفس الأرض، نفس التربة.


خرافة
برتولد بريخت

كان هناك ذات مرة، أمير، هناك بعيدا في بلاد الخرافات، لأنه كان الحالم دوما فقد أحب موطنه السحري جدا، يستلقي على الحشائش قرب القصر يحدق في السماء الزرقاء ويحلم بالزهور التي ستنبت حواليه وتتفتح بجمال ليس بمثيله في مكان آخر.  ويحلم الأمير بالبياض، بقصور بيضاء ذات نوافذ زجاجية عالية وفسحات مضيئة.  وحدث أن توفي الملك، فأصبح الأمير ملكا، والملك الجديد، يكرر الوقوف مطلا على الحدائق الجذابة لقصور بيضاء بفسح مضيئة، قصور ذات نوافذ لماعة عالية.  ويحلم بروضة صغيرة، حيث الزهور تكبر وتتفتح بجمال ليس بمثيله.  في مكان أخر.


معاقبة الجشع
ايسوب

كلب يحمل قطعة لحم بين فكيه، يعبر نهير، رأى ظله في الماء واعتقد بأنه كلب آخر يحمل قطعة لحم بين فكيه.  هاجمه فورا، لخطف قطعة اللحم.  لكنه خرج خاسرا لكلتا القطعتين، تلك القطعة الغريبة التي لم تكن هناك بالمرة، وتلك التي كانت بين فكيه، لأنها سقطت في الماء.

تأمل دجاجة-مافيا
لويجي ماليربا

قررت دجاجة من كالابريا، أن تنضم إلى المافيا، ذهبت إلى احد وزراء المافيا، بغية الحصول على كتاب توصية وعضوية، لكن الوزير قال، لا وجود للمافيا.  ذهبت الدجاجة إلى قاضي مافيا.  وهذا أيضا، قال، لا وجود للمافيا.  لهذا، عادت الدجاجة إلى قفص الدجاج، وأجابت على سؤال الدجاج حول الأمر، بأن لا وجود للمافيا.  ولكن كل الدجاجات فهمت بان الدجاجة هي في المافيا حاليا، وبدأت مخاوفها.

خطوة فعالة
سوافومير مروجيك

مرة أخرى، قرر مجلس المدينة، أن يكون واضحا، ضد المشرف على المبنى، عديم الضمير لتقاعسه في تنظيف الأرصفة من الثلج والجليد.  ومن أجل ذلك وضعت المدرعات والدبابات ووحدة مدفعية على أهبة ألاستعداد.

انيو فلايانو
قصة قصيرة

قرر الرجل، تغيير حياته، بتفعيل ساعات الصباح.  نهض في السادسة، وقف تحت الدوش ثم حلق ذقنه، ارتدى ملابسه، تمتع بتناول فطوره، دخن عددا من السكائر، جلس قبالة منضدة وصحا من نومه عند الظهيرة.

تراجيديا
سومرست موم

كانت امرأة ناجحة، ثرية، جذابة.  كان لها صداقات كثيرة.  كان بإمكانها أن تكون سعيدة جدا، لكنها لم تكن كذلك، شعرت بالبؤس، التوتر والاستياء، حتى أن الأطباء النفسانيون لم يكن بوسعهم إنقاذها.  لم يكن بمقدورها أن تخبرهم بما تعانيه، لأنها غير قادرة على معرفة سبب تلك المعانات بنفسها.  كانت امرأة في طريقها للبحث عن تراجيديا.  ثم أحبت طيارا شابا، يصغرها سنا بسنوات، أصبحت عشيقته.

كان طيارا مختصا باختبار الطائرات، ذات يوم، بينما كان يحلق بطائرة لاختبارها، حصل خلل ما، سقطت الطائرة وتحطمت، مات أمام ناظري عشيقته.  قلق أصدقاؤها عليها جدا، ربما ستفكر بالانتحار، لكنها أصبحت سعيدة وفي غاية الانشراح.  التراجيديا حضرت في حياتها وانتهت.

واقعة حزينة
سلافومير مروجيك

البارحة صباحا شنق فنان نفسه على محيط الساعة أعلى برج البلدية.  قبل ذلك الانتحار، حرك عقارب الساعة نحو السادسة، أي عشرين دقيقة إلى أمام.  تجمهر الناس، التضليل الواضح بالوقت الصحيح وما هو معلن في ساعة البلدية، كان لإعطاء الوقت الكافي للمسئولين، فهم المتأخرون في الحضور دوما.


منفضة
خوليو رامون ريبيرو

بحكم العادة ، افتح باب الغرفة وأخرج إلى البالكون، حيث تكون باحة فالغويري، ألقي بكعب السيكارة هناك إلى أسفل، لكنني أرى رجلا واقفا في ذلك المكان بالضبط.  وسألت نفسي، اللعنة، أي شيطان ألقى هذا الشخص في منفضتي؟

بكاء
أدواردو غاليانو

في غابة أمازونية في الأكوادور، يبكي هنود حمر بجانب امرأة عجوز تلفظ أنفاسها الأخيرة في صراع مع الموت، حضر زائر غريب من عالم آخر وسألهم: لم كل هذا النحيب، مع أن الجدة لم تمت بعد؟  كل الباكون أجابوه: لكي تشعر بمقدار محبتنا لها.

البرق
أوغوستو مونتيروسو

ذات مرة، صعق البرق منطقة لمرتين، لكنه شعر بهول ما فعل، لأنه في الصعقة الأولى خلف دمارا كافيا هناك، لام نفسه بشدة.

59


                                          من هو جلال چرمگا ثانية؟

بولص آدم

 بعد نشر مقالتي (السرقة والتناقض في كتابات موفق نيسكو!) في موقع عنكاوا الموقر بتاريخ  20/09/2020  والتي بيَّنتُ فيها كيف سرق نيسكو رأياً للمؤرخ العراقي طه باقر، من كتابه (من تراثنا اللغوي القديم – ما يسمّى في العربية بالدخيل) دون اي إشارة الى أي مصدر والنص ورد في مقالة ل عبدالرحمن السليمان في ( اللغات والكتابات الجزيرية ) وكيف أن موفق سطا على فقرة للباحث، ورد رأي المؤرخ باقر في مقالته...
سارع نيسكو بعد يومين اي في 22 أيلول/سبتمبر 2020  الى نشر مقالة بعنوان ( المؤرخ القدير طه باقر والآشوريون والكلدان الجدد ) ! وذلك في موقع الكاردينيا :

http://www.algardenia.com/maqalat/46107-2020-09-22-06-12-40.html

 المشرف على موقع الكاردينيا، هو الصديق القديم الصحفي جلال چرمگا، كتب رداً جاء فيه مايلي:

جلال چرمگا إدارة  موفق نيسكو • منذ ٣ أيام
الاخ الأستاذ موفق المحترم
تحية وتقدير
كما تعلمون بأن مجلة الكاردينيا بعيدة كل البعد عن موضوع انتقاد لاذع للطوائف او الاديان الاخرى أو المساس بأية طائفة أو دين أو قومية سيما وأن مجلة الكاردينيا لها كتاب وقراء من مختلف الشرائح الوارده أعلاه …
عزيزي
نتيجة ورود إنتقادات حول كتاباتك عن سرد أمور تخص آخرين ولحساسية هكذا مواضيع نتمى ان تخصصوا مقالا عن سبب تكراركم والتركيز على مادة محصورة بتسمية الكلدان و الأشوريين وهذا يسبب لنا احراجا بمعنى الكلمة وقد انقطع عدد من الأخوة عن المجلة وقالوها بصراحة السبب ، لأننا نجمع تحت خيمة مجلة الكاردينيا قراً وكتاباً من مختلف الطوائف والقوميات والأديان والمذاهب.
هنالك امور وقضايا كثيرة ممكن تكتبوا عنها ولاسيما انكم لكم القابلية والأمكانية في هذا المجال ومؤلفاتكم شاهد على ذلك.
كتبتم الكثير على نفس الموضوع ونعتقد انها كافية ولا تحتاج الى أكثر من اللي نشرت في الكاردينيا.
جلال جرمكا
عن هيئة التحرير

...........................
 جمعتني بالصحفي جلال چرمگا صداقة وجمعتنا مراسلات كثيرة لم تكن تخلو دوماً من المزاح والطرافة وكان لطيفاً كيساً و عكس دوماً روحاً عراقية .. الخريج من قسم الأعلام/ كلية الآداب/ جامعة بغداد. والعضو في منظمة الصحافة الدولية. ناشط في مجال حقوق الأنسان وعضو في منظمة العفو الدولية ، قراء و اعضاء موقعنا عنكاوا القدماء يتذكرونه ويتذكرون كتاباته النقدية الساخرة وبطل تلك السخريات كان ( حمدان ) ، ثم أخذ رأيي بفكرة موقع خاص وشجعته وقتها وأقدم على الخطوة وأنشأ ( مجالس حمدان ) ثم تحول موقعه الى (مجلة الكاردينيا).. تحول موفق نيسكو من عنكاوا الى هناك ونشر مقالاته هناك أيضاً، بالأضافة الى مواقع كوردية وعراقية أخرى وهي المقالات التي يضمها كتابه الجديد، لااشوريين لا كلدان.... وفر نيسكو مادة تفيد كتابا اساؤا إساءة بالغة بشعبنا. وكتبوا مقتبسين من كتاباته ما يسئ الينا جملة وتفصيلاً وخاصة بعد تمجيده للميديين واعتبرهم صناع حضارة !! والمعروف أن الميديين لم يتركوا خلفهم سوى آنية فخارية واحدة !.
 طبعا للصديق جلال چرمگا  رأيه الذي نحترمه في التعامل مع الكتاب والمقالات و موقعه مفتوح للجميع بشرط عدم المساس بمشاعر الآخرين ومعتقداتهم..
 الحقيقة، فقد عبر بلغة فيها احترام ولطف لدى تنبيه موفق نيسكو.. ولو صح القول، ربما نفذ صبره على كتابات نيسكو في موقعه الكاردينيا.
  أحييه واتمنى له موفور الصحة والنجاح الدائم. وهذا هو رابط الى مقالتي التي نُشرت في موقع عنكاوا بتاريخ  03/11/2006 وتحت عنوان ( من هو جلال جرمكا؟ ) :

https://ankawa.com/forum/index.php?topic=62717.0



60


                              وثيقة مؤلمة، لكن مهمة من البابا بولس الخامس!

ردد موفق نيسكو مرارا.. بأن الآشوريين الحاليين يقفزون من تاريخ سقوط الدولة الآشورية في نينوى وحتى القرن التاسع عشر وهو يجهلُ وجود وثيقة كهذه  التي نقدمها لكم في كتابتنا هذه .. 
 كتب نيسكو في مقالته: الآشوريون والكلدان الحاليون أو الأسباط العشرة الإسرائيليون ح١:

( ملاحظة 2: عندما نستعمل كلمة النساطرة تاريخياً نقصد (الكلدان والآشوريين الحاليين) إذ أن قسماً كبيراً من النساطرة وخاصة نساطرة السهول اعتنقوا الكثلكة سنة 1553م، وسمتهم روما (كلدان)، فيما بعد، وثبت اسم كنيستهم (الكلدانية) رسمياً في 5 تموز 1830م، ، بينما من بقي نسطورياً وخاصة نساطرة الجبال، سمَّاهم الانكليز آشوريين سنة 1876م، وثبت اسم أحد فروع كنيستهم فقط آشورية رسمياً في 17 تشرين أول 1976م. ) انتهى الأقتباس.

  يقال إن تصنيف مجموعة عرقية حالية من المسيحيين الشرقيين على أنهم آشوريون قد تم توثيقه منذ عام 1612 على الأقل. في تاريخ الكرمليين في بلاد فارس ، ذكر البابا بولس الخامس السريان الأرثوذكس اليعاقبة على أنهم أشوريون في رسالة إلى الشاه الفارسي عباس الأول (1571-1629) في 3 نوفمبر 1612.

  الرسالة:

  "ولا سيما أولئك الذين يسمون الأشوريين أو اليعاقبة و سيضطر الذين يعيشون في أصفهان إلى بيع أطفالهم من أجل الوفاء بالعبء الضريبي الذي فرضته إذا لم ترحمهم ".
H. Chick: A Chronicle of the Carmelites in Persia. London 1939, S. 100.
..............................................

The designation of a current ethnic group of Eastern Christians as Assyrians is said to have been documented for the period since at least 1612. In the Chronicle of the Carmelites in Persia, Pope Paul V names the Syrian Orthodox Jacobites as Assyrians in a letter to the Persian Shah Abbas I (1571–1629) of November 3, 1612.

“Especially those who are called Assyrians or Jacobites and
 living in Isfahan will be forced to sell their own children in order to cope with the tax burden you have imposed if you do not have mercy on them. "
- Pope Paul V: letter of November 3, 1612



61


                       السرقة والتناقض في كتابات موفق نيسكو !

بولص آدم

 قبل ثمان سنوات لاحظت تشابها في مقالات الكاتب موفق نيسكو ومقالات  هنري بيدروس كيفا و د. أسعد صوما وكانوا يتداولون نفس المصادر الخاصة بكل مقالة. وإذا كان كيفا و د. أسعد يستخدمان اقتباسات من مصادر محدودة لكل مقالة فإن نيسكو كان يضاعف العدد وتصل أحياناً الى أكثر من خمسة عشر مصدراً في المقالة الواحدة! اي انه رابوط بينها مع مقدمة وخاتمة قصيرتين! وبذلك خرجت بنتيجة انه في الواقع يملك في مقاله ربعها على افضل تقدير.. واكتشفت سطو الكتاب الثلاثة على كتابات بعضهما البعض الى درجة سألت نفسي فيها: مَن يَسرُق ممَن ؟! و بينما كنت اقرأ مقالا  لموفق نيسكو تذكرت مقال قديم سبق لي قراءته فعدت اليه واكتشفت سرقة ملعوبة، وبدأت البحث عن اخرى فوجتها ثانية وهكذا..! وخرجت بنتيجة انه يسرق من كتاب آخرين من خارج حلقة زملاءه ويغوص تحت سطح نصوص باحثين معروفين وغير معروفين ليصطاد اللؤلؤ المزيف!
  موفق نيسكو يعتمد على قنص رأي غيره وينسبه اليه فالأستنتاج يسبقه ب ( اني أرى ) و( أعتقد ) و ( لذلك ومن المؤكد..) ثم يُخفي المصدر الأساسي والمصدر الناقل ! اما المصادر المعلنة فيتم وضعها بعد ان يكون المقطع المسروق قد تم الزحف عليه وصهره ولكن للغة عين وهي تراقب كما يصف جاك دريدا ! ولزيادة في تعمية السرقة فإنه يقدم ويؤخر و يضيف جملة باهتة لكي تكون النتيجة. رأياً جديدا لم يسبقه اليه أحد.. نقول هذا من تحليل في نموذج يمكن لكم عقد المقارنة بين عينتين في النموذج حول السرقة ومن ثم نموذج آخر عن تناقضاته :

   
في 3/1/2014  كتب  عبدالرحمن السليمان في مقالته, اللغات والكتابات الجزيرية:

( ...إن مصطلَح (اللغات الجزيرية) أقرب إلى الحقيقة التاريخية من غيره من المصطلحات المستعملة للدلالة على هذه الأسرة اللغوية المهمة لأن أولئك الأقوام خرجوا جميعهم من شبه الجزيرة العربية كما يذهب أكثر الباحثين إلى ذلك. وهذه التسمية ليست لنا، ذلك أن أول مَن أطلق مصطلَح (اللغات الجزيرية) هو عالِم الآثار العراقي الأستاذ طه باقر في كتابه (من تراثنا اللغوي القديم – ما يسمّى في العربية بالدخيل). ثم يضيف ( فالنظرية السائدة في الدراسات (السامية الحامية) ـ وسوف نستعمل من الآن فصاعدًا مصطلح (اللغات الجزيرية) بمشتقاته ـ أن أصل تلك اللغات من الجزيرة العربية، وأن المتحدثين بها هاجروا منها بعد أن تصحرت بداية الألفية الخامسة قبل الميلاد، فقصدوا مواطن الماء والكلأ على ضفاف دجلة والفرات والعاصي في العراق والشام....)


  في 2020 / 7 /6 كتب موفق نيسكو في مقالته (الفرق بين اللغة الآرامية (السريانية)، والأكدية بلهجتي بابل وآشور، ج 1  :

( ويرتأي عدد من الباحثين اللغويين العراقيين اليوم أن يكون اسم السامية هو، اللغات العاربة أو العربية القديمة،  وإني أرى أن مصطلح اللغات الجزرية أكثر توفيقاً كيلا يختلط مع اللغة العربية أولاً، ولأن الأقوام التي سكنت الجزيرة العربيةء السورية أو نزحت منها، كان لها لغات خاصة بها كالآراميين والكنعانيين والحبشيين والعبريين ثانياً، وكيلا يؤول الموضوع سياسياً فيخلق مشاكل ثالثاً).

غالباً ما قال موفق بأن الآشوريين ليس لهم لغة وفي تناقض واضح يعترف أن تسمية اللغة الآشورية تسبق غيرها ويقتبس من القاموس الآشوري !!!:

 ( كان من الطبيعي على هؤلاء العلماء أن يطلقوا اسماً معيناً على اللغة المكتشفة، ولأن أغلب الكتابات اكتشفت في نينوى عاصمة آشور القديمة، لذلك أطلقوا عليها في البداية اسم اللغة الآشورية، ولكن بعد أن انجلت آثار بابل في جنوب العراق ولاحظ العلماء التشابه الكبير بين اللغة البابلية والآشورية، اتضح لهم أن لفظة آشور لا تفي بالمراد، فأطلقوا على كتلة اللهجات السامية في العراق اسم اللغة البابلية الآشورية، ثم استخلص المستشرقون المحدثون من النقوش المسمارية أن أهل بابل أطلقوا على لغتهم اسم الأكدية، ومنطقة بابل كانت تُعرف بأرض أكد، وأن عدداً من ملوك بابل في الآثار والنقوش المكتشفة، لُقِّبوا باسم ملوك أكد وسومر، وهو مطابق لأسماء المناطق كما في التوراةوبذلك استقر اسم التسمية الأكدية على هذه اللغة في منتصف القرن العشرين (انظر أ. ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، ص22 هامش1. و (The Assyrian Dictionary قاموس آشوري)، 1964م، ص7). وشكراً/ موفق نيسكو)

62

   ملاحظة:

    رغم أنني أبتعدت مؤقتاً عن المنبر الحر، الا أن واحدا من المفتونين بكويتب مهرج يثير الفتن والقلاقل بين أبناء الشعب الواحد في المواقع المغمورة و يطبل له هذا الواحد ونفر من الواهمين، ماأنفك بالأتيان وزج أسمي في هلوساته وخاصة ما بعد المساء!! هو ثمانيني يعيش في الدينمرك، من برطلة وكان يعمل في نفط الشمال و...الخ! فلذلك قررت الرد عليه وعلى( العلامة مؤلف كتاب / حاملة طائرات)!..... إدريس ججوكا  الذي  ذكرني عدة مرات في ترهاته بمناسبة الكتاب ( الهزة ) ... وقد حافظنا على عدم الرد عليهم لكن للضرورة أحكام! .. ارجو أن يعذرني الجميع، حقيقة لا وقت لدي لكتابة الردود حالياً . لقد وجدت كتابة هذه السخرية ضرورية للرد على من يزج بإسمي في أجندته الخاصة وإن كانت مُضحكة و عشوائية وصديقه الذي يطعن بوطنيتنا كما هو واضح وبقلمه في نهاية هذه المقالة وكل من يلف لفهم ويسئ الى مشاعرنا وانتمائنا وهويتنا.. اتمنى أن يكون الهدف الصحيح نصب اعيننا ونخطو صوبه معاً، كل بأسلوبه و في مجال أختصاصه وبما يُفيد .


                      كتابة ساخرة.. شالوم من إسرائيل!!


 نشكر (يهوه) ألف مرة لأننا في زمن تقطع أوصال خطوط الطيران، فقد وصلنا بسلام!.. الناس انفجروا غيضاً في زمن الكورونا لعدم قدرتهم على هكذا سفرات .. لكن بمشيئة تاريخية وبال ( وثايق ) فما كان مستحيلًا قد تحول الى واقع ملموس  والأصدقاء والقراء في منبر عنكاوا الحر إعتقدوا بأنني مشغول فقط، المعذرة حقاً، كنت أول الواصلين قبلكم كسبط من الأسباط المفقودين! ألم يُخبركم احد طوال هذه المٌدة؟! فالآشوريين كانوا قد حفظونا في المجمدات لقرون طويلة، بأنتظار تحقق نبوءة المقالات التي اصبحت كتاباً لمؤلف خريج من جامعة غجرية تشاوشيسكوية ! هناك أسرار إئتمننا عليها الخلامو الجديد، مؤلف كتاب ( الهزة ) لانستطيع البوح بها حول سفرتنا ! غير أنني ولشدة الفرحة افشيت سر طيراننا على بساط الريح الآرامي ووصلنا الى أحضان الحاخامات الذين كانوا يبحثون عنا قروناً !!! كيف لا وهم شهدوا على عدم مصداقية اية نظرية سابقة حول الأسباط المفقودين، وهم وياللمعجزة رأوا بتأثير الساحر الجديد، حقيقة مقلوبة تماما و صدقوا ما أعتبروه خطأ تاريخي، ببساطة المسبيين تبادلوا الأدوار مع السابين في لعبة قومية سياسية المرام، تستهدف وتغري لأقتنائها حتى الأطفال اي لكل الأعمار، إبتكرها صاحب نظرية واحد زائد واحد يساوي خلامو جديد، كنا بحاجة كأسباط تائهين الى لعبة  من هذا النوع بُرمِجَت في سودرتاليا البعيدة عنا حالياً فأصبح السابي مسبياً وتحققت عدالة العدالات في نبوءة النبوات.. لكنه يتواصل معنا الحقيقة، فشكرا لعلامة يبحث في تاريخ امة  غريبة وافدة بفضل الآشوريين ويهاجم أحفاد أقوام تاريخية أخرى على أرض ميسوبوتاميا ، ياللخديعة، كيف انخدعنا الآف السنين؟ أه على شهدائنا ذهبوا هدرا وقربانا لأكذوبة، أكاد رغم ذلك ونحن في السامرة واورشليم ثانية اطير من الفرح، فهذا الكتاب قد نَجّانا من الأختفاء الأبدي وحتى الخطأ في أسم عاجن الكتاب وخابزه ( موقق) فهو للتمويه!.. اسألوا الراحل طه حسين للتأكيد، حتى أن د. رابي توخى الحذر ولم يذكر عنوان لغته وهويته ، فهل هو بهذه السذاجة لكي يبوح بكل شئ ويفقد فرصة الفرص؟! سألني بالسورث المنكيشية ، كيف أصل أرض الميعاد عندك وبيننا المحيط، فقلت له : هذا مستحيل عندما كنت كلدانياً، اليوم أنت أسباط ياأخي، هزة الكتاب الجديد ستدفعك واهلك والأمتعة وكتبك كلها وبحوثك معكم، الهزة ستدفعكم فوق امواج المحيط والبحر المتوسط وفوق سيناء وستصلوا بسلام.. لكن؟ يقول لكن ؟ نعم صدقني أخي السبطي د. رابي، تقول هل وصل ايضاً لوسيان؟ عزيزي هذا أختار الضوء كأسم له لأن الضوء أسرع!
 وبينما سمعت صوت الدنبك يدقه الخلامو الجديد لاحظت الشماس ابو (أضبط اعصابك و حضرت لكم مفاجأة) مفاجأته كانت العزف على الربابة بمصاحبة الدنبك ههههه الم نقل لك بأن عدم فهم مقالتك كان لأيهام الكلدان والآشوريين؟ المفاجأة كانت مدوية وبالأنتظار، كتاب ولا كل الكتب ، سفر تاريخي مكتوب بماء الذهب ظهر.. أتمنى أن لايرميه الأخ أخيقر في الزبالة فيتلقى غضب ولعنة العلامة المهندس، ضارب الكوسرة في معمل الحلان!!
 المهم ضرب لنا المؤلف اللوفري والمتحفي البريطاني ولا الراحل د. دوني في زمانه ، ضرب لنا بكتابه ( الهزة ) الف عصفور بحجر وتخلصنا من ججوكا و لازمته وردوده على نفسه بعبارات هههههه!!! بطل ههههه بططططلللل!!!. وهذا عدوي صديقي اللدود يحاول التهدئة، طبعا هذا أصلًا سبطي تائه رباها لنفسه انطلاقاً من نقطة الصفر، و المشرف على موقع عنكاوا، طبعاً تلقى تقريعات بالعدل والقسطاط من العلامة الذي في حوزته صندوق (الوثايق) ويحرسنا مع القراصنة في المركب السكران قبالة أريحا! فيا صاحب موقع عنكاوا، تآرم ياأخي هي شخطة فقط يُطبل لها نفر من الخلامو التاريخيين، فنقول لك ولأ برم شبيرا الذي يعتبر نفسه أنه يفهم بطللللل بطططل ههههه! عزل الموقع ياأخي وتعال لنأكل ( كادي ) الآشوريين اليهود في إسرائيل !

 نشرت صحيفة( أسباط احرينوت) خبراً حول التطوع كمترجمين في الجيوش، وسعيد الحظ، الكاتب القومي اللآقومي سيتحقق حلمه قريباً ولن يقول عنه الخلامو شابا بعد اليوم بأنه يمجد جيش الأحتلال ويقول عنه خائن وعميل ولم يكن ذلك ممكنا لولا وصفة عدم المبدأية ونظرية الألتفاف الرقمية كمعادل موضوعي عادل ومحايد للبحث في التاريخ بأسلوب دعائي من قبل (موقق) وبلغة الأم العربية كما يقولون ..!
 فيا حضرة المتأشور الأُرمي إيوان أغاسي، أنت خلامو آرامي ، صدعت رأسنا بأغنيتك (أفيقوا، أفقوا .. ) ها أن الهزة ولا هزة مُنيرة الهوزوز قد استفقنا بقوتها وعلمنا العلامة ما لم يعلمنا فيه أحد طوال هذا العمر المديد بأنك مثلنا يا إيوان، سَبطي من الأسباط المفقودين.. فالمؤرخ الساحر يكتب عن لغة لا يجيد قراءتها وينقل مالذ وطاب من زيتون بلدته بعشيقة ويضعها في سلة واحدة ، وبدل أن ينقر الحبات بالأبرة قبل وضعها في الماء المملح، فقد نقر تاريخنا بالأبر الصدئة وشطب الركام الأكدي في لغتنا و على رقعة بريل الخاصة بالكتابة للعميان افترى علينا بنسخة تاريخ حول هويتنا، تماما كما يتلمس دربه الأعمى في بلاد المفتحين والسلام..
 آخر أخبارنا هنا في أرض الميعاد، أن رابي إدي قد صلبوه في حضرة عميد التاريخ على جذع نخلة آرامية، إنه الخبر غير السار ولكننا وجدنا بأن علينا أن نضحي!.. نجهل أخبار كتاب مثل الأخ شوكت و الأخ د. ليون، لكن لاخوف على من يعرف الطريق الصحيح فكلاهما يتقن اللغة .. عموما لا داعي للسؤال عن الأخوة الآخرين فقد نالوا بركة النبي المهندس الخلامو، فهم يرفعون لافتات مرقعة تماما كالخيام الآرامية اعتزازا بالمنقذ الذي وفي غفلة من الزمن علمهم أنهم لا آشوريين ولاكلدان بل تائهين ! ولقطع أي صلة لهم ببيث نهرين فقد تفتحت قريحته
 وكتب في مقالة عرقية له مايلي:-


(... أمَّا عن وطنية الكلدان والآشوريون الحاليين، فإننا لا نرغب بالتطرق للأمور السياسية، لانها لست اختصاصنا، ولكن آخر من يتكلم عن الوطنية هم هؤلاء المتكلدنين والمتأشورين، الذين لأغراض سياسية عبرية هو تطبيق الشق الثاني من حلم إسرائيل من النيل إلى الفرات، تأمروا على العراق، وتشهد أحداث العقود الثلاثة من بداية القرن العشرين ونزاعهم ووثائقهم وتواقيعهم ومؤامراتهم باسم كلدو وأثور على ذلك، ولدينا من الوثائق كثيراً، وعندما نفي البطريرك إيشاي سنة 1933م اتجه لفلسطين، لكن اليهود لم يستقبلوه لأنهم يكونوا قوة آنذاك، فضلاً عن أن اليهود لا يحترمون المتكلدنين والمتأشورين، حيث يعتبروهم مرتدين عن اليهودية، مثلما لا يحترمهم المسيحيين أيضاً لأنهم يفتخرون أنهم يهو- مسيحيين، علماً أن هؤلاء هم أكثر من غادر العراق في العصر الذهبي للمسيحيين (1966-1980م)، وكان مبدأ الآشوريين عموماً عدم شراء دور في العراق لأنه ليس بلدهم، فاتجه الكلدان إلى ديترويت لإقامة إقليم كلدو، والآشوريون إلى شيكاغو ثم سيدني لإقامة إقليم آشور، ولذلك نقول للمتكلدنين والمتأشورين:
ليس العراق مزاداً يُتاجرُ به السفهاءُ
كل شارٍ فيهم يزيد باسمٍ حين يشاءُ
وشكراً / موفق نيسكو )
..................
غفر الرب له ولنا أجمعين ! على أن لا يرسلنا في كتابه القادم الى كلكوتا!!. والكتابة أعلاه مدعومة ب ( الوثايق )!!





63
صدور كتاب جديد للدكتور ليون برخو
نقد الخطاب الإعلامى العربى.. تحليل وتفكيك الخطاب فى زمن العولمة والنظريات الحديثة


   صدر مؤخرا مُؤَلف جديد للكاتب المرموق والأستاذ الجامعي المعروف د. ليون برخو، يندرج ضمن فئة كتب الإعلام، ويقع فى ٢٤٠ صفحة، بعنوان ( نقد الخطاب الإعلامى العربى.. تحليل وتفكيك الخطاب فى زمن العولمة والنظريات الحديثة ) و عن دار نشر عريقة هي، الدار العربية للعلوم ناشرون. العنوان يدل دلالة العتبة الى المتن، في الخطاب الأعلامي و تمظهراته في العصر الراهن، تحليل نقدى للنصوص الصحفية والإعلامية باللغة العربية، وهو امتداد نحو أقاصي الأعلام والرأي العام. يقدم أستاذ الدراسات الإعلامية فى جامعة يونشوبنك/ السويد مقاربته النظرية للخطاب الإعلامى العربي، وهي واحدة من أهم الموضوعات في زمن العولمة و الثورة الرقمية. فالأعلام اليوم، ماكنات لتحريك الرأي بأتجاهات شتى، ولأنها كذلك، فثمة ضرورة لتحليل وتفكيك خطابها، ولو علمنا أن للدكتور برخو كتبا صدرت قبل سنوات بالأنكليزية في الأعلام واللغة ايضا و نالت اهتماما واسعا عن دور نشر غربية معروفة عالمياً في أميركا وبريطانيا والسويد وغيرها و ركزت على قنوات  وصحافة عالمية، نقلت أحداثاً مهمة كالحروب بالبث الحي الى المنازل، وما يتصل حينئذ بدوافع التفاعل الاستدراكي في استقبال المادة الأعلامية السمعية المرئية المقرؤة، ندرك حينها حجم الخبرة المتراكمة المتأهلة بجمع وتقصي وفرز وبحث وسعي دؤوب ، صبَّهُ في مصنفه الأخير. وهو الحاصل على شهادة الدكتوراه في الصحافة والأعلام من السويد. واحداً من الكفاءا ت الصحفية والأعلامية، غزيرة الأنتاج، بفلسفة وتجربة خاصة و ذلك نتيجة المثابرة التي يتميز بها. لايسعنا سوى تقديم التهنئة بمناسبة صدور وليده التأليفي القيم الجديد، نترك الدار وهي أحق من غيرها بتقديم مضمونه أولا وعلى الرابط أدناه :

http://www.aspbooks.com/books/bookpage.aspx?id=341397-333941

64


روبين بيت شموئيل: بضعة أيام مع سركون بولص في هولندا

   ضمن ملف خاص بالراحل سركون بولص، يتحدث في أحدث حلقة منه الأديب و الباحث المعروف د. روبين بيث شموئيل عن أيامه مع شاعرنا الكبير. وذلك قبل اشهر قليلة من رحيله وخلال مهرجان نوتردام للشعر العالمي، حيث بدأ ذكرياته التي سردها بأسلوب ادبي شيق، بفقرة :
( قبل ثلاثة أشهر من رحيل الشاعر العراقي الكبير سركون بولص، تسنى لي أن التقيه في هولندا عندما كان مدعوًا للمشاركة في المهرجان الشعري العالمي الثامن والثلاثين، الذي أقيم في المدينة الهولندية نوتردام للفترة من 16-22 حزيران 2007. حيث كنت طالب الدراسات العليا في جامعة (لايدن) التي حققت الحلم الذي طالما راودني، منذ أن بدأ اهتمامي بهذا الكائن الشعري العراقي، الذي توجته بإصداري مصنفًا عنه في بغداد عام1998 بعنوان ” سركون بولص .. حياته وأدبه ” وباللغتين العربية والسريانية. )
  هذا وسبق لموقع الناقد العراقي، الذي يُشرف عليه د. حسين سرمك حسن. وأن نشر حواراً أجريته مع د. روبين بيث شموئيل حول كتابه عن الراحل سركون. يتضمن ملف سركون نماذج من أدبه وترجماته، حوارات و كتابات عنه وغيرها من النصوص التي تحتفي بالشاعر، حيث أنه ترك خلفه ما يدل عليه بأهميته ومكانته المرموقة، أدناه رابطين حول هذا الخبر:

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/77628.php
https://www.alnaked-aliraqi.net/article/74959.php

65
                       ما هي الأمة؟ نحن ما كُنتَ عليه، سنكون ما أنت عليه


  ترجمة: بولص آدم
 مبحث كتبه: إرنست رينان.
 ترجمه من الفرنسية الى الألمانية: هينينج ريتر. نشر في صحيفة، دي تزايت.

ماهي الأمة ؟
 
منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية ، يبدو لنا أن أوروبا الغربية مقسمة إلى دول ، بعضها في بعض العصور، سعى إلى ممارسة السيادة على الآخرين دون أن ينجح أبدًا. ما لم يستطع فعله تشارلز الخامس، لويس الرابع عشر، نابليون، لن يفعله أحد على الأرجح في المستقبل. أصبح من المستحيل إنشاء إمبراطورية رومانية جديدة أو إمبراطورية كارولينجيان. إن تقسيم أوروبا عميق للغاية لمحاولة إقامة حكم شامل لإنشاء تحالف سريع من شأنه أن يدفع الأمة الطموحة إلى حدودها. تم إنشاء نوع من التوازن لفترة طويلة. ستبقى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وروسيا موجودة منذ قرون، وعلى الرغم من المغامرات التي شرعوا فيها، الأفراد التاريخيون، الشخصيات الحاسمة في لعبة الشطرنج التي تغير حقولها معانيها وحجمها دون انقطاع ، تمامًا، حتى تندمج مع بعضها البعض. إن الأمم التي تفهمها هي شيء جديد إلى حد ما في التاريخ. إنهم لا يعرفون العالم القديم: مصر، الصين، الكلدانية القديمة. كانوا جحافل بقيادة ابن الشمس أو ابن السماء. عرفت العصور القديمة الكلاسيكية الجمهوريات وملوك المدن، واتحادات الجمهوريات المحلية، والإمبراطوريات: فالأمة بمعناها لم تكن تعرف كذلك. أثينا ، سبارتا ، صيدا هي مراكز وطنية رائعة ، ولكن مع مساحة صغيرة إلى حد ما.  تم استيعاب إيطاليا من قبل الإمبراطورية الرومانية ، كانت مجموعات من الشعوب التي غالبًا ما كانت متحالفة مع بعضها البعض، ولكن بدون مؤسسة مركزية، بدون سلالات. لم تكن الإمبراطورية الآشورية والإمبراطورية الفارسية وإمبراطورية الإسكندر أيضًا آتية من الآباء. لم يكن هناك قط وطنيون آشوريون كما نعرف الوطنية اليوم. وكانت الإمبراطورية الفارسية كائنًا إقطاعيًا ضخمًا. لا توجد دولة تتبع أصولها حتى مغامرة الإسكندر الضخمة ، على الرغم من أنه كان لها مثل هذا التأثير الهائل على تاريخ الحضارة.
كانت الإمبراطورية الرومانية وطناً. الإمبراطورية الرومانية القمعية في البداية من أجل الاستفادة الهائلة من تراجع الحروب. كانت رابطة كبيرة. مرادفة للنظام. للسلام والحضارة. في الأيام الأخيرة من الإمبراطورية، كان هناك شعور حقيقي بـ "باكس رومانا" مع أرواح متناغمة للغاية، مع الأساقفة المستنيرين ، مع المتعلمين على النقيض من الفوضى الوشيكة الهمجية. لكن الإمبراطورية، التي كانت بحجم اثني عشر ضعف حجم فرنسا اليوم ، لا ينبغي أن تشكل دولة بالمعنى الحديث. كان تقسيم الغرب والشرق أمرًا حتميًا. في القرن الثالث، فشلت مقاربات الإمبراطورية الغالية. فقط الغزو الجرماني جلب المبدأ الذي أصبح فيما بعد أساس القوميات. إذن، ما الذي فعلته الشعوب الجرمانية قبل غزواتها العظيمة إلى آخر فتوحات نورمان في القرن العاشر؟ بالكاد غيروا جوهر الأجناس، لكنهم فرضوا سلالات ونبلًا عسكريًا على أجزاء كبيرة إلى حد ما من الإمبراطورية الغربية القديمة ، وتحمل هذه الأجزاء من الإمبراطورية من الآن فصاعدًا أسماء الغزاة. ومن هنا فرنسا، بورجوندي، لومباردي. أعاد التفوق السريع الذي فازت به الإمبراطورية الفرانكونية وحدة الغرب للحظة. لكن هذه الإمبراطورية انهارت بشكل لا رجعة فيه في منتصف القرن التاسع. تحدد معاهدة فردان. الحدود التي لا يمكن تغييرها في نهاية المطاف ، ومنذ ذلك الحين ، اتخذت فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا العديد من الطرق الالتفافية والمغامرات إلى وجودها الوطني الكامل، كما فعلنا اليوم.
ما الذي يجعل هذه الدول مختلفة حقا؟ إنه اندماج السكان الذين يعيشون فيها. في البلدان المذكورة ، لا يوجد شيء يتوافق مع ما يمكن العثور عليه في تركيا ، حيث لا يزال الترك والسلاف واليونان والأرمن والعرب والسوريين والأكراد مختلفين اليوم كما في يوم الفتح. ساهم عاملان رئيسيان في ذلك. قبل كل شيء ، قبلت الشعوب الجرمانية المسيحية بمجرد اتصالهم الدائم مع الشعبين اليوناني واللاتيني. إذا كان المنتصر والمهزوم ينتميان إلى نفس الدين ، أو بمعنى أفضل: إذا قبل المنتصر دين المهزوم ، فإن النظام التركي ، والفصل المطلق بين الناس وفقًا لدينهم ، لم يعد ممكنًا. العامل الثاني هو أن الفاتحين نسوا لغتهم. أحفاد هلودوي ، إلاريش ، إلبوين ، زوللون يتحدثون بالفعل الرومانية.. كان هذا بدوره نتيجة لخصوصية مهمة أخرى ، وهي أن فرانكونيا ، البورجونديين ، القوطيين ، اللومبارديين والنورمان كان لديهم عدد قليل جدًا من النساء من عرقهم. تزوج القادة النساء الجرمانيات على مدى عدة أجيال. لكن محظياتهم كانت لاتينية ، وكذلك ممرضات أطفالهم. تزوجت القبيلة كلها من النساء اللاتينيات. ونتيجة لذلك ،  لم يدم سوى حياة قصيرة منذ استقر الفرانكونيون والقوط على الأراضي الرومانية. كان هذا مختلفًا في إنجلترا. لا شك أن الغزاة الأنجلو ساكسون كان معهم نساء وهرب السكان البريطانيون. بالمناسبة ، لم تعد اللغة اللاتينية مهيمنة في بريطانيا أو لم تكن كذلك. إذا كان جاليك يتحدث بشكل عام الغال في القرن الخامس ، لما كان كلودويغ وشعبه قد تخلوا عن اللغة الألمانية للغال. لذا، وصل الأمر إلى النتيجة الكبرى أن الغزاة الجرمانيين، على الرغم من الخشونة الشديدة لعاداتهم، شكلوا الشكل الذي أصبح الشكل الفعلي للأمة على مر القرون. أصبحت "فرنسا" بشكل شرعي اسم بلد لم يدخل إليه سوى أقلية محسوسة بالكاد من الفرانكونيين. في القرن العاشر ، وهو انعكاس مثالي لروح عصرهم ، كُل المقيمين الفرنسيين في فرنسا. إن فكرة الاختلاف العنصري بين سكان فرنسا، التي تثير الدهشة في جريجور فون تورز، لا يمكن ملاحظتها على الإطلاق بين الكتاب والشعراء الفرنسيين فيما بعد. يتم التأكيد على التمييز بين النبلاء وغير النبلاء قدر الإمكان ، ولكن هذا الاختلاف ليس بأي شكل من الأشكال صفة عرقية. بل هو اختلاف في الشجاعة والتربية الموروثة. لا أحد يأتي بفكرة أن هناك غزو في أصل كل هذا. إن الاعتقاد الخاطئ بأن النبلاء مدينون بأصلهم لخدمة عظيمة قدمها الملك للأمة وأن كل نبيل هو نبيل أيضاً تم تقديمه كعقيدة منذ القرن الثالث عشر. كان الأمر نفسه تمامًا بعد كل الفتوحات النورمانية تقريبًا. بعد جيل أو جيلين ، لم يعد الغزاة النورمان يختلفون عن بقية السكان. ومع ذلك ، كان تأثيرهم عظيماً: فقد أعطوا الدولة المحتلة غزارة ، وعادات عسكرية ، ووطنية لم تكن موجودة من قبل.  أود أن أقول تقريبًا: خطأ تاريخي ، يلعب دورًا أساسيًا في إنشاء الأمة ، وبالتالي فإن تقدم الدراسات التاريخية غالبًا ما يشكل خطرًا على الأمة. تكشف الأبحاث التاريخية بالفعل عن الأحداث العنيفة التي وقعت في أصل جميع الهياكل السياسية ، حتى تلك التي كانت لها عواقب خير. الاتحاد دائما وحشي. كان اتحاد شمال وجنوب فرنسا نتيجة قرن من الإبادة والإرهاب. ملك فرنسا ، الذي ، إذا جاز لي أن أقول ، هو نموذج بلورة علمانية ، ملك فرنسا الذي حقق الوحدة الوطنية الأكثر مثالية هناك فقده ، الأمة التي شكلها لعنته ، والآن قليل من المتعلمين يعرفون ما هو وماذا فعل.
أصبحت القوانين العظيمة للتاريخ الغربي واضحة من خلال التباين. لقد فشلت العديد من البلدان في المشروع الذي حققه ملك فرنسا بشكل مثير للإعجاب، جزئياً من خلال استبداده، وجزئياً من خلال عدالته.. ظلت المجر والسلاف مختلفة كما كانت قبل ثمانمائة سنة. بدلاً من دمج عناصر مختلفة من حكمه ، أبقتهم هابسبورغ منفصلين وغالبًا ما جعلتهم يتعارضون مع بعضهم البعض. في بوهيميا، يتم تكديس العناصر التشيكية والألمانية، مثل النفط والماء في كوب. لقد كان للسياسة التركية لفصل القوميات حسب الدين عواقب أكثر خطورة: فقد أدت إلى تراجع الشرق. في مدينة مثل سالونيكي أو سميرنا، ستجد خمسة أو ست أبرشيات ، لكل منها ذكرياتها الخاصة والتي لا تشترك مع بعضها البعض تقريبًا. ومع ذلك، فإن جوهر الأمة هو أن جميع الأفراد لديهم شيء مشترك ، وكذلك أنهم نسوا أشياء كثيرة. لا يوجد فرنسي يعرف ما إذا كان بورجوندي أو آلان أو ويسيجوت، ولا بد أن كل فرنسي نسي ليلة بارثولوميو ومذابح القرن الثالث عشر في الجنوب. لا توجد عشر عائلات في فرنسا يمكنها إثبات أصلها الفرانكوني ، وحتى لو استطاعت ، فهي واحدة المهددة بالانقراض حيث تعرض هذا التحالف للخطر. ولكن هل ينطبق هذا القانون على الإطلاق؟ بالتأكيد لا. سويسرا والولايات المتحدة، اللتان تشكلتا مثل التكتلات من الإضافات المتتالية ، ليس لها ثبات، ولا أريد مناقشة مسألة فرنسا. يجب على المرء أن يعرف أركان المستقبل. يكفي أن نقول أن العائلة المالكة الفرنسية العظيمة كانت قومية بشكل مؤكد للغاية بحيث يمكن للأمة أن تحتفظ بنفسها دون الأخيرة في اليوم التالي للسقوط. لقد غير القرن الثامن عشر كل شيء أيضًا. بعد قرون من الإذلال ، عاد الإنسان إلى روح العصور القديمة ، إلى نبل نفسه ، إلى فكرة حقوقه. عادت عبارة "الوطن" و "المواطن" مرة أخرى. هذا جعل من الممكن القيام بأجرأ ما جربته في التاريخ ، مقارنة بمحاولة الحفاظ على جسدك حيًا في هويته الأصلية بعد إخراج عقلك وقلبك منه. لذلك يجب على المرء أن يعترف بأن الأمة يمكن أن توجد بدون مبدأ سلالة، وحتى تلك الدول التي تشكلها سلالة يمكن أن تنفصل عنها دون أن تتوقف عن الوجود. المبدأ القديم، الذي يأخذ في الاعتبار حقوق الأمراء فقط ، لا ينبغي أن يطبق بعد الآن: ما وراء قانون الأسرة الحاكمة هناك قانون دولي. على أي معيار يجب أن يستند، أي إشارة يمكن التعرف عليه من أي حقيقة ملموسة؟
١. من سلالة ، يقول كثيرون بشكل قاطع. أصبحت التقسيمات الاصطناعية التي تنبع من الإقطاع ، والزواج الأميرية ، والمؤتمرات الدبلوماسية عفا عليها الزمن. لكن سباق السكان لا يزال قاسياً وثابتاً. إذن هذا يبرر الحق والشرعية. وفقًا للنظرية التي أقدمها هنا ، على سبيل المثال ، يحق للعائلة الجرمانية جمع أعضاء الجرمانية المتناثرة مرة أخرى ، حتى لو لم يرغبوا في إعادة الاتصال بها. إن حق الجرمانية على مثل هذه المقاطعة أقوى من حق سكان هذه المقاطعة على أنفسهم ، وبهذه الطريقة يتم إنشاء نوع من الحق الأصلي وفقًا لنموذج القانون الإلهي للملوك. يتم استبدال الإثنوغرافيا بمبدأ الأمم. إنه خطأ فادح. إذا أصبح مهيمناً، سيدمر الحضارة الأوروبية. في حين أن مبدأ الأمم عادل وشرعي ، فإن حق الأجناس البدائي ضيق ومليء بالخطر على التقدم الحقيقي. في القبيلة ومدينة العصور القديمة ، كما نسلم ، كانت السلالة ذات أهمية قصوى. كانت القبيلة والمدينة القديمة مجرد امتداد للعائلة. في سبارتا ، في أثينا ، كان جميع المواطنين مرتبطين بشكل أو بآخر. ولا يزال هو نفسه مع القبائل العربية.دعونا ننتقل من أثينا،من سبارتا، من سبط بني إسرائيل إلى الإمبراطورية الرومانية. الوضع مختلف جدا. تشكلت هذه المجموعة من المدن والمحافظات المختلفة تمامًا التي تشكلت في البداية بالعنف، ثم تماسكت بالمصالح، وهي الضربة الأقوى لفكرة العرق. تعمل المسيحية بشموليتها غير المقيدة بشكل أكيد في نفس الاتجاه. هناك تحالف وثيق مع الإمبراطورية الرومانية ، وتحافظ هاتان القوتان اللتان لا مثيل لهما على العقل الإثنوغرافي من حكومة الأشياء البشرية لقرون. خلافا لجميع المظاهر ، كان الغزو البربري خطوة أخرى على هذا الطريق. إن قطع الإمبراطوريات البربرية ليس لها أي شيء إثنوغرافي. يعتمدون على قوة أو مزاج المتسللين. كان سباق الأشخاص الذين أخضعتهم أكثر شيء غير مبال لهم في العالم. بطريقته الخاصة ، أعاد شارلمان إنشاء ما أنشأته روما بالفعل: إمبراطورية واحدة تتكون من أجناس مختلفة. مبدعو معاهدة فردان. الذين رسموا بعناد خطين طويلين من الشمال إلى الجنوب لم يعطوا أدنى فكرة لسباق الناس إلى اليسار واليمين منه. في العصور الوسطى اللاحقة أيضًا ، كانت التحولات الحدودية خالية تمامًا من أي اتجاه إثنوغرافي. إذا كانت السياسة التي انتهجها الكابينيون قد جمعت في نهاية المطاف أراضي بلاد الغال القديمة تحت اسم فرنسا ، فليس نتيجة ميل هذه البلدان للتواصل مع إخوانهم من القبائل. لم يعد دوفين ، بريس ، بروفانس ، فرانش كومتيه يتذكرون أي أصول مشتركة. منذ القرن الثاني عشر، لقد توفي كل الوعي الغالي ، وكان فقط بسبب وجهة نظر متعلمة أن شخصية الغالية أعيد اكتشافها في الماضي. لم يكن المنظور الإثنوغرافي ضئيلاً في تنمية الدول الحديثة. فرنسا هي سلتيك وايبيري وجرماني. ألمانيا هي الجرمانية والسلتيك والسلافية. إيطاليا هي البلد الأكثر إثارة للإثنوغرافيا. الغالوس ، الأتروسكان ، البيلاسجيون ، اليونانيون ، ناهيك عن عدد من العناصر الأخرى ، يعبرون هناك لتشكيل شبكة لا تنفصم. تُظهر الجزر البريطانية ككل مزيجًا من الدم السلتي والجرماني ، يصعب تحديد نسبه. الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء اسمه عرق نقي ، وأنه إذا استندت إلى التحليل الإثنوغرافي ، فالسياسة مرتبطة بخيمة. أنبل تلك البلدان : إنجلترا ، فرنسا ، إيطاليا . التي يكون فيها الدم مختلطًا. هل ألمانيا استثناء في هذا الصدد؟ هل هي الدولة الجرمانية البحتة؟ يا له من وهم! الجنوب كله كان غاوليسة ، والشرق كله ، من إلبا ، هو السلافية. وهل هي الأجزاء التي من المفترض أن تكون نقية حقا؟ نحن نتطرق إلى واحدة من تلك المشاكل التي من الضروري أن يكون لدينا أفكار واضحة عنها، وحيث يجب منع سؤ الفهم. إن النقاش حول الأجناس لا نهاية له لأن كلمة "العرق" لها معنى مختلف تمامًا للمؤرخين وعلماء اللغة عن المعنى الفيزيائي للأنثروبولوجيا. بالنسبة لعلم الإنسان ، يعني العرق الشيء نفسه كما في علم الحيوان. يشير إلى أصل حقيقي ، علاقة دم. دراسة اللغات والتاريخ لا تؤدي إلى نفس التصنيفات مثل علم وظائف الأعضاء. الكلمات "براشيكآبهالآن" و "دوليشوكآبهالآن" ليس لها مكان في التاريخ أو في فقه اللغة. حتى في مجموعة الأشخاص الذين ابتكروا اللغة والانضباط الآريين ، كان هناك ضحايا على المدى القصير. وينطبق الشيء نفسه على المجموعة الأصلية ، التي أنشأت اللغات والمؤسسات التي تسمى بالسامية. وبعبارة أخرى ، فإن أصول علم الحيوان البشرية لها بداية ضخمة على بدايات الثقافة والحضارة واللغة. لم تكن المجموعة الآرية والسامية والتورانية في الأصل وحدة فسيولوجية. هذه التشكيلات الجماعية هي حقائق تاريخية لعصر معين ، على سبيل المثال قبل خمسة عشر أو عشرين ألف سنة ، في حين أن البداية الحيوانية في الإنسانية تضيع في الظلام الذي لا يمكن تصوره. ما يسمى بالعرق الجرماني لغوياً وتاريخياً هو بالتأكيد عائلة خاصة به داخل الجنس البشري. ولكن هل هي عائلة بالمعنى الأنثروبولوجي؟ بالتأكيد لا. ظهرت الفردية الجرمانية في التاريخ قبل قرون قليلة فقط من المسيح. من الواضح أن الجرمان لم يولدوا من الأرض في ذلك الوقت ، ولكن قبل ذلك ، عندما اندمجوا مع السلاف في الكتلة العشوائية العظيمة من السكيثيين ، لم يكن لديهم شخصية فردية. الرجل الإنجليزي هو نوع من الرجال ككل. لكن نوع ما يسمى بشكل غير لائق للغاية, السباق الأنجلو ساكسوني لا يتوافق مع زمن بريتون قيصر ، أو الأنجلو سكسونيون لكنوت ، أو الدنماركي لكنوت ، أو النورمان وليام الفاتح: إنه نتيجة كل هذا. الفرنسي ليس غول ولا فرانك ولا بورغندي. نشأت من الحاضنة الكبيرة ، التي زرعت فيها عناصر مختلفة برئاسة ملك فرنسا. سكان جيرسي أو غيرنسي لا يختلفون في الأصل عن سكان النورمان المجاورين. في القرن الحادي عشر ، لم تكن العين الأكثر حرصًا تلاحظ أي اختلاف طفيف على جانبي القناة. كانت الظروف غير المهمة تعني أن فيليب الثاني أغسطس لم يأخذ هذه الجزر مع بقية نورماندي. منفصلين عن بعضهما البعض لما يقرب من سبعمائة سنة ، لم يصبح السكان مجتمعان غريبًا على بعضهما البعض فحسب ، ولكنهما مختلفان تمامًا. في فهمنا ، فإن السلالة هي شيء ينشأ ويختفي. تعتبر دراستك ذات أهمية قصوى للباحث الذي يتعامل مع تاريخ البشرية. لكن السباق ليس له عمل في السياسة. إن الوعي الغريزي الذي يتكون من تكوين خريطة أوروبا لم يأخذ السباق في الاعتبار ، وأول دول أوروبا هي دول ذات دم مختلط. أصبحت ظروف السلالة ، الحاسمة في البداية ، أقل وأقل أهمية. التاريخ البشري يختلف اختلافا كبيرا عن علم الحيوان. السلالة فيها ليست كل شيء مثل القطط والقوارض ، وليس لديك الحق في المشي حول العالم وقياس جماجم الناس ، ثم الإمساك بهم من الحلق وإخبارهم: "أنت دمنا. أنت لنا! " ما وراء الخصائص الأنثروبولوجية هناك العقل والعدالة والحقيقة والجمال ،  والتي هي نفسها للجميع.  تذكر أن هذه السياسة الإثنوغرافية ليست موثوقة. اليوم تستخدمهم ضد الآخرين. في وقت لاحق سترون دورها ضد نفسك. هل من المؤكد أن الألمان ، الذين رفعوا علم علم الإثنوغرافيا مرتفعًا جدًا ، لن يختبروا يومًا ما كيف يبحث السلاف بدورهم عن أسماء قرى ساكسونيا ولوساتيا ، ويستكشفون آثار ويلزن وأوبودريت ويحاسبون على الذبح و الطلب على مبيعات ضخمة قام بها أسلافهم بواسطة الأوتونات؟ من الجيد أن يتمكن الجميع من النسيان. أنا أحب علم الإثنوغرافيا ، إنه علم ذو قيمة نادرة. ولكن بما أنني أريدها أن تكون مجانية ، أريدها أن تكون بدون تطبيق سياسي. كما هو الحال في جميع التخصصات ، تتغير الأنظمة أيضًا في الإثنوغرافيا ؛ هذا هو شرط التقدم. ستتبع حدود الدولة التقلبات في العلم. ستعتمد الوطنية على أطروحة متناقضة إلى حد ما. يمكن للمرء أن يقول للوطني: "أنت مخطئ ؛ تريد أن تسفك دمك لهذه القضية ؛ تعتقد أنك سلتي ، لكن لا ، أنت ألماني. بعد عشر سنوات سيتم إخبارك بأنك من السلاف. من أجل عدم تشويه العلم ، نريد تحريره من تقديم المشورة بشأن هذه الأسئلة ، حيث تلعب العديد من الاهتمامات دورًا. كن مطمئنًا من ذلك: إذا طُلب منك تقديم عناصر الدبلوماسية ، فغالبًا ما ستلقي القبض عليك. لديها أشياء أفضل تفعلها . دعنا نسألها، الحقيقة فقط.

