عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - آمال عوّاد رضوان

صفحات: [1]
1
إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا!
آمال عوّاد رضوان
   رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ وَالْمَسَرَّةِ، يَبُثُّ الْوَعْيَ وَالتَّرْفِيهَ فِي مُحِبِّيهِ وَمُرِيدِيهِ، بِخِفَّةِ رُوحِهِ وَذَكَائِهِ الْوَقَّادِ، وَكَثِيرًا مَا يَنْفُخُ عَزِيمَةً وَمَرَحًا فِي نُفُوسِ رُوَّادِ مَقْهَى السَّمِيرِ.. يُغِيثُهُم مِن يَأْسِهِم وَكَوَارِثِهِم، فيَسْتَشِفُّونَ أَعْمَاقَهُ.. يَتَنَعَّمُونَ بِحَدِيثِهِ.. يُصِيخُونَ السَّمْعَ بِآذَانٍ مُرْهَفَةٍ لِصَوْتِهِ السَّرْدِيِّ الْجَهْوَرِيِّ الْمُشَوِّقِ، فَتَتَلَاعَبُ عَلَى شَفَتَيْهِ كَلِمَاتٌ وَبَسَمَاتٌ تَتَلَوَّنُ مَعَانِيهَا بِنَبَرَاتِ مَغَازِيهَا، وَيُسْهِمُ فِي تَخْفِيفِ أَعْبَاءِ وَعَنَاءِ الْحَيَاةِ مِنْ خِلَالِ سَرْدِهِ النَّاضِجِ، وَتَلَاعُبِهِ بِشَخْصِيَّاتِ قِصَصِهِ، وقد بَرَعَ فِي عَزْفِهِ عَلَى أَوْتَارِ الْحِكَايَاتِ والنَّهَفَاتِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ فِي غَمْرَةِ حُلُمِهِ، يَطْوِي جَوَانِحَهُ عَلَى مُغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ، فَيَصْلَبُّ عُودُهُ مُسْتَفِزًّا سَامِعِيهِ، وَيَتَعَمْلَقُ هَيْكُلُهُ فِي هَالَةٍ مِنْ لَهِيبِ تَحَدِّيهِ، وَكَثِيرًا مَا تَنْقَلِبُ الْأُمُورُ عَلَيْهِ بِأَمَرَّ مِنَ الْمَرَارَةِ، وعَلَى عَكْسِ مَا يَشْتَهِيهِ؟
   لكِن أَبُو زَيْدَان مُدَخِّنٌ صَعْبُ الْمِرَاسِ، اعْتَادَ أَنْ يَتَعَسْكَرَ وَيَتَمَتْرَسَ فِي مَكَانِهِ بِالصَّمْتِ، يُمَشِّطُ الْمَقْهَى بِنَظْرَةٍ بُولِيسِيَّةٍ بَارِدَةٍ تَسِيلُ بِاللَّامُبَالَاةِ، وَيَقِفُ لِمَشْبُوب بِالْمِرْصَادِ، يُبَيِّتُ لَهُ فِي جَوْفِهِ خَاطِرًا غَرِيبًا مُبَاغِتًا، وَيَظَلُّ يَتَرَبَّصُ وَيَتَرَبَّصُ بِفُرْصَةٍ سَانِحَةٍ يَتَحَيَّنُهَا.
  فَجْأَةً، وَبِنَبْرَةٍ تَشِي بِالْحِدَّةِ انْفَجَرَ صَوْتُهُ قُنْبُلَةً أَلْقاهَا فِي حِضْنِ مَشْبُوب، وَرَمَى عَلَيْهِ كَمِينَهُ وَشِبَاكَ مَقْلَبٍ جَدِيدٍ فَرِيدٍ، بِمُغَامَرَةٍ تَعْجِيزِيَّةٍ تُزَعْزِعُ جُذُورَ الْقُلُوبِ، وتُحَمِّلُ مَشْبُوب وَطْأَةَ تَحَدِّيهِ فِي مُخَاطَرَةٍ وَمُجَازَفَةٍ، فَوَقَفَ مَشْبُوب عَاجِزًا عَنْ مُغَالَبَةِ كِبْرِيَائِهِ وَرُجُولَتِهِ، وَرَضَخَ خَاضِعًا لِلتَّحَدِّي، لَا يَأْذَنُ وَلَا يُذْعِنُ.
   انْتَصَبَ أَبُو زَيْدَان وَاقِفًا يَهُزُّ طُرَّةَ طَرْبُوشِهِ الْأَحْمَرِ الَّذِي يَعْتَزُّ بِهِ.. أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا بِسِيجَارَتِهِ.. نَفَثَ حَلَقَاتٍ كَثِيفَةً مِنَ السِّنَاجِ الضّبَابِيِّ.. زَفَرَ بِأَكْدَاسٍ هَائِلَةٍ مِنْ ضَجَرٍ، وَقَالَ بِصَوْتِهِ الْمُتَأَنِّي، وَهُوَ لَا يُلْقِي بَالًا إلَى أَحَدٍ:
   - يَا مَشْبُوب، "إِذَا رَفَعْتَهُ انْكَبَّ، وَإِذَا كَفَيْتَهُ مَا انْدَبَّ"!
  وَبِأَسْرَعَ مِنَ الْوَمْضِ أَجَابَ مَشْبُوب:
     - الطَّرْبُوش.
  وَبِعَيْنَيْنِ تَقْدَحَانِ شَرَرَ انْتِصَارٍ مُرِيبٍ، خَلَعَ أَبُو زَيْدَان طَرْبُوشَهُ، وَتَسَلَّلَ صَوْتُهُ خِلْسَةً إِلَى حُدُودِ الْحِيلَةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ أَزَّ حَادًّا ثَاقِبًا، دَوَّى كَرَزِيزِ الرَّعْدِ وَتَرَدَّدَ صَدَاهُ:
  - هذَا طَرْبُوشِي لَكَ..  لكِنَّ امْتِحَانَكَ صَعْبٌ "مِنْ قَاعِ الدِّسْت"..
  تَعَلَّقَتْ كُلُّ الْعُيُونِ بِلِسَانِ وَيَدَيْ وَعُيُونِ أَبُو زَيْدَان، إِذ وَضَعَ طَرْبُوشَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَشْبُوب، ثُمَّ أَمْسَكَ بِحَبْلٍ يَتَدَلَّى مِنْهُ وَتَدٌ، وَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ مُسْتَفِزٍّ:
   - إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ هذَا الْوَتَدَ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم اللَّيْلَةَ.
  رَهْبَةٌ رَهِيبَةٌ عَقَدَتْ أَلْسِنَةَ الْحُضُورِ.. أَلْجَمَتْهَا.. خَيَّمَ صَمْتٌ مُقَدَّسٌ جَمَّدَ الْوُجُوهَ وَالْأَجْسَادَ لِلَحَظَاتٍ، ثُمَّ تَبَادَلَ الْجُلَّاسُ النَّظَرَاتِ، وَنَارُ الذُّعْرِ شَبَّتْ تَمْتَدُّ.. تَتَطَاوَلُ.. تَتَزَحَّفُ إِلَى أَعْمَاقِ مَشْبُوب، فَبَدَا كَغَزَالٍ غِرِّيرٍ يُنَاوِرُ صَيَّادَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فَرِيسَةً فِي دَوَّامَةٍ مِنَ التَّرَدُّدِ وَالتَّحَفُّزِ..
  تَضَاءَلَ مَشْبُوب فِي حَيْرَتِهِ، شُعُورٌ غَامِضٌ بَالِغُ الِانْقِبَاضِ غَمَرَ قَلْبَهُ، وَنَارٌ لَاسِعَةٌ لَاهِبَةٌ تَتَآكَلُهُ عَلَى مَهْلٍ، فَهَلْ يُقْلِعُ عَنْ عِنَادِهِ، وَلَا يَرْكَبُ مَتْنَ الصَّعْبِ مِنْ أَجْلِ التَّحَدِّي وَالنَّصْرِ؟
   لكِن؛ هَلْ ذَاكِرَةُ مَشْبُوب تَضْطَرِبُ وَتَتَزَلْزَلُ، وَهُوَ نَافِذُ الرَّأْيِ الْمُطَاوِعُ لِرُجُولَتِهِ، مَنْ خَطَّتْ مُغَامَرَاتُهُ عَلَى صُدْغَيْهِ تَارِيخًا حَافِلًا بِذِكْرَيَاتٍ، وَمُغَامَرَاتٍ، وَقِصَصٍ مُدْهِشَةٍ وَمُثِيرَةٍ؟
   قَالَ فِي نَفْسِهِ:
 - "لَا.. فَأَنَا مَشْبُوب الْمُكَنَّى بِالْمَجْنُونِ، أَعْتَزِمُ أُمُورِي بِرَأْيِي السَّدِيدِ.. أَتَّخِذُ قَرَاري الرَّشِيد، دُونَ أَنْ آبَهَ بِالنَّتَائِجِ، فَمَا كُنْتُ أَفِينًا ضَعِيفَ رَأْيٍ، وَمَا أَحْجَمْتُ يَوْمًا عَنْ تَحَدٍّ، وَلَا نَكَّصْتُ عَنْ حَمْلِ مَسْؤُولِيَّةٍ".
  بَعْدَ هُنَيْهَةٍ وَقَفَ مَشْبُوب وَالْهُدُوءُ لَا يُزَايِلُهُ، وَقَدِ اكْتَسَى مُحَيَّاهُ بِمِسْحَةٍ مِنَ الْجَدِّ الرَّصِينِ.. اعْتَمَرَ طَرْبُوشَ أَبُو زَيْدَان، فَبَدَا أَفْرَعَ طُولًا وَأَكْثَرَ فُتُوَّةً، وَبِكَلِمَاتٍ بَطِيئَةٍ مُتَمَهِّلَةٍ، وَبِنَبْرَةٍ حَاسِمَةٍ مَشْبُوبَةِ الرَّغْبَةِ وَالتَّحَدِّي أَرْدَفَ:
 - لَا حِيلَةَ لِي فِي الْأَمْرِ، سَأَدُقُّ الْوَتَدَ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم اللَّيْلَةَ.
  كَلِمَاتُ مَشْبُوب أَجْفَلَتِ السَّامِعِينَ مَشْدُودِي الْأَعْصَابِ، وَقَدْ خَيَّمَ عَلَيْهِمِ الصَّمْتُ.. جَحَظَتْ عُيُونُهُم مِنْ مَحَاجِرِهَا، تَرْمُقُهُ بِنَظَرَاتٍ مُتَفَحِّصَةٍ تَنْفُذُ إِلَى طَوَايَا نَفْسِهِ غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ، تَحْدُجُهُ مِنْ عَلْيَائِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ بِنَظَرَاتٍ ثَاقِبَةٍ، تَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِهِ، تَخُضُّهُ، تَنْفُضُهُ، وَوَجْهُهُ الْيَشِي بِخَوَاطِرِهِ، لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يَهْتَزُّ.
    طَالَعَ مَشْبُوب وُجُوهَهُمُ الشَّاحِبَةَ الْوَاجِمَةَ.. أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَام.. أَخَذَ الْحَبْلَ وَالْوَتَدَ، ثُمَّ رَمَى (أَبُو زَيْدَان) بِنَظْرَةٍ فَاتِرَةٍ بَاهِتَةٍ، وَانْسَحَبَ مِنَ الْمَقْهَى مُنْكَفِئًا عَلَى نَفْسِهِ، وَعُيُونُهُمُ الْمَخْمُورَةُ بِالذُّهُولِ تُشَيِّعُهُ إِلَى الْبَابِ، وَقَدْ لَبَّدَ الْأَجْوَاءَ الْقَاتِمَةَ بِخَفَافِيشِ الْأَوْهَامِ، وَمَا بَدَّدَ جَحَافِلَ ضَبَابِ الشَّكِّ ثَقِيلِ الْقَبْضَةِ.
  كَيْفَ لَا يَتَحَدَّى، وَهُوَ الْأَحْوَذِيُّ الْيَسُوقُ الْأُمُورَ خَيْرَ مَسَاقٍ؟
  سَارَ بِاتِّجَاهِ الْمَقْبَرَةِ، وَقَدْ تَلَفَّعَتِ السَّمَاءُ بِأَرْدِيَةِ الْخَرِيفِ، وَأَخْفَتِ الْعَتْمَةُ وُجُومَهَا. اقْتَحَمَ الظُّلْمَةَ ثَابِتَ الْعَزْمِ، وَفِي مَأْمُولِهِ أَنْ يَنْجَحَ. سَارَ فِي أَحْشَاءِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سَاهِمًا عَلَى غَيْرِ هُدًى، يَشْمَلُهُ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، كَأَنَّهُ تَحْتَ تَأْثِيرِ قُوَّةٍ خَارِقَةٍ تَسُوقُهُ، تَشُدُّهُ إِلَى وَاقِعٍ مُثِيرٍ، فيَسْتَعِيدُ شَرِيطَ مُغَامَرَاتِهِ الْمَجْنُونَةِ.
  أَرْسَلَ بَصَرَهُ عَلَى سَجِيَّتِهِ، يُحَدِّقُ فِي قُبَّةٍ دَامِسَةٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ نُورِ نَجْمٍ يَتَسَحَّبُ بَيْنَ السَّحَابِ، أَو يُمَشِّطُ الْأُفُقَ مِنَ الضَّبَابِ، إِلَّا خَيَالهُ يُرَامِقُهُ، يُفَضْفِضُ لَهُ الصُّمْتُ خَوْفَهُ، لكِن.. مَا مِنْ أَمْرٍ يَثْنِيهِ عَمَّا عَزَمَ.
  تَبَدَّتْ لَهُ عُيُونُ اللَّيْلِ تَحْرُسُ عَوَالِمَ خَبِيئَةً، فِي قُمْقُمٍ مُعْتِمٍ فِي فَضَاءِ الْمَا وَرَاء، عَوَالِمَ مُفَخَّخَةً بِأَزْمِنَةٍ خُرَافِيَّةٍ، عَوَالِمَ مُتَخَيَّلَةً بِأَمْكِنَةٍ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الْجِنِّ مِنْ كُهُوفِهَا، مِنْ مَنَازِلِهَا الْمَسْكُونَةِ، وَما الْأَشْبَاحُ سِوَى مَسَارِحِ أَوْهَامٍ،  فَقَالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِامْتِعَاضٍ وَازْدِرَاءٍ:
  - "صَحِيحٌ أَنَّ الدَّرْبَ مَحْفُوفٌ بِالْغُمُوضِ، لكِن مَا هذِهِ سِوَى قُوًى غَيْبِيَّةٍ غَبِيَّةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ رُكُوبِ الْمَخَاطِرِ وَالْأَهْوَالِ دُونَ مُحَال"!
  فَجْأَةً اكْفَهَرَّ الْأُفُقُ وَامِضًا، يُنْذِرُ بِهُبُوبِ عَوَاصِفَ رَعْدِيَّةٍ، وَفِي تَمَامِ الظَّلَامِ الْحَالِكِ، وَعَلَى قَيْدِ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمُغَامِرِ الْمُجَازِفِ، شَخَصَ فِي الْبَعِيدِ أَطْيَافًا فِي الْعَرَاءِ، أَحَسَّ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ تَتَمَشَّى خَلْفَهُ، تَتَقَفَّى آثَارَ لَيْلَتِهِ اللَّيْلَاءِ، تَتَحَفَّزُ لِلْوُثُوبِ وَالِانْقِضَاضِ عَلَيْهِ.
  جَثَمَ الرُّعْبُ عَلَى قَلْبِهِ ثَانِيَةً.. رَكِبَهُ خَوْفٌ خَلْخَلَ مَفَاصِلَهُ.. تَصَخَّرَ خَطْوُهُ الْمُتَثَاقِلُ.. اشْتَعَلَ فِيهِ ذُعْرٌ يُقَطِّعُ نِيَاطَ الْقُلُوبِ.. تَفَشَّى فِي أَوْصَالِهِ وَقَدْ بَلَغَ مُنْتَهَاهُ، وَبِحَرَكَاتٍ يَشُلُّهَا الِارْتِيَابُ، ارْتَدَّ لِلْوَرَاءِ بِخُطُوَاتٍ مُتَخَاذِلَةٍ مُتَرَنِّحَةٍ، حِينَ تَضَخَّمَتْ أَمَامَهُ أَشْبَاحُ الْجَزَعِ، وَنَدَّتْ عَنْ صَدْرِهِ تَنْهِيدَاتٌ دَفِينَةٌ عَمِيقَةٌ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى، تُعَبِّرُ عَنْ هَلَعٍ مَكْبُوتٍ فِي صَدْرِهِ.
  لَمَحَ بَيْنَ أَشْدَاقِ الْعَتْمَةِ قُبُورًا تَائِهَةً.. أَضْرِحَةً ضَائِعَةً.. سَرَادِيبَ مُعْتِمَةً سِرِّيَّةً.. كَأَنَّمَا تُفْضِي إِلَى أَوْكَارٍ شَيْطَانِيَّةٍ.. جَفَّ قَلْبُهُ وَوَجَفَ، وَانْتَصَبَ بِرَأْسِهِ الْمُرْتَفِعِ السَّامِدِ، يَسْتَنْشِقُ خَوْفَهُ مِلْءَ صَدْرِهِ.
 تَجَهَّمَتْ أَسَارِيرُهُ، وَوَقَفَ جَاحِظَ الْعَيْنَيْنِ يَخْتَلِسُ نَظَرَاتٍ وَجِلَةً، يُحَدِّقُ فِي الظَّلَامِ.. تَلُفُّهُ أَشْبَاحُ الْقَلَقِ وَأَصْوَاتُ اللَّيْلِ، وحِينَ تَعَالَتْ صَرَخَاتُ اسْتِغَاثَةٍ مُكَلَّلَةٍ بِسَوَادِ الْمَقَابِرِ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ هَذَيَانُ قُوًى غَيْبِيَّةٍ تَكَادُ تَسْحَقُهُ، وَتَهْتَاجُ الْمَخْيَلَةُ عَلَى نَحْوٍ يُرْثَى لَهُ. اسْتَجْمَعَ قُوَاهُ الْخَائِرَةَ الْوَاهِنَةَ، وَبِحَمَاسَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ عَصَفَتْ بِهِ ثَوْرَةُ صُرَاخٍ فِيهَا بَعْضُ اسْتِجْدَاءٍ:
  - الْبُيُوتُ الْمُقْفِرَةُ فِي اللَّيْلِ تَبْدُو كَالْمَقَابِرِ، وَكُلُّ بِلَادِنَا جَرِيحَةٌ، وَكُلُّ أَوْطَانِنَا مَقَابِر!
  أَخَذَ مَعَهُ مَا يَفِي بِالتَّحَدِّي الصَّاخِبِ، فَفِي جُعْبَتِهِ تَتَكَدَّسُ مُدَّخَرَاتُهُ التُّرَاثِيَّةُ مِنْ حَزَازِيرَ وَقِصَصٍ يُفْرِغُ فِيهَا اضْطِرَابَهُ وَخَوْفَهُ.. أَخَذَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ:
  "يَحْمِلُ قِنْطَار وَلَا يَحْمِلُ مِسْمَار"؟  يَا بَحْر انْتَظِرْني، سَأَدُقُّ الْوَتَدَ فِي بَطْنِكِ، وَلَيْسَ فَقَط فِي بَطْنِ الْمَقْبَرَة.
  ضَحِكَ مَشْبُوب وَجَلْجَلَتْ ضِحْكَتُهُ، لَوَّحَ بِحَبْلِ الْوَتَدِ وَقَالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ:
   - "الْحَبْلُ فِي رَقَبَتِهِ، وَالدَّقُّ فِي صَلْعَتِهِ".  يَا وَتَدَ الْبَلَدِ يَا مُخْتَارها لَوْلِحْ لَوْلِحْ، وَيَا وَتَدَ الْأَرْضِ يَا جِبَالها، لَوْلِحْ لَوْلِحْ.
  وَمَا أَنْ وَصَلَ إِلَى قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم فِي آخِرِ الْمَقْبَرَةِ، حَتَّى أَطَلَّ الْقَمَرُ فِضِّيًّا سَاطِعًا يَرْعَى فِي مَرَاعِي السَّمَاءِ، وَقَدْ أَمَاطَ اللِّثَامَ عَنْ أَسْرَارٍ دَفِينَةٍ، فَنَظَرَ إِلَى الْقُبَّةِ الْمُضِيئَةِ، وَرَآهَا مُنْبَسِطَةً تُزْهِرُ فِيهَا نُجُومٌ زَاهِيَةٌ تَتَرَاقَصُ نَشْوَى.. ضَحِكَ وَقَدْ زَالَتْ مَخَاوِفُهُ وَصَارَ يُغَنِّي:
   - "قِنْطَار فُول مَبْذُور مِنْ عَكَّا لَإِسْتَنْبُول"، "وغَطَا أُمِّي رقُوم رقُوم، مِنْ غَزِّة لَوَادِي الرُّوم".
       هِلِّي وطُلِّي يَا نُجُوم نُجُوم، يَا هَالَة أُسْطُورِيَّة يَاعَنَاقِيد النُّور.
 تَدَفَّقَتِ الدِّمَاءُ الشَّبَابِيَّةُ فِي عُرُوقِ مَشْبُوب.. تَوَقَّدَتِ الْحَيَوِيَّةُ فِي بُنْيَانِهِ، وَبَدَأَ بِتَنْفِيذِ الْمُغَامَرَةِ الدَّسِمَةِ وَمُهِمَّةِ التَّحَدِّي بَخَطْوٍ مُتَمَهِّلٍ رَشِيقٍ.. فَكَّ الزِّرَّ الْعُلْوِيَّ مِنْ عُرْوَةِ شَرِيطِ الرَّقَبَةِ فِي قُمْبَازِهِ الْقُطْنِيِّ.. شَكَّلَ جَانِبَيْهِ السُّفْلِيَّيْنِ.. رَدَّهُمَا لِلْوَرَاءِ.. وَضَعَ كُلَّ طَرَفٍ تَحْتَ شَمْلَةِ الزُّنَّارِ الَّتِي تَلُفُّ خَصْرَهُ، ثُمَّ طَوَى أَطْرَافَ كُوفِيَّتِهِ خَلْفَ رَقَبَتِهِ.
   قَرْفَصَ.. أَمْسَكَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى بِالْوَتَدِ، وَأَمْسَكَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، وَبَدَأَ يَدُقُّ بِالْحَجَرِ عَلَى صَلْعَةِ الْوَتَدِ، لِيَغْرِسَهُ فِي الْأَرْضِ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم، إِلَى أَنْ أَحْسَنَ تَثْبِيتَهُ تَمَامًا، فَارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةُ انْتِصَارٍ.
   لكِن.. حِينَ هَمَّ بالْوُقُوف، تَزَعْزَعَ تَوَازُنُهُ، وَسَمَّرَهُ حِسٌّ خَفِيٌّ فِي مَكَانِهِ!
 تَلَاشَتْ بَسْمَتُهُ.. انْقَلَبَتْ سِحْنَتُهُ.. جَعَلَ يُحَاوِلُ النُّهُوضَ وَيُحَاوِلُ.. يُحَاوِلُ ويُعَافِرُ وَيَسْقُطُ دُونَ جَدْوَى.. تَمَلَّكَهُ الذُّعْرُ.. رَاحَ يُغَالِبُ فَزَعَهُ مُتَرَاخِيًا.. غَمْغَمَ مُزَمْجِرًا.. وَدُونَ وَعْيٍ مِنْهُ انْطَلَقَتِ اسْتِغَاثَاتُهُ.. تَقَهْقَرَ صُرَاخُهُ فِي تَأَوُّهَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَأَنِينٍ مَبْحُوحٍ وَكَلِمَاتٍ مُبْهَمَةٍ:
  - اِلْحَقُوووووونِي.. مسكُوووووونِي.. اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!
 وَكُلَّمَا حَاوَلَ الْوُقُوفَ يَسْقُطُ، إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْهَرَبِ أَخِيرًا، وَهُوَ يَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ:
- اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!
   فَإذَا بِالْعَتْمَةِ تَتَسَرْبَلُ ضَوْءَ سِرَاجٍ فَجْأَةً، وَتَتَلَقَّفُهُ حَشْرَجَةُ أَبُو زَيْدَان الْتَتَنَاهِى إِلَيْهِ مِنَ الْعُمْقِ الْبَعِيدِ، وَالْأَيَادِي تَتَصَدَّاهُ وَتُمْسِكُ بِهِ، وَهُوَ لَا زَالَ يَصْرُخُ: 
- اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!
  مَا هَدَأَ صُرَاخُ مَشْبُوب، وَمَا هَدَأَتِ انْفِجَارَاتُ الْقَهْقَهَاتِ الْغَلِيظَةِ، وَلا هَدَأَتِ اهْتِزَازَاتُ الْأَشْبَاحِ الْتَتَمَايَلُ بِضِحْكَاتٍ هِسْتِيرِيَّةٍ، تُشِيرُ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهَا، وَالضَّوْءُ لَا يَكْشِفُ إِلَّا جَسَدَ مَشْبُوب.
  رَمَاهُم مَشْبُوب بِنَظْرَةٍ زَاجِرَةٍ ضَارِيَةٍ، لَعَنَهُم فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَّةً، وَهُوَ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ غَيْظًا، فَبَادَرَهُ أَبُو زَيْدَان:
  - أَيْنَ شِرْوَالَكَ يَا مَشْبُوب؟ لِمَاذَا خَلَعْتَهُ؟ هَلْ أَمْسَكَ بِكَ الْأَمْوَاتُ؟  هَلْ أَخَذُوا شِرْوَالَك؟
  بُهِتَ مَشْبُوب بِالسُّؤَالِ الْمُبَاغِت.. تَوَقَّفَ جَمِيعُهُم عَنِ الضَّحْكِ.. سَادَ جَلَالُ الصَّمْتِ، وَحِينَ نَظَرَ مَشْبُوب إِلِى جُزْئِهِ السُّفْلِيِّ مِنْ جَسَدِهِ، فُوجِئَ حِينَ لَمْ يَرَ شِرْوَالَهُ الْكَانَ يَلْبَسُهُ، فَتَدَارَكَ أَبُو زَيْدَان الْمَوْقِفَ وَقَالَ:
   - لِنَمْضِ إِلَى قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم.
     مَضَى جَمِيعُهُم إِلَى الْمَوْضِعِ، فَوَجَدُوا الْوَتَدَ مَدْقُوقٌ وَمَغْرُوسٌ فِي الشِّرْوَالِ!
    غَالَبَ مَشْبُوب ضِحْكَةً مَرِيرَةً، وَانْتَزَعَ شِرْوَالَهُ مِنْ بَيْنِ أَنْيَابِ الْوَتَدِ الْمَغْرُوسِ.. لَبِسَهُ وَهُوَ يَشْتُمُهُم بِكَلِمَاتٍ بَذِيئَةٍ، وَقَهْقَهَاتُهُم تَعْلُو وَتَعْلُو، فَقَالَ أَبُو زَيْدَان:
 - لَقَدْ دَقَقَتْ الْوَتَدَ فِي شِرْوَالِكَ دُونَ انْتِبَاهٍ مِنْكَ يَا مَجْنُون، وَظَنَنْتَ أَنَّ الْأَمْوَاتَ أَمْسَكُوا بِكَ؟ 
لكِنَّكَ حَقَّا رَجَلٌ يَا مَشْبُوب، وَالْكُلُّ يَشْهَدُ.
   وَصَاحُوا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: نَشْهَدُ.. نَعَم..  نَشْهَدُ.
   عَادُوا أَدْرَاجَهُم إِلَى بُيُوتِهِم، يَحْتَضِنُونَ مَشْبُوب.. يَضْحَكُونَ.. يَمْرَحُونَ، وَيُضِيفُونَ طُرْفَةً جَمِيلَةً أُخْرَى، يُعَلِّقُونَهَا عَلَى مِشْجَبِ الذِّكْرَيَاتِ.


2
استعراضٌ لديوان (أدَمْوِزُكِ وَتتَعَشْتَرِين).. للشاعرة آمال عوّاد رضوان!
(بقلم: الدّكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل - فلسطين)
مقدِّمة: يقعُ هذا الدّيوان في 152 ص من الحجم المتوسط - صدرعن دار الوسط اليوم للإعلام والنّشر/ رام اللّه، وهو الدّيوان الرّابع الّذي تُصدرهُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان. استوحَتِ الشّاعرةُ هذا العنوان (أدَمْوِزُكِ تتعشترين) من الأسطورةِ السّومريَّةِ، مُمَثّلةً بإلهِ البحر (دموزي) حارسُ بوّابةِ السّماء، والمسؤولُ عن دورةِ الفصول ورمزُ الذّكورة. وأمّا (عشتار) فهي إلهةُ الجَمال والحُبّ والجنسِ عند البابليّين. في هذا الدّيوان الشّاعرة آمال متأثّرةٌ كثيرًا بنشيد الإنشاد لسليمان الحكيم (العهد القديم)، ففي سِفر الإنشاد المُحبُّ هو العريس، وهو المسيح حسب الشّرح والتّفسير اللّاهوتيّ المسيحيّ، والعروسُ هي الكنيسة، والسّيدُ المسيحُ هو زهرةً الشّعب اليهوديّ وسوسنةُ الشّعوب، جاءَ مِن البَرّيّةِ؛ أي مِن امرأةٍ بتولٍ لم يَمسُسْها رَجُلْ.
    في هذا الدّيوان يوجدُ مزجٌ روحيٌّ بينَ العوالمِ الصّوفيَّةِ والمفاهيمِ الرّوحيّةِ المسيحيّة، ومِن مُنطلق شرح وتفسير نشيد الإنشاد بمنظارٍ ومفهومٍ لاهوتيٍّ مسيحيّ، فقصائدُ الدّيوان متواصلةٌ ومُتداخلةٌ ومُتسلسِلةٌ وكأنّها قصيدةٌ واحدة، وهي مستوحاةٌ ومُستمدَّةٌ مِن الأسطورة السّومريَّة.
    في الدّيوان نجدُ التّحوّلاتِ في الخطاب الشّعريّ والرّؤيةِ الشّعريّة إلى خطى- ثلاثيّةِ الأبعاد؛ (صوفيٌّ، إسلاميّ،موروثٌ مسيحيّ يهوديّ وأسطوريّ)، والمناجاةُ بين الحبيب في نشيد الإنشاد شرَحَها علماءُ اللّاهوت المسيحيّ في حوارٍ بين المسيح وكنيستهِ - كما ذُكِرَ أعلاه، بيدَ أنّ هنالكَ مُفسرين آخرين يَشرحونَ نشيدَ الإنشاد ويُفسّرونهُ بشكلٍ مختلف، وينظرونَ إليه كأنّه مجرّد غزل محض، ليس فيه المعاني والأبعاد اللّاهوتيّة ونفحات التّصوّف.
   ونجدُ تعلُّقَ النّفسِ الكليَّة بالذّات المُقدّسة في حوارها الشّعريّ؛ شوق الحبيب للحبيبة، ويُقابلهُ ويُكملهُ شوقُ الصّوفي للقاء ربّهِ، وكما جاء في نشيد الإنشاد كشوق العشيقة (كالتّفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين)، وفي نشيد الإنشاد تكونُ المعرفةُ باحتساء خمور المعرفة، وفي هذا الدّيوان الشّعريّ يتجلّى الأمرُ بمفهوم الزّهد والعبادة، فتقول (ص82): "أنَّى لِغابِرٍ في الزّهد.. أنْ تَتعفَّفَ بُرُوقُهُ؟"
     النّصُّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان لهُ جماليَّاتُهُ، وصُورهُ، ولغتهُ الخاصّة، وإيقاعهُ الدّاخليّ والخارجيّ الأخّاذ، مع بُنيةٍ مُركّزةٍ تتّكئُ على افتراضيَّةٍ مُستفِزّةٍ للّحظة، وهي تعتمدُ على التّكثيفِ بالأسلوب الفنّيّ، مع إيحاءاتٍ في حقلِهِ الدّلاليّ فكريًّا ووجدانيًّا، ومع تعدُّدِ ظلالِ الرّؤية بوحدةٍ موضوعيّةٍ مُنسابة، وهذه هي المجموعة الرّابعة للشاعرة آمال عوّاد رضوان، وقبلها أصدرت ديوانها "بسمة لوزيّة تتوهَّج" عام (2005)، الدّيوان الثّاني "سلامي لك مطرًا" عام (2007)، و "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ" عام (2015). وكان لي الشّرفُ في كتابةِ دراسةٍ مُطوّلةٍ لديوانها "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهَّجُ".
      كتاباتُ آمال عوّاد رضوان تُعبِّرُ عن حالةٍ شعوريَّة وجدانيَّة، يتداخلُ فيها السّياقُ الجماعيُّ والجمعيّ، ونصوصُ هذا الدّيوان تُحلّقُ وتصولُ ما بين عوالم الإله (ديموزي) كرمز أسطوريّ حارسٍ لبوابة السّماء ومسؤولٍ عن دورة الفصول وعنصر الذّكوريَّة في الطّبيعة، وبين زوجتِهِ (عشتار) إلهة الجنس والحُبِّ والجمال عند البابليّين، ويُقابلُها (إنانا) عند السّومريّين، وأفروديت عند اليونانيّين، وفينوس عند الرّومان. إنّ (دموزي) و (عشتار) في فضاءاتِ الوجود يُشكّلان أسطورةً مميّزةً، بأبعادِها وأسرارِها الجماليّةِ المثيرة، وبأحداثِها المُؤثّرةِ الّتي انعكستْ علاقةً عاطفيَّةً عظيمة.
     إنّ النّصَّ الشّعريّ عند آمال عوّاد رضوان يمتلكُ قدرةً تعبيريَّة رائعةً مُترعةً بالجماليَّة، مُتجرِّدةً ومُتحرِّرةً من المألوفِ والقوالب التّقليديّةِ الرّتيبة الجاهزة، مِن خلال ديناميكيَّةٍ مُكثّفةٍ وجديدة، وينمُّ عن هذا شاعرةٌ مُرهفةٌ تدركُ جيِّدًا بذاتها الشّفافةِ المبدعِة، والخلّاقةِ لتجربتها، والمدركة للواعجِها المُتوقِّدةِ عاطفيًّا ونفسيًّا، فنصوصُ آمال الشّعريّةُ هي ترجمةٌ صادقةٌ لمشاعرِها وأحاسيسِها ولواعجِها، ولانفعالاتِها وتفاعلاتِها الكيميائيَّةِ الدّاخليّة، مُشِعَّةً بالإبداع مِن خلال رؤيا عميقةٍ، ومِن خلال توطُّدِ أنماطٍ وتقنيّاتٍ فنّيّة، تعطي حياةً وحركةً نابضةً مُحرِّكةً للنّصّ، وفي طليعتها:  1* الرّمز.  2* أسلوب الاستفهام. 3* التّكراراللّفظي، وفيه يتحقّقُ التّوازن، ويخلق موسيقى شعريَّة.
      الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان تُوظّفُ المجاز المعبّر عن لحظاتِ وسويعاتِ التّوهّج، وهي تُحلّقُ في الرّؤيا الشّعريّة، وتعكس القيمةَ الجماليَّة للرّوح الإنسانيّة، وتمتاز كتاباتها بالتّكثيف اللّغويّ والمعنويّ، وفي الصّور الشّعريّة المبطّنة والمُثخنة بالتّورية وببنية السّرد الشّعريّ، وهي تستخدم الطّاقاتِ الحسّيَّةَ والصّوتيَّةَ والعقليَّة.
     وممّا يلفتُ النّظر في هذا الدّيوان ان الشّاعرة اختارت ضمير المخاطب المؤنّث بشكلٍ مُستمرّ، وكان عاملًا مُوحّدًا إضافيًّا، على اعتبار أنّ المجموعةَ كأنّها قصيدةٌ واحدةٌ متواصلةٌ ومتسلسلة، وكأن الّذي كتبَ نصَّ هذه المجموعة (الملحمة) هو شاعرٌ وليست شاعرة، وقد استطاعتْ وبكلّ لباقةٍ وفنّيّةٍ هذه الشّاعرةُ الأنثى في عصرٍ ومجتمعٍ ذكوريٍّ محض، أن تتجسَّدَ وتتقمّصَ صوتَ الرّجل وروحَهُ وضميرَهُ، وتنطقَ بلغتهِ وأسلوبهِ وطابعِهِ وميزتِهِ، مِن غير أن تُظهرَ الأنثى الشّاعرةَ ورقّتها، ولا يبدو ضعفُها وخضوعُها وتبَعيَّتَهَا.
      لقد أثبتت الشّاعرةُ القديرةُ آمال عوّاد رضوان قدرتَها ولباقتَها، على التّحدّثِ بلغةِ وأسلوبِ وروح الشّاعرِ العاشق، وعبّرتْ عن ميولِها ورغبتها أن يكونَ تعبيرُها هو لغة الشّعراء، وفي صدى وإيقاع الصّياغة الشّعريّة، وبشكلٍ عفويٍّ تلقائيٍّ هي تُقدّمُ رسالةً جماليَّةً للشّعراء، مفادها كيفيّة خطاب الأنثى، وذلك ليرتقيَ ويرتفعَ ويَسموَ الشّعراءُ بمحبوباتِهم وعشيقاتِهم إلى مصاف (عشتار) النّموذج، وللمثال الإلهيّ الرائع المترع والممتلئ بالحبّ والحياة والجمال. تقول الشّاعرة:
"وَمَا زِلْتُ فِي حَوْزَةِ مَاضِيكِ/ أَلُوذُ بِنَبْضِكِ/ ويُشِعُّكِ/ بَيْنَ اعْوِجَاجِ أَضْلُعِي"
      ولكي يكونَ نبضُ الاسطورةِ ناجحًا، يجب أن لا يوصفَ بمجرّد المفردات والتّعابير والمعاني الأسطوريّة، بل يجب أن يُوظّفَ كقيمةٍ فنّيّةٍ جماليَّة، وبشكلٍ متناسقٍ ومتناغم، وينطبقُ مع واقعِنا اليوم، فالأسطورةُ هي وسيلةٌ للوصول إلى المطلوب والمعنى والهدف المنشود.
       في هذا الدّيوان نجدُ الكثيرَ من الاستعارات والتّشبيهات البلاغيّة الجديدة المبتكرة، والصّور الشّعريّة الحديثة والخلّابة، ومثالٌ على ذلك في هذه الجمل واللّوحات الشّعريّة الفنّيّة (ص95):
* "منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ"/  *"لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!"/
* "وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!"
* "رُؤى مَرَابِطِي"، * "لُعَابُ نُورِكِ"، * "مَضَائِقِ كِبْريَائِي"، * "إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!"،
* "لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟"، * "عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ"، * "عَلَى شِفَاهِي الْمَبْتُورَةِ"، * "كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟".
      وتستعتملُ الشّاعرةُ أيضًا العديدَ من الكلماتِ الفصحى الجميلة الّتي لا يفهمُها كلُّ شخص، مثل:  * "أَسْمَالُ طُفُولَتِي تَرْتَجِفُ.. تَرْتَعِدُ" (ص122). و "ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ" (ص124) حيث تقول: "أَنَا مَنْ ضَمَّخَنِي حَصَى فَرَاغِي".
 إنه لتشبيه واستعارة جديدة لم تستعمل من قبل إطلاقا. وتقول (ص25): 
* "وَاغْسِلِي صَخْرَ قَلْبِي/ بِزَيْتِ حُبِّكِ.. بماءِ عَفْوِكِ"، وهذه الفكرةُ مستوحاةٌ ومُستمدّةٌ من الدّيانةِ المسيحيّةِ واليهوديّة- (المعموديّة والطّهارة).
 وتستعمل الشّاعرةُ أل التّعريف بدل الاسم الموصول في العديد من الجُمل الشّعريّة في هذا الدّيوان.. وأمثلة على ذلك،مثل:
* "صُورَتَكِ الْـــــ.. تُـــثِــــيـــرُ فِيَّ كُــــلَّ حِــــرْمَــــانِــي" (ص 11)، بدل (صورتُكِ الّتي تتثيرُ فيَّ كلَّ الحرمان).
* "وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ/ الْـ.. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!" (ص13)
* "فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا/ كَحَالِ قَلْبِي.. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!" (ص24). 
* "غِـــمَـــارُ أُنُـــوثَـــتِـــكِ الْــ أَشْـــتَـــهِـــي" (ص31)، وهذه الجملة قد تُفهَمُ وتفسَّرُ خطأً من قِبلِ بعض النّقّاد أو القرّاء، وكأنّ فيها إيحاً جنسيًّا، وهي بعيدةٌ كلّيًّا عن هذا الموضوع وهذا المجال، وتتحدّثُ عن الخصوبةِ والثمار ودورة الطبيعة والحياة.
* "أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ".
و "لَا تَغْفِلِي.. عَنْ نَايَاتِي/ الْــــ لَهَا.. عَطَشُ الْحَاجَاتِ!" (ص66).
* "وَكُونِي غَزَالَتِي/ الــْ لَمْ يَزَلْ.. طَـــعْــــمُـــهَـــا/ عَلَى لِسَانِي!" (ص86)؛ أي الّتي لم يزل طعمها.
* "آهٍ مِنْ طُفُولَتِكِ الْــ  تَتَشَاقِينَهَا بِي" (ص132)، أي الّتي تتشاقينها.
* "أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ  يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!" (ص 104)، أي الّتي يوسوسها السّوس... وفي هذه الجملة جناس غير تام.
* "أَيَا مَنْفَايَ الْــ  يَتَوَارَى.. خَلْفَ حَنِينِي الْغَافِي!"، بدل (الّذي يتوارى ) (ص106).
* "أَيَا يَنْبُوعَ الْمُضِيئَاتِ/ اِغْفِرِي لِيَدِ عَبَثِي الْــ وَأَدَتْ/ خَفَقَاتِ عُمْرِي.. مِيزَانَ شِعْرِكِ/ ونَبَضَاتِ حُزْنِي.. شَقِيقِ فَرَحِكِ!" (ص113). 
* "يَنْهَشُ غَمَامَ عيْنِي الْـ تَحَجَّبَتْ" (ص118)
* "أَلَا أيْقِظِي جَدَاوِلَ نَوْمِي../ الْــ يَغْرَقُ فِي شَيْبُوبَتِهِ!" (ص121).
 قاموس آمال عوّاد رضوان الشّعريّ غزيرٌ،حافلٌ وزاخرٌ أيضًا بالكلمات الفصحى الجميلة، مثل: زمهرير؛ (أي البرد الشّديد القارص)، و(يتسربل؛ أي يرتدي ويلبس)- فتقول (ص107):
* "أَعْتِقِينِي مِنْكِ/ مِنْ إِغْرَاءَاتِ أَوْهَامِي/ مِنْ زَمَهْرِيرِ أَحْزَانِي!"..
وهذا تشبيهٌ جديدٌ ومبتكر، لم يستعملهُ شاعرٌ مِن قبل. ومثل كلمة (جحافل؛أي الجيوش الجرّارة)، وكلمة (يُضَمِّخ)، و (يشرئبُّ)، و (اضمحلال)، و (يتأجّجُ) وإلخ...
   وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان التّكرارَ اللّفظيَّ، أو تكرارَ أحد الأحرف في نفس الكلمة، لتضيفَ للجملةِ والعبارة الشّعريّةِ تصويرًا للكلمة، وتُضفي جمالًا وسحرًا ورونقًا موسيقيّا، أو لتؤكّدَ على معنى معيّن، أو لتوضيح الصّورة والمشهد الشّعريّ الدّراميّ للقارئ، وبشكلٍ فنّيّ تقنيٍّ ذكيٍّ ومُحكم.. وأمثلة على ذلك، مثل:
* "فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ.. أَسُووووووحُ" (ص12). يتكرّر حرف الواو هنا خمس مرات.
* "آااااهٍ.. كَمْ تَشَهَّيْتُكِ" (ص28). يتكرّر حرفُ الألِف 4 مرّات في كلمة آه.
* "آااهٍ لَوْ تَعْلَمِينَ/ كَمْ يَشُوقُنِي يَنْبُوعُ قُبَلِكِ/ اِسْـقِــنِـيـهَـا.. اِرْوِنِـيـهَـا" (ص 10).
 حيث تكرّر الحرف الأول (آ) للتأكيد على المعنى والحالة النّفسية والحسرة..
* " آآآآآآآآآآه/ نَشْوَةُ آهَتِي الْمَكْتُومَةُ/ مُتْخَمَةٌ.. بِلَدْغَاتِ تَجَاهُلِكِ!" (ص39).
   يتكرّرُ حرفُ الألف في كلمة (آه) عشر مرات، وتدلُّ وتشيرُ الكلمة هنا في هذا التّكرار الحرفيّ إلى ذروةِ وقمّةِ تفاقم النّشوة الحارقةِ والمتأجّجةِ والمكتومة..
* "وَيْحِي/ إِنْ كَفَّتْ رُوحِي عَنِ التَّشَظِّي/ فِي مَدَااااااااكِ الْبَعِيــــــــــــــــــــــــدِ" (ص 70).
    وتستعملُ في العديد من الجمل كلماتٍ مُفكّكةَ ومُبعثرةَ الأحرف أفقيًّا وعموديًّا، لتُشير إلى الوضع والحالة النّفسية، ولتؤكّدَ المشهدَ الدّراميَّ وغيرها أيضًا، مثل:
* "لَكَمْ يَسْتَهْوِينِي/ تَــ فْـــ كِـــ يـــ كُـــ كِ/ قَبْلَ أَنْ أُعِيدَ إِلَيَّ.. لُـــحْـــمَـــتَـــكِ" (ص29).
  وأيضًا مثل جملة: * "بَعْثِرِي  شِـــ فَـــ ا هِـــ ي/ عَلَى ضِفَافٍ.. تَلْتَهِبُ بِنبوغِ الْقُبَلِ!".
     ويشعرُ القارئ ويحسُّ بالفعل عندما يقرأ هذه الجملة الشّعريّة، كأنّ الشّفاهَ مُفكّكةٌ بحسب طلبها وأمرها، لأنّ كلمةَ (شفاه) كُتبتْ مُفكّكة ومبعثرة وكلّ حرفٍ لوحده، ويُدخلُ إلى نفسيّة المتلقّي (القارئ) نوعيّةَ المشهد وجوَّهُ والحالةَ النّفسيّة، وأنّ الشّفاهَ مبعثرةٌ ومفكّكة..
    وأمثلة أخرى من هذا الدّيوان على كلماتٍ كُتبت أحرفُها مُفكّكة ومبعثرة مثل: 
* "أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ../  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ../ بَــ ~~ يــْـ ~~نَ../ جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!" (ص4)
* "قَلْبِي الْــــ  يَــــكْـــــــبُــــــــــــــــرُ  بِكِ/ حينَ../ يَـ~~جْـ~~ـمَـ~~ـحُ../ شَجْوًا" (ص5)
* "وَ.. أُحَلِّقُ حُرْقَةً/ أَ~ تَـــ~لَــــ~وَّ~ى/.. وَ../ أَ ~ تَـــ~ لَــ~ وَّ~ عُ/ فِي قَفَصِ النِّسْيَانِ!" (ص48).. أي أتلوَّى وأتلوَّع.
* "أَيَّتُهَا النَّشْوَةُ الــ.. تَسْــ.. كُـــــنْ/ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ" (ص56).
* "فَلَا تَقْلِبِي.. ظَهْرَ النَّهْرِ/ وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا/ دَعِيهِ يَــــجْــــرِي/ لِأُتَــوِّجَــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ" (ص62).
     وتستعملُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان الكثيرَ من علاماتِ السّؤال وعلامات التّعجب في نهاياتِ
الجُمل، فوُضِعَتْ وَوُظّفَتْ بشكلها الصّحيح الجميل والفنّيّ، تفيدُ الفحوى والمعنى المنشود، وتضيفُ رونقًا وجماليّةً خاصّةً ومميّزةً للجُمل الشّعريّة، ولا تخلو صفحةٌ واحدة في الدّيوان دون وضع بضعة علامات تعجّب واستفهام.. وأمثلة على ذلك مثل:
 * "كَأَنَّ حُبِّي وَهْمٌ.. كَإِلهٍ/.. إنْ لَمْ يَتَجَسَّدْ؟!"(ص6)
* "أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!" (ص7) 
* "وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي.. تَتَحَجَّبُ/ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ!" (ص7)
* "فَلَا نَظَلُّ مُبَلَّلَيْنِ/ عَلَى نَاصِيَةِ رِيحٍ.. بِلَا مَصَابِيح!" (ص9) 
* "وَأَظَلُّ فَضَاءَكِ الْمُشَرَّعَ../ عَلَى قَيْدِ الاشْتِعَالِ!" (ص11)
* "فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ/ يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟" (ص16).
* "لَا تُدْخِلِينِي.. فِي طُقُوسِ الاعْتِرَافِ/ حَيْثُ تَبُثِّينَ الرَّمِيمَ../ بِنَارِ الْحَيَاةِ!" (ص29) 
* "دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!" (ص41) 
* "مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِ الضَّاحِيَةِ/ تُطِلِّينَ.. بِحَيَاءِ ضَحِيَّة!/ إِلَامَ تُقَدِّسُنِي خَطِيئَتِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّهُنِي حَمَاقَتِي؟" (ص43).
   ونجد هنا التّشبيهَ النّقيضَ أو المعاكس، أي المشبَّه والمشّبه به متناقضان ومتعاكسان، ولا يوجد أيّ رابطٍ أو شبهٍ بينهما (سلبيّ وموجب).
* "رُحْمَاكِ/ لَا تُضَيِّقِي آهَاتي.. بِانْحِسَارِ دَهْرِي!" (ص57) 
 * "يَا مَنْ تَفُوحِينَ عِطْرَ رَبِيعِكِ صَبَابةً/ إِلَامَ تُقَلِّدِينَنِي مَحَارَاتِ سُهْدِي؟/ إِلَامَ تُؤَلِّقِينَنِي مَزْهُوًّا.. بِصَفْعِ عِنادِكِ؟" (ص61).
* "أَتَطَالُنِي آلِهَةُ حُزْنِي.. فِي مِصْيَدَةِ الْعَبَثِ!/ أَأَعْتَصِمُ بِلِقَاءِ الصُّدَفِ.. أَمْ بِسَطْوَةِ لَهْفَتِي؟/ كَيْفَ
أَقْمَعُ خَرِيفِي.. بِأُغْنِيَةِ الْمَطَرِ؟/ أَتَخْلُو قَوَادِمُ الْأَيَّامِ.. مِنْ لَهْفَةِ اشْتِهَاءٍ؟" (ص63). 
* "رُحْمَاكِ/ أَلْبِسِينِي زُرْقَةَ الْحَيَاةِ.. فِي أَوْطَانِ مَائِكِ النَّمِيرِ!" (ص68).
* "أَيَا أَيَّتُهَا الْفَاتِكَةُ بِي/ أَنَّى أَتَحَمَّلُ ذُنُوبَ فَوَاحِشِ حَرْفِكِ؟/ مُذْ غَادَرَتْنِي.. غُدْرَانُ مُحَيَّاكِ/ انْطَفَأَتْ.. ذُبَالَاتُ عَيْنَيَّ!" (ص75). 
* "أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا../ فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟" (ص85) 
* "فهَلْ أَتَعَثَّرُ بِيَنَابِيعِكِ.. لِتَرْثِيَ خَوَاطِرِي الْمُتَكَسِّرَة؟" (ص89).
* "فَـقَــطَــفْــتِــنِـي اشْتِعَالًا/ وَأَطْــفَــأْتِــنِــي أَقْمَارًا مُتَكَسِّرَةً/ لكِنْ.. كَيْفَ أَتْــقَــنْــتِــنِـي جُنُونَ أَبْجَدِيَّةٍ؟" (ص91).
* "منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!" (ص95).
* "يَا مَنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ/ كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ/ كَأُسْطُورَةٍ.. فِي خَيَالِي تَتَبَخْتَرُ/ مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ/ فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ/ وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!/ أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟/ أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟" (ص102).
* "كَمْ أَتُوقُ إِلَى مَنَابِعِكِ/ لِأَرْوِيَ تَارِيخًا..مِنَ الْعِشْقِ الْمَكْنُونِ!" (ص111).
* "أَلَعَلَّ قِيثَارَةَ الْبَنَفْسَجِ/ تَتَسَايَلُ شَذًى مَسْحُورًا؟" (ص112).
* "وَقْتِي يَصْحُو مُعْتِمًا/ يَشِيبُ بِعِنَادِكِ/ وَلَيْلِي يَتَقَصَّفُ/ مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!" (ص115).
* "كَمْ حَنَّ خَيَالِي الْمَهْجُورُ!/ مَا انْحَنَى هَيْكُلُهُ/ وَبَوْحُ نَايِي الرَّشِيقِ/ مَا شَاخَ أَنِينُهُ!" (ص119) إلخ...
     وتُكثرُ الشّاعرةُ في هذا الدّيوان من استعمال الفواصل على شكل نقطتين بجانب بعض (..)، وتُوظّف في هذا الدّيوان الكثيرَ من الصّور الشّعريّة الخلّابة، والاستعاراتِ البلاغيّة الحديثة والمبتكرة وبشكل مكثّف، فديوانها حافلٌ وزاخرٌ بالصّور الشّعريّة، وبالاستعارات البلاغيّة الجديدة والمبتكرة الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل، وبالمصطلحاتِ اللّغويّة الجديدة، وأمثلة على ذلك مثل:
* "ففِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!" (ص7).
* "أَنَا.. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ/ لَمَّا أزَلْ/ أُسَبِّحُ.. سِحْرَ سُكُونِكِ/ مَا نَسِيتُ.. ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ/ حِينَ يَسْتَحِيلُ.. لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!" (ص13).
* "سَلَامًا مُدَلَّهًا.. أَعْصِرُنِي/ لِنُورِكِ الْبَهِيِّ/ يَتَأتَّانِي.. مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ/ لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ/ أَلْفُ مَعْنًى.. وَ.. أَلْفُ مَغْنًى!" (ص18).
* "أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي.. أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ/ أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ/ لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ" (ص24).
* "رُحْمَاكِ/ فِي طَوَاحِينِ خَفْقِكِ الْمَخْنُوقِ/ أَبْجِدِينِي.. بِجُنُونِكِ!" (ص36).
* "يَا الْمُتَسَلِّلَةُ.. كَشُعَاعٍ وَحْشِيٍّ/ إِلَى أَقْفَاصِ سَعْدِي/ ضَمِّخِينِي.. بِرِيحِ مَلَائِكَتِكِ/ دَحْرِجِي النُّورَ/ عَنْ عَيْنِ دَهْرِي الْأَعْوَرِ!" (ص41)
       ويبدو هنا بوضوح تأثُّر الشّاعرة بسِفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم.
* "بَوْحِي.. وَرْدٌ جَرِيحٌ/ عَلَى سِيَاجِ رَبِيعِكِ/ لَا يَحُدُّهُ نَزْفٌ/ وَلَا يَلُفُّهُ وَدْعٌ.. وَلَا حَتْفٌ!/
وَأَنْتِ وَدْعِي وقَدَري!/ أَنْتِ وَدَعِي وَسَكَنِي!/
وَكَنُبُوءَةٍ وَادِعَةٍ../ فِي تَمَامِ الْأَزْمِنَةِ/ تَبْعَثِينَني شَهْوَةً/ فِي لُغَتِكِ الْيَانِعَةِ!" (ص45).
* "أَيَا مُهْرَةَ بَوْحِي/ حَلِّقِينِي إِشْرَاقَةً.. تَجْثُو فِي السَّحَر/ لِأَتَشَدَّقَ بِفِيكِ.. برَغْوَةِ مُرَاوَغَتِكِ/ ولِتَشْرَئِبَّ شِفَاهِي اللَّهْبَى ظَمَأً/ لِعَطَشِ أَلْسِنَةِ لَهَبِكِ/ فَمَا أَرْوَعَكِ.. أَيَا مَاهِرَةَ الْبَوْحِ/ أَنْهَلُكِ.. نَهْلَةً نَهْلَةً.. وَلَا أَرْتَوِي" (ص52).
* "غمَامًا روحيًّا.. تَتَشكّلينَ/  فِي وَاحَةِ أشْجَانِي/ وأَبَدًا/ مَا كَانَ جَمَالُكِ.. إِلَى اضْمِحْلالِي" (ص53).
* "أَرْغِفَةُ عُمْرِي../ قَدَّدَهَا غُبَارُ أَحْلَامِي!/ كُؤُوسُ جَوَارِحِي.. تَنَاهَبَتْنِي/ فِي دَهَالِيزِ اللَّحْظَةِ!/ وَقَوَافِلُ نبضي.. تَمْضِي مُثْقَلَةً بِشُحِّهَا" (ص58).
* "يُسَاهِرُنِي اللَّيْلُ../ يُرَاقِصُ زَنَابِقَ أَحْلَامِي/ يُدَغْدِغُ مَكْنُونَاتِ رُوحِي/ وَأَتَثَاءَبُنِي.. انْسِكَابَ خُمُورٍ/ لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا/ إِلَّا مَنْ نَادَمَ كُؤوسَ أَبْجَدِيَّتِكِ!" (ص74).
* "وَلَمَّا تَزَلْ تَنْسَلُّ.. خُيُوطُ قَلْبِي شَاحِبَةً/ فيَكِرُّ وَجْهِي.. جَمَالَكِ/ ويَتَسَلَّلُ إِلَيَّ.. ضَبَابُ اللِّقَاءِ/ وَأَخْـــشَــعُ سَــاجِــدًا/ حِينَ تَتَدَلَّى ضَفَائِرُ آمَالِي!" (ص76).
* "يَا مَنْ تُفَتِّقِينَ أَكْمَامَ الْبَرْدِ/ بِلَفْتَاتِكِ الْـ.. تَـــثْـــقُـــبُـــنِــي/ كَعُصْفُورٍ كِرْكِسِيٍّ.. مُغَرِّدًا أَنْبَثِقُنِي/ أَتَسَرْبَلُ نِدَاءَكِ/ حِينَ تُسْدِلِينَ.. زَقزَقاتِ حُرُوفِكِ الْمَائِيَّةِ/ عَلَى جِذْعِ لَيْلِي الْمُجَوَّفِ/ وَأُورِقُ.. بِمِيلَادِ طِفْلَةِ الرُّوحِ!" (ص76).
* "أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا.. تُحَاكِي أَطْلَالِي/ تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري/ فِي هَوَامِشِ خَطوي!" (ص83)... وتوظف الشّاعرة هنا شخصيّة زوربا.
* "زِئْبَقُ الْمَسَافَاتِ يَزُفُّ هَمْسِي/ يَثُورُ وَلَهًا.. يَفُورُ شَغَفًا/ يَتَوَغَّلُ فِي رُكُودِ حِكَايَةٍ جَامِحَةٍ/ وَلَا يَخْنَعُ.. لِمَا بَطُنَ  مِنْ جِرَاحِي!" (ص92)، وقد تعني هنا المسافات الطّويلة الّتي لا تحسُّ وتشعر بها، وتختفي وتتلاشى كأنّها عنصر الزّئبق.
* "أَترَاكِ تُمْعِنِينَ فِي فَتْكِي/ وَفَكِّ عَقَارِبِ وِصَالِنا الْقُرْمُزِيِّ؟" (ص93).
* "أَكَأَنَّمَا../ عَجَّتْ أَنْفَاسُ الْمَاضِي الْمَثقُوبِ/ بصَرَخاتِي الْمُنِيفَة؟/ أَيَا غَزَالةَ النَّدَى/ ها ظَمَئِي.. لَمَّا يَزَلْ يَسْتَعِرُ بفُيُوضِكِ النَّوْرَانِيَّة!/ أَنَا مَنِ احْدَوْدَبَ لَهِيبُ أَدْغَالِي.. مُذْ فَطَمَتْهَا نِيرَانُكَ/ مَا تُبْتُ عَنْ ظَمَئِكِ
الْمُدَّخَرِ!" (ص93).
   ويبدو هنا بوضوح الصّور الشّعريّة الجميلة والحديثة، والتّعابير والاستعارات البلاغيّة المبتكرة
الّتي لم يستعملها أحدٌ من قبل.
* "منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ/ لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي/ اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!/ وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ.. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا/ عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ.. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!/ فِي رُؤى مَرَابِطِي/ تَفَشَّى سَيِّدُ الرَّحِيلِ الصَّاهِلِ!"
(ص95). 
* "لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ/ حِينَ هَشَّـتْهَا أَنْفَاسُ (أُحُبُّكِ)؟"(ص96).
* "بِلَيَالِي عَطْفِكِ الشَّمْعِيِّ/ تَضَافَرْتُ.. جَدَائِلَ أَحْلَامٍ مُتَكَسِّرَةٍ" (ص98).
* "دَعِينِي أَلْتَحِفُ.. بِرَوَافِدِ أَسْرَارِكِ/ لأَزْدَانَ بِحَمَائِمِ نَقَاوَتِكِ!" (ص106).
* "بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي( (ص110).
* "عُذْرِيَّةُ سُيُولِي/ أَضْنَتْهَا مَلَاحِمُ شَفَقِكِ الْنّاعِسِ" (ص112).
* "من مواقدِكِ/  أستمدُّ دَيْمُومَة التّوَقّدِ." (ص114).
* "وَقتي يصحُو مُعتمًا.. يشيبُ بعنادِكِ/ وليلي يتقصَّفُ.. مُتبرعمًا بيأسي الأزليّ!" (ص115) تعطينا الشّاعرة هنا صورة شعريّة جديدة لليأس.
* " أأهابُ دَيْنونة التّمَرُّدِ؟؟" (ص114).
* "هَدْهِدي أهدابَ سُحبي.. بدمعةِ شمسِكِ !" (ص120).
* "أنا المُكبَّلُ بتبرِ روحِكِ" (ص124).
* " وَكَمِثْلِ خَلَاخِيلِ وقْتِي الْجَرِيحِ/ غَدَتْ تَعْزِفُنِي أنْفَاسِي!" (ص127).
* "لِمَ أَعْشَاشُ ذِكْرَاكِ .. فَاضَتْ عَارِيَةً/ زَاهِدَةً .. عَنْ فِرَاخِي الْجَائِعَةِ؟" ( ص 140).
* "هَا انْسَابَ لُعَابُ نُورِكِ/ في مَضَائِقِ كِبْريَائِي". و *"يُجَرْجِرُنِي.. إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!"،  و *"لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ؟"، و *"أَنَّى يَشِينِي مَوْجُكِ الْغَافِي/ عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ؟"، و *"أَنْدَهِشُ وَأَنْذَهِلُ/ كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟"
      وتستعملُ الشّاعرةُ آمال وتُوظّفُ في ديوانها أيضًا الكثيرَ من المُحسّنات اللّفظيَّة والبديعيَّة، وخاصّةً الجناس، مثل:
* "برَغوةِ مُرَاوَغتِكِ"، و *"لتشرئبَّ شفاهيَ اللّهبى" (ص 52).
* "حِينَ تُوَشْوِشُنِي أَهْوَاءُ أَمْوَاهِكِ/ يَلْهَجُ نَبْضُ مَدَاكِ حَيَاةً" (ص99).
* " أَضِيئِي.. أَوْتَارِيَ الْــ يُوَسْوِسُهَا السُّوسُ!" (ص104)
* "أَبِمَائِكِ أَتَحَمَّمُ وَأَحْتَمِي!" (ص127)،  وهنا جناس غير تامّ، ولكن كلمة (أتحمَّمُ) غير صحيحة من ناحية لغويّة، وقد وقع في هذا الخطأ الشّاعر والأديب المهجريّ الكبير والعالميّ جبران خليل جبران في قصيدته المواكب حيث يقول: "هل تحمَّمتَ بعطرٍ وتنفستَ بنور"، والصّحيح هو: هل
(استحممت وليس تحمَّمتَ. (نقول: استحمَّ ويستحمُّ وليس تحمَّم و يتحمّمُ).
* "بِتَجَاعِيدِ نَدَاكِ/ أَمْتَطِي خُيُولَ خَيَالِي"(ص110).
* "تتلهَّى بغيِّهَا.. تتغاوى برغوةِ عشقي" (ص113)، جناس غير تامّ.
* "هَا الْمَجْهُولُ الدَّاهِمُ.. يُزَقْزِقُ/ ومَا عَادَتْ أَنْغَامُ الْغَمَامِ.. تَلْكُؤُهُ!" (ص122).
  ويبدو هنا بوضوح قدرةُ الشّاعرةِ وعبقريَّتُها الشّعريّة وذكاؤُها، في اختيار الكلمات المعبّرة والهادفة بشكلٍ يعطي المعنى الحسّيّ والذّهنيّ الدّقيق، ويوصِل الرّسالةَ والفحوى للقارئ بشكل صحيح وكامل تقنيِّ وفنّيّ مميّز.
   وتستعملُ في هذا الدّيوان وفي غيره من دواوينها الأخرى الفعل بصيغة الأنا، أي أنَّ الشّخص نفسه يقوم بالأمر وبإلقاء العمل على نفسه، وهذا الاستعمالُ اللّغويّ والنّحويّ جديدٌ ودخيلٌ على اللّغة والأدب العربيّ ومنذ فترة قصيرة، والقلائلُ من الشّعراء العرب الحديثين والمجدّدين الّذين يستعملونه، ويتوكّؤون على هذا النّمط كلونٍ وشكلٍ من التّجديد في اللّغة - محلّيًّا وفي العالم العربيّ، وقد يكون غير مستحبٍّ وَمُحبَّذ لبعض الشّعراء والأدباء، ولكن إذا استُعمِلَ بشكل صحيح وفنّيّ، وليس بشكلٍ مكثّفٍ ومُملٍّ، يكون جميلًا شكلًا وأسلوبًا، وعلى سبيل المثال في هذا الدّيوان، مثل:
* "هَاءَنَذَا أَتْرُكُنِي لَكِ قَلْبًا سَاخِنًا/ عَلَى عَتَبَةِ لِقَائِنَا" (ص 99)، أي أَتركُ نفسي لك قلبًا.
* "عَلَى حَافَّةِ الْمَسَاءِ.. غَادَرْتُنِي" (ص127)، أي غادرت أنا نفسي بنفسي
     وتستعملُ أيضًا التّشبيهَ العكسيَّ والنّقيض، فلا يكون هنالك أيُّ وجهٍ للشبه أو أي تقارب بين المُشبَّه والمُشبَّه به، أي عكس التّشبيه المباشر والواضح الّذي يكون كالتّصوير الفوتوغرافيّ المحض، والّذي ينتَهجُهُ ويتقيّدُ به معظمُ الشّعراءِ العرب منذ الجاهليّة إلى الآن.
     وفي العصر الحديث أصبح العديدُ من الشّعراء العرب المجدّدين، والّذين يسيرون في ركْب الحداثة، يبتعدون عن القوالب الشّعريّة التّقليديّة الجاهزة، وعن التّشبيهاتِ والاستعارات البلاغيّة المتسعملة والمستهلكة الّتي أكل الدّهرُ عليهَا وشرب، وبدؤوا يتعَمَّقُون في الفحوى والجوهر، ويبتكرون الكثيرَ من الصّور الشّعريّة، والاستعاراتِ البلاغيّة، والمُحسّناتِ اللّفظية الجديدة، وخاصّة في مجال التّشبيه، حيث لا يكون هنالكَ تصويرٌ واضحٌ ومباشر، ممّا يصعبُ على القارئ البسيط تحليلَ الصّورة الشّعريّة وفهمها بشكل عميق وشامل.
      ويوجدُ العديدُ من شعراءِ الحداثة في العصر الحديث على هذا النّمط، وأمّا في العصور السّابقة فربّما يكون امرؤُ القيس الكنديّ أولَ من جدّد في هذا المجال وابتكرَ، فابتعد عن السّطحيّة والتّشبيهات البسيطة المباشرة والواضحة، وتفنّنَ بكلِّ معنى الكلمة في استعمال تشبيهات وصور واستعارات بلاغيّة لم يستعملها شاعر من قبل، وفي الكثير من الأحيان لم يستعمل أدوات التّشبيه، واستعملَ التّشبيهَ والصّورةَ المعاكسة والمناقضة، وأبدع في هذا المجال أيُّما إبداع، وهنالك من النّقاد والأدباء الأجانب الكبار مَن شبَّهَ امرؤ القيس بالشّاعر العالميّ وليم شكسبير.
يقول امرؤُ القيس مثلا: "وليلٍ كموج البحر ِأرخى سُدوله عليَّ/ بأنواع  الهُمومِ  ليبتلي/ فقلتُ لهُ لمَّا تمطّى بصلبهِ/  وَأردفَ إعجازًا وناءَ بكلكلِ"
امرؤُ القيس يشبّهُ اللّيلَ بموج البحر، وقد أرخى سدوله، وهو أول شاعر عربيّ استعمل هذا المصطلح (أرخى اللّيلُ سدوله)، ويُشبِّهُ اللّيلَ أيضًا بالجَمل، مع أنه لا يوجد أيُّ قاسم مشتركٍ، أو أيُّ وجه شبه بين اللّيل وموج البحر والجمل، وهو أيضًا أول من استعملَ هذا التّشبيه (مِكرٍّ مِفرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ)... وفي كلمات متناقضة.
 ومثال على ذلك من ديوان الشّاعرة القديرة آمال عوّاد رضوان حيث تقول:
* "ما أحيلاهُ مُرَّكِ"  (ص100) - النّقيض - المر والحلاوة.

3
جمعية حريتهم والنادي النسائي يحتفلون بالميلاد المجيد في عبلين

آمال عوّاد رضوان
    شاركت   "جمعيّة حُرّيّتهم"  بالتعاون مع "النّادي النّسائيّ الأرثوذكسيّ- عبلين"، في احتفالات عيد الميلاد المجيد الشّعبيّة والفنّيّة الحافلة في عبلين، كلَوْنٍ آخرَ من فعاليّات ونشاطات ومشاريع "جمعيّة حُرّيّتهم"، وذلك بتاريخ 22.12.2021، فبابا نويل لـ  "جمعيّة حُرّيّتهم"  زار أوّلًا مقرّ "النّادي النّسائيّ الأرثوذكسيّ- عبلين"، ووزّع الهدايا على العضوات، ثمّ اتّخذ مدخلَ "معرض أبناء عواد" مَقرًّا له مقابل ساحة الميلاد، كموقعٍ مركزيّ واستراتيجيٍّ مُتاحٍ للزّوّار والمارّين، لتوزيع هدايا مميّزة مُعلّبة، تشملُ مُعجّناتٍ وحَلويّاتٍ نباتيّةً فقط، قام بتحضيرها وصناعتها عضوات "النّادي النّسائيّ الأرثوذكسيّ- عبلين"، وقد قامت "جمعيّة حُرّيّتهم" بدعم مشروع بازار "النّادي النّسائيّ الأرثوذكسيّ- عبلين" الّذي افتُتح بتاريخ 19.12.2021، بهدفٍ من النّسوة  أن يصنعنَ الفرحَ بأيديهنّ وبأرواحهنّ، مثلما كان في القِدَم.
      مشروع المعجّنات والحلويّات النباتيّة ابتدأه وتبنّاه "النّادي النّسائيّ الأرثوذكسيّ- عبلين" بشكل عمليٍّ ناجح، كمشروع تراثيّ وصحيّ مفيد لكلّ الشرائح العمريّة، فصنع دشايش بسبانخ، سلق، وفطاير ببصل، فقع، خضروات، خبيزة، فرفحينة، وأنواع عديدة، وحلويات مشكلة من غريبة، زرد بتمر، وكعك بعجوة، كعك بفواكه، ملاتيت، كعك أصفر، هريسة،  وأنواع أخرى كثيرة، وهذه الفكرةُ المميّزة والصّحّيّة للإنسان وللبيئة، جذبت أنظار "جمعيّة حُرّيّتهم" المهتمّة بالرفق بالحيوان، وبالتغذية النباتيّة الخالية من المنتجات الحيوانية، ولفتت أيضًا انتباه المحتفلين، وكان لها وقعٌ طيّب وجميلٌ في نفوس المتلقّين، خاصّةً بعدَ أن عادت الحياةُ تنبضُ في عروق البشر بعدَ عامين من الكورونا، فبعدما كانتْ بهجةُ الأعياد تُطلُّ على استحياءٍ وحذر شديديْن، أبى عام 2022 إلّا أن يَفرشَ عتباتِهِ بالفرحة، ويفتحَ أبوابَهُ على مصاريعها للمَسَرّة، فعمّتْ أجواءُ الفرح الراقصة بعيد الميلاد المجيد البهيج السعيد، ووسطَ المحلّات المشعشعة بكرات الثلج المضاءة، والشوارع والأشجار المزيّنة بالشلّالات المُشعّة، والبيوت المنارة بزينة عيد الميلاد، فاضت الموسيقى والتراتيل والترانيم الميلاديّة، احتفاءً بميلاد المخلّص للكون.
      عساها البشريّة تنعمُ فيه بالأمن والسّلام والإنسانيّة، وعسى الأحياءَ والفقراءَ والمرضى والمُشرّدين في البراري والمخيّمات وفي كلّ مكان ينعمون بالرّحمة والرأفة، بعيدًا عن روائح الدم والموت والخراب، وبعيدًا عن مآسي الحروب والجوع والتّشرّد، فلنُعلّقْ أمانينا وآمالَنا وأحلامَنا على أشجار الميلاد المجيدة، ولنرتّلْ مع الرّعاةِ ومع أطفالٍ يركبون على عرباتِ خيولٍ مُجنّحة مع "سانتا كلوز" بأصواتٍ ملائكيّةٍ مؤمنة:
 "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السّلام، وفي الناس المسرّة"، وكلّ عام والبشريّة ترفلُ بسربال المحبّة، والمؤاخاةِ، والرّحمة، والإنسانيّة والحياة.
Aamaal Radwan | Facebook
https://www.horeiat-hom.com/


4
عبلين تحتفي بـ "يافا رسائل في ظلال النّكبة!"
آمال عوّاد رضوان
أمسية أدبيّة أقامتها جمعية السلام الخيرية/ عبلين، وجمعية جفرا للدبكة والفنون الشعبية/ عبلين، للاحتفاء بكتاب "يافا، رسائل في ظلال النكبة"، للكاتب عبد القادر سطل، وذلك بتاريخ 27.11.2021، في قاعة جمعية السلام في عبلين، ووسط حضور من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي وتاريخ يافا وفلسطين، وقد تولى عرافة الأمسية السيد يوسف حيدر، وقدم د. سمير فوزي حاج  مداخلة حول تاريخ يافا الحضاريّ، والاقتصاديّ، والثقافيّ، والسّياحيّ عبر التاريخ وما قبل النكبة وما بعدها، ثمّ تلتها فقرة تمثيلية لمونودراما يافا والنكبة، قدّمها الأستاذ غابي عابد رئيس الرابطة لرعاية شؤون عرب يافا، ثمّ تحدّث الكاتب عبد القادر سطل عن دمج تجربته ما بين السرد الصحافي والتعبير الوجداني في توجيه رسائله للقارئ، بهدف الوصول إلى قلب ووجدان كل عربيّ وفلسطينيّ في يافا أو خارجها، وشكر الحضور والمنظمين والمتحدثين، وتمّ التقاط الصور التذكارية!
جاء في مداخلة د.  سمير فوزي حاجّ:   
الحديث عن يافا شاعريّ، لكن فيه الكثير من الحسرة والمرارة والألم، يافا الألق الشّاعريّ، يافا عروس الشّعر. لم يبقَ شاعر عربيّ وفلسطينيّ بشكلٍ خاصّ إلّا وكتب يافا. حين نتحدّث عن يافا، نتحدّث عن النّكبة، النّكبة الّتي شطرت برتقالة يافا  إلى شطرين، ونحن نختزلها  بقصيدة  الحبّ والجيتو لراشد حسين، حيث تحوّلت من مدينة تصدّر البرتقال، إلى مدينة تصدّر اللّاجئين: يافا - لمن يجهلها- كانت مدينة/ مهنتها تصدير برتقال/ وذات يوم  هدمت.. وحوّلوا/ مهنتها.. تصدير لاجئين
   ليافا في التّشكيل الشّعريّ صورتان نقيضتان، واحدة قبل النّكبة تتمثّل بفسيفساء جميلة مركّبة من "برج السّاعة"، و"الميناء"، وأحياء"المنشية"، و"النّزهة"، و"البصّة"، وشوارع "العجميّ"، وإسكندر عوض، وجمال باشا، والملك جورج، و"الفنار"، وقناطر بيوت حجر، وقرميد، وبيّارات برتقال وفلّاحين، وشاطئ جميل، وميناء، وأمواج، ونوارس، وقوارب وسفن، وبحّارة، وصيّادين،  وأصداف، ورمال، وسماء، ونجوم، وأعراس، وسهرات، وكواعب، وأزهار فوّاحة الشّذى"، وهذا ما سمّيته "يافا الجميلة"، لأنّها مُلهمة الشّعراء ومتيّمتهم، ومُسْكرة حواسّهم.
    وصورة ثانية بعد النّكبة، تُصوَّر فيها يافا مكانًا مفقودًا ومسلوبًا من أهله، مسكونًا بالهدم والخراب، ومسفوعًا بالفجيعة وأسراب السّنونو، من خلال مزامير مترعة بالحسرة والمرارة  الكاوية، ومُحبّرة بالدّموع وعصير الشّوق، فتصبح مدينةً مشتهاة، ترحل إليها العيون والقلوب، من الشّتات والمنفى القسريّ، بينما تبقى الأجساد تنوب حولها عبثًا، في دروب الضّياع.
الكتابة داخل المكان: وفق  الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار: "المكان هو العلاقة الرّوحيّة، ومَن لم يعش المكان لا يستطيع الكتابة عنه".
 إميل حبيبي قال في آخر مقابلة معه حول رواية (عائد إلى حيفا) لغسان كنفاني: "أنا مانعة صواعق"، بما معناه؛ مشيت مع اتّجاهات الأماكن الموسومة في الرّواية، بدل النّزول إلى البحر أخذتني إلى أعالي الكرمل، ومَن لم يَعِش المكان يجب ألّا يكتبَ عنه.
معظم اليافيين في المنفى لديهم عطشٌ ظامئ لزيارة يافا، هشام شرابي زار يافا، وهارون هاشم رشيد أتى يافا، وزار بيت زوجته مروة جبر، وإبراهيم أبو لغد كانت أمنيته "أن يصبح رئيسًا لبلديّة يافا يومًا واحدًا، أو يسهر ليلةً في شاطئ يافا، "لكنّهُ أتى يافا الّتي كانت له "سدرةَ المُنتهى "في توصيف محمود درويش، ودُفن في يافا. وشفيق الحوت كتب "من يافا بدأ المشوار". ومحمود سيف الدّين الإيراني سمّى خسارتها (الخروج من الجنّة).
محمود درويش في أعماله الأولى الّتي كتبها في البلاد قبل أن يغادر الوطن، قال عن يافا:
أحجّ إليك يا يافا/ معي أعراس بيّارة/ فناديها عن الميناء/ عن الميناء ناديها/ وشدّيني وشدّيها/ إلى أوتار قيثارة/ لنحيي سهرة الحارة/ وشوق الحبّ للحناء.
أمّا الشّاعر الفلسطينيّ ابن غزة هارون هاشم رشيد شيخ الشّعراء سنّا، كتب شعرًا غنائيًّا  مُموسقا عن يافا، وغنّت له السّيدة فيروز قصيدته المشهورة "ليل الغرباء" الّتي يقول فيها:
 أبي... قل لي بحقّ اللّه/ هل نأتي إلى "يافا"؟/ فإنّ خيالها المحبوب/ في عينيّ قد طافا/ أندخلها أعزّاء/ برغم الدّهر..أشرافا ؟
أبي... لو أنّ لي كالطّير/ أجنحة، لتحملني/ لطرت بلهفة رعناء/ من شوق.. إلى وطني/ ولكنّي من الأرض/ تظلّ الأرض تجذبني
في العام 2008 التقيت الشّاعر هارون هاشم رشيد في بيته في القاهرة، وسألته عن هذه القصيدة الّتي غنّتها السّيدة فيروز، وعن "ليلى اليافيّة" إن كانت حقيقيّة أم تخييليّة، فأجاب إنّها حقيقيّة، استوحاها عام 1948 حين كان مع بقيّة الشّباب الغزيّين يبنون الخيام للاجئين الفلسطينيّين المطرودين من بيوتهم، والهاربين إلى غزة، حين سمع طفلة يافيّة تقول لوالدها: "بابا، وينتا بدنا نرجع ليافا".
   يافا تختزل وطنًا كاملًا، والنّكبة الّتي طردت ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من وطنه، وهُدمت 418 (أربعُمائةِ وثمانِ عشرَةَ قرية)، شرخت يافا المنكوبة بشرًا وحجَرًا،لأنّ يافا تُشكّل ذاكرةً، وتاريخًا، وبوصلةً، وأرشيفًا، ووجدانًا لكامل الشّعب الفلسطينيّ، فقد طوّحت النّكبة بأكثر من 70 ألفًا من سكّانها، وبقي قلّة ينحصرون بأربعة آلاف. كما سلبت البيّارة والدّار من أهلها، وطُرد اليافيّون من مدينتهم إلى فيافي الشّتات، وحوّلت يافا إلى جيتو، وهُدم  وقُوّض المكان، وغُيّرت أسماؤُه، ومُحيت هُويّته، وشُوّه تاريخُه وإرثُه، وما زالت إسقاطات النّكبة ورياحها السّوافي تلفح الفلسطينيّ هنا وهناك، وها هي "رسائل في ظلال النّكبة" للكاتب اليافيّ
عبد القادر سطل تصل  بعد 70 عامًا من النّكبة.
"يافا رسائل في ظلال النّكبة" سرديّةٌ بنكهة يافيّة، تحكي بحسرة كاوية يافا الحاضر الّتي حُوّلت من عروس فلسطين وبانوراما الإشعاع الثّقافيّ، إلى جيتو ومخيّم لاجئين، ومن ناحية أخرى تتماهى مع صمود أهل يافا الباقين الّذين لعقوا جرح النّكبة وشمخوا. هذه السرديّة متنوّعة  الأجناس من كتابة عن الذّات، ورسائل شفويّة، وشهادات، ومذكّرات، ورواية شخصيّة، وبورتريه،  وأوراق مُحاكة  بتنويعةٍ من الضّمائر الطّاغي فيها  ضمير الذّات، مزجت بين اللّغة الشّاعريّة المنثالة بعفويّة واللّغة الصّحفية، ممسوحة بالحزن حينًا، والتّباهي بالبقاء واللّا تلاشي في الواقع المفروض على الباقين في وطنهم، وتتموضع في سرديّات ترميم الذّاكرة، وتوعية الأجيال اليافية على تاريخها وحضارتها وهُويّتها.
كُتبت سرديّات كثيرة ومؤلمة عن النّكبة ببؤر فلسطينيّة مختلفة هنا وهناك، معظمها شهادات شفويّة لمن احترقوا بنيرانها، حفاظًا على الذّاكرة وخوفًا من الضّياع، لكن قليلة هي السرديّات
النّكبوية المكتوبة  من قبل الفلسطينيّين الباقين في وطنهم.
"يافا رسائل في ظلال النّكبة" أشبه بسمفونيّة موسيقيّة بتنويعاتها وأصواتها المتعدّدة، تتّبع الكتابة غير المبرمجة، باتّكائها على التّراجيديّ، والكوميديّ، والنّثريّ، والشّاعريّ، والصّحفيّ، والتّاريخيّ، والقانونيّ، والشّهادات الشّفويّة في تصوير نهش وهدم وتهميش يافا، من قِبل المؤسّسات الإسرائيليّة مثل بلديّة تل أبيب وعميدار..
هذه السّرديّة مُطعّمةٌ بالمحاكاة السّاخرة  من سالب المكان ومُشتّت أصحابه وأهله، وهي لا تتوانى في لسع المتعاون مع السّلطة أمثال سعيد في متشائل إميل حبيبي، لكنّها تحتفي بالابتهاج والفرح بأهل يافا الباقين في مدينتهم،  والّذين هم أشبه بالفينيق الّذي ضمّد جراحاته وتشبّث في مدينته يافا، وقام بزرع الأزاهير وشتلات البرتقال يبن الرّكام والحطام، كما تحتفي بتلامذة مدارس يافا الزّاحفين نحو العلم والشّموخ. إنّها سرديّة بنكهة يافية تحكي بحسرة كاوية رحلة البحث عن يافا الماضي بعيون جيل ما بعد النّكبة،تنوب وتصوّر وراء السّياج المكان المسلوب المعبرنة أسماؤه.
هذه السرديّة رغم محمولها التّاريخي الثّقيل من عبق وألق يافا الماضي الجميل من أسماء شوارع، ومساجد، وكنائس، ومدارس، وصحائف، ودور سينما، ومقاهٍ محفورة في الذّاكرة، وأسماء فنّانين وشعراء ومعلّمين، فهي
تحتفي بالإنسان اليافيّ الّذي ترك بصمات عميقة  في حاضر يافا، أمثال طيّبي الذّكر خالد جدي (حكيم يافا)، ويوسف الدّيك والحاج فتح اللّه سطل، كما تشيد بالمؤسّسات اليافيّة الوطنيّة الفاعلة داخل المجتمع اليافيّ، أمثال الرّابطة لرعاية شؤون عرب يافا.
لا تتّبع هذه السّرديّة التّراتبيّة والتّسلسل، وكأنّها هي الأخرى من إسقاطات النّكبة، فهي أشبه بكتابات تيّار الشّعور أو تيّار الوعي. كما أنّها لا تتموضع ضمن الكتابة عن الذّات أو جانر "أدب السّيرة الذّاتية"، وفق تعريف الباحث فيليب لوجون الّذي يرى به «حكي استرجاعيّ نثريّ، يقوم به شخصٌ حقيقيّ عن وجود الخاص»، فالخطاب السّيرذاتيّ وكذلك السّيرواية (دمج جانر الرّواية (التّخييليّ) والسّيرة (الواقعيّ)، بعيدان توصيفًا عن هذه السّرديّة اليافيّة المترعة بالحسرة والمرارة الحارقة، لِما آلت إليه يافا، والمتماهية مع شعر"المهزلة العربيّة"  لمحمود الحوت حيث يقول:
يافا، لقد جفّ دمعي فانتحبت دما/ متى أراك؟ وهل في العمر من أمد ؟/ أمسي، وأصبح، والذّكرى مجدّدة/ محمولة في طوايا النّفس للأبد.
لكنّها في شطرها الثّاني تستشرف الفرح، والرّفض، والصّمود اللّافح والمنبعث من قصيدة الشّاعر السّوري أدونيس (علي أحمد سعيد أسبر): "مقدّمة لتاريخ ملوك الطّوائف" الّتي ترسم  يافا  ثنائيّة من اليوتوبيا -  اللّامكان  ونقيضه المكان. كما تأخذ  يافا الأدونيسيّة معنًى كونيًّا  ورمزًا ومدلولًا شموليًّا، فهي رمز للدمّ النّازف من خاصرة العالم، وهي رمز لكلّ إنسان مَنفيّ ومُشرّد عن بيته وبيّارته، وهي رمز للرّفض:
"غير أنّ النّهر المذبوح يجري/ كلّ ماء وجه يافا/ كلّ جرح وجه يافا/ والملايين الّتي تصرخ: كلا، وجه يافا."

5
احتفاليّة إشهار كتاب نعيم بن حماد/ لد. محمد خليل
آمال عواد رضوان
     وسط حضور متنوّع من الأدباء والأصدقاء والأقرباء والمهتمين بشأن الثّقافة، وتماشيًا مع تعليمات وزارة الصّحّة وظروف الكورونا، تمّ عقد حلقتين أدبيّتين لإشهار وتوقيع الكتاب الجديد "نُعيْم بن حماد معارضًا للخلافة العبّاسيّة"، للكاتب والنّاقد د. محمد خليل، وقد نظّم الحلقة الأولى د. محمد خليل، في بيته العامر في قرية طرعان، بتاريخ 10.11.2021، والحلقة الثّانية أقامها منتدى الفكر والإبداع، في المكتبة العامة في شفاعمرو، بتاريخ 13.11.2021.
     بعد أن رحَّب د. خليل بالحضور، قدَّم لمحة مختصرة تُعرِّف بالكتاب، وإضاءة أوّليّة على مضمونه، والظّروف التّي رافقت تأليف الكتاب إلى أن رأى النّور، وضرورة تكثيف هذه النّشاطات، دعمًا وتشجيعًا للمبدعين، وتشجيع الوعي القرائي وتذويته، لاسيما في ظل ما تشهده الحركة الأدبيّة والثّقافيّة المَحليّة من ركود وتراجع، فمثل تلك النّشاطات تتيح الفرصة لالتقاء المبدعات والمبدعين، بهدف التّواصل، وتبادل الرّأي بقضايا تهمّ الأدباء والحركة الأدبيّة المحلية، والمشهد الثّقافيّ المّحلّي.
    الشاعرة آمال عوّاد رضوان تحدّثت عن الكتاب وأهمّيّته في التّوعية وزعزعة الرّاكد، إذ يعكس ظروفنا الرّاهنة التّي ما زالت قائمة منذ أكثر من ألف عام، هذا وقد شارك الجميع وتفاعلوا بالنّقاش والمداخلات وإبداء الرّأي، وفي نهاية اللّقاء تمّ توزيع الكتاب على الحضور. 
   في ما يلي أسماء الحضور والمشاركات والمشاركين في الأمسية: د. فهد أبو خضرة، عصام مخول، يزيد عواد، توفيق جبارين، جورج جريس فرح، نبيهة جبارين، نهاي بيم، موسى حنا، سعيد بدر، ناظم حسون، عبلة فراج، ناجي ظاهر، حسين الشاعر، حسن عيد عدوي، مها حنا، فاطمة عدوي، خالدّية أبو جبل، أمين خليل، د. ليلى حجة، غازي عدوي، الأستاذ نظمات خمايسي، إياد خليل، وفاء بقاعي عياشي، إقبال خليل، زينة فاهوم و آمال عواد رضوان.
  جاء في مداخلة د. محمد خليل:
    موضوع الكتاب هو توظيف الأدبيّ والدينيّ في السّياسي، ومقدرته كسلاح في محاولته تحقيق التّغيير الاجتماعيّ والسّياسيّ، معتمدًا على  منهج التّحليل النّقدي للخطاب أو للنَّص الذّي يوظِّفه نُعيْم بن حماد، كما يطلعنا على مواقفه المحدّدة والواضحة من الدّولة العبّاسيّة، من خلال كتابه الموسوم بـ (كتاب الفتن). كما هو معروف، لا يمكن فصل العنصر السّياسيّ عن العنصر الاجتماعيّ، أو الدينيّ، أو الثّقافيّ أو الأدبيّ، فجميعها متعالقة بعضها ببعض، والعلاقة بينها جميعًا كانت وما زالت علاقة جدليّة بامتياز. إنّ الأدب نسيج لغويّ بما يملكه من وسائل تعبيريّة، وأخرى تصويريّة متعدّدة يمكنه أن يؤدّي دورًا إبداعًّا فاعلًا، لاسيما في غياب الحياة السّياسيّة الصّحية، وما يرافقها من وسائل منع وقمع وتقييد، فكلّما ازدادت حدّة القمع والملاحقة، وكلّما ضاق أفق الحرّيّة، ازدادت الحاجة إلى الإبداع!
      أو كما يقال: "الحاجة أم الاختراع"! ما يدفع المبدع إلى أن يلجأ إلى النّص، وكذا كلّ فنّان آخر، فقد يكون الأدب والأديب مولودين شرعيين للواقع وللمجتمع، ضمن إطار زمكانيّ محدَّد، وهو ما يجعل الأدب أفضل وسيلة، وخير مقياس للمتغيّرات أو التّقلبات التّي تطرأ على المجتمع، الأمر الذّي يمنح الأدب دورًا فاعلًا في حياة مبدعه وحياة المجتمع، وفي إمكانيّة تحقيق التّغيير المنشود، فالوجود حركة لا تعرف التّوقف تمامًا، مثلما هو النّهر في جريانه هي الحياة.
    جاء في مداخلة آمال عوّاد رضوان: ميزان الحقيقة بين كفة التّفكير وكفة التّكفير!
   ليس سهلًا أن يحاول أحدهم الخروج على السّلطة، وإماطة اللّثام عن الحقيقة دون تصادم، أو تفاقم أو إعدام، أو دون التّعرض للعنة المطاردة، والمراقبة، والسّجن، والنّبذ، والنّفي، واللإقصاء، والتّغييب، والتّنكيل والتّكفير كوسيلة قمع للمعارضة، أو حتّى التّصفية النّفسيّة والجسديّة، فكم بالحري إن أراد مبدع أن يواجه أوصياء على رؤيةٍ مقدّسة، أو يعارض نظامًا سياسيًّا دينيّا وعبّاسيًّا وهو في أوجِه؟
     كان نعيم بن حماد سنيّ المذهب شيعيّ الهوى، يميل إلى علي بن أبي طالب، ويُفضّله على عثمان بن عفان، وقد قال سارتر: "الكلمات مسدّسات عامرة بالقذائف، فإذا تكلّم الكاتب، فإنّما يُصوّب قذائفَهُ نحو الخصم"! فللكلمات تأثيرٌ كبير بمدلولاتها الدّينيّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة، والثّقافية، وبشتّى أفكارها المتعالقة ببعضها على المدى القريب والبعيد في التّوعية، وبتبديل القيم الفكريّة، وبالتّغيير الاجتماعيّ والسّياسي.
   لقد ارتاى نُعيم بن حماد أن يوظّفَ الموروث الدّينيّ من الأحاديث النّبويّة المُكمّلة للقرآن، بكلّ أبعادها الدّينيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، كوسيلة ومحرّك ناجع في التّخفيف من المعاناة، فهي السّلاح الأقوى، ولها السّطوة في اختراق جُدُر المؤسسات السّياسيّة الحاكمة بقالب وغطاءٍ دينيّ، وفي مواجهة أنظمتها وأجهزتها الرّافضة للتّعدّدية، والّتي اتّخذت الشّريعة الإسلاميّةَ معيارًا أساسيًّا في تسويغ وجودها وأفكارها، إذ إنّ هذه الأحاديث النّبويّةَ لها خاصّيّةِ إقناع الجمهور من جهة، وتساهم في زعزعة الدّولة ومواجهتها، وفي مناكفة الاتّجاهات الفكريّة المختلفة من جهةٍ أخرى، لأنّها تعتبر مصدرًا موثوقًا حثّ القرآن على قبولها وطاعتها الواجبة، فهي مرجعيّةٌ أصليّة، لها دلالاتها الثّابتة والقاطعة والحاسمة التّي لا يُشكّكُ في مصداقيّتها، مهما تعاقب عليها الزّمان والمكان، لِما لها من امتدادٍ تاريخيّ ودينيّ في الوعي واللّاوعي الجمعيّ للمجتمع.  وما أشبهَ اليوم بالأمس البعيد، فهو واقع أليمٌ لا زالت الحكومات العربيّة تمارسه في تهميش المعارضين من الأدباء، وفي ترويع المفكريّن، وترهيب المبدعين بالقتل، وتهجير الأفكار وأصحاب العقول خارج أوطانهم، فنعيم حماد استبق الأحداث، ورامَ السّلامة كي يواجه الواقع، فهرب بفكره المناهض سِرًّا من بغداد إلبن ى مصر لمدة 40 عامًا، وضمَّنَ "كتاب الفتن" دوافعَه وأهدافه بموضوعاتٍ جريئةٍ، مناهضة للخلافة العبّاسيّة، ولانحراف الخلفاء العبّاسيّين عن شعارات الثّورة البدئيّة، وتناول القمع، والقهر السّياسيّ، والنّفي، والاغتراب بأشكاله المتعدّدة، وتطرّق إلى تهميش العنصر العربيّ، وسيطرة السّلطة العجميّة من الفُرس والأتراك.
   أصرّ نعيم بن حماد أن يكون ناقدًا متمرّدًا صاحب موقف، وأن يسلك الطّريق الصّعب، معتمدًا على روح الحديث النّبوي، إذـ "أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر"، فكتب بدمه سفر خلاص مجتمعه من السّلطان الجائر، وأمضى 7 سنين في سجن سامراء يتلقّى شتّى فنون التّعذيب، ثمّ قضى شهيدًا للحرّيّة عام 850م في خلافة المعتصم، "وقد أوصى أن يُدفن في قيوده وقال: "إنّي مخاصم"، فلم يُكفَّنْ، ولم يُصَلَّ عليه.
     البحث في هذا المضمار يتطلّب جهودًا كبيرة في التّنقيب، والتّحقيق، وبلورة فكرة موضوعيّة شاملة تعكس الظّروف متعدّدة الجهات، وذلك بسبب كثرة المصادر المُوالِية للفترة العبّاسيّة، وقِلّةِ المصادر المُعارضة، وذلك بسبب الخوف وسرّيّة الإصدارات من ناحية، وبسبب حرق المصادر المناوئة من ناحية أخرى، وهناك أسباب أخرى كثيرة.
إذن؛ لماذا يدخل د. محمد خليل هذا المضمار الشّائك؟ هل بسبب استمرار محنة الثّقافة العالميّة منذ الأزل إلى اليوم؟ هل لأنّ الثّقافة وليدة بيئتها؟ هل يريد توجيه أنظار وألباب القرّاء والمُتلقّين إلى صُلب الواقع، ليحثّهم على التّفكير بالتّغيير الإيجابيّ في المجتمع؟

6
اختتامُ فعاليّات يوم الثّقافة الوطنيّة في في جَمعيّة السّباط في النّاصرة
آمال عوّاد رضوان
      بالتّعاوُنِ معَ وزارةِ الثّقافةِ الفلسطينيّةِ الّذي تُحييهِ وزارةُ الثّقافةِ الفلسطينيّة في 13 آ ذار مِن كلِّ عام، واستمرارًا للنّشاطاتِ الثّقافيّةِ الوطنيّةِ في جَمعيّةِ السّباطِ للحفاظِ على الثّقافةِ والتّراثِ في النّاصرة، اختتمتْ جَمعيّةُ السّباطِ فعاليّاتِها بأمسيةٍ شعريّةٍ، أحيتها الشّاعرتان آمال عوّاد رضوان وهيام مصطفى قبلان اللّتان حلّتا ضيفتيْن على جَمعيّة السّباط بتاريخ 19-3-2021، وقد كانتْ أمسيةً شعريّةً مميّزةً، وسطَ عدد مُحدّدٍ مِن أدباء وفنّانين تشكيليّين ومِن أعضاءِ جَمعيّة السّباط، وذلك تماشيًا معَ تعليماتِ وزارةِ الصّحّةِ حول الكورونا. وقد ازدانتْ زوايا وجدرانُ جمعيّة السّباط بلوحاتٍ تشكيليّة معروضة بشكل جذّاب، وتخلّلَ الأمسيةَ برنامجٌ فنّيٌّ موسيقيٌّ للشّباب من معهد زرياب بمعزوفاتٍ عذبةٍ لعبدِ الوهاب.
    وجاء في كلمةِ الباحثِ خالد عوض مدير جَمعيّة السّباط: إنّ الجَمعيّةَ وخلالَ مسيرتِها الثّقافيّة ومنذ تأسيسها عام 1999، كانتْ وما زالت تُحيي هذا النّشاطَ الوطنيّ، بالتّعاون مع وزارة الثّقافةِ الفلسطينيّة، ممثّلةً بوزير الثّقافة الدكتور عاطف أبو سيف، والكاتب رئيس اللّجنة المنظّمة عبد السلام العطاري، وقد جاءتْ فعاليّاتُ يوم الثّقافة الفلسطينيّة لتُسهمَ في تكامُلِ خارطة الوجود الفلسطينيّ في كلّ أصقاع الأرض، لتَكتملَ مَشهديّةُ الفعل الثّقافيّ الوطنيّ الفلسطينيّ، مع شقي البرتقالة (الدّاخل الفلسطينيّ والضفة الغربيّة وقطاع غزة ) والشّتات الفلسطينيّ، إذ تؤكّد هذه الخارطةُ السّياسيّةُ الثّقافيّة على حقيقةِ أنّ الثّقافةَ الفلسطينيّة واحدةٌ ومُوحّدة، وهي جزءٌ لا يتجزّأ مِن هُويّة الشّعب الفلسطينيّ رغمَ كلِّ القيود، وهو ما تصبو إليهِ إدارةُ جَمعيّة السّباط بمشاريعِها الثقافيّة، للمُساهمةِ في الحفاظ على التّراثِ الشّعبيّ، وإنقاذه من خطر الضّياع، وأن يكونَ عبارة عن مركز يُساهمُ برفع مستوى الوعي، وتعزيز الهُويّة عند الأجيال النّاشئة، ومَعلمًا هامًّا للزوّار المَحلّيّين والأجانب الّذين يزورون النّاصرة والأراضي المقدّسة في البلاد.
     وتحدثت آمال عوّاد رضوان عن تأسيس "نادي الكنعانيّات للإبداع" بإدارتها، وبرئاسة د. روزلاند دعيم، في 13-12-2019، وحول أهدافهِ ونشاطاتهِ الثّقافيّة، والعمل على تشبيكِ النّشاطاتِ الثّقافيّة المشتركة وتوطيد العلاقات مع المُؤسّسات الثّقافيّة في كلّ أرجاء البلاد.
وفي نهاية اللّقاء قامت إدارة جَمعيّة السّباط للحفاظ على الثّقافة والتّراث بتكريم الشّاعرتين آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان، والفنّانين التشكيليّين الّذين شاركوا في معرض "أرضي زهرة في آذار": مبدّا ياسين، زياد أبو السعود الظاهر، علا سالم، منيرة تركمان، عبير زبيدات، حسن طوافرة وإلياس عاقلة. وكذلك كرّمت الشباب العازفين الّذين اضافوا رونقًا موسيقيًّا جميلًا، تفاعلَ معهُ الحضورُ الّذي جاء خصّيصًا لإحياءِ هذا الحدث الهام.
    وفي نهاية الأمسية قامتْ إدارةُ جمعيّة السباط مع الضيوف بجولةٍ في أرجاء متحف السّباط، والّذي يحوي مجموعةً كبيرةً مِن المعروضاتِ تصل إلى أكثر من 700 قطعة، تُحاكي واقعَنا الفلسطينيّ قبلَ النّكبة، مِن أدواتٍ تراثيّةٍ استخدمَها الفلسطينيّ الّذي يعيش في بلدٍ عاشتْ فيها أقدمُ الحضارات، ونشأتْ فيها الدّياناتُ السّماويّة الثلاث، وبحسب حُقبها التّاريخيّةِ إلى مجموعات:
1- مجموعة أثرية تحوي جرة وبعض صحون كنعانيّة، وقوارير و "ساركوفاج" – تابوت حجري رومانيّ وبعض الحجارة الأثريةّ.
2- مجموعة أواني زينة تعود للفترة المملوكية، 1250 - 1516.
3- مجموعة من الأواني والأدوات والأسلحة التقليدية تعود للفترة العثمانية، 1516- 1916.
4- مجموعة من الأدوات التّراثية الفلسطينيّة إبان الانتداب البريطاني: أدوات الزراعة، أدوات العمل، أدوات المطبخ، الزي الشعبي التقليدي للنساء والرجال، وإكسسوارات وحلي زينة، وادوات انارة وطهي، ومعروضات البيت العربي، وصيدلية تقليدية – الأكزاخانة، ومجموعة من السجلات والكتب الطبية والرسومات الّتي يظهر فيها تاريخ الطب القديم وحتى يومنا هذا، وكتب ومجلات فلسطينيّة قديمة.



7

صَــدَى صَــوْتِــك الْــمُــقَــدَّس


آمال عوّاد رضوان

 

عَذَارَى أَحْلَامِي

مَا انْفَكَّتْ تَسْتَحِمُّ

بِأَنْهَارِ خَمْرِ خيَالِك

تَضْفِرُ شَوَاطِئِي .. بِرَوَائِحِكِ الْمَسَائِيَّةِ!

***

ومَا انْفَكَكْتِ .. بِهَسْهَسَةِ كُؤُوسِكِ

تُــغَــــمْــــغِــــمِــــــيــــــنَ

و....

أ~ نْـ~ دَ~ لِـ~ قُ

أَ~ نْـ~ زَ~ لِـ~ قُ

خَارِجَ عِنَاقِ الْعُشَّاقِ

وَأَغْرَقُ

بِحِنْطَةِ شِفَاهٍ مُحَنَّطَةٍ

بكَلَامٍ مُبَلَّلٍ!

***

كَمْ رَاهَنَ وَمْضُكِ

عَلَى مَجْدِي!

كَمْ تَجَرَّعْتُكِ ضَوْءًا

وَاحْتَرَقْتُ ذِكْرًى

عَلَى ضِفَّةِ فَقْدِكِ!

***

قَلْبِي .. لَمَّا يَزَلْ أَعْرَجَ

يَدرُجُ

عَلَى سِكَّةِ نَهَارٍ انْهَارَ

فِي مَتَاهَةِ هَوَاءٍ مَائِعٍ!

وَعَلى كَتِفِ حُلُمٍ مَائِيٍّ

تَفَتَّحَتْ عُيُونِي .. رَبيعًا

يُسْرِعُ الخُطَى صَوْبَ ..

صَدَى صَوْتِكِ المُقدّس

***

أَنَا مَنِ اقْـتَـفَـيْـتُـكِ

بَـــهْـــــجَـــةً شَــــمْــــعِــــــيّــــَةً

تَـــوَسّــَلْـــــتُـــــكِ ضــــــوْءًا

وَبَـاغَــتَــتْــنـي

طُيُورُ حَيْرةٍ بَاهِتَةٍ

بشَهْوَةٍ

نَقَرَتْ لِسَانَ قَلْبِي

أَكَـــأَنَّــــمـــــا

اعْـــتَــــنَـــقَــــنــِي الــْغُـــبَـــارُ

وَ تَـ خَــ ا رَ قَــ ـتْـــ ـنِـــ ـي

لَعْنَةُ الْهُرُوبِ!

