عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2 3
1
على هامش زيارة المفكر الدكتور "عبد الحسين شعبان إلى أوسلو
د. علي موسى الموسوي
الأمين العام للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني (النرويج)


     طرح زمن العولمة سجالات عدة، كانت ثنائية التراث والحداثة أبرزها. خاصة أمام الأطاريح التي انبثقت عن العلاقة الملتبسة بين الإسلام والغرب والتي أنتجت مقولات عدة من مثل: صدام الحضارات ونهاية التاريخ وغيرها من الخطابات الإيديولوجية التي جعلت التجديد أو التحديث مطلبا حضاريا، خاصة بالنسبة للفكر العربي الإسلامي الذي واجه تحديات فكرية عدة؛ تجديد الفكر الديني أبرزها.
     من هنا وفي إطار انفتاحه على قضايا الأمة وإشكالاتها المرتبطة بزمن العولمة وما تلاها من أسئلة همت الحقل الديني والعقلانية الحديثة، تشرف المجلس الدولي للحوار الديني والإنساني باستضافة المفكر"عبد الحسين شعبان"، والذي أشرف رفقة الأمين العام للمجلس ، على تأطير الجلسة الحوارية" دين العقل وفقه الواقع"، وهو عنوان مؤلف المفكر الضيف الذي تناول من خلاله مأزق الدين والتدين في عصر تميز بالتنميط الديني المنتج للإرهاب.
والتطرف والصراعات الإيديولوجية المرتبطة ب"النيوليبيرالية" أو"الليبيرالية الجديدة".
     وقدم المفكر "عبد الحسين شعبان" آراءً ووجهات نظر تناولت معظم القضايا الخلافية ، بدءا من الانقسامات الماضوية وصولا إلى الأوضاع المأزومة حاليا. في مناظرة مع الفقيه الإسلامي السيد أحمد الحسني البغدادي عكست هموم الأمة هموم الأمة بعيدا عن الإنتصار للرأي والانحياز للذات. مع معالجة جريئة للصراع القائم بين دعاة التحديث والمدافعين عن نموذج تراثي عجز عن التجاوب مع معطيات العصر وقضياه الكبرى، من مثل: الديموقراطية، التنمية، الإصلاح، الثورة التكنولوجية. وهي القضايا التي اعتبرت محل خلاف بين الحداثيين والفقهاء الدينيين. خلاف شكل لسنين عدة مصدر حرب مفتوحة أمام المفكر الحداثي والفقيه الديني.
     وهذا ما جعل من مؤلف المفكر "عبد الحسين شعبان"، مقاربة حداثية عكست الوجه المنير للحداثي وللفقيه أيضا. لنستشف نحن أن اللقاء بين التراث والحداثة ممكن، متى كانت الغاية واحدة، وهي الإصلاح والالتحاق بالركب الحضاري، وتنزيل قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان عوض الارتكان إلى الطوباوية والانغلاق على الذات، مما ساهم في تكريس ثقافة التقليد وحالة الجمود
الفكري.

     ولأن رهان المجلس الدولي للحوار الديني والإنساني، ربط جسور المحبة والإخاء مع الأخر، عبر الحوار الداخلي أولا، فما كان لنا أن نتجاوز هذا الإشكال الذي يعتبر من معيقات تحقق نهضة نجاري بها هذا الانفجار المعرفي والتكنولوجي الذي يعتبر من
مقومات التحضر والتقدم. لهذا سعدنا باستضافة المفكر/البروفيسور "عبد الحسين شعبان" : أولا، احتفالا بإنتاجه الفكري المميز.
وثانيا، للاستفادة من تجربته الحداثية التي شاكست الفقيه والفقه ليس جرأة على الدين، بقدر ما هي جرأة فكرية تهدف التجديد من داخل التراث والفقه الدينين.
     وقد حظيت هذه الجلسة باهتمام وسائل الإعلام الدولية، باعتبارها خطوة بناءة لوقوفها عند مقاربة حداثية وموضوعية لموضوع من الصعب الحياد فيه. كما حضر الجلسة نخبة هامة من المفكرين ورجال الدين والديبلوماسيين وعددا من الجالية العربية وممثلي التنوع الديني والثقافي بالعاصمة أوسلو، إلى جانب مشاركة الدكتورة بشرى اقليش، رئيسة المنتدى المغربي لتحالف الحضارات وحوار الديانات ورئيسة المجلس الدولي للحوار الديني والإنساني فرع
المغرب. وقد أغنى الحضور الكريم والمتدخلين الجلسة بمداخلات وأسئلة تمحورت حول:
التراث والحداثة، وآليات قراءة النص الديني القرآني، قراءة حداثية تجعل منه نصا محاورا لاحتياجاتنا، إلى جانب آليات بناء وعي خلاق قادر على عقلنة الظواهر الدينية.
وقد أبدع ضيف المجلس الكريم استنادا إلى موسوعيته المعهودة وتحليله الفينومينولوجي، سواء على مستوى الطرح أو على مستوى التفاعل مع الأسئلة والإشكاليات المطروحة.
وقد واكب حضور البروفيسور عبد الحسين شعبان إلى أوسلو، أنشطة عدة قام بها رفقة الأمين العام للمجلس، شملت لقاءات وحوارات مع أبرز نشطاء الحوار وعبر منظمات عدة تنشط لأجل تنزيل قيم السلم والتعايش والعالم يراهن على المشترك الإنساني لأجل تجاوز
واقع الحروب والصراعات.
     ومن ضمن أبرز اللقاءات، كان لقاء السيد نائب رئيس بلدية أوسلو، الذي أكد بدوره نجاح المدينة والنرويج عموما في احتواء كل الاختلافات الدينية والثقافية، ما عزز قيم السلم والتعايش. الأمر ذاته أكده الفاعلون في المجال من مثل أعضاء مركز التنوع الديني والثقافي بمدينة Drammen وأيضا مدير مركز السلام السلام الدولي.
وإيمانا منه بأهمية المؤسسات الدينية في إنجاح مبادرات السلم والتعايش، حرص السيد الأمين العام للمجلس على إغناء هذه الجولات القيمة، بزيارات لأبرز المؤسسات الدينية بأوسلو:(مساجد،كنائس،دور عبادة...)،إيمانا منه بدورها وأهميتها في نشر الإعتدال
والمفاهيم الإنسانية النبيلة الكفيلة بسد فجوات الصراع.
وقد اختتمت هذه الجولات الإنسانية، بزيارة إلى متحف نوبل للسلام بأوسلو، الذي يضم قاعة خاصة بالشخصيات المؤثرة الحاصلة على جوائز نوبل للسلام.وهنا كانت وقفة إنسانية استشعر فيها الجميع أهمية شيوع ثقافة السلم والسلام ودورها في صون كرامة الإنسان
وقيمته.
     وتأتي دائما هذه الأنشطة في إطار فلسفة المجلس القائمة على المساهمة في تدبير الإختلافات عبر الانفتاح على كل ما يساعد على تنزيل القيم الإنسانية إلى الواقع باعتبارها مطلبا كونيا والعالم يعيش على إيقاع الحروب والتناحرات الإيديولوجية.

 
 
 
 
 

2

الرابطة  العربية للقانون الدولي تدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته بشان العدوان على غزة

 

عبد الحسين شعبان

8 اغسطس / آب 2022
أدانت الرابطة العربية للقانون الدولي العدوان "الإسرائيلي" على غزة والذي أودى بحياة نحو 50 شهيدا وأكثر من 350 جريحا من المدنيين الأبرياء.
وناشد الأمين العام للرابطة المفكر والاكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان في اتصال بـ(المستقلة) المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته لوقف العدوان واستخدام جميع الوسائل المشروعة التي يتيحها القانون الدولي لمعاقبة "إسرائيل".
وقال شعبان وهو احد دعاة اللّاعنف في العالم العربي: أن هذا العدوان السافر هو انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة ولاسيّما للسلم والأمن الدوليين، وهو تأكيد جديد على أن إسرائيل هي بؤرة للحرب والعدوان منذ تأسيسها ولحدّ اليوم، حيث تقوم بمحاصرة غزة منذ العام 2007، كما أنها متهمة بارتكاب إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب ، خلال عدوانها المتكرر في نهاية العام 2008، وبداية العام 2009 والعام 2012 والعام 2014 وسلسلة أعمال عدوانية آخرها العدوان الحالي 2022.
وطالب شعبان باسم الرابطة العربية للقانون الدولي، وباسم آلاف الحقوقيين العرب، وحقوقيو البحر المتوسط، المجتمع الدولي بتمكين الشعب العربي الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وعلى ارض وطنه وإقامة دولته الوطنية المستقلة القابلة للحياة، وتعويضه عمّا لحقه من غبن وأضرار خلال الـ100 عام التي تسبّبت في مأساته منذ إقرار عصبة الأمم انتداب بريطانيا على فلسطين (1922) .
وفي سؤال لـ(المستقلة) عن توجه الرابطة للقيام بفعاليات لنصرة الشعب الفلسطيني، قال شعبان إننا نعمل مع العديد من المنظمات الحقوقية الدولية لإعلاء شأن التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني وإدانة "إسرائيل" وعزلها في المحافل الحقوقية والأكاديمية وفي إطارات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان.
كما أشار الى أن الرابطة سبق لها وأن وجهت رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرتش .
جدير بالذكر أن الرابطة العربية للقانون الدولي الإنساني تضم نخبة متميزة من رجال الفكر الحقوقيين ، وأسسّت قبل عامين ونيّف وتنوي عقد مؤتمرها نهاية العام الجاري.


3

فاطمة أحمد إبراهيم وشيوعية الوجدان

عبد الحسين شعبان


أتذكر أول لقاء لي مع فاطمة أحمد إبراهيم، حين وصلتْ إلى لندن لإجراء عملية بعد سنوات من الاحتجاز والاعتقال، وحجب الحقوق المدنية والسياسية، وكان شعوري أنني أعرفها منذ زمن طويل، فقد تابعت نشاطها بعد استشهاد زوجها الشفيع أحمد الشيخ، عبر عدد من الصديقات والأصدقاء بينهم فتحية زوجة محمد إبراهيم نقد، الذي أصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوداني بعد إعدام زعيمه عبد الخالق محجوب ورفاقه، إثر فشل انقلاب هاشم العطا، وكذلك من صديقي وجاري حيدر الأبجر والأصدقاء الحسن أبا سعيد وعبد الوهاب سنادة ومحمد الأمين وعبد السلام نور الدين وناهد (حمزة) وكمال عبد الكريم الميرغني وفتحي الفضل أمين عام اتحاد الطلاب العالمي وآخرين، وهؤلاء جميعهم كانوا زملائي خلال دراستي للدكتوراه في براغ.
وكنا قد نظمنا أنشطة تضامنية مع الحزب الشيوعي السوداني بعد لجوء الرئيس الأسبق محمد جعفر النميري إلى إعدام قادة حركة الانقلاب، بمن فيهم قادة الحزب، وشنه حملة شعواء ضد الشيوعية، بما فيها إعدام الشفيع أحمد الشيخ زوج فاطمة أحمد إبراهيم، وهو مناضل عمالي معروف وكان رئيساً للاتحاد العمالي في السودان ونائباً لرئيس اتحاد العمال العالمي (براغ)، وكان صديقنا المناضل العمالي قاسم أمين الذي نناديه “عمك قاسم” كثيراً ما يحدثنا عن الشفيع صديق عمره ورفيقه.
وكانت أول فعالية للجنة التضامن التي تأسست إثر المجازر ضد الشيوعيين السودانيين عقد اجتماع حاشد في براغ، كان لي شرف تمثيل العراقيين فيه، واجتماعين تضامنيين في مدينة برنو(مورافيا) وبراتسلافا (عاصمة سلوفاكيا)، شارك فيها كمال عبد الكريم الميرغني، وكاتب السطور في إلقاء محاضرتين حول أهمية التضامن ودوره في وقف القمع ضد الحركة الشيوعية.
لم يكن مسموحاً لفاطمة إبراهيم مغادرة البلاد، فقد وضعت قيد الإقامة الجبرية لمدة عامين ونصف العام، كما تعرضت للاعتقال أكثر من مرة، بل إنها كانت ضيفاً دائما على المعتقل. وقال عنها الرئيس الأسبق محمد جعفر النميري في حينه، تعبيراً عن نهج الحقد والانتقام بعد اعتقالها “لقد تم اعتقال هذه المرأة أم اللسان الطويل والتي هاجمتني وشتمتني”. ووعد بتقديمها إلى “محكمة طوارئ عسكرية ليقذفوا بها في السجن إلى مدى الحياة، إلى أن تموت”.

المحامي أبو جديري

حين وصل المحامي الطيب أبو جديري التقيته مرتين، الأولى مع مهدي الحافظ في اتحاد الطلاب العالمي، واستمعنا إلى روايته عن حركة هاشم العطا وتداعياتها، والثانية مع فتحية التي كانت تسأله باستمرار عن فاطمة، بعد ذلك الصيف الملتهب الذي شهد اعتقالات وإعدامات في السودان. فروى لنا محاولة استدراجها من جانب النميري وجلاوزته، لإضعاف موقفها بالتأثير في صمود زوجها، وكيف واجهت ذلك ببطولة نادرة، وكنت قد سألتها حين التقيتها بعد عقدين من الزمن، عن قصتها المثيرة مع النميري، وقد روت جزءا منها في ندوة عن التعذيب، كنا قد دعينا إليها في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي كنت أترأسها في لندن 1992. فخلال تعذيب الشفيع في معسكر الشجرة، تم إخطارها بالذهاب إلى المعسكر هي وولدها أحمد لتطلب من النميري إيقاف تعذيبه ومنع إعدامه، وكان الغرض واضحاً وهو التنكيل بها وبابنها أمام الشفيع حتى ينهار، لأن التعذيب لم يهده، بل واجهه بشجاعة منقطعة النظير. وكان جوابها “الشفيع لم يرتكب جرماً، ولم يعرف الخيانة طيلة حياته، وأخطِروا الديكتاتور السفاح نميري أنني لن أستجديه لو قطع الشفيع إرباً أمامي، ولو قطعني إرباً، سأبصق بوجهه قبل أن يبدأ بتقطيعي، وخيرٌ للشفيع أن يموت مقطوع الرأس من أن يعيش وهو منكس الرأس”.
وقالت في سردية لها بعد أن روت ما حصل “لقد كان قلبي يقطر دماً”، وواصلتْ حديثها: لقد جاءت عربة فيها جنود لاعتقالي، فأخذتُ أهتف ضد القتلة المجرمين، لأنها أدركت بسليقتها الثورية أنهم نفذوا فعلتهم النكراء وأعدموا الشفيع، فاقتادوها إلى مركز شرطة أم درمان، ثم اتخذ قرار بحبسها في منزلها (إقامة جبرية) مثلما حصل مع نساء الشهداء الآخرين.
وبالعودة إلى أبو جديري فقد عُثر، حين إلقاء القبض على عبد الخالق محجوب، على ورقة بأسماء الوزراء الذين اختارتهم حركة الانقلاب، وبقي وزير العدل شاغراً، فكتب عبد الخالق محجوب بخط يده: يُسأل أبو جديري. فكان ذلك كافياً للبحث عنه بهدف اعتقاله. فاختفى عن الأنظار حتى تمكن من الهرب إلى إحدى الدول الإفريقية، ومنها إلى براغ. وحين التقيت فاطمة إبراهيم بعد سنوات دخلت معها في التفاصيل، وكأننا في تواصل مستمر انقطع لسبب طارئ، وسألتها عن اتحاد النساء الديمقراطي العالمي، الذي أصبحتْ رئيسة له بعد اجتماع مانشستر عام 1991. وقد أعجبت بتحليلاتها واستنتاجاتها واعتدالها، خصوصاً أن الحركة الشيوعية العالمية كانت في حالة انحسار وتراجع، بل تقهقر، وجئنا على أزمتنا الخاصة والعامة، وبيروقراطية المنظمات الدولية، التي أطلقنا عليها “ديمقراطية” وتبعيتها وازدواجية معاييرها أحياناً، وفساد بعض حواشيها، وعدم تقديرها لواقع بلداننا، وتلك مسألة شملت الطلبة والشبيبة والمرأة واتحاد الصحافيين العالمي ومجلس السلم العالمي وغيرها.

عائلة دينية

أخبرتني فاطمة أنها تنتسب إلى عائلة دينية، فجدها لوالدها كان قاضياً في عهد المهدي قبل الاستعمار، وجدها لأمها كان نائبا له، أما والدها فكان متعلماً، ونشأت في بيت يرعى العمل والعلم. وأخبرتني فاطمة أن جدها لأمها قام بخطوة جريئة، حين أدخل أمها وأخواتها في مدرسة البنين الوحيدة للبنات في السودان التي كان مديرها، ثم ألحقهن بمدرسة الإرسالية الإنكليزية الوسطى للبنات في مدينة الخرطوم، وهكذا أصبحت والدتها أول امرأة سودانية تتحدث الإنكليزية.
وكنت قد أعلمتها أنني أيضاً أنتسب إلى عائلة دينية كذلك، لها موقعها في حضرة الإمام علي في النجف، وأن الكثير من أبناء العوائل الدينية انخرطوا في التيار اليساري، وكان الكثير منهم يشاركون في المناسبات الدينية، خصوصاً في عاشوراء حيث تقام المواكب الحسينية، إضافة إلى ميلاد النبي ووفاته وغيرها من المناسبات، نظراً لرمزيتها، وذلك في فترة الأربعينيات والخمسينيات في نوع من المصالحة مع المزاج الشعبي، وأشارت من جانبها إلى أن الكثير من القيادات الشيوعية السودانية كانت تؤدي الفرائض الدينية، وهو ما عزز من تغلغل الحزب الشيوعي السوداني في الأوساط الشعبية الكادحة.

ارتباط روحي

وسألتها متى ارتبطت بالشفيع؟ فقالت في عام 1966 وأنجبت منه ولداً وحيداً “أحمد” وقد أُعدم زوجها بعد خمسة أعوام فقط. وقد أقسمَتْ ألا يدخل عليها رجل من بعده. وعن زوجها قالت إنه سجن في جميع العهود: في عهد الانتداب البريطاني، وفي زمن الجنرال عبود، ثم أعدم في ظل نظام جعفر النميري. وكانت فاطمة إبراهيم قد انضمت إلى الحزب الشيوعي السوداني عام 1954 وأصبحت بعد فترة عضواً في اللجنة المركزية، كما ترأست الاتحاد النسائي عام 1956-1957 وأصدرت مجلة باسم “صوت المرأة” التي رأست تحريرها.

أول برلمانية في الشرق الأوسط

تُعتبر فاطمة إبراهيم أول سيدة تُنتخب عضوا في البرلمان بعد انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1964، حيث جرت الانتخابات في مايو/أيار 1965 وبفضل جهودها وجهود الحركة النسائية واليسارية نالت المرأة السودانية بعض الحقوق منها، الحق في الانتساب للقوات المسلحة وجهاز الشرطة وممارسة القضاء والأعمال التجارية، كما تم إلغاء ما يسمى “بيت الطاعة” الذي هو دليل انصياع وتسيد.
تمتاز فاطمة بحفظ الشعر، وهي مستعدة خلال جلسات صداقية لمطارحات شعرية لأنها تحفظ الكثير منه، وهو ما حصل في منزلنا في لندن. وبالمناسبة فهي شقيقة الشاعر المعروف صلاح أحمد، الذي ترك موقعه سفيرا في الجزائر ليعقد مؤتمراً صحافياً يندد فيه بسياسات النميري واضطهاده للشيوعيين، وانتقل على إثرها إلى باريس، وقد توفي في عام 1993. وكانت فاطمة شديدة الحزن على وفاته، مستقبلة عدداً من الزوار الذين وفدوا لمواساتها. وهي تكبره بعام واحد، حيث ولدت عام 1932 وتوفيت عام 2017.
كانت فاطمة قد تفرغت في التسعينيات للعمل النسائي والحقوقي، وكرست جل جهودها لهذا الميدان، وقد قررت العودة إلى الخرطوم في عام 2006 بُعيد الاتفاق الذي تم بين الحكومة السودانية برئاسة عمر حسن البشير، والتجمع الوطني السوداني المعارض، ولكن الأمور لم تكن سهلة فقد تصدع الاتفاق بعد فترة وجيزة من التوقيع عليه، وعادت الأوضاع إلى مواقعها القديمة، حيث استمر نهج الاستبداد السياسي والديني الذي شرعه النميري قبل الانقلاب عليه، وواصلته الحركة الانقلابية التي كان منظرها حسن الترابي وجنرالها عمر البشير.
كنت قد دعوتها أكثر من مرة لحضور فعاليات المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، وكان أحدها في عام 1992 وهو عن واقع التعذيب في العالم العربي، تحدث فيه خمس شخصيات، بينهم سيدتان الأولى فاطمة أحمد إبراهيم والثانية فاطمة الطالقاني “عراقية” التي أفصحت للمرة الأولى عن جزء مما تعرضت له من تعذيب، وكانت الطالقاني قد تعرضت للتعذيب في مطلع الثمانينيات في بغداد، وقصتها من أشد قصص التعذيب وأعقدها التي سمعتها في حياتي، وكم بودي لو تمكنتْ من تدوينها كاملة. وفي مكان آخر من هذه السرديات كنت قد تناولت كيف تأثرت فاطمة أحمد إبراهيم بوفاة الصديق الدكتور عبد الوهاب سنادة، حين ألقيت كلمتي وجئت على ذكر تلك الفترة الخاصة من النضال.
نالت فاطمة إبراهيم في عام 1993 جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنحت دكتوراه فخرية من جامعة كاليفورنيا 1976، كما حازت جائزة مؤسسة ابن رشد (ألمانيا) وكان للصديق حامد فضل الله (السودان) ولي شرف ترشيحها لنيل الجائزة، بصفتنا أعضاء في لجنة التحكيم، وإن كانت قد حصلت عليها في دورة لاحقة.

كاتب عراقي

4
كان يأمل العودة إلى بغداد، لكن مسار الأحداث اتجه إلى المزيد من التضييق على الحركة الشيوعية واليسارية، بل إن السبل ضاقت حتى على العديد من قيادات وكوادر  الحزب الحاكم، الذي خسر ثلث قياداته والعديد من كوادره المعروفة، وذلك بعد أن استفرد صدام حسين بالسلطة، وإثر مجزرة "قاعة الخلد" في العام 1979 . وكان أحد مجسّاته هو الموقف من حركة خان النص العام 1977 التي تم قمعها بشدّة وزاد الأمر بتعميم الإرهاب، وأتذكّر بأنني استلمت منه أكثر من رسالة قبل مغادرتي إلى العراق ينتقد فيها موقفنا، وهو الموقف الخاطئ الذي تورّطنا به، وكان هناك في صفوفنا من هو متحمّس أكثر من الحكومة في قمع الحركة الدينية الاحتجاجية.
حين حصلت الحرب العراقية – الإيرانية، كان موقفه ضدّ اندلاع هذه الحرب ولم يعوّل على استمرارها للإطاحة بالنظام القائم كما وقف ضدّ أي محاولات لاختراق الأراضي العراقية. وأتذكّر رسالة وصلتني منه تعليقاً على كتابي "النزاع العراقي – الإيراني" (1981 ) مفادها: أن هذه الحرب لا مصلحة لنا فيها والمتحاربين من قيادات البلدين كلاهما ضدّنا ولكن الضحايا من الطرفين هم الذين يعنوننا. وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية، كان بصراحة ضدّ المشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبره يمثّل خطراً على المستقبل.
ومثلما كان ضدّ غزو الكويت العام 1990 فلم يكن موقفه مع غزو العراق من جانب الولايات المتحدة وقوات التحالف، وقد عبّر عن ذلك بأشكال مختلفة منها في الندوة التي تم تنظيمها لي في استوكهولم (أيلول/ سبتمبر 1990 ). وبقدر ما كان قريباً من التوجهات السياسية لحركة المنبر الشيوعي حينها، لكنه كان يعتبر أن العديد من قياداته لا تختلف عن القيادات التقليدية الأخرى، وإن كان بعضها متقدماً فكرياً واجتماعياً وثقافياً، لكنها بالمعنى السياسي من ذات القماشة ومن مصنع واحد، لذلك شكّك بنجاحها على الرغم من إعجابه بما كان يصدر عنها من مواقف حرّكت الساكن والمسكوت عنه وأثارت جدلاً واسعاً، كما كان حساساً إزاء الانتهاكات والتجاوزات . وكان يناقشني على العديد مما أكتبه من أعمدة كانت هي الأخرى ليست متفائلة بالمستقبل وتضع علامات استفهام كثيرة.
خلال زيارتي تلك للسويد دعاني وثلاثة أو أربعة أصدقاء كما أتذكر بينهم جورج فرانسيس ورياض البلداوي وصباح بوتاني إلى سفرة بالباخرة لثلاثة أيام من ستوكهولم إلى هلسنكي "فيلندا"، وخلال تلك السفرة الممتعة لم يترك قضية إلّا وناقشها معي بما فيها نقد بعض توجهاتنا ومواقفنا، وقد التقيت بتلك الرحلة صديق العائلة الحميم عبد الغني الخليلي الذي أصرّ عليّ أن يضيفني لثلاثة أيام في منزله، وقد استمعت إلى معاناته، حيث تم تهجيره وعائلته إلى إيران بحجّة التبعية الإيرانية ، وقد جئت على ذكر ذلك في كتابي الموسوم "من هو العراقي؟"، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 2002 ، حيث نشرت شهادته، كما شكا لي مرارته من بعض الأصدقاء بمن فيهم المقربين، وقد بكى أمامي أكثر من مرّة، فالخليلي عاطفي جداً وحساس جداً وصادق جداً، وأتذكر أنه جاء إلى براغ في النصف الأول من السبعينيات، لكنه ظلّ لثلاثة أيام يبكي ثم قطع سفرته وعاد إلى بغداد ولم تنجح مساعينا جعفر ياسين وأنا من ثنيه عن العودة ومحاولتنا تهيئة الظرف المناسب لإخراجه من الواقع الذي كان ضاغطاً عليه. والتقينا هو ولؤي وأنا أكثر من مرّة، وبصحبة آخرين أتذكّر منهم الروائي إبراهيم أحمد وصباح بوتاني الذي أبلغني أن أحد أركان السفارة العراقية الذي ترك العمل منذ نحو 4 سنوات يودّ اللقاء بي وهو صديق قديم وعرفت أنه الصديق عبد الأمير أبو طبيخ الذي التقيت به بالفعل بعد استشارة لؤي أبو التمّن، وكان شديد الحذر خشية من معرفة النظام مكان سكنه أو حركته، وبالمناسبة فأبو طبيخ أصبح سفيراً للعراق في تركيا بعد الإحتلال.
لؤي والفايسبوك
حين برع لؤي في الكتابة على الفايسبوك، كان يقول لي تصوّر بعد ساعة هناك من يردّ عليّ وكأن هناك من تخصّص بالترصّد، فقلت له لا تستجيب للردّ والردّ على الردّ لأنك ستكون الخاسر الأكبر، فسوف يغلبك عشرة أو خمسة عشر، حتى وإن كان رأيك سديداً، لكنّهم سيردّون عليك ﺑ 20 مرّة أخرى وهكذا حتى تتعب وتستسلم للأمر لأنه ليس ذا جدوى. قل ما تريد ودعهم يقولون ما يريدون دون أن تعطيهم الفرصة للاستمتاع بإيذائك وعامل المسألة بالإهمال وعدم الاكتراث. ولعلّ ذلك قبل أن تنشأ الجيوش الإلكترونية المدفوعة الأجر، وكان يقول لي أفعل ذلك، لكنني أريد أن أوضح أحياناً، فأستجيب ولكن بعدها أندم. ثم ردّد عليّ قولاً للإمام علي " ما جادلت عالماً إلّا وغلبته وما جادلت جاهلاً إلّا وغلبني".

احترام النفس
كلما يرد ذكر لؤي أبو التمّن على لسان من يعرفه حتى وإن كان لا يحبّه أو ضدّه، لكنه سيضطرّ لإبداء الإحترام له، لأنه شخص محترم، وفي تعزية للصديق محمد دبدب بوفاته قال أنه: إنسان محترم ونظيف وعقلاني، وهو ما كنت أسمعه عنه من عدد من البعثيين والقوميين، ناهيك عن الشيوعيين حتى وإن اختلفوا معه، وقد سمعت من كريم الملّا وآخرين الكثير من الإشادات به وكنت قد عاتبت كريم الملّا في براغ في أواسط السبعينيات كيف سمحوا لحسن المطيري وهم يعرفون أنه جلاداً أن يجلس معنا وكيف لم يتدخّلوا لإطلاق سراح لؤي أبو التمّن إذا كانوا يزعمون أنهم نقابة، حتى وإن اختلفنا سياسياً أو في المواقف، وكان جوابه أن المطير منسّب من القيادة ونحن حزبيون نلتزم بما تقرّره القيادة حتى وإن كان لنا رأي آخر، فإننا نحرص على عدم إظهاره، ونظنّ أن مدرستكم هي الأساس في ذلك، في محاولة الإشارة إلى كتاب لينين: ما العمل؟ وهو الذي يُعنى بالتنظيم وقد صدر في العام 1903. ويقصد بذلك الضبط الحزبي وخضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا والتنفيذ اللّاشرطي للتعليمات حتى وإن كان للرفيق رأي آخر.
 وهو الأمر الذي استعدته أكثر من مرّة بعد الاحتلال العام 2003 مع الصديق محمد دبدب، سواء في بغداد أو عمّان، وكان دبدب كلما جئنا على ذكر لؤي أبو التمّن أو حسين سلطان كان يشيد بهما وبمواقفهما ويأسف لما حصل من تصدّع في العلاقات، ولكن كما يقول المثل العربي الشهير: "سبق السيف العذل"  كما يقال، فالمحذور قد حصل، واستمرّت محنة العراق من الدكتاتورية إلى الاحتلال وتوابعه.

حزب أبو التمّن
بعد الاحتلال عاد لؤي إلى العراق والتقى العديد من الأصدقاء القدامى، وكانت موجة تأسيس للأحزاب الجديدة قد سادت بما فيها لأسماء أحزاب قديمة، وقد بادرت بعض الشخصيات إحياء ذلك على الرغم من اختلاف الظروف، فقد شكّل نصير الجادرجي حزباً باسم "الحزب الوطني الديمقراطي"، حيث كان والده كامل الجادرجي رئيساً للحزب منذ تأسيسه العام 1946 ، وشكّل مجيد الحاج حمود حزباً آخر بالاسم ذاته أسماه الحزب الوطني الديمقراطي،  وأضاف له الأول ، وشكّل السيد مقتدى الصدر تيّاراً استند فيه على إرث والده السيد محمد صادق الصدر، وأعلن عمّار الحكيم لاحقاً عن تيار باسم "الحكمة" بعد أن تولّى مسؤولية المجلس الأعلى خلفاً لوالده السيد عبد العزيز وعمّه السيد محمد باقر الحكيم ، كما أصبح دور محمد رضا السيستاني نجل المرجع الكبير السيد علي السيستاني كبيراً، بل أن له القول الفصل في العديد من القرارات الهامة التي تتعلّق بتشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، وكذلك في بعض القرارات الأخرى.
ولم يخفِ الحزب الديمقراطي الكردستاني موقع العائلة البارزانية التي يقف على رأسها الزعيم الكبير مصطفى البارزاني في تأسيس وقيادة الحزب كجزء تاريخي من الحركة الوطنية الكردستانية، فاستمرّ مسعود رئيساً للحزب وأصبح رئيساً للإقليم ومن بعده نجيرفان البارزاني إبن أخيه إدريس كما أصبح مسرور نجل مسعود رئيساً للوزراء بعد أن كان رئيساً لجهاز المخابرات. ليس هذا فحسب، بل إن عائلة الطالباني التي كانت تنتقد الحزب الديمقراطي الكردستاني لعشائريّته اتجهت هي الأخرى إلى تكريس زعامة العائلة، فأصبح دور هيرو خانم بارزاً، إضافة إلى نجلي جلال الطالباني الرئيس السابق وكذلك بقية أفراد العائلة، خصوصاً وقد تعزّز دور العشيرة على مستوى الدولة وفي مواقفها في ظلّ نظام المحاصصة الطائفي – الإثني.
في هذه الأجواء هناك من جاء يفاتح لؤي أبو التمّن ليُنشئ حزباً باسم "حزب الوطني العراقي" الذي ترأسه جدّه محمد جعفر أبو التمّن العام 1922 بعد أن قاد جمعية حرس الإستقلال في العام 1919 وساهم في ثورة العشرين، وبعد فشلها هرب إلى إيران، ولكنه عاد إلى العراق بعد تأسيس الدولة العراقية وتولي الملك فيصل الأول العرش، كما تعاون جدّه مع ياسين الهاشمي وناجي السويدي في تأسيس حزب الإخاء الوطني العام 1930 .
كان كلّ من يأتيه يسمع منه ويحاول مناقشته ولم يستطع أحد إقناعه للإنخراط في العملية السياسية القائمة على المحاصصة، بل كان يردّد مع نفسه كما أخبرني عبر الهاتف مثلاً مشهوراً قائلاً "عرب وين طنبورة وين"، وخاطبني:  فهؤلاء يريدون بعد رحلة حافلة بالتجريب والشك والحداثة والنقد أن أعود القهقري لأقبل بكوني وريثاً لحزب جدّي الذي لم أره أصلاً، فقد توفّي وأنا في المهد. وتاريخه غير تاريخي و قناعاته غير قناعاتي، على الرغم من إعجابي بآرائه وبالدور الذي لعبه، لكن الظروف تغيّرت والامكانات اختلفت وطبيعة الصراع تعقّدت.
ولذلك رفض جميع الدعوات، تلك التي حاولت إقناعه بدخول العملية السياسية أو تشكيل حزب أو العودة للعمل السياسي أصلاً، فقد تخلّى عنه طواعية، حتى وإن بقي يتابع ويحلّل ويُبدي رأياً، لكنه خارج الرأي المسلكي السياسي الضيّق.
 عاد من رحلته إلى بغداد أكثر همّاً وشعوراً بالإحباط والقنوط، وظلّ على هذه الحال ولم يمتلك أي أوهام حول تقدم الوضع أو حدوث انعطافات في الحياة السياسية، خصوصاً تردّي الأوضاع في ظلّ دستور قائم على المكونات.
وأخبرني أن أكثر من دعوة وصلته للترشّح للانتخابات، لكنه رفض قائلاً كيف أقبل بالاحتلال الأمريكي وبدستور قائم على التوافق الطائفي – الإثني وبمعاهدة تفرض شروطاً على العراق بالهيمنة الأمريكية، وذلك منذ مناقشة موضوع الانسحاب الأمريكي من العراق. وقد وقف بشدّة ضدّ حملة التطهير الطائفي في العام 2006 إثر تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي، وكانت الطائفية في كلّ حياته آخر همٍّ له، فقد ظلّ حالماً بالحريّة والعدالة الأساس في مواطنة عادلة ومتكافئة.
ثلاث مواصفات
ثلاث سمات يمكن أن أختتم بها هذه السردية الاستعادية على الرغم من وهن الذاكرة أحياناً:
 أولها – وطنيّته الأصيلة، فعلى الرغم من كلّ ما حصل له لم ينس دروسه الأولى في العمل السياسي، وهو حب الوطن والتضحية في سبيله، وما الانتماء السياسي سوى السبيل إلى ذلك، واستناداً إلى ما تقدم لم تدفعه عذاباته وما تعرّض له في قصر النهاية إلى التعاون مع قوى لا تضمر الخير لوطنه مهما كانت ادعاءاتها، وظلّ يقظاً وحذراً إزاء تلك المحاولات، سواء أيام الحرب العراقية – الإيرانية أو خلال فترة الحصار الدولي الجائر، أو عشية وبعيد احتلال العراق.
وثانيها – عروبته الطافحة، فقد تطوّع بعد نكسة حزيران / يونيو 1967 مع المقاومة الفلسطينية، وظلّ داعماً لها على الرغم من ملاحظاته حول نقاط ضعفها وتخفيض سقف نضالها . وعلى الرغم من ميله لحلول واقعية حسب توازن القوى، لكنه لم يكن مع اتفاق أوسلو الذي يعتبره لا يمثل الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل هو تنازل بالمجان عن حتى معايير الحدّ الأدنى والذي هو قرار الأمم المتحدة لعام 1947 ، والذي تجاوزته "إسرائيل" بالكامل، خصوصاً بعدوان  العام 1967 ، ولاسيّما باحتلالها القدس. ولم يكن لؤي مع بعض الأعمال التفجيرية أو الانتحارية التي تستهدف المدنيين، وكنا قد تناقشنا أكثر من مرّة حول ضررها قياساً بما تحققه، ناهيك عن خسارة جزء من الرأي العام الدولي المشوّش أساساً والملتبس في مواقفه إزاء القضية الفلسطينية.
 وثالثها – مدنيّته وإنسانيته، فقد كان حضارياً يقرّ بحق الاختلاف ويأمل في قيام دولة تحترم حقوق الأفراد والجماعات. ينعم فيها الجميع بالحرية والعدل، وهما الأساس الذي كان يحلم به، يضاف إلى ذلك سلوكه الاجتماعي المتمدّن واحترامه للآخر، وخصوصاً للمرأة، وكان من أكثر الداعيين لحقوقها وتمكينها.
ويمكنني أن أقول أن لؤي كان معتدّاً برأيه ويحاول أن يعبّر عنه في كلّ الظروف والأحوال بشجاعة واجتهاد وقناعة . لم يكن ممالئاً أو مداهناً أو باطنياً، بل على العكس من ذلك كان صريحاً وواضحاً وجريئاً أخطأ أم أصاب، وفي العديد من المرات كان يراجع نفسه ويغيّر موقفه وكثيراً ما ضحكنا على بعض مواقفنا. وبقدر ما كان يحاول تشكيل رأي خاص به ومراجعته ونقده بين حين وآخر، فإنه في الوقت نفسه كان يحترم الآخر ويحاول أن يستمع إليه ويتفاعل معه. ودائماً ما كان يردّد لا يُفسد في الودّ قضية.
وقد تعزّزت تلك القيم الوطنية والعروبية والإنسانية لديه، سواء حين كان شيوعياً أو بعدما ترك العمل السياسي وانشغل بالعمل العام، وذلك ما يؤكد معدنه الأصيل ومروءته وشهامته التي تكاد تكون إجماعاً حتى لمن يختلف معه في التوجّه والموقف. 
 

5
لؤي أبو التمّن
وتراجيديا العزلة "الذهبية"

عبد الحسين شعبان


رسم توضيحي 1 : ابراهيم أحمد، وعبد الغني الخليلي، و شعبان، ولؤي أبو التمن، وصباح بوتاني
نشرت في جريدة الزمان (العراقية) على حلفتين الأولى يوم السبت 5 شباط / فبراير والثانية يوم الأحد 6 شباط / فبراير 2022 . 

   أخيراً ارتاح لؤي أبو التمّن في مرقده. رحل بهدوء تام. لم يقاوم ولم يتحدَّ ولم يعاند ولم يساجل ولم يجادل ولم يناقش كما اعتاد طيلة حياته، وهو الشخصية الاجتماعية المحبوبة والمهابة والقائد الطلابي الستّيني، فقد ارتضى التعايش مع ذلك الزائر الغريب طيلة سنوات، بل أنه استضافه إلى منزله ودخل معه في حوار صامت. كان أحدهما ينظر إلى الآخر بحذر شديد وحيرة في أحيان كثيرة. لم يحصل اشتباك بينهما، سوى تلميحاً أو إشارة، إلّا أن الكلمة السحرية الأثيرة الوحيدة التي كانت تطوف في المكان متى؟ ثم متى وأخيراً متى حتى جاء كانون الثاني / يناير 2022.
كان لؤي أبو التمّن (فرات) فرض على نفسه عزلة طويلة قبل اجتياح وباء كورونا، فاتجه إلى زاوية يتأمل فيها ما يجري وقرّر الابتعاد مُلملماً بعضه إلى بعضه من كثر ما شاهد من ترّهات وزيف وسمع الكثير من اللغو والاجترار، خصوصاً وقد أصبح ذلك "الغالب الشائع"، وهو الذي كان يبحث دائماً عن "النادر الضائع".
ترك أمره إلى ذلك الضيف الذي سيقرر تلك "المتى" ويقبض الروح ويعلن الخبر، لكنه وهو في هذه الحال ظلّ معلّقاً بأحلامه الكبيرة: الحريّة والعدالة، تلك الأحلام التي هي "الحقيقة الوحيدة" التي لا تنضب ولا تنتهي أو تتوقّف، حسب المخرج الإيطالي فريدريكو فيلليني، وكان صوته يأتيني بين الفينة والأخرى، فيزيد من أحزاني. وكنت أنقطع عنه أسابيعاً أو أشهراً كي لا أسمع نبرة التأسّي والضعف الانساني حتى وإنْ كان فائقاً، لكنني لا أستطيع إلّا أن أعاود الاتصال، وكأننا كنا نتحدث قبل يوم أو يومين، فأراه متابعاً ومنشغلاً وكأننا نتواصل في حوارنا الذي لم يتوقف.
خبر مثل صاعقة
   نزل عليّ خبر رحيل أبو التمّن نزول الصاعقة. وعلى الرغم من أنني كنتُ متابعاً لأوضاعه الصحية ولعزلته، فهو لم يغادر المنزل تقريباً منذ قرابة 4 سنوات إلّا أن وقع الخبر كان صادماً. وكنّا قد اتفقنا على اللقاء في ربيع العام 2020 ، لكن اجتياح وباء الكورونا حال دون ذلك، وهكذا تغيّرت البرامج وتعطّلت الحياة الطبيعية وتبدّل كل شيء تقريباً، واتفقنا أخيراً على الصيف القادم، لكن القدر الغاشم كان أسرع منّا، وها هو يغافلنا وكأنه يتلصص على أخبارنا وما اتفقنا عليه ليسبقنا إلى حيث قرب موعد "المتى"، ليخطف أعزّ الأصدقاء وكأنه يقف لنا بالمرصاد أو كما يقول الجواهري الكبير :
      جهمٌ يقيم على مدارجنا / وعلى صدى أنفاسنا حرسا

   نعم إنه "الذئب" الذي ظلّ يترصّدنا لسنوات غير قليلة، فقد أفلح أخيراً في اقتناص فريسته الثمينة، خصوصاً حين ترجّل الفارس ، بل أنه تقدّم من ذلك الزائر الغليظ الذي يأتي مواربة ليدعوه للتفاهم بكلّ كبرياء وليصافحه وليعلن أمامه أنه اتخذ قراره ولا رجعة فيه وليس هناك من داعٍ للمخاتلة أو المراوغة، فلم يعد يحتمل ما هو قائم لكثرة ما عرِف وخبِر من تجارب ومِحن، ناهيك عن اللّاجدوى من المواجهة.
   كلّما رحل صديق أشعر أن قطعة من قلبي تُقتطع وليس من ذاكرتي وحسب، فما بالك بصديق أثير مثل لؤي أبو التمّن. ولعلّ ذلك ما كتبته سريعاً للصديق جمال صفر الذي أخبرني بعد لحظات من وفاته عن وقوع الحدث الجلل، وأراد مشاطرتي الحزن والأسى، وكم تمنّينا لبعضنا البعض حياة خالية من المكاره والأحزان، لكن ذلك سنّة الحياة، وكما ورد في القرآن الكريم "فكل من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام"  (سورة الرحمن – أية 26 )، ويبقى الموت الحقيقة المطلقة التي لا مردّ لها.
صداقة العمر
   في أواخر العام 1964 تعرّفت على لؤي أبو التمّن وكنّا ما زلنا في بدايات حياتنا الجامعية، وكان الصديق الراحل صادق الحسني البغدادي (أبو وسام) رابطة التعارف بيننا، وأخبرني حينها أن لديه آراءً وانتقادات هي أقرب إلى ما كنّا نناقشه بعد عودة الحسني البغدادي من إيران التي اضطرّ الهروب إليها بعد انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 ، وقد اصطحبه إلى تلك الرحلة الأثيرة الشيخ وهاب شعبان المرشد في حضرة الإمام علي وذو التاريخ الشيوعي العريق، والذي أصبح لاحقاً أحد أصدقاء لؤي أبو التمّن أيضاً، مثلما ظلّ الصديق فلاح الصكر يسأل عنه منذ أن تعرّف عليه حين جاء معزّياً باغتيال الشهيد ستار خضير العام 1969 ، وذلك خلال اللقاء به في شارع الرشيد.
   ومنذ اللقاء الأول شعرت أنني أمام مشروع صديق باهر بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وتعمّقت علاقتي به من خلال عدد من الأصدقاء الآخرين بينهم الصديق كاظم عوفي البديري الذي كان معه في كلية التجارة ورياض محمد وفيما بعد د. رياض البلداوي وآخرين ، وكانت النيّة في تلك الفترة تتجه لإعادة تأسيس اتحاد الطلبة العام بعد ما تعرّض له من هجوم شرس من جانب انقلابيّ 8 شباط / فبراير 1963  وجماعات الحرس القومي، خصوصاً وقد تم اعتقال العديد من منتسبيه واغتيل تحت التعذيب عدد من مسؤوليه بينهم محمد الوردي وفيصل الحجاج وصاحب المرزة وآخرين.
وكان قد نشط بهذا الملف مهدي الحافظ بعد عودته سرّاً إلى بغداد من براغ في مطلع العام 1965 ، حيث تهيأت الظروف لعقد اجتماع في أواخر العام 1965 ، خصوصاً بعد إعادة توزيع القوى إثر تغييرات حصلت داخل الحزب الشيوعي، باستبدال خط آب (1964 ) بسياسة جديدة أساسها اعتبار سلطة عارف استمراراً لسلطة البعث حتى وإنْ كانت أخف وطأة من خلال بعض الخطوات الإنفراجية، ولكن من حيث احتكارها للعمل السياسي والنقابي والمهني بما فيه الصحافة وحريّة التعبير ظلّت دون تغيير يُذكر، ناهيك عن استمرار تعقيدات القضية الكردية وعدم التوصّل إلى حلّ معقول بشأنها وتجدّد القتال بين حين وآخر، وتردّي الوضع الإقتصادي بسبب الإجراءات غير المدروسة التي اتخذتها الحكومة في 14 تموز/ يوليو 1964 تحت عنوان "القرارات الاشتراكية" وقادت إلى تأميم مشاريع ومرافق وطنية حيوية بما فيها القطاع المصرفي.
 يضاف إلى ذلك التجاذبات التي تردّدت بخصوص النفط والكبريت وامتيازاتهما الجديدة وما كان يثار من لغط  في المجالس الخاصة، وهو ما سبّب ردود فعل حتى وإن بدت أقرب إلى إرهاصات، لكنها اتخذت بُعداً أوسع فيما بعد، بحيث اضطرتّ قوى من داخل جبهة الحكم القومية (الاتحاد الاشتراكي العربي) للتململ والتمايز عن الاتجاه السائد فيها، وقاد لاحقاً إلى تفكّك الاتحاد الاشتراكي نفسه وخروج قوى من داخله أكثر راديكالية.
الانتخابات الطلابية
   قاد التحرّك السياسي والطلابي بما فيه من داخل قوى قريبة من السلطة إلى إعلان الرغبة في إجراء إنتخابات عامة، وكانت تلك النفحة الليبرالية التي أطلقها الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء انعكست في إجراء "بروفات" لعدد من القطاعات منها قطاع الطلبة، فأجريت الإنتخابات في ربيع العام 1967 ، وفاز فيها اتحاد الطلبة (السرّي المحظور) بنسبة 76 % من المقاعد الإنتخابية في جامعة بغداد على الرغم من الضغوط التي تعرّض لها بعض مرشّحيه، فقد انسحب ممثلوه من كليتي الحقوق والتربية الرياضية (بغداد)، كما فاز الاتحاد ﺑ 100 % في جامعة البصرة و 60 % في جامعة الموصل، وقد عكست نسبة الأصوات الهوّة الساحقة بين فوز الاتحاد الطلابي المحسوب على الحزب الشيوعي وبين واقع القوى الأخرى، وهو ما جئت عليه في مداخلتي عن د. خير الدين حسيب الموسومة: "الرياضة النفسية والمثقف الكوني والكتلة التاريخية" المنشورة في مجلة المستقبل العربي، العدد 454 كانون الأول / ديسمبر 2016.
   وقد لفت هذا الفوز الساحق إلى أن ميزان القوى على الرغم من القرب من السلطة من جانب القوى القومية ليس لصالحها، وهو ما دفع بعض الاتجاهات المتشدّدة لإلغاء الانتخابات في اليوم التالي، بل إن بعض الصحف كتبت "أن القوى الشعوبية بدأت ترفع رأسها من جديد" في إشارة إلى فوز إتحاد الطلبة في الانتخابات. وهكذا تبخّرت فكرة الانتخابات العامة والانتقال إلى الحياة النيابية وإعداد دستور دائم، حتى حصل انقلاب 17 تموز/ يوليو 1968 .
   كان لؤي في صلب النشاط الطلابي خلال وبُعيد الانتخابات الطلابية، بما فيها اللقاء الاحتفالي الذي حصل في مطعم سولاف، وكان ذلك بمثابة لقاء عام حضره عشرات من الفائزين في الانتخابات بموعد مسبق.
انشطار الحزب الشيوعي
   تكثّفت لقاءاتي مع لؤي أبو التمّن (فرات) خلال فترة الانشطار التي حصلت في الحزب الشيوعي في 17 أيلول / سبتمبر 1967 ، حيث قاد الاتجاه المتياسر الجديد عزيز الحاج وبقي الاتجاه التقليدي بقيادة عزيز محمد ، ولا أُخفي القارئ سرّاً إذا قلت أن لؤي كان يترنّح بين الإتجاهين، وهو أمر شمل الكثير من الشيوعيين وأصدقائهم ومنهم كاتب السطور الذي ظلّ موزعاً بين الاثنين، وسبق لي أن أشرت إلى ذلك أكثر من مرّة.
لقد حملت الشعارات الراديكالية جاذبية كبيرة وسط الشباب والطلاب بشكل خاص، وجمهرة الحزبيين وأصدقائهم عموماً، لاسيّما وأنها جاءت بعد هزيمة 5 حزيران / يونيو 1967 ، حيث كان النقاش في صفوفنا قائماً: هل نرفع شعار "كلّ شيء إلى الجبهة" أم "كل شيء من أجل الجبهة" والشعار الأخير رفعته القيادة المركزية للحزب الشيوعي، مشدّدة على الإطاحة بحكم عبد الرحمن محمد عارف، شقيق عبد السلام محمد عارف زميل الزعيم عبد الكريم قاسم في قيادة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 والمشارك في انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 بقيادة حزب البعث، والذي أصبح رئيساً للجمهورية، ومن ثم قاد انقلاب 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 ، وقد توفّي بعد حادث غامض بسقوط طائرته بين مدينتي القرنة والبصرة في 13 نيسان/ أبريل 1966 .
   وأتذكّر تظاهرة القيادة المركزية بمناسبة الذكرى الأولى لنكسة 5 حزيران / يونيو 1967، التي اخترقت شارع الرشيد من الميدان وحتى منطقة "المربعة" قرب مقهى البرازيلية، حيث واجهتها قوى الأمن لتفريقها واعتقلت عدداً من المتظاهرين. ورويت ذلك بشكل مفصّل في مطالعتي عن طارق الدليمي الموسومة "الصديق اللّدود" - كلّما اختلفت معه ازددت محبّة له. والمنشورة في جريدة الزمان (العراقية) على حلقتين، العددان 6588 و 6589 بتاريخ 18 و 19 شباط / فبراير 2020 ، حيث كانت الشعارات اليسارية في ذروتها والحناجر تصدح "باسم القيادة يسقط الحكم العسكري" و "يا فاشي شيل إيدك كل الشعب ما يريدك"، في حين كانت شعارات اللجنة المركزية تؤكد على الجبهة الوطنية الموحّدة (جبهة وطنية لا استعمار ولا رجعية) وإطلاق سراح المعتقلين وحلّ المسألة الكردية وانتهاج سياسة نفطية تعبّر عن مصالح الناس وطموحاتهم.
   وعلى الرغم من تململنا وقلقنا وتردّدنا بالاختيار بين القيادة واللجنة، إلّا أننا في نهاية المطاف وبعد أسابيع من الأخذ والردّ والشدّ والجذب حسمنا أمرنا بسبب ما تبيّن من اختيار القيادة المركزية أساليب عنفية وصبيانية  في التعامل مع الرفاق بعد اعتقالها الرفيقين زكي خيري (لنحو 20 يوماً) و بهاء الدين نوري  (الذي تمكن من الهرب بعد أن جرحت إحدى يديه)، إضافة إلى مبالغات وضجيج إعلامي، بحيث ارتفعت الدعوات للانطلاق من الاهوار للزحف على المدن في خطة أقل ما يقال عنها أنها غير واقعية ولم تأخذ بنظر الاعتبار الظروف والأوضاع السائدة وتوازن القوى، دون أن يعني ذلك التقليل من البسالة والجرأة التي اتسمت بها المجموعات التي كلّفت بذلك.


قيادات اتحاد الطلبة
   انحاز التنظيم الطلابي بأغلبيته الساحقة إلى جانب حزب القيادة المركزية، ولم يبق في صف اللجنة المركزية أو قريب منها أكثر من 10 من الكوادر الطلابية، في حين كان هناك نحو 80 كادراً مع القيادة، إضافة إلى مئات من الأعضاء والأصدقاء، ولكن بالتدرّج بدأ نفوذنا يتعزّز، فتوافد علينا العديد من الرفاق والأصدقاء، بينهم من كان في القيادة المركزية واتحاد الطلبة الموازي، وهكذا بدأ جسم اتحاد الطلبة بالتحسّن والتعافي، علماً بأننا حاولنا لؤي وكاتب السطور الابقاء على الاتحاد موحّداً وقبول كون جماعة القيادة المركزية تمثّل "الأغلبية"، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، خصوصاً وبعض الرؤوس كانت حامية.
   عملنا لاحقاً وبعد أن أصبح الأمر الواقع "واقعاً" لؤي وأنا  في مكتب سكرتارية اتحاد الطلبة الذي ضمّ حسن أسد الشمري ( السكرتير العام وكان محكوماً لعشر سنوات غيابياً، وهو من خانقين ودرس في نفس مرحلتنا في كلية التربية الرياضية، وقد انتخب قبل الانشقاق وبعد الانتخابات الطلابية مباشرة، علماً بأن الشمري هو الآخر ظلّ متململاً لبضعة أسابيع، فعمل مع الرفيق ابراهيم علاوي / مجموعة الكادر ، ولكنه عاد إلى الحزب في حين توجّه ابراهيم علاوي مع تنظيماته إلى القيادة المركزية).
 ومن القيادات الطلابية التي برزت بعد انشطار الحزب آنذاك سعد الطائي  وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وحميد برتو  وسعدي السعيد وفايز عبد الرزاق الصكر وطه صفوك وكانت بساتينهم في الراشدية مأوى لنا ولاجتماعاتنا، خصوصاً الموسّعة،  وكان من النشطاء البارزين مهدي السعيد ورقيّة الخطيب (تزوجت من الكادر الحزبي عزيز حميد وبعد أشهر اعتُقل زوجها وقتل تحت التعذيب في قصر النهاية 1970 ) وشقيقها حمّاد الخطيب وبخشان زنكنة (أم بهار) وناظم الجواهري وزهير جعفر ويحيى علوان ومحمد الأسدي وعلي العاني ومحمود شكارة وكاظم عوفي ومحمد حسن السلامي وشاكر الدجيلي (الذي أصبح عضواً في اللجنة المركزية واختفى قسرياً العام 2004 ) وفلاح وصلاح الصكر (شقيقا الشهيد ستّار خضيّر الذي اغتيل في حزيران 1969 ) ومحمد الشبيبي ومالك حسن وجمال الشمّري ولفتة بنيّان وشيروان جميل بالطة (استشهد العام 1973 مع 12 كادراً شيوعياً واتهم عيسى سوار من الحزب الديمقراطي الكردستاني باغتيالهم بعد أن كانوا عائدين من الدراسة وعبروا الحدود السورية – العراقية من القامشلي ) وعلاء أبو العيس (الذي اعتقل مع سعدي السعيد في بساتين الراشدية) وعطية فاضل (فارسة) ونعمان شعبان ورابحة الناشئ ومن خارج بغداد تنظيمات البصرة وأبرزهم محمد فؤاد هادي (استشهد في بشتاشان 1983 ) ونزار جعفر وسميرة البياتي، ومن الفرات الأوسط كان المسؤول: محمد جواد فارس ( سامي - الحلة) وطالب عوّاد (كربلاء) و عدنان الأعسم (النجف) ومن كردستان نوروز شاويس (السليمانية) و منعم العطار (إربيل – دار المعلمين) وقد قُدّر لي الإشراف على إقامة  اتحاد الطلبة العام في كردستان أيار / 1970 ويعتبر امتداداً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ، حيث حضره 37 مندوباً ، وقد انعقد ليومين بشكل سرّي في دارِ جديدة بمنطقة أزادي، وحضره مندوبين من جامعة الموصل وجامعة السليمانية وطلبة من إربيل وكركوك.
   وقد جرى انعطاف نحونا بعد انقلاب17 تموز / يوليو 1968 والحملة القمعية ضدّ القيادة المركزية، فكان من أبرز الكوادر التي التحقت بنا حميد الظاهر (لطفي) وفاضل العكام (خالد) الذي كان أنشط الطلبة  ولديه نحو 30 صديقاً، وقد اعتقل في قصر النهاية وبقي لنحو عام كامل (1970 – 1971 ) واعتقل مرّة أخرى في الثمينينيات ومكث في السجن نحو سنتين، ورواء الجصاني أصبح من قيادات الاتحاد لاحقاً، كما انضم إلينا مهنّد البرّاك (نوّار) (الكلية الطبية) في نهاية العام 1969  وعزيز حسون عذاب المثقف البارز (كلية الصيدلة) وأسعد تقي زيردهام (كلية الصيدلة) وآخرين لايتّسع المجال لذكرهم.
الوفد المفاوض
   كُلفنا لؤي وكاتب السطور من إدارة الحزب بقيادة الوفد المفاوض مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق الذي ضمّ كريم الملّا ومحمد دبدب وحسن المطيري ورويت في مطالعتي عن كريم الملّا والموسومة "سردية الاختلاف ونبض الائتلاف" والمنشورة في جريدة الزمان (العراقية) في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 .
 اكتشفنا أمر المطير بصفته الوظيفية الأمنية باعتباره الساعد الأيمن لناظم كزار، وقد تم تقديمه لنا باسم الزميل "فيصل"، ثم عرفنا أسمه الحقيقي من الصديق طيب محمد طيب الذي كان يمثل مجموعة المكتب السياسي المنشطر عن الحزب الديمقراطي الكردستاني (وقد عمل لاحقاً في وزارة الخارجية ثم انتقل إلى المعارضة وعاد إلى وزارة الخارجية وأصبح سفيراً بعد الاحتلال) وفاضل رسول ملّا محمود (الذي اغتيل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا 1988 ، واتهمت الأجهزة الإيرانية باغتيالهما، علماً بأنه كان صديق الإيرانيين). وكان "حسن المطيري" يحمل رتبة ملازم أول، وهو من الجلادين  في قصر النهاية المعروف باسم سجن الموت والعذاب. وقد شارك المطير في تعذيب لؤي ، حيث كانت عيناه ويداه موثوقتان وهو مشدود إلى الحائط، ولكنه عرفه من نبرة صوته، فقد بقينا لنحو تسعة أشهر ونحن نخوض مفاوضات وحوارات وهو يجلس معنا ويرحّب بنا بحرارة حين نحضر.
   وأتذكّر مرّة وبعد أن عرفنا حقيقته وكنّا نشكّ أصلاً بوجوده لأنه طيلة الوقت لم يتحدّث ولم نكن نعرف سبباً لوجوده، كما لم يكن لنا أي معرفة به من قبل، مثل الملّا ودبدب وقبلهما حميد سعيد وحتى ناظم كزار الذي تولّى إدارة الاتحاد الوطني بعد 17 تموز / يوليو 1968 مباشرة، ورفضنا اللقاء به، في حين كان المطير غامضاً ومثيراً للشك.
وبعد بيان 11 آذار / مارس 1970 ، حلّ محلّ طيب محمد طيب وفاضل رسول ملّا محمود وصلاح الدين عقراوي، ممثلين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، باسم اتحاد طلبة كردستان، حيث مثله فرهاد عوني الذي كان متعاطفاً معنا إلى حدود كبيرة بعد أن تعرّضنا إلى ضربة موجعة بعد بيان 11 آذار/مارس 1970 ، وعادل مراد الذي أصبح نائباً لكريم الملّا رئيس الاتحاد.
لم يتم التوصّل إلى اتفاق بيننا وبين الاتحاد الوطني لطلبة العراق على الرغم من أننا تجاوزنا نحو 80% من نقاط الاختلاف بشأن البرنامج، لكن شروط الاتحاد لم نكن قادرين على هضمها، أولها – اعتماد إسم الاتحاد الوطني وإلغاء اسم اتحاد الطلبة، وثانيها – استبدال التمثيل الخارجي، وكان لديهم موقفاً سلبياً من مهدي الحافظ، وبخصوص النقطة الأولى قدّمنا أكثر من مقترح، الأول – دمج الاسمين، حرصاً منا على التعاون والعمل الموحد المهني بحيث يكون الاسم "اتحاد الطلبة الوطني في العراق" أو اعتماد الاسم الرسمي الذي جاء بالقانون رقم 97 لعام 1969 ، حيث حدّد الاسم "الاتحاد العام لطلبة العراق"، لكنهم رفضوا المقترحين بشدّة وأصرّوا أن ننضوي تحت لواء الاتحاد الوطني وهو بالنسبة لي وللؤي كان أمراً غير مقبول على الإطلاق، علماً بأن إدارة الحزب لم تكن بذات الحساسية التي نتحدّث عنها نحن العاملان في الوسط ،إضافة إلى العديد من أعضاء سكريتارية اتحاد الطلبة.
واقترحنا أن نختار إسماً جديداً بحيث يكون تأسيس الاتحاد وفقاً للقانون وعلى أساس نقابي ومهني كنقابة موحّدة ويعتمد ذلك على إجراء انتخابات حرّة، سواءً بالاتفاق أو من خلال قوائم مختلفة أو بتحالفات خاصة، ويحتفظ كلّ منّا بتاريخه القديم، علماً بأن اتحاد الطلبة تأسس
كان الملّا ودبدب قد اقترحا استمرار الحوار حتى بعد الانتخابات ونحن لم نرغب بانقطاعه، بل أكثر من ذلك، عرض علينا تمثيلاً في المكتب التنفيذي باسم الطلبة الشيوعيين، لكننا رفضنا تلك الصيغة واعتبرناها تسيساً للعمل المهني والنقابي، وكنّا قد رفضنا عرضاً أكثر "سخاءً" كأن يكون السكرتير العام منا، والرئيس منهم ونائبه كردي ويكون لنا 8 أعضاء من مجموع 27 عضواً (المجلس المركزي) ولهم 12 وللأكراد 5 وللقوميين العرب 2 ، لكن الاتفاق لم يحصل بسبب الإشتراطات التي ذكرناها، إضافة إلى أن رأينا كان "نأخذ ما تأخذون"، أي أن تكون حصّتنا موازية لحصّة الاتحاد الوطني.
 ونزلنا إلى الانتخابات بتحالف مع الحركة الاشتراكية العربية التي ساعدناها في تأسيس "جبهة الطلبة التقدميين" كتنظيم طلّابي، ولم تحصل قائمتنا "المهنية" على أية مقاعد تذكر وحقق الاتحاد الوطني "فوزاً ساحقاً ماحقاً" بسبب تداخلات الأجهزة الأمنية، فحصل على نتائج هي أقرب إلى نتائج الانتخابات في الأنظمة الديكتاتورية  بحوالي 99% من المقاعد الانتخابية، بعد أن كان قد حصل في انتخابات العام 1967 على أقل من 2%، ولذلك شكّكنا بنتائج الانتخابات واعتبرناها مزوّرة، ونشرنا تقريراً موسّعاً وبالأسماء والأرقام للحوادث التي حصلت حينها وقام بإعداده لؤي أبو التمّن وكاتب السطور وبإشراف من الرفيق ماجد عبد الرضا.
    وقد تمت دعوتنا لؤي وأنا لحضور افتتاح المؤتمر ما بعد الانتخابات، فقاطعنا ذلك، وكان اتحاد الطلاب العالمي قد أرسل وفداً لتقصي الحقائق إلى بغداد والتقيناه حميد برتو وكاتب السطور، وزوّدناه بالمعلومات الضرورية التي سبق أن نشرناها على نطاق واسع والتي توضح وجهة نظرنا بشأن تزوير الانتخابات والأساليب التي استخدمت والانتهاكات التي حصلت والتجاوزات التي لمسها الطلبة أمام أعينهم.
وكان قد حضر كجمن من ألمانيا الديمقراطية وفتحي الفضل من السودان (حالياً عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني) وكلاهما من قيادات اتحاد الطلاب العالمي الذي كان سكرتيره العام مهدي الحافظ بعد نوري عبد الرزاق، وقد اصطحبناهما إلى أحد الاجتماعات التي نظّمناها لسكرتارية اتحاد الطلبة في بغداد الجديدة في أحد البيوت، وفي أحد المرّات إلى شارع أبو نواس وفي مرّة ثالثة لمشاهدة فيلم في سينما أطلس. ويمكن مراجعة تفاصيل تلك الفترة في الكتاب الذي حاورني فيه توفيق التميمي (المختفي قسرياً منذ مطلع العام 2020 ) والموسوم "المثقّف في وعيه الشقي"، دار بيسان، بيروت، 2013 .
وكان الحزب قد نظّم كونفرنساً حزبياً أشرف عليه ماجد عبد الرضا حضره حوالي 25 رفيقاً ووفقاً لذاكرتي فإنه انعقد في بغداد الجديدة أيضاً، كما عقد كونفرنساً طلابياً يوم 10 تشرين الأول / أكتوبر 1969 حضره 44 مندوباً في "جزيرة أم الخنازير". ناقشنا فيهما مسألة المشاركة في الانتخابات واختيار قيادة طلابية جديدة بعد سلسلة تغيرات مؤقتة منذ انعقاد المؤتمر الرابع في 28 كانون الأول / ديسمبر 1968 ، وقد جئت على ذلك في كرّاس أصدرته في بشتاشان عن مطبعة طريق الشعب العام 1983 والموسوم "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق".
عضويات شرف
   وعلى الرغم من التباعد الذي حصل فقد منح الاتحاد الوطني لطلبة العراق عضويات شرف إلى 20 شخصية بعثية أو محسوبة عليها و 4 كرد و4 شيوعيين من قيادات اتحاد الطلبة هم نوري عبد الرزّاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمّن وعبد الحسين شعبان، ونقل الخبر عبر التلفزيون وفي الإذاعة وتناولته الصحف أيضاً، وظنّ الكثيرون أنّنا حضرنا المؤتمر ولكن لم يحصل شيء من هذا القبيل، لكن الحوارات استمرت، قبل أن تنقطع إثر حملة اعتقالات ضدّنا واغتيال محمد الخضري وقمع مشاركتنا في مسيرة الاحتفال باتفاقية 11 آذار يوم 21 آذار/ مارس 1970 بمناسبة يوم عيد نوروز.
   كان آخر لقاء حضرنا فيه مع الاتحاد الوطني لؤي أبو التمّن وأنا هو يوم 20 آذار / مارس 1970 ، حيث كان من المقرّر الخروج بمسيرة شعبية يشارك فيها الكرد لأول مرّة وتشترك فيها نقابات واتحادات، إضافة إلى حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني. وعلمنا من إدارة الحزب أن الحزب استحصل على موافقة بالمشاركة، على الرغم من بداية حملة ضدّنا، حيث اعتقل من الطلبة فلاح الصكر ومحمد حسن السلامي و11 طالباً آخر، كانوا يكتبون شعارات تؤيّد اتفاق 11 آذار بين الحكومة والحركة الكردية على الجدران فجر الثاني عشر أو الثالث عشر من آذار/ مارس 1970 .
   وحين أبلغنا قيادة الاتحاد الوطني رغبتنا بالمشاركة في المسيرة في إطار الاتفاق العام، رفضوا ذلك، وأبلغني كريم الملّا ونحن في حديقة الاتحاد بأن المعلومات التي لديه بأنه سيتم التصدّي لنا وتفريقنا في حال محاولتنا المشاركة دون موافقة الدولة كما قال، وقال هذا رأي القيادة، وكانت قيادة الحزب الشيوعي تنتظر نتيجة اجتماعنا، وقد تم تحديد موعدين لنا بعد الاجتماع لمعرفة نتائجه، الأول في الساعة التاسعة مساءً والثاني في التاسعة و45 دقيقة في موقف باص في ساحة الميدان، وفوجئنا بالرفيق باقر ابراهيم (أبو خولة) بانتظارنا، لكي يستمع إلى رأينا وموقف الاتحاد الوطني، علماً بأننا أبدينا مرونة بشأن الشعارات وتأكيد تأييدنا لبيان 11 آذار/مارس، لكن القرار بعدم مشاركتنا كان واضحاً، وقد فوجئ الرفيق "أبو خولة" بردّ الاتحاد الوطني، وأبلغنا قرار الحزب بالحضور في اليوم التالي، وقد ذهب لؤي أبو التمّن مساء ذلك اليوم مع كاظم عوفي لإيقاظ أحد تجار الأقمشة في الكرّادة لشراء قطعة قماش بيضاء قام كاظم العوفي بكتابة الشعارات المطلوبة عليها حسب توجيهات الحزب وجاءا بها صباح اليوم التالي إلى دار الطلبة في باب المعظّم، حيث كان موعد الانطلاق من الميدان.
اغتيال محمد الخضري
   في صبيحة اليوم التالي أي 22 آذار / مارس 1970  نشرت الصحف خبر اختفاء محمد الخضري، حيث تم العثور على جثّته قرب مدينة بلد (80 كلم عن بغداد) وقد طرّزت ﺑ 22 إطلاقة وعليها آثار تعذيب. وكان ممثّلاً عن القائمة المهنية للمعلمين، وأتذكّر تعليق لؤي أبو التمّن ونحن في التظاهرة، حيث كان العديد من إدارات الحزب الشيوعي يتوافدون للحضور. بينهم عامر عبدالله وزكي خيري وحسين سلطان وباقر ابراهيم وآخرين، على اختفاء الخضري قوله: من سيكون القادم؟ وكان صاحب الحكيم سألني حينها هل صادف أن لمحت محمد الخضري (أبو عادل)، قلت له طرق سمعي أنه تم العثور على جثته في مدينة بلد ففوجئ بذلك، ودار همس بين الرفاق خلال التظاهرة الحاشدة، وقبل أن نتحرّك من ساحة الميدان كان الهجوم عليها شديداً لتفريقها بعد عزل إدارة الحزب عن قاعدته، وكاد لؤي أن يعتقل بعد أن حاول أن يتصدّى لأحد المهاجمين، لكن عدداً من المتظاهرين سحبوه إلى طرفهم وهكذا تم التفرّق وحاولنا التجمع قرب ساحة حافظ القاضي، لكن محاولة التفريق كانت أشد هذه المرّة، فانسحبنا ولم نعاود الكرّة.
 جدير بالذكر أن وفداً ضمّ لؤي أبو التمن ومحمد النهر وأحمد الحكيم (الذي اعتقل بعد أيام)  وكاتب السطور طاف على جريدة الثورة وجريدة الجمهورية وجريدة بغداد أوبزيرفر والإذاعة والتلفزيون وهو يحمل مذكّرة بتأييد بيان 11 آذار / مارس 1970 باسم "جماهير بغداد"، وانطلقت المجموعة من مجلة الثقافة الجديدة (الباب الشرقي – قرب سينما الخيّام) وهو ما رويته بالتفصيل مع مفارقاته  في أكثر من مناسبة أشير إلى ذلك في كتابي عن أبو كاطع الموسوم "على ضفاف السخرية الحزينة" ط 1 ، دار الكتاب العربي، لندن، 1998 ، وط 2 ، دار الفارابي، بيروت، 2017 .
وبالمناسبة فقد تعلّم محمد الخضري السياقة بسيارة والد لؤي أبو التمّن، وهي سيارة فارهة من نوع "شيفروليه"، وقد استعارها في أحد الأيام وتوقّفت عند منتصف الطريق وانتظر لؤي لنحو ساعتين إلى حين وصوله، وقد وضعنا احتمال اعتقاله وتلك قصة أخرى.
   قال لي لؤي بعد انتهاء المسيرة، حيث توجّهنا صوب الباب الشرقي وجلسنا في مقهى المعقّدين نحتسي الشاي المعطّر، وكان متأثراً لاغتيال الخضري الذي عرفه عن قرب ودرّبه لأسابيع على سياقة السيارة: يبدو أن الدور وصل إلينا، قلت له: أتعتقد ذلك؟ قال: لاحظ، اختاروا من اللجنة العمالية عبد الأمير سعيد، الذي تم اختطافه ، ومن الخط العسكري ، اغتيل ستار خضير ومن المعلمين تم اغتيال محمد الخضري وعلّق: جاء دورنا وأشار بإصبعه: كنت أراقب حسن المطيري حين تتحدّث، وخصوصاً حين سلّمت ورقة بأسماء المعتقلين من الطلبة إلى كريم الملّا، بل حاولت أن تتلوا أسماءهم، كم كانت عضلات وجهه تتحرّك وكم كان متشنجاً ومُستفَزاً وأنت تتحدّث عن التعذيب؟
لؤي في قصر النهاية
   وبالفعل فقد اعتقل لؤي بعد شهرين تقريباً من هذا التاريخ (13 أيار/ مايو 1970 ) وكان يفترض أن يترك الدائرة التي يعمل فيها بعد أن تم ترشيحه إلى زمالة دراسية وكذلك ترشيحي، لكن القدر غلب الحذر كما يقال، وبالمناسبة ففي مثل هذا اليوم بالذات وصل لؤي من السويد إلى الشام 1985 وقد احتجز في المطار، وكان قد جاء لحضور لقاء مع صالح دكلة "التجمع الديمقراطي" وعلّقت و بعد التدخل لإطلاق سراحه، بأن "الجماعة" لا يريدونك أن تنسى هذا التاريخ يوم 13 أيار / مايو.
   مكث لؤي في قصر النهاية شهراً كاملاً، وكنا قد أصدرنا عدداً خاصاً من "كفاح الطلبة" جريدة الاتحاد وكانت المطالبة بإجلاء مصيره والتحذير من الخطر على حياته في المانشيت العريض. وقد أبلغني لؤي أن ناظم كزار أطلعه على العدد وهو في قصر النهاية وطلب تعليقاً منه: هل أنت في خطر فعلاً؟ وهل حياتك مهدّدة؟ وعلى الرغم من الانهاك النفسي والجسدي والتعرّض للتعذيب أجابه لؤي: أنني معتقل وليس لي صلة بالعالم الخارجي ولا تعليق لدي.
   التقيت لؤي بعد خروجه من قصر النهاية  في بيت أهل رجاء الزنبوري (والدها أحمد الزنبوري)  قرب منزل والده الطبيب صادق أبو التمّن وقرب منزل عبد الرزاق شعبان والد رياض ومنزل صالح شعبان وجليلة كاظم شعبان، وكان قد حمل معه  بعض الحكايا والقصص التي لا تخلوا من الطرافة وإن كان بعضها مأساوياً. وأتذكّر أحد تعليقاته التي قال فيها لي: تصوّر كنت أشعر بالشفقة أحياناً على الجلّادين، فهذا سالم الشكرة لا أدري متى ينام؟ لأنه موجود طيلة الوقت في المعتقل مع المعتقلين، في الليل يعذّب وفي النهار يتجوّل بين السجناء، لدرجة أنني شعرت بالعطف عليه، وضحكنا بألم ومرارة. كان الوحيد الذي يعرف بيتي والذي أعرف بيته، وقد عرفته ببيتي الجديد بعد أن كنّا انتقلنا إليه خلال تلك الفترة الصعبة ، وكنت بكامل الاطمئنان بأنه مهما حصل فإن الأمر سيكون على ما يرام فللصداقة استحقاقاتها، على الرغم أنني تركت المنزل لبضعة أشهر حتى خروجي من العراق. وكنت حين وصلت براغ طلبت من مهدي الحافظ تفعيل زمالة لؤي وهو ما حصل، حيث تمّ قبوله للدراسة في بولونيا للعام 1971 – 1972 . وحين صدر قبوله للدراسة في بولونيا أرسلت له برقية أبلغه بذلك وقلت له: حبّذا لو تتوجّه إلينا دون انتظار تذكرة السفر، وبالفعل جاء لزيارة براغ وبقي فيها لأكثر من شهر إلى حين موعد الدراسة وبعدها توجّه إلى وارشو وبقي فيها ثم انتقل إلى ستوكهولم (السويد) في العام 1980.     
في بولونيا
   شكل لؤي أبو التمن في وارشو ثقلاً كبيراً وكان قطباً مؤثراً، على الرغم من قراره ترك العمل الحزبي وكان معظم رفاق بولونيا ممن يعرفهم سابقاً حين كان مسؤولاً عنهم في اتحاد الطلبة أو في الحزب، وحصل أن حدث نقاش بشأن الموقف من الهجوم الحكومي على الشعب الكردي العام 1974 واندلاع القتال مجدّداً، وكان الموقف الرسمي للحزب هو الوقوف إلى جانب الحكومة بما فيه حمل السلاح ضدّ "الجيب العميل"، هذا من الناحية السياسية.
 أما من الناحية المهنية فقد ساهمنا في شق جمعية الطلبة الأكراد في أوروبا لصالح الحكومة، بل واخترعنا شخصيات من أصول كردية لم نعرفها من قبل لندخلها إلى جمعية الطلبة الأكراد لزيادة عددنا، وذلك باندفاعات غير محدودة من رفاق بعضهم أكراد، وكان تبرير ذلك هو الحفاظ على ما يسمى بالجبهة الوطنية التي كان التعويل عليها هو المعيار الأساسي للتقييم.
 وحين انعقد مؤتمر جمعية الطلبة العراقيين في بولونيا، وقف لؤي ضدّ تلك القرارات التي لم تحظَ بتأييد القاعدة الحزبية والطلابية، وقاد حملة داخله ليؤكد فيها الانحياز إلى صالح الكرد في كفاحهم من أجل حقوقهم العادلة والمشروعة والتنديد بعمليات القصف العشوائي التي طالت قرى كردية آمنة دون أن ينسى انتقاده لبعض ارتباطات الحركة الكردية، لكن ذلك شيء وقضية الشعب الكردي شيء آخر. وقد صوّت المؤتمر لصالح موقف لؤي، في حين فشل الموقف الحزبي الرسمي من التأثير، وهو ما عدّه أحد المسؤولين الحزبيين عملاً تخريبياً مريباً. وكنت قد التقيته في وارشو العام 1973 خلال حضوري للإشراف وإلقاء محاضرة في مدينة ووج على الطلبة العراقيين والعرب الجدد، وقدّمني للحديث شاكر الدجيلي الذي وصل للدراسة العام 1973 . وكنا قد اتفقنا على اللقاء في دمشق صيف ذلك العام وبالفعل قضينا وقتاً طيّباً فيها التقينا فيه بالصديق علي كريم الذي كان رئيساً للإتحاد الوطني لطلبة العراق (المؤيد لسوريا) والصديق محمد رشاد الشيخ راضي( كان مرشحاً للقيادة القومية لحزب البعث) وحامد سلطان ، وتعرفت حينها على ضرغام الدبّاغ (الذي كان معروفاً باسم ياسين)، حيث كان مرشحاً للقيادة القومية لحزب البعث أيضاً.
مواقف متميّزة
لم أنس موقف لؤي وحساسيته إزاء اغتيال الشهيد سامي مهدي الهاشمي في أواخر أيلول / سبتمبر 1968 وهو من القيادة المركزية، وهي جريمة بكل ما تعني الكلمة من معنى، وقد اتهمت القيادة "اللجنة المركزية" بارتكابها، وتقول حيثيات القضية التي تحدثت عنها أكثر من مرّة أن الحزب كان قرّر توزيع بيانات باسم اتحاد الطلبة في عدد من الكليات ومنها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وحصل احتكاك مع جماعة القيادة المركزية وتم إطلاق النار فسقط سامي مهدي الهاشمي مضرّجاً بدمائه. كنا نلحّ على ضرورة كشف القاتل وإدانته وفصله من الحزب، وهو أقل إجراء يُتّخذ بحقّه، وخلال تلك الفترة شابَ نوع من التوتّر علاقة عدد من الرفاق مع الحزب، وكان لؤي من بينهم، وقد رويت الموقف كاملاً في مداخلتي الموسومة "شبح عامر عبد الله ومكر التاريخ" المنشورة في موقع الحوار المتمدّن بتاريخ 9 أيار / مايو 2014 .
 لم يكن لؤي أبو التمّن ضدّ الجبهة الوطنية، لكنه لم يكن يريد الانبطاح أمام تمدّد البعث لإملاء شروطه والتأثير على قراراتنا، حتى وإن سلّمنا كونه الحزب القائد للجبهة والسلطة والدولة، لكن الواقع شيء آخر، وكان ضدّ قرار "حلّ" المنظمات الديمقراطية (اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ورابطة المرأة) الذي صدر بزعم "تجميدها" في العام 1975 .
 وكان لؤي ضدّ اتفاقية 6 آذار / مارس 1975 التي اعتبرها تنازلاً من جانب الحكومة العراقية لصالح إيران الشاه، وخصوصاً بشأن شط العرب، وكانت لي معه حوارات ودردشات ورسائل. وحين اجتمعنا في بودابست العام 1975 باسم لجنة التنسيق التي تمثل اتحاد الطلبة في الخارج كان هناك تناغماً بيننا في التوجهات والمواقف.

6

السيد محمد حسن الأمين
عمامة وعلمانية

د. عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي من العراق



على سبيل التمهيد

     سبقته شهرته، سواء في العراق أو في لبنان أو في العالم العربي ، وحتى قبل أن أتعرّف عليه شخصياً، و كنت سمعت عنه وقرأت له وتعرفت على بعض مواقفه الراديكالية ورؤيته للصراع في لبنان وفي المنطقة، وخصوصاً مواقفه من القضية الفلسطينية والصراع ضدّ الصهيونية.
       تعلّق محمد حسن الأمين بالحياة بكل أطرافها وذهب بها إلى نهايتها القصوى بكل ما يستطيع أملاً بالوصول إلى "الحريّة الضرورة" التي كان يطمح في ارتقاء منصّتها، حتى فاضت روحه وهو لا يكلّ ولا يملّ من الدعوة إلى الحق و العدل. ومن تجربته ومن واقع لبنان وأمّة العرب كان يدرك أن لا سلام حقيقي دون عدل، ولا عدل حقيقي دون إحقاق الحق وردّ المظالم. وتلك المعادلة لازمت أطروحاته الفكرية ومواقفه العملية.


   
صوت وروح

  وبقدر ما كان السيد الأمين يمتلك وقاراً وهيبة، لاسيّما صورته بالعمامة السوداء فإنه كان يتمتّع بكاريزميّة خاصة، لاسيّما صوته المؤثّر وهدوءه اللافت ونبرته الواضحة، يضاف إلى ذلك روحه الضاجّة بصخب وتمرّد تفيض منها ضوضاء مضيئة تبشّر بالخير والجمال والسعادة، ولعلّ قول مارك توين ينطبق عليه إلى حدود كبيرة وهو القائل "لن تجد الهدوء أبداً لأن أعماقك هي مصدر الضوضاء".
      هكذا كان السيد محمد حسن الأمين محتفياً بالحياة بكلّ عنفوانها وحيويّتها عارفاً تكوينها غير مبالٍ بدروبها الوعرة مخترقاً منحنياتها ومنعرجاتها وصعودها ونزولها، وكلّ ذلك بدأت ملامحه تظهر في تكوينه الأول في المدرسة النجفية الحوزوية التي شهدت العديد من المبدعين ممّن سبقوه وممّن اختاروا طريق الحياة من مجايليه، ونستذكر بعضاً منهم: محسن الأمين وآل الأمين وحسين مروّة ومحمد شرارة وآل الزين ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين و حسين شحادة وهاني فحص ولفترة قصيرة السيد حسن نصر الله وآخرين.
    وكنت في العديد من المرّات أتجاذب أطراف الحديث مع السيد محمد بحر العلوم والسيد مصطفى جمال الدين والسيد أحمد الحسن البغدادي والشيخ عبد الزهراء عاتي وعبد الغني الخليلي وغيرهم عن أجواء الحوزة والرابطة الأدبية في النجف ومنتدى النشر والشخصيات اللبنانية التي لمعت في المدرسة الحوزوية النجفية للعلوم الدينية واكتسبت احتراماً كبيراً من أساتذتها ومن طلبتها ، وعن مجالس الشعر والأماسي الشتوية والصيفية عند نهر الفرات في الكوفة، والقفشات بين الدارسين وهم من بلدان مختلفة، وكنت، بحكم العائلة وسكنها، قريباً من هذه الأجواء حيث مدرسة الخليلي الشهيرة، بالقرب من منزلنا، أتابع الكثيرين منهم حتى بعد مغادرتي في مطلع الستينيات إلى بغداد.




في صيدا يتجدّد اللقاء

     قبل أكثر من ربع قرن، زرت السيد محمد حسن الأمين في منزله  بصيدا واحتفى بنا أيّما احتفاء، وكانت معي المحامية هدى الخطيب شلق، واستعاد بعض ذكرياته والأحداث التي مرّ بها العراق والنجف واستذكرنا بعض المحطات والتواريخ والمفارقات ، فنحن من عمر واحد وفي مرحلة واحدة، وبقيت أتابعه خلال الفترة المنصرمة، حتى قبل تلك الزيارة الأثيرة التي شكّلت رافعة جديدة في صداقتنا التي تعمّقت مع مرور الأيام بلقاءات وتبادل وجهات نظر وتزاور وكتب ومقالات ، وكان آخرها وقبل رحيله زيارتي له في بيروت بصحبة الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار، فضلاً عن لقاءات في مؤتمرات ومهرجانات في بيروت والرياض وغيرها، وأكثر من مرّة كان اللقاء في مهرجان الجنادرية (المملكة العربية السعودية) ، وكنت قد استمعت إلى شعره في أكثر من مناسبة ومحفل، فضلاً عن إهداءاته لي التي كنت حريصاً على قراءتها ووجدت في قصيده عمقاً فكرياً وصوراً حيويّةً ناطقةً ولغةً أنيقةً رشيقةً .
 