٢. ما قلناه عن السباق ، يجب أن نقوله أيضًا عن اللغة. تدعو اللغة إلى الاتحاد. على العكس من ذلك ، فإن سويسرا ، التي حققت نجاحًا كبيرًا لأنها تم إنشاؤها من خلال اتفاق أجزائها المختلفة ، تحسب ثلاث أو أربع لغات. هناك شيء في البشر متفوق على اللغة: الإرادة. إن رغبة سويسرا في الاتحاد على الرغم من تنوع العبارات الاصطلاحية هي حقيقة أكثر أهمية بكثير من التشابه الذي يتم الحصول عليه غالبًا تحت القسر. إن حقيقة أن فرنسا لم تحاول قط فرض وحدة اللغة من خلال الإجراءات القسرية يكرمها. ألا يمكنك أن يكون لديك نفس المشاعر ونفس الأفكار ، تحب نفس الأشياء بلغات مختلفة؟ كنا نتحدث فقط عن مدى سوء جعل السياسة الدولية تعتمد على الإثنوغرافيا. لن يكون من غير المناسب جعل السياسة تعتمد على اللغويات المقارنة. إذا سمحنا لهذا البحث المثير للاهتمام بكل حريته ، فلنضيف أي شيء من شأنه أن يؤثر على بهجته. تنبع الأهمية السياسية المرتبطة باللغات من حقيقة أنها تعتبر علامة على العرق، لا حرج في ذلك! في بروسيا ، حيث يتم التحدث باللغة الألمانية فقط اليوم ، تحدث الناس السلافية قبل عدة قرون. بلد الغال يتحدث الإنجليزية ؛ يتكلم الغال وإسبانيا اللغة الأصلية لـ إلبا لونغا ؛ مصر تتحدث العربية ، لا يمكن إحصاء الأمثلة. حتى في البداية ، لم يكن هناك تشابه في العرق.  كان هناك عبيد يتحدثون نفس لغة أسيادهم. ولكن في كثير من الأحيان كان العبد من جنس مختلف عن سيده. دعونا نقولها مرة أخرى: حدود اللغات الهندية الأوروبية والسامية واللغات الأخرى ، التي تم تعيينها ببراعة مثيرة للإعجاب من قبل اللغويات المقارنة ، لا تتزامن مع تصنيفات الأنثروبولوجيا. اللغات هي كيانات تاريخية لا تذكر سوى القليل عن دم أولئك الذين يتحدثونها. على أي حال ، يجب ألا يأسروا الحرية الإنسانية عندما يتعلق الأمر بتحديد الأسرة التي يتحد معها الفرد من أجل الحياة أو الموت.
إن الاعتبار الحصري للغة ، بالإضافة إلى التركيز المفرط على السلالة ، له مخاطره وعدم تحمله. إذا ركزت كثيرًا على اللغة ، فإنك تحاصر نفسك في ثقافة معينة تعتبر وطنية ؛ أنت تحد نفسك. أنت تترك الهواء الحر الذي تتنفسه في اتساع الإنسانية للتراجع إلى أديرة مواطنيك. ليس هناك ما هو أسوأ للعقل ، ولا شيء أسوأ للحضارة. دعونا لا نتخلى عن المبدأ الأساسي القائل بأن الإنسان كائن معقول وأخلاقي قبل أن يتم حشره في لغة أو أخرى ، عضو في هذا العرق أو ذاك ، عضو في هذه الثقافة أو تلك. قبل أن تكون هناك ثقافة فرنسية وألمانية وإيطالية ، كانت هناك ثقافة بشرية. لم يكن الشعب العظيم في عصر النهضة فرنسيًا ولا إيطاليًا ولا ألمانيًا. من خلال التعامل مع العالم القديم ، وجدوا السر الحقيقي للروح البشرية ، وأعطوا أنفسهم له بالجسد والروح. كيف فعلوا ذلك جيدا.

٣. حتى الدين لا يمكن أن يعطينا أساسا كافيا لبناء أمة حديثة بالأعتماد عليه. في البداية ، ارتبط الدين بوجود الجماعة الاجتماعية نفسها. كان هذا توسعًا للعائلة. الدين ، الطقوس كانت طقوس الأسرة. كان دين أثينا عبادة أثينا نفسها ، واجديها الأسطوريين ، قوانينها وعاداتها. لم يتضمن أي لاهوت عقائدي. كان هذا الدين دين دولة بالمعنى الدقيق للكلمة. لم تكن أثينا كذلك إذا رفضت ممارسة الدين. في الأساس كانت عبادة الأكروبوليس المتجسد. إذا أقسمت على مذبح إغلاوروس، فقد أقسمت أن تموت من أجل الوطن. كان هذا الدين متراسلًا لما يرمي معنا كثيرًا أو عبادة العلم. إذا رفض المرء المشاركة في مثل هذه العبادة ، فإن هذا يتوافق مع رفض الخدمة العسكرية في مجتمعاتنا الحديثة. تم استخدامه لتوضيح أنك لم تكن أثينيا. من ناحية أخرى، من نافلة القول أن مثل هذه العبادة ليس لها معنى لشخص ليس من أثينا. لم يكن هناك تجنيد لإقناع الغرباء بتبني هذه العبادة، ولم يمارسها العبيد الأثينيون. كان نفس الشيء في بعض جمهوريات العصور الوسطى الصغيرة. لم تكن فينيسيًا جيدًا إلا إذا أقسمت اليمين على القديس مرقس. لن تكون مواطنًا صالحًا في أمالفي إلا إذا رفعت القديس أندرو فوق كل القديسين الآخرين في الجنة. ما كان بعد ذلك الاضطهاد ، الاستبداد ، كان مشروعًا في هذه المجتمعات الصغيرة وظل غير مهم مثل حقيقة أننا في اليوم الأول من العام نوجه التحيات الطيبة لرجل العائلة. ما كان صحيحًا في سبارتا وأثينا لم يعد صحيحًا حتى في الإمبراطوريات التي نشأت من غزو الإسكندر ، وبالتأكيد ليس في الإمبراطورية الرومانية. كان اضطهاد إنتيوشوس يبيبهانآس ، الذي كان يهدف إلى جلب المشرق إلى عبادة المشتري الأولمبي ، وكذلك عقيدة الإمبراطورية الرومانية ، من أجل الحفاظ على دين الدولة المزعوم ، خطأ ، جريمة ، تناقض حقيقي. الوضع واضح تماما هذه الأيام. لم يعد هناك جمهور من المؤمنين يؤمنون بطريقة موحدة. الجميع يؤمنون ويمارسون وفقًا لتقديرهم الخاص قدر ما يستطيعون وكما يريدون. لم يعد هناك دين للدولة ، يمكن أن تكون الفرنسية والإنجليزية والألمانية وممارسة الكاثوليكية والبروتستانت  أو عدم وجود عبادة على الإطلاق. لقد أصبح الدين مسألة فردية ، ولا يتعلق إلا بضمير الجميع. لم يعد تقسيم الأمم إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية موجودًا. الدين ، الذي لعب دورًا مهمًا في ظهور بلجيكا قبل خمسين عامًا ، احتفظ بمعناه الكامل فقط داخل كل فرد. لقد انفصلت عن نفسها تقريبًا من الأسباب التي رسمت بها حدود الشعوب.
. إن مجتمع المصالح هو بالتأكيد رابط قوي بين الناس. لكن هل المصالح كافية لتشكيل أمة؟ لا أصدق ذلك. يبرم مجتمع المصالح العقود التجارية. ومع ذلك ، فالجنسية لها جانب عاطفي ، فهي الروح والجسد في نفس الوقت. إن "الاتحاد الجمركي" ليس وطناً.
٤. الجغرافيا  ما يسمى "الحدود الطبيعية" ، بلا شك لها دور كبير في تقسيم الأمم. إنه أحد العوامل الأساسية في التاريخ. قادت الأنهار السباقات ، وأعاقتهم الجبال. الذين فضلوا الحركات التاريخية ، أوقفوها. ولكن هل يمكن للمرء أن يعتقد ، كما تفعل بعض الأطراف ، أن حدود الأمة محددة على الخريطة وأن الأمة لها الحق في الحصول على الأساسيات العارية من أجل تقويم ملامح معينة ، للوصول إلى هذا الجبل ، ذلك النهر ، لمن ينسب شيء مثل القوة المقيدة؟ أنا لا أعرف أي نظرية أكثر تعسفية ، لا أكثر مصيرية. معها يمكنك تبرير أي عنف. بادئ ذي بدء ، هل هذه الجبال ، هل هذه الأنهار هي التي تشكل الحدود الطبيعية المفترضة؟ لا يمكن إنكار أن الجبال تفصل والأنهار منفصلة. ولكن ليست كل الجبال تفصل بين الدول. أيهما منفصل وأي منهما لا؟ من بياريتز إلى تورنيا لا يوجد مصب ليس له خاصية محددة أو أخرى. لو كان التاريخ يريد ، لوار ، سين ، ميوز ، إلبه ، أو لا شيء غير نهر الراين كان سيحمل هذه المواصفات ، مما أدى إلى العديد من الانتهاكات للحق الأساسي الذي هو إرادة الإنسان. يتحدث المرء عن أسباب استراتيجية. لا شيء مطلق ؛ من الواضح أنه يجب تقديم بعض التنازلات. لكن هذه التنازلات يجب ألا تذهب بعيداً. وإلا فإن العالم سيؤكد رغباته العسكرية وستكون حربًا لا نهاية لها. لا ، . توفر الأرض الركيزة ، أرض النضال والعمل ، ويوفر الإنسان الروح. في تكوين هذا الشيء المقدس المسمى بالناس ، الإنسان هو كل شيء. لا توجد مادة كافية لذلك. الأمة هي مبدأ روحي ينتج عن التشابك العميق في التاريخ ، والأسرة الروحية ، وليس مجموعة يحددها تصميم الأرض.
لقد رأينا أنه لا يكفي إنشاء مثل هذا المبدأ الروحي: العرق ، اللغة ، المصالح ، الأقارب الدينيين ، الجغرافيا ، الضرورات العسكرية. إذن ما هو المطلوب أكثر؟ بعد ما قيل حتى الآن ، لست بحاجة إلى لفت انتباهكم لفترة طويلة.

الأمة هي روح ، مبدأ روحي. شيئان هما حقا واحد فقط يشكلان هذه الروح ، هذا المبدأ الروحي. واحد ينتمي إلى الماضي والآخر إلى الحاضر. الأول هو الحيازة المشتركة لتراث غني من الذكريات ، والآخر هو الاتفاق الحالي ، والرغبة في العيش معًا ، وإرادة الحفاظ على الميراث الذي تم تلقيه بشكل غير مقسم. الرجل لا يرتجل. والأمة ، مثل الفرد ، هي نقطة النهاية لماض طويل من الجهد والتضحية والتفاني. عبادة الأجداد هي الأكثر شرعية على الإطلاق ؛ جَعَلَنا الأجداد ما نحن عليه. ماض بطولي ، رجال عظماء ، الصيت. هذا هو رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه الفكرة الوطنية. المجد المشترك في الماضي ، رغبة مشتركة في الحاضر، لإنجاز أشياء عظيمة معًا وما زالت ترغب في تحقيقها . هذه هي المتطلبات الأساسية لكونك شعبًا. يحب المرء  في العلاقة الصحيحة والتضحيات التي وافق عليها المرء ، والشر الذي عانى منه. أنت تحب المنزل الذي  ورثته. الأغنية الإسبرطية: "نحن ما كنت عليه ، سنكون ما أنت عليه" ، في بساطتها ، ترنيمة مختصرة لكل وطن.
في الماضي ، إرث مشترك من الصيت والندم ، في المستقبل ، تنفيذ نفس البرنامج ، معاناة معًا ، ابتهاج ، أمل ، وهذا يستحق أكثر من التعريفات والحدود المشتركة التي تتوافق مع الأفكار الاستراتيجية. هذا ما نفهمه بغض النظر عن الاختلافات بين العرق واللغة. قلت للتو "عانينا معا". نعم ، المعاناة المشتركة توحد أكثر من الفرح. الذكريات الوطنية والحداد تفوق الانتصارات لأنها تفرض واجبات وتتطلب جهودًا جماعية. فالأمة هي بالتالي مجموعة كبيرة من التضامن ، يتحملها الشعور بالتضحيات التي قدمتها والتضحيات التي ترغب في تقديمها. إنه يفترض ماضًا مسبقًا ، ولكنه في الوقت الحاضر يتم تلخيصه في حقيقة واحدة ملموسة: الاتفاق ، الرغبة الواضحة بوضوح في الاستمرار في العيش معًا. إن وجود أمة . اسمحوا لي بهذه الصورة ، استفتاء يومي، لأن وجود الفرد هو بيان مستمر للحياة. أنا أعلم جيدًا أن هذا أقل ميتافيزيقيًا من الحق الإلهي ، وأقل وحشية من الحق التاريخي المفترض. في ترتيب الأفكار التي أقدمها هنا ، لا يحق للأمة أكثر من ملك أن يقول لمحافظة: "أنت لي ، وأنا آخذك". بالنسبة لنا ، المقاطعة هي سكانها. إذا كان لأي شخص الحق في الاستماع إليه في هذه القضية ، فهو هؤلاء السكان. إن الدولة ليس لها مصلحة حقيقية في ضم أو الحفاظ على بلد ضد إرادتها. إن رغبة الأمم هي مرة واحدة وإلى الأبد المعيار الشرعي الوحيد الذي يجب النظر إليه دائما.
لقد طردنا التجريدات الميتافيزيقية واللاهوتية من السياسة. ماذا بقي؟ الرجل ، رغباته ، تبقى احتياجاته. يمكن القول إن الانفصال، وعلى المدى الطويل، سوف تنهار الأمم ستكون عواقب نظام، تحت رحمة الكائنات القديمة ، تحت رحمة إرادة غير مفهومة في كثير من الأحيان. وغني عن القول أنه لا يجوز دفع أي مبدأ إلى أقصى الحدود في مثل هذه الأمور. لا يمكن تطبيق حقائق هذا النظام إلا ككل وبطريقة عامة جدًا. سوف يتغير الناس ، ولكن ما الذي لا يتغير هنا؟ الأمم ليست أبدية. لقد بدأوا مرة واحدة ، سينتهون. ومن المرجح أن يحل محلهم الاتحاد الأوروبي. لكن هذا ليس قانون القرن الذي نعيش فيه. إن وجود الأمم في الوقت الحاضر أمر جيد بل وضروري. وجودها هو ضمان الحرية التي ستفقد لو كان للعالم قانون واحد فقط وسيد واحد. مع قدراتهم المختلفة ، والتي غالبا ما تعارض بعضها البعض ، تخدم الدول العمل المشترك للحضارة. يساهم الجميع في الحفلة الموسيقية العظيمة للبشرية ، وهي ملاحظة ، ككل ، هي أعلى حقيقة مثالية يمكننا الوصول إليها. معزولة عن بعضها البعض، لديها أجزاء ضعيفة فقط. كثيرا ما أقول لنفسي أن الفرد الذي لديه عيوب يعتقد أنها صفات الأمم ، الذي يتغذى على الشهرة الباطلة ، الذي يشعر بالغيرة والأنانية المثيرة للجدل ، والذي لا يستطيع دعم أي شيء دون أن يكون جريئًا، هذا الشخص، مثل هذا الشخص سيكون لا يطاق بين الرجال. لكن كل هذا التنافر يختفي تمامًا. أيتها البشرية المسكينة، ماذا عانيت وما المحاكمات التي لا تزال تنتظرك! هل ترشدك روح الحكمة إلى إنقاذك من الأخطار التي لا تعد ولا تحصى التي تنتشر في طريقك!
أنا ألخص. الإنسان ليس عبدًا من جنسه أو لغته أو دينه أو مجرى الأنهار أو اتجاه سلاسل الجبال. العقول السليمة والقلوب الدافئة ، تخلق وعيًا أخلاقيًا يسمى الأمة. إلى الحد الذي يوضح فيه هذا الوعي الأخلاقي قوته من خلال التضحيات التي يتطلبها التخلي عن الفرد لصالح المجتمع ، فإن الأمة مشروعة ولها الحق في الوجود. إذا كانت هناك شكوك حول حدودها . ربما سوف يبتسم أولئك الذين هم فوق السياسة، هؤلاء المعصومون الذين يقضون حياتهم في خداع أنفسهم والذين ينظرون بشكل يرثى له إلى أسفل إلى أسفل من ذروة مبادئهم السامية. "اسأل الناس عن السذاجة"! هذه هي الأفكار الفرنسية الضعيفة التي تريد استبدال الدبلوماسية والحرب بالبساطة الطفولية. إذا انتظرنا ونرى ، إذا تركنا حكم هؤلاء السياسيين الفوقيين يمر ، فإننا نتحمل ازدراء الأقوياء. ربما ، بعد محاولات غير مثمرة ، سيعود المرء إلى حلولنا التجريبية المعتدلة. إذا كنت تريد أن تكون على حق في المستقبل ، فسيتعين عليك أحيانًا أن تتعامل مع كونك خارج الموضة.


66


كيسير آشور و الطب الآشوري

 
  بولص آدم

  من هو كيسير آشور؟
  الألواح الطينية التي كتبها رجل يدعى (كيسير آشور) في القرن السابع قبل الميلاد، حللها طالب الدكتوراه الدنمركي (Troels Pank Arboll) من جامعة كوبنهاغن، وهي تروي قصة طبيب في التدريب  يسجل عمله وأساليب القيام به، الألواح عن مجموعة من الممارسات الطبية ( التي يعتقد أن الأغريق نقلوها عنهم فيما بعد) بالأضافة الى طقوس سحرية. ويعتقد الباحثون أن هذا الأكتشاف يمكن أن يوفر نظرة جديدة تماماً، على كيفية التعامل مع المرضى في الحضارة القديمة، كيسير آشور، قد دون على الألواح جدولا زمنيا للأحداث التي تُظهر الجوانب الخفية المختلفة للتعليم الطبي قبل 2700 عام، ويعتقد أن هذه الألواح، من أكثر الألواح تفصيلًا عن التاريخ الطبي القديم، حيث سجل كيسير آشور ماتعلمه بالترتيب الزمني، ما سمح للباحثين بفهم الجدول الزمني لتدريبه. وأثار الباحث الدنمركي ان الألواح تقدم نظرة ثاقبة على بعض الأمثلة المبكرة لما يمكن وصفه بالعلوم. على الرغم من أن العلاجات السحرية كانت شائعة في ذلك الوقت، الا أن الألواح الطينية تشير الى استخدام غير تقليدي في الطب ايضا، حيث أنه لا يعتمد فقط على الطقوس الدينية المعتمدة، ولكن أيضا على العلاجات الطبية النباتية، وتشير الكتابات الى أن كيسير آشور، ربما درس تأثير السم من العقارب والثعابين على جسم الأ نسان، وحاول إستخلاص إستنتاجات تستند الى ملا حظاته، إن الطبيب الطموح، كان يمارس مهاراته على الحيوانات في البداية، ثم انتقل الى الأهتمام بالأطفال الرضع مع اقتراب فترة تدريبه. ومن غير المؤكد، ما إذا كان الطبيب تعامل مع شخص بالغ مريض بمفرده، لأنه لم يكن مؤهلا بشكل تام . 
  الطب الآشوري:
 في رأي (ورن أندرسون)، إن الطب الآشوري كان متقدماً على الطب المصري وبالتالي على الطب اليوناني، وأشهر أطباء وادي الرافدين هو ( أورد كاليدينا ) الذي عاش في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، أما د. محمود الحاج، بين في كتاب ( تاريخ طب الأطفال عند العرب )، أن الآشوريين والبابليين كانوا أول من عرف حصاة المثانة وأول من عرف العدوى، وأهم كتبهم ( لا بات ) الذي تحدث عن أعراض الحمل وأمراض المرأة الحامل، وتشنجات الأطفال، وقد وضع علماء اللغة الآشوريون قوائم بأسماء النباتات، ولعلهم وضعوها ليستعينوا بها في صناعة الطب، وقد دلت الألواح الطينية الآشورية التي تعود الى ما بين ( 668ـ626ق.م) على أن الطب الآشوري عرف تشريح الحيوان ومقارنته بالأنسان، وهذا مكنهم من معرفة وظائف أعضاء الأنسان، فكانت لهم معرفة دقيقة بأحشاء الجسم وأوصافها ووظائفها كالقلب، والكبد، والبنكرياس، والطحال، وعمليات التنفس والرئة وقياس النبض.. وذكرت فيها أيضا الخطوات السليمة لعلاج الجرحى، كالتنظيف والتعقيم وكانت لأطبائهم عمليات جراحية كثيرة، كتجبير الكسور والتدخل لألتقاط الجنين بملقط وسحبه الى الخارج، ودلت الآثار على أنهم كان على أيديهم صناعة الأدوية ، عندما ازدهرت عندهم الكيمياء. وقد قام في عام 1976 الدكتور عبد اللطيف البدري ( طبيب ووزير صحة )بترجمة وتلخيص ما كُتب عن الطب الآشوري والبابلي واعتمد على بحوث نُشرت في المجلات الطبية العالمية.
ولم ينفرد ( ثومسن ) وحده في الكتابة عن الطب البابلي والآشوري، بل كتب غيره بحوثا ومقالآت عديدة، واليكم بعض هؤلاء :  (Longdon, S.H) ، (Wilson, J.V)،  (Richardson, R) وغيرهم. نكتفي بما جاء في كتاب الأعشاب لثومسون، فقد أحصى المواد المختلفة التي وردت في الألواح الطينية التي ترجمها بنفسه، وقد جاء بمئات الوصفات الطبية للأمراض التي صنفها الآشوريون من قبل، كأمراض الرأس والصدر والبطن والعين والأمراض التناسلية.. وَرَدَ في الألواح، إسم (250) نوعا من النباتات.
 في محاضرته التي ألقاها في باريس عام (1960) عاد البروفيسور الفرنسي، عالم الطب الآشوري ( رينيه لابات ) في تفسيره الى أن ميكانيكا العالم، كانت حتمية بنظر البابليين والآشوريين، وقوة هذه الميكانيكية المُسيّرة للعالم كانت تنقسمُ  لقسمين، الأول متجه نحو الأرادة الألهية، والثاني متجه نحو العناصر المكونة، فالعلاقة بين الأثنين لم تكن متوازنة، وما المرض الذي يُصيب اعضاء الجسم البشري الا تعبير عن هذا التوازن القابل للأضطراب والأِبطال، فالمرض يؤكد خلل ديناميكية العنصر أو العضو وهو أمر لابُدَ منه.

  ملاحظة: قرأت في العام الماضي عبر صحيفة الديلي ميل، عن كيسير آشور والباحث الدانمركي. كانت لي رغبة لتناول هذا الموضوع بأختصار، وانتظرت قراءة كتاب د. عبداللطيف البدري ( الطب الآشوري) وهو كتاب قيم جدا. ثم وقبل ايام إتصل بي من سان دييغو، الأخ العزيز د. بطرس توما مرخو. وتحدثنا عن الكفاءات المتواجدة في الخارج من أبناء شعبنا والطبية منها خاصة. طلب مني لأنه يجد صعوبة في كتابة رأيه بما أكتب، أن أدون إعجابه ومواضبته على قراءة كل ماأكتب فتحية له. كما وأهدي هذا المقال الى الطبيب الجراح المعروف وخاصة من قبل أهل الموصل (د. كيوركيس ربان عبدالأحد ) الذي تعرض لتهديدات متواصلة بتصفيته، ولكنه واصل عمله بإصرار، بتفاني وإخلاص، وكان آخر طبيب خرج من الموصل بعد إستيلاء داعش الأجرام على المدينة. تحية له ايضا.
 

67
المنبر الحر / أنا بالكوردية
« في: 14:38 28/04/2020  »



أنا بالكوردية


   بولص آدم


ذلك الطفل الأربيلي الذي بكى فراق بيته واحضان امه في ممرات مدرسة ( هلكورد ) واحس بالغربة لأول مرة ، كان المرتبك في عالم الألف باء الكوردية الجديد وهو الذي تعلم للتو الف باء السورث في بيت غرائبي تغمره روائح الشمال ورحلات القطار البخاري ( محطة قطار اربيل )، ذلك الطفل الذي ذرف دموعا ساخنة لمستقبل مجهول وقدري جدا ، ماكان ليدرك تماما بانه سيكون الشاعر الآن ! يتبل غربته ببهار الحنين ويغسل خضاره بماء سحري يجري في عرقه .. سحر الخيال ووقائع غرفه الداخلية ، مفارقات الأختيار الدامغة واحلام سابتة تخلف الآمها .. ذلك الطفل وفي مدينة ( اربئيللو ) الخالدة ، ماكان يعرف ابدا بانه الطفل الآشوري في صف كوردي يكتب الحرف الأول ادبا عن خصب الروح العراقية في مواسم الشياطين المركزية ومجنزرات الغزاة الجهنمية و .. هكذا يعرف  في غربته بان الشاعر (العلامة جلال زنكبادي) حقق في أربيل ترجمة قصائد (بولص ادم) الى اللغة الكوردية، تشكل تلك اللغة لي قلب الحنين وذلك النبض  يمدني قوة للفرح ويرمم خراب جسر بين ضفة الطفولة والضفة اللآحقة هل يعلم البستاني زنكبادي بانه وبترجمته لأشعاري قد حقق لي فرصة جلالستانية للفرح، الحق وفي اللحظة الأولى مسحت عيناي سطح المتن الشعري باحرف كوردية باللون الأزرق الهادئ، تذكرت بان ابي كان قد اهداني ( قلم حبر ) وحشره في جيب قميصي الأبيض الصغير على الصدر.. في الطريق الى(مدرسة هلكورد الأبتدائية ) اضعت ذلك القلم! ربما احاول الآن اعادة الأعتبار لفقدان اشياء حميمة كثيرة تركن في الغياب .. قلم ابي الذي ماانفك يترك لطخة داكنة على صدره الأبيض وهو الموظف باللباس الأبيض لموظفي السكك في الستينيات قلبا واخلاصا . واذن يهندس لي (جلال زنكبادي) جسرا اتواصل عبره مع القاري الكوردي، وهو الشاعر والباحث والمترجم المكتنز عطاءا والوحيد على قيد الحياة من متقني اللهجات الكوردية من المترجمين العراقيين، ذكرت في نص (غربة طائر الفينيق) بانني حملت معي في قلبي نشيد(بهارا بالكوردية / اي الربيع ) واخذتني الحياة الى ارض عراقية هي نينوى اجدادي .. وفي الصبيحة الأولى لي في مدرسة الرافدين الأبتدائية في مدينة الموصل، قرأت متوسطا طلاب المدرسة، ذلك النشيد بصوت عال جدا ! لم يفهمني احد تماما مثلما لاافهم قصائدي بالكوردية الآن ! وهنا حسرة كبيرة ومجال لتاويل اكبر حول اسباب ذلك ، الم يكن تدمير الجسور بين ثقافات البلد الواحد ، واحدا من اكبر مصائبنا الهائلة ؟ والمسالة هنا بالنسبة لترجمتنا كعراقيين الى لغاتنا العراقية ليست شخصية فقط بل اساسية وعامة جدا وهي احترام وتواصل حضاري يؤسس  ويضيف لثقافتنا الوطنية ويحل محل دائرة الأنحياز والتعنصر الأقصائي الكريه ، قبلة ابداع على جبين ( جلال زنكبادي ) واعبر عن فرحي الغامر بكلمات من احد مقاطع قصيدتي الطويلة ( كعب الخنثى ) :

(..اطير..اطير
اعظم نطاط فرح اصير
اضرب قبضتي في الهواء
كطفل يجري ، يهبط تلا افرح ..)


68
 



غبطة بطريرك بابل للكلدان الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو جزيل الأحترام

   سلام ومحبة
         اتمنى لكم موفور الصحة والسلامة .
   
  نعيش اليوم في عالم مُهدد بفيروس قاتل،أضاف الى معضلات البشر التقليدية معضلة صحية داهمت البشرية بشكل غير مسبوق، يتوزع شعبنا مابين الوطن الشتات، وكنائسنا أيضاً، شعبنا مُنهك ومشتت نتيجة للظلم المتعاقب الذي وقع عليه، ورغم ذلك حافظ إنساننا المسيحي على أنتمائه الأيماني والوطني حيثما كان، ومشهود لنا النزاهة وأتخاذ مبدأ السلم والتسامح والغفران والمحبة مقتدين بالمعلم الأول، فادينا ومخلصنا يسوع المسيح له المجد. تواجه غبطتك ونواجه كلنا تحديات جمة في المسؤولية مهما كان حجمها. نعرف أن الكنيسة على مر التاريخ واجهت إشكاليات ومشاكل من خارجها وتم التعامل معها بهذه الطريقة أو تلك. الرجاء والصبر. المحبة والصلاة ورحمة الله غير محدودة.
   بلاشك، أن غبطتك العارف بأن الكنيسة عائلة واحدة، والخلاف في هذه العائلة مؤلم  وله تداعيات غير سليمة تتعاظم وتتشظى بمرور الزمن وتؤثر في كل أفراد هذه العائلة التي يجب أن تنهج دوما درب المصالحة والمحبة. وبعد المضي بسطوري المتواضعة هذه ، أتمنى أن يكون هناك باب يُفتح للنظر بعين الروح والحكمة بينكم وبين الأخ الشماس د. ليون برخو. بفتح حوار بناء بينكما قائم على الأحترام المتبادل والتفاهم بالروح الأخوية، لحلحلة نقاط تقاطع محددة. بدأتما صديقين أخوين في أخوة مسيحية في الدير، وكان لكما امثلة عليا من المعلمين في الأيمان، غرسوا فيكم كل البذر الصالح لخدمة الناس، نتمنى أن تُحل كُل القضايا .. عندما تتوافر العزيمة والأرادة لحل أي قضية مهما كان حجمها وتأثيرها مشفوعة بالأيمان، فذلك لايبدأ الا بخطوة، نرجو ذلك. والرب يبارك خطواتكم مع جزيل الشكر والتقدير.

      بولص آدم
     25-04-2020

69
المنبر الحر / شاي أسود ثقيل
« في: 20:26 25/04/2020  »



شاي أسود ثقيل


    بولص آدم

  بعد ليلة كتَبَت الدبابات والصواريخ والمدافع صخبها العبثي، وأختلطت فيهاالدماء مع مياه الأمطار، و الدخاخين والأطيان التي تغطينا مع كل إرتدادٍ للسرفات في الأوحال، توقفت البنادق من تلقاء رحمتها المستحيلة محشوة بالطين الأحمر. وأنا أتقلبُ محموماً، لاأعرف، هل أُصِبتُ أم لم أُصَب في ذلك الوحل النافر من حولنا، بغريزة لم تَمُت، تفاديت السرفة القبيحة قرب رأسي قبل أن تطمهره تحتها، إنزلق السلاح من بين يَدَيَّ ودَفنَته السرفة، السفري والجعب، الزمزمية وقناع الوقاية، رميتها كُلَّها لتخفيف ثقلٍ لم أعد أحتمله، كان الموت عواء.

 عند إستقبال ضياء الفجر الأول، بدأت تلك الظلمة المُندحرة تنكمش، غير أن غمامة صفراء تتقدم على كتف الريح  لتمر فوق رؤوسنا،  دمع حَليبي ينهمر و كُدتُ أختنق، عُدتُ الى الوراء وركضتُ ماأستطعت بأتجاه البصرة.. تمكنت من إمساك سلسلة مانع الصواعق خلف تانكر عسكري صغير تسحبه آلية قوية تشق طريقها بصعوبة ..
 عند التوقف على مشارف بلدة أمامي، نزلت ببطء من على ظهر التانكر، وجثيتُ على رُكبي بُرهة كي أقدر على تكملة المسير..

 سألتُ إحدى بائعات التمر على الرصيف عن إسم البلدة، فنظرت الي بإستغراب وقالت:
ـ الدير..

 أكملتُ المسير وأنا أبحثُ عن مقهى أو باعة شاي الأرصفة، شاي أسود ثقيل،  دواء علاج الصدمة!  تَوَسَّلتُ امرأة تجلس على صفيحة وأمامها موقد نفطي صغير فوقه مقلات، تعرُضُ البيض المقلي، يتقافز حولها طفل وطفلة:
 ـ هل بأمكاني ياخالة غسل وجهي بقليل من هذا الماء في الصفيحة؟
ـ ولكنه ماء نغسلُ فيه صحون البيض بعد أن ينتهي الجنود من الأكل..
 رششت وجهي بماء كوبين معدنيين صدئين وأكملت المسير.. سمعت الطفلة تناديني ثُمَّ لحِقت بي، سألتني وهي تلفُّ أطراف جذيلة قصيرة بسبابتها:
 ـ تسأل أُمي، لدينا بدلة عسكرية قديمة للبيع، هل تشتريها بدينار؟!

.. دخلت الى مقهى في سوق الدير، ماأن جلست، حتى فكرت بأنني بحاجة الى نقود، النقود مع أوراق أُخرى في كيس ملفوف، بحثتُ في جيوب بدلتي الخاكية الجديدة، وتذكرتُ بدلتي التي تركتها خلف نخلة ضخمة، نزعتها بأوحالها ورائحتها الكريهة هناك، عُدتُ إليها بأطمئنان من يعرف بأن هكذا مُخلفات لايهتم بها أحد..
 وأنا جالس على كرسي خوص النخيل في المقهى المُسقف بالسعف، شعرتُ وكأنني في رحاب الجنة، قطعة تتمثل بهذا الكون العفيف بسلامه الأخاذ، مقهى على الشارع في ناحية الدير. أنا قريبُ من البصرة .. في البصرة ساحة سعد، وفي ساحة سعد نقليات تأخذنا الى بغداد. هكذا بدأتُ تنظيم وجهتي وأنا بأنتظار استكان شاي أسود ثقيل، أستجمع قواي و أصحح لنفسي، كل أوهام الخوف والموت في ظلمة الليلة المُندحرة وأيقنتُ بأنني فعلاً على قيد الحياة.. وأنا أرتشف السائل الدافئ السحري، مَرت حاملة دبابات لوح لي جندي جالس جنب السائق في الكابينة، ثمَّ، مَرَّ باص خِراف خشبي، كانت رؤوس الخراف خارجة من بين فتحات بين الألواح الخشبية.. يمتزج الثغاء بصوت الغناء الريفي و كُل أصوات المُنادات  من كُلِّ الجهات.. نظرتُ الى الساعة اليدوية في معصمي، عقارب الساعة متوقفة، سُئِلتُ وأنا أبرُمُ الزُّنبرك:
 ـ قُل لي يا أخ ، هل هُناك مُستشفى عسكري هُنا؟
ـ رُبما في البصرة، ليسَ هُنا.
 كان جُنديا بملامح صبي قَلِق، مَدَّ إلي مضروف بُرتقالي كبير.. يحوي صورة شُعاعية، صدره مبقع ببقع بيضاء صغيرة.
 ـ ياأخي، إذهب الى المستشفى العسكري، إبحث عنهُ..
ـ لكنني جوعان وليس لدي ولو درهم.
 نبهتني رائحة اللحم المشوي، بأن هذا المقهى يبيعُ الكباب أيضاً
 وبجوعه إستيقض لديَّ كُل الجوع المُحتمَل، نظرت خلفي وأمامي، أشمٌّ رائحة ذلك الكباب، لكنني لاأرى مصدره.
 قال عامل المقهى:
 ـ منقلة الفحم خلف المقهى، هل ترغبان تناول َنفري كباب؟

.. ونحن نضع صحنين على رُكبتينا ونلفُّ لفافة الخبز الحار الأسمر بأصابع الكباب والبصل الأخضر، تذكرتُ بأنني جُندي يتجول بعد معركة
 كيفما أتفق، ليس لدي أي إجازة ( نموذج) ! عَلُقت اللقمة الكبيرة في البلعوم، بلعتها بصعوبة مُرتشفاً آخر قطرة شاي..