8
امرأةٌ وعريّةٌ في نادي الكنعانيّاتِ للإبداع- الكرمل!
آمال عوّاد رضوان
أقام نادي الكنعانيّات للإبداع أمسية ثقافيّة، احتفاءً بتوقيع كتاب- امرأة وعرية- باكورة أعمال الكاتبة تفاحة سابا، الصادر عن دار الوسط للنشر والإعلام في رام الله، وذلك بتاريخ 27.6.2020، في مركز دنيا في دالية الكرمل، في جوّ  حميميّ راقٍ وبتنظيم رائع، ووسط حضور كبير من شعراء وأدباء وأصدقاء وأقرباء، وبعد استقبال الضيوف والترحيب بهم، تولت عرافة الأمسية الإذاعية غالية ناطور قدور، وكانت مداخلة نقدية لرئيسة نادي الكنعانيات للإبداع د. روزلاند دعيم بعنوان- خواطر وعرية تكسر صمت شهرزاد، أما الكاتبة هيام أبو الزلف فقد حاورت تفاحة سابا حول توجهها الأدبيّ وإصدارها ومضامينه وبواعثه، أمّا الشاعرة آمال عواد رضوان المحررة الثقافية في الوسط اليوم فقد تحدثت عن سمة التمرد الاجتماعي والنفسي في نصوص الكتاب، وقرأت نصين شاهدين على الطرح، وقد قرأت تفاحة نصوصا بمرافقة موسيقية للفنان مروان حلبي، وختمت اللقاء بكلمة شكر للحضور والمتحدثين، وللإعلامي جميل حامد رئيس ومؤسس دار الوسط للنشر والإعلام ومتابعته الدقيقة لمراجعة وطباعة الكتاب، ثم تم التقاط الصور التذكارية. 
*مداخلة د. روزلاند كريم دعيم رئيسة نادي الكنعانيات للإبداع: خواطر وعرية تكسر صمت شهرزاد
مساؤكن ومساؤكم بعطر الصنوبر والسرو، بعطر الكرمل وعبق الجبل.
لوجودي هذا المساء بينكم ملامحُ عديدةٌ تتعالق كالتعالقات النصية وتتداخل كدوائر انتماءاتنا. تستضيفني صاحبة الحفل لأحتفي معها بصدور "امرأة وعرية"، فعلاقتنا تمتد إلى بداية دراستنا الجامعية، حيث كنا شابات واعدات نحمل أفكارًا جريئة ونبحث عن سبل تحويلها إلى وقائع؛ مغازلات فكرية وصداقة وسفر وسهر ودراسة وبحث.
للكرمل في حياتي مكان، حيث قضيت سنوات طفولتي وشبابي الأولى من خلال عمل والدتي في التدريس هنا؛ فعشت الناس والحكايا والثقافة والحضارة واللهجة والمعتقد والنادرة والأدب... وحصلت على كتبي الأولى وتحفي الأولي من الكرمل الجميل.
تم تأسيس نادي الكنعانيات للإبداع قبل أقل من عام ليكون منصة مستقلة حرة تجوب كنعان والجولان، تحمل رسالة وطنية وفكرية وثقافية، تشارك بها شابات واعدات وأستاذات متمرسات، كسبن ثقة المشهد الثقافي بجهودهن وأخلاقياتهن وإبداعاتهن، وقد أصدرت الغالية تفاحة كتابها "امرأة وعرية" في دار "الوسط اليوم" للنشر والإعلام، الراعية الدائمة لنادي الكنعانيات للإبداع.
ومع اكتمال الدوائر والتعالقات يأتي كسر الصمت. لقد صمتت شهرزاد الجريئة التي تحدت شهريار عن قول الكلام المباح لقرون، أما بنت الجبل فقد كسرت حاجز الصمت من كلمتها الأولى، فهي على لسان المرأة تحكي ولا يدركُها الصّباحُ مثل شهرزاد، ولا تسكت عن أيّ كلام مباح، لتعود إلى ميثولوجيّا بدئيّةٍ تعاصرُ تشكُّلَ الفكرِ الإنسانيّ، وتنتقد صميمَ الدّيانات، وصميمَ قصّة الخليقة وجميع موتيفات الزّواج المقدّسة بحسب الشّرائع السّماويّة والتّوحيديّة، وثورة على المعايير المجتمعيّة والدّينيّة، لتدمج بين الجانب الشّعبيّ والميثولوجيّا: نِحْكي وَلّا ننَام؟؟!!
"مونودراما خطابيّة"، من مقطوعاتٍ سرديّة وحواراتٍ جريئة، تتمرّد بها الكاتبة على جميع التّعريفات والقوالب الفنّيّة، كتمرّدها على القوالب التّقليديّة الّتي تتناولُ قضيّة المرأة تناولًا تقليديًّا، وفي كلتا الحالتيْن يكون النّاتج غنيًّا رصينًا ومثيرًا، حيث أنّها تحملُ رؤيا واضحةً، وفكرًا حضاريًّا ثقافيًّا تراكميّا.
أتت نصوصُها نثريّةً بلغةٍ بسيطةٍ مباشرة غير استعراضية تحمل صورًا ومشاهد حية، وتحملُ روحَ ومشاعرَ أنثى متمرّدةٍ على المجتمع الذّكوريّ المسيطر والمسيّر للمرأة بحسب مفاهيمِهِ المتوارثة؛ نصوصٌ تحملُ صبغةَ غضبٍ وثورةً تنتصرُ لكرامة الأنثى ولكيانها ولعزّة نفسها، تستذكرُ العصرَ الأموميَّ حين حكمت الكونَ سيّداتٌ: ربّاتٌ وآلهاتُ خصوبةٍ وجمالٍ ومعرفة، كاهناتٌ ونبيّات، وعلى ما يبدو، فإنّ لكلّ نصٍّ خلفيّةً وقصّة في نفس الكاتبة، حيث تُعبّرُ بعضُ النّصوص عن تجربتها الزّخمةِ الغنيّةِ بالمعاناة إلى جانب الاكتشافات المثيرة، ولكن ممّا لا شكّ فيه، أنّ النّصوصَ بمُجملِها تُؤكّد سِعةَ اطّلاعِها في ثقافاتٍ وحضاراتٍ شرقيّةٍ مختلفة، ويتجلّى فيها تأثّرُها بدياناتٍ بوذيّةٍ وهندوسيّة، بالإضافةِ لمعرفتِها الواضحةِ بالدّيانات السّماويّة.
تبدأ المجموعةَ بنصٍّ سرديّ مُسجّع، يحملُ عنوانَ "قصّة غير شعبيّة – نحكي ولا ننام؟" عنوانٌ استفهاميٌّ بصيغةٍ تساؤليّةٍ، وقد تكونُ تشاوريّةً أو بلاغيّة يحملُ المفارقاتِ الفكريّة؛ فمن ناحيةٍ يأتي عنوانُ النّصّ الأوّل بإعلان أنّ الحديثَ يدور حول قصّة، مع التّأكيد على أنّها غير شعبيّة، ممّا يشير بشكلٍ أو بآخر، إلى كونها النّقيض من ذلك؛ أي قصّة رسميّة، إلّا أنّ الشّطر الثاني من العنوان يتكوّن من تناص واضح، تبدأ به الحكاياتُ والخرافات الشّعبيّة "نحكي ولا ننام؟"، لتضعَ القارئَ أمام تساؤلاتٍ عديدة في محاولةِ فهمِ العنوان وتأويلاته، وتبدأ بالجملة الافتتاحيّة المعهودة للقصص الشّعبيّ الخرافيّ:
كَانْ يا ما كانْ في قَديمِ الزّمان/ في سالِفِ الْأَوانْ وقَبْلَ الْأَدْيانِ
ويبدأ الصّوت بالحكي والحكي والحكي دون كلل، لينتهي النّصّ بحركة دائريّة، تعودُ بنا إلى البداية، دون الحصول على إجابةٍ وافيةٍ، بل على العكس، مع تساؤلاتٍ كبيرة تبقى مع القارئ كزاد للتّفكير:
ثُمَّ يَسْألونَني أَيْنَ أَنْتِ مِنَ الدِّينْ؟/ ما رأيُكُم أَيُّها الْأَنام/ نِحْكي وَلّا ننام؟؟!! 
ولو بحثنا عن مكنونات العنوان: امرأة وعرية فإننا نكتشف إشاراتٍ ورموزًا متناقضة، بين مساراتٍ من اللّطف والنّعومة والأنوثة، والقوّة والضّعف، والحكمة والحنكة مما يُؤكّد أنّنا أمامَ حالةٍ صعبة تقول بضمير المتكلّم:
مَهْمَا تأنّقتُ، تَرَفَّعْتُ/ وَتَأَلَّقْتُ/ تَخْتَبِئُ في أَعْماقي/ امْرَأَةٌ أُخْرى/ صَحْراويَّة/ غَجَرِيَّة/ وَعْرِيَّة
هذه المرأةُ متعدّدةُ الوجوه والحالات والخطابات والأدوار، تتحرّك في الفراغ الباطنيّ والعقل الباطن الّذي
يتصارع مع الواعي، لا بل قد يغلبه في بعض الأحيان، تحثّها على الحركة وتهمس في أذنها، فتعيش في حالة روحانيّة "أوفورية" حتّى تغيب عن الوعي.
وتأتي اللّازمة "صحراويّة غجريّة وعريّة" لتفصل بين المشاهد والأقنعة والأصوات، وتُؤكّد برسالتها الواضحة أنه:
في كُلِّ امرَأةٍ مَهْمَا تأنّقتْ/ مَهْمَا تَرَفَّعَتْ وَتَأَلَّقَتْ/ تَخْتَبِئُ امْرَأَةٌ أُخْرى / صَحْراويَّة .. غَجَرِيَّة .. وَعْرِيَّة
وينتهي النّصُّ باعترافٍ واضحٍ ومباشرٍ بهذا التّناقض بين الإباء والكبرياء والوعورة؛ امرأة تتحدّث ببوليفونية متعدّدة الأصوات والقنوات، في حين تجمع بين تناقضات الدّاخل والخارج تتكاثف في الدّاخل أصوات عديدة متلبّسةً شخصيّات عدّة.
وتتلوّن المشاهد في عددٍ من النّصوص؛ لتعلن تمرّدها علانيّةً في "ما عدت أخاف"، ولا يأتي تمرّدُها من فراغ، فأرضُها راسخةٌ على محور الزّمان وفي كلّ مكان. فَلي مُتَّسَعٌ مِنَ اِلانْتِماءِ/ يَمْتَدُّ مِنْ ذاتي/ إلى كُلِّ الْأبْعادِ وَالْأَنْحاء/ لِأَسْتَوْطِنَ فيهِ أَوْ .. لا/ لا أَخافُ... ما عُدْتُ أَخاف!/ أَنْ أَكونَ رَبَّةَ الْكَوْنِ أَوْ إِلهَة/ نارًا مَعْبودَةً  أَو .. لا / لا أَخافُ... ما عُدْتُ أَخاف!/ أُعْلِنُها عالِيَةً فَوْقَ رُؤوسِكُمْ/ قَدْ تُصيبُ قُلوبَكُمْ وَقَدْ لا/ لا أَخاف!
وتعودُ حركتُها الدّائريّة في "هي كلّ الحكاية"، لتُؤكّد الحركة الدّائريّة الّتي امتدت من آلهات الميثولوجيّا وربّات الكون، لتُنزل البطلات عن عروشهنّ، ويستبدلنها بانكساريّة أميرات الحكايات الخرافيّة في الحضارة المعاصرة، اللواتي يعشن "ميتوس" الجمال الوهميّ.
وتُؤكّد حركتها الدّائريّة في "حيث لا أعرف": أَهيمُ عِشْقًا بِهذِهِ اللَّحظاتِ مِنَ الْهَذَيانِ/ حَيْثُ الدَّوَرانُ
وأي دائريّة هذه؟ هل هي دائريّة الحبكة الّتي لا تنتهي، أم أنّها دائريّة الرّقص المقدّس وطواف الزار؟
وأخيرًا، في قراءة النّصوص المطروحة بأدبيتها وشعريتها وفنها وثوريتها وجرأتها ورسوخها نسمع بوضوح، صرخة جريئة مغايرة تكسر حواجز الصمت عبر العصور، ورغم أن شهادتي قد تكون مجروحة، إلّا أنّها نابعة من تحد فكري، ينسجم ورؤية تفاحة المتمرّدة.
أتمنى لتفاحة السّنوات الطوال المعززة بوافر الإصدارات ولنا العديد من الحوارات والجدالات
**جاء في مداخلة آمال عوّاد رضوان مديرة نادي الكنعانيات للإبداع:
معظم نصوص تفاحة سابا تتميز بلغة متمردة ثائرة على المجتمع الشرقي، كونها تتمتع بالحقوق والحرية، وتتمسك بآرائها وعنادها، فلها عالمها المحبب الخاص بها وبشروطها، فنراها تطالب بتحرير الانثى من قيودها الاجتماعية، ومن التقاليد والأعراف السائدة، ولكل نص طبيعته وبواعثه الخاصة، فتقول تفاحة سابا في نصّ اِمْرَأَةٌ وَعْرِيَّة:
مَهْمَا تَأَنَّقْتُ، تَرَفَّعْتُ.. تَأَلَّقْتُ/ تَخْتَبِئُ في أَعْماقي امْرَأَةٌ أُخْرى.. صَحْراويَّة .. غَجَرِيَّة.. وَعْرِيَّة/ أَتَــنَــفَّـسُـهـا.. مِنَ الْوَريدِ إِلى الْوَريدِ .. تَتَقَمَّصُني كَالْجِنِّ/ تَسْكُنُنِي .. تَتَلَبَّسُنِي كَالْهاجِسِ.. تُوَسْوِسُ لِي.. تُلِحُّ عَلّيَّ أَنْ أَتْحَرَّكَ
تُوَشْوِشُنِي .. تَهْمِسُ في أُذُني.. سِرَّ الْأسْرارِ الْخَفِيّ
تَخْتَبِئُ في أَعْماقي امْرَأَةٌ أُخْرى.. ذاتَ شَعْرٍ أَسْوَدَ لَوْلَبِيّ/ تَخُطُّ الْكُحْلَ في عَيْنَيْها/ تَضَعُ في كاحِلَيْها أَكْثَرَ مِنَ خَلْخالٍ.. مِنَ الْخَرَزِ الْمُلّوَّنِ وَحَبِّ الْقُرُنْفُلِ/ تُبَلِّلُ قَدَمَيْها بِالْماءِ.. تَنْثُرُ الْعَبَقَ الشَّهِيَّ.. حَتَّى يَغْشاها .. وَتَغيبَ عَنِ الْوَعْيِ
تَخْتَبِئُ في أَعْماقي امْرَأَةٌ أُخْرى ..تُمَسِّجُ صَدْرَها النُّحاسِيَّ .. الْمُكْتَنِزَ السَّخِيَّ/ وَتَمْنَحُهُ لِلْكَوْنِ هَدِيَّة/ تُعَلِّقُ في عُنُقِها الْعِقْدَ تِلْوَ الْآخَرَ/ وَفي نَظْرَةٍ مِنْ أَلَقِ عَيْنَيْها.. تُفَكِّكُ ما تَشابَكَ مِنَ الْعُقَدِ/ تَلُفُّ حَوْلَ ذِراعَيْها وَيَدَيْها الْأَساوِرَ .. تُزَيِّنُ أَصابِعَها بِالْخَواتِمِ/ وَتَنْثُرُ الْوَشْمَ عَلى صَفاءِ جَسَدِها/ كَالنُّجومِ في صَفْحَةِ السَّماءِ .. تُعْلِنُ لِلسِّوادِ حَتْمِيَّةَ النُّورِ
تَلْبِسُ ما يَحْلو لَها.. ما يَسْتَفِزُّ الْغَرَابَةَ في النُّفوسِ .. وَالْعُيونِ .. / وما يَشي بِالْاسْتِحالَة .. تَسْتُرُ، تَكْشِفُ .. تُغَطِّي، تُعَرِّي ما يَطيبُ لَها/ ما يُبْرِزُ مَواقِعَ الْفِتْنة .. وَيُثيرُ الشَّغَبَ/ قَوانينُ التَّهْدِئةِ لا تَعْنيها/ تَنْظُرُ إِلى نَفْسِها في الْمِرْآة .. ظُهورٌ أُنْثَوِيٌّ شَقِيّ
مُعْجَبَةٌ هِيَ .. تَبْعَثُ قُبْلَتَيْنِ وَاحْتِضان .. إِلى نَفْسِها وَإِلى الْكَوْن/ وَتَخْرُجُ.. تَمْشي..  وَتَتَهادى/ تَهُزُّ الْأَرْضَ .. مَعَ اهْتِزَازِ أَطْرافِ جَسَدِها وَحُلِيِّها/ صَحْراويَّة .. غَجَرِيَّة .. وَعْرِيَّة .. لَكِنَّها تَتَجَمَّل / تَصْرُخُ بِصَوْتِ زينَتِها
في وَجْهِ مَنْ يَقْمَعُها .. مَنْ يَدْعوها أَنْ تَتَقَلَّصَ .. في وَجْهِ مَنْ مَنْ يَحْجُبُها/ تَعْزِفُ لَهُ بِموسيقى زينَتِها ../ مَعْزوفَةَ حُبٍّ/ وَتَدْعوهُ لِمُراقَصَةٍ وَحْشِيَّةٍ
تَخْتَبِئُ في أَعْماقي امْرَأَةٌ أُخْرى .. مُفْعَمَةٌ بِالنَّهَمِ هِيَ/ تَتَحَدَّى بِصَخَبِ أَلْوانِها .. رَتابَةَ صَحْراءِ الْحَياة
وَمِنْ مَواقِعِ الْفِتْنَة .. تُحْدِثُ الثَّوْرَة / نعم.. في كُلِّ امرَأةٍ مَهْمَا تَأَنَّقَتْ .. مَهْمَا تَرَفَّعَتْ وَتَأَلَّقَتْ/ تَخْتَبِئُ امْرَأَةٌ أُخْرى / صَحْراويَّة .. غَجَرِيَّة .. وَعْرِيَّة
**معظم نصوص تفاحة تتحدث بصيغة الأنا وبتمرّد نفسي، تتحدث عن نفسها بالصيغ المفردة، وتتمرد علی الماضي. لقد قالت غادة السمان: "تمرد المرأة على الحب .. معناه تمردها على أنوثتها! والتمرد على الأنوثة ليس إنتصارًا/  إنه بُؤرة الإنهزام والإنكسار.. إنه الشيخوخة المبكرة؟ فأين تقع تفاحة من هذا القول؟ دعونا نستمع ولتحكموا بأنفسكم. تقول تفاحة سابا في نص- أنا لا أُلَمْلِمُ نَفْسي:
أَنا لا أُلَمْلِمُ نَفْسيَ مُسْتَعْجِلَة/ أَوْ خَجِلَة، عِنْدَ الْحُبِّ.. أَوْ بَعْدَهُ .. وَلا عِنْدَ الْفَرَحِ/ أَنا أَنْفَجِرُ عِنْدَ الْغَضَبِ .. وَلا أَعْتَذِرُ/ أَنْسابُ في الْحُلْمِ .. أتَهَشَّمُ معَ الْحُزْنِ/ أتَفَتَّتُ مِنَ الْوَجَعِ .. وَلا أَجْفُلُ مِنْ تَناثُرِ أَشْلائي
أَنا أُطْلِقُ صَوْتَ الصَّهيلِ .. مِنْ أَعْماقي/ أَحْتَضِنُ كُلَّ الآتي.. وَأَسْتَبقيهِ حَتَّى الرَّمَقِ الْأَخيرِ وَاسْتِنْفادِ الْقوى..
أَنا لا أَجْلِسُ مَكْتوفَةَ الْيَدَيْنِ .. كَما عَلَّمَتْني مُدَرِّسَتي في الِابْتِدائِيَّة/ وَلا أَكْتُبُ بِخَطٍّ صَغيرٍ مُرَتَّبٍ مُنَمَّق/ حُروفي مُتَناثِرَةٌ .. هَوْجاءُ كَأَفْكاري... كَأَحْلامي .. كَمَشاعِري... كَخَيالاتي
أَنا لا أَضَعُ إِصْبَعي عَلى فَمي .. دَلالَةَ السُّكوتِ/ وَلا أَرْفَعُ يَدي طَلَبًا لِلْكَلامِ/ أَنا أَنْدَفِعُ مُتَدَفِّقَةً هَادِرَةً كَماءِ نَهْرٍ انْهارَ بِهِ السَّدُ
أَنا لا أَتَرَبَّعُ عَلى الْأَرْضِ مَحْنِيَّة .. كَما رَوَّضَتْني أُمِّي/ وَلا آكُلُ اللُّقْمَةَ صَغيرَة .. أُحِبُّها مِلءَ فَمي شَهِيَّة/ وَلا أَضُمُّ رِجْلَيَّ .. أَكْرَهُ مَفْهومَ الْحَشْرِ أَيْنَما حَلَّ
أَنا لا أَرْبُطُ شَعْري .. أُحِبُّهُ مَنْفوشًا/ وَصَدْري مُشَرَّعًا لِوَجْهِ الشَّمْسِ وَالْحُرِّيَّةِ، أُحِبُّهُ
أَنا أَعْشَقُ الانْزِلاقاتِ والْوقوعَ في الْحُفَرِ- وَالتَّسَرُّبَ كَالْماءِ في الرَّمْلِ/ وَالذَّوَبانَ.. وَالْمَشْيَ في الْأَزِقَّةِ الْجانِبيَّة
وَالْبَحْثَ في الشُّرُفاتِ عَنْ أَسْرارِ أَصْحابِ الْبيوتِ.. وَكِتابَةَ الْقِصَصِ
**هيام ابو الزلف تحاور تفاحة سابا
1*حدثينا عن بداياتك في الشعر ودافعيتك لكتابة الشعر؟
قصتي غريبة مع كتابة الشعر، أولا لم يكن الشعر يوما من الأنواع الأدبية التي تستهويني، دائما كان لي ما أقوله في قضايا كثيرة، ودائما سئلت من قبل أصدقاء: لماذا لا تصوغي أفكارك بصورة أدبية.
بدأت كتابة الشعر قبل أربع سنوات فقط، ضمن تجربة روحية مثيرة في معبد دمنهور في إيطاليا، وهو معبد محفور في الجبل بعمق 70 متر وبمساحة 7000 متر مربع، وهو من أكثر المعابد إثارة في العالم. يقع في منطقة  تمر فيها 4 أو أكثر من خطوط. هو عبارة عن كتاب في الحجر مليء بالأعمال الفنية: زخارف بديعة، رسومات، فسيفساء، لوحات جدارية، زجاج، منحوتات، مندلات وكلها تحكي قصة الحضارة الإنسانية والعالم، وهدفها تأكيد التعاون الإنساني المسالم.
كنت قد بدأت مسارا روحانيا متنوعا تضمنَ رحل روحانية في العالم، دراسة علم النفس البوذي وممارسة تدريبات التأمل، وكنتاج لهذا المسار تفتحت ملكات في داخلي، ولم ابق محصورة ضمن البعد العقلاني، ولكن ما حدث هناك أني رأيت مشهدا لطفلة معينة كنت متأكدة أنها أنا، رأيتها بكل تفاصيلها، وجهها، لون بشرتها، شعرها، لباسها، نظرة عينيها، كانت من فترة زمنية بعيدة (مئات السنين)، رأيت مميزات المكان، الشارع، البناء، ورأيت ما يحدث معها. وهكذا كانت أول قصيدة كتبتها عن هذه الطفلة، وعن مجموعة تجارب حدثت هناك.. لم تدخل أي قصيدة في هذا الكتاب
قد يبدو ما أقوله أشبه بالهذيان أو غير قابل للتصديق. ولكن هذا ما حدث. ومن يومها انا أكتب الشعر، وما زلت حتى اليوم أكتب بنفس الطريقة يراودني مشهد - أو تلح على رأسي جملة لها علاقة بالتأكيد بمخزوني الثقافي، وبالقضايا التي تشغلني، فأقذفها شعرا دون فلترة أو سيطرة عليها أحيانا، او تخرج كالطلق في حالة ولادة مستعصية أحيانا أخرى
2* ما هي المضامين التي تتطرقين لها
قضيتي المحورية هي الإنسان- حريته وكرامته في هذه الحياة التي تديرها الكثير من القوى العاملة على تهميشه، على قتل ملكاته وقدراته، على التلاعب بمصيره. ضمن هذه القضية الكبرى تبقى قضية المرأة هي الأهم وهي المركز في كل كتاباتي.
لا يمكن أن أنظر الى هذا العالم وأتعامل معه منفصلا عن قضية المرأة، وتحرير المرأة من القمع والاضطهاد الذي مورس ضدها على مدار عصور وتذويتها لهذا القمع لدرجة انها تؤمن بذاتها انه طبعها او أنه هكذا خلقت المرأة... هذا الواقع يتطلب أنسنة من جديد لها وللرجل على حد السواء وهذا ما أحاول أن أقوله في كتاباتي التي تكون أحيانا غاضبة،متمردة،متحدية وأحيانا حزينة منكسرة...
3* حدثينا عن غلاف الكتاب:
الغلاف هو صورة لبيلية إلهة النار والبراكين في هاواي – كنت هناك في مسار روحاني،أحد أبعاده كان التواصل مع البعد الأنثوي، وقد اخترت الصورة لثلاثة أسباب:
رأيت أنه يجب استحضار من جديد فكرة ألوهية المرأة التي سُلبت منها على المستوى الشخصي وعلى المستوى الحضاري.
أردت لهذه العظمة المتجلية بالنار والبراكين بما تحمله من تمرد على النظام القائم والقدرة على قلب الموازين أن تأخذ مساحتها في الغلاف كما لها من مساحة كبيرة في مضامين الكتاب
رأيت ان الصورة بما تحمله من التصاق بالأرض والطبيعة تتماشى مع نموذج المرأة الوعرية وتعكسه -وهو عنوان الكتاب وعنوان إحدى القصائد فيه.. رغم اني أرفض أي تنميط أو تعميم في شأن المرأة.
4* بأي مدى تعكس كتاباتك أفكارك ونهج حياتك
غالبا الشاعرات يسألن عن مدى علاقة نصوصهن بحياتهن وليس الرجال، ويكون الهدف من السؤال هو التلصص على حياتهن، واستعمال المعلومات فيما بعد كأداة تشهير ضدهن، ولأن هذا هو الواقع غالبا ما تكون الإجابة تنصلا من أي علاقة بين نصوصهن وحياتهن، وغالبا ما يحاولن تفسير ما يكتبنه في أشعارهن، على أنه حالة من الابداع والتخيل ولا يمت بالضرورة لحياتهن بصلة تماما كالتمثيل مثلا
أنا أريد أن أوضح أن كل ما أكتبه هو عني، يعكس غضبي، تمردي، حزني،خيبة املي، أحلامي، أفكاري، قيمي، مواقفي في الحياة، خيالاتي، توقعاتي، عواطفي، تجاربي، خبرتي، كيف يمكن أن يخرج نتاجا فنيا وفكريا مني ولا يكون عني؟ والسؤال الأهم ماذا نعني عندما نقول "حياة"؟ -
كلمة حياة لا تقتصر على سلوكنا الخارجي،هي كل ما نحن عليه،هي لحظات قلقنا ووجعنا وفرحنا،هي قصص حبنا وانكسارنا وجرأتنا وتحدينا،ومن يتنكر لكل هذه الشمولية في الحياة يتنكر لإنسانيته، لذلك عندما أكتب عني أنا أكتب من خلالي عن تجربة إنسانية شمولية وأكتب عن النساء عامة
وكما في الفكر النسوي الشخصي هو سياسي – ما يحدث معي كامرأة أو كإنسان يحدث معي لأني انتمي لفئة معينة. أنا آتي من خلالي بصوت غيبته الحضارة الإنسانية بما في ذلك الشعراء الذين تكلموا عن المرأة فقد تكلموا عنها من منظار رجولي.
5* قصائد تحبين إلقاءها
*التلاشي في الجرح القادم ص159 نص الاختتام بالمقارنة بالنص الأول "قصة غير شعبية – نحكي ولا نام؟) الذي يأتي بالصوت الجمعي، يعيد ترتيب التاريخ ويحكي القصة من جديد.. هذه القصيدة تأتي بالصوت الشخصي، لكنه يبين ان الشخصي عام وان الوجع الشخصي في العلاقة مع الرجل هو وجع بُنيوي ممتد على مدار حيوات، وسيتكرر أيضا ما لم تحدث عملية أنسنة للرجال في الأساس في رؤيتهم لأنفسهم، ولشريكتهم وللعلاقة فتقول: التَّلاشي في الْجُرْحِ الْقادِم/ تفاحة سابا
الْقَلْبُ يَنْزِفُ ذِكْرى حَياةٍ سابِقَة/ يَشْعُرُها حَيَّة .. يَتَحَسَّسُها بِكُلِّ تَفاصيلِها/ يَسْتَنْزِفُها نَبْضًا؛ لَهُ نَكْهَةُ الْقَهْوَةِ الْمُرَّة.../ وَلَوْنُ الْمَوْتِ الشَّاحِبِ/ يَذْكُرُ أَنَّهُ تَمَزَّقَ عُنْوَةً/ كَغِشاءِ بَكارَة في لَيْلَةِ زِفافٍ بارِدَة/ يَذْكُرُ أَنَّ دَمَهُ أُريقَ في احْتِفالِيَّةٍ بِدائِيَّةٍ/ لِعُيونٍ جائِعة .. تَتوقُ لِمَنْظَرِ الدَّم!/ تَمامًا كَتِلْكَ الْعُيونِ الْمُعَلَّقَةِ عَلى الشُّرُفاتِ/ انْتِظارًا لَعَلَمٍ يُرَفْرِفُ عُرْبونَ شَرَفِ امْرَأَة
الْقَلْبُ يَذْكُرُ/ رُبَّما كانَ ذَلِكَ فُراقًا .. رُبَّما خِيانة/ رُبَّما طَعْنَةَ ثِقَةٍ تَعَذَّرَ بَعْدَها الرَّدْمُ!/ رُبَّما زَعْزَعَة... / رُبَّما حَبيبًا ذَهَبَ إِلى الْحَرْبِ وَلَمْ يَعُدْ/ رُبَّما هاجَرَ دونَ وَداعٍ، كَما يَفْعَلُ الرِّجالُ!/ وَجَع... وَجَعٌ فَوْقَ قُدْرَةِ الْاحْتِمالِ
الْقَلْبُ يَذْكُرُ/ يَذْكُرُ وَيَنْزِفُ مِنْ جَديد/ كُلَّما دَغْدَغَتْهُ طَراوَةُ عِشْق/ كُلَّما راوَغَتْهُ وَراوَدَتْهُ.../ يَذْكُرُ وَكَأَنَّهُ خَرَجَ لِلتَوِّ .. مِنْ عَمَلِيِّةِ قَلْبٍ مَفْتوح
آهٍ لَوْ تَعْرِفُ كَمْ أَخافُ أَنْ أُعيدَ الْكَرَّة/ كَمْ أَخْشى لِخُيوطِ الرَّتْقِ أَنْ تَتَفَتَّقَ/ أَنا لا أَقْوى عَلى اشْتِياقِكَ .. / وَلا عَلى ما دونِ النَّصابِ مِنْهُ/ وَأَخافُ/ أَخافُ مِنْ عَدَمِ اسْتِعادَةِ قُدْرَتي عَلى التَّرْميمِ بَعْدِ الْهَجْرِ/ فَالذِّكْرى حَيَّة
أَنا أَخافُ أَنْ أَنْكَمِشَ أَمامَ الْحَياةِ/ فَأَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْ مِلْءِ الْخَفَقانِ/ عَنِ اجْتِياحِ الْحُبِّ .. عَنِ الدَّوَرانِ في إِعصارِهِ/ فَالْقَلْبُ يَذْكُرُ السُّقوطَ إِلى الْهاوِيَة/ يَذْكُرُ قَسْوَةَ الِارْتِطامِ بِالْقاعِ
أَخْشى السُّقوطَ أَنا/ أَخْشى أَنْ يَنْفَرِطَ الْعِقْدُ وَتَرْتابَني الْفَوْضى/ اعْتَدْتُ التَّرْتيبَ،/ وَعالَمي قِطَعُ مَلابِسٍ وَضَّبْتُها عَلى الرُّفوفِ/ أَخافُ مِنْ بِناءِ الْجُسورِ إِلَيْكَ/ فَالْقَلْبُ يَذْكُرُ جُسورًا مَنْسوفة/ وَدُخولًا بَطيئًا شِبْهَ مَشْلولٍ بَعْدَها إِلى الْقَوْقَعَة
الْقَلْبُ يَذْكُرُ/ وَأَنا أَذْكُرُ خَوْفًا أَكْبَرَ مِنَ التَّلاشي/ في الْجُرْحِ الْقادِمِ/ وَهُوَ قادِم
*والنص الثاني صوتي زهرة لوتس ص151- نموذج إضافي يبين أن الشخصي سياسي، أي انه عندما أتكلم عني (عن إخفاء صوتي)، انا أتكلم عن فئة النساء او طبقة النساء في هذا العالم على مدار عصوره، وعن التعامل معها من خلال تغييب أجزاء منها، وإبراز أجزاء أخرى وفق رغبات وأفكار الرجال.
صَوْتي زَهْرَةُ لوتَس/ تفاحة سابا
الْأَصْواتُ كَالْعُيونِ... كَالْأَسْماءِ/ تَحْتَضِنُ رُؤانا.. تُصافِحُ الْعالَم عَنَّا وَتَحْمِلُ نَبْضَنا/ لِماذا لَمْ يَتَغَزَّلِ الشُّعَراءُ بِالْأَصْواتِ؟/ وَصَفوا الْعُيونَ وَلَحْظَها/ رُموشَها... أَلْوانَها... نَظَراتهِا/ وَالسُّيوفَ الْمَحْنِيَّةَ فَوْقَها
مَنْ ذا الَّذي اخْتَرَعَ تَعْبيرَ "صَدْرُكِ كوزُ رُمّان"/ وَ "خَدُّكِ كَالتُّفَّاحِ"/ وَ "شِفاهُكِ كَرَزٌ" وَ "رِيقُكِ شَهْدٌ يَسيل"؟
ما الَّذي جَعَلَهُم يَتَوَقَّفونَ عِنْدَ الْخَصْرِ وَالشَّامَة/ وَالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ الطَّويل .. وَالْقَدِّ وَالْقَوامِ الْمَمْشوقِ/ وَالنُّعومَةِ وَالطَّراوَة .. وَيَنْسَوْنَ الصَّوْتَ؟
أَيْنَ اخْتَفى صَوْتي مِنْ كُلِّ مُفْرَداتِهِم؟!/ كَيْفَ يُمْكِنُ لِصَوْتي أَنْ يَصِلَ كَما هُوَ إِلَيْكَ/ دونَ الصَّدى... دونَ الْغَرْبَلَة؟!/ كَيْفَ يُمْكِنُ؟!/ وَالْمسافاتُ بَيْنَنا تَخْنُقُها عَثَراتُ الطَّريقِ وَالْمَطَبَّات؟
صَوْتي لَوْ تَعْلَمُ مُطَرَّزٌ بِرَذاذِ الْمَطَر/ كَزَهْرَةِ اللّوتَس يُزْهِرُ مَسيحًا عَلى الْماءِ/ صَوْتي شَلَّالٌ شَهِيٌّ/ يَنْهالُ أَسْئِلَةً وَعَلاماتِ اسْتِفْهام/ وَمَعَ نَغْمَةِ اسْمِكَ يُصْبِحُ أَشْهى/ وَيُصْبِحُ أَشْهى بِكَثيرٍ/ عِنْدَما تَبْتَلِعُهُ وَأَنْتَ تَلْتَقِطُ شِفاهي/ وَتُطْبِقُ عَلَيْه .. فَيُطْلِقُ الْآهَ/ وَيصبحُ شَهِيًّا بِعَشَراتِ الْمَرَّاتِ أَكْثَر/ عِنْدَما يَثورُ عَلَيْكَ/ وَيَصْرُخُ في وَجْهِكَ:
"إِلى الْجَحيمِ أَنْتَ وَعالَمُكَ،/ إِلى الْجَحيمِ أَنْتَ وَكُلُّ الشُّعَراءِ الّذينَ تَجاهَلوه،/ أَنْتَ وَكُلُّ رِجالِ الدِّين الّذينَ بِالْعَوْرَةِ وَصَموهُ / أَنْتَ وَكُلُّ رِجالِ الْحُكْمِ الّذينَ أَسْكَتوهُ"
صَوْتي نَبْعُ حَكايا وَأَحْلام/ مَوْجاتُهُ عابِرَةٌ لِلْحُدودِ... لِلزَّمانِ... لِلْمَكان/ وَسَيَبْقى رَغْمَ كُلِّ قَصائِدِكَ/ وَأَحْكامِكَ وَقَوانينِكَ/ ماءً يُدَغْدِغُ حُلْمَ الْجَنَّة/ وَنارًا يُثيرُ كَوابيسَ جَهَنَّم
**جاء في تحيّة شكرٍ وامتنانٍ تفاحة سابا:
أُقدّمُ باكورةَ أعمالي الشّعريّة "اِمرَأَةٌ وعريّةٌ" هذه، مع تحيّةِ شكرٍ وامتنانٍ لكلّ ما فاضتْ بهِ عليّ الحياةُ مِن هِباتٍ وهدايا، جعلتني أُقبلُ على ما تجودُ به عليّ، بنهمٍ وشغفٍ لا يعرفانِ الحدودَ، في واقعٍ أرادَ للمرأة أن تعيشَ ضمنَ قوالبَ مفروضةٍ، وضمنَ خارطةِ طريق مرسومة.
أُقدّمُ كتابي هذا مع تحيّةِ شكرٍ وامتنانٍ لمِا منحتني الحياةُ من تحدّياتٍ وصعوباتٍ جعلتْني أكبرُ، وجعلتْ هذا العالمَ يكبرُ في داخلي، لأصبحَ أكثرَ ليونة، وتتفتّحَ روحي على كلّ إمكاناتِهِ، فيصيرُ مثيرًا بتعدُّدِهِ، مُتاحًا لي بكلّ أبعادِهِ، مُعيدًا لتكويني كلَّ مرّةٍ مِن جديد، تاركًا إيّاي في خضمّ دهشةٍ مُستمرّة.
هديّةُ حبٍّ وامتنانٍ أقدّمُها لعائلتي- ولأبي وأمّي، على احتضانِهم غيرِ المشروط لي رغم اختلافي فيهم؛ قبولهم لي في كلّ مراحل حياتي، دعمهم لي كيفما كنتُ وأينما كنتُ، ومرافقتهم لي في كلّ الخطواتِ والمساراتِ الّتي اخترتُها، لأعيشَ الحياةَ بانسجامٍ معَ ما تصبو له روحي.
جزيل شكري لأصدقائي وصديقاتي الّذين حثّوني على مدار سنواتٍ، على إصدار ما أكتب، وأخصُّ بالذّكر قُرّائي على الفيس بوك الّذين رافقوا قصائدي على مدار أربع سنوات، وعلّقوا عليها داعمينَ مُشجّعين، وساهموا في نشرها على صفحاتهم.
شكرٌ خاصٌّ لمن رأوْا في نصوصي قيمةً مُضافة، فترجموها للغاتٍ أخرى؛ للدّكتور نبيل طنّوس على ترجمته للعديد منها إلى العبريّة، وللأستاذ هفال زاخوي الّذي نشر بعضها باللّغة الكرديّة في العراق.
جزيل شكري لكلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى النّور؛ أخصُّ بالذّكر دار الوسط للنّشر والإعلام في رام الله، ولمديرها الإعلاميّ والكاتب جميل حامد، على المهنيّة الفائقة والمسؤوليّة الكبيرة، في مَنتجة وتنسيق ومراجعة الكتاب وطباعته.
*وشكري للشّاعرة آمال عوّاد رضوان الّتي أشرفت على التّدقيق اللغويّ وطباعة ومتابعة المجموعة الشّعريّة. وجزيل شكري للصّديقة العزيزة د. روزلاند دعيم على مقدّمتها القيّمة للكتاب.
وجزيل شكري أقدّمُهُ لكم قرّاء هذا الكتاب، على مرافقتكم لي في رحلة الغوص والتّحليق هذه، إلى دواخل ذاتي وفي العالم الخارجي، علّ روحي المنحوتة في النّصوص تثيرُ أرواحكم، وعلّ القضايا الّتي تشغلني تستثيركم ونلتقي، وأضع بكثير من الحبِّ عالمي ببعض أبعادِهِ بين أياديكم.   





9
أدب / على مدارج موجك الوعر
« في: 19:04 09/05/2020  »


على مَدارِج موجِكِ الوَعِر!

آمال عوّاد رضوان

باسقًا.. مِن علياءِ  شروقِهِ
قُرصُ حنانِكِ يُعَدِّدُني حصادَ أحلامٍ
هَوَتْ
على مَدارجِ مَوجٍ وَعِرٍ
امتدْ~دْ~دْ~دْ~دْ~دَ
عَ مي~مي~مي~مي~مي~مي~ قًا
في مرايا حرائقي!

فِراخُ غربتي
تَ شَ ظَّ تْ
غُروبًا زجاجيًّا
وها.. غموضُ منفاكِ الممزوجُ ببحرِكِ المُعَطَّر
نشرَ عباءاتِ موجهِ المُعَرَّقِ
على جذعِ صخرتي العارية!
والشّمسُ إذِ ارتشفَتْ كؤوسَ عطرِكِ
تسربلها الحدادُ
واستنزفني وُلوجُ قاعِ ظِلِّكِ المُعتّقِ بثرثرةِ الموائد!

أنا مَن تيمّمتُ برمادِ سرابِكِ مُطفأ الأماني
تناسلْتُ ضبابًا ساديًّا
وما اغتسلتُ بدمعِ الأرضِ!
أكأنّما استعذبْتُ انسياقي إلى حُلمٍ مَنسيّ؟
أيقطفُني صراعًا عبثيًّا كسوفُكِ اللاّمع؟

كيفَ لأعمًى يقودُ كفيفًا
بحَفنةٍ مِن لونِ العتمة؟

على فواصلِ بياضِكِ
تواثبْتُ باتّساعِ نعاسِكِ الفوضويّ
واستلقيْتُ حروفًا مُهندَسةً على سطورِ عِصيانِكِ!

ألا تُلقينَ بثمارِ قسماتي ضوءًا حكيمًا؛
يتشرنقُ بصخرِ تحَدٍّ لا يكِلُّ؟

هُوَذا الوهمُ الزّاني
ما انفكَّ يَهدرُ في جلبةِ تحدُّرِهِ
يستسقي أكمامَ الكونِ الذّاهِلِ
يغتصِبُ بزوغَ وطنٍ موشومٍ بأمسٍ انكسرَ ضوؤُهُ
ولسانُ شغَبِهِ المبتورِ
لمّا يزلْ ينفرطُ متلعثما؛
يَلسعُ آذانَ الملائكةِ المُطهّمةِ
ويقرِضُ دمًا غفيرًا أُهدِرَ في جُزرِ الحسراتِ 
لكن
أبدًا ما تأتّى لهُ
 أنْ يَخدشَ عيونَ فوانيسَ آمالٍ
شنّفتْ أنفاسَ غدٍ نقيِّ الرُّؤى!


على مدارج موجك الوعر للشاعرة آمال عوّاد رضوان
ترجمة للإنجليزية: فتحية عصفور
On The routes of Your Rugged Waves
By: Amal Awad  Radwan-(Palestine)
Translated by:  Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator

Towering high from the sky of its rising
the disc of your tenderness laments me  a harvest of dreams that have
 fa~~~llen down
on the routes of rugged waves
 stretching deep into the mirrors of my fires

The chicks of my alienation
 dispersed into fragments of a crystallized sunset
and heres the vagueness of your exile
 that's mix~~~ed with your perfumed sea
  s~p~r~e~a~d~i~ng
 the cloaks of its deeply rooted waves
on the trunk of my naked rock

And heres the sun
when sipping the cups of your perfume
it gets dressed in mourning
and I get depleted when penetrating the botton of your shadow
 that's mellowed with the babble of tables

It's me who performed
Tayammum (ablution) with the ashes of
your hope extinguished mirage
I reproduced sadatic fog
but never washed myself with the tears of the earth

As if I found it pleasant to drift into a forgotten dream !!
Does your brilliant ocultation pick me a futile conflict?

How could it be for  a blind insightless
 to lead a sightless one
 by a handful of dark colour?!

On the joints of your whiteness
I jumped up in the expanse of your chaotic slumber
And I lay down like letters engineered on the lines
 of my disobedience to you

Do you not throw a wise light cocooned in
 a rock of unflagging challenge
  with the fruits of my features?

It's this fornicating illusion
 that has always been roaring
in the tumult of its descending
invokinng the sleeves of the abstracted universe for the rain!!!!

It's this fornicating illusion
 that has always been raping
the emergence of a homeland tattooed
 by a past whose light was refracted
while the amputated tongue of its riot continues
 to be loosely stammering
stinging the ears of the perfect beautiful angels
gnawing crowded blood shedded in the islands of regrets

But never has it been facile to him
 to score the eyes of wish lanterns
 that delighted the breaths of a pure insighted day to  come
Never...Never has it been facile to him !




10
الرسالة الثانية بين آمال عوّاد رضوان ووهيب نديم وهبة- حيفا!
رسالة آمال عوّاد رضوان الثانية:
يُسْعِدُنِي أَنْ أَفْتَرِشَ وَإِيَّاكَ بَعْضَ زَغَارِيدِ الْآمَالِ لِعَرُوسِ الْكَرْمِلِ الْخَلَّابَةِ، نُرَاقِصُ مَوْجَهَا، وَيُعَطِّرُ مَسَامَاتِ الرُّوحِ رَذَاذُ لْيَلِهَا، نَرْتَشِفُ أَثِيرَ هَوَاهَا، وَتَتَلَمَّظُ دِمَاءَنَا كُرُومُ غُرُوبِهَا الْعَابِقِ بِعِشْقِهَا.
الشَّاعِرُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة، دَعِ الْخَيَالَ يَجُولُ وَيَصُولُ فِي بَرَاحِ سَكْرَتِهِ الْمُتَيَقِّظَةِ، دُونَ أَيِّ تَصْرِيحٍ أَوْ جَوَازِ سَفَرٍ يَتَسَكَّعُ عَلَى الْحُدُودِ، فَتَهَلَّلْ/ لِنَتَهلَّلَ بِتَهَالِيلِكَ الْعَذْبَةِ.
هَا جَوَانِحُ جَوَارِحِي
تَكْتَظُّ بِكَ .. تَتَغَلْغَلُ
فِي خَاصِرَةِ الظِّلَالِ!
أَكَأَنَّمَا
تُحَلِّقُ أَفْئِدَةُ نَوَارِسِكَ
فِي يَمِّ الْيَقِينِ؟
أَكَأَنَّمَا تَغْشَى.. قَوَارِبَ اعْتَصَمْتْ
فِي صَوَامِعِ الْوَهْمِ؟

مَحْمُومَةً تَشْرَئِبُّ
أَعْنَاقُ حُرُوفِكَ
مِنْ خَلْفِ سَوَاحِلِ .. أَبْجَدِيَّتِي الْمَوْصُودَةِ
تُــطَــاوِلُ نَفَحَاتِ مَلَكُوتٍ..
تَخَلَّدَ فِي أَقَاصِي الْأَسَاطِيرِ!

وَفِي عَتِيقِ حَيْفَا
مَا بَيْنَ
صَدْرِ السَّمَاوَاتِ .. وَعَجْزِ الْأَرْضِيَّاتِ
نَبْضُ آيَةٍ مَجِيدَةٍ
تَـحُــفُّــهَــا
تَــرَاتِيلُ أَجْــوَاقِ مَــلَائِــكَــةٍ
وَ ...
بَحْرُ حَيْفَا مَوْشُومٌ .. بِعَصْفِ الْمَنْفَى
يَـ~مُـ~و~جُ عَارِمًا
بِــكَــرْمِــلٍ يَــتَــنَــسَّــكُ
عَلَى شَوَاطِئِ قَدَاسَةٍ مَجْدُولَةٍ!

خَيَالُكَ الشَّاعِرُ
يَــثْــمَــلُ .. بِنَدَى الْكَرْمِلِ
يَــنْــسَــلُّ
فِي مَعَابِرِ أَدِيمِ الْانْتِظَارِ
يَــنْــسِــلُ
بِمِخْلَبِ حُلُمِهِ الشَّقِيِّ
خَيْطَ لِقَاءٍ.. حَاكَهُ الْمُحَالُ!!

سَبْعُونَ شَهْقَةَ شَمْعَةٍ
غُمِسَتْ طَمْسًا
فِي ثُقُوبِ ذُبَالَاتِ الضَّبَابِ!
تَقْوِيمُ مِيلَادِ وَطَنٍ
تَــآكَــلَــهُ
هُــزَالٌ مَــشْــطُــورٌ
عَلَى عَرْشِ الْحَسَرَاتِ!
وَتَحْتَ كَنَفِ غَصَّةٍ جَبْرِيَّةٍ
خُطَى دَمْعَةٍ
تَمْتَثِلُ .. لِأَضْغَاثِ وَجَعٍ!

تَقْوِيمُ مِيلَادِ وَطَنٍ
تَــآكَــلَــهُ .. هُــزَالٌ مَــشْــطُــورٌ
عَلَى عَرْشِ الْحَسَرَاتِ!
تَوَغَّلَ خَفْقًا مَثْقُوبًا
فِي بُؤَرِ الرُّوحِ
أيَعُودُ الضِّيَاءُ الْمَوْعُودُ؟

رسالة وهيب نديم وهبة الثانية:
آمَال؛ عُصْفُورَةُ الْحَنِينِ تَنْقُرُ شُبَّاكِي؟!
مَا بَيْنَ الْبَحْرِ "اللُّغَةِ" وَشُعَاعِ الْفَوَانِيسِ
تَحْمِلُ كَلِمَاتُكِ الرَّقِيقَةُ النَّاعِمَةُ.. غِنَاءَ عُصْفُورَةِ الصَّبَاحِ!
رِسَالَتُكِ الْعَائِدَةُ إِلَى الْجَبَلِ الْكَرْمِلِيِّ الشَّامِخِ تَقُولُ:
أَنْتِ الشَّامِخَةُ الْعَالِيَةُ.. أَنْتِ الْغَالِيَةُ الْمُبْدِعَةُ الرَّائِعَةُ
كَيْ تَزْرَعَ الدُّنْيَا "حَدَائِقَ الشِّعْرِ"
كَيْفَ سَقَطَ الطَّيْرُ فِي يَدِي؛ (الْكِتَابُ)؟
لِمَاذَا أَقُولُ إنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَفْقِدُ الْكَثِيرَ حِينَ تُقَالُ؟ إِنَّ غُمُوضَ الْبَحْثِ عَنِ الْمَجْهُولِ، مُخَيَّلَةُ الْقَادِمِ الْآتِي، تَكُونُ بِالرَّمْزِ، بِالْإِشَارَةِ، فَالدِّينُ وَحْيٌ، وَالْكِتَابَةُ إِلْهَامٌ وَهَذَيَانٌ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْكِتَابَةِ نَفْقِدُ رَعْشَةَ الْإِحْسَاسِ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْحَيَاةِ، نَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّنَفُّسِ، وَنَفْقِدُ سِرَّ الْحَيَاةِ، هذَا الْحَنِينَ الْعَتِيقَ الْغَامِضَ الَّذِي يَشُدُّ الْإِنْسَانَ لِلْبَقَاءِ.
لِمَاذَا كَتَبْتُ الْأُغْنِيَةَ؟
هِيَ قُدْرَةُ كَلِمَاتِكِ الْمَزْرُوعَةِ (حَدَائِقَ بَابِل)، الْمُثْقَلَةِ "بِاللُّغَةِ" الرَّائِعَةِ، وَالثَّقَافَةِ الْعَالِيَةِ وَالرُّوحِ الشَّفَّافَةِ.
حَتَّى أَنَّنِي كُنْتُ أَخَافُ وَأَنَا أَكْتُبُ، أَنْ أَجْتَازَ الْحُدُودَ، وَهُنَالِكَ مَنْ يُفَسِّرُ الْكَلِمَاتِ مُجَامَلَةً، أَوْ أَنَّ هُنَالِكَ مَعْرِفَةً مُسْبَقَةً، لِهذَا بَقِيَتْ كَلِمَاتِي بَيْنَ حُدُودِ النَّصِّ وَاللُّغَةِ.
الصَّدِيقَةُ الْفَرَاشَةُ الْمُحَلِّقَةُ فِي فَضَاءِ الْإِبْدَاعِ آمَال،
أَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَمِرَّ بَيْنَنَا هذَا التَّوَاصُلُ الثَّقَافِيُّ، وَإِلَى لِقَاءٍ.

من كتاب الرسائل (أَتُخّلِّدُني نوارسُ دهشَتِك؟)


11
كثافة العبارة وعمق المعنى في (بسمة لوزية تتوهّج)
بقلم: علوان السلمان
 النّصُّ الشِّعريُّ مغامَرةٌ، تبحثُ عن لحظتِها المُستفِزّةِ للذّاتِ الجمعيِّ الآخَرِ (المستهلك)، والّذي يستجيبُ لدفْقِها الجَماليِّ المُتجاوِزِ للثّوابتِ والأشكالِ، مع تَفرُّدِها بانزياحاتِها اللّغويّةِ، وكمائنِها الفنّيّةِ الإدهاشيّةِ، وصياغتِها الأسلوبيّةِ، وكثافتِها الجمليةِ المُحتشِدةِ بالإيحاءاتِ والصّورِ والرّموز..
  وباستدعاءِ المجموعةِ الشِّعريّةِ (بَسمَةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ) الّتي أنتجتْ عَوالمَها النّصّيّةَ ذهنيّةٌ مُتوهّجةٌ، مُتفاعِلةً وفاعلةً ووجودها المُجتمعيّ، ونسَجتْها أناملُ مُنتِجتِها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان عام 2005 بطبعتها الأولى، وأسهمتْ دار أدهم/ القاهرة ودار الوسط اليوم/ رام الله في نشرها وانتشارها عام 2019 بطبعة ثانيةٍ، باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، ترجمها للإنجليزيّة الشاعر المصري حسن حجازي، كوْنها نصوصًا (تشتبكُ معَ الواقعِ، فتقيمُ علاقةً تفاعليّةً معه، بلغةٍ تعتمدُ التّكثيفَ الصّوريَّ، والإيجازَ الجُمليَّ القائمَ على ثنائيّةِ الذّات (الذّاكرة) والموضوع (الواقع)، فضلًا عن تخَطّيها الحسّيّاتِ صوبَ أفقِ الرّؤيا، بمُخاطبةِ الوجودِ بلغةِ الفِكر، إضافةً إلى محاولةِ المُنتِجةِ (الشّاعرة آمال) الإمساكَ بالنّسقِ الحِكائيِّ الشِّعريّ والتّوتّرِ الدّراميّ، وهي تمارسُ طقوسَ الارتقاءِ في جُمَلِها الشِّعريّةِ، بلغةٍ حافلةٍ بالمجازِ والاستعارة، ابتداءً مِن العنوانِ العلامةِ السّيميائيّةِ، والأيقونةِ الجاذبةِ بفونيميها الثلاثة المُشَكّلةَ لجملةٍ اسميّةٍ تُحيلُ إلى معنى جَماليّ، فضلًا عن تأكيدِها على التّعاملِ النّفسيِّ والنّصِّ ببُعدَيْهِ الدّلاليّ والرّمزيّ.. فتقول ص4 و ص5

المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي
كَم أَرهبهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا
عَلى
حَوافِّ غِلافِهِ
أَخشَاهُ
يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلُمي
أو تَتَطاولَ يَدُ عَقلي
تَهُزُّني ..
تُوقِظُني ..
بِلُؤمٍ سَاخِرٍ
مِن سَكْراتِي الهَائِمَة
*
كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ
وقد اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ
 إلى فُسحَةٍ في العَراء؟

فالشّاعرةُ تكشفُ عن تجربةٍ رؤيويّةٍ مُتفجّرةٍ، تعكسُ الحالةَ الانفعاليّةَ، وتستنطقُ المكانَ (القلبَ) الّذي منحَ النّصَّ تَشظّيًا جَماليًّا، وأسهمَ في تخصيبِ المعنى وتكثيفِهِ، فأنتجتْ صورةً ذاتيّةً مُتّكئةً على هاجسِ الاستجابةِ لإيقاعِ الحياة.. وهي تبوحُ بوحًا أقربُ إلى حوارِ الذّات (المونولوجي)، مُستنطِقةً المكانَ، البؤرةَ الثّقافيّةَ، والدّالَّ الإشاريَّ المُتشعّبَ بأحداثِهِ، والّذي شكّلَ بؤرةً مركزيّةً تجتمعُ فيها خيوطُ النّصّ، فمنحَ نسيجُهُ تَماسُكًا ووحدةً موضوعيّة، مُتمثّلةً بمَشاهدِهِ المُتوالدةِ مِن تفجيرِ الفعلِ (الـيَكْمُنُ)، الدّالُّ على الحركةِ الكاشفةِ عن الافعالِ الإنسانيّةِ مِن جهة، وتعريفه لتقريبهِ مِن الاسميّةِ والدّراميّةِ مِن جهةْ أخرى، فضلًا عن توظيفِها تقانةَ الاستفهام الّتي تكشِفُ عن بُعدٍ نفسيٍّ للذّاتِ المُنتِجةِ المأزومة، والباحثةِ عن جوابٍ يُسهمُ في توسيعِ مديّاتِ النّصّ..
وتقول ص9 و ص10:
بَينَ تَعاريجِ الحُزنِ وشَظايَا الفَرحِ
نَتَّكِئُ
علَى مَسَاندِ الصَّمتِ
نَنْكأُ جُروحًا تَغفُو
لِنَنْشُرَ سَوادَ الأَلَمِ
حَلِيبًا
يَتعَشَّقهُ مِدَادُ الحَنِين!
*
قَواربُ أَحلامِنَا
تَتَرنَّحُ .. خَدِرةً
يَتنَاثَرُها
جُوعُ عَواصفِ الوقتِ الكَافِر
وفي دَوَّاماتٍ مُفرَغةِ الحُروفِ
وبِوَرعِ الضَّوءِ الخافتِ الخافقِ
نَرسِمُنا قِصَصًا
تَ~ تَ~ لَ~ وَّ~ ى
لَوعةً
في قَفصِ البَراءَة!

فالنّصُّ بصُوَرِهِ الّتي (تتشابكُ فيها الدّلالاتِ الفكريّةِ والعاطفيّةِ في لحظةٍ مِن الزّمن..) على حدِّ تعبيرِ إزرا باوند.. اتّساقٌ مُنظّمٌ بصورٍ جزئيّةٍ يُفضي كلُّ واحدٍ إلى الآخر، باعتمادِ التّباينِ الدّاخليّ، إذ بناؤهُ على المتناقضاتِ (الدّاخل والخارج) الّتي منحته التّوتّر مع حيويّةٍ حركيّةٍ، تميّزت بقدرتِها الإيحائيّةِ، إضافةً إلى توظيفِها تقاناتٍ أسلوبيّةً، كالتّكرارِ الّذي شكّلَ ظاهرةً إيقاعيّةً، أسهمتْ في إثراءِ النّصِّ، والوصولِ بهِ إلى ذروةِ التّعبيرِ عن النّفسِ المأزومة، كونهُ نابع مِن صميم التّجربةِ الشِّعريّة الّتي تسبحُ في بُنيَتيْن أساسيّتيْن: أوّلهما البُنية اللّغويّة، وثانيهُما البُنية المعرفيّة، إضافةً إلى اعتمادِ المُنتجة (الشّاعرة آمال) تقنيّةَ السّردِ الشِّعريّ، لبناءِ نصٍّ مُؤثّثٍ بالتّداعيات، مع تَراكُمِ الصّفاتِ الّتي أسهمتْ في الكشفِ عن توتُّرٍ نفسيّ، يكشفُ عنهُ التّقطيعُ الحَرفيُّ للّفظةِ (يـ تـ نا ثـ ر ها).. / ص40 و س41
ربَّاه ..
كيفَ يَغدو الألمُ
في طَواحينِ الوقتِ ؟
كيفَ يَغدو الوقتُ
في أعاصيرِ الحُبِّ ؟
ألعلِّي أغدو شوْكًا يتكلّلُ بالوَردِ
ويتشرّبُ عِطري ؟
*
أتُراني
تُشكِّلُني الأقدارُ دَمعًا خانقًا؟
تَنْـزِفُني الأوجاعُ أنينًا صَامتًا؟
وتُسدلُ على بُؤسِي سَتائرَ الأَعذار؟
*
في مَتحفِ المُنى
تتسربلُ العُيونُ حَسْرةً
زهراتُ فُلٍّ تَترقرقُ
على
ضِفافِ المُقل
تَنمُو .. تَتعرّى
تَسقطُ
زَهرةً
إثرَ
زَهرة :
أُ حُ بُّ ك !
  فالشّاعرةُ آمال تحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشّعوريّةِ، عبْرَ نسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المَعاني، ومِن ثمّ توسيع الفضاءِ الدّلاليّ للجُملةِ الشِّعريّة، باعتمادِها اللّفظةَ المُركّزةَ المُكتنِزةَ بالإيحاء، والمُتميّزةَ بالانسيابِ الجُمَليّ الّذي يكشفُ عنهُ تناسُقُ الجُملة، داخلَ عوالم البناءِ المُتدفّق شعوريًّا، بوحدةٍ موضوعيّةٍ مَركزيّةٍ يُحلّقُ حوْلَها المعنى.. / ص55 و ص56
أَحِنُّ إلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنسابُ
نَسِيْمًا رَطِبًا
في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ
إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي!
نَبَراتُ حُروفِكَ
تُلاغفُ جَوانِحي
أَحَاسِيسُكَ تُسوِّرني
كَيْفَ أهْرُبُ
وَمسَافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا
في مَسالِكِ قلبيِ؟
*
أَشتاقُكَ ..
أيُّها المَجنونُ
إلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك!
أَشتاقُك ..
وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا
كَمايَ
كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ
أنادِمُها
بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر!
  فالشّاعرة آمال تستثمرُ التّداعي والتّفاصيلَ اليوميّةَ، لإضاءةِ بعضِ العوالمِ المعتمةِ بلغةٍ مَحكيّةٍ، عبرَ خطابِ الذّاتِ ومناخاتِها، للتّعويضِ عن الاغترابِ الذّاتيِّ، بخلْقِ الرّؤيا؛ الحالة المانحة للنّصِّ قدرةَ التّدفّقِ الّتي يتماهى وطقوسها ومناخاتها المستهلك (المتلقي)، إضافةً إلى استثمارِها روح السّردِ الشِّعريّ، وإقامة علاقةٍ حميمةٍ بين أجزاء النّصّ بجُملٍ موجزةٍ مُختزلةٍ، مُشبَعةٍ بالرّؤى الدّلاليّةِ والجماليّةِ المشحونةِ بطاقةِ التّوتّر، من أجل المحافظةِ على العاطفةِ المُتمرّدةِ على الواقع، ببناءٍ فكريٍّ تركيبيٍّ يعتمدُ معماريّةً متناسقةً، بصُورِهِ الّتي امتدّتْ بامتداداتِ فضاءاتِهِ الملائمةِ للحالةِ النّفسيّة، والمُستعينةِ بحقولٍ دلاليّةٍ (زمانيّةٍ ومكانيّةٍ وحدَثيّةٍ..)، بلغةٍ مسكونةٍ بأبعادِها الرّامزةِ الدّالّةِ على كثافةِ العبارة، والكاشفةِ عن عُمق المعنى..
   وبذا، قدّمتِ المُنتجةُ (الشّاعرة آمال عوّاد رضوان) نصوصًا شعريّة، تستنطقُ اللّحظةَ الشّعوريّةَ وتعايُشَها، بنَسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المعاني بطُرُقٍ فنّيّةٍ، تُسهمُ في اتّساعِ الفضاءِ الدّلاليِّ للجُملةِ الشِّعريّة..


12
(تَحليقاتٌ سَماويّةٌ) ترجمتها للإنجليزية: فتحية عصفور
ترجمتي لأحلى قصيدة نثر في الارتقاء الرّوحانيّ إلى عالم النّقاء والصّفاء والطّهر، للأديبة آمال رضوان سيدة قصيدة النثر الفلسطينيّة
Divine Elevations
By: Amal Awad Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator
****************************
Divine Elevations
*The ghost of my tear mumbles
 on a barren woman's breast....
rolls me in the moans of a cloud that sheds you in a pond,
 wide open for remembrance
***
* Out of my death crypts ..
my pain flows ether of hopes...
and your snowy fires
get my shirts perfumed with your features...
those overfilled with rain
***
*Velvet ...is the pupil of your bitterness
Slender are the hurricanes of its dominion
 How it drew me close to a fragment
 of your subsistence
 in the sessions of hungry ascetics !!
 And how it drew me far away
 from your waterdance
 through your divine elevations !!
***
* So why thrusting my fingertips...
those raining candles..
in the caves of dust and harshness?
***
* By the charm of your voice..
that which illuminates me!..
the bow of my loyalty strummed me
 not but on hugging strings
How the breaths of its violin warbled as well !
***
 O you , the daughter of the runnels!
Scoop me up an aromatic tale
 looking for its face in your mirror !
 Shear not the pearl of my pulsing...
For the rhythm of my rainclouds
had not gargled but in your heart ...
 and the evenings of my luster
could not have been perfect
without your bright rainfall

تَحْلِيقَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ!
آمال عوّاد رضوان
شَبَحُ دَمْعَتِي.. غَمْغَمَ عَلَى ثدْيِ عَاقِرٍ
مَرَّغَنِي.. بِزَفَرَاتِ غَيْمَةٍ تَذْرِفُكِ
فِي بِرْكَةٍ مُشَرَّعَةٍ لِلذِّكْرَى!
***
مِنْ سَرَادِيبِ مَمَاتِي انْسَابَ أَلَمِي
أَثِيرَ آمَالٍ
وَنِيرَانُكِ الثَّلْجِيَّةُ
تُعَطِّرُ قمْصَانِي
بِمَلاَمِحِكِ الْمُتْخَمَةِ بِالْمَطَرِ!
***
مُخْمَلِيٌّ بُؤْبُؤُ مُرِّكِ
مَمْشُوقَةٌ أَعَاصِيرُ سُلْطَانِهِ
كَمْ أَدْنَانِي مِنْ كِسْرَةِ كَفَافِكِ
فِي حَلَقَاتِ جَوْعَى 
وَكَمْ أَقْصَانِي عَنْ رَقْصَةِ مَائِكِ
فِي تَحْلِيقَاتِكِ السَّمَاوِيَّة!
لِمَ أَدُسُّ أَنَامِلِي الْمَاطِرَةَ شُمُوعًا
فِي كُهُوفِ الْهَبَاءِ وَالْجَفَاءِ؟
***
وَحَقّ سِحْرِ صَوْتِكِ
الْـ يُضِيئُنِي!
أَنَا مَا عَزَفَنِي قَوْسُ وَفَائِي
إِلّا عَلَى أَوْتَارِ عِنَاقٍ
كَمْ صَدَحَتْ أَنْفَاسُ كَمَانِهِ كَمَان!
***
يَا ابْنَةَ السَّوَاقِي
اُغْرفِينِي حِكَايَةً عِطْرِيَّةً
تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِهَا فِي مِرْآتِكِ
لاَ تَجُزّي لُؤْلُؤَ نَبْضِي 
فَمَا تَغَرْغَرَ إِيقَاعُ مُزْنِي إِلّا بِقَلْبِكِ
وَمَا اكْتَمَلَتْ مَسَاءَاتُ بَرِيقِي
إِلاَّ بِهُطُولِكِ الْمُشْرِق!


13
ما علاقةُ عمليّةِ النّورس بخلودِ نوارسِ دهشتك؟!
بقلم: سمر بنورة
ما إن قرأتُ عنوانَ الكتاب (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟)، حتّى تبادر إلى ذهني عام 1979م، وتذكّرتُ "عمليّةَ النّورس عام 1979"، وصفقةَ تبادُلِ الأسرى بينَ الفلسطينيّين والاحتلال، الّتي تمّت يوم 14-3-1979 في قبرص، بين الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين- القيادة العامّة وبين إسرائيل، بوساطة "اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر".
"عمليّةَ النّورس عام 1979" أُطلِق بموجبها سراح 76 معتقلًا فلسطينيًّا، ممّن كانوا معتقلين في سجون الاحتلال من كافّة فصائل الثّورةِ الفلسطينيّة، ومِن ضِمنِهم (12*) اثنتيْ عشرة فتاة فلسطينيّة، مقابل إطلاق سراح جنديّ إسرائيليّ يدعى "أبراهام عمرام"، الّذي كانت قد أسَرَتْهُ الجبهة يوم 5-4-1978 في عمليّة اللّيطاني؛ إذ تمّتْ مهاجمةُ شاحنةٍ إسرائيليّةٍ في كمينٍ قربَ صور؛ فقُتلَ آنذاك أربعةُ جنودٍ إسرائيليّين، وأُسِرَ واحدٌ من قوّات الاحتياط.
فهل أتتِ كلمةُ "النّوارس" في العنوانيْن صُدفةً، أم أنّكما قصدتُما اختيارَكما لهذا العنوان، حيث تمَ تبادُلُ الأسرى بين الطّرفيْن، وهنا أيضًا تمَ تبادُلُ الرّسائل؟
وما أوجهُ الشّبهِ بينَ العمليّتيْن: (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟)، و "عمليّةَ النّورس عام 1979"؟   
إنّ كلا العمليّتيْن خالدتان، وستبقى ذكراهُما قائمة ودائمة، وكلاهما حملتا الرّسائل والأسرى لذويهم ومُحبّيهم، وكلاهما حملتا الفخرَ والتّقديرَ لِما عانوا وتحمّلوا، وفي نفس الوقت نجدُ الفرحَ والسّرورَ في مضمونِهما.
وفي كتاب الرّسائلِ (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟)، لمستُ وجدانيّةً عالية، ودفءًا وعطفًا ومحبّةً مُتبادَلة، وقد تخلّلتها فلسفة عميقة، ووجدتُ الدّهشةَ الّتي أيقظتْ في الشاعرة آمال التّأمُّلَ بطريقةٍ فارقةٍ، فخطتْ نحوَ استكشافِ بواطنِ الموهبة المتفجّرة، والّتي كرّسَتْ فيها الظّواهرَ الطّبيعيّة وعناصرَها، وولّدت المعاني الأخّاذة، وتوسّعت وحلّقتْ في آفاق الخيال، حيث الألفاظ المتميّزة برقّتِها وعذوبتها.
معروفٌ لدينا أنّ الحَمامَ الزّاجلَ والأطيارَ تنقلُ الرّسائلَ لمسافاتٍ بعيدةٍ، وبما أنّ النّورسَ جنسٌ مِن الطّيورِ الّتي تعيش على شواطئ البحار (حيفا- الكرمل)، وجدتُها تأتي إلى الشّاعر وهيب نديم وهبة، الّذي كانَ كالمعتقلِ في ذاتِهِ وفي نفسِهِ، فأتتْ كلماتُكِ (آمال عوّاد رضوان) لتهزَّهُ، حينَ لامستْ قلبَهُ، وبدأتِ الفِكَرُ تشقُّ طريقَها للنّورِ وللضّوءِ، بلغةٍ شعريّةٍ تنطلقُ من عتمةِ الرّوح، مثلَ عمليّةِ إطلاق الأسرى مِن عتمةِ السّجون.
لكلِّ أديبٍ أو كاتبٍ أو شاعرٍ طريقتُهُ في التّعبيرِ والكتابة، فكلتا الحالتيْن عبارة عن مغامرة أرادت الانتصارَ والتّحرُّرَ مِن الأسر كالأسرى، وفعلًا جازفتِ عزيزتي آمال، فالشّاعر وهيب رأى فيكِ العَظَمة، لأنّهُ شاهدَ في حروفِكِ التّواضُعَ والخيرَ والجَمالَ والعُمقَ والصّدقَ، فبادلَكِ  الثّقةَ والمغامرةَ والعملَ النّاجح، وقد استخدمتِ ذكاءَكِ في الرّدِّ على الشّاعر وهيب، لذلك كانت النّتائج الظّاهرة للعيان أنْ:
1*عمَّ جوٌّ ديمقراطيٌّ تشارُكيٌّ بين الشّاعرة آمال وبينَ الشّاعر وهيب، في الحواريّةِ وتبادُلِ الأدوار.
2*تظهرُ لنا صورةٌ غيرُ نمطيّةٍ للفتاةِ الشّرقيّة مِن حيث الجرأة والمواجهة والصّورة، فالشّاعرة آمال عوّاد رضوان في شِعرِها كسَرَت النّمطيّةَ السّائدةَ في عدّةِ مَجالات، وأهمُّها في مجال كسر النّمطيّة السّائدة في دوْرِ المرأة والرّجل، حيث لامستُ ذلك في الشّعر، فأعصابُ الشّاعرة آمال ليستْ مشدودةً طوالَ الوقتِ في القصائد، إنّما هي تتمالكُ نفسَها، لتكونَ نفسَها وذاتّها..
3* ومن ناحيةِ الأسلوبِ الشّعريّ، فيتضمّنُ التّكثيفَ اللّغويّ، والعديدَ مِن الصُّورِ الأدبيّةِ الشّعريّةِ البليغة.
4* ومن ناحيةِ العُمقِ الفِكريّ، فالرّسائل تستخدمُ كلّ أساليب الحوار، والمخاطبة، والسّردِ والوصف، بلباقةٍ وسلاسة.
5* كذلك تستخدمُ الشّاعرةُ آمال الأساطير من خلال ملاحظة الطّبيعة، والعلاقة الوطيدة بين حياة الإنسان وحياة الطبيعة، فهي تعشقُ الشّعرُ حُبًّا وعشقًا "حقيقيًّا"، كقول سلمى الجيّوسي: (مَن يُحبُّ الشّعرَ يستطيع أن يرى الجمالَ في جميع الأشكالِ الإبداعيّة، لأنّ ذوْقَهُ مُتعدّدُ الأبعاد، وعقلَهُ نشيطٌ ومُنفتحٌ على كلّ تعبيرٍ جميل).
6* ونلمسُ لدى الشاعرة آمال الجرأة في مغامرتها، والقدرة التّعبيريّة، والبراعة والإبداع في آن.
7* لقد رسمت الشاعرة آمال عوّاد رضوان لنفسها نهجًا خاصًّا في نظْمِ الشّعر، فقد كانت هي شِعرَها، وكانت هي هي، وما تُصوّرُهُ خيالاتُها وأفكارُها من أفكار الجمالِ والشّجاعة والقوّة والسّعادة، وبأفكارها استطاعت أن تكتبَ، وأن تتحدّث بذهنٍ صافٍ، وأن تُعبّر بحُرّيّةٍ وصدقٍ وبطريقةٍ سليمةٍ، كقول السّيّد المسيح: "مِن فيضِ القلب، يَنطقُ اللّسان".
*8 ولمستُ لديها أيضًا القدرةَ على التّواصلِ الفعّال، وهذا مِن أعظمِ مَفاتيحِ النّجاح، حيث قامت بتوظيفِ مهاراتِ التّواصُلِ الخاصّة بها، مِن خلالِ الإصغاءِ والحوارِ الرّاقي بحدِّ ذاتِهِ، والتّحضُّرِ بكلِّ مَعانيه.
9* وأيضًا لدى الشاعرة آمال المقدرةُ في كيفيّةِ تحريكِ أصابعِها والقلم والحَرف بطواعيّة، فقلبها وعقلها يُحرّكان أصابعَها، فلا يَخطُّ قلمُها إلّا المعرفةَ العميقةَ والفلسفةَ المتأنّية والحكمةَ المُدهِشة، وهذا ما برزَ عندَ استخدامِها للموسيقى الداخليّة، بين كلماتها الّتي تُنيرُ القلبَ وتُظهِرُ أعماقَ الشّاعرة.
10* رأيتُ في رسائلِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان كأنّها تكتبُ روايةَ الحياة، حيث المكان لوحةٌ تشكيليّةٌ مِن الطّبيعة، والكلامُ قصائدُ مُعبّرةٌ، برزتْ فيها لغةُ الرّوحِ والشّعور، ومنحت الأشياءَ الصّامتةَ أصواتًا، وهنا يكمنُ الإبداعُ كقولها: (بكاءُ القمر، الماء الحيّ، .... وغيرها الكثير)، فالطبيعة لدى الشاعرة آمال حكايةٌ ورواية.
11* لقد وردَ في الرّسائل حكايةُ الوطن: (حيفا، عكّا، يافا، القدس، الخليل، أريحا وكلٌّ بصفتها)، فالحكايةُ هي الذّاكرة، والذّاكرةُ هنا أتتْ في سِياق الشّعر، وفي روايةِ المرأةِ القادرة على المواجهة، وفي المرأة البعيدة عن التّنميط، والمرأةُ هي نفسُها الإنسانةُ الّتي تفيضُ أنوثتُها البعيدةُ القريبة، والمرأةُ هي الحياة.
12* إنّ شعور الشاعرة آمال في رسائل (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟)، كانَ همزةَ وصلٍ، وكان جسرًا يربطُ بينَ ما كانَ وما سيكون، وهنا وجدتُ الحدسَ المُتعلّقَ بالحياةِ، والفِكر، والفلسفة، فهي تملكُ الحدسَ، ولديها قوّة الرّدَ وقوّة العمق، وقوّة الثّبات وقوّة الرّواية.
ومن خلال رسائل الشّاعرَ وهيب نديم وهبة، لاحظتُ أنّه إنسانٌ رقيقٌ، طيّبٌ، هادئٌ، كأنّهُ عن عيْشِهِ في عزلةٍ، شديدُ الإلمامِ بالتّاريخ والجغرافيا، ومُغرَمًا بالأساطير، وكأنّما أتت الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان لتَكونَ خيرًا فيما كتبتْ وعملت، فهي كمَن أضاءتْ شمعةَ خيرٍ وشِعرٍ للشاعر وهيب، فقد مدّتْ يدَها عودَ ثقابٍ له، ليُشعلَ بهِ شمعةَ الأمل في حياته، وكما قال غسّان كنفاني: (الأملُ هو عمادُ الحياة، والفكرةُ النّبيلةُ غالبًا لا تحتاجُ للفهمِ بل للإحساس).
وأُلخّصُ؛ إنّ ردودَ الشّاعر وهيب نديم وهبة للشّاعرة آمال عوّاد رضوان في كتاب الرّسائل الوجدانيّة: (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟)، كمِثلِ القائل: بلا خجلٍ أُناديكِ، لأنّكِ بالهوى قدَري، وكلُّ شوقٍ أهديكِ أمامَ اللهِ والبَشر، ومَهما طالَ بي بُعدي، فحُبُّكِ طلعةُ البدر!
وفعلًا، "إنّ الحياةَ أجملُ مِن مُجرّدِ أنْ نُحقّقَ الفوزَ فيها لأنفسِنا، فالأمرُ أكثرُ أهمّيّة في هذه الحياة، هو أن نساعدَ الآخرين، وها هو في كتاب (أتُخَلِّدُني نَوارسُ دَهْشَتِك؟) تألّق، وحلّقتما ما بين النّجوم، فقد رأيتُما ما لا يراهُ الغير، وسمعتُما بقلبِيكما وعقلِيكما، فأسعدتُما روحيْكما، وأسعدتُما الشِّعر والثّقافة، فالثّقافةُ معرفةٌ وإبداع، وهي نتاجُ العقلِ البشريّ الأكثر سُمُوًّا، وجَمالًا، وغذاءً روحيًّا لكلِّ إنسانٍ ولأيّ إنسان.
فهنيئًا لنا ولكما بهذه الرّسائل الوجدانيّة وبأسلوبكما الرّاقي، فالرّقيّ شيءٌ نادرٌ ليسَ في كلِّ البَشر. وكلُّ الشّكرِ والتّقدير أيّتها الأديبةُ الشّاعرةُ المُثقّفة آمال عوّاد رضوان، الّتي تملكين سلاسة الكلمة والمعرفة والإبداع. 


14
همسُ الأنوثة المتوهّجةِ في ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين!"
بقلم الأسير الفلسطينيّ: كميل أبو حنيش

   ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، هو أوّلُ ديوانٍ شعريٍّ أُطالعُهُ للشّاعرة آمال، لم يسبقْ لي مُطالعة دواوينها الشّعريّة الثّلاث السّابقة، وما أنْ باشرتُ بمُطالعتي، حتّى عثرتُ بداخلِهِ على ما هو جديد، فهو نصٌّ شِعريٌّ مُختلفٌ، مُتميّزٌ بثرائِهِ اللّغويّ، وأسلوبهِ، وإحساسِهِ العميق، وعاطفتِهِ الجيّاشة، وتأمُّلِهِ بالطّبيعة والتّاريخِ الثّقافيّ والرّوحيّ البشريّ، هو نصٌ مُلغّز، يستقي مُفرداتِهِ مِن الطّبيعة، وهو ما يعكسُ ثقافةَ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، وشفافيّتَها، ونُضجَها، وإحساسَها الوجوديَّ المُتجاوزَ التّاريخ البشريّ، حيثُ يَعبُرُ بنا النّصّ، ويُعيدنا إلى الأزمنةِ السّحيقة، ويَحملُنا على أمواجِ الحنينِ والشّوقِ إلى الطّبيعةِ البكر.
   هذا الدّيوانُ - مِن ألِفِهِ إلى يائِهِ- عبارةٌ عن قصيدةٍ واحدة، مَركزُها شمسُ الأنوثة كونيّة الأمّ الأولى، ومثلما تحتلُّ الشّمس مركزَ عالمِنا، أرادت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان للمرأةِ وللأنوثة أن تُشكّلَ المعنى لهذا العالم، ومركزه وعِلّة وجودِهِ، وبهذه النّصوص الّتي تأتي على لسان الذّكر في تراتيلِهِ العشقيّة، الأنثى الّتي يُقدّسُها، ويرفعُها إلى مصاف الآلهات القديمات، ويرفعُ ذاتَهُ إلى مصافِ الإلهةِ بهذا الإجلال للأنثى، وهذه النّصوص تنطوي على السُّخط والاحتجاج على جفافِ الحياة الإنسانيّة وتآكُلِ القِيم، لا سيّما قيمة الحُبّ الّتي غدت مُفردةً مُبتذلة، ومُلوّثة في عصر الاستهلاك والانحطاط، حيثُ تلتمسُ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في نصوصِها عودتَنا إلى الطّبيعة البكر، إلى أزمنة الخصب، والسّكينة والسّلام، والانسجام مع روح الطّبيعة، وإعادتنا إلى عصر الأسطورة، وعبادة الإلهةِ الأنثى الّتي كانت تُعبّرُ عن روح العالم وسِرِّ بقائِه، وقد ازدهرَ في العقودِ الأخيرة استخدامُ الأسطورة، وتوظيفُها في الأدب والشّعر العربيّ، وهو ما يعكسُ الحنينَ للماضي السّحيق، وهي تصوُّراتٌ رومانسيّة حالمة لأزمنة سديميّة لفجر الإنسانيّة، حيثُ سيادة الأصل الأموميّ، فيما كان يعُم السّلام والأمان، والعدل والمساواة، والانسجام مع الطّبيعة وعبادة الأنثى.
   هذه التّصوّراتُ تنبعُ مِن رفضِ الواقع الإنسانيّ الحاليّ، والاحتجاج عليه بلغةِ الأدب والشّعر، وحسب هذه التّصوّرات، فإنّ المُجتمعَ الأموميّ القديمَ هو مُجتمعُ الانسجام مع الطّبيعةِ والخُضوعِ لقوانينِها، وأهمُّ هذه القوانينِ هو سيادةُ المرأة الّتي كانت تتفوّق على الرّجل في خصائصِها الإنسانيّةِ والعاطفيّةِ والرّوحيّة، وتسليمُ الرّجلِ لسيادةِ المرأةِ في تلك العُصور، هو إقرارٌ بتَميُّزِها، لِما كانت تبثُّهُ مِن عواطفَ في أبنائِها وداخلِ المُجتمع المشاعيّ الأموميّ، ومُساواتِها بين الأبناء، وفي إطار المشاعة البدائيّة، وهي أيضًا حارسة النّار المُقدّسة، وهي الطّبيبة الأولى، وهي الّتي تزرعُ وتطهو وتبثُّ الأمانَ والسّلام، وهي الّتي تحمِلُ وتلِدُ وترعى صِغارَها، وبهذا هي مُتماثلةٌ مع الطّبيعةِ ومُنسجمةٌ معها.
   لقد اخترعَ البشرُ الأسطورة الّتي كانَ مَركزُها الإلهةُ الأُمُّ وإلهاتُ الحُبِّ والجَمالِ الخصب، انسجامًا مع روح الطّبيعة، لأنّ الإنسانَ القديمَ تأمّلَ الوجودَ مِن حولِهِ، فعثرَ على الأنوثةِ في كلّ الظّواهر (الشّمس، القمر، الأرض، الأشجار، الحيوانات.. إلخ)، فعَبَدَ الأنوثةَ الكامنةَ خلفَ هذه الظّواهر، وربّما كانت الشّمس أبرزَ هذه الظّواهر بشُروقها وغروبها، فأدركَ أنّها سببُ الحياةِ على هذه الأرض فعَبَدَها، ولهذا اختارت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الشّمس رمزًا للأنوثةِ الّتي تلمعُ بينَ نصوصِها الشّعريّة، والأسطورة قديمةٌ قِدَم الإنسان، حيثُ احتلّتْ أهمّيّةً فائقةً، في حياةِ الجماعات والشّعوب القديمة قبل ظهور الأديان الحديثة، فالأسطورة مجازٌ يُحاولُ أن يُفسّر الواقع، بهدف إضفاء المعنى على الوجود.
    ليس بوسع الفنّ والأدب والشّعرِ الاستغناء عن الأسطورة لا سيّما الشّعر، لأنّه يمتلكُ ما تمتلكُهُ الأسطورة مِن مجازٍ وفنٍّ، ولغةٍ متجاوزة للواقع وما يتركه من انفعالات النّفس الإنسانيّة، والشّعر هو السّليلُ المُباشرُ للأسطورة، فهو ابنها الشّرعيّ كما يقول المفكّر فراس السّوّاح.
   لقد اختارت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الأسطورة في نصوصِها شكلًا، ومضمونًا ورمزًا، لِما تعتزمُ أن تُقدّمَهُ مِن رسائلَ في شِعرها، وما يُميّزُ آمال أنّها تمثّلت الأساطير القديمة، وأذابتْها واختارتْها لتُسقطَها في هذه النّصوص، ف"عشتار" هي رمزٌ لإلهاتِ الأمومةِ والحبِّ والجَمال، والخلقِ في مختلفِ المجتمعاتِ والثّقافات القديمة، و"عشتار" هي ذاتها "إنانا" وعشتاروت وعشيرة وعنات، وايزيش وأفروديت وفينوس، وعشرات الآلهات الأسطوريّات في هذه الثّقافات.
   إنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان متمثّلة لأساطير الخصب والخلق الشّرقيّة، الّتي حاولتْ تفسيرَ تقلّباتِ الطّبيعة مِن خصبٍ وجفاف، وتكادُ مختلفُ أساطير الخصب والخلق الشّرقيّة تتشابهُ في شكلِها ومضمونِها، فدائمًا ثمّةَ موتٌ للإله الذّكَر الّذي يرمزُ إلى موتِ وجفافِ الطّبيعة في أشهر الصّيف والخريف، فتهبُّ الإلهة الأنثى زوجةُ الإله القتيل لإنقاذ الطّبيعة من الجفاف، مِن خلال افتداء الإله الذّكر القابع في العالم السُّفليّ، وتموت عوضًا عنه، وهو مُحاكاةٌ للأنثى الّتي تلدُ وتُعاني آلام المخاض، وهي تُضحّي بنفسِها وحياتها، كي تستمر الحياة.
    لعلّ أوّلَ أسطورةٍ شرقيّةٍ معروفة هي الأسطورةُ السّومريّة الّتي تُحاولُ أن تُفسّرَ موتَ الطّبيعة وعودةَ ازدهارها، إذ يلعبُ الإلهُ "دموزي" المُلقّب بالرّاعي، والإلهة "إنانا" إلهة الحُبّ والجَمال السّومريّة، الدَّوْرَ الأبرزَ في هذه الأسطورة، حيثُ يموت "دموزي"، فتموت معه الطّبيعةُ ويهبطُ للعالم السُّفليّ أي عالم الموت، الأمر الّذي يدفع "إنانا" لتُضحّي بنفسها وتموت، وتحلّ مكان "دموزي" في العالم السُّفليّ الّذي يعود، فتزدهرُ الطّبيعةُ وتحيى من جديد، وقد جاءت الأسطورةُ البابليّة على أنقاض الأسطورة السّومريّة، بصيغةِ الإله "تمّوز" والإلهة "عشتار"، حيثُ تتطابقُ الأسطورتان ويموت "تمّوز" ويهبط للعالم السُّفليّ، فتهبط "عشتار" لتُخلّصَهُ من الموت، فتقتلُها الإلهةُ أرشيكيجال إلهة العالم السُّفليّ، وتقضي هذه الإلهةُ ببقاء "تمّوز" على وجه الأرض نصف عام ومثلها في العالم السُّفليّ، ويجري تبادلُ أدوار الحياة والموت بين "تمّوز" و"عشتار".
   هذه الأسطورةُ تكادُ تتشابهُ مع بقيّةِ أساطير الخصب الشّرقيّة، مع اختلافِ الشّكل لا المضمون، حيثُ نجدُها في ثُنائيّة "أدونيس" و"عشتاروت" الفينيقيّة وبعل وعنات الكنعانيّة وايزيوس وايزوريس المصريّة.. إلخ، والعامل المُشترك بين هذه الأساطير أنها تُحاول أن تُفسّر أسباب الخصب والجفاف في الطّبيعة علاوة على موت الإله الذّكر وافتدائه من قِبل الإلهة الأنثى الّتي تموت مكانه كما في أسطورة "دموزي" و"إنانا" و"تمّوز" و"عشتار"، أو تسارع الموت وتنتصر عليه كما في أسطورة بعل وعنات.
    *"أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين" هذا الدّيوان الّذي حمل اسم الإله "دموزي" والإلهة "عشتار"، أمّا "دموزي" فلم يكن زوجًا لـ"عشتار" وإنّما لِ"إنانا"، وربّما اختارت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان اسم "دموزي" لأسباب فنية أما اختيارها لـ"عشتار" إنّما جاء لرمزيتها ووقع اسمها وبلاغة حضورها من بين الآلهات الأسطوريّات الاُخريات. كما سنُلاحظ أثناء تحليلنا لبعض النّصوص في هذا الدّيوان أن الشّاعرة آمال عوّاد رضوان اختارت الشّمس كرمز لـ"عشتار" حيثُ جاءت مُناجاة "دموزي" أي الرّجل لـ"عشتار" أي المرأة على شكل تراتيل دينيّة، وكأن عنوان الدّيوان (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين) أشبه بصلاة مرفوعة للشّمس أي لـ"عشتار" أي المرأة في صيغة (أعبُدكِ وتتألّقين)، أو أُحبُّكِ وتنتعشين.
    إنّ اختيارَ الشّمسِ كرمزٍ في الدّيوان لهُ مدلولاتُهُ، فالشّمسُ هي مركزُ العالم، وهي الأقوى حضورًا من بين الكواكب والنّجوم، وهي سببُ الخصب والنّور والحياة والدّفء في هذا العالم، وقد كانت الشّمسُ أوّلَ ما لفَتَ انتباهَ الإنسان القديم، منذ أن بدأ يُدركُ وجودَهُ في الطّبيعة، فعَبَدَها ونحتَ دمًى أنثويّةً على شكلٍ بشريّ في الصّخور والكهوف، ونحتَ إلى جانب هذه الدُّمى ومن فوقها منحوتاتٌ شمسيّة، وهذه الدُّمى اتّفَقَ الباحثون والمُختصّون على تسميتها بالدُّمى العشتاريّة، اختصارًا للإلهات الأُمّ.
   إنّ العباداتِ الشّمسيّةَ كانت شائعةً في الحضاراتِ القديمة، لا سيّما في مصرَ والهند وبلاد الرّافدين، حيثُ كانت الشّمسُ تُعبَدُ بوصفِها إلهة أنثى، قبل أن يجري الانقلابُ الذّكوريّ، وقبل تحويل الآلهات الإناث إلى آلهة ذكور، ففي بلاد الرّافدين استمرّت عبادةُ الشّمس لدى السّومريّين وكذلك البابليّين، حيثُ كان الإلهُ "مردوخ" إلهًا للشّمس، وفي مصرَ عُبدت الإلهة "حورس" و "رع" كآلهةٍ للشّمس، بإطار تعدّديّة عبادة الإلهة قبل أن يعتلي الفرعون أخناتون العرش، ويجعل من الإله "آتون" الإلهَ الأوحدَ في مصر، وهو إلهُ الشّمس، ويُطالبُ شعبَهُ بعبادتِهِ، وتشتهرُ تراتيلُ وتسابيحُ أخناتون المرفوعة للإله "آتون".
   هذه التّراتيلُ شبيهةٌ بنصوصِ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، الّتي جعلت "دموزي" يرفعُ صلواتِهِ وتراتيلَهُ لـ"عشتار" المرأة، وقد كان مُعتقَدُ أخناتون يقوم على أساس الإيمان بالهٍ واحدٍ للبشريّة، وهو الإله "آتون"، وهذا الإله هو قوّةٌ مُجرّدةٌ صافية ليس لها شكلٌ مُحدّد، كانت الشّمسُ مُتجلّيةً في عالم الظّواهر، فهي الطّاقةُ الكونيّةُ الّتي تبعثُ الحياةَ والمعنى والأملَ في الوجود، و"آتون" إلهُ الشّمس الفرعونيّ له ما يُوازيهِ في المُعتقدات السّومريّة، لا سيّما الإله "أوتو" أي إله الشّمس، وأيضًا الإله "دموزي"، وكذلك المُعتقدات الفينيقيّة، لا سيّما الإله "أدونيس" أو" آدون"، وهو قريب من اسم الإله آتون المصريّ، فالآلهة "أدونيس" و"تمّوز" و"دموزي" لها علاقةٌ مُباشرةُ بالشّمس، إذ تتميّزُ هذه الأساطيرُ بوصفِها أساطير للخصب والحياة، وذلكَ باختفاءِ وظهور هذه الآلهةِ مرّةً كلَّ نصفِ عام.
    وإلى جانب هذه الأساطير هناك أيضًا الأديان والمُعتقدات الزّرادشكيّة والمانويّة، وأصحاب المُعتقدات الهنديّة الّتي تقومُ على عُنصري النّور والظّلام، وعبادة بعض مظاهر الطّبيعة كالشّمس والقمر والنّجوم، وعلى ما يبدو فإنّ هذه المُعتقدات والأساطيرُ قد تركتْ تأثيرَها في وجدان الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، وتمثّلتها وسكبتْها في نصوصِها الشّعريّة، بحيث جعلت النّورَ والشّمسَ رمزًا للأنثى "عشتار"، بدلًا من الآلهةِ الذّكوريّة، وقُلبت المُعادلةُ، بهدف تصحيح هذا الخلل التّاريخيّ الّذي وقعَ بفعل الانقلاب الذّكوريّ، الأمر الّذي ينطوي على الاحتجاج، ويستبطنُ الشّعورَ بالاجحاف، فأرادتْ مِن خلال نصوصِها الشّعريّةِ العودةَ إلى الطّبيعةِ، حينما كانت السّيادةُ للأنثى وإعادة تأليهِها من جديد، كما كان عليه الحالُ في عصر الأسطورة الأولى، عندما كانت الآلهةُ الذّكورُ تدورُ في فَلكِ الإلهةِ الأنثى، كما تدورُ الكواكبُ في فلَكِ الشّمس.
وفي التّرتيلة السّومريّة للإلهةِ "إنانا" الّتي هي ذاتها الإلهة "عشتار":
إنّي ملكةُ السّماء
وما من إلهٍ قادرٍ على مُنازعتي
 لي السّماءُ ولي الأرضُ
    هذه التّرتيلةُ ترمزُ إلى تفوُّقِ الإلهة الأنثى على الآلهةِ الذّكور، كما هي مركزيّةُ الشّمس في عالمِنا.
وفي ترتيلةٍ بابليّةٍ للإلهة "عشتار":
أي "عشتار"
يا سيّدةَ البَشرِ أجمعين
ومُسدّدةَ خُطاهم
   وهذه التّرتيلةُ ترمزُ إلى سيادة "عشتار"، أي المرأة في المجتمع القديم، كما تبسطُ الشّمسُ سيادتَها.
أمّا اسم "عشتار" فهو اسم بابليّ، معناهُ؛ عيش الأرض أي حياة الأرض وخصبها وازدهارها، و"عشتار" هي الإلهةُ الأمّ الكبرى، ومن هنا جاءَ اختيارُ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان لـ"عشتار" من بين الآلهات الإناث، لتُتوّجَها عنوانًا لديوانها، ولتتوهّجَ حروفُها مِن بين نصوصِها الشّعريّة.
   وعلى ما يبدو، بأنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان تأثّرت بالنّصوص الصّوفيّة، فتجلّى  بين النّصوص الكثيرُ من المُفردات الصّوفيّة؛ كالفيض والأنوار والإشراق، وهو ما يُسمّى بالتّصوُّف الإسلاميّ العرفان؛ أي الإحساس الباطنيّ، وفي كتابه (لغز "عشتار") يقول فراس السّوّاح: إنّ العرفانَ يُضيءُ النّفسَ في ومضاتٍ تشتعلُ وتنطفي، كأنّما تصدرُ عن تماسٍ مع قوّةٍ حفيّةٍ إلهيةٍ عبرَ قناةٍ صافيةٍ مُباشرة، قوّة رآها الأقدمون في "عشتار"، أي الحكمة الأنثويّة الخالدة (ص242).
   هذا هو حجرُ الزّاويةِ في ديوان الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الّتي اختارت "عشتار" كشمسٍ تفيضُ بأنوارِها، لتكونَ علّةً للحياة وتعبيرًا عن الحكمةِ الأنثويّةِ الخالدة.
   لقد أرادت الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان إعادتَنا إلى الطّبيعة وجَمالها وتلقائيّتها، وإعادتَنا إلى الشّمس وعطائِها وصفائِها ودِفئِها وبداهتِها، إلى "عشتار" والآلهات المعبوداتِ اللّواتي كُنّ يُجسّدنَ الزّمنَ الحقيقيّ السّاطع في التّاريخ البشريّ السّحيق، فكان شعرُها يعكسُ هذا الحنينَ الجارف لذلكَ الفهم الرومانسيّ المُتخيَّل، كما يعكسُ الظّمأّ للحبِّ الّذي تنشدُهُ المرأةُ مِن جانب الرّجل، (يُتموزُها أي يعشقها حتّى تتألّق كالشّمس وتمنح المعنى والحُبَّ والجَمال والعطاء)، وأي يأتي هذا الحُبُّ على شكل عبادة، فاستخدمت الأساطيرَ القديمةَ وصهرَتْها، لتصنعَ منها هذه السّبيكةَ الذّهبيّة، وتُعيدَ الاعتبارَ للأنثى المرأة الّتي اختصرَتْها بـ "عشتار"، واختارت الشّمسَ بإفاضتِها وشروقِها وجمالِها كما هو حضورُ المرأة، أمّا غروبها فيُشبهُ غيابَ المرأة أو موتَها أو قهرّها أو احتجازَ حرّيّتها، فيغيبُ معها الحُبُّ والأمانُ والسّلامُ عن العالم، والنّصوص الّتي سنشرعُ في تحليلِها، تحملُ ثُنائيّةَ حضورِ وغياب شمس "عشتار" المرأة، وكما تروي أصولُ العلاقةِ العشقيّةِ بين الرّجل والمرأة كما ينبغي أن تكون، وعليه قتل مثل هذه العلاقة.
**أوّلًا:
غياب "عشتار" – المرأة في العالم السُّفليّ؛ (انقلاب الطّبيعة والتّاريخ): -
   تُحاولُ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان خلقَ نوعٍ مِن التّماثُل بين أنوثةِ الطّبيعة الّتي ترمز لها "عشتار"، وبين المرأة في المُجتمع ،وفي مقاربةٍ فلسفيّة تنطوي على الإيمان بأنوثةِ الكون والطّبيعة، قبل أن يجري اختلافُ دوْرِ المرأة في التّاريخ، والهيمنة عليها وقمْعِها، فالنّصوص تنبضُ بالاحتجاج وإنْ بلغةِ الصّمت، فتتمثّل الكيفيّة الّتي يجب أن تكون عليها علاقة الرّجل بالمرأة، أي العلاقة بالطّبيعة، ولكن بلغةِّ الشّعر.
   في النّصوص التّالية سنجد أن الشّاعرة آمال عوّاد رضوان تمثّلت أسطورة "دموزي" و"عشتار"، وباحت بها بلغةٍ شعريّةٍ صافية، تحملُ فلسفةَ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان وتصوُّراتِها، فلولا افتداء "عشتار" للإله الذّكر القابع في العالم السُّفليّ، لَما أعادت الحياة للطّبيعة، غير أنّ "دموزي" قبل انبعاثِهِ مِن العالم السُّفليّ، نجدُهُ يُناجي "عشتار" أن تُخلّصَهُ من عالم الموت والعماء الأبديّ، حيثُ تستجيبُ لمُناجاتِهِ وتوسُّلاتِهِ، وتُضحّي بنفسِها وتحلُّ مكانَهُ في العالم السُّفليّ، فيما ينبعثُ "دموزي" إلى الحياة، فإنّه لا يكتفي فيواصلُ مُناجاتِهِ لها، لأنّه لا معنى لحياتِهِ دونها، لأنّ العالمَ سيظلُّ بحالةٍ مِن العماءِ والموت، سواء كان هو في العالم السُّفليّ أو كانت "عشتار"، ففي كلتا الحالتيْن سيظلُّ خاسرًا، لأنّه لا معنى للحياة إلّا بحضور "عشتار" وتوهّجِها كما توهُّجِ الشّمس، لتمنحَ الطّبيعةُ النّورَ والخصبَ والحياة.
   لقد أرادت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان ما هو أعمقُ من الأسطورة:
*نداءُ "دموزي" ومُناجاتُهُ هو نداءُ الحياة الخالد الّذي يتردّدُ صداهُ مِن العدم، لتلدَ الطّبيعةُ حياةً، حتّى يُدرك الوجودُ ذاتَهُ، ولا شيءَ غيرَ روح الأنثى المُتمثّل بـ"عشتار" يُمكنُهُ أن يُنجزَ هذه العمليّة.
*العالمُ السُّفليّ ينطوي على العدمِ ما قبل الولادة والعدم ما بعد الموت.
*"دموزي" يرمز إلى إرادة الحياة الكامنة، وهي تحثُّ "عشتار" لولادتِهِ من العدم الأوّل قبل الولادة، وإعادة بعثِهِ مِن جديد بعد العدم الثاني أي الموت.
*النّصوص التّالية هي مُناجاةُ الولادة من رحم العدم، ومُعاناةُ "عشتار" في هذه الحالة تُشبهُ مخاضَ الولادة.
*أمّا غيابُ "عشتار" في العالم السُّفليّ، فربّما يرمزُ إلى تغييب دوْرِ المرأة وقمْعِها واحتجاز حرّيّتها وإبداعِها، الأمر الّذي ينطوي على قتل الحياة الاجتماعيّة وجفافِها، واستغراقِها في الفوضى والحروب والقتلِ والذّلّ، وهو عصرٌ ظلاميٌّ كما تراه الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، فيما عصرُ الأُمّ المُتمثّل بـ "عشتار" هو عصرُ النّور والحياة، فتغييبُ دوْرِ المرأة في الحياة والمجتمع يُشبهُ الغيابَ الطّويل للشّمس عن العالم.
وتأتي هذه النّصوص على لسان الإلهِ الذّكر أي الرّجل، وليس على لسان "عشتار" الأنثى، حيثُ تبدو "عشتار" كما الشّمس تتصرّفُ بتلقائيّة، لأنّها مُنسجمةٌ مع روح الطّبيعة، وبهذا فإنّ نداءّ ومُناجاةّ "دموزي" أثناءّ مُكوثِهِ في العالم السُّفليّ لـ"عشتار"، كي تُنقذَهُ وتُخلّصَهُ مِن العماء، هو ذاتُهُ نداءُ الحياة في العدم الأوّل قبل الولادة والعدم الثاني بعد الموت، كما أنّها تحاولُ تسليطَ الضّوء على الجفاف في المجتمع الإنسانيّ، طالما يجري الاعتلاءُ على المرأة وتغييب دورها. لنتأمَل هذه النّصوص ص105:
هَاءَنَذَا.. جَامِحٌ فِي عَمَايَ
وَكَطَوْدٍ لَا يَتَزَعْزَعُ
أَنْتَصِبُ.. عَلَى قَلَقٍ يُمَزِّقُنِي!
رُحْمَاكِ
أَعْتِقِينِي مِنْكِ
مِنْ إِغْرَاءَاتِ أَوْهَامِي
مِنْ زَمَهْرِيرِ أحزاني!
أَزِيلِي حَرَاشِفَ الْغَشَاوَةِ
عَنْ عَيْني
وَاجْبِلِينِي .. قَصِيدَةَ ضَوْءٍ!
   وفي هذا النّصّ تستبطنُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان جدليّةَ الحياةِ والموتِ والانبعاث، ففي العدم الأوِّل ما قبل الولادة، حيثُ تكمنُ الحياةُ في حالةِ عماءٍ تنتظرُ انبعاثَها مِن العدم، حيثُ تقول الشّاعرة آمال عوّاد رضوان: *(أَعْتِقِينِي مِنْكِ): أي لِديني من العدم الأوّل وابعثيني إلى الحياة، وهي مُناجاةٌ لـ"عشتار" أي الأنثى الأُمّ الطّبيعة، أمّا في العالم الثاني أي العالم السُّفليّ، حيثُ يقبعُ "دموزي" في عماءِ الموت والعدم في انتظارِ انعتاقِهِ مِن عالم الموت، تجدُهُ يحثُّ "عشتار" للإسراع في تخليصِهِ مِن القلقِ وهاجس الانبعاث، ومن زمهرير العالم السُّفليّ وأحزانِهِ، وإعادتِهِ إلى النّور.
*(وَاجْبِلِينِي .. قَصِيدَةَ ضَوْءٍ): أي إعادة الخلقة مِن جديد، بعد أن غدا تُرابًا، وهو استجداءٌ لروح الأنثى الّتي تتمثّلها "عشتار" أن تبعث فيه الحياة، ليُدركَ ذاتَهُ مِنَ العدم الأوّل، وأن يُواصلَ حياتَهُ بعدَ العدم الثاني، ويُواصلُ "دموزي" مُناجاتَهُ لـ"عشتار" ص102:
أَنَا مَنْ كُنْتُ أَبْرَعُ
فِي لُعْبَةِ الاخْتِفَاءِ وَالتَّجَلِّي
دُونَ نُوَارِ سَمَاوَاتِكِ
فَاحَ طَوْرُ عَمَائِي!
    وحسب الأسطورة ثمّةَ تبادلُ أدوارٍ بين "دموزي" و"عشتار" في العالم السُّفليّ، واعتيادُهُ للظّهور والاختفاء أي الموت والحياة كلّ نصف عام، وهو ما يشبهُ دورةَ الحياة في الطّبيعة وتعاقُبَ الفصول، والعماءُ؛ العدم الأوّل قبل الولادة، وعماءُ العدم الثاني بعد الموت، والطّبيعةُ الأنثى هي "عشتار" أي المرأة تلدُ الوجودَ الحيّ، ليُدركَ ذاتَهَ في الطّبيعةِ النّابضة، وتُنجبَ الذّكورَ أي "دموزي" الرّجل الّذي ليستْ غايتُهُ الحياة وحسب، وإنّما مُعاودة الالتحام بالأنثى، والتّزاوج معها لمواصلةِ إنجاب الحياة.
وفي نصٍ آخر يواصل "دموزي" مُناجاتَهُ ص115:
أَيَا غَابَةَ ضَوْئِي
مَنَافِذُكِ كُلُّهَا مُغْلَقَةٌ
وَلَنْ يَكُونَ لِي أَوَانٌ آخَرُ
وَقْتِي يَصْحُو مُعْتِمًا .. يَشِيبُ بِعِنَادِكِ
وَلَيْلِي يَتَقَصَّفُ .. مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأزليّ!
   "دموزي" الّذي لا يزالُ قابعًا في العالم السُّفليّ، صباحُهُ كمَسائِهِ، نهارُهُ كلَيلِهِ، في مكانٍ تلفُّهُ الظُّلمةُ الأبديّة الدّامسة، ولا شيء غير اليأس المُطبق، وهو ينشدُ ضوءَ الحياة المُتمثّل بـ "عشتار" الّتي تأخّرت في المجيء، لذا نراهُ لا يكفُّ عن توسُّلاتِهِ لـ"عشتار" ص126:
لَا تَلْتَهِمِي شُعَاعَ سُوَيْعَاتِي
بِدَامِسِ ظُلمِكِ
وَلَا تَغْسِلِي دَمِي.. بِالطِّينِ .. بالْغُبَارِ
بَلِ اِرْوِي طَرِيقِيَ.. بِخُضْرَةِ أَنَامِلِكِ
وَانْبُشِي أَعْشَاشَ ضَوْئِكِ
عَلَّكِ تَبْعَثِينَنِي .. أَنَا الْمَنْسِيُّ
فِي مِشْكَاةِ عَتْمَتِكِ الْبَهِيَّةِ
وَعَلَّنِي أَنْبَثِقُ ذَاكِرَةً حَيَّةً .. مِنْ شُقُوقِ النِّسْيَانِ!
   *(فِي مِشْكَاةِ عَتْمَتِكِ الْبَهِيَّةِ): إنّها إرادة الحياة الّتي تتحفّز للانطلاق من العدم الأوّل، أي ولادة الوجود من الطّين والغبار والدّم، أي مِن الرّحم الكونيّ، أي العماء والظُّلمة الّتي يكمنُ في داخلِها النّورُ والحياةُ، وأيضًا الانعتاق مِن العالم السُّفلي، أي الموت، والانبثاقُ بذاكرةٍ حيّة أي الانبعاث من جديد.
"دموزي" الّذي يتهيّأ للانبعاث يهتفُ ثانية من العالم السُّفليّ ص129:
أنَا الْمُزَرْكَشُ.. بِظِلِّ وَسَنِي الْأَزْرَقِ
لِمَ أفْشَتْنِي .. عُيُونُ السّماء الْعَوْرَاءِ؟
لِمَ تَلَاشَتْني .. أرْيَاشُ الشّمس الْهَوْجَاءِ؟
مَنْ يَنْتَشِلُنِي .. مِنْ شَلَّالَاتِ هَوَامِشِي؟
   *في عالم الموت لا شيءَ هناك غير عتمة الظّلال القاتمة، ولا يُرى ما يَبعثُ على الأمل أو نور الحياة، ولا سُبُلَ لانتشالِهِ وإنقاذِهِ مِن هوامشِ العدم، وإعادتِهِ للحياة وولادة الوجود الحّي.
    *ثمّ يأتي دوْر "عشتار"، فتهبطُ إلى العالم السُّفليّ، وحلولُها مكانَ "دموزي" الّذي ينبعثُ ثانيةً للحياة، وهو ما يشبهُ الولادةَ مِن رحم الأنثى، حيث ينفصلُ عنها كأمّ، لكنّه ينشُدُها كزوجةٍ وحبيبةٍ لتحقيق غايةِ الخصب والتّناسُل، وأيضًا سعادة الحبّ بجانبها، فسعادتُهُ لا تكتملُ بولادتِهِ وعودتِهِ من العالم السُّفليّ، ولا بانتظار الطّبيعةِ مِن بعدِ جفافِها، لأنّه لا معنى دون "عشتار" أي دون المرأة.
  *"عشتار" الغائبة عن العالم السُّفليّ، أي البعيدة عن الرّجل تظلُّ حاضرةً في كيانِهِ وأعماقِهِ، ويُعبّرُ عن هذا الحضور بالحبِّ والشّوقْ والحنين، وكأنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان تودُّ القولَ، إنّ الغايةَ ليست الخصبَ والولادةَ والحياةَ بحدِّ ذاتِها، وإنّما ثمة غاية أعمق عشقًا، هي غاية الحبّ والاكتمالِ، مِن خلال الاتّصال الجنسيّ بـ "عشتار"، وبغيابِها لا يكتملُ معنى الوجودِ وانبعاثُ "دموزي" من العالم السُّفليّ، بعبارة أخرى؛ الحياةُ بوصفِها مُعطًى ليست هي الغايةُ بحدّ ذاتِها، ما لم تترافقْ بوجود "عشتار" المرأة، وكأنّ الحياةَ أو عدَمَها سيّان بغياب "عشتار"، فالذّكورةُ لا تحيا دونَ الأنوثة، وهي الّتي ولدتْهُ وأوولجتْهُ إلى الحياة، والآن يأتي دورُهُ في التِماسِ "عشتار" بهدفِ الالتحام معها وإخصابها وعشقِها، لذا نجدُهُ لا يزال يُناجيها، كما لو كان لا يزالُ قابعًا في العالم السُّفليّ. وتقولُ ص4:
يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي
أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي
أَأَظَلُّ .. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟
   اذًا؛ لا معنى لولادتِهِ وانبعاثِهِ للحياة مِن عالم العدم، ما لم يَحظَ بالمرأة. إنّهُ يشتهي حضورَها ويتوقُ إليها، ولا يُغني انبعاثُهُ ووجودُهُ على قيدِ الحياة دونها، لذا نجدُهُ يُناجيها ويَدعوها أن تُشاطرَهُ الشّغفَ والحُبَّ، والمُناجاةَ مثلما كان يُناجيها وهو يرقد في العدم، حيثُ يقول لها ص4:
أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ ..  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ .. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ
وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ .. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ.. جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!
عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ
مُضَمَّخٍ
بِــــالْـــــ~~دَّ~هْـــ~شَــ~ةِ
ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي .. صَدًى
 لِأَرْسُمَ .. بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!
   لأنّ انبعاثَها مِن العالم السُّفليّ يكمنُ في مناجاتِهِ والتماسِهِ كما كان يلتمسُها، وهي دعوةٌ للدُّنوّ للاقتراب والالتحام، ليكتملَ انبعاثُهُ بانبعاثها، وهذه المناجاةُ هي النّداء السّرّيّ، أي الحبّ الّذي مِن شأنِهِ أن يجذبَ الذّكورةَ للأنوثة، وهو الأمرُ الّذي سينجُمُ عنه إضفاءُ المعنى على الوجود. ويواصل القول ص7:
سَمَاوَاتِي الْمُضِيئَةُ .. انْطَفَأَتْ
مُنْذُ .. أَلْفَ عامٍ .. وَغَيْمَةٍ
وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي .. تَتَحَجَّبُ
خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ!
في غياب "عشتار" أي المرأة، لا معنى للحياة ولا معنى لخصب الطّبيعة، وإن كانت غايةُ "عشتار" بهبوطِها للعالم السُّفليّ، إنقاذَ الطّبيعة مِن الجفاف، غير أنّ ثمّةَ غايةٌ أخرى قد تكون أسمى، وهي غايةُ الحبّ الّذي دونَهُ لن يكون هناكَ انجذابٌ بين الذّكورة والأنوثة، فالحبُّ هو كلمةُ السّرّ  في الطّبيعة، وهو جذوةُ نارِها المشتعلة، لذا؛ نجدُ "دموزي" يُعلن عن هُيامِهِ بـ "عشتار" حين يهتف ص11:
صُورَتَكِ الْـــــ .. تُـــثِــــيـــرُ فِيَّ كُــــلَّ حِــــرْمَــــانِــي
وكَفَرَاشَةٍ .. أَحْتَرِقُ بِرَحِيقِ هُيَامِكِ!
أَغُورُ .. فِي صَخَبِ لِسِانِكِ
أُسْرِفُ .. فِي اشْتِهَاءَاتِهِ الْمُعَتَّقَةِ
وأَغُوصُ .. فِي صَرْخَتِكِ النَّقِيَّةِ!
   إنّ غيابَ "عشتار" هو بمثابةِ حضورٌ مُكثّفٌ في القلب، ينبعثُ على شكلِ عواطف وشوق وحبّ واحتراق وانتظار، كما في النّصّ التّالي ص17:
سَأَنْتَظِرُكِ
بِأُفُقِي الْمُشَرَّعِ عَلَى مِصْرَاعَيْكِ!
   انتظرَ "دموزي" بزوغَ شمس "عشتار" الغائبة، وهذا الغيابُ مُتأجّجٌ لوعةً وشوقًا وحرمانًا، تُعبّرُ عنه الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان على لسان "دموزي" العاشق في النّصوص التّالية ص75:
مُذْ غَادَرَتْنِي .. غُدْرَانُ مُحَيَّاكِ
انْطَفَأَتْ .. ذُبَالَاتُ عَيْنَيَّ!
   إنّ استمرارَ غياب "عشتار" هو بمثابة موت لـ "دموزي"، وكأنّهُ لا يزالُ في عماء العالم السُّفليّ، ولن يكونَ بوُسعِهِ أن يرى ثانيةً إلّا بعوْدتِها، بعبارةٍ أخرى؛ لن يكتملَ معنى وجودِهِ إلّا بحضور المرأة في حياته، وسيظلُّ يحلمُ بها كما في هذا النّصّ ص83:
فَيَغْفُو لُهَاثُ لَيْلِي
عَلَى أَهْدِابِ غِيَابِكِ!
وأيضًا في هذا النّصّ ص96:
أَنَّى يَشِينِي مَوْجُكِ الْغَافِي
عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ؟
هَا عَتَمَاتُ نُورِي
مَدْفُونَةٌ  فِي أَقَانِيمِ هُطُولِكِ
تَنْتَظِرُ مُرُورَ اللَّا مُرُور!
    نورُهُ مُعتمٌ في غيابِها، وخصْبُهُ جافٌّ دونَ هطولِها، وهذا النّصُّ يُشبهُ ترتيلةً لـ "أخناتون"، وهو يُناجي الإلهَ "آتون" إلهَ الشّمس: عندما تميلُ وراءَ الأُفق الغربيّ/ تغرقُ الأرضُ في ظلامٍ كأنّهُ الموت
    ويُعبّرُ "دموزي" أي الرّجل عن إحباطه على هذا النّحو ص109:
هَا حَاضِرِي .. مُقَنَّعٌ بِبَرِيقِ يَأْسِهِ
يَنْقُشُ الضّوء .. عَلَى مَرَايَا أحزاني!
يَا مَنْ كُنْتِ مَاضِيَّ
أتوهّج .. بِإِيقَاعِ تَقَاسِيمِكِ الْيَانِعَةِ
ومَا زِلْتِ تَنْزِفِينَ .. جَمَالًا وَشَوْقًا
عَلَى حُدُودِ الذّكرى!
   لا يزال "دموزي" يائسًا، يرتعشُ شوقًا وحبًّا بانتظار عودة "عشتار" من العالم السُّفليّ، فالماضي هو ماضي "دموزي" في العالم السُّفليّ، في لعبةِ تبادُلِ الأدوار الأزليّة الأبديّة، أمّا الماضي بالنّسبة للرّجل هو لعبةُ الولادة والخصب، ففي اللّا وعي العميق يحتاجُ إلى الأنثى الّتي أنجبَتْهُ وانفصلَ عنها، لكنّه يَنشدُها ليعودَ ويلتحمَ بها لإكمال غاية الحياة باستمرار، لأنّ وجودَهُ حيًّا ليس هو الغاية، إنّما الغاية هي الحبُّ واستمرار ذلك بالحياة، وإلّا فإنّها ستستحيل إلى عماء كما في النّصّ التّالي ص116:
وَمُذْ مَضَيْتِ .. فَقَأَتْنِي عُيُونُ أَكْوَانِي
وَفَوَانِيسِي.. الْــ عَهِدْتُها
تَلْتَقِطُ مِنْ مَحْجَرَيْكِ.. وَهْجَكِ
تَعَرَّتْ.. مِنْ أَهْدَابِ خُضْرَتِكِ
وَبَاتَتْ خَرَائِطي فَوْضَوِيَّةً
لَا تَعْرِفُ التَّمَرُّدَ
إِلَّا.. عَلَى يَبَاسِ خَيْبَاتِي!
   بدون الشّمس الأنثى الّتي تشتركُ في حياته، سيظلُّ في حالةٍ أشبهَ بعماء العدم، ويُضيفُ في نصٍّ آخرَ ص142:
سَمَائِي .. مَلْغُومَةُ الْغَمَامِ
دُونَكِ
رِيحِي مَشْلُولَةٌ .. ليْسَتْ تُزَوْبِعُهَا
 إِلَّا شَهْوَةُ حَرَائِقِكِ!
   إنّ هذا التّوقَ المُتأجّج والمُشتعلَ لـ "عشتار"؛ للمرأة وللحبّ وللخصب، سيستحيلُ إلى عبادةٍ وتأليهٍ كما درجتْ عليه عادةُ الشّعوب القديمة، في تأليهِ الأنثى الّتي تُمثّلها "عشتار" ومثيلاتها.
**ثانيًا:
العبادة – تأليهُ الأنثى:-
   إنّ نصوصَ ديوان (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين) يتلخّصُ في عبادةِ وتأليهِ الأنثى أي عشقها، فالمعنى الكامنُ في عنوان الدّيوان ونصوصِهِ هو العبادة، أي الحبّ والعودة إلى الطّبيعة البكر الّتي ترى فيها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان أنّها الأصلُ والأساس، وما دون ذلك يُعدُّ انقلابًا على الطّبيعة، والطّبيعةُ لا تكتملُ إلّا بانبعاث روح "عشتار" الكامنةِ في الطّبيعة، والّتي بدوْرِها لا تكتملُ ولا تتواصلُ رسالتُها إلّا بالحبّ وباتّصالِها بالذّكر، لإنجاز غاية الخصب والحياة، ومن أجل الوصول لهذه الغاية لا بدّ مِن عبادة الأنثى الكامنةِ في الطّبيعة أي عشقها، وهذا هو بيتُ القصيد، إذ تعني الشّاعرة آمال عوّاد رضوان بـ (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين)؛ أي أعبدكِ وأعشقكِ لتتألّقي وتزدهري.
   لقد أرادت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الإيحاءَ، إلى أنّ الإنسانّ عندما أدركَ وجودَهُ في الطّبيعة، عبَدَ الأنثى المُتمثّلةَ بـ "عشتار"، وهو ما ينبغي أن يتواصل، لأنّ العبادةَ أي العشق مسألةٌ مُنسجمةٌ مع الطّبيعة، ودونَ هذا الحبِّ لن يكونَ مصيرُ الطّبيعة والمجتمع الإنسانيّ سوى الجفاف والموت، ولنتأمّلْ هذه النّصوصَ الّتي تنطوي على التّقديس والتّبجيل للأنثى ص46:
أَيَا مَعْصِيَتِي الْمُبَارَكَةُ
رُحْمَاكِ
أَطْفِئِي يَأْسِي.. بِنُورِكِ الْمُقدّس
وتتابع ص50:

كَمْ مِنَ الرَّوْعَةِ تَبْلُغِينَ؟
أَمَبْلَغَ هَيْكَلِ رُوحِي؟
وَمَا عَبَّدْتُ أَتَعَبَّدُ .. فِي مَعَابِدِ نَقَائِكِ!
وتقول ص57:
فَـــلْــــتَــــسْــــكُــــنِّــــي .. نِيرَانُكِ الْمُقدّسة
مَغْمُوزَةً .. فِي آهَةٍ لَا تَهْدَأ
لَنْ أَخْفِضَ عَيْنِي الْمُزَمْجِرَةَ
فِي خُضوعِكِ
وَأَبَدًا.. لَنْ أَهْمِزَ نَقَاءَكِ
فَلَا تَغِيبِي أَيَّتُهَا الْحُضُورُ!
وتتابع ص59:
بِمَرْهَمِ حَنَانِكِ الْبَهِيِّ
تَدْهَنِينَ.. قُرُوحَ مَوَاجِعِي!
حلْكَةَ يَأْسِي الدّامس .. تُضِيئِينَ
بِمَنَابِعِ آمَالِ يَمَامِكِ!
أَيَا قِبْلَةَ قَلْبِي
مَا كَانَتْ شِفَاهُ شَبَابِيكِي
لِتَنْغَلِقَ .. عَلَى أَنَامِلِكِ الْعَاجِيَّةِ
إِلَّا لِتَلْثُمَ عَيْنَيْكِ .. بِــ وَابِل ِقُبُلَاتٍ رَؤُومَةٍ!
وتقول ص 61:
أَعَبَثًا .. تَشَهَّيْتُ قَلْبَكِ الْأَتُونَ؟!
اُسْكُبِيكِ ضَوْءَ حَيَاةٍ .. فِي مُبْتَدَايَ وَمُنْتَهَايَ!
وَفِي غِمَارِ الْحُبِّ .. وَقِطَافِ الْحُلُمِ
سَرْبِلِينِي
بِعَبَاءَاتِكِ الْمُزَرْكَشَةِ .. بِشِفَاهِكِ الْهَائِمَةِ!
   لنلاحظ استخدامَ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان لفظة "آتون"، وقد يكون استقطانًا للإله آتون إله الشّمس الفرعونيّ، لكن بصيغتِهِ الأنثويّة، ولدينا بعضُ التّراتيل الّتي كان يُرتّلُها الفرعون أخناتون لإلهة آتون، وهي شبيهةٌ بنصوص الشّاعرة آمال عوّاد رضوان وعلى شاكلة:
عندما ترتفع في الأُفق الشّرقيّ/ يملأ بهاؤكِ كل البلدان
تُحيط أشعّتُك بكلّ ما خلقت من أصقاع
وتتواصل النّصوصُ التّعبديّة لـ"عشتار" على لسان "دموزي" ص62:
أَيَا مَلِيكَتِي
هَا قَدْ بَدَأَ .. فَسَادُ الدَّهْرِ
وَلَمَّا تَزَلِي .. أزليّةً
أبديّةً .. فِي مَمْلَكَتِي الْجَبَلِيَّةِ
شِعْرُكِ .. خَرَائِطِي
رُوحُكِ .. بُوصَلَتِي
فَلَا تقلّبي .. ظَهْرَ النَّهْرِ
وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا
دَعِيهِ يَــــجْــــرِي
لِأُتوّجــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ
   إنّهُ فسادُ الطّبيعة وجفافُها، وفسادُ الحياةِ الاجتماعيّة وانحلالُها، ودون أن تعودَ الأنثى للسّيادة والتّقدير والاحترام، سيبقى هذا الحسابُ قائمًا، وعودةُ الخلافة للأنثى يُشبهُ شروقَ الشّمس اليوميّ على العالم، ببقائِهِ مُلتهبًا حيًّا ومنسجمًا مع ذاته. ولا تكفُّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان عن استخدامِ الصّورةِ الطّقوسيّةِ التّعبُّديّة لـ "عشتار" ص73:
أَيَا نَغْمَةَ سَمَائِي الْمُقدّسةِ
يَجْتَاحُنِي جَمَالُكِ.. يُجَارِي آمَالِي
وتقول ص74:
هَاءَنَذا .. أُدَوْزِنُ أَوْتَارَ غُرْبَتِي
عَلَى كَمَانِ طَيْفِكِ الضَّبَابِيِّ
وَأَعْزِفُنِي مَزامِيرَ اسْتِغْفَارٍ
لِئَلَّا يَخْبُوَ.. مَجْدُ حُضُورِكِ!
وتتابع ص 78:
رُحْمَاكِ.. اِرْأَفِي بِي
لَيْسَتْ تَأْتَلِفُ غَيْمَتَانِ مُتَوَازِيَتَانِ
فِي وَمْضَةٍ أَوْ رِعْدَةٍ!
أَنَا.. مَنْ زَخَرَ نَبْضِي .. بـزَغَـارِيـدِ مَائِكِ
كَيْفَ أَتَيَبَّبُ؟
كَيْفَ تَسْتَوْطِنُنِي الْبَرَارِي؟
صَبَاحِي .. مُنْذُكِ زاهِدٌ
نَازَعَنِي فِيكِ
بَيْنَمَا أَنَا مُنْهَمِكٌ
فِي تَرْمِيمِ مَرَايَانَا الْمَشْرُوخَةِ
لكِنَّكِ بِطُقُوسِ بَوْحِكِ .. هَيَّجْتِ حَرْفِي وَضَوْءَ قَلْبِي
وتقول ص 99:
صَوْبَ نِعْمَةِ سَمَائِكِ .. كَفَّايَ خَاشِعَتَانِ
تَمْتَدَّانِ .. فِي أَزِقَّةِ نُورِكِ الْمُقدّس!
وتتابع ص 103:
فِي أَحْشَاءِ مَدَاكِ الْمُضِيئَةِ أَرْكَعُ
وفِي دَهَالِيزِ عَيْنَيْكِ الْمُشِعَّتَيْنِ
كَهَرَمٍ هَرِمٍ .. أَكْبُرُ وأَخْشَعُ!
   