ميّزات أربعة

     أستطيع القول أن السيد الأمين محمد حسن امتاز بأربع ميّزات مهمة يندر أن تجتمع في شخصٍ واحد، وكل واحدة منها تشكّل رصيداً معرفيّاً مهماً، فما بالك حين تتداخل وتتفاعل في عقل شخص واحد؟
أولها – ثقافته الموسوعية، فهو لم يكتفِ بالدراسة الدينية الحوزوية، بل أجهد نفسه في الإطلاع على الثقافة المدنية بكلّ صنوفها وألوانها، وهكذا حاول الجمع بين الدراسة المنهجية التي توفرها الحوزة النجفية، في الفقه واللغة والأدب وعلوم الدين، خصوصاً وقد درس المقدمات ثم السطوح وبحث الخارج علي أيدي كبار علماء عصره، وفي الوقت ذاته، حاول قراءة الأدب الحديث والفلسفة والتاريخ وانشغل بالفكر ومستحدثاته والعلم ومكتشفاته، كل ذلك في هارموني متوازن ومتفاعل. وأستطيع القول أنه إضافة إلى تكوينه الديني وانشغالاته العملية بتطويره، فقد اهتمّ بالأدب بعامة والشعر بخاصة، وهكذا كان شاعراً رقيقاً ومثقفاً كبيراً، يزن كلماته ويعرف كيف يرسلها لتكون مؤثّرة.
وثانيها – انفتاحه وقبوله للآخر، فقد كان على الرغم من راديكاليته وثوريّته بالمصطلحات السبعينية، إلاّ أنه يحترم وجهات النظر الآخرى، ويقبل مقارعة الحجّة بالحجّة والرأي بالرأي والفكرة بالفكرة، ولم يكن متزمّتاً حتى وإن كان له آراء مغايرة، إلاّ أنه يقدّر آراء الآخرين، فلم يكن منحازاً بالحقّ أو بالباطل لطائفته أو دينه، بقدر ما كان منحازاً للإنسان أيّاً كانت قوميّته أو دينه أو طائفته ومذهبه، مقدّماً المُثل والقيم الإنسانية التي هي الأساس، والتي تمثّل المشترك الإنساني.
ثالثها - صوته المتميّز شكلاً ومضموناً، وقد حاول الحفاظ على استقلاليّته وإن كلّفته في العديد من الأحيان أثماناً باهظة، لكنه كان حريصاً على إبقاء صورته المستقلّة دون اختلاط مع السائد من الصور المؤثّرة أو المهيمنة أو المتنفّذة، فالمثقّف والباحث والمفكّر والعالم كلّما حاول أن يحافظ على استقلاليّته فإنه يكون قد سلك الطريق الصحيحة التي تقرّبه من مشروعه الخاص ، لاسيّما انضاج اجتهاداته وتعميق رؤيته لمجتمعه وللكون أيضاً. وهكذا يتولّد صوته الخاص، وحسب الروائي الأرجنتيني أستورياس مؤلّف رواية "السيد الرئيس" الكثير الإنطباق والشبه على أوضاعنا العربية، "فالإنسان إله بسبب من صوته "، بالمعنى الفزيولوجي والمعنى الحسّي، إضافة إلى المعنى الرمزي. ومن صوته يُعرف الإنسان ومن نبرته يُؤشر عليه، فما بالك إذا كان مبدعاً متميّزاً.
رابعها – عروبته الطافحة ووطنيته الفائضة، فقد كان بالإضافة إلى تمسّكه بوطنه اللبناني وبقصد العيش معاً أو العيش بشراكة وتكافؤ ومساواة، فقد كان عروبياً بامتياز، وكلّ ما في الوطن العربي يعنيه، وفي القلب من ذلك كانت فلسطين بوصلته، وكان منذ البداية مقاوماً من أجل فلسطين وضدّ العدوان "الإسرائيلي"، ناهيك عن هواه "العراقي" الذي ظلّ يحنّ إليه، خصوصاً بعد تعقّد الأوضاع وعدم قدرته على زيارة العراق في فترة النظام السابق، لكنه كان يتابع شؤونه مثل أي عراقي، وكم كان منشغلاً بالحصار الجائر المفروض عليه، مثلما انشغل بما حصل له بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003 وتذرّر العراقيين وتمزّقهم إلى طوائفٍ ومللٍ ونحلٍ وأشياعٍ وأتباعٍ بعضها يمتدّ إلى صناعة خارجية.
      كم كان ذلك يحزنه، فتراه أحياناً أقرب إلى التشاؤم لكن دون يأس لأن روح المقاومة والتحدّي، بل والتمرّد كانت تعتمل في نفسه، ولأنه كما قال لي: أنه يعرف العراقيين بأنهم لا يستكينون ولا يستحقون مثل هذا المصير. وكم كان يسخر على طريقته حين يُراد تطبيق الوضع اللبناني الطائفي واقتسام المغانم على الوضع العراقي، سواءً دستورياً أو عملياً، لأنه كان يعرف خلل التجربة اللبنانية ومأساة لبنان التي أدخلته حرباً أهلية دامت 15 عاماً، لم تنته إلاّ باتفاق الطائف وبتداخلات دولية زادته قيوداً وانقساماً، فكيف يمكن اقتباس تجربة مثل تلك التجربة المريرة ؟

روافد أربعة

      في كلّ تلك المواصفات والسجايا، بل والمناقب التي كوّنت شخصيّته، فثمة روافد مؤثّرة ساهمت في بلورة وعيه وإعادة صياغته وتوجيهه بما يتساوق مع منبعه الأول:
الرافد الأول – عائلته، ذات المكانة المتميّزة التي نبغ فيها أعلام كبار، وكان إسم السيد محسن الأمين (العاملي) مؤلّف كتاب أعيان الشيعة، أحد أركانها الأساسيين ( والكتاب عبارة عن موسوعة ضمّت عدّة مجلدات، ترجم فيها لما يقارب 12000 شخصية منذ صدر الإسلام الأول إلى ما قبل عصره. وقد درس محسن الأمين في النجف لنحو عشر سنوات ونصف السنة، وغادرها العام 1901، كما عاش في دمشق في حي الأمين، وتوفي في بيروت  في 30 آذار / مارس 1952  ودفن في حي السيدة زينب بدمشق، علماً بأن ولادته كانت في العام 1865 )، وقد أكمله نجله السيد حسن الأمين، الذي عاش في العراق لعدّة سنوات منذ العام 1938 ولغاية العام 1940 ثم من العام 1945 إلى العام 1949  .
      وكان والد السيد حسن الأمين  قد أوفده للدراسة في النجف في العام 1927 ، لكنه لم يمكث سوى 3 أسابيع وغادرها مفضلاً الدراسة الأكاديمية على الدراسة الدينية، فدرس لاحقاً  في كلية الحقوق في دمشق وتخرّج منها، وقد عمل في العراق مدرساً للغة العربية في مدينة الحلّة ، وفي الفترة الثانية أستاذاً للأدب العربي في كلية الملكة عالية، وقد أخبرني أنه أول من نشر قصيدة للشاعرة نازك الملائكة دون علمها. وخلال فترة وجوده في العراق، كان على اتصال مع عدد من الأدباء والشعراء المحسوبين على الوسط اليساري والحداثة الثقافية. وكان لدي مراسلات معه حين كنت أجمع موادّاً  لكتابي عن سعد صالح (جريو) "الوسطية والفرصة الضائعة"، الذي نشرته فيما بعد ، علماً بأن حسن الأمين  نشر مقالاً موسعاً في جريدة الحياة (اللبنانية)  من وحي التواصل بيني وبينه في أواسط التسعينيات، جرت فيه الإشارة الموسعة إلى الدور الريادي الثقافي والسياسي لسعد صالح في الأربعينيات.
الرافد الثاني – دراسته في النجف، التي احتضنته يافعاً ثمّ شاباً وكانت منبعاً حقيقياً اغْترف منه الكثير وارْتشف من علومه أعذبها، وكانت خزينه الذي لاينضب، وقد عاش في النجف حسبما قال لي أجمل سنوات عمره حين جاءها وهو في الرابعة عشر من عمره ( العام 1960 وغادرها وهو في النصف الثاني من العشرينات من عمره في العام 1972 )، وكان قد تزوج وهو في النجف ووُلِد نجله الأكبر الإعلامي المعروف السيد علي في النجف أيضاً. وفي النجف كذلك أكمل دراسته الحوزوية – الأكاديمية فيما بعد في كلية الفقه العام 1972 .
الرافد الثالث– الثقافة المدنية الحديثة، فقد كان يميل إلى التجديد والحداثة وروح العصر، محاولاً تجاوز ماهو تقليدي وساكن وراكد من التراث بقراءات جديدة للأدب الحديث والمعاصر وفي انفتاح كامل، وهو ما أعطاه امتيازاًجديداً، فإضافة إلى إتقان اللغة والنحو والصرف واطلاعه على التراث، وخصوصاً تراث الإمام علي ونهج البلاغة والتفسيرات القرآنيّة ومدارس الفقه، فإنه سعى لمعاشقة ذلك بالإطلاع على الثقافة الحديثة، ولم يتوقف عند مدرسة واحدة، بل حاول الأخذ من جميع المدارس، فلم يتوقّف عند منصّة أو فكرة واحدة، بل عمل بكل ما يستطيع على ملاقحة دراسته الدينية بالعلوم الحديثة.
الرافد الرابع – بلده الأصلي لبنان، الذي عاد إليه بعد إنجاز دراسته وكتابة رسالته العملية، ولبنان كما نعرف بلد الإنفتاح والتنوّع والتعدّدية، وعلى الرغم من الأوضاع المأساوية التي عاشها في الحرب الأهلية 1975- 1989 ، فإن هذا البلد الصغير بحجمه وعدد سكانه وموارده، إلاّ أنه كبير جداً بما يحتويه من كفاءات وبما يملكه من فضاءات للحريّة والإبداع والفن، ناهيك عن كونه ملجأً للمثقّفين والمعارضين الفارّين من بلدانهم.
    وقد مثّل التعدّد الثقافي قاعدة للعيش معاً، حاول إتفاق الطائف لعام 1989 وما أعقبها من تشريعات لعام 1990 أن يرسيها على أسس جديدة، إلاّ أن التداخلات الخارجية العربية والإقليمية والأجنبية ساهمت في إيصال لبنان إلى ما وصل إليه دون نسيان الصراعات غير المبدئية للزعامات السياسية التقليدية وغير التقليدية، التي هي الأخرى مسؤولة على نحو كبير في الأزمة الحالية التي يعيشها لبنان، وهي أزمة غير مسبوقة.
     وفي لبنان دخل سلك القضاء، فزاد ميله أكثر نحو العدالة، حيث أصبح قاضياً لمدينة صور في العام 1977 ، وبعدها انتقل إلى محكمة صيدا الشرعية وبقي فيها إلى العام 1997 ، وكان مستشاراً في المحكمة العليا.
     كان مرانه الأول في عدد من المجلات النجفية مثل: مجلة النجف و مجلة الكلمة ومجلة عبقر، وقد سار على نهج والده على مهدي الأمين وهو ما أسماه حسن الأمين "خير خلف لخير سلف" ، وكتب إضافة إلى الشعر عدداً من المؤلفات ذات النزعة التجديدية التي لا ترى تعارضاً بين العلمانية والإسلام، ومن كتبه "نقد العلمنة والفكر الديني" و "بين القومية والإسلام" و "الإسلام والديمقراطية" و "الشهيد محمد باقر الصدر: سمو الذات وخلود العطاء"، كما كتب في النقد العربي وأوضاع المرأة وظروفها في لبنان.

شيء لا يشبه الوداع

      في ظل اجتياح وباء كورونا، كان السيّد الأمين يتعامل مع الواقع السياسي بكل تفاصيله بروح وثّابة، ولم يدّخر وسعاً في كل ما يستطيع كي يقول الحق، ولم يبالِ باستشراء الفايروس وهشاشة النظام الصحي التي انكشفت على نحو كبير، فضلاً عن التعامل مع حركة الإحتجاج التي كانت شاملة عامة، لأنها مسّت جميع الفئات والطبقات، خصوصاً التصرّف بأموال المودعين وانهيار سعر الليرة.
    أخيراً وبعد فترة صراع وكرٍّ وفرٍّ مع "الذئب الذي ظلّ يترصّده" و حاول محاصرته من كل جانب، تمكّن الفايروس الذي استفحل واستشرى على نحو واسع من الانقضاض عليه وبين مصدّق ومكذّب، وبين إغفاءة ويقظة قرّر هذه المرة وعلى غير عادته في المواجهة الرحيل بهدوء كامل، وكأنه قدّر الظرف الملتبس والحجر الصحي الذي يمرّ به العالم.
     هكذا قرّر السيد الأمين أن يغادرنا دون أن يحاول إحراجنا كي لا نأتي لنودّعه.  ومع ذلك حين شاع خبر الوفاة، زحف المئات من المشيّعين لتقديم واجب العزاء، على الرغم من محاولة العائلة عدم إبلاغ سوى بضعة أشخاص بوفاته وعدم إقامة مجلس فاتحة له بسبب الظروف، لكن أهل صيدا وأحبّته وأصدقاءه  أقاموا له مجلس عزاءٍ حضرته بنفسي شارك فيه النساء والرجال في أجواءٍ يتخلّلها شعورٌ بالفداحة والفقدان لغياب عالم جليل ورمز كبير، حيث وافته المنية في 10 نيسان / أبريل 2021 وتم دفنه في قريته شقرا في جبل عامل.
     رحل الأمين وكان:
 أميناً لِمُثلِه؛
أميناً لِقِيمِه؛
 أميناً لعروبته؛
 وأميناً لإنسانيّته. 
 
       


7
المنبر الحر / العروبة المؤنسنة
« في: 16:51 24/11/2021  »
العروبة المؤنسنة

د. عبد الحسين شعبان


     كان اختيار منتدى أصيلة وجامعة المعتمد بن عبّاد المفتوحة بالمغرب لموضوع "العروبة والبناء الإقليمي العربي: التجربة والآفاق" كعنوان لندوة ذات طابع راهني بأفق مستقبلي وقراءة إستشرافية ، فرصة مناسبة لتبادل الآراء واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بأفكار حاولت ملامسة الجديد في فكرة العروبة، التي ظلّت تشغل الأفق السياسي والاستراتيجي لغالبية مشاريع النهضة والإصلاح في العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأن، وقد اتخذت ثلاث اتجاهات أساسية:
الأول – "العروبة الثقافية"، وهي الفكرة التي حاولت محاكاة مشاريع النهضة الأوروبية التي كان توجّهها نحو "دولة مدنية"، وقد أخذت هذه الفكرة تتعمّق بالتجربة العملية وبعد طائفة من الإخفاقات والممارسات السلبية التي عملت باسم "العروبة" .
الثاني – "العروبة الآيديولوجية"، وهي الفكرة التي حاكت السياسة والتيارات القومية الأوروبية الإستعلائية الشوفينيّة بشيفرة قومويّة.
الثالث – "العروبة في طور التكوين المؤسساتي"، وهي فكرة قامت عليها جامعة الدول العربية (22 مارس / آذار1945 ) كمنظّمة إقليمية أرادها الآباء المؤسسون أن تكون نواة أو خطوة للوحدة العربية وعلى طريقها، وهي وإن أخفقت سياسياً في حل المشكلات والنزاعات والحروب العربية – العربية، والعربية – الأجنبية، إلاّ أنها تمكنت من لعب دور إيجابي في دعم البلدان العربية لنيل استقلالها والتحرر من الإستعمار وفي دعم تنميتها، إضافة إلى مساندة القضية الفلسطينية في المحافل الأممية ضدّ العدوان "الإسرائيلي" المتكرر.   
     و خلال القرن ونيّف الماضي تعرّضت العروبة إلى تحدّيات عديدة، من خارجها ومن داخلها إذا جاز التعبير.
أولها – إخفاق المشروع السياسي الوحدوي وتضبّب صورته الحلمية، والأكثر من ذلك فإن الدولة العربية (القُطرية) التي اعتُبرت من مخرجات التجزئة وسبباً في عدم تحقيق مشروع النهضة  تصدّعت هي الأخرى بسبب الحروب والنزاعات الأهلية، إلى درجة أصبح الحفاظ عليها مهمةً عروبية بامتياز.
وثانيها – التداخلات الإقليمية غير العربية وتأثيرها على القرار العربي، وذلك بسبب محاولات الهيمنة الإيرانية والتركية، فضلاً عن محاولات أثيوبيا المائية التي ألحقت ضرراً بالمصالح العربية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية.
وثالثها – تراجع القضية الفلسطينية، التي مثلّت جامعاً للعروبة الثقافية والمؤسساتية .
ورابعها – إنفجار الهويّات الفرعية وانبعاث رياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، خصوصاً بعد تنكّر أو عدم اعتراف بها.
وخامسها – الممارسات الإستبدادية السلبية لأنظمة حكمت باسم العروبة.
     العروبة بصفتها هويّة منفتحة ليست ساكنة أو نهائية أو تمامية. لأنها متجدّدة ومتحوّلة ومتفاعلة ، حيث تتغير بعض عناصرها مثل العادات والتقاليد والفنون والآداب حذفاً أو إضافة، ومثلما هي كذلك، فلا بدّ أن تقّر باختلاف الهويّات وتعترف بحقوقها وتتعامل معها كأمر واقعي وليس مفتعلاً أو متخَيّلاً، كما هي النظرة الإستعلائية الشوفينيّة. وهكذا يصبح من واجب العروبة المؤنسنة احترام  حق كل شعب أو مجموعة بشرية تشعر بوجود خصائص تجمعها هويةً وانتماءً، بل و أن تعمل على مساعدتها في تعزيز وتطوير خصوصيتها بما يجعلها تتفاعل إنسانياً معها.
    وبهذا المعنى لا يمكن إختزال العروبة بالقومية أو العرق أو النسب ، وإذا ما فعلنا ذلك فأين سيكون مكان الأندلس والمعتمد بن عبّاد وابن طُفيل وابن باجة وابن حزم وعبّاس بن فرناس من فكرة العروبة ؟
     والعروبة هي لغة امرؤ القيس والمتنبّي وأبو القاسم الشّابي وطه حسين وجبران خليل جبران والجواهري، وكانت وما تزال فعل مواجهة، خصوصاً حين  تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من خلال مفكرين ورُوّاد مثل جورج أنطونيوس وشكيب أرسلان ورشيد رضا والبساتنة والريحاني واليازجي وصولاً إلى ساطع الحصري، ولعلّ ما هو مطلوب اليوم تعزيز العروبة وتجذيرها وتحصينها وأنسنتها بالحرية والإقرار بالتنوّع وقبول الآخر والاعتراف بالحق في الإختلاف.
     وكان مشروع النهضة الأول الذي ساهم فيه الأفغاني ومحمد عبدو والكواكبي والطهطاوي والتونسي والقائيني قد ارتكز على عاملين أساسيين وهما: الحريّة والتنمية وهذان يمثلان الأساس للمشروع النهضوي العربي الحديث بأركانه الستة وهي: التحرّر السياسي والتنمية الإقتصادية المستقلّة والوحدة العربية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والتجدد الحضاري، وهو يمثّل العروبة المؤنسنة البعيدة عن التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب. وبذلك يمكن أن نضع الجاحظ وابن خلدون وابن المقفّع وابن سينا وابن رشد وأبو نوّاس وسيبويه ونفطوية وبشار بن برد وغيرهم في عداد من أسسوا للعروبة على أساس الثقافة واللغة، ويمكن إضافة الدين والجغرافيا كأُسس للهويّة لا علاقة لها بالإنتماء العرقي والقَبلي، بعيداً عن محاولات تفضيل العرب وتمييزهم بسبب ذلك، وبعيداً عن نقيضه، محاولات تبخيس دورهم وقدرهم. 
     وما تحتاجه العروبة اليوم هو إعادة هندستها لتكون أكثر انفتاحاً وتعدّديةً وقبولاً للآخر، أي الإقرار بالتنوّع في إطار الوحدة وهو ما يجنّبها التفتّت والتذرّر ويجعلها جامعةً ومتعددة في آن، ولعلّ ذلك يعطيها كهويّة مصادر قوّة روحيّة لم تُكتَشف تاريخياً حتى الآن، والعروبة حسب قسطنطين زريق "مشروع لم يُنجز بعد"، وإنجازه يحتاج إلى وعي جديد، وهو ما كان خلاصة البحث في منتدى أصيلة "الأصيلة" التاريخي في دورته الثانية والأربعين.


8
مناظرة السليمانية :
واستذكارات الحوار العربي - الكردي
د. عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي من العراق


     كان أول حوار عربي – كردي خارج الأطر الرسمية  تقرّر قبل 30 عاماً، حين اجتمعت نخباً فكرية وثقافية وحقوقية و سياسية من العرب والكُرد بدعوة من المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، التي تسجّل لها هذه المبادرة، وذلك لمناقشة جوهر الموقف من حقوق الشعب الكردي و أهم الإشكاليات النظرية والعملية والقضايا الخلافية لبحثها ومناقشتها بروح الشعور بالمسؤولية والحرص وبكل صراحة وشفافية، حيث تم تبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء والاستئناس بأفكار متنوعة بشأن واقع العلاقات العربية - الكردية وآفاق المستقبل ، خصوصاً بعد المآسي والارتكابات التي تعرّض لها الشعب الكردي، لاسيّما إثر مشاهد الهجرة الجماعية الكردية المرعبة 1991 بعد حملة الأنفال السيئة الصيت ومن ثم قصف قضاء حلبجة في 16 – 17 آذار/ مارس1988  بالسلاح الكيماوي وغاز الخردل، الذي أودى بحياة بضعة آلاف، وذلك  قبيل وقف الحرب العراقية – الإيرانية (1980 - 1988) التي أُعلن عن انتهائها في 8 آب/ أغسطس 1988 ، بقبول إيران لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الصادر في العام 1987 .
لمعان الفكرة
    حين علمت أن وفد الجبهة الكردستانية وصل بغداد للتفاوض مع الحكومة العراقية، لمعت برأسي فكرة الحوار العربي - الكردي، وذلك بعيد انسحاب القوات العراقية ، إثرَ حرب التحالف ضد العراق 17/1/1991  من الكويت وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 الخاص  باحترام حقوق الإنسان، وذلك بعد فشل انتفاضة آذار / مارس 1991 ضدّ النظام الحاكم في العراق، فطرحتُ الفكرة في محاضرة لي في ديوان الكوفة كاليري في لندن وسط حشد كبير وذلك يوم 17 نيسان/ أبريل 1991، وكانت المحاضرة بعنوان " المهجّرون العراقيون والقانون الدولي"، وهي موثّقة بكتابي " عاصفة على بلاد الشمس"، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994 . وهو ما نشرته جريدة الحياة (اللندنية)  في 28/4/1991 . ولكن الفكرة اختمرت في ذهني وقررت الإشتغال عليها بسبب تباين المواقف واختلاف وجهات النظر خلال وبُعيْد المفاوضات الحكومية - الكردية.
اعتبارات موضوعية وذاتية
        تعود قناعتي بفكرة الحوار العربي - الكردي إلى عدد من الإعتبارات أهمها:
      أولها - الموقف المادي الجدلي "الماركسي" من مبدأ حق تقري المصير والذي مثّل رؤية أممية - إنسانية كانت وما تزال صالحة عند الحديث عن حل مشكلة التنوّع الثقافي، لاسيّما المتعلّق بالهويّات القومية في المجتمعات والبلدان المتعدّدة الثقافات ، والذي تجسّد في جوانب عملية إتخذتها الحركة الشيوعية في العراق منذ العام 1935 حين رفعت شعاراً "على صخرة الإتحاد العربي - الكردي تتحطّم مغامرات الإستعمار والرجعية"، وذلك انطلاقاً من إيمانها بحق تقرير المصير للشعب الكردي، والذي انعكس على نحو ملموس في الكونفرنس الثاني للحزب العام 1956 الذي أكد على " الإستقلال الذاتي" لكردستان في إطار التحالف القوي بين "حركة الانبعاث القومي العربي والحركة القومية الكردية وتطلّع الشعب الكردي إلى التحرر والوحدة القومية"، فالاستعمار هو الذي فرّق كردستان وهو الذي شجّع سياسة الإضطهاد القومي في العراق، وهو الذي قسّم البلدان العربية كما ورد فيه.
     وثانيها - علاقاتي الكردية وصداقاتي الحميمة مع العديد من الكرد، خصوصاً فترة دراستي في جامعة بغداد، وسبق لي أن رويت الكثير عنها في مناسبات مختلفة يضاف إلى ذلك معرفتي بواقع الاضطهاد والإستلاب الذي عانى منه الشعب الكردي، وذاكرتي الأولى لإحدى المناسبات وأنا فتى حين اطّلعت على بيان من صفحة واحدة، وجهها الأول باللغة العربية ، ووجهها الثاني باللغة الكردية وهو ما أثار فضولي الشديد آنذاك (ربما كان بمناسبة كردية أو عيد نوروز)، فضلا عمّا أثار قدوم الزعيم الكردي الكبير الملّا مصطفى البارزاني من المنفى في العام 1958 من مشاعر تضامن ظلّت عالقة بذهني.
      وثالثها - انخراطي في أعمال جماهرية مبكّرة بشأن القضيّة الكردية منذ العام 1961 وأنا في بدايات عضويّتي في الحزب الشيوعي، ومنها مشاركتي في تظاهرة تدعو للسلم في كردستان في العام 1962 ، كذلك التوقيع على عريضة (مذكرة)  موجّهة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم  تطالبه بوقف الحرب ضدّ الحركة الكردية وتدعو إلى حل القضية الكردية بالإعتراف بحقوق الشعب الكردي، وذلك من خلال السلم والحوار. وقد ساهمتُ في جمع تواقيع العشرات من الأصدقاء حينها.
     ورابعها - بعض الملاحظات المبكّرة التي تولّدت لديّ بشأن بعض مواقفنا من القضية الكردية، ومواقف القوى الأخرى، بما فيها القوى القومية الكردية. وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر الموقف من رفع شعار "السلم في كردستان"، الذي نظرت إليه في فترة لاحقة باعتباره شعاراً عامّاً يصلح لمنظمة مجتمع مدني، أو جمعية إنسانية لا لحزب عريق ذو تاريخ عريق ومواقف عريقة بصدد القضية الكردية، إضافة إلى الموقف الخاطئ والضار من حمل السلاح ضد الحركة الكردية في فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1974، وهذه ربما تحتاج إلى مناقشتها في سياقها التاريخي دون تبريرها أو إغفالها.
      وهناك جوانب أخرى كان لديّ تحفّظات بشأنها، وخصوصاً  اتفاقية  6 آذار/ مارس لعام 1975 المعروفة بإسم "إتفاقية الجزائر" وهي اتفاقية مُجحفة وغير متكافئة، وكنت قد توقّفت عندها في وقت مبكّر، أذكر بعضاً منها ما ورد في كتابي " النزاع العراقي - الإيراني"، بيروت، 1981، وما جاء في مقالة بحثية بعنوان: "القضية القومية الكردية والحزب الشيوعي العراقي"، مجلة الحرية، العدد 87 (1162) في 21/10/ ، 1984. ومقالة أخرى الموسومة "القضية الكردية والحرب العراقية - الإيرانية"، مجلة الحرية، العدد 96  (1171) في 23/12/1984،. وهو ما أصبح نهجاً  لي في  معالجة الوضع العراقي.
أين دور المثقفين؟
       ويعود الإهتمام بالقضية الكردية أيضاً إلى شعوري أن ثمّة دور للمثقّفين لا بدّ أن يلعبوه كما كانوا في خمسينيات القرن الماضي، بهدف بلورة رؤية خارج الأطر الرسمية، بحيث تساهم فيها النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية - الكردية اليسارية والقومية . وقد أخذت على عاتقي تحويل الفكرة إلى مبادرة، وهذه الأخيرة إلى فعل قابل للتنفيذ بتشكيل لجنة تحضيرية للملتقى الفكري الذي اتخذ من "الحوار العربي - الكردي" عنواناً له، وضمّت اللجنة التحضيرية للملتقى أعضاء من اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان وساهم معنا من الأصدقاء الكرد سامي شورش كعضو في اللجنة التحضيرية، وانعقد المؤتمر في المركز الثقافي الكردي الذي كان يرأسه محمد صدّيق خوشناو حينها.
     وقد اخترنا عدداً متكافئاً من الكرد والعرب (25 + 25) بحيث يكون المجموع 50 مثقّفاً وحضرت وسائل الإعلام المختلفة، وبعض الصحافيين مثل عبد الوهاب بدرخان وحازم صاغية وكاميران قرداغي، وكانت الشخصيات العربية والكردية  تمثّل الألوان المتنوّعة في الساحة الثقافية والسياسية والفكرية. 
      ووقع اختيارنا من العراق على خمسة شخصيات أساسيّة تمثّل كلّ منها تيّاراً فكرياً فعامرعبد الله رمزاً للشيوعيين والماركسيين وهاني الفكيكي عن البعثيين والقوميين والسيد محمد بحر العلوم عن الإسلاميين وعبد الكريم الأزري أقرب إلى التيّار الملكي المنفتح وحسن الجلبي من التيّار الليبرالي الأكاديمي القريب من التوجه الغربي، إضافة إلى حضور عراقي لعدد من الشخصيات المهتمّة، ومن العرب حضرت شخصيات من مصر و سوريا والسودان و لبنان  وفلسطين و المملكة العربية السعودية و البحرين و ليبيا.
     ولعلّ مثل هذا الحضور النوعي والجغرافي كان الأول من نوعه في إطار حوار مفتوح دون أجندات مسبقة أو إصطفافات مبيّتة، بل كان الغرض منه التعرّف على واقع المطالب الكردية وعلى لسان الكرد بشكل حر وفي إطار مواقف عربية بعضها يستمع لأول مرة إلى واقع التنوع القومي في العراق، ناهيك عن ما تعرّض له الكرد من مظالم. 
     وكان التمهيد لذلك الحوار محاضرة ألقيتها في مركز آل البيت الإسلامي في لندن ( بإدارة السيّد محمد بحر العلوم) والموسومة "القضية الكردية في الفكر السياسي العراقي " (31/5/1992)، ومحاضرة أخرى في المركز الثقافي الكردي، نشرتها في جريدة الحياة بعنوان:" الفيدرالية وحق تقرير المصير: جدل الحاضر والمستقبل"، (حلقتان في 2 و 3 آب/ أغسطس 1992 ).
القرار 688
       ترافق ذلك التوجّه بعد فشل مفاوضات بغداد و صدور القرار 688 في 5 نيسان/ أبريل 1991 من مجلس الأمن الدولي حيث عادت القضية الكردية إلى الأروقة الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة، حيث أكد القرار المذكور على وقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقيّة مناطق العراق، بل اعتبر هذا القمع "تهديداً خطيراً" للسلم والأمن الدوليين، ودعا إلى احترام الحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين، وذلك في إطار الدعوات التي ارتفعت لاحترام حقوق الإنسان، لاسيّما بعد تحلل الكتلة الإشتراكية في نهاية الثمانينيات، كما طلب تقديم تقرير دوري إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
     وبسبب مشاهد الهجرة الجماعية وما رافقها من دعوات إنسانية، وأخرى تتعلّق بتداعيات ما بعد غزو الكويت وتدمير العراق، قررت حكومات كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا منع الطيران العراقي من التحليق فوق خط العرض 36 باعتباره منطقة آمنة "الملاذ الآمن " Safe Haven ، وقد شملت المنطقة الكردية التي تأسست فيها إدارة ذاتية بعد إنسحاب الإدارة الحكومية في نهاية العام 1991 وإجراء إنتخابات لأول برلمان في كردستان (ربيع العام 1992) ، وتأليف أول حكومة لإقليم كردستان، الذي قرر برلمانه في 4 تشرين الأول / أكتوبر 1992 اختيار الفيدرالية كشكل للعلاقة المستقبلية مع عرب العراق. وهو ما تقرّر في مؤتمر صلاح الدين للمعارضة
        وإذا كان من يقرّر مصير العلاقة العربية - الكردية هي الجهات السياسية، خصوصاً القابضة على السلطة، فإن رأياً عاما يمثّل تيارات مختلفةً وبقوة ناعمة ومتنوّعة ، وخصوصاً بحضور نوعي للمثقفين، يمكن أن يؤثر في التوجه العام، وذلك بالتراكم والتطوّر التدرّجي، حتى وإن جاء بعد حين. ولم يكن بيان 11 آذار /مارس 1970 ، سوى ثمرة لتراكم كمّي طويل الأمد وصل إلى مثل هذا التغيير النوعي.
       إن فكرة الحوار تنمّ عن رغبة في إيجاد حلول ومعالجات، ووضع مخرجات للتطبيق يمكن أن تكون خلفية لأصحاب القرار، فالحوار العربي – الكردي، الذي كنّا وما زلنا ندعو له هو حوار معرفي وثقافي وفكري وحقوقي يبدأ من منطلقات المصير المشترك والحقوق المتكافئة وتوسيع الخيارات بما يستجيب لمصالح الشعبين العربي والكردي، ومن مقاصده أيضاً لفت الإنتباه إلى أهمية حلّ القضية الكردية كمسألة مركزية بالإرتباط مع مسألة الحكم في العراق على صعيد السلطة والمعارضة، وكان شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"  يمثّل جزءًا مهماً من الحركة الوطنية وعموم الحركة الكردية منذ الستينيات.
     والحوار يعبّر عن  درجة عالية من الوعي والمسؤولية والشجاعة في تناول المشكلات بصراحة ووضوح وأفق مستقبلي أيضاً، دون نسيان الحواجز الفعلية والوهمية التي تعترض هذه الطريق، بما فيها مواقف بعض القوى القومية العربية السلبية ولا أبالية الحركة الدينية الناشئة التي لم تتّخذ موقفاً فعلياً من الحقوق الكردية حتى العام 1992، بل ظلّ موقفها أقرب إلى جملٍ عمومية متفرّقة.
مناظرة بعد 30 عام
      على هذه الأسس والخلفية التأمت  مناظرة بعد 30 عاماً في مدينة الثقافة والجمال السليمانية ضمّت كاتب السطور والسياسي والمثقف  الكردي الفطن والجريء ملّا بختيار ( حكمت محمد كريم) القيادي في حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الرئيس جلال طالباني في العام 1975 ، لتناقش بجو حضاري وشفافية عالية المشكلات القديمة والجديدة، بما فيها ما احتواها الدستور النافذ لعام 2005 ، وكان هدفها الأساسي البحث عن المشتركات وتوسيع دور المثقفين في تعزيز العلاقات بحثاً عن السلم والمساواة والجمال.
     جدير بالذكر أن المناظرة التي خصصت لها جلسة مستقلة و لقيت اهتماماً بالغاً، حيث تم نقلها مباشرة عبر يوتيوب، كانت ضمن جدول أعمال  فعالية ثقافية عربية تم تنظيم جلستها الأولى في مدينة العمارة ( جنوب العراق) لتجمع عدد من المثقفين العرب تحت عنوان "مؤتمر القمّة الثقافي" الذي ينسّق أعماله الأديب محمد رشيد، فجاءت المناظرة  مترافقة مع انعقاد الجلسة الثانية في مدينة السليمانية.
     وكان الحوار خارج دائرة المدح أو القدح وبعيداً عن الولاء أو العداء أو التأييد أو التنديد أو التقديس أو التدنيس، بل تمّ طرح القضايا ذات الإهتمام المشترك بروح الصداقة المتبادلة وضمن أجواء حضارية ومستقبلية، بما فيها تباين وجهات النظر واختلاف زوايا الرؤية في الماضي والحاضر.
     فماذا يريد الكرد من العرب؟
     وماذا يريد العرب من الكرد؟
     وكيف السبيل لطي صفحة الماضي البغيض خصوصاً تعامل الحكومات المتعاقبة مع حقوق الشعب الكردي، تلك التي اقترنت بالتمييز والعسف والاضطهاد، ومنذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ، وكان أكثرها قسوة من جانب النظام البعثي السابق، على الرغم من أن الإعتراف بحقوق الشعب الكردي الأولية، كان قد تقرّر في بيان 11 آذار/ مارس 1970 وأُدرجت في الدستور العراقي الصادر في تموز/ يوليو 1970 ، وتلك مفارقة كبيرة أيضاً تستحق التوقف عندها، وقد سبق لي أن أضئت بعض جوانبها.


نصوص دستورية
      كان أول نص دستوري تقرّر فيه "شراكة العرب والكرد" في الوطن العراقي قد ورد في الدستور العراقي المؤقت الذي خطّه يراع الطيّب الذكر الفقيه القانوني حسين جميل في العام 1958 بُعَيد ثورة 14 تموز/ يوليو، وأهم من ذلك، بعد اتفاق 11 آذار/ مارس 1970 حيث ورد النص دستورياً " أن العراق يتألّف من قوميّتين رئيسيّتين هما العربية والكردية ...." وهو إعتراف صريح وواضح بالحقوق السياسية والإدارية والثقافية، وكل ذلك في إطار الإئتلاف والإختلاف، من خلال الإقرار بخصوصية الشعب الكردي في العراق، وهذه تقود منطقياً إلى الإعتراف بمقوماته بما فيها حقّه في تقرير المصير.
      وهذا لا يعني بالضرورة الانفصال كما يذهب البعض إلى ذلك، وهو إعتقادٌ خاطئ من أي جاء، فالعديد من القوميات والشعوب والمجموعات الثقافية والإثنية والدينية والسلالية واللغوية تعيش في دول متعددة الثقافات وفي إطار حقوق متساوية دستورياً، بغضّ النظر عن عددها وحجمها، لكن الإقرار بكيانيّتها وخصوصيّتها يمنحها مثل هذا الحق الذي يمكّنها التمتع فيه كحق قانوني واستخدامه بطريقة إيجابية، وتعود المسألة في أغلب الأحيان إلى درجة تطوّر المجتمع والثقافة السائدة ودور النخب الفكرية والثقافية والسياسية من الأمة" المضطهِدة" ومدى تضامنها مع الأمة "المضطهَدة"  حسب تعبير كارل ماركس " لا يمكن لشعب يضطّهِد شعباً آخر أن يكون حرّاً" ، أي لا بدّ من الاعتماد على شكل من أشكال الإستقلالية المتجسّدة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية وصولاً إلى إقامة كيانيّة خاصة حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً، وهو مثل الطلاق على حدّ تعبير لينين ( أبغض الحلال عند الله ).
     إن مثل هذه المواقف مرهونة بالظرف الموضوعي والذاتي للطرفين ومدى توافقهما على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وعلى درجة الإصطفاف في معسكر الأصدقاء أو معسكر الأعداء. أي على مدى تضامن الأمة الأكبر مع الأمة الأصغر  في نبذ الإستعلاء والهيمنة مقابل نبذ الأمة الأصغر للتعصّب والانغلاق، سواء حين يتقرر الإتحاد الإختياري الأخوي في ظل شراكة متكافئة، ومواطنة كاملة ومتساوية أو حين يتقرر الإنفصال، علماً بأنه ليس كل انفصال يقضي إلى تطور ورفاه وتنمية، إلّا إذا توفّرت ظروفه الموضوعية والذاتية، وتجربة جنوب السودان الذي انفصل باستفتاء حاز على 98% لصالحه وبإشراف من الأمم المتحدة لكن أوضاعه زادت سوءًا وحالته تدهوراً.
دروس التاريخ
     إن دراسة التاريخ ضرورية، فالتاريخ مراوغ وماكر حسب هيغل، ووفقاً  لماركس "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم" بمعنى من المعاني أن الحياة هي التي تحدّد الوعي، وبالطبع  فلكل تاريخ فلسفته ، وفلسفة تاريخ القمع ضدّ الكرد، ليست سوى الانجراف بالضدّ من الصيرورة الإنسانية. وهو الأمر الذي يثير أسئلة مقلقة بشأن استخدامات القوة والعنف واللجوء إلى السلاح  لحل الخلافات، خصوصاً من جانب القوى المهيمنة، وإذا كانت قوّة الحق وقوة المقاومة متّسقة برفض من جانب الجهات التي تتعرّض للقمع، ففي وجهها الثاني تضامنٌ من جانب الأصدقاء في الدفاع عن المظلومين والمضطهدين، خصوصاً وأن الشعب الكردي تعرّض منذ تأسيس الدولة العراقية أي قبل 100 عام إلى إنتهاكات سافرة على حد تعبير ملّا بختيار.
      وكانت الكثير من القوى تتّخذ من حقوقه موقفاً سلبياً أو لا مبالياً حتى فترة قريبة. وقد حاولت جميع الحكومات التي تعاقبت على سدّة الحكم استخدام الوسائل العسكرية و العنفيّة في مواجهة مطالبه العادلة والمشروعة، لكنها لم تتمكّن من فلّ عزيمته، كما أنه لم يستطع نيل حقوقه وتحقيق آماله بوسائل المقاومة العنفية على أهميتها وعلى اضطراره إليها، الأمر الذي يقتضي التفكير مليّاً بالوسائل السلمية والمدنية أسلوباً مرجّحاً وغالباً لتحقيق طموحاته، وهو ما ينطبق اليوم على علاقة إربيل ببغداد وعلى حلّ القضية الكردية في كل من إيران وتركيا، إضافة إلى مستقبل الإدارة الذاتية الكردية في سوريا وعلاقتها مع الدولة السورية.
الحوار الثاني
      إذا كان أول حوار عربي – كردي من النوع الذي جرت الإشارة إليه انعقد في لندن في العام 1992 ، فإن الحوار الثاني التأم في القاهرة في العام 1998 بعد وقف الإقتتال الكردي - الكردي 1994 - 1998  بالتعاون مع لجنة التضامن المصرية برئاسة أحمد حمروش وشارك في التحضير له الصديق عدنان المفتي (ممثل عن أوك) وعمر بو تاني (ممثل عن حدك) ، وحضره نحو75  شخصية بينهم عدد كبير من الشخصيات الكردية وعدد قليل من عرب العراق من بينهم كاتب السطور الذي حضّر بحثاً رئيسياً وعدد من الشخصيات المصرية البارزة ، وكان مؤتمر القاهرة استكمالاً وتواصلاً للحوار الأول وشارك فيه جلال الطالباني، زعيم الإتحاد الوطني الكردستاني وعدد من قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني وبمباركة من رئيسه مسعود البارزاني. 
     لكن هذا الحوار المتكافئ والموضوعي كان يمكن تطويره و مأسسته، وجرت محاولات على صعيد تشكيل جمعيات للصداقة العربية - الكردية، فضلاً عن دعوات لقيام معهد للدراسات العربية - الكردية، إلاّ أنه بعد إحتلال العراق العام 2003 اتخذ أشكالاً أخرى ، وذلك باستقطابات جديدة، فإما كان أقرب إلى مهرجانات تأييد ومبايعة وولاء دون حوار يطرح الإشكالات أو يقترح حلولاً ومعالجات أو يناقش وجهات النظر المختلفة، حيث ظلّت معظم المشكلات عائمة دون حلول، وانعكس ذلك في دستور العام 2005 ، الذي زاد من حدّة الإختلاف بسبب الألغام العديدة التي احتواها لدرجة أن الفرقاء الذين أقروا الصيغة الفيدرالية حين كانوا في المعارضة وفي مؤتمر صلاح الدين العام 1992  ظهروا كمتخاصمين، بل أقرب إلى "الإخوة الأعداء" باقتباس من عنوان رواية الشاعر والمفكّر اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، وهو ما انعكس في صياغات غامضة وملتبسة ومشفّرة تكاد تنفجر عند أول منعطف أو اختلاف كما حصل عند استفتاء إقليم كردستان ، وأصبحت مع مرور الأيام عُقداً تضاف إلى العُقد المُزمنة والمشاكل المعتّقة.
الاستفتاء
      كان الإستفتاء الكردي في 25  أيلول/ سبتمبر العام 2017 مجسّاً جديداً للعلاقات العربية – الكردية، وكاد الأمر أن يؤدّي إلى صدام لا يحمد عقباه على الرغم من خطر داعش الإرهابي (تنظيم الدولة الإسلامية)  الذي كان ما يزال يحتل الموصل وأجزاء أخرى من محافظات صلاح الدين والأنبار وله جيوب في كركوك وديالى . وانقسمت النخب وسط تأجج للمشاعر واستدرار  للعواطف بين مؤيد بلا حدود للإستفتاء، حتى وإن لم يكن مؤيداً لحق تقرير المصير للشعب الكردي، ولكن لمكاسب وامتيازات وطموحات ومساومات سياسية وخصومات معلنة أو مستترة وفقاً لميزان القوى، وبعضها الآخر رافض بالمطلق للفكرة أساساً منقلباً حتى على بعض مواقفه السابقة من تأييد حقوق الشعب الكردي، سواء لحسابات إقليمية أو لقصور في التفكير وضيق أفق ومحاولات للإستقواء.
      ولم يكن بعض هذه المواقف بعيداً عن دول الإقليم، وخصوصاً إيران وتركيا، وكلاهما وجّها رسائل واضحة وصريحة من جهة، ومن تحت الطاولة من جهة أخرى  ، بأن الإستفتاء لن يمرّ وسيعملان بكل ما يستطيعان على إفشاله، لإدراكهما ما سيكون له من تأثير على حقوق الشعب الكردي لديهما، فالبلدان يعانيان بأشكال مختلفة من إنسداد أفق إزاء حقوق الشعب الكردي في كل منهما ، فتركيا تلتهب فيها القضية الكردية منذ الثمانينيات وينشط فيها حزب العمّال الكردستاني PKK حيث ما يزال زعيمه عبد الله أوجلان رهن السجن منذ العام 1999 ، وهو صاحب فكرة "الأمة الديمقراطية "التي تكمن في إطارها تحقيق حقوق الشعب الكردي بالإعتراف به وبخصوصيته  وحقه في حكم نفسه بنفسه. أما إيران فما تزال تعتبر "القومية" بدعة وضلالة، وكل بدعة في النار، وبالتالي فأي مطالبة بالحقوق القومية تنظر إليها بصفتها استهدافاً للجمهورية الإسلامية.
      وإذا كان الإستفتاء قد حصل في إطار إقليم كردستان، وصوّت إلى صالحه الغالبية الساحقة من سكّانها، إلّا أن نتائجه ظلّت مقتصرة على الرغبة المعلنة، وهي خيار استراتيجي كردي مع معارضة قوى داخلية وإقليمية وتحفّظات دولية. وكان وزراء خارجية كل من إيران وتركيا وسوريا يلتقون منذ مطلع التسعينيات ولغاية وقوع العراق تحت الإحتلال  العام 2003 ، وفي كل اجتماع ، تتم الإشارة إلى حالة الفلتان الأمني والفوضى والمخاطر على الوحدة الوطنية العراقية، وليس ذلك سوى التعبير عن خشية من انتقال مثل تلك الحالة إليها، وخصوصاً ما يتعلق بقيام كيانية كردية.
اللحظة التاريخية
    إذا كنّا قد تحدثنا عن المؤيدين والمنددين لخيار الإستفتاء، فثمّة فريق ثالث وإن كان الأقل عدداً ولكنه الأكثر وجدانية وصميمية بتأييده حقوق الشعب الكردي كاملة وغير منقوصة، بما فيها حقّه في تقرير المصير، ولكن قرار مثل ذلك القرار المصيري لابدّ من دراسته بدقّة وإحكام، بما فيه قياس درجة تقبّل الوضع الإقليمي والدولي، إضافة إلى حشد قوى صديقة ومجتمعية في الداخل العراقي، كيما تتوفّر له عوامل النجاح والإستمرارية والديمومة، خصوصاً وأنه سيقود إلى إحداث تغيرات جيوبوليتكية في الحال أو في المستقبل، الأمر الذي يقتضي حساب اللحظة التاريخية  في الإختيار والتوقيت استراتيجياً وتكتيكياً، بما لها علاقة  بمستقبل الشعب الكردي وطموحاته المشروعة،إضافة إلى علاقته المستقبلية  بالشعب العربي وظروف توازن القوى في المنطقة كي لا يكون عرضة لإختراق القوى الإقليمية، خصوصاً ما يتردد عن تأييد مجاني يشكّل إستفزازاً لمشاعر عربية من جانب "إسرائيل" مستغلّة ومستفيدة من اضعاف أي كيانية عربية من خلال تأجيج نار الصراع والإحتراب وصولاً إلى تفتيتها أو تقسيمها.
      وحتى بعض القوى الدولية التي كان يُعتقد تأييدها لخطوة الإستفتاء، فإن موقفها كان سلبياً ومتحفظاً، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان بعض المسؤولين الكرد يعوّلون عليها، لأنها وضعت مصالحها الحيوية في العراق والمنطقة، قبل أي اعتبار آخر.
     وعلى الرغم من  استراتيجية واشنطن المعلنة والتي بلورها على نحو واضح برنارد لويس منذ نهاية السبعينيات، إلاّ أن إختيار اللحظة التاريخية مسألة ينبغي أن تُؤخذ بنظر الإعتبار بقراءة المستجدات والمصالح الدولية، إذْ لا تكون أحياناً متوافقة أو متطابقة مع متغيّرات محليّة ولكل ذلك سياقاته الجيوبوليتكية في الصراع والإتفاق وبما ينسجم مع المصالح الحيوية كما تسميها القوى المتنفّذة.
     لقد نظّر برنارد لويس  لفكرة تقسيم العالم العربي إلى دويلات إثنية ودينية وطائفية ومناطقية وغيرها، حتى أنه اقترح خريطة ضمّت 41 كياناً، وهكذا يصبح الجميع "أقليّة "، وتكون حينها "إسرائيل" الأقلية المتفوقة تكنولوجياً وعلمياً، لاسيّما بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص  والغرب عموماً، وكان إيغال ألّون في سياساته الإستيطانية الطويلة الأمد وصولاً إلى إجتياح لبنان ومحاصرة العاصمة "بيروت" 1982 قد تبنّى سياسة القضم التدرّجي للأراضي الفلسطينية وتفتيت العالم العربي، وهو مشروع قائم ومستمر بأشكال مختلفة، وكان آخرها وليس أخيرها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي روّج له جورج بوش الإبن عند احتلال العراق، ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة  بعد العدوان "الإسرائيلي" على جنوب لبنان في العام 2006  ومشروع جو بايدن الخاص بتقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات أقرب إلى "كانتونات" أو "دوقيات"  والذي وافق عليه الكونغرس الأمريكي العام 2007 ، وهو وإنْ ما يزال في الأدراج إلّا أنه يُمكن تحريكه باللحظة المناسبة فيما إذا اختارت الولايات المتحدة ذلك، وقد دعا الرئيس دونالد ترامب إلى مشروع صفقة القرن ، والذي هو استمرار لإتفاقية  سايكس – بيكو ولكن بطبعة جديدة، وكان الفلسطينيون قد خسروا وطنهم في الصفقة الأولى، ولم يتمكّن الكرد من تلبية طموحهم في وطن موحّد كما جاء على لسان الملّا بختيار في مناظرة السليمانية.
      وحتى بعد إتفاقية سيفر لعام 1920، التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد  والتي تم تسويفها بمعاهدة لوزان العام 1923حين قرّر الحلفاء المساومة لحساب تركيا، كان الضحية الشعب الكردي وشعوب المنطقة جميعاً، خصوصاً بعد وعد بلفور العام 1917 القاضي بمنح اليهود حق إقامة دولة لهم في فلسطين، وتمهيداً لذلك كان الإنتداب البريطاني على فلسطين في العام 1922 ، بعد أن تقرر الأمر في مؤتمر سان ريمو العام 1920.
         وحين أستعرِضُ تاريخ المنطقة، فإنما أريد الإضاءة على إشكالية إتخاذ القرار بالتساوق بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، دون أن يعني ذلك تخفيض سقف مبدأ حق تقرير المصير.  وبالعودة إلى قرار الإستفتاء الذي أثار زوبعة من العداء والكراهية والإتهامات المنفلتة من عقالها، حيث عادت لغة التخوين والتشكيك، ووجد البعض ضالّته بإذكاء نار الصراع، فأحيا من جديد ما توفّر في القاموس القديم بما فيه استخدامات الأنظمة السابقة ومعارضاتها، ولعبت القوى الأكثر تطرفاً في الضرب على الأوتار الحساسة لدى الجانبين العربي والكردي. فماذا يتطلّب الأمر من المثقفين المؤمنين بقيم الحرية والتحرّر وحق تقرير المصير؟
الأمير الحسن وحوار عمان

 كمثقّفين يهمّنا إقامة علاقات سويّة ومتكافئة ومتساوية وسلميّة، خصوصاً بما يجمعنا من قيم مشتركة أساسها نبذ التمييز ورفض الظلم والإستبداد والإضطهاد والدفاع عن الحقوق والحريات وصولاً إلى سلام عادل يلبّي طموح الكرد في إطار المصالح الوطنية العليا والقيم الإنسانية، ولكي يتم توسيع دائرة الحوار ونزع فتيل النزاع بادر سمو الأمير الحسن بن طلال بقناعة بالدعوة الخيّرة لرأب الصدع وإعادة اللحمة، خصوصاً بين المثقّفين الكرد والعرب، فدعا في عمان إلى حوار عربي – كردي في 1 آذار/ مارس 2018 ، ساهم فيه مثقّفون كرد وعرب من الأقطار العربية المختلفة، وبينهم بالطبع من العراق أيضاً.
 وطرح لقاء عمان بلاتفورم للعمل عليه فيما يتعلّق بتعزيز الروابط الثقافية والفنية والأدبية وتشجيع الترجمة وتبادل الزيارات وإقامة فاعليات وأنشطة مشتركة على جميع المستويات الفنيّة والرياضية والإجتماعية، يكون سقفها الإحترام المتبادل ومراعاة الخصوصية والهويّات المتعدّدة بما يجمعها من مشتركات عامة. وصدر في كرّاس بعنوان " الحوار العربي - الكردي" - خلاصة أعمال ندوة عقدها منتدى الفكر العربي في 1 آذار/ مارس 2018.
وقد أُجريت جولة الحوار العربي - الكردي، الفكري والثقافي بشفافية عالية واعتمدت كأساس لإقامة جولة ثانية موسّعة للحوار وفقاً للبلاتفورم الذي وضعه منتدى الفكر العربي، ولولا اجتياح المنطقة والعالم أجمع جائحة كورونا (كوفيد-19) لكان من المقرّر التواصل لتحديد موعد للجولة الثانية.

حوار أعمدة الأمة الأربعة
واستناداً إلى نجاح فكرة الحوار العربي - الكردي، بادر سمو الأمير الحسن لتبنّي مقترح تنظيم جولة لحوار مثقّفي الأمم الأربعة: الكرد والفرس والترك والعرب في 23 تموز/ يوليو 2018 ، وكان أول لقاء لوضع هذا المقترح موضع التنفيذ قد حصل في تونس في إطار المعهد العربي للديمقراطية 2016  بمبادرة من كاتب السطور ، وشارك فيه شخصيات كردية وفارسية "إيرانية" وتركية وعربية، وتأسّس وفقاً له لاحقاً منتدى التكامل الإقليمي في بيروت 2019، إلاّ أن جائحة كورونا وظروف التباعد حالت دون تنشيط دوره، علماً بأنه عقد لقاءً تشاورياً في تونس أيضاً في مطلع العام 2020.
وبالعودة إلى مبادرة سمو الأمير الحسن فقد انعقد "مؤتمر أعمدة الأمّة الأربعة" بحضور شخصيّات من تركيا وإيران وكردستان (العراق) والبلاد العربية. وتجري الإستعدادات لعقد لقاء جديد يستكمل اللقاءين السابقين، العربي - الكردي و"أعمدة الأمة الأربعة"، وقد انعقد لقاء تشاوري للجنة مصغّرة ضمّت ممثلين عن مثقفين من الأمم المشار إليها .



السليمانية : التواصل والتكامل

 تواصلاً مع مؤتمرات الحوار العربي - الكردي منذ 30 عاماً، فإن المناظرة الفكرية التي انعقدت في السليمانية 3-5  أيلول/سبتمبر 2021، والتي تحدّث فيها ملّا بختيار وكاتب السطور، أعادت طرح الإشكالية  التي هي العنوان العام لجميع الحوارات: ماذا يريد الكرد من العرب وماذا يريد العرب من الكرد؟ وكيف السبيل لتعزيز دور المثقفين للتفاعل والتواصل في إطار المشترك الإنساني؟
ومن خلال المداخلات وعلى هامشها أيضاً تم التفكير في سبل جديدة لبحث و تطوير ما هو مشترك وصولاً إلى ما هو خلافي، أو العكس البدء مما هو خلافي لتنقية الأجواء وصولاً إلى ما هو مشترك، وذلك بالعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريق المثقفين والثقافة التي هي  المظلّة التي يستظلّون تحت لوائها، كما يمكن تحديد الأولويات بدءًا بالمواطنة وفكرة الإتحاد الإختياري والعيش المشترك، من خلال مناقشة التجارب العملية، سواء ما هو قائم منها أو ما هو محتمل إبتداءً من الحكم الذاتي ومروراً بالفيدرالية وصولاً إلى الكونفيدرالية، مثلما يمكن مناقشة حق تقرير المصير في تجليّاته الحقوقية والسياسية، بجوانبها النظرية والعملية بما فيه تشكيل كيانية خاصة بالكرد فيما إذا رغبوا بالإستقلال وتكوين دولة حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً.

"الضد" واﻠ "مع"
 الأمر لا يتعلّق بالرغبات (ضدّ أو مع)، بل بتوازن القوى والمصالح وإمكانية الإستمرار في كيانية كردية خاصة دون تداخلات أجنبية، وخصوصاً إقليمية، ناهيك عن ضغوط دولية، فما هو دور المثقّف الكردي النقدي التنويري التبصيري؟ وأين يكمن جوهر ثقافته؟ وكيف السبيل للتواصل مع شقيقه المثقّف العربي في العراق والعالم العربي، ناهيك عن المثقف الإيراني والمثقف التركي ؟ والأسئلة ذاتها هي التي تواجه المثقّف العربي في العراق، فما هو دوره؟ وكيف ينظر إلى مطالب شقيقه المثقّف الكردي؟ وماذا يريد منه؟
 ففي بعض المواقف ثمّة اختبار لصدقية وإنسانية وثقافة المثقّف، إذْ كيف يمكن تطويع وسيلته الإبداعية لخدمة القيم الإنسانية والجمالية؟ ثم ما السبيل لتواصله مع شقيقه المثقّف الكردي في كردستان العراق أو في بقية أجزاء كردستان؟ ويتطلّب الأمر النظر بحيوية وتكافؤ دون إستعلاء أو تسيّد أو ادعاء بالأكثرية العددية من جانب المثقّف العربي ودون تعصّب أو انغلاق من جانب المثقّف الكردي.

الراهن مستمر
مثل هذه الأسئلة الراهنة، كانت "راهنة" دائماً وعلى قدر كبير من الحساسية في وقت تمّت الدعوة لأول حوار عربي – كردي في العام 1991 خارج الأطر الرسمية حين التأم في العام 1992 ، ويتذكّر الأحياء من الذين حضروا المؤتمر الأول للحوار وهم كثر من العرب والكرد كيف سارت وجهة الحوار في بداياتها؟ وكيف انتهت إليه في خاتمتها وهو ما يعزز الثقة بالحوار وأهميته وأفقه المستقبلي؟
وهو ما يمكن الإجتماع عنده كمثقفين وأصدقاء معنيين بشؤون الثقافة وبالدور المنشود للمثقّف، خصوصاً حين يكونون على قناعة بأهميّة العلاقات العربية – الكردية ليس ببعدها السياسي فحسب، بل بأبعادها الجيوسياسية والثقافية والإجتماعية  والصداقية والإنسانية.
وبما أن المثقّف ناقدٌ فمن خلال النقد والنقد الذاتي والمراجعات الضرورية يمكن التوصّل إلى مشتركات لتجسير الفجوة بين المثقّفين أولاً، وإزالة بعض الحساسيات والعوائق خارج دوائر الإستتباع والهيمنة أو الإنعزالية والإنغلاق، وهو ما ينبغي البناء عليه في إطار علاقات  حميمية وصادقة، فلا الولاء أوالمديح أوتأييد السياسات بما لها وما عليها، ولا العداء أوالتجريح أو الشوفينية ، تستطيع بناء علاقات صادقة وصافية ومحترمة وواعدة في الآن، تلك التي تعني توسيع خيارات الناس في التنمية والتقدّم والإزدهار.
لقد كانت مناظرة السليمانية علامة مضيئة على طريق الحوار العربي – الكردي، خصوصاً وأنها من السليمانية وكردستان، لذلك فإنها ستكون خطوة إيجابية وموفّقة لتعضيد المبادرات العربية على هذا الصعيد، وبالتالي يمكن أن تكون نواة لحوار قادمٍ بين مثقّفي الأمم الأربعة الذي هو الآخر يحتاج إلى مأسسة وإدارة وتواصل في الحقول المختلفة.

حوار 50 عاماً أفضل من ساعة حرب
     أعتقد إن السبيل لبلوغ الأهداف المشتركة هو الحوار، وكما قيل حوار 50 عاماً أفضل من حرب ساعة، فالحرب ستترك ويلات ومآسي وآثار إجتماعية ونفسية وجروح يصعب إندمالها أحياناً وذاكرة قد تتّجه إلى الكراهية والحقد والإنتقام، فما بالك حين يكون ضحيّتها الشعب الأعزل والجهات التي دُفعت إليها دفعاً، حتى وإن كانت خارج دائرة الصراع. 
     والحوار يتطلّب جهداً أكبر يجمع مثقّفين من تيّارات فكرية واجتماعية مختلفة، ليكونوا قوة ضغط وقوة إقتراح وقوة شريكة ومكمّلة في وضع الحلول والمقترحات، من خلال رؤية حقوقية - إنسانية، انطلاقاً من المشتركات والمصالح والمنافع المتبادلة.
     أعتقد أننا كنخب عربية وكردية بحاجة إلى حوارات معمّقة وتفاهمات استراتيجية واتفاقات طويلة المدى وثقة متبادلة وصراحة كاملة وشفافية عالية ونقد متبادل ونقد ذاتي أيضاً، لندفع بجهد السياسيين لعلاقات منزّهة خالية من الأغراض والتكسّب والمصالح الأنانية الضيّقة، والتفاهمات التكتيكية الطارئة والظرفية والصفقات، والتي سرعان ما تتبخر وتظهر عيوبها، وذلك بعيداً عن أجواء الغرف المظلمة أو المهرجانات الصاخبة ذات الطابع الدعائي والتي غالباً ما تأخذ جانب المجاملة والإحتفالية.
    وكنت لأكثر من مرّة قد أشرت إلى ضرورة مراجعة وتدقيق ما يحتاجه الطرفان العربي والكردي وكلاهما مستهدفٌ من قوى خارجية وأخرى داخلية لا تريد لهذا الملف أن يصل إلى غاياته المنشودة ، وكان آخرها في المنتدى الأكاديمي الدولي بالتعاون بين جامعتي كويسنجق وبغداد 28 - 29 نيسان/ أبريل 2019 وفي بحثٍ عن "المثقف ومسألة التعايش المشترك" حاولت أن أضع أمام المعنيين عدداً من القضايا التي تحتاج منّا إلى وقفة جديّة لمراجعتها ومنها:
•   المحاولات الحثيثة لعزل الكرد عن المحيط العربي وإضعاف ما هو مشترك و
وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو إشكالي و خلافي، حيث يجري تضخيم "الفوارق" بدلاً من تعظيم "الجوامع". وفي هذا المجال هناك تفاصيل عديدة، تتعلّق باللغة والثقافة والترجمة والفنون والأداب والعلاقات بشكل عام.
•   تحميل العرب والعروبة وزر ما حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني. وبنظرة تعميمية تتحوّل ارتكابات النظام السابق وآثامه والأنظمة التي سبقته وكأنها ارتكابات من جانب العرب والعروبة، ومثل هذه النظرة تنطلق من رد الفعل بعيداً عن العقلانية النقدية الإيجابية، ناهيك عن الواقع.
أما من جانب العرب فيتم:
•   اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير ودعوتهم لإقامة كيانيّة خاصة مستقلة بهم (دولة) ، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال. ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب السياسية الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد، ناهيك عن الشعب الكردي.
•   عدم اكتراث بعض عرب العراق وقسم كبير من القوى السياسية، فضلاً عن المثقّفين العرب من بلدان عربية أخرى بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة، وكأن الأمر لا يعنيهم، في حين أنهم يطالبون الكرد باتخاذ مواقف تضامنية مع العرب في كل مكان، وخصوصاً فلسطين، إلا أنهم يقفون موقفاً سلبياً إزاء حقوق الكرد.
•   عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بحساسية العلاقة مع "إسرائيل" المنتهِكة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير.
•   وعلى الطرفين العربي والكردي عدم تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى. والأمر يشمل النخب السياسية بالدرجة الأساسية، والنخب الفكرية والثقافية والحقوقية أيضاً وإن بدرجة أدنى.

وعلى الطرفين العربي والكردي تبديد المخاوف والشكوك إزاء بعضهما البعض، إذْ لا بدّ للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد وذلك من خلال تعزيز وتوطيد العلاقة والتفاهم والمشترك الإنساني، والاعتراف بحقوقهم وفي مقدمتها حقهم في تقرير المصير بكل ما يتضمنه هذا الحق وما يعنيه من مضامين، لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم وانسجاماً مع النفس في الإنتصار للمظلوم والشريك في الوطن، فضلاً عن مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمواطنة المتكافئة التي هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الدولة ، مثلما ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين الشركاء. فالكرد أمة مثل بقية الأمم لها الحق في تقرير مصيرها وتحقيق الوحدة الكردية الكيانية، مثلما العرب أمة قسمها المستعمرون أيضاً ولها الحق في إقامة الوحدة العربية. وهو ما ينبغي أن يُؤطّر قانونيّاً وفي سياق دستوري مُتّسق.

كما لا بدّ  للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءًا من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي، علماً بأن  لا سعادة للعرب من دون الكرد، ولا سعادة للكرد من دون العرب في العراق، لأن مصيرهما مشترك وذلك قدر الجغرافيا، سواء أكان نقمة  أم نعمة.
ولعلّ جميع هذه القضايا ستظل مطروحة للنقاش، وقد جاء بعض هذه القضايا في مناظرة المفكّر الكردي ملّا بختيار مع كاتب السطور عبّر فيها الطرفان برحابة صدر وموضوعية وشفافية عالية.
 
عوضاً عن الخاتمة
وفي الختام أودّ أن أشير إلى ما سبق وأن قلته منذ عقود من الزمن، وهو أن "أغلبيات" كثيرة اجتمعت في شخصي المتواضع، وذلك بمحض الصدفة، وهي أغلبيات دينية وقومية وحسب البعض مذهبية، وأزعم أنها أغلبيات شعبية، وخصوصاً دفاعي عن الفقراء والكادحين وعموم المظلومين، ولكن عروبتي التي أعتزّ بها وانتمائي الصميمي للحضارة العربية - الإسلامية ودفاعي عن المسحوقين ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة إن لم أعترف بحقوق الآخرين وفي مقدمتهم الشعب الكردي الشقيق، ولاسيّما حقّه في تقرير مصيره.
وكنت كتبت رسالة خاصة للزعيمين الكرديين مسعود البارزاني و جلال الطالباني عشية غزو العراق واحتلاله في العام 2003 محذّراً من المخاطر الجمّة، وأكرر اليوم ما جاء فيهما فحتى لو تخلّى هذا الطرف الكردي أو ذاك لأسباب سياسية أو تكتيكية عن حق تقرير المصير، فسوف أبقى مدافعاً عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وخياراته الحرة لإيماني المبدئي، الفكري والحقوقي بذلك، ولأن ذلك حق قانوني وإنساني أيضاً، سواء بالإتحاد الإختياري الأخوي أو إقامة دولة مستقلّة صديقة للعرب، وأقول ذلك دون لبس أو غموض وبثقة وشفافية كمثقف يؤمن بقيم التحرر والحرية والسلام والتسامح وحق تقرير المصير. 


   
 
 
   

9
الأكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان:
السلطة ذكورية ولا كتابة حقيقية دون جرأة


 
أورنيلا سكر

كاتبة وإعلامية لبنانية، رئيس تحرير موقع أجيال القرن 21 للدراسات والأبحاث الاستشرافية،
ليسانس الإعلام والاتصال جامعة نوتردام، لويزا، لبنان

 
جريدة القدس العربي 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2021
 
حاورته: أورنيلا سكر

في أعمال الناقد والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان تتداخل الأصوات والصور في هارموني يتوحد ويتعدد في آن. فما العلاقة بين الكاتب وما يكتب؟ أي بين الكاتب ونصه، فهل النص هو وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب، خصوصاً في سردياته؟ وكمحاولة للإجابة على هذه الأسئلة يدور الحوار..
□ ماذا تعني لك الكتابة؟
■ الكتابة ينبوع حياتي ولا أريد لهذا الينبوع أن يجف أو يردم، ودائماً أحاول أن أملأه بالقراءة والتأمل والمراجعة.
□كيف تؤلف بين الكتابة والمنفى؟
■ إنهما رديفان لا يفترقان، فالمنفى هو الوطن الشاسع وفيه الأفق بلا حدود، ومع هذا الأفق أتماهى بالكتابة والحرية اللتين هما تعبير عن إحساسي بالوجود، مع ملاحظة أن كل عمل أنجزه يشعرني بالمزيد من القلق والمسؤولية، والمراجعة التساؤلية العقلانية النقدية، بتخليص أدواتي من التبشيرية الإيمانية المطلقة.
□أثمة صدمات واجهتك؟
■ نعم وكل صدمة أو نهاية مهما كانت مأساوية، فهي مفتوحة عندي على الحلم، الذي ينبغي له أن لا يتوقف أو يتبخر، فالأحلام لديّ متوالدة.
□وهل تنشغل بالحقيقة أم بالحدث؟
■ يعنيني الحدث مثلما تعنيني الحقيقة. والأخيرة ليست مشاطرة أو مغالبة، وإنما هي شكل أعلى للمعاناة الإنسانية.
□ أين إذن أنت من التفاصيل؟
ـ بقدر ما تكون التفاصيل مهمة وينبغي عدم الاستهانة بها أو إهمالها، إلا أنها ينبغي أن لا تؤثر في رؤيتي للمشهد العام، وهذا الأخير ليس بوسعه تجاوز التفاصيل، ففيها يكمن الشيطان أحياناً.
*أضرورة من جرأة للكتابة؟
■ لا كتابة دون جرأة، ولا جرأة دون نقد، وأي كتابة دون خلخلة ما هو سائد ليست بكتابة.
□ كيف تصنف نفسك.. مفكراً، أكاديمياً، ناشطاً سياسياً، مناضلاً؟
■ لا أحكم على نفسي، والحكم للقراء أساساً، وكل هذه الصفات متعلقة بالكتابة، ولذلك كم كنا نتمنى وجود نقاد بمستوى المسؤولية حسب الجواهري الكبير، لكانوا أغنونا هذا العناء. ولعل ميزة الكاتب الجيد أن كتبه تثير نقاشاً وجدلاً، وذلك في إطار نظرة موضوعية ليس هدفها تجاوز المألوف بقصدية وإغراض وإثارةٍ، وإنما الهدف هو طرح أسئلةٍ لنقدِ ما هو سائد باتجاه التنوير والتغيير واستشراف المستقبل.
□ تميل إلى التنظير؟
■ نعم وبين السرد والتنظير ثلاثية لا انفصام بينهما وهي: الكاتب والنص والقارئ.
□ لكنك تكتب سرديات تبدو كمشاريع روائية، لا تخلو من حبكة درامية.. هل تنوي كتابة رواية؟
■ سردياتي فيها شحنات شعورية وصراعات بين الجسد والروح والعقل، وبالطبع فالقلب حاضر دائماً. وسردياتي روايات لم تكتمل، وتظل تشغلني باستمرار وأتلقى سيلاً من الرسائل والمناشدات أحياناً لاستكمالها، أو لإعطاء تفسير لبعضها. وأنا شخصياً أترك القارئ يقرأ السردية على طريقته، ووفقاً لتقديراته وتفسيراته وتأويلاته، فربما الكاتب آخر من يعلم بنتيجة ما يكتب أحياناً.
□ ولمن تتوجه بكتاباتك؟
■ أربعة أنواع من الكتابة أزاوج بينها وأتنقل من واحدة إلى أخرى، وأحياناً أجمعها: وهي الكتابة الأكاديمية والجامعية (الأبحاث والدراسات والمؤلفات النظرية) والمقالة البحثية التي تجمع الصحافة بالبحث العلمي (معلومات، أرقام ودقة في الاقتباس) والكتابة الثقافية، وهي خلاصات نقدية وقراءات لأعمال ونتاجات وتقييمات لشعراء وروائيين وأدباء ومفكرين وباحثين، والكتابة السردية التي هي تجارب حياتية جامعة ومراجعات نقدية.
□ إذن أنت لا تميل إلى التخصص؟
■ التخصص ضروري، لكن ينبغي عدم الانغلاق عليه، ولا بد للمتخصص في حقل ما أن يكون ملماً بحقول أخرى يلاقح فيها اختصاصاته الأولى، فما بالك حين تصبح أحياناً متداخلة ومتعاشقة، فالقانون يحيلك إلى السياسة وهذه تأخذك إلى الاقتصاد، والاجتماع يدفعك إلى التاريخ، وكل شيء يجذبك إلى الفلسفة، مثلما يحتاج الأمر إلى قراءة الإبداع والنتاج الثقافي. وكل ذلك يمثل رافداً من روافد المثقف، وكلما اتسعت ثقافته ازداد موسوعية، وصقلت لغته وتمكن من أدواته، وحسب النفري «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة».
□ في كتابك الجديد «دين العقل وفقه الواقع» أجريت مناظرات مع الفقيه السيد أحمد الحسني البغدادي بشأن الإيمان، فمن هو المؤمن ومن هو غير المؤمن؟
■ الإيمان بالعقل ودون العقل يتحول الإيمان إلى صنمية وتقليد أعمى. أما الإيمان دون الضمير فيقود إلى تسلطية واستبداد وعنف وإرهاب، وكلاهما يقومان على التعصب ووليده التطرف، فإيمان العارف هو ليس مثل إيمان غير العارف فـ»هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ» (سورة الزمر). وحسب ابن عربي: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.
□ هل قلقك بشأن الإيمان معرفي أم شخصي؟
■ ينبغي عدم الانشغال بالإيمان واللاإيمان بما يصرفنا عن المهمات التي تواجهنا وهي تحقيق العدل والمساواة بين البشر وتمكينهم من مواجهة تحديات الطبيعة واستغلال الإنسان للإنسان، لصالح رفاههم وسعادتهم، وهي تخص المؤمن وغير المؤمن، فالكون يقوم على قوانين تم خلقها، وعلينا البحث عن تلك القوانين والأمر يتعلق بالوعي والمشترك الإنساني اقتفاءً بأثر ديكارت. الدين منجزٌ بشريٌ كبير وهو محاولة لطمأنة الإنسان بتفسير القوانين الكونية في إطار حدود العقل البشري، وهذا الأخير في تطور دائم ومستمر. وقبل الدين كانت الأساطير. وإذا كان ثمة نقد لبعض سلوكيات من نطلق عليهم «رجال الدين» فإن هذا النقد ينبغي أن لا يوجه إلى القيم الدينية والمُثل الإنسانية، وهم مثلهم مثل زعماء الأيديولوجيات الشمولية، يتصرفون بأتباعهم بما يشوه الجوهر الإنساني، سواءً كان الأمر باسم الجهل أو باسم التقدم، فكلاهما يحجبان حق التفكير والتعبير ويصادران العقل.
□ لماذا تفكك اليسار العربي إلى درجة التلاشي أحياناً؟
■ ثمة أسباب داخلية وأخرى خارجية لأزمة اليسار العربي، بل اليسار العالمي، وهي أزمةٌ مركبة وعضوية، فكرية بالدرجة الأساسية، ناهيك من تطبيقات وممارساتٍ مشوهة وقاصرة وبعضها لا إنساني. لعل حواري مع نفسي وفي خلواتي مثلما هو حواري مع التاريخ ومراجعةٌ لمنولوج داخلي نقدي، ووقفة تأملية لفحص الأخطاء الكبرى والصغرى في إطار الأزمة التي مرت علينا وعشنا بعضاً منها، وكان قلقي يكبر إلى درجة أنني قلت في إحدى مطارحاتي، كثيراً ما أجد نفسي خارج المؤسسة أو أغني بإيقاع مختلف عنها، حتى لو كنت في داخلها، لكنني لا أريد أحياناً أن أحسب نفسي عليها، لشعوري أنها تُفقد الإنسان خصوصيته الفكرية، وتحدد حريته في النقد، حتى لكأن المرء يشعر بأنه داخل سور أو كيان مغلق على نحوٍ محكم ويسود فيه جوٌ من النفاق العالي والقدر الكبير من التزلف.
□ هل يمكن أن تفسر أكثر؟
■ القصور والكسل الفكري قاد إلى تعويلية للمركز الأممي، ناهيك من محاولة اقتباس أو تقليد أعمى لتجارب تخص مجتمعات أخرى، وهو ما قاد إلى انفصام عن الواقع. فمن في داخل السور يصف من هم في خارجه بأنهم أشرارٌ أو فاسدون أو مخطئون على أقل تقدير. وهذه النظرة تمثل التوجهات الشمولية الماركسية أو القومية أو الدينية، وهناك جوانب مهمة لم تعالجها الماركسية، التي أولت اهتماماً بالجانب الاقتصادي، لكنها لم تولِ الجانب النفسي الاهتمام الذي يستحقه، مثلما جرى استخفافٌ بالدين، علماً بأنه رسم حياة البشر منذ الخليقة، وهناك جوانب تم إغفالها وهي حقول إنسانية مثل الميثولوجيا والانثروبولوجيا والنقد الأدبي والجماليات، وهي إن جرت عودةٌ إليها لكنها غير كافية، تحتاج إلى تلاقح مع مدارس فكرية أخرى. اليسار العربي بحاجة إلى إعادة قراءة واقع مجتمعاته وتطلعاته وتاريخه وتراثه، وتمثلها كتواصلٍ حضاري وهويةٍ تقوم أساساً على الثقافة واللغة والتاريخ المشترك.
□ هل لأن اليسار غير ديمقراطي؟
ـ شيئان لا يوجد أكثر منهما غموضاً والتباساً في الفكر اليساري وهما (الديمقراطية) و(الدولة) والسبب فقرٌ معرفي ووجهةٌ خاطئة، فاليسار عموماً فكر بالثورة على الدولة التي هي منجزٌ بشري هائل. وكانت المركزية عند اليسار تسبق الديمقراطية حتى في التطبيق، طبقاً للتأويلات السوفييتية لكتاب لينين «ما العمل؟» حتى أصبح أقرب إلى ديانة وإن كانت غير سماوية. صحيح أنه جرى اهتمام في الخطاب اليساري في العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه ظل محدوداً، لأن ما هو غالب منذ الخمسينيات في التثقيف الماركسي هو أن سمة عصرنا «الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية» وكان اليسار عموماً يرفض فكرة التعددية، خصوصاً التي تمثل الطبقة العاملة، التي لا بد أن يكون لها برنامج واحد وحزب واحد، وخائنٌ من يجرب اجتهاداتٍ أخرى.. وهذا ديدن الفكر الشمولي بجميع مدارسه.
□ في حوار سابق تحدثت عن حب ما بعد السبعين.. أين أنت منه الآن؟
■ لا توجد سعادة أكثر من الحب، والحب حياة وبوح وحوار وصداقة وحلم وأمل. وهو جزء من ثلاثية سبق لي أن تكلمت عنها، وتتمثل في المرأة والحب والجنس، وتلك تشكل ألغازاً لجوهر الصراعات والعقد النفسية معلنة أو مضمرة. وكنت قد تحدثت عن حب ماركس لجيني. ويبقى الحب والجنس والعشق والزواج مسائل شخصية في العلاقات الإنسانية. وينبغي أن تكون لها حرمة مثل حرمة المنازل والمراسلات والبريد والهاتف والإيميل، ويقتضي الأمر مراعاة حُرمة القلوب والمشاعر والعواطف الإنسانية، لما لها من خصوصية. هناك عشقٌ عابر وهناك مقيم وللعشق أحكامٌ وبقدر ما يكون العشق يقيناً فهو حيرة وهو هدىً، وحسب ابن عربي، الهدى بالحيرة والحيرة حركة والحركة حياة. والعاشق كمن يريد أن يمسك الضوء، ولذلك يظل حالماً كلما اقترب منه طلب المزيد.
□ قلت إنك عاشق.. ماذا يعني ذلك؟
■ إذا كانت السلطة حسب كيسنجر عنصر تهييج للشبق بمعنى أنها شبقية متجسدة في ذكورية تعويضية، فإنها استبدال للحب وابتعاد عن واقع العشق. شخصياً أرى في العشق ولهٌ وصبابةٌ وتدفق في الحب، وهو تعويض عن جميع الحرمانات ومكافأة على جميع العذابات، مثلما هو البديل عن السلطة والتسلط التي يسعى إليهما من لا يعرفون جوهر الحب، وكان غابريل غارسيا ماركيز يقول: السلطة هي التعويض عن الحب، وكم استعرت مثل هذا القول الواقعي بامتياز.
□ وما موقع المرأة في حياتك؟
■ المرأة نصفي الذي لا توجد حياة بغيرها. ولا يمكنني العيش دونها، ففيها تتأنسن روحي وتكتمل إنسانيتي وتتعقلن خطوتي.
□ وكيف تنظر إلى الجنس؟
■ الجنس روحانية ما بعدها روحانية، إنه تعبدٌ وخشوع وإيمان وطقوس زكية وهو عطر الروح.
□ هل تستطيع أن تتحدث عن أخطائك؟
■ بكل ارتياح وشفافية، فهناك نوعان من الخطأ: الخطأ الأول (الصميمي) وهو الذي يعبر عن اجتهادات أو مواقف أو تقديرات لم تتحقق، أو لم يثبت الواقع إمكانية تحققها، أو أنها كانت بعيدة عن الواقع. وأقول لك إن الإنسان يقع بمثل هذه الأخطاء كل يوم. والمثقف والكاتب بشكل خاص أكثر عرضة لذلك، حسب معطياته ومعلوماته التي يمكن أن تتغير بمعلومات ومعطيات جديدة، الأمر الذي يعني تجاوز المواقف أو التقديرات الأولى. وعليك أن لا تدافع عنها، بل أن تعترف بخطئك موضوعياً وذاتياً. وهذه الأخطاء حتى إن كانت صميمية، محسوبة على المثقف والكاتب أكثر من غيره، لأنها معروفة، في حين يخطأ الناس أكثر منها بعشرات المرات، لكن لا أحد يحاسبهم عليها، لأنها محدودة أو غير معروفة، في حين إن ما نكتبه معرض للنقد والمراجعة والتدقيق، ولذلك على الكاتب أن يكون أكثر دقة وحذراً لاعتبارات تتعلق بالصدقية أولاً ومراعاة لموقعه ثانياً، وخدمة للحقيقة ثالثاً. والنقد الذاتي على الكاتب واجب، وعليه أن يمارسه وأن يجري مراجعة لنفسه باستمرار وتلك فضيلة نطمح إلى الوصول إليها، كيما تصبح فريضة واجبة الإداء. الخطأ الثاني (المقصود) وهو تواطؤٌ ضد الحقيقة، أي سلوك طريق خاطئ، والإنسان يعرف ذلك، لكنه يتذاكى على نفسه، أو يبرر لها أو يجد الأعذار أو يتهم الآخرين، حتى دون اعتذار أو إقرار بالخطأ. فتأييد احتلال بلدك ليس خطأ صميمياً والسكوت عن دستور طائفي أو مهادنة الإمبريالية بقبول معاهدتها المذلة هو خطأ من النوع الثاني.
□ وفي الأخير .. هل ما زلت حالماً؟
■ هناك من وضع أحلامه في سلة واحدة فجاء من خطفها، وهناك من نسي حلمه فأضاع الطريق، وهناك من أصبحت أحلامه كوابيس مفزعة. حلمي يتجدد ويتراكب ويتخالق، ودون الحلم فالحياة تتحول إلى شيء كئيب ويابس وراكد، لذلك فإنني أعيش مع الحلم، حتى إن لم يتحقق. والمهم أن يبقى الإنسان حالماً وبالحلم والأمل يعيش على نحو أفضل. وهو ما يعطيك طاقةً إيجابية، أي بالتفاعل الإنجازي.

حاورته: أورنيلا سكر




10
   

"جنوبية" تستضيف عبد الحسين شعبان: خسارة حلفاء ايران في العراق لا تلغي الشراكة مع اميركا

بوكس1: التيار الصدري الذي فاز بالكتلة الاكبر بـ 73 مقعدا يمثل فقراء العشائر الشيعية العربية



بوكس2: المفاجأة الكبرى تتعلق بالهزيمة القاسية للحشد الشعبي الذي يضم القوى والميليشيات الولائية الحليفة لطهران



مقتطف:

حلّ الباحث والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان ضيفاً على مكاتب شؤون "جنوبية"، في لقاء حواري عرض خلاله لمقدمات ونتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، في حضور عدد من الاعلاميين والصحافيين المهتمين بالشأن العراقي.



خاص جنوبية



استهلت الجلسة الحوارية، بكلمة لرئيس تحرير "جنوبية" الصحافي علي الامين، توجه خلالها بالشكر الى الدكتور شعبان على تلبيته الدعوة، كونه قيمة علمية أكاديمية مضافة، ويعتبر من أبرز العالمين في بواطن الملف العراقي والمتابعين الحثيثين له، خصوصا وان العراق يشكل إرتباطا وثيقا بملفات المنطقة، ومنها لبنان على وجه الخصوص.

بداية، قدم د. شعبان عرضاً وافياً لمسار الاحداث في العراق، قال خلاله": انه بعد احتلال اميركا للعراق العام 2003، الكل فقد التوازن، لان السائد كان في عهد دكتاتورية صدام حسين، هو الجهل والقهر وهذا يؤدي إلى استلاب الإنسان وزاد الأمر سوءًا خلال فترة الحصار الدولي، وهو ما طحن عظام العراقيين ومحق كراماتهم . وأضاف: كان هناك أيضاً غياب الحريات لمدة 35 عاماً أيام حكم البعث، لذا فالحرية التي تذوقوا طعمها تحولت بسرعة خارقة إلى فوضى وحرية تشهير وضاعت حرية التعبير وسط ركامٍ من الكراهية والأحقاد والضغائن والإنتقام على نحو منفلت من عقاله، خصوصاً في ظلّ تراشق الشتائم والإتهامات عبرمنابرٍ وفضائيات طائفية وإثنية وبلا مسؤولية أو مساءلة وبتشكيك بكل شيء وهو ما انعكس على المنافسات الإنتخابية خلال 5 دورات آخرها انتخابات 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.   



الانتخابات والدستور



عن الانتخابات البرلمانية الخامسة بعد احتلال العراق عام 2003، والتي جرت يوم10 / 10 ، رأى شعبان أن البعض "كان يعوّل على الانتخابات ان تؤدي إلى التغيير، ولكن مع الأسف ليس كل انتخابات هي تعبير عن الديمقراطية، مع أنها الوسيلة الممكنة للتغيير، مع العلم أن القانون الانتخابي الذي قام على الانتخاب الفردي بدلاً من القوائم المغلقة أوالمفتوحة وعلى نظام الصوت الواحد غير المتحول بدلاً من سانت ليغو وفسح في المجال لمشاركة أعداد من المستقلين". وهكذا قُسّم العراق إلى 83 دائرة وسط أجواءٍ بعضها مرتاب والآخر متحفظ. وكانت المشاركة حسب مفوضية الإنتخابات تقارب من 41%، وربما كان ذلك استناداً إلى البطاقات الإنتخابية وليس لنسبة التصويت الحقيقية، في حين قلّل إياد علّاوي، الذي قال إنه لم يشارك في الأنتخابات لكن جماعته شاركت فرديّاً، من المشاركة إلى 12% وتقديرياً يمكنني القول أن نسبة المشاركة ربما زادت قليلاً عن 20%. وشاركت الكتل الكبيرة في الإنتخابات في حين قاطعتها مجموعات صغيرة مثل الحزب الشيوعي وقائمة الوطنية وقوى قليلة أخرى، حتى وإن كانت المقاطعة الشعبية كبيرة.
 

ولفت شعبان إلى "تناقض يشوب الدستور العراقي الذي أسس وفقاً لمبدأ المكونات الذي لا يعني سوى نظامٍ للمحاصصة حيث ورد مصطلح المكونات مرتان في المقدمة وفي المواد 9 و 12 و 49 و 125 و 142 ، وفي كل ما يتعلق بتوزيع المناصب، إضافة إلى تناقضه بالتوفيق بين الشريعة وحقوق الإنسان والديمقراطية  حيث نص على أن لا يتعارض تشريع أي قانون مع تلك الخلطة غير المتجانسة.

وأوضح انه "بموجب الدستور تستطيع ثلاث محافظات، تعطيل الدستور من اصل 18 محافظة، تتكون منها البلاد إدارياً، ومن الألغام أيضاً ان الدستور العراقي، ينص على انه إذا تعارض دستور الدولة مع دستور الإقليم، فالغلبة لدستور الإقليم في حين أن الأنظمة الفدرالية تعلو من شأن الدستور الإتحادي على دساتير الأقاليم ، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الجيش والقوات المسلحة والسياسية الخارجية والدبلوماسية وقضايا العملة والموارد الطبيعية والخطط الإقتصادية الكبرى والمنافذ الحدودية  ، فهذه  جميعها تخضع للسلطة الإتحادية ، مع العلم ان النظام الفيدرالي لم ينفذ بعد في العراق ، فما زال المجلس الإتحادي الذي نص عليه الدستور غائباً وقانون النفط والغاز معوّماً والمنافذ الحدودية ملتبسة وغير خاضعة كلياً للسلطة الإتحادية، والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية غير موحدة وتتخللها اختراقات عديدة".



قراءة نتائج الانتخابات



     تطرق شعبان الى "نتائج الانتخابات الاخيرة التي أفرزت أكبر كتلة، هي كتلة السيد مقتدى الصدر وعددها 73 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329"، ويفترض أن تتولى تشكيل الحكومة بحسب تفسير المحكمة الإتحادية للنص  الدستوري ،و كشف عن بعض التغييرات التي تتعلق بهزيمة الحشد الشعبي، الذي يضم جميع القوى والميليشيات الولائية الحليفة لطهران مثل الفتح والعصائب و الكتائب و بدر، و سند. وتابع المحاضر قوله: "وتشير الأرقام المعلنة إلى حصول بدر على 14 مقعداً، بعد أن كانت تملك كتلته 47 مقعداً في الدورة السابقة ، كما من بين الخاسرين أيضا الفصيل الشيعي الرئيسي الثالث الذي يطلق على نفسه اسم "القوى الوطنية لائتلاف الدولة"، ويقود هذا التحالف عمار الحكيم ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، ولم يحصد هذا الفصيل سوى ستة مقاعد، حسب النتائج، فخسر الطرفان 56 مقعدا كانت بحوزتهما في البرلمان السابق"

وفي السياق عينه، أوضح شعبان ان «حراك تشرين» والمدنيين المستقلين، حصلوا على نحو 30 مقعداً وفاز المرشح المستقل من أصول يسارية  محمد عنوز، على أكثر من 15 ألف صوتا، في الدائرة الأولى بمحافظة النجف، ليصبح الأول متقدماً بذلك على جميع مرشحي محافظته"، مشيرا إلى أن "ائتلاف «دولة القانون»، اي حزب الدعوة وحلفائه بزعامة نوري المالكي، حصل على 37، وهو معروف بقربه من ايران وتعثّر علاقته مع أمريكا، وبالتالي حلّ ثالثا بعد كتلة "تقدّم" السنية، التي يرأسها رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي، التي حصلت كتلته على 43 مقعدا".