.. شكرني الجندي على دفعي ثمن وجبة الكباب الذي أعاد الطمأنينة على وجهه، عبثت يده بمسند كرسي الخوص وكسر بأصبعين عود صغير،جعل ينظف بين أسنانه بقايا اللحم وهو ينظر الي وأنا ساهمُ أفكِّرُ بكيفية تجاوز مفارز الأنضباط العسكري والسيطرات على طريق طويلة حتى بغداد..

ـ أستودعك الله (قال الجندي) ليس لدي ما أُجازيكَ به على الكباب والشاي أخي، لكن عندي نموذج إجازة فارغ، لو أردتَ يُمكنك الحصول عليه!
 

70



المثقف غير المثقف، المثقف الطرطور

بولص آدم

   قد يبدو العنوان غريبا عزيزي القارئ. فكيف يكون المثقف غير مثقف، وكيف تحول الى طرطور؟ لك كل الحق فأعطني قليلا من وقتك عزيزي.

 سمعت أن رئيس لجنة مناقشة أطروحة دكتوراه أستلم رشوة ومرر أطروحة رثة، هل هذا هو مانقصده؟ لا، ليس المقصود فله تصنيف آخر.
 هل هو هذا الدكتور الذي يروج لرجل دين متخلف تحالف مع الشيوعيين ثم طبل لهذا التحالف بحجة أن كلاهما يهتم بالطبقة الكادحة؟! لا تصنيفه ليس في عنوان مقالتنا.
 فهل هو ذلك الذي وافق على تأسيس حزب يموله طرف  لضرب حزب من أحزاب شعبنا العريقة؟ وهذا أيضا له مكان آخر.
 هل هو هذا المهندس الذي طلع علينا بحزورة قديمة حول واحد ناقص واحد يساوي أثنين، وفضل أن نختار تعلم نسج الخيمة الآرامية وما عداه برأيه قد إنقرض كالديناصور، لا هذا البطل التاريخي سيفه مكسور ومكانه خاص.
 هل هو هذا المثقف الفرنسي الذي يشعر بتأنيب الضمير فقد حدثني قبل أسبوع بأنه كان ينتقد كنيسة حرة في مرسيليا، ثم دفعوا له مكافأة مجزية لقاء تأليف كتاب عن إرسالية الى الجزائر فأنجز المهمة، يريد العودة الى نفس المنوال لكنه يشعر بحرج، بعد أن حيدته تلك الكنيسة فتوقف عن الكتابة لمراجعة النفس! هذا ايضا ليس هو.
 فمن هو المثقف غير المثقف الطرطور؟
في سابقة لم تحصل معي،فقد تحدثنا مع عشرة مثقفين خلال الأسبوع الأخير بالمراسلة الألكترونية وعن طريق الهاتف، أحدهم ذلك الفرنسي وآخر سوري يقيم خارجها، أديبة لبنانية تحرر في واحدة من الصحف، مؤلف وباحث قدير في بغداد، وستة من مثقفي شعبنا وكتابه المعروفين طبعاً، الحديث دار في عدة مجالات بمختلف المواضيع،المصادفة الغريبة كغرابة عنوان مقالتنا،أنهم إنتقدوا المثقف الطرطور دون تسميته، وأنا أتحدث معهم دار هذا الموضوع دورته في رأسي وسألت نفسي أسئلة محدودة، توصلت الى  أنني أتفق معهم بان  الكثيرين من المتثاقفين هم طراطير بمعنى الكلمة! فالمثقف غير المثقف هو ذلك الذي يتداوله المتعلمون وسائر الناس بفهم مغلوط عن مفهوم المثقف .. منهم الدارسين و عموم المتعلمين و سائر الناس، و مجانب للفهم الصحيح و العلمي وعلى أساس السيرورة التاريخية لمختلف التشكيلات. فمنهم من يتعامل مع المثقف  على أنه هو الذي يفهم و يعرف، و منهم من ينظر إليه على أنه هو المنتج للفكر والخ، وأنا هنا لست في إهتمام تعريفه. لكن الأشارة الى دوره وكيفية لعب هذا الدور.
 نحن نعيش في عالم سقطت فيه الأقنعة تماماً، كل من يفكر بعقلية العام الماضي وماقبله ولا يجدد خطابه ولا يقدم على قول الحقيقة ويقف الى جانب الحق، سيكون منافقا كذابا إنتهازيا، حتى ولو كان مخدوعا او محيدا او محرجا او مرغما او انه لايقصد أن يخالف مبدأ اعرف نفسك أولا.. تجده يكتب ويؤلف بخطاب معطوب وهو الذي يقف على منصة الوسيلة ( اللغة ) والمُرسل إلى المُستقبل عبر رسالةٍ ما، ونحن نعرف أنه يعرف ولكنه يسلك كل الطرق التي لاتؤدي الى الحقيقة مع أنه يرسل رسالته بالواضح أو المشفر مستخدما معسول الكلام في الخطاب الودي ووصل الأمر ببعضهم بإستخدام ما أنزله الله من سلطان، من آيات من الكتب المقدسة و يستخدم منهجية الخطاب الأيطالي بالخِطاب السِّياسيّ، والإرشاديّ، والتّوعويّ، والنهضويّ، والتّعبويّ، خطاب يهدف إلى تعبئة الرأي العام تجاه قضيّةٍ ما، ولاينسى انتقاد الأشتراكية بجثة لينين المُحنطة ولا قبقاب كارداشيان في نقد الرأسمالية ويعرج على التاريخ وينتقد ماري انطوانيت وما اليه في هذيان الكلام مستخدما الحكم والأمثال التقليدية وحرائق الأمازون، ويقدم لك جداول ضرب وقسمة في الأحصاء ولا ينسى كلائش التزويق والتلوين والتهميش. ثم ينتهي خطابه وبعد أن فسر الماء بالماء، وسرد عليك بديهي الكلام المنمق، الذي عضده بأمثلة تخدم فقط اصراره على صواب رأيه مستخدما الوسائل الممكنة، وبعد نقطة النهاية.. تكتشف زوال القناع بعد نفض كل مافي الجعبة، فقد غفل وهو العارف بكل شئ بأنه لم يكن  خبيرا بالقيم الإيجابية و السلبية، ولم يكن متتبعا للحركة الثقافية على المستويين الخاص والعام، ولم يكن متشبعا بالقيم الناتجة عن استيعاب المواثيق المتعلقة بالحقوق العامة و الخاصة، ولم يستفد من تجارب الشعوب الثقافية المختلفة، ولم يساهم بفعالية في محاربة القيم الثقافية السلبية، ولم يبذل اي جهد في بناء منظومة القيم الإيجابية، أي أنه لا يستطيع بناء وعي ثقافي متقدم ومتطور، ويخدم عملية التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي في الاتجاه الذي يخدم حركة التاريخ.

                  هذا المتعلم عنوانه المثقف وبما أنه عطل ثقافته بثقافته فهو المثقف الطرطور.






 

 

         

 



 

71
المنبر الحر / البغل
« في: 16:25 22/04/2020  »



 
البغل

 
   هذا النص، إخترته من كتابي ( ضراوة الحياة اللآمتوقعة ) الصادر في القاهرة عام 2010

  بولص آدم

  في سالف الأيام والأزمان ، حين يكون الفلفل مرجان والحظ فنجان .
 يحكى ان ملكا غريب الأطوار حكم مملكة واهنة ، سمي بالأعور لأنه فقأ عينه عقوبة ذاتيه لجلالته وذلك بعد هرب العراف قبل ان يعاقب بالاحتجاب ظهورا في الصيف، لتفسيره لواحد من احلام الملك المزمنة .

- حلمك يامليكي فيه ليل مشمس، اخشى حاشاك، من انك سترحل في الصيف القادم !

انتشر الخبر بين العامة، وبعد كل وجبة اكل ملكية، كان للأعور فاكهته في عقوبة غريبة الأطوار جديدة ..
عوقب قائد الجيش بالوقوف على رأسه مدى الحياة بعد هزيمة مضحكة في معركة!
حتى الترعة التي تسقى منها الدواب عوقبت بالتجفيف، لظهور افعى حمراء في الماء بينما فرس الملك مقبلة على الأرتواء، فاختفي شيء اسمه فرس، حمار وبغل من تلك المملكة.
والبستاني عوقب بالبقاء اسبوعا اعلى شجرة التفاح التي يبست .. ذات مساء وعند تقديمه جرده اليومي باشجار ونباتات القصر امام مليكه الأعور، ذكر بأن شجرة الانتصار قد اختفت ، طلب جلالته احضار الحطاب !
وعوقب بان يكون بغلا للملك ، يحمله فوق رقبته ويسير به أنى يشاء!

اصاب الحطاب البريء حزن شديد وعرف منذ ذلك المساء بالبغل ..
- تعال يابغل ، احملني يابغل ، سر يابغل ، هوووووش يابغل ، استدر ، يسار، يمين ، خلف ، امام ، قف يابغل، انزلني هنا يابغل ، اذهب يابغلي ، وهكذا ..
وكلما طيبت زوجته من خاطره في الكوخ( وهي التي عوقبت يوم كانت طباخة القصر بقضاء ليلة تحت الملك )
قال لها :
- لاعليك ياعزيزتي ، اعدك بحملك والسير احتفالا في طرقات المملكة في اليوم الموعود !

في صبيحة احد ايام الصيف ، امطرت فيه السماء قرنفلا ووردا ، حضر اثنان من حراس الملك وطرقا باب الحطاب فجرا ،
- هيا معنا يابغل الى القصر .
- عجبا! ما الداعي لحضور حضرتيكما، فانا اعرف وجهتي اليومية الى القصر كبغل ؟
- اليوم شئ اخر ،
                     عليك ان تحمل جلالة مليكنا المعظم الى القبر .


72



الكتابة الساخرة والكاتب الساخر، بين الهزل والسخرية مسافة قصيرة

بولص آدم

تذكرت اليوم ، الأديب المبدع أندراوس هرمز.. كان ينشر في موقعنا الأغر عنكاوا  قبل حوالي عقد ونيف كتابات ساخرة، وكان بارعا في إختطاف اللقطات واللحظات الأ نسانية التي تتسم بالمفارقة وتضمنت نقدا إجتماعيا وسياسيا لامعا، وكان أسلوبه الساخر غير جارح، بل كنت تضحك وتبكي وتتأمل معه، للأسف لم أقرأ له بعد ذلك، فتحية له اينما كان..
أُطلق عليها، قهوة الكادحين ودخان المهمومين  وبهارات السرد ، هي الكتابة الساخرة..
 كتابة مكثّفة، تحتل موقعاً متقدّماً في قمة هرم الكتابة، وتعدّ من أشهر الأساليب الكتابية المعروفة، ما يزال مفهوم "الكتابة الساخرة"، غير واضح المعالم عند الكثيرين، فبين الهزل والسخرية مسافة قصيرة، وفيها دعوة إعادة النظر وتصحيح الاعوجاج. إنها ليست تجميعًا وإعادة توزيع للمفردات الشعبية، وليست تهريجاً أو افتعالًا للضحك بتصنع باهت..
من كتابها البارزين. موليير، مارك توين، أليكسندر أونيزيموفيتش أبليسيموف، برناردشو، توفي يانسون، يعقوب صنوع، نبيل عودة، علي سالم، محمود السعدني والخ من الجمهرة الساخرة ، كتاب قد خبروا صنعة الكتابة وضوابطها وأخلاقها قبل أن عُرفوا ككتاب ساخرين.
 يقول، أمير تاج السر، وهو كاتب سوداني مبدع ومعروف على نطاق واسع وقد كتب نصوصاً ساخرة تستحق القراءة وعدم إضاعة الوقت بإصطناع السخرية وشخصنة خلف قناع نرجسي فاقع.(السخرية هي تلك الحياة التي نحياها، مرة بوجوه عابسة، ومرة بوجوه منشرحة، وكلها في النهاية حياة، نحياها الى النهاية.)
بالمقابل ينتشر الترويج لـ"النكتة" وتسميتها بالكتابة الساخرة؛  تحويل هموم القارئ إلى مادة للضحك العابر والمؤقت والخاطف، على نحو يؤهل كتّاباً من الدرجة الرابعة لـ"السخرية" منها.
تتميز الكتابة الساخرة بأسلوبھا الإيحائي والكنائي والمجازي و تجاوزھا للسائد من أنماط التعبير. فالكتابة الساخرة تحتاج إلى مصارحة الذات أولا قبل مصارحة المجتمع، وهي المسند الذي يتكئ عليه الكاتب، ليقوم اعوجاجاً في أعماق نفسه. هذا النوع من الكتابة التي تحتاج إلى كاتب من طراز معين يستطيع أن يوظف قلمه بشكل جيد وساخر دون أن يقع في المحظور الاجتماعي والسياسي والديني، وغرض الساخر هو النقد أولاً والإضحاك ثانياً، وعندما توظف بنية عدوانية جدا باستعمال السب والشتم  تسمى تهكماً.  فقد قال القُرطبي: (من لقب أخاه أو سخر منه فهو فاسق).. هذا النوع من الكتابة (الساخرة) لا تفيد أحدًا ومجرد أن تثير المتاعب أولى بصاحبها أن يتركها.. طبعاً حديثنا يدور حول أدب راق مبدع ولا يشمل الإسفاف والتهريج القائم على المغالطات اللفظية، فالأدب الساخر يحمل رسالة وهو أقدر على التأثير بعمق في النفوس فهو يشكل صورة للواقع بروح الدعابة العذبة ويبتعد عن حقد اليأس وسوداويته وكما قالت العرب، شرّ البلية ما يضحك .. هي تمرّد فكري رفيع ضد  التقليدية الاجتماعيّة والسياسية، وكمثال، فلنقرأ مقطعا من كتابة ساخرة للشاعر السوري محمد الماغوط:
(.. فاسخر "عندنا في الشرق الشرطي لا يرفع يده إلا للضرب، ولذلك عندي جوع تاريخي للاحترام والشعور بالإنسان".. ثُمَّ اسخر "امنحني عقل أينشتاين لأستوعب كل ما يجري على الساحة العربية".. ومن ثَمَّ اسخر "إذا مات صوص في إسرائيل، تقطع برامجها الإذاعيَّة والتلفزيونية، وتظل تمطر السامعين من الصباح إلى المساء بموسيقى بتهوفن وموتزارت، اعترافاً لذكرى ذلك الصوص الراحل". )

وقد إخترت رأيين عن هذا النوع من الكتابة الساخرة:
جعفر عباس (السودان) "هناك خيط رفيع بين الكتابة الساخرة والمسخرة، كذلك الخيط الذي يفصل بين التواضع والضعة/الوضاعة. بمعنى أن الكتابة الساخرة ليست رخصة لاستخدام لغة مبتذلة لتوصيل فكرة أو النيل من أي شخص.. المهم أن كل من يكتب يعرف من تجربته الخاصة أن الكثير من القراء على درجة عالية من الذكاء، وهم من يحدد أي كاتب يستحق النجاح، وأيهم مجرد فقاعة تتوهج لبعض الوقت ثم تصبح هباء.. كأن لم تكن".

توفيق الحاج (فلسطين) "السخرية توظيف دقيق حتى لا يتحول من الرصانة إلى الفجاجة، ويتطلب جهدا وتأملا كبيرا لاختيار الموقف الذي يقوم الكاتب بتفصيل تصوراته الساخرة حوله".)

فأنت بسخريتك الأرقى الأصدق أكتب، وغير ذلك تصبح مقالة عادية لا يجوز تصنيفها مقالة ساخرة، ولا يصنّف كاتبها كاتباً ساخراً.


73
أوشانا رمو ومُخاط الشيطان

  بولص آدم

 يمكننا القول أنه في أوائل القرن الرابع تم تشييد أول بناء لدير مار عوديشو ومار قرداغ في ديريه ، لكننا لا نملك أي تفاصيل دقيقة وحقيقية عن تاريخه الأصلي. المبنى الذي تم تشييده في القرن العشرين دمّر عام 1961 وأعيد بناؤه عام 1985 ودمر بالكامل في عهد صدام حسين عام 1987. وأعيد بناء الدير مرة أخرى  في عام 1995
بعد تدمير قرية ديريه في أيلول 1961القريبة من العمادية شرقاً، المشتق إسمها من أديرتها التاريخية، مار عوديشو، مار قرداغ، ماث مريم.. عاش الخال (أوشانا رمو) مُشردا متنقلا من قرية الى قرية في المنطقة المحيطة بديريه، عاد في بداية السبعينيات، وأتخذ لنفسه حضيرة خراف مهجورةمسكناً، خلف الدير مباشرة، نَضَّفها ونسج لها باباً من عيدان شجر التوت.. هذا النص عنه  والنصوص التالية خرجت من رحم قريتنا ديريه.. في كتابي (ضراوة الحياة اللآمتوقعة)، الذي صدر في القاهرة2010.


                           
اوشانا رمو

يصحو قبل الديك وبعد الخفاش ينام
لم اسمع صوته وكان اعمى
اتى الى هذه الدنيا ملفوظا كحرف العلة
ايام مقتل ارشيدوق النمسا ولد
لا احد يتذكر يوم وفاته
الشعب مشغول بتلميع جلده بقشور الرمان
والدباغ كانت ايامه كايام  السلطان
يرسل السفراء الى مدن هرمة
كان الشعب مشغولا في المدبغة .. ادمن رائحة جلد الماعز
يفرك جلده بماء السماق كتعويذة لطرد الأرواح الشريرة

الخال اوشانا رمو
يفرك عينه  المبعوجة بورق التوت الأحمر
ينتظر ذبائح النذور لياكل من لحم الخروف الأبيض
قيل انه كان الساقط كل مرة في نفس الحفرة
وهو يغادر انقاض الدير المدمر تقوده العصا يحك ظهره بحجرة
لم تسلم من قشور الرمان ايام الدباغ السعيد كالسلطان
يتبارك ظهره في طقس الحك ..في حضرة القائد العسكري السفاح الذي تاب وتقدس ومات بعد بناء ديره الذي حمل اسمه فيعود بعد صلاة المساء الى كوخه المنسوج من اعواد شجرة التوت الضخمة التي قتل على اغصانها عصفور قبيح  يلقي ذرقه الأصفر على راس الدباغ سنين طويلة حتى ايام ردم الحفرة زمن الغليان ..

كان الخال اوشانا رمو  نسطوريا يلهج قلبه بتسبيح اسم المار المقدس طارد وساوس الشيطان وشفيع المتعبين نفسيا من كل ذي نفس حية وهكذا رفرف حنان المار القديس علينا حتى يوم كنا نتسلق الحياة كالجرذان ..

عاش الخال العزيز في كوخه خلف الدير
كان غريبا ومالوفا في نفس الصورة
ليس ذارقا بانتقامه مثل ذلك الطير
ولا ذليلا يحك جلده تحت سقف الدباغ الأعور
بل شيئا مختلفا مات مختلفا
لا كما عاشه الغير !

                                  مخاط الشيطان

كان لي جدان عابسان
نفس الأسم يحملان ..
جد قس
واخر اسمه ادم ايضا مات بقالا في بغداد
القس ماتت زوجته حزنا
تزوج ثانية ، من امرأة كان همها البستان
البقال انجب امي
جدتي كان لها صديقة وحيدة، افعى مسنة تزحف مقبلة تعبى من خلف شجرة الجوز، تبلع على مهل رقائق الخبز القروي،  تبتسم لها  جدتي ثم تبكي، الأفعى عمياء
اختفيا معا وانفرد الشبح كمثري الراس بثمار الجوز يفتح سواق جديدة لمياه تسبح فيها الديدان .
على تلة بسبعة الوان، سقط القس من على ظهر الحصان
مات غاضبا يلعن مياه (كاني جومرا).. العين التي لم تنفع قراءة الأنجيل لتنظيف المجرى من مخاط الشيطان!
في كوخه تحت تلة الألوان سقط المرتل الشهواني ( تومانو) من السلم ومات في موسم الحصادامام المجرشة
بدا مؤشر يعدو على ايقاع الحداد
سقطت قنابل الحكومة من طائرات تشبه دببا خضراء
ابتدات مع دخاخين قرية (ديريه) مواجع ذل ، سواطير هجرة، سكاكين الغالبين، ملاقط صماء تلتقط الموج الدائر من راس الحصان المخصي ليموت القس ساقطا تحت قدميه يخرج من منخريه تزمير الأنتقام ويعدو خوفا من القيامة داخلا كهفا يبلع الدب الأخضر .
 المنجل الذي يحصد الحنطة في الشتاء ومطر خبيث يتساقط كالخيط على سقوف حمامات النساء التي يسترها صفيح من جهة الغرب مفتوحة للعابرين شرقا، كان الشهواني ( تومانو) يمر بهن عاريات مستحمات ويطلب منهن لمروره الوقور ان تكون اعينهن مغمضات ! والا هلكن قبالة التلة حابلات الزنى، بوجوه عار ذي سبعة الوان هو فعل الشهوة ينزفها نهيق الشيطان .
راس حصان ثائر قتل جدي، ارتطم بالجدار الأخير لكهف عميق، وارتفع طائر يشبه القاذفة فطوره نمل المياسم الصفراء التي تخترق حقولا خضراء.. هو ماتبقى قبالة التلة الملونة
اسنان سوداء سقطت من مناقير طيور مسكونة وحملتها دخاخين قرية ( ديريه ) المحترقة انيابا كعلامة شؤم
سقط من بطن الدب الطائرعلى سنام كهف اللعنة جسم كراس الحصان انفجر
طائر يشبه الدب بعد تقليد افعال الظلمة البدائية في صيد وحشي، ينام جائعا
.... لم نعرف ما كان جدنا يفكر فيه وهو يحرك بعصاه السكر المشوي

لم نعرف، حتى اليوم الذي تعشى الطائر فيه على مخاط الشيطان !

 
                                          تفجير         
شحنة الديناميت حشرت اصابعها في شقوق جدران بيت (يوسف كذوذا) ومدخنة المدفاة الخشبية وفي قناة تصريف القذارة من الخلاء وحفرة سحق الحنطة بالمدق الخشبي وصنبور قصير يقذف ماء العين امام البيت الطيني واصبع ديناميت حشر في بردع قديم و.. في كدس خشب البلوط. في بالة الصوف ايضا، اصبع ديناميت ربط بفانوس الزاوية واخر تم تغطيسه في دن الخمر.. اعطى الضابط اشارة التفجير للجنود في اللحظة التي انجبت زوجة يوسف فيها طفلا.


عودة الفلاح الى قلب التفاحة
الى / عمي ايليا
يا صديقي .. يا صديق الأرض ، يا صديقي الذي في كفه خارطة من جذور زرقاء اكثر الصداقات خصبا ، يا شاعر السيقان الخضراء ، يا بصيصي ، صديق الأرض سمعت انك على الطريق الترابي تمشي .. نحو قلب التفاحة تعود، اسابق الزمن لأصل الى ذلك القلب ، قلب البهجة ، منجل الأرض النابض ، لأختزن بسمة ثملة لك ، علي ان اباغت وصولك الى تلك الشجرة الحالمة في ارضك الوردية، يليق بك ما جمعته ، انطباع كنزك ، غبار المحاريث في العصاري ، زفير الأرض الشتائي ، اجمل البخار ، ربيعك ، غبارنا ، غباري .. صندوق من عيدان طرية ملؤه رغبة في الحرث ، اسابق وصولك الى قلب التفاحة ، عائد هو على الطريق الترابي ، لا طريق المهربين و القتلة !
اراك تمشي كغريب نسي رأسه ولم ينس طريق الهواء الأخضر لحظة القطاف ،
مذ كنت تحز العروق ، تنظفها من ارهاب اخطبوط الأرض وديدانها ، علي ان اباغتك يا استاذي ،
يامن علمك قلب التفاحة فنون العشق الفصلية  ونظافة الانجاز  و ... صداقة خصبة ، انا الغريب  اعرف دربك ، مخزن البقول واكداس الغلة السحرية  كقلب المراة ، قلب التفاحة ،
 اراك الى تحت  تصعد التلة .. انا رجل يركض ، تسقط دموعي على الصخور
والجبل يهبط تحت غطاء غيومه ، المطر مكبل بخرير الينابيع الأزلية ، عصاري اللوثة الأرضية !
صندوق منسوج من عيدان اشجار التوت ، عيدان طرية اصيلة غير ذليلة ..
اراك كالخيال في الوادي  تمشي متعبا ، لكن عروق كفك الزرقاء مليئة بضربات تقصف الجذور الغريبة ، تحز المتفحم الخبيث القاسي الهابط كاللعنة على احلام الشجرة ، عمر التفاحة ،
..انحدر  نحو الغوطة ، اعلم انك وحيد ، تتبع حصان الأرادة  كعربة تحمل سر الكنز ،
اولادك ، كالحنطة المذرية تناثروا .. بعيدا .. بعيدا .. يتمرغون خارج البيدر في تبن الغربة ..
وانا هنا احمل كيس التفاح ، عائد الى البيت ، ابعد ما يكون عن غوطتنا في ( ديريه ) ،
سانام كالذي رآك ،
وانت
وجه
يملأه
نمش
تلك
القشرة
الصفراء
وانت
في
قلبها
....
قلب التفاحة .






 

74

ملاحظات حول الصلاة على الموتى وهرطقة التراث ولعن اللغة
بولص آدم

  البشرية قاطبة، وفي كل أنحاء المعمورة، منذ العصور القديمة ومروراً بالعصور الوثنية و عصور الديانات السماوية، وحتى الآن وفي كل المجتمعات ، تقام جنازات ويتم الترحم على الموتى، وهناك مقابر يتم زيارتها ووضع الزهور وإيقاد الشموع عليها، إحتراما للروح وادامة الذكرى،حتى تقاليد حرق الجثة بعد الموت لها طقوس خاصة، وهذا يشمل الملحدين واللآأدريين وعبدة الصفاء والنقاء والطبيعة، يحق لنا أن نستكر إقامة مظاهر التفاخر والمبالغة المناحية أثناءالجنازات، لكننا نستغرب وندين بشدة إنتهاك حرمة الموتى لأي سبب كان.
 عندما توفيت طفلتي قبل سنوات طويلة، خُيرنا بين حفظ الرماد، أو الدفن في مقبرة رمزية جماعية للأطفال، أو أن تدفن في قبر خاص رحمها الله، فأخترنا الخيار الأخير، ونحن نهتم بالقبر دوريا، ذلك ساعدنا كثيراً، وخاصة الأُم التي بزياراتها المتكررة هناك، تخفيف لصدمتها صدمة الأم التي حملت بها وكانت تنتظرها بفارغ الصبر ولكن هكذا كان. هل يمكنني بعد موتها أن أقول. لقد توفت ومع السلامة، لن ينفع الصلاة عليها؟ ولانفع في دفنها في قبر خاص؟ لو فعلت ذلك حتى لوكنت مُلحداً لأرتكبت خطأ أخلاقي، أي أنني نكرتُ وازدريت الموتى بهذه الفعلة وهذا عمل لاأخلاقي يرتكبه القساة فقط. لقد تعرفنا الى مختلف الفلسفات والمعتقدات وتجارب الشعوب وآمنا وألحدنا ولكننا لم نتجاوز الأخلاقيات الأنسانية الأساسية التي يتفق عليها البشر بمعزل عن الأديان ومصادر التشريع للأخلاقيات الأخرى.
مارست الكنيسة الصلاة من أجل المؤمنين الراقدين منذ نشأتها في العصر الرسولي، وفقاً للتعاليم الكتابية التي نختار منها بأختصار:
اـ العهد القديم: نقرأ إنهم كانوا يصومون ويصلّون من أجل الراقدين (الموتى) فأهل يابيش جلعاد صاموا وصلّوا سبعة أيام على شاول وابنيه [١صم ٣١: ١٣].
ب ـ العهد الجديد: قال سيدنا يسوع المسيح (من يجدف على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي) [مت ١٢: ٣٢]. أي أن هناك من الخطايا ما يغفر في الدهر الآتي (بعد الموت). من قول القديس بولس: (إن كان الأموات لا يقومون فلماذا يعتمدون من أجل الأموات) [١كو ١٥: ٢٩] وهذا تصريح من الرسول بولس بالاصطباغ من أجل الموتى (أي التألم من أجلهم بالصلاة والأصوام الشديدة).
من تصريح القديس بولس نفسه إذ صلى لأجل انيسيفورس بعد موته بقوله: (ليعطيه الرب أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم يوم الدين) [٢تي ١: ١٨]. وهذا أقطع دليل على جواز الصلاة على أنفس الراقدين وطلب الرحمة لهم من الله وكما طلب بولس الرحمة للميت ولأهله الأحياء لذلك جاز للكنيسة أن تصلي عن الراقدين كما تصلي عن الأحياء.
   لدينا مُشكلة في نقد النقد، إذ لانفهم النقد ونعتبره التطرق الى السلبيات فقط وهو خطأ شائع، ومن هنا يتم اللجؤ الى حيل الجدل المرائي، من أجل أن يكون رأينا على صواب دائما، وهكذا رأينا دحض دعاوي الناقد بأستخدام كافة الوسائل الممكنة في مرحلة نقد النقد والأنجرار الى إنتهاك حرمة الموتى ووصمهم بالأشرار. والصلاة أثناء مراسيم الجناز والدفن، لايمكننا شخصياً أن نقول أنها خطأ ولكننا نُدينُ المبالغة ووضع المناحات وتقديس الموتى والفرق بين الحالتين كبير، مع إحترامي للأخوة الذين لهم تلك الآراء وأنا هنا أتحدث عن آراء وأكن للمعبرين عنها محبة وأحترام والأختلاف في وجهات النظر حالة طبيعية. بصراحة، هرطقة التراث هو جناية وفهم خاطئ للهرطقة أساساً، ولن استشهد من البعيدين ولكن من باحث قدير وكاتب بارز وعالم في أختصاصه، علم الأجتماع هو الأخ د. عبدالله رابي. ففي مقالته البحثية عن هرطقة نسطورس التي للأسف قرأتها متأخراً، فإنه قد حقق بحثاً نادراَ يستحق التقدير وأتمنى أن يجمع مقالآت مثل هذه في كتاب مستقبلا. إن هرطقة التراث تمت في رد على المقالة المقصودة للأخ د. ليون برخو، في مرحلة نقد النقد وذلك رد فعل خطأ، فقد تم ذلك دون طرحها في بحث مقنع وذلك يختلف عن البحث في تراث الأمم وتنقيحه وطرح الغريب والدخيل عليه، وتلك مهمة الضالعين. أما لعن اللغة والتبرؤ منها على يد نفس الكاتب في رد له على مقالة أخرى فهو رد على رد غير موفق أيضا فما دخل لغتنا بمن يستخدمها لنشر الكراهية والأنقسام، فعليهم نقد طروحات هؤلاء وإدانتها، وليس لعن لغتنا، وليعلم بأنه قد لعن لغته الكلدانية التي يفتخر بها وقد أزال واحدا من مقومات قوميته الأساسية ولو فرضنا أن هذه الآراء المطروحة هذه الأيام صحيحة، فماالذي تبقى لكي تكون الكنيسة مشرقية مثلا؟ وماالذي تبقى من كاثوليكيتها لو نحن وصمنا عقيدة المطهر بأنها شيطانية؟! وبالغنا بطريقة راديكالية، لدحض دعاوي شخص ينتقد، ونفعل ذلك كرد فعل وفي مرحلة نقد النقد، وقد يقول قارئ او يسأل  : ما مناسبة التطرق الى ذلك هُنا؟ نعم، تم التلميح مرارا بطريقة غير حميدة وتجاوزتها، لكن تكرار ذلك وعدم المواجهة الصريحة هو عمل لاأتفق معهم عليه، فإذا ترحمنا وعزينا الأخ الدكتور ليون برخو بقريبه فهي حالة طبيعية وأستنكرنا تخوف الكاهن من واجبه وهذه قناعتنا، أما أن يتم الأنتقام اللفظي والمعنوي مني، وأنا انقل وجهة نظري وأمارس تقاليد إجتماعية قبل أن تكون دينية بمواساته، فذلك يستحق منهم مراجعة قناعاتهم أولا وعدم اللجؤ الى التكتل لدحض آراء الآخرين وشخصنتهم. تلك الملاحظات على آراء كاتبين من أخوتي الكتاب، لها فائدة أيضاً فهي تقودني الى الأشارة الى نقص كبير في البحث في تراثنا بأدوات بحثية تقود الى إغناء أفكارنا حول تراثنا بدل هرطقته مع سبق الأصرار.  للعلم مرتبة عليا في أحترامه من قبلنا، رد الفعل على تخريفات بعض رجال الدين حول فيروس كورونا وعلاقة الأيمان بعدواه، يجب أن يكون بحدود دحضها علمياً وليس التهجم على الأديان بسبب ذلك، وفي نفس الوقت سيكون ذلك مبررا واهيا للألحاد والنظرة الى الوجود، فالكنيسة وبعد حالة غاليلو المُدانة مثلا، بفترة ليست طويلة حولت نظرتها جذرياً بما يخص العلم، وشجعت العلماء وساعدتهم والأمثلة لمن يريد كثيرة.
 نكتفي بهذا القدر ونكرر محبتنا لكم وتمنياتنا الحارة لكم وللجميع بالصحة والسلامة.



75
 

إكتشاف القصر الآشوري في تلة النبي يونس في الموصل

ترجمة وإعدد: بولص آدم

  أنقل لقراء موقع عنكاوا. كوم الكرام، من جامعة هايديلبيرغ ووكالات أخبار ألمانية، إكتشافا آثاريا مهما مع الصور.
 
لسنوات طويلة كُنا نتداول، توقعات تخص أن التلة التي بني عليها مسجد النبي يونس تحوي آثار آشورية، وبدا لنا تغليف التلة بالحجر، من قبل النظام السابق، أنه قطع الطريق لأي تنقيب آثاري.

حطم أنصار الميليشيا الإرهابية(داعش) الكنوز الثقافية من عصور ما قبل الإسلام وإزالة الآثار (الوثنية وتكريم القديسين) التي كفروها. لكن جشعهم للسرقة فتح فرصًا غير محدودة لعلماء آثار ألمان من جامعة هايدلبرغ. باكتشافهم لقصر يرجع تاريخه إلى ألف عام ق.م في مدينة الموصل. يقول بيتر ميغلوس ، أستاذ علم الآثار بجامعة هايدلبرغ: "هذه هي الحقيقة المرة". "لقد تسبب المتطرفون في دمار كبير ، لكننا تمكنا من الحصول على قصر أثري مهم".
في صيف ٢٠١٤ ، اجتاح أنصار تنظيم الدولة الإسلامية مدينة الموصل في شمال العراق وفجروا بعد ذلك مسجدًا على تل فوق قبر النبي التوراتي يونان. كما في أي مكان آخر، أرادوا تدمير كل شيء يعتبرونه أماكن "الكفار". قبل كل شيء ، كان من المستحيل عمليا التنقيب تحت المسجد، تم بناء المسجد فوق قصر عسكري ضخم للإمبراطورية الآشورية ، والتي حكمت في الشرق القديم حتى حوالي ٦٠٠ قبل الميلاد. بعد تفجير المسجد والمرقد، بدأ أنصار داعش بحفر نظام من الأنفاق بطول مئات الأمتار تحت الأنقاض ، بحسب ميغلوس.  أنه "ربما كانوا يبحثون عن اكتشافات أثرية في القصر العسكري لبيعها في السوق السوداء".
عندما أعادت قوات الأمن العراقية المدينة تحت السيطرة في عام ٢٠١٧، تم الحفاظ على الأنفاق التي من خلالها تم الوصول إلى القصر الآشوري العسكري. الحفريات تحت مسجد على التلة المبنية كانت مستحيلة عمليا. بناء على طلب هيئة الآثار العراقية ، بدأ فريق من الباحثين من جامعة هايدلبرغ استكشاف هذه المواقع وغيرها في المنطقة.
لأسابيع ، صعد علماء الآثار عبر الأنفاق ، التي كانت في الغالب بارتفاع ٧٠سم فقط ، دائمًا مع بطاريات احتياطية للمصابيح في جيوبهم إذا استنفدت القديمة. اكتشفوا في الأروقة كنوز أثرية نادرة. ولا يشمل ذلك النقوش الملكية غير المعروفة فحسب ، بل يشمل أيضًا أربعة نقوش بارزة لشخصيات حراس البوابة الآشورية ، الثيران المجنحة التي يبلغ ارتفاعها عدة أمتار. وداخل نظام النفق ، عثر العلماء أيضًا على غرفة العرش التي كان طولها ٥٥ مترًا ، بما في ذلك قاعدة لتمثال أسرحدون الذي إستقبل زواره في تلك القاعة. يشرح ميجلس أنها أكبر غرفة عرش في الإمبراطورية الآشورية حتى الآن. "القصر محفوظ بشكل جيد جزئياً". بقايا لا تقدر بثمن من العصر الآشوري.
يقول عالم الآثار إنه غير راضٍ عن طريقة العثور على الاكتشاف. "ثمن هذا باهظ" ، لكن على الأقل هو تعويض بسيط عن الأضرار التي سببها المتطرفون في الموصل ، قاموا بتدمير بقايا آثارية لا تقدر بثمن من الفترة الآشورية ، قاموا بتفجير قصر آشوري  في مدينة نمرود الملكية السابقة. انتشر فيديو للانفجار على الإنترنت. وحتى اليوم ، تخريب داعش في مدينة الواحة السورية أيضا مؤلم.
يريد باحثو هايدلبرغ مواصلة العمل في الموصل. منحت وكالة الآثار في بغداد رخصة تنقيب لمدة خمس سنوات. لكن الفيروس التاجي المنتشر في العراق أوقف  كل التخطيط الملموس. يفكر ميغلوس حاليًا في عملية تنقيب جديدة هذا الخريف: "لدينا الكثير للقيام به ، ولكن ليس لدينا الكثير من الوقت." لأنه إذا كان سيتم إعادة بناء المسجد ، فلن يكون من الممكن حفره بعد الآن.

76
المنبر الحر / فكر وعش بإيجابية!
« في: 00:18 14/04/2020  »


فكر وعش بإيجابية!


  منذ عملية خليج الخنازير الفاشلة بداية الستينيات، مرورا  بتفكك الأتحاد السوفييتي وحتى منتصف ديسمبر الماضي، وألأ حداث الجسام من جراء حروب بالوكالة وحروب الهوية الدينية، والقومية، إقترب العالم مراراً من حرب عالمية ثالثة، وقد خشاها أولا من يمتلك أسلحة الدمار الشامل،  تحولت الحروب العسكرية العالمية الى حروب إقتصادية وغزو ثقافي. ولم تختلف الأهداف عن الهدف الذي شخصه وزير خارجية كوبا في الهيئة العامة للأمم المتحدة بداية الستينيات، بعد فشل خطة السي اي أي ضد بلاده، بأنها أطماع بما للبلد من ثروات و جعلنا أتباع.. وقد سقط الملايين من القتلى في حروب العالم منذ الحرب العالمية الثانية.. ظل السؤال مطروحاً، متى تقع الحرب العالمية الثالثة؟ تلك الحرب بما يمكن تخيله، أنها حرب كتلتين عظميين، لم تقع، لكن السباق البيوتكنولوجي والعمليات البيولوجية في المختبرات السرية، بالأضافة الى توجيه ضربة قاسية للبيئة، فقد حصلت حربُ عالمية ثالثة، يشترك العالم فيها ليس ضد بعضه البعض حتى الآن (وذلك ممكن لو طالت هذه الحرب) بل حرب العالم من جهة وفيروس كورونا من جهة أُخرى.العالم جبهة مفتوحة، هنا يهدأ السعير قليلا، ثم يشتد هناك وهكذا وبدلًا من ذهاب الزعماء والقادة الى أقرب نقطة آمنة ممسكين بالنواظير لتمثيل دور إستطلاع الجبهة من الخطوط الأمامية والتقاط صور وأشرطة فيلمية لهم وترويجها كبروباغاندا، فهم حاليا، يفعلون نفس الشئ ، لكن في المستشفيات وأستبدلوا النواظير بالكمامات. في كل أنواع الحروب هناك عدد مؤلم من الضحايا و القتلى، ساحة الحرب الحالية، فيها عدو لايُمكن رؤيته بالمجهر التقليدي، بل تؤخذ له صوراً بالمجهر الألكتروني .. أخبار الموت في كل مكان في العالم يرافقها شعور عام بالألم والتأسف والندم، الا من تأصلت فيه الى الأبد طبيعة الشر ومازال يلعب بأناه وأنا المجتمع ألآعيب خطرة. كنا مسجونين ونسانا العالم كنا في حروب وتجاهلنا العالم حوصرنا وتجاهلونا والى آخره من غذاباتنا، ليس إلا، لأن ذلك كان بعيدا عن أطراف العالم الأخرى والخطر كان غير مباشر، كُنا وسنبقى نتألم لمآسي آخرين تشبه مآسينا و في أصعب الظروف لم نتخلى عن الأمل ولم تنقذنا الا روح إيجابة، فبها صمدنا في وجه أعتى الأهوال ضراوة وقسوة.
 لسنا نحن هكذا فقط ولحسن الحظ، هناك عقول تفكر مزاوجة التحليل بعاطفة إنسانية ، ففي كتاب ،إدوارد دي بونو، الذي صدر في المانيا قبل سنوات، تحت عنوان، مدرسة التفكير الجديدة. يُخصص فصلا مهماً من كتابه عن علاقة القيم والمشاعر بالتفكير، ويؤكد على أن التفكير لا يبدأ كتفكير دون شعور وعاطفة تجاه أو عبر شئ ما، ثم يأتي الادراك، والتفكير يلحقه.. مفكرين معاصرين، مثل المخضرم يورغن هبرماس و مارسيل غوشيه، وجاك أتالي، تتمثل طروحاتهم بتلك المعايير الأخلاقية غير الملغية التي تطرق لها دي بونو، حول آلية التفكير غير النحاز للتنظير كإجراء معياري أو تجريبي، بل مزج الروح وعدم نسيان أن الأنسان ليس آلة أنتاج معولمة، بل كائن مفكر، ناطق، له قيمه و ضمير. وإذا كانت الحروب التقليدية الأخرى كلها عداء وقتل وكراهية وتدمير.. ففي حربنا العالمية الراهنة هناك فسحة للتعاطف والمشاعر والأيجابية، ليس لزيادة المناعة فقط، بل لما نجده ونحن نترجم لكم مقالاً جديدا للمنظر والمفكر الفرنسي، جاك أتالي :

فكر وعش بإيجابية!

ترجمة : بولص آدم

خلال الأوقات العصيبة ، التي عانى منها الكثير من البشر لفترة طويلة ، والتي جعلتنا الأزمة الحالية ندركها ، نحتاج إلى إعادة تعلم أربعة مشاعر منسية: الامتنان لمن هم على الخط الأمامي. التعاطف لمن يعانون. الإعجاب، بؤلئك الذين يجدون الحلول ؛ والإيثار، للعمل لدعم بعضنا البعض.
ولكي نتصرف، يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نُغمَر بالخوف المشلول، بل يجب أن نمضي قدمًا، بشجاعة ووضوح، بشكل إيجابي، بناءً على اليقين النادر الذي جعلنا الوضع بأكمله. يكتشفنا أو نعيد اكتشافه.
هذا الفيروس هو واحد فقط ، من بين آخرين، يهددنا. لهزيمتها، الفوز بالمعركة والاستعداد للفوز بالمعركة التالية، إليك عشرة دروس مؤقتة وإيجابية:
1. إن البشرية مهددة ، مرة أخرى، من قبل شر نابع من الطبيعة، ولكنه يتفاقم من قبل البشرية. شر يمكن التنبؤ به مرة أخرى، لكن الأجيال السابقة لم تفعل ما يكفي لحماية الأجيال الحالية من هذا الشر.
2. في مواجهة هذا التهديد، كما هو الحال مع العديد من التهديدات الأخرى، يمكن أن تكون رغبات وشهوات الماضي، الآن، تُعتبر مُضحكة.
3. في مواجهة هذا التهديد، كما قد يكون الحال مع العديد من التهديدات القادمة، يدرك الكثير من الناس أن لا شيئ ستحق أكثر من الوقت الذي تقضيه مع أحبائك والمعنى الذي تعطيه لحياتك.
4. فيروسات أو أعداء أخرى ، تهدد وستهدد البشرية: تغير المناخ، البؤس ، اضطراب. يتفاعل هؤلاء الأعداء مع الأعداء الحاليين لتفاقم الوضع.
5. في مواجهة عدد لا يحصى من الفيروسات، يجب أن نضع أنفسنا بشكل نهائي في اقتصاد الحرب و نكرس أنفسنا فقط للأساسيات.
6. المقاتلون في معركة اليوم، سواء كانت مرئية (المتخصصين في الرعاية الصحية، ضباط الشرطة، المعلمون والسياسيون والصحفيون وغيرهم كثيرون) أو غير المرئيين (جامعي القمامة، والصرافين، وبائعي الفاكهة والخضروات، والخبز، والصحف، واللحوم، بالإضافة إلى سائقي التوصيل، وغيرهم الكثير) أكثر أهمية بالنسبة إلى بقاء المجتمع من العديد من المهن الأخرى التي أثبتت منتجاتها وخدماتها فجأة أنها أقل ضرورة بكثير لعملائها في الماضي.
7. إذا جاءت المغفرة، بفضل هؤلاء المقاتلين، يجب ألا ننسى، في نشوة إستعادة الربيع، المخاوف التي راودناها خلال ما يمكن أن يكون ربيعًا مفقودًا. يجب ألا ننسى أن الفيروس قد يعود وأن العديد من التهديدات الأخرى لا تزال موجودة.
8. يجب ألا نكتفي بإعادة خلق، مرة أخرى، الظروف المؤدية إلى العودة إلى نفس النموذج الإجرامي للمجتمع الذي قادنا إلى هذه الحرب، والتي ما زلنا نخسرها. أننا على يقين أن نخسر إذا لم نتعلم منها.
9. لمنع هذه المصائب وتجنب هذا الفيروس مثل الفيروس التالي،
يجب أن نعترف أخيرًا بأن المجتمع يمكن أن يعمل بشكل جيد تمامًا وأن يكون سعيدًا بتخصيص أكثر من نصف أنشطته المولدة للثروات ، للصناعات والخدمات المتعلقة بالرعاية الصحية والغذاء والنظافة والتعليم والبيئة والثقافة. والتقنيات ذات الصلة التي تتطلبها هذه الصناعات.
10.وأخيرًا، يجب علينا إدارة كل بلد والعالم بطريقة أكثر تعاطفًا، طريقة مراعية وراعاية، مع الاهتمام بالقرب والعدالة ودفء الإنسان. على غرار ما نفعله الآن، وإن كان ذلك قليلاً، وبين الحين والآخر، في حالة من الذعر وتحت الإكراه من الأذى الوشيك.