15


مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ


 
آمال عوّاد رضوان


على عَنانِ بُشرى جائعةٍ
تماوَجْتَ..
بليلٍ لائلٍ اقتفيْتَ فيْضَ ظِلِّي المُبلَّلِ
بضوضاءِ أَصفادي
أَرخيْتَ مناديلَ عتبٍ مُطرَّزٍ بتعبٍ
تستدرجُ بِشريَ المُستحيل
وفي تمامِ امْتثالي المُتمرِّدِ تورَّدْتَ!
بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى
تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ
وأنا في سكرةِ أعماقي
أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ
لا يُذبِلُ نُواحَهُ جنونُكَ!
أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالاً دامِسًا
تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!
ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ
كم تيمّنَ بالأزلْ!
ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ
تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!
أسرابُ وهنِكَ المغناجِ
انسَلَّتْ
تُراقصُ نيرانَ أحلامٍ
ما غابَ طعمُها عن لساني!
طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرمديّتها
أسهْوًا..
تَشدّقها سُهْدٌ أُسطوريُّ الملامِحِ؟
أَشابها خَدرُ نَقْشِكَ الخشْخاش؟
أَعلَّقْتَ حَدْسِيَ الكفيفَ
على مِقبضِ موجِكَ الفردوسيِّ؟
زفراتُ نجومي جرَفَتْها سيولُ تمرُّغِكَ
حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ
وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ
مُــنْــصَــاعَــةً
تَــكَــسَّــرَتْ
وَ.. رصَّعتني بانكساري!
بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ
اضطرَبْتَ هائِجًا تُهفهِفُ
تَستبيحُ رُفُوفَ انشِطارٍ
لَكَمْ صَفّدْتَهُ بضياعي المُنمْنَمِ
كي تمتشِقَ إِغواءاتِ احتضاري!
فتائِلُ دهشةٍ
خطفَتْ قُصاصاتِ تَوْقي مسحورةَ الطّوقِ
سمّرْتني
بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ وجدرانَ تتهاوى!
خُطى ريحِكَ الضّريرَةُ وَشَتْ أجنحتكَ
شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثري
تنيْرَنْتَ!
تبغْدَدْتَ!
وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ
احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!
ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ
طليتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:
سرابُ حوريّةٍ أنا؛
إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني
بثوْبِ السّباني.. سَباني
بَعثرَ وجهيَ في ذاكرةِ الحُجُبِ
وَابتلعَ ذيليَ الذّهبيّ!
يا رُفقاءَ الأسمى
بوّابةُ سمائي مَحفوفةٌ بهياكِلَ مَجْدٍ
ساحَ ضوؤُها زركشةً تتجَنّحُ
وما انفَكّتْ بأهدابِ الذّهولِ تتموّجُ
اِستنيروا بي!
لَدُنِي المُقدّسُ كَمِ ازدانَ بأرياشِ الشّمسِ
وَمُنتشيًا
تَعَنّقَ نحوَ عُشِّ النّارِ!
بسليمانَ أغيثوني
بأسرابِ جِنِّهِ؛ تَحفُرُ قاعَ بَحري أَفلاجًا
تُهْدينيها في ليلةِ عيدي
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ
لتهُزَّ قلائدُ سمائي غيثًا.. يتضوّعُ حُبّا.
يا رُفقاءَ الأسْمى
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأَزرقِ
وزُفُّوا إليَّ.. ذيْلِيَ الوضّاء





فتحية عصفور تترجم للإنجليزية (مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الْأزْرَقِ)للشاعرة آمال عوّاد رضوان


Ye! Roll My Breast In Its Blue Fragrance
By: Amal Awad Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator
--------------------------------------------------------
Ye! Roll My Breast In Its Blue Fragrance

On the clouds of hungry glad tidings
 you s..u..r..g..e..d
On a long gloomy night ...you traced the flow of my wet shadoww
With the noise of my fetters
 You let down hankies of blame embroidered with tiredness...
 luring my impossible gaiety
 And at the completion of my rebellious compliance...
you glowed
With the glimmer of your trifling fragrance
 you went on disguising ...
 committing the devoutness of a jovial rumor
 while Iam in the drunkness of my depths...
 intoxicated by impossible ripple
whose wailing's not withered by your madness
---------
Your fingertips are still dewing with gloomy burning
 p..e..e..l..i..n..g
the clouds of my time, the stigmatized with slumber..
 and till now taking off rags of yawning..
 How it saw good omens in eternity !!and still..
in the haze of punched silence...
riding the hymns of my sleeping existence
----------
 The squadrons of your coquettish weakness
 s..n..e..a..k..e..d
dancing with fires of dreams
 whose taste never slipped my tongue
---------
Aged in eternity are the spectra of my wounds
Is it heedlessly that a legendary- featured sleepliness drawled them ?
Were they spoiled by the numbness of your poppy- like inscription?
Or did you hang my blind intuition on the halt of your paradisal billowss?
---------
The groans of my stars were swept away by the torrents of your wallowing...
when seduced by your worn grasp ..
and ...
on your backed power
 they submissively got s..m..a..s..h..e..d
and inlaid me with my breakage
----------
With the two wings of your madness
you emerged... adrift
fluttering ... widely agitated flapping ..
 deeming permissible shelves of split...
 How you chained it with my decorated loss!!
so as to seize the temptations of me dying !
-----------
Filaments of amazement snatched the band –
 witched scraps of my longing...
They nailed me
between deferred promises and walls collapsing
-----------
 The blind steps of your wind betrayed your wings.
 Their flames broke out in tracing me...
As if Neron you were !! ..
As if Baghdad you were !!
 and in the fora of suspension ...
you were professional in bandaging the burns of my letters
------------
The tongues of my fiery revelation ...
 you plated with a whisper that gushed out appealing:
 A nymph phantom Iam
 To the tracks of illusion he (the invader) seduced me...
by the Sabani gown.. he captivated me...
 he dispersed my face in the memory of veils..
and swallowed my golden tail
-----------
O ye , supreme comrades!
 The gate of my heaven is encircled by temples of glory
 whose light mottled winged trimming ...
and still billowing with lashes of amazement
-----------
 Be enlighted by me!
 My sacred Branches! ..
How adorned by the feathers of the sun they were !!
and ecstatically craned their necks up towards the nest of firee!!
------------
Yawp! Yawp!
 Ye! support me by Solomon
and his squadrons of Genie.. to dig the bed of my sea aflaj (gorges)
and present them to me on the night of my feast
Ye! roll my breast with its blue fragrance..
so that the necklaces of my heaven can shake rain spreding with love
-----------
O ye ,supreme comrades!
roll my breast with its blue fragrance
 and turn in procession back to me.. my bright tail


16
سِجالٌ وتَماهٍ بينَ شاعرةٍ وروائيّةٍ في مكنوناتٍ أنثويّة!
بقلم: د. روزلاند دعيم
      يُسعدُني ويُشرّفني أن أحتفي بالأديبة فاطمة يوسف دياب، وما يُعزّز حفاوتي هو محاورتها في كتابها "مكنونات أنثويّة"، لقصائد الشّاعرة الرّائعة آمال عوّاد رضوان.
      يفرض علينا النّصّ "مكنونات أنثويّة" بطبيعته القراءة، بحسب نظريّة الاستقبال، أو التّلقّي الّتي تُعنى بالعلاقة الجدليّة بين النّصّ والقارئ، إلّا أنّ هذه العلاقة تخلق جدليّة جديدة، وهي:
*"مَن هُما طرفا الحوار؟" عِلمًا، بأنّ القارئ المُتلقّي هو أحد الطّرفين، فمَن هو الطّرف الثاني!
*هل هي الرّضوانيّة صاحبة النّصوص الأصليّة (آمال عوّاد رضوان)، أم أنّها الطمراويّة صاحبة المحاورة العميقة؟
*هل هي صاحبة النّصّ الشّعريّ غزير الطّلاسم (آمال عوّاد رضوان)، أم أنّها الأديبة الذّكيّة (فاطمة دياب) والّتي تمكّنت من فكّ الشّفرة والرّمز، وقراءة النّصّ محكم البناء والنّسج، لا بل استطاعت أن تنقلّ ما فكّته وفكّكته من رموز، إلى المُتلقّي الجديد الّذي يقرأ فاطمة، والمُتلقّي الأول الّذي يقرأ آمال…
     عمليًّا..
نحن أمامَ علاقةٍ مُركّبةٍ ومُعادلةٍ مزدَوجةٍ من عملية التّلقّي، حين يُصبح المُتلقّي مرسلًا للنّصّ الأصليّ، أي للعشرين قصيدة الّتي اختارتها فاطمة من قصائد آمال، وحين يستقبل القارئ أو المُتلقّي النّصّ الأول الشّعريّ، من خلال استيعابه للنّصّ النّثريّ والحوار بينهما، وهذا يقودُنا إلى الواقع الجديد بحسب نظريّة التّأثير والاتّصال، حين يجتهد القارئ - وفي هذه الحالة فاطمة - لسبر أغوار النّصّ واستكناه معالمه الباطنة، يبحث عن نصٍّ غير صريح. ومن خلال المغازلة بين فاطمة ونصّ آمال، نشأت العلاقة الجدليّة الّتي خلّدت نصّ آمال، من خلال الكنز مكنونات أنثويّة.
       مكنونات أنثويّة:
     حين نمسك الكتاب بين أيدينا، يلفت نظرنا لون غلافه الّذي أتى بأحد درجات أقوى الألوان، الأزرق الّذي طغى على خلفيّة الصّورة وفضاء النّصّ، حيث أن "الصّورة تساوي ألف كلمة"، بحسب ما نُسب إلى الفيلسوف الصّينيّ كونفوشيوس.
      ويُطلّ من الغلاف شلال قويّ يشقّ مرتفعًا لشقّيْن، تقف عن يمينه فتاة يافعة تحت شجرة خضراء، وعن يساره فتاة، على ما يبدو أكبر سنًّا، تجلس على وجهٍ تمّ تشكيله طبيعيًّا بالصّخرة، وفي حين يتدفّق الشّلّال من ورائها تُطلق طيرًا ثامنًا إلى الفضاء، كأنّهم نوارس أو حمام زاجل، بكلّ ما تحمله تداعيات وإيحاءات وسيميائيّات هذيْن الكائنيْن، من قدرة ووظيفة على تعزيز التّواصل بين طرفي الهُوّة.

      على الغلاف أتى العنوان الرّئيس "مكنونات أنثويّة"، بينما تمّ تفصيله بعنوان جانبيّ أتى على الصّخرة اليمنى: "فاطمة يوسف ذياب تحاور قصائد آمال عوّاد رضوان"، وإن نظرنا إلى العنوان باعتباره مفتاحًا رئيسًا لقراءة النّصّ، فإنّ المكنونات هي الخفايا، ومكنونات أنثويّة هي تلك الأسرار، أو الأفكار، أو الأحلام الّتي تحملها الأنثى صاحبة مكنونات القلب والنّفس، والعقل والرّوح، فمن خلال المغازلة الأدبيّة بين الاثنتين تشكّلت هذه المكنونات، وأتت إلينا بحلّتها الأدبيّة الحاليّة.
      تقول فاطمة (ص 14) في قراءتها لديوان "رحلةٌ إلى عنوانِ مفقودِ" عزيزتي آمال عوّاد رضوان:
"شكرًا حتّى متاهات الأبجدية"!
فهي تكشف في محاورتها الأولى معنى العنوان حيث حاولت فكّ الطّلاسم، والبحث مع آمال عن معالم عنوان ديوانها المذكور، إلّا أنّ إصابتها مضاعفة، بحيث بحثت مع القارئ الجديد عن معالم عنوانها "مكنونات أنثويّة"، وبهذا التّقديم هي تعرِّف آمال الّتي تكتب بلغةٍ مُشفّرةٍ مجازيّةٍ عاليةٍ "عصيّة" غنيّةٍ بالتّضمين، وقد أتى هذا الحوارُ بعدَ سُباتٍ طويلٍ نامت فيه "دبدوبة" كما تصفُ نفسَها، حتّى أيقظتها آمال عبرَ أسلاكِ الهاتف، واستثارتْ قدرتَها المعتكفةَ بقوْلِها "اُكتبي"، ليتفجّرَ هذا الإبداعُ الّذي يستوجبُ الشُّكر.            (الإهداء ص9 - 11).
تقولُ فاطمة (ص24): هكذا أقرؤكِ … مِن وهجِ الرّماد!
وفي (ص25) تعرضُ العناوينَ الّتي تُشكّلُ معًا قصيدة، وتدعو فاطمة آمال "يا ابنة القوافي"، في ردِّها على قصيدتها "إليكِ أتوبُ غَمامًا" (ص33- 34)، وتحاورُها بأسلوب ميتا- أدبيّ: بهذه اللّوحاتِ النّصّيّةِ.. الانفصام أبدًا، وترفعُها لاحقًا إلى أعلى المراتب ص35  بقوْلها: هكذا هي آمال عوّاد رضوان؛ الشّاعرة المُتجذّرةُ بمَلكوتِها الشّعريّ تُخاطِبُ الأنثى..
وفي عنوان الفصل: آمال عوّاد رضوان شاعرة الغموض والما وراء!
(ص 92) تُدَمْوِزُ فاطمةُ آمالَ المُتَعَشتِرة ببلاغتها ونصوصها مليكةً على عرش الحروفِ واللّغات، من خلال محاورتها في ديوانها "اُدَموِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، ولا تكتفي بذلك، بل ترُدُّ على مقالة د. منير توما في مقالته "البوح الجنسي الرّمزي الاستعاري في مجموعة "اُدَموِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، فتقوم فاطمة هنا بعمليّةٍ حواريّةٍ مع أحدِ النّصوص الموازية، إضافةً إلى مُحاورةِ الأصل.
وفي خطابها الدّائم تتوجّه إلى آمال عوّاد رضوان مسبوقة غالبًا بـ "عزيزتي الشّاعرة"، فتبرقها برقيّةً عاجلة تقول فيها (ص131): عزيزتي آمال، ليس سهلًا .. الوجود والحياة، وفي نهايةِ النّصّ الموازي تختارُ فاطمة تناول قصيدة "أسطورةُ الّتياعٍ" (ص166)، لتُلخّصَ مشروعَها:
وليس من باب صدفةٍ عابرةٍ أراني أتناولُ قصائدَكِ في أكثرَ من نصّ، فبينَ حروفي وحروفك نبتَت علاقةٌ فكريّةٌ، ظلّت في بحثها عن عنوانها المفقود تنتقل مع لوحاتِكِ، ما بين واقعٍ عقربيٍّ إلى واقعٍ ياسمينيٍّ منشود، ....
      سِجالٌ وتَماهٍ بين شاعرة وروائيّة، أطلقَ إصدارًا حواريًّا بين الشّعر والنّثر، حاولت به فاطمة استنطاقَ النّصّ مبنًى ومعنًى، وتناصّت مع نصوص رضوان العشرين وتضميناتها، تقرؤُها بمستوياتها الرّمزيّةِ المختلفة. واستطاعت فاطمة بأسلوبها الرّوائيّ أن تكتبَ مكنوناتِ قلبها وعواطفِها؛ فارتقت إلى مستوى الميتا شعور، واستنطقت النّصّ على مستوى المبنى والمعنى، وغاصت في البناء اللّغويّ والنّسيج الشّعريّ والصّوريّ، واستحضرت الذّاكرةَ الجمعيّةَ للفِكر الإنسانيّ، وقدّمت قراءةً حداثيّةً مائزةً، تستدعي التّوقّف عندها.

      ونهايةً، الآثارُ الأدبيّةُ المعاصرةُ أدخلتْ تحويرًا على وظيفة القارئ، حين جعلت منه طرفًا في النّصّ، تُوكّلُ إليه مُهمّةَ المشاركة في تأليفه.،وهذا ما حدث في النّصّ الحداثيّ الّذي قدّمته لنا الرّوائيّة فاطمةدياب، في حوارها مع الشّاعرة آمال عوّاد رضوان.
وإذ أتمنّى لآمال سنوات عديدة من الإبداع، أتمنّى لفاطمة صفاء القلم والفكر، وسنوات عديدة من الحوار الأدبيّ، إلى جانب مناجاة الذات.


17
بقلم: د.جهينة عمر الخطيب
التّحوّلاتُ في المرجعيّاتِ الثّقافيّة في ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين"
صوفيّة إسلاميّة مسيحيّة يهوديّة وأسطوريّة
للأديبة الفلسطينيّة آمال عوّاد رضوان أنموذجًا

المُلخّص: الشّعرُ رؤيةٌ متفرّدةٌ في صياغةٍ مُتفرّدة، وقد ظنَّ كثيرٌ مِن شعراءِ الحداثة، أنّهُ لن تتأتّى هذه الرّؤيةُ إلّا بتطهيرِ "الذّاكرة" مِن روح الأسلاف، أو فيما عُرفَ عندَهم بقتلِ الأب، لكي يحتفظوا لحداثتِهم ببكارةٍ لا تنتهكُها أرواحُ السّابقين، ومِن ثمّ، فقد أحرقوا كلَّ سُفنِ العودةِ الّتي كانتْ تربطُهم بماضيهِم الشّعريّ، غافلين عمَّا للتّراثِ مِن حضورٍ قويّ على مستوى الوجدان الجمعيّ للأمّة، مُتجاهلينَ قولَ إليوت - أشهرُ شعراء العصر الحديث وأكثرُهم  تجديدًا وابتكارًا في الآن ذاتِه-: «إنّ خيرَ ما في عملِ الشّاعر، وأكثرَ أجزاء هذا العمل فرديّة وتميّزًا، هي تلك الّتي يؤكّدُ فيها أسلافُهُ الموتى حضورَهم».
وبالطّبع، لا يعني هذا الخضوعَ للتّراثِ خضوعًا مُطلقًا، أو إجلالَهُ في تسليمٍ مُتزمّتٍ، بل يعني ألّا يكونَ التّراثُ تِركةً جامدةً مُغلقة، وإنّما يتحوّل إلى قوّةٍ دافعةٍ في البدن، لا أن يكونَ مجرّدَ (حِملٍ ثقيلٍ) يُعيقُ الحركةَ والنّموّ الصّحيح، فيأتي التّراثُ الدّينيّ الصّوفيّ، والموروثُ المسيحيُّ اليهوديّ والأسطوريّ، ليُشكّلوا تحوّلاتٍ في الخطابِ الشّعريّ، بحيث جاءَ التّحوُّلُ في طريقةِ الطّرح في الخطابِ الشّعريّ، وفي أنماط التّعبير المختلفة
وستقومُ الدّراسةُ بتحليلِ ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين" للشّاعرة الفلسطينيّة آمال عوّاد رضوان، بحيث ستتبعُ المنهجَ التّحليليّ التّطبيقيّ، وقد لاحظنا في الدّيوانِ الشّعريّ تحوُّلاتٍ في الخطابِ الشّعريّ، إلى خطابٍ ثلاثيّ الأبعادِ صوفيٍّ إسلاميّ، موروث مسيحيّ يهوديّ وأسطوريّ، بحيث تهدفُ الدّراسةُ إظهارَ هذهِ التّحوّلاتِ مِن مرجعيّةٍ ثقافيّةٍ إلى أخرى، وتوضّحُ أهمّيّةَ هذه التّحوّلاتِ ودلالاتِها، وفي هذا إشارةٌ، قد يتّفقُ معي كثيرون حولها وقد يختلفون، بأنّ أصولَ الدّياناتِ هي واحدة.
عندما بدأتُ بقراءةِ ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين" للأديبةِ الفلسطينيّةِ آمال عوّاد رضوان، رأيتُ مزيجًا روحانيًّا ما بينَ التّعاليمِ الصّوفيّةِ والمَفاهيمِ الرّوحيّةِ المسيحيّةِ في سِفرِ نشيدِ الإنشاد، فارتأيتُ هذهِ المقاربةَ النّصّيّةَ الصّوفيّةَ، وقصائدُ  الدّيوانِ مُستوحاةٌ مِن الأسطورةِ السّومريّة، ممثّلةً بإلهِ الخيرِ دموزي، والأسطورة البابليّةِ مُمثّلةً بإلهةِ الحبِّ والخصبِ والجَمالِ عشتار.
الإله ديموزي هو حارسُ بوّابة السّماء، والمسؤولُ عن دورةِ الفصول ورمزُ الذّكورة،أمّا عشتار فهي إلهة الجنس والحُبّ والجَمال عند البابليّين، أمّا سِفرُ نشيد الإنشاد فالحبيبُ (العريس) هو المسيح، والعروسُ هي النّفس، والسّيّدُ المسيحُ هو زهرةُ الشّعب اليهوديّ، وهو سوسنةُ الشّعوب، جاءَ مِن البرّيّة، أي من امرأةٍ بتولٍ لم يَمْسُسْها رجلٌ.
وفيهِ مناجاةٌ بينَ الحبيبِ والحبيبة، وبينَ العروسِ وعريسِها، وبينَ حالةِ العشقِ وحاجةِ النّفسِ إلى الحبيب، وما بينَ إيجادِ الحبيبيْن لبعضِهما البعض، وما بينَ الفقدان وحاجةِ النّفسِ إلى ظِلِّ حبيبٍ لتُطهّرَ روحَها.
وحسبَ المفهومِ المسيحيّ يرتفعُ المسيحُ على الصّليب، حتّى تستريحَ البشريّةُ بظِلِّ محبّته الأبديّة، فالمُناجاةُ بينَ الحبيبيْن فسّرَها رجالُ الدّينِ المسيحيّ بأنّها "حديثٌ مِن الرّبّ المُخلِّصِ، نحوَ الكنيسةِ الّتي ضمَّها إليهِ بَعدَ أنْ مرَّ عليها، فوجدَها مُلقاةً في الطّريقِ عاريةً وَمدوسةً بدَمِها، فقدّسّها بالتّمام، وبَسطَ ذيلَهُ عليها، أي خطبَها عروسًا له، وستَرَ بدَمِهِ عارَها وعُرْيَها، وغسَلَها بماءِ المعموديّة، وألبَسَها حياتَهُ، وأعطاها إنجيلَهُ سِرَّ خلاصِها".
وقد تكونُ بينَ المسيحِ والنّفسِ البشريّةِ الّتي تتوقُ للخلاصِ ولشُربِ خمرِ الحقيقة، وقد تَلاقى هذا المفهومُ المسيحيُّ بمَفاهيمَ إسلاميّةٍ صوفيّةٍ في ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين"، فجاءتْ مُقاربتي ثُلاثيّةَ الأبعادِ: ما بينَ الموروثِ المسيحيّ، والموروثِ الصّوفيّ الإسلاميّ والمُناجاةِ الشّعريّة.
جاءَ الحديثُ في الدّيوانِ الشّعريِّ بلسانِ الرّجُل مُخاطِبًا حبيبتَهُ، أمّا في نشيدِ الإنشاد فقد كانَ حوارًا مُتبادلًا بينَ الحبيبِ والحبيبة.
جواهرُ القلبِ الصّوفيّةُ السّبعُ وديوانُ "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين"، وتَلاقيها معَ المفاهيم المسيحيّةِ في سِفرِ نشيدِ الإنشاد:  "جواهرَ القلبِ سبعٌ، والقلبُ فيهِ سبعُ خزائن، كلّ خزانةٍ مَحَلٌّ لجوهرة" 
*جوهرة الذكر: "إذا انفتحتْ في قلبِ العبد، يكونُ أبدًا منفردًا عن وجودِهِ، غائبًا عن شهودِهِ، ويُسمّى عندَ السّالكينَ ذهولًا عنِ الأكوان، وطمأنينةَ القلبِ بذِكرِ الله." 
وفي نشيدِ الإنشاد نشهدُ اللّهاثَ وذِكْرَ الحبيبِ دائمًا: "حبيبي لي، وأنا له الرّاعي بينّ السّوسن، إلى أنْ يَفيحَ النّهارُ وتنهزمَ الظّلالُ، أرجعُ وأُشبهُ يا حبيبي الظّبيَ، أو غفرَ الأيائلِ على الجبالِ المُشعّبة"
وفي ديوانِنا الشّعريّ نجدُ تعلّق النّفسِ الكلّيِّة بالأنثى المُقدّسة:
"أَنَا مَا اسْتَهْوَانِي.. إِلَّا أَرِيجُكِ!
كَمْ مِنَ الزَّنَابِقِ تَتَعَشَّقِينَ
لِتَخْتَصِرِينِي مَجْنُونُكِ؟"
جوهرةُ الشّوق: "وهو أنْ يكونَ العبدُ أبدًا في الشّوقِ أو الاشتياقِ إلى الله، يطلبُ الموتَ في كلِّ نفسٍ، لأنّ حرارةَ الاشتياقِ مُشتعلةٌ فيه." 
"... يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي
أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي
أَأَظَلُّ .. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟"
وهُنا شوقُ الحبيبِ للحبيبة، ويُقابلُهُ شوقُ الصّوفيِّ للقاءِ ربِّهِ معَ شوقِ الشّاعرة، ويتماهى أيضًا مع شوق شلوميت في نشيد الإنشاد: "كالتّفّاح بينَ شجَرِ الوعر، كذلك حبيبي بينَ البَنين، تحتَ ظِلِّهِ اشتهيتُ أنْ أجلسَ، وثمرتُهُ حلوةٌ لحَلقي" .
جوهرةُ المحبّة: "إذا انفتحتْ في القلب، يكونُ العبدُ أبدًا راضيًا عن الله وراضيًا بحُكمِهِ، بلذّةٍ وإيثارٍ لذلكَ الرّضا على كلّ ما عداه، لو وقعَ بهِ في الوقتِ أعظمُ الهلاك، لكانَ أحَبّ إليهِ مِن جميعِ الشّهوات" :
بِــالتَّــرَقُّــبِ .. تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي
أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي .. وَيَا عِطْرَ جَسَدِي
دَعِينِي .. أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ
كَحَالِمٍ .. بِثِيَابِ زَاهِدٍ .. لِأَظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا"
 وفي نشيدِ الإنشادِ نجدُ في الإصحاحِ الثّامن تأكيدًا على أهمّيّة المحبّة: "المحبّة قويّة كالموت، والغيرةُ قاسيةٌ كالهاوية، لهيبُها نارُ لظى الرّبّ، مياهٌ كثيرةٌ لا تستطيعُ أنْ تُطفئَ المَحبّة، والسّيولُ لا تَغمرُها، إن أعطى الإنسانُ كلَّ ثروةِ بيتِهِ بدَلَ المَحبّة تُحتقَرُ احتقارًا."
جوهرةُ السِّر: "هو غيبٌ مِن غيوبِ الله، لا تُعرفُ ماهيّته ولا تُدركُ، وحُكمُهُ أنْ يكونَ العبدُ في كلِّ حال، لا يتحرّكُ إلّا لله، ولا يسكنُ إلّا لله، ولا يقعُ فيهِ شيءٌ مِن مُخالفةٍ للشّرعِ أصلًا، لكمالِ طهارتِهِ" .
" وَأنَا الْمُنْهَكُ .. بِعِبْءِ أَسْرَارِي وَحَنِينِي
تَعْصِفُنِي .. أُسْطُورَةٌ سَيَّالَةٌ
تَلْوِي عُنُقِي.. وَتَتَبَرَّجُ بِأَنِينِي!"
فالسّرُّ يُتعبُ صاحبَهُ، لأنّه مُدركٌ لأشياءَ لا يُدركُها غيرُهُ، إلّا أنّه مُتعلّق به، لأنّه أوصلَهُ لهذا الاتّصال بالله والتّقرّب منه.
وفي نشيدِ الإنشاد نرى تَعلُّقَها الكبيرَ به: " ليُقبّلني بقبلاتِ فمِهِ، لأنّ حبَّكَ أطيبُ مِن الخمر. لرائحةِ أدهانِكَ الطّيبةِ. اسْمُكَ دُهنٌ مُهْراقٌ، لذلكَ أحبَّتْكَ العذارى" .
جوهرةُ الرّوح: " وهو أن يُكاشفَ بحقيقتِها وماهيّتِها كشفًا حسّيًّا، حيث لا يُخفى عليهِ مِن جُمَلِها وتفصيلِها شاذٌّ ولا فاذّ، وهي حضرةُ ورودِ الاصطلامِ سُكْرًا وصَحوًا" :
"قَلْبِي .. لَمَّا يَزَلْ أَعْرَجَ
يَدرُجُ .. عَلَى سِكَّةِ نَهَارٍ انْهَارَ
فِي مَتَاهَةِ هَوَاءٍ مَائِعٍ!
وَعَلى كَتِفِ حُلُمٍ مَائِيٍّ
تَفَتَّحَتْ عُيُونِي .. رَبيعًا
يُسْرِعُ الخُطَى صَوْبَ ..
صَدَى صَوْتِكِ المُقدّس"
فهذهِ المتاهةُ تمَّ اختيارُها ولم تُفرَضُ، فهي تَفتحُ العينيْن، على ربيعٍ آخرَ لا يَراهُ غيرُها، هو جوهرةُ الرّوح.
وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!
لَيْسَ تَوَحُّدُنَا يَكْتَمِلُ
إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ!
وجُنُونِي .. لَيسَ يَشْحَذُهُ
إِلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!
دَعِينَا نَأْتِيهِ
مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ .. فِي انْتِظَارِنَا"
فاتّحادُ النّفسِ البشريّةِ بالنّفسِ الكلّيّةِ، يَكتملُ عندَ الوصولِ لمرحلةِ الهذيانِ والجنون.
وفي نشيدِ الإنشاد: إجذبْني وراءَكَ فنجري/ أَدْخِلني خدرَكَ يا مَلكي/ لنبتهج ونفرح بك/ ونذكر حبَّكَ أكثرَ من الخمر"
فلهاثُ النّفسِ البَشريّةِ لمرحلةِ الاتّحادِ بالنّفسِ الكلّيّة.
جوهرةُ المعرفة: "وهي تمكينُ العبدِ مِن الفعلِ بينَ حقيقةِ الرّبوبيّة والعبوديّة، ومعرفةِ كلّ حقيقةٍ بجميعِ أحكامِها ومقتضياتِها ولوازمِها، وهي حضرةُ النّقاء والصّحو" :
" يا من تَنْحَتِينَ الضَّوْءَ ..
لِتَصْنَعِينِي شَاعِرًا
كَمْ مِنَ الرَّوْعَةِ تَبْلُغِينَ؟
أَمَبْلَغَ هَيْكَلِ رُوحِي؟
وَمَا عَبَّدْتُ أَتَعَبَّدُ ..
فِي مَعَابِدِ نَقَائِكِ!"
وفي نشيدِ الإنشادِ تكونُ المعرفةُ باحتساءِ خمورِ المعرفة: "قطفتُ مُرّي مع طيبي، أكلتُ شَهدي مع عسلي، شربتُ خمري مع لبَني، كلوا أيّها الأصحاب، اِشربوا واسْكَروا أيّها الأحبّاء" .
جوهرة الفقر: "إذا انفتحتْ في العبد، يشهدُ افتقاره إلى الله تعالى، واضطرارُه إليهِ في كلِّ نفسٍ مِن أنفاسِهِ، فلا يُزعجُهُ عن هذا التّمكين وَرَدِّ كلِّ خطْبٍ، مِن أضدادِ فقْرِهِ، ومَن تَمكّنَ مِن هذهِ الجوهرة، صارَ أغنى الخلقِ باللهِ عن كلِّ شيء، بحيث لا يُبالي جميعُ الخلق، أحبّوهُ أم بغضوه، أم أقبلوا عليه أم أدبروا، لكما غناهُ بالله تعالى".
وفي نشيد الإنشاد: "أسْنِدوني بأقراصِ الزّبيب،أنْعِشوني بالتّفّاح، فإنّي مريضةٌ حُبًّا، شِمالُهُ تحتَ رأسي، ويمينُهُ تُعانقُني" .
وفي الدّيوانِ الشّعريّ يَتجلّى الأمرُ بمفهومِ الزّهد:
" أَنَّى لِغَابِرٍ فِي الزّهد ..  أَنْ تتَعَفَّفَ بُرُوقُهُ
وَنِيرانُكِ الْمُرَاوِغَةُ عَرّافَةٌ .. فِي مَواقِدِي تَتَأَنَّقُ وَتَتَجَمَّلُ؟"
 فهو زاهدٌ إلّا منها، بحيثُ لا يُبالي جميعُ الخلْقِ إلّاها.
وصفُ الحبيبة- مَــلِــيــكَــةٌ كِــنْــعَــانِــيَّــة:
مَا أُحَيْلَاهُ مُرَّكِ .. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ
كَأَنَّ رَحِيقَكِ .. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا
أَيَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ
لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي
لِتَجْبِلَكِ عُيُونِ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!؟
يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ
فَغَدَا مَلَاكًا " .
وفي نشيدِ الإنشاد: " أنا نرجسُ شارون، سوسنةُ الأودية، كالسّوسنةِ بينَ الشّوك، كذلك حبيبتي بينَ البنات، كالتّفّاح بينَ شجرِ الوعر، كذلك جبيبي بينَ البنين" .
فالمشتركُ في الوصفِ هنا نبتةُ النّرجس.
أَيَا نِدَائِيَ الْبَعِيد.. مَنْ يَتَرَصَّدُ شَلَّالَاتِ ضَوْئِي؟
هَا رُعَاةُ اللّيل
يَسُوقُونَ صَدَى صَوْتِي الشَّاحِبِ
إِلَى غَيْمَةٍ مُبَلَّلَةٍ بِاسْمِكِ
وَكَأَنَّنِي أُفْضِي إِلَى سَمَائِكِ
أَأحُطُّ عَلَى ضِفَافِكِ الْــ آمَالِ!؟
*رُحْمَاكِ*" .
وفي نشيدِ الإنشاد:" يا مَن تُحبُّهُ نفسي، أين ترعى، أين تربضُ عندَ الظّهيرة. لماذا أنا أكونُ كمقنّعةٍ عندَ قطعانِ أصحابك؟ إنْ لم تعرفي أيّتها الجميلةُ بينَ النّساء، فاخرجي على آثارِ الغنم، وارعي جداءَكِ عندَ مَساكنِ الرّعاة" .
وجاءتْ كلمةُ الرّعاةِ هنا  بمفهومٍ روحانيّ، فلو رجعنا لحياةِ الأنبياءِ، سنرى أنّ مُعظمَهم عملوا رعاةً قبلَ نزولِ النّبوّة، فالرّاعي بطبيعةِ عملِهِ في أحضانِ الطّبيعة، فهو يُواجهُ مباشرةً عالمَ الرّوحانيّاتِ ومناجاة الله.
مصطلحاتٌ صوفيّة: " إنّ كلَّ طائفةٍ مِن العلماءِ لهم ألفاظٌ يستعملونَها- فيما بينهم- ، انفردوا بها عمّن سواهم، تواطؤوا عليها، لأغراضٍ لهم فيها مِن تقريبِ الفهم على المخاطبين بها، أو تسهيلٍ على أهلِ تلكَ الصّنعة، في الوقوفِ على معانيهم بإطلاقِها."
الاختفاءُ والتّجلّي والفقد: الغيبةُ والحضور: " فالغيبةُ غيبةُ القلبِ عن عِلمِ ما يَجري مِن أحوالِ الخلق، لاشتغالِ الحسن بما ورد عليه، ثمّ قد يغيبُ عن إحساسِهِ بنفسِهِ وغيرِهِ، بواردٍ مِن تذكُّرِ ثوابٍ أو تَفكُّرِ عقاب... وأمّا الحضورُ فقد يكونُ حاضرًا بالحقّ، لأنّه إذا غابَ عن الخلق حضرَ بالحقِّ، على معنى أنّه يكونُ كأنّه حاضرٌ، وذلكَ لاستيلاءِ ذِكرِ الحقّ على قلبِهِ، فهو حاضرٌ بقلبِهِ بينَ يدي ربّهِ تعالى، فعلى حسبَ غيبتِهِ عن الحقّ يكونُ حضورُهُ بالحقّ،فإن غابَ بالكلّيّة، كان الحضورُ على حسبِ الغيبة."
" أَنَا مَنْ كُنْتُ أَبْرَعُ
فِي لُعْبَةِ الاخْتِفَاءِ وَالتَّجَلِّي
دُونَ نُوَارِ سَمَاوَاتِكِ
والفقد:
فَاحَ طَوْرُ عَمَائِي!"
"غَــابَـاتِــي تَــعـُـجُّ بِــالنُّــمُــورِ
أَنَا .. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ
لَمَّا أزَلْ
أُسَبِّحُ .. سِحْرَ سُكُونِكِ
مَا نَسِيتُ .. ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ
حِينَ يَسْتَحِيلُ .. لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!"
وفي نشيدِ الإنشادِ يبحثُ العروسانِ عن بعضِهما، يجدانِ بعضَهُما،  ليعودا  للضّياعِ من جديد، وهذهِ الحالة مِن الفقدِ المتكرّر:
الاختفاء: "في اللّيل، على فِراشي طلبتُ مَن تُحبُّهُ نفسي. طلبتُهُ فما وجدتُهُ، إنّي أقومُ وأطوفُ في المدينة، في الأسواق وفي الشّوارع، أطلبُ مَن تُحبُّهُ نفسي. طلبتُهُ فما وجدتُه" .
التّجلّي: " حتّى وجدتُ مَن تُحبُّهُ نفسي، فأمسكتُهُ ولم أُرْخِهِ، حتّى أدخلتُهُ بيتَ أمّي، وحجرةَ مَن حبلتْ بي."
الشّطح: "هو ما ينطقُ بهِ بعضُ العارفين ممّا يوهِمُ، أو يقتضي أنّ لهم شفوفًا وعُلُوًّا على مَراتبِ النّبيّينَ والمُرسَلين" :
مَـــوْشُـــومٌ بِــالْــهَـــذَيَـــانِ
خَلْفَ هَفِيفِ حُلُمِي .. أَمْتَدُّ وَأَتَمَدَّدُ .. حَدَّ الْعَتَبِ
أَنَا كَفِيفُكِ ..
وَقَلْبُكِ .. حُنْجُرَةُ خَيَالِي
وَبِمِلْءِ ثَغْرِي الْمُشَرَّعِ لِلدَّهْشَةِ
أَتَسَلَّلُ إِلَى ذَهَبِ عَيْنَيْكِ .. لِأَرَانِي!
وَأَبْحَثُ عَنْ قَلْبِي الْهَائِمِ..  فِي شَقَاءِ كَوْنِكِ"
وفي المقابل، نرى اختلافَ الحبيب وتَفَرُّدَهُ، بما يُقاربُ إلى الشّطحِ في نشيدِ الإنشاد: "حبيبي أبيضُ وأحمرُ، معلم بين ربوة، رأسه ذهب إبريز، قصصه مسترسلة حالكة كالغراب، عيناه كالحمام مغسولتان باللبن جالستان في وقبيهما" .
*- الصّحو والسّكر: "الصّحوُ رجوعٌ إلى الإحساس بعدَ الغيبة، والسُّكرُ غيبةٌ بوارد قويّ،والسُّكرُ زيادةٌ على الغيبةِ مِن وجه، وذلك أنّ صاحبَ السُّكر قد يكونُ مبسوطًا، إذا لم يكن مُستوْفًى في حالةِ سُكرهِ، وقد يسقطُ إخطارُ الأشياءِ عن قلبه في حالِ سُكرِه، وتلكَ حالُ المتساكر الّذي لم يستوفِهِ الوارد، فيكونُ للإحساسِ فيهِ مساغٌ، وقد يَقوى سُكرُهُ حتّى يزيد على الغيبة، فربّما يكون صاحبُ السّكر أشدَّ غيبة مِن صاحب الغيبة قويّ سكره،وربّما يكونُ صاحبُ الغيبة أتمَّ في الغيبةِ مِن صاحب السّكر، إذا كان مُتساكرًا غيرَ مُستَوْفٍ.
والغيبةُ قد تكونُ للعباد، بما يغلبُ على قلوبهم مِن موجب الرّغبةِ، والرّهبة، ومقتضيات الخوف والرّجاء. والسُّكر لا يكونُ إلّا لأصحاب المواجيد."
ونلاحظُ غلبةَ هذا المفهومِ في نشيدِ الإنشاد:" أدخَلَني إلى بيتِ الخمر، وعَلَمُهُ فوقي مَحبّة."  "وحنكُكِ كأجودِ الخمرِ لحبيبي السّائغةُ المُرَقرِقةُ السّائحةُ على شِفاهِ النّائمين" .
وفي ديوانِنا الشّعريّ:
" أَنَامِلُكِ..  تَرْعَى كُؤُوسِيَ الْمَخْمُورَةَ
فَيَغْفُو لُهَاثُ لَيْلِي .. عَلَى أَهْدِابِ غِيَابِكِ!"
" عَذَارَى أَحْلَامِي
مَا انْفَكَّتْ تَسْتَحِمُّ
بِأَنْهَارِ خَمْرِ خيَالِكِ
تَضْفِرُ شَوَاطِئِي .. بِرَوَائِحِكِ الْمَسَائِيَّةِ!
بِهَسْهَسَةِ كُؤُوسِكِ.. تُغَمْغِمِينَ
أ~ نْـ~ دَ~ لِـ~ قُ
وَ~ أَ~ نْـ~ زَ~ لِـ~ قُ
خَارِجَ عِنَاقِ الْعُشَّاقِ
وَأَغْرَقُ
بِحِنْطَةِ شِفَاهٍ مُحَنَّطَةٍ .. بكَلَامٍ مُبَلَّلٍ."
*- الذّوْق والشُّرب: "ويعبّرون بذلك عمّا يجدونه مِن ثمرات التّجلّي، ونتائج الكشوفات، وبوادره الواردات، وأوّل ذلك الذّوْق ثمّ الشُّرب، ثمّ الرّيّ، فصاحبُ الذّوْق مُتساكِرٌ، وصاحب الشُّرب سكران، وصاحبُ الرّيّ صاحٍ، ومن قويّ حبّه تسرمدَ شربُهُ، فإذا دامتْ به تلكَ الصّفة، لم يُورّثُهُ الشُّربُ سكرًا، فكان صاحيًا بالحقّ فانيًا عن كلّ حظّ، لم يتأثّر بما يرد عليه، ولا يتغيّر عمّا هو به، ومَن صفا سرُّهُ لم يتكدّرْ عليه الشُّرب، ومَن صارَ الشّرابُ له غذاءً، لم يصبر عنه، ولم يبقَ بدونه" :
" يُسَاهِرُنِي اللّيل ..
يُرَاقِصُ زَنَابِقَ أَحْلَامِي
يُدَغْدِغُ مَكْنُونَاتِ رُوحِي
وَأَتَثَاءَبُنِي .. انْسِكَابَ خُمُورٍ
لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا
إِلَّا مَنْ نَادَمَ كُؤوسَ أَبْجَدِيَّتِكِ!
هَاءَنَذا .. أُدَوْزِنُ أَوْتَارَ غُرْبَتِي
عَلَى كَمَانِ طَيْفِكِ الضَّبَابِيِّ
وَأَعْزِفُنِي مَزامِيرَ اسْتِغْفَارٍ
لِئَلَّا يَخْبُوَ.. مَجْدُ حُضُورِكِ"
فمَن نادمَ كؤوسَ أبجديّتِها، سيمُرُّ بالمراحل الثّلاثِ: الذّوْق، الشُّرب، الرّيّ، حتّى يصل إلى مرحلة "عزف مزامير الاستغفار".
وفي نشيدِ الإنشاد: " قطفتُ مُرّي مع طيبي. أكلتُ شَهدي مع عسَلي، شربتُ خمري مع لبَني، كُلوا أيّها الأصحابُ، اِشربوا واسْكَروا أيّها الأحباء"
*- التّلوين والتّمكين: التّلوينُ صفةُ أرباب الأحوال، والتّمكينُ صفةُ أهلِ الحقائق، فما دامَ العبدُ في الطّريق، فهو صاحبُ تلوينٍ، لأنّه يَرتقي من حالٍ إلى حال، وينتقلُ مِن وصفٍ إلى وصف، ويخرجُ مِن مَرحلٍ ويحصلُ في مَربع، فإذا وصلَ تمكّن... وصاحبُ التّلوين أبدًا في الزّيادة، وصاحبُ التّمكين وصل ثمّ اتّصل، وأمارة أنّه اتّصل: أنّه بالكليّة عن كلّيّتِهِ بطل."
وَأَنَا .. خَلْفَ ظِلِّي أَرْكُضُ
يَسْتَجْدِي .. مِمْحَاةَ فَرَحِي
كَيْ تُنَاكِفَ .. لَدَغَاتِ أَلَمِي!"
فهنا مرحلة الانتقال، أي مرحلة التّلوين في بحثِهِ عن الفرح والسّعادة الحقيقيّة.
وفي نشيدِ الإنشاد: "فتحت لحبيبي، لكن حبيبي تحوّل وعبر نفسي، خرجت عندما أدبر، طلبتُهُ فما وجدتُهُ، دعوتُهُ فما أجابَني"
فلم تَنجحْ باللّقاء بالحبيب، لأنّها ما زالت في الطّريق، لم تصل بعد لترتقي به ويرتقي بها، لهذا عبر نفسها ولم يُواطنها.
*-  القرب والبُعد: "أوّلُ رتبةٍ في القرب، القربُ مِن طاعتِهِ، والإنصافُ في دوامِ الأوقاتِ بعبادتِه. وأمّا البعد، فهو التّدنس بمخالفته، والتّجافي عن طاعتِهِ، فأوّلُ البُعدِ بُعدُ التوفيق، ثمّ بُعدٌ عن التّحقيق، بل البُعدُ عن التّوفيق هو البعدُ عن التّحقيق." :
"مُـــشْـــتَـــهَـــاتِـــي
أَيَا قَزَحِيَّةَ الْهَوَى
وَمَا انْفَكَّتْ أَنْفُاسُكِ النَّوْرَانِيَّةُ
تُرِيقِينَهَا عُذُوبَةً
مِنْ هَيْكَلِكِ الْمُقَزَّحِ
عَلَى أَوَانِي ضَوْئِي
فَيَتَوَهَّجُ عِطْرُ اللّيل ..
نَتَلَأْلَأُ
وَنَرْتَشِفُ مِنَ الْحُبِّ.. جُنُونَهُ
وَلَا نَنْطَفِي
بَعْدَ اسْتِعَادَةِ الذَّائِقَة!" .
فالقربُ منها جعلَهُ يَصلُ للذّائقةِ ويَنتشي.
وفي نشيدِ الإنشادِ تنجحُ بمفهومِ القُربِ مِن الاتّحاد بالحبيب "النّفس الكلّيّة"، والانتشاء بخمر الحقيقة: "وأقودُكُ وأدخلُ بكَ بيت أمّي وهي تُعلّمُني، فأسقيكَ مِن الخمرِ الممزوجةِ مِن سلافِ رمّاني" .
*- الخواطر: "الخواطرُ سبعون ألف خاطر، تخطرُ كلَّ يومٍ على القلب، حتّى لا يُخلّفَ منها واحدٌ، لأنّ القلبَ مثلُ البيت المعمور... وجميعُها مقسومةٌ على أربعةِ أقسام بالنّسبةِ للقلب المحجوب، فقسمٌ يَلبسُهُ الشّيطانُ عندَ دخولِهِ للقلب، ويلقي له مِن وساوسه، وقسمٌ تلبسُهُ النّفس، وقسمٌ يدخلُ معهُ الملك، وقسمٌ لا يدخلُ معه شيء، ولذلك قسّموا الخواطرَ على أربعةِ أقسام، شيطانيّ، ونفسانيّ، وملكيّ وربّانيّ".
ويَطغى النّفسانيُّ في الدّيوان الشّعريّ، وفي سِفرِ نشيدِ الإنشاد:
" وأنْتِ كَغُوايَةٍ
تَمُورِينَ فِي مِشْيَتِكِ
كَسَحَابَةٍ
بَاكِيَةٍ ضَاحِكَةٍ .. لَامِعَةٍ نَدِيَّة
تَمُرِّينَ بِسِرْبِ نَوَارِسِي الْــ
يَسْكُنُهُ وَصْلٌ .. مُكدَّسٌ بالنُّعَاسِ
بِوَدَاعَةٍ
تَتَدَافَعُني دِمَائِي
صَوْبَ .. مَواقِيتي الْمُتَأَخِّرَةِ
صَوْبَ شرفةٍ.. تَمُوجُ بِي نَشْوَةً"
وفي نشيد الإنشاد نراها لا تقاومُ رغبةَ النّفسِ بلقاءِ الحبيب، "فالنّفسُ إذا طالبتك بشيءٍ ألحّت.. فلا تزالُ تُعاودُك ولو بَعد حين، حتّى تصلَ إلى مُرادِها ويحصلَ مَقصودها، اللّهمّ إلّا أن يَدومَ  صِدقُ المجاهدة، ثمّ إنّها تُعاودُك وتُعاودك" :
"في اللّيل، على فِراشي طلبتُ مَن تحبُّهُ نفسي، طلبتُهُ فما وجدتُهُ، إنّي أقومُ وأطوفُ في المدينة، في الأسواق وفي الشّوارع، أطلبُ مَن تُحبُّهُ نفسي، طلبتُهُ فما وجدتُهُ." .
الخاتمة
قامت الدّراسةُ بمقاربةٍ نصّيّةٍ ثُلاثيّةِ الأبعاد، بحيث كان مصدرُ الدّراسةِ الدّيوان الشّعريّ "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين"، ومقاربته مع المفاهيم الصّوفيّة الإسلاميّة، وسِفر نشيد الإنشاد من خلال المصطلحاتِ الصّوفيّة، والخواطر الّتي تردُ في تعاليمِ الصّوفيّة، ومقاربتها مع سِفر نشيد الإنشاد، والدّيوان الشّعريّ، والمفاهيم الأسطوريّة. فكانت هناك نقاطٌ كثيرةٌ تلاقتْ مِن خلالِها  النّصوصُ الثلاثة، نظرًا للعلاقةِ الرّوحانيّةِ الّتي تجمَعُهم مِن مناجاةٍ للنّفسِ الكلّيّة، ومن العلاقةِ الشّائكةِ بينَ النّفس البشريّة والنّفس الكلّيّة، بينَ مدٍّ وجزرٍ، وبُعد وقُربٍ، واختفاءٍ وتَجلٍّ، ممّا يجعلُنا نؤمنُ بأصول الدّياناتِ الواحدة، فحتّى في زمنِ الفراعنة، تواجدتْ فكرةُ الحلول الّتي رأيناها في بحثنا، في الدّيانةِ الإسلاميّةِ الصّوفيّة، وفي الدّيانتيْن المسيحيّة واليهوديّة، وفي الأساطير اليونانيّة..
المصادر والمراجع
المصدر:
1-آمال رضوان، "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِين" (عشقيات)، دار الوسط للأعلام والنشر، رام الله، د.ت.
المراجع
2-حمدي،  أيمن قاموس المصطلحات الصّوفيّة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 2000.
3-القشيري، زين الدّين أبي القاسم، الرسالة القشيرية،دار جوامع الكلم، القاهرة،د.ت
4-الكتاب المُقدّس، العهد القديم، سفر نشيد الإنشاد.


18
فُسْتَانُ زَفَافِكِ اعْشَوْشَبَ كَفَنًا/ ترجمة للإنجليزية: فتحية عصفور

(Your Wedding Dress was grassed over with a Shroud)
By: Amal Awad – Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator

(Your Wedding Dress was grassed over with a Shroud)

A star of blurred pillows obscured my waves ...
with the thorns of the sun..
and with roaring repentance it collected ink,
 the colors of your emptiness marked
 with loose promisses that silently went out

On faint funeral rythms...
speech crescents sailed in the world of your secrets...
down to the depth of a mellowed skinned glory!

The hankies of your evenings are wounding...
They t..e..a..r... up the eyes of my butterflies
 with the sighs of their crystal... with their trapped cage

How should I ignore the holocaust of your noise...
while in the rhymes of my hodges ...
an alphabet growling and never going out?

There were seasons of woes
 whose inks melted in the straw
 of your perfidied inkbottles

The purity inkpot glowed with its pale sins...
and the eyes of violet turned yellow
at the spout of their brightness...
 as if set enacted for a wink of demise that does not blink!!

What madness is this which feels hope
 for the statues' steps to slow down?

What dawn is this which is cocooned
 wih darks of exile on the eyelids of singing?

How could a deviating sigh be a straight whoop
 in the heart of the impossible!?

The slander of your lamp ...
saddled the wrinkles of my time with the mirrors of sins.
It covered the corridors of my expatriation with foggy prayers

A foxy smile recklessly shivered
and p..o..u..r..e..d out behind walled air dams.

How its echo rushed upon the sidewalk
 of a storm breast!!

Peace...ascendig the lowest level of its ladder...
disclosing a veil of waiting...
disappeared behind the buttons of its staircase..
 to fall down stripped ...
except of its nudeness!

But they...the cities of your forgiveness...
those lamped with the seasons of your horses...

NEVER never affected by a foam of despair even if hanged ...
on the walls of deferred weddings...
even if your wedding dress was grassed over with a shroud

My night blazed with the gloom
 of intoxicated tales
And with a shiver of full moon..
 the braids of my blackbirds completely blackened...
pleading for a spot of light locked
 by the mud of darkness

But..the dust of your eyes folded my hopes...
scrambled the jungles of my burning...
and from the depth of thirst ...
gushed out the waterer of my thirst...squeezing my voice...
the crammed in the veins of mugs!

How many!! the curls of cheerful yearning peeped
 at the shoulders of illusion !...

But Never shrank
O, you the purest of the pious!
 Your twin loss sweeps me...

The tumbler of my d..i..s..p..e..r..s..i..o..n lisps
 misery on your lips

O, M..o..o..o..o..m !
Locomotives of pain
writhed on the worn rail of my certitude

The sheets of my maps breach me...
shake me off from under the perfume of my shrouds...
keep me wakeful...
get me leafed with poems of age masked
 with the mosses of your pollen!

The fountains of my verse flourished not..
without the hotness of you letter...
rippling me with the gleam of your pureness

O you !
the mouth daisy flower of the seashore
Get your teeth down
Drop your milk teeth
Put a beauty medal on me
 with the smelling of your musk

Pull me a glimmer of pureness
 to the eye of your spring...
and in the drowsiness of your glory...
cause me to sprout childhood hands catching the sun ...
so that it can fairly settle upon the Islands of Light
فستان زفافك اعشوشب كفنا/ آمال عوّاد رضوان
كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ
تَغَشَّتْ أَمْواجِي.. بِأَشْواكِ الشَّمْسِ
وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا
وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ
بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ.. انْطَفَأَتْ صامِتَة!
عَلى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ
أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ.. بِكَوْنِ أَسْرَارِكِ
لِعَمِيقِ مَجْدٍ عَتِيقٍ مَسْلُوخ!
مَنَادِيلُ أَمَاسِيكِ جَارِحَةٌ
تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَرَاشَاتِي
بِتَنْهِيدَاتِ بِلَّوْرِهَا.. بِأَقْفَاصِهَا الْمُفَخَّخَةِ
كَيْفَ أُغَافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضَائِكِ
وَفِي قَوَافِي هَوَادِجِي.. أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلاَ تَنْطَفِئُ؟
مَوَاسِمُ وَيْلاتٍ ذَابَتْ أَحْبَارُهَا
فِي هَشِيمِ مَحَابِرِكِ الْمَغْدُورَة
دُوَاةُ الطُّهْرِ.. تَوَهَّجَتْ بِآثَامِهَا الشَّاحِبَة
وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها
أَكَأَنَّمَا شُرِّعَتْ.. لِطَرْفَةِ احْتِضَارٍ لاَ يَرْمشُ؟
أَيُّ جُنُونٍ ذَا.. يَرْتَجِي خُطَى التَّمَاثِيلِ تَمَهُّلًا؟
أَيُّ فَجْرٍ ذَا..يَتَشَرْنَقَ دَيَاجِيرَ مَنْفًى
عَلَى جُفُونِ الْمَغْنَى؟
كَيْفَ لانْحِنَاءَةِ زَفْرَةٍ.. تسْتَقيمُ شَهْقَةً
فِي فُؤَادِ الْمُسْتَحِيلِ؟
وِشَايَةُ سِرَاجِكِ..
أَسْرَجَتْ تَجَاعِيدَ زَمَاني.. بِمَرَايَا الْخَطَايَا
غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتِي.. بِأَدْعِيَةٍ ضَبَابِيَّة!
ضِحْكَةٌ مُتَثَعْلِبَةٌ ارْتَجَفَتْ.. طَيْشًا
وَ ا نْ هَ مَ رَ تْ
خَلْفَ سُدُودِ هَوَاءٍ جِدَارِيٍّ
كم تَهَالَكَ صَدَاهَا..
عَلَى قَارِعَةِ نَهْدِ عَاصِفَةٍ!
سَلْمٌ.. يَصْعَدُ دَرَكَاتِ سُلَّمِهِ
يَفُكُّ خِمَارَ انْتِظَارٍ.. تَوَارَى خَلْفَ أَزْرَارِ أَدْرَاجِهِ
وَيسَقُطُ عَارِيًا.. إِلّا مِنْ عُرْيِهِ!
لكِنَّهَا
مُدُنُ غُفْرَانِكِ الْمُقَنْدَلَةِ بِفُصُولِ خُيُولِكِ
أبَدًا.. مَا طَالَهَا زَبَدُ يَأْسٍ
وَإِنْ عُلِّقْتِ.. عَلَى أَسْوَارِ أَعْرَاسٍ مُؤَجَّلَةٍ
وَإنِ اعْشَوْشَبَ فُسْتَانُ زَفَافِكِ.. كَفَنًا
لَيْلِي اتَّقَدَ.. بِظُلْمَةِ حِكَايَاتٍ مَخْمُورَةٍ
وَبِرَعْشَةِ بَدْرٍ احْتَلَكَتْ ضَفَائِرُ شَحَارِيرِي
تَتَوَسَّلُ بُؤْرَةَ ضَوْءٍ.. أَغْلَقَهَا طِينُ الْعَتْمِ
لكِن..
غُبَارَ عَيْنَيْكِ طَوَى آمَالِي
تَعَرْبَشَ أَدْغَالَ احْتِرَاقِي
وَمِنْ عُمْقِ الظَّمَأِ انْبَثَقَ سَاقِي أَتْرَاحِي
يَعْتَصِرُ صَوْتيَ الْمَحْشُورَ.. فِي أَوْرِدَةِ الأَقْدَاحِ!
كَمْ مِنْ لَهْفَةٍ جَذْلَى.. تَلصَّصَتْ خُصُلاَتُها
عَلَى أَكْتَافِ الأَوْهَامِ.. وَمَا انْكَمَشَتْ!
أَيَا أَنْقَى الأَتْقِيَاءِ..
يَجْتَاحُنِي فَقْدُكِ التَّوْأَمُ!
كُوبُ تَ بَ عْ ثُ رِ ي
يَلْثَغُ عَلَى شِفَاهِكِ شَقَاوَةً:
أمَّاااااااهُ.. قَاطِرَاتُ وَجَعٍ..
تَلَوَّتْ عَلَى سِكَّةِ يَقِينِي الْمُهْتَرِئَةِ
ملَاءَاتُ خَرَائِطِي..
تَنْقُضُنِي.. تَنْفُضُنِي مِنْ تَحْتِ عِطْرِ أَكْفَانِي
تُؤَرِّقُنِي.. تُورِقُنِي قَصَائِدَ عُمْرٍ مُقَنَّعٍ بِطَحَالِبِ طَلْعِكِ!
نَوَافِيرُ شِعْرِي مَا ازْدَهَرَتْ.. إِلَّا بِحَرِّ حَرْفِكِ
يُمَوِّجُنِي بِسَطْعِ نَقَائِكِ
أَيَا أُقْحُوَانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي..
أَسْقِطِي أَسْنَانَكِ الرَّوَاضِعَ
قَلِّدِينِي بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسَامَةً
شُدِّينِي وَمْضَ نَقَاءٍ إِلَى عَيْنِ رَبِيعِكِ
وَفِي تَهَاويمِ مَجْدِكِ
أَنْبتِينِي أَيادِي طُفُولَةٍ.. تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ
لِتَسْتَوِيَ عَدْلًا عَلَى جُزُرِ النُّورِ!


19
مَلَامِحِي مُفَخَّخَةٌ .. بِمَوَاعِيدَ مَوْقُوتَة!
آمال عوّاد رضوان

أَيَا قَزَحِيَّ الْهَوَى
هذِي الْعَوَالِمُ الْحَالِكَةْ
مَا أَرْهَبَها
بِمِلْءِ مَرَايَاهَا الْكَالِحَةْ
لَمَّا تَزَلْ طَاعِنَةً فِي الْمَجْهُول
تَتَمَزَّقُ وَبَاءً.. تَتَفَتَّتُ مَجَاعَةْ
وَهَاءَنَذَا الْغَرِيبُ الْمَحْمُومُ بِالتَّمَنِّي
يَمْلَؤُنِي الْحُزْنُ.. يَسْكُنُنِي الْحَنِينُ
أَتَحَسَّسُ أَنْفَاسَ نَايٍ تَحُفُّنِي
تَتَغَلْغَلُ بِأَنْفَاسِي.. تُنَاغِي أَغْلَالِي
حَتَّامَ أُكَابِرُ حُطَامِي وَالتَّجَنِّي؟
أَنَّى لِي أَرَانِي إِنْسَانًا .. مَشْحُونًا بِالْحَيَاةْ؟
***
أَيَا فَزَّاعَ النُّورِ
يَا مَنْ تَتَرَصَّدُ سُبُلِي.. بِمَرائِرِ زَفَرَاتٍ لَا تَفْنَى
تَتَبَخْتَرُ فَوْقَ جِرَاحِي الْمَثْقُوبَةْ
بِقَوْسِكَ الدَّمَوِيِّ.. تَرْمِي فَضَاءَاتِي الْمَلْغُومَةْ
تَكْسُونِي بِفَوْضَى الْغَضَبِ
مُذْ سَيَّجْتَ رَجَائِي بِحِجَارَةٍ مَنْحُوتَةْ!
ومُذْ كَلَّلْتَ نُجُومِي بِهَالَاتِ ظُلْمِكْ
كَلَّتْ عُيُونِي.. وَأَظْلَمَتْ!
بِتَّ تُشْبِعُنِي مَذَلَّةً.. لَا تَزُولُ
وَغَدَوْتُ.. غَشَاوَةَ لَعْنَتِكَ وَمِيرَاثِكْ!
***
أيَا سَيِّدَةَ الْأَكْوَانِ
ها مَوَاجِعِي سَرْمَدِيَّةْ
ثَقِيلَةً.. أَضْحَتْ قُيُودِي وَأَحْمَالِي
وَلَيْسَ مَنْ يُرِيحُنِي أَوْ يَنْهَانِي!
هَا عُيُونِي تَفِيضُ.. بِأَنْهَارِ الْمَرَارِ وَالنّارِ
أَمَا مِنْ غَيْثٍ يُغِيثُنِي؟
أَتُرَانِي فِي عَيْنَيِكِ
بَرِيقَ خَرَابٍ لَا خَلَاصَ فِيهْ؟
أَتُرَانِي فِي عَيْنَيْكِ
إِبْرِيقَ خَزَفٍ لَا تِبْرَ فِيهْ؟
إِلَامَ لَهِيبُ جَرْحِي يَشْتَعِلُ زَبَدًا
فِي صَخَبِ الصَّمْتِ؟
***
هَا قَفَصُ الرُّعْبِ.. يَرْتَسِمُ فِي عَيْنَيَّ
 يَمُدُّ مِنْ حَوْلِي قُضْبَانَهْ
وَبِتَنَاغُمٍ كَاسِرٍ
تَحُومُ نِيرَانُ الْوَجَلِ.. فَوْقَ أَدْغَالِ نُورِكِ!
أَنَّى لِي أَحْمِيكِ
مِنْ عُيُونٍ اسْفِنْجِيّةٍ.. تَمْتَصُّ رَحِيقَ رُوحِكِ؟
***
هَا مَلَامِحِي مُفَخَّخَةٌ .. بِمَوَاعِيدَ مَوْقُوتَةْ
تَتَلَهَّفُ إِلَى زَمَانِ وَصْلِكِ!
وقَلْبِي .. كَزُرْزُورٍ نَاشِزٍ
يَفِزُّ فَزِعًا.. مِنْ كُوَّةِ زِنْزَانَتِهْ
يَخْلَعُ عَنْهُ سِتْرَ أَسْرَارِهْ
لكنّه "لَا يَجْزَعُ مِنْ جِراحِهْ"
يُهَمْهِمُ.. وَصَوْبَ الْمَدَى
يَهْتَزُّ مَشْدُوهًا رَاقِصًا .. فِي أَسْرَابٍ بَهْلَوَانِيَّةْ
يَفْرِدُ جَنَاحَيْهِ نُورًا .. يُمَزِّقُ حُجُبَ الْعَتْمَةْ
وَخَلْفَ ظِلِّكِ الْجَامِحِ.. يَجْرِي وَلَها
أَيَظَلُّ يَشْلَحُنِي
عَلَى شَوَاطِئِ الضَّيَاعِ.. وَفي مُدُنِ الْغُرْبَةِ؟
***
أَيَا قُدُسَ الرُّوحِ
يَا الْمَسْكُونَةُ فِي كَمَائِنِ الْإِثْمِ.. بِالْمَآسِي الْمُلَوَّنَةْ
هَا عَلَى عُنُقِكِ اشْتَدَّ نِيرُ الْمِحْنَةْ
وَمَا فَتِئْتِ تَتَرَاخَيْنَ أَلَمًا .. تَسَوُّلا
وَهَا الْمَسْكُونَةُ مَا انْفَكَّتْ
فِي غَفْلَةٍ عَنْ نُذُورِكِ
أَمَا مِنْ إِنْذَارٍ.. يُنْبِي الْكَوْنَ بِنَذِيرِ شُؤْمِ؟
***
يَا مَنْ عُلِّقَ بَهَاؤُكِ الْقُدْسِيُّ بِأَذْيَالِكِ
وَامْتَلَأْتِ بِبُؤْسِ الْعُبُودِيَّةْ
يَا مَنْ تَوَارَيْتِ خَجَلا.. تَهْجِيرا.. رَحِيلا
وَلَيْسَ مَنْ يَبْكِيكِ.. وَلَيسَ مَنْ يُعَزِّيكِ
وَلَا مَنْ يُوارِي الثَّرى بَنِيكِ
فَمَا أَنْجَدَكِ خِلَّانٌ وَلَا خَلَّصَكِ عُرْبَانُ
 أَوَلَسْتِ تَقْوَيْنَ عَلَى النُّهُوضِ؟
***
صِحْتِ بملءِ المَسْمَعِ: صَهٍ صَهْ
مَا سَقَطَ إِكْلِيلُ هَامَتِي بَعْدْ
 وَمَا فَتَرَ مِدَادُ نُورِي
مَا فَنِيَتْ رُوحِي .. مَا بَيْنَ تِيهَانِي وَتِيجَانِي
وإنّي .. أنَا أنا
لَمَّا أَزَلْ .. سَيِّدَةَ الْأَكْوَانِ!

20
الأسطورةُ في قصيدة فَوْضَى أَلْوانِي الْمُشَاكِسَةِ!
بقلم: الناقد عبد المجديد اطميزة
أولا: النّصّ

فَوْضَى أَلْوانِي الْمُشَاكِسَةِ/ آمال عوّاد رضوان

تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ
يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي!
بحَّةً
تَ ر ا مَ حْ تِ
بِبَاحاتِ بَوْحِي
غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ .. بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ
وَمِنْ كُوَّةِ عَتْمَتِي
سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!
*
مَدَدْتُ يَدِي
لأَلْتَقِطَ وَهَجًا أُسْطُورِيًّا .. يُرَمِّمُ ظِلِّيَ الْهُلاَمِيَّ
لكِنَّكِ.. أَغْمَضْتِ وُرُودَ غُمُوضِكِ
وَرَشَقْتِ سَهْمَ شَقَاوَتِكِ الْمُشِعَّةِ
وَانْخِطَافًا... اصْطَدْتِنِي!؟
كَيْفَ ذَا.. وَأَنَا مَنِ انْسَلَّ مِنْ خُرْمِ مُسْتَحِيلٍ؟
*
تَسَلَّلْتُ إِلَيْكِ
عُصْفُورًا سُومَرِيًّا تُهَفْهِفُ بحَّتُهُ
يَنْقُرُ حَبَّاتِ تِينِكِ المُعَسَّلِ
كَمْ رَطَّبَهَا نَدَى جَمَالِكِ
تَذَوَّقْتُكِ قُرْبَانًا
تَخَمَّرْتِ بِكِ مَوَّالًا
وَمَا انْفَكَكْتُ أُغَرِّدُكِ صَدَى خَيَالٍ
يَمُو/////// جُ
بِي
مَمْهُو/////// رًا
مَأخوذًا بِدَلْعَنَةِ سِرِّكِ
تَسْتَلِبُهُ رَائِحَةُ سَمَائِكِ الْمَائِيَّةِ!
*
بَيْنَ تُرَّهاتِ الزَّحْمَةِ الدّافِئَةِ بِكِ
بَ حَ ثْ تُ
عَنْ هَالاَتِ ضَوْئِكِ الْخَزَفِيِّ!
أَنَا مَنْ بفَوْضَى أَلْوَانِي الْمُشَاكِسَةِ
تَسَرْبَلَتْنِي
فُقَاعَاتُ
الْغُرْبَةِ الْمُغْبَرَّة
انْتَعَلَنِي حِذَاءُ افْتِقَادِكِ
وَخَشَعْتُ بَيْنَ مَسَافَاتِ الْغَدِ
أَتَشَهّى عَنَاقيِدَ حِلْمِكِ
أَتَهَجَّى رُوَاءَ أَطْيَافِ أَمْسِكِ!
*
سِنْدَريلايَ
هيَ ذِي ذَاكِرَتِي الْعَاقِرُ تَحْمِلُ بِكِ
تَلِدِينَني شَاعِرًا يَتَفَتَّقُ وَجْدًا
يَهِيمُ بِنِيرَانِ تِيهِكِ
وَأَنَا الْمُفْعَمُ بِخَرِيرِ غَدِيرِكِ
أَ تَ أَ مَّ لُ كِ
بِمَجَسَّاتِ حُرُوفِي
أَتَحَسَّسُ رِهَامَ خَطْوِكِ
يُوَشْوِشُنِي غُوَايَةَ قَصِيدَةٍ رَاعِدَة!
حُورِيَّتِي
مَنْ بِهَا تَأْتَلِفُ دَمْعَتِي بِبَسْمَتِي
تلَمَّسِي بِدَبِيبِ صَلاَتِكِ
أَكْفَانَ
دُرُوبِي
الْعَرْجَاءِ
عَسَانِي أَقُومُ
عَسَانِي أَفْتَرِشُ الْغَيْمَ هَسِيسَ هُرُوبٍ إِلَيْكِ!
*
غَـــــاشِـــــيَـــــــتِـــــي
يَــــا مَـــــنْ تُـــــراوِحِــــيـــــــنَــــــــنِـــــي
مَا بَيْنَ رَوَائِحِ دَمِي الْمُضْطَرِمِ بِكِ
أمْطِرِي قَلْبِيَ قَمِيصَ نُورٍ رَطِبٍ
وَمِنْ سُبَاتِهِ ابْعَثِيهِ حَيًّا بِكِ
غَسّانِيًّا
عَسَى يَخْفقُ حَرْفِيَ بِكِ
فَلاَ أَسْتَظِلُّ
بِبُرْجِ غَرِيمِي الْخُرَافِيِّ.

ثانيا: التّحليل الأدبي
العنوان: "فَوْضَى أَلْوانِي الْمُشَاكِسَةِ"
العنوانُ أوّلُ ما يُلفتُ نظرَ المُتلقّي، ويتكوّنُ مِن خبرٍ مرفوعٍ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ "هذه"، والخبرُ يتكوّنُ مِن مضافٍ ومُضافٍ إليه وصِفةٍ، وفي العنوانِ انزياحٌ بالحذف. هذا من ناحيةِ التّركيب، أمّا مِن ناحيةِ المعنى فهو يُمثّلُ محتوى القصيدة، فلِهَوْلِ المصيبةِ الّتي تُعانيها الشّاعرةُ في نصِّها، نرى أنّها تخاطبُ القصيدةَ المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، أو المرسومِ لها الّذي يتخطّفُها ويَتصيَّدُها، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ، إلى كوّةِ عتمةٍ في حشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذهِ الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، فتشعرُ بالفوضى الّتي تجتاحُ الرّوح، وعلى طريقةِ الرّمزيّينَ تُوظِّفُ الشّاعرةُ آمال خاصّيّةَ تبادلِ الحواس، فأسندتِ الألوانَ للفوضى، كما أنّها أسندتِ المشاكسةَ أيضًا للألوان، وما ينطوي على التّعبيرِ والتّركيبِ مِن انزياحاتٍ مختلفةٍ تُثيرُ لهفةَ المُتلقّي، وقد نجحتِ الشّاعرة آمال في اختيارها للعنوان. "ولمّا كانَ العنوانُ على مستوى وظيفتِهِ الشّعريّةِ يُحيلُ على لغةِ النّصّ، فإنّ هذا التّحوّلَ يتّصلُ أيضًا بالتّحوّلِ الّذي طرأ على بنيةِ لغةِ النّصِّ الشّعريّة، فقد اعتبر جيرار جينيت: (إنّ العنوانَ يرتبطُ بعلاقةٍ عضويّةٍ معَ النّصّ، إذ يُشكّلُ بُنيةً تعادليّةً تتألّفُ مِن مِحورَيْن أساسيّيْن في العمليّة الإبداعيّة هما: العنوان والنّصّ، فالعنوانُ هو المناصُ الّذي يستندُ إليهِ النّصُّ الموازي. كما أنّ العنوانَ لا ينفصلُ عن مُكوّناتِ النّصِّ ومَراتبِهِ القوْليّة، فإنّ اختيارَهُ لا يخلو مِن قصديّة، وهو يأتي في إطارِ سياقاتٍ نصّيّةٍ تكشفُ عن طبيعةِ التّعالقِ الّتي تتمُّ بينَ العنوانِ ونصِّهِ، مِن هنا، فإنّ عناوينَ دوواينِ الشّاعرِ لا يمكنُ قراءتُها خارجَ تلكَ الوظيفةِ الشّعريّة، نظرًا لأنّه يُعبّرُ عن جماعِ العمل، أو عن الفكرةِ الرّئيسة الّتي تُهيمنُ عليه، فهو مفتاحٌ تأويليٌّ يَسعى إلى ربطِ القارئِ بنسيج النّصّ الدّاخليّ والخارجيّ، ربطًا يجعلُ مِن العنوانِ الجسرَ الّذي يمرُّ عليه(1).
وفي مجالِ الحديثِ عن العنوانِ في اللّغةِ والاصطلاحِ في العربيّة قال بازي "العنوان.. إظهارٌ خفيٌّ ورسمٌ للمادّةِ المكتوبة. إنّهُ توسيمٌ وإظهارٌ، فالكتابُ يُخفي محتواهُ ولا يُفصحُ عنه، ثمّ يأتي العنوانُ ليُظهرَ أسرارَه، ويكشفَ العناصرَ المُوسّعةَ الخفيّةَ أو الظّاهرة بشكلٍ مُختزلٍ وموجز".(2)
الفكرة العامة
تخاطبُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان القصيدةَ المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، أو المرسومِ لها الّذي يتخطّفُها ويَتصيَّدُها، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ، إلى كوّةِ عتمةٍ في حشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذهِ الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، فتشعرُ بالفوضى الّتي تجتاحُ الرّوح، وعلى طريقةِ الرّمزيّينَ تُوظِّفُ الشّاعرةُ آمال خاصّيّةَ تبادلِ الحواس، فأسندتِ الألوانَ للفوضى، كما أنّها أسندتِ المشاكسةَ أيضًا للألوان، وما ينطوي على التّعبيرِ والتّركيبِ مِن انزياحاتٍ مختلفةٍ تُثيرُ لهفةَ المُتلقّي، فتارةً ترسمُ ذاتَها بألوانِ الحياةِ الرّافضةِ للواقع المرير، وبتوظيفِ وتجييرِ عدّة صور: فترسمُ ذاتَها عصفورًا سومريًّا غِرّيدًا ينقرُ الّتينَ المُعسَّلَ، فيَخمرُ ويتخمَّرُ صوْتُهُ، ويحلو تغريدُهُ وعندلتُهُ، ويُحلّقُ في أفقِ الخيال، حيثُ تسلبُهُ رائحةُ السّماء، ويَظلُّ رهينَ الأفقِ والخيالِ صافنًا ما بينَ حِلمٍ وحُلم، وما بينَ غدٍ وأمس، تشدُّهُ إلى الأرضِ الغربةُ المغبرَّة، وتارةً ثانيةً تستحضرُ ذاتَها في أسطورةِ شقائقِ النّعمان الّذي قُتلَ، ونبتتْ مِن دمِهِ وردةٌ اسمُها شقائقُ النّعمان، فأصبحتْ هذه الوردةُ ترمزُ للدّمِ والانبعاث، لأنّ روحَ أدونيس تحوّلتْ في عشتار، وتارةً ثالثةً تستحضرُ ذاتَها في قصّةِ سندريلا العالميّة، لتتصاعدَ أحداثُ الحُلم العبثيِّ الخياليّ، لعلّها تَخلُصُ مِن غريمِها الخرافيّ.
وتستهلّ الشّاعرةُ المقطعَ الأوّلَ مُوظِّفةً طريقةَ السّردِ قائلةً:
"تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ/ يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي/ بحَّةً/ تَ ر ا مَ حْ تِ/ بِبَاحاتِ بَوْحِي/غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ/ وَمِنْ كوّة عَتْمَتِي/ سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!".
"تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ/ يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي/ بحَّةً/ تَ ر ا مَ حْ تِ/ بِبَاحاتِ بَوْحِي: تُخاطبُ الشّاعرةُ قصيدتَها المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، وترى أنّ قدَرَها قد طالَ وامتدَّ واشتدَّ في عتمتِهِ، والضّبابُ يرمزُ للعتمةِ والغموض، وتُصوّرُهُ بإنسانٍ لهُ خطواتٌ، ولروحِ الشّاعرةِ ظباءٌ تُواعِدُ، وصوتُها مبحوحٌ لكثرةِ المناجاة، وتُصوّرُ الشّاعرةُ البحّةَ بإنسانٍ يركضُ مُسرعًا بباحاتِ بوحِ الشّاعرة، حيثُ تتلاعبُ بالألفاظِ، لخلقِ إيقاعٍ في السّطور.
غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ/ وَمِنْ كوّة عَتْمَتِي/ سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!": وهذهِ السّطورُ حافلةٌ بالصّورِ الشّعريّةِ والانزياحاتِ المختلفةِ الّتي تُثيرُ دهشةَ المُتلقّي، فللنّقاوةِ أصابعُ كما للإنسان، وللأحلامِ فمٌ يشتعلُ كما الوقود، وللعتمةِ كوّةٌ "طاقة" كما للبيت، وللقصيدةِ أرتالٌ كموكبِ السّيّارات، وللأرتالِ أنوثةٌ كما للكائن الحيّ..، والمقطعُ بكاملِهِ مِن الأسلوبِ الخبريّ الّذي يُصوّرُ مأساةَ الشّاعرة.
وتستمرّ في مقطعها الثّاني: "مَدَدْتُ يَدِي/ لأَلْتَقِطَ وَهَجًا أُسْطُورِيًّا يُرَمِّمُ ظِلِّيَ الْهُلاَمِيّ/ لكِنَّكِ.. أَغْمَضْتِ وُرُودَ غُمُوضِكِ/ وَرَشَقْتِ سَهْمَ شَقَاوَتِكِ الْمُشِعَّةِ/ وَانْخِطَافًا... اصْطَدْتِنِي!؟/ كَيْفَ ذَا.. وَأَنَا مَنِ انْسَلَّ مِنْ خُرْمِ مُسْتَحِيلٍ؟".
وفي هذا المقطع نرى أنّ الشّاعرةَ تُخاطبُ قصيدتَها، وتبوحُ لها عن قدَرِها المجهول، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ إلى كوّةِ عتمةٍ، في حَشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذه الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، وتستعينُ في الكشفِ عن حالتِها النّفسيّةِ بالاتّكاءِ على الأساطير، لترميم بقايا شظاياها.
وتقول في المقطع الثالث مخاطبة قصيدتها: "تَسَلَّلْتُ إِلَيْكِ/ عُصْفُورًا سُومَرِيًّا تُهَفْهِفُ بحَّتُهُ/ يَنْقُرُ حَبَّاتِ تِينِكِ المُعَسَّلِ/ كَمْ رَطَّبَهَا نَدَى جَمَالِكِ/ تَذَوَّقْتُكِ قُرْبَانًا/ تَخَمَّرْتِ بِكِ مَوَّالًا/ وَمَا انْفَكَكْتُ أُغَرِّدُكِ صَدَى خَيَالٍ/ يَمُو/////// جُ/ بِي/ مَمْهُو////// رًا/ مَأخوذًا بِدَلْعَنَةِ سِرِّكِ/ تَسْتَلِبُهُ رَائِحَةُ سَمَائِكِ الْمَائِيَّةِ!".
ويحتاجُ الشّاعرُ دائمًا لتأثيثِ نصِّهِ بالرّموزِ المختلفةِ وبالأساطير، ليُوغِلَ في أعماقِ النّفس والكون، ويَسري بالقارئِ إلى دلالاتِ النّصِّ بطريقةٍ تجعلُهُ يُؤمنُ بالتّجربة، ولا يكتفي بتفسيرِها أضِف إلى ذلك، أنّ توظيفَ الشّاعرِ المعاصرِ للتّراثِ يُضفي على عملِهِ الإبداعيِّ "عراقةً وأصالةً، ويُمثّلُ نوعًا مِن امتدادِ الماضي في الحاضر، وتَغلغُلِ الحاضرِ بجذورِهِ في تربةِ الماضي الخصبة، كما أنّه يَمنحُ الرّؤيةَ الشّعريّةَ نوعًا مِن الشّمول والكلّيّة. (3)
شاعرتُنا في هذا المقطعِ، وبحسب الأسطورة البابليّة، تلجأُ لرسْمِ أُولى لوحاتِها الفنّيّةِ في خِضمِّ العتمةِ والّتيه، فترسمُ نفسَها عصفورًا سومريًّا غِرّيدًا يَنقرُ الّتينَ المُعسَّلَ، فيَخمَرُ ويَتخمَّرُ صوتُهُ، ويحلو تغريدُهُ وعندلتُهُ، ويُحلّقُ في أفقِ الخيال، حيث تسلبُهُ رائحةُ السّماءِ، ويظلُّ رهينَ الأفقِ والخيالِ صافنًا ما بينَ حِلم وحُلم وما بين غدٍ وأمس، تشدُّهُ إلى الأرض الغربةُ المُغبَرّة، فتلجأ الشّاعرةُ لتوظيفِ القناع، والقناعُ اصطلاحًا؛ "وسيلةٌ فنّيَةٌ لجأ إليها الشِّعراء، للتّعبير عن تجاربهم بصورةٍ غيرِ مباشرة، أو تقنيّةٌ مُستحدَثةٌ في الشِّعرِ العربيّ المُعاصر، شاعَ استخدامُها منذُ ستّينيات القرن العشرين، بتأثيرِ الشِّعرِ الغربيِّ وتقنيّاتِهِ المستحدثة، للتّخفيفِ مِن حدّةِ الغنائيّةِ والمباشرةِ في الشِّعر، وذلك للحديثِ من خلالِ شخصيّةٍ تراثيّة عن تجربةٍ مُعاصرة، بضميرِ المتكلّمِ أو بتوجيهِ الخطاب إليها أو مِن خلالها. وهكذا يندمجُ في القصيدةِ صوتان: صوتُ الشّاعرِ من خلالِ صوتِ الشّخصيّةِ الّتي يُعبّر الشّاعرُ مِن خلالِها". (4). "فكلُّ مُتلقٍّ يَستقبلُ الشّخصيّةَ المُستدعاةَ، ويتعاملُ معها وفقَ مُكوّناتِهِ الفكريّةِ والنّفسيّة، ويقومُ السّياقُ الّذي تردُ فيهِ بدَوْرٍ مُهمٍّ في توجيهِ التّلقّي وتحقيقِ جدواه ".(5) 
ويعملُ تناوُبُ السّردِ والحوارِ هنا في تشكيلِ القصيدةِ على تَنوُّعِ الإيقاع، فالقصيدةُ الّتي تبدأ بدايةً سرديّة، نرى أنّ إيقاعَها يكونُ إيقاعًا بطيئًا بعضَ الشّيء، إذ يتّجهُ الخطابُ نحوَ التّفصيلِ، والدّخولِ في الجزئيّاتِ، واستلهامِ أجواء ذاتيّة خاصّة تُقرّبُ كثيرًا من المونولوج الدّاخليّ الّذي يستدعي إعمالَ الذّاكرةِ التّأمّليّةِ، وما فيها مِن بطءٍ وهدوءٍ واستكانة، ينسجمُ تمامًا مع الأسلوب الحكائيّ الّذي جاءَ عليه السّرد "(6).
 وتستمرّ الشّاعرةُ في نصِّها في المقطع الرّابع: "بَيْنَ تُرَّهاتِ الزَّحْمَةِ الدّافِئَةِ بِكِ/ بَ حَ ثْ تُ/ عَنْ هَالاَتِ ضَوْئِكِ الْخَزَفِيِّ!/ أَنَا مَنْ بفَوْضَى أَلْوَانِي الْمُشَاكِسَةِ/ تَسَرْبَلَتْنِي/ فُقَاعَاتُ/ الْغُرْبَةِ الْمُغْبَرَّة/ انْتَعَلَنِي حِذَاءُ افْتِقَادِكِ/ وَخَشَعْتُ بَيْنَ مَسَافَاتِ الْغَدِ/ أَتَشَهّى عَنَاقيِدَ حِلْمِكِ/ أَتَهَجَّى رُوَاءَ أَطْيَافِ أَمْسِكِ!":
وفي هذا المقطعِ تتزاحمُ الصّورُ الشّعريّةُ والانزياحاتُ المختلفةُ الّتي تُثيرُ فِكرَ المُتلقّي، فللزّحمةِ مَفارقُ وتُرهاتٌ دافئةٌ كالماء، وللضّوءِ هالاتٌ خزَفيّةٌ، وللألوانِ فوضى تتصارَعُ وتَتشاكسُ، وللغربةِ فقاعاتٌ كفقاعاتِ الصّابون، وللحُلمِ عناقيدُ كعناقيدِ العنب، وللأمسِ أطيافُ رواءٍ تتهجّى، كما يتهجّى المُتعلّمُ الحروف.
"إنَّ الصّورةَ الشّعريّةَ ليستْ إضافةً تلجأ إليها الشّاعرة لتجميلِ شِعرِها، بل هي لبُّ العملِ الشّعريّ الّذي يجبُ أنْ يتّسمَ بالرّقّة، والصّدق والجَمال، وتُعدُّ عنصرًا مِن عناصرِ الإبداع في الشِّعر، وجزءًا مِن الموقفِ الّذي تمرُّ بهِ الشّاعرةُ خلالَ تجاربِها، وقد استطاعتِ الشّاعرةُ مِن خلال استخدامِها للصُّورِ الشّعريّة، أن تَخرجَ عن المَألوف، ولا شكّ في أنّ للصّورةِ الشّعريّةِ وظيفتُها وأهمّيّتُها في العمليّةِ الشّعريّة. (7)
وفي الصّورِ الشّعريّةِ يقومُ الخيالُ ويلعبُ لعبتَه، و"لا بدّ مِنَ الإشارةِ إلى أنَّ الصّورةَ الشّعريّةَ مُرتبِطةٌ بالخيال؛ فهي وليدةُ خيالِ الشّاعرِ وأفكارِه؛ إذ يُتيحُ الخيالُ للشاعرِ الدّخولَ خلفَ الأشياءِ، واستخراجَ أبعادِ المعنى؛ لأنّها طريقتُهُ لإخراجِ ما في قلبِهِ وعقلِهِ إلى المحيطِ الخارجيّ، ليُشاركَ فكرتَهُ معَ المُتلقّي؛ لذلكَ ينبغي أن يكونَ الشّاعرُ صاحبَ خيالٍ واسع؛ كي يتمكّن مِن تفجيرِ أفكارِهِ وإيصالِها إلى المُتلقّي. (8)
وفي المقطع الخامس تقول الشّاعرة:
"سِنْدَريلايَ/ هيَ ذِي ذَاكِرَتِي الْعَاقِرُ تَحْمِلُ بِكِ/ تَلِدِينَني شَاعِرًا يَتَفَتَّقُ وَجْدًا/ يَهِيمُ بِنِيرَانِ تِيهِكِ/ وَأَنَا الْمُفْعَمُ بِخَرِيرِ غَدِيرِكِ/ أَ تَ أَ مَّ لُ كِ/ بِمَجَسَّاتِ حُرُوفِي/ أَتَحَسَّسُ رِهَامَ خَطْوِكِ/ يُوَشْوِشُنِي غُوَايَةَ قَصِيدَةٍ رَاعِدَة!/ حُورِيَّتِي/ مَنْ بِهَا تَأْتَلِفُ دَمْعَتِي بِبَسْمَتِي/ تلَمَّسِي بِدَبِيبِ صَلاَتِكِ/ أَكْفَانَ دُرُوبِي الْعَرْجَاءِ/ عَسَانِي أَقُومُ/ عَسَانِي أَفْتَرِشُ الْغَيْمَ هَسِيسَ هُرُوبٍ إِلَيْكِ!":
سِنْدَريلايَ": وفي السّطرِ انزياحٌ بالحذف، يتمثّلُ بحذفِ حرفِ النّداء، والنّداءُ يُفيدُ التّحبُّبَ هنا، وتُوظّفُ الشّاعرةُ في نصِّها أسطورةَ ساندريلا الّتي توفّتْ أمّها، وتزوّجَ والدُها امرأةً أخرى تُذيقُها كلّ أصنافِ الظّلمِ والمهانة، وتنتهي ساندريلا بمقابلةِ أميرٍ يُعجَبُ بها ويَتزوّجُ منها. وهنا تتّخذُ الشّاعرةُ شخصيّةَ سانديلا كقناع، وكأنّي بالشّاعرة تحلُمُ بالتّخلُّصِ مِن ضيقِها وهمومِها وكبواتِها، كما خلَّصتِ الأقدارُ واقعَ سانريلا و"يُمثّلُ القناعُ شخصيّةً تاريخيّةً - في الغالب- ( يختبئُ الشّاعرُ وراءَها)، ليُعبّرَ عن موقفٍ يُريدُهُ، أو ليُحاكِمَ نقائصَ العصرِ الحديثِ مِن خلالِها". (9) 
ويزخرُ المقطعُ بالصّورِ الفنّيّةِ والانزياحاتِ الّتي تغزو لهفةَ المُتلقّي وتُثيرُهُ: فتُصوّرُ الشّاعرةُ ذاكرتَها بامرأةٍ عاقرٍ، والعاقرُ تحمِلُ وتلِدُ، وللتّيهِ نيرانٌ تُهامُ بها، وللحروفِ مجسّاتٌ، وللخطوِ رهامٌ ومطرٌ خفيفٌ يُوشوشُ، كما يوشوشُ الإنسانُ شخصًا آخرَ، وللصّلاةِ دبيبٌ، والدّروبُ عرجاءُ لها أكفان، والغيمُ يُفترَشُ ولهُ هسيسٌ وصوتٌ خفيفٌ، و...
وتنشدُ في المقطع السّادس: "غَـــــاشِـــــيَـــــــتِـــــي/ يَــــا مَـــــنْ تُـــــراوِحِــــيـــــــنَــــــــنِـــــي/ مَا بَيْنَ رَوَائِحِ دَمِي الْمُضْطَرِمِ بِكِ/ أمْطِرِي قَلْبِيَ قَمِيصَ نُورٍ رَطِبٍ/ وَمِنْ سُبَاتِهِ ابْعَثِيهِ حَيًّا بِكِ/ غَسّانِيًّا/ عَسَى يَخْفقُ حَرْفِيَ بِكِ/ فَلاَ أَسْتَظِلُّ/ بِبُرْجِ غَرِيمِي الْخُرَافِيِّ."
وفي هذا المقطع تخاطبُ الشّاعرةُ قصيدتَها فتقول:
"غَـــــاشِـــــيَـــــــتِـــــي/ يَــــا مَـــــنْ تُـــــراوِحِــــيـــــــنَــــــــنِـــــي": وحرفُ النّداءِ في السّطرِ الأوّلِ محذوفٌ، ويتكرّرُ النّداءُ في السّطر الثّاني، والنّداءُ في الحالتيْن يُفيدُ التّحبُّب، تحبُّب الشّاعرة لقصيدتها. وتتمنّى الشّاعرةُ في هذا المقطعِ أن تزولَ عن روحِها الغمّةُ والاضطرابُ، ويكتنفها الجمالُ والبهاء، "غَسّانِيًّا": كنايةً عن الجَمال والوضاءة، والقصيدةُ تحفلُ باستخدامِ الرّمزِ وتوظيفِ الأسطورة، و(إنّ الموقفَ الأسطوريَّ في صميمِهِ موقفٌ شعريّ).(10)
لقد كانَ لاستعانةِ الشّاعرة بهذه الصّورِ الشّعريّةِ أثرٌ جليٌّ على فِكرِها وعملِها الإبداعيّ، إذ إنّها مِن وجهتِها الفنّيِة، تُوسّعُ دائرةَ رؤيتِها للتّراثِ الإنسانيّ، فتصنعُ التّاريخَ وأحداثَهُ، والحكاياتِ الشّعبيّةَ المُتوارثةَ وجمحاتِ الخيالِ المُوفّقة، تصنعُ كلَّ ذلك مَصدرًا لإلهامِها، حيثُ يُساوي الشّاعرُ المعاصرُ بينَ هذه المصادرِ جميعًا، مُبتعدًا بها عن قيودِ الحقيقةِ التّاريخيّةِ والقداسةِ الدّينيّةِ، إلى رحابةِ التّشكيلِ الخياليّ المُبدع، غيرَ مرتبِطٍ إلّا بفنِّهِ، مُوظِّفًا هذهِ العناصرَ الأوّليّةَ في عملِهِ الجديد، بمضمونٍ تسري فيهِ روحُ عصرِنا وهمومِهِ. (11)
ونختتمُ تحليلَ هذهِ القصيدةِ ببيانِ أهمّيّةِ توظيفِ الأسطورة، فالأسطورةُ وسيلةٌ لا تَحملُ قيمةً شعريّةً في ذاتِها، وهي ليستْ مُجرّدَ قصص، وإنّما هي نظرةٌ إلى الحياة وتفسيرٌ لها، فإنّ الشّاعرَ لا يلجأ إلى الأسطورةِ كمادّةٍ جاهزة، إنّما يُشكّلُ أسطورتَهُ مِن خلالِ تجربتِهِ الشّعريّة، والشِّعرُ هو رؤيا قبلَ كلِّ شيء، والشّاعرُ يتصرّفُ في الرّمز أو الأسطورة، بحسب ما تتطلّبُهُ تجربتُهُ الشّعريّة، ممّا يعني أنّ جماليّةَ الأسطورةِ والرّمزِ لا تكمنُ في  توظيفِهما فحسب، وإنّما تكمُنُ في طريقةِ توظيفِهما، ومدى انسجامِهِما معَ السّياقِ والمعنى. ولقد نجحَ بعضُ الشّعراءِ في منحِ الأساطيرِ سِمةً فنّيّةً ازدادتْ بها القصيدةُ أثرًا وجمالًا فنّيًا، إذ عُدّتْ بعضُ قصائدِهم الأسطوريّةِ رائدةَ التّحوُّلِ الجذريِّ في أسلوبِ الشِّعر العربيّ، فيتنقلُ فيها القارئُ بين عالَمَيْن؛ عالمٍ واقعيٍّ ينقلُ آلامَ الشّاعرِ وأحزانِهِ في الواقع ، وعالمٍ أسطوريٍّ؛ يستحضرُ فيهِ أساطيرَ غابرةً، ليبعثَ فيها الرّوحَ مِن جديد.


21
أدب / طعمكِ مفعمٌ بعطرِ الآلهة
« في: 16:47 04/06/2019  »



طعمكِ مفعمٌ بعطرِ الآلهة


آمال عواد رضوان

كُؤوسُ ذِكراكِ
حَطَّمَتنِي عَلى شِفاهِ فرَحٍ
لَمْ يَنسَ طَعمَكِ المُفعَمَ بِعِطرِ الآلهَة
وَأَنا ..
ما فَتِئتُ خَيطًا مُعَلّقًا بِفضاءِ عَينَيْكِ
مَا نَضُبَتْ عَلائِقي الوَرْديَّةُ مِنكِ
وَلا
مِنْ نُضرَةِ سماواتٍ مُرَصَّعَةٍ بِانْثِيالاتِكِ اللاَّزُورديَّة!
حقولُ شَقاوَتي..
تَهالكَتْ عَلى وَصْلِ غَيْثِكِ
كَمْ تاقتْ تَخْضَرُّ بينَ ثرثرةِ أَنامِلِك
وَكَمِ اسْتغاثتْ
أَنِ اجْبِلِيها بِعصا خُلودِكِ عصافيرَ نَدِيَّةً
تَرتَسِمُ دَيمومَةَ لَوعَةٍ بِضَوْءِ عُهْدَتِكِ العَصِيَّة!
مُهْرَةَ روحِي الحافِية
أَلاَ هُزِّي عَتمَةَ وَجهِي الذّاوِيَة
سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدالَةٍ ..
فِي مَساماتِ جِهاتِ مَوازينِكِ
عَلَّني أَنغَمِسُ بِكِ خُبزَ بَراءَة
لاَ تُقْصِيني أَيا طوفانِيَ الْمُشْتَهى
نَوافِيرُ فَرارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيلكِيّ
طاغِيَةُ الحُمْرَةِ باتتْ شَهْقاتُ خَيالِي الكافِرِ
كَجَذْوَةٍ مُجَمَرَّةٍ غَدَتْ خَفَقاتِي!
ثنايا انْكِساراتي..
ما فَتِئتْ تُؤْنِسُني بِصَوتِكِ المُتَهَجِّدِ
حُضورُكِ ..
مَا انفكَّ يُبْهِرُني صُداحُهُ
يَجْلِبُ لي مِنْ كُلِّ فَجٍّ المَطَرَ
يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنادِلَ لِبْلابي
مَنْ يُنْجِدُني مِنْ سَطْوَةِ صَوتِكِ
حِينَ تفْتَحُ لي غِرْناطَةُ السَّمَاء..
أَو..
حِينَ أَنْهَمِرُ غُيومًا عَلى كُلِّ مَوْجَةٍ
تَنداحُ مِنْ شَفَتيْكِ “حَياتي”؟
أنَّى تَعْتَلِينَ مَوْجَةَ ذُهولِي الخَرْساءَ
فَأَخْلُصُ مِنْ آثامي؟
أَنا مَنْ جِئتُكَ مَوْلودًا بِلا حُجُبٍ وَلا أَقْنِعَة
ما كُنْتُ لاهِيًا عَنْ نقاءٍ عَبَّدَ القلوبَ بِطُهْرِكِ
وَنَفَضَ عَنّي كُلَّ عَرائي!
تَمَرُّدُ خَفْقتي المَهْووسَةِ لا تَلْجُمِيها
لا تُحِيليني وَطنًا مُثقَلاً بِالمَناقيرِ
أَبَدًا..
مَناقِيري ما خَنَعَتْ لِدَساتيرِ هُرائِهِم!
عَلى أَوْتارِ “حَياتي”
عَزَفْتُ هَيْكَلَكِ الْمُنِيفِ بِكِ ضَوْءًا أَزَلِيًّا لا يَنْضُبُ
نَصَّبْتُكِ عَلى عَرْشِ عَتْمَتِي
لِيَسْتَدِلَّ بِخُشوعِكِ خُشوعي
حُنْجَرَتي الماسِيَّةُ ذابَتْ مَزامِيرَ اسْتِغْفَارٍ
عَلى امْتِدادِ جَذْوَتِكِ!
كانَ ابْتِهالِي أَعْمَقَ عَبَقًا حِينَ حَضَرَ رُواؤُهُ جِرارًا
يَتهَجَّى قِراءاتِهِ فِي مَحاريبِ حَنانِكِ!
كانَ صِيامِي أَنْقى أَجيجًا
يَتلو عَلى مَسامِعِ مائِكِ عَطَشَهُ!
بادِليني صَلاةً تَعْجَزُ عَنْ قَوْلِها لُغَةٌ قاصِرَة!
ها طَعْمي قَدِ اكْتمَلَ في حَضْرَةِ نيرانِكِ
وَدُنُوُّكِ كَفيلٌ بِإِعادَتي مُتعبِّدًا إِلى نِصابِ مَعْبَدِكِ
لاَ تَقتَلِعي أَوْتادَ جَأْشي
فَأَذُوبُ عَلى مُنْحَنى وَهْمٍ فيهِ مَحْوي
جَلْبِبيني بِظِلِّكِ الأَخْضَرِ
حينَ تَخلَعُ الأَقْمارُ قِشْرَتَها
أرْجوكِ اقتَرِبِي مِنّي
وَانتَشِليني مِنْ سُدَفِ عَتْمَتي الحَدْبَاء!
أَتُراني اسْتَسْقَيْتُ رَمادَ فُؤَادٍ
تَلَاشى في تَقاسيمِ قَفَصٍ جَلِيدِيٍّ؟
أتيحِي لِشِفاهِ لَيْلي أَنْ تَلْثُمَ مَعْزوفاتِكِ
لِتُشْرِقَ شُموسُكِ مِنْ أقداحي مَواسِمَ حَصاد!
مُنْذُكِ..
وَبَيادِري مَا اسْتَباحَتْها إِلاَّ تَسابيحُ ذِكْراكِ!
مُنْذُكِ..
وَسَنابِلي الْعَتِيقَةُ تَدَّخِرُ قَمْحَكِ
بارِكي طَواحينَ قَلْبٍ لا تَنْبِضُ إِلاَّ بِأَعاصيرِكِ اليانِعَة
اِعْصِفي بي
عَسْجِديني بِراحَتَيْكِ الشَّفَّافَتيْنِ
لَوِّنيني بِسَطْعِكِ
كَيْ يَنْضُوَ عَنْ روحي أَتْرِبَةَ الغِيابِ
نَأْيُكِ آسِنٌ يُحَوِّطُني بِمائِكِ المُقدّس
أَخْشاهُ يَسْلِبُني نَبْعِيَ المُلَوَّن!
تَخَطَّفيني مِنْ بَينِكِ مَلائِكَةَ حُروفٍ
تُذْكِي هَجيرَ قَناديلي بِاشْتِهاءاتِ الكَواكِبِ!
وَحْدَكِ مَنْ رادَفَ جَرْفُها حَرْفَها
وَغَدَوْتُ طَمْيًا عَلى ضِفافِ رَحيلِكِ!
يا مَنْ كُنْتِ كَمائِنَ اقْتِناصِي بِفِتنَتِكِ الآسِرَة
أَنا المَسكونُ بِدَفْقِ الظَّمَأِ لِتَفاصيلِ شُموخِكِ
مَتى تَغْدِينَ شارَةً عَذْراءَ عَلى عَوْدَتي الأَبَدِيَّة؟
أَنا مَنْ تَكَلَّلْتُ بِمَواسِمِ الدُّوارِ
تُراقِصُني طُقوسي المَنْذورَةُ على إِيقاعِكِ الضَّبابِيِّ
عَلَّني أَسْتعيدُ نَبْضِيَ إِنْ مَكَثتِ بَيني وَبَيني!
أَلْقيني بِحِضنِ وَقتٍ يُمْعِنُ في عِناقِكِ
كَم أَجادَ التَّفَلُّتَ مِنْ بَينِ أَصابِعي
وَنَحّاني مُغَرِّدًا وَحْدَتي
أَتوارى خَلفَ صُداحِكِ
حَيثُ طابَ لَهُ المُكوثُ الرَيّانُ
 على هامِشِ ضَوْئِكِ



(Your Taste's Filled With The Aroma OF Gods(
By: Amal Awad – Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator
(طعمكِ مفعمٌ بعطرِ الآلهة) للشّاعرة  آمال عوّاد رضوان/ ترجمتها للإنجليزية فتحية عصفور!