تحالف الأحزاب السنية إنتخابياً

و في قراءته لواقع الاحزاب السنية، وجد شعبان انها "خاضت الانتخابات بثلاثة تحالفات رئيسية، هي تحالف "تقدم" بقيادة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وتحالف "العزم" بزعامة رئيس "المشروع العربي"، الذي يرأسه خميس الخنجر، وحل تحالف "تقدم" في المرتبة الثانية ب 43 مقعداً، وذلك بسبب حصوله على دعم عدد من القوى الاقليمية وخصوصاً تركيا والامارات، علماً بأن علاقته جيدة مع إيران مثلما يرتبط بعلاقة وثيقة مع واشنطن ، في حين حقق تحالف "العزم" 14 مقعداً وعلاقته جيدة مع إيران وهو مدعوم من قطر وتركيا.



وتناول شعبان أوضاع إقليم كردستان، فأشار إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، تمكن بزعامة مسعود بارزاني، من الفوز بنحو 32 مقعداً، فيما خسرت حركة «التغيير» كل مقاعدها، وتمكّنت حركة «الجيل الجديد» الناشئة من الفوز بنحو 9 مقاعد، لذلك فانه بالنسبة لمنصب رئاسة الجمهورية المحسوب على الاكراد، ومن سوف يتولاه في المرحلة اللاحقة بعد الرئيس الحالي برهم صالح، ربما سيكون الملا بختيار، وهو شخصية مستقلة مقربة من مسعود البارزاني أو أن يرشح الحزب الديمقراطي رئيساً عنه بعد أن تولى الرئاسة ثلاث شخصيات من الأتحاد هم الطالباني و فؤاد معصوم و برهم صالح ".

وخلص شعبان الى ان "العراق اقليميا منذ 2003، يتوزع مناصفةً بين أميركا وإيران، وبالتالي يمكن لايران بان تلعب دورا اساسيا في تشكيل الحكومة بالشراكة مع واشنطن. وقد تتجه طهران إلى الضغط على الكتل الشيعية لتوحيدها بتسويات تكون فيها الكتلة الأكبر، وذلك لفرض توجهها على الأطراف الأخرى.



ايران و السيستاني

وحول دور إيران في العراق وجد شعبان ان "ايران رغم خسارة القوى الموالية لها لعدد من المقاعد الانتخابية إلا أنها ما تزال تملك أوراق غير قليلة، ومع أن علاقتها ليست وثيقة مع التيار الصدري إلاّ أنها ترتبط معه بأكثر من وشيجة، خصوصاً وهو يمثل التيار الشعبي الأكبر للشيعية السياسية، وهؤلاء ينحدرون من العوائل الأكثر فقراً والممتدة عشائرياً في وسط وجنوب العراق إبتداءً من مدينة الثورة " مدينة الصدر" وصولاً إلى البصرة .
  علماً بان ثلاثة عوامل تؤثر في الانتخابات بالعراق، هي المال السياسي وانتشار السلاح والشحن الطائفي والإثني والعاملان الإقليمي والدولي وأن تأثير الفتاوى الدينية محدودٌ جداً ، خصوصاً بعد فشل القوى الدينية الحاكمة جميعها ، وأعتقد أن المقاطعة للإنتخابات كانت  على أشدها في مناطق الوسط والجنوب على الرغم من صدور فتوى للسستاني بالمشاركة  .

الارستقراطية الدينية في العراق

و يتطرق شعبان الى الحالة الدينية الشيعية في العراق، فيقسمها إلى أرستقراطية دينية وشعبويةٍ إنتقائية وبينهما فقهاء (أيديولوجيون منظرون) ودعاة ومبشرون وهؤلاء قرّاء منابر حسينية وشعراء حسينيون وأصحاب مواكب حسينية ومنتسبوا الحوزات والمقامات الدينية الشيعية، وعموم الشيعة الذين يتوزّعون على الأحزاب الدينية وغير الدينية ( وهؤلاء قلّة قليلة) أما الأغلبية الساحقة فلا علاقة لهم بالسياسة. اما مرجعية السيد علي السيستاني فهي المرجعية الدينية الاولى لدى مقلّديه من الشيعة. والمرجعية الشيعية أممية ولا علاقة لها بالقومية، ويفترض فيها أن تتحلى بالزهدية والألمعية . ولم تتدخل المرجعية بالسياسة إلاّ باستثناءات محدودة ( خلال ثورة العشرين وحتى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 ) ، وقد دخلت مرجعية السيد محسن الحكيم حقل السياسة ضدّ المدّ الشيوعي في نهاية الخمسينيات بإصدارها الفتوى الشهيرة "الشيوعية كفر و إلحاد"، وحيت توفي عام 1970 لم يعد للمرجعية اي دور سياسي في العراق، مع استثناء السيد محمد باقر الصدر الذي اعدمه صدام حسين عام 1980، فهو كان شخصية مجتهدة جريئة ومفكر اسلامي كبير".

اما الباقون، برأي شعبان، مثل المرجع السيد الخوئي، الذي خلف السيد الحكيم وكان عالماً كبيراً ولديه مؤلفات عديدة فقد تجنّب الخوض بالسياسة إلاّ باستثناء ما كان يفرض عليه حكومياً والأمر حصل لمن بعده وأعني بذلك السيد السيستاني، فتلك كانت الغالبية الساحقة من المراجع الدينية الشيعية إذا استثنينا الخالصي والحكيم، حيث كانت الحوزة تقليدية صامتةً حتى العام 2003، وبعد الاحتلال الاميركي لجأ إليها بعض السياسيين العراقيين القادمين من الخارج، ومنهم قيادات حزب الدعوة، للتعويض عن نقصٍ في التعبئة الشعبية وللخشية من اتخاذ قرارٍ للمشاركة في العملية السياسية بمفرده وبذلك حصل على دعم معنوي واجه به المعترضون من داخله  واستغل ذلك بول برايمر الذي بادر هو الآخر بتوجيه رسائل ووسطاء إلى السستاني وتلقى منه 30 رسالة كما يقول في كتابه" عام ٌ قضيته في العراق" لكنه لم يخبرنا هل كانت الرسائل تحريرية أم شفوية وهل هي واقعية فعلية أم مبالغ فيها 



السيستاني..واللحظة التاريخية

 وأردف شعبان قائلاً ": كان السيستاني شديد الذكاء فظهر قائدا سياسيا محنكاً، لانه قرأ اللحظة التاريخية وعرف ما يريده الناس، فلعب دورا حكيما عندما دعا الى كتابة دستور بأيدي عراقية ، والى انتخابات نيابية، وكذلك نهى عن الاقتتال الداخلي الطائفي او القومي، ثم اقرّ بوجوب خروج الاميركيين من العراق ولكن بطريقة سلمية، وبذلك تكون ولاية الفقيه التي سعى اليها الامام الخميني في ايران، قُدّمت على طبق من فضة بواسطة الاحزاب الاسلامية العراقية ، وبموافقة المحتل الاميركي، الذي اراد ان يروّض تلك الاحزاب، فظهر بصورة الزعيم الذي لا يتقدّمه أحداً ولم يتمتع بهذه الصفة أيّ رجل دين في تاريخ العراق".

حوار.. ومداخلات

وبعد إضاءة شعبان على أبرز النقاط في الوضع العراقي، فتح باب الحوار والمداخلات، أثار الصحافي قاسم قصير قضية توجه العراق الاقليمي بعد الانتخابات، ان كان مع مشروع المقاومة ام مع المشروع الاميركي، فرأى شعبان، ان "عموم العراق مع القضية الفلسطينية، ولكن حتى الان لا يوجد حامل اجتماعي للمقاومة، كما لا يوجد حامل اجتماعي وسياسي للتيار المدني ذو التوجهات الوطنية ، كما لا يوجد قوى تمثل الولايات المتحدة ، انما توجد هواجس واصوات وقوى محدودة  ولكنها غير ثابتة ومتغيرة، أما القوى الموالية لإيران فهي أكثر وضوحاً وأكثر تعبيراً ونفوذاً .
و من جهته تطرق الصحافي حسن فحص عن غياب اليسار العراقي والحزب الشيوعي عن الانتخابات، اذ، رأى "ان الاحزاب الدينية الطائفية لم تترك مجالا لوجود أي فضاء يساري او علماني وحتى ليبرالي، خصوصا بعد ان تسلّحت تلك الاحزاب جيدا وتموّلت فاجتاحت الساحة السياسية العراقية، خصوصا بعد حرب داعش عام 2014."



سيناريوهات المستقبل العراقي

وهنا عرض شعبان لرؤيته لمستقبل العراق، فأشار إلى انه، في "ضوء الصراعات المستجدة بعد النتائج المثيرة في الانتخابات وخسارة القوى المسلّحة التابعة للحشد الشعبي الموالية لايران، هناك ثلاث سيناريوهات: السيناريو الاول المتشائم وهو ان تنهار العملية السياسية على نحو عاصف ويتفتت العراق مع حروب اهلية شيعية شيعية وسنية سنية وكردية كردية، إضافة إلى الصراعات التقليدية شيعية - سنية ، بغداد - أربيل ...إلخ وبين المناطق. اما السيناريو الثاني المتشائل وهو أن يبقى الوضع كما هو عليه يراوح دون أن يتقدم لنحو عقد من الزمن ، وفي الأخير إما أن ينهار أو يتقدّم. أما السيناريو الثالث المتفائل  وهو ان يتحسن الوضع ولكن يجب تغيير الدستور او تعديله وإلغاء نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية التي قامت عليها العملية السياسية، ويحتاج الأمر إلى توافق اقليمي دولي حول الاستقرار في العراق، وقبل كل ذلك توافق وطني وإرادة سياسية ورغبة وحاجة إلى التغيير.





وبدوره سأل الدكتور حارث سليمان عن الهوية الوطنية وحضورها في المشهد العراقي حاليا، فلفت شعبان الى ان "الهوية الوطنية على المستوى الشعبي العام حاضرة اكثر من اي وقت، ولكن لا يوجد حامل اجتماعي لها غير طائفي، فالاحزاب والشخصيات السياسية الحاكمة هي طائفية وإثنية ، ولا توجد قوى و احزاب مؤثرة عابرة للطوائف والإثنيات.

وبدوره أثار الامين الهواجس والمخاوف من عودة الصراع الطائفي الى العراق، فأكد شعبان، ان "عودة الفتنة السنية الشيعية ممكنة، بسبب وجود قوات تابعة للحشد الشعبي في عدد من المدن السنية في الانبار وصلاح الدين وديالى وكركوك ووجود نازحين ، مما يولد احتكاكات بشكل دائم، خصوصا مع النزاعات الدائمة بين الوقفين الشيعي والسني، والإدعاءات والإتهامات المتبادلة بينهما  مشددا على ان "تفادي هذه الفتنة، لا يكون سوى بالاحتكام الى حكم القانون وتفعيل إرادة الدولة وفرض هيبتها ونزع السلاح المنفلت ومنع الاستقواء لتغيير هذا الجامع أو ذاك المسجد لأغراض طائفية وسياسية تتعارض مع مبادئ العدالة والإنصاف ".
 





11
كورونا والسلام العالمي


عبد الحسين شعبان

     حين نتحدّث عن التنمية المستدامة، أي التنمية البشرية الشاملة بمعناها الإنساني، فإننا نقصد شمولها للجوانب السياسية والقانونية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية والنفسية والدينية، إذْ لا يمكن إحداث التغيير المنشود دون تحقيق السلام الذي يتطلّب توفير الأمن والأمان والطمأنينة والإستقرار، حيث يعتبر السلام أحد أهم أهداف التنمية التي لايمكن تحقيقها على نحو دائم ووطيد، دون إقامة السلام.
     وبسبب إندلاع الحروب والنزاعات المسلّحة وغياب السلام وما صاحب ذلك من قلق وتوتّر لسكّان المعمورة ، خصوصاً بعد إندلاع حربين عالميتين، فقد حفّز ذلك الأمر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تولي هذه المسألة الحيوية الإهتمام المطلوب، وتأخذ على عاتقها التذكير بمخاطر تهديد السلم والأمن الدوليين، وأن تتبنّى إعلان يوم عالمي للسلام ، وذلك قبل أربعة عقود من الزمن، حيث اتخذت قراراً في العام 1981 للإحتفال بالسلام العالمي، والهدف من ذلك نشر ثقافة السلام وتعزيزها وتعميم قيمها بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات والأفراد.
     وفي العام 1991 قررت الجمعية العامة إعتبار يوم 21 سبتمبر/ أيلول من كل عام يوماً للسلام العالمي تحتفل به؛ وذلك بالدعوة إلى إنهاء الحروب ووقف إطلاق النار بالمناطق التي تندلع فيها الحروب، ومناشدة البلدان والمنظمات الدولية والإقليمية الحكومية وغير الحكومية والشخصيات الفاعلة للعمل على تحقيق ذلك، لما له من إنعكاسات إيجابية على الجمهور، وهي دعوة تتضمّن التعاون والتضامن لتحقيق هذه المهمة النبيلة بمّا ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي ينصّ على صيانة السلم والأمن الدوليين، باعتباره مبدأ أساسياً من مبادئها، والعمل على حل الخلافات بالطرق السلمية وتحريم إستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
     وكان شعار المجتمع الدولي هذا العام " التعافي بشكل أفضل من أجل عالم أكثر إنصافاً وتنمية مستدامة"، وذلك تزامناً مع حالة الخروج من الوباء الذي هدّد البشرية جرّاء مداهمة فايروس كورونا العالم أجمع 2020 – 2021 ، وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد دعا العالم أجمع إلى وقف إطلاق النار، ولاسيّما في البلدان التي تشهد حروباً أو نزاعات حربية.
      وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراراً بالإجماع يدعو فيه جميع الدول الأعضاء البالغ عددهم 193 دولة إلى وقف إنساني مستدام للنزاعات الأهليّة، وإقترح وقفاً لإطلاق النار لتمكين الأشخاص المحاصرين في النزاع المسلّح من الحصول على اللقاحات اللازمة لمواجهة تحدّي كورونا ( كوفيد – 19 ) والحصول على العلاجات الضرورية للبقاء، وذلك بعد اجتياح الفايروس.
     ويمكن القول أن الإحتفال باليوم العالمي للسلام له أكثر من دلالة؛
      فهو إعلان صريح من جانب الدول والمنظمات والجهات والقوى ضدّ الحروب والنزاعات المسلحة؛
       وهو في الوقت نفسه يلتمس الطريق السلميّة لحل النزاعات وعدم اللجوء إلى العنف والسلاح وإستخدام القوّة في العلاقات الدولية أو التهديد بها، علماً بأن بعض النزاعات قديمة أو جديدة أو متجدّدة؛
      كما يعني الإحتفال التمسّك بالقيم والمعاني الإنسانية والتي يتضمّنها السلام العالمي، وكذلك التبشير بالمستقبل الذي تعمل من أجله البشرية، بحيث يتحقّق السلام وتنعم البشرية بالسعادة والرفاه وبالطبع بالتنمية والمساواة والعدالة، وذلك بتعزيز قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان.
     ويعني الإحتفال باليوم العالمي للسلام نبذ العدوان والحروب والعنف، وذلك امتثالاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو للتسامح، وعلى الشعوب والأمم أن تأخذ بعضها البعض بالتسامح، بعدما شهدت ويلات لا حصر لها، فالسلام ضرورة إنسانية وحاجة ماسّة، بل لاغنى عنها تستوجب تعاون جميع البلدان كبيرها وصغيرها لحمايته.
      إن من مصلحة البلدان والشعوب الصغيرة والمستضعفة أن تتمسّك بالسلام وقيمه، ففيه وحده يمكن تحقيق آمالها وطموحاتها بما ينسجم مع القواعد الآمرة في القانون الدولي المعاصر، تلك التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة والإتفاقيات والمعاهدات الدولية الجماعية ذات الصفة الإشتراعية أو الإتفاقات الثنائية التي تقّر عدم الإعتداء وحماية السلم والأمن الدوليين، واحترام حق تقرير المصير للأمم والشعوب وإستقلالها وسيادتها على كامل أراضيها وثرواتها الطبيعية، وحل الخلافات بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى القوة والتهديد بها، فضلاً عن التعاون بينها لإنماء العلاقات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وفي مجمل قطاعات التنمية، ومنها ما واجهته البشرية من تهديد خطير إثر مداهمة فايروس كورونا " كوفيد 19 " ، ناهيك عن أوبئة وأمراض خطيرة أخرى ، دون أن ننسى وباء الإرهاب الدولي الذي هدّد البشرية جمعاء، خصوصاً في العقدين المنصرمين، وبعد تفجير برجيّ التجارة العالميّين في 11 سبتمبر/ أيلول 2001  واستمرار خطر تنظيم القاعدة الإرهابي وما أعقبه تنظيم داعش وأخواتها، بحيث تسلل الخوف والهلع إلى العديد من مناطق العالم.
     إن مرور 20 عاماً على اليوم العالمي للسلام فرصة مناسبة للمطالبة بالتوافق على ميثاق دولي ذا بُعد إنساني أو إتفاقية دولية للسلام،  وذلك لمجابهة التعصب ووليده التطرّف وإبنهما العنف والإرهاب، فلن تتحقّق التنمية المنشودة دون سلام وأمن، فهو الوعاء الحامل لها.

12
المنبر الحر / المناخ والنفط
« في: 16:40 25/10/2021  »
المناخ والنفط

عبد الحسين شعبان

هل ثمّة علاقة بين المناخ والنفط؟ سؤال طالما يتردّد على لسان مختصّين وغير مختصّين. وما يهمّنا هنا هو الجانب الصحي والإنساني، خصوصاً ونحن نتابع كلّ يوم تحذيرات شديدة ومقلقة بشأن مستقبل الكرة الأرضيّة في ظلّ  تبدّلات المناخ ومتغيّراته بما يجعل المرء أحياناً يشعر بالخوف، بل ويتملّكه الهلع بشأن مصير البشرية ومستقبلها، بسبب تخصيص الميزانيات الضخمة للتسلّح والعلوم الحربية وأنواع جديدة من السلاح، في حين لم يول الإهتمام الكافي بالصحة والتعليم والبيئة والبحث العلمي عموماً، في ظلّ امتداد التصحّر وتفشّي الأمراض والأوبئة وآخرها مداهمة العالم أجمع فايروس كورونا "كوفيد-19"، إضافة إلى الإحتباس الحراري والتغييرات التي يشهدها المناخ .
ويذكّرنا ذلك بالسنوات الأخيرة للحرب الباردة والصراع الآيديولوجي بين المعسكرين، حيث قررت واشنطن تخصيص تريليوني دولار لحرب النجوم في سباقٍ للتسلّح مع موسكو، وهي ميزانية لم يقدر الإتحاد السوفيتي السابق على مجاراتها فيها. وكان ذلك مؤشراً جديداً على فوز الغرب في سباقه مع  النظام الإشتراكي، يضاف إلى مؤشّرات أخرى تتعلّق بالنظام السياسي وشحّ الحريّات والاختناقات الإقتصادية التي عاشها.
وبدلاً من التوجّه للبحث العلمي والتعاون الدولي في مجالات العلم والبحث والتكنولوجيا والصحة والبيئة لرفاه الإنسان وسعادته، فإن المنافسات السياسية والمصالح الأنانية الضيّقة هي التي كانت تتغلّب باستمرار وهي الآن تأخذ منحىً جديداً يتعلّق بالصراع الأمريكي - الصيني بشكل خاص، والأمريكي الروسي أيضاً، حيث يجري فيه إهمال قضايا حسّاسة ومصيرية مثل تغييرات المناخ دون شعورٍ بالمسؤولية من جانب القوى المتنفّذة. وحين نستعيد ذلك فالأمر متزامنٌ مع حرائق مدمّرة في العديد من البلدان المتقدّمة والنامية، إضافة إلى أعاصير وفياضانات وتغيير في درجات حرارة الكوكب التي ترتفع من سنة إلى أخرى.
في ظلّ هذه الأوضاع صدر تقريران دوليان خطيران: الأول- من لجنة علماء الأمم المتحدة بشأن  تغيّرات المناخ. والثاني- تقرير وكالة الطاقة الدولية تمهيداً لمؤتمر غلاسكو الذي سينعقد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل 2021. ويؤكّد التقريران ضرورة البحث في مستقبل المناخ، وصولاً للعام 2050 تساوقاً مع قرارات مؤتمر باريس المناخي ولتأكيد إلتزامات الدول بالقرارات التي تمّ التوصّل إليها والتعهدات التي أخذتها على عاتقها.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الربط المباشر بين التغيّرات المناخية والإرتفاعات في درجات الحرارة، هي جرّاء عمل الإنسان، أي أن التقلّبات المناخية ناجمة عن استعمال مباشر ومكثّف للنفط والمصادر الهيدروكربونية. ولهذه الأسباب حذّر التقريران من انبعاثات غاز الميثان وثاني أوكسيد الكربون على التغيير المناخي، وهو ما يستمرّ سنوياً دون توقّف، بل أخذ بالإزدياد والإرتفاع خلال السنوات الأخيرة، بما يؤثّر سلباً على استيعاب الغابات لثاني أوكسيد الكربون وتقليص انبعاث الأوكسجين من الأشجار، وهو ما يفاقم الأزمة المناخيّة المتعاظمة. وكانت نصف الإنبعاثات التي زادت من حرارة الجو خلال عامي 2019 - 2020 ناجمة عن حرائق الغابات.
 وتعمل شركات الطاقة الكبرى على تقليص انبعاث ثاني أوكسيد الكربون وذلك عبر تدويره بتقنية خاصة، مما يعني سحبه من البترول المنتج ومن ثم تخزينه في آبار فارغة لاستخدامه في وقت لاحق، ويتمّ تطوير هذه التقنية في إنتاج النفط والغاز، ولكن دون انبعاث للكربون أو بانبعاثات ضئيلة جداً. وحتى الآن لم تتوفّر بدائل مقبولة وكافية لتغطية الإستهلاك الواسع والمتعاظم للنفط، علماً بأن نسبة الإنبعاثات من قطاع الطاقة تساوي حوالي 4/3 (ثلاثة أرباع) ما يتمّ انبعاثه من الكربون.
وكانت اتفاقية باريس قد حدّدت هدفاً رئيساً لها وهو التوصّل إلى صفر من الإنبعاثات الكربونية بحلول 2050، الأمر الذي يحتاج إلى إيجاد البدائل منذ الآن، وتأخذ بعض البلدان بتشريعات جديدة وأنظمة وقوانين للبدء بإحلال البدائل، مع الأخذ بنظر الإعتبار الإكتشافات العلميّة الجديدة.
ويبقى دور النفظ والغاز مهمّاً في مرحلة الطاقة المتجدّدة. فمن الناحية التجارية لا بدّ من أخذ الإستثمارات الهائلة في القطاع النفطي الدولي، خصوصاً في مجال الصناعة النفطية فيما إذا تمّ بنجاح تدوير الكربون، الأمر الذي يؤكّد علاقة المناخ بالنفط ، علماً بأن الحملة العالمية لتغيير المناخ هي ضدّ الإنبعاثات وليس ضد استخدامات النفط حيث يمكن أن يلعب النفط الخالي من الإنبعاثات دوراً في مرحلة الطاقة المتجدّدة، وقد يتنافس عبر السوق ومن خلال الأسعار مع الطاقة المستدامة، وبالطبع فإن الأمر له علاقة بالسوق، أي بالعرض والطلب وبالتطوّر العلمي أيضاً.
وتواجه دول العالم الثالث والبلدان الفقيرة عموماً موضوع المناخ بصعوبة كبيرة فيما يتعلّق بالإستثمارات لتحييد الإنبعاثات، لذلك يبقى خيار بدائل الطاقة المستدامة غير متاح لدولها، لأن الحلول المطروحة تلبّي إلى حدٍّ كبير مصالح الدول الصناعية الغنية والمتقدّمة، في حين أن الدول النامية والفقيرة ما تزال خارج دائرة الفعل في هذا الميدان لأسباب تتعلّق بعدم المساواة وغياب التكافؤ في العلاقات الدولية ، ناهيك عن الإستلاب والإستغلال الذي تتعرّض له ثرواتها من جانب القوى الكبرى.

13
الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل


عبد الحسين شعبان

كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة  قرّرت في 17 ديسمبر/ كانون الأول العام 1999 اعتبار يوم 12 أغسطس/ آب من كل عام يوماً للشباب العالمي تحتفل به، وذلك لتأكيد دوره في عملية التغيير والتنمية في المجالات كافّة: السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، بوصفه شريكاً لا غنى عنه لكل عملية تقدُّم لدرجة أنه لا يمكنها أن تقوم من دون مساهمته الفاعلة والواعية.
ويواجه الشباب اليوم مصاعب شتّى وتحدّيات جمّة، فضلاً عن عوائق وكوابح غير قليلة، وخصوصاً في ظلّ العولمة بوجهها المتوحّش، حيث تنخفض مستويات المعيشة ويزداد الفقر وتنتشر البطالة والأميّة وترتفع معدّلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لا سيّما من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغني، كما تتفشّى الأمراض والأوبئة وآخرها فايروس كورونا "كوفيد - 19" ويرتفع مستوى الجريمة المنظّمة والإتجار بالبشر وتستشري تجارة المخدرات والأسلحة وتكثر على نحو مطّرد ومعدّلات العنف والإرهاب، وغير ذلك من الجوانب التي تؤثر سلباً على جيل الشباب وتحول دون استمتاعهم بشبابهم، بل وتحرمهم أحياناً من توسيع معارفهم وشحذ طاقاتهم بالإتجاه الإيجابي. فبالشباب تزدهر الأوطان وهم عماد الوطن والأمّة في الدفاع عنهما، خصوصاً في الأزمات والمحن.
وبما إن الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، فلا بدّ من توفير مستلزمات الإفادة منهم في الحاضر والمستقبل وذلك بتمكينهم من امتلاك ناصية العلم أولاً والمعرفة والثقافة في فضاءات حرّة ورحبة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم وتقديم مبادراتهم ومشاريعهم  وابتكاراتهم إلى المجتمع، وكذلك في إفساح المجال أمامهم والاستماع إلى آرائهم ووجهات نظرهم، كي تتفتّق مواهبهم وتثمر جهودهم للقيام بالدور المنوط بهم في عملية التنمية وفي تنقية وترميم الحياة السياسية والاجتماعية وتطويرها بما ينسجم مع تطلعاتهم لمستقبلٍ أكثر انفتاحاً وتنوّعاً، خصوصاً في البحث عن قواسم مشتركة مع بعضهم البعض بغضّ النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الإجتماعي، فالشباب أخوة وأحبّة يجمعهم طموح مشترك وحماسةٌ وإرادةٌ وحيويةٌ وعطاءٌ.
ولا يمكن للبلدان والأمم والشعوب أن تتقدّم دون المساهمة الحيوية الفاعلة لجيل الشباب الذي يتمتّع بقدرات بدنية وعقلية وروحيّة عالية قياساً بالأجيال التي تسبقهم أو تعقبهم، ولذلك فإن الرهان عليهم دائماً، لما يتمتعون به من قوة وطاقة ومبادرة وجرأة وإقدامٍ وسلامةٍ جسمية، فلا رياضة دون الشباب ولا فنون وآداب ورقص وموسيقى وشعر ومسرح وسينما دونهم، لأنهم يمثّلون عصب الحياة الحقيقي وينبوعها المتدفّق.


ولعلّ الشاعر الجواهري كان على حق حين خاطب الشباب قائلاً:
            نزق الشباب عبدتهُ /  وبرئتُ من حلم المشيبِ
يا من يقايضني ربيع / العمر ذا المرج العشيبِ
بالعبقرية كلّها / بخرافةِ الذهن الخصيبِ

إن الإحتفال بيوم الشباب العالمي هو رسالة إلى جميع الحكومات التي عليها أن تعي دورهم وأن تسهم في رفع كفاءاتهم فبالعلمِ والعلمِ والعلمِ والعيش الكريم يمكن الإرتقاء بهم، خصوصاً بتشجيع حرية التعبير ليتمكّنوا من تفجير طاقاتهم واستخدامها على أحسن وجه، فكلّما ضاقت تلك السُبل فأن طاقاتهم يمكن أن تتوجّه إلى مواقع أخرى خاطئة، وقد تُنذر بشرٍّ مستطير، خارج دوائر الإبداع والإنتاج والعمل، حيث يمكن استغلالهم من جانب القوى المتعصبّة لدفعهم نحو التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحكّم منهم فقد يتحوّل إلى سلوك ويقودهم إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً.
 وإذا كان الشباب هم من حاربوا القوى الإرهابية والعنفيّة، التي تغوّلت على المجتمع واستهانت بمرجعيّة الدولة، فإن هذه الأخيرة حين تمكّنت من عقول بعض الشباب باستغلال أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والدينية والقومية والثقافية، خصوصاً  في ظلّ أوضاع التخلّف والجهل والفقر والتمييز، حاولت الضرب على الأوتار الحسّاسة التي تحرّكهم موظّفةً ذلك لأغراضها الأنانيّة ومشاريعها السياسيّة  الجهنميّة، وإلاّ كيف لشخص يوعد بالجنّة وبالحور العين، فيندفع لقتل عشرات أو مئات الناس في سوق أو ساحة عامة أو مدرسة أو كنيسة أو مسجد، إن لم يكن قد تمّ تخريب عقله وغسل دماغه والتلاعب بضميره.
وكان الهدف رقم 10 من مشروع التنمية المستدامة 2030 قد أكّد على تعزيز المساواة ودعم النمو في الدخل لفئة الأربعين في المئة من البلدان الأكثر فقراً والأقلّ نماءً لضمان الفرص المتكافئة وإنهاء التمييز والأمر يخصّ الشباب بالدرجة الأساسية والبلدان الفقيرة بشكلٍ خاص، الأمر الذي يحتاج من أصحاب القرار، إضافة إلى المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية والمراجع الدينيّة والهيئات الثقافيّة، الأمر يحتاج إلى تنمية قدرات الشباب وشحذ طاقاتهم وتوفير الفرص المناسبة لهم للحصول على عمل مناسب وأجرٍ مناسب يتوافق مع قدراتهم إناثاً أو ذكوراً.
ولا بدّ من إشراك الشباب في صنع القرار بما يشعرهم  بالإنتماء الحقيقي لمجتمعهم ويعزّز من هويتهم المشتركة ويجسّر الفجوة بينهم وبين أصحاب القرار، دون أن ننسى الإهتمام بالأنشطة الترفيهية لهم باعتبارها ضرورية للنمو المنسجم نفسياً وجسدياً، خصوصاً والعالم في الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الإصطناعي واقتصاد المعرفة.


14


خبر صحافي
مؤسسة كونراد أديناور
برنامج القانون للجميع - خاص
المحرر الثقافي

الدكتور عبد الحسين شعبان الأكاديمي والمفكر ضيّفته مؤسسة كونراد إديناور في برنامج "القانون للجميع" ليتحدث عن الدستور اللبناني من زاوية مقاربات حقوق الإنسان وقدّمته البروفيسورة ماري غنطوس وتجدون رابط المحاضرة الخاص على اليوتيوب والفايسبوك، كما كان هناك بثّاً مباشراً على الإنترنت

15
خان الهنود

     يرجع بناء "خان الهنود" في النجف إلى القرن التاسع عشر، حيث قامت مجموعة تنتمي إلى "طائفة البهرة" ببنائه لإستضافة القادمين لزيارة مرقد الإمام علي والتبرك به. والبهرة  طائفة إسماعيلية نسبةً إلى إسماعيل إبن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه "المذهب الجعفري"، وتعود أصولها إلى أيام الدولة الفاطمية حيث يوجد لها بعض المزارات مثل ضريح "حاتم الحضارات" الداعية الفاطمي المدفون في منطقة حراز ( غربي صنعاء عاصمة اليمن) ومسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة. ويبلغ نفوس طائفة البهرة في العالم نحو مليون شخص.
     إنعقدت صداقتي مع صاحب الحكيم في موقف خان الهنود، الذي كان مركز الشرطة الرئيسي في النجف، وتلك إحدى المفارقات ، حيث كان قد سبقنا إلى ذلك المكان، وكان المسؤول الحزبي عن المعتقلين الذين بدأوا يتوافدون بالعشرات، بل بالمئات إلى خان الهنود ومنها يتم ترحيلهم، وبعد استدعائه للتحقيق في الحلّة نصّب مسؤولين إثنين، ففي حالة غياب أحدهما أو إستدعائه للتحقيق يتولّى الثاني ( الظل) محلّه، وفي حالة وجودهما يتم التوافق بينهما، ويقوم أحدهما بمسؤولية العلاقة بالإدارة، الأول جواد الرفيعي مدرّس اللغة العربية والثاني حسن الخرسان من سدنة الروضة الحيدرية، وكلاهما من عائلة دينية معروفة ومن حضرة الإمام علي.
     حين تكدسنا في بهو المعتقل، طلب هو إرسال الطلاب إلى الغرفة التي يعيش فيها وهي لا تسع لأكثر من 30 إلى 40 شخصاً، ولكن عددنا أصبح 88 معتقلاً وأحياناً يأخذ بالنقصان إلى 15 أو 20 وأحياناً يعود إلى سابق عهده. وعلى الرغم من وجود معتقلين عاديين معنا إلاّ أن الحكيم كان يحظى بإحترام  وهيبة كبيرين، سواءً من جانبهم أو من جانب الإدارة، وحاول أن يقوّي معنوياتنا وأن يرشدنا وأن ينبهنا، إذ كان غالبيتنا يُعتقل لأول مرة، فضلاً عن صِغَرِ سنّنا حيث كانت تتراوح أعمارنا بين سن 16 – 17 سنة ، باستثناء الصديق العزيز كاظم عوفي البديري الذي لعب دوراً في تلطيف الأجواء من الرسم إلى المطارحات الشعرية، إلى أن اختصّ بحلاقة شعر رؤوسنا التي طالت وامتلأت بالقمل، حتى أنه أصبح من أمهر الحلاقيين في العراق بعد خروجه من المعتقل، وإنتسابه إلى كليّة التجارة (لاحقاً)، حيث عمل مساءً في صالون توكالون في الكرادة.
      ومن بين الطلبة المعتقلين أذكر كوثر الواعظ وطارق شكر (الصراف )وجبار رضا عبد ننة ( العلي) وعلي الخرسان وكاظم شكر وفاضل جريو، إضافة إلى عبد الله الشمرتي  وحسن رجيب ورحيم كاطع الغزالي وآخرين. وقد اعتُقلنا في يومٍ واحد (10 شباط/ فبراير) باستثناء علي الخرسان الذي اعتُقل قبل 8 شباط/ فبراير لتوزيعه منشورات تدعو للسلم في كردستان في أحد المقاهي الشعبية بناءً على قرار الحزب، فتم اعتقاله، كما أن كاظم عوفي كان قد اعتقل قبلنا، وقد اعتقل معنا بعض أساتذتنا منهم داوود ملاّ سلمان وجواد الرفيعي، إضافة إلى العشرات من الوجوه النجفية التي يعرف بعضها البعض.
     وقد حرص الحكيم على تجنيبنا بعض المواقف التي غالباً ما تحصل في المعتقلات والسجون، حيث تتم بعض التحرشات والإعتداءات وذلك  بوضع ضوابط للنوم والإستيقاظ، خصوصاً وأن المعتقل كان يكتظ بالعديد من المعتقلين وبعضهم من العاديين.

على حافة الشهادة

     بعد شهر ونيّف إقتيد الحكيم إلى مركز تحقيق في الحلّة، بناءً على اعترافات، وتم تعذيبه في مقر الحرس القومي على يد عبد الوهّاب كريم الذي أصبح له شأنٌ كبير بعد إنقلاب 17 تموز / يوليو 1968 ولكنه قتل بحادث سيارة غامض، وكاد الحكيم ( أبو بشائر)  أن يلفظ أنفاسه من جرّاء التعذيب الوحشي، إلاّ أنّ استشهاد "شهيد خوجة نعمة " قبله، وهو من أهالي الحلّة المعروفين ، دفع الجناة إلى عدم الإستمرار في تعذيبه. وكي لا يتحملوا المسؤولية ، فقد أرسل مع مجموعة من الرفاق إلى مديرية الأمن العامة في بغداد ومنها إلى قصر النهاية ثم إلى مركز شرطة المأمون كما أشرت في مطالعة لي بعنوان " مقهى ورواد ومدينة" وهي سردية استذكارية عن النجف.
      وقد أورد الحكيم بعض تفاصيل تلك الرحلة المجهولة في كتاب مذكراته الموسوم " النجف –الوجه الآخر: محاولة استذكار" 2011، حيث إلتقاهم محسن الشيخ راضي رئيس الهيئة التحقيقية الخاصة والمسؤول عن قصر النهاية وهم معصوبوا العينين، فأمر بنقلهم إلى مركز شرطة المأمون وذهب لاحقاً لتفقد أحوالهم وهو ما يذكره الشيخ راضي أيضاً في كتابه" كنت بعثياً- ج1- من ذروة النضال إلى دنو القطيعة" 2021.وقد سبق للحكيم أن أكدّ ذلك، وأن الشيخ راضي طلب من آمر الحرس القومي في المأمون تحسين معاملتهم ؛ وهو ما سمعه من مهدي الشرقي أيضاً القيادي البعثي حين نقله إلى النجف.
     وقد اعتذر محسن الشيخ راضي بشجاعة للشعب العراقي فيما سبّبه له خلال تلك الفترة السوداء، وهو ما أكدّه لي خلال مقابلة خاصة سبق أن أشرت إليها أكثر من مرّة في كتاب " سلام عادل الدّال والمدلول" إذ قال بصراحة لا أعفي نفسي وكلّنا مرتكبون، وإن تفاوتت المسؤوليات وقد حاول إجراء مراجعة لتلك الفترة وللصراع السياسي الذي دار بشكل لا عقلاني ولا مبرّر ودفع الشعب العراقي بجميع قواه الوطنية ثمنه باهضاً.
     وبالمناسبة فقد حظي الحكيم حسب علمي باحترام البعثيين والقوميين في النجف وهو ما لمسته من محسن الشيخ راضي وعبد الحسين الرفيعي ومهدي الشرقي وأحمد الحبوبي ومحسن البهادلي  وعبد الاله النصراوي وجواد دوش، وخلال فترة ما سمّي بالمد الثوري أو "الإرهاب الأحمر" كان يميل إلى عدم التشدّد ويسعى لإيجاد حلول للخلافات وعدم اللجوء إلى استخدام القوة أو العنف، وهو ما حصل في إنتخابات الطلاب الأولى، حيث تم الإتفاق مع الإدارة والقوى الأخرى على بعض المستلزمات لإنجاح العملية الإنتخابية.
      وخلال فترة وجوده في قيادة محلية النجف وحتى قبل أن يكون المسؤول الأول لا توجد حوادث كبرى قد حصلت باستثناء بعض الإستفزازات للآخرين منها محاولة تفتيش القيادي البعثي صدقي أبو طبيخ الذي كان قادماً من السفر ويحمل حقيبة،والتعرّض لمكتب المحامي القومي المعروف وعضو قيادة جبهة الإتحاد الوطني في النجف والمنسّق مع اللجنة العليا في بغداد أحمد الحبّوبي، وهو ما أثار سخط أوساطٌ غير قليلة ضد تصرفات  المقاومة الشعبية ، خصوصاً محاولة الشيوعيين إحتكار العمل السياسي والنقابي وإستفزاز بعض رجال الدين الذين حاولوا أن يؤلبوا الشارع ضد الحركة الشيوعية مستغلين بعض نقاط الضعف في إطار دعايةٍ هجوميةٍ وتحريض لبعض أجهزة الدولة  التي توّجت بالفتوى التي أصدرها لاحقاً  السيّد محسن الحكيم المرجع الأول، باعتبار الشيوعية كفر وإلحاد( شباط / فبراير 1960) .
      ولعلّ تلك مفارقة كبرى أن يكون صاحب الحكيم وأعداد غير قليلة من آل الحكيم والعوائل الدينية المعروفة من الرجال والنساء أعضاء في الحزب الشيوعي ووجوهاً إجتماعية معروفة وأن تصدر فتوى من السيد محسن الحكيم بتحريم الشيوعية.

السحل

     ولا يسعني في هذه الفقرة إلا أن أذكر الحادثة التي كادت أن تمزّق النسيج الإجتماعي، خصوصاً إرتفاع موجة الكراهية والإنتقام والإنفلات بإندفاع بعض المتطرفين للإيقاع بأحد المحسوبين على التيار القومي العربي بزعم أنه متآمر وإسمه " مهدي محسن بحر" أو "مهدي الخبازة" كما كان يعرف، فحاولوا سحله، وحدث هرجٌ ومرج بين مؤيد ومعارض، وقد كان الحكيم حاضراً، فاندفع بشدّة ومعه محمد موسى وحسن عوينة للتهدئه وارتقى كتف أحد الرفاق ليخاطب الجمع بإسم اللجنة المحلية للحزب الشيوعي، وفعل حسن عوينة ذلك أكثر من مرّة وكذلك محمد موسى، لكن  الحقد كان يغلي في عروق الجموع المحتشدة. وهنا بادر العقلاء إلى إدخال "المغدور" في دكان حلاّق للحفاظ على حياته وخشية من انتقام المتعصّبين الغاضبين.
     أتذكّر تلك الحادثة كأنها حصلت يوم أمس، كما أتذكر كلمات الحكيم وعوينة ودعوة المحتشدين إلى التفرّق والإنصراف إلى بيوتهم وإنهاء الإجتماع الذي لا أتذكّر مناسبته، وهو من الإجتماعات التي كانت تُعقد تأييداً للثورة أو لبعض إجراءاتها، كما طالبوهم الإقلاع عن أي محاولة تستهدف الإخلال بالأمن أو تعكير صفو العلاقات بين النجفيين خارج القانون والنظام. وبالفعل تم إنقاذ  مهدي محسن بحر الذي كان هو الآخر متشدداً في إستفزاز المحتشدين بكلماتٍ نابية، وحسبما أتذكر أو سمعت ذلك فإن الحكيم اقتاده إلى منزله ليطمئن على وصوله سالماً.
     وفي حوار معه أكّد أنه لم يكن هناك حزم حزبي ضدّ مثل هذه التصرفات لكبح جماحها بما فيه الكفاية،  الأمر الذي شجّع على شيوع ظواهر التطرّف والإقصاء. ولعّل مثل هذا الإقرار والمراجعات حتى وإن تأتي متأخرة فإنها مفيدة للمستقبل وللأجيال الجديدة دون تبرئة القوى الأخرى ومسؤولياتها في إذكاء نار الصراع، فالتعصّب ووليده التطرّف لوثة فكرية إذا ما استفحلت فإنها تنتج عنفاً وإرهاباً. فحتى أعظم الأفكار والفلسفات وأكثرها نبلاً وإنسانية ، فإنها لا تعصم الإنسان من إرتكاب الأخطاء وحتى الجرائم أحياناً خصوصاً بإدّعاء إمتلاك الحقيقة والأفضلية على الآخر.
       وقد جرت مناقشات بين عدد من وجهاء النجف وبعضهم على ملاك الحركة الشيوعية مثل عزيز عجينة وأمين عجينة ومعين شعبان وعبد الحسين أبو شبع والسكافي وأحمد الشمرتي وعبد الرزاق سميسم وسلمان الحكيم وغيرهم وكذلك شملت المناقشات بعض الشخصيات الدينية من بينهم السيد محمد الحسني البغدادي والشيخ محمد شعبان والشيخ عباس شعبان وآخرين عن جدوى مثل تلك الأعمال ووجّهت إنتقادات بعضها شديداً وبعضها خفيفاً إلى تصرفات المقاومة الشعبية غير المنضبطة والإستفزازية ضد الناس ومصالحهم بسبب نقاط التفتيش التي كانت تقيمها بزعم البحث عن المتآمرين، وكانت في الواقع  تعني تعقّباً وملاحقةً لحركة القوى الأخرى ، ولاسيّما القوى القومية العربية ( البعثية والناصرية) والقوى الدينية الإسلامية، وهذه الأخيرة نشطت على نحو ملحوظ في التصدي للتيار الشيوعي بتأسيس" جماعة العلماء" و"حركة الشباب المسلم" وغيرها وكانت تلك بدايات لتأسيس حزب الدعوة الإسلامي، وقد سبق لي أن دخلت في حوار معمّق مع السيد محمد بحر العلوم بخصوص تلك المرحلة وتداعياتها، وكنت قد أبديت ملاحظات بشأنها منذ وقتٍ مبكّر وعدت ودونت بعض الآراء النقدية في سردية عن السيد محمد باقر الصدر المنشورة في صحيفة المنبر الذي كان يصدرها السيد حسين الصدر الموسومة  "حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة" (نشرت في صحيفة المنبر، العدد الثاني والخمسون، لندن ،أيار/ مايو 1999).
العامري – أبو كلل
    أثّرت تلك الحادثة وحادثة أخرى، قتل فيها عامر العامري ( من ألبوعامر) المحسوب على الحركة الشيوعية، أكرم هندي أبو كلل المحسوب على الحركة القومية، في نفسي على نحو شديد، ودفعتني تدريجيّاً إلى نبذ العنف، بل والإشمئزاز منه بتقوية ميولي اللاّعنفية، على الرغم من التنظيرات السائدة عن "العنف الثوري"  التي كنّا نردّد بعض عباراتها ونحفظ بعض جملها، فقد كنت أعتبرها ضمن وعيي البسيط آنذاك مجرد مقولات للكتب وللتثقيف وليس للتطبيق والممارسة، خصوصاً في مجتمعاتنا المترابطة والمتشابكة.
     لقد قاد مقتل أكرم هندي أبو كلل إلى أن يقوم شقيقه أحمد هندي أبو كلل المعروف بجرأته بقتل رئيس عشيرة ألبو عامر "مهدي العبد" وهو شيخ وقور وعضو في منظمة أنصار السلام والتي كان رئيسها الدكتور خليل جميل وسكيرتيرها العام صاحب الحكيم، ثم قام عدد من أفراد عشيرة ألبو عامر بقتل السيد حسن الرفيعي الكيليدار في حضرة الإمام علي، الذي اختبأ القاتل أحمد هندي أبو كلل في منزله ، حين أجهز على مهدي العبد بعد أن لاحقوا الضحية  في بغداد.
      وقد أوقعتني تلك الحوادث في حيرة شديدة أساسها كيف أساوي بين القاتل والمقتول وكلاهما من أصدقائي (عامر العامري وأكرم أبو كلل ) ؟ وكيف أشعر إزاء مقتل مهدي العبد الشخصية المعروفة وهو صديق عمّي ضياء من جانب، في حين أن أحمد أبو كلل ( قاتل العبد )  صديق عمي شوقي؟ ثم كيف لي أن أستوعب مقتل السيد حسن الرفيعي وهو جار الشيخ محمد شعبان والد حسن شعبان وبالقرب من منزلنا، خصوصاً وأن علاقة عائلية حميمة تربطنا مع آل الرفيعي؟ وهكذا ترى العلاقات متشابكة ومتداخلة ومترابطة وهو ما أشرت إليه في بحث نشرته بعنوان " العنف وفريضة الّلاعنف.. شذرات من تجربة شخصية " في مجلة آفاق عراقية، كما نشرت في صحيفة الزمان العراقية في 30 كانون أول/ديسمبر 2018 .

التواصل البغدادي
   
     بعد خروجه من السجن إلتقيت الحكيم حين وصلتني رسالة شفوية منه عبر كاظم عوفي، وكان قد حدد لي موعداً في شارع الرشيد قرب سوق الصفافير وهو يعرف أنني أتردد على "خان شعبان" في سوق المرادية بعد إنتهاء دوامي في الجامعة، وكنت حينها في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، وطال حديثنا لاستعادات واستذكارات، ثم اصطحبته إلى منزلنا ليستدلّ عليه وأعطيته رقم هاتفي للإتصال وقد سألني عن النشاط الطلابي الجامعي، فقلت له ما يزال محدوداً، وكانت تأثيرات الضربة التي تعرّض لها الحزب والإتحاد قائمة، إضافة إلى ذلك تأثيرات خط آب.
     وقد استفسر مني عن التنظيمات الجديدة التي تشكّلت في النجف بعد الإنقلاب وقد أطلعته على المحاولات التي شاركت فيها، وهي تشكيل لجنة اجتمعت لمرتين في بيت عبدالله الشمرتي دون أن تكون له علاقة بذلك، سوى تهيئة مستلزمات الإجتماع، ومرّتين في الكوفة في بستان سهام الماضي، وأجرت إتصالات حينها مع مركز الفرات الأوسط بقيادة باقر ابراهيم، وضمّت عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي وصادق مطر وجبّار (كفاح) سميسم وكاتب السطور، والتحق بها في آخر إجتماع بترتيب مني علي الخرسان، كما كان يتبعها لجنة في الكوفة ضمّت محمد الكويتي وعبد الأمير السبتي و سهام الماضي ، وكان للجنة النجف امتدادات واسعة، وهو ما ذكره في كتابه عن "النجف الوجه الآخر".
     وبالمناسبة فاللجنة المذكورة، بعد أن اعتقل بعض أركانها تشتتت وعادت وإلتقت مع المسؤول الجديد عبد الرزّاق السبيس، وضمّت عباس فيروز العامل في الخياطة وحسّون صاحب مقهى، وكان لها صلة فرديّة مع عبد الحسين الشيباني (عضوها) لكنها قررت الإبقاء عليه بارتباط خاص لعمله في دائرة الكهرباء. وتفككت أواصر اللجنة بعد خط آب، وكنت قد انتقلت كلياً إلى بغداد لإلتحاقي بالجامعة. وعرفت من المراسل عبد الأمير الغرّاوي أن منظمة النجف رفضت توزيع بيان آب.
     وقد سمعت عن خط حزيران/ آب1964  لأول مرّة من أحمد سنجر وكان يعمل مترجماً في السفارة البلغارية الذي زارني إلى الكلية وأطلعني على نسخة منه، واصطحب في المرة الثانية معه حسن شعبان بعد أن كان الأخير قد قام بزيارة إلى الكويت بغرض العمل ولم تكن موفّقة، وكان قد صدر الحكم ببراءته بعد إعتقاله لبضعة أشهر في الموقف العام (القلعة الخامسة) في قضية التحضير لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب (صيف 1962 ) ، وصادف أن أطلق سراحه قبيل إنقلاب شباط/ فبراير 1963، فإختفى في النجف طيلة فترة البعث. وقد سبق لي أن رويت قصّته في مطالعتي عن" حركة حسن السريع" الموسومة "من دفتر الذكريات – على هامش حركة حسن السريع" (نشرت في جريدة الناس على حلقتين في 15 و25 آب / أغسطس 2012 )
     وفي كل لقاء كنّا نستعيد بعض المحطات، وحين حدثت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ونشطت القوى جميعها للتصدي لها في تظاهرات واحتجاجات، كان رأيي أن موقفنا خاطئ وذلك برفع شعار " إزالة آثار العدوان" وهو شعار لا يصلح لحزب عريق مثل حزبنا. وألمحت في أكثر من مناسبة إلى نقدٍ مباشر أو غير مباشر للموقف السوفييتي، وهو ما عدت وبلورته في موقف متكامل منذ أواسط الثمانينيات فيما كتبته عن الموقف السوفييتي من قرار التقسيم : بين الإيديولوجيا والسياسة، وسبق لي أن ألقيت أكثر من محاضرة في مركز الدراسات الفلسطينية في الشام وبيروت ونشرت جريدة الحقيقة التي تصدر في بيروت من جانب "رابطة الشغّيلة" التي يتزعّمها زاهر الخطيب نَص المحاضرة في الثمانينيات، ومثل هذا الرأي كنت أجادل فيه على شكل أسئلة وتساؤلات وإنتقادات واعتراضات حتى تبلور بشكل نهائي بتخطئة الموقف السوفييتي وما تبعه من موافقة الأحزاب الشيوعيّة على قرار التقسيم.
     وقد سبق لي أن عرضت العديد من مواقف أحزابنا في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والإختلاف" وكان آخر ما قرأته في كتاب منير شفيق " من جمر إلى جمر " حيث روى له الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني فؤاد نصّار (كان حينها في المكتب السياسي) حين كان في سجن الجفر أنه كتب مقالاً لجريدة الإتحاد التي يصدرها الحزب وهو رئيس تحريرها وصف فيه قرار التقسيم "بالإستعماري البريطاني"، وفي الساعة الرابعة صباحاً أيقظ عامل التصفيف الذي يصفّ الأحرف ويركّب المقالات في مطبعة الجريدة، حيث كان نصار ينام في المطبعة وخاطبه قائلاً : يا رفيق أبو خالد "قوم شوف" لقد وافق الرفيق غروميكو (مندوب الإتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة حينها) على قرار التقسيم"، فقام فؤاد نصار كمن لسعته أفعى وطلب منه إلتقاط إذاعة موسكو ففعل، وعبرها تأكد من صحة الخبر، فما كان منه إلا أن سحب المقال السابق المعارض لقرار التقسيم، وكتب مقالاً جديداً على الفور عنوانه" قرار التقسيم في مصلحة الشعبين الشقيقين اليهودي والفلسطيني".
     وقد تابعت تغيّر الموقف السوفييتي من وصف مشروع الهجرة اليهودية باعتباره مشروعاً رجعياً إستعمارياً مرفوضاً إلى إعتبار "إسرائيل" واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط حسب تصريحات مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي (1954). وذلك بعد أن سمح الإتحاد السوفييتي بهجرة اليهود السوفييت في أواخر الثمانينيات، وهو ما انتقدته بشدّة على الرغم من تأييدي لتوجّهات البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) بعد أن هيمنت البيروقراطية الحزبية وترهّلت كيانات الحزب والدولة واستشرى الفساد إلى حدود مريعة وتلكّأت التنمية بإنسداد الآفاق والإختناقات الإقتصادية، ناهيك عن شحّ الحريات التي وإن اعترف بها الحكيم إلاّ أنه كان يجادلني بالضدّ منها رافعاً من شأن الإيجابيات ومقلّلاً من شأن السلبيات.
     صحيح أن الموقف السوفييتي تغيّر بعد العدوان الإنكلو- فرنسي "الإسرائيلي" العام (1956) وكان إنذار بولغانين محطة حاسمة في هذا التحوّل، لكنه استمر دون أن يرقى إلى الموقف المبدئي حتى العام 1969 حيث إتخذ المؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية والعمالية قراراً مؤيداً لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وحسب حواري مع عامر عبد الله المفكّر الشيوعي قال لي: إنه سعى في محاولات عديدة لإقناع السوفييت بضرورة وأهمية مثل هذا الموقف بالنسبة للعرب، وهو ما كان رأي نوري عبد الرزّاق حين عمل سكرتيراً عاماً لإتحاد الطلاب العالمي (1960-1967 ).

الطلاب وانشطار الحزب الشيوعي

     كانت الإنتخابات الطلابية قد جرت في ربيع العام 1967، وفاز فيها إتحاد الطلبة، وقد فصّلت في كرّاس صدر عن مطبعة طريق الشعب في بشتاشان والموسوم "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"1983 ، تفاصيل تلك الإنتخابات وما تركته من أثر إيجابي على تنشيط الأوضاع الحزبية وارتفاع نسبة الجدل والحوار الداخلي ، والتي ترافقت مع ردّة الفعل الشعبية والتظاهرات العارمة ضد عدوان 5 حزيران/ يونيو. وللأسف الشديد فإن الصراعات الداخلية للحزب كانت حادّة، بل شديدة التقاطعات ، فانفجر الصراع الكامن والذي ظلّ يعتمر لسنوات، فانفصل فريق بإسم "القيادة المركزية" واحتفظ الفريق الثاني بإسم " اللجنة المركزية" وكنت " منزلة بين منزلتين "، فمن جهة أؤيد بعض توجّهات القيادة المركزية السياسية، ومن جهة أخرى أعارض توجهاتها التنظيمية ، خصوصاً إستخدامها للعنف ضدّ رفاق الأمس وضدّ قيادات شيوعية، حيث احتجز زكي خيري وقبله بهاء الدين نوري الذي تمكّن من الهرب، فضلاً عمّا اتبعته لاحقاً من أساليب كفاحية بإسم "العنف الثوري" بنقل تجارب أخرى تأثراً بالتيّار الجيفاري، وفي وضع أقرب إلى المغامرة والطفولة اليسارية.
     كان الحكيم قد كرّس كل وقته لمواجهة الإنشقاق وقد عقدنا جلسات مطولة محاولاً إقناعي، وكنت قد شعرت بمرارة شديدة حينها وحيرة كبيرة وتوزع فكري ونفسي وصداقي. كما حاول رضا عبد ننة الإتصال بي لإقناعي الإنضمام إلى القيادة وفضّلت لبعض الوقت "العزلة المجيدة" كما كنت أسمع عنها ممن سبق أن عاشها في السجون، أيام راية الشغيلة، وحتى بعد انشقاق العام 1967 مثل كاظم فرهود الذي احتفظ باستقلاليته، ولم تكن تلك المرّة الأولى التي أشعر فيها بانفصال روحي عن التوجهات السائدة وأساليب العمل البيروقراطية.
     وبما أنني لم أكن قيادياً أو مسؤولاً، بل كنت مجرّد شيوعي حالم، بدأت تساؤلاته تكبر مع مرور الأيام، ليودّع الإيمانية التبشيرية الدعائية  وينتقل تدريجياً إلى التساؤلية  النقدية العقلية، لذلك ازداد قلقي وكبر،ولكن تطور الأحداث كان كفيلاً بتغيير بعض قناعاتي وبدأت العمل مجدداً في المجال المهني (طلبة وحقوقيين وجمعية العلوم السياسية) وفيما بعد في المجال الحزبي مع احتفاظي بملاحظاتي التي كانت تتضخّم.
     وأستطيع القول أن السجايا الأخلاقية لصاحب الحكيم قبل الإقناع السياسي أو المستوى الفكري كانت وراء بعض ليونتي تلك، وظلّ يتابع أوضاعي وساهم فترة في قيادة لجنة كنت عضواً فيها. وحين اشتدّت حملة الإعتقالات إنقطعت الإتصالات بيننا واتصل بعمّي شوقي وأبلغه بأن عليّ أن أكون شديد الحذر، حتى وإن كنت وجهاً معروفاً ومُنحت عضوية شرف من الإتحاد الوطني لطلبة العراق بعد مؤتمره الأول (نهاية العام 1969) مع نوري عبدالرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمّن تقديراً لدورنا في الحركة الطلابية.
      وحين أصبح في موسكو وأنا في براغ بعد عام من الفراق تقريباً طلب مني في رسالة معرفة لقائي مع الملّا مصطفى البارزاني حيث كنت على رأس وفد زاره في كلالة في أيار/ مايو 1970، وكتبت له عن ذلك، بالخطوط التي كانت معروفة ومنشورة في "جريدة كفاح الطلبة"و"جريدة طريق الشعب"(السرّية) وبعض القضايا الخاصة.

مواقف خاطفة
     بعد عودتي إلى بغداد كان أول لقاء لي هو مع الحكيم " أبو محمد" في مقر لجنة بغداد، وحين عرف أنني سألتحق بالخدمة العسكرية، طلب مني قطع جميع علاقاتي الحزبية وعدم التردد على الأماكن الخاصة، بل وإنهاء علاقتي تماماً وكنت قد قرّرت ذلك،ولم ألتفت للتوجيهات الحزبية، ولم ألتقيه مرّة أخرى سوى في دمشق 1980 حيث نظّم لقاءً لي مع الرفيق أبو خولة ( باقر ابراهيم) وطلب مني الأخير إستلام مسؤولية العلاقات مع القيادة القومية السورية ومع القوى السياسية الأخرى. وحضرت مع عبد الرزّاق الصافي بعض إجتماعات  الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقد) ومنها الإجتماع الذي تم فيه تجميدنا.
      ولكن الحكيم بحكم الصداقة طلب مني الإنضمام إلى لجنة دمشق التي كان يديرها (لجنة داود) بالرغم من إثقالي بمهمة الإشراف على تنظيمات المثقفين، ثم لاحقاً الإشراف على تنظيمات الطلبة، وبعد ذلك الإشراف على العمل المهني والديموقراطي كما نطلق عليه الذي جمع (الطلبة والشبيبة والمرأة ورابطة الكتاب ولجنة المهجرين) وحاولت الإعتذار لكنه أصرّ علي، وكنت أحرر محاضرها وأكتب تقاريرها.
    وحين استضفنا الرفيق عزيز محمد في إجتماع موسّع وبحضور نخبة من الكوادر وحضور الحكيم كذلك في منزل الرفيق علي السامرائي، قدّمته بالعبارات التالية : هذا أمينكم العام فصارحوه، وكنت أعرف ثمة إعتراضات وآراء ووجهات نظر وتحفّظات على السياسة العامة والتنظيمية، فضلاً عن تململات وإرهاصات مغايرة لسياسة الحزب بشان الحرب العراقية – الإيرانية، ومنها ما كنت أتبناه وما كتبت عنه.
     علمت أن الحكيم لم يكن مع قرار عقد الجبهة الوطنية في العام 1973، خصوصاً التنازل لحزب البعث باعتباره يلعب دوراً متميّزاً في قيادة الجبهة والسلطة والمجتمع. و خلال الحرب العراقية – الإيرانية، أخذت بعض مواقفه تقترب من مواقفنا بإدانة الحرب ورفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني وإن كان بتحفّظ. كما لم يكن مع نتائج المؤتمر الرّابع الذي حُرم من حضوره حيث كان قد وصل إلى المنطقة التي انعقد فيها بعد أن تسلل إلى بغداد وبقي فيها لنحو عامين اختفى لفترة منها في النجف في منزل شقيقة السّيد سلمان، لكن ذلك كله لم يشفع له لأنه احتسب على ملاك باقر ابراهيم المغضوب عليه ومجموعة المعارضة الحزبية حتى وإن لم يكن منها، فأبعد تحت حجج أمنية حاولت النيل منه والإساءة إليه.
     وكنت حين إلتقيت به في طهران قد حاولت ثنيه من التسلل إلى بغداد وكتبت رسالتين عبر الرفيق جاسم الحلوائي (أبو شروق) إحداها إلى المكتب السياسي والأخرى إلى الرفيق باقر ابراهيم ، لكن الرسالتين وقعتا بيد الأجهزة الأمنية الإيرانية بعد إلقاء القبض على المراسل كما علمت من أبو شروق لاحقاً. كما إلتقيت به في طهران في أحد المرات بصحبة الرفيق قاسم سلمان "أبو الجاسم" والرفيق جميل إلياس منصور "أبو نغم أو أبو جمال" وكانا متوجّهين معه إلى كردستان وقد سمع مني ما حصل في مجزرة بشتاشان التي نجوت منها (أيار/ مايو 1983). أما هو فقد توجّه إلى الداخل.
    وبعد انفضاض المؤتمر الرابع والنتائج التي خرج فيها تقرّر أن يعمل الحكيم في طهران في الظروف الأمنية القاسية، خصوصاً بعد الإعتقالات الواسعة التي طالت حزب تودة الشيوعي الإيراني، وقد اتخذ جميع الإجراءات كي لا يقع بقبضة الجهات الأمنية، كما حصل للرفيق حيدر الشيخ الذي بقي في السجن لمدة 5 سنوات. ثم جاء إلى دمشق حيث إستقبلته بعد مراسلات وإتصالات عديدة، وقد كنا حينها نصدر صحيفة المنبر التي كنت أشرف على تحريرها ، وقد هيّأت له مستلزمات المجيء عبر برقية من القيادة القومية، واستضفته ليومين في المنزل ( حسب الإتفاق)، ثم انتقل إلى بيت حسين سلطان لعدّة أيام، إلى أن تم توفير سكن له، وظل خلال تلك الفترة على الهامش وهو ما يذكره في مذكراته ، حيث لم توكل له أيّة مهمة.
      واعتبر متعاطفاً مع تيار المعارضة الحزبية علماً بأن ماجد عبد الرضا كان قد فاتحه في براغ وكذلك بهاء الدين نوري  وكل على انفراد، فاعتذر منهما كما أخبرني، وكنت أعرف رأيه وبعض ملاحظاته السلبية على نهج المعارضة الحزبية بما فيها مجموعة باقر ابراهيم، على الرغم من تأييده بعض وجهات نظرها ، فقد اقترب من بعض مواقفنا السياسية والفكرية ، فضلاً عن العلاقات الصداقية الحميمة مع بعضنا، ولكنه كان متردّداً بشأن التنظيم وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من الرفيق أبو خولة. وبقدر ما كان يدين الإجراءات التعسفية ضد المعارضة الحزبية فإنه كان ينتقدها أحياناً، مستعيداً تجربته مع راية الشغّيلة، وقد عبّر عن ذلك على نحو واضح  خلال انتقالنا إلى براغ 1989 ( عامر عبد الله وباقر ابراهيم وعدنان عباس) وقبل ذلك كان معنا حسين سلطان قبل عودته إلى العراق، وماجد عبد الرضا الذي كان قد سبقنا ، وكان في زيارتنا المستمرة مهدي الحافظ الذي كان يأتي من فيينا ونوري عبد الرزاق من القاهرة، كما زارنا بهاء الدين نوري وفتح حوار معنا .
    كان هدف زيارة الحكيم إلى براغ هو مراجعة السفارة العراقية للحصول على جواز سفر بعد تعليمات حزبية بالتوجه إليها ، وكان ذلك قد تقرّر عقب إنتهاء الحرب العراقية- الإيرانية وترافق مع انهيار الأنظمة الإشتراكية في نهاية الثمانينيات واستكمال المفاوضات لتحقيق وحدة اليمن التي كنا نستخدم جوازات سفرها (اليمن الجنوبية). ثم تقرر على نحو شبه جماعي التوجه إلى بلدان اللجوء عشيّة غزو الكويت وبعيد كارثة الحرب. وقد استضفته في براغ لمدة ستة أشهر قبل أن أتوجه إلى لندن.
     وحين حانت لحظة سفره إلى كوبنهاغن وكنت قد اتفقت مع أحد الأصدقاء البحرينيين لمرافقته وتأمين مستلزمات لجوئه ومساعدته ،إلاّ أنه ظل طيلة مساء وليل ذلك اليوم يصعد وينزل وكأنه لم ينم. ونظر إليّ نظرة استفهام وتساؤل وفهمت معناها على الفور : أيليق بي أن أكون لاجئاً؟ و طلب مني مباشرةً الإقلاع عن الفكرة إلّا إذا كنت معه، ولكنني كنت قد أمّنت سفري إلى لندن وكان من الصعوبة تأمين ذلك له في فترة وجيزة وعملت كل ما في وسعي لكي أمدّد له الإقامة لمدة ستة أشهر. وطلب مني مرافقته إلى دمشق حيث كان يخشى الإيقاع به وكنت قد ذهبت قبل ذلك إلى دمشق لمرافقته إلى براغ عبر لارنكا (قبرص) حيث استضافنا الصديق العزيز فراس فاضل عباس المهداوي لمدة يومين.
      ستبقى هذه السردية ناقصة لأنها لم تغطي سوى شذرات من سيرة مناضل لا يمكن أن نعطيه حقّه ونحيط بكل جوانب ما قدّمه ، فقد إجترح عذابات وحرمانات لا حدود لها وعاش خارج الأضواء زاهداً متواضعاً كتوماً محافظاً على سرية عمله حتى بالظروف الطبيعية، وقد كنت قد فرضت إسمه العلني حمايةً له  في الشام على الرغم من تمنّعه في البداية ، لكن ذلك شكَل، في ظروف الصراعات الحزبية والدسائس والمؤامرات والوشايات، ضمانةً له ضدّ تداخلاتٍ أمنية، لاسيّما وأن مواقفه كانت ضدّ الحصار والعدوان واحتلال العراق وهو ما وقع به آخرون.
     عاش صاحب الحكيم شيوعيا نقيّا ووطنياً أصيلاً وإنساناً شريفاً وهو في كلّ مراحل عمله امتاز بتعامله الإنساني وبروح المودة والتآزر والتضامن والرحمة بين الرفاق، ولذلك وقف ضدّ إجراءات القمع والتنحيات والمقاطعة الإجتماعية، وهي أساليب تنتمي إلى الحقبة الستالينية المظلمة.


16
صاحب الحكيم
 وسوسيولوجية الشيوعية في النجف


عبد الحسين شعبان
ما أخطأتك النائبات / إذا أصابت من تحب
                                                                                                         
الشريف الرضي



     لا تُذكر الشيوعية في النجف إلاّ وهي مقترنة بثلاثة أسماءٍ كبيرة، أولها–سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب الشيوعي، الذي استشهد تحت التعذيب في العام 1963 على يد إنقلابيي 8 شباط/ فبراير، وثانيها- حسين محمد الشبيبي (صارم)عضو المكتب السياسي، الذي أعدم في العام1949 مع يوسف سلمان (فهد)أمين عام الحزب الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسيه والمساهم الأكبر في بنائه، ومحمد زكي بسيم   (حازم)عضو المكتب السياسي، وثالثها - صاحب جليل الحكيم (جهاد)، والثلاثة ينتسبون إلى عوائل دينية، فوالد سلام عادل درس في الحوزة الدينية، ووالد حسين الشبيبي الشيخ محمد الشبيبي كان قارئاً للمنبر الحسيني وكان منبره تحريضياً تعبوياً عامراً، أما الحكيم فوالده السيد جليل وشقيقه السيد سلمان وعدد غير قليل من آل الحكيم من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي أيضاً.
      وعلى هذا المنوال المتنوع بين الإنحدارات الدينية والتوجّهات المدنية كان المجتمع النجفي يمورُ بالجدل والنقاش و الإختلاف بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وكانت قد انبعثت الروح التجديدية في الحوزة الدينية منذ أن جاءها الإمام الطوسي ملتجئاً في العام 448 هجرية وتوفي فيها في العام 660 هجرية.
     وظلت النجف منذ نحو 1000 عام قبلة للعلوم الدينية ومرجعية مرشدةً للدارسين من شتّى الأقطار العربية والإسلامية، مثلما كان وجهها الآخر مشرقاً بالثقافة والأدب والشعر بخاصة. وعلى مرّ العهود كانت الكبرياء تسكنها، فهي مدينة عصيّة على الترويض، ولعلّها  تآخت مع التمرد، ولم تستكن في كل الظروف والأحوال، بالرغم من محاولات تطويعها في السابق والحاضر.
    وعلى الرغم من أجوائها المحافظة ، إلاّ أن هاجس الإصلاح والتجديد كانا على الدوام في رفقةٍ مع نخبها الفكرية والثقافية المتنوعة.فالنجف بتناقضاتها وجوار أضدادها وروح الجدل التي تحوم حولها تمثّل "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق"،حسب السيد مصطفى جمال الدين كما ورد في كتابه " الديوان" 1995، فباحاتها وجوامعها ومساجدها ومدارسها تضجّ بالدارسين والمنشغلين بالعلوم الدينية واللغة والنحو والفقه والعبادة. حيث مرقد الإمام علي الذي يعتبر مزاراً لعموم المسلمين.وقد خرّجت النجف أعداداً كبيرة من " علماء " الدين من البلدان العربية والإسلامية وأوفدت إليها "علماء" دين يمثلون مراجع " كبار" في النجف.
     والنجف مدينة مفتوحة للوافدين والزائرين وهي تقع على طرف الصحراء بالقرب من نهر الفرات المار بالكوفة وهي ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضرٍ وبدوٍ ومللٍ ونِحلٍ وفيها أكبر مقبرة في العالم تسمى "مقبرة وادي السلام" وهي رابع المدن الإسلامية بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الأولياء، فقد نزل فيها النبي ابراهيم الخليل ودفن فيها النبي هود والنبي صالح وفيها انتعشت مدرسة الكوفة التي أبقت باب الإجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً.
      ولعل ذلك أوجد مناخاً متميزاً وأفقاً رحباً في النجف كرّسته بقبول تنوّع التيارات الفكرية والإجتماعية. فلا غرابة أن تكون النجف قد خرّجت شيوعيين كباراً أيضاً، عراقيين بالطبع وعلى المستوى العربي أيضاً من أمثال المفكر حسين مروّة الذي تمّ إغتياله في العام 1987 في بيروت والمناضل محمد شرارة والد الأكاديمية والروائية حياة شرارة والكاتبة بلقيس شرارة، وغيرهم.
     وبقدر ما تكون بيئة النجف عراقيةً وعربية أصيلة فإنها كانت مفتوحة لتلاقح الثقافات وتعاشق الأعراق وتآلف اللغات والألسن، دون أن يعني ذلك إخلالاً أو إنتقاصاً من عروبتها وقيمها الحضارية وأبعادها الإنسانية، حيث كانت اللغة العربية لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم والتدرج في العلوم الدينية والدراسة الحوزوية دون الإلمام بها وإتقانها.

شريط سينمائي
     مرّ شريط سينمائي برأسي وهو أقرب إلى إسترجاعاتٍ و استعاداتٍ، وأنا في آخر زيارة لصديق العمر صاحب الحكيم ( مطلع أيلول /سبتمبر 2021 ) في منزل نجله باسم في بغداد، حيث قفزت إلى الذاكرة أسماء أخرى رنّانة من شيوعيّ النجف، وكان في المقدمة منهم حسين سلطان القيادي والوجه الإجتماعي المحبوب،وحسن عوينة ( الذي استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963)،وباقر ابراهيم الموسوي (أبو خولة) الذي قاد التنظيم الحزبي لنحو ربع قرن 1961-1984 قبل تنحيته،ومحمد موسى "حديد" ( الذي استشهد أيضاً تحت التعذيب في العام 1963 ) والدكتور خليل جميل الجواد، صديق العائلة وزميل الدكتورة نزيهة الدليمي والتي كانت قد اختفت بمنزله في النجف في الخمسينيات كما أخبرتني،ومحمد حسن مبارك المرشح للجنة المركزية، والذي عاش في عزلةٍ لأكثر من 10 سنوات توفي بعدها في ظروف غامضة وملتبسة بعد الإنتفاضة الشعبية في العام ،1991 ورضا عبد ننه ( أبو جبّار) الذي توثّقت علاقتي معه بعد إنتقاله إلى حزب القيادة المركزية إثر انشطار الحزب الشيوعي في العام 1967 ودخلت معه في نقاشات مطوّلة ، وآخرين ممن عرفتهم في مرحلة الفتوة الأولى، وتأثرت بالعديد منهم، خصوصاً لسجاياهم الأخلاقية وشجاعتهم، وأولهم صاحب الحكيم .

لقاء الوداع

    كان اللقاء الأخير وداعياً، هكذا شعرت وأنا الذي يكره الوداع، فقد كنت أغيب عن أصدقائي وأحبائي حين أشعر بدنوّ منيّتهم، لأنني أريد أن أُبقي في ذاكرتي صورتهم وهم في عزّ قوّتهم، إلاّ أن اللقاء الأخير كان مفروضاً عليّ وحاولت أن أتهرّب منه، وكان صاحب الحكيم قد عرف بزيارتي إلى بغداد وهاتفني مستنجداً، فكيف لي أن أزوغ عن هذا الواجب الإنساني والأخلاقي وأنا الذي عرفته منذ أن أدركتني لوثة السياسة بأحلامها الكثيرة وهمومها الكبيرة، بحلوها ومرّها كما يقال، فقد عشنا منعرجاتها وتقلّباتها وتشعّباتها وتذرّراتها وإحباطاتها، فأين كنّا وأين أصبحنا؟
    بعد زيارة لما يقارب الساعة ودّعته مع كلمات مجاملة غصّت في فمي باللقاء قريباً، وهممت بالمغادرة. حين وصلت باب المنزل عدت لألقي عليه نظرة الوداع. صعدت السيارة بجوار ولده باسم وكنت أشعر بحشرجةٍ داخليةٍ أخذتني إلى عالم آخر أقرب إلى الخيال أو التوهّم، حيث بدأت الذكريات تتقافز في رأسي وتمطرني بزخّاتٍ من الأسئلة. كيف لك أن تودّع صديقاً مثل صاحب الحكيم؟ وكيف طاوعك قلبك وراودتك نفسك لدرجة إنفجرت تلك العواطف الإنسانية بشيء أقرب إلى النحيب، "فما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفيّاً؟"على حدّ تعبير الفيلسوف نيتشة.
      لا أدري بمَ تمتمتُ وأنا أهّمّ مسرعاً نحو مدخل فندق بابل. لحظتها استعدت بيت شعرٍ للصديق السيّد حسين هادي الصدر، والذي بقيت أردّده يومياً طيلة الأسابيع الثلاثة المنصرمة حتى جاءني خبر وفاته الذي نزل عليّ كالصاعقة (25 أيلول/سبتمبر 2021) ، وهو الذي يقول فيه :
سيف المنايا مرهفُ الحدّ  /  يُردي ولا نقوى على الرّدِّ
وفي اللّاوعي كنت أقرأ الفاتحة على روحه صباحاً ومساءً،  مستعيداً الجواهري الكبير في قصيدته المهداة إلى صلاح خالص- أأخي أبا سعد:
فالمرء مرتطمٌ بحفرته / من قبل أن يهوى فيرتكسا
أو كما يقول في قصيدته المهداة إلى الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة السورية السابقة وهي بعنوان أسيدتي نجاح :
يظلّ المرء مهما أخطأته / يدُ الأيام طوع يد المصيبُ
أو بيت الشعر المشهور من قصيدته الإستذكارية للشاعر الرصافي 1959:
ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دمُ إخوتي وأحبتي وصحابي
هكذا هي الحكمة الأبدية "فالموت يدرك كلّ ذي رمقٍ" وهو ما ورد في القرآن الكريم حيث تقول سورة الرحمن – الآيتان 26 و 27 " كلّ من عليها فان. ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام".


"أبو زمن" و الوعي الأوّل

     بُعيد ثورة 14 تمّوز / يوليو 1958 وفي بدايات تكّون وعيي الأول بحكم إنتماء العائلة اليساري، وفي غُمرة الإبتهاج بالتغيير إلتقيت بصاحب الحكيم، الذي كان يُكنّى بأبو زمن وذلك بعد الإعلان عن تأسيس لجنة تحضيرية لإتحاد الطلبة العراقي العام وكان هو على رأسها، حيث أُعيد إلى الدراسة بعد أن فُصل منها لخمسة أعوام ( طالباً في الصف الثالث المتوسط – المسائي). واختارت اللجنة مقرّا علنيا لها في إحدى المقاهي في شارع نادي الموظفين بين متوسطة الخورنق وإعدادية النجف. وبعد الإنتخابات التي كانت حامية الوطيس أصبح الحكيم رئيساً للإتحاد ومثّله في المؤتمر العام الأول ( بعد المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في ساحة السباع في 14 نيسان / إبريل 1948). وتغير إسم الإتحاد إلى " إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية".
    كان الحكيم (أبو زمن) عضواً في الوقت نفسه في مكتب اللجنة المحلية للحزب الشيوعي التي يقودها محمد حسن مبارك ، وفي نهاية العام 1959 ومطلع العام 1960 أصبح سكرتيراً للجنة المحلية وعضواً في لجنة منطقة الفرات الأوسط .
    في فترة الخمسينيات كان يتردّد على بيتنا هو وبعض المسؤولين الحزبيين لإداء عدد من  المهمات الحزبية حيث كان  مشرفاً على اللجنة الطلابية التي ضمّت محمد موسى ( مسؤولاً) ورحيم الحبّوبي وشوقي شعبان وعبد الزهرة الحلو وكان معهم قبل ذلك عبد الرضا فيّاض الذي حكم عليه لمدّة عام وعام آخر تحت المراقبة إثر إنتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الإنكلو- فرنسي الإسرائيلي.
     وعاش شيوعيو النجف بكل جوارحهم  حالة إنشقاق ( راية الشغّيلة)بكل تفاصيلها،حيث انشطر الحزب الشيوعي إلى جناحين( القاعدة و راية الشغيلة) وقد توالى على مسؤولية اللجنة المحلية التي تضمّ النجف وكربلاء حمزة سلمان الجبوري الذي استشهد عام 1963، وكان قد اعتُقل لإتهامه بأحداث الموصل إثر حركة العقيد عبد الوهّاب الشوّاف (آذار / مارس 1959)، وأُعدم بعد إنقلاب 8 شباط / فبراير. وقد استلم مسؤولية اللجنة المحلية بعده صالح الحيدري وهو من عائلة كردية معروفة وشقيق الشهيد جمال الحيدري الذي استشهد تحت التعذيب في تموز/ يوليو 1963، وكان حسين سلطان من الذين تولوا مسؤولية اللجنة المحلية لأكثر من مرة، وبعد تحقق وحدة الحزب لم يستطع سلطان إستيعاب التغيير المفاجئ، خصوصاً ما كان من خصومة وعداء واتهامات وتراشق بين الفريقين المتصارعين التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى مودة ورفقة وتضامن ومبدئيةٍ ، فاعتذر عن المسؤولية وسلّم قيادة اللجنة المحلية إلى صاحب الحكيم لفترة مؤقتة شهدت إزدهاراً ونمواً واتساعاً للحركة الشيوعية .

أبو بشائر وأسماء أخرى

     أخذنا نسمّي صاحب الحكيم "أبو بشائر" بعد ولادة إبنته البكر بشائر( المهندسة حالياً )، وبعد زواجه من الشيوعية فهيمة عمران الدجيلي العضوة في رابطة المرأة والتي اعتقلت في العام 1963، وكان إسم أبو بشائر يتغيّر باستمرار إلاّ للخاصّة والأصدقاء المقربين، فحين عمل في منطقة بغداد كان إسمه "أبو محمد" وفي سوريا أطلق على نفسه "أبو سعدون" وحين إلتقيته في طهران وأنا عائد من مجزرة بشتاشان أبلغني أن إسمه "أبوهادي"، وهكذا، وعلى الرغم من أنه عمل في قطاعات تنظيمية مختلفة فتارة مسؤولاً للمثقفين وأخرى مسؤولاً عن محليّة الكاظمية ومنظماتٍ أخرى،إلاّ أنه ظلّ يتابع أوضاع الطلبة وحركتهم وكانوا أحد مشاغله أيضاً ، و بقي على هذه الحال لسنوات غير قليلة، ولاسيّما بعد خروجه من السجن وانتقالنا إلى بغداد، وحاول الإتصال بعدد من الطلبة الذين يعرفهم في الجامعات،  وخصوصاً بعد الإنشقاق الذي حصل في الحزب العام 1967 ، فانتدبته إدارة الحزب للمشاركة في تعزيز التنظيمات الطلابية والإشراف على هذا القطاع المهم الذي كان في غالبيته الساحقة مع مجموعة القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج، وهكذا ساهم مع كوكبة لامعة لإعادة بناء إتحاد الطلبة والتنظيمات الحزبية.
     وحتى خلال فترة إدارته للتنظيم في دمشق، طلب منّي الإشراف على عقد كونفرنس طلاّبي لإختيار قيادة لجمعية الطلبة العراقيين في سوريا، وذلك بحكم تجربتي الطويلة في هذا الميدان. وقد اصطحبت معي الشاعر سعدي يوسف الذي خاطب الجمع الطلاّبي إنطلاقاً من تجاربه المهنية والفكرية، واختارت الجمعية قيس حسن الصرّاف رئيساً لها.

أوّل سجن
إثر إنتفاضة العام 1956، كان الحكيم قد اعتقل عدّة مرات في الخمسينيات، لكنه سُجن لأول مرّة لمدّة عام حيث اعتقل في بغداد، وبعد الحكم عليه نقل إلى سجن بعقوبة، والتقى لأول مرّة بالرفيق عزيز محمد في السجن والذي سيصبح أميناً عاماً في العام 1964 ويستمر في موقعه ل 29 عاماً، وحين أُطلق سراحه نُسّب للعمل لقيادة منظمة الشامية ومنها إلى الحلّة (لم يستمر فيها) وعاد لقيادة محليتها في العام 1962 ، حيث اعتقل فيها، وحكم عليه لمدّة سنتين تنقّل خلالها في سجون عديدة منها سجن بغداد المركزي وسجن الحلّة وسجن نقرة السلمان وسجن الرمادي حيث شكّل لجنة لقيادة السجن ضمّت يوسف حمدان وكمال شاكر وزهير الدجيلي.
     وبعد لقاءات مستمرة أغلبها عامة وبعضها خاصة إلتقيته آخر مرّة  قبل إنتقاله إلى قيادة محليّة الحلّة وذلك خلال زيارة سريعة لشقيقه سلمان الحكيم، وبعدها انقطعت أخباره بالنسبة لي بتردّي الأوضاع السياسية واتجاه الزعيم عبد الكريم قاسم للإنفراد بالحكم وإتّباعه أساليب دكتاتوريّة وقمعيّة، ثمّ إلتقينا في المعتقل بعد 8 شباط (فبراير) 1963  لتتوطّد علاقتنا وتبدأ صداقة حميمة بيننا لم يفرّقها سوى الموت.


عائلة الحكيم

     بودّي أن أتوقف هنا للحديث عن عائلة الحكيم، فشقيقه الأكبر السيّد سلمان من الشيوعيين الأوائل البارزين في النجف  وقد اعتقل عدّة مرّات ومثله الشيخ وهاب شعبان وهما من سدنة الروضة الحيدرية للإمام علي، وكلاهما نالا قسطاً وافراً من التعذيب والتنكيل. وكانت المرحلة الأولى للحركة الشيوعية النجفية قد بدأت إرهاصاتها في مطلع الأربعينيات، ويدون كتاب الصديق محمد الشبيبي عن والده الموسوم "الرائد علي محمد الشبيبي - ذكريات التنوير والمكابدة" محطات التأسيس الأولى.
     أما شقيقه الثاني، فهو السيّد ناجي فقد سجن بعد 8 شباط/ فبراير1963، وبعد إطلاق سراحه عمل في لجنة محلية الكرخ لغاية العام 1970 وقد اعتُقل في قصر النهاية. وأخته العلوية زهوري هي زوجة الرفيق حسن عوينة الذي استشهد في العام1963، وكان حينها عضواً في لجنة الإرتباط لتنظيمات الحزب مع الألوية (المحافظات) والمكاتب في إطار"لجنة التنظيم والرقابة المركزية "(لترم)،ووالدته العلوية زكيّة عملت كمراسلة لأكثر من مرّة بتكليف من الحزب الشيوعي. ففي كامل مرحلة الخمسينيات كانت تزور السجون العراقية للقاء المعتقلين من أبنائها، فما أن يخرج واحد حتى يدخل آخر وهكذا. وكانت والدته وشقيقتاه عضوات في رابطة المرأة العراقية بعد ثورة 1958.
      أما والده فعلى الرغم من كونه يعمل مرشداً  في حضرة الإمام علي، إلا أنه كان متعاطفاً مع اليسار مثله مثل العديد من سدنة الروضة الحيدرية من آل الحكيم وآل الرفيعي وآل الخرسان وآل شعبان وغيرهم، إضافة إلى عوائل دينية معروفة مثل آل الشبيبي وآل سميسم وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل الدجيلي وآخرين، وحين اعتقلت زوجة الرفيق محمد حسن مبارك في الحلة قاد السيد جليل الحكيم وفداً لإطلاق سراحها، فإلتقى بالسيد محسن الرفيعي مدير الإستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع وطلب منه التدخل لدى الزعيم لإطلاق سراحها ونجح في مهمته وهو ما ترك أثراً طيباً لدى النجفيين. جدير بالذكر أن منزل السيد جليل الحكيم هو الذي  استضاف أول كونفرنس للحزب بعد الثورة في منطقة الفرات الأوسط حضره سلام عادل وهو ثاني لقاء بين صاحب الحكيم وسلام عادل كما أخبرني .
      وعلى ذكر سلمان الحكيم فقد كان صديقاً لوالدي عزيز شعبان، وقد رفض جميع المغريات خلال فترة الجبهة، وبشهامة منقطعة النظير وبمروءة عالية استضاف صاحب الحكيم لعدّة أشهُر حين تسلل الأخير إلى بغداد في العام 1983 لإعادة التنظيم وتلك قصّة درامية أخرى، لا يتّسع المجال لذكرها في هذا المقام.
      وكان السيّد سلمان الحكيم بعد العام 1958 عضواً في لجنة مختصّة بالوسط الديني مؤلفة من الشيخ باقر الفيخراني والسيد نوري الموسوي وهما خطيبان منبريّان والسيد أحمد الحكيم (نجل السيد سعيد الحكيم البصراوي ) والشاعر عبد الحسين أبو شبع الذي كان عضواً في الحزب قبل ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وإسمه الحزبي "علي"، وتتبع هذه اللجنة أكثر من خلية وحلقات أصدقاء ومتفرقين يتوزعون على خدم الروضة الحيدرية والحوزة الدينية وقرّاء المنابر الحسينية وأصحاب المواكب، وكان  بعضهم من أنصار السلام . وكانت النجف تعرف تاريخهم أذكر منهم الشيخ حبيب سميسم ومحمد مصطفى الحكيم (الذي سبق له أن إلتقى بفهد) وحسن الحكيم ( الذي استشهد عام 1979 ) وثلاثتهم كانوا معتقلين معنا في خان الهنود والشيخ مجيد زيردهام والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء والشيخ ابراهيم أبو شبع وعدد من مرشدي حضرة الإمام علي من العوائل التي جرى ذكرها وهي تابعة للجنة المثقّفين، وكان لولبها السيد سلمان الحكيم الذي يملك "فندق النجف" في دورة الصحن الشريف، وبالقرب منه محل والدي المستأجر من صالح معلّة بعد أن انتقل من (السوق الكبير) لفترة قصيرة، ثم عاد إليه في العام 1959.
     وكان بجوار الفندق أيضاً آل سنجر ومحلّهم المعروف لبيع ماكينات الخياطة، ومصطفى الأطرقجي الملقّب "أبو الزوالي – محل لبيع السجاد" ويقترب منه دكّان سهل الخيّاط ( المبالِغ في يساريته) وهو والد جواد الطالب الذي كان  معنا في الحزب الشيوعي وهو خال علي ناجي بر، وبين هذا الوسط كان السيّد خلف الحبوبي وتعليقاته على لقاء عفوي يجمع من يريد الإطلاع على جريدة " إتحاد الشعب" أو تصفّح بعض المجلّات السوفيتية مثل المدار وصحف مثل أنباء موسكو ومنشورات وكالة نوفوستي. وكان يشير بإصبعه إلى الخط الأحمر، لكن هذه اللقاءات التي استمرّت لأشهر سرعان ما انقطعت بعد تدهور العلاقات السياسية.