فقط من خلال تعلم هذه الدروس بشكل لا رجعة فيه سنتمكن من هزيمة هذا العدو، ومحاربة الأعداءالتاليين، وبشكل أعم، السماح للأجيال القادمة بالعيش؛ وإذا كان ذلك ممكنا، أن تعيش أفضل منا.

77
المنبر الحر / الُأغنية المفقودة
« في: 23:17 12/04/2020  »
الُأغنية المفقودة

بولص آدم

حدثني رجل وجد بوصلة حياته ثم فقدها وأنتابه قنوط و حمى شديدة..
حدثتني صديقة يوما ما، عن انهيار نفسي مؤقت نجت منه ..
كان لي جار، لم يٌحدثني بشئ قط، غير التحية فقط، يعود ثملاَ الى شقته  فجرا  و الغناء بأعلى صوته سمته..
حدثني جزائري عن اخيه المكتئب الغائب الحاضر في حياة استنزافية يعيشها رجل كتب على الوالدة لترعاه طيلة حياتها، مثل طفل يتنهد ويبكي بلاسبب، يخشى مغادرة البيت طوال سنوات، طفل مشوه كبر وهو يخاف التلفاز والأقارب ويعتقد بان العالم ملئ بالعقارب.

حدثني باكستاني بانه تجول في الصين بدراجة نارية لأنه لايطيقُ بلاده الا في الحنين اليها وهو يتشوق إلى أهله ، اكد لي بانه كان قويا جدا ومتمردا مغامرا وذلك ما ادى به للتواجد هنا في اوربا .
وما فاجاني به عراقي كان مهندسا والآن لاشئ، بانه يكره نفسه ويتاسف لأنه لم ينتبه الى ضرورة معرفة وممارسة كل انواع الزيف لكسب حصيلة اكبر من المال والعيش قرب حرارة الحظ والبذخ بشكل عام.

حدثتني امراة بانها سعيدة ومطمئنة لأنها ربت وكافحت وهي تشكر الرب ومهما كانت النتائج ..

 جايكوف ايضا، حدثني في قصة قصيرة جدا، عن رجل جمع المليون ثم فرشه على الطاولة امامه واطلق النار على نفسه !

حدثني رجل عراقي بانه ينتظر قوانين التقاعد الجديدة منذ القدم .

.... حدثني احد ما عن موضوع لم افهمه الى هذه اللحظة .

حدثني الشيطان عن تراتيب العهد السعيد باستخدام البنادق .

حدثتني مغربية عن القمل الذي حمله عمها الصياد في قماشة ، مُكَيساً اياه كشاهد على مقتل الأب في جزيرة تنريفا عروس المحيط .

حدثني هذا وحدثني ذاك ولم يسمع اي منهم مارغبت حقا في تلخيصه بما انا مزمع مخلصا للحديث عنه. يبدو بانني ساتذكرهم مرة واضيف الى مجموعتهم متحدثين اخرين، فالحديث لقاء واللقاء نبض العالم ..

حدثني مصري عن تخليه عن وظيفته كشرطي لكي لايضعف..

حدثني اميريكي بانه ضابط بحرية قديم في الفيتنام وبأن الرب رسم له شكل بوصلة الحياة، وقاده ليكون مبشراانجيليا بعد ان تسبب في مقتل محظيته الفييتنامية التي جلبها معه الى ماساتشوستس وماتت هناك فجرا، لأنه أجبرها على السُّكرِ معه حد الموت وهكذا ماتت .

.. حدثني شاعر ومترجم بانه يرغب في زيارتي وقطع مسافات طويلة لكي يفضفض ويرتاح، لأنه وجدني منقذا في ذلك الحين، ولم يتصل ثانية، إتصل بي بعد عقد من السنين وسألني: هل قرأت رسالتي؟!

.. حدثني يماني عن والده الذي قتل في الحرب الثمانية مع ايران، وحمل الحكومة العراقية مسؤولية عدم اعتبار والده شهيدا، وحالة اهله في مدينة القاعدة في اليمن، حالة يرثى لها، وحالته هو مدمنا ، منحرفا والخ .

.. كان ( ويلي ) ذا موهبة عظيمة في مكان عمله منذ يومه الأول لعمله في (الفويست ألبينة) اكبر مصنع للصلب والحديد في اوربا.. وهو بذلك عثر على بوصلة تاريخه الوظيفي الباهر، وتزوج من موظفة تعمل في نقابة العمال، منعته تماما وطيلة كل الأوقات المشتركة لحياتهما معا من رؤية ولده من مغامرة عابرة ، لذا فهو وببرود تام يعيش حياة فقدان البوصلة!

الأنهيار النفسي المؤقت الذي نجت من اغلاله صديقتي تلك كان بسبب اكتشافها المتاخر لكون اوربا مليئة بالأكاذيب وعدم قدرتها على الصمود .هكذا قالت، ثم رحلت الى الهند..

.. يثير رنين الجرس المثبت بشكل مائل اعلى باب شقتي الصغيرة تلك وفي تلك الأيام، إحساس مخيف وبلا سبب واقعي تماما، شعرت دوما بان في صوت تلك الأجراس اعلان لتهديدات تنبعث من اعماق ايام سحيقة وبذلك، خلف ذلك الجرس الرهيب لدي دوما شعورا بان احدهم يترصدني لقتلي وهو يطالب بفتح الباب للفتك بي !

 فتحت الباب، رجل يحمل السلم الصغير، تلوثت بدلة عمله البيضاء، ببقع الأصباغ واقفا امامي في الممر ، ينظر الى باب الشقة المجاورة لشقتي بثبات ولم يعر لي ولامن يرافقه من عمال الشركة اي انتباه . سالتهم :ـ
ـ ولم ايقاضكم الأرعن لي في لحظة كهذه، وانتم تقصدون باب جاري ؟!
ـ  نتاسف حقا، كنا نقصد باب جارك المغني السكير ألمتوفي !
  عدت ذاهلاالى الوراء، وجلست على مقعد قرب الباب وانا اسمع احاديثهم وهم في غمرة عملهم، في إزالة كل شئ يمت بصلة الى ذلك المغني الوحيد الذي ظل غامضا، ولم نره اطلاقا في كل نهاراتنا تلك ولم نتعرف عليه بشكل او بآخر، وما جعلني أعيد بشكل خاطف أحاديث أخرى كثيرة، تجعل الحياة حقلا منتجا للأثارة، تلك الأغنية التي لطالما غناها المغني الراحل والذي يُحَضِّرُ العمال والمرونق شقته لساكن جديد اخر.. تلك كانت اغنية عصية على الفهم وبلغة خاصة خليطة جدا، كنا عند سماعها فجرا ونحن في قلب النوم، نترجى من الرب أن يصمت .. الا أنني الآن، أشتاقُ الى ذلك الصوت الذي رحل.



78
أدب / الفيروس
« في: 18:08 11/04/2020  »


الفيروس

بولص ادم

الأهداء الى كلكامش


أنزلني الجوع من الشجرة
أكلتُ الجذور
تسلقتها خائفاً
سَكَنَتِ الشجرة بعد اهتزاز
لفظ المشنوقُ آخر زبد 
نزلتُها في الكوابيس سعفة سعفة
ألتفُّ حولها كُلَّ القرون
أختبئ في ظلها
أنكمشُ في التقليم
قلّبتُ عاليها سافلها
من أغصانها سَيَّجتُ الجبال
بصمغها ألصقت تواريخي
من جوفها أخرجت الورق و كتبت آدم
جُنت في العاصفة ونفشت خضرتها
زمان ظهور التمر كتبتُ حواء
شَقَّت أرض العراق نافورة أشعار
أخرجنا العود من جذعها
تزاوجت الطيور بأغانينا
من رقم الى رقيم
من شارع الى متحف
عدنا نبحث عنها
بدونها الحطاب عطال
والنجارُ انتحر
تدفأ اللصوص حول مواقدها
أصابتها القذائفُ وحمم الحرب   
رأينا الخفاش عند الحفرة
بين عظام شجرةٍ نُمنا
كتب القرد على الرخام
آخر قبور العالم هُنا
 [/size]
11.04.2020
 

79



الحكومة النمساوية ترفع الحظر المفروض على المتاجر والأسواق والمدارس تدريجيا

 
  بينما تتعامل دول بصرامة شديدة مع الفيروس وأخطاره تكتفي أخرى بإجراءات عادية في الوقت الذي أتمنى النجاح العالمي التام في إيقاف فيروس كورونا والقضاء عليه، والنجاح بتطوير لقاح وعقاقير طبية تُساعد في درء الأصابة وعلاج المرضى.
  كان رد فعل الحكومة النمساوية سريعاً، وسبقت الدول في الأتحاد الأوربي، التي أتخذت خيار العزل التام مستثنى منها القطاع الصحي وأسواق المواد الغذائية. تم عزل مقاطعة تيرول المجاورة لأيطاليا، تم غلق الحدود، وتوقفت حركة الطيران الا بإستثناءات  الضرورة القصوى، رافقها دعم الدولة لكل المتضررين من الحجر، أفرادا و شركات، إستمرت المدفوعات ورواتب العاملين، بغطاء من دفعة أولى، ثمانية وستون مليار يورو، والسقف الأقصى الموضوع، فيما لو أستمر الوضع كما كان قبل أسبوعين، والى مئة مليار، شمل الدعم أيضاً الفنانين والأدباء وكل العاملين في المشاريع الثقافية ممن يعملون بشكل حر مستقل وليس لديهم دخل ثابت ، بخمسة ملايين يورو كدفعة أولى، مع سقف أعلى بحدود ثلاثين  مليون يورو. وقد أسهمت الثقة المتبادلة بين الشعب والحكومة في النمسا واستعداد المواطنين للتضامن في وجه الأزمة، بنصيب كبير في نجاح هذه الأجراءات  وأهمها الألتزام بالتباعد الأجتماعي في هذه الفترة
وهناك تقييم مختلف للإجراءات الاحترازية لدول العالم في مواجهة الفيروس وجدوى هذه الإجراءات، أعتقد، ليس الوقت الأنسب لتقييم أو انتقاد إجراءات كل دولة في العالم على حدة بشأن تعاملها مع الفيروس، لكن المهم الآن يبقى هو تنسيق الجهود بين الدول لمواجهة الفيروس، من المؤكد وهذه حقيقة لم تعُد خافية على الجميع، لو أُخذ كلام الطبيب الصيني على محمل الجد، الذي قيل إنه أول من اكتشف فيروس كورونا قبل وقت من انتشاره بشكل غير قابل للسيطرة، ربما كانت الكارثة أخف.

  أقدم للقراء الكرام، الموقف الحالي في النمسا.

  أكّد رودولف أنشوبر, وزير الصحة النمساوي الاتجاه الإيجابي للنمسا بخصوص احتواء فايرورس كورونا المستجد, بحسب الوكالة النمساوية للأنباء. وقال الوزير أن تضاعف عدد المصابين البارحة بنسبة 2,56% إضافة لزيادة العدد اليومي للمتعافين عن المصابين الجدد يمثل “نجاحاً كبيراً”, فقبل أسابيع قليلة كانت معدلات النمو أكثر من 40%، في حين أنّ متوسط الأيام الأربعة الماضية كان 2,41%.
كما ناشد أنشوبر المواطنين بالاتساق في عطلة عيد الفصح: “علينا الآن أن نواصل الإجراأت حتى لا نعرض هذا التحول الإيجابي للخطر, إن ندائي العاجل هو تجنب احتفالات عيد الفصح والحفاظ على مسافة الأمان, وأن نواصل بحزم الطريق الذي اخترناه”.
وأكد الوزير أنّ التحدي الكبير للنمسا يبدأ في الرابع عشر من أبريل الحالي عندما تبدأ المحال التجارية بالافتتاح تدريجياً.

  سجّلت النمسا انخفاضاً في عدد “المصابين النشطين” بفايروس كورونا المستجد, لليوم السادس على التوالي, وسط قرارات حذرة من الحكومة النمساوية بإعادة افتتاح الفعاليات التجارية تدريجياً ابتداءا  من منتصف الشهر الحالي.
وانخفضت الإصابات النشطة بمقدار 450خلال الـ 24 ساعة الماضية.
ويُقصد بالإصابات النشطة إجمالي عدد الإصابات في البلاد مطروحاً منه عدد الذين تعافوا والذين فارقوا الحياة بسبب الفايروس, أي عدد المصابين الحاليين. وإصيب في النمسا   13005أشخاص بفايروس كورونا المستجد . 0647 تعافوا من الفايروس, 7470 مصاب نشط بالفايروس, و 295 فارقوا الحياة. (بحسب احصائيات وزارة الصحة النمساوية حتى الساعة التاسعة من صباح اليوم الخميس).

  أعلنت الحكومة النمساوية في مؤتمر صحفي لها صباح اليوم الاثنين عن حزمة من التدابير التي من شأنها أن تعيد جزأً من الحياة الطبيعية في البلاد:
تمديد القيود المفروضة على الخروج والحركة حتى نهاية أبريل الحالي.
بدءا من 14 أبريل الحالي سيكون الماسك الزامياً في وسائل النقل العام.
 بدءا من 14أبريل بإمكان المتاجر التي تبيع السلع والحرف اليدوية والتي تقل مساحتها عن 400 متر أن تفتح مجدداً, على أن يتم اتباع تدابير صارمة تشمل الماسكات والأقنعة والمطهرات وعدد محدود من العملاء في المتاجر.
 بدءا من  14أبريل سيكون بامكان متاجر مسلتزمات البناء والحدائق الافتتاح مجدداً.
 بدءا من 1 مايو, سيكون بامكان جميع المتاجر ومحلات تصفيف الشعر الافتتاح مرة أخرى.
تفتح المطاعم والفنادق ومقدمو الخدمات الآخرون في أقرب وقت بدأً من منتصف مايو وبشكل تدريجي, يجب اتخاذ قرار في منتصف أبريل بهذا الخصوص.
اجراء امتحانات الشهادة الثانوية (ماتورا) والتلمذة الصناعية في مواعيدها وفق اجراأت صارمة.
المدارس مستمرة في التعليم عن بُعد حتى منتصف مايو.
لن يتم افتتاح الجامعات لبداية العام الدراسي القادم, وسيتم متابعة الأبحاث والاختبارات رقمياً.
حظر الفعاليات والأنشطة الكبيرة حتى آخر يونيو.
الوزراء المسؤولون عن التعليم والرياضة والثقافة وحرية السفر  سيعلنون عن المزيد من التفاصيل في مؤتمراتهم الصحفية خلال الأيام القليلة المقبلة.


80
 


آراء في سياق تفكير أوروبا الغربية

بولص آدم

الأنسان يحاول التوازن على حبل الأمل، يرغب أن لا يُصاب، ففي كلمة إصابة، تتجلى الهاوية التي يسقط فيها الأنسان في نهر الفيروس سريع الجريان،العالم في غرفة العناية المركزة، والسياسي يريد عمل شئ من جانبه، فلو سَعى بشكل يلمسه الشعب، فلن يُطوى مع صفحة الفيروس الكالحة،أما فشله الآن فهو فشل لنظام سياسي يجب تغييره، يُرتجى حُكم رشيد،النجاحات قليلة والفشل كبير، لكن، لنضع نُصب أعيننا أن النظام السياسي المستقبلي، هو ما يتم الأستثمار فيه تفكيرا وإستشراف مُستقبلي وكل شئ حالياً نسبي فقط.
هل نستطيع التعلم من التاريخ؟   
 أدرك جيداً مقدار اختلاف المؤرخين والمفكرين حول مدى الاستفادة والتعلم من عِبَر وأحداث التاريخ . بالنسبة للفيلسوف الألماني هيغل فان( ما يعلمنا التاريخ هو أن الشعوب والحكومات لم يتعلموا قط من أي شيء من التاريخ ). لكنني أعتقد أن الذي يريد أن يتنبأ بما سيأتي به المستقبل عليه أن يستشير الماضي، أي يتعلم من التاريخ . إنطلاقة الأتحاد الأوربي مثلا، هل كانت لتصبح حقيقة لولا تفكيك حلقات التاريخ والخروج بدرس الأتحاد الخارج من رحم السوق الأوربية المشتركة؟ انظر أفكار هيلموت كول، لتدرك مباشرة بأن عجلة التاريخ ينبغي مراقبتها بشكل حثيث، إن في الماضي أو حاليا ونحن في محنة تهدد الوجود البشري وتطرح له نقاط ضعفه جملة وتفصيلا.. لا شك في أن الشعوب والمجتمعات تختلف في مقدار تعلمها من التاريخ . أوروبا تعلمت بجد وموضوعية من كوارث صراعاتها في حربين مدمرتين فأقامت اتحادها الذي نراه أمامنا هذا الأتحاد، هو إتحاد غربي نتج عن تفكير غربي أوربي حول نفسه وكان أفضل أختيار مطروح أمامه لتجنب الصراعات الدامية أولا، ومن ثم مبدأ الأعتماد على النظام الذاتي الخاص ووفق مقومات تكامل متوفرة واقعيا وليس أحاجي وأوهام، حسناً، أمام التهديد المرضي الحالي، كيف يفكر الغرب ؟ يُجمع أغلب الباحثين والمختصين في الغرب على عدم التباطؤ في تكييف وتشكيل كل البنى من جديد، وذلك لايعني مساعدة الفيروس بهدم كل شئ، طبعا، بل يجب إتخاذ مبدأ، شَكّل عالمك قبل أن يُشكل لك الآخرون ويصمموا لك موديلا سياسيا واقتصادياً عليك أن تكون تابعا فيه. 
 أي أن عقلانيي الغرب يتجهون بقوة للأخذ بزمام المبادرة، ولذلك يتم الأهتمام بجدية كبيرة بالأبحاث المستقبلية و خطوات هيكلة في كل جوانب الحياة، هناك عدة سيناريوهات، وفي كل منها توجد فرص عمل متعددة.   
  يجب عدم إستبعاد تأثير السباق الصيني الغربي في الأستحواذ، ف(ووهان) تدفع بمواطنيها الى المصانع بقوة مرة أخرى، لانستبعد شراسة رأسمالية أشد في عالمنا، فلغة المال ترتبط بسياسات تنافسية تغلب فيه خطط قطع الطريق أمام المنافس بأي وسيلة ممكنة وإن كانت في الظاهر تعتمد على قوانين وأنظمة هي ما يظهر فقط من جبل الجليد فقط ، فهل هناك فرصة لسيناريو العودة إلى رشدنا وندرك أن التغير المناخي وانهيار البنية التحتية والانعكاس الديموغرافي والأوبئة، أخطار تهدد حضارتنا الإنسانية ما لم نتخذ إجراءات حيال ذلك؟ 
وجهات نظر غربية: 
يعتقد الباحث ماتياس هوركس،أن الوباء حدث يغير العالم ولن نعود إلى الوضع الطبيعي القديم. وصرح لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) أن "هذا يفتح نافذة كبيرة لعلماء المستقبل". يتم حاليًا قبول الاعتبارات بشكل جيد في الشبكات الاجتماعية ، ولكن هناك أيضًا صدى مشترك حول القيمة الإعلامية. بالنسبة للبعض هي أفكار مثيرة ، والبعض الآخر يشير إلى عامل عدم اليقين من التوقعات. أما عن التغييرات السلوكية، يفترض عالم النفس الاجتماعي في جامعة ماربورغ، أولريش فاجنر، أننا سنحافظ على الأرجح على تغييرات سلوكية لبعض الوقت، وعلى سبيل المثال، نغير تحياتنا. يقول الأستاذ: لا أحد يعرف كم سيستمر ذلك. ويشير إلى أنه حتى الآن لم تكن هناك سوى اعتبارات أولية حول هذا الموضوع. "سواء كانت هناك تغييرات أساسية في السلوك، مثل زيادة استخدام المكاتب المنزلية، أو التباطؤ أو التأمل المتزايد بدلاً من التقدم المتسارع المستمر، سيعتمد بشكل كبير على كيفية وعما إذا قمنا بتغيير استهلاكنا وتوقعاتنا الاستهلاكية أم لا، وما إذا كان الاقتصاد يتغير من الأزمة ". وفقًا للباحث، هاري جاتيرر، يمكن تصور عدة سيناريوهات، الرؤية المتشائمة: بعد أزمة كورونا، نجد أنفسنا في "عزلة تامة" ، يصبح الناس متشككين، ويثقون بالآخرين أقل، وتعزل الدول والمجتمعات نفسها. 
التعلم من الأزمة.الافتراض الأكثر إيجابية: يخرج العالم أقوى من الأزمة. ينجح الناس في التكيف مع الأشياء الجديدة، حتى يتكيفوا ويتعلموا التعامل بشكل أفضل مع التغييرات وأن يكونوا أكثر حذراً مع بعضهم البعض. يشرح الباحث عن الاتجاه أنه خلال فترة عزلة كورونا، يجب على الناس التفكير في أنفسهم. هذا يمكن أن يعطيهم تأثير التعلم. "هذا يعني أننا نعيد تنظيم ما هو مهم وغير مهم بالكامل. نحن نتفهم أن العلاقات الاجتماعية والعلاقات مع الآخرين هي التي تجعل مجتمعنا كما هو". وأي سيناريو يصبح حقيقة؟ يشرح جاتيرر "في الأساس، نفترض اليوم أن التكيف سيكون ناجحًا، ولكن ليس بدون قيود". وفقا له ، يمكن أن يكون هناك شيء مثل تعطل النظام في بعض مجالات الاقتصاد. يمكن لقطاعات من المجتمع أن تنسحب أيضًا "لتفادي المخاطر العالمية تدريجيًا"، مما قد يؤدي إلى القومية على سبيل المثال. ولكن كان من الواضح أيضًا أنه يمكن للجميع المساهمة في التغلب على الأزمة ، باستخدام فرص التعلم الخاصة بهم. ماهو وضع السلطة حول العالم عند النظر في مرايا السلطة؟ ماذا تعني السلطة؟ ما هي الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المواطنون ؟ ولماذا يجب أن تكون هناك حكومات على الإطلاق؟ تتعامل الفلسفة السياسية من جهة مع الأسئلة المتعلقة بالنظام الاجتماعي ومن ناحية أخرى بالتحديات الاجتماعية والسياسية الملموسة في الوقت الحاضر. منذ أن بدأ البشر في فهم نظام المجتمع باعتباره شيئًا يمكن تغييره من خلال أفعالهم ، عرضت الفلسفة السياسية مناقشة منهجية لهذه الأسئلة. وبعبارة أخرى: "إن الفلسفة السياسية هي انعكاس فلسفي لظروف السياسة. يمكن أن يكون هذا الانعكاس أكثر تحليلاً نحو هيكل العمل السياسي (على سبيل المثال ، متى يكون العمل سياسيًا؟ ما هي الدولة؟) أو معنى المصطلحات السياسية (على سبيل المثال: ماذا تعني السلطة؟)أو، في النية المعيارية، مبرر النظام السياسي أو قواعد معينة للتعايش الاجتماعي (على سبيل المثال: وفقًا لأي مبادئ يجب تنظيم المجتمع؟ ما هي الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المواطنون ؟ لماذا يجب أن تكون هناك حكومة على الإطلاق؟). بالعودة إلى "تا بوليتيكا"، وهي مرادفة لكلمة "الشؤون المدنية" وبالتالي كل ما يشير إلى المدينة والمجتمع. تاريخيا، يمكن إثبات أن الناس كانوا بالفعل في الألفية الثالثة قبل الميلاد. قد أعطوا الأهمية اللآزمة في التعامل مع تشكيل المجتمع. على سبيل المثال، تعبر النصوص القانونية السومرية عن نية "حرمان الأقوياء من امتيازاتهم ، ومحاربة الكراهية والعنف واستعادة العدالة" 
من يجب أن يحكم؟ 
الموضوع القديم في الفلسفة السياسية هو الحكم. من يجب أن يحكم ؟ 
 بالطبع، الشخص الذي يعرف أفضل طريقة لحكم بلد ما. بالنسبة لأرسطو، الغرض من الدولة هو تمكين حياة جيدة لأنه ، وفقًا لأرسطو، يمكنك العيش بشكل جيد في حالة واحدة فقط. يميز بين الأشكال الجيدة والمتدهورة للحكومة، حيث تكون أشكال الحكم الجيدة مفيدة لجميع المواطنين، في حين أن الأشكال السيئة للحكومة مفيدة فقط لبعض المواطنين. بما أن الحكام الوحيدين يمكن أن يكونوا متقلبين ولا يمكن التنبؤ بهم، يرى أرسطو ميزة في قاعدة الكثيرين(ديمقراطية)، لأن هذه القاعدة أقل تعسفية وأكثر عدالة (حتى إذا كان الأفراد المعنيون لديهم خبرة وخبرة في الحكم أقل من الحاكم الوحيد). في القرن السابع عشر ، ظهرت فكرة المساواة بين الناس أكثر فأكثر. هذه الفكرة ، بدورها ، تثير التساؤل حول كيف يمكن تبرير حكم شخص ما على شخص آخر عندما يكون كلاهما متماثلين من حيث المبدأ. وبهذا المعنى ، يجادل موقف ما يسمى بالفوضوية السياسية، بأن جميع القواعد تفترض العبودية مسبقًا وبالتالي كل القواعد غير مبررة. بالإضافة إلى مسألة من يجب أن يحكم ، هناك الآن أيضًا مسألة ما إذا كان ينبغي لأي شخص أن يحكم على الإطلاق. بالنظر إلى تنوع أشكال الحكم في الوقت الحاضر ، وعلى وجه الخصوص ، القوة العالمية الصاعدة للصين (التي ، كما هو معروف جيدًا ، ليست ديمقراطية) ، فإن موضوع الحكم لا يزال موضوعيًا ويناقش كثيرًا اليوم. 
لقد عززت الأزمات الوجودية مثل الوباء الحالي القوميين الذين يعانون من كراهية الأجانب والمتطرفين اليمينيين عدة مرات في التاريخ. كان هذا هو الحال بالفعل في وقت الإصابة بالأنفلونزا الإسبانية ، التي تكلف ، وفقًا للتقديرات ، ما بين 40-50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم قبل مائة عام . كانت الوفيات مرتفعة أيضًا بعد الحرب العالمية الأولى لأن جزءًا كبيرًا من السكان كانوا يتضورون جوعًا منذ "شتاء اللفت" وضعفوا وفقًا لذلك. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد حتى الآن مضادات حيوية ضد الالتهابات البكتيرية الثانوية مثل المكورات الرئوية. ربما تم نسيان الإنفلونزا الإسبانية فقط لأن الحرب العالمية أودت بالفعل بحياة الكثير من الناس ومن عام 1918 تبعتها أوقات أكثر صعوبة. تعافى الاقتصاد العالمي بشكل سريع نسبيًا من الوباء لأن القضاء على أضرار الحرب والابتكارات التقنية مثل إنتاج خط التجميع وبداية المحركات الجماعية أدت إلى النمو. 
 
إلى أين يقود فيروس كورونا العالم المعولم؟ هل ستكون نهاية التكامل الاقتصادي العالمي وحركة الناس حلاً؟
برأي غابرييل شتارك:ـ
  العالم يفرمل بقوة. مسافة الكبح طويلة، لكن الإبرة على عداد السرعة تقترب من الصفر. التنقل والحياة الاجتماعية والاقتصاد، كل هذا يقع ضحية لمكافحة فيروس كورونا.
هل انتهى العالم المعولم؟ 
قال المستشار النمساوي سيباستيان كورز في بداية الأسبوع: "سيبدو العالم مختلفًا بعد ذلك ، وسوف يتم التشكيك في العولمة في العديد من المجالات". رأى غابرييل فيلبرماير، رئيس معهد الاقتصاد العالمي (ا ف ي)، والذي كتب في صحيفة "التايمز" البريطانية( حتى أن رنين الموت يرن على العولمة)! المؤرخ والاقتصادي أندرياس أيكزنبرغر يقول: "نحن نتحرك منذ ٣٠عامًا، مروراً ب 11 سبتمبر، الأزمة المالية،أزمة اللاجئين". حتى الآن، عاد النظام دائمًا إلى التوازن، لكنه أصبح غير مستقر بشكل متزايد. بالنسبة إلى  أيكزنبرغر، يُظهر الواقع السياسي هذا تيارين: من جهة الشعبويين ، من ناحية أخرى ، حركة المستقبل. يعتمد الأول على العزلة ، والآخر على زيادة التعاون. يشير المؤرخ الاقتصادي إلى الحرب العالمية الثانية: "في فترة ما بين الحربين ، تفاعلنا بعزلة ونعرف كيف انتهت." فبعد الحرب العالمية الأولى ووضع خرائط قوى وأقتصاديات مختلفة، تبلور جهد كل أمة على حدة لترميم وتضميد جراح السياسة والمجتمع والأقتصاد وأتجهت للأهتمام نفسها بنفسها وبدأ تنافس شديد في تطوير القدرات العسكرية، وراقبت الأمم أمما أخرى من خلال حرب إستخباراتية باردة، وظهر طموح الضربة الأستبقاية، وما مفاجئة غزو هتلر لبولندا سوى مؤشر مأساوي لحرب طاحنة أخرى تولدت من رحم العزلة بين الحربين، مع الأخذ بنظر الأعتبار، عامل خروج ألمانيا من الحرب الأولى بالعار والدمار، بالعقوبات والخسائر الجسيمة وتلك كانت واحدة من الدوافع لما تعاقب وأنتهى الى خسائر بشرية واقتصادية هائلة.. 
والآن ؟ 
  ما يحدث بعد الأزمة يعتمد على القرارات التي يتم اتخاذها الآن. سواء كانت سياسية أو شخصية على سبيل المثال ، سواء كنت تطلب عبر الإنترنت من تجار التجزئة المحليين الآن. "وربما يكون من الأفضل التعاون مع الموارد النادرة بدلاً من إغلاق جميع الحدود" ، يشير أيكزنبرغر الى أن، لا أحد يستطيع أن يقول حتى الآن أي المسارات تؤدي في النهاية إلى الهاوية، والتي ستؤدي إلى المستقبل الذهبي. على الرغم من الانكماش الاقتصادي الوشيك أيضًا في الولايات المتحدة، إلا أنه من الواضح تمامًا ما إذا كانت سياسة العزلة التي يتبعها دونالد ترامب ستخضع بالفعل للانتخابات الرئاسية في نوفمبر.  في بعض مفترق الطريق، يرى  أيكزنبرغر، مع ذلك، الأسهم الاتجاهية من تجارب القرون الماضية المحددة بالفعل. في رأيه، سيكون من الخطأ "الاستمرار في التشويش كما كان من قبل"، خاصة في أوروبا. 
إنه لا يرى بالضرورة انحطاط العالم القديم، ولكن لا يوجد شيء نتحدث عنه. إذا لم تتغير أوروبا بشكل جذري الآن، في اتجاه التعاون مع بعضها البعض وفي العالم، فمن المؤكد أنها ستنحدر على المدى الطويل. حان الوقت للتفكير في استخلاص النتائج. وفقا للاقتصادي، هناك حاجة إلى اتخاذ القرارات. "إذا لم نصمم ، فسوف يتم تشكيلنا". ولا يزال التعاون العالمي مهمًا، ولكن يجب على أوروبا أيضًا أن تتعلم من التطورات السلبية في العولمة  مثل ما يعنيه أن تعتمد بشدة على القطاع المالي أو أن يتم نقل الإنتاج إلى آسيا. بالنسبة للمجالات الاستراتيجية مثل الأجهزة الطبية أو الرعاية الأساسية، يجب تعزيز السلاسل الإقليمية. يجب أن تظل أوروبا قادرة على العمل كمنطقة اقتصادية مستدامة قائمة على المعرفة، أو يجب أن تصبح في النهاية كذلك. "يعتمد نظامنا على حقيقة أنه يمكننا التواصل مع أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة. القليل منه ينتج هنا ". 
يحذر أيكزنبرغر من العودة إلى الوضع الاقتصادي بمجرد انتهاء الأزمة. "نحن بحاجة إلى قرارات شجاعة.  ”لا ينبغي تحديد الازدهار على المحفظة فقط. يجب أيضًا تضمين الحياة الطيبة، أي التماسك الاجتماعي والبيئة واللياقة المستقبلية للمجتمع. لذلك سيكون من الأهمية بمكان حيث تذهب مساعدة الدولة إلى المليارات. التضامن هو الأولوية القصوى ليس فقط للطب ولكن أيضًا للإدارة المالية للأزمة: "إذا كان الاقتصاد يريد البقاء على قيد الحياة لفيروس الهالة بشكل جيد ، فيجب الحفاظ على القوة الشرائية الجماعية".  بالمناسبة، يرى المؤرخ الاقتصادي أنه من غير المناسب وصف أزمة كورونا بأنها فرصة. فعلوا ذلك في عام 2008، ولكن بعد ذلك أضاعوا الفرصة. ويتذكر "بدلاً من ذلك، تحولت الأزمة المالية الذاتية إلى أزمة ديون سيادية". 
 وأخيرا لايصح الا الصحيح.. الرأي رأي جاك أتالي:ـ
 المطلوب هنا، نظام عالمي جديد، يقاد قيادة إنسانية، لاقيادة بيروقراطية.. ويحكم أرباب العقول والقلوب، لارجال المصارف والمال.
   
 

81

العالم بعد كورونا و رأي ماتياس هوركس


الباحث المستقبلي الألماني ماتياس هوركس، ولد في دوسيلدورف عام 1955 ودرس علم الأجتماع  في جامعة غوتة / فرانكفورت، في الثمانينيات بدأ العمل في الصحافة وتحول الى كاتب ومحرر معتمد قبل أن يتحول الى مدير تحرير لعدد من كبريات الصحف والمجلات الى جانب تأليفه عددا من الكتب، يعيش حاليا في فيينا ويرأس معهدا مختصا بالدراسات المستقبلية بفرعيه الألماني والنمساوي، ويطيب لي ترجمة مقاله الأخير وتقديمه للقراء الكرام ،ما يدور الآن في حوارات الناس هو أنهم بعد أخذ نفس عميق خال من الفيروس وزوال الأزمة، سيفكروا عميقا في التضحيات، ويبحثوا عن جواب على سؤال الأسئلة في أيامنا هذه، لماذا حصل هذا؟ النقاشات في الغرب واوربا خاصة، تريد تقييم العولمة واهمية الأتحاد الأوربي، والرأسمالية، فكل ذلك بالأضافة الى الثقافات هي على المحك، يأتي كساد أقتصادي، ونظام تصرف جديد بالطاقة والمدخرات ستتقلص، إن لم تكن قد تهاوت وغير ذلك، فماالعمل؟ نحيي اصوات تنادي بوقف هيمنة التكتلات الكبرى وهيمنة الأمبراطورية في إمبرياليات مقنعة دمرت العالم وجعلته عرضة لكوارث شتى .. وإذا كان جاك أتالي قد تنبأ بأختفاء الدور الأمريكي الأمبراطوري كأقصى حد بعد خمسة عشر عاماً فان كورونا سيقلص تلك المدة كثيرا، ودولة منشأ الفيروس ستتحول الى أمبراطورية مهيمنة وتلك مفارقة تاريخية لقدرتها على تلبية حاجات الأسواق بأسعار و كلف أقل وقابليتها على طرح المنتوج الرديف، لاحظ ماتقوم به الآن من التوجه السريع لانتاج الكمامات وكل المستلزمات الطبية اللآزمة وها هي الآن تدخل مرحلة تصدير ضخمة.. إنها مجرد رؤى يجب علينا التأمل فيها ، فما يهمنا هو معرفة مصير أجيال منها أبناؤنا والأجيال القادمة، لذلك، يطيب لي تقديم رؤية جديدة في مقال قصير كتبه الباحث المستقبلي ماتياس هوركس:

العالم بعد كورونا

ماتياس هوركس
ترجمة: بولص آدم

في الوقت الحالي، غالبًا ما أُسأل، متى "سينتهي" كورونا ويعود كل شيء إلى طبيعته؟ . جوابي: أبداً. هناك لحظات تاريخية عندما يغير المستقبل الاتجاه. نسميها التشعبات. أو أزمات عميقة. هذه الأوقات، هي الآن.

العالم كما نعلم، أنه يذوب. ولكن وراءه يأتي عالم جديد، يمكننا أن نتخيل تشكيله على الأقل. لهذا أود أن أقدم لكم تمرينًا كان لدينا من خلاله تجارب جيدة في عمليات الرؤية في الشركات. نسميها RE Gnose. على عكس PRO Gnose ، فإننا لا نتطلع إلى المستقبل باستخدام هذه التقنية. ولكن من المستقبل إلى اليوم. تبدو مجنونة؟ لنجربها:

إعادة معرفية لمستقبل قريب : عالمنا في خريف 2020
دعنا نتخيل موقفًا في الخريف، دعنا نقول في سبتمبر 2020
 نحن نجلس في مقهى شارع في مدينة كبيرة. إنه يوم دافئ والناس يتحركون في الشارع مرة أخرى. هل يتحركون بشكل مختلف؟ هل كل شيء كما كان من قبل؟ هل النبيذ، الكوكتيل، طعم القهوة كالمعتاد؟ مثل قبل كورونا؟ أو أفضل؟ .. إذا نظرنا إلى الوراء، ما الذي سنفاجأ به؟
سوف نفاجأ بأن التضحيات الاجتماعية التي كان علينا تقديمها نادرا ما تؤدي إلى العزلة. على العكس. بعد صدمة، صدمة أولية ، شعر الكثير منهم بالارتياح لأن العديد من السباقات والمحادثات والاتصالات على القنوات المتعددة توقفت فجأة. لا يعني التنازل بالضرورة الخسارة، بل يمكنه أيضًا فتح إمكانيات جديدة. وقد اختبر البعض ذلك بالفعل، على سبيل المثال محاولة الصيام الفاصل عن المعتاد والذين استمتعوا فجأة بالطعام خارج المسكن مرة أخرى. ومن المفارقات ، أن المسافة المادية التي أجبرها الفيروس أدت الى خلق تقارب جديد. لقد التقينا بأشخاص لم نكن لنلتقي بهم أبدًا. اتصلنا بالأصدقاء القدامى في كثير من الأحيان، وتعزيز العلاقات التي أصبحت فضفاضة وفضفاضة. اقتربت العائلات والجيران والأصدقاء من بعض كثير من الأحيان وأحيانًا حلوا النزاعات الخفية.
زادت المجاملة الاجتماعية التي افتقدناها بشكل متزايد في السابق.
الآن في خريف 2020، هناك مزاج مختلف تمامًا في ألعاب كرة القدم عن الربيع عندما كان هناك الكثير من الغضب الجماعي نتيجة للوباء ، نتساءل لماذا هذا؟
سنكون مندهشين من مدى سرعة ثبوت التقنيات الثقافية الرقمية فجأة في الممارسة العملية. لقد كان عقد المؤتمرات عن بعد ومؤتمرات الفيديو، التي قاومها معظم الزملاء دائمًا (كانت الطائرة التجارية أفضل)، عملية ومنتجة للغاية. تعلم المعلمون الكثير عن تدريس الإنترنت. أصبحت وزارة الداخلية مسألة مهمة بالطبع بالنسبة للكثيرين، بما في ذلك الارتجال وتلاعب الوقت الذي يتماشى معها.
في الوقت نفسه، شهدت التقنيات الثقافية التي عفا عليها الزمن على ما يبدو نهضة. فجأة لم تحصل على جهاز الرد الآلي فقط عندما اتصلت، بل حصلت على أشخاص حقيقيين. أنتج الفيروس ثقافة جديدة للمكالمات الهاتفية الطويلة ثانية. فجأة أخذت "الرسائل" نفسها معنىً جديدًا. لقد تواصلت حقًا مرة أخرى. لم يعد يُسمح لأحد بالتلويح بعد الآن. لم يعد أحد يحتجز. وقد خلق هذا ثقافة جديدة لإمكانية الوصول. الالتزام.
الأشخاص الذين لم يستريحوا أبدًا بسبب الوتيرة المحمومة، بما في ذلك الشباب، ذهبوا فجأة للمشي لمسافات طويلة (وهي كلمة كانت في السابق كلمة أجنبية). أصبحت قراءة الكتب فجأة عبادة.
يظهر الواقع فجأة محرجا. القمامة التافهة بأكملها، القمامة الروحية اللانهائية التي تدفقت عبر جميع القنوات. لا ، لم تختفِ تمامًا. لكنها كانت تفقد قيمتها بسرعة.
يمكن لأي شخص أن يتذكر نزاع الصواب السياسي؟ العدد غير المحدود من الحروب الثقافية ... ما هو كل هذا؟
تعمل الأزمات في المقام الأول عن طريق حل الظواهر القديمة، مما يجعلها غير ضرورية ...
كانت السخرية، هذه الطريقة العرضية لإبعاد العالم عن طريق تخفيض قيمة العملة، وفيرة فجأة.
كانت المبالغة في الخوف من الهستيريا في وسائل الإعلام محدودة بعد تفشي المرض لأول مرة.
بالإضافة إلى ذلك ، وصلت سلسلة الفيضانات اللامحدودة من سلسلة الجرائم القاسية إلى نقطة التحول.
سوف نفاجأ بأن الأدوية التي زادت من معدل البقاء على قيد الحياة تم العثور عليها في الصيف. أدى هذا إلى خفض معدل الوفيات وأصبح كورونا فيروسًا علينا التعامل معه، مثل الإنفلونزا والعديد من الأمراض الأخرى، ساعد التقدم الطبي. لكننا تعلمنا أيضًا أن العامل الحاسم لم يكن التكنولوجيا، بل التغيير في السلوك الاجتماعي. كان العامل الحاسم هو أن الناس يمكن أن يظلوا متضامنين وبنائين بالرغم من القيود الجذرية. لقد ساعد الذكاء البشري الاجتماعي. كان للذكاء الاصطناعي الذي يُتَباهى به كثيرًا، والذي يُعرف أنه قادر على حل كل شيء، تأثير محدود على كورونا فقط .