Your Taste's Filled
With The Aroma OF Gods
The cups of your memory smashed me on lips of joy that's not forgotten your taste , the filled with the aroma of gods...and me is still a thread hanging in the space of your eyes
 My rosy ramblers never drained up of you... or of the bloom of heavens inlaid with your azure swarms
Oh ! how the fields of my misery died for attaining your rain !!
How they yearned to become green amid the chattering of your fingers!!
 And how they appealed to you to get them kneaded with the staff of your eternity , dewy birds drawn as perpetual torment with your invulnerable covenant !!
O, the filly of my barefooted soul !
If only you shake the withered darkness of my face !
 If only you discharge it a luminance of justice ..in the pores of your scales' sides ! ... so that I may indulge in you... a bread of innocence
O , my desired deluge !
Eliminate me not
The fountains of your flight
gushed out my lavendar light
The whoops of my infidel imagination have become dominantly red
Like a flaming ember became my beats
The folds of my defeats still make me feel at ease
with your voice praying the whole night
 The chanting of your presence still dazzles me .. brings me rain from every direction... makes me shed all the nightingales of my ivy
 Who saves me from the dominance of your voice when Garnada opens heaven to me ? or when I pour down clouds on every wave my life extends from your lips ?
 When will you assend the wave of my dumb maze to become then pure of my sins?
It's me who came to you by birth
With no veils or masks
 I was not heedless about a pureness that paved the hearts with your chastity.. and dusted all my nakedness off me
Restrain not the rebellion of my crazy beat
Never transform me into a homeland loaded with beaks
NEVER
My beaks never submitted to the constitutions of their nonesense
 On the strings of my life... I strummed your temple the exalted in you, an eternal light that never fades
I set YOU on the throne of my darkness ...so that my submissiveness
will be guided by yours
 My diamond throat melted psalms of forgiveness all along my burning ember
 My supplication was deeper in scent when its fullness was there in jugs...spelling its readings in the mihrab of your tenderness
 My fasting was purer in flaming.. reciting its thirst on the hearing of your water
In return, give me prayers a minor language incapable to say
Here! my taste has completed in the presence of your
fires.. and nearing me is a vouch for
getting me back a worshipper to the quorum of your
statue
 Do not root out the wedges of my strength... to get then melted on a curve of delusion
whereby is my eradication
 Jilbabize me with your green shadow at time when moons take off their crusts
Please! get near me and lift me out of the dusks of my humped darkness
I wonder if I prayed for the ash of a heart
that vanished in the looks of a glacial cage !!
 If only you make it possible for the lips of my night to kiss your pieces of music !!
so that your suns will shine seasons of harvest from my glasses
Since THEE
 my threshing floors have not been permissible but to the exaltations of your memory
Since THEE
my ancient spikes have been storing your wheat
Bless the mills of a heart that do not pulse without your mellow hurricanes
Storm in me.
Make me a golden gem with your transparent palms
 Colour me with your gleam.. so that it can remove the dusts of absence off my soul
Being distant from you is a stagnation surrounding me with your holy water
I am afraid it may plunder my coloured spring
 Seize me out of your dismissal , angels of letters stoking the strong heat of my lamps with the cravings of the planets
 Only you whose shovel and letter are identical, and me turned into mud on the banks of your departure
You, who were the snares for snipping me with your captivating charm!
I am the inhabited by the flow of thirst for the details of your highness
When would you become a virgin sign for my eternal return?
Me, who was crowned by seasons of whirling...with
my vowed rites dancing with me on your foggy rythm
Maybe I return my pulsing if you abide between me and myself
Place me in the lap of a time sustainable in hugging you
 How it was excellent in slipping through my fingers... and set me aside tweeting my loneliness
 Let me disappear behind your chanting where succulent dwelling on the margines of your light was a pleasure to time


22
أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا؟
آمال عوّاد رضوان
مَا أُحَيْلَاهُ مُرّكِ .. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ
كَأَنَّ رَحِيقَكِ .. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا
يَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ
لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي
لِتَجْبِلَكِ عُيُونُ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!
أَيَا صَانِعَةَ شِعْرِي
يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ
فَغَدَا مَلَاكًا
وَيَا أَشْهَى.. مِنْ إِطْلَالَةِ صُبْحٍ
تَلْفَحِينَ بِعَبَقِكِ .. مَنْ يَمُرُّ بِوَهْجِكِ!
لِإِشْعَاعِكِ .. سِمَةُ النَّفَاذِ مِنْ تَحْتِ الْمِكْيَالِ
كَدَفْقَةِ ضَوْءٍ .. تَسْتَرْسِلِينَ مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِي!
هَـتَـفْـتُـكِ ذَاتَ لَهْفَةٍ .. أَيَا جَنَّةَ فُؤَادِي
اُبْذُرِي حُرُوفَ سَمَائِكِ .. فِي مَسَاكِبِ نُورِي
وَعَلَى ضِفَّتِي الْأُخْرَى
اغْرِسِي سِحْرَكِ.. فِي وَاحَاتِ نَقَائِي!
أَيَا زَهْرَةً عَصِيًّةً عَلَى أَنْفَاسِ الْبَشَرِ إِلَّايَ
وَلَا تَطَالُكِ .. إِلَّا عَيْنُ اللهِ!
أَنَا مَا اسْتَهْوَانِي.. إِلَّا أَرِيجُكِ
كَمْ مِنَ الزَّنَابِقِ تَتَعَشَّقِينَ .. لِتَخْتَصِرِينِي مَجْنُونُكِ؟
يَا مَنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ
كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ
كَأُسْطُورَةٍ تَتَبَخْتَرُ فِي خَيَالِي
مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ.. فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ
وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!
أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟
أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟
مُطْفَأٌ.. سِرَاجُ قَلْبِي .. فمَنْ يُنْفِقُ وَقْتَهُ
يُوقِدُ فَانُوسًا فَقَدَ فَتِيلَهُ .. أَو أَتَى الْهَجِيرُ عَلَى وُقُودِهِ؟
أَيَا غَابَةَ ضَوْئِي
مَنَافِذُكِ كُلُّهَا مُغْلَقَةٌ .. وَلَنْ يَكُونَ لِي أَوَانٌ آخَرُ
مُعْتِمًا يَصْحُو وَقْتِي .. يَشِيبُ بِعِنَادِكِ
لَيْلِي يَتَقَصَّفُ .. مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!
غَدي دُونَكِ.. بِتُّ أَسْتَقْبِلُهُ بِحُطَامِي
ومَجَّانِيًّا .. غَدَا تَفَاؤُلِي لَا يَنْبِضُ بِأَنْفَاسِ غَدِكِ
وَمُذْ مَضَيْتِ .. فَقَأَتْنِي عُيُونُ أَكْوَانِي
وَفَوَانِيسِي.. الْــ عَهِدْتُها تَلْتَقِطُ مِنْ مَحْجَرَيْكِ.. وَهْجَكِ
تَعَرَّتْ.. مِنْ أَهْدَابِ خُضْرَتِكِ
وَبَاتَتْ خَرَائِطي فَوْضَوِيَّةً
لَا تَعْرِفُ التَّمَرُّدَ إِلَّا.. عَلَى يَبَاسِ خَيْبَاتِي!
بِضِحْكَاتٍ قُرْمُزِيَّةٍ .. أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا
تُحَاكِي أَطْلَالِي .. تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري
فِي هَوَامِشِ خَطوي!
ضِحْكَاتُكِ الْـــ .. تُقَدِّسُنِي .. بِعَبَثٍ تئِنُّ!
أَنَامِلُكِ..  تَرْعَى كُؤُوسِيَ الْمَخْمُورَةَ
فَيَغْفُو لُهَاثُ لَيْلِي .. عَلَى أَهْدِابِ غِيَابِكِ!
هَا زِئبَقِي راكِدٌ.. فِي قوارير عُزْلَتِي
يُومِضُكِ حَكَايَا جَامِحَةً .. في فَجْوَاتِ زَمَانِي!
وَهَا أَنَا
لَا أَخْنَعُ لتَمَوُّجِ جِرَاحِي .. ولَا أَصْدَأُ بِمُرِّ صَمْتِكِ!
أَمَا مِنْ سُلْطَانٍ لَكِ .. يُفْضِي إِلَى خَرَائِبِ سَقْطَاتِي؟
لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ
تَتَرَجْرَجُ.. تُلَامِسُ أَشِعَّتي .. وَتَتَوَغّلُ فِي فُيُوضِ تَقَرُّبِكِ
لكنَّ تهَرُّبَكِ
يَفْتِكُ بِحَمَائِمِ أَعْشَاشِي .. يَقْضِمُ صَوْتِي الْمُتَعَسِّرَ فِي خَرَائِبِهِ
مُذْ فَطَمَتْنِي عَنَاقِيدُ نَارِكِ!
هَا نِصْفِي السَّمَاوِيُّ غَطَّ .. فِي تَفَحُّمِ ذَاكِرَتِي النَّيِّئَةِ
يَحْرِقُ هَوَائِيَ الْمُمَغْنَطَ .. بِقَبْضَةِ صَمْتِكِ الصَّاهِرِ
قَلْبِي بَاتَ يَرْتَعِشُ.. يَفُكُّ أَزْرَارَ بَحْرِكِ
يُلَوِّحَ لِي بِأَكْمَامِهِ الْمَبْتُورَةِ .. يَهْدُرُ:
أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا.. فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟

23
"A glowing luscious smile- لابَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ"
رام الله- القاهرة- الجليل
الشاعرة آمال عوّاد رضوان تُطلّ بإصدارها المترجَم للإنجليزيّة "A glowing luscious smile- بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ"
أطلت الشاعرة الفلسطينية القديرة آمال عوّاد رضوان بمجموعتها الشّعريّة المترجمة للإنجليزيّة "بسمة لوزية تتوهّج"، متجاوزة بها حدود الوطن الفلسطينيّ، لترسم لوحة جديدة من  لوحات الإبداع الأدبيّ على خريطة الأدب الفلسطينيّ بشكل خاصّ، والعربيّ بشكل عامّ، ومؤكّدة على رسوخ الفكرة الثقافيّة والإبداعيّة، عبر التّواصل والتّعاون بين مكوّنات الفعل الثقافيّ والأدبيّ في وطننا العربيّ الكبير، عبرَ ما توّجتْهُ دار الوسط للنشر والإعلام في فلسطين، ودار الأدهم للنّشر والتّوزيع في مصر، بمساهمة جميلة وكبيرة للشاعر والمترجم حسن حجازي.
الإصدار "بسمة لوزية تتوهج" الديوان الشعريّ، ترجمه للإنجليزيّة الأديب والشاعر والمترجم المصريّ حسن حجازي، احتوى على عشر قصائد باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة  .
الإصدار المترجَم للشاعرة آمال عوّاد رضوان جاء ثمرة للتّعاون بين دار الوسط للإعلام والنشر في فلسطين، ودار الأدهم للنشر والتوزيع في جمهوريّة مصر العربيّة، وتضمّن ترجمة لقصائد الديوان الشعريّ :بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ، فِي مَهَبِّ رَصِيفِ عُزْلَةٍ، أَوْتَارٌ مُتَقَاطِعَةٌ، عُصْفُورَةُ النَّارِ، أَنْفُضُ الْغُبَارَ عَنْ مَتْحَفِ فَمِكَ، كَيْ لَا تَتَهَاوَى، شَوْقِي إِلَيْكَ يُشْعِلُنِي، أَيَائِلِي مُشْبَعَةٌ بِرَائِحَةِ الْهَلَعِ، غَيْرَةُ حَبِيبِي، تَعْلِيقٌ، أَحِنُّ إِلَى حَفِيفِ صَوْتِكَ، إضافة إلى الأهداء والمقدمة والسيرة الذاتية للشاعرة الفلسطينية التي ما زالت تقول:
آمال :
  لَيْسَتْ سِوَى طِفْلَةٍ خَضْرَاءَ انْبَثَقَتْ مِنْ رَمَادِ وَطَنٍ مَسْفُوكٍ فِي عُشٍّ فِينِيقِيٍّ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ!
أَتَتْ بِهَا الْأَقْدَارُ، عَلَى مُنْحَنَى لَحْظَةٍ تَتَّـّقِدُ بِأَحْلَامٍ مُسْتَحِيلَةٍ، فِي لُجَّةِ عَتْمٍ يَزْدَهِرُ بِالْمَآسِي، وَمَا فَتِئَتْ تَتَبَتـَّلُ وَتَعْزِفُ بِنَايِ حُزْنِهَا الْمَبْحُوحِ إِشْرَاقَاتِهَا الْغائِمَةَ، وَمَا انْفَكَّتْ تَتَهَادَى عَلَى حَوَافِّ قَطْرَةٍ مُقَدَّسَةٍ مُفْعَمَةٍ بِنَبْضِ شُعَاعٍ، أَسْمَوْهُ "الْحَيَاة"!
عَشِقْتِ الْمُوسِيقَا وَالْغِنَاءِ، فَتَعَلَّمَتِ الْعَزْفَ عَلَى الْكَمَانِ مُنْذُ تَفَتَّحَتْ أَنَامِلُ طُفُولَتِهَا عَلَى الْأَوْتَارِ وَسَلَالِمِ الْمُوسِيقَا، وَقَدْ دَاعَبَتِ الْأَنَاشِيدُ الْمَدْرَسِيَّةُ وَالتَّرَانِيمُ حَنْجَرَتَهَا، فَصَدَحَتْ فِي جَوْقَةِ الْمَدْرَسَةِ، إِلَى أَنِ اتَّشَحَ حُضُورُهَا بِالْغِيَابِ الْقَسْرِيِّ مُدَّةَ سَنَوَاتٍ، لِتُعَاوِدَ ظُهُورَهَا فِي كُورَال "جَوْقَةِ الْكَرَوَان" الْفِلِسْطِينِيَّةِ!
كَمْ عَشِقَتْ أَقْدَامُهَا الْمُعَتَّقَةُ بِالتُّرَاثِ الرَّقْصَ الشَّعْبِيَّ، وَكَانَ لِخَطَوَاتِهَا الْبَحْرِيَّةِ نَكْهَةً مَائِيَّةً تُرَاقِصُ ظِلَالَ شَبَابٍ طَافِحٍ بِالرَّشَاقَةِ فِي فِرْقَةِ دَبْكَةٍ شَعْبِيَّةٍ، إِضَافَةً إِلَى نَشَاطَاتٍ كَشْفِيَّةٍ وَأُخْرَى عَدَيدَةٍ، تَزْخَرُ بِهَا رُوحُ فَتَاةٍ تَتَقَفَّزُ نَهَمًا لِلْحَيَاةِ!
أَمَّا لِمَذَاقِ الْمُطَالَعَةِ وَالْقِصَصِ وَالرِّوَايَاتِ فَكَانَتْ أَسْرَابُ شَهْوَةٍ؛ تَحُطُّ فَوْقَ أَنْفَاسِهَا حَدَّ التَّصَوُّفِ وَالتَّعَبُّدِ، مُنْذُ أَنْ تَعَلَّقَتْ عَيْنَاهَا بِسَلَالِمِ فَكِّ الْحُرُوفِ، وَكَانَ لِلْقَلَمِ الْمَخْفِيِّ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهَا وَتَحْتَ وِسَادَتِهَا صَلِيلٌ يُنَاكِفُهَا، كُلَّمَا شَحَّ رَذَاذُ نَبْضِهِ فِي بَيَاضِهَا، فَيَفْغَرُ فَاهَهُ النَّارِيَّ مُتَشَدِّقًا بِسِحْرِهِ، كَأَنَّمَا يَحُثُّهَا لِاحْتِضَانِهِ، كُلَّمَا ضَاقَتْ بِهِ الْأَمْكِنَةُ، وَكُلَّمَا تَعَطَّشَ إِلَى خَمْرِهَا، فَتُحَلِّقُ بِهِ فِي سَمَاوَاتِ فُيُوضِهَا، وَمَا أَنْ تَصْحُوَ مِنْ سَكْرَتِهَا، حَتَّى تُمَزِّقَ مَا خَطَّتْهُ وَنَسَجَتْهُ مِنْ خُيُوطِ وَجْدِهَا، لِتَمْحُوَ كُلَّ أَثَرٍ يُبِيحُ لِلْآخَرَ أَنْ يُدْرِكَ مَا يَعْتَمِلُ فِي نَفْسِهَا، وَلِأَنَّ مَكَانَةً سَامِقَةً وَأَثَرًا جَمًّا وَمَهَابَةً لِلْأَدَبِ، تَخْشَى أَنْ تَتَطَاوَلَ إِلَيْهِ، أَوْ تُقْحِمَ نَفْسَهَا فِي وَرْطَةٍ لَا خَلَاصَ مِنْهَا.
مَا بَعْدَ الْفَتْرَةِ الثَّانَوِيَّةِ حَلَّتْ مَرْحَلَةُ مَنْفَاهَا عَنْ طُفُولَتِهَا الزَّاهِيَةِ، حِينَ اسْتَلَبَتْهَا مَخَادِعُ الدِّرَاسَةِ الْجَامِعِيَّةِ الثَّلْجِيَّةِ مِنْ أَجِيجِ نَشَاطَاتِهَا، وَمِنْ ثُمَّ؛ تَمَلَّكَتْهَا مَسْؤُولِيَّاتُ الزَّوَاجِ وَالْأُسْرَةِ وَمِهْنَةِ التَّدْرِيسِ، وَاقْتَصَرَ دَوْرُهَا الْأَسَاسِيُّ عَلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ؛ هُوَ بِنَاءُ عَالَمٍ مُحَبَّبٍ آخَرَ بَعِيدًا عَنْهَا قَرِيبًا جِدًّا مِنْهَا، الْأُسْرَةُ بِكَامِلِ مَسْؤُولِيَّاتِهَا الْجَمَّةِ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ وَبِفِعْلِ سِحْرِ الْأُمُومَةِ، نَمَا فِي قَلْبِهَا عِشْقٌ جُنُونِيٌّ لِلْعَطَاءِ، رَغْمَ طَرَاوَةِ الْحَيَاةِ وَقَسْوَتِهَا، وَكَانَ بَخُورُ الذِّكْرَيَاتِ يَعْبَقُ بِكِبْرِيَائِهَا، وَيُمَرِّغُهَا بِعِطْرِ الطُّفُولَةِ الْهَارِبَةِ!
مَا بَيْنَ رُمُوشِ نَهَارَاتِهَا وَوَسَائِدِ لَيَالِيهَا، سَاحَتْ آمَال فِي عُمْقِ بُوَارٍ لَا يَحُدُّهُ خَوَاءٌ، تَارَةً، تَأْخُذُهَا سِنَةٌ مِنْ سُبَاتٍ فِي اسْتِسْقَاءِ الْمَاضِي، وَتَارَةً، تَسْتَفِيقُ مِنْ قَوْقَعَةِ أَحَاسِيسِهَا الذَّاهِلَةِ، حِينَ تَهُزُّهَا الْفَجْوَةُ الدَّهْرِيَّةُ بَيْنَ الْأَنَا وَالْآخَرَ وَالْكَوْنِ، وَبَيْنَ مُجُونِ الضَّيَاعِ الْمُزَمْجِرِ فِتْنَةً، وَبَيْنَ حَانَاتِ الْخَطَايَا الْمُشْتَعِلَةِ كُؤُوسُهَا بِلَا ارْتِوَاءٍ، وَالْوَطَنُ يَرْتَعُ فِي شَهَقَاتِ أَلَمٍ تَعْتَصِرُ أَمَلًا مِنْ كُرُومِ الْمُسْتَحِيلِ!
لَمْ تَفْلَحْ شَفَافِيَّةُ الْوَاقِعِ الْمُرِّ حُلْوُهُ، وَلَا مَهْرَجَانَاتُ الْحَيَاةِ مِنْ صَلْبِهَا عَلَى أَعْمِدَةِ مُدَرَّجَاتِ وَمَسَارِحِ الْحَيَاةِ، بَلِ الْتَجَأَتْ بِصَمْتٍ وَهُدُوءٍ إِلَى كَهْفِ الْأَبْجَدِيَّةِ، وَاعْتَكَفَتْ فِيهِ كَنَاسِكَةٍ تَحْتَرِفُهَا فِتْنَةَ التـَّأَمـُّلِ، حَيْثُ تَصْطَفِي نَيَازِكَ حُرُوفٍ مُتَلَأْلِئَةٍ بِالنُّضُوجِ، كَادَتْ تَسْقُطُ سَهْوًا فِي مِحْرَقَةِ الْأَلَمِ، أَوْ كَادَتْ تَرْجُمُها إِغْوَاءَاتُ الدُّرُوبِ بِحَصًى يَتَجَمَّرُ، لكِنَّهَا حَاوَلَتْ أَنْ تَلْتَقِطَ بِأَنَامِلِ خَيَالِهَا تِلْكَ الْحُرُوفَ اللَّاسِعَةَ الْكَاوِيَةَ، كَيْ تُرَطِّبَ وَجْدَ آمَالِهَا الْمَوْشُومَةِ بِنَشِيجِ خَلَاصٍ قَدْ يَأْتِي!
كَمْ تَمَاوَجَتْ فِي طُهْرِ رُوحِهَا شُعَاعَاتُ إِيمَانٍ صَاخِبَةٌ بِفُصُولِ التَّوَغُّلِ وَبِوُجُوهِ الْجَمَالِ فِي غَدٍ دَافِئٍ، وَكَمْ نَقَشَتْهَا أَنْفَاسُهَا تَنْهِيدَةً مَنْحُوتَةً وَمُشَفَّرَةً، عَلَى شَاهِدَةِ عُمْرٍ يُلَاحِقُهَا، وَيُوَلِّي فِي صَحْوَتِهِ، وَلَا يَلْوِي عَلَى الْتِفَاتَةٍ تَكْتَظُّ بِالْحَسْرَةِ!
"سِحْرُ الْكَلِمَات" هُوَ عَجُوزِي الْمُسْتَعَارُ، وَرَاعِي انْتِظَارَاتِي الْمُؤَجَّلَةِ بِفُوَّهَةِ مَغَارَتِهِ الْخَضْرَاءِ، يَحْرُسُ بِتَمَائِمِهِ وَمَشَاعِلِهِ عَرَائِشَ كُرُومِي، عِنْدَمَا تَسَلَّقَتْ عَلَيْهَا دَوَالِي قَلْبِي وَذَاكِرَتِي الْمَنْهُوبَةُ، وَنُصُوصِي الوُجْدَانِيَّةُ الْمُكَدَّسَةُ عَلَى رُفُوفِ فُسْحَاتٍ تَعَذَّرَ الْتِقَاطُهَا، وَبِعَشْوَائِيَّةٍ لَذِيذَةٍ انْفَرَطَتْ قُطُوفُ أَسَارِيرِهَا عَلَى أَطْبَاقِ الْبَرَاءَةِ عَبْرَ صَفَحَاتِ النِّتّ، لِتُؤَبِّدَ دَهْشَةَ صَمْتٍ عَبَرَتْ كَالرِّيحِ، فَوْقَ ظِلَالِ الْفُصُولِ وَالْعُمْرِ، إِلَى أَنْ كَانَتْ وَمْضَةٌ مُخَصَّبَةٌ بِأَحْضَانِ سَحَابَةٍ مُتَنَكِّرَةٍ، تَرَاذَذَتْ مِنْ جِلْبَابِهَا "آمَال عَوَّاد رضْوَان"، وَمُنْذُهَا، وَآمَال لَمَّا تَزَلْ آمَالُهَا حَتَّى اللَّحْظَةِ تَتَلَأْلَأُ بـمنجزاتها الأدبيّة والثقافيّة.

24


بين الضّياع والأمل في قصيدة "إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان

عبد المجيد اطميزة

أولا: النّصّ الأدبيّ
إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا/ آمال عوّاد رضوان
وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ
يَمْلؤُها خَواءٌ
يَ تَ سَ ا كَ بُ
يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء
وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ .. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً
تَتشاسَعُ...
أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ .. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ
وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ
مُتَماهِيًا بِي .. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!
*
دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء
يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء
يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا
يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ
يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ
يَ تَ هَـ جَّ ى .. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!
*
كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ
ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟!
أَمْضي إِلَيْكِ ضارِعًا
تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي
أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ
أَتَوَكَّأُ عَلى .. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء
أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟
أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟
*
مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ
نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ
يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي
يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ
ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ
مَن ذا الأَباحَكِ بي؟
يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم
تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي
تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني
تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ
وَفي خِلوَةِ سُهْدِي .. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ
عَلى عَتَباتِ مَراياكِ!
*
دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!
أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي
تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ
وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي
أَيا ريشَةَ شعريّ الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!
مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب
وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ
والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟
*
كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ
إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟
كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ
تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟
*
أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!
أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ
كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ
تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ
تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ
فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني
ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني
علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي
ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ .. عَلى جَبيني!
*
كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري
حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ
وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ
بُشْرَى مَسَرَّةٍ
حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ
تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي
لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!
*
مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ
حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ
حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها .. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ
تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ
حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي
تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً
وَ أَ تَ فَ تَّ تُ .. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ
*
أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى
حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ
في فِخاخِ الانْتِظار
وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ .. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا
تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي
تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً
تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني
هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ .. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ
لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!
رُحْمَاكِ
هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ
لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!
أَدْمَعُ!.. و.. أَدْمَعُ!.. وَ.. أَدْمَعُ!
مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!
مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!
هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا
إعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ / كِرازةَ لِقاءٍ
عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ
عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ .. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!

ثانيًا: التّحليل الأدبيّ
العنوان: " إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا": من ديوانها الشّعريّ الثاني "سلامي لك مطرا." وكأنّ الشّاعرةَ تُخاطبُ نَفسَها، أو نفسَها المنصهرةَ في وطنِها، وهي تشعرُ بضَياع الآمالِ، في وقتٍ تكالبَتْ عليهِ المِحنُ وصنوفُ الضّياع، فالغمامُ رمزٌ عن الضّبابيّةِ والغموضِ والحيرةِ والقلقِ والتّيهِ والضّياع،  وفي العنوانِ انزياحٌ تركيبيّ، حيثُ تقدّمتْ شبهُ الجملة "إليك"، وحقُّها التّأخير كلّ  مِن الفعل والفاعل "أتوب" وحقّهُما التّقديم، ويوجدُ في العنوانِ أيضًا انزياحٌ إضافيّ،  فعندما يسمعُ المُتلقّي كلمةَ "أتوب"، يتوقّع أن يليها حال مثل كلمة "مستغفرًا"، لكنّه يُفاجأ ويَسمعُ عبارةَ "غمامًا"، وهذا يُثيرُ في خلدِهِ الدّهشة.

والشّاعرةُ اختارتْ عنوانَ قصيدتِها بدقّةٍ، و"يُعتبرُ العنوانُ في نظريّاتِ النّصِّ الحديثةِ عتبةً قرائيّةً، وعنصرًا مِنَ العناصرِ المُوازيةِ الّتي تُسهمُ في تلقّي النّصوصِ وفهْمِها، وتأويلِها داخل فعلٍ قرائيّ شموليّ بفعلِ العلاقاتِ الكائنةِ والممكنةِ بينَهُما. وهو عندَ جيرار جنيت مجموعةٌ مِن العلاقاتِ اللّسانيّة الّتي يمكنُ أن توضَعَ على رأس النّصّ، لتُحدّدَهُ وتَدلَّ على محتواهُ، لإغراءِ الجمهورِ المقصودِ بقراءتِهِ، ويُحدّدُ العنوانُ هُويّةَ النّصّ ويُشيرُ إلى مَضمونِهِ، كما يُغري القرَّاءَ بالاطّلاع عليه.. على أنّ وظيفةَ التّحديد تَظلُّ هي الأهمُّ مِن غيرِها، فالعنوانُ المثيرُ قد لا يربطُهُ بما يُعنونُ أيّ رابط. كما أنّ العلاقةَ بينَ مادّة العنوانِ وموادّ النّصّ ليست دائمًا مِرْآويّة، بحيثُ يكشفُ ظاهرُ العنوانِ بَواطنَ الكتاب، إذ مِن الممكنِ أن نجدَ عناوينَ فارغةً أو دالّةً على الشّكل، أكثرَ ممّا تدلُّ على المَضمون، لذلك؛ فالعنوانُ باعتبارِهِ اسمًا للكتاب، أهمُّ مُحدِّدٍ ومُميّزٍ له عن هُويّات أخرى، وإن كنّا نجدُ بعضَ العناوينِ مَبنيّةً بطريقةٍ رمزيّة أو مَجازيّة، ممّا يدفعُنا للتّأويل، لإيجادِ ألوان مِن التّطابق أو شِبهِ التّطابقِ بينَ النّصّ وعنوانِهِ، خاصّةً في الكتبِ ذاتِ الطّبيعة النّظريّةِ أو الفكريّة. أمّا عناوينُ الدّواوينِ الشّعريّةِ والرّواياتِ والقصصِ والمَقالاتِ -الحديثة على الخصوص- فهي تقومُ في أغلب الأحيانِ على المُراوغةِ والإيحاء."

ويختصرُ جنيت "أهَمُّ وظائفِ العنوان في: وظيفةِ التّحديدِ والوظيفةِ الوصفيّةِ والوظيفةِ الإيحائيّةِ والوظيفةِ الإثاريّةِ- الإغرائيّة. وكما هو واضحٌ، فهذهِ الوظائفُ تضمّنتْها الاستعمالاتُ الدّلاليّةُ المختلفةُ لكلمةِ العنوان في الثّقافةِ العربيّة".
وفي مَجالِ الحديثِ عن العنوان في اللّغةِ والاصطلاحِ في العربيّة قال بازي "العنوانُ.. إظهارٌ خفيٌّ ورسمٌ للمادّةِ المكتوبة. إنّهُ توسيمٌ وإظهارٌ، فالكتابُ يُخفي مُحتواهُ ولا يُفصحُ عنه، ثمّ يأتي العنوانُ ليُظهرَ أسرارَهُ، ويَكشفَ العناصرَ المُوسّعةَ الخفيّةَ أو الظّاهرةَ بشكلٍ مُختزلٍ ومُوجز".(1)
في المَقطعِ الأوّلِ تقولُ: "وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ.. يَمْلؤُها خَواءٌ/ يَ تَ سَ ا كَ بُ/ يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء/ وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ.. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً/ تَتشاسَعُ/ أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ.. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ/ وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ/ مُتَماهِيًا بِي.. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!"
"إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا": كنايةً عن ضبابيّةِ الوطنِ ومصيرِهِ، ومُراوحتِهِ بينَ التّيه والضّياع وبينَ بصيصِ أمل.
"وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ.. يَمْلؤُها خَواءٌ": كنايةً عن روح الشّاعرة وسِني عمرِها الضّائعةِ بضياعِ الوطن، وتُركّزُ الشّاعرةُ على الزّمانِ المُتمثّلِ في الفصولِ والوقتِ، كما أنّها تُركّزُ على المكانِ وهو الرّوحُ والوطن، وتتوالى الانزياحاتُ بمختلفِ صُنوفِها، فقد أَسندتِ الشّاعرةُ وقتَها للفصولِ، والفصولُ وعرةٌ كما الجبالِ، والوقتُ أرعنُ مجنونٌ كجنونِ المجانين. 
هي صورٌ فنّيّة و"الصّورة الشّعريّة كيان فنّيّ نابض بالحياة الإنسانيّة". (2) 
"يَ تَ سَ ا كَ بُ":
وهنا تلجأُ الشّاعرةُ لتقطيع حروفِ الكلمة، لخلقِ نمطٍ إيقاعيّ عذبٍ يَسري في جسدِ النّصّ، وهي تخرجُ عن رتابةِ الشّعرِ العموديّ، فحروفُ الشّاعرةِ مُتقطّعةٌ، كما أنّ الآمالَ في الوطنِ تائهةٌ، وهنا مَكمَنُ مُعطياتِ الحزنِ وانفعالاتِهِ الّتي تتساكبُ كانسكابِ وسقوطِ حبّاتِ المطر، و"أمّا النّسق الموسيقيّ فيُؤكّد القائلون بجوهريّتِهِ: أنّ أهمّيّةَ الحداثةِ الشّعريّةِ تَكمُنُ في خروجِها على نظامِ البيتِ الشّعريّ الكلاسيكيّ القائمِ على تفعيلاتٍ مُحدّدةٍ سلفًا. هذا البيتُ الّذي يُشكّلُ أساسَ القصيدةِ العربيّةِ موسيقيًّا، والّذي يُحيلُ على نمطيّةٍ عَروضيّةٍ، لم تَعُدْ تتلاءمُ والذّوق المعاصر مِن جهة، ولم تعُدْ تتلاءمُ وطبيعة الانفعال الشّعريّ مِن جهةٍ ثانية، بحيث يَصحُّ التّوكيد، بحسب هذا النّسق، أنّ الخروجَ على ذلك النّظام، هو في ذاتِهِ، دخولٌ في الحُرّيّة الّتي تُميّزُ التّجربةَ الشّعريّة، ومِن دونِهِ لن يتمكّنَ الشّاعرُ العربيُّ مِنَ التّعبيرِ عن تجربتِهِ بالشّكلِ الأمثلِ". (3)
"يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء": كنايةً عن الغموضِ الّذي يلفُّ الوطنَ، ويعصفُ بالمواطنِ في الضّياع والتّيه.
"وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ.. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً": تزخرُ كلماتُ النّصِّ بالفقدِ والضّياع والتّيه وغموضِ المستقبل، في نحو: تعاريج، التّيه، شاردة، وفي السّطر السّابق: يتعفّر، غموض.. الخ.
"تَتشاسَعُ": يتكرّرُ صوتُ الصّامت التّاء، والتّكرارُ يولدُ إيقاعًا في النّصّ، كما أنّهُ يُصوّر التّجربة الشّعوريّة الّتي تسيطرُ على الشّاعرة، والصّيغةُ هنا تدلُّ على التّدرّجِ والزّيادةِ في التّيه والضّياع، ويُضفي صوتُ التّاء خصائصَهُ الصّوتيّةَ على النّصّ، فهو مهموسٌ يُلائمُ الإطارَ النّفسيَّ للشّاعرةِ في موضوعِ الوطن، وهو رقيقٌ يُناسبُ رقّةَ أماني الشّاعرةِ وحُلمِها، مُفعمةٌ بكلّ معاني الحبّ والإخلاصِ له، ولعلّ تكرارَ حرفِ التّاء قد أضفى على السّطر جِرسًا موسيقيًّا، وحقّقَ إيقاعًا وتلوينًا صوتيًّا خاصًّا.
ليس هذا فحسب، بل إنّ التّاء الانفجاريّةَ الشّديدةَ تُلائمُ حالةَ الضّياع، فهي تُلائمُ بصوْتِها وتكرارِها الهادر ما يعتور النّفس من معاني الغضب والشّدّة، كما لاءمتْ همساتُ العشق للوطن، وتُضفي جوًّا من الإيقاعاتِ الصّوتيّةِ الملائمةِ للنّفس البشريّةِ الهائجة، وتُناسبُ العنفوانَ والكبرياءَ الّتي تحسّ بها. لهذا؛ فإنّ صوتَ التّاء يُلائمُ معظمَ الموضوعاتِ الشّعريّةِ الّتي تَناوَلَها شعراءُ العربيّة، وتُناسبُ النّفسَ البشريّةَ في هدوئِها وتمرُّدِها.
يقول كولردج: "إنّ مصدرَ الوزنِ في الشّعرِ حالةٌ مِنَ التّوازن، تَنتجُ مِنَ انطلاقِ الانفعالِ وجُهدِ الشّاعرِ جهدًا تلقائيًّا للسّيطرةِ على الانفعال. وهي حالةٌ تُديمُ الصّراعَ الّذي يُولّدُها، وتُحيلُ الوزنَ إلى عاملِ نُموٍّ عضويٍّ يتّحدُ بلغةِ الانفعالِ الطّبيعيّة، وهي لغةُ التّعبيرِ بالصّور"(4). 
"أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ .. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ/ وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ/ مُتَماهِيًا بِي .. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!": كنايةً في كلٍّ عن التّيهِ والضّياعِ والألفاظِ دالّة على المعنى في مثل: أطارد، مسافات، متسافكة، انعطافات، جهات، يشاكس، ونلحظُ معانقةَ الزّمانِ للمكانِ في هذه السّطورِ، وتَبرزُ الحركةُ والصّوت وما يعتري النّفس والرّوح من أحاسيسٍ وقلقٍ..، ولقد تكرّرَ صوتُ الكاف في هذه السّطور خمسَ مرّات، وتكرار الحرف "يُحدثُ نغمةً موسيقيّةً لافتةً للنّظر، لكنَّ وقْعَها في النّفس.. وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ تكرارَ الصّوتِ يُسهمُ في تهيئةِ السّامع، للدّخولِ في كُنْهِ ولُبِّ الكلمةِ الشّعريّة.
"وتكرارُ صوتُ الكاف في المقطع الشّعريّ- يُحدثُ إيقاعًا نغميًّا ( تناغميًّا)، موقِظًا للدّلالةِ، وباعثًا لحراكِها الجماليّ، بوصْفِهِ مركز ثِقل الصّورِ الشّعريّة، ومحرّك حركتها وجذرها الّذي ترتكز عليه، فالشّاعرةُ إذًا؛ وَجدَتْ في هذا التّكرارِ صورةً من صورِ التّلاحمِ والتّضافرِ الفنّيّ في هذه القصيدة، ليُدلّلَ على إحساسِهِ الغزليّ الشّفيف، وصُورِهِ الرّومانسيّةِ المُتلاحمةِ الّتي تتقطّرُ حساسيّةً ورؤية، وهذا التّكرار-من شأنه- أن يرفعَ وتيرةَ الإيقاع/ والموسيقى الصّوتيّة، إثرَ تتابُعِ التّكرارِ تتابُعًا فنّيًّا موحِيًا؛ وقد عمدَ الشّعراء إلى هذا الأسلوب، ليُمتّنوا أواصرَ القصيدة، وليُحقّقوا تناغُمَها وتَلاحُمَها الفنّيّ. (5)
هذا التّكرارُ مِن أبرزِ مَهامِّهِ ووظائفِهِ الفنّيّةِ أنّه "يُحقّقُ في النّصّ الشّعريِّ الواحدِ دلالاتٍ مُختلفةً، تَتمثّلُ في مَقدرتِهِ على جمْعِ ما تَفرّقَ مِن المَقاطعِ الشّعريّة، انطلاقًا مِنَ المُعطياتِ الصّوتيّةِ الّتي تُكسبُ- بتكرارِها- النّصَّ الشّعريَّ بناءَهُ العامّ. وكذلك، فإنّ تكرارَ المقطعِ يُشكّلُ نقطةَ ارتكازٍ نغَميٍّ يُوقفُ جريانَ الإيقاع، بهدفِ التّركيزِ على نغمةٍ مُعيّنةٍ، مُوظّفةً أساسًا لتأديةِ الدّلالة الّتي تَفرضُها التّجربةُ الشّعريّة، والمُهمّ في هذا التّكرارِ أن يُؤدّي وظيفةً فنّيّةً ما، تنعكسُ على القصيدةِ ودلالاتِها كافّة."(6).

أمّا تكرارُ صوتيّ الرّاء أربع مرّات، والياء صوت المدَ مرّتيْن في كلمتيْ: "حَرير" و "خَريرِكِ"، فلهُ تأثيرٌ في تحويلِ اللّفظِ إلى صورةٍ مرئيّة، ولصوتِ الرّاء تماثلٌ للصّور المرئيّةِ الّتي فيها تأرجُحٌ، فقد استخدَمَتْها الشّاعرةُ هنا، لتُناسبَ الشّعورَ النّفسيَّ للإنسانِ الخائفِ مِنَ التّيهِ والضّياعِ غالبًا، وتنقلَهُ حينًا بشعورٍ بالأمل، وما يجري مِنْ سلبٍ للوطن، فالخوفُ يُصاحبُهُ اضطرابٌ، بل رعشةٌ يمكنُ تَجسيدُها وإظهارُها واضحةً، إذا ما ذهبْنا بخيالِنا إلى تأرجُحِ الجسمِ وعدمِ استقرارِهِ، وهو ما يُوحي بهِ صوتُ الراء هنا، وما فيهِ مِن تفصيلٍ وحركةٍ وتأرجُح.
تقول في المقطع الثاني:
"دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء/ يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء/ يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا/ يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ/ يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ/ يَ تَ هَـ جَّ ى .. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!"
"دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء": كنايةً عن السّعادة عدا ما يحصلُ في الوطن، وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ كما في كلمتي: "يُنادمُني" و"النّدماء"، لخلقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ عن طريقِ تكرارِ بعضِ الأصواتِ، وفي هذا المقطعِ تتكرّرُ أفعالُ المضارعة في نحو: يُنادمُني، يَلهثُ، يئِنُّ، يَعوي، يتذاءبُ، يتوعّدُ، وتكرارُها يُفيدُ الاستمراريّةَ والتّجدّدَ.. استمراريّةَ المأساةِ وتَجدُّدَها في روْعِ الشّاعرة.
"يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء":
كنايةً عن مواعيد عرقوب لا تُنفّذ للفلسطينيّين. وفي السّطرِ انزياحاتٌ وصورٌ شعريّة، فللمواعيدِ وفاءٌ، وتَلهثُ كما الإنسانُ المُتعبُ، والمواعيدُ فارغةٌ كما الأوعية.
"يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا":
وفلسطين لجَمالِها كأنّها بستانٌ، والبستانُ بجَمالِهِ ونضارتِهِ كما الكائنُ الحيّ لهُ أنينٌ مِنَ الوجعِ ممّا يحصلُ، وهو عليلٌ مُتعطِّشٌ بفِعلِ الظُّلم.
"يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ/ يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ/ يَ تَ هَـ جَّ ى.. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!":
الصّمتُ لا ينطقُ، لكنّهُ لهوْلِ المَصابِ يَعوي ويَصيحُ، وتُصوّرُهُ الشّاعرةُ كالحيوانِ في قفصِ الصّيّادِ يُعاني شدّةَ الجوع، والصّمتُ يَذوبُ قلقًا ويَتوعَّدُ، والحكايا تتوعَّدُ حُملانَ الضّأن، وللخطايا حُملان.. صورٌ شعريّةٌ وانزياحاتٌ جماليّة، والصّمتُ يتهجّى حروفَ المآسي، وآهاتُ الشّاعرةِ تتوهُ في عتمةِ الفقدِ والضّياعِ في مَلهى وطنٍ يضيعُ. وتُدركُ الشّاعرةُ أنّ بناءَ القصيدةِ يحتاجُ إلى وعيٍ جماليٍّ في التّشكيل النّصّيّ، وهذا البناءُ الهندسيُّ يأتي دقيقًا وليس عشوائيًّا، بل يأتي ليكشفَ عن لذّةٍ معرفيّةٍ وجَماليّةٍ في التّشكيل.
"ولمّا كانتِ القصيدةُ بنيةً موسيقيّةً مُتكاملةً، كانَ مِن الطّبيعيّ أن تلتفتَ الشّاعرةُ في تَشكيلِها لهذهِ البنيةِ إلى العناصرِ الّتي تُحقّقُ الانسجامَ بينَ مُفرداتِها، فعمليّةُ التّشكيلِ الّتي تقومُ بها الشّاعرةُ في القصيدةِ عمليّةٌ مُعقّدةٌ غايةَ التعّقيد؛ لأنّها تأخذُ في الاعتبارِ الأوّلِ، أن تكونَ القصيدةُ- مَهما طالت- هي الوحدةُ الفنّيّةُ الّتي تَعملُ في داخلِها أشتاتٌ مِن المفرداتِ والدّقائق"(7).
وتشدو في المقطعِ الثّالث: "كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ/ ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟/ أَمْضي إِلَيْكِ ضارِعًا/ تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي.. أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ/ أَتَوَكَّأُ عَلى.. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء/ أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟/ أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟"
"كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ": فاللّحظاتُ لها مشاعرُ تُجْترحُ، ولها لونٌ لازورديٌّ جميلٌ كلونِ السّماء الصّافية.
"ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟!": وللصّمتِ ملكوتٌ صامتٌ يُعتلى، وللشّاعرةِ عرشٌ مُجنَّح.
"أَمْضي إِلَيْك ضارِعًا": وتتضرَّعُ الشّاعرةُ لخالقِها، بأنْ يُزيلَ عنها لجّةَ الضّياعِ والتّيهِ، وأن يعودَ الوطنُ لسابقِ عهدِهِ وازدهارِهِ وحُرّيّتِه.
"تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي.. أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ":
والخيالُ يمشي ويَسيرُ ويَخطو، وللفرحِ ظلالٌ كظلالِ الأشجار. والسّطرُ كنايةً عن تَطلُّعِ الشّاعرةِ بالأمل.
"أَتَوَكَّأُ عَلى.. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء": وقد ذكرتِ الشّاعرةُ الحروفَ وهي الجزءُ، وأرادتْ بهِ الكلامَ وهو الكلّ، مَجاز مرسل علاقته الجزئيّة، وتتوالى الصّورُ الفنّيّة والانزياحات، فللحروفِ أنفاسٌ يُتكأُ عليها كما العكّاز، وللحروفِ أرجلٌ لكنّها عرجاء.
"أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟/ أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟":
وقد أسندتِ الشّاعرةُ كافَ المخاطبةِ لاسم الاستفهام أين، وللعتماتِ قببٌ كما المساجدُ والمَزارات، وكأنّي بالشّاعرة تُخاطبُ نفسَها، أو أنّها تتخيّلُ شخصيّةً أخرى كعادة الشّعراءِ القدامى، تبثُّها وجعَها وأحلامَها وأمانيها، وتتكرّرُ لفظةُ "أينكِ" وكأنّها تريدُ أن تقول: أينَ أنتِ لتُرمّمي ضياعَ فكري، لأسوغَ بأفكاري أشعارًا في بكاءِ الوطن؟
في هذه السّطور خاصّةً والنّصّ عامّةً، نجد أنّ الصّورةَ الفنّيّةَ تبرزُ بقيمتِها الجَماليّةِ وحُسنِ الاختيار، وبلاغةِ المعنى الشّعريّ والتّصويرِ والتّجسيدِ، وهذا يَدلّنا على "أنّ أيّ عدَمِ توازنٍ أو خللٍ بينَ العناصرِ اللّغويّةِ والتّصويريّة والإيقاعيّة، سيُخفّفُ مِن شعريّةِ الخطابِ وتَفرُّدِهِ، إذ إنّ شعريّتَهُ تنبعُ مِن تَعانُقِ التّراكيبِ المميّزةِ معَ العناصرِ الأخرى؛ والمبدعُ الحاذقُ هو الّذي يُسخّرُ إمكانيّاتِ اللّغة ويتلاعبُ بتراكيبِها، ممّا يمنحُ نصَّهُ خصوصيّةً شعريّةً، تجعلُهُ يتميّزُ عن غيرِهِ مِن النّصوص". (8).
في المقطع الرابع:
"مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ/ نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ.. يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي/ يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ/ مَن ذا الأَباحَكِ بي؟/ يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم/ تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي/ تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني/ تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ/ وَفي خِلوَةِ سُهْدِي.. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ/ عَلى عَتَباتِ مَراياكِ!"
"مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ/ نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ.. يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي": كنايةً في كلٍّ عن تَرقُّبِ الشّاعرةِ بانزياحِ الغمّةِ والهموم عن الوطن الذّبيح.. وتُتابعُ اللّغةَ الشّعريّةَ المتمثّلةَ بمختلفِ الانزياحاتِ والصّور الفنّيّة، فللسّمواتِ حُجُبٌ، والنّجمُ يَسهو ويَتلصّصُ كما الإنسان، وللشّاعرة كهوفٌ، وتتلاعبُ الشّاعرةُ بتكرارِ الحروفِ في كلمتيْ "يَنْجُم" و"مَناجم" لتوليدِ إيقاعٍ موسيقيّ.
"يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ":
وفي السّطرين انزياح في التّقديم والتّأخير، فالأصل: "يُعَرّي ياقوتكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ": فقد قدَّمتِ الشّاعرةُ ما حقّهُ التّأخير، وهو شبه الجملة "بزمرّد لحظه" على "ياقوتُك"، والسّطرُ كنايةً عن بعضِ الأملِ الّذي يَحلمُ بهِ الفلسطيني.
"مَن ذا الأَباحَكِ بي؟/ يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم": وتنتقلُ الشّاعرةُ في هذيْنِ السّطريْنِ إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، فالاستفهامُ يُفيدُ التّعجّب، وفي السّطرِ الأوّل هنا انزياحٌ بالحذفِ، يُفيدُ إثارةَ المُتلقّي وتوليدَ الدّهشةِ في نفسِه "من ذا الأباحكِ"، والتّقدير "مَن ذا الّذي أباحَكِ"، وللخميرةِ زمانٌ آثِم.
"تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي": وفي هذا السّطرِ تتشابكُ الأفعالُ معَ كلّ الأزمنةِ؛ ماضيًا وحاضرًا ومُستقبلًا.
"تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني/ تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ/ وَفي خِلوَةِ سُهْدِي.. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ/ عَلى عَتَباتِ  مَراياكِ!":
فالشّاعرةُ كأنّها تبثّ لوعتَها وضياعَها وتيهَها لصديقةٍ تُخاطبُها، وتَشكوها حالةَ الضّياعِ والتّيهِ والغموضِ الّذي لفَّ أشرعةَ الوطن، كما أنّه يُحيطُ بفؤادِها، فكأنَّ الوطنَ دقيقٌ يُعجَنُ ويُخمَّرُ ويُخبَزُ ويُؤكَلُ فيتبخر.. وفي هذا المقطعِ تَتكرّرُ أفعالُ المضارعة الّتي تفيدُ استمرارَ المأساةِ وتصويرِها، مأساة الشّاعرة والوطن، ومِن الأفعال المضارعة في هذا المقطع: يَتَلَصَّصُ، يُنَجِّمُ، يُعَرّي، تَعْجِنينَ، تُسَوِّينَ، تُخَمِّرينَ، أَتْلوني...
تتابع الشّاعرة شدوها في المقطع الخامس: "دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!/ أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي/ تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ/ وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي/ أَيا ريشَةَ شعريّ الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!/ مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب/ وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ/ والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟"   
"دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!": كنايةً عن التصاق الشّاعرة بالوطن، كما طائر الدّويري لا يغدرُ مسكنَهُ الّذي ألِفَهُ. وضميرُ الفصلِ "أنا" جاءَ لتأكيدِ المعنى. وفي عبارة "مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ! " انزياحٌ إضافيّ.
"أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي": وفي السّطرِ انزياحاتٌ إضافيّة متعدّدة، فقد أسندتِ الشّاعرةُ اللّغفَ وهي بمعنى اللّعق والتّقبيل للأنفاس، وجعلتِ الرّيشَ يٌقبِّلُ كما المحبوب، وللأنفاسِ أسرابٌ كما للطّيور.
"تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ": صورٌ فنّيّةٌ مُتتابعةٌ، فللجَناحيْن شمعٌ يَغمسُ، وللشّعرِ ضوءٌ مُتوهّجٌ..
"وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي": ويتكرّرُ صوتُ الشّين ثلاثَ مرّاتٍ في كلمةِ "وتُعَشِّشينَ"، كما يتكرّرُ صوتُ السّين في كلمة "بِفُسَيْفِساءِ" مرّتيْن، وصوتُ  الصّامت الواو مرّتيْن في كلمتيْ "أوقاتي" و"أُوَيْقاتي"، وصوتُ التّاء يتكرّرُ في السّطر ثلاثَ مرّاتٍ، كلّ ذلك؛ لتوليدِ إيقاعٍ عذبٍ في خلايا النّصّ، إضافةً للصّورِ الشّعريّة؛ فللجمرِ فراخٌ تُعشّعشُ كما الطّيور، وللفسيفساءِ أويقاتٌ وأوقات...
"أَيا ريشَةَ شعري الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!": وتنتقلُ الشّاعرةُ لأسلوبِ الإنشاءِ، والنّداء يُفيدُ التّحبّب، وتتعاقبُ الصّورُ الشّعريّةُ وتتوالى الانزياحاتُ، فللشّعرِ ريشةٌ كما الطائر، وللهباءِ ريش.
"مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب": الاستفهام يفيد النّفي، فأرياش الذّهب لا تفيدُ الشّاعرةَ شيئًا في تيهِها وضياعِها، وفي جوّ الغموضِ الّذي يلفُّ مستقبلَ وحاضرَ الوطن.
"وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ": تزخرُ الألفاظُ الّتي استمدّتْها الشّاعرةُ مِن مُعجمٍ يوحي بالضّعف والانكسار في هذا المقطع، في نحو: ريش وأرياش، ومنقار وتعشيش، وفراخ وجناح، وأسراب وبترت، وفي السّطورِ التّالية ألفاظ: أسير وكسير وبترت، وعبارة مقصوص الجناح، وكفيفة وعتمةوغيرها، وكلّها تدلُّ على الضّعف، ضعف الطائر المرهون أمره للصّيّاد، فالطائرُ هنا يرمزُ لوداعةِ وضعف الفلسطينيّ وجَمالِ روحه، وتطلُّعِهِ للحُرّيّة والانعتاق.. والسّطرُ هنا كنايةً عن واقع الفلسطينيّ المُرّ.
"والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟":
 كنايةً عن واقعِ الفلسطينيّ المُرّ وضعفِهِ وهَوانِه.
في المقطع السّادس: "كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ/ إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟/ كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ/ تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟"
"كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ":
تستهلُّ الشّاعرةُ نصَّها بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يفيدُ التّعجّب، فهي تتعجّبُ مِن أن يُحالفَها الأملُ، في ظلِّ واقعٍ كسيفٍ جاءَ لصالحِ المُحتلّ، وعبارةُ "مَقْصوصَ الجَناحِ": كنايةً عن الهوانِ الّذي لحقَ بفلسطين وبقلب الشّاعرة، وما رافقَهُ مِن تيهٍ وضياعٍ وحيرةٍ وقلق.
"إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟":
كنايةً عن الظُّلم والظُّلمة اللّذيْن حاقا بمدينة القدس، وعن تَوالي نكباتها وما يُفرَضُ عليها من صفقةِ القرن.
"كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ":
والاستفهام يفيد التّعجّب، فالشّاعرة تتعجّبُ مِن وصول الفرح لقلبها؛ فأسبابُ الفرح مَعدومة، وفي السّطر مَجازٌ مُرسل علاقته الجزئيّة، ذكرت الشّاعرة الجزء وهو الحَرف، وأرادتْ به الشّعر والكلام "الكلّ". فللحرفِ عيونٌ ويُقنَّع ويُصيبُه العمى.. صورٌ شعريّة وانزياحاتٌ تُثيرُ خَلَد المُتلقّي.
"تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟": كنايةً عن الظُّلمة والضّياع الّذي يحيط بقلب الشّاعرة.
وتنشد في المقطع السابع:
"أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!/ أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ/ كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ.. تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ/ تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ/ فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني/ علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي/ ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!"
"أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!": وتستمرّ الشّاعرةُ في توظيفِها للأسلوب الإنشائيّ، والنّداءُ يفيدُ الحزنَ، والسّطر كنايةً عن تمادي التّيهِ والضّياع اللّذيْن يغزوان قلبَ الشّاعرة.
"أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ": فلليباب والخراب طينٌ، ولقلب الشّاعرة أقفاصٌ تُجبَلُ بطين الخرابِ والضّياع والفقد والحيرةِ والقلق.
"كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ.. تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ/ تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ/ فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني/ علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي/ ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!":
"كلما" ظرف يفيد التّكرار وغالبًا ما يكون جوابها فعل ماض، والسّطر كنايةً عن تمسك الشّاعرة بالوطن، وكنايةً عما تشعر فيه بالغربة والضّياع، وقد اختارت الشّاعرة ألفاظها من معجم يوحي بالضّياع في هذا المقطع: لَمْلَمْتِ، أَكْوامَ، رَحيلِكِ، الكافِرِ، اليباب، تَرْتَجِفُ، تُوقِدينَ، جَذْوَةَ، اللَّهَبِ، فَاُحْطِبي، أَعِينيني، لاَ تَحْطِبي، عَليّ،َ تُهْلِكيني، تعويذة، الفقد..
"تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ":
كنايةً عمّا يختلجُ قلبَ الشّاعرةِ مِن حرقةٍ وألَم.
"فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني": كنايةً عن الشّدّةِ والغربةِ والضّياع، وما تشعرُ بهِ الشّاعرةُ في وطنِها، والأمرُ يُفيدُ التّضرّعَ والدّعاء.
"علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي": انزياحٌ بالحذف، فأصْلُ "علّ" هو "لعلَّ"، والسّطرُ كنايةً عن تمنّي الشّاعرة أن تتخلّص من حالةِ الضّياع المسيطرةِ على روحِها ووجدانِها.
"ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!": كنايةً عن الرّحمةِ في المصيبةِ الّتي تعصفُ بالشّاعرة، فللفقدِ غرّةٌ كما للإنسان، وقد ذكرت الشّاعرة "غرّة الجبين"، وهي الجزء وأرادتْ بها نفسها، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة.
"إنّ البلاغةَ الجديدةَ بلاغةُ "الصّورة الشّعريّة"، تُعَدُّ أوسعَ نطاقًا وأخصبَ مِن مُجرّدِ التّشبيهِ أو الاستعارة، وإن أفادتْ منها"(9)
تستمر الشّاعرة في نصّها في المقطع الثامن: "كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري/ حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ/ وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ/ بُشْرَى مَسَرَّةٍ/ حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ/ تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي/ لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!"
"كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري/ حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ": و"كم" هنا للتكثير، والسّطران كنايةً عن عبءِ الحالةِ النّفسيّةِ المُتردّيةِ للشّاعرة، بسببِ ما يَمرُّ به الوطنُ مِن مِحَن، وتتزاحمُ  الصّورُ الشّعريّة، فللوقتِ فصولٌ تمتدُّ وتطولُ، وأوقاتُ الشّاعرةِ تتعرّى كما يتعرَّى الإنسان، وهنا انزياحٌ بالحذف في كلمةِ "الْتَتَشَابَحُ"، والتّقدير "الّتي تتشابح"، والحدودُ تفرُّ كما يفرّ الطّريد، وهنا ذكرت الشّاعرة "الحدود" وأرادتْ مَن يعيشُ فيها، مَجاز مرسل علاقته المكانيّة.
"وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ": وتستمرُّ الشّاعرةُ في بوْحِها لصديقةٍ ترتاحُ لها، قائلة لها بأنّها تنسلّ مِن ظلماتِ المِحنِ والتّيه، والغموض الّذي يُخيِّمُ على الوطن أو روح الشّاعرة، وللظلمات ظلالٌ  كما الأشجار، والظّلالُ يَجتاحُها النّعاسُ كما يجتاحُ البشر.
"بُشْرَى مَسَرَّةٍ/ حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ": وهنا انزياح بالحذف، المتمثّل في حذف جواب الشّرط، والتّقدير: "بُشْرَى مَسَرَّةٍ"/: "حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ بُشْرَى مَسَرَّةٍ " فللروح أيائل كما للغابات..
وفي عبارة "أيائل روحي": كنايةً عن جمالِ روحِ الشّاعرة، رغمَ ما يعصفُ بها مِن ضبابيّةٍ ومِن مِحَن.
"تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي/ لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!":
كنايةً في كلٍ عن الأملِ الّذي تشعرُ بهِ الشّاعرة أحيانًا، عندما تُحسُّ ببارقِ أملٍ في حدوثِ التّحرُّرِ والانعتاق. وفي السّطريْن تتوالى الانزياحاتُ والصّورُ الفنّيّة: فللأمالِ قطعانٌ كقطيعِ الأغنام تسرحُ وتَمرَحُ، وللشّاعرةِ واحةٌ، والواحةُ تبوحُ وتتكلّمُ كما الإنسان، وللدّهشةِ خرائط. "فالشّعراءُ المميّزونَ هُم الّذين ينسجونَ الصّورَ الجديدةَ مِن  المعاني المُجدَّدة؛ إمَّا بإعادة صياغة التَّراكيب- مَهما كانت درجتُها مِن حيث الاعتياديّة أو الرّداءة- عبر تكوين علاقاتٍ غيرِ مألوفة سلفًا، حيث إنَّ مُهمّةَ الشّاعر أن يُحسنَ صياغتَها، ويُخرجَها في صورةٍ جميلة". (10)
وتستمر الشّاعرة في نصّها في المقطع الثامن: "مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ/ حينَما غُصونُ حَرْفي.. تَميدُ بِكِ/ حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها.. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ/ تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ/ حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي/ تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً/ وَ أَ تَ فَ تَّ تُ.. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ".
"مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ":
كنايةً عن فرح الشّاعرة بوطنِها حينما تتغنّى به، والصّورُ الشّعريّة تتوالى، فلفرح الشّاعرةِ عرائسُ تميسُ وتتمايلُ طربًا، وفي القصيدة عامّةً وفي هذا المقطع خاصّة، تتعاقبُ الصّورُ الشّعريّة "إنّ الشّعرَ العذبَ الّذي يُشنَّفُ الأسماعَ، ويُسكرُ الألبابَ ويأخذ بمجامع القلوب، هو الشّعر الّذي يَموجُ موجًا بالصّور الشّعريّةِ الحافلةِ الّتي تشكّلُ نواةَ القصيدة، فالشّاعرُ المُتصرّفُ في فنونِ الشّعر، والّذي يتّسمُ شِعرُهُ بدقّةِ المعاني ولطافةِ التّخيّل وملاحةِ الدّيباجة، هو الشّاعر الّذي يدمغ شعرَهُ المهفهفَ في دخائل كلّ نفس، ويُوطّدُ دعائمَ أبياتِهِ المُطهّمةِ العتاق في مَدارجِ كلّ حِسّ، والأشعارُ الّتي تفتقدُ لهذه الصّورِ البديعة، يَتخطّفُها الموتُ ويكتنفُها الظلام، ولا يترنّمُ بها النّاسُ في دروبِ الحياةِ ومُتعرّجاتِها. لأجل ذلك أضحت الصّورةُ الشّعريّة هي جوهرُ الشّعر وأساسُ الحُكم عليه، ولقد اهتمَّ النّقّادُ بجانب التّصويرِ منذ قديم الأزل، وقدّموا جهودَهم في هذا الصّدد، وإن اقتصرتْ جهودُهم على حدودِ الصّور البلاغيّةِ كالتّشبيهِ والمَجاز، ولم تتعدّاها لتشملَ الصّورَ الذّهنيّة والنّفسيّة، والرّمزيّة والبلاغية الّتي تتبلورُ وتتناغمُ في وجدان الشّاعر. ولعلّ الحقيقةَ الّتي يجبُ عليّ بسْطُها هنا، أنّ الصّورَ الّتي يُعدُّها أصحابُ الحسِّ المُرهفِ أغلى مِن أقبيةِ الدّيباج المخوص بالذّهب، ليست قاصرةً على الشّعر، بل نجدُها منثورةً في حوايا النثر، والتفاتات أذهان كُتّابه. (11)
"حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ":
وفي السّطر انزياحٌ بالحذف، وهنا يظهرُ حرفُ الشّرط "حينما"، وفِعله "غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ"، ولجأتْ لحذفِ جواب الشّرط، والتّقديرُ "حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ".
"حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها.. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ":
وتتكرّرُ "حينما" وهي اسمُ شرطٍ غير جازم بمعنى عندما، فغصونُ حروفِ الشّاعرة تتبخترُ في مِشيتِها، ولها غنجٌ كما العروس الّتي تتباهى في مِشيتِها ودلالِها. إنّها صورٌ فنّيّة حسّيّةٌ تتوالى..
"تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ": كنايةً عن انصهارِ القلمِ في التّعبير، وعن توَحُّدِهِ في الوطن وذوبانِهِ فيه. وفي عبارة "عرى لقاء" انزياحٌ إضافيّ يُولّدُ الإثارةَ في نفسِ المُتلقّي.
"حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي": يتكرّرُ اسمُ الشّرطِ "حينما"، وتتعاقبُ الصّورُ الشّعريّةُ والانزياحاتُ: فللزّفيرِ لونٌ أخضرُ كالعشب، وللشّهيقِ شغافٌ كالقلب.
"تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً": السّطرُ جوابُ الشّرط، وتتلاعبُ الشّاعرةُ في الألفاظِ بين كلمتيْ "أعناق" و"عناق"، لتوْليدِ إيقاعٍ جميلٍ في ثنايا النّصّ، فللعناقِ وللقاءِ أعناقٌ تتطلّعُ كأعناقِ الكائناتِ الحيّةِ وتتزاحمُ.
"وَ أَ تَ فَ تَّ تُ.. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ": كنايةً عن شغفِ الشّاعرةِ بالكتابةِ عن الوطن وتعلّقِها به، واتّحادِ حِبرِها فيه وفي التّعبيرِ عنه. وجاءتِ الحروفُ مُتقطّعةً ليسهلَ تَغنّيها فيه. وتكرارُ حرف التّاء جاء ليفيدَ التّأرجُحَ ولتوليدِ الإيقاعِ في النّصّ.
ويتكرّرُ الفعلُ المضارعُ في هذا المقطع، ليفيدَ الاستمراريّةَ وبثّ الحياةِ في النّفس، وتكرارُ بعضِ الأصواتِ كصوت التّاء جاءَ لتوليدِ إيقاعٍ يسري في ثنايا النّصّ، في نحو: "تَميدُ، تَتَبَخْتَرُ، تَتَمَايَلُ، تَتَوارَفينَ، تَلُفِّينَ، وَ أَ تَ فَ تَّ تُ" و..
"إنّ الاختلافَ في التّعامُلِ معَ الأشياء، في شعر الحداثة، لا يُحيلُ على الاختلافِ في طبيعةِ التّحريضات الجَماليّةِ للأشياء، في الذّاتِ المُبدعةِ فحسب، بل يُحيلُ أيضًا على انتفاءِ النّمطيّةِ الواحدةِ أو المُوحّدةِ في الطّرحِ الفنّيّ. فعلى الرّغم من أنّ للحداثةِ وعيًا جماليًّا مُوحّدًا، إلّا أنّها لا تنطوي على نمطيّةٍ فنّيّةٍ واحدة، وما اشتمالُ الحداثةِ على عدّةِ تيّاراتٍ شعريّةٍ إلّا دليلًا على ذلك. صحيح أنّ هنالك نواظم مشتركة، ولكن هنالك أيضًا فوارقُ ملحوظة بين تلك التّيّارات، ولا شكّ في أنّ كلّ ذلك ينسجم ومفهوم الجمال الّذي يُشترطُ فيه التّميّز والحُرّيّة والحيويّة، بحسب الوعي الحداثيّ". (12)
وتقول في المقطع التاسع: "أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى/ حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ.. في فِخاخِ الانْتِظار/ وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ.. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا/ تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي.. تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً/ تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني/ هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ.. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ/ لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!/ رُحْمَاكِ/ هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ/ لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!/ أَدْمَعُ! و.. أَدْمَعُ! وَ.. أَدْمَعُ!/ مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!/ مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!/ هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا/ إعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ/ كِرازةَ لِقاءٍ/ عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ/ عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ.. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!" 
وفي هذا المقطع نرى عودةَ القوّةِ والأملِ لروح الشّاعرة، بعدَ أن سيطرَتْ على كيانِها حالةُ الضّياع والتّيه، فتنظرُ الآنَ للوطنِ نظرةً مِلؤُها الأملُ بتغييرِ الحالِ نحوَ الأفضل والأجمل:
"أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى": وللصُّبحِ أرصفةٌ كما للشّوارع مع إطلالةِ الأمل، والصُّبحُ يرمزُ للأملِ المُشرق. صورٌ شعريّة تتعاقبُ، "إنّ الصّورةَ في الشّعرِ لا تُفرضُ مِن الخارج، وليست زينةً أو حلية خارجيّة في القصيدة، بل جزءٌ مِن التّفكيرِ وطريقةِ التّعبير. ومن هنا، فالاستعارةُ أو التّشبيهُ أو الكنايةً أو غيرها من الوسائلِ البيانيّةِ والبديعيّة، ما هي إلّا طريقة للتّفكيرِ لا مجرّدَ أدواتٍ تزيينيّةٍ مُضافة للقصيدة (13).   
"حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ.. في فِخاخِ الانْتِظار": في السّطر انزياحٌ بالحذفِ المتمثّل في حذفِ جواب الشّرط، والتّقدير: "حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ .. في فِخاخِ الانْتِظار، أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى.
"وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ.. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا":كنايةً عن تحلّي الشّاعرة بالأمل في المستقبل؛ مستقبل الوطن وعودتِهِ ببهائِهِ وحرّيّتِهِ. وللموسيقى أصابعُ كما للشّخص. تصويرٌ وتجسيمٌ وبثُّ الحياة في المعاني.
"تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي.. تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً": والحورية وهي رمز للجمال تعود لبحر فلسطين بكامل بهائها، تتأبط الشّاعرة وتطوف بها هائمة بالأمل.
"تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني": كنايةً عن حلم الشّاعرة بالأمل وانتهائها من حقول التّيه والضّياع.
"هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ .. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ/ لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!/ رُحْمَاكِ/ هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ/ لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!": كنايةً في كلٍّ عن حلمِ الشّاعرةِ بغدٍ أفضلَ للوطن.
"هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ": كنايةً عن المستقبل القريب المُشعّ بالأمل.
 "وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ": كنايةً عن مستقبل الوطن البعيد، وذكرت الشّاعرة "الغد" مجاز مرسل علاقته الزّمانية، فذكرت الزّمن وأراد النّاس الّذين يعيشون فيه.
"أَدْمَعُ!.. و.. أَدْمَعُ!.. وَ.. أَدْمَعُ!":
كنايةً في كلٍّ عن الدّمعةِ المنسكبةِ مِنَ العينيْن، لتحقيق الأمل المرجوّ في رفعة الوطن ولكثرة الخير ما يستدعي البكاءَ النّاتجَ عن تحقّق الحلم، والتّكرار.. تكرار "أدمع" لتوليد إيقاع عذب في قصيدة النثر، والإيقاع "إنّما "يعني انتظام النّصّ الشّعريّ بجميع أجزائه في سياق كليّ، أو سياقات جزئيّة تلتئم في سياق كليّ جامع، يجعل منها نظامًا محسوسًا أو مدركًا، ظاهرًا أو خفيًّا، يتّصلُ بغيره من بُنى النّصّ الأساسيّة والجزئيّة، ويُعبّر عنها كما يتجلّى فيها. والانتظامُ يعني كلّ علاقات التّكرار، المزاوجة، المفارقة، التّوازي، التّداخل، والتّنسيق، والتّآلف والتّجانس، ممّا يعطي انطباعًا بسيطرة قانون خاصّ على بنية النّصّ العامّة، مُكوّنًا من إحدى تلك العلاقات أو بعضها. وعادة ما يكون عنصر التّكرار فيها هو الأكثر وضوحًا من غيره، خاصّة وأن يتّصل بتجربة الأذن المُدرّبة جيّدًا على التقاطه. وليس يعني أيٌّ من تلك العناصر الإيقاعيّة في تكويناته الجزئيّة الصّغيرة المبعثرة في النّصّ شيئًا ذا بال، إذ هو لم ينتظم في بنية إيقاعيّة أساسيّة وشاملة تجمع من مختلف أطرافه"(14). 
والسّمة الجوهريّة لشعر الحداثة "تكمن، بحسب هذا النّسق، في المستوى الموسيقيّ من النّصّ الشّعريّ. فالتّحديث الموسيقيّ قد أتاح للشّاعرة أن تتخلّص من القيود الّتي تمنعها من التّعبير عن تجربتها الشّعريّة، وعن واقعها المعاصر تعبيرًا حيًّا، ينبض بالحُرّيّة والجمال الفنّيّ"(15).
"مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!": وتعود الشّاعرة في هذا السّطر والّذي يليه، للأسلوب الإنشائيّ والاستفهام بـ "مَن" في كلّ يفيد النّفي"، فلا أحد يفرح لتحقيق الأمل المرجوّ بنصرة الوطن إلّا أهله. فلهوى الشّاعرة قناديل هوى تغسِل ..
"مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!":
كنايةً عن ألّا أحد يتغنَّى بجماليّةِ السّمرِ والسّهر بتلقائيّةٍ، في ليالي فلسطين غير أهل الوطن في فلسطين.
"هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا": وآمال الشّاعرة لا تلبث أن تتبدَّد وتعود ضياعًا في زحمة الضّياع.
اِعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ/ كِرا

25
أسطورة التياع للشاعرة آمال عوّاد رضوان/ ترجمتها للإنجليزية فتحيّة عصفور
A Legend Of Anguish
By: Amal Awad – Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator

A child
You inflitrated into the wilds of my darkness
at a time when the scorpions of my rashness
were growing between your footsteps
 and spinning with the lashes of your letters a silk of passion...
from the threads of my prime
****
A poem
A poem you emerged with shyness...
You appeared in the hut of my dreams ...
I crowned you a queen on the throne of my madness
when the lost in the jam of your echoes I was ...
Still overtaken by the revolution of your beauty
**
The smell of my seasons became immortal by you...
by the recurrenc of
sweet songs echoing a scent of torment
They whirled me in a doubt of tear dodged by
complaint.
I wonder till when I'll keep dangling like a pale music
on the ladder of your water!
**
O you , Hera! the refuge of mother women
Why chasing women
giving birth to me?
and the hundred of your eyes pollinate my eye...
 and follow up my barefooted shadow?
**
to unknown beating
in whose wind your giant jogs
killed by my carob verse
I splash the hundred of his eyes candles on your mirror crest and on the arrogance of your peacock feathers
**
How transparent the crystals of your arrogance are!!
You fluff them
You spread them out
with a riot sword that radiates me
How could I turn its glare back to your eyes as vigilance sources were extinguished by your fires?
**
With my golden chain..between the fire of dust( earth).. and the light of haze(heaven)
by your wrists I
h
u
n
g
you
a star pomply glittering a legend of anguish
while the brides of grown- up breasts
p-r-a-t-t-l-i-n-g you a rebellion of challenge that threatens me
**
Oh, my love! can pain ail her?!
Where is it from me her beauty , the rescued by your ugliness, Hephaestus ?
Your heart , that is blinded by the flash of jealousy robs the pearl of my heartbeat.
Oh! my night hides my awe and fright
and collects the memory of your scattered breaths on
the ash of my memory
**
Where is it from me ,
my love? a melody in my fields
How it expanded to
a folk of life larks that protect me!!
**
Where is it from me,
my love? a glitter planet in the heaven of my soul lighting the path of my inspiration to YOU and landing on top of a CAVE that gives birth to me.
**
O , you! who hid yourself in a bar
whose indicator is dominion
You pour me a blazing hell in the cups of loss
and the flasks of my
densely covered desert quench your thirst.. so no stray groans get you swell up
Till when will we remain acrobatic hostages ...worn by a sleepless deluge of mint?!
***
Here! the lust of my strips, that's aged with isolation adorns you
so that the rhythm of
your bells can't be disturbed
Here! the sparks of your jasmine wash me with the fires of your pistachio dust
I am the besieged by the murcury of your mirrors
Till when will the flute of my cell weep me?!
and the kerchieves of farewell keep waving me?!
أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟
آمال عوّاد رضوان
طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي
*
قصِيدَةً
قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟
*
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ ظِلِّيَ الْحَافِي؟
*
إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ
يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ
يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ
أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا
عَلَى
قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ
وَعَلَى
اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ
*
كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ
تَنْفُشينَهَا
تَفْرُشينَهَا
بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي
كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ
وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟
*
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
عَ
لَّ
قْ
تُ
كِ
نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!
*
أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟
أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا
يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟
قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ
يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي
آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي
يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ
عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!
*
أيْنَ مِنِّي “حَبِيبِي”
نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي
كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا
مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟
أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"
كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي
يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ
ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟
*
يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ
دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ
تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ
وَتُرْوِيكِ قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ
فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!
***
إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً
يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟
ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ 
أَنَا الْمُحَاصَرُ بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!

26
حيفا بين حُبِّ وحنينِ عادل سالم!
إعداد: آمال عواد رضوان
الأديب عادل سالم حلّ ضيفًا على حيفا في أمسية حيفاويّة مائزة أقامها نادي حيفا الثّقافيّ، برعاية المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، وذلك بتاريخ 4-4-2019، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، ووسط حضور نخبويّ مميّز من أدباء وشعراء وأصدقاء ومهتمّين، وقد ازدان مدخل وزوايا القاعة بمنتوجات ولوحات ومعروضات فنّيّة للفنّانة التّشكيليّة سماح عوض، وتولّت إدارة الأمسية آمال عوّاد رضوان، بعد أن رحّب المحامي فؤاد نقارة رئيس نادي حيفا الثّقافيّ بالحضور، وقدّم د. رياض كامل قراءة نقديّة تتمحور في جديد رواية "الحنين إلى المستقبل" من حيث الموضوع، ومن زاوية السّرد ومبنى الرّواية الفنّيّ، وقدّمت د. علا عويضة قراءة نقديّة لرواية "الحنين إلى المستقبل" بعنوان: الضَّياع في الحنين في سيراويّة عادل سالم، ثمّ تناول د. صالح عبود المجموعة الشّعريّة (الحب والمطر)، وقدم قراءة بعنوان (الاغتراب في شعر عادل سالم)، أخيرًا، ختم اللّقاء المحتفى به عادل سالم، شاكرًا الحضور والمنظّمين والمتحدّثين، وتمّ التقاط الصّور التّذكاريّة
مداخلة آمال عوّاد رضوان:
*أحبّائي الحضور، أهلا ومرحبًا بكم باتّساع قلوبنا المترنّمة بالمحبّة، وبشساعة أرواحكم العطشى إلى رحيق الكلمة الأثيريّة، والّتي تُقصّر المسافات، وتستقصي الأسرار، تلك الكلمة العميقة الّتي تجمع الماضي بالمستقبل، وبوح الحاضر بحنين الآتي. فأهلًا بالإبداع بكلّ مقاساته ومذاهبه ومدارسه وأصنافه.
*الفنون البصريّة التّشكيليّة: هذا الإبداع المرئيّ الّذي يُلفتُ النّاظر إليه ويُحفّز مشاعرَه، كالفنّ المعماريّ، الزّخارف، السّيراميك، الأثاث، التّصميم الدّاخليّ، الدّكورة، المجوهرات والمنحوتات، الرّسومات واللّوحات وغيرها.
المدارس الحقيقيّة الواقعيّة: ومن خلالها يتمّ نقل الواقع الموجود على هيئة فنّ وتصوير، وغالبًا ما يدخل شيء من عواطف الفنّان، فظهرت أعمال الفنّانين في الفترة الّتي نشأت فيها الواقعيّة التّصويريّة بهيئة كلاسيكيّة.
المدرسة الانطباعيّة: بدأت هذه المرحلة الفنّيّة بخروج الفنّان حاملا مرسمه من غرفته إلى الطّبيعة الخارجية، لرسم أشياء في الطّبيعة، مُعتمدًا على المُلاحظة الحسّيّة، وعلى انطباع حسي مباشر يُهيمن على اللوحات.
المدرسة ما بعد الانطباعيّة: ولأوّل مرّة تستخدم القماش، فهي مزيج من المدارس الانطباعيّة والواقعيّة، ولكن بأسلوب حديث وألوان شديدة.
المدرسة الرّمزيّة: ابتعدت عن الطّبيعة وعن الواقع كلّيًّا، واعتمدت على التّرميز.
المدرسة التّعبيريّة: ظهرت في بداية القرن الـعشرين، واعتمدت على انطباع الفنّان عن المشهد أكثر من تصويره.
المدرسة الدّادائيّة: استهدفت التّنبّه للأرصفة الملوّثة وتفاصيل مُهملة غير مهمّة.
المدرسة السّرياليّة: تعتمد على تجسيد الأحلام والأفكار، واستعادة ما في الذّاكرة.
المدرسة التجّريديّة: تعتمد على خيال الفنّان، وتجريد الحقائق من طبيعتها.
المدرسة التّكعيبيّة: ظهرت في فرنسا في بداية القرن العشرين، على يد بابلو بيكاسو قبل الحرب العالميّة الاولى، واتّخذ من الأشكال الهندسيّة أساسًا لبناء وبلورة وتجسيم العمل الفنّيّ من بيوت وجبال بشكل مكعّبات.
*عزيزنا الأديب عادل سالم: حيفا تحتضنك في إحدى أماسيها الأدبيّة، ويُسعدنا أن نتناول هذه اللّيلة عمليْن من إبداعك، يتعانقان مزهوّين بروحك وبوْحك، رواية الحنين إلى المستقبل؟ بالعادة يكون الحنين إلى الماضي، والتّوْق إلى المستقبل، فكيف قلبت الأزمان وتلاعبتَ بمفاهيم اللّغة؟ أهو خطأ في العنوان، أم هو تلاعب مجازيّ تهكميّ؟ أم..  نترك الإجابة لد. رياض كامل، ود. علا عويضة.
*أمّا المجموعة الشّعريّة المعنونة بـ "الحبُّ والمطر" الصادرة عام 2016، فيبدو العنوان منعشًا للرّوح، لأنّ الحبّ والمطر هما ركنان أساسيّان في الحياة، إذ إنّ المطر منبع الخيرات الأرضيّة، والحبّ منبع الخيرات الرّوحيّة، يبعثان الحياة والسّلام والرّحمة والإنسانيّة ما بين البشر.
مداخلة د. علا عويضة بعوان: الضَّياع في الحنين في سيراويّة عادل سالم:
لقد توّج الكاتب عادل سالم مؤلَّفه "الحنين إلى المستقبل"، من خلال تحديده للجنس الأدبيّ: رواية. لم يكتفِ الكاتب بذلك، فكتب في عتبته الدّاخليّة، بعد الإهداء مباشرةً وبالخطّ العريض: "هذه رواية، تنقلُ واقع بعض المغتربين في الولايات المتحدّة، ليست سيرةً ذاتيّةً لشخص محدّد، والأسماء الواردة فيها، من خيال المؤلِّف، فإن تطابقَت مع أسماءٍ من الواقع مرّوا بالتّجربة نفسها، فهي مجرَّد صدفة" (ص7).
يبدو أنَّ النَّصّ، في أساسه يقوم على سيرةٍ ذاتيّةٍ، غير أنَّ تقنيّات بناء الرّواية الّتي وظّفها الكاتب في عمله هذا، جعل منه جنسًا أدبيًّا آخر، حيث دمج النَّمطَين بشكلٍ مُحْكم، فلا يقف المُتلقّي بفروق محدّدةٍ بينهما، إلّا أنّنا نستطيع التّمييز بينهما فنّيّا.
تجدر الإشارة إلى أنَّ الحدّ الفاصل بين السّيرة الذّاتيّة المكتوبة بقالب روائيّ؛ (أيّ السّيرة الذّاتيّة الرّوائيّة)، والرّواية الفنّيّة الّتي تعتمد على أجزاءٍ مِن حياة الكاتب الشّخصيّة، (رواية السّيرة الذّاتيّة) هو التزام الكاتب بالحقيقة، والكشف عن غرضه؛ أي التّصريح بأنّه يكتب سيرة روائيّة في قالب روائيّ، بالإضافة إلى إعلان اسمه الحقيقيّ وأسماء الشّخصيّات والأماكن، بغضّ النّظر عن الجانب المتخيَّل في العمل. أمّا إذا اتّخذ الكاتب لنفسه اسمًا آخر (كما هو الحال في "الحنين إلى المستقبل") فيكون بهذا يكتب قصّة أو رواية سيرة، وعندها لا يجوز له الإشارة إلى أنّها سيرة. ولعلّ ذلك هو السّبب الّذي دفع الكاتبَ إلى تصدير عمله بالتّصريح بنوع هذا العمل (رواية).
أمّا فيما يتعلّق باسم المؤلّف، فلا نجدُ له ذِكرًا إلّا على الغلاف. ويبدو أنّه اكتفى بذلك، ليوفّر للمُتلقّي إمكانيّة التّخييل الّذي توفّره هذه الثّنائيّة: سيرة- رواية، مكتفيًا بضمير المتكلّم في بعض أجزاء السّيراويّة، ليقوم مقام الاسم، على نحو ما جاء في الفصل السّابع؛ الأمر الّذي يدلّ على التّطابق بين السّارد (الأنا) والشّخصيّة الفاعلة والمؤلِّف. لقد جاء هذا التّستّر على الاسم، لخدمة العمل الفنّيّ الّذي يتمثّل في إيصال بعضِ سيرتِه بقالب روائيّ.
حين يكتب الكاتبُ سيرتَه الذّاتيّة، لا يكون في حالة تصوّرٍ إنّما في حالة تذكّرٍ. وعليه، في كتابةٍ من هذا النّوع، كتابة روايةٍ تعتمد على سيرة الكاتب الذّاتيّة، على الكاتب أن يلتزم الحقيقةَ التّاريخيّة من جهةٍ، وأن يكتب بأسلوب فنّيّ من جهةٍ أخرى، مستعينًا بعناصر الفن الرّوائيّ المختلفة، نحو: التّصوير، التّخيّل، الحوار، مناجاة الذّات وغيرها.
إنَّ هذا العمل الأدبيّ نصّ استعاديّ نثريّ، كتبَ فيه الكاتب عن وجوده الذّاتيّ، مُركّزًا على حياته الفرديّة وعلى تاريخ شخصيّته. نَقَل أحداثًا ووقائعَ حقيقيّةً مختلفة، نحو: مكوثه في سجون الاحتلال، السّجن في الخارج بسبب التّهرّب من الضّريبة، الابتعاد عن الأهل، وذلك من خلال شخصيّة نعيم قطينة. أراد بذلك الإشارة إلى حياة المغتربين العرب في السّجون الأمريكيّة، والمقارنة بين حال الأسرى في سجون الاحتلال وفي السّجون الأمريكيّة. أبرز ما جاء في المقارنة بين السِّجنين هو العنصريّة، العنصريّة العِرقيّة والدّينيّة، العنصريّة تجاه العرب والسّود الّذين يتعرّضون هم أيضًا، للاضطهاد من قِبل الأمريكيّ الأبيض (ص153). وأبرز أنواع العنصريّة الّتي كرّرها الكاتبُ في أكثر من موضعٍ، هي تلك العنصريّة الموجّهة ضدّ العربيّ المسلم الّذي يتّهمه الآخر، الأمريكيّ، بالإرهاب. (مثلا ص161). ليدلّ بذلك على جهل الآخر بالحقيقة، على جهله بمفهوم الإسلام وقِيَمه وانغماس الآخر في سياسيةٍ تحريضيّةٍ.
كذلك أشار الكاتبُ إلى العديد من المشاكل الاجتماعيّة الّتي تواجه الشّبان العرب في الخارج، نحو زواجهم من الأجنبيّات بهدف الحصول على الجنسيّة ظنًّا منهم أنَّ ذلك سيوفّر لهم مستقبلا أفضل.
لقد جعل الكاتب هذه المشاهد المستقاة من سيرته في قالبٍ روائيّ، رتّب أحداثها ووقائعها لتُسرد على المُتلقّي بطريقة التّقابل، ممثّلًا بذلك للعلاقة بين الذّاكرة والمتخيَّل في السّيرة الذّاتيّة.
الحنين إلى المستقبل، عمل أدبيّ واقعيّ، يجسِّد مشهدًا واقعيّا يتقاطع مع سيرة الكاتِب نفسه، وإن أنكر هو ذلك. عادل سالم كان أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، وسُجن في أمريكا بتهمة التّهرّب الضّريبيّ، فألبَس هذا العمل ثوب الحقيقيّةِ من جهةٍ وثوب الخيال من جهةٍ أخرى.
يبدو أنَّ الدّافع إلى كتابة هذا النّصّ يعود إلى جهتين: عقلاني وعاطفي. أمّا الجانب العقلانيّ فيتجلّى من خلال رغبة الكاتب في صياغة واقع ما، وإدلاء شهادته بهذا الواقع من خلال تجاربه في الحياة. أمّا الجانب العاطفيّ فيعود إلى رغبته في تحدّي الزّمن ومحاولة إدراك وجوده.
*الجماليّات: تتحقّق جماليّات هذا الشّكل السّرديّ، رواية السّيرة، بفضل التّفاعلات الخلّاقة بينهما كشكلين أدبيّين سرديّين، والّتي أدّت إلى ولادة شكل ثالث يحمل خصائص تختلف عنهما.
لقد جمع الكاتب في سيروايّته نمطيْن مختلفيْن ومتكامليْن من رواية السّيرة، يكشف كُلّ منهما عن وجه من وجوه العلاقة بين التّجربة الواقعيّة للمؤلِّف من جهةٍ، وبين المخيَّلة الإبداعيّة للمؤلِّف من جهةٍ أخرى، وذلك من خلال تصويره لذاته ولمجتمعه. أمّا النّمطان فهما:
1* استخدام تقنيّات السّرد الرّوائيّ كأداةٍ لاستعادة، لإبراز وإدانة العنف الّذي تعرّض له، وتحوِّله من موقع الضّحيّة إلى موقع المقاوِم لكلِّ أشكال الظّلم والعنصريّة. يظهر ذلك جليًّا في السّجن الأمريكيّ، حين تعرّض نعيم إلى التّمييز العنصريّ والعنف الكلاميّ من قِبل أحد النّزلاء، فاستجمع قواه بدعمٍ من قوى أخرى مستضعَفة، متمثّلةً بصديقه الأسود (إي جي)، وواجه الأمريكيّ الأبيض (تيموثي) الّذي يمثّل كلَّ البيض العنصريّين. وبينما كان الأخير، الأمريكيّ الأبيض، مسلَّحًا بالقوّة والعنصريّة، كان هو، العربيّ، مسلَّحًا بقوّة الحقّ. كان ضحيّةً، لكنّه سرعان ما تحوّل إلى رمزٍ لمقاومة هذا التّمييز.
2* استخدام الشّكل الرّوائيّ كقناعٍ فنّيّ يعبِّر الكاتبُ من خلاله عن آرائه ومواقفه، ويحاول كذلك استعادة تجاربه في منظور نقديّ تأمّليّ.
*المنظور التّعبيريّ: لقد تعدّدت المستويات اللّغويّة في النّصّ، فجعلَنَا الكاتبُ أمام لغة فصيحة متوسّطة، كما أنَّ الحوار بين الشّخصيّات، رغم تفاوتها، جاء على هذا الشّكل. بالإضافة إلى استخدام اللّغة العاميّة الّتي جاءت بشكلٍ عفويّ، واستخدام كلمات أجنبيّة (أوكي..). تجدر بنا الإشارة إلى الشّتائم الأجنبيّة الّتي كانت تدور بين نزلاء السّجن في أمريكا، وقد ذكرها الكاتب في أكثرَ من صفحةٍ، ناقلًا بذلك البيئة الواقعيّة للسّجن الأمريكيّ، فالشّتائم هناك تنهال ككلمة التّرحيب "السّلام عليكم". ذكر عدة شتائم باللّغة العربيّة (ص111، 112)، وجعل الأخرى باللّغة الأجنبيّة ولكنّه كتبها بحروفٍ عربيّةٍ وحروفٍ أجنبيّةٍ (ص112، 113)، رغم أنَّ القائل واحدٌ، أجنبيّ!! أمّا سبب ذلك فهو غير واضح، ولم نجد له أيَّ مبرّر، سوى التّحفّظ من ترجمتها!
كذلك السّرد جاء متنوّعًا، فتارةً يكون الكاتبُ السّارد والرّاوي العالِم بكلّ شيء، مُستخدِمًا صيغة الغائب (كما في الفصل السّادس عشر)؛ وتارة أخرى، يأخذ دور البطل ويروي حكايته بنفسه مستخدمًا ضمير المتكلّم "الأنا" (نحو ما جاء في الفصول: الخامس، السّابع والثامن وغيرها)، حيث تماهى المؤلّف مع الأنا ومع الرّاوي، فكان ظلّه حاضرًا في الحوار، مقرّبًا بذلك النّصّ من الحياة الحقيقيّة.
لقد عبّر الكاتب من خلال ضمير المتكلّم والمونولوج الدّاخليّ عن الجانب النّفسيّ للشّخصيّة، وعن أفكاره، وآرائه ومواقفه.
أمّا الأسلوب المسيطر في السّيراويّة فهو أسلوب الرّاوي الثّاني، حيث خاطب الشّخصيّة الرّئيسيّة بضمير المخاطَب (نحو ما جاء في الفصول: الثّاني، الثّالث، السّادس، التّاسع والعاشر وغيرها)، ففصَل بين ذاته وبين الشّخصيّة الرّئيسيّة من جهةٍ، وأشار إلى نفسه من جهةٍ أخرى. كما بدا وكأنّه يخاطب المُتلقّي، جاعلًا إيّاه جزءًا فاعلًا من الحدث، يشعر بتتابعيّة الحركة في الزّمان والمكان والأحداث. لقد وُفّق الكاتب في توظيف هذه الآلية ليتآلف ذلك مع الثّنائيّة الجنسيّة للنّص: سيرة- رواية.
لم يخلُ هذا العمل النّثريّ من التّعابير الفنّيّة الشّعريّة. إنّ تقمّص النّثر للّغة الشّعريّة في بعض المواضع، إلى جانب الصّور الفنّيّة، أكسب النّصّ كثافةً وأبرز لغة الصّراع والمعاناة. لقد استخدم الكاتب كذلك الأسلوب الإنشائيّ، خاصّة صيغ الاستفهام، الأمر الّذي ساهم في منح السّيراويّة بعضًا من شعريّتها، إذ يعمّق ذلك من غموض التّجربة الإنسانيّة، ويُشرك القارئ بانفعالاته مع النّصّ.
تنثال هذه الأسئلة بشكل خاصّ في نهاية العمل الأدبيّ، فبعد أن منعته قوى الاحتلال من دخول بلاده، واتّهمته بأنّه قادمٌ للبقاء في الوطن، طرح أسئلة كثيرة تمتدّ على نحو صفحة ونصف، مُحقّقًا بذلك الشّعريّة بين الواقع والخيال، بين اليقين والشّكّ، مانحًا القارئ مساحةً للإجابة على هذه الأسئلة الاستنكاريّة. نذكر منها:
"هل أُحضرهم لزيارتي ثمّ أعيدهم لفلسطين، لعلّي أنجح في الدّخول في سنواتٍ قادمة، أم أستسلم رافعًا راية الغُربة البيضاء إلى الأبد؟ أم أنتظر حتى تتحرّر، وأعود رافعًا شارة النّصر؟
ضحك بيأسٍ!!! تتحرر؟؟ لقد دمّروا سوريا، العراق، اليمن، ليبيا. فمن سيحرّرها؟
وإلى أن يحصل ذلك، هل أتركهم في فلسطين؟ أم يلحقون بي". ص219
هذه الخاتمة إنّما هي اعتراف بالواقع المرير الّذي قاتل الكاتب بحُلمه وحنينه من أجل تغييره. هذه الخاتمة تجسِّد الصّراع مع ذاته أوَّلًا، ومع الآخر والبيئة ثانيًا، وقد صوّر ذلك من خلال الحنين الّذي رصد فيه أعماقه، راسمًا الحقيقة كما يريد بضمير المتكلّم "الأنا"، مُصوّرًا عالمه تصويرًا أدبيًّا وفنّيّا.
الزّمان كمكان:
لقد خصَّ الكاتبُ الحنينَ بالمستقبل، والمستقبل تعبيرٌ زمانيّ لا مكانيّ!!
إلا أنَّ الحنين في هذه السّيراويّة لا يقف عند حدٍّ معيّنٍ، لا زمانيّ ولا مكانيّ؛ إنّه يحنّ إلى عائلته البعيدة عنه، يحنّ إلى الحريّة المسلوبةِ منه، يحنّ إلى وطنه القابع تحت الاحتلال، يحنّ إلى سجن النّقب رغم ظروفه الصّعبة، فالسّجن في الغُربة، وإن كانت ظروفه أفضلَ، فهو أشدّ قسوةً ومرارةً.
إنَّ هذا الحنين لا ينفصل عن المكان، وبهذا تنكشف ملامح الانتماء والتّعلّق بالمكان. لقد شكّل المكان عاملًا مُهمًّا في بُنية هذا العمل الأدبيّ، شكّل زاويةً يستدعي فيها الكاتب صور حياته المختلفة.
استذكر مدينتَه الأولى والأخيرة، القدس؛ القدس ليست مكانًا جغرافيًّا فحسب، إنّما انتماء يعكس علاقة الكاتب بها وبأحداثها. فذكر أسماء مناطقَ مقدسيّة نحو: وادي الجوز، البلدة القديمة، باب العمود، باب خان الزيت، وأسماء محلّات نحو محل عاهد طقش وغيرها. بالمقابل، اقتصر ذِكر الأماكن الأمريكيّة على أسماء السّجون الّتي دخلها، والبلدة الّتي تواجد فيها.
إنَّ التّغييب الطبوغرافي للمناطق الأمريكيّة في الرّواية دليلٌ على إدانته لها، وعن ابتعاده عنها من حيث الانتماء. فلم تكن للمناطق الأمريكيّة، كما جاء ذكرها في السّيراويّة، أيّ وظيفةٍ، بل شكّلت محطةً إجباريّةً ينتقل منها الكاتب إلى أخرى. أمريكا، بالنّسبة له، لهذا الشّاب الّذي أراد العمل والعودة إلى أرضه وعائلته، هي أرض التّعاسة والشّقاء.
ارتبطت الأماكن في أمريكا بأماكن الإقامة المؤقتة، لأن إقامته بها كانت مؤقتة، فاستأجر بيتًا، نزل في فندقٍ وانتقل من سجنٍ لآخر. لقد عزّزت هذه الأماكن المؤقّتة والضّيِّقة تقنيّة الاستبطان لدى الكاتب، فكلّما ضاق عليه المكان ازدادَت دواعي لجوئه إلى نفسه، وأخذ يستذكر، يسترجع ويحلمُ.
في السّجن زارته الذّكريات، ذكريات الماضي، وفيه قلَّب حياته ومنه انطلَقَت الأحلام، أحلام المستقبل. فالذّكريات تستعيدها كما هي، أمَّا المستقبل فتنسجه بخيالك، تلوّنه كما تشاء، وتفرح فرحًا ممزوجًا بالخوف من هذا المجهول الّذي قد يخيِّب ويحطِّم أحلامكَ، أو يمحو ألوان رسمتِكَ.
إن الصّراع الدّاخليّ للكاتب (بُعده عن الأحبة وحلمه في العودة) تحوّل لاحقًا إلى صراع مع المحيط، تمثَّل في عدم السّماح له بالدّخول إلى البلاد، ممّا زاد الشّرخ، وكان دافعًا له للحنين إلى المستقبل، المستقبل الّذي رسمه هو، المستقبل الّذي تخيّله ولوّنه بريشته وأحلامه.
أمّا المستقبل الّذي رسمه فيتلخّص بالعودة، العودة لأسرته بل لوطنه، تلك العودة الّتي تحطّمت في نهاية السّيراويّة. ولعله أراد بهذه الخاتمة الّتي ذيّلها بأسئلةٍ استنكاريّة إشكاليّةٍ، أنَّ هذا الحنين إلى المستقبل سيبقى حلمًا، لأنَّ المستقبل لن يكون أفضل من هذا الحاضر؟! والأسئلة في نهاية العمل توحي بذلك.
كما توحي بالحالة الّتي يعيشها الفلسطينيّ، إلى ما يتعرّض له من سلبِ حقوقٍ واضطهادٍ، وتمييزٍ وإرهابٍ؛ الإرهاب الّذي يَفْتِكُ جسد المجتمعات.
إنَّ الأسئلة في نهاية السّيراويّة ترصد حال العالم العربيّ، وتأخذنا إلى شريطٍ أسودَ، تأخذنا إلى فلسطين القابعة تحت الاحتلال الإسرائيليّ، إلى سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، كلّهم يعانون من تآمر الدّول الرّأسماليّة وحلفائها. منذ سنوات والدّمار يحتلّهم. كلّهم أصابتهم الهجمة الامبرياليّة، وضيّقت الدّول الرّأسماليّة عليهم الخناق. إنَّ هذه الهجمة الّتي روّجت بتحرير الشّعوب، زائفةٌ، تسعى إلى تقوية الأنظمة الرّأسماليّة، ونشر الفساد والتخلّف في الدّول العربيّة، لتمكين سيطرتها عليها وسلب كلّ كنوزها.
*الفنّانة سماح عوض: من دالية الكرمل: معلمة فنون في المدرسة الابتدائية ومرشدة وزارة المعارف (ماتيا) لمعلمات الصفوف الخاصة في دالية الكرمل وعسفيا. حصلت على لقب أوّل من جامعة حيفا ومرشدة للفنون من دار المعلمين العرب، عشقت الرسم بالاكريلك والالوان رسم لوحات للطبيعة والمرأة والإنسان والأحياء والجماد والتراث، بتقنيات مختلفة ومواد متعددة مثل جوز الهند والنس كافيه والسيراميك، ومجسماتها ترتكز على إعادة التّدوير ودعم البيئة الخضراء، تستخدم عجينة الورق والإسمنت والخردوات والمعلبات، قناني وجرائد والخ. لها أكثر من مئة وعشرين مجسّمًا بأحجام مختلفة، وأكثر من ثلاثين لوحة تمتاز بألوانها الزاهية والصارخة، اشتركت بعدة معارض محلية.
*د. رياض كامل: من مواليد المغار  8-7-1954، ويعيش مع عائلته في مدينة النّاصرة، حيث عمل في مدارسها الأهلية معلمًا، ثمّ مديرًا لمدرسة راهبات مار يوسف. حصل على اللّقب الثّالث في اللّغة العربيّة وآدابها من جامعة بار إيلان، بعد تقديم بحثه حول خطاب حنّا مينة الرّوائيّ. كاتب وناقد له العديد من الأعمال النّقديّة والدّراسات الأدبيّة والفكريّة، في مجال القصّة، والرّواية، والمسرح والشّعر. يعمل محاضرًا في كلّيّة أورانيم الأكاديميّة، منذ عام 1993 وحتّى اليوم، في قسم اللّغة العربيّة لطلاب اللّقب الأول واللّقب الثّاني. صدر له ثمانية كتب في مجال الدّراسات والنّقد، أهمها: كتاب "دراسات في الأدب الفلسطينيّ" (2017). كتاب، "الظل الآخر- دراسات في المسرح" (2015). كتاب "محاورة النص - دراسات في القصّة والرّواية" (2003). كتاب "توهج الكلمة- دراسة في لغة الشّعر لدى طه محمد علي”، (2001)، وشارك في تحرير كتاب "شكيب جهشان- إضاءات على مسيرته وأدبه" مع عضو الكنيست د. يوسف جبارين (2013). له عدد من الدّراسات تتمحور معظمها حول الأدب العربيّ الفلسطينيّ.
*الأديب عادل سالم: من مواليد القدس 1-7-1957، انهى دراسته في القدس بتفوق في الرياضيات، غادر أهله إلى أمريكا عام 1976 ولحق بهم عام 1988، وكتب في الصحف العربية: الفجر الأدبي، الشعب، الفجر، الكاتب، البيادر، الحرية، فلسطين الثورة، وعرب تايمز، وقد استمر في الكتابة في عرب تايمز، ثم أسس عام 1988 موقع ديوان العرب البارز وهو رئيس تحريره: اهتم بالكتابة الشعرية والنثرية، من كتبه: ديوانين شعريين  "عاشق الأرض" عام (1981)، و"نداء من وراء القضبان" عام (1985). دراسة توثيقية عام 1990 بعنوان: "الطبقة العاملة الفلسطينية والحركة النقابية في الضفة والقطاع من عام (1967- 1987).
"لعيون الكرت الأخضر"، مجموعة قصصية عام (2006). "أسرانا خلف القضبان" دراسة توثيقية عام (2006).  "ليش ليش ياجارة؟"، مجموعة قصصية عام (2007). رواية "عناق الأصابع" عام 2010.  رواية "قبلة الوداع الأخير" عام 2012. رواية "عاشق على أسوار القدس" عام 2012. "يحكون في بلادنا" مجموعة قصصية عام 2012. "يوم ماطر في منيابولس" مجموعة قصصية عام 2012. واليوم وفي الامسية تناولنا آخر إصداراته: المجموعة الشعرية بعنوان الحب والمطر عام 2016، ورواية الحنين الى المستقبل عام 2016.

