عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - سمير عادل

صفحات: [1]
1
مساعي لعسكرة الانتفاضة في إيران
ومسؤوليتنا لإفشالها
سمير عادل
 
ليس امام المسؤولين في إيران لمواجهة الانتفاضة الجماهيرية التي تعم معظم المدن الإيرانية، والحيلولة دون تحولها الى ثورة تقلع النظام الإسلامي من الجذور، سوى سيناريو واحد، الا وهو عسكرة الانتفاضة، بعد فشل كل اليات القمع التي تستخدمها بكل وحشية سافرة.
ومن هذه الزاوية يجب النظر الى القصف المتواصل من قبل القوات الإيرانية على قرى ومدن كردستان العراق، بحجة وجود جماعات مسلحة ومدعومة من إسرائيل وامريكا، اضافة الى محاولات النظام الإسلامي في ايران لتقديم شكوى الى مجلس الأمن قبل أيام يطالب فيها بإدانة الجماعات المسلحة القومية الكردية والوقوف بوجهها، بذريعة تورطها بالقيام بعمليات ارهابية في ايران، وانها تقف خلف الاحتجاجات، وما هذه المحاولات سوى جزء من استراتيجية قمع الانتفاضة، عبر خلط الأوراق، والعمل دون اتساع حجم التضامن العالمي مع نضالات جماهير ايران من اجل الحرية والمساواة، وبموازاة ذلك وفي نفس السياق أيضا، ان الإعلان عن رفع تخصيب اليورانيوم الى ٦٠٪ وبغض النظر عن صدقيته (حيث شكك به البيت الأبيض) ورفع التصعيد مع الوكالة الطاقة الذرية، هو عملية أخرى لتحريف الأنظار وخاصة الاعلام العالمي عن ما يدور في ايران، للانفراد بممارسة القمع دون وصول اصدائها الى العالم.
 
بمعنى اخر ان النظام الإسلامي في إيران يحاول إعادة إنتاج سيناريو سورية، لخلق الذرائع والارضية المناسبة لعسكرة المجتمع وبالتالي كي تسنح الفرصة لها لقمع الانتفاضة، ولا يهمه حجم الخسائر البشرية وعدد القتلى في صفوف جماهير إيران، لكن المهمة الاصلية هو الاحتفاظ بالسلطة.
 
بوصلة السياسة الغربية والانتفاضة:
 
ان بوصلة السياسة الغربية، لا تشير لحد الان الى دعم اسقاط النظام الإسلامي في ايران، حيث ان  كل العقوبات التي صدرت سواء من الإدارة الأمريكية او من الاتحاد الأوربي، او اصدار قرار تشكيل لجنة تقصي الحقائق من قبل مجلس حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تصب في اتجاهين متعاكسين، الأول محاولة ابتزاز النظام الإسلامي وجره للتوقيع على الاتفاقية النووية وتقليم أظافره في المنطقة وتقويض نفوذه، أما الاتجاه الآخر هو  رسم خط رجعة له، في حال تحولت الانتفاضة في إيران إلى ثورة  تنهي وجود النظام الاسلامي، ويسمح له بالتدخل في رسم سيناريو لتشكيل سلطة موالية لها تحت عنوان الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
 
وفي كلا الحالتين لا تتجاوز السياسة الغربية دائرة الانتهازية، ولا تهمها مصالح جماهير إيران بنيلها الحرية والمساواة والكرامة والتخلص من كابوس الجمهورية الإسلامية ووحوشها الكاسرة، وتبين التجارب التاريخية وخاصة مع السياسة الامريكية واقعية ما نشير اليه، وأقرب مثال لنا هو تسليم أفغانستان الى طالبان على طبق من ذهب، او تعويم الأحزاب الإسلامية في العراق بعد احتلاله ووضعها على دفة السلطة السياسية.
 
بشكل آخر نقول، أن السياسة الغربية وتدخلها بأشكال مختلفة، لا تخدم الانتفاضة في إيران ولا تدعم نضال الجماهير، بل ان تلك السياسة من شأنها أن تطلق ايادي وحوش الجمهورية الإسلامية للتنكيل المطلق، وتحت يافطتها المهترئة مثل تدخلات الكيان الصهيوني والامبريالية الامريكية والشيطان الأكبر.. الخ من تلك الترهات، مثلما بينتها أبواق المأجورين فيما يسمى بـ “المقاومة والممانعة"، تتحدث بأن الغرب يحاول منذ الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه بأسقاط الجمهورية الإسلامية، متناسين بكل صلافة ووقاحة، هو ان الغرب نفسه الذي أوصل الخميني الى السلطة وعلى متن الخطوط الجوية الفرنسية ليحط في طهران، وحوله الى نجم في سماء الثورة لمواجهة مد اليسار العمالي والاشتراكي في ثورة ١٩٧٩.
إذا أراد الغرب المتمثل بالإدارة الامريكية والاتحاد الأوربي تقديم أي شكل للعون لجماهير إيران ونضالاتها الجسورة، عليه بالكف عن التدخل في شؤون إيران، فالجماهير لم تنتظر صافرة الانطلاق من الغرب لبدء الانتفاضة، ونساء إيران لم تنتظر ايعازا من الغرب لترفع شعار (المرأة-الحياة-الحرية) وتجر كل المجتمع إليها.
 
وفي هذا المضمار أن التدخل الغربي في شؤون الانتفاضة، من الممكن ان يشارك أيضا في اعادة انتاج سيناريو سورية في إيران، والذي كان طرفا فعالا ونشطاً على الصعيد السياسي والدعائي والدعم العسكري لكل العصابات الإسلامية وغيرها في سورية. أي ليس ببعيد عندما  يحين النظام الإسلامي في إيران الى السقوط وتهرع حلفاء إيران مثل روسيا والصين بالتدخل لإنقاذ النظام، يلجا الغرب أيضا بنفس السياسة التي قامت فيها في سورية، أي أن كل الاحتمالات قائمة وحاضرة في ذهن صناع السياسة الغربية في المنطقة.
 
على الصعيد الاخر حاولت الأحزاب القومية الكردية الإيرانية، ومنذ الأيام الأولى للانتفاضة بٌعيْدَ قتل مهسا اميني، إضفاء الطابع القومي على الانتفاضة، وتأطير الانتفاضة بأطار قومي، وتعريف (مهسا اميني) بأنها مناضلة كردية من مدينة (سقز) الواقعة في كردستان إيران، إلا ان الانتفاضة وروحها كانت أكبر من مخططات وامنيات واحلام الأحزاب القومية، لتصل الى جميع المحافظات والمدن الإيرانية، ويرفع الشعار المذكور (المرأة-الحياة-الحرية) لتلتف حوله كل جماهير إيران .
 
ان هذه الأحزاب القومية، لن تتورع هي الأخرى التي فشلت لحد الآن بإيجاد موطأ قدم لها في الانتفاضة، كما هو حال القوميين الاخرين الفرس او الموالين لشاه، هذه الجماعات القومية الكردية لن تتردد هي الأخرى عن  عسكرة الانتفاضة، وان أي سيناريو اسود للوضع السياسي في إيران من صالحها وتستمد وجودها من تلك الأوضاع.
 
ان كل أعمال هذه الجماعات واستراتيجيتها السياسية تصب بالفصل بين نضال جماهير كردستان ونضال جماهير إيران، فهي تجد سهم لها في مستقبل التحولات السياسية في إيران ومعادلة السلطة في الصراعات القومية، وليس من صالحها أي نضال موحد لجماهير إيران، كما هو الحال في العراق وعمليته السياسية المقيتة.
 
إن إحدى الخصائص المميزة والبارزة في الاحتجاجات الإيرانية، هي الجسارة الثورية، الى جانب نزعتها التحررية والتقدمية وتجاوزها لكل النزعات القومية والمحلية والمناطقية، وفضلا على ذلك سيادة روح التضامن بين جماهير ايران والشرائح الاجتماعية المختلفة، فلقد تضامنت الجماهير في عشرات المناطق والمحلات في طهران علاوة على المدن الأخرى مع جماهير مهاباد التي طوقها الباسدران ورجال الأمن ونكلوا بها، وان التفاف جماهير ايران حول الشعار (المرأة-الحياة-الحرية) مع شعار الموت لخامنئي، الموت للديكتاتور، هو تأكيد على عدم قدرة القوى القومية في دك اسفين او فصل نضال  جماهير احواز عن كردستان عن بلوشستان عن طهران واصفهان عن مشهد حتى عن قم قلعة الملالي وعمائهم العفنة.
هذه الخصائص ترعب القوى القومية المحلية في إيران، وتنال من السياسة الغربية التي تحاول ان تكون محافظة وحتى رجعية، وتبطل فتيلها، وهي أي تلك الخصائص، بقدر ما هي نقطة قوة لصالح افشال كل مخططات عسكرة الانتفاضة، بنفس القدر ترعب كل القوى سواء النظام الإسلامي او القومية او السياسة الغربية لوأد الثورة في إيران.
 
ان انتصار الانتفاضة في إيران عبر تحولها الى ثورة تحررية بالمعنى المطلق، تقلع كل جذور الجمهورية الإسلامية، مرهون ليس بوعي جماهير إيران للأخطار المحدقة بها، مثل عسكرتها وفصل افاقها عن سياسات تلك القوى المذكورة فحسب، بل أيضا مرهون بنا، بتقوية التضامن معها، وفضح السياسة الغربية ومكائدها، وممارسة الضغط السياسي والدعائي على القوى القومية في إيران، وجر جماهير العراق والمنطقة العربية الى تقديم كل اشكال الدعم لها.
 
للأسف الى حد هذه اللحظة، لم يرتق دعم الانتفاضة الى ايران في منطقتنا الى مستوى يمكن يشكل ضغط إعلاميا وسياسيا حتى على ذيول النظام الإسلامي في العراق والمنطقة، والتي تشير تقارير، بأن مليشيات عراقية مثل عصائب اهل الحق وحزب الله اللبناني وغيرها، بدأت بأرسال عناصرها لقمع الانتفاضة في ايران.
ان الغالبية العظمى من المنظمات والاتحادات العمالية والأحزاب والقوى السياسية في العراق والمنطقة العربية تقف الى الان موقف المتفرج مما يدور في ايران، وكأن الذين يذبحون في ايران لا يمتون بصلة إنسانية او طبقية بهم.
ان النظام الإسلامي في ايران لديه حلفاء بدأوا ينزلون الى الساحة لنجدته، فسقوط النظام الإسلامي سيقلب المعادلة السياسية لا على صعيد ايران والمنطقة بل على صعيد العالم، وسيعود الإسلام السياسي وجلاوزته ووحوشه صاغرين الى الكهوف خلف التاريخ، وهذا ما تتخشاه ذيول ايران في المنطقة، بيد ان جماهير ايران ليس لديها حلفاء، للانتصار على اكبر قوة وحشية جاءت عبر التاريخ، سوى الجماهير التي فجرت انتفاضة أكتوبر في العراق والثورتين المصرية والتونسية والسودانية، والسترات الصفر والقوى التحررية والإنسانية في العالم.
ان التخلص من كابوس الإسلام السياسي هو نقطة على طريق الأمان والحرية والمساواة، ليس لجماهير ايران فحسب بل لجماهير المنطقة وحتى العالم برمته، فعلينا ان نعي معنى التضامن مع الانتفاضة في ايران وانتصارها النهائي، وهو احدى الوسائل  للوقوف بوجه تلك الذيول التي تسعى لعسكرة الانتفاضة مع القوى الامنية وقمعها.
 
 

2
حكومة السوداني والانتقام من أعداء الإسلام السياسي الشيعي
سمير عادل
 
حكومة الأغلبية ليس في صالح المحاصصة الطائفية والقومية السياسية، أي ليس في صالح جميع القوى السياسية المتواجدة في العملية السياسية، وخاصة عندما تحولت مقولة "المكونات" الى مقدس في الأدبيات السياسية للطبقة الحاكمة في العراق، وتكتسب معطى سياسي مادي حسب توازن القوى في المعادلة السياسية، وعلى سبيل المثال، لو لم يحصل التيار الصدري على اغلبية المقاعد في الانتخابات الأخيرة لعام ٢٠٢٢، فكان الان يحتل موقع في الركب المؤمن في المحاصصة، أسوة ببقية الانتخابات السابقة، ولتحول الى رافع مشعل المكون الأكبر (الشيعي)، كما هو الوضع الان في حالة المالكي وتحالف المليشيات الموالي لولاية الفقيه.
وكما تعودنا على مشاهد دراما الوضع السياسي العراق، فأن اكثر المشاهد الدرامية هي ان الخاسرين في الانتخابات- بغض النظر عن نزاهتها ومهزلتها- يشكلون حكومة، وهذا يعني ان "الديمقراطية" بلغت من النضج عندنا، لا يمكن مقارنتها مع اية دولة ديمقراطية عريقة مثل بريطانيا او الولايات المتحدة الامريكية، فالفائزون في الانتخابات يحترمون الخاسرين، ويشكرونهم على المشاركة في الانتخابات، ويقفون اجلالا لهم، ويمنحون لهم حق تشكيل الحكومة، لانهم كما يقول المثل؛ ليس المهم الفوز انما روح المشاركة، وهكذا تقديرا لمشاركتهم بالانتخابات منحوا حق تشكيل الحكومة، أليست هذه الديمقراطية فريدة من نوعها!
 ويا ليت تقف ديمقراطيتنا عند هذه الحدود، بل ان من شطبت عليه انتفاضة أكتوبر، ووضعت علامة ضرب على صورته، وقالت الجماهير عنه انه ممثل القتلة والفاسدين، وهو الرئيس الوزراء الجديد محمد شياع السوداني، يعود اليوم كي يتوج رئيسا للوزراء.
أي ان الخاسرين في الانتخابات يشكلون الحكومة، والمرفوض من قبل الجماهير يترأس تلك الحكومة، هل هناك مشهد سياسي درامي اكثر مما نشاهده في العراق.
وعندما تكون مرشح لرئيس الوزراء، من قبل جهة سمي بالطرف الثالث، الذي ما زالت يديه ملطخة بدماء المئات من شباب انتفاضة أكتوبر، والى الان طليقة، وعندما يدافع عنك ممثل الطرف الثالث مثل نوري المالكي بشكل شرس كي تتسلم سدة الحكم، فلا يحتاج المرء، لا الخبرة ولا الذكاء، ولا يحتاج ان يكتب تحت اسمه في حوارات الفضائيات رئيس مركز دراسات ما، ولا بحاجة انتحال صفة "دكتور" التي في أغلب الأحيان اما دمج* او حواسم**، نقول لا يحتاج الى كل تلك الشهادات والألقاب كي يعرف ان حكومتك القادمة لن تقل سوءا من سابقتها. 
مسألتان في سلم أولويات حكومة السوداني التي ستعلن عن تشكيلها خلال الأيام القليلة القادمة، الأولى توزيع المناصب الاستراتيجية لاسترداد زمام المبادرة السياسية من قبل التيار الموالي لإيران، او تيار الإسلام السياسي الشيعي، والثاني هو الاستعداد لترسيخ الاستبداد وتصفية الحساب مع انتفاضة أكتوبر التي مازالت هناك القليل من الجمرة مشتعلة تحت رماد الانتفاضة. 
وما يحدث اليوم في البصرة من ملاحقة قضائية لفعالي ونشطاء انتفاضة أكتوبر، بذريعة حرق مقرات المليشيات الإسلامية الموالية لإيران مثل ثار الله و العصائب وغيرها، وتتزامن مع تشكيل حكومة السوداني، حيث تمثل معطيات مادية على ان المليشيات التابعة للأحزاب والقوى الإسلامية الموالية لإيران تعيد ترتيب بيتها الذي تهاوى بفعل ضربات انتفاضة أكتوبر، والإعداد للمرحلة القادمة، بدءا من مدينة البصرة، لقربها من ايران وتمويلها لمافيا المليشيات التابعة لإيران عبر عمليات تهريب النفط، ومركز حيويا واستراتيجيا لنقطة انطلاق وتمركز المخابرات الإيرانية وتغلغلها في العراق، فمحافظة البصرة تغذي ٩٠٪ من اقتصاد العراق.
الا ان الطريق ليس سالكا أمام حكومة السوداني ولا إمام داعميها، فهناك عوامل تلعب دورها في عدم تحقيق اجندة جناح ايران الذي يمثله المالكي، وهي عدم الانسجام السياسي للطبقة الحاكمة، فكل واحدة من الاجنحة التي تساهم في تشكيل الحكومة لها برنامجها الخاص سواءً المحلية او المرتبطة بمصالح الدول الإقليمية، وثانيا الاحتجاجات التي تضرب جذور السلطة الحاكمة في ايران و ستجد صداها في العراق في القريب العاجل، وثالثا تربص التيار الصدري للانقضاض على الحكومة في فترة أقصاها ثلاثة أشهر- بعد أن يلملم صفوفه اثر الحماقات السياسية التي ارتكبتها- بحجة الثورة ضد الفساد والفاسدين، وأنهم أي التيار الصدري أعطوا فرصة للقوى السياسية الأخرى كي لا يكونوا حجر عثرة في استقرار العراق، ورابعا أن الاحتجاجات الجماهيرية سيشتد ساعدها ضد الفقر والعوز والبطالة والفساد الذي اشعل فتيل شرارة انتفاضة أكتوبر،  حيث ان حكومة السوداني لا شيء في جعبتها كي تقدمه، واكثر ما تستطيع المناورة به لامتصاص امتعاض الجماهير وغضبها من اختيار شخص السوداني رئيسا للوزراء، هو إعادة رفع قيمة العملة المحلية امام الدولار او اعادتها الى سابق عهدها، مستفيدة من الفائض في الميزانية الذي بلغ أكثر من ٧٠ مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط، بيد ان هذه المناورة ترتطم بسياسات صندوق النقد الدولي، فمدى إمكانية حكومة السوداني مواجهتها؟
محمد شياع السوداني لن يكون اكثر من رأس لا حول له ولا قوة، لحكومة يقف ورائها صف من اللصوص والقتلة والفاسدين، ولن يكٌن افضل من حكومة الكاظمي التي أصمت آذاننا وأعمت عيوننا بقرع طبولها الإعلامية في القضاء على الفساد ومحاكمة قتلة المتظاهرين عبر اللجان التحقيقية الوهمية التي شكلها، وكل ما وعد به السوداني، في محاربة الفقر والفساد، يدحضه الصراع الذي حدث في ما يسمى بالبيت الشيعي، وتحديدا بين جناح المالكي وجناح العامري على وزارة النفط والداخلية والمالية، فالصراع المذكور يكشف على انه صراع على اقتسام المغانم في حكومة السوداني، وآلة القمع المتمثلة بالداخلية لترسيخ كل واحد منهم لسلطته.
المهم في كل هذه اللوحة، ان الأيام القادمة لن تكون أفضل من سابقتها إذا لم نقل اسوء، وأكثر ما ترعب هذه القوى هو بماذا تخبئ الجماهير لها في العراق، صحيح ان الإسلام السياسي الشيعي الجناح الموالي لإيران استرد زمام المبادرة من جديد، واستطاع بمعية الكاظمي والتيار الصدري من الانقضاض على الانتفاضة، ولكن الصحيح أيضا ان عاصفة ثورية هبت في ايران، وباتت تعصف بقلاع الإسلام السياسي في قم-طهران، وستجتاح الحدود العراقية وحدود كل المنطقة اجلا او عاجلا، فهل يختار عملائهم في العراق مسك قبعاتهم او الاختباء عند الحائط؟ وفي كلا الحالتين لن يفيدهم بشيء.
 
 
*قرار دمج مليشيات بدر وغيرها التي قدمت من ايران بعد الاحتلال بالجيش ومنح لهم رتب عسكرية.
** استيلاء الأحزاب والقوى التي جاءت على يد الاحتلال على مباني ومؤسسات الدولة.

3
الانتفاضة في إيران وسياسة الغرب
سمير عادل
ان الخامنئي يعرف أكثر من غيره ان الاحتجاجات التي تجتاح المدن الإيرانية ليست لها علاقة بأمريكا وإسرائيل، كما يدعي بأنهما يقفان ورائها، وكلا الطرفين سواءً الطبقة السياسية في طهران او الطبقة السياسية الحاكمة في أمريكا وإسرائيل، بحاجة الى بعضهما، لإعادة انتاج الابتزاز السياسي والاقتصادي لبلدان المنطقة كتحصيل حاصل في صراعهم على النفوذ.
لا جديد في الامر، اذ قلنا سابقاً أن أمريكا وحلفائها الغربيين يمتهنون النفاق السياسي بحرفية عالية، فمقارنة بين ما فعلوه في أيام الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ وبين ما يحدث اليوم، كشف عن وجه سياستها المنافقة، اما الجديد فهو انهم يراهنون دائما على ضعف الذاكرة او على (نعمة النسيان) كما في عنوان اغنية المطربة ( ميادة حناوي) ، وبهذه المناسبة نود الإشارة الى ان تحول الإسلام السياسي الى غول يجثم على صدور الجماهير في بلدان الشرق الاوسط هو بفضل سياسات الأنظمة الغربية، وما تصدر من مواقف من البيت الابيض وقصر اليزيه وداون ستريت وبروكسل في دعمها للاحتجاجات العظيمة التي تجتاح مدن ايران، فهو ليس الا نفاق سياسي محض ومحاولة فاشلة لغسل ذنوبها وتبرئة نفسها من هذا النظام المستبد والرجعي والاجرامي.
عندما كان العالم خارج الانترنيت في عام ١٩٧٩،  كانت إذاعات (مونتي كارلو) و(صوت أمريكا) و(بي بي سي) تذيع خطب الخميني الى الشعب الايراني، وكانت رحلة من رحلات الخطوط الجوية الفرنسية توظب اغراضها لتحط في طهران، وينزل من على متنها الشخص الذي صنعه الإعلام الغربي، وسوّقه الى الثورة ليتم تعويمه بعد ذلك، ووكلت إليه وظيفة وأد النزعة العمالية واليسارية والتحررية، والمعادية للإمبريالية السائدة على الثورة الايرانية، لقد حول العالم الغربي و بسياسات جهنمية ومخطط لها ، شخص مثل الخميني الى قائد للثورة الإيرانية،  والحق يقال كانت عملية ناجحة في اختطاف سافر للثورة وفي وضح النهار. كما  فعل الساسة الغربيون أنفسهم تجاه الثورتين المصرية والتونسية عام ٢٠١١، حيث قاموا بشكل فعال في تعبيد الطريق امام جماعة (الإخوان المسلمين) للالتفاف على الثورة وتفريغها من محتواها ودعمها سياسيا وماليا لوصولها الى السلطة- تقديم ادارة أوباما ٣٠٠ مليون دولار لدعم انتخاب محمد مرسي- على سبيل المثال وليس الحصر، او في افضل الأحوال مقايضة الجماهير أمنها وسلامتها في مقابل استمرار الفقر والسلب والنهب وسلب الحريات وامتهان الكرامة الانسانية او فتح الاقفاص لإطلاق الوحوش الكاسرة من الجماعات الإسلامية لنشر الفوضى والحرب الاهلية والعبث بحياة الناس ووضع مستقبلهم في مصير مجهول  كما حدث في سورية والعراق وليبيا واليمن.
ان الغرب عموما والولايات المتحدة الامريكية خاصة، ليس هدفها ولا سياستها الحالية اسقاط النظام في ايران، ولم تكن تدعم يوما أية انتفاضات من أجل الحرية والمساواة في أي مكان في العالم، فهي تجد في احتجاجات ايران سوقا لتسويق بضاعتها وتجديد إنتاج مفاهيم "حقوق الإنسان"، وهي ادواتها الايديولوجية في صراعها مع الأقطاب المنافسة لها او التي لا تدور في فلكها مثل روسيا والصين والدول التي تستند عليهما، وإيجاد المبررات للتدخل في شؤونها لابتزازها سياسيا واقتصاديا، وهذا ما يحدث اليوم بالضبط في ايران، فإعلان العقوبات على وزارة الداخلية وشرطة الأخلاق ومسؤولين إيرانيين من قبل الاتحاد الأوروبي وكندا وبريطانيا وامريكا، هو محض هراء ولا يغير أي شيء من السياسات القمعية لنظام الملالي في ايران، بل ان العقوبات على المسؤولين الإيرانيين ، بقدر ما هو ضحك على الذقون، هو بنفس القدر تحريك للمياه الآسنة التي تطفو عليها مفاهيم "حقوق الإنسان"، ونشدد على (حقوق الإنسان) لأنها المقولة او اليافطة التي تحتها تتدخل أمريكا وحلفائها في شؤون العالم وتعمل على تغيير أنظمتها السياسية إذا ما حاولت الدوران خارج فلكها.
ان مشكلة الغرب مع النظام الملالي في إيران ليست حقوق الانسان، ولا الماكنة القمعية للأخيرة التي تطحن المنتفضين، ولا لأنها تقمع النساء، ان مشكلته هي مع الطموح السياسي والاقتصادي الذي تمتلكه الطبقة السياسية الحاكمة في إيران المتمثلة بالملالي، لإيجاد موقع لها في المنطقة والاعتراف بحضورها السياسي والقبول باقتسام النفوذ مع الأقطاب الإقليمية الأخرى مثل السعودية والامارات وتركيا وإسرائيل.
 ان الغرب لم ولن يدعم أي قوة تحررية وثورية وعلمانية في الشرق، فهو من صنع الإسلام السياسي، وإذا ما أقدم على أعادته الى عمق التاريخ، أي اذا ذهبت ابعد من سياسته الحالية في اسقاط الجمهورية الإسلامية، فهو بمثابة من يطلق النار على قدميه، فالدين في الشرق كان ابدا سلاحا ماضيا بيد الغرب يستخدمه في صراعه مع أية قوة ثورية وتحررية تحاول الإفلات من قبضته، وسعيها الى دك معاقل شركاته ومصالحه الاقتصادية والسياسية، وقد افشى المستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبغنيو برجنسكي السر الى صحيفة روسية بعيد احتلال العراق عام ٢٠٠٣، اذ قال ان من مصلحة أمريكا أن تصل الأحزاب الإسلامية الى السلطة في العراق.
ما نريد ان نقوله هو انه من الوهم كل الوهم، انتظار الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بتشدقها حول حقوق الانسان، وأنها ستدعم تغيير كبير في إيران، الا إذا كان ذلك التغيير يحقق مصالحها، مثلما حدث بما سمتها بالثورات الملونة في البلدان التي كانت منضوية في الكتلة الشرقية في نهاية القرن المنصرم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 
 انها أي الولايات المتحدة الامريكية تريد ابتزاز نظام الملالي وترويضه ليس أكثر، فسقوط الجمهورية الإسلامية يعني وصول دويها الى اقصى بقاع العالم، وستتغير كل المعادلات السياسية والتوازنات الدولية في النظام الرأسمالي العالمي الذي يئن بسبب حرب الطاقة إثر تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا الى جانب أزمته البنيوية. انها وبريطانيا وفرنسا من صنعت نجما سمته الخميني ليقف سدا منيعا بوجه اليسار والاشتراكية والشيوعية في إيران، وسيبقي هذا النظام الجائر يجثم على الافئدة طالما لا يشكل نظام الملالي في إيران خطرا سياسيا وأيديولوجيا عليها.
 ان قلع جذور الإسلام السياسي مرهون بنضالنا، سواءً في إيران اوفي العراق أو في عموم المنطقة، انه مرهون بنضال كل التحررين والثوريين. لقد آن الأوان لنُعِد العدة لكنس الإسلام السياسي وإنهاء تطاولاته على النساء والعمال والموظفين، لقد رفعت نساء إيران مشعل التغيير، وها هم طلبة الجامعات والاعداديات، اضافة وعمال البتروكيمياويات والنفط والمئات الاف من الجماهير في المدن يلتحقون بها.
 لقد أزفت ساعة أفول الإسلام السياسي.
 

4
تداعيات شعار (المرأة، الحياة، الحرية)
على الإسلام السياسي
سمير عادل
 
المرأة-الحياة-الحرية، يكاد أن يكون الشعار المحوري او المركزي  أو يتصدر الشعارات المرفوعة في الانتفاضة التي اشعلتها النساء في ايران احتجاجا على موت مهسا اميني تحت تعذيب ما يسمى (شرطة اللاأخلاقية) التابعة للجمهورية الإسلامية.
في كل كلمة من كلمات الشعار (المرأة، الحياة، الحرية) تُنسف فلسفة وجود الإسلام السياسي كنظام قروسطي، ومنظومة فكرية وسياسية واخلاقية واجتماعية.
ويكتسب الشعار أعلاه مكانة أكثر أهمية في عالمنا المصنف بالعربي لابتلائه بالإسلام السياسي بكل مفاهيمه وترهاته وخزعبلاته وجرائمه وتحقيره للإنسان وماهية وجوده، فتلك المنظومة قائمة على تخليد الحط من قيمة المرأة، وتحت مبررات سخيفة وواهية للإثبات ضحالة تنظيراتها، فهي تصور بأن الرجل المسلم يسخر كل حياته ويبرر وجوده الفيزيقي ورسالته الدنيوية في اشباع رغباته الجنسية، كما تضيف اليها بأن الرجل عبارة عن عضو ذكري، لا شغل له ولا شاغل سوى الفوز بامرأة تشبع رغباته مشروطة بأن تكون ملفوفة من قمة راسها حتى اخمص قدميها لتحقيق هدفين، الأول حق التملك او حيازته للمرأة، والثاني للحيلولة دون اثارة الرغبة الجنسية واشعالها في المجتمع من الممكن الاستحواذ عليها من قبل رجل ليس لديه وثيقة الحيازة. ولا تنتهي رسالة الرجل المسلم عند هذا الحد، بل "المناضلين" منهم يفجرون انفسهم او يقومون بأية عملية إرهابية من اجل الفوز بالحوريات في الآخرة -انظر (الميثولوجية الجنسية في الإسلام-الحوار المتمدن وغيرها).
فأذن كما تحدثنا سابقا وفي مناسبات أخرى، ان تقديس دونية المرأة جزء من هوية الإسلام السياسي، وبأعلاء قيمة المرأة كما في الشعار المذكور هو تمزيق لتلك الهوية.
اما كلمة الحياة، فهي الرد على احتقار الانسان وقيمته في فلسفة وفكر الاسلام السياسي، سواءً أكان شيعيا او سنيا، فلا يأتي الانسان الى هذا العالم في فقه وفلسفة وفكر الإسلام السياسي، الا ان يمارس دوره كعبد مطيع له اله في السماء، و ممثلون له في الأرض، وأولئك الممثلون هم ثلة ممن يسمون انفسهم برجال الدين، ويميزون انفسهم عن بقية افراد المجتمع، بعمامة بيضاء او سوداء حسب المنزلة الدينية والأصل والنسب، ونصبوا انفسهم أولياء على البشر "العبيد" الذين عليهم السمع والطاعة، ومهمتهم أي العبيد العمل على تدوير عجلة الإنتاج الاقتصادي كي تدر أموالا تنفخ جيوب أولئك الطفيليين من رجال الدين، ممثلو اكثر التيارات البرجوازية انحطاطا وتخلفا في جميع المستويات والميادين، وتوكل اليهم مهمة  اعداد "العبيد" حسب حاجة السوق المحلية وتمدده عبر الحدود القومية، من خلال نشر الحماقة والجهل ونفث السموم الطائفية والدينية في عقولهم، وزجهم كوقود في محرقة صراعهم على السلطة مع الاجنحة السياسية المختلفة، وكل ذلك من اجل تطبيق شرع الله او حكمه على الأرض كما يدعون والقضاء على الفساد بكل انواعه، وهم اكثر الجماعات التي عاثت فسادا في العالم بسرقتهم ونهبهم واغتيالاتهم ودجلهم وفتاويهم، والنموذج العراقي الذي عشنا فصوله ما زال جاريا، اما النموذج الإيراني قلعة الإسلام السياسي، فهو القاعدة الأرضية لانطلاق كل الجماعات الإرهابية من المليشيات الشيعية والقاعدة واخواتها لفرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية على البلدان التي تجد البرجوازية الايرانية أرضية وفرصة بالاستثمار فيها عبر شرع الله وحكمه، وتحت ستار المقاومة والممانعة.
أما مقولة (الحرية) فلا مكان لها في عرف الإسلام السياسي، فبقدر ما هو عدو للإنسان وتحقير حياته، بنفس القدر الاسلام السياسي هو عدو للحرية بالمعنى المطلق.
وهي الحرية اكثر المقولات او الكلمات التي ترعب الاسلام السياسي، حيث تعني دحض كل خرافاته وترهاته الفكرية والسياسية وتنظيراته الفلسفية دون أي عناء او حتى أنفاق سعرة واحدة من الجهد الفكري. ولذلك نجد مقولات مثل الإعدام والرجم بالحجارة والجلد والذبح والتصفية الجسدية والاغتيال وتهشيم الجمجمة مثلما حدث لمهسا امييني تحتل حيزا واسعا في قاموس فقه وفلسفة وتاريخ وفكر الإسلام السياسي، اما الحرية فهي بدعة غريبة عن المنظومة الإسلامية وهي غربية المنشأ وتم تصديره الى الشرق من قبل الاستعمار لغزوها.
 
و بتسلسل منطقي للشعار (المرأة-الحياة-الحرية)، يستنتج المرء بأنه المعول الذي يهدم كل اركان الإسلام السياسي وينسف جبروته و الحقانية المزيفة باسم الاله او الرب الذي فرضه بالحديد والنار على المجتمع، فتخيل عندما تجد في أي مكان او أية زاوية في العالم، تتمتع فيها المرأة بشكل مطلق بالحقوق المتساوية مع الرجل، لتلمس بالتالي درجة رقي المجتمع على صعيد حقوق الانسان والحريات الإنسانية، وتشعر بمعنى (الحياة) التي يحاول الإسلام السياسي سلبها من البشر.
يخبرنا علماء البيئة، عندما تجد النحل في اية مكان، فهذه دلالات على عدم تلوث الهواء او البيئة التي يعيش فيها النحل. أي بعبارة أخرى عندما تجد المرأة حرة في أي مكان ومتساوية بالحقوق الإنسانية مع الرجل، فنجد لا مكان للإسلام السياسي ومنظومته الفكرية والسياسية في نفس المكان او بالكاد يجر أنفاسه.
وأخيرا نقول ان نضال المرأة في ايران ليس نضالا محليا، انه يكتسب بعدا عالميا، فحقوق المرأة ليس حقوق نسبية، كما روج لها الغرب، عندما حاول ان يغض الطرف عن كل جرائم الإسلام السياسي في ايران وعموم الشرق الأوسط وحتى بين صفوف الجاليات الشرق الاوسطية في عقر دارها، وبأن امتهان قيمة المرأة وحقوقها هو جزء من تقاليد المجتمعات العربية والشرق الأوسطية، فهو يحترمها ولا يتدخل فيها، بينما تدخل بشكل سافر في تغيير الأنظمة السياسية المعادية لمصالحها وتحت يافطة حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية- سنعرج عليه في مقال آخر.
ان انتصار المرأة والحرية، انتصار جماهير ايران هو خطوة عظيمة في إسدال الستار على فصول الإسلام السياسي، بيد ان هذا النضال بحاجة الى تشديد نضالنا نحن في العراق وكل العالم العربي ضد الإسلام السياسي، بحاجة الى الوقوف الى جانب نضال المرأة في ايران، نضال العمال والطلبة وعموم جماهير ايران التي تقارع كل الالة القمعية  المهولة للجمهورية الاسلامية، بحاجة ان نقف بوجه المليشيات الداعمة التي ترسل عناصرها سواءً من العراق او من عناصر حزب الله اللبناني لمساعدة حرس الخميني بقمع الانتفاضة، بقمع شعار (المرأة-الحياة-الحرية).
ويجدر بالذكر أن انتفاضة الجماهير في ايران اسقطت ورقة التوت عن هذه المليشيات، فبينت انها فصائل المقاومة والممانعة ليس لإسرائيل ولا لأمريكا، بل لشعار (المرأة-الحياة-الحرية).
 

5
"التهاوش" على ذكرى انتفاضة تشرين
سمير عادل
الصدريون والرومانسيون الوطنيون والباحثون عن التوظيف عند أحزاب العملية السياسية أو الذين يحاولون بشق الأنفس اللحاق بالطريق الى العملية السياسية، يتعاركون من أجل الحصول على ميدالية انتفاضة تشرين/ أكتوبر، وخاصة هذا العام إذ تمر الذكرى الثالثة عليها.
شاشات الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي، تمتلئ بالمزايدات السياسية، لسرقة روح انتفاضة تشرين، فالضجيج الإعلامي والسياسي حول الذكرى الثالثة لانتفاضة أكتوبر لهذا العام، ليس التعلم من دروس الانتفاضة، ولا استخلاص العبر منها، ولا التساؤل حول عدم وصول الانتفاضة إلى محطتها النهائية، ولا كيف وأين تمت المقايضة بين التيار الصدري وميليشياته في تقديم رأس الانتفاضة الى اخوته التوائم في سلطة الإسلام السياسي الموالية لإيران مقابل تنصيب مصطفى الكاظمي الموالي للصدر سدة رئاسة الوزراء؟ 
بمعنى آخر هناك (تهاوش) على ذكرى انتفاضة أكتوبر بين القوى السياسية لتجيير مطالبها والتضحيات العظيمة التي قدمتها من أرواح المئات من الشباب، في الوقت، الذي لم يكن أحد من تلك القوى على علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأهداف انتفاضة أكتوبر ولا بالقوى الاجتماعية التي أشعلتها.
وعبر المزايدة السياسية على ذكرى انتفاضة أكتوبر، هناك مساعي حثيثة تكمن في محاولة تعبيد الطرق من أجل الاستعداد لسيناريو حل البرلمان والانتخابات المبكرة، وكل واحدة من تلك القوى تحاول جر أكبر قدر من الجمهور لها، عبر خداعها وذر الرماد في عيونها، مثلما فعلت إشراقة كانون، وحركة امتداد، وشخصيات مثل (باسم الخشان) الذين كانوا بمجموعهم ظلا مخادعا وانتهازيا بامتياز، ومتملقاً لجماعة المالكي والتيار الصدري والكاظمي والمرجعية الدينية وغيرها، وكل واحد من أولئك الذين شدوا رحالهم وحطوا في أحضان سلطة المليشيات ليرفع من سعره، كان يجر بتلابيب الانتفاضة.
وأكثر التصريحات التي تثير السخرية ممن يلقبون أنفسهم (بالمستقلين) هو ما أدلى به (علاء الركابي) عندما كان رئيسا (لحركة امتداد) حيث قال انه مستعد للتعاون مع الفاسدين إذا كان ذلك في مصلحة العراق، فهل هناك تصريح أكثر سخرية ممن قاله الركابي!
وهنا يعلو اسم (العراق) الذي أصبح أكثر السلع رواجا بالمزايدة عليها في سوق الدعاية السياسية، وهو عنوان لكل من أراد أن يسرق من جغرافية العراق، ويعقد الصفقات السياسية التي تدر أرباحاً مالية كبيرة مع حكومات المنطقة، وهو يعرض عمالته السافرة لها، ويغض الطرف عن كل عمليات القصف والحملات العسكرية التي يدفع ثمنها الأبرياء من المدنيين.
والرومانسيون الوطنيون الذين يخرون خاشعين عندما يسمعون باسم العراق، ونصبوا خيامهم باسم العراق، ويملئون الفضائيات العراقية وشبكات التواصل الاجتماعي بأنهم عراقيون وطنيون، ولا يشغل بالهم كما يدعون سوى العراق ومصلحة العراق، ويتبادلون التخوين فيما بينهم، وينشرون غسيل بعضهم، سواء كان نظيفا أو قذرا على الملأ، لإثبات وطنية أو خيانة  بعضهم البعض للعراق، نقول هؤلاء هم أكثر الجماعات الذين ضاعت بوصلتهم، وأكثر الذين ينثرون الرماد في عيون الجماهير عبر تنقلهم بين خنادق القوى السياسية في العملية السياسية، أو بتحولهم إلى أبواق لها.
إن معضلة هؤلاء الرومانسيين الوطنيين الحالمين بـ (جنة وطنية سماوية)، يقدسون الانتماء الى أنفسهم، والى أذهانهم والى عبادة نرجسيتهم ومزاجيتهم، ولا يؤمنون إلا بقدراتهم ــ غير الخارقة ــ وتجربتهم الفقيرة الخالية الدسم. وهم دائما كانوا ــ ليس في انتفاضة أكتوبر فحسب بل في كل الثورات والانتفاضات على صعيد العالم ــ يلعبون دورا في تخريب الثورات والانتفاضات، بمعنى آخر انهم أمّا أن يكونوا ذخيرة حية ووقود للتيار الشعبوي في المجتمع، مثلما ذهب قسم منهم خلف التيار الصدري ليتواجد معه في المنطقة الخضراء، وبلع الطعم من جديد لأن التيار خدعهم بتبني شعارات (وطنية) في حين تمثّل القسم الآخر، بأحزاب برجوازية صغيرة أو أفراد، يتبنون نثر الأوهام في المجتمع.
 
ليس في قاموسنا تقديس للانتفاضات والثورات، ويجب القول بأنَّ انتفاضة أكتوبر لم تصل إلى محطتها النهائية، ومن الوهم أن نتصور بأنَّها من الممكن أن تعاد بنفس السيناريو والشخوص والأحداث التي تسلسلت في عام 2019 إلا بشكله الهزلي كما يقول ماركس.
أن اندلاع شرارة الثورات والانتفاضات خارجة عن الإرادة الفردية للبشر، ولكن دفعها للوصول الى تحقيق أهدافها هي من صنع  صراع الطبقات الاجتماعية والحركات الاجتماعية وأحزابها السياسية، وإن ما أحدثته انتفاضة أكتوبر كان بمثابة زلزال كبير هزَّ المفاهيم الاجتماعية والسياسية، واسدل الستار عن فصل تاريخي في حياة المجتمع العراقي، إذ وخلال أكثر من ثلاثة أرباع القرن، لم تمر أية عاصفة ثورية وبقوة مثلما مرّت عاصفة انتفاضة أكتوبر بالعراق، وأسقطت واحدة من أكثر الحكومات رجعيةً وإجراماً، مدعومة بكل قوة من قبل الحرس الثوري الإيراني، والمليشيات المدججة بالسلاح والممولة من سرقة ثروات العمال والكادحين عبر عمليات النهب والسلب والفساد.
إن انتفاضة أكتوبر تركت أثرا اجتماعيا وسياسيا في عمق وجدان المجتمع العراقي، غيرت من روحيته، كما و ستتعمق تلك الآثار بشكلها الإيجابي مع السنوات، وان كل التهليل والتطبيل بإحياء مناسبة المناسبات الدينية مثل أربعينية الحسين، وبالتعاون والتنسيق بين السلطة وكل قوى الإسلام السياسي (بمالكيه وعامريه وخزعليه وفياضه وحكيمه وصدريه)، وبذخ الأموال المنهوبة من جيوبنا نحن العمال والموظفين والعاطلين عن العمل، على هذه المناسبة، والمبالغة بأرقام المشاركين الى حد التزوير والكذب بأن ٢١ مليون شخص شارك فيها، كانت محاولة فاشلة لإعادة عقارب المجتمع العراقي الى الوراء، الى ما قبل انتفاضة أكتوبر.
لقد وضعت قوى الإسلام السياسي المتصارعة على السلطة خلافاتها جانبا، وعملت بجهد على تسويق تصور عن المجتمع العراقي عبر إحياء مناسبة الأربعينية على سبيل المثال، بأن الشيعة هم الأكثرية، ولهم الحق في السلطة، ــ وإنَّ كل ما مزقته الانتفاضة لصورة الإسلام السياسي التي أكدت على أنَّ المدنية والعلمانية والتحضر واليسار بشكل عام متجذرة في أعماق المجتمع في العراق، والإعلان عن سقوط كل أوراق الطائفية والدينية ــ ليس لها أي أساس.
وفي الوقت ذاته أعادت انتفاضة أكتوبر الاقتدار إلى الفرد بنفس القدر والاقتدار والثقة الى المجموع، وأسقط الخوف والرعب الذي حاولت مليشيات الإسلام السياسي ترسيخه في بنية المجتمع، فمن عاش او شارك أو شاهد من على شاشات الفضائيات مواجهة قناصة المليشيات وهراواتهم وسكاكينهم بصدور عارية، يدرك أية روحية خلقتها الانتفاضة في صفوف جماهير العراق.
هذه الروحية التي سادت في انتفاضة أكتوبر هي التي ترعب سلطة الإسلام السياسي، وهي وراء مقاطعة النسبة العظيمة من جماهير العراق لانتخابات أكتوبر عام 2021 التي حاولت حكومة الكاظمي ومن ورائها التيار الصدري باختزال الانتفاضة بالانتخابات المبكرة والقفز على كل مطالبها العادلة، وهذا بالضبط ما يحاول التيار الصدري اللعب على أوتارها، إلى جانب قوى أخرى أبدت ندمها على مقاطعتها للانتخابات، والاستفادة من الوقت الضائع عبر المزايدة السياسية على الانتفاضة للحاق بالركب (المؤمن) في العملية السياسية.
إن الدرس الآخر الذي يجب على الجماهير أنَّ تتعلمه، من انتفاضة أكتوبر، هو البناء على الروحية التي خلقتها انتفاضة أكتوبر، وهو الجسارة الثورية وأن تمد يدها للسلطة السياسية، وعدم الانخداع والتوهم بالترهات التي ينثرها الرومانسيون الوطنيون هنا وهناك، وجر الجماهير دائما الى خندق القوى الرجعية المعادية لتطلعات العمال والنساء والطلبة والعاطلين عن العمل في تحقيق الحرية والمساواة والرفاه.



6
انتفاضة النساء في إيران والهوية الإسلامية
سمير عادل

سواء كان الحجاب جزء من (الشريعة الإسلامية) أو غريب عنها، أو سواء كان الحجاب مقتصراً فقط على نساء (النبي)، المعزز بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، أو أنه أحد أركان الشريعة ويطبق على النساء جميعهن، وبغض النظر عن المكان والزمان، فإن الحجاب الإسلامي، اليوم، هو جزء من هوية الإسلام السياسي.
إن استعباد المرأة ومعاملتها بشكل دوني، والنظر لها كونها تمثل سلعة جنسية يجب الحفاظ على نضارتها ونقائها، هو الحلقة المركزية في المنظومة السياسية والاجتماعية للإسلام السياسي.
وتختلف درجة معاملة المرأة بشكل دوني من جماعة إسلامية الى أخرى حسب التبعية لفقه معين، وحسب توازن القوى في المجتمع، فالمرأة في منظومة طالبان وداعش أقل حظا مما عليها في منظومة ولاية الفقيه أو المجموعات الإسلامية الشيعية، لكن الجميع، يجمعون على أن المرأة هي سلعة جنسية وتثير غرائز الرجل ويجب تغليفها بالحجاب أو النقاب أو البرقع أو العباءة لمنع الشرور في المجتمع.
وعليه أن أية جماعة إسلامية، بمجرد أن تسنح لها الفرصة، وبغض النظر عن نوع هذه الفرصة سواء فرضت سلطتها أو أتيحت لها بالتحدث علنا من على منابر الجوامع والمساجد والفضائيات المدفوعة الأجر، فإن أول شيء تروج له هو التهجم على النساء، وإلقاء اللوم، بأنَّ سبب مصائب المجتمع من الفقر والعوز والجريمة المنظمة والتحرش الجنسي والاغتصاب، يعود الى عدم فرض الحجاب على النساء وعدم التزامهم بقواعد الشريعة الإسلامية، هذه الضحالة الفكرية والسياسية والاجتماعية هي محتوى هوية الإسلام السياسي، فتخيل بدون هذه الضحالة ماذا يبقى لديه للتحدث الى المجتمع.؟
ما يحدث اليوم في إيران من تنظيم تجمعات لاحتفاء بعمليات حرق آلاف من النساء لحجابها، احتجاجا على موت (مهسى أميني) تحت تعذيب "شرطة الأخلاق" بسبب مخالفتها لقواعد الحجاب، هو تحدي سافر للجمهورية الإسلامية بكل جلاوزتها وأجهزتها القمعية وأعرافها وفقها وكل منظومتها الأخلاقية المتهرئة، ويعني أن نساء إيران بعد خمسة عقود من سلطة الإسلام السياسي يتجاسرن على تمزيق هوية الجمهورية الإسلامية، أو هوية الإسلام السياسي، ويعني أيضا كسر هيبة وسطوة وجبروت الإسلام السياسي ليس على صعيد إيران فحسب بل على صعيد المنطقة التي ابتلت بالإسلام السياسي.
إن تنظيم مراسيم ارتداء الحجاب لآلاف من الأطفال الإناث اللواتي بلغن سن ما يسمى بـ "التكليف الشرعي" من قبل الجماعات الإسلامية، كما حدث قبل أشهر في محافظتي دهوك وحلبجة في كردستان العراق لأكثر من (5) آلاف طفلة بلغْنَّ من العمر (9) سنوات، مستغلين أوضاع أسرهم الاقتصادية بتقديم المساعدات المادية لهم، يبين بشكل واضح على رمزية الحجاب وقداسته بالنسبة لهذه الجماعات. 
بعبارة أخرى إن ارتداء الحجاب من عدمه ليس مرتبط بالحرية الشخصية، كما يحاول عدد ممن يصفون أنفسهم بالليبراليين والديمقراطيين التنظير له وهم لا يرون أكثر من وقع أقدامهم، فالحجاب بات عنوانا بارزا لفرض سطوة الإسلام السياسي على المجتمع، وإن هذه المسالة مرتبطة بالتعامل الدوني مع المرأة، ويدلل بشكل واضح أن الإسلام السياسي ليس أكثر من منظومة ذكورية تلبي رغبات الرجل في العالم الرأسمالي ولكن بشكله المنحط.
إن انتفاضة نساء إيران سواء انتصرت في إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران أو لم تنتصر، فأن الدرس البليغ الذي يجب التعلم منه، هو الجسارة الثورية للمرأة في إيران بتحدي كل منظومة الإرهاب والقمع، وأنها تتقدم النضال لتهدم بالمعاول صرح كل الترهات التي أرسيت خلال خمسة عقود من الزمن والقائلة: بأن المجتمع الإيراني هو مجتمع إسلامي، وعلى وقع تلك الجسارة سيدفع الملالي ومنظومتهم السياسية ثمن اختطافهم للثورة الإيرانية.
وفي نفس الوقت تفتح الانتفاضة صفحة جديدة على عمر الإسلام السياسي في إيران والمنطقة، بأنَّه آفل لا محال، وأنَّه قد آن الأوان لشد الرحال والعودة الى كهوف العصر الحجري.



7

١-٢
النزعة الوطنية المشروخة و النزعة المعادية للإسلام السياسي

سمير عادل
 
العقلية القومية في إيران، كما هي العقلية القومية في تركيا، لا يمكنها التمدد في المنطقة وفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، في خضم تنافس محتدم بين الاقطاب الاقليمية الاخرى مثل السعودية والإمارات وإسرائيل، دون تغليفها بأيديولوجية قادرة على النفاذ والتغلغل في بلدان المنطقة.
أن تغليف القومية البرجوازية التركية أو القومية البرجوازية الايرانية بالإيديولوجية الإسلامية، هو الوسيلة الناجعة لتحقيق استراتيجية فرض النفوذ الاقتصادي والسياسي، وتشكيل جماعات وقوى سياسية محلية تتناسب وتتفق مع مشاريع تحقيق استراتيجيات تلك البرجوازيات، التركية والإيرانية في المنطقة.
ومن اجل توضيح ذلك أكثر، على سبيل المثال إن الهيمنة السياسية الإيرانية في لبنان لا يمكن إيجاد ارضية سياسية واجتماعية لها دون تغليفها بالإسلام، كما هو الحال ايضا في اليمن والعراق وسوريا، بغض النظر عن العناوين على الغلاف، مثل المقاومة والممانعة أو الحرب على الإرهاب. ويصح نفس الشي وبقدر متساوي على التمدد التركي في العراق أو في بلدان كانت جزء من الإمبراطورية العثمانية. 
أي أنه لا يمكن مواجهة النزعة القومية المحلية في تلك البلدان من قبل التمدد القومي التركي أو الإيراني، الا بأيديولوجية اكبر منها، والا يطرح سؤال على حزب الله اللبناني وتحالف المليشيات العراقي المتمثل بالإطار التنسيقي وجماعة الحوثي في اليمن ومجموعة الحلبوسي- خميس الخنجر في العراق وآخرين، من أين يستمدون حقانيتهم كي يمثلوا جزء من نفوذ تلك القومية البرجوازية التركية والايرانية في بلدانهم أو مناطق انتماءاتهم؟، كيف يردون على توغل النفوذ القومي الإيراني والتركي في العراق وبقية البلدان؟، كيف يستطيع حزب الله و الإطار التنسيقي الدفاع عن النفوذ القوي الإيراني في العراق او في لبنان؟، أو كيف يستطيع تحالف الحلبوسي-خميس الخنجر تبرئة تركيا من قصف قواتها المجمع السياحي في دهوك وقتل وجرح أكثر من ٤٠ شخص مدني؟، كيف يقومون  بتبرير النفوذ التركي في العراق والذي يمتلك ٥ قواعد عسكرية فيه وأكثر من ١٠٠ نقطة عسكرية في شمال العراق، وتركيا تصول وتجول كما تشاء دون اي رقيب أو رادع؟!
بعبارة أخرى، أن الحيلولة دون المواجهة السافرة مع النزعة الوطنية المحلية، يفسّر سرّ تمسك البرجوازية القومية في إيران بنشر التشيع وتفسيرها للتاريخ الإسلامي ومروياته وفق رواية الإسلام السياسي الشيعي، وأيضاً يكشف عن سر استماتة تركيا بالدفاع عن الإخوان المسلمين، وهو الاسلام السياسي السني، ومحاولة إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تركيا وما زالت تقدم الدعم المالي والسياسي والعسكري والأمني لكل الجماعات والعصابات الإسلامية المنتمية والمنشقة والتي خرجت من تحت عباءة الإخوان المسلمين، من كل حدب وصوب في سوريا ومصر وليبيا وتونس، وأكثر من ذلك كانت راعية لداعش ودولته الإجرامية بشكل غير مباشر قبل انتفاء مقتضيات المصلحة، وتحت الراية الإسلامية أسست عشرات الجوامع والمساجد في مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية، لتحويلها إلى مراكز الانطلاق السياسي والهيمنة الاقتصادية، والتأثير على مراكز صنع القرارات في عواصم العديد من البلدان مثل البوسنة والهرسك وأذربيجان وألبانيا وأوكرانيا وحتى في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا..الخ.
لقد قامت البرجوازية القومية التركية باستغلال كِلا الثورتين المصرية والتونسية وهبوب نسيمهما على المنطقة لتكون جزء من المعادلة السياسية الجديدة، وترتيب دورها ومكانتها من خلال تقديم نفسها كعرابٍ للإسلام السياسي السني ومشروعه الإخواني في المنطقة، وبنفس القدر لعبت القومية البرجوازية الايرانية نفس الدور، حيث وصف علي الخامنئي مرشد الجمهورية الإسلامية "الثورات العربية" بأنها صحوة اسلامية، وقامت إيران  بتقديم كل الدعم للمليشيات والعصابات التي شكلتها في بلدان المنطقة. 
إذا ما حددنا حديثنا عن العراق، فإن النزعة الوطنية التي تمثل القومية المحلية والتي لا يمكن فصلها عن النزعة القومية العروبية، توجه اليوم سياط نقدها وتصب جام غضبها على النفوذ الإيراني في العراق، وقد نجح الممثل السياسي للنزعة الوطنية بتصوير العراق كأسير للنفوذ الإيراني من زاوية قومية صرفة، وان سبب الفقر والعوز والفساد وغياب الدولة والقانون وكل الفوضى السياسية والامنية هو بسبب إيران، ولذلك نجد أن عدد من الشعارات التي رفعت في انتفاضة أكتوبر وفي احتجاجات الصدر الأخيرة، وفي التظاهرات التي سُميت بتظاهرات "المدنيين" في بغداد، وهي النسخة المعدلة والمظللة للتيار الصدري، ( إيران برّه برّه ، بغداد تبقى حرّة)، في حين لا رقيب ولا حساسية مفرطة لنفس النزعة الوطنية ولا حديث بحرقة قلب على تغلغل الرأسمال التركي والشركات التركية بحراب القوات التركية المنتشرة على مساحة كبيرة في كردستان العراق، وقصفها المتواصل على القرى والاقضية وقتل المدنيين، والجدير بالذكر أن حجم التبادل التجاري مع العراق وصل إلى أكثر من ٢٠ مليار دولار في عام ٢٠٢٠ وتسعى تركيا لزيادتها الى ٥٠ مليار دولار، وتشكل العلامات التجارية التركية ٩٠٪ في الاسواق العراقية (حسب رئيس غرفة الصناعيين ورجال الأعمال نواف قليج في تركيا والعراق) ، وهو الأكبر بما لا يقارن مقارنة مع حجم العلامة التجارية والتبادل التجاري الايراني.
إن هذا التصوير المخادع والمشوّه والمغرض والمخطط له بعناية سياسية فائقة من قبل الممثلين السياسيين للنزعة الوطنية، هو محاولة لطمس ماهية الصراع السياسي على السلطة بين جناحين في نفس العائلة الاسلامية السياسية الشيعية من جهة، ومن جهة أخرى هو مسعى لإبعاد المشروع الإسلامي من النقد، كواحد من المشاريع السياسية لأكثر أجنحة الطبقة البرجوازية تخلفا وانحطاطا وغرقاً بالرجعية حتى النخاع، والذي اثبت فشله الذريع وتناقضه مع التطور الإنساني الذي وصل إليه في المجال العلمي والمدني وحقوق الإنسان، علاوة على ذلك كشف عن تناقضه الصارخ مع تطلعات الإنسان في الحرية والمساواة.
وتختلف التجارب الإسلامية الفاشلة بدرجات في معيار رجعيتها واجرامها في كل بلد، حسب توازن القوى في المجتمع، إلا أنها متساوية من ناحية المحتوى، سواءً أكان إسلام سياسي شيعي أو سني، والامثلة كثيرة مثل إيران الملالي والدول الفاشلة التي تدور في فلكها مثل لبنان والعراق وسورية واليمن، والإسلام السياسي السني في تركيا والمغرب وتونس ومصر وأفغانستان طالبان...الخ.
إن هذه النزعة الوطنية تجد ارضية اجتماعية سياسية خصبة لها في العراق، فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من حكم نظام البعث القومي للعراق، تم فرض الهيمنة القومية العروبية في المنطقة، ودون التعبئة الايديولوجية القومية وترسيخها في المجتمع، لم يكن بإمكانه خوض حرب ثمان سنوات مع إيران تحت لافتة حماية البوابة الشرقية للأمة العربية، و تبرير احتلال الكويت، وتحميل أعباء الحصار الاقتصادي الوحشي على كاهل الاغلبية المطلقة لجماهير العراق، واخيراً غزو واحتلال العراق.
صحيح أن التيار القومي العروبي والوطني تراجع سياسيا بعد غزو واحتلال العراق بسبب سقوط سلطته السياسية، إلا أنه على الصعيد الاجتماعي أصبح أكثر قوة وتوسعت جذوره في عمق الوعي الاجتماعي.
وعلى أقل تقدير، خلال أكثر من عقد من الزمن، لم يكن للنزعة الوطنية أو القومية المحلية الممزوجة مع القومية العروبية أي تمثيل سياسي لها في السلطة السياسية، وكل القوى العروبية والوطنية مثل جماعة اياد علاوي والحزب الشيوعي العراقي ارتبطت صورهم بشكل مباشر وغير مباشر بالاحتلال، حيث كان اياد علاوي احد عرّابي احتلال العراق منذ مؤتمر لندن عشية الحرب وغزو العراق، والحزب الشيوعي أصبح عضوا في مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال، وكجزء من حصة الشيعة في المجلس عبر سكرتيره حميد مجيد موسى، وصورة كليهما تتناقض مع وصف الوطنية وتعريف الوطنية، والتي إحدى خصائصها في القاموس السياسي للبرجوازية عدم المهادنة مع الاحتلال وسياساته.
بمعنى آخر، لقد غاب بشكل كلي ممثل النزعة الوطنية والعروبية في التمثيل السياسي في السلطة منذ عام ٢٠٠٣ أي عام الغزو.
تحايل النزعة الوطنية على النزعة المعادية للإسلام السياسي:
في انتفاضة أكتوبر عام ٢٠١٩، رفعت النزعة الوطنية والقومية العروبية رأسها ولأول مرة، وكانت احد اكبر التيارات الاجتماعية قوة على صعيد النزعة السياسية، وصدرت لها صحيفة باسم (التكتك)، وفي غضون ذلك، تم حرق عشرات المقار للأحزاب والقوى والمليشيات الإسلامية، وتم تمزيق صور رموز عرّابي الإسلام السياسي الشيعي في المدن الجنوبية مثل الخامنئي والخميني، إلا أن كل تلك الأعمال وقعت تحت الأفق القومي المعادي لإيران، وليس على خلفية معادية للإسلام السياسي.
بيد أن الجانب الآخر من اللوحة يحاول ممثلي النزعة الوطنية طمسه، فهناك نزعة معادية ملموسة للإسلام السياسي، لكن تم توجيها، اي توجيه غضب الجماهير ضد القوى الموالية لإيران، والمحاولة لتفريغها سياسيا، وابقاء اذكاء نيرانها بالحدود القومية، للحيلولة دون وصولها الى حرق كل منظومة الإسلام السياسي الحاكمة في العراق.
 ويمكن رؤية هذه النزعة المعادية للإسلام السياسي في صفوف جماهير العراق بشكل مادي وقاطع دون اي عناء، فمن تابع او عاش او شارك ايام تظاهرات تموز ٢٠١٥  في بغداد والتي رفعت شعارا (باسم الدين باكونا الحرامية) او شعار (من دخل بيها ابو العمامة صار البوك للهامة) وانتشر كلا الشعارين، كالنار في الهشيم، ليصبح شعارا واحدا مركزيا في كل تظاهرات مدن العراق، و ثم تظاهرات ٢٠١٨  في تموز ايضا حيث طرد المتظاهرون مقتدى الصدر وحيدر العبادي الذي كان حينها رئيسا للوزراء من احتجاجات البصرة، وكانت زيارتهما المتفاوتة في التوقيت، هي محاولة لامتصاص غضب الجماهير الثائرة ضد سلطة الاحزاب الاسلامية الفاسدة، وفي غضون ذلك تم حرق مبنى مجلس محافظة البصرة وهرب جميع أعضاء مجلس المحافظة بما فيهم المحافظ الحالي اسعد العيداني، كما سبقتهم بالهروب، المليشيات الاسلامية، وحرق معها عشرات المقرات التابعة للأحزاب الاسلامية، وفي انتفاضة أكتوبر وخلالها رفعت شعارات معادية لمقتدى الصدر وتياره السياسي  (شلع قلع واللي كايله وياهم) من قبل الاف من النساء والتحرريين من الرجال ردا على تصريحات الصدر بفصل الذكور عن الإناث، وكان اسقاط حكومة عادل عبد المهدي اول ضربة موجعة لمنظومة الاسلام السياسي وفقدان السلطة التنفيذية، وبين هذا وذاك، قاطع اكثر من ٨٢٪ من جماهير العراق انتخابات ايار ٢٠١٨ و اكثر من ذلك الرقم في انتخابات تشرين الاول ٢٠٢١، كل هذه المعطيات تبين ان النزعة المعادية للإسلام السياسي على الصعيد الاجتماعي بالرغم من قوتها وتجذرها يوما بعد يوم، افتقدت إلى راية سياسية وتمثيل سياسي، بعيدا عن التيار الوطني والقومي العروبي الذي تتحرك بوصلته باتجاه معاداة إيران ونفوذها في العراق، وليس لديه اية مشكلة مع الاسلام السياسي، في حين أن جذر المشكلة، الذي عبرت عنه الاغلبية المطلقة من جماهير العراق، في جميع الاحتجاجات الغاضبة، وفي الانتخابات المذكورة وقبلها اسقاط الحكومة، يعود إلى رفض سلطة الإسلام السياسي كسلطة حاكمة في العراق، و كواحد من اجنحة الطبقة البرجوازية التي ليس لديها اي خلاف من حيث البرنامج الاقتصادي مع السياسة الليبرالية التي يشرف على تنفيذها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
 
٢-٢
النزعة الوطنية المشروخة و النزعة المعادية للإسلام السياسي
 
أن جميع أجنحة الإسلام السياسي حاولت بدهاء ملئ الفراغ السياسي الذي تركه التيار القومي والمحلي الوطني، صاحب راية مواجهة "الرأسمال الأجنبي" بغضّ النظر عن مصدره و نفوذه الاقتصادي والسياسي، لترفع شعارات من شأنها أن تكون قادرة على تعبئة المجتمع، فنجد القومية الايرانية المغلفة بالإسلام وحلفاؤها في المنطقة ترفع راية "المقاومة والممانعة" في مواجهة الأقطاب الدولية الغربية والإقليمية المنافسة لها لترسيخ مواطئ أقدامها في العراق، بينما الطرف الآخر الموالي للغرب والمحيط العربي، رفع شعار التخلص من الهيمنة الإيرانية، عبر التغني بالرومانسية الوطنية التي وصلت ذروتها في انتفاضة أكتوبر.
 
التيار الصدري ولي عنق النزعة الوطنية:
وعلى هذه الارضية استغل التيار الصدري الفراغ الذي تركه التمثيل السياسي للنزعة الوطنية، وحاول  ملأه، فمن جهة تملك النزعة الوطنية وتيارها رأسمال اجتماعي كبير، وبالإمكان لي عنقها وركوبها، واستخدامها كسلاح ضد منافسيه على السلطة السياسية، وهم ممثلو المشروع القومي الايراني في العراق، ومن جهة أخرى الحفاظ وإنقاذ الإسلام كأيديولوجية ومنهجية وهوية سياسية من أي نقد ومواجهة اجتماعية في المجتمع، وخاصة احتواء وكسر اعتبار النزعة العظيمة المعادية للإسلام السياسي في المجتمع العراقي.
ومن يتابع المنحى السياسي للتيار الصدري منذ عام ٢٠٠٣ وحتى  احتجاجات تموز ٢٠١٥، يرى انه كان جزء من تأسيس المشروع الإسلامي الشيعي في العراق، وقام زعيمه مقتدى الصدر باتخاذ مدينة (قم) مركزاً له لإدارة مشروعه السياسي، وحصل من نظام الملالي كل الدعم العسكري والمالي واللوجستي والاستخباراتي، كما تم الإشراف على تدريب ميليشياته (جيش المهدي)، ومن خلال ذلك الدعم فرض القوانين الإسلامية في مناطق نفوذ جيش المهدي، و فرض الحجاب على النساء ومنع كل أشكال الموسيقى والغناء فيها، وقام بحملة منظمة من الهجمات على مراكز بيع أقراص الاغاني ومحلات بيع المشروبات الكحولية وتم تصفية العشرات من العمال الأبرياء في تلك المحلات عبر عمليات القتل وزرع العبوات الناسفة وتفجيرها، كما تم تنظيم حملة منظمة في تهشيم رؤوس المثليين بالبلوكات الاسمنتية، وصولا الى ما بعد الحملة العسكرية في ربيع ٢٠٠٨، التي سميت (صولة الفرسان) التي قادها المالكي وبدعم كبير من القوات الأمريكية، وتم تصفية عدد ليس قليل من عناصر جيش المهدي اضافة الى اعتقال المئات منهم.
واستمرت عملية محاولة أسلمة المجتمع من قبل التيار الصدري على قدم وساق، ولم تقف ولو لحظة واحدة، وبعد عام ٢٠٠٩ أسس التيار الصدري، مجموعة (المهدويين) والتي أعلنت بأنها ستقوم بدراسة الفقه والفلسفة والتاريخ الإسلامي لمواجهة العلمانية والإلحاد في المجتمع العراقي، كما لعب التيار الصدري دورا كبيرا لإنقاذ السلطة الإسلامية الميليشياتية الطائفية، التي كان يرأسها المالكي من قبضة انتفاضة شباط ٢٠١١، بفعل هبوب نسيم الثورتين المصرية والتونسية على المنطقة.
بهذا المعنى لم يرفع التيار الصدري الراية الوطنية إلا في احتجاجات تموز ٢٠١٥، في رده على الشعارات المناهضة للإسلام السياسي ورموزه، كما أشرنا، حيث دعا الصدر إلى عدم رفع أية أعلام حزبية غير اعلام العراق، كمحاولة يائسة لإنقاذ الإسلام كهوية وايديولوجية ومنهجية سياسية وفكرية واجتماعية، والتصدي لهجمة الجماهير عليها، بعد اقتران الاحزاب الاسلامية بعمليات الفساد والنهب والاغتيالات والتطهير الطائفي.
ولعب تغيير العامل الإقليمي دوراً في اضافة ( النكهة الوطنية) على حساب الهوية الاسلامية، وخاصة بعد سقوط الهويات الطائفية، التي كانت رأس حربة في ذلك الصراع، وتحديداً بعد تحويل رياح الثورتين المصرية والتونسية و تفريغهما من محتواهما، وتوجيه عصفهما نحو صدور الجماهير المنتفضة من أجل الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، ومقايضتهما بالأمن والامان مقابل إدامة سلطة القمع والاستبداد والإفقار.
أي أصبحت الهوية الإسلامية والايديولوجية الاسلامية والمنهجية الإسلامية وكل مشروعها السياسي تحت طائلة السؤال، ليس في العراق وحده فحسب بل في المنطقة والعالم، وكل ما يندى له جبين الانسانية اقترن بـ ممارسات وافعال الأحزاب والقوى الإسلامية وميليشياتها وعصاباتها من قمع الحريات وعمليات الفساد، سواءً بشقه السني في مصر وتونس وتركيا وسورية وليبيا او بشقه الشيعي في ايران  العراق ولبنان واليمن، وبات إرهاب هذه الجماعات عبر داعش يضرب عمق عدد من البلدان الأوروبية، التي قدمت الدعم لكل أصناف الإسلام السياسي، السني والشيعي، في إيران وفي أفغانستان وسورية ومصر..الخ منذ أواسط القرن العشرين وحتى يومنا هذا.
وإذا ما عدنا الى موضوعنا الأصلي وحسب مقتضيات الحاجة السياسية ضمن متطلبات مرحلة سياسية جديدة وخاصة بعد الانتهاء من سيناريو داعش والحاق هزيمة سياسية بالمشروع الإسلامي في المنطقة، خرج الى النور في العراق تحالف التيار الصدري مع الحزب الشيوعي العراقي، و بقدر ما كان الأول بحاجة لمسح آثامه و جرائمه الطائفية والوحشية، وكل تاريخه في فرض مشروعه الإسلامي بالحديد والدم، الذي امتازت به ميليشياته كسائر المليشيات الاسلامية الاخرى، اضافة الى محاولة في تعميق اللون الوطني وإبرازه بدلا من هويته الإسلامية، ويتبنى بالنهاية خطابا شعبيا بامتياز يمزح بين الدين والقومية من أجل طمس هويته الحقيقية وإظهار هوية وطنية جديدة، بنفس القدر كان الحزب الشيوعي بحاجة الى ذلك التحالف للخروج من مأزقه السياسي ومشروعه الوطني الذي تشوه مرة عندما دخل في مجلس الحكم كما ذكرنا، ومرة اخرى فشل، عندما تحالف في انتخابات ٢٠١٠ مع جماعة اياد علاوي القومية الموالية لكل السياسات الامريكية في العراق والمنطقة.
ولم يدخر التيار الصدري جهداً في قيادة النزعة الوطنية، وحاول عبر اللعب على الوتر القومي المحلي، وعلى وتر غضب الجماهير من كل المنظومة السياسية الحاكمة أن يجرها إلى حركته الاخيرة، الا انه مُني بفشل ذريع.
واليوم يحاول الرعاة الخارجيين لمشروع الصدر إعادة ترتيب صفوف التيار الصدري وتقديم أوراق اعتماده من جديد، عبر إظهاره بأنه زعيم التيار الوطني في العراق في مواجهة النفوذ الإيراني، فعلى سبيل المثال عندما تسرّب وكالة مثل (رويترز) صورة لمقتدى الصدر يرتدي كوفية عربية، وهو يستقبل اسماعيل قاآني قائد فيلق القدس، وتنسب له أقوال بأن الصدر خاطب الأخير، ما شأن إيران بالوضع السياسي في العراق، وتضيف (رويترز) بان اللقاء كان متوترا ولم يكن وديا، وتعزف على وتر ذلك الخبر وسائل اعلام اخرى كما في (سكاي نيوز العربية) على سبيل المثال، ليظهر مقتدى الصدر في برنامج (كلام جد مع نديم)  بأنه البطل الذي يصارع بضراوة للوقوف ضد النفوذ الإيراني والجماعات الموالية له، تبيين كل هذه المعطيات بشكل لا لبس فيه، أن هذا التيار ترتفع حساسيته الوطنية فقط تجاه ايران، اما الاطراف الفاعلة الإقليمية والدولية الاخرى وخاصة امريكا الذي تقف خلف مشروع الصدر، فلا حساسية منها سوى بالإعلام هنا وهناك، لرفع العتب وذر الرماد في العيون.
وما يبعث على السخرية في هذا المشهد الوطني الدرامي الرومانسي، الذي يشبه المشاهد الدرامية في الافلام الهندية أو المسلسلات التركية، اولئك الذين نصبوا أنفسهم كممثلين لانتفاضة اكتوبر، او التشرينيين كما يحلوا أن يسمون انفسهم، يرددون خلف الصدر (ايران برا برا) وكأن العراق اسير إيران فحسب ، وليس اسير الإسلام السياسي وسلطته الميليشياتية المجرمة، وأن التطهير الديموغرافي في المناطق المصنفة بالسنية ومادة ٤ ارهاب والتغييب في المعتقلات والسجون، الذي حدث ومازال يحدث لم يكن جزء من مخطط مشروع الاسلام السياسي الشيعي في خضم الصراع على السلطة.
وما يحدث اليوم بمناسبة عاشوراء من منافسة بالحضور الميداني والإعلامي بين رموز البيت الشيعي وفي مقدمتهم مقتدى الصدر وعمار الحكيم والعامري..، وما يهدر من أموال في عمليات البذخ والإنفاق المهول على المواكب الحسينية، والتطبيل الدعائي للمناسبة، وتأجيل كل شيء حتى الحديث عن مستقبل ٤٠ مليون إنسان بعد الزيارة الاربعينية، يكشف عن محاولات ادامة فرض مشروع الاسلام السياسي الشيعي الذي لم يهدأ يوما، عبر إبقاء المجتمع العراقي في دائرة مغلقة للإسلام السياسي الشيعي كسياسة جهنمية للحيلولة دون  انفلات قبضة السلطة السياسية من يديه.
اليوم يقف التيار الصدري ودعاة أصحاب انتفاضة تشرين في خندق واحد، خندق المعاداة للنفوذ الايراني، فإذا كان الأول يستخدم الثاني كأداة ضغط سياسي من أجل تعويض خسارته ومحاولة لفتح ثغرة في انسداد أفقه السياسي كما بينّا في مناسبات سابقة، فإن الثاني اختار لنفسه موقع المهرج، الذي لن يكن دوره أكثر من إضحاك الجمهور المتفرج والترفيه عنه.
ان النزعة الوطنية والقومية العروبية التي لا تتحرك بوصلة معاداتها سوى باتجاه إيران، وتعتبرها الحلقة المركزية في صراعها على السلطة، اقل ما يمكن أن توصف بأنها نزعة وطنية مشروخة بامتياز، على الأقل  من وجهة نظر المنظومة الأخلاقية والسياسية للبرجوازية الوطنية التي أكل عليها الدهر وشرب.
تلك النزعة المشروخة لا ترى القواعد العسكرية التركية في العراق، ولا ترى هيمنة الشركات الغربية مثل شيفرون واكسيون موبايل الامريكية وتوتال الفرنسية ولوك اويل و روز نفت الروسية وشيل الهولندية-البريطانية و بتروجاينا الصينية في الحقول النفطية- وتجني ارباح عظيمة بسبب توفير بيئة مناسبة للاستثمار من خلال فرض شروط عمل قاسية على العاملين في تلك الحقول النفطية، ولا ترى كيف أن حكومة الكاظمي تنفذ البرنامج الاقتصادي للسياسة الليبرالية الجديدة في العراق التي هي واحدة من أهم مشاريع الاحتلال والسياسة الأمريكية.
واخيرا وعلى انغام ايقاع انتفاضة أكتوبر، كانت هناك مساعي حثيثة لطمس الماهية المعادية للإسلام السياسي لحساب التيار الوطني، وحصر كل مآسي جماهير العراق بالنفوذ الإيراني والمليشيات التابعة له، في حين أن أصل القضية، هو ان توغل المشروع الايراني في المنطقة كما هو المشروع التركي مرتبط بالإسلام السياسي، وبدعم الغرب له بأشكال مختلفة وحسب مصالحه في خضم أية تحولات سياسية.
وهذا يقودنا الى نتيجة بأنه دون تصفية الحساب مع الإسلام السياسي، وقطع دابره كسلطة سياسية ومنظومة فكرية سياسية واجتماعية و كمشروع رجعي معادي لكل المعاني الإنسانية بشكل مطلق، يصعب قطع اذيال ايران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ولا يمكن الحديث عن الحد الأدنى لحياة آدمية آمنة في العراق.



8
هل بالإمكان رمي أحزاب الإسلام السياسي الى خارج المكان والزمان في العراق؟

سمير عادل

يُعدّ تيار الإسلام السياسي من أكثر تيارات الطبقة البرجوازية انحطاطا وتخلفا وإجراما، فالسلطة الحاكمة في العراق اليوم هي سلطة الإسلام السياسي بامتياز، والصراع القائم اليوم في العراق هو بين أجنحة ذلك التيار على السلطة من اجل حسمها لهذا الطرف أو ذاك، وبغض النظر عن تغليف كل جناح صراعه بشعارات فارغة من المحتوى لإثبات حقانيته الزائفة التي تتمحور تارة بالدفاع عن الشرعية والدولة والدستور وتارة أخرى بالإصلاح وطرد الفاسدين، وسواء مثلت تلك السلطة حكومة هلامية الشكل مثل الكاظمي أو شخصيات (إسلامية أقحاح) مثل المالكي والعبادي وعبد المهدي، فإنَّ جميع مفاصل المؤسسات الحكومية والتنفيذية والأمنية تديرها الأحزاب الإسلامية وميلشياته،  بيد أن الفارق بين النموذج العراقي وبقية نماذج البلدان الأخرى، هو عدم وضوح  الهوية السياسية للدولة فيما إذا كانت إسلامية أو أنَّها غير واضحة المعالم بشكل قاطع، بالرغم من (شيعية) ديباجة الدستور العراقي، ومن النوع الجعفري.
 ويعود السبب الى عدم حسم مصير السلطة السياسية التي تتكالب عليها جميع القوى السياسية القومية بشقيها العروبي والكردي والإسلامية بما فيها الأخوة التوائم في البيت الشيعي، وبالنتيجة ستؤدي الى حسم هوية الدولة بشكل نهائي فيما إذا كانت إسلامية أم لا، وطبعا لا بد من ذكر العامل الأساسي الآخر وهو جذر المجتمع العراقي المدني والعلماني، والذي قاوم لحد الآن جميع محاولات أسلمة المجتمع منذ الحملة الايمانية لصدام حسين عام ١٩٩٦، ومرورا بمساعي مليشيات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر في بدايات الاحتلال عام ٢٠٠٣ في فرض الشريعة الإسلامية في مناطق نفوذه، ثم بعد ذلك جاءت القاعدة وأخواتها لفرض إمارتها الإسلامية وتحت عنوان مقاومة الاحتلال ومستغلة الحرب الأهلية الطائفية عام   ٢٠٠٦، وانتهاء بسيطرة داعش على ثلث مساحة العراق في حزيران ٢٠١٤. وبموازاة ذلك، كانت هناك حملة سياسية واجتماعية منظمة لفرض "التشييع" الإسلامي، في العديد من مناطق العراق، وخاصة بعد التخلص من سيناريو داعش في الموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى وبابل، الى جانب مساعي حثيثة في إعطاء صبغة قانونية لذلك "التشييع" الإسلامي عبر تقديم مشاريع القوانين الى البرلمان لترسيخ سلطة الإسلام السياسي الشيعي؛ مثل قانون حرية التعبير الذي أعطى صلاحية كاملة بتنظيم المناسبات الدينية في أي مكان وزمان، وحتى الجامعات لم تنفذ بجلدها بتنظيم تلك المناسبات فيها، بالإضافة إلى تغيير عدد من المناهج المدرسية في مواد الدين والتاريخ حسب الرواية الشيعية للتاريخ الإسلامي، وتخصيص موازنة سنوية للأوقاف الدينية تقدر بأكثر من ٢ مليار دولار وهي أعلى من موازنة وزارة الصناعة، وتقديم مشروع قانون العطل الرسمية الذي وصلت عدد أيام العطل فيها الى ١٥٢، وأكثر من ٨٠ في المائة منها مناسبات دينية شيعية، إلى جانب مساعي لتغيير قانون الأحوال الشخصية وإحلال القانون الجعفري محلها وهلم جرا، ولم تكتف السلطة المليشياتية الحاكمة بتلك الحدود، بل راحت تستغل نفوذها في الأجهزة الأمنية والاستئثار بوجودها في السلطة وغياب الدولة بالمعنى القانوني والأمني، لشن الهجمات على النوادي الاجتماعية ومحلات بيع الكحول وقتل باعتها والعاملين فيها، كما سعت بمنع الحفلات الغنائية والمناسبات والمهرجانات ، على سبيل المثال مثلما حدث في مهرجان بابل الأخير واقتحام مدينة السندباد من قبل ميليشياتها إلى جانب تنظيم  الهجمات على عيادات التجميل وصالونات حلاقة وقتل العديد من النساء في وضح النهار.
في هذا المشهد الدرامي يتصارع اليوم جناحي الإسلام السياسي الشيعي على السلطة، جناح التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الذي يمتلك ذراع مليشيات يسمى بـ سرايا السلام وجناح تحالف الميليشيات الذي يسمى بالإطار التنسيقي ويقودها المالكي-الفياض-العامري، والجدير بالذكر أن قانون الانتخابات يمنع مشاركة قوى ميلشياتيه في الانتخابات أو أي طرف له علاقة بأذرع عسكرية، ولكن من المثير للسخرية أنَّ لوحة المشاركين في الانتخابات، التي تتعلق عناصرها بالبيت الشيعي والتي وصلت الى البرلمان تمتلك مليشيات ممولة من موازنة الدولة.

المشترك بين الاخوة التوائم في البيت الشيعي:

كلا الجناحين التوأمين في البيت الشيعي متفقان على البرنامج الاقتصادي الذي وضعه بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال الأمريكي في عام ٢٠٠٣ بالتنسيق والتعاون مع صندوق التنمية الأمريكي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أي أنَّ كلا الجناحين ليس لديهما مشكلة في تعطيل ٢٠٠ مصنع من كبريات المصانع في الشرق الأوسط مثل البتروكيماويات والحديد والصلب والورق وصناعة المركبات الثقيلة والمتوسطة عبر عدم تزويدها بالطاقة الكهربائية والتمويل الحكومي، كما أنهما متفقان في تخفيض قيمة العملة المحلية الدينار مقابل الدولار، ومتفقين أيضا بعدم تشغيل العاملين في القطاع الحكومي بعقود دائمة تجنباً لمنحهم الضمان الاجتماعي أثناء حوادث العمل أو الاستغناء عنهم وحرمانهم من العلاوة والترقية والضمان الصحي والتقاعد، ومتفقين أيضا على تحويل العراق إلى سوق عمالة رخيصة يحرم العمال من حقوقهم في التظاهر والإضراب والتنظيم في حالة أي نزاع بينهم وبين صاحب العمل  لتشجيع الشركات الأجنبية بالاستثمار في العراق كما نراه في شركات النفطية مثل بي بي البريطانية وبتروجاينا الصينية واكسيون موبايل الامريكية وتوتال الفرنسية و روز نفط الروسية  وايني الإيطالية، حيث يتعرض العمال إلى شروط عمل قاسية بالإضافة الى تفشي أمراض السرطان في صفوفهم.
نقول إن جناح الصدر وجناح الإطار التنسيقي ليس لديه أية مشكلة مع البرنامج الاقتصادي لحكومة الكاظمي أو الحكومات التي سبقتها، طالما يؤمن استقرار السوق العراقية ويربطه بالسوق الرأسمالية العالمية، في الوقت الذي يتحمل العمال والموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل أعباء الأزمة الاقتصادية، في حين لا يمس البرنامج الاقتصادي المذكور امتيازاتهم وعمولاتهم، كما انهما متوائمان في فرض الأسلمة للمجتمع العراقي مثلما ذكرنا، بيد أن المعضلة الأصلية هي في مشروعهما لإدارة السلطة.
وبهذه المناسبة يجدر بالذكر أن فشل حركة الصدر الأخيرة بالاعتصام أمام مجلس القضاء الأعلى، جاءت على اثر استرداد زمام المبادرة من قبل جماعة الإطار التنسيقي، حيث أخذت الضوء الأخضر من طهران بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس مليشيات الحشد الشعبي فالح الفياض (تغيير في العوامل الإقليمية والدولية سنخصص له مقال آخر)، وقد ادخل قواته في حال إنذار وهدد الى جانب قادة الإطار التنسيقي بأنهم ملزمين بالدفاع عن الدولة والدستور والاستعداد بقمع الاعتصام دون أي تردد، وهذا ما دفع الكاظمي بالتصريح بأنه على القوى الأمنية الابتعاد عن الانجرار وراء الصراعات السياسية.

الأغلبية الصامتة وحكومة الأغلبية:

بعبارة أخرى فإنَّ محاولة إيصال المجتمع العراقي الى الانحطاط السياسي والتدهور الاجتماعي والانهيار الاقتصادي هو بسبب الإسلام السياسي و مشروعه الفاشل خلال ما يقارب عقدين من الزمن، وهذا يفسر أيضا توسع مساحة النزعة المعادية للإسلام السياسي من قبل الجماهير، ويوضح سر المقاطعة لانتخابات أكتوبر ٢٠٢١ التي وصلت الى نسبة اكثر من ٨٠٪، علماً بأنَّ الصدر وتياره السياسي يدركون هذه الحقيقة المرة، لذلك نراه يطّعم خطابه السياسي بنغمات وطنية رومانسية لذر الرماد في العيون وإبراز هوية مزورة بدل من هويته الإسلامية والطائفية وذلك لإخفاء قبحها كي يتجنب ابتعاد الجماهير المليونية منها.
ويجب أن ننوه الى أنَّ  عامل النزعة المعادية للإسلام السياسي في المجتمع العراقي يلعب دورا كبيرا في دفع التيار الصدري لطرح مشروعه السياسي عبر ما يسمى بحكومة الأغلبية، لأنه على دراية كاملة بأنَّ الأغلبية الصامتة التي فجرت انتفاضة أكتوبر إذا دخلت الميدان من جديد، فلن يقوم للإسلام السياسي ونظامه  قائم في العراق بل وحتى في المنطقة، وعليه في حكومة الأغلبية بالنسبة للصدر هي خطوة بالتنازل عن قسم من حصة الفساد مقارنة بحكومة توافقية ومنح فتاتها للجماهير التي يعيش أكثر من نصفها تحت خط الفقر، للجم أو الإبطاء من انفجار البركان بوجه كل السلطة السياسية، كما عشنا فصولها في أيام انتفاضة أكتوبر. ولو لم يكن هناك التنسيق والتعاون بين الجناح الموالي لإيران الذي سلط قناصته في قتل أكثر من ٨٠٠ شخص وجرح ما يقارب ٢٠ ألف متظاهر وبين التيار الصدري الذي حرق خيام المتظاهرين وقامت ميلشياته في مهاجمتهم بالسكاكين والهراوات، والإتيان بحكومة الكاظمي لإنقاذ النظام السياسي ومجمل العملية السياسية، لأعيد بالإسلام السياسي الى متاحف التاريخ، ولكان شخصياته ورموزه يقبعون خلف القضبان ويسوقون إلى المحاكم العلنية جراء جرائمهم ونهبهم وسلبهم.
إنَّ القلق والخوف والريبة يتعلق بالمستقبل الذي يخيم هذه الأيام على المجتمع العراقي بسبب هذه السلطة الإسلامية المليشياتية، وكأنَّ أكثر من عقدين من الزمن لم تكفيهم من إراقة دماء الآلاف المؤلفة من جماهير العراق تارة بالقتل على الهوية وأخرى بالحرب على الإرهاب ومرة بالقمع الوحشي لمطالب الأغلبية المطلقة من جماهير العراق المتعلقة بالحرية والمساواة وتوفير فرص عمل، وكل ذلك من أجل نهب أكثر ما يمكن من نهبه، واليوم نراهم يدفعون المجتمع إلى فوضى أمنية وسياسية.

هذه الصورة التي نعرضها، يحاول العديد من المدافعين عن العملية السياسية وكل النظام السياسي، حجبها، سواء بماهية هذه السلطة الرجعية، أو بتسويق نظرية أزلية من أجل إبقاء هذا النظام، بغية إحباط أية محاولة لوضع حد لمأساة جماهير العراق، وقد بلع عدد ليس بقليل طعم هذه الدعايات. ويجدر بالاشارة أنَّ حركة الصدر الأخيرة سواء فشلت او نجحت في تحقيق مطالبها في حل البرلمان وتنظيم انتخابات مبكرة التي لن تفضي إلا نفس السيناريو الذي  يسمونه بالانسداد السياسي ومن الممكن حدوث ما هو أسوأ منه، فإن ما سينتج هو تعويم فكرة مفادها إما الانتظار ل"صحوة ضمير" تحدث لممثلي التيار الإسلامي إمثال الفياض والمالكي والصدر والخزعلي والحكيم العبادي والعامري..الخ، حيث يعلنوا عن توبتهم ويسلموا انفسهم الى المحاكم ،وهو ما يعادل ذلك المثل القائل بأن دخول الجمل في ثقب إبرة ايسر من توبة أولئك، أو التسليم والاستلام للقدر الذي حدده هذا التيار الإسلامي وأثبت بشكل قاطع  طوال عقدين من الزمن بأنه لا يجيد غير القتل والنهب.
بيد أن الحقيقة المرعبة التي يخشى منها نفس التيار لأنه جرب بنفسه، هي أن الأغلبية الصامتة اليوم أو المتفرجة لم تقل كلمتها الى الآن، فكما أسقطت حكومة عبد المهدي التي وقفت خلفها قناصات جماعات قاسم السليماني-المالكي، لن تخونها جسارتها الثورية في رمي السلطة الإسلامية المليشياتية خارج المكان والزمان التي ما زالت  أصوات ناقوس انتفاضة أكتوبر تصم آذانهم .




 


 




9

كلمة الى فعالي ونشطاء انتفاضة تشرين اكتوبر
حول دعوة الصدر للقاء التشرينيين

سمير عادل

 تجري محاولات من قبل التيار الصدري للقاء فعالي ونشطاء انتفاضة اكتوبر، وتشير بعض الاخبار ان مقتدى الصدر أرسل في دعوة عدد منهم، لعقد مؤتمر صحفي مشترك في الحنانة، وانه،اي الصدر، ابدى استعداده لتقديم أي من عناصره الى المحاكمة إذا قدموا دليلا على تورطهم بالتعدي على متظاهري انتفاضة اكتوبر او تورطهم في عمليات الفساد.
وأدت دعوة الصدر هذه الى زيادة نشر الضبابية والأوهام في صفوف ليس فقط  فعالي ونشطاء انتفاضة اكتوبر فحسب، بل ايضا في صفوف عدد غير قليل من الجماهير.
 
السؤال المطروح اليوم لماذا يحتاج الصدر الى (التشرينيين)؟ بالرغم انه لا يحتاج اضافة زخم جماهيري الى تظاهراته، كما يقول بعض نشطاء انتفاضة أكتوبر عبر الفيديوهات التي أطلقوها على شبكات التواصل الاجتماعي، ويستخلصون منها صدق نوايا الصدر في دعوته الإصلاحية.
 
ان الصدر وتياره السياسي يدركان جيدا عمق انتفاضة أكتوبر في وجدان جماهير العراق وأثرها في قلب صفحات كل التاريخ العراقي الحديث، وخاصة بعد غزو واحتلال العراق، وتنصيب عصابات الإسلام السياسي في سدة السلطة وتسليطهم على رقاب الجماهير. إن عمق انتفاضة أكتوبر ليس فقط في مساحة وحجم المشاركة التي هي الأعظم بأضعاف من تظاهرات التيار الصدري اليوم، ولا بالأقسام الاجتماعية التي شاركت فيها من ملايين العاطلين عن العمل الذين أشعلوا فتيل الانتفاضة والالاف المؤلفة من النساء اللواتي رفعن بشعار (شلع قلع والي كايل وياهم) بالرد على مطالبة الصدر بالفصل بين الذكور والإناث في الانتفاضة، ولا بالآلاف من عمال العقود والاجور، او بالقوة الهائلة العددية لطلبة الاعداديات والمعاهد والجامعات، وعلى ضفاف تلك الانتفاضة، تضامنت معهم جميع الشرائح الاجتماعية من العمال عبر تظاهراتهم في مواقع العمل في النفط والموانئ والكهرباء، كما شاركت نقابات المعلمين والأساتذة الجامعيين والمحامين والمثقفين من الشعراء والرسامين والفنانين. الخ. وكانت النزعة السائدة فيها، هي ضديتها ومعاداتها المطلقة للطائفية والإسلام السياسي، وضديتها لكل رموز الجمهورية الاسلامية في إيران عراب الإسلام السياسي في المنطقة والعالم. وأكثر من كل ذلك أن كل الترهات الطائفية حول “مظلومية الشيعة” التي نسجت خيوطها منذ مؤتمر لندن عام ٢٠٠٢ عشية غزو العراق لتمرير التقسيم الطائفي لجماهير العراق واضفاء الشرعية على غزو واحتلال العراق، تمزقت وتطايرت أمام العصف الهائل لرياح انتفاضة اكتوبر. فالانتفاضة ضربت قلاع البيت السياسي الطائفي الشيعي، وهي المدن الجنوبية ومناطق نفوذه في بغداد مثل مدينة الثورة والشعلة والحرية والحسينية. الخ. ان كل الهالات التي صنعتها السلطة الطائفية للإسلام السياسي الشيعي منذ عام ٢٠٠٥ من تنظيم المناسبات الدينية المهولة وتعطيل الحياة اليومية في المجتمع العراقي عبر إعلان العطل الرسمية الى الحد الذي قدمت مشروع قانون (العطل الرسمية) الى البرلمان يطالب ب ١٥٢ يوم عطلة رسمية، حيث ان اكثر من ٩٠٪ منها مناسبات شيعية، اضافة الى بذخ الاموال المسروقة من جيبونا وعرقنا على الولائم والابواق والملالي والروزخونيات.. كل تلك انهارت أمام عاصفة انتفاضة اكتوبر. وعلى هذه الارضية الاجتماعية والسياسية فقد الاسلام السياسي الشيعي ولأول مرة سلطته التنفيذية بعد ما يقارب أكثر من عقد ونصف، وتم تنصيب الكاظمي رئيسا للحكومة على مضض.
 
ان الصدر وتياره السياسي يدركان جيدا أن الشرعية لا تكتسب بتظاهراته مهما بلغت أعداد جماهيره والمتوهمين به، فدون جلب جماهير انتفاضة اكتوبر، ودون كسب نشطائها وفاعليها، فشرعيته على المحك.
 
ومن الجانب الآخر يريد الصدر خلط الأوراق أمام منافسيه في الإطار التنسيقي واخوته التوائم في البيت الطائفي الشيعي، فعند دخول فعالي ونشطاء انتفاضة أكتوبر على خط تظاهرات الصدر وتأييدهم لها، سوف يعني ذلك ذر الرماد في العيون وتسويق تصور بأن المطالب التي يرفعها التيار الصدري هي نفس مطالب انتفاضة أكتوبر التي أسقطت حكومة عبد المهدي وفرضت انتخابات مبكرة لتغيير المعادلة السياسية.
 
بمعنى آخر يتبين ان الاعداد التي تشارك في تظاهرات الصدر لا تعطي حقانية لمطالبهم، وان الزخم الكبير الذي اكتسبه الصدر اليوم، هو لان انتفاضة أكتوبر لم تصل الى كنس كل قوى الإسلام السياسي وسلطته الجائرة اولا، وثانيا لان الجماهير ليس لها بديل ولم تر بديل اخر، ولذلك يلهثون وراء السراب، وراء مقتدى الصدر في محاولة لتصديقه.
 
ان مقتدى الصدر اليوم وتياره السياسي بأمس الحاجة لنا، بأمس الحاجة لفعالي ونشطاء انتفاضة أكتوبر لمسح كل جرائمهم في الفساد المالي والاداري والسياسي وتورط مليشياته منذ صولات جيش المهدي التي اشتهرت وذاع صيتها بعمليات القتل على الهوية وقمع الحريات واشاعة الفوضى في المجتمع العراقي. بدون جماهير انتفاضة اكتوبر فلا حقانية لتظاهراته ولا شرعية لاحتجاجاته، لذلك يسعى الصدر الى تغليف تظاهراته وطلائها باصباغ انتفاضة أكتوبر.
 
وعليه إن غاية مؤتمره الصحفي مع عدد من وجوه فعالي انتفاضة أكتوبر هو انتزاع بصمة التشرينيين عبر التقاط الصور معهم كما فعل من قبل مع الحزب الشيوعي العراقي وتشكيل تحالف (سائرون) للتغطية على فساد تياره السياسي وجرائم ميلشياته، وبعد ذلك أدار الظهر لهم.
ان الصدر كما أوضحنا في ملفه الذي قدمناه (لا يمكنه حجب الحقيقة وتضليل الجماهير) في ردنا على كلمته، لا يمكن له بجرة قلم وبكلمة "طيبة" القفز على سبعة عشر عام من الفساد الاداري والمالي والسياسي وتشكيل المليشيات والتغلغل في الاجهزة الامنية والتورط بعمليات الخطف والقتل، حيث كان أحد اللاعبين الرئيسيين في البيت الطائفي السياسي الشيعي.
 