82
القراء الأعزاء
الرابط الى الموضوع الأصلي على موقع جاك أتالي، يمكن القراءة بالفرنسي أو الأنكليزي:
http://www.attali.com/en/society/what-will-covid-19-give-birth-to/
ولمن يرغب بالتعليق مباشرة على جاك أتالي، في تويتر:
Jacques Attali
@jattali

الترجمة العربية عن:وكالة الصحافة المستقلة
المصدر: chakchouka-times
............................................
 نشر جاك أتالي، المنظر الفرنسي، والمستشار السابق للرئيس الفرنسي الرّاحل فرانسوا ميتران، مقالا في مدونته الشهيرة حول تداعيات فيروس كورونا المستجدّ، تنبّأ فيه بحدوث تغييرات عميقة سيشهدها العالم بأسره، تغييرات ستطالُ بنى العولمة التقليدية وتعيدُ تشكيل ثوابت المجتمعات الاستهلاكية الكبرى. وفي هذا المقال الذي عنونهُ بـ”ما الذي سيولدُ منه؟”، تحدّث عالم الاجتماع الفرنسي عن ولادة “سلطة شرعيّة جديدة” غير مؤسسة على الإيمان أو القوة أو العقل، وإنّما على “التعاطف” في وقت الأزمة.
 وفيما يلي ترجمة كاملة لنصّ المقال:

ما الذي سيولدُ منه؟

اليوم، ليس ثمّة ما هو أكثرُ استعجالاً من السيطرة على أمواج التسونامي الصحيّة والاقتصادية التي تضربُ العالم. ولكن لا شيء يضمنُ نجاحنا في ذلك. وفي صورة فشلنا في السيطرة عليها، فسنواجهُ، حينئذٍ، سنوات قادمة مظلمة للغاية. بالمقابل، وقوعُ الكارثة يظلُّ غير مؤكد، ولكي نتمكنّ من الحيلولة دون وقوعها، علينا أن ننظرَ بعيدًا، أمامنا وخلفنا، لكي نفهم ما يحدثُ في العالم بالضبط.
فعلى مدى الألف سنة الماضية، أدّى كل وباء كبير إلى تغييرات جوهريّة داخل أنظمة الأمم السياسيّة، وداخل الثقافات التي تبنى عليها تلك الأنظمة. ولو اعتمدنا الطاعونُ الكبير الذي عرفته أوروبا في القرن الرابع عشر وأودى بثلث سكانها، كمثال على ذلك، فسيكونُ بوسعنا القول، دون أن نسقط في فخّ تجاوز ما في التاريخ من تعقيد، إنّهُ ساهم في قيام القارة القديمة بمراجعة جذريّة لمكانة رجال الدين السياسية، ومن ثمّة أدّى إلى نشوء أجهزة الشرطة، باعتبارها الشكل الوحيد الفعّال لحماية أرواح النّاس. وهو ما أدّى إلى ولادة الدولة الحديثة، ومعها روح البحث العلمي، كنتائج مباشرة، أو كموجات صادمة، لتلك المأساة الصحيّة الكبرى. وهذه الولادةُ تعيدنا في الواقع إلى المصدر نفسه: مراجعة سلطة الكنيسة الدينية والسياسية، بعد ثبوت عجزها عن إنقاذ أرواح الناس أو حتّى إعطائها معنى للموت. ومن ثمّة حلّ الشرطيّ مكان الكاهن.
والأمرُ نفسهُ حصل مع نهاية القرن الثامن عشر، إذ حلّ الطبيبُ محلّ الشرطيّ، لأنّهُ عدّ أفضل وسيلة لمواجهة الموت.
وهكذا انتقلنا، خلال بضعة قرونٍ، من سلطة قائمة على الإيمان، إلى سلطةٍ قائمة على احترام القوّة، قبل أن نصل إلى سلطة أكثر فاعليّة، تقومُ على احترام القانون.
وإن نحنُ اعتمدنا على أمثلة أخرى، سنرى أنّ كلّما ضربت جائحة قارّة ما، إلا وقامت باثبات زيف المنظومات القائمة على المعتقدات والسيطرة، لفشلها في الحيلولة دون موت أعداد لا تحصى من البشر، ومن ثمّة ينتقم الناجون من أسيادهم، متسبّبين في اختلال علاقتهم مع السلطة.
واليوم أيضًا، إن ثبت عجز السلطات القائمة في الغرب عن التحكم في المأساة التي أطلت برأسها، فإنّ كلّ منظومات الحكم، ومعها كلّ أسس السلطة الأيديولوجية ستكون موضع مراجعة جذرية، ومن ثمّة سيقعُ استبدالها، ما أن تنتهي الفترة الحرجة، بنماذج جديدة قائمة على نوع آخر من السلط، وقائمة على الثقة في نوع آخر من المنظومات القيميّة.
وبعبارة أخرى، يمكن لنظام الحكم القائم على حماية الحقوق الفردية أن ينهار، جارّا معهُ، آليّتيه الرئيسيتين التي يرتكزُ عليهما، أي آليتي السوق والديمقراطية، وكلاهما اعتمد لإدارة عمليّة تشارك الموارد النادرة، في إطار من احترام لحقوق الأفراد.
فإذا سقطت أنظمة الحكم الغربية، لن نرى أنظمة رقابية استبداديّة تعتمدُ كليا على تقنيات الذكاء الاصطناعي تحلّ محلّها فحسب، بل سنشهد بروز أنظمة تقومُ بتوزيع الموارد على نحوٍ استبداديّ (وهذا ما عايناهُ في عدد من البقاع، وهي بقاع لم تكن مهيّئة لبروز أنظمة كتلك، بل ولا أحد كان يعتقدُ أن تظهر فيها، على غرار مانهاتن، حيثُ منع الناسُ مؤخرا من اقتناء أكثر من عبوتي أرز).
ولحسن حظنا، ثمّة درس نتعلّمه من هذه الأزمات وهو أنّ رغبة الناس في الحياة تظلّ هي الأقوى دومًا، وأنّهم في النهاية يتجاوزون كلّ ما يعترضهم في طريقهم لكي ينعموا بلحظاتهم النادرة فوق الأرض.
وبعد فترة من المراجعات العميقة لمفهوم السلطة، تسبقها مرحلة من الانحدار السلطوي، سعيا إلى المحافظة على تماسك سلاسل الحكم القائمة، والتنفيس الجبان، سنشهدُ ولادة سلطة جديدة، حالما تنزاحُ الجائحة، سلطة لن تقوم على الإيمان أو القوة أو العقل (ولا على المال أيضًا، باعتباره تجسيدًا نهائيا لسلطة العقل)، بل ستنتمي السلطة السياسية إلى أولئك الذين أظهروا تعاطفهم مع الآخرين، و ستؤول الهيمنة إلى القطاعات الاقتصادية التي أظهرت تعاطفها مع الناس، كقطاعات الصحة، والمشافي، والتغذية والتعليم والبيئة، وهي قطاعات تعتمدُ، بالطبع، على كبرى شبكات إنتاج وتوزيع الطاقة والمعلومات، اللازمة في كلّ الأحوال.
سنتوقفُ كذلك عن شراء السلع غير الضرورية، بشكلٍ محموم، ونعودُ إلى أساسيات حياتنا، أي الاستفادة من مرورنا على هذا الكوكب إلى أقصى حدّ، كوكبٌ سنكونُ قد تعلّمنا أن ندرك كم هو نادرٌ وثمين. وحينئذٍ، سيتمثّل دورنا في جعل هذا الانتقال سلسًا قدر الإمكان، بدلاً من تحويل كوكبنا إلى حقل من الخرائب.
والحقّ أننا كلّما أسرعنا في تنفيذ هذه الاستراتيجية، كلما ابتعدنا عن هذه الجائحة، وما سيتبعها من أزمات اقتصادية رهيبة.
 

83
فن أن تكون دائماً على صواب أو الجدل المُرائي

بولص آدم

نأخذ المعنى البسيط المُختصر، فالجدل لغة: مقابلة الحجة بالحجة.الجدال نوعان،جدال ممدوح:الجدال لتثبيت الحق ودحض الشبهات، والنوع الثاني، هو الجدال المذموم وينقسم الى أقسام كثيرة، وقراءتنا هي في الجدل المُرائي، كتاب الفيلسوف أرثر شوبنهاور( فن أن تكون دائما على صواب أو الجدل المُرائي ).
يستوجب الجدال دوماً وجود طرفين على الأقل، وأقرب وصف لهذا المصطلح الفرعي ( الجدل المُرائي) تحت المصطلح الرئيسي ( الجدل ) وجدته في قول الجرجاني، لورود كلمة مراء، قال الجرجاني: (الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها)، راجع ( التعريفات ).
 طرأت على مصطلح الجدل، تحولات، أشبه بالتحولات التي طرأت على كلمة الفلسفة ذاتها، والجدل صنو للفلسفة في تاريخها.
مُصادفة وواقعة التعرف على الكتاب:
 قبل عقد ونيف، وأثناء دراسة مصطلح (الجدل) على يد الفيلسوف النمساوي فلوريان أوهل، المتقاعد حاليا من وظيفته كبروفيسور في الجامعة، والذي كان ولمدة عقد ونيف أيضا، رئيساً للرابطة الفلسفية النمساوية في فيينا، في تلك الأيام.. تَسللت الرطوبة وبدأت تنهش صفحات كتب ومطبوعات قديمة والبعض منها مخطوط والآخر يعود الى عهد الطباعة الأول، أي عمرها قرون. فتم ترجينا كطلبة وأساتذة ومتطوعين، لمساعدة الأختصاصيين في معالجة وإيقاف ذلك الضرر وإنقاذ كنوز المؤلفات القديمة المصفوفة على الرفوف في الطابق الثاني تحت الأرض، حيث الخزانة التي تحوي كتباً تعاني من نويقطات وبقع العفن الصغيرة وهي أي الكتب الثمينة تعاني من مرض فعلينا معالجتها بالفراشي والسوائل الخاصة.. أُتيح لنا ونحن نقلب كل موروق بعناية فائقة، أن نطلع على نوادر مخفية.. ولأنها مدونة بخط ألماني ولاتيني عفى الدهر عليه، فقد وجدت شخصياً صعوبة في قراءة وفهم أغلب ذلك، وهنا طلبنا من الفيلسوف أوهل ، أن ينورنا، فذكر بأن الفقرات المعنية هي في الجدل المُرائي في ذلك الزمان! وضم بناء على ذلك كتاب الفيلسوف أرثر شوبنهاور( فن أن تكون دائما على صواب، أو الجدل المُرائي) كواحد من مصادر عديدة تخوض في كُليات الجدل، وهي موضوعة فلسفية تجريدية بداهة. 
 توطئة:
من حسن حظ الفيلسوف أرثر شوبنهاور، أن كتابه هذا، طُبعت مخطوطته بعد وفاته والكتاب عمره قرنين من الزمان، لكان هذا الكتاب الذي يقدم لأسلوبية الجدل الذي يتميز بالتحايل ومن ثم يشخص الحيل مدعومة بأمثلة ، ضمن لائحة حيل عددها ٣٨حيلة يستخدمها ربابنة الجدل المُرائي، لكان هذا الكتاب نفسه مادة للجدل المرائي، بينه وبين أساطين الجدل المُرائي في زمانه، الذي أزدحم بالمتفوهين ممن أحيوا السفسطة الأغريقية وردوا لها الأعتبار بالخطابة والكتابة بلغة التزويق و التعالي مع انتشار الطابع التشاؤمي للتفكير و إعلاء المُلكية، ومن ثم تبني البراديغم (النموذج الأدراكي) لدحض كل فكرة في طريق الميكافيليين خاصة، تسخيفها و شخصنة صاحبها شخصنة شنيعة، ففي صفحة قمت بإزالة العفن من وجهها كان أحدهم قد شبه رجال الكنيسة في مقاطعته بقوارض المجاري و شُبِّه بالمقابل بمكنسة المنزل، أما الجدل فكان، قد بدأ حول تحويل مدرسة بجوار كاتدرائية الى جامعة! ومقدما أقول ليس كل الجدل المرائي يهبط الى هذه الوضاعة، لكن وحسب الحيل المستخدمة، يسير الجدل نحو العناد ونعني الجدل المُرائي هنا وليس الحوار أو النقاش، يسير الى ألاعيب لفظية و حجج أقل ما يوصف بها بأنها تأخذ الجدل الى موضوع آخر وهذا لا يتحقق ولا يتم الا بالأعتماد على حيل شوبنهاور، أو حيل من إبتكارنا فالقائمة التي وضعها صاحبنا يمكن أن تكون أطول بكثير! والجدل المُرائي يُمارسُ على قدم وساق، في كل زمان ومكان، وشوبنهاور هو أول من ألف كتابا خاصاً حول ذلك.
قراءة في المتن:
 يقول شوبنهاور في فقرة كتابه الأولى، بأن الجدل والمنطق يُستخدمان كمُترادفين في الغالب وعند المعاصرين ( مُعاصريه ) ويلصقُ كلمة الجدل بكلمة المُرائي مُباشرةً وبما أنه مُهتم بالخطابات والمفهومات فهو يستبعد القياس الرياضي ويتهكم ويُبطل العقل الكانتي الخالص، ويبتكر منطق الجدل معتمدا على أرسطو، ويدَّعي في كتابه بأن أرسطو توقف عند التنظير وهو قد أكمل بالتطبيق، نفهمُ من هذا أنه كتبَ كتاباً في الفلسفة التطبيقية.
  لاشك بأن اللغة واضحة والأسلوب سلس، وكل فقرة فيها التركيز على ما يوضح كُل ماله علاقة بشخصين في حالة مقابلة حجاجية عن أمر ما وهما يختلفان وكل يروم الفوز بأن يكون صائباً، ولأن شوبنهاور مهتم بالخطابات وأسلوب المحاورات والمناورات ودرسها، فقد سبق وأن ترجم كتاب ( إنسان الحكمة ) لمؤلفه بالتازار غراسيان، تأثير ذلك الكتاب عليه كان قطعياً. ناقش غراسيان نماذج عدم الضبط والأنضباط في أستعراضات معاصريه بطرح نقائض بديلة للحكمة وفندها معادلا اياها بالتحامق العقلي، وصنفها على أنها تكرار متعمد كوسيلة جدالية في الأنتصار على الخصوم، التشاؤم الميتافيزيقي لديهما مشحون بنبرة قاسية وفي الحدة الأكبر للكلمة وعلى وصف ريمون ديي ( اللفظ اليقين ) والذي يمكن أن يُحوِّل الى صالحنا وضعية أصبحت مُزعجة، إنما الكلمات والحجج خناجر قاتِلٌ نَصلُها، على الأقل من خلال السخرية وتعمد حماقة مُبطنة مُبالغ في أمرها. هذه المبارزة الكلامية وفق شوبنهاور، عاريةٌ من كُل أمانة ومن كُل نُبل، مادامت ستحثنا على اللجؤ الى إهانة المُحاور لَمّا يوشك أن يفرض حجمه، أنه صحيح هُنا حَسب ديي، أن رأي الفيلسوف هو أيضاً بعيد قدر الأمكان عن كل إنسانوية، إذ لسان حاله، الحقيقة المُثلى هي انتصارُنا الخاص، حتى لو كان يعرف أكثر من غيره أن السيد الحقيقي في اللعبة هو، في النهاية اللغة وامكانياتها اللآمتناهية.
 الجدل لدى شوبنهاور هو ( فن المماحكة، سبيله أن يجعلنا دائماً على صواب، أي بما هو مشروع وغير مشروع وبجميع الوسائل الممكنة ).
يستبعد صاحبنا أفلاطون، وينكبُ على أرسطو، حتى آخر كتب أرسطو في الجدل ( الأستنتاجات السفسطائية ) ميز أرسطو النتائج المنطقية، والجدلية، والأستنتاجات المُرائية ( المُشاغبية ) التي تكون الصورة النهائية فيها صحيحة، لكن الدعاوي نفسها، المادة، ليست صادقة، غير انها تبدو كذلك، والأستنتاجات السفسطائية ( السفسطة) التي تكون الصورة النهائية فيها كاذبة، بيد انها تظهر صحيحة. هذه الأشكال هي في الواقع جزء من الجدل المُرائي مادامت جميعها تسعى الى الحقيقة الموضوعية، بل الى الحقيقة الظاهرة، وبالتالي الى أن نكون دائما على صواب !
 وقد إخترت نصاً من الكتاب فيه براعة فائقة تتحسس في طياته مدى دخوله نفسه في مجادلات ذاتية في الجدل المُرائي على نفسه وكأنه قد أدخل نفسه في مختبره الفلسفي للأستغوار بوضوح تام، ويُعلق تعليقاً مهماً في النص ويسأل سؤالً: ما مصدرُ هذا؟
شوبنهاور :  لاشكَّ أن مصدره الدونية الطبيعية للنوع البشري. لو لم يكن الأمر كذلك، لو كنا نزهاء أكثر، فلن نبحث، في أي مجادلة، إلا عن الحقيقة، دون الأهتمام بمعرفة إن كانت مطابقة للرأي الذي دافعنا عنه بداية أو لرأي الخصم، الأمر الذي لن تكون له أهمية أو قل سيكون ثانوياً. لكن ذلك الأهتمام من الآن فصاعداً، الأساسي، فالكبرياء الفطرية سريعة الأنفعال لا سيما في ما يخص الملكات العقلية، إذ ليس تقبل أن يظهر إثباتنا كاذباً، وليست تقبل أن يكون إثبات الخصم صحيحا..)
وعلى نحو بحثي دقيق، أقول بأن الوحدة الفلسفية الثالثة، أي الحيل والأمثلة التطبيقية ( ص٤٥وحتى نقطة الخاتمة)، هو دليل عملي في فلسفة تطبيقية لما تفلسف به في التقديم وتبيان أسلوبين كركيزتين أساسيتين للجدل المُرائي والمثير أنه يستنتج بعد الأسلوبية ( فليس يمكن مجادلة شخص ينكر المبادئ. ص٤٤). وهو يُطابق القول في طوبيقا أرسطو، بعدم نفع الجدال مع شخص ينكر المبادئ، مع أنه وقبل مرحلة التوتر والتأزم اللفضي يقول ( الجاهل يؤكد و العالم يشك و العاقل يتروى ) وسقراط بما نقله افلاطون (ينبغي للعالم أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض /سقراط) الا أن أحدهم مقتنع مثل السياسي وليم ماكدونالد ( من المستحيل هزيمة رجل جاهل في نقاش) .. هذا كله يأخذه شوبنهاور بالعرض في كتابه ويسهب ويستفيض في إحاطة فلسفية بارعة، لكن صاحبنا الفيلسوف، يرغب مساعدة من قرر الأستمرار في الجدال متحملا عواقب النمط، بحيل تؤدي الى (أن يكون دائما على صواب) و( بكل الوسائل المُتاحة )! 
ربما نعتقد بأنه يمد حيلة أو أخرى لأحد المبارزين في مماحكة  وهو فعل شائن طبعاً، غير أن الفلاسفة يتفلسفون بكل شئ، لكشف الخفايا المتعلقة بالمكنون و يتماهون مع علماء الأجتماع وباقي العلوم الأنسانية في الفهم والتحليل. فحيلة الشخصنة التي يدرسها ويطبق أمثلة عليها هي القدح الشخصي صنف شائع من المغالطات، بحيث أن "الدعوى" أو "الحجة" تكون خاطئة، بسبب معلومات (عيوب) متعلقة بالكاتب أو بالشخص الذي يعرض هذه الدعوى، وليس بالدعوى نفسها. ولكن فلاسفة مثل تشارلز تايلر، يقول عن الحجة المشخصنة (وهي التي تعتمد فيها مصداقية قول ما على حقائق شخصية متعلقة بمن تفوه بذلك القول) أنها أساسية في فهم بعض القضايا الأخلاقية، وذلك بسبب الارتباط الكائن بين شخصية الأفراد والأخلاق (أو الدعاوي الأخلاقية). ويفرق تايلور بين هذا النوع من الحجج وبين الحجج البديهية (والتي تتعلق بحقائق لا خلاف فيها) الخاصة بالمذهب الطبيعي في الفلسفة. وذلك في، (التوضيح وسبب التطبيق) ص٣٤
 
في الوحدة الفلسفية الثانية من كتابه يبحث في ( أساس الجدل) ص٤١:
قبل كل شئ، يجب الأنصراف الى الأساسي في كل مطارحة، أي مايحدث في الواقع. الخصم عرض دعوى( أو نحن أنفسنا، لايهم) ولدحضها، هناك أسلوبان وطريقتان ممكنان:
١ـ الأسلوبان:
أـ الحجة على الموضوع(الشئ).
ب ـ الحجة على الذات، أو سابق التنازلات.
( اي أننا عزيزي القارئ، بالأسلوبين، نحصل على إقرارات الخصم وتنازلاته، وبقي لنا أن نعكسها ضده).
، ٢ـ الطريقتان ص٤٣
 أـ دحض مباشر.
ب. دحض غير مباشر.
 يهاجم الدحض المباشر الدعوى من الأساس. والدحض غير المباشر من نتائجها. يبين الدحض المباشر بأن الدعوى غير صادقة. وغير المباشر يبين أنها لايمكن أن تكون صادقة. ( ثم يبين شوبنهاور، كيف يتم ذلك بالتفصيل وحتى ينتهي بمواضعات الحجج الفرعية، مستهدفا البناء العام وهيكلية كُل مطارحة) ونحن في هذا نصبو الى أن نكون على صواب! ثم وفي ص٤٧ يقدم ( الحيل) مباشرة ودون مدخل لوحدته الفلسفية الأخيرة للكتاب و يقدم أمثلة تطبيقية بارعة تُجسد مَكر وبراعة أطراف الجدل المُرائي والحيل هي :
١الأتساع، أي تمديد إثبات الخصم الى ماوراء حدوده الطبيعية. ٢الجناس، أي مد الأثبات بدون إستخدام الكلمة الى ماهو غير مهم. ٣تعميم حجج نقيضة، أي التعامل مع الأثبات المقدم، كما لو كان بشكل عام وبسيط مٍطلقا، وبذلك يمكن دحضه. المثال المقدم من أرسطو هو التالي: الزنجي أسود، لكنه أبيض الأسنان. إنه اذا أسود ولا أسود في نفس الوقت. ٤إخفاء القصد. ٥حجج كاذبة. ٦المصادرة على ما ليس مبرهنا عليه. ٧الحصول على التأييد بالأستجواب. ٨إغضاب الخصم. ٩طرح الأسئلة بترتيب مُخالف. ١٠نقيض الدعوى ( عندما نتبين أن الخصم يتعمد استبعاد الأسئلة التي ستكون في حاجة لأجابة بالأيجاب لدعم دعوانا، يجب سؤاله عن الدعوى المضادة). ١١تعميم مايقوم على حالات خاصة. ١٢إختيار استعارات مناسبة. ١٣رد نقيض الدعوى( للعمل على أن يَقبَلَ دعوى ما، يجب علينا تقديم نقيض الدعوى ونجعله يختار). ١٤إعلان الفوز رغم الخسارة. ١٥إستخدام حجج غير معقولة. ١٦الحجة على الذات، ( اي سابق التنازلات/ المقصد: خِداع!). ١٧المقاومة بالمبالغة بالتدقيق. ١٨مقاطعة وتغيير المُجادلة. ١٩التعميم بدلا من مناقشة التفاصيل. ٢٠إستخراج النتائج. ٢١مقابلة فاسد الحجج بفاسد الحجج. ٢٢المصادرة على المطلوب. ٢٣إجبار الخصم على المبالغة. ٢٤فن إستخلاص نتائج كاذبة. ٢٥الحجة الفرعي أو إيجاد أستثناء. ٢٦عكس الحجة على الخصم. ٢٧الغضب ضعف. ٢٨إقناع الجمهور وليس الخصم. ٢٩الحيد عن الموضوع. ٣٠حجة السلطة. ٣١لستُ أفهم شيئا مما تقولُه. ٣٢مبدأ الجمع المُهين. ٣٣نظرياً نعم عملياً لا. ٣٤زيادة الضغط. ٣٥المصالح أقوى من العقل. ٣٦إرباك الخصم بكلام مُحال. ٣٧فاسد البرهنة علامة الخسران. ٣٨الحيلة الأخيرة: الحجة على الشخص ( شخصنة ).
 
 

84



جائحة كورونا ويوم المسرح العالمي

بولص آدم

  منذ عام 1962م وبلا انقطاح يحتفل في السابع والعشرين من آذار (مارس)، وهو تاريخ افتتاح مسرح الأمم في موسم باريس المسرحي، بيوم المسرح العالمي بطرق عديدة ومتنوعة من قبل المراكزالوطنية للمعهد الدولي للمسرح والتي يبلغ عددها حوالي المائة موزعة في كل أنحاء العالم ومركزها الأساسي متواجد بمبنى اليونسكو في (باريس).
 إن يوم المسرح العالمي هو مناسبة للعاملين في حقل المسرح للاحتفال بقدرة الفنون الدرامية على جمع الناس، لكن هذا العام، الوضع يختلف! أن جائحة كورونا المعاصرة تستند إلى هشاشة الوجود البشري في مواجهة مرض عضال،  تعيدنا ونحن الذين درسنا تاريخ المسرح في اكاديمية بغداد للفنون قبل اربعة عقود تماما الى المسرح الأغريقي. في القرن الخامس قبل الميلاد، كتب الكاتب المسرحي التراجيدي سوفوكليس مسرحيته "أوديب ملكا" التي يكافح بطلها لتحديد سبب الطاعون الذي ضرب مدينته طيبة وأهلك الحرث والنسل وامتلأت الأرض بالجثث وسادت الفوضى، ليكتشف أن السبب هو القيادة السيئة للمدينة.  ويصف هوميروس في الإلياذة الحكام السيئين الذين يدمرون شعبهم بتهورهم بأنهم "رعاة سيئون يدمرون قطعانهم". يرى جويل كريستنسن ( أن الملاحم والتراجيديا القديمة ساعدت رواة القصص وجمهور العالم القديم في محاولة فهم المعاناة الإنسانية وآلامها. ) وينقل المؤرخ اليوناني القديم  ثيوسيديدس وصف للطاعون الذي ضرب أثينا عام 430 قبل الميلاد في مقاطع من الأدب اليوناني. ويقول ان أفظع شيء كان اليأس الذي سقط فيه الناس عندما أدركوا أنهم قد أصيبوا بالطاعون، لأنهم "على الفور تبنوا خيار اليأس المطلق، ومن خلال الاستسلام بهذه الطريقة، فقدوا قدرتهم على المقاومة". ونتذكر ثيمات المؤلف التشيكي، كارل تشابك وخاصة في مسرحيته الوباء الأبيض ( ترجمها الفنان الراحل عادل كوركيس ) فالوباء كان رمزا لكل الأوبئة التي تهدد الوجود البشري، ليس أوبئة فقط بل حروب ومجاعات و فتك ذري والخ.. تراجيديا العالم تشبه العمى الذي ضرب الناس وتحولوا عمياناً بالعدوى في المدينة في واحدة من روايات البرتغالي ساراماغو، حيث الكل يتمنى عودة البصر ( البصيرة )!
 تمر هذه الذكرى والمسارح فارغة و الفرق المسرحية في العالم تحتفل بطريقة أخرى تماما، فكم كان محزناً قبل أيام، تقديم عرض موسيقي على واحد من أكبر مسارح موسكو دون جمهور.. نتمنى ان يعود المسرح ومسرحييه بكل خير وتدور عجلة عروض أبو الفنون ( المسرح ) تحت أضواء العدل والمساواة والسلام وهي جوهر رسالة المسرح.
 اتفق على تقليد سنوي يتمثل بأن تكتب إحدى الشخصيات المسرحية البارزة في العالم بتكليف من المعهد الدولي للمسرح رسالةً دوليةً تترجم إلى أكثر من 20 لغة، تقرأ وتنشر في العالم أجمع، الكاتب الباكستاني شهيد نديم هو كاتب الرسالة وترجمها للعربية سامي الزهراني:

( المسرح المزار )

شرف لي شخصياً ان اكتب رسالة اليوم العالمي للمسرح 2020، اشعر بالتواضع والإثارة للاعتراف بالمسرح الباكستاني بل بكل الباكستان من قبل الهيئة العالمية للمسرح iti التي تشرف وتهتم بالمسرح في أنحاء العالم وفي مختلف الأوقات، هذا الشرف الغالي هو تحيه وإهداء لشريكة حياتي مؤسسة مسرح اجوكا أيقونة المسرح مديحة جوهر (1) التي رحلت عن الدنيا قبل عامين .
تأسيس فريق اجوكا المسرحي (2) لم يكن سهلاً بل هو صراع مستمر وتحدي للصعاب بدء من الشارع وانتهى بالمسرح، قصة فريق اجوكا هي قصة اغلب الفرق المسرحية في الباكستان .
جئت من بلد يقطنه أغلبية مسلمة شهد حكم العديد من الديكتاتوريات العسكرية، هجوم المتطرفين الدينية، ثلاثة حروب مع الهند التي تشاركنا الجوار، التاريخ، التراث منذ الاف السنين وما زلنا نعيش حالة الخوف من الحرب النووية معها لان كلا البلدين يمتلكان أسلحة نووية .
( الأوقات السيئة هي وقت جيد للمسرح ) هذه المقولة نذكرها أحياناً عندما تشتد المصاعب، عدد لا محدود من الصعاب نواجهها، تناقضات يجب الكشف عنها، وضعنا الراهن نتعرض فيه للتدمير، كل هذه الأمور كونت حبلاً مشدوداً بين طرفين لا نزال انا وفريقي المسرحي اجوكا منذ 36 عاماً نحاول التوازن والعبور من عليه .
هذا الحبل المشدود جعلنا نوازن بين الترفيه والتعليم، التعلم من الماضي والإعداد للمستقبل، التعبير الحر الإبداعي والمغامرة بالتعبير ضد السلطة، المسرح الاجتماعي الناقد والمسرح الربحي، الوصول الى الجمهور وكيف تصبح طليعياً، قد يقول المرء ان صانع المسرح يجب ان يكون ساحراً او مشعوذاً ليستطيع ان يخلق هذا التوازن .
في الباكستان هناك فصل واضح بين المقدس والمحرم، المحرم الذي لا يوجد فيه مكان للأسئلة الدينية، المقدس الذي لا يحبذ النقاشات المفتوحة والأفكار الجديدة، في حقيقة الامر المؤسسات المحافظة تعتبر الفن والثقافة فعل خارج حدود القداسة، لهذا أصبحت ساحة الاداء التمثيلي المسرحي ساحة مليئة بالعقبات والعثرات، اصبح من الضروري على جميع الفنانين المسرحيين ان يثبتوا للجميع انهم مسلمين ومواطنين صالحين اولاً ثم عليهم ثانياً بعد ذلك إثبات ان المسرح والموسيقى والرقص فعل مباح في الإسلام، عدد كبير من المسلمين الملتزمين بدينهم لديهم تردد في التعامل مع المسرح مع انهم يتعاملون ويتكيفون مع بعض مكونات المسرح في حياتهم اليومية كالرقص والموسيقى، أتت بعد ذلك مرحلة أخرى أصبحت ايضاً حجر عثرة أمام مسيرة المسرح وهي ثقافة فرعية سمحت بوضع المقدس والمحرم على خشبة المسرح .
عام 1980م وخلال الحكم العسكري في الباكستان تأسست فرقة “اجوكا” من خلال مجموعة من الشباب تحدو وعارضو الديكتاتورية العسكرية بواسطة مسرح اجتماعي سياسي جريء، الشاعر الصوفي(3) (بُلهي شاه)(4) الذي عاش قبل ٣٠٠ عام استطاع من خلال شعره ان يعبر عن مشاعر الغضب والألم بشكل مدهش لهؤلاء الشباب، قامت فرقة اجوكا بالاستفادة من هذا الامر بالتعبير عن نفسها سياسياً من خلال شعر الشاعر (بُلهي شاه) متحديه بذلك السلطة السياسيه الفاسدة وتعصب المؤسسة الدينية التي كانت من الممكن ان تعاقبهم او تنفيهم من البلاد لكنهم امنوا بأن هذه السلطة لا تستطيع ان تمحي او تشوه تأريخ هذا الشاعر ، حياة الشاعر (بُلهي شاه) درامية وأصولية اثرت في شعرة كثيراً، أصدرت في حقة الكثير من الفتاوي والعقوبات في عصره .
حياة الشاعر (بُلهي شاه) الذي يصنف من شعراء البنجاب الذين كانوا ضد سلطة الأباطرة الجائرة والديماغوجية الدينية بلا خوف، صراعاته الحياتية لغته البسيطة الشعبية شعره الذي ينبض بتطلعات الشعب دفعتني لكتابة نص مسرحي عن هذا الشاعر اخترت له اسم (بُلهي) .
داخل هذا النص استخدمت الموسيقى والرقص كأدوات تتيح التواصل المباشر مع الله دون اي وسيط، تحديت الفصل مابين الذكر والأنثى، نظرت بإعجاب الى كوكب الأرض كأحد الدلائل لوجود الذات الإلهية .
مجلس الفنون في لاهور رفض اجازة النص تماماً علتهم في ذلك ان النص لم يكن نص مسرحي إنما سيرة ذاتية للشاعر (بُلهي شاه)، فاتجهت لمعهد جوته الذي أجاز النص وتم عرض المسرحية للجمهور الذي تفاعل بالتقدير والتفهم للرمزية في النص لانها تتقاطع مع حياتهم الواقعية لذلك سمي الشاعر (بُلهي شاه) بشاعر الناس .
ولد يوم عرض المسرحية الأول شكل جديد من أشكال المسرح عام 2001م مزج ما بين موسيقى القوالي(5) التعبديه مع رقصة الدهمال (6) الصوفية، قصائد الشعر الملهمة، ترانيم الذكر(7) التأملية، هذه العناصر أصبحت رئيسة في العرض المسرحي، صادف عرض المسرحية الأول تجمعاً لمجموعة من السيخ(8) الهنود لحضور مؤتمر عن البنجاب فتسللت هذه المجموعة لمشاهدة مسرحية (بُلهي) بعد نهاية المسرحية صعدت المجموعة لعناق وتقبيل الممثلين على خشبة المسرح وسط نوبة من البكاء فقد كان الشاعر (بُلهي شاه) عزيزاً على السيخ كما هو عند المسلمين البنجاب، اعتبر هذا الموقف اول مشاركة مسرحية ولقاء مابين السيخ والمسلمين بعد تقسيم الهند عام 1947م(9) الذي نتج عنه تقسيم اقليم البنجاب ما بين الهند والباكستان تجاوزوا به كل الانقسامات الدينية والطائفية .
بعد هذا العرض التاريخي للمسرحية الذي لا ينسى انطلقت مسرحية (بُلهي) بمجموعة من العروض في الجزء البنجابي للهند وأمتدت العروض لتغطي الهند طولاً وعرضاً وفي كل مكان حتى في المناطق التي لايستطيع أهلها ان يفهموا البنجابية ولكنهم احبوا كل تفاصيل العرض المسرحي هناك، استمرت المسرحية في عروضها في الهند في ظل التوترات مابين الباكستان والهند وإغلاق كل أبواب الحوار مابين البلدين، فُتحت أبواب القاعات المسرحية وقلوب الشعب الهندي على مصرعيها لمسرحية (بُلهي)، في احد عروض المسرحية في مناطق البنجاب الهندية الريفية تقدم رجل عجوز نحو الممثل الرئيس المنوط بدور الشاعر الصوفي (بُلهي شاه) في المسرحية يرافقه حفيده الصغير المريض وطلب من الممثل ان يدعوا للطفل بالشفاء، تنحى الممثل جانباً وقال له -باباجي-(10) يا ابي انا لست (بُلهي شاه) انا ممثل فقط، بدء الرجل العجوز بالبكاء وأصر على الممثل ان يدعوا للطفل بالشفاء وقال له ان اثق انك اذا دعوت له سوف يشفى، أشرنا جميعاً للممثل ان يقوم بالدعاء للطفل لتحقيق أمنيه هذا الرجل العجوز، قام الممثل بالدعاء للطفل بالشفاء وقبل ان يخرج الرجل العجوز التفت صوب الممثل وقال له ” يا ابني انت لست ممثلاً انت تجسد شخصية افتار (11) الشاعر العظيم بُلهي شاه “
بعد هذه المقولة من هذا الرجل العجوز تكون لدينا مفهوم جديد عن الاداء المسرحي من خلال الدراسة الواعية لتأريخ الشخصية المسرحية التي سوف يقوم بتجسيدها الممثل او الممثلة في الفريق المسرحي، لاحظنا خلال رحلتنا لعرض مسرحية (بُلهي) التي استمرت 18 عاماً ردات فعل مشابهه لردة فعل الرجل العجوز عند جمهور العامة من الناس، فالاداء المسرحي ليس فقط تجربة مسليه او محفزة فكرياً بل هو لقاء روحي مابين الممثل والجمهور، موقف الرجل العجوز تأثر به الممثل المجسد لشخصية الشاعر (بُلهي شاه) فأصبح شاعراً صوفياً ونشر مجموعتين من القصائد، تأثر طاقم العمل التمثيلي بهذا المفهوم وأصبحوا يشعرون بروح الشاعر (بُلهي شاه) بينهم ومعهم عند بداية العرض المسرحي هذا التأثر رفع من مستوى الاتقان لكل الممثلين بالعرض الذي بدورة انتقل للجمهور وقد تأثر احد العلماء في الهند بالعرض فوضع عنوناً للعرض ” عندما يصبح المسرح مزار ” .
انا شخص مدني واهتمامي بالصوفية ثقافي بالأساس اهتم بالجوانب الادائية والفنية لشعراء البنجاب الصوفين وهناك جمهور لديه معتقدات دينية صادقة لا تدعوا الى التطرف والتعصب .
هناك العديد من القصص المشابهه لقصة الشاعر (بُلهي شاه) في مختلف الثقافات حول العالم تنتظر الاكتشاف والبحث لتكون جسراً بيننا نحن المسرحيين وبين الجمهور المتحمس لهذه القصص فهو جمهور غير معروف بالنسبة لنا، معاً يمكننا ان نكتشف الجوانب الروحية في المسرح وبناء جسور مابين الماضي والحاضر تقودنا للمستقبل تقودنا الى مصير المجتمعات التي تتكون من المؤمنين وغير المؤمنين، الممثلين وكبار السن، والأحفاد .
السبب في مشاركة قصة الشاعر (بُلهي شاه) والغوص في داخل المسرح الصوفي معكم، هي فلسفتنا تجاه المسرح التي تحملنا تجاه الإرهاصات الاجتماعية المتغيرة لمجموعة كبيرة من الجماهير والتي نعبر عنها عبر الاداء المسرحي على خشبة المسرح، تحديات العصر الحالي تحرمنا احياناً من التحرك نحو تجربة روحية عميقة جديدة يمكن للمسرح ان يوفرها لنا .
عالمنا اليوم يكثر فيه التعصب، الكراهية، العنف، الأمم تحرض بعضها على بعض، المؤمنين يقاتلون المؤمنين، المجتمعات تبث الكراهية، الأطفال يموتون من سوء التغذية، الأمهات يمتن اثناء الولادة بسبب عدم وجود رعاية طبية جيدة، أيدلوجية الكراهية تزيد وتزدهر .
كوكبنا اليوم يغرق اكثر وأكثر تحت مناخ كارثي من الحروب، المجاعات، الموت، كل هذا يحدث صمتاً رهيباً تستطيع من خلاله ان تسمع وقع حوافر خيول الفرسان الأربعة(12) في الطرف الآخر من العالم هذا ينبأ بالفعل بنهاية العالم، نحن بحاجة في هذه الايام لتجديد قوتنا الروحية نحن بحاجة لمحاربة اللامبالاة، الخمول، التشاؤم، الجشع، محاربة من يتجاهل عالمنا الذي نعيش به، الكوكب الذي نعيش عليه .
للمسرح دور نبيل من خلال إعطاء مساحة الاداء والاهتمام بقيمة خشبة المسرح والسعي لتحويلها لخشبة مقدسة تعطي طاقة، حيوية، تعبئة بشرية لعدم السقوط في الهاوية .
الفنان المسرحي في جنوب اسيا يشعر بحساسية خشبة المسرح قبل ان يصعد عليها، يساعده على اتمام ذلك تقليد قديم يمزج بين الروح والثقافة، حان الوقت لاستعادة العلاقة التكاملية مابين الفنان المسرحي والجمهور، مابين الماضي والمستقبل، العمل في المسرح هو عمل مقدس، وللرفع من قيمة الأعمال المسرحية الروحية يجب على الممثلين التعمق في الشخصية وتاريخها، اخيراً المسرح لديه القدرة ليتحول الى مزار للاداء الروحي .
هامش:
1- مديحة جوهر (1956-2018): مخرجة مسرحية، ممثلة، نسوية، مؤسسة مسرح أجوكا، حائزة على ماجستير في المسرح من كلية رويال هولواي بلندن، حاصلة على وسام التميز من حكومة باكستان وجائزة الأمير كلوز من هولندا .
2- مسرح أجوكا: أنشئ في عام 1984م وتعني كلمة أجوكا “المعاصرة” في البنجابية، مضمون مواضيع مسرحيات هذه الفرقة حول التسامح الديني، السلام والعنف، حقوق الإنسان .
3- الصوفية: تقليد الإسلامي يسعى إلى العثور على حقيقة الحب الإلهي من خلال تجربة شخصية مباشرة مع الله، اصبح هذا التقليد شائعًا بسبب تبشيره بالأخوة العالمية، معارضته للتطبيق العقائدي الصارم للتعاليم الدينية. الشعر الصوفي يتم تقديمه في الغالب مع الموسيقى ، وهو عبارة عن تعبير روحاني داخلي من خلال الحب الأبدي .
4- بُلهي شاه : ( 1680م -1757م ) شاعر بنجابي صوفي، كتب مواضيع فلسفية معقدة بلغة بسيطة، انتقد العقيدة الدينية المتشددة والنخبة الحاكمة ، هجر ونفي من مدينة كاسور لاتهامه بالابتداع الديني ولم يدفن في مقابر المدينة، له شعبية جارفة بين المطربين الشعبين .
5- القوالي: شعر صوفي تعبدي قدمه مجموعة من المطربين المزارات الصوفية يؤدي بالمستمعين لهذا النوع من الغناء لحالة من النشوة .
6- الدهمال : رقص على الطبول يمارس في المزارات الصوفية يؤدي الى النشوة .
7- الذكر: تلاوة الادعية التعبدية بشكل إيقاعي جماعي لتحقيق التنوير والتطهير الروحي .
8- السيخ: أتباع الديانة السيخية ، التي أسسها جورو ناناك في البنجاب في القرن الخامس عشر .
9- 1947م انفصلت الباكستان عن الهند وسط مذابح جماعية غير مسبوقة وهجرة جماعية للسكان .
10- باباجي: تعبير عن احترام الرجل المسن .
11- افتار : نسخة تظهر على الأرض من الإله حسب الثقافة الهندوسية .
12- الفرسان الأربعة: يصف جون أوف باتموس في كتابه ( الوحي ) أربعة فرسان في نهاية العالم هذا الكتاب يعتبر آخر كتاب في العهد الجديد، في معظم الروايات يُنظر إلى الفرسان الأربعة على أنهم يمثلون الاحتلال، الحرب، المجاعة، الموت على التوالي.


85

أ. د. عبد علي سفيح . بروفيسور.. هو مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية.

تلقيت قبل قليل الأيميل التالي:


حقائق حول الفيروس كورونا.. الـCIA، بيل كيتس، وجاك اتالي

أ. د. عبد علي سفيح
 
إن سرعة الاستجابة في الأزمات موضوع مهم شغل العالم منذ ١١ أيلول سبتمبر ٢٠٠١، كعمل ارهابي هز العالم واذهله، إضافة إلى الكوارث الطبيعية من التسونامي وأعصار كاترينا المروع.
هذه التحديات غير المحسوبة ولدت مخاوف ورهبة، لأنها تهدد الأمن الاقتصادي والصحي والوطني للشعوب، كما يشهد العالم اليوم حرب من عدو غير مرئي هو فيروس الكورونا، والذي توقع حدوث هذه الكارثة المؤسسات والمفكرين والمهتمين بالسلم العالمي ومنهم: 
١.  الـCIA ) وكالة المخابرات المركزية الامريكية): فقد حذرت في ٢٠٠٨ في تقرير عن التهديدات الرئيسية للعالم وكيف يكون العالم في ٢٠٤٠.
هذا التقرير كان حصيلة عمل لمدة سنتين بعد أن عرضت أسئلة على ٢٥٠٠ خبير من ٣٥ دولة عن عواقب الأزمة المالية لعام ٢٠٠٨، وتطور الإرهاب في العالم، والتحدي المناخي، وصعود الهيمنة الصينية، وفقدان نفوذ الولايات المتحدة الأميركية، ومستقبل الديمقراطية في روسيا، واحتمال ظهور مرض جديد شديد العدوى لا يوجد له علاج مناسب.
فأجاب المختصون على السؤال الأخير بدقة مذهلة، وتحدثوا عن احتمال ظهور فيروس الساري التاجي في منطقة ذات كثافة سكانية عالية قريبة للغاية من البشر والحيوانات، وهو خطر عابر للقارات.
هذا التقرير نشر في كتاب عام ٢٠٠٩ بتقرير جديد للCIA بعنوان " كيف يكون العالم غدا ". هذا التقرير في الحقيقة هو ترجمة لتقرير أعده الNIC ( مجلس المخابرات الوطني) الذي أعدته في ٢٠٠٨. الNIC في عام ٢٠٠٤.
فقد أعدت تقريراً تقول فيه في الصفحة ٣٠ منه: باستحالة حصول حرب كونية عسكرية، بل هناك احتمال حصول حرب كونية من نوع آخر بسبب الوباء الذي يسبب شل حركة التجارة العالمية وكلما طالت الفترة بدون علاج كلما كانت العولمة في خطر.
وفي عام ٢٠١٧، اعدت ال NIC تقريرا اخرا واقترحت ثلاث سيناريوهات تهدد العالم ومنها الفيروس القاتل وسمته سيناريو الـ Island.
٢.  بيل كيتس (مؤسس شركة المايكروسوفت)، حذر في نيسان ٢٠١٥ من حصول كارثة حيث قال:  لقد سبب وباء الايبولا خسائر فادحة في القارة الافريقية (أكثر من ١٠ آلاف قتيل)، ولكن تم إنقاذ بقية الكوكب بعد الحصول على علاج ، ولكن إذا قتل ملايين من الناس في العقود القادمة فسوف يكون نتيجة فيروس شديد العدوى.
وأردف قائلا، لقد استثمرنا الكثير في الردع النووي وقليلا جدا في احتواء الأوبئة.
 
وفي ١٨ شباط لعام ٢٠١٨ تحدث بيل كيتس مرة أخرى عن خطر احتمال انتشار وباء عالمي خلال الأعوام القادمة.
٣.  جاك اتالي ( كاتب ومستشار سابق للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران): توقع اتالي حدوث الاسوء في كتابه "الازمة وما بعدها "، وخصص الكاتب صفحتين في كتابه لامكانية حدوث كارثة وبائية لا يمكن السيطرة عليها.
وقال: المفروض اتباع سياسة استباقية وذلك لإنتاج عدد كافي من الأقنعة الطبية وأجهزة التنفس مع إعداد أسرة كافية للمرضى(لـ ١٥٠ الف مواطن، هناك ٦٠٠ سرير في ألمانيا، و٤٠٠ سير في فرنسا و٢٠٠ سرير في ايطاليا).
إن هذه التقارير التي وردت اعلاه، ليست بالضرورة ان تكون تنبؤات صحيحة او معدة سلفا، بل هناك احتمال كبير أرادت فيه المؤسسات المسؤولة عن الأمن والسلم وكذلك المفكرين ، ارادوا أن يسببوا صدمة عاطفية لقرائهم ومستمعيهم اذا لم يفعلوا شيء، فسيأتي يوم يهدد وجودهم، وقد لا يأتي مرة واحدة ولكن بشكل متكرر.
الفيلسوف الالماني هيغل يقول "الإنسانية تتقدم دائما، ولكن من خلال سلبياتها".
 اي يعني من خلال ظاهرة سلبية دائما تظهر ظواهر إيجابية للغاية، مثل ما حصل اليوم مع فيروس كورونا وهي حقيقة ان الإنسانية واحدة وفي نفس القارب، ولكن للوصول إلى هذا اليقين تطلب مرور البشرية بهذا الوباء القاتل.
 