17
مئوية الدولة العراقية

عبد الحسين شعبان
6 تشرين الأول/ أكتوبر 2021



     خصّص ملتقى الرافدين للحوار مؤتمره السنوي لبحث إشكاليات الدولة العراقية ومشكلاتها بعد مرور 100 عام على تأسيسها في 23 أغسطس/آب 1921، بحضور رئيس الجمهورية   ورئيس البرلمان وشخصيات سياسية وازنة ونخبة من الأكاديميين والباحثين والمفكرين، وذلك تحت عنوان " العراق في مائة عام : مسارات مضطربة وأزمات متجددة".
     وكان المؤتمر فرصة للحوار وتبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء والإستئناس بأفكار ذات مشارب مختلفة ومن شخصيات عراقية وعربية ودولية تمثل اتجاهات متنوّعة، فالحوار لم يعد ترفاً فكرياً أو نزوة عابرة، بقدر ما أصبح ضرورةً وامتيازاً  في آن، بعد أن وصلت العملية السياسية ،التي تأسست بعد الإحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، إلى طريق مسدود، واستمرار ظاهرة انتشار السلاح خارج الدولة وتغوّل جهات ما دونها لتصبح ما فوقها في ظلّ نظامٍ يقوم على المحاصصة والتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني.
وكان المؤتمر أيضاً فرصة لإعادة قراءة التاريخ، خصوصاً  فترة العهد الملكي وحصول العراق على الإستقلال حتى وإن كان شكلياً ودخوله عصبة الأمم، حيث تمَ تشييد  أساسات الدولة العراقية  بهياكلها المعروفة ودواوينها وقوانينها وتطبيقاتها وخططها الإقتصادية ومشاريعها العمرانية،  وحتى وإن كانت الحريات شحيحة إلا أنه  شهد نهوضاً ملحوظاً وتطلّعاً نحو الحداثة والتقدم.
وعلى الرغم مما حققته ثورة 14 يوليو/تموز1958 من منجزات سياسية واجتماعية واقتصادية وفي مقدّمتها الخروج من حلف بغداد وانتهاج سياسة تحررية وتحرير العملة العراقية من شرنقة الكتلة الإسترلينية وتشريع قانون تقدمي لصالح المرأة في العام 1959 ( قانون رقم 188 ) وآخر لتحرير الثروة النفطية في العام 1961 ( قانون رقم 80 )، إلاّ أن العراق عاش أوضاعاً إستثنائية وفترة إنتقالية و شهد حرباً ضد الشعب الكردي واندلاع أزمة المطالبة بضم الكويت مما سهّل الإطاحة بالجمهورية الأولى في العام 1963 ، وزاد من التضييق على الحريات العامة والخاصة وانتهاج سياسة دكتاتورية إستبدادية.
 وبعد إنقلاب 17 يوليو/تموز 1968 حُكمت البلاد بالحديد والنار لنحو 35 عاماً وشهدت خلالها حروباً عبثيّة داخلية وخارجية، أبرزها الحرب العراقية – الإيرانية ( 1980 – 1988) واحتلال الكويت عام 1990 وما أعقبها من ردود فعل دولية بالحصار الشامل وصولاً إلى الإحتلال العام 2003 .
وبعد الإطاحة بالنظام السابق زادت الإنقسامات الداخلية الطائفية والإثنية والتي جرى اعتمادها منذ مجلس  الحكم الإنتقالي الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، والتي انعكست على قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية والدستور الدائم النافذ لعام 2005 ، والذي قام على مبدأ المكوّنات، ابتداءً من الديباجة (مرتان) والمواد 9 و 12 و 49 و 125 و 142 وليس ذلك سوى إقرار بالمحاصصة القائمة على الزبائنية السياسية والمغانم والمكاسب بعيداً عن مستلزمات  المواطنة والكفاءة والإخلاص للوطن .         
وحسب ماركس، فإن الذي لا يعرف التاريخ محكوم عليه بتكراره ، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإن حصل ذلك ففي المرة الأولى كمأساة وفي المرّة الثانية كملهاة، علماً بأن التاريخ ماكر ومراوغ حسب هيغل، وبالطبع فلكل تاريخ فلسفة، وفلسفة التاريخ تقوم على معرفة الماضي لدراسة الحاضر واستشراف المستقبل، لأن التاريخ هو أبو العلوم، أما الفلسفة فهي أمّها. وكان كيسنجر قد أجاب أحد طلّابه الذي سأله كيف يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه،بأنه حمل معه  كتب التاريخ والفلسفة، فمعرفتهما كفيلة بوضع الخطط الصحيحة للحاضر والمستقبل، وهو ما حاولناه منهجاً عند بحثنا  للدولة العراقية .
 لقد عانت الدولة من ثلاث إشكاليات ما تزال تعيش معها لدرجة أنها أصبحت معتقة وهي المشكلة الكردية التي تفاقمت وأصبحت شبه مستعصية بفعل الإضطهاد المزمن ،  والمسألة الطائفية وهشاشة المواطنة بسبب قوانين مجحفة للجنسيّة وممارسات تمييزية. و كان الملك فيصل الأول وبعد أن حكم المملكة العراقية لنحو 12 عاماً كتب مذكّرته الشهيرة وهي خلاصة تجربته، شخّص فيها المشكلات الثلاث بقوله:" الجهل واختلاف العناصر والأديان والمذاهب والميول والبيئات". وباستعارة من الروائي أمين معلوف، فإن تلك الهوّيات الفرعية تصبح "قاتلة" إذا تحولّت من " تطلّع مشروع" إلى "أداة حرب"، وهو ما انفجر في العراق ما بعد الإحتلال الأمريكي، وقاد إلى تطهير طائفي.
     وحسب الملك فيصل الأول فإن البلاد العراقية ينقصها الوحدة الفكرية والمليّة والدينية، وتعاني من اختلافات شيعية وسنية وكردية "وأقليات غير مسلمة" كما أسماها، وهو ما أطلقت العنان له منظومة 9 إبريل/نيسان 2003 ليصبح معياراً في توزيع المسؤوليات والوظائف، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وعرّضها للتعويم.
    وإذا عدنا إلى مذكّرة الملك فيصل الأول 1932 فهي دعوته إلى الوطنية الصادقة ( وتجاوز) الكتلات البشرية المشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية وتشكيل شعب سعى لتهذيبه وتدريبه وتعليمه وذلك أحد دروس التاريخ وفلسفته التي على العراقيين وضعها نصب أعينهم إذا أرادوا إعادة بناء الدولة على أسس موحّدة وسليمة معيارها حكم القانون والمواطنة واستقلال القضاء والإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الإختلاف.

     


18
د. شعبان يحاضر في عمّان‬


تحية طيبة
يلقي د. شعبان محاضرة في "مهرجان الأردن للإعلام العربي" الدورة الرابعة 3-5 تشرين الأول /أكتوبر 2021 بعنوان : دبلوماسية القوة الناعمة- القدس في المعركة الدبلوماسية والثقافية والإعلامية.
مع التقدير
مكتب د. شعبان
Dr Shaban Office

19
من دروس التجربة المغربية
               
 
 
عبد الحسين شعبان
ما الذي حصل بحيث تراجع حزب العدالة والتنمية المغربي الذي كان حصد 125 مقعداً في انتخابات 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، إلى 12 مقعداً في انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول 2021؟ ولماذا هذا العزوف الشعبي عنه؟ أثمّة علاقة بين فشل مشروع الإسلام السياسي في العالم العربي وبين انحسار نفوذه في المغرب؟ وهل يعني فشل المشروع الإسلامي انخفاض أو ضعف العقيدة الإسلامية التي ظلّت متجذّرة في النفوس على مدى قرون، خصوصاً وقد ارتفع رصيدها خلال العقود الأربعة المنصرمة، بفعل توظيفها سياسياً من جانب الإسلاميين؟
كان هذا الهبوط الانتخابي في شعبيّة حزب العدالة والتنمية بفعل عوامل خارجية وأخرى داخلية.
وبغض النظر عن بعض ممارسات حزب العدالة والتنمية الداخلية، فقد اعترف بالإخفاقات والتراجع بدل المكابرة والهروب من المسؤولية، وأقدم بقيادة الوزير الأول (رئيس الوزراء) سعد الدين العثماني، على تقديم استقالته تسليماً بنتائج صناديق الاقتراع واللعبة الديمقراطية وبالانتخابات ومعاييرها التي سبق أن ارتضاها، وهو ما لم يفعله التيار القومي العربي، باستثناء استقالة جمال عبدالناصر بعد نكسة 5 يونيو/ حزيران عام 1967، وكذلك التيار اليساري الماركسي الذي تعتقت قيادته في مواقعها وهو يخسر الشارع يوماً بعد يوم. وظلّ التياران القومي والماركسي مثقلان بالأخطاء والخطايا، ويصرّان، على الرغم من الإخفاق والتراجع وانحسار تأثيريهما، على أن سياستيهما كانت على صواب دائماً، وأن الحياة زَكّت مواقفهما وأثبتت صحة تقديراتهما. ولم يشذّ التيار الإسلامي عن ذلك التوّجه في مصر وتونس والعراق وسوريا وفلسطين والجزائر ولبنان والأردن، وغيرها من البلاد العربية، بالرغم من تباين درجة الفشل والعوامل الدولية والإقليمية الضاغطة، فضلاً عن الأخطاء والنواقص والعيوب التي عانى منها، والتي قادت إلى نتائج معاكسة لتطلّعاته.
ولنأخذ مثلاً التيار الإسلامي في العراق الذي حظي بدعم دولي وإقليمي بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، لكنه لم يتمكن من إنجاز تجربة مقنعة حتى لمن يدّعي تمثيلهم طوائفياً، والأمر ينطبق على الفريقين المتصارعين باسم تمثيل هذه الطائفة أو تلك، بل كانت الاختلافات والتشظيات داخل كل فريق من الفرقاء المتعاونين-المتخاصمين قائمة، بل الأكثر عدائية وكراهية، خصوصاً التنافس على مراكز النفوذ، فضلاً عن الامتيازات والمكاسب الطائفية والحزبية والسياسية والاقتصادية والشخصية.
لقد أنتج ذلك الصراع غير المبدئي، انحداراً كبيراً في إدارة الدولة، بفعل تغوّل السلطة عليها واستقواء جماعات ما دون الدولة لتكون ما فوقها، بحكم امتلاكها للسلاح، وتفشّي ظواهر المحسوبية والمنسوبية والاستزلام والغنائمية السياسية والزبائنية المصلحية، التي تجسّدت في نظام المحاصصة والفساد المالي والإداري واستشراء التعصّب ووليده التطرّف وابنهما «الشرعي» العنف، وهذا الأخير إذا ما ضرب عشوائيّاً يتحوّل إلى إرهاب، بل إرهاب دولي إذا استهدف خلق حالة من الهلع والرعب والخوف لإضعاف ثقة الدولة بنفسها، وثقة المجتمع والمواطن بالدولة كحامية له وحريصة على ضبط النظام والأمن العام وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم.
قد تكون الإطاحة بتجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب تعني، فيما تعنيه، الإجهاز على معقل مهم وأساسي من معاقل الإسلام السياسي في العالم العربي، بعد فشل تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر، و«حزب النهضة» في تونس، وقبلهما فشل تجربة الإسلام السياسي في السودان، وانحسار دوره في ليبيا وموريتانيا والجزائر، إضافة إلى انقساماته في الأردن، فضلاً عن تعقيدات الوضع اللبناني والحصار الذي يتعرّض له والذي انعكس على تعويم سيادة البلد لعقود من الزمن، فضلاً عن الفراغ الحكومي لأكثر من عام منذ حادث الانفجار الأليم لمرفأ بيروت (4 أغسطس /آب 2020 )، والذي ترافق مع تعاظم الأزمات الخانقة من الكهرباء إلى المازوت والبنزين، وصولاً إلى انهيار العملة وتردّي الحالة المعيشية لدرجة أقرب إلى الارتطام بالقاع.
وقد أحدث الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تداعيات جديدة قد تُفضي إلى تغييرات جيوبوليتيكية درامية على المستوى الإقليمي، كما أربك التيار الإسلامي في العديد من الأقطار العربية، فضلاً عن إيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية، ما دفع موسكو لإرسال عدة رسائل إلى «طالبان»، ودفع بكّين إلى التعامل بحذر مع هذا المتغيّر الجديد، فهل يعترف أصحاب مشروع الإسلام السياسي بالدرس المغربي، ويسلّموا بفشل سوء إدارتهم، وهل يتحلّوا بشجاعة العثماني وقيادته بالانسحاب من مواقعهم؟
إنه درس للجميع، وعبرة لمن اعتبر.
drhussainshaban21@gmail.com
 


20
المنبر الحر / تونس ومفترق الطرق
« في: 16:43 25/08/2021  »

تونس ومفترق الطرق
عبد الحسين شعبان



ربما من السابق لأوانه إصدار حكمٍ نهائي وموضوعي على ما حصل في تونس بعد إصدار الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، قراراته بإقالة حكومة هشام المشيشي وحلّ البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، لكن ما هو ماثل للعيان أن ثمّة مرحلة جديدة قد بدأت ولا يمكن تقدير أبعادها أو التكهّن بنتائجها، الأمر الذي قد يثير إشكالات جديدة نظرية وعملية وقانونية وسياسية في المشهد التونسي بشكل خاص إزاء الموقف من الإسلام السياسي وإزاء الموقف من المشروع الإسلامي إقليمياً ودولياً، وهو ما قد يفتح باب المراجعة والنقد بشأن تقييم جديد لما سُميّ ب «الربيع العربي» وموضوع الانتقال الديمقراطي والتحوّلات التي أعقبته سياسياً ودستورياً.
وإذا كان انكسار حاجز الخوف بوصول اللحظة الثورية إلى ذروتها بعد انتفاضة سيدي بو زيد إثر حرق بو عزيزي نفسه وصولاً إلى العاصمة تونس، والتي توّجت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي وانتهاء فترة حكمه التي دامت ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، فإن الشرعية الجديدة التي يُفترض تأسيسها محلّ الشرعية القديمة لم يتمّ استكمالها وواجهتها عقبات جديّة بعضها يتعلّق بمساعي الثورة المضادة لوضع العصي في عجلتها وبعضها الآخر يتعلّق بعدم قدرة وأهلية وكفاءة النخب التي تولّت مقاليد الأمور بعد التغيير على إدارة الحكم بطريقة شفّافة ومقبولة بحيث تحظى  رضا الناس، ناهيك عن هشاشة وضعف المشروعية القانونية والمقصود بذلك حكم القانون في ظلّ محاولات الهيمنة على السلطة والحصول على الامتيازات والمغانم وتفشّي الفساد المالي والإداري على نحو مريع وغياب الحدّ الأدنى من الاتفاق والتوافق على مستقبل التطوّر والوحدة الوطنية.
وبغضّ النظر عن الموقف الدستوري من قرارات الرئيس سعيّد إلاّ أنه لجأ إليها بعد فترة خلافات طويلة تعمّقت بمرور الأيام وقادت إلى أزمة حقيقية بين أركان السلطة التنفيذية (الرئيس) و(رئيس الوزراء) والأخير قريب من حزب النهضة الإخواني، ولم يكن الفشل الذي مُنيت به الحكومة وحده أو الرغبة في احكتار السلطة، بل إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدّلات البطالة والفقر والركود الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع منسوب الهجرة غير الشرعية كان وراء اندلاع الأزمة. وفوق كل ذلك جاء انتشار وباء «كوفيد- 19» ليزيد الطين بلّة بحيث أصبحت تونس من الدول العربية الأكثر انتشاراً للوباء، ما كشف فشل المنظومة الطبية والإجراءات القاصرة المتبعة لتطويق المرض، الأمر الذي كان وراء إقالة وزير الصحة تمهيداً لانفجار الأزمة.
ولم تكن المؤسسة القضائية خارج دائرة الصراع، فقد كان الحديث يتصاعد داخل البرلمان وخارجه، وهو ما أدّى إلى أن تطفو الأزمة على السطح على نحو شديد وحاد، دون نسيان دور الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية وعلاقتها بالقوى المتصارعة، إضافة إلى قلقٍ عربي بشأن الإسلام السياسي ممثلاً في حزب النهضة، وهو وإن امتلك قدرات تنظيمية إلاّ أنه لم يمتلك عقولاً وكفاءات وقيادات إدارية تستطيع أن تقود الدولة، على الرغم من حصوله على أغلبية برلمانية في جميع الدورات الانتخابية، ناهيك عن مشروعه السياسي.
وقد كان البرلمان الذي ترأسه راشد الغنوشي في الدورة الحالية، وعلى مدى أكثر من عام في صراع دائم داخله ومع مؤسسة الرئاسة أيضاً، الأمر الذي عطّل التنمية وجعل البلاد تدور في دوامة لا مخرج منها، يضاف إلى ذلك تشتّت القوى التي تطلق على نفسها «مدنية» وتوزّعها على محاور بعضها متنافر مع البعض الآخر، ناهيك عن غياب برنامج وطني جامع لها ولو بمعايير الحد الأدنى والذي يمثّل مرحلة الانتقال وصولاً إلى التحوّل الديمقراطي.
وقد انعكس ذلك على خلافات دستورية حول صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب بسبب عدم وضوح أو التباس الأمر دستورياً أو أن تفسيرات وتأويلات ظلّت مصدر خلاف بين الفرقاء، فبين من يريد أن يعطيه صلاحيات أعلى ومن يريد اختزالها في الجوانب البروتوكولية، كانت الأزمة الاقتصادية تستفحل وأوضاع الناس المعيشية تزداد تدهوراً، فلم تعد ثورة الياسمين التي بدت واعدة، بل نموذجاً، وإذا بها هي الأخرى عرضة للتجاذب والشدّ والحلّ من جانب قوى مختلفة كلٌ منها يريد أن يقود المركب بنفسه ولصالحه حتى وإن أدى إلى الإخفاق.
فهل سينجح سعيّد في تشكيل حكومة كفوءة وجديرة من تكنوقراط بحيث يحتوي الأزمة السياسية، كما يمهّد الطريق لاحتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف حدّة الاحتقان المجتمعي، خصوصاً من جانب جيل الشباب؟ وهل ستكون الحركة السياسية بجميع صنوفها وألوانها جديرة باستيعاب هذا الدرس التاريخي، خصوصاً بعدم توظيف الدين لمصالح سياسية ضيقة؟ وهل ستدرك القوى الإقليمية والدولية أهمية الاستقرار في الأوضاع التونسية، خصوصاً وأن جارتها ليبيا لا تزال منذ عقد من الزمن في احترابٍ ونزاع مسلّح حيث تمّ تعويم الدولة وقاد إلى تفشّي مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب؟
إنها أسئلة برسم الحاضر فهل تعي النخب الفكرية والسياسية مخاطر الوقوف عند مفترق الطرق؟
drhussainshaban21@gmail.com

21
تركيا: مشروع الغاب.. للتحكم بمياه سوريا والعراق (4)

عبد الحسين شعبان
August 14, 2021
 
تدرك تركيا أن بإمكانها أن تضطلع بدور لا تستطيع “إسرائيل” القيام به، فهذه الأخيرة هي في نظر الشعوب العربية قاطبة عدو قائم وعدوان مستمر، على الرغم من محاولات التطبيع والضغوط الدولية؛ وفي المقابل، تتمتّع تركيا بمزايا عديدة وشعبها مسلم وموقعها استراتيجي وقواها البشرية كبيرة، وإمكاناتها الاقتصادية هائلة، فضلاً عن ذلك، فإن لديها علاقات تاريخية مع العرب وحكمت البلدان العربية وغيرها أكثر من 4 قرون ونيّف من الزمان.
وتمتلك تركيا ترسانة ضخمة من السلاح، فهي بلد مترامي الأطراف، حيث منحها العامل الجغرافي سيطرة على آسيا الصغرى والمضايق، التي تشكل معاً حلقة الوصل بين دول البلقان ومنطقة الشرق الأوسط، كما منحها أهمية استراتيجية تعود إلى حدودها الشمالية الشرقية مع الاتحاد السوفييتي (سابقاً)[1]، لذلك يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في الشرق الأوسط، لا تستطيع دولة غيرها أن تعوضه، وهذا الاعتقاد هو الذي حدّد بعض ملامح الاستراتيجية التركية في العقود الماضية، ولا سيّما بعد الحرب العراقية – الإيرانية.
إن مثل هذه السياسة وذلك الطموح في السابق والحاضر يفسر دور تركيا بالسلب أو الإيجاب، فهي تريد أن تلعب دوراً محورياً إقليمياً معادلاً أو حتى أكبر من دور إيران، وتسعى للحصول على نفوذ من خلال علاقتها بين العرب و”إسرائيل”، برغم ما تعرّضت له مؤخراً من إشكالات مع الأخيرة، كما تريد تأمين مصالحها القومية المتعاظمة والظهور بمظهر الدولة القائدة في المنطقة، خصوصاً بـ”إسلام معتدل”، وهو غير الإسلام الإيراني أو الإسلام الذي كان يدعو إليه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش وأبو بكر البغدادي، وقد تم تقديم الإسلام التركي باعتباره الأكثر قبولاً وانسجاماً مع مصالح الغرب، ومثل هذا التقدير يكاد يكون عاماً لدى أوساط مختلفة ومتعارضة أحياناً وفيه قدر من الحقيقة، لكنه تعرّض للتصدّع بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في 15 تموز (يوليو) العام 2016 وما أعقبها من إجراءات وملاحقات وصفت بأنها كانت عقوبات جماعية وتضمنت انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، حسب العديد من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وخصوصاً بتعاظم دور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وطموحاته التوسعية، التي تم انتقادها أوروبيا.
إن قطع المياه المتكرر من جانب تركيا والتي يتضرر منها كل من سوريا والعراق يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى “پروفة” دولية لقياس درجة رد الفعل العربي، علماً بأن تركيا ظلّت ترفض بحث الموضوع بصورة جدية مع سوريا والعراق حتى العام 1988
ولعلّ سياسة تركيا المائية هي جزء من استراتيجيتها العامة التي تحاول أن تمدّ أذرعها، لا سيّما باستخدام نفوذها المائي، ويعتبر سد أتاتورك (الذي تم إنجازه) واحداً من 21 سدّاً تم انجازها في جنوب شرقي تركيا مع مطلع الألفية الثالثة، وبلغت كلفة المشروع 45 بليون دولار، وهو ما أدى إلى نقص هائل في مياه نهر الفرات يقدر بـ 14 بليون متر مكعب، علماً بأن النقص الحاصل من التبخّر يساوي 3 بليونات متر مكعب.
ومشكلة نهر الفرات قديمة نسبياً وتعود إلى بضعة عقود من الزمان عندما أزمعت تركيا على تنفيذ مشاريعها لري جنوب شرقي الأناضول، وقد ساهم الخلاف السوري – العراقي في عدم اتخاذ موقف موحد رادع لتركيا في حينها.[2]
تبلغ سعة سد أتاتورك 48 بليون متر مكعب في حين تبلغ سعة خزّان سدّ الفرات في سوريا 9.3 بليون متر مكعب؛ وتسعى تركيا لزيادة الطاقة الكهربائية إلى الضعف من خلال المشروع والقيام بدور سلّة الغذاء من الناحية الزراعية لتمويل الشرق الأوسط، وذلك من خلال مشروع الغاب Gap. وكان الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال قد قال في وقت مبكر “سيأتي يوم نبدّل فيه برميل مائنا ببرميل النفط”.[3]
باشرت تركيا منذ العام 1985 بتنفيذ مشروع الغاب Gap الضخم على نهري دجلة والفرات ويتألف من 13 قسماً، 6 منها على نهر دجلة و7 على نهر الفرات ويغطّي ست محافظات تركية، ومن الناحية الفعلية، فإن تركيا ومن خلال هذا المشروع العملاق يمكن أن تتحكم بالمياه وتستخدمها لفرض سياسات واقتصاديات على كل من سوريا والعراق، خصوصاً حين تصبح أيضاً “سلة غذاء” لتزويد الشرق الأوسط بما يحتاج من مزروعات وفواكه وذلك بالضد من معاهدة هلسنكي التي تنظّم حقوق الدول المتعلقة بالأنهار الدولية لعام 1973 ومؤتمر الأرجنتين حول الموارد المائية لعام 1977، تلك التي تنظّم طرق الاستفادة من الأنهار الدولية وفقاً لقواعد الحق والعدل والحاجة الضرورية، وبما لا يؤدي إلى إلحاق ضرر بالسكان والممتلكات والبيئة وغيرها من الاستخدامات غير المشروعة.
ومن مبرّرات تركيا أن حوضي الفرات ودجلة هما حوض واحد وتقترح جدولة الاحتياجات وإدخال نهر العاصي السوري في حسابات تقاسم المياه وغيرها من الذرائع التي تصرّ على كونها فنية ولا تحمل أي هدف سياسي ولا تضمر إلحاق الأذى بالجيران.
إن قطع المياه المتكرر من جانب تركيا والتي يتضرر منها كل من سوريا والعراق يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى “پروفة” دولية لقياس درجة رد الفعل العربي، علماً بأن تركيا ظلّت ترفض بحث الموضوع بصورة جدية مع سوريا والعراق حتى العام 1988، خصوصاً باستغلال ظروف الحرب العراقية – الإيرانية والخلافات السورية – العراقية، لكن امتناع البنك الدولي من تقديم المساعدة لتركيا لحين التوصل إلى اتفاق لاقتسام مياه النهر هو الذي جعلها توافق على وضعه على طاولة المفاوضات.

إقرأ على موقع 180  البرهان وحميدتي: مواجهة مؤجلة

ويبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج إلى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سوريا والعراق والمخاطر والآفاق التي تنتظرهما.
فالفرات يروي ثلثي الأراضي المروية في سوريا ويوفر سد الفرات 70 % في المئة من حاجتها من الكهرباء ويولد طاقة بحدود 800 ألف ميغاواط سيتم تعطيلها عملياً، إضافة إلى إلحاق ضرر كبير بمشروع يوسف باشا الذي يؤمن ري 200 ألف هكتار ويولد طاقة بحدود 400 ألف ميغاواط.
يبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج إلى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سوريا والعراق
أما العراق، فإنه الأكثر ضرراً، فالفرات يروي 1.3 مليون هكتار (13 مليون دونم) من الأراضي الزراعية الجيدة، وتشرب منه 7 محافظات هي: الأنبار وبابل وكربلاء والنجف والقادسية والمثنى وذي قار، إضافة إلى 30 قضاء و70 ناحية وأكثر من 4500 قرية، ويبلغ عدد السكان المستفيدين منه نحو 14 مليون إنسان، ومع أن سد حديثة (القادسية) ومشروع سد الورار ومشروع سد الهندية، تتغذّى من النهر وتختزن المياه للاستفادة منها عند الحاجة وفي حال نقص المياه، إلاّ أنها لا تستطيع أن تسدّ النقص الذي يتسبب به انقطاع المياه، فضلاً عن أن ذلك أدى إلى التأثير على بحيرة الحبّانية التي تتغذّى من الفرات لمرّات عديدة، فهو مرتبط بمشروع بحيرة “وان”، وقد وصف سليمان ديميرال رئيس الوزراء التركي الأسبق المشروع بأنه “الوطن الذهب للقرن المقبل”.
لقد استغلت تركيا الوضع المتدهور في العراق وسوريا، لا سيّما باحتلال داعش أجزاء منهما للمضي في مشاريعها المائية في حوضي دجلة والفرات، بل تمادت في تدخلاتها بالشأنين السوري والعراقي، بإرسال قواتها إلى داخل البلدين والبقاء فيهما، تارة بزعم التصدّي لداعش والإرهاب الدولي وأخرى لملاحقة المسلحين الأكراد من حزب PKK، وهي ما تزال ترفض الانسحاب من الأراضي العراقية حيث توجد لها قاعدة عسكرية بالقرب من أربيل، حتى بعد هزيمة داعش عسكرياً، ناهيك عن مسعى فرض منطقة عازلة على الحدود التركية – السورية، بدعم من واشنطن وبحجة مواجهة الإرهاب، ولا سيّما بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من سوريا.
في السابق كانت كلّما تتعقّد العلاقات العربية – التركية تلتجئ تركيا للتلويح بالسيف النووي الأطلسي وبدور الشريك مع الدول الغربية (امبريالية الفرع) وبمصالحها في العالم العربي، وقد تبينت هذه الصورة عند انقلاب كنعان إيڤرين في أيلول/سبتمبر 1980 الذي رفع الطموحات إلى مرحلة التنفيذ، لكي تساهم تركيا بنفوذ أكبر في المنطقة، وخصوصاً في العالم العربي، وذلك من خلال ضغوطها على كل من سوريا والعراق فضلاً عن استمرار علاقتها مع “إسرائيل”.
ومن أهم الاتفاقيات الجديدة الموقعة بين “إسرائيل” وتركيا بعد حكم حزب العدالة والتنمية مشروع نهر مناوجات الذي يصب في البحر المتوسط شرق إنطاليا، حيث تم الاتفاق على قيام تركيا ببيع “إسرائيل” 50 مليون كم3 لمدة 20 عاماً بواسطة النقل البحري، وقد تم ذلك في العام 2004 وحتى بعد حادث أسطول الحرية العام 2010 لم يعلن عن إيقاف العمل بهذا الاتفاق.
المصادر:
[1] – تمتد الحدود التركية الجنوبية مع سوريا إلى نحو 877 كلم  ومع العراق إلى 331 كلم كما ترتبط بحدود مع إيران، إضافة إلى ذلك فإن المنطقة الشمالية الغربية من البلاد تعد موطئ قدم تركيا الوحيد في أوروبا حيث ترتبط بحدود مع بلغاريا ومع اليونان 269 كلم، إضافة إلى أن عدد نفوسها يتجاوز 82 مليون نسمة، كما تمتلك خبرة كبيرة في ميدان “القمع الداخلي والخارجي”.  وقد تجلّى الدور التركي بعد موجة ما سمّي بـ “الربيع العربي”، سواءً في ليبيا (دخولها على خط الصراع الأهلي وإرسال مرتزقة لدعم فريق السراج رئيس الحكومة ضد خصومه) أم سوريا (حيث كانت طرفاً أساسياً في الصراع الداخلي)، إضافة إلى مصر( دعم حركة الأخوان جهاراً نهاراً) وبالطبع فإن دورها في العراق ما يزال تقليدياً (الزعم بالدفاع عن تركمان العراق، إضافة إلى تجاوزاتها على الحدود الدولية، بل وإقامة قواعد عسكرية بزعم ملاحقة حزب العمال الكردستاني PKK)، وكانت في السابق تلعب مثل هذا الدور المزدوج، أي تأمين مصالحها الخاصة، إضافة إلى كونها جزءًا من الناتو وامتداداً له وقد وصفت هذا الدور في الثمانينات بـ “الإمبريالية الفرعية” ، وبقدر خصوصيته فإن له وجهاً أطلسياً،وهو ما يتجلّى خلال أزمات المنطقة فقد تحاقب نصب دروع صاروخية على الأراضي التركية مع انشغال العالم العربي بتداعيات الربيع العربي.
قارن: شعبان ، عبد الحسين – أمريكا والإسلام ، دار صبرا، نيقوسيا – دمشق، 1987.
قارن كذلك: شعبان ، عبد الحسين- العرب والجوار والعالم، محاضرة في مؤسسة الفكر العربي، دبي، 5-7/ كانون الأول/ديسمبر/2011.
[2] – قارن: حيدري، نبيل (الدكتور) تركيا- دراسة في السياسة الخارجية منذ العام 1945، مصدر سابق، ص 103.
[3] -انظر: شعبان، عبد الحسين – عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.
(*) راجع الأجزاء الأول والثاني والثالث من دراسة الدكتور عبد الحسين شعبان.


22
رسائل روسية إلى طالبان


عبد الحسين شعبان

 

بعد أن سيطرت «طالبان» على مدينة قندهار ثاني أكبرالمدن الأفغانية ، توجّهت إلى كابول التي استولت عليها بسهولة كبيرة حيث غادرها الرئيس أشرف غني الذي انتخب لرئاسة البلاد مرّتين خلفاً لحامد كرزاي ، وقال أنّ مغادرته حقن للدماء. وكانت «طالبان»  خلال الأشهر الأربعة الماضية وتزامناً مع إعلان انسحاب القوات الأمريكية تزحف بسرعة كبيرة على مواقع الحكومة الأفغانية، وعشيّة دخولها إلى كابول كانت قد استولت على زرنج عاصمة ولاية نيمروز ومحافظة قندوز التي يربطها جسرٌ للصداقة بطاجيكستان المجاورة (على بعد 65 كلم).
وكان مجرّد تقدّم طالبان وتوغّلها في العمق الأفغاني حتى قبل الوصول إلى العاصمة كابول  يقلق روسيا لاعتبارات كثيرة، فالتدخّل السوفييتي في أفغانستان والذي استمر نحو عقد كامل (1979 - 1989) قاد إلى فشل ذريع واضطرّت موسكو في عهد جورباشوف، أن تنسحب مهزومة مثلما هو الاحتلال الأمريكي الذي استمر لعقدين من الزمن (2001 - 2021). يضاف إلى ذلك أن نجاح «طالبان» قد ينعكس على إنعاش التيارات الإسلامية المتعصبة والمتطرفة لدى جيران روسيا خصوصاً، وتربطها حدود مشتركة مع طاجيكستان المتاخمة لها وهي من الجمهوريات السوفييتية السابقة والتي لا تزال تربطها علاقة وطيدة مع موسكو.
لهذه الأسباب زار وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، طاجيكستان، وأعقب زيارته مناورات مشتركة على مقربة من الحدود الأفغانية، كما استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إمام علي رحمن رئيس طاجيكستان وقبله صدير جباروف رئيس قيرغيزستان الذي عبّر عن اهتمام قيرغيزستان بالتعاون مع روسيا لضمان الأمن الإقليمي، في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظومة كومنولث البلدان السوفييتية السابقة، ومنظمة شنجهاي للتعاون. وأبدت موسكو استعدادها لدعم قيرغيزستان لتجاوز العقبات الإنسانية للنزاع الحدودي بينها وبين طاجيكستان.
وشملت الاتصالات الروسية، أوزبكستان؛ حيث زار رئيس أركان قواتها المسلحة، شهرت هالمحدوف موسكو وأجرى مباحثات مع فاليري جيراسيموف، وجرى الحديث عن خطط مشتركة مع أوزبكستان وطاجيكستان بهدف الرد على تزايد حدة التوتر في المنطقة والتحذير من تردي الأوضاع الأمنية في أفغانستان لضمان أمن دول آسيا الوسطى.
وتأتي هذه التحركات عشية وبُعيد الإعلان عن انسحاب قوات «الناتو» والولايات المتحدة من أفغانستان وسيطرة «طالبان» على الأراضي الأفغانية. ومن المحتمل إجراء مناورات مشتركة في الخريف المقبل بمشاركة مجموعة شنجهاي التي تضم الصين إلى جانب روسيا وبلدان آسيا الوسطى؛ حيث يتعاظم القلق بشأن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة من تطور الأوضاع الأفغانية على دول حلفاء روسيا الآسيويين.
وأعلنت روسيا صراحة في صحافتها أن هدفها هو «حماية الحلفاء من التهديدات العسكرية من جهة الجنوب» (أفغانستان) وهزيمة التجمعات المسلحة غير الشرعية. وكانت «طالبان» قد تقدمت باتجاه حدود طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان خلال شهر يونيو/حزيران المنصرم؛ حيث اضطرّت القوات الرسمية الأفغانية إلى الفرار بحثاً عن الآمان فيما وراء حدود هذه الجمهوريات، واضطرّت هذه الجمهوريات إلى إغلاق حدودها مع أفغانستان.
وكانت روسيا قد أكدت أنها سترد على محاولة غزو أراضي طاجيكستان بالتعاون مع قواتها في قاعدتها العسكرية رقم 201 الموجودة في المنطقة منذ الحقبة السوفييتية والمستمرة إلى الآن. (تموز/يوليو المنصرم). وكان الرئيس الروسي خلال مقابلته لإمام علي رحمن (مايو/أيار المنصرم)، قد أكد مساعدة حكومات الجمهوريات الوسطى في حماية أمنها من التهديدات الخارجية والداخلية. والتعبير الأخير تحذير مما سمّي بالثورات الملونة التي استهدفت عدداً من البلدان ومنها قيرغيزستان التي عاشت إرهاصات ما سمي «ثورة السوسن» عام 2005، علماً بأن موسكو تملك قاعدتين عسكريتين في طاجيكستان وقيرغيزستان، ويمكن استخدامهما ضد أي عدوان محتمل من جانب «طالبان»، والأمر لا يتعلق بالحلفاء فقط؛ بل يشمل أمن ومصالح روسيا، وخشيتها من امتدادات المتطرفين.
وترسل روسيا إلى المناورات في طاجيكستان أربع قاذفات بعيدة المدى فوق الصوتية إلى حدود أفغانستان، وهدفها كما تقول التدريب على شن غارات على معسكرات خفية ومستودعات ذخيرة لمقاتلين مفترضين، ولعل مثل هذا الإعلان هو رسالة روسية صريحة وواضحة إلى «طالبان»، وذلك بإعلانها عن إسناد قاذفاتها لطائرات ميج روسية طراز -29 يقودها ضباط تابعون لسلاح الجو الأوزبكي.
الجدير بالذكر أنه تم تشكيل قوات الانتشار السريع الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بتعداد 18 ألف جندي، وكل ذلك يجري في إطار قلق الكرملين إزاء التطورات الأخيرة في أفغانستان؛ حيث تراقب روسيا عن كثب كل ما يجري، كما تواصل اتصالاتها النشطة مع زعماء دول آسيا الوسطى، إضافة إلى بكين التي تشغلها هي الأخرى سيطرة «طالبان» على أفغانستان وتصاعد نفوذ القوى المتعصّبة والمتطرفة، فهي تخشى مثل روسيا امتداد ذلك إليها، خصوصاً أن ثمّة انتقادات توجّه إليها بخصوص تعاملها مع المسلمين الصينيين.
drhussainshaban21@gmail.com


23
لمناسبة الذكرى الأربعين لرحيل شمران الياسري (أبوكاطع)
البارومتر الساخر والمحرّض

عبد الحسين شعبان
أديب وأكاديمي


حين تجتمع السخرية بالتحريض يكون المشهد أبو كاطعياً
* مفارقة
ظل ماركس ينتظر أن يكتب انجلز تدقيقاته وتعليقاته ونقده على مخطوطة كان قد بعثها إليه، ولكن دون جدوى، وكتب له أكثر من مرّة ولكنه لم يتلقّ ردّاً إلاّ بعد فترة طويلة، حيث استلم مخطوطة موازية لمخطوطته ومعها ورقة من ثلاثة أسطر جاء فيها: أعتذر فلم يكن لدي الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبت هذه المخطوطة تعليقاً على مخطوطتك. انجلز.
 فقد كان إنجلز يعني أن التكثيف أصعب بكثير من كتابة نصٍ مطوّل، لأن عليه أن يلمّ إلماماً كبيراً بالموضوع، بل يتشرّب روحه، أي جوهره،  بمعنى لبّه.
 تذكرت ذلك حين هاتفني الصديق الشاعر فالح حسّون الدراجي طالباً نصّاً مني عن أبو كاطع الذي كنت قد نوّهت إلى مسألة الإحتفال بذكرى رحيله الأربعين منذ حين.  وهنا استجيب لطلب الدراجي ولكن بنصٍ طويل مستعيناً بفقرات مجتزأة من كتابي "أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة" الصادر  في لندن العام 1997 والمُعاد طبعه في بيروت العام 2017 (مزيّداً ومنقّحاً، حيث تم الإحتفاء به في نادي العلوية على نحو مهيب وبما يليق بمكانة أبو كاطع).
وكم تخيّلته وأنا على المنصّة في نادي العلوية، وهو يتسلّل إلينا متنكّراً ليهمس بأذني أحم.. أحم.. نادي العلوية مو بس إلكم، أصبح لنا حصّة أحسبه حصّة السادة أغاتي مثل نذر عياده لولاده... تذكرت ذلك المشهد الدرامي وأنا أستعيد ذلك اليوم التاريخي يوم عاد إلينا سالماً فلم يخبرني عن موعد مجيئه ولكنه كان يعرف موعد دفاعي عن أطروحتي للدكتوراه، فذهب مباشرة من المطار إلى منزلي وترك حاجياته الشخصية ومنها توجّه إلى كليّة الحقوق بانتظار أن يكون أول المهنئين لي بعد خروجي من القاعة. ولا أنسى منظره وهو يتكأ على الحائط بابتسامة عريضة وبيده غليونه ثم يفتح يديه ليحتضنني ويقبّلني وكان أول من ناداني بالدكتور. وقد كتب عن ذلك وعن أطروحتي في صحيفة طريق الشعب في حينها.
أقرب إلى مدخل
يوم وصلتُ دمشق في تموز/ يوليو 1980 كنت أول شيء أفكّر فيه هو الإتصال بالعزيز شمران الياسري "أبو جبران" (نجله الأكبر) أو حسب التسمية الأدبية والفنية التي اشتهر بها "أبو كاطع"، خصوصاً في برنامجه الإذاعي "أحجيها بصراحة يا بو كاطع" أو حسب تدليعاتنا له فنناديه بـ "السيد" أحياناً، ولأنني تركت منزلي له قبل ثلاث سنوات ونيّف في  براغ، بكل ما فيه حين عدت إلى العراق، فقد حاولتُ الإتصال برقم هاتفي القديم الذي بقيت أحفظه وإلى الآن " 120 520 "، ولكن لم يردّ عليّ أحد، ثم في مرّة ثانية أجابتني السيدة كلودوفا صاحبة المنزل بأن السيد النوفينارج (السيد الصحفي) كما كانت تناديه قد ترك المنزل.
وبعدها قال لي الصديق فاضل الربيعي الذي كان قد وصل من عدن إلى الشام أن لديه عنوان أبو كاطع، ويمكننا إرسال برقية له بالبريد، وحين أعطاني العنوان وقارنته بعنواني القديم عرفت أنه انتقل إلى منزل آخر بعد عمله في مجلة فلسطين الثورة بدعوة من السفير الفلسطيني عاطف أبو بكر أحد أصدقائنا الأعزّاء. وكتب  فاضل البرقية بنفسه أن صديقنا العزيز "شعبان" وصل سالماً كما ترك له رقم تلفون مؤقت لأحد أصدقائي أعطيته له ليدونه في البرقية.
بعد ثلاثة أيام رنّ الهاتف، وإذا به يسأل عني وبعد أن أخذتُ السمّاعة، فقال لي: الكليط يتكلّم  والهودار معي ونحن بانتظارك، وكان يقصد بالهودار موسى أسد الكريم، ثم دخل بالتفاصيل .. التأجيل ما بي صالح.. اليوم أفضل من بكرة.. توجّه إلى طرفنا بأسرع وقت ممكن ومكانك موجود ومحفوظ في القلب والعين. ثم تبادلنا الكلام والسلام معه ومع موسى أسد الكريم "أبو عمران" واتفقنا على اللقاء، لكن الأمور سارت بما لا تشتهي سفننا.
وحالت ارتباطاتي الجديدة دون السفر سريعاً، خصوصاً في  إطار عملٍ يومي والتزامات وكتابات كنت قد أخذت على عاتقي إنجازها. ويوم صدر كتابي "النزاع العراقي - الإيراني" وهو أول كتاب يصدر عن الحرب العراقية - الإيرانية من منظور غير حكومي، الأمر الذي أثار إشكالات غير قليلة بالنسبة لي، وحين هاتفته وكان قد قرأ الكتاب، قال "الله يستر" وبعد حين قال وصلتني الطراطيش، خصوصاً ما صاحب ذلك من اعتقال العائلة وترويعها وتعريضها لتهديدات لا حدود لها استمرت لأكثر من 20 عاماً.
اللقاء الموعود
اتفقنا على اللقاء في نهاية آب/أغسطس 1981، أي نهاية الصيف تقريباً، حيث قرّرتُ السفر وبتشجيع منه، فإذا بنفسه يأتيني ولكنّه محمّل على ظهر طائرة وفي تابوت وملفوفٌ بالعلم الفلسطيني والعراقي. لقد كان خبر نعيه الذي وصلني عن طريق الرفيق ثابت حبيب العاني مؤلماً فقد شعرت بغصّة في حلقي وكم بقيت ألوم نفسي لأنني تأخرتُ بالسفر لملاقاته؟ وكم كان لديه ولديّ من الحكايات لكي نتبادلها لكنها ظلّت حبيسة في صدورنا، فلم يبح بها لأحد حسبما قال لي في آخر مكالمة، كما أنني لم أبح بها لأحد بعد رحيله؟ نُقل جثمانه إلى بيروت ووريّ الثرى في مقبرة الشهداء، وكانت آخر زيارة لقبره مع الشاعر والفنان الصديق عمران القيسي قبل عامين، أي قبل مداهمة فايروس كورونا "كوفيد- 19" لنا.
الذئب اللئيم
حتى في ظروف بيروت الحزينة وأوضاعها المأساوية أستجير بأبو كاطع نفسه، وكم ردّدت مع نفسي ما كان يرويه عن "حاتم السلطان" "موتك بطر يا حاتم السلطان" أما كان له أن يتأخّر قليلاً؟ أما كان له أن ينتظرني بعد فراق دام أكثر من أربع سنوات؟ أليس ذلك من حقوق الصداقة أم أن الذئب اللئيم الذي يتربّصه فيزوغ عنه تارةً ويراوغه تارةً أخرى ويستمهله مرات ومرات، استعجله هذه المرّة بطريقة غادرةٍ فتربّص له وهو على قارعة الطريقٍ بين براغ وبودابست ذاهباً لزيارة نجله الأكبر جبران، فاصطاده بشراسةٍ، لكن روحه المضيئة صعدت إلى السماء وهي مطمئنّة وراضية مرضية .


وعي وإدراك
لقد أتقن "أبوگاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أو استدراجه لدائرة الإيهام،وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يفاجئه قبل الخاتمة بالعودة لدائرة السؤال،تلك هي حبكته الدرامية المتميّزة.
   وكان "أبوگاطع" قد تمكّن من أدواته وامتلك فنّ مخاطبة قلوب وعقول الناس، بلغة بسيطة وعميقة في آن، أقرب إلى "السّهل الممتنع"، عبّر عنها بثقة عالية وبأسلوب بارع خصوصاً حين تتعاشق مفرداته العامية مع الفصيحة في تناسق باهر وتلقائي ، مزاوجاً بين الحزن والفكاهة على نحو متماسك وغير قابل للفصل.
المثقّف والأسئلة
      وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفر" -على حد تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلاّ أنّ أسئلته المشاغبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسية والقوّة الناعمة والصراع الأيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حاد في زمانه.
   ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنية، لكنه باع عشرات، وربما مئات النسخ، حتى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تطبع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبوگاطعية" بامتياز، له براءة اختراعها.
   كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراع "مكتوم" بين قيادة "مسترخية" وقاعدة "مستعصية"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال علم النفس وعلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمن فيهم نفسه، حتى وإن اقتضى الأمر المغامرة، باحثاً في كل ذلك عن المغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.
جمهور وقيم
   لهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك عن القيم الجمالية التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرغم مما كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافية روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومكتسبة بما يمثل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف.
   ويمضي فرمان للقول: لقد وظّف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريّته ووضع كل ذلك في يد صديقه وأخيه الفلاح، ليلتمس مواطن الضعف والمأساوية في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصاً يمكن أن ترى وتجلب التعاطف، وتسجل تاريخاً لم يجرِ المؤرخون على تسجيله.
ضوء لا بدّ منه
لا زلت أعتقد أن أدب "أبوگاطع" لم يُدرس بعد ولم يُسلّط الضوء عليه بما فيه الكفاية، لا سيّما تفكيك "حسجته" (كيمياء لهجته المحكيّة) وقراءة ما وراء سطوره الملغّمة وتورياته حمّالة الأوجه، فضلاً عن سخريته المريرة واللاّذعة، ناهيك عن النكهة الشعبية النافذة التي امتاز بها، وطبعت جلّ أعماله الصحافية والروائية على مدى يزيد عن عقدين من الزمان.
والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمجاملة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودوره المتميّز على الرغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.
   ثم ألا ينبغي دراسة نصوصه التعبوية والتحريضية في إطار فصل الصراع ووسائل الدعاية المؤثّرة التي كان يستخدمها، والنقد الذي امتشق سلاحه بمهارة ودقة كبيرين، خصوصاً حين يعطّر كل ذلك بمسحة من السخرية والدعابة وخفّة الظل؟
تشاليز ديكنز العراقي
   لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبوگاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "الحمزة الخلف".
   لا أدري إلى أيّ حدٍّ - ونحن نستعيد "أبوگاطع" - يمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصة مدينتين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاّذعة وصوّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.
   وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبوگاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
   وكما يقول المتنبي:
وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ      وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء
   وكان الشاعر نزار قباني في إحدى زياراته للعراق، قد قال:
مرحباً يا عراق، جئت أغنيك      وبعض من الغــناء بكاء
   السخرية والحزن
لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلها مغلفة بالحزن الجميل، ولذلك كانت سخرية "أبوگاطع" تداف بالحزن اللذيذ. 
   إنّ سخرية مثل سخرية "أبوگاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
   لقد كتب "أبوگاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".
كاميرا بانورامية
لقد حاول "أبوگاطع" الكشف عن حياة مطوية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لا سيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.
وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبوگاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.
لقد عرّفتنا سخرية "أبوگاطع" مشاكل الفلاحين وبخاصة فلاحي الجنوب، وبالقدر نفسه عرفنا حجم الألم والمرارة من خلال المواجهة لواقعه، ومرّة أخرى وذلك عبر جوانب حيّة من حياة المجتمع وشخصياته حيث تمكّن "أبوگاطع" من ربط ذلك بهارموني دقيق التناسق، لاسيّما بمنظومة الريف، وفقاً لمعايير جمالية وصوراً واقعية، مكتوبة بحسّ درامي يعكس الواقع بكل ما عليه وما له.
   الشخص الثالث
حاول "أبوگاطع" استخدام ما اصطلح عليه الشخص الثالث أو "القصّخون" في المقاهي البغدادية أيام زمان أو ما يسمّى بالصوت الآخر أو "الفلتون" حسب  استخدام سميرة الزبيدي، وكان صوته الآخر هو الذي يعبّر عمّا يريد أحياناً، لكنه يجعل ذلك بمسؤوليته المحدّث، ومحدثه هو "خلف الدوّاح" مبدعه الباطني ومحاوره ومنولوجه وملهمه، إنه شخصية أوهم "أبوگاطع" قارئه بأنها وهمية وغير موجودة، لكنه في واقع الأمر كان شخصية واقعية، موجودة، دماً ولحماً كما يقال، إنه كَعود الفرحان الذي نشرنا صورته لأول مرّة في كتابنا "على ضفاف السخرية الحزينة"، ولعلّ بساطته كفلاح تصلح مدخلاً لتوظيفه من جانب "بوگاطع"، ناسباً إليها الحكمة والمعرفة والخزين الاجتماعي للحكايات والأمثال والأشعار والتجارب، فضلاً عن سرعة البديهة وطلاوة اللسان.
خلف الدوّاح "كعود "
   لقد رافق "أبوگاطع" في حياته الإبداعية شيئان لا يستطيع الاستغناء أو التفريط  بأحدهما: الأول - صحبته مع خلف الدواح وهي المرحلة الثانية، حيث كان اسم كعود قد شغل المرحلة الفنيّة الأولى، وكعود أو خلف الدوّاح هو رفيق الحرف وصديق الكلمة والثاني السخرية، فقد كان الضحك ملازماً له حتى وإن كان يتفجّر حزناً، لأن ذلك واحد من رهاناته ضد أعدائه التقليدين وضد خصومه البيروقراطيين، وعبر خلف الدوّاح والسخرية كان يجد التعبير المتميز عن القرية وحياة الريف العراقي دون اسقاطات أو رغبات في الكتابة عن قوم يحاول التعاطف معهم لأنهم يتعرّضون للظلم، وهي الصورة التي دائماً ما تتكرر عندما يكتب أحد المبدعين عن الريف، ولكن في حالة "أبوگاطع" إنه كتب من داخل الريف بكل تفاصيله وحيثياته بسلبياته وإيجابياته، بنقاط ضعفه ومصادر قوته، بقبحه وجماله، ولم يكتب عن الريف من خارجه، كما كان يكتب بعض أدباء المدينة، مثلما هي رؤية الأديب ذو نون أيوب " الأرض والسيد والماء" التي سبقت الرباعية بعقدين ونيّف من الزمان، ففي حين كان الأول أصيلاً في التعبير عن مشاعر الريف والفلاحين، كان الثاني دخيلاً لأنه من خارج البيئة الاجتماعية الحسّية المنظورة وذلك ما رصده الناقد مصطفى عبود.
السخرية والأقصوصة
   إنك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين "أبوگاطع" وبين السخرية، ففن وأدب وعمود "أبوگاطع"  الصحافي الذي انتشر شفيفاً خفيفاً كان لصيقاً بالسخرية اللاذعة الحزينة التي لم يعرفها الأدب العراقي عموماً، لكنها مع "أبوگاطع" اكتسبت شكلاً جديداً أكثر عمقاً وشمولاً وخفّة دم كما يقال. وبقدر سخرية "أبوگاطع" ، كانت الرواية شكلاً جديداً للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادة طازجة يحتويها عموده الصحفي وبقدر المتعة والضحك، فإنها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقاراً هائلاً، حتى وإن كنّا نضحك من الأعماق.
المعكّل بالمرقص
   حدثني في إحدى الليالي الخريفية عام 1976 وكان قد فرض على نفسه إقامة جبرية بسبب إلتباسات الوضع السياسي والحزبي، قائلاً إنه ضمن المشهد السائد يشعر مثل "المعكَّل بالمرقص (أي من يلبس العقال والكوفية- اليشماغ) وهو يراقص فتاة، وأردف قائلاً نعم أنه معكَّل بمرقص السياسة. وكان يسمّي علاقات تلك الأيام " عرس واوية" أي " زواج ثعالب" نظراً لتردّي العلاقة بين الأطراف السياسية، لاسيّما الحكومة وحلفائها.
   كان "أبوگاطع" يثير الكثير من الأسئلة، وقد تبدو للسامع أو للقارئ، إنها أسئلة سهلة، لكنها من السهل الممتنع، فالأسئلة السهلة هي أكبر الأسئلة وأخطرها: مثل الحرية والإيمان والإلتزام والتضحية والعنف والسلام والوفاء والتعايش وغيرها، أما لغته فكانت سلسة وقوية يطرّز فصحاه الخصبة بالعامية الجميلة، وبشيء من المرونة، فيحاور الدولة على لسان خلف الدواح وينتقد الأوضاع السياسية ويناقش الحركات والأفكار ويتمنطق بمصطلحات آيديولوجية وبحبكة درامية، كلّ ذلك مغلّف بالسخرية، لينتقل من حديث المجالس والشفاهة، إلى الكتابة، ومن الريف إلى المدينة، ومن هموم الفلاح، إلى مشاغل المثقف.
   وإذا كان غائب طعمه فرمان، روائي المدينة، ولاسيّما بغداد بحواريها وأزقتها، بنسائها ورجالها، بجوامعها وكنائسها وحاناتها وملاهيها وتطلعاتها نحو الحداثة والحرية، فإن "أبوگاطع" كان بحق روائي الريف بفلاحيه وإقطاعيه، بعاداته وتقاليده، بأنهاره وجداوله، بحياته البائسة وتطلعه نحو التمدّن والعصرنة والعدالة.
الحرية والتنوير
   كان عمود "أبوگاطع" الصحافي خطاً من خطوط المواجهة السياسية الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبي "أبوگاطع" وأدبه، لكي يتمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرأونه أيضاً، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة ذاتها، ولديهم أيضاً، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة "أبوگاطع"  حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسي والعكس صحيح، وكان موقع عمود في الصفحة الأخيرة من جريدة "طريق الشعب"، حيث يتربع " بصراحة" وهكذا كان القراء يبدأون بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخلية، كتب "أبوگاطع" "نزّلوك لو صعوّدك؟" أي لماذا تم نقل العمود، مع غمز ولمز!!؟.
   كان عمود "أبوگاطع" يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدون والبيروقراطيون من كل صنف ولون وفي كل زمان ومكان، وكانت شخصيته المملحة " خلف الدوّاح" ما يوازي شخصية حنظلة في ريشة الفنان ناجي العلي، فالقلم والريشة والشخصيتان الأثيرتان مثّلتا ذلك السحر الآخاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحرية والتنوير.
   عمود "أبوگاطع" الصحافي مثل كاريكاتير ناجي العلي، يمسّ الروح ويتألق مع العقل وينساب إلى الوعي عميقاً ولاذعاً، وعندما نقول خلف الدوّاح فأنت تقصد "أبوگاطع"، مثلما تعني ناجي العلي عندما نقول حنظلة، وفي كلا الحالين تعني: مقاومة الظلم والاستبداد والانحياز إلى الإنسان وحقوقه... ولا يمكن تصوّر حنظلة بدون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح دون الحديث عن الريف العراقي، والعراق ككل.
وجوه ومؤخّرات
   هي السخرية في الحالين إذاً: وجوه ومؤخرات، زهورٌ وتوابيت، طيورٌ وبنادق، مظلومون وظالمون، هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته، مثلما تصوره ريشة ناجي العلي يعكسه قلم "بوگاطع": السخرية المشتركة والهوّية المشتركة والأمل المشترك للمثقفين والمظلومين والمنفيين، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.
   لم يعرف العراق أدباً وكتابة ساخرة الاّ على نحو محدود، فمنذ العشرينيات وحتى الخمسينيات كانت هناك محاولات جنينية بدأت على يد نوري ثابت صاحب جريدة "حبزبوز"، ثم بدأت مع عبد الجبار وهبي وعموده " كلمة اليوم" في العام 1959 في صحيفة اتحاد الشعب الشيوعية، وكان شاكر مصطفى سليم قد نشر مسلسلاً ساخراً في "صحيفة الحرية" القومية التوجّه العام 1960 بعنوان " يوميات قومي متآمر"، وتشكّل كتابات أبو سعيد " عبد الجبار وهبي" وشاكر مصطفى سليم، ثنائياً لمن يريد التعرّف على تلك الفترة المضطربة والحساسة من تاريخ العراق، خصوصاً امتزاج النقد الاجتماعي بالسخرية السياسية.
   ويمكن الإشارة إلى الكتابة الصحفية الفكاهية، فضلاً عن الرسوم الكاريكاتورية في الخمسينيات، كما عكستها كتابات خالد الدرة في مجلة " الوادي" وصادق الأزدي في مجلة "قرندل"، وذلك ارتباطاً بحياة المدينة، ولاسيّما بغداد في جانبها الاجتماعي والسياسي، كما كانت هناك كتابات عكست شيئاً من السخرية في فترة الستينيات مثلما كان يعبّر عنها جليل العطية في جريدة "النصر" وغيرها، لكن السخرية الحزينة استحوذت على "بوگاطع"، واختتم هذه المقالة بمشهد كوموتراجيدي، خصوصاً وأنه في رواية " قضية حمزة الخلف" بدا أقل تأثراً بالآيديولوجيا، مما هو في الرباعية، التي حملت إيمانية شديدة وتقريرية روتينية وتبشيرية منحازة، لكن هذا التمثّل خفّ في بنيته السردية في قضية حمزة الخلف.


شرّ البليّة ما يُضحك
   ففي خضم المأساة يجعلنا "أبوگاطع" نردّد " شرّ البلية ما يضحك"، خصوصاً عندما يقدّم صوراً، متناقضة كومتراجيدية، فعندها يهجم "الحرس القومي" على القرية، حيث يتم تطويق البيت الذي يختفي فيه مطشر اليساري المطلوب من الحكومة، وإذ به يفاجئنا حين يُخرجه عارياً، حيث كان عند عشيقته "زينة!!
   ففي تلك الليلة كان بزينة رغبة للتعرّف على مذاق أصناف أخرى من الحب، شفتاها تنتزعان منه الوعي. كل الأشياء صارت في ذهنه ضلالاً باهتة. نسي أباه ونسي نوبة الحراسة (المكلّف بها)، لم يعد حقيقياً في الوجود إلاّ زينة وملمس جسدها، وعرف البخور النفّاذ وطعم شفتيها...
   لكن "أبوگاطع" مع استغراقه في هذا المشهد الرومانسي وحبكته الدرامية يصوّر لنا الوجه الآخر للدراما القائمة، فإذا بمسؤول مفرزة الحرس القومي يهتف فجأة: تقدّم، فيرتج بيت داود، حيث كان مطشر عند عشيقته، ولكي يحكم حبكته ويصل المشهد إلى ذروته، يُحدث المصادفة، فأفراد الحرس القومي جاءوا يقصدون بيت "عودة الكبر" الذي يقال أنه من الشيوعيين، بينما هم يهاجمون بيت داوود صاحبهم والمخبر لديهم عن طريق الخطأ، وهكذا تنكشف حكاية مطشر وزينة عن دون سابق ترصّد وإصرار، لكن اندلاع الرصاص وتعالي صوته، أدّى إلى خروج مطشر عارياً، واستطاع الهرب ووصل إلى بيته فرآه والده عارياً، وهذه مفاجأة أخرى في خضم المأساة الساخرة أو السخرية الحزينة لدى "أبوگاطع" بصورتها الكومتراجيدية.
ومنذ أواخر الخمسينات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطش إلى العدالة والغارق في وهم الآيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحاً وصحافة وثقافة وأدباً، حتي غدا اسماً يُشار له بالبنان.
      لم يكن "أبوگاطع" متفرجاً على ما يجري في الريف وحياة القرية، في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني، بل كان من الريف وكتب عنه، مقدماً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي، كمقطع من الدولة العراقية، التي أرّخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتى العام 1963 وفي روايته "قضية حمزة الخلف" في مرحلة ما بعد انقلاب 8 شباط 1963.
الريف ومفهوم البطولة
   يمكنني القول إن فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقى غير مكتوبٍ، ولربّما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة "أبوگاطع" الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيلية لالتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعيش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخرى. وبهذا المعني يصح قول مكسيم غوركي "التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان".
   لقد تطور مفهوم البطولة في روايات وحكايات "أبوگاطع"، ففي قضية حمزة الخلف خفّ أو ضعف فيها تأثير الايديولوجيا قياساً بالرباعية، رغم انه ظلّ يلقي بظلاله الثقيلة عليها، لكنها لم تعدْ "كلية القدرة" أسطورية، خارقة، ينسب إليها كل الصفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصية الإنسانية البسيطة، التي تحمل عناصر القوة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حد تعبير الجواهري في قصيدته المهداة إلى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهي تذكّرنا بغريغوري بطل رواية شولوخوف "الدون الهادئ" المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحب والفحولة، المتنقل بين القوزاق والجيش الأحمر والأبيض وبالعكس!
   إن كتّاباً ساخرين إلى جانب "أبوگاطع" الذي كان الأكثر شهرة وابداعاً بينهم، بحاجة إلى دراسات وأبحاث جادة للدخول إلى عالمهم الداخلي الروحي وتقويم ونقد نتاجاتهم وسخريتهم أمثال: عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) وعموده الشهير "كلمة اليوم" في صحيفة "اتحاد الشعب" بعد ثورة 14 تموز 1958، وشاكر مصطفى سليم، الذي كان يكتب في صحيفة "الحرية" مسلسلاً بعنوان "يوميات قومي متآمر" وقبلهما خالد الدرّة وكتاباته المتمّيزة في "مجلة الوادي" وصادق الأزدي في "مجلة قرندل". وفي مرحلة الثلاثينات اشتهر الكاتب الساخر نوري ثابت ومجلته "حبزبوز". واذا كانت السخرية فنّاً رفيعاً فهي تعبير عن موقف مسؤول من الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان كارل ماركس يردّد: إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً.
   "أبوگاطع" رغم شعبيته الاّ انه كان رجلاً "مرفوضاً"، باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبية الضيقة... لأنه كلّما كان يلامس تجربة كان يلغمها بالأسئلة... الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج أورويل "مزرعة الحيوان" و"رواية 1984" أو عند "أبوگاطع"  في "مملكة الضبع الأكبر".
نحن بحاجة إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب...
 


24
في "مملكة" الجواهري
مقدّمة كتاب كاني ياسين آل جواد
بقلم عبد الحسين شعبان(*)

من الإهداء حتى آخر كلمة في الكتاب ينبض قلم الكاتب كاني ياسين آل جواد، بالجواهري، متولّهًا بمحبّته وعاشقًا عذريًّا لكل ما يتعلّق بمعشوقه، مقتفيًا أثره ومستمتعًا بحكاياه ونوادره، واقفًا إلى صفّه في معاركه بإعجاب وانبهار، وهكذا يحاول الدخول إلى مملكة الجواهري التي يتمنى أن يعيش فيها ولا يخرج منها مطلقًا، ويعتبر ذلك أُمنية من أُمنيات حياته التي كثيرًا ما راودته نفسه عنها حتى استحالت إلى واقع.
و"مملكة الجواهري" ليست سوى مملكة الشِّعر والمغامرة والتحدّي وتلك حياته المليئة بالاحتمالات التي يصعب تكهّنها ليس فقط على الصعيد الشِّعري والإبداع الأدبي بصفته عالَمًا شعريًّا، بل "عوالم شعريّة" وإنّما على المستوى الشخصي أيضًا، فالجواهري شخصيّة حسّاسة، وأستطيع القول إنّها بالغة الحساسيّة وله مِزاج خاص، ولذلك فالاقتراب منه يعني الاقتراب من عالَمٍ مأزوم، وكلُّ مُبدع كبير هو إنسان مأزوم بالطبع، فما بالك حين يكون بوزن الجواهري وبحجم مُنجزه الشِّعري وعُمق تراثه، وهو الحامل صولجان الشِّعر امتدادًا للمُتنبّي.
لقد حاول كاني آل جواد حين أعدّ سرديّته عن الجواهري أن يؤشّر إلى ذلك أو لبعضه، بعد أن اختزنت مكتبته بما قيل وكتُب ونُقل وسُمع عن الجواهري تحريرًا أو تفوّهًا، وهو ما حاول تجميعه وإعداده كمادّة توثيقيّة، وتلك ميزته الأولى. أمّا ميزته الثانية فهي أنّ الكاتب يقدّم نفسه قارئًا ومتذوّقًا ومُعجبًا، مع أنّه بذل جهدًا كبيرًا في إعداد كتابه الذي جمع فيه ما توفّر لديه ما كُتب عن الجواهري، فقد توقّف عند مذكّراته (جزءان) كما استند في عرضه إلى بعض النصوص ومُقتبسات لعدد "ممّن يُشار إليهم بالبَنان وممّن زاملوه وعايشوه وكانوا قريبين إليه" كما يقول، ويعدّدهم كالآتي: محمد حسين الأعرجي في كتابه "الجواهري دراسة ووثائق"، وعبد الحسين شعبان في كتابه "الجواهري: جدل الشعر والحياة"، وهادي العلوي: دراسات نقديّة أعدّها فريق من الكتّاب، وصباح المندلاوي في كتابه "الليالي والكتب" وخيال الجواهري في كتابها: "الجواهري - النهر الثالث".
ومن خلال هؤلاء ونصوصهم، يحاول التسلّل بشغفٍ إلى صومعة الجواهري كما يقول، ويتغلغل بمودّة في عالمه ولا يريد مفارقته، حيث ظلّ يجمع فصول كتابه وُيدوّن ويُتابع ويُشاهد ويقرأ كل ما يتوفّر بين يديه عنه، محاولًا التعريف بأشهر قصائده، وتلك ميزة الكتاب الثالثة، مقتفيًا أثر "الجواهري في العيون من أشعاره" الذي صدر في العام 1986 في دمشق عن دار طلاس لكاتب السطور وذائقته الشِّعريّة بالتعاون مع الشاعر الكبير ومقدّمته المؤثّرة، وهو ما أصبح يُنقل عنه ويُقتبس منه ويُعدّ مرجعًا للدارس والباحث والمهتم والمتذوّق لشعر الجواهري، خصوصًا وقد حظيَ برضا الشاعر نفسه وموافقته والاستئناس برأيه واستمزاجه.
وميزة الكتاب الرابعة استنادًا إلى ما تقدّم هي تأرخة معاركه الشعريّة والشخصيّة من خلال قصائده، حيث تشكّل عمارة الشاعر الشعريّة التي يرتفع بناؤها لأكثر من 20 ألف بيت "تدوينًا حقيقيًّا" يضاف إلى مذكّراته، فقد اختصم الجواهري وتصارع وانقلب وتواصل وتناقض وغضِب وأصفح وعبّر عن همومه وأحزانه وأفراحه، وكلُّ ذلك يمكن أن يشكّل مادّة حقيقيّة للدراسة النقديّة لتاريخ العراق السياسي والاجتماعي والثقافي وتطوّر مدارسه الفكريّة حاول أن يعكسه آل جواد مُعدّ الكتاب.
وفي هذا الخصوص كان يمكن للكاتب أن يتوقّف عند كتابين مُهمّين للمفكّر حسن العلوي وهما: "ديوان العصر" الذي صدر عن وزارة الثقافة السورية في عام 1986، وكتاب "الجواهري - رؤية غير سياسية" الذي صدر في لبنان زحلة 1995، وكنت قد كتبت عن كتابه الأول "ديوان العصر" مشيرًا إلى أن بحق يعتبر واحدًا من أهم الدراسات النقديّة التفصيليّة التي صدرت عن الجواهري. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى دراسة جبرا ابراهيم جبرا وإبراهيم السامرّائي وداود سلوم وسليم طه التكريتي وعبد الكريم الدجيلي.
استند آل جواد بشكل خاص في كتابه على ثلاثة مصادر أساسيّة هي: "مذكّرات الجواهري" (جزءان) وهي مهمّة جدًّا، إضافة إلى كتاب كريمته د. خيال الجواهري "الجواهري - النهر الثالث" مثلما استعان بكتاب صباح المندلاوي - "الليالي والكتب"، وهو جولة في ذائقة الجواهري الأدبيّة التي نتعرّف من خلالها إلى نظرة الجواهري للكثير من زملائه المُبدعين العالميّين مثل بيكاسو وبابلو نيرودا وهمنغواي ولوركا وماركيز وغيرهم، وهو ما كنت قد أشرتُ إليه في كتابي "الجواهري - جدل الشِّعر والحياة" (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997)، إضافةً إلى ما جئتُ عليه من تفاصيل في كتابيَ الموسوم "كوبا - الحلم الغامض" الصادر عن دار الفارابي، بيروت 2011.
أمّا الأسماء الواردة في الاقتباسات التي أشار إليها فقد جاءت من خلال إعداد كتاب د. خيال الجواهري، وشملت باقةً من الأدباء والكتّاب العراقيّين والعرب، لعلّ أبرزهم طه حسين الذي قال عن الجواهري: إنّه البقيّة من التراث العربي الصحيح، وصلاح عبد الصبور الذي اعتبره السلسلة الذهبيّة الأخيرة من الشعر العمودي، إضافةً إلى أمين الأعور الذي أطلق عليه اسم "النهر الثالث" منذ العام 1963، ومحمود درويش وأدونيس ونزار قبّاني وعبد الرحمن منيف وآخرين.
كما شملت قائمة الأدباء العراقيّين: سعدي يوسف ومظفّر النواب وهادي العلوي وحميد المطبعي ومحمد حسين الأعرجي وجبرا ابراهيم جبرا وفوزي كريم ورشيد الخيّون ومالك المطلبي وغزاي الطائي وعناد غزوان وحميد هدّو وحنّون مجيد ومحمد بحر العلوم وعبد الرزاق الربيعي وأحمد النعمان، ومير بصري وإبراهيم السامرائي وعبد اللطيف أطيمش ونجاح العطّار وعبد الحسين شعبان وآخرين. وكان يمكن استذكار بعض مَن كتبَ عن الجواهري مثل عبد الغني الخليلي وزاهد محمد وجليل العطيّة ورواء الجصّاني وآخرين، إضافةً إلى أطروحات أكاديميّة في عدد من الجامعات.
وفي الواقع فإنّ الغالبية الساحقة التي كتبت عن الجواهري كانت بعد وفاته في 27 تموز/يوليو 1997 حيث تمّ دفنه في دمشق في مقبرة "الغرباء" بالقرب من مقام السيّدة زينب. وكان الجواهري قد وُلد في النجف العام 1900م، (وهناك روايات أخرى تقول إنّه وُلد في العام 1897 أو العام 1899 أو العام 1903)، وتحدّر من أُسرة عريقة في العِلم والأدب نُسبت إلى كتاب عنوانه "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام" لمؤلّفه جدِّه الأقدم الشيخ محمد حسن أحد أكبر فقهاء عصره، ويُعتبر كتابه واحدًا من ثلاثة كتب مهمّة لا يمكن اجتياز مراحل الاجتهاد دون دراستها، ومن عنوان الكتاب أخذت العائلة إسمها.
لقد كانت ولادة الجواهري قبل ولادة الدولة العراقية بأكثر من عقدين من الزمان، حيث تأسّست المملكة العراقية في 23 آب/أغسطس 1921، فقد باشر بكتابة أُولى قصائده قبل كتابة دستورها "القانون الأساسي" الذي صدر في العام 1925 بعدّة سنوات، وهكذا وعلى مدى قارب ثمانية عقود من الزمان كانت "مملكة" الجواهري تزدان وتزدهر وتتّسع وتتألّق بروائع ضمّتها دواوين عديدة منذ صدور ديوانه الأوّل "ديوان بين الشعر والعاطفة" العام 1928، وديوانه الثاني "ديوان الجواهري" العام 1935. وقد أصدر في العام 1949 ديوانه الجديد، الجزء الأول، كما صدر الجزء الثاني في العام 1950، وصدر الجزء الثالث في العام 1953. وفي العام 1965 صدر له ديوان "بريد الغُربة" في براغ، وصدرت إضافة إلى طبعة بغداد، طبعتان جديدتان لدواوينه، الأُولى عن وزارة الثقافة السوريّة في العام 1979 والثانية عن دار العودة في العام 1982، وتُعتبر مجموعة "الجواهري في العيون من أشعاره" بمثابة مختارات من شعره وذائقة أدبيّة خاصّة لأهمّ القصائد والأبيات من القصائد مقسّمة إلى عشريّات: ابتداءًا من العشرينات وحتى أواسط الثمانينات، وصدرت في دمشق العام 1986.
ونال الجواهري عددًا من الأوسمة، منها: وسام "طوق الكفاية الفكرية" من جلالة الملك المغربي الحسن الثاني العام 1974، وجائزة "اللوتس" (جائزة كتّاب وأُدباء آسيا وأفريقيا) 1975، وجائزة سلطان العويس للإنجاز العلمي والثقافي ووسام الاستحقاق الأردني من جلالة الملك الحسين بن طلال العام 1974، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة تقديرًا لتراثه ومواقفه، دمشق 1995.
وحسب ما يتتبّع كاني آل جواد حياة الجواهري من خلال قصائده، فقد كان الشاعر لا يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه وأن يعيش كلّ لحظة ولا  يرغب بتبديد ثانية واحدة، وهو بقدر ما يريد الدنيوي فإنّه يسعى إلى الأُخروي أيضًا، أي يريد الحاضر والمستقبل والحياة والخلود. وكنت قد استعرتُ تعبيرًا للروائي الروسي مكسيم غوركي بخصوص الجواهري الذي كان نصف عقله وربّما نصف إبداعه يعيش في المستقبل للقادم الجميل الذي يريده شفيفًا ومعافى وأزرقًا مثل لون البحر الذي يحبّه، فقد ساهم الشِّعر في رسم أو إعادة تصوير حياتنا بتفاصيلها وشخوصها وتاريخها ومعالمها لا بنكهتها الواقعيّة وحسب، ولكن بإطارها المتخيّل والواهم أحيانًا، مشتملًا على رائحة حبٍّ ومذاق تحدٍّ وجِوار أضداد وتناقض حاد، وتلك شكّلت سِمةً من سِمات القصيدة الجواهريّة.
وقد جمع الجواهري في شخصه حزمةً من الشعراء المبدعين تمتد لحقبٍ شعريّة تاريخيّة كاملة وربّما لقرون، لكأنّ جذوره ممتدة من الفترة الأمويّة - العبّاسية على حدِّ تعبير الشاعر سعدي يوسف، والتي شغلت القرن العشرين بكامله، في مغامرة ممتدّة بهرمونيّة جمعت التناقض المحبّب بتناسق باهر مع التحدّي الفائق، وحين يجتمع التناقض والتحدّي يُصبح المشهد جواهريًّا.
إنّه "سادن" الأضداد و"ملك" التحدّيات وفي ذلك سرّ استثنائيّته المُفعمة بإبداع استثنائي فريد ومتميّز وهو ما حاول كاني ياسين آل جواد أن يبرزه، وهو القائل:
   ولم أرَ في الضدائد من نقيضٍ
            إلى ضدٍّ نقيض من ضريبِ
وحين يستحضر الشاعر عملاق الشِّعر في داخله بأدواته المطواعة بين يديه وبلهجته الجميلة وأنفاسه المتغضّنة بالشِّعر وأصابعه الممدودة فيقول:
   أنا العراق، لساني قلبه
      ودمي فُراته وكياني منه أشطارُ
والتناقض والتحدّي يجتمعان باتّساق فريد بالصعود والنزول وبالجوانب المشرقة والمُعتمة وبنقاط
 القوّة والضّعف الإنسانيّة، كلّ ذلك يمتزج في كأس الجواهري الذي يقول:
   يا نديمي وصُبَّ لي قدَحًا
         ألمَسُ الحُزنَ فيه والفَرَحا
هكذا جمع الجواهري الحزن والفرح في كأسٍ واحدة، تلك التي يريدها من النديم وهو جدَل الحياة المُقترن بالموت، فالجواهري الذي عشِق الحياة وتعلّق بها وبكلّ جنونها لا يصمد أمام إغراء التحدّي.
يقول الجواهري:
   وأركبُ الهَول في ريعان مأمنةٍ
         حبّ الحياة بحبِّ الموتِ يُغريني
وفي قصيدته المُهداة إلى جمال عبد الناصر (بعد وفاته) يجمع المجد والأخطاء، فيقول:
   أكبَرْتُ يومَكَ أن يكون رثاء
         الخالدون عهدتهم أحياء
   لا يعصمُ المجدَ الرِّجال وإنّما
         كان العظيم المَجدَ والأخطاءَ
   تُحصى عليه العاثرات وحسبُهُ
         ما كان من وثباتِهِ الإحصاءَ
ما يريد أن يقوله آل جواد في استعراضه الشيّق وتتبّعه لمسيرة حياة الجواهري، أنّ الجواهري شاعر تجاوز زمانه ومكانه، بل إنّه ضاق ذرعًا بالمكان والزمان حتى وإن كانت الآراء والتقييمات قد اختلفت حوله إلّا أنّها تلتقي حول نتاجه الإبداعي وتميّزه واستثنائيّته ورياديّته وعبقريّته، ولذلك أصبح يمثّل رمزيّة الشِّعر وطُهريّة القصيدة ونزاهة الكلمة، وكان الجميع حكّامًا ومحكومين يقتربون منه لأنه مثّلَ نبض العراق المتناقض الحاد الطيّب، فقد حمِلَ في روحه عناد طفلٍ بريءٍ ومشاكس في الآن، فقد سعى إلى تجاوز المألوف والعادي من الأشياء إلى ما هو خارق أو يقترب من المستحيل في التمرّد والسلوك والنّفي والترحال، والأهمّ في الإبداع الشِّعري، وظلَّ مُبحرًا  بسفينته ينتظر القصيدة مثل غيمةٍ فضّية تنقدح مثل شرارة البرق التي تخطف البصر كما قالت عنه الدكتورة نجاح العطّار، وحين تهبط عليه "اللحظة الشِّعرية" يُطرب لها ويُغنّيها فتخرج القصيدة طازجةً شهيّة مثلما يخرج رغيف الخُبز من التنّور فيفتح الشهيّة للجمهور ليدوّي مثل إعصارٍ عاصف.
بيروت - الجناح - 12/12/2020
(*) أديب وناقد ومؤلف لأكثر من 70 كتابًا  في قضايا الفكر والقانون والسياسة والمجتمع المدني والأديان والثقافة والأدب، بينها كتابه الموسوم "الجواهري في العيون من أشعاره" وذلك بالتعاون مع الجواهري الكبير، وكتابه "الجواهري - جدل الشِّعر والحياة"، وهما كتابان مرجعيّان لا غنى عنهما لدراسة الجواهري، إضافة إلى أنّه أكاديمي ونائب رئيس جامعة اللاعنف - بيروت.  (الناشر)
* نشرت في جريدة الزمان العراقية في 13 آب - أغسطس 2021

25
سعدي يوسف:
الدهشة الأولى والحداثة الشعرية الثانية

عبد الحسين شعبان*





"الشعر أداة ديناميكية ونواة فعّالة من شانها أن تتجاوز تمثيل الأشياء والأفعال، باعتبار ما ينبغي أن تكون عليه".
أرسطو
*****
بقيتُ مشدوداً طيلة أسابيع وأنا أتابع خبر مرض سعدي يوسف، فما أن كتبت إقبال محمد علي رفيقته المخلصة "سعدي يصارع المرض... هو الذي رأى كل شيء، فغنّي بذكره يا بلادي" حتى تيقنت أن الذئب الذي ظل يترّصده سنوات طويلة سيتمكن منه، فقد دخل أحد المستشفيات في لندن في 4 نيسان/إبريل 2021 متأثراً بمضاعفات سرطان الرئة الذي ظل متكتمّاً عليه لحين، وفضلّ أن يُكابده وحده بكبرياء وشموخ، كي لا يُقلق الأصدقاء ويشمّت الأعداء. ثم رحل في 13 حزيران/يونيو 2021 عن عمر ناهز الـ87 عاماّ، كان حافلاً بالشعر والكتابة والإبداع والتمرّد والمنفى.

سأرحلُ في قطارِ الفجرِ
شَعري يموجُ،
وريشُ قُـبَّـعَـتي رقيقُ
تناديني السماءُ لها بُروقٌ ويدفعُني السبيلُ بهِ عُـــروقُ
سأرحلُ...
إنّ مُقتـبَــلِـي الطريقُ
سلاماً أيها الولدُ الطليقُ!

لم يكن سعدي يوسف المولود في "أبو الخصيب"- محافظة البصرة في العام 1934 شاعراً فحسب، بل إنه حالة شعر، فلم يكن يكتب الشعر، بل كان يتنّفسه. والشعر بالنسبة له هو الحياة بسليقتها وتلقائيتها، على حد تعبير الشاعر الكبير محمود درويش، مثلما الحياة هي الشعر، خصوصاً حين يندغم ما هو خاص بما هو عام، ويتشابك الذات بالموضوع.
يعدّ سعدي من أبرز شعراء الحداثة الشعرية الثانية مع أدونيس ومحمود درويش، إذا اعتبرنا أن الحداثة الشعرية الأولى ممثّلة بنازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، وقد واصل ولوج طريق الحداثة منتقلاً من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر، مازجاً بين الغنائية بالسرديّة على نحو غير متكلّف في إطار بلاغة جديدة شكلاً ومضموناً، متخذاً أشكالاً جديدة وجوهراً جديداً، ربما غير مألوف في إطار معمار فنيّ دقيق.
وحسب ما يقول سعدي نفسه: الشعر ساحة مفتوحة وكل تجريب فيها ممكن مثلما كل الأشكال ممكنة ولا وجود لشكل فريد، بل إن الأشكال تتعدد في القصيدة وتلك ميزة غنى واكتناز. وهكذا ترى قصيدته مكتظّة بالصور إلى درجة أنه يتداخل هو ونصه أحياناً في لقاء حميم وحوار متصل مع الروح، حيث تمكّن من تقريب اليوميّ والمألوف والعادي والإنساني إلى قيم شعرية مثيرة وأليفة، وبقدر زهد اللغة وبساطتها، لكنها في الوقت عينه تحتاج إلى وعيّ لفهم طبيعة العلاقة بين اليوميّ والتاريخي والعابر والخالد والحاضر والمستقبل.
لعل قصيدة سعدي يوسف تلامس الحياتيّ، المعيش، المنظور، الملموس والحسيّ، الفيورباخيّ إذا جاز التعبير، وهي بقدر فردانيتها فإنها عامة أيضاً، حيث القيم الجمالية. ويحاول سعدي إشراك المتلّقي في قصيدته، بما هو آنيّ ومباشر ومحسوس، وهكذا ترى مفرداته تتعلق بحياتنا.
منذ أن قرأتُ مجموعته الشعرية "الأخضر بن يوسف" لم أُشفَ من قصيدة سعدي، فقد شعرت أنه يكتب باسمنا أو باسم كل واحد منّا أو حتى دون أن يسألنا فهو يمثّلنا ويعبّر عنّا، وهكذا انفتحت ذائقتي الشعرية على نحو جديد من الشعر.
بقيتُ مغرماً بها مندهشاً بنصّه الباذخ، لأنني شعرت أنني أمام  شاعر من نوع مختلف، وكلما كنتُ أقرأ قصيدة جديدة أشعر بقناعة جديدة، إنه يخاطبني أنا بالذات ويلامس فردانيتي حيث كان يتحدث بلغة مختلفة خارج الإيقاع المفخّم.