انه لسذاجة سياسية ان تنطلي علينا لعبته الجديدة هذه المرة ايضا وتحت نفس العنوان والسيناريو الذي أسدل الستار على انتفاضة أكتوبر وهو حل البرلمان وانتخابات مبكرة.
 
إن دعوة التشرينيين للتحاور معهم يكشف عن انسداد الأفق السياسي للتيار الصدري وزعيمه، فلا تنخدعوا بدعوة الصدر كما خدع قسم من الفعالين بالكاظمي وحكومته. ان الصدر يريد استخدامكم لتجميل صورته قبل كل شيء ومسح ملفه وتاريخه خلال العقدين المنصرمين. إن مجرد توقيعه تارة ب"حفيد الحسين" في بيانه الاخير، وتصدير نفسه وجماعته كمدافع عن المذهب والإسلام كما فعل عشية انتخابات العام الماضي، تارة اخرى، يدل على أنه بعيد عن الحركة التي فجرت انتفاضة اكتوبر. وها هو يسمي تظاهراته والانقلاب على جماعته في البيت الشيعي بالثورة العاشورائية. اي أنه مصر على الانتقام من انتفاضة أكتوبر وسلب هويتها المعادية للإسلام السياسي واضفاء هوية طائفية على انقلابه السياسي.
 
أما التطبيل الاعلامي حول ما يسمى باستجابة العشائر لدعوات الصدر للمشاركة في تظاهراته، فهو ليس أكثر من زيادة ذر الرماد في العيون، لإعطاء هالة كاذبة عن الزخم الاجتماعي للتظاهرات. فالعشائر كانت بعيدة كل البعد عن انتفاضة اكتوبر، لان الانتفاضة كانت تعبير عن مدنية وتحضر المجتمع العراقي، فغابت صولات وجولات العشائر، بالرغم من كل محاولات الإسلام السياسي لسلب تلك الهوية منها. والعشائر التي تشارك اليوم في تظاهرات الصدر عبر لافتات مدفوعة الثمن من مالية التيار الصدري، وبموازاة مشاركة عناوين عشائر اخرى  في تظاهرات الإطار التنسيقي وتحت عنوان الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، نقول هذه العشائر هي عبارة عن مجموعة من المرتزقة مدفوعي الأجر كما كان ايام نظام صدام حسين بعد انتفاضة اذار ١٩٩١ عندما دمرت الاجهزة القمعية للنظام، حيث عملت كجزء من المنظومة الامنية والاستخباراتية والعسكرية المعادية للجماهير، وكان صدام حسين يغدق عليهم الاموال كما سار على نهجه المالكي  والصدر وكل قوى الاسلام السياسي. ان العشائر هم تسميات لمجموعات من المافيات والمليشيات الملحقة بجماعات الإسلام السياسي. والتضخيم من مشاركة حجم العشائر ليس أكثر من دليل آخر على المحتوى الرجعي لتظاهرات الصدر، وسعيه لإضفاء الطابع الاجتماعي المخادع على تظاهراته.
 
وحتى رفع شعار لا للوجوه القديمة للصدر هو لعبة سمجة لا تنطلي على الجماهير. ان سلطة الاسلام السياسي الفاسدة، برأسيه التنسيقي او التيار الصدري قادرة على انتاج وجوه جديدة أكثر قبحا من قيادات الصف الاول، ولكن بقناع يخفي ذلك القبح، طالما تمسك بمقدرات المجتمع وثرواته، فالكاظمي على سبيل المثال لا الحصر لم يكن من الوجوه القديمة، إلا انه ذهب في التشديد وتوسيع مساحة إفقار الجماهير وزيادة بؤسهم وتنفيذ مشاريع المؤسسات المالية الامريكية، فيما لم يتجرأ أي من الوجوه القديمة للإسلام السياسي في تنفيذها، هذا ناهيك عن إطلاق العنان للمليشيات وخاصة الصدرية في قتل الجماهير في انتفاضة أكتوبر.
 
ليس في جعبة الصدر أي شيء يعطيه للجماهير. أن شعاره الوحيد محاربة الفساد وعدم السماح لتكرار وجوه الفاسدين في المشهد السياسي، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه.
 
واخيرا نؤكد من جديد، لا أمن ولا أمان بوجود الإسلام السياسي. لقد جربنا سلطة الإسلام السياسي سواء في المركز او في المحافظات، فهم أبعد ما يكون عن توفير الحريات والخدمات واحترام كرامة الإنسان. اياكم ان تنطلي لعبة الصدر عليكم وتبلعوا الطعم.. افصلوا انفسكم عن حركة الصدر الرجعية، ونظموا صفوفكم بعيدا عنها وتحت أفق وشعار (كلهم يعني كلهم)، شعار انتفاضة أكتوبر العظيمة.

10
لا يمكنه تضليل الجماهير وحجب الحقيقة
في الرد على بيان الصدر الاخير

 
 
سمير عادل
الحقيقة كأشعة الشمس لا يمكنك حجبها بالغربال.
بذل مقتدى الصدر جهودا مضنية في خطابه او بيانه الاخير  كي يحجب الحقيقة عن الجماهير وتضليلها عن الاهداف التي يخفيها، وتسويق صورة مخادعة عن الفساد والمطالب العادلة للجماهير وصراعه على السلطة وإضفاء صبغة ألوهية ودينية على شخصه، كي يفوت الفرصة لأي نقد لمواقفه وسياسات تياره، التي لم تختلف قيد أنملة عن اخوته الاعداء في الاطار التنسيقي وتحديدا غريمه نوري المالكي، وخلال ما يقارب عن عقد ونصف من عمر العملية السياسية في العراق .
- ان الصدر وتياره السياسي استأثر بالسلطة السياسية، وهو احد دعامات البيت الطائفي الشيعي الذي مسك بزمام السلطة التنفيذية مدة سبعة عشر عام، ولم يغادر ولو مرة خيمة البيت الشيعي عند المفاوضات والمباحثات حول تشكيل حكومة الجعفري والمالكي والعبادي وعبد المهدي واخرها الكاظمي، وكان يصارع مثل الاخرين على حصته في الوزارات والمناصب الخاصة. وكل المزايدات السياسية اليوم تخفي في طياتها صراعه على السلطة.
وعلى الصدر بالرد على السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط؛ ماذا يسمى وجودك وتيارك في المحاصصة السياسية طوال ما يقارب عقدين من الزمن؟ هل شبعتَ واكتنزت مما غنمت ولم تعد بحاجة الى تراكم الثروات لتعلن التوبة بسبب صحوة ضمير في غفلة من الزمن!. وإذا قبلنا توبتك، فهل تدرك بأنه ليس هناك تقادم على الجرائم مهما طال الزمن. أن ميليشياتك مسؤولة عن التطهير الطائفي والقتل على الهوية من المئات من الابرياء بين عامي ٢٠٠٦-٢٠٠٨ من أجل تغيير المعادلة السياسية لصالح بيتك الطائفي الشيعي من اجل الانفراد بالسلطة على حساب الإسلام السياسي السني والتيار العروبي ، فمن فضلك قل لنا بماذا ترد على هذا السؤال؟
- أنه يدعي بأنه يحارب الفساد وليس لديه مصلحة شخصية، ونحن نقول للجماهير على الصدر وتياره السياسي وقادته الكشف عن ما يملك امامكم من أموال منقولة وغير منقولة، وعلى أعضاء تياره السياسي بدا من نائب رئيس البرلمان حاكم الزاملي وبقية نوابه في البرلمان السابقين واللاحقين والمستقيلين الكشف عن ما يملكون. ان (الكصكوصة) التي يتحدث الصدر إلينا عنها ويتباهى بها، بل وحتى اصم آذاننا بسبب العدد المرات التي دقت الطبول لها، هي في الحقيقة عن اولئك الذين فاحت منهم رائحة الفساد وباتت تزكم الأنوف وتحرجه وتياره السياسي ولا يمكن غض الطرف عنهم، ولذلك ذهب الى تنحيتهم. من جهة اخرى ان الصدر ينصب نفسه القاضي ويحاكم من وصلت إليه (الكصكوصة) حسب ادعاءاته، في الوقت الذي يجب أن يتحول اولئك الى القضاء. الا ان هذه المسالة تكشف عن ان الصدر لا يريد فضح جماعته الذين بدورهم سيدلون باعترافات بما لا يحمد عقباه. بيد ان الاهم في كل هذا يؤكد بأن لا قانون في العراق غير قانون الميليشيات. فهل أصدر يوما ما القضاء او أية محكمة قرارا قضائيا باستدعاء والتحقيق مع اولئك الذين وصلت إليهم (الكصكوصة)!!!
اما النقطة الاخرى في هذا المضمار، على الجماهير أن تسأل مقتدى الصدر من أين يمول ميليشياته (سرايا السلام)؟ أن عديد عناصره يبلغ من ٣٠٠٠-٥٠٠٠ عنصر يتقاضون المعاشات والرواتب بشكل منتظم. اذا لم تكن تلك الأموال التي يمول بها ميليشياته من عمليات النهب والفساد والاتاوات والاستحواذ على الساحات العامة لتحويلها الى كراجات وريع مطار النجف والعمولات التي يحصل من وزرائه والمناصب الخاصة، فهل يخبر الصدر الجماهير من أين له هذه الاموال؟!!
- ان مليشيات التيار الصدري (القبعات الزرقاء) مع ميلشيات الطرف الثالث في الاطار التنسيقي متورطة بقتل المتظاهرين وحرق خيامهم. على الصدر ان يقول للجماهير لماذا ميلشياته هجمت على خيام المتظاهرين بالسكاكين والهراوات وقتل عدد منهم في ساحات بغداد والنجف وكربلاء والبصرة والناصرية وبشكل علني وامام مرأى ومسمع القوات الامنية التابعة للكاظمي. فإذا كان الطرف الثالث اخفى راسه وقناصته ولم يعلن عن جرائمه في قتل المتظاهرين، فأن مليشيات القبعات الزرقاء كانت تشن الهجمات على خيام المتظاهرين بعد أن استنفذوا كل امكانياتهم باحتواء انتفاضة أكتوبر والالتفاف عليها مثل بقية الاحتجاجات الاخرى التي جرت في ٢٠١١ و٢٠٠١٥.
- ان الصدر  ولأول مرة اصاب كبد الحقيقة في خطابه، بأنه ليس هناك مشكلة شخصية في هذا الصراع الدائر بينهم وبين إخوته في الإطار. ونحن نؤكد على هذه الحقيقة، فان مقتدى الصدر انقذ نوري المالكي في ايام انتفاضة شباط ٢٠١١ من قبضة الجماهير عندما اجتاحت الاحتجاجات جميع مدن العراق، وظهر احد قيادي الصدر آنذاك وهو بهاء الاعرجي وشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وهو أكثر وزراء الصدر الذين وجهت إليه تهم الفساد، ليعزف وراء المايسترو المالكي بأن الاحتجاجات ورائها الاحتلال والقاعدة والبعث، وعندما فشلت تلك الدعايات في إيقاف الجموع الغفيرة التي خرجت ورفعت شعار (الشعب يريد اسقاط النظام)، هرع الصدر للإعلان بإعطاء ١٠٠ يوم فترة للمالكي من اجل الاصلاحات، كي يمتص غضب الجماهير والالتفاف على الانتفاضة، وحينها كان يملك التيار الصدري سته وزارات في حكومة المالكي. والجدير بالذكر أن مناطق نفوذ التيار الصدري سواء في مدينة الثورة في بغداد او في المدن الجنوبية، تزينها أكوام من الأزبال، ونقص الخدمات من مياه الشرب النظيفة والمستشفيات والكهرباء بشكل مريع. فأين الصدر ووزرائه في حربه على الفساد طوال هذه السنوات؟.
- على الجماهير ان تعي ان مقتدى الصدر مثله مثل باقي اخوته في البيت الطائفي الشيعي، لن يتورعوا في ارتكاب المجازر ودفع المجتمع العراقي الى أتون حرب أهلية من أجل مصالحهم الضيقة، وهم سادة واساتذه في توريط الجماهير. فكل مآسي العراق اضافة الى غزو واحتلال العراق، فان منظومة الإسلام السياسي التي يقودها البيت الطائفي الشيعي مسؤول بشكل مباشر عنها، بدءا من الحرب الاهلية التي كان ابطالها جيش المهدي في ٢٠٠٦ والذي تغير اسمه بعد ذلك الى (لواء الموعود) والان يحظى باسم اخر وهو (سرايا السلام)، مرورا بتسليم ثلث مساحة العراق على طبق من فضة الى داعش وكان بطلها حينها حزب الدعوة بزعامة المالكي، وانتهاء بالمجازر التي ارتكبت بحق المئات من شباب انتفاضة اكتوبر، وكانوا ابطالها هذه المرة ميليشيات الطرف الثالث الموالية لإيران والقبعات الزرقاء الاسم الآخر لميليشيات الصدر .
كما نذكّر الجماهير كيف ورط الصدر عناصر تياره المتوهمين به من العاطلين والمحرومين في عام ٢٠١٦ عندما نصب خيمته أمام المنطقة الخضراء وحرضهم لاقتحام اسواره مما ادى الى قتل عدد منهم في المرة الثانية، ليتوارى عن الأنظار ويختفي. وفي كل مرة يصل الى انسداد الافق السياسي، يورط جماعته، ويعلن مرة عن الاعتكاف ومرة الاعتزال من السياسة واخرى بالتفرغ للدراسة في الحوزة، وكان اخرها عشية الانتخابات اعلن بأنه سيموت او سيتعرض للاغتيال لاستجداء العواطف وتحريف الانظار عن تراجع نفوذه الاجتماعي...الخ.
فأننا نحذر الجماهير ان لا تكون طعما سهلا بيد الصدر ليتحولوا الى وقود في حرب ليست حربهم يريد زجهم فيها وتوريطهم.
- إن معضلة جماهير العراق ليست فقط المحاصصة السياسية التي تعني من الجانب الآخر التقسيم والتقاسم بين عمليات السرقة والنهب والفساد الإداري والسياسي، انما ايضا البرنامج الاقتصادي، السياسة الليبرالية الجديدة التي جاء بها الاحتلال وحاول رئيسه المدني بول بريمر بتطبيقها، الا أنه فشل، فيما نجح الكاظمي بالشروع بها وبمعية جميع الكتل السياسية بما فيهم التيار الصدري. ان محاولة الصدر وتياره بحصر كل مشكلة العراق بالمحاصصة انما محاولة جهنمية لإخفاء حقيقة البرنامج الاقتصادي للأخوة الأعداء في البيت الشيعي، طبعا يشاركهم ايضا (البيت القومي العروبي والكردايتي). بمعنى اخر ان الكتلة الصدرية الى جانب كل الكتل السياسية صوتت بالإجماع على تخفيض العملة المحلية وعلى الورقة البيضاء لحكومة الكاظمي. وان هذه السياسة كانت تبغي من ورائها تحميل العمال والموظفين والعاطلين عن العمل من الاناث والذكور، والطلبة وزر الازمة الاقتصادية وتحميل ضريبة سرقاتهم ونهبهم على كاهل أولئك المحرومين. بمعنى اخر ان الصدر يدرك هذا، ولكن يحاول طمس هذه الحقيقة ولا يتحدث عنها. وكل ما ذهب إليه حاكم الزاملي عندما كان النائب الاول لرئيس البرلمان وتياره قبل استقالتهم الاخيرة هو إطلاق عدد من القنابل الدخانية حول مسائلة وزير المالية عبد الامير علاوي في البرلمان، لذر الرماد في العيون وتضليل الجماهير واخفاء حقيقتهم المعادية لمصالح العمال والكادحين، وأنهم لا يختلفون عن اخوتهم الاعداء في العملية السياسية.
- أما حول قمع الصدر للحريات فحدث ولا حرج. طبعا ليس هناك المجال لفتح ملفات معاداتهم للنساء بدليل لا وجود حتى لظل امرأة  في تظاهراتهم وسنكتب عنها في فرصة اخرى، ولا عن ملف معاملة المثليين وقد اشرنا اليه سابقا في مناسبات اخرى، ونؤكد للجماهير ان اية حكومة يشكلها الصدر تعني الضرب بيد من حديد كل مخالفيهم كما رأينا في انتفاضة اكتوبر على سبيل المثال وليس الحصر، وأن  عدد الفيديوهات وخاصة بعد اسدال انتفاضة أكتوبر الستار عن فصلها الأول تظهر مليشيات الصدر تعذيب المعارضين والمخالفين وتطالبهم بالتوبة والغفران من مقتدى الصدر او يطالب أهاليهم بالتبريء من ابنائهم. وكانت تنشر بشكل اوسع بينما والرقابة الالكترونية لحكومة الكاظمي تتفرج دون  ابداء اي رد فعل.
- ان مطالبة الصدر اليوم بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة هي تعبير عن المأزق السياسي وانعدام الافق عند التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر. فهو يريد منفذا لما ذهب اليه، لأن أية انتخابات مهما كانت نتيجتها حتى لو حاز الصدر على جميع مقاعد البرلمان فليس بإمكانه تشكيل حكومة على هواه وسيعاد نفس سيناريو الامس، لان من يحسم تشكيل الحكومة في العراق هي الميليشيات. ويدرك الصدر هذه الحقيقة إلا أنه لن يستطع الذهاب ابعد مما دفع اليه جماعته في افتراش ارض البرلمان وأكل ما لذ وطاب في حفلات الولائم التي اعد لها وسخرت الاموال المهوله للانفاق عليها (من اين لك هذا)  كما تنقلها شاشات الفضائيات مع التقاط صور السيلفي.
- واخيرا ان الصدر يذيل توقيعه على البيان (حفيد الحسين). اننا نلفت انتباه الجماهير ان الصدر يبغي وراء هذه الممارسة شيئين، الأول هو سحب البساط من تحت اقدام الاطار التنسيقي بأنه هو الممثل الحقيقي للشيعة، وبهذا يصطف من جديد ويبين تمسكه الطائفي وإعداد هويته الطائفية لإبرازها عند الحاجة. اما الثاني هو محاولة لإضفاء الالوهية والتقديس على شخصه للوقوف بوجه أي نقد سياسي تجاه شخصه.
كلمتنا لجماهير العراق .. ليس في جعبة الصدر أي شيء لكم، انه يدعو الى الاعتصام حتى تحقيق مطالبكم كما ادعى في كلمته. ولكن ما هذه المطالب ؟ فلم يقول لنا عنها شيء. انها مطلبه هو، وليس اكثر من تشكيل حكومته يديرها هو وتياره السياسي.اما مطالب الجماهير فهي:
-محاكمة قتلة المتظاهرين.
-فتح ملفات الفساد في محاكم علنية (من اين لك هذا؟).
-حل المليشيات تحت اية مسميات.
-ضمان بطالة لكل الاناث والذكور لمن بلغ عمره ١٦ عام وما فوق، حتى حين توفير فرص عمل مناسب.
-رفع الحد الادنى للأجور والمعاشات بما يتناسب مع القدرة الشرائية والتضخم.
-المساواة التامة بين المرأة والرجل.
-إلغاء الورقة البيضاء.
- أن تكون رواتب ومعاشات النواب والوزراء واصحاب المناصب الخاصة مساويا لراتب العامل الماهر
ان الصدر وتياره بعيد عن هذه المطالب ولن يذهب الى تنفيذ اي واحد منها لأنها خطوة نحو هلاكه وهلاك تياره.

11
الشعبوية والديماغوجية في خطاب الصدر
يجب التصدي لها

سمير عادل

الطريق الى بر الأمان في العراق وتغيير النظام السياسي فيه يكون عن طريق رمي كل منظومة الإسلام السياسي الى خارج التاريخ. واي حديث عن الاصلاح وتغيير النظام السياسي في العراق عبر رجل دين معمم انتفخت جيوبه من الهب والسلب و تكرشت بطنه وبطون حاشيته طوال سنوات العملية السياسية، وكان أحد اعمدتها، هو محض هراء، ولا يعدو حديثه عن أي تغيير مهما كان ضئيلا يكون في أفضل أحواله شعارات مضللة وضربا من النفاق السياسي، يخفي في طياته تحقيق اجندات مشبوهة تجر الجماهير المحرومة الى كمين اقل ما يقال عنها الابادة الجماعية.

لغاية يوم أمس، كان التيار الصدري أحد اعمدة المحاصصة والفساد بامتياز، وأحد أعمدة تشكيل جميع حكومات المحاصصة السياسية بدئاً من الجعفري والمالكي والعبادي ومرورا بعبد المهدي وانتهاءاً بالكاظمي، ولم يسمع من الصدر إلا أصوات لإنقاذ تلك الحكومات وحصصه من الوزارات والمناصب الخاصة. اليوم وبعد التخبطات السياسية لهذا التيار الاسلامي الشعبوي كما اعتاد عليه المشهد السياسي العراقي بإستقالة نوابه من مجلس النواب وادعاءات زعيمه بالإنسحاب من العملية السياسية، يسعى ما لم يستطع من تحقيقه في البرلمان بالوصول إليه عبر التهديد بصليل بنادق ميليشياته وتظاهرات جماعته وبالتنسيق مع القوات الامنية التابعة للكاظمي وبالشعارات المضللة التي سرقها من انتفاضة اكتوبر.

التيار الصدري يدفع المجتمع نحو حافة الهاوية، مع الحرص بدقة متناهية وحذر من السقوط وجر اخوته الاعداء، وزعيمه مقتدى الصدر يدرك انه لم يعد بإمكانه حسم مسألة السلطة السياسية، لان العراق مقسم إلى ارض المليشيات، ومن يعتقد ان هناك انقلاب عسكري وبدعم جماعة الصدر له سيحدث وسيعمل على تغيير كل المنظومة السياسية في العراق، فهو لم يتعلم او لم يطلع بعد على دروس ماركس (الثامن عشر من برومير) و لينين (الدولة والثورة) عن الدولة.

في العراق، ومنذ الغزو وتدمير الاحتلال لآلة الدولة وتمزقت معها هويتها السياسية، لم تتشكل الدولة بالمعنى القانوني والسياسي والهوياتي. ورغم كل محاولات المالكي عندما تسلم الحكومة لمدة ثمانية أعوام عجاف وعموم منظومة الإسلام السياسي الشيعي بتشكيل الدولة، وظهرت تباشيرها تلوح بالأفق، إلا أنها سقطت وسمع دويها في ابعد نقطة من الكرة الارضية، و انهارت مع اعلان دولة الخلافة الاسلامية في ١٠ حزيران ٢٠١٤ في ثلث مساحة العراق. وكانت الجحافل الجرارة من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والمحلية والقوات الامنية التي قدرت قوامها باكثر من ٦٠ ألف عنصر، تاركين ورائهم كامل عتادهم، تتسابق بالهروب بحثا عن الطرق والمنافذ إلى مدن أربيل وكركوك للنفاذ بجلدهم، وهي تجر اذيال الهزيمة والخيبة على يد عدو لا يتجاوز عديد عناصرها أكثر من ٢٠٠ مسلح. وكان تأسيس الحشد الشعبي من قبل نفس منظومة الإسلام السياسي هو سبيل آخر لإعادة تأسيس الدولة، وهذه المرة بهوية عقائدية طائفية تلعب دور الحرس الثوري الايراني او الباسداران، والإتعاظ من تجربة فشل الالة القمعية التي يتصدرها غياب العقيدة بمعناها العسكري والسياسي. وهذا يكمن خلف سر الحفاظ والدفاع وحتى الإستقتال بالأيدي والأسنان على هذه المؤسسة القمعية الجديدة بكل ما أوتي من أبواق دعائية وانتقاء هوية لها التي سموها (المقاومة والممانعة) وتخصيص جزء من موازنة الدولة السنوية لها تقدر باكثر من ملياري دولار لها. وفي مقابل ذلك ايضا يكشف عن سر خوف مقتدى الصدر وتياره من منظومة الحشد الشعبي الذي يشن بين بين الفترة والاخرى حملة سياسية عليها مرة يصفها بالمنفلتة واخرى بالوقحة ومرة بغير المنضبطة، والمطالبة تارة أما بحله أو بضمه إلى المؤسسة الامنية الحكومية للسيطرة عليها واحتوائها.

بهذا المعنى لن يستطيع الصدر وتياره بتغيير النظام السياسي في العراق ليس لأنه لا يستطيع وفق المعطيات المذكورة بل انه لا يريد ذلك ايضا، لأنه يدرك ان جميع اخوته الاعداء سواء التوائم في البيت الشيعي او بالرضاعة في البيت القومي بشقيه العروبي والكردي، سيجتمعون عليه وينهالون عليه بالضرب كما يقولون في العامية البغدادية الدارجة (كتلته يصير عمل شعبي).

وعلى هذه الارضية نفسها لن يغير حل البرلمان واجراء انتخابات جديدة المشهد السياسي، او بالأحرى معضلة الصراع على السلطة بين الأجنحة البرجوازية التي يمثلها منظومة الاسلام السياسي. فأياً كانت نتائج الانتخابات فلن يستطيع لا الخاسر من هذه القوى ولا الفائز تشكيل الحكومة، وسيعاد نفس السيناريو الحالي. فصناديق الانتخابات في دول فاشلة (غير قادرة على حماية مواطنيها- نعوم تشومسكي) مثل العراق ولبنان وليبيا واليمن لن تحسمها صناديق الانتخابات وبغض النظر عن نزاهتها من عدمها، إنما يحسمها صليل رصاص بنادق المليشيات. وقد يذهب الصدر الى “انتخابات جديدة” فقط لحفظ ماء وجهه والخروج من المأزق السياسي الذي وضع فيه نفسه منذ استقالة نوابه، وليس من اجل تغيير النظام السياسي او حتى المشهد السياسي وهذا ما يعيه الجميع. وبالنسبة لقوى سياسية اخرى عندما تطرح قضية الانتخابات فهي تدرك، أنها ليست من اجل حل الازمة بل من اجل ادارة الازمة وتأجيل انفجارها.

لا يمكن للصدر وتياره سرقة شعارات انتفاضة اكتوبر او انتفاضة تشرين، ولا يستطيع الصدر مهما أطلق من شعارات رنانة ان يكون ممثل للجماهير التحررية، ولا يمكنه ان يكون رمزاً ليس للتحرر الثوري فقط بل لا يستطيع ان يحدث اي اصلاح كما يدعي. وتجربتنا مع الصدر ليست قليلة، حيث لعب دورا عظيما خلال كل تلك السنوات بإنقاذ العملية السياسية عبر زج جماعته في كل التظاهرات والاحتجاجات الكبيرة التي هزت عرش منظومة سلطة الاسلام السياسي الشيعي، بدءاً من انتفاضة شباط ٢٠١١، ثم تظاهرات تموز ٢٠١٥، وبعد ذلك فشله في احتجاجات المدن الجنوبية في تموز ٢٠١٨ واخرها التنسيق مع قوات الأمن التابعة للكاظمي بقمع انتفاضة أكتوبر والسعي الحثيث لإطفاء جمرتها عبر ميليشياته القبعات الزرقاء.

إن قوة التيار الصدري تكمن بوجود ميليشياته التي يتم تغذيتها وتموليها وتدفع لها رواتب من كل عمليات السلب والنهب والسرقة والاتاوات التي يدعي الصدر انه يريد محاربتها. والسؤال الذي يغيب عن المتوهمين به او الذين يتوقعون عن طريقه تغيير النظام السياسي في العراق، هو من أين يتم تمويل هذه المليشيات المنظمة، وما هو اختلافها عن مليشيات عصائب اهل الحق وبدر وحزب الله وغيرهم، واقصد من جانب التمويل المالي! لماذا لا يفتح ملف تمويل هذه المليشيات؟ إذا قطع التمويل عن هذه المليشيات فلن يبق لهم غير الجعجعة الإعلامية في أفضل الأحوال. وعن طريق تلك الميليشيات ترهب المخالفين والمعارضين ويتم التصفية الجسدية لكل معارض لصدر، الم ينشروا فيديوهات عذبوا فيه ناشطين ومدونين واشخاص عاديين انتقدوا الصدر، وطالبوا منهم الاعتذار من الصدر او طالبوا من اهاليهم طلب الصفح والعفو من الصدر عبر التبرئ من أبنائهم . اذا جُرد الصدر من ميليشياته فسيكون في أفضل الاحوال مثل جلال الدين الصغير او عمار الحكيم. وتنطبق نفس الحالة على بقية قوى الاسلام السياسي الشيعي.

ولا يفوتنا ان نذكر ايضا وبكل شفافية، ان قوة الصدر تكمن ايضا في ضعفنا نحن الثوريين والتحرريين الذي لم نستطع إلى الان أن نكون أحد خيارات المجتمع بالرغم من كل مساعينا وعملنا الدؤوب. أن تيارنا هو أوسع قاعدة اجتماعية من التيار الصدري بأضعاف، وتبينه بشكل ساطع ودون اية مبالغة من قبل الجموع المليونية من العاطلين عن العمل والنساء التواقات للتحرر وعمال العقود والاجور وطلبة المدارس الاعدادية والمعاهد والجامعات الذين خرجوا في انتفاضة تشرين او اكتوبر العظيمة، وحيث تم ركن التيار الصدري جانباً، رغم تملقه بخطابه السياسي لحركتنا وتيارنا بتسويق شعاراته الشعبوية التي نراها اليوم، و بدفاعه عن مطالب الانتفاضة. وعندما فشل في كسب المنتفضين أو ركوب الاحتجاجات التي اعتاد عليها في السنوات السابقة، كشف عن وجه ليطالب بفصل الاناث عن الذكور، وعندما فشل في ذلك أيضا أوعز لميليشياته بالهجوم على خيام المنتفضين وتحت تواطؤ قوات الأمن التابعة للكاظمي.
بمعنى اخر ان التيار الصدري جزء من منظومة الإسلام السياسي التي شاركت مع بقية المليشيات الولائية في قتل المتظاهرين وحرق خيامهم كمحصلة نهائية. واجتمع الجميع، المليشيات المنضوية تحت لواء قائمة فتح التي يقودها العامري في البرلمان قبل الانتخابات الاخيرة ومليشيات التيار الصدري القبعات الزرقاء، بإختيار الكاظمي رئيسا للحكومة على انقاذ حكومة عبد المهدي، لإنقاذ العملية السياسية برمتها من قبضة انتفاضة اكتوبر.

ان المفارقة والتناقض في سقف التيار الصدري للمطالب، مثل تغيير النظام السياسي والدستور، هو أنه لم يطرح عن طريق اية الية يريد ذلك التغيير؟ وهذا السؤال يميط اللثام عن كمية التضليل والخداع الذي يغلفه الخطاب السياسي للتيار الصدري لجماهيره وعموم المجتمع العراقي. فتغيير النظام السياسي يعني نسف العملية السياسية بما فيه القضاء والسلطة التشريعية والتنفيذية وكل أركان الدولة من مؤسسات سياسية وقانونية وقمعية. إلا أن خطاب الصدر الذي وجه خلاله بالابتعاد عن مبنى القضاء والتعاون مع القوات الامنية وحصر اعتصامهم وتجمعهم في البرلمان وحول مبانيها وليس أكثر. وكأنه يريد الانتقام من المكان الذي أفشل مشروعه السياسي في تشكيل حكومة الاغلبية. اي بعبارة اخرى انه يريد توجيه صفعة لمجلس النواب عبر العبث بمقاعده وجلوس أنصاره عليها وهم يأخذون صور السيلفي كي يغيظ اخوته الأعداء التوائم.  في مقابل ذلك انه من الناحية العملية أي زعيم التيار او الوزير القائد او محمد صالح العراقي يريد وضع جماعته وحصرهم في مكان محدد وتجميدهم بحيث لا يؤثروا على سير عمل جميع المؤسسات الحكومية والحياة اليومية والروتينية وعدم تعطيل حياة العملية السياسية. اما آليات تغيير النظام السياسي، فليس امامه الا طريقين؛ اما الحرب الاهلية، او التغيير الثوري. اما بالنسبة للخيار الثاني فهو عدو التغيير الثوري لأنه يعني أن التغيير سيشمله وبلغته هو (شلع قلع)، وسيفتح التغيير الثوري او الثورة ملف قتلة المتظاهرين والفاسدين، وستفتح المحاكم ملف (من أين لك هذا؟) وستحل الثورة المليشيات.. الخ. اما الطريق الاول فقد تحدثنا عنه. اذن ان التيار الصدري يريد اللعب على مشاعر الناس عبر تجديد خطابه الشعبوي والقومي والخالي من اي محتوى سوى التنفيس عن حسرات المحرومين الذين يعبرون عن عوزهم وفقرهم عبر شاشات الفضائيات.

بمعنى اخر ان الصدر لن يستطيع ان يكون رمزا للتغيير الثوري في العراق، وليس في أجندته أي مشروع للتغيير، فتغيير النظام السياسي بحاجة إلى تغيير ثوري، والصدر الذي اجتمع مع هيئته السياسية قبل الانتخابات الاخيرة وتحدث لهم عن اهمية دور جماعته بالدفاع عن المذهب والإسلام والوطن. ووطن الصدر يعني دولة صدام حسين في أيام الحملة الايمانية التي أطلقها عام ١٩٩٦. دولة استبدادية يحكمها المعممين امثاله، دولة برنامجها الاقتصادي الليبرالية الجديدة، وهي تنصل الدولة من كل مسؤولياتها تجاه المجتمع، وشاهدنا كيف صوتت جماعته خلسة على تخفيض العملة المحلية والورقة البيضاء التي جاءت بها حكومة الكاظمي لإدامة الفساد بأنواعه، وتحميل العمال والموظفين أحمال جديدة وجعلهم يدفعون ثمن سنوات نهبهم وسرقة أموالهم في تأسيس الشركات والمولات والبنوك، دولة ليس فيه أية حريات فردية وانسانية، دولة فيها الإسلام هو الحكم والفيصل، دولة تضرب أعناق النساء إذا طالبن بالتحرر. دولة قومية بغلاف إسلامي تضرب بيد من حديد اية قوة تطالب المساواة وتطالب توزيع الثروات على الجماهير العمالية والكادحة.

إن حركة الصدر هي حركة رجعية بامتياز وتهدد أمن وسلامة المجتمع، وهدفها هو تأسيس حكومة تلبي طموحات التيار الصدري كجناح من أجنحة الطبقة البرجوازية التي يمثلها الإسلام السياسي. ان التصدي لمثل هذه الحركة سياسيا ودعائيا واجتماعيا وفضح شعارات الصدر وألاعيب تياره هو مهمة الثوريين والتحررين. ان التيار الصدري هو الوجه الآخر للإطار التنسيقي المليشياتي، وأن الخلاف بينهم هو جزء من صراع طبقة انتفخت جراء ما سرقتها لكل مقدرات المجتمع والجماهير وتريد استثمار ما نهبتها عبر مشروعه السياسي الذي لن يتم دون الفوز بالسلطة السياسية. وهي لن تتورع بارتكاب المجازر من اجل تلك السلطة. إن تغيير النظام السياسي مرهون بالحركة الثورية والاشتراكية، والصدر وتياره غريب عليها ولا ينتمي لها وأكثر من ذلك انه الد اعدائها .

12
بين تراجيديا ومهزلة المشهد السياسي العراقي
سمير عادل
اقتحام المنطقة الخضراء من قبل جماعة الصدر و لمرتين متتاليتين خلال اسبوع واحد، وتواطؤ القوات الأمنية لحكومة الكاظمي توضح بشكل لا لبس فيه، بأن الصدر وتياره لن يتمكنوا الى ما لا نهاية بلعب دور سيارة اسعاف لإنقاذ العملية السياسية، والمضي دائما لاحتواء الاحتجاجات والتظاهرات التي تضرب معظم القطاعات في المجتمع من أجل فرص العمل وتوفير الخدمات وتحت عنوانها الرئيسي الإطاحة بسلطة الاسلام السياسي، وتتخللها في جوانب عديدة منها النزعة المعادية للنفوذ الإيراني ومليشياتها المنضوية تحت عباءة الحشد الشعبي.
قبل يوم واحد فقط من الاقتحام الأول للمنطقة الخضراء من قبل جماعة الصدر، فتحت القوات الامنية النار على تظاهرة الخريجين في محافظة السماوة بسبب مطالبتهم بفرص عمل، وتم جرح أكثر من ٤٠ شخص واعتقال عدد منهم. وفي نفس ذلك اليوم تم فتح النار على تظاهرة العاطلين عن العمل في محافظة ميسان امام شركة بتروجاينا النفطية، في حين اقتحمت جماعة الصدر المنطقة الخضراء بكل سهولة واستقبال القوات الامنية لهم بكل اريحية اذا لم نقل استقبالا حارا. واكثر ما يثير السخرية بنفس القدر من الحنق، ينفي الكاظمي اتهامات الاطار التنسيقي بتواطئ قواته وفتح المجال لجماعة الصدر للعبث في مبنى مجلس النواب، وقال انه يلتزم بالحيادية والاستقلالية!!!.
هذا المشهد الذي حدث يوم اقتحام جماعة الصدر للمنطقة الخضراء يعود بنا الى ايام انتفاضة اكتوبر، الانتفاضة التي صعد على اكتافها مصطفى الكاظمي الى سدة رئاسة الوزراء، ويومها قال انه سيحاكم قتلة المتظاهرين، والى يومنا هذا لم يعتقل اي من المجرمين الذين تلطخت اياديهم بدماء من طالب برغيف خبز وكرامة، له ولأسرته. وابعد من ذلك ان قوات الكاظمي الامنية وبالتنسيق مع القبعات الزرق التابعة للصدر كما حدث يوم الاقتحام، مع فارق واحد، هو الهجوم على المتظاهرين في ساحات التظاهرات في بغداد والبصرة والنجف وكربلاء وبابل لإطفاء جمرة انتفاضة اكتوبر الى الابد.
 الطريق مفتوح امام جماعة الصدر للعبث بكل شيء بما فيه قتل المتظاهرين في الساحات المذكورة من قبل مليشياتها، لانهم اصحاب مشروع سياسي يجد الكاظمي نفسه شريكا معه، وكذلك ان اقتحام المنطقة الخضراء مناورة لتمديد من عمر حكومته الى أجل مسمى. وايضا يستمد الكاظمي قوته وسطوته ضد المطالب العادلة للجماهير ويجد داعما لورقته البيضاء ومشاريع وزير ماليته التي رفعت من معدلات الفقر في العراق الى اضعاف قياسا قبل وصوله الى السلطة ناهيك عن رفع معدلات البطالة الى اكثر من ٤٠٪ ، وليس هناك أي بصيص أمل في تحسن الاوضاع المعيشية للجماهير. أما الطريق مغلق أمام متظاهري انتفاضة اكتوبر الى بوابة المنطقة الخضراء وليس اقتحامها، لانهم طالبوا برمي كل جماعة الاسلام السياسي خارج المجتمع وخارج الزمن واعادتهم الى كهوف العصر الحجري، لانهم رفعوا شعار (شلع قلع..والي كالي وياهم) اي يعني الصدر نفسه، لانهم طالبوا بمحاكمة قتلة المتظاهرين وكل الفاسدين بما فيهم وزراء الصدر الذين اوصلوا جماهير العراق منذ تشكيل حكومة الجعفري عام ٢٠٠٥ حتى يومنا هذا الى الفوضى الامنية والسياسية والى الافقار المدقع، والى تحويل العراق الى ساحة حرب تتبضع فيها المخابرات الاقليمية والدولية وكل أشكال العصابات والمليشيات، الم يعلن الطب العدلي قبل يومين في بيان رسمي باستقباله ٦٠٠ جثة في شهر حزيران فقط!!!
إذا كان التعامل السياسي الذي أقل ما يوصف بازدواجية المعايير من قبل حكومة الكاظمي مع المتظاهرين  الذي يصب في تراجيديا سياسية بالمعنى المطلق للكلمة، الا انه في الجانب الهزلي منه (بأن من يكذب ينسى ما يقوله)، فالصدر أعلن عن انسحابه من العملية السياسية كي لا يكون عائقا ويفتح المجال للقوى السياسية الاخرى بما فيها الاطار التنسيقي الموالي لإيران في تشكيل الحكومة حسب تصريحاته عندما اوعز باستقالة نوابه من البرلمان. لكنه سرعان ما نسى ما قاله، ليحرض جماعته برفض ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة من قبل الإطار التنسيقي. وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه في مقالات سابقة من ان التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر لا يمكنهم القفز على العملية السياسية وإلا سيكونوا امام خيارين احلاهما مر. الأول مواجهة اقصائهم سياسيا ويعني الاستحواذ على امتيازاتهم المادية التي كان يحصل عليها عبر وزرائه والمناصب الخاصة وبالتالي سيخسر من نفوذهم الاجتماعي وتقوض قاعدة مليشياتهم التي تمول من تلك الامتيازات وعمليات النهب والسرقة وكل اشكال افساد، أو الدخول في تطاحن مليشياتي مع اخوته الأعداء في ما يسمى بالبيت الشيعي للحفاظ على ما يمكن الاحتفاظ به فيما لو خرج بشكل نهائي من العملية السياسية. وكما قلنا ايضا ان الصدر في ورطة من امره التي هي ورطة مشروعه السياسي الذي أراد عبر آلية تشكيل حكومة الاغلبية في تنفيذه. وفي نفس السياق فأن الصدر ليس وحده في ورطة بل ان الاطار التنسيقي وكل قوى العملية السياسية في مأزق لا يحمد عقباه. وليس اعتذار قاسم الاعرجي عن ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء والذي كان أوفر حظا من السوداني إلا تعبير عن ذلك المأزق حيث قال الأعرجي في بيان اعتذاره بأن هناك انسداد سياسي. فحكومة توافقية تكون في أفضل أحوالها مثل حكومة عادل عبد المهدي التي ذهبت ولم تعد، وعندما سقطت لم يسمع لها اي صوت. وكل ما قيل حول تسريبات المالكي سواءً أكانت مؤامرة ضد المالكي او اي شيء اخر باتهام الصدر بالجبن، فلم تكن أكثر من بالونة اختبار لرد فعل الصدر الذي فهم منها الاطار التنسيقي بتشكيل حكومة على هواها دون اعتراض الصدر عليها. الا ان الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن الاطار التنسيقي وقائد الحرس الثوري في بغداد اسماعيل قاآني، الذي رد الصدر باقتحام قلعة صنع القرارات المشبوهة التي كانت دائما معادية لمصالح جماهير العراق. وكان تمرير الورقة البيضاء واحدة من تلك المشاريع التي صوتت عليها جماعة الصدر اضافة الى تمرير كل الحكومات المحاصصة الطائفية والقومية، التي نفخت جيوب الفاسدين وتغول المليشيات و باتت استحالة خروجها من بوابة تلك القلعة التي تسمى بمجلس النواب حتى عبر صناديق الاقتراع.
بيد ان المهزلة لا تكمن فقط عند تلك الحدود، بل عندما يذهب طرف خاسر في الانتخابات بتشكيل الحكومة، وهي سابقة لم تحدث حتى في الدول العريقة بالديمقراطية. وهذا يدل على الاحترام والتقدير الذي يكنه النظام السياسي في العراق لكل من يشارك في الانتخابات لحد تثمين الخاسرين واعطائهم الفرصة لتشكيل الحكومة. أليس هذا مهزلة قل نظيرها في العالم ويستحق الضحك على هذا المشهد بملء شدقينا.
مرة اخرى توضح لنا هذه اللقطات من المشهد السياسي على أن الانتخابات كذبة كبيرة، وليس الغرض منها إلا لتداول السلطة بين القوى المليشياتية، وان الصراع على السلطة السياسية هو صراع بين جماعات لها مليشيات مجرمة وهي وراء اقتحام المنطقة الخضراء دون اي عناء او مواجهة امنية من قبل دولة القانون التي يريد ترسيخها الكاظمي، تلك الدولة التي تفتح نيرانها على كل من يطالب بالحرية والمساواة وعيش كريم.
مرة اخرى نؤكد ان هذه الجماعات المتحاربة فيما بينها على السلطة السياسية سواءً أكانت جماعة الصدر او الاطار التنسيقي، هم أنفسهم أبطال الحرب الطائفية، ابطال القتل على الهوية، ابطال التغيير الديموغرافي، ابطال اعادة النساء الى البيوت، ابطال تهشيم رؤوس المثليين بالكتل الكونكريتية، ابطال السرقة والفساد، ابطال الاخفاء القسري في الطب العدلي في بغداد، ابطال فرض مشاريع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على العمال والموظفين والكادحين، وهم مستعدون لإشعال حرب اهلية جديدة فيما بينهم وإدخال المجتمع العراقي الى فوضى امنية من اجل السلطة وامتيازاتها المالية والسياسية، وإطعام ميليشياتهم على حساب الجماهير. إن الطريق الوحيد لإنقاذ العراق من هذه العصابات هو في انتفاضة جديدة اخرى تطرح بديلها هي، وهي حكومة ثورية مؤقتة. فلا حكومة توافقية او حكومة الاغلبية او انتقالية او طوارئ وانقاذ بإمكان انقاذ جماهير العراق من دوامة صراع هذه الجماعات التي فُرضت علينا بحراب الاحتلال.

13
صلاة الصدر في بغداد ودعوات الكاظمي في الرياض
سمير عادل

شهدت بغداد يوم الجمعة المصادف ١٥ تموز موجة خوف وقلق وتوجس وباتت شوارعها شبه خالية، بسبب صلاة الصدر في بغداد وتحديدا في مدينة الثورة التي تعتبر منطقة نفوذه، حيث دخلت ميليشيات الحشد الشعبي في حالة إنذار والاستعداد  لإحباط أية محاولة من قبل مليشيات الصدر بضربة استباقية ضدها. واضافت تسريبات نسبت للمالكي بوصف مقتدى الصدر بالجبان والإشادة بصولة الفرسان وهي الحملة التي قادها المالكي بدعم القوات الأمريكية في ربيع ٢٠٠٧ ضد جيش المهدي، بغض النظر عن صحتها من عدمها إذ سنعود إليها لاحقا، شكلت هـذه التسريبات عاملا آخرا في زيادة القلق والخوف من نشوب أية فوضى امنية، خاصة و ان عموم الجماهير في العراق وخاصة اهالي بغداد اختبرت الحرب الطائفية عام ٢٠٠٦ التي تركت جراح عميقة في ذاكرتهم و وجدانهم، حيث كانت مليشيا الصدر (جيش المهدي) أحد أبطالها الرئيسيين ارتكبوا  المجازر الطائفية، ولا تزال منطقة السدة في بغداد شاهداً على عدد الجثث المجهولة التي كانت تُرمى فيها بشكل يومي لأشهر عديدة، بالإضافة  لنهر دجلة الذي كان يغذي الأسماك بالجثث المغدورة، مصحوباً  بالطب العدلي الذي تحول إلى كمين الأهالي والأسر التي كانت تبحث عن ابنائها الغائبين المصنفين بالسنة، حيث تختفي كما اختفت ابنائها في عهد كان وزير الصحة أحد أعضاء التيار الصدري.
لم تكن مصادفة  بتزامن إعلان الصدر في تحديد موعد صلاته وجماعته مع زيارة الكاظمي الى السعودية للمشاركة في اجتماع يشارك فيه قادة الخليج ومصر والأردن. ووصفت كتلة الصادقون في البرلمان، وهي جماعة مليشيات عصائب اهل الحق التي يرئسها قيس الخزعلي، زيارة الكاظمي بالخيانة.
وكما شرحنا في أكثر من مناسبة فإن هناك مشروعين للطبقة الحاكمة في العراق، مشروع اعادة العراق الى (المحيط العربي) الذي يقف وراءه التيار الصدري ومن خلفه الولايات المتحدة الامريكية، ومشروع الحاق العراق بإيران الذي تقف خلفه روسيا والصين. والحق يقال كانت هناك محاولات لتعطيل مشاركة الكاظمي في اجتماع الرياض من قبل جماعة الإطار التنسيقي الموالين للمشروع الايراني، الا ان لعبة الصدر والاستعراض الذي قام به في صلاة الجمعة مع الحملة الدعائية التي سبقتها عبر تسريبات جماعته أنها ستقتحم المنطقة الخضراء كما فعلتها في عام ٢٠١٦ نجحت في بث الخوف والقلق في المعسكر المضاد واشغاله، مما دفع الأخير في تغيير أولوياته إلى رفع استعداده للمواجهة العسكرية. بعبارة اخرى نجح الصدر في تأمين حضور الكاظمي وسفره للمشاركة في تأسيس ناتو عربي ضد إيران ،حسب وصف الإعلام الغربي والإعلام المعادي للنفوذ الإيراني في المنطقة. وما ذهب إليه الصدر في تقديم مشروع قانون التطبيع مع اسرائيل لم يكن أكثر من ذر الرماد في العيون وسحب البساط من تحت أقدام منافسيه في معسكر ايران او معسكر المقاومة والممانعة، وتعبيد الطريق لمشروعه الآنف الذكر دون ضجيج ومزايدة سياسية.
وعلى صعيد تشكيل الحكومة، فإن صلاة الصدر في مدينة الثورة كتحصيل حاصل أحبط كل السيناريوهات التي أعدتها جماعة الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة دون الصدر والمحاولة في تمديد عمر حكومة الكاظمي إلى أجل غير مسمى، او بالأحرى حتى تلوح بالافق مسالة الحسم في اوكرانيا التي تقسم الاخوة الاعداء  على طرفي الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية كما أشرنا قبل قليل او في مناسبات اخرى انظر مقال ( ورطة الصدر في مأزق العملية السياسية).
تسريبات المالكي (التي وصف فيها الصدر بالجبان) وعشية تحشيد الصدر لجماعته بأيام قليلة بالرغم من نفي المالكي لها، هي بالونة اختبار أُطلقت من قبل تحالف الميليشيات التي يقودها المالكي-العامري لرد فعل الصدر، والترتيب على اساسه للمضي في رسم سيناريوهات تشكيل الحكومة. وقد جاء رد الفعل عبر خطبة الصدر حيث دعا إلى حل الميليشيات، وهو رد واضح على تلك التسريبات. اي بمعنى اخر الإعلان بالمضي أبعد من ذلك إذا قام تحالف المالكي المليشياتي بأي عمل يقصي الصدر من المعادلة السياسية.
لا يوجد في الأفق حرب اهلية على المدى المنظور على الاقل، لانه كما قلنا أيضا في نفس المقال المذكور بأن طرفي الصراع على السلطة غير مؤهلين وغير قادرين سواء إقليميا أو دوليا أو حتى الصعيد الذاتي والمحلي، بحسم الصراع وإلحاق هزيمة ساحقة بالطرف الآخر.
بشكل اخر نقول ان خروج الصدر من البرلمان يكشف عن انسداد أفقه السياسي عبر العملية السياسية ووصول مشروعه العروبي والقومي المحلي المطعم بالإسلام إلى طريق مسدود، وليس امامه الا اللعب على الوقت والعمل على إعاقة تشكيل اية حكومة تُقصيه أو ينجم عنها تعطيل مشروعه، وهذا هو هدف صلاة الصدر بجماعته.
واخيرا ما كشف عنه تحشيد الصدر لجماعته ودخول ميليشات الحشد الشعبي في حالة استنفار او انذار، أن طرفي الصراع على استعداد لارتكاب المجازر ويدفع المجتمع العراقي ثمنه مجانا من حياة جماهيره من أجل التشبث بالسلطة مثلما حدث بعد تفجيرات سامراء عام ٢٠٠٦ وفي تسليم المالكي ثلث مساحة العراق لعصابات داعش.
وهذا يدعوا من جديد التفكير والاستعداد لمواجهة سيناريوهات هذه الجماعات عبر التنظيم في المحلات والمناطق وأخذ زمام المبادرة بالدفاع عن أمن وسلامة أسرنا و عوائلنا ونعلن لا مكان للمليشيات في مناطقنا ومحلات سكننا. إذ من الحماقة والسذاجة السياسية انتظار سواء حكومة الكاظمي أو أية حكومة قادمة من العملية السياسية باحلال الامن والسلام والعمل على حل المليشيات. فجميع الأطراف تستمد قوتها وسطوتها وادامة نهبها وسرقتها دون أية محاسبة عبر مليشياتها. وحقا ما يثير السخرية إعلان القوات الامنية بانها نجحت في تأمين صلاة الجمعة لجماعة الصدر ولكنها لم تستطع تأمين الحفلات الغنائية التي أقيمت في مدينة السندباد عندما اقتحمتها المليشيات. وهذا يؤكد أنه لا مكان للقانون والدولة التي صدع الكاظمي به رؤوسنا كل يوم، انما السلطة والقانون للمليشيات.


14
نحو حكومة ثورية مؤقتة

سمير عادل
 
نحن على يقين بأنَّ العملية السياسية بكل آلياتها ومؤسساتها، بدءا من قانون الانتخابات ومرورا بعملية بالانتخابات وبغض النظر عن نزاهتها من عدمها وانتهاءً بسياسة المحاصصة لتشكيل الحكومة، تمرّ في أنفاسها الأخيرة، وكل المحاولات من قبل التيارات القومية والإسلامية  ومليشياتها لا تفضي إلا إلى الوقوف بوجه عقارب الساعة والوقوف بوجه التاريخ، ويكمن سر تخبط التيار الصدري الذي أعلن عن خروجه من العملية السياسية دون أن يطرح اي بديل، لأنَّه في النهاية لا يستطيع أن يرى البديل سوى من خلال هذه العملية السياسية ذاتها.
 
كما تثبت الوقائع المادية على الارض أنَّ الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق المتمثلة بالقوى القومية والإسلامية، تدرك خطورة أوضاعها وازمتها السياسية العميقة، والتيار الصدري كأحد أجنحة تلك الطبقة، يعي أن أي تحرك في الشارع لن يحسّن من حظوظه ومساعيه لإنقاذ الطبقة الحاكمة من الانهيار، فهو لم يتوانى في إظهار إخلاصه المتفاني في كل مساعيه منذ انتخابات ٢٠٠٦ من أجل إصلاح العملية السياسية، وكان دائماً بمثابة العتلة الرافعة لإنقاذها من الغرق في كل الهيجانات الجماهيرية التي ضربت العراق، وإنَّ ما تطرح من تكهنات وطروحات بأنه أي التيار الصدري ذاهب للتحالف مع (التيار التشريني) اذا صح التعبير، بالضد من بقية أجنحة طبقته السياسية، فهذا يعني الانتحار سياسيا، وكان بقائه في انتفاضة أكتوبر جاء رغما عنه كعيون حارسة للعملية السياسية، وخاصة في فصلها الأخير، حيث قام بالتنسيق العالي بينه وبين القوات الامنية التي أرسلها الكاظمي لإطفاء جمرة الانتفاضة، وكانت المواجهات الدامية بين مليشيات القبعات الزرقاء التابعة لصدر مع المنتفضين في  ساحات التحرير في بغداد والحبوبي في الناصرية و الصدرين في النجف إضافة إلى كربلاء وبابل، شكلّت معطيات مادية لا يمكن لأي منافق سياسي نكرانها وتبيض ملف الصدر واتباعه، واذا ما ذهب التيار الصدري ونزل إلى الشارع هذه المرة فإنَّ ذلك سيكون مرتهنا بوجود ميليشياته، وسيقع حتماّ في مواجهة مفتوحة مع ما يسمى (شبح الدولة - مليشيات الحشد الشعبي) وتحت عنوان حماية الدولة وسيادة الدولة وهيبة الدولة، وستمنع تداعيات نزوله اي الصدر من السيطرة على الأوضاع كما فعل في انتفاضة أكتوبر، فالأدوات التي رجحت كفته هي قوات الكاظمي، كما ليس بمقدوره تكرار تجربته في اقتحام الخضراء في ٢٠١٦ التي أدت إلى إعلانه اعتزاله السياسة إذ اختفى عن الأنظار بعد توريط جماعته.
 
إنَّ ما نريد أن نقوله في معرض الرد على من يراهن على التيار الصدري في قلب المعادلة السياسية لصالح الجماهير، بأنَّه واهم، فالتيار الصدري غير قادر على تغيير جلده وبالتالي فإنَّه لا يستطع المضي أكثر مما خطط له في أخذ امتيازات الإطار التنسيقي عبر مشروعه تشكيل حكومة الأغلبية، ومنح فتات من تلك الامتيازات على شكل توفير فرص عمل لعدد من العاطلين وتوفير بعض الخدمات هنا وهناك، وعبر نفس آليات العملية السياسية، والنتيجة هي دق اسفين في صفوف الحركات الاحتجاجية للعاطلين عن العمل وعمال العقود والأجور والمحاضرين وذوي المهن الصحية وعمال تنمية الأقاليم وأهالي المناطق من أجل توفير الخدمات وعمال الحفر في القطاع النفطي... الخ، علاوة على ذر الرماد في العيون بأنه يسعى جاهدا من اجل القيام بالاصلاحات.
ونؤكد من جديد أنَّ بدائل التيارات البرجوازية الأخرى، التي هي في أفضل أحوالها: حكومة انتقالية وتغيير قانون الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة، ليست أفضل حظوظا من بديل حكومة الأغلبية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، من هي تلك القوى التي ستعمل على تشكيل تلك الحكومة الانتقالية المفترضة، وما هي أدواتها وألياتها؟ لاسيما وأنَّ تجربة الساعين إلى تشكيل الحكومة منيت بفشل ذريع، فمن امتلك المليشيات وحصد أكبر عددا من المقاعد لم يستطع تشكيل حكومته فما بالك بحظوظ تشكيل حكومة انتقالية تقفز بمظلة من السماء في ساحة تعج بالمليشيات.
ومن هنا يمكن نرى أنَّ الجمرة تحت الرماد ما زالت مشتعلة، اي جمرة انتفاضة أكتوبر، وإنَّ كل المساعي الإعلامية والدعائية والسياسية والقمعية للطبقة الحاكمة، وخداعها وأكاذيبها وبدائلها التي انتهت بالانتخابات، لم تستطع إقناع الجماهير، وهذا يعني أنَّ تلك الطبقة أصبحت خارج التاريخ، فمقاومة الجماهير لهذه الطبقة الفاسدة مستمرة، وإنَّ ما تحتاجه فقط تنظيم مقاومتها، ونقصد احتجاجاتها وتنظيمها وتوحيدها وتشكيل قيادة لها بعيدة عن كل الترهات التي تنثرها التيارات البرجوازية بما فيها جزء ما يسمون أنفسهم بالتيار التشريني الذين يبحثون عن مكاسب فئوية لهم أسوة بحركة امتداد وإشراقة كانون الذين مثل الكاظمي صعدوا على أكتاف وتضحيات انتفاضة أكتوبر.
أن البديل الواقعي الذي يلبي طموح الجماهير المليونية من العاطلين عن العمل وعمال العقود والأجور والنساء التواقات للتحرر والعمال والموظفين هو تأسيس حكومة ثورية مؤقتة تأخذ على عاتقها برنامج سياسي-اقتصادي واضح، وإنَّ هذه الحكومة تتشكل عبر مؤتمر ممثلي مجالس الجماهير التي تستند على الاجتماع العام في المحلات والجامعات والمصانع ودوائر الدولة، وان تكون هوية الحكومة، غير قومية وغير دينية تعامل البشر في العراق على أساس المواطنة، وتتخذ القرارات اللازمة حيث تكون في صدر أولوياتها؛ حل جميع المليشيات ومصادرة ممتلكات الأحزاب والقوى السياسية التي اكتنزت وغنمت الأموال عبر الفساد المالي والسياسي، محاكمة جميع المتورطين بأعمال القتل والاختطاف والأعمال الإرهابية، زيادة مفردات البطاقة التموينية، سن قانون ضمان البطالة للذكور والإناث ، بيع المحروقات بكل أشكالها مجانا إلى الجماهير، إلغاء جميع الاتفاقيات والعقود الدولية التي أبرمتها الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال التي تناهض مصالح جماهير العراق بما فيها الاتفاقات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إقرار قانون مساواة التامة بين المرأة والرجل…
إنَّ الاحتجاجات الجماهيرية الجارية والتي لم تتوقف يوما حتى بعد الهجمة الشرسة للقوات الحكومية والمليشيات عليها سواء قبل انتفاضة أكتوبر او خلالها او بعدها بإمكانها إذا توفرت مستلزمات توحيدها على الصعيد القيادي والتنظيمي وسيادة الأفق السياسي المستقل عن بقية التيارات البرجوازية الأخرى، إنَّ تبلور حركة عظيمة تعمل على تنظيم نفسها في المحلات والمناطق المعيشية والمؤسسات الحكومية والمعامل والجامعات عبر تشكيلها للمجالس او اللجان أو أية أشكال تنظيمية أخرى لتشكيل حكومة ثورية مؤقتة تستند عليها.
إنَّ العملية السياسية وصلت إلى محطتها النهائية، وتياراتها السياسية وصلت إلى نهاية نفق مظلم، ولا يمكن لها طرح أي بديل سياسي قادر على انتشالها وانتشال المجتمع، لقد آن الأوان لتلك القوى أن ترحل، فيكفي ما يقارب عقدين من الزمن من النهب والسرقة والقتل، وقد أدخلت الجماهير في حرب أهلية عام ٢٠٠٦، كما مهدت الأرضية لقدوم داعش من كهوف العصر الحجري في ١٠ حزيران ٢٠١٤، وأخيرا أغرقت الجماهير بدمائها عبر قتل المئات من شباب لم يطالبوا أكثر من خبز وحرية وكرامة إنسانية في انتفاضة أكتوبر وكان غاية تلك الجرائم من أجل تبثها بالسلطة.

15
ورطة الصدر في مأزق العملية السياسية
سمير عادل
استقالة نواب التيار الصدري من البرلمان هي واحدة من أعراض اشتداد الأزمة السياسية أو لنقل إنَّها أزمة السلطة السياسية منذ غزو واحتلال العراق، وحتى لو فرضنا جدلا حالة عدول التيار الصدري عن تلك الاستقالات، فليس بإمكانه محو مشهد الأزمة السياسية، وأكثر ما سيفعله هو التخفيف من أعراضه، والمد بقليل من عمر العملية السياسية، التي باتت وجودها وأسسها يتناقض مع وجود وأسس سلطة البرجوازية الحاكمة كطبقة سياسية منسجمة بإمكانها إدارة نفسها وإدارة المجتمع.
اي بعبارة أخرى، إنَّ استقالة نواب التيار الصدري تأتي كتعبير صارخ عن عمق أزمة العملية السياسية، وفي وجهها الآخر يعبر عن أزمة السلطة السياسية، وتعكس دون أية مواربة اشتداد الصراع على السلطة السياسية، الذي يعد بمثابة صراع بين مشروعين ورؤيتين للطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق وبأبعادها الإقليمية والدولية وانعكاسات تداعيات التحولات العالمية التي عنوانها الرئيسي اليوم هو الحرب الروسية على أوكرانيا، فالمشروع الأول مرتبط بالطبقة الحاكمة في إيران والتي تقف في الخندق الروسي والصيني والمشروع الآخر ذلك الذي يحاول إعادة العراق إلى ما يسمى بـ (محيطه العربي) وهو مدعوم من قبل دول الخليج ومصر والأردن ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وإن كلاهما أرغم على الانتظار حتى تلقي الحرب الأوكرانية أوزارها ويسدل ستارها، لأنَّ نتائجها النهائية من حيث الغلبة ستغير كل التوازنات الإقليمية والدولية في المعادلة السياسية في المنطقة.
 أصحاب المشروعين غير قادرين على تصفية أحدهما الآخر وحسم مسالة السلطة السياسية، لا عن طريق سلاح الميليشيات ولا عن طريق الشارع كما تذهب التكهنات والتحليلات، ولو كان اي طرف من الأطراف المذكورة بإمكانه من إزاحة الآخر لما تردد لحظة بالقيام بضربة استباقية وحسم مسالة السلطة السياسية لصالحه.
أما ما يذهب إليه المراقبون بأن الصدر يحاول الضغط عبر استقالة نوابه لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، فهذا يعيني مثل صب الماء في برميل مثقوب، فالصدر يدرك أنَّه حتى لو فاز بكل مقاعد البرلمان فلن يكن بإمكانه تشكيل حكومة أغلبية، لان الانتخابات أثبتت للمرة المليون أنها لا يمكن أن تكون خياراً لحسم مسالة السلطة السياسية في اي بلد مقسم إلى مناطق نفوذ مليشيات، وفي بلد لا يوجد فيه عنوان لأية دولة بالمعنى القانوني والهوياتي والسياسي، وإنَّ الانتخابات أكبر كذبة غلفت بعنوان (الديمقراطية) وتم الترويج لها في سوق ليس فيه موادها الاحتياطية أو قطع غيارها، لذلك فإنَّ الصدر يدرك جيدا أنَّ حل البرلمان أو الذهاب إلى انتخابات جديدة لن تفضي إلا إلى السيناريو الحالي، لأنَّ من يمتلك السلاح هو من يساهم بشكل أو بآخر برسم سيناريو تشكيل الحكومة، وأكثر من ذلك أنَّ من يعتقد أنَّ تشكيل حكومة أغلبية من خلال العملية السياسية القائمة اليوم والتي بنيت على أساس المحاصصة السياسية، فهو بكل بساطة قرر البقاء في صف من لا يريد التعلم ليبقى بالنهاية في مقدمة جوقة السذج الذي يصفون انفسهم بالليبراليين، لأنَّ كل شيء في العملية السياسية بدءا من قانون الانتخابات ومروراً بالمفوضية العليا للانتخابات وانتهاء باختيار الرئاسات الثلاثة وغطائها القانوني المحكمة الاتحادية أرسيت على أساس المحاصصة، وعندما ارد تحالف (إنقاذ الوطن) الثلاثي من الصدر-الحلبوسي-البارزاني المضي بتشكيل حكومة أغلبية، وقفت لهم المحكمة الاتحادية بالمرصاد لتنقذ حصة ما يطلق عليه بـ (المكون الأكبر الشيعي)، مثلما فعلت من قبل في انتخابات ٢٠١٠ وألحقت الهزيمة السياسية بتيار أياد علاوي الذي لم يقم له قائم منذ ذلك الوقت.
إنَّ معضلة الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق (اصحاب شركات فلاي بغداد واسيا سيل وكورك وزين ومصافي النفط والمصارف والجامعات والمدارس الأهلية ومعامل الدواجن والألبان وشركات التصدير والاستيراد ..الخ الذين شكلوا رؤوس أموالهم من عمليات السرقة والنهب والفساد وتهريب النفط)، هي عدم انسجامها السياسي مع وجود معضلة بنيوية في سلطتها السياسية، وهذه المعضلة هي جوهر العملية السياسية نفسها، فهذه العملية ليست بإمكانها حتى تلبية حاجات جناح من البرجوازية التي يمثلها اليوم التيار الصدري، فالعراق ليس لبنان، والأخيرة قابلة أن تستمر إلى فترة طويلة بالنظام السياسي القائم، أمّا العراق فهو يحتل موقعا حساسا في معادلة تقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي، وهو صناعة النفط، وهذه المكانة أو الموقعية تفتح آفاق واسعة أمام تطلعات الطبقة البرجوازية ببعدها المحلي والإقليمي والعالمي، وهذه المكانة تتناقض والاستمرار بنظام المحاصصة السياسية مثلما جرت عليه العادة في السابق، وخلال أكثر سنة ــ من صعود حكومة الكاظمي على أكتاف انتفاضة أكتوبر، والتي تمثل تطلعات الجناح إعادة العراق وربطه بالمحيط العربي ــ تم توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات مع السعودية والإمارات ومصر والأردن، على أنَّ تنفيذ هذه الاتفاقات بحاجة إلى استقرار سياسي وعراق موحد برأس واحد وليس بعدة رؤوس، هذا ناهيك بأن الجماهير العمالية والكادحة المليئة بالغضب والسخط من كل العملية السياسية وأطرافها لن تقبل استمرار حياتها بالطريقة القديمة ولذلك يستمر عمليات المقاومة بأشكال مختلفة ضد النظام السياسي القائم، وقد ردت الجماهير على الطبقة الحاكمة مرة عبر انتفاضة أكتوبر العظيمة، وعندما لم تصل إلى أهدافها التي خرجت من أجلها، إذ قدمت تضحيات كبيرة، ذهبت إلى المقاطعة الكبيرة للانتخابات بنسبة وصلت فوق ٨٦٪ ومن ثم الاستمرار بالاحتجاجات التي كانت آخرها هذه الأيام، إغلاق أبواب جميع الشركات النفطية في البصرة من قبل العاطلين عن العمل.
ولذلك نرى أنَّ الطبقة البرجوازية في العراق في ورطة من أمرها ولا يستطيع أي طرف منها نسف العملية السياسية، وحتى الصدر نفسه يحاول إصلاح العملية السياسية وليس القفز عليها، فهو كان يعمل على مدى ما يقارب من اربع دورات برلمانية بمثابة سيارة إسعاف كما يصفونه في إنقاذ العملية السياسية، ومنذ انتفاضة شباط ٢٠١١ كان التيار الصدري يهرع إلى تنظيف ساحة الحكومة بدءا من حكومة المالكي، عندما دعا مقتدى الصدر إلى إعطاء فرصة 100 يوم لحكومة المالكي للقيام بالإصلاحات من أجل الالتفاف على الانتفاضة وإجهاضها، والجدير بالذكر أن بهاء الأعرجي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء حينها وكان من قيادي التيار الصدري قبل أن يطرد بعد أن أمست رائحة فساده تزكم الأنوف، اتهم المتظاهرين مدعياً أنَّ البعث و القاعدة يقف خلف الدعوة للتظاهر ضد الفساد والبطالة وإلغاء مادة ٤ إرهاب والكشف عن المغيبين ..الخ التي كانت من بين مطالب تلك التظاهرات، وفي  تظاهرات تموز ٢٠١٥ نزل التيار الصدري بكل إمكاناته في سوح التظاهرات لإنقاذ حكومة العبادي بعد أن تم رفع شعار (باسم الدين باكونا الحرامية) (من دخل بيها أبو العمامة صار البوك للهامة) وانتشر اي الشعار كالنار في الهشيم في جميع مدن العراق، وفي تظاهرات المنطقة الجنوبية في  تموز ٢٠١٨ لم تستقبل الجماهير مقتدى الصدر في البصرة، وفي انتفاضة أكتوبر استخدم ميلشياته القبعات الزرق في قمع المتظاهرين بالتنسيق مع القوات الامنية لحكومة الكاظمي.
إن معضلة السلطة هي معضلة بنيوية كما أشرنا وهي بحاجة إلى إنهاء عمر هذه السلطة، وليس بإمكان لا الصدر ولا ميليشياته المضي قدما نحو هذا الهدف لأنه ليس من مصلحته، كونه جزء من منظومة العملية السياسية حتى وإن حاول تغير جلده.
 وأخيرا من يستطيع انتشال الوضع السياسي في العراق من هذه الأزمة هم العاطلون عن العمل وعمال العقود والأجور والنساء التواقات للانعتاق والحرية والأقسام الاجتماعية الأخرى التي حرمت من حق التعليم والصحة والسكن اللائق، فهؤلاء كانوا العمود الفقري في انتفاضة أكتوبر، وذلك عبر تنظيم احتجاجاتهم وتوحيدها وتنظيمها عبر انتفاضة أخرى ولكن هذه المرة بآفاق مستقلة وتذهب هي لتشكيل حكومة ثورية مؤقتة منبثقة منها وتحقق برنامجها في الحرية والرفاه والمساواة.

16

يسارياً شعبوياً أم يسارياً طائفياً ؟

سمير عادل
رغد أبنة أكبر جزار للشيوعيين، أي رغد صدام حسين تنعى رحيل الشاعر مظفر النواب، مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الذي عرف بتنصله من وعده في تقديم قتلة متظاهري أكتوبر للعدالة ينظم ويتقدم موكب تشيعه، نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة وأحد ألد أعداء الشيوعيين يحاول منافسة الكاظمي والمزايدة لحضور الموكب، إلا إن المفاجأة إن سمعته قد سبقته، فطٌرد بوابل من الشتائم واشياء اخرى اضافة الى حضور شخصيات أخرى من هنا وهناك ليصطف الجميع ويطلقوا برقيات النعي والأسف على رحيل مظفر النواب.
 في بلد حكمه البعث، تلطخت اياديه بدماء أكثر تيارات المعارضة السياسية وهم الشيوعيين، وفي بلد تحكمه سلطة مليشيات اسلامية ترتعد فرائصها اذا ارتفع صوت اديب معارض، او صدح صوت فنان، او طفى على السطح من تغنى بالحياة، في بلدٍ لا قدر ولا تقدير لكل ما هو ابداع انساني، تصطف كل رموز القمع والاستبداد وكره الحياة ولطم الخدود لتنعي شاعرا مثل مظفر النواب، الا يستحق هذا المشهد اقل ما يوصف بالدرامي، الحيرة ويرسم علامات استفهام!!!
جيل النواب...جيل نكبة اليسار المعادي للامبريالية الغربية:
 رحل الشاعر مظفر النواب قبل أيام عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عام، ويمكن القول إن النواب  آخر منْ تبقى من أطلال جيل عاش نكبة اليسار ومجازره بشقيه العالمي والإقليمي؛ حيث تدرجت عليه الانقلابات الدموية بدعم وتخطيط المخابرات المركزية الامريكية للإطاحة بالأنظمة القومية التي خرجت من تحت عباءة الاستعمار والهيمنة الامبريالية في العراق ١٩٦٣ واندونيسيا ١٩٦٥ وتشيلي ١٩٧١، وكانت تقصف فيتنام بكل وحشية و بقنابل النابالم المحرمة الدولية من قبل الاحتلال الأمريكية الذي قتل اكثر من ٢ مليون انسان بدم بارد، وقبلها تم تصفية تشي غيفارا رمز التمرد الثوري ضد الهيمنة الامبريالية الامريكية. اما الوضع المحلي والإقليمي فكان أكثر قتامة، فانه اضافة الى مرارة السجن الذي عانى منه النواب ووجع التعذيب والخوف ممن ينتظرون سرقت روحه ومعاناة سنوات الهروب بعد الانقلاب الدموي للبعث والقوميين العرب، فكان في ثنايا النكبة، الهزيمة العسكرية في حزيران ١٩٦٧ والهجوم العسكري الذي قاده الملك حسين في أيلول عام ١٩٧٠ على منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من الأردن والذي سمي (أيلول الأسود)  وهزيمة حركة ظفار ١٩٧٥ امام سلطان قابوس في سلطنة عمان المدعوم من نظام شاه إيران شرطي امريكا في المنطقة، وكانت تلك الحركة المدعومة حينذاك من قبل عبد الناصر واشتعال الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥.
لقد فُطم ذلك الجيل على انتصارات إسرائيل وتمدد الامبريالية الامريكية في العالم، وترسيخ الانظمة القومية العربية الجديدة جذورها. إن مظفر النواب أبن تلك المرحلة وابن جيل،  شهد انكسار المشروع القومي العربي، وهزيمة استراتيجية ذلك الجناح الذي رفع  لواء مقاومة الاستعمار والامبريالية والصهيونية، بينما ظل حائرا هل استراتيجيته تحرير فلسطين طريق لتحرير الأمة العربية أم تحرير الامة العربية طريق لتحرير فلسطين، انه جناح البرجوازية الوطنية الصاعدة التي مثلها العسكر عبر تلك الانقلابات العسكرية في مصر والعراق وسورية وليبيا…الخ.
كان مظفر النواب أحد ممثلي المتمردين لذلك الجيل في العراق إذا لم يكن أبرعهم، ومنيت أحلامه القومية بهزيمة نكراء، ليعبر عن سخطه و امتعاضه ورفضه للواقع الجديد. أي بلغة اخرى كان النواب تعبير عن متنفس المهزومين “الثوريين”. وقد جسده النواب في قصائده (وتريات ليلية) و (القدس عروس عروبتكم) (وطني علمني كل الأشياء) و(رحيل)..الخ.
كان النواب تعبير عن صرخة ضد الظلم السياسي و ثائرا ضد الاستبداد لجيل فشلت أحلامه بتحرير فلسطين وإلحاق الهزيمة بإسرائيل وأمريكا والانظمة السياسية التي كانت تقبع في خندقها.
وبقدر وجع الهزيمة التي مُني به المشروع القومي العربي بنفس القدر تم ترسيخ تلك الأنظمة القومية سلطتها السياسية والاقتصادية. واستطاعت الحركة القومية العربية بجميع أجنحتها اليمينية واليسارية صاحبة المشروع القومي بدهاء  غير متناهٍ اكتشاف القضية الفلسطينية وتبنيها والتي كانت بمستوى قيمة الفوز ببطاقة يانصيب (لوتو) لها.  فعن طريقها حلت تناقضاتها الأيديولوجية والسياسية وخلقت انسجام في صفوفها ومحورتها حول هوية واحدة وهي الهوية الفلسطينية او القضية الفلسطينية. ذلك الاكتشاف كان حاجة ضرورية للدفع بالمشروع القومي في بناء اقتصاد بعيد عن أطماع ونفوذ الغرب وبنية تحتية اقتصادية قادرة على انتزاع حصتها من الامبريالية ولعب دورها السياسي والاقتصادي في النظام الرأسمالي العالمي، وسلطة استبدادية مطلقة، ولا حديث ولا صوت يطالب برغيف خبز وحرية وكرامة غير صوت تحرير فلسطين.
  لنعود الى مظفر النواب فهناك مستويين يمكن الحديث عنهما. المستوى الأول هو الشاعر والمناضل السياسي الذي لا يمكن الفصل بينهما، فوظيفة النواب السياسية او المناضل السياسي هي امتهان الشعر واستخدامه كأداة تحريضية ودعائية لاستلهام “الامة العربية” المنهزمة والنهوض بها وتعرية الواقع السياسي وما آلت اليها، عبر نقد حكامها المستبدين و الأنظمة الخانعة والتابعة للإمبريالية، والذي هو في حقيقته نقد الجناح الآخر في الحركة القومية العربية الذي يعبر عن مشروعه الاقتصادي والسياسي بالمصالحة مع الغرب والرضى على ما ترميه من قسمة وإعطاء مكانة لها في مناطق النفوذ بين الأقطاب الامبريالية العالمية.  اما الاخر هو المستوى الشخصي، وهو ما لاقاه من قمع واضطهاد سياسي بكل اشكاله اسوة بآلاف من المعارضين السياسيين في العراق وفي أراضي (الامة العربية) من المحيط الى الخليج.  وقد نجح النواب في ان يلمس قلوب جماهير عريضة عبر أمسياته الشعرية وتوزيعها في تسجيلات (كاسيت ) آنذاك لتدخل بيوت أكبر عدد من المعارضين السياسيين سواء في العراق أو في المنطقة. ولعب أدائه بإلقاء الشعر في الأمسيات الى حد وصفه من قبل العديد من النقاد والمتابعين بمسرحيات ملحمية. وهذا الأداء الشعري والمحتوى السياسي جعل من النواب ممثلا عن زفرات وآهات جيل َطبَعَ في أذهان المجتمع برمته أحلامه القومية من مشاريع اقتصادية وسياسية، وامتزج في وجدانهم مظفر النواب الذي عانى من التعذيب والسجن ليختلط المستوى الأول والثاني، دون التوقف للحظة وطرح سؤال ماذا كان يمثل النواب، ولماذا اليوم يقف ألد اعداء الحرية صفا واحدا بالتبضع سياسيا سواء في موكب تشيعه او في نعيه.
رغد صدام حسين والنفس القومي:
 بالنسبة لرغد صدام حسين، لا نأخذها بجريرة ابيها المجرم صدام حسين الذي كان يعذب الشيوعيين  بيديه في قصر النهائية وهو من يضع نهاية لحياتهم، وكان مظفر النواب واحد من اولئك التي تكتب رغد النعي لرحيله. ان رغد وفي الأجزاء الستة لمقابلتها مع (القناة العربية) قبل عامين اعادت نفس صورة النظام البعثي ودافعت بل صلافة عن جرائمه واكثر من ذلك قالت (ان الشعب العراقي اخطأ ولا تريد محاسبته) فهل هناك صلافة ما بعدها صلافة ووقاحة. لكنها تنعي مظفر النواب، لان شعر نواب انتقد الحكام العرب وانظمتهم السياسية الذين يدورون في فلك الامبريالية الامريكية، وجه النواب سياط نقده ضد ذلك الجناح المتخندق مع الامبريالية كما اشرنا. ان شعر النواب يطفأ النيران المشتعلة في قلب رغد عندما اصطف ذلك الجناح لإسقاط النظام البعثي عبر الغزو والاحتلال. أنها تستحضر روح الامة العربية التي كان ينعيها النواب وتسقط ارهاصاته على الواقع الذي اسقط خلاله نظام صدام حسين. بيد ان رغد لا تريد ارهاق نفسها كي تبحث في تاريخ النظام الذي مثله صدام حسين، وهو نفس التاريخ الذي يسطع فيه نجم النواب، بقتل الشيوعيين عبر تدبير حوادث الدهس بالسيارات واحواض الاسيد داخل العراق والاغتيالات في خارج العراق والموت بالتعذيب في غرف قصر النهاية، وطلب من الباقين لمن وصلت دعوات امهاتهم الى السماء بعد اجتيازها كل السيطرات الامنية و حالفهم الحظ من كتابة (البراءة) من الحزب الشيوعي وهي عنوان القصيدة التي حكم بسببها  النواب ثلاث سنوات بالسجن. ان رغد صدام حسين تريد التشفي بما قاله النواب عن الحكام العرب المتآمرين على الامة العربية وقضية فلسطين. ( من ركب اقنعة لوجوه الناس..والسنة ايرانية!!!…من هرب ذاك النهر المتجوسق بالنخل على الأهواز..اجيبوا فالنخلة ارض عربية..حمدانيون!بويهيون!سلاجقة!ومماليك..اجيبوا فالنخلة ارض عربية.) وفي مكان آخر يقول (يا بلدا يتناهشها الفرس، ويجلس فوق تنفسها الوالي العثماني وغلمان الروم..وتحتلم “الجيتات”الصهيونية بالعقد التوراتية فيها.زبل يخرج حتى ملك الأحباش الجائف عورته في وجهك) وايضا (لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية ..يا امراء الغزو فموتوا..سيكون خرابا..سيكون خرابا ..هذه الأمة ..هذه الامة لابد لها أن تأخذ درسا في التخريب)- وتريات ليلية-.  إنه النفس القومي الذي ينفثه النواب  وتحاول رغد صدام حسين تنشقه وإطلاق زفيره كي تتنفس الصعداء. هذه الجمل الشعرية للنواب تجعل من رغد تحلق عاليا في سماء العراق وتجد وصف النواب الواقع  الحالي الذي تتصارع القوى الدولية والاقليمية؛ الامريكية الايرانية والتركية والإسرائيلية في المنطقة وخاصة على جغرافية العراق. وعلى العراقيين أن يأخذوا درسا بالتخريب كما جاءت ضمنا في مقابلتها المذكورة.
المالكي والسردية الطائفية:
 اما المالكي رمز الطائفية والطائفيين في العراق اذا لم نقل قائدهم  دون منازع وهو احد الد اعداء الشيوعية، يستذكر اليوم مظفر النواب وينافس الكاظمي للحضور في موكب تشيعه، وهو في كل مناسبة لإحياء ذكرى اغتيال محمد باقر الصدر، يتهجم على الملحدين والعلمانيين وضمنا الشيوعيين، وحيث أشار في واحدة من أحدى احتفالاتهم بمناسبة تأسيس حزب الدعوة، ذكر من على منصة الاحتفال، بأن تأسيس حزب الدعوة الذي يشغل هو منصب أمينه العام تأسس من أجل مواجهة الشيوعية. ومع هذا فإن حضور موكب التشييع فرصة للتعفف مثل رغد والتمسح بعباءة مظفر النواب.  من قرأ (وتريات ليلية-١٩٧٢-١٩٧٣) واشتهر النواب من خلالها في العالم العربي، يصل دون عناء الى تفسير حضور المالكي في موكب التشييع.  ولو كتبت ملحمته الشعرية (وتريات ليلية) في مرحلة ما بعد الاحتلال وتحديدا بعد تفجيرات شباط ٢٠٠٦ لمرقدي العسكري في مدينة سامراء، لتحول النواب الى رمزا للطائفية ولكان يسير في موكب التشييع الى جانب المالكي  جلال الدين الصغير وحنان الفتلاوي والعامري والخزعلي والقائمة لا تعد ولا تحصى من الرموز الطائفية في المشهد السياسي العراقي. فالنواب اراد تحضير روح التاريخ الإسلامي الدموي عبر شخصياته قبل بناء الإمبراطورية الإسلامية واسقاطه على واقع ما آلت اليه (الامة العربية) في تلك المرحلة، وقد وجه سياط نقده على معاوية وابي سفيان ويزيد وعثمان وعمرو بن العاص (تختلط الريح بصوت صحابي..يقرع باب معاوية ويبشر بالثورة..ويضيء الليل بسيف يوقد في المهجة جمرة..ماذا يقدح في الغيب الأزلي أطلوا..ماذا يقدح في الغيب..أسيف علي !!..قتلتنا الردة يا مولاي..كما قتلتك بجرح في الغرة..هذا رأس الثورة يحمل في طبق في قصر يزيد..وهذي البقعة أكثر من يوم سباياك..فيا لله وللحكام ورأس الثورة..هل عرب أنتم..ويزيد عمان على الشرفة..يستعرض أعراض عراياكم..ويوزعهن كلحم الضأن لجيش الردة..هل عرب أنتم..والله أنا في شك من بغداد إلى جدة..هل عرب انتم..وأراكم تمتهنون الليل..على أرصفة..الطرقات الموبؤة أيام الشدة..قتلتنا الردة..قتلتنا الردة..قتلتنا الردة) وايضا (أنبيك عليا!..ما زلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حد السيف..ما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف..ما زالت عورة بن العاص معاصرة..وتقبح وجه التاريخ..ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية!..ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء,..يؤلب باسم اللات..العصبيات القبلية..ما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها) والتذكير بالتهمة التي وجهت الى عائشة بالمعاشرة الجنسية وهي زوجة الرسول وخارج المؤسسة الرسمية للزواج (من أين سندري أن صحابيا..سيقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات محمد..من أين سندري أن الردة تخلع ثوب الأفعى.. صيفا وشتاء تتجدد) وتشبيه كل تلك الشخصيات بشخصيات حكام العرب الفاسدين والمجرمين والمتخندقين في خندق الامبريالية والصهيونية والرجعية، كما اعتاد الخطاب السياسي العربي بوصف الاوضاع السياسية في تلك المرحلة، وفي الوقت ذاته يشيد بعلي والانتماء اليه دون شروط وتبجيل الحسين مرات ومرات(أنا أنتمي للمسيح المجدف فوق الصليب..وقد جرح الخل وجه الإله على رئتيه..وظل به أمل ويقاتل..لمحمد شرط الدخول إلى مكة بالسلاح..لعلي بغير شروط..أنا أنتمي للفداء..لرأس الحسين)  وفي ثنايا هذه السردية الشيعية يؤكد على عروبته، حيث يصف (روحه عربية)  في كل عدد من  الأبيات من القصيدة (يا حامل مشكاة الغيب.. بظلمة عينيك..فروحي عربية) ( يا مشمش أيام الله بضحكة عينيك…ترنم للغة القرآن..فروحي عربية)  . وإذا ما تعمقنا أكثر في ذلك، فإن النواب من وجهة نظر المالكي وقادة الطائفية الشيعية يرد في قصيدته (وتريات ليلية) على التهمة التي طالما وجهت الى (الشيعة السياسية) بانهم موالين للفرس وناكرين للعروبة.
وفي الجانب الآخر فالنواب تحول إلى رمزٍ ضد الدكتاتورية والاستبداد، وبموازاته كان رمزا يدافع عن فلسطين حتى في قصائده في الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠. ان المالكي يحاول المزج بين طمس ماهيته الطائفية  حيث اطلق على نفسه لقب “مختار العصر” تيمنا بمختار بن يوسف الثقفي الذي رفع شعار (يا لثارات الحسين)   ووصف صراعه مع القوى القومية و تظاهراتها في المنطقة الغربية عام ٢٠١٣ في خطبه في الناصرية والبصرة بأن حربه معهم هي حرب الحسين ويزيد. اي بعبارة اخرى يجد المالكي في تشييع موكب النواب ملاذا سياسيا للاختباء تحت عباءته، والظهور من جديد لإعادة تلميع ماضيه الذي تفاخروا به وهو معادة نظام صدام حسين (ماذا يدعى الدولاب الدموي ببغداد). بمعنى آخر يمكن القول أنها محاولة في لحظة تاريخية للتعفف بعباءة النواب لمحي جرائمه الطائفية منذ ان رضى عليه زلماي خليل زادة المبعوث الامريكي الى العراق وبوش وتوج رئيسا للوزراء.
 الكاظمي ومشروعه العروبي:
أما الكاظمي ينظر الى النواب من خلال مشروعه القومي الذي فجر غضب إخوته في السلطة المليشياتية الإسلامية التي نصبته للإفلات من قبضة انتفاضة اكتوبر. فالنواب الذي تحول رمزا ضد الديكتاتورية والاستبداد، وينتمي الى جيل امتلك رؤية ومشروع، يعتبر الكاظمي نفسه جزء منه. والمفارقة أن النواب تعرض الى  كل اشكال الظلم السياسي وانتفض ضده بينما يتناسى الكاظمي ما تعرض له النواب، وهو وعد متظاهري انتفاضة أكتوبر بإنصافهم وإطلاق الحريات ومحاكمة الملطخة اياديهم بدماء ضحايا الانتفاضة. وهكذا فأن الموكب الرسمي الذي نظمه الكاظمي هو محاولة اخرى لتنظيف صورته المنافقة مثل زملائه رغد والمالكي والتمسح بعباءة النواب عسى ولعل أن تنسى جماهير العراق والتي يمثل الجيل الشباب الجديد اكثر من نصفه لم يسمعوا عن النواب وقصائده سوى نزر يسير، نقول محاولة لكي تنسى جماهير العراق كل الوعود الكاذبة التي اطلقها الكاظمي للقصاص من قتلة المتظاهرين، وفي نفس الوقت تسويق صورة خادعة جديدة انه اي الكاظمي يعرف قدر الشعراء والشعر والأدب والفن ولذلك يجب تقديرهم!
 
النواب بين اليسار الشعبوي واليسار الطائفي:
أما مدى كون النواب شيوعيا، فنستطيع أن نقول عنه، أن رواية النواب او الجيل الذي انتمى له للشيوعية، هي رواية معاداة الدكتاتورية والاستبداد والامبريالية والصهيونية، وتعلل العلاقة بينها وبين جذرها القمعي والوحشي الى وجود حكام فاسدين و خانعين وغير مستقلين، وليس لها اي ارتباط بالنظام الرأسمالي القائم على استثمار العامل الانسان. في حين كان الجميع من الدكتاتوريات العربية والانظمة المستبدة القومية، شاركت في حمية قل نظيرها في رفع لواء القضية الفلسطينية لتبرير قمعها واجرامها وافقارها وسلبها للحريات الانسانية، مثلما ما تفعلها ما تسمى بمليشيات المقاومة والممانعة  اليوم بعد انتقال البندقية الى كتفها اثر الهزيمة التي مني بها جيل مظفر النواب.
إن استخدام النواب لمقولات وتسميات واستعارة سرديات دينية من التاريخ تبين أنه كان يساريا شعبويا، وليس له أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بشيوعية ماركس التي توجه نقدا لاذعا للدين والقومية والطائفية والفرقوية دون اية مساومة او مجاملة وتحت اية ظروف. وفي أدب ماركس ليس هناك مقولات الفقراء والاغنياء كما يحاول استخدامها النواب، بل هناك طبقات، ومقولات النواب هي محاولة لطمس الصراع الطبقي واستخدام الدين وتاريخه لدغدغة المشاعر والاحاسيس الرجعية، والدين ليس الا جزء من البنية الفوقية للنظام الرأسمالي وتستخدمه الطبقة البرجوازية بكل تياراتها القومية والاسلامية وحتى الديمقراطية في الغرب ايام المحن كسلاح في تحميق الجماهير وخاصة الطبقة العاملة التي تمسك بشريان الحياة الاقتصادية في المجتمع وتقسيمهم الى شيعة وسنة وكرد وتركمان و اشوريين ودرز وعلويين وبربر..لتوجيه نصال نضالهم تجاه صدور بعضهم بدلا من توجيهها الى ذلك النظام الرأسمالي القبيح، وتعميتهم في رؤية سبب شقائها. وإن وصف الصراع بين معاوية وعلي أو بين الحسين ويزيد بانه صراع بين الاغنياء والفقراء، فانه اقحام ذهني للسردية الطائفية الشيعية على الصراع بين بني أمية الذي مثله معاوية وابنه يزيد وبني هاشم الذي مثله علي وابنه الحسين، وليس له اية علاقة بالمعطيات الواقعية التاريخية والتي تكشف كونه صراعا على السلطة. اما أن معاوية كم كان فاسدا ويملك أموال وكم أن ابنه مجرم في حين أن عليا والحسين ملتزمون بالدين والأخلاق، وان عثمان نُصب خليفة من قبل تجار مكة فلا يفسر الصراع بأنه كان صراعا طبقيا أو صراعا على الأقل بين الأغنياء والفقراء.  وقد وصف العديد من الكتاب العرب مظفر النواب  مثل  أحمد البرقاوي في مقاله المنشور في مجلة (نزوى) الصادرة عام ٢٠١٧  تحت عنوان (مظفر النواب والمكبوت الطائفي في وتريات ليلية) وراشد عيسى عام ٢٠١٩ في مقال له منشور في الجريدة الالكترونية (المدن) (يوم صفقنا لمظفر النواب) و مازن أكثم سليمان الكاتب السوري في وصفه على تعبير عيسى “عن نسبة كبيرة من مثقفي الأيديولوجيات العربيّة القوميّة واليساريّة في القرن العشرين، ممَّن تدثَّروا كذباً وبُهتاناً برداء الحداثة والعروبة والاشتراكية والتقدمية، وهم لم يخرجوا من عباءات انتماءاتهم الطائفية الضيقة،.." بأن مظفر النواب لم يستطع التخلص من طائفيته.
بيد أن مواقف النواب التي تتجسد في قصائده لا تثبت طائفيته وإن ساق السردية الشيعية الكلاسيكية في وصف واقع (الأمة العربية) وقضية فلسطين. فهو  وفي مكان اخر وفي قصيدته بعنوان (جهيمان)  ليسجل موقفه من حادثة الحرم المكي الشهيرة عام ١٩٧٩، فبعد أن احتل جهيمان العتيبي ومئتان من أتباعه الحرم المكي وقاتل القوات السعودية لمدة ١٥ يوم  صور النواب جهيمان بالبطل (يا جهيمان حدّق، فما يملكون فرائضهم. نفذت.. زرعتهم قرحاً.. ونفذت بعيداً فأصلابهم عاقمة.. فإذا طوّفوا كان وجهك.. أو سجدوا فالدماء التي غسلوها..تسدّ خياشيمهم ومناخيرهم..وقلوبهم الآثمة). وقد وصف اليسار بالغبي حسب وصف عيسى  لأنه لم يناصر حركة جهيمان ( لم يناصر هذا اليسار الغبي). وأضاف اي النواب (أيها الناس: اعلن أن الحجيج سلاحا بمكة في السنة القادمة..كافر من يحج بدون سلاح). وقد نصب العتيبي  صهره عبد الله القحطاني الذي كان يرافقه في العملية بالمهدي المنتظر. والأخير كان من أتباع وتلامذة مفتي السعودية بن الباز، أي كان من الوهابيين. فإذا كان النواب طائفيا لما أيد بحمية وحماسة ما قام به العتيبي. وهذا يعني كان النواب متمردا ضد الانظمة العربية التي يصفها بالخونة والمتخندقين مع امريكا ( يزعم أن شيوخ ابي ظبي والبحرين ورأس الخيمة…يخفون ذيولا ارفع من ذيل الفأر..وحين يخرون سجودا للشاه..تبين قليلا من تحت عبائتهم..ويبشرنا بالخازوق). اي ان النواب ليس طائفيا بل متمردا شعبويا ويستخدم المقولات الشعبوية في كل قصائده مثل الأغنياء والفقراء والجياع.. ويوظف المفردات الدينية والشخصيات الدينية التاريخية لوصف الاوضاع السياسية في تلك المرحلة، يعبر عن نفسه بانتمائه القومي والتشدد عليه وعلى ثورته ضد القوميات الاخرى الفرس والروم والترك مثل بقية الشعبويين مع فارق واحد بوصف نفسه بالخانة اليسارية. وفي الحقيقة إذا ما تمعنا حتى في مفرداته عن المرأة في قصائده وخاصة في قصيدته المشهورة (القدس عروس عروبتكم) فهي تتطابق مع النزعة الذكورية والرجولة القومية والتي تصب في عمق الخطاب الشعبوي لتحريك المشاعر وتهيج الأحاسيس المتخلفة كما اشرنا.
 
واخيراً برحيل مظفر النواب تطوى صفحة ما تبقى من جيل تحطمت آماله وأحلامه القومية (انا ابكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيها…والقلب تموت أمانيه) ويقول ( ماذا يدعي سمة العصر وتعريص الطرق السلمية..ماذا يدعى استمناء الوضع العربي امام مشاريع السلم) وايضا (واحدى صحف الإمبريالية..قد نشرت عرض سفير عربي..يتصرف كالمومس في أحضان الجنرالات)، جيل مثل جناح مقاتل ومقاوم وثوري لواحد من أكثر التيارات السياسية في الحركة القومية العربية، صارع الإمبريالية ودولة اسرائيل الفاشية، وأراد بناء دولة تمتلك مساحة بقدر طموحها وتطلعاتها في التقسيم العالمي للنفوذ السياسي والهيمنة الاقتصادية. جيل انهزم أمام الجناح المنافس له في الحركة القومية العربية التي قبلت بحصتها والمكانة التي منحت لها وتحاول تحسينها عبر التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، الجناح الذي عقد الاتفاقات الابراهيمية، وكان يصارعه النواب وجيل بكامله الذي وصل الى السلطة عبر الانقلابات العسكرية التي اشرنا اليه بشراسة وتضحيات جسام.