27
من السّجن إلى حيفا يمضي باسم خندقجي!
إعداد: آمال عوّاد رضوان
كرضيعٍ مُوجَعٍ يَحتفون بهِ، وأمُّهُ ما زالت طريحةَ الفراشِ في المشفى، بين قضبان الموت والغياب وأصفاد الحياة والعذاب!؟ هي إبداعاتك بين أيادينا نحتفي بها، يا المبدعُ باسم الخندقجي، لكَ ولكلّ أسرانا البواسل تحيّةَ مَحبّةٍ وتقديرٍ لقلوبِكم النّقيّة، مِنّا أدباء وقرّاء، من حيفا وعكّا والناصرة ويافا والجليل الأشمّ، والمثلّث والنّقب الصّامد، ومِن حنايا بلدنا العتيد التليد- لكم المجد والحياة والحُرّيّة والوطن.
برعاية المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، أقامّ نادي حيفا الثّقافيّ أمسيةَ للأديب الفلسطسنيّ السّجين باسم الخندقجي، في قاعة كنيسة ماريوحنا المعمدان في حيفا، بتاريخ 21-3-2019، وسط حضور من الأدباء وذوّاقي الكلمة، وقد ازدانت القاعة بلوحات فنّيّة لكلّ من الفنّانتيْن أصالة حسن وصبحية حسن، وبعد أن رحّبَ المحامي فؤاد نقارة رئيس النّادي بالحضور وبالمُتحدّثين، وبالمُحتفى به الّذي تعذر حضوره ورواياتِهِ، تولّت عرافة الأمسية عدلة شدّاد خشيبون، وتحدّث عن روايات باسم الخندقجي كلّ من: د. أليف فرانش بمداخلةٍ حول: خسوف بدر الدّين الدّوران والتّأرجُح بين الأقطاب، ومداخلة د. جهينة خطيب بعنوان: مقاربة نقديّة في الخطاب الصّوفيّ لشخصيّتين صوفيّتين: في رواية خسوف بدر الدّين لباسم خندقجي ومسرحيّة مأساة الحلّاج لصلاح عبد الصّبور، ومداخلة د. عادل الأسطة بعنوان: سطوة الشّاعر باسم الخندقجي في "نرجس العزلة"   قرأتها ريتا عودة، ثمّ تمّ التقاط الصّور التّذكاريّة!
مداخلة د. أليف فرانش بعنوان: خسوف بدر الدّين- جدوى الدّوران والتّأرجُح بين الأقطاب
بدايةً، أباركُ للأمّهاتِ في عيدِهنّ، راجيًا أن تكونَ الفصولُ ربيعًا دائمًا بما نَمنحُ ونُمنحُ، وقبلَ البدءِ بتناول الرّواية نفسها، أودّ الإشارةَ إلى بعض النّقاط العامّةِ الّتي ترتبط، بطريقةٍ أو بأخرى، بالعملِ الرّوائيّ ذاتِه.
1* لا شكّ أنّ هذه الرّوايةَ تصطفي في مراتب الأعمال الرّوائيّة الفلسطينيّة الّتي استطاعَ كاتبُها أن يفيدَ من تقنيّات العملِ الأدبيّ، وأنْ يُجنّدَ هذه الأساليبَ في سبيلِ الوصول بعملِهِ الأدبيّ إلى هذهِ الهيئة الأدبيّة.
2* نلمح، لا سيّما في الآونة الأخيرة، نزعةً لدى أدبائِنا الفلسطينيّين، في التّعريج على التّاريخ بشكلٍ عامّ، والتّاريخِ الصّوفيّ بشكلٍ خاصّ؛ أذكرُ على سبيلِ المثالِ روايات: راكبُ الرّيح ليحيى يخلف، الصّوفيّ والقصرُ لأحمد رفيق عوض، ولا ننسى تجربةَ شعرائِنا محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، في اعتمادِ التّوجّهِ ذاتِهِ في الشّعر، خاصّةً الأشعار المتأخّرة؛ ولهذا أسبابُهُ، ففي هذا التّعريج والاستخدامِ خطابٌ يرنو إليهِ أدباؤُنا، يجدونَ في الحُلّةِ الصّوفيّة، أو المُرقّعةِ الصّوفيّة، إن صحّت الاستعارة، إطارًا يفيدون منه.
3* يتطلّبُ هذا المَنحى جهدًا كبيرًا مِن المؤلِّفِ الّذي يخوض في عالمٍ واسعٍ جدًّا هو عالمُ الصّوفيّة، إضافةً إلى دراسةِ التّاريخ. في هذا التّوْليف إنجازٌ كبيرٌ، لكنّ هذا الإنجازَ يتطلّبُ جهدًا مَهولًا، فبُورِكَ أصحابُه.
في محاولةٍ لرصدِ بعضِ الحركاتِ في "رواية خسوف بدر الدّين" أشير بدايةً، إلى أنّ الرّوايةَ تستحقّ دراسةً سأسمّيها في هذا المَقام بالدّراسة النّورانيّة، لتِبيانِ انعكاسِ المفاهيمِ الصّوفيّةِ فيها، وتَحليلِها وِفقَ الأنساقِ الصّوفيّةِ كوْنَها زاخرةً بها، وهي دراسةٌ لن تَفيها الدّراسة الأدبيّة النّقديّة اللغويّة كاملَ حقِّها. فقد دأبَ باسم خندقجي على تذويتِ المُعجم الصّوفيّ في بنيانِ الرّوايةِ ونسيجِها. ومنها المَنهجُ العرفانيّ الّذي يعتمدُهُ مَسارًا في بناءِ شخصيّةِ بدر الدّين: وقد اعتبرَ العرفانَ أحدَ المناهج المُتّبعةِ في الوصول إلى الله، إلى جانبِ المَنهج العقليِّ والمَنهجِ النّقليّ أو النّصّيّ. ويُفارقُ المنهجُ العرفانيُّ غيرَهُ مِن المناهج الآنفةِ الذّكر، أنّهُ لا يعتمدُ في إنتاجِ مفاهيمِهِ على العقل، ولا على ظاهرِ النّصّ الدّينيّ، بل يُرجعُها إلى الإلهامِ والتّلقّي مِن مَصدرٍ مُتعالٍ. فالمعرفةُ حسبَ طرائقِ العرفانيّةِ تَنشأُ عن مُكاشفةٍ وعيانٍ، لا عن دليلٍ وبرهان.
يمكنُ قراءةُ هذه الرّوايةِ بتوجّهاتٍ عدّة، والتّركيزُ على نَواحٍ عدّةٍ فيها أيضًا. اخترت، هنا، التّركيز على حركيّةِ الرّواية، وهي حركيّةٌ أسمَيْتُها بـ:”الدّوران وَالتّأرجُح بين الأقطاب"، وفي هذه التّسمية توازٍ بينَ حركةِ العملِ الرّوائيّ، وبينَ حركةِ المريدِ الصّوفيّ في دورانِهِ وتأرجُحِهِ واتِّباعِهِ أقطابَ المعرفةِ اللّدُنيّةِ والنّورانيّة. فكما يدورُ الصّوفيُّ دوْرتَهُ تدورُ أحداثُ الرّواية، فيتركُ بدرُ الدّين سماونة مسقطَ رأسِهِ، ويجوبُ بلدانَ العالم مُتأرجحًا بينها، لكنّه يعودُ إلى هناكَ بحركةٍ دائريّةٍ كدوْرةِ الصّوفيّ. في سيماونة يبني مَجْدَهُ، يقول ص304: "ها أنتَ قد عدتَ إلى سيماونة شيخًا، لا بل مُعلّمًا، لا بل ثائرًا، بل ممسوسًا"، ويدورُ بهِ القدَرُ والزّمنُ فينهارُ المجدُ، بخسوفِهِ بدرًا مِن النّور إلى العتمةِ، في دورةِ الزّمن تنهارُ مملكتُهُ، وهي أشبهُ بالكومونا الّتي يبناها ثوّار إبّان الثورة الفرنسيّة، أو اليوتوبيا وفقَ الأيديولوجيّة الاشتراكيّة الشّيوعيّة، حتّى وإن بدا التّوازي بينهما عسيرًا. أمّا الدّوران الأكبر فهو في عنوان الرّواية: خسوفُ بدر الدّين، ففي خسوفِ القمرِ حركةٌ دائريّةٌ أدّتْ إلى حدوثِهِ، ولولا الدّوران لربّما بقيَ الخسوف، أو لربّما ما كانَ أصلًا. لهذا فالرّوايةُ تقومُ على حركيّةِ الدّوران وما يَحملُهُ مِن تغييرٍ قد يكونُ ذا حدّيْن، ويبقى السّؤال: هل هناك مِن جدوى للدّوران، أم أنّ الجُمودَ أفضلُ في بعضِ الحالات؟
أمّا التّأرجُحُ فينعكسُ في المَحاورِ الثّلاثةِ الّتي تتناولُها الرّواية، وهذهِ المحاورُ الأساسيّةُ هي الصّراع بمختلفِ أطرافِهِ، ثمّ التّقاطُبُ كشكلٍ مُتطوّرٍ للصّراع، والخيبةُ كنتيجةٍ له، وتتلاحقُ الأحداثُ راسمةً صورةً لهذه المَحاور، لنجدَ الشّخصيّةَ الرّئيسيّة بدر الدّين، وما يحيط به/ ها مِن شخصيّاتٍ قريبةٍ، يَدورونَ ويتأرجحونَ في دائرةِ هذه المَحاور، بُغيةَ البحثِ عن إجاباتٍ وافيةٍ لأسئلةٍ لا إجاباتٌ شافيةٌ لها.
الصّراع: في الرّوايةِ عددٌ هائلٌ مِن الصّراعاتِ الّتي تذهبُ بعقل القارئِ بعيدًا، إلى تلكَ الحقبةِ التّاريخيّة، وتَدَعُهُ يتساءلُ ليسَ عن الصّراعاتِ فقط، بل وعن طبيعةِ الجنس البشريّ الّذي لا يَستكينُ، إلّا إن رأى الدّماءَ مَسفوكةً، والحياةَ مُستباحةً أمامَ نداءِ الموت؟ فيتساءلُ عن جدوى كلِّ هذا. خندقجي يقودُ قارئَهُ بحنكةٍ، ليُوصلَهُ إلى هذا التّساؤل، وذلكَ مِن خلالِ العددِ الهائلِ واللّامُتناهي مِن الصّراعاتِ المُختلفة، والّتي يُغيّرُ فيها البشرُ مواقفَهم، كما تتبدّلُ الفصولُ أو الشّهور. وفي هذا تلميحٌ وإيماءٌ لِما نُعايشُهُ، لكنّه هنا مُركّزٌ مُشدّدٌ بشكلٍ لا يتركُ مجالًا لخديعةٍ فكريّة. ومِن هذهِ الصّراعات: صراعُ الهُويّة لدى طورة، وصراعُ الجيوش، والسّلاطين، والأمم. يقول على لسان ابن خلدون ص97:”حلِّقْ في سماءِ الزّمان، ترَ الأرضَ ترتجفُ بزلزلةِ جيوشِ السّلاطين".
الأقطاب: نلمحُ في الرّوايةِ تأرجُحًا شديدًا وحادًّا تتخابط بينها الشّخصيّات، كأنّها الكُرةُ الّتي تتقاذفُها جِهتان، فمِنْ قطبٍ إلى قطبٍ تجدُ نفسَها الشّخوصُ في حركةٍ مِنَ الحيرةِ، أو القراراتِ المُتعاقبةِ تحتارُ بين قطبيْن، أو تنتقلُ بينهما، مِن صورةٍ مكنونةِ المزدوجة الّتي تُمثّلُ الطُّهرَ والعفّةَ والنّورَ والرّوحَ تارةً، والشّهوةَ والجسدَ والشّبقَ تارةً أخرى، بشكلٍ مُتقطّبٍ يدعو إلى الذّهول؛ مِن العِلم مقابلَ السّيف، مِنَ الواقع مقابلَ الغيب، والدّينِ مُقابلَ الكُفر، مِن تجاذُبِ الذّكرى أمامَ الواقع مِن ترجيح القوّةِ على العدلِ أو العكس، مِنَ الانقيادِ إلى النّقائض، الموتِ في سبيلِ الحياة. هذا التّقطّب يُسارعُ مِن حركةِ التّأرجُح، لتَخرجَ منهُ الشّخصيّاتُ مُنهَكَةً، وقد تفتّتَ فيها الجسدُ والفِكرُ، وطَرحتْ سؤالَ الجدوى مُجدّدًا حيالَ اختيارِها، أو اتّجاهِها. فهذا بدر الدّين، وأنا أقرأ ص 212: "فمَن الّذي كان ممسوسًا بالاضطرابِ والقلق، وذلكَ المزيجِ الغامضِ مِنَ السّرورِ والأسى والفرحِ والحزنِ سوى بدر الدّين؟". وينجلي التّقطّب جليًّا في التّعابير الإكسومورونيّة (الإرداف الخلفيّ الّذي يجمعُ بينَ نقيضيْن مُتلاحقَيْن) الّتي يُفاجئُنا بها خندقجي حين يقول ص95: "وأنتَ الغريبُ الوحيدُ، القلِقُ المُبصِرُ، الأعمى المُتمرّد الخانعُ، الضّالُّ المُؤمِنُ، المُخطِئُ التّائب، المُعلّمُ الجاهلُ، الفتى الكهلُ، عبدُ الشّهوةِ وعبد التّوبة". 
الخيبة: الرّوايةُ تمتلئُ بالخيبةِ والانكفاءِ، وتَبدُّدِ الآمالِ في فضاءِ الرّغبةِ والتّوْقِ والحُلم. تسعى الشّخصيّاتُ إلى تحقيقِ ما تصبو إليه، لكنّها تنكفئُ مُجسِّدةً مثالَ اللّابطل، وهو تلكَ الشّخصيّةُ الّتي لا تتمكّنُ مِن تحقيق أهدافِها ولا طموحاتِها، بل تنكفئُ على نفسِها، وخيبتُها على مستوى الرّغبة، والعمل، وحتّى الشّعور...، وهناكَ الكثيرُ مِنَ الخيباتِ: السّلطانة أمّ فرج لا تُحقّقُ مأربَها مِن بدر الدّين. علي باي الخازندار يفشلُ في الانقلابِ على الملكِ برقوق. مكنونة الّتي تفشلُ في تحقيقِ الجاه، مِن خلالِ صوْتِها والتّقرّبِ إلى أصحاب السّلطة والنّفوذ، فتدفعُ روحَها ثمنًا لذلك. لكن يبقى السّؤالُ: هل تجدُ الشّخصيّاتُ نفسَها قد قامتْ بدوْرِ البطلِ أم لا؟ هل ترى جزءَ تحقيقِ المأرب، أم جزءَ الانكفاءِ ودفْعِ الثّمن؟ أيّ جزءٍ مِن الكأسِ ترى؟ وهل دفْعُ الثّمنِ كفيلٌ بإعادةِ التّفكير، أو بزَمّ الشّفتيْن والضّربِ على الصّدر ندمًا.
الرّوايةُ تعجُّ بالخيبات؛ ما قد يدفعُ القارئَ إلى التّساؤل عن جدوى الحُلم. لماذا نحلمُ إن كانت الخيبةُ تتربّصُ بنا هناك في طرفِهِ؟ وهل هي إلى هذا الحدّ، واهنةٌ واهيةٌ تلكَ الخيوطُ الّتي ننسجُ منها أحلامَنا هذه؟ يُوجّهُ خندقجي القارئَ بفِطنةٍ إلى التّساؤل عن جدوى الإقدام، والتّغيير، والرّفض، والنّيّةِ في البناء، وكأنّي به يُحمّلُ الخيبةَ خطابًا مِن نارٍ يُشعلُ سؤالَ الجدوى مِن جديد، كما جاء على لسان بدر نفسِه ص122: "ما الجدوى من حياةٍ عجزت فيها"؟ وينبشُ في أعماقِ التّوْقِ (بالتاء) سلاسلَ طوْق (بالطاء)، قد تجعلُ الباحثَ المُكدَّ يتوقّفُ عن سَعيِهِ، فيَقبلُ الواقعَ كما هو طائعًا، مسلّمًا، ممتثلًا، راضخًا، مستجيبًا، شاكرًا، راضيًا، قانعًا، قنوعًا، صاغرًا، صغيرًا، منكفئًا، عاجزًا، مُغلِقًا مَنافذَ حواسِّهِ بيديْهِ، كتمثالِ القِرَدَةِ الثّلاثة.
ونتساءلُ حيالَ حركاتِ الدّورانِ والتّأرجُح، وحيالَ ما ينتهي به الصّراعُ مِن خيباتٍ مارّةٍ بفعلِ التّقطّب، هل يكتفي خندقجي فعلًا بسرد الحدث التّاريخيّ، مُطعّمًا بالأجواءِ الصّوفيّة مِن كشف، وأحوال، وانخطاف، وحقيقة، ونور (تكرّرت الكلمة مئات المرّات)، معتمدًا على شخصيّة بدر الدّين الّتي احتارَ التّاريخُ والمُؤرّخون بأمرِها، أم يقومُ الخطابُ الرّوائيُّ في هذا العمل، على الإحالةِ إلى الحالةِ العربيّةِ الفلسطينيّةِ أو الإنسانيّةِ عامّة، في السّؤال حولَ ما نبحثُ عنه مِن مَعانٍ، في تمرّدنا ورَفضِنا للأمر القائمِ ولواقع الحال؟ هل هناك جدوى مِن الرّفضِ والتّحدّي، وصفِّ الصّفوفِ وتجنيدِ النّاس وراءَ فكرٍ، مَهما كان ساطعًا مشرقًا إنسانيًّا وعادلًا حتّى، أم أنّ في الدّنيا توازنًا ما يفرضُه الأقوياء؟
عندها هل تبقى لجذوةِ الكفاحِ الجدوى نفسَها؟ هو سؤالٌ يخترقُ التّاريخَ والمستقبلَ، ويَجثُمُ على كاهلِ الحاضر. إنّه سؤالٌ يُحرجُ الأيديولوجيّات المختلفة، ويضعُها عاريةً أمامَ النّتائج، كما عرّت الخيبةُ الصّراعاتِ، وكما تأرجحتْ على حوافِّ الأقطاب. والمقصودُ أيديولوجيّات مَذهبيّةً وسياسيّةً علمانيّةً ودينيّة، هو ليس بالسّؤال الوجوديّ فقط، والدّائر حول جدوى الحياة وما فيها من رغبات وأهداف يسعى الإنسان إلى تحقيقها، بل ويسألُ عن هذه الجدوى مقابلَ مبدأ النّهاليّة ”النّهاليزم"، وهو مبدأ رفض القِيم القائمة، كما قال نيتشة: "الإيمانُ يعني عدمَ الرّغبة في المعرفة". فهل نحن أمامَ خطاب كهذا؟ عندها تحملُ الرّوايةُ أبعادًا خطابيّةً وجوديّةً ومنهجيّة وحياتيّة ووطنيّة، تدعو إلى قراءتِها بتَرَوٍّ كبير، وتأنٍّ، وبحزمةٍ كبيرةٍ مِن النّور.
فإنّ كان الأمر كذلك، فهذه الرّواية هي كشف حساب عميق للحركة والحركات الّتي ينتهجها المرء، وهي سؤال مفتوح لجدوى التّأرجُح مقابل القبول، وجدوى الرّفض مقابل الرضوخ، وتقبّل الواقع كما هو.
مداخلة د. جهينة عمر الخطيب:
مقاربةٌ نقديّةٌ في الخطاب الصّوفيّ بينَ شخصيّتيْن صوفيّتيْن؛ بدر الدّين محمود في رواية خسوف بدر الدّين للأديب الفلسطينيّ باسم خندقجي، والحلّاج في المسرحيّة الشّعريّة مأساة الحلّاج، للكاتب المصري صلاح عبد الصّبور
تساؤلات البحث:
هل وظيفةُ الصّوفيّ أن يبقى في بوتقتِهِ ومِحرابِهِ، أم أن يسعى إلى تحقيقِ العدل والمساواة؟ لماذا وظّفَ باسم خندقجي الشّخصيّةَ التّاريخيّةَ الصّوفيّة بدر الدّين محمود؟ هل لوجود باسم خندقجي في المعتقل وثلاث مؤبّدات تأثيرٌ على روايتِه؟ لماذا المقارنةُ بين مأساة بدر الدّين وخسوفِهِ مع مأساةِ الحلّاج؟
التّصوّف:
التّصوّفُ الإسلاميّ القويمُ هو أن يبلغَ المؤمنُ درجةَ "الإحسان"، الّتي هي أعلى الدّرجات في التّوجّه إلى الله عزّ وجلّ، والّتي يُشيرُ إليها القرآنُ الكريمُ في قوله: (والّذينَ جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسِنينَ). (العنكبوت:69).
مراحل التّصوّف
1- إسلام: وهو الإذعانُ والاستسلامُ، والخضوعُ للدّين عن طريق القوْل الظّاهريّ، والنّطق اللّسانيّ، وأداء العبادات. والإسلام يتمثّلُ في النّطق بالشّهادتيْن والعمل الظاهر.
2- إيمان: وهو التّصديقُ بالقلب، والاعتقادُ بالعقل، والاطمئنانُ في النّفس إلى صِدق ما يقول اللّسان.
والإيمان يتمثّلُ في اعتقادِ القلب واطمئنانِ الفؤاد.
3- إحسان: وهو التّوجّهُ الكلّيُّ إلى الله، والتّعلّقُ الدّائمُ به، والتّفكيرُ الموصولُ في صفاتِهِ وآياتِه، والمراقبةُ المستمرّةُ لعظمتِهِ وجَلالِه، والمشاهدةُ المقيمةُ لأنوارِهِ وأضوائِه، وهو: "أن تعبدَ اللهَ كأنّكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراه فإنّهُ يراك". والإحسانُ يتمثّلُ في اليقينِ والإخلاص، وهذا الإخلاصُ هو لبُّ التّصوّفِ وعمادُ أمْرِه؛ ولذلك يقول إبراهيم بن أدهم ـ وهو إمامٌ مِن أئمّةِ الصّوفيّة وزعيمٌ مِن زعمائِهم ـ حينَ يصفُ طريق التّصوّف: "أعلى الدّرجات أن تنقطع إلى ربّك، وتستأنسَ إليه بقلبك وعقلِكَ وجميعِ جوارحِك، حتّى لا ترجو إلا ربَّك، ولا تخافُ إلا ذنبَك، وتُرسِّخ محبّتَهُ في قلبك، حتّى لا تُؤْثر عليها شيئًا".
نحن أمامَ روايةٍ تاريخيّةٍ، أصبغَها الكاتبُ بخيالٍ وظّفَهُ لإظهارِ إسقاطاتات على عصرنا، فشخصيّةُ الصّوفيّ بدر الدّين محمود حقيقيّة، كذلك أصدقاؤه شيخ يمينه طورة كمال وشيخ يساره مصطفى. وعندَ قراءتِنا للرّواية نجدُ روحًا واحدةً تجمعُ الرّواية، بمسرحيّة مأساة الحلّاج للشاعر المصري صلاح عبد الصّبور، وليسَ التّشابه لكوْنِها صوفيّة، بل بما تُمثّلُهُ مِن توظيفات وإسقاطات، وهذا ما ستحاول الدّراسة توضيحَهُ من خلال أفكار بدر الدّين وأهدافه في حياته، وأيضًا علاقته بأصدقائه وفي نهايته.
بدر الدّين محمود والحلّاج شخصيّتان تاريخيّتان:
بدر الدّين محمود من العلماء الصّوفيّين، عُيّن بوظيفةِ قاضي عسكر في جيش موسى أخي السّلطان محمد. والحسين بن الحلّاج عالم صوفيّ، أحد أشهر الصّوفيّين وأكثرهم إثارة للجدل عبر التّاريخ. وُلد في البيضاء في فارس عام 244 هـ/ 857م، ثمَ انتقلت أسرته إلى واسط في العراق.
نهاية واحدة
حوكم بدر الدّين وحُكم عليه بالإعدام، وأعدم في عام 1420 في سيرس.[4] وعام 1961 دُفنت عظامُهُ في تربة السّلطان محمود الثاني الّتي في طريق الدّيوان. وقُتل الحلّاج في بغداد عام 309 هـ/ 922م، على يد رجال الخليفة العبّاسيّ المقتدر، على نحوٍ بشع، حيثُ جُلدَ وصُلبَ وقُطّعتْ جُثّتُهُ وأحرِقت، وألقيَ رفاتُهُ في نهر دجلة.
أسباب قتلهما واحدة: اتّهم  بدر الدّين بالزّندقة والتّحريض على الحاكم. أجمعَ علماءُ عصر الحلّاج  على قتلِهِ، بسبب ما نُقلَ عنهُ مِن الكفر والزّندقة. (بينما السّبب الحقيقيّ خوفهم من إحداث ثورة، بسبب آرائه في الحاكم العادل).
كلاهما اختلفت الآراء حولهما:
حِججُ أصحاب الآراء المُعادِيةِ لبدر الدّين: ظهرَ زمن السّلطان محمد شخصٌ يسمّى بدر الدّين، انتحلَ صفةَ علماء الدّين الإسلاميّ، بدأ في أزنيق في تركيا يدعو إلى مذهبه الفاسد، فكان يدعو إلى المساواةِ في الأموال والأمتعة والأديان، ولا يُفرّق بين المسلم وغير المسلم في العقيدة، فالنّاسُ إخوةٌ مَهما اختلفتْ عقائدُهم وأديانُهم. واتّهموه بأنّه قال: إنّني سأثورُ مِن أجل امتلاكِ العالم، وباعتقاداتي ذاتِ الإشارات الغيبيّة سأقسّمُ العالمَ، بينَ مريدين بقوّةِ العِلم وسرِّ التّوحيد، وسأبطلُ قوانينَ أهل التّقليد ومَذهبهم، وسأحلّلُ باتّساعٍ مشاربي بعض المُحرّمات.
آراء معادية للحلّاج: اتّهم بأنّه ادّعى النّبوّة وأنّه هو الله. فكان يقول: أنا الله. وأمرَ زوجةَ ابنه بالسّجود له. فقالت: أوَيُسجدُ لغيرِ الله؟ فقال: إلهٌ في السّماء وإلهٌ في الأرض. كانَ يقولُ بالحلول والاتّحاد. أي: أنّ الله تعالى قد حَلَّ فيه، وصار هو والله شيئًا واحدًا. قيل إنّ له كلامًا يُبطلُ به أركانَ الإسلام، ومَبانيهِ العظام، وهي الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ. فكان يقول: إنّ أرواحَ الأنبياء أعيدت إلى أجساد أصحابهِ وتلامذتِه، فيقولُ لأحدِهم: أنت نوح، ولآخر: أنتَ موسى، ولآخر: أنت محمد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الحلّاج مِنْ الْمَقَالاتِ الّتي قُتِلَ الحلّاج عَلَيْهَا، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنّما قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتّحاد وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزّندقة وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ: أَنَا اللَّهُ. وَقَوْلِهِ: إلَهٌ فِي السّماء وَإِلَهٌ فِي الأرض.. وَالحلّاج كَانَتْ لَهُ مخاريقُ وَأَنْوَاعٌ مِنْ السِّحْرِ، وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتّحادهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الحلّاج)اهـ مجموع الفتاوى (2/480).
آراءٌ مُناصرة لكليهما: بدر الدّين ظهرَ في أيّام هذا الملك شخصٌ يدعى بدر الدّين، نشرَ مذهبَهُ المُؤسّسَ على المساواةِ في الأموالِ والأمتعة، وهذا المذهبُ أشبهُ شيءٍ بآراء بعض اشتراكيّي هذا الوقت. تبعَهُ خلقٌ كثيرٌ مِن المُسلمين والمسيحيّين وغيرهم، لأنّه كان يعتبرُ جميعَ الأديان سواء ولا يفرّق بينهما.
الحلّاج: ساهمَ في المُطالبةِ في تحقيق العدالة:
أدرك الخلفاءُ العبّاسيّونَ خطورةَ هذا الطّرح النظريّ سياسيّا، وخافوا أن يتحوّلَ أصحابُهُ إلى فرقةٍ ذاتِ تأثير، فقمعوا المُتصوّفة المتمرّدين كالحلّاج والشّبلي، واتّهموا الحلّاج بالزّندقة تبريرًا لقتله.
انبهارُ رجال السّلطة بهما، والّذي أصبحَ واحدًا من السّيوف الّتي وُضعت على رقبتيهما:
بدر الدّين: "وأنت ستقوم بك الدّنيا أيّها المُقبلُ على رؤاك في زاويتك، لتنتشي بمَن حولك، فهل اكتفيتَ بتحلّقهم وتشبُّثِهم الأخير بمرّقعتك" . وصل بدر الدّنيا إلى منصبٍ مرموقٍ في الدّولة فأصبح قاضي العسكر.
الحلّاج: كانت له أسهمه القويّة عندَ بعض النّافذين، بل وصُنّاع القرار داخل البلاط العبّاسيّ آنذاك، فحسب أحد النّصوص، أنّ الحلّاجَ لمّا قدِم بغداد، استطاع أن يستغوى كثيرًا من الرّؤساء. الأهمُّ مِن ذلك، أنّ السّيّدة شغب أُمّ الخليفة المقتدر كانت متعاطفةً مع الحلّاج، لدرجةٍ أنّها تدخّلت مرّاتٍ عديدةً لمنع أيّة عقوبة ضدّ الحلّاج، وقد وصفَ البعضُ تأثيرَ الحلّاج على السّيّدة شغب، بأنّه "تأثيرٌ طاغٍ"، كما كان نصر القشورى حاجب المقتدر، واحدًا من الّذين اعتقدوا في أفكار الحلّاج، وشكّلَ مصدرَ حمايةٍ له لفتراتٍ طويلة، بل إنّه حسب وصف المصادر "افتُتِنَ به"، حتّى إنّه كان يسمّي الحلّاج (العبد الصالح)، و"دافع عنه أشدّ مدافعة، وكان يعتقد فيه أجمل اعتقاد".
مواجهة الموت بشجاعة:
بدر الدّين محمود: عندما عَرفَ أنّ مصيرُهُ الموتَ لا محالة، رفضَ الاستسلامَ والخنوع، وواجهَ مصيرَهُ بشجاعة: "وأتخلّى عن النّاس الّذين وعدناهم بالنّعيم، لنفرَّ مُتستّرينَ بدمائِهم الّتي ستُهرق بسببنا، ما هذا سوى سبيل الذلّ والخديعة، أختفي يا صاحبيّ. أنا أتجلّى بنورِ عِلمي ويقيني الإلهي."
الحلّاج: حُكم عليه بالإعدام عام (922م)، وذكر الطبري المؤرّخ الشّهير الّذي عاصر الحلّاج، والّذي توفّي بعد عام فقط مِن مقتله، في كتابهِ (تاريخ الأمم والملوك) عن هذهِ الواقعة، أنّه "أخرجَ مِن الحبس، فقُطّعت يداه ورجلاه، ثمّ ضُربَ عنقه، ثمّ أحرِقَ بالنّار". وهذا التّكتّمَ كان نتاجَ محاربةٍ لكلّ مؤلفات أو محدثين، آتوا بالذكر عن التّصوّف.
وعن إبراهيم بن فاتك قال: "لمّا أُتيَ بالحسين بن منصور ليُصلَب، رأى الخشبةَ والمساميرَ فضحكَ كثيرًا حتّى دمعت عيناه. ثمّ التفتَ إلى القوم فرأى الشّبلي بينهم فقال له: يا أبا بكر، هل معك سجّادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتيْن، وكنتُ قريبًا منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى"لنَبلوَنّكم بشيءٍ من الخوفِ والجوع" الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى "كلّ نفس ذائقة الموت" الآية، فلمّا سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان ممّا حفظته: اللّهمّ إنّك المُتجلّي عن كلّ جهة، المُتخلّي من كلّ جهة. بحقّ قيامِك بحقّي، وبحقّ قيامي بحقّك. وقيامي بحقّك يُخالف قيامك بحقّي. فإنّ قيامي بحقّك ناسوتيّة، وقيامك بحقّي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مُستهلكة في لاهوتيّتك، غير ممازجة إيّاها، فلاهوتيّتك مُستولية على ناسوتيّتي غير مماسة لها. وبحقّ قِدمك على حدثي، وحقّ حدثي تحت ملابس قِدمك، أن ترزقني شكر هذه النّعمة الّتي أنعمت بها عليّ، حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك، وحرمت على غيري ما أبحت لي من النّظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادُك قد اجتمعوا لقتلي تعصّبًا لدينك وتقرّبًا إليك. فاغفر لهم، فإنّك لو كشفتَ لهم ما كشفت لي، لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترتَ عنّي ما سترت عنهم لَما ابتُليت. فلك الحمد في ما تفعل، ولك الحمد في ما تريد، ثمّ سكت وناجى سرًا. فتقدّم أبو الحارث السّيّاف، فلطمه لطمةً هشم أنفه وسالَ الدّمُ على شيبه. فصاحَ الشّبلي ومزّقَ ثوبه، وغشى على أبي الحسين الواسطي وعلى جماعة من الفقراء المشهورين. وكادت الفتنة تهيجُ، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا".
رؤية مشتركة للمؤلفين من الرّواية من خلال توظيف التناص التّاريخيّ:
صراع بدر الدّين: "كان يُعاندُ مصيرًا كُتب عليه. لم يكن يشأ لنفسه مقام أبيه ومصيره. سكنه إحساس بالنضج والعلوّ أسمى من وصيّة أبيه، يتخبّط ما بين موتٍ وحياة، وحربٍ وسلام، خاضَ أعماقَ الدّنيا، وخاضَ سحرَها وعوالمَها الخفيّة. تاه في نوازع نفسه. تهتّك وشهد خرابه، بعد أن علّمه الحكماء هناك أنّ السّاعي للسّموّ بذاته، عليه أوّلًا أن يحطّ من قدر نفسه وكبريائه، ليُحاربَ نفسَهُ بنفسِه"
لقد واجه صراعًا ذاتيًّا بين الكلمة والفعل، فهل على الصّوفيّ الاكتفاءَ بعالمِهِ وزاويتِه، أم عليه اختراقها لينتقلَ إلى مرحلةِ الفعل؟ "تُعبّر أوجاعُ البلوغ إلى عين عقلك، والغيُّ فيك أحرقَ قلبك وأضلعك. وأنت الغريبُ الوحيدُ القلِقُ المُبصر، الأعمى المتمرّدُ الخانعُ الضّالُّ المؤمن، المُخطئ التّائب، المعلّمُ الجاهل، الفتى الكهل، عبدُ الشّهوة وعبدُ التّوبة، اُصرخ، اُصرخْ بالله عليك وقلْ لي ماذا تريد"
لقد عانى بدر الدّين صراعًا، ذاقَ الخطيئةَ ليعرفَ قيمةَ التّوبة، وقد استقرَّ رأيُهُ رغمَ حيرتِه، بأنّ على الصّوفيّ مهمّة الفعل، ولن يكتفي  بشرنقتِهِ الصّوفيّه، فيعرفُ التّصوّف وهو استشهاد من الكاتب لقول للإمام الصّوفيّ الجنيد بقوله: التّصوّف، أن يُميتَكَ الحقُّ عنك ويُحييكَ به، الحقّ الّذي يُنيرُ الوجوهَ ويكسو الدّنيا ببياضٍ ناصع، يُذهبُ عن العباد سوادَ الجهل والخنوع."
صراع الحلّاج: من أهم الجمل الّتي جاءت في مسرحية مأساة الحلّاج:" ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل أو العُرْي والحاجة إلى كسوة. الفقر هو استغلال لقتل الحب وزرع البغضاء". والمسرحيّة هي نقدٌ سياسيّ اجتماعيّ، وهي بالأحرى مأساةُ صلاح عبد الصّبور، مأساة المثقّف.
ما كان يشغل صلاح عبد الصّبور والحلّاج قبله، هو البحث عن الحقّ والعدل والإصلاح السّياسيّ والاجتماعيّ، وتحويل الكلمة إلى فعل، ومن هنا كمنت مأساته ليس بقتله، بل في عجزه عن تحويل الكلمة إلى فعل. وقد استدعى صلاح عبد الصّبور شخصيّة الحلّاج، وهي الشّخصيّةُ الإشكاليّة الّتي سبّبت الحيرة لمَن حوله، فبعضهم اعتبره صوفيّا، وبعضُهم اعتبرَه زنديقا. وقد اختاره صلاح عبد الصّبور لأنّ زمنَه يُشابه زمنًا عاش فيه صلاح عبد الصّبور 1964، زمن الكبت السّياسيّ الاجتماعيّ.
كما أنّ الحلّاج كان يرى التّصوّف جهادًا متواصلا للنفس، بالابتعاد بها عن متع الدّنيا، وتهذيبها بالجوع والسّهر، وتحمّل عذابات مجاهدة أهل الجور، ويبثّ روح الثورة ضدّ الظّلم والطغيان، وفي هذه الصّفات وجد صلاح عبد الصّبور ضالته، فتقنّع بقناع الحلّاج، والقناعُ هو أسلوبٌ حداثيّ في القصيدة العربيّة، يُوظّفه الشّاعر فيتقمّص شخصيّة تاريخيّة للتّعبير عن مأساة الواقع العربيّ، وعن معاناة الإنسان، فهنا تعبيرٌ فنّيّ يتجاوزُ فيه الشّاعر ذاتيّتَه، فيما تتجاوز مَعاني القصيدة محدوديّة زمنها، فيتحدّث الشّاعرُ عن نفسِهِ متجردًا من ذاتيّتِهِ بقناع شخصيّة أخرى، فالقناعُ أداةٌ رمزيّة اتّخذها صلاح عبد الصّبور، ليرمز بها إلى كلّ مثقّف عربيّ.
الحلّاج يمثّل البطل المتمرّد الّذي يحاول قول رأيه، ويطرح على المجتمع رؤيته، فالحلّاج عند صلاح عبد الصّبور قد رأى الفقر والجوع والفساد في المجتمع، فينكر عزله الصّوفيّ ويخلع الخرقة (مثال الزهد الصّوفيّ)، فينزل إلى النّاس خالعًا خرقته ليدعوهم إلى الله ليكونوا مثله أقوياء، وقد توقّف صلاح عبد الصّبور طويلًا أمامَ شخصيّة الحلّاج، وقرأ ما كتبه القدامى والمستشرقون عن هذه الشّخصيّة، وآثرَ أن يَبعثها من جديد، فيُقدّمُها  في صورة الثائر الدّينيّ والمُصلح الاشتراكيّ، فقدّم لنا بطلًا، قضيّتُهُ الأساسيّة هي محاربةُ الظلم والفقر، الفقر بمعناه الرّوحيّ والمادّيّ، ومن هنا فقد ركّز على الجوانب الّتي تجعلُ منه رجلًا ربّانيًا يكرهُ الطغيان وينشد العدل. إنّ الحلّاج الّذي أعطاه الله نورَ المعرفة، يعرفُ دوْرَهُ كثائرٍ دينيّ، وأولى خطوات هذه المعرفة أن يخلَعَ الخرقة الّتي تعني تجرّدَهُ الصّوفيّ من متاع الدّنيا وينزلّ إلى النّاس، وهو يعي أن الصّوفيّين الّذين يرون إرضاء الله بشعارهم "الخرقة"، سيرَوْن أنّهم  سيرضونه أكثر بخلعها في سبيل العبادة. إنّ البطل هنا يبدأ في أولى خطوات التّمرّد، حينما يرى في الاحتجاب من أعين النّاس احتجابًا عن عين الله وبُعدًا عنه، ولذا يخلعُ الخرقة في محبّة النّاس الّذين يُحبّهم في مرضاة الله. إن الحلّاج حينما يخلع الخرقة، فإنّما يريد أن يكون حرًّا، حتّى لا تكون هذه الشّارة قيدًا على عقله وعلى لسانه، يمنعه من التّفكير في أسباب امتلاء دنيا الله بالفقر والقهر والمهانة.
إنّ مأساة الحلّاج الحقيقيّة ليست في استشهاده، أو عجزه عن اتّخاذ قرارٍ بالهرب من السّجن، وإنّما مأساته الحقيقيّة في عجزه الفادح عن تحويل الكلمة إلى فعل، أي الصّراع بين القضيّة الضّروريّة تاريخيًّا، وبين الاستحالة العمليّة لتحقيقها، وعلى صليب هذا الصّراع يتمزّق، حتّى قبلَ أن يُصلب فعلًا عبر شكوكه، فيرى الحلّاج أنّه يستحقّ الموت لأنّه باح بعلاقته بالله. 
دلالات مشتركة لعنوان المؤلفين:
خسوف بدر الدّين: تم توظيف اسم الشّخصيّة التّاريخيّة بدر الدّين محمود. بدأها بكلمة خسوف بحيث وظّف التورية بوجود المعنى الحقيقيّ لخسوف القمر والبدر إلى خسوف.
مأساة الحلّاج: تمّ توظيف اسم الشّخصيّة التّاريخيّة الحلّاج، وتمّ توظيف كلمة مأساة بتورية، ففعلًا مصير الحلّاج شكّل مأساته، ولكن صلاح عبد الصّبور أسقط مأساة المثقّف المضطهد عليها.
علاقة بدر الدّين بصديقه طورة: "ستكون شيخ يميني يا طورة ستكون شيخ يميني"
طورة رافق صديقه ومعلمه بدر الدّين، وكان من مريديه وأتباعه، وبقي معه في كلّ الظّروف. "طورة الّذي لم يبارك سُنّةً يحفظ عبرَها اسمَه فوق الأرض، ما دام بدر لم يقتدِ بها، هو الصّديق بصمت والرّفيق بإخلاص، والمريد بوَجْد، تلاشى ليصون بدرًا ويتقن تعاليمه ورؤاه، بعيدًا عن حياة عاديّة ملؤها السّعادة والاستقرار، في بيت هانئ برفقة زوجة تحفظ نسله بأبناء مِن بعده. كان همّه بدر ورفقة بدر ومذهب بدر، لينصره حتّى الموت، حتّى الفداء."
الحوار الصّوفيّ بين بدر الدّين وطورة: "إلام تسمو يا صديقي/ إلى الحياة إلى النّور والأمل إلى الحبّ والعدل"/ هذا ما ستجده في متون كتبك وحواشيها فقط/ وضعت الكتب لفهم الحياة وإدراك مصائرنا فيها، ولم توضع في سبيل تعليم طفل، لا يملك من أمره شيئا سوى حظ أبيه وسطوته"
الحوار الصّوفيّ بين الحلّاج والشبلي: لكن يا أخلص أصحابي نبئني/ كيف أميت النّور بعيني/ هذي الشمس المحبوسة في ثنيات الأيّام/ تثاقل كلّ صباح، ثمّ تنفض عن عينيها النّوم/ ومع النّوم الشّفقة/ وتواصل رحلتها الوحشيّة فوق الطرقات/ فوق السّاحات الخانات المارستانات الحمامات/ وتجمع من دنيا محترقة/ بأصابعها الحمراء النّاريّة/ صورًا أشباحا تنسج منها قمصانًا/ يجري في لحمتها وسداها الدّم/ في كلّ مساء تمسح عيني بها/ توقظني من سبحات الوجد/ وتعود إلى الحبس المظلم/ قل لي يا شبلي أأنا أرمد/ لا بل حدّقت إلى الشّمس/ وطريقتنا أن ننظر للنّور الباطن/ ولذا فأنا أرخي أجفاني في قلبي/ وأحدّق فيه فأسعد/ وأرى في قلبي أشجارًا وثمارًا/ وملائكة ومُصلّين وأقمارا"
الكشف لدى الصّوفيّين: يعرف الكشف الصّوفيّ بأنّه كشف الحجب عن أولياء الصّوفيّة، فيرَوْن ويسمعون ويعلمون ما لا يعلمه النّاس من مغيبات، سواء الماضية أو الحاضرة أو المستقبليّة.
الكشف لدى بدر الدّين: في عمرك المرهَق لم تعتِّق فؤادَك تلك الأصواتُ الهاتفةُ الصّاخبةُ الهامسة الباكية، لتُبدي لك الأصوات الّتي كانت تقودك إلى غياب أدهش من حولك، وأثار خشيتهم الّتي كانت تقودك إلى غياب أدهش من حولك وأثار خشيتهم منك. أكثر من سبع سنين وفي كلِّ سنة كنت تنال من هذه الأصوات نبر نورها وحروف ضيائها، لتجمع الحرف على الحرف والكلمة على الكلمة والجملة على الجملة، لتُبدي لك الأصوات بسرِّها وتصدّ، ثمّ جاهدت أنت وغبت أكثر لتُصغي برهافة ووجل إلى الهمس. من أين ينبعث الهمس؟ من أين أتاك؟ من قلبك من سمائك؟ من عقلك من روحك؟ من أين أتاك الهمس فأدماك وسوّاك ممسوسًا غريبًا ملقى هنا؟ فهل أدركت العبارة يا بدر؟ وأنت تقول بسطوع نورك في حلقة العلم، وما أدراك أنّه نور وحق مبين؟ هل صدّقت أنّ عبارتك سماويّة، وأنّ نبرها وحرفها ولغتها كلّها سماء؟ هل أنت ابن كلتيهما: ابن السّماء وابن الأرض؟ هل سيرحمك ربّك."
الكشف لدى الحلّاج: الحلّاج:لا إني أشرح لك/ لم يختار الرحمن شخوصا من خلقه/ ليفرق فيهم أقباسًا من نوره/ هذا، ليكونوا ميزان الكون المعتـّل/ ويفيضوا نور الله على فقراء القلب/ وكما لا ينقـُصُ  نور الله إذا فاض على أهل النّعمة/ لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض على الفقراء.
"رؤية بدر الدّين لسياسة البلاد": غير أنّ  هذا الأمير غرّه النّصر، وتغاضى عن التّقوى والرّأفة بالمغلوبين على أمرهم. وما أنا من حيرة تلبّستني، ما سببه إلا عجزي عن إفهامه وجذبه أي قيم مذهبنا ومعانيه، إذ إنّني كنت قد توسّمت فيه خيرًا وسندًا لنصرة المظلومين، ولكنّ العمى أصاب فؤاده، فالصّبر يا إخوتي، فلن تطول غيبة الإشارة. وعن طريق الدّم هذا لا ذنب لنا فيه، إذ هو طريق سيؤدّي بنا حتمًا إلى إزالة الجور وإحقاق العدل والانعتاق"
رؤية الحلّاج في سياسة البلاد: "الحلم جنين الواقع/ أمّا التّيجان/ فأنا لا أعرف صاحب تاج إلا الله/ والنّاس سواسية عندي/ من بينهم يختارون رؤوسًا ليسوسوا الأمر/ فالوالي العادل/ قبس من نور الله ينور بعضًا  من أرضه/ أمّا الوالي الظالم/ فسِتارٌ يحجب نور الله عن النّاس/ كي يُفرج تحت عباءته الشّرّ/ هذا قولي.. يا ولدي، "الشّرّ استولى في ملكوت الله/ حدّثني.. كيف أغضّ العينَ عن الدّنيا/ إلّا أن يظلم قلبي" 
بدر الدّين والغواية: "ثقلت أنفاسه وضاق صدره، وانفجر قلبه بدقّات صاخبة، ذهب صوته. لم يلتفت وهي على وتيرة فتنتها، تذهب وتجيء في ظهره، متأوّهة دافنة شبقها في ظهره. قتلته بأنفاسها وجسدها الخصب. كاد يلتفت يقع يخترقها ويدميها، كي تسمع القاهرة كلّها صرخة اكتفائها، إلّا أنّ صوتًا خفيًّا هتف في أذنه: "طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره"   حكمة للصّوفيّ الدّرويش بشر الحافي.
"لقد نالك الكشفُ، والكشفُ عريٌ مقدّس. نحن لا ننتهكُ ولا نُعرّي الجسدَ في سبيل اللّذّة والعهر، بل سعيًا وراء السّرّ والنّور. نحن ننكشف لنحتجب. اُنظر إلى الشّمس: على الرّغم من نورها السّاطع فإنّنا لا نراها، ولا نقوى على التّحدّيق إليها. هي دفؤُنا، هي المحتجبة في سرمديّة هذا الفضاء"
"لا تفتح عينيك فلن تراني، وعد من حيث أتيت، وامضِ فقد استعدت نورك، إن حجبته فسينير، وإن هربت منه فسيهرب منك إليك، فلا تجزع من غروبٍ ما بعده إلّا شروق. النّور يُشرق منك أيّها المبارك بنور الله" 
نهاية بدر الدّين وأسبابها: حوكم ثم حكم عليه بالإعدام، وأعدم في عام 1420 في سيرس.  وعام 1961 دفنت عظامه في تربة السّلطان محمود الثاني.
نهاية الحلّاج وأسبابها: قُتل الحلّاج في بغداد عام 309 هـ/ 922م، على يد رجال الخليفة العبّاسيّ المقتدر، على نحوٍ بشع، حيثُ جُلدَ وصُلبَ وقُطّعتْ جُثّتُهُ وأحرِقت، وألقيَ رفاتُهُ في نهر دجلة. "أترى نقموا منّي، إنّي أتحدّث في خلصائي/ وأقول لهم إنّ الوالي قلب الأمّه/ هل تصلح إلّا بصلاحه/ فإذا وُلّـيتــُم لا تنسوا أن تضعوا خمر السّلطة/ في أكواب العدل؟"
رؤية النّور في آخر النّفق رغم سوداويّة النّهاية:
رواية خسوف بدر الدّين: رغم سوداويّة الحياة نحن محكومون بالأمل، كما قال سعد الله ونّوس،  والأمل ينفض في كلّ حنايا الرّواية رغم النّهاية المأساويّة، فقد مات بدر الدّين، دفاعًا عن مفاهيم تبعث الأمل في النّفوس، ودفاعًا عن العدل، دفاعًا عن المساواة، دفاعًا عن الإنسانيّة بكلّ معانيها، مهما كان عرقك ولونك ودينك.
مسرحيّة مأساة الحلّاج: كذلك مسرحيّة مأساة الحلّاج تبعث الأمل رغم كلّ شيء، من خلال المطالبة بأمور مثل التآخي بين البشر، وحرية المثقّف "بل أبغي لو مدّ المسلم للمسلم كفّ الرحمة والود" (مأساة الحلّاج، ص73) كان يقول: كان مَن يقتلني مُحقّقُ مشيئتي/ ومُنفّذُ إرا دة الرحمان/ لأنّه يصوغ من تراب رجل فانٍ/ أسطور َ ً وحكمةً وفكرة". وكان يقول: إنّ مَن يقتلني سيدخلُ الجنان/ لأنّه بسيفه أتمّ الدّورة/ لأنّه أغاث بالدّماء إذ نخس الوريد/ شجرة جديبة زرعتُها بلفظي العقيم/ فدبّتِ الحياة فيها، طالت الأغصان/ مثمرة تكون في مجاعة الزّمان/ خضراء تعطي دون موعد، بلا أوان  (مأساة الحلّاج ص 11).
ما أراده باسم خندقجي وصلاح عبد الصّبور من إبداعيْهما: الإنسانيّة، المساواة بين جميع الأجناس والأعراق، العدل وحرّيّة المثقّف.
الخاتمة: خسوف بدر الدّين خروجٌ عن المألوف في رواية أدب السّجون، تميّزت بلغةٍ راقيةٍ وانسيابيّةٍ في الوقت ذاته، وتوظيفٍ مائزٍ للتّاريخ الصّوفيّ، وإبداع خلف القضبان بحبكة جاذبة.
مداخلة د. عادل الأسطة بعنوان: سطوة الشّاعر باسم الخندقجي في "نرجس العزلة".
باسم الخندقجي شاعر وروائيّ يقبع في الأسر من سنواتٍ طويلة، وهو محكوم بغير مؤبّد. صدر له حتّى الآن، ديوانا شعر وروايتان ومنثور روائيّ. بدأ باسم يكتب الشّعر ثمّ تحوّل إلى كتابة الرّواية التّاريخيّة، فصدرت له روايتان هما "مسك الكفاية" و"خسوف بدر الدّين"، والرّوايتان يعود زمنُهما الرّوائيّ إلى فترة العبّاسيّين وما تلاها.
تجربة باسم تجربة تُلفت النّظر لغير سبب، فهو يقبع في السّجن ولا يكتب عن تجربته فيه، وهو بذلك يختلف عن سجناء كثر كتبوا عن عالم السّجن وتجربتهم فيه، وتكاد أعمالهم تقتصر على تجربتهم ومحيطها، ومنهم وليد الهودلي، عصمت منصور، هيثم جابر وعائشة عودة، ومن قبل هشام عبد الرّازق.
ويحقّ للمرء أن يتساءلَ عن السّبب: لماذا يكتب باسم عن عوالم لم يعشها، ويلجأ إلى التّاريخ ولا يكتب عن عالمه؟ هل قرأ نتاجات أدب السّجن، ورأى أنّه لن يضيف إليها أيّ شيء جديد؟ هل يعتقد أنّ القارئ أشبع قراءة عن حياة السّجن، وأنّه بحاجة إلى نصوص مختلفة؟ هل هو شخصيّا مُغرم بالتّاريخ وبالرّواية التّاريخيّة؟ وهل تربّى في أحضان الرّواية التّاريخيّة، فقرأ جرجي زيدان وأمين معلوف وغيرهما، فأراد مواصلة الكتابة في هذا النّوع من الرّواية؟
ولكن باسم قبل أن يكتب الرّواية والرّواية التّاريخيّة، كتب الشّعر وأصدر فيه ديوانيْن، وتحوّل بعد كتابة الشّعر إلى كتابة الرّواية، وهو في هذا الجانب ليس استثناء. الشّعراء العرب الّذين أخذوا يكتبون الرّواية، وغدوا يُعرفون على أنّهم روائيّون أكثر مما يُعرفون شعراء، كثيرون.
ظاهرة كتابة الشّعراء الرّواية وهجران الشّعر تُحيل إلى كتب نقديّة لنقّاد بارزين التفتوا إلى هذا، وقد أصدر النّاقد المصريّ المعروف جابر عصفور كتابًا نقديًّا عنوانه "زمن الرّواية"، ويتزامن مع سؤال زمن الرّواية سؤال آخر هو سؤال موت الشّعر، وليس هذا السّؤال مقتصرًا على الأدب العربيّ، ففي فرنسا كتب مرّة ناقد في ثمانين القرن 20: "إنّهم يَدقّون آخر مسمار في نعش الشّعر".
في الأدب الفلسطينيّ التفت دارسون ونقاد إلى الظاهرة، وكتبوا عن شعراء معروفين غدوا يكتبون الرّواية، ومن الشّعراء سميح القاسم وإبراهيم نصر الله وأسعد الأسعد وزكريا محمد، وظاهرة إبراهيم نصر الله تُعدّ الأكثر بروزًا، وهو يكاد الآن يُعرف روائيًّا بالدّرجة الأولى، فرواياته هي الّتي جلبت له الجوائز في الفترة الأخيرة لا دواوينه الشّعريّة.
باسم مال مؤخّرًا إلى الرّواية، وآخر أعماله الصّادرة هذا العام في بيروت هي روايته التّاريخيّة "خسوف بدر الدّين"، وقبل عاميْن ونصف العام صدر للكاتب نصّ عنوانه "نرجس العزلة" 2016، وقد أدرج على غلاف الكتاب دال "رواية"، لكنّ الصّفحات الدّاخليّة الّتي احتوت على تصنيف المؤلف لا النّاشر، اعتمدت عبارة "منثور روائيّ، ولم تعتمد دال رواية، وإذا نظر المرء في متن النّصّ، فإنّه سيقرأ عن تجربة فلسطينيّ يكتب الشّعر، ولكنّه بدأ يحاول كتابة الرّواية، وقد كتب رواية للفتاة الّتي أحبّها في أثناء دراسته الجامعيّة، ثمّ أهداها المخطوط، ولم يعد يملك نسخة عنه، ولا يعرف صاحبه ماذا فعلت به، بعد أن تزوّجت وسافرت إلى دولة نفطيّة.
"منثور روائيّ" عبارة لافتة تُحدّد جنس "نرجس العزلة"، وفيه مزج بين النّثر والشّعر. كما لو أنّ ما كُتب هو شعر نثر. و"منثور روائيّ" تُذكّرنا بعباراتٍ عرفها الأدب العربيّ، هي نثر المنظوم أو نظم المنثور.
والصّحيح أنّ الأدب الفلسطينيّ لم يَخلُ مِن نصوص نثريّة غلب عليها روح الشّعر. من "يوميّات الحزن العادي"، إلى "ذاكرة للنّسيان"، إلى "في حضرة الغياب" لمحمود درويش،  إلى "دفاتر فلسطينيّة" لمعين بسيسو، إلى "إلى الجحيم أيّها اللّيلك" لسميح القاسم، إلى شعراء كتبوا الرّواية مثل محمد القيسي و.. و..
من بين الأسماء السّابقة الذكر يستحضر قارئ "نرجس العزلة" كتب محمود درويش النثريّة المشار إليها، وأبرزها "في حضرة الغياب"، وكأنّ سطوة الشّاعر درويش سطوة لا يقدر كثيرون على مقاومتها، وأنا طبعًا في مقالاتي منهم.
هل قرأ باسم للتوّ "في حضرة الغياب" و"يوميّات الحزن العادي" و"ذاكرة للنّسيان"، ثمّ شرع في الكتابة؟
ما يغلب على نصوص درويش في كتابيْن من الكتب الثلاثة، هو توظيف الضّمير الثاني في الكتابة، وهو ضمير الأنا أنت، حيث يُجرّد من نفسه شخصًا آخر يُخاطبه، وتغدو الكتابة مونولوجًا طويلا، وقد توقّف الدّارسون، وأنا منهم، أمام هذا الأسلوب، بل إنّني وجدتُني أوظّفه في أكثر ما كتبت، ولسوف أجتهدُ في إيجاد مبرّرات ومُسوّغات للّجوء إليه، في حالة لجأ إليه كاتب، ومثل نقّاد كثر لم أرَ فيه لعبة شكليّة أو نزوعًا نحو التّنويع في أساليب القصّ والكتابة ليس إلّا.
يبدو نصّ "نرجس العزلة" مونولوجًا طويلا، وكاتبُه الّذي يدرس الأدب في جامعة النّجاح، خلافًا لرغبة أبيه، وظّف ضمير الأنا أنت، وان كان في صفحات مُعيّنة يستخدم الضّمير الثالث وأحيانا الضّمير الأوّل، فنصغي إلى ساردٍ يقصّ بصيغة الفعل المضارع عن الشّاعر الشّاعر، وهو يحلم بكتابة رواية (ص88 وما بعدها)، ونصغي إليه يتحدّث عمّا يُلمّ به، ويورد الكاتب هنا كلام الشّخصيّة بين علامات تنصيص.
يلجأ الشّاعر إلى العزلة، ويكتب نصّه الأقربَ إلى سيرته الذاتيّة، ويعترف الشّاعر أنه شيوعيّ فلسطينيّ ينتمي إلى حزب الشّعب الفلسطينيّ، ويُقرّر العزلة الشّخصيّة لمدّة مُحدّدة، وللعزلة أسباب، فقد شعر بالضّجر والقرف ممّا آلت إليه أوضاع الفلسطينيّين، بعد نهاية الانتفاضة الأولى الّتي يتغنّى بها كثيرًا، ومع توقيع اتّفاق (أوسلو) ومجيء السّلطة، ويُقدّم نقدًا عنيفًا لمَن سار في رِكابها مِن مناضلي الأمس ويسخرُ منهم، ويظلّ يتحسّر على الشّهداء، ومنهم صديقه أمجد الّذي استشهد في الرّصاصة الأخيرة الّتي أطلقها جنود الاحتلال، قبل انسحابهم من المدن الفلسطينيّة بعد توقيع الاتّفاقيّة.
ويكون لأمجد حضورٌ كبيرٌ وتأثيرٌ بارز في ذهن الشّخصيّة المُتكلّمة في النّصّ، فقد كان صديقَهُ المُقرّبَ فكريًّا وشخصيّا، ويمكن القول إنّه مرجعيّته الّتي يتكئ عليها في رفض ما آلت إليه الأوضاع، ولم يكن المتكلم ليصدّق ما يجري، حيث النّقاء الثوريّ الّذي كان هو وأمجد وجيل الانتفاضة يتمتّعون به قد غدا من الماضي، وحلّت مَحلّه الانتهازيّة والمشاريعُ التّنمويّة المُموّلة من جهات غربيّة، لا يَهمُّها المشروع الوطنيّ، على أنّ السّببَ الأساسَ للعزلة يكمنُ في الرّغبة بالإبداع. "نعم، ستُجدّدُ عزلتك، ستفضّ المَطالع وتكتبها، ستمارس فوق الصّفحات عشق قصائدك، ستكتب نصًّا، ستبدع".
والشّخصيّة الرّوائيّة صاحبةُ المونولوج تُقرّ بأنّها شخصيّة مُتناقضة مع نفسها، فهي شخصيّة يساريّة تشرب الخمر، ولكنّها تفكّرُ في الارتباط بفتاة جامعيّة مُحجّبةٍ ومتديّنة، وهذا ما لفت نظر الأستاذة الجامعية بربارة الّتي رغبت فيه واشتهته، إذ تقول له: "لكنّها مُتديّنة أيّها الأحمق، وأنت كومونست شيوعيّ؟" (ص60).
ويعترفُ هو بأنّه شخصيّة متناقضة: "تضحك بصوت عال من تناقضك" (ص57).
ويبدو هذا اليسار

28
قراءةٌ في الجزءِ الأوّلِ مِن الرّسالةِ الثامنة للشّاعرة آمال عوّاد رضوان
(من كتاب الرّسائل: أتخلدني نوارس دهشتك)
بقلم: م. رفعت زيتون
بعدَ قراءتي للإصدارِ الجديدِ (أَتُخَلِّدُني نَوَارسُ دَهشَتِك)، وهو رسائل أدبيّةٍ بينَ الشّاعر الفلسطينيّ وهيب نديم وهبة والشّاعرةِ الفلسطينيّةِ آمال عوّاد رضوان، اخترتُ أنْ أتناولَ الجزءَ الأوّلَ مِنَ الرّسالةِ الثّامنةِ بالتّحليلِ والقراءةِ، مِن حيثُ دلالة الألفاظ، والأساليب البلاغيّة المستخدمة، وكذلك أسلوب الشّاعرة، وأودُّ أنْ أنوّه، إلى أنّ هذه القراءةَ الانطباعيّةَ ليست تفسيرًا للنّصّ، بقدر ما هي رؤية من زاويةٍ خاصّة، بناءً على بعض التّفاصيل الّتي وجدتُها، وتلك العلاقاتِ الّتي استقرأتُها بينَ السّطور والكلمات، ودائمًا يبقى المعنى الحقيقيُّ في بطن الشّاعر كما يقولون، والنّصُّ الفاشلُ هو ذلك النّصُّ الّذي يَتّفقُ القرّاءُ على معناه، فتراهُ مباشرًا ضيّقَ الأفق، لا يحتاجُ مِن القارئ أدنى مجهودٍ لفهْمِه، بينما النّصُّ الّذي يمكنُ أخْذُهُ على أكثرَ مِن معنى، يكونُ نصًّا مُدهشًا ناجحًا، شرطَ أنْ يُراعي الأدواتِ الكتابيّةَ الصّحيحةَ والبليغة، بوجودِ المفاتيح المنطقيّةِ لتلكَ الرّؤى والتّصوّرات.
تقولُ شاعرتُنا في مقدّمة هذه الرّسالة: (أَنَا الظِّلُّ الْهَائمُ/ فِي ضَبَابِ الْأَمْسِ/ مُنْذُ الْأَزَلْ!/ كَمْ تَرَنَّمَتْ بِيَ الرِّيحُ/ مُذْ تَلبَّسَتْنِي!)
تبدأ آمال عوّاد رضوان بهذا التّشبيهِ البليغ (أَنَا الظِّلُّ الْهَائمُ)، وبما أنّ لكلِّ لفظٍ هدفَهُ ومُرادَهُ الّذي يَبتغيهِ الكاتبُ لبلوغ مَعناه، فإنّه يكونُ لِزامًا على الكاتب أنْ يُوصِلَ هذا المعنى للقارئ، بأبلغ وأدَقِّ كلمةٍ ممكنة، وكذلك بسلوكِ أقصر الطّرق، وأكثرها إيجازًا وتكثيفا. وهذا ما سلكَتْهُ الشّاعرة في هذه الجملةِ القصيرة جدًّا، لتفتحَ أبوابَ التّساؤلاتِ لدى القارئ. فهل كانَ استخدامُها لهذهِ الألفاظِ بليغًا؟ وكي نجيبَ على هذا السّؤال، يجبُ أنْ نبحثَ في دلالةِ استخدام اللّفظ، وهل خدمتْ هذه الألفاظ المعنى كما يجب أم لا؟ وقد قالَ البلاغيّون في ذلك: إنّ اللفظَ خادمٌ للمعنى، ودلالة هذا اللفظ هي مَن تُقرّرُ نجاحَ ذلك مِن فَشلِه. كلمةُ (أنا) في البدايةِ توحي بتخصيصِ الحديثِ عن الذّات، وهذا هو نهجُ الشّاعرة في جُلِّ رسائلِها الّتي قرأتُ، وبالتّالي، فالقضيّة قضيّةٌ ذاتيّة، قد تُعبّرُ عن ذواتٍ أخرى تشابهتْ معها صدفة، وقد تُريدُ بها الذّات الإنسانيّة عمومًا، فما ذاتُها إلّا جزءًا مِن هذا النّسيج العامّ للبشريّة، ثمّ تأتي بتعريفِ هذه الذّات بأنّها (الظِّلُّ الْهَائمُ)، والظّلُّ هو الخيالُ النّاتجُ عن الأشياءِ في اتّجاهِ أشعّةِ الشّمس، أو أيّ مصدرٍ للضّوء.
ولْنتخيّلْ هذهِ الحالةَ للذّاتِ في تلك اللّحظةِ الوجدانيّةِ مِنَ التّعبير، فالذّاتُ هنا محضُ خيال، لو حاولتُ لمْسَهُ لوجدتُهُ لا شيء، والخيالُ ليسَ هو حقيقةُ الأشياء، وإنّما صورة لها. وخيالُ الشّيء، هذا الواقعُ في منطقةِ الظّلّ، يكونُ في منطقةٍ محجوبة عن الضّوء وكذلك عن الحرارة، لأنّ الضّوءَ والحرارةَ اصطدمتا بالشّيء الّذي كوّنَ الظّلّ، بمعنى أنّها ذلك الخيالُ القابعُ في عتمةِ الموقفِ وفي بردِه، وشتّانَ بينَ الشّيء الحقيقيّ في منطقةِ الدّفءِ والضّوء، وبينَ الخيال في العتمةِ والبرودة كما جاءَ في الآيةِ الكريمة: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَات) سورة فاطر:19-22. وهنا أجدُ أنّ كلمةً واحدةً عبّرتْ بها الشّاعرةُ عن حالةِ موتٍ سريريّ، فالخيالُ والبرودةُ والعتمة ما هي إلّا صورةً للموتِ أو مَدخلًا له، حتّى وإنْ كان قلبُ هذا الخيال نابضًا، فلا حياةٌ ولا فرحٌ ولا محبّة تُصاحبُ هكذا حال.
لم تتوقّفْ شاعرتُنا عند هذا الوصفِ لحالةِ الذّات، وإنّما أَتبَعَتْ لهذا الظّلّ وصفًا آخرَ، عندما استخدَمَتْ كلمةَ (الْهَائمُ)، والهائمُ مُرادفٌ في معناهُ للضّالِّ والشّاردِ والتّائهِ الّذي لا يعرفُ إلى أينَ يتّجهُ. وفي هذا الوصفِ الجديدِ في كلمة (الْهَائمُ) دلالةُ السّلب والانتزاعِ للإرادةِ والرّغبةِ والمُبادرة؛ ذلك أنّ الهائمَ لا يملكُ قرارَ نفسِهِ، بلْ تُحرّكُهُ قوى أخرى أقوى مِن إرادتِهِ، كما سيأتي لاحقًا، وبالتّالي، فهذه الصّورةُ للذّات/ الخيال/ بكلّ هذا العتم والبرودة والشّرودِ، استطاعتْ أنْ تُلخّصَها الشّاعرةُ في جملةٍ واحدة (أَنَا الظِّلُّ الْهَائمُ)، وهذا تكثيفٌ ضروريٌّ للعملِ الأدبيّ، حتّى يُقالَ عنهُ إنّه بليغ.
هذهِ الحالةُ للذّات لمْ تَفصِلْها الشّاعرة عن الواقع، فجاءتْ بجملةِ (فِي ضَبَابِ الْأَمْسِ) مباشِرةً، وهنا وقفتان؛ الأولى مع دلالةِ الجملةِ ككلّ، والثانية مع دلالةِ الألفاظِ كلّ على حدة. أمّا ما يخصّ الجملة عامّة، فإنّ القارئَ يفهمُ مِن هذهِ الجملة، أنّ الذّاتَ ليست سوداويّةً استسلاميّةً وظلاميّةً بذاتِها، ولكنّها وصلتْ إلى تلكَ الحالةِ الّتي تحدّثنا عنها، بسبب واقعٍ كانَ أقوى منها، حجبَ عنها النّور، فاختصرتِ التّعبيرَ عنه بكلمةِ (الضّباب)، وهذا يُدخلُنا إلى الوقفةِ الثانيةِ مع دلالةِ اللّفظِ الواحد؛ فالضّبابُ حالةٌ مِن عدمِ وضوح الرّؤيا والتّخبّط، والانفتاح على كلّ الاحتمالاتِ في هذا المجهولِ المحيط، وهذا الأكثرُ خوفًا ورعبًا، والّذي يؤدّي إلى حالةِ الهُيام الّتي تحدثنا عنها سابقًا.
حتّى الآنَ تحدّثت الشّاعرة عن الذاتِ في واقعٍ ما، والواقعُ مرتبطٌ بالمكانِ والزّمان، فكان الحديثُ عن المكان وعنْ تفاعُلِ الذّاتِ في هذا المكان، فماذا عن الزّمانِ الّذي كانتْ فيهِ الذّاتُ على تلكِ الحالة؟ وهل كانتْ هذه الحالةُ عامّةً مِن البدايةِ إلى النّهاية؟
هذا ما تُقرّرُهُ كلمةُ (الأمس) بدلالتِها الواعية، والّتي كانتْ مفصليّةً في تحديدِ زمانِ هذه الحالةِ للذّات، وأنّها ما هي إلّا حالةً طارئةً سوفَ تتغيّرُ كما سنرى لاحقًا، فالشّاعرةُ تريدُ أنْ تقولَ: إنّ هذهِ الحالةَ للذّاتِ لها عمرٌ محدودٌ، بدأ منذُ الأزَل، واستمرّ حتّى الأمس، ولكنّهُ انتهى اليوم، ولهذا كانَ استخدامُ كلمةِ (الأزل) مُوفّقًا، وذلك لتحديدِ المُدّةِ الزّمنيّةِ لهذهِ الحالة، وقد تكونُ كلمةُ الأمس تعني الماضي وليس اليومَ الّذي سبقَ، ولكنّ دلالةَ كلِّ ذلكَ أنّهُ ماضٍ وانتهى.
وحتّى نفهمَ هذا الواقعَ، بزمانِهِ ومكانِهِ وحالةِ الذّاتِ، لا بدّ مِن بعضِ التّوضيحِ الضّروريّ لتبريرِ الوصولِ إلى هذه الحالةِ، ولإقناعِ القارئِ أكثر بالأسباب، وبإيجابيّةِ الذّاتِ الّتي ستظهرُ لاحقًا، فكانتْ جملةُ (كَمْ تَرَنَّمَتْ بِيَ الرِّيحُ/ مُذْ تَلبَّسَتْنِي)، وفي هذه الجملةِ استعارةٌ مَكنيّةٌ جميلةٌ مُركّبةٌ، أو لنِقُل استعارتيْن في جملةٍ واحدة؛ فجملةُ (كَمْ تَرَنَّمَتْ بِيَ الرِّيحُ) شبّهتْ فيها الشّاعرةُ الرّيحَ كأنّها المُنشِدُ أو المُغنّي الّذي يترنّمُ بالأناشيدِ طربًا، والتّرنّمُ فيهِ صوتٌ، وصوتُ الرّيحِ دليلُ شِدّتِها وعصْفِها، وهذا يُعيدُنا كذلك إلى حُسنِ استخدامِ اللّفظِ ليَخدُمَ المعنى، فدلالةُ التّرنُّمِ هو الصّوتُ الّذي يعلو وينخفضُ حسبَ شدّةِ الرّيح، ودلالةُ الجملة (تَرَنَّمَتْ بِيَ الرِّيحُ) دلالةٌ على حالةِ الهُيامِ الّتي ذَكَرتُ في البداية، والّتي كانتْ سببًا في سلْبِ الإرادة، ولكنّ التّرنّمَ فيهِ فرَحٌ واغتباطٌ، فكيفَ استخدمَتْهُ مع هذه الرّيحِ العاصفة، والرّيحُ غالبًا ما تأتي بالعذابِ والدّمار، على عكس الرّياحِ الهادئةِ الّتي تأتي بالخير؟!
في هذه الجزئيّةِ أقرأ سخريةَ الرّيحِ منها، وهي تعبثُ بهذا الظّلِّ الهائمِ كيفما شاءت. إذن، فهذا اللّفظُ مُرتبطٌ بذاك ارتباطًا وثيقًا واعيًا، وهذا دليلُ قدرةِ الشّاعرة على وضعِ اللّفظِ المُناسبِ في المكانِ المناسب، وكذلك ربْطُ الجُملِ بعضها ببعضها برباطٍ متين.
وعودةٌ إلى بلاغةِ الجملة (كَمْ تَرَنَّمَتْ بِيَ الرِّيحُ/ مُذْ تَلبَّسَتْنِي) واستعاراتِها، فالاستعارةُ الثانيةُ كانت في جملةِ (تَلبَّسَتْنِي)؛ وأقولُ جملةَ لأنّها فعلٌ وهو التّلبُّس، وفاعلٌ وهو الرّيح، ومفعولٌ بهِ وهو الذّات، فجعلتْ مِن الريّح جنًّا متلبِّسًا الذّات، وهنا روعةُ الاستخدامِ لخدمةِ معنى الهُيام مِن ناحية، ومعنى سلْبِ الإرادةِ مِن ناحيةٍ أخرى، فمعروفٌ في الأساطيرِ وفي الأدبيّات، أنّ الجنَّ إذا تلبَّسَ إنسانًا، سيطرَ عليهِ قوْلًا وفعلًا وسلَبَهُ إرادتَهُ، والتّلبّس مِن اللّباس في جذْرِ معناه، واللّباسُ يكونُ مُلاصِقًا للجسم ضيّقًا مُسيطرًا، كأنّهُ وعاءٌ بحجمِ ذلكَ الجسدِ، وهو يختلفُ عن القميصِ والثّوبِ في دلالتِهِ، ولهذا خصَّهُ اللهُ في الآيةِ الكريمةِ في الحديثِ عن التّقوى، فقالَ في سورةِ الأعرافِ في الآية 26: (ولباسُ التقوى ذلك خير).
هنا تتجلّى روعةُ استخدامِ اللّفظِ لإيصالِ المَعنى المُرادِ للمتلقّي، وتتجلّى حبكةُ الفكرة، ومحاولةُ الوصولِ إلى الكمالِ في صياغةِ الجُملِ، بحيثُ لا تتركُ خلفَها الثّغراتِ. هذا ما أرادتِ الشّاعرةُ، حسبَ تَصوُّري الخاصّ، أنْ يَصلَ إليّ كقارئٍ عن تلكَ الحالةِ للذّاتِ منذُ الأزلِ وحتّى تلكَ اللّحظة، فهل استمرَّ بها هذا الحالُ؟ للإجابةِ على هذا السّؤالِ نُكملُ الإبحارَ في هذا النّصِّ الجميلِ والبليغ، حيثُ تُكملُ الشّاعرةُ فتقولُ: (هَا الْأَبَدِيَّةُ/ بِغِبْطَتِي.. تَقَمَّصَتْ/ حِينَمَا انْبَثَقْتُ.. مِنْ عُمْقِ ذَاتِي/ حِـكْـــمَـةْ/ فَارْتَسَمْتُ شَمْسَ مَحَبَّةٍ/ عَلَى أَدِيمِ السَّمَاوَاتِ/ وَأَطْــلَــقْــتُــنِـي/ كَمَالًا مُحَلِّقًا/ مُحَرَّرًا مِنْ وِهَادِ الْمَوْتِ/ عَارِيًا مِنْ قيْدِي).
في هذا المقطعِ الجديدِ أقرأ بينَ السّطورِ أسطورةَ العنقاءِ الّتي تَخرُجُ مِن تحتِ الرّكامِ، تنفُضُ عنها الغبارَ وتطيرُ بروحٍ جديدة، تُقاومُ فكرةَ الموتِ والاستسلام.
جملةُ (ها الأبديّة)، فيها ما فيها من الدّلالاتِ مِن حيثُ الزّمانِ والتّوجيهِ والإيحاءِ والإشارةِ المفاجئةِ للتّغيير، وهي تُفيدُ أيضًا التّنبيهَ؛ أي تنبيه القارئ إلى تغييرٍ مفاجئ قد حدثَ للتّوّ؛ فكأنّها تُشيرُ للقارئ أن انظُرْ إلى الجهةِ المقابلة، وكأنّها تقولُ له: أَشِحْ بوجهِكَ عمّا كان، قُمْ وانطلقْ معي لآفاقِ النّور. ولكن ما علاقةُ هذه العنقاء برسالةِ المّحبّةِ الّتي ذكرتُ سابقًا؟ ولماذا لبستْ قميصَ الفرح على لسان الأبديّة؟ ولماذا اختارت الحكمةَ وشاحًا لهذا الثّوبِ الجديد؟ هذا ما سنراهُ لاحقًا بعدَ التّقدّم في تحليلِ النّصّ.
في هذا النصِّ كأنّ الشّاعرةَ تُقسّمُ التّاريخُ الخاصّ بها إلى مرحلتيْن؛ مرحلة ما قبلَ الثّورةِ والقيامة، ومرحلة ما بعدَها، لم يكن هناكَ وقتٌ للتّفكيرِ والتّخطيطِ وربّما التّردّد، ولعلّ ذلكَ يوحي بسرعةِ الرّدِّ واتّخاذِ قرار الخلاص؛ فما أن انتهتِ الشّاعرةُ مِن توصيفِ الحالةِ السّابقةِ للذّاتِ، حتّى أخرجَتْنا بسرعةِ البرقِ مِن غياهبِها وجُبِّها المُعتمِ الباردِ، إلى سماواتِ الضّياءِ والآتي مِنَ الزّمان، أي المرحلة الثانية من التّاريخ الّذي وَضعتْ مَلامحَه، فقالت (هَا الْأَبَدِيَّةُ)؛ أي انتبهْ وكنْ معي في تلك اللّحظة، ومارِسْ طقوسَ القيامة، وانظرْ كيف قامت العنقاءُ مِن الموت، أو كيفَ أقومُ أنا عنقاءَ مِن عتمتي وبردي، ومِن تحت الرّكام.
ولننظرْ إلى حُسن الاستخدامِ في الصّياغة، ففي حالةِ الظّلّ الهائمِ وتلبُّسِ الرّيح، كانت الأفعالُ ومصادرُ الكلماتِ عائدةً على فاعلٍ خارجيّ، ولكن في الفقرةِ الثانية وما بعدَها، أي في المرحلةِ الثانية من التاريخ الّذي رسمَتْهُ الشّاعرة، نجدُ تَحَوُّلَ الحالِ والحديث عن مسْكِ زمامِ الأمور من قِبَلِ الذّات، هنا الشّاعرةُ تُعيدُ الأسبابَ في هذا التّحوّلِ والفعلِ المُضادّ، والثّورة لذاتها وفقط لذاتها، وهذا نلاحظُهُ في الكلماتِ (بغبطتي، ذاتي، ارتسمتُ، وأطلقتُني). إذن؛ هي الآن صاحبة المبادرة والفعل، وليس سواها كما كان سابقا، وهذه حقيقة الثورة والتحرّر، فلا يكونُ إلّا بعزيمةِ الثّائرِ وبيدِهِ وقراره.
الجملةُ (هَا الْأَبَدِيَّةُ/ بِغِبْطَتِي.. تَقَمَّصَتْ) استعارةٌ أخرى، حيثُ حوّلت الأبديّةَ إلى كائنٍ حيّ يتقمّصُ دوْرَ الأشياءِ أو الأدوار، كذلكَ في جملة (انبثقتُ) استعارةٌ مَكنيّةٌ جديدة، وفيها تشبيهٌ للذّاتِ للفكرة، أو للفجر الّذي ينبثقُ بالنّور، ومِن مُترادفاتِها الانطلاقُ والبزوغُ والانبجاسُ والانفجارُ والبدءُ، وكلّها تصبّ في دلالةِ معنى المرحلة الجديدة المضيئة، وانبثقَ الماءُ إذا اندفعَ فجأة وتدفّق. هذه الحالةُ سادَها هالةٌ مِن الفرح والغبطة، وهذا لا يكونُ بالإكراه، فكان استخدامُ لفظ (بغبطتي)، فأفادت بذلك الإمساكَ بزمام الأمور والرّغبة في ذلك، ونلاحظُ أنّ في حالة الضّيقِ والعتمة في الحالة الأولى استخدمتْ كلمةَ (التّلبُّس)، بينما في الغبطة استخدمت (التقمُّص)، وهذه دقّةٌ في اختيار اللّفظِ الصّحيح، لأنّ القميصَ أنسبُ لحالةِ الفرح لأنّهُ فضفاضٌ، بينما اللّباسُ أنسبُ لحالةِ الضّيق.
ثمّ تُتابعُ بجملةِ (حِينَمَا انْبَثَقْتُ.. مِنْ عُمْقِ ذَاتِي/ حِكْـمَةْ)، وقلنا إنّ الانبثاقَ يكونُ للفجر بالنّور، فأيّ النّور اختارتْ، عندما كان التّحوُّلُ والانفجارُ والتّجديد؟ تدلّنا الكلمة (حكمةً) على نوعٍ خاصٍّ من النّور، نوع فيه هالاتُ القداسة، وأقولُ القداسة، لأنّها بعدَ ذلك تصفُهُ بالكمال، والكمالُ لا يكونُ إلّا لمعصومٍ عن الخطأ، وسنرى كيف سيجتمعُ كلُّ ذلك في ذاتٍ واحدة؛ العنقاء/ الحكمة/ النّور/ الحبّ/ الأسرار/ الخلود.
في البدايةِ تحدّثت عن الظّلّ، وما فيه من عتمةٍ وبرد الموقف وانتفاءِ الفرح والمحبّة، ولكن بانتهاء هذه الحالةِ وبدْءِ المرحلة الجديدة بعدَ التّغيير، كان لا بدّ من تغييرٍ مُصاحبٍ في الكلماتِ والمواقعِ والإشارات؛ ففي جملة (فَارْتَسَمْتُ شَمْسَ مَحَبَّةٍ)، صورةٌ عامّةٌ تُفيدُها الجملة، ودلالاتٌ خاصّةٌ تُفيدُها الألفاظ. هذه الجملةُ تعكسُ الحالةَ السّابقة تمامًا، كأنّ الأبديّةَ رَسَمَتْ خطًّا أفقيًّا بين السّماءِ والأرض، ليكونَ عاكسًا لحقيقةِ الظّلّ في صورتِهِ الحاليّةِ الجديدة؛ فعندَ سقوطِ الشّعاع على الشّيءِ يرتسمُ الظّلُّ على الأرض، فاستخدمتْ  بعدَ ذلك كلمةَ (فارتسمتُ)، حتّى تُعيدَ ترتيبَ الأوراقِ مِن جديد، ولكن بذاتِ اللّغةِ الّتي تَفهمُها الرّيح، فمثلما ارتسمَ هذا الظّلُّ الهائمُ بعتمتِهِ وبَرْدِهِ على الأرض رغمًا عنها، ها هي ترسمُ شمسَها بدفئِها وضيائِها بدلًا عنه، ولكن ليس ملقىً على الأرض، لأنّ الشّمسَ مكانُها السّماء، في ذلك المكان العالي الّذي لا تَطالُهُ أيدي الرّيح، وهنا كانتْ روعةُ استخدامِ هذه المفردة (الشّمس)، فهي الأصلُ الّذي انطلقَ منه شعاعُ المحبّة، فارتطمَ بالأشياءِ على الأرض فكانَ الظّلُّ، وهي بذلكَ تعودُ شمسًا أقوى من تلك الشّمسِ الّتي لم تستطعِ اختراقَ الأشياء، فعجزتْ سابقًا عن نثر الحبّ شعاعًا على الأرض، فجاءتْ ذاتُ الشّاعرةِ لتكونَ شمسًا قادرةً على بعثِ ذلك الحبِّ مِن جديد.
ولم يكن استخدامُ كلمةِ (أديم) في جملة (عَلَى أَدِيمِ السَّمَاوَاتِ) استخدامًا عبثيًّا، على العكسِ تمامًا، فأديمُ السّماواتِ للشّمسِ كانتْ مُقابلَ أديم الأرض للظّلّ، وهذا نجدُهُ مثلًا في الآيةِ الكريمةِ في 40 مِن سورة الشورى (وجزاءُ سيّئةٍ سيّئةٌ مثلُها)؛ فالسّيّئةُ الأولى هي الذّنبُ، والسّيّئةُ الثانية هي العقوبة، ولكن جاء بذات اللّفظِ لغرضِ المُزاوجة؛ ففي الكلمتيْنِ جناسُ المزاوجة اللّفظيّ، وهذا من البديع.
وفي هذه الجملةِ الشّعريّةِ رسالةٌ عظيمة، هي رسالةُ المَحبّةِ لمَن أصبحَ في مَقامِ السُّلطة، فالشّمسُ في مكانِها العالي القويّ تُعطي ضياءَها دونَ مُقابلٍ لكلّ ما حوْلَها ومَنْ حوْلَها، وهذه هي المَحبّةُ الخالصةُ الّتي اختارتْها لنفسِها صفةً بقوْلِها: (فَارْتَسَمْتُ شَمْسَ مَحَبَّةٍ)، وهذه تُقابلُ حالةَ الإكراهِ الّتي كانتْ مُصاحِبةً لحالةِ الظّلّ والقيدِ الّذي سنراهُ بعدَ قليل.
وهناكَ في الموقفِ الأوّل، حيثُ استخدَمَتِ الرّيحَ كاستئنافٍ توضيحيٍّ للحالةِ العامّةِ وأسبابِها، تأتي في جملةٍ جديدةٍ أيضًا توضيحيّة، لِما آلتْ إليه الأحوالُ بعدَ ثورتها على الواقع الّذي كان؛ فقالتْ في جملةٍ لاحقة: (عَلَى أَدِيمِ السَّمَاوَاتِ/ وَأَطْـلَـقْــتُـنِي/ كَمَالًا مُحَلِّقًا/ مُحَرَّرًا مِنْ وِهَادِ الْمَوْتِ/ عَارِيًا مِنْ قيْدِي).
كلمةُ (أَطْـلـــقْــــتُـــــنِـــــي)، كما نوّهتُ سابقًا لمثيلاتِها، جعلتْ منها الفاعلَ والمفعولَ به، فهي حرّرتْ نفسَها بنفسِها، وتحوّلتْ إلى طائرٍ أسطوريٍّ يقومُ مِن رُكامِ الموْت، كاسرًا قفصَ قيْدِهِ ليَنطلِقَ، ليسَ كطائرٍ جريحٍ مكسورِ الجناح، بل كطائرِ العنقاءِ في مُطلَقِ الكَمال، يَنطلِقُ سماويًّا إلى الخلود، كما تقولُ في جُملةٍ تالية، وفي هذا الوصفِ استعارةٌ مُركّبةٌ أخرى أو استعارتيْن؛ وذلكَ في تشبيهِ ذاتِها بالطّائر، وشبّهتْ كذلك صفةَ الكمالِ بالطّيرِ عندما قالتْ: (كَمَالًا مُحَلِّقًا)، ومِن ضروراتِ التّحليقِ والطّيرانِ أن يَتحرّرَ الطّيرُ مِن قفصِهِ وقيْدِهِ، فأتْبَعَتْ بتلكَ الجُملةِ المَجازيّة (عَارِيًا مِنْ قيْدِي)، وهنا في هذهِ الجملةِ الكثيرُ مِنَ الجَمالِ والصّنعة؛ فالجَمالُ تَمثَّلَ باستخدام كلمةِ (قيْدي) كدليلٍ على السّجن، والصّنعةُ كانتْ باستخدام كلمة (عَارِيًا)، لأنّ العُريَ ضدّ الاكتساءِ واللّباس، ويكونُ بعدَ خلْعِ الثّوب، فشبّهتِ القيْدَ أو السّجنَ بالثّوْب، أو اللّباسَ الّذي تحدّثتُ عنهُ سابقًا في حالةِ التّلبُّس.
ولكن، أليْسَ مِن عادة الكُتّابِ أن يستخدموا الكسْرَ معَ القيد؟ فلماذا استخدمتْ شاعرتُنا بدلًا عن ذلك كلمة (عَارِيًا)، جاعلةً مِن القيْدِ ثوبًا تخلعُهُ؟
الجوابُ لهُ وجهان؛ الأوّلُ بلاغيٌّ حيثُ جعلتْ مِن جُملتِها ههنا جملةَ استعارةٍ بديعةٍ غيرِ مألوفة، والوجهُ الثّاني يَخصُّ الحبكةَ في النّصّ، تمامًا كما في البناءِ الرّوائيّ، ولكي نَفهمَ هذا الوجهَ، أعودُ للتّحدُّثِ عن المُقابلةِ الّتي استخدَمَتْها الشّاعرةُ بينَ الحالتيْن، وأذكرُ عندما استخدمتِ الشّاعرةُ كلمةَ (تَلبَّسَتْنِي) مع الرّيح، فجعلتْ مِنَ الرّيح لباسًا جنّيًّا يتحكّمُ بها، ويجعلُها تسيرُ على غيرِ هدى، وجاءَ الوقتُ لتَنْضُوَ عنها هذا الثّوبَ/ اللّباسَ (القيْد)، فتصبحُ عاريةً منه.
أستطيعُ أنْ أقولَ إنّ الشّاعرةَ هنا أبدعتْ في هذا البناءِ المحبوك، وهذهِ الصّنعةِ الأدبيّةِ فائقةِ الدّقّة، بل إنّها أتقنتْ هندسةَ هذا الهيكلِ الشّعريّ الّذي يُشبهُ القصّةَ في مَضمونِه.
ونُتابعُ هذا النّصَّ الجميلَ في هذه الرّسالة، فبعدَ أن حطّمَتِ القيْدَ وخلعتْ ثوْبَهُ تقولُ: (أَكْـتَنِـزُ/ جَوَاهِرَ الْحُبِّ وَالْأَسْرَارِ!)، وهذه نتيجةٌ حتميّةٌ لمَنْ أصبحَ يَملكُ القرارَ بعدَ التّحرُّرِ والانطلاق، ولكي تُحقّقَ رسالةَ الحُبِّ الّتي ذكرْتُها في السّابق، يجبُ أنْ تكونَ قويّةً غنيّة، والغنى يكونُ بادّخارِ الجواهر، ولكن أيُّ جواهرَ تَصلحُ لتحقيقِ رسالتِها؟ إنّها حتمًا جواهرُ الحُبّ، ولو قالتْ غيرَ ذلك، لأفشَلَتْ رسالةَ شمسِ المَحبّةِ الّتي رسمتْها لنفسِها في أديم السّماء، هذا الحبّ الّذي تريدُهُ أساسًا لبناءِ الغدِ الآتي.
وعودةً إلى كلمةِ (المَحبّة) الّتي استخدَمَتْها سابقًا، والّتي تتكرّرُ هنا في جملة (أَكْــتَـــنِـــزُ/ جَوَاهِرَ الْحُبِّ وَالْأَسْرَارِ)، وهنا سرٌّ جميلٌ وعظيمٌ يَحملُ في طيّاتِهِ رسالةَ الحُبِّ للعالم والعهدِ الآتي، رسالةٌ لا يَحملُها إلّا الأصفياءُ الّذين اختارَهُم اللهَ لحمْلِ هذهِ الرّسالة، لهذا أعطاهُمْ سِرَّها، فكانَ لهم دونَ غيْرِهِم أنْ يفهموا الحبَّ وأنْ يَعرفوا الأسرار.
هنا أستطيعُ أنْ أُلبِسَ هذهِ العنقاءَ ثوْبَ المسيحِ المُطرّزِ بالحُبّ، والأسرارَ السّماويّةَ والحكمةَ الّتي ذكرتُ سابقًا. هذهِ العنقاءُ تقومُ ذاتَ القيامةِ بعدَ الموت، ليكونَ (المجدُ لله في الأعالي وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المَسَرّة)، وهذا ما يُستنبَطُ مِن كلِّ هالاتِ النّورِ الخالدِ الّتي جاءَ بها النّصُّ بعدَ ذلك.
والجَميلُ أنّ شاعرَنا وهيب التقطَ هذهِ الرّسالةَ الجميلة، فاستهلَّ ردَّهُ عليها في رسالتِهِ قائلًا: (يَا رَبُّ، يَا مَالِكَ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ/ يَا رَافِعَ السَّمَاءِ بِلَا عَمَدٍ، يَا وَاهِبَ الْحَيَاةِ، هَبْ لَنَا عَلَى أَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ السَّلَامَ، وَفِي النَّاسِ الْمَسَرَّةَ.. وَلَنَا الرَّجَاء)...
هذا التّناغُمُ بينَ الرّسالتيْنِ كانَ مُذهِلًا، ودليلًا على انسجامٍ وانصهارٍ في الآخر، بلغَ عنانَ الفهمِ والقربِ الذّهنيِّ والوجدانيِّ ووحدةِ الهدف. إذن؛ لم تأتِ كلمةُ (الحُبُّ) وكلمةُ (الأسرار) عبثًا في هذا النّصِّ الكبيرِ في مَضمونِهِ ورسالتِهِ وصياغتِه، وإنّما جاءتِ الكلماتُ لتُحقّقَ هدفًا خاصًّا، ولتكونَ مفتاحَ عبورٍ لدهاليزِ النّصِّ المُغلقة.
وعودةً إلى باقي الفقراتِ في هذهِ الرّسالة، فحتّى لا تُلدَغُ مِن جُحرٍ مرّتيْن، كانَ لا بدَّ مِن استذكارِ الماضي بسوادِهِ، ليكونَ عِبرةً لهذا القادمِ الجميل فتقولُ: (كَمْ تَلَفَّظَتْني شِفَاهُ الْحَيَاةِ/ حَنِينًا خَالِدًا/ يَتَوَالَدُ مَحَبَّةً وَيَتَجَدَّدُ!/ يَفِيضُ نُورًا / وَيَنْبَعِثُ لِلْأَبَدِ الْآتِي!)
وهنا تذكيرٌ واستحضارٌ لماضٍ قريبٍ، لكي لا تَنسى، حيثُ كانَ الموتُ يُحيطُ بها في ذلك الضّباب، لكنّها لم تَتركْ مِن يدِها حِبالَ الأملِ والحياة، وكم كانتْ تَشدُّها إلى جانبِها بيَدِ الشّوْقِ والحنين، تَحثُّها أنْ تَنفُضَ عنها غبارَ الموْت، لتقومَ مِن جديدٍ لتحيا الخلودَ بتلكَ الرّوحِ المُتحرّكةِ الولّادةِ مَحبّةً متجدّدةً، ونورًا فائضًا يكفي إلى أبدِ الوجود.
وتُواصلُ الشّاعرةُ آمال في هذهِ الفقرةِ اتّكاءَها على الاستعاراتِ الجميلة، كما في جملة (تَلَفَّظَتْني شِفَاهُ الْحَيَاةِ)، حيثُ أنْسَنَتِ الحياةَ، وجعلتْ لها شفاهًا تلفُظُ الكلامَ وتتحدّثُ، وكذلك في جملةِ (حَنِينًا خَالِدًا/ يَتَوَالَدُ مَحَبَّةً وَيَتَجَدَّدُ)، وتستمرُّ شاعرتُنا في حَبْكِ خيوطِ المقابلةِ بينَ الحالتيْن باستخدامِ كلمة (للأبد)، وهي مُقابلُ كلمةِ (الأزل) الّتي ذكرتُ في البداية، وهذا مِنَ الطّباقِ كما في كلمَتَيْ (الحياة والموت).
بهذهِ الكلماتِ تَختمُ رسْمَ هاتيْنِ الصّورتيْنِ للحُقبتَيْنِ الزّمنيّتَيْن؛ حقبة بدأتْ منذُ الأزل وحتّى لحظةِ الثّورةِ والقيامة، وحقبة منذُ لحظةِ الثّورة والقيامة إلى الأبد. ولا يُخفى الآنَ على القارئ الدّلالاتُ الخاصّةُ بكلمةِ (خالدًا) وكلمة (الأبديّة)، فكلاهما يُشيران إلى خلود رسالاتِ الحُبّ الّتي جاء بها أهلُ الصّفوةِ مِن المختارين المعصومين إلى أبدِ الآبدين.
نلاحظُ في هذا النّصِّ القصيرِ كَمَّ الأساليبِ البلاغيّةِ المُستخدَمةِ مِنَ استعاراتٍ وتَشابيه، وهذا مِن سِماتِ النّصوصِ في هذه الرّسائل، كذلكَ الاشتغال على اللّغةِ مِن خلالِ صياغةِ تراكيب إبداعيّة، ومثال ذلك من التّراكيب: (ضباب الأمس- الظّلّ الهائم- أديم السّماوات- شفاه الحياة)، ولم يَقتصرْ ذلكَ على التّراكيب، وإنّما أبدعتْ شاعرتُنا كذلك في رسْمِ الصّورةِ الخياليّة، ومثال ذلك: (ترنّمتْ بي الرّيح- ارتسمتُ شمسَ مَحبّة- أطلقتُني كمالًا- أكتنزُ جواهرَ الحُبّ).
والخلاصة، أنّنا أمامَ نصٍّ أدبيٍّ مِن نوعِ قصيدةِ النّثر، قدّمَتْهُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان بصورةِ الرّسالةِ الأدبيّة، نصٍّ مُتماسِكٍ قويٍّ هادف، ارتقى في صياغتِهِ الدّقيقةِ وبنائِهِ الجميلِ ووحدتِهِ، كذلك في العلاقاتِ المنطقيّةِ بينَ أجزائِهِ، والاستخدام المُدركِ للألفاظِ ذات الدّلالاتِ المُحدّدةِ للمعاني الّتي أرادتْها شاعرتُنا.

29
حيفا تحتفي برهين الجسد فادي أبو شقرة!

آمال عوّاد رضوان
أمسية أدبيّة مغايرة وبنكهة خاصّة للمبدع فادي بديع أبو شقرة، أقامَها منتدى حيفا الثقافي بتاريخ 14-3-2019، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان، وتحت رعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني، وذلك احتفاءً بباكورة إبداعه (رهين الجسد)، وسط حضور كبير من أدباء وأصدقاء وأقرباء، وقد ازدانت أطراف وزوايا القاعة بلوحات الفنانة فاطمة رواشدة، وبعد أن رحّب المحامي فؤاد نقارة مؤسس ورئيس المنتدى بالحضورـ تولت عرافة الأمسية خالدية أبو جبل، وتحدث عن الكتاب كلّ من: د. راوية بربارة عن قناع الكاتب في النّصّ السّيْرذاتيّ، ود. محمد هيبي عن فادي أبو شقارة، "رهين الجسد" طليق الفكر والرّوح!، ثمّ ختم اللقاء المحتفى به، شاكرا المتحدثين والمنظمين والحضور، وقد تخللت الأمسية مداخلات غنائية للفنان عبدالسلام دحلة من تلحينه وصوته، ثم تمّ التقاط الصّور التذكارية!
مداخلة العريفة خالديّة أبو جبل:
أمسيتنا اليوم ليست ككُلِ الأمسيات، فهي أدبيّةٌ نعم، ومن النّوع الثّقيل. لكنّها مُميّزةٌ بالابتسامةِ الّتي ستحملونَها حين مُغادرتِكم، وأنتم تعيشونَ أرقى وأعظم حالات الإرادة والعزيمة والأمل، وأنتم تَلْمسون بأياديكم روح الحياة، من خلال روايةٍ حرّرت صاحبَها من أنّاهُ، كَسرَ القيد، وأطلق الصّرخة، فصار الكون مداه.
"الوقوف، المشي، الرّكض، ارتداء الملابس والأحذية، الاستحمام، صعود الأدراج، تسلق السّلالم، القفز بالحبل، السّباق جريًا، تسجيل هدف في المرمى، تصويب كرةً في السلة، ضرب كرة تنس بالمضرب، الغوص، السّباحة، التزلج، الرّقص، الدّبكة، الملاكمة، الكراتية، ركوب الخيل، الدّرّاجة، الأرجوحة، السّواقة، تقبيل فتاةٍ، الزّواج بها، ممارسة الجنس معها، إنجاب أولاد منها، تربيتهم، رؤيتهم يكبرون، الافتخار بهم وبالأحفاد، لن تكون لي حفلة خطوبة، ولا حفلة زواج، لن أكون أبو فلان . أسمّيها "قائمة المُحرّمات: حقوق أساسيّة تولد مع كلّ مُعافى، أنا مُعاق، هذه الحقوق بالنّسبة لي تَرَفٌ، لا تحظى به إلّا الطبقة المختارة المميّزة، وأنا لست منها".
فماذا تراك اليوم صديقي وأخي العزيز فادي، وأنت بين هذه الطبقة المُختارةِ المميّزةِ من الأدباء والشّعراء، وأصحاب الفكر والقلم، جاؤوا يحتفون بك وبرائعتك "رهين الجسد" الّتي أهديتها لكلّ البشر، لتكون رسالة إنسانيّة توقظ الضّمير من سباته، فيستحق اسم البشر. نعم، عَرَفْتَ طريقَكَ ، ووَقَفْتَ بقلمك منتصبًا، وظِلُّكَ من خلفك طويلٌ طويل.
مداخلة د. راوية بربارة بعنوان: قناع الكاتب في النّصّ السّيْرذاتيّ
مساؤكم آذاريّ. كان قد احتفى فادي قبل أيّام، تحديدًا يوم الثامن من آذار بذكرى ميلاده، أوَتظنّونها صدفة أن يولَد فادي في يوم المرأة، ذاك اليوم الّذي راح ضحيّته مئات النساء حرقًا؟ ذاك اليوم الّذي يشهد على تضحية المرأة في كلّ مجتمعٍ بطريركيّ، أوَ ليست هي رهينة العاداتِ والتقاليد وتعاني من صلافة تعامل المجتمع ونظراته؟ أوَ ليس الفقراء في عالمنا والمحرومون الحياة والجوعى هم رهناء ذلّهم؟ أوليس العاقلُ رهينَ عقلِه، على حدّ قول الشّاعر:
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله         وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
لم أجد مرتاحًا جادَ وأبدعَ، فالإبداع الحقّ يولدُ مِن قلبِ المأساةِ غيريّةً كانتْ أو شخصيّة؛ فهل أبدعَ بيتهوفن أجمل موسيقاه إلّا والصّمم قد سرقه الاستمتاع بلذَة ما أنتج؟ وهل أبدعَ رهينُ المحبسيْن مِن فراغٍ فلسفيّ أم من شقائه في العمى والدّار، وعلى حدّ قوله: رهينُ المحابس الثّلاثة أنا: العمى والدّار والجلد الخبيث، وعلى علّاته أصبح فيلسوفَ الشّعراء وشاعرَ الفلاسفة، وترك لنا إرثًا أدبيّا وتراثًا نتوارثُهُ ونفخرُ به.
وأنت فادي، ماذا تركتَ بين أيدينا؟ تركتَ جرحًا مفتوحًا لا تقوى السّنونُ على تضميدِهِ، لأنّك حفرتَ عميقًا في الوجدان أخاديدَ حزنٍ ومجاريَ دموعٍ، كيف تجرّأتَ وعرّيْتَ كلَّ ذاك الألمِ، وألبستَنا رداءَ الغباء والعار؟ كيف تجرّأتَ ورششتَ بحبركَ الملحَ فوق جراحِنا ففتّقتَها؟
كم كنّا نظنّ أنّنا نُعاني الألمَ، لكنّ صرختَكَ أخجلتْ أَلَمَنا، ما أصعبَه من وصفٍ يَنطقُ صدقًا، حين وصفتَ ألمَك الجسديّ والنّفسيّ والاجتماعيّ:
"الآلامُ الجسديّة الّتي ترافقُ الإعاقةَ لا تُطاقُ. الجلوسُ لفترةٍ متواصلةٍ يُؤدّي إلى آلامٍ في الفخذيٍن، ومِن هناكَ يتصاعدُ الألمُ إلى الظّهر حتى يحتلَّ جسديّ كلّيًّا. وكذلك الأمرُ خلالَ أوقاتِ النّوم، فأحتاجُ إلى تغييرٍ في وضعيّةِ النّوم والجلوس من وقتٍ إلى آخر. ما عانيتُهُ في طفولتي كافٍ ليُدمّر حياةَ أيّ معاق.. تحديقاتُ النّاسِ وتعليقاتُهم المُشفقةُ تارةً، والسّاخرة تارةً أخرى، الّتي لا أدري أيّها مهينة أكثر، مع الآلام الجسديّة والنّفسيّة النّابعة من العجز والنّقص واليأس والإحساس بالدّونيّة والظلم، والأسئلة المتكرّرة لماذا أنا؟ أيُّ ذنب اقترفتُه؟ هل سأُشفى لاحقًا؟ كيف سيُعاملني المجتمع؟ كيف سأتحمّلُ مصيري؟ هل أحاولُ أم أستسلمُ للواقع؟ عشتُ كابوسًا لا يقدرُ كلُّ صاحبِ إعاقةٍ تجاوزَه".
 ولعلّك أيّها الرّاوي بعدَ أن أخذتَنا في رحلةِ عذابِكَ، أصبحنا فلاسفةً من الألم ومن التّأمّل، وتَذكّرنا الفيلسوفَ والمفكّرَ الفرنسيَّ ميرلوبونتي الّذي أخذَ الإنسانَ، انطلاقًا مِن واقعِهِ المَعيش، فكرةً وجسدًا وعقلًا وعاطفة ووعيًا ولا وعي، مُحاولًا أن يَجمعَ بينَ التّجربةِ المَعيشةِ والتّأمّلِ الفكريّ، وبناءً على هذا الموقفِ، طرحَ فلسفةَ الالتباس الّتي لا تريدُ أن تَحِلَّ المُشكلات، بل أن تُدرّسَها بعُمقٍ أكثر، وقال إنّ الوجودَ الإنسانيّ هو رهينُ الجسد، (أو بالأحرى البدن كمظهر خارجيّ)، فالإنسانُ لا يتعرّفُ إلى العالم، ولا يتعرّفُ إليه العالمُ إلّا باعتبارهِ جسدًا/‏ لحمًا .وهذا ما فعلَهُ الكاتبُ الضّمنيّ، فقد طرحَ في روايتِهِ فلسفةَ الالتباس، فلم يَطرحِ السّيرذاتيّ ليبحثَ عن حلٍّ، بل ليُريَنا العالَمَ مِن وجهةِ نظرِ إنسانٍ، تعرّفَ إلى الدّنيا الّتي أفقدتهُ الجسد السليمَ، فرآها بمنظاره، وأرانا إيّاها حين تدير ظهرها لإنسانٍ، وأراها كيف عامَلَها وواجهها حتّى أعطته وجهها بعد أن أبدع، بعد أن تماهى الكاتبُ الحقيقيُّ معَ الكاتبِ الضّمنيّ مع الشّخصيّةِ المركزيّة، فالتبستْ علينا نقاطُ التّقاطُع مع نقاطِ الانفصال، وكثُرتْ نقاطُ التّماسِ بينَ الرّوائيّ وبين السّيرذاتيّ، وقد تجلّتْ هذهِ النّقاطُ في التّقاطُعاتِ بين شخصيّاتِ الرّوايةِ وتجاربِها الحياتيّةِ المُشتركة، الّتي جمَعَها ذلك الجسدُ الضّعيفُ فقوّاها وجمّعها، فتناوبتْ على السّردِ، كي نرى الواقعَ مِن وجهاتِ نظرٍ مختلفةٍ؛ فكم مرّةً رأينا مروانَ يُدافعُ عن حقِّ مراد بالحياةِ الحرّةِ الكريمةِ، فيُهدّدُ ويتهجّمُ ويُقدّمُ الجسدَ لأخيهِ؟ كم مرّةً سيُقدّمُ الدّفاع؟ كم مرّةً سينجح؟ كم مرّةً سيكونُ هذا البديلُ الجسديّ نافعًا وكافيًا وسادًّا مَسدَّ الحاجة؟ هذا تركَنا كقرّاء نتساءَل:
هل نستطيعُ أن نُعوّضَ إنسانًا ما فقدَهُ؟ هل المحبّةُ تكفي؟ هل العينُ بعدَ السّمعِ تكفي مكانَهُ، أم السّمعُ بعدَ العين يَهدي كما تُهدي؟ هل استطاعَ مروان أن يحميَ حبيبةَ مراد، وأن يَقيهِ هذا العجزَ النّفسيّ؟ هل استطاعَ أن يُعينَهُ على مشاعره:
"كانت لحظة شَعَرْتُ فيها بالعجز، شعرتُ أنّ الإعاقةَ الّتي ألفتُها وألِفَتْني، عادت تُقيّدُني جسديّا ونفسيًّا، كما قيّدتْني في طفولتي! شعرتُ بعارٍ شديد، خجلتُ من نفسي، كرهتُ نفسي، كرهتُ القدَرَ، إنّه يُهينُني ويَستحقرُني مرّةً أخرى! أيُّ حبيب أنا؟ أرى حبيبتي تُضربُ أمامَ عينيَّ ولا أدافعُ عنها؟ آه لو كنتُ أمشي! لو أعطاني اللهُ هذهِ المعجزةَ لنصفِ ساعةٍ، لا أطلبُ أكثرَ مِن ذلك، نصف ساعة فقط، لأمْسَكْتُهُ وارتكبْتُ جريمةً بحقّه!"
وأسألكُم أنا: هل الحبُّ هو الّذي يفضحُ ضَعفَنا، ويُكبّلُنا ويُحوّلُنا جميعًا إلى مُعاقي مجتمعٍ؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تطرحُها الرّواية، تتركُنا مُتأمّلينَ تلكَ اللّحظاتِ الّتي تُغيّرُ مَجرى حياتِنا. إنّ تَناوُبَ السّردِ في الرّوايةِ برأيي، وُظّفَ للمقارنةِ، بل للمفاضلةِ، فأيُّ السّاردينَ وضعُه أفضل؟ الأمّ الّتي ضحّتْ بعمَلِها وخصوصيّتِها وحياتِها بكلِّ سعادةٍ من أجلِ عائلتِها، أم الأب الّذي علّمتْهُ الحياةُ أن يُبرمجَ حياتَهُ على وقعِ حياةِ الآخرين؟
 تلكَ المفاضلةُ الّتي عقدَها الرّاوي بينَ مروة ومراد؛ رأينا فيها مروة تشرحُ لنا حبَّها وعِشقَها وألمَها من خيباتِ القدَر، وكيفَ تحوّلتْ هي أيضًا لمُستهدَفٍ رهينِ أفعالِهِ ورهينِ المجتمع، وتناقشَتْ مع مراد عن أيُّهُما أصعبُ في هذا المجتمع، أن تكونَ رهينَ إعاقةٍ جسديّةٍ، أم نفسيّةٍ أم اجتماعيّةٍ، في ظلِّ مجتمعٍ يُصبحُ فيهِ الرّافضُ للخيباتِ مُعاقًا وعاقًّا، وممّا وردَ على لسانِ مروة:
"أنْ تكوني امرأةً في مجتمعٍ عربيّ يعني؛ أنْ تكوني في القاع. أنْ تكوني امرأةً مُطلّقةً يعني؛ أنْ تكوني معدومةَ الوجود. تجادلتُ مع مراد كثيرًا في سياقِ هذا الموضوع: مُجتمعُنا مَن يحتقرُ أكثر؟ امرأةً طلّقها زوجُها، أم شخصًا ذا إعاقة؟ أقول له: إنّ أوّلَ إحساسٍ يُثيرُهُ المعاق هو الرّثاء والشّفقة، أمّا أوّلُ إحساسٍ تُثيرُهُ المُطلّقةُ هو الاحتقار. وهو يَردّ: إنّ موضوعَ الطّلاقِ يتمُّ نسيانُهُ بعدَ فترةٍ، أمّا المُعاقُ فَيبقى مُعاقًا في نظرِ المجتمع. أقول له: يوجدُ يومُ المُعاقِ العالميّ، ولا يوجدُ يومٌ للمطلّقة، فَيردّ قائلًا: لو سافرنا إلى بلادٍ غريبةٍ، سيَروْنَهُ مُعاقًا ولن يَعرفوا أنّي مُطلّقة. أقول: إنّ الطّلاقَ تركَ وصمًا على جَبيني. يقولُ: إنّ الإعاقةَ وصْمٌ على جبينِهِ وجسدِهِ وقلبِهِ.."
 ويعودُ الرّاوي ليستلمَ زمامَ السّردِ الّذي أفلتَ مِن ضميرِ (هو وهي وهم وأنتم)، وانطلقَ بضمير (الأنا)، مُتجرّئًا على البوْحِ والتّصوير، مُعبّرًا، صارخًا، ساخرًا، ذلكَ أنّ الكتابةَ مَنفسٌ ومهرَبٌ وداءٌ ودواء؛ والجسدُ الرّهين حرّرَهُ الحبرُ مِن مأساتِهِ وألمِهِ، من صمتِهِ وإعاقتِهِ، مِن تخاذُلِ التّعامُل المجتمعيّ معه ونحوه، ذاك المجتمع الّذي يُحاصرُهُ:
"مُعاقون، مُعَوّقون، ذوو احتياجاتٍ خاصّة، ذوو قدراتٍ خاصّة، ذوو الإعاقة، ذوو القلوب الطيّبة، ذوو الهِمَم العالية، لا أفهمُ لماذا يَبذلُ كلُّ النّاس والمُؤسّساتِ الحكوميّةِ والصّحّيّة الطاقةَ، لإعطائنا لقبًا يُميّزُنا عن غيرنا، وكَأنّ الفرقَ الواضحَ الصّارخَ المُهينَ من ناحيةِ الحقوقِ غيرُ كافٍ؟! نطالبُ بالمساواةِ حتّى في الاسم. لا نريدُ اسمًا ولقبًا خاصًّا!
هل ننادي الأشخاصَ الّذين يُعانونَ من السُّمنةِ بذوي الدّهون الزّائدة، أو أصحاب الأوزان المرتفعة، أو ربّما أصحاب الشّهيّة المفتوحة؟ وكيف ننادي مَن يُعانونَ مِن قِصرِ القامة؟ ذوي الطول المنخفض، أو ذوي الارتفاعات المقصوفة، أو ربّما أصحاب القامة المتواضعة؟ وماذا عمّن بشرتُهُم سوداء؟ هل هم ذوو الغلافِ المُظلم، أو أصحابُ الجلدِ القاتم، أو ربّما أصحابُ البشرةِ المُتميّزة؟"
بهذا الطّرحِ الصّريحِ الجريءِ يُواجهُنا الرّاوي المُتلبّسُ بروحِ الشّخصيّةِ المركزيّة، مُعلِنًا أنّ الحياةَ مسرحٌ، والمُعاقَ لا يمكنُ أن يكونَ البطل. لا يمكنُ أن يكونَ الشّخصيّةَ المركزيّة.
وكيف عوّض الكاتب عن البطولة المفقودة؟ عوّضَ عنها بالكتابةِ. أصبحَ كاتبًا بطلًا بجرأتِهِ وطروحاتِهِ، فلنسمعْ صوتَ الرّاوي الواصفَ مسرحَ الحياة:
"في مسرحِ الحياةِ أنتظرُ خلفَ الكواليسِ فرصةً لن تأتيني وحدَها. على ملعبِ الحياةِ أجلسُ على دكّةِ البُدلاءِ. مصيري بيدِ المدرّب. في فيلم الحياةِ أنا كومبارس.. موجودٌ وغيرُ مَحسوس. على شجرةِ الحياةِ أنا ثمرةٌ تتدلّى على غصنِها، توشكُ على السّقوط ولا يَقطفُها أحد. في خزانةِ الحياةِ أنا ثوبٌ بالٍ مُهترئِ، بينَ مجموعةِ ملابس لأشهرِ مُصمّمي الأزياء. في غابةِ الحياةِ تمَّ مَحوُ صفحتي، ويجبُ إعادة كتابتِها وأنا الوحيدُ الّذي يَملك القلم. الحياةُ هي أكبرُ درسٍ لنا، ما نتعلّمُهُ مِن تجاربها لا يمكنُ للكتبِ أنْ تعلّمنا إيّاه. في البدايةِ نكونُ كالطّينةِ بين يديْها، وما نتعلّمُهُ في صِغرِنا مِن مغامراتِها ومِن المجتمعِ المُحيطِ بنا، يَرسخُ في عقولِنا وقلوبنا ويَبني شخصيّاتِنا. قدّمتْ ليَ الحياةُ جسدًا معاقًا، بكلّ ما يَحملُ معهُ مِن وجعٍ وعجزٍ وحرمان.. كُتِبَ عليّ أنْ أُحاربَ وأُصارعَ وأُقاوم، أنْ أتحمّلَ وأصمدَ وأصمت، وأنْ أُواظبَ لأصلَ إلى نفسِ النّقطةِ الّتي وصلَ إليها غيري دونَ جهدٍ أو بجهدٍ أقلّ. حياتي عبارة عن حرب على ثلاث جبهات: الجسد، المجتمع والرّوح. يحتاجُ الصّراعُ في كلّ جبهةٍ منها إلى أساليبَ وأسلحةٍ مختلفة، ويتركُ في جسديّ وقلبي نَدَباتٍ متفاوتةَ العُمق. كُتِبَ عليّ الصّراعُ حتّى لحظة الوداع.."
وأسألك فادي:
كيف يتركُ لنا القدَرُ علاماتٍ على المفارق؟ كيف يُسمّى هذا الكاتب فادي ويكون رهينَ جسدٍ؟ كيف فدانا الفادي بجسدِهِ، لنصبحَ أحرارًا من خطيئتِنا؟ هكذا فدانا فادي أبو شقارة، لنُحرّرَ مفاهيمَنا العقيمةَ نحوَ غيرنا مِن البشر. ونحنُ الآنَ نصومُ ونتذكّرُ مَن صامَ عن حلاوةِ الدّنيا. ونحن الآن نصومُ، نفهم أنّ كلًّا منّا يحملُ صليبَهُ ويسيرُ في هذه الدّنيا. ونحنُ الآن نقرؤُكَ، نفهم أنّ الحياةَ إرادةٌ، وأنّ الإبداعَ مُنقذٌ، وأنّ تبادلَ الهمّ يُخفّفُ مِن وطأتِهِ. كم كان جميلًا أن تُشاركَنا إبداعَك، وأن يَنضحَ كتابُكَ بتجربةٍ نضجتْ وأصبحتْ نبيذًا أدبيّا مُشتهى. تابِعْ مسيرتَكَ الإبداعيّةَ وطوّرْ أدواتِكَ يا فادي، ولا تُقوقعْ نفسَكَ لا في إعاقةٍ جسديّةٍ، ولا في غيرها من نظراتِ المجتمع، فنحنُ ننتظرُ عطاءَك القادم.
مداخلة د. محمد هيبي بعنوان: فادي أبو شقارة، "رهين الجسد" طليق الفكر والرّوح!
أهداني الكاتبُ فادي أبو شقارة باكورةَ أعمالِهِ الرّوائيّة "رهين الجسد". روايةٌ تمتّعتُ بقراءتِها، فهي روايةٌ تتمتّعُ بقسطٍ وافرٍ مِن الجَمال، لتَماسُكِها من حيثُ شكلِها وبناؤها وجرأة مضمونها. ويكفيك فخرًا يا فادي، أنّني أثناء قراءتي، شعرت أنّني أنا المُعاقُ ولستَ أنت. نحن جميعا، بشكل أو بآخر، رهناء أجسادنا، لكن لسنا جميعًا قادرين على الانطلاق بفكرنا وأرواحنا كما فعلت أنت. السّجن بلا جدران، قد يكون أقسى ألف مرّة، من السّجن بين الجدران وخلف القضبان. فقد شعرت أثناء قراءتي، كم أنت قادر على الانطلاق، بينما كنت أنا مُقعدًا رهين جسديّ وروايتك". وعليه، فأنا أجد في "رهين الجسد"، رواية جريئة كشفت عُرْيَنا وفضحَتنا، نزعت الأقنعة عن وجوهنا، وأزالت الألوانَ المزيّفة عن وجوهنا الممكيجة. 
"ما الإنسان"؟ سؤال فلسفي حيّر الكثيرين، وأهمّهم الفلاسفة والأدباء، لأنّ الأدبَ لا يكون إنسانيًّا، إن لم يبحث عن إجابة له. وفلسفة رواية "رهين الجسد"، أنّها حقّقت أدبيّّتها وإنسانيّتها بمُساهمتها الجادّة في الإجابة عن هذا السّؤال. فهي قصّة الإنسان العاجز أمام الطبيعة، وليس بالضّرورة جسديّا، وشغله الشاغل أن يبحث عن سبيل للخلاص من عجزه. وهذا ما يقوم به فادي الّذي بدأ في مرحلة ما، بعد ولادته، يعي معاناته، ليس بشكل ذاتيّ من خلال إعاقته فقط، وإنّما من خلال علاقته بالآخر، وما سبّبته تلك الإعاقة للآخرين من ألم وصراع ومعاناة. خاصّة أولئك الّذين تعالوْا فوق جراحهم، ووقفوا منتصبين أمام قدرهم، يُضحّون بكلّ نفيس، ماديًّا ومعنويًّا، ليلبّوا لفادي ولبطل روايته احتياجاته، لا ليخفّفوا من عجزه ومعاناته فقط، وإنّما ليقنعوه: أنت مثلنا ولا تختلف عنّا، أنت رهين جسدك ولكنّك لست عاجزًا. وهي قصّة الإنسان، الّذي مَهما ضاقت به الدّنيا، لا يستطيع أن يتخلّى عن إنسانيّته، فيبحث عن سعادته في سعادة أخيه الإنسان. كم كان بوسع الأب والأمّ والأخ والأخت، أن يتخلّوْا عن ذلك المولود المنذور لشقائه وشقائهم، وأن يتخلّصوا منه أو يتركوه لقدره في المستشفى؟ أوليس هناك من فعلها استسلامًا لإنسانيّته العاجزة؟
وكم كان بوسع الأصدقاء والزّملاء كذلك، أن يتخلّوْا عن ذاك الصّديق المعاق الّذي يُقيّد حركتهم، بقيد حركته الّذي لا ذنب لهم فيه؟ ولكن لا شيء استطاع أن يُقيّد مشاعرهم الإنسانيّة، بل زادها تدفّقا لتُترجَم أعمالًا، أقلّ ما يُمكن أن يُقال فيها: إنّها التّضحية الإنسانيّة التي لا هدف لها إلّا سعادة الإنسان وتخفيف معاناته. تلك هي متعة التّضحية التي تكره العجز الإنسانيّ، ولا تألُو جهدًا للخلاص منه. هذا هو الإنسان، الّذي يبحث عنه الأدب في دواخلنا، ليحرّرنا ويحرّر الإنسان عامّة. ولذلك، تجيء هذه الرّواية، فعلا إنسانيّا يحمل هدفيْن سامييْن على الأقل: الأوّل تحرير كاتبها من نير إعاقته، والثاني وربّما الأهمّ، تحمل اعترافه بفضل أولئك الّذين غمروه بإنسانيّتهم وحدّوا من معاناته.
سأتوقّف ما استطعت في هذه القراءة السّريعة، عند عتبات النّصّ وعناصر مبناه. كلّ ما يسبق النّصّ، من الغلاف حتى بداية النّصّ، نعتبره عتبة من عتباته. وكلّها ملامح ميتاقصيّة، من أبرز أهدافها هو أنّ إعلان الكاتب للقارئ: أنا موجود في النّصّ، ولي صلة وثيقة بكلّ ما يحدث فيه. وقد أتيتُ بهذه العتبات والملامح الميتاقصيّة لتفضح وجودي.
*العتبة الأولى هي لوحة الغلاف، لوحة فاضحة، سواء أرادتها مصمّمة الغلاف كذلك، أم لم تُردها. مضمون الصورة والألوان فيها يتقاطع مع ما جاء في النّصّ وفي عتبات أخرى، العنوان والعتبتين (ص 9 وص 11). في لوحة الغلاف، شخص بلا ملامح، تفضح إعاقته العربة التي يمتطي صهوتها، أو الـ "وينجز"، كما يُسمّيها الكاتب في النّصّ. وإلى يمينه، أشخاص بلا ملامح أيضًا، يُصفّقون، بينما الخلفيّة، أشجار سوداء يابسة يتخلّلها لون برتقاليّ، يُحيل إلى النّور الّذي سيُبدّد السواد والظلام. أعتقد أن مصمّمة الغلاف، وسواء كان ذلك من خلال فهمها للنص، أو من خلال معرفتها بالكاتب، فهمت نفسيته، أو نفسية الرّاوي والبطل، بما فيها من سوداوية بدّدها ذلك الدعم الّذي يُحيل إليه التصفيق من أناس معروفين وغير معروفين، لذلك تركتهم مصمّمة الغلاف بلا ملامح.
*العتبة الثانية، عنوان الكتاب، "رهين الجسد"، فاضح أيضًا. كأنّ الكاتب يصرخ هذا أنا. وحتى القارئ الّذي لا يعرف فادي، قد يُحيله العنوان مع لوحة الغلاف إلى أنّ الكاتب من ذوي الإعاقة. ومهما كانت قدرة القارئ على الملاحظة قليلة، لن يعجز عن فهم ذلك، أو التفكير فيه على الأقلّ.
*العتبة الثالثة كذلك فاضحة. تصريح الكاتب حول الرّواية: "أيّ تشابه بين الشّخصيّات الواردة في القصّة وأيّ شخصية على أرض الواقع هو محض صدفة.. أو لعلّها مقصودة.. أترك لكم الحكم" (ص9). العبارتان الأخيرتان، "أو لعلّها مقصودة.. أترك لكم الحكم"، أي للقارئ، تُؤكّدان ما أكّدته لوحة الغلاف والعنوان. هذا أنا، الكاتب، فادي أبو شقارة، أروي قصّتي!
*في العتبة الرابعة، يقتبس الكاتب بيت شعر لرهين جسد آخر، الفيلسوف الشاعر، المعرّي:
وردنا إلى الدّنيا بإذن مليكنا       لمغزىً، ولسنا عالمين بما غزي
المعرّي ينفي عبثية الحياة، ولكنّه عاجز عن فهم أو تفسير ما يدفع عنها تلك العبثية. وفادي كذلك في روايته، ينفي عبثية الحياة التي ظنّها في بداياته، ولكنّه يدفعها عنه بتصوير كل ما ناله من دعم وحبّ من النّاس الّذين أحاطوه بحبّهم ودعمهم. وفي مرحلة ما، تخلّى عن تفكيره الّذي كاد يحبطه، وهو أنّهم يُحبونه ويدعمونه عطفا وإشفاقا بسبب إعاقته.
رواية "رهين الجسد"، مهما حاول فادي الهروب من الاعتراف، هي رواية سيرة ذاتية له. فقد حاول أن يتهرّب فنيّا بواسطة أسماء الشّخصيّات وتعدّد الرواة وبعض الملامح الميتاقصية داخل النّصّ. ولكنّ ذلك لم يُسعفه، هذا بالإضافة إلى اعترافه، وإن كان جزئيا أو مواربا، حين وافق على غلاف الكتاب، وقال ما قاله في عتبات النّصّ. كما ساهم ملامح الميتاقص داخل النّصّ أيضًا، ولو بشكل غير مباشر، بتقديم دليل على وجود الكاتب في النّصّ، حين يقول الأب "لا أرى في انعكاس وجهي في زجاج النافذة بطلا لهذه القصّة" (ص13). وحين تقول الأمّ: "لا اعتبر نفسي بطلة هذه القصّة" (ص19). وكذلك ما تقوله الأخت في الفصل بعنوان "البكريّة"، وهي "مروة" أخت البطل، حين تقف أمام المرآة وتحدّث نفسها: "أنعم النظر بما تبقّى من مروة تلك، أرى الكثير فيها عبر المرآة عدا بطلة لهذه القصّة" (ص24). كل ذلك يطرح السّؤال: من البطل أذن؟ الكاتب ومبنى الرّواية، يقولان: ستجدونه في الفصول التالية. ومما لا شكّ فيه، هذه الملامح الميتاقصية، وما فيها من أقوال حول البطولة، تستفزّ القارئ وتدفعه نحو متابعة القراءة.
ومما تقدّم، تتبيّن لنا جرأة فادي، الّذي لا يتردّد في الاعتراف أمام القارئ، أنّ كاتب الرّواية وراويها وبطلها هم شخص واحد. بل تجاوز ذلك إلى ما يهمّه أكثر، نجاحه في كتابة الرّواية. وربّما الأهمّ من ذلك، هو شعوره وهو يُنجزها، كما حدث في نهاية الرّواية، أنّه يقف على رجليه وينتصب في مواجهة الواقع، ويسدّد الدين الّذي في عنقه لمن وقفوا معه. وقد نجح بكل المقاييس.
من الناحية الفنية، استطاع فادي بناء حبكة متماسكة لرواية فنية تقوم على تعدّد الرواة ولا أقول تعدّد الأصوات. فصوت الرّاوي، الأنا الشاهد المشارك المتكلّم، هو الّذي يطغى في معظم فصولها، حتى في الفصول التي ترويها شخصية أخرى. وهذا يُظهر إدراك الكاتب أنّ رواية السيرة الذاتية يجب أن تلتزم الأمانة في نقل تاريخ المروي عنه ومن يشاركونه هذا التاريخ. وعليه قول الحقيقة مهما كانت قاسية. نعم ... من حقّه أن ينتقي الأحداث، وأن يسردها ويعمل على تخييلها بأسلوب جميل، ولكن بلا تجميل ولا تشويه، إذ لا مجال هنا للاختراع، وإنّما لعرض الحقيقة سواء كانت جميلة أم قبيحة. ويُدرك أيضًا، أنّ السيرة الذاتية تدور حول شخصية حقيقية يتطابق فيها الكاتب مع الرّاوي والبطل، ويغلب فيها الصوت الواحد، صوت الرّاوي، على بقية الأصوات. ولذا لا يمكننا أن نعتبر "رهين الجسد" رواية بوليفونية رغم تعدّد الرواة فيها. ولكن الكاتب بهذا التعدّد، حقّق ديمقراطية النّصّ وأظهر احترامه للآخر، حين منحه حرية السّرد. ورغم كل ذلك، لم يُفلح الكاتب بطمس حقيقة السيرة، حيث التركيز في الرّواية على إعاقة الرّاوي البطل الجسديّة المطابقة تماما لإعاقة الكاتب.
الزمن في رواية "رهين الجسد" يقوم على التذكّر والاسترجاع وغيرهما من تقنيّات تيار الوعي، مثل التداعي والمنولوج والحلم. ولكنّ زمن الحكاية، أو زمن الإعاقة، موضوع الحكاية، كما في السيرة الذاتية، يسير غالبا بشكل أفقي، حيث يُحدّثنا الرّاوي عن إعاقته وأثرها عليه وعلى من يُحيطون به من أقاربه وجيرانه وأصدقائه وزملائه الطلاب، ملتزما بالمراحل الزمنية المختلفة التي قطعها منذ ولادته حتى سنّ الثامنة عشرة، وفي كل مرحلة عوامل خوفها الّذي يتجلّى كصراع داخلي لدى البطل، يوازيه صراع خارجي مع الآخر ومع الزمن. وقد ظهر هذا الصّراع من خلال السّرد وما فيه من بوح صادق في مونولوجات أحسن الكاتب توظيفها.
الحدث المركزي في الرّواية هو ولادة طفل معاق. وكل الأحداث الأخرى تتولّد عنه وتتناسل منه وتدور حوله. تعيش معظم الشّخصيّات، وخاصّة أفراد الأسرة، صراعا داخليا يدور في البداية حول كيفية التّعامُل مع الوافد الجديد، المولود المعاق، ومن ثمّ حول كيفية تغيير المسار أو الواقع الّذي يعيشه، آخذين بعين الاعتبار إعاقته وصعوبة التّعامُل معها، أو معه بسببها. ولقد انعكست في ذلك، قدرة الإنسان على التحمّل والتّضحية كفعل إنسانيّ صادق ومخلص، يدفع هو بنفسه إليه دون أن يدفعه أحد. ولذلك ليس عبثا أن أول وأهمّ من أسند إليه هذا الدور هما الأب والأم الّذين لا أحد يقدر على أخذ مكانهما أو ملء الفراغ إذا لم يقوما بدورهما. بعدهما فقط جاء دور الإخوة والأصدقاء. ومن خلال هذه الأدوار، حدث التفاعل الإنسانيّ بين الشّخصيّات، كفعل ثنائي الاتجاه، متبادل، وهو ما يجعل التأثّر والتأثير بين شخصية البطل وسائر الشّخصيّات متبادلا أيضًا.
أمّا فضاء الرّواية فقد تعدّدت فيه الأماكن، من البيت إلى المدرسة إلى الـ "وينجز" (العربة التي يستعين بها الرّاوي في تنقّله وتحرّكاته)، وهي أكثر ثلاثة أمكنة تشغل حيّزا مؤثّرا في فضاء الرّواية وتؤثّر على نفسية الرّاوي/البطل. وإذا كان الآخرون هم الّذين أوجدوا له "الوينجز" في الواقع، إلّا أنّه هو الّذي أوجدها في الرّواية، لتضع حدّا لعجزه الجسديّ، ما يُبين إصرار فادي، في الواقع وفي الرّواية، على تجاوز الإعاقة والانطلاق فكرا وروحا، وجسدا أيضًا. ومن هنا ليس عبثا اختار لها الاسم "وينجز" (أجنحة).
وإذا كان لا بد أن نتحدّث عن الشّخصيّات، وعن ألـ "وينجز" التي هي جزء من المكان، نقول بكل ثقة أن الكاتب استطاع هنا أن يُحوّل المكان إلى شخصية من شخصيات الرّواية، فقد أنسنها وأعطاها القدرة على التحرّك، فلعبت دورا في حياته لا يقلّ عن أدوار بعض الشّخصيّات الأخرى، إن لم يفقه. فهي لم تكن تحمله وتنقله فقط، بل حملته وحمته وأنقذته من مواقف ما كان ليعرف كيف سيتصرّف فيها لولا وجودها.
وقد رسم لكل شخصية دورها الّذي يُؤثّر سلبا أو إيجابا، على شخصية البطل ومسار تطوّرها، بالقدر الّذي يليق بها وبتأثيرها عليه. وهذا ينطبق على كل الشّخصيّات، سواء أعطاها الكاتب حقّ الكلام المباشر، أو نقل هو كلامها بشكل غير مباشر. وبالطبع، ليس عبثا أنّه أولى أفراد العائلة، الأب والأم والأخ والأخت، اهتماما خاصا، وأفرد لكل منهم أكثر من فصل في الرّواية. وأعطى لكل منهم حرية السّرد في فصله ومن منظوره، ولكن وفق منظور الرّاوي، فإنّ صوته كان هو الطاغي. ولكن ظنّي انّه لم يفعل ذلك بقصد الهيمنة على الشّخصيّات وإنّما بقصد تكريمها وتقديرها والاعتراف بأهمية دورها. ذلك لأنّ كل واحد من الأشخاص الأربعة، لعب دورا حاسما ومميّزا في حياة البطل.
يبدو دور الشّخصيّات أيضًا، من خلال الحوار الحيّ الّذي أحسن الكاتب توظيفه باللغة التي تليق به. فلغة الرّواية تأتي على مستويات متعدّدة، بين الفصحى في السّرد والعامية في الحوار، حيث لغة الحوار تُطابق الشّخصيّات ومكانتها الاجتماعية والثقافية. وتعكس كذلك، وبشكل يدعو للإعجاب، كل العناصر التي تتركّب منها ثقافة الكاتب الواسعة: لغة القرية والتراث المتداول فيها، لغة التكنولوجيا الحديثة وما توصلت له من أجهزة وألعاب إلكترونية مختلفة مارسها البطل، ولغة مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها، ولغة السينما والتلفزيون والأفلام والمسلسلات الكثيرة التي شاهدها، وأخيرا، لغة الكتب الكثيرة التي قرأها بنهم.
يقول الناقد المصري يوسف الشاروني "القصّة القصيرة تشبه دوامة على سطح النهر، بينما الرّواية تُشبه النهر كلّه". ووفقا لرواية فادي، أرى أنّها قد تشبه النهر، وقد تشبه مقطعا يطول أو يقصر منه، وذلك لأنّ القارئ في نهاية الرّواية، يخرج وهو يشعر أنّها لم تنتهِ، وأنّ خطّ سير الشّخصيّة لم يتكامل، وإنّما توقّف أو أبطأ لاتّخاذ مسار جديد. وهنا يأتي دور النهاية المفتوحة التي لا يُحيل الحلم فيها إلى التفاؤل فقط، وإنّما إلى الفرح بالإنجاز، وإلى الامتداد الّذي يعدنا فادي بأنّه سيأتي.
يرسم الكاتب لكل شخصية خطّ سيرها الخاص بها، وهذا الخطّ يلتقي بالضّرورة ويتقاطع مع خطوط أخرى لشخصيات أخرى. وخطّ سير شخصية البطل في رواية "رهين الجسد"، يُشبه جدولا صغيرا في منحدر، تكوّن من التقاء رافدين رئيسين مهمّين، هما الأب والأم. وسرعة التدفّق في هذا الجدول تُحدّدها كمية الماء التي ترفده بها الروافد الأخرى. ولذلك نرى أنّ حركة الماء في الجدول تزداد سرعتها كلما التقى مع رافد آخر. وهكذا هو الأمر بالنسبة للحركة الدرامية في الرّواية، تزداد كلما التقى البطل بشخصية أخرى. وهذا ما حدث عندما التقى خطّ سير شخصية البطل بروافد أو بخطوط سير شخصيات الأخ والأخت والأصدقاء وغيرها من الشّخصيّات. وهذا التّدفّق السّريع، ينعكس أيضًا على لغة الرّواية، فهي رغم أنّها لغة جميلة وتتلاءم في السّرد مع الجوّ العام للرواية، وفي الحوار مع طبيعة شخصية البطل والشّخصيّات الأخرى، إلّا أنّها في كثير من الأحيان، تفتقر للعمق. والأمر لا يبدو غريبا، بل مطابقا للجدول الّذي تحدّثت عنه، فمهما زاد تدفّقه يظلّ الجدول يفتقر للعمق. وهذا مطابق للفترة الزمنية التي اختارها الكاتب زمنا للرواية، فترتي الطفولة والمراهقة، إذ مهما كانت الأحداث متسارعة في الحياة في هذه الفترة، ومهما تناسبت الحركة الدرامية للرواية معها، إلّا أنّ الإنسان مهما كان ذكيا في هذه الفترة، يظل تفكيره سطحيا يفتقر للعمق. وهذا يلفت الانتباه إلى النهاية المفتوحة للرواية. ويذكرني بقول جبران عن السعادة في الحياة التي يُشبهها بالنهر: 
ومـــا السـعادة في الدّنيا سـوى شـبحٍ        يُرجى فإن صارَ جسمًا ملّهُ البشرُ
كالنهر يركض نحو السهل مكتدحًا         حـتى إذا جاءَهُ يـبـطي ويـعـتـكـر
وهكذا هي الحياة، قد تُبطئ أحيانا وتعتكر، ولكن إلى حين، لأنّ الإبطاء والاعتكار، قد يكونا نهاية مرحلة ننطلق منها نحو مرحلة تالية. وهذا تذكير للكاتب الّذي أراه كتب جزءا من الرّواية، إن فكّر بجزء آخر، أقول له: جاء دور جريان النهر في السهل، حيث الهدوء والعمق بعد السطح والاعتكار، الهدوء الّذي يُحيل إلى التروّي والعمق، والعمق بلا شكّ، يتطلّب قدرة أكبر على الغوص، في بحر اللغة وأسرار الرّواية.
وختاما، وبلا أيّة مجاملة، فادي أبو شقارة كاتب وروائي حقّق في أولى غزواته، نصرا مبينا ونجاحا باهرا. و"رهين الجسد"، رواية تستحقّ القراءة والدراسة بجدارة، تستحقّ كل ما كُتب وما سيكتب عنها. فقد ألقت وبجرأة متناهية، حجرا كبيرا في مياهنا الراكدة، وفي مستنقع عاداتنا وتقاليدنا، وفضحت إعاقتنا الفكرية والجسديّة معا.
مداخلة فادي ابو شقرة:
مساءُ الخير، مساء الفن والأدب، مساء التّحرّر من كلّ السجون الّتي تعيقنا عن الإبداع. تحياتي لنادي حيفا الثقافي والمنظمين والمتحدثين، وتحياتي للعائلة الكريمة الّتي ترافقني يد بيد، للضيوف الكرام فردًا فردًا.. لكم محبتي وتقديري.
خلال الأمسيات الخاصّة بالرّواية، إن كان إشهارُها أو المناقشات فيها، يرددون أمامي: "فادي نحن اليوم نحتفي بك، فادي أنت اليوم عريس الحفل". وكل عريس يحتاج إلى.. ماذا؟ عروس! وعروسي اليوم أكثرهن جمالًا وبهاءً وميّزة.. إنها عروس البحر.. حيفا!
بعد الإقبال الكبير على روايتي فور طباعتها ونشرها، وبعد الصدى الّذي لاقته أمسية إشهارها، وضعت نصب أعيني هدفًا واضحًا، صريحًا، جريئًا، أن أكون ضيفًا أنا وروايتي فوق هذا المنبر المحترم. ولم أكن لأقدم على هذه الخطوة وطلب الفرصة لو لم أشعر وبكل تواضع أن الرّواية من ناحية أدبيّة تستحق النقاش والتحليل داخل هذا المكان الراقي، الّذي يجمع نخبة الأدباء والشّعراء والنقاد المحليين.
تحملُ بعض كلمات روايتي في طيّاتها ألمًا، وتشعّ بعضها أملًا، تكشف غيرها ما يحمله شابٌ مقعدٌ من همّ وغمّ، وأخرى تصرخ عاليًا أنّ العزيمة والإصرار هما الأهمّ. فقد عشت في ظلال الإعاقة سنوات بدت لي دهرًا. عشت تحت وطأة نظرات رأت بي شبحًا، وتحت رحمة كلماتٍ تخلو من الرحمةِ. تلقيتُ الضربة تلو الضربة وبقيت واقفًا صامدًا إزاءها، أو وجب القول في حالّتي بقيتُ جالسًا.. صامدًا، ولم يجد اليأسُ سبيلًا إلى قلبي. ولكن لن أطيل الكلام حول الوجع الإنسانيّ الشّخصيّ داخل نص الرّواية ولا خارجها، لم أتِ حتى هنا طمعًا في كسب شفقة من الموجودين، هذا أحد المفاهيم الخاطئة الّتي أحارب من أجل تغييرها.
الرّواية ليست رواية تاريخية، ولا تتناول أي قضية سياسية، لكن هذا لا يجعل منها أقل قيمة وأهمية. قمت بكتابة رواية اجتماعية إصلاحية هادفة، تسلّط الضوء على فئة مهمّشة من المجتمع لتكون المحور الرئيسي فيها، تسعى إلى زرع أسمى القيم الإنسانيّة كالمحبة والمساواة والتواضع وتقبل الآخر. فهل وفقت في ذلك؟
الرّواية غيّرت مفاهيم خاطئة عديدة تتعلّق بأصحاب الإعاقة، كما قامت بثورة فكرية نحن بحاجة ماسة إليها، ساهمت في تحريك مشاعر وأحاسيس القراء ليتعاطفوا ويرغبوا في سماعي والدليل على ذلك أكثر من 1200 نسخة بيعت دون مساعدة أي دار نشرٍ، وأيضًا تم دعوتي من كافة القرى والمدن فزرتُ منذ إصدار الرّواية عيلوط والعزير ووادي سلّامة وعين ماهل والمشهد وكفر ياسيف والناصرة وكوكب أبو الهيجا وكفر مندا وكفر قرع وام الفحم. كما تم استضافتي عبر قناة مساواة ومرتين في برنامج الأسبوع على قناة 13 ريشت، وراديو مكان وراديو جمعية المنارة وموقع بانيت وموقع بكرا ووموقع وازكام وموقع وفا الفلسطيني.. قبل عدة أيام زارني في البيت ثلاث طالبات من الإعدادية لكتابة موضوع إنشاء عن شخصية بارزة في طرعان ووقع اختيارهن عليّ.
أما عن الجانب الأدبيّ فقد سمعنا مداخلتيْ الدكتور محمد هيبي والدكتورة راوية بربارة وتحليلاتهما العميقة وسمعنا نقدَهما الإيجابي الّذي ولّد فرحًا عظيمًا داخلي ورضا عن عملي. وسمعنا نقدهما البناء وأقول بناءً وليس سلبيًا فهو غداء للذهن ودرس سيعود عليّ بفائدة عظمى. وقبلهما تم تحليل الرّواية أدبيّا على يد البروفسور جريس خوري والدكتور الناقد رياض كامل والدكتور محمد خليل، والأستاذ فؤاد خميس والأستاذ جريس دبيات والكاتب حسين ياسين والكاتب مصطفى عبد الفتاح والشّاعر عبد حوراني والكاتبة أسمهان خلايلة والشّاعرة ساهرة سعدي والشّاعرة سناء عبد، كما حاورني الدكتور محمد هيبي عن الرّواية خلال إشهارها.
وبالإجماع أكدوا أن الرّواية على مستوى أدبيّ، جديرة بالنشر، حيث تكلموا عن العمق النّفسيّ فيها، اللغة الشّاعرية، المونولوجات، الفكاهة السوداوية، عنصر التطهير، التناص، صراع الرّوح والجسد. أنا أومن بمصداقية كل من نقد هذه الرّواية، وعلى ثقة كاملة أن التعاطف مع وضعي الجسديّ لم يكن معيارًا بأي شكل من الأشكال، بل تم تحليلها بكل موضوعية وحرفية كما هو مطلوب من ناقد يحترم اللغة والأدب. وأكبر دليل على النضوج الأدبيّ للرواية هو نشر دراسة عنها بقلم الدكتور رياض كامل، تم نشرها عبر مواقع عديدة في جريدة الاتحاد. ودراسة للكاتب مصطفى عبد الفتاح تم نشرها عبر عدة مواقع وفي مجلة الإصلاح. وتم مناقشة الرّواية في عدة منابر.. المركز الجماهيري - طرعان، متجر المها - سوق الناصرة، النادي الثقافي طرعان، نادي القراء طرعان، نادي القراء - الناصرة، نادي القراء - البطوف، نادي القراء - كوكب أبو الهيجا، سينامانا - الناصرة، وبعد أسبوعين من اليوم: نادي القراء - طمرة. والقادم أعظم..
قال محمود درويش "قف على ناصية الحلم وقاتل. ومنذ ولادتي وأنا أقاتل.. أقاتل الإعاقة، أقاتل الضعف والعجز والألم، أقاتل المجتمع وعيونه وألسنته، أقاتل الشّفقة والسخرية، أقاتل من أجل الوصول إلى أحلامي. اليوم على ناصية الحلم أقول قد قاتلت وانتصرتُ.. والدليل على انتصاري هي الرّواية الّتي ما زالت قيد الطلب والاهتمام حتى اليوم بعد نصف سنة من إشهارها، والدليل على انتصاري هو النظرة المغايرة الّتي يراني بها النّاس من معاق لا يعوّل عليه إلى مصدر إلهام للكثير وإلى كاتب أصدر عملا اجتمع هذا الكم الهائل من النّاس مهتمين متلهفين للسماع عنه.
سأنهي بكلمة شكر خاصّة لإنسانة محاربة، درعها الكلمة وسلاحها القلم، ساهمت في إنجاح أمسية إشهار "رهين الجسد" ونجاح أمسية سينامانا ونجاح أمسية اليوم، ووضعت كل ما تملك من طاقة ومحبة صادقة تخلو من أي مكاسب من أجل ذلك. لإنسانة عند مراجعتها لنص الرّواية قبل الطباعة، جاءتني حتى البيت ووعدتني أن لي مع الرّواية مشوار طويل حافل بالانتصارات.. ام طارق بارك الله بروحك الطيبة المعطاءة.. بارك الله فيكم جميعًا على حضوركم على إصغائكم واحتوائكم وتصبحون على واقع أفضل.