من فرنسا عبد علي سفيح

86


شاكر مجيد سيفو، أُمي وقيامة الرغيف

بولص آدم

 ..والعالمُ يعيش ميتات الملائكة الأمهات واحدة بعد الأخرى في كل مكان، على ذمة فيروس فتاك.. لاننسى يوم الأم في العراق، ولاننساه من مجدها وخلدها في أشعاره .. هو معنا كل يوم، روحاً شعرية ناصعة، وهو الآن في بغديدا، على سرير المرض..
  قبل أن أُقدم نص ( أُمي وقيامة الرغيف ) الذي أعتبره، وبدون أدنى شك،  واحدة من ألماسات تاج الشاعر العراقي الكبير، صديقي وأخي شاكر مجيد سيفو، ليس لأنه قد عقده بلآلي محبته الباذخة لأمه في ذروة شعريته الغزيرة، بل لأنه، قد كتبه والمرض العصي قد بدأ إجتياح كيانه الجسدي، مُكملاً دور عقارب السهل من وحوش الزمان الذين هجَّروه ونهبوا منزله وأحرقوا ما أحرقوه من قصائد وكتب وحتى كتابي، اللون يؤدي اليه، الذي أغتيل مع بغديدا، وتم أغتيال براءة هذه البلدة الملقبة بأُم الحزانى وبلدة الشهداء وغيرهما من الألقاب التي تدلُ على نٌبل الأنسان وعبق الأرض التاريخي. فكان هذا الدور، طوفانا أخذ مع أمواجه السوداء العاتية وجود الشاعر معه.. تاركاً لشاعرنا غرين بارد في ليلة ظلماء.. لامَلجأ لموزاييك روحه، سوى عالم الُأم، كعالم وحيد يفتح باب السعد المفقود له..
 قبل أكثر من عقد بقليل، أرسل لي كتابه، نصوص عيني الثالثة، أسر لي بمقدار أعتزازه بهذا الكائن الذي حلَّق حوله ناثراً على أيامه ندى الطمأنينة الزاخرة.. أمي العظيمة، أُمي الأعز ما يمكن أن يكونه كائن من يكون، أُمي.. ثم كتبت عن إبداعه في عين الحدس المؤثث بكل الآلهة والملوك و أجراس الكنائس، الأصدقاء و الأمكنة، المحلة والعالم، البدر والرغيف،وجه الصبح و مطويات النهارات بهمومهاوتأسفاتها اللآنهائية والبلاد تتسرب و تمشي حاملة نعشها في العاصفة..
  يتخيل الشاعر مالايتخيله انسان اخر في هذا العالم،اختيار الشاعر لطريقه جزء من رؤيته لعالمنا ثم تدريجيا وبنصوص متعاقبة خلاقة.. يبدا في مغامرة تمتد لتمتد أكثر وأكثر، انه الشخص الذي يحل محلنا في اي مكان وزمان كنا ويقدم لنا رؤية عجيبة نتبصر من خلال تعرجاتها ولفائفها وذكائها، باننا في اللحظة التي نعجز فيها، نلجأ الى من تولى تنصيب نفسه حكيما، يفسر او يفلسف لنا قليلا، ما هو ابعد كثيرا من مرمى ابصارنا، ويتركنا كاجنة كاملة في رحم الدهشة لنولد اصحاء مندهشين مسحورين..

أُمي وقيامة الرغيف

شاكر مجيد سيفو

مردقوش، إكليل الجبل، مليسا، كركم،
زيزفون، زعتر، قريص، حلبة، دارسين زنجبيل،
هؤلاء ليسوا أصدقائي
حروف الرخام صديقاتي
أصدقائي باخوس وأسخيليوس ونابو وانليل وآنو
كل ليل نحتسي العرق المغشوش
ولا نلتقي أبدا إلا في السرداب ذي الرقم ح .
أمي كانت تنقش بحروف ذهب جبينها أبديتها
فوق رخام جسدي
وتوقظ فيه الرماد
سبعا وسبعين مرة
تحصي سنابل أعوامها الثمانين
وتضحك أسنانها للتسعين
سنابل أعوامها تخضرّ في رماد عيني وتجاعيدي
وارتعاشة النجوم في سمائي الثامنة
في رعشة النارنج والناردين
وسعادة يديّ الراعشتين
تكتب أمي وصيتها
في مظروف من فضة روحها
وتكتبني في ارتجاف الرغيف والقمر فوق جبيني
في رعشة الرغيف وقيامته
وروحه ترفّ
في كفّ يسوع
في رعشة الرماد تكتبني امي بدمعها
وتطفئ رماد أعوامي الستين
في يقظة تنورها
الرغيف يرتجف وأنا في طيشه مثل الياقوت
تارة ألمع وأخرى أقع
في طيش التنور أذهب مع الرغيف في اللهب
أذهب في الطحين من أجل سعادة الأسبرين
أسقي سريري بالقرفة واليانسون والزنجبيل
أمي تأخذني كل صباح إلى بوح القيمر
وفضائح القمر
إلى رعشة النواقيس ودقاتها
أرتق أخطاء قداسي
في رائحة البخور وهرج الصنوج
الطيور هنا تصمت
والمخلوقات والياقوت والبياض
في محلة «السمقو»٭
أمي حفظها الربّ ومار يوحنا الذهبي الفم
تأخذني إلى جراحاتها الرخامية
أنا الذي آكتويت بعشق المدائح والأرق
في ذكرى عيد مار بهنام واخته سارة
حاملا في سرّتي صرّتي والبلاد
وسرّة البرق تهذي في فمي .
أمي كانت تخبز أضلاعي السبعة
لأخوتي السبعة الذين رقدوا
في السابع من آب
ذات مرة
واخرى ذات شتاء ماطر وكليم
دُحسوا في سبعة قرون من قرون السماء الثامنة
قرنا يبلع قرنا
في ارتعاشة الصمت والبياض والكلمات
كانت العصافير تصفق تارة وتصمت أخرى
على أسلاك الكهرباء
وهناك قريبا من روحي ـ في العيادة الشعبية في عنكاوا
أخبرتني د. نهلة بأنّ سعادة جسدي تسطجُّ في لسان السونار
كانت صديقتها زينة ترتب لي شرشفا أبيض
ليقطّر جسدي بياضه فوقه.
أمي كانت تطبخ لنا
بؤبؤ عينها اليمنى
كي ننام هانئين بلا أحلام سود
من خجل البصل وفضائح الثوم
وقيلولة النار
وقيامة الخبز الأسمر
ولعنات الكهرباء
ظلت حروف الرخام رفاً
أو دارا للاستراحة
وعينا أمي معلقتان في سقف المطبخ تدمعان
يقطر منهما السخام والدمع الأسوِد..
٭ المحلة القديمة التي عاش فيها الشاعر طفولته وصباه وشبابه



87
كورونا حَجَرَ العالم لكن الدنيا بخير


بولص آدم

 ونحن نُحصنُ أنفسنا في المنازل ونتبع التعليمات الوقائية التي ليس لدينا بديل آخر أفضل منها، تجمدت حياتنا العملية وكل ما كُنا معتادين عليه وما يربطنا بالبيئة التي تحتضننا، ككتاب ومعلمين ومهندسين وكسبة، علماء ومفكرين وصحافيين وعمال وفلاحين والخ .. شخصيا، أدرك تماما بأن التهديد والخطر قريب، وقد صادفني الموت كذا مرة وخبرته وتعلمت كثيرا من المخاوف الشديدة، وفي كل مرة عملت تلك التجارب بأضافة نوعية الى وجداني وشعوري الأنساني ومعرفتي الكثير، عانيت الأحتجاز والأعتقال والسجن سنوات، وهُناك في ذلك الحصار، تشبثت بالحياة وعُدتُ الى الحياة الكامنة في أعماقي، لتكون رئتي التي أعتمد عليها بدلا عن رئة الحرية اللآزمة لكل إنسان، وأنا أعيش ذلك المحجر الذي لايمكن مقارنته بالحجر الجزئي حاليا، فهناك كان تهديد مستمر بين الجدران السميكة والعيش على أمتار مربعة قليلة، وكان هناك طيبون وأشرار، متعلمون وغير متعلمون، صابرون وقليلي الصبر، مؤمنون وملحدون، أبرياء مظلومين وقتلة مجرمين وكان ذلك المجتمع المَنسي يجمع كل أصناف المجتمع، كان البعض يهتم ويشارك ويتعاون بشهامة ورجولة حقة وبطيبة الروح الأصيلة، وصادفنا آخرين لايكترثون وذلك لم يكن يعني أنهم تمنوا السؤ  لغيرهم، لكن الحياة ماأنصفتهم وقساوة السلطة مارحمتهم، فتحولوا الى مجرد أشباح .. هناك قلَّبتُ كل ماأكتسبته من الحياة حتى ذلك الوقت من تجارب مٌعاشة ومُكتسبة في القراءات  والمُشاهدات الفنية.. خرجتُ ثانية لأدخٍل حرباً أخرى فالحرب الأولى كانت قد إنتهت من ذلك الوقت بثلاث سنوات! بالتأكيد خرجت كإنسان آخر غيره الذي دخل السجن، من حيث تغير الكثير من مفاهيمي عن مجالات كثيرة تستحق التأمل والأهتمام.. هذا مقارنة بالحجر الذي أنا وعائلتي الصغيرة فيه الآن،  وكما كنت في تلك الضيقة متفائلا رغم كل شئ، فأنا حاليا، أعالج وقتي وساعات الوجود المحاصر هذا تحت تهديد الفيروس بنفس العُدة الروحية والعقلية، أكتب وأقرأ وأهتم بأولادي وزوجتي واتابع العالم، وفق ايقاع مرن وحيوي، ونقوم بتعويض مالم يكن متاحا، يوم كنا نذهب الى العمل قبل أيام والأولاد الى صفوف الدراسة.. ومثل كل مرحلة قاسية في حياة البشرية، ستتحول نظم وافكار وستُراجع بُنى معرفية وستحقق العلوم لنسقها وعواملها طفرات وتحولات مواكبة، فيها استئصال وتأصيل، لكن الخرافات والأوهام والشرور ستستمر، واذا كان هناك بشر تصهرهم الظروف الصعبة ولايتخلون عن الأخلاق الحميدة والنوايا الحسنة، فهناك من، وتحت تهديد المرض له شخصيا، سيرتكب الحماقات..
  نتذكر جيدا وصول قفص تم بناؤه خصيصا لانقاذ عمال المناجم الـ 33 المحتجزين تحت الارض الى منجم سان خوزيه في تشيلي وأستقباله بترحيب من أهالي العمال الذين ينتظرون انهاء محنة احبابهم تحت الارض. ترقبنا ذلك متقطعي الأنفاس، وأعلن الملايين بطرق شتى عن مشاعر إنسانية فياضة من التضامن والتعاطف، وسمي القفص الحديدي الضيق بـ"العنقاء" وتأمل مصمموه أن يتمكن من رفع العمال المحتجزين من باطن الارض إلى الأعلى مثل طائر العنقاء الذي ينبعث من الرماد في الميثولوجيا الاغريقية.
 العالم في المحجر حاليا، ونحن ننتظر اللقاح العقار للتصدي للفيروس الحالي، إنه عنقاء أخرى ننتظرها أملا في النجاة، ذلك سيتم على يد خبراء وعلماء يسابقون الزمن، من أجل إنقاذ الملايين، وشخصيا لدي تفاؤل كبير بمختبر كيورفاك في توبينغن الألمانية، وهو واحد من المختبرات والمراكز التي تتجه الأنظار اليها بترقب ولهفة، انتظار البشرية هذا، يشبه تماما إنتظارنا وأهالي وعوائل عمال المنجم المنكوب في تشيلي، بأنتظار الكبسولات المُنقذة الثلاث ..
 عند خروجي من المنزل ( المحجر حاليا) لشراء الخبز، وأنا في طريقي، لاحظت صفحة مكتوبة باليد، مُلصقة على واجهة والورقة محفوظة داخل حافظة بلاستيكية وبطريقة يُمكن قراءتها بسهولة ومُذيلة بشرائط مدون عليها رقم هاتف، ويمكن إقتطاع شريط الهاتف لكل من هو بحاجة اليه، ما كُتب في تلك الصفحة كان (   أحبتي كبار السن، الرجاء عدم ترك منازلكم، ليس لديكم شخص  يساعدكم عند الحاجة لشراء مايلزمكم؟ أنا مستعد لمساعدتكم، إتصلوا فقط على رقم هاتفي المكتوب هنا وسأحضر فوراً. )
   هذا الذي  صادفته في طريقي وكلكم له أمثلة سابقة وأخرى قرأ عنها أو صادفها هذه الأيام، هي التي تدعنا نقول ( الدنيا بخير ) ..

 
 

88
 

سباق اللقاح بين الأنقاذ والأحتكار

بولص آدم

أنباء سارة، بتقليص المدة المعلنة لظهور لقاح فعال يُنقذ حياة البشر في كل أنحاء العالم، الى الخريف القادم ربما، فالقائمين على التكنولوجيا البيولوجية حريصون على تقليص الروتين والأجراء البيروقراطي بخصوص تسجيل إختراع وملكية والخ، وليس تسريع الوقت الكلاسيكي للتجارب الطبية المختبرية، الهدف هو لقاح بدون آثار جانبية.
 صحيفة "فيلت أم زونتاغ" قد أفادت الأحد، نقلا عن مصادر حكومية في برلين بأن أميركا عرضت على شركة "كيور فاك" الخاصة، الواقعة في مدينة توبينغن، مليار دولار للحصول على الحقوق الحصرية لعقار يتم تطويره حاليا.
وجاء في التقرير أنه استنادا إلى دوائر حكومية في العاصمة برلين، فإن الرئيس الأميركي يحاول جذب علماء ألمان إلى بلاده بهبات مالية كبيرة أو ضمان اللقاح حصريا لبلاده.

السيطرة على منتج نادر يصعب على الشركات الأخرى توفيره، هو أحد الأسباب التي تؤدي الى ظهور الأحتكار، إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا هو محط أنظار، سيد الأحتكار الأمريكي، وفيما يعمل الباحثون على إنتاج علاج لإنقاذ حياة الملايين يحاول شخص واحد السيطرة عليه! وذلك لضم هذا المخترع وبيعه وتوظيف ذلك للأجندة الأقتصادية والسياسية الأمريكية، ويشكل إضافة استباقية هامة كمنتوج، يضاف الى مجموعة المنتوجات العسكرية والتكنولوجية الأستراتيجية المحتكرة أمريكيا.
 
تلعب شركة "كيور فاك" الخاصة (450 موظفًا)  دورًا رئيسيًا في مكافحة الفيروس. هذه الشركة تقع في مدينة تيوبنغن الألمانية، وهي أول من اخترع تقنية messenger RNA والتي يمكن أن تؤدي الآن إلى اختراق. يسمح "بتطوير وإنتاج اللقاحات ضد كل الأمراض المعدية تقريبا، بما في ذلك ضد كورونا" وبحسب الصحفي غابور ستينغارت ، قال مجلس الإشراف في "كيور فاك" فريدريش فون بوهلين وهالباخ: "سيكون هناك لقاح ، أنا متأكد من ذلك".
رغم أنه لا توجد بيانات تفصيلية من الشركة حول طبيعة اللقاح، فإن مبدأ اللقاحات بشكل عام هو إعطاء الشخص جراثيم المرض التي تم قتلها أو إضعافها، مما يؤدي إلى تكوين مناعة في جسمه ضد مرض معين.وعند دخول هذه الجراثيم إلى الجسم فإنها تحفز جهاز المناعة على تكوين أجسام مضادة لمرض معين وذاكرة مناعية، بحيث يتذكر جهاز المناعة الميكروب المُمْرِض فيقوم بمهاجمته وعند دخول هذه الجراثيم إلى الجسم فإنها تحفز جهاز المناعة على تكوين أجسام مضادة لمرض معين وذاكرة مناعية، بحيث يتذكر جهاز المناعة الميكروب المُمْرِض فيقوم بمهاجمته والقضاء عليه فورا عندما يدخل الجسم في المرة اللاحقة. بهذه الطريقة يمتلك الجسم مناعة للجرثومة، دون أن تؤدي إلى مضاعفات لديه أو موت الشخص، لأن الجرثومة تكون ميتة أو ضعيفة. لذلك يفترض أن التطعيم الذي تعمل عليه شركة "كيور فاك" مكون من فيروسات كورونا المستجد جرى قتلها أو إضعافها.
ألمانيا ليست للبيع !
قال وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير، الحليف المقرب للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في رسالة باللغة الإنجليزية للولايات المتحدة الأميركية يوم الاثنين، أثناء حلقة نقاشية استضافها الصحفي الألماني البارز جابور شتاينغارت "ألمانيا ليست للبيع"، وذلك على خلفية الخلاف الذي نشأ بين البلدين بشأن حقوق ملكية لقاح ضد فيروس كورونا.
من جهته، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إن "الباحثين الألمان رائدون في مجال تطوير الأدوية والعقاقير. ولا نستطيع أن نسمح للآخرين بالحصول على نتائج أبحاثهم حصريا". وأضاف "سوف نتمكن من هزيمة هذا الفيروس معا وليس ضد بعضنا بعضا".



89


الدليل البريطاني للوقاية من مرض كورونا: تم تصميم هذا الدليل حول مرض الكورونا،
مدعومًا بنصيحة من خبراء الصحة الرائدين، لحمايتك أنت وعائلتك.
مع ملحق حول أضرار أقنعة الوقاية
ترجمة: الدكتور حسين سرمك حسن

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/74255.php



90
مشاهد وقصص مرعبة عن وفيات الكورونا في إيطاليا

 بولص آدم

تبعًا لاحتمال قيام الأفراد المعرضين للإصابة بالاتصال الفعال والاختلافات العامة في الفلسفة الطبية بين الثقافات. كان هناك تعامل متفاوت في طرق الوقاية من المرض، والتحوطات المتبعة لأبطاء إنتشار الفيروس من محاصرة وعزل وغيره، الا أن الأسبوع الماضي شهد أستجابات متشددة وتصاعد قرارت الحجر على مدن ومقاطعات وغلق كل الأماكن التي تشهد تجمعات بشرية وفق متطلبات الحياة المدنية وعلى مستوى عالمي..
تٌرافق المحاولات العلاجية، في ايطاليا، حالة من الأسف الشديد على نقص كبير في اللوازم من أجهزة وأمكنة مؤهلة لتمكين تقديم العناية الطبية اللآزمة، المعاناة كبيرة، والأطباء يعملون ليل نهار من أجل إنقاذ المصابين، من المعلوم لدينا وخاصة في زياراتنا المتكررة لأيطاليا قبل ظهور هذا الفيروس في الصين، هو إقامة أعداد كبيرة من الصينيين في إيطاليا بشكل غير قانوني واستمرار السفر بشكل طبيعي من والى ووهان في ديسمبر ويناير، كان واحدا من أسباب إنتقاله الى ايطاليا، تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في ايطاليا، كان في الثلاثين من يناير،وكانت إيطاليا أول دولة في منطقة اليورو تعلق جميع رحلات الطيران المباشرة من وإلى الصين، مما أثار حفيظة حكومة بكين. واتخذت روما هذا القرار بعدما اكتشفت إصابة سائحين صينيين من ووهان بالفيروس في نهاية يناير كانون الثاني. ومن المعلوم، اكتشاف الفيروس لأول مرة في مدينة ووهان، وسط الصين، في شهر ديسمبر 2019. ويُعتقد أنه نشأ لدى الحيوانات البرية، وانتقل إلى البشر من خلال الاختلاط بالحيوانات المصابة أثناء عمليات تجارة الحياة البرية في الأسواق الرطبة.
  إخترت لكم وصفاً للأحوال من داخل منطقة لومبارديا، شمال إيطاليا حيث الخوف والرعب من قبل الطبيب جاسون فانس شور، وقد تولى الترجمة موقع، النمسا نت نقلا عن تويتر وفيمايلي:

مشاهد وقصص مرعبة عن وفيات الكورونا في إيطاليا, لهذه الأسباب علينا اتخاذ أقصى درجات الحذر..

النمسا نت, @jasonvanschoor / طبيب إيطالي.
١/ يقول استشاري عناية مركزة إيطالي: لقد عملت في بريطانيا وإيطاليا وأستراليا، ولا أريد لأحد أن يتصور أن ما يحدث يحدث في دولة من العالم الثالث. لومباردي هي أكثر المدن الإيطالية تطورًا وفيها نظام صحي استثنائي.
٢/ من الصعب تخيل الوضع الحالي، والأرقام لا تشرح الأمور على الإطلاق. مستشفياتنا مُنهكة ومُرهقة بسبب مرض الكورونا وهي تعمل بسعة ٢٠٠٪
٣/ لقد توقفنا عن كل الأعمال الروتينية في المستشفى. كل غرف العمليات تم تحويلها إلى غرف عناية حرجة. حتى أنه تم التوقف عن علاج حالات الحوادث والجلطات، أو تحويلها لأماكن أخرى. لدينا مئات من المرضى الذين يعانون من فشل رئوي حاد وليس لدينا لهم سوى كمامات عادية.
٤/ المرضى من عمر الـ ٦٥ وأقل ممن لديهم أمراض مزمنة لا يتم حتى رؤيتهم من قبل أطباء العناية الحرجة. أنا لا أقول بأنه لا يتم تنبيبهم (أي وضع أنبوب بلاستيكي في القصبة الهوائية لإبقاء مجرى التنفس مفتوحًا) بل أقول لا يتم رؤيتهم، ولا يوجد طاقم أطباء عناية حرجة حتى عندما تتوقف قلوبهم.
٥/ أصدقائي الأطباء يتصلون بي وهم يبكون لأنهم يرون الناس يموتون أمامهم ولا يمكنهم فعل شيء سوى إعطائهم الأوكسجين. بسبب نقص الكوادر صرنا نستعين حتى بأطباء جراحة العظام وأطباء علم الأمراض. أرجوكم توقفوا هنا. اقرؤوا الكلام مجددًا. وتفكروا!
٦/ لقد رأينا ذات النمط في عدة أماكن مع فاصل زمني قدره أسابيع. ولا يوجد أي سبب أن نشاهد نفس النمط يحدث في كل مكان، إليكم النمط..
٧/ النمط: أولاً، إصابات قليلة مؤكدة، تطبيق إجراأت احترازية ووقائية بسيطة، الناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي ويستمرون في مناسباتهم الاجتماعية، الجميع يدعو لعدم الهلع. ثانيًا، بعض حالات الفشل الرئوي المتوسطة تحتاج إلى تنبيب. حتى الآن كل شيء يبدو رائعًا وبخير.
٨/ ثالثًا، أفواج من المرضى يصيبهم فشل رئوي متوسط تسؤ حالتهم مع الوقت حتى يتم ملئ كل غرف العناية الحرجة ثم استنزاف جميع أجهزة التنفس وصولا للكمام والأكسجين العادي. رابعًا، تبدأ الكوادر الطبية بالإصابة بالمرض فيصبح من الصعب تغطية المناوبات. عدد الوفيات يزداد بحدة بسبب نقص الرعاية.
٩/ كل ما تحتاجونه من أساليب لمعالجة المرضى متاح على الإنترنت، لكن الشيء الوحيد الذي سيصنع الفارق هو عدم الخوف من اتخاذ أقصى الإجراأت مشددة لحماية الناس. إذا لم تتخذ الحكومات ذلك، فعليكم أنتم أن تحموا عوائلكم خصوصًا من لديهم أمراض مزمنة.
١٠/ سلوك آخر شاهدناه كثيرًا أن الناس حينما تقرأ وتسمع هذا الكلام يقولون “نعم الوضع سيء يا صديقي” ثم يخرجون ويتناولون العشاء معًا معتقدين أنهم في مأمن. لقد رأينا نحن هول المشهد. قد يمكنكم تفاديه إذا أخذتموه على محمل الجد. أتمنى ألا يصبح الوضع لديكم بهذا السؤ، لكن.. تجهزوا.
ننقل لكم أيضاً بقية المشهد باختصار من طبيب عناية حرجة آخر في إيطاليا اسمه Daniele Macchini. المصدر @silviast9
١١/ يقول: الوضع حرب فعليًا، كل شيء يبدو كالحُلم. لم يعد هناك شيء اسمه اختصاصات طبية مختلفة الكل “طبيب” فقط ويخدم في كل مكان. لم يعد هناك “مناوبات” نحن في المستشفى ليل نهار. ترددت كثيرًا في كتابة هذا الكلام. لكني أعتقد أن عدم كتابته هو تصرف غير مسؤول.
١٢/ تأتينا إصابة جديدة تلو الأخرى بنفس التشخيص؛ التهاب رئوي حاد، التهاب رئوي حاد، التهاب رئوي حاد. جميعهم يحتاجون لدخول المستشفى. الأعداد تتضاعف ولدينا ١٥-٢٠ دخول جديد للمستشفى كل يوم. بالله عليكم أخبروني أي إنفلونزا تلك التي تُسبب هذا المشهد؟
١٣/ أنا من الأشخاص الذين شكوا بأن الوضع سيكون بهذا السؤ. لكني لا أفهم الدراما في احتجاج البعض على تخويف الناس بحجة أنهم لا يريدون لحياتهم اليومية أن تتعطل “مؤقتًا”؟ ما أسوأ ما قد يسببه الذعر؟ ألا تتوفر الكمامات في السوق؟ هل هذا الثمن يستحق الأرواح التي تُزهق والمشهد الذي نعيشه؟
١٤/ الحرب مستمرة ليل نهار. كوادرنا مُرهقة وأصابنا المرض رغم اتباعنا للبروتوكولات. لم يعد لدينا حياة اجتماعية. أجهزة التنفس في المستشفى أصبحت كالذهب. على الجميع مسؤولية. أرجوكم أوصلوا هذه الرسالة للجميع حتى نمنع حدوث هذا المشهد في أماكن أخرى من إيطاليا.
 





91
المنبر الحر / سائق القطار
« في: 20:57 14/03/2020  »



سائق القطار

 بولص آدم


ـ كفاكم مافعلتم به، أتركوه، أتركوا سامر وشأنه، وإلا تنتظركم طعنة مدية.
   في أول ظهور لسجان على مقربة من بوابة القسم، سمع عن المدية، من الرجل القصير الثخين، ذا الرأس الملفوف بيشماغ، ونظارة بعدسة واحدة فقط. دخل السجان، يُعنف ويفتش عنها في كل شبر من مكان سائق القطار عامر..
ـ أين المدية، أخرجها فوراً وإلا؟
ـ لقد صدقتم حيوان شاذ ولا تصدقون إنسان شريف، ليس بحوزتي مدية!

    في القسم الذي يحوي سبعين سجيناً يتوزعون على أسرة بطابقين، موزعة على مربعات نُسميها حظائر، ينفتح ضلعها على ممر ضيق في منتصفها، يمتد من الباب وحتى الجدار المقابل في المؤخرة، سَكَنَ عامر الذي يُعاني من مغص كلوي، في الزاوية القصوى، على السرير الأسفل وعلى سرير فوقه، يضطجع سامرو بحماية عامر وكان يهتم به وكأنه ابنه:
 ـ أعطيت أمه كلمة شرف، أن ليس يصيبه أذى..

   كان سامر النحيل، ذو القزحيتين الملونتين وشعر رأس فاحم، بارعا في حياكة سِلّية صيد السمك، مُربعات دقيقة، تُعقدُ بخيوط رفيعة، يُنهي كُل واحدة منها خلال أُسبوعين تقريباً، تأخذها أمه في المواجهة وتبيعها للصيادين في سوق النجف..
   لولا سائق القطار، لكان سامرعاطلا هُنا، معطوباً بالحبوب المُخدرة التي يتم مَدها سراً، وتحت رحمة حثالة مكبوتين.. هو الوحيد، من يهتم بعامر في أشد ساعات الفشل الكلوي وآلامه، إذ لم يُسمح للجميع أن يقترب من حضيرتهما..
 
   وأنا أُدخن سيجارتي الأولى صباحاً، لم يكن سهلا تلافي النظر نحو كولاج لورق مقوى أخضر، كان مُلصقاً على الجدار فوق رأسي، عربات تتبع مقطورة، وأمرأة تلوح للقطار بمنديل أبيض، ذلك المُلصق الذي شكَّلته ذات يوم مُتلبس بالحنين، نقلته معي أينما تنقلت في أبو غريب، وكان في مكانه دوما، فوق الرأس، صلة موصول بمكان ولادتي وطفولتي حتى اليوم، حياتنا في محطة القطار وماحولها من بيوت العمال.. ذلك الكولاج البسيط، كان محط أنظار السُّجناء، وكان شفيعهم في الخلاص ورمز الأنطلاقة الأخيرة الى الحرية يوم إطلاق السراح المُنتظر.. لولا قطاري الأخضر وتلك المرأة الملوحة بالمنديل، لما عرفت عامر، وحكاية قطار الموت التي سمعها زميله في المقطورة مع صوت رطمات الريل على القضبان، قطارُ البصرة الذي يقوده، وأوصله الى السجن!..

   قبل أعوام طويلة، حَمل السطول المملؤة بالماء، شارك عامر برش عربات القطار الحديدية..وعندما نبتت شعيرات الشارب واللحية، أدركَ بأن تبريد تلك العربات المُستخدمة لنقل المواشي والأخشاب، كان لأنقاذ مئات المسجونين السياسيين المنقولين الى السماوة، كان الأعدام بأنتظارهم ..   
  صار عامر رجلا بالغا يُعتَمَد عليه، وامتهن سياقَة القطارات على نفس السكة، قطارات الحمل التي تنقل الخشب والمواشي، يتشرب عقلُهُ وتتلون روحه بعالم خطوط السكك الحديدية، وجوه ناظري المحطات وهم يلاحقون عربات القطارات المُغادرة بعيون ناعسة، تُظلل الأيادي عيونهم من الشمس، الأعلام اليدوية الخضراء والحمراء، الأكواخ البعيدة الغاطسة في سراب الأصياف والقطارات تزحف هادرة في براري صماء، قطيع الأغنام التي ينتظرُ راعيها ممتطيا حماره، مرور القطار لينقل قطيعه الى الجهة الُأخرى و تتحول المسافات من شباك القطار إلى امتدادات..
  يتوقفُ فجأة عن مواصلة المونولوغ، عند أشتداد ألآم كليته، ينسحبُ محدودباً، يترُكني ويُغادر حضيرة الخرّيجين صوب سريره، يتكفلُ سامر بتغطيته بعد سقيه جُرعة ماء، ولحسن الحظ، فقد تمت ظهيرة هذا النهار، الموافقة على نقله الى مُستشفى في بغداد لغرض غسل الكلية..
   كان الزائر الكريه بنظارة العدسة الواحدة، يُحاول الأقتراب من القسم في غياب عامر، يقف عند الباب وينظر صوب سامر المشغول بالسلّية، ثُم يختفي، وعند عودة عامر من بغداد..
 ـ .. يقطع القطار مسافة كبيرة وهو يمضي متمهلاً، شكل القرى التي تتابع من خلال النافذة، هادئة تمضي وتسلم إلى أخرى لاتختلف عنها والقطار يسير بأتجاه البصرة.. الا أن قطاري لم يصل أبدا! طوال الوقت، تحدثتُ عن قطار الموت، وبطولة سائقه ( عبد عباس المفرجي) الذي خالف تعليمات السياقة البطيئة وأنطلق بقطاره وبالسرعة القصوى نحو مدينة السماوة.. ظننتُ بأنها من القصص الغابرة التي لم يعُد لها شأن، مَرَّ عليها سنوات طويلة.. لكن التوقف الطويل في المحطة الهرمة التالية، حدث وبصفاء نية رُبما، أن يُسمِعَ زميل لي كان في المقطورة، أقرب شرطي على الرصيف، حكايتي عن سياسيين وصل بهم الأمر الى لعق العرق من أذرع زملائهم، فالعطش والحر في العربات الحديدية المغلقة، كان قاتلا.. ثُم سألَ زميلي سامحه الله:
ـ ياأبو اسماعيل، هل أن الحكاية التي قصها علي عامر، صَحيحة؟!
.. أبي كان السبب، نعم أبي، كان حُلمي أن أتعلم كل شئ يخص الكهرباء، الا أنه منعني، فالكهرباء تقتل وترميك جثة متفحمة بعيدا لأبسط خطأ، مُرغما صرت ماأراد، بمرور الوقت أحببت تلك المهنة، ثم أن ساعات السياقة في المقطورة، أبعدتني عن مشاكل لاتنتهي، وكانت فترات أستراحة رُغم قَلَق وارهاق الرحلات .. مع ذلك، أبي كان السبب!

  نُقِل عامر، من الزنزانة عدة مرات الى مستشفى في بغداد، وفي المرة الأخيرة، أخبر الطبيب، السجان المُرافق، بأن:
 ـ الفشل الكلوي عند هذا السجين مُتفاقم، لانفع من وصف أدوية له، هو لايسمح للدواء أن يأخذ وقته ليظهر مفعوله، ويُطالبني بعلاج قوي آخر، لدي قواعد طبية أعمل وفقها وليسَ قواعد الجهلة! 
  في طريق العودة الى أبو غريب، يفصله عن سائق سيارة السجن والسجان الجالس جواره، شباك صغير، كانا يتحدثان عن أوامر بجمع دم المسجونين وتسليمه الى المستشفى العسكري في بغداد، حاجة ماسة لأي قطرة دم يتم التبرع بها لجرحى الحرب، رافق ذلك صوت مرتفع ينبعث من مسجلة السيارة، لكأنها مسامير تُدَق في رأسه، تلك النقرات السريعة على أوتار العود في مقدمة أغنية الربيع، تُزعج عامر المُنكمش على كليتيه، كُل شئ هنا يعمل ضده، فسميعة فريد الأطرش، لم يكن يهمهم ساعة الأندماج، حتى ولو أحترق ألماً..
  ..العاصفة القوية التي نسمعُ صفير ريحها و جريان مياه المطر في المزاريب لكأنها شلالات و صرخات عامر الذي يُعذبهُ ماء تسرب الى رئتيه، سعاله الجاف يشُقُّ صدره ويُلفت انتباه المُتعاطفين في القسم.. توجهنا نحو الباب السميك ونادينا من خلال فتحته المُشبكة، صَرخنا مُنادين الحرس بأعلى صوت وبدأنا ركل الباب بقوة، رُبما يسمعُنا أي سجان، لكن،لاجدوى، تفصلنا عنهم، الساحة الرصاصية الغارقة في الظُّلمة، والعاصفة تَلطُم جدران السجن وسقوفه، نسمَعُ خفقات توتياء وحديد على بعض..
 ـ يا جماعة، ياأساتذة، ياأنتم الذين هُناك، عامر يحتضر..
 وقالوا متجمهرين حوله، وأحدهم يضغط بأبهامه على وريد المعصم:
ـ مكتوب له، أن يموت في أبو غريب!
 

92
المنبر الحر / مَوجات إذاعية
« في: 23:15 11/03/2020  »



مَوجات إذاعية 
 

بولص آدم

  حَلَّ المساء، المطر في الخارج يهطل، الضؤُ الشاحب  يتسربُ من الشباك ويمنحني لقاء قطرات تتجمعُ في الساحة الرصاصية، إمكانية التأمل في لوحة خافتة تَرتَج، أنبُشُ فيها عُقوداً ماضية، فتنكسرُ زُجاجةُ الذكريات، أصابعي الممدودة الى أقصاها في ثغور الشباك، لن تتبلل مثلما تمنيت، فجدران السجون سميكة وكلُّ ثغر في الشباك نفَق! يُكِملُ معالم هذه الصورة من حولي، معابر، مُنحنياتُ ومُرتفعاتُ الحكايا.. 
 سَجينُ يحكي والفواقُ يُلازمه، وآخَرَ يسمَعُ مُتلهفا، مُرغماً على السماع كُنت طالما لَم أنَم، أسمعُ ولا أرى الحُكاة، تصلني الحكايا بصوت عالٍ أو مُنخفض وحسب بُعد المساجين عني، حكايات مُتداخلة، لكأنها تُذاع عبر الأثير، تأخُذُ أمواجُه المتكلمين من مكان الى آخر، ثم تُعيد المستمع الى نفس محطة المذياع وعلى موجات مُختلفة الأطوال: 
ـ عندَ انتقالنا من البادية الى المدينة.. وجدتنا في وضع حرج وكريه الى أبعد الحدود، لم نَكُن نعرفٍ إنسانا هُناك. 
ـ المُستمع مقاطعاً : لا بالله 
ـ أي والله، لَم يَكُن في جيب أبي ولو درهم. 
ـ لا بالله؟ 
ـ أي والله، وصلنا الميناء، يَلُف الظلامُ تلال المُعِدات ورأيت أول مرة في حياتي باخرة.   
ــ لا بالله؟   
ــ أي والله، ثُم عُدنا، نبحث بين الأبنية عن مأوى ووجبة تسد الرمق..
.. في أستراحة لنا، بين حصص تعليم قيادة الطائرات في النادي، حكى لنا مَسؤول، حضرَ لمتابعة تطور إبنته المُشتركة في الدورة، حكاية مَرِحة دارَت بين الأصمعي وهارون الرشيد..
 ..كُنا مجموعة عزابية، سافرنا الى بُلغاريا في السبعينيات، تخَيَّل أخي، كُنا في العصرية، نرتدي دشاديشنا، نشتري رَقية مُدورة، ليس الرقي هناك كما هو عندنا، لم نكن نَشُقها بالسكين عند الشط كما هو عندنا، بل على قارب مهجور عند البحر. 
ـ السامعُ جنبه : هل كانت حَمراء؟ 
ـ أي والله، رَقي بُلغاري أحمر طبعاً!.. سامحني أرجوك، أشعُر بتأنيب الضمير، أنا أدفعك الى إشتهاء العنب البعيد عن اليد! 
 ــ أكمل أرجوك ولا يهمك. 
 ـ أقصد، لب الرقية كان أحمر بحُمرة الشمس وهي تغطس في البحر 
 ـ لا، لا بالله؟ 
ـ أي والله، ثمَ.. ثمَّ ، لا والله، أعتذر عن تكملة ال.. لأن 
ـ أخي، الله يخليك، نحن في السجن ولسنا في محكمة، أكمل ولاتخف! 
ـ من هناك والى المراقص، ونعود الى الفندق هَلكانين. 
ـ طبعاً، لم تذهبوا الى هناك لدفن ميت، أليس كذلك؟ 
ـ يَعني، شئ من هذا القبيل أخي، كُنا في عز الشباب... 
..تخيَّل.. المتاهة التي قذفتنا في الميناء، لكأنها كانت فأل خير على أبي، ففي نهاية المطاف، إشتغلَ في الحمالة هُناك، صَدق بأننا كُنا نسألُ أنفسنا بعد العودة من الميناء الى مدينة الجمهورية: ياتُرى ما الذي تحويه هذه الدكاكين المُغلقة التي نمر بها؟ 
ـ لا بالله 
ـ أي والله... 
... يا محفوظ السلامة، فنادق بٍلغاريا مُختَلَط، مَصيف فارنا مُختَلط، يعني الكُل هُناك مُختلط !
ـ لا بالله، حتى عند البحر؟ 
ـ طبعاً أخي، رَمل البحر أصلا، كيف له أن يعرف بأنكَ حُرمة أم رجُل؟ـ 
.. ( قال الأصمعي للرشيد: بلغني يا أمير المؤمنين أنّ رجلاً من العرب طلّق في يوم خمس نسوة، فقال: إنّما يجوز مُلك الرجل على أربعة نسوة، فكيف طلق خمساً؟؟ قلت: كان لرجل أربعة نسوة، فدخل عليهنّ يوماً فوجدهنّ متلاحيات متنازعات، وكان الرجل سيء الخلق، فقال: إلى متى هذا التنازع؟ ونظر إلى واحدة منهنّ وقال: ما أخال هذا الأمر إلا من قبلك، اذهبي فأنت طالق، فقالت له صاحبتها: عجِلتَ عليها بالطلاق، ولو أنت أدّبتها بغير ذلك لكنت حقيقاً، فقال لها: وأنتِ أيضاً طالق!)..
.. وبعدين، إلتقينا بناس طيبة من أمثالكم، ساعَدَتنا، وليس كما حذرنا عمي المرحوم الله يسامحه، من الناس في المدن، وقال بأنهم وخاصة الرجال، كُلهم أدنياء.. 
... وأنت، ألم تُسافر؟ 
ـ عشت وصادفت ماصادفت في تنقلات الجيش، بالأضافة الى السجون و هُنا في ابو غريب، خاتمة السَفَر.. 
..(فقالت له الثالثة: قبّحك الله، فوالله لقد كانتا لك من المحسنين، وعليك من المفضّلين، فقال وأنتِ أيتها المُعدّدة طالق أيضاً، فقالت له الرابعة: ضاق صدرك على أن تؤدب نساءك إلّا بالطلاق؟! فقال: وانتِ طالق أيضاً، وكان ذلك بمسمع جارة له، فأشرفت عليه وقد سمعت كلامه فقالت: والله ما شهدت العرب مثلك، أبيتَ إلأّ طلاق نسائك في ساعة واحدة!! فقال: وأنت أيّتها المؤنِّبة المتكلفة طالق إن أجاز ذلك زوجك!! فأجابه زوجها من الداخل: قد أجزت قد أجزت.)..
   هذه الحكايات وغيرها أسمعها حَوالَيَّ، تُعادُ مرارا وحسب مؤشر المذياع تحت تأثير الجو العام في السجن، ليست أكثر من رغبة في عدم الشيخوخة والخرف .. هكذا أعتقدت في الأيام الأولى منقولا من زنزانة أُخرى الى ردهة الحكايا الغامضة هذه ، لكنها ليست كذلك وفق أبو زياد، الخفي من أفكاره عنها والمُعلن منها، جولاته المكوكية وجلسات الشاي والتدخين مع شتى مجاميع المسجونين في الردهة، لم تكُن للوقوف على طبيعة الأحوال، ليُقابَل من جانبهم بأمتداح فضائله المتواضعة و ارتياح غير المُلمين بالأمور له تبعا لذلك .. 
   كمُراقب في الردهة، كان لهُ كُل الوقت للتفكير في كُل جُزئية  مهما كانت تافهة، المعلومات تُفيده وتحليلها أختصاصه، يُستحسَن معرفة الموقف، ما حيلتنا عندما يتمكن المنافسين، من ادارة اللعبة بكُل حَذَق وتمكنوا من إستغلال أقل الهفوات، وذلك سيُكلِّفه موقعه كمراقب هنا، وفي ذلك ضعف وثغرة لايَسمَح بها، فقد كان مُراقبا لكل الأقسام التي شهدت له بالمُراقبية وكيفية الحصول عليها بأسرع وقت في المكان الجديد المنقول اليه.. غارق في التفكير كان في هذه الأ ُمور يُسجل في دفتر، أنصاف كلمات وأسهم ودوائر حول أسماء، أرقام وإشارات غامضة، لكأنه صحفي يُتابع مؤتمرا هاماً، وحكايته حول بلغاريا، سمعتها منه بنُسَخ مُختلفة، فمع المرضى، كان سبب تلك السفرة للعلاج، ومع التجار في السجن، فقد كانت السفرة لدواعي الأستيراد، لكنه حصل على لقب (الجاسوس)  بنُسخة كونه صائد جواسيس كرجُل مُخابرات لغرض التطبيق في بُلغاريا، ولكنه لم يُكمل تعليمُه الأستخباري في كُلية الأمن القومي، عند ضبطه في العشق مع زميلة وهذا الشئ ممنوع  ولذلك هو يقضي المحكومية هُنا! 
   في حكايته للقصة المؤلمة للمرة العشرين رُبما، عن مدينة الميناء وهجرة العائلة اليها والتقائهم بأناس طيبين والخ،  كانت هرباً فالوالد كان مُلاحقاً.. ـ بحثنا عن الستر، وتمكنا في النهاية بعد تعب وكَد، أن نبني لنا بيتاً صغيراً ، بمواصفات سليمة، وليس غش في المواصفات، مثل الجاسوس!
   ما أن سمع أبو زيد المُلقب بالطيار، حتى وثب على قائميه وسأل:
 ــ هل أنت مُتأكد؟
ــ طبعاً، والده العميد المُتقاعد، هو الذي قال لنا في غياب مؤقت للجاسوس، أثناء المواجهة.
ـ كَيف؟
ـ مُكلفاً كان وهو ضابط في مديرية إنشاءات، بتنفيذ مشروع توسيع المُديرية، فقام بعملية غش مواصفات واسعة في مواد البناء وفرق قيمة الشراء، دَخَلَ في جيبه..
 ـ معنى ذلك، أبو بُلغاريا هذا، كَذاب؟
 ــ طبعاً، الرقي المُدور والشمس الحمراء الغاطسة، الرقص والبحر والمُختلط، كُلَّها، أفيال طائرة!
..بعد مُضي حوالي الساعة، أنتشر الخبَر، وتحول الجاسوس الى مَسخرة..
   بيد أنه، وبجولاته المكوكية الماهرة، عَرى حقيقة الطيار، حافظ قصة الأصمعي وهارون الرشيد والزوجات الخمس، قائلا:
 ـ ياجماعة، ياأخوان، هذا الطيار، حقيقتهُ عندي! ومثلما تعلمون، بأنني كمُراقب مُخضرم في أبو غريب، لدي حُضوة لدى سُلطات السجن، وأن كاتباً في الأدارة، كشف لي، بأن الطيار الذي لُفقت لهُ تُهمة التحرُّش بإبنة مسؤول، تتلقى دروساً في قيادة طائرة المحرك الواحد في ذلك النادي، ماهي الا كذبة، فقد جمَعَ الأخ الطيار،زوجاته الأربع في غِرفة، وأنهال عليهُن ضرباً، بعد كشف نيته، تطليق واحدة منهُن والزواج من خامسة، تمَّ نقلُهُنَّ مُضرجاتُ بدمائهُن الى المُستشفى، ولذلك هُو هُنا!