17
معاني الديمقراطية والازدهار في البرلمان العراقي وارقام البنك الدولي
سمير عادل

كم نحن محظوظون لأنه ولدنا في جغرافية سميت بالعراق، حيث أرقام البنك الدولي تشير الى ان العراق سجل نموا اقتصاديا حسب الأرقام التي أعلنها ٨.٩٪ لعام ٢٠٢٢ وبلغ نصيب الفرد العراقي من الناتج القومي ٦.٣٪. وهذه الارقام هي الاعلى في المنطقة حسب تصريحات البنك الدولي، وفي مقدمتها  السعودية.  وبموازاة ذلك يسجل البرلمان الذي يرأسه الحلبوسي أعظم ظاهرة ديمقراطية في تاريخ ديمقراطيات البرلمانية في العالم، حيث صوت على منع باسم الخشان وهو النائب عن محافظة المثنى للترشيح الى أية لجان برلمانية الى جانب منعه من المداخلات خلال الفصل التشريعي.
ألا يحق لنا ان نفخر بهذا الرفاه والازدهار والتمتع بهذه الديمقراطية التي  نحسد عليها على الأقل مقارنة مع دول الجوار!
 إن المؤسسات المالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصندوق التنمية الامريكي والبنك الأوربي وغيرها  ترصد أرقام الفقر والبطالة والناتج المحلي والنمو الاقتصادي في الدول والبلدان من أجل معرفة هل ينسجم أداء اقتصادها أي تلك البلدان مع متطلبات الإنتاج الرأسمالي العالمي واستقرار الأسواق ونموها، وهي تعمل كمجسات لمعرفة المخاطر والتحديات التي تقف أمام دوران عجلة ذلك الإنتاج والسعي في نهاية المطاف على إزالتها واحتوائها مثل أداء الحكومات ونشوب الاضطرابات والفوضى والهيجانات الجماهيرية والاحتجاجات العمالية وانتهاءً بالثورات. أي بعبارة أخرى ان عمل تلك المؤسسات هي بمثابة صمام أمان لحماية الاقتصاد الرأسمالي العالمي وسوقه العالمية. ولعبت تلك المؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية دورا كبيرا سواءً في تنصيب حكومات أو افقار البلدان التي جاءت بتلك الحكومات من أجل تمرير مشاريعها الاقتصادية والسياسية. وعقب أي تحول سياسي في اي بلد او دولة بفعل مؤامرات المؤسسات المخابراتية ودعمها للانقلابات العسكرية أو ما سميت بالثورات الملونة، نجد في اليوم الثاني حضور ممثلي وموظفي تلك المؤسستين على طاولة المفاوضات مع الحكومات الجديدة التي جاءت عبر تلك الانقلابات. والأمثلة كثيرة على ذلك مثل تشيلي والأرجنتين والبرازيل وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وإندونيسيا والفلبين وبولندا واوكرانيا وبلغاريا...والقائمة تطول وانتهاءً بالعراق الذي تم غزوه واحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وفي اليوم الثاني كانت تلك المؤسستان حاضرتين خلف طاولة المحادثات مع الطبقة الحاكمة الجديدة التي بصمت بالعشرة واقسمت أغلظ الأيمان بأن العراق سيمضي على خطى مدرسة شيكاغو الاقتصادية ومؤسسها ميلتون فريدمان طالما يتم تأهيلهم للسلطة وحمايتهم.
ما نريد ان نقوله ان ارقام البنك الدولي التي تشيد بالاقتصاد العراقي ودور الحكومة الحالية التي يتفاخر وزير ماليتها عبد الامير علاوي بها، تكشف عن حقيقة واحدة تهم النظام الرأسمالي العالمي، وهي إن العراق ماضٍ على طريق بما يدعم وينسجم مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي ولا يشكل خطر على عدم استقراره. وطبعا تلك الأرقام التي يعلنها البنك الدولي تخفي في طياتها حجم البطالة والفقر وحصول الفرد على ما يكفيه من سد حاجاته المادية والخدمات الاجتماعية والسكن والصحة والمياه النظيفة الصالحة للشرب. وايضا تخفي أن نمو الناتج المحلي العراقي وبغض النظر عن تقسيمه العادل على المواطنين، هو بسبب تصاعد أسعار النفط بعد انتهاء اغلاقات وباء كورونا والطلب العالمي عليها إلى جانب اشتعال الحرب في أوكرانيا. أي أن نمو الناتج  المحلي ليس مرده تطور الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة باستثناء صناعة النفط وتصديره. ويعني من الجانب الآخر  لا تغيير في سوق العمل أو إيجاد وخلق فرص عمل ووظائف، الا ان ما يهم الاقتصاد الرأسمالي العالمي كما ذكرنا في مناسبات أخرى هو صناعة النفط في التقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي، وما عدا ذلك فليذهب العراق إلى الجحيم. وهذا يكشف ايضا عدم اكتراث الاقطاب الرأسمالية العالمية لما يدور في العراق من عمليات سلب ونهب، التي تدور رحاها على قدم وساق منذ الغزو والاحتلال.
وحسب أرقام وزارة التخطيط أعلنت في أيلول من عام ٢٠٢١ ان ٣١  في المئة من الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر وان نسبة البطالة بلغت ٤٠٪ على الرغم أن الوزارة لا تملك أية استبيانات،  في حين صرح مظهر صالح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء في تموز من نفس العام أن معدل البطالة انخفض إلى ٢٢٪ بينما انخفض معدل الفقر إلى ٢٥ ٪  ولم يستند في تصريحاته هو الآخر إلى أية معطيات مادية، ومع هذا فإن هذه الأرقام كانت قبل تنفيذ بنود الورقة البيضاء الملزمة بتنفيذها من قبل الحكومة العراقية، وهي ورقة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. طبعا ناهيك أن بنود الورقة البيضاء لم تنفذ حاليا سوى فقرة واحدة منها وهي تخفيض قيمة العملة المحلية، والتي زادت من ارتفاع الأسعار وانخفضت القدرة الشرائية لراتب العامل والموظف بنسبة أكثر من ٢٥ في المئة. وهذا يعني دفع المزيد من المواطنين الى خط الفقر أو تحت  خط الفقر. وإذا ما نفذت جميع فقرات الورقة البيضاء التي وضعت على أساسها الموازنات السنوية وهي تنتظر تمرير البرلمان لها، وهي فرض الضرائب على رواتب ومعاشات العمال والموظفين بنسبة تصل إلى ٢٠ في المائة ورفع سعر المحروقات ورفع الضرائب على الاتصالات فإن مساحة الفقر تزداد وتجر أقسام اجتماعية أخرى إليها.
وعليه أن حصة الفرد من الناتج القومي و من النمو الاقتصادي الذي يشيد به البنك الدولي ويتفاخر به علاوي و يمشي مختالا ويبشرنا بالتقشف وشد الأحزمة على البطون في عام ٢٠٢٣ تتحطم أمام ارقام نفس المؤسسات. لقد بلغ إجمالي تصدير النفط للأربعة الاشهر الاولى من هذا العام حسب شركة سومو ٣٨.٥٩ مليار دولار، ولم تنعكس هذه الأرقام على مستوى معيشة الفرد الذي زاد من حصته اكثر من ٦٪ حسب البنك الدولي.  هذه الارقام تبين بشكل مخادع مساواة حصة الفرد العامل والموظف الذي خفض من قدرته الشرائية بسبب تخفيض قيمة العملة المحلية مع  حصة عضو البرلمان الذي يتقاضى على أقل تقدير شهريا خمسة مليون دينار مع العاطل عن العمل والعامل والموظف. ويتساوى ايضا مع حصة المالكي وقيس الخزعلي والعامري الحلبوسي والصدر من الناتج القومي للفرد.
وتبين تمويه أرقام البنك الدولي عن التعمية على الحقيقة، وهي سياسة الاقتصاد الرأسمالي وتبغي من ورائها اخفاء الظلم الاقتصادي والاجتماعي الواقع على الأغلبية المطلقة من العمال والموظفين والعاطلين عن العمل.  المهم بالتطبيل لهذه الأرقام هو الإشادة بالأداء الاقتصادي للحكومة الكاظمي كي تمضي قدما الى الأمام في تنفيذ برامج سياسة الليبرالية الجديدة التي تعني بمجملها تنصل الدولة من مسؤوليتها تجاه المجتمع في الميدان الصحي والتعليمي والخدمات والكهرباء والتوظيف. وعلى الصعيد السياسي إيجاد منظومة حكم بإمكانها الحفاظ على مكانة العراق في هذه العجلة الرأسمالية.
ما يدور في البرلمان العراقي يتلائم مع هذا النوع من الاقتصاد وهذه الارقام التي يعلنها البنك الدولي، طبقة سياسية فاسدة ولها القدرة على قمع أي صوت معارض دون تردد، وفرض الإذعان والخنوع على العمال والموظفين وعموم الجماهير المسحوقة في العراق، والتي عشنا فصولها الدموية ايام انتفاضة اكتوبر. البرلمان في العراق يعني توزيع الأدوار بقدر توزيع الامتيازات. وهذا يفسر دون اي عناء ولا حاجة الى تحليل عميق لماذا الجميع في الكتل السياسية ترفض البقاء في المعارضة، لأن المعارضة لا تجبي الامتيازات وتكون بعيد عن بؤر السرقة والنهب،  وعندما كتبنا في عام ٢٠١٦ بالرد على المنافحين والمدافعين عن البرلمان العراقي، عندما اقتحم المتظاهرون  المنطقة الخضراء ووصلوا الى مقر البرلمان عبثوا بأثاثه ، تعالت الصيحات والزعيق والتنديد بالمتظاهرين لانهم هتكوا مقدسات الوطن والدستور وممثلي الشعب، و نعتوهم بالخونة والمرتزقة  والغوغاء...الخ. في حين عندما كان البرلمان يصوغ القرارات وسن القوانين في رفع امتيازات اعضائه وتنصيب حكومات اللصوص بنكهات طائفية وقومية وتمرير أكثر الشخصيات الفاسدة لتبوء المناصب، فالبرلمان لم ينتهك المقدسات (الوطن) وكانوا مفعمين  بالوطنية إلى درجة يصدرونها الى دول المنطقة، وولهانين بالمعزوفة الموسيقية  لنشيد (موطني) ومخلصين ومنقذين للشعب.
 ما يحدث اليوم لباسم الخشان هو امتداد لذلك البرلمان الذي لم ولن تحدث أي انتخابات تغيير فيه. والجدير بالذكر أن حرمان الخشان من الدخول في اللجان البرلمانية والمداخلات والحديث جاء بقرار من الكتلة الصدرية الذين فازوا بالأغلبية البرلمانية ويطرحون حكومة اغلبية، فلنتخيل ماذا سيكون حال الحريات والحقوق في عراق يقوده الصدر-الحلبوسي لحكومة اغلبية بنقاء وطني بنسبة ٩٩٪ مثل أرقام البنك الدولي.  والسبب في قرار البرلمان هو أن الخشان يوجه بشكل منظم انتقادات لاذعة لمقتدى الصدر ويكشف عن ازدواجيته وتناقضاته بين تصريحاته ومواقفه العملية. وفي عرف القوى الإسلامية من ينتهك  مقدسات (السيد) فأما الله يعجل من فرجه ويرسل له مليشيات السيد لتصفيته جسديا كما هو في الحالة اللبنانية ونقصد حسن نصر الله أو الحالة العراقية (مقتدى الصدر) أو الحالة الحوثية والإيرانية. فا(السيد) له حق النقد والنقض وحق تشكيل المليشيات، وحق الاخيرة بتوجيه مليشياته في السرقة والنهب والقتل ولا صوت يعلو فوق صوت (السيد) وصوت ميليشاته.
واخيرا ان اشادة البنك الدولي بحكومة الكاظمي والاداء الاقتصادي يتناسب مع برلمان يقوده الحلبوسي ويوجه الصدر، والمشكلة ليس لا في الحلبوسي ولا في الصدر، بل في شخصيات مثل الخشان الذي قرر أن يغرق بوهم التغيير عن طريق العملية السياسية والبرلمان، وساهم بنشر تلك الأوهام بدرجات مختلفة في المجتمع الذي تقدم خطوات وقرر بسحب الشرعية التي منحها للعملية السياسية عبر مقاطعتها بنسبة أكثر من ٨٢٪.

 

 



18
كوميديا المشهد السياسي العراقي
سمير عادل
لا يبعث المشهد السياسي العراقي على الركود والانسداد السياسي كما تصورها التحليلات والمقالات والحوارات التلفزيونية، إنما يبعث على أقل ما يوصف بكوميديا هزيلة وتثير الاشمئزاز، بكل تلاوينه وشخصياته ومحلليه وأطرافه وأحزابه وقواه السياسية.
أول المشاهد الهزلية لذلك المشهد؛ جهود حثيثة أنفقها العديد من المثقفين واصحاب اقلام، الذي يسوقون انفسهم على إنهم ليبراليون وديمقراطيون، بإعادة البريق للعملية السياسية بعد انتخابات ١٠ تشرين الأول العام الماضي وخاصة عندما قاطعتها أكثر من ٨٢٪ من جماهير العراق. فكل جهودهم صبت بالتقريع وإلقاء اللوم على من قاطع الانتخابات، وبأن التغيير الجذري كان ممكنا لو حصل ما يسمى بالمستقلين على عدد كبير من المقاعد، متناسين مثل النعامة التي تطمس راسها بالوحل بأن صناديق الانتخابات لم ولن تحسم يوما ما مسالة السلطة في الشرق الأوسط وفي ظل الأنظمة السياسية الاستبدادية التابعة للإمبريالية، فما بالك في عراق المليشيات، فالانتخابات ليست أكثر من مسرحية سمجة ترفع ستارها كل فترة زمنية، لصياغة جديدة للعملية السياسية تتلاءم مع المتغيرات الاقليمية والدولية اكثر مما يحدث من متغيرات محلية. واولئك الفطاحل من الليبراليين وبسبب منهجهم الفكري الذي لا  يمكن أن يروا غير وقع أقدامهم، لا ينظرون بأن التغيير ممكن خارج العملية السياسية، في الوقت الذي، ان كل الازمة السياسية التي تلازم المشهد السياسي منذ غزو واحتلال العراق هو نفس العملية السياسية.
ثاني المشاهد التي هي بحق كوميدية وهي المبادرات التي تعلنها اطراف البيت الشيعي بين الفينة والاخرى، والتي ليس أكثر من عملية لكسب الوقت وطمس ماهية الصراع على المكاسب والحصص. فمهلة الصدر أربعون يوما  التي أطلقها كانت وما زالت  تعبير عن انسداد أفق تشكيل السلطة والتفرد بها من قبله تحت عنوان حكومة الاغلبية، وكانت المهلة المذكورة فرصة لإعادة التفكير وعقد المفاوضات خلف الكواليس وفسح المجال لتدخل القوى الإقليمية والدولية التي تمسك بالمعادلة السياسية العراقية، عسى ولعل تجد مخرجا لحل ازمة السلطة، وهو يدرك أي الصدر جيدا بالرغم تشكيله كتلة (إنقاذ الوطن) من ١٧٦ مقعد لم يستطع تشكيل الحكومة، فهل يعقل بأن الإطار التنسيقي الذي سخر كل الأموال التي سرقها ونهبها لشراء ذمم ما يسمى بالمستقلين للانضمام إليه كي يعوض عدد المقاعد الذي خسرها في الانتخابات، بإمكانه تشكيل حكومة! أما الإطار التنسيقي، فلم تكن مبادرته  التي اعلنها في اول ايام العيد، تختلف عن المبادرات السابقة والتي دقت طبوله الاعلامية لنقاطه التسعة؛ قانون انتخابات جديد ومفوضية جديدة وسن قانون النفط والغاز لتنظيم العلاقة بين بغداد واربيل وادراج قوات البيشمركة في القوات المسلحة..الخ التي تبرزها كل كتلة سياسية عندما تشتد الازمة السياسية. المبادرة لم تكن أكثر من جعجعة إعلامية لذر الرماد في العيون وحجب الحقيقة التي تختفي ورائها وهي انقاذ حصة المكون الاكبر الشيعي بشكل عملي وسياسي أو كما في تسميته الجديدة المكون الأكبر المجتمعي بعد انقاذها قانونيا بفضل المحكمة الاتحادية التي افتت بحضور ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية. أما المبادرة الاخيرة للصدر  والتي هي الاكثر هزلية من بقية المبادرات السابقة الفاشلة، هي تكليف المستقلين بتشكيل الحكومة شرط عدم مشاركة الإطار التنسيقي فيها. وهذه محاولة فاشلة اخرى من قبل الصدر لإغراء من تم شرائهم من ما سموه بالمستقلين واعادتهم الى الركب المؤمن أو قطع الطريق أمام الاطار التنسيقي في مواصلة شراء ما تبقى منهم، كتحصيل حاصل تدرج هذه العملية في خانة كوميديا المبادرات.
و المشهد الهزلي الآخر هو زيارة الحلبوسي رئيس البرلمان إلى إيران قبل أيام ، لحل عقدة الأزمة السياسية. وهذا الحلبوسي الذي ظل مع الصدر والكاظمي يعزفون على لحن نشيد موطني وسيادة العراق واستقلاليته  وقراراته السيادية وبعدم جواز التدخل بالشأن السياسي العراقي، يشد الرحال للتوسل الى ملالي ايران للضغط على البيت الشيعي المتهاوي كي يتنازل عن بعض مكاسب ونفوذ السلطة للصدر وكتلته التي تحاول أن تغرد في المحيط العربي والامريكي. و الحلبوسي لم يقم بزيارته تلك دون موافقة أطراف تحالفه الثلاثي وهم الصدر-البارزاني-الحلبوسي والخنجر.
هذا الوضع الذي يمر به العراق هو وضع انتقالي، وفشل جميع المبادرات السياسية وفشل تشكيل حكومة وفشل الانتخابات هو تعبير عن احتدام الصراع بين مشروعين وعدم قدرة أي منهما في إزاحة الآخر، وهما مشروع الحاق العراق بمعسكر إيران الذي يسمي نفسه بالمقاومة والممانعة، ويجدر بالذكر أن قصف المنطقة الخضراء  متزامنا بأيام بقصف محيط مدينة اربيل، بقدر انه رسالة الى الكاظمي لإيقاف هجوم الجيش العراقي بطلب من تركيا لطرد حزب العمال الكردستاني التركي من مدينة سنجار والمحتمي بمليشيات الحشد الشعبي، بنفس القدر سيكون محصلة ذلك القصف تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي. أما المشروع الثاني هو مشروع الكاظمي وكاد ان يدفع حياته ثمنا له مثل رفيق الحريري ويقف خلفه التحالف الثلاثة المذكور، واعادة العراق الى حاضنة “الأمة العربية”.
واخيرا ان كل هذا الصراخ والعويل في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف حول الانسداد السياسي والركود السياسي الذي يخيم على المشهد السياسي العراقي، بالإمكان  تلخيصه في سؤال؛ هل كان الوضع السياسي في العراق مختلفا قبل هذا (الركود السياسي أو الانسداد السياسي) ومنذ تشكيل مجلس الحكم بقيادة بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال منذ عام ٢٠٠٣ وحتى انتخابات أكتوبر ٢٠٢١؟  الجواب عليه لا يحتاج إلى أي عناء، فالمرء يصل بسهولة إلى استنتاج أن ما يحدث في المشهد السياسي هو كوميديا هابطة بالمعنى المطلق وبحاجة الى اسدال الستار عليها.

19
 
أزمة البديل السياسي لإيران وأمريكا في العراق
سمير عادل
ليس لدى النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي أية مشكلة لو بقي العراق دون حكومة إلى أجل غير مسمى، طالما أن الوضع السياسي المحلي لا يؤثر على مكانته في التقسيم العالمي للإنتاج الرأسمالي. وهذه المكانة هي صناعة النفط. بمعنى آخر لو أدت الأزمة السياسية الحالية في العراق الى التأثير على صناعة النفط وزعزعة الإنتاج العالمي، لتحول بغداد إلى مكان لحجيج المندوبين والمبعوثين الدوليين وقادة الغرب والشرق لحل الازمة السياسية. وها هي أرقام البنك الدولي تشير الى ان العراق سجل نموا اقتصاديا بنسبة ٨.٩٪ لعام ٢٠٢٢ وان نصيب دخل الفرد من الناتج القومي وصل إلى ٦.٣٪ وهي الأعلى من بقية الدول العربية مثل السعودية ودول الخليج الأخرى. (سنشرح في مقال آخر عن خدعة هذه الأرقام) ولكن ما يهمنا الآن هو الوضع السياسي في العراق الذي كما تشير الأرقام لن تؤثر على الوضع الاقتصادي العالمي، بل إن مؤسسات مالية دولية تشيد بأداء العراق الاقتصادي وأداء حكومته التي هي خارج نطاق الخدمة منذ ٦ أشهر وهي تسمى بحكومة تصريف أعمال.
وعليه إن الإدارة الاميركية غير مستعجلة على تشكيل الحكومة في العراق ولا الجمهورية الاسلامية في ايران، كما شاهدنا فصوله بعد اجتياح داعش لثلث مساحة العراق في حزيران عام ٢٠١٤، حيث شكلت حكومة العبادي بوقت قياسي، لان ظهور داعش  مثل تهديد خطير لتغيير الخارطة الجيو سياسية في العراق والمنطقة برمتها بسبب ذلك الاجتياح.  وفي نفس الوقت أن كلا الطرفين أي الامريكي والايراني ليس لديهما ادوات حاسمة من القوى المحلية لتغيير المعادلة السياسية.
المحكمة الاتحادية اعادة الوضع السياسي في العراق الى نصابها كما اشرنا في مقال سابق (المحكمة الاتحادية تنقذ حصة المكون الاكبر)، ومنعت من خلط الاوراق وتغيير دفة العملية السياسية والمعادلة السياسية تحت عنوان حكومة الاغلبية التي رفع لواءها مقتدى الصدر، وللأمانة فهو أي الصدر استعارها من غريمه المالكي الذي ناشد بها قبل سنوات. وكل الجعجعة الاعلامية والمزايدة السياسية واطلاق التصريحات الجوفاء بأن كارثة دستورية ستقع على رؤوس الأحياء من جماهير العراق بسبب الفراغ الدستوري لو لم تلتزم الاطراف السياسية بالمواعيد الدستورية، تتهاوى وتتبدد في الهواء المعجون بالتراب في العراق دون اي تقديم ولا تأخير بالوضع السياسي.
الازمة السياسية الحالية في العراق هي ازمة قديمة جديدة. قديمة بمعنى أنها ولدت منذ غزو العراق، وأن الاحتلال لم يستطع من خلق نظام سياسي مستقر ودولة ذات مؤسسات بالمعنى القانوني والسياسي و الهوياتي. وخلال كل تلك السنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تديران الازمة السياسية، وهنا نقصد بأزمة السلطة السياسية التي أرسيت على اساس المحاصصة القومية والطائفية. ولم تستطع نفس الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق من حسم التشرذم السياسي في صفوفها. أما الجديد في الأزمة المذكورة هو ان انتفاضة اكتوبر عمقت من أزمة السلطة السياسية في العراق، وهي من قلبت المعادلة السياسية التي يجر كل طرف من تلابيبها دون جدوى.
اثبت الرهان على الانتخابات لتغيير المشهد السياسي في العراق فشله الذريع، ولم يساورنا أدنى شك في ذلك وقد تحدثنا عنها بإسهاب وفي مناسبات مختلفة، لأنه ببساطة ان من يحسم مسالة السلطة السياسية ليس من يحصد الأصوات في الانتخابات وبغض النظر عن شفافيتها ونزاهتها أو من عدمها، بل من يحسمها هو من يمتلك ميليشيات. وقد اكتشفت جماهير العراق بعد ما يقارب عن عقدين من الزمن كذبة الانتخابات وصناديقها المتهرئة، ولذلك قاطعتها بنسبة أكثر من ٨٢٪، وهذا هو سر امتعاض الجميع في العملية السياسية بما فيها الفائزين منهم.
صومعة مقتدى الصدر او مكوكية الاطار التنسيقي، وفي ثناياه لهاث السفير الايراني في بغداد بين هذا وذاك، لن يظفر بالنهاية سوى بحكومة توافقية تَعَوَّمَ العملية السياسية. فجميع الأطراف الإقليمية والدولية بغنى عن أي احتدام مسلح بين الإخوة الأعداء في البيت الشيعي المتهالك على الساحة السياسية العراقية في خضم السيناريوهات المرتقبة في المنطقة والمترتبة لتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا. وعليه أن المضي الى انتخابات اخرى كما تروج وتسرب من شأنه تشديد الازمة السياسية وهي ما تعيها الاطراف السياسية المتصارعة فيما بينها على السلطة.
في خضم هذا الركود السياسي الذي يلازم كل المشهد السياسي في العراق، تصطف الأقلام والمحللين السياسيين حول تشكيل الحكومة في العراق وينقسمون الى قسمين، الاول يتهم السفير الإيراني بالتدخل بالشأن السياسي العراقي ومستاء من تطاولاته، واتهام الطرف الموالي للجمهورية الاسلامية بخيانة الشيعة والوطن والعراق، فيما الثاني يتوج بطلا قوميا لأنه يسعى لإخراج العراق من تحت عباءة الجمهورية الإسلامية تحت عنوان تشكيل حكومة الاغلبية. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه على أي شيء يحصل عليه العامل و الموظف والعاطل عن العمل والمرأة المكبلة بنظام ذكوري وسلطة اسلامية مليشياتية رجعية حتى النخاع لو تشكلت حكومة برعاية ايرانية او حماية امريكية؟؟؟
أن الغائب في كل التحليلات السياسية، مصالح الجموع الغفيرة من محرومي العراق، يتقدمهم العاطلون عن العمل الذي يقدر عددهم وزارة التخطيط بنسبة ١٢-١٤ مليون عاطل، ونسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر تصل  إلى أكثر من ٢٧٪ أي ثلث سكان العراق إذا لم نقل أكثر من هذه النسبة خاصة بعد تخفيض سعر قيمة العملة المحلية. واي كانت الحكومة القادمة فلن يكون الفارق بينها سوى مرحلة زمنية أخرى، وستكون امتداد للسلطة المليشياتية القائمة الآن.
هناك مثل يقول ان المفتاح سقط في منطقة مظلمة بينما تبحث عنه في منطقة مضاءة بحجة وجود ضوء فيه، وهكذا إذا أردنا الخلاص من كل هذه المآسي التي تعيشها جماهير العراق وتخليص العراق من سياسة المحاور فلن يكون بانتظار العملية السياسية التي لن تولد اكثر من فأرا هجينا في أحسن أحوالها.


20
كيف تقع الجماهير في شرك خداع حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
لينين يطل برأسه من جديد
سمير عادل
 
لا اعتقد هناك من يضاهي معاناتنا في العالم في مكان سمي بجغرافية العراق جراء الحصار الاقتصادي وثلاثة حروب طاحنة. وكان كل ذلك من أجل الدفاع عن “البوابة الشرقية” للأمة العربية في الحرب الأولى العراقية -الايرانية لمدة ثمان سنوات، وصونا للأعراض حرائر العراق في غزو الكويت في الحرب الثانية، والدفاع عن السيادة والاستقلال في الثالثة التي توجت بغزو واحتلال العراق. وهي العناوين التي يرفع زيلنسكي قسم منها والذي حول أوكرانيا بدعم الناتو ووحشية روسيا الى خراب ودمار.
 اكبر خدعة اخترعتها البرجوازية الحاكمة اليوم في العالم في تاريخ الإنسانية هي السيادة المطعمة بترياق القومية. وبمحض ارادة البرجوازية تكتسب السيادة معنى مطاطيا وحسب ظروف ومقتضيات توازن القوى في المعادلات الجيوسياسية. فمثلا تنازل صدام حسين عن جزء من أراضي "سيادة العراق" الى السعودية اثناء الحرب العراقية-الايرانية في عقد الثمانينات من القرن المنصرم، كما اتفق مع الدولة التركية خلال نفس الفترة بالسماح لاجتياح جيوشها الأراضي العراقية بعمق ٣٠ كلم لملاحقة القوميين الاكراد ومعارضي الدولة التركية، وقبل ذلك تنازل عن غالبية مساحة شط العرب لإيران عام ١٩٧٥ لنظام الشاه. واثناء التوقيع على وثيقة الاستسلام أمام القوات الامريكية في خيمة صفوان عام ١٩٩١ تنازل عن الكثير من الأراضي للكويت بما فيها حقول نفطية. المهم في كل هذه الحروب هي الحفاظ على السيادة الوهمية التي تتقلص وتتمدد في كل مرة.
اصطفاف دول العالم إلى مؤيد ومعارض ومحايد في الحرب الإمبريالية التي تقع أحداثها في أوكرانيا تخفي شيئا واحدا وهي الحقيقة التي تختفي وراء إصرار زيلنسكي على تقديم سكان أوكرانيا على طبق من الذهب لحلف الناتو. فسكان أوكرانيا لم يختاروا الانضمام الى الناتو وليس من مصلحتهم سواء تم امتلاك سلاح نووي أو لا، ولا يغير كل تلك العناوين من معادلة معيشته ورفاهه سواء كان ملحقا بروسيا او بالناتو. بيد أنهم سيقوا الى الحرب عنوة وفي غفلة من الزمن دون أن يكون لهم رأي بالانضمام الى الناتو او البقاء محايدا.
 إن وظيفة كلا الاعلامين الغربي والروسي هي إضفاء الحقانية على حربهما وإخفاء الحقيقة التي وراء تلك الحرب. ويلعب زيلنسكي دورا عظيما في إخفاء تلك الحقيقة التي تفصح عن عدم حقانية تقديم كل يوم أرواح المئات من المدنيين  قرابين دفاعا عن مصالح الناتو والامبريالية الأمريكية للوقوف بوجه التمدد الامبريالي الروسي. وهذا ليس نابع من تحليلنا او نتجنى على زيلنسكي، بل كشف هو عن سره بشكل فاضح ودون أي خجل وتردد بأنه يدافع عن امن اوروبا ودول الناتو كما فعل نظام صدام حسين بتقديم مليون انسان قرابين في حربه مع ايران دفاعا عن البوابة الشرقية للأمة العربية.
قد نغيض قليلا كارهي الشيوعية، ولكن لا بأس فليتحملونا كما نحن العمال و الأغلبية المسحوقة من جماهير العالم نتحملهم ونتحمل أكاذيبهم وخداعهم ونفاقهم ودجلهم و معتقلاتهم وتعذيبهم وحروبهم، لنتذكر لينين الذي رفع شعار (أرض -خبز -سلام) إبان فترة الحرب العالمية الأولى، وقال حينها إن الحرب العالمية هي حرب اللصوص الإمبرياليين، ولا مصلحة للعامل الروسي والالماني والفرنسي والبريطاني والتركي فيها. وبدلا من توجيه فوهات بنادقنا الى صدور بعضنا نحن العمال، فيجب توجيهها نحو حكوماتنا التي لها مصلحة في هذه الحرب الامبريالية ودفعوا بنا كوقود الى محرقتها عنوة . ووفى لينين بوعده وقاد حزبه الطبقة العاملة وعموم جماهير ورسيا  نحو إسقاط القيصرية ووقع على صلح (بريست ليتوفسك) الشهير الذي تنازل عن قسم كبير من الأراضي الامبراطورية القيصرية الروسية لألمانيا والامبراطورية العثمانية من اجل حقن دماء الشعب الروسي وبقية شعوب أوروبا، ولعب ذلك الصلح عاملا مهما في إخراج روسيا من الحرب العالمية واسدال الستار على آخر فصولها في عام ١٩١٩ عبر اتفاقية فرساي. وادى ذلك الصلح على تغيير الخارطة السياسية العالمية وكشف لينين عن وثائق حصل عليها من خزائن القيصر على اقتسام العالم بين تلك الدول المتحاربة والتي تحولت الى فضيحة كبيرة حينها. وتم اتهام لينين عندما وقع على إيقاف الحرب حتى من قبل صف من اليسار الذي يتخندق اليوم قسم منه مع روسيا والقسم الآخر من الناتو بأنه خائن وباع الوطن والاراضي الروسية إلى ألمانيا. بموجب الاتفاقية المذكورة  التي وقعت في ٣ آذار من عام ١٩١٨ تنازل لينين عن دول البلطيق وهي ليتوانيا ولاتفيا واستونيا، كما تنازل عن أوكرانيا واعترف باستقلالها، وتنازل عن بولندا التي كانت جميعها ملحقة بالإمبراطورية القيصرية الروسية. لم يتحدث لينين كما يتحدث اليوم زيلنسكي عن سيادة روسيا واستقلالها وعن حقوقها القومية، لأنه كان يعرف جيدا ان القومية والسيادة ليس اكثر من ترهات تبيعها البرجوازية على شعوبها لجرها الى حروبها التوسعية. لقد كان الشغل الشاغل للينين هو إيقاف دولاب الدم الذي يطحن العمال والفلاحين ومحرومي روسيا، ويقدم نموذجا بشكل عملي الى جماهير ألمانيا والمجر والنمسا والامبراطورية العثمانية وبريطانيا وفرنسا أن الحرب القائمة هي حرب اللصوص، وان اهم شيء عندما تعد العدة لشن الحروب هو الإعداد بشكل جيد بجر الجماهير وايقاعها في شرك وخداع الانظمة البرجوازية المتحاربة.
وحتى بعد مرور أكثر من قرن من الزمن لم يفلت لينين من النقد والهجوم اللاذع على موقفه من اوكرانيا من قبل اللصوص الروس وعلى رأسهم  بوتين الرئيس الروسي في بداية اشعاله الحرب  على أوكرانيا.
إن الطرفين المتحاربين اليوم على أرض أوكرانيا يكرهون لينين، ولكنهم يرفعون القبعات لزيلنسكي، لأن الأول هو النموذج الكشف عن ما وراء حروب اللصوص وتفويته الفرصة عليهم باستمرار خداعهم لجماهير روسيا والدول الامبريالية المتحاربة، بينما الثاني  بقدر هو أي زيلنسكي ممثل أحد طرفي اللصوص لتحقيق مصالحهم بنفس القدر بالنسبة للطرف الثاني أي الروسي يستخدم ذريعة لتزييف حقانية الحرب على أوكرانيا. ولا شيء يخسره زيلنسكي غير شعب قدمه مكتوفي الايدي الى الماكنة العسكرية الروسية وقربانا لمصالح الناتو، اما هو ووزير خارجيته ودفاعه ونائبه ومستشاره  ورئيس أجهزته الاستخباراتية فهم ينعمون بخنادق تحميهم واجهزة اتصالات غربية تقيهم الاغتيالات من قبل  القوات الروسية.
ان الانظمة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لن يرف لها جفن في قتل آخر انسان أوكراني، وأن العقيدة التي نشأ عليها النظام الرأسمالي هو القتل والاستحواذ على الأراضي دون أي وجه حق و الحاقات قسرية، وأنها لمحظوظة بظهور شخص مثل زيلنسكي يدافع عن مصالحها ويحول أراضيها مجانا الى ساحة حرب بالوكالة مع الإمبريالية الروسية . انها بحق بطاقة يانصيب حصل عليها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

21
"الأسرة. الأسرة هي الوحدة الأصغر في مجتمعاتنا الشرقية وليس الفرد كما تحاول الليبرالية الحديثة تسويقه. الأسرة هي الحاملة للعادات والتقاليد والثقافة وكل ما يمثل الهوية نراه في الأسرة. والفرد هو عضو فيها. والأسرة لا يمكن أن تؤسس إلا على الغيرية لا يمكن للأنانية أن تبني أسرة. لأن هذه الوحدة هي أساس سلامة المجتمع عندما تكون سليمة فالأسرة الأكبر مع الأقرباء تصبح سليمة والحي والمدينة والمجتمع كله يصبح سليماً. لذلك ركز الدين على هذه الأسرة ولذلك من أهم الخطوات لضرب هذه البنية الاجتماعية هي ضرب الأسرة والنزول باتجاه الفرد. فإذاً في عملنا الديني يجب أن نركز على موضوع الأسرة في عملنا الديني والاجتماعي وأيضاً نتحدث عن هذا الموضوع. لأن الأسرة بدأت تتفكك بفعل عوامل مختلفة. بفعل تطور الحياة. العوامل التقنية. وبفعل الهجمة التي تحصل على الثقافة."

"المسلمات وأنا بدأت بالحديث عن المسلمات ولكن المسلمات هنا عامة. هناك كثير من المسلمات التي تمثل القيم والعادات والتقاليد والمفاهيم التي يبنى عليها المجتمع. لا بد من تمتين هذه المسلمات أيضاً. مجتمعاتنا تفقد هذه المسلمات. العقائد مسلمات. الرموز والانتماءات الوطنية مسلمات. والقومية مسلمات. العادات والتقاليد. الأسرة كما قلت قبل قليل. احترام الكبار. هناك عناوين كبيرة وهناك عناوين صغيرة ولكن كلها مهمة. احترام الكبار سواء كانوا كباراً بالعمر أو كباراً بالقيمة هو من المسلمات. كثير من الأشياء لا أذكرها الآن كلها ولكن ضرب هذه المسلمات يلغي ثنائيات طبيعية تخلق التوازن في المجتمع. يقال إن الدنيا بنيت على الأبيض والأسود والليل والنهار والخير والشر وهذه الثنائيات هي موجودة. عندما نلغي هذه المسلمات يصبح الكبير كالصغير والطالب كالمعلم والأبناء يحلون محل الوالدين. يأخذون دورهم وتلغى الحدود بينهم. وفي هذه النقطة بر الوالدين هو أحد أهم المفاهيم التي يجب أن نركز عليها في بناء الأسرة ويصبح الفاسد كالشريف ويصبح الظالم كالمظلوم. إذاً إلى أين نصل عند ضرب هذه المسلمات؟ نصل إلى أن يكون المعتدي كالمعتدى عليه. وبالتالي بدلاً من أن تكون هذه أرضاً مغتصبة من قبل العدو ونحن المالكون الحقيقيون تصبح هذه الأرض محل نزاع لأن الطرفين بالموقع نفسه وقد يكون كلا الطرفين صاحب حق فكيف سيتم الحل في هذه الحالة؟ الطرف الثاني المعتدي المغتصب للأرض سوف يقوم أو أنا الطرف الأول بالبداية سأقدم تنازلاً له وأعطيه جزءاً من الأرض. تنازلاً مني له. وهو سيقوم أيضا بالتنازل عن جزء من الأرض أنا أملكها. سيتنازل لي عن حقي وبالتالي نصل للتسوية السياسية التي يسعون إليها. فنرى أيضاً أن المسلمات لا تنفصل عن المخطط السياسي لليبرالية الحديثة. فإذا أردنا أن نصل إلى الانهيار السياسي. أو إذا أرادوا أن يصلوا إلى الانهيار السياسي فلا بد من الانهيار الاجتماعي. وفي هذا الانهيار الاجتماعي تعرفون أقواس تدمر /أحجار. أحجار ويوجد حجرة في المنتصف تسمى حجرة العقد لأن كل الأحجار تستند عليها/ هنا يقع موقع الدين. فإذا انفكت هذه الحجرة تسقط كل الأحجار ولكن بالوقت نفسه كل الأحجار الأخرى إذا سقطت تسقط حجرة العقد. فالدين. من دون مجتمع سليم لن يكون هناك دين بالمعنى الحقيقي الذي تسعون إليه. من دون أسرة من دون مسلمات من دون أخلاق من دون فقه من دون كل هذه التفاصيل التي ذكرتها فكل هذه الأحجار سوف تسقط مع بعضها البعض وبالمحصلة لا يوجد خيار إلا أن نربح هذه المعركة وإذا أردنا أن نربحها لا بد أن نعرف ما هي هوية العدو الحقيقية. ما هي طبيعته. أين يتموضع. وما هي أساليبه. ولا بد أن نربح لأننا إن ربحنا فعندها سنكسب احترام الآخرين وسنفرض احترامهم أو سنفرض احترام عقائدنا ورموزنا عليهم. فإذاً إذا نظرنا إلى كل هذه الأشياء نراها مترابطة وهي كتلة واحدة ولكن عندما تأتينا بشكل متفرق فنتعامل معها بشكل مجتزأ ونتعامل مع الأسماء وننسى التيارات. فلذلك ننتقل من خسارة إلى خسارة ومن نكسة إلى نكسة ومن فشل إلى فشل."

"هناك موضوع خطير يثار وأيضاً يرتبط بالجانب الآخر أو بشكل أو بآخر بموضوع الليبرالية الحديثة ولكنه يمس صلب المجتمع وهو يأتينا على شكل ثلاثة مواضيع منفصلة الأول يمس أو يشكك بعروبة سورية وبلاد الشام والعالم العربي بشكل عام والثاني يشكك بعروبة القرآن من خلال القول بأن القرآن كتاب سرياني والثالث يشك بعروبة الرسول من خلال القول بأن الرسول مستعرب وليس عربياً. طبعاً الهدف من هذه الطروحات الوصول لعدة أهداف الأول هو ضرب العروبة والإسلام بالرغم من أنها ضربت منذ أكثر من مئة عام وساهم الإخونجيون في التفكيك بينهما ونحن نعيش كمجتمعات أزمة هوية منذ عقود ومنذ قرن من الزمن أو أكثر بقليل أو ربما منذ بدأ التتريك في العهد العثماني. بدأنا نعيش أزمة هوية. وبدأ البعض يسأل نفسه أنا مسلم أكثر أم عربي أكثر؟ هل أنا أنتمي لدمشق أو حلب أو دير الزور أو اللاذقية أكثر أم أنتمي لسورية أكثر؟ ما هو التعارض؟ أنت تنتمي لعائلتك ولحيك ولقبيلتك ولطائفتك ولمدينتك وتنتمي للوطن وتنتمي للدين. ولكل هذه الأشياء. هذه أشياء لا تتعارض. ولكن خلق التناقض بينها. هذه النقاشات تهدف لخلق التناقض نفسه وهي متداولة الآن بشكل واسع وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي ومع كل أسف نرى أن هناك من يتقبلها ويسوقها عن قناعة السذج وفي بعض الحالات بسوء النية. وانا أفترض أن السذاجة هي العامل الأكبر في هذه الحالة. يريدون أن يفرقوا بين العروبة والإسلام ويفرقوا بين القرآن ولغته ويفرقوا بين المسلم والمسيحي ويضربوا جوهر انتماء هذا المجتمع وهو الانتماء العربي الذي تكرس عبر السياق التاريخي."


ان هذه المطولات المهمة من كلام رئيس الجمهورية العربية السورية د. بشار الاسد ليس شرطا وليس حكما ان نتفق مع كل ما قاله بطبيعة الحال، ولكن علينا التأكيد وتكرار انها يجب ان تتم قراءتها وتحليلها على مستوى أمني استخباراتي اعلامي ثقافي يشمل المنظومات الحاكمة في المنطقة العربية كلها وتجهيز شعوبها للتصدي ولمقاومة من يريد بنا الشر والضرر والأذى هم من الذين يتبنون "النيوليبرالية" ومخططها، وهي مطولات شارحة في أجزاء كبيرة منها ماذا يجري ويحدث؟ وأهميتها المضاعفة انها تخرج من موقع رسمي وقانوني وهنا نكرر تلك النقطة مجددا من باب التأكيد والإصرار على قوتها من هذه الناحية
 ما نريد قوله من ناحيتنا هو التالي:
ان هذه الليبرالية الجديدة "النيوليبرالية" هي منظومة أستحمارية حقيرة منحطة ساقطة أخلاقيا، خادمة لكل ما هو شر في العالم ولكل ما هو منحرف عن الفطرة والاخلاق العامة البشرية المتعارف عليها والمشتركة بين كل الأديان.
وهذه الليبرالية الجديدة تتحرك بالرد الدعائي ضد من يحاول كشف شيطانيتها، فهي تتحرك بالرد "الدعائي" الزائف وهي تخلط بين دواعي محقة او تعابير "فخمة" لا معنى لها في خط التطبيق ك "الحرية" او يافطة حقوق الانسان او الخلط "الاستحماري" الذي يربط كراهية العنصرية مع الترويج للانحرافات السلوكية الجنسية كاللواط والترويج لتعديل الجنس والغاء "ذهنية العائلة " من الوعي المجتمعي للأطفال والشباب، وربط من يقول "لا" لهذا "الإرهاب الشيطاني الإبليسي" بالديكتاتورية او التخلف او في معاداة الحضارة.

اذن رد هذه الليبرالية "الجديدة" ضد من يقاوم هو "رد" ردعي، دعائي، غير علمي، ويستخدم الكذب والتدليس وأيضا سيطرة المنحرفين سلوكيا وجنسيا على وسائل الاعلام وأيضا ارتباطهم مع الحركة الصهيونية العالمية والنظام الطاغوتي الربوي الذي يريد ان يصنع عالم "لا" يتم احترام فيه العائلة بل تدميرها من الوجود و ان يتم خلط الأعراق و اسقاط أي ثبات و تأصيل فكري أيديولوجي يصنع شخصية قومية مستقلة للأنسان و ان تكون هناك "ميوعة" فكرية تقبل كل شيء بلا تمييز وبلا تمحيص و بدون مسطرة قياس ترتبط بالدين او الفطرة الإنسانية السليمة او القومية.

ان هناك نظام للقيم يحمينا ك "شرقيين" وك "عرب" وك "مسلمين " وك "مؤمنين في وجود خالق"، او اليس الإسلام هو "ثقافة المسيحيين الشرقيين" واليست اللغة العربية "قومية الدين الإسلامي"؟ إذا صح التعبير، واليس كل تاريخ العالم من دين وثقافة ومعرفة ونهضة واساطير وحكايات وغموض كلها انطلقت وتفجرت ونبعت من هذا الشرق؟ وهو حاليا يواجه هجمة سيطرة ومحاولة "هدم" و "تدمير" بقيادة حلف الناتو وهو الأداة العسكرية للنظام الطاغوتي الربوي العالمي المدعوم من الكيان الصهيوني وأعوانهم اليهود منهم والمتصهينين كذلك في كل أنحاء العالم مع نظام قيمهم المستجدة على الساحة العالمية مع ليبراليتهم الجديدة التي تريد إلغاء "دور" العائلة كأساس للمجتمع، والتخلص من دور الأب "الرجل" كرب للأسرة، والتخلص من "الرجولة" ودورها في المجتمع وإعطاء مهام الرجل للمرأة !؟  وخلط الأنساب والاعراق وترويج الانحرافات السلوكية الجنسية تحت مسميات المثلية وحرية تغيير الجنس وزواج الجنس الواحد دينيا وقانونيا وفرض هذا الشذوذ وهذه اللوطية على باقي العالم.... كل العالم بما يخالف كل دين عرفه البشر وكل ما هو طبيعة إنسانية فسيولوجية بيولوجية وربط هذا الشذوذ والانحراف واللوطية مع مصطلحات الفخامة الدعائية لغسيل دماغ الإنسان هذه المصطلحات الفخمة الفارغة من اي معنى وهدف ك "الحرية" و"التنوير" ومناهضة العنصرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعالم المتحضر.

ولا يتم استغراب التدخل لغسيل دماغ الأطفال والشباب من هنا وهناك من ادخال نظام دعائي استحماري تكراري "ممنهج" يحمل صفة "القانون" ساعي الي وضع أفكار الانحراف والسقوط لليبرالية "الجديدة" في خط اللا "وعي" كما كان يتم في السابق عندما بدأوا في نشر الأفكار الليبرالية الكلاسيكية القديمة وترويجها وبثها في المجتمعات الشرقية المحافظة حيث في البداية تم وضع أفكار "عبادة الاستهلاك" وصورة فتاة الغلاف المثيرة جنسيا ؟! وصورة الرجل الذي تريده كل نساء العالم!؟ ان تكون على علاقة معه !؟ وهذه كلها صور إعلامية تكرارية "أستحمارية" لترويج صورة الانسان "الليبرالي" السعيد !؟ وهي حالة سينمائية وهمية لا حياة لها في الواقع والحقيقة، حيث الكأبة والجفاف الروحي هو سيد الموقف في الغرب و تحولت شعوبه المسكينة الى الات بلا روح ولا قيم ولا دين ضمن دائرة الذهاب والعودة من العمل والغرق في مراكز شرب الخمور في نهاية الأسبوع او انتظار إجازة الأسبوعين السنوية لكي يعيش الفرد الغربي هناك "وهم" الغنى والثراء في احدى منتجعات العالم الثالث , ولنتذكر عندما انتفضت الشعوب التي كانت تعيش في ظل "برودة" الستار الحديدي للاتحاد السوفيتي آنذاك، اكتشفت هذه الشعوب ان كل ما كانت تشاهده "سرا" من أفلام واعلام وترفيه ما هي الا أفلام ليس لها وجود الا في الخيال وأحلام اليقظة وفي دور السينما او في شرائط الفيديو "المهربة" الى نطاق البلدان الشيوعية الاشتراكية، وحين انفجرت فقاعة الوهم، اكتشف هؤلاء ان ما كانوا يعيشونه من فشل ومن عبادة شخصيات حكم الحزب الواحد الغير ديمقراطية؟! هي بالتأكيد ليست "جنة" و لكنها في اليقين  والواقع و الحقيقة كانت افضل من مرحلة ما بعد سقوط كل هذه البلدان في فلك و سيطرة و استعمار و استحمار النظام الطاغوتي الربوي العالمي و ما يحصل لهم في ارض الواقع من مأسي الجوع و الدعارة والامراض و انتشار العصابات و تجارة المخدرات و سقوط الكرامات القومية والقيم الإنسانية الشرقية و تحول شعوب هذه البلدان من تصدير  الثقافة "الحقيقية" و الحرية "الاجتماعية" و من انتاج الأطباء و العلماء و التصنيع الثقيل الى تصدير العاهرات و المخدرات و غياب غطاء دولة الرعاية الإنسانية من تعليم و طبابة و سكن وامن غذائي , كان الواقع الذي عاشوه بعد سقوط المنظومة الاشتراكية الشيوعية "كابوس رعب" لا يعكس صورة مشابهة للأفلام الأجنبية الغربية الاستحمارية و التي لا تتواجد الا في هذه الأفلام "فقط" , الا ان هذه دولة الرعاية الاجتماعية الإنسانية كانت شيء محسوس و مضمون عند شعوب المنظومة الاشتراكية وكانوا يتعاملون معها على ان هذه الرعاية الشاملة ستستمر و تصبح شيئا افضل فواجهوا الحقيقة المرة و الواقع الحقيقي للنظام الطاغوتي الربوي العالمي , كما واجه لاحقا و احس به السوريين المهاجرين الى بلدان أوروبا حيث كان هناك منهم من يعيش الوهم انهم سيذهبون الى "الجنة" فاذا بهم يدخلون الى جهنم الطاغوت الربوي الشيطاني و حيث اكتشفوا ان "السياحة " في أوروبا ليست هي "المعيشة" فيها , و ان ما كان مضمون ومعتاد تلقائيا في دولة الرعاية السورية هو امر غير موجود هناك , و ان عليهم القيام بكل ما هو حقير و ساقط و دنيء لكي يتم السماح لهم ان يعيشوا هناك بالذل و الافقار و الإهانة و ان عليهم ان يتنازلوا عن اعراض بناتهم و شرفهم  لكي يندرجوا في أسلوب حياة السقوط الأخلاقي الأوروبي , و ان على من هو محظوظ فيهم ان يدفع من ثلاثين في المئة الى ستين بالمائة من دخله الشهري "ان وجد" للدولة الأوروبية التي سمحت له في "طلب" اللجوء ,لا أقول اللجوء فهذا امر اخر مختلف , اما ممارسة السياسة و نقد الحكام و الرأي والرأي الاخر اذا صح التعبير , فهذا الوهم غير موجود في النظام الطاغوتي الربوي العالمي , واتحدى أيا كان ان يتكلم و يتحدث في اسقاط أي نظام سياسي أوروبي و تغييره او ان يتحرك ضد الأنظمة الاجتماعية و الاقتصادية هناك , فليقول من هم سوريين لاجئين ذلك و لنشاهد كيف سيختفون من على الخريطة.
ان غسيل الدماغ وتحريك الاعلام لصناعة عقل جمعي هي موجودة هناك كما هي موجودة في باقي بلدان العالم ولوسائل الاعلام توجيهات وأوامر يتلقونها من المملولين الحكوميين او من غيرهم والذين كلهم يمثلون شبكة مصالح وعلاقات وتشابك واحد.

يقول الكاتب "وسام سعادة":

"يتأتى كل ذلك بالمحصّلة من كون» الدولة النيوليبرالية» في حركة إجهازها على «الدولة الليبرالية – الاجتماعية» التي سبقتها تقضي أيضاً على «عهد الأمان» الضمنيّ الذي كان يقول ما مفاده أن الإنفاق الاجتماعي أسلم للدولة وللسكان معاً من حصول تصدّعات اجتماعية حادة نتيجة لاستفحال الفوارق والمظالم واشتداد أشكال القهر والحرمان والاقصاء، وانّ الانفاق الاجتماعي المدروس يُفضّل، بالمطلق، على الانفاق الأمني المحموم. بالتالي، الخيار النيوليبرالي هو وبشكل مصّم خيار اللا أمان على الصعيد الاجتماعي. اللا أمان الذي يؤدي حتماً الى زيادة الاعتماد على المعالجات الأمنية الفظّة للقضايا الاجتماعية، ما يكثّف طبيعة التناقض التي تقوم عليه الدولة النيوليبرالية: حيث عليها أن تحمي السكان مع تقويض شبكات الأمان عندهم، في ضوء التخفيف من الحمايات الاجتماعية. وما يراه كتاب الرباعيّ هنا هو أنه من هذا التناقض ثمّة نمط عنف خاص بالدولة النيوليبرالية هو بصدد التكشف أكثر فأكثر ولا يمكن استيعابه بالعموميات حول «منظومة العنف الشرعي». ذلك أن الهدف هنا، من متلازمة ضرب الأمان الاجتماعي وزيادة الاعتماد على الحلول الأمنية ضد الطبقات والشرائح والمجموعات الأكثر نكبة بالسياسات النيوليبرالية، هو انتاج عدوّ داخليّ تسبغ عليه الصفات الإجرامية، ويجري تجنيد فئات واسعة من السكان، بما في ذلك من ضحايا السياسات النيوليبرالية، ضد هذا العدو."

ان الاعلام الغربي المملوك بشكل كبير من اليهود والصهاينة ماكينته الترفيهية هي جزء من صناعة "الاستحمار" خدمة لتوجيهات النظام الطاغوتي الربوي العالمي والحركة الصهيونية ومن يتحالف معهم من المنحرفين سلوكيا وجنسيا في مواقع القرار السياسي والمالي ومراكز السيطرة والتحكم في هذا النظام نفسه الساعي الى تدمير نفسه! والعالم وهو بالمحصلة النهائية لا يخدم الا الصهاينة اليهود ومشروعهم التوسعي العنصري البعيدة عن الإنسانية في منطقتنا العربية.

ان "نظام للقيم الشرقية المعتمدة على أهمية دور الدين والاسرة" هو الذي سيحمينا وكذلك الانتماء القومي للعروبة ك "لغة" ول "حب الأرض" هي ما سيخلق "قلعة" دفاع مقاومة لكل هذا الشر الشيطاني الذي تتحرك به هذه الثلاثية وهم
1_ النظام الطاغوتي الربوي العالمي وهو "الممول الاقتصادي"
2-الحركة الصهيونية وهم "العقل المدبر"
3-حلف الناتو وهو المطرقة العسكرية الأمنية الاستخباراتية.

وهذه الثلاثية تتحرك في ليبرالية جديدة "نيو ليبرالية" يراد تصديرها للعالم، وإعادة ضبط ساعات العالم الى برمجة "لا "اخلاقية تخالف كل ما هو دين وفطرة طبيعية وفسيولوجيا.
وعلينا ان نتساءل عن الدوافع و الأهداف من نشر هذه الليبرالية الجديدة هنا علينا ان نركز على ما يحصل في منطقتنا العربية و تحديدا في سوريا و العراق و الذي يعتبرهم الصهاينة المتطرفين أجزاء من ارضهم الموعودة المزعومة , حيث أدت الحروب و التدمير المبرمج هناك المخطط له في هاذين البلدين الى تهجير الملايين من العرب قسرا من مناطقهم الى أوروبا , حيث يتم الضغط و ابتزاز الدول الأوروبية على قبول هؤلاء في بلدانهم واتهام أي تحرك مانع لنقل هؤلاء بالعنصرية علما ان الكيان الصهيوني لا يسمح في قبول أي مهاجرين مهما كانت الأسباب الا اذا استطاع المهاجر ان يثبت ان والدته يهودية !؟ أحد اهداف تفريغ شعوب هذه الدول العربية من سكانها هو لتمكين المشروع الصهيوني من التوسعة في المستقبل لأنه حاليا الكيان الصهيوني لا يملك العدد الكافي من اليهود للاستيلاء على أراضي دولتهم المزعومة لأن حاليا عدد السكان لديهم لا يسمح بذلك وأيضا هناك قنبلة سكانية عربية فلسطينية في طريقها للتفجر والصعود عدديا في المستقبل ومن هنا نفهم السبب لأصدار قانون يهودية الدولة في الكيان العبري والذي أيضا يريد منع هذا التفجر والزيادة السكانية الفلسطينية.

اذن عند وجود هذا الكم المليوني من المهاجرين العرب بالإضافة الى المهاجرين من ليبيا ودول إسلامية أخرى مثل أفغانستان والتي تم تدميرها في صورة ممنهجة بواسطة حلف الناتو، هنا المطلوب صهيونيا احداث تصادم حضاري بين مختلف حضارات العالم في المواقع الأوربي والتركيز على قوة القانون في خلط تلك النساب والأعراق واجبار توظيف المهاجرين في اعمال ليس لهم خبرة فيها ولا اختصاص.

ان التصادم هو ما سيحصل طبيعيا في مثل هذه الظروف و هذا التصادم سيخلق بيئة عدوانية عند  الشعوب الاوربية يجعلهم يكرهون كل ما هو مسلم و كل ما هو شرقي و هذا يخدم صناعة الرأي العام في أي رغبة صهيونية و قرار مستقبلي لهم في التوسع الاستيطاني واي توسع عسكري لحلف الناتو و مع هذا الخلط المبرمج داخل أوروبا و مع نشر اللوطية و الانحرافات الجنسية و تفكيك الاسرة و خلط الأعراق فهذا سيخلق بيئة ضعيفة فكريا بلا منطق او فكر او إيدلوجية و بلا شخصية اجتماعية او فردية و من هنا سيصبح من السهل صناعة التحكم و السيطرة و توجيه الرأي العام و هذا ما شاهدناه و رأيناه مؤخرا في حركة "السود مهمين" و في ازمة وباء الكورونا و في الحرب الروسية الأوكرانية.

اذن علينا ان ندرك ونفهم ان مع مسألة خلط الانساب والأعراق فأن أوروبا ستصبح كما هي عليه الولايات المتحدة الامريكية ذات المشروع الفاشل رأسماليا اما الكيان الصهيوني فيظل كما يخططون "يهوديا" ك "عنصر"، ومن هنا أهمية القنبلة السكانية العربية الفلسطينية المجنسة إسرائيليا إذا صح التعبير ومن هنا يتفجر الخوف الصهيوني لأنهم يعرفون ان هذه القنبلة هي مقتلهم في المنطقة العربية وقد تكون نهاية اليهود حيث ان قرابة نصف يهود العالم يسكنون في دولة فلسطين العربية المحتلة صهيونيا منهم.
لماذا يتعاون النظام الطاغوتي الربوي العالمي مع الصهاينة في هذا المشروع؟ فليس كل المتمولين ماليا و التجار في المنطقة الاوربية من اليهود او الصهاينة , ان ذلك يتلخص في ان هناك مشكل سكاني أوروبي يتعلق في "قلة الانجاب" حيث تتراجع إعداد الشباب هناك بحيث هناك حاجة ملحة لتشغيل النظم الإدارية و التجارية والمعامل و المصانع  والمستشفيات...الخ هناك و أيضا علينا ان نعرف ان هناك زيادة و توسع في اعداد كبار السن و العجزة بما يتطلب رعاية خاصة لهم في مختلف المجالات فيتطلب الامر من نظرة رأسمالية مصلحية "بحتة" استقطاب كتل بشرية شبابية من بلدان اخري وهنا الميزة المصلحية ان يكونوا من خارج بلدان اوروبا حيث انهم لا يعرفون حقوقهم الوظيفية و يتم استغلالهم في مختلف الوظائف المهنية و العمل في ساعات أطول في أجور اقل....الخ من الاستغلال الوظيفي المصلحي و هناك أمور أخرى تفصيلية.

اذن علينا الادراك و الوعي و المعرفة و الانتباه لهكذا مخططات تطبيقية حركية يتم تنفيذها على ارض الواقع الملموس و المحسوس و المشاهد لمن يريد ان يعيش البصيرة و الرؤية الحقيقية و ان يقرأ ما يجرى بعقله فتحركات تلك الثلاثية ستصبح اكثر شراسة و عنف في واقعنا العربي حيث ان العالم يتحول الى عالم متعدد الأقطاب و هناك مراكز جديدة للقوى العالمية الإمبراطورية كالصين و روسيا و حلفائهم سيكونون موجودين وحاضرين و هم حاليا يواجهون ما يجري من مشروع نيو ليبرالي "الليبرالية الجديدة" و ما حدث في أوكرانيا خير دليل على ذلك كأحد مواقع تفجر صراع الأقطاب.
ان علينا العمل على بناء ثنائية الدين و القومية العربية الحقيقية التي تصنع لنا نطاق حماية من خلال بناء نظام للقيم للأنسان العربي تحميه و نصنع له لقاح المناعة الذي سيواجه بها ويقاوم ويحارب كل هذا الشر و برمجة اللوطية القذرة الساعية الى دمارنا كلنا , و هذا الامر مهم للجميع ك "أنظمة رسمية عربية " و ك "شعوب" , و سيأتي اليوم الذي سيتم الطلب من الجميع القبول باللوطية و الانحرافات السلوكية و سيتم وضع حديدة التحدي الملتهبة بالحرارة امام عيون الجميع الأنظمة و الشعوب لتطلب منهم في إهانة و شتيمة و اذلال و مهانة ان يقبلوا تلك الأمور دينيا وان يشتموا مقدساتهم الدينية , فهل هناك من سيقبل ؟
لن اجاوب على هذا السؤال!

د. عادل رضا
طبيب باطنية وغدد صماء وسكري
كاتب كويتي في الشئون الإسلامية والعربية

22
   سوريا والمخطط النيوليبرالي


سوريا كانت و لا زالت مستهدفة منذ انشاء نظامها القومي في العام 1963 و تحركت ضدها مختلف المؤامرات الخارجية و كانت مثال على نجاح مجموعة من الشباب  الذي "يريد" ان يصنع شيئا جديدا في الواقع العربي و هؤلاء الشباب استطاعوا تحقيق الاستقلالية و دولة الرعاية الاجتماعية للمواطن العربي السوري و لكل "عربي" اخر يقيم على ارض الجمهورية القومية التي أسسها الجناح اليساري لحزب البعث العربي الاشتراكي , و هذه الدولة بالتأكيد فيها من سلبيات النظام الرسمي العربي الكثير و هي جزء مما حدث في أنظمة حكم الحزب الواحد من عبادة شخصية او من تراكمات بقاء اشخاص من هنا و هناك في مواقع السلطة متكلسين و اشتبكوا في تحالف مع طبقات تجارية قديمة او جديدة و هذه المواضيع و اكثر ناقشتها في عمق اكثر في كتابي الصادر في العام 2017 بعنوان "ما و راء الستار" و في الكتاب تفاصيل اكثر عن ثورات الألوان و كيفية صناعة الاستحمار الداخلي بواسطة الاستعمار الخارجي  , و هذا الامر أقوله ليس لترويج كتاب انا الفته و لكن لتحويل المهتمين من يريدون ان يتحركوا في عمق اكثر و تفاصيل ادق لما يجري و يحدث في واقعنا العربي المريض و الذي يغيب عنه مشروع للنهضة شامل كما حدث أيام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي انتهى لما وصل اليه من سقوط و انهيار في هزيمة 1967 وصولا الى مرحلتنا الحالية حيث بقت للمنطقة العربية ثلاثية مشاريع ناقشناها في مواقع اخري ومنها المشروع السوري لحزب البعث و الذي أصبحت به سوريا احد مواقع صراع الأقطاب في العالم بل هي البؤرة الأساسية لصناعة العالم الجديد ب "أقطابه" الجديدة و تراجع القطب الأمريكي , و ان كان لا زال يقاوم و جزء من هذه المقاومة الشيطانية هو استخدام المخطط النيوليبرالي ليس ضد سوريا فقط بل لباقي العالم , و هنا اخترنا سوريا لأن هناك اشتباك و تداخل حصل ضمن معركتها مع اعلان رئيسها قناعات لدولته التي يرأسها و هذه ما سنشرحه لاحقا بهذه السطور القادمة.

ان الجمهورية العربية السورية تعرضت منذ العام 2011 الى تحريك "مبرمج" للثورات الناعمة على أراضيها ضمن استغلال "حدث" و "موقف" من هنا و اختلاق امر من هناك  و أيضا استغلال تراكمات سلبيات و أخطاء و جرائم من هنالك مضافا اليها سلبيات أي نظام رسمي عربي و هي سلبيات تراكم معها الاحتقان وهي جبال من الغضب الشعبي تصنع فتيل الانفجار اذا صح التعبير , و لعل ذلك ما ساعد على نجاح تفجير ثورات الألوان داخل الجمهورية العربية السورية و والتي نجحت الدولة في سوريا مع "إيجابيات" استخباراتها و أجهزتها الأمنية و المخلصين المؤمنين الصامدين في الجناح اليساري الحاكم من حزب البعث , كلهم نجحوا في احتوائها و من ثم انطلق التسليح "الخارجي الأجنبي" و صناعة الجماعات المسلحة المرتبطة في التمويل و الدعم  مع "حلف الناتو والصهاينة وادواتهما التوظيفية" و "تحويل " يافطات اسمائها كل فترة و أخرى الى أسماء متعددة مختلفة ضمن صناعة دعايات زائفة عاطفية و استغلال كل ما هو ممكن و متاح و أيضا كل ما هو غير معقول لأسقاط اخر قلعة للصمود العربي و تدمير اخر جيش عربي "نظامي"  "قتالي" "حقيقي " في المنطقة العربية , الى ان وصلت المسألة الى أيامنا الحالية حيث احتلال امريكي من هنا وهناك حيث تجميع لأوباش البشر و قمامات التكفير و جواسيس و عملاء حلف الناتو و الصهاينة في منطقة ادلب المحتلة من تركيا الطورانية , تمهيدا لنجاح متوقع للبرود الاستراتيجي السوري الى حد التجمد في القضاء على هكذا "خراج" و "قيء" متعفن من الخونة والجواسيس الذين باعوا انتمائهم لوطنهم وقوميتهم و دينهم , و اشتغلوا كبندقية عميلة للأيجار ضد "الدولة" السورية و ضد "جيشها".

اذن هذا مختصر للكلام للحدث السوري  ننطلق منه شابكين ذلك ارتباطا مع  ما قاله رئيس الجمهورية العربية السورية د. بشار الاسد في شكل غير مسبوق و وحيدا بين كل قيادات و زعامات النظام الرسمي العربي و هو منهم؟! ,  , حيث قال نقاط مهمة جدا , قوتها ليس في ارتباطها في شخص من قالها بل لأننا نعرف انه ك "فرد" يمثل "رسميا" و "قانونا" كامل جهاز تفكير و قناعة "دولة" سوريا بأجهزة استخباراتها و "الشخصيات الرزينة" التي تفكر مع الرئيس و التي يستشيرها ضمن نطاق عملها "الوظيفي" و أيضا "جهاز التفكير المؤسسي" التي تملكه "دولة سوريا القومية العربية" , والتي هي دولة علمانية لديها مشروع استراتيجي حركي يسعى لتحرير الانسان العربي ضمن فكرة صناعة دولة رعاية للمواطن و أيضا الالتزام في فكرة تحرير الأرض ضمن مواقع القوة الموجودة لديها لذلك هي دولة أعلنت رغبتها في "السلام" العادل  والمشروط مع حقوق الشعب العربي , و هذا ما وضع الصهاينة و من ورائهم من حلف الناتو و المتصهينين العرب في الزاوية , ان مشروع تحقيق و "فرض" السلام السوري في المنطقة احرج الصهاينة و حلف الناتو , و مجمل المشروع العربي الفكري السوري اذا صح التعبير ليس منطلقه طائفيا و لا علاقة له في دين او المذهب الوراثي لرئيس الدولة و كل كلام عن علوية الدولة السورية او طائفيتها هو كلام دعائي استخباراتي صهيوني كاذب و مزيف هدفه الحركة الخبيثة في تفكيك الشعوب العربية و أيضا خلق اسفين من الحزازيات الوهمية ناهيك على ان هذا الكلام يخالف الواقع و التاريخ و ما هو ملموس في الجمهورية العربية السورية القومية حيث مجمل و اغلب قيادات الدولة هناك من مناطق دير الزور و درعا حيث العشائر العربية السنية المذهب و الأغلب الاعم من كوادر حزب البعث العربي الاشتراكي و قيادات الجيش العربي السوري من المسلمين السنيين المذهب اذا صح التعبير و على العكس من الأكاذيب الصهيونية ضد الدولة السورية و رئيسها العلماني البعثي القومي العربي فأن  حزب البعث العربي الاشتراكي الجناح اليساري الحاكم في سوريا هو من الغى الزامية وجود المسلمين العلويون في مواقع الامن و العسكر وابعاد الاخرين وهو تقليد عثماني تركي طوراني موروث من أيام الاحتلال التركي لسوريا و هي عقلية تركية طورانية دخيلة على العرب كانت تستحقر العشائر العربية الاصيلة و تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية !؟ واقل منهم "عرقيا"! علما بأن الرسول الاكرم عليه أفضل الصلوات والسلام كان "عربيا" اصيلا، اذن الدولة العربية السورية البعثية الغت استحقار العرب الممارس ضد هؤلاء الذي تمت ممارسته عليهم من القوميون العنصريين الطورانيين الاتراك.
 من هذا و ذلك ما نريد ان نشدد عليه ان ما ذكره رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد مؤخرا ليس تصورات فرد بل انها قناعة دولة و أجهزة و مؤسسات اطلقها رئيس اخر "قلعة" للصمود العربي اذا صح التعبير , و هي وان كانت مطولة و لكنها تشمل قراءة مهمة حيوية يجب ان تتم دراستها و نقاشها و تحليلها و اثارة ما احتوته من ملاحظات و نقاط و أيضا ان يتم العمل على الانطلاق المعرفي التحليلي في تبني مع ما هو مناسب فيها  , لأنها كاشفة للمخطط النيوليبرالي الخبيث والمبرمج, حيث يقول رئيس الجمهورية العربية السورية د. بشار الاسد:

"عندما نتحدث عن الفكر في منطقتنا أنا لا أتحدث الآن عن سورية في هذا الشرق الكبير قد لا يكون هناك تعريف قد يكون الشرق يمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي ومناطق أخرى هو شرق عقائدي. شرق ديني. عندما نتحدث عن الفكر فاليوم هذا الفكر هو الدين لأنه يدخل في كل جوانب الحياة. يدخل في العقل. يدخل في العاطفة يدخل في السلوك. في الماضي. وفي الحاضر. وسيكون كذلك في المستقبل. فإذا يكفي أن نخرب هذا الفكر لكي نخرب المجتمعات. وهذا الشيء يحصل منذ قرن تقريباَ أو أكثر بقليل. وبالمحصلة بعد مئة عام فقد حقق أعداء تلك المجتمعات نجاحات كبيرة في هذا الشيء وبدلا من أن يكون الدين الذي أنزل أداة للمجتمعات لكي تتطور استخدم هذا الدين لكي يكون أداة لتخريب تلك المجتمعات. أنا أريد أن أشبه الوضع والعالم الذي نعيش فيه بمحيط. محيط كبير. محيط هائج. أمواجه عاتية تضرب بكل الاتجاهات. تضرب بالاتجاه الأمني عبر الإرهاب. تضرب بالاتجاه الاقتصادي عبر الحصار والتجويع. تضرب بالاتجاه الفكري عبر دفع المجتمعات إلى الدرك الأسفل. في هذا المحيط نرى سفنا ونرى مراكب ترتفع تعلو وتهبط. البعض منها يهتز بهدوء والبعض يترنح والبعض قد غرق. ما يحدد الفارق وما يحدد قدرة هذه المراكب على مواجهة الأمواج هو عوامل الأمان والاستقرار التي تمتلكها تلك المراكب. هذا هو حالنا كمجتمع. لو لم نكن نمتلك هذه العوامل لكنا غرقنا منذ الأسابيع الأولى. وبالوقت نفسه لو كنا قد قمنا بصون هذه العوامل والحفاظ عليها بشكل جيد لما دفعنا ذلك الثمن الغالي اليوم."

"هذه الأمواج مستمرة لا تتوقف تضرب بمجتمعاتنا بشكل مستمر. تضرب بنية المجتمع. تضرب عقائد المجتمع. وتضرب رموز المجتمع. وهذه الأمواج ليست أمواجا عفوية لأن هذا المحيط الهائج ليس هائجا بفعل عوامل الطبيعة وإنما بفعل المصالح الدولية وهناك تعارض بين تلك المصالح وبنية مجتمعاتنا سواء كانت البنية بالمعنى الاجتماعي البحت أو البنية بالمعنى العقائدي لأننا لا نستطيع أن نفصل مجتمعاتنا عن ديننا."

"بالمحصلة خلال القرن الماضي نحن نتراجع. نحن نخسر والأعداء يتقدمون إلى الأمام. السؤال الذي يجب أن ننطلق منه بالبداية من هو المسؤول؟ نحن أم هم؟ طبعا نحن لا نتحدث الآن عن سورية. أنا أتحدث عن العالم الإسلامي ككل وسورية اعتبرها في هذا المجال متقدمة جدا وحققت نقلات نوعية جدا ولكننا جزء من هذا العالم الكبير لا نستطيع أن نفصل أنفسنا عما يحصل في العالم الإسلامي. وأنتم تعانون. تخطون خطوة إلى الأمام. تلاحظون بعد فترة أن هناك دائماً انتكاسات سببها التفاعل والتأثر بما يحصل في مناطق أخرى من العالم الإسلامي وخاصة مع تطور أو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي."

"بالطريقة نفسها يجب أن نفكر. ما هو موقعنا لو أردنا أن نسقط هذه الحالة على وضعنا في العالم الإسلامي بشكل عام نستطيع أن نقول إنه لا يوجد مخفر شرطة لأنه لا يوجد قانون دولي ولا توجد مؤسسات تضبط. فإذا يبقى نحن وهم. ونحن أصحاب البيت هل أغلقنا الأبواب؟ وإذا كيف نردع اللص؟ بحالتين إما بالردع من خلال القوة والآن لا يوجد ردع دولي والمؤسسات الدولية غير موجودة والقانون الدولي والأخلاق الدولية كلها غير موجودة. وهناك تحصين المنزل فكيف نحصن هذا المنزل؟ هذا بيدنا. الموضوع ليس بيد أحد وهذا أساس الحماية. التحصين أهم من الردع والتحصين أهم من الشرطي بغياب كل العوامل الأخرى نستطيع أن نحصن منزلنا."

"لكن في الواقع كل ما يحصل هو عبارة عن رد فعل. يعني الغضب هو تنفيس. تنفيس للاحتقان ولكنه ليس فعلاً. هم يحاربوننا بالفعل ونحن نرد برد الفعل ودائماً من يعمل دائماً برد الفعل يخسر. غضبنا كرد فعل ولكن هذا الغضب لم يتحول إلى فكر. لم يتحول إلى خطة عمل. وعندما لا يضبط العقل الغضب يتحول كالعاطفة. العاطفة شيء جميل وإنساني ولكن عندما لا تضبط العاطفة بالعقل تصبح ضارة. الشيء نفسه الغضب هو رد فعل طبيعي ولكن عندما لا يضبط بالعقل يتحول إلى مجرد تنفيس وبالتالي يعرف الأعداء أن هذه المجتمعات لا تستطيع أن تقوم بشيء أكثر من الغضب. فإذاً نحن في حالة حرب. هذه الحرب قد تكون اقتصادية. قد تكون عسكرية وقد تكون فكرية تتوجه باتجاه العقائد ولكن كل أنواع الحروب إذا أردنا أن نتصدى طالما وضعنا الغضب جانباً ونتحدث عن التصدي لا بد أن يكون موقعنا كالعسكري. العسكري لكي ينجح في الحرب لا بد من أن يأخذ الموقع الصحيح والاتجاه الصحيح والطريقة الصحيحة كي لا يخسر المعركة. والحرب فيها كل المصطلحات. فيها هجوم وفيها دفاع وفيها هجوم تضليلي وفيها رصد وكمائن وغيرها. الشيء نفسه في هذه الحالة لو أردنا أن نقوم بعملية الإسقاط العسكري يأخذ الموقع الصحيح. أنتم كعاملين في الوسط الديني وكمجتمع مسلم ما هو الموقع الصحيح الذي يجب أن نضع أنفسنا فيه؟ بكل بساطة هو استخدام المصطلحات الصحيحة وهو السلوك الصحيح وكلاهما ينطلق من تعاليم الدين وينطلق من مقاصد الدين. فقط أربع كلمات إذا عرفنا الربط بينها عرفنا ما هي الطريقة التي يمكن أن نخوض من خلالها معركة شرسة قديمة ولكنها في حالة تصاعد ولن تتوقف. فإذا غضبنا ونفسنا ولم نحول هذا الغضب إلى طاقة منتجة فسيأتي البعض ويقول نحن بشر يهاجمون الرموز ولا ننفعل؟ نقول لا بالعكس انفعل. الغضب هو حالة إنسانية ولكن ابق الغضب في الداخل وحوله إلى إنتاج. حول هذا الغضب إلى نقاش وحوار وأفكار وخطط لأننا لو تناقشنا لقلنا ألا تتوقعون أن سيكون هناك هجوم وهجوم بعده وإلى آخره؟ اعتقد أن الجواب نعم. إذاً ماذا نحضر للهجوم التالي؟ خطة غضب. لا بد أن نحضر خطة عمل. النقطة الثانية نغضب ونقاطع البضائع يومين. ثلاثة أيام. أسبوعاً وبعدها تعود الأمور كما كانت. البائع الذي وضع لافتة /نحن لا نبيع البضائع مرة فرنسية ومرة دانماركية/ بعد أسبوع تخرج البضائع نفسها والغاضب نفسه الذي كان في الطريق يعود في الأسبوع الذي يليه لكي يشتري البضاعة نفسها. ما هي الرسالة التي نرسلها للخارج بأن علاقتنا بالدين هي علاقة متذبذبة غير ثابتة وبالتالي ليست مبدئية لأن المبادئ ثابتة."

"ما هي الصورة التي نقدمها عن الدين وعمن نقتدي به؟ يعني الذي يمثل هذا الدين على الأرض هو الرسول عملياً والقرآن هو كلام الله والله فوق البشر ولكن الشيء الملموس بالنسبة لنا هو الرسول. هو قدم لنا نماذج في الغضب؟ أم قدم نماذج في الهدوء ورباطة الجأش؟ مع أنه في ذلك الوقت كان يعيش في زمن الكرامة كانت أخطر شيء وكانت تندلع الحروب من أجل الكرامة وتسيل الدماء لأجيال ومع ذلك هو تعامل دون أدنى اهتمام مع الذين حاولوا الإساءة له وإلقاء القاذورات عليه. وكان هناك شعراء جاهليون تفننوا وأبدعوا في هجاء الرسول ولم يذكرهم ولا نعرف شيئا إلا القليل عن تلك المرحلة. فالسؤال. هل يجوز للمسلمين أن يتبعوا الرسول في العقيدة ويخالفوه في السلوك؟ هذه مجرد نماذج. الأهم من ذلك هو ما يرتبط بالمسلمات. لدينا مسلمات تعلمناها منذ كنا في المدرسة والمفروض أن أي مسلم لديه الحد الأدنى من الايمان هذه المسلمات موجودة في عقله المصطلحات التي استخدمت في تلك المراحل السابقة عندما يقوم بها المسلمون بهذا الغضب هو نصرة الدين ولكن الدين هو الذي أتى لكي ينصر الإنسان الدين إلهي هو الذي ينصر البشري ولا يمكن للبشري أن ينصر الإلهي وهذه مسلمة. نحن ندافع عن الدين ولكن لنفترض بأننا سلمنا بهذا المصطلح وأردنا جدلاً أو افتراضياً أن نستخدمه فأنا أقول إن الدين ينتصر ليس بالغضب. ينتصر بالتطبيق وعملياً عندما نطبق الدين بشكله الصحيح في المجتمع من خلال تطبيق المقاصد أو الوصول إلى مقاصد الدين فعندها سيكون هذا المجتمع معافى وسليماً. عندها ينتصر الدين. فالدين إذا افترضنا أنه ينتصر فلا ينتصر إلا إذا انتصر المجتمع والمجتمع لا ينتصر إلا إذا كان سلوكه بشكل عام سليماً."
" لا نبحث عن شهادة حسن سلوك من الغرب كمسلمين هذا أولاً. ثانياً لا. أكثر من ذلك هم من يتحملون المسؤولية. الإرهاب ليس منتجاً إسلامياً. هذا بديهي. هو منتج لثغرات لها علاقة في المجتمع ولكن من يستغل هذه الثغرات هو المجتمع الغربي هو من حرض الإرهاب في هذه المنطقة والأهم من ذلك أن جزءا من الإرهاب الذي يضرب عندهم في أوروبا لا علاقة له بالإرهاب الموجود لدينا. هم أدخلوا الفكر الوهابي فقط مقابل البترودولار. مقابل أموال والآن يدفعون الثمن. ولكنهم يلقون بالمسؤولية على المسلمين وعلى تطرف المسلمين وإلى آخره وصولاً إلى رموزنا. فإذاً التصدي يبدأ من معرفة الخطر ويبدأ أيضاً من معرفة نقاط الضعف. هذه النقطة لا نتحدث بها لأن المؤسسة الدينية في سورية قطعت خطوات مهمة جداً وعقدنا الكثير من النقاشات بجلسات مختلفة وتحدثنا عن نقاط الضعف واعتقد بأنكم أنتم من يقوم بمعالجة هذه النقاط. نقاط الضعف. لكن النقطة التي لم تكن ظاهرة للكثيرين وما زالت هي. تحديد هوية العدو الحقيقي. هنا تكمن المشكلة. يعني عندما يحصل شيء بطبعنا نشخصن الأمور ونهاجم الأشخاص. الشخص الذي قام بالهجوم لكن أشخاص عابرون يعني الأشخاص لا يمثلون أنفسهم هم يمثلون تيارا. أقصد التيار الذي يقوم بهذه الهجمات على المجتمعات الإسلامية أو إنهم أحياناً نتيجة لأسباب مصلحية يقومون بهذا العمل. هذا التيار الذي لم يكن واضحاً للكثيرين هو تيار الليبرالية الحديثة والقلة من الناس تعرف عنهم. طبعا يختلف عن الليبرالية. الليبرالية هي تيار سياسي اجتماعي لا يوجد فيه مشكلة. يقال هناك ليبرالي وهناك محافظ لا توجد مشكلة. الليبرالية الحديثة هي تشبه الآن الحديث عن تسويق الديمقراطية بالنسبة لأمريكا. يستخدمون الديمقراطية من أجل الهيمنة على الشعوب ويستخدمون حقوق الإنسان من أجل شن الحروب."

" استخدموا الليبرالية لشيء جديد اسمه الليبرالية الحديثة التي بدأت تتطور منذ حوالي الخمسة عقود بشكل تدريجي وخبيث على مبدأ السرطان. لماذا يسمى السرطان ورماً خبيثاً؟ لأن الإنسان لا يشعر به. يتطور تدريجياً وببطء. أساس منهجيتها هو تسويق الانحلال الأخلاقي بشكل كامل وفصل الإنسان عن أي مبادئ أو قيم أو انتماءات أو عقائد من أجل الوصول لأهدافها. وكأمثلة عملية هذه الليبرالية الحديثة هي من سوق الزواج المثلي من خلال التسويق الذي ابتدأ في السبعينيات تدريجياً إلى أن وصلوا منذ حوالي عشرة أعوام إلى أن أصبح هذا قانوناً والآن بدأ يكون لديهم أبناء وأعتقد بأنها تختلف عن صيغة التبني ابن مع أنه ليس ابناً يعني كيف يكون هناك ابن؟ هذه الليبرالية الحديثة هي التي سوقت فكرة أن الطفل لا يختار دينه بنفسه وأن هذا تعد على حرية هذا الشخص. هذا يولد من دون دين ولكن لاحقاً عندما يكبر يختار الدين الذي ينتمي إليه مع أن هذا مناقض لطبيعة الإنسان. لأن الإنسان منذ أن كان يخترع أدياناً ويخترع آلهة ويخترع أصناماً كان بشكل غريزي الابن ينتمي لدين العائلة التي ولد فيها فهم يناقضون إنسانية الإنسان. هي التي سوقت أعتقد العام الماضي وربما قبل المخدرات على اعتبار أنها ليست ضارة وأصبحت تباع بشكل قانوني وعلني في المتاجر ويبدؤون الآن هذا المخدر لا يعتبر مخدراً وبعدها يصلون لأنواع أعلى من المخدرات. والآن تستطيعون في بعض الأماكن أن تطلبوا أنواعاً من الخبز بنكهة هذا المخدر. هذه الليبرالية الحديثة هي نفسها التي سوقت الآن البدعة الجديدة أن الطفل يولد لا ذكراً ولا أنثى. هو يختار لاحقاً إن كان ذكراً أو أنثى. شيء عجيب؟ ماذا تفهمون من هذا الكلام؟ المطلوب من هذه الليبرالية ضرب إنسانية الإنسان وهنا تتناقض مع الدين. لأن الأديان أنزلت من أجل تكريس الإنسانية فتأتي الليبرالية لتفصل الإنسان عن إنسانيته. إذاً. عندما يفصل عن إنسانيته ويفصل عن قيمه وعقائده ما الذي يقود هذا الإنسان؟ شيئان. المال والغريزة. وعندها تسهل قيادته بالاتجاه المطلوب."

"منهجية هذه العقيدة وهي طبعاً عقيدة ترفض العقائد لأنها تطلب من الإنسان ألا ينتمي للعقائد. منهجيتها هي أن تحول مرجعية الفرد من المرجعية الجماعية. كما هو الحال الطبيعي بالنسبة للبشر. إلى مرجعية الفرد. وبالتالي مرجعية الفرد المقصود فيها رغباته فكل ما يرغب به هذا الفرد هو صحيح بغض النظر عن المجتمع. فإذاً رغبات الفرد هي الأساس لا الأسرة ولا المجتمع الأكبر. انسلاخ الفرد عن هذه القيم هو منهجية ثانية. الانسلاخ عن الأسرة والانسلاخ عن الوطن. فإذاً هو لا ينتمي إلى أي شيء. ينتمي لنفسه في الداخل. وينتمي لهذه العقيدة الليبرالية. هم يسوقون أن هذه العقيدة هي ليست عقيدة. هي ترفض العقائد لكن في الحقيقة هي عقيدة. عندما نقول بأنها تسحب أو تلغي إنسانية الإنسان ماذا يعني؟ تحوله إلى حيوان. ما هو الفرق بين الإنسان والحيوان؟ الأشياء المشتركة. الإنسان لديه عواطف والحيوان لديه عواطف ويكره ويحب. الإنسان ينطق والببغاء ينطق. قد يقول البعض وهذا متداول بأن الفرق بينهما هو العقل. لا غير صحيح. لأن الحيوان لديه عقل ويتعلم. ويتعلم من التجربة والخبرة. الفرق بين الإنسان والحيوان هو شيء وحيد يتميز به الإنسان. هو العقيدة لذلك ضرب العقائد هو ليس شيئا جديدا وأنا سأذكركم عندما سقط الاتحاد السوفييتي وبدأ التفكك ما هو أول مصطلح طرح في أمريكا؟ بأن زمن العقائد قد ولى يعني لا توجد عقائد. يعني هذه هي بداية أو كانت مرحلة مهمة من مرحلة الليبرالية الحديثة."

"فإذاً بالمحصلة هي أيديولوجيا ذات هدف سياسي لكنها لا تستطيع أن تصل إلى هذا الهدف من دون الأدوات الاجتماعية. لا يمكن لها. إذاً. إذا كان الهدف سياسياً فما هي المشكلة بينهم وبين الدين؟ هل هناك مشكلة؟ بالمظهر لا توجد مشكلة. لا مانع لديهم من أن نصوم ونصلي ونزكي ونحج وكل شيء. لكن يجب أن نتخلى عن المبادئ والقيم. يعني مقبول الدين الفارغ من المضمون مسموح به. الدين المتطرف مسموح به. أما دين صحيح فلا. غير مسموح على الإطلاق. إذا أنا سأعود مرة أخرى إلى التسعينيات عندما بدأت الفضائيات تنطلق. تذكرون كنا أمام حالتين إما فضائيات تفرغ العقل وتدفع الجيل الشاب نحو التغرب أي باتجاه الفكر الغربي وخروج عن القيم ومقابلها تماماً الفضائيات التي بدأت تكرس التطرف فكنا أمام حالتين إما الأولى أو الثانية. سيقول البعض هذا طبيعي فالمجتمع كان منقسماً. والتطرف الأول يخلق التطرف الثاني. والتطرف الثاني يخلق التطرف الأول. هذا كلام صحيح لو كان تمويل هذه القنوات يأتي من مصادر متطرفة أو مصادر متغربة ولكن تمويل هذه القنوات كان من مصدر واحد. نفس الدول تدعم الأولى وتمول الثانية. فإذاً كلاهما يصب باتجاه المضمون نفسه. مشكلتهم معنا هي عندما نكرس الدين الصحيح. لأن هذا الدين الصحيح هو الذي يمنع الأهداف السياسية عبر خلق حاجز يمنعهم من تحقيق الأهداف ويمنعهم من تحويلنا إلى قطعان من المواشي تقاد إلى المذبح. انطلاقاً من هذه الفكرة تستطيعون أن تفهموا لماذا نرى هذا الهجوم الشرس على المؤسسة الدينية. هذا هو السبب. لا يرتبط تماماً بالحرب على سورية. الموضوع أكبر. الموضوع أوسع. من اليوم بكل هذه المؤسسات المختلفة الموجودة على الساحة الإسلامية من هي المؤسسة التي تقوم بالقتال. وليس بالعمل. بالقتال من أجل تكريس الدين الصحيح؟ ومن هي المؤسسة التي تدفع الشهداء من أجل تكريس الدين الصحيح على كل الساحة الإسلامية؟ هي هذه المؤسسة فمن الطبيعي أن تكون هذه المؤسسة هي العدو الأول. هاجموكم كأشخاص وهاجموكم كمؤسسة. لأن الدين الصحيح الذي نتحدث عنه هو الذي يؤسس لبنية اجتماعية مناقضة تماماً للبنية الاجتماعية المطلوبة لتسويق الليبرالية. لذلك جزء كبير من الهجوم على المؤسسة الدينية يأتي من الخارج. صحيح أن الحرب على سورية. أنتم جزء من هذه الحرب. هذا وطن وهذا شيء طبيعي. ولكن يجب أن نرى الحرب على سورية والحرب على المؤسسة الدينية في سياق أبعد وأعمق هي ليست حربا منفصلة. هي ليست وليدة العشر سنوات الماضية. إن لم نر أين ابتدأت لا يمكن أن نعرف كيف ننهيها. وهذا ما علينا أن نفهمه جميعاً. هذه هي المشكلة بينكم كمؤسسة وبين الليبرالية الحديثة وهنا أريد أن أؤكد على أن الخلط الذي كان يحصل في الجدل الحاصل على وسائل التواصل الاجتماعي وأنا كنت أسمعه من قبل العديد منكم هو خلط بين الليبرالية والعلمانية."

"الحقيقة أن الهجوم الذي يحصل والطروحات الشاذة التي نسمعها هي طروحات ليبرالية لا علاقة لها بالعلمانية. العلمانية شيء مختلف تماماً. العلمانية هي حرية أديان لا علاقة لها على الإطلاق. فيجب أن نميز ونعرف من هو العدو الحقيقي الذي نواجهه. شخصنا العدو ماذا نفعل؟ تحدثنا في البداية عن أنه لا يوجد قانون دولي ولا توجد حماية. الحماية الوحيدة واليوم ابن كل واحد فيكم موجود على الهاتف وعلى الحاسوب. هو على احتكاك مع هذا الفكر. قبل ثلاثة عقود نستطيع أن نتقوقع على أنفسنا ونعيش مع عاداتنا وتقاليدنا ومفاهيمنا. اليوم هذا الكلام غير ممكن لا خيار سوى التحصين. تحصين المنزل كما قلنا في البداية ما هو أهم عامل في التحصين؟ طالما أنا تحدثنا عن علاقة هذه الليبرالية بالدين فلا بد أن تكون البداية من الدين. والدين عندما نقول الدين يعني الدين الصحيح. أي دين لا يبدأ سوى من الفقه. ونحن بالنسبة لنا عندما نتحدث عن الفقه نربطه بالفقهاء وبالتالي العلماء وبالتالي هو أعلى مستوى من العلم في الدين. أنا لا أتحدث عن هذا المستوى أنا أتحدث عن الفقه المطلوب لكل مسلم. وهنا تكمن مشكلة أخرى وهي مشكلة كبيرة أن جزءاً كبيراً من المسلمين يمارسون الشعائر من دون أن يعرفوا لماذا. فهناك حد أدنى من الفقه وهو العلم والمعرفة مطلوب لكل ممارس للدين لا يجوز لمسلم أن يمارس الشعائر من دون أن يعرف أين هي المقاصد. كل شعيرة من الشعائر التي نقوم بها يجب أن يعرف ما هو الهدف. إلى أين يصل. يجب أن يعرف أنه لا يمكن أن يمارس أي شعيرة من دون أن تنتهي إلى مقصد. أن البداية هنا والنهاية هناك. ويجب أن يعرف أن ممارسة الشعائر لا يمكن أن تكتمل إن لم يصل هو إلى المقاصد. هذه مشكلة كبيرة موجودة لا بد أن نعمل عليها ألا يبقى الفقه. طبعاً العلم هو مستويات والفقه مستويات ولكن عندما نتحدث عن القاعدة العريضة التي لا تعرف أساسيات فهي نقطة ضعف كبيرة وهي أساس التحصين للمجتمع المسلم. أهمية المقاصد هي أن كل قطاع من قطاعات العالم والمجتمع بحاجة لقياس. يعني عندما نقول. نحن نقوم بخطة معينة ونطبق إجراءات محددة للوصول إلى هدف كيف نعرف أين وصلنا؟ بالاقتصاد هناك أرقام النمو والتضخم…. إلخ. بكل مجال من المجالات هناك قدرة على القياس ولكن في المجال الديني كيف نقيس؟ لا يمكن أن نقيس من خلال عدد المصلين. لا يعني شيئاً أنتم تعرفون أن عدداً من الذين خرجوا من المساجد في بداية الحرب هم من الملحدين الذين كانوا يهتفون. الله أكبر وهناك عدد من الناس الذين يمارسون الشعائر لمسايرة المجتمع من جانب ولكي يقال. بأن الأموال هي أموال حلال وإلى آخره من التفاصيل. فإذاً هي ليست طريقة قياس ولكن نستطيع أن نقيس أخلاق المجتمع وسلوك المجتمع والمصطلحات الصحيحة التي تستخدم من قبل عامة المسلمين. نستطيع أن نقيس عندما نرى أن التدين هو الذي يواجه التعصب وليس الربط بين التدين والتعصب وبالمناسبة هذه النقطة بالذات هي نقطة مضيئة بالنسبة للمجتمع السوري. لأن الذي تحدث بالتعصب وبالطائفية في بداية الحرب هم بمعظمهم من غير المؤمنين وإذا كان البعض منهم من التيار الديني فهم غالباً بالميول الإخونجية والذين تركوا البلد والحمد لله تخلصت من كل هؤلاء. أما عندما نتحدث عن الإيمان الحقيقي وعن المسلم الحقيقي فالحقيقة أن هذه كانت نقطة مضيئة لا بد أن تذكر كوثيقة وللتاريخ بأن المؤمن الحقيقي هو الذي واجه التعصب والتطرف يعني ببعض الأمثلة أنا لا أستطيع أن أقيس كم واحدا يستطيع أن يفهم أو يقرأ أو يحفظ //إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة// ولكن أعرف أن هذا الشخص وهذا المجتمع لا يخضع للإشاعات. لا أعرف هو كيف يتعامل مع مواعيد الصلاة ولكن أعرف أنه يحترم المواعيد في العائلة وفي المجتمع وفي العمل. لا أعرف عن وضوئه ولكن أعرف أنه نظيف. أعرف أنه غيري غير أناني. أعرف أنه لا يحب النميمة أعرف أنه لا يرشي ولا يرتشي ولا يبرر الرشوة. أن أمورنا لا تمشي إلا إذا رشونا ويجتزئ من الدين أعرف أنه لا يتهرب من الضريبة لأنها سرقة للمال العام فإذاً بالعودة أنا أتحدث بكل هذه الفقرة عن شيء أساسي هو المقاصد لن نصل إلى التطبيق الصحيح من دون المقاصد."