30
الانزياحُ والتّغريبُ في ديوان (سلامي لكَ مطرًا)/ للشّاعرة: آمال عوّاد رضوان
بقلم: كريم عبدالله .. بغداد/ العراق
تحتَ الضّغوطاتِ وبسببِ المِحَنِ وتراكُمِ الآهاتِ، يلجأُ الإنسان إلى طرقٍ عديدةٍ للتّفريغِ عمّا يَعتريهِ، أو يبتكرُ عالَمًا آخرَ مِن الخيالِ، بعيدًا عن الواقع المأزوم، ليهربَ إليه، أو يسقطُ صريعًا تحتَ وطأةِ المُعاناةِ النّفسيّةِ، تجلدُهُ سياطُ الصّعوباتِ والآلام، فإنّ ما يُعانيهِ الإنسان في هذا الواقعِ وصِراعِهِ المستمرّ، سينعكسُ أثرُهُ في عالمِهِ الدّاخليّ، وسيظلّ يبحثُ عن نافذةٍ، مِن خلالِها يُعبّر عن هذه الصّراعاتِ وغليانِها بشتّى الطُّرقِ والأساليب، فتكونُ هناكَ في أعماقِهِ مشاعرُ مُتأجّجةٌ، وعواطفُ مُتدفّقةٌ مُستترةٌ في النّفس، ولا بدّ من عمليّةِ تفريغٍ يُمارسُها للخلاصِ مِن هذهِ الشّحناتِ السّلبيّة، وبطُرُقٍ خلّاقةٍ، يُحاولُ مِن خلالِها أن يجدَ نفسَهُ في هذا الكون، ويُحقّقَ ما يصبو إليه.
هنالكَ طُرُقٌ عديدةٌ وقابليّاتٌ مختلفةٌ يُمارسُها الإنسانُ مثل: الرّسم، الموسيقا، النّحت، الرّقص، الرّياضة، الكتابة، والشّعرِ بالخصوص لإثباتِ الذّات، وتفريغًا لكلّ ما يَعتريهِ، فالشّعرُ يحتاجُ إلى موهبةٍ حقيقيّةٍ، وفطرةٍ نقيّةٍ في روحٍ تتسامى دومًا على كلّ هذا الخرابِ والقُبحِ، وبالإمكانِ صقلُ الموهبةِ عن طريقِ التّجربةِ الشّخصيّةِ، والتّراكُمِ الثقافيِّ والمعرفيِّ لدى الشّاعر، حينها يستطيعُ الشّاعرُ إعادةَ تشكيلِ الواقعِ المريرِ، وتصويرَهُ بأبهى صورةٍ، ويحاولُ مِن خلالِهِ ردْمَ الخرابِ، وأن يرفعَ صوتَهُ عاليًا بوجهِ الطّوفانِ والظلام، فيرسمُ الجَمالَ والسّلامَ على هذهِ الأرض.
إنّ قيمةَ الشّاعرِ الحقيقيِّ بقيمةِ ما يُقدّمُهُ للمُتلقّي، فهو رسولٌ بعثَهُ اللهُ لنشْرِ المَحبّةِ والخيرِ، رسالتُهُ الكلمةُ الصّادقةُ النّابعةُ مِنَ الذّاتِ النقيّةِ، فعليهِ أن يُنمّي الإنسانَ في داخلِهِ، وأن يُطوّرَ تفكيرَهُ، حتّى يستطيعَ الغوْصَ عميقًا، ويستخرجَ الكنوزَ مِن أعماقِهِ، وإلباسِها حُلّةً جديدةً زاهيةً عذبةً صافيةً تُسحِرُ المُتلقّي، وتُثيرُ في نفسِهِ الدّهشةَ، والإحساسَ بالجَمالِ، والنّقاءَ والبهجة.
الشّاعرُ لديهِ مقدرةٌ كبيرةٌ على تحويلِ القُبحِ إلى جمالٍ، ويمتلكُ خيالًا خصبًا، وقلبًا يَطفحُ بالمشاعرِ والأحاسيسِ، ولغةً غريبةً غيرَ مألوفةٍ، يَستطيعُ بحِرَفيّتِهِ تَطويعَها، لغةً كما يُعبّرُ عنها كونيتليان: (تُعبّرُ عن الحركةِ والتّجديدِ والحياةِ، على العكسِ مِنَ اللّغةِ العاديّةِ الدّالِّة على السّكونِ والنّمطيّةِ المُملّة). إذًا؛ فاللّغةُ الأدبيّةُ عندَ الشّاعرِ هي الجَناحُ الّذي مِن خلالِهِ يُحلّقُ عاليًا، ويأخذُنا معَهُ إلى منابعِ الإبداع والتّجلّي والفرح، يُبدّدُ لنا الألمَ والعناءَ، ويرتفعُ بنا عن الواقعِ وتعاستِهِ.
منذُ الوهلةِ الأولى، وأنا أطالعُ ديوانَ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، انتابَني شعورٌ عميقٌ ورهبةٌ مِن لغةِ الدّيوانِ؛ لغةٌ غريبةٌ لا تشبهُ لغةَ أهلِ الأرض، حِيكَتْ بطريقةٍ مختلفةٍ، جعلتْني أقفُ مَصعوقًا أمامَ طوفانِها ورهبتِها، لغةٌ عذبةٌ، لكنّها جامحةٌ لا تَنقادُ إليكَ بسهولةٍ، بل تجعلُكَ تقفُ مُتحيّرًا كيفَ تَلِجُ إليها، ومِن أيّ الأبوابِ تدخُلُها، لغةٌ لا يُجيدُها إلّا القليلُ القليلُ ممّنِ اكتشفوا سِرَّ اللّعبةِ، وأجادوا صياغتَها بحِرَفيّةٍ عالية، وسأقتصرُ هنا على الانزياحاتِ اللّغويّةِ في هذا الدّيوان، لِما لها مِن جَماليّةٍ أخّاذةٍ تُقلقُ، وسِحرٍ أنيقٍ يَستفزُّ، ويُثيرانِ الدّهشةَ والتّأمُّلَ والتّأويلَ.
مِن عتبةِ العنوانِ (سَلَامِي لَكَ مَطَراً) تبدأُ رحلةَ هذهِ الانزياحاتِ المُثيرة، حيثُ ابتدأتْ بالسّلامِ والأمانِ والسِّلمِ والصُّلحِ، والتّحيّةُ مُقترنةٌ بهطولِ المطرِ؛ رمزِ الحياةِ والنَّماءِ والخيرِ والخصب، حيثُ الرّحمةُ الإلهيّةُ تَطردُ الجُدبَ والجَفافَ، وتبعثُ البَشائرَ، فرسالةُ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان عبارةٌ عن سلامٍ يَقهرُ ما حَلَّ مِن جفافٍ بينَ النّفوسِ، نتيجةً لنَوازعِها المختلفةِ وغاياتِها ونَزواتِها، إنّهُ السّلامُ بكلِّ ما يَعني الحُبُّ، والانتظارُ، واللّهفةُ والتّرقُّب.
إنّ جون كوهن يرى (أنّ الشّرطَ الأساسيَّ والضّروريَّ لحدوثِ الشّعريّةِ هو حصولُ الانزياحِ، باعتبارِهِ خرقًا للنّظامِ اللّغويِّ المُعتاد)، إذًا؛ لا شِعرٌ دونَ لغةٍ، ولا لغةٌ شعريّةٌ دونَ انزياحٍ لغويٍّ، يَرتفعُ بهذهِ اللّغةِ إلى عوالمَ أخرى مُحْكمةِ البناءِ والشّكل، تمتلكُ طاقةً نَغميّةً وإيقاعاتٍ مُتجانسةً، رَنينُها يُسحِرُ الأذن.
الانزياحاتُ اللّغويّةُ في ديوان (سَلامي لَكَ مَطَرًا):
1* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ صورةً شعريّةً جديدةً مُختلفةً عن الواقع، حيثُ نجدُ هنا رسمًا قَوامُهُ الكلماتِ، يمتلكُ إدراكًا حِسّيًّا يَنفُذُ إلى أعماقِ الأشياء، وكأنّه حالةُ استرجاعٍ ذهنيٍّ محسوسٍ، كما في هذا المقطعِ مِن قصيدة (خُـرّافَةُ فَـرَحٍ): براءةُ الفَجْرِ/ تُسْدِلُها عُيونُ المَلائِكَةِ/ مِنْ/ قُبَّةِ العَدْلِ/ عَلى/ هَديلِ يَمامِ الرّوحِ!
وكذلك في هذا للمقطع من قصيدة (اُسْكُبِيكِ في دَمِي): نَسائِمُ شُرودٍ.. تُحَلِّقُ/ تَصْفَرُّ أَعْوادُها.. تَصْفِرُ ناياتُها/ و.. تَسْفَحُ غَمامَ مُنىً/ عَلى.. أُفُقِ الصَّباحاتِ البِكْر/ أَمِنَ المُنْتَهى.. تَنْقَشِعُ طُفولَةٌ/ غافِلَةٌ.. عَارِيةٌ/ تَخْتَبِي../ في أَغْلِفَةِ العَبَقِ العُذْرِيِّ؟
إنّها اللّغةُ الشّاذّةُ غيرُ المألوفةِ، تعتمدُ التّحريفَ والإغرابَ، وطغيانَها وتدميرَها لنِظام الواقع.
2* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ العاطفة: فالعاطفةُ هي هذا الكمُّ مِنَ المَشاعرِ والأحاسيسِ الّتي تنتابُ الشاعرَ في لحظةٍ مُعيّنةٍ، وتُكوّنُ انفعالاتٍ وجدانيّةً، ومن خلالِ القصيدة يُحاولُ التّخلُّصَ منها، وإسقاطَها على الورق، إذ تنبعُ مِن ينابيعِ الرّوحِ البعيدةِ دونَ تَكلُّفٍ أو تزييفٍ، وتَتمثّلُ هذه العواطفُ على مساحةٍ واسعةٍ في ديوان (سَلامي لَكَ مَطَرًا)، كما في قصيدة (حورِيَّةٌ تَقْتاتُ مِنْ ضِرْعِ النُّجومِ):
نَحْنُ المَجْبولونَ بِالحُبِّ كَرَمْلِ حَنينٍ/ تَخارَقَهُ زَبَدُ اشْتِهاء../ أَلا تُنْقِذُنا أَمْواجُ بَراءَةٍ/ مِنْ خَطايانا؟!/ أَلا تَرْحَمُ بَقايانا/ نَواقيسُ مِنْ أَلَق؟
وكذلكَ تتمثّلُ في قصيدةِ (شاهِدَةٌ فَوْقَ لَحْدِ النَّهار): كأنَّما حَدَقاتُ آمالي/ كانَتْ أَرْحَبَ مِنْ فِرْدَوْسِ يَقينٍ/ وَكَأنَّما مَيْدانُ صَمْتِكِ/ صارَ أَضْيَقَ مِنْ ثَقْبِ شَكٍّ؟!
إنّها اللّغةُ الّتي تبتعدُ عنِ الخطابةِ، تتفرّدُ بما تَحملُ مِن طاقاتٍ، وكأنّنا نتلمَّسُ هذهِ المَشاعرَ والأحاسيسَ، ونستنشقُ عبيرَها الطّاغيَ في جوٍّ شاعريٍّ، ونتذوّقُ حلاوتَها.
3* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ الخيالَ الخصبَ: فالخيالُ هو القوّةُ التّركيبيّةُ السّحريّةُ، مِن خلالِهِ يَنقلُنا الشّاعرُ إلى عالمِهِ الغريبِ، حيثُ نجدُ اللّغةَ المُتوهّجةَ حاضرةً في طُغيانِها، بحيثُ تكونُ هي الواقعُ الحاضرُ والعيشُ العميقُ فيهِ، حينما تَتخلّى المُفرداتُ عن مرجعيّاتها، فنجد هذا الخيالَ في قصيدة (سَلامي لَكَ مَطَرًا):
في دُروبِنا العَتيقَةِ/ تُعَتِّقينَ خَواطِري فَرادَةً بِكِ/ إلامَ تَطْفو ذِكْراكِ عَلى وَجْهِ النِّسْيانِ؟/ بِغاباتِ فَرَحي المَنْذورِ لَكِ/ تَتَسَوَّلُكِ أَنْهارُ حُزْني../ ظِلالَ بَسْمَةٍ تَدْمَعُ بِكِ!
وكذلكَ في قصيدة (إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا)، حيثُ تقولُ الشّاعرةُ في بعضِ مقاطعِها: أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ/ في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ/ وَعَلى/ إيقاعِ جِهاتِكِ/ مُتَماهِيًا بِي/ يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!
استطاعتْ هذهِ اللّغةُ أن ترسمَ لنا لغةً كالحُلم، واستطاعت الاستغناءَ عنِ الواقعِ المَرير، وأن تُشكّلَ لنا كلَّ هذا الجَمالَ.
4* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ الاستعارةَ: حيثُ نجدُ أنّ هناكَ وسيلةً عُظمى، تَجمعُ بينَ أشياء مختلفة لا توجدُ بينَها علاقةٌ مِن قبل، لأجلِ إحداثِ تأثيرٍ في المواقفِ والواقعِ، ويَتجلّى هذا كما في قصيدة (سَلامي لَكَ مَطَرًا): يا مَنْ/ عَلى/ عَتَباتِ خافِقي المَهْجورِ/ تَنْبُتينَ أَشْجارَ زينَةٍ/ تَفوحُ بِزَهْرِ صَوْتِكِ/ يَزْدانُ بِكِ فِرْدَوْسُ نِداءاتي/ أَتَقولينَ:/ سَلامي لَكَ َمطَرًا!؟
وكذلك نجد هذا كما في قصيدة (شاهِدَةٌ فَوْقَ لَحْدِ النَّهار): كأنَّما حَدَقاتُ آمالي/ كانَتْ أَرْحَبَ مِنْ فِرْدَوْسِ يَقينٍ/ وَكَأنَّما مَيْدانُ صَمْتِكِ/ صارَ أَضْيَقَ مِنْ ثَقْبِ شَكٍّ!
لغةٌ هادئةٌ امتلكتْ مقدرةً على صُنعِ هذا العالمِ الزّاخرِ مِنَ الاضطرابِ، ومَزْجِهِ، وإعادةِ تَدويرِهِ بالسِّحرِ اللّغويّ.
5* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ الأحاسيس: وهو ردُّ فِعلٍ لا إراديٍّ لِما نتأثّرُ بهِ مِنَ المحيطِ الخارجيّ، وهو الّذي يُهفهفُ بأعماقِنا، ويمنحُنا المتعةَ، والشّعورَ بالجَمال، والنّقاءَ والصّدقَ، ونجدُ ذلكَ كما في قصيدة (سَماوِيَّةُ غُوايَتي):
في ضَبابِ الأُفُقِ الهارِبِ مِنْكِ/ تَتَناغَمُ فُصولُ الحُزْنِ الفَرِحِ/ بَيْنَ لِقاءِ الغِيابِ.. وَ.. بَيْنَ غِيابِ اللِّقاءِ/ يَلُوحُ مَعْبَدُ روحِكِ تُحْفَةً/ تَحُفُّهُ هالَةٌ مِنْ سُكونٍ/ يَفوحُ في انْسِكابِ نَدًى../ شَوْقٍ.. عَطِرٍ/ وَفي مِحْرابِ اللَّحْظَةِ/ تَجْثو أَحْلامُ كافِرٍ/ تَتَزاحَمُ في غَفْلَةٍ مِنْ غُروبِ إيمان!
وكذلكَ نجدُ ذلكَ كما في قصيدة (زَغَبٌ شَمْعِيّ): أشْواكُ رَحيلِكَ/ تَخِزُ أَعْصابَ الزَّنابِقِ/ سَتائِرُ ماضٍ تَتَمَرَّغُ لَوْعَةً/ في جَنَباتِ اللَّيْلِ/ تَتَذاءَبُ عُيونُ خَيالي/ مَوْجَةُ ماءٍ تُشْعِلُها/ مَوْجَةُ نارٍ تُطْفِئُها/ وَفي خِباءِ الأبْجَدِيَّةِ/ تَسْتَأْنِسُ بِحِضْنِ ضَوْئِكَ
لغةٌ تفرضُ السّعادةَ، تستمدُّ قوّتَها مِن قوّةِ المُفردةِ وتَشظّيها، وامتلاكِها طاقةً تنسكبُ في النّفوسِ، وتجعلُها تتغنّى بشلّالِها المُتدفّقِ حيويّةً وصِدقًا.
6* الانزياحُ اللّغويُّ الّذي يُجسّدُ التّجسيمَ: وهو إضفاءُ الطّابعِ الحِسّيِّ على المعنويّاتِ، بدرجةٍ تجعلُنا نرى المعانيَ وقد جُسِّمتْ، أي أنّ الشّاعرَ يُجسّمُ لنا الإحساسَ، لا أن يُخبرَنا عنه، كما في قصيدة (سَماوِيَّةُ غُوايَتي): أَيا راعِيَةَ حُقولِ القَلْبِ: أَما حانَ القِطافُ؟/ عَلى سُفوحِ التَّرَقُّبِ/ تونِعُ ابْتِساماتُ بَراعَتِكِ يَراعًا/ تَتَدَحْرَجُ/ ثِمارَ فَرَحٍ/ إلى/ سِلالِ اللَّحَظات!
وكذلك في قصيدة في (مَلاجئ البَراءَة): نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا/ مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا/ أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟/ أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!
إنّها اللّغةُ الإنسانيّةُ الصّادقةُ الخارجةُ للتّوّ مِنَ الحطامِ الواقعيِّ، مُحمّلةً برفيفِ الشّعرِ النّاصع.
7* الانزياحاتُ اللّغويّةُ الّتي تُجسّدُ التّراسُلَ: فأيُّ اشتراكٍ أكثرُ مِن حاسّةٍ في المَقطعِ الشّعريِّ، كما في قصيدة (سَماوِيَّةُ غُوايَتي): بَلِ انْهَمِري حَنانًا/ يَنْضَحُني بِطُهْرِكِ/ فَأبْرَأُ مِنْ يَبابي/ رَحْمَةً بِاليَتَسَرْبَلُ أرْجُوانَ الوَجَعِ/ تَخيطُهُ إبْرَةُ الشَّغَبِ بِخُيوطِ الشَّغَفِ../ لا تُرَتّقي جِراحَ نَرْجِسي/ بِشَوْكِ التَّمَنّي/ لا تُزْغِبي أجْنِحَةَ صَلَواتي/ بِأَرْياشِ الحَسَراتِ/ أُمْسُسي واحاتِيَ الذَّابِلَةَ/ بِخُشوعِ هَمْسَةٍ/ وَلا تَعْبَثي بي/ بَلِ ابْعَثي أَعْراسَ الزَّقْزَقَةِ / زَغاريدَ فَرَحٍ / في مَناقيرِ فِراخِ الحَنينِ!
لغةٌ نشتاقُ إليها دائمًا، نستحمُّ بينابيعِها، ونتمشّى على سواحلِها مُتراميةِ الأطراف.
8* الانزياحاتُ اللّغويّةُ الّتي تُجسّدُ الإيقاعَ في اللّغةِ: وهو حالةُ التّواترِ المُتتابعِ ما بينَ التّوقّفِ وحالةِ الصّوتِ، أو الإبطاءِ والإسراعِ، أو الحركةِ والسّكونِ، وهناكَ إيقاعٌ يعتمدُ على قافيةِ ووزنٍ خارجيّ، وهناكَ إيقاعٌ داخليٌّ يعتمدُ على ما في النّصِّ مِن قوافٍ داخليّةٍ، وبديعٍ، وحروفِ مَدٍّ أو همسٍ، وهذا نجدُهُ في قصيدة (نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ): عَلى ضِفافِ القَصائِدِ/ تَتَناثَرُ محاراتُ الهَوى/ وَمِنْ ذاكِرَةِ  الهرُوبِ/ تَتَسَلَّلُ أَسْرارُ الجَوى/ فَلا نُمْسِكُ بِالمَحارِ/ وَلا نَلْحَقُ بِالأَثَرْ/ وَهَيْهات..  هيهات.. يُسْعِفُنا الوَتَرْ!
لغةٌ مُحمّلةٌ بالأسرارِ، تأخذُنا رغمًا عنّا إلى عالمٍ فسيحٍ مِنَ التّوافُقِ بينَ المُفرداتِ وصياغتِها، وتوحي بالمَزيدِ مِنَ الطّاقاتِ الموسيقيّةِ المُتجانسةِ، وبالمقدرةِ على الإيحاءِ والتّوصيل.
إنّ ديوانَ (سَلامي لَكَ مَطَرًا) للشّاعرة آمال عوّاد رضوان يمتلكُ مقدرةً فائقةً، على تغريبِ اللّغةِ والانزياحاتِ العظيمة، منَ العنوانِ إلى آخرِ مفردٍة فيهِ، فالمُتلقّي يجدُ نفسَهُ مِن خلالِ دلالاتِهِ النّصّيّةِ، وجهًا لوجهٍ أمامَ لغةٍ صادمةٍ، حقّقتْ جَماليّتَها الشّكليّةَ والمعرفيّةَ والتّعبيريّةَ، وخروجًا عن قواعدِ اللّغةِ والمعتادةِ، وخرقًا لهذهِ القواعد. إنّ هذهِ الإطلالةَ حاولنا مِن خلالِها، إثباتَ قيمةِ الانزياحاتِ اللّغويّةِ في الشّعر، وأنّ الشّعرَ العظيمَ لا يكونُ عظيمًا بغيرِها.




31

لِلوْعةِ العتماتِ نَذَرتُكِ


آمال عوّاد رضوان


أَيَا مَائِيَّةَ ابْتِهَالاَتِي
يَا مَنِ انْبَجَسَ
نَسِيمُكِ الضَّوْئِيُّ
وَاطِــــــئًـــــــــــا
مُنْحَدَرِاتِ كُوخِي النَّاعِسِ
وَهَـــفْـــــهَــــفْــــــتِ
بِفَضَاءَاتِي الْجِدَارِيَّةِ
تَــــنْــــقُــــشِـــيـــنَ
فَرَاغِيَ الْوَثِيرَ
بِمَخَالِبِ أَجْنِحَتِكِ!
*
يَا أَنْتِ الْـــــــ
تَــــتــــَّقِــــــــدِيـــــنَ
مَطَرًا عَاصِفًا
وتَـــــنْــــــــدَاحِـــــيـــــنَ
رِيحَ خَيَالاَتٍ
عَلَى ضِفَافِ جِنَانِي الْخَوَالي!
*
أَنَـــــا مَـــنْ تَــــأَهَّــــــــبْـــــتُ
لِمَصَابِيحِ رُوحِكِ
تُــــــشِـــــعُّــــــنِـــــي
أَعْرَاسَ فَرَحٍ
وفِي دُرُوبِ الوِلاَدَةِ
تَـــــــتَــــــهَـــــجَّـــــــانِــــي
ظِلاَلَ حُلُمٍ نَافِرٍ
لَكَمْ وَكَم وَكَم
نَــــذَرْتُــــــكِ
لِـــــلَـــــوْعَــــةِ الْـــعَـــتَــــمَـــاتِ


آمال عوّاد رضوان/ لِلوْعةِ العتماتِ نَذَرتُكِ/ ترجمة للإنجليزية: فتحية عصفور
(To Burning Agony of Darkness I vowed you)
By: Amal Awad – Radwan-(Palestine)
Translated by: Fathia Asfour
Palestinian poet & tranlator

O You ! the Waterity of my invocations
O You ! whose luminary breeze gushed out
trampling the slopes of my sleepy hut.
And who fluttered in my wall espaces,
Inscribing my smooth void
with the claws of your wings.
****
O You ! who flares up with stormy rain
and spreads out a wind of illusions
on the banks of my empty gardens.
***
It's me who was prepared
for the lanterns of your soul
to shine me
weddings of joy
And in the paths of birth to spell me shadows of fleeing dream
How many times and times and times!!
to burning agony of darkness
 vowed thee I

[/center]

32
النّاصرة تحتفي بإصدار د. محمد خليل المترجَم!
آمال عوّاد رضوان
بتاريخ 27-2-2019 ووسط حضور نوعي مميز، أقام منتدى الفكر والإبداع في مركز محمود درويش في النّاصرة أمسية أدبية، احتفاء بالنّاقد د. محمد خليل وبإصداره النّقديّ الثّقافيّ الأخير المترجم باللغة الإنجليزيّة جماليّةُ الخطاب في الأدبِ العربيِّ الحديث" والصّادر عن دار النشر أوستن ماكويلي في بريطانيا، وقد تولى عرافة الأمسية الشاعر سيمون عيلوطي، وتحدث عن المنجز كل من د. فهد أبو خضرة حول أهمّيّة الدراسة والنّقد، لنصوص عديدة من أدبنا المحلي وأدبنا العربي الفلسطينيّ، لأنّ هذا الأدب الّذي لم ينل حتى اليوم ما يستحقه من الاهتمام، وتحدّثت د. كلارا سروجي عن أهمّيّة ترجمة الأدب العربي الحديث، أمّا بروفيسور فاروق مواسي، وفي نهاية الأمسية تحدث د. محمد خليل شاكرا المتحدثين والحضور والقائمين على مركز درويش، ودعا عيلوطي الأدباء الّذين تناولهم الكتاب لتكريمهم بنسخة من الكتاب المترجم: أ. د. جورج قنازع، سعاد قرمان، د. فهد أبو خضرة، أ. د. فاروق مواسي، وهيب وهبة، مفلح طبعوني، محمد نفاع، فتحي فوراني، رشدي الماضي، عطاف صغيَّر، محمد علي طه، ناجي ظاهر، د. منير توما، أ. د. محمد حجيرات، نبيل عوده، زكي درويش، وفاء عياشي ونمر سعدي، وتمّ التقاط الصور التذكارية.
مداخلة سيمون عيلوطي: 
الحضور الكريم، مع حفظ الأسماء والألقاب، أسعدتم مساءً: باسمي، وباسم أعضاء منتدى "الفكر والإبداع"، ومقرّه في كليَّة النّاصرة للفنون، نرحّبُ بكم في هذه الأمسيةِ الأدبيّةِ الّتي دعا إليها مشكورًا مركز محمود درويش الثّقافيّ في النّاصرة، تحت رعاية رئيس البلدية السيِّد علي سلام، وذلك احتفاءً بصدورِ كتابٍ جديدٍ للدكتور محمد خليل، بعنوان: "جماليّةُ الخطاب في الأدبِ العربيِّ الحديث".
الكتابُ صدرَ حديثًا باللغةِ الإنجليزيّةِ في لندن، وهو عبارة عن معالجاتٍ نقديّةٍ لعددٍ من أعمالِ أدبائِنا المحليِّين والعرب، وقد جاءَ متابعةً لمشروعِهِ النّقديّ الّذي بدأهُ قبل سنواتٍ، بهدفِ تأسيسِ حركةٍ نقديَّةٍ تسعى للوصولِ إلى نقدِ النّقد، لذلك رأيناهُ يؤكّدُ من خلالِ نظرتِهِ الشَّاملةِ في النّقد على أنّ "الأثرَ الأدبيّ، شعرًا ونثرًا، وكذا كلُّ أثرٍ فنيٍّ، لا يتشكَّلُ من فراغٍ، إنَّما ينشأ مرتبطًا بسياقاتٍ متعدّدةٍ من ذلكَ المنطلقِ"، وبالتَّالي: "لا يحقُّ لأيِّ قارئٍ، أو باحثٍ، أو ناقدٍ أن يقرأَ، أو يدرسَ نصًا ما بمعزلٍ عن سياقاتِهِ الاجتماعيّةِ، والثّقافيّةِ، والاقتصاديّةِ، وحتَّى السياسيَّةِ! فالنّصُ نَفسُهُ، أدَبِيًا كان أم فكريًا، هو بُنيةٌ لغويَّةٌ فنيَّةٌ، يُعَبِّرُ عن واقعِ المجتمعِ وينبثقُ عنهُ". وفي هذا السِّياقِ قالَ أحدُ الحكماءِ بما معناهُ: "إذا أردتَ أن تعرفَ شعبًا من الشّعوب، فاذهب إلى فنونِهِ".
من هذا المنطلق: فإنَّ ناقدَنا لم يكتفِ لتحقيقِ مشروعِهِ النّقديّ- الطَّلائعيِّ بتقديمِهِ لقرَّاءِ العربيَّةِ فحسب، بل انطلقَ بهِ نحوَ القارئ الآخر في لندن، حيثُ أصدرَ الكتاب، وإلى قراءِ الإنجليزيّةِ في كلِّ مكان، ولعلَّ الرَّؤيا المنهجيَّةَ- النَّهضويَّةَ الّتي يطرحُها النّاقد خليل في نقدِهِ عامَّةً، وفي كتابهِ، موضوعُ هذه الأمسيةِ الاحتفاليَّةِ خاصّة، هو ما دعا النَّاشرَ في لندن إلى نشرِ هذا الكتاب، ودفعِهِ بالتَّالي إلى القرَّاءِ في أوربا، وفي أمريكا، وذلكَ عبرَ مقرَّاتِهِ في لندن، وكمبريدج، ونيويورك، والشَّارقة.
لا شكَّ أن ترجمةَ أعمالِنا النّقديّة والأدبيّة الفلسطينيّة والعربيَّة، لمختلفِ لغاتِ شعوبِ العالم، تؤكِّدُ على ترسيخِ ثقافتِنا العربيّةِ والإنسانيَّة، لتجسَّد بالتَّالي تحقيق الحوار المطلوب بين الثّقافات، خاصّة في هذه المرحلةِ الّتي أصبحت فيها وسائل التّواصل الاجتماعيّ متاحة لدى الجميع. لذا يجبُ علينا، بصفتِنا أدباءَ ومثقّفين أن نأخذَ دورَنا في هذا المجال، تمامًا كما فعلَ الدُّكتور خليل في كتابِهِ "جماليّة الخطاب في الأدبِ العربيّ الحديث". ونطرح ما عندنا من أدبٍ وشعرِ وإبداعٍ للآخر المختلف، ونستقبل أيضًا ما لدى شعوب العالم من أدبٍ وفكرٍ وفنٍ بما يُنمّي، ليس فقط الحوار، بل يتخطَّاهُ إلى حدِّ التَّفاعلِ والتَّناغمِ مع الثّقافات الأخرى، باعتبارِها أداة يمكن من خلالها تعزيزُ روح قبول الآخر القائم على الاحترامِ المتبادلِ بين جميعِ الشّعوب والحضارات.
يرى صاحب كتاب "جماليّة الخطاب في الأدب العربيّ الحديث"، من خلالِ طروحاتِهِ النّقديّة، أنَّ: "الطَّريقَ الأمثلَ للنُّهوضِ بالنّقد الأدبيّ، هو وضعُهُ موضعَ النّقد والمساءلةِ". من هذا المنطلق؛ اختارَ ناقدُنا أن يسيرَ في مشروعِهِ النّقديّ الرَّائدِ نحوَ الاتجاهِ الصَّعبِ، وهو: "نقدُ النّقد"، وقد كتبَ في ذلك عدَّة دراسات، وأقام الكثير من المحاضرات، وجميعُها تُؤكِّدُ سعيَهُ الدَّؤوبَ لإرساءِ حركةٍ نقديَّةٍ تعالجُ النّقد القائم عندنا بالنّقد.
مداخلة د. فهد أبو خضرة:
الأخوات والإخوة الأفاضل، مع حفظ الألقاب والمناصب. أسعد الله مساءكم بكل خير.
أرحب بكم أجمل ترحيب في هذا اللقاء الاحتفالي، باسمي وباسم جميع الأعضاء في منتدى الفكر والإبداع الّذي تمّ إنشاؤه قبل أشهر قليلة، والّذي اتخذ من كلية الفنون في النّاصرة مقرًا له، وأود أن أقدم باسمنا جميعا تهنئة من الأعماق لصديقنا العزيز الباحث النّاقد د. محمد خليل، عضو الإدارة في المنتدى، بمناسبة صدور كتابه الجديد القيّم في العاصمة البريطانية. وقد صدر هذا الكتاب باللغة الإنكليزية، وهو يحمل العنوان "جماليات الخطاب في الأدب العربي الحديث". وقد تناول المؤلف في كتابه هذا، بالدراسة والنّقد، نصوصًا عديدة من أدبنا المحلي، أدبنا العربي الفلسطينيّ. هذا الأدب الّذي لم ينل حتى اليوم ما يستحقه من الاهتمام. وهو، في رأيي، يستحق الكثير.
ويشكل صدور هذا الكتاب خطوة هامة في هذا الاتجاه. وأرجو أن تكون خطوة أولى تتبعها خطوات عديدة مماثلة، سواءٌ من المؤلف نفسه أو من مؤلفين آخرين، لأنّ هذه الخطوات قادرة أن تلفت النّظر إلى أدبنا، في داخل هذه البلاد وفي خارجها، وأن تدفع الكثيرين من الدارسين والنقاد، على مستوى العالم العربي، وعلى مستوى العالم كله، لأن يجعلوه محورًا مركزيًا لدراساتهم ونقدهم.
وأود أن أستغل هذه المناسبة، لأدعو المفكرين والمبدعين إلى إقامة مؤسّسة خاصّة تكون مسؤولة عن شؤون التّرجمة، من العربية إلى عدة لغات أخرى لها مكانتها وشهرتها في العالم. وأنا، حين أقول هذا، أعرف جيدًا الصعوبات المالية الّتي يمكن أن تواجه هذه المؤسّسة، ولكنني أعرف أيضًا أن الإرادة الصادقة لا تعترف بالمستحيل.
ونحن في منتدى الفكر والإبداع نعتقد أن الأدب الفكريّ والإبداعي جزء من الحياة العقلية لمجتمعنا، وأن الحياة العقلية جزء رئيسي في حضارة كل مجتمع من المجتمعات الراقية في العالم، وعلى هذا الأساس، فإننا نحاول أن نجمع تحت سقف هذا المنتدى أكبر عدد ممكن من مفكرينا وأدبائنا، ونعمل على إقامة ندوات شهرية دائمة، في موعد ثابت، ومكان ثابت، يُقدَّم فيها إنتاج باحثينا وأدبائنا، كما أننا نعمل في الوقت الحالي على تحضير ما يلزم من أجل إصدار مجلة فصلية، تُعنى بهذا الإنتاج.
لقد لاحظ الكثيرون من المثقفين في هذه البلاد، ومنهم أعضاء المنتدى، تراجعًا لافتًا للنظر في الحركة الثّقافيّة في مجتمعنا العربي، خلال السنوات الأخيرة، وكانت هذه الملاحظة دافعًا هامًا في سبيل إقامة هذا المنتدى. ونحن على استعداد اليوم لدعم كل خطوة مماثلة عند أي مجموعة من المثقفين، كما أننا نرحّب بكل مفكر أو مبدع يرغب في الانضمام إلى منتدى الفكر والإبداع. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما نراه من تراجع في مجال اللغة العربية الفصيحة، وهو تراجع لا يمكن أن نقف أمامه صامتين ومكتوفي الإيدي، فاللغة عنصر رئيسي من عناصر القومية، وركيزة أساسية من ركائز التراث الأدبيّ والفكريّ والديني، وركن هامٌ جدًا من أركان التفكير. ولهذا، فإن الواجب يفرض علينا، دون أي تقصير، أن نتمسك بهذه اللغة تمسكًا مستنمرًا، وأن نؤكد انتماءنا إليها، وأن ندعم تطورها، وأن نرسخ احترامها في أبنائنا منذ الصغر. ونحن في منتدى الفكر والإبداع ندعو المفكرين والمبدعين جميعًا إلى عقد لقاءات مكثفة خاصّة بهذا الموضوع، وإلى القيام بدراسات جادّة شاملة، ثم الخروج بنتائج موضوعية وتوصيات مفصلة تدعم هذه اللغة الغنيّة الرائعة، حاضرًا ومستقبالًا. ولكم الشّكر الجزيل
مداخلة د. كلارا سروجي- شجراوي
مساء الخير، وأهلا بالجمهور الكريم، أهنّئ الدكتور الباحث محمّد خليل على إصداره لكتابه بالإنجليزيّة بعنوان The Aesthetics of Literary Discourse in Modern Arabic Literature، والصّادر في لندن.
مداخلتي ستكون في مسألة أهميّة التّرجمة إلى اللغة الإنجليزيّة بشكل خاصّ، وإلى باقي لغات العالم كعامل مركزيّ في التواصُل والتبادُل الثّقافيّ. كما نعلم، اهتمّ العباسيّون بترجمة الفلسفة والعلوم المختلفة من اليونانيّة والسيريانيّة والهنديّة والفارسيّة إلى العربيّة، لتتسعَ آفاقُ اللغة العربيّة، وتستوعبَ ألفاظا جديدة، وتقدّمَ بدائلَ عربيّة لألفاظ أجنبيّةٍ لم تكن موجودةً في اللغة من قبل. بطبيعة الحال، ساهمت هذه الترجمات على ازدهار الحضارة العربيّة- الإسلاميّة وتطويرها في مجالات فلسفيّة وحقول علميّة جديدة.
بالنسبة للترجمة في عصرنا أقول إنّ نسبة الكتب المُترجمة إلى اللغة الإنجليزيّة، من لغات مختلفة، هي ثلاثة بالمائة فقط. جزء قليل من هذه النسبة المئويّة هي لكتب عربيّة. فمجرّد إلقاء نظرة عابرة على الكتب الّتي تتضمّن مقتطفاتٍ أدبيّةً مختارة، باللغة الإنجليزيّة، سنجدها عامرة بالقصائد والقصص المترجمة من لغات مختلفة، لكنها مُجحفة في حقّ الأدب العربيّ. هذه الظاهرة إنْ دلّت على شيء، عند بعض الدارسين، فهي تدلّ على عداء متأصّل للحضارة العربيّة الإسلاميّة وللشعب العربيّ. 
هناك، إذن، نظرةٌ غيرُ عادلة عن اللغة العربيّة، بل هي متعالية على العرب وذلك على الأخصّ قبل أن ينال نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988. كي أوضّح هذه النقطة أذكر أنّ أحد الناشرين في نيويورك، المعروف بآرائه الليبراليّة، طلب من إدوارد سعيد، قبل ثماني سنوات من حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، أن يقترح عليه بعضَ الروايات من العالم الثالث، بهدف ترجمتها ضمنَ سلسلةٍ من الترجمات الّتي يخطّط لها. فاقترح عليه إدوارد سعيد عملين أو ثلاثةَ أعمالٍ لنجيب محفوظ، لم تكن متداولة في الولايات المتحدة.
لكنّ الناشر، بعد مرور عدّة أسابيع على الاقتراح، يقرّر ألّا تكونَ أعمالُ محفوظ ضمن الأعمال المترجمة، بحُجّة أنّ "اللغة العربيّة هي لغة (Arabic is a controversial language) مثيرة للجدل"، فكتب إدوارد سعيد المذهول بهذه الإجابة معلّقا: "حتى الآن لا أفقه تمامًا قصدَ الناشر. لكن، أن يكون العربُ ولغتهم غيرَ محترمين بطريقة ما، وبالتالي خطرين وذوي سمعة رديئة، هو أمر، واحسرتاه، واضح لي الآن كما كان في السّابق. فمن بين الآداب العالميّة العظيمة، تبقى العربيّةُ منها غيرَ معروفة نسبيّا، وغيرَ مقروءة في الغرب".
هناك مسؤوليّة كبيرة تقع، بالدرجة الأولى، على عاتق الأساتذة والنقاد والكتاب العرب الّذين يجيدون اللغاتِ الأجنبيّة المختلفة، لكنهم لا يعملون كفاية، لنقل الأدب العربيّ الجيّد إلى لغات أوروبيّة، لينال انتشارًا واهتمامًا يستحقّهما. ولا يمكن أن نتجاهل أنّ الغرب بات معيارَ الذوقِ الأدبيّ في عصرنا، ولذلك لا يمكن أن نقبل مثلَ هذا التقصير في ترجمة الأدب العربي.  هذه الترجمات، الّتي يجب أن تكون جيّدة، لا بدّ أن تساعد في تغيير فكرة الغربيّين عن الأدب العربي، وفي تخلي المجتمع الأمريكي عن أفكاره المُسبقة عن العرب كشعب متعصّب لدينه، وموجود دائمًا في حالة حرب، ويكره كلَّ أشكال المعاصرة. 
عمليّة التّرجمة ليست بالأمر الهيّن، فقد تتطلّب من المترجم دراية عميقة بالمجتمع: عاداته وثقافاته المختلفة، لكي يفهم جيّدا كيفيّةَ استخدامِ الكلمات في سياقاتها المختلفة. عليه أن يعيش بين أفراد المجتمع، ليفهمَ لغةَ حواره اليوميّة، وبلهجات مختلفة، في بيئته الطبيعيّة، وذلك كي يخلق العملَ من جديد، بلغة سلسة تتناسب مع اللغة الّتي يترجم إليها. والواقع أنّ الأدب العربيّ كلّه قد عانى (حسب صبري حافظ) من رداءة ترجماته إلى اللغة الإنجليزيّة لزمن طويل، ولا يزال يعاني من هذا الأمر حتى الآن. فاللغة الإنجليزيّة أساسيّة لانتشار أيّ عمل في العالم، وهي ليست هيّنة كما يتوهّم البعض. لذلك لن يحتمل القارئُ الجادّ التّرجمة الضعيفة، أو ذاتَ اللغةِ المجرّدة من الحسّ الأدبيّ، وذلك بسبب الوفرة العظيمة من الأعمال الجيّدة المتاحة اليوم باللغة الإنجليزيّة. 
إنّ دراسة اللغة العربيّة في الجامعات الأوروبية قد بدأ منذ بدايات القرن السادس عشر، لكنّ اهتمام الأجانب قد اقتصر على الأدب العربيّ القديم والحضارة الإسلامية القديمة. قد يعود السبب في عدم اهتمام بعضهم بالأدب العربيّ الحديث إلى عمره الصغير، وقد يعود إلى فكرتهم المسبقة عن العرب كشعب امتاز بحضارته العظيمة القديمة، لكنه يعيش الآن إمّا في سبات عميق، أو في تناحر طائفيّ قبيح. وبالتالي، لا يستحقّ مثل هذا الشّعب أن يُدرسَ أدبُه، وتُبَذَّرَ الأموالُ على ترجمات لروايات لن تلقى رواجًا في الأسواق الأوروبية والأمريكيّة، ولن تعوّضَ خسارة إصدارها ونشرها. 
هذه الحالة من اللامبالاة بالأدب العربي الحديث استمرّت حتى عام 1962 (حسب صبري حافظ) ، عندما عُيّن محمد مصطفى بدوي أستاذا بجامعة أكسفورد. عندها فرضَ الأدبُ العربيُّ الحديثُ نفسَه بقوّة بين المستشرقين، كما أصبح من موادّ الدراسة الأساسيّة في الجامعات النّاطقة بالإنجليزيّة. عمل محمّد بدوي بنشاط كبير، مع مجموعة من زملائه ومن تلامذته، على جذب الانتباه إلى الأدب العربيّ الحديث، لا في أكسفورد فحسب بل في جامعات أخرى أيضا. وأنشأ بعد أقلّ من عَقْدٍ واحدٍ دوريّة إنجليزيّة متخصّصة بالأدب العربيّ: قديمِه وحديثِه، هي مجلة (Journal of Arabic Literature) الّتي كانت تصدر عن واحد من أعرق الناشرين في لايدن بهولندا. وازداد هذا الاهتمام بالأدب العربيّ الحديث وضرورةِ ترجمته إلى اللغة الإنجليزيّة، بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل. فكان نجاح محفوظ الخاصّ فتحًا لنجاح الآخرين من الأدباء.
نتيجة لهذا الاهتمام بالتّرجمة تأسّست عدّةُ مشروعات لتنظيم هذه العمليّة. أكبر هذه المشاريع هو مشروع التّرجمة عن العربيّة الّذي أدارته الباحثة والشّاعرة الفلسطينيّة سلمى الخضراء الجيّوسي. صدر عن هذا المشروع عددٌ كبير من الأنتولوجيّات، من مختلف الأجناس الأدبيّة في مجلّدات منفردة. كذلك يمكن أن نذكر دورَ نشرٍ مثل الهيئة المصريّة العامة للكتاب، وسندباد في فرنسا، ولينوس في سويسرا (باللغة الألمانيّة)، بالإضافة إلى المبادرة المسمّاة "ذاكرة المتوسّط" (Mémoires de la méditerranée)، الّتي تخطّط لترجمة المؤلّفات العربيّة إلى خمس لغات أوروبيّة على الأقلّ في الوقت نفسه.
كلّي أمل أن يتشكّل في بلادنا فريقٌ على مستوى مهنيّ عالٍ من الّذين يتقنون اللغة الإنجليزيّة والعربيّة، كي يعملوا على ترجمة الأدب الفلسطينيّ إلى اللغة الإنجليزيّة يضاهي ما تنجزه الجامعة الأمريكيّة في القاهرة (AUC) من ترجمات ودراسات وأبحاث.
أمنياتي للدكتور محمّد خليل بمزيد من الإصدارات القيّمة. 
مداخلة د. فاروق مواسي:
منذ أن عرّفنا ابن سلام الجمحي في "طبقات الشعراء" معنى كلمة "نقد"، وعرَفنا أنّ للّفظة علاقة بالصحيح والزائف من النّقد، وأن للنقد رسالة أهم ما فيها التقويم والتوجيه، كنا على بيّنة بأهمية النّقد الأدبيّ، وكان يجب علينا أن نطّلع على هذه المصادر المميزة من كتب الجرجانيَين- عبد القاهر وعلي بن عبد العزيز، وعلى كتب ابن قتيبة فالعسكري وغيرهم، وكل منهم أفاد وأجاد، حتى بتنا نردد مقولات ولا نسبر غورها، كالحكم على جرير بأنه يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر، فما أحرانا بالعودة إلى التراث نتسلح بثقافته الأصيلة، نستمد من التراث ما هو الأنقى ولا ينقطع الخيط.
كان أولى بنا  أن نقف طويلًا على ملاحظات نقدية ذكية ومشعة في هذا التراث الضخم، قبل أن نتمثل نقدًا  وتنظيرات بعيدة عن كينونتنا وانسياقاتنا ومتابعاتنا الصادقة. ذلك أن المدارس النّقديّة الحديثة كالتكوينية والبنائية والتقويضية التفكيكية الّتي نقرأ منها، لا قِبل لنا بها ولا تفيدنا سبكًا ومعنى، فنحن نجد خطوطًا وأشكالًا ورسومًا دون  أن نفهم رسالة النص ومؤداه، فهذي-كما أرى-  هي للاطلاع  وللمتابعة العالميّة لا للترديد والتبني، فنجيب محفوظ ذكر في عدد من أعداد مجلة "فصول"، أنا لا أفهم ماذا يريد النّاقد أن يقول، وعلى غراره اعترف بعض أدبائنا الكبار. إذن؛ فنحن نتفق على أهمية الإفادة والإجادة في طرح المضمون، فعندما كتبت نقدًا عن قصيدة للدكتور فهد، أو تحليلًا لقصة لناجي ظاهر، فقد عمدت أولًا وقبلًا أن أبين فنية المضمون، في شكل متساوق يجدي ويجزي ويمتع، وإلّا فما أغنانا عن الكتابة.
ثانية أقول: على النّقد أن يبلّغ رسالة، طرحًا، فكرة، ثيمة، تواصلًا، وإلا فلا معنى لكتابة تغرق في التعمية والضبابية المبهمة. إننا أحوج إلى كلّ نص شعرًا أو قصة أو نقدًا نذكره في سياق يلائمه ويستذكره، فنحن لا نكتب لمرّة واحدة، ونحن نكتب لمتعة القراءة وتجاوب المؤدى.
أرى أن د. محمد خليل جدّ جِدّه وهو ينقد النّقد، وهذه المهمّة خطيرة، وتتطلب متابعة واستقصاء ودراية ودراسة، وأذكر أنّه تناول "مذكّرات دجاجة"، ووقف على شهادة طه حسين في المقدمة، وشهادة اسحق موسى الحسيني ورأيه فيما كتب، ثم درس خليل ماذا كتب ب. جورج قنازع في مقالته في "الكرمل"، فتوصل بعد مقارنات وموازنات ومتابعات إلى تخطئة لقول، وتصويب لآخر.
إن د. خليل وقد نشر عددًا من الكتب في هذا المشروع الجاد، قد استقى مناهله الأولى في جامعة اليرموك حيث أشرف على دراسته أ. د يوسف بكار، وها هو يتابع هذا المنحى، حتى ارتأى أن يصدر كتابه بالإنجليزيّة عن الجمالية  الأدبيّة، وكان أن درس قصيدة لي بيضاء هي (صمت)، وهذه القصيدة الّتي قد تثير ابتسامات أو دهشة وجدت عند خليل استقصاء فريدًا، فنشر أربع حلقات في صحيفة "الاتحاد"، عرج فيها على الموسيقى والمسرح ومعاني سقراط وأرسطو، ومأثور العرب في معاني الصمت، ولماذا ومتى وأين، وكيف  عمدت في تجربتي المكثفة الغارقة في سواد اللحظة.
أبدع خليل في التحليل، كما أبدع بعده النّاقد السوري محمد السموري الّذي سخر من سذاجة من ظنوا أنّ ثمّة قصورًا أو هذرًا أو استهانة في الفكرة. أبارك لأبي إياد هذا الإصدار الّذي تزامن مع يوم ميلاده، وحق علينا أن ندعو له بمزيد من العطاء وبعيش أسعد وأرغد.
مداخلة د. محمد خليل المحتفى به:
حضرة الأساتذة، والأصدقاء والزملاء الأفاضل، مع حفظ الأسماء والألقاب والمناصب، الأخواتُ والإخوة في منتدى الفكر والإبداع، والنادي الثّقافيّ الاجتماعي طرعان، والاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيّين، الحضور الكريم، طاب مساؤكم بكل الخير والمودة والاحترام،
يسعدني ويشرفني أن نلتقيَ معًا في أمسية من أهمِّ الأمسيات الاحتفالية تحت سماء الأدب والثّقافة والإبداع، في مكانٍ، يقول اسمُه والمُسمَّى أشياءَ كثيرة. الاحتفاءُ بالكتابِ والكتابةِ الإبداعيّةِ، وكلِّ فنٍ آخرَ، يُعدُّ مَظهرًا حضاريّا بامتياز، والمشهد الّذي نراه أمامنا يؤكِّدُ ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، وأننا، أيضًا نستطيعُ، أن ننهضَ ونتطورَ كسائر الشّعوب المتحضرة، إذ لا محدوديةَ لقدرة الفعل البشريّ! بالثّقافة والوعي، يمكننا أن نقاومَ كلَّ محاولات التّشويه لإرثنا الثّقافيّ والحضاريّ والتّاريخيّ، في ظلِّ ظروفٍ نعيشُها، أقلُّ ما يمكنُ أن نقولَ عنها: إنها ظروف استثنائية! فالنتاج الأدبيّ والثّقافيّ، بمنظور ما، هو فعلٌ وجوديٌّ بامتياز، وقد لا نجانبُ الصوابَ إذا قلنا: إنه فعلٌ وجوديٌّ ومقاومٌ بنفسِ الوقت!
أنوِّه، ابتداءً، إلى أنه لولا التعاونُ والتشجيعُ والدعمُ المعنويُّ والماديُّ ممن كتبت عنهم من الأدباء والباحثين، لما كان لهذا الكتابِ الموسومِ بـ "جمالياتُ الخطابِ في الأدب العربي الحديث" أن يرى النور. طُبع هذا الكتاب، بعد آلام مخاضٍ عسيرة وطويلة، في دار النشر المعروفة أوستن ماكويلي في بريطانيا ولها أربعةُ فروعٍ في: لُندن، وكمبريدج، ونيويورك، والشارقة. ولا تسألوا عن خبر تكلفة الكتاب: معنويًا وماديًا وجهدًا، بل ظُنُّوا خيرًا وتفاءلوا به، فالعملُ الخالدُ لا يموت أبدًا!
يقع الكتاب في مائتينِ وسبعينَ صفحة، أراني فيه منشغلًا بمعاينة النصوص في نماذجها الإجرائية، مع التركيز على السرديات وفق رؤيةٍ منهجية. هو كتابٌ نقديٌّ ثقافيٌّ تأملي في آن، يُلامسُ نتاجَ كوكبةٍ لامعةٍ في سماء الحركة الأدبيّة والبحثية المحلية وغيرِ المحلية، أملًا بأن يكونَ هذا الكتابُ قد أتى بشيء من الإبداع أو القيمة المضافة في أقلِّ تقدير.
وقد تعمدتُ أن أُصدرَ الكتابَ باللغة الإنكليزية، لدوافعَ لا تخفَى عليكم، والّتي من أهمِّها:
أولًا: أنَّ اللغةَ الإنكليزية لغةٌ عالميّة.
ثانيًا: ضرورةُ الانفتاح على الآخر، من خلال الحوار، أو التبادل الأدبيّ والثّقافيّ بين الحضارات والثّقافات.
ثالثًا: الخروجُ بأدبنا من شرنقةِ المحلية إلى آفاق العالميّة.
رابعًا: تقديمُ صورةٍ مشرقةٍ لحركتنا الأدبيّة المحلية.
يشار في سياق متصل، إلى أن العرب كانوا قد تنبَّهوا على أهميةِ التّرجمة منذ مرحلةٍ مبكِّرة على عهد الدولة الأموية، لكنها اتخذت أبعادًا غيرَ مسبوقةٍ على عهد الدولة العباسية، لاسيما على عهدِ هارونِ الرشيد الّذي أسس دارَ الحكمةِ وعلى عهد ابنِهِ المأمونِ تحديدًا، حيث شهِدت حركةُ التّرجمة نشاطًا منقطعَ النظير. كان المأمون يعطي مقابلَ كلِّ كتابٍ مترجمٍ وزنَه ذهبًا! يقول الجاحظ في شرائط المترجم من كتابه الحيوان، ج1، ص76: "ولا بدَّ للتَّرجُمان من أن يكون بيانُه في نفس التّرجمة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناس باللغة المنقولةِ والمنقولِ إليها حتى يكونَ فيهما سواءً وغايةً"!
وأرى من واجبي في هذه المناسبة، أن أُلفتَ النّظر إلى: أنه حتى الآنْ لا يوجدُ عندنا عنوانٌ أو مؤسّسة خاصّة للترجمة، ولا أيُّ تشجيعٍ لمن يرغبُ بترجمة نتاجِنا الأدبيّ إلى اللغة الإنكليزية أو غيرها من اللغات. وكلُّ ما يُبذل من مجهودٍ محمودِ المقاصدِ في هذا المجال هو مجهودٌ فرديٌّ. لذا أهيبُ، من على هذا المنبر، بكلِّ ذي صلة، إلى المبادرةِ إلى إنشاء مشروعٍ يُعنى بتشجيع ودعم وتحفيز التّرجمة من إبداعات أدبنا المحلي إلى اللغة الإنكليزية، كأن يتمَّ، على سبيل المثال، رصدُ جائزةٍ ماديةٍ تُمنح لكلِّ ترجمةٍ، أو إلى أفضلِ ترجمةٍ في أقلِّ تقدير. هي مجردُ فكرة ليس أكثر، والفكرة أساسُ كلِّ عمل!
أما شهادتي بحقِّ كتابي وكتابتي، فهي مجروحةٌ لأسبابٍ تعرفونها جميعًا. من هذا المنطلق، فالرأيُ لكم أوّلًا وأخيرًا، والحكمُ للقارئ المختص تحديدًا. مع ذلك، يقول النّاقد الكندي نورثروب فراي: "ليست الكلمةُ الأخيرةُ للناقد الأدبيّ حصرًا، إنّما لكلّ قارئٍ قراءتُهُ"! فكلُّ نتاجٍ أدبي ينفتحُ على قراءاتٍ أو مدارسَ نقديَّةٍ متعدِّدةٍ، وهو ما يدفعُني إلى القول: لا محيدَ لنا عن قراءة الكتب، فهي حاجةٌ ماسَّة وضرورةٌ مُلِحَّة. قراءةُ الكتبِ من أهمِّ وسائل المعرفة، بل هي مِفتاحُ المعرفة على الإطلاق. فهي الّتي تنير لنا الفكر، وتنمي العقل، وتثري مخزونَ الألفاظِ والمعاني والأفكارِ، كما تهذِّبُ سلوكَنا ونفوسَنا، وتُبعدنا عن العنف بكافةِ أشكاله. وبالنّظر إلى واقعنا الثّقافيّ والاجتماعي، فقد بتنا نخشى على أنفسنا، لكثرةِ ابتعادِنا عن الكتاب وانشغالنا بالمادية المفرطة، والنزاعات المهلكة. فليتنا نصحُو قبل فواتِ الأوان! سأل أحد الصحفيين إمبراطورَ اليابان عن سبب تقدُّم اليابان في وقت قصير فأجاب: اتخذنا الكتاب صديقًا، وجعلنا العلم والأخلاقَ قوَّتَنا!
أخيرًا، أود أن أنتهز المناسبةَ لأتقدَّمَ بالشّكر الجزيل والاحترام الموصول لكلٍّ من: إقبال شريكتي في الحياة الزوجيَّة الّتي سهرت وتحملت. لأستاذيَّ: أ. د. جورج قنازع، ود. فهد أبو خضرة، لما لهما عليَّ من فضل ودعم وتشجيع وتوجيه. للمتحدثين على المنصة. لبلدية النّاصرة على هذه البادرة الطيبة. للإخوة: خالد بُطو وفؤاد عوض ومفلح طبعوني. لعريف الحفل الأستاذ سيمون عيلوطي. للحضور الكريم جميعًا، واعذروني إن نسيتُ أحدًا... شكرًا وإلى اللقاء

33
حيفا تستضيفّ الشّاعر أسامة نصّار!
آمال عوّاد رضوان
الشّاعر أسامة نصّار حلّ ضيفًا على نادي حيفا الثّقافيّ بتاريخ 1.2.2019، حيث أقيمتْ لهُ أمسيةً شعريّة جميلة في قاعة القدّيس يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وبرعايةِ المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وسط حضورٍ مِن الأدباء والشّعراء والأصدقاء، ازدانتِ القاعةُ بأعمالٍ تشكيليّةٍ للفنّان إياد جبارين، وقد افتتحَ الأمسيةَ المحامي فؤاد نقّارة رئيس نادي حيفا الثّقافيّ، وتولّت عرافةَ الأمسية آمال عوّاد رضوان، وتحدّثت بإسهابٍ مستفيضٍ د. روزلاند دعيم، حولّ ميزاتِ المنجز الشّعريّ لأسامة نصّار، وقد أطربَ الشّاعر أسامة نصّار الحضورَ بصوته الجهوريّ الرّخيم وإلقائِهِ العذب المُتألّق، ثمّ تمَّ التقاطُ الصّور التّذكاريّة.
جاء في مداخلة آمال عوّاد رضوان:
مساؤكم شعرًا وإبداعًا.. الإبداعُ هو وسيلةُ أداءٍ لموهبةٍ ما، تُعبّرُ بأشكالٍ فنّيّةٍ مُتنوّعة، عمّا يَجولُ في النّفسِ مِن أحاسيسَ وعواطفَ وأفكار، وحينَ سُئلَ بيكاسو عن غموضِ بعضِ لوحاتِهِ غيرِ المَفهومة، أجابهم: هذا العالم بلا معنى، فلماذا تُريدونَ منّي أنْ أرسُمَ لوحاتٍ ذاتِ معنى؟ إنّ الفنَّ يَمحو عن الرّوح غُبارَ الحياةِ اليوميّة.
وحين سئل أبو تمام: لماذا لا تقول ما يفهم؟ أجاب: لماذا لا تفهمون ما يقال؟ فهل الفنُّ كما قالَ أرسطو: هو شكلٌ مِن أشكالِ العلاج؟
نعم، فهناك الإبداعُ البصريُّ مثل التّشكيليّ مِن رسمٍ ونحتٍ ونقشٍ وتجسيم، وهناك إبداعٌ صوتيٌّ مِن مَسرح وحكاياتٍ وغناء، وهناكَ إبداعٌ حركيٌّ مثلَ  الرّقصِ والسّيرك والألعاب الرياضيّة والألعاب البهلوانيّة وإلخ، ولأنّ الإبداعَ يَعكسُ ثقافةَ شعوبٍ وتاريخَ حضاراتٍ، وواقعَ أُمَمٍ بكافّةِ تشكيلاتِها الاجتماعيّةِ ونشاطاتِها الإنسانيّة، فلا يَسعني إلّا أنْ أقول: الحضورُ الكرام، أهلًا بحضورِكم الميمونِ مُوشّحًا بالمطر، وبغمارِ الشّعر وغِلالِ الإبداع. أهلا بكم أحبّائي، وعساها أبصارُكم تتكحّلُ بجميلِ الإبداعِ مِن نحتِ ورسمِ ونقشِ مُبدعِنا النّجّار مِن الفريدس، الفنّان إياد جبارين يَزهو بأربعةِ عقودٍ، عَشّشَ الفنُّ بينَ أصابعِهِ منذُ الصّغر، فنقشَ الخشبَ ونحَتَ عليه، ولأنّ النّفاياتِ المنزليّةِ مِن ورقٍ ومَعدنٍ وبلاستيك وخشبٍ وملابس وغيرها تُشكّلُ خطرًا على البيئة، لجأ الفنّان إياد جبارين إلى إعادةِ تدويرِ النّفاياتِ المنزليّةِ، واستغلّها جماليًّا في تشكيلِ لوحاتٍ وتجسيدِ مُجسّماتٍ مِن براغي ومُعدّاتٍ وملاعقَ وعِملاتٍ انتهتْ صلاحيّتُها، ولكن، بكلّ أسفٍ مريرٍ، لم يلتفتْ إلى أعمالِهِ الفنّيّةِ أحدٌ، وظلّ على حالِهِ يُمارسُ هوايتَهُ بصمتٍ وتواضعٍ، إلى أن وافتْهُ الصّدفةُ الجميلة، وساقت إليهِ كفاح إغباريه ونجوى كبها رئيسة جمعيّة نجم للفنّ، فضمّتْهُ لمجموعةِ الفنّانين والرّسّامين، ومنذها، بدأت مرحلةُ تسليطِ الضّوءِ على فنِّهِ، مِن خلال لقاءٍ إذاعيٍّ أجرتْهُ المذيعةُ سوزان دبّيني، ومِن خلال بلال شلاعطه في تلفزيون هلا، ومِن خلفِ السّتارِ أطلَّ الفنّان بخطوتِهِ الأولى في مشوارِهِ الفنّيّ، بأوّلِ معرضٍ فنّيّ لهُ في بلدِهِ الفريديس، لينطلقَ ثابتَ الخطى في تشكيلِ لوحاتِهِ المعدنيّةِ والخشبيّة. أهلًا ببديعِ فنِّكَ في جنان الإبداع، وأهلًا بما رسمتَ ونحتتَ وشكّلتْ أنامِلُك من لوحاتٍ ومنحوتاتٍ ومُجسّماتٍ معدنيّةٍ وخشبيّة، وها نحن نقف أمام فنون المبدع إياد الدقيقة متعدّدة الحجوم والمُعدّات، لوحة فتاة مكوّنة من قطع معادن وأسلاك و3000 برغي، ولوحة الحصان من 1500 برغي، ولوحة ظلّ رجل مؤلفة من 2000 مسمار صغير، ولوحة برج إيفل من قطع نقديّة معدنيّة ومفاتيح، ولوحة سلة تتكوّن من أسلاك كهرباء نحاسيّة، وباب مدخل بيت خاصّ منحوت من الخشب، ومجسّمات من زجاجات مشروب فارغة، ومُجسّمات مدمجة من ملاعق، شوك وقطع معدنيّة وخشبيّة.
الحضور الكرام، نتمنى لكم أسعد الأوقات وأمتعها معنا هذه الليلة، ومن روعة فنّ الانامل، الليلة نمضي من هناك من ضفة البعيد القريب المبتور إلى ضفة حيفا الجليل، أحبائي وبكل البشر والفرح، وبعيدا عن اصطخاب الموج واضطرابه ما بين مد وجزر، دعونا نركب زوارق الكلام الواعي الراقي، لنمخرَ في بحر الشّعر والاحساس، ونشقَّ عبابَ القصائد المتوهجة، لنشنّفَ أسماعَنا بأعذب الكلام وأجزله، ينثرُ شذاه عطْرًا فوَّاحا، لتطرب به أرواحنا. *الشّاعر أسامة نصّار أهلًا بفوْحِ زهورك الشّعريّةِ مِن ممشاها رام الله إلى ملفاها حيفا. أهلًا بقصائدك البرقيّة الورديّة العابقة بالإحساس في جنان القوافي. أهلًا بك بيننا بكلّ عناوين المَحبّة النقيّة، وبكلّ ألوان التّرحيبِ الجميل، اسامة فيصل محمد نصّار من مواليد 1971 دمشق، أتمّ دراستَهُ الابتدائيّةَ في سوريا، والثانويّةَ والجامعيّةَ في العراق، خرّيج كليّة العلوم السّياسيّةِ جامعة بغداد عام 1993. بدأ الكتابة عام 2007، عضو اتّحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيّين، عضو اتّحاد الكتّاب العرب. مِن أعمالِهِ الشّعريّة الصّادرة *نغم وشاعر وطن، *فارس على صهوة العشق، *رجل تائه، والعمل الرابع في شهر آذار القادم باللغتيْن العربيّةِ والإنكليزيّة بعنوان *ظلال العطر، فدعونا نُحلّقُ معًا إلى ذرى العاطفة، حتّى تصدح بالنغم.
د. روزلاند كريم دَعيم:
كاتبة باحثة، محاضِرة، محرّرة وإداريّة من مواليد وسكّان حيفا. *حاصلة على شهادة الدكتوراه في الآداب المقارِنة والثقافة الشعبيَّة (جامعة حيفا). *تعمل محاضرة في الكليّةِ الأكاديميّة العربيّة للتربية- حيفا. *تشغلُ منصبَ رئيسة وحدة التداخل الاجتماعيّ فيها. *تعمل باحثة قُطريّة في مجال تقويم البرامج التعليميّةِ والتّربويّة- معهد موفيت. *باحثة وناقدة في الأدب والثقافةِ الشّعبيّةِ المُقارنة والإثنوغرافيا الوصفيّة. *باحثة في أدب الأطفال، وخبيرة في تدريس اللغات. لها مشاركاتٌ عديدةٌ بمؤتمراتٍ أدبيّةٍ نقديّةٍ وبحثيّةٍ دوليّةٍ ومَحليّة، ولها عدّةُ مقالاتٍ علميّةٍ أكاديميّةٍ منشورة في مواضيع البحث الأدبيّ والثقافةِ الشّعبيّةِ، والتّربية والعمل المجتمعيّ، ولها عدّةُ قصصٍ أصليّةٍ ومُترجَمة للأطفال. ناشطةٌ اجتماعيّة صاحبةُ خبرةٍ في إدارةِ وتطويرِ المجتمع المدنيّ والعملِ الأهليّ، تمتدّ إلى 30 عامًا شغلت خلالها مناصبَ إداريّةً ومهنيّةً مختلفة، منها رئيسة جمعيّة الجليل في السّنوات 2009-2013، ولها خبرةٌ في توثيق البرامج وتقويمِها.
مداخلة د. روزلاند دعيم بعنوان شاعر على صهوة عشق:
 أرحّبُ وإيّاكم بالشّاعر أسامة الحسن نصّار في وطنه الأمّ طيرة اللوز- حيفا. سوفَ أتناولُ في هذه العجالة ديوانَي الشّعر "فارسٌ على صهوةِ العشق" و"نغم وشاعر وطن"، في ضوءِ مناهج النّقد المختلفة، وإن كانَ الوصولُ إلى جوهر القصيد يتطلب حفرًا في النّصّ وحفرًا في المعرفة. (ميشيل فوكو)
العناوين: لو نظرنا إلى عناوين القصائد، نراها تُشيرُ بمُعظمِها إلى علاقةِ عشقٍ مع سيّدة؛ علاقة قد تصلُ حدّ العقيدة. وتتناصّ (جوليا كريستيفا) مع الإغريق وفلسفتهم وحضارتهم وآلهتهم، ونجد ترجمتَها العمليّة في طقوسِ العاشق. هذه السّيّدة الّتي وصفها على أنّها "امرأة من مطر"، "ملكة حياتي"، "المستبدّة" الّتي "يعشقها حتّى الجنون"، ويَهيم بها عشقًا وهو الفارس على صهوةِ العشقِ، كما اختارَ أن يُسمّيَ أحد الدّيوانينk، وهي "زهرة الأقحوان"، و"سيّدة الكبرياء"، و"صاحبة الجلالة"، و"الدانة"، وهو "هذا أنا"، "طبعه الوفا".
كما اختارَ أن يُسمّي الدّيوان الثاني "نغم وشاعر وطن"، فيُعلنُ بذلك مكانتَهُ كشاعر وطن، بعد أن كان قد أعلن عن نفسه أنّه الفارسُ العاشق، ومن خلال هذه المعادلة نرى أنّ قصائدَهُ ترتكز على ثلاث: "أنا" و"أنتِ" و"الوطن". ولا تقفُ موضوعاتُهُ-مِن خلال العناوين- عند هذا الحدّ؛ فقد تظهرُ عناوينُ مِن موتيفات الطبيعة ("طواحين" و"شطآن"..)، أو من موتيفات ومجالاتٍ شخصيّةٍ أو وطنيّة: (رثاء لأخي الحبيب، الجدار وأمي، أبشرك يا جدي، حكاية زمن)، ولو اكتفينا بهذا القدر من العناوين، يتبقى أن نشير إلى أن عناوين القصائد تتطلب قراءة سيميائيّة شاملة وعميقة؛ فيُعتبر العنوان نظامًا سيميائيًّا ذا أبعادٍ دلاليّةٍ رمزيةٍ وأيقونيّة شديدة التّنوّع والثّراء، كونه يتمّ في اللقاء الأوّل بين المرسل والمتلقّي، وهو أوّل ما يُواجه المتلقّي من النّصّ والعتبة لتأسيس وعي القارئ (قطوس، 2001). وتتعدّد وظائف العنوان في النّصّ الأدبيّ، ليضع القارئ أمام علاقات مختلفة، يُمهّدُ للموضوع ويُشيرُ إلى المضمون، ويُثيرُ التّداعيات والتّوقّعات، ويُشير إلى معلومة أو معلوماتٍ ذاتِ أهمّيّةٍ في النّصّ (Taha, 2000- 68). 
ولو عدنا إلى قضيّةِ النّصوص المُوازية، فهي المناصُ وعتباتُ النّصّ وكلُّ النّصوص المُرافِقة للمتن، والّتي تُعتبر مدخلًا لا بدّ منه للولوج إلى عالم النّصّ. وقد عالجَ المصطلحَ العديدُ من النّقاد المعاصرين (Genette1997).
من هنا نحن نرى أنّ عناوينَ القصائد مستوحاة من مضامينَ وفكرٍ فلسفيّ هادف.
مستوى النص وما وراءه- ثنائية المبنى والمعنى بحسب المنهج البنيوي، يكتب أسامة الشّعر الحر، ومع ذلك نراه يلتزم بالقافية ممّا يغني موسيقى الشّعر، فيقول في قصيدة امرأة من مطر (ص39- فارس على صهوة العشق):
يا امرأةً/ ينسكبُ المطرُ/ مِن حناياك جودا/ في روحي فتخضَرُّ/ وتزدادُ خِصبًا/ وتشتدُّ عودا/ (صُمودا، حُدودا، عُقودا، خدودا، رُعودا، وقعودا).
تحمل هذه القصيدة بعدًا ملوكيًّا باستخدام الشّاعر مفردات مثل: التاج، الماس والجواهر وعقود المرجان. كما أنها تحمل بعدًا عقائديا حضاريًّا بحديثه عن المواسم على أضرحتي؛ ولماذا أضرحتي بصيغة الجمع وليس ضريحي!
وتحمل على مستوى المعنى: يستعير الشّاعر معجمًا غنيًّا من الطبيعة، يمكن أن نصنفه تحت موتيفات مختلفة: الهواء، الشمس، النجوم والسماء، فوهة البركان، الدم القاني، الزلزال، العَنان، العواصف والرعد والأمطار والسيول (بصورتها العنيفة في قصيدة طائر الحُب) ومطر الحب الّذي يهطل مملوءًا بحواس العطر، والأحلام الّتي تحمله فوق الغمام في قصيدة حبيبتي)، البحور، النبع، الغمام، الموانئ والشطآن، خلجان لؤلؤ ويسبح بالمرجان.
ومن ملامح الحضارة المادية والفكرية: الطواحين، الأسوار والحصون، القصور، وجميعها تدلّ على عظمة وقوّة. ومن الحضارة الفكرية- الحب العقيدة (شعر العشق الإلهي- نشيد الإنشاد)، أسطورة العشق الإغريقيّة، (وهل هي أفروديت أم عشتار البابلية وعشتروت الفينيقية، وهل هي إنانا السومريّة أم فينوس الزهرة الرومانيّة؟)
ومن حوار بين السّطور (فارس ص22):
إن كنتِ أنتِ سيدتي نارًا فأنا على قمم الجبال بركان/ واعلمي أنني من يوقدُ كلَّ النيران ويخمدها/ فأنا أسطورة عشقِ تعيش في داخل إنسان/ أنا الماء في منابعه مطرًا وسحابٌ ينثر فيك النسيان/ أمطار الخير بين حنايا سحاباتي وعذب الفرات يلتقي بدجلة في مسافاتي/ أنا بناء فينيقي بنيت نواعير العشق في بابل/ أنا حارس العصافير والسحر في صدى الخرير/ أنا الّذي دمر كل قلاع الحب وبناها بيدين من حرير/ أنا من غزا سبأ بحروفه واقتلع مملكة وأعلن التحرير.
ملاحظات حول القصيدة: في القصيدة ترد موتيفات غير محلية كاللؤلؤ والمرجان، وإن كانت موتيفات ملوكية، وهو الّذي يتحكم بإيقاد النيران وإخمادها.
(وما زلنا في المنهج البنيوي الّذي يُعتبر أقرب المناهج إلى النّقد الأدبي)، يؤدي التحول في المبنى إلى تحول بالدلالة (دي سوسير، بياجيه)، فيكثر الشّاعر أسامة من استعمال التعابير الاستعارية والمحسنات اللفظية على أنواعها، مما يؤدي إلى انزياح في المعنى: قيثارة السلام/ سحاب الوفاء/ حممي تنفث جمر رمادها/ زلزالك يهز وجداني/ نور الشمس أضاء من عينيك
قصيدة طقوس عاشق (فارس ص32): أنتِ الكون وأنا الرسام الّذي يرسمه/ أنت المطر وأنا السّحاب الّذي يحمله/ أنت الشّعر وأنا من يكتبه/ أنت البركان وأنا اللهيب الّذي يوقده/ أنت طقوس تعانق كوني ....
(ثنائيات- يوري لوتمان وأوسبنسكي): المناهج السياقيّة الخارجيّة تجد لها صدى في قصائد الدّيوانيْن، وإن المنهج كان المنهج النفسيّ يطغى على المنهج التاريخيّ والمنهج الاجتماعيّ.
التحام الشّاعر مع ذاته: ينعكس التحام الشّاعر مع ذاته ومع احتياجاته، من خلال استعماله الضمير "أنا"؛ فيقول: "أنا طواحين" (طواحين) وتظهر ياء الملكية في: حبيبتي، ملهمتي، مدرستي. ويستعمل ياء الملكيّة ليعبر عن تجاربه: حبي، اختباراتي.
يؤكّد الشّاعر بقصيدته "طواحين" على التحامه مع ذاته من جهة، وعلى علاقته بالأخرى "هي" الّتي تدير طواحينه، وتضيء الشمس والنجوم. وباستعماله كلمة طواحين تستحضرنا حضارة طواحين القمح المنتشرة بكثرة في الجليل، إلّا أنّه يسحبنا نحو طواحين الهواء الّتي تدور بالهواء أو بالهوى! وتدور بلا هوادة. ويُطرح السّؤال: هل الدّوران جسديّ أم نفسيّ؟ وهل هو الدّوران في طقس مقدّس؟ حيث "خرجت روحي عن الجسد مترنّحة من أشواقي"، فهل هو ترنّح الإعياء أم النّشوة! وهل هو أصلًا ترنّح الموت؟ أم أنّه التّجلّي؟
ونعود للضمير أنا، إذ يقول: أنا رجل (حبك عقيدة ص5). أنا أعشق (حبيبتي ص11). أنا رجل. أنا أنا كما أنا. أنا الحرف. أنا الّذي. أنا وطن (أنا ونفسي). أنا نغم أنا الحب. أنا الأرض.
تتجلّى روحانيّة العشق في قصيدة حبك عقيدة ص5 حيث يعلن:
"أنا رجل الحب لديه عقيدة". "لا تظني عشقي غاية لإشباع رغباتي". فحبه غير محصور بالملذات. ويقول: "والوفاء عندي عنوان في كتبي الفريدة". "وعلمتني طباعي أن تكون نزواتي رشيدة". "صدقيني أعشقك بإيماني لا بترهاتي/ أنك امرأة مع روحي وليدة". "وافهمي أن كلّ هذياني وصرخاتي لأثبت لك أنّ حبي عقيدة". ومن خلال التحام الشّاعر مع ذاته، تعمّد الإعلانَ عن نفسه وعن حبّه وعن روحانيّةِ عشقه.
في قصيدة نداءِ لها ص15 يقول: "ولستِ على مذبح رجولتي إحدى قرابيني/ ندائي ليس ضعفًا أبدا ولا تعتبريه خضوعًا/ لكن مصيبتي أنّك تسرين بشراييني".
وبالرّغم من قدسيّة العشق، إلّا أنّه يشير في قصيدة قاضي الغرام ص21، إلى علاقةٍ جسديّة قد حدثت بقوله "قبلني وقبلته". وينطلق الشّاعر نحو قضايا وجوديّةٍ جوهريّة، تُذكّرنا بطلاسم أبي ماضي في قصيدته من هي...! (وطن ص7)، حيث يقول: "هي من هي/ هي أنا ونفسي". "نجم قطبي عانق المجرة ألقًا/ جاور الكواكب لتنهل منه النور وروعة المنظر". "هي من هي/ هي إيمان عاشق.../ وجاذبيّة الأرض على سطح القمر.
الجوانب الوطنيّة: لو نظرنا إلى قصائد الشّاعر أسامة الحسن، فإنّنا نراها غنيّة مُشبعة بصور العشق على أنواعها، إلّا أنّنا لا نستطيع الوقوف عند هذا الحدّ، إذ تحتوي رموز العشق تضمينًا واضحًا ليكون عشق الوطن. وما يدعم رأينا استعارة الشّاعر لموتيفات من الطبيعة الجميلة، وما هي إلّا طبيعة الوطن، ومن الطبيعة الصاخبة، وما هي إلّا طبيعة الوطن بظروفه السّياسيّة. وهذا ما أتى في عنوان ديوانه "نغم وشاعر وطن"، وهذا ما يرد علانية في قصيدته "أنا ونفسي" ص15 بقوله، "أنا وطن يسكنه وطن"، أو بقصيدته أعشقك حد الجنون (وطن- ص18)، حيث يستعمل موتيفات مألوفة في العشق والغزل: "أعشقك يا كحيلة العيون/ يا غابة الورد والبان والزيزفون" ...... "ملكة متوّجة على عرش قلبي".
ويعلن أنّه نبذ العنف وعشق السلام: من ديوان (نغم وشاعر وطن) ص20: عشقت بك سحر العيون/ وجمال القوام/ ونبذت العنف بحبك وعشقت / السلام/ لا تحسبينه ضعفا أو ترجمة/ لمعاني الانهزام، فهل هي المرأة أم الوطن؟
وترد إشارات سياسية واضحة في قصيدة رثاء لأخي الحبيب (ص66)، وفي الجدار وأمي من ديوان (فارس على صهوة العشق) ص69-70: جدار/ ومئة حصار/ وألف حوار في الأزقة والأسواق/ والحقول والبيوت/ جدران شيدت قصرا لا بالاختيار/ ولم يبقَ سوى بقايا أمي/ ويا ليت كل أمهات الأرض / كأمي/ تسكن روحي ووجداني/ أعشقها حد النخاع/ وهي كل همي
وترد اشارات مهاجمة جيوش العروبة في  أبشرك يا جدي ص74: من ديوان (فارس على صهوة العشق): أبشرك يا جدي/ قد حررت أرضي/ لا تسألني كيف/ فالسؤال غير مجدي/ لا تسأل كثيرًا فالمفاجآت كثيرة/ يا جدي/ جيوش العروبة حاربت وقبلت التحدي/ لا تصدقني فوالله أكذب عليك يا جدي/ فقد ضاع بعد الأرض بيتي وعرضي/ عدموا زعماء العرب في أعيادهم/ وجميعنا نصغي/ كنا بدولة وأضحينا بثلاث أليس هذا/ من دواعي الفخر يا جدي
وكأننا بنزار في قصيدته "الّذين يزنون بالكلام"، فيقول في حكايا زمن ص86، من ديوان (فارس على صهوة العشق):
هي طفلة في بلد عربي/ ما ذنبها زمن/ وما ذنب ابتسام وحسام/ وعمر وحسن/ أطفال بعمر الورد/ سطروا بجراهم آهات وطن/ وكتبوا على جدار التاريخ/ بأشلائهم لمَ نحن ندفع الثمّن/ بأي ذنب وأدتمونا أحياء/ ونفضتم عن جبينكم عار الزمن
على مستوى إشكالية النّقد:
يعتمد المنهج الفني على عمل الأديب، مستخدمًا الأصول والقواعد الفنية، ويتطلب النّقد الفنيّ معرفة أدبيّة وافية وقدرة نقديّة متطوّرة. وهنا لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ الخطاب النّقديّ قد تعرّض لتحوّلات في العقود الثلاثة الأخيرة، إذ يصعب على النّاقد اليوم اعتماد المقاربة الكلاسيكيّة، أو اعتماد أسرار البلاغة والمستوى النّحويّ، حيث أنّ لغة الشّعر الحديث وتنوّع موضوعاته وانزياحاتها اللّامتناهية، تجعل الشّعر بعيدًا عن التأطير والتنظير- في بعض الأحيان- ويأتي ذلك على ضوء تعدُّد وتداخل مناهج النّقد المعاصرة.
بناء على هذه الإشكاليّة، فإنّنا نقترح قراءة النّصوص المطروحة أمامنا بمقاربة سيميائيّة، بحسب نظريّات ما بعد الحداثة، دون إلغاء القراءات السابقة.
فمن كون النّصّ مجموعة من العلاقات (بحسب البنيويّة)، فإنّ السّيميائيّة تعتبر النّص مجموعة من العلامات أو الشّيفرات، تسعى إلى تطوير طرائق منفتحة للقراءة، من خلال الاهتمام بالخطاب الفلسفيّ والدّينيّ، بوصفها أنظمة فكريّة تخفي خلفها سيلًا من المعاني، وتنتمي إلى أنظمة رمزيّة تشكل ثقافة النّصّ، كالكتابة والفن والأساطير والسلوك والطقوس (دي سوسير، شارل موريس- علميّ/ رولان بارت، لاكان، كريستيفا- كمنهج نقدي/ أو بحسب سيمياء الثقافة (لوتمان وأوسبنسكي وإيفانوف وتوبوروف- جماعة موسكو- تارتو)
وأخيرًا.. في قراءة شاملة لديواني الشّعر، يمكننا توظيف جميع المناهج النّقديّة الداخليّة والخارجيّة، ولا نتنازل بشكل جوهريّ عن المنهج الفنّيّ، لأنّه دون المستوى الفنّي اللائق، تكون كلّ قراءة نقديّة أخرى واهنة أو مبتورة، ولكنّنا نرى قيمة مضافة لقراءة القصائد مع مقاربة سيميائيّة، لما فيها من استحضار حضاريّ وثقافيّ غنيّ من ناحية، ولاتّساع دائرة المواضيع والموتيفات الّتي يصعب حصرها بقراءة بنيويّة فقط.

34
أمسيةٌ أدبيّةٌ قرمانيّة في الناصرة!
آمال عواد رضوان
أمسيةٌ أدبيّةٌ ثقافيّةٌ قرمانيّة أقامها منتدى الفكر والإبداع احتفاءً بالأديبة سعاد قرمان، وذلك في كليّة الفنون- النّاصرة بتاريخ 6-2-2019، وسط حضور من الأدباء وذوّاقي الأدب، وقد تحدّث في اللّقاء كلٌّ مِن:  د. فهد أبو خضرة عن دورها الريادي الأدبيّ والإعلاميّ، و د. محمد خليل في قراءةٍ تكاملية لنتاجِها الشعري والنثري، والأديبة آمال عوّاد رضوان تحدثت عن أثر الأسرة والبيئة في صقل شخصية سعاد قرمان، والأديب عبد الرّحيم الشيخ يوسف تحدث عن الديباجة الشعرية في حصاد العمر لسعاد قرمان لغة وأسلوبا، وفي النهاية شكرت المحتفى بها الأديبة سعاد قرمان الحضور والمتحدثين، ثم تم التقاط الصور التذكارية.
مداخلة د. فهد أبوخضرة: السيدة الأديبة سعاد قرمان رائدة من الرائدات اللاتي بدأن الكتابة في سنوات السّتّين، رائدةٌ مميّزةٌ كَتبتْ في أربعةِ مجالاتٍ مختلفة: الشّعر: النثر الأدبيّ، الإعلام، التّرجمة من وإلى اللغة الإنجليزيّة.
في الشّعر جاءت كتاباتها حول عدّة مواضيع رئيسيّة، أهمّها: الموضوع الإنسانيّ، الموضوع الوطنيّ، الموضوع الاجتماعيّ والموضوع الشخصيّ. استعملتْ في أشعارها الأسلوبَ الرومانسيّ الذي ظهر سنة 1932 وتوقف سنة 1948، بسبب الأحداث في فلسطين، إذ شكّلتْ هذه الأحداث صدمة للأمّة العربيّة، جعلتها تخرج من الرومانسيّة وتنظر إلى الواقع.
الذين استعملوا الأسلوبَ الرومانسيّ بعد سنة 1948، كانوا من الذين واصلوا كتابةً سابقة وطويلة العهد، تعتمد هذا الأسلوب، ثم جاء أتباعُ الرومانسيّة، وخلال سنوات الخمسين والستين جمعَ بعضُ الشّعراء بين الرومانسيّة والكلاسيكيّة، أو بينها وبين الواقعيّة الاشتراكيّة أو الواقعيّة النقديّة.
في هذه السنوات تميّزت الكتابةُ الشعريّة بالوضوح، وكان من المُهمّ عند الشعراء أن تصلَ أفكارُهم ومشاعرُهم إلى الجمهور، ومن هنا برزت ظاهرةُ المهرجانات الشعريّة التي كان يشاركُ فيها جمهورٌ غفيرٌ جدّا، يصل إلى عدّة مئات أحيانًا، ويتجاوزها أحيانًا أخرى، والشاعرة سعاد قرمان تميلُ إلى الوضوح بشكلٍ دائم، وبهذا ظلت بعيدةً عن أساليب الحداثة التي استعملت في الشعر العربيّ منذ أواخر سنوات الخمسين.
في النثر الأدبيّ كتبت مقالات عديدة حول مواضيع مختلفة، ولكنني أودّ أن أشيرَ بشكلٍ خاصّ إلى ما كتبته في موضوع المذكّرات حول عائلتها، وحول ذاتها، لأنّه يستحقُّ دراساتٍ جادّة.
في مجال الإعلام كان لها دورٌ كبيرٌ في سنوات الستين والسبعين، وقد استعملت اللغة الإعلاميّة المتأثرة باللغة الأدبيّة، مع اهتمام واضح بسلامة التعبير، واختيار المفردات، والالتزام بقواعد اللغة، وهو أمرٌ ذو أهمّيّة كبيرة في الماضي والحاضر والمستقبل، للمحافظة على اللغة العربيّة الفصيحة، هذه اللغة التي تتراجعُ باستمرار على أرض الواقع، مع الأسف الشديد، ونحن مدعوّون للتحرّك والقيام بما يجب، في أسرع وقت ممكن، لوقف هذا التراجع.
في مجال الترجمة عن الإنجليزيّة، يظهر لكلّ قارئٍ مُدقّق الإتقانَ الكبيرَ في الشعر العربيّ الذي صاغته، مع الالتزام إلى أكبر حدّ ممكن بالنصّ الإنكليزيّ، مدّ الله في عمرها، وكثر مثيلاتها في هذه الديار، ولها كل التقدير والاحترام.
مداخلة آمال عوّاد رضوان:
*وُلدتْ سعاد قرمان عام 1927 في حيفا لعائلةٍ محافظةٍ انتقلت من مدينةِ نابلس في بدايةِ القرنِ العشرين، وكانت حيفا في فورةِ انطلاقتِها للتّوسّعِ والازدهارِ التجاري، بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى، وحلقةِ وصْلٍ بينَ بلدانِ الشّرق الأوسطِ؛ سوريا العراق لبنان الأردنّ ومصر، وامتدَّ فيها خطُّ قطارٍ للشّام ومصرَ والسّعوديّةِ، ونتيجةً لانتصارِ بريطانيا وفرنسا في الحربِ العالميّةِ الأولى، واحتياجِ الجيشِ لمواصلاتٍ سريعةٍ تَنْقُلُ مُعِدّاتِهِ وأفرادَهُ، بُذلتِ الجهودُ نِهايةَ عام 1918م لإنهاءِ امتدادِهِ بينَ هذهِ الدّولِ الّتي أصبحتْ تحتَ الانتدابِ الإنكليزيِّ الفرنسيِّ، طِبْقًا لمعاهدةِ سايكس بيكو الشّهيرةِ الّتي قطّعتْ أوصال بلدانِ الشّرق الأوسطِ، وهيّأتْ لتوطينِ يهودِ أوروبّا والعالمِ في فلسطين.
* ترعرعتِ الطّفلةُ سعاد في جوّ من التّديُّنِ والأصالة الوطنيَّةِ في بيتِ العائلةِ الكبير المؤلف، عمل والدها بالتّجارة مع أخيهِ الأكبرِ، والوالدة عبقتْ حياتُها بروحِ الفنِّ والعِلمِ، وجدّتها لأبيها بشخصيتها الحازمة نالتِ الطّاعةَ والاحترامَ مِن جميعِ أفراد العائلة المُتآلفةِ على مائدةٍ واحدةٍ.
*كانَ العمُّ الكبيرُ عميدَ العائلةِ المخطِّطَ للأعمالِ عامّةً، ذا مركزٍ اجتماعيٍّ وطنيٍّ مرموقٍ، وكانَ والدُها مساعدَهُ ويهتمّ بتفقّد أمور العائلةِ والزّياراتِ والأعيادِ والمناسباتِ.
* كانَ لبيتِ جدّتِها لأمِّها القائمِ في الحيِّ ذاتِهِ التأثير في نفسيّة وروح الطفلة سعاد، فجدُّها كان كاتبًا في المحكمةِ الشّرعيّةِ، ربّى أولادَهُ وأبناءهُ على العِلمِ والتّقوى، وتُوفّيَ تاركًا الحِملَ على أرملتِهِ، وكانتْ خيّاطةً ماهرةً، وعلى ابنِهِ الأكبر الّذي عُيّنَ مُدرِّسًا، فاهتمَّ بتعليمِ إخوتِهِ الثّلاثة ورعى مواهبَهم؛ فتخصّصَ جمال بدران في كلّيّةِ الفنونِ التّطبيقيّةِ في القاهرةِ وبرزَ فيها، فأُرسِلَ في بعثةٍ إلى لندن حيثُ قضى أربعَ سنواتٍ، وعادَ فنّانًا مبدعًا في الزّخرفةِ الشّرقيّةِ والخطِّ الكوفيِّ، ومختلفِ فنونِ الزّخرفةِ والنّحتِ على الخشبِ والجِلدِ وغيرِهِ، وتخصّصَ الثّاني خيري بالنّسيجِ في ألمانيا وبرعَ في الحياكةِ والزّخرفةِ، أمّا الثّالث عبد الرّزّاق فتخصّصَ بالتّصويرِ الفوتوغرافيِّ بأنواعِهِ، كذلكَ إحدى أخواتِهِ نهيزة تخصّصتْ بالتّعليمِ وإدارةَ مدرسةٍ حكوميّةٍ.
*كانت أمّها الكبرى، وأختُها الأصغرُ سنًّا تزوّجتْ قريبَها الصّيدليَّ في الأردنّ، وربّتْ أبناءَها على التّكلّم فيما بينهم بالعربيّة الفصحى، ممّا كانَ يُثيرُ استغرابَنا عند اللقاء.
*الخالةُ الصّغرى تلقّتْ تعليمَها الثّانويَّ سنة (1925م) في المدرسة الإنجليزيّةِ العليا في حيفا، وكانتْ في حينِها أرقى مدرسةٍ عليا للبنات، تُضفي على طالباتِها الثّقافةَ الأوروبيّةَ والنّظامَ الإنكليزيَّ، واللّمساتِ الفنّيّةَ في كلِّ ما يتعلّقُ بالبيتِ والحياةِ.
*بينَ هذيْنِ البيتيْنِ ترعرعت سعاد، وشهدت التّوتّرَ العامّ بما يدورُ حولها مِن هجرةٍ يهوديّةٍ، وتَحَرُّكِ المُقاومةِ العربيّةِ وأخبارِ الثّوّارِ في الجبالِ، إذ كانَ بيتُ العائلةِ الحدَّ الفاصلَ بينَ الأحياءِ العربيّةِ ومنطقةِ اليهود، وكانت تراهم يحملونَ المشاعلَ وتسمعُ أناشيدَهم الحماسيةَ الغريبة، مما يثير توجُّسها، وفي سنة (1936م) أضربتِ الأوساطُ العربيّةُ إضرابَها الشّهيرَ لستّةَ أشهرٍ، ولم تكنْ قد أنهتْ تعليمها الابتدائيَّ.
*كانَ عمّها عضوًا في بلديّةِ حيفا، وعضوًا في الجمعيّةِ الإسلاميّةِ فرع حيفا الّذي تأسّس سنة (1928م). وكان اسمُهُ مُدْرَجًا في قائمةِ المنفيّينَ، فكان في بيروت، وبين العامين (1937-1938م) اشتعلتِ الثّورةُ الاضطراباتُ وضدَّ الإنكليزُ، احتجاجًا على وعدِ بلفور بتحقيقِ وطنٍ قوميٍّ لليهودِ في فلسطين، فانتقلتْ مع أمّها وإخوتها إلى بيروت، وبقيَ الوالد في حيفا في المحلِّ التّجاريِّ للمحافظةِ على الرّزقِ.
*تعلّمت في هذه السّنةِ في بيروتَ في مدرسةِ الآنسةِ أمينة المقدسيِّ الابتدائيّةِ، وعادت العائلةُ إلى حيفا ببابور صغيرٍ يشحنُ قطيعًا من الغنمِ، حُشِرَ في الطّبقةِ السّفلى من السّفينةِ، والعائلةُ على سطح السّفينةِ، وكانَ يومَها ربيعيًّا، أشبه بنزهةٍ ما بينَ ميناءَيْ بيروت وحيفا.
*استأجرت العائلة بيتًا في حيِّ الألمانيّة، لصعوبةِ السّكنِ في البيتِ القديمِ المُلاصقِ للحيِّ اليهوديِّ، فدرست سعاد لسنةٍ واحدةٍ في مدرسةِ راهباتِ الكرميليت بحيفا، وتلقّتْ مبادئَ اللّغةِ الإيطاليّةِ سنة (1940م)، لكن القلاقلُ السائدة، دفعتها مع أختها وأخيها الأصغرَ سنًّا، لمتابعة التعليم في مدارسِ غزة الحكوميّةِ، حيثُ كانتْ خالتها مديرةً في مدرسةِ البناتِ، وخالها أستاذًا.
*وهكذا حظيتُ بمعلّمةِ اللّغةِ العربيّةِ الآنسة عصام الحسيني، وكانتْ مُدَرِّسةً عظيمةً تُحبُّ اللّغةَ والأدب، وتغرسُ محبّتَها في نفوسِ طالباتِها، وكانَ جوُّ المدرسةِ وطنيًّا، ينتظمُون كلَّ صباحٍ ويننشدُون الأناشيدَ الوطنيّةَ: "نحن الشّباب"، "موطني" وغيرها، ممّا قوّى الرّوحَ العربيّةَ في نفوسِ الطّلّاب، وتأجّج الروحي بحبِّ الوطنِ واللّغةِ العربيّةِ والشِّعر، إضافة إلى نشاطاتٍ مهنيّةً إلى جانبِ التّعليمِ النّظريِّ، فكانتْ هناكَ حصّةٌ للتّدبيرِ المنزليِّ مِن طبخٍ وغسيلٍ وكيٍّ، وكانتْ حصّةٌ للتّطريزِ والأشغالِ اليدويّةِ، إضافةً إلى الرّياضةِ والأناشيدِ والقرآنِ الكريمِ والدّين الإسلاميِّ.
*عام 1940 إقامةُ مباراةٍ بينَ صفوفِ الثّوامنِ مِن المدارسِ الحكوميّةِ للبناتِ، وهكذا انهمكتْ مع بناتِ صفّها في إعدادِ برنامجِها للمباراةِ، فكانَ هناكَ قِطعٌ مطرّزةٌ منتقاةٌ، وتدرّبتْ على طبخِ صينيّةِ كبّةِ البطاطا، كما دأبتْ على حياكةِ بساطٍ مِن الصّوفِ الملوّنِ على نسقِ بساطِ غزّة الشّهيرة، وفي نهايةِ السّنةِ الدّراسيّةِ أُرسلتِ الأشغالُ اليدويَّةُ معَ المعلّمةِ المختصّةِ، والجميلُ أنّ الجميع حاز على المكانةِ الثّانيةِ بينَ تطريزٍ وحياكةٍ وطبخٍ.
*كانَ يُفترض في السّنة التّالية (14 عاما) أن تنتقلَ إلى دار المعلّماتِ في القدسِ للتّعليمِ الثّانويِّ والتّخصّصِ كمعلّمةٍ، لكنّ العائلةَ لم تعجبْها فكرةُ إرسالِ ابنتِها للدّراسةِ بعيدًا عن البيتِ، فأكملتْ تعليمها الثّانويَّ في ثانويّةِ راهباتِ النّاصرةِ في حيفا.
*لقد اخترتُ جزءًا صغيرا من حوارٍ طويلٍ أجريته مع الأديبة سعاد قرمان، هذا الجزءُ الذي أثّر تأثيرًا بالغًا وعميقًا في روح ونفسيّةِ الطفلة سعاد، وفي صقلِ وبلورة شخصيّتها التي هي عليها اليوم، وهنا تناولت الجانب التربويّ التأسيسيّ لشخصيّة الطفل، فكان البيت يُشكّلُ البيئة المثقفة الحاضنة الواعية، وكان لدور المدارس على اختلاف مشاربها وحضاراتها وأساليبها ومنهجيّتها المختلفة، الأثر العميق في إكساب سعاد الطفلة القطاف ميزةَ اقتطافِ الثمار الطيّبة الناضجة، فقويتْ لغتها العربيّةُ في غزّة، والإنكليزيّةُ في بيروت، والفرنسيّةُ في راهباتِ النّاصرةِ، عدا عن المهاراتِ المختلفةِ كالتّطريزِ والحياكةِ والتّدبيرِ المنزليِّ والرّياضةِ، التي دعّمت شخصيتها المثقفة المؤمنة بنفسها وقدراتها وطاقاتها، لتكون من الرائدات المُحرّكات في المجتمع.
*هذا الجزء من الحوار المطول يعكس الحالة الأمنية والقلاقل الثورية، ولكن هل يعكس حال المجتمع العامّ والحالة الاجتماعية العامّة في تلك الفترة؟
مداخلة د. محمد خليل:
أهلًا بكم ومعكم تحتَ سماءِ الأدب والثقافة والإبداع، وأبدأ قبل كل شيء، بفقرة لعميد الكتَّاب عبد الحميد الكاتب، يقول فيها "وتحابّوا في اللّه عزّ وجلّ في صناعتكم وتواصَوا عليها بالذي هو أليقُ لأهل الفضل والعدل والنبلِ من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى ترجعَ إليه حاله... وإن أقعد أحدًا منكم الكبَرُ عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظّموه وشاوروه واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته".
وبعد، نلتقي في هذه الأمسية الأدبيّة والثقافية، حولَ مأدبةٍ من نوعٍ آخرَ، مأدبةٍ فنيةٍ مختلِفٌ طعامُها لونًا ومذاقًا ونكهةً، لما تشتملُ عليه، أو تشتهيه النَفسُ الذوَّاقة، مما لذَّ وطاب من صنوف الكلام.
سعاد قرمان اسم غنيٌّ عن التعريف، فقد عُرفت في الساحة الأدبيّة والثقافية المحلية وغير المحلية، من خلال نشاطاتها الإبداعيةِ في غير مجال، نذكر منها على سبيل المثال: التعليم والإعلام والثقافة، والترجمة، والأدب بمنثورِه ومنظومِهِ!
تلك المرايا المتجاورة، كان لها النصيبُ الأوفرُ في صقل شخصيتها الإنسانية والأدبيّة والثقافية وحضورِها الفاعل على حدٍّ سواء. كان لي شرفُ التعرُّفِ إليها عن كثب من خلال اللقاءات الأدبيّة والندوات الثقافية، وقراءتي قراءةً تكاملية لنتاجِها الشعري والنثري، فوجدتُ فيها، والحقُّ يقال، قيمةً وقامةً، إنسانيًا وأدبيّا وثقافيًا. تقول في قصيدة "كبرياء" ص92:
"أصونُ الكرامةَ بالكبرياءِ وأطوي الحياةَ بوحيِ الضميرْ
أبُثُّ شعوري في كلِّ حرفٍ / وأسبُرُ غورَ المعاني المثيرْ
ويملأُ نفسي حبٌّ كبيرْ / لأرضي، لشعبي، لطفليَ الصغيرْ"!