93


حدث ذات مرة في الممر

بولص آدم

 حضر السجان الى الزنزانة وقرأ عددا من الأسماء، طلب منا تهيئة أنفسنا وتكييس مايعود لنا..
 إنتابني فَرَح وفكَّرتُ بأن هناك أطلاق سراح غامض، كالذي يحصل أحياناً، حيث يتم ذلك فجأة، ويخرج السجين تاركا أبو غريب بكُل مايتعلق به ، خلف ظهره، قبل أنتهاء مُدة المَحكومية، وسر إطلاق السراح يأخُذهُ معه! 
 ودعتُ المسجونين الذين قضيتُ معهُم أكثرَ من عام، وسط أستغراب باد على وجوه من تبقى في الزنزانة، قال دَحام، الذي أتخذ دوماَ مَبدأ عدم المودة والتحاشي في أيامه هُنا، مُخاطباً السجان:
 ـ أراك مُبتَسِماً هذا الصباح ياأُستاذ، هل كان الفطور قيمر؟
 ـ نعم، قيمر مع الدبس!
  ونحنُ نَهبطُ الدَرَج المؤدي الى باب الخروج من قسم، شيَّعتُ من كوة صغيرة ماكُنتُ أُسميه شَجَرتي، كانَ الجُزء العلوي منها مايُرى، بعيدة هُناك، مُزرقةٌ في الضباب خَلفَ الأسوار..
 
 نسيرُ والسجان يتقدمُنا بصفير أُغنية حربية رائجة تلك الأيام، تَلَفّتُ وحرصتٌ على أن أرى كل شئ آخرة مرة، وبرغم القَلق وتسارُع دقات القلب، مازالَ هُناك في نهاية الممر، حيثُ إدارة السجن، مُتسع من الوقت المُمِل حتى إطلاق السَراح، علَيَ أن أغبط نفسي على هذه اللحظاتِ التاريخية! على مُغادرة القُبح الموزع على جانبي هذا الممر الصقيل، الذي يتكرر غسلُه ومَسحُه بشكلٍ مُتكرر كعقوبات ليس لها نهاية..
هل سيكون في هذا اليوم، موعدُ نهاية الرحلة الذهنية والجسدية المُضنية، من الذي سيُجيبُ على تَساؤلاتي؟
من فوري تخيّلتُ مساحاتُ على مَدِّ البصَر، مماأعشقُهُ في بلادي، شوارِعَ مُكتظة، مُدُناً نختَرقُ ضواحيها، بأنتظارِ النزول وسطها، حيثُ الخياراتُ التي تنتظرُنا في كُلِّ الجهات، ستندَحِرُ كُلُّ الذكريات المُشبعة بالشُّكوك والخديعة هُنا، أمامَ مَدى الفيافي والسهول وزرقة على امتداد البصر حتى السماء..
وأنا أمرُّ بقاعة النجارة، التي تبقى منها الأسمُ فقَط، فهي مُزدحمة بالمساجين المرصوفينَ لضيق المكان، كالسردين في عُلبة ضخمة، من هُنا قدِمَ سَعدون راكضا، تلك الظهيرة المشؤومة، وجهُهُ مُدمى، وكانَ قَد حصلَ على أذن زيارة قريب له هُناك، حيثُ وجد نفسه وسطَ قتال جماعي بين تُجار الحبوب المُخدرة، دخَل زنزانتنا التي ودعتُها قبل قليل، مُحتضناً رَحيم، مُقبلاً أياه من الرأس حتى الخدين.. عَلَّقَ مٌتَبلد الأحساس، دحام:
ـ هل وصل العشقُ الى التَقبيل؟!
ـ فلتَعلَم أيها الغبي، إنهُ ولَدي!
 مَرَّ بنا سجانٌ يشبَهُ ممثلا في السينما الهندية، نسيتُ أسمهُ بحق الجحيم!
ظننتُ أنني سأكونُ أحسَنَ حالاً، سألتقي خَلفَ الأسوار، ضؤ نهار ينتشر،
رُغمَ أنف الحَرب، ستَزولُ تعاسةٌ وانقباض لايُمكن تصور مداها، شعرتُ بشئ يشبهُ الرغبة في الصلاة، أنالُ حريتي قريباً..
 هذا الممر طويل، ولكن في نهايته، أُمسِكُ مفتاح الحرية، أتصرف كما أشاء، على الأقل في الأيام القليلة القادمة، قبلَ أن يُقرر المجهول كُل شئ، إصطفت خطط المُستَقبَل بعضها مع بعض كالجنود، وغمَرني فَرَحُ  جُندي بأنتهاء حَرب.
لَم يَعُد هنا شئ يُمكن عملُه.. عند تَركِكَ لتكون لنفسك، جُلوسٌ على السرير المُزعج وتدخين سيجارة أُخرى طعمُها ردئ.. في كُلَّ ليلة، لم أَنَم طويلَا، أمس، كابوس فيه أختي الصغيرةُ، تُعانقُ شجرة وصدرها يختلجُ بالبُكاء، أسيقظُ على نفس السرير والزنزانة، لأعودَ الى التدخين ثانية وشعور بجوع شديد..
كلما أعتقدتَ بأن الهدؤ سيحل، يكون الضجيج في الرأس، أشد وطأة إشتَقتُ الى مَسكِ سماعة الهاتف والثرثرة حول أي شئ..
 إستيقظتُ من خيالات المسير البطئ في الممر على أمر من السجان، قِف.. كُنتُ في المُستقبل وهم قد توقفوا، بأنتظار أن يُنهي السجان حديثاً قصيراً مع زميلٌ آخر، وكلاهُما يتحدثُ الى الآخر مع ضرب جانب الفخذ بالمفاتيح الكبيرة المربوطة بحلقة حديدية، كانَ السجانُ الآخرَ، شبيهاً بسجانٍ في فيلم الفراشة، وتلك الرواية التي في كيس أمتعتي بيدي، ستُركَنُ على الرفِّ، لن أقرأها ثانية!
هانحنُ نُكمِلُ طريقَ الفَرَجِ ثانية، والأسوارُ بدأت تتلاشى تدريجياً، سيزولُ كابوس أن الليلَ سيستمرُ ولن يكون هناك نهار ثانية في هذا السجن.. 
هُناك حُرية، حتى في التخلي عن التفكير بأسوأ مايُكن أن يَحدُث، حتى ما أرتديه وأنتَعِلٌه، سأرميه في أقرب نار..
أوقفنا السجانُ قبل أمتار قليلة فقط تبعد عن غُرفة الأدارة الواسعة أمامنا، أختار مفتاحا من حلقة المفاتيح المُخيفة، فتح بابا ثقيلة على يسارنا، أمرنا بدخول الساحة الرصاصية، الضبابُ لم ينجلي تماما من بعد، أشار بأصبعه الى عُمق الساحة حيثُ الزنازينُ المجهولة وقال:
 ـ إذهبوا وابحثوا لكم عن مكان هُناك!
 كان سقوط نيزَكٍ على الرأسِ أرحم، أدركتٌ بما لايقبلُ الشك ثانية، بأن علي شق طُرق جديدة في غابة واسعة،
كان الحلم وهما، وتلك أقسى لحظة.


 

94
المنبر الحر / بأنتظار الأبوذية
« في: 11:29 26/02/2020  »
بأنتظار الأبوذية
 
بولص آدم
 
 الليلة الوحيدة التي، لم يُغني فيها (دعَيّر) مُطرب أبو غريب الريفي، كانت بسبب موت طفله الوحيد. 
 بينما كانت الأم مُنهمكة بالبحث عن فأر عَصي، سقطَ حمَيِّد الذي كان يلعبُ أمامَ الدار في البالوعة.. 
ما بَكى دعَيّر..قالوا بأن قلبهُ تَحَجَر، هل هذامعقول؟   
 قالوا أيضا، بأنه سَيجُن إن لم يبكي، ففي عدم البكاء على فلذة الكبد، دودة تنهش الرأس.. عار، عارٌ أن لايبكي على حمَيّد.. 
 يَبدو أنهم أستُفِزوا أكثر، عندما ذكرَ بأنَّ البُكاء لن يُعيدُهُ حياً، وعندما حاولوا، وحاولوا أن يُعيدَ على مسامعهم أي أبوذية مَجَرّاوية حزينة، من تلك التي كان يُقَطّع قلوب المساجين بها، سكَتَ وخَرَس..
 وبعدَ بُرهة، قال:   
ـ قلبُ الأب يدمع وعينُ الُأم تبكي.   
ـ سجين مُتحمّس، قال هامساً: ماهذه التُرهات التي نسمع، أبٌ سَلَبَ الموتُ طفلُه بهذه القسوة، يبخَل بدَمعة؟! 
 في الزاوية المُقابلة، جَلَسَ دَحام، رأسهُ مُصلَع قليلا وجبهته مُحدَّبة، العينان كانتا، صغيرتين وغائرتين وماكرتين، يظهرُ أحيانا، حقد غريب وتوتر غير طبيعي في نظراته، مشغولاً بهرش رأسه، لاأكثر.
 إلا أن أبو محمد، كان بين الخمسين والستين من عُمره، ومن مسافة قريبة، يبدو من أهل الأحسان والخير. رَبَتَ على كتف دعَيّر وقَبَلَ رأسه ومَدَحَ صَبره وقوة الأيمان، أسمَعَهُ بأن ما يمنحهُ اللهُ لنا، حُر بأسترجاعه في أي وقت يَشاء. وقل للمحتشدين المُنتظرين سَكب الدموع:
ـ أُتركوه أرجوكُم حالياً، وقعت على رأسه مُصيبة.. النياحُ حرام. 
ـ آمنا بالله أخي، لكن البُكاء على الميت العزيز ضروري جداً. 
ـ سجين آخر: ساعدوه ياجماعة الخير، البُكاء يُريحه؟ 
أُحيطَ مُطربُنا المنكوب، بمجموعة سَدّت عليه كوة الهواء، وكانت الزنزانة ساخنة بكل شئ، لم يتبقَ لنا شئ نفعلهُ، سوى تَعذيبِ بعضنا البعض!الذبابُ يوخزُ بأقدامه الباردة رقابنا المُعرَقّة، وبدأ دعيّر أنينُه الا أنه لم يبكي..   
 مُنذُ اليوم الأول لم يغب عن ذهني، أننا تحت سطح القلق المُكَبّل لكل هواجسنا وفقاعاة من مشاعرنا تتصاعد لتنفجر عند المُلامسة بأي سبب، لكننا في الحقيقة خائفون من شئ ما دوماً، نُغَطي خوفَنا بالفضول السالب والغضب. 
  نعرفُ بأن التلفاز في أبو غريب هو للتواصُل من القاع الذي نحنُ فيه مع القائد العام للقوات المُسلحة! كانت فكرة ماكرة لتذكيرنا بأننا خُطاة يومياً.. 
  بيدَ أنَّ، عَرض فيلم (البطل) أثناء هذه اللحظات الجنائزية، مَنَحنا فرصة مُفترضة لملامسة الحُرية، بالتماهي مع ميلودراما حول مُلاكمً مُعتَزِل، مُصاب بمرض عضال، مُطَلَّق، يُقرر العودة الى حلبة الملاكمة للظفر بأي مَبلَغ يتركهُ لولده الصغير.   
 التلفازُ مُثبت بأحكام على جدار صَدر القسم 2، المُكَوّن من طابق أرضي وآخر علوي، حول باحة داخلية بيضوية، وتتوزع الزنازين على الطابقين، زنزانة المٌطرب الريفي كنت أعلى، ونحن نُشاهد الفيلم جالسين في الباحة الداخلية أسفَل، كُل شئ بما يَخُص الترقب كان على مايُرام، حتى مجئ، مُلا كم القسم 2، عْبَيّس، طويل القامة، مَرصوص العَضَل، تَميز بغلاظة عُنق وكَفين، الوشمُ علامتَهُ الفارقة، عقارب و قلوب مصابة بأسهُم وسلاسل، أسماء وتواريخ، كان الجزء العلوي منه، نَصّاً بيوغرافيا يُعبر عن تاريخ شخصي حافل، كَواهُ الوشم على جلده الأسمر، صوته، كان كشخيره عالياً دوماً، لم يَفلَح بفهم الترجمة أسفل الشاشة، يَسألُ في كل مَشهَدٍ عما يَدور، ثُم تخلى عن سماع الشروحات المُتحمّسة من كُل صوب.. عند صعود المُلاكمين في المَشهد الى الحلبة والطفلُ يترقبُ أباهُ، مُنتظراً لحظة الأنتصار.. سَقَطَ البطلُ على أرضية الحَلَبة بالضربة القاضية.. أرادَ مُلاكمنا عبَيّس الأنتقام له، وبدأ البحث عنه على الشاشة، كان المُلاكمُ المُنتصر خارج الكادر والطفلُ يحتضنُ أباهُ المُدمى على الأرض، صَرَخَ عبيس ملوحاً بالمُكعب البلاستيكي الذي كان جالساً عليه: 
 ـ أين أختفيت ياحقير، إظهر ثانية، سأُهَشِّمُ وجهك بقبضتي! 
 قَذَف ما بيده بقوة ليرتطم بالجدار أعلى الشاشة، وصار كالفَهَد المُحاصر في قفص وهو يرى فَريسة خارجه، ولولا أن التلفاز مُثبت على الجدار أعلى، لكان قد هشَّمَهُ، ثم تكورَ على نفسه مُستمراً بمتابعة هيجانية، أضحَكَت كُل الحَزانى على الطفل الراحل حميد.. 
 تجمع المُعزين حول رأس دعَيّر وكأنه في بئر، لم يكفوا عن شد العزم و ترديد الأدعية ورجاء الجنة للفقيد، الشباك الجالس تحته على السرير، يَطُل على قسم المُغلقة الخاصة، سبَقَ وأن تم سدُّه بالطابوق والسمنت، كُنا نَسمَعُ صُراخا طوال النهار في الجهة الأُخرى، ولم نكُن نعلَمُ بأن الشباك يَطلُّ على باحة تعذيب وفضائع.. 
 أصغرُ المسجونين رَحيم، تمكَنَ من زحزحة طابوقة، يسحبها بروية، فيرى المَخفي، وينقُلَ لنا بالبث الحي مايحدُث، كُل من تعرَّضَ لتعذيب سابق، لم يكُن يرغبُ بالسماع بتاتاَ، مُطالباً رَحيم بأعادة الطابوقة الى مكانها مع التحذير من العواقب.. رحيم تغيَّرَ كثيراً بعدَ ذلك، حكى لي كوابيسَ لم أكُن أتخيلها، أمسى لاينامُ الليلَ من أوجاع رأسه، زازته والدته في المواجهة، قال لها بأنه سينتحر! 
 أنتهى الفيلم بموت البطل وأصبح الطفلُ الباكي على جثة أبيه، رمز اليتيم المحروم في هذه الدُّنيا، فما كان من مُلاكمنا وهو يقارن هذا مع قصة حَميد، حتى هَرعَ راكضاً نحو زنزانتنا وأحتضن دعَيّر باكياً على هذين المُصابَين، يكتم أنفاس دعَيّر الذي تحولَ الى مَلجأ أحزان، بنشيجه الهستيري، وأَخيراً، بكى أبو حمَيّد والأبوذية تشتعل في فمه.. أراد أن يَفلُتَ من هذا الأحتضان العنيف، دَفَعَ المُلاكم عبَيّس بيد ويده الأخرى ضَربَت دون قصد طابوقة رَحيم، سقطَت في باحة الشنق الساكنة، تَدحرجَت بصدى مُضاعف، رُبما إستيقَظَ  الحرَسْ.
 
 
 

95




                   
                  پول الصغير
                  (قصة مٌستوحاة من حياة العلامة بولس نويا اليسوعي)


بولص آدم

     أصبحَ قرار السفر الى الموصل هذا المساءُ في إينشكي، أكثَرَ جدية، والدي يريدُ أن يراني بجُبة قس سوداء، أنا أبنُ عشرة أعوام، أعرِفُ القرية والجبل، الكهف وينابيع المياه، جمع الحطب وأنتظار أن يُعانق شجَرُ السبيندار السماء، تُدَقُّ جذوعُ هذه الأشجارُ العملاقة بفؤوس ضخمة بأيدي رجال أقوياء مشدودة رؤوسَهُم بأذرع قماشٍ بقوة، تستلقي تلك الأعمدة النباتية الغليضة ويَتُمُّ التشليفُ على عجل ..أُراقِبُ مذبحة الأشجار تلك وأبكي كُلَّ مرةٍ تسقُطُ فيها شجرة صرعى، وأدفُنُ وجهي في أغصانها وأوراقها الخُضر الداكنة، ثم أركُضُ نحو كنيسة مارت شموني، أُشعلُ شمعة صلاتي، وأتوسَّلُ الربَّ أن يغفرَ لؤلئك الرجالُ القُساة، الجُناة، كيف لهُم نَحرَ عزيزاتي من الأشجار صديقاتي اللواتي تحدثتُ اليهُنَّ كثيرا، كيف ؟
   عندَ الفجر، حَمَلتُ صُرَّة ملابسي وأنجيل والدي وصليب أُمي، كان علي أن أتقبل هذه اللحظات الوداعية ألمُرة، مُذ قال أبي: أُريدُهُ أن يصبح راهبا.. أترُك هذه الأرض وهي في أبهى حلة مكسوة بالأخضرار والمياه الوفيرة وهي الحياةُ التي أعرِفُها، رعي وزرع، اللعبُ مع أصدقائي هُنا والسباحة في برك المياه العذبة.بالكاد ألحقهُ أبي.. أبي
ـ يابولس، سَرسنك التي سنمشي اليها بعيدة، فَلنُسرِع كي نَلحَقَ سيارة قادمة من العمادية، لو حالفنا الحظ .
ــ ألَم يَكُ أفضلَ لو ركبنا حمارنا الأبيَض؟
ـ ومَن يُعيدُهُ الى إينشكي، جَدَّتُك، ها؟! سأُرافقُك حتى دير ماركوركيس، سترى مدينة الموصل، هناك عربات بجياد تنقُلُ الناس في المدينة، سيارات من كل نوع وشوارع معبدة بالقير ومُضاءة بمصابيح على أعمدة، ألا تُريدُ رؤية القطار؟
ــ أنا لا أعرف غيرَ إينشكي فقط، كيف سأعرفُ الدروبَ وأتحدثُ معهم هُناك؟
ـ ياولدي، هُناك رجُلٌ كلداني ذهبَ الى أمريكا قبل عشرات السنين، هو ليس أفضلَ منك، أعرفُ مهارتُكَ في عَدِّ الأغنام بسرعة قبل إدخالها الحضيرة، أنت حافظ صلوات أكثر من شماسي أينشكي، صوتُك جميلُ أكثر من أصواتهم، برَبِّك هل للشماس يوسف صَوت، هو لا يُرتل بل يندُب ويُلول، لا يُفرِّ قُ بين الكنيسة والمقبرة! …
عندما قال الراهبُ الدومينيكاني في الدير لوالدي، سَنُسَميه (پول الصغير) عَرِفتُ أن في الحياةَ تغيير..
وضعتُ رأسي على الوسادة ودموع فراق أٍمي تنهمرُ مع كُل كلمة اتذكر كيف نطقتها بهمس :
ــ هُناك كما قال لنا القس في مارت شموني، ستتعلمُ أشياءَ لن تتعلمها هُنا، يقول، بأنك صادق ومحب، نقي، ذلك الدرب يَصلُحُ لكَ..
كان أبي في طريقه عائدا من الدير، سيعود الى قلب الموصل، يَبيتُ في، خان بجوت، وغدا سيُسافرُ الى أرض الأجداد، إينشكي..
   
    في قدح من الماء الساخن، وضع ملعقة من زهر البيبون الجاف، يعاني منذ أيام من عدم أنتظام في دقات القلب، انه الخامس من شباط1980نزع عن وجه التقويم ورقة الرابع وقرأ آية مخصصة لليوم الخامس، نشرة أخبار صبيحة الثلاثاء من الأذاعة الفرنسية، معبأة بالتوترات العالمية، كارتر والرهائن في أيران، أميركا تطلب سحباً للجيش السوري من مناطق في لبنان، غروميكو والأسد يلتقيان، وأسرائيل تتوقع تجدد القتال بين المسيحيين والمسلمين في بيروت، الوضع في أفغانستان حالك والسوفييت ينددون بعقوبات أمريكية.. فتَح الأب اليسوعي علبة فيها لبن، أخرج من علبة الخبز الخشبية رقائق خبز، الأخبار تتوالى..محاولة فتاة الأنتحار تحت الأرض على سكة المترو الذاهب من كلوني الى السوربون.. زادت خفقات القلب تسارعا، شرب ماء البيبون وهو يعيدُ على نفسه ما كتبه في كتابه (صوت المسيح) وطغى همسه الداخلي، لكأن إلقاء المُذيعة المُسرِع توقف.. (لو كان على الأرض من المحبة أكثرُ ممّا عليها الآن لسهل حلّ جميع المشاكل، مشكلة السلام ومشكلة الأمن الأقتصادي ومشكلة رأس المال والعمل. لأنه ليس للأنسان من فاعليّة حقيقية وتأثير عميق في الحوادث الا على قدر ما له من محبّة. كان القديسون قادرين على كلّ شئ لأنّهم كانوا يحبّون كلّ شئ…)
ركَّزَ في ورقة اليوم من التقويم، كلماتُ مؤطرة بنقشة نباتية زاهية وصُلبان صغيرة في كل زاوية من زوايا الأطار الأربع.. ( أحبوا بعضٌكم بعضًا كما أنا أحببتُكم).
قد هيأ كُل شئ مساء أمس قبل أن يُصلي وينام، الحقيبة التي فيها ملاحظاته حول أوراق عن النفري ستُناقش مع طالب دكتوراه في السوربون ووصل بريدي سيستلم بموجبه اليوم ظرفا بريديا من الموصل، أبقى الشباك نصف مفتوح كما كان طوال الليل رُغم طقس الشتاء البارد، هواء باريس كله لم يَعُد يكفي رئتيه.. أغلق باب الغرفة..
لم يستطع هبوط درجات السلم دون أن يعرج قليلا، أحس بوجع في الصدر مع كل عتبة، آلام كَسر ساقٍ وهمية.. تذكر ذلك الحجر المنقوص وهو يضغط على فرشات حجر هذا الدرج، حجر قبر لم يكن في مكانه عند أسفل تل المقبرة في مار ياقو، قيل أنه علامة على أن للبناء قدم مكسور عند سقوطه، ينبغي الأعتقادُ بأن البناء لم يكُن كثير الأيمان، لأنهُ كان أقَلَ حظاً من زميله الذي أعاد بناء دير إينشك وهذا الأخير كان خائفاً وقت بناء القُبة، فقد أراحتهُ مُعجزة الربان عوديشوع من داسن وشدد عزمه،
ولم يَحدُث أي شئ أثناء البناء.. هناك أسفل تل المقبرة، قبرُ بَنّاء، قُتِلَ نتيجة سقوط جدار الكنيسة.
لهذا الجدار نفس الملمس البارد لجدار هناك قبل أعوام طويلة، أثناء تجديد الرهبنة الكلدانية في الموصل نهاية الخمسينيات، يتذكر تزامُن ذلك مع كثير من الأحباط احيانا فالبناءُ صعب والضغينةُ سهلة والعالم ملئٌ بها! ودير ماركوركيس على تلته مُطلا على البساتين وتلاميذُ محبة المسيح، يملأون التلال القريبة أحلاماَ سماوية يتأملون عظمة الخالق بين شقائق النُعمان والنرجس البري والحندقوق ..
ـ بونجور مسيو پول!
ـ بونجور مَدام فرانسوا
ـ علينا الحذر هذا الصباح فالطرقات متجمدة
ـ على كُل حال، ليس المشيُ عندي على مايُرام!
لم تفهم مدام فرانسوا، وتجاوزته صعودا والتافت مع لفة الدرج الحجري صعودا.

   كان الطالبُ الذي جلس على كُرسي خشبي جنب باب الأب البروفيسور بألأنتظار، إنتظر كثيرا، أكثر من المُعتاد.. أطَلَّ البرفيسورعلى مهل والحقيبة الجامعية بيده، بعد تبادُل التحايا، قال مُبتسما:
ــ عودتنا اليوم الى النفري وذلك الماضي المُدهش تحتاجُ منا وقت أنتظار أطول أليس كذلك؟! ضحكا وهما يدخلان الغرفة التي كانت لعشرات السنين للمستشرق لويس ماسينيون، وهي الآن للمسيو بول بعد أن أرتقى الى كُرسيه الجامعي وحل محَل أُستاذه المشهور.
تقابلا على وجه منضدة من خشب الأبنوس، فُتحت الحقائبُ وتقابلت أيضا أكداس الأوراق، والنفري ملأ المكان روحانيات صوفية..
ماانفك الطالبُ شارل ينظُرُ نحو كولاج مؤطر بخشب رفيع بُني، بينما نظرات البرفيسور تتابعُ سطورا.. التقت نظراتهما ثانية:
ـ ذلك الكولاج المشغول بقطع صفراء مُكَولَجة على خلفية زرقاء صافية هي لوحة الشمس، للفنان الشاعر أدونيس، من أيام أطروحته الثابت والمتحول التي أشرفتُ عليها في جامعة القديس يوسف في بيروت
ـ عفوا مسيو پول، هل كان صوفياً ؟
ـ مُتأثر بالصوفيين.. في شعره ومقالاته لغة النفري ومأساة الحلاج
ـ الحلاج الذي صُلب في بغداد؟
ـ بالضبط، على جسر بغداد صُلبَ وأنزل وجلد ثم صُلب وهكذا حتى قُطعت أطرافُه وأذرعه ووضعت الى جانبه.
ظل الطالب ساكتاً وأستمَرَّ صَمتُ لكأنهُما في دقيقة الحِداد..
استَلّ البروفيسور پول نُسختين من صلاة حلاج الأسرار قبل صلبه، هذ الذي سمّاه جان شوفالييه “مسيح الإسلام”.. وضع نسخة بالعربية منها أمام طالب الدكتوراه شارل وبدأ المسيو العلامة بالترتيل وكأنه أمام المذبح الكنسي :
(نحن شواهدك نلوذ بسنى عزّتك لتبدي ما شئتَ من شأنك ومشيئتك، وأنتَ الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ، تتجلّى لِما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة، ثمّ أَوعزتَ إلى شاهدك الآني في ذاتكَ الهوى اليسير، كيف أنت إذا مثلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوتَ إلى ذاتي بذاتي، وأبديتَ حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في معارجي إلى عروش أزليّاتي، عند القول من برّياتي، إنّي احتُضرتُ وقُتلتُ وصُلبتُ وأُحرقتُ واحتملتُ سافياتي الذاريات ولججت بي الجاريات، وإنّ ذرّة مِن يَنجوج مكانها كل متجلّياتي، لأعظم من الراسيات )
أدمَعَت عينا مسيو پول وزادت الحرقة في صدره أضطراما..
ــ هون عليك عزيزي الأبُ، لم أفهم كلمة ( يَنجوج)
ـ ينجوج، هو العود الذي يُتبخّر به.
ــ كلامٌ يَخرُجُ من القلب الى القلب.
ـ إنه الذوقُ الصوفي يا شارل..

  ها أنذا في الشارع ثانية، ذلك حسن، صداعُ وضيق تنفُّس، ربما بمشيئة الرب، سيكون الألمُ عابرا، عند ظهيرة مدينة الجن والملائكة هذه، سأشُقُّ طريقي في مدينة الأسرار، أريد اللحاق بسريري والنوم قليلا، رغم أن هٌناك ضجيجٌ هائل في أعمال بناء المساكن الجديدة في بولوني بيونكور..على الأقل، سيكون هناك في غُرفتي أستلقاءٌ وأستئنافُ التحليقَ في سماء الخالق..
   إتخذ الأب اليسوعي بولس نويا مكانه في المترو بمحطة السوربون، لايرى في الخارج عبر النافذة سوى المرور المُعاكس لألواح مُسطحة مُظلمة تتراجع بلمحات خاطفة الى الخلف، والمترو يُسرع الى أمام في أنبوبته اللولبية الواسعة، شعر بدوار شديد، فبدأ يُصلي، أمامه يجلسُ شاب يقرأ كتاباً، تُرى ماذا يقرأ؟ هل يقرأ أشعار شارل دو فوكو؟ الذي تشوق مثله أُستاذُه المستشرق ماسينيون، إلى الاستشهاد في الصحراء! عندما كُنت بعمر هذا الشاب، كاهنا يأخذُ تلاميذ المعهد الكهنوتي للتعلم في المدرسة المُنذرية في الموصل القديمة، أحكي لهُم في الطريق عن جبابرة الأزمان الغابرة ونحنُ نتزاحمُ في الأزقة الضيقة، فكانوا يتغامزون ويضحكون، فيتعجبون من قصص الأُسود التي روضها الرُّهبان، فتحمي الدواب والبشر من فتك الذئاب، فكانوا يَركضون أمامي أو يتباطئون خلفي واضعين أكفهم على أفواههم، ساترين الضحكات اليانعة البريئة.. وأنا أفكر ثانية في عنوان كتاب الشاب أمامي، بدأتُ أحسُّ بموجة كهربية يتقلَّصُ بها جسدي، يتوقفُ المترو ويُطبقٌ الشاب كتابه، قرأت بلمح البصر عنوانه، هو كتابي، الحلاج، كتابُ الطواسين! غادر الشابٌ والمترو ينطلق ثانية، يضيق تنفُّسي وبدأتُ أرتعش، تطابقت تلك الرعدة على أنفاسي ، مثلها قبل خمسون عاماً، عندما طاردني خنزيرٌ بري، وأفلحتُ في دخول الكهف العميق في أينشكي وتخفيتُ هناك والهلعُ يتنازعني و صليتُ .. وصليت …و..
توقف المترو في المحطة التالية ولم ينطلق بعد ثوان هذه المرة كالمعتاد، هناك أنتظارُ لسيارة أسعاف وحضرت الشُّرطة..
فتَّشَت المُسعفة عن أسم الرجل المتوفي بالسَّكتة القلبية في المترو.
المظروف البريدي من الموصل، لن يِستَلمهُ أحَد.








































96
المنبر الحر / الحملان الوردية
« في: 11:21 19/02/2020  »



الحملان الوردية

بولص آدم

  في صفيحة تحوي ماء مغلي، وضعت أُم بدرية  قشور رمان وفجل وخرق اقمشة وردية للحصول على صبغة، متعمدة في اختيارها لصفيحة طبع على جنباتها، صورة راعي بالزي العربي وهو ينفخ في ناي وسط خرافه، تطابق ذلك الأختيار مع فأل حسن صدقته، صُبغة وردية يُغطس فيه حمل صغير اشترته في الربيع وهي تفكر بما سيوفره لها بعد اشهر.. سيحمل لونا يميزه عن حملان اخرى لو سرق، ستعرفه باكرا في السوق..هكذا فكرت ..
  كانت أُم بدرية، بحاجة الى أنيس في وحدتها على اية حال.. لعب الحمل دورا اكبر لم يخطر على بالها،ليس في تقافزه في قفص كان لدجاج مات ( لم تكن محظوظة مع الدجاج) ، تميز ذلك الحمل بمواصفات كلب ايضا، فهو الذي سمع صوت لص قبل ان يهم بتسلق الجدار واحدث ضجيجا هائلا لاشى كابوس قديم يزور نومتهاعلى وسادةمحشوة تبنا بعد رحيل زوجها،فقد استدرج الفضوليون ابنتها بدرية لتحكي بسذاجةعما يفعله والدها..
ـ لاشئ غير قراءة كتب وشرب العرق ليلا فهو جندي هارب!
 تلقى ( ابو بدرية) صبيحة عيد العمال رصاصا امام المنظمة الحزبية، ليكون ( عبرة لكل من جفت في    عروقه دماء الوطنية) هكذا كانوا يقولون!
 يتبع زلزال زلازل اخرى..توضح زلزال الأبنة (بدرية) في حياة هاوية الحملان بصورة اعمق ماساوية ..فالبُنيّة الجميلة ذات الصوت الحنون، هياة نفسها زمنا للتقديم الى اختبارات الغناء في الأذاعة، منهمكة في تسجيل اغانيها على اشرطة مسجل صغير، تحذف، تسجل وتسمع صوتها من جديد وتحلم بنجوميتها.. ستبني قصرا يُغلفه (حلان موصلي) وتزين حديقته بتماثيل غزلان تطل على حوض اسماك ذهبية.. ستسهر ليلا في الرد على رسائل المعجبين وتنام نهارا، سيكون لها غرفا لكل شئ، تمشط شعرها على تسريحة (نجاة الصغيرة) في غرفة المكياج المغلفة بالفورميكا !
 بعد وشايتها القاتلة، والتي كلفت حياة والدها أبوبدرية، وخلال نوبات ترتيق الضمير في انهيارها نفسيا..اقتنعت تماما، بان مافعلته لاتفعله سوى عاهرة !.. لم تنفع دموع وتوسلات ام بدرية لتثنيها عن قرار اتخذته ..
 وضعت  بدرية الثلاجة المنزلية على عربة بوربرين وباعتها في سوق الجمعة ثمنا لسفرها، استعارت تلك العربة الخشبية من المصور الفوتوغرافي مشترطا تصويرها فهي له(بريجيت باردو) يقبل ساقيها في الملصق المقابل له في محل التصوير، عرضت عليه جسدها، وضع كفه على فمها مرتبكا وقال :
ـ لا يابدرية..عيب!
 اطلقت ( بدرية) ضحكة زردوم، حملتها على اجنحة ثعالب بلا ريش، كفنانة تحت ادارة حسنة ملص في الملهى الذي تملكه في شارع حلب في الموصل واصدرت لها نقابة الفنانين هوية فنانة في كل شئ!
يكثر طلب رجال المخابرات لخدماتها وخاصة اجادتها الشعر الشعبي في سيارات المتعة المركونة تحت اشجار غابات الموصل كغجرية بستان مدللة، يقترحون عليها القاء قصيدة عن (الذين جفت في عرقهم دماء الوطنية) .. تزورها بعد قطع رحلات قطار سرية والدتها مرة في الشهر وتنام معها في شقة الفنانات المطلة على شارع ضيق يؤدي الى حديقة الشهداء، وتحكي لأبنتها (الفنانة) حول مصور فوتوغرافي افشى سرها !
 تناولت بدرية  سماعة الهاتف وادارت رقما..
 قام رجال الأمن بشي جلد المصور جواد بانابيب مطاطية..حد اعلانه صارخا:
ـ لا..لا بدرية شريفة.. شرييييييفة!
 في اليوم التالي،ادارت  بدرية رقما وقهقهت في سماعة الهاتف :
_ألو جواد..عيب!
 ثم قالت لهاوية الحملان أمها:
ـ هيا ارحلي الأن وادخلي بغداد مرفوعة الراس!
 من يعلم ياأُم بدرية بانخفاضة راسك وانت ترعين رائيةالى حملك الوردي والتهامه الشفاف لحشائش جافة حول سكة الحديد في منطقة ( المهدي) تجلسين القرفصاء في فئ عامود كهرباء قديم وترسمين بقصبة جافة في التراب، دوائر حول اقراص خبز وهمية، مثلثات حربية، مربعات تشبه بيوت ريفية، اسهم متقابلة!
 مر القطار الأتي من مصفى الدورة امامك، اختفى الحمل وانت ساهمة!
 .. حاولت  أُم بدرية باكية مهاتفة ابنتها الفنانة، لم يكن هناك ادنى رد ولم تسمع صوتها ثانية والى الأبد..
  لم يَكُ ذاك حَمَلُها الوردي الأول، فحملانها المدللة سجلت تواريخ اختفاء مؤلمة، لم يوقفها ذلك في مسالة المحاولة من جديد والبدء من نقطة صفر جديدة! لكأن مفتاح وجودها، هو في انفاس دافئة لحملان الربيع..انفاس أبو بدرية وهو يحلم بانتهاءالحرب،التسريح من الجيش وقضاء سفرة عائلية في لبنان.. شهقات أنفاس بدرية في أحلامها الفنية التي انتهت الى مرافقة سائق شاحنة نفط تركي، هَرّبها الى اسطنبول..
إختفى جيران ام بدرية القدامى..أين هي الآن جوزة قرياقوس التي كانت تشكو لها، في أن الخطابة يطلبوا يد ابنتها الصغرى دوما فالبنت الكبرى بدينة،وكانت أُم بدرية تشكر حظها في  بدرية ابنتها الوحيدة!..اين هي الآن قاسمية عبد الرحيم، خياطة بدلات العرائس وهي تمضغ علكة(ابو السهم) دوما ؟!   بل ماذا عن صديقة خبيثة لأبنتها، حملت مساء عيد العمال خبرا عن جندي هارب ووضعته في احضان المنظمة الحزبية ؟!
 حتى البيت تقلص..اختفت غرفة بعد تجاوز غرباء عليها.. وتهدمت غرفة أُخرى كان لها شباك يطل على مرعى سكة الحديد، تبقى لها غرفة وسطية ، كوخ يلحقه قفص دجاج نامت فيه حملانها، لم تعد تنام على وسادة محشوة تبنا، خوفا..خوفا...
 في هذا الصباح، أجرت طقوس تحضير الصبغة في صفيحة ( الراعي) من جديد.. حَشَت كيسا بكتب أبو بدرية القديمة .. اشتراها بعد توسلاتها مكتبي عجوز، وانتفعت للمرة الأولى من كلمة حرية، فالكتب احتوت اغلفة ماركسية.. ذهبت مباشرة تحت القيض نحو وقفة العربان في السوق، راق لها حَمَلْ، خَمَّنَت ان حجمه يلائم تغطيسة في صفيحة الصبغة ، مدت ثمن الكتب امام بائع الحملان، قال لها مكتئبا :
ـ ياحجية، دنانيرك هذه لاتكفي ثمن لية حمل!
 مالذي سيساعد في إكمال المبلغ المطلوب، حتى ولو لشراء حمل هزيل حلق صوفه ؟
 ستعود الى الكوخ ، تبحث عن جهاز تسجيل قديم.. هل تعثر عليه؟
  هل ستفكر قبل ذلك، بسماع أخير لأغنية بصوت الفنانة  بدرية ؟!




97



بين السلطان في الأرشيف العُثماني وخَليفة داعش، نُسخة طبق الأصل!


بولص آدم


  الأرشيف العثماني، هو مجموعة المصادر التاريخية التي تعود إلى العهد العثماني، أرشيف مجلس رئاسة الوزراء في قصر يلدز إستانبول، ومقرات أرشيفية أخرى مثل، طوب قابي، ومقر أرشيف البحرية العثمانية وغيرها، هناك اكثر من 150مليون وثيقة وخارطة، الوثائق التي يحويها في الفترة الممتدة أربعة قرون، من تاريخ بلدان تحت الحكم العثماني، وهو ارشيف مهم يوليه الباحثون من مختلف أنحاء العالم أهمية بالغة.

  لم تكن جرائم تنظيم “داعش” ضد الإيزيديين، هي الأولى في تاريخ هذه الأقلية الدينية في العراق، فقد سبقه ولاة الدولة العثمانية، الذين سفكوا دماءهم، ونهبوا أموالهم، وذلك ضمن نطاق أشمل لما يُعرف بجرائم الأبادة الجماعية، طالت الأرمن والسريان/الكلدان/الآشوريين، واليونانيين الأرثوذكس، والتنكيل شمل أكرادا وعربا وحتى أتراك أيضا، ممن لم تتفق عقيدتهم القومية والدينية مع معتقدات ولاة الدولة العثمانية الدينية والقومية.. يؤكد الباحث أحمد سينو، قيام الإيزيديين بحماية المسيحيين الأرمن والآشوريين من حملات الإبادة التي كانت تشنها الدولة العثمانية، قبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها. يتناول سينو بالبحث والدراسة في كتابه“الأكراد الأيزيديون في العهد العثماني”، دراسة تاريخية تحليلية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وفي مقالته ( جرائم العثمانيين لم تكن بحق الأرمن فقط ... ) كتب الكتور صادق أطيمش :
(..ما اقترفته هذه الدولة من جرائم بحق الشعوب التي كانت تستعبدها قومياً ودينياً مشرعنة ذلك بقوانين دينها الذي مارسته طيلة فترة تسلطها على مختلف الشعوب والذي فسرته على اساس ان الأمة الإسلامية هي خير امة أخرجت للناس ليحق لها بهذا التوصيف ان تأمر وتنهى ما شاء لها الأمر والنهي والتحكم برقاب الشعوب وابتزاز خيرات اوطانها. لا يبرر اختلاف شدة وطأة هذه الجرائم وحدتها وطريقة ارتكابها وعدد ضحاياها من تخفيف شدة إدانتها التي لا يمكن وصفها بغير القتل الذي يحرمه دين العثمانيين القتلة انفسهم، نفس ذلك الدين الذي وظفه العثمانيون القدامى سابقاً ولا يزال يوظفه العثمانيون الجدد اليوم، يقودهم العنصري الطائفي رجب طيب اردوغان، لقتل الشعوب واستغلالها ونهب ثرواتها والسيطرة على آليات مسيرتها في عالم الحداثة ومحاولة العودة بها إلى عهود السلاطين وقصور الحريم واسواق الإماء والعبيد.)

  الفرمانات( حملات الابادة الجماعية ) التي وقعت على الشعب الايزيدي:
ـ فرمان السلطان العثماني سليمان خان القانوني سنة (م1570). في هذا الفرمان صدر فتوى بحق الايزيدية اصدرها مفتي الدولة الرسمي ابو سعود العرادي ، اباح فيهم قتلهم علنا وبيعهم بالاسواق شرعا 
ـ فرمان احمد باشا الوالي ديار بكر سنة ( م1630) قاد هذا الفرمان والي ديار بكر العثماني ملك احمد باشا وقتل ما يقارب العشرة الاف رجل من الايزيدية واسر الكثير منهم وحصل على غنائم وفيرة ورجع الى ديار بكر .
ـ فرمان والي الموصل محمد امين باشا الجليلي (1766 م) قام هذا الوالي بغارة خاطفة على الايزيديين في سنجار وقتل الكثير منهم ودمر وحرق قسم من قراهم .
ـ فرمان اخر للوالي الموصلي محمد باشا الجليلي سنة ( 1794 م) اراد الانتقام من الايزيدية في سنجار في هذا الفرمان بسبب فشله في الفرمانات السابقة , فبعث بحملة تمكن العساكر فيها في قتل اهل سنجار وحملوا رؤوسهم الى الموصل وقد ارسلها الوالي الى بغداد .
ـ فرمان والي الموصل الثاني محمد باشا اينجه بير قردار ( 1835 م ). بعد ان استولى محمد باشا اينجه بيرقدار على قلعة العمادية ورتب امورها قام اثناء رجوعه الى الموصل وفي طريق عودته قام بجمع رؤساء وزعماء شيخان الايزيديين في قرية ( كر محمد عرب ) وفتك بهم فتكا ذريعا حتى ابادتهم على بكرة ابيهم .
ـ فرمان حافظ باشا ( 1835 م ) توجه هذا الوالي من استنبول وكان تحت لوائه سبعة باشوات بجيوشهم الكبيرة صوب الايزيديين في منطقتي سنجار والشيخان ، وجاء هذا الفرمان بعد الطاعون الذي فتك بالايزيديين ولم يبقى منهم بسبب الطاعون الا عدد قليل منهم ، فالايزيديون الفقراء الذين نجوا من الطاعون والفرمانات السابقة قد احتموا بالكهوف فحاصرهم الجند فيها وابادهم قتلا بالرصاص والقنابل الخانقة خنقا بالدخان ، فاضطرا الناجون ان يهجروا قراهم ومساكنهم ولم يبقى من الايزيديين في سنجار الا بعض العشرات من البشر ، وجميعهم اجتمعوا في اوسفان بعد الفرمان ويبرز على وجوههم الهلاك والجوع.

  يُقدم الباحث داوود مراد ختاري، خمس وثمانون وثيقة عثمانية عن مأساة اليزيديين، تتجلى فيها نُسخة طبق الأصل للجرائم المروعة لداعش وذلك على يد العثمانيين، من قتل وتشريد وسلب ونهب وحرق قرى وتدمير بساتين واستعباد النساء وبيعهم كجواري والخ، تلك الوثائق، يمكن طبعا الأ طلاع عليها كاملة :

https://de.calameo.com/read/0025183170cacaa445153
 





98


بعد17عاما، ولده وابنته اكتشفوا بأنه حي بعد تعقيبه على مقالة!