"النقطة الثانية. اللغة العربية هي حامل الفكر والثقافة بشكل عام قبل أن تكون لغة القرآن. هي الحامل الطبيعي. عندما تندثر هذه اللغة أو تتراجع أو تضعف وهذا الشيء كلنا نراه في المجتمع بشكل واضح وبشكل خطير ومخيف فيجب أن نعرف أن هناك حاجزاً وهناك غربة بين الإنسان وثقافته. هذا شيء بديهي الشيء نفسه بالنسبة للقرآن وهناك هجمة حتى على لغة القرآن. كيف تتصورون القرآن من غير لغة؟ ولو جربتم أن تقرؤوا لغة مترجمة للقرآن يعني كتاباً مترجماً ولكن ترجم أيضاً من الإنكليزية عاد إلى العربية فسترون أنه هناك حاجز كبير بينكم وبين هذا الكتاب ولو تمكنوا من اللعب بهذه اللغة فسيكون هناك أيضاً حاجز بين المسلم وبين القرآن. ما هي مشكلتهم مع القرآن؟ أن الربط بين اللغة والعقيدة واحد ولا يمكن الفك ولكن يمكن ضربه. كيف؟ عندما نضرب لغة المجتمع فسوف نطوق هذا القرآن بلغات غريبة وبميول غريبة يبقى المسلم وتبقى الصلاة ولكن تصبح كاللغات القديمة هي لغة صلاة وهنا يحصل الفصل بين ثقافة القرآن وثقافة المجتمع. اللعبة واضحة. فلذلك لا نستطيع أن نفك اللغة عن العقيدة واللغة عن المجتمع والمجتمع عن العقيدة هي مثلثات أو مربعات لا يهم ولكن كلها مترابطة كالكرسي. إذا الآن ضربنا قدم هذه الطاولة تسقط الطاولة كلها بقدم واحدة هكذا يتم الموضوع فاللغة مهمة جداً."

23
الحرب الروسية على أوكرانيا ومرحلة جديدة من تاريخ البشرية
سمير عادل

لا صوت يعلو فوق صوت قرقعة الإعلام الغربي في أوكرانيا. من ليس معنا في شيطنة كل شيء روسي فهو ضدنا. انه عين خطاب بوش الابن بٌعَيّدَ تفجيرات الحادي عشر من أيلول الإرهابية في نيويورك عام ٢٠٠١. في ذلك الوقت كان العالم متعاطفا مع ضحايا تلك التفجيرات، ولذلك مر مرور الكرام ما تفوه به بوش الابن بما فيه جملته الشهيرة ان حربه العالمية ضد الإرهاب هي حرب صليبية. نفس السيناريو يتكرر اليوم ولكن بشكله التراجيدي،  فصخب الإعلام الغربي بشكل ممنهج ومخطط لطمس حقيقة ما وراء الحرب الروسية في اوكرانيا تملأ أجواء العالم، وهناك اصوات قليلة في الغرب تعلو لتكشف عن مدى نشر الكراهية وممارسة العنصرية السافرة وقمع الحريات السياسة وحق التعبير.
لا ندري هل نحن بالفعل محظوظين لاننا لم نولد إبان فترة الحرب العالمية الثانية التي لم تتوفر فيها وسائل إعلام وشبكات التواصل الاجتماعي و انترنت كي ندرك نعمة الوصول الى المعلومة والحقيقة. فها هو معقل الديمقراطية والحرية يتعامل مع كل ما يحدث ومن يتحدث بعكس ما يجري في أوكرانيا لغير صالح حكومة زيلنسكي ومصالح الغرب فهو مدان وغير مرغوب فيه.  وتكفي فقط الإشارة على سبيل المثال عبر تصفح القليل من كتب تاريخ تلك الحقبة، ونقصد فترة الحرب العالمية الثانية، لندرك أن ما يحدث اليوم، ونقصد تعامل عقلية الطبقة الحاكمة الغربية في الازمة الاوكرانية بأعلامها وسياسيها ومؤسساتها الاقتصادية وفي شتى مناحي الحياة الرياضية والفنية والادبية..  ليس وليد صدفة، انه عقلية جهنمية تضرب جذورها في عمق تاريخ النظام الرأسمالي في الغرب. فلا نستغرب ابدا اذا سمعنا يوما ملاحقة المواطنيين الروس ووضعهم في معسكرات اعتقال، او كما نشاهد الان في فتح المجال الاجتماعي والأمني من قبل الحكومات الغربية بمهاجمة قصور وفيلات الاغنياء الروس من قبل الناس مثلما حدث في لندن، كما حدث في فرهود اليهود في العراق ايام الحرب العالمية الثانية، او كما فعلت الحكومة الكندية في نفس الفترة في فتح معسكرات اعتقال لليابانيين ومعاملتهم بطرق وحشية تدمى لها جبين البشرية، لان الحكومة اليابانية كانت تحارب الى جانب الألمان ضد الحلفاء.  وبالرغم اعتذار الحكومة الكندية الى الجالية اليابانية لكن ما يتكشف اليوم لنا من خلال حمى العقوبات الاقتصادية الغربية المسعورة بأن تلك العقلية ما زالت فاعلة، ووضعت جانبا لتخميرها واستخدامها في هذه الأيام. 
واذا ما أخذنا بمنطق معظم الاعلام الغربي وتسويق صورة بوتين بأنه شخص مهووس عقليا، او مجنون، او يعاني التوحد..الخ من هذه النعوت لانه قام بغزو أوكرانيا ليخفي ذلك الاعلام ماهية النظام الراسمالي وصراع الوحوش الامبريالية على تقاسم العالم، فبنفس المنطق يمكن بسهولة الاستشفاف بأن بايدن هو الآخر مجنون ولا يعي ما يفعله عندما يستيقظ كل يوم ليعلن عن حزمة عقوبات اقتصادية على روسيا ضاربا بعرض الحائط مصالح مواطنيه في عقر داره على اقل تقدير، حيث ترتفع الاسعار بشكل مهول ويزداد التضخم ويحرم الملايين من شعوب العالم من الحصول على مقومات المعيشة باسعار بالكاد يتم تحملها.

صناعة الإعلام الغربي واسطورة صورة زيلنسكي:

من يقرأ تاريخ ترسيخ أسس النظام الرأسمالي في العالم، لا تخدعه فقاعات الغرب “المتمدن والمتحضر” بالتباكي على الانسانية المدمية في أوكرانيا.  ان صناعة الاعلام الغربي تستعرض الدمار الذي تلحقه الالة العسكرية الروسية في اوكرانيا من تدمير المباني وجثث القتلى الأبرياء وهروب الملايين من منازلهم الى الدول المجاورة، نقول تستعرضها من أجل  توسيع مساحة  شيطنة روسيا في العالم وإخفاء الحقيقة، وخلق المبررات لتصعيد العسكرتارية وتمهد  لتهيئة أرضية سباق التسلح. ان الحرية في مفهوم النظام الراسمالي الغربي كما نَظَّرَ لها الاقتصادي البريطاني الشهير ابان بزوغ فجر النظام الرسمالي ادم سميث (دعه يمر..دعه يعمل) ليس من شأنها الا ترطيب الأجواء للمنافسة الاقتصادية، و لن تنجح تلك المنافسة في الأسواق خارج حدود الدولة القومية دون العسكرتاريا والحروب كما بينه لنا التاريخ في الحربين العالميتين الاولى والثانية. اليوم تتحدث صناعة الإعلام الغربي عن حرية أوكرانيا واستقلالها التي تخفي في طياتها تموضع الناتو فيها على الحدود الدولة الامبريالية الروسية التي تعني الحرب من اجل الفوز بأوربا حيث سنتحدث عنها لاحقا.
وعليه أن تلك الصناعة لا تتطرق انها وراء كل تلك الماساة الانسانية التي تحدث في أوكرانيا عبر محاولة جر حكومة زيلنسكي الى حلف الناتو لتطويق روسيا. آن جونسون - بايدن وهم القادة  لهذه الحرب الى جانب بوتين، يريدون قتال الجيش الروسي حتى اخر انسان أوكراني. اما بالنسبة لزيلنكسي وحكومته ليس لديهم ما يخسره سوى شعب تنصلوا من مسؤولية أمنه وسلامته، ولذلك هي ليس على عجلة بوقف كرة ثلج الدمار العظيمة التي تكبر، وبالعكس تماما، ففي كل يوم يمر دون وصول القوات الروسية الى مخدع زيلنسكي يزداد  حجم المساعدات الاقتصادية والسياسية له ولطبقته الفاسدة، وتحت نيران جحيم التي خلقتها الطبقة الحاكمة في روسيا  لتلتهم حياة الأوكرانيين وتسلب مصيرهم ومستقلبهم، يتبختر زيلنسكي بخطاباته التي لن تجد آذان صاغية لها لدى الطبقة الحاكمة في الغرب سوى اعطائه فرصة للتنفيس عن مرارة خذلانه وخداعه أمام برلمانات بلدانها. ويكفي هذا الكرم لقاء ما قدمه زيلنسكي من خدمات للناتو لشيطنة روسيا واستنزافها عسكريا واقتصاديا،  بايهامه بطلا قوميا من قبل صناعة الاعلام الغربي، في حين لا يكاد ان يعدو اكثر من دمية بيد بايدن-جونسون الذي دفعوه إلى محرقة وتنصلوا عنه واكتفوا بدق الطبول الاعلامية له وإعلان دعمه العسكري الذي لا يعرف أحد هل ستحصل عليه قواته ام لا بفعل استهداف القوات الروسية له. المضحك في كل خطاباته غير المتزنة هو تارة يتوسل للحديث الى بوتين  دون ان يجد من يرد عليه، واخرى يطالب بفرض الحظر الجوي على اوكرانيا وهو يعرف لن يسمعه أحد في الناتو، ليظهر نفسه اخيرا بعد فشل كل توسلاته عبثا بانه يقاتل بوتين نيابة عن أوروبا ويحذر بأن سقوط اوكرانيا يعني سقوط اوربا. إلا أنه لا حياة لمن تنادي عند زعماء الناتو.
 السخرية تكمن ايضا عندما تصور تلك الصناعة الزائفة لكل الحقائق بأن حلف الناتو هو الحضن الدافئ لدولة ذات السيادة والاستقلالية ومدافعة عن قيم الحرية والدميقراطية، وهو نفس الحلف وزعمائه ملطخة أيديهم بدماء الابرياء في حروب يوغسلافيا وليبيا وافغانستان والعراق. إن سيادة أوكرانيا واستقلالها ليس أكثر من الضحك على الذقون. فالناتو لو خطى خطوة واحدة بابتعاده عن زيلنسكي لكان بإمكان الاخير ان يجنب الشعب الاوكراني الدمار والمأساة و الماكنة العسكرية الروسية الوحشية. ان المصلحة الوحيدة لحكومة زيلنسكي في هذه الحرب هي مصلحة طبقة فاسدة مرتبطة بالغرب ومستعدة لتقديم كل الشعب الاوكراني قرابين من اجل انتصار حلف الناتو على روسيا في الأرض الاوكرانية. واكثر المشاهد كوميديا هو الاستعراض الذي يقوم به زيلنسكي وآخرها تصريحه بأن أية تسوية مع روسيا يعرضها على الاستفتاء الشعبي، الا انه لم يعرض طلب انضمامه الى الناتو على الاستفتاء الشعبي، ولم يستعرض عضلاته العسكرية غير المفتولة امام روسيا لعرضها على الاستفتاء الشعبي! إن وظيفة صناعة الإعلام الغربي هو التشويش على كل المشهد السياسي في أوكرانيا والشخصية غير الاسطورية زيلنسكي.

 الحرب على أوروبا:

لم تدخل الولايات المتحدة الامريكية الحرب العالمية الثانية بمحض ارادتها، فهي تورطت وجرت الى الحرب عنوة، وما ان بدات تباشير عدم انتصارها اذا لم نقل هزيمتها تلوح بالافق استخدمت القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي ضد المدنيين الذين يبكي عليهم اليوم بايدن في أوكرانيا. ان الولايات المتحدة الامريكية ليست في جعبتها ورقة حرب، ولن تمض الى حرب مع دولة عظمى مثل روسيا. فهي دائما تهاجم وتشن الحروب على الدول الضعيفة اقتصاديا وعسكريا مثل فيتنام وكوريا والعراق وأفغانستان وسورية وليبيا. ما نريد ان نقوله ان هستريا العقوبات الاقتصادية الامريكية على روسيا بدلا من الدخول في حرب معها هي محاولة للحفاظ على هيمنة النفوذ الأمريكي ومحاولة لفرض مشروع عالم القطب الواحد الذي فشل لحد الان في ارسائه منذ انتهاء الحرب الباردة .
ان الحرب الروسية على أوكرانيا هي حرب الوكالة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على أوروبا. ويكفي تلويح الاعلام الغربي بعقد اجتماع بين البيت الأبيض والكرملين على أرض أوروبية دون حضور دولة أوروبية لمناقشة مستقبل اوربا، بحيث تم وصفه من قبل عدد من مثقفي الأوروبيين انه عار على أوروبا. وعليه ان هذه الحرب هي الاعنف في القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية اذا استثنينا حروب البلقان لتحديد مصيرها وتبعيتها لروسيا او لأمريكا. وهذا ما تدركه ألمانيا الجديدة بعد الحرب الاوكرانية التي زادت من نفقاتها العسكرية. وتدركه فرنسا التي تذهب في صرخاتها نحو إنشاء جيش أوروبي. فاوربا تعيش احلك ايامها، فإما أن تدفع الإتاوة إلى روسيا لعدم قضمها أو تدفعها الى امريكا لحمايتها، وفي كلا الحالتين عليها البقاء ذليلة للولايات المتحدة الامريكية أو مطأطأة الرأس امام روسيا. وبمجرد استمرار الحرب أو أن تضع الحرب أوزارها، فالصرخات تشتد من الآلام تضخم وارتفاع أسعار الطاقة  التي ستجر معها ارتفاع كل السلع، وسينسى المواطن الذي يحمق اليوم بالدعايات الفارغة للحرب، أن حكامهم اخذوهم على حين غرة أو في غفلة من الزمن  وان البكاء على أوكرانيا سيخزن في ذاكرة التاريخ.
وهذا ما تعيه الطبقة الحاكمة في الغرب وتحديدا الاوربية فهي متورطة في اوكرانيا، ويأتي اعلان جونسون في منح زيلنسكي اللجوء السياسي له ولعائلته مدخلا في إنهاء الحرب في اوكرانيا التي باتت تجر اقدام الكل الى الهاوية. وسبقت بريطانيا الولايات المتحدة الامريكية منذ الأيام الاولى للغزو عندما عرضت على زيلنسكي ايوائه الا ان الاخير رفض لانه صدق كذبة الغرب في دعمه وصدق كذبة انه سيتوج بطل غربي يدافع عن الناتو.

 تشظي مكانة وموقعية الولايات المتحدة الأمريكية:

 ان العقوبات الاقتصادية هي سلاح أمريكا بالتصدي للتمدد الروسي والنمو الصيني وكل من يخرج عن طوعها. بيد أن معضلة العقوبات الاقتصادية وبعكس ما تسطرها صناعة الاعلام الغربي بأنها ستهلك روسيا، فكل تجارب تلك العقوبات لم تؤدي سوى اضعاف الجماهير والشرائح الاجتماعية الكادحة، وتقوية جبروت الدولة الاستبدادية وتطاولاتها على الحرية وحقوق الانسان، كما كان في عراق صدام حسين وكوريا الشمالية وفنزويلا والجمهورية الاسلامية الايرانية وسورية.
الا ان هذه العقوبات وهذه الحرب ستعمل على تشظي العالم الى عدة اقطاب ولن تكن محصورة بين امريكا من جهة وروسيا والصين من جهة اخرى، بل ستظهر اقطاب دولية اخرى مثل المانيا التي شمرت عن ساعدها وزادت من إنفاقها العسكري من ٦٥ مليار يورو الى ١٠٢ مليار يورو وهي ترفض لحد الآن إنشاء جيش أوروبي على الرغم من إلحاح فرنسا عليها، كما ستظهر أقطاب دولية اخرى سواءا على شكل دول او تكتلات أو تحالفات اقتصادية تتقدمها الهند والبرازيل والمكسيك التي تندرج ضمن اقتصاديات الدول العشرين التي تسمى بجي ٢٠، او على شكل تحالفات سياسية او عسكرية مثل اسرائيل والامارات والسعودية والبحرين ومصر.
 وان ما ذهبت إليه السعودية بالتعامل مع الصين لبيع نفطها باليوان هو احدى تداعيات العقوبات الامريكية التي باتت دول العالم  تخاف على مدخراتها من الدولار في حال انتهاجها سياسة لا ترضي الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كشفت الحرب في اوكرانيا على معضلة الولايات المتحدة الامريكية وهي تضع مجبورة كل بيضها في سلة اوكرانيا، وبينت هشاشة مكانتها وموقعها السياسي. فهي تتوسل الى الصين لفصم عرى التحالف بينها وبين روسيا، وتذهب الى ايران وفنزويلا لتعويض نقص النفط وتخفيض اسعاره في السوق العالمية بعد ان صورت للعالم انهما محور الشر، وها هي تلهث من جهة اخرى لابرام صفقة حول الاتفاق النووي الإيراني. كما وفشلت الضغوطات الامريكية والبريطانية على السعودية والامارات في فتح خزاناتها لتدفق النفط لخفض الأسعار. و بمحاذاة ذلك يٌسّتَقبَلّ بشار الأسد بحفاوة في الإمارات  لتطوى صفحة عزلة نظامه سياسيا واقتصاديا، ليضاف إلى سجل انتصارات روسيا في المنطقة والعالم وضربة جديدة لموقعية امريكا، التي اكتفت الإدارة الأمريكية بالانزعاج والقليل من الغضب الذي لا يقدم ولا يؤخر. ومن جهة اخرى ها هو الحرس الثوري الايراني يقصف اربيل دون اي تردد ويعلن عن مسؤوليته. انه حقا خريف البطريرك الأمريكي كما جاء في رواية الكاتب الكولومبي ماركيز (خريف البطريرك).

ان الحرب الروسية على أوكرانيا هو إيذانا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، حيث يكون سباق التسلح هو العنوان الأبرز لها مقابل تشديد الفقر والعوز وتقويض مساحة الأمن والسلام. كما أن الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة مثل القانون الدولي وحقوق الإنسان والديمقراطية تجري عليها صياغات جديدة مطعمة بلغة ومفردات قومية وحتى تصل الى شوفينية ونازية مقيتة بحيث تتلائم مع الصراع المحتدم بين الاقطاب الدولية والاقليمية التي ستتشكل ما بعد تلك الحرب.
اخيرا ان الفرصة الوحيدة لمواجهة هذه التحديات هو ظهور قطب عالمي انساني اخر، قطب قادر على كبح جماح الصراع المحتدم بين الدول الامبريالية العالمية التي تتخندق حولها الاقطاب الاقليمية أو تحتمي بظلها. انه الحركة العظيمة التي وقفت بوجه غزو واحتلال العراق وحركة احتلوا وول ستريت او نحن ٩٩٪ ولكن تحت افاق الاشتراكية.


24
ما وراء بلطجة الجمهورية الاسلامية في اربيل
سمير عادل
كل الذرائع التي تسوقها قوات الباسدران الإيراني في قصفها لاربيل يوم ١٢ اذار هي واهية وسخيفة ولا تكاد ان تعدو أن تجد ايران اي شيء تقوله لتبرير اقل ما يوصف بأنه بلطجة سافرة وليس أكثر.
الحرب الروسية على أوكرانيا غيرت وستغير الكثير من الاشياء التي حولنا، بدءا من التصورات السياسية السائدة في المجتمع ومرورا بالخطاب الدعائي والسياسي وانتهاء المعادلات السياسية والاقتصادية، ليس على صعيد المنطقة فحسب بل على صعيد العالم.
لنتمعن الخطاب السياسي والاعلامي لروسيا في تبريرها لغزو اوكرانيا، فمحوره الاصلي هو حماية الأمن القومي الروسي. القانون الدولي الذي كان جزءا لا يتجزأ من الخطاب الأيديولوجي والسياسي لروسيا للوقوف بوجه الراية التي يرفعها الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية وهي الديمقراطية وحقوق الإنسان لتبرير تدخلاتها السافرة في تغيير الانظمة السياسية غير الموالية لها، يتعرض اليوم من قبل نفس روسيا الى انتهاك صارخ وبغض النظر نحن نتفق مع هذا القانون او لا. ولكن كما يعرف الجميع ان القانون الدولي تم صياغته بنسخته الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، وهي نسخة الدول المنتصرة في الحرب.
وبنفس محتوى الخطاب السياسي لتبرير غزو روسيا لاوكرانيا تم قصف اربيل، واكد السفير الايراني في العراق ما ذهبت اليها قوات الباسدران بأنها من قامت بقصف اربيل  دفاعا عن حماية الامن القومي الايراني. فمحور روسيا -الصين الذي طالما كان يدافع عن “القانون الدولي”، يدوس اليوم عليه لحماية مصالح أمنها القومي. وهكذا يشجع هذا الخطاب ضرب إسرائيل لإيران في اي زمان يناسبها حماية لمصالحها الامنية القومية، وستضرب مصر أثيوبيا بسبب سد النهضة لحماية مصالح امنها القومي، وستضرب تركيا مدينة السليمانية بسبب التعاون والتنسيق بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب العمال الكردستاني التركي حماية مصالح امنها القومي، وستغزو حيثما شاءت الولايات المتحدة الامريكية او تلقي بحمم بي ٥٢ على رؤوس جماهير إيران لمحاولة امتلاكها سلاح نووي حماية لمصالح الامن القومي الامريكي، وستغزو الصين تايوان لنفس السبب.. وهكذا ستضيق مساحة السلام في العالم بعد الحرب الروسية على أوكرانيا وتعم شريعة الغاب، وسيكشف النظام الرأسمالي عن قباحته دون رتوش الديمقراطية ومفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي الى درجة لن تتحملها البشرية.

سواء كانت هناك قواعد اسرائيلية في اربيل او لا، او هناك تهديد اسرائيلي لامن ايران قادم من اربيل، فهل ايران قادرة بنفس المنطق والخطاب السياسي على قصف تركيا، لان الاخيرة رممت علاقاتها توا مع اسرائيل، وقام رئيس دولة اسرائيل بزيارة الى تركيا واعاد للعلاقات الاسرائيلية-التركية دفئها، وتم الاتفاق في جميع المجالات بما فيها الامنية، فهل بأمكان ايران قصف تركيا او تتبجح قوات الباسدران بايجاد الذرائع في قصفها او قصف السفارة الاسرائيلية في انقرة!

أن إيران تستغل اليوم الازمة الاوكرانية، وتستعير نفس الخطاب السياسي الروسي لتطاولها على العراق وفي خاصرة اقرب الى التيار القومي العروبي وتركيا. فالولايات المتحدة الأميركية منشغلة في اوربا، وهي الجبهة التي استعرت دون تخطيط مسبق لها في الوقت الذي كانت تخطط لاحتواء الصين. وان حصار روسيا وتقويض مكانتها عن طريق فرض عقوبات اقتصادية بما فيها تصدير الطاقة تكون مكلفة جدا اذا لم تجد البدائل في تعويض أسواق الطاقة. وايران وفنزويلا هما البدائل لتعويض تلك الاسواق. وبالرغم من دق كل الطبول الاعلامية الغربية  بأن روسيا تغرق في المستنقع الاوكراني كما غرقت في افغانستان، الا ان ما ان ينفض غبار المعركة وتحط الحرب من اوزراها، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستضعف قبضتها العالمية و تسدد ضربة جديدة لمكانتها بسبب فرط عقد حلف أمريكا جراء تكوين نظام مالي عالمي جديد بعيد عن الدولار. وفقط على سبيل المثال نذكر أن السعودية كأكبر مصدر للنفط في العالم عقدت اتفاقية مع الصين قبل أيام  بتسليمها النفط مقابل اليوان الصيني. فقد باتت جميع دول العالم مرعوبة على مدخراتها من الدولار بسبب استهتار السياسة الأمريكية وبلطجيتها لفرض هيمنتها. وهذا ما أدركته إيران بعد اعلان الحرب الروسية على أوكرانيا.
من جهة اخرى ان النفوذ الايراني وعموم  سلطة الإسلام السياسي تعرضت الى لكمات مدمية من قبل انتفاضة اكتوبر لحد الاسقاط المدوي لحكومة عادل المهدي الموالية للجمهورية الاسلامية بضربة اقل ما يقال عنها قاضية، وجاءت الانتخابات لتسدد ضربة اخرى وتعمل على تقويض مكانتها السياسية والاجتماعية. طبعا لا ننسى ان اغتيال قاسم سليماني هي الاخرى ساهمت بتوسيع ماساة تقويض النفوذ الإيراني. ومنذ انتفاضة أكتوبر ومرورا بالانتخابات وانتهاء بمساعي تشكيل الحكومة لم تستطع ادوات إيران وتحديدا مليشيات تحالف فتح عن طريق الاختطاف والاغتيالات وشن الهجمات على مراكز التجميل ومحلات بيع الخمور والإنفاق الهائل لإحياء المناسبات الدينية الشيعية وقصف بين الحين والآخر المنطقة الخضراء ومطاري أربيل وبغداد والتواطؤ لتوغل عصابات داعش بارتكاب جرائمها هنا وهناك، و كان آخرها محاولة اغتيال مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء ..كل تلك المساعي فشلت في اعادة الهيبة والنفوذ لمكانة الجمهورية الإسلامية وإعادة تأسيس سلطة مليشياتية جديدة او على الاقل حماية ما تبقى من نفوذ وامتيازات ووقف عجلة دفع العراق في حضن ما يسمى بالمحيط العربي.
لقد جاء قصف قوات الباسدران او ما يسمى بالحرس الثوري الإيراني لاربيل لاسترداد زمام المبادرة في العراق. وان تشكيل الحكومة هو جزء من عملية اكبر، وهي عملية اعادة التوازن السياسي للنفوذ الايراني في العراق مقابل النفوذ التركي الذي يحتضن اعمدة التحالف الثلاثي وهو تحالف السيادة بزعامة خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي رئيس البرلمان الى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني. واذا ما تشكلت الحكومة من ذلك التحالف وهو الحلبوسي-الخنجر والصدر والديمقراطي الكردستاني، يعني توجية ضربة جديدة للنفوذ الايراني في العراق. ولهذا جاءت المواقف السياسية بشكل عام الإطار التنسيقي وهو الاسم الحركي الجديد كما قلنا سابقا للبيت الشيعي المتهرئ تجاه قصف اربيل بين تنفس الصعداء والتأييد ضمنا، وفي افضل الاحوال ذهب قسم منهم الى اعلان بطلب إجراء تحقيق فيما اذا كانت هناك قواعد اسرائيلية او لا في اربيل، لتمييع تطاولات الجمهورية الاسلامية واستهتارها وبلطجيتها وتأييدها. فالاطار التنسيقي الذي يقوده نوري المالكي وهادي العامري لن يتورعوا في تأييد القصف الايراني لاربيل او اية منطقة اخرى في العراق او حتى مباركة شن حربا على العراق اسوة بالحرب الروسية على أوكرانيا اذا توجوا الى السلطة واعيدت هيبتهما ونفوذهما. الم يكونوا الاثنيين وكل عناصر الإطار التنسيقي من حلفاء بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال وزلماي خليل زادة مبعوث بوش الابن ايام الغزو والاحتلال، وكانوا يشيدون بالاحتلال  وسموا يوم سقوط بغداد تحت بساطيل المارينز الأمريكي بيوم التحرير.
واخيرا قد تستطيع قوات الباسدران  قصف عدة مناطق في العراق، وتلوح بتهديدات صواريخها ومليشياتها وخاصة نجد ان الكاظمي نفسه لم يسلم بيته من صورايخهم، فما بالك ان يقوم بحماية “سيادة العراق واستقلاله”، بيد ان ما لا يستطيع الحرس الثوري الإيراني ولا أدواته المليشياتية في العراق ولا حلفائه السياسيين من إعادة تدوير  المكانة الاجتماعية لا للجمهورية الاسلامية الايرانية ولا للإسلام السياسي في العراق. فمن حرق صور رموز وشخصيات الجمهورية الاسلامية ومقرات الاحزاب الاسلامية الموالية لها، لم تكن “اسرائيل ولا اولاد السفارة الامريكية” ولا الاحزاب العملية السياسية معها، انما كانت جموع المليونية من العاطلين عن العمل وعمال العقود والاجور والنساء اللواتي خرجن من اجل التحرر من براثن سلطة الإسلام السياسي، احتجاجا على جرائم السلطة المليشياتية الإسلامية الحاكمة المدعومة من ملالي قم-طهران. وما زالت الجمرة مشتعلة تحت رماد انتفاضة اكتوبر التي حاولت قوات الباسدران ومليشياتها في العراق من اطفائها.


25
العالم بين الماكنة العسكرية ورحى العقوبات الاقتصادية و التحميق السياسي

سمير عادل

الحرب الروسية على أوكرانيا كشفت الكثير مما كان مختبئا تحت الغطاء من النفايات والقاذورات السياسية والفكرية والاجتماعية، بدءا من النفاق السياسي ومرورا بالعنصرية وفبركة التحميق السياسي وانتهاءا بـ الضحالة الفكرية وقصر النظر والغرق في محيط النزعة المعادية للامبريالية.

في هذه الحرب كما ستكون في الحروب القادمة الاخرى، يدخل التحميق السياسي كأحد العوامل المهمة في أجندة كل القوى المشاركة في الحرب الاوكرانية بشكل مباشر أو غير مباشر، وتلعب  الحرب الاعلامية  دورا في إشاعة تلك الحماقة في المجتمع لإثبات حقانية الحرب الزائفة في أوكرانيا واخفاء ماهية الصراع بين الدول الامبريالية العالمية. الاصطفاف مع روسيا وماكنتها الحربية أو الاصطفاف مع أمريكا وكل الحلف الغربي و عقوباته الاقتصادية، هو مهمة التحميق السياسي للحيلولة دون توحيد جبهة واحدة من روسيا ومرورا ببلدان الاتحاد الأوروبي وانتهاءا في الولايات المتحدة الأمريكية التي بإمكانها الوقوف بوجه القتل والتشريد والدمار وبث الرعب في اوكرانيا واوروبا وحتى العالم.

*****
من الممكن إيقاف الحرب، إذا أراد حلف الناتو لذلك، عبر إعلان بأنه لن يقبل أوكرانيا في حلف الناتو، أو تعلن روسيا انها ستتوقف وتكف عن القتل والدمار، وأن الدبلوماسية هي الطريق لحل المسائل الأمنية، بعد أن أصبح الرئيس الأوكراني زيلنسكي يستجدي التوسل للحديث لبوتين، وأصابه الاحباط وخيبة أمل من إعلان بايدن وجونسون وحلف الناتو لرفضهم فرض أي حظر على الاجواء الاوكرانية، وبعد أن فشل كل دعايته اي زيلنسكي في ارعاب الناتو بأن احتلال أوكرانيا  سيهدد حدود دول الحلف.
الا ان الطرفين لا يسعون الى ايقاف الحرب من الناحية العملية، وكل ما يقال في الإعلام هو جزء من التحميق السياسي يمارس من أجل الحفاظ وحماية مصالحهم الاقتصادية والسياسية وإخفاء ما يمكن إخفائه خلف تلك الحرب.
الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو يبغون من وراء عدم إيقاف هذه الحرب تأليب الرأي العام العالمي على روسيا عبر تسليط الضوء على مناظر الدمار والتشرد واللاجئين ومعاناتهم، انهم يربحون سياسيا ودعائيا في كل لقطة تصوير لكاميرا تنشر معاناة اللاجئين الأوكرانيين وحجم الدمار الذي تسببه القصف الروسي، أنه أيام أعيادهم، كي يقوموا بتزيين وتجميل واخفاء قبح وجه سياستهم الجهنمية.
ان كل محاولات دونالد ترامب سلف بايدن في انتزاع الأموال أو زيادة حصة ألمانيا في حلف الناتو باءت بالفشل، مما اضطر الى سحب قواته او تخفيض عديده في المانيا، الا ان الحرب الاوكرانية وبجرة قلم وبشكل طوعي زادت ألمانيا من حصتها في الناتو بنسبة أكثر من ٢٪ وهي كانت اكثر من مطالب ترامب. وألمانيا التي لم تتجرأ الى عسكرة اقتصادها ووضعت محدوديات عليها بسبب الحرب العالمية الثانية داخليا وخارجيا، فها هي اليوم تخصص ١٠٠ مليار يورو لتطوير قدراتها العسكرية وجيوشها دون أية معارضة قوية تذكر داخل الطبقة الحاكمة الألمانية. أما الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت من جديد اعادة الروح الى حلف الناتو، بعد أن وصفها عمانوئيل ماكرون الرئيس الفرنسي قبل أشهر بأن الناتو يعاني الموت السريري. وأكثر من ذلك، فإن أوروبا والناتو هم من مدوا يد طلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية لحماية أوروبا.  كما ودفعت بقية الدول الاوربية وخاصة الشرقية بطلب الانضمام الى أوروبا وفتح حدودها الى الجيوش الأمريكية والناتو. وكانت أكثر الأصوات زعيقا تأتي من جونسون بريطانيا، وسوق نفسه وكيلا للاوكرانيين وأوروبا بما يتناسب وينافس بايدن على زعامة أوروبا. فالحرب على أوكرانيا هي فرصة ذهبية لتعويض مكانة بريطانيا في قلب أوروبا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي في البريسكت.

اما روسيا فتخفي اطماعها التوسعية تحت مبررات سخيفة، وهي بأنها لا تريد اقتراب حلف الناتو من حدودها، وكأن الأخير لا يمتلك صواريخ تصل مدياتها لتضرب أهداف في العمق الروسي  خلال دقائق، ومن الممكن اطلاقها من فرنسا او المانيا او بريطانيا، او حتى من الدول أوربا الشرقية التي انضمت إلى الناتو. ان روسيا تريد عن طريق استعراض عضلاتها العسكرية وضع حد للهيمنة الأمريكية على أوروبا، وأن قدراتها الاقتصادية لن تستطيع مجاراة القدرات الاقتصادية الأمريكية، فهي تحتل المركز الثالث عشر في الدول الصناعية ٢٠ التي تسمى جي ٢٠، وان معدل ناتجها القومي في الاقتصاد العالمي هو ٤٪، ولذا كي تتمكن من الهيمنة الاقتصادية والسياسية أو على الأقل تكون رقما في المعادلة الأوروبية، فلا طريق امامها الا استعراض عضلاتها العسكرية. فاليد الطولى الأمريكية الاقتصادية تصل إلى كل المنافذ الاقتصادية الأوروبية لحرمان روسيا من توسعها. وليست العقوبات الامريكية التي شملت الدول الصناعية السبعة الكبرى في العالم وأوروبا واليابان واستراليا سوى رسالة سياسية الى روسيا بأنها لن تتمكن عن طريق العسكرتاريا جر اوروبا إليها.

*****
الطرف الأوكراني وقع ضحية خديعة الغرب والولايات المتحدة الامريكية، ويدفع مواطنيه ثمنا لحرب زائفة وكاذبة، واصبح يدفع فاتورة الصراع المحتدم بين القوى الامبريالية العالمية. وقد قدمتهم حكومتهم بزعامة زيلنسكي بدراية او بحماقة، قربانا لتحقيق مصالح كل تلك القوى. وهكذا تحول حلفاء الحكومة الاوكرانية بدل من انقاذها من براثن القوى العسكرية الروسية المتقدمة للاطاحة بها، تحول البنتاغون والقيادة المركزية في حلف الناتو الى مرصد صحفي ينقلون اخبار تحرك الجيش الروسي ، وإعطاء تقديرات المهلة الزمنية التي تسقط فيها كييف، وقياس طول القافلة العسكرية الروسية التي تصل الى العاصمة الأوكرانية، بعد أن قاموا بأغراء الحكومة الأوكرانية بأنهم سيضمونه إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وبدل أن تٌمَطّرَ حلف الناتو المن والسلوى على الطبقة الطفيلية الحاكمة في أوكرانيا، حلت الصواريخ الروسية وطائراتها والقنابل لتعج بالسماء الأوكراني لتقتنص حياة الأبرياء أو في افضل الاحوال تحويلهم الى مشردين و مذعورين يبحثون عن ملاجئ آمنة وممرات إنسانية، تٌمَن بها القوات الروسية عليهم كي يتحولوا الى لاجئين إلى أجل غير مسمى في البلدان الأوربية. وأن كل القرارات التي تتحدث عن ارسال مساعدات عسكرية جبارة الى أوكرانيا لا تتجاوز الأطر الدعائية والاعلامية ومحاولة لإرضاء الضمير وتقوية معنويات المخدوعين وتسويق صورة بأن الناتو لن تتخلى عن حلفائها شرط ان تبعد الحرب على أبوابها، لأنه ببساطة ان الاجواء الاوكرانية والموانئ الاوكرانية والطرق الرئيسية الاوكرانية هي أهداف مشروعة للقوات الروسية، فكيف تصل تلك المساعدات السخية إلى الأوكرانيين!.  أما البيت الأبيض وقصر الاليزيه ودوانت ستريت، أوكلوا مهمة الدعاية لأنفسهم وهي الاشادة بالمقاومة الاوكرانية وصمود الشعب الاوكراني والبكاء على جرائم روسيا في أوكرانيا، بينما نأوا بأنفسهم عن الساحة الأوكرانية. انه بحق طعم بلعته الحكومة الاوكرانية ورئيسها زلنسكي الذي غضب قبل ايام وقال ان تدفق الغاز الروسي الى أوروبا ازداد منذ بداية الحرب على أوكرانيا.

*****
وأكثر ما يثير السخرية  في مشهد الحرب على أوكرانيا، هو الاصطفافات السياسية، أما مع ذرائع روسيا الواهية او أكاذيب حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو هناك طيف غير قليل ممن يحسبون انفسهم على اليسار والقوميين وأصحاب النزعات ضد الإمبريالية التي لا يرون غير الامبريالية الامريكية، واصطفوا مع روسيا، نقول يبدو  ليس لديهم علم أو بأدق العبارة لم يخبرهم أحد، بأن روسيا دولة امبريالية بامتياز، ولا تختلف عن الامبريالية الامريكية في هيكليتها الاقتصادية من تمركز الإنتاج وسيطرة شركات عملاقة على مفاصل الاقتصاد واندماجها بالبنوك و تغلغل الرأسمال الروسي عبر استثمارات كبيرة في العديد من بلدان العالم، وبنيتها السياسية التي هي متطابقة ومعبرة عن مصالح الطبقة البرجوازية التي تدير تلك الشركات والبنوك والاستثمارات على صعيد السياسة الخارجية الملتحمة بمؤسستها العسكرية لتكريس نفوذها الاقتصادي والسياسي، ارجعوا إلى كتاب لينين ( الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) ستدركون خواص الدولة الامبريالية. في مقابل روسيا يصطف قسم من قصيري النظر و ممن استمتعوا بوعي التحميق السياسي الذي تمارسها صناعة الإعلام الغربي، اصطفوا  الى جانب ترهات أمريكا والغرب حول خرق روسيا للقانون الدولي وحقوق الإنسان والسيادة..الخ. بينما كان احتلال العراق عام ٢٠٠٣ من قبل امريكا-بريطانيا، تطبيقا للقانون الدولي وحماية للسيادة العراقية ودفاعا عن حقوق الإنسان!!  ارجعوا الى مقال (القليل من النفاق السياسي قد لا يضر بالصحة).
وإذا ما وضعنا هذا التصور المخادع تحت المجهر، لا نلمس منه غير العنصرية المقيتة، فهي لا تساوي بين غزو واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبما يحدث من غزو واحتلال أوكرانيا من قبل روسيا.  وليس هناك سوى تفسير واحد لهذا التصور، هو ان العراق بلد يقع في العالم الثالث ومواطنيه من الدرجة الثالثة او اقل ولا يحسب على سجل مفاهيم حقوق الإنسان للمعيار العالمي والأمم المتحدة، بينما أوكرانيا في قلب أوروبا، ومواطنيه من البشرة البيضاء التي تعتبر من شعوب الله المختارة على الأرض.

إن العالم مقسم اليوم بين القوى الامبريالية العالمية، وأن صراع تلك القوى يلقي بظلاله على مجمل مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية. فإذا كانت تداعيات الحرب على أوكرانيا هي نتاج ذلك الصراع بما يحملها من تشرد الملايين من الأوكرانيين واشاعة اجواء الحرب والخوف في عموم أوروبا، فإن العقوبات الاقتصادي هي الاخرى تعمل على تشديد ظروف الضائقة الاقتصادية التي تفرض اليوم على الطبقة العاملة وعموم المواطنين في العالم بسبب العقوبات الاقتصادية. وبين هذا وذاك نجد نمو العنصرية القومية والعرقية، وكشفت هذه الحرب على تلك القاذورات سواء تجاه الأوكرانيين اللاجئين من اصول افريقية الذين يعاملون من قبل الدول الحدودية لأوكرانيا بتمييز واضح، أو في صفوف الروس والاوكرانيين الذين وجهت فوهات بنادق حكوماتهم تجاه صدور بعضهم كي يكونوا وقودا في حرب لا ناقة ولا جمل لهم فيها. ولم تقف حدود العنصرية كما عبرنا عنها في مقال سابق عند ذلك الحد، بل العنصرية المنظمة التي تمارسها بشكل ممنهج حكومات الدول الغربية تجاه قضية اللاجئين. أن اللاجئين الأوكرانيين لهم كل الخدمات وابواب الغرب مفتوحة لهم، اما الافارقة والاسيويين فالبحر يتسع لهم كي يكونوا وليمة للحيوانات البحرية.
إن مسؤولية الحرب على أوكرانيا تقع على القوى الامبريالية العالمية، روسيا من جهة، وحلف الناتو بقيادة أمريكا من جهة اخرى. انها حرب نتاج مساعي الهيمنة على النفوذ الاقتصادي والسياسي، ان تبيان هذه الحقيقة هو جزء من صراعنا السياسي مع طبقة طفيلية لا يمكن لها الاستمرار دون الكذب والنفاق السياسي والسجون والاعتقالات والتعذيب والاختطاف ومصادرة الحريات بكل اشكالها والتحميق السياسي والحروب.


26
القليل من النفاق السياسي قد لا يضر بالصحة!
سمير عادل

بعيدا عن كل التحليلات السياسية، وبعيدا عن من يدافع عن حق روسيا بالدفاع عن امنها أو إنها خرقت القانون الدولي، في حين كلنا نعرف أن روسيا دولة إمبريالية وليس لديها سوى البلطجة العسكرية أسوة بأمريكا التي تحاول فرض هيمنتها وتوسعها وحماية مصالحها، نقول بعيدا عن كل ذلك فإن أربعة أيام فقط منذ إعلان اعتراف بوتين بالجمهوريتين الانفصاليتين في منطقة دونباس، كانت كافية للعالم كي تعرف حجم النفاق السياسي الذي ينفقه الساسة الغربيون وخاصة الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية بزعامة بوريس جونسون لإخفاء حقيقة صراعها مع روسيا على الأرض الأوكرانية. 
وللتوضيح أكثر، فأن العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا وبفضل التطور التكنولوجي للاتصالات الذي أنتج لنا الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي كي تصل لنا المعلومة دون رتوش، وبالرغم من محاولات لصياغة الأخبار كل حسب مصالحها وبث مجموعة من الحقائق وحجب أخرى، كشفت لعموم العالم انه بدون النفاق السياسي لا يمكن تحميق البشر من قبل حكوماتهم لتمرير سياساتها عليهم، سواء كانت الحروب أو الاحتلال أو سياسات التقشف وشد الأحزمة على بطون العمال والكادحين والتي يغلفونها بأسماء رقيقة كي لا تخدش الحياء مثل (الإصلاحات الاقتصادية) أو الحصار الاقتصادي وغيره. وليس هذا فحسب بل لا يخلو ذلك النفاق السياسي من العنصرية والتمييز القومي تجاه ساكنين الشرق الأوسط وما يسمى بالعالم الثالث، بحيث يكبر حجم النفاق السياسي بقدر حجم العنصرية التي تتخلله.
أكثر الدموع الساخنة في الغرب التي تذرف على أوكرانيا تأتي من عيون بايدن- جونسون. وتجري دموع الساسة الغربيين في كل لحظة تباعا من ماكرون الفرنسي وشولتس الألماني وتردو الكندي لتشكل نهرا يجري من الغرب ويتجه نحو الشرق إلى اليابان وينتهي في أستراليا. أي بعبارة أخرى إن المجتمع الدولي الذي تشكله صناعة الإعلام الغربي يبكي بحرقة على اختراق القانون الدولي وانتهاك السيادة وتقسيم أوكرانيا والحرية وحقوق الإنسان في أوكرانيا.
حقا إن أكثر ما يثير الحنق و الاشمئزاز والتقزز هو ما ينطق به بايدن وجونسون ليشكلا معا أكبر معزوفة من النفاق السياسي في العالم. وفي الحقيقة ما يحيرني شخصيا انه كيف للمرء يراهن على ضعف ذاكرة البشر كي يلبس قناعا مخادعا ومزيفا ليضلل العالم من أجل تمرير مصالحه بأي ثمن. إن جون بايدن الرئيس الأمريكي الذي يبكي اليوم على حرب روسيا غير القانونية على أوكرانيا، كان من أول الديمقراطيين أيدوا الحرب على العراق وغزوه، أما جونسون الذي وقع على بريكست ويحاول اليوم عن طريق العنجهية الدعائية العودة إلى أن تكون بريطانيا رقما في المعادلة الأوروبية لتعويض خسارتها الاقتصادية والسياسية لخروجها من الاتحاد الأوروبي، فالطبقة الحاكمة التي ينتمي إليها بأحزابها العمال والمحافظين هي من وقفت بشكل مطلق إلى جانب الإدارة الأمريكية لتبرير كل السياسات الوحشية في العراق. وإذا كانت روسيا تخاف أو تخشى على مستقبلها من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو ولها حججها التي تسوقها في حربها وغزوها لأوكرانيا، فلم يكن للعراق أي حلف ولا نية للتدخل في أي تحالف ولا قدرة سياسية أو عسكرية تهدد أوروبا بسبب حرب أمريكا عليها عام ١٩٩١ والحصار الاقتصادي، ولم يكن حتى رقما في معادلة المنطقة كي تعبر القوات الأمريكية عشرات آلاف من الأميال وتغزو العراق. إن بايدن -جونسون الذين يحلون محل بوش-بلير، يعرفون جيدا أن اجتياح جيوشهم للعراق كان بدون قرار من مجلس الأمن الدولي كما تفعل روسيا اليوم في أوكرانيا، فلماذا هذا العويل على خرق القانون الدولي في أوكرانيا.
ولكن مسلسل الرهان على ذاكرة السمكة عند بايدن والساسة الغربيين لا يقف عند اختراق القانون الدولي، فها هم ينددون باعتراف روسيا بجمهوريتين انفصاليتين وعلى أنها خرقٌ للسيادة. ويبدو لبايدن أن سيادة كل من ينتمي لحلفه في أوروبا مقدس بينما السيادة في الشرق الأوسط وتحديدا العراق لا قيمة لها، بل بالامكان ايضا ان انتهاك تلك السيادة في العراق وتقسيمه كان يؤدي إلى تعرض أمن وسلامة جماهير العراق إلى خطر ويضع مصير وحياة الملايين من جماهير العراق في مهب رياح الصراعات القومية والطائفية لا تأخذ بالحسبان، طالما تؤمن مصالح الغزو والاحتلال. لقد كان بايدن صاحب قرار تقسيم العراق إلى ثلاثة فيدراليات قومية وطائفية عام ٢٠٠٦، سنية وشيعية وكردية، ولحسن حظنا لم يكن ملزما من قبل الإدارة الأمريكية بالرغم من تصويت الكونغرس عليه. إلا أنه كما يقول المصريون (يا حبة عيني) يبكي على تقسيم أوكرانيا. 
وهكذا يمضي مسلسل النفاق الغربي في منحنىً تصاعدي، حيث تقرر المحكمة الجنائية الدولية متابعة ملف جرائم حرب تقع أوكرانيا. أين تلك المحكمة الجنائية من جرائم أمريكا-بريطانيا في العراق، أين المحكمة الجنائية الدولية من قتل أكثر من ربع مليون إنسان على اقل التقدير وقسم من المؤسسات الدولية تذهب في تقديراتها إلى قتل أكثر من مليون أنسان جراء الغزو والاحتلال في العراق. أين المحكمة الجنائية الدولية من قتل أكثر من ٨٠٠ متظاهر في العراق في أكتوبر من عام ٢٠١٩ لم يطالبوا سوى رغيف خبز نظيف وكرامة إنسانية ومستقبل آمن. إن هذه المحكمة الجنائية أقل ما توصف بأنها محكمة عار على جبين الإنسانية، لا تظهر الى السطح سوى عند الحاجة المشبوهة.
وأخيرا ليت ذلك المنحني يقف عند حد معين كي يكف المرء عن التقيؤ من المعايير المنافقة عن حقوق الأنسان واللاجئين. لقد أغلقوا كل الأبواب أمام اللاجئين من سورية والعراق وليبيا والصومال واليمن، والمئات منهم غرقوا في البحر المتوسط وبحر إيجة ومات العديد بسبب البرد القارس، وتنصل الجميع منهم، وهم أي الحكومات الغربية من دمرت بلدان أولئك اللاجئين عبر حروب الوكالة. أما اليوم فتفتح أبوابها أمام اللاجئين الاوكران، وترحب كل الدول الغربية وبقدومهم دون قيد أو شرط. فرئيس الوزراء الكندي يرحب بكل أوكراني يريد القدوم إلى كندا بينما يقول المستشار الألماني إنهم اتخذوا الخطط الجاهزة لاستقبال اللاجئين. في حين أداروا الظهر قبل أشهر للأفغان التي سلمتهم أمريكا إلى مقصلة طالبان. وتكشف قضية الانفتاح على اللاجئين الأوكرانيين والذين بحق يستحقون توفير كل المستلزمات المادية لإيوائهم وإبعادهم عن خطر الحرب، نقول تكشف من الجانب الآخر العنصرية الغربية، عنصرية الطبقة الحاكمة في الغرب تجاه البشر في الشرق. وبهذا يثبت أن كل مفاهيم حقوق الإنسان ليست أكثر من ورقة بيد الأنظمة البرجوازية الحاكمة لتبرير تدخلاتها السافرة في قلب الأنظمة المعارضة لها و بنفس الوقت هي أداة لتنظيف صورة وجه سياساتها القبيحة المعادية لكل ما هو إنساني.

الهجوم الروسي على أوكرانيا، والحملة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا ليس لها أية علاقة لا بشعب دونباس ولا بحقوق الإنسان ولا بالسيادة ولا باختراق القانون الدولي ولا بالحرية والديمقراطية. أنها حرب بين الدول الإمبريالية، بين روسيا التي تريد إعادة أمجاد القيصر وإمبراطورتيه، والولايات المتحدة الأمريكية لجر أوروبا تحت قيادتها وفرض هيمنتها عليها من جهة، ومن جهة أخرى لاحتواء التمدد الروسي الذي يسير بخطى حثيثة بدعم الصين. وكل تلك المفاهيم والعناوين تجري تحتها عمليات قتل الأبرياء وترويعهم في أوكرانيا، وفرض الأجواء العسكرتارية والرعب ليس على صعيد أوكرانيا بل على صعيد أوروبا والعالم. نحن في العراق اختبرنا حرارة الحروب ومرارة الغزو وجرائم الاحتلال وبرد وتشرد اللجوء، عشنا وأطفالنا تملأ عيونهم رعب دوي سقوط صواريخ الكروز الأمريكية وقصف الطائرات، قضينا عشرات الليالي والظلام يبعث الخوف والقلق في نفوسنا ولا نعرف هل نحن في الزمان والمكان الخطأ كي نقلب آخر صفحة من حياتنا. علينا أن نرفع صوتنا وندين بأشد العبارات هذه الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا وندعو إلى وقفها فورا إلى جانب إيقاف كل أشكال التصعيد المسعور من قبل الحلف الغربي.







27
الخلط بين البلطجة ومفهوم بناء الدولة عند الصدر
سمير عادل

لا شك أن مقتدى الصدر يريد بناء الدولة في العراق بالمعنى القانوني والسياسي والأمني. دولة تقضي على التشرذم السياسي في صفوف الطبقة البرجوازية الحاكمة بممثليها السياسيين من كل التيارات القومية والإسلامية. وما شعار تشكيل حكومة "الأغلبية الوطنية" إلا عنوان مشروعه في بناء الدولة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو بأية طريقة يريد بناء الدولة وما هي ماهية الدولة التي صدعوا بها رؤوسنا هو والكاظمي، ويجدر بالذكر أن الأخير قام بتمييع ملف قتلة المتظاهرين وتم استبداله بلقاءات وتكريمات هذا الطفل وذاك المبدع وهذه الأم.. الخ من إنجازاته غير البهلوانية، والتي لا ترتقي إلى مصاف تصريحاته وهتافاته لبناء الدولة وتحقيق القانون كما يدعي.

التغريدة التي أوعز بها الصدر لاستدعاء وزير المالية علي علاوي في البرلمان العراقي لمساءلته حول تخفيض قيمة العملة المحلية، أشعل غضب الوزير المعني الذي بدوره استهجن طريقة مخاطبته وقدم شكوته للكاظمي، وهو التقي الورع الذي يعرف "أن الشكوى لغير الله مذلة". وكان علاوي محقاً عندما غضب وقال إن طريقة الصدر ونائب رئيس البرلمان حاكم الزاملي، وهو الآخر من تيار الصدر، ليس فيه أي احترام واعتبار للحكومة والذي يعني عدم احترام للدولة التي تمثلها حكومة الكاظمي ووزير ماليتها كجزء منها.

يمكن للمراقب ملاحظة أن الصدر يتصدر المشهد السياسي بعد الانتخابات عبر التغريدات المتكررة التي محورها شعارين؛ حكومة أغلبية وطنية، ولا شرقية ولا غربية. وكل هذه التغريدات هي محاولات لتعويض الانحسار الاجتماعي لتياره بالرغم من حصوله على٧٣ مقعدا في البرلمان، وهو الأعلى بين بقية القوى السياسية.
وقد يستغرب البعض مما نقوله ولكن على الرغم إن الفائز الأول في الانتخابات هو التيار الصدري، إلا إن المعطيات المادية تبين لنا حسب أرقام (مفوضية الانتخابات غير المستقلة)، إن التيار الصدري الذي نال في انتخابات ٢٠١٨، مليون و٨٠٠ ألف صوت، لم يحصد أكثر من ٦٠٠ ألف صوت في انتخابات اكتوبر٢٠٢١، أي انخفاض جماهيريته بنسبة أكثر من ٦٥٪ بغض النظر عن معدلات التزوير في كلا العمليتين الانتخابيتين. وهنا لابد المرور قليلا على (النظام الديمقراطي) كي نوضح ما نرمي اليهِ، حيث إن النظام المذكور لا يأخذ بنظر الاعتبار عدد المشاركين في الانتخابات الذي وصل نسبة المقاطعة فيها أكثر من ٨٢٪ على اقل التقدير وباعتراف المؤسسات الدولية مثل بعثة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ووسائل الإعلام العالمية. ولا يقف “النظام الديمقراطي” عند عدم الاعتراف بنسبة المشاركين في الانتخابات فحسب بل ويمضي بقصف أدمغة الأحياء لتعميتهم عن حقيقة مفادها بأن النسبة العظمى التي قاطعت الانتخابات لا تعترف بشرعية العملية السياسية ولا بشرعية السلطة المليشياتية الحاكمة. بيد أن ما يهم عرابي (النظام الديمقراطي) هو حصر الشرعية بالنسبة المشارِكة في الانتخابات حتى لو وصلت إلى نسبة ٥٪ ونسبة المقاطعة ٩٥٪، فالمهم هو إجراء العملية الانتخابية، وما عداها فليس له أية قيمة حسب معيار ذلك النظام. بمعنى آخر إن صندوق الانتخابات هو الفيصل في هذا النظام بغض النظر عن نسبة المشاركة فيها وعلاوة على من يغلقه ومن يفتحه.  وليس هذا فحسب بل إن صف من الأقلام المأجورة الذين يسوقون أنفسهم تارة بالمحللين السياسيين، وأخرى بتعريف أنفسهم بأنهم قادمين من مراكز الدراسات المتعددة، يشكلون جوقة متناغمة بالعزف على لحن "الديمقراطية" الذي يخرج معظمهم دائما وخاصة في الانتخابات الأخيرة بصوت نشاز وبعيد عن الوعي الذي اكتسبته الجماهير وخاصة بعد انتفاضة أكتوبر العظيمة. لكن المهم هو خلق وعي زائف في المجتمع، عبر ذلك القصف المذكور لتسويق شعور الخطأ يعدم المشاركة في الانتخابات وسيادته على المجتمع وبالتالي شيوع عض أصابع الندم عند الجماهير لأنها قاطعت الانتخابات، وهو جزء من مساعي نفخ الروح في العملية السياسية وإضفاء الشرعية عليها وإعادة إنتاج انتخابات أخرى في المستقبل من اجل استمرار دوامة "النظام الديمقراطي" المخزي وعمليته السياسية والتي لن تنتج منه سوى تلك القوى القومية والطائفية المتعفنة والفاسدة.
إن ما نريد أنْ نشير اليه في هذا الشرح حول النظام الديمقراطي وارتباطه بالتيار الصدري، هو أن التعمية الإعلامية والسياسية على كل المشهد السياسي في العراق بخصوص الانتخابات الأخيرة والنظام الديمقراطي” من شأنها حجب رؤية الواقع المر بشكل مخطط ومدروس عن الجماهير وعموم المجتمع، واقع ما وصلت إليه كل جماعات الإسلام السياسي في الدرك السفلي بما فيها التيار الصدري، سواء الولائي لإيران أو كما يقول الولائيين المنبطحين لأمريكا والدول الإقليمية الأخرى. وعليه أن زعيمه مقتدى الصدر يرى أن انحسار تياره بهذا الشكل الكبير يشكل ناقوس خطر على أفوله السياسي. وهذا يفسر استقتال الصدر وخياره في تشكيل الحكومة وأن يكون لاعبا كبيرا في تشكيلها، فهي مسألة مصيرية واستراتيجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي الجانب الآخر وإذا ما دققنا قليلا في بعض التغريدات والفعاليات الأخيرة على الأقل أو الظهور بمظهر الخادم المطيع والورع والناصح والغيور الوطني وأخيراً الرياضي، وهي الصفات التي يوقع فيها على تغريداته، فعلى سبيل المثال تغريدة الصدر عن تجمع الكبير في الحفلة الغنائية للمطربة اللبنانية اليسا في بغداد، بأنه يرفض هذا التجمع ليس من باب انه نوع من الفسق والفجور كما عودنا سلاطين الإسلام السياسي،  والوقوف بوجه إقامة مثل تلك الحفلات مثلما حدث في محاولاتهم الفاشلة لإلغاء مهرجان بابل الأخير، بل علق الصدر وهو يدرك مكانة تياره الاجتماعي في مقابل فشل كل المحاولات لقلع جذور المدنية و التحضر في العراق، بأنه لا يقبل بهذا التجمع بسبب تفشي وباء كورونا. في حين لم يقل كلمة واحدة بل ولم يعلق على التجمعات التي تقام في أيام عاشوراء والمناسبات الدينية الأخرى. فهل هناك مناعة ربانية تحدث أو تنزل على المشاركين في تلك المناسبات ولا خوف عليهم من وباء كورونا؟
ولا يقف عند حدود تلك التغريدات، بل أن إظهاره على انه يقوم بنفسه بتنظيف مدرسة وهو يمسك بمكنسة بيده، ليس الغرض منه إلا دغدغة المشاعر العاطفية لدى جمهوره ومنع انخفاض منحنى تياره بشكل أكثر. في حين أن تنظيف المدارس وإزالة النفايات من المحلات السكنية والشوارع هي من واجبات البلدية، وهي جزء من تقديم الدولة خدمات لمواطنيها. بيد أن بناء الدولة عند الصدر لا يرتقي إلى تقديم الخدمات وليس من مصلحته أصلا تقديم الخدمات لأنه يمثل تيارا شعبويا، والخصيصة المركزية للتيار الشعبوي هو نشر الوعي الزائف عبر مخاطبة المشاعر والعواطف والتمحور حول الشعارات الوطنية الخالية من أية محتوى، أما في أيام القحط، يرفع رايات الدين والطائفة والأمة بدل من مخاطبة المنطق والعقل وتقديم برنامج سياسي واضح المعالم. فالتيار الصدري الذي كان يستولي دائما على الوزارات الخدمية منذ تشكيل حكومة الجعفري عام ٢٠٠٥، لم تكن أفضل من بقية الوزارات في تنظيم عمليات السلب والنهب والفساد بكل أشكاله، هذا ناهيك عن استيلائه على الساحات الكبيرة وتحويلها إلى مرائب تدر أموال عليه بدل من تحويلها إلى حدائق عامة ومراكز خدمية تستفيد منها عامة الناس.
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل أن التيار الصدري يعمل بشكل حثيث في ترهيب المعارضين له، فهو يستخدم تكتيك جديد لمنع أي شكل من أشكال النقد بوجه زعيمه عبر نشر فيديوهات للمعارضين بعد تعذيبهم وضربهم وهم يطلبون العفو والمغفرة من الصدر بشكل ذليل. ويساعد على اختطاف أولئك المعارضين أفراد من القوى الأمنية الذين ينتمون إلى التيار الصدري ويستخدمون صفتهم الحكومية والتسهيلات الحكومية لاختطاف المعارضين. في حين الرقابة الإلكترونية الحكومية تقف متفرجة على تلك الفيديوهات، ولا تحرك ساكنا في إعلاء كلمة القانون والدولة التي يتحفنا به كل يوم السيد الكاظمي. هذا هو نمط الدولة التي يريد بناءها الصدر في العراق.
وعلى الصعيد الدعائي والإعلامي، نجد تغريدات الصدر التي لا تنفك وآخرها استدعاء علاوي وزير المالية إلى البرلمان لاستجوابه حول سبب تخفيض قيمة العملة المحلية التي أدت إلى انخفاض من القيمة السوقية للمعاشات والرواتب بنسبة تصل إلى ٥٠٪.  طبعا إن عملية الاستدعاء وبغض النظر عن الطريقة التي يقوم بها الصدر بالاستخفاف بالحكومة وهيبتها، وإظهار نفسه لا كرجل سياسي بل كأحد عرابي المافيا أو شيوخ العشائر أو الإقطاعيين في زمن الأجيال الغابرة، ليست هذه العملية اي الاستدعاء سوى إضافة تعمية جديدة والتستر على صانعي قرار تخفيض العملة والإقرار على الورقة البيضاء. وكلنا نعرف أن تخفيض العملة جرت الموافقة عليها في اجتماع جمع كل الكتل السياسية، ونال قرار تخفيض العملة والورقة البيضاء الإجماع بما فيها الكتلة الصدرية قبل التصويت عليها بالأغلبية المطلقة في البرلمان. لكن اليوم تعتبر عملية الاستدعاء تلك ما هي إلا محاولة من الصدر لذر الرماد في العيون وانتزاع حفنة أخرى من العواطف والمشاعر التي يحتاجها تياره الشعبوي عبر الاستجداء.

أخيرا هناك كلمة لابد منها، إن الكابوس المرعب الذي يثقل كاهل كل التيارات السياسية وخاصة التيار الصدري، هو أن انتفاضة أخرى على الأبواب، لان الأرضية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أشعلت انتفاضة أكتوبر مازالت قائمة ولن تستطيع أية حكومة من الرد على مطالب الجماهير، وكما قال لنا وزير مالية الكاظمي إن عام ٢٠٢٣ هو بدء عملية شد الأحزمة إلى حد قطع البطون، لان العراق لن يستطع من تجاوز أزمته الاقتصادية ويجب تسريح عدد كبير من الموظفين والعمال، ناهيك عن إضافة ١٤ مليون عاطل عن العمل الذي سيتضاعف العام المقبل. إن هذه الحقيقة تراها عيون كل الكتل السياسية التي تآمرت على انتفاضة أكتوبر سواء عبر عمليات القتل أو عبر الخداع السياسي والالتفاف عليها. وكانت العوامل المذكورة آنفاً من الفقر والفساد والظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وراء التحجيم الاجتماعي للإسلام السياسي.
وهكذا يريد الصدر بناء الدولة في العراق عبر التغريدات والبلطجة والفتوة و استجداء العواطف والمشاعر، حيث لا يملك أي طريق آخر لمنع انحدار موقع تياره الاجتماعي. انه يجيد ما فشل به ترامب الرئيس الأمريكي السابق لإعادة انتخابه لولاية ثانية.
إن جميع القوى السياسية في العملية السياسية تدرك عمق الأزمة السياسية وعمق الهوة بينها وبين الجماهير، وتشعر بحرارة الجمر تحت رماد انتفاضة أكتوبر، بيد أن صراعها على السلطة التي تسهل لها السرقة والنهب والفساد عن طريق تشكيل الحكومة الجديدة لا يعطي فرصة لها للالتفات إلى الأرض المتحركة التي تقف عليها.


28
المحكمة الاتحادية وإنقاذ حصة المكون الأكبر
سمير عادل

المحكمة الاتحادية لم تقفز من المريخ، بل جاءت ضمن رزمة العملية السياسية التي بنيت على أساس المحاصصة الطائفية والقومية ومنذ تشكيل مجلس الحكم على يد الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر.
قرار المحكمة الاتحادية بتفسير المادة ٧٠ من الدستور بانتخاب رئيس الجمهورية بثلثي أعضاء مجلس النواب وليس "الحضور" هو الرصاصة في تبديد الاوهام لنهاية نظام المحاصصة في العراق ولو بشكل نسبي. وإن الحديث عن تشكيل حكومة أغلبية وبغض النظر عن نسبة الشوائب في وطنيتها، و بالمعنى القانوني والسياسي فهو محض هراء على الأقل في هذه المرحلة السياسية، ولن يتعدى أي تشكيل حكومة اغلبية التي يطالب بها الصدر أكثر من شعار لتحجيم القوى الخاسرة في البيت الطائفي الشيعي في الانتخابات. وسواءً أكانت الحكومة المراد تشكيلها هي اغلبية ام لا فلن تكون مطعمة بغير نكهة توافقية- و محاصصاتية سواءً أجاءت تحت مظلة قناصي مليشيات الحرس الثوري الايراني او بحراب المارينز الأمريكي واهازيج الجامعة العربية والأمة العربية.
وبقدر ان المحكمة الاتحادية أنقذت نظام المحاصصة بشكله المطلق، فبنفس القدر أنقذت البيت الشيعي وحصة الخاسرين فيه من المدعومين من ملالي قم-طهران في المشهد السياسي، وانقذت العملية السياسية برمتها وحسمت حصة "المكون الأكبر" التي يطالب بها عمار الحكيم صاحب شعارات الوطنية الطنانة، وبمجرد خروجه من الانتخابات الاخيرة بخفي حنين عاد ليطالب بحصة المكون الاكبر او حصة البيت الشيعي والعودة إلى الطائفية السياسية للحفاظ على نفوذه وامتيازاته المالية.
 ليست هي المرة الاولى تنقذ المحكمة الاتحادية نظام المحاصصة السياسية في العراق و حصة المكون الاكبر او البيت الشيعي. فقد أفتت من قبل في إنقاذ كتلة دولة القانون التي حازت على ٨٩ مقعدا في انتخابات عام ٢٠١٠ وألحقت هزيمة نكراء بكتلة اياد علاوي غير الطائفية التي حصدت ٩١ مقعدا في الانتخابات، ليوحد صفوف البيت الشيعي تحت عنوان الكتلة الاكبر وهو الاسم الحركي للمكون الطائفي الأكبر في البرلمان. وهذه المرة تدخلت ايضا وابتكرت فتوى سياسية جديدة بانتخاب ثلثي اعضاء مجلس النواب وليس الحضور لرئيس الجمهورية، وبهذا فلت تحالف الميليشيات الخاسر الأكبر في الانتخابات من عنق الزجاجة، والذي جاء تحت عنوان الإطار التنسيقي.

قرار المحكمة الاتحادية جاء سواء متزامنا أو متناغما قبل أيام قليلة من زيارة قائد فيلق القدس اسماعيل قاآني الى العراق للقاء مقتدى الصدر، هو محاولة لثني الصدر بالمضي قدما في تحجيم اخوته الأعداء في البيت الشيعي.  وكانت تغريدة الصدر (لا شرقية..لا غربية) بمثابة اغلاق الباب خلف القاآني بصوت قوي عندما غادر مقر الصدر. ويستمد الصدر قوته في مقاومة ضغوط إيران لتنحية منافسيه وتحت عنوان تشكيل حكومة أغلبية وطنية الى؛ تنامي السخط الواسع ضد سياسات الجمهورية الاسلامية في العراق وأدواتها، والى تراجع نفوذها السياسي بعد هزيمة حلفائها في الانتخابات الاخيرة.  وفي نفس الوقت يحاول الصدر بشكل حثيث بملء الفراغ الذي تركه التيار القومي العروبي والقومي المحلي الوطني منذ هزيمته على يد الاحتلال، والظهور بحامي سيادة العراق واستقلاله على غرار نصر الله بحماية لبنان وفلسطين بوجه "العدو الصهيوني". إلا أن الأول في وجه إيران التي تدعم نصر الله في حين الثاني بوجه إسرائيل التي تظهر قوة اقليمية منافسة لإيران في المنطقة، والجامع بينهما هو العمامة السوداء وحراب مليشياتهم.
إلا أن التناقض الذي يخنق فيه شعار الصدر ( لا شرقية..لا غربية ) ويغرد به بين الحين والآخر، ويعني التلويح بعدم الرضوخ للنفوذ الإيراني لدغدغة مشاعر التيار القومي-الوطني ونزولا عند سخط الشارع ضد النفوذ الإيراني وميليشياته، هو ان الشعار المذكور هو شعار الخميني والجمهورية الاسلامية الايرانية ابان الالتفاف على الثورة الايرانية وإجهاضها بعد عام ١٩٧٩، وقد مزقت جماهير العراق صور رموزها وحرقت مقرات الأحزاب الإسلامية التي كانت تزين جدرانها بها في انتفاضة أكتوبر. ولا يقف التناقض عند ذلك بل إن الشق الثاني من الشعار وهو (لا غربية)  لا ترد على سؤال او يحاول التعمية او التغاضي عن الجنسية التي تنتمي اليه المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي فرضت الورقة البيضاء عبر ممثلتها حكومة الكاظمي، وقد وافقت كتلة الصدر دون اي قيد او شرط عليها وكان أولها تخفيض العملة المحلية لتدفع الطبقة العاملة والجموع الغفيرة من المحرومين والكادحين ثمن تلك الورقة!

على العموم ما نريد ان نقوله ان جميع فذلكات القوى السياسية الجاثمة على صدر الجماهير، وسطحية تحليلات اقلامها المأجورة لا تعدو أكثر من أبواق دعاية رخيصة لمرؤوسيهم، وليس بمقدور أي واحد منهم من إقناع الإنسان البسيط بأنهم فقدوا صلاحيتهم وأصبحوا خارج الزمن. وكل الشعارات التي يطلقونها او يهددون بها  اللجوء الى خيار المعارضة أو خيار مقاطعة العملية السياسية ليست أكثر من اوراق ضغط لا تضعف ولا تسمن أحد، فالكل يدرك أن أي الخيارين لن يعوضهم ابدا ما سيفقدونه من نفوذ امتيازات إذا أصبحوا خارج الحكومة الجديدة. وإن كل دقيقة خارج الحكومة تعني تقصير أعمارهم السياسية، وهذا هو سر التكالب على تشكيل الحكومة وحصة المكون الاكبر او الكتلة الاكبر.
وأكثر ما يدعي الاستهجان في المشهد السياسي الدرامي العراقي هو التطبيل والتزمير والتهويل من (الفراغ الدستوري) الذي يعيشه العراق، وكأن العراق الذي كان يعيش حياة مترفة بالدستور، انخفضت فيه معدلات الفقر والبطالة والعوز وتوفرت الخدمات وعم الأمن والأمان وانحسر الظلم الواقع على المرأة و ازدهر التعليم والصحة. أما في الفراغ الدستوري فستتحول حياة الجماهير إلى جحيم، انه حقا ضربا من الكوميديا المأساوية. فكل القوى المشاركة اليوم في العملية السياسية دون استثناء، حاولوا افراغ العراق من مواطنيه عبر عمليات القتل والتصفيات الجسدية والاغتيالات والاختطاف والتهجير والإفقار، ولم يهتز لهم  جفن بخلق فراغ انساني وبشري في العراق، فما بالك عن مبالاتهم للفراغ الدستوري.
 واخيرا لا خوف من الفراغات أيا كانت سواء دستورية او امنية او سياسية فهناك رب يحمي العملية السياسية واسمه المحكمة الاتحادية، وهي  تتدخل في انقاذ اية فجوة تحدث هنا وهناك في العملية السياسية، وتحرسها عيون خفية وهي عيون المرجعية، فكل شيء من اجل انقاذ حصة المكون الاكبر.
وهنا نؤكد من جديد ما نحتاجه هو التغيير الجذري عبر إنهاء عمر العملية السياسية، اذا اردنا الحديث عن الأمن والأمان والرفاه.


29
مأزق البيت الشيعي في صراع بين شعارات الأغلبية،الإصلاح، عدم التبعية و شعار المقاومة والممانعة

سمير عادل

البيت الطائفي السياسي الشيعي يعيش أحلك أيامه. فكل الأهازيج وإطلاق أبواق الفرح بُعيد انتصاراته على داعش والتبجيل والتقديس لميليشياته التي تجمعت تحت مظلة الحشد الشعبي، والتغول سياسيا ودعائيا في انتخابات أيار ٢٠١٨، كلها تحطمت على صخرة انتفاضة أكتوبر، وها هو يلملم اشلائه ويعد خسائره ويحاول إنقاذ ما يمكن انقاذه بعد انتخابات تشرين الاول عام ٢٠٢١.

أربعون مليون انسان اسير حفنة من الطفيليين و اللصوص والسراق، وقسما منهم قتلة ومجرمين محترفين وأياديهم ملطخة بدماء المئات الذي سقطوا في انتفاضة اكتوبر برصاص قناصيهم وكواتمهم و سكاكينهم. وفي كل ازمة سياسية تشتد مدياتها وتهز سلطتهم، يشعلون أما حربا اهلية او حربا على كل من يعارضهم باسم الحرب على الارهاب، او يقومون بتحضير الأرواح في اروقة المخابرات الايرانية والغربية والتركية كي تجدد إنتاج وجودهم غير الشرعي وتحت عنوان الحرب على داعش، وعندما تلفظهم الجماهير في انتفاضة عارمة تطيح بهم وتهتف (كلهم يعني كلهم)، يرفع قسم منهم لواء (المقاومة والممانعة) والآخر يرفع شعار (الاصلاح) تارة ومرة الدفاع عن (الوطن) وعندما تضيق الأمور به يرفع شعار الدفاع عن (الاسلام) وعن (الطائفة). وهنا لا بد القول في شعار الجناح الاول في البيت الشيعي اي (المالكي-العامري-الفياض-الخزعلي) وهو محور المقاومة والممانعة،  بأنهم على حق، فهم من الناحية العملية والفعلية يقاومون (المقاومة) انتفاضة الجماهير برفضهم ورفض الانتخابات وكل العملية السياسية، ويمتنعون (الممانعة) من الرحيل عبر عمليات القتل والاغتيالات والاختطاف. اي بعبارة اخرى فالمقاومة هي مقاومة الجماهير، والممانعة هي الامتناع بالرحيل عن السلطة.

التكالب على تشكيل الحكومة بين أطراف العملية السياسية وخاصة بين أعلام وعتاة الطائفيين في البيت الشيعي، هو تكالب على الامتيازات والنفوذ، وهو التكالب على ضمان مستقبل كل طرف. بيد ان ذلك التكالب يجري تحت عناوين وشعارات مظلة كاذبة وخادعة. فتحت عنوان (الأغلبية) يبغي الصدر من تصفية معارضيه عبر قضم الامتيازات والنفوذ السياسي لمنافسيه، والاهم من كل ذلك خلع انيابه عن طريق احتواء او حل او كما قال مؤخرا الصدر اعادة تنظيم مليشيات الحشد الشعبي، في حين يدرك الطرف الآخر من جناح المالكي-العامري-الفياض-الخزعلي و جناحهم المسلح الحشد الشعبي من خطورة المؤامرة التي حيكت ضدهم، وحيث تم استدراجهم للانتخابات لقص أجنحتهم وترويضهم لمرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي من العراق والمنطقة. لقد بلعوا الطعم بدراية ووعي لان انتفاضة أكتوبر قطعت الطريق أمامهم. ولذلك نؤكد من جديد لا استراتيجية أمام هذا الجناح الذي يلعق جراحه غير خلق الفوضى الامنية. وعليه لا يحتاج الى الكثير من العناء كي نعرف ما سر تزايد معدل نشاط عصابات داعش وجرائمها في عدة مناطق من العراق بعد سحقها في الموصل والرقة. وبين هذا وذاك، ولا بصيص أمل بتراجع الثالوث القومي-الاسلامي الجديد( الصدر-الحلبوسي-البرزاني) بالمضي قدما بقص أجنحة الأصحاب الاصلاء في البيت الشيعي، فتجديد الوجود والهوية يكون عبر استهداف مطارات اربيل او بغداد او الاستعراض العسكري هنا وهناك وتظاهرات باهتة خالية من الطعم والرائحة، وكل ذلك للحيلولة من أجل تعديل ميزان القوى قليلا لانتزاع بعض التنازلات والحفاظ على بقائه السياسي وامتيازاته. أما (الإصلاح) الذي يتحدث عنه الصدر هو إصلاح المناصب الحكومية والاستحواذ على نصيب الأسد من الحكومة والمناصب الخاصة وتقليم أظافر المؤسسة الأمنية التي يسيطر عليها الجناح المنافس. بمعنى اخر ان اصلاح الصدر ليس له اية علاقة بإعادة قيمة العملة المحلية وزيادة المعاشات والرواتب وتوظيف العاطلين عن العمل واعادة الطبابة المجانية والضمان الصحي والوهج للتعليم في المدارس الحكومية، وإيقاف توزيع الرشاوى والهبات من الموازنات السنوية على المؤسسة الدينية مثل الوقف الشيعي والسني...الخ. في حين تعني شعاره (عدم التبعية)، هو تحريك المشاعر المعادية لجماهير العراق لسلطة الإسلام السياسي الشيعي المدعوم من قبل الجمهورية الاسلامية في ايران، وقد عبرت عنها خلال انتفاضة أكتوبر بحرق صور كل رموز الجمهورية الاسلامية الايرانية وحرق مقرات الأحزاب الإسلامية في مدن جنوب العراق، وبالتالي محاولة للتلويح التهديد بالشارع اذا ما لم يرضخ تحالف فتح-المالكي-الفياض لشروط مقتدى الصدر.

اسماعيل قاآني قائد فيلق القدس الإيراني ومحمد الكوثراني مسؤول ملف العراق في حزب الله اللبناني، فشلا فشلاً ذريعا في العراق اثناء زيارتهما الاخيرة كمحاولة لرأب الصدع في البيت الشيعي، ولأول مرة يشعر ملالي ايران انهم يخسرون نفوذهم في العراق، وان المشاعر الطائفية الكاذبة التي ضخوا لها كل أشكال السموم والأموال والمأجورين عشية غزو واحتلال العراق وبدعم السياسات الأمريكية التي قسمت العراق سياسيا الى البيوت النتنة الممتلئة بخيوط العنكبوت من الشيعي والسني والكردي تتبدد أمام فسادهم ونهبهم واجرامهم وبالتالي صراعهم على السلطة. واليوم ليس أمام البيت الشيعي المتهرئ أما هدمه و تحويل مكانه الى متحف تذكر الأجيال القادمة بالجرائم التي حيكت ضد الأغلبية المطلقة لجماهير العراق؛ بدأ بإضفاء الشرعية على غزو واحتلال العراق ومرورا بالحرب الاهلية الطائفية عام ٢٠٠٦ ثم التمهيد لسيناريو داعش واستغلاله للتغول السياسي وترسيخ سلطة المليشيات وانتهاء بأعمال القتل التي ارتكبت ضد نشطاء وفعالي انتفاضة اكتوبر، أو محوه بالكامل وتكليف عدد من اقلامهم المأجورة بإعادة كتابة تاريخ ذلك البيت مثلما أسلافهم بتزوير كل التاريخ الإسلامي، ومحو سنوات اجرامهم والبدء من تاريخ رفع شعار المقاومة والممانعة خلال أيام انتفاضة أكتوبر وقصفهم للمنطقة الخضراء.

 حكومة الاغلبية والإصلاح وعدم التبعية هي عناوين تنافس شعارات الجناح الآخر في البيت الشيعي وهو المقاومة والممانعة، و عناوين او شعارات كلا الطرفين يبغي من ورائها استهداف جيوب العمال والموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل، وعندما يغضب الأخير من الأول، فإشعال الفوضى الأمنية هو استراتيجيتهم. وليس هذا فحسب بل إن كلا الجناحين ليس لديهم اية اجندة اقتصادية واجتماعية في العراق سوى أنهم امتداد لداعميهم من الدول الإقليمية والامبريالية العالمية.
وبالتالي ليس في جعبتها شيئا يقدمونه إلى المجتمع غير تلك الشعارات، وإذا لم تسنح الفرصة لانتفاضة أكتوبر بكنسهم، فهناك انتفاضة أخرى تنتظرهم، فأكثر من ٨٢٪ من العراقيين قالوا كلمتهم في انتخابات ٢٠٢١.






30
العلمانية حاجة الطبقة العاملة أم حاجة البرجوازية في العراق!
سمير عادل
 
بعد مقالنا (أزمة الهوية والصراع عليها-حزب الدعوة ومقتدى الصدر نموذجا) جاءت إلينا عدة اسئلة ومحورها الأساسي هو أليس هناك أية فرصة بأن تمضي الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق نحو العلمانية او على الاقل تقوية المدنية والتحضر والابتعاد بشكل تدريجي عن الإسلام أو على الأقل تقويض تدخلاته في حياة الأفراد والمجتمع كما يحدث اليوم في السعودية ومصر والامارات؟ في هذا المقال سنرد على المسألة الآنفة الذكر من أجل توضيح اي من الطبقات الاجتماعية لها مصالح مادية بأن تكون هوية الدولة علمانية.
العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وهذا يترجم إلى فصل الدين أيضا عن التربية والتعليم وأن يكون الدين شأن أو أمر شخصي. اي بعبارة اخرى ان لا تمول الدولة المؤسسة الدينية مثلما يحدث اليوم عندنا حيث يخصص ما يعادل ٢ مليار دولار الى الوقفين الشيعي والسني من الموازنة السنوية، في حين تتحجج الحكومة بأن ليس لديها أموال بسبب انخفاض أسعار النفط، وان الشعب العراقي تعود على عدم دفع فاتورة الخدمات مثل الكهرباء والماء كما جاءت في الورقة البيضاء بشكل وقح وسافر لتبرير تخفيضها للعملة المحلية والعمل على تنصل الدولة من مسؤولياتها تجاه المجتمع وبيع المصانع والمعامل الحكومية برخص التراب الى الشريحة الجديدة من البرجوازية التي ارتفعت الى مصاف الطبقة البرجوازية بفعل عمليات النهب والسلب والسرقة والفساد مستفيدة من الدواوينية التي منحتها لهم العملية السياسية. لنعود الى موضوعنا، و لنميز بين الدين كعقيدة يؤمن بها عدد من الناس وبغض النظر أي كان ذلك الدين، وبين الدين كأيديولوجية. والدين كعقيدة هي حالها حال الإلحاد، وعلى المجتمع أن يقر بشرعية وجود الاثنين ويسن قوانين يحمي الطرفين من تطاولات الدولة وبلطجيتها.
 
العلمانية كانت ضرورة وحاجة حياتية بالنسبة للطبقة البرجوازية الصاعدة في الغرب، في صراعها مع الإقطاع المتحالف والمتداخل مع الكنيسة. وكانت يد الكنيسة في القمع الفكري والسياسي والاجتماعي تجاه الحريات وحقوق الإنسان بالمعنى المطلق لم تكن أقصر من يد طالبان وولاية الفقيه والسلطة الاسلامية في العراق مثلما نراه اليوم إلا بدرجات وحشيتها. وكانت الطبقة البرجوازية الصاعدة في أوروبا بحاجة الى إقصاء الكنيسة و ايديولوجيتها المسيحية من حياة المجتمع كي تجرد الإقطاع من سلاحه الفكري والاجتماعي من أجل فتح الطريق نحو نموها الاقتصادي وتأمين حماية مصالحها المادية المتناقضة مع الطبقة الإقطاعية والنبلاء وشبكة الكنهوتيين. وقد ارتبط التطور العلمي والتكنولوجي بحاجة البرجوازية المادية وتطورها وقدرتها على التنافس، والمتناقضة كليا مع كل أفكار الكنيسة المحافظة والرجعية والتي ذهب ضحيتها كل من يفكر خارج صندوقها، أو يفكر بطريقة علمية ويشكك بكل المعتقدات التي رسختها الكنيسة طوال قرون من حكمها. وقد جاء على سبيل المثال لا الحصر تثبيت حرية الإلحاد في الدستور الفرنسي  بعد الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ كرد بشكل نهائي في إقصاء المسيحية كأيديولوجية وعقيدة ملزمة على المجتمع من الدولة وتجريد الاخيرة من أية صلاحية قانونية وسياسية في فرضها.
وهنا يطرح السؤال التالي، هل العلمانية اليوم حاجة وضرورة مادية وحياتية بالنسبة للطبقة البرجوازية في العراق؟
قبل كل شيء نريد توضيح مسالة مهمة، وهي إن البرجوازية التي ناضلت ضد الدين في الغرب وتوج ذلك النضال بإقصاء الدين عن حياة المجتمع، أصبحت رجعية بدفاعها عن الدين وإعادة تأهيله من جديد. فبعد أن أصبحت هي السلطة المهيمنة وتمسك زمام الأمور في كل المعمورة، وفي صراعها مع بقية الأجنحة المتنافسة معها، راحت تجدد هويتها المسيحية في مواجهة الاسلام السياسي او ايجاد مبررات لحرمان اللاجئين والمهاجرين من حقوقهم بالسكن والإقامة في بلدانها بحجة التهديدات الامنية ووصم جباههم بالإرهاب الاسلامي لأنهم نزحوا أو هربوا من بلدان وصفت بـ غالبيتهم المسلمة، في حين إن  الأنظمة السياسية الغربية هي من حولت بلدان أولئك  المهاجرين إلى جحيم لا يطاق عبر سياستها الجهنمية مثلما حدث في سورية والعراق وليبيا وإيران ودول امريكا الجنوبية وافريقيا والقائمة تطول. وكانت تصريحات مثل الرئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون بالحفاظ على هوية اوروبا المسيحية في مواجهة أزمة المهاجرين واللاجئين للحيلولة دون وصولهم الى البلدان الاوربية ، او الكلمة الشهيرة لجورج بوش الابن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام ٢٠٠١  بأن حربه ضد الإرهاب الإسلامي هي حرب مقدسة، هي حرب صليبية، هي أمثلة على إعادة الوهج للدين في صراعها السياسي، هذا ناهيك على تقوية الجماعات الارهابية الاسلامية وتقوية الدين بجميع مؤسساته في الشرق وتقديم كل أشكال الدعم له منذ الحرب الباردة وحتى يومنا هذا. وفي الوقت الذي كانت ترجم النساء بالحجارة في ايران وافغانستان وتحرم النساء من قيادة السيارة ويجلد كل من ينتقد الإسلام في السعودية، كان الغرب يعقد الصفقات السياسية والاقتصادية مع حكوماتها، ويكتفي بشجب عدد من مؤسساتها المشبوهة من منظمات المجتمع المدني لانتهاكات حقوق الإنسان في تلك البلدان. هذا ناهيك عن الدعم العظيم الذي قدمتها إدارة أوباما لصعود الإخوان المسلمين دفة السلطة في دول شمال افريقيا كتكتيك سياسي للالتفاف على الثورة المصرية والتونسية.
لم تكن البرجوازية الغربية  تبالِ لا من قريب ولا من بعيد بدعم القوى العلمانية ولم تدعُ يوما أو تضع على أجندتها في دعم الحركات النسوية والقوى والشخصيات العلمانية التي ناشدت وناضلت من اجل فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، والحد من تطاولات المؤسسة الدينية وانتهاكاته السافرة لحقوق الإنسان في الشرق طالما أن مصالحها الاقتصادية والسياسية مؤمنة مع تلك البلدان.
 
فإذا كان هذا حال البرجوازية في الغرب، فماذا سيكون في العراق، الذي دعم الغرب بأنظمته الليبرالية والديمقراطية التقسيم الطائفي والديني والقومي للمجتمع العراقي، وفتحت البالوعات للصراصير الطائفية من كل حدب وصوب، لتنتج مرة الحرب الاهلية فى ٢٠٠٦ واخرى لغزو عصابات داعش ثلث مساحة العراق. وبين هذا وذاك سعى الغرب كما قلنا في مناسبات عديدة بفتح منابر الجوامع والمساجد في بلدانه لتعبئة الشباب (المسلم) وتجنيدهم للالتحاق بالجماعات الاسلامية الارهابية مثل جبهة النصرة وداعش  في سورية عبر اجهزة مخابراته، لتعيد نفس سيناريو أفغانستان أثناء غزوها من قبل السوفييت عام ١٩٧٩. إن أكثر التصريحات التي تثير سخرية واستهجان من قبل الأنظمة الغربية وخاصة من قبل الذين غزو العراق، بأن أمريكا لا تتدخل بالشأن الداخلي العراقي، وان الدستور ذي الديباجة الطائفية كتبت بأيادي عراقية، وهي تدعم سيادة العراق وعدم التدخل في شؤونه. إلا أن الساسة الأمريكان والدمى التي جاءت تحت حراب المارينز الأمريكي لم يقولوا لنا من احتل العراق ودمر كل شيء فيه وقام بنفخ الروح بالديناصورات التي جلبتها من الكهوف ما قبل العصر الجليدي الأول. بيد ان الحقيقة عندما تصل المسالة الى حقوق الانسان بالمعنى الحقيقي والمطلق فالغرب لا يتدخل بشؤون العراق و يحترم تقاليده و" قيمه المجتمعية"، أليس هذا ضربا من النفاق بحرفية عالية!
ان الدين كأيديولوجية لا يمكن الاستغناء عنه في حرب البرجوازية عبر تعبئة المجتمع وتعمية الطبقة العاملة وعموم الكادحين للحفاظ على سلطتها ونفوذها السياسي ، وهذا ما لا يعيه ولا يدركه لفيف المثقفين الليبراليين وتجمعاتهم العديدة الذين يعزون سبب عدم فصل الدين عن الدولة او اقرار دستور علماني الى نوازع اخلاقية عند ذلك الحزب أو تلك الفئة، فالمصالح الطبقية التي وراء إقرار الهويات تختفي كليا في تحليلاتهم التي تقودهم دائما إلى الوقوع في فخ الإحباط واليأس.
 واذا تحدثنا بكلمات أكثر وضوحا، فلا يمكن للطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق بسلطتها الاسلامية الاستغناء عن الدين، ف(الظلم الطائفي) الذي يمارس من قبل الاسلام السياسي الشيعي وميليشياته المتمثلة بالحشد الشعبي، يعني الاستيلاء على الأراضي والممتلكات والثروات الطبيعية في المناطق الغربية، أما (الظلم الجنسي) الواقع على النساء بالنسبة لتلك الطبقة، يعني من الناحية الحقوقية معاملة نصف المجتمع إذا لم نقل أكثر منه كمواطنين من الدرجة الثانية، وعلى الصعيد تحقيق المصالح الطبقية، يعني اضافة جيش جديد الى الطبقة العاملة سواء الى جيش العاطلين عن العمل  مما يساهم بشكل كبير في تخفيض قيمة قوة العمل ويزيد من حجم المنافسة بين العمال، وبالتالي تدفع للنساء أجورا أقل من الرجال لتكون أكثر أقسام الطبقة العاملة فقراَ وعوزاً، أو الاستحواذ عن القيمة المجانية للعمل المنزلي غير مدفوع الأجر. كما أن البنية السياسية التي بنيت عليها سلطة الطبقة البرجوازية هي المحاصصة السياسية، وتعني تحت عنوان (الأغلبية الشيعية) الاستحواذ على المؤسسات الحكومية التي تدر اموال بمليارات الدولارات من خلال صفقات الفساد وعمليات النهب والسلب. هذا اضافة الى ما اشرنا إليه بالتفصيل في مقالنا السابق (أزمة الهوية والصراع عليها-حزب الدعوة ومقتدى الصدر نموذجا) الى تركيبة السلطة السياسية في العراق هي سلطة ميليشياته، وهي اقرب الى المافيا من أن تأخذ شكل حكومة تحاول تسويق نفسها بأنها تمثل جميع الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع، وتساهم هذه النقطة  الاقتتال والدفاع عن الدين والطائفة والتمسك بهما، لأنها أي السلطة المليشياتية للإسلام السياسي لا تملك غيره لتقديمه إلى المجتمع، فدون الدين ورفع رايات طائفية، فلا يمكن استمرارها في السلطة.
وبالتحليل النهائي ليست الطبقة البرجوازية الحاكمة بجميع أجنحتها في العراق مستعدة لا اليوم ولا يوم غد ولا حتى على المدى المنظور بأن تحدث تغييرات لصالح تقويض الدين على الاقل وتقوية جذور المدنية والعلمانية في المجتمع وتأسيس دولة أساسها المواطنة والمساواة الدينية والطائفية والجنسية. فالعلمانية ليست حاجة ولا ضرورة بالنسبة للطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق.
أما بالنسبة للطبقة العاملة، فالعلمانية فهي حاجة حياتية وطبقية، فهي تسحب البساط من تحت أقدام الطبقة البرجوازية وميلشياتها في دق اسفين بين العمال على أساس الطائفة والدين. وإذا شحذنا الذاكرة قليلا وعدنا الى التفجيرات الارهابية التي كانت تضرب المدن منذ بداية احتلال العراق، فكان أغلب المناطق المستهدفة هي مساطر العمال وأماكن عملهم، وكان الهدف هو نقل الصراع الطائفي الى الوعي الاجتماعي وفتح شرخ كبير فيه. وعلاوة على ذلك فإن تسويق الوهم الطائفي وترهات الدين الى صفوف العمال، من شأنه طمس الصراع الطبقي وتحريف نصال نضالهم ضد الطبقة البرجوازية التي يجتمع ممثليها السياسيين تحت سقف سمي بالبرلمان، من الحلبوسي والخنجر السني والمالكي والعامري والخزعلي الشيعي كي يصدروا قوانين تمنحهم الحصانة الدبلوماسية ورواتب وامتيازات تصل الى ١٠ مليون دينار شهريا لكل عضو برلمان ووزير من وزرائهم ومنحهم قصور فارهة، بينما يحصى العمال قتلاهم بعد التفجيرات، والمحظوظ منهم يحصل على فتات من موائدهم كي يبقوا على قيد الحياة ليوم آخر، في حين ان كل الخيرات التي ينهبها هؤلاء اللصوص هو من عرق العمال ونتاجهم.
من الوهم انتظار البرجوازية أن تمد يدها الى العلمانية، ومن الوهم أن تمنع البرجوازية نفسها في كل محطة تمر بها بطلب العون من الدين ورجالاته الذين يعيشون على بيع الخرافات و الخزعبلات والأوهام والنفاق الى الناس في كل محنة تمر به ويدفع لهم من الموازنة السنوية للدولة في حين تتحجج الحكومة بأن ليس لديها أموال كي تدفع كضمان بطالة الى الملايين من العاطلين عن العمل، ألم يقل لنا الإنسان البسيط في تظاهرات تموز ٢٠١١ (من دخل بيها ابو العمامة.. صار البوك للهامة) أي وصل السرقة الى قمة الرأس عندما دخل بها رجل الدين المعمم، ليكون احدى الشعارات المركزية في كل التظاهرات.
(أن تسميم ادمغة الاحياء في العراق بالترهات الطائفية والدينية هي سياسة ممنهجة ومخطط لها من قبل قوى الإسلام السياسي في حربها القذرة والدنيئة من أجل الاستحواذ على أكثر ما يمكن من السلطة والامتيازات والأموال. انها سياسة لتكبيل ذهنية العامل بالدرجة الأولى بمنظومة من الاكاذيب والاوهام اللاإنسانية لحرف نضاله ضد العدو الطبقي الواحد، فعلى سبيل المثال أن شركة بي بي البريطانية او شيل الهولندية او اكسيون موبايل الامريكية او بتروجاينة الصينية او لوك اويل الروسية ليسوا أنصار الطائفة الشيعية أو الطائفة السنية، او الناطقين العربية او الكردية، ولا هم اصدقاء اصحاب الكتاب المقدس، إلا أنهم وعن طريق شركة نفط الجنوب ونفط الشمال، يمارسون ابشع انواع الاستغلال والسرقة والنهب- الحركات الاحتجاجية بين الدولة المدنية والدولة العلمانية-سمير عادل-مجلة المد العدد ٩). وعليه أن الطبقة العاملة بحاجة الى إقرار دستور علماني، بحاجة أن تكون هوية الدولة العلمانية، فلديها مصلحة طبقية في ذلك كما اشرنا، وأن الشيوعيين هم أكثر تيارات هذه الطبقة، يجب أن يضعوا نصب أعينهم في تحقيق هذه المهمة كواحدة من مهمامهم النضالية.



31
أزمة الهوية والصراع عليها
حزب الدعوة والتيار الصدري نموذجا
سمير عادل

الطبقة البرجوازية العربية تعيش أحلك أيامها، تعيش في وضع لا تحسد عليه، تعيش ازمة الهوية وفي الوقت  نفسه الصراع فيما بينها على إيجاد هوية لها. هذه الأزمة أبعد من بيانات حزب الدعوة وتغريدة الصدر للدفاع عن قيم الإسلام والتقاليد الاجتماعية التي هزتها فعاليات الفنان المصري محمد رمضان. ونود التأكيد بأننا لسنا بصدد تقييم فن محمد رمضان، فهذا خارج دائرة تخصصنا، إنما ما يهمنا هي الزوبعة الاجتماعية التي تحمل في طياتها ماهية سياسية، والتي اثارتها قوى الاسلام السياسي الحاكم في العراق. وهذه ليست المرة الاولى التي تثار مسالة الدفاع عن الإسلام، والقيم المجتمعية، وهي التي أكثر المقولات فضفاضة وفارغة من المحتوى ولا تشير إلى أي شيء وممكن يعني  كل شيء. فقد تكون تلك القيم هي حقوق الإنسان بالمعنى المطلق  وحرية التعبير والرأي والتنظيم والتظاهر، وقد تكون قيم مجتمع داعش وولاية الفقيه وحكم طالبان. وقبل محمد رمضان كان هناك مهرجان بابل و حفلات الفنانة اليسا، التي أثارت غضب رجالات الدين وبعض رجال الدين الإسلاميين من الصف الثاني أو من الدرجات الدنيا.