إلى ذلك، فقد كانت سعاد قرمان نموذجًا للمرأة المكافحة حيث قبلت التحديِّ بإصرار وشقَّت طريقَها بمجهودِها الخاص، وبَنَت نفسَها بنفسِها  لتَكونَ إنسانةً مبدعةً ومعطاءةً على الرُّغمِ من تلك الظروف الصعبة التي واجهتها في الحياة، إلى أن أصبحت وبجدارة مثالاً للمرأة المكافحةِ وللأديبةِ العصاميةِ بكل ما للكلمة من معنى، مسكونةً بالإرادة وقبولِ التحدي:
"لا وقتَ عندي للبكاءْ
لا وقتَ عندي للتردُّدِ والرجاءْ
..........
وحدِي، سوفَ أنتزعُ انتصاري"!
عبرَ تلك النافذةِ تحديدًا يمكنُنا أن نطلَّ على عالمِها الأدبيّ. إنَّ المتتبعَ لنتاجِها الأدبيّ وبشقيه الشعري والنثري، يستطيعُ أن يقرِّرَ بلا ترددٍ أن كتابتَها غنيةٌ وفنيةٌ بكل المقاييس على الرُّغم من أنها مقلَّةٌ نسبيًا، علمًا أنها لم تنشر قصائدَها في كتابٍ إلا بعدَ مرورِ عقودٍ طويلة من التأني  والتمحيص على بدء الكتابة الشعرية!
أما كتابتُها الشعريةُ والنثرية، وهي منبرُها الحر، فتعدُّ مرآةً حقيقيةً لذاتها لأنها تشبهها لدرجة التطابق التام في صدقها وشفافيتها وتواضُعِها. كتابتها الأدبيّة تضيء لنا جوانبَ معتمةً في الحياة، يشهد على تلك الحقيقة ما يلحظُهُ القارئ مما تمتحه من مخزونٍ ثقافيٍ ولُغويٍّ في المفردات والعبارات، وأسلوبٍ يمتازُ بتمكنه من مختلف الوسائلِ الفنيَّةِ، على نحو قريب من الأفهام، الأمرُ الذي يؤكِّدُ على أنها قارئةٌ جيِّدة تمسك بناصية اللغة، من جهة. وأنها تجسِّد فكرةً سبق أن نادى بها إليوت وهي أنَّ "الشعرَ يجب أن لا يبتعدَ كثيرًا عن اللغة العادية اليومية التي نستعملها" وهي لغةُ الناس! فلغتُها مفهومةٌ وميسرةٌ دون ابتذالٍ أو تكلُّف! من جهةٍ أخرى! ومن جميل ما وقعت عليه، من قصيدة "نداء ص138-139" كتبت تقول:
"عُدْ يا حبيبي.. واقترب مني فصدْرُكَ مضجعي
وصفاءُ عيْنيْكَ العميقُ يُزيحُ سترَ تمنُّعي
فأرى جماليَ عاريًا وإن اكتسيتُ-ولا أعي"/
-----------------
إلى أن تقول "وجمالُ روحِكَ قد أحالَ الكونَ أحلى موئِلا
فبقُربِكَ الدُّنيا نعيمٌ ، والنعيمُ إذا خلا
من رنَّةِ الصوتِ الحبيبِ أخاله قد أمحلا"!
وأختِمُ قائلًا: شكرًا للمحتفى بها الأديبة سعاد قرمان، شكرًا للكلمةِ التي جمعتنا، شكرًا للإبداع الذي أمتعنا، شكرًا لكم جميعًا.

35
الكاتبة فَاطِمَة يُوسُف ذيَاب والشاعرة آمَال عَوَّاد رضْوَان في "مَكْنُونَاتٌ أُنْثَوِيَّةٌ"!

رام الله- عن دار الوسط للنشر – جميل حامد :

تخاطب الكاتبة فَاطِمَة يُوسُف ذيَاب الشاعرة آمَال عَوَّاد رضْوَان في كتابهما  "مَكْنُونَاتٌ أُنْثَوِيَّةٌ "، والذي صدرَ حديثا في الأول من شباط عام 2019، عن دار الوسط للنشر في رام الله بالقول:
عزيزتي الشّاعرةُ المُقتحِمةُ لِلمُدُنِ والمَواقعِ الأخرى الّتي تأسُرُني دونَ سابقِ إنذارٍ، معكِ تكونُ البدايةُ والقراءةُ، وبصراحة، حاولتُ جاهدةً أنْ أَفُكَّ الطّلاسمَ، وأُفكِّكَ الحروفَ والكلماتِ، وأَسْبُرَ الأغوارَ، وأمْضي كي أصِلَ مَعكِ إلى مَعالِمِ هذا العنوانِ، فأَلْهَثُ وراءَ مدادِ حِبرِكِ، وهو يَخطُّ لغةً عصيّةً، تُدخلُني إلى مَتاهاتِ الأبجديّة!
مَكْنُونَاتٌ أُنْثَوِيَّةٌ فَاطِمَة يُوسُف ذيَاب تُحاورُ قَصَائِد آمَال عَوَّاد رضْوَان  .
هذا الاصدار الحواري لقصائد الشاعرة آمال عوّاد رضوان، والذي  صدرَ عن دار الوسط  للإعلام  والنشر، وصمّمَ  لَوْحَةُ غلافه  المُصَمِّم بَشَّار جَمَال، احتوى على 184 صفحة من القطع المتوسط ، قدّمَ لهُ الناقدُ العراقيُّ علوان السلمان بعنوان: "الرِّوَائِيَّةُ فَاطِمَة يُوسُف ذيَاب تَتَمَاهَى وَشِعْرَيَّة الشَّاعِرَة آمَال عَوَّاد رضْوَان".
الناقد علوان السلمان استهلَّ مُقدّمتَهُ ببضعةِ أبياتٍ للشّاعر أمين نخلة:
أُحِبُّكِ فِي الْقُنُوطِ وَفِي التَّمَنّي
كَأَنّي مِنْكِ صِـرْتُ وَصِرْتِ مِنِّي
أُتَمْتِمُ بِاسْمِ حُبِّكِ فَـوْقَ كَـأسِي
وَأَرْشـُـفُهَا.. كَــأَنَّكِ.. أَوْ كَــأَنِّي..
وقالَ السّلمان في مُقدّمتِهِ :
قدّمتْ الرِّوَائِيَّةُ فَاطِمَة يُوسُف ذيَاب نصًّا مادّتُهُ القلبُ، وفلسفةُ العاطفةِ، ووحيُ اللّغةِ الشّفيفةِ بألفاظِها الّتي تدورُ في معانيها الحسّيّةِ، كاشفةً عن إعجابِها بنسيجِ الشّاعرةِ الشّعريّ والصُّوَريّ، فتختصرُ المسافاتِ بصُورِها النّابضةِ البعيدةِ عن الاستطرادِ الوصفيِّ أمامَ المُرسَلِ إليهِ، بإيجازٍ بلاغيٍّ يُحرّكُ الذّاكرةَ للتّأمُّلِ والاستكشاف، باستنطاقِ النّصّ مبنًى ومعنًى.
وبذلك؛ قدّمتِ الأديبةُ الرّوائيّةُ فاطمة يوسف ذياب بَوْحًا نصّيًّا، مُتماهيًا وكلمات الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، مع عاطفةٍ مُنبثقةٍ مِن بين ثنايا الرّوحِ ولوْعةِ التّمنّي الإعجابيّة.
واحتوى الإصدارُ على  عشرين قراءةٍ لقصائدِ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، بقلم الكاتبة فاطمة يوسف ذياب، إضافةً لنبذةٍ عن السّيرة الأدبيّةِ للأديبتيْن.
وقالت الكاتبة ذياب في إهدائِها:
عزيزتي آمال عوّاد رضوان.. شكرًا لكِ...
أعوامًا طويلةً غَفَتْ ونامتْ دبدوبة نوْمَتَها، وإذا بكِ تُطلّينَ فجأةً مِن بينِ غبارِ زماني وبين غربةِ أيّامي ومدادي، في جملةٍ اعتراضيّة، ويَلكُزُني بعكّازِهِ صوتُ صديقي: اُكتبي!
وأقفزُ إلى دبدوبتي أوقظُها، فتتثاءبُ بينَ الحروفِ وتتمطّى، وتُزيحُ عن نظّارتِها غطاءً سميكًا ثقيلًا مِن الرّماد.
قالت: لا بأس مِن بعض كلماتٍ وجُمَلٍ تُروّحُ عن النّفس.
قلتُ: لكن؛ ماذا عساني أكتبُ بعدَ غيبةٍ طويلة؟
صرختْ: ماذا تقولين؟ بداخلِك مَعينٌ يصرخُ ويتفجّرُ بالحكايا ولا يَنضُبُ. هيّا اكْتُبي واسْقِي تُربَتي وجُذوري وحَقلي، لِتُغرّدَ سَمائي وأمطاري!
دونَ إنذارٍ وجدتُني أجري وألهثُ مِن جديدٍ، تُلاحقُني الحروفُ وتطاردُني، لأسطرَ حكاياتٍ تغفو على سُدَّةِ ذكرياتٍ كفّنَها الموتُ منذُ سنين، يَتنهّدُ القلمُ باكيًا شوقًا، وأُجاملُهُ بتنهيدةٍ أعمقَ، وأكتبُ قراءَتي في كتابِكِ الشّعريّ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود"، مِن خلالِ جوْلةِ تناصٍّ وتضمينٍ في لغتِكِ ومُفرداتِك، وأعودُ إلى قديمِ أوراقي في احتضانِ طفلٍ ضالٍّ أَعادُوهُ إلى أبوَيْهِ، وطاقةٌ تُقيمُني ولا تُقعدُني، إلّا رقصةُ قلمٍ بينَ أناملي في فورةٍ مِن حنينٍ، مُنتشِيًا بحَلقاتِ سِناجِ سَجائري، وأكتبُ رسالَتي الأولى إليكِ وأقولُ:
عزيزتي الرّضوانيّة آمال..
لكِ مدادُ عمري، وحروفُ قلبي وكلُّ أوراق حياتي، لكِ الحاضرُ والماضي والآتي، ولكِ أيّامي الّتي تتهادى وتتهاوى، خذي ما شئتِ منها، اِحرقيها بَعثِريها، وإن طابَ لكِ، أعيديها إلى سيرتِها الأولى، فأنا عزيزتي، لستُ نادمةً على شيءٍ، ما دامَ العمرُ كلّهُ لم يزلْ ينسحبُ مِن بين أصابعي، فقط كنتُ هناكَ في غمرةِ الحياةِ وضجيجِ الأيّامِ قائدةً لأكثرَ مِنْ كتيبةٍ، أُعارِكُ العمرَ معركةً تلوَ الأخرى، وكلُّ معركةٍ تُماحكُني، أهزمُها بصبري وصمودي وببدايةٍ جديدةٍ، وأكثرُ ما كانَ يُسعدُني، هذهِ العيونُ اللّامعةُ الضّاحكةُ مِنْ حَوْلي، لأُدركَ أنّي انتصرتُ، ما دمتُ أقفُ على قدميْ إصراري، وما دامَ سيْفي يَقطُرُ حِبرًا، وينثرُني أوراقًا، نقَشْتُ عليْها حُروفًا تتوهّجُ وتتّقدُ بجِمارِ دَمي، و"يا جَبَل مَا يْهِزَّكْ رِيح"!؟
لكنْ ثارَتِ الرّيحُ، وأضحتْ عاصفةً هَوْجاءَ تحملُ ما في طريقِها مِن حُروفي وأشجاري، وصارتْ تْسونامي يَأسٍ اقْتَلَعَ جِبالي مِن جُذورِها، لِأظلَّ معَ الآمالِ والأماني جُثّةً مُلقاةً على قارعةِ صُدفةٍ، لمْ يَفطنْ أحدٌ لدفنِها، أو تشييعِ جَنازتِها. عشتُ معَ موْتي، ودبدوبةُ تحاولُ إنعاشي بالحياةِ، وقبلَ شهورٍ قليلةٍ، في يومٍ لا يُشبهُ الأيّامَ، هَلَلْتِ للمرّةِ الأولى عبْرَ أسلاكِ الهاتفِ، لا أذكرُ ما قُلتِهِ أو لِماذا، لكنّي أذكرُ أنّكِ أيقظتِ دبدوبةَ، وأعَدْتِ لها بعضَ روحٍ، مع أنّي حسبتُكِ يومئذٍ مجرّدَ عابرةٍ والعابرونَ كُثُرُ، وما كُنْتِ كذلكْ..

نبدة عن الكاتبة فاطمة يوسف ذياب

* من مواليد طمرة الجليلية 27-9-1951. أنهت دراستها الابتدائيّة في قريتها، ودراستَها الثانويّة في النّاصرة.
* فازت "سِرُّكَ في بير" بجائزة مسرح بيت الكرمة عام 1978، وعُرضت على خشبة المسرح في طمره.
*حصلت على جائزة الإبداع الأدبيّ مِن قِبل وزارة الثقافة عام 2000.
*حصلت على شهادات تقديريّة وتكريم، ضمن فعاليّات تربويّة ثقافيّة في الوسط العربيّ واليهوديّ.
مؤلّفاتها:
1. رحلة في قطار الماضي/ رواية/ 1973.
2. توبة نعامة، مجموعة قصص للأطفال/ 1982.
3. علي الصّيّاد/ قصّة للأطفال/ 1982.
4. جرح في القلب/ خواطر/ 1983.
5. الخيال المجنون/ مجموعة قصصيّة/ 1983.
6. سِرّك في بير وممنوع التجوّل/ مسرحيّتان/ 1987.
7. قضيّة نسائيّة/ رواية/ 1987.
8. جليد الأيام/ مجموعة قصص وخواطر/ 1995.
9. الخيط والطزيز/ رواية/ 1997.
10. جدار الذكريات/ نصوص أدبية/ عام 2000.
11. سلسلة كتب للأطفال.
12. رواية مدينة الريح 2011 بثلاث طبعات.
13. سيرة المختار يوسف ذياب عام 2018
14. الضحك المُرّ (مقالات صحفية في صحيفة الصنارة) عام 2018.

نبذة عن إنجازات وأعمال الشاعرة
 آمال عوّاد رضوان في سطور
*1- بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ/ ديوانٌ شِعْرِيٌّ/ عَام 2005.
*2- سَلَامِي لَكَ مَطَرًا/ ديوانٌ شِعْرِيٌّ/ عام  2007.
*3- رِحْلَةٌ إِلَى عُنْوَانٍ مَفْقُودٍ/ ديوانٌ شِعْرِيٌّ/ عام 2010.
*4- أُدَمْوِزُكِ وَتَتعَـشْتَرِين/ ديوانٌ شِعْرِيٌّ/ عام 2015.
*5- كِتَابُ رُؤَى/ مَقَالَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ ثَقَافِيَّةٌ/ عام 2012.
*6- كِتَابُ "حَتْفِي يَتَرَامَى عَلَى حُدُودِ نَزْفِي"- قِرَاءَاتٌ شِعْرِيَّةٌ فِي شِعْرِ آمَال عَوَّاد رضْوَان/ 2013.
*7- سِنْدِيَانَةُ نُورٍ أَبُونَا سْبِيرِيدُون عَوَّاد/ عام 2014
*8- أَمْثَالٌ تَرْوِيهَا قِصَصٌ وَحَكَايَا/ عام 2015
*9- التراث في أناشيد المواسم/ عام 2018
وَبِالْمُشَارَكَةِ مَعَ محمد حِلْمِي الرِّيشَة الْكُتُبُ التَّالِيَةُ:
*10- الْإِشْرَاقَةُ الْمُجَنَّحَةُ/ شَهَادَاتٌ لـ 131 شَاعِرٍ مِنَ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ/ تَقْدِيمُ د. شَارْبِل دَاغِر/ عام 2007
*11- نَوَارِسُ مِنَ الْبَحْرِ الْبَعِيدِ الْقَرِيبِ/ الْمَشْهَدُ الشِّعْرِيُّ الْجَدِيدُ فِي فِلِسْطِينَ الْمُحْتَلَّةِ 1948/ عام 2008
*12- مَحْمُود دَرْوِيش/ صُورَةُ الشَّاعِرِ بِعُيُونٍ فِلِسْطِينِيَّةٍ خَضْرَاءَ عام 2008
13* كتاب أَتُخَلِّدُنِي نَوارِسُ دَهْشَتِك؟ رسائلُ وهيب نديم وهبة وَ آمال عواد رضوان عام 2018.
صَدَرَ عَنْ شِعْرِهَا الْكُتُبُ التَّالِيَة:
*1 مِنْ أَعْمَاقِ الْقَوْلِ (قِرَاءَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي شِعْرِ آمَال عَوَّاد رضْوَان) النَّاقِدُ عَبْدُ الْمَجِيد عَامِر اِطْمِيزَة/ مَنْشُورَاتُ مَوَاقِف- عام 2013.

*2 كِتَابٌ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّة: بَعِيدًا عَنِ الْقَارِبِ/ به دور از قايق/ آمَال عَوَّاد رضْوَان/ إِعْدَادُ وَتَرْجَمَةُ جَمَال النَّصَاري/ عام 2014
*3 كِتَابُ اسْتِنْطَاق النَّصِّ الشِّعْرِيِّ (آمَال عَوَّاد رضْوَان أُنْمُوذَجًا) المُؤَلِّفُ: عُلْوَان السَّلْمَان الْمَطْبَعَة: الْجَزِيرَة- 2015
تَرَاجِمَ كَثِيرَةٍ لِقَصَائِدِهَا بِاللُّغَةِ الْإِنْجْلِيزِيَّةِ وَالطِّلْيَانِيَّةِ وَالرُّومَانِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالْكُرْدِيَّةِ.
*مُحَرِّرَةُ الْوَسَط الْيَوْم الثَّقَافِيِّ الشَّاعِرَةُ آمَال عَوَّاد رضْوَان
الْجَوَائِز:
*عام 2008 حَازَتْ عَلَى لَقَبِ شَاعِرِ الْعَامِ 2008 فِي مُنْتَدَيَاتِ تَجَمُّع شُعَرَاء بِلَا حُدُود.
*عام 2011 حَازَتْ عَلَى جَائِزَةِ الْإِبْدَاعِ فِي الشِّعْرِ مِنْ دَار نُعْمَان لِلثَّقَافَةِ، فِي قِطَافِ مَوْسِمِهَا التَّاسِع.
*عام 2011 حَازَتْ عَلَى دِرْعِ دِيوَانِ الْعَرَب، حَيْثُ قَدَّمَتِ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَقَالَاتِ وَالنُّصُوصِ الْأَدَبِيَّةِ الرَّاقِيَةِ.
*عام 2013 مَنَحَتْ مُؤَسَّسَةُ الْمُثَقَّف الْعَرَبِيّ فِي سِيدْنِي الشَّاعِرَةَ آمَال عَوَّاد رضْوَان جَائِزَةَ الْمَرْأَةِ  لِمُنَاسَبَةِ يَوْم الْمَرْأَة الْعَالَمِيِّ 2013 لِإِبْدَاعَاتِهَا فِي الصَّحَافَةِ وَالْحِوَارَاتِ الصَّحَفِيَّةِ عَنْ دَوْلَةِ فلِسْطِين.
*عام 2018 مَنحت وزارة الثقافة جائزة الإبداع عن الشّعر.
* وقد حصلت على العديدِ مِن شهاداتٍ تقديريّةٍ دوليّة.
بِصَدَدِ طِبَاعَةِ كُتُبٍ جَاهِزَةٍ:
*دِيوَانُ (بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ) مُتَرْجَمٌ لِلُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ/ تَرْجَمَة فَرَح سَوَامِس/ الْجَزَائِر
*دِيوَانُ (بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ) مُتَرْجَمٌ لِلُّغَةِ الْإنْجْلِيزِيَّةِ/ تَرْجَمَة حسن حجازي/ مِصْر
*كِتَابٌ خَاصٌّ بِالْحِوَارَاتِ
*عشرة كُتُبٍ خاصَّة بِالتَّقَارِيرِ الثَّقَافِيَّةِ حَوْلَ الْمَشْهَدِ الثَّقَافِيِّ فِي الدَّاخِلِ الْأَخْضَر 48: مِنْ عام 2006- عام 2017.
شاركت بمهرجانات محلية عديدة ومهرجانات دولية:
*في عمان الأردن سنويا منذ عام 2008.
*في مهرجان الشعر الدولي في رام الله عام 2010.
*4 مهرجانات شعرية في مدن مغربية عام2012.
*مهرجان القدس في بيت لحم عام 2012 وعام 2014 وعام 2016 وعام 2018 وعام 2019.
*مهرجان الشعر الفلسطيني في كلية القاسمي عام 2014 وعام 2016 وعام 2018.




36
الدّيوانُ الثّقافيّ السّاحوريّ يستضيف آمال عوّاد رضوان وسط حضورٍ ثقافيّ بارز! 
الضّفّة الغربيّة- بيت ساحور– الوسط اليوم – تقرير خاصّ:

تبدأ جماليّة الأمسية بجماليّة العمق الذي تخلّلته قراءة الشاعر رفعت زيتون، لرسائل الشاعريْن وهيب نديم وهبه والشاعره آمال عوّاد رضوان وما قاله: إنّ خصائص هذه الرّسائل اتّخذت شكل القصيدة النثريّة، أكثر منها رسالة أدبيّة، كتلك الرّسائل الّتي عهدناها في هذا الفنّ، فهل هذا تجديدٌ في فنّ الرّسائل، كما هي الجماليّة تكمن أكثر في تساؤل الشّاعر رفعت زيتون، إن أرادت شاعرتنا "آمال عوّاد رضوان"  الابتعاد عن أسلوب مَن سبقنها مثل مي زيادة وغادة السّمّان، أم أنّ جزءًا من هذه الرّسائل قصائدُ كُتبت سابقًا، ووجدت طريقها للنّور في هذا الكتاب؟
أمسيةٌ حازت على رضى المُنظّمين وعلى سعادة الجمهور الثقافيّ في مدينة بيت ساحور، فقد نجحَ الدّيوانُ الثّقافيّ السّاحوري في تقديم الأديبة والشاعرة آمال عوّاد رضوان، بالصّورة التي تليقُ بما حقّقتهُ الشاعرة الفلسطينيّةُ القادمة من عبلين الجليليّة لثقافة الوطن المحتلّ من جهة، ولقصيدة النثر على الجهة المقابلة، وبمقرّه قاعة دكرت- فنجان وكتاب، وفي حفل توقيع كتابها الرّسائل المشترك مع وهيب نديم وهبة (أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِكِ)، الصادر عن دار الوسط للنشر في رام الله، ووسط حضورٍ أدبيّ نخبويّ ونوعيّ رائع راق مميّز، استضاف الدّيوان الثقافيّ السّاحوريّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان بتاريخ 31-1-2019.
استهلّ الأمسية رئيس الديوان السيد ميخائيل رشماوي بترحيب حارّ بالحضور الذي ازدحمت به قاعة الديوان وبالشاعرة الفلسطينية، وأكّد على دوْر الديوان الثقافيّ السّاحوريّ في إثراء ودعم الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة، تولّت عرافة الأمسية المربية ناديا الأطرش بالحديث عن فنّ الرّسائل الأدبيّة ومقدّمة الناقد علوان السلمان، وبلمحةٍ وجيزة عن المنجز الأدبيّ لكلٍّ مِن: وهيب وهبة، رفعت زيتون، آمال عوّاد رضوان، وبدوره تحدّث الشاعر المقدسيّ رفعت زيتون عن رسائل الكتاب، مُستعرضًا أدقّ التّفاصيل التي تضمّنها الكتاب برسائله الأدبيّة وعُمقِه الإنسانيّ.
ابتدأ رفعت زيتون سؤاله للشّاعرة آمال: ابنة الماء؟ ابنةُ البعث الجسور؟ ماروشكا الصغيرة؟ أميرةُ الملح؟ الغريبة؟ آمال؟ كلُّها أسماءٌ وصفاتٌ أردتِ أن نعرفَكِ بها، فأين تجد نفسَها شاعرتنا بين كلّ تلك الأسماء والصّفات؟ لعلّ هذه دعوة لتتحدّث الشاعرة عن نفسِها بما تريد، وكما تريد أن نعرفها؟
شدّد زيتون على صعوبةِ اختيار عنوانٍ لكتابٍ ألّفَهُ كاتبان وقال: قد يكونُ مِن الصّعب اختيارُ عنوانٍ له، في حالةِ أنّ النّصوصَ كانتْ مُنفصلة، تمامًا كما في حالةِ هذا الإصدار الّذي يحتوي على رسائلَ بين الشّاعرة آمال عواد رضوان والشّاعر وهيب نديم وهبة، لكنّهما تجاوزا هذهِ المشكلة، بأنْ جعلا العنوانَ مِن أحدِ رسائلِها، وأيضًا مِن خلالِ ردِّه.
 وتطرّقَ زيتون الى جاذبيّة التّصميم وبساطة ألوانه بالقول:
 التّصميمُ كانَ للفنّان بشّار جمال، وهو تصميمٌ بسيطٌ ومُعبّر، حيثُ اختارَ لونيْن لزهراتِهِ، تعبيرًا عن كاتبيّ الرّسائل، بحيث مزجَ هذه الأزهارَ، كإشارةٍ إلى هذا التّبادلِ الّذي صاحبَ كتابةَ هذه الرّسائل، ولونُ الخلفيّةِ كانَ هادئًا جدّا، فهل كان للشّاعريْنِ دورٌ في التّصميم؟   
وأشار في تقديمه للشاعرة والكتاب للبداية التي رافقت هذا العمل الأدبيّ خطوة خطوة فقال:
*في البدايةِ كتبَ الشّاعر وهيب نديم وهبة قصيدةً مُهداةً للشّاعرة آمال عواد رضوان، ردًّا على قصيدتِها "سلامي لك مطرا"، فتعرفُ الشّاعرة آمال بذلك بمكالمةٍ مِن المرحوم إدمون شحادة، ممّا أثارَ دهشتَها لتتساءلَ: كيف، لماذا ومتى، وهي الّتي لم يسبقْ لها أنْ أهدتْهُ ديوانَها، ولم يكنْ لها بهِ سابقُ معرفة، إلّا مِن خلالِ نصوصٍ مُتفرّقةٍ منشورةٍ هنا وهناك.
*وتقوم الشاعرة آمال عواد رضوان بعدَ ذلك بالرّدّ عليهِ بتعقيبٍ في أحدِ المواقع بدأته بِـ: (عَلَى ثَرَى أَثِيرِي.. حَطَّتْ عُصْفُورَةُ ضَوْءٍ/ تَهُزُّ عَرْشَ أَسَاطِيرِي!/ مِنْ ذَاكَ الْمَدَى.. رَفْرَفَتْ.. هَلَّتْ وَهَلَّلَتْ/ تُنْبِينِي بِهَدِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ.. بِعِطْرِ الشّعر).
*تحاولُ شاعرتُنا أنْ تعرفَ مِن خلال رسالتِها، كيفَ وصلَ إليهِ ديوانُها (سلامي لك مطرًا)، لكنّهُ يُجيبُها بحنكةِ مَن يَعرفُ سِحرَ الغموضِ والأسرار، فيُرسلُ لها ردًّا نزاريَّ الرّوح: (إنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَفْقِدُ الْكَثِيرَ حِينَ تُقَالُ)، وهذا يثيرُ الفضولَ أكثرَ لديها، وتكونُ رسالةٌ ثانية، ويكون الوهجُ الشّعريُّ بينهما حتّى ميلادِ هذا الجميل الّذي بين أيدينا، (أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِكِ؟).
*يضيف زيتون:
وتبدأ عصافيرُ الشّعرِ عندَ وهيب بالتّغريد، لتختصرَ المسافاتِ بينَهُ وبينها، وتطيرُ رغمَ شوْقِها فزعةً إلى غابةٍ مُلوّثةٍ بالحربِ والعصيانِ، كما وصفتْها شاعرتُنا، وهذا هو شـأنُ الشّاعر الإنسان، فلا يَنسلخُ عن واقعِهِ، بل يعيشُهُ لحظةً بلحظة، حتّى في أقصى حالاتِ الفرح، ولا تغيبُ عن ذهنِهِ صورةُ طفلةٍ باكيةٍ على رصيفِ الوجع، لكنّهُ يبقى شاعرًا يُغرّدُ أجملَ الألحانِ فيقولُ مُفتتِحًا حديثَ الشّوق ص21: (هذَا الْوَطَنُ.. بَيْنَ رُمُوشِ الْعَيْنِ وَالْمَنَافِي/ يُعْلِنُ الْمُنَى وَالْأَمَانِي/ وَأَنْتِ هَمْسُ السَّوَاقِي.. فِي غِنَاءِ الْمَاءِ!).
*فتقولُ لهُ يماماتُها: (أَنَا مَا انْفَكَّ الدَّهْرُ/ يَعْصِفُ بِي.. يُقَصِّفُ جَنَاحَيَّ!/ وَهَا السَّرَابُ/ يُرَاقِصُنِي رَقْصَةَ حَرْبٍ/ لِئَلَّا أَضْطَرِبَ/ وَلِئَلَّا تُهْلِكَنِي حَرْبُكَ!/ أَخْشَاكَ تَتَعَثَّرُ .. بِأَسْرَابِ يَمَامِي/ حِينَ تُهَامِسُ .. فَوْضَى أَمْطَارِي!")
*وتمضي الشّاعرة آمال قُدُمًا في القصيدة، وتبدأُ برسم إطارِ هذه العلاقة الّتي تفتّحتْ زهرتُها فجأة، وتُعطّرُ هوامشَها بعبيرِ العفّةِ والنّضجِ فتقولُ: (عَنَاقِيدُ بَسَمَاتِكَ نَاضِجَاتٌ/ تُضَاحِكُ هَوًى مُنَزَّهًا/ عَنْ ظِلَالِهِ!)، وكأنّها إعادةُ توجيهٍ لبوصلةِ الشّعر، أن تُيمّمَ وجهَها شطرَ الرّسالة الأدبيّة، كأنّها الهدفُ والغايةُ المَرجوّةُ المُختبئةُ تحتَ ثوبِ الكلام الجميل، فهل خطرَ ببالِ شاعرتِنا يومًا، أن تخوضَ فنّ الرّسالة كتجربةٍ أدبيّة؟
ويتابع زيتون قائلًا:
*لقد كانت الرّسالة التاسعة للشّاعر وهيب غريبة في تركيبتها ومختلفة، فقد بدأت بصلاة، ثم استقبال، ثم حكمة، ثم نصّ، وانتهت بصلاة، وكأن هذيان الشّعر بلغ في تلك اللحظة مبلغه منه، وتساقط عليه مطرا من غيمات شتى، وربطتُ بين هذه الرّسالة وبين سابقتها للشّاعرة آمال، ووجدت هذا التناغم العجيب بينهما لغة وفكرة وهدفا، كذلك وجدت هذه الرّسالة استمرارا لذات الرّسالة الإنسانية للشّاعرة آمال، والّتي أرادت أن نعيشها في الرّسالة الثامنة السابقة، حيث صحوة النور وانطلاقه حكمة من تحت ركام الظلام، يحمل جواهر الحب والأسرار ويفيض ضياءً إلى الأبد.
*ويضيف زيتون: لعلّ الكثيرَ من النّصوص تقاطعت مع فكرةٍ لأسطورةٍ أو رمزٍ تاريخيّ، أو فكرة إنسانيّة استحضرتها الشّاعرة آمال مِن بطن التاريخ، ومن ذلك: ماروشكا، جورديس، سيزيف، كلوفيس، نرسيس،  الأنبياء، حتّى أن كلمة الأسطورة قد تكررت كثيرا كما في (تَهُزُّ عَرْشَ أَسَاطِيرِي!) ص28، (تُــطَــاوِلُ نَفَحَاتِ مَلَكُوتٍ../ تَخَلَّدَ فِي أَقَاصِي الْأَسَاطِيرِ!) ص35،  (تَرْسُمَنِي رَبَابَةً/ شَــــاهِــــقَـــةَ الضَّــوْءِ/ عَلَى جِسْرِ الْأُسْطُورَةِ!) ص48، (حَيْثُكَ هُنَااااااااك/ كَأُسْطُورَةٍ .. تَسْطَعُ) ص54، (يُــطَـارِدُنِي/ عِطْرُكِ الْأُسْطُورِيّْ!) ص59، (يَا أُسْطُورَةَ كْلُوفِيس/ سَـــوْسِـحِـــيـــنِــي) ص86.
إلى أي حدّ يخدم هذا الاستخدام الفكرة أو الرّسالة؟ وهل فعلا حققت الهدف منها؟
وهل ربما كانت تلك الرموز والأساطير تشكل أحيانا مفتاحًا لفهم الرّسالة وفكرتها؟
وهل في هذه الجزئيّة تقترب الشّاعرة آمال والشّاعر وهيب من تجربة جبران ومي زيادة ؟
وأقتبس هنا جملة من رسائل جبران حيث يقول: (ويسيُر مُترنّمًا في وادي أحلامي، بل هي كقيثارةِ أورفيس).
*واستمرارًا لهذا اللّجوء للأساطير، هناك استحضار للجنّيّاتِ في كثير من الرّسائل، ومثال ذلك (أَيَا جِنِّيَّةَ الثَّلْجِ) ص46، (بِجِنِّيَّةٍ مُجَنَّحَةٍ) ص65، (جِنِّيَّةِ عِشْقٍ) ص66، (جِنِّيَّاتُ لَيْلِي) ص67، وغيرها، فهل هذا إقرار بعجز إنسان هذا الزّمان في حلّ مشاكله، أو تحقيق أهدافه، بحيث ذهبتْ شاعرتُنا للأساطير والجنّيّات؟ لا أنكر عليها ذلك، فقد فعلتُ ذلك في ديواني الأخير، حيث طلبتُ المعجزات، وناديت ملوك الجن، ورجوت الأنبياء.
ويتابع زيتون:
*هناك الكثير من النّصوص جاءت على شكل قال وقالت، وكأنّه حوارٌ داخليٌّ في الرّسالة الواحدة، أو لنقل أكثر من مراسلة في رسالة واحدة. ألا يُبعد ذلك القارئ عن أن يعيش فكرة المراسلة بين شخصيْن، لتأخذه إلى عالم آخر أقرب للحكاية؟ أربما كان يكفي أن يجري الحوار على لسان الغريب والغريبة، لأن هذا يبقينا في عالم الشّاعرين المتحاورين؟
*وهذا يقودني إلى سؤال آخر أو مداخلة أخرى.. إنّها الغربة الّتي جاءت كثيرًا على لسان الشّاعرة آمال والشّاعر وهيب، فهل التقيا وجدانيًّا في سماءِ الغربة، بعد أن فرّقتهما المسافات؟
أو بمعنى آخر، هل التقت روحه الغريبة مع روحها الغريبة، فكانت تلك اللغة الّتي وحّدتْ إحساسَهما، وكان ذلك العزف المشترك؟ هل الغريبة هي ذاتها الّتي تبحث عنها؟ أم أنّها مرآتها؟
أم أنّها الذات الأخرى الّتي في داخلها، والّتي تمتلك من القوّة والجرأة ما لا تملك، فتقول على لسانها ما لا يقال؟
*يقول وهيب: عَشْرٌ عِجَافٌ .. لَمْ تَعْزِفِ النَّايْ/ لَمْ يُغَنِّ طِفْلُ الْحُقُولِ أُغْنِيَةْ/ لَمْ يَهْمِسْ لِقَلْبِي الْوَتَرْ/ وَلَمْ تَرِفَّ عَيْنِي لِوَاجِدَةٍ وَاحِدَةْ/ حتّى أَتَيْتِ أَنْتِ!" وأسأل شاعرنا وهيب: ماذا الّذي أيقظ هذا المارد النائم بعد طول سبات؟ وهل الرّسالة تجعلُ الشّاعر أكثر جرأة في بثّ مشاعره، وبالتّالي تُفجّرُ براكينَ الكلام والإبداع؟
يضيف زيتون: *من خصائص هذه الرّسائل أنّها اتّخذت شكل القصيدة النثريّة، أكثر منها رسالة أدبيّة كتلك الرّسائل الّتي عهدناها في هذا الفنّ، فهل هذا تجديدٌ في فنّ الرّسائل، أم أرادت شاعرتنا الابتعاد عن أسلوب من سبقنها مثل مي زيادة وغادة السّمّان، أم أنّ جزءًا من هذه الرّسائل قصائد كُتبت سابقا، ووجدت طريقها للنّور في هذا الكتاب؟
*هذه الأمسية التي وجد بها الحضور نفسه "بمتعةٍ"، مُشاركًا بكلّ التّفاصيل عبرَ مداخلاته عن الكتاب، وعن لغة الشاعرة "آمال عوّاد رضوان"، أكّدت كما أكّد "زيتون"، على أنّ سمات لغة الشّاعرة عبر هذا الكمّ الهائل من أساليب البلاغة بعلومها الثّلاث، المعاني، والبديع، والبيان، وبكلّ أدواتها من تشبيهات واستعارات ومجاز، قد أعطى قوّة للنّصوص، وعمقًا في المعنى، بل وجعل للمعنى أكثر من بُعد واحد في كلّ جملة، فمن ناحية أعتقد أنّ الشّاعرة تُقدّم للقارئ نصًّا شهيًّا دسمًا، ولكن كأنّها تطلب من القارئ أن يَتعبَ قليلًا في الوصول إلى المراد، ليتذوّق ذلك الطعم اللذيذ، فهل هذا الأسلوب يُلاقي دائمًا القبول لدى المتلقي؟ 
*وركز زيتون في محاورته للرسائل وللشاعرة على سمات النّصوص عند الشّاعرة آمال، وتلك الثنائيّات والمقابلات في الأفكار والمواقف والحالات، كما كان في الرّسالة الثامنة، حيث المقابلة بين حالة الأمس بظلاله الثقيلة وعتمته وضبابه، وبين الغد الآتي بنوره وأمله وإصراره.. ولكن في هذه الجزئيّة أردت أن أتحدّث عن هندسة القصيدة، ودقّةِ أبعادها وبنائها المتين، والّذي يدلّ على العِلم المُسبَق عند الشّاعرة للهدف المرجو والمنشود، والّذي جعلها تتخيّلُ الهيكلَ المطلوب للنصّ، وتساءل المهندس الشاعر زيتون: هل الشّاعرة تكتب بالمسطرة والقلم لتخرج القصيدة بدقّتها الّتي رأيت، أم أنّها كتبتها كما هي اليوم أمام أعيننا؟ بمعنى هل تمارس شاعرتُنا التنقيح الكثيفَ في نصوصها جرحًا وتعديلا؟
كما ركز زيتون على وفرة الجناس في الرّسائل بغزارة واضحة فقال:
كثيرةٌ هي الكلماتُ الّتي جاءتْ على شكلِ جناسٍ ناقصٍ، وبشكلٍ تتابُعيّ، حتّى باتَ ذلك سمةً واضحةً مِن سِمات النّصوص، والأمثلةُ على ذلك كثيرة (يَتَعَثّرُ- يَتَخَثّرُ، تَتَحَالَقُ- تَتَعَالَقُ، صَهْصَهَتْ- قَهْقَهَتْ، تَلَافِيف- تَجَاوِيف، بَرِيق- إِبْرِيق، سَدِيمِي- أَدِيمِي، حَنَاجِر- خَنَاجِر) وغيرها الكثير الكثير، فهل هذا يُدخِلُ النَّصَّ أحيانًا بالحشو والتكلّف، أم أنّ هذا يساعدُ في خلق الإيقاع الدّاخليّ، وبالتالي يُساهمُ في رفع درجة موسيقا الكلام، ويُرسّخُ الكلامَ أعمقَ في وجدان القارئ أو المستمع؟ ولعلّ هذا يظهر أكثر في تلك الكلمات التي جزّأتها الشاعرة على شكل حروف، فهل هي أرادت أن نقرأها حرفًا حرفًا، وأن نعيش الكلمة، ونستشعر كلّ أبعادها وتأثيرتها، وأن لا نمُرّ عليها مرّ الكرام؟
*ومن أجمل ما قيل في هذا العمل الأدبيّ الذي فرد صفحاته وتفاصيله في قاعة الرعاة " فنجان وكتاب"، إنّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان تُجيد طهي اللغة، ومن هذا الطهي أسلوب النحت والاشتقاق إن جاز التعبير، ومثال ذلك (حَيْثُكَ) ص 54، (لِتَتَصَاخَبَ أَمْوَاجِي) ص 66، (نَتَرَاذَذُ) ص76، (تَتَرَاذَذُ شِعْرًا) ص86، (مَا تَفَرْنَسْتُ) ص84، (فَلَا تَتَأَبْلَسْ.. وَلَا تَتَشَيْطَنْ!) ص95، (أَخْشَانِي أَتَقَوْلَبُ) ص104، وغيرها)، وهي كلمات تبدو غريبة غير مألوفة، لكنّها في جذورها اللغويّة أصيلة وفصيحة اللسان، أعتقد أنّها تختصر الكلام، وتختصر الجملة أحيانًا في كلمة واحدة، ومثال ذلك مثلًا كلمة (تَتَأَبْلَسْ) ص95 والّتي تقابل الجملة (تصبح مثل إبليس في أفعالك وأوقوالك)، هذا جميل جدا ولكن، هل هذا النّحت والاشتقاق، إضافة إلى الكمّ الهائل من الاستخدامات البلاغيّة والرمزية والغموض، قد يرى فيه النقاد إرهاقا للنصّ أو للقارئ؟
يختتم الشاعر رفعت زيتون بالقول:
من خلال قراءتي للرّسائل، وجدتُ أنّ فكرةَ كلّ رسالة ومحتواها وملامحِها العامّة، ترتبط بعضها ببعض، وفيها ما يشبه بناء القصّة أو الرّواية أو الحكاية، فالرّسالة الأولى فيها الشّكرُ كمقدّمة وتمهيد للحكاية، والرّسالة الثانية حدّدت المكان للأحداث، بين سماء حيفا وبحرها وبين بلدتها عبلين، وفي الثالثة تقرّر جنس المولود عندما ذكرت غادة السمان، وفي الرابعة اختيار الشّخوص والتعبير عنهم بشخصيّات أسطوريّة مثل ماروشكا، وفي الخامسة تضع فكرة القصّة أو الحكاية، وفي الرّسالة السادسة تتطوّر الفكرة إلى أحداث وحكاية، وفي السابعة تتّسع رقعة الحكاية بسرد أحداثها وارتفاع مستوى العاطفة فيها، وفي الثامنة بدء الصّراع، وفي التاسعة والعاشرة وجدت الحوار المصاحب للسّرد في قال وقالت.. وهكذا. فهل فكرت شاعرتنا بهذا البناء الروائيّ عند كتابةِ هذا العمل؟ ومن ناحية أخرى هل تفكّرُ الشّاعرة آمال بعمل روائيّ في المستقبل، ما دام عندها هذه البرمجة الذهنية الروائية في بناء النّصوص؟
هذه الأمسيةُ الّتي حفلت بحضورٍ مميّزٍ ونُخبويٍّ مِن مُثقّفي مدينتيْ بيت لحم وبيت ساحور، أكّدت على أنّ الجسمَ الثقافيَّ الفلسطينيَّ قادرٌ على إثباتِ كينونتهِ الثقافيّةِ والأدبيّة، مِن خلال مبدعيه ومبدعاتِهِ ومؤسّساتِهِ المَحلّيّة، كما أكّدت على أنّ الثقافةَ هي قضيّةُ المبدع الإنسان، والمبدع الوطن، والمبدع المجنون، والمجنون الشاعر الّذي أخذ بهذه الأمسية الى جنون الإبداع، عبر الشاعرين وهيب نديم وهبه وآمال عوّاد رضوان، وهو الوصف الذي حملته هذه الأمسية، عبر مداخلات الحضور من المثقفين والمثقفات الّذين وجّهوا اسئلتهم إلى الشّاعرة، حول كتابهما (أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِكِ)، والذي وقّعته للحضور وسط دهشةٍ تشبه نوارسَ الخلود.


37
إبراهيم مالك وذكرياتُ الشيخ مطيع!
آمال عوّاد رضوان
أمسيةٌ أدبيّةٌ للأديب إبراهيم مالك تناولتْ الجزءَ الأوّلَ مِن كتابِهِ النّثريّ شِبه الرّوائيّ، والمعنون بـ "لن يتغيّر ما نحن فيه ما لم نغيّر ما بأنفسنا"، وذلك بتاريخ 10-1-2019 ووسط حضور من الأدباء والشّعراء وذوّاقي الأدب، في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، بمبادرة نادي حيفا الثقافيّ، وبرعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وقد تخلّلَ الأمسيةَ معرضٌ فنّيٌّ للوحاتِ الفنّانِ التّشكيليّ محمود جمل الشّعباويّ، وتولّتْ عرافةَ الأمسية الشّاعرة سلمى جبران، بعدَ أن رحّبَ بالحضور والمُتحدّثينَ والمُحتفى به المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسس منتدى حيفا الثقافي، وقدّمَ الشّاعر أنور خير قصيدة "لمسة وفاء"، رثاءً في طيّب الذّكر المرحوم الشاعر مفيد قويقس، ثمّ قدّم الأديب د. محمد هيبي قراءةً نقديّةً مُستفيضةً حول الكتاب، وفي نهاية اللقاء تحدّثَ الأديبُ إبراهيم مالك عن سيرورةِ مشروعِهِ الأدبيّ الّذي استقاهُ من مشاربِ ثقافات مختلفة، وتحدّثَ عن رُؤاهُ للأدبِ وللثقافةِ والقِيَم الإنسانيّة، وشكرَ الحضورَ والمُنظّمينَ والمُتحدّثين، وتمّ التقاط الصّور التّذكاريّة!
مداخلة سلمى جبران: أحيّيكم جمهورَنا الوفيّ، وأتمنّى للجميع مساءً مليئًا بالخير والصِّدْق والنّور والحرّيّة وجمال الرّوح. معنا معرضٌ من أعمال محمود جمل، فنّان مِن شَعَب، درسَ في كلّيّةِ الجليل الأعلى كمرشدٍ مؤهَّلٍ للفنون، ويدرسُ للّقبِ الأوّل للفنون في كلِّية أورانيم، وعضو في جمعيّة نجم الدوليّة. فنّان له لوحاتٌ عديدة، تَمِيلُ إلى كلّ المَدارس الفنّيّة، شارك في العديدِ من المعارض خارجَ البلاد، وكُرِّمَ في أكثرَ مِن مؤسسةٍ فنّيّةٍ دوليّة ومحليّة، وهو مُؤسّسٌ لمركزٍ صغيرٍ للفنون في شَعَب، ويطمحُ في الوصول الى العالميّة.
نحتفي اليومَ بالكاتب إبراهيم مالك الّذي محا جغرافيةَ الأوطان قائلًا: يا وطنَ إنسانيَّتي، ما أبدَعكَ وأروعَكَ، حين تُعَلّمُني، فتُسعدُني وأظَلُّ طِفْلًا شائخًا...
والإصدار الّذي نتناولُهُ اليوم: (الملقَّب مطيع وولدُهُ ازدادا قناعةً: لن يتغيَّرَ ما نحنُ فيهِ ما لمْ نُغيِّرْ ما بأنفُسِنا)، عنوانٌ طويلٌ جاءَ مُحاكيًا للآية القرآنيّة الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ سورة الأنفال: 53. وكذلك: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ....﴾ سورة الرعد: 11.
قرأتُ الكتابَ، وضِعْتُ بين الأزمنةِ والأمكنةِ، وبينَ القصصِ الشّعبيّةِ والأساطيرِ العالميّة، ولذلك نتركُ الحديثَ عَنْهُ لأديبٍ أصيلٍ، كتبَ مجموعةً كبيرةً مِن المقالاتِ الأدبيّةِ والنّقديّةِ، دارسًا الأدبَ المَحلّيَّ والعربيّ، وآخِرُها "غسّان المُرْعِب، صباح الخير"، فكانَ عميقًا وأصداؤهُ مُدوِّية، وأصدر دراسة بعنوان: "الحرّيّة والإبداع والرَّقابة- أَثَرُ الرَّقابةِ على الرّوايةِ السّوريّةِ الحديثة"، وأشهرْنا الكتابَ هنا في نادي حيفا الثقافي. 
مداخلة د. محمد هيبي تحت عنوان: إبراهيم مالك والخوف من ضياع الذّاكرة!
الكاتب إبراهيم مالك، رغمَ أنّ له بعضَ المجموعاتِ النّثريّة، إلّا أنّه عُرف أكثر، كشاعرٍ صدرَ له حتّى الآن أكثر من عشر مجموعات، الأخيرة منها، "أيّتها، أيّها، أيّة ويا"، وقد اختارَ لها عنوانًا يبدو غريبًا، إلّا أنّنا نفهمُ وجهَ الغرابةِ حينَ نتصفّحُ المجموعة، ونرى أنّه اختارَ قصائدَها مِن مجموعاتِهِ العشر، ومعظمُها قصائدُ يبدأ عنوانُها بهذهِ المفردات، وحينَ نتتبّعُ إنتاجَهُ الشّعريّ، نُدركُ أنّه شاعرٌ رومانسيٌّ يَكتبُ قصيدةَ النّثر، ويعتمدُ فيها الموسيقى الدّاخليّةَ النّابعةَ مِن ذاتِهِ، ومِن إحساسِهِ باللّغةِ وبعناصرِ الطّبيعةِ الّتي يتواصلُ معها، ومِن هنا تتداعى مفرداتُهُ وعباراتُهُ الشّعريّة.
إبراهيم مالك مغرم بالطّبيعة والأساطير، ويرى فيهما أصلَ الإنسانِ ومَصدرَ فِكرِهِ وسعادتِه، وهو واسعُ الثّقافة، فحينَ يقولُ عن الأسطورةِ "هي الوليدُ البكرُ للعقلِ الإنسانيّ"، أتخيّلُهُ يقرأ ذلك الكتابَ الرّائعَ، "مغامرة العقل الأولى"، للكاتب السّوريّ فراس السّوّاح، الرّائد والمتميّز في دراساتِهِ حول الأسطورة الّتي يرى فيها التّجربةَ العقليّة الأولى للإنسان، وهو مُغرمٌ بالسّرد كذلك، ففي معظمِ قصائدِهِ يعتمدُ الأسلوبَ القصصيّ، ويسردُ القصيدةَ كحادثةٍ عاشَها، أو يُخاطبُ فيها شخصيّةً إنسانيّةً كالمرأة عامّة، أو "فاطمة" الّتي يَرِدُ اسمُها كثيرًا في قصائدِهِ وبدلالاتٍ مختلفة، أو يُخاطبُ مفهومًا مُطلقًا كالحرّيّة، أو عنصرًا مِن عناصرِ الطّبيعةِ، يُشخْصِنُهُ ويُؤنْسِنُهُ ويجعلُهُ قادرًا على الفعل.
الكتابة فِعلُ تَحرُّرٍ وخلاصٍ، ولكن يظهرُ أنّ الشّعرَ عندَنا، أصبحَ عاجزًا عن القيامِ بهذه المُهمّة، وأنّ قَدَرَ شعرائِنا في الآونةِ الأخيرةِ، أن لا يجدوا كفايتَهم وخلاصَهم في الشّعر، فيتحوّلوا إلى النّثر، وإلى السّردِ بشكلٍ خاصّ. وهذا ما حدثَ أيضًا للمُحتفى به، خاصّةً في إصدارِهِ الأخيرِ الّذي وسَمَهُ بأنّهُ جزءٌ أوّلٌ مِن عملٍ نثريّ شبهِ روائيّ، واختارَ لهُ عنوانًا طويلًا جدًّا هو: "الملقّب مطيع وولده، ازدادا قناعة، لن يتغيّر ما نحنُ فيهِ ما لم نُغيّر ما بأنفسنا!".
لقد أحسنَ الكاتبُ صُنعًا بالوَسم المذكور، إذ إنّ ما بين أيدينا ليس عملًا روائيًّا فنّيّا، ولا هو عملٌ متكاملٌ من حيث المضمون، وإنّما هو عملٌ سرديّ قصير، لسلسلةٍ من الذّكريات الّتي يبدو من طريقةِ سرْدِها ولغتِهِ، أنّ الكاتبَ "انهرق" على تدوينِها وحِفظِها، خوفًا مِن الآتي، فهو يرى الموتَ يقتربُ، وكما يظهرُ، يرى أنّ انتصارَهُ على الموتِ والزّمنِ لا يكونُ إلّا بإنجاز هذا العمل، وذلك رغمَ أنّه لا يخافُ الموتَ، لا بل يراهُ ضرورةً حياتيّة.
يقولُ في مقدّمةِ كتابهِ، "الشّعرُ والفنّ كما أفهمُهما": "بدأ هاجسُ الموتِ يُصبحُ جزءًا مِن أحاسيسي الدّائمة، والموتُ كما أفهمُهُ ليسَ قدَرًا مفروضًا، بل حاجةُ حياة، ورغمَ ما فيهِ مِن مآسٍ، هو حياةٌ للآخرين، فالموتُ، أشعرُ لحظتَها أنّهُ جميلٌ في مُحصّلتِهِ، لأنّهُ يعني الولادةَ ويعني تجدّدَ الحياة" (ص6).
هذه العباراتُ تَشي بفكرِ الكاتبِ ورومانسيّتِهِ، حتّى في حديثِهِ عن الموتِ، وبالإضافةِ إلى ما يُحيلُ إليه العنوانُ، تَشهدُ أنّ هدفَ الكتابِ، على المستوى الفرديِّ والشّخصيّ، هو حفظُ الذّاكرةِ وخلاصُ الكاتبِ مِن حمولةٍ تُرهقُهُ، وعلى المستوى الجمْعيِّ العامّ، هو الخلاصُ مِن حالةِ الجمودِ الّتي يتحجّرُ فيها مجتمعُنا منذ قرون.
ذكرياتُ إبراهيم مالك ترتبطُ فيما بينَها، بواسطةِ شخصيّةِ الشّيخ مطيع وولده سعيد الّذي أراه يُمثّلُ الكاتبَ نفسَه، فكلاهما، الكاتب وسعيد، وُلِدا في "سمخ" في العام نفسه، ومطيع وابنُهُ سعيد كساردَيْن، يُمثّلُ كلٌّ منهما جيلًا عاشَ نكبتَهُ ومَنافيهِ، فالأوّلُ يسردُ ذكرياتِهِ لأولادِهِ، كما سمعَها منذ طفولتِهِ مِن والدِهِ، وكما عاشَها فيما بعد، ويُشاركُهُ ويَدعمُهُ ابنُهُ سعيد في سرْدِ ما سمعَهُ مِنَ الآخرين، وما عاشَهُ بعدَ ولادتِهِ وتشرُّدِهِ مِن "سمخ"، وهذا يُؤكّدُ أنّ الشّيخَ مُطيع يخشى على ذاكرتِهِ أن يأكلَها الضّبع، ويُريدُ أن يطمئنّ قبلَ موتِهِ، على حفظِها في ذاكرةِ أولادِهِ الّذين يُصغونَ إليه ويسمعونَهُ، ويَنقلونَ عنهُ ويُكمِلونَ مِشوارَه، لتصبحَ الذّاكرةُ الفرديّةُ قبلَ موتِهِ، ذاكرةً جمعيّةً تتناقلُها الأجيال. يقول: "كانت ذاكِرَتُهُ تنتعش وتعود، فيَجِدُ نفسَهُ أشبَهَ بذاك الطّفلِ الّذي كان يومًا، وقد راحَ يُصغي لِما حَدَّثَهُ أبوهُ ذاتَ زمن" (ص4).
كذلك، والدُ الشّيخ مطيع يَستعينُ بغيرِهِ، لنقلِ ذكرياتِ شخصيّاتٍ لا نعرفُ عنها إلّا القليل، وبأسلوبٍ لا يكفي لبناءِ شخصيّةٍ روائيّة، حيث يبدو حفظُ الذّاكرة هو الأهمّ، فهو هاجسُ الكاتب إذ يقول: "صَمَتَ الأبُ قليلًا، تأمَّلَ أولادهُ، رآهُم صامِتين مُصغِين، فتابعَ حديثَهُ مؤكِّدًا ما يَرْويهِ آخرون" (ص6).
الاعترافُ أنّ العملَ "شبه روائيّ"، رغمَ كوْن المصطلحَ فضفاضًا أو مطّاطيًّا، يُخفّف عن الكاتبِ مُحاسبة النّقد له كروائيّ، ولكنّه لا يُجرّده مِن مسؤوليّتِهِ الكاملةِ عن عملِهِ مَهما كانَ شكلُهُ، فهناكَ الكثيرُ ممّا يُمكن أن يُقالَ، حوْلَ ضعفِ السّردِ والحبكةِ الّتي تكادُ تكونُ غير موجودة، والشّخصيّات الّتي تفتقرُ لأيّ مَلمَحٍ روائيّ فنّي، كما أنّ سرْدَ الذّكرياتِ يَنقطعُ، لا لسبب موضوعيّ، إلّا لكوْنِها جزءًا أوّل سيتبعُهُ جزءٌ آخر، ولذلك يبدو بشكلٍ واضح أنّ الكاتبَ تقوقعَ في الحكايةِ، وأهملَ الشّكلَ الفنّيَّ الّذي كانَ من الأوْلى بهِ أن يبحثَ عنهُ ليُقدّمَها به. هذا بالإضافةِ إلى أنّ العملَ قصيرٌ جدًّا، كان باستطاعةِ الكاتب أن يتروّى قليلًا، ويُصدر ذكرياتِهِ كلّها في عملٍ واحدٍ مُتكامِل. كما أنّ في اللّغةِ وتركيب العبارات أخطاءٌ لا تليقُ به، وكنّا نتوقّعُ منه لغةً شاعريّةً تليقُ بهِ كشاعرٍ معروف، ولا مبرّرَ كذلك لترتيب الجُملِ وتقطيعِ الأسطر بشكلٍ يَمغطُ النّصّ، ولذلكَ أنصحُ بمراجعةِ هذا الجزءِ جيّدًا، وبنشرِهِ مرّةً أخرى مع الجزء التالي في عملٍ واحدٍ مُتكاملٍ ومُنسّقٍ جيّدًا.
الشّيخ مُطيع هو شخصيّةٌ رسَمَها الكاتبُ لنقلِ ذكرياتِ أجيالٍ تواصلت، أو تماهتْ مع ذكرياتِهِ شكلًا ومضمونًا وزمنًا، وهي تغطّي فترةً زمنيّةً لا تَكفيها شخصيّةٌ واحدة، وقد رسم شخصيّاتِ أولادِهِ، وبشكلٍ خاصّ ابنه سعيد، ليساعدَهُ على السّرد، وليَضمنَ امتدادَهُ فيمن سوفَ يَحملُ الذّاكرةَ لاحقا.
وعودة لا بدّ منها إلى العنوان، فالعنوانُ عادةً له وظائفُ ودلالاتٌ كثيرة، منها أنّه نصٌّ مُوازٍ يُشكّلُ نواةَ النّصّ ومرآتَهُ، أو خلاصتَه، وهذا ما يُحيلُ إليه عنوانَ الكتاب الّذي بين أيدينا، فهو يختصرُ الرّسالةَ الّتي يَحملها النّصّ. "الملقب مطيع وولده، ازدادا قناعة، لن يتغيّر ما نحن فيه ما لم نغيّر ما بأنفسنا!".
في هذا العنوان، تناصّ واضح مع القرآن الكريم، إذ يُحيلُ إلى الآيةِ الكريمة: "إنّ الله لا يُغيّر ما بقوْمٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد11). وهذا يؤكّدُ علاقةَ حاضرِنا بماضينا، وأهمّيّةَ ما يدعو إليه الكاتبُ مِن تغيير، ويُطرحُ السّؤال: لماذا أعادَنا إبراهيم مالك، وبشكلٍ لافتٍ، إلى هذا النّوع مِن العناوين الطّويلةِ الّتي تميّزتْ بها الأعمالُ الأدبيّة القديمة؟ هل هو استلهامُ القديم لإسقاطِهِ على الحديث؟ أو استلهامُ الماضي لإسقاطِهِ على الحاضر؟ أو استحضارُ الماضي للبكاءِ عليه؟ أو لمساءلتِهِ: لماذا تحجّرَ فينا وتحجّرْنا فيهِ، وقد تُرِكَ المستقبلُ جامدًا خائفًا، يحتمي بالماضي الّذي لم نتابعْ مسيرتَنا فيهِ إلى الحاضرِ والمستقبل، كما يقتضي التّطوّرُ الطّبيعيّ للإنسان؟ أم أنّ الدّافعَ هو كلّ ما تقدّمَ، وذلك للتّعبيرِ عن ضياعِنا في الحاضرِ المتقوقع في الماضي الّذي لم نستفِدْ منهُ شيئًا، والّذي لا تُشكّلُ العودةُ إليهِ إلّا تعبيرًا عن عجْزِنا وضياعِنا، وإظهار مدى الخراب الّذي يُميّزُ حاضرَنا ويُهدّد مُستقبلَنا؟
ولهذا خلُصَ الكاتبُ بتجربتِهِ إلى أنّنا "لن يتغيّر ما نحن فيه ما لم نغيّر ما بأنفسنا!"، وأرجو أن يكونَ توظيفُ الكاتب لهذهِ العبارةِ بدلَ الآيةِ الكريمة، وعدم تعامله معها بدقّة حين ذكرَها في النصّ (ص68)، ليس انتقاصًا منها أو جهلًا بها، وإنّما ليُبيّنَ لنا أنّ ماضينا غنيٌّ بتراثٍ أهملناهُ ولم نتعلّمْ منه، وكانَ الأجدرُ بنا أن نأخذَ منه لحاضرنا ومستقبلِنا، فها نحن بعدَ خمسة عشر قرنًا نصلُ للنّتيجةِ نفسِها الّتي كان يجبُ أن ننطلقَ منها، منذ أدركتْنا وأدركناها أوّلَ مرّة، لنتطوّرَ بشكلٍ طبيعيّ، ولو فعلنا ذلك، لما تأخّرنا عن رَكْبِ الحضارةِ الّذي نحتاجُ اليومَ إلى قرونٍ حتّى نلحقَ به، ولن يحدثَ ذلك ما لم نغيّر ما بأنفسِنا.
وأعتقدُ أنّ الدّافعَ نفسَه يكمنُ وراءَ اختيار اسم "الشيخ مطيع"، فمبنى العبارةِ هنا يقومُ إمّا على التّماهي أو على التّناقض، فإمّا أنّه بهذا التّركيب يُماهي بين المشيخة والطاعة، بمعنى أنّهما في المفهوم الدّينيّ شيءٌ واحد، إذ لن يكون شيخًا إن لم يكن مطيعًا، وإمّا أن تتعارضَ مشيختُهُ مع الطّاعة، بالمفهوم السّياسيّ والاجتماعيّ للسّلطة، من حيث يجبُ أن يكونَ هو الآمر النّاهي الّذي يجبُ أنْ يُطاع. وهنا يُلفتُ الكاتبُ انتباهَنا مِن خلال المُفارقة، إلى حقيقةِ خضوعِنا للقديم وتقوقُعِنا فيه بشكلٍ يَنفي التقدّمَ، ويتركنا نُراوحُ في المكان الّذي لا نرسمُهُ، بل يُرسَمُ لنا.
مِن خلال الشيخ مطيع وذكرياتِهِ، يحملنا الكاتبُ في مضمونِ كتابِهِ، إلى وطن عربيّ أصبحَ منذ أن غزاهُ أوّلُ استعمارٍ وإلى يومِنا هذا، مسرحًا لعمليّاتٍ كثيرة من التّشريدِ والتّهجيج والنّزوح واللّجوء والمنفى، هربًا من ظلم سُلطةِ الاستعمار، وكثيرًا ما كانتْ عمليّاتُ النّزوحِ، كالهارب من الرّمضاءِ إلى النّار، فالاستعمارُ الفرنسيُّ الّذي يَحكمُ الجزائر، والّذي هربَ منه جدُّ الكاتب، هو نفسُهُ الّذي يَحكمُ سوريا الّتي لجأ إليها.
تُطلِعُنا الذّكرياتُ على أنّ الكاتبَ ينحدرُ من جدٍّ عربيٍّ عاشَ في الأندلس، ورُحِّل عنها قبل 600 عام، وفي طريقهِ تزوّجَ مِن امرأةٍ شاويّةٍ أمازيغيّة، ثمّ استوطنَ شرقَ الجزائر، وعليه فالكاتبُ ليس فلسطينيَّ الجذور، وإنّما هو من أصولٍ مغاربيّةٍ تجري في عروقِهِ دماءٌ عربيّةٌ وأمازيغيّة، ولكن، وَحّدَهُ مع الفلسطينيّين إلى جانب الانتماء القوميّ واللّغة والتّراث، قدرُهم الّذي تماهى مع قدَرِهِ من حيثُ القهر والتّشريد.
زمن "الكولون" أو الاستعمار الفرنسي ّوموبقاته ومجازره الّتي ارتكبها بحقّ الشّعوب العربيّةِ المقهورة في المغرب العربيّ، وخاصّةً في الجزائر بلد المليون شهيد، نزحتْ عائلةُ الكاتب من الجزائر، ليصبح التشرّدُ والنّزوحُ والمَنفى قدرًا لها، ولتصبحَ حياتُها سلسلةً طويلة من المنافي. فمن الأندلس إلى الجزائر إلى تونس، ثمّ إلى الإسكندريّة وحيفا، لتضعَ رحالَها في سوريا قرب دمشق، وما هي إلّا سنوات حتّى نزحت العائلة من سوريا إلى قرية "سمخ" في فلسطين، وهناك في عام 1942 وُلِد "سعيد" ابن الشيخ مطيع، وكذلك وُلد الكاتب الّذي ورث التشرّد والنزوح عن أبيه وأجداده، وجاء دورُهُ ليتشرّدَ من "سمخ" عام 1948، إلى أن لجأ عام 1949 إلى كفر ياسيف الّتي يعيش فيها حتّى الآن، لتصبحَ وطنَهُ ومنفاهُ الأخير.
ومن هنا، لكلِّ واحدٍ منّا أن يتخيّلَ هذهِ السّلسلةِ الطويلةِ مِن المنافي، وهذا الكمّ الهائل من ذكرياتٍ مؤلمةٍ شحنتِ الكاتبَ وأرّقتْهُ، وأكثر من ذلك، فهي تنطوي أحيانًا، على مفارقاتٍ أشدّ ألمًا وأقسى حزنًا. مثلًا، أثناء عمل الشيخ مطيع في حيفا، بلغتهُ رسالة أنّ ابنيْ عمّه وصلا أمّ الرّشراش الّتي صارت إيلات فيما بعد، والمفارقة، أنّهما كانا في طريقِهما إلى الهند الصّينيّة، جنودًا في خدمة الاستعمار الفرنسيّ الّذي شرّدَ أقرباءَهم، "مطيع" وأهله. 
في الصّفحةِ الأولى من النّصّ، يُلخّصُ لنا الكاتبُ مَسارَهُ المحزنَ مِن بداياتِهِ، وكأنّهُ يُلخّصُ بهِ المأساةَ الإنسانيّةَ مِن بدء الخليقة، "كأنّ شيئًا في هذه الحياة لا يتغيّرُ ولا يتبدّل، وإن تغيّر فليس لصالح الجميع، وإنّما لصالح البعض المصابين بانفلاتِ جشع بطن وجيب، وبشهواتِ جسدٍ وعقليّاتِ عنف، قهر وسيادة" (ص3). وهذا يُحيلنا مرّةً أخرى إلى العنوان الّذي يختزلُ المَسارَ في خلاصةٍ هي عصارةُ فِكرٍ يؤمِنُ بهِ الكاتب.
وعن هذه الفترة ما قبلَ النّكبةِ وما تلاها، يسوقَ لنا "سعيد" الكثيرَ مِن الذّكرياتِ المؤلمة، لِما حدثَ في القرى العربيّةِ الّتي هُدِمتْ وشُرّدَ أهلُها، أو تلك الّتي لم تُهدمْ، واستقبلت الكثيرين ممّن شُرِّدوا، رغمَ ما وقعَ عليها من ظلم، وحملتْ لنا كذلك، كيفَ تعامَلَ الغاصبُ مع المغتصَب، وكيف وقفَ المغتصَبُ أحيانًا، في صفّ الغاصبِ، أي ما حدثَ في الجزائر يتكرّرُ في فلسطين، وكأنّ التّاريخَ يُعيد نفسَه.
في هذا العمل القصير تنعكسُ ثقافةُ الكاتب الواسعة، وقد استقى الكاتبُ ثقافتَهُ مِن الأسطورة، ومن المسيحيّةِ والإسلام، ومن الوجوديّةِ والشّيوعيّة، ومِن الثقافاتِ الإنسانيّةِ كلّها. ففيه نقرأ أسطورةَ جلجامش وأنكيدو وبحثهما عن الحرّيّة، ونلتقي بأفلاطون وأبناء الإله اليونانيّ "بوسيدون" في أسطورة "القرية الضائعة". ونقرأ الإنجيل في: "مَن مِنكم بلا خطيئةٍ فليَرْمِها بحجر". ونقرأ القرآنَ في الآية الّتي يتناصُّ معها العنوانُ وغيرها، ونلتقي كذلك بالباحثين عن الحرّيّةِ وتجاربهم، مثل عبد الرحمن الكواكبي في "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، وغاندي وفلسفته في الحياة والمقاومة، ودستويفسكي والإخوة الأعداء. وغيرهم الكثير.
وخلاصة القول، حرّيّة الإنسان هي هاجس الكاتب وكتابه، والفوز بها لن يحدثَ ما لم يكنِ الإنسانُ قادرًا على الحبّ والإبداع، عاشقًا للخير والجمال، ولن يتأتّى له ذلك، ما لم يكن قادرًا على تغيير نفسِه وتطهيرِها من أدران الشرّ والخطيئة، خاصّةً مِن العنف والجشع، وهذا ما تُعانيه اليوم الإنسانيّةُ عامّة، وما نُعانيهِ نحن في مجتمعِنا العربيّ بشكلٍ خاصّ.
وبالرّغم من كلّ المَظاهر الّتي تدعو لليأس، فالكاتبُ لا ييأس، ويبدو ذلك جليًّا مِن إصغاء أولاد الشيخ مطيع، واهتمامِهم بذاكرتِهِ وحفاظِهم عليها، ومن إصرارِهِ هو الكاتب، على أن يكون معنا هذا المساء ويُحدّثنا عن ذكرياته. إبراهيم مالك كاتبٌ وشاعرٌ متفائل، يؤمنُ بضرورةِ التغيير، ويرفضُ أن يفقدَ الأملَ بأنّ التّغييرَ لا بدّ سيأتي.

38
يا ابنةَ القوافي المميّزة بمَرامِها ومَراميها
فاطمة يوسف ذياب
ردًّا على قصيدة (إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا/ آمال عوّاد رضوان)

عزيزتي آمال.. "سلامي لكِ مطرًا"
 في ليلةٍ أخيرةٍ مِن عامٍ يتأهّبُ للرّحيل، هذا العامُ الّذي يَشهدُ رعونةَ الزّمنِ في فصولِ الغمام، تقولين: (إلَيْكِ أَتُوبُ غَمَاما)، فتأخذُني حروفُكِ إلى خواءِ زمانِنا المُرّ، حيثُ يتساكبُ عشقًا ووجعًا من بين حروفِ قصيدتِكِ وعريّةِ الفُصول، والمُتعفّرةِ بمَداها الغموضيّ ما بينَ تيهٍ وضياعٍ، وأحاولُ لملمةَ الشّرودِ والمسافاتِ الشّاسعةِ بينَنا، والّتي تُطاردُكِ في انعطافاتِ عطفِكِ اللّا مُتناهي، وعلى إيقاعِ حبّاتِ المطر، تتسربلُني حروفُكِ (المُتسافكةُ) في تَناغُمٍ عاطفيّ، ما بينَ حوّاءَ هنا وخُواءً هناك، وثمّةَ اكثرُ مِن نقطةٍ مُتشاكِسةٍ بخريرٍ حريريِّ المَلمسِ والصّوتِ، يَتغلغلُ بدواخلِنا، يُدغدغُ أبجديّةَ العطفِ والانعطافِ نحوَ مدلولاتٍ لفظيّة، تبدو غائرةً في جوفِ أرضِ ووجدانِ جسدٍ يرنو لروحِهِ المُتواريةِ خلفَ (تعاريجِ ) الضّياع.
إنّهُ حرفُكِ الّذي ما فتئَ يَحملُني مِن ظلالِ شرودي، كي أنادمَهُ وطنًا مَلَّ اللّهاثَ خلفَ المواعيدِ الّتي شلحتْ ذاتَها، وتَعرّتْ بزيفِ (ورقةِ التوت)، فلا جرعةٌ مِن مَبسَمِ فجرٍ، ولا قطرةٌ تروي ظمأَ الأماني والأحلام. إنّها الأنثى المُندسّةُ تحتَ عباءةِ أرضٍ كانتْ تُدعى (وطنًا)، وظلّتْ تُدعى وطنًا، رغمَ (تذاؤُبٍ) يَعوي، لا بصَمتِهِ بل بوحشيّة، يَقتنصُ كلَّ فرَصِ الحياةِ الّتي يرنو إليها أصغرُ الحملان والأطفال، فهل تتركُ الذّئابُ فرصةً لذاكَ الحُلمِ السّاكنِ في طيّاتِ القصيدة، وتمنحُهُ فرصةَ مداعبةِ حروفِ اللّغةِ، في مجالِها الأنثويّ الرّابضِ بينَ تضاريسِ النّصّ، المُتوثّبُ المُتوهّجُ ببراعةِ الرّؤيا، رغم (أنّات الآهاتِ التّائهة)؟
بهذه اللّوحاتِ النّصّيّةِ المُفعمةِ بالصّورِ ذاتِ الدّلالاتِ الشّتّى، تُحاولُ آمال عوّاد رضوان الإنسانة، أن تسكبَ حروفَها المُتوهّجةَ بالآمال، الرّافضةَ للتّيهِ والضّياع، والمُقاومةَ لضبابيّةِ الأحداثِ، حيثُ تُعِدُّ البناءَ المُتشابكَ بينَ خلايا الرّوحِ وأعمدةِ البناءِ الحِسّيّة، لتضعَنا أمامَ تجانسٍ تامٍّ، وكما اعتدْناها دومًا في قصائدِها المُتعدّدةِ، حيثُ يَظلُّ للوطنِ وللأنثى الوجهَ الواحدَ الّذي لا يعرفُ الانفصامَ أبدًا. إنّها الأنثى الرّافضةُ لاجتراحِ اللّحظاتِ اللّازورديّةِ الثّمينةِ، في ظلِّ هذا الصّمتِ المُتعالي  والمُحلّقِ (بمَلكوتِهِ المُجَنّح)، إنّهُ صَمتُ عالَمٍ تآكلتْ فيهِ إنسانيّتُهُ وهُدِرتْ، بل ومُرّغتْ بوحلِ تَذاؤُبِهِ، لتظلّ إنسانيّةً (تقتفي الخيالاتِ) بخطاها المُرتبكةِ، بانتظارِ فرحٍ أو فرَجٍ قد يَحملُهُ لها حلٌّ سِحريّ، أو ربّما معجزةٌ مِنَ السّماء. وحتّى يتمخّضُ الحُلمُ والخيالُ ويَلدُ حلًّا، فإنّ الشاعرة آمال ستظلُّ هكذا تتّكئُ على أنفاس (حرفِها الأعرج)، الّذي قد يصلُ وقد لا يصلُ، لكنّهُ عكّازُها المُتّكَأُ، الّذي من خلالِهِ تُرسلُ نصَّها الإبداعيَّ الطّاغي بعُمقِهِ، الرافضَ لواقعِهِ، والمُتحدّيَ لكلِّ فنونِ أدواتِ القصيدةِ غيرِ العاديّة.
وهل تملكُ آمال عوّاد رضوان غيرَ إبداعِها؟ إنّهُ رسالةٌ رومانسيّةٌ عشقيّةٌ سِحريّةٌ تبدو وتتبدّى، ولكنّها مُفعمةٌ برائحةِ عكّاز النّبي موسى عليه الصّلاة والسّلام، حيثُ نَراها بحركةٍ ذكيّةٍ تخترقُ أفقَ الْما وراء، وبروحيّةٍ عميقةٍ سلِسَةٍ تشُقُّ حجابَ السّماوات، وكما الطفلة تُحاولُ أنْ تتلصلصَ ربّما على عِلمِ الغيْب، بمدلولِ مَن يُريدُ أنْ يَستكشفَهُ قدَرًا، قبلَ أنْ يُصبحَ كذلك.
هذهِ هيَ الصّورةُ الشّائعةُ لحالاتِ مَن فقدَ الحيلةَ فوقَ الأرضِ، وراحَ يَستقدمُ الغيبَ ويرجوهُ، أما مِن أملٍ قادمٍ؟ أما مِن حلٍّ آتٍ؟ هي القصيدةُ الّتي سبقتْ زمانَها في استقراءِ حاضرِها، فمَن منّا لم يَتمنَّ لو أنّه يستكشفُ ما بعدَ البَعْد، أيْ ما بعدَ هذا الّتيهِ والضّياعِ والطّرقِ اللّولبيّةِ، ليرى لونَ ونكهةَ القادمِ مِن خلفِ عتمةِ الواقع؟
هكذا هي آمال الشّاعرة المتجذّرةَ بملكوتِها الشِّعريّ تُخاطبُ الأنثى، فتسكُبُ شِعرَها الصّافيَ، وتعجنُهُ بدقيقِ حاضرِها وماءِ ماضيها، وتستوقفُنا الصّورةُ التّراثيّةُ المُتجذّرةُ بفولكلورها، صورةٌ مُتعمّقةٌ بتوْصيفِهِ وتوظيفِهِ، ومُلازمةٌ متلازمةٌ بحِرفيّةِ أدواتِهِ وأدوارِهِ: العجين، الشّوبك، صفاء الدّقيق، الأقراص، الخبز) .. إذن؟
هو الوطنُ الّذي يُعجَنُ ويُخبَزُ، يُحَمَّرُ ويُقَمَّرُ أقمارًا في فضاءاتٍ أخرى وما زال يُؤكَلُ ويُؤكَلُ، والشّاعرةُ آمال لمّا تزَلْ تُعاقرُهُ بحروفِ أبجديّتِها، مُستلهِمةً مِن تراثٍ مُتجذّرٍ في خاطرِها، تُحاول استقدامَهُ في متاهاتِ خيالاتِها، وفي (خلوةٍ سهاديّةٍ تتلوهُ قصائدَ وادعة)، لتنشرَهُ في نصٍّ أدبيّ، وتطرحَهُ (على عتباتِ المرايا)، بفسيفسائيّةٍ مُنتقاةٍ بأنفاسٍ (تتلاعبُ أرياشُها).
إنّها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان.. تظلُّ مُخلصةً للصّورةِ الحِسّيّةِ الشّموليّةِ، مِن حيثُ البناء المتكامل المتجانس مع واقعِهِ الزّمانكيّ، ليُعاودَها السّؤالُ ذاتُه: كيف؟ كيف تُحلّقُ آمال في وطنٍ مقصوصِ الجَناحيْن، مُثقلٍ بسوداويّةِ واقعِهِ؟
في حالتِها هذه، تشعرُ كما نشعرُ نحنُ أيضًا معها، إنّنا جميعًا (ريشٌ في مهبِّ الرّيح)، تتلاعبُ بنا الصُّدَفُ والخُططُ، وتقذفُنا إلى فضاءاتِ الهباء، لكنّها الشّاعرةُ المُتمسّكةُ بسراجِها اللّغويّ، تطرَحُهُ آمالًا تُضيءُ فضاءاتِها الخاصّةَ والعامّة، لتقولَ بما يُشابهُ القول: كلّما ضاقتْ حَلقاتُها فُرِجَتْ، فبرغم (ارتجافِ عصافيرِ القلب)، تتّقدُ في دواخلِها جذوةُ اللّهبِ، وتنثرُهُ فوقَ ذرى الوطن، تستظلُّهُ رغمَ فصولِ عُريهِ النّاعسِ السّابتِ إلى حدّ الموت.
هي آمال عوّاد رضوان المُفعمةُ دوْمًا بالآمال، تُتقنُ حروفَ القصيدةِ الأخرى المُكتنزةِ بثروةِ لغتِها، والمُرتوية بينابيع جُذورها، تحملُ (بشرى المَسرّة) رغمَ أنفِ الزّمان، لنراها تتواثبُ فوقَ خرائطِ الدّهشة، وبماسيّةِ حروفِها العشقيّةِ تتعمّدُ بقدس القداسة، وتغتسلُ بنورِ قناديلِ العشقِ والهوى، وتراقصُ عزفًا روحيًّا على قيثارةِ فجرٍ تراهُ هي، وقد (يُطوّبُ مَباسمَ المواسم..)
عزيزتي آمال الغارقة بفرادةِ أدواتها..
قد يتوهُ البعضُ عن مَرامي نصِّكِ وما وراءه، لكنّه نصّكِ المخلصُ لواقعِهِ المتشابكِ في تعقيدِهِ حدّ الدّهشة، فكلُّ أنثى في شِعرِكِ وطن، ترسمينَهُ بلوحاتٍ تَخصُّكِ وتخصُّ ريشتك، وإنِ كانت في مهبِّ الرّيح، تظلُّ ريشتُكِ تَقطرُ بحِبرِ الأماني والرّؤى الموغلةِ في العمق.
هكذا وفقط هكذا، من هذا الواقع الزّمنيِ والمكانيّ تنزفينَ الوطنَ قصائدَ أخرى، تُعلّقينَها في متاحفِ النّرجسيّةِ الفوق عاديّة، وبما أنّكِ تفعلينَ هذا لأغلى مِن الأغلى، أراكِ حريصةً على انتقاءِ صُوَرك الشّعريّة مِن جذور الجذور، ومِن الصّور اللغويّةِ الممتلئةِ بتراثيتها، تستنبطين الحرف والصور، وتُجيّرينهما.
ماذا أقول لكِ يا ابنةَ القوافي المميّزة بمَرامِها ومَراميها؟ لقد أشغلَكِ الواقعُ بكلّ تعقيداتِهِ اللحظيّة وغير اللحظيّة، فكان غمسُ الرّيشةِ في فضاءاتِ شعرِكِ يقطرُ بحبرِ أمانيك، إنّه الوطنُ السّاكنُ روحَكِ وقصيدتَكِ، بل أكادُ لا أخطئ إن قلت، إنّ معظم ما رسمتْهُ ريشتُكِ كان نبراسَ حُبٍّ لعتمةِ وطن، ومن رحم الألم يولد الأملُ، سراجيًّا يبدو، لكنّه في خاطرِكِ شمسٌ وشموسٌ.
عزيزتي آمال عواد رضوان: في آخر يوم من عامٍ حزَمَ حقائبَ سفرِهِ ليُغادرَنا، بكلّ ما حملَ لنا وللوطن مِن أوجاع، أراِك وأراني نستقبل العامَ القادم، بإيقاعٍ يتماهى مع عزف الروح، ويتّكئ على سنن الأوّلين، وعلى ما حملته مغازي الإعجاز في خلايا الروح.
سلامي لك مطرا يُنبتُ لنا غلالًا مِن الآمال.
(إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا/ آمال عوّاد رضوان)
 
وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ .. يَمْلؤُها خَواءٌ
يَ تَ سَ ا كَ بُ
يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء
وفي تَعاريجِ الّتيهِ بِكِ .. أَحْمِلُني ظِلالاً شَارِدَةً
تَتشاسَعُ...
أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ .. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ
وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ
مُتَماهِيًا بِي .. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!
*
دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء
يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء
يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا
يَعْوي الصَّمْتُ في قَفصِ جُوعِهِ
يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ
يَ تَ هَـ جَّ ى .. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!
*
كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ
ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟!
أَمْضي إِلَيْكِ ضارِعًا
تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي .. أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ
أَتَوَكَّأُ عَلى .. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء
أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟
أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟
*
مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ
نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ .. يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي
يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ .. ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ
مَن ذا الأَباحَكِ بي؟
يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم
تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي
تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني
تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ
وَفي خِلوَةِ سُهْدِي .. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ
عَلى عَتَباتِ مَراياكِ!
دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!
أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي
تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ
وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي
أَيا ريشَةَ شِعْرِيَ الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!
مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذَّهَبِ
وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ
والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟
*
كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ
إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟
كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ
تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟
*
أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!
أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ
كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ .. تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ
تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ
فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني .. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني
علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي
ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ .. عَلى جَبيني!
*
كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري
حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ
وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلُماتِ النَّاعِسَةِ
بُشْرَى مَسَرَّةٍ
حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ
تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي
لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدَّهْشَةِ!
*
مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ
حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ
حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها .. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ
تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ
حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي
تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً
وَ أَ تَ فَ تَّ تُ .. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ
*
أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى
حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ .. في فِخاخِ الانْتِظار
وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ .. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا
تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي .. تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً
تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني
هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ .. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ
لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!
رُحْمَاكِ
هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ
لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!
أَدْمَعُ!.. و.. أَدْمَعُ!.. وَ.. أَدْمَعُ!

مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!
مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!
هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا
إعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ / كِرازةَ لِقاءٍ
عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ
عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ .. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!

39
كفر ياسيف تُكرّم أحمد فوزي أبو بكر!
آمال عوّاد رضوان
أقامتْ مُؤسّسة محمود درويش للإبداع، والاتّحادُ القطريُّ للأدباءِ الفلسطينيّين- الكرمل، وجمعيّة أنصار الضّاد أمسيةً احتفائيّةً بالشّاعر أحمد فوزي أبو بكر، وذلك بتاريخ 21-12-2018، في بيت مؤسّسة محمود درويش كفرياسيف، ووسط حضورٍ نخبويٍّ من الأدباءِ والشّعراء والأصدقاء، وقد تولّت عرافةَ الأمسية عايدة مغربي، وبعد أن رحّب علي هيبي الناطق بلسان الاتحاد بالحضور، وبكلمةٍ حولَ الاتّحاد وأهدافه ومنهجه، كانتْ مداخلة مستفيضة لد. سامي إدريس حول شعر أحمد فوزي أبو بكر، ثمّ تخلّلت الأمسية قراءاتٌ شعريّة لكلّ مِن: يحيى عطالله، يوسف إلياس، هشام أبو صلاح، وحسين حجازي، وقراءات للمحتفى به، وفي نهاية اللّقاء قدّم الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين الكرمل ومؤسّسة أنصار الضّاد درع تكريم للمحتفى به، وتمّ التقاط الصّور التّذكاريّة.
مداخلة عايدة مغربي: ما أجمل أن نكرّم مبدعينا، وهم لا يزالون ينبضون بالعطاء وبالتميّز والبهاء، والشّاعر أحمد فوزي أبو بكر شاعرٌ ناداه الوطن فلبّى النداء، هو شاعرٌ استحقّ التّكريم والثناء، فأقول: أنتَ شعلةُ نارٍ أضاءتْ صرخة القلوب، وصفعتَ المستحيلَ ليرحلَ مِنَ الدّروب، أنتَ الغريبُ المسافرُ بنبض المطر، تأرجحتَ بين مرايا الدّخان، وعبرتَ سالفَ العصورِ والأزمان، لتنفخَ في الكلمةِ قصيدةَ حياة، أنتَ المحاربُ الثائر العاشق، الّذي يأبى إلّا أن يسافرَ في قطار الشّجن، دموعُكَ صهيلٌ وصوتُكَ حفيفُ زيتونةٍ، تأبى الرّحيلَ عن الجذور، وقلمُكَ ما زالَ يتراقصُ حُرًّا عطِرًا في نسيج الزّمن..
مداخلة د. سامي إدريس بعنوان مَن هو أحمد فوزي أبو بكر: أحمد فوزي أبو بكر قامةٌ شعريّةٌ عالية، لها دوْرُها وخطورتُها في حركتِنا الأدبيّةِ المَحلّيّة، شاعرٌ كبيرٌ بالمعنى الّذي أرتئيه، فالشّاعرُ الكبيرُ قد يكونُ كبيرًا بالشّهرة، بفعل الظهور الدّائم في وسائل الإعلام، فيصبح نجمًا أو نجمةً لا شاعرًا، وقد يكون كبيرًا بفعل كثرة عددِ قرّائه، ولكن هناك شاعرٌ كبيرٌ لم تقل له أيٌّ من وسائل الإعلام المعهودة: إنك الشّاعر الكبير! والكبيرُ صفة اختلقَها الإعلاميّون، فوصفوا الجواهري بشاعر العرب الأكبر، تمييزًا له عن الكبير، ولكنّي أقول إنَّ أحمد فوزي شاعرٌ لا تلوِّثُ شاعريتَه صفةٌ كالكبير أو غيرها، شاعرٌ فحسب، شاعر حقيقيّ يتصارع مع أدوات التّعبير المتعارف عليها، والعروض السالك ليعلو فوق كلّ ذلك، مُجدّدًا مجترحًا بابًا جديدًا في شعرنا المحليّ، وهذا هو التّميُّز. بعضُ قصائدِه الّتي يتجلّى فيها، تعرفها دون أن يُذكرَ اسمُه عليها، بل إنّي أكاد أجزم أنّ بعض التّعابير الشّعريّة أصبحت مُلكًا للمعجم الشّعريّ لأحمد فوزي.
إنّ المهرجاناتِ والتّكريمات المبتذلة قد تُخرّجُ نجومًا، لكنّها لا تصنعُ شاعرًا واحدًا، والشّاعرُ الحقيقيّ يكتب ولا يبحث عن منصّة أو شهرة، فيقول في قصيدة تَمُرّين عنّي غريبًا:  مُعَتَّقٌ../ على شُرْفَةِ البحرِ/ تَمُرّين عنّي غريبًا/ أما كُنْتُ النّبيذَ الفَتِيَّ/ نبذتِهِ تحت الظّلالِ العتيقَة/ وسِرًّا لم تكتبيهِ رأيتُهُ ومضًا بِلحظِكِ/ وخَمرًا سَكَبْتِهِ فَوقَ قطيفةِ خَصرِك/ مُعَتّقٌ ../ أَحِنُّ لِكأسِكِ/ فلا تَذَريني لعابرةٍ في طريقي
ماذا يريدُ أحمد فوزي مِن الشّعر؟ ولماذا لا يستطيع إلّا أن يكتب؟ هذا التّساؤلُ مأخوذٌ مِن تساؤلِ الأديب الكبير يوسف إدريس الّذي يقول: "أكان لا بدَّ أن تكتبَ يا يوسف؟! هل الشّعر جسرٌ للخلاص الشّخصيّ، ومن ثمّ الخلاص الاجتماعيّ؟ سنرى لاحقًا كيف يتشكّل الأمر في دراسة واسعة تحيط بشعره على مراحل تطوّره، والصّحيح أنه من أجل الحديث عن شعره، أو من أجل كتابةِ دراسةٍ أكاديميّة طالب جامعيّ يريد أن يكتب عن أحمد فوزي، وأنا أهيب مِن هذا المنبر بتناول إنتاج شاعرنا في دراساتٍ أكاديميّةٍ جادّة، فعلى مثل هذه الدّراسة أن تواكب طفولته ونشأته، ومسقط رأسه "سالم" جنة الطبيعة في مرج ابن عامر، وتأثره بوالده الشّاعر المناضل فوزي أبو بكر، وثقافة الشّاعر والتّيّارات الشّعريّة الّتي تأثّر بها. نحن نجهل الكثير عن هذا الجانب، وربّما إذا كتب لنا مذكّراته أضاء جوانب عديدة، وربّما إذا أجرينا معه حوارًا سيكون شائقًا أكثر، إلّا أنّني استطعت أن أضع عينيّ على تأثره الكبير بوالده، صاحب الصّوت الجميل الّذي كان يؤذن في القرية، وأنّه كان جار الجامع في سكنه، وقد تجلّى ذلك في شعره، وبالنّسبة لموارده الثّقافيّة فهو يعشق المطوّلات الكلاسيكيّة، ويُسجّلها على هاتفه ويستمع إليها دائمًا غير مثل لامية الشنفرى، لامية الطغرائي، صوفيّات ابن الفارض، وغزليّات ابن زيدون، وعينية ابن سينا وغيرها الكثير، فلا يمكنك أن تكون شاعرًا وأنت لا تحفظ شيئًا من هذا التّراث الباذخ، وليس الحفظ القسريّ، ولكن العشق الّذي دونه لا تحلو اللّيلة والقعدة والمسامرة والمنادمة.
قصيدة (أبي) الّتي يُكرّسُها لأبيه المناضل (أبي حاتم) المرحوم فوزي أبو بكر، ويمكننا إدراجها تحت باب الفخر الوطنيّ الحديث، قافيتها العذبة الباء تذكّرنا بكثير من القصائد التّراثيّة ومنها: قصيدة مهيار الديلمي، فكأنّ شاعرنا أحمد فوزي يريد التمثل بالقول: أين في الناسِ أبٌ مثلُ أبي؟ وقد جعلها على تفعيلة فاعلاتن الرقيقة، باستعاراتٍ وإبداعاتٍ حديثة، فتوافق المبنى والمعنى والمعجم البارع المنتقى: كُلُّ ما فِيَّ أبِيٌّ وَأَبي/ أسْودُ الرَّايةِ حُرٌّ عَربي/ أبيضُ الرّاحةِ في عيني تَرى/ شمسَ شرقٍ في السَّما لم تُغربِ/ فأبي كان النَّبيلَ الْمُجتبى/ وأبي كان نبيَّ الغَضَبِ/ عربيَّ الرّوحِ كنعانَ الهوى/ صهوةَ الشَّامِ وسيفَ المغربِ/ قَمَريَّ اللّيل يَضوي عتمَةً/ لتهاليل سَمَت في القُبَبِ/ وأبي السَّاكنُ أحزانَ الوَرى/ وأبي في همِّ شعبٍ مُتعبِ/ وأبي دَهْشُ البَساطةِ إنَّما/ هُوَ ذا الحُرُّ سليلُ النُّجُبِ/ وأبي الأرضُ إذا ما زُلزِلَت/ وأبي دُهْمُ السَّماءِ الْمُرعِبِ/ زوَّجَ الثَّورةَ للحَرفِ مدى
للقصيدة أسرارُها، فمَن يُصدّق أنّ كاتبَ هذه القصيدة شاعرنا أحمد، وهي تكاد تتماهى مع الشّنفرى في لاميّته قبل ألف عام وأكثر، وابن الوردي والطغرائي في تناص جميل، وليس التناص ما يفهمُه البعض من الاقتباس، فالتناص تداخلُ النّصوص بعد تذويتها في الحافظة، وشاعرنا يُتقن استخدام التناص استخدامًا تلقائيًّا، بعد أن ذوّتَ كلّ هذا التّاريخ، وعايش سِيَرَ هؤلاءِ الشّعراء فيقول: 
وَلَستُ بِمحيارٍ إذا شَحَّ مؤنِسي فإنّي لِعقليَ صاحِبٌ وَمُناظِرُ/ وما دامَت السّمراءُ شُغلي وشاغِلي زَهُدْتُ بِخلٍّ يوم نحسي يغادرُ/ أُعاشرُ قومي راغبا كي يطيبَ لي فإن أهملوني فالجميلُ المهاجِرُ/ ولي في مَدادي الأنسُ لي بعض جِنَّتي إذا ضجّتِ الأرواحٌ ضَجَّت مشاعرُ/ نَطَقْتُ فأسهدتُ العذارى بلوعتي وأشهَدتُ إعلاما وَغنَّت حناجِرُ/ ولِستُ بمدّاحٍ تَحَنَّفَ سيّدًا يُغالي بشعرٍ إذ رَخُصْنَ المنابِرُ/ ولا برخيصِ ناظمٍ مُتَغَزِّلٍ يبيعُ الهوى ما تَستحيهِ العواهِرُ/ ولستُ بهجّاءٍ يُدَنّي لِسانَهُ إلى مَيّتٍ قَد أثْخَنَتهُ الخناجِرُ/ لَعَمري إذا ما اختارَكَ الدَّهرُ صاحبًا فَكَيفَ بأشباهِ الرّجالِ تُتاجِرُ/ فما قًلَّ خيرُ الناسِ فقرًا وقلَّةً ولا عَظَّمَ الخُلقَ الكريمَ الأياسِرُ
وأحمد فوزي هنا يثير مبادئ يدين بها الشّاعر تعرُّفنا على شخصيّته. أحيانًا يروق للشاعر أن يبرز مقدرته الشّعريّة على النظم، وقد تكون هذه المضامين لا تقال إلا على هذه الصّورة التقليديّة الجميلة، فهو قادر بل بارع في نظم القصائد العموديّة، مثلما سنرى براعته في الشّعر الحديث ذي الوحدة الموضوعيّة، وما أكتبه في هذه المداخلة ليس نقدًا أكاديميًّا فتملون منّي ومنه، ولكنها نتفٌ أريد أن أمتعكم بها معتمدًا على ذائقتي الجماليّة، وتجربتي الشّعريّة ودراساتي المديدة في الشّعر والنقد، ومعرفتي القريبة بالشّاعر المحتفى به، وليله قضيتها أنا وإيّاه على شاطئ يافا حتّى الصّباح، وليعذرني فهذا العام لم استطع دعوته الى مثل هذه السّهرات، لأنّني لم أعد استطيع السّياقة ليلًا لمسافات طويلة، ولا هو يستطيع، ونحتاج لرفيق ثالث.. أقول إنّه ليس نقدًا أكاديميًّا، ذلك أنّ النّقد علم جماليّ يُدْرَس ويُدرَّس في الجامعات، وله شهادات عليا وكبيرة، والناقد لا يقلّ إبداعًا عن المبدع نفسه. ربّما يتبادر الى أذهان البعض من كلمة النقد، أَنّها البحث عن أمور سلبيّة في النّصّ، فإذا لم يجد الناقد شيئًا ليقوله، فكأنّما يعجز عن الإطراء والمدح، وإظهار بواطن الجمال والسّحر والإبداع. لقد قال الشّعراء كلّ شيء في كلّ شيء، هكذا يراودني هذا التفكير أحيانًا وقد تعارضونني، وما أريد قوله اليوم، إذا لم تكن القصيدة مفزعة تهزّك وتُزلزل أركانك وتدهشك، فهي كلام أكل كأيّ كلام في السّياسة وفي الوطنيّة وفي الحبّ.
نعم قالوا كلّ شيء ولم يقولوا أيّ شيء ممّا سنقوله نحن، إذا قرأنا كثيرًا وكتبنا قليلًا، وحذفنا كثيرًا ولم ننشر كلّ شيء تنفثه قرائحنا، وهذا مأخذ آخذه على كثير من الشّعراء، لأنّ أمر النّشر أصبح سهلًا، فليس هناك مجلة ومدير التحرير الأدبي الّذي سيقرأ القصيدة، وربّما يلقي بها في هامش الأرشيف، والفيس بوك سهل جدًّا وأنت مستقلّ حُرّ كلّ يوم قصيدة، وأحيانًا أرى أنّ بعض الشّعراء لا يتريّثون، وليس لديهم صبر لضبط وزن بيت معيّن، وهم يفضّلون هذه الكلمة على سواها، حتّى وإن كسرت الوزن، وهذا يحدث لدى أحمد فوزي أحيانًا، وكأنّه يعتبر هذه القصيدة لن تكون ضمن الدّيوان، ولها هدف آنيّ سريع.
لقد كانت القصيدة التقليديّة القديمة قصيدة معلومات وشرح، واليوم أصبحت قصيدةَ تساؤل وحيرة وجوديّة، ودهشة تتشكّل وتختمر في ذهن شاعرها، وتتّسع لمرايا الإنسان والكون وقدر الإنسان ومأزِق الحياة. يبدأ الشّاعر الجديد بيتها الأول، لكنه يجهل كيف ستتحرّك أبياتها التالية، وبأيّ اتّجاه. ما يعرفه أنّه، هو الشّاعر، ينطوي على لغم من التّساؤلات.
أحمد فوزي ليس شاعر التزام سياسيّ في شعره على الأقلّ، ربّما يكون في مواقفه العامّة قريبًا من كلّ ما هو وطنيّ يخدم شعبه، وجمهوره ليس جمهورًا مهرجانيًّا، إنّما هو الجمهور المنتقى، فأنت تشاهد شعراء المهرجان عندنا وشاعراته، وترى عدد اللايكات الهائل، وعبثًا تحاول أن تفتّش عن مُعلّق يقول لماذا أعجبه هذا الشّعر فلا تجد. ويقتبس شاعرنا أحمد فوزي أبو بكر شعرًا للشّاعرة السّودانيّة المتألّقة روضة الحاج قولها: وما حاجةُ الدنيا إلى صوت شاعرٍ/ يعيدُ مُعادًا قيلَ قبلًا مُردَّدا/ تَبعتُ بحورًا أَورَدَتني سرابَها/ هرَقتُ يقيني في الطريقِ لها سُدى/ وما الشّعر إلّم يَقتلِعنا لبُرهةٍ../ عن الأرضِ إدهاشًا حضورًا تَمَرُّدًا
من قصائده الأخيرة تحت عنوان (كأنّي)، وكأنَّ شاعرَنا يُسجّلُ اعترافًا أخيرًا، تَناهى إليه بعد كلّ هذه التّجارب فيقول فيها: كأنّي ضَلَلْتُ الطَّريقَ/ فلا البئرُ بئري/ ولا الماءُ مائي.../ ولا الكَأسُ كَأسي/ هُناكَ أَراهُ يراعَ الحَقيقةِ/ خَلفَ ضبابٍ تجلّى وراءَهُ حِبْرُ المُنى/ هُناكَ أنا.. وللكأسِ روحٌ وبَوْحٌ ونَوْحٌ/ هُناكَ أنا.. ولِلْقَلَمِ مَعنًى ومَبْنًى ومغنى/ هُناكَ أَنا.. وَلَسْتُ أَنا.. كما ها هُنا/ وَلَيسَت حَقيقةُ أَمرِيَ إلّا مَجازًا/ فَعينايَ هُما حَيْرَتي/ ورجلايَ هُما عَثْرتي/ يَدايَ هُما حُفْرَتي/ وَأَنا ما أَنا/ سِوى مُضْغَةٍ للفَنا
(كأنّي) قصيدة آسرة اختمرت في لاوعي الشّاعر وتشكّلت، لتأسرك بمصداقيّتِها ومَضمونِها الفلسفيّ الوجوديّ الحائر، كلّما أعدتَ قراءتَها ثانيةً. العنوان عتبة النصّ، يتأرجح الشّاعر كأنّما يسير في العتمة حائرًا قلقًا، بالإضافة الى ما تكشفه القصيدة من هواجس وشحنات وحمولات تأويليّة شتّى، تتبدّى من خلالها ظاهرةٌ شعريّة خاصّة متميّزة، بوصف أحمد فوزي شاعرًا متمرّسًا له قاموسه ولغته الخاصّة وعروضه الخاصّ، فهو يفضّل التّعبير الّذي جادت به قريحته، ولو كان فيه ميلٌ الى النثريّة، كما له رؤاه ومراياه الخاصّة. إنّ هدف هذه القصيدة هو الخوض في المعترك الغامض والملتبس لقدَر الانسان، ولمأزق الحياة الّذي لا يوفّر إجابة، فسحر الاستعارات العالية في قوله: يراعَ الحقيقيّةِ، وحبر المنى، ولِلْقَلَمِ مَعنًى ومَبْنًى ومغنى.. تقف أمام هذه القصيدة العذبة، وتغوص في أعماقها في قراءة ثانية وثالثة، وتعود أدراجك مشبعًا بملكوت الشّعر مُسلّمًا، آمنتُ بك أيّها الشّعر رافعًا صوت الذات.. "وأنا ما أنا سوى مُضغةٍ للفنا".
وفي قصيدة نورانيّة عالية يقول: قَمرٌ يذوبُ بِخمرتي ويصير بعدَ السُّكرِ أفعى/ في كُلِّ ثوبٍ صورِةٌ تسمو كنارٍ حينَ تسعى/ صارتْ إذا عصفَ الجموحُ غزالةً في الصَّدرِ ترعى/ وترِفُّ فوقي رايةً قد أمعنَت بالعَتمِ لمعا/ تشتدُّ مثل الموجِ دفعًا زادها الملّاحُ قمعا...
ويظهر التّناص الدينيّ واضحًا في أفعى ويسعى (فإذا هي حيَّةٌ تسعى)، ناهيك عن الصّورة الشّعريّة في كلّ بيت، والتّناص أيضًا في وثيقة قريش، ومقاطعة المسلمين، والأرضة الّتي أكلت الوثيقة المعلقة في الكعبة، وهذا يدلّ على ثقافة الشّاعر، فمن لا يمتلك مثل هذه الثقافة، لا يستطيع الولوج الى أعماق القصيدة وفهمها: إنّ في عينيْك حُزنًا ودموعًا مُتعَبَة/ سَفَرًا لا ينتهي/ وتراويد عروسٍ للفنا مغتَرِبَة/ ... / عربيًّا جاسَ في إيوان كسرى/ لبوةً تحنو على ظبيٍ يتيمٍ/ في الفلا ذي مسغَبَة/ إنَّ في عينيكَ عينَيْ أَرَضَة/ قرضَت صكَّ قريشٍ/ غير "بسم الله"/ لم تبقِ عيونُ الأرَضَة
*كتب د. عمر عتيق دراسة عميقة حول التناص في ديوان من سرق السماء يمكنكم العودة إليها
مداخلة علي هيبي الناطق الرسميّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين- الكرمل: الاتّحاد القطريّ– الكرمل ومؤسّسة محمود درويش– الجليل، شوكة في حلق قانون القوميّة وقانون الولاء للثقافة الصهيونيّة. نرحّب بكم جميعًا باسمي وممثّلًا للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين– الكرمل ومؤسسة محمود درويش للثقافة والإبداع– الجليل، وأنتهز هذه الفرصة لتقديم جزيل شكرنا لهذه المؤسّسة ولمديرها الكاتب عصام خوري، لأنّها فتحت مصراعيْها للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين، وكانت لنا البيت والمقرّ المؤقّت الذي يحتضن جزءًا كبيرًا من اجتماعاتنا الدوريّة، وجزءًا من نشاطاتِنا الثقافيّةِ والأدبيّة، مع أنّ البحث الدؤوب عن مقرٍّ دائمٍ للاتّحاد القطريّ، ممّا يشغل بالنا دائمًا، ومستمرّ.
هذه المؤسّسة التي تأسّست بعد وفاة الشاعر الفلسطينيّ الكبير محمود درويش وحملت اسمه، وفاء منّا لشعره ونضاله ومسيرته الإبداعيّة والسياسيّة على مدى عقود من الزمان. لقد أخذت المؤسّسة هذه، والتي أتشرّف بكوني عضوًا في إدارتها، أخذت على عاتقها نشر التراث الدرويشيّ كافّة ونشر الثقافة الوطنيّة والأدب الفلسطينيّ للحفاظ على الذاكرة والهويّة وتعزيز الانتماء الوطنيّ والإنسانيّ.
أمّا اتّحادنا، الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين– الكرمل، فقد تأسّس منذ حزيران سنة 2014، وكان تأسيسه لضرورة وطنيّة وثقافيّة وحضاريّة، وكان تأسيسه عبارة عن حاجة ماسّة لملء فراغ أدبيّ وثقافيّ، حيث خلت الساحة الأدبيّة من النشاط والحراك، وأصبح الطمس والتعتيم والتغييب لثقافتنا ولمعالمنا الوطنيّة والحضاريّة هو السائد في هذه البلاد، وأصبح النيل من لغتنا مكانة وهويّة الشغل الشاغل لهذه الحكومة المتطرّفة، وعبر القوانين العنصريّة تارة، وبالممارسات المتطرّفة الرسميّة وغير الرسميّة طورًا. فقانون القوميّة الذي يقلّل من مكانة اللغة العربيّة وقانون الولاء الثقافيّ للفكر الصهيونيّ ولأسس قيام الدولة العنصريّة، والتضييق على الفنّ والأدب الإنسانيّ والاعتداء على المعالم الوطنيّة والمعابد الدينيّة وغيرها، وإفراغ شخصيّتنا من مكوّناتها الثقافيّة العربيّة ومضامينها الحضاريّة الإنسانيّة ونشر العدميّة الثقافيّة لدى أبناء شعبنا، وبخاصّة الطلّاب والأجيال الشابّة، وجعلهم يتربّون على الخدمة المدنيّة التي تقود في نهاية المطاف للارتباط بأجهزة الأمن المختلفة التي تقمع شعبنا بالاحتلال والاستيطان يمارس ضدّ شعبنا التمييز العنصريّ وعدم القبول بمبدأ المساواة. وآخر ما أفرزته هذه العقليّة والممارسة إزالة النصب التذكاريّ للكاتب الفلسطينيّ غسّان كنفاني، ابن عكّا الأصيل والحقيقيّ، ومن اقتلع كنفاني إنسانًا ونصبًا تذكاريّا يسكن في عكّا، ولكنّه بالتأكيد ليس أصيلًا ولا حقيقيًّا منها.   
لقد جاء تأسيس اتّحادنا كضرورة وطنيّة ملحّة، ينشّط الحركة الثقافيّة ويصون الهويّة الوطنيّة والشخصيّة العربيّة، ويرفع من مستوى الحراك الأدبيّ عبر تنظيم الأدباء والحركة الأدبيّة والعمل على اتّساع رقعة الفعل التثقيفيّ، ليشمل كافّة الشرائح ويدرأ عن أبنائنا وطلّابنا في المدارس خطر العدميّة والميوعة وضياع الهويّة وتشويه الانتماء. ولذلك كان نشاطنا في المدارس مكثّفًا، فقد زرنا عشرات المدارس من الرملة العربيّة إلى وادي الحمام العربيّ، وجاء تكثيفنا للندوات والأمسيات والمشاركات الثقافيّة سادًّا فراغًا كبيرًا، وأصدرنا "شذى الكرمل" هذه الفصليّة التي رأت النور في زمن شحّت بل انعدمت المجلّات التي تنقل الأدب الفلسطينيّ المحلّيّ والثقافة الوطنيّة الملتزمة، وقد فتحت صفحاتها أمام الأقلام من شعبنا الفلسطينيّ وعالمنا العربيّ، وإيمانًا بدورها لم يقتصر كتّابها على أعضاء الاتّحاد، ومن هذا الباب نسعى دائمًا إلى تطويرها ورفع مستواها قلبًا وقالبًا.
المؤسّسة والاتّحاد يسعيان دائمًا لتنفيذ هذه البرامج والأمسيات، ونعود ونكرّر أنّنا مستعدّون للتعاون مع أيّ طرف أو منتدى محليّ أو مدرسة أو هيئة أو جمعيّة أو مؤسّسة أو مجلس محلّيّ، لتنفيذ برامج وفعاليّات ثقافيّة وأدبيّة وفنيّة هادفة وملتزمة، وندعو أيّ عضو من الاتّحاد أن يبادر إلى ندوة له في بلده حتّى يتسنّى للشرائح الشعبيّة في القرى والمدن التعرّف عليه وعلى أدبه وإنتاجه وعلينا وعلى نشاطاتنا وفعاليّاتنا.
منذ شهور ندأب على إقامة يوم دراسيّ شامل، والآن يُعمل على تفاصيله وتنفيذه، بمبادرة وتنظيم وإشراف عضو الاتّحاد بروفيسور إبراهيم طه مدرّس الأدب العربيّ في جامعة حيفا.
ومن باب الاهتمام بأدبائنا والتعريف بهم ورعايتهم نرحّب في هذه الأمسية بالشاعر أحمد فوزي أبو بكر، ابن قرية سالم الواقعة في المرج ما بين العفّولة وجنين، نرحّب به وبإبداعاته في مجال الشعر، والتي ستكون محور هذه الأمسية الجميلة بحضوركم ومشاركتكم، كما نرحّب بجمعيّة أنصار الضاد من أمّ الفحم وبمديرها الأخ محمّد عدنان بركات ونحيّيهم على دعمهم المادّيّ والمعنويّ لشاعرنا أحمد ولكلّ المبدعين الواعدين ولمسيرة الإبداع عامّة في وطننا هذا، الذي لا وطن لنا سواه. كما نرحّب بالأخوة من الضفّة الغربيّة للوطن الشاعرين: الشاعر المبدع حسين حجازي والشاعر المبدع هشام أبو صلاح. ولا أنسى صاحب المداخلة الرئيسيّة لهذه الأمسية الدكتور والأديب المتواضع سامي إدريس من مدينة الطيّبة. وهذه أمسية من عدّة أمسيات أنجزها الاتّحاد القطريّ، وستكون الأمسيات تباعًا وشهريًّا. 
هذه هي مؤسّستنا، هذا هو اتّحادنا سيبقيان سبّاقيْن للحضور في المشهد الثقافيّ والأدبيّ، محرّكيْن للنشاط الوطنيّ والأدبيّ ومستعدّيْن للعمل الدؤوب لما فيه خير شعبنا وتعزيز انتمائه الوطنيّ والحضاريّ بالحفاظ على لغتنا العربيّة وحضارتنا التي لن تغيب شموسها. وسيبقيان شوكة في حلق الفكر الصهيونيّ والرجعيّ والظلاميّ، وسيقفان بالمرصاد ضدّ كلّ من يحاول النيل من حقوقنا ووجودنا وحريّاتنا وتميّزنا وإرادتنا العازمة على التطوّر الدائم والسعي الدؤوب لأخذ الحقوق وليس إلى استجدائها.                 