يبلّل ماؤه طعم الوسادة في ليالي النوء والحسرة
ويأتي مثل رائحة الطحالب أخضر الخطوات يمسح كفّي اليمنى
بغصن الرازقي أفق
أنا النهر
ألست تحبني
أو لمْ ترد أن تبلغ البصرة؟
بأجنحة الوسادة
أيها النهر
أفقتُ…أفقتُ
فوق وسادتي قطرة
لها طعم الطحالب إنها البصرة

وإذا كانت قصيدة السيّاب ملحميّة ذات إيقاع قويّ ومطرزة بالأسطورة واللغة المفخمة، فإن قصيدة سعدي يوسف مباشرة وآنيّة ومعيشة، بما فيها من رشاقة وأناقة وجمال، وبما فيها من ادهاش وعفوية وبقدر ما يكون نصّه مدهشاً، فإن الدهشة الأولى كانت شخصه، وهي تبقى ملازمة لك حتى بعد عقود من الصداقة، وغالباً ما كان سعدي يفاجئنا بنص جديد ولغة جديدة وسلوك جديد.
حين قرأت الأخضر بن يوسف حدست من يكون؟ إنه سعدي نفسه، الذي عاش في الجزائر، في بيت جزائري، مبتدعاً إسم الأخضر وهو إسم شائع في الجزائر، والخضرة كما قال لي هي دليل الحياة والجمال، وهو ما استوحاه من محيطه، أما ابن يوسف فليس سوى سعدي بذاته.
يقول عن تجربته الجزائرية أنها أعطته فسحة للتأمل، فبعد أن أعتقل وعذّب في العام 1963 إثر انقلاب شباط /فبراير ترك البلاد بعد إطلاق سراحه، وكانت وجهته الأولى بيروت ـ كما هو حال أغلب المنفيين العرب ـ الغزالة الخضراء التي تُسابق الزمن نحو الضوء، ومنها ارتحل إلى الجزائر1964، واستمر فيها لغاية1971. وفائدة المنفى الأخرى أنه بدأ اطلالة جديدة، حيث قرر امتلاك ناصية اللغة الفرنسية بعد الإنكليزية، إضافة إلى اللغة الأم "العربية". وقد تآلف سعدي في المنافي التي زادت على ثلثيّ عمره الإبداعي، بل أصبح المنفى جزءً عضويّا من حياته ولغته ومجالاً رحباً للتعرّف على الذات والآخر، أمماً وشعوباً وأصدقاء ولغات وعادات وثقافات.
وكنت قد سألته في مسامرة شاميّة وأخرى قبرصية عن مصادره الروحية وبمن تأثر في مشواره الأول، وقد كرر أكثر من مرة أن أستاذه الأول هو بدر شاكر السيّاب، وقال في أحد المرات لو عاش بدر لكان الشعر قد تغيّر. وأثنى عليه كيف حوّل قريته جيكور إلى عمارة مقدسة أقرب إلى كاتدرائية أو جامع مهيب، وأشار إلى أنه تعلّم من السيّاب: الوفاء للبيئة وبشكل خاص للطبيعة، بما فيها من بشر وشجر وحجر.
وفي حوار متلفز مع الإعلامي والكاتب محمد رضا نصر الله، قال: الأسئلة التي قدّمها بدر شاكر السيّاب ما تزال قائمة، وكنت قد استطلعت رأيه، أيقصد: الحرية والمساواة والجمال؟ أضاف والعدل. وقد حاول السيّاب الإجابة عنها بطريقته الخاصة، لكن هذه الأسئلة أخذت تتوالد، وللأسف فإن الرحيل المُبكر للسيّاب قطع المرحلة الأولى إلا أن  الأسئلة التي تركها لناـ وسيبقى بعضها لما بعدناـ حاولنا ونحاول الإجابة عليها بطريقتنا الخاصة أيضاً.
عن بيئة أبو الخصيب والبصرة عموماً، وهي ذاتها بيئة السيّاب، جيكور والبصرة، يقول سعدي أنها غابات النخيل وشمس القرى، وهو ما اكتنزه، حيث الجداول والنُهيرات والفضاء الشاسع والدهشة الأولى، ويضيف: لقد كانت الحياة الثقافية في البصرة بما فيها أطرافها أبو الخصيب وجيكور بيئة نشطة وحيوية وحسّاسة، وهي بيئة مفتوحة تتقبل الجديد مثلما تتقبل الاجتهاد والحداثة وحركة التيارات الاجتماعية الراديكالية.
وأظنها كانت بيئة ملائمة للتفاعل مع الآخر، وهي متواصلة مع بيئة البصرة تاريخياً التي شهدت حركات احتجاج واسعة في التاريخ الإسلامي، فهي ملتقى المواصلات الإقليمية والدولية، حيث طريقها سالك إلى الجزيرة العربية، ناهيك عن علاقتها بالبحر، فهي طريق الهند والصين وجنوب آسيا، إضافة إلى شرق أفريقيا والسواحل الجنوبية للجزيرة، مثلما هي السواحل الإيرانية القريبة.
وينحت سعدي مصطلح "تنافذ الثقافات" على هذه العلاقات المتشابكة، والمقصود بذلك تواصلها وتفاعلها وتداخلها.
تأثّر سعدي بعدد من الشعراء المصريين واللبنانيين في بداية مشواره الشعري الرومانسي، منهم علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي، وتأثر بإلياس أبو شبكة وصلاح الأسير، لكن القصيدة بدأت تكتمل على يديه، وتأخذ شكلها الهندسي الجديد، وخصوصاً الانشغال بالتفاصيل منذ مطلع الستينيات، حيث بدأ الكتابة بلغة مبتكرة، مستحضراً ما هو حسيّ، مستبطناً جوهراً جديداً، موّلداً صوراً جمالية جديدة، لاسيّما بوضع يده على الحياة المعيشة، بما تملك من قيم مجازية متراكبة ومتشابكة وذات دلالات رمزية ونصاعة شعرية.
النافذة والساقية والبستان والحانة والعائلة والنهر والمرأة والأشياء التي نعرفها ونصادفها يوميّاً، حوّلها سعدي يوسف إلى لحظة شعرية أثرّت في مخيالنا وأعادت رسم ذاكرتنا على نحو جماليّ غير مألوف من قبل. وبقدر ما كانت لغته هادئة فإنها متوّهجة سرعان ما تتوّغل إلى العقل، مستدعيّة التفكير، راسمة بريشة فنان أصيل لوحات بألوان مختلفة، مازجاً اللون باللون في هارموني تفرّد في صنعه، فقد تراه يتحدث عن يانيس ريتسوس وهو في معرض تناوله للسيّاب، وعن لوركا والمقصود إليوت.
إن شعر سعدي يحتاج أن يُقرأ أكثر من مرة، ففيه تأملات تحتاج إلى قراءة متأنيّة لاسيّما ما يحتويه من تنويع وغنى وبساطة وتفرّد. وقد حاول سعدي كسر مرآة الشعر خارج دوائر الانفعال وخارج التجديف، وكانت اللغة شيفرته الخاصة إلى ذلك ووسيلته، حيث عاش للشعر وحده مُخلصاً له على نحو شديد.
ولذلك ليس من العدل تناول سعدي باللوم بسبب مقارباته الفكرية وخيباته السياسية وخروجه عن جلده أحيانا، فلم ينجُ شاعر عربي قديم أو معاصر، وإن بدرجات متفاوتة من الشطحات بما فيها الخروج على المألوف، لكن الجوهر لديه ونعني به الموقف من الإحتلال ـ حتى وإن عبّر عنه بطريقة غير مقبولةـ كان سليماً، فما قاله الشاعر تبرؤاً من وطنه، وأثار ضجة حوله هو مقلوب الصورة ومعكوس المعنى، فهو يريد عراقاً غير ما هو قائم على التقاسم الطائفي والإثني والزبائنيّة السياسيّة والمغانم.
وقد أطلق على نفسه لقب "الشيوعيّ الأخير"، مثلما فعل أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، حيث وقّع بيانات مع شخصيات عراقية وعربية تدعو إلى رفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني، والدفاع عن الوطن على الرغم من موقفه المناوئ للديكتاتورية والاستبداد.

يا بلاداً بين نهرين
بلاداً بين سيفين
أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتاً ولو يوماً، ممّراً للغزاة؟
فريسةً أخرى؟ أكان عليكِ أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبتِ؟
عليك يا أرضي السلام
عليك، يا أرضُ، السلام...

وفي ديوان "صلاة الوثني" الذي صدر بعد الإحتلال، يستعيد سعدي يوسف ملحميته الشهيرة "إعلان سياحي إلى حاج عمران" 1983، حيث يقول:
يا ليل أين الصفا؟
أين إنطفأ المأمول؟
أرض السواد إنتهت للشوك والعاقول
كل الجيوش إقتضت منها وحال الحول
يا حسرتي للضمير المشترى المقتول!

ترك لنا سعدي يوسف عمارة شعرية قوامها 35 مجموعة شعرية، و10 أعمال شعرية مترجمة لكبار الشعراء العالميين، وترجمات لـ 14 رواية عالمية، وروايات وقصص وكتابات نقدية زدات على 8 كتب، إضافة إلى 6 مجموعات مترجمة بلغات أجنبية. كما هناك دراسات وإطروحات أكاديمية عن تجربته الشعرية.
دفن سعدي يوسف في مقبرة هاي غيت (لندن)، وقد تنّقل في المنافي العديدة: الكويت، الجزائر، دمشق، بيروت، عدن، نيقوسيا، بلغراد، باريس، عمان.. وإستقر في سنوات العمر الأخيرة في لندن.
* أكاديمي وأديب عراقي




26
السودان- على طريق المصالحة
عبد الحسين شعبان
-1-
   "لقد جمعت السيمفونية كل النغمات المتعارضة والمتكاملة والمتخالفة والمُتّحدة في آنٍ  معاً لتعطي قصيدة ملحمية تضاهي نشيد رولاند في نسخة سودانية، وبهذا أصبحت الحركة تياراً جارفاً لا يمكن صدّه" هذا ما كتبه البروفيسور محمد الحسن ولِدْ لبات ، في وصف حركة الاحتجاج السودانية التي أطاحت بالرئيس عمر حسن البشير الذي حكم السودان 30 عاماً (1989-2019)، حيث أنعشت أغنية "أنا سوداني" ليالي المعتصمين لتضيء حلكة الظلام وتنشر الضياء... لتشكّل توليفة تبعث روحاً جديدة تبشّر بعصر جديد، كما يقول.
   ولد لبات خبير دولي مختص بقضايا الوساطة وحلّ النزاعات في مناطق الحروب الأهلية والعدالة الانتقالية ، وعمل في العديد من الدول الأفريقية مكتسباً خبرة واسعة وتجربة غنية، ولا سيّما من خلال تولّيه عدّة مناصب منها : وزيراً للخارجية وسفيراً ورئيساً لجامعة نواكشوط ، وفوق كل ذلك فإنه يمتلك لغة عربية صافية ، إضافة إلى إتقانه اللغتين الفرنسية والإنكليزية ومعرفته بلغات محلية عديدة، ناهيك عن كونه قانوني ضليع وفقيه دستوري ذو أفق فسيح مثل صحراء موريتانيا بلاده الفسيحة.
-2-
   لقد وظّف الكاتب كل مؤهلاته تلك من أجل التوصل إلى مصالحة بين الفرقاء السودانيين، مدنيين وعسكريين، وحاول أن يعكس تجربته الباذخة تلك في كتاب مهم بعنوان "السودان - على طريق المصالحة"، والكتاب سردية جميلة أقرب إلى رواية بحبكة درامية  طعّمه بحكايات وقصص ومقابلات وحوادث وأسرار وتاريخ وخفايا وخبايا، دلّت على معرفة عميقة بالأوضاع السودانية دون أن يبتعد عن المعايير الأكاديمية والبحثية.
    وكان قد كُلّف من جانب الإتحاد الإفريقي وبدعم من إثيوبيا ، إثر اندلاع أزمة سياسية عميقة في السودان حول المستقبل بين القيادات المدنية التي فجّرت الشرارة الأولى للثورة والقيادات العسكرية التي ساهمت في حسم مسألة التغيير، وكادت الأزمة أن تؤدي إلى الصدام بين المجموعتين، حيث تشبّث العسكريون بمواقعهم في النظام الجديد، في حين أراد المدنيون عملية التغيير شعبية بامتياز لإنجاز التحوّل الديمقراطي.
   لم تكن عملية التغيير يسيرة أو حتى مضمونة النتائج، خصوصاً وقد عاش المجتمع السوداني فترات طويلة في ظل أنظمة استبداد وحكم عسكري، حيث حكم محمد جعفر النميري من العام 1969 حتى أطيح به في حركة شعبية العام 1985 وهي امتداد لثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت بحكم الجنرال عبود العام 1964 ، لكن انقلاباً عسكرياً جديداً استلم مقاليد الحكم في العام 1989 وتعتّق فيه، وخلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس البشير فيها شهدت البلاد حركات تمرّد وأعمال عنف، ناهيك عن انشطارها وانفصال جنوب السودان العام 2011 باستفتاء شعبي بعد حروب دامت من العام 1956 دفعت البلاد أثمانها الباهظة بشرياً ومادياً ومعنوياً، كما تعرّض فيها الشعب السوداني لأعمال قمع شملت قطاعات واسعة من النساء والمثقفين والفنانين والمجموعات الثقافية "الأقليات" والشرائح الاجتماعية المهمّشة فضلاً عن محاولات "تديين" المجتمع ومصادرة الحريات وتقليص الحواشي الديمقراطية وهجرة أصحاب الكفاءات والأدمغة.
-3-
   يطلعنا الكاتب بأسلوب شائق وشفيف ولغة متوهجة بالشعرعلى فكرة الوساطة وسياقاتها وإنضاج ظروفها ومساراتها وتحدّيات المرحلة الانتقالية ويتناول بعض التساؤلات حول المستقبل، وهذه المفردات مثلّث العناوين الأساسية للكتاب، ومن خلاله نتعرّف على الدور الذي قام به في الوصول إلى النتائج المرجوة دون ادعاء أو غرور، بل بالوقائع والأسماء والمحصّلات، بما فيها من توترات ومحاولات عرقلة أو وضع عقبات من شأنها الحيلولة في منع التوصل إلى توافق يؤدي إلى المصالحة عبر الوساطة.
    والوساطة تعني حل الخلافات بطريقة سلمية وعبر أشخاص أو جهات تقوم بهذه المهمة يثق بهم المتصارعون، وهي فرع جديد يدرّس في الجامعات والمعاهد العليا، وقد اعتمدناه في جامعة اللاّعنف (بيروت) وهو يجمع بين القانون والسياسة والإدارة والثقافة والاجتماع  والدبلوماسية وفن التفاوض ، وذلك في إطار توفيقي وجامع بحثاً عن المشتركات، بحيث يصل الجميع إلى الاعتقاد أن الكل رابح، ومثل هذا الاختصاص يستخدم في حل الأزمات الدولية الكبرى مثلما يمكن تطبيقه على الأزمات والنزاعات الأهلية الداخلية ، بما فيها بين جماعات وأشخاص أحياناً.
   ومن النتائج المهمة في التجربة السودانية هو أن إفريقيا هي التي تولّت هذه المسؤولية وتمكنّت من النجاح فيها بالتعاون مع شركاء دوليين، ويعود ذلك لأسباب منها أنها تعرف مشاكل الإقليم وهي منحازة لمصلحته وتشعر بمسؤولية إزاه على خلاف بعض الوساطات البعيدة فكرياً واجتماعياً ونفسياً عن أجواء الصراع ومشاكل المجتمعات التي تريد التوفيق بين فرقائها المتصارعين، ناهيك عن أغراضها السياسية أحياناً .
-4-
   وبتقديري إن كتاب "السودان - على طريق المصالحة" يصلح أن يدرّس في الجامعات العربية وفي جامعات البلدان النامية عموماً ، خصوصاً تلك التي عانت من أزمات وحروب أهلية، بهدف تهيئة مستلزمات التحوّل الديمقراطي، وبالطبع ليس لاستنساخ التجربة أو اقتباسها، وإنما الإفادة منها كقواعد عامة ودروس بليغة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف كل مجتمع وشعب، وفي كل الأحوال وحسب معرفتي المتواضعة، يبقى الكتاب مرجعاً نظرياً وعملياً مهماً، علماً بأن المراجع الأكاديمية والعلمية قليلة على هذا الصعيد ، لا سيّما تلك التي تضمّنت تجارب عملية ميدانية قريبة من واقع مجتمعاتنا . ولعلّ تقويم رئيس جمهورية مالي الأسبق البروفسور عمر كوناري رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي الأسبق يعطي القارئ فكرة موضوعية عن مثل هذا الدور الوسيط الذي صاغه مؤلف الكتاب والمفاهيم التي قدّمها وتمكّن من خلالها إضافة إلى براعته الوصول إلى حلول جنّبت السودان الانزلاق إلى نزاع أهلي، لا سيّما بعد قناعة الفرقاء جميعهم.
   على الوسيط أن يصغي إلى جميع الفرقاء وأن يستمع إلى الكثير من الشهادات الشفوية والمكتوبة ويقرأ العديد من الوثائق ويطّلع على المعطيات من مصادرها الأصلية وهو ما فعله المؤلف حين حاور المجلس العسكري الانتقالي وكذلك إعلان قوى الحرية والتغيير، إضافة إلى تجمع المهنيين ومنظمات سياسية ومهنية واجتماعية عديدة،غطّت الطيف السوداني الاجتماعي والسياسي والثقافي وهو ما وفرّ له  زاداً سميناً حاول أن يقسّمه على أطباق متساوية وبتكافئ بعد أن طبخه على نار هادئة دون استعجال أو تسرّع، وحسبما يقول : على الوسيط أن ينثني دون أن ينكسر ، مثلما عليه التحلّي بالتواضع والصبر.
   لقد تعلّم ولد لبات كما يقول من نيلسون مانديلا الذي عمل معه ومع العديد من قادة إفريقيا ، فضائل التعالي على الضعف البشري المتمثّل بالأنانية والعجز عن التسامح وروح الانتقام وجدارة المصالحة خدمة للأمة، وحاول أن يوظفها من خلال وساطته السودانية، مبتعداً عن كل ما له علاقة بالغطرسة أو التكبّر أو ادعاء المعرفة أو الانحياز أو الانجرار إلى المغريات أو فقدان الثقة بالأطراف المتصارعة ، أو التسّرع للوصول إلى النتائج ، فالجهل صنو للغرور ، أما المعرفة قرينة التواضع وذلك يعني الاقتراب من الموضوعية والإبتعاد عن الذاتية والأحكام المسبقة.
   أدركُ أن الوساطة عملية شاقة ومعقدة وتحتاج إلى باع طويل لتحديد معالمها ومراحلها وإجراءاتها وصولاً إلى إعلان نتائجها بقناعة من جميع الفرقاء، كما تستوجب التعرّف العميق على الأطراف واحترامها وكسب ثقتها ، مثلما تقتضي "التحكم باللسان وفي الجَنان" أي الحركات والإشارات، أما المصالحة فهي ضرورة اقتناع الجميع بأنه لا أحد يستطيع بناء البلد لوحده، الأمر الذي يقتضي قبول الآخر واحترامه وضرورة وجوده، فضلاً عن التسامح والاعتراف بالخطأ وهو ما اعتمده ولد لبات بمهارةٍ وحكمةٍ وبعد نظر ، وبقدر ما يتم اعتماد قواعد علمية وأكاديمية ووسائل إقناعية، فإنه يحتاج إلى فهم اجتماعي وثقافي وديني لطبيعة المجتمع وتراكيبه المختلفة بطبقاته وفئاته الاجتماعية وأديانه وقومياته ولغاته وتاريخه بما فيه نقاط قوته وضعفه في الآن، أي وضع  خريطة مشاكله على بساط البحث القديمة منها والراهنة ، إضافة إلى تصور بعض تضاريسها المستقبلية، وهو ما فعله الكاتب بجدارة  في وساطته السودانية الملقّحة بتجارب كونية.
-5-
   ذكّرتني اللغة الموسوعية التي كتب بهذا السفر بالصديق باهي محمد الذي أسماه الروائي عبد الرحمن منيف "عروة الزمان"، الصحراوي الجميل التي تنقّل في العالم العربي حاملاً لواء العروبة والوحدة والتحرر : من موريتانيا إلى الجزائر ومنها إلى بغداد ودمشق، فالمغرب وكان مستقره باريس التي كان يجوبها مشياً على الأقدام ، متاعه بضعة كتب وحفنة قصائد وذاكرة ذهبية، ولكن قبل كل شيء محبة لا حدود لها للناس والأصدقاء والثقافة ، مثلما هي محبة الأصدقاء له، وحاول ولد لبات كسب ثقة الفرقاء ، بل ومحبتهم وإقرارهم بالدور الإيجابي النزيه الذي يقوم به .
   المصالحة هو ما نحتاجه في عالمنا العربي وهي تبدأ من رياضة روحية مع النفس لتنتقل إلى الآخر، جوهرها التسامح وقبول الآخر وحلّ الخلافات باللاّعنف، ولو قدّر لي أن أرشح كتاباً للقراءة قبل كل حركة تغيير أو احتجاج شعبي يستهدف التحوّل الديمقراطي، لرشّحت كتاب "السودان- الطريق إلى الوساطة" الذي هو بمثابة دليل عمل ومرشد بما قدّمه من إطارات لحلول بعضها كان مستعصياً أو أن التوصل إليها  كان صعباً ومعقداً ولم يمرُّ بسلاسةٍ، بل هو أقرب إلى الإستحالةِ كما تصوّره البعض، وإذا به من خلال التفاهمات والتوافقات والثقة يصبح ممكناً ، بل واقعاً .
نشرت في مجلة المستقبل العربي، العدد 510، السنة 44، آب/ أغسطس 2021

   المؤلف        :    محمد الحسن ولد لبات
   عنوان الكتاب :    السودان: على طريق المصالحة
   إصدار          :    المركز الثقافي للكتاب
                   بيروت ، الطبعة الأولى ، 2020
                  423 صفحة من القَطع الكبير.
   

27
العدالة الانتقالية الدولية

عبد الحسين شعبان
لم يتبلور مفهوم "العدالة الانتقاليّة الدوليّة" بعد، ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي المعاصر. ولم تفلح جهود ومبادرات الدول المتضررة في إقناع المجتمع الدولي لتبنيّ هذا المفهوم.  كما أن المجتمع المدنيّ في هذه الدول لم يبادر، بما فيه الكفاية، في إطار دبلوماسية شعبية موازية للدبلوماسية الرسمية لينشأ رأياً عاماً ضاغطاً يكون أقرب إلى محكمة ضمير.
وكانت ألمانيا قد اعترفت بماضيها الاستعماري في غزو ناميبيا، وفرنسا بمسؤولياتها عن الإبادة في رواندا 1994. كما أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون اعترف في 3 مارس/آذار2021 بوجود انتهاكات وتعذيب في الجزائر راح ضحيته المحامي علي بومنجل على يد الجيش الفرنسي وهو جزء من مطالبات جزائرية باعتذار فرنسي، كما اعترفت بلجيكا بجريمة اختطاف آلاف الأطفال مختلطيّ العرق خلال الحقبة الاستعمارية، وكذلك أقرت هولندا بمسؤولياتها عن تجارة الرقيق خلال الحقبة الاستعمارية. كل ذلك يجعل من التحرّك لتقنين فكرة العدالة الانتقالية الدولية ضرورة ملحة لتنقية العلاقات الدولية، وخصوصاً لحلّ المشاكل التاريخية العالقة.
تقوم فلسفة العدالة الانتقالية على خمسة مبادئ رئيسية:
أولها، كشف الحقيقة، فما الذي حصل وكيف ولماذا؟ إضافة إلى معرفة الظروف التي تمت بها تلك الارتكابات.
ثانيها: المساءلة للمرتكبين الذين أصدروا الأوامر أو قاموا بالتنفيذ.
 ثالثها، جبر الضرر المادي والمعنوي لإبقاء الذاكرة حيّة، خصوصاً بإطلاق أسماء الضحايا على الأماكن العامة مثل المدارس والمكتبات والنوادي والساحات والشوارع، وإقامة نصب تذكارية، كي لا تذهب تلك الذكريات الماسأوية إلى دائرة النسيان، بل تبقى في دائرة الضوء والذاكرة.
رابعها، تعويض الضحايا أو عوائلهم عما لحق بهم من أذى وألم وغبن وأضرار.
خامسها، إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية كي لا يتكرر ما حصل.
ويترّكز الهدف في جانبين، الأول: في عدم إفلات المرتكبين من العقاب لأن مثل تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، والثاني: تحقيق المصالحة بمعناها الشامل عبر إجراءات قانونية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغيرها، وبالطبع فليس هدف العدالة الانتقالية الانتقام، وإلاّ ستكون عدالة انتقامية، وإنما هو الوصول إلى تسويات مجتمعية لتحقيق التعايش السلمي وترميم الحياة السياسية وفقاً لمبادئ التسامح والسلام ونبذ استخدام العنف وسيلة لحل الخلافات واحترام حقوق الإنسان.
وإذا كانت تطبيقات العدالة الانتقالية بدأت بُعيد الحرب العالمية الثانية وتطورّت خلال نصف القرن الماضي حيث اغتنت بتجارب العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا وبعض البلدان العربية ولاسيما المغرب، فإن هذا المفهوم يكتسب بُعداً دوليّاً اليوم، بمعنى أنه لا يشمل الارتكابات التي حصلت داخل دولة ما، بل ارتكابات قامت بها دولة ضد شعب أو مجتمع في دولة أخرى.
المقصود بذلك معالجة آثار الانتهاكات والتجاوزات والجرائم لحقوق الإنسان على المستوى الدولي، والهدف هو ذاته الذي جسدته مبادئ العدالة الانتقالية على المستوى الوطني، ويتلّخص بالوصول إلى المصالحة الشاملة وتنقية الحياة بين الدول وترميم علاقاتها  وتحسينها بحلّ المشاكل الناجمة عن ارتكابات الماضي بسبب الهيمنة الاستعمارية أو الإحتلال أو الحروب أو النزاعات التي سببّت إلحاق الضرر بشعوب البلدان التي تعرّضت للانتهاك.
ويمكن الإشارة إلى مبادرة مغربيّة رائدة جديرة بالتقدير، فمنذ عقد ونيف من الزمن ينشط "مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام"، للوصول إلى صيغة تتبنّاها مؤسسات المجتمع المدني في الدولة المنتهَكَة حقوقها وفي الدول المنتهِكَة للحقوق، وذلك ضمن حراك حقوقي وقانوني دولي. تم التعبير عنه في "إعلان طنجة" كخلفيّة تأصيليّة لمدونة بإشراك الفرقاء من الطرفين على قاعدة المشترك الإنساني وحقوق الإنسان.
والمبادرة، التي حظيت اليوم بدعم جهات حقوقيّة مغربية هي "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمركز المغربي للديمقراطية والأمن" لا تبحث في الماضي، بل هي بحث في المستقبل بهدف إجلاء صورة الماضي الذي شهد تاريخاً مشتركاً لعلاقات غير متكافئة، سواء مع إسبانيا أو فرنسا، وذلك باقتراح وسائل وسُبل جديدة لحلّ الخلافات على أساس حقوقي وإنساني توّفره مبادئ العدالة الانتقالية الدولية. ويتطلّب ذلك الاعتراف بالأخطاء والممارسات السلبية والانتهاكات، والعمل على تحديد المسؤولية وجبر الضرر والتعويض وإصلاح النظام القانوني والعلاقات بين الفرقاء.
ولا يستهدف الأمر مساءلة الشعوب وتحميلها وزر السياسات الاستعمارية أو محاولات الهيمنة والاستعلاء والعنصرية وفرض الاستتباع والخضوع على الآخر، إنما يتطلّب نزع صاعق التفجير بتسوية إنسانية وقانونية عادلة بإنضاج الظروف المواتية لتقبّل حلول طويلة الأمد على أساس المصالحة وليس الانتقام أو الثأر.
ويحتاج ذلك إلى جهد ونشاط واسعين لقطاعات المجتمع المدني كافة والفاعليات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية لخلق رأيّ عام دولي لبلورة مفهوم العدالة الانتقالية الدولية ليأخذ مكانه كجزء من قواعد القانون الدولي.
ويمكن اقتراح مشروع اتفاقية دولية تتبنّاها الجمعية العامة للأمم المتحدة تبادر إليه الدول المتضررة كجزء من تحرّك دبلوماسي وقانوني، يسهم فيه المجتمع المدني، كمُكمّل للدبلوماسيّة الرسمية في إطار مرجعية استباقية ووقائية لترصين القيم الإنسانية والحوكمة الرشيدة على المستوى الكوني.








28
الشاعر حسن عبد الحميد
ومجموعته الشعرية "حين تنكَرّ الموج ... لضحكات القوارب"

مقدمة بقلم : عبد الحسين شعبان*



"نحتاج إلى الفن حتى لا تميتنا الحقيقة"
نيتشه

   يُعرف الشاعر من نبرته الأولى حين يغتسل بالضوء في خيال أصيل متسلّقاً الغيمة، ملتمساً قمراً وردياً بغواية عين مدربّة على النظر خارج حدود المألوف، حيث تُعزف عند جداول الرغبة الموسيقى بأصوات مرئية  ليشرئب النرجس والجمال في صهوة التشهّي والحضور.
   "حين تنكرّ الموج ... لضحكات القوارب" هو عنوان مجموعة شعرية لحسن عبد الحميد طلب مني أن أكتب مقدمة لها ؛ ومع أننّي أعرفه فناناً وإعلامياً وناقداً ومختصاً بعلم النفس وكاتب قصص للأطفال، إلاّ أنني فوجئت به شاعراً ، له صوته الخاص مثلما لقصيدته رائحتها المتميّزة بلغتها المتوهجة مثل موجات البحر وموسيقاه، فاللغة ليست مجرد أداة حسب مارتن هايدغر، بل إنها ما يضمن "الموجود" في إطار الوجود بما تمتلكه من دلالة وتحقّق.
   وكان آخر ما كتبه حسن عبد الحميد وأثار إنتباهي قصيدة إثر حادث انفجار المرفأ في 4 آب (أغسطس) 2020 والموسومة "آه ... بيروت"، حين تفجرّت لحظتها في داخله مشاعر حادة ، بل ينابيع دفّاقة من الألم والحزن، ذلك الذي يدفن الغبطة والرجاء، ويكفّن الكرامة والفرح، هذا الذي تطاير حتى غاب مع الأشلاء والثياب.
   ولأنه إنسان حساس وشاعر تدهشه أي لفتة إنسانية فقد تأثر إلى حدود كبيرة يوم جاء إلى بيروت للدراسة في جامعة اللاّعنف، وكانت دهشته تكبر ساعةً بساعة، خصوصاً حين ارتبط بعلاقة حب معطّر مع بيروت غائصاً في تلابيبها باحثاً في حقل اللؤلؤ عن الجمال والسلام والأمل،في تلك المدينة التي ما أن تدخلها حتى تشعر بنثيثها اللذيذ وريحها الخفيفة المنعشة، التي عادة ما تسبق المطر وتفوح منها رائحة زكيّة تملأ الحارات والمقاهي والأمكنة والكتب .
   وبالرغم مما عانته المدينة من استلاب معتّق، لكنها ظلّت بحروفها المنيرة تتهجّى قصائد الحب وتلوذ بالعشق وهو ما يظهر على الوجوه وفي الشفاه والكؤوس وما بين السطور، باستثنائية عجيبة.
   بأبعاد روحية وأثر عقلي وانفعال حسّي كتب حسن عبد الحميد قصيدته البيروتية، تلك التي كان يريد فيها أن يؤاخي بين الجرح والحلم والبحر والبرق والبحر والغابة والبحر والجبل والبحر والتاريخ، في "أحلى مدن الله / حتى أضحى بَهاء الكون سكونْ" ، وبهذا الكبرياء والخشوع في آن ، أراد أن يعبّر عن هول الحقد " وما قدمت به نيران الشر/ وجلجلة  الطاغوت في إدانة للكراهية والقسوة وأدواتهما التي حرثت أرض الفجيعة والألم، لحجب الشمس والبحر "وصباحات أغاني ... فيروز " .
   ليس ذلك سوى تبشيع ساخر من القدر اللعين حسب شكسبير ومن سخرية التاريخ وفقاً لماركس "بيروت/وجع الروح.../حين تنوح.../بنايات البوح/وتخطّ على جدران العالم، لبنان.../أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان حيٌ ... لا يموت".
    مثلما اهتزّت بيروت كانت القصيدة ترتعش بين أصابع حسن عبد الحميد، بل إن سبابته ارتفعت بوجه الريح تخاطب السفائن المهاجرة والمهجورة التي حاولت أن تفتح أشرعتها في بحر ملغوم أتعبه ضوضاء وهموم  وضباب موهوم.
   وعلى الرغم من كل ما حصل فقد ظلّت بيروت التي لا يمكن إلاّ أن تُدخلك في تفاصيلها وتُشاركك في أحلامها، حين تهطل فيها السماء ورداً وعطراً، لتسقي فيه حدائق الروح وبساتين الأمل ، حيث الدروب مفتوحة إلى الشمس وأمواج البحر والحساسين الجميلة وأشجار البلوط واللوز والكستناء.
   من لم يبكِ بيروت فلا قلب له ومن عاشها ولم يحبّها لا عقل له، تلك المدينة الأليفة التي تحتضن الغرباء والمثقفين والمتمردّين والصعاليك وترفع راية العز والإعتراض، التي لم تتعلّم إلاّ أن تقول "لا"، وكأن حسن عبد الحميد حين يبكي بيروت يريد أن يقتفي أثر الشاعر الإسباني الكبير لوركا الذي يقول "أنا الظل الهائل لدموعي" فبكى نفسه وبكى بيروت، البشر والشجر والحجر.
   ولعلّ أغلب قصائد مجموعة حسن عبد الحميد تسير على هذا النسق من الرهان محاولة تعميد شجرة الذاكرة بماء المعرفة المتراصفة مع الوعي لتتخذ من الحدث مُرتكزاً في ترسلّه لاختراق خلجات الشاعر في قاعها وكينونتها وأفقها .
   توزعت المجموعة إلى نصوص مكتوبة بين عامي 2016 ومنتصف 2020، وجاءت قصائدها  مسكونة بهواجس التشبّث بالحياة أمام جائحة كورونا "كوفيد - 19" حيث داهم الفايروس الغامض والمخيف البشر في كل مكان، وقد كتب معظمها في عنكاوا (إربيل) التي يقول عنها "إنها بلدة لها سطوة الحضور" وفيها نصوص مهداة إلى زها حديد ويتداخل فيها الشعر بالنثر برؤى صوفية أحياناً من بغداد إلى بيروت ومن بيروت إلى بغداد.
      ... لك ترجمان الشعر
         يتمايل مطراً
      ... حين تفصحين
                        عمّا خبأت لؤلؤات الشوق
                       من بيروت ... إلى بوابة الدنيا
                                         !!... بغداد
   
   إن مجموعة حسن عبد الحميد "حين تنكّر الموج... لضحكات القوارب"  وقصيدة  "آه ... بيروت"  هي رسالة وفاء وحب إلى بيروت المدينة العصيّة التي ستنهض مثل طائر الفينيق من بين الرماد وحسب بابلو نيرودا "قد يقتلون الأزهار كلّها لكنهم لم يمنعوا حلول الربيع"، إنها كتابة بالروح، بل بالدم والقلب والعقل.

   وقال لي بين النطق والصمت
          برزخٌ فيه
    قبر العقل
   وفيه قبور الأشياء
   حسبما يقول النِفري،ولعل حياتنا ستكون أكثر سقماً لولا الشعر، فهو النبع والرؤية والحلم.

 ـــــــــــــــــــــ
*مفكر وأديب وناقد، عضو إتحاد الكتاب العرب (دمشق) وعضو إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين (بغداد) - له نحو 70 كتاباً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والمجتمع المدني والثقافة والأدب، حائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - 2003).(نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان - بيروت ) ورئيس مجلس أمناء المعهد العربي للديمقراطية (تونس)  -الناشر

*وقّع الشاعر مجموعته في احتفالية افتتاح صالون 15 الذي أسستهُ الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار في بيروت (2-8-2021)

29
عبد الحسين شعبان يكتب: الانتخابات العراقية والخريطة السياسية

28 تموز/ يوليو 2021
موقع الأمصار
أربك القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر المشهد السياسي والانتخابي وذلك بالإعلان عن عدم ترشيح تياره للانتخابات نظراً لما يتمتع به من نفوذ شعبي، خصوصاً في الوسط الشيعي فضلاً عن امتلاكه فصيلاً مسلحاً منضوياً في إطار الحشد الشعبي باسم “سرايا السلام”.
وقد جاء ذلك الإعلان بعد حريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي أودى بحياة نحو 100 قتيل وجريح، وبعده تفجير مدينة الصدر، وقبلهما حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد، إضافة إلى ذلك مقتل الناشط المدني إيهاب الوزّاني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في مدينة كربلاء، في 8 مايو/أيار2021 الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في الشارع العراقي.
وكان الوزاني قد نجا في وقت سابق من محاولة اغتيال قُتل على إثرها زميله فاهم الطائي (ديسمبر/كانون الأول 2019). وقد نفّذ الهجوم مسلحون يستقلّون دراجات نارية وبأسلحة مزودة بكاتم للصوت. كما تعرّض صحافي مدني يدعى “أحمد حسن” في مدينة الديوانية بجنوب العراق إلى حادث اغتيال، بعد 24 ساعة من اغتيال الوزّاني، أصيب على إثره بجروح خطيرة.
وباستثناء تفجير مدينة الصدر التي أعلن “داعش” عن مسؤوليته، لم تدعِ أية جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال. كما لم تكشف التحقيقات الحكومية واللجان التي شكّلتها عن هوّية المرتكبين والجهات التي تقف خلفهم، ليتسنّى تقديمهم إلى العدالة، وهو الأمر الذي ظلّت حركة الاحتجاج التشرينيّة التي اندلعت في العام 2019 تطالب به، خصوصاً وقد سقط فيها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح، من دون أن تظهر أي نتائج لمعرفة حقيقة ما حصل. وما زال الجناة طلقاء ومستمرون في ارتكاباتهم طالما يتم الإفلات من العقاب.
المزاج الشعبي
أثرّت هذه الحوادث على المزاج الانتخابي المتعكّر بالأساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والأخرى استعراضاً للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الآخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس؛ يُضاف إلى ذلك استمرار ظواهر هيمنة “المال السياسي” و”مراكز النفوذ” التي كوّنتها المجموعات الحاكمة داخل أجهزة الدولة ومع بعض القوى التقليدية الدينية والعشائرية، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي الداعم الاستقطابات السياسية.
وأعطى مثل هذا الأمر انطباعاً بأن نتائج الانتخابات سوف لا تكون أفضل من سابقاتها، أي أن التغيير الذي راهن ويراهن عليه البعض بمن فيهم محتجي تشرين، ما زال بعيد المنال، وهو رأي أخذ يتردد بصوتٍ عالٍ. فالبيئة السياسية والأمنيّة ما تزال غير آمنة لإجراء انتخابات حرّة نزيهة، وبإشراف دوليٍّ مُحْكمٍ. وقد عز مثل هذا الرأي انسحاب الصدر وإعلانه عدم ثقته بالحكومة المقبلة والحكومة الحالية.
ومن الطبيعي أن تحذو حذو الصدر قوى أخرى كان أولها الحزب الشيوعي الذي كان متحالفاً مع تيار الصدر في إطار كتلة “سائرون”، فأعلن عن مقاطعته الانتخابات لعدم توفر الظروف المناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وفي الغالب سيقتفي إثر قرار الصدر قوى أخرى، خصوصاً إن لم يتراجع عن موقفه، علماً بأن الأوضاع العامة ازدادت سوءًا والحالة المعيشية والصحية والأمنية مستمرة بالتدهور.
يستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن البيئة التشريعية القانونية والأداء البرلماني هما دون مستوى الحد الأدنى المطلوب، كما أن الإدارة الانتخابية غير مستقلة، والمقصود بذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلا الجهاز القضائي يملك قراره بالكامل، ولا حتى المرشّح متحرّراً من التأثيرات والناخب هو الآخر عرضة لمختلف الضغوطات، كما أن الرقابة لمنظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية ليست على درجة من الفاعلية لإنجاز انتخابات نزيهة وحرة، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن توفير رقابة دولية فعالة وذلك خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض”جولة الحوار العراقي – الأمريكي الرابعة، واشنطن في تموز/ يوليو 2021”.
فقد كانت التجارب الانتخابية جميعها مُرّةً وطالتها يد التزوير، إلى درجة عزوف المواطن عنها الانتخابات الأخيرة، حيث لم يشارك أكثر من 20٪ من الذين يحق لهم الانتخاب في التقديرات المتفائلة.

دعوات مبكرة للمقاطعة
لهذه الأسباب، برزت دعوات لمقاطعة الانتخابات، حتى قبل حصولها، بوصفها “غير شرعيّة”، بل وصل الأمر إلى وصم العملية السياسية برمّتها بأنها “غير شرعية”، خصوصاً باستمرار النفوذ الإيراني والأمريكي، وتأثيرهما المباشر على القوى والمجموعات السياسية، ناهيك عن استمرار ظاهرة السلاح المنتشر خارج نطاق القانون وعدم تلبية مطالب “حركة تشرين” بمساءلة المتسببين في هدر دماء المحتجّين.
وعلى الرغم من إعلان قوى وشخصيات عن مقاطعاتها للانتخابات فإن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، وغالبية القوى السياسية، وخصوصاً منظومة 9 أبريل/نيسان المشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003 ما تزال تعتبرها الوسيلة الوحيدة والمضمونة للمنافسة، وهي ما تعوّل عليه، كما أن بعض الشباب في الحراك التشريني لم يجدوا وسيلة سواها للتغيير، لذلك حاولوا تجميع أنفسهم لخوض الانتخابات لمنافسة القوى المهيمنة، لأن مقاطعتها ستعيد القوى القديمة التي صادرت المشهد السياسي واستحوذت على الامتيازات إلى مواقعها، وهي على معرفة ودراية وخبرة بعد تجارب انتخابية أربعة، فضلاً عن وجودها بدواونيّة الدولة وبيروقراطيتها وتمتلك المال والسلاح.


الكاظمي والترشيح
هل سيبقى الكاظمي في رئاسة الوزارة لو تم تأجيل الانتخابات إلى أجل معلوم أو مجهول؟ سؤال يراود الباحث والمحلل، خصوصاً بعد إعلان الصدر عن عدم المشاركة بالانتخابات. وحتى ولو جرت الانتخابات هل يمكن تشكيل حكومة في ظل معارضة لأكبر كتلة سياسية في العراق؟ علماً بأن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أعلن عدم ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية، وهو ما يُحسب له.
كما أن اختياره لموقعه جاء في ظرف سياسي ملتبس ومريب كمرشح تسوية لعدم تمكّن القوى المهيمنة على السلطة من التوصل إلى مرشح بديل بعد “إقالة” أو “استقالة” حكومة عادل عبد المهدي. وفي ظل تصاعد الصراع الأمريكي- الإيراني وانعكاساته عراقياً، وعلى الرغم من وعوده خلال العام المنصرم، بضبط السلاح المنفلت ومنع استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، والأمريكية خصوصاً في المنطقة الخضراء، ووضع حد للفساد ومحاسبة المفسدين وتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات مبكّرة، إلا أنه لم يتمكّن من التقدم جدّياً على هذا الطريق، وظل يقدّم خطوة ويؤخّر أخرى. فما الذي سيحصل؟ وكيف ستتوزّع الخريطة السياسية الانتخابية، والتحالفات التي ستعقبها؟
وكان من المقرّر إجراء الانتخابات يوم 6 يونيو/حزيران، إلّا أن ثمة أسباب فنية (عدم تهيئة البنية التحتية للانتخابات) ومالية (تأخر إقرار الميزانية) وقانونية (عدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية) وسياسية تتعلق برغبة بعض القوى الفاعلة، أو عدم استعدادها الكافي، حال دون إجرائها، فتمّ تأجيلها إلى يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، علماً بأن هناك من يشكّك بإمكانية إجراء الانتخابات أصلاً في ظل الأوضاع المعقدة، وحسب الدستور، فإن الموعد الاعتيادي للانتخابات هو كل أربع سنوات، وسيصادف في الربع الأول من العام 2022، أي بعد أقل من 6 أشهر من الموعد الثاني الذي من المقرر إجراء الانتخابات فيه.
ومع إغلاق باب الترشيح، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أنها صادقت على 44 تحالفاً و267 حزباً، حيث بلغ عدد المرشحين 3523 مرشحاً، منهم 1002 مرشحاً عن التحالفات و1634 عن الأحزاب، أما عدد المرشحين المستقلين فهو 887، ومن ضمن المجموع الكلي للمرشحين روعيَت الكوتا النسائية بواقع 25 بالمائة، أي 963 امرأة، علماً بأن 25 مليون عراقي يحق لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة في 83 دائرة انتخابية لاختيار 329 نائباً، وفقاً للقانون الجديد الذي يأخذ بمبدأ الفوز بأعلى الأصوات.
الدورة الخامسة
يُذكر أن الانتخابات الحالية هي الخامسة وتقرّرت على وقع الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الإدارة وتدهور الخدمات، وتفشي الفساد، واستشراء البطالة، وتردي الواقع المعيشي والحياتي، خصوصاً في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والمذهبي. وكانت الانتخابات الأولى والثانية قد أُجريت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق (2005 و2010). أما الانتخابات الثالثة، فقد نُظِّمت في العام 2014، وأعقبتها الانتخابات الرابعة في العام 2018.

صورة المشهد الانتخابي
كيف سيكون المشهد الانتخابي في انتخابات العام 2021؟ وهل ما تزال تدور في فلك “الترويكا” (الشيعية – السنّيّة – الكردية)، أم ثمة تغييرات ستجري عليها؟ ولكي نقرأ تضاريس الخريطة الانتخابية وطوبوغرافية التحالفات في ظل المنافسة الماراثونية، يمكن أن نقرأ جدول القوائم والكتل الانتخابية، كما يأتي. وقبل أن نحدد معالم القوى المتنافسة لا بد من القول أن غياب التيار الصدري ستكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى. أما القوى الحالية فهي:
القوائم الشيعية، وتضم:
كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وهي الكتلة الأكبر في البرلمان الحالي، وكانت تطالب “بأحقيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ويعتبر الصدر الرقم الأصعب في المعادلة الشيعية والرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية عموماً. وذلك قبل مقاطعته الانتخابات.
كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وقيس الخزعلي، أي حركتي بدر وصادقون، وهي من الكتل القويّة المقرّبة من طهران، وتمتلك إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية، وتعلن رفضها المباشر لبقاء القوات الأجنبية في العراق، استناداً إلى قرار البرلمان الذي اتخذه في مطلع العام 2020، وهي من القوى التي لها حضور كبير في الحشد الشعبي.
كتلة دولة القانون، بقيادة نوري المالكي، رئيس الوزراء لدورتين (2006 – 2014)، ومعه حزب الدعوة، إضافة إلى حزب الله العراقي، المقرّب من إيران أيضاً، والذي يعتبر قوة مسلحة ضاربة وجزء من الحشد الشعبي.
تيار الحكمة، برئاسة السيد عمّار الحكيم، المتحالف مع كتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية)، وكتل صغيرة أخرى، وقد سجّل في رصيد العبادي تمكّنه من إلحاق الهزيمة بداعش في نهاية العام 2017، مع ملاحظة نقد الكرد لموقفه من استفتاء كردستان الذي دعا إليه مسعود البارازاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وربما كان ذلك أحد أسباب عدم توليه دورة رئاسية جديدة.
المجلس الإسلامي الأعلى، بقيادة همام حمودي، بالتحالف مع منظمة العمل الإسلامي، وقد تراجع أداءه بعد تأسيس تيار الحكمة من جانب السيد عمار الحكيم وخروجه من المجلس الذي كان يترأسه.
وهكذا فإن المشهد الشيعي أصبح متشظّياً ومفتتاً، بعدما كان موّحداً، يحتل أكثر من نصف البرلمان ككتلة قوية، لا سيّما عند تأسيسه باسم “البيت الشيعي” (2005). وسيزداد ضعفاً إذا ما غاب تيار مقتدى الصدر.

 
القوائم السنّيّة
وتتوزّع على ثلاث تجمّعات أساسية:
الكتلة الأنبارية، بزعامة رئيس البرلماني الحالي محمد الحلبوسي، ويسعى لتمثيل السنّيّة السياسية أو جناحها الأكبر وذلك بدعم من الشيعية السياسية والإثنية الكردية السياسية.
كتلة صلاح الدين، وهي تضم بعض سنّة الأنبار بمن فيهم رئيس حزب الحلّ جمال الكربولي، المتفرّع من كتلة الحلبوسي، والملتفّة حول رجل الأعمال خميس الخنجر، الذي يقود تحالف عزم العراق، حيث انضم إليه كتلة سنّة ديالى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.
الكتلة الموصلية، ويقودها نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الأسبق أسامه النجيفي، بالتحالف مع رجل الأعمال جمال الضاري (المشروع الوطني للإنقاذ).
وهكذا، فإن المجموعة السنّيّة هي الأخرى متشظّية وغير موحّدة، بل أنها مختصمة.
القوائم الكردية
قائمتان رئيستان، تتوزعان تقليدياً وتاريخياً بين حزبين أساسيين، أولهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانيهما: الاتحاد الوطني الكردستاني.
أما الكتل الانتخابية فهي:
تحالف كردستان بقيادة لاهور شيخ جنكي ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير “كوران” التي أسّسها القيادي الكردي ناوشيروان مصطفى والتي تعتبر قطباً جديداً سرعان ما حفر له أساساً في إطار التيار الكردستاني.
كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتضم مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تدور في فلكه، وله نفوذ واسع، حيث يمثّل نجيرفان البارزاني رئاسة الإقليم ومسرور البارازاني رئاسة وزراء الإقليم.
الحركة الإسلامية الكردستانية، أعلنت مقاطعة الانتخابات لعدم وجود ضمانات كافية لانتخابات نزيهة.
الكتل خارج الترويكا
ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علّاوي، رئيس الوزراء الأسبق، المتحالف مع صالح المطلك (جبهة الحوار)، وقد بدأ نفوذه ينحسر بعد أن حصل على 91 مقعداً في العام 2010، لكنه لم يتمكّن من تشكيل الوزارة التي حاز عليها غريمه نوري المالكي للمرّة الثانية، بقرار من المحكمة الاتحادية حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر في الدستور (قبل الانتخابات أم بعدها)، علماً بأن إيران كانت تعارض تولّيه هذا المنصب. ومن المحتمل بعد انسحاب الصدر قد يتردد في المشاركة بالانتخابات، علما أنه أعلن عدم ترّشحه شخصياً.
قوى مدنيّة أخرى
هناك مجاميع وقوى مدنية غير منتمية إلى الترويكا، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي كان متحالفاً مع السيد الصدر في إطار كتلة سائرون، وفاز في انتخابات 2018 بنائبين، لكنهما استقالا بعد حركة تشرين الاحتجاجية، وقد تحالف لخوض هذه الانتخابات مع كتل صغيرة أخرى. ولكنه انسحب بعد مقاطعة تيار الصدر. وهناك بعض الكتل التي تمثّل مجاميع إثنّية أو دينيّة، فضلاً عن مرشحين مستقلين فرادى أو متحالفين مع كتل أخرى، سواء في إقليم كردستان أو في عموم العراق، إضافة إلى كتل ومرشحين محليين في محافظاتهم أو مُدُنهم.
الانتخابات ودستور المكوّنات
إذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع العراقي، أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، فضلاً عن انتشار السلاح خارج دائرة القانون والعدالة، ووجود الميليشيات والتنمّر على الدولة، العاجزة عن لجم أعمال الانفلات على الرغم من محاولاتها. وقد أعلنت بعض القوى مقاطعتها للانتخابات بعد تمادي القوى المسلحة في استهداف النشطاء وعدم قدرة الدولة على وضع حد لذلك، وهو ما سيؤثر على نتائج الإنتخابات.
وتعتقد هذه القوى أنّ مجرد المشاركة في الانتخابات في ظل النتائج المحسومة سلفاً، سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 أبريل/نيسان2003، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. وقد وردت عبارة المكوّنات في ديباجة الدستور مرّتان، وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142.
ولعل مثل هذه الرؤية تعني تراجع عمليّة التغيير التي راهنت عليها بعض القوى عبر “خيار الانتخابات” المقبلة بالصورة التي ستجري فيها والآليات التي تعتمدها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، والظروف غير المطمئنة التي تغرق فيها البلاد، وستعني المشاركة حسب بعض وجهات النظر الشبابية من قادة حركة الاحتجاج تبديداً للتضحيات الجسام، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر.
وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها “السياديّة”.

لبننة العراق
إن استمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، وهو ما يجعلنا نستحضر التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان، حيث ظلّت تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989. وهكذا يتم تكرار تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل”.
ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله، بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها، على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن، في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب وضعف الدولة بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة.
الثورة في صندوق الاقتراع
إذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة، وربما يدفع بالمجتمع العراقي إلى المزيد من القنوط والتشاؤم، لا سيّما في ظل أزمة اقتصادية حادة، وتدهور الخدمات الصحية باستمرار جائحة كورونا، وتراجع مستوى التعليم وازدياد نسبة البطالة والفقر. وهذه العوامل جميعها تساعد على استفحال التعصّب ووليده التطرّف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً، أي الانتقال من التفكير إلى التنفيذ، وحين يضرب عشوائياً يصير إرهابا وإرهاباً دولياً، إذا كان عابراً للحدود.
لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولاسيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدو الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.


الانتخابات والانتقال الديمقراطي
ظلّت الانتخابات أكثر العناصر تحدّياً وحساسية، سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ستكون مؤثرة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصاً الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، وثانيهما: فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها من قواعد وآليات وممارسات.
وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعداً أكثر ثقلاً ووزناً، لا سيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا.
ومنذ التسعينيات تعاضدت ثلاث عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية؛
الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية؛
والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديموقراطية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام نحو ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994، وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطوّر التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختياراً فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلاً شاغلاً لا سيّما لمرحلة الانتقال، خصوصاً بعد ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.
لقد وصلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية”، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلاً عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال، إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية، الأمر الذي اقتضى ويقتضي الانتقال إلى الشرعية الدستورية وهذه تتطلب رضا الناس أي الشرعية السياسية، وحكم القانون أي “المشروعية القانونية”.
واستناداً إلى ذلك يمكن القول أنه لا توجد “انتخابات ديمقراطية” دون التمتّع بالحقوق السياسية وهذه الحقوق تعني: الحق في التعبير، الحق في التظاهر، الحق في التجمع، الحق في التنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والحق في المشاركة، وكذلك لا يمكن قيام انتخابات ديمقراطية في إطار قانون انتخابات غير ديمقراطي أو تعسفي، ولعلّ الكثير من النقد وجه إلى الدستور العراقي والنظام الانتخابي لعدم احترام المعايير والالتزامات الدولية بتنظيم الانتخابات دستورياً وقانونياً، كما هي منصوص عليها في المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي وعدم ثقة المواطن الفرد بالنظام السياسي ككل، لعزوف نسبة كبيرة ممن يحقّ لهم التصويت، لعدم ممارسة حقوقهم والإدلاء بأصواتهم، والأمر لا يخص العراق وحده، بل يشمل العديد من البلدان العربية والبلدان الفقيرة التي تجري فيها انتخابات بنسبة تصويت منخفضة جداً.
__________
الأصل في هذه المادة دراسة للباحث نشرت في "مجلة الديمقراطية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام "القاهرة" عدد تموز/يوليو 2021.

30

28 تموز/ يوليو 2021
أربك القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر المشهد السياسي والانتخابي وذلك بالإعلان عن عدم ترشيح تياره للانتخابات نظراً لما يتمتع به من نفوذ شعبي، خصوصاً في الوسط الشيعي فضلاً عن امتلاكه فصيلاً مسلحاً منضوياً في إطار الحشد الشعبي باسم “سرايا السلام”.
وقد جاء ذلك الإعلان بعد حريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي أودى بحياة نحو 100 قتيل وجريح، وبعده تفجير مدينة الصدر، وقبلهما حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد، إضافة إلى ذلك مقتل الناشط المدني إيهاب الوزّاني، رئيس تنسيقية الاحتجاجات في مدينة كربلاء، في 8 مايو/أيار2021 الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في الشارع العراقي.
وكان الوزاني قد نجا في وقت سابق من محاولة اغتيال قُتل على إثرها زميله فاهم الطائي (ديسمبر/كانون الأول 2019). وقد نفّذ الهجوم مسلحون يستقلّون دراجات نارية وبأسلحة مزودة بكاتم للصوت. كما تعرّض صحافي مدني يدعى “أحمد حسن” في مدينة الديوانية بجنوب العراق إلى حادث اغتيال، بعد 24 ساعة من اغتيال الوزّاني، أصيب على إثره بجروح خطيرة.
وباستثناء تفجير مدينة الصدر التي أعلن “داعش” عن مسؤوليته، لم تدعِ أية جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال. كما لم تكشف التحقيقات الحكومية واللجان التي شكّلتها عن هوّية المرتكبين والجهات التي تقف خلفهم، ليتسنّى تقديمهم إلى العدالة، وهو الأمر الذي ظلّت حركة الاحتجاج التشرينيّة التي اندلعت في العام 2019 تطالب به، خصوصاً وقد سقط فيها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف جريح، من دون أن تظهر أي نتائج لمعرفة حقيقة ما حصل. وما زال الجناة طلقاء ومستمرون في ارتكاباتهم طالما يتم الإفلات من العقاب.
المزاج الشعبي
أثرّت هذه الحوادث على المزاج الانتخابي المتعكّر بالأساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والأخرى استعراضاً للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الآخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس؛ يُضاف إلى ذلك استمرار ظواهر هيمنة “المال السياسي” و”مراكز النفوذ” التي كوّنتها المجموعات الحاكمة داخل أجهزة الدولة ومع بعض القوى التقليدية الدينية والعشائرية، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي الداعم الاستقطابات السياسية.
وأعطى مثل هذا الأمر انطباعاً بأن نتائج الانتخابات سوف لا تكون أفضل من سابقاتها، أي أن التغيير الذي راهن ويراهن عليه البعض بمن فيهم محتجي تشرين، ما زال بعيد المنال، وهو رأي أخذ يتردد بصوتٍ عالٍ. فالبيئة السياسية والأمنيّة ما تزال غير آمنة لإجراء انتخابات حرّة نزيهة، وبإشراف دوليٍّ مُحْكمٍ. وقد عز مثل هذا الرأي انسحاب الصدر وإعلانه عدم ثقته بالحكومة المقبلة والحكومة الحالية.
ومن الطبيعي أن تحذو حذو الصدر قوى أخرى كان أولها الحزب الشيوعي الذي كان متحالفاً مع تيار الصدر في إطار كتلة “سائرون”، فأعلن عن مقاطعته الانتخابات لعدم توفر الظروف المناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وفي الغالب سيقتفي إثر قرار الصدر قوى أخرى، خصوصاً إن لم يتراجع عن موقفه، علماً بأن الأوضاع العامة ازدادت سوءًا والحالة المعيشية والصحية والأمنية مستمرة بالتدهور.
يستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن البيئة التشريعية القانونية والأداء البرلماني هما دون مستوى الحد الأدنى المطلوب، كما أن الإدارة الانتخابية غير مستقلة، والمقصود بذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلا الجهاز القضائي يملك قراره بالكامل، ولا حتى المرشّح متحرّراً من التأثيرات والناخب هو الآخر عرضة لمختلف الضغوطات، كما أن الرقابة لمنظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية ليست على درجة من الفاعلية لإنجاز انتخابات نزيهة وحرة، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن توفير رقابة دولية فعالة وذلك خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض”جولة الحوار العراقي – الأمريكي الرابعة، واشنطن في تموز/ يوليو 2021”.
فقد كانت التجارب الانتخابية جميعها مُرّةً وطالتها يد التزوير، إلى درجة عزوف المواطن عنها الانتخابات الأخيرة، حيث لم يشارك أكثر من 20٪ من الذين يحق لهم الانتخاب في التقديرات المتفائلة.

دعوات مبكرة للمقاطعة
لهذه الأسباب، برزت دعوات لمقاطعة الانتخابات، حتى قبل حصولها، بوصفها “غير شرعيّة”، بل وصل الأمر إلى وصم العملية السياسية برمّتها بأنها “غير شرعية”، خصوصاً باستمرار النفوذ الإيراني والأمريكي، وتأثيرهما المباشر على القوى والمجموعات السياسية، ناهيك عن استمرار ظاهرة السلاح المنتشر خارج نطاق القانون وعدم تلبية مطالب “حركة تشرين” بمساءلة المتسببين في هدر دماء المحتجّين.
وعلى الرغم من إعلان قوى وشخصيات عن مقاطعاتها للانتخابات فإن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، وغالبية القوى السياسية، وخصوصاً منظومة 9 أبريل/نيسان المشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003 ما تزال تعتبرها الوسيلة الوحيدة والمضمونة للمنافسة، وهي ما تعوّل عليه، كما أن بعض الشباب في الحراك التشريني لم يجدوا وسيلة سواها للتغيير، لذلك حاولوا تجميع أنفسهم لخوض الانتخابات لمنافسة القوى المهيمنة، لأن مقاطعتها ستعيد القوى القديمة التي صادرت المشهد السياسي واستحوذت على الامتيازات إلى مواقعها، وهي على معرفة ودراية وخبرة بعد تجارب انتخابية أربعة، فضلاً عن وجودها بدواونيّة الدولة وبيروقراطيتها وتمتلك المال والسلاح.


الكاظمي والترشيح
هل سيبقى الكاظمي في رئاسة الوزارة لو تم تأجيل الانتخابات إلى أجل معلوم أو مجهول؟ سؤال يراود الباحث والمحلل، خصوصاً بعد إعلان الصدر عن عدم المشاركة بالانتخابات. وحتى ولو جرت الانتخابات هل يمكن تشكيل حكومة في ظل معارضة لأكبر كتلة سياسية في العراق؟ علماً بأن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أعلن عدم ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية، وهو ما يُحسب له.
كما أن اختياره لموقعه جاء في ظرف سياسي ملتبس ومريب كمرشح تسوية لعدم تمكّن القوى المهيمنة على السلطة من التوصل إلى مرشح بديل بعد “إقالة” أو “استقالة” حكومة عادل عبد المهدي. وفي ظل تصاعد الصراع الأمريكي- الإيراني وانعكاساته عراقياً، وعلى الرغم من وعوده خلال العام المنصرم، بضبط السلاح المنفلت ومنع استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية، والأمريكية خصوصاً في المنطقة الخضراء، ووضع حد للفساد ومحاسبة المفسدين وتهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات مبكّرة، إلا أنه لم يتمكّن من التقدم جدّياً على هذا الطريق، وظل يقدّم خطوة ويؤخّر أخرى. فما الذي سيحصل؟ وكيف ستتوزّع الخريطة السياسية الانتخابية، والتحالفات التي ستعقبها؟
وكان من المقرّر إجراء الانتخابات يوم 6 يونيو/حزيران، إلّا أن ثمة أسباب فنية (عدم تهيئة البنية التحتية للانتخابات) ومالية (تأخر إقرار الميزانية) وقانونية (عدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية) وسياسية تتعلق برغبة بعض القوى الفاعلة، أو عدم استعدادها الكافي، حال دون إجرائها، فتمّ تأجيلها إلى يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، علماً بأن هناك من يشكّك بإمكانية إجراء الانتخابات أصلاً في ظل الأوضاع المعقدة، وحسب الدستور، فإن الموعد الاعتيادي للانتخابات هو كل أربع سنوات، وسيصادف في الربع الأول من العام 2022، أي بعد أقل من 6 أشهر من الموعد الثاني الذي من المقرر إجراء الانتخابات فيه.
ومع إغلاق باب الترشيح، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أنها صادقت على 44 تحالفاً و267 حزباً، حيث بلغ عدد المرشحين 3523 مرشحاً، منهم 1002 مرشحاً عن التحالفات و1634 عن الأحزاب، أما عدد المرشحين المستقلين فهو 887، ومن ضمن المجموع الكلي للمرشحين روعيَت الكوتا النسائية بواقع 25 بالمائة، أي 963 امرأة، علماً بأن 25 مليون عراقي يحق لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة في 83 دائرة انتخابية لاختيار 329 نائباً، وفقاً للقانون الجديد الذي يأخذ بمبدأ الفوز بأعلى الأصوات.
الدورة الخامسة
يُذكر أن الانتخابات الحالية هي الخامسة وتقرّرت على وقع الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الإدارة وتدهور الخدمات، وتفشي الفساد، واستشراء البطالة، وتردي الواقع المعيشي والحياتي، خصوصاً في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والمذهبي. وكانت الانتخابات الأولى والثانية قد أُجريت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق (2005 و2010). أما الانتخابات الثالثة، فقد نُظِّمت في العام 2014، وأعقبتها الانتخابات الرابعة في العام 2018.

صورة المشهد الانتخابي
كيف سيكون المشهد الانتخابي في انتخابات العام 2021؟ وهل ما تزال تدور في فلك “الترويكا” (الشيعية – السنّيّة – الكردية)، أم ثمة تغييرات ستجري عليها؟ ولكي نقرأ تضاريس الخريطة الانتخابية وطوبوغرافية التحالفات في ظل المنافسة الماراثونية، يمكن أن نقرأ جدول القوائم والكتل الانتخابية، كما يأتي. وقبل أن نحدد معالم القوى المتنافسة لا بد من القول أن غياب التيار الصدري ستكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى. أما القوى الحالية فهي:
القوائم الشيعية، وتضم:
كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وهي الكتلة الأكبر في البرلمان الحالي، وكانت تطالب “بأحقيتها” في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ويعتبر الصدر الرقم الأصعب في المعادلة الشيعية والرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية عموماً. وذلك قبل مقاطعته الانتخابات.
كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وقيس الخزعلي، أي حركتي بدر وصادقون، وهي من الكتل القويّة المقرّبة من طهران، وتمتلك إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية، وتعلن رفضها المباشر لبقاء القوات الأجنبية في العراق، استناداً إلى قرار البرلمان الذي اتخذه في مطلع العام 2020، وهي من القوى التي لها حضور كبير في الحشد الشعبي.
كتلة دولة القانون، بقيادة نوري المالكي، رئيس الوزراء لدورتين (2006 – 2014)، ومعه حزب الدعوة، إضافة إلى حزب الله العراقي، المقرّب من إيران أيضاً، والذي يعتبر قوة مسلحة ضاربة وجزء من الحشد الشعبي.
تيار الحكمة، برئاسة السيد عمّار الحكيم، المتحالف مع كتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (أحد أجنحة حزب الدعوة الإسلامية)، وكتل صغيرة أخرى، وقد سجّل في رصيد العبادي تمكّنه من إلحاق الهزيمة بداعش في نهاية العام 2017، مع ملاحظة نقد الكرد لموقفه من استفتاء كردستان الذي دعا إليه مسعود البارازاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وربما كان ذلك أحد أسباب عدم توليه دورة رئاسية جديدة.
المجلس الإسلامي الأعلى، بقيادة همام حمودي، بالتحالف مع منظمة العمل الإسلامي، وقد تراجع أداءه بعد تأسيس تيار الحكمة من جانب السيد عمار الحكيم وخروجه من المجلس الذي كان يترأسه.
وهكذا فإن المشهد الشيعي أصبح متشظّياً ومفتتاً، بعدما كان موّحداً، يحتل أكثر من نصف البرلمان ككتلة قوية، لا سيّما عند تأسيسه باسم “البيت الشيعي” (2005). وسيزداد ضعفاً إذا ما غاب تيار مقتدى الصدر.

 
القوائم السنّيّة
وتتوزّع على ثلاث تجمّعات أساسية:
الكتلة الأنبارية، بزعامة رئيس البرلماني الحالي محمد الحلبوسي، ويسعى لتمثيل السنّيّة السياسية أو جناحها الأكبر وذلك بدعم من الشيعية السياسية والإثنية الكردية السياسية.
كتلة صلاح الدين، وهي تضم بعض سنّة الأنبار بمن فيهم رئيس حزب الحلّ جمال الكربولي، المتفرّع من كتلة الحلبوسي، والملتفّة حول رجل الأعمال خميس الخنجر، الذي يقود تحالف عزم العراق، حيث انضم إليه كتلة سنّة ديالى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.
الكتلة الموصلية، ويقودها نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الأسبق أسامه النجيفي، بالتحالف مع رجل الأعمال جمال الضاري (المشروع الوطني للإنقاذ).
وهكذا، فإن المجموعة السنّيّة هي الأخرى متشظّية وغير موحّدة، بل أنها مختصمة.
القوائم الكردية
قائمتان رئيستان، تتوزعان تقليدياً وتاريخياً بين حزبين أساسيين، أولهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وثانيهما: الاتحاد الوطني الكردستاني.
أما الكتل الانتخابية فهي:
تحالف كردستان بقيادة لاهور شيخ جنكي ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير “كوران” التي أسّسها القيادي الكردي ناوشيروان مصطفى والتي تعتبر قطباً جديداً سرعان ما حفر له أساساً في إطار التيار الكردستاني.
كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتضم مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تدور في فلكه، وله نفوذ واسع، حيث يمثّل نجيرفان البارزاني رئاسة الإقليم ومسرور البارازاني رئاسة وزراء الإقليم.
الحركة الإسلامية الكردستانية، أعلنت مقاطعة الانتخابات لعدم وجود ضمانات كافية لانتخابات نزيهة.
الكتل خارج الترويكا
ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علّاوي، رئيس الوزراء الأسبق، المتحالف مع صالح المطلك (جبهة الحوار)، وقد بدأ نفوذه ينحسر بعد أن حصل على 91 مقعداً في العام 2010، لكنه لم يتمكّن من تشكيل الوزارة التي حاز عليها غريمه نوري المالكي للمرّة الثانية، بقرار من المحكمة الاتحادية حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر في الدستور (قبل الانتخابات أم بعدها)، علماً بأن إيران كانت تعارض تولّيه هذا المنصب. ومن المحتمل بعد انسحاب الصدر قد يتردد في المشاركة بالانتخابات، علما أنه أعلن عدم ترّشحه شخصياً.
قوى مدنيّة أخرى
هناك مجاميع وقوى مدنية غير منتمية إلى الترويكا، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي كان متحالفاً مع السيد الصدر في إطار كتلة سائرون، وفاز في انتخابات 2018 بنائبين، لكنهما استقالا بعد حركة تشرين الاحتجاجية، وقد تحالف لخوض هذه الانتخابات مع كتل صغيرة أخرى. ولكنه انسحب بعد مقاطعة تيار الصدر. وهناك بعض الكتل التي تمثّل مجاميع إثنّية أو دينيّة، فضلاً عن مرشحين مستقلين فرادى أو متحالفين مع كتل أخرى، سواء في إقليم كردستان أو في عموم العراق، إضافة إلى كتل ومرشحين محليين في محافظاتهم أو مُدُنهم.
الانتخابات ودستور المكوّنات
إذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أم بغيرها إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع العراقي، أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات لوحدها في ظلِّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، فضلاً عن انتشار السلاح خارج دائرة القانون والعدالة، ووجود الميليشيات والتنمّر على الدولة، العاجزة عن لجم أعمال الانفلات على الرغم من محاولاتها. وقد أعلنت بعض القوى مقاطعتها للانتخابات بعد تمادي القوى المسلحة في استهداف النشطاء وعدم قدرة الدولة على وضع حد لذلك، وهو ما سيؤثر على نتائج الإنتخابات.
وتعتقد هذه القوى أنّ مجرد المشاركة في الانتخابات في ظل النتائج المحسومة سلفاً، سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح “الشرعيّة” للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 أبريل/نيسان2003، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلِّ دستور قام على مبدأ “المكوّنات” التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة. وقد وردت عبارة المكوّنات في ديباجة الدستور مرّتان، وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142.
ولعل مثل هذه الرؤية تعني تراجع عمليّة التغيير التي راهنت عليها بعض القوى عبر “خيار الانتخابات” المقبلة بالصورة التي ستجري فيها والآليات التي تعتمدها والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، والظروف غير المطمئنة التي تغرق فيها البلاد، وستعني المشاركة حسب بعض وجهات النظر الشبابية من قادة حركة الاحتجاج تبديداً للتضحيات الجسام، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها دون تغيير يُذكر.
وظلّت الائتلافات الثلاثة “راسخة” بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها “السياديّة”.

لبننة العراق
إن استمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، وهو ما يجعلنا نستحضر التجربة اللبنانية لنحو 7 عقود من الزمان، حيث ظلّت تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف العام 1989. وهكذا يتم تكرار تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى بـ”الثلث المعطّل”.
ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله، بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة بمواقعها، على الرغم من فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن، في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري وانفلات السلاح واستشراء ظواهر العنف والإرهاب وضعف الدولة بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة أو الدِّين أو العشيرة أو الحزب أو المنطقة أو الجهة، ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة.
الثورة في صندوق الاقتراع
إذا كان شعار “الثورة في صندوق الاقتراع” فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة وقانونيّة وأمنيّة وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية حدّة، وربما يدفع بالمجتمع العراقي إلى المزيد من القنوط والتشاؤم، لا سيّما في ظل أزمة اقتصادية حادة، وتدهور الخدمات الصحية باستمرار جائحة كورونا، وتراجع مستوى التعليم وازدياد نسبة البطالة والفقر. وهذه العوامل جميعها تساعد على استفحال التعصّب ووليده التطرّف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً، أي الانتقال من التفكير إلى التنفيذ، وحين يضرب عشوائياً يصير إرهابا وإرهاباً دولياً، إذا كان عابراً للحدود.
لقد حكمت الشيعيّة السياسية لثلاث دورات ونيّف في العراق منذ العام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ العام 1992، فهل تغيّرت الصورة أم ازدادت تعقيداً؟ إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولاسيّما العُرف المعتمد تحت عنوان “التوافق” الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة، ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة وأن يُبدو الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع، وذلك برفع درجة الوعي الحقوقي المجتمعي بأهميّة وظيفة الانتخابات وما ترتّبه من نتائج على صعيد التغيير.


الانتخابات والانتقال الديمقراطي
ظلّت الانتخابات أكثر العناصر تحدّياً وحساسية، سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ستكون مؤثرة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصاً الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، وثانيهما: فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها من قواعد وآليات وممارسات.
وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعداً أكثر ثقلاً ووزناً، لا سيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا.
ومنذ التسعينيات تعاضدت ثلاث عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية؛
الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية؛
والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديموقراطية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام نحو ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994، وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطوّر التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختياراً فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلاً شاغلاً لا سيّما لمرحلة الانتقال، خصوصاً بعد ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.
لقد وصلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية”، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلاً عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال، إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية، الأمر الذي اقتضى ويقتضي الانتقال إلى الشرعية الدستورية وهذه تتطلب رضا الناس أي الشرعية السياسية، وحكم القانون أي “المشروعية القانونية”.
واستناداً إلى ذلك يمكن القول أنه لا توجد “انتخابات ديمقراطية” دون التمتّع بالحقوق السياسية وهذه الحقوق تعني: الحق في التعبير، الحق في التظاهر، الحق في التجمع، الحق في التنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والحق في المشاركة، وكذلك لا يمكن قيام انتخابات ديمقراطية في إطار قانون انتخابات غير ديمقراطي أو تعسفي، ولعلّ الكثير من النقد وجه إلى الدستور العراقي والنظام الانتخابي لعدم احترام المعايير والالتزامات الدولية بتنظيم الانتخابات دستورياً وقانونياً، كما هي منصوص عليها في المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة تتعلق بالوعي وعدم ثقة المواطن الفرد بالنظام السياسي ككل، لعزوف نسبة كبيرة ممن يحقّ لهم التصويت، لعدم ممارسة حقوقهم والإدلاء بأصواتهم، والأمر لا يخص العراق وحده، بل يشمل العديد من البلدان العربية والبلدان الفقيرة التي تجري فيها انتخابات بنسبة تصويت منخفضة جداً.
__________
الأصل في هذه المادة دراسة للباحث نشرت في "مجلة الديمقراطية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام "القاهرة" عدد تموز/يوليو 2021.

31
سليم الحص: الضمير والكلمة


"يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه"
سليم الحص

مرّتان قدر لي أن أشارك بهما الاحتفاء بدولة الرئيس سليم الحص، الأولى- حين طلب مني تجمع اللجان والروابط الشعبيّة إلقاء كلمة بمناسبة تكريمه، وذلك في أيار/مايو2012. ومع أنني لم أحضر الاحتفالية إلا أنّني أرسلت كلمة بالمناسبة أرفق نصّها في خاتمة هذه المقالة*.
والثانية، حين قدّر لي أن أشارك في اختيار"المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة" لسليم الحص باعتباره "شخصية حكم القانون والإدارة الرشيدة"، في إطار لجنة ضمّت كلاًّ من د. وسيم حرب، د.عصام سليمان، د. عصام نعمان، د. ساسين عساف، وكاتب هذه السطور، وذلك في العام 2018، وأتشرّف بكوني عضواً في مجلس أمناء المركز.
وقد وضعت هذه اللجنة تقريراً خطياً يستعرض مبادىء ومؤشرات حكم القانون التي تم اعتمادها لقياس أداء الرئيس الحص، ورصد مدى احترامه والتزامه بهذه المبادىء سواء بمواقفه أو قراراته أثناء توليّه المناصب العامة والحكوميّة. وقد بيّن هذا التقرير مدى عمق التزام الرئيس الحص قولاً وفعلاً بمبادئ "حكم القانون".
وكنت قد تابعت باهتمام بالغ مسيرة سليم الحص وهي حافلة بالعديد من المنجزات، خصوصاً حين أصبح رئيساً للوزراء للفترة من 1976 ولغاية العام 2000 حيث رافق كلاّ من رؤساء الجمهورية: إلياس سركيس وأمين الجميّل وإميل لحود، كما شغل وزارات، هي: الصناعة والنفط والإعلام والاقتصاد والتجارة والتربية الوطنية والفنون الجميلة والعمل والخارجية والمغتربين، إضافة إلى انتخابه نائباً عن بيروت لدورتين: في العام 1992 والعام 1996.
وضمن هذا السجل الحافل يُعتبر الحص ابن الدولة وخبيراً معتقّاً بجميع مفاصلها، إضافة إلى عمله في إطار المجتمع المدني بعد تركه العمل في الدولة، حيث شغل عدة مواقع منها رئيس مجلس أمناء المنظمة العربية لمكافحة الفساد التي تأسست في العام 2005 بمبادرة من نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية ودعوة كريمة من د. خيرالدين حسيب ومركز دراسات الوحدة العربية، وكان أمينها العام وما يزال د. عامر خيّاط، ويشرّفني أنني عضو في مجلس أمنائها.
إذا أردنا أن نرسم شكل لبنان العابر للطائفية والمذهبية، فيمكن أن نتخيّل شخصية سليم الحص بما تحمل من نقاء وصفاء سريرة وطيبة، وتلك تمثّل ملامح لبنان الذي نحبّه ونتمنّاه. وتعبّر تلك الصورة عن "ضمير لبنان" الحيّ والنابض بالوطنية والعروبة، ومثل تلك الصفات كانت غالبة على مجمل سلوكه خلال توليّه العديد من المناصب الرفيعة.
وقد عمل الحص على إعلاء شأن الدولة خلال ترؤسه لخمس حكومات لبنانية ضمن ما هو متاح من إمكانات وظروف وتحديات وضغوط، وهو القائل "لدينا الكثير من الحريّة والقليل من الديمقراطية"، لأنه يدرك أن الديمقراطية كأسلوب وإدارة حكم تتطلب قوانين وأنظمة ومؤسسات ديمقراطية وفصلاً للسلطات وقضاء مستقل ورقابة وشفافية، وهذه لن تتحقق إلا بقيام دولة أساسها الحق والمواطنة، ودولة من هذا القبيل تقوم على الحرية التي لا غنى عنها كأساس للمواطنة المتكافئة والحيوية، ومساواة ضرورية في جميع المجالات، لأن المواطنة لا تستقيم دون مساواة، وهذه تتطلّب عدم التمييز القانوني والواقعي أيّ المجتمعي المعلن والمُضمر، وتحتاج إلى عدالة ولاسيّما اجتماعية، وإلاّ ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة، ولكي تكتمل صورة المواطنة، فلا بد من شراكة ومشاركة في اتخاذ القرار، وخصوصاً فيما هو مصيري من الشؤون العامة، وفي توليّ الوظائف العليا دون تمييز، أي شراكة في الوطن الواحد، وبهذه المنظومة يمكن الحديث عن مواطنة وعن توّجه ديمقراطي باحترام حقوق الإنسان، وكان الحص يدرك أن ذلك يتطلّب ثقافة وممارسة في آن، وربما يحتاج إلى تطور طويل الأمد.

فلسطين في القلب

في اليوم التالي لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي العام 2000 توّجه الحص  وكان رئيساً للوزراء، مع أعضاء مجلس الوزراء لعقد جلسة في مدرسة بنت جبيل المُحررة، وكانت تلك خطوة شجاعة وجريئة، وفيها رمزية كبيرة، ناهيك عن تحدٍ وفعل مواجهة ثقافية، علماً بأنه كان في أشد لحظات الحرج حين اجتاحت إسرائيل الجنوب في "عملية الجليل" المعروفة في عام 1978وهو كان في سدة المسؤولية، وهو المعروف عنه وعلى طول تاريخه تأييده للمقاومة ورفضه للمشاريع الاستسلامية، تلك التي تريد "تحييد" لبنان تارة بحجة تجنيبه الصراع في المنطقة، أو كي لا يكون "ساحة مفتوحة" له، أو بزعم عدم "تكافؤ القوى"، وغير ذلك من الكلام الحق الذي يُراد به باطل.
كان رأي الحص أن أس المشاكل في المنطقة هو الاستعمار الاستيطاني حيث تتوّسع "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى القدس التي تعتبر قطب الرحى بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، ولذلك عارض اتفاقيات أوسلو العام 1993 من منطق أنها لم تستجب للمطالب الفلسطينية والعربية في حدها الأدنى، خصوصاً قيام دولة وطنية فلسطينية على حدود الرابع من حزيران /يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية وتأمين حق العودة في إطار حق تقرير المصير.

الطائفيّة

تُعتبر الطائفيّة أحد ألد أعداء الحص، وعلى الرغم من أن النظام الطائفي مكرّس عُرفاً وبصورة أخرى قانوناً ضمن اتفاق الطائف 1989- وهو الاسم الذي تُعرف به "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني"، التي وُضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، وذلك بوساطة سعودية في 30 أيلول/سبتمبر1989 في مدينة الطائف وتم إقرارها بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر1989 مُنهيّاً الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً- إلا أن الحص لم يُسجّل في تاريخه أيّ موقف يحمل في ثناياه بُعداً طائفياً، في جميع مراحل حياته، سواءً حين تولّيه المسؤولية أو حين يكون خارجها، ولعل ذلك ما جعله شخصية جامعة وموّحدة بين مختلف الفرقاء السياسيين.

مذكرات الحص

النزاهة لا تستقيم أحياناً مع الاستقطابات الطائفية والمذهبية، فما بالك إذا كان النظام طائفياً، فثمة محاولات جرت لإزاحة الحص عن المشهد السياسي باسم الطائفة أحياناً. وفي مذكراته الموسومةSalim El Hoss: For Truth And History -2000: Experiences in Governance 1998 "للحقيقة والتاريخ- تجارب الحكم ما بين 1998 و2000"، يتناول المحاولات التي تعرّض لها لاغتياله سياسياً بقوله "لقد حاولوا اغتيالي لإزالتي من ذاكرة البلد، ولكن خدمتي لوطني هي أغلى ما أملك وأترك لأحفادي. ولستُ نادماً على شيء، ولم أعمل لنفسي، ويداي لم تتسخا وضميري مرتاح".
أما الجهات التي حاولت إزاحته فهي جماعات لبنانية مختلفة، بعضها جرّاء مواقفه العروبية الرافضة للحلول الاستسلامية حيث كان موقفه داعما للمقاومة دائماً. والبعض الآخر المتورط بالفساد، ناهيك عن منافسات حول التمثيل السياسي لبيروت دون أن ننسى دور الأجهزة الأمنية السورية التي كانت متحكمة بالقرار اللبناني كما هو معروف.
وعلى الرغم من توافقه مع الرئيس إميل لحود إلا أن مذكرات الرئيس الحص تبيّن اختلافهما حول العديد من الأمور. وبسبب استقلاليته وتقديمه المصلحة اللبنانية على ما سواها تعرّض مرة أخرى لعملية اغتيال راح ضحيتها مرافقون له، كما تعرّض إلى تهديدات مباشرة وغير مباشرة من جهات مقرّبة من الأجهزة الأمنيّة السورّية.
وأخبرني الصديق الدكتور وسيم حرب أنه وفريقاً معه التقطوا الإشارة التي صدرت عن الرئيس الحص، وهي أقرب إلى شيفرة لا طائفية فقرروا العمل معه وإلى جانبه بحماسة واندفاعة كبيرتين، إلا أن الظروف لم تكن لتسمح بتطوير حالة عابرة للطائفية وتقاسم الوظائف، وهو ما أكدّه الدكتور عصام نعمان الذي عمل وزيراً في حكومة الحص وهو أحد المقربين الأساسيين منه. وكان الحص على رغبته في إنجاز عملية التغيير بالتدرج، إلا أنه كان يدرك المخاطر الجمّة التي تحيط به وبفريقه. ولذلك كان شديد الحرص والمسؤولية على فريقه الذي كان يحاول تنبيههم خشية حصول المحذور.
وعلى الرغم من تقدير الحص لمواقف سوريا، إلا أنه يشير إلى اختلافاته معها، وهو ما يذكره في الفصل الخاص الموسوم "بين سوريا وبيني"، ولعل ذلك كان مصدر احترام من جانب الرئيس حافظ الأسد الذي كان يقدّر نزاهة الحص ووطنيته وعروبته.
وعن آخر معركة انتخابية خاضها حتى وإن لم يكن مضطرا كما يقول، لكنه أراد طرح برنامج لمعالجة المشكلات الداخلية فضلاً عن مواجهة الهجمات الإسرائيلية التي سبقت الانسحاب في العام 2000.

زيارات ومشاركات

أذكر أنني زرته ثلاث مرات في منزله المتواضع ببيروت: مرة مع مجموعة شخصيات عربية كانت تشارك في مؤتمر ببيروت، وثانية برفقة الدكتور خيرالدين حسيب، وثالثة مع وفد من المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة برفقة الدكتور وسيم حرب.
كما شاركتُ معه في عدد من المؤتمرات داخل لبنان وخارجه، منها مؤتمر في الشارقة (الإمارات)، وأخرى في الدوحة (قطر)، وكنتُ في كل مرة أعجب بكلامه وإتزانه وحكمته وعمق تجربته فضلاً عن تواضعه وهدوئه. وكنت أنظر إليه من زاويتين: الأولى: كونه أستاذا للاقتصاد في الجامعة الأميركية ببيروت وظّف علمه لخدمة بلده. والثانية: كسياسيّ مستقل تمتّع بكفاءات إدارية نادرة ملّحها بظرافة شخصية استخدمها كوسيلة لتلطيف الأجواء في المواقف الصعبة. وهو ما يرويه الدكتور عصام نعمان عن خفّة دمه وسرعة بديهته.

الزهد "رئيساً"

اليوم، يعيش الرئيس الحص في منزله المتواضع في حيّ عائشة بكّار ببيروت، بعيداً عن الاستعراضات التي يقوم بها بعض السياسيين في لبنان، لجهة الحمايات والحراسات وقطع للطرقات. وعلى الرغم من ظروفه الصحية الصعبة ظل يستقبل أصدقاءه بين الفينة والأخرى، وقلبه على بيروت الجريحة التي أراد لها البعض تبديل ثوبها.
لم يعمد الحص إلى تأسيس حزب تابع له، ليستفد منه بعد خروجه من السلطة، ولم يفعل ذلك وهو في قمة السلطة أيضاً، فبقيّ زاهداً ومترفعاً وراقيّاً في تعامله، كما ظل حريصاً مثلما هو معروف على كونه ابن الدولة الحقيقي وخادمها الفعليّ، دون التفكير بأي امتياز خارج حكم القانون، فقد آثر أن يخدم لبنان بعيداً عن الحزبوية والتحزّب، ويكاد يكون من رجالات الدولة القلائل الذين عملوا حقيقة وواقعاً لإصلاح ما يمكن إصلاحه في بلد نظامه قائم على التجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية.

* سليم أحمد الحص (20 كانون الأول /ديسمبر 1929)، وتزوج من ليلى فرعون (توفيت عام 1990) ولهما ابنة وحيدة: وداد.