*****

لطالما طرح سؤال، لماذا البرجوازية في منطقتنا لم تتجه مثل البرجوازية في أوروبا، في إقصاء الدين من حياة المجتمع وتكون هوية الدول العربية علمانية، و تفصل الدين عن الدولة وتعامل البشر على أساس الهوية الإنسانية والمواطنة وبغض النظر عن عرقه وجنسه ودينه وطائفته؟ وكان الجواب دائما خاصة من قبل مثقفي نفس الطبقة بأن البرجوازية العربية متخلفة، او الاسلام يضرب جذوره في عمق المجتمعات العربية، وعلينا أن لا نجابه الدين بالنقد السياسي والفكري كي لا نجرح مشاعر المسلمين، وبأن المجتمعات التي نعيش فيها هي اغلبية مسلمة، ضاربين بعرض الحائط مشاعر الملايين الآخرين من غير المسلمين أو من غير المؤمنين بأي دين. الا ان الحقيقة التي تكمن خلف كل تلك المبررات، هي أن الدين في منطقتنا هو أكثر الأسلحة الايديولوجية فتكا سواء في تخدير الجماهير وخداعهم وتسكين آلام فقرهم وعوزهم ومرضهم وحرمانهم من إشباع حاجاتهم المادية كي يبقوا على قيد الحياة، وقد عبرت جماهير العراق في تظاهرات تموز ٢٠١٥ عن الدين بشعارها المشهور (باسم الدين باكونا الحرامية)، وهي أكثر الشعارات التي أغاضت قوى الإسلام السياسي وخاصة مقتدى الصدر، فتخيل يجرد مقتدى الصدر من عمامته وسلاحه الدين، فماذا يبقى له في المعادلة السياسية العراقية!
 وفي نفس الوقت استخدم الدين وهنا أتحدث تحديدا عن الإسلام في مواجهة الحركات الثورية والتحررية في مجتمعاتنا وتصفية كل معارض للنظام السياسي إذا ما طالب بالحرية والمساواة، ألم يقولوا لنا واطيعوا اولي الالباب، واولياء الامور، لان الاخير متجسد بطاعة الحاكم، فهو الأدرى وهو ولي الأمر ومن ذوي الألباب.
 وتبين التجربة لنا دون أي لبس او عناء بأن الطبقة البرجوازية العربية كأنظمة سياسية حاكمة بخبرات مراكز دراسات الفكرية والسياسية الغربية واجهزة مخابراتها، بأن الدين لعب دوراً وعاملا مهما وحيويا في معركتها الفكرية والسياسية والاجتماعية خلال أكثر من قرن لمواجهة الحركة الشيوعية الثورية والتحررية في المجتمع إبان الحرب الباردة.

*****

الحفاظ على “الإسلام” بتفسير البخاري وابن تيمية وابن العثيمين والباز والحرس القديم في الأزهر والخميني ومحسن الحكيم، بات يصارع الرأسمال في منطقتنا ويتناقض مع وجوده ومستلزمات استثماره، وبات يرعبه ويجرده من أي مأوى. فكما نعرف أن الرأسمال ليس مثل الإنسان لا حول له ولا قوة في ظل الأنظمة الاستبدادية والقمعية التي تحكم بلداننا، فهو أي رأسمال  له اهله واصحابه وممثليه السياسيين وجيوش وقوى امنية وسجون وأدوات التعذيب تدافع بضراوة عنه. انه نفس الطبقة التي استخدمت تفسير البخاري والتيمية بالدفاع عن سلطتها واستبدادها، بينما تجد اليوم أنها في ورطة بسبب تفسيرات فقهاء الإسلام وتحاول التخلص منها .
 وفي زمن بحاجة الى الاستثمار في الطاقة النظيفة للحفاظ على العالم بعد ان تحول المناخ الى معضلة كبيرة للبشرية وبقائها، وفي مستقبل أصبح ينذر بنفاذ النفط ، فالطبقة البرجوازية بحاجة الى تجديد ادواتها لتوفير الحماية للرأسمال وتأمين مستلزمات استثماره، وان احدى ميادين الاستثمار هو السياحة وجذب رؤوس الاموال الى مساحات يستمتع أصحابها بالحريات الفردية. أي أن العلمانية وتجديد تفسيرات اولي الالباب الأولين باتت حاجة ملحة وضرورة استمرار وجود الطبقة البرجوازية.  فالإسلام السياسي الذي يستند على تفسيرات اولي الالباب تحول إلى عائق جدي أمام تطور واستثمار رأسمال. ولذلك نجد لغة جديدة ولهجة حديثة وخطاب سياسي متمدن يخاطب مجتمعاتنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد برنامج (الاضاءات) في قناة العربية المملوكة للنظام السعودي و(حديث العرب) لسكاي نيوز العربية الناطقة غير الرسمية لدولة الإمارات وبرنامج (يتفكرون) في قناة الغد المصرية، و البرامج التي تبث بشكل منتظم عبر قناة (فرانس ٢٤) و (بي بي سي) الذين كانت تذيع وفي خضم الثورة الايرانية خطب الخميني، نقول تلك القنوات تتحدث علانية عن العلمانية ونقد الدين وتفسيرات الأولين وحتى نقد التاريخ المحمدي وتاريخ الاسلام.  بمعنى آخر أن هذا التحول في الخطاب السياسي والدعائي والإعلامي للقنوات و الفضائيات المملوكة والممولة من تلك الدول يعكس حال الأزمة الهوياتية  التي تمر بها الطبقة البرجوازية على العموم في المنطقة.
إن القومية العربية والإسلام، كانا دائما في صراع مع بعضهما، صراع بين الأجنحة البرجوازية على السلطة. وحاول المثقفون والمنظرون البرجوازيون التزاوج بين الاثنين وحل التناقضات بينهم، وعلى الرغم حاول أمثال ميشيل عفلق من المزاوجة بين القومية العربية والاسلام الا انه لم يستطع أن يحول الهدنة بين الاثنين الى سلام دائم انظر الى مقالنا (العلمانية بين الطبقات وتياراتها السياسية- الحوار المتمدن). وفي خضم التحولات التي جاءت بعد احتلال العراق وبعد ذلك اندلاع الثورتين المصرية والتونسية، وإدخال الطائفية كهوية جديدة  في الصراع بين الأجنحة المتصارعة على السلطة والنفوذ في المنطقة، إلا إن سرعان ما سقطت الطائفية، وسقطت ايضا الايديولوجية الاسلامية بالرغم من الدعم المالي والسياسي والعسكري لكل الجماعات الاسلامية الارهابية في المنطقة من قبل الغرب قبل الشرق. وهكذا تبحث الانظمة التي رفعت يوما راية الاسلام في مواجهة الشيوعية ثم الطائفية في مواجهة بعضهما، تبحث اليوم عن هوية جديدة، وها هي تتشبث من جديد بالعلمانية التي قالت يوما عنها كفرا وأنها تصدير  للأفكار الغربية الى منطقتنا وانها مشروع استعماري.
ما نريد أن نقوله هنا اولا، ان الثقافة السائدة في هي ثقافة الطبقة الحاكمة. وأن المبررات بأن غالبية المجتمع هي من المسلمين ولا يجوز المساس بها لم تكن أكثر من ترهات، وبينتها التجربة السعودية؛ فقيادة المرأة للسيارة وإنهاء دور مؤسسة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحجيم تدخل رجالات الدين في تطاولاتها واستهتارها على حياة الشخصية للأفراد في المجتمع، وحق السفر للمرأة بدون “محرم” وحق سكن المرأة لوحدها واقامة الحفلات الغنائية، والعمل على تغيير المناهج التعليمية التي تستند على نشر الكراهية لغير المسلمين والنساء ووضع تفسيرات البخاري وابن تيمية في الرفوف التي تعج بالغبار والتراب كي لا تراها العين المجردة وتقصير اكثر عدد من الايادي للوصول إليها وتناولها..الخ، جاء بقرار من الطبقة الحاكمة في السعودية. وقد أحدثت هذه التغييرات الكبيرة على هزة عنيفة بالمجتمع ولم تبال الطبقة الحاكمة لا لمشاعر المسلمين ولا لقدسية الدين. ويبين التأييد الواسع والكبير في صفوف  الشعب السعودي لسياسات ولي العهد محمد بن سلمان على الصعيد الفكري والاجتماعي، على أن الغالبية المطلقة لجماهير السعودية متمدنة متحضرة و تريد وتطمح للاندماج بالمجتمع الإنساني المتحضر المتمدن والعاشق للحرية، ولم يبال  بن سلمان إذا كانت تلك الإصلاحات تمس مشاعر المسلمين أو لم تمسها، وهو نفس الشيء ما يحدث في المناهج التعليمية للأزهر. وثانيا، ان ما يحدث في المنطقة العربية هو بحث عن هوية جديدة تستطيع ان تأتي بالمجتمع إلى التحولات والتطورات وحاجات النظام الرأسمالي كما اشرنا.  ثالثا مع كل هذه التغييرات في الخطاب السياسي والدعائي والإعلامي لن تتجرأ هذه الطبقة على إقصاء الدين عن الدولة وحياة المجتمع، لأن الدين حاجة ضرورية ليس بالنسبة للإنسان البسيط الذي يبحث عن سلوان له ويتخيل عالم ملي بأكاليل الزهور في السماء كي يهرب من عالمه الواقعي المليء بالشقاء كما يقول لنا ماركس في (نقد فلسفة الحق عند هيجل)، بل انه حاجة طبقية للبرجوازية، فهي تخمره مثل المخللات (الطرشي) وتقدمه على مائدة الصراع الطبقي عندما يحتدم في المجتمع ، أي الصراع بين دعاة الحرية والمساواة والتقسيم العادل للثروات وبين الطبقة التي ليس لها أي مشروعية سواء أجهزتها القمعية.

*****

وليس الصدر وحزب الدعوة وكل القوى الاسلام السياسي المتورطة اليوم بأيدولوجيتها الإسلامية بعيدة عن ازمة الهوية، وفي زاوية منها الصراع عليها، أي الصراع على هوية متهالكة بدأت تلفظ أنفاسها في عالم اليوم، وتقف عائقا جديا أمام تأمين مستلزمات التطور الرأسمالي وحاجاته. فالسوق الرأسمالية اليوم هو سوق عالمية ولا يمكن الفصل بين السوق العراقي عن السوق السعودي او الاماراتي او الصيني او الامريكي. وبحاجة هذا السوق الى ازالة كل المعوقات التي أمامها، ومنها تقنين الاسلام و ترويضه بما لا يتعارض مع التطورات الجديدة. فالطبقة البرجوازية منحت الفرصة للإسلام السياسي كي تؤمن مستلزمات التطور الرأسمالي في مصر وإيران وتونس والعراق، إلا أنه فشل في إدارة المجتمع سواء عبر فشله في احتواء الثورتين و نسيمهما أو في تخليص النظام الرأسمالي في بلدانها من مأزقها الاقتصادي، وانتصروا أو فازوا على بقية الأجنحة البرجوازية الأخرى فقط بالفساد والسرقة والنهب المنظم.
 ولا بد هنا من الإشارة الى مسألة مهمة وهي أن ما يميز السلطة السياسية في العراق عن بقية البلدان التي تحيط بها، إنها سلطة ميلشياتية، تعتاش وتمول نفسها من سرقة النفط والمحاصصة و الدواوينية. انها لا تفكر كطبقة برجوازية منسجمة تمثل نفسها وتسوق نفسها على أنها تمثل كل طبقات المجتمع الاجتماعية، وتشكل حكومة على أساسها، مثلما تفكر نفس الطبقة في الامارات او السعودية او مصر على سبيل المثال. إن الطبقة البرجوازية في تلك البلدان باتت تدرك أن الإسلام بالطريقة القديمة وبطريقة التي يدافع عنها حزب الدعوة والصدر لا يمكن أن يتطابق مع نمو الرأسمال في بلدانها وتأمين مستقبله. بينما أن التركيبة البنيوية والخصيصة المليشياتية للسلطة في العراق وغياب الدولة بالمعنى الهوياتي والقانوني والأمني والسياسي في العراق هي وراء محاولة مأزق قوى الإسلام السياسي، سواء على صعيد أزمتها الهوياتية او على صعيد معضلة نفس الهوية التي باتت غير ملائمة اليوم.  وعليه ان هذه القوى الاسلامية سواء في العراق او مصر وتونس، فهي أقرب الى جماعات المافيا من ان يمثلوا طبقة قادرة على تشكيل حكومة طبيعية تقوم بتأمين الحد الأدنى لمعيشة الجماهير، هذا ناهيك عن طبيعتها المعادية لكل أشكال الحريات وتحقيرها للإنسان ومحاولة فرض الخضوع والخنوع عليه.

بيد أن المعضلة البنيوية وحدها ليست هي كل المشكلة في مأزق هوية هذه الجماعات، فهناك معضلة اخرى تنخرها هي المعضلة الاجتماعية التي اماطت  انتفاضة أكتوبر اللثام عنها، حيث لا يمكن لقوى الإسلام السياسي الاستمرار بالحكم في العراق بالطريقة القديمة، وان كل الاعيبها ومسرحياتها واكاذيبها وتبرجها بالدين أصبحت مكشوفة. وان ما يثير الاهتمام ثم البناء عليها حيث سنشير إليه لاحقا، ان المجتمع العراقي ليس مثل المجتمع السعودي او الاماراتي وان التغييرات الحاصلة على صعيد رفع العلمانية والمدنية والتحضر بقامتها في المجتمع ليس بسبب الإصلاحات من الاعلى او من الفوق، كما جاءت في قرارات الطبقة الحاكمة في السعودية او في مصر كما جاءت في مناهج الازهر في مصر، بل إن الجذر الاجتماعي المتمدن والمتحضر والتحرري والثوري يضرب في عمق تاريخ العراق الحديث. اي بعبارة اخرى بأن من فرض التراجع على الإسلام السياسي هي القاعدة الاجتماعية، وقد حاول بجميع مساعيه هذا الإسلام السياسي عن طريق القتل والاغتيالات ورعب المليشيات واقامات المناسبات الدينية حتى في الجامعات وتغيير القوانين ومحاولة تشريع قانون العطل الرسمية التي تصل إلى ١٥٢ يوم أكثر من ٩٠٪ منها عطلة دينية وفضائياتها الممولة من جيوبنا العمال والموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل ومستفيدة من الأرضية الاجتماعية للحصار الاقتصادي والحملة الإيمانية لنظام صدام حسين، الا ان حجم فشل تلك المساعي، كان مريعا ودخل في سجل أرقام غينيس. وهذا هو سر بحث هذه القوى عن الهوية، فمرة يظهر حزب الدعوة وعموم مليشيات تحالف فتح بأنه جزء من (هوية المقاومة والممانعة) ومرة أخرى يظهر مقتدى الصدر بانه وطني عراقي و يتغنى بالوطن أكثر من تغنى اياد علاوي وحسام الرسام به، ومرة يتغنى بالإسلام واخرى بالطائفة. والأكثر سخرية في هذا المشهد، التنافس في إصدار البيانات بالدفاع عن قيم الإسلام في العراق، بينما لم يقل أي واحد منهم؛ وماذا عن قيمة الإنسان الذي سرقوه في وضح النهار و تركوه عاريا من كل شيء، وعندما يغضب فأما يقتل برصاص القناصة أو يدرج في قائمة ٤ ارهاب. وبصلة بالموضوع نفسه يشترط الإطار التنسيقي (البيت الشيعي الجديد) على أن يكون رئيس الوزراء القادم متدينا، ويقصد مثل شخصيات ورجالات الإسلام السياسي الشيعي، متفنين بالكذب والوقاحة والنفاق والرياء والمراوغة ومحترفين بأدائهم في السرقة والنهب دون ترك أية بصمات. وهذا ايضا اي ان يكون رئيس الوزراء متدينا هو جزء من الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع العراقي والقيم المجتمعية. ويدل كل هذا على حقيقة وجه الإسلام الذي يمثلوه كل هذه السنوات وهو الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والطائفي والجنسي والديني الذي مارسوه ضد جماهير العراق.
ان هذه الجماعات تحاول عبثا تجديد هويتها الاسلامية في الزمان والمكان والخطأ. إن الزمان الخطأ هو أن كل شيء بدأ يتغير حول العراق نحو التحرر والعلمانية، أما المكان الخطأ، فانتفاضة أكتوبر أعادت المجتمع العراقي الى جذورها المدنية والتحررية.
ان بيانات حزب الدعوة وتغريدات الصدر ضد حفلة محمد رمضان ليس أكثر من محاولة يائسة ومضحكة وتثير الشفقة حقا  على مساعي هذه الجماعات لإعادة الاعتبار الى هويتها الإسلامية، التي لا تختلف في ماهيتها الاجتماعية لداعش.
بالنسبة لنا نحن الشيوعيون والاشتراكيون ودعاة الحرية، علينا فضح ما وراء سياسات هذه الجماعات، وتعبئة المجتمع لإقصاء هذه الجماعات من حياة المجتمع وعبر النضال على فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم. ان هذه الجماعات مثل الدعوة والصدر ورجالات الدين  الصف الثاني العنصريين الذين فشلوا في إقناع مريدهم بهويتهم الإسلامية، فتحولوا الى عنصريين بامتياز عندما وجهوا الاهانات الى  لون محمد رمضان، فهم  يبغون من وراء كل هذه الضجة في احتكار حلم وأماني وتطلعات الانسان في العراق، عبر فرض هوية إسلامية هي نفسها متورطة بها. ولكن والحق يقال ان مدن العراق تعلم، بأن تحمل هوية تالفة وممزقة افضل من ان لا تحمل أية هوية، وانت تعبر المفارز والسيطرات الأمنية.







32
مكانة الليبرالية والديمقراطية في العراق

سمير عادل

هل هناك أية إمكانية لانتصار الليبرالية بشكل خاص والديمقراطية على العموم في العراق كتيار سياسي واجتماعي؟

بعد الانتخابات الاخيرة التي أُجريت في ١٠ تشرين الأول من هذا العام، وما زالت نتائجها محل جدل ولم تصادق عليها المحكمة الاتحادية، أي بعد ما يقارب شهر ونصف، سلط الضوء الإعلامي بشكل مخطط ومدروس على إحراز صف من “المستقلين” على عدد من المقاعد البرلمانية. وأكثر من ذلك، ازدادت الحملة الاعلامية للترويج لهم بعد تشكيل قسم منهم تحالف او ائتلاف سمي ب(الكتلة الشعبية)، وتصويرها على انهاء إحياء للتيار الليبرالي في العراق وكان رموزه حينذاك محمد حديد وكامل الجادرجي وجعفر ابو التمن، وان فجر شمس الحرية والديمقراطية الحقيقية ستشرق على العراق بعد عصر جليدي دام ما يقارب عقدين من الزمن.
وكما تحدثنا من قبل وفي مناسبات أخرى، إن إعادة الدماء إلى العملية السياسية من اولويات حكومة الكاظمي والقوى الدولية والعالمية المساندة لها، كما أن إعادة ثقة جماهير العراق بها وخاصة بعد مقاطعة اكثر من ٨٢٪ منها للانتخابات الأخيرة و للمرة الثانية، أحدى المسائل المحورية وفي صلب السياسات العملية والاستراتيجية لتلك القوى. ولهذا اصدر مجلس الامن بيانا أشاد بالانتخابات ونتائجها، إلى جانب بيان آخر أدان عملية اغتيال الكاظمي، التي كانت من الممكن في حال نجاحها نشر الفوضى ونسف العملية السياسية.
وعلى الرغم من محاولات في تعويم ما يسمى (التيار الليبرالي) بعد الغزو والاحتلال، على صف من السياسيين أمثال عدنان الباجي ومهدي الحافظ و جلال الماشطة، وقد سلموا هؤلاء  أسلحتهم مبكرا وانضموا الى صفوف نادي المحاربين القدماء، إلا أن الصراع على السلطة بين التيار الذي يريد تأسيس دولة تتجه نحو الشرق وتبتعد عن المحيط العربي وآخر يريد تأسيس دولة توجه شراعها نحو الغرب والمحيط العربي قد يبدد اماني حكومة الكاظمي وداعميها الإقليميين والدوليين في اعادة الوهج والبريق للعملية السياسية عبر الترويج لما سموه بالمستقلين والتيار الليبرالي.
وخلال الأيام الأولى بعد الانتخابات نشطت دعايات الأطراف المؤيدة للانتخابات بتوجيه اللوم والنقد والتقريع إلى الجماهير المليونية التي قاطعت الانتخابات، وأنها لو لم تقاطع الانتخابات لحصل المستقلون على اضعاف المقاعد التي حصلت عليها، وبهذا ستنتهي المحاصصة السياسية و سيقصى الإسلام السياسي خارج الحلبة، وسيعم الأمن والأمان ويقضى على الفساد. الا ان السذاجة السياسية التي تمنع دائما لفيف من المثقفين الذين يسمون أنفسهم بالليبراليين من رؤية أبعد من وقع أقدامهم، صدمت بأن العملية السياسية لا يمكن لها أن تجدد نفسها بالرغم من إحراز المستقلين ٤٠ مقعدا فيها (هذا إذا افترضنا انهم سيظلون مستقلين للنهاية وقاوموا عدم الغرق في مستنقع العملية السياسية وبيع ذمتهم ) ولا يمكن للعملية السياسية أن تولد أكثر من فأرا. وأن أساس المعضلة السياسية في العراق هي نفس العملية السياسية، ودون انهاء عمرها، فلا يمكن انتظار الخير منها، وقد أثبتت كل هذه السنوات صحة ما ذهبنا اليها.
وإذا وضعنا جانبا صراع الفائزين والخاسرين والذي سيكون في النهاية عقد هدنة بينهما وإعادة تقاسم المناصب وتشكيل حكومة على أساسها، فإن الخداع والتضليل الذي يمارسها مناصرو العملية السياسية عبر التطبيل والتزمير للمستقلين ليس الهدف منه إلا إعاقة حماسة الجماهير التي قالت لا للعملية السياسية..ولا للانتخابات، وهم مرعوبون من اشتعال شرارة انتفاضتها من جديد كما اشتعلت انتفاضة البصرة والمدن الجنوبية بعد انتخابات عام ٢٠١٨.

إن الغزو والاحتلال كسر طوق العزلة على العراق بعد حصار دام ثلاثة عشر عام وأصبح جزء من النظام الرأسمالي العالمي، وفي نفس الوقت تابعا على الصعيد الاقتصادي للدول الامبريالية، وحدد له موقع في تقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي وهو إنتاج النفط. واذا ما اخذنا على سبيل المثال لا الحصر ظروف وشروط عمل العمال في القطاع النفطي الذي سلم حقول عديدة منها الى الشركات الاجنبية مثل اكسيون موبايل وشيفرون الامريكية وتوتال الفرنسية وبتروجاينة الصينية واينو الايطالية و غازبروم الروسية وبترش بتروليوم البريطانية، فإن أوضاعهم لا يحسد عليها من حيث توزيع الأرباح وتفشي الأمراض السرطانية دون تغطية صحية كافية وطول ساعات العمل وسوء الطعام أو قلة دفع بدلاته و مشكلة النقل، وهي  أي ظروف العمل الأقسى عندما كانوا تحت اشراف شركة نفط الجنوب ونفط البصرة، وان الحكومة العراقية تطبق قوانينها التي صدرت في عهد نظام صدام حسين على العمال وهي منع أي شكل من أشكال التنظيم والاحتجاج . بمعنى اخر ان الحكومة العراقية تقدم كل التسهيلات القانونية لفرض اشكال من العبودية على العمال من أجل در الأرباح لصالح تلك الشركات الاجنبية، هذا ناهيك عن وجود شركات السمنت الفرنسية لافارج والشركات الايرانية والتركية في مجال التعليب والبناء والدواجن التي هي الأخرى تجد في سوق العمالة العراقية أرباحا كبيرة بسبب شروط عمل العمال القاسية.

ما نراه اليوم في العراق من وجود الحريات النسبية على صعيد الفكر والرأي والإعلام والتظاهر ليس هو نتاج تصدير الغزو والاحتلال لمفهوم الديمقراطية وتأسيس نظام برلماني نصفه قائم على المليشيات، إنما هو  نتاج عدم قدرة التيارات السياسية القومية والاسلامية من حسم موضوعة السلطة فيما بينها. وإذا ما دققنا قليلا فإن حزمة القوانين التي مررت مثل حرية التعبير والحريات النقابية وعدد من مشاريع قوانين جديدة التي لم تمرر في البرلمان مثل الأمن الإلكتروني  وغيرها  تعبر عن خطة سياسة وبرنامج عمل على الصعيد الاستراتيجي لتنظيم القمع وفرضه على المجتمع من قبل الطبقة الحاكمة. وان شكل النظام السياسي وماهيته في العراق ليس فقط لا يتعارض مع مصالح القوى الامبريالية العالمية بل الاخيرة تسانده بكل ما أوتي لها من قوة. اي ليس لديها أية مشكلة مع نظام المحاصصة القومية والطائفية كما اسلفنا من قبل في مقال مفصل ( التعمية وإخفاء الصراع الطبقي في المشهد السياسي العراقي). وقد عبر هذا النظام وعبر العملية السياسية على أنها غير متسامحة ابدا مع اي شكل من أشكال الحريات. فمنذ انتفاضة شباط ٢٠١١ وبعد ذلك تظاهرات تموز ٢٠١٥ ثم احتجاجات المدن الجنوبية في ٢٠١٨ وما بينهما تظاهرات المنطقة الغربية في ٢٠١٣، واخيرا وليس اخرا  قتل اكثر من ٨٠٠ شاب في عمر الزهور في انتفاضة أكتوبر عام ٢٠١٩، فلقد غض الطرف عن قتلتهم عبر مساومة حقيرة بين أطراف العملية السياسية، يكشف عن أن شمس الديمقراطية بالمفهوم الليبرالي ليس أكثر من تسجيل حضور لساعات في شتاء قارص. ولم تبدِ الدول التي تمتلك شركات عاملة في العراق وهي الدول الامبريالية العالمية أكثر من قلقها على المتظاهرين والمطالبة بضبط النفس من قبل القوات الامنية، والادعاء الفارغ من المحتوى بانها تحترم حق التظاهر، باستثناء انتفاضة أكتوبر التي صدرت خلالها الدول الغربية بيان ادانة لقمع المتظاهرين ضمن لعبة توازن القوى التي كانت لغير صالحها عندما كانت حكومة عبد المهدي تمثل مصالح النفوذ الإيراني في العراق.
وان كل ما تريدها الامبريالية العالمية في تصدير الديمقراطية الى بلدان تابعة لها، هي حصرها بآلياتها الشكلية؛ وهو صندوق الانتخاب وحق الاقتراع او التصويت ليصب بالأخير بالتبادل السلمي للسلطة وليس أكثر من هذا. وفي حالات كثيرة ترفض أمريكا وحلفائها نتائج التصويت اذا وجدوا ان الفائز بتلك الانتخابات طرف مناهض لمصالحها السياسية والاقتصادية كما شاهدناه في العديد من البلدان.
أي إذا تجاوزنا مفهوم الديمقراطية والليبرالية ووسعنا من حدودها، وليس كما حاول الاحتلال تأطيرها وفشل في ترسيخها، و معطياتها المادية هي المقاطعة العظيمة للانتخابات وخلال ثلاث سنوات ولمرتين، نقول اذا تجاوزنا تلك المفاهيم  الى الحريات السياسية  وحرية التعبير والرأي والمعتقد والحقوق المدنية والمساواة، فإن حصة أرباح الشركات الأجنبية تنخفض، لأن القاعدة القانونية والسياسية والاجتماعية للمطالب العادلة ستتسع وتتحول مقولة الحرية والحق بالعيش الكريم والرفاه والعدالة والمساواة الى عقلية جمعية ووعي في المجتمع، وستتحول إلى حركات تنتزع حقوقها وتسجل انتصاراتها، وعلى الامبريالية العالمية تقديم تنازلات من أرباح شركاتها، وأنها بدورها ستقل ايضا من أرباح الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق التي هيأت  ظروف الاستثمار والاستغلال في العراق.

أن الليبرالية كنظام اقتصادي، بدء يرى النور في العراق، وليس الورقة البيضاء التي أسست للموازنة الا تتويجا رسميا لليبرالية الاقتصادية وإنهاء الجدل حولها بعد طول تردد من الحكومات السابقة في تبنيها. أما على الصعيد السياسي، فإن الليبرالية ليس أكثر من إضفاء الشرعية على العملية السياسية وترسيخ سلطة رأس المال وبغض النظر عمن يمتلكه، سوى جاء بالفساد والاستحواذ أو بالاستثمار واستغلال الطبقة العاملة. وان متطلبات الاستثمار في السوق العراقية بحاجة الى قمع سياسي والى القوانين التي ذكرتها لتأمين مصالح الشركات والدول والطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق. اما (التيار الليبرالي) وهو التسمية التي يحاول أن يطلق الحالمون الليبراليون الجدد على المستقلين أو (الكتلة الشعبية)، فدورهم لن يكن أكثر من محاولة فاشلة في مسح آثام العملية السياسية، في الوقت الذي تحتاج الى  إنهاء عمرها.

33
دولة على مقاس الصدر.
سمير عادل
دعوة الصدر إلى حل جميع الفصائل المسلحة، والمبادرة إلى حل ميلشياته (لواء اليوم الموعود)، ليس إلا خطوة نحو بناء الدولة التي فشل المالكي في تأسيسها عشية تسليمه ثلث مساحة العراق الى عصابات داعش. الا ان الفارق الوحيد بين دولة الصدر ودولة المالكي هو (اتجاه) الدولة الجديدة. اي بشكل اخر نقولها؛ هل هي باتجاه ايران او باتجاه ما يسمى بالمحيط العربي والغرب. الصدر يريد توجيه شراع الدولة تجاه المحيط العربي والغرب عموما وتحت عنوان الحفاظ على سيادة العراق واستقلاله، بينما كان المالكي ومازال ذراعه المليشياتي المتمثل بفتح والفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي يريد توجيه شراع الدولة نحو إيران. وليس الكاظمي الا ممثل اتجاه الصدر وتلميذه المخلص وهذا كان سر محاولة اغتياله كما اسلفنا من قبل.
 
لا شك ان الصدر وتياره يبغيان إعادة تأسيس الدولة بالمفهوم القانوني والأمني و الهوياتي، تشكيل جهاز واحد يقضي على التشرذم السياسي بين الأجنحة المتصارعة على السلطة السياسية، وتوحيد صفوف الممثلين السياسيين للطبقة البرجوازية الحديثي النعمة في العراق، تلك الطبقة وممثليها التي جاءت عبر حراب الغزو والاحتلال، واستفادوا من نعمه سواء عبر التعاون معه أو عبر ما سمي بمقاومته، ولكن بالنتيجة عرف الجميع من أين تؤكل الكتف.
 
من ينظر إلى دعوة الصدر للوهلة الاولى الى حل المليشيات، مع الحفاظ على كيانها وشرعيتها وهو الحشد الشعبي، تدغدغ صدره مشاعر البراءة التي يظهرها الصدر. بيد أن هذه المبادرات  مليئة بالخبث السياسي، ولعبة يحاول أن يمررها على جماهير العراق ويذر الرماد في عيونهم، في حين لا يمكن تمريرها على إخوته الأعداء من بقية القوى الشيعية المليشياتية، وهذا هو سر رفض دعوة الصدر فورا  من قبل تلك الفصائل في حل المليشيات وتسليم سلاحها الى الحشد الشعبي.
 
إن دعوة حل المليشيات من قبل الصدر هي ورقة سياسية يحاول اللعب بها ومسعى لإعداد إحدى سيناريوهات  بالتعامل مع القوى الرافضة لنتائج الانتخابات. وتعتبر أي حل المليشيات جزء من التعبئة السياسية والجماهيرية والدعائية  لتقليم أظافر الميليشيات المتنافسة مع مشروعه المدعوم أمريكيا وخليجيا وعربيا. وهذا يصب ايضا في الكذبة التي يروجها الصدر بتشكيل ما يسمى حكومة أغلبية وطنية التي لا تتجاوز الجعجعة الاعلامية من الناحية الشكلية، وتصب في نفس السيناريو الذي يعد له التيار الموالي لأمريكا و يتزعمه الصدر هذه المرة، لإقصاء التيار الآخر بشكل نهائي من السلطة وهو المدجج بسلاح المليشيات ويحمل هوية المقاومة والممانعة. والصدر يدرك أكثر من غيره أن العملية السياسية قائمة على المحاصصة،  فدون القوى القومية الكردية والعروبيين الذي يتزعمه اليوم الحلبوسي اليوم  بدلا من علاوي والمطلك بالأمس ، ومنح الحصص للبيت الشيعي الذي التحم تحت مظلة الإطار التنسيقي ويقوده المالكي، فلا حكومة تقوم لها قائم في العراق. وأن الجميع وخلال هذه السنوات استثمرت سياسيا في المليشيات لتدر عليها استثمارات اقتصادية ومالية، اي الغنائم الاقتصادية والمالية عن طريق الاموال المنهوبة؛ من شركات الاتصالات والاستيراد والتصدير والدواجن والسمنت والمصافي واسواق الجملة والبنوك والنقل، والاستحواذ على الأراضي وإقامة المشاريع الزراعية عليها مثلما حدث في جرف الصخر وحزام بغداد والموصل وديالى، نقول لا يمكن الحفاظ على كل تلك الامتيازات دون قوى ميلشياتية، لأن جميعها ليس لها أي سند قانوني وشرعي سوى فرضها كأمر واقع بسلاح القوى المليشياتية المغتصبة. والصدر يعي  بشكل جيد إن حكومته المقبلة التي يريد تشكيلها ستعمل على تأسيس دولة على مقاسه ووفق الاسس التي بناها في الاجهزة الامنية التي استحوذ  على مناصب فيها وتغلغل خلال سنوات فيها حسب مبدأ المحاصصة للاستحواذ على ما يمكن استحواذه عبر تنحية خصومه من التيار الآخر، وهو يخشى منه، وحاولت ميلشياته تصفيته،  عندما قام بمحاولات تجيير انتفاضة اكتوبر وقيادة نزعتها المعادية لولاية الفقيه والجمهورية الإسلامية وهيمنتها القومية على العراق، وعبر مسيرة أو طائرة دون طيار مثلما حدث لممثله الكاظمي.
 
الدولة التي يريد تشكلها الصدر هي دولة قمعية سافرة، دولة تجيز قتل المعارضين والمخالفين بحجة حماية الإسلام والطائفة والوطن، دولة جٌرَّبِتّ ايام الحرب الطائفية، عندما قامت بالتطهير الطائفي وتحولت منطقة السدة في مدينة الثورة الى مقبرة جماعية، وكانت الاسماك تنتظر المن والسلوى، تنتظر كل يوم حصتها مما اغدقتها سماء العراق الطائفية من جثث في مياه دجلة لتتغذى عليها، دولة معادية للنساء وحقوقهن حتى النخاع، الن يهتز الصدر في ايام الانتفاضة عندما ارتفعت صوت المرأة فيها، ليتحفنا بدعوته بفصل الذكور عن الاناث، دولة تعادي العمال وتمنع كل اشكال الحريات والتنظيم في القطاع العام، دولة مطاطية الهوية؛ وحسب مصالح الصدر وتياره، فمرة شيعية ومرة اسلامية واخرى وطنية استبدادية. الم يقول لنا في لقاء مع الهيئة السياسية للتيار عشية الانتخابات، أن ثوابته الإسلام والطائفة والوطن، دولة تفرض الضرائب على رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين، وعلى الاتصالات والمحروقات، دولة تتنصل من مسؤوليتها تجاه المجتمع، فهي مؤيدة وبشكل سافر لخصخصة التعليم والصحة والخدمات. هذه هي الدولة التي لها مشتركات مع دولة محور الإجرام والفساد الذي يسمي نفسه بمحور المقاومة والممانعة.

ما يهمنا نحن، أي كان تجاه شراع الدولة، فلا خبز لنا فيه، لأننا كعمال وكادحين ومحرومي هذا المجتمع ندرك أن كل محاولات إعادة تشكيل الدولة سواء بالمعنى المالكي-فتح أو الصدري-الكاظمي، لم تكن حرابها الا موجهة نحو صدورنا، لأننا ببساطه طالبنا بالحرية والمساواة، طالبنا بإنهاء العملية السياسية القائمة على أساس المحاصصة القومية والطائفية، طالبنا بدولة المواطنة، دولة ذات هوية علمانية وغير قومية تعرف البشر في العراق على اساس الهوية الانسانية، طالبنا بحل المليشيات بما فيها الحشد الشعبي ومليشيات الصدر جزء منه والذي يستحوذ على ملياري دولار سنويا من موازنة الدولة دون وجه حق، ووظيفته الوحيدة هي الحفاظ على الامتيازات التي ذكرناها، وبدلا من ذلك أنفاق موازنتها على ضمان بطالة وتأهيل المصانع والمعامل لتوفير فرص العمل ل ١٢ مليون عاطل عن العمل حسب ارقام وزارة التخطيط. فهم بجميع تياراتهم ومن أجل الحفاظ على ما سرقوه منا، ذهبوا في إشعال حرب طائفية مرة، ومرة اخرى مارسوا الظلم الطائفي للاستفادة من خيراته، و جلبوا لنا داعش، واخيرا وليس اخرا اطلقوا دواسة مليشيات القبعات الزرقاء وسرايا السلام الى جانب مليشيات محور المقاومة والممانعة لتقتل أكثر من ٨٠٠ شخص منا، وما زال قتلة المتظاهرين يطلقون المبادرات بحل المليشيات، بدلا من محاكمتهم.  وما زال يتحدثوا لنا دون اي حياء او خجل عن استقلالية العراق، والآخر يتحدث عن العزة والكرامة في مقاومة الامريكان، والكل يتفق على مسالة واحدة ولا اختلاف فيها وهي الورقة البيضاء وتشكيل جهاز لقمع كل من تسول نفسه الحلم بالمساواة.

34
التعمية وإخفاء الصراع الطبقي في المشهد السياسي العراقي

سمير عادل
 

بيان مجلس الأمن الدولي عن الانتخابات التي جرت في ١٠ تشرين الأول يكشف عن مسالة واحدة لطالما تم التغاضي عنها أو عدم الاكتراث لها، وهو اضفاء الشرعية على الانتخابات و مسعى لتدارك أية ضربة استباقية لمن يحاول تعكير صفو استمرار العملية السياسية. وهو أي البيان رسالة واضحة، بان لا بديل للتغيير في العراق الا عبر صناديق الانتخابات وبصورة شكلية بحيث لا تمس الامن الاقتصادي العالمي، الذي يتلخص بعدم زعزعة موقعية العراق في تقسيم الانتاج الرأسمالي العالمي الذي يعني صناعة النفط. وبشكل آخر يقول بيان مجلس الأمن  ان العملية الديمقراطية  لن تتجاوز صناديق الانتخابات لإعادة انتاج البرلمان وهي قدر الجماهير في العراق وعليها ان تقبل بها. وليس مهما نسبة المشاركة في الانتخابات حتى لو قاطعتها اكثر من ٨٢٪ من الجماهير، فالمهم هو نفس العملية الانتخابية. وهذه هي رسالة ذات شقين، الأول أن البديل البرجوازي في العالم  هو البرلمان، وعبر انتخابات هي من تضع قواعدها سواءً على صعيد الانفاق المالي أو على الصعيد الامني او على الصعيد الاعلامي مع الاختلاف بدرجات كل واحد حسب أوضاع البلدان التي تجري فيها الانتخابات. أما الشق الثاني هو الحيلولة دون اندلاع انتفاضات وثورات تقلب كل المعادلة السياسية. فأكثر ما تثير الرعب في قلب الطبقة البرجوازية هو الانتفاضات والثورات كما راينا في الثورتين المصرية والتونسية التي جاهدت جميعها كطبقة موحدة لقلبها وتشويهها وتحريف مسارها وتحويلها الى صراعات طائفية وفي بعض الاحيان اذا اقتضت الضرورة الى حروب اهلية عبر فتح أبواب الاقفاص لإخراج كل الجماعات الاسلامية الارهابية في المنطقة مثلما شاهدناه في ليبيا وسورية واليمن. وعلى الجانب الآخر  يبين بيان مجلس الامن هو سعي الاقطاب الرأسمالية العالمية في مجلس الأمن لخلق الاستقرار السياسي والامني في العراق كي يكون  مدخلا لاستقرار المنطقة وبالتالي تأمين مستلزمات دوران رأس المال.
تشكيل حكومة الاغلبية وبعيدا عن المحاصصة أكبر كذبة في الموسم الجديد لتدشين المشهد السياسي بعد انتخابات اقل شعبية من انتخابات ٢٠١٨، فالعراق الذي قسم بدعم السياسة الأمريكية الى مناطق نفوذ ميليشياتية لن تتشكل فيه أية حكومة اغلبية برلمانية بالمعنى الديمقراطي. ومقتدى الصدر الذي يتحفنا كل يوم بأنه سيشكل حكومة الاغلبية عبر تشكيل الكتلة الاكبر في البرلمان لن يقوم له قائم بدون القائمة القومية الكردستانية والقائمة (السنية) العروبية، والتي تعني تقسيم المناصب الحكومية حسب المحاصصة بين تلك الكتل، وبخلاف ذلك لن يكن هناك كتلة اكبر.
ومن خلال هذه الزاوية يجب النظر الى مسألتين استحدثت على المشهد السياسي، الاولى هي الصرخات التي تتعالى من تحالف المليشيات بقيادة فتح وعموم ما يسمى البيت الشيعي الذي توحد تحت عنوان الاطار التنسيقي. فكل التصريحات والاحتجاجات وعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات والضجيج والفوضى الذي تحدثه في قطع الطرق واقتحام المنطقة الخضراء، مردها، هي المحاولة بالحفاظ او في افضل الاحوال على إنقاذ ما يمكن انقاذه من حصصهم السياسية والمالية والادارية والعسكرية. فهم يدركون أفضل من غيرهم أن نتائج الانتخابات لن تتغير، وهم ادرى بطرق مكة وشعابها أي بدهاليز التزوير ومسالكها، وان حرق صناديق الانتخابات كما فعلوا في انتخابات ٢٠١٨ لن تنفعهم هذه المرة. أما المسألة الثانية هي إذكاء نيران الطائفية في أي بقعة من العراق، وكانت مدينة المقدادية في محافظة ديالى فرصة لافتعال حريق طائفي في المنطقة (مثل حرائق المستشفيات والمزارع) من قبل مليشيات فتح عبر سياسة التهجير ومحاولة لإنتاج التظلم الشيعي للإبقاء على حصصهم في الحكومة الجديدة. فبعد فشل ترويجهم لهوية “المقاومة والممانعة” وعدم إيجاد سوق لها، ذهبت تلك المليشيات التي يقودها هادي العامري في استغلال الجريمة المروعة التي ارتكبتها عصابات داعش في قرية (نهر الامام) لطرح هويتها التالفة القديمة في المشهد السياسي بعد هزيمتها في الانتخابات.
وهذا يقودنا ان الجناح الولائي اي جناح مليشيات الحشد الشعبي تحت مظلة فتح، يبحث عن مصالحه السياسية والاقتصادية بعيدا عن مصالح ايران. ان الصراع على السلطة يحتدم كل يوم في العراق، وليس صحيحا اختزال هذا الجناح وكل ممارساته السياسية والعملية بعمالتهم لإيران. إن هذا الاختزال هو سياسة دعائية للتيار القومي العروبي والوطني المدعوم من أمريكا والسعودية والامارات ومصر والاردن لتقويض مكانة التيار الولائي اجتماعيا لتوجيه ضربات سياسية وامنية له  دون ترك اية بصمات او إسقاطه دون احداث اي صوت مدوي له. وهي في نفس الوقت سياسة من شأنها التعمية على ماهية الصراع السياسي بين هذه الاجنحة في صفوف الجماهير وعموم المجتمع، وتحويل الصراع بين العمال والكادحين ومحرومي المجتمع وهذه الطبقة الفاسدة المدعومة سواء كان ايرانيا او امريكيا الى صراع قومي ووطني من أجل ما سمي بسيادة العراق، في الوقت الذي كانوا جميعهم لم يقٌم لهم قائم دون انتهاك سيادة العراق وتحويله الى مرتعا سياحيا لوكالات المخابرات الاقليمية والدولية وفرق الموت وجيوش المنطقة.
ان الصراع على السلطة بين الجناح الإسلامي-المليشياتي المدعوم من إيران وبين الجناح القومي المحلي المدعوم من أمريكا وحلفائها العرب هو صراع على ادارة مصالح رأس المال وتأمين مستلزمات الربح عبر فرض نظام سياسي واجتماعي بمحتوى استبدادي مع الحفاظ على الديمقراطية من الناحية الشكلية. وكلا الجناحين متفقان، بأن الحفاظ على موقعية العراق في صناعة النفط وفي نفس الوقت فتح اسواقه لن يكون الا عبر الورقة البيضاء التي روجت لها حكومة الكاظمي واشتقت منها قانون الموازنة الذي يعني توسيع مساحة الفقر والعوز. اي ما يتم اخفائه في هذا التكالب على السلطة هو الوجه المعادي لهذين الجناحين مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة والاغلبية المطلقة المحرومة من جماهير العراق. والمضحك في هذا الصراع على السلطة، فكلا الجناحين يحاولان إخفاء ماهيتهما في السلب والنهب عبر الاحتماء: اما بالهوية الطائفية كما في حال جناح الحشد الشعبي-فتح او بالهوية القومية وما يسمونها بالمحيط العربي كما في حال -تيار الكاظمي-الصدر. وإذا كان مشروع الأول هو المقاومة والممانعة وطرد القوات الاجنبية ومواجهة الكيان الصهيوني لإدامة فسادها وظلمها، فان مشروع الثاني هو الاصلاح، والذين يعني تقويض حصة منافسه الأول عبر شعارات شعبوية خالية من اية برامج اقتصادية وسياسية تحقق الحد الادنى من الحرية والمساواة والرفاه.
ان كل اشكال الصراع بين هذه الاجنحة على السلطة ومواقف الاقطاب الرأسمالية العالمية وتغليفه بهويات طائفية وقومية وحقوق الإنسان والديمقراطية، لديها وظيفة واحدة وهي إخفاء ماهية الصراع الطبقي، والحيلولة دون نهوض صف جماهيري يتقدمه العمال براية مستقلة و بهدف تحقيق الحرية والمساواة  ضاربا بعرض الحائط كل الترهات القومية والطائفية وبيانات مجلس الأمن وقلق الامين العام للأمم المتحدة على اوضاع العراق.

35
ما وراء اغتيال الكاظمي
سمير عادل

لم يكذب ولاول مرة هادي العامري زعيم تحالف مليشيات الحشد الشعبي بأن هناك طرف ثالث وراء المحاولة الفاشلة لاغتيال الكاظمي صباح يوم أمس الأحد. والطرف الثالث هو نفس الطرف الذي قام بقتل متظاهرين انتفاضة تشرين/اكتوبر، مع فارق واحد هو أن المجني عليه في هذه المرة هو الكاظمي الذي قفز من سفينة الطرف الثالث في الوقت المناسب ووقف ضد مشروعه وهو مشروع تأسيس دولة الإسلام السياسي الشيعي على غرار دولة ولاية الفقيه في ايران.
محاولة اغتيال الكاظمي اكبر من مما تقوم وتفكر به  ما تسمى بالمليشيات الولائية التي في اقصى ما تذهب إليه القيام بالاغتيالات الجبانة للناشطين وفعالي انتفاضة اكتوبر او استغلال مناصبهم الحكومية للصعود على اسطح الابنية لاقتناص المتظاهرين، فأعمال هذه المليشيات لا تخرج من دائرة عصابات المافيا. اي بعبارة اخرى ان محاولة الاغتيال تقف ورائها مخابرات دولة لها إمكانيات كبيرة على الصعيد اللوجستي والاستخباراتي والعسكري، ولربما وظفت واحدة من تلك المليشيات او عناصر منها كي تكون ادوات تنفيذ في عملية الاغتيال، وليس أكثر من ذلك.

ان الترويج لمحاولة اغتيال الكاظمي  بذريعة انتقامية او بحجة تزوير نتائج الانتخابات التي جاءت بما لا تشتهي سفن جناح الاسلام السياسي الشيعي، هو تصور سطحي ومن شأنه تضليل الجماهير التي خرجت في انتفاضة عظيمة لتطالب بالحرية والمساواة ودولة المواطنة، ودفعت ثمنا غاليا من دمائها على يد الطرف الثالث، وهي نفس الجماهير التي غيرت شكل نضالها عبر مقاطعتها المليونية للانتخابات، وقالت كلمة فصل بالعملية السياسية ومجمل النظام السياسي - الاجتماعي المجرم والفاسد. ولا يقف ذلك التصور السطحي عند هذه الحدود، بل من شأنه تتويج الكاظمي بطلا قوميا ورمزا وطنيا من اجل تمرير كل المظالم الاقتصادية وتوسيع مساحة الفقر وطمس ماهية النظام العازم على ترسيخه في العراق، وهو نظام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نظام الليبرالية الجديدة الذي فشل بول بريمر في تأسيسه في العراق، النظام الذي غض  الطرف عن كل قتلة متظاهري انتفاضة اكتوبر وتحت عنوان ومبررات سخيفة بأنه منع الحرب الاهلية، وكان يمسك بمزماره ويراقص الثعابين كما قال في لقائه مع احدى القنوات الاعلامية. ولن يرى النظام الذي يريد الكاظمي تأسيسه النور دون فرض الاستبداد والقمع، وقد رأينا تباشيره تلوح بالافق عندما غض الطرف عن مليشيات الصدر وهو يقوم بالهجوم على متظاهري ساحة الحبوبي في الناصرية وفي ساحة الصدرين في النجف وفي ساحة التحرير في بغداد، وراينا كيف هاجمت قواته الامنية، الاحتجاجات الجماهيرية من اجل مطالبها العادلة.
لنعود الى محاولة اغتيال الكاظمي، والتي تذكرنا بأغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005، ولكن كانت بآلية مختلفة، وهي تفجير سيارات مفخخة عند مرور موكبه، بينما تم محاولة اغتيال الكاظمي الفاشلة بمسيرات مفخخة بهجوم منسق على منزله في الساعات الاولى من الصباح.
ان السياسة التي وقفت خلف قتل الحريري هي نفسها في محاولة اغتيال الكاظمي مع فارق زمني. وتلك السياسة كانت وراء احباط مشروع رجلين يمثلان تيار سياسي واحد.  كان مشروع الحريري  هو محاولة لفك الارتباط بين لبنان وما سمي بمحور “المقاومة والممانعة” اي محور ايران-سورية في المنطقة وبناء دولة قومية مرتبطة بالمحور العربي، وبدعم من  الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهو نفس مشروع الكاظمي الذي أسس له على أكتاف انتفاضة اكتوبر. لقد تم اغتيال الحريري في وضح النهار بينما فشلت عملية اغتيال الكاظمي.
على اثر ضربات انتفاضة أكتوبر فرض التراجع على مشروع دولة الاسلام السياسي الشيعي ، المرتبطة عقائديا وسياسيا واقتصاديا مع دولة آلام في ايران، وهذا هو سر كراهية كل جماعات الإسلام السياسي الشيعي ومليشيانها للتشرينيين، فتحت ضربات معاولهم تكسرت هيبة واعتبار تلك الجماعات وتقهقرت اجتماعيا، واتت الانتخابات لتفرض عليها خطوة اخرى بالعودة الى الوراء.
إن محاولة الاغتيال، كان يبغي من ورائها ايقاف عجلة تقدم المشروع القومي الذي يمثله الكاظمي، بدءا من مشاريع الاستثمار السعودي والاماراتي  بقيمة ٣ مليار دولار لكل واحد منها وربط الكهرباء بالخليج، والمشرق الجديد مع الأردن ومصر، وتقوية الشراكة مع فرنسا والولايات المتحدة الامريكية، و توجت كل خطوات الكاظمي تلك بعقد قمة التعاون والشراكة في بغداد عشية الانتخابات. وتكشف بيانات الادانة التي صدرت ضد محولة الاغتيال وخاصة من قبل السعودية والإمارات ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومصر، اضافة الى الاردن التي عرضت خدماتها الاستخباراتيه تحت إمرة الكاظمي للتحقيق، عن مدى عمق وتقدم المشروع الذي يمثله الكاظمي على حساب المشروع القومي الايراني بشكله الاسلامي وبعده السياسي في العراق والمنطقة. لقد كان يرمى من وراء سيناريو الاغتيال التخلص من الكاظمي اولا، وبعد ذلك  ينتشر الفوضى السياسية والامنية، ومن ثم تتقدم مليشيات الحشد الشعبي للسيطرة على المفاصل الحكومية والامنية تحت عنوان الحفاظ على الأمن وإحباط المؤامرة الامريكية على العراق، ليتبعه إلغاء نتائج الانتخابات أو تجميدها وترحيلها الى اشعار اخر، وبالتالي جر الانفاس ولينتهي بايقاف المنحني التنازلي للمكانة السياسية للإسلام السياسي الشيعي والمشروع القومي الايراني ونفوذها في العراق، كان هذا هو السيناريو الاكثر احتمالا، الذي اعد له بعقلية استراتيجية وجهنمية لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، ونقصد عقارب مشروع الاسلام السياسي الشيعي المتمثل بدولة القانون-مليشيات الحشد الشعبي الذي يخدم بالتالي الحفاظ على النفوذ الاقليمي الايراني في العراق.
وفي خضم هذه الاوضاع، فان ما يثير الضحك هو وضع “محور المقاومة والممانعة” الذي لا يحسد عليه. فإذا ما نجحت عملية اغتيال الكاظمي، فكان خيرا بها وهي من اجل انقاذ مشروع المقاومة والممانعة، وإذا ما فشلت فكما نراها ونسمعها فالغاية هي فبركة عملية الاغتيال كما سماها الخزعلي وحزب الله على سبيل المثال هي من أجل ضرب المقاومة والممانعة. وهذا يقودنا ان الطرفين سيستفيدون من المحاولة الفاشلة للاغتيال خلال الأيام القليلة القادمة، فالكاظمي سيقدم نفسه بأن حياته مشروع “بناء وطن”، وسيزيد حظوظه إقليميا ودوليا ومحليا في اختياره لرئاسة الوزراء ، بينما سيستغل الجناح الاخر المشهد السياسي بعد الاغتيال لإعادة انتاج خطابه المتهرئ والتأكيد بأن كل ماجرى من فبركة هي من أجل تمرير تزوير الانتخابات وأنها تعرضت الى مظلومية سافرة، وإن قدر الشيعة هو حياكة المؤامرات عليهم محليا ودوليا، لإجهاض مشروع المقاومة والممانعة الذي تقوده في المنطقة.

ان من يدفع ثمن هذه الفوضى هو المجتمع، هو من أمن وسلامة الجماهير، وستطلق يد القوى الأمنية في قمع اية احتجاجات جماهيرية خلال المرحلة المقبلة من أجل المطالب العادلة مثل فرص عمل وتوفير الخدمات والضمان الصحي ومواجهة مشروع قانون الامن الإلكتروني والضمان الاجتماعي وتخفيض سعر المواد الغذائية ..وتحت عنوان فرض القانون . وها هي ترتفع الاصوات لدعوة سيطرة الجيش على مقاليد السلطة في العراق بشكل مباشر وغير مباشر بدءا من اشادة الكاظمي بالقوات الامنية (البطلة)
 كما سماها التي أسقطت مسيرتيين من أصل ثلاثة التي استهدفت منزله، ومرورا بدعوة الصدر لنزول الجيش وانتهاءا بتصريحات عدد ليس قليل من السياسيين الموالين للكاظمي. وتصب هذه الدعوات من اجل تعبئة الرأي العام لتقليم أظافر المشروع المناهض للتيار القومي الذي يمثله الكاظمي ومحاولة لدحره بشكل نهائي.
ان تداعيات اغتيال الكاظمي ستلقي بظلالها الامني والسياسي على الاوضاع السياسية والامنية، و سيخيم بشكل مخطط ومدروس أجواء من الضبابية على ذهن المجتمع مفادها بان ما حدث أي عملية الاغتيال هي صراع بين من يرفع راية الأمن والأمان ومحاربة الفساد والقضاء على المليشيات وبين قوى تدار عبر ريموت كونترول من خارج العراق وتريد الخراب وانتهاك سيادته. الا ان الحقيقة التي تحاول كل الاطراف اخفائها هي أن الصراع هو بين جناحين على السلطة في العراق وليس له اية علاقة بتحقيق الحرية والمساواة والرفاه، وكانت الورقة البيضاء وهي الرؤية الاقتصادية لحكومة الكاظمي هي افضل مثال.

36

اليسار ومكانة التيار الاشتراكي فيه
سمير عادل


اليسار لا ينتمي بالضرورة إلى الاشتراكية أو إلى الشيوعية، بينما الشيوعية والاشتراكية تنتمي بالضرورة إلى اليسار، وسوف نوضح الالتباس الحاصل بين اليسار والشيوعية والدعوات الموسمية المتصاعدة بين الحين والآخر حول توحيد اليسار عند تصاعد منحنى انسداد الافاق وضياع البوصلة السياسية والشعور باللاحول ولا قوة، وخاصة في فصل الحصاد السياسي مثل الانتخابات وتفاقم الأوضاع الامنية وصياغة مشاريع قوانين معادية للإنسانية تخدم مصالح التيارات البرجوازية سواء كانت إسلامية أو قومية أو الديمقراطية التي تتغنى بالنموذج الأمريكي.


لقد بينّا في مناسبة أخرى وفي موضوع مفصل تحت عنوان (لأي يسار ننتمي- مقولة اليسار بين البرجوازية والبرجوازية الصغيرة)، كما أوضحنا أيضا وأكدنا في الندوة التي أقامتها قناة (البصرة ديرتنا) على منصة (الزوم) حول مفهومنا لليسار، إلا أننا سنشرح هنا على أية أرضية اجتماعية تقف أطروحة (توحيد اليسار)، وكيف نمضي بالمجتمع نحو انعطافه لليسار بشكل نهائي، ونلحق الهزيمة على الصعيد الفكري والسياسي والاجتماعي باليمين الرجعي، المتمثل بالتيارات القومية والإسلامية على صعيد الحقوق والحريات وسن قوانين تعيد الاعتبار والكرامة للإنسان والمساواة القومية والدينية والطائفية والجنسية على جميع الصعد.

لا شك أن المجتمع العراقي انعطف نحو اليسار خلال انتفاضة أكتوبر و ما بعدها، والمعطيات المادية على ذلك تمثّلت بنزول الملايين من العاطلين عن العمل إلى ساحات وميادين الانتفاضة تطالب بفرصة عمل، وباقتحام المرأة تلك الميادين إلى درجة بث الرعب في قلب التيار الصدري، ليفتي زعيمه مقتدى بالفصل بين الذكور والإناث في الساحات، وكان جوابهن عليه (شلع قلع والكالها وياهم)، واكثر من ذلك، إذ فرض التراجع السياسي والاجتماعي على عموم الإسلام السياسي بولائيه ووطنيه، لينتهي بخضوع الجناح الموالي لولاية الفقيه وعلى المضض بشخصية غير ملوثة ــ على الأقل بالعلن ــ بسمعة الإسلام السياسي، لرئاسة الوزراء للحفاظ على العملية السياسية من قبضة الانتفاضة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهنا نلاحظ أنَّه ولأول مرة يفقد الإسلام السياسي الشيعي، السلطة التنفيذية منذ حكومة إبراهيم الجعفري عام ٢٠٠٥ حتى السقوط المدوي لعبد المهدي تحت ضربات الانتفاضة عام ٢٠٢٠، ورفع شعارات معادية للطائفية والإسلام السياسي وحرق مقرات عشرات الأحزاب والمليشيات الإسلامية، حتى تعالت صيحات الصدر و الولائيين بالحذر من العلمانيين والملحدين وتهديدهم.. اي بمعنى آخر فإنَّ المجتمع العراقي وتحديدا تياره المتمدن والمتحضر، قال كلمة فصل تجاه كل تخرصات القوى الإسلامية التي تقول بأنَّ المجتمع العراقي مجتمع إسلامي أو أنَّ أغلبيته مسلمة ومن ثمّ يجب فرض الأسلمة عليه عبر توجيه البنادق إلى الصدور او وضع فوهات المسدسات على الرؤوس.
وفي هذه الانعطافة اليسارية في المجتمع يلاحظ ضعف مكانة واقتدار الماركسية وعموم التيار الاشتراكي والشيوعي فيها. وكما قلنا سابقا فإنَّ ضعف التيار الاشتراكي في صفوف الانتفاضة، وعدم تسلح فعاليها و نشطائها بالفكر الاشتراكي، وغياب القسم المنتج من الطبقة العاملة الذي يعني ضعف التيار الاشتراكي في صفوفها، أدى بالتالي إلى أنَّ الخيار الاشتراكي الذي طرح في الانتفاضة والسياسة التي طرحها التي تمثَّلت (بإنهاء عمر العملية السياسية، تأسيس حكومة تسند على الإرادة الحرة للجماهير، وبرنامجها تحقيق الحرية والمساواة والأمان والذي يتلخص بحل المليشيات بما فيها الحشد الشعبي، تقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكم العلنية، توفير فرصة عمل او ضمان بطالة، تحقيق المساواة وإنهاء كل أشكال التمييز الجنسي والقومي والديني والطائفي)، نقول لم يحظ هذا الخيار بمكانة وقيافة واعتبار ولم يكن من بين الخيارات السياسية  أمام الانتفاضة، مما أدى بالنهاية إلى سيادة الأفق القومي المحلي على الانتفاضة، وكان هذا التيار وراء عدم تحول الانتفاضة إلى ثورة عارمة تكنس كل هذه القوى الرجعية وعمليتها السياسية.

ومن هنا تكتسب مقولة (اليسار) المعنى الاجتماعي. إنَّ الرؤية الاجتماعية هنا غائبة كليا في مفهوم المنظمات التي تتبنى الماركسية وبغض النظر عن عددها وحجمها التنظيمي، ولذلك نجد أنَّ ما يطرح اليوم في صفوف تلك المنظمات، حيث يتمحور دائما وأبدا حول مشروع (توحيد اليسار) و بشكل ببغائي ودون أي محتوى، على أنَّ توحيد اليسار وبحسب ما عبرنا عنه في مكان آخر ومثلما تراه هذه المنظمات هو حصيلة مجرد جمع جبري لمنظمات، لأنَّها لا ترى المحتوى الاجتماعي لليسار ولا تنطلق من منظور طبقي، أو بالأحرى لا ترى على أية أرضية طبقية تقف، وكل اعتقادها هو أنَّ تحقيق أهداف توحيد اليسار فقط يكون بذلك الجمع الجبري، في حين أنَّ العالم الواقعي، هو عالم صراع طبقي و تتلاطم فيه مصالح الأحزاب السياسية التي تعبر عن مصالح طبقاتها.

الصراع على أبوية اليسار:

قبل كل شيء علينا أن نقر حقيقة بأننا لو أخذنا مقولة أو مصطلح (اليسار) بشكل عمومي في المجتمع، فأنَّ من مثّله خلال القرن العشرين في العراق هو الحزب الشيوعي العراقي. فهو قد استطاع التعبير عن تيار اجتماعي كبير في المجتمع إذ اقترن معنى (اليسار) في تلك المرحلة بمقارعته للاستعمار، ومن ثمَّ طرح برنامج اقتصادي يستند على رأسمالية الدولة الذي جاء في تطابقه مع بقية الاجنحة البرجوازية المعادية للاستعمار مثل التيار البرجوازي الوطني الذي مثله انقلاب العسكر بقيادة عبد الكريم قاسم وبعد ذلك مع مشروع حزب البعث في تأميم النفط ومجانية التعليم والطبابة المجانية وبناء واستحداث بنية تحتية اقتصادية كي تمكن العراق من الانخراط بالسوق الرأسمالية العالمية وأن تكون له القدرة على المنافسة أو استقطاع جزء من أرباح الإمبريالية العالمية التي تسيطر على العالم، وهذا التطابق في التوجهات كان وراء التحالف عشية انقلاب تموز ١٩٥٨ وثم  تأسيس ما تسمى بـ (الجبهة الوطنية) بين البعث والشيوعي لإدارة الحكم في العراق بعد انقلاب البعث ١٩٦٨، وعليه سواءً أكان البعث او الحزب الشيوعي فقد قاما بجرِّ اليسار بشكله العمومي ورائهم أو لنقل انهما مثلاه في تلك المرحلة.
وكان هذا اليسار، وهو يسار الطبقة البرجوازية، هو يسار قومي إصلاحي، وقد مثله الحزب الشيوعي العراقي، إذ تربع على مركز اليسار خلال مرحلة القرن العشرين مع تقاسم حزب البعث معه في حقبة السبعينات من القرن المنصرم بعد إعلان تأميم النفط وتبني مشروع رأسمالية الدولة.
أن التصاق مكانة الحزب الشيوعي العراقي بمفهوم اليسار جاء من تلك الأرضية الاجتماعية واليسارية التي تطرقنا إليه، وإن خيارات الحزب الشيوعي العراقي بتشكيل جبهات سياسية بعد الاحتلال مثل التحالف مع الوفاق الوطني وتأسيس القائمة العراقية او التحالف مع التيار الصدري، ليس منبعه انحراف الحزب الشيوعي العراقي عن مبادئه السياسية وبرنامجه، ولا نابع من صدق او عدم صدق نيات ونوازع أخلاقية، إنما هو امتداد لكل تاريخه السياسي (انظر موضوعة التحالف عند الحزب الشيوعي العراقي-المد العدد ٨)، وبمعنى آخر كانت تلك التحالفات نابعة من مصالحه السياسية. وكان أساس تلك التحالفات هو المضي بالمشروع القومي المحلي الذي بدئه منذ تأسيسه،  بيد أن ما وقف حائلا خلال مرحلة ما بعد غزو واحتلال العراق هو الصراع الطائفي، ولذلك لابد له من إيجاد مشروع عابر  للطائفية التي وقفت حائلا او عائقا جديا أمام الانسجام السياسي للطبقة البرجوازية، وخلق الاستقرار السياسي للنهوض بالاقتصاد وترميم السوق الرأسمالية العراقية وإلحاقها من جديد بالعالم الرأسمالي الحر أو الاقتصاد الحر، أو كما سماها ممثلي الحزب الشيوعي العراقي أمثال رائد فهمي أو قبله حميد مجيد موسى في البرلمان بمسمى النهوض بالقطاع الخاص.
وسواءً وافق المخلصون الأيديولوجيون لأطروحة توحيد اليسار، أو لم يوافقوا، فأن اي مشروع يجهض الطائفية في العراق، ــ حيث دفعت جماهير العراق ثمنا باهظا للاستقطاب الطائفي الذي نتج عنها حرب أهلية ــ نقول اي مشروع يجهض الطائفية فإنَّه ولاشك سيصب في صالح تقوية أجواء الانعطاف نحو اليسار في المجتمع، او بمعنى آخر انتشال المجتمع من القذارة الطائفية. وهذه السياسة أي مشروع عابر للطائفية جاءت في صالح بقاء الحزب الشيوعي العراقي على مقعد اليسار، وبغض النظر عن محتوى الرجعي للجماعات المتحالفة معه أو حتى تبوئه مركزا في مجلس الحكم الذي أسسه الاحتلال بقيادة بول بريمر على أساس المقعد الشيعي.
وخارج هذا المشروع (المشروع العابر للطائفية)، ليس للحزب الشيوعي العراقي أي مشروع للبقاء في حلبة احتكار تمثيله لليسار، بيد أن الإصرار على أبويته لليسار ومحاولته التمسك بهذه الأبوية، تُعد سياسة واعية لإقصاء أي منافس يساري له، فهذا الحزب ليس لديه مشكلة مع القوى اليمينية سواء كانت قومية عروبية أو إسلامية، فهو يعرف بأنَّه لا يمكنه التنافس معها او إزاحة أي منها، لذا نجده متمسكا بابويته لليسار كي يكون رقما في المجتمع وبالتالي للحصول على سهم في السلطة، ويستمد قوة هذه الأبوية من تاريخه المضاد للاستعمار وتضحياته على هذا الطريق. صحيح أنَّ هذا الحزب يعلن بين مدة وأخرى عن تأسيس تحالفات مثل التيار المدني او التيار الديمقراطي، ولكن إذا ما دققنا فيه، ليس هناك اي وجود او ثقل لأي حزب أو منظمة شيوعية أو ماركسية أو اشتراكية فيها، لأنه لا يريد وضع نفسه في موقف محرج أو إيجاد منافس له يزيحه، وفي نفس الوقت يُعد ذلك وسيلة للحفاظ على أبوية هذه التحالفات.
ما نريد أن نقوله إن اليسار الذي ساد على الصعيد السياسي، كان يمثله الحزب الشيوعي العراقي. أما القسم الآخر من اليسار فهو ينقسم إلى قسمين، الأول خرج من رحم الحزب الشيوعي العراقي والذي ما زال وكأنَّه يعيش فترة حكم احمد حسن البكر وما زال يردد مقولة الاستعمار والبرجوازية الكمبرادورية والبضاعة الوطنية، أمّا القسم الآخر فقد خرج من رحم الحزب الشيوعي العمالي العراقي واستقل بمنظمات حاولت التمسك بعباءة ماركس وتلابيبه إرضاء لـ تاريخها النضالي والحيلولة دون رؤية كوابيس في أحلامها بسبب تأنيب ضميرها الأيديولوجي، وان هذين القسمين يرفعان راية توحيد اليسار على صعيد الشعارات، بينما على الصعيد العملي لا يقدمون على أية خطوة لان نزعات المثقفين، البرجوازية الصغيرة، النرجسية والانا و اللاتحزب تقف وراء تشرذمها وعدم جمعها بشكل أحادي.

اليسار والوحدة  تحت راية الاشتراكية:

وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى، وهي لماذا لا تسعى هذه المنظمات بعدم التوحيد والتجمع والعمل تحت راية الاشتراكية، او تشكيل قطب اشتراكي. والجواب هو أنَّ العمل تحت الراية الاشتراكية وببساطة، ستكشف عن بعد تلك المنظمات عن الاشتراكية، فهي لا تريد وضع نفسها في هذا الاختبار، هذا ناهيك عن رواية وفهم كل طرف للاشتراكية.
ولذلك نجد القفز إلى مقولة (توحيد اليسار) ووضع هذه المنظمات تحت هذه اليافطة آمن لها، لتلافي المشكلات الأيديولوجية التي تعترض طريق توحيدها الذي دائما ما يكون لفظيا، أو في أفضل الأحوال التخلص من تأنيب الضمير، ولا يتجاوز أطر وجود منظماتها والحفاظ فقط على قدسيتها الفرقوية او المحفلية.
فعلى سبيل المثال لا تنظر هذه المنظمات إلى برنامج الحزب الشيوعي العمالي العراقي في مواجهة كورونا، والذي سمي بالبرنامج الوطني والتي تبناه ٦ اتحادات عمالية و ١٦ منظمة وحزب سياسي، بانه احد مشاريع اليسار، أو تقوية اليسار في المجتمع، ولم نسمع من أية منظمة من تلك المنظمات التي تدعي اليوم إلى توحيد اليسار، بأن تقدم على الانخراط في البرنامج الوطني (الدولة مسؤولة عن أمن وسلامة الجميع)، او تنظيم الحزب لأربعة طاولات مستديرة للناشطين والفعالين في الاحتجاجات الجماهيرية بين عامي ٢٠١٨-٢٠١٩ والعمل على رص صفوفهم وتقويتهم سياسيا وفصل آفاقهم عن القوى والتيارات البرجوازية، وقبله كان هناك مشروع مؤتمر حرية العراق الذي حشد القوى الجماهيرية وانخرط في صفوفه أيضا العديد من القوى السياسية على الصعيد المحلي والعالمي لإنهاء الاحتلال وتقصير أيادي الإسلام السياسي، وكان وراء تنظيم أكبر مؤتمر عمالي في تاريخ العراق في نيسان من عام ٢٠٠٩ وبمشاركة وفود من أمريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان وجنوب أفريقيا وايران, وصادق على قرارات إنهاء الاحتلال وتأسيس حكومة غير قومية وغير دينية في العراق وتشكيل جبهة مناهضة لمشروع قانون النفط والغاز للاحتلال، والدفاع عن الحريات النقابية في العراق. الخ، كل هذه المشاريع التي قام بها الحزب الشيوعي العمالي العراقي، لا ترى هذه المنظمات فيها خطوات نحو توحيد اليسار او تقوية اليسار في المجتمع العراقي، لأنها لا ترى باليسار إلا بحدود منظماتها الأيديولوجية فقط، فهي تنخرط في التحالفات، هذا إذا استطاع صياغة تحالف ما، بمن تشاركها الهموم الفكرية أو القريب منها أيديولوجيا، إلا أن تحقيق أي هدف اجتماعي بما يقوى يسار المجتمع فلا شأن لها به.
ووفق هذا المنطلق الاجتماعي، فلا يعتبر الحزب الشيوعي العمالي العراقي، بأنَّ الحزب الشيوعي العراقي منافساً له في قيادة اليسار في المجتمع، لأن الأرضية الاجتماعية الطبقية التي يقف عليها الحزب الشيوعي العمالي العراقي ليست الأرضية التي يقف عليها الحزب الشيوعي العراقي، فكما يعلمنا منصور حكمت أن روايتنا للشيوعية والاشتراكية هي رواية ماركس للشيوعية التي جاءت في البيان الشيوعي و الأيديولوجية الألمانية ورأس المال، أي القضاء على العمل المأجور وبناء مجتمع خالي من الطبقات، بينما  كانت رواية الحزب الشيوعي العراقي عن الشيوعية هي النضال ضد الاستعمار والقضاء على الإقطاع  في الماضي التليد الذي لم يبق منه شيئا في عالم الرأسمالي اليوم، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تبنى (الديمقراطية) أسوة بالأحزاب الشيوعية التقليدية التي كانت تدور في الفلك السوفيتي، وليس هذا فحسب، بل لا يوجد في منظومتنا الفكرية والسياسية مقولة الشيوعية الرسمية، واننا نمثلها او هناك من يمثلها، ولذلك سمينا أنفسنا بالشيوعية العمالية كما يقول منصور حكمت لفصل انفسنا عن الشيوعيات التقليدية سواء كانت من المدرسة السوفيتية او الماوية الصينية او الأورو شيوعية او الألبانية او اليوغسلافية. الخ.
وعليه وبعكس المنظمات اليسارية الأخرى التي تلوم دائما الحزب الشيوعي العمالي العراقي بأنه يدير ظهره ل”وحدة اليسار” فإننا ننظر إلى اليسار بمنظور اجتماعي كما أسلفنا، وأن أولوياتنا الفكرية والسياسية في هذا الميدان، تنصب على تقوية التيار الاشتراكي على العموم والشيوعية على وجه الخصوص وتسليحه بالراية الماركسية ولاسيما في صفوف الطبقة العاملة.
أن نقطة انطلاقنا هي طبقتنا، الطبقة التي ننتمي لها وهي الطبقة العاملة، وننظر إلى المجتمع  على أساس طبقي، إذ ينقسم إلى الطبقة العاملة والبرجوازية، وان كل المظالم التي يتعرض لها المجتمع الإنساني هي بسبب الظلم الطبقي، ذلك من اجل ادامة العمل المأجور، للحفاظ على ربحية الرأسمال التي تنتزع من ثمرة عمل العمال، بينما يعيش العمال في حالة اغتراب عن ثمرة عملهم ولا ينعمون بها. أن كل أشكال التمييز العرقي والقومي والجنسي، تجارة المخدرات بيع الأعضاء البشرية، تجارة الجنس، هي مظاهر الظلم الطبقي السافر الذي يعيد إنتاج نفسه كل يوم. وعليه أن عنصر تحرر المجتمع الإنساني هو العامل، وان تحرر العامل من عبودية العمل المأجور يؤدي بالتالي إلى تحرر المجتمع، والماركسية هي الراية النضالية الفكرية والسياسية لذلك العامل في تقدمه من اجل تحرير نفسه وتحرير المجتمع الإنساني برمته، هذه هي باختصار شيوعيتنا، ولا يهمنا لا من بعيد ولا من قريب من يدعي أو ينتحل صفة الهوية الشيوعية.
 إنَّ اتحاد اليسار او تحالف اليسار ليس علما جاء من الفضاء، ولا يُعد تحويله إلى مشروع عملي من المهام المستحيلة، ولكن المعضلة الأصلية أن المجاميع التي تدعو إلى توحيد اليسار لا تريد العمل على أرض الواقع لأنها انتزعت عامل التغيير الاجتماعي من أسسه الفكرية والسياسية، واستعاضت عنه بالجدالات الفكرية والأيديولوجية العقيمة التي تكون أقرب إلى الجدل البيزنطي، هل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة.
وأخيرا فإنَّنا في الحزب الشيوعي العمالي عملنا ونعمل، من اجل تقوية يسار المجتمع الذي يعني الدفاع عن نضالات عمال العقود والأجور في الكهرباء وعمال الحفر في قطاع النفط، ونضالات خريجي البيطرة والهندسة والمحاضرين والمهن الصحية والدراسات العليا، وتنظيم حركة ضد البطالة، والدفع بنضالات المرأة من أجل تغيير قانون الأحوال الشخصية ومساواتها الكاملة مع الرجل، وندافع عن حقوق الطفل، و والدفاع بضراوة عن الحريات الفردية والسياسية، والنضال من اجل إنهاء الظلم القومي والطائفي والديني بحق الديانات والطوائف الأخرى، اي النضال من اجل فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، و إنهاء تطاول المليشيات وفرض التراجع على كل جماعات الإسلام السياسي، أن أي طرف يشاركنا في أية واحدة من هذه الميادين نحن نبادر ونمد أيدنا له، وكفى من رفع يافطات “توحيد اليسار” دون أية خطوة عملية، فكما قال ماركس "هنا رودس فلترقص هنا" .






37
وعي الجماهير بين مشروعين، دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية
(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى)
سمير عادل
 لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة الكاظمي ومفوضية الانتخابات؛ بأنها ناجحة، وأنَّ الإجراءات الأمنية جيدة، إذ لأول مرة لم يحصل حظر تجوال يوم الاقتراع، بيد أن نسبة المشاركة التي وصلت الى اقل من ١٨٪ لم ترض المنظمة الأممية ولا الاتحاد الأوروبي ولا المراقبين الدوليين، ووضعت علامة استفهام كبيرة على العملية السياسية برمتها، وبهذا يكون المريض قد مات، لكن المهم بالنسبة لديهم أنَّ العملية نجحت.
وبإعلان المفوضية نتائج الانتخابات، وصلنا إلى جواب للسؤال الذي طرح عشية الانتخابات، وهو مصير (4) ملايين من البطاقات الالكترونية التي اختفت، وقد تبينت أنَّ هناك من ذهب باكرا واستطاع أن يشتري ما تبقى أو ما يمكن شرائه من تلك البطاقات، مثلما كنا نذهب في بداية السبعينات قبل ساعات من فتح أبواب الدكان أو الأسواق المركزية أو كما كان يسمونها (اورزدي باك) ونحن نجلس على أبوابه كي نحصل على طبقة بيض أو دزينة من أكواب الشاي أو أقداح الماء أو علبتين من جبن كرافت.. الخ.
المجرب لا يجرب، هذا ما خاطب به مقتدى الصدر حزب الدعوة الذي يحثه بالاعتراف بأخطائه واقتراف الجرائم بحق جماهير العراق وأخيرا يطالبه بتطهير نفسه، وهو أقرب منه إلى الشماتة مما هو نصيحة مجانية للتخلص من زعيمه المالكي. على العموم ما يهمنا هو المنطق الذي يستخدمه الصدر في شماتته بحزب الدعوة الذي تداعى صفوفه وخاصة بعد هذه الانتخابات،  فإذا ما أخذنا به وطبقناه عليه فيجب التخلص من الصدر أيضا، لان الجماهير جربته، فهو أكثر تقوى وورعاً في ممارسته للفساد الإداري والسياسي والمالي، وجميع الوزارات التي استلمها منذ حكومة الجعفري وحتى استقالة وزيره للصحة  في حكومة الكاظمي، متورطين حتى النخاع بأعمال السلب والنهب، علاوة على اقتراف جرائم حرب أيام الاقتتال الطائفي في ٢٠٠٦-٢٠٠٨ التي لا يمكنها أن تتقادم حتى لو تبوء اعلى المناصب في الدنيا والآخرة، وأخيرا وليس آخرا ما اقترفته ميليشياته من أعمال قتل وترهيب بحق المتظاهرين لفض انتفاضة أكتوبر وفتح الطريق لحكومة الكاظمي. بعبارة أخرى من الحماقة التفكير ولو لحظة بأن الحكومة القادمة التي يشكلها الصدر ستكون أقل فسادا من الحكومات السابقة، وأكثر ما يمكن أن تنجزه تلك الحكومة هو مجرد الإبقاء على شبح الدولة التي اطلق تهديده ووعيده للحشد الشعبي في يوم إعلان النتائج الأولية للانتخابات. وفي النهاية، المجرب كما قال هو أي مقتدى الصدر لا يجرب.
ان وعي الجماهير والمقاطعة المليونية التي وصلت نسبتها إلى أكثر من ٨٠٪ هي وراء تصاعد الصراع والتلاسن بين الكاظمي والمفوضية وبين جماعة الحشد الشعبي التي يقودها العامري والخزعلي ليشكلوا الإطار التنسيقي مع المالكي والفياض والحكيم والعبادي فطاحل الطائفية في العراق والمنطقة، وعي الجماهير أسقط ورقة التوت التي طالما أرادوا إخفاءها للعودة من جديد إلى الوكر الطائفي، وترتيب البيت الشيعي وإعادة الانسجام في صفوفهم بعدما أتت النتيجة لصالح التيار القومي المحلي المتمثل بالصدر والحلبوسي. وعي الجماهير هو الذي وقف خلف تصاعد الصراع بين هذه الجماعات الفاسدة، وهو الذي قال لا للانتخابات ولا لكل العملية السياسية، وهذا الوعي ليس له أية علاقة لا برواية نزاهة الانتخابات ولا بعدم نزاهتها، ولا بأكاذيب و فذلكات المفوضية العليا غير المستقلة للانتخابات، إذ لم تمض إلا أيام قليلة حتى سكتت كل المدافع الإعلامية بما يتعلَّق بنزاهة الانتخابات أو عدم نزاهتها، وخلال أيام قليلة أخْرَسَ وعي الجماهير أولئك الذين يتبجحون علينا بأن عدم المشاركة بالانتخابات كان خطأ جسيما وان (المقاطعون يعضون اصبع الندامة)، بيد أن الحقيقة التي يراد إخفائها هي أنَّ كل هؤلاء الزمارين والطبالين وخاصة الليبراليين منهم من الأكاديميين أو أصحاب دكاكين التي تسمى بمراكز الدراسات التي مولت من سرقة قوت الجماهير هم من يعضون أصابعهم العشرة من قوة الصدمة التي أحدثتها المقاطعة المليونية العظيمة، وبهذه المناسبة نقول لكل هؤلاء أن المشهد السياسي قد أوضح وبشكل لا لبس فيه، وبعيداً عن الإنشاءات اللغوية لهؤلاء المثقفين، فإننا نرى أنَّه ومهما كانت نتائج الانتخابات ونسبة المشاركة فيها فإن ما يحسم نتائجها هو سلاح المليشيات، فمن الغباء الذي هو أكثر من الحماقة الاعتقاد أن نزاهة الانتخابات هي من تحسم النتيجة، صحيح من الناحية القانونية أن المهلة التي منحتها المفوضية هي عشرة أيام لتقديم الطعون، بيد أن الحقيقة كي تقدم كاملة هي من أجل التفاوض تحت الطاولة وخلف الكواليس بين الكتل السياسية للتراضي على عدد المقاعد.
إننا نؤكد بأنَّ وعي الجماهير في هذه الانتخابات هو استمرار لوعي انتفاضة تشرين-أكتوبر، ومهما حاولت كل القوى التحدث باسم الانتفاضة أو انتحال شخصية من يمثلها أو طمس نسبة المشاركة في الانتخابات بكل بما أوتوا من قوة أو التغاضي عن تلك النسبة مع سبق الإصرار، فإن كل ذلك قد ارتطمت بصخرة حقيقة ترتكز على عدم  شرعية العملية السياسية وبالإضافة إلى عدم شرعية  من تشدقوا باسم ضحايا الانتفاضة والدماء التي سالت على أيدي الطرف الثالث، الذين يتخندقون اليوم أمام جسر المعلق لتغيير نتائج الانتخابات دون أي تردد أو خوف من طرف رابع يقتصنهم، كما اقتنصوا المئات من متظاهرين انتفاضة تشرين-أكتوبر.
إنَّ وعي الجماهير هذا يقف اليوم أمام مشروعين دويلة الحشد الشعبي والدولة القومية. فالاول التف اليوم حوله كل فطاحل الطائفية في البيت الشيعي، حيث اسقط كل ادعاءات الخطب غير العصماء لعمار الحكيم حول الدولة واللادولة، وأسقط تذمر العبادي من تطاولات الحشد الشعبي وعدم الإذعان لأوامره عندما كان رئيسا للوزراء، أما الثاني فهو المشروع القومي المتهرئ الذي يرفع لوائه مقتدى الصدر تحت عنوان (الإصلاح) الذي يعني في آخر المطاف فرض التراجع على منافسيه من الأجنحة الطائفية الأخرى في بيته الشيعي الذي لم ولن يغادره، فأمثال الصدر لا يعيشون بخبز يومهم ولا يحرقون خطوط الطائفة خلفهم  مثل العبادي والحكيم الذين عادوا إلى حضن الطائفية أخيرا.
إنَّ هذه اللوحة لم تكن غريبة علينا، وقد اشرنا إليها في مناسبات مختلفة، فهي تكشف عن حدة وماهية تصاعد الصراع السياسي بين مشروع تيار الإسلام السياسي الموالي لإيران وبين مشروع التيار القومي العروبي والمحلي الوطني، وكلا المشروعين في مأزق، وقد عمقت نتائج الانتخابات من هذا المأزق السياسي، فلا تحالف الميليشيات المنضوية تحت لواء فتح-الحشد الشعبي يقبل بنتائج الانتخابات، ولا تيار الكاظمي وجماعة الصدر تقبل بتغيير نتائج الانتخابات، فمليشيا الحشد الشعبي-فتح وصلت إلى نقطة بعد هذه الانتخابات التي لم تعلن نتائجها النهائية ولم تصادق عليها المحكمة الاتحادية، وصلت إلى نقطة بأنها تريد الاحتفاظ أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فسادها ونهبها، وهي تقبل الآن بالتنازل عن تأسيس دولة ولاية الفقيه والوصول إلى تأسيس دويلة للحشد الشعبي على غرار دويلة حزب الله في لبنان، بينما يسعى التيار الأخر القبول على مضض بهذه الدويلة السرطانية التي تؤثر على مشروع الدولة القومية من اجل الحفاظ على امتيازاته ونفوذه الذي ازدادت بعد هذه الانتخابات، ليتحول بالأخير إلى شبح للدولة القومية في العراق.
بمعنى آخر أن بلورة وعي الجماهير  الذي عبر عنه في انتفاضة أكتوبر ثم هذه الانتخابات وتطويره إلى وعي ثوري، من أجل إحباط هذين المشروعين، مشروع دويلة الحشد الشعبي ومشروع شبح الدولة القومية المحلية عبر إعلان مشروعه المستقل، مشروع دولة غير قومية وغير دينية، دولة تتكفل بتحقيق الحرية والرفاه والمساواة عبر حكومة منبثقة بشكل مباشر من الجماهير، دولة تنهي كل أشكال المليشيات في المجتمع، دولة ذات هوية إنسانية، إن هذه الدولة لن تتشكل عبر صناديق الكاظمي ولا صناديق الحشد الشعبي وصناديق الصدر، بل تتشكل عبر انتفاضة أخرى، إن الأيام القادمة ستكون حبلى بالاحتجاجات العظيمة في قطاع النفط والكهرباء والخريجين، وان كلا المشروعين، دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية لا يحملان في أجندتهما غير الورقة البيضاء و تخفيض العملة المحلية ورفع أسعار المحروقات وفرض الضرائب على رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين للحفاظ على امتيازات الرئاسات الثلاثة وكل الجيش البيروقراطي الفاسد من الموظفين وأصحاب المناصب الخاصة.

38

القصف الإعلامي على أدمغة الأحياء، وما بعد الانتخابات

سمير عادل

 نتائج الانتخابات جاءت بما خطط له التيار المناهض للنفوذ الإيراني في العراق، وحقق الكاظمي المهمة التي أُوكلت إليه. إلا أن ما لم ينته إلى الآن هو القصف الإعلامي المتواصل على ادمغة جماهير العراق، لإقناعها بمسألتين؛ الأولى هي الترويج للكذبة التي اطلقها الكاظمي نفسه كي يصدقه الاخرين كما قال وزير اعلام هتلر (اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الاخرون) بأنه حقق مطالب انتفاضة تشرين/ أكتوبر وهي  تنظيم انتخابات مبكرة، والمسألة الثانية اعادة الثقة والهيبة والاعتبار للعملية السياسية التي ترنحت اثر عاصفة الانتفاضة عبر إثبات شفافية الانتخابات وحصر كل ارادة الجماهير بساحر قادم من الفضاء ومتسلح بلباس الرجل الحديدي سموه بالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات والصندوق الانتخابي.

 انتهت الانتخابات في العراق، وليس مهما كانت نزيهة او  المقيمين عليها مرتشين، شفافة او لا  ترى بالعين المجردة، لان الآليات التي وضعت للعملية الانتخابية سواء كمرشحين او مشاركين في التصويت، يجب أن تكون محصلتها، الحفاظ على العملية السياسية ونظام الفساد وقانون المحاصصة وحماية مصالح الطبقة البرجوازية الحديثي النعمة، الذين تشكلوا بعد الغزو والاحتلال. فمجرد ذكر حقيقة واحدة يمكن الاستشفاف دون عناء ماهية الرجل الحديدي والعملية الانتخابية برمتها التي لا نريد ان نخوض بها كثيرا، وهي  أن النسبة المشاركة التي اعلنتها مفوضية الانتخابات متناقضة مع تقارير الاتحاد الأوروبي والمنظمة الأممية ووسائل اعلام عالمية مثل واشنطن بوست و اندبندنت والعديد من وسائل الاعلام المحلية والعالمية، والتي كانت تشير حتى الساعة السادسة من مساء إغلاق صناديق الانتخابات بأن نسبة المشاركة لم تتجاوز ٣٠٪ في اقصى حالاتها،  وهناك محافظات لم تصل حتى نسبة المشاركة فيها الى  ١٢٪  مثل كربلاء على سبيل المثال حتى الساعة الثانية من بعد الظهر. الا ان الامر ليس متوقف عند هذه الحقيقة، فيجدر بالذكر أن نسبة المشاركة في انتخابات يوم أمس متقاربة جدا مع نفس النسبة التي أعلنتها مفوضية الانتخابات لعام ٢٠١٨ التي وصلت الى  ٤٤,٤٪ ، مع فارق واحد، فلقد اكتشف بقدرة قادر وبعد ثلاث سنوات ونصف عجاف وتحديدا قبل ايام معدودة،  ان الانتخابات ٢٠١٨  كانت مزورة وأنهم ألقوا القبض على احد اعضاء المفوضية بتهمة تزوير الانتخابات المذكورة.
وكلمة عابرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات: فهي لم تكن ابدا مستقلة، وتأسست حسب نظام المحاصصة، وتعتبر احدى المفاصل الاساسية في النظام السياسي القائم، واحدى العتلات الرافعة للعملية السياسية وصمام أمان للحفاظ عليها واستمرارها. وان عملية رفع نسبة المشاركة في كل انتخابات وخاصة عندما تكون مقاطعة الجماهير اليها كبيرة هي جزء أساسي من واجباتها ووظيفتها ومن اجل اضفاء الشرعية على الانتخابات وكل العملية السياسية،  التي رفضت النسبة العظمى من جماهير العراق المشاركة في الانتخابات. وهنا لابد ذكر هزلية المشهد الرجل الحديدي اي مفوضية الانتخابات، وهي  إذا قبلنا بتزوير نسبة المشاركة كواقع حال أي ٤١٪ ،  فإن نسبة ٥٩٪ رفضت الانتخابات  ورفضت كل العملية السياسية. لكن لا تأخذ بها، لان الديمقراطية ليس بمقاطعة الاكثرية المطلقة لصناديق الانتخابات ووضع علامة استفهام عليها، إنما يأخذ بنظر الاعتبار نسبة المشاركة أيا كانت ارقامها في يوم المشاركة في صناديق الانتخابات وحسب الالية التي تضعها بحيث لا تخرج عن نطاق سيطرتها وتؤمن استمرار العملية السياسية. أي كما يقول لك المثل (تريد ارنب خذ ارنب، تريد غزال اخذ ارنب).

نتائج الانتخابات وانتقال السلاح المنفلت من كتف الى كتف:

المهمة التي أتمها الكاظمي على أكمل وجه كما عبر عنها يوم الانتخابات، وبشكل عملي هي نقل السلاح المنفلت من مليشيات تحالف فتح الموالي لإيران الى مليشيات التيار الصدري الذي قال زعيمه في كلمة النصر “يجب أن ينتهي السلاح المنفلت بعد اليوم”، اي ان سلاحه المنفلت الذي حماه الكاظمي ولقبه بسيد المقاومة وغض الطرف عن كل جرائم القبعات الزرقاء على متظاهري ساحة الحبوبي والتحرير وام بروم والعروسين…الخ، لا يحتاجه أي السلاح المنفلت بعد الانتخابات، فلذلك دعا مقتدى  بحصر السلاح بيد الدولة بعد إتمام مهمة الإجهاز على بؤر انتفاضة أكتوبر واطفاء جمراتها وترهيب معارضيه لعبور مرحلة الانتخابات.

والمشهد الذي يحاول الكاظمي وبرهم صالح والحلبوسي ومعهم مقتدى الصدر بترويجه بأن نتائج الانتخابات أحدثت تغييرا كبيرا، فأقل ما يقال عنها تسويق لسذاجتهم السياسية. فإذا ما تتبعنا خارطة نتائج الانتخابات، فأنه حقا يثير الضحك. وللوهلة الأولى تبين نتائج الانتخابات بشكل خادع بأن التيار الميليشياتي الموالي لإيران خسر مقاعده ونفوذه السياسي، والذي يعني انحسار النفوذ الايراني. بيد أن النظر إلى كل اللوحة فان ابطال التيار الميليشياتي تغيرت مواقعهم ومناصبهم وليس أكثر. لننظر الى هذه اللوحة؛ المقاعد التي حصدها التيار الصدري هي ٧٥ مقعد بدلا من ٥٤ في انتخابات ٢٠١٨، بينما حصد التحالف الميليشياتي وهو فتح ١٦ مقعد بعد أن كان ٤٧ مقعدا، في حين كان المالكي او دولة القانون يحظى ب٢٥ مقعد والان ارتفعت حصته الى ٣٧ مقعد. وكي تكتمل الصورة فيجب اضافة ما أحرزه تحالف فتح الى  ٣٧ مقعد الذي أحرزه المالكي ليكون حصيلة مقاعدهم ٥٣ مقعدا. والمالكي كما هو معروف بمؤسس الخطاب الطائفي الثاني بعد عام ٢٠١١، ولقب نفسه بمختار العصر وانه مثل الحسين في معركته مع خصومه من التيار القومي العروبي ومعارضيه الذين سماهم بأنصار اليزيد، واسس مليشيات الحشد الشعبي وقبلها اخرج قيس الخزعلي من السجن ليوعز له بتشكيل ميليشيا عصائب الحق وعقد مؤتمره في مدينة الموصل وكانت أول رسالة ميلشياتية طائفية، و شكل ائتلاف أو تحالف البناء من كل المليشيات الولائية، ليختاروا احد اعتى المجرمين لرئاسة حكومتها وهو عادل عبد المهدي. بمعنى آخر انتقل مركز قيادة تحالف المليشيات من هادي العامري في انتخابات ٢٠١٨ الى نوري المالكي في هذه الانتخابات، أي انتقلت دفة قيادة المليشيات الولائية الى الجناح المدني للمليشيات. بمعنى اخر اكتسب المالكي زخما جديد في هذه الانتخابات واصبح لاعبا بدلا من العامري. وفي المحصلة النهائية ان كل جماعات الفساد والمليشيات أعيد إنتاجها من جديد. وما خسرتها مليشيات فتح ذهبت الى التيار الصدري ودولة القانون، لتتعاقب نقل البندقية أو السلاح المنفلت كما يحلو لهم ان يسموها من كتف الى كتف. وهكذا يستمر المشهد السياسي ولكن هذه المرة لصالح النفوذ الأمريكي الذي ربح الجولة في هذه الانتخابات، ويشكل الحكومة كما شكل التحالف المليشياتي الموالي لإيران حكومة عبد المهدي في انتخابات ٢٠١٨. وإذا ما احسن التيار الموالي لأمريكا استغلال انتفاضة أكتوبر وركب على اكتافها وقام بتجيير نزعتها المعادية للسلطة الإسلام السياسي لفرض التراجع على النفوذ الايراني، فليس أمام التيار المليشياتي الموالي لإيران الا الفوضى الامنية لربح الجولة في تشكيل حكومتها.