بولص آدم

كتب من لندن، الكاتب رياض  رمزي ، مقالا في موقع الناقد العراقي بعنوان ( رياض رمزي* : منهل نعمة …من يقول لنا في أي يوم مات؟؟؟) وذلك بتاريخ  2011/08/14 عن احد المثقفين السياسيين، هو منهل نعمه مهدي العارضي، عن حياته ونضاله واسماء معروفة ولها بصمة في الثقافة العراقية كان يلتقي بها في مقاهي مدينة الحرية في بغداد، ويتحدث كاتب المقال عن اغتيال منهل في قضية قيدت ضد قاتل مجهول. الى هنا والمقال ينتهي بالذكر الطيب للشخصية مدار الكتابة.. بعد ايام، يكتُب ( ثائر ) شقيق المغدور به ( منهل ) تعقيبا هو :

ثائر نعمه مهدي العارضي
2011/08/27 في 1:56 م
شكرا لك سيدي على ما كتبت فانا مقيم منذ سنوات عديده في المانيا فلم يبقى في مخيلتي من العراق سوى نهر دجله وجذع نخله ووجه اخ لم ولن يفارق الحياة
............
بعد ثلاث سنوات ، تكتب ( هدير ) إبنة ثائر التعقيب التالي بعد ان اكتشفت ان والدها الذي توفي قبل 17  عاما هو حي يرزق ويقيم في المانيا:

هدير ثائر نعمه مهدي العارضي
2014/03/14 في 5:49 م
بلنسبه للأخ ثائر نعمه مهدي العارضي انت تكول اني مبقا من ذاكرتي بلعراق بس نهر دجله ليش واولادك شنو نسيتهم يعني احمد وهدير شنو ماتو مثلا انت صالك 17سنه وانت خارج العراق يعني مفكرت بينا احنا ندري بيك متت اصلا يعني مو حرام هالشي اتبهذلنا من وراك بعدين انت تطلع عايش وبلمانيه مرة وحده شنو انت من بشر وشنو هالقابليه العندك بحيث عفت شي طالع من صلبك علا فكره اني هدير بنتك اتمنئ لو اتراسلني او اجاوبني علا الاقل اتبرر موقفك .واشكر السيد علا هذه المقاله التي جعلتني ان اصل لوالدي
.....................................
  ثم وعلى التوالي ، تُعقب هُدى، عمة هدير واحمد اولاد ثائر وقد صعقتهم مفاجأة ان ثائر لم يمت وهو في المانيا.. ثائر من جانبه لم يرُد على ابنه وابنته.انتظر تسعة اعوام بعد نشر المقال و ستة اعوام على تعقيبات البنت والولد والعمة !! اليوم فقط، كتب تعقيبا يتضمن معلومات عن عنوانه وهاتفه وايميله .. القصة كما هي، المقال والتعقيبات عليه على الرابط:

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/7213.php#comment-213577




99


أصوات جديدة لِمَطحَنة قديمة


بولص آدم

   أفواه فاغرة تُطلِق صرخات تصم الآذان، يُفهم منها كلمات، يارب يا مار..أصداء تَراتيل بعيد، أُناس مُحاصرون داخل قاعة ضخمة تحت القصف.. إمراة في الطرف الآخر، وكما تحمي الدجاجة فراخها بجناحيها، تَلُف المراة طفليها وتشدهما الى صدرها، أسماء قديسين .. غُبار داكن يتصبب من الجدران، زوايا الحدقات تنظُرُ شروخ عميقة تتسع في السقف..يختلط الدخان والغبار وتزداد العتمة.. أجساد تَحتمي بأجساد أُخرى، تَلتَصِق وتترك الأظافر آثارها في جص الجدران، أخاديد السقف المرتج تنفث دخان أُرجواني يقتنص الأنوف وتلتف الأيادي حول الرؤوس..
   يقف يوحنا بقامته الفارعة مُسَمرا ناظريه في السقف، تنهمر دموع عينيه، بينما تتصاعد ضوضاء القاصفات الطائرة وفرقعات القنابل وصفارات الأنذار..شَعَرَ للحظة خاطفة بان مهد خشبي كالذي يُستَخدم في القرى الجبلية، تَجرفه حدبة الشلال المتساقط بقوة! .. يهوي جزء من السقف..يتصاعد غناء مَلكو راوي، هَي راااااوي...
   تتقدم نحو القاعة، كَروان بِغال ودواب، تدخل اليها مُحملة بأكياس جوت سوداء مليئة بالحنطة! تُساقُ من قبل عازفي (روك´اند روووول)، بملابس جلدية سوداء واحذية ثقيلة لجنود، يتقدمهم قارع طبل، دم..دم..دم!! ثم يتغير الصوت قويا ومدويا، طق.طق..طق..صوت مطحنة قروية !.. يَلمَح يوحنا جده مَندو ..
ـ يوحنا، يايوحناااااااا ؟ هيا اتبعني، لقد فات أوان الطحن، فَلنُسرِع نحو قرية (كواني) فرُحى المطحنة دائرة و .. من يتأخر أول النهار يكون حمار آخر النهار، يوحنا، يا يووووو..
تقطع قافلة الحنطة جسد القاعة في طريقها الى المطحنة. طق . طق. طق..
أي سقف يَلجأ تحته يوحنا الآن ومواشير الحرب تُلاشي الوانها البشعة طيف الشمس في عينيه؟
   يتناهى الى مسامعه صوت مقام بغدادي حزين تؤديه المطربة الأمريكية (تينا تيرنر) التي تقف بعري ذراعيها وهي تربت على كتفه لكانها تنفض غبار الحرب والأرهاب!.. يُخفي الضباب كل شئ وتنقل ريح القاعة رائحة رز يحترق! يستمر دوي المطحنة طق.طق..تَعوي الثعالب وتنظر ذئاب نحو القمر والجد يطحن حنطته، ثُم يتغير صوت المطحنة فجأة الى تك. تك..تك! يفتح يوحنا عينيه ذاهلا، يواجه سقف الغرفة الصامت، يُخرِس الساعة المنضدية، يرفع رأسه بتثاقل دوائره الحلزونية عن الوسادة المُغرقة بضجيج الكابوس، يضعه، رانك، رينك..رانننننن.. قرع ناقوس الكاتدرائية وجها لوجه امام الحقيقة الأكيدة، حقيقة أنه في الفراش داخل غرفة النوم في شقة الغربة!
  سَأَلَ نفسه..هل كل شئ على مايرام ؟! نظر الى السقف نحو مصدر دربكة منتظمة جديدة، ولكن هذه المرة، لم تكن سوى سرير عسل الحب في الطابق اعلى!
  شَعَرَ يوحنا في هذه اللحظة بانه قد نام الف سنة وان ايام السنين مثل خيوط العنكبوت تشده الى سريره، وبدأ بِرَوية في مُداعبة خصلات امرأة وهمية بأنامل راعشة.. وقعت عيناهُ الدامعتين على مزهرية فارغة محشورة في زاوية الغرفة امامه، أَعجَبته فكرة شراء زهور هذا الصباح.. فكرة سعادة غامضة، تَطرُدُ من الغرفة.. سُقوف، أسياد، سجانين، مُخبرين، جنرالات، عاهرات، مقاهي، حانات، مُجرمين على كُرسي الرئاسة وقديسون بعد التقاعد، طائرات ومدافع، امطار ودخاخين، مغنين، مجانين، مُدُن وقحة وقرى موحشة ! يوحنا المُستَلقي على بطنه ضاغطا بوجهه في بلل الوسادة، يبدو أنه بحاجة الى الفراش لفترة اطول هذا الصباح، على الأقل ليتأمل ذكرى قديمة جدا، حيث كانت جدته تطبخ على نار الحطب في البستان، يوم قال لها وهو طفل قبل اربعين عاما:
          ـ أَشٌمُّ رائِحَة رُز يَحتَرِق !





100


قصة مَلكو ومِشكو ومِسكو

 
 
بولص آدم
 
بعد بناء سدود على النهر في الخارج، شَحّت المياه تدريجياً وفي هذا الصيف القائض، تقلصَ نُهير البلدة، وتحولَ الى ساقية ترتوي منها المواشي، الحل الوحيد هو حفر الآبار.. كُلِّ بدأ يفكر..
 
كان لِمشكو حديقة صغيرة، جَلَبَ مطرحاً فرشهُ تحت ظل شجرة تفاح تسلل اليها اليباس، فتح كيسا وأخرج منهُ مَنقلة وفرجال وقلماَ فحمياً ، كمدرس رياضيات، إستلقى على بطنه وأنكب بأدواته الهندسية على ورقة بيضاء كبيرة، يحاولُ وضع مخطط أساسي للبئر.. كان بينهُ وبين جارهُ مَلكو الفخار صانع الجرار، سياجٌ صخري واطئ . 
إتكأ مَلكو على وسادة مَسنَد الكَرويتة، هائماً في الخيالات والحسرات، متوتراً يضربُ الكَفَ على الكَف وهو يَسمَعُ أغنية ( قومون أُورزى ).. 
دَخلَت زوجته وقالت:
ــ أُخرج يامَلكو وشاهد جارنا مِشكو، لاأدري ماهو مُنشغِلٌ به في حديقته..
خَرَجَ مَلكو وأتكأ بكوعه على حافة السياج وسَلَّم:
ــ شلاما رابي مِشكو، بمَ انت منشغل، ببناء جنائن مُعلَّقة؟!
ــ لا، لا مَلكو .. أنشغل بتصميم عَرَبانة آثورية!
  فأنهالَ مَلكو حانقاً على مسامع مِشكو بعتابٍ طَنان، وهذا ظَلَّ يَسمَع رافعاً نظارتهُ الطبية عن عينيه وعندَ توقف مَلكو، سألهُ مِشكو بهدؤ:
ــ الكُل في البلدة مُنشغل بحفر الآبار،اما أنت فلسماع، قومُن أورزي؟
ــ رابي مِشكو، حفر البئر لا يحتاج اقلام وهذه التنكات التي بين يديك.. مُجسَّم البئر في رأسي!
  كلاهُما قد باعا بيته في العاصمة، واتجها مع عائلتيهما شمالا نحو هذه البلدة، وبينما هم في السيارات مع امتعتهم، ترائى لهم على أطراف البلدة وفي حقل حنطة، فلاحٌ يتفيأ تحت صريفة قصب صغيرة، توجهوا نحوه ، أستقبلهم مِسكو مُرحباً بهم، وبعد سماع موجز قصة المغادرة القسرية نتيجة العنف المُستشري ضدهم في العاصمة، اقترح عليهم أن يستضيفهم في داره الكبيرة ذات الباحة الشرقية المُسقفة، حتى يعثروا على مساكن خاصة بهم.. وقبل شهرين اشتروا كلًا من مَلكو ومِشكو دارين لمُغتربين مقابلين لدار مِسكو .. 
كانَ مِشكو قد رَسمَ قُطر البئر وحدد مكانه وخَمّنَ عُمقه، على أمل أن يكون في القعر ماء.. بالنورة البيضاء حدد اطراف البئر على أرض الحديقة، كان البابُ الخارجي نصف مفتوح، مَدَّ مِسكو رأسه ورأى الى مِشكو مُمسكا بالقزمة:
ــ شلومو، مِشكو!
ــ أيباخ!.. مُذ متى، شلاما صار شلومو؟!
أدار ظهره مِسكو وهم بالمغادرة، فلحق به مِشكو وترجاهُ ان يَدخُل، فرد عليه مِسكو وهما بأتجاه حلقة فم البئر المُفترضة وقال:
ــ حفر البئر هو المهم، دعني أخدُمك.
ــ حسنا، اهلا بك جاري مِسكو
و..هكذا تناوبا على القَزمة وبدأ الحفر وكانا يتبادلان آخر أخبار الساعة..
ما أن سَمِع مَلكو عما يدور في حديقة مِشكو، حتى فَكَّرَ بمُساعدته، ليس من حلِّ آخر فَدارُه بلاحديقة، وألتحق بمشروع البئر مُشَمِّرا  ساعديه وتناوب مع مِشكو ومِسكو على القزمة والكَرَك والزنبيل.. 
كان جارَهُم خُضر، قد بدأ حفر بئره في حديقة داره أيضاً المُلاصقة لدار مَلكو وبمشاركة أولاده الثلاثة .
الكل في المنطقة يعرف أن حُلم خُضر، هو أن يتزوج الأولاد ويكون لهم دور مُستقلة..
عند أقتراب المساء، وهبوب نسائم باردة كان التعب والعطش قد أخذ مأخذه من مِشكو وضيفيه، وطلب من زوجته أن تناولهم قليلا من ماء الشرب فأعتذرت بأن، لم يتبقى ولو قطرة واحدة منه، لعلَّ التانكَر يمُرُّ بمحلتهم هذا المساء ويشتروا برميل ماء حلو.. اقترحَ مَلكو شُربَ قليل من خمر معتقة اهداها اياه ابن عمه من سُميل، أما مِشكو فقد عارضَهُ وأقترحَ ارتشاف خَمرٍ من صُنع جدَّته في صوريا، فما كان من مِسكو وأن فَضَّلَ شُرب قليل من خَمر بغديدا،أختلفوا على أية قنينة مِنها يشربون!
.. تناهى الى أسماعهم صوت ناقوس الكنيسة، فقرروا الذهاب للصلاة وشرب الماء فيها..
..عند الفجر.. هزَّت البلدة اطلاقات المدافع، وسقطت قذائفُ الهاونات، هُنا وهناك.. قررت العوائل الثلاث حَمل ماخَف، توجهوا جميعا معا نحو الطريق الخارج من البلدة، باتجاه الطريق العام..
في ظهيرة حزيرانية قائضة، قام خُضر وأولاده بجولة حُرة في الدور المهجورة الثلاث، ثُم توجهوا نحو حَديقة مِشكو وأكملوا حَفرَ البئر! 

101

علاگات تَعبان

 
  بولص آدم


    رُغم أنَّ اسمُهُ كما يُنادى به هو (تعبان) الا أنه حرص على أن يَعرف كُل مسجون جديد، أنه ليس أسمه الصريح بل الحَرَكي.. يعيش انتشاء تمتعه بذلك الأسم، حتى عندما كان يُسئ فهم آخرين يقصدونه لابالأسم بل بالتعب الذهني، لم يعد مُهتما مُنذُ زَمَنٍ بعيد أن يوصف بأي شئ، فقد عاش أثناء التحقيقات والتعذيب والأيهام بحبل المشنقة كل الملفوظات وسمع اقذعها وفات قطار ذاكرته ذلك النفق المظلم وها هو الآن في محطة سجنية أُخرى..   
   معروف لدينا، هو من يتكفل تشغيل جهاز التلفاز وكانوا يتندرون معه، هذا الصندوق تعبان مثلك! لايهمه طبعا، فهو سيُطفئ الجهاز ويُديره ثانيةً ويصفعه عدة مرات حتى تستقر الصورة قليلا وكانت أبيض أسود، يتخللها نمش واشكال حشرات، يستمر في طقسه حتى يخرُجَ ( النملُ والقمل وابو سبعة وسبعين) من التلفاز، يتقرفص امامه، حتى تنتهي فترة  فيلم الرسوم المتحركة لِيُغادر.. 
   تعبان، كان من أَغزَر مساجين أبو غريب تداولا، نقلا وتأليفا لمُختلف أنواع العلآگات ( إشاعة العفو العام ) يتجدّد الأمل لدينا بها ومن ثم، بعد انتظار طويل دون تحقق وعد العلاگة، نُصابُ بأحباط شديد..
في أحد الأماسي التلفازية وبينما يُطارِدُ الذئب والسيجارة في زاوية فمه أرنبا، إسودت الشاشة، ولم تنفع كل العمليات التقنية للخبير الفطري تعبان في ظهور الذئب والأرنب ثانية، دَخَلَ في نحيب وعويل طويل، وما أن سكتَ بعد قليل، تفتقت قريحتُه بعلاگة ( تعطل التلفاز يعني عدم الحاجة اليه، لأنَّ الرئيس ولابُد غَداً سيوقعُ قرار العفو العام)!
 .. حينَ اخذهُ سجَّانُ عجوز الى الأدارة لكي يتغذى معه مثل كل يوم جمعة بعد الصلاة، عادَ الينا بأقوى علاگة، تتمثلُ بأنَّ الرئيسَ وعد أُمَّاً طالبتهُ بالرحمة من أجل اطلاق سراح ولدها بأن (سيحصل خير) وأن الرئيسَ قال لها، القرارَ في دُرجِ مَكتَبِه وينتظر توقيعُه فقط لا أكثَر!
في ظهيرة اليوم التالي، رفض الكشف عن وسطه عند فحص السجناء، بحثاً عن حبوب الجَرَب الحمراء مُتعذرا، لاحاجة لفحصه فالعفو العام تحت التوقيع! صُفِعَ وقيلَ لهُ :
ــ وهل يشتغِلَ الرئيسُ في بيت أبيك ياحيوان؟!
.. أُختيرَ كنموذج ضمن آخرين ليقابلهم طلبة علم نفس واجتماع جامعيين ليكتبوا ميدانيا، فأجابَ عن سؤال حول أُمنيتهُ الكُبرى: 
ــ تصليح تلفاز الزنزانة.   
 استغربَ الطالبُ، عدم تمنيه اطلاق السراح؟   
ــ وهل من داعٍ لقول ذلك والقرارُ في دُرجٍ عند الرئيس؟!   
ــ ماحكايتُك أخي؟ 
ــ انتظَرتُ اعدامي شَنقاً أياما وأُعدِمَ زميل لي كان معي، وسَلَّمتُ قَميصَهُ لوالده عندَ حضوره بعدَ التنفيذ بأيام، فدفنَ رأسَهُ فيه.. 
ــ وأنتَ مازلت حياً 
ــ قبل التنفيذ بقليل، وصلتنا مرحمة الرئيس، مُوقَّعة بحبر أحمَر بمناسبة عيد الأضحى وخُفضَ الحكم الى مؤبَد، قفزتُ من شدة الفرح وقَبَّلتُ الممرضة وفقدتُ الوعي.. 
ــ من شدة الفرح؟ 
ــ لا، تلقيت ضربة بأنبوب مطاطي على عنقي وفي مُستشفى السجن،  تكلم معي الطبيب طويلا وقال للسجان بأن حصل لي مَنقوص! 
ــ هل تعني نُكوص؟ 
ــ لاأعلم.. 
.. في صباح غائم رصاصي غامق، دبَّ لغطٌ ليس كمثله لغط تلك الأيام، سَقَطَت مروحية وزير الدفاع، وما همَّ تعبان من كُل الخبر غير تأليف علا گة غير قابلة للشك و طعن مُكَذبيه فيها، وصَرَّح: 
ــ وإذاً، قال الرئيس بأن النجم هوى، فهل من شئ أكثر من ذلك أملا، ياجماعة، العفو العام على الأبواب! 
.. تَكَفَلَ السجّانُ العجوزُ، تصليح التلفاز خارج السجن وأعادهُ الى الزنزانة، معروفٌ أخير في حياته الوظيفية كسجّان، رُبما لأراحة الضمير، فقد أُحيلَ على التقاعُد.. كأن شيئا لم يَكُن، ظَلَ تعبان مُمَدداً يعاني حُمى شديدة، يُتابع مطاردات الذئب للأرنَب من بعيد، رأسُه غائر في وسادة صفراء كانت يوماً ما بيضاء، فيها اسوداد بيضوي بحجم رأس تعبان، بمرور الأيام أخذ يصرُخُ ألماً من شدة الصُداع. لايشرَبُ ولايأكُل .. تمَّ تَفسيرُ ذلكَ، بوقوعهُ مرة أُخرى ضَحية لعلاگاته حول العفو العام.. إنتابتهُ حالاتُ تقيؤ وشحوب المَرعوب.. 
..حضرت والدته في المواجهة بعد توليها ذلك الواجب، والده الذي كان يأتي ويدخن سجائر اللف الواحدة تلو الأُخرى، كان قليل الكلام ويهتم بالمسبحة السوداء الطويلة أكثر من ولده تعبان، إنتقل بالسكتة الى رحمة الله .. والوالدة التي لم تفارق الأبتسامات والنظرات الحنونة وجهها ابدا، كانت تُكرر همساً:
ـ يُمَّه، موش تكللوله أبوه متوفي، مو ناقصة قَهَر وطلايب..
 أنزلت العباءة على كتفيها وجمعَت أطرافها في حضنها وقالت:
 ــ هالمرة ماكو عِدكَم  ذبان، يعني صحيح راح يبيضون أبو غريب؟
 وقصَّت على تعبان وأسمعته أجمل العلاگات، فالدُّنيا في المشخاب وبغداد وحتى في الباص الذي نقلها الى أبو غريب، لاشُغل لها غَير الحديث عن عفو عام، ترحُّماً على وزير الدفاع الذي رَحَل!
فما كان من مُطرب أبو غريب المحبوب دعَيّر، الا وأن نهض من مكانه قرب رأس تعبان ورفع كفي دُعاء:
 ــ آمين يارب العالمين..
 ــ يُمّه موش تنسى تجي بعرِس تعبان وَرا العفو وتغنيلَه.
  فأنطلقَ موال جنوبي عذب، تتمايلُ معه نخيل الجنوب وقصب الهور تحتَ تحليق الدراج..
 ــ ياحضري.. أريد وياك، بالله وياك وديني، بالله وياااااك وديني...
 رَفعَ تَعبان رأسه والعرقُ يَزُخ:
 ــ كافي.. كافي مو دَيطحَن راسي طَحن...!
   بمَرَضِ تعبان وعدم تحقق نبوات العفو العام، إنحسر مَدُّ العلاگات وكُل علاگة جديدة صارَت سَبَباً لمُشاجرات..

 .. نُقِلَ تعبان الى المُستشفى و أنقطعت الأخبار..
 ..أتى سَجانٌ في يوم أربعينية وزير الدفاع وجمع حاجيات تعبان: 
ــ بأمكانكم استخدام مكانه، تعبان لن يعود ثانية، تنتظره سيارة السجن لنقله الى بغداد.. في رأسه سرطان. 


 

102



حِلاقَة داخلية


بولص آدم


   بِعصا من شجرة رُمّان منقوعة في الماء والملح  ‘ ضُرِبت ( نهرين إيليا ) حد الموت مكممة الفم ، وعندما طالبت عيناها برصاصة الرّحمه، كان لها ذلك، طلقة واحدة في الرأس فقط ! خَلعتْ يد القاتل ( داحوس البرغوث )  سواراً فضياً من معصمها ، ذكرى الأخ الوحيد الذي غادر قبل خمسةَ عشر عَاماً  مودعاً بعبارة - لا داعي للقلق ، سأجد لكم حلاً  ! ... عُرِفَ بعدَ ذلك ، انهُ كان على متن مركب لاجئين صغير قادم من ( اسطنبول ) غرقَ في البحر قبالة جزيرة ( ساموس ) اليونانية ... بيدَ أنّ جدَّة  ( نهرين ) الكفيفة ، كانت تُمسِكْ بمعصمها بقوة مُتلمسةً السوار الفضي .. في الطريق الى الكنيسة ، و هي تقول كيفَ .. لاتصل رسائل من أخيكِ وأنتِ تعملين في البريد ؟! .... خلعت يد ( البرغوث ) سلسة الصليب المدمى ، اخر ما تبقى  لنهرين من اُم احترفت البكاء في الزوايا ، فوق السطح بعيداً عن الاعيُن ، تنتحب وهي تراقب سرب حمامْ فَزِعْ فوق المدينة .... الشخص الوحيد الذي لم يصدق كل ذلك وشعر بفشل كبير في الحصول على فدية ، كانَ ( داحوس البرغوث ) وأكتفى بسحلها في حطام خربة البيت المقصوف من قبل طائره أميركية وحشرها في فتحة ، ألقى عصا الرُّمان فوقها وغطاها بفضلات متكلسة لبقرة ! هل من الممكن العثور على الجثة ؟ أم أنها ستبقى هُناك ريثما تنبُت العصا في القبر، شجرة رُمان باسقة ؟ ....
  حينما إستيقظ ( داحوس البرغوث ) على صوت بائعة اللبن ، بعد ليلة قتله لآخر إنسان في حياته، وجد نفسه على وشك الأختناق وحيداً ! فما بَرِحَ شعر ذقنه ينمو للداخل منذ أعوام لم يكُ يعرف بالضبط عددها ! ولذلك إحتفظ لسنوات  بمقص صغير يكسوهُ الصدأ في جيبه .. يُدخل كفه في فمه ماسكاً رأس مجموعة الشعيرات الغريبة والسعال يُرافق ذلك القص .. يتصلّدْ  وجههُ كُلما مرَّ الرأس المدبب على اللثة و في غرابة عمله غير المتناسق  في حلاقته الداخلية ، قضم جزءاً  من اصبع هبط في المعدة ! وبدل قص  شعيرات أخرى تلسع سقف تجويف الفم ، إشتبك المقص مع جزء بنفسجي  من اللسان ، مُنغرِساً في الرأس الإبَري لضرس متعفن ، فاقداً السيطرة عليه ، منزلقاً تدريجياً في فم البلعوم ! .. خاطبَ اللهُ في سرّهِ ، قائلاً .. أرجوك ! ساعدني في الموت على سريري والأخرين من حولي !. ... إندفع قيء دامٍ من فمه ، خرج شمع أُذنيه ، سال دم من عينيه ، وعملها في ( الشروال ) ! لقف هاتفه النقال وعبأ فيه رقماً واطلق خوار ثور كأستغاثة ... قالو له .. اصبر حالياً فالأمر خطير وهناك قتال في منتصف الطريق ، ما مِن حلْ ! ...... سأل معلّم الدّين ، طلاب الصف الابتدائي ، عمّن هُناك شجرة في داره .. رفع ( داحوس ) اصبعه .. وفي الحصة التالية سلّمَِ معلمه عصا من شجرة رمان منقوعة في الماء والملح .. وبعد دقائق ضُرِبَ  ( داحوس ) بتلك العصا حد البكاء، إذ وجد صعوبة دوماً في ضبط الضمة فوق هاء ( الله ) !  وأنتقلت تلك العصا في حصص مُختلفة أُخرى ، إذ ليس بمقدوره لفظ كلمة ( بيبان ) ولا قدرة له على التفريق بين الجمع والطرح في الحساب.. وقال مدير المدرسة.. هذا الولد ، لاينفع ! أمسك والده بيده وخطفه من بين  الأفندية والى الأبد... مسجوناً اغلب الاوقات  في البيت ، لتبدأ اول بوادر الشعوذة .. إذ عشق علب الكبريت وحرق اشياء في الغرف وسط استنكار الأم .. وتأمل الأب بأن ( داحوس ) صغير ، و مع الايام سيصبح (  آدمي ) وارسلة الى ورشه في (الشيخ عمر ) ليتعلم صنعه ، ماكثاً طويلاً وسط الدهون السوداء تحت السيارات ... غادر ذلك العالم فارغ اليدين هرباً ، وسط نوايا الكبار القذره تجاه الصغار وفي قلبه اول بذرة للانتقام .. ارسله والده الخياط في معمل حكومي ، لمرافقة عمه الذي يجلس وراء صندوق تصليح ساعات في ( سوق هرج ) و في غبار حزم الضوء التي تنكسر على اكتاف المزدحمين، تعلم استنشاق علب ( السيكوتين ) من احد المصريين !.. اغمي عليه على الرصيف في ( باب المعظم )، اشفق عليه طلاب جامعه، اطعموه و اجبروه على الاستحمام في قسمهم الداخلي وفكروا أن يرسلوه الى البيت في سيارة اجرة، الا انه توسل اليهم البقاء يوماً واحداً فقط ، إذ أنَّ والده ( سيذبحهُ لا محالة ! ) وعندما ذهب الطلبة الى الجامعة كالمعتاد ، صباحاً .. ربط ( داحوس ) كلبا صغيراً ابيضاً، اعتاد اللعب في الحديقة على جذع نخلة و احرقه !... عثر عليه والده بعد ايام مُجالساً رجال احترفوا بيع الدم في مقهى ( الحيدرخانة ) إذ يعرض كيس الدم بمئة دينار! .. خطفهُ من بين مصاصي دماء، واجلسه تحت كف المُعزّم ليقرا  قليلا فوق رأسه .. عسى ولعل ! ...... في سجن الاحداث ، إكتشف صنفاً من السجناء وهم المقامرون الذين يعتاشون على الميسر .. وقبل دخول الجيش عمل تحت قيادة ( قوادة ) في ترتيب طابور المأزومين جنسياً في ( ألميدان ) .. سقط ( داحوس البرغوث ) على الارض وتكوّرَ برميل جسده حول فكّه ! مثل قنفذ أسود ضخم مُحتضناً مسدسه الذي قذف اخر اطلاقة في راس ( نهرين ) .. إستنشق ( داحوس ) بارود الفوهة القريبه من وجهه .. رائحة الاطلاقات الأولى التي إنتشى لها لحظة الاستلقاء في ميدان تدريب الجنود على الرماية صوب الهدف .. توترت كتلة جسده بالكامل وارتعشت تماما مثل رعشات الجندي الذي اجبره ( داحوس ) على مسك أسلاك الهاتف العارية ! كجندي استخبارات في احد ألوية الحرس الجمهوري وعندما صرخ ذلك الجندي وهو يُقسِم بشرف القائد بأنه لم يسرق ثلاث مسدسات جُلِبت من الكويت كانت في خيمة أحد الضباط ... قرر ( داحوس ) ربطه وسحله خلف مركبة وأُلقي في سجن الوحده ، نصف ميت ! .. تمنى ( داحوس البرغوث ) وهو يعيش حصار أحتقان صدره كبلاع مقص ينغرس الآن في البلعوم ، أن ينهض ويمد رأسه من خلال النافذه المفتوحة على شارع ويطلق خواره .. لعل .. غير انه وقع تحت إحساس بالانتفاخ والكهربة الداخلية وجلد سياط تضرب وتلتف فقرة .. فقرة .. وأحس بانفجار في العصعص ! وعند تلمس ذلك المكان الى الخلف ، مرت  الأصابع الثلاث المتبقية من كفه الأيسر بعد معركة سكاكين في العلاوي حول صفقة سكائر تتراوح بين عواء الدولار وبكاء الدينار .. مرت االاصابع الثلاث على بروز ساخن مثل فحمة ، دملة ، تستطيل خارجةً من الجلد فوق العصعص تماماً !! وسرت في دمه براغيث سنوات الحصار حيث ما عاد العرق والوسخ وبراغيث ما بين السيقان وتحت الاباط وقمل الرأس ، يزعجه .. يدور حول المدينة بالعكس ! ويحفر حفراً هائلة غير ممكنة الردم في حياة الآخرين و ..... بعد الغاره الداحوسية على المتحف الحضاري في المدينة ! حاول البرغوث الإقتداء بالعفة الجنسية للغراب ! ، وكان له صبر أفعى ، وقف على الرصيف مقلداً وقار البقرة وهو يهمس نحو الجنود الغرباء في شوارع المدينة ( مِستر .. مِستر ..وومَن ..وووومَنْ ) !! وتعلم تزوير شكله و مضمونه وتقليد النبرات المحلية اينما كان ، ليعتقد الآخرون أنه واحد منهم ، فيجد مكاناً يستضيفه بسهولة ، اختار عدم تقديم  أيضاحات وتظاهر بالبلَهْ .. عدم طلب أي شيء ضمن اسلوب العصابة في مواجهة الاستفزازات من اكثرهم عنفاً ! بل على العكس ، تحول بعضهم الى مدافع عنه مستعد للعراك بالضرب وما بعده مع أي شخص من اجله ! مكتسباً قدرة الوجود في حصار الحدود الدنيا وكثير من الحالات منغمساً في العنف والكحول و ... شخابيط أغانٍ رومانسية ركيكة تنبعث من أشرطة مسجلات  قديمة ، تستمر في تشغيل الأغاني بالضرب .. وحدها تلك الأغاني بللت عينيه ، مشاركاً رذائل الأخرين ، حتى مجانيين متنورين ، ناهيك عن رفاق الطريق من القتلة والمقامرين  واتفاقات مليئة بشتائم البغّالين .. الشيء الوحيد الذي بمقدوره تذكره الآن ، وهو يحلم بموته، كانت جُملة والده بعد وجبة التعزيم تحت كف الرأفة.. ولدي هذا ينقصه ذنب فقط ! ... وكان بمقدوره  حتماً سماع آخر الأصوات  في حياته.. مُعلّمة وتلميذاتها في سخونة درس القراءة! هيا يا بنات رددوا من بعدي بصوتٍ  عال.. القِردُ مقطوع الذنب! القِردٌ .. مقطوووع الذنب  ! ..... أعلى يابنات.. أعلى .. أعلى .......
 

103

نقد د. جعفر الحكيم، لنصوص الكتاب المقدس وحرث البحر!


بولص آدم


   يعتقد المسيحيون واليهود، أن الكتاب المقدس كتاب ثابت الى الأبد وغير قابل للنقض، النقد الكتابي له ليس جديدا وعلى يد كثيرين ومنهم، توماس باين، فولتير، برتراند رسل، إينشتاين، مارك توين، سام هاريس، مدرسة كوبنهاغن وريتشارد دوكنز..   وبكل الأحوال فإنّ علماء الكتاب المقدس من مسيحيين أو يهود أو ملاحدة، اتفقوا أن النصّ الحالي مثبت إثباتًا جيدا بضؤ الأدلة الداخلية والخارجيّة.
   ليس للدكتور جعفر الحكيم، منهج واضح وصادق بحثيا في نقد نصوص  الكتاب المقدس، هناك تجاهل للأنثربولوجيا في دراسته للماضي النصوي مثلا وهو مهم جدا، هذا أذا انطلق من خارج اللآهوت، أما لو كان دارسا للآ هوت المسيحي بشكل يتجرد فيه عن كل اسقاطات تكوينه وانتمائه وهو ليس كذلك، لكان لنا زاوية نظر أخرى لتحليلاته السطحية التي ينشرها على انها نقد للنص الديني فهو يعنون على سبيل المثال ( لقد قام المسيح، ثم ماذا ؟!!) لايترك فرصة ولو لحظوية لأخذ (دراساته) بجدية فأنا شخصيا أرحب بنقد النص الديني للخروج بلؤلؤة من الصدفة وليس الرمل! او أن يعنون جعفر الحكيم، ما يُطلِقُ جزافا عليه بحث ودراسة  ( حين يزداد صدق الرب (بالكذب) لمجده !! ) حيث يبدأ تلك المقالة القصيرة الفاشلة، في بث التشويه والتقويض والأساءة الى معتقد الآخر، بل يرتكب هذا الحاصل على شهادة دكتوراه ، خطأ علمي فادح، اذ لا يجوز أن نقتطع ولو حرفا من نص ديني خارج سياقه ونحكم عليه، فأضافة علامة استفام وعلامتي تعجب الى النص هو خطأ علمي. هي بحد ذاتها عملية فاشلة في التهويل من أجل التشويه والكذب وهو يبدأ مقالته تلك، كما يأتي:

( فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟!! رومية 7/3
النص المتقدم هو جزء مما ورد في الإصحاح الثالث من رسالة شاؤول( بولس) إلى أهل رومية، والذي تعتبر جزأ من نصوص العهد الجديد، الكتاب المقدس لدى المسيحيين، وهذا النص المشتمل على تبرير وشرعنة واضحة (للكذب) من أجل مجد الرب، يعتبر من النصوص الاشكالية التي وضعت نصوص العهد الجديد أمام ورطة اخلاقية كبيرة !..)..

   هكذا، حرفيا وبكل وضوح في القول! مدعيا الأعتماد على النص الكتابي، هذا ( البحث والدراسة ) ليس الا نموذجا لأسقاطات العقل الباطن من ترسب مفاهيم خاطئة تربى عليها وضد المسيحية وليس دفاعا عن الحقائق العلمية في نقد النص الديني، فللمسيحية قوة روحانية لا يقوى عليها اي نقد فج بل لا تقوى عليها اي قوة قولية مهما اعتقد صاحبها أو أدعى بأنه ينقد نصا من نصوصها وهو الذي ترك كل المجال الفسيح في الدين الذي هو عليه وكل الكوارث التي نتجت عن شراهة السلطة وغنائمها على يد الأحزاب الأسلامية ولايسد نقصا في نقد العقل الأسلآمي وأتجه نحو نقد الدين المسيحي!!
أم انه في تعرضه المسئ للمسيحية لن يكون عليه تهجم مقابل أو تَكفير؟
االمشكلة المستعصية هي تقويض المجتمع المسيحيي في الشرق بعمليات متواصلة في تكريس الكراهية وغسل العقول..
 نقد النص، هو محاولة حثيثة في بحث أركيولوجي معرفي للوصول الى الأصل/الجذر والأنطلاق من الأصول،  العودة الى الأصول هو المنهج النقدي الذي ساعد ديكارت في تحرير الدين والكنيسة من الأنغلاق، أما باروخ أسبينوزا فقد نقد النص الديني ايضا وخاصة العهد القديم ولم يترك لغيره فرصة من بعده أن يتصدى للنص الديني ذاك، من المنشأ او هوية الكاتب وحتى اسطورية الدلالات في القصص والخ ..التنقيب ودراسة الأديان البدائية وطقوسها ودراسة الطوطمية قد ساعدت عالم الأجتماع دوركهايم الى استنتاج، ان علم الأجتماع قد خرج من شرنقة الدين والطقوس وأن المعرفة المتمثلة بالمقولات المفهومية تتيح دراسة أبسط المسائل التي ووفق الأتجاه القبلي هي، مسلمة لاداعي لدراستها فهي كما هي وفق التفكير الخامل، رغم الأساطير المؤلفة والمتراكمة حولها على مر العصور. وهو ابتسار واضح والغاء لكل الجهود الفكرية في نظريات المعرفة على مر المنعطفات الفلسفية في تاريخ البشرية ، حَرث دوركهايم ساعد العلوم الأجتماعية  وعلم الأجتماع المقارن وعلم الأديان ، اضافة الى تأثير حراثته في الطوطم التي فتحت للتنوير مجالا أرحب للحقبة التي تلته، ولم تكن تهديدا لأي دين أو معتقد! ولو اخذنا محمد أركون في العصر الحديث فانه يؤكد على الأهلية المتنوعة في مجالات علوم جمة وادوات معرفية وانساق ونظم ومعايير ينبغي الألمام العميق بها من أجل نقد النص الديني و في كل ما كتبه الدكتور محمد أركون خلال أربعين سنة مثلا، يندرج تحت عنوان: نقد العقل الإسلامي .. مُزيحا جملة من الأساطير والتفسيرات غير المبنية على المنطق، وهو في (من فيصل التفرقة إلى فصل المقال) يقول : (.. لا شك في أن مؤرخي الفكر والادب قد أرخوا لتلك المفهومات ولكننا لا نزال نفرق بل نرفع جدارات إدارية ومعرفية بين شعب التاريخ والأدب والفلسفة والأديان والعلوم السياسية والسيولوجية والأنثروبولوجية... والجدارات قائمة مرتفعة غليظة في الجامعات العربية التي لا يرجع تاريخ معظمها إلى ما قبل الخمسينات والستينات، والأنثروبولوجيا بصفة خاصة لم تزل غائبة في البرامج وعن الأذهان، ناهيك عن تطبيق إشكالياتها في الدراسات الإسلامية. )
اما النيتشوي أكثر من نيتشة نفسه في نظرته للدين المسيحي، الدكتور الذي يقول بالنقد الأكاديمي وتطبيق نص على نص والنسخ على نسخ  آخر وبأختيارات تستند على قبلية التفكير وليس حيادية التفسير، فأنه يستمر ومنذ سنوات في الحرث في البحر!

 ملاحظة:
  سبق للُأستاذ سليمان عبد الأحد بولص،التصدي النقدي للتشويه الذي ينتج عن العرض المسخي لنصوص الكتاب المقدس وركائز الأيمان المسيحي،على يد د.جعفر الحكيم، وهو جهد يُحسب للأستاذ سليمان.. وفيما يلي آخر (الفتوحات والغزوات) على الأيمان المسيحي ونصوصه المقدسة على يد الدكتور وعلى الرابط أدناه:

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5755&lang=ar&view=articles



104
المنبر الحر / حمامة أبو غريب
« في: 19:41 30/01/2020  »


حمامة أبو غريب


بولص آدم
 

 فارع القامة، ذراعين طويلتين، هادئ، عاش هنا أعواما طويلة ومحكوم بعشرات السنين، في زحمة نهارات المواجهات، كان حريصاً على ارتداء معطف ابيض طويل ويضع وردة حمراء في جيب صغير على صدره، يُشابك كفيه خلف ظهره، يذرع الساحة الرصاصية جيئة وذهاباً، ذلك يعني، أن لاأحد يأتي لزيارته، يتبختر هناك لكأنه يمشي على السحاب.
 انتهت المواجهة وغادر الجميع، تَمَّ التعداد وكل شئ على مايُرام.
 سجانٌ جديد، كسَرَ قاعدة تخصُّ محمود الذهبي واختاره من ضمن مجموعة من المساجين لتنظيف الساحة، اي أنه فرض عليه واجباً لايجرؤ عليه السجانين القدماء تحاشياً لشراسة تفلت من عقالها ويتحول محمود الى مقاتل شَرِس لن يتوقف حتى تسيل الدماء!
 لم يكن أحد ما في السجن أكثر منهُ براعة في حياكة ( الگيوات ) حتى أن الزوج المُنتج على يديه كهدية في عيد ميلاد القاتل وميض، أصبحت مضرب مثَل فيما تَحتذيه الأقدام في التصميم والأتقان، وهذا أفلتَ من أعدام بعفو غامض وخٌفِّفَ حكمه الى مؤبَد، بعد خطف عشيقته وأُمها وقتلهما على الطريق العام..
 في أحدِ نهارات الربيع المُشمسة، وقفتُ بجانب فتحة، يُمكن من خلالها رؤية فناء بين ردهتين، ثمة حمامة تناوب الهبوط والصعود من شَق في سقف الردهة والعشب الجاف على الأرض، تجمعُ عيدان العش الجديد..
فجأةً، سمِعتُ صوتَ محمود:
ــ مَرحَبا!
 إستَدرتُ نحوه، وفكَّرت، ماذا يُريد؟ لم نتكلم ابداً قبل هذه اللحظة، اللعنة، 
وجَّهتُ سؤالي اليه.. نعم، خَير، ماذا تُري.... قاطعني:
 ــ سَمعتُ بأنكَ تَكتُب للمساجينَ في دفاتر قصصهم.
 ــ هذا صحيح ولكن ليسَ للِكُل، هي مسألة مزاج.
 ــ يا أبو الشباب، قصتي قصة وأتحدى أي سجين لهُ بطولاتي!
 ــ أنا لا أكتب لأحد بطولات، أكتبها بنفسك.
ــ ياأبو الشباب، دفتري حاضر، تكتب أم تأتيك كفخة؟
ــ بشَرَفكَ، هل يُجازى المعروف بكَفخة؟ 
 أنسحب على مهل وأبتَعَد.. 
 أعتقدتُ بأن كُلَّ شئ انتهى بسلام، أنصرفتُ بدوري عن مشهد الحمامة وصناعة العش الشَقّي وعدت الى مكاني في الزنزانة، كان سامي قد أعد شاي العصرية وقدم لي إستكاناً منه، تلقفتُ صحيفة الجمهورية مقلباً الصفحات الكبيرة وتوقفتُ أقرأ خبراً صغيراً حول تبرع العراق بكمية كبيرة من التمور الى منكوبي زلزال ييريفان في أرمينيا، أرتشفت شاي الأستكان، وحاولت التقاط سيجارة، لكن العلبة كانت فارغة، مَدَّ عبود المطيرجي، سيجارة وقال:
ــ هذه سيجارة سومرية أُم السن الطويل للأُستاذ!
اعتاد شبه الُأمي هذا، الذي كانَ يحلمُ بأن يُعقد سوق الغزل في بغداد كُلَّ يوم وليس في الجُمَع فقط، أن يتأبط كتاباً عن الحمام بالأنكليزية، يترجاني قراءة شروحات تحت صور الحمام الملونة، وكان يكتب بخط طفولي في حواشي الكتاب كُل ما أٍترجمُه له، حتى تلك التي لم أكُن افهمها شخصياً وأُملي عليه مِن بُناة أفكاري!
أقبل واحد من خَدَم محمود الذهبي نحونا ( يتلقون حبوب الماغادون لقاء تحضير طعام وتدليك وتقليم أظافر سيِّدهم!) قال بصوت أُنثوي ناعم:
ــ عمي محمود يسلم عليك ياأبو الشباب ويسأل، متى تَكتُب قصتُه؟!
 أها.. أصبحتُ أبو الشباب للجماعة وذلك مبعث قرف لي، لم أُجب وأنتظَرتُ أن يَرحَل. عُدتُ ثانية الى عبود وكتاب الحمام، وتحول هذا أيضاً الى تمني قُربَ جواب أستئنافه من المحكمة، فقد أُلبِسَ تُهمة هو برئٌ منها، فبينما كان يبيع الحمام ظهيرة جُمعة في سوق الغزل، ألقى أحد المارة برُزمة منشورات مُناوِئة للسلطة في كارتونة فارغة الى جانبه، يبدو أنَّهُ أراد التخلُّصَ منها وهَرَب..
عبأ صديقي سامي أستكان الشاي ثانيةً  وهو يقول:
 ــ هذا المُراسل مازال ينتظر، أُكتُب للبطل أي شئ، شَخبُط له أي شخابيط
 وليفضوها سيرة، لم أعُد أحتمل وقوفه الى جانبنا!
 أبلغتُه أن يقول لسيّده بأننا سنكتُب غدا بعد انتهاء المواجهة.
 أدبَرَ خادم سيده، ولاحظت النسر الموشوم الذي يغطي ظهره.. وهكذا تفرَّغتُ لعبود وموضوع مساعدة الحمام المنزلي في صناعة عشه..
 بعد حوالي الربع ساعة عاد المراسلُ ثانية:
 عمي محمود يُسَلم عليك يا... ويقول أنه يحتفظ بصفحتين عن بطولته( جريمتُه) من أحدى المجلات، فهل يَلزَمُكَ ذلك؟
ــ نعم، غدا بعد المواجهة قُلتُ لك.
  عادَ ثانيةً وتَنَفستُ الصعداء، وشَرحتُ لعبود المطيرجي وفق ما ينصَحُ بهِ الكتاب عن، عدم نثر العشب الجاف والعيدان والريش على الأرض، بل وضع ذلك في صندوق، سيلتقط بمنقاره الحمام مايلزمُه في صناعة العش، تفادياً للتلويث بالذرق..
 عاد المُراسلُ ثانية ووقف في نفس مكانه الأول وقال على عجَل:
 ــ عَمي محمود لَم يَقتُل حارس سوق الصياغ في الموصل، بل واحد آخر من العصابة، عمي محمود ضَرَبَ الصائغ بالشاكوش على رأسه فقط!
عادَ مُسرعاً كما أتى وسطَ ذهولي الذي قطعه عبود بتعليق:
ــ ياملاعين الأنكليز، حتى في ذرق الحمام يَتَدَخلون؟
سمعت شخيرَ سامي الذي غطى نَفسهُ ببطانية الجيش الخضراء المُقلَّمة بالأبيَض ولم يُعد يظهر منهُ أي شئ..
 ــ عمي محمو