من مؤلفاته:
The Development of Lebanon's Financial Market (بيروت، 1974)
نافذة على المستقبل (بيروت، 1981)
لبنان على المفترق(بيروت، 1983)
نقاط على الحروف (بيروت، 1987)
حرب الضحايا على الضحايا (بيروت، 1988)
على طريق الجمهورية الجديدة (بيروت، 1991)
عهد القرار والهوى (بيروت، 1991)
زمن الأمل والخيبة (بيروت، 1992)
ذكريات وعِبَر(بيروت، 1994)
للحقيقة والتاريخ (بيروت، 2000)
محطات وطنية وقومية (بيروت، 2002)
نحن والطائفية (بيروت، 2003)
عصارة العمر (بيروت، 2004)
صوتٌ بِلا صدى(بيروت، 2004)
تعالوا إلى كلمة سواء (بيروت، 2005)
سلاح الموقف (بيروت، 2006)
في زمن الشدائد لبنانياً وعربياً (بيروت، 2007)
ما قل ودلّ (بيروت، 2008)
***
* كلمة تحية بمناسبة تكريم الدكتور سليم الحص
السيدات والسادة تجمّع اللجان والروابط الشعبية – مكتب المؤسسات الاجتماعية
أيها الحفل الكريم،
تحية حارة ومن خلالكم أحيّ الشخصية الوطنية العروبية الكبيرة الدكتور سليم الحص وأتمنى لاحتفالكم المهيب النجاح والتوفيق، وللدكتور الحص الصحة والسعادة، ولأمتنا العربية العزّ والسؤدد.
إن مبادرتكم بتكريم الدكتور الحص تستحق التقدير، ففي تكريمه تكريماً لمعاني الوطنية الحقة والعروبة الصادقة والإنسانية المخلصة، فقد أفنى الرجل حياته مكافحاً ومنافحاً عن حقوق العرب، ليس في لبنان فحسب، بل في جميع البلدان العربية، وخصوصاً دفاعه الذي لا يلين عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، تلك الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرّف أو التنازل تحت أي مبرر كان.
ولهذا فإن مبادرتكم هي مبادرة كريمة للمُثل والقيم التي ناضل من أجلها طويلاً الدكتور الحص، وإذْ أحييكم على هذا الاختيار، فإنما أعتبر هذه المبادرة تمثلنا جميعاً، وهي باسم كل من آمن بطريق الأمة العربية ومشروعها النهضوي الحضاري في الحرية والكرامة والاستقلال والتحرر وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري. ولعل هذه هي الأهداف العامة للربيع العربي، حيث عانت بلداننا وأمتنا طويلاً من الهيمنة الأجنبية ومشاريعها الإمبريالية – الصهيونية، ومن الاستبداد والديكتاتوريات والقمع المعتّق، وآن الآوان لتعزيز مساهمتها ودورها، في اللحاق بركب العالم المتمدّن، وفي ظل القيم المشتركة للإنسانية!
لعلها خسارة لي في عدم حضور هذه الفرصة التاريخية والاستماع إلى كلمات وشهادات لمفكرين وقادة رأي وسياسيين مرموقين بحق الدكتور الحص، وعذري أنني كنت مرتبطاً في وقت سابق بمواعيد خارج لبنان، لهذا أقدّم اعتذاري، ولكم منّي خالص المودّة والاحترام وللدكتور الحص الصحة والسعادة.
ومعاً مع الدكتور الحص على طريق الحق والعدل والقيم الوطنية والإنسانية، تلك التي عمل وضحّى من أجلها، فكراً وكتابة وممارسة وخلقاً رفيعاً، سواءً كان في مسؤولياته الرسمية، أو في مهماته الشعبية، وتسنّى لي مثل الكثيرين من الذين يحضرون احتفالكم، التعرّف عليه منذ سنوات، فوجدت فيه التواضع الجمّ والإخلاص المنقطع النظير والنزاهة والاستقامة اللتان لا حدود لهما وعفّة اللسان والنبل، فضلاً عن مخزونه المعرفي الوفير ومساهماته الاقتصادية والحقوقية الرصينة، التي أغنى بها المكتبة العربية، وصدق من أطلق على الرئيس سليم الحص "ضمير لبنان".
تحية لدولة الرئيس الحص وتحية لاحتفالكم، وشكراً لمنحي فرصة مخاطبتكم،
أصافحكم بحرارة
د. عبد الحسين شعبان
أيار/2012




32
الإعدام معنًى ومبنًى

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   
   أدركُ صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الإشكالي، بسبب الاصطفافات المسبقة والقيود والتفسيرات الدينية والعقائدية، لكنه لاعتبارات إنسانية وقانونية وأكاديمية لا بدّ من فتح حوار هادئ وعقلاني حول الموضوع ، إذْ لا ينبغي إهماله أو السكوت عنه، طالما يمثّل وجهة نظر موجودة ولها مبرّراتها .
   وإذا كان القاتل يستحق العقاب وهو أمرٌ مفروغ منه، فهل القبول بالقتل هو " العقوبة العادلة"؟ والقتل بغض النظر عن الأسباب يتناقض مع مبدأ " حق الحياة" المحور الأساسي في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما وهبه الله للبشر، فكيف يمكن سلبه، فهل قتل القاتل يحقّق العدالة؟ وهل جريمة " القتل اللّاقانوني" يقابلها "القتل القانوني"، وهل يوصل ذلك إلى العدالة؟
   وحسب وليد صليبي المفكّر اللّاعنفي ومؤسس جامعة اللّاعنف "جريمتان لا تولّدان عدالة" وعلى غرار ذلك سبق أن كتبتُ "رذيلتان لا تنجبان فضيلة" و"حربان لا تنتجان سلاماً" و"عنف مقابل عنف، لا يحقّق أمناً". وعلينا البحث عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية والعنصرية للجرائم، فضلاً عن منظومة التربية والتعليم والقيم المتوارثة بما فيها من اشتباكات عشائرية وقبلية.   إن إنزال عقوبة الإعدام لن تعيد الحياة للمقتول، إذْ لا يمكن ردّ القتل بالقتل، ولعلّ مثل هذا الأمر سيترك تأثيراً اجتماعياً خطيراً بأبعاده الثأرية والانتقامية، فضلاً عن إشاعة أجواء من الحقد والكراهية، ليس بين المتخاصمين وعوائلهم فحسب، بل في إطاره الاجتماعي الأوسع وامتداداته وترابطاته المختلفة.
   وإذا كان حكم الإعدام ليس من السهولة النطق به بشكل عام، وخطيراً إلى درجة كبيرة، فما بالك إذا وقع خطأ في الحكم، فكيف يمكن تصحيحه بعد أن يتم تنفيذه، خصوصاً وإن القضاء، أي قضاء حتى وإن كان نزيهاً ومحايداً ومستقلاً عرضةً للأخطاء التي يذهب ضحيتها الأبرياء. وعلى الرغم من قلّة عدد المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام في عالمنا العربي والإسلامي، إلّا أن ثمّة توجّهات أخذت تتسع تأثراً بالحركة الحقوقية العالمية، المطالبة باستبدال عقوبة الإعدام، حفاظاً على الحق بالحياة والتمييز بين العدالة والانتقام.
   الإعدام قتل عن سابق إصرار وتصميم وهو وضع حد لحياة إنسان بموجب حكم قضائي، ولذلك توجّهت 142 دولة من دول العالم البالغ عددها 193 لإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها، وكانت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة قد أصدرت قراراً برقم 2857 في العام 1977 خاطبت فيه العالم بضرورة تقليل عدد الجرائم التي تفترض اتخاذ عقوبة الإعدام، وأصدرت بعد ثلاثة عقود من الزمان (2007) قراراً يقضي بتعليق عقوبة الإعدام مع متابعة العمل لإلغائها. ويُعتبر الاتحاد الأوروبي منظمة خالية من عقوبة الإعدام Death Penalty Free  بموجب ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد، الذي نصّ على "رفض قبول أي عضو (دولة جديدة) في عضوية الاتحاد، إذا كان الإعدام ضمن نظامه القضائي".
   وإذا كان سجل البلدان العربية والإسلامية حافلاً بإصدار عقوبة الإعدام وتنفيذها، فإن الصراع ما يزال قائماً ومحتدماً  بين دعاة وقف وإلغاء عقوبة الإعدام وبين دعاة التمسك بها، وهو صراع بين تيار ديني محافظ في الغالب وتيار حقوقي ومدني، وإن كان داخله من يبرّر تنفيذ عقوبة الإعدام باعتبارها إجراءً ثورياً رادعاً، وغالباً ما سلكت الأنظمة التي أطلقنا عليها التحررية أو الاشتراكية طريق تنفيذ عقوبة الإعدام على نحو أكثر اتساعاً وبخفّة غير معقولة، راح ضحيتها المئات، بل الآلاف من المعارضين حتى وإن كانوا بالأمس من أركان النظام وأعمدته الأساسية.
   الإعدام عنف. حتى وإن كان وسيلة للعقوبة، وهذا العنف قتلٌ. فهل القتل الثاني هو التعويض عن القتل الأول أم أن الهدف هو العدل والحق وتعويض الضحايا أو عوائلهم وردع الجريمة؟ تلك هي الفلسفة وراء المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام. فهل الموت يمكن أن يكون قصاصاً للموت؟ أي الموت ضد الموت، ومسألة مثل تلك تحتاج إلى تفكير عميق فالوسيلة جزء من الغاية، وحسب المهاتما غاندي، إنها مثل البذرة إلى الشجرة، ولا وسيلة للقتل بحجة عدالة الغاية، وإذا كانت الغاية بعيدة، فالوسيلة ملموسة وآنية، تلك التي لا ينبغي أن تتعارض مع الغاية.
   إن إلغاء عقوبة الإعدام يحتاج إلى وقتٍ طويل. لكن اتخاذ قرار بوقف تنفيذها، هو ما أقدمت عليه عدد من البلدان العربية، مثل المغرب والجزائر وموريتانيا ولبنان وغيرها، وتبقى الحاجة إلى إعادة النظر بالنظام التربوي والتعليمي لنشر ثقافة اللّاعنف كفيل برفع وتعزيز الوعي بالقانون وبالثقافة الحقوقية، انطلاقاً من القيم الإنسانية. فالضمير بهذا المعنى هو "القانون الأسمى" حسب ديفيد ثورو، ولهذا لا بدّ أن يكون يقظاً، وهو ما يمكن أن يولد قناعة فردية ومجتمعية، علماً بأن الإيمان بالدين يساوي عمل الخير بأبعاده الأخلاقية، لا لتبرير القتل، فالأديان هي للسلام وليست للعنف أو للانتقام.
   وكما جاء في كلام كونفوشيوس "نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر" .


33


 



عبد الحسين شعبان:
التصدّع بالهوّية العراقية الموّحدة ما زال سارياً

گولان میدیا July 11, 2021 مقابلات خاصة
 
*الهوّية الموّحدة لا تلغي الهوّيات الفرعيّة
* مستقبل الدولة العراقية مرهون بالمواطنة والتكافؤ
* جريمتان لا تنتجان عدالة وعنفان لا ينجبان سلاماً
مقتطف: في إطلالة جديدة للباحث والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عبر (كولان) يطرح كعادته من خلالها العديد من الأفكار الجديدة التي تشغل المواطن العراقي، إضافة إلى النخب الفكرية والثقافية والحقوقية، وهي أفكار تتسّم بروح الشعور بالمسؤولية والجرأة والنقد. وتسلط الضوء على العديد من المشكلات الحقوقية والسياسية فيما يتعلق بالدستور وألغامه وتفسيراته وتأويلاته والانتخابات المقبلة ومآلاتها وسيناريوهاتها المحتملة، كما يتناول موضوع الفيدرالية وآفاقها، ويدعو إلى تعزيزها وترسيخها بمزيد من الفهم المشترك والحوار والثقافة الفيدرالية، وإرادة سياسية موحدة.
إنه حوار يفتح آفاقاً جديدة من خلال إجابات غير تقليدية راهنة ومستقبلية، مُجدّداً موقفه التاريخي من دعم الشعب الكردي وإيمانه بالإخوّة العربية -الكردية، وبالمشترك الإنساني.
وقد إلتقته مجلة (كولان)على هامش زيارته لإربيل وخلال محاضرته في "معهد البحوث والتنمية" التي كانت بعنوان "جيوبوليتك الشرق الأوسط واللحظة العراقية الراهنة".
أجرى الحوار: فرهاد محمد (إربيل( رئيس التحرير
* نشرتَ في الآونة الأخيرة كتابا بعنوان "الهوية والمواطنة- البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة"، وقد أثار اهتماما كبيراً، وطبع مرتين خلال فترة قصيرة، كيف يمكن أن تسلّط الضوء على الأزمتين الرئيستين اللتين يعاني منهما العراق، ونقصد أزمة الهوّية العراقيّة وأزمة المواطنة؟ وهل من الممكن أن نجد حلاً لهاتين الأزمتين في المستقبل المنظور أم أنهما مستمرتان لحين وصول العراق إلى حالة من الفوضى العارمة التي يغرق فيها؟
 -تصدّعت الهوّية الجامعة بفعل عوامل عديدة تراكمت مع مرور الزمن، خصوصاً أنها شهدت نمطاً من العسف والاستبداد وعدم الاعتراف بالهوّيات الفرعيّة، ناهيك عن محاولات التسيّد وفرض الاستتباع، الأمر الذي ولّد ردود فعل شديدة للتفلت من الهيمنة والتهميش من جهة، ومحاولة الانبعاث والتمسك بالخصوصية إلى درجة الانعزال أحياناً من جهة ثانية. وفي كلتا الحالتين- والمقصود الهيمنة أو ضيق الأفق والإغلاق- كانا قد أضعفا الشعور بالانتماء المشترك إلى هوّية موّحدة ومواطنة فاعلة ومتكافئة.
والهوّية تقوم بالأساس على الثقافة واللغة والتاريخ المشترك وأحيانا الجغرافيا، أيّ العيش في مكان جامع، فإذا كان ذلك ما يجمع عرب العراق، فإنه هو ذاته ما يجمع كرد العراق أيضاً، الأمر الذي يقتضي المساواة في إطار العيش معاً وفي ظل مواطنة موّحدة، مع احترام الخصوصيات الإثنية واللغوية والسلالية والدينية وغيرها وكل ما يتعلق بخصائص المجموعات الثقافية وهوّياتها وتراثها وعاداتها وتقاليدها وآدابها وفنونها، ناهيك عن حقوقها المشروعة والعادلة.
إن التصدّع الذي أصاب الهوّية الموّحدة في ظل نظام الاستبداد والتمييز ألحق أضراراً خاصة بالهوّيات الفرعيّة، لا سيّما محاولات تهميشها أو الانتقاص منها بزعم أنها "أقليات" وقد إنعكس ذلك كرد فعل سلبي وغير عقلاني على العملية السياسيّة التي قامت بعد الإحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، والتي تمثّلت بتأسيس مجلس الحكم الإنتقالي الذي تكوّن من 25 عضواً، جرى تقسيمهم وفقاً لنظام محصصاتي طائفي إثنيّ حيث، مُنح فيه الأغلبية للشيعة (13 عضواً)، والمقصود الشيعية السياسية، و(5) للسنيّة السياسية، و(5) للكرد، و(1) للتركمان، و()1 للكلدوآشوريين. وجرى الأمر على هذا المنوال في إطار نظام أقيم على والزبائنية السياسية والمغانم الطائفية والإثنية.
وإنتهج الدستور الدائم الذي تم الإستفتاء عليه في إطار جدول أمريكي(15 تشرين الأول/أكتوبر 2005) ذات المنهج، وأجريت أول انتخابات على أساسه في (15 كانون الأول /ديسمبر) من العام نفسه، وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد حدّد فترة انجازه إلى (15 آب /أغسطس من العام 2005) قبل هذا التاريخ، أقول إقتفى هذا الدستور ذات التوجه التقسيميّ باعتماده على مبدأ المكوّنات الذي جاء كصيغة تقسيميّة طبعت الدستور وحيثياته، إذ ورد مصطلح المكوّنات في المقدمة (مرتان) والمواد 9 و12 و49 و125 و142. وليس ذلك سوى إعلان صريح وواضح عن صيغة محاصصة طائفية- إثنية بإطار قانونيّ، بحيث أصبح التشبث بالمكاسب الطائفية والإثنية والحزبية أمراً مقبولاً وعرفاً سائداً ومكرّساً بدستور، وذلك على حساب الهوّية العراقيّة الموّحدة. ناهيك عن الهويات الفرعيّة التي أخذت هي الأخرى تضيق على نفسها بسبب منافسات وإنقسامات حزبوية غير مشروعة في الكثير من الأحيان، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على عناصر المواطنة المتصدّعة أصلاً.
فالمواطنة تقوم على مبادىء الحريّة، ولا مواطنة حقيقيّة وفاعلة وحيوية دون حرّيات، والحرّيات ليست فوضى، بل احترام حقوق الآخر على قدَم المساواة وعدم التجاوز عليها بزعم الأغلبية أو الأفضليّة أو ادعاء امتلاك الحقيقة أو غير ذلك. كما تقوم المواطنة على مبدأ المساواة وستكون ناقصة وغير كاملة دون مساواة تامة وشاملة وقانونيّة وفي المجالات المختلفة. ولا مواطنة سليمة وفاعلة دون مساواة. كما أن التمييز وعدم المساواة يشوّه المواطنة ويعرّضها للتصدّع. والمواطنة تستوجب العدالة، ولاسيّما العدالة الاجتماعية، وستكون المواطنة ناقصة ومبتورة بغياب العدالة، علما أن المواطنة لا تستوي مع الفقر. وتفترض المواطنة عاملاً مهمّاً وأساسيّاً وهو الشراكة والمشاركة، والمقصود بالشراكة الوطن الواحد وعلى قدم المساواة والعدل والحرية، أما المشاركة فهي تعني الحق في توليّ الوظائف العليا دون تمييز بسبب اللون أو القوميّة أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسيّ أو الخيار الفكري.
الخطوة الأولى لاستعادة الهوّية العراقيّة الموحدة والجامعة والمتسامحة والعادلة والمستقرة، تبدأ بإقرار صيغة قانونيّة لـ"المواطنة المتساوية" والمتكافئة، وذلك بإجراء تعديل شامل للدستور، واستبعاد صيغة التقاسم الطائفي - الإثنيّ التي اختبأت وراء مصطلح المكوّنات، والتي لا تعني سوى المُحاصصة التي كانت أحد أسباب فشل العملية السياسية. ولعل اقرار مبادىء المواطنة في دولة تعتمد قواعد الحق وحكم القانون دون أيّ تمييز ولأي سبب كان، سيكون أحد عوامل استعادة الهويّة العراقيّة الموّحدة في مجتمع متعدد الثقافات.
أرى من الصعوبة بمكان حاليّاً الوصول إلى صيغة مماثلة، كالتي نتحدّث عنها، في المدى المنظور، لعدم توّفر إرادة سياسية موّحدة، ولأن هناك قوى ومجموعات طائفية وإثنية مستفيدة من الصيغة الحاليّة، وعكسها ستخسر الكثير من مصادر نفوذها وقوّتها، ولذلك ستحاول التمّسك بصيغة المحاصصة وعرقلة أيّ جهد لإستعادة الدولة لأحد مصادر قوّتها الأساسيّة حتى لو ادعت أنها ضد نظام التقاسم الطائفي والإثني، إلا أنها تعمل ليل نهار على الإبقاء عليه. وأود هنا أن أشير إلى أن بعض مواد الدستور جامدة ويصعب تغييرها دون توافق سياسيّ مُسبق. وهذا كما أشرت صعب إن لم يكن مستحيلاً دون تغييرات جذرية وجوهرية تشمل إعادة النظر بمجمل النظام السياسيّ.
*في البداية إذا نحن نتحدّث عن "رجل دولة" في العراق يكون قادراً على اتخاذ القرار... هل توجد برأيك صفة "رجل دولة" ضمن إطار السياسيين العراقيين داخل العملية السياسية؟ وهل يفتقد العراق كبلد لمثل هذه المواهب مثل الدول الأخرى، وهو بلد الحضارات؟
ـ كمراقب ومتابع للوضع السياسيّ في العراق، يصعب عليّ أن أتحدث عن "رجل دولة" أو "نساء دولة" في إطار ما نعرفه من مبادئ علم الإدارة الحديث، خصوصاً لمن يتولى المسؤوليّة لاسيّما السياسية في العراق. والذين إستلموا مقاليد الأمور بعد الإحتلال وبمساعدته لم يعملوا بمجملهم سابقاً في الدولة، ولم يتعرّفوا على دواوينها ونُظمها وطرائق عملها، ولم يتعلّموا خلال ذلك فترة وجودهم في السلطة، بل انغمسوا في الصراعات، ناهيك عن المنافسات والمناكفات والحصول على الإمتيازات والمغانم، ولم تكشف لنا تجربة الـ18عاماً عن شخصيات وازنة يمكن الإشارة إليها في هذا المجال، والأمر يعود بحسب وجهة نظريّ إلى عدد من الأسباب:
أولها، إن التشكيلة التي وصلت إلى سدة الحكم كانت بفعل عامل خارجيّ، والمقصود بذلك الإحتلال، لاعتبارات خاصة به وباستراتيجيته، ولم تعتمد على الخبرة والتجربة والكفاءة، بل على الولاء وربما على التبعية في الكثير من الأحيان.
وثانيها، أن المجموعة التي حكمت العراق خلال الفترة الماضية، لم يكن لها رؤية واضحة عن كيفية بناء الدولة، وعكست المناقشات التي أوردها استطلاع "منتدى بحر العلوم" و"معهد العلمين" بشأن "أزمة العراق سيادياً"  بعد مرور هذه الفترة الطويلة، عن فقر الخلفيّة الفكريّة والتعويليّة على الخارج، ولاسيّما بعد سنوات من توليّ 5 رؤساء وزراء، و5 رؤساء برلمان. ويمكننا القول إن الأطروحات التي قدّمها القادة السياسيون الذين أداروا البلد عكست منهجاً قاصراً وفهماً محدوداً لمسألة السيادة داخلياً وخارجياً. وبكل المعايير لم يترّشح مفهوم البناء والتنمية المستدامة خلال فترة توليهم المسؤولية، بل غرقت البلاد بالفساد الماليّ والإداريّ والغنائميّة والامتيازات على حساب تدهور الوضع المعاشي والصحيّ (خصوصاً في ظل جائحة كورونا) والتعليمي والخدمي، فعلى الرغم من نحو بليون دولار (ألف مليار دولار أمريكي) كانت واردات العراق من النفط إلا أنها تبددت وهُدرت دون أن يعود مردودها على المواطن، بل إن نسبة الفقر حسب إحصاءات الأمم المتحدة قاربت من ربع سكان البلاد وظل العراق يعاني من شح الماء الصافي في الكثير من المناطق، إضافة إلى النقص الفادح بالكهرباء.
وثالثها، إن الإجراءات التي أقدمت عليها سلطة الإحتلال، ولاسيّما في حلّ الجيش وقانون الاجتثاث، خلقت فوضى عارمة، حيث أخذت مجاميع ما دون الدولة تصبح ما فوقها بفعل ذلك، مثل المرجعيات الدينية والعشائرية والجهوّية والحزبيّة وغيرها، والأمر صار عرفاً يكاد يكون سائداً، فلا تتشكل حكومة دون قول فصل لبعض الشخصيات الدينية المؤثرة في النجف، مثلما لها القول المسموع في بقاء الحكومة أو زوالها حتى وإن قامت بانتهاكات خطيرة وجسيمة، في حين أن الدولة الحديثة والمعاصرة والتجارب الديمقراطية، حتى في جنينيتها تفترض إعلاء شأن الدولة لكونها فوق جميع المرجعيات والتي من واجبها احترامها ورعايتها ودعمها، وذلك طبقاً للقانون واعتماداً على حكمه في ظل قضاء يتمتع بالكلمة العليا في الفصل بالمنازعات التي تنشأ.
وحتى لو كان بلدنا في بداية الطريق وعانى سنوات طويلة من الاستبداد والديكتاتورية، إلا أن المؤشرات المنظورة لا تشي بأن ثمة خطوات على هذا الطريق، وحتى لو أُعلنت بعض التوجهات الصحيحة، إلا أن الاعتبارات السياسيّة والحسابات الضيقة تحول دون ذلك، وسرعان ما تصاب بالتلكوء، إن لم يكن المراوحة والعجز.
لبناء مختبر ومطبخ وعقل الدولة من رجال ونساء، سواءً في المواقع الأولى أو ما تحتها من مستشارين ومدراء وأصحاب قرار وخبرة وكفاءة يفترض تعزيز قيم الدولة، من خلال وجود مؤسسات، تعتمد الكفاءة خارج الدوائر الضيقة كالمحسوبية والمنسوبية والأتباع والمُوالين أولاً. ثانياً، الاحتكام إلى القانون الذي يُعد المرجع الأساس والخلفيّة التي لا غنى عنها لتسيير أمور الدولة، عبر موظفين أكفّاء يملكون قدرة استنباط الأحكام وتكييفها ضمن المشهد العام بما يحقق العدل والإنصاف مع الحرص على حقوق الجميع دون تمييز.
ثالثاً، استقرار الأوضاع، فكيف لصاحب القرار أن يتخذ قراراته وهو تحت تهديد السلاح أحياناً، إذ أن انتشار السلاح خارج القانون ووجود مجموعات مسلحة يُعيق إتخاذ القرارات الصحيحة، الأمر الذي يفرض إخضاع حق امتلاك السلاح واستخدامه للدولة ومؤسساتها النظاميّة حصراً، وإلا فإنّه لا يستطيع أن يقوم بمهماته على أكمل وجه.
رابعاً، لا يمكن اتخاذ القرارات بحرّية ودون ضغوط في ظل نظام المحاصصة الطائفية- والإثنية لأن الأساس في صيغة من هذا القبيل هي دون الدولة، وتعني فيما تعنيه تقديم الولاء على حساب الكفاءة، وهذا الأخير سيجلب الموالين أيضاً، وسيقف عائقاً أمام نشوء كفاءات ورجال دولة أو نساء دولة طالما يقدّم الولاء على الكفاءة. أي أنه يستبعد الموظفة أو الموظف الكفء والمخلص للدولة والوطن، مقدماً عليهما الانتماء الطائفي أو والإثني أو العشائري أو الحزبي أو الجهوي أو غير ذلك من الانتماءات الضيقة.
أختم الجواب على سؤالك المهم بالقول يمكن لبلدنا وهو غنيّ بالكفاءات وصاحب حضارات عريقة نشأت على أرضه، أن يُحقق تنمية مستدامة عبر اعتماد حكم القانون في ظل مؤسسات ومواطنة سليمة ومواصفات للموظف العموميّ ولاسيّما للخبراء والمستشارين أساسها الوطنية الكفاءة، بعيداً عن الدوائر الضيقة التي تحمل فيروسات التعصب، وهذا الأخير إذا ما استفحل يصير تطرّفاً، والتطرّف إذا تحول إلى سلوك ينتهي إلى العنف، والعنف إذا ضرب عشوائيّاً يصبح إرهاباً، وإذا ما تخطى الحدود واستهدف خلق رعب وفزع وهلع وإضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المجتمع والفرد بالدولة يصبح إرهاباً دوليّاً.
*حاليّاً يتحدّث بعض المراقبين والسياسيين عن حالة الدولة واللاّدولة، والأمر له علاقة بإشكالية الهوّية العراقية كدولة، ماذا تقول من جانبك كمثقف ومفكر بذلك؟ وكيف تنظر إلى هذه الحالة في العراق؟ وما هو مستقبل العمليّة السياسيّة؟
- ما تزال الدولة تترنح منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 ولم تستقر أو تتخذ اتجاها نحو الاستقرار، لأسباب خارجيّة وأخرى داخليّة، فالسيادة ظلت معوّمة ومجروحة منذ غزو قوات النظام السابق للكويت في العام 1990 وصدور قرارات دوليّة تفرض عقوبات بحق العراق، ولم يتم استعادة السيادة كاملة حتى بعد زوال الأسباب.
السيادة تعنيّ بسط الدولة سلطانها على جميع أراضيها ومواطنيها، أيّ أن تكون سلطتها على كامل ترابها الوطنيّ، فالأرض أحد عناصر السيادة، والحكومة هي العنصر الثاني، أيّ وجود سلطة تتمتع بقدرتها على فرض قوانينها وأنظمتها على مواطنيها، أما الشعب فهو العنصر الثالث، وهذا يعني وجود حكومة مؤهّلة وقادرة على فرض قوانينها وسلطتها على جميع مواطنيها. والحكومة إذا حظيت بثقة الناس وقدّمت منجزاً، فإنها ستتمتع بالشرعية السياسية، وإذا طّبقت حكم القانون فإنها ستحظى بالمشروعية القانونية.
ومثل هذا الأمر يغيب عن بلدنا لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، فقد عاش العراق ظروف احتلال عسكري حتى نهاية العام2011، وإن بقيت تأثيراته تعاقدياً أو تعاهدياً بإتفاقية الإطار الإستراتيجي. وعاد الأمر إلى طاولة النقاش والجدل المحتدمين إثر استقدام قوات أمريكية وأخرى تابعة للتحالف الدولي بعيد احتلال "داعش" للموصل في العام 2014 وتمدده إلى نحو ثلث الأراضي العراقية، وبعد طرده في نهاية العام 2017 بدأت بعض القوى تتحدث تلميحاً أو تصريحاً بضرورة خروج القوات الأمريكية من العراق.
وقد اتخذ البرلمان العراقي قراراً بذلك في مطلع العام 2020 إثر مقتل قاسم سليماني قائد قوات القدس وأبو مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي، على الرغم من استمرار الاختلاف في الموقف إزاء ذلك عراقيّاً، فممثلي التحالف الكردستاني لم يحضروا جلسة التصويت، وكذلك من يسمون أنفسهم ممثلين عن السنّة.
ليس هذا فحسب، بل إن النفوذ الإيراني تغلغل في العراق بشكل كبير، وأصبح منذ العام 2003 مؤثراً في القرار العراقي، ولا سيّما بعد العام 2005، وذلك حين استعرت الفتنة الطائفيّة، بعد تفجير مرقديّ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء العام 2006، حيث أخذت تتشكل مجموعات مسلّحة مدعومة من إيران إلى درجة أصبحت قوة توازي قوة الدولة وتتغوّل عليها أحيانا.
وعلى الرغم من انضوائها بعد تأسيس الحشد الشعبي تحت قيادة القوات المسلّحة إثر احتلال الموصل، إلا أن ثمة استعراض للقوة وممارسة لها خارج نطاق الدولة والقانون، تقوم بها القوى المسلحة والميليشيات بما فيها قصف السفارات ومواقع القوات الأمريكية والدوليّة العسكرية، وهو ما أثار ويثير لغطاً كبيراً حول مستقبل الدولة العراقية، في ظل انتشار السلاح ووجود التشكيلات المسلحة، والتي يطلق عليها البعض "الميليشيات الولائيّة".
*لنأخذ فرضية تطبيق الدستور العراقي، الذي لم يُطبّق حتى الآن ولا تلوح في المستقبل القريب إمكانية تطبيقه، فهل نحن أمام حالة تشاؤم بأن الدولة تتجه لتتحول إلى جمهورية إسلامية على غرار إيران مثلاً؟ وماذا عن النسيج الفسيفسائي للمجتمع العراقي؟
- هناك فرق بين التشاؤم واليأس، وإذا كان كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، إلاّ أن الأمر لا يدعو لليأس، طالما تستمر إرادة التغيير والمقاومة، ولكن هذه تحتاج إلى حشد قوى وجهود وتعبئة وتنظيم طاقات، مثلما تحتاج إلى إرادة سياسية ووعيّ مجتمعيّ مناقض ومناهض لوحدانيّة الخيار الضيق باسم الدين أو الطائفة أو القومية أو غير ذلك..
بتقديري المتواضع، إن الدستور هو أس المشاكل، فما بالك حين لا يُطبق، سنكون حينها أمام فوضى واتفاقات هشّة وتوافقات ظرفيّة سرعان ما يتم الانقلاب عليها، خصوصاً بفعل التدخلات الخارجية وولاءات بعض القوى أو تأثرّها أو تعويلها على العامل الخارجي في التغيير.
العراق ليس إيران، وتاريخ الحركة الوطنية في العراق يختلف عنه في إيران، والنسيج العراقي المجتمعي مختلف أيضاً، ودور القوى الدينية كذلك، ناهيك عن العامل الطائفي. فعلى الرغم من أن الشيعية السياسية حكمت العراق نحو 16 عاماً، أيّ منذ العام 2005 ولحد الآن وشاركت بدور متميز منذ الاحتلال عام 2003، إلا أنها ازدادت عزلة حتى عن الوسط الذي تدعيّ تمثيله، وإلا بماذا تفسر انتفاضة تشرين/إكتوبر2019، والتي ما تزال مستمرة وإلى اليوم؟ وإن خفت بريقها، لكن مطالبها ما تزال قائمة، ويمكن أن تتجدد، وهي في الغالب في المناطق الشيعية بالأساس، في الناصرية والنجف وكربلاء والحلة والديوانية والسماوة والعمارة والكوت والبصرة، ناهيك عن بغداد، وهي تعبّر بما عكسته من مطالب عن حقوق العراقيين بمختلف انتماءاتهم، وهي لا تختلف عن مطالب الكرد ومطالب المناطق الغربيّة في الرمادي وصلاح الدين إضافة إلى ديالى وكركوك وغيرها.
العراقيون بشكل عام وخارج الطبقة السياسية المستفيدة، وإن اختلفت مشاربهم، يدعون إلى محاربة الفساد الماليّ والإداري وكشف المفسدين ومساءلتهم وتقديم قتلة المتظاهرين إلى القضاء، كما يطالبون بانتخابات حرّة نزيهة وقانون انتخابي أكثر ايجابية من القانون الحاليّ، وكذلك يدعون إلى حصر السلاح بيد الدولة والضرب بقوة على يد المسلحين خارج القانون، ولعل إعادة النظر أو تعديل أو حتى إلغاء الدستور هو جزء من تفكير النخبة الفكرية والثقافيّة والحقوقية، لاسيّما بعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود، خصوصاً بعدم تطبيقه، والاختلاف بشأن تفسيراته وتأويلاته المتناقضة، ناهيك عن عدم إمكانية لوضعه موضع التطبيق. وهو على مساوئه وألغامه، إلا أنه احتوى مبادىء إيجابية وسليمة فيما يتعلق بالحريات والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن هناك مواد أخرى شكلّت ألغاماً وكابحا عطّلت وتعطل من تطبيق هذه المواد.
* العلاقات بين إقليم كردستان والحكومة الفيدراليّة في بغداد يجب أن تنظم في إطار الدستور العراقي، لكن بغداد تمنع إرسال حصة الإقليم وتضع عقبات في الميزانية، ما هو برأيك مستقبل العلاقات بين بغداد وإربيل، لاسيّما في ظل عدم التفاهم بين الحكومة والإقليم؟
- المشكلة تكمن في الدستور، فقد تقرر أن تكون الدولة العراقية فيدرالية (اتحادية) وهو أمر جيد، وينسجم مع واقع ومطامح الشعب الكردي، لكنه أمر جديد بحاجة إلى تربية وتعليم وتفاهم وثقة ونصوص واضحة من خلال مؤسسات، إضافة إلى حكم القانون، فحتى الآن لا توجد أقاليم، باستثناء إقليم كردستان، ولم يتأسس المجلس الاتحادي، كما نصّ عليه الدستور، وصيغت بعض الفقرات بشكل يسمح بتفسيرات وتأويلات متناقضة ومتعارضة، مثل المادة 111 و112 بخصوص النفط والمصادر الطبيعيّة، وهناك جدل حول المادة 140 بشأن كركوك والمناطق المتنازع عليها كما وردت في الدستور، إضافة إلى المادة  142، وكذلك يمتد الخلاف  بل والنزاع إلى صلاحيات حكومة الإقليم في ظل الدولة الاتحادية، ومنها حالة تعارض دستور الإقليم مع الدستور الاتحادي، وكل هذه الأمور بحاجة إلى تفكّر ودراسة ومعرفة وثقة وتفاهم يأخذ بنظر الاعتبار المصالح المشتركة في ظل دولة اتحادية منسجمة مع نفسها أولاً،  فضلاً عن قناعات المجموعات الثقافيّة وثقتها بطبيعتها لا أن تكون دولة تحكمها الصراعات والنزاعات والإستقطابات التي تُضعفها.
لقد انتقلت الدولة العراقية من دولة مركزية بسيطة حين تأسست في العام 1921 إلى دولة لامركزية اتحادية (فيدرالية) بعد العام2003، وتكرّست في دستور العام 2005، بعد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004). لكن هذه الصيغة لم يتم تفعيلها وظلت عرضة للنقد وعدم الرضا من الطرفين، بل ولعموم القوى والتيارات المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة، وإلا كيف يمكن تصوّر حجب حصة الإقليم من الرواتب والواردات التي يفترض أنها لا تكون محط مساومة، لأنها تتعرّض لقوت الناس ومصادر عيشهم، أما الخلافات فيمكن أن تُحلّ برأس بارد وقلب حار كما يُقال. وبخصوص تصدير النفط والحصص المُتفق عليها والشفافية في ذلك فينبغي وضعها في إطار حلول بعيدة المدى تأخذ مصالح الدولة بنظر الاعتبار ومستقبل المواطن العراقيّ ولا بد هنا من تشريع قانون للنفط وهو الذي بقيّ قيد المناقشة وفي الأدراج منذ عقد ونصف من الزمن، والأمر يتعلق أيضاً بمستقبل المواطن في الإقليم، وتأمين الاستقرار في البلاد بشكل عام.
الصيغة الفيدرالية الراهنة وصلت إلى طريق مسدود، ويمكن القول أنها أقرب إلى الإخفاق بسبب عدم وجود فهم مشترك لها، ناهيك عن النقص في الثقافة الفيدرالية، بل وعدم الإيمان بها أو التعامل معها باعتبارها صيغة مؤقتة، وهناك من ينتظر إعادة القديم إلى قِدمه، أي العودة إلى الدولة المركزية. في حين هناك من يتطلع إلى الانفكاك عن الدولة المركزية وصرامتها وعسفها.
ما كنت أؤمن به، وما أزال، يقوم على ركنين أساسيين:
أولهما: الأخوّة العربية-الكردية، وكنت قد دعوت إلى أول حوار عربي_كردي، وذلك قبل نحو 3 عقود من الزمان، وفي إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أترأسها في لندن، وتبقى هذه الصيغة قابلة للتفعيل والإضافة والتطوير باستمرار إرتباطا بالحقوق الإنسانية والعلاقة بين الشعبين الصديقين، ولاسيّما بين النخب ويمكن استحضار حوار مثقفي الأمم الأربعة (الترك والفرس والكرد والعرب)، وكان هذا المشروع الذي بدأ في تونس بمبادرة كنت قد دعوت إليها منذ عقد نيف من الزمان قد لقيت صدى كبيراً وأهمية أكبر باحتضانها من جانب سمو الأمير الحسن بن طلال، الذي نظم لقاء مهماً في عمان في 22/7/ 2018 تحت عنوان "أعمدة الأمة الأربعة".
وثانيهما: حق تقرير المصير للشعب الكردي انطلاقا من إيماني القانوني والقول بالفكرة الكونية لحق تقرير المصير بما فيه الإتحاد الاختياري الأخوي أو تكوين كيانية مستقلة (دولة) تكون ظهيراً وداعماً لدول المنطقة في اطار النضال المشترك والأهداف المشتركة وعلاقات الصداقة والتضامن، خصوصاً بين العرب والكرد ضد الأعداء المشتركين.
وإذا ما أريد لصيغة الفيدرالية أن تستمر وتتعزز وتترسخ لا بد من إعادة النظر بجوانبها المختلفة عبر تفاهم بين القوى السياسية وحوار مجتمعيّ بعيد المدى يأخذ المصالح المشتركة بعين الاعتبار، وإلا ستكون هذه الفيدراليّة، كما وصفها الصديق المفكر البروفسور شيرزاد النجار وهماً، وهو محق بذلك، خصوصاً إذا ما أخذنا صيغ الفيدراليات واختصاصاتها على المستوى الكوني، وهي موجودة ومطبّقة في نحو 30 بلداً.
لا بد من إجراء مراجعة وتدقيق ووضع صيغ جديدة معقولة ويمكن تطبيقها بروح الثقة المتبادلة وغير خاضعة للمناوشات اليوميّة والمزايدات السياسية الانتخابية وغير الانتخابية أو الارتياح الشخصية، بل وضع صيغ قانونية وتفاهم شامل ومصالح تجمع إربيل ببغداد في ظل دولة موحدة ومستقرة بموزايكها المتعايش وهوياتها الفرعيّة والجامعة.
إذا استمر الوضع كما هو حالياً، فإن الأزمة ستفرّخ أزمات أخرى، وهذه ستكون مُستحكَمة، بل ستتحول إلى بؤرة من بؤر الصراع المستدامة، لاسّيما حين تلتف حولها مصالح مكتسبة أو محاولات لإلغاء ما هو متحقق في ظل استمرار عدم الثقة بين السلطة في بغداد التي يفكر بعض أركانها بطريقة مركزية شديدة الصرامة أحياناً، وبين بعض القوى في الإقليم التي تفكر بطريقة بعيدة عن تصوّر بغداد، لدرجة الانفكاك حين يصبح التفاهم مستحيلاً، الأمر الذي يخلق هوّة تتسع مع مرور الأيام ويصعب ردمها، وتوقع ومآلاتها.
*هناك هدوء بين المكونات الرئيسية (الكرد والسنة والشيعة) حاليّاً، لكن الخلافات داخل البيت الشيعي قائمة لاسيّما بين التيار الولائي وبين التيار الشيعي غير الولائي والأبعد عن إيران؟ ما هو رأيك أن مرجعية النجف تساند الأخير؟ وهل يمكن أن تتحول الخلافات إلى حرب أهليّة بين التيارين؟
- تعرف تحفظيّ على مصطلح المكونات، وسبق وأن ذكرت ذلك في معرض تحفظي على الدستور، وكنت قد كتبتُ كتابين بينت ملاحظاتي حول الدستور وألغامه ومشكلاته الراهنة والمستقبليّة، وذلك لإيماني أن الدستور هو القانون الأساس الذي يُحدد طبيعة نظام الحكم وشكل الدولة وسلطاتها وحقوق مواطنيها وحرياتهم. وقد احتوى الدستور ألغاماً خطيرة كانت وراء العديد من الأزمات العاصفة التي شهدتها، وباستمراره فإن الهوة ستتسع وتزداد عوامل عدم الوحدة والاستقرار في جوفها، خصوصاً في ظل التدافع على المصالح والامتيازات والانقسامات الطائفية والإثنيّة، دون أن ننسى العاملين الإقليمي والدولي الذين يستمر تأثيرهما على نحو شديد وبصورة مباشرة أو غير مباشرة.
والأمر لا يشمل الشيعية السياسية وحدها، وإنما يمتد إلى ما إصطلح عليه خطأً مقصوداً "المكونات"، وإذا كان ما سُميّ بـ"البيت الشيعي" قد تأسس عشية إنتخابات العام 2005 فإنه ظل ًبيتاً بلا سقف ولا جدران، وهكذا كان التفكك والتآكل قد أصابه بسبب الصراعات والمنافسات الحادة بين الجماعات المكوّنة له، خصوصاً على الزعامة ومراكز النفوذ والامتيازات، وليس عبثاً أن يتهم الجميع الجميع بالفساد وسوء الإدارة، ويحمّل كل فريق الآخر المسؤولية عما آلت إليه الأمور، والأمر يشمل الفرق الأخرى المشاركة في الساحة السياسيّة. وإذا كان السيد السيستاني، وهو أحد المراجع المتنفّذين في النجف قد دعم ما سُميّ بالتحالف الشيعي، فإنه نأى بنفسه بعد ذلك بسبب الأخطاء والخطايا التي وقع فيها هذا التحالف، الأمر الذي أفقده الكثير من عناصر صدقتيه، خصوصاً حين كان في المعارضة، وأدت ممارسته في الكثير من الأحيان إلى انتهاكات سافرة وصارخة لحقوق الإنسان، بل زادت حتى على ممارسات النظام السابق في العديد من المجالات، لاسيّما الفساد المالي والإداري والسياسي، ناهيك عن الشحن الطائفي ومحاولات التسيّد وإملاء الإرادة.
وإذا كانت ثمة أجنحة في الحشد الشعبي، بعضها سُميّ بالولائي المقرّب من إيران والحليف الأشد معها، فإن هناك "حشود" أخرى بعضها قريب من مرجعية السيستاني، وبما أن خطر "داعش" قد اضمحل، خصوصاً بعد تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرته، فإن الملّح في الأمر يتطلّب تعزيز وتقوية القوات المسلحة العراقية: الجيش، وقوات الشرطة، والمخابرات والأجهزة الأمنية والإستخبارية وشرطة المرور والنجدة ومكافحة الجريمة، ناهيك عن جهاز مكافحة الإرهاب، وهو ما يعوّل عليه كقوة نظامية هدفها حماية الوطن وأمنه وسيادته.
وأظن أن أية صيغة موازية سوف تخلق نوعاً من التعارض والتصادم، - حتى وإن ألحقت بالجيش نفسه، لاسيّما إذا اختلفت مرجعياتها. وأعتقد أن مرجعيّات النجف ليست بحاجة إلى جناح عسكري يحميها لأنها بحماية الدولة وإحترامها وتقديرها، وذلك واجب على الدولة وقواتها الأمنيّة.
وسواء كان وجود الجناح القريب من السيستاني أو الفريق القريب من إيران أو غيرهما ضرورة لدعم القوات المسلحة ضد خطر "داعش"، فإن تلك الضرورة التي أملتها الحاجة لتأسيس الحشد الشعبي قد استنفذت أغراضها، ويمكن لأفراده الانتقال إلى المؤسسات المدنيّة والخدميّة، لاسيّما لمن يصلح منهم، لكي لا يخلق أيّ تعارض أو مراكز قوة يتم استغلالها لإضعاف الدولة تارة باسم الولائيين وأخرى بالضد منهم، وستبقى الخلافات قائمة بحكم المنافسة.
وعلى الدولة أن لا تتهاون في ذلك وأن تبسط سلطانها على جميع أراضيها ومواطنيها وتحقق سيادتها الداخلية والخارجية وتحميّ حدودها من أي تدخل أو تهديد، فتلك إحدى وظائفها الأساسية، وإلا لماذا هي إذن دولة إن لم تستطع ذلك، وخصوصاً حماية أرواح وممتلكات المواطنين؟
*قاد عدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ إلى اغتيال مرشحين وناشطين مدنيين وصحافيين، وهذا ما أثار غضب الشارع العراقي، وقد رفعت تظاهرات الأسابيع المنصرمة شعار "من قتلني"، وهو مطلب شعبي، وهناك أطرافاً سياسية دعت إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة، فهل ستؤدي هذه الأوضاع إلى تأجيل الانتخابات؟
 ـ أعتبر غضب الشارع مشروعاً، فإن لم تستطع الحكومة وقف القمع والاغتيالات ومحاسبة المسؤولين، فماذا تنتظر من الشارع غير الاحتجاج، وحمداً لله فإن الأمور لم تتطور إلى عنف وعنف مضاد، وقد تحلىّ المتظاهرون بوعيّ عالٍ وإرادة قوية ولم ينجرّوا إلى العنف الذي حاولت قوى معلومة ومجهولة جرّهم إليه. وقد تمتع المتظاهرون برباطة جأش وصبر وثقة بالنفس وقاوموا الرصاص بصدور عارية، فعنفان لا يولّدان سلاماً وجريمتان لا تنجبان عدالة، ورذيلتان لا تنجبان فضيلة.
الانتخابات تحتاج إلى أجواء طبيعيّة وسلميّة وآمنة وإلى ضمانات للمرشح والناخب وإلى وضع حد للتزوير والتلاعب. وقد كانت إنتخابات العام 2018 أقرب إلى المهزلة، ولم يشارك فيها أكثر من 20% في أحسن الأحوال بحسب تقديرات كثيرة معتمدة.
وحتى لو جرت الانتخابات، فالقانون الانتخابي الجديد تم تفصيله لمصلحة المجموعات الكبيرة التي توزعت على المناطق، وستحاول ابتلاع الكتل والشخصيات المستقلة، علماً بأن الكثير منها لا يعوّل على الانتخابات، بل إنها مُحبَطة ومتشائمة من النتائج التي تقول عنها أنها معلبّة ومعروفة سلفاً، حتى سيتم تدوير الزوايا واستبدال أشخاص من الاتجاه والتوّجه نفسه، فهل سيؤدي ذلك إلى التغيير المنشود الذي دفع المتظاهرون أكثر من 700 شهيد ونحو 20 ألف جريح بسببه، أم أن "شرعيّة" القوى الحاكمة سيتم تكريسها في ظل نظام محاصصاتي يقوم على الزبائنية والمغانم تحت عنوان "ديمقراطية التوافق"؟.
هذه الأخيرة إذا كانت صالحة فإنها لفترة انتقالية ولدورة أو دورتين انتخابيتين، وليس إلى ما لا نهاية بحيث بات عرفاً رئاسة الجمهورية للكرد، والبرلمان للسنيّة السياسية، ورئاسة الوزراء للشيعية السياسية، والوزارات السيادية كالخارجية والمالية والداخلية والدفاع والعدل موّزعة على ما يُطلق عليه "المكونات" فمن لم يلحقه التوزيع الثلاثيّ للرئاسات يضع عينه على الوزارات السيادية شرطاً للتوافق، خصوصاً من القوى المتنفذّة.
وهناك ثلاث احتمالات قد تظهر في المشهد السياسي خلال الأشهر القادمة وفقاً للدراسات المستقبلية للعلوم السياسية:
أولها: تحسن الوضع وانتخابات في ظل رقابة دولية ومنافسة شديدة تفتح ثغرة في مجلس النواب لصالح قوى لم تجرّب حظها في الميدان، وإن كان الأمر محدوداً، لكن قد يشكّل خرقاً وإن كان بسيطاً في الميدان.
وثانيها: بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا يعني تراجعه بعد مراوحة، وقد يستغرق الأمر دورة أخرى جديدة بعد دورة تشرين القادم، إن تم إجراء الانتخابات فيها أو حتى إن تأجلت لغاية العام 2022 بحيث تُجرى في موعدها الاعتيادي.
وثالثها: تدهور الوضع بحيث يصعب معه إجراء الانتخابات حتى بموعدها، وقد يكون للصراع الأمريكي- الإيراني دوره في ذلك، خصوصاً إذا احتدم، علماً بأن هناك قوى عراقية مقربة من إيران ستحاول استهداف المصالح الأمريكية، ومثل هذا الأمر يعقّد المشهد السياسي. (وقد تؤدي الخلافات الداخلية إلى نزاعات واحترابات وصراعات شيعيّة-شيعيّة، وسنيّة-سنيّة، وكرديّة-كرديّة). مما أمر سيُنذر بمخاطر جمّة على العراق ودول الإقليم بحكم الترابط والمشتركات. وينبغي على العقلاء أو من تبقّى منهم أن يفكر لا بمصلحة الطائفة أو الإثنية أو الجهوية أو العشائرية أو المجموعة الحزبية التي ينتمي إليها لأن التفتت التشظيّ أو الانقسام سيشمل الجميع بلا استثناء ولا أحد يستطيع أن يعفيّ نفسه من المسؤولية أو يتجنّب العواصف.
 https://gulanmedia.com/ar/story/264117/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86:-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%91%D8%B9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%91%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%8B
*نشر هذا النص باللغة الكردية على حلقتين في مجلة كولان بتاريخ 5 و11 تموز/يوليو 2021. وقد أجرى الحوار رئيس التحرير فرهاد محمد.
 


34
لبنان: الارتطام الكبير
عبد الحسين شعبان
منذ أواسط العام 2019 يتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي اللبناني على نحو مريع، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستكون النتيجة الحتميّة لمثل هذا الانحدار هي الارتطام بالقاع، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد رسميّاً يساوي 1500 ليرة لبنانية، ووصل اليوم إلى 18 ألف ليرة. ومن يدري فقد يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، فتصبح العملة اللبنانية بلا قيمة في ظل أزمة اقتصادية خانقة أوصلت ما يزيد على 50% من اللبنانيين إلى حافّة الفقر، وكل ذلك يجري دون أن يرّف جفن للمسؤولين والمتحكّمين في مصير البلد. فهل سيسقط هذا البلد الجميل- الذي تغنّى به الشعراء والفنانون والأدباء والكتاب والعشاق والحالمون والمجانين- في الهاوية أم ثمة من سيبحث عن حبل نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
الأزمة تكبر والشق يتّسع، فالكهرباء تطلّ على الناس كهلال العيد، والمازوت والبنزين والمحروقات حديث الجميع، حيث الطوابير أمام محطات الوقود لأكثر من كيلومترين، وأحياناً يتم الانتظار على أمل الحصول على بضعة ليترات، لكن دون جدوى، والمخالفات والحوادث المرورية في ذروتها، حيث يستمر عدم تشغيل الإشارات الضوئية بحجة الاقتصاد في الكهرباء، والأوساخ تملأ الشوارع، ودوائر البلدية تكاد تكون عاجزة، لأن أجر العاملين انخفض إلى درجة غير معقولة، بحيث أصبح من يتسلّم راتباً شهرياً بحدود 800 ألف ليرة، لا يساوي أكثر من 50 دولاراً لشهر كامل، وإذا ما عرفنا الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية وجميع السلع والبضائع، فهذا يعني أن سُبل العيش أصبحت ضيقة، بل تكاد تكون مستحيلة، وطريق الحصول على لقمة عيش شريفة عسير وغير سالك.
وإذا ما رُفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والبضائع، فإن الأسعار ستحلّق بطريقة "سوبرمانية"، وهي الآن بعيدة عن الواقع المَعِيشْ، وخصوصاً في مجاليّ الأدوية والأغذية بتآكل رواتب الموظفين جرّاء التضخّم في الأسعار، وباستمرار الفرق بين السعر الخاص للصرف(3900) للدولار والسعر الحقيقي غير الثابت والمتصاعد.
ويقول خبراء مطلّعون إن المصارف هي المستفيد الأول من هذا الفارق، إضافة إلى كبار التجار، فالمعاملات مع مصرف لبنان المركزي تتم على السعر الرسميّ بما فيها رساميلها وشراؤها للدولار وتسديد القروض المتوّجبة عليها والتلاعب بحسابات المودعين بالدولار. وإذا ما تم إقرار البطاقة التمويلية التي يُتوّقع أن يُقرها مجلس النواب فإن الأسعار سترتفع على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سيؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بالناس وحقوقهم ومستقبلهم.
وإذا كان هناك من يعتقد أن العلاج هو بتثبيت سعر الصرف الذي يمكن أن يخفف من غلواء الأزمة، فالأمر أعمق وأعقد من ذلك، لأنه يتعلّق بالإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والقانوني والتربوي وبنظام الحكم والانتخابات، وكل ما يتعلّق بالرسوم والضرائب، حيث لا توجد خطة حكوميّة، ناهيك عن عدم وجود حكومة أصلاً تستطيع اتخاذ قرارات جريئة بكسب ثقة المجتمع الدولي واسترداد مكانة لبنان المالية والمصرفية.
إن استمرار الحال على ما هو عليه يعني التوّغل في المجهول، لاسيّما في غياب إرادة سياسيّة موّحدة، وهذه للأسف الشديد ما تزال مُعطلة وغائبة وتتجاذبها أهواء ومصالح شتى: إقليميّة ودوليّة، طائفيّة وحزبيّة، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة والتستّر على الأتباع والمريدين، طالما أن النظام يقوم على "الزبائنية" السياسيّة المرتكزة على المغانم والامتيازات.
ومع استمرار خطر جائحة "كورونا" وترديّ الحالة المعيشية وغياب خطة للإصلاح، تلوح في الأفق مخاطر تفكك وتفتت وسيناريوهات أقلها مُخيفاً بشأن مستقبل لبنان، خصوصاً بتعويم سلطة الدولة وازدياد حدة التوتر المجتمعي وارتفاع منسوب الجريمة المُنظمة وعمليات التهريب والاتجار بالبشر ومظاهر التعصّب والتطرّف وحالات العنف والإرهاب المنظّم وغير المنظم، حيث هوجم العديد من المصارف وخرّبت واجهاتها كما حصل مؤخراً مع البنك اللبناني- السويسري، مما أُضطر المصارف لإغلاق أبوابها احتجاجاً على ذلك.
وتستمر التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى درجة أن بيروت تبدو خارجة لتوّها من الحرب، وما يزال مشهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الفائت 2020، يقضّ مضاجع الجميع وهو شاهد على ما وصل إليه سوء الإدارة والفساد وغياب الشفافية والانغلاق السياسي حدّ الاستعصاء.
الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، وإن لم تتم معالجة أسبابه وجذوره، فإن الارتطام الكبير سيحصل -لا سمح الله-، وعندها سوف لا يكون أحدٌ بمأمن من الكارثة، ومثل هذه النتيجة عرفها اللبنانيون بعد حرب طاحنة استمرت 15 عاماً، انتهت باتفاق الطائف العام 1989. فهل سيقرأ السياسيون والمتنّفذون الدرس الجديد أم سيتركون الحبل على الغارب؟، و"لاتَ ساعة مندم".
ولا بد من القول إن هذه الرؤية مهما بدت متشائمة إلا أنها ليست يائسة، وبقدر تقديمها صورة واقعية دون تجنٍ أو مبالغة، فهي في الوقت نفسه تقطر ألماً على هذا البلد العربي الفريد الذي يتمتع بحيوية ونشاط وإبداع لا حدود له، ومثلما كان واحة حرّية لا بد أن يستمر ليصبح مشروع ازدهار، وهي مسؤولية جسيمة.






35
عبد الحسين شعبان:
 شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
حاوره: أحمد عبد المجيد (الزمان)
مضى على آخر لقاء مباشر لي مع الدكتور عبد الحسين شعبان، أكثر من 18 شهراً. رأيته في بيروت التي كانت تشع بأنوارها وتغرق بلون البحر، الذي تحتضن أمواجه كثيراً من الذكريات وتخفي أسرار ما كان يدور في حجرات فندق (سان جورج)، وحديثاً في شرفات فندق "فور سيزونز"، وفي أحدى جولاتي مع الدكتور شعبان أطربني صوت فيروز المنبعث من مذياع سيارته، فتذكرت إن المفكرين وكبار الباحثين بشر أيضا، تأخذهم العواطف الى تخوم الشباب وأيام (الشقاوة)، ولم يكونوا بالجدية التي هم عليها اليوم، وبالانشغالات التي تصرفهم عن العناية – أحيانا –  بألوان اللوحة الماضوية التي هرب بريقها، فتحول إلى حلم باهت لا ملامح له ولا اثر.
* ما يجمع أساتذتي في الإعدادية طيبة القلب وحب التلاميذ
* شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
* استمع إلى فيروز ووردة وأم كلثوم واستمتع بالموسيقى الكلاسيكية
* إحتفظت بعلاقة ودية بالبياتي يوم تعرفت إليه في القاهرة مطلع 1969
* أنا تعددي بإستثناء فلسطين والفقراء
* الأسفار ثلاثة والأخيرة سفر  التيه والحيرة
* حب الناس سعادتي والعمل وأسداء الخير مصدرها الأساسي
* هاجسي لا يتجسد بشخص بل بظاهرة الغدر
* السيرة الذاتية شديدة القسوة لكنها ليست هتكاً للاسرار.

وقلت، في نفسي، أن هذا الرجل، وأنا صامت جالس إلى جواره في المقعد الأمامي في السيارة، يعيش على أطياف من الذكريات، لكن لا احد نبش فيها ولا حاول إخراجها من القمقم يقول الأديب اللبناني جبران خليل جبران (أحترس من ذكرياتك، فالوجع يزورك مرة واحدة ولكنك لا تتوقف عن زيارته). وغالبا ما يعمد الذين يجرون حوارات صحفية معه، يستنطقونه بقصد استدراج فكره ورؤاه السياسية والفلسفية، متناسين أن قلبه مازال ينبض، وهو مفعم بالألم وسهر الليالي والحرمان، وان ملائكة الحب تحوم حوله، ولاسيما في خلوته أو تحت تأثير كأس من النبيذ احتساه في ركن من أركان شارع الجميزة البيروتي، الضاج بالحركة والعنفوان والمزدحم بالسكارى والصبايا. وعملياً فان شعبان دأب على اختيار زاوية عند مطعم شعبي اسمه (مشاوي مار مخايل) يضع مناضده على قارعة الطريق، ويحرص شعبان على دعوة المقربين منه إلى هذا المكان، لنفض متاعب القدوم من بغداد أو الشام إلى المدينة التي اتخذها محطته الأخيرة بعد أن جاب مدناً وعاشر عواصم.

* * *

بعض الأشخاص تتمنى لو انك لم تصادفهم في حياتك، وبعضهم تتعرف عليه وتمضي معه رهطاً من حياتك، ويمض وتمضي دون أن يترك في مشاعرك أثرا أو في روحك بصمة. أما أفضلهم على الإطلاق فهم الذين تهبط صداقتهم عليك من السماء، فترتبط بعلاقة وطيدة بهم فيتركوا في روحك عطراً وفي نفسك شذى الوفاء والقصص الحميمة. وعبد الحسين شعبان من هذا الطراز. وذات مرة قلت له، وأنا على تواصل شبه يومي معه عبر الهاتف، (دكتور.. أعاتب نفسي أحيانا بالسؤال، لماذا لم أتعرف إليك قبل عقود من الزمان؟) . ويضحك معبراً عن سمات شخص نادر الوفاء يمزج المرح بصدق الكلام.

ويوم كنا نتجه إلى (الجميزة)، الشارع الذي يروق له وسط بيروت، راودني فضولي الصحفي فرفعت عن علاقتنا بعض (الكلفة) واقترحت عليه إجراء حوار غير تقليدي، ليس كعشرات وربما مئات الحوارات التي أجريت معه واتسمت بجدية مفرطة تنظر فيها الأسئلة إلى الحياة وكأنها فواجع بشرية وعنف مفرط وثأر تاريخي حسب، أو كأنها تقتصر على رؤى ماورائية، لا حيوية فيها ولا صفاء إنساني أو كما يظنون أنها حكاية تراجيدية تكشف وجودنا البشري الضعيف. رأيت أن يكون حواري مع عبد الحسين شعبان، الإنسان والمفكر، صائد المفردات والمصطلحات والعابر من الكفاح بأنواعه، إلى المرح واللاشقاء بأنماطه والسخرية من الأقدار، حلوها ومرها . وهكذا ولد جزء من هذا الحوار، بينما كان شعبان يمارس رياضة المشي، قرب انتصاف الليل، على رصيف كورنيش بيروت، تاركاً لساعة الكترونية يرتديها، قياس خطوات المسافة التي يقطعها ذهاباً واياباً كل يوم، أما الجزء الآخر فقد ولد في حضن الحجر الصحي من الجائحة، بعد أشهر من بقاء الأسئلة في الأدراج، وسفر شعبان إلى لندن، لتلقي الجرعة الثانية من اللقاح ضد كورونا:

* ما الذي تركته من عقلك الباطن في النجف؟

–الروح تسكن هناك، حتى وإن سكنت النجف في قلبي. وعلى غرار الموسيقار البولوني شوبان "العقل في باريس والقلب في وارشو"، أقول القلب في النجف والعقل مهاجرٌ. وإذا كانت باريس قد منحت شوبان الشهرة حيث تربّع على عرش البيانو والإبداع الموسيقي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، بعد باخ وموزارت وبيتهوفن، فإن وارشو منحته تلك الروح المتوهّجة، حتى توزّعت بين عشقه وموسيقاه.

* ما شكل الصف الدراسي الذي جلست فيه للمرّة الأولى؟

– مدهش بخشوع وناطق بالبهاء ومفعمٌ بأريج الأمل… إنه اللبُّنة الأولى التي قادتني لعالم المعرفة الشاسع والبلانهايات.

* ما هو أول كتاب قرأته؟

– اعترافات أرسين لوبين "اللصّ الظريف"، ولاحقاً عرفت أن المؤلف هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.

* ما هي أول قصيدة حفظتها؟

– ربما للشاعر معروف الرصافي التي يقول فيها:

أنا بالحكومةِ والسياسة أعرف/ أَأُلام في تفنيدها وأعنّف

عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ/ كل عن المعنى الصحيح محرّفُ

* ما هو أول وجه رأيته وما زال عالقاً في عقلك ووجدانك؟

– وجه الوالدة المنير نجاة حمود شعبان ووجه الوالد المشرق عزيز جابر شعبان، وحين أستعيد المشهد، فكأنهما انفلقا عن تكوينٍ واحد، وأصبحا جسمين ولكن بروح واحدة.

* صف لي معلماً تأثّرت به؟

– سأصف لك ثلاثةً لأنهم يكمّلون بعضهم البعض:

الأول – عبد الرزاق الساعدي، وهو أوّل مَن علّمني فك رموز الحرف (الصف الأول الابتدائي).

والثاني – رؤوف الشيخ راضي، الذي حبّبني باللغة العربية وبدرس الإملاء (الصف الثالث الابتدائي) وكلاهما في مدرسة السلام.

والثالث – الشيخ يحي الجواهري وهو أحد المتمكنين من اللغة العربية وفقهها، وقد درست على يديه في الإعدادية: النحو والصرف والإعراب وكتابة الشعر(الصف الرابع الثانوي).

وكان الأول سمحاً جداً، والثاني حازماً جداً، والثالث عصبياً جداً، وما يجمعهم طيبة القلب وحبّ تلاميذهم وتفانيهم من أجل تعليمهم.

* أي الطيور أحببتها في صباك ولماذا؟

– الحمام والبلابل والعصافير وما زلت أحبّها لأنها أليفة وتغريداتها جميلة.

* ما الذي يُذكّرك بامرأةٍ شغفت بها؟

–  رائحتها وابتسامتها وغنجُها.

* هل تستمع إلى أغنيات الريف، ومَن هو مطربك الريفي الأول؟

– أحياناً… أحب الاستماع إلى مطرب الريف الأول داخل حسن، ثم إلى المطرب الشعبي للأغنية الحديثة الياس خضر.

* ما أنواع الموسيقى التي تستمع إليها؟

– الموسيقى الكلاسيكية وبشكل خاص سيمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي ودفورجاك… وبالأخص أحب الاستماع دائماً إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، والسيمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، والسيمفونية الرابعة  لدفورجاك.

* وأي المطربين تستمع إليهم عادةً؟

–  فيروز بالدرجة الأولى، وأحب الاستماع إلى عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ووردة الجزائرية.

* لماذا تميل إلى الشاعر الجواهري من دون سواه؟

–  أميلُ إلى الأدب بشكلٍ عام والشعرُ بشكلٍ خاص، وميلي إلى الجواهري الكبير لأنه أحد أبرز أركان الشعر الكلاسيكي في القرن العشرين، بل آخر عمالقته. وهذا الميل محكوم بالذائقة الشعرية من جهة، وبالعلاقة والصداقة التي ربطتني مع أبي فرات لنحو ثلاث عقود من الزمان من جهة أخرى. وقد سبق لي أن قلتُ وقبل التعرف المباشر على الجواهري أنه عاش في بيتنا (لأن كلُّ ما يخصّه وما كان ينشرُه من قصائد ودواوين وما يكتب عنه موجود في بيتنا، ويتداوله الأعمام والأخوال) كما كان معنا في مدرستنا "الخُورنَق" حيث كانت قصيدته التي حيّا فيها ثورة 14 تموز/يوليو 1958 مفتتح فصلنا الدراسي الأول، وهو موجود في مدينتنا النجف (واقعاً وليس مَجازاً) حيث نشأ فيها.

وللأسرة الجواهرية مكانة علمية منذ جدّه الأقدم محمد حسن صاحب كتاب "جواهر الكلام في شرائع الإسلام"، الذي اكتسبت منه الأسرة اسمها.

والأكثر من ذلك أننا عشنا في مدينتين حبيبتين لسنوات عديدة هما براغ في السبعينات، ودمشق في الثمانينات، وكنا على تواصلٍ مستمر، مثلما إلتقينا في لندن في التسعينات.

وقد أصدرتُ عنه كتاباً بعنوان: الجواهري في العيون من أشعاره" في العام 1986(بالتعاون معه)، كما أصدرتُ عنه كتاباً في العام 1997 الموسوم "الجواهري – جدل الشعر والحياة" (طُبع ثلاث طبعات).

* وماذا عن علاقتك بشعراء آخرين؟

–  احتفظت بعلاقة ودّية مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرّفت عليه في القاهرة في مطلع العام 1969 وبلند الحيدري حيث عملنا معاً في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضواً في المجلس الاستشاري، وكذلك بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النوّاب والشاعر كاظم السماوي والشاعر رشدي العامل والشاعر والروائي فاضل العزاوي، كما ارتبطت بصداقة مديدة مع الشاعر سعدي يوسف، وهو "شاعر التفاصيل الصغيرة"، وقد غيّرت قصيدته منذ مجموعته الشعرية "الأخضر بن يوسف ومشاغله" 1972 ذائقتنا الشعرية، وآمل أن يتسع الوقت للكتابة عنه وهو المبدع الذي لا تُدرك بوصلته، وهو في نظري أحد أبرز شعراء الشعر الحديث بعد بدر شاكر السيّاب وجيل الروّاد، ويشكّل مع محمود درويش وأدونيس أهم ثلاثة شعراء عرفتهم اللغة العربية، منذ ستينات القرن الماضي، علماً بأنه غزير الإنتاج، شعراً وترجمة ونقداً، إضافة إلى رواية واحدة بعنوان "مثلث الدائرة"، وعشرات الدراسات ومئات المقالات.

كما كانت علاقتي وثيقة بعدد من الشعراء الشعبيين مثل شاكر السماوي وعزيز السماوي وكاظم إسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف.

وأود هنا أن أنوّه إلى العلاقة المتميّزة مع عشرات من الأصدقاء من جيلنا والجيل الذي أعقبنا وهم شعراء مرموقين، وبشكل عام اطلعت على الشعر العراقي بمدارسه المختلفة.

* كيف شربت كأسك الخمري الأول؟

– مثل الريح الخفيفة المعطرة والمنعشة، وما زال طعم الكأس الأول لذيذَ المذاق وأشتاق إليه.

* هل تحنّ إلى صديق قديم أَثير إلى قلبك؟ من هو؟

– السيد صاحب جليل الحكيم، صديق العمر والشيوعي الأول والأنقى، متمنيّاً له الصحة وطول العمر.

* عدّد لي ثلاث صفات تتمنّى في كل إنسان؟

– الشجاعة والأمانة والوفاء، وهي منظومة متكاملة وأي اقتطاعٍ لجزءٍ منها يخلُّ بالآخر.

* أيام السجن، ماذا كان يشغل بالك فقط؟

–  لم أسجن. بل اعتقلت عدّة مرات، وما يشغلني كان وما يزال هو المستقبل.

* أيّهما أقرب إلى قلبك… ابنتيك أم زوجتك؟

–  الإبنتان قطعة من قلبي وروحي، والزوجة من خارجه، ويمكن أن تدخل وتخرج، وهكذا هي الحياة. وتبقى مكانة الأبناء متميّزة.

* ماذا يمثّل الشقيق بالنسبة إليك، وهل وجدته فعلاً فيه؟

– التكامل والوفاء… نعم هو ما وجدته فيه.

* أي البلدان أحبّ إلى نفسك؟

– أنا تعدديّ، كما تعلم، باستثناء فلسطين والفقراء، فأنا أحاديّ كما قال صديق عني. فبعد العراق (النجف وبغداد، الروح ومسالك الطير) الأقرب إليّ هي سوريا، وفي دمشق المدينة الناعمة كحرير الصين كان تكويني الثاني، وقد كتبت عنها نصّاً أدبياًّ بعنوان "الشام هي التي علّمتني حب الصباح"، وأنا أردّد دائماً أنني "سورا قي".

أما بلاد التشيك، ففي براغ تتقاطع طرق الحب وتلتقي جداوله، وكتبت نصاً أدبياً عنها بعنوان "براغ وثمة عشق"، ويبقى لبنان مانحاً الحواس عطراً وجمالاً، حيث الخزامى واللافندر، وفي بيروت يتجدّد العشق، هكذا هي أرخبيلاته وشواطئه، وقد كتبت نصاً أدبياً عن بيروت حين تم تكريمي من قبل الحركة الثقافية في انطلياس.

* ألهذا السبب أنتَ في بيروت؟ ولماذا غادرت لندن؟

–  بيروت أقرب إلى المزاج، وأكثر دفئاً وألفة وحميمية، وهي ملتقى المثقفين والمنفيين والصعاليك والعشاق. أما لندن فرغم ايجابياتها، خصوصاً الحرية والأمان، فإنها أبعد وأبرد، إضافة إلى ارتباطي بعقود عمل جامعيّة في بيروت منذ سنوات طويلة.

* أنت كثير الترحال والأسفار.. أيهما تفضل ركوب البحر أم البرّ أم الجو؟
–  حسب ابن عربي فالأسفار ثلاثة:  "سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه"، وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وهو لا معنى له، وسفري شخصياً هو سفر الروح التي ظلّت معلّقة هناك، وهكذا تراني هائماً وغير مستقرّ، مرتحلاً مع كتبي وأسبابي ولواعجي.
وفي السفر فوائد كثيرة، فإضافة إلى المغامرة والاكتشاف، ففيه الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها. وهو يمنحك مرونة في التعامل مع الآخر، وقدرة أكبر على التسامح والتواصل والصداقة وكل ما هو مشترَك إنساني. وفي السفر اكتشاف للذات أيضاً وحسب الشافعي فيه تفريج همٍّ، وقد يكون طلب علمٍ.

* ما أحسن رواية قرأتها؟
–  دونكيشوت لسرفانتس، وهي مصنّفة من أعظم الروايات العالمية.
* ومن هو أعظم روائي؟
–  أستطيع القول دوستويوفسكي وتولستوي وماركيز. وهؤلاء من أفضلهم.

* وأفضل روائي عربي؟

–  نجيب محفوظ بالطبع، كما يعجبني عبد الرحمن منيف.

* وماذا عن أفضل روائي عراقي؟

–  أحب قراءة غائب طعمة فرمان ويشدّني فؤاد التكرلي وأستمتع بقراءة شمران الياسري "أبو كاطع"، وأقصوصاته وحكاياته.

* أي همٍّ يغمرك بالألم والأسى والحزن؟ وكيف تستطيع الهرب من انشغالاته؟

– أكبر الأحزان هو الظلم على المستويات كافة، وأشعر براحة نفسية حين أنتصر لمظلوم أو أساعد ضحية، وكم كنت منسجماً مع نفسي حين تمكّنت من مساعدة لاجئين فارين من العراق أو من عدد من البلدان العربية.

* مرأة… صحيفة… أم صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟

– تعدديتي متواصلة مع الكتاب والمرأة والنبيذ ورياضة المشيّ والصديق، وهي متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة، يكمّل بعضها بعضاً.

* ماذا تقول في الصداقة والصديق؟

– حسب أرسطو: الصديق إنسان هو أنت… إلاّ أنه بالشخص غيرك. والصداقة أفضل العلاقات الإنسانية. وأساسها كرم العهد والتضحية.

* هل أنت سعيد وما أبرز سمات السعادة في رأيك؟

– نعم سعيد جداً، وحبّ الناس وحب العمل وحب الخير هي مصدر سعادتي الأساسية.

* أي أغنية تطاردك أينما حللت؟

-أغنية الياس خضر والتي هي من ألحان طالب القرة غولي والكلمات قصيدة لمظفر النوّاب:

روحي ولا تگـلها شبيج ..وآنت الماي

مگطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروگة حرك روحي

وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي

ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت

گالولي عليك هواي

ياثلج اللي ما وجّيت

وأحياناً أغنية سعدون جابر وألحان كوكب حمزة، والكلمات للشاعر زهير الدجيلي:

عيني ياعيني ياهوى الناس

قداح وشموس وعصافير

ياليل ومعاشر نواطير

مرات ياخذنه الهوى اثنين

مرات تحضنه البساتين

ومرات تنسانه الدواوين

ومرات نسأل عالوفه وين

لكن هوانه .. هوى الناس

* والأغاني الأجنبية؟

– أغنية فرانك سيناترا Stranger in the night.

وأحياناً أغنية كارل غوت المغنّي التشيكي O MAMI وهو المعروف بصاحب
"الصوت الذهبي".

* وأنت تقود سيارتك هل ندمت على عدم الوقوف إزاء مشهد صادفك؟

– نعم، حين يعتدي رجل على امرأة تسير معه وسط الشارع أو يعنّف أحدهم متسوّلة سورية اقتربت منه، وهي التي قذفتها ظروف الحرب والحصار إلى الهجرة.

* هل ثمة شبح يطاردك أحياناً؟ صف لي شكله أم هواجسك منه؟

– لا يتجسّد بشخص، بل بظاهرة هي الغدر، وهي وسيلة الجبناء، ومنعدمي الضمير.

* كم مرّة وقعت بالحب؟

– لا يوجد تصنيف للحب وليس ثمة أرقام أو أعداد بالنسبة لي. الحب واحد، فقط تتقاسمه عدّة نساء، ولكل امرأة زمانها ومكانها، وحتى وإن تداخلت الأزمنة والأمكنة أحياناً، فيبقى الحب واحداً، وهو الذي ينتصر.

* وماذا عن الحب الأوّل؟

– لا يوجد حب أول وحب أخير، فكل حب هو أول بالنسبة إليّ، والحب واحد تتقاطع فيه الطرق وتتقارب المصائر وتتشابك العواطف وتختلط الأحاسيس.

* ما علاقة القلب والعقل بالحب؟

– العشق بالقلب وهو بالعين أيضاً، وحسب بشار بن برد بالأذن أحيانا، والقلب والحاستان أول العاشقين، أما العقل فهو يؤنسن العشق ويؤطره، فليست كل عين ترى، على حد تعبير ابن عربي، ويمكن القول وليست كل أذن تسمع.

وهكذا فالعشق ندى الروح وعطر القلب.

* كيف يأتيك الحب؟

– مثل شلال ضوئي وسرعان ما يكون له سلطان على القلب وفيه تتطهّر الروح، ويدخل العقل في حوار مع القلب، واتحادهما على موقف موحد، يبعث في المرء نوعاً من الطمأنينة والرضا، وحين أكون في مثل هذه الحالة تراني أنام بعمق، وأتنفس بعمق، وأعمل بعمق.

* هل هناك دين متسامح وآخر غير متسامح.

– الأديان أكثر رحمة وتسامحاً من البشر، والإنسان هو من يحاول أن يوظّفها باتجاه الشر والتعصب والتطرف والعنف والإرهاب.

* هل تؤمن بالله؟

– علاقتي بالسماء قوية، وتأتيني إشارات غامضة باستمرار وأشعر معها بالطمأنينة والسلام، وكل ذلك خارج دائرة الطقوس والشعائر والغيبيات، وإنما هي علاقة روحية وجدانية عقلية.

* متى تكتب سيرتك الذاتية؟

– السيرة الذاتية شديدة القسوة على كاتبها وكذلك على القارىء وهي ليست هتكاً للأسرار أو انتقاصاً من الآخر أو فضحاً لخفايا النفس أو تلميعاً للصورة، إنها خلاصة تجربة قيمية وصميمية، وقد تكون فرصة للمراجعة خارج دائرة الإساءة للأموات أو إيذاء للأحياء. إنها فرصة تأمل وهدوء ونقد موضوعي.

* ماذا تتمنى؟

– أن يسود السلام واللاّعنف، وأن تنعم بلادنا العربية، بل والعالم أجمع، بالحرية والتنمية وأن نستطيع التعايش فيما بيننا على أساس المشترك الإنساني، وأن نسـهم كما كان أسلافنا في ركب الحضارة الكونية.

 
حاوره: أحمد عبد المجيد

36
صداقة (الزمان) من لندن إلى بغداد
                                                                           
عبد الحسين شعبان
لعلّي كنت من أوائل المتابعين لصدور صحيفة الزمان في لندن، حيث تأسست في العام 1997 وصدر عددها الأول في 10 نيسان/إبريل، واليوم يصل إصدارها إلى العدد رقم 7000 وهي في عزّ عطائها وارتقائها وتجدُّدها. ومثل هذه المناسبة تدعو للتأمل والتدبّر والنقد، أولاً  - لتقييم ما تحقّق من منجز حقيقي، وهو منجز منظور وقائم وكبير، وثانياً -  للأفق الذي تفتحه لإعادة القراءة بهدف استشراف المستقبل.
ولا بدّ أن نأخذ سمات الصحيفة وطابعها منذ أعدادها الأولى، لجهة مهنيتها واستقلاليتها وعلاقتها بقضايا التقدم والحداثة، حيث ساهم وضوح رؤية مؤسسها ورئيس تحريرها الصديق سعد البزاز، في توجّهها وتعميق مسيرتها، حتى تصلّب عودها وأصبحت مدرسة حديثة بمنهجيتها والتزامها بقيم الحرية.
وسبق لي أن ذكرت أنني سألت الأستاذ البزاز حين أخبرني برغبته في إصدار صحيفة متميّزة في لندن التي كان قراؤها يتوزّعون على ثلاث صحف كبرى لكل منها لونها الخاص، واتجاهها المتميّز، حيث كانت جريدة "الشرق الأوسط" أول صحيفة عربية في لندن، والحياة ذات النكهة اللبنانية ، والقدس العربي المهتمة بالشأن الفلسطيني والبعيدة عن الاتجاهات الرسمية، والعرب المحدودة الانتشار آنذاك.
قال البزاز أنه يريدها صحيفة عراقية بنكهة عربية مفتوحة للأقلام الشابة وغير التقليدية أو المحترفة، ولا أخفي سراً أنني كنت قد شكّكت بإمكانية نجاح صحيفة بهذه المواصفات في أجواء لندن الثقافية والإعلامية التي تضج بالمعارضات والاتجاهات المتضاربة، فكيف برجل خرج لتوّه من عباءة الإعلام الرسمي يريد إقامة "مملكته المستقلة". ولعل جزءا من شكوكي كانت تنصرف إلى القرّاء أيضاً بحكم الاصطفافات الحادّة. ولكن سعد البزاز تجاوز تلك العقبات وواجه التحديات مغامراً على طريقته، طارقاً أبواباً لم يطرقها قبله أحد، فحقق نجاحاً منقطع النظير. بل إن بعض مَن هاجمه في البداية، عاد ليطلب ودّه. وقد تعامل البزاز بأريحية وجنتلمانية، وبكل انفتاح وتسامح من دون أية حساسيات أو مواقف مُسبقة، وتلك كانت رسالة الصحيفة الأولى التي هي إعادة بناء الجسور وترميم العلاقة بين العراقيين وبينهم وبين أشقائهم العرب، وقد احتل مكانه بجدارة كما احتلت الصحيفة موقعها بجدارة أيضاً.
انطلقت "الزمان" من مفهوم الاهتمام بالشأن العراقي في إطار الشأن العربي، أي جعل الاهتمامات العراقية جزءا من الاهتمامات العربية، وعدم الانكفاء على القضايا العراقية. فالعروبة الحضارية هي هوّية لغوية وثقافية جامعة ومفتوحة، حتى وإن تباينت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين البلدان العربية، لكن هناك ما يقرّبها للتكامل والتواصل والمصائر المشتركة، خصوصاً وأن اللغة واحدة، والتعبير عنها في الأدب والشعر والقصة واحد، لأن اللسان واحد، حتى وإن كان لكل مفردته وأسلوبه وذوقه، مثلما لكل فرد خصوصيته في هذا الإطار.
وعلى الرغم من أن القضايا العراقية كانت تقع في قمة أولويات صحيفة الزمان وشواغلها، لكن البزاز أدرك ببعد نظر ورؤية متقدمة، إضافة إلى علاقته المتميّزة، أن ثمة صورة أكبر، على العراقيين رؤيتها، وهي عالم عربي واسع وعالم إسلامي كبير وعالم إنساني شاسع. وإن ما تحقّق خلال ما يقارب ربع القرن الماضي، يعود في جزء منه إلى هذه الرؤية الإستشرافية، خصوصاً في ظل العولمة وتأثيراتها وامتداداتها، وقد عمل باكراً على التفكير بعراق محتمل، وعالم عربي متغير، وعالم متواصل وسريع لا ينتظر.
ولم تكتفِ الزمان بالانشغال بالخبر اليومي والطازج، بل خططت لما هو أبعد واستراتيجي، وكان لها قصب السبق فيه لعلاقة البزاز السابقة بأصحاب القرار ومعرفته  بآليات عمل الدولة، فضلاً عن صلته بالمثقفين والأدباء التي اكتسبها بمهارة خلال عمله المهني، لذلك فكّر بالاهتمام بقضايا أبعد من الخبر الصحفي، من نشر ثقافة الحوار والسلام والتعايش، إضافة إلى الأدب والفن وتشجيع المبادرات على هذا الصعيد، وصولاً إلى قضايا التنمية واقتصاد المعرفة والعلوم والتكنولوجيا.
فالصحافي حسب ألبير كامو هو مؤرخ اللحظة، والصحافة هي "صاحبة الجلالة" كما يقال أو السلطة الرابعة، والأمر في ظل الثورة العلمية - التقنية، وثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتال" يصبح أكبر بكثير، لأن  الإعلام يؤثر في الرأي العام، بل أصبح قادراً على صنعه، فما بالك حين نكون على أعتاب الثورة الصناعية بطورها الرابع.
وإذا كانت الهوّية العربية بارزة في الصحيفة فإنها لم تنس الهوّيات الفرعية، وتوقّفت عند أبواب الشراكة والمشاركة، من خلال الدعوة إلى المواطنة المتساوية والمتكافئة، في إطار التكامل وليس التنافر، والتنوّع في الوحدة، والحق في الاختلاف، بفتح باب للتنوير والحداثة من خلال الإقرار بالتعددية والتنوع وحرية التعبير.
ولعل أهم ما ميّز الصحيفة أنها كانت خارج دوائر الأيديولوجيا وهي مفتوحة للجميع، طالما تمسّك هؤلاء بشروط الكتابة والحوار والاحترام، وقد اهتمت بالبنية الأخلاقية للقيم الصحفية، وبقدر كونها إطاراً موحداً إلاّ أنها تمتاز بتعدّد الأصوات داخلها، حتى وإن ميّزت نفسها، وأظن أن ذلك كان أحد عوامل نجاحها، خصوصاً بالابتعاد عن المحاور والنمذجة  والتنميط وتصنيف الآخر على نحو مُسبق لاعتبارات عرقية أو دينية أو طائفية أو سياسية أو غير ذلك، في منهجية تربوية انفتاحية.
كما ساهمت في إثارة قضايا مهمّة وملفات شائكة حتى وإن كان له موقف إلاّ أنها كانت منفتحة على المواقف الأخرى فاسحة في المجال لحوار على صفحاتها تتلاقح فيه الأفكار. ومن تلك الموضوعات: القضية الكردية وقضية الحصار الدولي وقضية الطائفية وموضوع الاحتلال والدستور والاتفاقية العراقية - الأمريكية، والانتخابات وقضايا العنف والإرهاب وتنظيمات القاعدة و"داعش"، إلى التراث الثقافي والآثار العراقية والصروح التاريخية، إضافة إلى اهتمامها بالشباب والمرأة وبالمدينة العربية وعمرانها ومدنيتها. وأعتقد أن كتّاباً بدأوا أولى كتاباتهم في صحيفة الزمان وأصبحوا لاحقاً كتّاباً معروفين.
ويعود ذلك النجاح إلى رؤية مؤسس "الزمان" وصاحبها والفريق العامل معه في لندن، سواء الصديق الكاتب والروائي فاتح عبد السلام صاحب القلم الرشيق والكلمة المؤثرة، أو الراحل نضال الليثي وآخرين، وفي بغداد الدكتور أحمد عبد المجيد الصحافي اللامع والكفاءة المهنية العالية.
وإذا كنت قد كتبت في "الزمان" منذ تأسيسها وإلى الآن، وبكثافة أكبر خلال السنوات العشر ونيّف المنصرمة، فإنني إذ أحيي ذكرى صدورها متمنياً لها استمرار تألقها وازدهارها، فثمة ملاحظات لا بدّ من التوقّف عندها. وأقصد بذلك ومن دون مجاملةٍ، بذل جهد أكبر كيما تظهر الصحيفة بمهنية عالية ولغة سليمة، فقد لاحظت تسرّب بعض المواد  التي لا ترتقي إلى المستوى الذي وصلته الصحيفة، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التدقيق. أقول ذلك كصديق حريص على استمرار صحيفة "الزمان" التي جمعت أقلاماً مبدعة ومثّلت نموذجاً صحافياً راقياً.