حركة امتداد، امتداد للكاظمي:

ويستمر القصف الاعلامي، وحيث يشحذ الهمم وخاصة اصحاب الاقلام المأجورة، وتحلق بعيدا الى مناطق قد لم يطالها القصف الاعلامي لكذبة الكاظمي عن الانتخابات، بتسويق تصوراً أن نزاهة الانتخابات وفرصة المشاركة فيها اوصلت فعالي ونشطاء الانتفاضة الى البرلمان، مستشهدين بحركة امتداد وانها حصدت ٩ مقاعد.

 ما يقال عن حركة مثل امتداد وحصولها على ٩ مقاعد وأنها انتصار لانتفاضة اكتوبر او بيضوا وجه الانتفاضة كما يقولون او انتصار لدماء تضحيات المنتفضين، فهي تشبه كذبة الكاظمي اذا لم تكن اكبر منها، عندما تبجح بأنه حقق مطالب انتفاضة أكتوبر وهي الانتخابات المبكرة. فحركة امتداد تأسست على أكتاف الانتفاضة وبدعم مرجعية النجف  والكاظمي، وقدموا لها كل اشكال الدعم المالي المفتوح والسياسي والحماية الامنية لتنقل افرادها. أي أن حركة امتداد هي امتداد لإيقاع الحفاظ على العملية السياسية وليس لها اي ربط لا من بعيد ولا من قريب بمطالب انتفاضة أكتوبر مثلما هو حال الكاظمي ومستشاريه الذين عينهم من عدد المشاركين في الانتفاضة، وخصص لهم رواتب ومعاشات سرقت بموجب الورقة البيضاء وتخفيض سعر العملة المحلية على حساب فقر وجوع وعوز الملايين من العاطلين عن العمل.

القصف الإعلامي لحكومة الكاظمي وصل الى نهايته وسينتهي معه الغبار الذي احدثه، وسوف يزول الحاجز الذي وضعته أمام الجماهير كي تمنعها من رؤية الحقيقة، حقيقة الكاظمي الذي راهن على التيار الصدري لإعادة اختياره رئيسا للوزراء، وستكشف الأيام القليلة القادمة عن ما وراء كذبة الانتخابات، وتبين ان كل ما جرى لم تكن أكثر من لعبة تغيير توازن القوى باسم الجماهير وباسم الانتفاضة، و مسعى لإنقاذ العملية السياسية ومحاولة لترويض الجماهير.  الا ان ما  لا تراها الطبقة البرجوازية الحديثي النعمة بسبب صراعها على السلطة والنفوذ والانشغال بالغنائم او لإنقاذ ما يمكن انقاذه، أن عدم مشاركة الجماهير في الانتخابات يعني حقيقة واحدة، ان العملية السياسية فشلت ولا اعتراف بها بالرغم من محاولة اعادة الهيبة والشرعية لها، وان التغيير لن يكون عبر الآليات التي وضعتها هذه الجماعات الفاسدة بل يأتي عبر طريق آخر. وان استحقاق الملايين المحرومين لم يحل ساعته، و واهم او مأجور او من له مصلحة في بقاء هذا النظام الفاسد بأن التغيير لن يأتي الا عبر صناديق انتخابات صممتها نفس الطغمة الفاسدة.


39
الرهان على ذاكرة السمكة

 المرجعية والكاظمي والمليشيات و بلاسخارت

سمير عادل

 قد يكون هذا آخر مقال نكتبه حول ما سميت بـ “ الانتخابات المبكرة”، و التي في الحقيقة تفصلها فقط سبعة أشهر عن موعدها الطبيعي. وفذلكة “الانتخابات المبكرة” ابتدعها الكاظمي كي يمسك العصا من الوسط . فمن جهة يرضي تحالف فتح للمليشيات  الذي كان يرفض الانتخابات المبكرة من الأساس للاحتفاظ بأمتيازاته في السلطة، حيث علق عليها قيس الخزعلي في أيام انتفاضة اكتوبر بأنها مشروع أمريكي، ومن جهة اخرى كي يقوض أي الكاظمي انتفاضة اكتوبر وتفريغها من محتواها وحصر جميع مطالبها وأهدافها كذبا وزورا بانتخابات مبكرة التي كانت من وحي التيار القومي الوطني لتحسين حظوظه بالسلطة، وهي أي الانتخابات المبكرة لم تكن ابدا جزءا أو بندا من أهداف ومطالب الملايين من العاطلين عن العمل وعمال العقود والاجور والنساء.
 قبل الخوض في مهازل الأطراف السياسية حول الانتخابات، سواء المرعوبين من نتائجها أو المتفائلين بها، لنذكر في هذه المناسبة الجمل والمقولات والعبارات التي استخدمت في الخطاب الإعلامي لكل الأطراف تحث المواطنين الذي لا حقوق لهم سوى المشاركة في الانتخابات، وهي نفسها التي تتكرر في كل مسرحية سمين بالانتخابات وهي اقرب الى تراجيديا من الكوميديا بالنتائج التي تسفر عنها، وكأن تلك القوى الفاسدة تراهن على ان ذاكرة الجماهير تشبه ذاكرة السمكة التي تنسى اي حدث يمر بها فورا. لنشحذ الذاكرة قليلا ونتصفحها لنتذكر تلك العبارات والجمل  : فرصة للإصلاح، فرصة للتغيير، ابعاد الفاسدين، العراق أمام استحقاق انتخابي كبير، نقطة تحول في البلد، صناديق الاقتراع فرصة لانتخاب الأكفاء وأهل النزاهة والخبرة والتجربة ، صناديق الانتخابات فرصة كبيرة أمام الشعب العراقي لتغيير الفاسدين..الخ. هذه العبارات والجمل تتكرر عشية كل انتخابات، والنتيجة هي نفسها ولا تغيير يحدث، والادهى من كل ذلك فإن الأزمة السياسية تتعمق، والحكومة التي تتشكل تكون العن من سابقتها ويزداد حجم تورطها بالفساد والجرائم بكل اشكالها، وتزداد معها مساحة الفقر والعوز اضافة الى استمرار انهيار الخدمات في جميع المجالات.
 الجميع في العملية السياسية يتفق على حقيقة واحدة، وهي الحفاظ وحماية النظام السياسي الفاسد، وليس هناك استثناء بينهم. وتلك الحقيقة تكشف حتى عن تورط المرجعية بها، وهي الظهور منذ تأسيس مجلس الحكم غير الموقر، بأنها بعيدة دائما عن الشبهات وأنها فوق الدولة والمجتمع، إلا أنها أخفت دائما في جعبتها مسألتين: الأولى أنها كانت دائما صمام أمان للعملية السياسية وكل النظام السياسي الراهن في العراق، بدءا من الاتفاق مع بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال على إجراء أول انتخابات، وحينها دعمت أي المرجعية قائمة الشمعة والبيت الشيعي والتحالف الشيعي، ومرورا بلعبها دورا محوريا في إنقاذ المنطقة الخضراء التي كان تقبع بها سلطة التحالف الشيعي من السقوط في براثن داعش عبر فتواها ( الجهاد الكفائي) و تشكيل ميليشيات تابعة لها، واخيرا وليس اخرا دعوة مقلديها المشاركة في الانتخابات وتحت نفس اليافطات التي ذكرناها. أما المسالة الثانية وهي الوقوف على مسافة تضمن دون احتدام الصراع والصدام بينها وبين مرجعية قم أو ولاية الفقيه، وخاصة بعد سعي الميليشيات التابعة للأخيرة المنضوية في تحالف فتح أو الحشد الشعبي بالسيطرة  أو إزاحة كل معارضيها ومخالفيها، وادى ذلك الى اعلان المرجعية بانسحاب مليشياتها والالتحاق بالقوات الامنية الحكومية. وهذه المسالة ما ادت اليوم بالمرجعية الى إصدار بيانها في دعوة العراقيين للمشاركة في الانتخابات خوفا من تكرار سيناريو ٢٠١٨ التي هيمن عليها تحالف مليشيات فتح. بمعنى اخر ان المرجعية والكاظمي ومليشيات الصدر والعبادي والحكيم يقفون في خندق واحد وهم خائفين من معاقبة الجماهير لهم ولكل القوى المتورطة في اختطاف حياتها ورفاهها وحريتها وغيبت اعزائها، عبر عدم المشاركة في الانتخابات، واعادة تحالف مليشيات فتح الولائية لولاية الخامنئي مشهد حكومة الطرف الثالث ولكن بدون رقبة عادل عبد المهدي التي تثخنت من كثر السرقة والنهب.
 وفي خضم هذا المشاهد الدرامية، تبرز اكثر المشاهد سخرية وهو مشهد الكاظمي وتصريحاته الرنانة حول الانتخابات وانه ادى المهمة على احسن احوالها. فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ان الكاظمي الذي ثقب آذان كل مواطن في العراق من البصرة حتى دهوك، بأنه سيجمع السلاح المنفلت كي يؤمن إجراء انتخابات نزيهة، فهل انتزع أو لنقل جمع سلاح منفلت واحد ؟  فهو لم يستطع أن يلقي القبض على شخص مثل قاسم مصلح المتورط بجرائم قتل أكثر من ثلاثة أيام وقضاها  كضيف معزز ومكرم في بيت فالح الفياض، ولم تستطع أن تتصدى قوات مكافحة الإرهاب الذي عين على رأسها عبد الوهاب الساعدي بالتصدي للسلاح المنفلت من الوصول الى غرفة نومه في المنطقة الخضراء، وحضر مثل تلاميذ المرحلة الابتدائية، كتلميذ مطيع ونظيف في رفعة العلم في احتفال تأسيس الحشد الشعبي، وراح يتجول في منطقة الكرخ في الكاظمية يستعرض قوته ضد الميليشيات، في حين كانت تلك المليشيات تصول وتجول وتستعرض نفسها في الرصافة، فكيف بأمكانه ضمان النزاهة الانتخابية. والحقيقة تقال فالكاظمي برع دائما بـ (بوخة اعلامية) وهي سابقة تحسب له وليس أكثر.

 أما ما يؤكد ما ذهبنا إليه حول الكاظمي

40
مَنْ يدق الطبول لإدانة التطبيع مع إسرائيل !

سمير عادل



نشر مشعان الجبوري وثيقة تضمنتْ قائمة من الأسماء وقّعت في لندن عشية غزو العراق ومن قبل عدد من الموجودين اليوم في العملية السياسية. يتعهد الموقعون بالتطبيع مع إسرائيل مقابل تسليمهم للسلطة في العراق. ستجدون الوثيقة في ملحق هذا المقال في الاسفل.

في الحقيقة لا يهمنا شخصيا لا من بعيد ولا من قريب شأن هذه الوثيقة، سواءً أكانت صحيحة او غير صحيحة، تعهدوا بالتطبيع مع إسرائيل أم لم يتعهدوا، لأنه ببساطة  من أضفى الشرعية على أسر رقاب جماهير العراق إلى المارينز الأمريكي وارتهان ثرواتها وتحويل العراق الى بلد فاشل بامتياز، وساحة لتصفية الحسابات الدولية وحرب الوكالة، ومستنقع للعصابات الاسلامية والمافيات من كل حدب وصوب، واطفاله ونسائه وشبابه يبحثون في أكوام الزبالة عن الطعام او عن اي شيء يمكن بيعه والحصول مقابله على ما يبقيهم قيد الحياة ليوم اخر، إلى الحد تجاوز حاجز الفقر ٤٠٪ ، وهذه الأرقام هي لصندوق النقد الدولي قبل إصلاحات الكاظمي وورقته البيضاء سيئة الصيت، فآخر ما يمكن الحديث عنه هو النفاق السياسي والكذب الذي يجب أن يكون جزء من السيرة الذاتية لهؤلاء المدونة أسمائهم كي يتأهلوا للعملية السياسي ويجدو لهم موقعا في النظام السياسي الفاسد في العراق. فلا تنتابنا ذرة استغراب ابدا اذا كانت وثيقة الجبوري هذه صحيحة.



المشكلة الحقيقة وسبب كتابتنا لهذه الأسطر هي في إصدار عدد من الفعالين العمال ومنظماتهم بيانات بإدانة التطبيع، وبالنتيجة يكونوا جزء من الخطاب السياسي للملكيين أكثر من الملك نفسه امثال المليشيات التي ذبحت المتظاهرين في وضح النهار في انتفاضة أكتوبر.

السؤال الذي نطرحه على هؤلاء الاعزاء، ما علاقتنا نحن العمال مع السياسات البرجوازية بين الدول المرفوضة من قبلنا! ما هي مصلحتنا نحن العمال سواءً أكانت هناك علاقة بين العراق واسرائيل او بين امريكا والسعودية، هل ستعيد تلك العلاقات أو من عدمها سعر العملة العراقية الى قيمتها قبل الورقة البيضاء التي فاقمت من إفقار المجتمع، هل توفر لنا فرص عمل أو تسن قانون ضمان بطالة لأكثر من ١٢ مليون عاطل عن العمل، هل تسن قانون ضمان اجتماعي إنساني لنا في الوقت الذي تحاول الحكومة التنصل من دفع مستحقاتها لصندوق الضمان، هل توفر الخدمات والضمان الصحي وتعيد وهج التعليم لنا، هل ستنهي الظلم الطائفي في المناطق الغربية بحيث ندفن المستنقعات الطائفية ، بعد ان طرد المالكي وهو أحد الذين وردت اسمائهم في الوثيقة المذكورة واكثرهم صلافة بالتطبيل ضد التطبيع، نقول طرد البعوض منها ورش الظلم الطائفي عليها ليكون مرتعا خصبا لنمو داعش، هل ستنهي مأساة الأيزيديين ونطوي ملف مصيبة النازحين، وهل يمكن مسح اثار التطهير الديني بحقهم وبحق المسيحيين والصابئة...الخ.

أليست كل العلاقات  بين الحكومات والدول وأجهزة مخابراتها تجري خلف الكواليس وبشكل سري وبعيده عن أعيننا نحن العمال ولم يأخذوا رأينا يوما ما بها، وعلاوة على ذلك، فما بالنا ننسى كيف تمتص تلك الحكومات عرقنا ودمائنا مثلما تفرض شروط عمل قاسية علينا لزيادة أرباحهم كما هو حال رفاقنا العمال في الشركات النفط الاجنبية في المدن الجنوبية وشركات السمنت الفرنسية مثل لافارج في طاسلوجة السليمانية وكربلاء وغيرها، ومثلما تمتص دولة اسرائيل الفاشية عرق رفاقنا العمال الفلسطينيين في اسرائيل وتستغل وضعهم المعيشي لفرض شروط عمل قاسية عليهم ناهيك عن التمييز والظلم القومي ضدهم من أجل استثمار استغلالهم على أفضل حال.

ان التطبيل والتزمير لإدانة التطبيع ليس أكثر من تجديد هوية تالفة حول القضية الفلسطينية لإعادة الإنتاج السياسي لجماعات الإسلام السياسي بعد ان فقدوا شرعيتهم الاجتماعية والسياسية على اثر ضربات انتفاضة اكتوبر وليس أكثر.

ان التطبيل والتزمير بإدانة التطبيع هو من اجل طمس او التعمية على كل جرائمهم السياسية والاقتصادية والمالية، وفسادهم الذي اصبحت رائحته اقوى من رائحة جيف المستنقعات الآسنة، وبحاجة لا ان تدرج في سجل محاسبة منظمة الشفافية الدولية لهم فحسب، بل أيضا يجب ادراجها في بنود اتفاقيات المناخ وحماية البيئة بسبب تلك الرائحة النتنة التي باتت تلوث البيئة اجتماعيا وصحيا. فأي مصداقية تبقى لقضية مثل القضية الفلسطينية العادلة عندما تدافع عنها هذه الجماعات المجرمة، وقد ارتفعت عقيرتها حول التطبيع مع اسرائيل، في الوقت الذي قتلت مليشيات هذه الجماعات وذبحت وسرقت ونهبت وصادرت اراضي في جرف الصخر وحزام بغداد والموصل وسهل نينوى والانبار وديالى وقامت بتطهير طائفي وديني ضد جماهير العراق أكثر من دولة اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وخلال فترة قياسية.

أما المفارقة الاخرى  فلو أحصينا جرائم امريكا في العالم، ووحشيتها وقتلها لكل من اعترض سياستها في فيتنام حيث قتلت أكثر من مليون ونصف مليون شخص و في هيروشيما وناغازاكي قتلت أكثر من ربع مليون انسان، وفي كمبوديا ولاوس وفي الحرب الكورية وفي العراق وافغانستان، هذا ناهيك عن الانقلابات العسكرية الدموية التي قامت بها (السي آي أي ) في إيران والعراق واندونيسيا وتشيلي والقائمة تطول،  فهي الأكثر دون مقارنة مع إسرائيل، علاوة على الدعم السياسي والعسكري والمالي والاستخباراتي اللامتناهي من قبل امريكا لإسرائيل، اذ لولاه لما تحولت الاخيرة الى دولة فاشية ومارقة مثلما يسميه  الكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي، وتمارس البلطجة مثل عرابها بحق الشعب الفلسطيني دون محاسبة، ومع هذا، هناك علاقات طيبة مع امريكا والكل يحج الى سفارتها ويطلب العون والدعم منها. هل هذا نوع من الازدواجية أم حماقة سياسية ام نفاق سياسي، او ما زال الوعي العربي أسير العقل الباطن الذي يبدو غافيا لحد الان؛ بان القضية المركزية للأمة العربية هي فلسطين في الوقت الذي ان حماة الأمة العربية اصبح لهم علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل وتتسابق بالحج إليها، مثل مصر والأردن والمغرب والسودان والبحرين والإمارات. وهناك قافلة اخرى من حماة القدس التي سميت (بعروس عروبتهم) في يوما ما، لتأجيج المشاعر الرجعية والمتخلفة للرجولة القومية العربية، ولم يسموه (بعريس عروبتهم) لان اغتصاب الرجل ويبدو اذا كان عريسا او لا فلن تحرك المشاعر الاسنة عند العقل العروبي المتخلف، وقد تلقفه سريعا الإسلام السياسي ومليشياته، وهذا هو السر في رفع شعار أن (الحشد الشعبي حامي اعراضنا)، نقول هناك قافلة ومع هذا ستلتحق بقافلة التطبيع مع  إسرائيل  وهي سلطنة عمان والسعودية ودول اخرى في ظل تطورات سياسية كبيرة، ومحورها حل إسرائيل كقوة اقليمية صاعدة ومنافسة الى تركيا وإيران في المنطقة بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية.

أن  السخرية لا تكمن فقط عند هذه الحدود، فمنظمة التحرير الفلسطينية صاحبة القضية الفلسطينية لها علاقات طبيعية مع إسرائيل وخاصة في الجانب الأمني والاستخباراتي، وحماس التي هي جزء من محور "المقاومة والممانعة" رفعت او الغت بند تدمير دولة اسرائيل في مؤتمرها قبل اربع سنوات وتحاول جاهدة التفاوض مع إسرائيل والقبول بمبدأ حل الدولتين، وارسلت وفدها الى المغرب قبل انتخاباتها التشريعية لتبارك الاخوان المسلمين وتعلن عن تأييدها لهم بعد اتفاقية التطبيع مع اسرائيل عندما كانت اي الاخوان المسلمين تقود الحكومة المغربية،  فعلى من نزايد، وهل سنربح المزايدة في سوق تحرير فلسطين.

واخيرا نقول ألم يحن الوقت لتبديد الاوهام، الم يحن الوقت لنقول نحن العمال الى من يطبّعَ مع اسرائيل او لم يطبع؛ كفاكم كذبا ونفاقا، فلمدة اكثر من نصف قرن مارستم شتى أشكال الاستبداد و فرضتم القهر علينا ومنعتم حقنا بممارسة كل أشكال الحريات وحولتم حياتنا الى ماساة وفقر وعوز وفاقه، و شيدتم من عرقنا وكدنا قصوركم  تجاورها زنازين وسجون لنا، و استوردتم حتى أدوات التعذيب من بريطانيا وفرنسا وبخبرة إسرائيلية لترويضنا وتحت عنوان تحرير فلسطين وحماية البوابة الشرقية، واليوم تحاولون ان تعيدوا الكرة، الا انكم تعيدونها عبثا و هذه المرة بسخرية مثلما يقول ماركس، التاريخ يعيد نفسه مرتين، الاول بشكل تراجيدي والثاني بشكل كوميدي. فهل هناك اكثر المشاهد التي هي أقرب الى مسرحية يمثل فيها ممثلين فاشلين امثال الفياض العامري والخزعلي والمالكي تثير السخرية والتهكم وهم يحاولون سرقة هوية مزيفة  لانتحال صفة محور المقاومة والممانعة!





مشعان الجبوري

يعلنها بصراحة تامة؛

الأحزاب ورجال الدين والطبقة الحاكمة بالعراق بعد 2003 وإلى اليوم هم أول من وافقوا على التطبيع مع إسرائيل منذ مؤتمر لندن

ففي مؤتمر لندن الذي ضم كل أحزاب المعارضة بذاك الوقت  طلب ممثلون من اسرائيل حضروا المؤتمر و بإسناد قوي من أمريكا وبريطانيا طلبوا من الحضور توقيع على وثيقة يتعهدون بها بإنهاء الصراع مع إسرائيل والقيام بخطوات مستمرة للتطبيع مع اسرائيل مقابل تعهد اسرائيلي امريكي بريطاني بتسليم هؤلاء السياسيين الحكم في العراق وتأمين استمرارهم بسدة الحكم لمدة 50 سنة وتم توقيع الجميع على وثيقة الخيانة والعار وثيقة تنفيذ المطالب الإسرائيلية البريطانية الأمريكية وتم هذا برعاية زلماي خليل زاد وبحضوره.

 وزلماي خليل زاد مبعوث الادارة الاميركية الخاص بالتنسيق لاحتلال العراق وحضور ديفيد بيرس مع ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين وممثلون عن جهاز الامن القومي الأميركي ووزارة الخارجية  البريطانية و ممثلون من إيران وأعضاء من الكنيست الإسرائيلية والموساد؛

وهؤلاء هم من وقع على الوثيقة وأنا منهم لكني لن اكذب واعلنها صراحة للجميع. ..

فكافي كذب على شعب العراق المسكين وكافي شعارات خرقاء ومزيفة :

1- إبراهيم الجعفري

2- أحمد الجلبي

3- العقيد احمد علي محسن

4- أكرم الحكيم.ح المجلس الأعلى

5- ألبرت يلدا

6- إياد السامرائي

7- إياد علاوي

8- أيهم السامرائي

9- السيدة بيان الأعرجي

10- بيان جبر صولاغ

11- توفيق الياسري

12- جلال طالباني

13- جنيد منكو

14- جواد العطار

15- جوهر نامق

16- حاتم مخلص

17- حاتم شعلان أبو الجون

18- حاجم الحسيني

19- حامد البياتي.ح المجلس الأعلى

20- حسين الجبوري

21- حسين الشعلان

22- المعمم حسين الشامي. ح دعوة

23- رضا جواد تقي

24- السيدة سعاد الكريماوي

25- سعد البزاز

26- سعد جواد

27- سعد صالح جبر

28- سعدون الدليمي

29- سنان الشبيبي

30- صادق الموسوي.ح دعوة

31- صفية السهيل

32- صلاح الدين بهاء الدين

33- صلاح الشيخلي

34- صنعان أحمد آغا

35- طارق الأعظمي

36- عادل عبد المهدي.ح المجلس الأعلى

37- عباس البياتي: ح الدعوة

38- المعمم :عبد العزيز الحكيم. ح المجلس

39- عبد الستار الجميلي

40 المعمم .عبد المجيد الخوئي.مؤسة الخوئي

41- عز الدين سليم .ح دعوة القوى الإسلامية

42- علي بن الحسين..ح الملكية

43- غسان العطية

44- فاروق رضاعة

45- فؤاد معصوم

46- قادر عزيز

47- كريم أحمد

48- كنعان مكية

49- كوسرت رسول علي

50- كوران طالباني

51- المعمم.محمد بحر العلوم

52- المعمم.محمد تقي المولى.ح المجلس ال

53- معمم.محمد الحيدري.مجلس الأعلى

54- محمد عبد الجبار

55- محمد الحاج محمود

56- مسعود بارزاني

57- مشعان الجبوري

58- مضر شوكت

59- موفق الربيعي

60- ناجي حلمي

61- نجم الدين كريم

62- هوشيار زيباري

63- اللواء الركن وفيق السامرائي

64- وليد محمد صالح

65- يونادم يوسف كنا

66-المعمم :سامي البدري.ح دعوة

67-حسن النقيب

68-ابراهيم محمد بحر العلوم

69-المعمم مصطفى الغزويني

70-المعمم :حسين الصدر.عن عائلة الصدر

71-نبيل الموسوي .دعوة

72-انتفاض قنبر

73خضير الخزاعي .دعوة

74-المعمم.همام حمودي .المجلس الأعلى

75-علي الاديب .دعوة

76-سمير الصميدعي

77-نوري جواد المالكي .دعوة

78-المعمم خالد العطية .دعوة

79-المعمم طالب الرفاعي .ح دعوة

80-المعمم مضر الحلو .مؤسسة الخوئي

81-المعمم فاضل الشهلاني .مؤسسة الخوئي

82-جواد الشهرستاني

83-عدنان الباججي

84-عبدالكريم ماهود .حزب الله

85-سامي العسكري .دعوة

86-وليد الحلي .دعوة

87-المعمم علي العلاق .ح دعوة...

وأنا اتحدى أي شخص ينكر ذلك فكل ما ذكرته ورد في وثيقة مؤتمر لندن الذي تم برعاية الصهيونية.





41

مكانة الإسلام السياسي في سياسة امريكا

أمريكا تعوم الصدر في العراق



سمير عادل

حقوق الإنسان والديمقراطية، القانون الدولي، هما المفاهيم الاساسية التي تستند عليها الخطاب السياسي في استراتيجية الأقطاب الدولية المتصارعة لحماية مصالحها وحلفائها وتبرر من خلالها التدخل في قمع الحركات والتيارات المعارضة لها.
الولايات المتحدة الأمريكية والغرب يعتمد نفاقهما السياسي في خطابها السياسي على حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما تعتمد الصين وروسيا في دوسها على القيم الانسانية بحماية القانون الدولية وشرعية حكوماتها وبغض النظر عن تورطها بجرائم ضد الإنسانية.
وعلى اساس هذين المفهومين تسوق تلك الاقطاب "مصداقية" صراعها مع الدول والحكومات لتحقيق مصالحها. وموقع الإسلام السياسي في تحقيق استراتيجية هذين المفهومين هو نسبي وحسب درجة خطورتها على مصالح تلك الدول. فمثلا لم يتقاطع الغرب مع الاسلام السياسي في الحرب الباردة، بل وكان افضل  سلاح واقوى بمرات عديدة  من سلاح ستينغر الذي غير موازين القوى في حرب السوفييت في أفغانستان لصالح الغرب. وبغض النظر عن المحتوى الفكري والسياسي الذي تستند عليها ايديولوجية جماعات الإسلام السياسي الذي يحمل في مجمله  تحقير الإنسان وضرب تطلعاته وامنياته ولا يملك أية قيمة تذكر في قاموسه، ودمه مهدور أبدا طالما يفكر خارج الصندوق الذي تضعها المنظومة الاسلامية، فالإسلام السياسي كان دوما محل ترحيب لدى الغرب وحلفائه قبل الشرق طالما لا يهدد مصالحها، وكان حليفا قويا له في حربهم الباردة ضد الشيوعية والحركات المعادية للاستعمار والهيمنة الغربية في منطقة الشرق الأوسط. ولم يتقاطع الغرب مع الإسلام السياسي الا مع مجموعة القاعدة،  وهو من دعمها لتكون أداة التعبئة التنظيمية والسياسية والفكرية لتجنيد الآلاف من الشباب وارسالهم الى الحرب في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي، وتقاطع ايضا مع دولة الخلافة الاسلامية لأن الأخيرة أرادت تغيير الجغرافيا السياسية واعا\ت صياغة اتفاقات جديدة  لتقسيم النفوذ السياسي للأقطاب الرأسمالية العالمية التي جاءت في اتفاقية سايكس بيكو وغيرها، وخرجت عن الخطوط الحمر التي وضعها الغرب لها. كما ويجدر بالذكر مساهمة الغرب في دعم وصول الخميني إلى السلطة للالتفاف على الثورة الإيرانية وتفريغها من يساريتها وشيوعيتها عبر الدعم الإعلامي لخطب الخميني و بثها الإذاعي في (بي بي سي) البريطانية و(مونت كارلو) الفرنسية وصوت امريكا، ووصل الدعم الى حد نقل الخميني على متن طائرة خاصة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية الى طهران.  وهكذا وكما قلنا في مناسبة اخرى، كان هدف الولايات المتحدة الامريكية بدعم الإسلام السياسي بعد الثورتين المصرية والتونسية والذي أوصل محمد مرسي واخوان المسلمين وحركة النهضة التونسية للسلطة في مصر وتونس الى السلطة، هو من اجل بناء جدار لصد الحركات الداعية للتحرر والمساواة وفرص العمل والكرامة الانسانية وتحقيق كل أشكال الحريات الفردية والانسانية، التي بالأساس تعني تقويض ارباح الامبريالية العالمية، وايضا تعني تقليص النفوذ السياسي للغرب وهيمنته في المنطقة. وكان مشروع دعم الاسلام السياسي يصب بإعادة تموضع الامبريالية الامريكية ورسم سيناريو جديد للتمدد الأمريكي في المنطقة وشمال أفريقيا من خلال بوابة الإسلام السياسي الذي أوجد اسما لتلطيف وحشيته وهو الإسلام المعتدل. واستطاع الغرب بقيادة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا من تقديم كل اشكال الدعم  للإسلام السياسي  بعد الثورتين المصرية والتونسية لتحريفها وقلبها ومن ثم اجهاضها، حيث قايضت الجماهير المحرومة التي اسقطت اعتى نظامين وهما مبارك وبن علي بالأمان مقابل الحرمان من الحقوق والحريات والمساواة. وجاء هذا الدعم بشكل جلي وواضح من خلال تأسيسها لكل العصابات الاسلامية واعادة سيناريو سياستها أثناء الحرب الباردة في أفغانستان في سورية والمنطقة، حيث فتحت مساجد وجوامع تلك الدول للخطب الاسلامية التعبوية وإرسال الشباب الى سوريا و بمعاونة مخابرات تلك الدول وبالتنسيق مع المخابرات التركية لتنتج بالأخير دولة الخلافة الاسلامية، التي كان قبل اجتياحها ثلث مساحة العراق بعامين، يجلس جون مكين رئيس لجنة التسليح في الكونغرس الامريكي مع  ابو بكر البغدادي زعيمها في الأراضي السورية ليقدم له المشورة والدعم.
واخيرا جاء تسليم افغانستان الى طالبان وهي لا تقل وحشية واجرام بحق الانسانية عن داعش، الا ان الولايات المتحدة الأمريكية عومت الأولى وقامت بتأهيلها للسلطة بينما شنت حربا عالمية على داعش، وكلاهما داعش وطالبان هما من صنيعة الغرب من خلال دعمهما سياسيا وعسكريا وماليا.
ما نريد ان نقوله ان مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية هي يافطات سياسية لتبرير التدخل الأمريكي والغربي إذا ما تعرضت مصالحها للخطر. وأصبحت تلك المفاهيم ادوات ابتزاز الحكومات والدول التي تعارض مصالحها. ولعل اكثر الاحداث إثارة وتكشف عن الوجه المنافق القبيح لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية خلال فصول من تاريخها الدموي هو المكالمة الهاتفية الشهيرة التي جرت بين هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا وسوهارتو الرئيس الاندونيسي عندما غطت وسائل إعلام عالمية  المجازر التي ارتكبها الجيش الاندونيسي أثناء انقلابه العسكري على الحكومة الموالية للسوفييت، اذ تفيد الارقام بأنه قتل ما يقارب مليون شخص من الشيوعيين واليساريين ونشطاء عمال ونساء تحرريات اضافة الى اعتقال وسجن الاف، وكان سوهارتو يحاول تبرير ما يحدث في اندونيسيا، ورد عليه كيسنجر بأنه يقدر ذلك، ويتفهم ما يحدث.

وعليه ليس هناك تقاطعات بين الإسلام السياسي والغرب كأنظمة سياسية ومصالح اقتصادية ومالية، بالرغم ان الاول يمثل عصر التراجع الإنساني والوحشية البشرية على جميع الاصعدة، في حين يمثل الثاني ثمرة نضال الانسانية وتقدمها المدني والحضاري. أن الفيصل كما ذكرنا هو المصالح وليست المفاهيم. وتكشف نماذج الإسلام السياسي التي وصلت الى السلطة، عدم وجود أية مشكلة للغرب معها إلا في حدود المزايدة السياسية للاستهلاك الإعلامي لذر الرماد في العيون أمام الرأي العام العالمي حول مصداقيتها على اللافتات السياسية التي تعلقها عن حقوق الإنسان.  فها هي تسلم افغانستان الى طالبان دون ان يرف لها جفن، وتعمل جاهدة على عقد صفقة مع الجمهورية الاسلامية حول الاتفاق النووي وتمددها في المنطقة، وتأسفت من قبل على سقوط الإخوان المسلمين على يد الجيش المصري بسبب اجهاض مشروعها الإسلامي “المعتدل”. ولم تكن لديها مشكلة مع دولة الخلافة الاسلامية الا عندما حاولت تغيير الخارطة الجيو سياسية. واذا ما اخذنا حقوق الإنسان كمعيار لتقييم حركة طالبان والجمهورية الاسلامية في ايران ودولة الخلافة الاسلامية، فأن الاختلاف بينها هي درجة وحشيتها وليس أكثر.

التيار الصدري في السيناريو الأمريكي في العراق:

 لا داعي للتكرار والتحدث عن فشل المشروع الأمريكي في المنطقة الذي تمثل بمشروع الشرق الاوسطي الكبير عبر الغزو واحتلال العراق. وبعد ذلك واجه الغرب عموما تداعيات الثورتين المصرية والتونسية التي حاولت تغيير المعادلات السياسية، لذلك لجأت الى استراتيجية الفوضى الخلاقة التي نادت بها كوندريزا رايس مستشارة الامن القومي في إدارة اوباما، وهي عبر إحداث تعميم الفوضى الامنية في البلدان التي هبت عليها نسائم الثورتين أو الاستفادة منها. وجاء دعم الإسلام السياسي وكل عصاباته وجرائمه  لتحقيق الاستراتيجية المذكورة في سورية وليبيا واليمن.

إن معضلة السياسة الامريكية التي تواجهها اليوم في العراق هي ترسخ النفوذ الإيراني. وكما نعرف ان نفس الادارة الامريكية قامت بدعم المليشيات الموالية لإيران وعلى راسها مليشيات بدر التي يرأسها رئيس تحالف فتح هادي العامري، تحت عنوان الحرب على داعش بالعلن ولكن الحقيقة التي تكمن ورائها جر هذه الميلشيات تحت عباءتها. وبعد فشلها، أي فشل احتوائها وانتزاعها من حض الجمهورية الاسلامية، ألغت قرار التمويل بقرار من الكونغرس الامريكي قبل أشهر لتضع نهاية كذبتها وهي الحرب على داعش.

ان افضل انواع جهاز الحماية للمصالح الامريكية في العراق وبمواجهة المليشيات الولائية هو في اختيار تيار يشترك معها عقائديا وهي الايدلوجية الاسلامية ويتقاطع معها سياسيا في النفوذ والمصالح، ولها قوى ميلشياتية تردعها.

ان التيار الصدري هو افضل الخيارات السياسية أمام السياسة الامريكية، فهو تيار شعبوي قومي بمسحه ايديولوجية اسلامية وله مليشيات ويستمد قوة زعيمه من قوة تاريخ أبيه الذي يعتبر أحد المراجع الاسلامية المنافسة. وفي نفس الوقت ان التيار الصدري بأمس الحاجة اليوم الى الدعم الأمريكي بعد انحسار نفوذه الاجتماعي والسياسي تحت ضربات انتفاضة اكتوبر، فهو الملاذ الأخير للحماية مصالحه الاقتصادية ونفوذه السياسي من المليشيات الولائية التي تسيطر على الحشد الشعبي ولها إمكانيات مالية ولوجستية وعسكرية كبيرة بما لا يقاس مع الامكانات التي تملكها مليشيات التيار الصدري.
وهذا يفسر مواقف الصدر بتأييده لاتفاقية الكاظمي مع السعودية والإمارات ومشروع المشرق الكبير مع الأردن ومصر وتأييده لاتفاقية بايدن-الكاظمي الأخير حول شرعنة جديدة للوجود الأمريكي و بعنوان مختلف في العراق.
وقد نشرت الصحف الامريكية مؤخرا ان التيار الصدري هو البديل الذي تعول عليها ادارة بايدن في انتخابات اكتوبر في هذه المرحلة لمواجهة النفوذ الإيراني. طبعا ان ايران تعرف خطورة ما يشكله التيار الصدري منذ انتفاضة أكتوبر الذي ظهر كتيار يحاول التّصيد في الماء العكر أثناء انتفاضة اكتوبر، حيث استغلت الفرصة للإطاحة بحكومة عبد المهدي الموالية لإيران والمدعومة من المليشيات الولائية. ولم يكن قصف الحنانة في مدينة النجف مقر مقتدى الصدر بطائرة مسيرة في تلك الفترة إلا رسالة للصدر من أجل تعديل موقفه وجره الى خندق المليشيات الولائية.

 ليس مهماً السجل الدموي للمليشيات التيار الصدري في قتل المعارضين والتي كان اخر فصولها هجوم بلطجية المسماة القبعات الزرقاء على المتظاهرين في ساحات وميادين الاحتجاجات امام انظار الكاظمي الذي غض الطرف عما فعلتها تلك المليشيات، ولم يدرجها في خانة "السلاح المنفلت" لأنه وصل الى السلطة بدعم التيار الصدري ولم تسحب منه الثقة بالرغم من تحرشه بالمليشيات الولائية وتجفيف منابع تمويله ومحاولته بإعادة العراق الى "الحضن العربي" لان مقتدى الصدر يقف بالمرصاد لكن من ينال من الكاظمي في البرلمان، وليس مهماً معاداة الصدر للنساء عندما دعا الى فصل الاناث عن الذكور في انتفاضة أكتوبر عندما وجد أن صوت المرأة أصبح عاليا وبات يهدد هويته الاسلامية، وليس مهماً تهشيم رؤوس المثليين بالبلوكات من قبل مليشياته، وليس مهماً حلق رؤوس مخالفيه، وليس مهماً المقبرة  الجماعية في منطقة السدة في بغداد التي تورطت مليشياته بالتطهير الطائفي عام ٢٠٠٦- ٢٠٠٨، وليس مهماً حجم الفساد المتورط به، نقول ليس مهماً (سيفي) أو سجل مقتدى الصدر امام الادارة الامريكية  وتياره طالما إنه البديل الامثل لمواجهة نفوذ المليشيات الولائية واكبر صمان امان لمصالح امريكا في العراق والمنطقة.
مرة اخرى نقول لأولئك الذين ترتجف قلوبهم من الانسحاب الامريكي من العراق، او الذين ما زالوا غارقين  بأوهام بان امريكا السد المنيع للدفاع عن حقوق الانسان في العالم، بأن من وضع الإسلام السياسي على رقاب الجماهير واصبحت جاثمة على صدورها هي نفسها الولايات المتحدة الامريكية، وهي الان تحاول اعادة هيكلة الاسلام السياسي وتمثيله بالتيار الصدري الذي لم يكن اقل اجراما من المليشيات الولائية بحق البشر في العراق، ولم يكن أقل فسادا منها.

إن الحمل الثقيل لا يحمله إلا أهله كما يقال، فالدفاع عن الإنسان وقيمته وحريته، واعادة الكرامة الانسانية الى البشر وانهاء كل اشكال التمييز ضده مرتبط بالتيار التحرري المتجذر في عمق المجتمع العراق، وهو وراء عدم تحويل العراق الى افغانستان اخرى.




42
المقاطعة سياسة انتهازية
المقاطعة والعملية السياسية والانتخابات
سمير عادل
 المقاطعة سياسة انتهازية بامتياز، فهي تعني الضغط على القوى الفاسدة والمجرمة لانتزاع أو تحسين السهم او الحصة في العملية السياسية للجهة التي تقاطع، فالمقاطعة هنا ليست أكثر من إبداء الرغبة بالمشاركة بالعملية السياسية شرط توفر مكانة مناسبة في صفوف الفاسدين واللصوص والحرامية.
 الجميع يعرف أنَّ أساس الفقر والعوز وغياب الخدمات وانعدام الأمان وانفلات المليشيات وجرائمها على طول جغرافية العراق وعرضها متأتي من العملية السياسية، على ما يقارب من العقدين من الزمن، فالأحزاب والقوى والشخصيات  بما فيها المالكي والعامري، التي جاءت ونُصّبَت على رقاب الجماهير بفضل الغزو الأمريكي، كانوا يصفقون بحماسة لجرائم الاحتلال، بينما اليوم يزايدون على إنهاء الوجود الأمريكي، وارتهنوا كل مقدرات العراق وثرواته ومصير جماهيره إلى الجمهورية الإسلامية في ايران، وحولوا مساحة واسعة من العراق إلى حديقة خلفية لجمهورية خامنئي صاحب المقولة الشهرية التي عبر عنها عبر قادة فيلق القدس إلى (مكونات) البيت الشيعي  “وحدة الطائفة فوق الوطن”، في حين حولوا القسم الآخر إلى مرتع للقواعد الأمريكية، وها هم اليوم ترتفع عقيرتهم وتتعالى صرخاتهم، بأن صفقات الكاظمي مع السعودية والإمارات هي استعمار جديد.
هؤلاء المتورطين بأشكال مختلفة بدماء جماهير العراق ونهب ثرواتها هم من يريدون إدامة العملية السياسية بالرغم من كل مالت إليها أوضاع العراق.
يقول ألبرت آينشتاين صاحب النظرية النسبية، أن من يعتقد أنَّه سيحصل على نتائج إيجابية من تجربة فشلت عدة مرات، فهذا يعني الجنون بعينه، ولكنه لم يحالفه الحظ كي يختبر تجربة العملية السياسية في العراق ليضيف له؛ انه الأحمق وحده من يعتقد بعد ما يقارب عقدين من الزمن وإجراء عدة انتخابات، بأنَّ السماء في العراق ستمطر المن والسلوى، وسيهبط علينا من كوكب المريخ صف جديد من الأحزاب ومن القوى غير الإسلامية وغير قومية عبر العملية السياسية لتنقل العراق إلى بر الحرية والمساواة والأمان.
علينا أنَّ نؤكد بأنَّه لا تحسن في الظروف المعيشية للجماهير دون إنهاء العملية السياسية، فلا حل لإنهاء المليشيات أو كما يسميها الكاظمي بالسلاح المنفلت دون إنهاء العملية السياسية، لا طريق توفير الخدمات دون إنهاء العملية السياسية، لا حديث عن المساواة والحرية في ظل هذه القوى الفاسدة، ودون ترحيلها إلى الكهوف التي قدموا منها.
إنَّ (أفضل) النتائج التي حصلت عليها جماهير العراق عبر انتفاضة تشرين أكتوبر هي حكومة الكاظمي، وهي من صورت بشكل كاذب وخادع للجماهير المنتفضة أنها جاءت تلبية لتضحيات الانتفاضة، هذه الحكومة المنبثقة من العملية السياسية شرعت الورقة البيضاء، إقامة هدنة مع المليشيات على حساب أمن وسلامة الجماهير بعد أن صدع رؤوسنا بأنَّها منفلتة، وقد غض الطرف عن كل جرائمها، وبات اي الكاظمي يهادنها ويتملق لها، إنَّه يساوم على دماء المنتفضين، وباع كلمات معسولة لم تنطلِ حتى على الذين لا يعرفون الوضع العراقي. تلك الحكومة التي جاءت بدعم مقتدى الصدر الذي لا ينازعه احد بالفساد وبرعاية ميليشياته المنفلتة، ويتبجح على الجميع دون اي خجل او حياء ويزايد على الفاسدين والمجرمين بأنه يريد الإصلاح. والإصلاح في نظره تنحية القوى المنافسة له من المالكي والعامري والحكيم كي يتربع على كرسي الفساد لوحده، وكأننا نسينا ما فعلتها أصحاب القبعات الزرق بالمتظاهرين في انتفاضة أكتوبر في ساحات الانتفاضة في الناصرية وبغداد وكربلاء والنجف، أو وزرائه في ميادين الخدمات مثل الصحة والكهرباء وغيرها التي فاحت رائحة فسادهم اكثر من رائحة الجيفة والمستنقعات الزبالة التي تزين بغداد، إنَّ الصدر هو من اعلن مقاطعة الانتخابات، ليجسد معنى (المقاطعة) التي نتحدث عنها، عندما وجد أنَّ حظوظه ستقل في هذه الانتخابات، وحين وجد أنَّه لا مفر بأن لا احد يسمع دعواته، تراجع عن موقفه بالمقاطعة، كي يحافظ على الأقل بأي حصته في هذه الانتخابات.

وأخيرا فإننا عندما نقول لا أمن ولا أمان، لا حرية ولا مساواة، لا امل بالتغيير دون إنهاء العملية السياسية، والسبب هو أنَّ الانتخابات القادمة ليست إلا تعميقاً للأزمة السياسية ، وحلقة أخرى لإدارة تلك الأزمة  بدلاً من حلها على حساب أمن وسلامة ورفاه جماهير العراق، فكل الذين يقودون اليوم القوائم الانتخابية مثل العامري والمالكي والحكيم والصدر والخزعلي والفياض والحلبوسي والخنجر…الخ  يجب أن يكون مكانهم في المحاكم العلنية، بتهم جرائم الفساد والنهب وقيادة مليشيات لتقتل بدم بارد وتنظم حملات التطهير الطائفي وانتهاكات حقوق الإنسان، أن آليات العملية السياسية التي أرست على أسس المحاصصة القومية والطائفية، وتقوم على دعامتي الجمهورية الإسلامية و الماكنة العسكرية الأمريكية هي من تأهل هؤلاء المتهمين لترشيح انفسهم إلى الانتخابات بدل من القصاص العادل بحقهم.
وعليه فإنَّ اقصر الطرق هو برفع الشرعية عن العملية السياسية عبر إفشال الانتخابات وتحويل غضب وسخط الجماهير إلى حركة عظيمة تكنس هؤلاء من المجتمع، إنَّ قدر الجماهير ليس البرلمان، انه صورة مخادعة وضعتها الماكنة العسكرية الأمريكية عبر الاحتلال وصورتها الأقلام المأجورة لتضعها كطوق اسر على رقاب الجماهير، لذا فنحن نرى أنَّ السلطة المنبثقة من الجماهير مباشرة عبر تأسيس أشكال تنظيمية مختلفة مثل لجان او مجالس المحلات والمعامل والدوائر الحكومية والجامعات، واختيار ممثليها لتأسيس هيئة سياسية تحكم العراق وتنفذ برنامج الامن والحرية والمساواة، والذي لا يحتاج إلى المليارات من الدنانير المسروقة من جيبونا للدعاية الانتخابية، ولا انتظار لأربعة سنوات كي يسنوا خلالها القوانين المعادية لنا.

43
التجنيد الإجباري بين تأسيس الدولة القومية ومزاولة القمع بالسخرة
سمير عادل
لم يكن الجيش في أي يوم من الأيام، ولاسيما في التاريخ الحديث، أي منذ تأسيس الدولة القومية؛ بعد بزوغ النظام الرأسمالي، عزّ (الوطن) ولا هو شرفه، فالجيش هو جزء من آلة الدولة القمعية، وكان دائما عزّ الطبقة البرجوازية الحاكمة، وشرف الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية وترسيخ أركان سلطتها، وكما يقول ماركس؛ بأنَّ هذا التصور الخادع والكاذب الذي روجته البرجوازية ذاتها،  بأن الدولة فوق المجتمع وهي محايدة، بينما نراها في المنعطفات التاريخية والأزمات، وعندما تهتز أركان سلطة الطبقة البرجوازية تخرج عن حيادها الواهم والخادع لتقمع كل من يعترض قوانينها وهيبتها وتعريض مصالحها إلى الخطر، فالجيش كان دائما عدو الطبقة العاملة والكادحين والمحرومين، وليس هذا فحسب بل أنَّ الدولة موَّلت آلة الجيش تلك، عن طريق فائض القيمة الذي ينتزع من العمال، والضرائب التي تفرض عليها والثروات التي تستحوذ البرجوازية عليها عن طريق النهب والسلب، وفي نفس الوقت يغذون تلك الالة عبر الخداع والتظليل وقوانين العقوبات بنفس أبناء الطبقة العاملة والكادحين، ويسوقونهم إلى محرقة مصالحهم ليقتلوا فداء للحفاظ على عز وشرف الطبقة التي تستحوذ على ثروات المجتمع.
*****
بعيد احتلال العراق تمَّ حل الجيش العراقي من قبل الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر، وتم إنهاء قانون الخدمة الإلزامية، وقد لاقى ذلك ترحيبا واسعا من قبل كل الموجودين اليوم في سدة السلطة من الشخصيات القومية والطائفية التي نصبتها قوات الاحتلال الأمريكي في مجلس الحكم ليتم بعد ذلك تعويم أحزابهم لحكم العراق عن طريق تدريبهم وتأهيلهم وتعليمهم  كل أبواب الفساد، كان ذلك جزء من خطة أمريكية وبموافقة وانسجام وتهليل تلك القوى الإسلامية والقومية الكردية، لإعادة هيكلة المجتمع العراقي سياسيا واجتماعيا وفكريا واقتصاديا كي تتلاءم مع السياسة الأمريكية التي لم تكن أكثر من هيمنة سياسية واقتصادية من خلال مشروعها (الشرق الأوسط الكبير)، وهذه الهيكلة لم تكن ترى النور دون تغيير او اجتثاث العقيدة العروبية والقومية المحلية (الوطنية) من المجتمع الذي طبعت به وطبعت بها الدولة عبر أربعة عقود من سلطة البعث القومية. أي بمعنى آخر، جاء المشروع الأمريكي منسجما مع البرنامج السياسي والأيديولوجي والعقائدي لجماعات الإسلام السياسي الشيعي  او للقوى القومية الكردية.  و كل التصريحات والحوارات التي تأتي هنا وهناك من قبل تلك الجماعات عن تحميل ما آلت إليه الأوضاع الامنية والسياسية في العراق بحل الجيش العراقي وتسويقه على انه خطأ أمريكي، ليس اكثر من نفاق سياسي وكذب امتهنته تلك الجماعات التي تتلمذت على يد محترفي ومزوري الحقائق أي الاحتلال الأمريكي، وكان قرار حل الجيش بمثابة جزء من تلك الخطة لإنهاء العقيدة القومية التي تأسس عليها الجيش العراقي، ولذلك لم يجنح اي طرف من أحزاب الإسلام السياسي طوال سنوات الاحتلال وحتى في ثلاث دورات  ونصف لحكم الإسلام السياسي بدعم الأحزاب القومية الكردية نحو تشريع قانون الخدمة الإجبارية او التجنيد الإجباري.
اليوم ومثلما تحدثنا في عدة مناسبات، يأتي موضوع أو قانون التجنيد الإجباري (الإلزامي) ضمن مشروع أكبر للتيار القومي العروبي والمحلي الذي استرد زمام المبادرة عبر الصعود على أكتاف انتفاضة أكتوبر والذي يمثله اليوم الكاظمي، فقانون التجنيد الإجباري هو جزء من رزمة متكاملة للمشروع السياسي لذلك التيار كي يتحول إلى قوة سياسية وينهي الصراع على السلطة ويزيح القوى المليشياتية للإسلام السياسي ويقوّض النفوذ الإيراني في العراق، فالتيار القومي اليوم بالرغم من استرداد زمام المبادرة في العراق وبالرغم من امتلاكه لبرنامج اقتصادي تمثّل في الورقة البيضاء، ويحظى بمساندة إقليمية من الأنظمة القومية في الأردن ومصر وقد توج ذلك بعقد قمة بغداد، وقبلها الدعم المالي السعودي والإماراتي المهول لحكومة الكاظمي وقبلها تأسيس قناة إعلامية خاصة (MBC العراق) ورؤية لإعادة تأسيس مشروع الدولة، إلا أنَّ هذا التيار لا يمتلك الأداة الضاربة او القوة القمعية لتنفيذ مشروعه على أرض الواقع. فسلطة الإسلام السياسي الشيعي التي حاولت خلال ما يقارب من عقدين من بناء مشروعها السياسي على انقاض ما هدمته آلة الاحتلال من الدولة (القومية العروبية والوطنية) وبمعيتها كل المفاهيم السياسية والاجتماعية التي أنشأت على أساسها، وبالرغم من أنها لم تنجح فيما سعت إليه، إلا أنها ما زالت تقف حائلا ضد المشروع العروبي في العراق وتقاومه بشكل دؤوب. فكما يعبر عنه خامنئي عبر ممثليه من قادة فيلق القدس سواء كان سليماني او قاآني مع كل لقاء مع ممثلي البيت الشيعي، (وحدة الطائفة فوق وحدة الوطن). وعلى هبوب الغبار الذي تصاعد مع تقدم داعش في حزيران ٢٠١٤ حاولت تلك السلطة من تأسيس آلتها القمعية وهي الحشد الشعبي لبناء مشروعها إلا أنها ارتطمت بالممانعة الإقليمية والدولية، ورفض شعبي كبير الذي جاء عبر انتفاضة أكتوبر.
*****
إنَّ مشروع قانون التجنيد الإجباري الذي أشرنا إلى بنوده هو تعبير عن ظلم طبقي سافر، ويعكس الماهية المعادية لحكومة الكاظمي مع مصالح الجماهير، هذا ناهيك عن الجانب الحقوقي الذي سوف يأتي ذكره لاحقاً.
 من الملاحظ أنَّ بنود المشروع تشير إلى أنَّ من لم يكمل تعليمه فإنَّ مدة خدمته سنتين، والسؤال المطروح من الذي وقف بوجه أبنائنا بعدم إكمال التعليم؟ من الذي دمر البنية التحتية للتعليم، ومن الذي حول أطفالنا إلى باعة مفرق في الشوارع وهم في عمر الزهور كي يعولوا عوائلهم؟ في الوقت الذي لابد أن يكونوا على مقاعد الدراسة، ومن الذي وضع خطة لخصخصة التعليم وتحولت تأسيس الجامعات الخاصة من الأموال المنهوبة والمسروقة من جيوبنا إلى أكبر المنابع لدر الأرباح على رجالات العملية السياسية والتي يتقدمهم المالكي وجامعته (الأسراء) وسط بغداد؟ وأصبحت عائقا أمام الآلاف من الشباب إناثا وذكورا لتكملة دراستهم الجامعية كي يتجنبوا كمين الكاظمي ومشروعه التجنيد بالإكراه.
أما الجانب الحقوقي من المشروع، فهو يتناقض مع كل مبادئ حقوق الإنسان، فمقولة (الإجبار) او (الإلزام) تعني الإكراه وهي تعسف سافر ضد خيار الإنسان، ولعل قصة محمد علي كلاي الذي رفض الخدمة العسكرية والذهاب إلى فيتنام، والذي تحول إلى رمز شعبي في حقبة الحرب الفيتنامية، بانها حربا غير عادلة، هو نموذج عن رفض التجنيد الإجباري وخيار الإنسان بعدم الذهاب إلى الحرب، والسؤال هو أية حقانية كانت في الحرب الأمريكية على فيتنام، واي عز وشرف كان لذلك الجيش الذي قتل أكثر من مليون إنسان لمجرد رفضوا الهيمنة الأمريكية، هذا ناهيك عن كل التاريخ الاستعماري للجيوش الفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية. الخ.
 أن حقانية مشروع قانون التجنيد الإجباري تأتي من خلال فرضه بالقوة على البشر، فكل الحروب التي قادتها الدول لم تكن عادلة، وخاصة في العراق ومنذ تأسيس دولته، وتوج تاريخه بالانقلابات العسكرية بدء من انقلاب ١٩٣٦ و١٩٤١ و١٩٥٨ و١٩٦٣ و١٩٦٨ وتدمير القرى الكردية وتغييب ١٨٢ ألف إنسان ناطقين بالكردية وجريمة حلبجة وتجفيف الأهوار وقمع انتفاضة آذار. الخ. الم نذكر ما عشناه ورأينا من الإعدامات الجماعية في ملاعب كرة القدم المحلية او فرق الإعدام في الخطوط الخلفية في الحرب العراقية-الإيرانية، اي شرف كان لهذا الجيش وأي عز للوطن بناه هذا الجيش، هل كان لنا خيار مثل محمد علي كلاي بالرغم من تقديمه لمحكمة عسكرية وتحول إلى قضية رأي عام، نقول هل كان لنا خيار رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية والذهاب إلى الحرب العراقية-الإيرانية، ألم تأخذ سلطة البعث ثمن الرصاص الذي قتل به الرافضين للخدمة العسكرية من أهاليهم. هل كانت الحرب العراقية-الايرانية حربا عادلة بالنسبة لجماهير العراق التي ارسلت الى محرقة الدفاع عن البوابة الشرقية للامة العربية بينام كان رجالات البعث من صدام حسين وقصي وعدي وحسين كامل وطارق عزيز ومن لف لفهم ينعمون بخيرات النفط مثلما ينعم اليوم المالكي والعامري والخزعلي وصالح والحلبوسي والخنجر والصدر والقائمة اطول من قائمة رجالات البعث. إنَّ ما نريد أن نقوله هو أنَّ التجنيد الإجباري هو تعدي سافر على الحرية الإنسانية ولا يمتلك أية حقانية غير الإكراه، على أنَّ كل المبررات التي تروج لتسويق وإقناع الرأي العام بالتجنيد الإجباري عن استنهاض قيم الرجولة وإنهاء الميوعة ليس اكثر من ترهات، فهي  سياسة لبناء بنية استعبادية وخاضعة خانعة لخلق نوع من البشر تخدم الطبقة السياسية الحاكمة، وتنفذ ما يطلب منها بشكل اعمى.
أما الجانب الاقتصادي من المشروع، فيكشف عن كل ألاعيب حكومة الكاظمي؛ بأن الدولة لا تمتلك مالا ويجب فرض سياسة التقشف، واستقطاع نسب تصل إلى ٢٠٪ من رواتب ومعاشات العمال والموظفين والمتقاعدين، وفرض الضرائب على المحروقات والاتصالات، بينما هي تملك تمويل جيش كبير من المجندين يدفع لهم بين ٥٠٠- ٧٠٠ ألف دينار حسب بنود المشروع المذكور. وعندما نتحدث عن حقانية ضمان بطالة ونطالب بالحد الأدنى كما يحدد قانون العمل بمبلغ ٣٠٠ الف دينار شهريا، تنقلب الدنيا ولا تقعد، ويقولوا لنا أن الدولة ليس لديها أموال، وان اقتصاد العراق ريعي، وأسعار النفط انخفضت، وأن مطالبكم خيالية وغير واقعية. الخ من الأكاذيب والهراء، فالكاظمي لم يأهل مصنع واحد من المصانع التي وعد وزيره للصناعة بإعادة تأهيل وتشغيلها ويصل عددها إلى ٢٠٠ مصنع وهي من كبريات المصانع في الشرق الأوسط، ولم يخصص ميزانية لها تتجاوز ميزانية الوقف السني والشيعي الذي رصد له بأكثر ٢ مليار دولار ، لتوفير فرص العمل، إلا أن الأموال جاهزة لبناء جيش جرار. أن المفارقة التراجيدية في مشروع التجنيد الإلزامي، هي أن حكومة الكاظمي التي تحاول أن تمثل قوانين الدولة تستغل الوضع الاقتصادي للشباب كي تجندهم عبر استغلال البطالة في صفوفهم، فيما تستغل القوى الولائية للجمهورية الإسلامية اي المليشيات نفس الوضع الاقتصادي كي تجند الشباب وترسلهم إلى محارقها الطائفية بدلا من محارق الكاظمي القومية التي يعد لها، أن الكاظمي لمرة أخرى عَبّرَ بمشروعه عن وجهه المعادي لمحرومي المجتمع وأبناء الطبقة العاملة مثلما كان في ورقته القبيحة التي سماها البيضاء.
*****
وأخيرا فإنَّ المضحك في هذا المشروع على الصعيد السياسي، هو سعي هذا التيار الذي يمثله الكاظمي بوضع العربة أمام الحمار وليس الحصان، فاللحمة الوطنية التي يحاول إقناعنا بها عبر التجنيد الإجباري ليس أكثر من نكتة سمجة، فبناء العقيدة في المجتمع وأي كان منبعها الأيديولوجي يبدأ بماهية السلطة، والسلطة الموجود هي سلطة طائفية بامتياز، إلا أنه الكاظمي وحكومته الفاشلة وبدلاً من رفع راية مشروع وهوية للدولة التي يحاول بنائها، مشروع دولة غير قومية وغير دينية، دولة قائمة على معاملة البشر على أساس المواطنة، دولة تنهي كل أشكال التمييز الطائفي والديني والجنسي، يأتي لنا بمشروع بناء آلة قمعية جديدة لإعادة اللحمة الوطنية كما يدعي، وهي في الحقيقة الاسم الحركي والسري للحمة الطبقية، أي إنهاء التشرذم السياسي للطبقة البرجوازية وتوحيدها وقيادتها من قبل التيار القومي عبر آلته القمعية الجديدة او التجنيد بالإكراه.

44
الكاظمي وصناعة الأوهام



سمير عادل

 قمة (التعاون والشراكة) كما سماها مصطفى الكاظمي، لجمع كل الاعداء والمنافسين وقادة الحرب بالوكالة على الساحة العراقية، لن تكن أكثر من فقاعة إعلامية، لتسويق صورة الكاظمي من اجل احراز نقاط لإعادة إنتاجه في المشهد السياسي بعد الانتخابات المبكرة المزمع تنظيمها  في ١٠ تشرين الأول القادم.

 ما يميز الكاظمي عن سلفه من رؤساء الوزراء في العراق الذين تفننوا بحرفة مهنة الكذب، سعيه المتواصل في إرساء صناعة الاوهام، بعد حرمان العراق من تأهيل أية مصانع ومعامل بقرار من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ غزو واحتلال العراق، والذين أشادوا بالكاظمي وورقته البيضاء عند زيارته الى واشنطن مؤخرا. فالكاظمي يحاول إرساء تلك الصناعة محل الصناعات الثقيلة التي كان يمتلكها العراق مثل البتروكيماويات والحديد والصلب ومجمع الاسكندرية لصناعة السيارات والاجهزة الدقيقة ..الخ,

على العموم لنبقى في موضوعنا، "قمة التعاون والشراكة"، التي ينفق الكاظمي الأموال عليها مما جمعه من تخفيض العملة العراقية على حساب العمال والموظفين وكل محرومي المجتمع. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذه القمة (التعاون والشراكة) التي يرفع لوائها لا تغدو أكثر من فقاعة اعلامية؟ لأنه ببساطة بالنسبة الى اي شخص او مراقب على اطلاع بسيط عن الوضع العراقي، فلا يمكن الاستنتاج حتى في منامه او خياله الصورة التي يرسمها الكاظمي عن دور العراق الممكن ان يلعبه في المعادلة السياسية الاقليمية والدولية. ان شر المصيبة ما يضحك مثلما يقول لنا المثل، والمصيبة هناك تكمن بأن العراق لا يمتلك اية أسس سياسية واقتصادية وعسكرية كي يكون بيضة القبان ويخلق التوازنات في المنطقة كما يحاول الكاظمي ترويجه عن دور العراق. فالتشرذم السياسي في الطبقة السياسية هو القوة المحركة للوضع السياسي ، حيث تتقاذفه صراعات النفوذ الاقليمي والدولي، ولا يمتلك حتى مقومات دولة كجهاز موحد وله هوية سياسية، ولا يمتلك اقتصادا على الاقل مثل مصر ولا نقل مثل اقتصاديات جي ٢٠ (البلدان الصناعية العشرين في العالم)، واخيرا لا يمتلك اية قدرة عسكرية تردع او تخشى منها الدول التي يستضيفها في القمة المذكورة، فهو أي العراق ساحة لتصفية حسابات الخصوم السياسيين للدول المحيطة به، فالجيش التركي يصول ويجول ويتوغل ويرسخ القواعد العسكرية في المناطق الشمالية، وطائراته المسيرة وغير المسيرة تقصف كل يوم وتدمر قرى كردستان وتردي العشرات من الابرياء المدنيين قتلى بحجة مطاردة حزب العمال، اما إيران تغتال معارضيها سواء مقتديا بتركيا عبر القصف بالطائرات والمدفعية او عبر فرق الموت في كردستان العراق، وكان اخرها اغتيال احد نشطاء المعارضة الايرانية في أحد فنادق اربيل، اما تصفيته لكل صوت معارض للنفوذ الايراني في جميع مدن الجنوب وبغداد فحدث ولا حرج. هذا ناهيك عن قطع المياه من الطرفين الايراني والتركي، بينما الكاظمي يندد بقصف تركيا، في حين يغض الطرف عن عمليات ايران ارضاءً لتحالف ميليشيات فتح في البرلمان.

ولا تقتصر صناعة الأوهام عند الكاظمي عن دور العراق وحكومته التي لا تعترف بها مليشيات الحشد الشعبي، ومرغت انفها بالتراب في عقر دارها في المنطقة الخضراء، بل يحاول عبثا في صنع قطع غيار لترسيخ تلك الصناعة، فمرة يسوق نفسه بأنه منع الحرب الاهلية في العراق، في الوقت الذي يدرك هو أكثر من غيره ان تنازلاته أمام المليشيات الموالية للجمهورية الاسلامية في ايران هي التي منعت الحرب الاهلية، فقد غض الطرف عن كل الجرائم التي اقترفتها تلك المليشيات من عمليات الاختطاف والتصفيات الجسدية والفساد والسرقة والنهب. لقد ترك الحبل على الغارب عبر اللامبالاة تجاه عروضها العسكرية، ومع هذا يتحدث لنا انه منع الحرب الاهلية، كي يتوج نفسه بطلا للسلام، في حين انه لم يتجاوز دوره الوسيط الفاشل وغير الموثوق  به لا من قبل الجماهير التي توهمت به واكتوت بنار المليشيات ولا بالطرف الدولي الذي دعمه وسانده مثل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في المنطقة ولا بالمليشيات التي أوصلته الى سدة السلطة. ما فعله حقا زياراته التفقدية لعوائل ضحايا المليشيات التي كان يطيب خاطرهم وبكلمات واقوال لا يحسب عليها ضرائب، واخيرا عندما تواجد في مسرحية إلقاء القبض على مدير مكتب حزب الدعوة الذي اغتال مدير بلدية كربلاء الذي ينتمي للتيار الصدري بحجة إنهاء التجاوزات على اراضي الدولة، ووعد وهدد، إلا أن السر وراء قوة تهديده كان الاحتماء خلف مليشيات التيار الصدري، لأن عملية القتل حدثت نتيجة اختلاف أو نزاع على ملكية أرض بين الدعوة والتيار الصدري، الا ان الكاظمي غلفه بهالة اعلامية كبيرة وأظهر نفسه رامبو العملية واعادة الحق الى اصحابه وهو الدولة، ولكن بنسخة واقعية وبشكلها الكاريكاتوري.

وكي تكتمل معامل صناعة الأوهام عند الكاظمي، أتحفنا قبل يومين بإطلاق تهديد صريح للشعب العراقي بجميع اقسامه في حديثه عن الانتخابات، فقال عليكم الخيار اما الاستقرار او الفوضى، اي انه يرد على عزوف الناس واتساع رقعة مساحة رفض الانتخابات، بتهديدهم كي يذهبوا الى الانتخابات التي تورط بها، وورط حتى من يقف ورائه مثل امريكا والامم المتحدة والاتحاد الأوروبي والسعودية والامارات. فالكاظمي يتحدث لنا عن الفوضى ويقصد بها الحرب الاهلية لو لم نذهب الى الانتخابات، وكأنه لو ذهبنا فستكون النتيجة لصالحه. في حين جربنا كل الانتخابات فالنتيجة كانت لصالح اللصوص والمليشيات والفاسدين بما فيهم الكاظمي نفسه وشلته التي سنت الورقة البيضاء. وكأنه يقول لنا الكاظمي اذا أُجريت الانتخابات، وكانت النتيجة لصالح تياره، فلن تعم الفوضى في العراق. اليس هذا ايضا ضربا من الوهم الذي يحاول الكاظمي من تسويقه.


في العراق وبخلاف كل بلدان العالم، وخاصة بعد الغزو والاحتلال، لا وجود لبطل قومي يعاد انتخابه او اختياره او يضاف الى رصيده الانتخابي مهما بلغت انجازاته، وبنفس المعيار لا يأخذ بنظر الاعتبار الفاشلين والذين لا رصيد لهم اجتماعيا او سياسيا كي يتوج الى مناصب عليا في المؤسسات الحكومية بما فيها رئاسة الوزراء. فحيدر العبادي على سبيل المثال  سجل انتصاراته على داعش باسمه، وانتزع مدينة كركوك من القوميين الكرد، ونفخ الروح الشوفينية القومية من جديد في المجتمع عبر إعلان حربه على استفتاء جماهير كردستان، ليكن الشخص الثاني بعد صدام حسين في تبوء ذلك المركز عندما قام بحملته الانفال في تدمير ٣٠٠٠ قرية كردية وتغييب ١٨٠ الف انسان من الوجود لانهم ولدوا ولم ينطقوا بالعربية، ومع هذا لم يعاد اي العبادي اختياره لرئاسة الوزراء، واصبح مكانته بعد انتخابات ايار ٢٠١٨ مثل مكانة نوري المالكي الذي سلم ثلث مساحة العراق الى داعش دون قتال. وبنفس المعيار تم اختيار عادل عبد المهدي رئيسا للوزراء الذي لقب ب(حرامي الزوية)  لسطو حمايته على مصرف الزوية في بغداد. أي بعبارة اخرى ان صفقات الكاظمي مع السعودية والإمارات وزياراته الى مصر والاردن والكويت واتفاقيته مع البيت الأبيض ، ومؤتمره التعاون والشراكة لن ينقله سوى الى تسجيل اسمه في سجل المحاربين القدماء الفاشلين. فبمجرد العودة البسيطة الى مؤتمر الاعمار في الكويت بعيد الانتهاء من سيناريو داعش عام ٢٠١٨، فلم تعط أي دولة مشاركة منحة للعراق الا ملاليم كما يقال باللهجة المصرية بسبب عدم الثقة بمؤسساته الحكومية، بالرغم من  ظهور العبادي في المؤتمر أقرب الى  قائد صليبي مثل ريتشارد قلب الاسد اكثر مما عليه صلاح الدين الايوبي، حيث دون انتصاراته في سجل بعنوان البطل الذي هزم داعش واسترد ما خسره المالكي، فما بالك اليوم أن يستطيع الكاظمي الذي لا يمتلك حتى سلطة على المنطقة الخضراء التي يقبع فيها، فكيف له أن يكون بيضة قبان بين قادة تصدير الارهاب والحرب بالوكالة في العراق!

إن المشكلة لا تكمن بالكاظمي نفسه، بل تكمن في سياسة الولايات المتحدة الامريكية التي وقفت دائما خلف قوى واحزاب وشخصيات جاءت من خلف التاريخ مثل علاوي والمالكي والعبادي واخيرا بطل صناعة الاوهام وهو الكاظمي.

أما السؤال الاخر المطروح، ألا تعرف الحكومات التي لبت دعوة المشاركة بأن العراق ليس مؤهل ان يلعب الدور الذي رسمه الكاظمي له، والرد؛ نعم تعرف ولكن لا تريد هذه الحكومات اعطاء اي فرصة حتى لو كانت وهمية ان تحل الآخرين محلها و تملأ فراغها. وكل واحد من تلك الدول متورطة بما حدث ويحدث من جرائم في العراق بشكل او بأخر منذ الحرب العراقية-الايرانية ومرورا بحرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي وانتهاء بغزوه واحتلاله، عبر دعم الجماعات والمليشيات او عبر قطع المياه وعبث جيوشها، وتحاول تقديم براءة ذمة عبر الإعلام المأجور، وتسويق نفسها بأنه تريد الازدهار والخير والسلام لجماهير العراق. اليس في هذا احترافية قل نظيرها في صناعة الأوهام لتصديرها للخارج بعد  إتمام الاكتفاء الذاتي في داخل العراق.

45
بين مشهدين، أفغانستان والعراق
سمير عادل
المشهد الدرامي الذي تتناقلها وسائل الإعلام العالمية حول سيطرة طالبان على كابول، والهروب الجماعي لسكانها الى المنفذ الوحيد لها وهو المطار، وتدافع الناس أمام عجلات الطائرة للحصول على مكان آمن، اختبرناه في العراق وعشنا لحظاته ولكن بسيناريو مختلف، عندما دخل داعش الى الموصل وأعلن دولته الاجرامية في العاشر من حزيران من عام ٢٠١٤.
الهروب المذل للقوات الافغانية المدججة بأحدث انواع العتاد والسلاح الأمريكي امام عصابات طالبان، هو الآخر يعيد لنا مشهد هروب الجيش العراقي الذي قدر عدده على الاقل ٣٠ الف عنصر مع ترك كامل عتاده الى جماعة داعش التي لم تكن أكثر من ٢٠٠ عنصر.
الا ان الفارق الوحيد بين المشهدين هو ان الرئيس الافغاني هرب بجلده الى طاجكستان بينما المالكي احتمى بالقوات الامريكية وقام بتفعيل اتفاقية الاطار الاستراتيجي الذي وقعه مع الادارة الامريكية نهاية عام ٢٠٠٨. فالأول لم يجد له منقذ بينما المالكي الذي يختبئ اليوم وراء محور الفساد والإجرام الذي يسمي نفسه بالمقاومة والممانعة وخلف مليشيات الحشد الشعبي استنجد بالقوات الامريكية لإيقاف زحف عصابات داعش الى المنطقة الخضراء.

التباكي على الشعب الأفغاني في واشنطن من قبل زعماء الحزب الجمهوري في الكونغرس امثال ليندسي غراهام وميتش ماكونيل هو أكثر المواقف التراجيدية في المشهد الدرامي الأفغاني، حيث يتناسى اولئك الممتهنين لفن النفاق السياسي، بان ادارة ترامب الجمهورية هي وراء التفاوض مع طالبان في الدوحة، وهي وراء قرار الانسحاب الامريكي المقرر في ايار اي قبل ثلاثة اشهر من الموعد الذي تاجل الى أيلول من هذا العام من افغانستان، وكلا المنافقين هم من وقفوا في مساندة ترامب ودعمه في الانتخابات والتمسك بادعاءات تزوير الانتخابات. الا ان تباكيهم اليوم على الأوضاع أفغانستان هو ما يضفي المشهد الدرامي على تصريحاتهم الرومانسية والحزينة على الشعب الافغاني، وتصب في خانة المزايدة السياسية ضد ادارة بايدن ومحاولة لإظهارها فاشلة أمام الرأي العام الأمريكي من أجل تسجيل نقاط لصالح استحقاقات انتخابية. وهذا ما يبين ان الطبقة الحاكمة في واشنطن من ديمقراطيين وجمهوريين متفقين على استراتيجية واحدة، وهي التفرغ لردع الصين وروسيا، واعادة أفغانستان الى حضن الجماعات الاسلامية الارهابية لتهديد العالم وخاصة منافسيها الأعداء روسيا والصين. فكما قلنا من قبل ان روسيا والصين أكثر الدول التي استفادت من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، اذ منع تحولها إلى ساحة للتدريب والمشورة والتوجيهات والدعم اللوجستي والمعنوي في نشر الافكار الاسلامية وتجنيد الجماعات وتصديرهم الى مسلمي روسيا والصين، ومقابل ذلك كانت القوات الامريكية تستخدم الأراضي الروسية ومناطق نفوذها للدعم اللوجستي والاستخباراتي في احتلالها لافغانستان.
وهذا يقودنا الى انه افغانستان ليست مثل اي بلد عادي، من الممكن الاستفادة منها كمنطقة نفوذ ووتتصاع عليها الدول العظمى، وتفسر هذه المعطيات سبب انسجامها الذي جاء في بيان مجلس الامن بعدم الاعتراف بطالبان ما لم ترى أفعالها في منع الجماعات الاسلامية الاخرى من داعش والقاعدة للانطلاق منها واستخدام افغانستان كقلعة لنشر الارهاب الاسلامي على صعيد العالم، وتسجل سابقة نادرة في سجل الصراع على المناطق النفوذ بين تلك الدول.
بيد ان الحقيقة الواضحة ولا لبس عليها ان من رعت الجماعات الاسلامية الارهابية هي الادارة الامريكية، وهي من مولت ودعمت ماليا وعسكريا اسامة بن لادن وجماعته وما سمي بمجاهدي الافغان، وكان السفير الامريكي في القاهرة يجند الشباب (العربي المسلم) للقتال الشيوعية في أفغانستان

46
ايام ساخنة، ورياح السموم في العراق

سمير عادل

المعادلة التي كانت تقوم على اساس توافقات مباشرة أو غير مباشرة بين النفوذين الأمريكي والإيراني في العراق، قد ولت على الأقل في الوقت الحاضر وعلى المدى المنظور. ولا يعود الفضل في ذلك الى استرداد النفوذ الأمريكي المبادرة في العراق وفي المنطقة بالرغم من أن عملية اغتيال قاسم سليماني من قبل القوات الامريكية لعبت دورا لا يستهان به في المشهد السياسي الجديد، بل يعود ذلك الى عوامل اخرى وأولها انتفاضة أكتوبر التي قزمت الإسلام السياسي الشيعي اجتماعيا وسياسيا، وثانيا استغلال الانظمة القومية العربية الافاق التي انتهت اليها الانتفاضة واعتلاء تيار الكاظمي على اكتافها للوصول الى سدة رئاسة الوزراء، وثالثا دخول اسرائيل كقوة اقليمية بارزة بعد اتفاقية السلام بينها وبين عدد من دول المنطقة بشكل رسمي وغير رسمي اضافة الى الحصار الاقتصادي الذي يشتد خناقه على الجمهورية الاسلامية.

الاصطفافات السياسية في العراق باتت واضحة، والاحتقان السياسي يشتد كل يوم، وبات كل طرف يضع يده على الزناد. تيار الكاظمي الذي يرفع لواء العروبة اليوم يظهر تحديه للجمهورية الاسلامية وأدواتها في العراق، ولأول مرة يصعد الكاظمي من لهجته ضد ايران ويطالب بإخراسها للمليشيات التي تسمي نفسها محور المقاومة وهو محور المافيا واللصوص والقتلة والفاسدين بامتياز. إن تحدي الكاظمي لملالي قم و بازار طهران يقف خلفه الحلف القديم الذي ساند نظام صدام حسين في حربه مع نفس الجمهورية مدة ثمان سنوات وهو السعودية والامارات ومصر والاردن ولكن مع فارق واحد وهو وقوف اسرائيل وراء ذلك الحلف المتفوقة عسكريا، وتكنولوجيا و تجسسيا دون منازع في المنطقة.

ان المعضلة الرئيسية التي تواجه هذه المليشيات وعموم النفوذ الايراني في المنطقة ليس الوجود العسكري الأمريكي، حيث باتت ادارة بايدن من تقليله. فالتهديد الحقيقي اليوم سواء كانت امريكا موجودة في المنطقة او لا، فان المعادلة السياسية الاقليمية تغيرت بشكل كلي. وها هو التواجد العسكري الايراني لا يضرب فقط في سوريا بل بات يضرب في البحر المتوسط والبحر الأحمر وبشكل علني من قبل اسرائيل. أي ان تمدد الحلف الاسرائيلي-العروبي الجديد هو الذي سيحل محل الوجود الأمريكي في المنطقة. وان هذه التغييرات واحدة من العوامل التي دفعت قوى الإسلام السياسي بالموافقة على شروط إقليم كردستان في الموازنة التي تأخرت بسبب الصراع بين اربيل والاحزاب الاسلامية، فالمعادلة السياسية ليست لصالحها، وليست مستعدة اي قوى الاسلام السياسي الشيعي على فتح عدة جبهات على نفسها.

وكي نرى كل المشهد السياسي، فعلينا تسليط الضوء على  زيارة اسماعيل قاآني المفاجئة الى العراق الذي حل محل سليماني لقيادة الحرس الثوري خلف الحدود، ولها دلالات سياسية واضحة، وهي أبعد من متابعة الحوار الاستراتيجي بين امريكا والعراق، وانتهت لصالح بقاء القوات الامريكية الى اجل غير مسمى. إن تلك الزيارة بقدر هي رسالة تهديدية واضحة للكاظمي وبعدم الاعتراف به وبحكومته عندما اقتصر لقائه مع قادة المليشيات، هي بنفس القدر محاولة لخلق الانسجام في صفوف تلك المليشيات المنضوية في قائمة فتح ودولة القانون واعطائها جرعة من المعنويات التي باتت شبه منهارة، وهي تعبر عنها بشكل لا ارادي وخارج عن السيطرة في فضائياتها بشكل هستيري، وفي نفس الوقت يمكن قراءة  القلق الذي يقلي بظلاله بين صفوف الطبقة الحاكمة في إيران، و أراغمها على الجلوس الى طاولة المفاوضات دون شروط حول ملفها النووي بعد شهرين من المكابرة  والتعنت واطلاق التصريحات البهلوانية.

 التصعيد الإعلامي والسياسي من قبل مليشيات فتح-دولة القانون على الكاظمي بسبب تقاربه واتفاقاته مع المحور العروبي، واظهار الكاظمي بأنه نكرة او دمية او لا شيء كما يصوره أعلام هذه الجماعات، ليست أكثر من  تعبير عن الهلع وفقدان البوصلة السياسية، وهي بالتالي دفن راسها  بالوحل مثلما  تدفن النعامة  راسها بالتراب كي لا ترى المخاطر المحدقة بها. وعلى هذه الارضية رد الكاظمي بتحدي ولأول مرة من قبل رئيس وزراء عراقي منذ الاحتلال على ايران وزيارة قاآني وميليشياته. فالكاظمي يمثل تيارا سياسيا واجتماعيا تراجع لسنوات بسبب احتلال العراق، وبمجرد تلقى دعما اقليما ودوليا حتى طل برأسه من جديد. ان الاجزاء الخمسة لمقابلة رغد صدام حسين مع قناة( العربية) التي اكدت في اكثر من مقطع وحديث على المحيط العربي للعراق وعلى عروبته، وأنهم عائدين لا كبعث بل كتيار قومي للسلطة، ومساعي السعودية والامارات ومشروع المشرق الجديد بين العراق والأردن ومصر، وتسريبات اعلامية حول موافقة مرجعية النجف على التطبيع مع اسرائيل التي جاء على لسان بهاء الاعرجي نائب رئيس الوزراء السابق في لقائه مع قناة (سكاي نيوز العربية)، كل هذه هي رزمة متكاملة لتعويم التيار العروبي، المتمثل اليوم بالكاظمي والذي يمثل حاليا من الناحية السياسية التيار الصدري وجماعة الحلبوسي وجناح العبادي ومجموعة القوميين العروبيين الملتحفين برداء الإسلام السني في العملية السياسية.
ما نريد ان نقوله ان ايام ساخنة ورياح سموم من الممكن أن تهب على العراق، وليس امامنا الا بفصل الخنادق وصفوفنا عن هذين التيارين، على الصعيد السياسي والدعائي والاجتماعي، والحذر من الانزلاق تحت المظلة القومية والتوهم بها مثلما حدث في انتفاضة اكتوبر، فمن ينظر الى الموازنة التي قدمها الكاظمي وحكومته الى البرلمان ونال كل الفقرات المعادية للعمال والموظفين في المواد ١٨-٢٠ ( من عدم وجود تعيينات في جميع الوزارات وفرض الضرائب على معاشات العمال والموظفين والمتقاعدين وعدم تحويل العقود على الملاك الدائم لسرقة مستحقاتهم من الحقوق التقاعدية والخطورة والزوجية والتحصيل الدراسي) التصويت بالأغلبية المطلقة، ومن يتذكر جرائم قتل واختطاف المتظاهرين من قبل عصابات الصدر وتحت أنظار الكاظمي ومباركته بشكل غير مباشر، يستدل بكل سهولة في أي خندق يقف الكاظمي وحكومته وتياره.

47
تكتيكان للمليشيات وتكتيك واحد لا غير للجماهير للدفاع عن نفسها

سمير عادل
مضى اكثر من ١٠٠ يوم من عمر حكومة الكاظمي، ولم يتوقف مسلسل الاغتيالات والقتل بحق الناشطين والمعارضين السياسيين. ومضى اكثر من ١٠٠ يوم ولم يقدم الكاظمي اي متورط في قتل المتظاهرين من قادة المليشيات والاحزاب الاسلامية الى المحاكمة سوى ثلاثة عناصر من المأجورين في وزارة الداخلية المرتبطين بالمليشيات. ومضى أكثر من ١٠٠ يوم وعمليات التصفية الجسدية بحق الفعالين والناشطين ازدادت بشكل مطرد بحيث بثت الرعب في صفوف المجتمع.


تكتيكان تتبعهما الاحزاب والمليشيات الإسلامية الموالية لإيران للحفاظ على وجودها وامتيازاتها وادامة نهبها وسرقتها للجماهير ولمواجهة النفوذ الأمريكي في العراق؛ الأول هو شن الهجمات المنظمة بضرب القواعد والقوات الامريكية لنشر الاوهام حول هويتها الجديدة “الممانعة والمقاومة” التي تحاول استبدالها ببدلها التالف (للسرقة والنهب والفساد)، والثاني هو اشاعة الفوضى الأمنية عبر قتل النشطاء والفعالين السياسيين في العراق وخاصة في المناطق القريبة من الحدود الايرانية مثل البصرة والناصرية لادامة كابوسها على صدر الجماهر.



القوى المليشياتية والأحزاب الإسلامية في العراق بجميع فصائلها وأجنحتها هي عبارة عن عصابات ومافيات، ليس من مصلحتها كما اكدنا في اكثر من مناسبة سيادة القانون والدولة وبغض النظر عن ماهية تلك الدولة وذلك القانون. اي بعبارة اخرى انها تستثمر وجودها في أوضاع اللا استقرار السياسي والفوضى الامنية.

 ونود ان نؤكد انه بقدر ما تأخذ تلك المليشيات والاحزاب اوامرها من ملالي طهران وتنفذ اجندته تشعر بنفس القدر بأن وجودها اصبح في مهب الريح، وهي ترى الحصار الاقتصادي الذي يشتد رحاه على ايران، وان مكانة ونفوذ الجمهورية الاسلامية على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ليست كما كانت عليه قبل عام ٢٠١٩، ومن جهة أي تلك المليشيات تصطدم بتجفيف اهم وابرز منابعها ومصادرها المالية بعد سيطرة الجيش او قوات مكافحة الارهاب على المنافذ الحدودية والتي كانت تدر شهريا على الاقل مليار دولار في خزائنها. والمسالة الاخرى على الصعيد السياسي استثمرت تمددها ووجودها تحت يافطة الحرب على داعش كي تزور الانتخابات دون اي خوف او رادع بشكل سافر وتحصل على ٤٧ مقعدا، في حين تواجه صدمة اخرى من قبل حكومة الكاظمي وهي الإعلان عن انتخابات مبكرة التي ليس لصالحها، حيث ستعمل على تقويض فرصة وجودها في البرلمان الذي يشرعن كل جرائمها وفسادها في العراق.



اما التكتيك الثاني لتلك العصابات هو اختيار مدينة البصرة للتصعيد من التصفيات الجسدية بحق المعارضين، و ينبع من عاملين يصبان في استراتيجية سواء بالحفاظ على الوجود الحياتي لتلك العصابات او بالابقاء على نفوذ الجمهورية الاسلامية. أما العامل الأول هو سهولة الحصول على الدعم اللوجستي والامني لتلك العصابات بسبب قربها الحدودي من ايران، والثاني أن اقتصاد العراق يعتمد ٩٠٪ منه على تصدير النفط عبر البصرة، وان عيون تلك المليشيات والجمهورية الاسلامية على تلك الأموال التي تدر من المدينة الغنية بثرواتها. وأن التكتيك المشار إليه هو تفريغ البصرة من المعارضين السياسيين لها والسيطرة الكاملة على المدينة عبر بث الرعب والخوف فيها. بمعنى آخر ان حظوظها في بغداد اقل بسبب النفوذ العسكري الأمريكي والبعد الجغرافي عن ايران. ان هذين العاملين هما اساسيين في تصفية المعارضين والمخالفين لهذه الاحزاب الاسلامية ونفوذ الجمهورية الاسلامية. ان تمزيق العراق الى دويلات او كانتونات  ليس مهما بقدر اهمية تأمين مراكز نفوذ في واحدة منها.


وطبعا ان الناصرية بمقدار ما،  هو جزء من استراتيجية تلك العصابات والميليشيات والأحزاب الاسلامية ولكن حظوظها اقل بسبب وضعها الجغرافي وقوة التيارات المناهضة لوجود تلك المليشيات وكانت أكثر المدن جسارة في حرق مقرات الاحزاب والمليشيات الاسلامية خلال مرحلة انتفاضة اكتوبر.

ان التكتيك الوحيد الذي امامنا وامام الجماهير في العراق هو في مواجهة هذه المليشيات. فهي لم تبق اي خيار، وهو التكتيك الوحيد بالدفاع عن حقنا في الحياة. إن حق الدفاع عن النفس هو حق مشروع مثبت في جميع المواثيق الدولية في العالم. انه التكتيك الوحيد أمام الجماهير وعدم انتظار الكاظمي وحكومته التي لم تتجرأ لحد الآن على تسمية المجرمين الحقيقين، ولم تستطع ان توفر الحماية حتى لنفسها في المنطقة الخضراء. إن انتظار الكاظمي بجلب الامان لنا يشبه انتظار الفلاح ان تمطر السماء في يوما من الايام، و يعني انتظار القتل على يد تلك المليشيات والعصابات.


ان نقطة ضعف الجماهير، نقطة ضعف الناشطين والمعارضين السياسيين هي في غياب تنظيم صفوفهم. إن التنظيم  في اللجان والهيئات والشبكات أيا كان شكلها وفي كل مكان هو الخطوة الاولى لحماية انفسنا.


 آن الأوان لمواجهة العصابات والمليشيات الإسلامية. إن تنظيم الجماهير حول شعار (حل المليشيات فورا وتحت أي مسمى) و(انهاء وجود مقرات الاحزاب والمليشيات الاسلامية في المدن) التي تحولت إلى اوكار لتلك العصابات. إن قوة تلك المليشيات تكمن في عدم مبادرة الجماهير المليونية والتي تفوق عدديا تلك المليشيات وتلقينها درسا لن تنساه، واعادتها الى جحورها والكهوف الحجرية التي أتت منها.

48
بين قتل المتظاهرين واغتيال الهاشمي
سمير عادل
ان (الإنسان هو أثمن رأسمال)، هذا ما تعلمناه من ماركس، إذ أن خلود هذه المقولة يعد أساساً لفلسفتنا ومنظومتنا الفكرية والسياسية والنضالية. وعليه فإننا في الحزب الشيوعي العمالي العراقي ندين بأشد العبارات اغتيال المحلل السياسي هشام الهاشمي كما عبرنا عنه من قبل، وبغض النظر عن الجانب السياسي الذي كان يقف عنده، او معتقداته وافكاره وتوجهاته.
 إن اغتيال الهاشمي من قبل المليشيات المؤيدة للجمهورية الاسلامية في ايران ليس الهدف منه سياسة قمع حرية الراي أو الفكر او التعبير، وإنما يعد كتحصيل حاصل، حيث لا يرتبط بقمع الحريات إلا من الظاهر فقط، إنما كان وراء عملية الاغتيال، ارسال رسالة سياسية للكاظمي بأنه امام خيارين؛ اما الفوضى والعودة الى سيناريوهات انتفاضة اكتوبر وهي تنظيم سلسلة من عمليات التصفيات الجسدية واشاعة الفوضى الأمنية والاختطاف بحق المتظاهرين كما هدد بذلك قيس الخزعلي زعيم مليشيات عصائب الحق، أو القبول والرضوخ للواقع بأن المليشيات التي يريد إعلان الحرب عليها، هي مليشيات قائمة بذاتها، وعليه أن لا  يمس مصادر تمويلها ولا يسعى لتقويض النفوذ الايراني في العراق على الصعيد السياسي والاقتصادي والذي يقف خلف تلك المليشيات تحت عناوين المقاومة والممانعة. فكما قلنا ان الهاشمي دفع حياته ثمن للصراع الدائر بين النفوذ الايراني والامريكي في العراق.
ان الهاشمي لم يكن أكثر من هدف من الأهداف الرخوة* التي من السهل استهدافها من قبل تلك المليشيات، فهو لم ينتهك المقدسات في تحليلاته السياسية ولم يكون ضد التيار بالمعنى الواسع والمطلق للكلمة، انه محلل سياسي عادي، قد يكون تفوق في احدى تحليلاته السياسية او كتاباته على زملائه الاخرين من الذين يخفون مواقفهم ايضا او الاطراف التي ينتمون اليها تحت عناوين (المحلل السياسي) مثل احمد الابيض ويحيى الكبيسي ونجم القصاب... الخ، ولكن هذا لا يضعه ابدا في مصاف الخارقين للخطوط الحمراء التي ترسمها جميع أطراف العملية السياسية بميليشياتها وأدواتها من قتلة وأقلام مأجورة واعلام مدفوع الثمن.  صحيح أن الهاشمي كان قريبا من حكومة الكاظمي ومن دائرة القرار السياسي الموالي للنفوذ الامريكي في العراق اسوة بغيره من المستشارين والموظفين. الا ان عملية إغتياله جاء على خلفية واحدة من الاهداف الرخوة كما أشرنا أولا، وثانيا هي محاولة لاسترداد المبادرة من قبل (مليشيات الدولة) إن صح التعبير، بعد امتصاص الضربة الاستباقية للكاظمي واحتوائها عندما اعتقل (14) من عناصر المليشيات وتحت ضغوط الاخيرة أطلق سراحهم. إن هذا الجانب التحليلي مهم لأنه يحصننا من الوقوع في كمائن الأوهام وحقيقة الصراع الدائر، وعدم السقوط صرعى ضحية القصف الاعلامي للأطراف المتنافسة على السلطة، وبالتالي يمكننا من عدم الانجرار وراء اي طرف في هذه المعركة. بعبارة اخرى ان الهاشمي لم يكن صوت الحرية المدوي في العراق، لم يكن صوت المساواة الجهوري، لم يكن صوت العاطلين عن العمل الذي شكلوا العمود الفقري لانتفاضة اكتوبر، لم يكن صوت عمال العقود ولا الاجور، لم يكن صوت المرأة في انتفاضة أكتوبر التي مزقت كل ما نسجته القوى الاسلامية لتخليد عبودية المرأة طوال كل هذه الفترة، أنه لم يكن اكثر من صوت معادي في رؤيته السياسية التحليلية للمليشيات والنفوذ الايراني اسوة بالملايين من الاصوات التي خرجت ومزقت صور خامنئي والخميني وحرقت مقرات الاحزاب الاسلامية، كان صوته عاديا لم يتجاوز إطار التحليلات السياسية ولم تصل حتى الى اطار المواقف السياسية على الصعيد العلني على الأقل. بيد ان الطبول الاعلامية التي دقت وما زالت تدق والقصف الاعلامي المتواصل حول اغتيال الهاشمي، تفوق بأضعاف المرات على صعيد المساحة وعلى صعيد التنوع في جميع وسائل الإعلام على قتل أكثر من ٧٠٠ متظاهر بدم بارد لم يطلبوا أكثر من خبز وكرامة. هذه الطبول الاعلامية اعطت مكانة لهشام الهاشمي غير واقعية، وقد نسجت حولها هالة عاطفية واخلاقية، لتحقيق أهداف وسياسات محددة ومخططة لها، تشبه بالتزمير الإعلامي الذي نفخ لعبد الوهاب الساعدي عندما أقيل من جهاز مكافحة الارهاب من قبل عادل عبد المهدي وصورته في حينه بطلا قوميا أسوة بأبطال حروب قادسية صدام.
وأكثر من هذا فأن الكاظمي الذي رفع شعار الكشف عن قتلة المتظاهرين عندما تولى منصبه كرئيس للوزراء، ولكن لم نسمع ولم نرى أنه قام بزيارة لأحد بيوت المتظاهرين الذين قتلتهم نفس الجهة التي قتلت الهاشمي، ولم نسمع انه التقى بذويهم، وهنا يطرح سؤال هل لان هذا الرقم ٧٠٠ من المتظاهرين لا يساوي شيئا مقارنة بهشام الهاشمي الذي زار بيته الكاظمي والتقى بأسرته؟ طبعا نحن لا نريد ان ندخل في هذه المقارنة، لأن حياة البشر في عقيدتنا لا تقاس بالأرقام والاعداد، فالإنسان هو انسان، ولكن عندما تقتل كل هذه الاعداد، بينما يراهن الكاظمي وقتلة المتظاهرين من المليشيات على ذاكرة الجماهير كي يحولها الزمن الى ذاكرة السمكة، وتنسى ما حل بها، في حين أطلق تصريحات نارية ضد قتلة الهاشمي، فيجب التوقف عندها والتحدث بصوت عالي وتعرية وفضح كل السياسات التي قتلت صوت الحرية والمساواة وعالم افضل.
ان حصر اغتيال الهاشمي  واختزاله الى قضية حصر السلاح بيد الدولة، والترويج لها من قبل ابواق حكومة الكاظمي ليس الا محاولة جهنمية في طمس الصراع بين النفوذ الايراني والامريكي في العراق وعملية حسم السلطة السياسية، والذي يعني بالتحليل الاخير الاستخفاف بعقول البشر في العراق. وإذا كان هذا هو جوهر القضية، فالسؤال المطروح من الذي قتل ٧٠٠ متظاهر بين القناصة وعمليات الاغتيال وجرح أكثر من ٢٠ ألف منهم. اوليس الكاظمي نفسه الذي شغل منصب مدير المخابرات قبل ترأسه لمجلس الوزراء، انه على علم بأن السلاح المستخدم في عمليات القنص والاغتيالات كان سلاح “الدولة”. وإذا لم يكن سلاح “الدولة”، لماذا لم تقلب الدنيا حول قتل المئات من الشباب بعمر الزهور من قبل وسائل الإعلام والمسؤولين في السفارة الامريكية والبريطانية والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة…الخ. لماذا لم تتجاوز جميع مواقفهم حدود (القلق). لماذا لم نسمع من أولئك بأنهم سيحمون المتظاهرين وأن حياتهم غالية ويجب التدخل المباشر عبر المؤسسات الدولية لحماية المتظاهرين. الا ان اليوم نسمع من نفس اولئك حول عملية اغتيال الهاشمي من تعالي أصواتهم وإعلان تضامنهم وتقديم كل الدعم بما فيها العسكري لضرب المليشيات. او ليس نفس المليشيات التي قتلت الهاشمي هي نفسها قتلت المتظاهرين؟!!
إن ما نريد أن نبينه في المطاف الاخير ان تعظيم الهاشمي بهذا الشكل سواء تكريمه او تسمية شارع باسمه هو بمثابة قميص عثمان، هي سياسة تقوم بها الاطراف المنافسة للنفوذ الايراني في العراق وتريدها ذريعة لتحشيد راي العام وتعبئة المجتمع المحلي والدولي لضرب النفوذ الايراني في العراق والمنطقة التي يمثلها هذه المليشيات.
إن اغتيال الهاشمي هو استمرار لسياسة قتل المتظاهرين، سياسة تجويع الجماهير، سياسة تحقير الانسان، سياسة الدوس على حياة البشر، ويجب تعبئة الراي العام لتقديم قتلة الجميع وليس الهاشمي وحده إذا أردنا ان نحقق الامن والامان والحرية لجماهير العراق، إذا أردنا أن نضع حدا للاستهتار الفاضح بحياة الانسان، وعلينا أن نضغط من أجل الكشف عن الاطراف التي تقف وراء تلك الاغتيالات وبشكل علني، واخيرا نؤكد من جديد على رفع شعار حل المليشيات وتحت أية عناوين كانت وتعبئة الجماهير حولها. انها الخطوة الاولى بالتقدم نحو ارساء الأمن والأمان والحرية في العراق وبعدم تكرار اغتيال المتظاهرين او اغتيال هشام هاشمي اخر.