40
In the windward of isolation pavement
Author: Amal Radwan (Palestinian poet)
Translator: Hassan Hegazy (Egypt)

The unknown that is buried behind my heart
I much fear it condensing illusion
Over the ledges of its cover
I fear it concealing in its soft fine clouds 
the moons of my dream
For fear that the hand of my mind to stretch, 
shaking me ..
Waking me up..
With a cynical blame
from the wandering of my  agonies 
*
How can I grant you my heart now 
 and it was kidnapped by the angels of love
To a space in the open air   
*
How can the vibrations of desires to calm down
when they ripple lightly in the spaces of fantasy?
How and its echo splitting the veil of the will
and stop towards them helpless ..
strayed, out of soul !
*
Ah …!
How miserable is the woman
When she is taken, with constrained desire,
to the dungeon of her impossible dreams..
As if longing is dropping the nymphs of dreams
 in the depths of their  pits
Interbreeding terrible births
Leaving them as love embryos
On their waiting breasts
*
 I may have exhausted you;
With the noise of my thoughts,
With the loudness of my heart
I feel guilty
When I stone you with the needles of my senses
And no sin from me to commit
Only you may just incur and suffer
 from the crime of my judgment   
*
I feel a strange comfort
When I punish you with my revenge
With blemish blame
*
I need you..
With your breeze, I will be my own
And with your dust I will lose my own
So, do not pour the juices of your soul
In the cups of my weakness
Do not pierce the husk of my hopes
I fear you facing its naughty encounter
 So do not wake yearning inside me
 you have drowned it in fast sleep!
*
Will you overwhelm me every time With the moments of your sorrow and   torture,
You may kill fear and suspicion inside me
*
How can I order myself to leave you?
Your heart has occupied me
Your spirit is revealed in the mirrors of my soul
And you are my shadow
Always adjacent to me letter..
My fear..
My kindness..
I am the polished with you / the mortgaged for you
How long I have become a pledge to your charm!
I get frightened when I feel the longing
Clothing me with the dress of sin   
I get terrified, running away
Terrified, getting away 
So as not to suffer in my loneliness
the needles of pain
Do not let me a quiver
In the windward of isolation pavement
Though those breezes have become the solace for me, comforting me, and have made me sleep!

-   Book: A glowing luscious smile
-   (poetry) Amal Radwan (Palestinian poet)- First Edition – 2005
فِي مَهَبِّ رَصِيفِ عُـزْلَـةٍ!/ آمال عوّاد رضوان

الْمَجْهُولُ الْيَكْمُنُ .. خَلْفَ قَلْبِي
كَمْ أَرْهَبُهُ .. يَتَكَثَّفُ وَهْمًا
عَلَى .. حَوَافِّ غِلَافِهِ
أَخشَاهُ يَحْجُبُ بِرَائبِ غَيْمِهِ أَقْمَارَ حُلُمِي
أَنْ تَتَطَاوَلَ يَدُ عَقْلِي
تَهُزُّنِي .. تُوقِظُنِي
بِلُؤْمٍ سَاخِرٍ
مِنْ سَكْرَاتِي الْهَائِمَةِ
كَيْفَ أَمنَحُكَ قَلْبِيَ الْآنَ
وَقَدِ اخْتَطفَتْهُ مَلَائِكةُ الْحُبِّ
 إِلَى فُسْحَةٍ فِي الْعَرَاءِ؟
*
كَيْفَ لَهَا أَنْ تَهْدَأَ ذَبْذَبَاتُ الرَّغَبَاتِ
حِينَ تَتَمَاوَجُ فِي فَضَاءَاتِ الْخَيَالِ ؟
كَيْفَ وَصَدَاها يَشُقُّ حِجَابَ الْإِرَادَةِ
وَتَرْكُنَ حِيَالَهَا عَاجِزًا .. شَارِدَ الرُّوحِ !
*
آهٍ .. مَا أَشْقَاهَا الْمَرْأَةُ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغْبَةِ
إِلَى زِنْزَانَةِ أَحْلَامِهَا الْمُسْتَحِيلَةِ
كَأَنَّ الشَّوْقَ يَرْمِي حُورِيَّاتِ الْأَحْلَامِ
فِي سَحِيقِ هَاوِيَاتِهَا
يُهَجِّنُ وِلَادَاتٍ رَهِيبَةٍ
يَتْرُكُهَا أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلَى ثَدْيِ انْتِظَارِهَا
*
قَدْ أَكُونُ أَرْهَقْتُكَ ؛
بِضَجِيجِ فِكْرِي .. بِضَوْضَاءِ قَلْبِي
أَشْعُرُ بِالذَّنْبِ
حِينَمَا أَرْجُمُكَ بِإِبَرِ أَحَاسِيسِي
وَمَا مِن ذَنْبٍ أَقْتَرِفُهُ
سِوَى أَنْ تَتَكَبَّدَ جَرِيمَةَ حُكْمِي
أُحِسُّ برَاحَةٍ غَرِيبَةٍ
حِينَمَا أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤْمٍ أَبْلَهٍ
أَحْتَاجُ إِلَيْكَ ..
بِنَسِيمِكَ أَكُونُ مَلَكْتُنِي
وَبِغُبَارِكَ أَكُونُ خَسِرْتُنِي
فَلَا تَسْكُبْ عُصَاراتِ رُوحِكَ
فِي كُؤُوسِ ضَعْفِي
وَلَا تَقُضَّ قِشْرَةَ آمَالِي
أَرْهَبُ عَلَيْكَ مُنَازَلَتَهَا الشَّقِيَّةَ
وَلَا تُوقِظْ بِي حَنينًا .. أَغْرَقْتُهُ فِي سُبَاتِ !
*
لَيْتَكَ تَغْمُرُنِي كُلَّ آنٍ
بِلَحَظَاتِ حُزْنِكَ وَعَذَابِكَ
فَقَدْ تَقتُلُ بِيَ الْخَوفَ وَالشَّكَّ
*
كَيْفَ آمُرُنِي أَنْ أُغَادِرَكَ ؟
قَلْبُكَ احْتَلَّنِي
رُوحُكَ تَتَجَلَّى فِي مَرَايَا رُوحِي
وَأَنْتَ ظِلِّي الْمُلَاصِقُ
بِحَرْفِي .. بِخَوْفِي .. بِعَطْفِي
أَنَا الْمَصْقُولَةُ بِكَ / الْمَرْهُونَةُ لَكَ
كَمْ بِتُّ رَهِينَةَ رَوْعَتِك !
أَرْتَاعُ حِينَمَا أُحِسُّ بِالشَّوْقِ
يُدَثِّرُنِي بِثَوْبِ الْإِثْمِ
أَرْهَبُ وَأَهْرُبُ
كَيْ لَا أُكَابِدَ فِي وَحْدَتِي
مَغَارِزَ الْأَلَمِ
لَا تَتْرُكْنِي رَعْشَةً .. فِي مَهَبِّ رَصِيفِ عُزْلَةٍ
رَغْمَ أَنَّ تِلْكَ النَّسَائمَ أَصْبَحَتْ
تَطِيبُ لِي وَتُغْفِينِي !

من الديوان (بسمة لوزيّة تتوهّج- عام 2005)

41


كَمْ بِتُّ أَسْتَجْدِي مُحَالَكِ!


آمال عوّاد رضوان

وَتَتَوَغَّلِيـــــــــــــــــــنَ بِــــــــــــي!؟
يَا مَنْ بِلَوْنِ أَمَانِيكِ
تَشَرْنَقَتْ دوَّامَةُ احْتِرَاقِي
تَـــتَــــشَــــاكَــــى
فِي قَطْرَةِ زَمَنٍ شَجِيٍّ!
***
بشَجَنٍ مُشَاغِبٍ
نَمَّشْتِ عَلَى صَلِيبِي
نَمْنَمَاتِ رُوحِكِ
وَفِي مَكَامِنِ جَنَّتِي!
***
أَنَا مَنْ أَحُومُ
عَلَى شفَتَيْ آهَةٍ
مِنْ عَهْدِ فَقْدِي الطُّوفَان
تَاهَ فِرْدَوْسُ حَرْفِي
فِي غَيْبُوبَةِ غَمَامٍ مَغْمُوسٍ
بِدَوَاةِ حُلُمٍ رَمَادِيِّ الأَجْيَالِ
يُنَاغِي خَتْمَ قَزَحِكِ الْمُقَدَّس!
***
قَرَابِينُ رَسَائِلِي
تَشَدَّقَتْ بِنُورِ الْخَيَالِ
تَرَتَّقَتْ أَرَقًا
عَلَى أَرْفُفِ صَمْتِكِ!
***
ضُلُوعُ أَبْجَدِيَّتِي
تَمَرَّدَتْ .. عَلَى مُرُوجِكِ الزُّمُرُّدِيَّةِ
أَنْبَتَتْ أَجْنِحَةً شَيْطَانِيَّةً
عَلَى مُنْحَنَى رَوَابِيكِ
أَتَهَبُ مَلَكُوتَ الْعَدْلِ فِتْنَةَ انْبِعَاثٍ؟
***
مَا أَشْقَاني
تَخُونُنِي إِلَيْكِ .. خُطَايَ الذَّائِبَةُ!
أَتُرَاهَا جِنِّيَّة سَحَابِكِ
تَرْفُلُ بِمَلاَمِحِكِ الْعَصِيَّةِ
أَم تَلُوذُ بِشَامَةِ حَنِينٍ .. عَلَى خَدِّ غُرُورٍ؟
***
سُحُبِي الصُّوفِيَّةُ
تَسْتَمْرِئُ مَرَاعِيَ الْمَلاَئِكَةِ
أَجْهَشُكِ نُذُورَ صَمْتٍ
أَنَا الْمُكَلَّلُ بِثَرْثَرَةِ الدَّهْشَةِ!
ولَمَّا تَزَلْ كُؤُوسُ أَبْجَدِيَّتِكِ الرَّاعِفَةِ
تُنَادِمُ تَضَرُّعِي
تُشَاكِسُ سَوَاحِلَ فَيْضِي
وَمَا أَنْهَكَهَا فَنَارُكِ !
***
عِصْمَتُكِ.. بَصْمَةٌ بِدَمِي
انْسَابَتْ قُدْسِيَّةُ عُرْيِهَا
فِي جَنَّتِي
عَانَقَتْ تَمْتَمَاتِ جِنّي
وَمَا خَدَشَهَا صَخَبُ ضَوْئِي
***
بِأَجْنِحَةِ طُفُولَةٍ مُعَمَّدَةٍ .. بِمَاءِ الْحُبِّ
رَ~ فْ~ رَ~ فَ~ تْ
تَنْهِيدَتُكِ الْمَزْفُوفَةُ .. بِمَرَاثِي مَلاَئِكَتِكِ
وَ~ حَ~ طَّ~ تْ
عَلَى كَتِفِ تَرْتِيلَةٍ عَاجِيَّةٍ
مَعْقُودَةٍ بِقُوتِ عُمْرِي الْمُرِّ
فِي مَحَافِلِ وَجَعِي الْمُرَفَّهِ!
***
مَشْبُووووبًا
أَبْحَرْتُ عَلَى مَتْنِ أُمْنِيَةٍ
وعَرَائِشُ الْمَاءِ
تُوَشْوِشُ نَوَاعِيرَ اشْتِعَالِي
بِشَذَاكِ الْغَضِّ!
***
توَسَّدْتُ شِرَاعَ أُفُقُكِ النَّدِيِّ!
تَسَرْبَلْتُ مَاءَكَ .. طَلاَسِمَ وِشَاحٍ
وَطُفْتُ بِحَلَقَاتِ مدَادٍ زِئْبَقِيٍّ
أُنْصِتُ لِشَفَافِيَّةِ جَنَائِنِ قُرُنْفُلِكِ!
أَأَفْتَرِشُ صَدْرَ سَمَاءٍ تَكَدَّسَتْ بِنَقَائِكِ
وَمَا اتَّسَعَتْ لابْتِسَامَاتِ رَبِيعِي؟
أَصَابِعُ لَوْزِكِ اسْتَأْثَرَتْ.. بِرِهَامِ فَيْحَائِي
وَانْهَمَرْتُ ضَحِكًا فَيْرُوزِيًّا!
مَزْهُوًّا؛
تَوَلَّهْتُ بِتَسَابِيحِ مُرَاوَغَتِكِ
وَاتَّكَأْتُ عَلَى فُسْحَةِ لِحَاظِكِ
تُلَألِئُنِي
وَتَلْهَجُكِ بَسَاتِينُ وَقْتِي!
***
عَرّيْتِ أَنْفَاسَ صَمْتِي
بِإِغْوَاءَاتِكِ الْمُقَدَّسَةِ
وَعُنْوَةً
انْسَدَلْتُ انْثِيَالَاتٍ تَتَوَهَّجُ
علَى عَتَبَاتِ غَمَامِ الْحُرُوفِ!
***
أَيَا وَجْدِي الصَّاخِبُ
كَمْ بِتُّ أَسْتَجْدِي مُحَالَكِ!
فِي حُقُول الْكَلاَمِ
تَعْصِفُنِي رَيَاحِينُكِ
أَتَــــسْـــــتَــــــمْـــــرِئُـــــنِـــي
سُحُبِي الْـــتَجْهَشُكِ
زَخَّاتٍ أَبَدِيَّةِ الضِّيَاء!؟

42
إصْدَارُ ديوان- أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك؟
(كُنْ عَظِيمًا، لِيَخْتَارَكَ الْحُبُّ الْعَظِيمُ..) .. مي زيادة
هذا ما استهل به الناقد العراقي علوان السلمان مقدمته التي جاءت بعنوان رَسَائِلُ وجْدَانِيَّةٌ لديوان "أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك؟" رَسَائِلُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة وآمَال عَوَّاد رضْوَان، والصادر في الثامن من أكتوبر 2018 عن دار الوسط للنشر في رام الله.
يتألف الكتاب (أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك)، والذي صمم غلافه بشار جمال، من 36 رسالة، منها 18 رسالة للأديب وهيب نديم وهبة، و18 رسالة ردًّا عليها للشاعرة آمَال عَوَّاد رضْوَان، في كتاب من القطع المتوسط بواقع 186 صفحة . 
وقال الناقد علوان السلمان في مقدمته:
إنَّ بثَّ الوجدانِ بعوالِمِه المُؤطّرةِ بشغفٍ على ورقِ القلبِ وحِبرِ الوجْدِ يعني؛ تحقيقَ الرّسالةِ لطرفٍ يَحتلُّ مديّاتِ الرّوحِ، بصِفتِها النّاطق الكلميّ المُعبّر عن المشاعر والأحاسيسِ، والمُترجِم المرئيّ للعواطفِ، المُستنِدِ على منهَجٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ ووصفيٍّ، موجزٍ بعباراتِهِ، وبُعدِ مُفرداتِهِ عن القاموسيّةِ والتّقعُّر.
  لقد شهدَ فنُّ الرّسائلِ نهضةً واضحةَ المَعالم، إذ إنّ مُسايرَتَهُ لحركةِ العصرِ الّذي وُسِمَ بعصرِ السُّرعةِ، وكانَ تَطوُّرُهُ في المحتوى والأسلوبِ، حتّى صارَ صناعةً ذاتَ قواعد وأصول، وأخذَ يستمدُّ أهمّيّتَهُ وقيمتَهُ مِن أمريْن أساسيّيْن: الخصائص والوظائف..
لقد ميّزَ صاحبُ الصّناعتيْن ما بينَها وبينَ الخطبة، كونَهُما نصّان مُتشاكلان، (إذ إنّهما كلامٌ لا يَلحقُهُ وزنٌ ولا تقفيةٌ، وقد يتشاكلانِ مِن جهةِ الألفاظِ والفواصلِ، فألفاظُ الخطباءِ تُشبهُ ألفاظَ الكُتّابِ في السّهولةِ والعذوبةِ، وكذلكَ فواصلُ الخُطبِ مثلُ فواصلِ الرّسائلِ، ولا فرقَ بينَهما إلّا في:
(الخطبةُ يُشافَهُ بها.. والرّسالةُ يُكتَبُ بها..)
وسواءً طالتْ الرّسائلُ أم قصُرَتْ، تبقى قطعةً فنّيّةً مُؤثّرةً دافعةً إلى استجابةِ المَشاعرِ لها، فنصُّ أبو هلال العسكريّ يعتمدُ آليّةَ المُقارنةِ المُضْمَرةِ، كوْنُهُ يَستحضِرُ جنسَ الشّعرِ، باعتبارِهِ المِعيار الّذي يَحتكمُ إليهِ في كلِّ عمليّةٍ تجنيسيّةٍ، فجنسُ الرّسائلِ ليسَ مُجرّدًا عن مضمونِهِ الكاشِفِ عن تأمُّلاتٍ نفسيّةٍ وعاطفيّةٍ، بل عادَ وثيقةً أدبيّةً تُعلنُ عن دواخلِ الذّاتِ الإنسانيّةِ، واشتغالاتِها الحالِمةِ باعتمادِ التّكثيفِ والإيجازِ، معَ ابتعادٍ عن التّكلّفِ، والمُبالغةِ والاستطرادِ، بتوظيفِ الأساليبِ البلاغيّةِ (مجاز/ استعارة/ كناية..)، وكلّ هذا يتطلّبُ ثقافةً معرفيّةً، وصياغةً مُتقنةً بليغة.
  وَهِيب نَدِيم وِهْبِة يقول:
آمَال؛ كُلُّ الْمَسَافَاتِ فَوْقَ وَطَنِ الْكَلِمَاتِ قَرِيبَةٌ، لِهذَا أَوَّلُ الْوَرْدِ أَنْتِ! أَنْتِ تَمْنَحِينَ لِلْإِبْدَاعِ قِيمَةً وَوُجُودًا وَكَيَانًا، بِتَوَاصُلٍ يَمْنَحُ الْحَيَاةَ قِيمَةً وَمَعْنًى، وَحَقِيقَةً أَدَبِيَّةً إِنْسَانِيَّةً، وَإِنَّنَا مَا نَزَالُ نَحْيَا الْمُعَانَاةَ، هذَا الشُّعُورُ الَّذِي يَجْمَعُ مَا بَيْنَ الْقَارِئِ وَالْمُبْدِعِ فِي بَوْتَقَةِ الْحَيَاةِ".
دَعِينِي أُهْدِيكِ أُغْنِيَةً؛
إِلَيْكِ.. وَإِلَى "سَلَامِي لَكَ مَطَرًا" لِلشَّاعِرَةِ آمَال عَوَّاد رِضْوَان:
مَا بَيْنَ زَغَبِ الْيَمَامِ وَطُيُورِ الْغَمَامِ..
غَزَالُ الْكَرْمِلِ الرَّاكِضِ.. مِنْ عَيْنِ "أُمِّ الشَّقَفِ"..
إِلَى مَرْجِ بْنِ عَامِر.. إِلَى سَهْلِ حُورَان.. 
أَمَا قُلْتُ..
هِيَ.. عَوْدَةُ الصَّيَّادِينَ مِنَ الْبَحْرِ عِنْدَ الْفَجْرِ؟
هِيَ.. صَرْخَةُ الْحَصَّادِينَ.. فِي الظَّهِيرَةِ فِي عِزِّ الْحَرِّ؟
هِيَ.. قِنْدِيلُ الْعَاشِقِ فِي ضَوْءِ السَّهَرِ؟
أَلَيْسَتْ أُغْنِيَةً.. تَنْبَعِثُ مِنْ بَيَاضِ الْوَرَقِ فِي عِطْرِ الشَّوْقِ؟
هَا أَنْتِ قَصِيدَةٌ.. تَمُوجِينَ.. مِثْلَ زُرْقَةِ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ!
وَأَعُودُ لِلشِّعْرِ.. وَلِلْبَحْرِ
لِأَمْوَاجِ الْكَلِمَاتِ .. فَوْقَ بَيَاضِ الزَّبَدِ
لِهذَا النَّهْرِ الَّذِي .. يَخْتَارُ جِهَةَ الْفِكْرِ
لِمَصَبِّ النِّهَايَاتِ.. فِي خَوَاتِيمِ الْبَرِّ الْكَبِيرِ؛
"الْحَيَاةْ"!
لِعَصَافِيرِ الشِّعْرِ الَّتِي.. تَطِيرُ الْآنَ مِنْ أَوْرَاقِي!
سَأَكْتُبُ إِلَيْكِ أُغْنِيَةً.. وَفِي الْقَلْبِ "سَلَامِي لَكِ مَطَرًا"
آمال عوّاد رضوان تردّ:
أُسْتَاذِي وَهِيب نَدِيم وِهْبِة.. حَقًّا؛ تَنَعَّمْتُ بِلَذَائِذِ أُغْنِيَتِكَ، أَقُولُ بِمِلْءِ شُكْرِي الْعَمِيق:
عَلَى ثَرَى أَثِيرِي.. حَطَّتْ عُصْفُورَةُ ضَوْءٍ
تَهُزُّ عَرْشَ أَسَاطِيرِي!
مِنْ ذَاكَ الْمَدَى.. رَفْرَفَتْ.. هَلَّتْ وَهَلَّلَتْ
تُنْبِينِي.. بِهَدِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ .. بِعِطْرِ الشِّعْرِ
مُظَلَّلَةٍ بِوَحْيِ حَرْفِي.. "سَلَامِي لَكَ مَطَرا".. ؟!
كَشَذَى بَتُولٍ خَاشِعٍ.. لَفْتَتُكَ الْمَلَائِكَيَّةُ
دَغْدَغَتْ سُحُبِي.. عَذْبَةَ الْجُرُوحِ
بِأَرِيجِ أَجْنِحَةِ السَّمَاءِ.. تُكَلِّلُ رُوحِي
وَأُفُقِي الشَّفِيفُ.. مَا انْفَكَّ يَنْضُجُ رَهْفَةً
عَلَى ضِفَافِ شُكْرٍ.. لِهَدِيَّةٍ تَغْلُو بِالشِّعْرِ تَرَفًا!
وَتَظَلُّ عَقَارِبُ الْأَيَّامِ ضَبَابِيَّةً..
تُمَاحِكُ سُوَيْعَاتُهَا ثَوَانِيهَا
لِتَخْتَالَ خُطَى الْبَهْجَةِ .. عَلَى بِسَاطِ الْغِبْطَةِ!
بِمُنْتَهَى حَرَارَةِ عَفَوِيَّةِ طِفْلٍ.. تَكَمَّشَ بِرَاحَةِ يَدِي
كَمَنْ يَقْبِضُ.. عَلَى مَاسَّةٍ زِئْبَقِيَّةٍ
يَخْشَى أَنْ تَنْزَلِقَ.. تَزُوغَ مِنْ أَنَامِلِهِ؟
وَبِجُنُونِ سَعَادَتِهِ الْبَاعِثِ
عَلَى إِرْبَاكِي .. عَلَى دَهْشَتِي
عَنْ صَهْوَةِ التَّحَايَا .. يَتَرَجَّلَ حَيَاؤُهُ الْجَهُورِيُّ!
نَبْضُ قَلْبِهِ يَتَهَدَّجُ.. عَلَى مَسَامَعِ الْحُضُورِ
وَمَا دَرَى .. أَنَّنِي ابْنَةُ بَلَدِهِ الْمَبْتُورِ!

الرّسالتانِ مُكتظّتانِ بالحقولِ الدّلاليّةِ المُكتنِزةِ بالعاطفةِ الّتي احتضنَتْها ألفاظٌ شفيفةٌ مُتميّزةٌ بِرقَّتِها وعذوبتِها، مع بُنْيَةٍ تتجاوزُ القوالبَ الجاهزةَ والهيكليّةَ الثّابتة، وهي تُعبّرُ عن نصوصٍ وجدانيّةٍ تَكشفُ عمّا يَختلجُ المُرسلَ لكلا الطّرفيْن (العاشق والمعشوق)، لبثِّ لواعجِ الشّوقِ، لتحقيقِ التّواصُلِ والوِصالِ واختصارِ المسافاتِ، عبرَ نثريّةٍ مُوجَّهةٍ بصياغةٍ وجدانيّةٍ مُمتعةٍ بتَوارُدِ الخواطرِ فيها، لتغدُوَ قطعةً فنّيّةً موجزةً مُؤطّرةً بإطارِ (الحُبّ) الخارجِ عنِ الذّات، مُؤثّرةً دافعةً إلى استفزازِ الذّاتِ الآخر، وتَحريكِ مشاعرِهِ للاستجابةِ لها..
     وَهِيب نَدِيم وِهْبِة يكتب:
آمَال؛ عُصْفُورَةُ الْحَنِينِ تَنْقُرُ شُبَّاكِي؟!
مَا بَيْنَ الْبَحْرِ "اللُّغَةِ" وَشُعَاعِ الْفَوَانِيسِ
تَحْمِلُ كَلِمَاتُكِ الرَّقِيقَةُ النَّاعِمَةُ.. غِنَاءَ عُصْفُورَةِ الصَّبَاحِ!
رِسَالَتُكِ الْعَائِدَةُ إِلَى الْجَبَلِ الْكَرْمِلِيِّ الشَّامِخِ تَقُولُ:
أَنْتِ الشَّامِخَةُ الْعَالِيَةُ.. أَنْتِ الْغَالِيَةُ الْمُبْدِعَةُ الرَّائِعَةُ
كَيْ تَزْرَعَ الدُّنْيَا "حَدَائِقَ الشِّعْرِ"
كَيْفَ سَقَطَ الطَّيْرُ فِي يَدِي؛ (الْكِتَابُ)؟
لِمَاذَا أَقُولُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَفْقِدُ الْكَثِيرَ حِينَ تُقَالُ؟
إِنَّ غُمُوضَ الْبَحْثِ عَنِ الْمَجْهُولِ، مُخَيَّلَةُ الْقَادِمِ الْآتِي تَكُونُ بِالرَّمْزِ، بِالْإِشَارَةِ، فَالدِّينُ وَحْيٌ، وَالْكِتَابَةُ إِلْهَامٌ وَهَذَيَانٌ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْكِتَابَةِ، نَفْقِدُ رَعْشَةَ الْإِحْسَاسِ، وَحِينَ نُفَسِّرُ سِرَّ الْحَيَاةِ، نَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّنَفُّسِ، وَنَفْقِدُ سِرَّ الْحَيَاةِ، هذَا الْحَنِينَ الْعَتِيقَ الْغَامِضَ الَّذِي يَشُدُّ الْإِنْسَانَ لِلْبَقَاءِ.
آمال عوّاد رضوان تردّ:
يُسْعِدُنِي أَنْ أَفْتَرِشَ وَإِيَّاكَ بَعْضَ زَغَارِيدِ الْآمَالِ لِعَرُوسِ الْكَرْمِلِ الْخَلَّابَةِ، نُرَاقِصُ مَوْجَهَا، وَيُعَطِّرُ مَسَامَاتِ الرُّوحِ رَذَاذُ لْيَلِهَا، نَرْتَشِفُ أَثِيرَ هَوَاهَا، وَتَتَلَمَّظُ دِمَاءَنَا كُرُومُ غُرُوبِهَا الْعَابِقِ بِعِشْقِهَا.
الشَّاعِرُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة؛ دَعِ الْخَيَالَ يَجُولُ وَيَصُولُ فِي بَرَاحِ سَكْرَتِهِ الْمُتَيَقِّظَةِ، دُونَ أَيِّ تَصْرِيحٍ أَوْ جَوَازِ سَفَرٍ يَتَسَكَّعُ عَلَى الْحُدُودِ، فَتَهَلَّلْ/ لِنَتَهلَّلَ بِتَهَالِيلِكَ الْعَذْبَةِ.


43
الطبيعة البنائيّة في قصائد -رحلة إلى عنوانٍ مفقود- لآمال عوّاد رضوان!
بقلم الناقد: د. منير توما
يقول أدونيس مُوضّحًا معنى الكلمة في الشّعر: "إنّ للكلمة عادة معنى مباشرًا، ولكنّها في الشّعرِ تتجاوزُهُ إلى معنى أوسع وأعمق، فلا بدّ للكلمةِ في الشّعرِ مِن أن تعلوَ على ذاتِها، وأن تزخرَ بأكثرَ ممّا تعِدُ به، وأن تُشيرَ إلى أكثرَ ممّا تقول".
هكذا كانت كلماتُ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في مجموعتِها الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانِ مفقود"، فالكلمة في الشّعر وفقًا لأدونيس، ليست مجموعة متآلفة مِن الأصواتِ، تدلُّ اصطلاحًا على واقعٍ أو شيءٍ ما، وإنّما هي صورة صوتيّة وحدْسيّة، وهذه المعاني نلمسُها في قصائدِ المجموعة الشعريّة هذه، ومعظم القصائد فيها مبنيّة على أساسِ الرّجل للأنثى، باعتبار الرّجل أو الذكر عاشقا للمرأة، أو الأنثى موضوع الخطاب الشعريّ، حيث يتمثّلُ المشهدُ في هذهِ القصائدِ في سيطرةِ نمطِ القصيدةِ الغنائيّة، على مُجملِ تجربةِ شاعرتِنا هنا، فالقصيدة لديها تقولُ بوْحَ الذات، همومَها، صدْمَها إزاء الآخر، وما إلى ذلك مِن خصوصيّاتِ الإنسان العاشق والمعشوق.
ولعلّ القضيّة الرّئيسيّة التي تُثري قصائدَ المجموعة سيطرةُ ضميرِ الأنا، وبالتّالي، القصيدة الغنائيّة في مُجملِ المشهدِ الشّعريّ عندَ آمال، إنّما يتمثّلُ في تضخيمِ أنا الشّاعر، لتصيرَ هي المرجعُ الرّئيسيّ لكلّ شيءٍ وهي الحَكَمُ والحالة، وبالتالي، دورانُ ثيمات النّصّ حولَ ذاتِ الشّاعرة، ممّا يُقلّلُ مِن إمكانيّةِ التقاطٍ جمعيّ، لأن الذات لا ترى إلاّ خصوصيّتها وخصوصيّة وعيِها وموقفِها، باعتبار هذا الوعي وهذا الموقف هما الحقيقة الوحيدة المقبولة، وتظلُّ عندَها مهارةُ الشاعرة في البناءِ، وفي التقاطِ اليوميّ وإعادةِ توظيفِهِ، وبناءِ التّفاصيلِ عبْرَ انزياحاتِ اللغة، وعن طريق الصّورةِ الشعريّة ما يُميّز شاعرتنا في هذا الإطار، فالكلمة الشعريّة نابضة بالعذوبةِ والحيويّة.
ص 21 – كم موجعٌ ألاّ تكوني أنا":
أنوثةً طاغيةً
راقصتُكِ على هفيفِ قُبلةٍ
وفي رحابِ جنّتِكِ المُترَفةِ باعتكافِكِ الأثيريِّ
غزلتُ ملامحَ أصدائِكِ .. بحرائرِ الغوايةِ
أيا ساحرةَ أشجاني
كيفَ تلاشيتُ.. قبلَ أنْ تندهني ملائكةُ الرّوحِ؟
إنّ الأنا في هذا النّصّ الشّعريّ تفرضُ حضورَها على مُجملِ المشهدِ الشّعريّ لدى شاعرتِنا آمال رضوان، ولو حاولنا التوسّعَ فإنّنا نُشيرُ إلى الاقتباس مِن قصيدة "وحدكِ تُجيدينَ قراءة حرائقي" ص 27:
منْ إِبطِ القمرِ
تسلّلتُ أتأبّطُ هلالاً
أطوي أحشاءَ المُزنِ ببطنِ السّحُبِ
وعيني الوعرةُ تطوفُ بفراغٍ نيِّءٍ
تتلمّسُ ظلَّ حوريّةٍ أمتطيهِ إلى سُلّمِ العُذريّةِ!
أيا مالكةَ وحشي المُجَنّحِ
إلى جزيرةِ عفّتِكِ خذي بيدِ ولهي
ذاك حجلي المشبوبُ
منذُ الأزلِ .. حطَّ على فننِ زماني الصّدئِ!
إنّ حضورَ الأنا يأخذ دورَهُ الفاعلُ والمباشر هنا، دون أيّ ايهامٍ بوجودِ امتدادٍ أو بديلٍ للحضورِ الطاغي للأنا، كما تشهدُ قصيدة "طعمُكِ مفعمٌ بعطرِ الآلهة" ص 31 حيث جاءَ في مستهلّها:
كؤوسُ ذكراكِ
حطّمتني على شفاهِ فرحٍ
لمْ ينسَ طعمَكِ المفعمَ بعطرِ الآلهة
وأنا/ ما فتئتُ خيطًا معلّقًا بفضاءِ عينيكِ
ما نضُبتْ علائقي الورديّةُ منكِ
ولا مِن نضرةِ سماواتٍ مرصّعةٍ بانثيالاتِكِ اللاّزورديّة!
فنحن نجدُ في الأسطر الأخيرة مِن هذا النّصّ إحالاتٍ إلى الأنا في مواجهةِ ذاتِها.
قضيّة أخرى تُثيرُها القصائدُ الغنائيّة في هذه المجموعة الشّعريّة، تتمثّلُ نتاجًا لتمركز النّصّ الشّعريّ حولَ الذات، بالتالي تصيرُ الذات بديلاً للموضوع الآخر، هنا يحدث تغييبٌ للموضوعيّ على حساب الذات، ممّا يتسبّبُ في حدوثِ انغلاقٍ للنّصّ على ذاتِه، حيث توظّفُ شاعرتنا هنا العام في همّها الخاصّ، في تركّزها حولَ ذاتِها بلسان الرّجل المُتكلّم، ومِن هنا تبرز قضيّةٌ مهمّة في قصائدِ هذه المجموعةِ الغنائيّة، والمتمثّلُ في غياب "الثيمات" العامّة، ممّا يستتبع بالضرورة استحالة قراءة العامّ مِن خلال الخاصّ، أي أنّ الخاصّ بتمركزِهِ الشّديد حول ذاتِهِ يفقدُ تواصلَهُ مع العامّ.
إنّ الغيابَ الجزئيّ للموضوعيّ العامّ في قصائدِ المجموعة، قد دفعَ شاعرتنا بمهارةٍ وانسيابيّةٍ دافقة إلى تعويض النّصّ في ثيماتها القيميّة العامّة، إلى البحث عن تعويضٍ جماليّ أو فنيّ تمثّلُ في حِرصِها الشّديدِ على إبرازِ الصّورةِ الشّعريّة، والمبالغة في الاعتناءِ بها والتعامل معها باعتبارها هدفًا وليس وسيلة، وكذلك التركيز على الانزياحات اللّغويّة، باعتبارِها لعبة شكليّة أكثر ممّا هي معاناة، علاوة على أنّ الكثيرَ مِن الأنساق اللّغويّة المستخدمة لدى شاعرتنا تتميّز بكثرةِ النعوت أو توالي الصّفات، حيث أنّ مُجمَلَ هذه الصّفاتِ تجيءُ باعتبارِها ضرورةً بنائيّة داخلَ الجملةِ الشّعريّة، يتأثّرُ بها المعنى والمبنى.
ومِن أمثلة هذه الصّفاتِ أو النعوت الواردة في قصائد المجموعة، نسيمُكِ الضّوئيّ، كوخي النّاعس، فضاءاتي الجدريّة، مطرًا عاصفًا ص71، دمعة ملجومة، إبائِكِ الوضّاء ص 75، طيني الباكي، رعودك الذابلة ص 80، فضائِكِ المائيّ، تقشّفي الوثنيّ ص 105، وغير ذلك مِن الأمثلة التي يضيقُ بها المكان لذكرها.
إنّ ما تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان في هذه المجموعة قصائدَ عاطفيّة رومنسيّة مباشرة وعالية، بلغةٍ شفّافة رقيقة يحتلّ فيها الخطاب البؤرة، حيث يظلُّ التركيز على ما نقول وليس كيف نقول، وص 71- 73 مِن قصيدة "للوعةِ العتماتِ نذرتُك":
أيا مائيّةَ ابتهالاتي
يا مَن انبجسَ نسيمُكِ الضّوئيّ
واطئًا مُنحدراتِ كوخي النّاعسِ
وهفهفتِ بفضاءاتي الجداريّةِ
تنقشين فراغيَ الوثيرَ بمخالبِ أجنحتِكِ!
يا أنتِ التتّقدينَ مطرًا عاصفًا
وتنداحينَ ريحَ خيالاتٍ على ضفافِ جناني الخوالي!
أنا مَن تأهّبتُ لمصابيحِ روحِكِ
تُشعّني أعراسَ فرحٍ
وفي دُروبِ الولادةِ
تتهجّاني ظلالَ حُلمٍ نافرٍ
لكَمْ وكم وكَم نذرتُكِ للوعةِ العتماتِ!
تعتمدُ الشّاعرة في هذه النّصوص أسلوبَ التقاطِ المَشاهدِ الجزئيّة، عبْرَ تصويرٍ مُباشرٍ في الغالبِ لحدَث، واستخدام الاستعاراتِ الآسرة والمجاز اللّغويّ الواضح، وهنا تبرز مهارة شاعرتنا في اختيارِ وتوزيع المشاهدِ الجزئيّة داخلَ العمل.
إنّ قصائدَ آمال عوّاد رضوان في هذه المجموعة تعتمدُ أفكارًا تصويريّة، فيها كثير مِن الإحساسِ تجري صياغتها بلغةٍ شعريّة، تعتمدُ الصّورة الجزئيّة التي تتكاملُ معًا، لتُشكّلُ مع نهايةِ القصيدة صورة كلّيّة هي القصيدة ذاتها، بحيث تصبحُ الفكرة الرّئيسيّة في القصيدة هي عنوان القصيدة في الغالب.
تمتاز قصائدُ شاعرتنا بالرّغبة في الانطلاق والمغامرة والبحث عن جديد، فهي أقربُ إلى النوستالجيا العاطفيّة الثقافيّة، ويظلّ الشّعرُ في هذه المجموعة أمينًا على جوّ الغنائيّة، بمفهوم بوْح الذات ورؤية الذات، فالآخر في المشهدِ الشّعريّ ما هو إلاّ صورة الذات نفسها، أو ذات الشاعرة تُحاورُ ظلّها الآخر، حتى ولو كان هذا الآخر هو الحبيبة التي تمتزح أو تتداخل دلالتها في قصائد آمال، بين الحبيبة الأنثى والحبيب الرّجل، في مزاوجةٍ لا يكادُ يمكن الفصل بينهما أو تحديدهما. ص 104 قصيدة (عين إبرتي تتثاءبُكِ)
صوتُكِ الممشوقُ بربريٌّ
تربّعَ على عرشِ سهري في ا مْ تِ دَ ا دِ ي
وتوالدَ حريرَ فقدٍ في كفوفِ لوعتي!
كيفَ التفّتْ خيوطُ شقاوتِكِ طوقَ ريحٍ شجيّةٍ تُلملمُني؟
كيفَ جعلتِ أطرافَ ليلِكِ الموصَدِ ملاذَ حُلمٍ؟
صوتُكِ الذّهبِيُّ
بغفلةٍ مِن عينِ قدرٍ تنفّستُ روحَهُ وامتثلْتُ غِيًّا
تريّشْتُ.. وما تريّثت!
خلجاتُكِ أنثويّةُ الصّخبِ
مسّتْ شفتيّ بشهدِ الآلهةِ
صاغتْ دمي تِرياقَ مُتيّمٍ
وما صحوتُ من حُمّى سُكْري النّكتاريِّ
إنّما.. طوتني بركةً سماويّةً في مراتعِ قلبٍ لانَ
وما هانَ ربُّ المكان!
وأخيرًا يتّضحُ لنا ممّا تقدّمَ أنّ شاعرتَنا قد أكثرت من استخدام الصّور والأخيلة والاستعارات، التي طغت بشكلٍ بارزٍ على قصائدِ المجموعة، ممّا يضيفُ إلى الرّصيدِ الفنّيّ لشاعرتنا، وذلك انطلاقا لذكرى تجربة عاطفيّةٍ أو إدراكيّة غابرة، ليست بالضّرورة بصريّة، وكما عرّفها عزرا باوند:  "إنّ الصّورة هي "تلك التي تقدّمُ عقدة فكريّة وعاطفيّة في برهةٍ مِن الزمن، وهي توحيدٌ لأفكارٍ متفاوتة".
أمّا فيما يتعلّق بالاستخدام الطاغي للاستعاراتِ عند شاعرتنا، فإنّ ذلك يُضفي جماليّة على شِعرِها، لا سيّما وأنّ الاستعارة هي بنية مجازيّة أساسًا، والمجازُ يُشكّلُ ركنًا أساسيًّا في الشّعرِ الحديث، هذا المجازُ الذي يُخرجُ "الواقع مِن سياقِهِ الأليف، فيما يُخرج الكلمات التي تتحدّث عنه مِن سياقها الأليف، ويُغيّر معناه فيما يُغير معناها، مقيما في ذلك علاقات جديدة بين الكلمة والكلمة، وبين الكلمة والواقع، مُغيّرًا صورة الكلام وصورة الواقع معّا"، على حدّ تعبير أدونيس.
ورُبّ قائل يقولُ في نهايةِ مداخلتي هذه، إنّني لم أتناولْ شِعر آمال عوّاد رضوان بالتفسيرِ في مجموعتِها الشّعريّة هذه "رحلة إلى عنوان مفقود"، فأجيبُهُ بما قاله الشاعر اللبناني هنري زغيب: "كما الحرّيّة لا تُلمَس والعطرُ لا يُلتقط، هكذا الشعر لا يُفسّر بل يُمارَسُ ويُعاش، تَلقّيهِ في الإحساس به، هو هو تفسيرُهُ بكلّ وضوحِهِ، إنّه انفعال وهنا مزاجيّتُه، ولكلّ انفعالٍ إيقاع، غرابة ونضارة تضمّان كلّ المعرفة وكلّ الكون في مزيج عجيب لا يمكن تفسيرُه".
وهكذا كانت شاعرتنا آمال عوّاد رضوان في مجموعتِها الشّعريّة "رحلة إلى عنوان مفقود" ذاتَ مزاجيّة انفعاليّة إيقاعيّة هادئة، مِن خلال حرّيّة لا تُلمَس، وعطر لا يُلتقط، فلها منّا أجمل التهاني، وأطيبَ التمنيات بالتوفيق والعطاء والإبداع.


44
منتدى الفكر والإبداع في مرايا الأدب والنقد والثقافة!
آمال عوّاد رضوان
أقامَ منتدى الفِكر والإبداع ندوةً أدبيّةً في كليّةِ الناصرةِ للفنون، تناولت الكتابَ النقديَّ "مرايا في الأدب والنقد والثقافة" للدكتور محمد خليل، وذلك بتاريخ 29-8-2018، ووسط حضور نخبويٍّ من شعراءَ وأدباء، وقد افتتحَ اللقاءَ د. محمد خليل بكلمةٍ ترحيبيّةٍ بالحضور، ووقف على بعض الأمور التنظيميّةِ المُهمّةِ التي تخصُّ المنتدى، والنشاطات الثقافيّةِ الجادّةِ الموضوعيّةِ والمدروسةِ في مجالاتِ الفكر والإبداع والثقافة، والأهداف والأدوار المنوطة بهِ في الحفاظ على اللّغة العربيّةِ، وتشجيع الكتابة الأدبيّةِ الإبداعيّةِ، ونشر الثقافة والمعرفة.
تولّت عرافة الأمسيةِ الكاتبة حنان جبيلي عابد، وبعدَ التّرحيب بالحضور وبالمحتفى به وبالمتحدّثين، قدّمت إضاءاتٍ حولَ المُتحدّثين الأدباء: د. فهد أبو خضرة، وسيمون عيلوطي وعبد الرحيم الشيخ يوسف، وقد قدّم د. فهد أبو خضرة محاضرةً بعنوان: إضاءاتٌ نصّيّةٌ حولَ دراسة "وطن العصافير للأديب وهيب وهبة"، وقدّم سيمون عيلوطي بعنوان: كتاب مرايا في الأدب والنقد والثقافة" مشروعٌ رائدٌ لإرساءِ ثقافة نقد النقد في أدبنا المحلّيّ، أمّا عبد الرحيم الشيخ يوسف فقدّم مداخلة بعنوان: الشاعرة فدوى طوقان والآخر اليهودي، ثمّ ختم اللقاء د. محمد خليل بكلمةِ شكرٍ للحضور والمتحدّثين والمشاركين، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة.
جاء في مداخلة العريفة حنان جبيلي عابد: إنّ لد. محمد خليل باعٌ لا يُستهانُ بها من الدّراسات والإصداراتِ القيّمة، في مجال الأدب والنقد والثقافة والفكر. أمّا مشروعُ هذا الكتاب تحديدًا، فهو حصيلةُ عملٍ دؤوب ومستمرٍّ، حول البحث والتنقيبِ عن النّسَق النقديّ والثقافيّ، وهذا بالذات ما ينقصنا، لا سيّما ضمن الواقع الأدبيّ المحليّ، والنقد الأدبيّ والثقافيّ الذي نعيشه في بلادنا، والذي باتَ جليًّا للجميع، افتقادنا لوجود المحرّر الأدبيّ والنقد الأدبيّ والثقافيّ، وهو ما نحتاجُهُ في ظلّ الفوضى العارمةِ التي تجتاحُ أدبنا المحليَّ في الآونةِ الأخيرة، ولم تنشأ فكرةُ هذا الكتاب والدراسات من فراغ، إنّما من إلمامٍ ومثابرةٍ وتعمُّقٍ خاصّ في السّياقاتِ الاجتماعيّةِ، والثقافيّةِ والاقتصاديّة، وحتى السياسية.
وبالإجمال، فإنّ الكتابَ قيمةٌ أدبيّةٌ وثقافيّةٌ ومعرفيّة، وكلُّ مَن يمسكُ بالكتاب، لا بدّ له أن يقرأ ذلك في صفحاته، جنبًا إلى جنب الإهداء المميّز والخاصّ "إلى النادي الثقافيّ الاجتماعيّ طرعان، وقد أوشكَ الحلمُ أن يصبحَ حقيقة". هنا بالذات يتجلّى الانتماءُ الحقيقيّ للأديب والباحث والناقد، من خلال وضع الحلم موضع التنفيذ.
كذلك اختيارُ العنوانِ كانت له ميزةٌ خاصّة، فللمرآةُ دلالاتٌ ومَعانٍ لها أهمّيّتُها الخاصّة، لِما تعكسُهُ مِن صورٍ للأديب والناقد والقارئ والمجتمع كذلك. فالمرآةُ بطبعِها هادئةٌ واثقةٌ وعاشقةٌ شفّافة، وبما أنّنا نفتقدُ النقدَ الأدبيّ الأصيل، فإنّ الأدب يُعدُّ مرآةً  تكشفُ عن ذاتهِ وعن ذات مبدعهِ، تمامًا مثلما تكشفُ ذاتَ القارئ العاديِّ والناقدِ الأدبيّ الثقافيّ.
من هنا نرى أنّ د. محمد خليل قد اختارَ مقولةَ الكاتب الفيلسوف فرنسيس كافكا 1883: "ليست مهمّةُ الناقد أن يرى الحقيقةَ أو ينقلها، بل أن يكتشفَها".
كتابُ مرايا مقسّمٌ إلى ستة فصول:
القسمُ الأوّل: مَظاهرُ الحياة في فلسطين قبل النكبة. القسمُ الثاني: واقع النقد الأدبيّ قبل النكبة. القسمُ الثالث: مظاهرُ الحياة بعد النكبة. القسمُ الرابع: متابعاتٌ نقديّةٌ وأدبيّةٌ وثقافيّة. القسمُ الخامس: نماذجُ تطبيقيّةٌ في نقدِ الشعر. القسمُ السادس: نماذجُ تطبيقيّةٌ في نقد الرواية.
تُعدُّ هذه الندوةُ لمحة سريعة نسبيًّا، لأنّ د. محمد خليل لطالما بحَثَ وكتبَ في عدّةِ مجالاتٍ أدبيّةٍ ونقديّة، وأغنى مكتبتنا بإصداراتهِ على أنواعِها المتعدّدة.
جاء في مداخلة د. فهد ابو خضرة:
يتّجهُ النقدُ الذي يُكتبُ في أدبنا المَحلّيّ، وفي العالم العربيّ عامّةً، اتّجاهاتٍ ثلاثة: اتّجاها موضوعيّا، واتّجاها يَجمعُ بينَ الموضوعيّةِ والذّاتيّةِ، واتّجاها ذاتيّا. الأوّل يتقيّدُ بالنّصِّ وحدَهُ، مُتناولا جوانبَهُ المختلفة، ومُحأوّلا أن يَكشفَ أبعادَهُ كلَّها، بالاعتمادِ على لغتِهِ ومَبناهُ، ودونَ أيِّ تطرُّقٍ لصاحبِ النّصِّ أو لذاتيّةِ الناقدِ. أمّا الثاني فلا يَتقيّدُ بالنّصّ وحدَهُ، ولا يرى أيَّ مُبرّرٍ لعدمِ التطرُّقِ إلى صاحبِ النصِّ وإلى ذاتيّةِ الناقد. وأمّا الثالث فينطلقُ في الأساسِ مِن ذاتيّةِ الناقد، ويحاول مِن خلالِها أن يَكشفَ أبعادَ النّصّ، وقد يتطرّقُ إلى صاحبِ النصِّ، إذا لزِمَ الأمر.
والاتّجاه الأوّل هو الاتّجاه الذي يهتمُّ بهِ الدّارسونَ، ويَعتبرونَهُ نقدًا حقيقيّا، وكثيرًا ما يُخرجُ هؤلاءُ الدارسونَ الاتّجاهيْنِ الآخرَيْنِ مِن دائرةِ النقدِ، مع احترامي الشديدِ لهؤلاءِ الدارسينَ، وللاتّجاه الموضوعيّ، فإنّني لا ألغي الحاجةَ إلى الاتّجاهيْن الآخريْن، مُؤكّدًا أنّهما قادران، إذا أُحسِنَ استعمالُهما، أن يُقدّما إضاءاتٍ إضافيّةً للنّصِّ، وأن يَكشفا أبعادًا أخرى، لا يَلتفتُ إليها النقدُ الموضوعيّ عادةً.
في هذه الدراسةِ النقديّةِ التي أتحدّث عنها والتي كتَبَها د. محمد خليل، اختارَ الناقدُ الاتّجاه الثاني الذي يَجمعُ بينَ الموضوعيّةِ والذّاتيّة، وسأحأوّل إبرازَ هذا الاتّجاه فيما يلي:
يتناول الدكتور محمد حليل في كتابهِ "مرايا" قصّة "وطن العصافير" للشاعر الأديب وهيب وهبة، فيقرؤُها قراءةً نصّيّةً، مُخصِّصًا لها تسعَ صفحاتٍ مِن كتابهِ (ص234 – 242)، وقد قسّمَ قراءتَهُ لهذهِ القصّة إلى أربعة أقسام:
*في القسمِ الأوّل الذي يتكوّنُ مِن صفحة واحدة (ص 234)، قدّمَ الناقدُ تعريفًا عامًّا بالقصّة والشاعرِ الأديب، وهذا التّعريفُ يتميّزُ بالتقييم الذّاتيّ، إذ قالَ عن القصّة: "يُطلُّ علينا الأديب وهيب وهبة ليُتحِفَنا برائعتِهِ الجديدةِ الموسومةِ بـ "وطن العصافير"، والتي تنضافُ إلى قائمةٍ طويلةٍ مِن نِتاجهِ الإبداعيّ المُتميّز". وقالَ عن الأديب كاتبِ القصّة: "إنّه أديب مبدعٌ، مُرهفُ الإحساسِ والوجدانِ ذو خيالٍ خصب".
وبيّنَ الناقدُ في سياق هذا التقييم، عندَ حديثِهِ عن القصّة، الهدفَ الثاني الذي يَرمي إليهِ الأديبُ مِن خلالِهِ، وهو تحقيقُ السّلامِ والتّعايشِ المنشودِ بينَ شعبَيْ هذه البلاد.
ولأنّ القصّةَ مكتوبةٌ ومنشورةٌ في نسختيْنِ باللّغةِ العربيّةِ والعبريّة، فقد ذكرَ الناقدُ أهمّيّةَ الترجمةِ للتّفاعُلِ بين الثقافات، وللتّبادلِ الحضاريّ، وأضافَ إلى هذه كلمةً قصيرةً عن دوْرِ الفنّ في التّقريبِ بين الأنا والآخر.
وبالرّغم مِن التقييم الإيجابيّ الذّاتيّ المُشار إليه أعلاه، فقد ختمَ الناقدُ هذا القسمَ بالقول: "إنّ المديحَ والإطراءَ المفتعَلَ يبقيانِ أحدَ مُنزلقاتِ النقدِ الأدبيّ، ممّا يدعونا إلى أخذ الحذر، والالتزام بالموضوعيّةِ والحياديّة قدرَ المُستطاع، حمايةً لمقاربتِنا هذا النصّ، وطبعًا، يَصدُق هذا القولُ أيضًا عندَ الحديثِ عن مُقاربةِ أيّ نصٍّ أدبيّ، بحسب الاتّجاه الأوّل، الموضوعيّ.
وقد تحدّث الدكتور محمد خليل عن هذه القضيّة، قضيّة المديح والإطراء في موضعٍ آخرَ مِن كتابهِ (ص167)، حيثُ قالَ: "وغنيّ عن القولِ أنّ كلَّ المُجاملاتِ لا تصنعُ أدبًا ولا ثقافة، ناهيك بما فيها مِن إساءةٍ لحركتِنا الأدبيّةِ والثقافيّةِ معًا، لأنّه كلّما كثُرَ التّزيينُ كثُرَ التّزييفُ، فقليلًا مِن التواضُعِ والموضوعيّة." وهذا في رأيي كلامٌ سليمٌ جدّا، ومِنَ المُهمّ أن يتقيّدَ بهِ نُقّادُنا، أيًّا كانَ الاتّجاهُ الذي  يَختارونَه.
في القسم الثاني الذي يتكوّنُ مِن صفحةٍ ونصف (ص 235 – 236)، بيّنَ لنا الناقدُ ما تطمحُ إليهِ هذه القراءةُ النصّيّة، وهو تقديمُ قراءةٍ تتجاوزُ ظاهرَ معنى اللّغةِ في القصّة، وصولًا إلى باطن معناها. هذه القراءةُ تُحاولُ إنتاجَ النصِّ مِن جديد، وقد أظهرَ الناقدُ هنا، معتمدًا على الغذّاميّ، الفرقَ بينَ قراءةِ الشّرحِ والقراءةِ المُنتِجةِ أو المُضيئة؛ فالأولى تأخذُ مِن النصّ ظاهرَ معناهُ، فتكونُ تكريرًا ساذجًا يجترُّ كلماتِ النصِّ نفسَها، بينما تأخذ الثانيةُ ما وراءَ اللّغة، وصولًا إلى معنى المعنى، لكشفِ ما هو في باطن النصّ، فتكونُ فعلًا إبداعيًّا ومَظهرًا ثقافيّا. وقد توسّعَ الناقدُ عن حديثهِ في قراءتهِ الثانية، وهي دون شكّ، تستحقُّ كلّ توسُّعٍ ممكن، لأنّها كما قالَ عنها: "هي القراءةُ الحقيقيّةُ للنّصوصِ الأدبيّة". ومع ذلك، فإنّنا نقولُ دائمًا إنّه لا بدّ مِن الشّرح أوّلًا، إذا كانَ ظاهرُ المعنى غيرَ واضحٍ، لأنّ فهمَ الظاهر شرطٌ لفهم الباطن.
في القسم الثالث، وهو يتكوّنُ مِن ثلاثِ صفحاتٍ (236 -239)، أشارَ الناقدُ إلى الرّاوي في القصّة، فقالَ: "إنّه راوٍ عليم، كلّيّ المعرفة". ثمّ تحدّثَ عن القصّةِ نفسِها، مُورِدًا أحداثها الرّئيسيّة باختصار، وقد نجحَ في نقل صورةٍ واضحةٍ لهذه الأحداث، وذلك على النّحو التّالي: كانتْ هناكَ غابةٌ تعجُّ بالحياة، وتُنظّمُ فيها الأمور على أحسن ما يُرام، فهي دائمًا نشيطةٌ فرحةٌ مسرورة، وكانت العصافيرُ تسرحُ وتمرحُ في هذه الغابةِ التي هي وطنُها الغارقُ بالجَمال، وكان هناكَ حطّابٌ عجوزٌ يقطنُ على ضفافِ النّهر معظمَ فصولِ السّنة، وبينَ عشيّةٍ وضُحاها انقلبت الأمور رأسًا على عقِب، ممّا اضطرّ العصافيرَ أن تولّي هاربةً، وتغادرَ وطنَها. وتغيّرَ الواقعُ الجميلُ، فتحوّلَ إلى حاضرٍ مؤلمٍ تعيسٍ، وقد لاحظ الحطّابُ ذلك، وأدركَ حقيقةَ الأمر: ها هي الفِيَلةُ تهزُّ جذوعَ الأشجار، وتُسقِطُ أعشاشَ العصافير، والحيواناتُ البرّيّةُ الضّخمةُ الأخرى والتّماسيحُ تأكلُ وتفترسُ كلَّ ما تُصادفُهُ مِنَ العصافير، وتعيثُ في الغابةِ خرابًا وقتلًا وتدميرًا.
بعدَ هذا ربطَ الناقدُ بينَ الأحداثِ وبينَ أحداثِ الواقع الذي عاشَهُ كاتبُ القصّة، وتحدّثَ بشكلٍ عامٍّ عن علاقةِ المُبدع بالواقع، ثمّ انتقلَ ليتحدّثَ باختصارٍ شديدٍ عن تناغُمِ الرّسوماتِ التي أبدعتْها الفنّانة صبحيّة حسن مع مضمون القصّة.
القسم الرّابع يتكوّنُ مِن ثلاثِ صفحاتٍ ونصف (239 -242)، تحدّث الناقدُ  أوّلًا عن الآثارِ السّلبيّةِ التي تركتها الأحداثُ المذكورةُ في الأقسام الثلاثةِ السّابقة، مُبْرِزًا مِن خلالِها ما وردَ في نصّ القصّةِ عن ذلك الواقعِ المُذهلِ والمُؤلم الذي حلَّ بالغابة "وطن العصافير، من قتلٍ وتدميرٍ، وتشريدٍ بالقوّة للعصافير، ومُشيرًا إلى انهيارِ مبادئ الحرّيّةِ والعدلِ وقِيم الحقّ والخيرِ والجَمال، واستبدالِها بالباطلِ والظلمِ والشّرّ والقهر. ثمّ أتبعَ هذا بالموقفِ المُضادّ الُمناهِض لِما حدث، مُعلِنًا أنّهُ لا بدّ مِن إحقاقِ الحقِّ وإعادتِهِ إلى أصحابِهِ، مَهما طرأ مِن تغيّراتِ الزّمان وتحوُّلاتِ المكان. ثمّ نقلَ مِن النصِّ جُملةً رئيسيّةً هامّةً تدعمُ هذا الموقفَ، جاء فيها: "علينا إنقاذ المدينة، وإرجاع الغابة كما كانت". ومِن الواضح أنّ الناقدَ يتماهى مع هذا الموقفِ بشكلٍ كامل.
بعد هذا تحدّثَ الناقدُ عن عددٍ مِن جوانب اللّغة، فبدأ باستعمال الجُملِ الفعليّةِ التي تحملُ دلالةَ الفعل الماضي في الغالبيّةِ العظمى مِن أحداثِ القصّة، مُتوقّفًا عند وظائف الأفعال الماضية والمعاني التي تتعلق بها، كالحركةِ والتّغيير والوصف المتحرّك والخوف والقلق، وربَط هذا بالتأسّي عند الراوي، والشوق إلى الزمن الماضي بكلّ تفاصيلِهِ وأشيائهِ المُلوّنة، حين كلنت الغابةُ تنعمُ بالصفاءِ وبالزمن الجميل. واستعمالُ الفعل الماضي هنا مُبرَّرٌ دونَ شكّ، مَهما كانت القراءةُ التفسيريّةُ التي يختارُها الناقد، فهو المحورُ الرّئيسيّ الذي يدورُ حوله ذهنُ الكاتب، حين ينظرُ إلى المشكلةِ المركزيّةِ في القصّة نظرةً شاملة.
ثمّ انتقلَ الناقدُ إلى الأسلوب الشاعريّ الذي استخدمَهُ، وهو أسلوبٌ يقومُ من جهةٍ على لغةٍ سرديّةٍ بسيطةٍ سهلةٍ وقريبةٍ إلى فهم القارئ، ويقومُ من جهةٍ أخرى على لغةٍ تُماثلُ لغةَ القصّ الحديثِ التي تعتمدُ على الرمز اللغويّ المرتبطِ بالواقع، وهو رمزٌ يتّصفُ بالبساطةِ والسهولةِ، واستغلّ الناقدُ المناسبةَ، فتحدّثَ عن أهمّيّة استعمال الرمز في النصوصِ الحديثة، وعن دلالات عددٍ مِن الرموز المُستخدَمةِ في قصّة "وطن العصافير"، ثمّ أتبعَ هذا بالحديثِ عن النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ الذي تدورُ حولَهُ الرموزُ كلّها.
ولا بدّ مِن القول إنّ تفسيرَ الرموز هنا وربْطها بمَرموزٍ إليهِ مُعيّن، هو النزاعُ المذكور، يتعلقُ بالقراءة التفسيريّةِ التي اختارَها الناقدُ لهذا النصّ، وهي في نظر النقدِ الحديثِ قراءةٌ واحدةٌ من بين قراءاتٍ عديدةٍ ممكنة، بل إنّ النظريّةَ التفكيكيّةَ تقولُ إنّ القراءاتِ لمثل هذا النصّ يمكنُ ان تكونَ لا نهائيّةً، وذلك لأنّ القراءة تتعلق بالقارئ، والقرّاءُ مختلفونَ جدّا، فكرًا ورؤية وظروفًا وثقافة. وإذا كان أصحابُ هذه النظريّةِ يقولونَ، بناءً على ما ذُكر، إنّ كلَّ قراءةٍ هي قراءةٌ مغلوطة، فإنّني أقولُ إنّ كلّ قراءةٍ يمكنُ أن تكونَ صحيحةً، ولكنّها ليست القراءةَ الصحيحةَ الوحيدة، فهناك دائمًا قراءاتٌ صحيحةٌ أخرى ممكنة.
بعد هذا انتقلَ الناقدُ للحديثِ عن توظيفِ السؤالِ بكثرةٍ في القصّة، باعتبارِهِ مُكوّنًا رئيسيًّا مِن مكوّناتِ القصّة الحديثة. وأودُّ أن أشيرَ هنا إلى أنّ السؤالَ قد شكّلَ مُكوّنًا رئيسيًّا مِن مُكوّناتِ الحداثةِ الغربيّة، إذ ارتبطَ طرْحُ الأسئلةِ فيها بمحاولاتِ التغييرِ الشاملِ للواقع بالإنسان، ولعلّ هذا الارتباطَ الكامنَ في وعي الناقدِ الدكتور محمد خليل هو الذي جعلَهُ يُسارعُ إلى التأكيدِ في الفقرةِ التالية، لما ذُكرَ أعلاه، على أنّ كاتبَ النصّ موضوع الدراسةِ يهدفُ أو يتطلّعُ إلى تغيير الواقع الراهن، وتغيير الإنسان تغييرًا جذريًّا، وإلى الوصول من خلال هذا التغيير إلى بناءٍ جديدٍ، وإن كان افتراضيًّا أو مُتخيّلًا.
في الفقرتيْن الأخيرتيْن مِن الدراسةِ أورِدَ الناقدُ أقوالَ الحطّاب الذي سبَقَ ذِكرُهُ، وهو شخصيّةٌ هامّة مِن شخصيّاتِ القصّة، ثمّ قالّ إنّ هذه الأقوالَ تشي بفكرةٍ جديرةٍ بالاهتمام وتدعو إلى التفكير، وهي إعمالُ العقل وتفعيلُهُ ولا تعطيلُه، وإعمالُ العقلِ هنا يعني التفكيرَ السليمَ في شؤون الواقع المَعيش، وإيجادَ مَخرَجٍ واقعيٍّ منطقيّ للمشكلةِ المطروحةِ في النصّ، وهذا المَخرجُ هو التوجُّهُ نحوَ السّلام، باعتبارهِ نشودةَ الحياةِ ورايةَ الحرّيّة. ويُشكّلُ هذا التوجُّهُ نهايةً للقصّة، يتمُّ فيها تقاسمُ الغابةِ مناصفةً بين المتخاصمين، ويتمُّ التفاهمُ والوئامُ في ربوع الغابة.
ولا شكّ أنّ هذا الحلَّ يَعكسُ موقفًا مُعيّنًا موجودًا عندَ الكثيرين مِن أبناءِ الشعبيْن، كما هو موجودٌ عندَ الأديب وهيب وهبة والناقد الدكتور محمد خليل. ومع أنّ هؤلاءَ الكثيرين يَعتبرونَ هذا الحلَّ إيجابيًّا بالنّسبةِ للنّزاع المَرموز إليه، فإنّ معظمَهم يشعرون في أعماقِهم بأنّهُ حلٌّ افتراضيٌّ متيل، وأنّه مشروط بالتغييرِ الجذريِّ المَذكورِ في القصّةِ والدّراسةِ، وهو تغييرٌ يتناولُ الواقعَ والإنسانَ في هذه البلاد.
ونحنُ مع الشاعر الأديب ومع الناقد نبقى في انتظار هذا التغيير، آمِلينَ أن يبدأ قريبًا، قريبًا جدّا، ومُقدّرينَ تقديرًا كبيرًا كلَّ مَن يُسهمُ في هذا التغييرِ مِن المُبدعينَ والنقّادِ، ورجالِ الفكرِ والإعلاميّين والمُربّينَ والسياسيّينَ وغيرهم، ونحن نقولُ لهم ومعهم جميعًا: تفاءلوا بالخير تجدوه.
جاء في مداخلة سيمون عيلوطي:
تنويه: إنّ "مرايا في الأدب والنَّقدِ والثقافةِ" للدُّكتور محمَّد خليل مشروعٌ رائدٌ لإرساءِ ثقافةِ نقدِ النَّقدِ، وأنوِّهُ بدايةً، إلى أنّ الدكتور محمَّد خليل كانَ قد أصدرَ كتابينِ في ذاتِ الموضوعِ، قبل هذا الكتابِ: الأوّل "نقدٌ على نقدٍ- عام 2007"، والثاني "أوراقٌ نقديةٌ- عام 2014". من هُنا جاءَ كتابُ "مرايا في الأدب والنقدِ والثقافةِ" موضوعُ النَّدوة، (الحلقةُ الثالثة) استكمالًا لمشروعِهِ الذي يبادرُ من خلالِهِ لتأسيسِ ثقافةِ نقدِ النَّقدِ، ويواصلُ الدكتورُ النَّاقدُ محمَّد خليل في كتابِهِ الذي صدرَ حديثًا، بعنوانِ: "مرايا في الأدب والنقدِ والثقافةِ" مشروعَهُ مع النَّقدِ، وسعيَهُ الدَّؤوبَ في معالجتِهِ لحركتِنا الأدبيّةِ والثقافيّةِ، سواءَ كانَ ذلكَ في البحثِ والدّراسةِ، أو من خلالِ محاضراتِهِ التي يقدِّمُها بينَ الحينِ والآخرَ في مختلفِ المنتدياتِ والمراكزِ الأدبيّةِ.
مظاهِر شكَّلت الأدب الفلسطينيّ: لاحظتُ من خلالِ قراءتي لكتابِ "مرايا في الأدب والنَّقدِ والثقافةِ"، أنَّ الدكتور محمَّد خليل يُسلِّطُّ الضوءَ على أهمِّ المظاهِرِ التي مرَّتْ على مشهدِنا الأدبيّ الفلسطينيِّ عبرَ مراحلِهِ التَّاريخيَّةِ- المفصليَّةِ التي تَشَكّلَ هذا الأدب في ظلِّ مُناخاتِها وتطوُّرها، فنراهُ يتوقَّفُ في الفصلِ الأوّل من الكتابِ عند: "مظاهرِ الحياةِ في فلسطين قبلَ النَّكبة"، متطرّقًا إلى "عهدِ الحكمِ العثمّانيِّ" من مختلفِ جوانبِهِ: "السّياسيَّةِ، والأدبيّةِ، وتطوُّر الصَّحافةِ والصُّحفِ العربيّةِ في فلسطينَ قبل الانتدابِ البريطانيِّ". أمَّا في الفصلِ الثاني، فيتناول "واقعَ النَّقدِ الأدبيّ قبل النَّكبةِ" ما يساعدُهُ على الولوجِ في الفصلِ الثالثِ، إلى: "مظاهرِ الحياةِ عامَّةً بعدَ النَّكبة". وتتوإلى فصولُ الكتابِ في سردِ وتحليلِ ودراسةِ الظَّواهرِ الأدبيّةِ، والاجتماعيَّةِ، السّياسيَّةِ والاقتصاديّةِ التي واكبتْ أدبَنا الفلسطينيَّ في تلكَ المراحلِ، فبلوَرَتْهُ وجسَّدتْ مَلامحَهُ، مضامينَهُ، وأشكالَهُ الفنيَّةُ الخَّاصةُ بهُويَّتِهِ التي ميَّزتهُ بنكهةٍ تختلفُ عن النَّكهةِ الأدبيّةِ التي نُحِسُّها في أدب الأقطارِ العربيّةِ، وإن كانَ رغمَ فلسطينيَّتِهِ، يُعتبرُ جزءًا لا يتجزَّأ من مشروعِها الأدبيّ خاصَّة، والثقافيّ، الانسانيِّ عامَّة.
معالجاتٌ نقديَّة: تضمَّنَ الكتابُ بالإضافةِ إلى ذلك، معالجاتٍ نقديَّةً لعددٍ من الأعمالِ الشعريَّةِ والقصصيّةِ، وقد استوقفتْني مِن بينِها دراسةٌ خصَّصَها الباحثُ لروايةِ نجيب محفوظ "حضرة المحترم"، ولعلَّ صاحبَنا الدُّكتور محمَّد خليل أختارَ هذه الرِّوايةَ، لاعتبارِها محطّةً بارزةً في أدب محفوظ، بعد محطَّتيِّ "الطَّريق" و "ميرامار" من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، ربَّما لأنهُ أرادَ في هذه الدّراسةِ أن يَخرجَ عن الخطِّ العامّ للكتابِ الذي خصَّصهُ للنَّقدِ المحليِّ، ليُدلِّلَ على أنَّ النَّقدَ حين يكونُ موضوعيًّا، فإنَّهُ لا يُفرّقُ في معالجتِهِ بين المحليِّ والعربيّ في أيِّ حال.
الأدب لا يتشكَّلُ من فراغٍ: يؤكّدُ المؤلّف من خلالِ نظرتِهِ الشَّاملةِ، الواردُ ذكرُها آنفًا، أنّ "الأثرَ الأدبيّ، شعرًا ونثرًا، وكذا كلُّ أثرٍ فنيٍّ، لا يتشكَّلُ من فراغ، إنَّما ينشأ مرتبطًا بسياقاتٍ متعدّدةٍ من ذلكَ المنطلقِ"، وبالتَّالي: "لا يحقُّ لأيِّ قارئ أو باحثٍ أو ناقدٍ أن يقرأَ أو يدرسَ نصًّا ما، بمَعزَلٍ عن سياقاتِهِ الاجتماعيّةِ، والثقافيّةِ، والاقتصاديّةِ وحتَّى السياسيَّةِ! فالنّصُ نفسُه، أدبيًّا كان أم فكريًّا، هو بُنيةٌ لغويَّةٌ فنيَّةٌ يُعَبِّرُ عن واقعِ المجتمعِ، وينبثقُ عنهُ". وفي هذا السِّياقِ قالَ أحدُ الأدباءِ ما معناهُ: "إذا أردتَّ أن تعرفَ شعبًا من الشّعوبِ، فاذهب إلى فنونِهِ".
ثقافة نقد النقد: أرى أنَّ هذا الكتابَ يشكِّلُ قفزةً نوعيّةً في قيمتهِ المضافةِ لحركتِنا النّقديَّةِ والثقافيّةِ، لا يَندرجُ مثلَ النَّقدِ الأدبيّ عند البعضِ، تحتَ باب العلاقاتِ العامَّةِ، أو لاعتباراتٍ فئويَّةٍ حزبيَّةٍ، أو لغيرِ ذلكَ من الأمور التي لا تمتُّ للنَّقدِ الموضوعيّ بصلةٍ.                       
مؤلّفُ الكتابِ: يُغامر في الإبحارِ في بحرِ النَّقدِ المنهجيِّ، ليصلَ إلى "نقدِ النَّقدِ": يقولُ بهذا الصَّدد (ص118): "تهدفُ الدّراسةُ إلى الوقوفِ على واقعِ (نقدِ النَّقدِ) في أدبنا المحليِّ، في ضوءِ النَّقصِ الحادِّ الذي تُعانيهِ مسيرةُ حركتِنا الأدبيّةِ والنقديَّةِ. لم يحظَ هذا الموضوعُ إلى الآنَ، باهتمامِ كتَّابِ النَّقدِ الأدبيّ المحليِّ، وخيرُ دليلٍ على ذلك، أنَّ المتتبِّعَ لا يلحظُ وجودَ كتابٍ خاصٍّ بنقدِ النَّقدِ". هذه الدَّعوةُ الصريحةُ لمعالجةِ النَّقدِ بالنَّقدِ، أراها في محلِّها، وأعتقدُ أنَّها سوفَ تُحِدُّ من تلك الفوضى العارمةِ في مجالِ النَّقدِ عندَ البعضِ، والتي أخذت في الآونةِ الأخيرةِ تنتشرُ بشكلٍ لافتٍ، مستغلَّةً سهولةَ النَّشرِ على صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وبعضِ المواقعِ على الشَّبكةِ العنكبوتيّةِ، وما زادَ الطّين بِلّة في هذا المجال هو: غيابُ المحرّرِ الأدبيّ المختصِّ عن تلك المواقع، وعن صحافتِنا والورقيَّةِ أيضًا.
ماهيَّة نقد النَّقد: حينَ ننظرُ إلى مفهومِ الدكتور محمَّد خليل لنقدِ النَّقدِ، نراهُ يتلخَّصُ في الآتي: "هو نشاطٌ معرفيٌ يقومُ بمراجعةِ الأقوالِ النقديّةِ، كاشفًا عن سلامةِ مبادئِها النّظريَّةِ، وأدواتِها التحليليَّةِ، وإجراءاتِها التَّفسيريّةِ والتَّأويليَّةِ. في ضوءِ ذلكَ الواقعِ تبدو الحاجة ماسَّةً إلى وجودِ نقدِ النَّقدِ، وهذا يتطلَّبُ البدءَ بالتأسيسِ لهذا المشروعِ، لا سيَّما وقد مضى على عُمرِ حركتِنا الأدبيّةِ المحليَّةِ ما يزيدُ عن ستَّةِ عقودٍ، عِلمًا أنَّ العمرَ الحقيقيّ للأدب لا يقاسُ بالزَّمنِ، لكنه بكلِّ تأكيدٍ لا يحدثُ خارجَهُ".
خلاصة: ما تقدّمَ يقودُ الدَّارسَ إلى نتيجةٍ مفادُها، أنَّ: "الطَّريقَ الأمثلَ للنُّهوضِ بالنَّقدِ الأدبيّ، هو وضعُهُ موضعَ النّقدِ والمساءلةِ". من هذا المنطلق؛ اختارَ ناقدُنا أن يسيرَ في مشروعِهِ النَّقديِّ الرَّائدِ نحوَ الاتّجاه الصَّعبِ، وهو: نقدُ النَّقدِ. ومن المؤكَّدِ أنَّه نتيجةً لذلكَ، سوفَ يثيرُ من حولِه زوبعةً من العواصفِ الكلاميّةِ والكتابيّةِ، خاصةً أنَّ ثقافةَ الحوارِ ومناقشةَ الرَّأيِ بالرَّأيِ، لم تتأًصَّلْ بعدُ، في حركتِنا الأدبيّةِ النّقديَّةِ وفي حياتِنا العامّةِ أيضًا. فهل تراهُ إزاءَ هذا الوضعِ، ينجحُ في تحقيقِ مشروعِهِ النَّقديِّ لتأسيسِ ثقافةِ نقدِ النَّقدِ؟!.. أرجو ذلك.   
مداخلة المحتفى به د. محمد خليل:  بيَدِ الشكرِ الموصولِ أصافحُ الإخوةَ والأخواتِ؛ مُتحدّثينَ ومُشاركينَ وحضورًا، ثمّ أقول: الاحتفاءُ بالكتابِ والكتابةِ الإبداعيّةِ مَظهرٌ حضاريٌّ بامتياز. أنوّهُ بدايةً إلى أنّ شهادتي بكتابتي وبكتابي مجروحةٌ لأسبابٍ تعرفونَها. من هنا الرأي لكم أوّلًا وأخيرًا.
يقول العماد الأصفهاني: إنّي رأيتُ أنّهُ لا يَكتبُ إنسانٌ كتابًا في يومِهِ إلّا قالَ في غدِهِ: لو غُيّرَ هذا لكانَ أحسنَ، ولو زيدَ كذا لكانَ يُستحسَنُ، ولو قُدّمَ هذا لكانَ أفضلَ، ولو تُركَ هذا لكانَ أجملَ، وهذا من أعظم العِبَرِ، وهو دليلٌ على استيلاءِ النقصِ على جملةِ البشر.
أبدأ بالعنوان، ففيه ما فيهِ من الإشاراتِ والدلالاتِ والمعاني والأفكار. العنوانُ نصٌّ مُتكاملٌ لكلّ شيء، وهذا بحدِّ ذاتِهِ يَستحقُّ التوقّفَ والنظر. ناهيك بالمحتوى الذي يشتملُ على عناوينَ ودراساتٍ ما، يمكنُ أن تفتحَ أمامَنا نوافذَ نُطلُّ مِن خلالِها على نصوصٍ أدبيّةٍ في النقدِ الثقافيّ، وأخرى ثقافيّةٍ تستحقّ منّا القراءةَ والتوقّفَ عندها، بغيةَ التفكيرِ والتأمُّلِ بتعمُّقٍ ورويّة. أما المتعة الحقيقيّة والقيمة المعرفيّة المضافة، فأتركُ الحكمَ والبتّ فيها لكم.
هنالكَ العديدُ مِن الدراساتِ التي يشتملُ عليها الكتاب، ما يمكنُ أن يشدَّ القارئَ لمقاربتِها شكلًا ومضمونًا. أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: محطّاتٌ أدبيّةٌ ونقديّةٌ وثقافيّة في مسيرةِ الحركةِ الأدبيّةِ في فلسطين قبلَ النكبة وبعدَها. مُقدّمة الكتاب "بين يدي الكتاب". كذلك دراسة نصّيّة لرواية نجيب محفوظ "حضرة المحترم".  وقد تجدرُ الإشارةُ في هذا السّياقِ إلى قول ابن العميد في كتب الجاحظ: "كُتبُ الجاحظِ تُعلّمُ العقل أوّلًا والأدب ثانيًا". آمل أن يكون هذا الكتابُ قد قاربَ حدودَ تلك المقولةِ ولو بالقدر اليسير. فشيءٌ خيرٌ مِن لا شيء.
تقولُ د. سلمى الخضراء الجيّوسي: "قلّ ما تجد أديبًا فلسطينيًّا خاليًا من الهمّ الفلسطينيّ". وأنا لستُ بحائدٍ عن هذا الطريق أبدًا.
يقول نورثروب فراي الناقد الكندي: "ليست الكلمةُ الأخيرةُ للناقد الأدبيّ، إنّما لكلّ قارئٍ قراءتُهُ". وفي الختام تحيّة تقدير واحترام لجميعكم وشكرًا.


45
وَحْدَكِ.. تُجِيدِين قِرَاءَةَ حَرَائِقِي!
آمال عوّاد رضوان
مِنْ إِبْطِ الْقَمَرِ
تَسَلَّلْتُ
أَتَأَبَّطُ هِلَالًا
أَطْوِي أَحْشَاءَ الْمُزْنِ .. بِبَطْنِ السُّحُبِ
وَعَيْنِي الْوَعِرَةُ
تَطُوفُ بِفَرَاغٍ نَيِّءٍ
تَتَلَمَّسُ ظِلَّ حُورِيَّةٍ
أَمْتَطِيهِ .. إِلَى سُلَّمِ الْعُذْرِيَّةِ!

أَيَا مَالِكَةَ وَحْشِي الْمُجَنَّحِ
إِلَى جَزِيرَةِ عِفَّتِكِ
خُذِي بِيَدِ وَلَهِي
ذَاك حَجَلِي الْمَشْبُوبُ
مُنْذُ الأَزَلِ
حَطَّ عَلَى فَنَنِ زَمَانِي الصَّدِئِ!

أَنَا يَا ابْنَةَ الْمَاءِ
مَنِ اغْرَوْرَقَتْ دَهَالِيزُ دَهْشَتِي
بِغصَّةِ زَبَدِي
اسْتَغَثْتُ:
أَلاَ هُبِّي نَوَافِيرَ رَمْلِي
اِسْتَحِمِّي بِبُحَيْرَةِ ضَوْءِ حَبِيبَتِي!
كَظَبْيَةٍ دَافِئَةٍ
رَابَطْتِ
عَلَى حُدُودِ انْشِطَارِي
وَعُيُونُ أَصْدَافِكِ تُطَارِدُ رِيحِي!

أَيَا كَآبَةَ فَرَحِي
لِمَ أَلْقَيْتِ .. بِيَاقُوتِ صَخَبِكِ
عَلَى حَوَاشِي كَبِدِي
وَوَلَّيْتِ
تَرْقُصِينَ
تُدَغْدِغِينَ بِقَوْسِكِ الْمَاسِيِّ
شِرْيَانَ غُرُوبٍ يَنْزِفُنِي؟

أَيَا رَاعِيَةَ الْخَلاَءِ
أَنَا مِزَقُ شَرِيدٍ .. اخْتَلَسَتْنِي نَظْرَةٌ
كَلَّلَتْنِي
بِسَمَاوَاتٍ آيِلَةٍ لِلْكُفْرِ
أَغِيثِينِي
لاَ تُثَرْثِرِي رَدْمِيَ الْمَسْفُوكَ
بِمِلْءِ وَرْدِكِ الْمَجْرُوح!

ذَاكَ الْمَسَاءُ
كُنْتُهُ إِلهَ صُدْفَةٍ
وَكُنْتِهِ رَغْوَةَ لُؤْلُؤٍ
كُنْهَ صَدَفَةِ رَبِيعٍ
تَغْشَى شِفَاهَ تَوَسُّلٍ مَزَّقَتْنِي
تَنْدَهُ مِلْءَ الشَّهْوَةِ
أَيَا عَذَارَى الْبَحْرِ
قَدِّمْنَ خُصُلاَتٍ مِنْ أَهْدَابِكُنَّ
قُرْبَانًا لِخَلاَصِي!

أَنَا.. مَا تَصَنَّتْتُ
وَلَا تَلَصَّصْتُ نَهِمًا
بَلْ تَدَارَيْتُ هَفْوَةَ عِشْقٍ انْذِهَالًا
وَمَا دَرَيْتُ
كَيْفَ أَحْلِبُ أَشْطُرَ الدَّهْرِ!

يَا مَنْ أَلْقَيْتِ بِزَخَّاتِ سَطْعِكِ
تَسَـــــــــــــــــابِيــــحَ سَرْمَدِيَّةً
عَلَى فَلْقَةِ قَمَرِي
لمَ غَدَوْتِ مِرْسَاةَ وَجَعِي
فِي لُجَّةِ مَنَامِي
وَمَا انْفَكَكْتِ
تَسْتَبِدِّينَ بِخِيَامِ غَيْمِي؟

هِيَ ذِي شُمُوعُ تَخَوُّفِي أَذَابَتْنِي
ضَجَّتْ بِتَعَارِيجِ غِيَابِكِ
وَمَا تَابَتْ .. فِي سَرَايَا انْطِفَائِي بِكِ.

رُحْمَاااااااكِ
أَضِيـــئِيــــنِي
بَارِكِي سَرْوَةً فِضِّيَّةً
حَاكَتْ أَعْشَاشَ السُّمَّانِ
مِنْ ظِلِّي الْمَنْتُوفِ
اِنْتَعِلِي فُصُولَكِ شَلَّالَاتِ عَفْوٍ
وَحْدَكِ
مَنْ تُجِيدِينَ قِرَاءَةَ حَرَائِقِي



46


نـُعـاسُ السُّـؤالِ تـَنـَغـَّمَ دمْـعًـا


آمال عوّاد رضوان

عَلَى شِفَاهِ الصُّبْحِ
تـَنـَغـَّمَ نـُعاسُ سُـؤالِـكَ دمْـعًـا
مغموسًا في قهوةِ البَوْحِ
وَأَحْلاَمُ نـَدَاكَ
تَـنُوسُ فِي رَنِينِ نَظْرَةٍ
كَمْ زَاحَمَتْ أَسْرَابَ هُتَافٍ
يَجْمَحُ فِي نَكْهَةِ خَفْقَة!
***
أَتَرْصُدُ رَشْفَةَ خَمْرَةِ نَجْمٍ
ذَابَتْ بَرْقـًا
فِي كَأْسِ الأَدْمُعِ؟
***
مَتْحَفُ وَجْدِكَ
يَنْحَتُ خـُطـَاكَ شِعْرًا
كَمْ سَالَ لـُهَاثَ فُتُونٍ
عَلَى نـَهْـدِ الْغـَمامِ
لكِنَّ قِيثَارَةَ حَنِينِكَ
مَا دَاعَبَـتـْهَا أَصَابِعُ صَلاَةٍ
مُنْذُ اشْتَعَلَ
غُمُوضُ الزَّهْر!
***
أَيَا حَارِسَ آذَانِ الْقَوَافِي
لِمْ تـَبـَتـَّلَ صَوْتـُكَ
فِي قـُدْسِ فـَجْـرِهَا
وَبِرَشَاقَةِ بَحْرٍ
أَنْضَجَـتـْكَ مَوْجَ قـُبَـلٍ
يَـشْـتَـعِـلُ اتـِّسَـاعـًا
فِي هَيْكَلِ الأَسْرَار؟
***
قَامَتـُكَ الْمُتوهِّجَةُ
بِصَهِيلِ الزَّنْبَقِ
فَاضَ تـَوْقُ فوْضَاهَا
وَنَبْضُكَ الْمُـثْـقَـلُ
بِمَلَكُوتِهَا
سَمَا بِـطـَوْقِ الضَّوْءِ!
***
أَتَنْقُشُ مَرْجَ عيْنَيْهَا
تَبَاشِيرَ نَشِيدٍ أَزَلِيٍّ؟
***
أَتَسْطُرُ وَابِلَ اسْمِهَا
هَوًى
يُلاَغِفُ ضُلُوعَ الرِّيحِ؟

من ديواني الثالث (رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ- عام 2010)

47
أدب / أَوْتَـارٌ مُتَقَـاطِعَة!
« في: 13:59 24/06/2018  »

أَوْتَـارٌ مُتَقَـاطِعَة!


آمال عواد رضوان

ترجمة: حسن حجازي

أَسْمَاؤُنَا .. تَحْمِلُنَا
إِلَى أَعْمَاقِ مَجْهُولٍ .. يَتَنَاسَلُ!
نَحْنُ.. فِكْرَةُ خَلْقٍ يَتَكَوَّرُ
فِي رَحْمِ الْمُنَى!
*
نُعَايِنُ ظِلَالَ اللهِ
تَكْسُو بِحَارَ الْحَوَاسّْ
تُرْبِكُنَا أَمْواجُ الرَّهْبَةِ
فَنَتَقَوَّسْ
وَبِتَثَاقُلٍ مُهْتَرِئٍ
بَيْنَ تَعَارِيجِ الْحُزْنِ
وَبَيْنَ شَظَايَا الْفَرَحِ
نَتَّكِئُ
عَلَى مَسَاندِ الصَّمْتِ
نَنْكَأُ .. جُرُوحًا تَغْفُو
لِنَنْشُرَ .. سَوَادَ الْأَلَمِ .. حَلِيبًا
يَتَعَشَّقُهُ مِدَادُ الْحَنِين!
*
قَوَارِبُ أَحْلَامِنَا .. تَتَرَنَّحُ خَدِرَةْ
يَـ تَـ نَـا ثَـ رُ هَـا
جُوعُ عَوَاصِفِ الْوَقْتِ الْكَافِرِ
وَفِي دَوَّامَاتٍ .. مُفْرَغَةِ الْحُرُوفِ
وَبِوَرَعِ الضَّوْءِ الْخَافِتِ الْخَافِقِ
نَرْسُمُنَا قِصَصًا .. تَتَلَوَّى لَوْعَةً
فِي قَفَصِ الْبَرَاءَة!
لِبُرْهَةٍ
نُومِضُ بَسَمَاتٍ .. تَرْتَشِفُ دَمْعا
وَتَتَرَشَّحُ .. حَيْرَةً حَيْرَى
مِنْ ثُقُوبِ قَلْبٍ .. يَتَفَايَضُ نُورا
لِوَهْلَةٍ
تَنْثَنِي هَالَاتٌ .. مِنْ أَسْفَارِ الْأَيَّامِ
تَتَشَكَّلُ رَغْوَةَ تَسَاؤُلٍ
عَلَى جَبِينِ الْفُصُولِ!
وَبِخِلْسَةٍ
نَلِجُ أَحْشَاءَ الْعُمْرِ .. بِشَهْوَةٍ
تَعْزِفُنَا أَنَامِلُ نَيْسَانَ 
أُكْذُوبَةً
عَلَى
أَوْتَارِ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ الْمُتَقَاطِعَة!


48
وَمَضَاتٌ شِعْريّةٌ فلسطينيّةٌ عراقيّة بين آمال عوّاد رضوان وفائز الحداد!
إلى زميلتي الشاعرة العربية القديرة آمال عوّاد رضوان التي أعتزّ بصداقتها الراقية .
القبطان
وقد أزفَ الطريق
إلى الرحيل
إلى التشرذم والعويل
إلى المتاهةِ  بربريًّا قاتلًا يرثي القتيل ..
يا أيها القبطانُ .. قبضتكَ الرماح
وسلاحُ أعينكَ الرياح
تبقى على مرِّ المرافئِ
غازيًا
ومغامرًا
ومقامرًا
ومهاجرًا..
هل ضعتَ في حدسِ المغادرِ للشقيق ..
وتحنُّ للجرحِ العتيق؟؟
كمغرقٍ صلى على جسدِ الغريق
فلا يغرّكَ في البراءة من رقيق !!
لا عشقٌ يبقى..
لا حبيبٌ ولا رفيق !؟
واحذر.. فأوّلُ خائنيكَ هو الصديق
يا مُدمنًا للنارِ لن تدمي الزمان
وإنما تُدمى ويأكلك الحريق
أنا سائلٌ ..
ما تلك موجات الهوى النزقِ القبيح.. أيا الجميل ؟؟!
وما في جعبة الشعر البخيل؟؟!.
اطرق جناح اليم صقرا نافرا
كي لا يضيع على خريطتك الدليل
وتضيع طفلا في السبيل ..
وما لجرحكَ من سبيل ؟

أستاذي العزيز الشاعر العراقيّ فائز الحداد، عميق شكري لقصيدتك الساحرة الْأَهْدَيْتَنِيها في مطلع عامي 2018، وكساحرٍ غجريٍّ تُذيبُ قوقعةَ اعتكافي عن حرفي، وتُعيدُني مُجدّدًا فراشةَ قزٍّ، تَغزلُ شَرانقَ حريرٍ وحياةٍ على شُجيرةِ شِعري فأقول:

كَقبطانٍ .. تُدْمِنُ الشِّعرَ والسَّهَرْ
وَما كنتَ يوْمًا .. بِهِذْرِيانْ
ما انفكّتْ روحُكَ .. تتأجَّجُ بالأحلامْ
فلا يُطفِئُها نَزْرٌ .. في أزقّةِ الزّوالْ
ولا يُذْعِرُها هَذْرٌ .. في ظَمَأ الزمان!
***
أيا توأمَ البَحرِ ووَاهِنَ القرصانْ
ما بينَ ذهولِ الموْت ولذّةِ الهَذَيان
ها الذُّنوبُ تَذوبُ
وها ذو الجمجةِ البيضاء .. بنظراتٍ مُتصالِبةٍ
قُرصةً .. قُرصةً
يُقرِّصُ عجينَ شِعرِك
يبسُطُهُ .. أرغفةَ هواجس
وبضميرِ الاستقباحِ .. يُوخِزُ السؤال:
مَنْ قلّبَكَ .. على سطوحِ الهَباء؟
أتراكَ بالجِمارِ تَخبزُ الجَمالْ؟
مَنْ شكّلكَ .. على سفوحِ النّقاء؟
أما انفكّ السندبادُ البحريُّ
يعومُ .. فوقَ بَراكينِ الأطياف؟
***
أيا نوْرَسًا كفيفًا
مِن ذاك المسرحِ الكوْنيِّ اهْرُبْ
اِمْزِجْني
بأسْرارِ بَحرِك .. بمِلحِ جُزُرِك
علّمْني رقصةَ الحياةِ
علّمْني أبجديّةَ الكوْنِ
لأضيءَ عينيْكَ بالآمالِ
ولأفَجّرَ شغفَكَ الغامضَ
على حوافِّ دمعة!
***
انا موْجُكَ الخرافيّ
أحملُ لكَ بأحشائي
مَرجانَ الحنين
وأنت المُترَعُ بالعِشقِ
تُحلّقُ حولَ الحُبِّ .. في مَرْجِ الغرامْ
وأنتَ المُنفتحُ على أبواب السّماءِ المُشرّعة
كرضيعٍ تُغمغِمُ
على ثديِ صلاة
 ألا هَبيني تَوازُنًا .. على مَقامِ الْهُزام
 لأزْهُوَ بالولادةْ .. ولِتُزَغرِدَني الحياةْ!


49
الشاعرة آمال عوّاد رضوان أنموذج المثقّف الباحث عن تأصيل هُويّته!!
بقلم: وجدان عبدالعزيز
اليومَ نتحدّثُ عن نموذجٍ ثقافيٍّ تَمثّلَ بالشّاعرة آمال عوّاد رضوان، فهي شاعرة مُبدعةٌ احتلّت مكانةً متميّزةً ومعروفة، لكنّها حثّت الخطى في طُرق الثقافةِ الأخرى، فمثّلت المثقّف الّذي كرّسَ حالةَ المواطنةِ في نفوس شعبهِ، مِن خلالِ مُساهماتِها بتكريسِ حالةِ الانتماءِ للهُويّةِ الوطنيّةِ العربيّة، وذلكَ عن طريق بناءِ سياجٍ، أساسُهُ الوعيُ العالي والرّوحُ التوّاقةُ للسّموّ الحضاريِّ والارتقاءِ بالنّفسِ العربيّة، لكي تتعإلى على الصغائر، وتُهاجرَ كلُّ هفواتِ النّكوصِ والابتذالِ والتّبعيّةِ، وصولًا إلى المحافظةِ على الخصوصيّاتِ الحضاريّةِ المميّزةِ، واليومَ، أتحدّثُ عن واحدةٍ مِن قصائدِها الّتي تجلّتْ فيها روحُ الانتماءِ للآخرِ المُتمثّلِ في الحبيبِ هو الوطن، باعتبارِهِ هُويّة، وكانَ انتماؤُها بمثابةِ روحِ التصوُّفِ والذّوبانِ فيه برومانسيّةٍ؛ ليسَ مِن النوعِ الهاربة، إنّما الرومانسيّة الآيروسيّة الخفيفة، قد تُمارسُ جسديّةً لامرئيّةً أحيانًا، رغمَ أنّها تُحاكي طفلةً سكنتْ في داخلِها، والطفولةُ هي عالمٌ ورديٌّ مُزخرَفٌ بألوانِ قوس قزح الّتي تبعثُ البهجةَ والسّرورَ إلى القلبِ.. عالمٌ سحريٌّ خاصٌّ يتميّزُ بنقاوتِهِ وجَمالِهِ ورِقّتِهِ، عالمٌ مليءٌ بالتّشويقِ والسِّحرِ والغموضِ والعفويّةِ المُطلقةِ، عالمُ البراءةِ الجميلةِ.. عالمُ الانطلاقِ بلا قيودٍ وبلا حدودٍ، والطفولةُ هي العيشُ لحظةً بلحظةٍ، دونَ التفكيرِ بالغدِ وبعناءِ المستقبلِ، وما يُخبّئُهُ لنا مِن مفاجآتٍ، وهي أحاسيسُ صادقةٌ، وقلوبٌ بيضاءُ، وأيْدٍ تمتدُّ تعرفُ العطاءَ دونَ مقابلٍ ودونَ حسابٍ، ثمّ إنّها زهرةٌ بيضاءُ ناصعةٌ، تفوحُ منها رائحةُ البراءةِ القويّةِ، كزهرةِ الرّبيعِ تُعطي مِن كلِّ زهرةٍ لونًا ورائحةً مُنعشةً. إذن؛ عاشت الشّاعرةُ حالةَ استعادةٍ.
تقول في قصيدتها (أسْطُورَةُ الّتياعٍ؟)1 :
(طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي)

في قصيدتِها أعلاه، عاشت الشاعرةُ حالةَ اختلاطِ الأصواتِ، صوتَ النُّضجِ، وصوتَ الطفولةِ، وصوتًا ثالثًا مُخاطِبًا مِن قِبلِ الشّاعرة، والأخيرَ أشارتْ لهُ بحرفِ الكاف، حتّى عاشت الشاعرةُ حالةَ التّصوُّفِ و(حريرَ وجدٍ)، فهل تكونُ تلكَ الطفلةُ هي القصيدةُ المُتمرّدةُ، الّتي تنبثقُ مِنَ الذّاتِ في لحظتِها الشعريّةِ، ثمّ تتصيّرُ إلى وعيٍ إدراكيٍّ في حفلِ التّتويجِ، لكن هذا الوعيَ يَشوبُهُ شكٌّ، فتتوالدُ الأسئلة في حينِها.
تقول الشاعرة:
(قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟)
هذا القلقُ الّذي يكتنفُ الشاعرةَ هو محضُ أسئلةٍ.. إنّ السؤالَ عن الماهيّةِ- بصرفِ النظرِ عن هذهِ الأمورِ جميعًا- يُوجّهُ البَصرَ إلى أمرٍ واحدٍ، وهو ذلك الّذي يُميّزُ الحقيقةَ مِن حيث هي حقيقةٌ أم لا.
ولكن، ألا يتوجّهُ بنا السّؤالُ عن الماهيّةِ، إلى فراغِ التّعميمِ الّذي يكتمُ على أنفاسِ الفِكر؟ أليسَ مِن شأنِ المُجازفةِ بمثلِ هذا السؤال، أن تُبيّنَ أنّ الفلسفةَ كلَّها هاويةٌ لا تقومُ على أيّ أساس؟
إنّ مِن واجباتِ الفكرِ الّذي يتّجهُ إلى الواقع، أن يَصرفَ جُهدَهُ إلى إقامةِ الحقيقةِ الواقعيّةِ الّتي تُزوّدُنا اليومَ بالمعيارِ الّذي نَحتكمُ إليه، وبالسّندِ الّذي نعتمدُ عليه، ليَحمينا مِن اختلاطِ الآراءِ والظّنون.
مِن هنا قلتُ إنّ الشّاعرةَ في خضمِّ القصيدةِ تعيشُ لحظاتِ لاوعيٍ، بيْدَ أنّها تستدركُ الأمرَ لاحقًا، لتعيشَ حالاتِ الوعيِ، أي أنّها تُحلّقُ في حالاتِ تَجَلٍّ، ثمّ تَخضعُ لموجباتِ وعيٍ يُدركُ الواقعَ ولو جُزئيًّا.. وحتّى تُجْلي الأمرَ بصورةٍ أوضح، لجأتْ إلى التّناص، ومعناهُ نَصَّ الحديث يَنُصُّه نصًّا : رفَعَهُ، أي أنّ الشاعرةَ حاولتِ التّوضيحَ بقوْلِها:
(هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ ظِلِّيَ الْحَافِي؟)
وهيرا زوجةُ زيوس وأختُهُ وربّةُ الزّواج، وقد امتازتْ شخصيّتُها بكوْنِها مليكة ومهيبة، وكانت في مَجمع الآلهة، وفي جبل أوليمبوس بحسب الميثولوجيا الإغريقيّة، وهنا أُسجّلُ للشّاعرةِ امتلاكَها مَلكةً ثقافيّةً ثريّة، تَحضُرُ هذهِ المَلكةُ بحضورِ الوعيِ اللّاحقِ بعدَ اكتمالِ ميلادِ القصيدة، ومِن خلالِ هذا التّجلّي يتوضّحُ لنا انتماءَها وإبرازَ هُويّتِها، مِن خلالِ الآخر الّذي تُكوّنُهُ وتُجسّمُ صورتَهُ ذهنيًا:
(بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
علقتك نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الّتياعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!)
هذهِ الانفعالاتُ والثّوراتُ أعطتْ سياقاتِ قوّةٍ لإجازةِ مشروعِ القصيدةِ، كمشروعٍ ثقافيٍّ لإثباتِ الذّاتِ أوّلًا، والاحتكاكِ بالآخرِ ثانيًا، وتَظلُّ الأصواتُ الثلاثةُ داخلَ القصيدةِ تتبادلُ الأمكنةَ والرّؤى.
تقول الشاعرة:
(ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
*
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ
أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!)
(اعتبرت الفيلسوفةُ والمُفكّرةُ ميليكن أنّ مبادئَ اللّغةِ شبيهةٌ بالوظائفِ الّتي تُؤدّي إلى بقاءِ الأجناسِ البيولوجيّةِ حيّةً. بكلامٍ آخر؛ مبادئُ اللغةِ مبادئُ بيولوجيّةٌ تَهدفُ إلى إبقاءِ التّخاطُبِ حيًّا، ومِن هذهِ المبادئِ مبدأُ قوْلِ الحقيقةِ في خِطابِنا الّذي يَضمنُ استمراريّةَ التّخاطُبِ معَ الآخر. على هذا الأساسِ تقولُ ميليكن، إنّ بعضَ الأنواعِ اللّغويّةِ في التّعبيرِ تستمرُّ في التّداوُلِ، لأنَّ إنتاجَها ونتائجَها تُفيدُ كُلًّا مِن المُتكلّمِ والمُتلقّي، وهذا شبيهٌ بما يَحدثُ للكائنِ البيولوجيِّ الّذي يَكتسبُ الصّفاتِ الّتي تُفيدُهُ في أنْ يبقى حيًّا.
وكما أنّ البَشرَ يُكرّرونَ التّصرُّفاتِ النّاجحةَ في تحقيقِ أهدافِهم، يَحدثُ تكرارُ صياغاتٍ لغويّةٍ مُعيّنةٍ، لأنّها مُفيدةٌ في الوصولِ إلى نجاحاتِنا كبَشر، هذه الصّياغاتُ اللغويّةُ (كعباراتِ الشّرطِ مثلًا)، تُشكّلُ الأعرافَ اللغويّةَ، فالأعرافُ اللغويّةُ تنشأُ وتنتشرُ، كوْنَها تُقدِّمُ حُلولًا لمشاكلِ المُتخاطِبين.
مِن هنا، نستمرُّ في إنتاجِ بعض الأشكالِ اللغويّة، لأنّها تُؤدّي بالمتلقي إلى أنْ يستجيبَ باستجاباتٍ مُفيدةٍ في تحقيقِ أهدافِ المُتكلّم، لكن، لا بدّ للأعرافِ اللغويّةِ أنْ تخدُمَ مَصالحَ المُتكلّمينَ والمُتلقّين معًا، لكي تستمرَّ وتبقى.)2.
هكذا يبدو لي مسارُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في ابتداعِ المعنى الباطن في القصيدة، كي تعطي للمتلقّي الحقَّ في التأمُّلِ في الظّواهرِ، وصولًا إلى المعنى الكامنِ بين أسطُرِ القصيدة، فالكتابةُ عندَ الشاعرة كينونةٌ، مِن خلالِها تَجعلُ مِنَ الرمزِ نموذجًا للصّراع، لأجلِ توطينِ المعنى وترسيخِهِ.
الهوامش:
1ـ قصيدة (أسْطُورَةُ الّتياعٍ؟) الشاعرة آمال عوّاد رضوان. تاريخ النشر: 2017-04-09
2ـ مقال (فلسفة المعنى والحريّة) حسن عجمي/ موقع مركز النور.


50
أدب / بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ!
« في: 19:00 20/05/2018  »
مهداة إلى شرقِنا اليتسربلُ برفيرَ غُروبٍ/ في مهرجانٍ دمويٍّ ليسَ يُحَدُّ!
بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ!
آمال عوّاد رضوان

مَذْهُولًا..
تَقَافَزَ بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ
يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي
وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي
تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ
كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيحِ!
*****
خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ .. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ
غَــيَّــبَـــنِــي
فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ
مَجْبُولٍ؛
بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ
بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ
وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ .. تَكَلَّسَ
عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!
*****
كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ
قُرْصُ فَرَاغِكِ
أَ شَ عَّ نِ ي
بَتلاَتِ مَسٍّ مُقَدَّسٍ
يَلْجُمُ .. ثَرْثَرَةَ لِسَانِي الثَّقِيلِ!
*****
يَا مَنْ بِقَبْضَةِ فَقْدِكِ .. الْمَسْفُوكِ بِي
أَرْخَيْتِ .. صَمْتَ إِغْرَائِكِ
عَلَى ثَغْرِ غَدٍ حَالِمٍ
كَمْ غَفَا
بِشِرْيَانِ وَرْدِكِ النَّرْجِسِيِّ!
*****
كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي
وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ
تَــتَـــهَـــجَّــــى
مَبَاهِجَ غُمُوضِكِ؟
*****
أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ
يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني
أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ
يَرْتَسِمُ عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ؟
إلامَ
أَ
قْ
طُ
رُ
نِ
ي
رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ
عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي
لِأَطْـــفُــــــوَ هَـــــشِـــــيـــــمًا
عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟
*****
أَمَا لِلْغَدِ عَيْنُ حَيَاةٍ
تُذْعِنُ لِدُخَانِ الذُّنُوبِ؟
*****
أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ .. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ
حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي!
تَـــــجَـــــلْـــــبَــــبِــــي
بِوِشَايةِ بَحْرٍ
وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيِّ
غَـــيْـــبُــــوبَـــــتِــــي
وَدَعِينِي .. أتَخَايَلُ مُخْتَالاً
لأَمِـــــــيــــــــــسَ
فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!
*****
نُبُوءَاتُ نَقَائِكِ النَّدِيَّةُ .. جَدَاوِلُ
تُــزَمْـــــزِمُـــــــنِـــــــي
تُـــغـــافِـــــلُ
                        بَلاَهَةَ مَوَائِدِي الْمُوحَشَة
تُــــــكَـــــــــمِّـــــــمُ
                           أَفْوَاهَ أَشْبَاحِ مَوَاقِدِي الذَّاهِلَة
وَتَـــخْــــتَــــلِـــسُـــنِي
                        مَشَارِفُ الارْتِجَافِ الْمَثْلُومَة
بِـــــــــوَاااااااابِـــــــلٍ
          مِنْ قُبَلٍ مُتَبَتِّلَةٍ
                   تُـــــعَــــسْــــــعِــــــسُ
                                  سَحَابَ صَلَوَاتِي الْفَاتِرَة
                                                بمِشْطِ لَوَاعِجِ سَمَاوَاتِكِ!
*****
أَكَأَنَّمَا
تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء
ضَفَائِرَ ضَوْءٍ
                يُـــنَــــمّــــِشُــــــنِـــي
                           بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟
أَتُـــمَـــهْـــرِجُــــنِــــي
                          بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ؟
من ديواني الشعري الثالث (رِحْلَةٌ إِلَى عُنْوَانٍ مَفْقُودٍ)
amaalawwaadradwaan@gmail.com
xyz_amara@yahoo.com