37
بايدن - بوتين وألغام الحرب الباردة*
عبد الحسين شعبان
   كان الخبر الأبرز في القمة الروسية - الأمريكية التي التأمت في فيلا "لا غرانج" التاريخية في جنيف هو: لا حرب باردة جديدة بين البلدين، وهو ما صرّح به بايدن، مشيراً "أنّ مثل هذه الحرب لا تصّب في مصلحة أحد"، وهذا يعني أنّ آفاقاً جديدة بدأت تأخذ طريقها إلى تحسين العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي شهدت "حرباً باردة" متصاعدة و"صراعاً أيديولوجياً" حاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانفضاض التحالف المعادي للفاشية والنازية، إلى نهاية الثمانينيات، حيث تهاوت الأنظمة الاشتراكية بلداً بعد آخر، وانهار الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية العام 1991 منشطراً إلى 15 دولة، بعضها أصبحت حليفة للغرب وعضواً في حلف الناتو و عدواً شديداً لروسيا. وكان الجانبان قد اتفقا مسبقاً على عدم توقيع أيّة وثائق في ختامها. واكتفيا بمؤتمرين صحفيين منفردين.
    وصرّح بايدن خلال مؤتمره الصحفي أنّ علاقات موسكو مع واشنطن يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون وفقاً لقواعد أساسية يلتزم بها البلدان. وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية قد شهدت توتراً شديداً إثر شنّ بايدن حملة شعواء قبل أسابيع من لقاء قمّة جنيف ضد روسيا، متهماً رئيسها بالفاشل، وقبلها اتهمه بالقاتل، الأمر الذي أدّى إلى عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف لدى واشنطن إلى موسكو للتشاور في مارس/آذار 2021 في حين غادر السفير الأمريكي جون ساليفان موسكو بعده بشهر واحد، لكن بايدن خلال المباحثات أكدّ لـ بوتين أنّ أجندة الولايات المتحدة ليست معادية لروسيا، لكن أيّ رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً للدفاع عن الديمقراطية، وفي جواب لأحد الصحافيين قال: المسألة تتعلق بالمصالح.
    واتفق الرئيسان على تطبيع العلاقات وإعادة السفيرين إلى كلِّ من واشنطن وموسكو، والبحث في الخطوات اللاحقة في مجال الرقابة على الأسلحة بهدف خفض مخاطر نزاع غير متعمّد، وهذا ما سيتم بحثه في إطار حوار ثنائي، تمهيداً لاتفاق شامل واستراتيجي حول الرقابة على الأسلحة. وقد شملت المباحثات أهمية التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية - الاستراتيجية (ستارت 3).
    وناقش الرئيسان موضوع الأمن السيبراني والاتهامات الأمريكية القديمة - الجديدة  فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، التي تقول واشنطن أنّ هناك من يقف وراءها من داخل روسيا. وأعلن بايدن أنّه سلّم نظيره الروسي 16 قطاعاً حيوياً (الطاقة وإمدادات المياه وغيرها...) التي لا يمكن المساس بها وأنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات الاعتداء على سيادة الديمقراطية الأمريكية، وستردّ على أيّة  محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها، وهي تمتلك القدرات الضرورية لذلك، ولمّح إلى حقول النفط الروسية وماذا سيكون ردّ فعل بوتين لو هوجمت سيبرانياً؟
    وتطرقت المحادثات إلى الملف الأوكراني الذي أكدّ بايدن دعم بلاده لسيادة أوكرانيا، في حين أكد بوتين التزامه باتفاقيات مينسك للتسوية الأوكرانية، كما أبدى بايدن قلقاً بشأن الوضع في بيلاروسيا.
    أمّا بالنسبة للشرق الأوسط، فقد اتفق الرئيسان على فتح ممرات إنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وعدم تمكين إيران من الحصول على الأسلحة النووية، وبحثا تطورات الوضع في أفغانستان لمنع انتعاش الإرهاب بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاتفاق مع حركة طالبان (فبراير/شباط 2020) وعرض بوتين المساعدة على بايدن في هذا المجال.
    أمّا بشأن حقوق الإنسان فقد جرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأمريكية، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومنع عسكرتها وكذلك احترام حقوق الإنسان في روسيا ومسألة المعارض الروسي أليكسي نافالني، حيث لفت بايدن الانتباه إلى أن عواقب وخيمة ستحدث إذا توفي في السجن، وكان نافالني قد أدين بتهمة اختلاس أموال قبل سنوات عديدة وخفّض الحكم مع وقف التنفيذ، وأيضاً دعا بايدن إلى إطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم بالسجن في روسيا، وربط ذلك بمصير استثمارات أمريكية واسعة في روسيا.
    وكان الرئيس الأمريكي قد حقق بعض أهدافه قبل لقاء قمة جنيف بانعقاد قمّة الدول السبع الكبرى، حيث وضع المواجهة الصينية في مقدمة أولويات التحالف الغربي، خصوصاً بعد ترميم العلاقات الأمريكية - الأوروبية التي تزعزعت خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب. ووضع زعماء الدول السبعة مشروع "بناء عالم أفضل" في مواجهة سياسة الصين، لاسيما بمساعدة الدول الفقيرة، وهي خطة قد لا ترتقي إلى خطة "الحزام والطريق" التي قطعت الصين شوطاً غير قليل في تنفيذها.
    وعلى الرغم من أن بايدن وهو يواجه بوتين كان يضع نصب عينه التحالف الصيني - الروسي، فإنه في الوقت نفسه يعرف أنّ الصين أكبر مُصدّر لأوروبا وثاني مستورد منها، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد للانضمام إلى واشنطن في المواجهة الاقتصادية المحتملة أو حرب باردة جديدة مع الصين بدلاً من روسيا؟




38
التنمية وفايروس التمييز
ع. الحسين شعبان
ما تزال مجتمعاتنا تعاني من آفات خطيرة مثل التخلّف والجهل والأمّيّة والفقر والمرض. وهذه تحتاج لمواجهتها إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية، ولا سيّما قيم الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والمشاركة والشراكة، إذْ لا يمكن بناء المجتمعات وإنجاز مشاريع التنمية بزعم أفضليات هذا الدين أو ذاك، أو أحقّية هذه الطائفة أو تلك، فلن يتحقّق التقدّم المطلوب بالإقصاء أو التهميش الأيديولوجي، سواءً باسم الدين أو القومية أو مصالح الكادحين، خصوصاً بإدعاء امتلاك الحقيقة، بل والحق في احتكارها،  ولعل كلّ جهة أو جماعةٍ أو طائفةٍ تصوّر نفسها، وكأنها الفرقة الناجية "المبشّرة بالجنّة" حسب تعبير المؤمنين، أو الطليعة المقدامة حسب الأيديولوجيا السياسية اليسارية.
لقد صرفت مجتمعاتنا سنوات طويلة، ولا سيّما بعد إحرازها على الاستقلالات في معارك داخلية محتدِمة، تارةً باسم حقوق "الأغلبية" السائدة، وأخرى باسم "الأقلية" المهضومة، وثالثة بدعوى "الأيديولوجيا"، ورابعة تحت عنوان اختيار "طريق التنمية". واحتربت القوى والتيارات السياسية فيما بينها، مرّة بين "الملكيين" و"الجمهوريين"، وأخرى بين القوميين والشيوعيين وثالثة بين الدينيين والعلمانيين. كما شهد العالم العربي صراعاً دينياً وطائفياً، مرّة لإقصاء المسيحيين أو تهميشهم، وشمل الأمر بقية المجموعات الثقافية التي تسمّى مجازاً بـ "الأقليّات"، ومرّة ثانية بين "الشيعة" و"السنّة"، ومرّة ثالثة بين مجموعات إثنية أو لغوية أو سلالية، وجميعها تتعلق بهدر الحقوق وعدم تحقيق المواطنة المتساوية من دون تمييز أو استعلاء.
وفي المجتمعات المتعددة الثقافات، دينياً وقومياً وإثنياً، ولغوياً، ومنها بلداننا العربية وبعض البلدان الإسلامية، أكّدت التجربة أنه لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بهذه المجتمعات والبلدان من واقع التخلّف إلى واقع التقدم، إلا بالتعاون بين مختلف التكوينات. فالأوطان تُبنى بالسلام والاستقرار والتعايش. وكان دستور اليونسكو قد أكّد: "لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام"، والأمر يحتاج إلى حوار وتفاهم لحل المشكلات الوطنية والاجتماعية، وتوافق وطني في ظل سيادة القانون.
ولعلّ بلداً صغيراً نسبياً ومتخلّفاً مثل ماليزيا تمكّن وخلال ثلاثة عقود من الزمان، التحوّل إلى دولة صناعية قادرة على المنافسة في السوق العالمية، بفعل قيم التسامح والسلام والعيش المشترك بين المجموعات الثقافية المختلفة المسلمة والبوذية والمسيحية والهندوسية وأتباع ديانات قديمة أخرى.
لم يكن وصول بلد مثل ماليزيا إلى النجاح المطلوب عبر فتاوى تكفّر هذه المجموعة الدينية على حساب تلك أو تعلّي هذه الطائفة على حساب طائفة أخرى، بل كان بالتوجه - وعلى نحو صارم - لوضع مسافة واحدة من الجميع، ولم يكن ذلك من دون عناء أو أخطاء أو حتى شبهات فساد، لكن المشروعية القانونية كانت هي الضامن للنجاح وللشرعية السياسية.
كما لم تكن لدولة كبرى مثل الصين أن تحقّق القفزة النوعية الهائلة في التقدّم بالكتاب الأحمر لـ ماوتسي تونغ ووصاياه، بل كان الانصراف إلى العلم والتكنولوجيا وتعديل شروط الإنتاج وعلاقاته بالقوى المنتجة، هو الذي ساهم في تحقيق التراكم المطلوب، فضلاً عن نظام إدارة سليم، وإرادة سياسية فاعلة.
وهكذا فإن التساوق مع منجزات العلم والتكنولوجيا وتوظيفها بشكل صحيح وعلمي هو الذي حقق المنجز التنموي.
لقد أكّدت التجارب التنموية أن إحراز التقدّم يتطلب علماء في الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب، وليس تكديس أعداد من خريجي المدارس الدينية هم أقرب إلى العاطلين عن العمل منهم إلى منتجين، كما ليست حاجة المجتمع إلى كوادر تتخرّج من المدارس الحزبية لا عمل لها سوى الأوامرية البيروقراطية، وهؤلاء وأولئك دائماً ما يميلون إلى التعصّب ووليدِه التطرّف. والأخير يصبح عنفاً إذا صار سلوكاً وانتقل من التفكير إلى التنفيذ. فما بالك حين تتبنّاه الدولة، سواء باسم "الثورة الثقافية" أو الإيمانية المُؤدلجة، باسم "التكفير والهجرة" أو "ولاية الفقيه" أو "العودة إلى السلف الصالح" حسب داعش وأخواتها، فإن تأثيراته السلبية تكون كبيرة على المجتمع، لا سيّما إذا تم ضخّه عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة السائدة، ناهيك عن القوانين الناظمة للاجتماع السياسي.
يقول مهاتير محمد عن تجربة ماليزيا: "لقد قررنا أن نعبر المستقبل بمباركة كل المكوّنات العرقية والدينية والثقافية من دون الالتفات إلى عذابات ومعارك الماضي، فنحن أبناء اليوم... ومن حقّنا أن نتمتّع بخيرات هذا الوطن".
أما الصينيون فبعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ 1976، وانتهاء "الثورة الثقافية"، ذات البعد الأيديولوجي الدموي، فإنهم توجّهوا إلى بناء القدرات بإرادة قوية وطموح كبير، وخلال أربعة عقود من الزمان نافست الصين الولايات المتحدة القوة الأكبر والأكثر تقدماً في العالم.
وفي الحالتين الماليزية والصينية، لم يكن الاعتبار سوى للعلم والتكنولوجيا وهما ما نحتاج إليه في بلداننا العربية والبلدان الإسلامية، خارج دوائر التزمت والتشدّد والغلو الديني والطائفي، الذي ضرب فايروسه بلادنا بالصميم أكثر من فايروس كورونا، وأحدث تمزّقاً وتفتّتاً في بنية مجتمعاتنا، ونحن لما نكن قد شفينا بعد، من فايروس الأيديولوجيا الذي هيمن علينا وتوغّل فينا لسنوات طويلة.



39
"التسامح واللاعنف".. ندوة حوارية في شبكة الإعلام

بغداد- واع- ملاذ الأمين
عقد مركز  الشبكة للدراسات والبحوث الستراتيجية ندوة حوارية بعنوان "التسامح واللاعنف" ، حاضر فيها الباحث والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان بحضور مجموعة من الاكاديميين والكتاب وممثلين عن دواويين الأوقاف الدينية وعدد من المحللين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.
وقال عضو مجلس الأمناء الدكتور علاء الحطاب الذي أدار الندوة لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن " شبكة الإعلام العراقي ومن خلال مركز الدراسات والبحوث يستضيف الأكاديميين مع النخب المتخصصة لفتح حوارات جادة مهمة تسهم في تطور المجتمع بعد طرحها للرأي العام من خلال مؤسساتها "، موضحاً، أن "المجتمع العراقي بحاجة جادة لفهم معنى التسامح واللاعنف وقبول الآخر ، لأجل البناء والإعمار وضمان التقدم للاجيال".
من جانبه أشاد الدكتور عبد الحسين شعبان "بتوجه شبكة الإعلام العراقي نحو بحث قضايا التسامح وقبول الآخر وطرحها للنقاش ليس في دوائر النخبة فقط وانما في طبقات المجتمع الأخرى لتكون منهجاً وتربيةً وأساساً للتقدم والبناء والحضارة".
وأضاف ،أن " العنف في المجتمعات يقوم استناداً إلى التعصب الذي ينتج عنه التطرف،وهذا الأخير عندما يتحول الى سلوك يكون عنفاً ،عندما يستهدف الضحية ، ويكون إرهاباً عندما يضرب عشوائياً ويسقط ضحايا آخرون من المواطنين السلميين ،وبذلك تسجل هذه الجرائم ضمن الجرائم ضد الانسانية "، موضحاً ،أن "ثقافة التسامح بإمكانها أحداث تغيير كبير في التعايش السلمي وقبول الآخر من خلال فتح الحوارات والجدال والنقاش تحت شعار إن لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة".
وتابع شعبان ،أن "التسامح خيار ستراتيجي لانقاذ المجتمع من الارهاب والعنف والتعصب، ولابد من احترام وقبول الآخر وحرية الفكر والضمير "، مبيناً أن "المجتمع العربي برزت فيه القاعدة وداعش وجبهة فتح الشام الذين يزعمون انهم يمتلكون الحقيقة وهم يلغون الآخر ويزدرونه لذلك فان المجتمع عليه أن يبحث عن سبل جديدة لنشر افكار التسامح وقبول الآخر في حواراته مع هذه المجاميع وامثالها ".
وأشار الى أن "التفكير بامكانية ترميم الحياة الداخلية  يتطلب اشاعة ثقافة السلام والحب وقبول الآخر والسعي لإقرار قوانين العدالة التي لاتميّز بين مواطن وآخر على أساس عرقي أو طائفي أو على أساس الجنس مع نبذ الأعراف والقاليد البالية المتناقضة مع التسامح وتهميش الآخر والبدء بتربية النشء الجديد على مبادئ حب الآخر بتعاون الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني ".
على الصعيد نفسه اوضح مدير مركز الدراسات والبحوث حليم سلمان ،أن " توجه المركز نحو اجراء حوارات مع الباحثين والاكاديميين المتخصصين في مجالات توعية المجتمع يستهدف جذب الراي العام نحو التعاون لحل المشاكل التي تهدده وتؤخر عمليات البناء والإعمار"، لافتاً إلى أن "المركز لا يبتعد عن دوره كمؤسسة اعلامية متخصصة لنشر البحوث الإعلامية ووسائل تطورها ،وانما يسعى من خلال هذه النشاطات الى تثقيف المجتمع وتنبيهه للمخاطر التي تحيط به".


40
المنبر الحر / العروبة والقومية
« في: 21:30 02/06/2021  »
العروبة والقومية
عبد الحسين شعبان
هل العروبة "هوّية" أم حركة قومية؟ هو سؤال غالباً ما يُحدث التباساً لدى المتلقّي، بل وفي بعض الأحيان لدى المعنيين، الذين لا يفرّقون بين العروبة والقومية. وإذا كانت اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك، الأساس في الهوّية، فإن القومية فعل سياسي له برنامج ذو شحنة أيديولوجية، ويزداد الأمر تكريساً حين تنشئ نظاماً سياسياً. وقد تكوّنت الحركة القومية العربية في نهاية القرن التاسع كرَدّ فعلٍ دفاعي عن الهوّية، ضد سياسات التتريك التي اتبعتها الدولة العثمانية، وفيما بعد وقفت ضد سياسات الاستعمار الغربي.
وبالعودة للتاريخ فإن العروبة ولغتها سبقت الإسلام، حسب المؤرخ عبد العزيز الدوري، وحين جاء الإسلام ترسّخت العروبة لأن لغة القرآن كانت عربية، ويذهب محمد عابد الجابري للقول بثنائية العروبة والإسلام، والعربي هو من يصبح عروبياً بنزوعه إلى الوحدة الثقافية، وبالعودة إلى التاريخ فالعرب العاربة أو العرب المستعربة يجمعهم اللسان. أما العروبة فهي امتداد حضاري تاريخي، ورابطة تتصل بالثقافة المشتركة من تبادل المعرفة والأدب والفن والعلم والتراث، وهي رابطة موضوعية لا يمكن إنكارها وليس لها بعداً أيديولوجياُ، أو أنها برسم السياسة.
ووجهة النظر هذه دعوة لاستنهاض العروبة الثقافية مقابل "العروبة العرقية"، أي المتعصّبة على الطريقة البسماركية، لعدم واقعيتها وتخلّفها، وأخذت تحلّ محلّها فكرة العروبة الجامعة والمنفتحة والمتجدّدة والإنسانية والحضارية، وتتقلّص الأفكار القومية المضادّة لها، حيث اكتسبت فكرة العروبة بُعداً واقعياً بعيداً عن الطوباويات المثالية. وبحسب الياس مرقص فالأمة لغة قومية (أساس الهوّية العربية)، وتاريخها هو تناضد طبقات.
ووفقاً لهذا المنظور، فالعروبة رابطة وجدانية وشعورية وإنسانية جامعة وهي ليست ثابتة بمعنى سُكونية، بل متطوّرة وحركيّة، وهي ليست كاملة أو نهائية، بل هي متفاعلة مع محيطها في الإضافة والحذف والتطوير والتغيير، كونها حيوية ومعاصرة وراهنة ولا يمكنها أن تعزل نفسها عمّا يجري حولها وفي العالم أجمع.
وبهذا المعنى فالعروبة ليست سرمدية وتماميّة ومقفلة، مثل بركة راكدة، بل هي على العكس من ذلك أرخبيل مفتوح تتفاعل مع غيرها وتؤثر فيه وتتأثر به ارتباطاً بالتطورات الكونية، والأمر ينطبق على جميع الهوّيات. وهكذا فإن أمر اختلافها ليس مفتعلاً، وإنّما واقعي، يرتبط بالحداثة والمواطنة والحقوق الإنسانية،  التي هي نتاج تطور منذ أمرؤ القيس، مروراً بالمتنبي وابن خلدون وصولاً إلى جبران خليل جبران وطه حسين ومحمد مهدي الجواهري.
وفي الأندلس كان المعتمد بن عباد وابن طفيل وابن باجة وابن حزم وعباس بن فرناس رمزاً للعروبة في صعودها وانفتاحها على ما حولها، مثلما كانت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تأكيداً على خصوصيتها ووجودها الثقافي عبر جورج أنطونيوس وشكيب إرسلان ورشيد رضا وآل البستاني وأمين الريحاني وصولاً إلى ساطع الحُصَري، استمراراً للومضات الأولى لحركة الإصلاح وإرهاصات النهضة التي ابتدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي والشيخ محمد حسين النائيني، حيث ظل سؤال النهضة مطروحاً بركنَيه الأساسيين: الحرية والتنمية، والمطلوب هو إعادة اكتشاف عناصر القوة في العروبة وتجديدها وأنسنتها وتحصينها بالتنوّع وقبول الآخر والإقرار بالتعددية والحق في الاختلاف، وهو ما أخفقت الحركة القومية العربية من بلوغه في مرحلتها الأولى ما بعد الاستقلالات العربية.
ومنذ عصر النهضة حتى يومنا هذا، سادت تيارات فكرية وسياسية عديدة قومية وإسلامية ويسارية، صعوداً وهبوطاً، لكنها لم تستطع إنجاز مشروع يتمتع بأركان هوّية منفتحة ومتماسكة في الآن، ولعلّ ما يحسب لـ مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسه الراحل خير الدين حسيب لما له من عقلية رؤيويّة مستقبلية هو جمعه كوكبة لامعة من المثقفين والباحثين والمتخصصين العرب، لبلورة الخطوط العريضة لــ مشروع نهضوي عربي مستقبلي جديد، أساسه التحرّر السياسي في مواجهة الاستعمار، والتنمية المستقلة في مواجهة التبعية والتخلّف، والوحدة العربية في مواجهة التفتت، والديموقراطية في مواجهة الاستبداد، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والتجدّد الحضاري في مواجهة التغريب وتوظيف التراث إيجابياً.
ومن القضايا الحساسة التي تواجه العروبة موقفها من القوميات الأخرى والتنوع الثقافي في مجتمعاتنا، فخطاب التعصّب الذي حمل شفرة أيديولوجية قاد إلى التطرّف، وحين أصبح الأخير فعلاً وسلوكاً تحوّل إلى عنف، وحين ضرب عشوائياً صار إرهاباً، ومقابل التعصّب والاضطهاد، كان رد الفعل ضيق الأفق والانعزالية القومية. الأمر الذي يحتم الاعتراف بالآخر والإقرار بالشراكة بدلاً من الإقصاء والتهميش، وإعادة النظر بالموقف من المجموعات العرقية والدينية واللغوية على أساس المواطنة وليس العرق، وإلا سيكون الجاحظ وابن المقفع وابن سينا والفارابي وابن رشد وأبو نؤاس وقبل ذلك سيبويه ونفطويه وبشّار بن بُرد وصولاً إلى قامات معاصرة، خارج دائرة العروبة. فليس النسب والعصبية القبلية هي التي تقوم عليها العروبة وإنما اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك.
العروبة الحضارية هوّية ثقافية لغوية منفتحة على التنوّع والتفاعل والتجدّد ولذلك فهي مشروع لم ينجز بعد، حسب قسطنطين زريق، وانتاجه يحتاج إلى وعي جديد وحامل اجتماعي جديد يمثل روح الأمة.

41
في الحاجة إلى التسامح» للباحث عبد الحسين شعبان

د. رنا أبو ظهر*

الدكتور عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عراقي، له أكثر من سبعين كتاب ومؤلَف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي - الإسرائيلي، والإسلام، والمجتمع المدني وحقوق الإنسان. له مساهمات عديدة في إطار التجديد والحداثة والثقافة والنقد.
هو نائب رئيس جامعة اللاعنف، انشغل في قضايا المجتمع المدنيّ والأديان، والدساتير والقوانين الدوليّة، بما فيها النزاعات والحروب ومسائل التسامح واللاّعنف، حتى أصبح رائداً من رواد نشر ثقافة الحوار والتسامح.
وها نحن اليوم أمام أجدد اصداراته «في الحاجة إلى التسامح... ثقافة القطيعة وثقافة التواصل».
كتاب يبدأ بسؤال «لماذا تحتاج منطقتنا الى التسامح أكثر من غيرها؟ لنجد الإجابة على هذا السؤال من خلال طرحه للأمور بطريقة سلسة ومنطقية استعرض فيها كيف تطوّرت فكرة التسامح وتعززت مكانتها لدى نخب فكرية وسياسية وثقافية ودينية الى أن أصبحت حالة ملحّة بسبب سيادة الكراهية والانتقام والنزاعات ومحاولة إلغاء الآخر وخاصة بعد أن انتشر الارهاب في العديد من دول منطقنا العربية والذي حاول أن يدمّر الفكر الحضاري والإنساني والتراثي وليحل التعصب والتطرف كلغة سائدة بدل الحوار والتسامح.
يؤكد الكاتب على أن الثقافة الجديدة التي نحن بحاجة إليها تقوم على مفاهيم مختلفة فالقوة لا تعني استخدام العنف بل تعني التمسّك بالحق وتأكيد قيم المواطنة والمساواة.
ولقد تناول بأسلوبه الرائع تطوّر التسامح وتطوّر القوانين والأنظمة الدولية وخاصة في مجال اللاعنف والحوار والتسامح والسلام، حتى أصبح هذا الكتاب أشبه بدستور أممي لنشر رسالة التسامح في العالم وبين الأمم.
فها هو مجدداً الأكاديميي والمفكر العربي الكبير د. شعبان، يتحفنا بمزيد من انتاجاته الفكرية والحضارية. كان دوماً له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتغيير والتسامح والديمقراطية والمواطنة وتعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة إنشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصاً من خلال وسائل الإعلام. ولد في مدينة النجف الأشرف (العراق) لأسرة عربية كبيرة، عريقة ومتأصلة.
لأفكاره وطروحاته دور كبير فى تغيّر نمط التفكير فى فترة مهمة من حياة الأمه العربية.
إنه الباحث في القضايا الاستراتيجية العربية والدولية ومختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والمجالس الثقافية والإعلامية.

بالنسبة له تأكيد قيم التسامح لا تعني غضّ الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، يعتبر ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن إغراء الاقصاء أو اللاتسامح، إلّا إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
تناول في كتابه حالة التسامح ونشر ثقافة التسامح التي تتطلب رفض التطرف والتشدد، وتوسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، والحق في التعبير.
التسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي، فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وحسب إعلان مبادئ التسامح التي صدرت عن اليونسكو «إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد...»، وهكذا فالتسامح يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ التعصب.
منذ إعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا السبب.
رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرّست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لا سيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً، على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي، لا سيما بعد إقراره قانونياً.
توقّف الكاتب عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.فقيم التسامح لا تستقيم بدون قيم المساواة والعدالة وعدم التمييز والحق في المشاركة وقبول الآخر.
كان قد سبق للدكتور شعبان أن عالج مواضيع مهمة في كتبه وكان قد صدر له العديد من الكتب حول التسامح لعل أهمها كتاب «فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي» حيث عالج الإفتراء على الإسلام بأنّه دين ينفي التسامح ويعزِّز بعض ما يسمَّى إرهاباً، حيث فضح المؤلِّف هذا الخطأ القائم على الجهل والتعصب والتحيز، محتكِماً إلى القرآن والسنَّة وسِيَر الخلفاء وحوادث التاريخ والفكر الإسلامي، بالاستناد إلى الجوهر الديني والدفاع بالحجَّة والشواهد.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا أن نتعاطى معه على هذا الأساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، بل بالحق في العيش بسلام ودون خوف، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء الآخر.
أخيراً لا يسعني إلا أن أقول إن هذا الكتاب يعتبر مرجعية لكل مواطن عربي.

 * المستشارة الدولية والمنسقة العامة للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني/ مقره النرويج.


42
المنبر الحر / عن الإرهاب كظاهرة
« في: 18:02 29/05/2021  »
عن الإرهاب  كظاهرة
                           
عبد الحسين شعبان
أثارت أحداث حي الجرّاح في القدس وما أعقبها من اندلاع صراع مسلح أودى بحياة ما يزيد عن 280 شهيداً فلسطينيًا ونحو 1500 جريحاً الجدل القانوني والسياسي حول ما المقصود بالإرهاب الدولي، علماً بأن هذا الموضوع شغل العديد من المحافل والمؤتمرات الدولية وعلى مدى عقود من الزمان، والسبب ليس في صعوبة التوصّل إلى إيجاد تعريف من جانب الخبراء القانونيين والسياسيين والدبلوماسيين، بل يعود إلى اختلاف مصالح الدول والجهات والقوى وتعارض إيديولوجياتها.
   وفي الكثير من الأحيان يختلط مفهوم "الإرهاب الدولي" بمفاهيم أخرى لاعتبارات سياسية وتبعاً للجهة المستفيدة منها، فالقوى المتنفّذة في العلاقات الدولية تحاول تكييف بعض قواعد القانون الدولي لصالحها، إلى درجة أنها تعتبر بعض حركات التحرّر الوطني التي تناضل من أجل حق شعوبها في تقرير المصير ونيل الاستقلال "قوى إرهابية"، متنكّرةً لمضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالدفاع عن النفس.
   رصد الباحث أليكس شميد في كتابه "الإرهاب السياسي" وجود ما يزيد عن 100 تعريفاً "معتمداً" لمصطلح الإرهاب، وحسب المفكر الأميركي "نعوم تشومسكي" فالإرهاب يعني محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف أو أعمال العنف بهدف تحقيق أغراض سياسية، سواء كان الإرهاب فرديّاً أم تمارسه مجموعات أم دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة.
   ولأن تعريف الإرهاب مهمّاً لجهة التأطير القانوني، فإن الدول الكبرى والنافذة لا تريد الوصول إلى تعريف جامع مانع كما يُقال، لأن ذلك يحول دون استخداماتها لأشكال مختلفة من العنف قد ترتقي إلى الإرهاب، ولهذا السبب فهي تسعى إلى إبقاء التعريف عائماً وغير محدد، مع العلم أنّ مضمونه وجوهره ينطبق على توصيفه.
   وقد عبّر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عن رفضه التلميحات التي تريد ربط الإسلام بالإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية الإجرامية، وهو أمر يحتاج إلى فهم عقلانيّ للموقف من العنف في جميع الأديان والأمم والبلدان واستخداماته السياسية... فليس دمغ الآخر بالشيطانية سبباً كافياً للكشف عن جذور الإرهاب وفي عزل الإرهابيين أو ردعهم أو إبطال عملهم.
   وعلى الرغم من غياب تعريف للإرهاب، وتمييزه عن أعمال العنف "المشروعة" المنسجمة مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فإن قواعد القانون الإنساني الدولي تحظر معظم الأفعال المرتكبة في النزاعات المسلحة المتّسمة بسمة الإرهاب. ولا بدّ من التمييز بين المدنيين والمحاربين، مثلما ينبغي حماية الأعيان المدنية وتفريقها عن الأهداف العسكرية، وكذلك حظر الهجمات المتعمّدة أو المباشرة أو العشوائية، إضافة إلى استخدام "الدروع البشرية" وأخذ الرهائن، حيث تنصّ المادة 33 من اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، وتحظر المادة 4 من البروتوكول الإضافي الأعمال العدوانية، وذلك بهدف حماية الأفراد والسكان المدنيين من العقوبات الجماعية، كما يحظر بروتوكولا جنيف الأول والثاني لعام 1977: أعمال العنف أو التهديد الرامية أساساً إلى بثّ الذعر بين السكان المدنيين، مثل القتل والقنص وشنّ الهجمات وغيرها.
   ومع أنّ هناك نقصاً في القواعد القانونية فيما يتعلّق بأوقات السلم إلّا أنّ هذه الأعمال تخضع للقوانين الوطنية مثلما تخضع لقواعد القانون الدولي، وخصوصاً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان بغضّ النظر عن دوافع مرتكبيها، وبإمكان الدول اتخاذ تدابير عديدة لمنع أو قمع الأعمال الإرهابية عن طريق الجهد الإستخباري وتعاون الشرطة والقضاء وتسليم المجرمين والعقوبات الجنائية والتدقيقات المالية وتجميد الأصول والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية فيما يتعلّق بالدول المتّهمة بمعاونة الإرهابيين المشتبه بهم.
   ومثلما أثار مصطلح الإرهاب الدولي جدلاً واسعاً، فإنّ الحرب العالمية عليه زادت من حدّة الاختلاف بشأنه، والمقصود بذلك وصف عدد من التدابير والإجراءات الهادفة إلى مواجهة العمليات الإرهابية ومنعها. والاستشكال يقوم على التفريق بين المصطلح البلاغي والإعلامي والمعنى القانوني والدلالي بشأن النزاع العالمي المسلّح، خصوصاً وأنّ الإرهاب ظاهرة ولا يمكن شنّ حرب ضدّ ظاهرة، وهي حرب ضدّ طرف غير محددّ الهُويّة في نزاع مسلّح، ولذلك فالحرب العالمية على الإرهاب تثير تشوّشاً والتباساً وقد يمكن توظيفها سياسياً، والأدقّ بتقديري، الحديث عن مكافحة الإرهاب بأشكاله المتعددة وأسبابه المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والإثنية وغيرها، بما فيها الإحتلال والإلحاق والضم.
   وإذا كانت أدبيّات الأمم المتحدة بشأن الإرهاب لم تعالج النقص في التعريف، الذي بقيَ ضبابيّاَ، فإن مهمة مكافحة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين أصبحت أكثر تعقيداً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وخصوصاً بعد النشاط المحموم الذي قامت به تنظيمات القاعدة وداعش وأخواتهما، التي زادت المسألة التباساً، ففي حين تركّز بعض القوى السائدة على الإرهاب الفردي وأعمال الانتهاك التي تقوم بها مجاميع إرهابية، فإنها تغض النظر عن إرهاب حكومات أو دول، مثلما حصل في الحرب على غزّة التي دامت أحد عشر يوماً.





43
حازم نهار
شكرًا دكتور عبد الحسين، أريد أن أذهب إلى الحضور لتلقي أسئلتهم ومداخلاتهم:
 
عصام دمشقي
مساء الخير دكتور عبد الحسين، وتحياتي للجميع، أنا سعيد بالاستماع إليك مرة ثانية، لم أقابلك منذ 14 سنة، في أربيل وقتها. في الحقيقة إن تعريفك للثورة لطيف وأغراني، من حيث إنها عملية مثل الحب، لا يأتي مرة واحدة، بل يأتي تدريجًا، لكن يمكن الحديث أيضًا عن شيء اسمه النظرة الأولى، والنظرة الأولى في وضعنا قد تكون إسقاط النظام القائم؛ فإسقاط السلطة القائمة هو البداية، وإن كان هذا لا يعني حلّ المشكلات كلها، إذ ستظهر لدينا مشكلات كثيرة، مثل الأمية، والمرأة، والدين والطائفية، وغيرها من المشكلات، لكن من دون هذا الإسقاط ستتوقف الصيرورة. هذا الإسقاط أين يقف اليوم؟ في الحقيقة إنه واقف عند طرف إما هو عسكري أو خارجي، ففي مصر كان الطرف عسكريًا، ولو ظل مرسي والإخوان المسلمون في الحكم كان يمكن لصيرورة الثورة أن تستمر، وفي ليبيا الصيرورة لا تزال مستمرة، أما في العراق فما يوقفه حاليًا هو طرف خارجي إيراني أكثر من الأميركي، فالأميركي هو طرف خارجي فحسب، أما الإيراني فيمكن النظر إليه بصفته متفاعلًا مع البنية الداخلية العميقة للشعب العراقي، الدينية والطائفية، وهنا تكمن صعوبته.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما تطرقت إليه حضرتك بخصوص الدول الشرقية، وما تختلف به عنا. صحيح أنه توجد فروقات في البنى الثقافية والتعليمية والحضارية، لكن الفارق الأساس كان دور الاتحاد السوفياتي، ففي هنغاريا سنة 1956 فشلت الثورة، وفي 1968 فشلت في التشيك، لذلك ما أدى إلى نجاح الثورات في أوروبا الشرقية هو تراجع الاتحاد السوفياتي وانهياره.
حتى المهاتما غاندي، على الرغم من سلميته المعروفة، لم يكن له أن ينجح سلميًا أبدًا، لو لم يكن هناك طرف آخر يتمتع، كما يقول هو نفسه، بدرجة من الضمير والحرية، فمثلًا غاندي اعتقله البريطانيون وأخرجوه، فهل هذا هو حال النظام السوري وغيره من الأنظمة العربية؟ إذًا القصة تتعلق أيضًا بالطرف الآخر، وبالظرف الخارجي.
 
حبيب إبراهيم
مساء الخير جميعًا، شكرًا لميسلون، وشكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان. سؤالي يخصّ الواقع السوري. بعد عشر سنوات، هل تعود الكارثة في سورية إلى أسباب مجتمعية تتعلق ببنية المجتمع السوري المنقسم قوميًا وطائفيًا ومذهبيًا، أم تعود إلى العقلية الأمنية العسكرية للنظام الاستبدادي، أم إلى الإثنين معًا؟ لدي هنا سؤال افتراضي: بعد كل ما حدث، فيما لو نجحت الثورة في إسقاط النظام، هل ستكون تطبيقًا لمقولة “الثورة حفر في العمق”؟ بمعنى هل كان بإمكاننا القول إن الثورة انتصرت بسقوط النظام، خاصةً بعد ما شاهدناه من خطابات كراهية مقرفة جدًا في أوساط النظام وأوساط المعارضة؟ وأيضًا بالنسبة إلى مصطلح الربيع العربي، هل هو مصطلح يعكس حقيقة ما حصل؟ وشكرًا لكم.
 
محمود الحمزة
مساء الخير، وشكرًا لميسلون على هذه الندوة الطيبة، شكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان المفكر المرموق الذي نعتز به جميعًا، وعلى مقارباته الاستراتيجية والفكرية العميقة لوضع الربيع العربي والثورات.
لدي ما أقوله، وهو في منزلة التفكير بصوت مرتفع، وينتهي بسؤال: لقد تحدثت دكتور عن التقاء العامل الذاتي بالموضوعي، أو الظروف الموضوعية والظروف الذاتية، فهل يعني هذا، مثلًا، أن الثورة في سورية كانت غير ناضجة؟ طبعًا الأسباب الموضوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية موجودة، لكن ما أفكر فيه الآن، هل كانت الأداة، أي النخب، ليس النخب الثقافية فحسب التي تحدث عنها الدكتور حازم، بل أيضًا النخب السياسية، قاصرة؟ وهل كان المثقفون قاصرين عن فهم طبيعة الوضع في سورية، ولم يستطيعوا أن يقدِّموا حلولًا أو أفكارًا لإنجاح الثورة مثلًا؟ أم أن هناك عوامل أخرى أودّ أن أسمعها منك، خصوصًا إذا قارنا وضعنا بثورة أكتوبر وقول لينين إن الثورة يجب أن تقوم اليوم، ليس غدًا. فهل هناك شروط قوية جدًا، في ضوء هذه العبارة المكثفة، تخصّ العامل الذاتي الذي هو أداة الثورة، كانت غير متوافرة في عدد من بلدان الربيع العربي، خاصةً سورية. فهل كان مثلًا لعدم وجود حزب يقود الثورة، أو قيادة، كما جرى في الثورات الأخرى، دورٌ ما؟
في الحقيقة، نحن السوريين نقف اليوم محتارين أمام مشكلة كبيرة؛ بعد كل هذه التضحيات العظيمة من الشعب السوري، وبعد كل هذه الوحشية من النظام وحلفائه، وبعد كل هذا التخاذل الدولي أمام الكارثة التي عاشها ويعيشها السوريون، هل ما تزال النخب الثقافية غير قادرة على التقدم خطوة إلى الأمام للخروج من هذه الأزمة، وتقديم رؤية ناجحة، ليست نظرية فحسب، فعندما نتحدث في الفلسفة والفكر، تبقى الأمور أسهل قليلًا، لكن عندما ننتقل إلى الواقع العملي نجد أن هناك صعوبات قد نكون كلنا مقصرين وعاجزين عن فهمها، ولذلك اصطدمنا بعقبات لم نستطع تجاوزها؟
 
هنادي زحلوط
سلامات دكتور عبد الحسين، ودكتور حازم، كان لدي سؤال حول طبيعة الثورة، هل الثورة هي فعل سلمي خالص، وفي حال أُجبِر بعض المنضمِّين إلى الثورة على حمل السلاح، لأي سبب من الأسباب، لحماية أهلهم مثلًا، أو حماية أنفسهم، هل هذا يبطل ويسقط الصفة الثورية عنهم، وعن الثورة نفسها؟
 

عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أنا أشعر أن هذه الإضاءات والإضافات هي تعميق لهذا الحوار المفتوح، الذي نفكر فيه بصوت عال، وبقلب حار، ورأس بارد، كما يُقال، ومن هذه الزاوية أبدأ من عند الأستاذ محمود حمزة: علاقة العامل الذاتي بالعامل الموضوعي؛ أحيانًا يتراءى لنا أن العامل الذاتي ناضجٌ، وأن العامل الموضوعي ربما أكثر نضجًا. بعد التغييرات التي حدثت في أوروبا الشرقية عام 1989، خاصةً مع انهيار جدار برلين في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، بدأت تكرّ مسبحة الأنظمة الاشتراكية السابقة، الواحد بعد الآخر، وكان الاعتقاد أنه بدأت مرحلة جديدة للنظام العالمي، الجديد، وستؤدي هذه المرحلة إلى انهيار جميع الأنظمة الشمولية، لكن مثل هذا الاعتقاد كان وهمًا. فعلى الرغم من توافر العامل الموضوعي، ومن توافر الرغبة في عملية التغيير لدينا، إلا أن رياح التغيير انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، لعدم توفر عوامل مساعدة أخرى؛ فإضافة إلى العامل الذاتي الغائب، كان العامل الموضوعي الخارجي ناقصًا، حيث إن الغرب لم يكن مستعدًا لإجراء تغيير في منطقتنا، في حين أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإجرامية الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة، بدأ الغرب يفكر في إجراء بعض التغييرات، فبدأ يدعو إلى إعادة النظر في الأنظمة التعليمية، والمناهج الدراسية، وبدأ يدعو إلى تنقيح بعض وجهات النظر، في هذه القضية أو تلك، وبدأ حديث عن التغيير، حتى أنه درب أعدادًا من أوساط المجتمع المدني، بزعم أنه يريد إنجاز عملية تغيير، لكن العامل الذاتي لم يكن متوافرًا، فقد حطمت أنظمتنا، إلى حدود غير قليلة، العامل الذاتي، وصفّت العديد من الأحزاب والقوى، أو أصبحت في المنافي، ولذلك لم يكن هناك حاضن اجتماعي لعملية التغيير على الرغم من توافر العامل الموضوعي بدرجة ما.
أظن أن هذه مسألة مهمة، حتى عندما نتحدث عن موضوع الانتفاضة الذي وردت الإشارة إليه، دعوة لينين إلى الانتفاضة، وتحديد موعد لهذه الانتفاضة، تحت عنوان أن هذه الانتفاضة لا تتقدم ساعة ولا تتأخر ساعة، وعلينا اختيار اللحظة الثورية لتحقيق عملية الهجوم، ومن ثمّ تحقيق مطالب الانتفاضة.
أتذكر أنني في عام 1989 كنت ألقي محاضرة في براغ ، فدعاني السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح إلى إلقاء محاضرة عن الانتفاضة، انتفاضة عام 1987-1988 التي كانت مستمرة خلال إلقائي للمحاضرة، وقد تحدثت في حينها عن فن الانتفاضة، وهل هي علم أم فن، وكيفية التوفيق بينها، كعلم وكفن، في الآن ذاته، وكيف يمكن جمع العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، وهل يمكن أن تنطبق الانتفاضة على بلد محتل مثل فلسطين؟ وهل يمكن أن نطلق انتفاضة الحجارة على الانتفاضة الفلسطينية؟ فظهرت من داخل القاعة مثل آهة، أو آهات؛ أي انتفاضة؟ فقط في العلم الماركسي يجري الحديث عن انتفاضة. في الحقيقة، يجري الحديث عن الانتفاضات وفق المواصفات اللينينية، وكأن المواصفات اللينينية تصلح لكل العصور وكل الأوقات، في حين أن علينا استنباط الأحكام وفقًا للمعطيات الفكرية والتاريخية، آخذين في الحسبان ظروف بلداننا ومنطقتنا وخصوصيتنا. هذه مسألة أعتقد أن التوقف عندها مهم جدًا، وسأتوقف عند قضية التغيير الذي حصل في أوروبا الشرقية.
صحيح أن الحب من أول نظرة، أحيانًا، يولِّد نوعًا من الإعجاب، لكن الحب الحقيقي يكون عبر المعايشة والمساكنة والتواصل والمعرفة والتواصل، وهو يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تراكم، إذ يبقى الحب من أول لحظة خادعًا أحيانًا، فهو إعجاب رومانسي عذري بعيد عن واقع عملية الحب الحقيقية، التي هي تفاعل، وتواصل، وتراكم، وتعاشق، واندغام، بمعنى التغلغل في الآخر، وبمعنى معرفة كينونة الآخر، وصيرورة هذه العلاقة الإنسانية. هكذا هي الثورة كما أوصّفها.
في أوروبا الشرقية، لنتوقف عند التجربة، عندما حدثت عملية التراكم في بولونيا، والتي استمرت عشر سنوات، منذ احتجاجات نقابة تضامن عام 1980، حتى حصل التغيير عام 1989، وبهذا المعنى حصل التغيير سلميًا، وحصل بتحول شمل جزءًا من الطبقة السياسية التي كانت مشاركة ومتشددة ضد عملية التغيير، لكنها اضطرت إلى الاستجابة لعملية التغيير عندما حدث اختلال في توازن القوى، وكنت أتمنى أن يحدث مثل هذا الاختلال والتوازن في عددٍ من البلدان، بحيث تكون عملية التغيير بمشاركة من داخل الدولة نفسها، وضمن عملية تراكم، وتواصل، وبقناعات، خصوصًا عندما يختل توازن القوى.
حدثت أيضًا عملية تغيير في هنغاريا، انحاز فيها جزء من السلطة لجانب المعارضة، فاتفقوا على تحضير دستور جديد، وإجراء انتخابات، وفي الانتخابات فازت القوى الصاعدة التغييرية، وفاز أيضًا جزء من القوى القديمة، ولذلك أطلقت على عملية التغيير في هنغاريا وفي بولونيا “فقه التواصل”، أي أن الدولة واصلت نفسها بإجراء عملية تغيير عبر حلقة مركزية انتقلت فيها السلطة من هذا الطرف إلى الطرف الآخر، وانتقلت سلميًا.
في تشيكوسلوفاكيا، كان التغيير في البداية أقرب إلى فقه القطيعة، لكن في اللحظة الأخيرة انحاز جزء من السلطة لجانب المعارضة، فحصلت عملية التغيير، ولذلك لم تشهد هذه البلدان انتقامات، ولم تشهد كراهية، ولم تشهد عمليات ثأر أو كيدية أو محاكمات كبيرة كما حصل في بلدان أخرى.
حصلت عملية التغيير بطريقة سلسة، وسلمية، وللعوامل التي ذكرتها سابقًا؛ القضاء على الأمية، دور الدين ضعيف، دور المرأة، التقدم الاجتماعي، البيئة الحاضنة كانت مهيئة داخليًا وخارجيًا.
في حين إنه في ألمانيا الديمقراطية، أصرت ألمانيا الاتحادية على أن عملية التغيير لن تتم إلا وفقًا لقوانين ألمانيا الاتحادية، وألغت 41 عامًا من عمر ألمانيا الديمقراطية، ومن قوانينها التي كانت تحكم بها، وحوكم بعض الذين اتُّهموا وفقًا لقوانين ألمانيا الاتحادية، في حين أنهم كانوا يعيشون في ألمانيا الديمقراطية، لكن على الرغم من ذلك عولجت المسألة من زاوية العدالة الانتقالية، وعندما نتحدث عن العدالة الانتقالية، نتحدث عن خمس قضايا:
المساءلة، فلا بدّ أن تكون هناك مساءلة للجميع، ولكل من ارتكب الجرائم. ولا بدّ أن نأخذ في الحسبان المراتب، وأن يكون هناك بعد المساءلة كشف الحقيقة، ماذا حصل، لماذا حصل، وكيف حصل، ومتى حصل، ووفقًا لأي اعتبارات حصل، ثم لا بدّ من جبر الضرر، وإبقاء الذاكرة حية، وتسمية مدارس ومدن وشوارع ومكتبات وشوارع وساحات عامة بأسماء الذين قدموا حياتهم ثمنًا لعملية التغيير، والذين أسَّسوا لعملية التنمية، وغير ذلك.
ثم هناك التعويض المادي والمعنوي للضحايا، أو أسر الضحايا، ثم تأتي عملية إعادة ترميم الأنظمة القانونية، والدستورية، والأمنية، والقضائية، كي لا يتكرر ما حصل، على أن نأخذ الجميع بالتسامح، دون الإفلات من العقاب، لكن أيضًا دون انتقام، بحيث لا تتحول العدالة إلى عدالة انتقامية، بدلًا من أن تكون عدالة انتقالية.
في الواقع، لا بدّ من معالجة خطاب الكراهية، وقد تحدث صديقي الدكتور حازم عن انبعاث مستجدات لم نكن نعرفها في مجتمعاتنا العربية. أنا عشت في سورية، وأعتز بانتمائي السوري، وأقول دائمًا أنني سوراقي، ولا أستطيع التفكير في العراق بعيدًا عن تفكيري بسورية، ولا العكس، لذلك أشعر أن هذا البلد هو بلد واحد متواصل، متداخل، متشابك بعضه ببعض، ولذلك لم نكن نشعر بمثل هذه النزعات الكريهة التي بدت، فهل يعقل أن مسلمًا يقتل مسيحيًا؟ لم يحصل هذا في تاريخ سورية، ولم يحصل حتى في العراق، أن يقتل عربي كرديًا، أو أن يقتل كردي عربيًا، لكونه عربيًا أو كرديًا، لكن كان هناك صراع بين الحكومات والحركات الكردية التي تناضل من أجل مطالبها، كما كانت هناك مطالب كردية في سورية في حاجة إلى أن تؤخذ في الحسبان، قانونيًا ودستوريًا، ولذلك فإن هذه النزعات انفجرت مجتمعيًا، ومن هذه الباب قلت إن الثورة تظهر أنبل ما فينا، وفي الوقت نفسه تظهر أقبح ما فينا. في قاع المجتمع، وفي الدرك الأسفل من المجتمع. عندما تظهر مثل هذه النزعات اللاوطنية ينبغي أن تكون الوطنية دائمًا هي السقف الذي يؤخذ في الحسبان، حتى بالنسبة إلى الذي يريد أن يتحدث في المعايير الأوسع والأبعد، سواءً في جانبها الاجتماعي، أو جانبها الديني، أي لا بدّ أن يكون المرء وطنيًا في الأساس، ثم ينطلق نحو مشروعه الفكري.
أعتقد أن مواجهة خطاب الكراهية بخطاب جديد هو خطاب التسامح هو أمر ضروري، ففي الحقيقة كلنا خطاؤون. يقول فولتير: نعم نحن بشر خطاؤون، وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضًا بالتسامح، وعلينا أن نقرب المسافات فيما بيننا، وعلينا أن نقدم نقدًا ذاتيًا، أين أخطأنا، وكيف أخطأنا، ولماذا أخطأنا. كيف يمكننا أن نتفق على (بلاتفورم جديد)؟ سموها جنيف 1 أو جنيف 10، المهم أن بحدث تحول سياسي بطيء، هادئ، بعيد المدى، لكن في الاتجاه الصحيح الذي يلبي مطامح الشعب السوري بالدرجة الأساسية.
استخدام السلاح، يؤسِّس لشيء آخر، وحتى امتلاك السلاح، تحت أي عنوان. فامتلاك السلاح يوازي استخدام السلاح، وإذا كنت تمتلك قنبلة نووية، فهذا يوازي استخدامك للقنبلة النووية حتى لو لم تستخدمها، لذلك فإن إسرائيل جن جنونها عندما أراد العراق أن يبني مفاعلًا نوويًا للأغراض السلمية، في حين هي نفسها تمتلك قنابل نووية منذ عام 1955 في ديمونة، إذ أُنشِئ فيها مفاعل نووي بمساعدة فرنسا، ولديها ما لا يقل عن مئة رأس نووي في الوقت الحاضر، لكنها تصاب بالهيستريا فيما لو أراد بلد من البلدان، خاصة البلدان العربية، أن يقيم مفاعلًا نوويًا للأغراض السلمية، وليس الحربية.
أقول كلما طرقت الثورة طريق السلم، كلما حمت نفسها بضمانات داخلية، مجتمعية، وبضمانات إقليمية ودولية، وهذه التجارب الآن، تجارب أوروبا الشرقية، وتجارب العديد من دول أميركا اللاتينية أيضًا، أخذت منحىً جديدًا.
من منا لا يتذكر كيف عمل بينوشيت في تشيلي، عام 1973 حدث الانقلاب الشهير ضد السيلفادور ألاندي.. قُتِل السيلفادور ألاندي.. دخل عشرات الآلاف السجون.. امتلأت المنافي بالتشيليين.. قُتِل 3000 إنسان تحت التعذيب، ووصل الطرفان إلى طريق مسدود بعد 15 عامًا، لا بينوشيت الديكتاتور الشرير استطاع القضاء على حركة التغيير، ولا حركة التغيير بالكفاح المسلح استطاعت إسقاط بينوشيت أو إطاحته، فاتفق الطرفان، المعارضة والسلطة، الديكتاتور وخصومه، على إجراء انتخابات، وعلى سنّ دستور جديد، ليس ديمقراطيًا إنما فيه نفحة ديمقراطية، وهذا الدستور يحمي الجلاد من المساءلة مدة عشر سنوات، ويحمي كل الذين ارتكبوا الجريمة والتعذيب الذي لا يسقط بالتقادم مدة عشر سنوات، وعندما حصل هذا الاتفاق حصلت الانتخابات وفازت المعارضة تدريجيًا، ولذلك فإن شعار أميركا اللاتينية الآن، التي حصلت في سبع بلدان منها انتخابات ديمقراطية، هو: الثورة في صندوق الاقتراع، فصندوق الاقتراع الآن يوازي سلاحًا من الأسلحة، وهو يحتاج إلى مستلزمات، ويحتاج إلى ضمانات، ويحتاج إلى توفير بيئة آمنة.
 
حازم نهار
لدينا ثلاثة أسماء أخيرة تريد طرح أسئلة أو تقديم مداخلات.
 
عمر حداد
مساء الخير، وشكرًا جزيلًا للدكتور عبد الحسين شعبان، ولمؤسسة ميسلون، وللأستاذ حازم نهار، لدي سؤال قد يكون خارج الإطار المحدّد، لكنه ليس بعيدًا بالمعنى العام:
قد تؤثر التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم الحديث إلى حدٍ كبيرٍ في إنتاج هويات جديدة، وإحداث تغيرات في شكل الدولة، بحكم التغير المناخي، وتغير شكل الشركات، وشكل وسائل الإنتاج، وظهور شركات عابرة للدولة. السؤال هنا: إلى أي مدى تبقى أسئلة الربيع العربي، أو أهداف الربيع العربي، التي تنتمي إلى العصر الحداثي، أسئلة راهنة، في وقت يتجه فيه العالم نحو أسئلة ما بعد الحداثة، وهل يمكن ردم هذه الهوة أو الفجوة، بين ما يطرحه العالم من أسئلة أخلاقية وفلسفية وفكرية جديدة، وبين ما نتعثر في تحقيقه من أسئلتنا التي تنتمي إلى عصر قد يكون مضى، خصوصًا في إطار قول الدكتور، وهو محق طبعًا، إنه قد يكون أمامنا كمجتمعات عربية عدة عقود لإعادة الأمور إلى المسار الصحيح، وإنجاز تحولات باتجاه تحقيق أهداف هذا الربيع العربي؟
 
فايز القنطار
تحياتي، شكرًا للدكتور عبد الحسين شعبان على هذا التحليل القيم جدًا والعميق جدًا، أودّ أن أتدخّل في نقطتين: النقطة الأولى حول العنف، أنا أوافق، وكنت ضد استخدام العنف منذ البداية في الثورة السورية، وبقيت في الميدان حتى عام 2013، لكن هل تعرف يا دكتور أن النظام السوري لا يشبه إلا ذاته، فما يصح خارج سورية، لا يمكن تطبيقه في سورية على الإطلاق، فمن يصدِّق في هذا العالم أن هناك نظامًا سياسيًّا يعتقل أبناء بلده ويعذبهم بالجملة حتى الموت، يعتقل شباب الجامعات، والشباب المسالمين، وشباب الكفاءات العلمية، الذين لم يرتبكوا جرمًا سوى أنهم طالبوا بالتغيير الديمقراطي. هل تعرف عدد الضحايا الذين ماتوا في سجون الأسد تحت التعذيب من قبل موظفين يتقاضون رواتبهم من دم الشعب السوري وتحت شعار وعلم الجمهورية السورية؟ هذا وضع غير مسبوق في التاريخ المعاصر؛ أن يتصرف نظام على هذا النحو، هذا فضلًا عن استخدام السلاح الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل ضد البنى المدنية.
لقد فرِض العنف فرضًا على الشعب السوري، وحُشِر السوريون في زاوية ضيقة، فكنا نقول النظام يريد أن يجرنا إلى العنف ولا نريد أن نذهب إلى حيث يريد، لكن ذلك بات مستحيلًا في مرحلة من المراحل.
النقطة الثانية، عندما قارنت أوضاع التحولات التي حدثت في أوروبا الشرقية، مع ما يحدث في المنطقة العربية، أنا أوافقك على الكثير مما تفضلت به، لكن هناك ظرف تاريخي مختلف، فوضع المجتمع الدولي منذ ثلاثين سنة كان مختلفًا عن الواقع الحالي، والثورات العربية أتت في زمن صعب تمرّ فيه البشرية في مأزق كبير إن صح التعبير، وهذا كله أثر في عدم تمكن ثورات الربيع العربي من تحقيق إنجازات. القضية الأساسية أيضًا، أنك ركزت على العامل الداخلي، والعامل الذاتي، وهذا بالتأكيد أوافق عليه، وله دور كبير، لكن حجم الدول الخارجية التي تدخلت، خاصةً في سورية، كان غير مسبوق، فوجدنا في بداية الصراع المسلح أن النظام أوشك على السقوط بعد سنة ونصف، على الرغم من آلته العسكرية التي تُعدّ ثاني أقوى جيش في منطقة المشرق، وهذا استوجب دخول أكثر من 16-17 فصيلًا إيرانيًا لمساندة النظام السوري، وهذه أيضًا تعرضت في عام 2015 للهزيمة ما استدعى تدخل قوى كبرى. وأمام حجم هذا التدخل غير المسبوق لا يوجد إمكانية لتحقيق انتصارات في هذه الظروف، على الرغم من أن الشعب السوري قد دفع ثمنًا باهظًا.
 عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أنا أقصد في حديثي عن العنف واستخدام العنف، حتى وإن جرى بطريقة أو أخرى، دفاعًا عن النفس، أو أي شيء من هذا القبيل، أنّ وضع العنف كأسلوب، أو استخدام العنف كأسلوب، قد أدى إلى فتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي؛ حصل جرى التدخل التركي، ثم التدخل الأميركي، وبالطبع قبل ذلك التدخل الروسي والإيراني، تحت عنوان العنف والعنف المضاد، من هذا الطرف أو من ذاك الطرف، وهو ما جرَّ البلد إلى احتراب له أول وليس له آخر. لاحظوا أن هذا العنف أدى إلى تهجير أكثر من 10 مليون سوري، فأكثر من 6 مليون سوري مسجلون اليوم على قائمة المنظمات الدولية كلاجئين، وقد يوازي هذا العدد أو أقل منه بقليل عدد النازحين داخل سورية، وربما أكثر، وهذا كان أحد أسبابه استخدام العنف والعنف المضاد.
دعني أقول أيضًا إنني عندما أعرض تجربة لبلد من البلدان، فهذا ليس بهدف اقتباسها، أو تقليدها، أو استنساخها، إنما الاطلاع عليها للاستفادة منها، ولمعرفة صيرورة الصراع في هذا البلد أو ذاك، لمعرفة ما يمكن الأخذ به، أما ما لا ينطبق على حالتنا فيمكن إهماله أو تركه.
أما من حيث كون التغيير عملية تتعلق بالحداثة أو ما بعد الحداثة، خصوصًا في ظل التحول العالمي باتجاه العولمة، فيمكن القول فعلًا إننا الآن في ظل أوضاع جديدة في العالم، وعلى أعتاب الثورة الصناعية الرابعة، بل إن العالم قد دخلها بالفعل، ودخل مرحلة الذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة مختلفة عن كل الـ 50 سنة الماضية، أي أن السنوات الخمس أو الستّ الأخيرة تعادل كل الـ 50 سنة الماضية بكل ما فيها من تطور مهم. ّ
ونعود هنا إلى صديقنا إلياس مرقص، عندما ربط الثورة بعملية التقدم، فهذا من الممكن أن يكون سلاحًا ذا حدين الآن: سلاح لمصلحتنا أو لمصلحة التغيير، وقد يكون سلاحًا ضد عملية التغيير، فكيف تكون عملية التغيير إذا كان الفكر الذي تستند إليه، والخطاب الذي تروِّج له خطابًا ماضويًا لا يتعلق بالحاضر، وليس له علاقة باستشراف المستقبل.
انتقد كثيرون أدونيس عندما قال كيف أستطيع أن أدعم حركة احتجاج، أو ثورة، أو انتفاضة، تخرج من المساجد، لكن أدونيس قصد بذلك أن الخطاب الذي انطلقنا منه، كان جزء كبير منه خطابًا ماضويًا، وهذا الخطاب الماضوي له أساس، انبعث مجددًا في ظل خلخلة النظام الاجتماعي والسياسي في منطقتنا، وفي بلداننا. حصل هذا الأمر في ليبيا، وحصل في اليمن، وحصل في مصر، ولذلك ليس عبثًا أن يفوز الإخوان المسلمون في انتخابات ديمقراطية، وأن يصلوا إلى السلطة، أما القوى الحداثية والقوى التقدمية والمدنية، فهي لم تستطع أن تفرض وجودها، بحكم القمع المعتق طويل الأمد من جهة، وبحكم أن بعضها تخلّى عن دوره، وأخذ ينظّر بعيدًا عن الناس من جهة أخرى، في حين أن القوى الدينية كانت تعيش وسط المجتمع، ومتغلغلة في عمق النسيج الاجتماعي، وملبِّية للحاجات اليومية للناس أحيانًا، وإن كانت بسيطة، وهذا كله ساعدها في الوصول إلى السلطة.


44
حوار مع عبد الحسين شعبان
حوار مع عبد الحسين شعبان؛ إعادة قراءة فكرية للربيع العربي بعد عشر سنوات على اندلاعه



إدارة الحوار: حازم نهار
في بداية الجلسة الحوارية، رحّب الدكتور حازم نهار بالدكتور عبد الحسين شعبان، وعرّف به، وألقى الضوء على مسيرته الحافلة بالعطاء، وذكر عددًا من إنجازاته الثمينة في مجالات عديدة ومتنوعة، الفكرية والسياسية والحقوقية والمدنية:
عبد الحسين شعبان 
شكرًا دكتور حازم على هذه المقدمة التي أستحقها ولا أستحقها، والتي جاءت على جوانب مهمة من تجربتي الفكرية والثقافية، وأودّ أن أقول إننا إذ نتحدث عن تجاربنا أحيانًا، نتوقف قليلًا عند بعض جوانب النقد، والنقد الذاتي أيضًا على هذا الصعيد، ومن هذا المنطلق سأتناول موضوع الربيع العربي، في قراءة جديدة للمستجدات والمتغيرات التي رافقت تجربة الربيع العربي بعد عشر سنوات، وهي تأملات فكرية كنت قد قلت بعضها في السابق، وأعيد تأكيد هذا البعض مجدّدًا، كما أنني أتوقف عند بعض جوانب النظر والإعادة والتصحيح والتغيير في اتجاه قراءة جديدة تنطلق من أحوال الحاضر بعد مرور عشر سنوات.
دعني أقول لك دكتور حازم، وللذين يحضرون معنا هذه الجلسة التأملية الفكرية الحوارية، إنني يمكن أن أقارب المسألة من أربع أو خمس زوايا.
لو قاربنا هذه المسألة من زاوية المؤرخ، فيمكن الحديث بربط هذه الحادثة إلى جانب تلك، وهذا الموقف إلى جانب ذاك، لاستخلاص بعض الاستنتاجات المتعلقة بالربيع العربي، ولكن التاريخ كما تعلمنا من شيخنا الكبير هيغل، مراوغ وماكر، وخادع أحيانًا، فليس كل ما يكتب وكل ما يقال يمكن أن يوصل إلى النتائج المرجوة، لكننا إذا أردنا أن نتناول المسألة من الزاوية الإعلامية، أي أن نؤرخ للحظة بحسب ألبير كامو، فاللحظة لا تعكس حقيقة ما جرى، وما يجري، وحقيقة الرؤية المستقبلية لعملية التغيير والإنجاز المنشودة.
أما إذا أردنا أن نتناول البحث من زاوية السوسيولوجيا، وفقًا لابن خلدون، أو أوغست كونت، أو ماكس فيبر، أو علي الوردي، أو غيرهم، فإن السوسيولوجي لا يتنبأ بالأحداث، وإنما يحلل ما هو قائم بعد مرور مدة زمنية معينة ليتوصل إلى قراءة استنتاجية للمستقبل.
ربما يمكن التوقف عند الرؤية الحقوقية لموضوع التغيير، والحراك الشعبي، أو الانتفاضة، أو الثورة، فمن زاوية الحقوقيين، يمكن رؤية ما له علاقة بشرعية نظام الحكم أو عدم شرعيته، ومن زاوية المشروعية أو عدم المشروعية. فعندما أقول من زاوية الشرعية، فأنا أقصد قضيتين مركزيتين أساسيتين: الأولى هي رضى الناس، إذ لا شرعية حقيقية من دون رضى الناس، أما الشرعية الثانية فهي ما يمكن أن يُقدَّم من منجز حقيقي على صعيد الواقع العملي، وهذا يتعلق بشرعية أي نظام، وأي سلطة، وأي حركة، وأي تيار فكري أو سياسي، أما المشروعية فلها علاقة بحكم القانون، ومدى الاقتراب أو الابتعاد من حكم القانون. أحيانًا تسير الشرعية بعيدًا قليلًا عن المشروعية، فإذا اتحدت الشرعية مع المشروعية سنتوصل إلى استنتاجات مهمة جدًا: رضى الناس من جهة، والمُنجَز، وحكم القانون، وهذا ما تطمح إليه حركات التغيير التي كانت شعاراتها شعارات مبسطة لكنها في عميقة جدًا، شعارات تتحدث عن الحرية، عن المساواة، عن العدالة، وهذه لعمري قضايا محورية طرحتها حركة النهضة الأولى، أو حركة الإصلاح الأولى، في القرن التاسع عشر، وهي لا تزال قائمة إلى الآن.
سؤالان مركزيان يرتبطان ببعضهما بعضًا، ولا يمكن فصلهما: سؤال الحرية، وسؤال التنمية، والتنمية تتضمن مواطنة سليمة، والتي تقوم بدورها على أربعة أركان أساسية، فهي تقوم على الحرية، وتقوم على العدالة، وتقوم على المساواة، وتقوم على الشراكة والمشاركة، والتنمية تختلف عن النمو الاقتصادي، حيث يمكن لبلد معين أن ينمو اقتصاديًا، وقد حصل أن بلداننا حققت نموًا اقتصاديًا في العديد من المجالات، خصوصًا العراق، سورية، مصر، الجزائر، واليمن، لكنها لم تستطع أن تحقق التنمية المنشودة، بمعناها الحديث، أي التنمية الشاملة، بمعناها السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والقانوني، وإصلاح الفكر الديني، أو المجال الديني، ومن ثمّ إصلاح الخطاب الديني، وإصلاح منظومة التعليم والتربية، فضلًا عن منظومة الإعلام، ومنظومة المجتمع المدني، ومنظومة القضاء، وكل ما يتعلق بعملية التغيير، وهذا ما حصل أيضًا في البلاد الاشتراكية السابقة، التي حققت نموًا اقتصاديًا، لكنها لم تتمكن من تحقيق تنمية شاملة ذات أبعاد إنسانية، وهو ما تطلق عليه أدبيات الأمم المتحدة تسمية “التنمية المستدامة”، بما يعني فتح خيارات جديدة للناس، وفتح هذه الخيارات تتوقف عليه عملية التقدم الاجتماعي والاقتصادي في جميع الميادين التي جرى الحديث عنها.
بهذا المعنى دعني أقول لك، إن عملية التغيير، والثورة، هي عملية مركبة، وعملية متداخلة، عميقة، فالثورة مثل الحب، لا يمكن أن يأتي مرةً واحدة، إنه يأتي تدريجًا، ويأتي بالتراكم، ويأتي بالممارسة، ولهذا يبقى الحب عصيًا على الفهم، تمامًا مثل الثورة؛ هي لا تأتي دفعةً واحدة، ولا تأتي مجهزةً أو كاملة أو نهائية، هي عملية تراكمية، وهي “بروسيس” طويل الأمد، وهي على حدّ تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ: الثورة ليست نقرًا في السطح، وإنما حفرٌ في العمق، والحفر في العمق يختلف عن النقر في السطح. نطلق هذا التعبير الأخير على عملية تغيير جزئية، أو على انقلاب، أو على تحول ليس تحولًا جذريًا عميقًا بعيد المدى يترك تأثيرًا، أما الحفر في العمق فهو يحتاج إلى زمن، ويحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تراكم، ولهذا واجهت حركة التغيير طائفة من المنعرجات والمنحدرات والعقبات والعوائق، وتعرضت خلال مسيرتها إلى انكسارات، ولم تستطع ككل ثورة السير بصورة مستقيمة، وإنما كانت هناك دروب وعرة، ومفاجآت عديدة، ولا سيّما عندما دخل العنف والسلاح إليها، وأحيانًا بالضد من إرادتها، فأُجبِرَت عليها، أو اضطرت إليها، أو تناغم بعض أفرادها مع هذا التوجه، الذي لم يكن من كينونتها الأولى.
هنا علينا أن نفكر بالدرس التاريخي، والدرس التاريخي يتطلب التوقف عند ما حصل، أين نجحنا؟ وأين أخفقنا؟ وما أسباب الإخفاق؟ وما أسباب الفشل؟ ومن ثم ما السبيل لإنجاز عملية التغيير من دون الخسارات التي حصلت طوال هذه السنوات العشر؟ أكانت في البلدان التي حصل فيها التغيير، أو تلك التي أُنجِزَت فيها المرحلة الأولى من عملية التغيير، بانتهاء الأنظمة واستبدالها بأنظمة جديدة، أو في البلدان التي لم تنجح فيها عملية التغيير، بل سارت في دروب إلى درجة التيه أحيانًا، وفي طريق استخدام العنف والسلاح، والاحترابات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والاستثمارات الأجنبية السلبية، التي آذت شعوب هذه البلدان، وأقصد بالتحديد، سورية، وليبيا، واليمن، وغيرها.
هنا أيضًا، لا بدّ من التوقف عند موضوع “بنية النظام العربية”، ولا سيّما الصراعات الداخلية التي عاشها ويعيشها النظام العربي الرسمي من جهة، وانعكاساته المجتمعية، ففي الغالب تأتي المُعارَضات على قدر ما تسمح به الأنظمة، وبهذا المعنى تكون أحيانًا صور بعض المعارضات وجهًا آخر لبعض الأنظمة، ولا سيّما تلك التي تراهن على اعتبارات أخرى غير الهوية الوطنية الجامعة التي لا بدّ من التمسك بها، لأنها تمثل وتجسد رؤية وطنية حقيقية لعملية التغيير، وهذه لعمري مسألة مهمة.
عندما يتّحد العامل الذاتي مع العامل الموضوعي، أي عندما تتوافر الحاضنة الاجتماعية الذاتية، وتلتقي مع الظرف الموضوعي، داخليًا وخارجيًا، ويحصل التراكم، ربما تحصل عملية التغيير بسلاسة أكبر في معظم الأحيان.
بماذا اختلفت حركة التغيير في مجتمعاتنا عن مجتمعات أوروبا الشرقية، أي البلدان الاشتراكية السابقة، وحتى عن بعض دول أميركا اللاتينية؟ في الحقيقة، تلاقت في تلك المجتمعات الحاضنة الاجتماعية للتغيير، الفئات التقدمية، مع الكنيسة، التي لعبت دورًا تحريريًا، سمي لاهوت التحرير، من أجل إنجاز عملية التغيير، والتخلص من أنظمة، والإتيان بأنظمة، أكثر انفتاحًا، بدساتير حديثة، أوصلت هذه البلاد إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وقطعت الطريق إلى حدود معينة على العامل الخارجي، الذي عاث في بلداننا فسادًا لا حدود له.
في أوروبا، يمكنني القول إنه يوجد أربع أو خمس مسائل أساسية امتازت بها علينا: المسألة الأولى، لا توجد أمية في أوروبا الشرقية، فكل أوروبا الشرقية كانت قد قضت على الأمية منذ حين، بسبب النظام الاجتماعي والسياسي السابق، وهذه مسألة تُسجل لمصلحة عملية التغيير، في حين أن الأمية ما تزال ضاربة الأطناب في مجتمعاتنا، بل إنها ازدادت في السنوات الأخيرة، ويكفي أن أقول إن أكثر من 70 مليون أمي يعيشون بين ظهرانينا في العالم العربي، أي إنهم يساوون أكثر من 20 في المئة تقريبًا من مجتمعاتنا العربية، هذا ما يتعلق بالأمية الأبجدية، أما الأمية التكنولوجية، فحدث دون حرج.
أما المسألة الثانية، فهي أن دور الدين كان ضعيفًا في أوروبا الشرقية، فيما لا يزال دور الدين في مجتمعاتنا قويًا، بل إنه انقسامي في الكثير من الأحيان، بسبب الصراعات الطائفية، والمذهبية، المتخلفة. وكانت المسألة الثالثة أن للمرأة حقوقًا في أوروبا الشرقية ليست متوافرة في بلداننا، لا على الصعيد القانوني، ولا على الصعيد الاجتماعي، ولا على صعيد العمل، والمساواة في الأجور، والرواتب، وغير ذلك من القضايا.
أما المسألة الرابعة فهي أن التقدم الاجتماعي، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، كان قياسًا ببلداننا متقدمًا إلى حدود كبيرة، بل إن هنالك استعدادًا لقبول الجديد، ولقبول عملية التغيير مجتمعيًا، ولذلك كانت الهبة شاسعة، واسعة، عميقة، في تلك البلدان.
أضيف إلى ذلك المسألة الخامسة التي تتمثل بأن دول الجوار الأوروبي كانت تمتاز ببنية ديمقراطية قابلة لعملية التغيير، في حين أن البنية التي تعيشها مجتمعاتنا ودول الجوار التي حولنا ليست مهيئة لقبول عملية التغيير، لأنها هي أيضًا تحتاج إلى عملية إعادة نظر، وتغيير، وعملية مراجعة نقدية جادة.
لهذه الأسباب أقول إن التغيير كان هناك سلسًا، وكان سلميًا، وكان بعيدًا عن عوامل التعصب والتطرف التي شهدناها بعد مدة قصيرة من عملية التغيير التي شهدتها مجتمعاتنا، خصوصًا مع صعود التيار الديني الطائفي الذي تربع على سدة الحكم في بعض البلدان، وشكل كابحًا كبيرًا لعملية التغيير.
لكن، على الرغم مما حصل، فإن الانتفاضات حتى لو تلكأت، أو تعثرت، أو تراجعت، أو ارتكست، أو نكصت، هي مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر، وهي ريح منعشة، ستأتي أكلها آجلًا أم عاجلًا، والأمر يحتاج إلى زمن، وإلى تراكم، وإلى قراءة جديدة، وإلى نقد جديد، فلم تمر الثورة الفرنسية بطريقة سلسة، فقد قُتل، خلال السنوات السبع الأولى، أكثر من أربعة ملايين إنسان، لكن النتائج جاءت بعد مئة عام، أو أكثر من مئة عام، خصوصًا في ما يتعلق بهيكلية الأنظمة باتجاه الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتلك هي قيم إنسانية ما زال العالم يتحدث عنها إلى يومنا هذا.
لقد عانت مجتمعاتنا العربية، وعانى فكرنا العربي، من الركود، والاتكالية، والتعويلية؛ إذ كانت مجتمعاتنا غير منتجة فكريًا، وفقدت الكثير من عناصر الحيوية، وأدت، أو قادت، إلى نكوص في الإبداع والابتكار، بل إننا عشنا في الماضي، محاولين اجترار الماضي بكل تقليدية، واستكانة. الأمر يحتاج إلى قراءة جديدة، بعقل منفتح، ومرونة حركية ضرورية، خصوصًا بالتوقف عند موضوع العنف الذي صاحب بعض الحركات، باعتباره مستلزمًا من مستلزمات التغيير، وماذا لو لجأت القوى الحاكمة إليه، فما السبيل لتلافي الانخراط فيه؟
أكتفي بهذا القدر، وأترك للدكتور حازم الحديث، وللأخوة الذين يحضرون معنا في هذه المنصة، وشكرًا.
 
حازم نهار
شكرًا دكتور عبد الحسين على هذا العرض، وفي الحقيقة إن ما تفضلت به يحرض على النقاش على المستوى الفكري في نقاط عديدة جدًا.
فمثلًا فكرة أن الثورة هي حفر في العمق، وهي كذلك فعلًا، فكل الثورات التي حصلت على امتداد المنطقة العربية، أعتقد أنها حفرت في العمق، لكن نتائج الحفر في العمق، أنتجت إلى السطح مسألتين مهمتين، أعتقد أنهما كانتا حاسمتين في مسار الربيع العربي: هذا الحفر في العمق أظهر لنا الدولة العميقة في كل بلد عربي، وعندما ظهرت الدولة العميقة إلى السطح، التي من الممكن أن تكون أحيانًا العسكر، وأحيانًا أخرى منظمات ومؤسسات بيروقراطية، ومدنية، وإلى غير ذلك، أعتقد أنها استدعت وأظهرت إلى جانبها المجتمع العميق، ما يعني أننا ظهرنا خلال السنوات العشر الماضية وكأننا لا نعرف بلداننا ولا نعرف شعوبنا. ظهرت كل العيوب العميقة ضمن المجتمع.
هذه الثورات التي حفرت في العمق، وأظهرت إلى السطح، الدولة العميقة، والمجتمع العميق، كيف يمكن لها، مقارنةً بأوروبا الشرقية، أن تنتج دولًا طبيعية وشعوبًا طبيعية؟
عبد الحسين شعبان
شكرًا جزيلًا، أعتقد أن هذا جوهر الفكرة الرئيسة التي وددت التوقف عندها في هذه المراجعة، خصوصًا ما أنتجه حركات التغيير، أو الانتفاضات، من قضايا جوهرية، تحتاج إلى إعادة نظر، في الكثير من الأحيان، حول بعض المسلَّمات.
إلى وقت قريب، كنا نقول، ونردِّد، بتنغيم أحيانًا، أن لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية، ولا نظرية ثورية من دون طليعة ثورية. لاحظ أن حركة التغيير تجاوزت مثل هذا المفهوم الكلاسيكي الذي تحدث به لينين قبل نحو ثمانين أو تسعين أو مئة عام. لقد ضمر دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين العقائديين في حركة التغيير الأخيرة، ولم يعد أحد ينتظر أن يستلم التعليمات من الوكر الحزبي، أو من مقر هذا الحزب أو ذاك، أو حتى من صاحب هذه العمامة أو تلك، وإنما كانت حركة الشارع حركة عميقة في اتجاه التغيير، وهي نقيض للدولة العميقة، ونقيض للمجتمع العميق، الذي ظهرت عيوبه لاحقًا.
أي ثورة في الكون، وكل الثورات في العالم، أخرجت أنبل ما في الإنسان من كينونة، وأظهرتها إلى السطح، التضحية، التفاني، الشجاعة، البسالة، نكران الذات، الاستشهاد…إلخ. وأظهرت كذلك أحقر ما في البشر، من وسائل، ومن خسة ودناءة.
كل الثورات في العالم هكذا، لذلك حدث نوع من الاستقطاب والاصطفاف، وهذا الاصطفاف دفع بالثوريين الحقيقيين، وبدعاة التغيير الحقيقيين، أحيانًا، إلى الخلف، وتصدر المتطرفون الصراع، فأصبح صراعًا بين دولة عميقة، مع جزء من المجتمع العميق، في نقض الدولة العميقة، وكأن هذا العمق انقسم إلى قسمين، واحترب فيما بينه، وبقي الذين يريدون التغيير الحقيقي، والذي يسعون سلميًا إلى تطوير المجتمع، وإلى إيصاله إلى جادة الصواب، وإلى منصة التغيير الحقيقية، خارج الملعب، لا يريد أحد أن يلعب معهم، بسبب اعتدالهم، وبسبب رغبتهم الحقيقية في التغيير، وهذه مسألة يجب التوقف عندها.
لم تعد الرومانسية القديمة كافية لأن تدفع الناس للمشاركة، إنما بشعارات بسيطة، عبر الانترنت، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان الناس يجتمعون في المحتشدات، وكأن الأمر يذكرنا بعصر ماركس، وعصر المداخن حيث هبت جماهير العمال والناس مجتمعين لتحطيم الآلة التي سحبت منهم أعمالهم، والتي أدت إلى دفعهم إلى جادة البطالة.
لم يكن هناك قائد ملهم في كل الثورات، ولم يكن هناك زعيم لا يصله النقد، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما كان هناك نوع من التشاركية، ونمط جديد من الممارسة الاجتماعية، بالشعارات المبسطة، خصوصًا أن الثورة، لم تتخذ بعدًا تآمريًا كما تجري عادةً الانقلابات العسكرية، والأعمال العصبوية، التي تقوم بها حركات، في جنح الظلام. بل كانت حركة احتجاج، علنية، سلمية، واضحة، محددة، في التوقيت، وفي المكان، وفي الزمان، وهذا لعمري أمر جديد نحن في حاجة إلى التوقف عنده.
لم تكن الثورة ذكورية، فقد ساهمت المرأة بصورة كبيرة جدًا في موضوع التغيير، استنادًا إلى مبادئ المواطنة، والمواطنة طُرِحَت هنا بصورتها المبسطة، بعيدًا عن “الصفصفات”، وبعيدًا عن التعويذات، التي سمعناها على مدى عقود من الزمان، والتي تعارضت فيها الوطنية مع التغيير الاجتماعي أحيانًا، ما أنتج أنظمة استبداد شمولية. تعارض التغيير الاجتماعي مع الوطنية ماذا سينتج أيضًا؟ سينتج تعويلية على الآخر، وهذا أمر تخطته هذه الحركة.
تطرح هذه الحركة أيضًا إشكالية قديمة في الفكر اليساري الكوني، ففي العام 1905 دار حديث، بل تبادل نقد، بين بليخانوف ولينين، فقال بليخانوف، وهو أبو الماركسية والمنظر الأكبر فيها، للينين إن استخدام العنف كان مثل لعب الأطفال، مستنكرًا ذلك، فأجابه لينين، العقل الثوري الداعي إلى التغيير العنفي، إن استخدام العنف لم يكن بما فيه الكفاية، بمعنى أنه كان علينا أن نستخدم العنف على نحو أشد وأعمق وأكثر. هذا الأمر لا يزال يناقش لدينا أيضًا، هل نستطيع أن ننجز عملية التغيير سلميًا؟ خصوصًا في ظل اختلال توازن القوى. وماذا لو تمسكنا بعملية التغيير السلمي إلى النهاية؟ هل سنصل إلى ما وصلنا إليه؟ أم ثمة تغييرات وضغوط ربما ستحصل؟ لا أتحدث أنا من جانب التفاؤل المفرط، ولا أريد أن أناقش المسألة من جانب التشاؤم المحبط، وإنما أقول إن اللحظة الثورية تنبغي قراءتها على نحو دقيق، وإلا يمكن أن تؤدي إلى إجهاض مشروع التغيير، ومن ثمّ تعطيل عملية الثورة، وربما وضع عقبات جديدة أمامها لعقد أو عقدين أو حتى ثلاثة عقود من الزمان.
ربما ماوتسي تونغ يجيب عن هذه المسألة من زاويته العنفية أيضًا، إذ يقول إن الثورة ليست مأدبة، أو كتابة مقالات، أو رسم صورة، أو تطريز ثوب، بل هي عمل عنيف تلجأ إليه الطبقات.
لو أخذنا هذا الكلام على محمل الجد، وأبعدنا العنف، لأن المرحلة اختلفت، يمكن أن نصل إلى ما قال به ماوتسي تونغ؛ إنه ما إن تنضج الظروف الموضوعية متّحدة مع الظروف الذاتية، فإنه في لحظة التلاقي هذه ستكون الشرارة قد امتدت لتحرق السهل كله، أي إنها ستصل إلى النهاية.
بالسلاح، في تقديري، ستكون الدولة العميقة أقوى، وبالعنف، ستكون الدولة العميقة أجدر، وبالتبرير ستكون الدولة العميقة أقدر. والدولة العميقة لا يهمها حين يتم استخدام وسائل تتذرع بها، أو تتعكز عليها، لتبرير غاياتها، بزعم أن هذه الحركة مرتبطة بالخارج، وأنها ممولة أجنبيًا، وأن التدخل الخارجي يريد تهديد وحدة البلاد، وسيادتها، ويريد الانتقاص من الهوية، بتدمير الهوية، وتقزيم سياسة هذه الدولة، وبالتالي جعلها عرضةً للتفتت، وعرضةً للتقسيم، والتشطير، خصوصًا باستخدام وسائل غير قليلة.
 
حازم نهار
في الحقيقة، ما تفضلت به، هو ما حصل خلال المرحلة الماضية في سورية، أي صعدت الدولة العميقة، وصعد المجتمع العميق، وخرج المجتمع المدني، والمجتمع السياسي، خارج المعادلة السياسية في سورية.
في سياق إعادة قراءة تجربة السنوات العشر الماضية، على الرغم من أنه لم يمض بعد وقت طويل، كي نقدم قراءات، أو سرديات، أقرب إلى الموضوعية، هناك مشكلة نعانيها دائمًا في قراءة التاريخ، وأعتقد أن المستبدين يعرفونها، ويستندون إليها.
فمثلًا، يُعدّ بسمارك، بالنسبة إلى الألمان، وفي سياق التاريخ الألماني، الشخص الذي وحّد ألمانيا، وهو الذي بناها، لكنه في زمنه لم يترك وسيلة من وسائل الشر إلا واستخدمها. ما أريد الإشارة إليه هنا هو اختلاف النظرة إلى بسمارك في زمنه عن النظرة إليه في سياق التاريخ الألماني.
والسؤال هنا، إذا أردنا أن نعيد قراءة تاريخ الربيع العربي خلال السنوات العشر الماضية من منظور رؤية إلياس مرقص إلى مفهوم الثورة، عندما ربط بين الثورة والتقدم، بمعنى أن أي ثورة إذا لم تنتج التقدم لا يبقى اسمها ثورة، فهل يمكن استخدام هذا الميزان في إعادة قراءة التاريخ، تاريخ الثورات، من جانبنا نحن الذين ما زلنا ممتلئين عقلًا وقلبًا ووجدانًا بالربيع العربي؟
 
عبد الحسين شعبان
أشكرك جدًا على هذه الإشارة، خصوصًا أنها ذكرتنا بالصديق إلياس مرقص، وأحيي أيضًا مؤسسة ميسلون على استحضارها في ملف خاص، في العدد الأول من مجلتها (رواق ميسلون)، الصديق إلياس مرقص بعد ثلاثين عام على وفاته، وأقول دائمًا إن أعمال إلياس مرقص في حاجة إلى إعادة طباعة، وتنقيح، وإعادة قراءة، وحبذا لو عُقدت حولها أكثر من ندوة، في جوانبها الفلسفية، أو الفكرية، أو الثقافية، فضلًا عن رؤيتها الاستراتيجية، فقد كان إلياس مرقص رؤيويًا، وكان نصف عقله ربما يعيش في المستقبل، وقلت، وأقول مرة أخرى، إنه سبقنا بأكثر من عقدين من السنوات، في استنتاجاته، وفي تحليلاته، وفي رؤيته، وفي نقده. ومن هذه الزاوية يمكن أيضًا أن ننقد المعارضة، خصوصًا أن بعض أطرافها انجرت إلى العنف، أو وافقت عليه، أو عدَّته من مسؤولية الطرف الآخر، سواءً في اليمن، أو ليبيا، أو سورية، أو غيرها.
بقدر ما تكون عملية التغيير معقدة ومركبة، ويكون لها خصوم أشداء وأقوياء، فعليها أن تربط دائمًا الوسيلة بالغاية، فلا غاية شريفة وعادلة من دون وسائل شريفة وعادلة، أي لا يمكن أن توصلك وسيلة خسيسة وإجرامية إلى هدف سامٍ ونبيل. يقول المهاتما غاندي، إن الغاية إلى الوسيلة هي مثل البذرة إلى الشجرة، لأنهما مترابطتان، البذرة والشجرة، فالبذرة من الشجرة، والشجرة من البذرة، وهكذا فهما متلاحمتان، لا يمكن فصلهما، كما الوسيلة والغاية.
لاحظ أن المهاتما غاندي كان قائدًا للمقاومة المدنية السلمية، ومثَّل رمزية كبيرة بتبنيه قضية اللاعنف، واستطاع أن ينتصر باللاعنف على أكبر إمبراطورية في العالم آنذاك، المملكة المتحدة (بريطانيا)، وحصل على الاستقلال في عام 1947، عبر نضال مرير، وجَسور، وشجاع، بلا حدود، واستطاع أن يحرِّض ملايين البشر ليقفوا معه في قضية اللاعنف، وقد حاولت بريطانيا أن تجره إلى العنف في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في ذلك، وهو الأمر الذي حرض حتى الرأي العام البريطاني، والعالمي، لتحقيق النصر في مواجهة الآلة الحربية البريطانية.
ليس هذا فحسب، بل دعني أستذكر معك أيضًا شخصية ريادية، في قضية اللاعنف أيضًا، وهو من الهند الكبرى، اسمه عبد الغفار خان، وعبد الغفار خان هو غاندي المسلم، أسَّس جيشًا لاعنفيًا قوامه مئة ألف، وكان أنصاره يتسابقون ليقدموا صدورهم للرشاشات البريطانية التي كانت تحصد منهم بالعشرات، في مقاومتهم السلمية اللاعنفية، وقد دفع ثلث عمره الذي قارب التسعين عامًا، في السجون، سواءً السجون البريطانية قبل الاستقلال، أو السجون الباكستانية لاحقًا، بعد انفصال الهند عن الباكستان، لكن شعبه وهو من قبيلة (البيشتونغ) استقبله استقبال الأبطال في باكستان، ومنحته الهند جائزة الدولة، أول مرة تُمنح لشخص غير هندي، فهو باكستاني الأصل بحسب الجنسية، ومن أصول أفغانية، وسارت مسيرة كبرى، لدفنه في أفغانستان بعد وفاته في عام 1988.
هذه التجربة، في تقديري، تجربة مهمة، وتجربة نقدية أيضًا للمسار، إذ لا يجوز أن نعلق كل شيء على الآخر، بل يجب أيضًا أن نبحث عن نواقصنا، وعن ثغراتنا، وعن مثالبنا، وعن عيوبنا، وعن استسهال علاقتنا مع الدول الأجنبية، وعن ضعف الوطنية أحيانًا، وبهذا المعنى نحن نحتاج أيضًا إلى ترميم الخطاب الفكري والثقافي لحركة التغيير، لأنه خطاب لم يعد يصلح في ظل الاصطفافات والاستقطابات الجديدة، وأدى، على أقل تقدير، إلى استمرار الصراع لسنوات غير قليلة، الأمر الذي أنجب فوضى، وأنجب انهيارًا في المنظومة السياسية الإنسانية والأخلاقية، ومزق النسيج الاجتماعي، وظهرت النعرات العصبية، الطائفية، والمذهبية، والإثنية، والهويات الفرعية التي يفترض أن تحترم وتقدر في إطار الهوية الجامعة، المانعة، باحترام حقوقها السياسية، والإدارية، والثقافية، كجزء من المكون الاجتماعي في العديد من بلدان المنطقة.
في تقديري، إن الاشتغال على الإنسان يحتاج إلى وقت، ولذلك ربما ستتأخر عملية التغيير التي كنا نحسبها قاب قوسين أو أدنى، لعقد آخر، وربما لعقدين من الزمن، وعلينا أن نتوقف خلال هذه المدة لنحدِّد ماذا نريد، وكيف يمكن أن يستمر (بروسيس) التغيير من دون توقف، لكن بوسائل وأساليب جديدة.
وفي رأيي، لا بدّ من إعادة السؤال مجدّدًا: قبول التنوع، والتعددية، في هذا المجتمع، بمعنى حرية الاختيار، وتوسيع خيارات الناس، هذا سؤال مهم وهو سؤال القرن التاسع عشر أيضًا، سؤال محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، والطنطاوي، والكواكبي، وخير الدين التونسي، وغيرهم، الذين دعوا إلى دولة مقيدة بدستور، فيها قانون، وفيها نظام. بعد قرن ونصف من الزمان، لا بدّ من توسيع عملية التغيير، وهذا يصب في عملية التنمية، وهذا هو التغيير الناعم طويل الأمد؛ إذا لم نكن نحن، جيلنا، أو حتى الجيل الذي يلينا، قادرًا على إنجاز عملية التغيير، فعلى أقل تقدير ينبغي لنا أن نرسم خطًا طويلًا للتغيير الذي يمكن أن ينجز بعد عقد أو عقدين من الزمان.
لا بدّ من توفير بعض المستلزمات، أولها التعليم، فلا بدّ من القضاء على الأمية، والقضاء على الأمية هو المسمار الأول في يافوخ التخلف، في العالم العربي، وتغيير التعليم يحتاج إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية، وإعادة النظر في أنظمة التعليم، وفي طرائق التدريس، وفي علاقة الطالب بالأستاذ، وفي حرية التعبير، هذا كله جزء من إنجاز عملية تغيير التعليم، وهذا كله يحتاج إلى عملية تغيير طويل المدى، بطيئة ربما، لكنها بالتراكم ستؤدي إلى تغيرات نوعية أكيدة، ولا سيّما  إذا ارتبط هذا بتوفير أوضاع صحية أقرب إلى عملية التقدم، أي توفير مستلزمات الصحة للناس، والحفاظ على صحة الناس.
لا ينبغي العمل فحسب على الشعارات الكبرى، فنحن نبدأ من إسقاط النظام أحيانًا، وننسى عملية تبليط شارع، أو بناء مستوصف، أو تحسين بناية مدرسة، وتوفير الخدمات البلدية، والخدمات البيئية، وتحسين أنظمة الإدارة، أو غير ذلك من المسائل المطلبية التي لو راكمتها مدة زمنية طويلة، ربما ستعيد لعملية التغيير قدرتها وفاعليتها، ، وهذه المسائل قد يصطف معك فيها جزء من أجهزة الدولة فيما تذهب إليه، ويخفف من المركزية والصرامة الشديدة، وأحيانًا تستطيع أن تفكِّك ما تريد، لكن خلال مدة زمنية طويلة، ولا سيّما  إذا ارتبط الأمر بحكم القانون، وبإصلاح منظومة القضاء، وبتحسين نظام المعلوماتية، واقتصاد المعرفة، وهذا كله قد يحتاج إلى أوضاع طبيعية، لا إلى أوضاع استثنائية، أو أوضاع حرب أهلية، أو غير ذلك.
في خلاصة الأمر أقول، تبقى التنمية، والاشتغال على الإنسان، مسألة ضرورية، قد لا يكون الحسم متوافرًا، وقد يكون الحسم أحيانًا خطرًا، ولا سيّما أنه قد يؤدي إلى الانشطارات، وإلى الافتراقات، وإلى التمزقات، وإلى تحطيم الوحدة الوطنية، وتمزيق النسيج الوطني، ولذلك لا بدّ لكل حريص في السلطة والمعارضة، من التفكير في البدائل السياسية الممكنة، التي يمكن التوقف عندها.
ربما يكون خطابًا من هذا النوع خطابًا عموميًا وغير شعبوي. نعم إنه خطاب نابذ للعنف، ونابذ للطائفية، والتعصب الإثني، وهو خطاب يأخذ في الحسبان جميع الحقوق، خصوصًا في بلدان متعددة القوميات، ومتعددة الثقافات، إذ لا بدّ من الانتباه إليها في رؤية مستقبلية دستورية قانونية تؤسِّس لدولة يطلق عليها البعض دولة مدنية، ويمكن أن يسميها البعض الآخر دولة قانونية أو دولة حديثة عصرية، يمكن أن تنتج شيئًا جديدًا، مختلفًا عما هو قائم.
 