* مصطلح استخدمته الادارة الامريكية لتمويه وطمس حقيقة قصف المستشفيات والمدارس ومحطات الطاقة والمياه في نيكاراغوا ابان الثمانينات من القرن الماضي من قبل مرتزقة سي اي اي المسمى بـ ثوار الكونترا في صراعها مع اليسار القومي الذي سيطر على السلطة بزعامة اورتيغا.

49

طريق الأمن والأمان هو بطرد نفوذي أمريكا وإيران من العراق وحل المليشيات!
(بيان الحزب الشيوعي العمالي العراقي حول التصعيد الاخير بين حكومتي الكاظمي والمليشيات التابعة لايران)
 لقد تحول العراق الى ساحة لحرب الوكالة بين النفوذ الامريكي والنفوذ الايراني، وان من يدفع ثمن هذه الحرب هي الغالبية المطلقة من الجماهير المحرومة  من امنها وسلامتها.
ان حملة الاعتقالات الاخيرة التي قامت بها حكومة الكاظمي، لعدد من عناصر مليشيات حزب الله والنجباء وعصائب اهل الحق، والممولة من سرقة ونهب اموال جماهير العراق، والمدعومة عسكريا وسياسيا من قبل الجمهورية الاسلامية في ايران، تميط اللثام عن صفحة جديدة من الصراع الدائر بين أطراف الطبقة السياسية الحاكمة، متمثلة بحكومة الكاظمي والتيار الصدري والعبادي المدعومة امريكيا واجنحة اخرى من الاسلام السياسي الشيعي وهي الأحزاب المليشياتية متمثلة بجناح المالكي والعامري المدعومة ايرانيا.
إن هذا الصراع ليس له علاقة بأعادة هيبة الدولة على الصعيد الأمني والقانوني والاقتصادي كما تحاول حكومة الكاظمي بتسويقها  وذر الرماد في عيون جماهير العراق، ولا في تخليص العراق من كابوس المليشيات، ولا باحلال الامن والاستقرار، إنما هو مساعي لأحد طرفي الصراع الدولي والاقليمي لتقويض نفوذ الطرف الاخر على حساب أمن وسلامة المجتمع العراقي برمته.
ان حكومة الكاظمي لو كانت جادة في حربها ضد المليشيات، ولو كانت صادقة في ادعاءاتها، فكان عليها اعتقال قتلة متظاهري انتفاضة أكتوبر وتحويلهم الى القضاء  وهم معروفين للجميع، والعمل على حل المليشيات فورا وتحويل قادتها الملطخة اياديها بدماء المتظاهرين الى المحاكم العلنية. أن الكاظمي، وبعكس ادعاءاته، يحاول الإبقاء على المليشيات التي تسمى بالحشد الشعبي اذا كانت مطيعة لاوامرها ومؤيدة للنفوذ الامريكي، وبخلاف ذلك فهي تعتبر "عاصية" و"تنال من هيبة الدولة" و"يجب محاسبتها". ان هذه المليشيات التي لم تدخر جهدا طوال اشهر انتفاضة اكتوبر في عمليات خطف المتظاهرين واغتيالهم وتغييبهم لم تدخل في حسابات الكاظمي ولم يدوس لها طرف، انها تعيث فسادا وجرما في المناطق الغربية وتقوم بتطهير طائفي وتغيير ديموغرافي في عدة مناطق من العراق وتستولي دون وجه حق على اتاوات واموال وعقارات حكومية واهالي بحجة حربها على داعش، انها تدخل باسماء شركات اقتصادية وتجارية للاستحواذ على مزاد العملة في البنك المركزي وتدير مكاتبها الاقتصادية عمليات السلب والنهب على قدم وساق ولم نسمع من الكاظمي الا جعجعات اعلامية، لأن من نصبه هم احزاب تلك المليشيات لإنقاذ ما يمكن انقاذه من قبضة الانتفاضة.
ولكن ما ان بدات تضرب تلك المليشيات القواعد الامريكية في العراق، انقلبت الدنيا وتحولت الى "خارجة عن القانون" و"مشمولة بقانون الإرهاب". وليس هذا فحسب، فبدل من تشريع الكاظمي لقرار حل مليشيات الحشد الشعبي، راح يتملق لها ويلبس زيها ويحاول اعادة ترتيب صفوفها، والاستمرار بأنفاق الأموال عليها من قوت جماهير العراق.
ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي في الوقت الذي يدعو جماهير العراق بعدم التوهم بحكومة الكاظمي في تسويق نفسها ومحاولة حرف الانظار عما آلت اليها تداعيات كورونا الصحية والاجتماعية والاقتصادية، في الوقت ذاته يعلن ان الطريق الى الامن والامان هو بإنهاء النفوذ الايراني والامريكي في العراق وحل جميع المليشيات بما فيها تلك التي تحت مظلة ما يسمى بالحشد الشعبي وتحويل عناصرها وقادتها التي سفكت دماء المتظاهرين الى محاكم علنية.
 
الحزب الشيوعي العمالي العراقي
٢٧ حزيران ٢٠٢٠

50
   

نداء الى الاتحادات والمنظمات العمالية والقوى التقدمية والمنظمات الدولية في العالم
ان الحكومتين المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في اربيل لم تحرك ساكناً تجاه تفشي وباء كورونا، في الوقت الذي قامت العديد من حكومات العالم بالتزاماتها الاقتصادية والصحية تجاه مواطنيها. وليس هذا فحسب بل ان حكومة إقليم كردستان وعلاوة على تقصيرها الفعلي تجاه سلامة ومعيشة جماهير كردستان، فهي لم تسلم رواتب ومعاشات عمال وموظفي الإقليم منذ خمسة أشهر، ودون ان تقدم أي تفسير لذلك، وهذا ما يعتبر استهتارا واضحا بحياة الملايين من مواطني كردستان.
وفي عموم جغرافية العراق من شماله حتى جنوبه، من دهوك في كردستان حتى البصرة في اقصى الجنوب، تفتقر المستشفيات الى كافة الخدمات الصحية والتقصير في فحص المرضى واستيعاب المصابين، كما لم تقم الحكومتين بأي إجراءات جدية باستثناء قطع الطرق الرئيسية وحملة اعلامية مظللة تتنصل فيها من مسؤوليتها وتلقى اللوم على عاتق المواطنين بذريعة عدم التزامهم بالتعليمات الصحية او عدم توفر الوعي لديهم، في حين أنها لم توفر الحد الادنى من معيشة الجماهير سوى فرض الحظر الأمني الذي لم يفعل اي شيء أمام انتشار الوباء سوى تدمير الحياة الاقتصادية للمواطنين.
اننا في برنامج العمل الوطني لمواجهة فيروس كورونا الذي نمثل الاغلبية المطلقة لجماهير العراق من العمال والموظفين والكادحين ونشطاء نقابيين ومدنيين نوجه ندائنا الى الاتحادات والمنظمات العمالية والقوى التقدمية والمنظمات الدولية، نناشدكم بالتدخل الفوري لدى حكوماتكم لحثها وسعيها كي تضغط سياسيا ودبلوماسيا على الحكومتين المركزية في بغداد وإقليم كردستان بتحمل مسؤوليتها تجاه سكان العراق في مواجهة فيروس كورونا، من صرف ضمان بطالة وتعويضات مناسبة لجميع العاطلين عن العمل، والذين تضرروا بسبب تداعيات كورونا الاقتصادية، وكذلك صرف مفردات  البطاقة التموينية التي تؤمن الحد الأدنى من معيشة الجماهير وتبقيهم على قيد الحياة، وتوفير الخدمات والعلاجات اللازمة للمصابين.
كما ندعوكم الى تقديم المساعدات الفورية من ادوية وكمامات ومواد تعقيم سواء بشكل مباشر أو عبر المنظمات ذات الصلة.
الهيئة التنفيذية
لبرنامج العمل الوطني لمواجهة فيروس كورونا
٢٦ حزيران ٢٠٢٠
   


51

شبح الدولة بين الحظر الأمني والحجر الصحي
في مواجهة سياسة التقشف الحكومية
سمير عادل
 وزير المالية يفشي سر حكومة الكاظمي حول التخلص من الأزمة الاقتصادية وليس حلها.
من ينظر الى الاجراءات الحكومية تجاه فيروس كورونا من خارج العراق، يستنتج دون عناء بأن هذه الحكومة ماضية في سياستها اسوة ببقية عدد كبير من دول العالم بأنها جادة في احتواء هذا الوباء وتضع في حساباتها صحة المواطن أو الإنسان بشكل عام. الا ان هذه اللوحة تبدو معاكسة اذا كنت داخل العراق، وستجد كم أن هذه اللوحة مخادعة ومضللة ولا تمت بأية صلة للحقيقة، وليس هذا فحسب بل ان تلك اللوحة لا تكشف عن ما خفي، فهو اعظم. فالحكومة الجديدة برئاسة الكاظمي تعد العدة لاستغلال هول صدمة كورونا في العراق وتفشيه الواسع الذي صعد من نسبة الإصابات والوفيات بشكل مريع، لتمرير سياستها التقشفية، كما أعلن وزير ماليتها علي علاوي في مقابلة مع (فرانس برس) يوم ٢٣ حزيران، بأن على ٤٠ مليون عراقي عليه أن تتحمل سياسة تقشفية لمدة ((عامين)) كي تتم معالجة الأمور.
السؤال البسيط والذي يطرح هنا، هو لماذا لم يدلي وزير المالية بهذا التصريح من قبل، أي قبل تفشي هذا الوباء؟ ولماذا تزامنت هذه التصريحات مع انتشار الوباء مثل انتشار النار في الهشيم؟ وأكثر من ذلك فأن كل حكومة جديدة تأتي وتلقي بوزر الازمة الاقتصادية على الحكومة التي كانت قبلها، وتدعي انها استلمت الخزينة فارغة. وإذا كانت كذلك فلماذا اذن تتحمل المسؤولية وترفع من حجم ومساحة مزايداتها السياسية وتعلن ان في سلم أولوياتها حل الازمة الاقتصادية والمالية، وهذا النهج ابتدأ بحكومة العبادي ومرورا بعبد المهدي وانتهاءً بالكاظمي!
وكي نربط تزامن تلك التصريحات مع تفشي الوباء، فعلينا العودة الى سياسة أو خطة الحكومة سواء الحالية او التي قبلها تجاه فيروس كورونا. ولا بد من التنويه باننا نستخدم مقولة (الحكومة) ولا نقول (الدولة) لأنه ليس هناك في العراق اية دولة كما ذكرنا في أكثر من مناسبة، وبغض النظر عن ماهيتها الطبقية، ونقصد غياب الدولة بالمعنى القانوني والأمني والصحي والاقتصادي والاجتماعي.
ان أقل ما يقال عن سياسة الحجر الصحي الحكومية بأنها مهزلة، وهي لا تعبر إلا عن سياسة مرتبكة تغيب فيها اية خطة واضحة لاحتواء الوباء، ومحاولة لإرضاء الضمير والافلات من الضغط العالمي، وبنفس القدر فإنها تعبر عن غياب كلي للدولة التي لم يبقى سوى شبحها، وهو عبارة عن عدد من نقاط التفتيش والكتل الكونكريتية التي تقطع الطرق الرئيسية والمنافذ الى المناطق والاحياء. ألا إن من يتجول في تلك الأحياء فحدث ولا حرج، فلا كمامات، ولا تباعد اجتماعي، ولا معقمات، ولا منع للتجمعات. هذا ناهيك عن وضع المستشفيات سواء على صعيد استقبال المصابين او الفحص او حجم الاستيعاب او تقديم العلاجات التي اقل ما يوصف بكارثة محدقة.
وليس هذا فحسب ولكي يخفي المسؤولين في الحكومة الجديدة فشل سياستها تجاه احتواء الوباء، وتنصلها من مسؤوليتها تجاه المجتمع، فهي تلقي باللوم على عاتق المواطن بسبب تفشي الوباء وتبرر ذلك بعدم الالتزام بتوجيهات وزارة الصحة وعدم وعيه بخطورة الفيروس.
 قد تحمل هذه التصريحات في الظاهر شيئا من الحقيقة، ولكن من حيث المحتوى فهي مجافية للواقع الذي ادى بالمواطن الى الحالة التي يتحدث عنها اولئك المسؤولين. وإذا ما أوضحنا أكثر فالحقيقة هي غياب خطة سياسة واضحة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والصحي لاحتواء الوباء من قبل الحكومة.
ان غالبية الشعب العراقي يؤمن اليوم بحقيقة وجود فيروس كورونا وخطورته المميتة، إلا ان مجمل الوضع الاقتصادي من بطالة سرطانية وتدهور الوضع المعاشي لعموم جماهير العراق بعد عملية ما سمي بالحجر الصحي، هو الذي أوصل الإنسان إلى مرحلة عدم الاكتراث وعدم المبالاة، بحيث دفعه أن يضرب كل شيء عرض الحائط بما فيه حياته. اي بعبارة اخرى ان سلطة الاسلام السياسي الشيعي بالدرجة الاولى وكل الطبقة السياسية الحاكمة في العراق بما فيها العناصر الحكومية اليوم هي من اوصلت جماهير العراق الى عدم الاكتراث بحياتها وهي من تتحمل المسؤولية لما آلت اليه الاوضاع الحالية.
إن التغلب على فيروس كورونا لا يتم عبر قطع الطرق الرئيسية الذي أصبح مهزلة تضاف الى بقية مهازل الحكومات العراقية المتعاقبة، بل يتم وقبل كل شيء توفير الحد الادنى من معيشة الجماهير. ان جميع الارقام والاحصائيات الطبية والحقائق العلمية أثبتت ان مناعة الجسم هو الخط الدفاعي الرئيسي بوجه الفيروس، وهذا مرتبط بنوع التغذية ونمط الحياة الذي يعيشه الإنسان. وهذا يعني أن مناعة الجسم تعتمد على التغذية الجيدة التي توفر الفيتامينات والمعادن للجسم البشري، وأن يكون الإنسان بعيدا عن الضغوطات والتوترات العصبية، واساس هذين المسألتين هو الأمان اقتصادي. وهذا يعني أنه عندما تعيش الاغلبية المطلقة للجماهير في فقر مدقع وعوز والخوف من الغد، فهل سيجد فيروس كورونا مكان أفضل واستقبال مليء بالحفاوة مثلما سيجده في المناطق الفقيرة، حيث يعتبر العراق هو من الأماكن المفضلة للسياحة لدى كورونا.
ان حكومة الكاظمي التي دشنت عهدها مثل سابقاتها بالكذب، تحاول ذر الرماد في العيون من خلال القول بأن من اولوياتها هي الاقتصاد واحتواء كورونا. ففي الحقيقة ومن تصريحات وزير ماليته فإن خطة الحكومة تكمن في القاء المسؤولية على كاهل الجماهير العمالية والكادحة في العراق.
ان سياسة نشر الرعب وعدم الشعور بالأمان بسبب مرض كورونا هي وراء تصريحات علي علاوي وزير مالية الكاظمي. فالحكومة تحاول وعبر (نظرية الصدمة) ــ التي تحدثت عنها الصحفية الكندية نعومي كلاين في كتابها حول سياسة الليبرالية الجديدة التي مفادها استثمر الأموال طالما الدماء لم تجف بعد في الشوارع ــ تمرير سياستها التقشفية ولمدة عامين، وكأن سبعة عشر عام منذ الاحتلال لم تكفي، وتريد المزيد من الوقت لشد الاحزمة على البطون.
ان حل هذه الازمة كما طرحناه هو في ورقة الحزب الشيوعي العمالي العراقي وفي برنامج العمل الوطني في مواجهة فيروس كورونا ايضا حول انخفاض أسعار النفط والأزمة الاقتصادية جراء وباء كورونا، الا أن هذه الحكومة مثل سابقتها لن تتمكن من حل لا ازمة كورونا ولا الازمة الاقتصادية، لأنها وببساطة لا تريد ذلك وغير مستعدة سوى لإطلاق الجعجعات الاعلامية والمناورات السياسية بينما تعد العدة لشن هجمة جديدة على معيشة وسلامة وصحة العمال والطبقة المحرومة من جماهير العراق.
واخيرا نقول بأن هذه الحكومة لن تستطع الإفلات من محاسبتها بواسطة الجماهير مهما طال زمن كورونا، فهي اي هذه الحكومة جاءت على أكتاف انتفاضة اكتوبر، وان شعلة الانتفاضة خفتت ولكنها لم تنطفئ، وان المساواة والحرية لن تأتي عبر هذه الجماعات او الترهات حول السيادة الوطنية التي صم بها السيد الكاظمي آذاننا واعمى بها عيوننا، بينما سادة الدولة الفاشية في تركية والجمهورية الاسلامية في ايران تصول وتجول وتقتنص ما طاب لها من معارضة سياسية ومدنيين في مناطق كردستان العراق. أن عمر الإنسان في العراق لم يبق منه سنوات أخرى كي يسرقها هؤلاء اللصوص والفاسدين.


52
قراءة في موضوعات ماركسية عند منصور حكمت
سمير عادل
مدخل:
في  بداية عام ١٩٩٠، وصلنا كراس بعنوان (اختلافاتنا) لمنصور حكمت، حينها كنا في الحزب الشيوعي العراقي، في تنظيماته السرية، وكنت واحد من الذين تصفحوا الكراس، وقد سمعت عن منصور حكمت بشكل مقتضب وبأنه يصف الاتحاد السوفيتي كدولة امبريالية وليس له أية علاقة لا بالاشتراكية ولا بنظرية ماركس في إلغاء رأس المال والعمل المأجور.
لم يكن من السهل علينا أن نستوعب هذه المسائل عن الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية التي تحولت إلى صرح فكري وسياسي ومادي من الصعب زعزعته في خضم الحرب الباردة التي أضفت طابعها في جميع الميادين على المجتمع البشري . وأكثر من ذلك تحول الاتحاد السوفيتي إلى مسلمات لا يمكن دحضها في منظومتنا الفكرية والسياسية التي تربينا عليها في تلك المرحلة.  ولابد من الإشارة إلى أن المصالح الطبقية كما يعلمنا ماركس هي التي تحدد الاختيارات الفكرية والسياسية. بيد إننا وفي تلك الفترة لم تكن لدينا أية مصالح طبقية في رفض الكراس المذكور او ما جاء فيه، بل عوامل أخرى وقفت حائلا بين اختياراتنا وبين ما ذهب إليه بصواب منصور حكمت، وهي نوع الثقافة والعقلية التي كانت سائدة على سبيل المثال، عدم إعطاء الفرصة لسماع مخالفينا ومعارضينا، والتسليم بأن ما وصل إلينا بأنه هو الحقيقة المطلقة دون اي حوار وتفكير ومناقشة، وعدم إفساح المجال لحرية النقد، او النظر إلى كل شيء بشكل انتقادي وجدلي حسب ما تقتضيه روح الماركسية التي تعلمناها بعد ذلك من الشيوعية العمالية ومنصور حكمت. وبصراحة لم أتحمل الكراس أكثر من تصفحه وقراءة عدد من الأسطر منه، فقد كان محكوماً عليه مسبقا بأن كل ما فيه مرفوض وان منصور حكمت لا يخدم إلا (البرجوازية والامبريالية العالمية)، هكذا تعلمنا ممن يوجه نقدا سياسيا وفكريا إلى ( المعسكر الاشتراكي) حينذاك، ركنته جانبا ولم أبالي له.
 
الوقائع المادية تحسم دزينة ساعات من النقاشات:
 
المعطيات المادية دائما تدحض وتنسف التصورات والأفكار والكاذبة التي تتحول إلى مسلمات وبديهيات وهمية تهيمن على عقول البشر. فالأساطير والخرافات والدين التي تطبع ذهن البشر على مدى عشرات القرون، ونضال العقل والفكر الحر رغم كل التضحيات ضدها لا يضاهي عقد واحد من وقائع مادية مثل اندلاع الثورة الصناعية في أوربا كي تدحض تلك (المسلمات). فبقدر ما كان انهيار الكنيسة ومسلماتها وسطوتها وسلطانها قد أدى إلى فتح الآفاق أمام التطور الإنساني على اثر الثورة المادية التي فتحت الطريق لثورة اجتماعية عظيمة وهي الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، فأن انهيار الاتحاد السوفيتي وجدار برلين، كان انهيار لأكبر كذبة  (الاشتراكية) عرفتها البشرية بل اكبر من الأديان والأساطير على مر التاريخ، ومررتها البرجوازية سواء بشقها الغربي او شقها الشرقي على العالم وبشكل مخطط ومدروس وممنهج. وكلا الطرفين، البرجوازية الغربية والبرجوازية الشرقية كانتا لديها المصلحة المادية في وصف الاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية بالاشتراكية. فالبرجوازية الغربية كانت تريد أن تصور الديمقراطية  ومفاهيم حقوق الإنسان واقتصاد السوق الذي )يخلق( حرية الفرد بشكل مخادع بالتملك هي نتاج وإبداع النظام الرأسمالي، أما الدكتاتورية والنظام الشمولي كما تصفها النخب المثقفة للبرجوازية الغربية هو نتاج الاشتراكية، كي تحولها إلى سلاح  لتشن هجوم شرس ودائم على الماركسية والاشتراكية ومساواة البشر على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. في حين كانت البرجوازية الشرقية تصور أن (الاشتراكية) هي هويتها في مقابل الهوية الرأسمالية الغربية، وان توفر فرص العمل ومجانية الصحية والتعليم هي نتاج اشتراكيتها (التي هي بالحقيقة كانت اشتراكية الفقر)، وان كل الشرور هي مصدرها النظام الغربي، كي تشن الهجمة على الاقتصاد الحر وتمجيد شكلها الاقتصادي السائد لديها وهو رأسمالية الدولة. وكانت الهوية (الاشتراكية) من عدمها تستخدم كمادة فكرية وسياسية واجتماعية لتجنيد المجتمعات في الحرب الباردة من أجل اقتسام العالم بين النفوذ الغربي والشرقي.
لم يستغرق الوقت طويلا على رمي كراس منصور حكمت حتى بدأت تلوح عاصفة تجتاح العالم، وهي وصول الأخبار في عالم مغلق مقطع الأوصال على صعيد التكنولوجية المعلوماتية والاتصالات حول التغييرات العميقة الحاصلة في الاتحاد السوفيتي تحت عنوان بريسترويكا وغلاسنغوت أي إعادة هيكلة الاقتصاد والشفافية، ثم وصل إلينا خبر فتح جدار برلين، وتزامنا معها وصل مسودة نظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي لمناقشته وإقراره في المؤتمر الخامس، وقد وجدنا فيه تأثير واضح للتحولات الجارية في الاتحاد السوفيتي وانتهازية فاضحة أمام الدين الذي بدء يرفع رأسه بقوة. كان الجميع يتهامسون خلسة بأن الاشتراكية فشلت أو أعلنت إفلاسها، وهناك علامات لانهيار الاتحاد السوفيتي. هذه المعطيات المادية دفعت بانهيار المسلمات الوهمية أمامنا دون اي عناء بشري غارق بالبحث والنقاش وسوق الأدلة، مما دفعنا إلى أن نبحث عن الحقيقة، حينها أدركت انه قد جاءنا كراس ولكن لم أكن أعرف أين رميته. بحثت عليه حتى وجدته وبدأت بقراءته بعين نقدية وحذرة، وكنت أعيد كل فقرة عدة مرات كي استوعب ما تكشف عنها تلك الفقرات. وكلما انتهيت من قراءة فقرة اصطدم بفقرة جديدة أخرى لتكشف عن مسالة أخرى حتى تبين في نهاية الكراس وبعد أيام طويلة من الإرباك والإحباط والذهول والصدمة، أن الحظ حالفنا ولم نعتقل او نعدم من اجل نضالنا في سبيل كذبة كبرى. وليس تلك الكذبة محصورة فقط بما سميت بالاشتراكية فحسب، بل أن كل نضالنا، كان نضال من اجل إسقاط  نظام صدام حسين، ومن أجل وطن للبرجوازية الوطنية. وما فشلت بالقيام به من الأحزاب كالحزب الشيوعي العراقي وجماعة الجلبي وعلاوي والدعوة والمجلس الإسلامي نجحت فيه أخيرا قوات المارينز الأمريكية باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام وتحقيق حلم تلك القوى السياسية.
أما قصة العامل، قصة المساواة، قصة الحرية، قصة بناء مجتمع اسمه الاشتراكية، قصة الثورة الاشتراكية، قصة الماركسية واقتدار الشيوعية، فقد رحلت او سفرت او في الحقيقة انتزعت ورميت كرزمة واحدة في مكان لم يسمع لها صوت، في خضم قعقعات الكؤوس في نخب الحرب الباردة التي سماها حكمت أكثر الحروب سخونة على مر تاريخ البشرية حيث أشعلت حروب وكالة في عشرات البقاع من العالم. وأخيرا  وفي خضم الاحتفال ببزوغ انتصار النظام العالمي الجديد المخضب بالدم كما سماه منصور حكمت، في وصفه للحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير إقطاعية الكويت من جيش صدام حسين، أسدل الستار بشكل نهائي على تلك الرزمة ليخرج جميع من كان يدور في فلك الاتحاد السوفيتي من الأحزاب الشيوعية التقليدية، من بدلتها المزركشة بالماركسية المسروقة، و ليظهروا عراة ومكشوفين باحثين عن زيهم الحقيقي، سواء كانت  قومية أو ديمقراطية او ليبرالية، وتكشف عن ماهيتهم الطبقية دون أي رتوش.
 
موضوعات ماركسية:
 
في ٣١ آذار عام ٢٠١٠ وفي لقاء مع إحدى القنوات الفضائية، لم استطع الحضور بشكل شخصي بل شاركت تلفونيا مع السيد حميد مجيد موسى حين كان سكرتير للجنة المركزية  للحزب الشيوعي العراقي حينذاك و بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب،  وجه المذيع سؤال؛ اي منكم يمثل الشيوعية الرسمية، انتم أم الحزب الشيوعي العراقي؟ أجبت لا أعرف ما هو الرسمي او ماذا تعني بالرسمي وما هو غير الرسمي، ولكن استطيع أن أقول لك، نحن نمثل البيان الشيوعي والأيديولوجية الألمانية ورأس المال، نحن نريد بناء الاشتراكية عبر إلغاء رأس المال والعمل المأجور، نحن ضد مجلس الحكم الطائفي القومي الذي أسسه بول بريمر، نحن ضد العملية السياسية لأنها قائمة على التقسيم القومي والطائفي للبشر في العراق، نحن ضد الاحتلال ونناضل من أجل إنهائه، وكنا ضد الحصار الاقتصادي وناضلنا برفعه دون قيد او شرط، نحن نمثل المساواة بين المرأة والرجل..الخ. فأنت اختار أن كنا نمثل الشيوعية الرسمية او غير رسمية. ما قلته حينه هو ما تعلمناه من منصور حكمت. حقا نحن مدينين إلى منصور حكمت، ذلك الطيف من الشيوعيين في وسط وجنوب العراق الذين استطيع أن أتحدث نيابة عنهم او باسمهم. مدينين إلى حكمت لأنه أعاد البريق لماركس وانجلز ولينين.

أذا كانت هناك هجمات فكرية وسياسية على الشيوعية العمالية ومنصور حكمت، فهي هجمات بالأساس على ماركس. هنا لا احدث مقارنة بين ماركس وبين منصور حكمت، فماركس واحد من اكبر عباقرة البشرية خلال الألفية كما بينتها إذاعة بي بي سي التابعة لوزارة الخارجية البريطانية، سواء كأعظم مفكر ألفية عام ٢٠٠٠ او كتابه رأس المال في ٢٠٠١.  إلا أنني هنا أشير مثلما كان لينين تلميذا مخلصا ووفيا لتعاليم ماركس وانجلز، نستطيع أن نقول دون اي تردد وبيقين هكذا كان منصور حكمت. وهنا سأتحدث عن منهجية منصور حكمت في تناوله لأهم الموضوعات الماركسية التي شوهتها وحرفتها الأكاديميات البرجوازية و تصورات وأفكار البرجوازية الصغيرة التي انبثقت منها عشرات المنظمات اليسارية تحت عنوان الماركسية.
 
من أين ينطلق ماركس ومن أين يكمل منصور حكمت طريق ماركس بعد لينين. لنتناول خمس موضوعات مهمة لدى ماركس ولينين وكيف جسدها منصور حكمت عمليا في تنظيراته الفكرية والسياسية والعملية. تلك الموضوعات هي الطبقة العاملة، الحزب والشيوعية، السلطة السياسية،  الثورة، الاشتراكية. هذه الموضوعات الخمسة هي أكثر الموضوعات الماركسية التي تعرضت إلى التشويه. طبعا أن الوقت الذي يسمح لي كما المساحة التي أمامي يدفعني أن أتناول هذه الموضوعات بخطوطها العامة لتبيان تمايز حركتنا عن بقية التيارات التي تتبنى الماركسية.
 
منهجية منصور حكمت من منهجية ماركس:
 
أن السؤال الذي يطرح نفسه وفق أية منهجية سنتناول تلك الموضوعات؟ وما هي الدلائل التي تثبت صحة منهجيتنا وحقانيتنا؟ او بعبارة أخرى إثبات حقانية ماركس التي هي حقانية منصور حكمت.
أن انطلاق منصور حكمت يأتي بالجواب على سؤالين، يبدأ من منهجية ماركس الثورية التي تنطلق من  أطروحاته حول فيورباخ، في نقدها للمادية الميكانيكية كما يصفها منصور حكمت بدقة ويسمي منهجية ماركس بالمادية الممارساتية. (وبعد ذلك يستخدم حكمت الشيوعية الممارساتية أو العملية سنأتي عليه لاحقا). فماركس أشار في أطروحاته إلى مسالة جوهرية وأساسية وهي الدور الإنساني او النشاط الإنساني في التغيير. فمادية فيورباخ صورت أن هنالك عالم موضوعي والوعي فيه ليس إلا مرآة  عاكسة بشكل سلبي، وينفي اي دور للوعي الإنساني بالتغيير. وهنا كما يقول منصور حكمت في تأكيده على أطروحات ماركس، أن هذا العالم الموضوعي وان الانسان له دور فيه في صنعه. اي يعتبر ماركس ان هذا العالم هو المجتمع وان الإنسان هو القوة المحولة له. اي أن ماركس أشار وأكد أن العمل الإنساني او النشاط الإنساني هو جزء من صنع العالم الموضوعي الذي نعيشه وهو المجتمع. . وهنا تأتي مقولة ماركس أن الفلاسفة قاموا بتفسير العالم إلا أن المهمة تقوم بتغييره. أن كل عمل ماركس ونضاله الفكري والسياسي والاجتماعي والحزبي انطلق من هذه المنهجية، وهذا ما أثبته منصور حكمت لاحقا في نضاله على جميع الأصعدة.
 
الطبقة العاملة ورسالتها الإنسانية:
 
ولم يرى ماركس دور النشاط الإنساني في البرجوازية، بل رأى ذلك في  الطبقة العاملة ودورها الثوري. والسؤال هو لماذا الطبقة العاملة واين يلتقي منصور حكمت في هذه الموضوعة؟ هل لان العامل محروم، ولماذا الشيوعية لم تتخذ من جميع محرومي المجتمع أساسا لها ولنظريتها؟ أوليس هناك أقسام اجتماعية أخرى أكثر حرمانا من الطبقة العاملة في المجتمع الإنساني؟.
 أن ماركس عندما حلل المجتمع الذي عاش فيه انطلق من موقع الطبقة العاملة ومكانتها التاريخية والسياسية. أنه لم ينطلق من الوضع المأساوي للعمال وشروط عملهم والظلم الطبقي الواقع على عاتقهم.  فأن اي قارئ للبيان الشيوعي، فلا يجد  لا ماركس ولا انجلز  يتحدثان عن الحياة والظروف القاسية للطبقة العاملة وعلى أساسها يظهر دورها التاريخي كما ينظر عموم اليسار عندما يتحدث عن الطبقة العاملة. ويختتم البيان الشيوعي بجملته المشهورة (أن العمال ليس لديهم ما يخسروه سوى أغلالهم). 
في حين عندما يتحدث عموم اليسار عن البيان الشيوعي، فكأنهم يتحدثون عن آثار او كتاب شاخ ولا يصلح إلا خلال الفترة التي كتب فيها مبررين ذلك بأن الماركسية تريد التجديد هنا.  أن منصور حكمت يوضح هذه المسالة، وينظف كل الشوائب التي غطت دور الطبقة العاملة ومكانتها. بيد أن هذه المكانة مرتبطة باقتدار الشيوعية ورايتها الماركسية. اي لا يمكن الفصل بين الدور التاريخي للطبقة العاملة وبين الشيوعية. وهنا نقصد الشيوعية كما يبين ماركس وانجلز في البيان الشيوعي بأنه احزم فريق في صفوف الطبقة العاملة. أن الشيوعية بالنسبة لحكمت هي علم تحرير الطبقة العاملة، وفي نفس الوقت بتحرر الطبقة العاملة لنفسها ملزمة وبشكل موضوعي أن تحرر المجتمع برمته. لأنه كي تتحرر الطبقة العاملة يجب إنهاء أساس استغلالها واستثمارها وظلمها وهو العمل المأجور، وتعمل على إرساء مجتمع جديد. هذان الشرطان يوضحهما منصور حكمت بإسهاب ويكتب عشرات الأبحاث والدراسات والمقالات لتبيان هذه الحقيقة. بيد أن هذه الشيوعية التي هي احزم فريق في صفوف الطبقة العاملة كما يقول عنها ماركس، عليها أن ترتبط اليوم بالنظرية الماركسية. اي لا يمكن الفصل بين الشيوعية والطبقة العاملة ونظريتها الماركسية. ولذلك ذكر حكمت بأن الشيوعية هي علم تحرير الطبقة العاملة. لكن أن هذه (الماركسية والشيوعية) انتزعت من مكانتها الطبقية وأصبحت راية طبقات أخرى. ويذهب منصور ابعد من ذلك، فيوضح أن البرجوازية عندما حررت نفسها من الإقطاعية، اكتفت في دائرتها، ونفس الشيء ينطبق على الإقطاعية عندما تحررت من العبودية، في حين أن الطبقة العاملة لا تستطيع تحرير نفسها دون تحرير المجتمع، لأنه أساس استغلالها هو رأس المال والعمل المأجور، ودون إنهاءهما، لا يمكن أن تحرر نفسها، وهما أساس استعباد المرأة وأساس العنصرية والحروب والأمراض وموت الأطفال جوعا وأساس الفقر والبطالة وتلوث البيئة والاحتباس الحراري. أن مكانة الطبقة العاملة تنبع من هذا المكان، فأساس تحررية الطبقة العاملة هو الإنسانية.
 
الحزب والشيوعية :
 
لا يقف منصور حكمت عند هذه الحدود، أي لا يتحدث عن الشيوعية (الشيوعية العمالية) كمنهج فكري وعقيدة، بل يتعدى ذلك، ليتحدث عن الشيوعية في مستويين، المستوى الأول تحزبها والمستوى الثانية الشيوعية الممارساتية. أي ليس اي حزب وأية شيوعية وبأي ثمن. أن تصور حكمت للشيوعية لا ينبع من الإخلاص الأيديولوجي ولا من الموقف الأخلاقي من الطبقة العاملة كما هو موجود عند منظمات اليسار. أن الحزب الذي يريده منصور حكمت كما كان ماركس هو حزب العمال الاشتراكيين. حزب أكثر أقسام الطبقة العاملة وعيا. أن العامل بالنسبة له ليس صنف، ولا هو مقدس، بل أن مكانة العمال تنبع من رسالته الإنسانية، في تحرير المجتمع برمته مثلما أشرت. وهنا تكمن الرسالة الإنسانية للماركسية والشيوعية المقترنة بالعامل. اي ليس هناك فصل بين العامل والشيوعية.
 أن تصور حكمت للشيوعية كما اشرنا ينبع من المنهج الثوري لماركس في نقده لأطروحات فيورباخ. وعلى الصعيد العملي يجسد هذا المنهج من منهجية لينين حول الحزب ونظرية التنظيم. ليس هناك شيوعية لا في منهجية ماركس ولا عند لينين ولا منصور حكمت، شيوعية دون حزبها، دون تنظيمها. ولكن اي نوع من الأحزاب أو التنظيم الذي نبتغيه؟ انه حزب ينظم القسم الواعي داخل الطبقة العاملة ويعمل من أجل تنظيم ثورة طبقته، الثورة الاشتراكية. انه ليس حزب المثقفين المعترضين على أوضاعهم الاجتماعية، ولا حزب المناضلين من أجل إنهاء الدكتاتورية، ولا حزب يعمل من اجل الدفاع عن الصناعة الوطنية، او حزب يناضل في مقارعة الامبريالية، او حزب (انتي إسلام سياسي)، (ضد الإسلام السياسي) انه حزب من اجل إنهاء الرأسمالية من خلال ثورة اجتماعية وبناء المجتمع الاشتراكي. وعليه تأتي النظرية التنظيمية لمنصور حكمت التي تعلمنا أن تنظيم الطبقة العاملة هي من أجل تنظيم الثورة الاجتماعية للبروليتاريا التي تحدث عنها ماركس قبل أكثر من قرن ونصف، وغير ذلك كلها تشويهات وترهات البرجوازية الصغيرة إلى نثرتها في صفوف المجتمع.
 أن اقتران الشيوعية بالحزب بالنسبة لحكمت هو وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينها. وهنا يتحدث عن الشيوعية التي تتحول إلى قوة مادية واتجاه سياسي في المجتمع عندما تسيطر في مكان ما أو منطقة ما أو قرية ما وتعلن عن برنامجها وتنفذها؛ بمنع ضرب الأطفال وتطبيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، إطلاق الحريات السياسية دون اي قيد او شرط، حرية التعبير ...الخ، او ان تتحول الى جزء من المعادلة السياسية في المجتمع. أي بمعنى آخر أن اي شخص يعيش في منطقة نفوذ الحزب الشيوعي العمالي يشعر هناك اختلاف جذري بين حياته في ظل الحزب وبين حياته في ظل القوى الأحزاب السياسية الأخرى. فكما أن البرجوازية تظهر نفسها صاحبة المجتمع وليس المسؤولة عن طبقتها فحسب، فعلى الشيوعية أن تظهر هي أيضا بأنها صاحبة المجتمع. أن شيوعية لا تحدث تغيير في حياة الأفراد، في حياة المجتمع، من الممكن أن تكون اي شيء ولكن ليس شيوعية ماركس. هكذا فعل لينين عندما قاد ثورة أكتوبر، وتحولت الشيوعية إلى موديل فكري وسياسي لا ينافسه اي موديل فكري وسياسي آخر كما يعلمنا منصور حكمت.
 
موضوعة السلطة السياسية:
 
وهنا تأتي الموضوعة الأخرى وهي (السلطة السياسية). لماذا نريد حزبا شيوعيا، هل من اجل المشاركة في تظاهرات ضد الامبريالية الأمريكية، او من اجل مقارعة إسرائيل، او من اجل تشجيع الصناعة الوطنية، او من اجل تأميم النفط، او نريد نادي اجتماعي نجتر نقاشات ونقاشات لا طائل منها ولا تحرك ساكن…الخ كما هي حال الأحزاب الشيوعية واليسار التقليدي او من اجل إثبات إخلاصنا الأيديولوجي والدفاع عن النقاوة الأيديولوجية؟ .
أن البرجوازية عندما هدمت بالمعول تمثال لينين في الساحة الحمراء في روسيا، كانت توجه رسالة واضحة كما يبين حكمت في مقولته هو أن لينين هو رمز الجسارة الطبقية. لقد كان تهديم تمثال لينين يعني كسر شوكة الشيوعية والطبقة العاملة وجرأتها في استلام السلطة السياسية. أن موضوعة (السلطة السياسية) بالنسبة لشيوعية ماركس كانت هزة عنيفة أحدثها منصور حكمت في المنظومة الفكرية والسياسية والعملية لعموم اليسار. أن صعود او حتى التفكير بصعود او استلام الطبقة العاملة للسلطة وحزبها الشيوعي بالنسبة للآخرين قد دفن في درج التاريخ. أن البرجوازية عملت بجد ووظفت كل إمكانياتها المادية من اجل محو آثار ما أقدم وتجرئ  عليه لينين والطبقة العاملة الروسية. وهكذا ومنذ هزيمة ثورة أكتوبر على يد البرجوازية الروسية بقيادة ستالين، أركنت السلطة السياسية جانبا او في الحقيقة محيت من المنظومة الفكرية لليسار الماركسي. أن كل الشغل الشاغل الذي ساد في اليسار وشيوعيته وماركسيته ــ قبل موضوعة منصور حكمت حول (السلطة السياسية) ــ هو المشاركة في التظاهرات والاحتجاجات والحملات السياسية، وإثبات الإخلاص الأيديولوجي عبر إبداء المواقف السياسية..الخ. أما التفكير بالسلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي فلقد وضعت مئات التنظيرات الفكرية والسياسية حول وجوب عدم مس العامل كرسي الحكم او سلطة البرجوازية. انه كرسي محجوز تحت مبررات الظروف غير المواتية، والطبقة العاملة غير واعية، وان اليوم هو مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية..الخ من تلك الترهات الفكرية والسياسية. في حين أن البيان الشيوعي تحدث قبل أكثر من قرن ونصف عن السلطة السياسية واستعداد الطبقة العاملة لاستلامها. وكانت كومونة باريس عام ١٨٧٠ وهي أول سلطة عمالية  خير مثال على ذلك برغم من نواقصها وإخفاقاتها.
و يلتقي من جديد ماركس ومنصور حكمت عندما قال أن الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقات السائدة. اي أن انتصار الأفكار في ميدان الواقع هو ليس سره النخب المثقفة ودرجة الوعي في المجتمع إنما بحاجة إلى قوة مادية وهذه مرتبطة بسعي الشيوعية للعمل في الميدان الواقعي، في توجيه أنظارها صوب السلطة السياسية. انظر كيف يصور منصور حكمت تغييره للثقافة المعادية للمرأة في المجتمع ( نحن نقوم بتغيير ثقافة الناس. وبدلا من أن تأتوا وتضحونبنصف المجتمع، بإمكانكم التضحية بتلك الثقافة. نحن سنقوم بعمل بحيث ينظر المجتمع لكل من يتعرض لمسألة تحرر المرأة ومسالة مساواة المرأة والرجل، كشخص مخطئ بالضبط مثلما ينظر لمن يتعرض لصحة الناس). اي بعبارة أخرى عندما تكون بيدك السلطة السياسية يعني انك تسيطر على جيش الإعلام، وتسيطر على منظومة إنتاج الخرافات مثل دور العبادة التي تنفق عليها من أموال وزارة الأوقاف المسلوبة من العمال وعموم مسحوقي المجتمع لتنظيم دوامة فكرية غيبية تعيش فيها الأغلبية الكادحة من البشرية والحيلولة دون التفكير بالمساس بأساس فقره وظلمها، وتسرح جيش من الأقلام المأجورة، وتلغي تلك المؤسسات المعدة لتشويه الوعي التي تمول من الدولة والمؤسسات الدولية وتحت اسم منظمات المجتمع المدني، وتسن القوانين والأنظمة، وتحل المليشيات الرسمية وغير الرسمية كل ذلك من اجل تحويل الأفكار إلى معطيات مادية وراسخة لا تدحض.
 
موضوعة الثورة:
 
بيد أن الاستيلاء على السلطة السياسية لا تأتي إلا عبر الثورة، وليست أية ثورة بالنسبة للشيوعيين. وهنا تأتي موضوعة الثورة. أن أهمية الحزب ونظرية التنظيم هي من اجل القيام بثورة اجتماعية عمالية. ليست أية ثورة. نحن كما يقول لنا منصور حكمت. لسنا دعاة أية ثورة. وإذا اشتركنا في الانتفاضات او الثورات فإننا نشترك فيها لتنظيم الطبقة العاملة فيها وقيادتها، اي قيادة تلك الثورات والانتفاضات وسيادة الآفاق الشيوعية عليها وتغيير مسارها إلى ثورة اشتراكية. أن الحفاظ على الاستقلالية السياسية والتنظيمية للطبقة العاملة هي واحدة من وظائف الأساسية للحزب الشيوعي العمالي، وتصاعد درجة شدة وظائفها في أيام الثورات والانتفاضات، حيث تحاول القوى البرجوازية الأخرى في سيادة آفاقها عليها وجرها إليها.
أن الثورة الوحيدة التي أمامنا هي الثورة الاشتراكية. بيد أن موضوعة (الثورة) هي الأخرى وضعت عليها تفسيرات وتنظيرات عديدة بالنسبة لذلك الطيف من اليسار، وبما أنهم لا يكترثون في منظومتهم الفكرية للثورة العمالية، فنجدهم يسبحون في خيالهم إلى حد الغرق، ويتصورون أن كل شيء يتحرك في الشارع ثورة، حتى عراك بين شخصين في الشارع يتصوره  ثورة، مثلما كان يتصور دون كيشوت أعدائه من طواحين الهواء. وهذه أيضا نابعة من النزعة ضد الاستبداد او الإسلام السياسي دون تحليل طبقي للجذر الاجتماعي للاستبداد والدكتاتورية. ولا يقف هذا اليسار عند هذا الحد بل وفي خضم سباحته في خياله وذهنه البعيد عن الوقائع المادية وافتقاره إلى التحليل الطبقي الماركسي، فيتصور أن شبح الشيوعية يخيم على أية حركة يراه في الشارع ويصورها ثورة. لقد نسف منصور حكمت بنقده هذه التصورات، وقد وجه ضربات نقدية لهذه التصورات، وتحدث بإسهاب منذ بداية الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩ أن لا ثورة أمامنا غير الثورة الاشتراكية، الثورة الاجتماعية للبروليتاريا.
 
موضوعة الاشتراكية:
 
وفي سياق هذا العمل النضالي الفكري والسياسي والاجتماعي والتنظيمي المتواصل لمنصور حكمت، يريد أن يصل إلى الاشتراكية، التي أجلتها المنظمات اليسارية ورحلتها من برامجها وجدالاتها الفكرية والسياسية. في الوقت الذي قال حكمت بأن ثورتنا القادمة ــ وكانت إيران تخوض غمار ثورة عام ١٩٧٩ــ هي ثورة اشتراكية، والجميع يعلم حينها أن الرأسمالية بلغت مرحلة متقدمة جدا من التطور، وهي مرحلة الامبريالية التي تحدث عنها لينين قبل أكثر من ستين عام، ووصول العلاقات الإنتاج الرأسمالية إلى جميع بقاع المعمورة. وكان حين قالها قد وقف بعكس كل تصورات اليسار وبجميع تلافيفه وأطيافه، في تصورها بأنه لم يأتي الأوان للثورة الاشتراكية، وبأن هذه المرحلة هي مرحلة الثورة الديمقراطية التي لم يقل لنا هذا اليسار متى ستنتهي هذه المرحلة وتزف مرحلة الاشتراكية.
أن موضوعة الاشتراكية يعد جزء لا يتجزأ من المنظومة الفكرية والسياسية للماركسية. أن أكثر المنظمات راديكالية تتشدق بالاشتراكية، ولكن على صعيد أسلوب العمل وشكل التنظيم والممارسة العملية والتكتيك السياسي لا تتعلق لا من قريب ولا من بعيد بالاشتراكية. بل أن الأفق الاشتراكي والدعاية والتحريض والتنظيم من أجل الاشتراكية يغيب بشكل كلي في عمل ذلك اليسار. ويحذر منصور حكمت بأن الاشتراكية والنضال الاشتراكي  من أن تختزل إلى الدعاية  وتوضيح النصوص الماركسية. وان غياب هذا الأفق مرده إلى أن اي اليسار يمثل توجهات مصالح طبقية أخرى وهي البرجوازية الصغيرة التي تكرس كل عملها وعلى جميع الأصعدة بالتعبير عن السخط السياسي والاجتماعي لما آلت إليه أوضاعه وان الثورة التي ينشدها ليس أكثر من ثورة ديمقراطية عسى ولعل تغيير أن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
 
الخاتمة:
 
من خلال ما أوردناه بشكل مقتضب عن الموضوعات التي تناولناها، نجد دون اي عناء أن منصور حكمت أعاد البريق إلى الماركسية، أعاد الشيوعية والماركسية إلى مكانتها الحقيقية، إلى أساسها الطبقي وجذرها الاجتماعي. انه تحدث عن ماركسية بلغة معاصرة، واثبت في جميع أطروحاته الفكرية والاقتصادية والسياسية والتنظيمية انه تلميذ مخلص لماركس ومعلم الطبقة العاملة بعد لينين. أن الشيوعية العمالية ليس إلا الماركسية في الميدان العملي السياسي والاجتماعي، وليست اقل منها، واللينينية في مجال التنظيم والتحزب والثورة الاجتماعية للبروليتاريا واستلام السلطة السياسية وبناء المجتمع الاشتراكي. أن الشيوعية العمالية أرست مكانتها الفكرية والسياسية والتنظيمية في زاوية معينة من المجتمع وضمن التيارات والأحزاب السياسية وبغض النظر عن جميع نواقصها ومشكلاتها وموقعها الاجتماعي ونقاط ضعفها والمسارات السياسية التي مرت بها.
 أن ما نشاهده اليوم من احتجاجات عظيمة في أمريكا ضد العنصرية ويتضامن معها آلاف المؤلفة في بلدان أوربا، تكشف عن حقيقة هذا النظام البشع الذي نعيشه. أن العنصرية أشعلت شرارة احتقان اجتماعي كبير في صدور الملايين الذي ألقتهم وباء كورنا في جحيم خطر الموت أو البطالة والعوز والجوع.
 أن جذر هذا النظام البشع هو الربح، وسعيه لفعل أي شيء من أجل الربح. فانهيار القطاع الصحي في بلدان متقدمة مثل أمريكا وايطاليا وفرنسا واسبانيا تكشف أن النظام الرأسمالي يتعامل مع القطاع الصحي وحياة البشر بقوانين السوق  لذلك سعت إلى قطع كل المعونات والتمويل عليها وتحويلها إلى قطاع الدفاع والسلاح. أن تصاعد عقارب ساعة الموت لتصل إلى نصف مليون إنسان في تلك البلدان تنم عن بشاعة النظام الرأسمالي الذي تحدث عنه منصور حكمت بإسهاب طوال سنوات نضاله . فسواء قبلت كل الأقلام المأجورة ومنافحي النظام الرأسمالي، أو لم ترض، فإن الاشتراكية هي الرد على هذا النظام. وهذا ما علمنا منصور حكمت الذي قال أن أساس تحررية العامل هي  الإنسانية، وإن أساس تحررية الماركسية هي الإنسانية.
لقد تعاهد ذلك الطيف من الشيوعيين الذي أشرت إليه في بداية هذا المقال وفي المراسيم التأبينية لرحيل منصور حكمت في لندن عام 2002 بأننا سنكمل ما انتهى منه رفيقنا وقائدنا وعزيزنا منصور حكمت، طريق نضال الحزب الشيوعي العمالي، شيوعية ماركس، وشيوعية لينين، شيوعية تسعى لتغيير المجتمع.


53
الكاظمي بين السيناريوين والانتفاضة
سمير عادل
في الوقت الذي تشظت حكومة المجرم عادل عبد المهدي على صخرة انتفاضة أكتوبر، يصل الكاظمي رئيس جهاز المخابرات المتورط مع بقية الأجهزة الامنية لحد النخاع بدماء المتظاهرين، ونؤكد القول بأنه وصل على أكتاف الانتفاضة.
إن سيناريو وصول الكاظمي إلى رئاسة الوزراء هو نفس السيناريو الذي توج فيه حيدر العبادي عام 2014 عندما اجتاح داعش ثلث مساحة العراق مع تسليم المالكي الخزينة المالية فارغة. وفي كلا السيناريوهين يتراجع النفوذ الإيراني خطوة إلى الوراء في العراق، مقابل تقدم النفوذ الأمريكي خطوتين إلى الأمام، مع فارق واحد هو ان وضع الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم هو الأسوأ منذ انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية. فالحصار الاقتصادي الأمريكي عليها وقتل سليماني قائد فيلق القدس في مطار بغداد  وانحسار النفوذ الاجتماعي لها في المنطقة وخاصة في لبنان والعراق على اثر ضربات الانتفاضتين في البلدين وتفشي وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط، كلها عوامل دفعت أجندة الحرس الثوري بالقبول على مضض بتمرير الكاظمي وكابينته التي تفوح منها رائحة الفساد على اثر المحاصصة. ولم يصبر وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو لإخفاء سروره  ولو لساعات قليلة حتى أعلن انه أعفى العراق لمدة ١٢٠ يوماً من العقوبات المفروضة على إيران لغرض استيراد الغاز ودعمه لأجندة الكاظمي، وجاء متزامنا معه  إعلان السفير البريطاني والكندي عن دعمهما لحكومة الكاظمي.
العنوان العريض الذي جاء به الكاظمي هو “سيادة العراق” وحصر “السلاح بيد الدولة” وهي الأغنية التي تطرب مسامع  الإدارة الأمريكية التي تعني؛ ضرب ما أوتي من قوة للمليشيات والنفوذ الإيراني في العراق. وأما محاسبة قتلة المتظاهرين فور تسلمه أو تمرير كابينته هو الشعار الذي سيختبئ تحته لضرب المليشيات التي تسمى بالولائية، وكانت قد  قصفت بثلاثة صواريخ  مطار بغداد عشية التتويج. وأن جميع الإطراف الموالية لإيران في العراق ونفس قادة قم - طهران يدركون ان ما تحمله الأيام القادمة لها، ليس خيرا عليها، وان كل ما سعت إليه وتحت يافطة “المقاومة والممانعة” و”الشيطان الأكبر” المشروع الجهنمي للبرجوازية الإيرانية، برجوازية بازار طهران والذي يقودها الحرس الثوري بدأت تتقوض، وان الجولة التي ربحتها بتعويم مجرم مثل عبد المهدي تخسرها اليوم لصالح أمريكا. ولا ينحصر تراجع هذا النفوذ في العراق وحده، بل يتعدى ليصل إلى سورية التي تتواطأ فيها روسيا مع إسرائيل وتغض الطرف عن الهجمات الصاروخية والجوية على معسكرات ومختبرات الحرس الثوري فيها.
القوى المحلية العراقية من أمثال تحالف فتح، وخاصة الصقور منها، ولا نقصد الصقور بالمبدئيين هنا، بل نقصد أولئك الذين يعرفون دائما من أين تؤكل الكتف وخاصة رئيسه العامري، هو من وقف وراء إقناع الإطراف الأخرى من المليشيات بالقبول بالكاظمي كي ينقذ ما يمكن إنقاذه من نفوذ وامتيازات وسلطة بعد وعيها بالعوامل المذكورة التي تحيط بإيران وأنه من الممكن أن يُسحب البساط من تحت أقدامها.
إن ما جاء قبل أيام من إعلان تأسيس ما يسمى بـ (جيش المقاومة الإسلامية) المسوق إلينا تحت تسمية (جسم) وهو مليشيا جديدة تشكلت من عناصر النخبة في مليشيات العصائب والنجباء وحزب الله…الخ هو ورقة جديدة لمشروع الحرس الثوري في العراق كي يستطيع الحفاظ على  نفوذه وهيمنته السياسية والاقتصادية في العراق. وفي نفس الوقت هو رسالة واضحة لحكومة الكاظمي بأنه لن يقف مكتوف الأيدي تجاه التفكير بضرب مليشيات (المقاومة) المنضوية تحت ستار “الحشد الشعبي”. وبالمقابل أن تمرد أربعة فصائل مليشياوية تابعة للمرجعية ليس إلا إعلان بشكل غير مباشر عن حل الحشد الشعبي أو هيكلته أو تقويض نفوذه وتمدده العسكري وتطاولاته، أو رفع الغطاء الرسمي عن الفصائل المتجمعة في تحالف فتح، وقد جاء الانشقاق المذكور ضمنا كبرقية تهنئة وتضامن مع الكاظمي وحكومته عشية تمريرهما.
بالنسبة لنا، الشيوعيين والتحرريون، العمال والموظفين، الكادحين والعاطلين عن العمل، النساء التواقات للحرية والمساواة، الشباب الذين يطحنهم العوز والبطالة والذين ضحوا بأنفسهم في الانتفاضة  ما يقارب أكثر من ٧٠٠ منهم وعشرات ألاف من الجرحى، فكما أعلنا في بياننا حول ترشيح الكاظمي لرئاسة الوزراء، فإننا نكررها بأنه مرشح قتلة المتظاهرين وأياً كانت اليافطة التي جاء تحتها، وان من يأتي من رحم العملية السياسية وبصفقة علنية مفضوحة عبر المحاصصة، ومتوج بأكاليل الزهور وضعها بومبيو على رقبته، فأنه لن تكون حكومته أفضل من حكومة العبادي ولا نقل عبد المهدي، لأنه ببساطة هو نتاج العملية السياسية التي بنيت على أساس المحاصصة، بنيت على أساس دعامتين وهما الجمهورية الإسلامية في إيران والاحتلال الأمريكي، وليس في أجندتها سواء الجعجعة والجمل الإنشائية. فكما العبادي الذي خرج علينا قبل أيام في برنامج لعبة الكراسي” وهو يقول (ان حكومة عبد المهدي فاسدة وكان هناك قتل مبرمج للمتظاهرين)، وكأن الجماهير لديها ذاكرة السمكة، وأنها نست انه هو من فرض سياسة التقشف على المجتمع، وقمع تظاهرات البصرة بعد ان كذب وبصفاقة بأنه سيعين عشرة ألاف من العاطلين عن العمل، ليجدوا في اليوم الثاني طلباتهم بأكوام النفايات بينما قواته نزلت  لقتل المتظاهرين في ٢٠١٨، وفتح أبواب العراق على مصراعيها لمشاريع المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ان الكاظمي سيسير ويمشي على خطاه (عديله) العبادي.

54
مفهوم (السيادة)
 في المنظومة الانتهازية للبرجوازية
بمناسبة ذكرى سقوط بغداد وإعلان احتلال العراق
سمير عادل

ان مفهوم “السيادة” هو اكبر عملية احتيال قامت بها البرجوازية في العالم المعاصر وسوقتها وباعتها بثمن باهظ على الطبقة العاملة. وليس هذا فحسب بل وعن طريق هذه العملية عومت البرجوازية العمال والشرائح الاجتماعية المسحوقة كي تحولها إلى وكيل مزيف ورأس حربة لها في معاركها مع منافسيها من برجوازيات البلدان الأخرى التي يقف معها عمالها الخاضعين لخداع تلك “السيادة”. وفي نفس الوقت تبادر البرجوازية في لعب دور المحامي للدفاع عن تلك “السيادة” باسم العمال ومحرومي المجتمع كي تنتزع تنازلات مادية وسياسية من منافسيها الآخرين في الدول الأخرى، والتمهيد لعقد الاتفاقيات والصفقات، التي في اغلبها تكون سرية تجري خلف الكواليس ومن وراء ظهر الجماهير.
ان  “السيادة” بالنسبة للبرجوازية وحسب حاجتها؛ من الممكن ان تكون مقدسة وتسفك الدماء من اجلها، ومن الممكن ان تكون معدومة أو لا يكترث احد لها كما حدث مع احتلال العراق. المهم ان الوقوف إجلالا للسيادة واخذ تحية العلم لها وعزف النشيد الوطني “موطني” لها، أو الدوس عليها دون اي عناء أو اكتراث مرتبط بموافقة البرجوازية الحاكمة منها. ففي الأول تقام الدنيا ولا تقعد وتدق الطبول الإعلامية والدفوف، وتشحذ الهمم وتعبئ المجتمع سياسيا وإعلاميا ووجدانيا وأحيانا عسكريا، إذا كان من ينتهكها لم يدفع ثمن بطاقة الدخول، في حين يغض الطرف عن الدوس على السيادة إذا كان من ينتهكها هم من أصحاب كارتات الدفع المسبق، حصلوا عليها ممن امتهنوا مهنة العمالة باحترافية عالية كما يحدث اليوم في العراق.
المفارقة المضحكة والتي تثير السخرية، هي أنه وعندما يتحدث عن السيادة العراقية والتبجح بالدفاع عنها (رئيس الجمهورية) ومرشح جميع القوى السياسية ممن قتل المتظاهرين والمتواطئين معهم من القوميين والطائفيين ، ومستذكرين هذا العنوان “السيادة” في ذكرى سقوط بغداد ٩ نيسان وإعلان احتلال العراق. ولا يقف الموضوع عند هذا الحد، بل ان الكاظمي وفي كلمته بعد تكليفه لاستلام منصب رئيس الوزراء أطلق جمل إنشائية طنانة حول السيادة، ومستخدم بعض مقولات المرجعية الشيعية، كي يضفي مشهد درامي مثل السينما الهندية على السيادة، عندما قال ان سيادة العراق غير جدلية، وظل يكرر مقولة السيادة بين سطر وسطر في كلمته، وكأن اشتعال شرارة انتفاضة أكتوبر والتي قتل فيها المئات من المتظاهرين العراقيين واختطفوا واغتيلوا  كان من اجل “السيادة”، وليس من اجل رغيف من الخبز والقليل من الكرامة الإنسانية مع مساحة صغيرة من الأمن والحرية.
حقيقة لا ندري ماذا نصف كلمة الكاظمي المكلف الجديد لرئاسة الوزراء حول إفراطه باستخدام مقولة السيادة، في الوقت الذي يحي ذكرى سقوط النظام في ٩ نيسان، هل نصفها بالنفاق السياسي أو بازدواجية المعايير في ذكرى سقوط بغداد. أو ليس شن الحرب على العراق واحتلاله عام ٢٠٠٣  ودون  موافقة مجلس الأمن الدولي وعن طريق سياسة البلطجة الدولية هي انتهاك لسيادة العراق؟ أم انه نيران صديقة، وان هذا النوع من الخرق الفاضح طبعا للسيادة البرجوازية لا يعتبر انتهاك للسيادة، لان من احتل العراق وداس ببساطيله على كل القيم الإنسانية وقتل مئات آلاف من جماهير العراق إضافة إلى الأهوال الأخرى التي احدثها في مجال الصحة والتعليم والخدمات والنهب والسلب والفساد، هو من نصبت هذه الكتل السياسية على السلطة في العراق وهي من رشحت سيادة مصطفى الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء. 
وليس هذا فحسب فما دمنا بصدد السيادة اليوم في ذكرى احتلال العراق، لنذكر أيضا ان مساعد وزير الخارجية الأمريكي أعلن انه سيدعم حكومة الكاظمي إذا التزمت باحترام سيادة العراق ومحاربة الفساد، في حين كانت جيوشه عام ٢٠٠٣ هي من علقت سيادة العراق إلى إشعار آخر. وهنا يقصد مساعد وزير الخارجي الأمريكي بالسيادة، مجرد تحجيم النفوذ الإيراني في العراق. بينما توغل النفوذ الأمريكي وتحويل العراق أرضا وسماءً إلى ساحات حرب لتصفية عملاء الجمهورية الإسلامية في العراق ومنطقة حرة للشركات الأمريكية ومؤسساتها المالية، فلا يدخل في خانة انتهاك السيادة.
بيد ان المفهوم النسبي الذي تتمتع به “السيادة”  يأخذ شكلا آخر عند تحالف المليشيات التي قتلت المتظاهرين، فبالنسبة لقيس الخزعلي وأبو ولاء الولائي والبطاط والكوثراني.. فأن ضرب القواعد العسكرية العراقية بالصواريخ الإيرانية بحجة وجود القوات الامريكية وضرب المعارضين الإيرانيين في كردستان العراق وتوغل الجيش التركي وبناء قواعد عسكرية فيها ليس انتهاك للسيادة. كما ان إطلاق  عدة تصريحات ومن معممين مسؤولين إيرانيين بأن العراق هو الحديقة الخلفية لإيران، لا يعد انتهاكاً للسيادة ولم يحرك وجدان وقلوب “الغيارى” من القوى الإسلامية التي رفعت لواء الدفاع عن سيادة العراق.
ما نريد أن نقوله أن التلاعب بمفهوم السيادة هو جزء من ترهات البرجوازية، ومحاولة لجر أنظار الجماهير إلى مكان آخر، وذلك لتمويه الجماهير عن الاطرفا الحقيقية في انعدام أمنها وسلامتها، وإشاعة فقرها وعوزها، وفي نفس الوقت تعبئتها لزجها في حرب ليس حربها إنما هي حرب اللصوص وعرابيها من الأنظمة المافيوية في إيران وأمريكا.
ان مفهوم “السيادة” هو جزء من قاموس الترهات السياسية للبرجوازية، ولا اي مصداقية أو معنى لها. وإن تلك الطبقة مستعدة ان تبيع كل شيء بما فيها ممارسة مهنة السمسرة والبلطجة والعمالة السافرة وتدوس على كل شيء من اجل مصالحها. أما بالنسبة لنا نحن الشيوعيين فأن نظرنا إلى السيادة هي من زاوية سيادة الإنسان، كرامته وقيمته، أمنه وسلامته وصحته ورفاه. ان انتهاك هذه السيادة تجري في كل لحظة وبشكل يومي ومتكرر من قبل نفس القوى الإسلامية ومن قبل أمريكا والجمهورية الإسلامية. فإذا استطعنا الوقوف بوجه انتهاك سيادة الإنسان ووضع حد له فيمكننا حينئذ ان نضع حدا لمن يخرق سيادة امن وسلامة وحرية جماهير العراق.


55
الشيوعية ممارسة اجتماعية حياتية يومية
سمير عادل

 مدخل :
إن الأخلاق السائدة هي أخلاق الطبقة السائدة كما يقول لنا ماركس وانجلز في“ البيان الشيوعي .”وفي عالمنا المعاصر حيث العلاقات الإنتاج هي علاقات رأسمالية، فأن الأفكار والأخلاق والتقاليد الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع هي للطبقة البرجوازية التي تدير دفة السلطة في المجتمع .
وهكذا أن كل شيء في المجتمع من الكذب والنفاق والرياء والفساد بكل أنواعه وشراء الذمم والاحتيال والانحطاط الأخلاقي، هو انعكاس للطبقة السياسية السائدة وهي البرجوازية .فالبرجوازية كي تديم نفسها بالسيطرة على المجتمع ومن اجل إدامة أرباحها وامتيازاتها، بحاجة إلى الكذب وبحاجة إلى الاحتيال على المجتمع وبحاجة أن تظهر بوجهين، الوجه الودود العلني، والوجه الآخر الذي يحوك الدسائس من خلف الكواليس والعمل تحت الطاولة لتحقيق مصالحها .ولننظر إلى المشاهد السياسية التي عكسها وباء كورونا، فإنك ستجد الأنظمة السياسية تكذب وتكذب وتظهر بوجهين وباتت حتى تغش و تسرق المعدات الطبية والكمامات من بعضها وتقوم بعمليات القرصنة وبشكل علني مثلما حدث في الشحنات التي أرسلت إلى فرنسا واسبانيا وايطاليا وتونس..الخ .فالانحطاط الأخلاقي ليس محصور ببرجوازية دولة معينة، ولكن درجته وشدته تختلف من مكان إلى آخر وحسب مستوى وتوازن القوى والصراع الطبقي ودرجة تطور المجتمع .أما في العراق، فإن الانحطاط الأخلاقي وبسبب حثالة
البرجوازية الحاكمة فيه، فأننا نجد درجته ومدياته أعلى بما لا يقاس مقارنة بالأنظمة البرجوازية الغربية . وإذا ما دققنا، فسنجد حتى الإعلام العراقي بجميع تلافيفه يفتقد إلى المصداقية والحرفية والذي هو لسان حال لتلك البرجوازية المنحطة .فأي تصريح أو حدث أو اتفاق سياسي أو اقتصادي، تتناوله كل فضائية أو وسيلة إعلام بشكل يختلف جذريا عن الأخرى .
إن الكذب هو مهنة في العراق وتجيدها البرجوازية الحاكمة بشكل احترافي يقل عن نظيرها في العالم . وقد أشرت إلى هذه الموضوعة في نهاية عام ٨٠٠٢ في ندوة في مدينة البصرة أمام جمع من القادة ونشطاء العمال حول مهنة“ الكذب”، فما بالك اليوم وبفعل التطور التكنولوجي وألمعلوماتي والفبركة
الإعلامية والخبرة التي اكتسبتها القوى السياسية الحاكمة، تجد التطور الهائل لمهنة الكذب بشكل كبير . والحق يقال، ويعود الفضل في براءة الاختراع الخاصة بتطوير مهنة الكذب إلى القوى الإسلامية التي سيطرت على السلطة.
أهم العوائق أمام العمل الشيوعي في الميدان الاجتماعي:

على مدى عقود وخاصة نحن نتحدث عن العراق، كانت المنابر الإعلامية والفكرية والسياسية وقوانين الدولة التي تسير المجتمع مفتوحة إلى جميع التيارات البرجوازية، القومية والإسلامية، بينما كانت الشيوعية محرومة منها وممنوعة، بل وان اي شخص يتحدث بها من بعيد توجه له أما من قبل الدولة أو
المجتمع أو بعض الأفراد تهمة الإلحاد أو مس الأمن القومي والوطني وانتهاك المقدسات ثم يحاكم ويسجن إذا لم نقل يعدم .
كانت الشيوعية محرومة من منابرها الفكرية والاجتماعية والسياسية، وأكثر من ذلك وفي خضم الحرب الباردة وبتحالف القوى الإسلامية ومعمميها وفقهاءها ومنظريها والمخابرات الأمريكية والغربية على العموم أصدرت الفتاوى في محاربة الشيوعية دفاعا عن بقايا الإقطاع والملاكين الزراعيين، ومقاومة تغيير قوانين الأحوال الشخصية التي سنت بعد انقلاب ٤١ تموز ٤٥٩٢ وتأسيس الجمهورية، وقد منعت تعدد الزواج وسمح بزواج الكتابي من المسلمة وبالعكس دون تغيير ديانته إلى مسلم .وكانت أشهر تلك الفتاوى ضد الشيوعية هي فتوى مرجع الشيعي الأعلى محسن الحكيم في أواخر الخمسينات وبداية
الستينات“ الشيوعية كفر والحاد ”والتي مهدت لإباحة دماء الشيوعيين في انقلاب شباط ٤٥٩١ وقد تحول بيت محمد مهدي الخالصي في منطقة الكاظمية في بغداد وهو احد مراجع الشيعة إلى مقبرة للشيوعيين . وهكذا وفي نهاية الحرب العراقية-الإيرانية وفي اجتماع لمجلس القيادة القطرية لحزب البعث، كانت واحدة من المواضيع التي جرت مناقشتها بشكل جدي هو السماح للتعددية الحزبية في العراق لأسباب ليس هنا المجال لذكرها، إلا أن أغلبية القيادة كانت تميل لمنع مشاركة الأحزاب الشيوعية بذريعة إلحادها أو عدم اعترافها بأي دين .
ما نريد أن نبينه وبشكل واضح هو أن ما هو سائد في المجتمع العراقي هو الأخلاق والتقاليد الاجتماعية للبرجوازية، وعلى مدى عقود، عملت المنظومة السياسية والأمنية والفكرية والاجتماعية للبرجوازية في ترسيخها .
هذه بعض الوقائع تعلمنا، إن مهمة الشيوعيين اليوم بالوقوف بوجه التيار السائد ليست مهمة سهلة، وخاصة في الميدان الاجتماعي .إن شيوعية( ماركس - منصور حكمت )هي منظومة فكرية – سياسية - اجتماعية هي تيار مضاد بعكس التيار السائد .وعليه أن صراع الشيوعية مع البرجوازية ليس صراعًا محصورًا في ميدان الفكر والنظرية كما يعلمنا“ البيان الشيوعي”، اي انه ليس صراع النخب المثقف،
ولكنه صراع في جميع الميادين الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية . نضال الشيوعيين في الميدان الاجتماعي:
يقول لنا ماركس إن تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء .إن أصعب الميادين بالنسبة للشيوعيين هو الصراع في الميدان الاجتماعي، صراع بين التقاليد والأخلاق الشيوعية والتقاليد والأخلاق البرجوازية، وخاصة في المجتمع العراقي، تواجه الشيوعية مهام كبيرة وصعبة، بسبب التداعيات

الاجتماعية الخطيرة التي خلفتها لنا، الحروب والحصار الاقتصادي والحرب الطائفية وداعش .اي أن الشيوعيين في العراق ورثوا مجتمع دمرت كل أركانه، وتسود فيه كل الأفكار البالية والغيبية والتقاليد العشائرية المتعفنة التي أطلق العنان لها نظام البعث بعد الحصار الاقتصادي وتغذى اليوم بمال ونفوذ السلطة الإسلامية، تسود فيها القيم الذكورية المتخلفة وكل ما هو غير إنساني في المجتمع من عنف لفظي وجسدي ومعنوي ضد الأطفال وضد المرأة وهناك سلوك منظم للحط من إنسانية وقيمة المرأة وكرامتها
ومعاملتها بشكل دوني .*
فليس سرا على احد عندما ترتفع صيحات وتشتاط القوى الإسلامية ومعميمها غضبا في كل خطوة حين تتسع دائرة الداعين للحرية والمساواة، وعندما تظهر المرأة في ساحات الاحتجاج والتظاهرات، وهي تتقدم، في الوقت الذي فرضت سلطتها المليشياتية بحراب المارينز الامريكي منذ ما يقارب عقدين من
الزمن في، وانفقت الملايين من الدولارات على عصاباتها وفضائياتها وتخرصاتها ومأجوريها القتلة وبث الرعب في صفوف المجتمع كي تكون المرأة جليسة البيت .وجدير بالذكر أن انتفاضة أكتوبر ساهمت في أعادة ترتيب الخارطة الاجتماعية وضربت مشروع القوى المتخلفة“ أسلمة المجتمع ”في الصميم
ونسفته.
إن صعوبة هذا الصراع بالنسبة لنا نحن الشيوعيين، تكمن في افتقارنا إلى المنابر المتوفرة للبرجوازية وغير متوفرة لنا بسبب الإمكانات المادية الكبيرة التي تمتلكها البرجوازية من سرقة ونهب ثروات المجتمع، وكذلك تكمن في عدم تجذر تقاليد الشيوعية تاريخيا، وضعف تقاليدنا نحن أيضا، اضافة الى
العوامل الموضوعية الاخرى التي ذكرناها . ومن هنا يجب أن نعي هذه الحقيقة وان نعمل بشكل جدي وندرك ما معنى نضال الشيوعيين في الميدان
الاجتماعي وكيف نحوله إلى ممارسة اجتماعية ويومية بل وحياتية بالنسبة لنا .
ليس هناك أدنى شك في حقانيتنا، حقانية الشيوعية .إنها حقانية مطلقة، وهذه الحقانية ليست نابعة من تقديس منظومتنا الفكرية، ولا هي حصيلة ذهن نخبة معينة في المجتمع، ولا تنبع من مصدر مثالي وخيالي خارج منظومة الإنسان، مثلما تصور القوى اللاهوتية أو الدينية، حقانيتها، من وجود قوة خارجية سماوية، ووظفت نفسها بأن تكون وكيلها الأرضي ونظمت كل قوانين القصاص والقتل والسرقة لإثبات حقانية تلك القوة الخارجية غير المرئية لإدامة سيطرتها هي على المجتمع.
إن حقانية الشيوعية تنبع من الإنسان، من الماهية الإنسانية، من انه أثمن رأسمال كما يعلمنا ماركس .إن حقوق الإنسان وكرامته وقيمته أصبحت معيار عالمي لتقدم البشرية والمجتمعات والبلدان، وتعترف كل المواثيق الدولية بها .ما قاله ماركس وانجلز قبل أكثر من قرنين وناضلا من اجل تحقيقه، ثبت في تلك
المواثيق .من هنا تستمد الشيوعية حقانيتها من الجنة الأرضية وليس من الجنة السماوية.
بيد أن العوائق التي تقف أمام نضالنا الاجتماعي لن تحول أو تنال من عزيمتنا إذا عرفنا أو أدركنا أهمية ميدان النضال الاجتماعي بالنسبة للشيوعية والمناضلين الشيوعيين، وإذا عرفنا آلية عملنا في ذلك الميدان.
وإذا أدركنا إذا ما كانت تقاليد المجتمع متحضرة ومتمدنة، إذا ما كانت هناك تقاليد اجتماعية تحررية وتقدمية، فان الأرضية ستكون ملائمة للشيوعية .ففي الأوضاع الرجعية وسيادة كل الأفكار المتخلفة والمعادية للإنسانية، نجد العمل الشيوعي ليس سهلا بل تحتم علينا مهام جسيمة وكبيرة.
العمل الشيوعي ليس عمل نخبوي:
إن العمل الشيوعي، أو النشاط الشيوعي ليس هو في الاجتماعات الحزبية والندوات السياسية وكتابة المقالات والأبحاث والدراسات الفكرية والسياسية والتي كلها آليات ووسائط لتقوية حصانة المناضلين الشيوعيين وتسليحهم بأدوات نضالية لمقارعة البرجوازية في الميادين المذكورة .إن العمل الشيوعي هو عمل اجتماعي وحياتي ويومي .إن التصور اليساري السائد على ميدان العمل الشيوعي هو حصر النشاط شيوعي في الاجتماعات الحزبية والنضال ضد الدكتاتورية والامبريالية ..ولقاء النخب الفكرية والتجمع أيام الجمع في شارع المتنبي أو اتحاد الأدباء أو في إحدى يوميات أو أمسيات القشلة، في حين تترك المحلات والمناطق السكنية والمعيشية للإسلاميين أن يعبثوا بها وينثروا أفكارهم وتقاليدهم المتخلفة والرجعية، وفي أيام الجمع تفتح منابر الجوامع والمساجد ومايكروفوناته لبث كل السموم المعادية حتى النخاع للماهية الإنسانية .بينما الشيوعيين يتجمعون في تلك الامكان لممارسة نشاطهم النخبوي والاستمتاع بما تفرزه ذهنيهم .وهذا هو ما تريده القوى الإسلامية، فلا يهمها أن يتجمع الشيوعيين في تلك الصناديق ما دامت أفكارهم محصورة فيها، بينما الشارع الاجتماعي من المحلة والمنطقة والحي، بتقاليده
المعادية للطفل والمرأة والكرامة الإنسانية؛ في دائرة سيطرة الاسلاميين .
يقول لنا ماركس في جملته الشهيرة “ أن المربي هو نفسه بحاجة للتربية”، وعلينا أن نستمد من هذه الجملة ممارسة اجتماعية حياتية .علينا أن نفهم وننطلق من أنفسنا لنقل ممارستنا الاجتماعية إلى المجتمع . إن نقطة انطلاقنا يجب أن يكون في البيت الذي نحيا فيه، علينا أن ندرك وبشكل واعي إن العمل المنزلي ليس قدر المرأة بل هو نتاج تاريخي، نتاج الصراع الطبقي، نتاج انتصار المجتمع الطبقي .علينا البدء فورا نحن الشيوعيين بإنهاء هذا القدر .فكما أن تقسيم العمل في المصنع وممارسة العامل لمهمة محددة وخلال ثمان ساعات يومية تؤدي إلى البلادة الذهنية وتعدم روح الإبداع، فأن العمل المنزلي أيضا يلعب نفس الدور ويحول المرأة إلى إنسانة قليلة التفاعل من الناحية الذهنية والاجتماعية .وهنا تجدر الإشارة إلى ما قاله لينين حول المجتمع الروسي، كيف تحدث ثورة ونصف المجتمع عبيد للمطابخ !.إن المرأة أصبحت أسيرة للعمل المنزلي، وتنعدم أية فرصة لديها للقراءة والاطلاع والوقت ورفع مستواها الثقافي . وعلاوة على ذلك أن هذا العمل غير مدفوع الأجر ويجعلها تقبل بكل السخافات والحماقات والدونية التي تفرضها الذكورية بسبب إنفاقه المالي على البيت، والتي تعكس أيضا كل أخلاق وتقاليد الطبقة البرجوازية السائدة.
علينا نحن الشيوعيين إنهاء هذا القدر، علينا القيام بتقسيم عمل مع شريكة حياتنا أو الأخت أو الأم في العمل المنزلي .علينا ممارسة الطبخ والتنظيف والمساهمة في تربية الأطفال .
أما الجانب الآخر هو الممارسة الاجتماعية اليومية في البيت وفي المحلة، وهي عدم السماح أو النضال ضد كل انتهاك لفضي ومعنوي وحتى جسدي ضد المرأة وضد الأطفال .علينا أن نعلن قوانيننا في البيت، ويعرف الجميع أن هذا البيت يمنع فيه فرض العمل المنزلي على المرأة، يمنع كل أشكال العنف ضد المرأة والأطفال، يمنع المس بأي شكل من الأشكال بالإنسان، يمنع كل شكل من الأشكال التمييز أو الترويج للأفكار الطائفية والدينية والقومية، يكون نبراسا للنظافة والنظام .علينا أن نحول بيوتنا إلى

مجتمع اشتراكي مصغر، تسودها المساواة والحرية، إلى قلعة من قلاع انطلاق الشيوعية إلى المحلة والمنطقة .علينا نحن الشيوعيين التمييز في شبكات التواصل الاجتماعي، علينا نشر المدنية والتحضر وليس الابتذال، علينا أن ننشر الأمل والتفاؤل بالتغيير .يجب ومن خلال ممارساتنا الاجتماعية اليومية أن يختارنا المجتمع، أو تشير إلينا المحلة أو الحي السكني بسبب إنسانيتنا وأفكارنا السامية وعلى كسب الثقة
بأنه لو كانت السلطة بيدنا فمن الممكن تأسيس مجتمع حر ومتساوي.
أو ليس الملا أو المعمم الإسلامي، عندما يدخل إلى اي بيت كضيف، يتحدث لهم عن فوائد الصلاة والحج والصيام، ويخاطب الطفلة التي تجلب الشاي أو الماء ويسألها لماذا أنت غير محجبة ويسال عن عمرها، ويقول لها“ ما شاء الله إنها في عمر الزواج ”في حين لم تبلغ العاشرة من عمرها، وإذا شاهد أغنية أو امرأة تعزف على الة الكمان أو بيانو في التلفزيون فيعلق ويقول أنها فسق وفجور، لقد خرب الغرب الدنيا علينا، المرأة فقط للعمل المنزلي وتربية الأطفال، وعندما يخرج من البيت ويصادف أشخاص يقول لهم لا تنسوا الذهاب إلى الجامع للصلاة ..وهكذا .بينما نحن الشيوعيين نرى ونشاهد ونسمع هذه الممارسات، فبدلاً من أن نرد عليه وبشكل منطقي ونثير نقاش متحضر ومتمدن معه كي لا ينفرد هو بالساحة، نكتفي فيما بيننا بنعته بالرجعية والتخلف والرفض، ولا يتجاوز تعليقنا ونقاشنا حدود فرقتنا أو نخبتنا، في حين أن الفيروس الذي أطلقه الملا انتشر بشكل واسع دون أن نقيم عليه حجرا صحيا .وبدلاً من مجابهة هذا
الفيروس الاجتماعي نذهب في أقصى حالاته بندب حظ المجتمع .
لقد صورت البرجوازية بكل تلافيفها وكي تحد من انتشار الشيوعية بأن الشيوعيين نخبة لا شغل ولا عمل لها غير الإلحاد أو نشر الفكر الإلحادي بيد أن السر وراء هذه الحملة الشعواء على الشيوعية منذ صدور “البيان الشيوعي ”إلى يومنا هو الرعب من انتشار الشيوعية على الصعيد الاجتماعي والتمهيد لاجتثاث لكل ما هو رجعي ومتخلف، وتجفيف المستنقعات التي تنمو فيه البعوض القومي والديني؛ التي تلسع
المجتمع الإنساني وتنشر سمومها المعادية للتحضر والمدنية والإنسانية .
علينا نحن الشيوعيين أن نكون في وضع هجومي على كل التقاليد الاجتماعية التي تتمسك بها البرجوازية بقوميها واسلاميها، علينا أن نرد عليهم في كل محلة وكل ومنطقة، في كل منبر ومكان .فمثلا يتهمون الشيوعيين بإباحتهم للنساء، فكما رد“ البيان الشيوعي”، علينا أن نرد عليهم هل الشيوعيين أباحوا النساء، أم حثالة البرجوازية في الشرق الأوسط وخاصة في منطقتنا، تفننوا بمهنة الإباحية، مثل زواج المتعة والزواج العرفي والمسيار وتعدد الزوجات .علينا أن نشن هجوما ونقدا لاذعا على الصعيد الاجتماعي على كل قيم وأفكار وتقاليد تلك القوى المتخلفة .أما الذرائع التي تتحجج بها بعض أطياف اليسار أن الوقت ليس وقت التحدث ونقد تلك التقاليد، فلا يعبر عن خوفه وتردده من تلك القوى بقدر ما يعني أنها تستثني هذا العمل من أجندتها ولا يهمها لا من قريب ولا من بعيد مدنية وتحضر وإنسانية المجتمع إلا في مخيلته لتتغنى بها وسط نخبه.
أما من يقول لنا بأن المسالة الامنية وسيطرة المليشيات تحول من عملنا كشيوعيين في مناطقنا المعيشية والسكنية .ونحن نرد على ذلك أن العمل الشيوعي ليس رفع الراية الحمراء على البيت، ليس رفع صور ماركس، ونعلن على إننا شيوعيين ونوزع المناشير الشيوعية والأدبيات الشيوعية بشكل علني بحيث
يدخلنا في معركة غير متكافئة في المنطقة وليس الوقت وقتها وأننا غير مستعدين لها في الوقت الحاضر . أن الشيوعية هي ليست عمل نخبوي، ليس عمل فرقوي ليس عمل مجموعة من المثقفين وندير النقاشات، ليس عمل نادي، انه عمل اجتماعي .فكما يخبرنا لينين تصرف كشيوعي ولا تقل إني شيوعي .أن
(الاجتماع الحزبي )ليس مكان لممارسة العمل الشيوعي، ولا يتحدد العمل الشيوعي بفترة محددة، بساعات أو أيام، وينتهي مثل انتهاء اي عمل آخر ننجزه، بل هو عمل آني وفي كل لحظة وكل ساعة وكل يوم ومتواصل وتراكمي، مثلما تعمل القوى البرجوازية بجميع تياراتها .
فالشيوعية تعني التغيير في المجتمع، تعني أن من ينتمي ويعتنق الأفكار الشيوعية يحدث تغيير ايجابي في حياته ويؤثر على محيطه الاجتماعي، تعني هناك تغيير في تقسيم العمل المنزلي، تعني إنهاء كل أشكال العنف المنزلي، تعني سيادة المساواة في البيت، ويتحول هذا النموذج إلى المنطقة والمحلة، وينعكس هذا التغيير في صفوف شباب المحلة والمنطقة، وتنتقل تقاليدنا وأفكارنا الإنسانية وعاداتنا إلى البيوت والمنازل .ليس هذا فحسب بل علينا نحن الشيوعيين أن نواجه النزعة الاجتماعية ضد التنظيم وقد عشنا مرارتها في أيام الانتفاضة، علينا أن نكون نموذجا للتنظيم، فإذا كان هناك عمال في المنطقة فعلينا أن نطرح عليهم فكرة التنظيم للمطالبة بحقوقهم وتتحول لقاءاتنا واجتماعاتنا في المحلة الى مناقشة مشاكلهم في العمل، وهكذا بالنسبة للطلبة والنساء..الخ .وبهذا سيكون لدينا شبكة تنظيمية اجتماعية واسعة ومن
خلالها أيضا ننشر كل تقاليدنا وأفكارنا .
فمثلا في مواجهة فيروس كورونا، على الشيوعيين أن يلعبوا دور متميزا في تشكيل اللجان لبث الوعي
الصحي بالتنسيق مع الكوادر الطبية وتعقيم المنطقة وجمع التبرعات من اجل دعم العاطلين عن العمل و الأقسام الاجتماعية التي فقدت أعمالها جراء الحجر الصحي، علينا نكون متميزين في هذا الميدان، ويدرك الجميع أن الشيوعيين مسؤولين عن المجتمع وهم أصحاب المجتمع الحقيقيين .علينا أن نعبئ المحلة والمنطقة حول الوثيقة“ الدولة مسؤولة عن صحة وسلامة الجميع ”ونبين لأهاليها عن حقانيتهم وحقوقهم تجاه الدولة .
وأخيرا إن ما وصلت إليها البشرية المتمدنة اليوم على صعيد الحقوق وفي الميادين الاجتماعية، هي في جزء كبير منها يعود إلى نضالات الشيوعيين وحصيلة عملهم المتواصل، وخاصة إلى ثورة أكتوبر الاشتراكية ومكتسباتها .
*الحط من قيمة وإنسانية المرأة وكرامتها بالعنف اللفظي والمعنوي والجسدي الذي تحول إلى تقليد اجتماعي في مجتمعنا العراقي وبقية المجتمعات الأخرى إلى درجة ازداد بشكل مطرد في هذه الأيام أثناء الحجر الصحي لاحتواء فيروس كورونا مما دعي الأمين العام للأمم المتحدة انتونيو غوترنيبس التحدث عنها والحذر منه، كما منحت الحكومة الكندية ٨٩ مليون دولار لدعم مراكز إيواء النساء..الخ بسبب
تزايد أشكال العنف ضد المرأة منذ إعلان الحجر الصحي ضد فيروس كورونا.


56
طبقتان، اولويتان، هدفان، عالمان!
(بيان بمناسبة الاول من ايار)
الاول من ايار على الاعتاب. انه يوم التضامن الاممي للطبقة العاملة. طبقة بانية خيرات، مكاسب، انجازات ورقي المجتمع البشري المعاصر وتقدمه. انه اليوم الذي تتعالى فيه الاصوات بان المجتمع المعاصر هو مجتمع طبقي، مجتمع طبقتان رئيسيتان: الطبقة العاملة ونقيضها الطبقة البرجوازية. طبقتان متصارعتان، اولويتاهما تختلف، اهدافهما تختلف. انه اليوم الذي تصدح فيه الاصوات ان عالم بدون حروب، بدون جوع، فقر، بطالة وسحق الكرامة الانسانية هو امر ممكن بشرط ان تزاح اولوية واهداف الطبقة البرجوازية الحاكمة من حياة البشر واستبدالها بسيادة اولويات واهداف اخرى، اولوية واهداف الطبقة العاملة ومعها الجماهير المحرومة التي تمثل الاغلبية الساحقة.
يمر الاول من ايار هذا العام والعالم يرسف بمصائب فايروس كرونا التي اجتثت لحد الان حياة مئات الالاف من الابرياء وبثت الرعب في افئدة مليارات البشر. رغم القدرة الفتاكة لهذا الفايروس، الا ان الفايروس الاساسي الذي جعل هذه المصيبة تتعاظم بهذا الشكل هو الطبقة الرأسمالية وأولوياتها.
اتضح للجميع ان هذه الطبقة، ورغم التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل، عاجزة وعديمة الحيلة الى ابعد الحدود. ليس لها ادنى درجات الاستعداد لحماية الانسان. تفتقد الى ابسط وسائل الوقاية، الى المستشفيات، الكوادر، الاجهزة التنفسية و... لا لشيء الا لان هذه تستلزم منها دفع اموال، اموال هي موجودة في المقام الاول، اموال جمعت اساساً بعرق العمال والكادحين، بالضرائب التي يدفعوها لعقود من كدحهم وعمرهم. طالما ان اولوية هذا العالم هو تراكم الأرباح وحركة الرساميل وغيرها، تدفع البشرية ثمناً باهضاً، اليوم جراء كورونا وغدا جراء مصيبة اخرى.
يتبين اليوم للبشرية جمعاء، واكثر من اي وقت اخر، ان الرأسمالية تعني الحروب، الجوع، الفقر، البطالة، الفساد، التشرد والهجرة الجماعية، المخدرات، البغاء، غياب الخدمات، الاغتراب، الهجمة على الضمانات الاجتماعية والصحية، التنصل عن حاجات الجماهير. اما ما يعني العامل هو الرفاه، الحرية، السعادة، حياة لائقة بانسان القرن 21، التضامن الانساني والحس الانساني المشترك والاممي، فرح الطفولة، امال الشباب، طمأنينة المتقاعدين  و....الخ. ان الوعي بهذا الانقسام الطبقي وهذه المصالح الطبقية المتضادة اليوم، وعدم امكانية استمرار هذا العالم على هذا المنوال، قد اصبحت جزء من الواعي الذاتي للاغلبية الساحقة للمجتمع.
في العراق اليوم، الانقسام واضح اكثر من اي وقت مضى. سلطة طفيلية فاسدة ومتقيحة ورائحة عفن سلطتها تزكم الانوف الى ابعد الحدود، اجندتها اغلاق المعامل والمصانع، الطرد الجماعي للعمال، ايقاف التعيينات و غيرها.  وبين جماهير عريضة متطلعة للحرية والمساواة وغد مشرق، جماهير نازلت هذه السلطة لاشهر مديدة ودفعت شبيبتها دماء عزيزة في ملحمة نضالية قل نظيرها في تاريخ المجتمع. في الوقت الذي يتكالب البرجوازيون على حصتهم من السلطة وتقاسم الثروات والمكاسب والمغانم والمناصب ووزارات النهب، يرفع القادة العمال ومنظماتهم العمالية راية "البرنامج الوطني لمكافحة فايروس كورونا" ومطلب "الدولة مسؤولة عن صحة ومعيشة الجميع" راسمة سبيل حلها وافقها الانساني! انهما طبقتان، اولويتان، هدفان!
ان من هو راض على هذا المجتمع، ومن يروج له فقط هم اؤلئك الذين لهم مصلحة في بقاء كل هذه المآسي. انه دلالة بشاعتهم. ينبغي ايقاف هذا العالم المقلوب على قدميه. ان هذا لاياتي الا بالارادة والتدخل الحر والواعي للطبقة العاملة وافقها وبديلها الانساني والتحرري. هذه الطبقة التي بتحررها يتحرر المجتمع، ولاتتحرر ان لم تحرر المجتمع من كل القيود المكبلة للنظام الراسمالي الجائر.
ان نداء الاول من ايار هذا العام هو: ازفت ساعة كنس هذا النظام الرأسمالي المقيت، ازفت ساعة ارساء عالم اخر، يستند الى "الانسان اثمن رأسمال!"، عالم حر ومتساو ومرفه. انه عالم الطبقة العاملة والبديل الاشتراكي للطبقة العاملة.
عاش الاول من ايار!
عاش التضامن الاممي للعمال!
عاشت الثورة الاشتراكية!
الحزب الشيوعي العمالي العراقي
24 نيسان-ابريل 2020


57

قتلة المتظاهرين يختارون مرشح جديد لرئيس الوزراء

بيان الحزب الشيوعي العمالي العراقي حول ترشيح مصطفى الكاظمي
لرئاسة الورزاء

اختارت سلطة الاسلام السياسي المليشياتية بالامس المصادف ٩ نيسان ٢٠٢٠ مرشحا جديدا لمنصب رئيس الوزراء، مستغلة اوضاع الحجر الصحي وعودة الجماهير المنتفضة الى منازلها بسبب تفشي
وباء كورونا، والتي احبطت انتفاضة اكتوبر، وعلى امتداد خمسة أشهر ونصف، جميع سيناريوهات تلك السلطة في اختيار رئيسا للوزراء لاعادة انتاج العملية السياسية .
ان الاجماع الكلي الان على اختيار رئيس الوزراء هو جزء من ادارة الازمة السياسية التي تعصف بالعراق، وهو محاولة من قبل السلطة الاسلامية المليشياتية لانقاذ ما يمكن انقاذه، من نفوذها وامتيازاتها وسلطتها من قبضة اتفاضة اكتوبر التي اقالت المجرم عادل عبد المهدي وحكومته الفاسدة.
ان من اختار رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي هم قتلة المتظاهرين من القوى الاسلامية الشيعية والمتورطين معها من بقية الكتل القومية والطائفية بالتستر على جرائم اولئك القتلة واضفاء الشرعية على استمراهم في السلطة، ويقف على راسها رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس مجلس النواب
محمد الحلبوسي .
ان المعضلة الحقيقية في العراق هي العملية السياسية برمتها، فقد خرجت الملايين من جماهير العراق منذ شهر اكتوبر العام الماضي وحتى قبل تفشي وباء كورونا في شهر اذار من هذا العام، من اجل انهاء عمر تلك العملية وتأسيس حكومة منبثقة من الجماهير وتستند على الاختيار الواعي والمباشر
والبعيد عن تطاول المليشيات وجرائمها .
ان اختيار رئيس الوزراء الجديد هو تكرار لجميع السيناريوهات السابقة التي رسخت الفساد والفقر والعوز والبطالة وقمع الحريات والعبث بامن وسلامة الجماهير من خلال اطلاق العنان للمليشيات التي اصبحت تصول وتجول في طول العراق وعرضه دون اي رادع.
وعلاوة على ذلك فأن كلمة رئيس الوزراء الجديد بمناسبة تكليفه كشفت عن التواطئ والتآمر على حقوق جماهير العراق والتي ركز فيها على العزف على وتر القومية المحلية المتهرئة ”حول سيادة العراق" وتسطير الجمل الانشائية، بينما غض الطرف وبشكل متقصد عن مطالب جماهير العراق
وعلى رأسها محاسبة قتلة المتظاهرين والمطالب العادلة الاخرى.
ان لائحة مطالب الجماهير والتي رفعتها منذ اليوم الاول للانتفاضة هي: 1- أنهاء العملية السياسية برمتها: بمحاصصتها، وطائفيتها، وفسادها، وانتخاباتها. 2- ايقاف مسلسل الاعتقالات واطلاق سراح المعتقلين فورا والكشف عن مصير المختطفين.
3- اطلاق الحريات السياسية مثل حق التظاهر وحق الاضراب وحق التعبير عن الرأي وصيانة وحماية وسائل الاعلام، وازالة كل اشكال القمع امام ممارسة تلك الحريات.
4- الكشف عن كل المتورطين في عمليات اطلاق النار على المتظاهرين ومحاكمتهم بشكل علني.
5- ٤-محاكمة جميع الفاسدين وبشكل علني ومهما كان منصب او المركز الحكومي للفاسد.
6-ضمانبطالةلكلعاطلعنالعمل حتىايجادفرصةعملمناسب،وبمايتناسبمعالمستوى المعيشي.
7- توفير سكن لائق لكل من لا يملكه. 8- تأمين الخدمات الصحية المجانية والتعليم المجاني اللائق من قبل الحكومة 9- توفير الكهرباء ومياه الشرب باسعار مناسبة.
يا جماهير العراق ..ان الكاظمي لا يمكن له ان ينقل العراق الى بر الحرية والامن والرفاه وتحقيق تلك المطالب، لانه جاء من رحم العملية السياسية الفاسدة، انه مرشح الفاسدين، مرشح المليشيات التي خطفت واغتالت وقتلت المتظاهرين .انه النسخة الجديدة لعادل عبد المهدي، وان المؤسسة الامنية التي جاء منها وهي جهاز المخابرات اذا لم تكن متورطة في قتل المئات من المتظاهرين وجرح اكثر من ٢٠ الف شخص، اضافة الى عمليات الخطف والقتل والاغتيالات التي قامت بها المليشيات، فانها على دراية ومعرفة بهوية اولئك المتورطين بقتل المتظاهرين، الا انه غير قادر على القبض على اولئك
المجرمين وتقديمهم للمحاكم العلنية .
ان البديل السياسي لتحقيق تلك اللائحة هو انهاء عمر العملية السياسية وازاحة سلطة المليشيات وتشكيل حكومة غير قومية وغير دينية عبر سلطة منبثقة من الجماهير وليس عبر مليشيات وعصابات العملية السياسية.
الحزب الشيوعي العمالي العراقي ٢٠٢0
١٠ نيسان


58

" الدولة مسؤولة عن صحة ومعيشة الجميع"
برنامج عمل وطني لمواجهة فايروس كورونا

لقد اصبح انتشار مرض فايروس كورونا ازمة عالمية، وبات يهدد مصير البشرية والمجتمع الانساني برمته. ان سبب انتشار هذا المرض هو النظام الرأسمالي في المقام الاول وسعيه المتواصل لمراكمة الرساميل والارباح على حساب صحة وحياة الافراد.
 لقد اصابت الاوبئة قلب العالم المتحضرمن جهة، ومن جهة اخرى اظهر افتقارها الى الاستعدادات الطبية والصحية عجز هذه الحكومات عن ايقاف مسلسل الموت بل و ايضا ارتكاب الجرائم بالقتل المتعمد عبر سحب اجهزة التنفس من المسنين.
ان وضع حد لهذا المرض ما زال ممكنا وبمقدور المجتمع الانساني التخلص من خطره والقضاء عليه، اذا اتخذت الحكومات والدول خطوات عملية وجادة للتصدي له.
ان المعيار العالمي للتخلص من مرض انتشار فايروس كورونا هو معيار و برتوكول منظمة الصحة العالمية والذي يقتضي اقامة الحجر الصحي وعدم الاختلاط والتواصل مع الاخرين اضافة الى توفير الامكانات الطبية من ادوات الكشف والاجهزة التنفسية والدواء والتغذية الجيدة للتقليل من حالات الوفاة او التقليل من شدة اعراض المرض.
والعراق ليس استثناء من هذه السياسة التي تستبيح حياة البشر. فلم يكن استهتار السلطات اقل من حكومات دول العالم، ولم تحرك ساكنا تجاه الازمة المذكورة و حتى  يوم الخامس عشر من شهر اذار الحالي.
ان الدولة مسؤولة عن تأمين حياة ومعيشة وصحة المجتمع. على السلطات الحكومية  في العراق تحمل مسؤولياتها ووفق اعلى المعايير وتعمل على تحقيق فوري للبرنامج التالي:
                                                                                                             
1: تأمين كل المستلزمات الضرورية والحياتية لادامة الحياة طوال فترة الحجر وذلك عبر:
ا- توفير جميع المستلزمات الطبية والدوائية للمصابين و أقامة المستشفيات الميدانية ورفع الاستعدادات لاستقبال ومعالجة المصابين بالفايروس.
ب- اجراء الفحوصات الفورية لجميع المواطنين والمواطنات ودعم الكوادر الطبية الموجودة في الخطوط الأمامية لهذا الوباء.
ج- تعفير وتعقيم كل مرافق الحياة.  وتقديم افضل الخدمات الصحية والبلدية بما فيها اجراءات الرقابة  .
د- تكثيف حملات التوعية الصحية وتشكيل الفرق من المتطوعين وبأشراف كوادر طبية لرفع التوعية الصحية للوقاية من هذا المرض.
ه -إعادة العمل بنظام دفاتر الامراض المزمنة الذي كان معمولا به من قبل وزارة الصحة و منذ عقود لجميع الاشخاص كي لا يكونوا فريسة سهلة لفايروس كورونا و لتخفيف الأعباء الصحية و المالية عنهم
و-لرقابة على اسعار و نوعية  مبيعات الصيدليات ومحال المواد الغذائية و منع الأدوية و المواد الغذائيةالتالفة وغير الصالحة للاستعمال البشري.
 2: من اجل  ضمان الحد الادنى من احتياجات الغذاء للاسر التي فقدت مصادر دخلها كنتيجة للحظر الصحي يجب الحفاظ على الصحة وإمدادات الغذاء وذلك عبر :
ا- زيادة مفردات البطاقة التموينية بما فيها مواد التعقيم والتنظيف والحليب واللحوم وتنظيم توزيعها بشكل فوري دون اي تباطئ. 
ب- توفير التغذية المدرسية وتوفيرها للمدارس حال عودة المدارس اخذا بنظر الاعتبار الاوضاع الاقتصادية المترتبة على مرحلة ما بعد الوباء.
3: يجب أن تتحمل الدولة:
ا-  كلفة أجور و رواتب فترة الحجر الصحي بتأمين دفع اجور ورواتب جميع العاملين في القطاع  الخاص و العاملين بعقود او اجور يومية لدا دوائر و مؤسسات الدولةولمدة 4 اشهر وطوال فترة الحجر الصحي.
ب- دفع ضمان بطالة لجميع العاطلين عن العمل من اجل تأمين حاجاتهم المادية من الغذاء والمياه النظيفة.
ج - منح قروض وسلف مناسبة للعاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود .بدون فوائد
 
د- تفعيل قانوني العمل والضمان الاجتماعي وغيرهما من القوانين والانظمة والتعليمات ذات الصلة والمساس بمعيشة المواطنين.
ه- تاجيل تحصيل بدلات الإيجار و تعويض المؤجرين جراء ذلك باعفاءات ضريبية مناسبة. 
و- تأجيل تحصيل اقساط القروض والسلف وفوائدهاالمستحقة للمصارف من المواطنين لمدة 4 اشهر.
 
ز- منح سلف الى المتقاعدين الجدد لحين اكمال معاملاتهم التقاعدية.
ح- اعفاء المواطنين من دفع متأخرات واجور الكهرباء والماء لمدة 4 اشهر.
ط- اصدار قرار عفو خاص عن النزلاء والمودعين في السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف حتى لا تتحول السجون الى بؤر للوباء.

4: الحزم في تطبيق حظر التجول و منع كل اشكال التجمعات ومنها:
ا-منع كل اشكال المناسبات بما فيها الدينية، و احالة المحرضين لتنظيمها الى المحاكم بتهمة تعريض حياة الناس الى خطر الموت.
ب- احكام اغلاق الحدود التام مع ايران ومع اية بؤرة وباء في العالم، ومنع اي شكل من اشكال اختراق الاغلاق عبر المنافذ البرية او النهرية او الجوية.
تدعو المنظمات الموقعة على هذا البرنامج كل القوى الوطنية و التحررية و الاشتراكية لانسانية والاحزاب والمنظمات والاتحادات العمالية والنسوية و المهنية والحركات الداعية للمساواة والتي تؤمن بمسؤولية الدولة عن المطاليب المطروحة اعلاه،  تعبئة مجمل قواها لارغام السلطات على تحقيق ما جاء بهذه اللائحة وبشكل فوري للحد من انتشار فايروس كورونا و ضمان سلامة المجتمع.

الاتحادات و النقابات و المنظمات
الاتحاد العام لنقابات عمال و موظفي العراق
الاتحاد العام لنقابات العاملين في العراق
اتحاد نقابات النفط في العراق
اتحاد النقابات العمالية و المهنية المستقلة
نقابة ذوي المهن الهندسية الفنية
الحزب الشيوعي العمالي العراقي
اتحاد العاطلين عن العمل
منظمة الطلبة التقدميين
تجمع شباب التنمية و البناء
منظمة  نحو المواطنية الشبابية اقليم كردستان
رابطة التربويين العراقيين
منظمة الخير الانسانية
معهد اكد الثقافي
منظمة انا ميسان لحقوق الانسان
مؤسسة الحبوبي لطلبة و شباب العراق – ذي قار
مركز ذر للتنمية
رابطة خريجي الجامعات و المعاهد في العراق
منظمة الاحرار لحقوق الانسان  ميسان
جمعية نبع الحياة الانسانية
 


59
دور "الدولة" المرائي في النظام الرأسمالي
في مواجهة أزمة فيروس كورونا
سمير عادل
 
الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها. ولكي لا تقوم هذه المتضادات ، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود “النظام”. أن هذه القوة المنبثقة من المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة. (انجلز-أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة).
 
هل يمكن اعتبار ألمانيا وأمريكا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا “دول فاشلة” ؟، لتنظم إلى قائمة الدول الفاشلة مثل العراق وسورية وليبيا..الخ. ــ جاء استخدام مقولة “الدول الفاشلة” من قبل الكاتب اليساري الأمريكي نعوم تشو مسكي والتي كانت أيضا عنوان لكتاب من تأليفه ــ والتي تعني تلك الدول التي ليس بمقدورها حماية مواطنيها. وإذا ما صحت هذه المقولة أو المنطق الذي ورائها فإن تلك الدولة تعد فاشلة بامتياز لأنها لم تحم مواطنيها من الإصابة بوباء كورونا أو من الموت الذي طال آلاف منهم.
 
أن تفشي وباء فيروس كورونا على الصعيد العالمي، وفشل الدول وخاصة الغربية منها بالتصدي له، وتحوله إلى أزمة عالمية تعصف بمصير البشرية، يميط اللثام من جديد عن دور “الدولة” ووظيفتها الاجتماعية والسياسية تجاه المجتمع. 
أن حقانية الجماهير بالمطالبة بالعيش الكريم والرفاه، حقانية تحمل الدولة مسؤوليتها تجاه المجتمع، وهي لا تنبع من فضاءات مثالية أو من أوهام توجد في ذهن نخبة محددة من البشر مسلحين بأيديولوجية معينة. إنما هي حقانية نابعة من المعطِيات المادية والواقعية التي صنعتها البشرية من ثمار عملها المنتج وسعيها المتواصل من اجل تحقيق المساواة. وهذا ما يجب أن تعيه بالدرجة الأولى الطبقة العاملة وكل الأقسام المحرومة الملتفة حولها كي تدرك أهمية نضالها والتحول من خندقها الدفاعي إلى الهجومي. أن هذه الحقانية هي من تقوي عزيمة الطبقة العاملة وعموم البشرية التواقة للمساواة والحرية والأمان الصحي والاقتصادي والأمني من اجل مواصلة سعيها لوضع حد لتطاولات النظام الرأسمالي على مصير الإنسانية.
إن البرجوازية وبشكل ذكي وعبر مأجوريها من الأقلام، تٌحَمّلَ المجتمع والجماهير المحرومة مِنَّةً، عندما تتحرك أثناء أزمة ما، وتقدم عمل ما إلى المجتمع مثل معالجة تداعيات الكوارث الطبيعية على سبيل المثال، وان كانت ليس صورة مثالية، هذا إذا لم نقل أنها تتنصل من تلك المعالجات أصلاً، مثلما  حدث في عام ٢٠٠٤ تسونامي التي ضربت دول جنوب أشرق آسيا أو المحيط الهندي أو مع إعصار كاترينا في ولاية لويزانا الأمريكية عام ٢٠٠٥ -كتاب-نعومي كلاين-عقيدة الصدمة- ، علما أن الخدمات التي تقدمها البرجوازية عبر دولتها هي خدمات الدفع المسبق مثل كارتات الدفع المسبق لخطوط الموبايلات أو الهواتف الجوالة. اي أن إمكانات الدولة وجهازها البيروقراطي والخدمات التي تقدمها، تمول مرتين من قبل الطبقة العاملة والأقسام الأخرى في المجتمع، مرة عن طريق فائض قيمة عمل العمال ومرة من الضرائب المستحصلة من جميع أقسام المجتمع التي تشمل العمال أيضا. والأدهى من كل ذلك أن المجتمع يدفع بشكل إجباري معاشات جهاز قمعه عند اندلاع أية حركة احتجاجية ضد قرارات الغبن التي ترتكب بحقه.
 
أن موضوعة انتشار مرض كورونا هو مظهر من مظاهر أزمات النظام الرأسمالي العالمي، وبوجوده طُرِحت من جديد ملفات وقضايا وأعيد فتحها ، بعد أن وضعت جانبا بشكل مقصود لردح من الزمن، من قبل مفكري ومفسري واقتصادي النظام الرأسمالي، الذين كانوا يعتقدون بأنها أصبحت من القضايا المسلمة بها، مثل“وظيفة الدولة” و”الاقتصاد الحر” و”شرعية وجود النظام الرأسمالي” و”الديمقراطية” ومفاهيم “حقوق الإنسان” و”الحمائية” و”الفرد”.. وأنهم قد تخلصوا من صداع الرأس في خضم الصراع بينهم وبين المدافعين عن عالم أفضل، عالم المساواة، عالم يمكن أن يعيش فيه الإنسان بعيداً عن الاستغلال والاغتراب بكل ما تعنيه هذه الكلمة، عالم يتمتع فيه الإنسان بنتاج عمله ويمارس ما يختاره وبما يتطابق مع ميوله الفكرية والعاطفية ويشبع حاجاته المادية كما يعلمنا ماركس.
وهنا نرى أنه كلما هزت النظام الرأسمالي أزمة ما، أعيد فتح تلك المواضيع لتقض مضاجعهم وتجعلهم يعيدون حساباتهم السياسية من أجل ترتيب أوراقهم الفكرية وتغيير كلمات السر مثلما يتم تغيير كلمات سر الكمبيوترات وشبكات التواصل الاجتماعي والايميلات الشخصية تحسبا من الطفيليين الخارجيين، كل تلك المساعي من اجل الحفاظ على سكون المجتمع والحيلولة دون التحرك الجماهيري لهتك كل المسلمات التي وقفت عائقا فكريا وسياسيا أمام التغيير الجذري.
 
اليوم تطرح من جديد موضوعة دور “الدولة” كما طرحت في الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالنظام الرأسمالي العالم عام ٢٠٠٨. ويلاحظ أن هناك نظريتين مهمتين بالنسبة لاقتصاديّ النظام الرأسمالي، وهما المدرسة الكينزية التي توصي بإفساح المجال لتدخل الدولة في إدارة الاقتصاد والعمل على الإنفاق العام كي يكون بالنتيجة دعم القطاع الخاص والسيطرة على الأزمات الدورية التي تعصف بالنظام الرأسمالي، والنظرية الثانية التي سميت بالكلاسيكية والتي أساسها ادم سمث واعتمدت عليها مدرسة شيكاغو التي شرعت بوضع الأسس لليبرالية الجديدة، ومفادها تجريد الدولة من كل مسؤولياتها تجاه المجتمع على صعيد الصحة والخدمات والتعليم. والمفارقة أن مساعي كل منظري الفكر الاقتصادي والسياسي البرجوازي كانت تصب في إنقاذ النظام الرأسمالي من أزماته والحيلولة دون انفجار التناقضات الطبقية فيه.
 
وبغض النظر عن المحتوى الطبقي للدولة وماهيتها، فأن الدولة وفي مراحل تاريخية من تطور النظام الرأسمالي العالمي، أخذت تلعب ادوار مختلفة لتنظيم المجتمع والسيطرة على التناقضات الناجمة في نفس النظام المذكور. ويصور مفكري البرجوازية بأن الدولة كما يقول لنا انجلز أنها فوق المجتمع ومحايدة وتلعب دور الوسيط والمنظم للمجتمع. وعلى الرغم من أن هذا التعريف بدور الدولة يعد مغرضاً ومخادعاً، إلا أن إثباته للمجتمع ليس سهلا في الأوضاع الطبيعية، أي أوضاع السكون أو الرخاء الاقتصادي أو الاستقرار السياسي. فالدولة كانت دائماً وأبداً أداة لصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديا، وفي عالمنا المعاصر، هذه الطبقة هي البرجوازية التي سنرى لاحقاً كيف تحرك آلة الدولة لمصالحها وحسب الأزمات التي تعصف بالنظام الرأسمالي. وتظهر الدولة التي تمتص جزء كبير من الميزانيات الحكومية، تارة بأنها تعمل لصالح المواطن حسب توازن القوى وصراع الطبقات في المجتمع، وتارة أخرى تكشر عن أنيابها وتغرسها في كل من يتطاول على الإجراءات المؤلمة التي تقوم بها البرجوازية مثلما حدث في عقد الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم في تشيلي والبرازيل واندونيسيا والصين والفلبين وجنوب إفريقيا وروسيا وبولندا والأرجنتين…الخ عبر فرض السياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة أو الاقتصاد الحر وتحرير الأسواق وتنصل الدولة من جميع مسؤولياتها في المجتمع كما يحدث اليوم في العراق، وقد سلطت  الكاتبة الكندية نعومي كلاين الضوء على تجارب البلدان آنفة الذكر بشكل واضح  في كتابها “عقيدة الصدمة”.
اليوم يظهر دور الدولة بشكل متردد بالتصدي لازمة كورونا في جميع بلدان العالم. فالدولة كجهاز فرض الإذعان والخضوع عبر مؤسساتها القمعية مثل الجيش والشرطة والقضاء أو عبر مؤسساتها التشريعية والسياسية هي الوحيدة القادرة على الرد على أية أزمة تعصف بالمجتمع البشري. ولكن لم تكن “الدولة” محايدة يوما ما، فهي اليوم تظهر وبانحياز كامل لصالح البرجوازية وإنقاذ نظامها الاقتصادي على حساب الجموع الغفيرة من البشرية التي يقتنصهم فيروس كورونا.
في العدد الجديد من مجلة “لانست” الطبية البريطانية وهي من أكثر الإصدارات الطبية رقياًّ في بريطانيا، انتقدت افتتاحيتها دور الحكومة البريطانية بالتصدي لمرض كورونا، واتهمتها بالتقصير والتنصل من المسؤولية، وأنها هي سبب انتشار الفيروس في بريطانيا، مما أغضب الحكومة البريطانية ورفضت ما جاء فيها. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن إدارة ترامب تعيش في تخبط واضح فهي تضع عين على الاقتصاد والحفاظ عليه من الركود وأخرى على التصدي للوباء عبر الحجر الصحي الذي ينتشر في المدن الأمريكية كنار في الهشيم  خوفا من الانتقادات وخسارته في الانتخابات الرئاسية في نهاية هذا العام، حتى عبر عنه كاتب روسي في مقال نشره على موقع “روسيا اليوم” تحت عنوان :”كورونا سيطيح بالترامبية”. والأكثر سخرة من كل ذلك، هو طلب رئيس وزراء الهند، الصفح من الفقراء بسبب الحجر الصحي الذي يمنعهم من الذهاب إلى أعمالهم للحصول على رغيف خبز يشفي آلام بطونهم الخاوية، في حين تعد الهند دولة نووية ومن ضمن البلدان الصناعية العشرين  في العالم G20. فلو كان “الصفح” الذي يطلبه رئيس الوزراء يصرف في اي بنك لما بذخه على فقراء الهند!!
في مواجهة مرض كورونا اليوم في العالم، وإذا ما عدنا لعقد الاجتماع الافتراضي (Virtual) كما سموها لدول الصناعية الكبرى العشرين “G20” في 26/3/2020، قررت حكومات تلك الدول ضخ خمسة تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي عبر دعم اقتصادياتها وتوسيع صلاحيات منظمة الصحة العالمية ودعم صناعة المعدات الطبية والأدوية. وكل تلك القرارات التي صدرت من تلك الحكومات هي من اجل الحيلولة دون شل الاقتصاد. هذه القرارات تكشف عن مسالة واحدة فقط أن الدولة تتدخل فقط عندما يتعرض النظام الرأسمالي إلى أزمة عنيفة. ولو لا هذه الأزمة فإن الحديث عن الأدوية والمعدات الطبية  لن يخطر في بال الحكومات ما دام لن يؤثر لا سلبا ولا إيجابا على عجلة الاقتصاد. فخذ مثلا معدل الوفيات بسبب مرض السرطان لعام ٢٠١٨ بلغ٩,٦ مليون شخص حول العالم وان نسبة ٧٠٪ منها في الدول النامية أو الفقيرة حسب إحصائيات الاتحاد الدولي للسرطان. ومن الجدير بالذكر أن أجهزة الكشف المبكر والتغذية ونمط الحياة كلها تساعد بشكل كبير في تقليل النسبة المذكورة ولكن تفتقر إليها البلدان الفقيرة ، ولا تكترث لا الحكومات لها ولا الدول التي قررت بضخ خمسة تريليون دولار إلى اقتصادياتها. والسبب بكل بساطة يعود، أن مرض السرطان لا يبث الرعب في الأسواق المالية وان الدولة غير مستعدة في تمويل أبحاث مرض السرطان مثلما يحدث اليوم تجاه فيروس كورونا.
 
 النظام الرأسمالي وأفول دولة الرفاه :
 
أن دولة الرفاه هي نتاج تنازل البرجوازية عن جزء من معدل ربحها لصالح الطبقة العاملة وعموم المجتمع من اجل السيطرة على التناقضات في النظام الرأسمالي. وهي قبل ذلك حصيلة نضالات الطبقة العاملة في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومكتسبات ثورة أكتوبر الاشتراكية التي ألهمت العالم. وساهمت أيضا في نشوء دولة الرفاه الأزمات الاقتصادية المتتالية التي كانت تعصف بالنظام الرأسمالي و كانت أشهرها أزمة ١٩٢٩ التي أدت بعد سنوات إلى نشوب حرب عالمية ثانية قتل فيها أكثر من ٦٠ مليون شخص. فدولة الرفاه تعني الإنفاق العام للدولة على الخدمات والتربية والتعليم والصحة وتعني ضمان التقاعد والضمان الاجتماعي. ولكن استمرار دولة الرفاه من عدم استمرارها، يعد نتاج مرحلة معينة من تطور الرأسمالي ومستوى التناقضات الطبقية ومنحني الصراع الطبقي في النظام الرأسمالي. ففي ظل التطور الرأسمالي العالمي واشتداد المنافسة بين الدول الرأسمالية على الأسواق تلتهم الأزمات الاقتصادية الدورية جزء كبيرا من ميل معدل أرباح الشركات والمؤسسات، ولذلك تحاول أن تعوضها من معدل ربحها الذي  قدمتها للدولة في مرحلة ما واستردادها عبر الاستحواذ على القطاعات الحكومية الصناعية وتقليل الإنفاق على الخدمات وخصخصة التعليم والصحة… فنجد أن تقويض دولة الرفاه يوما بعد يوم هو انعكاس موضوعي لذلك المسار.
أن حركة “احتلوا وول ستريت” عام ٢٠١١ والتي اجتاحت ١٥٠٠ مدينة في العالم بينها ١٠٠ مدينة أمريكية وتبنت شعار ( نحن ٩٩٪ )اي أن ١٪ يملكون ثروات العالم بينما النسبة العظيمة الأخرى من سكان العالم لا تملك شيئا، كانت هي رد على الهجمة الشرسة التي شنتها البرجوازية على كل مكتسبات المجتمع، التي حصلت عليها طوال أكثر من قرن ونصف من نضال الحركات الداعية للمساواة، وتنصل الدولة من جميع مسؤولياتها في المجتمع عبر تطبيق نظرية مدرسة شيكاغو وهي الليبرالية الجديدة. أن معضلة استمرار دولة الرفاه التي عرفت في البلدان الغربية تكمن بعدم قدرتها على التنافس في ظل السباق العالمي في إطار التطور الرأسمالي. وحتى “الحلم الأمريكي” الذي يعني أن ارض الولايات المتحدة الأمريكية هي ارض الفرص، أصبح في خبر كان، وأصبحت أوضاع الطبقة العاملة أكثر بؤسا وان معدل الأجور بالنسبة للأسعار ومستوى المعيشة بانخفاض مطرد كما يشير إليها بشكل دقيق الكاتب (توما حميد) في بحثه المنشور في “الحوار المتمدن- انتخاب دونالد ترامب، الأمنيات والحقائق! الجزء الأول”. ويكفي أن نذكر أن إصابة اي شخص بمرض بسيط يجعله بحاجة إلى كشف طبي عادي وتحليل دم بسيط فأن تكاليف ذلك تعادل أجور عامل يعمل مدة ٤٠ ساعة أسبوعيا على الأقل في بلد من مثل الولايات المتحدة الأمريكية. هذا يضاف إليه انه يدفع شهريا جزء من أجوره إلى شركات التامين الصحية التي تغطي تكاليف العلاج والكشف الصحي والتحليل بنسبة ٨٠٪. وهذا يعتبر واحدة من الأسباب التي أدت إلى تفشي انتشار مرض كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة مذهلة لتحتل المرتبة الأولى في العالم وتحل محل الصين بعد اقل من شهر من اعتراف الإدارة الأمريكية بوجوده واتخاذ الإجراءات حوله. إذ أن تكاليف التحليل والكشف تعد مكلفة جداً، مما يمنع مراجعة المشتبه به بالإصابة بكورونا من الذهاب إلى الفحص الطبي.
 ويفسر الصراع الأمريكي- الصيني وإعادة سياسة فرض الحمائية والرسوم الكمركية على السلع الصينية وحتى الأوربية والكندية والمكسيكية وتعديل العديد من بنود الاتفاقيات مثل (اتفاقية نافتا)، بأنه يأتي في إطار فقدان قدرة أمريكا على المنافسة الاقتصادية العالمية. ونفس الشيء بالنسبة للاتحاد الأوربي الذي يعاني مأزق البقاء في إطاره السياسي والاقتصادي الموحد. وقد جاء بريكست ليوجه ضربة موجعة للاتحاد بانسحاب بريطانيا، ثم ليأتي مرض كورونا ليضع اللبنات الأولى لتفتيت هذا الإطار (الاتحاد الأوربي)
أن البلدان التي عرفت بوجود “دولة الرفاه” فيها بدأت تسدل الستار على “الرفاه”، والسبب يعود كما يقول لنا ماركس من جديد أن معدل الربح في النظام الرأسمالي ينخفض بشكل مضطرد، وهذا المعدل يحصل عليه من فائض القيمة التي ينتجه العامل، إذ يبدأ الرأسمال بالتدفق في كل أزمة تعصف بالنظام الرأسمالي، على الرأسمال الثابت مثل التطور التكنولوجي والآلات كي تضمن قدرتها التنافسية وتنتج بضاعة رخيصة ذات جودة أفضل وبأسعار ارخص. ففي البلدان التي عرفت  بدول الرفاه، فقدت هذه الخصائص ولذلك نجد أن الرأسمال هرب إلى البلدان ذات العمالة الرخيصة كي تضمن معدل ربح عالي  مثل الصين وفيتنام وكمبوديا وبنغلاديش والهند والمكسيك والبرازيل..ويفيد احدث تقرير صادر عن مؤسسة “برايس ووتر هاوس كويزر” ونشره موقع بي بي سي، أن الدول المذكورة ستتصدر اقتصاديات العالم في عام ٢٠٥٠ وتزيح كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان وبريطانيا من مواقعها إلى أسفل السلم في مجموعة G20.
وهكذا يمكن وبكل بساطة أن نصل إلى سبب تصاعد في نسبة الوفيات في ايطاليا وفرنسا واسبانيا، فرأس المال لن يجد أية فرصة في الاستثمار في القطاع الصحي، وخاصة أن الدولة غير مسؤولة في الإنفاق بشكل مطلق على المسنين وتغطية جميع حاجتهم الصحية، وان الآلاف من الذين أنفقوا حياتهم في العمل المضني في تلك الدول وتجاوزوا السن التقاعدي في أعمارهم، فبدلاً من قضاء ما تبقى لهم من حياة بهدوء والتمتع بثمار عملهم ونتاجه طوال ٣-٤ عقود من العمل، نجدهم يلقون حتفهم تباعا وبالمئات، ويدفنون بعيدا دون أن ترتب لهم حتى جنازة لائقة إكراما لذكرى السنوات التي عاشوها في أحضان محبيهم. وهذا هو الوجه الآخر للنظام الرأسمالي، فيستثمر الإنسان خلال فترات شبابه وعنفوانه الجسدي، وعندما يكبر بالعمر وينتهك قواه يحول إلى السن التقاعدي يتم التخلص منه، إذ يعتبر من الناحية العملية والمعطيات الواقعية التي أثبته مرض كورونا، في فلسفة هذا النظام أن المسن شخص عقيم وغير منتج وأصبح فاقد الصلاحية، فيجب التخلص منه. اي بعبارة أخرى أن مرض كورونا في جانبه الآخر هو (نعمة) للنظام الرأسمالي حيث يخلصه من هذا العدد الكبير من المسنين الذين كان يوم ما تأتي ثمار عملهم أوكلها.
وبعكس ما تحاول البرجوازية وممثليها السياسيين في الطبقة الحاكمة إخفائها عن سر تنصلها من مسؤوليتها تجاه المجتمع، تحاول تبرير جشعها وفشلها وعدم أهليتها لإدارة المجتمع بإلقاء اللوم تارة على أن الفيروس صيني وهي من اخفت المعلومات عنه، وأخرى أن انتشار الوباء أكثر من طاقتها الاستيعابية وقد فاجأتها، ومرة أن الفيروس ينال من كبار السن بسبب ضعف مناعتهم وأمراضهم المزمنة أو أمراض الشيخوخة، أو الترويج إلى نظريات المؤامرة  مثل ما يقول به الخامنئي وترامب….الخ من ترهات. ولكن مثلما توظف نفس تلك الدول استثمارات في مجال الدفاع وابتكرت أعظم التكنولوجيا العسكرية والتجسسية وفي مجال الفضاء لضمان تفوقها العسكري والحربي التي تقدر ١ تريليون و ٨ ٨٥ مليار دولار حسب معهد السلام العالمي في ستوكهولم- اي ما يقارب ٢ تريليون دولار، من اجل فرض هيمنتها الاقتصادية على الدول المنافسة لها، فإنها لو وظفت جزء من تلك الأموال في ميدان الصحة لما توسع انتشار المرض بهذه المساحة ولما ازداد الوفيات في صفوف حتى كبار السن بهذا العدد الكبير.
ما نستشف منه وقد كشفه لنا مرض كورونا أن البرجوازية سخرت الدولة وإمكاناتها عندما وجدت أن تفشي هذا الوباء بات يهدد بوقف عجلة الاقتصاد العالمي، وأخرجت ما في جعبتها من اللأموال المكدسة والمنهوبة من جيوب الجماهير على شكل ضرائب وعلى شكل فائض القيمة التي ينتجها العمال لترميم اقتصادها، وفضح أيضا (اي كورونا) دولة الرفاه وبأنه لم يبق منها إلا الدولة دون رفاه، اي دولة تبخر منها الرفاه.
لقد أمست اليوم الدولة في كل مكان من العالم، ليس إلا جهاز يتضخم من جيش من الموظفين البيروقراطيين الطفيليين الذين سماهم لينين بالدواوينية، وجهاز قمعي يقدر بمئات الألوف من عناصر الشرطة والجيش والمخابرات، وتستهلك على الأقل ٢٠٪ من الموازنات الحكومية التي اجتاحتها فيروس كورونا (أكثر من ٥٠٪ من الموازنة الاتحادية تذهب للقوات المسلحة الأمريكية وحيث تبلغ ٧٢٨ مليار دولار لعام ٢٠٢٠ في موازنة تبلغ ١ تريليون و٤٠٠ مليار دولار). فعندما يحدث وخلال الأزمات الاقتصادية للنظام الرأسمالي من هروب الرأسمال من الميادين غير المربحة، فإنه يستثنى جهاز الدولة البيروقراطي الذي هو عالة حقيقية على المجتمع، مع استقطاع كل الخدمات التي يقدمها.  وان جزء لتمويل ذلك الجهاز الذي سمي بالدولة، يكون من عمل سنوات وسنوات لأولئك المسنين الذي قضي نحبهم بفيروس كورونا، على الرغم أن هذا الجهاز غير منتج، إلا انه ينظم سيطرة الطبقة الطفيلية على المنتجين الحقيقيين. وهنا تجدر الإشارة إلى  أن الدولة الحديثة في النظام الرأسمالي تنفذ بند واحد من بنود النظرية الكنزية وهي تدخلها لإنقاذ علاقات الإنتاج الرأسمالية، بينما في الشطر الثاني تنفذ نظرية سياسة الليبرالية الجديدة، التي تعني أن يواجه البشر مصيرهم بأنفسهم، كما جاءت في التصريحات الوقحة  لبوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الحالي في تعليقه على تفشي وباء كورونا “بمناعة القطيع”.
 
أن الاستنتاجات النهائية لنا في هذا الموضوع، حول دور “الدولة” المرائي، لا يصب في خانة التحليل السياسي الذي دأب المثقفين البرجوازيين من الجعجعة حوله، بل من اجل تسليح الجماهير بوعي حول الدولة ومسؤوليتها في النظام الرأسمالي، وكي يتحول ذلك الوعي إلى سلاح نضالي بعيد عن نظريات المؤامرة التي هي بالنتيجة تصب في صالح البرجوازية ودولتها التي تبرر تنصلها من مسؤوليتها تجاه المجتمع. اي بمعنى أخرى أن تسليط الضوء على الدولة ودورها المرائي اليوم من قبلنا نحن الشيوعيين، هو من اجل رفع الوعي السياسي في صفوف الطبقة العاملة والأقسام المحرومة من المجتمع ، التي كانت مبهمة لدى الجماهير، وموضوع لتطبيل البرجوازية والدفاع عنها وتقديسها وتصويرها بالعادلة والمحايدة وفوق الجميع، في حين وفي عالمنا المعاصر لم تقم الدولة بأي دور سوى أنها كانت آلة للقمع الاحتجاجات والاعتراضات الجماهيرية من اجل الحرية والمساواة، أو في أفضل الأحوال تنفق ما ادخرتها من الجماهير على شكل استقطاعات ضريبية وفائض قيمة عملها على إنقاذ شركات ومؤسسات البرجوازية من أزماتها وإفلاسها.
ولقد بينت المعطيات المادية وفقط الإشارة إلى قرارات G20 فأن الدولة قادرة على إنقاذ المجتمع، وكانت قد تدخلت في الأزمة ٢٠٠٨ من إنقاذ شركاتها الكبرى عن طريق ضخ الترليونات من الدولار إلى أسواقها.
وأخيرا أن مرض كورونا وبعكس حروب البرجوازية التوسعية والعدوانية، قد جردها  من سلاحها السياسي والدعائي والاجتماعي الصدأ من الترهات القومية والطائفية والدينية والعرقية لإخفاء طابعها الطبقي وإطماعها وجشعها،  ولأول مرة في الحرب الحديثة تسير الدولة في كل مكان من العالم دون هوية ومجردة من تلك الترهات المذكورة، بل أصبحت عارية ومفضوحة وكشف عن قبحها ودورها المعادي للغريزة الإنسانية، فالحرب على كورونا لا تحتاج إلى إيديولوجيات ممسوخة تجرد البشر من إنسانيتها، وهذا ما لم تكن في حسبان كل مفكري واقتصادي وسياسي النظام الرأسمالي، بل تحتاج إلى نظام اقتصادي وسياسي واجتماعي آخر، نظام يكون فيه العلم في خدمة الإنسان، والإنسان قيمة عليا وأثمن رأسمال كما يقول لنا ماركس.


60
معيار التضامن في النظام الرأسمالي العالمي
في مواجهة كورونا
سمير عادل
 
إن العالم  بعد كورونا لن يكن مثلما كان قبله، كما كان العالم بعد الحادي عشر من أيلول غير العالم بعد الحادي عشر من أيلول.
سقوط الغرب - رأسمالية السوق والاقتصاد الحر- أمام امتحان فيروس كورونا يضاهي سقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين – أي ما نسميه نحن بـ (رأسمالية الدولة). بيد أن الفارق بين الاثنين، هو أن سقوط الأول سيكون أكثر دويا من الثاني على الرغم من أن دويه اي الثاني كان مفتعلا ومصطنعا بفعل توظيف كل الطبول الدعائية والفكرية والسياسية لتعظيمه والمبالغة  من قبل الغرب الديمقراطي، غرب “تعظيم الفرد والفردانية”، غرب تمجيد الاقتصاد الحر، اقتصاد ريكاردو (دعه يعمل دعه يمر)، غرب الفوضى الخلاقة، غرب الليبرالية الجديدة ومدرسة شيكاغو الاقتصادية، وظل يهتف بكل مفكريه وسياسيه واقتصاديه والممولين من مراكز الدراسات والأبحاث بشكل مريح لسنوات وسنوات إلى الحد الذي صوره المفكر اليميني الأمريكي فرانسيس فوكوياما بتعريف ذلك السقوط اي سقوط الكتلة الشرقية بأنه نهاية التاريخ، وخلود النظام الديمقراطي الليبرالي. كان يبغي من وراء كل تلك الطبول في تخليد البقاء للأصلح كما عبر عنه بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني عندما أفصح عن سياسته تجاه مرض كورونا في بريطانيا بأن الطبيعة هي التي تحدد وتقوض انتشار الفيروس عبر “مناعة القطيع”.
اليوم يسقط الغرب ونظامه  الديمقراطي الليبرالي، الذي اعمي بها عيون البشرية أمام فيروس كورونا، دون أن ينفق اي شخص في هذا العالم الرأسمالي، سنت واحد على وتر واحد  من أية آلة موسيقية أو على هتاف صوت واحد أو اهتزاز حنجرة واحدة لدوي ذلك السقوط. و لا يسعنا إلا أن نشكر فيروس كورونا الذي بين أن كل تكنولوجيا الغرب وتطوره العلمي لم يكن لحساب الإنسان وعموم البشرية في المجتمع. وهذا ما سعى أمثال فوكوياما إلى إخفائه، بينما كشف عنه فيروس كورونا. 
إذا كان معيارنا الإنسان، وإذا كانت فلسفتنا الأصلية تبدأ وتنتهي  وتتركز أصالتها حول حقوق الإنسان بالمعنى المطلق للمقولة التي تشدق بها الغرب، فان أسطورة تفوق الغرب كانت فقاعة، وبينت انه لم يتفوق فيها إلا عبر آلة الدعاية والكذب والنفاق التي اخفت كل عيوبه ومعاداته للإنسانية. وهنا نتحدث عن الغرب كنظام رأسمالي، طالما عزفوا له واخفوا كل الزبالة تحت طاولته بأن الإنسان “الفرد” ذات هو القيمة العليا. ها هي الفردانية ترتد عليه، فكل دولة أخذت تنأي بنفسها عن الأخرى، وحتى الاتحاد الأوربي الذي عبر عنه الرئيس الصربي اليميني بامتياز؛ إن التضامن العالمي غير موجود، والتضامن الأوربي غير موجود وانه قصة خرافية على الورق..
 من يتذكر الحادي عشر من أيلول، العملية الإرهابية في نيويورك عام ٢٠٠١، أو من يتذكر سقوط الموصل بيد عصابات داعش وإعلان دولة الخلافة الإسلامية في حزيران ٢٠١٤، وكيف أبدت الأنظمة السياسية في كل العالم عن تضامنها مع الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، أو كانت تتسابق جميعها بالدخول في تحالف تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يحجر نفس العالم وخاصة الغربي على نفسه خوفا من اجتياح فيروس كورونا،  يدرك أن هناك معيار واحد للتضامن في فلسفة النظام الرأسمالي، هو معيار المصالح والخوف على أسواق البورصات واسهم الشركات ومنافذ الطاقة، وتغيير الخارطة الجيوسياسية التي قد تضرب مصالح شركاته ومؤسساته الاقتصادية والمالية. في حين أن المعيار الإنساني، الذي كشفه لنا مشكورا فايروس كورونا، غاب كليا ويختفي فيه عنصر التضامن والتعاضد الإنساني الذي أظهرته تلك الدول بشكل زائف تحت عناوين “الحرب على الإرهاب”.
لقد طمست كل الأنظمة الغربية رأسها داخل حدودها الجغرافية، وباتت لا ترى غير أسواقها القومية التي يهددها فايروس كورونا. فعندما تعزل البشرية نفسها في بيوتها، وتمتنع على تشغيل دولايب المصانع والمعامل، وتعزف عن التسوق، ويشغلها شغل واحد هو البقاء على قيد الحياة، حينذاك فقط؛ تدرك البرجوازية أنه لا خلاص لها  ولا لإرباحها ورأسمالها دون إنقاذ تلك الجموع من اجل دوران رأسمالها. إلا أن “العولمة” وهي الاسم الحركي لعالمية رأسمال المال وتحدث عنها ماركس وبعده لينين في كتابه “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، تكشف أنها لم تكن أكثر من عولمة الاقتصاد وتحول رأس المال إلى رأسمال عالمي لا ينفصم عراه. ولكن وبسبب التناقضات البنيوية للرأسمالية، ففي المنعطفات والأزمات التي تعصف بالنظام الرأسمالي مثل الأزمات الاقتصادية أو سباق المنافسة مع بعضها وزمن الثورات والانتفاضات تلجأ  بالعمل بعكس آلياتها. ففي الوقت الذي تجد فيه البرجوازية نفسها في الغرب مرعوبة ولا تعرف كيف تدير أزمتها بسبب مرض كورونا، تحاول الانكماش إلى الداخل القومي والانغماس القومي في حل معضلة كورونا بشكل فردي متحديةً قوانين طبيعة الرأسمالية التي أصبحت عالمية في كل مفاصلها، والتي لن تقبل العودة إلى الوراء إلا بتدمير نفسها. ولأول مرة تنسى الرأسمالية في خضم هذه الأزمة أن تنسق فيما بينها وتتعاون لإنقاذ مصالحها الاقتصادية المرتبطة عالميا على الأقل. أن هذه المعضلة هي معضلة في بنية النظام الرأسمالي العالمي وتعبر بشكل طبيعي عن تناقضاتها مع الماهية الإنسانية وتطور علاقات الإنتاج. أي أن الانحطاط الأخلاقي للنظام الرأسمالي هو انعكاس طبيعي لهذا النظام وغير مرتبط بأشخاصه أو ممثليه السياسيين الذين ليسوا إلا موظفين عند رأس المال تكون أدوارهم اما جيده او  تكون فاشلة. وهذا هو السر وراء إعادة طبع كتاب ماركس “رأس المال” و”البيان الشيوعي” في كل أزمة تهز عالم الرأسمال والأسواق، ودائما يتجدد الرعب من ظهور شبح لينين من جديد على العالم. 
أن ما لا يريد الاعتراف به المسؤولين الغربيين، ولا يريد أن يراها قسم من هذا العالم الذي وضع على عينيه وعقله نظارة زجاجها من نوع سميك صنعت خصيصا من إنفاق الملايين من الدولارات من أموال دافعي الضرائب ومن جزء مستقطع من فائض القيمة النسبي لعمل العمال في الغرب والفائض المطلق في بلدان التابعة للامبريالية،  لتحريف أنظاره وتشويه الحقيقة أو طمسه عن أن تفشي فيروس كورونا بهذه المتتالية الهندسية في دول أوربا، هو ليس مرده إلا لعاملين وهما أولا: عدم اكتراث الدولة لصحة وسلامة الإنسان والتي غضت الطرف عن انتشار المرض خوفا على إيقاف دولايب الاقتصاد والإنفاق على صحة مواطنيها، فهي لم تتخذ اي إجراء فوري إلا بعد أن تحول الفيروس إلى جيش جرار يسقط الأسوار أو مثل المشاهد الهوليودية بموسيقى تصويرية مضخمة في أفلام التسونامي أو غزو الأرض من قبل الفضاء، والعامل الأخر: هو هشاشة النظام الصحي وتهرئه في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وايطاليا وبريطانيا…الخ. 
فإذا كان غرب “حقوق الإنسان والديمقراطية” يتعامل بمنتهى الأنانية والانحطاط الأخلاقي مع مواطنيه، فكيف ستكون سياسة دولة استبدادية مثل الجمهورية الإسلامية في إيران تجاه الفيروس، فهي سمحت لثمانية ملايين نصف المليون من السكان بالتنقل خلال أعياد نوروز التي بدأت قبل يومين بين المدن ويحمل  أكثر من ستة آلاف و٥٠٠ شخص  من بين هؤلاء فيروس كورونا. أن هذا الاستهتار بحياة البشر يعزو سببه أن الحجر الصحي على الناس من قبل الحكومة الإيرانية، يعني عليها دفع ٢ مليار دولار شهريا كرواتب ومعاشات وأجور إلى العمال والموظفين وهم جالسين في بيوتهم. فهي اي الحكومة الإيرانية غير مستعدة لذلك، بينما تنفق المليارات على جواسيسها ومليشياتها وتطوير أسلحتها وتمددها في المنطقة. فما بالك دول  تنفخ في كل شهيق وزفير “حقوق الإنسان” مثل ايطاليا وفرنسا وأمريكا المعروفة بأنفاقها ترليونات من الدولارات على ميزانياتها العسكرية وتصدر سنويا أطنان من الأسلحة كجزء من ناتجها القومي إلى العالم، بينما لم تنفق ١٠٪ من عائدات أو أرباح تلك الأسلحة ولا من الإنفاق على صنع تلك الأسلحة على ميادين الصحة أو دفعت كأجور من الوهلة الأولى عند تقدم جيوش كورونا إلى مواطنيها كي يلتزموا بالحجر الصحي.
في “الحرب على الإرهاب” يظهر بشكل جلي وواضح التعبير عن “التضامن العالمي” مع أمريكا أو العراق، والذي لا يتجاوز إطار  تصدير الأسلحة والأجهزة التجسسية ومستشارين عسكريين وتكنولوجيا عسكرية ومنح القروض بفوائد عالية تقصم ظهر العمال والموظفين وتزيد من حرمان الطبقات المسحوقة كما حصل مع العراق بعد إعلان الحرب على داعش، بينما يظهر فيروس كورونا أن الحرب عليه لا يتم عبر الأسلحة بل بحاجة إلى الإنفاق على الصحة وتطوير الأجهزة الطبية والتعاضد العالمي عبر تبادل الخبرات والدعم الطبي.
بيد أن هذا العالم لا يقف مخدوعا أمام أسطورة تفوق الغرب وغياب المعيار الإنساني في ذلك التفوق فحسب، بل يعيش خدعة وكذبة تروج لها بعض الحمقى، إذ يعزون نجاح الصين في تجربتها بالسيطرة على فيروس كورونا إلى نظامها الدكتاتوري والشمولي. انه ترويج بشكل واعي أو غير واعي، بقصد أو بغير قصد للدعاية للأنظمة الدكتاتورية، وإعطاء الذرائع للدول في قمع الحريات وفرض الاستبداد على الجماهير، وهذه المرة ليس بعنوان الحرب على الإرهاب، بل تحت يافطة  “الحرب على كورونا”.
نسيم الاشتراكية وصراع الأقطاب الصاعدة:
 أن دولة الصين، هي رأسمالية حد النخاع، ولا تمت بصلة إلى الشيوعية غير اسم الحزب الحاكم فيها، وتفوق اقتصادها على العالم عبر الحصول على فائض القيمة المطلق الذي يتجسد بالعمالة الرخيصة جدا وشروط عمل قاسية وحرمان العمال من حق الإضراب والتنظيم. أن الصين لم تسيطر على تلك الأوضاع اي مرض كورونا بسبب دكتاتوريتها، بل بسبب تطورها التكنولوجي ونظامها الصحي، ويعود الفضل إلى جزء كبير منه، عندما هب يوم ما وفي زمن كانت الاشتراكية موضة عالمية، نقول هب عليها نسيم الاشتراكية*. وبمحاذاة ذلك، فأن كوبا التي يفرض عليها حصاراً اقتصادياً، ظلماً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبسبب النزعة الإنسانية التي تضرب جذورها في المجتمع الكوبي بسبب ذلك النسيم، فهي لا تملك من موارد أن تقدمها غير إرسال الأطباء لإنقاذ الناس في ايطاليا، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم كوبا هذا النوع من المساعدات. ففي التسونامي الذي ضرب جنوب شرق آسيا والزلزال الذي ضرب هايتي والقضاء على المرض في فنزويلا، كان الأطباء الكوبيين في مقدمة المتطوعين لإنقاذ الناس من تلك المأساة.
 أما تقديم المساعدات الطبية من قبل روسيا والصين إلى ايطاليا وصربيا وبلدان افريقية أخرى وإعلانهما بالاستعداد لتقديم مساعدات إلى دول أخرى، لا ينم إلا عن التنافس الرأسمالي ومحاولة لتفتيت الاتحاد الأوربي وفصم عراه والنيل من هيبة الولايات المتحدة الأمريكية والناتو، وتصب في مسعى لقلب النظام العالمي الموجود وبناء نظام عالي جديد تحت قيادتهما. إنها فرصة ذهبية لرسم خارطة سياسية جديدة، وتحالفات عالمية جديدة. وأيضا يضاف عامل آخر هو مساعي جديدة وحثيثة لإنقاذ الاقتصاد الرأسمالي العالمي ، فكما تحدثنا أن الرأسمال العالمي لا ينفصم عراه، وان هلع الأسواق العالمية والبورصات ستوقف عجلة النمو الاقتصادي لتضرب اسواق الصين أولا.
التضامن ألأممي إستراتجية في مواجهة أزمات النظام الرأسمالي:
 خلاصة القول أن العالم بعد كورونا سيختلف عما كان قبل كورونا على الصعيد السياسي والفكري والاقتصادي والعلمي والاجتماعي. وإذا كانت الطبقة العاملة اليوم والأقسام الاجتماعية المحرومة فرض عليها الحجر الصحي والرعب من الفايروس بسبب التهويل الإعلامي الذي هو انعكاس بالدرجة الأولى لهلع الطبقة السياسية الحاكمة وأصحاب الشركات والمؤسسات المالية ومستقبلها الاقتصادي ومصير أرباحها، وقد انعكس هذا الهلع أيضا في إنزال الجيش في العديد من بلدان العالم مثل أمريكا والجزائر والأردن والمغرب..والذي يفسر ذلك الهلع ومحاولة لتوجيه ضربة استباقية تحسبا من اندلاع احتجاجات جماهيرية واضطرابات تدفع الجموع البشرية للخروج إلى الشوارع  سواء اثر الهلع الذي تنشر في المجتمع أو إزاء تقاعس ولا أبالية الطبقة الحاكمة تجاه مجتمعاتها وتباطئها بالتحرك. نقول أن تصفية حسابها اي الطبقة العاملة و تلك الأقسام المحرومة مع هذا النظام الرأسمالي الجائر مع طبقاتها السياسية الحاكمة التي تصون وتحافظ على مصالح ذلك النظام، ستأتي حتما بعد الانتهاء من هذا الكابوس
 أن التضامن العالمي اليوم يكتسب معنى آخر، وعلينا نحن العمال والشيوعيين وكل اليسار أن نخطو خطوات جدية في هذا الميدان وإعطاء المعنى الواقعي والمادي لهذا التضامن، وان يكون جزءا محوريا في إستراتيجية عملنا. أن فيروس كورونا اثبت أن العالم أمام خيارين، إما الانعزال والانكماش وانتظار رحمة من الطبقة الرأسمالية الجشعة ودولتها التي تركن على الرف وتستخدم كآلة قمعية في زمن الثورات والانتفاضات ضد سلطتها وجورها أو لتحل أزماتها وتتدخل للسيطرة على آليات السوق مثلما حدث في أزمة ٢٠٠٨ و ما يحدث اليوم، أو أن نجعل من تلك الدولة “وبغض النظر عن محتواها الطبقي” التي تمول من استقطاعات ضريبية كبيرة من عمل العمال والموظفين ومن فائض قيمة عملهم محلا لانتزاع  التنازلات لصالح الجموع المحرومة  في المجتمع. أن دور التنظيمات العمالية والأقسام الاجتماعية الأخرى وأي كانت أشكالها وأينما كانت في العالم لها مكانة كبيرة في ربط الشبكات والتنظيمات والاتحادات في إطار وبرنامج واحد. لأنه اليوم وكما أثبتت تجربة تفشي انتشار مرض كورونا أن تقاعس أية حكومة محلية تجاه مواطنيها وتنصل من مسؤوليتها، فسوف لا يكون الوباء محليا بل سيعبر الحدود كما نراه وتضرب بقية المجتمعات والدول.
أن التضامن والتعاضد ألأممي يكتسب اليوم اكثر من اي وقت مضى دورا حياتيا بالنسبة للمجتمع الإنساني والحفاظ على نوعه. ومن هنا يجب أن نضغط بقدر على حكوماتنا المحلية والدولة التي لها إمكانات مادية عظيمة كما رأينا كيف خصصت ترليونات من الدولارات لتعويض الشركات وأسواق المال تحمل مسؤوليتها، بنفس القدر أن نضغط عليها كي تضغط على الحكومات الأخرى مثل العراق وإيران على سبيل المثال لا الحصر وبقية بلدان العالم كي تلعب نفس الدور وتخصص قسم من إمكانياتها لإنقاذ مواطنيها .
 إن البشرية ستدرك بعد هذه التجربة ودون اي عناء أن نهاية التاريخ ليس كما قال فوكوياما وكل المأجورين هي خلود النظام الليبرالي الديمقراطي، بل أن نهاية البشرية ستحل عاجلا أو آجلا، إذا ظل هذا النظام ولم ينسف من جذوره ويبنى على إنقاذه اشتراكية ماركس والبيان الشيوعي.
 
 
 
* استخدمه مؤسس الشيوعية العمالية منصور حكمت في وصفه للحصار الأمريكي على كوبا.


61

لنقف صفا واحدا ضد التهديدات الحربية والحصار على عمال وكادحي ايران


تقوم الولايات المتحدة الامريكية بشكل تدريجي بتشديد العقوبات الاقتصادية على ايران وتنظيم حملة اعلامية ودبلوماسية لتبرير تحشدها العسكري وشحن الاجواء الحربية وفرض عسكرتاريتها على منطقة الخليج بذريعة وجود تهديدات لمصالحها وامن قواعدها وسفاراتها في المنطقة من قبل الجمهورية الاسلامية في ايران وحليفاتها في المنطقة وتخفي هذه السياسة في طياتها احتدام الصراع والتنافس على الصعيد العالمي بين الولايات المتحدة الامريكية وبين القطب الصيني الروسي الذي يقف خلف االنظام الايراني.
ان كل تبريرات وذرائع الولايات المتحدة الامريكية بشيطنة منافسيها هي واهية وسخيفة وتبغي من ورائها الحفاظ على عدم تآكل نفوذها السياسي والاقتصادي لصالح روسيا والصين. واذا ما كان غزو العراق واحتلاله من قبل امريكا هدفه فرض نظام عالمي جديد احادي القطب، فأن سياسة الولايات المتحدة الامريكية اليوم في المنطقة هي لصد انحدار مكانتها ونفوذها العالمي ولكي لا يولد على أنقاض مشاريعها السياسية الفاشلة عالم متعدد الاقطاب.
يا جماهير العراق.. انكم جربتم مرارة وقساوة الحصار الاقتصادي من قبل الولايات المتحدة الامريكية ومأساته، عشتم ايام حالكة في ظلامه، من حيث الجوع ونقص الادوية والتغذية، حيث قتل جراء ذلك الحصار اكثر من مليونين من اطفالكم، وقد دفع الحصار الاقتصادي الجائر ابنائكم للهجرة بحثا عن رغيف خبز من اجل البقاء يوما اخر على قيد الحياة عن طريق البحث عن العمل بشروط غير ادمية وانسانية في البلدان المجاورة، ورأيتم كيف ان مئات من الاسر ضحت بأطفالها، وتنامت معها عمليات الانتحار بسبب فقدان الامل بالحصول على فرصة عمل او الحصول على طعام يكفي
انكم جربتم الحروب وويلاتها، عشتم مرارة فقدان أعزاءكم، اختبرتم الحياة بالمهجر وفي المخابئ والخرائب هذا لو حالفكم الحظ ان تفلتوا  من نيران الطائرات والاسلحة الفتاكة، شاهدتم كيف يموتون الاطفال في احضانكم او يدفنون تحت الابنية التي تقصف بوابل من القنابل، وما زالت احلامكم مغمسة بكوابيس الحروب والاحتلال الاخير للعراق.
ولو لا الحصار الاقتصادي والحروب والغزو واحتلال العراق، لما تسلط الحرامية واللصوص من الجماعات الاسلامية والقومية على رقابكم، ولما تحول العراق الى مرتعا الى مليشيات الاسلام السياسي والمخابرات الدولية  من كل حدب وصوب وعصابات مافيا المخدرات والاعضاء البشرية وتجارة الجسد.  لقد انتزعوا بالحصار الاقتصادي والحروب والاحتلال الروح الثورية والارادة الثورية منكم، نزعوا روح المقاومة، واحلوا محلها الياس والاحباط.
اليوم تريد الولايات المتحدة الامريكية وعن طريق تسويق نفس الاكاذيب الفاضحة لاحتلال العراق، بفرض سياسة الحصار الاقتصادي على اقرانكم من العمال وكادحي ايران. انهم يريدون بإعادة نفس التجربة وتكرار نفس المأساة كي تسلب بالنتيجة الارادة الثورية لعمال وكادحي ايران.
ان السياسات الامريكية من الحصار والحروب لا تجلب غير المأساة وتعمل ابدا على تقوية اسس الانظمة القمعية، وتعتبر تلك السياسات بطاقة يانصيب للأنظمة الحاكمة مثل الجمهورية الاسلامية  بفرض استبدادها وقمعها وافقارها على الاغلبية المطلقة لجماهير ايران.
ومن الجانب الاخر ان شحذ الاجواء الحربية من شانها ان تعطي مبررات لحكومات المنطقة بفرض حالة الطوارئ ومصادرة الحريات تحت عنوان الحفاظ على الامن القومي والسيادة الخ من تلك الترهات.
ان اشعال فتيل حرب يعني تفجير الاوضاع في المنطقة وخاصة العراق الذي تريد ايران وامريكا بتصفية حساباتهما وتحويله الى ساحة للحرب بالوكالة.
يا جماهير العراق...  ليس من مصلحتنا اشعال الحرب في المنطقة، ولا من مصلحتنا فرض الحصار الاقتصادي على عمال وكادحي ايران، بل يجب ان نقف صفا واحد وتشكيل جبهة عريضة وتنظيم مختلف الاشكال الاعتراضات والاحتجاجات ضد الحصار الاقتصادي على جماهير ايران وضد تشديد العسكرتارية الامريكية في المنطقة.


لتسقط السياسات الامبريالية الامريكية
عاش نضال الجماهير من حياة حرة كريمة وآمنة
سمير عادل
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي
10 ايار ٢٠١٩


62

                             في ذكرى اغتيال شابور عبد القادر وقابيل عادل
في يوم ١٨ نيسان من عام ١٩٩٨ قام فصيل من المجاميع الاسلامية الارهابية باغتيال شابور عبد القادر
عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العمالي العراقي وقابيل عادل عضو الهيئة القيادية لمنظمة
كردستان التابعة للحزب في مدينة اربيل على اثر فتوى اطلقها ملا بشير الذي يشغل اليوم منصب نائب
رئيس البرلمان العراقي، حيث اطلق تلك الفتوى من احدى مساجد أربيل تحرض على قتل الشيوعيين
العماليين.
وجاء اغتيال الرفيقين بعد ان برز دور الحزب الشيوعي العمالي العراقي بالدفاع عن النساء والوقوف بحزم
ضد جرائم ما يسمى بـ (قتل الشرف وغسل العار) الذي اودى بحياة ٥٠٠٠ امرأة في كردستان، اضافة الى
مواجهة كل القيم الرجعية والمتخلفة التي تحط من قيمة المرأة وكرامتها الانسانية. وقد اثار نشاط الحزب
وفعالياته في تعبئة المجتمع وكل القوى التحررية والانسانية بالدفاع عن النساء في كردستان العراق، سخط
وغيظ القوى الرجعية الاسلامية والقومية، مما دفعها بتحريك مرتزقتها وعصاباتها من الملالي ضد الحزب
الشيوعي العمالي العراقي وكوادره، وجاءت فتوى ملا بشير بالتحريض على قتل الشيوعيين العماليين وسط
صمت وتشجيع القوى القومية الرجعية الحاكمة في كردستان.
ان ملا بشير بدلا من ان يحاكم على فتواه وينال جزائه، حيث سجل الحزب دعوى رسمية في محاكم
كردستان آنذاك، كي يكون عبرة لكل من يحرض على الكراهية والقتل والدعوة الى ترسيخ الافكار
والتصورات المعادية للمرأة والانسانية، نراه يكرم وينال منصب نائب رئيس البرلمان العراقي في دورته
الحالية.
ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي الذي يستذكر هذا اليوم، يوم اغتيال الرفيقين شابور عبد القادر وقابيل
عادل، يعلن من جديد انه لن يصمت على جريمة ملا بشير والعصابة التي نفذت فتواه، ولن تسقط بالتقادم
ومرور الزمن، كما انه سيوظف كل مساعيه لينال المجرمون عقابهم، وفي نفس الوقت يعلن الحزب ان
الطريق الذي سلكه رفاقنا من اجل بناء عالم أفضل سيمضي به الحزب الشيوعي العمالي العراقي حتى
تحقيق مجتمع خالي من كل اشكال الاضطهاد والظلم الطبقي والقومي والديني والجنسي.
عاشت ذكرى الرفيقين شابور عبد القادر وقابيل عادل

سمير عادل

سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي

١٧ نيسان ٢٠١٩

63
العراق بين رشوة السعودية وميليشيات إيران

سمير عادل
الوضع السياسي والامني في المنطقة يسخن، والعراق هو الوقود الذي يعدونه كي يكون اداة التسخين. اعادة العراق الى المحيط "العروبي" او التشبث به وابقائه في حاضنة "الاسلام السياسي الشيعي"، هو السيناريوهات التي ترسم له. ولكن احراز اي مكان في السيناريو الذي يعد له يجب ان يكون مدفوع الثمن. ففي عالم اعادة تقسيم المناطق وفتح عهد جديد لعالم متعدد الاقطاب، فليس هناك مكان مجاني حتى لو كان في المقاعد الخلفية. فلقاء القمة الذي عقد في القاهرة بين السيسي المصري وعبد الله الاردني وعبد المهدي العراقي كان مدخل لمنح السعودية مليار دولار بمثابة رشوة لاثبات حسن نية الى حكومة المحاصصة كي ينهي حالة الهدنة التي تسود على الاطراف والقوى السياسية المتصارعة على السلطة. فالسعوديون بعد فشل اطروحاتهم الطائفية وانهيار مشاريعهم العسكرية مثل القاعدة وداعش واخواتها، عرفوا كلمة السر للدخول الى العراق وهي بجعل لعاب القوى الداخلة في العملية السياسية ان تسيل كلما شموا بأن هناك فرصة للحصول على الاموال. وفي عراق شيدته الماكنة العسكرية الامريكية على جماجم العمال والمحرومين الذين يمثلون اغلبية الجماهير بغزوه واحتلاله التي تصادف ذكراه هذه الايام، تتحول المبادئ الى مسالة نسبية، وتغيير الولاءات يرتهن بتغيير المصالح، وتتحول اتجاه البوصلة دوما باتجاه من يملك خزينة المال.
بيد ان ايران الجمهورية الاسلامية تعيش احلك ايامها اقتصاديا، فلا تملك المال كي تستثمر في شراء الولاءات، لان الولايات المتحدة الامريكية تشدد كل يوم الحصار عليها، الا انها تملك الاذرع والمليشيات التي شكلتها ودربتها وانفقت عليها من حلال المال العراقي المنهوب من ايرادات المنافذ الحدودية والميناء وانتاج النفط واستثمرت تراكم تلك الاموال المنهوبة في تأسيس الشركات والمؤسسات والبنوك لإدارة تلك المليشيات من خلال التمويل الذاتي، وهذا ما جعل مرشد الثورة الخامنئي وبعالي الصوت يطلب من عادل عبد المهدي اثناء زيارته قبل ايام الى طهران بالتعجيل باخراج القوات الامريكية من العراق. ولكن رد عبد المهدي لم يأت كما تشتهي سفن الخامنئي، حيث لم يورد في البيان الصادر عنه اي تلميح او اشارة الى خروج القوات الامريكية.
وعلى الصعيد الداخلي العراقي، فالبرلمان فقد حماسته لتشريع قانون بأخراج القوات الامريكية، لان الادارة الامريكية وجهت تهديدا الى القوى السياسية في البرلمان بجميع تلافيفها عندما تعالت الاصوات "الوطنية" وحماة "السيادة" بدفع البرلمان لإصدار القانون المذكور، بأنه سيسحب جميع شركاتها وخاصة النفطية من العراق ويفرض حصارا اقتصاديا عليه. وهنا تتغير الولاءات لهؤلاء مثلما ذكرنا، كما تتغير المبادئ بنفس الدرجة، فقد تصلح اي المبادئ في ظروف الامس ولكنها لا تصلح في اوضاع اليوم.
بموازاة ذلك تقرر الولايات المتحدة الامريكية بتصنيف الحرس الثوري الايراني كمنظمة ارهابية، وهذا يعني سيمسك بتلابيب الحرس في المنطقة بما فيها العراق، وهنا نقصد المليشيات التي شكلت تحت عنوان الحرب على داعش، وتحديدا المنضوية عدد كبير منها في مؤسسة "الحشد الشعبي". وهذا علاوة على تعميق الصراع بين تلك المليشيات في صفوف الحشد الشعبي والتي ستجر على الاحزاب والقوى الاسلام السياسي التي شكلتها، فأنها ستدخل صراع مع المؤسسة الرسمية الحكومية، بعد ان يوضع وجودها تحت طائلة السؤال.
في العراق الذي لم يتأسس فيه دولة بالمعنى السياسي والقانوني، فأن الدعوة الى جعل العراق بمنأى عن الاقطاب الاقليمية والدولية كما كان يتحدث المالكي وبعد ذلك العبادي والان عبد المهدي ليس الا جعجعة بلا طحين، واصحاب تلك الدعوات يطلقونها لتطيب الخواطر وتسكين مؤقت لتهدئة البال، او تأتي في اطار فذلكات دعائية واعلامية التي تعود عليها ساسة المحاصصة.
بالنسبة لنا نحن العمال والجموع الجماهير الغفيرة في العراق، ليس لدينا اية مصلحة بالصراع بين الاقطاب الاقليمية والدولية، والادهى من ذلك لم يتحدث اي طرف لا الخامنئي الايراني ولا ترامب الامريكي، ولا عبد المهدي العراقي ولا سلمان السعودي عن عدد الاسهم التي سنحصل عليها في بورصة الصراع على النفوذ والامتيازات الاقتصادية والمالية في العراق، ولكن ما نعلمه وبالفطرة او الغريزة او التجربة التي تعلمنا منها وخلال اقل من عقد من الاحتلال الامريكي وعقد ونصف من سلطة الاسلام السياسي الشيعي، فأن نصيبنا كان دوما مضمونا ومعلوما من المفخخات والعبوات الناسفة والاغتيالات والاختطافات والتشرد والتهجير والقتل على الهوية من اجل تغيير المعادلة السياسية لصالح طرف من الاطراف المتحاربة كما يحدث اليوم.
ان التنظيرات التي تسوق لتبرير الصراع بين تلك الاقطاب سواء كانت قومية وعروبية مثلما يتحدث علاوي والمطلك، والحلبوسي ولكن بصوت اضعف من رفاقه الاخرين بسبب صدور امر تعينه من قم، بأعادة العراق الى محيطه العربي، او تنظيرات الطرف المقابل من مليشيات الاسلام السياسي الشيعي، واقحام مقولة "المقاومة" على الادبيات السياسية في العراق ليحل محل مقولات السبعينات والثمانينات القرن الماضي وهي محور ضد الاستعمار والصهيونية والامبريالية،، فهي اي تلك التنظيرات ليست الا مبررات فارغة وواهية لسوقنا الى محرقتهم، وبعد الاعياء من الحرب وعدم قدرة اي طرف من لوي ذراع الطرف الاخر الى حد كسره او خلعه، تنفض غبار المعارك، ليجلس الجميع على مائدة مستديرة يتقاسمون كل شيء، مثلما حدث في لبنان، بينما نحن ننبش في المقابر الجماعية للبحث عن قتلانا، ويزداد عدد الاطفال عن اليوم بالبحث عن ما يسد رمقهم في اكوام الزبالة، واما امهاتهم اما تقتلهم الحسرة على فقدان احبابهم او يقعن ضحايا في شباك العصابات المتاجرة بالبشر والجنس او يتحولن الى عبيد العمل المنزلي لو كان من منهن حالفهن الحظ. اليست هذه هي الحياة في مخيمات النازحين في انحاء العراق بعد الانتهاء من سيناريو داعش.
ان معركة الخامنئي وترامب، ليست معركتنا، وان مال سلمان السعودي ليس من اجل بناء المدارس والمستشفيات ورياض الاطفال وتعبيد الشوارع او حتى ليس من اجل اطفاء قسم من ديون العراق الذي ندفع نحن فاتورة فوائدها بل لتسخين اسواق امراء الحرب، فحذار الانجرار وراء تلك الاوهام والخداع من الترهات والخزعبلات وعلينا ان نبني جبهتنا خارج عن فلكهم.

64

"بيان بذكري الغزو الأمريكي للعراق الجريح "

اليوم تعود ذكرى الغزو الأمريكي للعراق الجريح ومعه أستمرت حالة التأمر ضد العراق ك دولة ومجتمع وأنسان.

أن الغزو الأمريكي للعراق الجريح لم يكن حركة دولية لأزالة ديكتاتورية أو لتحقيق ديمقراطية، لأن حكم الطاغية صدام وشلة المجرمين والقتلة الذين جمعهم لحكم العراق هؤلاء كانوا تحت أنبوب التغذية الامريكي المباشر الى أن تغيرت مصالح الشر العالمي وحان موعد تطبيق مخطط حلف الناتو والكيان الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد المنطقة العربية ومحيطها وكان محور ذلك التدخل الخارجي هو العراق الجريح وهي المنطقة العربية التي تمثل "عقل" العرب ومفتاح تغيير المنطقة كلها ورافعة الانطلاق لمشاريع التأمر الشرير. 

ليست الديكتاتورية الحمقاء الجاهلة بما يجرى في العالم من حولها كانت مستهدفة ولا كان تحقيق الديمقراطية هي الهدف. 

كان تدمير كل ما هو مجتمع ودولة وأنسان عربي يعيش في العراق. 

وها هي سوريا قلعة العروبة الصامدة ضد كل ماهو شر في العالم يريدون لها نفس المصير ولكن لأن سوريا مختلفة ولديها دولة وجيش وعقل استخباراتي يفكر ويفهم ويناقش فهي صمدت ضد قطار الشر لحلف الناتو والكيان الصهيوني. 

تعود ذكرى الغزو والعراق مدمر ولا توجد به دولة حقيقية ولا نظام ويتحرك ب "مسخ الدولة في العراق الجريح لصوص وسياسيين للصدفة وتجميع أوباش البشر وسقط متاع حثالات البشر من بريطانيا وشمال أوروبا وحواري طهران.

هؤلاء أكثر شر من إبليس وهؤلاء تحركوا بالسرقة والحرمنة واللصوصية بلا حدود ولا خجل ولا حياء. 

تعود ذكرى الغزو الأمريكي للعراق الجريح لنقول مجددا "لا" لتدمير المنطقة العربية.

وعلينا أن نجدد القول بأن معادلة أن تكون ضد الديكاتورية الداخلية والاستبداد ليس معناها ان تكون مع التدخل الخارجي والعسكري الاجنبي فهذه المعادلة استحمارية يستخدمها الاستعمار وأذنابه من الجواسيس.

علينا أن نكون ضد الديكاتوريات الداخلية وايضا بنفس الوقت ضد التدخلات الخارجية الاجنبية وهذه معادلة النباهة والبصيرة القرأنية السديدة.

منذ بداية التأمر على منطقتنا العربية كل ما قلناه ستة عشرة سنة الى يوم ثبت صحته وحقيقته و واقعيته ، ومن هذه الصحة والحقيقة والواقعية ننطلق لنقول كذلك اننا على ثقة بأن الإنسان العربي صانع للمفأجاة وها هي صيحات الديمقراطية وحرية الانسان العربي الشاملة تعود في جزائرنا العربية وسوداننا الجميل.

والانسان العربي في العراق الجريح سيقوم بنفس هذه المفأجاة.

عاش الاسلام الصانع للعدالة
عاشت أمتنا العربية

التاسع من ابريل للعام ٢٠١٩

د.عادل رضا

65
اقليم البصرة وحصة العامل منه

سمير عادل
كم سيحصل العامل في القطاع النفطي الذي تهدده الامراض السرطانية وحرمان أغلبية العمال من سكن لائق، فيما اذا تأسس اقليم البصرة، وكم سيساعد تأسيس الاقليم المذكور في تثبيت عمال العقود والاجور في قطاع الطاقة والكهرباء والبلديات لنيل مستحقات الضمان الاجتماعي ومخصصات الزواج والاطفال وبدل الخطورة اضافة الى حصولهم على معاشات تتناسب مع القدرة الشرائية في المجتمع، وكم سيحقق نفس الاقليم بدل او ضمان بطالة او فرصة عمل مناسب للآلاف المؤلفة من العاطلين عن العمل اناث وذكور لمن بلغ عمر او سن السادة عشرة!!!
منذ اكثر من عقد وهناك محاولات حثيثة من قبل فصيل من فصائل الاسلام السياسي الشيعي بتحويل محافظة البصرة الى اقليم مستندين على مبررات قانونية في الدستور تخول ثلاث محافظات او محافظة واحدة بتحويلها الى اقليم، ومبرر سياسي وهو الحيلولة دون استفراد الدولة المركزية وتقليم اضافرها ومنعها من ان تتحول الى دولة استبدادية مثلما كان العراق قبل الغزو والاحتلال اي قبل عام ٢٠٠٣.
بعد اجتياح الاحتجاجات الجماهيرية ومنذ شباط ٢٠١١ ضد كل اشكال الفساد الاداري والمالي والسياسي وغياب الخدمات والبطالة ضد حكومات الاسلام السياسي سواء في المركز او الحكومات المحلية في المحافظات، كانت البصرة بأقضيتها ونواحيها ومركزها واحدة من قلاع تلك الاحتجاجات، حاول جناح من اجنحة الاسلام السياسي استغلال الغضب والسخط الجماهيري لحرف الانظار عن رموز الفساد والقوى السياسية المنتمية لها لتقوية الدعوة الى المطالبة بتأسيس اقليم البصرة، مبررة اياه ان المركز وراء عدم توفير المخصصات المالية للمحافظة وانفاقها على الخدمات. لندعو القارئ ان يستنتج بنفسه صحة تلك المزاعم بالأرقام،  فقد بلغ حصة البصرة من تنمية الاقاليم ٤٦٨ مليار دينار من الموازنة المالية المركزية حتى عام ٢٠١٤ ، ويضاف اليها ٥ دولار لكل برميل نفط حسب قانون رقم ٢١ للمحافظات المنتجة للنفط عام ٢٠٠٨ والتي سميت بـ (بترودولار) الى جانب ٥٠٪ من ايرادات المنافذ الحدودية بما فيها الميناء الذي تضاهي ايراداته مدخولات النفط. ولم تخفض ميزانية البصرة الا بعد اعلان سياسة التقشف من قبل حكومة العبادي بعد ان سلم سلفه المالكي خزينة العراق فارغة اضافة الى تسليم ثلث مساحة العراق الى عصابات داعش.  وقد خفضت ميزانية البصرة من تنمية الاقاليم في اجتماع مجلس الوزراء في ١٨ تشرين الاول من عام ٢٠١٥ الى ١٣٦ مليار دولار وتخفيض حصتها ايضا من ٥ دولار الى دولار واحد عن بيع برميل النفط الخام، في حين ابقى على حصتها ٢ دولار على انتاج ١٥٠ متر مكعب من الغاز و٢ دولار ايضا الى النفط المنتج في مصافي المحافظات.
السؤال البديهي الذي يطرح نفسه، اين هي الاموال المتحصلة خلال كل تلك السنوات، والتي خرجت جماهير البصرة عن بكرة ابيها يوم ٧ ايلول ٢٠١٨ في احتجاجات ضد انعدام مياه صالحة للشرب وانهيار كل اشكال الخدمات، والقطط والكلاب السائبة تصول وتجول في عدد من المستشفيات، وبطالة تنهش بأكثر من ٣٠٠ الف عاطل عن العمل ومدينة تزينها اكوام من الزبالة والنفايات؟ اين تلك الاموال من توظيف العاطلين عن العمل او على الاقل تأمين الحد الادنى لبقائهم احياء حتى توفير فرصة عمل عن طريق منح تخصيص ضمان بطالة لهم في الوقت الذي بلغ انتاج النفط في البصرة يوميا اكثر من ١٠ مليون دولار ، اذا افترضنا ان الانتاج يبلغ كحد ادنى ٢ مليون برميل يوميا منذ عام ٢٠٠٨ حتى عام ٢٠١٥ وتحصل البصرة على ٥ دولار من بيع برميل واحد من النفط، اين بدلات الخطورة التي يجب ان تدفع للعاملين في القطاع النفطي وتكاليف العلاج من امراض السرطان تساوي قيمة بيع عقار او عقارين لتوفيره، هذا ناهيك عن المصادر الاخرى التي يستحصل منها الاموال كما ذكرنا.
في الحقيقة ان الاجندة التي تقف وراء ذلك المشروع المشبوه هو صراع الاطراف مع المركز على نهب وارادت النفط والمنافذ الحدودية وعقد الصفقات التجارية والمالية والاقتصادية مع شركات ومؤسسات اجنبية حسب ما ينص عليها المادة (١٢١) من البند الرابع من الدستور، تخصص مكاتب للمحافظات والاقاليم في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية. انه صراع جناح من اجنحة الاسلام السياسي المتمثل بحزب الفضيلة مع بقية الاجنحة الاسلامية الاخرى مثل المجلس الاعلى والتيار الصدري وحزب الدعوة وبدر بجميع اقسامه للاستحواذ على ما يمكن من ثروات المجتمع. ان رفض المالكي في ولايته الثانية لمشروع اقليم البصرة كما هو رفض اقسام من الاسلام السياسي الشيعي اليوم مرهون بحجم حصة كل طرف من الاموال المنهوبة في حالة تأسيس الاقليم من عدم تأسيسه. وهنا تكمن السخرية عندما يقود المشروع صباح البزوني رئيس مجلس المحافظة المنتمي لحزب الدعوة جناح المالكي والذي اعتقل بتهمة تلقيه رشاوى، ليطلق سراحه ويظهر هذه المرة قائدا لمشروع تأسيس اقليم البصرة. وهذا يوضح بشكل لا لبس فيه، ان كل طرف يرى مصالحه من خلال الحصة التي يحصل عليها وعليه يحدد موقفه من مشروع تأسيس الاقليم. اما ما سيحصل عليه العامل سواء كان يعمل او عاطل عن العمل فليس في وارد او حسبان اي طرف.
وعليه ان مشروع تأسيس الاقليم كتحصيل حاصل هو مشروع لذر الرماد في العيون وحرف الاحتجاجات الجماهيرية من اجل توفير الخدمات والقضاء على الفساد والبطالة عن مسارها الاصلي. انه مشروع جديد للنهب والسلب، فلن يغير من واقع العامل المعيشي والحياتي، ولا من واقع المدينة، انه لا يؤدي الا الى ازدياد بؤسها وفقرها، لذا علينا ان نحافظ على صفنا المستقل وعدم السماح لتحريف توجه نضالنا نحو تحقيق مطالبنا العادلة المتمثلة بتوفير الامان وضمان بطالة او فرصة عمل وتوفير الخدمات.

66
الرقص على الظلم الطائفي

سمير عادل
اذا ما تذكرنا تصريح نوري المالكي الذي شغل نائب رئيس الجمهورية قبل سنيتن ورئيسا لوزراء لولايتين متعاقبتين، بأن اهل الموصل كلهم دواعش، فمن اليسير على المرء التوصل الى ان سبب غرق العبارة وموت اكثر من ١٠٠ شخص لا يقف عند حدود الفساد الاداري والفشل الحكومي على جميع الاصعدة في حماية سلامة المواطنين.
التسابق بين الرئاسات الثلاثة وسماسرة العملية السياسية امثال النجيفي وغيره بتنظيم الزيارات الى الموصل وإطلاق التصريحات الدعائية وتنظيم المؤتمرات الصحفية وايجاد كبش فداء لتحميل مسؤولية كارثة العبارة تصب في خانة المزايدات السياسية للبحث عن الفرص في ايجاد موطئ قدم عند اجراء عمليات نهب الاموال اثناء فتح ملف مناقصات اعمار الموصل.
ان كارثة العبارة هي تحصيل حاصل لما حدث لمدينة الموصل منذ تشكيل قيادة عمليات نينوى بزعامة المالكي وتنظيم حملات الاعتقالات العشوائية وتعذيب المعتقلين وتغييبهم واخذ الاتاوات من اهالي المدينة واطلاق العنان لكل اشكال المافيات والعصابات بالنهب والسلب دون اي رادع وترك الحبل على الغارب لمجلس محافظة نينوى ومحافظها آنذاك برئاسة احد الاخوين النجيفي، لتحكم بمقدراتها الامنية والسياسية والمالية. ان اهالي مدينة الموصل الذي يبكون عليهم اليوم بدموع حتى لا تشبه حتى دموع التماسيح، قد امطر على رؤوسهم الاف الاطنان من القنابل والصواريخ والرصاص من قبل التحالف الدولي وبغض الطرف اذا لم نقل بمباركة حكومة العبادي، بيد ان الفارق بين الحالتين، هو انه في حالة التحالف، كان يدفن الاحياء وتدمر البنية التحتية لإحلال بشر جديد بعقول مشوشة ومذهولة من شدة كارثة رعب الحرب واهوالها كي توافق على دفع ثمن قتل سلفهم واعادة اعمار ما دمر من عمليات نهب جديدة، اما في حالة العبارة، التي اتت كبطاقة يانصيب لكل من سارع بالحضور للمشاركة بتنظيم سوق عكاظ للدعاية السياسية،  فكل شيء جاهز لقص الشريط واكمال ما بدأتها حكومة العبادي والتحالف الدولي.
ان فلسفة وجود الاخوين النجيفي والعاكوب وغيرهم من الفاشلين حتى في حياكة وادارة المؤامرات الاقليمية وتدوير الفساد المالي والسياسي، تكمن في الظلم الطائفي، الذي يمارس بأشكال مختلفة على سكان الموصل وكل المنطقة الغربية. ان سلطة الاسلام السياسي الشيعي في بغداد سعيدة بوجود أولئك الفاسدين في ادارة الموصل وغيرها من المدن اكثر من سعادة نفس الفاشلين بوجودهم في العملية السياسية.
ان توقيت ارتفاع الاصوات بإخراج قوات الحشد الشعبي من المدينة مع حادث العبارة من قبل الاخوين وشركائهم لا يرتبط بأنهاء سياسة التشيع التي تحاول الاول فرضها منذ طرد داعش من المدينة بقدر ارتباطها بمساعي استفراد الاخوين وشركائهم بمقدرات وثروات المدينة. ولا نستبعد ابدا استغلال كارثة العبارة من قبل من نصبوا انفسهم قيمين على "عرب السنة" بأحياء الدعوة الى تقسيم العراق الى فدراليات طائفية وقومية، اوليس اسامة النجيفي نفسه وفي فترة الولاية الثانية للمالكي واثناء زيارته لواشنطن طالب بتقسيم العراق الى فدراليات طائفية تنفيذا لقرار غير ملزم عام ٢٠٠٥ للكونغرس الامريكي بعنوان مشروع بايدن. حينها كان الامل يدفأ صدور العروبيين، فأدانوا وشجبوا واستنكروا "القرار". وكان الزي القومي يحتفظ بما تبقى من بريقه على الاقل في مخيلة الواهمين والحالمين، معلقين امالهم على مقاومة الاحتلال والانظمة القومية العربية وخوفها من التمدد "الفارسي"، وقبل ان يخفت ذاك البريق الى دون رجعة، ويدركوا قبل فوات الاوان ان عصر الايديلوجية القومية العروبية قد ولى، باتت اطلالة الطائفية تزين المنطقة، فسارع جميع رموز القومية العروبية بارتداء اللباس الطائفي، املا بالعودة الى السلطة التي أصبحت بعيدة المنال، او على الاقل بالحصول على فتات الامتيازات والنفوذ قبل ضياع الفرصة والى الابد.
وفي الجانب الاخر، تصك ذئاب المضاربين في بورصة الطائفية الاسنان امثال داعش والقاعدة والفئران التي ستولد منها، وستنفخ في الجمرة التي لم تطفئها اي قوة، بل غير مستعدة ان تطفاها لانها ستخسر كل ما اكتنز خلال سنوات ترسيخ السلطة الطائفية في العراق. فسيكون "عبارة الموت" كما سماها الاعلام بالنسبة لأولئك الوحوش يعادل جريمة الحادي عشر من ايلول بالنسبة لمحافظين الجدد امثال بوش وتشيني الذين قاما بغزو العراق.
ان موت اكثر من ١٠٠ انسان في حادثة العبارة، هو جريمة منظمة مثل سائر الجرائم التي ارتكبت بحق سكان الموصل. وليس الاهمال وعدم مراعاة قواعد السلامة الا سياسة منظمة للتخلص ممن الصق بهم تهمة دواعش دون ان تترك البصمات ورائها، ولا تقل درجة عن جرائم التحالف ولا جرائم داعش ولا جرائم قيادة قوات نينوى سابقا. فلم تنته عملية انتشال الجثث من تحت الابنية المدمرة في الموصل القديمة، ليضاف اليها البحث عن جثث المفقودين وانتشالها في مياه الدجلة.
ان كارثة العبارة ستتكرر ولكن بسيناريوهات مختلفة ما لم يتم اقصاء ــ عن حياة جماهير الموصل وكل المنطقة الغربية ــ كل من تغذى على الظلم الطائفي، وايقاف إعادة انتاج كل ابطاله بأشكال مختلفة للمشاركة والمساهمة في الحكومة المحلية. ان اقالة العاكوب محافظ الموصل ونائبيه كما قرر البرلمان لن يحل الامن والسلامة في الموصل، انها عملية لتحريف الانظار وذر الرماد في العيون عن السبب الحقيقي لما آلت اليها الاوضاع في الموصل، وسرعان ما سينصب في وظائف هؤلاء اشخاص من امثال العاكوب والنجيفي والحلبوسي...

67
دولة فاشلة وحكومة محلية أكثر فشلا
تصريح سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي
حول غرق اكثر من ١٠٠ شخص في الموصل

لا يمر يوما على العراق الا وهناك أكثر من حادث مروع يدمى له القلب، يأتي ذلك بسبب تقاعس وفشل جميع المؤسسات الحكومية المركزية والمحلية في حماية امن وسلامة المواطنين.
ان غرق اكثر من ١٠٠ شخص في مدينة الموصل في حادث مأساوي ليس له اية علاقة بالإرهاب، بل له علاقة بتنصل المسؤولين الحكوميين على الصعيد المحلي والمركزي وخاصة في حقلي السياحة والنقل بمتابعة ومراقبة جشع اصحاب الشركات التي تتولى ادارة المراكب المائية لغرض السياحة وبعدم مراعاة اية قواعد للسلامة، وهذا يفصح عن جفاف الضمائر الانسانية لأولئك المسؤولين وعدم قدرتهم  على ادارة اية مسؤولية تجاه المجتمع، باستثناء ادارة السرقات والنهب والصفقات المشبوهة وامتهان الفساد الاداري والمالي والسياسي بحرفية عالية والتفنن بالكذب والنفاق والظهور امام عدسات الكاميرات لأغراض الدعاية والتسويق لمشاريعهم الوهمية.
ان المنهج السياسي والاداري في ادارة الحكومة على الصعيدي المحلي والمركزي كان وراء تسليم الموصل الى عصابات داعش وارتهان حياة ومصير مليونين انسان بيد تلك العصابات، وهو نفس المنهج الذي اودى بحياة ١٠٠ انسان من مختلف الاعمار واغلبهم من النساء والاطفال الذين خططوا لأول مرة بعد انقشاع ظلام داعش عليهم كي يتنفسوا الهواء ويستنشقوا القليل من رائحة الحياة، وإذا بهم يلقون حفتهم الذي لم يكون اقل مأساويا من اقرانهم وذويهم في ظل خلافة داعش الاجرامية.
ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي في الوقت يعزي اهالي وذوي ضحايا تلك المأساة ويشاركهم آلام فقدان محبيهم، فانه وبنفس الوقت يحمل الحكومة المحلية في الموصل بالدرجة الاولى ابتداء من محافظ الموصل وانتهاء بالقيمين على هيئة السياحة والنقل مسؤولية تلك المأساة التي تصل الى مصاف جريمة ارهابية بحق، كما ويطالب كل القوى الانسانية والتحررية بالضغط السياسي والاعلامي لإقالتهم، واحالة كل من تسبب في هذه الجريمة وخاصة ادارة الشركة التي تدير ذلك المركب الى المحاكم الى جانب تعويض جميع المتضررين من ذوي الضحايا.

سمير عادل
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمال العراقي
٢٢ اذار ٢٠١٩

68
الدواوينية والفساد
سمير عادل
اصبح شعار "القضاء على الفساد" او "الحرب على الفساد" لا يستهوي احدا، ولا بإمكانه تعبئة الشارع، او لنقلها بصراحه ولا بالامكان ذر الرماد في العيون، او حتى يمكن ان يأخذه اي انسان بسيط على محمل الجد كما كان قبل ثلاث ولايات لسلطة حزب الدعوة الذي قاد الاسلام السياسي الشيعي بمهنية عالية في ادارة الفساد السياسي والمالي والاداري بامتياز. وكما ذكرنا في اكثر من مناسبة ان الفساد صفة ملازمة للدولة البرجوازية منذ نشوئها، وتبين التقارير السنوية والدورية لمنظمة الشفافية الدولية، انه ليس هناك بلد في العالم يخلو من الفساد في اعلى هرم السلطة وما دون ولكن نسبته تختلف من بلد الى اخر. العراق يسجل مرتبة متقدمة بملف الفساد في العالم ويحتل مركز ١٦٨ في قائمة ١٨٠ دولة لعام ٢٠١٨، ويعتبر الفساد احد عوامل افقار المجتمع، حيث تنهب الميزانية السنوية بشكل سرقة مشروعة وغير مشروعة والتي تقدر بالمليارات من الدولارات، ظاهرة سائدة في الدول الفاشلة اذا اعتبرنا ان هناك دولة في العراق بالمعيار القانوني والسياسي.
ان سلطة الاسلام السياسي التي تمثل اليوم الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق، تحاول تمرير اكبر خدعة للتمويه على فسادها وعدم جديتها بالقضاء على الفساد او التقليل من نسبة الفساد كإثبات حسن نية على الاقل امام الجماهير. ان الفساد مرتبط عضويا بالسلطة السياسية القائمة في العراق ولا يمكن فصم عراه. ومن الوهم والحماقة ان يصدق المرء ادعاءات عادل عبد المهدي بالقضاء على الفساد عن طريق تشكيل "المجلس الاعلى للقضاء على الفساد". ان تشكيل هذه المؤسسة بحد ذاتها تصب في خانة الفساد. ان تضخيم المؤسسات الحكومية واضافة كل يوم ملاحق لها هي جزء من سياسة الفساد اليومية التي تمارسها السلطة في العراق. وهي عملية تشكيل جيش من الموظفين التابعين للسلطة يجلسون وراء مكاتبهم ويتقاضون معاشات عالية ووظيفتهم الاساسية تقوية السلطة الفاسدة وادامة حكمها. فاذا ما تمعنا بعدد المؤسسات المعنية بالقضاء على الفساد فالمرء يستنتج دون عناء اي خدعة تمارسها هذه السلطة على الجماهير حيث تسرق جيوبها لتعطيها الى سلك الموظفين في تلك المؤسسات. انظر الى تلك المؤسسات؛ ديوان الرقابة المالية، لجنة النزاهة البرلمانية، مكاتب المفتشين العموميين، هيئة النزاهة واخيرا المجلس الاعلى للقضاء على الفساد. وكل هذه المؤسسات تعين الموظفين حسب المحاصصة الحزبية التي اساسها محاصصة طائفية وقومية. ان هذا الجيش من الموظفين هم الذين يشكلون الدواوينية او البيروقراطية، حيث يجلسون وراء مكاتبهم ويقدمون تقاريرهم مقابل استلامهم للملايين من الدولارات المسلوبة، اما من عرق العمال في القطاعات الانتاجية والخدمية او عن طريق السرقة الرسمية من الميزانية. هذا ناهيك عن جيش الموظفين في الرئاسات الثلاث، والمؤسسات الدولية التي تكلف من قبل الحكومة بأعداد التقارير عن حجم الفساد في العراق. وبينما هم يسرقون في وضح النهار، يسلطون آلتهم الدعائية على العمال والموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية لتسريحهم من العمل بذريعة انهم يثقلون ميزانية الدولة ودون ان يؤدوا اي عمل!، في الوقت الذي يجب ان ينعم كل مواطن عراقي بخيرات النفط وثرواته الطبيعية سواء عمل او لم يعمل. ان الاطفال في الدول المتقدمة يتلقون مبلغا شهريا يتراوح بين ٣٠٠-٥٠٠ دولار من اجل تغطية حاجاتهم من التغذية حتى بلوغ سن السادسة عشرة، بينما اطفالنا يعملون في الشوارع والازقة ويبيعون المناديل الورقية والمياه المعدنية ويصبغون الاحذية، ويتعرضون للتحرش الجنسي وحر الصيف وامطار وبرد الشتاء.
ان عادل عبد المهدي كسلفه العبادي يصف الفساد، والاول شخص ٤٠ عنوانا له اي لمنافذ الفساد في حديثه الاخير حيث ذكر؛ تهريب النفط، وملف العقارات، والكمارك، المنافذ الحدودية، وتجاره الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، السيطرات الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية في المؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، التهرب من الضرائب، الاتاوات، مزاد العملة وتهريبها الى الخارج، ملف السجناء، ملف الشهداء، التقاعد، المخدرات، تجارة الاثاث، الزراعة والاسمدة والمبيدات، توزيع البطاقة التموينية، الايدي العاملة الاجنبية، توزيع الادوية، الاقامة وسمات الدخول، الكهرباء، تسجيل السيارات والعقود والارقام، العقود الحكومية، الرعاية الاجتماعية، بيع المناصب، السلف المالية المصرفية، التعيينات. ولكنه تناسى ان يضيف ملف الدواوينية الذي يعج بالموظفين الذين يمنحون براءه ذمة لكل هذه العناوين وكل حسب ربحه وحسب عمولته، هذا اذا لم يكونوا شركاء معهم بأشكال مختلفة.
ان عناوين الفساد التي اشار اليها عبد المهدي تفضح ادعاءات قوى الاسلام السياسي الشيعي في تسويق نفسها بأنها اعطت الصلاحية لعبد المهدي كي يختار وزرائه ويشكل حكومته.
والجميع انبهر من السرعة الفائقة التي وافقت الكتل السياسية في البرلمان عن الوزراء التي اختارهم عبد المهدي باستثناء الداخلية والدفاع والعدل. ففي الحقيقة ان قوى الاسلام السياسي باتت لا تحتاج الى المناصب الحكومية بعد تغلغلها الى جميع المؤسسات، وتشكيل مافياتها ونفذت الى كل العناوين التي اشار اليها عبد المهدي، في حين وقفت حج