حازم نهار
شكرًا دكتور، في الحقيقة كنت أريد أن أنتقل إلى أسئلة الحضور، لكن في سياق حديثك، أغراني سؤال عن مسألة الخطاب الثقافي، فأنا أرى مثلًا أنه في ظل الهزائم والانكسارات، هناك دور مهم، وأساسي، ومركزي، للمثقفين، وهناك أهمية كبيرة لإطلاق ثورة ثقافية. أذكر مثلًا أن محمد حسنين هيكل تحدث عن الوضع في مصر بعد هزيمة الـ 67، إذ أشار إلى أن صحيفة الأهرام تحولت إلى منتدى ثقافي، وإلى جبهة ثقافية، يشارك فيها المثقفون المصريون والعرب من كل التيارات، وكانت الأسئلة والجدالات بينهم تدور دائمًا حول الهزيمة، كيف حصلت، ولماذا حصلت، وكيف يمكن تجاوزها، وما أدوار الفئات الاجتماعية المختلفة، وما أدوار المثقفين، والسياسيين، وغير ذلك.
اليوم، ما زال مسار الربيع العربي قائمًا، لكن بعد مرور عشر سنوات على انطلاقه، أنا أشعر أنه لا توجد، على المستوى الثقافي في كل بلد عربي، وعلى المستوى العربي بشكل عام، إعادة قراءة ثقافية، ولا توجد جبهة ثقافية، البعض يسميها الحصن الأخير، وأنا في رأيي هي الحصن الأول والأخير. أنا أتحدث عن الثقافة، والجبهة الثقافية، وأعتقد، كما يقول ياسين الحافظ، لا خوف على مجتمع توافر على إنتلجنتسيا واعية ومنظمة.
أصبحنا نحسد هزيمة الـ 67 بسبب ما أنتجته من مثقفين كثيرين أعادوا قراءة التاريخ والثقافة والخطاب بصورة نقدية، مثل صادق جلال العظم، وسعد الله ونوس، وياسين الحافظ، وغيرهم، ما أدى إلى حدوث تطورات فكرية هائلة ردًا على الهزيمة، فهل يمكن اليوم القيام بإعادة بناء الحقل الثقافي، أو الفضاء الثقافي؟
 
عبد الحسين شعبان
أعتقد أن القضية الأولى في هذا الشأن، أنه لا بدّ من فتح حوار، الحوار ضروري جدًا، حوار بلا شروط، حوار مفتوح، بلا تخوين، بلا اتهامات، حوار أساسه ولحمته الأساسية هو سؤال ما العمل، وكيف يمكن إنجاز عملية تغيير، بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأعتقد أن هنالك صراعًا داخل النخب نفسها، أي أن النخب الثقافية والفكرية منقسمة: قسم منها كان يخشى من انحلال الدولة، ومن الفوضى، ومن انكشاف مدى علاقتها واستفادتها من الأوضاع القائمة، وقسم آخر لم يكن يعنيه شيء، وكان يريد إنجاز التغيير بأي ثمن. لا هذا ولا ذاك أظنه يمثل جوهر المثقف الحقيقي بالمفهوم الغرامشي، المثقف العضوي؛ فالمثقف العضوي وفقًا لغرامشي هو الذي ينطلق من تشاؤم الواقع وتفاؤل الإرادة، وبهذا المعنى كان يمكن للنخب أن تتبنى موضوع الحوار، خصوصًا أن بعضها، كما قلت، كان قد وقف في البدايات خارج دائرة الانحياز لرأي الناس، ولِما يطالب به الناس، بزعم إما أنه غير سياسي، أو خارج دائرة السياسي، أو أنه تكنوقراط، أو ربما خشيةً على الوطن من الانحلال والتمزق، لكن بعضهم الآخر غالى أيضًا في توجهاته ولم يكن يهمه أي شيء، واندفع أحيانًا للتعاون مع جهات أضرّت بعملية التغيير، وهذا الأمر في حاجة إلى إعادة نقاش، وإلى إعادة رؤية.
عانى المثقف، تاريخيًا، من أربع سلطات أساسية كابحة، دُجِّن المثقف، واضطر بعضهم إلى إحراق البخور للسلطان، مثلما اندفع بعضهم الآخر للتعاون مع الخارج من دون ضوابط ومعايير. عانى المثقف من سلطات استبداد طويلة الأمد أحيانًا، وعانى من سلطة الدين، من السلطة الثيوقراطية الدينية الكابحة، وعانى من سلطة المجتمع في الكثير من الأحيان، تحت عناوين العشائرية والقبلية والمناطقية وغير ذلك، وعانى أيضًا مما سمي بسلطة التقاليد، وهذه التقاليد ثقيلة في كثيرٍ من الأحيان، لذلك فإن إعادة النظر في الخطاب الثقافي ضرورة، وكل إعادة نظر في الخطاب الثقافي لا بدّ أن ترتكز على إعادة نظر في الخطاب الديني، ولا يمكن إعادة النظر في الخطاب الديني أو الخطاب الثقافي إلا بإعادة النظر في الفكر الثقافي، وفي الفكر الديني، وإعادة النظر في الثقافة السياسية، وفي السياسة الثقافية. هناك تلازم بين المسائل؛ لا بدّ الآن من معرفة كل قضية كيف تؤثر على المثقف. أنا مثلًا رسام، كيف أثرت حركة التغيير فيّ؟ أين اللوحة؟ أين المسرحية؟ أين الفيلم السينمائي؟ أين الموسيقى؟ أين الكتاب النقدي؟ أين البحث الاجتماعي السوسيولوجي؟ أين المجتمع المدني أيضًا؟ هناك حالة من النكوص، والنكوص تعمّق مع العنف، فما أن اندلع العنف، حتى ارتكست وسائل التغيير السلمية لمصلحة قضية العنف، والعنف دفع بحركة المجتمع المدني، وبقوى التغيير الحقيقية إلى الخلف، خصوصًا تراجع الحواضن الاجتماعية لعملية التغيير، لذلك فوجئنا وأنت أشرت بذكاء كامل إلى أنه ليس المطلوب الحديث عن الدولة العميقة فحسب، بل الحديث أيضًا عن المجتمع العميق، فهل هذا المجتمع هو فعلًا الذي عشناه ونعرفه ونزعم أننا كنا نناضل من أجل تغييره؟ أم أنه مجتمع آخر؟ ظهرت المظاهر الأنانية، والسرقات، والاستحواذ على المال الخاص والعام، والتدمير، وعدم الشعور بالمسؤولية، والنعرات الطائفية والمذهبية، والنعرات الدينية العنصرية. لقد حدث نوع من الخلط، والاشتباك المجتمعي، الذي يحتاج إلى فرز، وإلى عملية بناء، قد تستغرق عقودًا من الزمان.
وأنا لاحظت وألاحظ ما حصل للمجتمع العراقي بسبب الحروب التي عاشها، حيث عاش المجتمع العراقي ثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية، ثم كانت عملية احتلال الكويت، المغامرة اللامسؤولة، والتي لم يكن لها أي مبرر، والتي أعقبتها حرب قوات التحالف ضد العراق عام 1991، ثم عاش الشعب العراقي حصارًا دوليًا جائرًا مدة 12 عامًا، ومنذ عام 2003 إلى الآن عاش احتلالًا مزدوجًا ومركبًا، وبتدخلات خارجية عميقة، من جهة قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية وقوات التحالف الدولي، ومن جهة وجود إيراني وذراع إيراني مؤثر في العراق بحيث أصبحت الدولة العراقية والحكومة العراقية والمؤسسات العراقية منشطرة بين هذين الاتجاهين، وضاعت الهوية الوطنية العراقية، وضاعت الوحدة الوطنية العراقية، في ظل هذه التجاذبات الخارجية الخطرة، إلى درجة أن عملية التنمية ظلت معطلة طوال هذه السنوات. العراق وصل عام 1978 إلى أن يفاخر بأنه وضع حدًا للأمية، وكاد يقضي عليها وفقًا لليونسكو، وتقدم في ميدان التعليم، وفي ميدان الصناعة والزراعة والبعثات وغير ذلك، لكن الانحدار بدأ منذ الحرب العراقية الإيرانية، وإلى اليوم نحن لم نخرج من هذه الدوامة.
يمكن بناء سورية غدًا، وبناء اليمن، وبناء ليبيا، ولكن كيف يمكن بناء الإنسان؟ بناء الإنسان هو الأساس، ولا يمكن أن يحدث أي تحول من دون الإنسان، لذلك أقول مرةً أخرى، إن الأمر يحتاج إلى تراكم، ربما طويل، وبنفس طويل، وبرؤية بعيدة المدى، وبالتراكم يمكن أن يُعاد بناء الإنسان، وأن تعاد التنمية المستدامة.
 

45
المنبر الحر / الحزبية والحزبوية
« في: 20:05 19/05/2021  »
الحزبية والحزبوية
عبد الحسين شعبان
توقف "جون بول سارتر" عند ظاهرة  "افتراق السياسة عن الفكر"، حين عبّر عن ذلك بما معناه، هل يجب أن أقول الحقيقة، فأخون البروليتاريا أم يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟
وكانت جامعة أكسفورد قد نظّمت ندوةً في العام 2003 في إطار "مشروع دراسات الديمقراطية" حول "الديمقراطية في الأحزاب الثورية"، وفيها قدّمتُ بحثاً بعنوان "حين تزدري السياسةُ الفكرَ"، خلاصاته كيف يتم تبرير التجاوز على المبادىء والأفكار بزعم الضرورات السياسية والحزبوية، وإذا كان هناك من حاجة ماسّة ومستمرة لتكييف الفكر كي ينسجم مع الواقع، وهو ما نُطلق عليه البراكسيس، فإن ذلك لا يعني تعارضهما أو تعاكسهما، بل توافقهما وتقاربهما.
لقد فقدت الأغلبية الساحقة من الأحزاب السياسية في عالمنا العربي ألقها الذي كانت تتمتّع به في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتدريجيًا أخذ لونها يبهت وصوتها يتحشرج ووهجها يخفت، وهو ما أظهرَته بشكل صارخ حركة الاحتجاج الواسعة التي أُطلق عليها "الربيع العربي" قبل عقد من الزمان، والأمر يعود لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.
الأولى تتعلّق بانتهاء الصراع الأيديولوجي بشكله القديم وتبدل ظروف الحرب الباردة، التي توجّت بهدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989.
الثانية تتعلق بفقدان الحماس الشعبي وعزوف الشباب عن الانخراط في صفوفها، إلى درجة أصبح بعضها منتدًى للمسنين والمتقاعدين الذين يعيشون في الماضي، وتحوّلها إلى أحزاب محافظة وتقليدية.
لعب العاملان الموضوعي والذاتي دورهما في الحال التي وصلت إليها الأحزاب القديمة، القومية والشيوعية، إضافة إلى الأحزاب الدينية، بل أن بعض الانتقادات التي كان يوجهها بعضها إلى الآخر وقع هو فيها، من المحسوبية والمنسوبية والفساد والتسلّط، فهي لا تتورّع من التزوير أو تسكت عنه أو تمالئ أحياناً إذا كان يأتي إليها بمنفعة أو لبعض المحسوبين عليها. فالعلماني أصبح طائفياً والطائفي أخذ يتحدّث بالدولة المدنية والقومي  والأممي لم يجدا ضيراً من قبول التعامل مع قوى خارجية، بل إن العديد منهم انكفأ ليصبح محليّاً، بل متذرّراً في هوّيته الفرعية، فهذا يتحدث عن المظلومية التاريخية، وآخر يتناول حقوق "المكوّن" وثالث يضع انتمائه الإثني فوق الانتماء الوطني، كما دخلت إليها العشائرية والوراثية.
لم تستطع هذه الأحزاب لأسباب القمع المعتق الذي كانت تتعرّض له وعمليات الإلغاء والاستئصال والتهميش وشحّ الحريات بالدرجة الأساسية أن تتنفّس هواءً ديمقراطيّاً، لا سيّما استمرار نهج الاستبداد لعقود من الزمان، ولأسباب فكرية وعملية، لم تتمكّن من تقديم بديل مقبول، بل استخدمت الأساليب نفسها في الكثير من الأحيان، في معادلة ملتبسة، ظلّت تطرح أسئلة عديدة: هل المعارضات وجه آخر للسلطات؟ فإذا كانت رحيمة وسَمِحة، فستراها عقلانية وسلمية، والعكس صحيح. وتلك واحدة من مفارقات السياسة.
ولأن الأحزاب عانت من اختلال العلاقة بين الأعلى والأدنى، والأغلبية والأقلية، وغاب عنها حرية التعبير بزعم المركزية ووحدة القرار، فقد احتجب النقد والنقد الذاتي، وعانت من مركزية بيروقراطية صارمة واتكاليّة وتعويليّة فكرية مهيمنة، الواضح في أحزاب السلطة والمعارضة، حيث تكرّرت الانقسامات والانشقاقات وحركات الاحتجاج  لقمع الرأي الآخر.
والأكثر من ذلك، فإن الحزبوية تقدّمت على الهُويّة الوطنية في الكثير من الأحيان، بزعمها أن الحزب متقدّم على الوطن، وفي الكثير من الأحيان، تمّت التضحية بالعديد من أعضاء الحزب ذاته ومن أخلص الوطنيين بسبب النهج الأُحادي الإطلاقي بتبرير ادعائها امتلاك الحقيقة والأفضليات، علماً بأن أية أيديولوجية مهما كانت إنسانية فإنها لا تمنع من ارتكاب جرائم أو انتهاكات بحجة مصلحة الحزب المتقدمة على مصلحة الوطن والأمة، وفي تاريخنا العربي مثلما في التاريخ العالمي هناك أمثلة على مجازر ارتُكبت بحق قيادات وكوادر، بل وشعوب اقتيدت إلى النحر بحروب ومغامرات، لتحقيق مصلحة الحاكم أو الزعيم أو المسؤول، إما لعنعنات أو لجهل أو لسوء تقدير.
وغالباً ما دخلت حزبويات في صراع تناحري كان الوطن فيها هو الضحية، خصوصاً في ظل شحّ حرية التعبير ونظام الطاعة والهيمنة والأبوية الذي يستمد قاعدته من أيديولوجيات شمولية ظلت تحكم الأحزاب من داخلها، وحكمت المجتمع من خارجه، وأدّت إلى كوارث هائلة.
لقد تربّت النخب الحزبوية في أجواء السرية والحرمان والفاقة وحين اقتربت من السلطة، أية سلطة،  فرّغت الكثير من عقدها للتعويض عن ذلك، مستخدمة أساليب من أشدها قسوة وفظاظة إلى أكثرها مكراً وخبثاً، الأمر الذي يحتاج إلى إجراء مراجعةٍ نقدية للسياسة الحزبية والحزبوية السياسية، والهدف أنسنة الحياة السياسية.
ومن العبث أن نحاول مدّ الوقائع لتكون مطابقة لسرير بروكرست، حسب الميثولوجيا اليونانية، حيث يسعى الحزبوي لجرّ صاحبه حتى يهلك إذا كان السرير طويلاً، أما إذا كان صاحبه أطول فيعمل على اقتطاع أرجله لتأتي تصوّراته ونزعاته الإرادوية متطابقة مع الواقع. وفي كلا الحالين فالخسارة فادحة، ولا بدّ من الإقرار بذلك والتعامل مع الواقع كما هو، لتجنيب البلاد صراعات لا طائل منها، وخصوصاً التنكر للحقيقة. وتلك إحدى المعضلات التي تواجه المثقف الحزبي والسياسة الحزبوية.

46
المنبر الحر / دكتاتورية السوق
« في: 22:26 12/05/2021  »
دكتاتورية السوق
عبد الحسين شعبان
شهدت نهاية الثمانينات من القرن الماضي تحوّلاً كبيراً في العلاقات الدولية، توّج بانهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، الذي كان إيذاناً بانتهاء عهد الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وولادة ما سُمّي بـ "النظام العالمي الجديد"، بقيادة الولايات المتحدة، وقد تجاوز هذا التغيير الجوانب السياسية والثقافية ليمتدّ إلى الحقل الاقتصادي والاجتماعي في إطار ما أُطلق عليه "نظام العولمة".
والعولمة في أبسط تعريفاتها تعني: تيسير انتقال المعلومات والسلع والأموال والأفكار والعادات الاجتماعية والثقافية من الدول الصناعية المتقدّمة إلى أنحاء العالم، الأمر الذي يترتّب عليه انفتاح الأسواق وزوال الحواجز الجمركية وتقليص نفوذ الدولة الوطنية، لا سيّما في ظل الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتيل"، والتي حقّقت تقدّماً هائلاً وغير مسبوق في مفهومَي الزمان والمكان، بحكم تحوّل العالم إلى "قرية صغيرة" متفاعلة على نحو متشابك، خصوصاً في الطور الرابع من الثورة الصناعية.
وأصبحت النيوليبرالية المرجعية الفكرية للعولمة، التي تقوم على عناصر عديدة أساسها اعتبار السوق الكيان المهيمن للرؤية الاقتصادية على نحو شبه مقدس وحرية تكاد تكون شبه مطلقة، وذلك بتحرير أسعار السلع والخدمات وخصخصة المجالات الحكومية ومشاريع القطاع العام، وإعادة النظر في دور الدولة لجهة إلغاء بعض واجباتها السابقة في رعاية المواطنين وتخلّيها عن دورها الاجتماعي والاقتصادي من جهة، وإلغاء وظيفتها في ضبط السوق، بتوسيع مجالها في حريّة انتقال السلع والخدمات والأفراد بلا مجهود من الداخل والخارج، أي بإغفال البُعد الاجتماعي لمفهوم العدالة واعتماد البقاء للأقوى اقتصادياً، وهكذا يصبح السوق في خطاب العولمة السياسي والثقافي هو الأساس.
والأمر لا يتوقف عند الجوانب الاقتصادية والسلع المادية، ولكن يمتد إلى الأبعاد الثقافية العميقة في التشكيل النفسي والقِيَمي للإنسان والمجتمع. وهكذا فالعولمة لا تستهدف الهيمنة الاقتصادية فقط، بل إنها تسعى لوضع اليد على الأنساق الثقافية المختلفة، وصبغها بلون مجتمع السوق، بحيث يتحدّد كل شيء في المجتمع بسعر السوق، حتى القيم الإنسانية والعلاقات بين البشر، لا سيّما تحت تأثير الإعلام الضخم والمفخِّم، ووسائل التواصل الاجتماعي. وكان فرانسيس فوكوياما المنظّر الأمريكي من أصل ياباني قد بشّر بذلك بكتابه: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، معتبراً نمو الليبرالية الغربية الشكل النهائي لنظام الحكم.
واستندت ثقافة العولمة على أربع محاور أساسية وهي: نمط الاستهلاك وثقافته،  ونموذجها الأول: في الطعام المكدونالد، وذلك عبر دعاية غير مسبوقة. والثاني: ثقافة دافوس، القائمة على نخب من رجال أعمال وطامحين لبلوغ القِمّة، والثالث: ثقافة العقل أو النادي الثقافي، وأساسه شبكات أكاديمية ومؤسسات غير حكومية أو ما يسمّى بـ "المجتمع المدني"، المتأثر بالأفكار التي تروّج إليها المؤسسات الغربية وأيديولوجياتها غير البريئة، والرابع: الحركات السياسية المتأثّرة بالغرب والانفتاح، والداعية إلى مفاهيم عابرة لـ الوطنية والسيادة والاستقلال وحق تقرير المصير ومفاهيم العدالة الاجتماعية.
واعتمدت  الليبرالية على أدوات استخدمتها بشكل مؤثّر وفاعل مثل: الشركات المتعدّدة الجنسيات أو ما فوق القومية، والمؤسسات الاقتصادية العالمية، كـ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحكومات الدول الكبرى وأدواتها مثل اتفاقية التبادل التجاري الحرّ والمناطق الحرّة وبرامج إعادة الهيكلة، إلى درجة أن الليبرالية الجديدة فرضت نفسها كفكرة مسيطرة وقوة مهيمنة متجاوزة الهوّة بين الشمال والجنوب، وبين الدول الغنية والفقيرة، وأصبح انتقال اللاجئين من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني أحد مظاهر التغيير من دون أن تتهاون في مساعيها لاستتباع الدول والشعوب تحت مزاعم مناهضة الإرهاب الذي هو نتاج للتعصب ووليده التطرّف والعنف، وتحت شعار محاربته، تعمل على تأمين مصالحها، ولا سيّما بالهيمنة على الموارد الطبيعية وتأمين سيطرتها الاستراتيجية وحماية حلفائها.
وتناست الليبرالية شعاراتها التي بشّرت بها في الثلاثينات بالانتقال من دولة الحماية ودولة الرعاية إلى "دولة الرفاه" وفق النموذج الكينيزي، لأنها أصبحت تهدد المستقبل. ولعلها كانت مجرد "تراجع تاكتيكي" أيام الحرب الباردة، ورضوخاً لبعض مطالب الحركة الشعبية والعمالية في البلدان الرأسمالية.
هكذا سيكون غالبية سكان العالم خارج إطار المنافسة، لأن العولمة بطبيعتها تنحاز إلى الأغنياء على حساب باقي فئات المجتمع، فيزداد تركيز الثروة في أيدي الأقلية وتتسع الهوّة بين البشر، تحت عنوان البقاء للأصلح استناداً إلى نظرية داروين وتهميش الأقل قدرة، أي نزع البعد الأخلاقي عن عملية التنمية بحيث تصبح قوى السوق مساوية لقوى الطبيعة، وعلى الجميع الإذعان لها والتكيّف مع قوانينها، فلا مكان للتخلّف والفقر في هذه الغابة اللّاإنسانية، وذلك ما ينعكس اليوم على الصراع الأميركي - الصيني.
وإذا كان هناك وجه آخر للعولمة يقوم على عولمة الثقافة والحقوق والتكنولوجيا، لكن قوى السوق وديكتاتوريته ستشكّل رادعاً لعدم التراكم والتأثير على مسارها، بحكم جبروتها الاقتصادي ووسائل الإعلام الضخمة، التي تملكها، إضافة إلى ترسانة السلاح في إطار تقسيم ظالم وأنماط استهلاكية سريعة وموحّدة. فحتى الأحلام والأماني والأذواق والسلوك وأشكال الحياة ستكون منمذجة.



47
كوبا أمام مفترق طرق
عبد الحسين شعبان
طوى المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الكوبي (أبريل/نيسان 2021) صفحة طويلة من تاريخ كوبا "الثوري" امتدّت لأكثر من ستة عقود من الزمان حكم فيها فيديل كاسترو الزعيم التاريخي من العام 1959 ولغاية العام 2008، وأعقبه شقيقه راؤول كاسترو الذي تولّى منصب الأمين العام للحزب من العام 2011 إلى العام 2021، وقرّر الخلود إلى الراحة والتقاعد السياسي مفسحاً في المجال للجيل الجديد لتولّي المناصب العليا، لا سيّما بعد تعديل الدستور (ديسمبر/ كانون الأول 2018) الذي اعترف بالملكية الخاصة وإدارة مشاريع اقتصادية صغيرة للمواطنين وسمح للاستثمار الأجنبي.
اختار المؤتمر ميجيل دياز كانيل أميناً عاماً للحزب (60 عاماً) وكان قد شغل منصب رئيس الوزراء الذي استحدث في العام 2018. وهكذا يتم الانتقال بصورة سلمية وسلسة من "جيل الثورة" إلى "جيل الدولة"، فهل ستشهد البلاد تطوّرات جذرية أم أن التغيير سيكون عابراً؟
ولكي يُطمئن كانيل "الحرس القديم" غرّد عشية انعقاد المؤتمر قائلاً: "إنه مؤتمر الاستمرارية" مؤكّداً على أن الخطوط التوجيهية لن تتغيّر. وتعتبر كوبا إحدى البلدان الخمسة الشيوعية المتبقية في العالم (الصين، كوريا الشمالية، فيتنام، ولاووس)، وقد عانت من حصار أمريكي ومحاولات اختراق وإطاحة بسبب خيارها الاشتراكي، كما كانت أحد أسباب التوتر خلال فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ونجم عنها ما عُرف أزمة الصواريخ (أكتوبر/تشرين الأول 1962)، وظلّت هافانا مصدر قلق لواشنطن في عموم أمريكا اللاتينية.
ومع أن صحيفة "غرانما" الناطقة باسم الحزب، عنونت افتتاحيتها "مؤتمر كوبا ينعقد" مع صورة لفيديل كاسترو حاملاً بندقية، إلّا أن المؤتمر ناقش قضايا عقديّة كثيرة باحثاً عن "حلول انتقالية"، خصوصاً وأنها تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة ومزمنة، تفاقمت خلال تفشي وباء كورونا، إلى درجة أصبحت الشوارع خالية من السيّاح الذين كانوا يتوافدون إليها، وازداد نقص المواد الغذائية شحّة، والطوابير أمام المتاجر طويلة والأسعار مرتفعة ولم ينفع معها زيادة الرواتب، وبدأ نوع من التذمّر شهد احتجاجات لفنانين ومجموعات من المجتمع المدني استغلّتها المعارضة مستفيدة من العقوبات المتفاقمة التي تعاني منها.
وخلال العقد ونيّف الماضي حاولت كوبا أن تتوجّه بحذر وتدرّج باتجاه الانفتاح على الأنترنت والهاتف النقّال والاستثمار الخارجي محاولة الالتفاف على نظام العقوبات الأمريكي، المطعون به من جانب الأمم المتحدة، ومستفيدة من سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتخفيف من الضغوط التي تتعرّض لها، إلاّ أن مجيء الرئيس دونالد ترامب عطّل من مهمة تطبيع العلاقات بل مارس أقسى درجات الضغط عليها، ولا سيّما في العام 2019، حيث باشر بحجب أعداد السفن المتوجّهة إليها لغرض السياحة، وقام بـإغلاق وكالة "ويسترن يونيون" للتبادل المصرفي وتحويل العملات، حيث كان الكوبيون الذين يعملون بالخارج يقومون بإرسال المبالغ إلى أقاربهم.
حين صدر كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، 2011) جئت فيه على خمسة حروب عاشتها كوبا وانتصرت فيها، وبقي أمامها "حربان"، أولهما الحرية وثانيهما التكنولوجيا. وما لم تنتصر بهذين الحربين فإن استمرار الوضع على ما هو عليه سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالعالم متجه إلى الإقرار بالتعددية والتنوّع وتوسيع دائرة الحريات ولا سيّما حريّة التعبير، فلم تعد سياسة "الحزب الواحد" مقبولة أو منطقية، مثلما لا بدّ لها من ولوج عالم التكنولوجيا، إذْ ليس من المعقول بقاء الوضع على ما هو عليه. والتكنولوجيا تحتاج إلى رأسمال وهذا الأخير يحتاج إلى بنية تحتية وهياكل ارتكازية وإمكانات وتسهيلات، خصوصاً وأن سياسات الحصار الظالم جعلتها جميعها متهالكة ومتآكلة.
بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا 1923 ألقى لينين محاضرة قال فيها: إننا انتصرنا ولكن مَن يبني روسيا؟ أليس الرأسمال؟ وهذا لن يأتي إلا بشروطه وليس بشروطنا ولذلك ابتدع مشروع "رأسمالية الدولة".
ما ينتظر "جزيرة الحرية" ليس تغييراً فوقياً أو استبدالاً شكلياً، فهذا الشعب الذي اجترح عذابات لا حدود لها يحتاج إلى تغييرات جذرية، وإن كانت تدرجية في إطار التوجّه الاشتراكي، فــ كوبا جزء من العالم المتحرك وأرخبيلاته المفتوحة على بعضها، لا سيّما في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، فقد غاب القادة الكارزميون مثل كاسترو وقبله جيفارا واليوم تقاعد راؤول الذي عاش بجلباب أخيه. ويبقى أمام كارنيل السير بالدولة الاشتراكية بالتدرج ولكن بالضبط، نحو العلم والتكنولوجيا في أجواء أكثر حرية وانفتاحاً، في مراكمة ما هو متحقق في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والرياضية، في إطار مشروع "تجديد الثورة" وفقاً لمبادىء المشروعية الدستورية وحكم القانون وشرعية المنجز السياسي والثقافي، والتخلص من البيروقراطية الحزبية، كيما تكون كوبا أكثر قدرة في مواجهة التحديات "القديمة - الجديدة"، وأكثر ثقة بالمستقبل، خصوصاً بالعلم والتكنولوجيا. وكان بليخانوف الذي يسميه لينين "أبو الماركسية"، هو الذي قال أن حامل التغيير هو الأنتلجنسيا والتكنولوجيا، وذلك قبل قرن ونيّف من الزمان، وأعتقد أن هذا الرأي هو الأكثر انطباقاً على واقع كوبا الراهن.




48

شعبان في خصوصياته .. بعيداً عن الإنشغالات الفكرية قريباً من واقع الحال – أحمد عبد المجيد
مايو 1, 2021

  روحي في بيروت وان سكنت النجف في قلبي
شعبان في خصوصياته .. بعيداً عن الإنشغالات الفكرية قريباً من واقع الحال – أحمد عبد المجيد
الحب يأتيني كشلال ضوء ويكون له سلطان على القلب
مضى على آخر لقاء مباشر لي مع الدكتور عبد الحسين شعبان ، اكثر من 18 شهراً . رأيته في بيروت التي كانت تشع بأنوارها وتغرق بلون البحر ، الذي تحتضن امواجه كثيراً من الذكريات وتخفي اسرار ما كان يدور في حجرات فندق (سان جورج) ، وحديثاً في شرفات فندق فور سيزونز ، وفي احدى جولاتي مع الدكتور شعبان اطربني صوت فيروز المنبعث من مذياع سيارته ، فتذكرت ان المفكرين وكبار الباحثين بشر ايضاً ، تأخذهم العواطف الى تخوم الشباب وايام (الشقاوة) ، ولم يكونوا بالجدية التي هم عليها اليوم ، وبالانشغالات التي تصرفهم عن العناية –  احياناً –  بألوان اللوحة الماضوية التي هرب بريقها ، فتحول الى حلم باهت لا ملامح له ولا اثر .
* ما يجمع اساتذتي في الإعدادية طيبة القلب وحب التلاميذ
* شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها
* استمع الى فيروز ووردة وام كلثوم وأستمتع بالموسيقى الكلاسيكية
* إحتفظت بعلاقة ودية بالبياتي يوم تعرفت اليه في القاهرة مطلع 1969
* انا تعددي بإستثناء فلسطين والفقراء
* الأسفار ثلاثة والأخيرة سفر  التيه والحيرة
* حب الناس سعادتي والعمل وأسداء الخير مصدرها الأساسي
* هاجسي لا يتجسد بشخص بل بظاهرة الغدر
* السيرة الذاتية شديدة القسوة لكنها ليست هتكاً للاسرار.
وقلت ، في نفسي ، ان هذا الرجل ، وانا صامت جالس الى جواره في المقعد الامامي في السيارة ، يعيش على اطياف من الذكريات ، لكن لا احد نبش فيها ولا حاول اخراجها من القمقم يقول الاديب اللبناني جبران خليل جبران (أحترس من ذكرياتك، فالوجع يزورك مرة واحدة ولكنك لا تتوقف عن زيارته). وغالبا ما يعمد الذين يجرون حوارات صحفية معه ، يستنطقونه بقصد استدراج فكره ورؤاه السياسية والفلسفية ، متناسين ان قلبه مازال ينبض ، وهو مفعم بالالم وسهر الليالي والحرمان ، وان ملائكة الحب تحوم حوله ، ولاسيما في خلوته او تحت تأثير كأس من النبيذ احتساه في ركن من اركان شارع الجميزة البيروتي ، الضاج بالحركة والعنفوان والمزدحم بالسكارى والصبايا . وعملياً فان شعبان دأب على اختيار زاوية عند مطعم شعبي اسمه (مشاويش مار مخايل) يضع مناضده على قارعة الطريق ، ويحرص شعبان على دعوة المقربين منه الى هذا المكان ، لنفض متاعب القدوم من بغداد او الشام الى المدينة التي اتخذها محطته الاخيرة بعد ان جاب مدناً وعاشر عواصم .
* * * *
بعض الاشخاص تتمنى لو انك لم تصادفهم في حياتك ، وبعضهم تتعرف عليه وتمضي معه رهطاً من حياتك ، ويمض وتمضي دون ان يترك في مشاعرك اثراً او في روحك بصمة . اما افضلهم على الاطلاق فهم الذين تهبط صداقتهم عليك من السماء ، فترتبط بعلاقة وطيدة بهم فيتركوا في روحك عطراً وفي نفسك شذى الوفاء والقصص الحميمة . وعبد الحسين شعبان من هذا الطراز . وذات مرة قلت له ، وانا على تواصل شبه يومي معه عبر الهاتف ، (دكتور .. اعاتب نفسي احياناً بالسؤال ، لماذا لم اتعرف اليك قبل عقود من الزمان ؟) . ويضحك معبراً عن سمات شخص نادر الوفاء يمزج المرح بصدق الكلام .
ويوم كنا نتجه الى (الجميزة) ، الشارع الذي يروق له وسط بيروت ، راودني فضولي الصحفي فرفعت عن علاقتنا بعض (الكلفة) واقترحت عليه اجراء حوار غير تقليدي ، ليس كعشرات وربما مئات الحوارات التي اجريت معه واتسمت بجدية مفرطة تنظر فيها الاسئلة الى الحياة وكأنها فواجع بشرية وعنف مفرط وثأر تاريخي حسب ، او كأنها تقتصر على رؤى ما ورائية ، لا حيوية فيها ولا صفاء انساني أو كما يظنون انها حكاية تراجيدية تكشف وجودنا البشري الضعيف . رأيت ان يكون حواري مع عبد الحسين شعبان ، الانسان والمفكر، صائد المفردات والمصطلحات والعابر من الكفاح بانواعه ، الى المرح واللا شقاء بانماطه والسخرية من الاقدار ، حلوها ومرها . وهكذا ولد جزء من هذا الحوار ، بينما كان شعبان يمارس رياضة المشي ، قرب انتصاف الليل ، على رصيف كورنيش بيروت ، تاركاً لساعة الكترونية يرتديها ، قياس خطوات المسافة التي يقطعها ذهاباً واياباً كل يوم ، اما الجزء الاخر فقد ولد في حضن الحجر الصحي من الجائحة ، بعد اشهر من بقاء الاسئلة في الادراج ، وسفر شعبان الى لندن ، لتلقي الجرعة الثانية من اللقاح ضد كورونا :
* ما الذي تركته من عقلك الباطن في النجف؟
–  الروح تسكن هناك، حتى وإن سكنت النجف في قلبي. وعلى غرار الموسيقار البولوني شوبان “العقل في باريس والقلب في وارشو”، أقول القلب في النجف والعقل مهاجرٌ. وإذا كانت باريس قد منحت شوبان الشهرة حيث تربّع على عرش البيانو والإبداع الموسيقي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، بعد باخ وموزارت وبيتهوفن، فإن وارشو منحته تلك الروح المتوهّجة، حتى توزّعت بين عشقه وموسيقاه.
* ما شكل الصف الدراسي الذي جلست فيه للمرّة الأولى؟
– مدهش بخشوع وناطق بالبهاء ومفعمٌ بأريج الأمل… إنه اللبُّنة الأولى التي قادتني لعالم المعرفة الشاسع والبلا نهايات.
* ما هو أول كتاب قرأته؟
– اعترافات أرسين لوبين “اللصّ الظريف”، ولاحقاً عرفت أن المؤلف هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.
* ما هي أول قصيدة حفظتها؟
– ربما للشاعر معروف الرصافي التي يقول فيها:
أنا بالحكومةِ والسياسة أعرف/ أَأُلام في تفنيدها وأعنّف
عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ/ كل عن المعنى الصحيح محرّفُ
* ما هو أول وجه رأيته وما زال عالقاً في عقلك ووجدانك؟
– وجه الوالدة المنير نجاة حمود شعبان ووجه الوالد المشرق عزيز جابر شعبان، وحين أستعيد المشهد، فكأنهما انفلقا عن تكوينٍ واحد، وأصبحا جسمين ولكن بروح واحدة.
* صف لي معلماً تأثّرت به؟
– سأصف لك ثلاثةً لأنهم يكمّلون بعضهم البعض:
الأول – عبد الرزاق الساعدي، وهو أوّل مَن علّمني فك رموز الحرف (الصف الأول الابتدائي).
والثاني – رؤوف الشيخ راضي، الذي حبّبني باللغة العربية وبدرس الإملاء (الصف الثالث الابتدائي) وكلاهما في مدرسة السلام.
والثالث – الشيخ يحي الجواهري وهو أحد المتمكنين من اللغة العربية وفقهها، وقد درست على يديه في الاعدادية: النحو والصرف والاعراب وكتابة الشعر (الصف الرابع الثانوي).
وكان الأول سمحاً جداً، والثاني حازماً جداً، والثالث عصبياً جداً، وما يجمعهم طيبة القلب وحبّ تلاميذهم وتفانيهم من أجل تعليمهم.
* أي الطيور أحببتها في صباك ولماذا؟
– الحمام والبلابل والعصافير وما زلت أحبّها لأنها أليفة وتغريداتها جميلة.
* ما الذي يُذكّرك بامرأةٍ شغفت بها؟
–  رائحتها وابتسامتها وغنجُها.
* هل تستمع إلى أغنيات الريف، ومَن هو مطربك الريفي الأول؟
– أحياناً… أحب الاستماع إلى مطرب الريف الأول داخل حسن، ثم إلى المطرب الشعبي للأغنية الحديثة الياس خضر.
* ما أنواع الموسيقى التي تستمع إليها؟
– الموسيقى الكلاسيكية وبشكل خاص سمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي ودفورجاك… وبالأخص أحب الاستماع دائماً إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن، والسمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، والسمفونية الرابعة  لدفورجاك.
* وأي المطربين تستمع إليهم عادةً؟
–  فيروز بالدرجة الأولى، وأحب الاستماع إلى عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ووردة الجزائرية.
* لماذا تميل إلى الشاعر الجواهري من دون سواه؟
–  أميلُ إلى الأدب بشكلٍ عام والشعرُ بشكلٍ خاص، وميلي إلى الجواهري الكبير لأنه أحد أبرز أركان الشعر الكلاسيكي في القرن العشرين، بل آخر عمالقته. وهذا الميل محكوم بالذائقة الشعرية من جهة، وبالعلاقة والصداقة التي ربطتني مع أبو فرات لنحو ثلاث عقود من الزمان من جهة أخرى. وقد سبق لي أن قلتُ وقبل التعرف المباشر على الجواهري أنه عاش في بيتنا (لأن كلُّ ما يخصّه وما كان ينشرُه من قصائد ودواوين وما يكتب عنه موجود في بيتنا، ويتداوله الأعمام والأخوال) كما كان معنا في مدرستنا الخُورنَق حيث كانت قصيدته التي حيّا فيها ثورة 14 تموز/يوليو 1958 مفتتح فصلنا الدراسي الأول، وهو موجود في مدينتنا النجف (واقعاً وليس مَجازاً) حيث نشأ فيها.
وللأسرة الجواهرية مكانة علمية منذ جدّه الأقدم محمد حسن صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرائع الإسلام”، الذي اكتسبت منه الأسرة إسمها.
والأكثر من ذلك أننا عشنا في مدينتين حبيبتين لسنوات عديدة هما براغ في السبعينات، ودمشق في الثمانينات، وكنا على تواصلٍ مستمر، مثلما التقينا في لندن في التسعينات.
وقد أصدرتُ عنه كتاباً بعنوان: الجواهري في العيون من أشعاره” في العام 1986) بالتعاون معه)، كما أصدرتُ عنه كتاباً في العام 1997 الموسوم “الجواهري – جدل الشعر والحياة” (طُبع ثلاث طبعات).
* وماذا عن علاقتك بشعراء آخرين؟
–  احتفظت بعلاقة ودّية مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرّفت عليه في القاهرة في مطلع العام 1969 وبلند الحيدري حيث عملنا معاً في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضواً في المجلس الاستشاري، وكذلك بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النواب والشاعر كاظم السماوي والشاعر رشدي العامل والشاعر والروائي فاضل العزاوي، كما ارتبطت بصداقة مديدة مع الشاعر سعدي يوسف، وهو “شاعر التفاصيل الصغيرة”، وقد غيّرت قصيدته منذ مجموعته الشعرية “الأخضر بن يوسف ومشاغله” 1972 ذائقتنا الشعرية، وآمل أن يتسع الوقت للكتابة عنه وهو المبدع الذي لا تُدرك بوصلته، وهو في نظري أحد أبرز شعراء الشعر الحديث بعد بدر شاكر السيّاب  وجيل الروّاد، ويشكّل مع محمود درويش وأدونيس أهم ثلاث شعراء عرفتهم اللغة العربية، منذ ستينات القرن الماضي، علماً بأنه غزيز الانتاج، شعراً وترجمة ونقداً، إضافة إلى رواية واحدة بعنوان “مثلث الدائرة”، وعشرات الدراسات ومئات المقالات.
كما كانت علاقتي وثيقة بعدد من الشعراء الشعبيين مثل شاكر السماوي وعزيز السماوي وكاظم اسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف.
وأود هنا أن أنوّه إلى العلاقة المتميّزة مع عشرات من الأصدقاء من جيلنا والجيل الذي أعقبنا  وهم شعراء مرموقون، وبشكل عام اطلعت على الشعر العراقي بمدارسه المختلفة.
* كيف شربت كأسك الخمري الأول؟
–  مثل الريح الخفيفة المعطرة والمنعشة، وما زال طعم الكأس الأول لذيذَ المذاق وأشتاق إليه.
* هل تحنّ إلى صديق قديم أَثير إلى قلبك؟ من هو؟
– السيد صاحب جليل الحكيم صديق العمر والشيوعي الأول والأنقى متمنياً له الصحة وطول العمر.
* عدّد لي ثلاث صفات تتمنّى في كل إنسان؟
–  الشجاعة والأمانة والوفاء، وهي منظومة متكاملة وأي اقتطاعٍ لجزءٍ منها يخلُّ بالآخر.
* أيام السجن، ماذا كان يشغل بالك فقط؟
–  لم أسجن. بل اعتقلت عدّة مرات، وما يشغلني كان وما يزال هو المستقبل.
* أيّهما أقرب إلى قلبك… ابنتيك أم زوجتك؟
–  الإبنتان قطعة من قلبي وروحي، والزوجة من خارجه، ويمكن أن تدخل وتخرج، وهكذا هي الحياة. وتبقى مكانة الأبناء متميّزة.
* ماذا يمثّل الشقيق بالنسبة إليك، وهل وجدته فعلاً فيه؟
– التكامل والوفاء… نعم هو ما وجدته فيه.
* أي البلدان أحبّ إلى نفسك؟
– أنا تعددي كما تعلم باستثناء فلسطين والفقراء فأنا أحادي كما قال صديق عني. فبعد العراق (النجف وبغداد، الروح ومسالك الطير) الأقرب لي هي سوريا، وفي دمشق المدينة الناعمة كحرير الصين كان تكويني الثاني، وقد كتبت عنها نصاً أدبياً بعنوان “الشام هي التي علّمتني حب الصباح”، وأنا أردّد دائماً أنني “سوراقي”.
أما بلاد التشيك، ففي براغ تتقاطع طرق الحب وتلتقي جداوله، وكتبت نصاً أدبياً عنها بعنوان “براغ وثمة عشق”، ويبقى لبنان مانحاً الحواس عطراً وجمالاً، حيث الخزامى واللافندر، وفي بيروت يتجدّد العشق، هكذا هي أرخبيلاته وشواطؤه، وقد كتبت نصاً أدبياً عن بيروت حين تم تكريمي من الحركة الثقافية في أنطلياس.
* ألهذا السبب أنت في بيروت؟ ولماذا غادرت لندن؟
–  بيروت أقرب إلى المزاج، وأكثر دفئاً وألفة وحميمية، وهي ملتقى المثقفين والمنفيين والصعاليك والعشاق، أما لندن فرغم أيجابياتها خصوصاً الحرية والأمان، فإنها أبعد وأبرد، إضافة إلى ارتباطي بعقود عمل جامعية في بيروت منذ سنوات طويلة.
* أنت كثير الترحال والأسفار.., أيهما تفضل ركوب البحر أم البرّ أم الجو؟
–  حسب ابن عربي فالأسفار ثلاثة:  “سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه”، وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وهو لا معنى له، وسفري شخصياً هو سفر الروح التي ظلّت معلّقة هناك، وهكذا تراني هائماً وغير مستقرّ، مرتحلاً مع كتبي وأسبابي ولواعجي.
وفي السفر فوائد كثيرة، فإضافة إلى المغامرة والاكتشاف ففيه الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها. وهو تمنحك مرونة في التعامل مع الآخر، وقدرة أكبر على التسامح والتواصل والصداقة وكل ما هو مشترَك إنساني. وفي السفر اكتشاف للذات أيضاً وحسب الإمام الشافعي ففيها تفريج همٍّ، وقد يكون طلب علمٍ.
* ما أحسن رواية قرأتها؟
–  دونكيشوت لسرفانتس، وهي مصنفة من أعظم الروايات العالمية.
* ومن هو أعظم روائي؟
–  أستطيع القول دوستويوفسكي وتولستوي وماركيز. وهؤلاء من أفضلهم.
* وأفضل روائي عربي؟
–  نجيب محفوظ بالطبع، كما يعجبني عبد الرحمن منيف.
* وماذا عن أفضل روائي عراقي؟
–  أحب قراءة غائب طعمه فرمان ويشدّني فؤاد التكرلي وأستمتع بقراءة شمران الياسري “أبو كاطع”، وأقصوصاته وحكاياته.
* أي همٍّ يغمرك بالألم والأسى والحزن؟ وكيف تستطيع الهرب من انشغالاته؟
– أكبر الأحزان هو الظلم على المستويات كافة، وأشعر براحة نفسية حين أنتصر لمظلوم أو أساعد ضحية، وكم كنت منسجماً مع نفسي حين تمكّنت من مساعدة لاجئين فارين من العراق أو من عدد من البلدان العربية.
* مرأة… صحيفة… أم صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
– تعدديتي متواصلة مع الكتاب والمرأة والنبيذ ورياضة المشي والصديق وهي متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة، يكمّل بعضها بعضاً.
* ماذا تقول في الصداقة والصديق؟
– حسب أرسطو: الصديق إنسان هو أنت… إلاّ أنه بالشخص غيرك. والصداقة أفضل العلاقات الإنسانية. وأساسها كرم العهد والتضحية.
* هل أنت سعيد وما أبرز سمات السعادة في رأيك؟
– نعم سعيد جداً، وحبّ الناس وحب العمل وحب الخير هي مصدر سعادتي الأساسية.
* أي أغنية تطاردك أينما حللت؟
-أغنية الياس خضر والتي هي من ألحان طالب القرة غولي والكلمات قصيدة لمظفر النواب:
روحي ولا تگـلها شبيج ..وانت الماي
مگطوعة مثل خيط السمج روحي
حلاوة ليل محروگة حرك روحي
وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي
ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت
گالولي عليك هواي
ياثلج اللي ما وجيت
وأحياناً أغنية سعدون جابر وألحان كوكب حمزة، والكلمات للشاعر زهير الدجيلي:
عيني ياعيني ياهوى الناس
قداح وشموس وعصافير
ياليل ومعاشر نواطير
مرات ياخذنه الهوى اثنين
مرات تحضنه البساتين
ومرات تنسانه الدواوين
ومرات نسأل عالوفه وين
لكن هوانه .. هوى الناس
* والأغاني الأجنبية؟
– أغنية فرانك سيناترا Stranger in the night.
وأحياناً أغنية كارل غوت المغنّي التشيكي O MAMI وهو المعروف بصاحب “الصوت الذهبي”.
* وأنت تقود سيارتك هل ندمت على عدم الوقوف إزاء مشهد صادفك؟
– نعم، حين يعتدي رجل على امرأة تسير معه وسط الشارع أو يعنّف أحدهم متسوّلة سورية اقتربت منه، وهي التي قذفتها ظروف الحرب والحصار إلى الهجرة.
* هل ثمة شبح يطاردك أحياناً؟ صف لي شكله أم هواجسك منه؟
– لا يتجسّد بشخص، بل بظاهرة هي الغدر، وهي وسيلة الجبناء، ومنعدمي الضمير.
* كم مرّة وقعت بالحب؟
– لا يوجد تصنيف للحب وليس ثمة أرقام أو أعداد بالنسبة لي. الحب واحد، فقط تتقاسمه عدّة نساء، ولكل امرأة زمانها ومكانها، وحتى وإن تداخلت الأزمنة والأمكنة أحياناً، فيبقى الحب واحداً، وهو الذي ينتصر.
* وماذا عن الحب الأوّل؟
– لا يوجد حب أول وحب أخير، فكل حب هو أول بالنسبة إليّ، والحب واحد تتقاطع فيه الطرق وتتقارب المصائر وتتشابك العواطف وتختلط الأحاسيس.
* ما علاقة القلب والعقل بالحب؟
– العشق بالقلب وهو بالعين أيضاً، وحسب بشار بن برد بالأذن أحيانا، والقلب والحاستان أول العاشقين، أما العقل فهو يؤنسن العشق ويؤطره، فليست كل عين ترى، على حد تعبير ابن عربي، ويمكن القول وليست كل أذن تسمع.
وهكذا فالعشق ندى الروح وعطر القلب.
* كيف يأتيك الحب؟
– مثل شلال ضوئي وسرعان ما يكون له سلطان على القلب وفيه تتطهّر الروح، ويدخل العقل في حوار مع القلب، واتحادهما على موقف موحد، يبعث في المرء نوعاً من الطمأنينة والرضا، وحين أكون في مثل هذه الحالة تراني أنام بعمق، وأتنفس بعمق، وأعمل بعمق.
* هل هناك دين متسامح وآخر غير متسامح.
– الأديان أكثر رحمة وتسامحاً من البشر، والإنسان هو من يحاول أن يوظّفها باتجاه الشر والتعصب والتطرف والعنف والارهاب.
* هل تؤمن بالله؟
– علاقتي بالسماء قوية، وتأتيني إشارات غامضة باستمرار وأشعر معها بالطمأنينة والسلام، وكل ذلك خارج دائرة الطقوس والشعائر والغيبيات، وإنما هي علاقة روحية وجدانية عقلية.
* متى تكتب سيرتك الذاتية؟
– السيرة الذاتية شديدة القسوة على كاتبها وكذلك على القارىء وهي ليست هتكاً للأسرار أو انتقاصاً من الآخر أو فضحاً لخفايا النفس أو تلميعاً للصورة، إنها خلاصة تجربة قيمية وصميمية، وقد تكون فرصة للمراجعة خارج دائرة الإساءة للأموات أو إيذاء للأحياء. إنها فرصة تأمل وهدوء ونقد موضوعي.
* ماذا تتمنى؟
– أن يسود السلام واللاّعنف، وأن تنعم بلادنا العربية، بل والعالم أجمع، بالحرية والتنمية وأن نستطيع التعايش فيما بيننا على أساس المشترك الإنساني، وأن نسـهم كما كان أسلافنا في ركب الحضارة الكونية.




49
زيد الحلّي: شعبان على مائدة عبد المجيد
زيد الحلي
 شعبان، هو الدكتور عبد الحسين شعبان، الكاتب والمفكر المعروف، وعبد المجيد، هو د. احمد عبد المجيد الصحفي والاكاديمي، والمائدة هي اللقاء المهم الذي جمعهما على صفحات جريدة "الزمان" الدولية اليوم (الاحد 2/ 5 / 2021)..
ليس جديدا، القول ان فن الحوار الصحفي، هو من الفنون الصحفية الصعبة، والذين امتلكوا ناصيته، قلة قليلة من مبدعي الصحافة والاعلام، واعني هنا، الحوار الذي اكتمل بناؤه من جميع النواحي الاعلامية، فهو شيء من كل شيء، بمعنى انه يمثل روحية المقال الصحفي، وقوة التحليل، وفكرة العمود، وعمق الاستطلاع، وبلاغة الاسلوب، واستقصائية المعلومة، وامتلاك حدس الاستنطاق .. هو يشمل كل الفنون الصحفية .. ومن هذه المدرسة، تسجل ذاكرتي اسماء الأساتذة محمد حسنين هيكل في كتاباته الصحفية الخاصة بلقاءاته في صحيفة " الاهرام " وكتبه، وسليم الزبال في مجلة " العربي " الكويتية، ومفيد فوزي في التلفزيون، وغيرهم .
لقد وجدتُ في الموضوع الذي قرأته بشغف على صفحات جريدة" الزمان" اشراقة ضوء في مفهومية الرؤية الصحفية ، تمثلت بأركان إعلامية ، تمنيت ان تسود صحافتنا، بعيدة عن الطريقة، المتمثلة بوضع السؤال وانتظار الجواب عليه كما يتم حاليا، فكتابة اللقاء الصحفي عملية مركبة، إن لم نحسن ادارتها، فإنها تكون مجرد اسقاط فرض، او سدا لمكان في صفحات الجريدة .
لقد سبق ان نوهت في كلمة سابقة، الى اسلوبية د. احمد عبد المجيد في كتابة اللقاءات المهمة التي اجراها ويجريها، وهي اسلوبية تتجه إلى غربلة الحقائق الملتقطة، ضمن تحليل منطقي يتلمس خطوطها بأمانة وثقة، وربط المقدمات بالنتائج بخيط دقيق لا يكاد يستبين، مؤلفا ما بين أطراف الكلمات المبعثرة، متدرجا من التفصيل إلى التركيز ومن التركيب إلى التحليل.. وهذا برأيي المتواضع هي الصيغة المثلى لهيكلية اللقاء الصحفي ..
شخصيا، ارتبط بوشيجة عالية المتانة مع الدكتور، المفكر د. عبد الحسين شعبان ، ومن النادر ان لا نتكلم اسبوعيا مرة او اكثر عبر الهاتف، وحواراتنا الشخصية، هي عمق الاعماق في فهم الرؤى، ومكنونات الظروف، لكن والحق يقال، ان د. احمد عبد المجيد، سبر اغوار د. شعبان، وقدم لي، انا القريب من الاثنين، طبقا لذيذا من المعلومة، من خلال حوار صحافي حقيقي، كان استنطاقاً صامتاً، وتوضيحاً لغوامض وكشف مجاهل، وتصوير ما خفي بإطار الحقيقة .
فرحتً بالحوار جدا .. فهنيئا لكما د. شعبان ود. احمد، والتهنئة الاهم للقراء الذين شاركوا مائدتهما .
 
زيد الحلّي


50
تحلّى الحوار الي أجراه الزميل د. أحمد عبدالمجيد مع د. شعبان والمنشور في جريدة الزمان عدد يوم " الاحد " 2 مايس /2021 بنكهة وخزات إنسانيّة أنستْ " عبدالحسين " محنة أن تتلبس الإنسان المعرفة  والفكر صِرفاً  و قد تحيله – في كثير من  أحايين -  حجراَ...
" لو أن الفتى حجرُ "
                      طرفة بن العبد
شعبان في كنف الزمان
حسن عبدالحميد
مَاهيتَ في طلعِ نَ خيل عُمركَ ...طفلاً حاسر الوعي  تذاهل يهيمُبحثا ًعن " عبدالحسين" عسى تُعيد له سلالة الروح ...  سخي لك  البوح المترامي في أصقاع النسيان  ... كُنتَ كما طيف قديس شاء  يزف الشارة لكل من يلقاه...
سِرتَ مع الذكريات مسرى الريح ...نسيماً كانت أم هدير غضب...حتى كنتَّ تنقط عسلاً في أجساد نساء تلك الريح ... إريتنا بعض مَلامحهِن... في حواركَ" الثوريّ " هذا مع أحمد عبدالمجيد...في كنف الزمان- الجريدة ،وانت تتهامس لمساً لذكاء عاطفي – رومانسي الهوى ، و الهول
حوت ما لم تحويه إجاباتك   من قبل جُلّ حوارتك...
تقدّمك الإنسان فيه بخطوات قلب ناصح...كما لو كان حبيس انشغالاتك.. وزلازل افكارك... ونجوى رؤاك...و سخاء همومك على مدى ما عشتْ
تسامرت مع نفسكَ وكنت في الوجدان تمرح...بل وتغني كما ليلٍأفاق على كأس فارغة...لم تشفع ملأها موسيقى شوبان
هكذا... وبمنزلة ودِ سحيق  ، وجدتُ فيك الإنسان يتسلّى طفولةً ...وإنتشاء رخيماً ،  و تشاء مع الكثير من خرق جدار الوصايا...و " تحطيم المرآيا " ربما وصولا للعقوق الذي زاحم المنطق..حتى خَرّالأخير صريع أمالآك... ما برِحت  تتحققّ ... وإن صحت كسلى...والغير منها لم يزل ينوء بهاخارج  أفلاك  الرؤيا...
هكذا يتحكّم  فيك الوضوح ،  فيما الخفايا و الهدايا تستعر حين ينبش أرضها محاور لَحوح يَصرّ  على فضح ما كنت يريد ُ أنت ان تقوله ...بعد أن أشقاكَ  كتمانه... نِير ضغط الظروف و ما يُحيك و تنسج  ... على  منوال هديّ ما سارت عليه  أيام الحياة..
تمتعثُ بأثر تأثير الصدفة... متى تجدُ  نفسها في قيافة سؤال ملحاح كأستحقاق دين قديم طال زمن سداده..
هكذا نلمس شغاف العقول المجاهدة ، تعدل على معاندة واقع ألمها الممض...تستجير محلّقة باجنحة من غبش طفولة...وكُحل أحلام حب ٍّ ما أن يفيق حتى يتوسده طفح  حُلم أخر...
أتممني حوارك بزهاء أحمد... جرعة من  نزعة و فزعة ما كنت أحيا أن أراك تقيّاً ، راهباً بمحراب هذا البهاء وأنت تستذكرُأ ما ختزنت ذاكرتك ...تستجلب  منها  لتحيي  بعض رفات ذكرياتك ...و لو على أقل من مهل جريان نهر الأيام والأماني وخسارة العمر رخيّا حين تحياه وحيداً... مكدوداً ،،، مكتظاً بحشود محبيك...النبلاء منهم ، والفقراء  من أقرانك  ،أؤلئك ممن إستجاروكَ ذات شوق ...أوحاجة ... أوشقاء...
الهمتني مسارات إستذكاركما ...جنونات قصائد  ... عن إمكانيّة أمل الطمأنينة بان تجد من يقتنع بها...عن النساء اللوتي  تختصرهن بجلل امراة واحدة ، حتى كانت دنيا منفيّةً  من بخل سراب..
حوار سخيّ التلويح بمناديل لا تتُقدّم فيها ثنايا الوداع ولا تأّخّر... عن  مُرّآة أي معنىً   لدواعي غياب ، أو ملمح  تغييب  ، لمن شاغلوكَ وسامروكّ
لقد أخذتنا لنراك في النجف تلميذاً ...دام عنود موهبته... و أوفىلمن درّسوه وأسقوه لذوعة ولذة  طعهم حرفها الأول ... فصار قاموساً يطوف مُدناً و أقانيم و زهو فراديس بأجيج نيران رغبات تعدّدتْ بها الذات حتى تماهت  نحو ذواتٍ لغيرها...من تلك التيأبتكرت عالم " شعبان " الذي نسكنه...ونحرص أن نكون فيه سلاماً ...كما يريد هو ...  و معه نحن – إيضاً- نريد ، بل نطمح ...
ح.ع.الحميد
اربيل- عنكاوا
2مايس/ 2021


51
المحامي والشاعر جليل شعبان الحميري القحطاني
في ذمّة الخلود

تنعي أسرة آل شعبان الحميرية القحطانية فقيدها المحامي والشاعر جليل شعبان الذي وافته المنيّة يوم الخميس 29/4/2021، عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، فقد ولد في النجف العام 1937 ودرس فيها وأكمل دراسته الثانوية في الاعدادية المركزية ببغداد، وتخرج من كلية الحقوق العام 1958، وعمل في التجارة وفي المحاماة، ثم تولّى إدارة الدائرة القانونية والعلاقات العامة في مصرف سومر الأهلي. له مجموعة شعرية واحدة مطبوعة بعنوان "بين الأرز والنخيل"، والعديد من القصائد الأخوانية وفي المناسبات المختلفة.
والده المرحوم حمود شعبان: أحد التجار المعروفين وعضو غرفة التجارة منذ العام 1950،

شقيقاه: المرحوم الأستاذ ناصر، والمرحوم الأستاذ رؤوف شعبان (النائب الأول لرئيس غرفة تجارة بغداد لمدة 12 عاماً).

أولاده: الدكتور أصيل (طبيب أسنان).
والأستاذ أسعد شعبان (مصرفي).
والفقيد عمّ كل من التاجر سمير والأستاذ منير والأستاذ أميرشعبان.
والدكتور عقيل والمهندس علي والأستاذ عدي شعبان.
وإبن عم المرحوم الدكتور ناهض شعبان.
وهو خال
الدكتور عبد الحسين شعبان

والأستاذ حيدر عزيز شعبان

والمهندس علي والتاجر عبدالله شعبان

والمهندس سلام والأستاذ حسن والأستاذ حافظ والتاجر غالب شعبان.

وإبن عمّة المحامي حسن والمؤرخ حسين محمد شعبان.
وقد نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب، ونعته رابطة المجالس البغدادية بقولها: "فقدت المجالس البغدادية أحد أركان ثقافتها، وبالخصوص مجالس الشعر  باف والربيعي وعبد الرزاق محي الدين والخاقاني والغبّان وآمال كاشف الغطاء"، وأعلنت الحداد على روحه لمدة ثلاث أيام. ونعاه كذلك مجلس الغبّان معزّيا الساحة الثقافية بفقدان علم من أعلام الثقافة والأدب.
وعزّى بوفاته بيت شمران الياسري  الثقافي (أبو گاطع)، وجاء في رسالة التعزية "يتقدم بيت شمران الياسري الثقافي وأعضائه بأحر التعازي إلى آل شعبان، برحيل الشاعر والمحامي الأستاذ جليل شعبان (أبا أصيل) الذي منحنا من قلبه وروحه ووجدانه الكثير".
ونظراً لظروف العراق الحالية، لا سيّما استمرار مداهمة جائحة الكورونا، فقد قررت الأسرة عدم إقامة مجلس الفاتحة، واكتفت بتوزيع نفقاتها على الفقراء والمحتاجين، وهي تتلقّى رسائل التعزية على العناوين الآتية:


بغداد - الأستاذ أسعد شعبان
                                   009647901342237

الأستاذ سمير شعبان
                                    009647700715356

هولندا - الدكتور أصيل شعبان
                                       0031645772380

بيروت - إيميل الدكتور عبد الحسين شعبان
drhussainshaban21@gmail.com


لروحه السلام ولكم حياة خالية من المكاره والأحزان


52
روسيا والسيناريو الجورجي في أوكرانيا
عبد الحسين شعبان
   هل يُعتبر الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية استعراضاً للقوة أمام إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أم محاولة لتكرار السيناريو الجورجي؟ سؤال ما زالت الدبلوماسية الدولية تبحث عن جواب له لدى الولايات المتحدة والإتّحاد الأوروبي، وهو يأتي في ظلّ استمرار نظام العقوبات ضدّ روسيا بسبب سياساتها في دول الجوار، ولا سيّما بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا، ناهيك عن التعامل مع المعارض الروسي أليكسي نافالني، أو على الصعيد الدولي في ما يتعلّق بـ الجبهة السورية تحديداً، وفي جبهة ليبيا أيضاً، وزاد الطين بلّة تجميع قوات عسكرية في مدينة فورونيغ على الحدود الأوكرانية، الأمر الذي أثار قلقاً كبيراً لدى الأوكرانيين وتساؤلات أمريكية وأوروبية مريبة عن الأهداف التي تسعى إليها موسكو من هذا التحشيد غير المسبوق.
   و ذكرت جين ساكي المتحدّثة بإسم البيت الأبيض أنّ عدد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا هو أكبر من أي وقت مضى، بما فيها في العام 2014، في إشارة إلى ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم إليها، وهي غالبية سكانّها من الروس في استفتاء نظمّته بعد السيطرة عليها، بدعوى تاريخية أنّ خروشوف (الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي حينها)، هو من قام بإهدائها إلى أوكرانيا لتعزيز الوحدة الروسية - الأوكرانية، علماً بأن شبه جزيرة القرم منطقة استراتيجية بين البحر الأسود وبحر آزوف، وتنافست عليها في أواسط القرن التاسع عشر دولاً مثل بريطانيا وفرنسا للحدّ من طموحات روسيا في بلاد البلقان، واندلعت فيها حرب القرم، مثلما دارت فيها معارك طاحنة في الحرب العالمية الثانية ، ولا سيّما في مدينة سواستابول، ضدّ الغزاة الألمان، وكان الشاعر الجواهري قد نظم قصيدة يُمجّد بسالتها في العام 1943.
   ومع أجواء التوتّر هذه، أعلنت تركيا أنّ واشنطن أرسلت سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود عبر البوسفور، وهذا يعني أنّ الأمور تُنذر بما هو أشدّ وأسوأ، لا سيّما وأنّ كييف تتّهم المجموعات الموالية لـ موسكو بخرق وقف إطلاق النار واتفاق السلام بينها وبين هذه المجموعات، والتي تمّ التوقيع عليها في العام 2015.
   وكان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قد دعا حلف الناتو إلى وضع خطّة لإنضمام أوكرانيا إليه، وهو ما تعارضه موسكو بشدّة وتعتبره عملاً عدائياً موّجهاً ضدّها، وقام عقب ذلك بيومين (8 نيسان/أبريل الجاري)، بزيارة شرق البلاد لتفقّد قوات الجيش على الجبهة  وقالت موسكو على لسان المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنّ الوضع مضطرب وغير مسبوق في إقليم دونباس، وإنّها ستتّخذ خطوات لحماية المدنيّين في حالة نشوب أي قتال شرقي أوكرانيا. وإذا ما اندلعت المواجهة، فهذا يعني إنفجار الأزمة بين موسكو من جهة وواشنطن وحلف الناتو من جهة أخرى، وسيكون الأمر امتحاناً جديداً لمستقبل علاقة روسيا بالغرب.
   إنّ التحركات الروسية الأخيرة هي رسالة شديدة اللهجة إلى كييف، والتاريخ قد يُعيد نفسه، ففي العام 2008 في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا، كان السيناريو ذاته كما تقول روسيا بأنّها اكتشفت استعدادات جورجية لإجتياح أوسيتيا الجنوبية، حيث تتمركز قوات حفظ السلام الروسية، والتبرير ذاته أنّ الرئيس الجورجي حينها ميخائيل ساكاشفيلي لقي وعوداً من واشنطن بدعمه، وهو الأمر ذاته الذي يتكرّر اليوم بشأن دعم الناتو وواشنطن لأوكرانيا، وحيث تحتفظ القوات الروسية بحشد على الحدود في إطار مناورات عسكرية، فإنّها يُمكن استخدامها بصورة عاجلة في حالة حدوث أي اختلال في المستوى الميداني، في سيناريو مشابه للسيناريو الروسي في جورجيا.
   فهل تستمرّ كرة الثلج بالتدحرج مرّة أخرى في أوكرانيا مثلما تدحرجت في جورجيا؟ وما يلفت النظر أنّ العقيد بريتاني ستيورات كان على رأس وفد أمريكي في زيارة لإقليم دونباس، وكان يرتدي بدلة عليها شارة تتضمّن صورة جمجمة وعبارة "أوكرانيا أو الموت"، وهي لأحد ألوية الجيش الأوكراني، الأمر الذي يحمل رسائل عديدة إلى موسكو، فهل ستكون أوكرانيا بؤرة توتّر لحرب كونيّة بين واشنطن وموسكو؟
   إنّ اقتراب كييف من الناتو، كان أحد الأسباب المباشرة لوضع روسيا يدها على شبه جزيرة القرم في العام 2014 ، والتي تعتبرها جزءًا من مجالها الحيوي على الرغم من كونها "دولة مستقلّة" منذ العام 1919، لكنّ موسكو بعد تأسيس الإتحاد السوفياتي في العام 1922، اعتبرت الدول التي انضمّت إليها "محدودة السيادة"، وهي اليوم تعارض إقامة علاقات مع خصومها كي لا تكون خنجراً في خاصرتها.
   فهل ستزيد بروكسل عقوباتها على موسكو أكثر من العام 2014، والتي لم تنفع معها إعادة القديم إلى قدمه في أوكرانيا؟ وقبل ذلك في العام 2008 في السيناريو الجورجي؟ وحتى لو أكّد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن على دعم الولايات المتحدّة الثّابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها؟ ولكن ماذا ستفعل على الأرض عملياً وكيف سيتمّ ترجمة ذلك في ظلّ الترسانة النووية الروسية؟ هل بإرسال مساعدات وأسلحة لدفع أوكرانيا إلى الحرب؟ أم ستكون النتيجة تكرار السيناريو الجورجي في أوكرانيا؟



53
                           14/4/2021
   
   معالي الأستاذ أحمد أبو الغيط الموقّر،
   الأمين العام لجامعة الدول العربية


تحية واحتراماً،

   نتوّجه إليكم بأخلص التمنيات بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وننتهز هذه الفرصة لنبعث إليكم برسالة "الرابطة العربية للقانون الدولي" الموّجهة إلى الأمين للأمم المتحدة، وذلك بهدف الإطّلاع عليها وضمّ الجهود العربية إلى بعضها البعض لبلورة رؤية مشتركة لتحرك دبلوماسي دولي، ولا سيّما في الأمم المتحدّة للدفاع عن القضايا العربية العادلة والمشروعة وفي القلب منها القضية الفلسطينية، التي رافقت التنظيم الدولي منذ نشأته قبل أكثر من 100 عام، وما تزال لحدّ الآن كمشكلة دولية قائمة.
   وإذ نخاطب معاليكم، فإنّنا نقدّر مكانة جامعة الدول العربية ودورها كمنظمة إقليمية دولية عريقة، تمتلك علاقات واسعة وخبرة غنية، ولها ممثليات في العديد من الدول الكبرى من أجل ضمّ الجهود إلى بعضها والتعاون مع منظمات مهنية لها وزن وثقل دولي، بهدف تحقيق ما ورد في رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي وذلك بمناسبة مرور 100 عام على انعقاد مؤتمر سان ريمو، وهو المؤتمر الذي منح بريطانيا "حق" الإنتداب على فلسطين، ووافقت على هذا القرار عصبة الأمم، ونجم عنه مشكلة دولية تفاقمت مع مرور الأيام، ولا سيّما بالتغيير الديموغرافي القسري الذي مارسته سلطة الإحتلال منذ العام 1948 وإلى اليوم.
   ونستعيد بهذه المناسبة، مرور 20 عاماً على انعقاد مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) العام 2001، وما حقّقه الجهد العربي المشترك من نجاح في إدانة الممارسات الإسرائيلية، وتتذكرون دعم نحو 3000 منظمة حقوقية ومدنية دولية الذي حظيَ بها ذلك القرار، وقد كان لنا شرف المشاركة في المؤتمر والتنسيق والتعاون مع منظمات وهيئات دولية عديدة، إضافة إلى جامعة الدول العربية وبعض الحكومات للوصول إلى ما تحقّق.
   نأمل بجهودكم وبالدور الذي تقوم به جامعة الدول العربية في الميدان الدبلوماسي الدولي، أن يأخذ مضمون رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي طريقه إلى التنفيذ، خصوصاً بحشد الأشقّاء ومساندة الأصدقاء لدعم الحقوق العربية العادلة والمشروعة، وفي المقدمة منها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة الدولة المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف.
   ننتهز هذه الفرصة لنعبّر لمعاليكم، عن خالص تمنياتنا لكم بالصحة ولشعوبنا العربية وجامعتها الموقّرة العز والسؤدد، ونأمل أن نتسلّم ردّكم الإيجابي.
   تقبلوا فائق الإحترام،

   الدكتور جورج جبور                  الدكتور عبد الحسين شعبان

مرفقات:

-  رسالة الرابطة العربية للقانون الدولي إلى الأمين العام للأمم المتحدة.


نسخة منه إلى:

1- إتحاد المحامين العرب
2- إتحاد الحقوقيين العرب
3- إتحاد الصحفيين العرب
4- إتحاد الكتاب العرب
5- المنظمة العربية لحقوق الإنسان
6- منظمة التضامن الأفروآسيوي

***




المؤسّسون:
1 -    د. جورج جبور         (رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة وخبير مستقل في مجلس                   حقوق الانسان) - سوريا.
2 -   أ. تهاني محمد الجبالي      (مستشارة ونائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا) - مصر.
3 -   أ. عمر محمد زين      (أمين عام اتحاد المحامين العرب سابقاً) - لبنان.
4 -   أ. علي الضمور         (قاضي وأمين عام اتحاد  الحقوقيّين العرب) - الأردن.
5 -   د. خالد شوكات         (وزير سابق ورئيس المعهد العربي للديمقراطية) - تونس.
6 -   أ. ضياء السعدي      (نقيب المحامين العراقيّين) - العراق.
7 -   د. حسن جوني         (أكاديمي وخبير دولي) - لبنان.
8 -   د. إياد البرغوثي         (رئيس الشبكة العربية للتسامح) - فلسطين.
9 -    د. محمد المالكي      (رئيس مركز دراسات الدستورية والسياسية) - المغرب.
10 -   د. محمد المخلافي      (وزير الشؤون القانونية سابقاً، محامٍ وأستاذ جامعي) - اليمن.
11 -   د. أحلام بيضون      (أستاذة جامعية) - لبنان.
12 -   د. شيرزاد النجار      مستشار ورئيس جامعة سابقاً - العراق/إربيل.
13 -   أ. نور الإمام         (محامية وخبيرة مستقلة) - الأردن.
14 -   الشيخ ودّ الحمدي      (نقيب المحامين الموريتانيّين) - مورتانيا.
15 -   د. رائق الشعلان         (أكاديمي - جامعة دمشق) - سوريا/الجولان المحتل.
16 -    د. نزار عبد القادر صالح   (المدير التنفيذي لمعهد جنيف لحقوق الإنسان) - السودان.
17 -    د. عبد الحسين شعبان      (أكاديمي، مدير عام المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني) -                   العراق.

54
رسالة من الرابطة العربية للقانون الدولي
إلى الأمين العام للأمم المتحدة


   سيادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المحترم،

   تحية واحتراماً نبعثها إليكم بإسم "الرابطة العربية للقانون الدولي"، وبعد:

   لا يصحّ أن يمرّ هذا اليوم التاسع عشر من نيسان /أبريل دون مخاطبتكم، ففي مثل هذا اليوم قبل مائة عام بدأ انعقاد مؤتمر سان ريمو (ايطاليا)، في الفترة من 19 إلى 25 نيسان /أبريل 1921، وحضره الحلفاء الرئيسيون في الحرب العالمية الأولى، وإتّخذ هذا المؤتمر قراراً، وافقت عليه عصبة الأمم، نجم عنه مشكلة دولية تفاقمت مع مرور الأيام وما تزال إلى اليوم، ونعني بذلك المشكلة الفلسطينية .

   لقد منح مؤتمر سان ريمو بريطانيا "حق" الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها، وقامت هذه بإشراف من عصبة الأمم،ولاحقاً بإشراف من منظمة الأمم المتحدة العام 1948، بعملية تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنها تهجير شعبٍ من وطنه، وحرمانه من حقّه في تقرير مصيره.

   لعلّ المشكلة الفلسطينية ما تزال قائمة وراهنة ببعدها الإنساني والأخلاقي، الذي يستفزّ الضمير العالمي، وقد تُوّجت مؤخراً بفضيحة أخلاقية كبرى قمتم بإدانتها ألا وهي إقدام الولايات المتحدة بالموافقة على إعلان ضمّ الجولان السورية إلى دولة الإحتلال الإسرائيلي، وقبلها شروعها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلّة خلافاً لقرارات الأمم المتحدّة، وقواعد القانون الدولي.

   وإذا كان في السابق مثل تلك الأمور يُجيزها القانون الدولي التقليدي، فإنّ الأمر قد تغيّر ولم يعد القانون الدولي المعاصر كما تعلمون يسمح بضمّ الأراضي قسراً أو كنتيجة للحرب، بل إنّه أصبح أكثر شمولاً من الناحية الإنسانية، ولذلك فما قامت به سلطة الإنتداب يُعتبر من منظور الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي جريمة ضد الإنسانية، ولاسيّما أساليب التغيير الديموغرافي القسري التي قامت بها، وما تزال تلك السياسة مستمّرة وتقوم بها سلطة الإحتلال.

   يا سيادة الأمين العام، إنّ رسالتنا هذه التي نوّجهها إليكم بإسم الرابطة العربية للقانون الدولي، هي دعوة لكم كي تعملوا الفكر وتجروا الإستشارات المناسبة لتحقيق ما هو واجب إنساني وينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة. وبهذه المناسبة ندعوكم إلى إفساح المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في جنيف، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، ونأمل أن تنتظم أعمال هذه الفعالية الحقوقية في تموز/يوليو 2022، وهو مناسبة الذكرى الأليمة لمرور مائة عام على تصديق عصبة الأمم على صكّ الانتداب في فلسطين.

   أمّا عنوان الندوة المقترح فهو الآتي:"الانتداب على فلسطين: هل هو جريمة ضد الإنسانية؟". وبالطبع يتيح الطابع الاستفهامي للعنوان المجال لمن لا يرى في ما جرى جريمة يتيح له المجال للتعبير عن رأيه.

   سيكون من دواعي الغبطة أن نتسلّم ردّكم الذي نأمل أن يكون إيجابياً، علماً بأنّ العديد من المنظمات المدنية والشخصيات القانونية والحقوقية تدعم وتؤيد مثل هذا التوّجه، سواءً على الصعيد العربي أم على الصعيد الدولي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

                        الرابطة العربية للقانون الدولي
                        السبت 10 - نيسان/أبريل - 2021



55
الياس مرقص: مُثقّفٌ قرأ الماركسية بطريقة غير طقوسية
عبد الحسين شعبان

"قرأ الياس مرقص الماركسية لا بطريقتها الطقوسية أو المدرسية أو المسلكية أو الذرائعية، بل باعتبارها منهجًا حيًّا وقابلًا للنقد؛ لقد قرأها بعقل منهجي-نقدي للوضعية السائدة، ولعلّه كان أكثر "ماركسية" من الماركسيين الرسميين الذين حملوا صولجان الماركسية ولبسوا قبعاتها، لكنهم ظلوا خارج صومعتها وبعيدين عن روحها وجوهرها وملكوتها"

ع.ش
عن كتاب "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"

I

   حين أعلمني د.حازم نهار أن مجلة "رواق ميسلون" التي ستصدر حديثًا ستخصص العدد الأول منها للذكرى الثلاثين لرحيل المفكر الياس مرقص (26 كانون الثاني / يناير / 1991) ودعاني للانضمام إلى هيئتها الاستشارية التي تضم شخصيات عربية مرموقة، استجبت باعتزاز وتقدير لسببين:
الأول-لأن صديقنا الياس مرقص لم يأخذ حقه من القراءة والنقد، على الرغم من منجزه الفكري والثقافي وما رفد به المكتبة العربية من مؤلفات ودراسات وأبحاث وترجمات جلّها تضمنت اجتهادات وآراء نافذة.
   ولعلّها مناسبة لاستعادة مفكر بحجم الياس مرقص والتعريف به كجزء من العمل على إعادة طبع مؤلفاته وكتبه، سواءً المجموعة الكاملة أم مختارات منها، إذْ نحن اليوم أحوج ما نكون إليها، خصوصًا وأنه سبق مرحلته بربع قرن من الزمان أو ما يزيد، في حين حظي مفكرون أقل شأنًا منه باهتمام أكبر بحكم انتمائهم إلى جهات حزبية وسياسية، حكومية أم غير حكومية، تبنّتهم وقدّمتهم إلى القرّاء بحياتهم أو بعد مماتهم.
والثاني-إنها فرصة شخصية مناسبة للتّوقف ولو سريعًا عند الدور التنويري للياس مرقص، وكنت قد جئت على ذكره في مناسبات عديدة مشيدًا بدوره الذي سبقنا في المراجعة والنقد للماركسية، محاولًا قراءتها على نحو أشد ارتباطًا بالواقع، كما ربطتني علاقة صداقة طيبة بالياس مرقص خلال الثمانينات وتبادلنا وجهات النظر والآراء إزاء مشاكل الحركة الشيوعية والأزمة في حركة التحرّر الوطني العربية، كما جمعتنا مؤتمرات ولقاءات وأنشطة وفاعليات عديدة، وسأحاول في هذه الإطلالة السريعة، وهي أقرب إلى الخواطر والاستذكار، أن ألقي ضوءًا على بعض أفكار وآراء الياس مرقص أحد أبرز روّاد الماركسية بطبعتها "الحرّة" غير الحزبوية، تلك التي حاول تقديمها للقرّاء العرب مع إخضاع ممارستها للنقد والتصويب والاجتهاد.
II
"المثقف الأول" وخالد بكداش
   أسبغ الزعيم الشيوعي الكبير خالد بكداش وصف "المثقف الأول" على الياس مرقص لثقافته الموسوعية وعمقه الفلسفي وتبحّره بدراسة الماركسية من مصادرها الأصلية وقدرته على استنباط الأحكام انطلاقًا من الواقع وليس إسقاطًا عليه، فضلًا عن تمكّنه من إدارة الحوار والنقاش والسجال والجدل وصولًا إلى الحقيقة، بمعنى طرح الأسئلة الشائكة بدلًا من القبول بالأجوبة الجاهزة، وعلى حدّ تعبير الشاعر الكبير سعدي يوسف "النهايات مفتوحة دائمًا والبدايات مغلقة" فقد كان يمتلك باعًا طويلًا وصبرًا غير محدود، وهو ما تعكسه كتبه ومؤلفاته وترجماته وتدقيقاته. وكان بكداش ثاقب البصيرة في اكتشاف الشاب الوسيم والأنيق القادم من بروكسيل مستشرفًا أفقه الفكري ودأبه ومطاولته على القراءة والكتابة والنقد.
   لكن خالد بكداش الذي يُعرف بعميد الشيوعيين العرب، ولاسيّما لدى الدوائر الأممية منذ الثلاثينات غيّر رأيه لمجرد الاختلاف وبروز نزعات استقلالية ورؤية اجتهادية لدى مرقص، فعاد وخلع عنه هذا الوصف، ليتم اتهامه بالعمالة للمخابرات المركزية الأمريكية، ولعلّ مثل هذا الاتهام له علاقة بنمط التفكير الستاليني الذي كان سائدًا ولهيمنة الأفكار الشمولية وادّعاء إحتكار الحقيقة والزعم بالأفضلية على الآخر، فالحزب على حق دائمًا أخطأ أم أصاب، فما قيمة الفرد (العضو الحزبي) واجتهاداته طالما تتعارض مع ما تريده قيادة الحزب (العارفة بكل شيء).
   وهذه هي الحالة السائدة في جميع التنظيمات الشمولية "الكلّانية" التي اقتفت أثر التنظيمات الشيوعية، سواء كانت قوميّة أم إسلامية، حيث يتم معالجة الاجتهادات والاختلافات والخلافات داخل المنظومة الرسمية للحركة الشيوعية بطريقة التهميش والإقصاء مع سيل من الشكوك والاتهامات التي تصل إلى التحريم والتجريم، وبمثلها اتُّهم أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي بسبب وجهات نظره وتوجهاته التّجديدية، والتي مثّلت فريقًا من كادر الصّف الثاني الذي ارتقى سلّم القيادة بعد المؤتمر الثاني للحزب (تموز/يوليو 1968) بتوجهات مختلفة عن القيادة التاريخية ممثلة بالرفيق خالد بكداش.
   والمسألة لا تتعلّق بمحاولة النيل من خالد بكداش الذي يتمتّع بمكانة مرموقة في تاريخ الحركة الشيوعية العربية والعالمية، لكن ذلك جزء من الحديث عن نواقصها وثغراتها وعيوبها، ناهيك عن نمط التفكير السائد والعقلية المهيمنة، فضلًا عن ممارسات وانتهاكات لا يجمعها جامع مع الأفكار المُعلنة.
   وثمّة أسباب فكرية وعملية أخرى لمثل هذا السلوك، يعود بعضها إلى ظروف الصراع الإيديولوجي في عهد الحرب الباردة بشكل خاص والمنافسة بين المعسكرين، فكل منهما يخفي عيوبه عن الآخر ويظهر مزاياه، ويستخدم الصالح والطالح والحق والباطل أحيانًا، طالما يقرّبه من هدفه حتى وإن لجأ إلى وسائل غير مشروعة وطرق ميكافيلية أحيانًا، بزعم أن هدفه نبيلٌ وإنسانيٌ على عكس عدوّه وخصمه، الأمر الذي يعطي لنفسه الحق باستخدام جميع الوسائل للوصول إلى الهدف النبيل، خصوصًا وأن العدو يستخدمها قلا بأس من الردّ عليه بالمثل.
   ويخطأ كثيرون بفصل الوسيلة عن الغاية، فمهما كانت الأفكار سامية وإنسانية ونبيلة إلّا أنها ليست معصومة ضد الارتكابات والانتهاكات للحقوق والكرامات الإنسانية، بل إنها ذاتها يمكن أن تصبح أداة حتّى للجريمة بزعم أن الحقائق المطلقة لصالحها مثلما تُقرّر الحتمية المستقبلية للتاريخ، فما قيمة الخطأ أو حتى الانتهاك لحقوق الفرد في ظل هذه التبريرات التي كان الياس مرقص شديد الحساسية إزاءها؟
   هكذا تصبح قرارات الزعيم أو القائد أو الأمين العام "القانون"  الذي يجب أن يخضع له الجميع، فما بالك حين يكون مكتبه السياسي خلفه من المطيعين في الغالب وهو الآخر تصبح قراراته ملزمة تُطبق بطريقة عمياء أحيانًا، علمًا بأن الأنظمة الداخلية للأحزاب الشيوعية وجميع الكيانات الشمولية مُستمدة من كتاب لينين : ما العمل؟ الصادر في العام 1902، والتي تُلزم العضو الحزبي بالخضوع والتنفيذ اللّاشرطي لقرارات الهيئات العليا والأقلية للأكثرية تحت عنوان المركزية الديمقراطية، التي تتحوّل بالواقع العملي إلى مركزية صارمة وشديدة البأس، تحت مبررات العمل السرّي أو مؤامرات العدو أو محاولات الاختراق الخارجية، ولعلّ ذلك ما واجه الياس مرقص وهو في بدايات حياته السياسية؛ وهو يسمع الحديث عن الرواسب الطبقية للبرجوازية الصغيرة، فضلًا عن تأثيرات الدعاية الامبريالية، لينتهي الأمر إلى اتهامه بالعمل لصالحها بعد طرده من الحزب في العام 1957.
   ربّما بسبب الأجواء "الإيمانية" التبشيرية السائدة وقلّة الوعي وشحّ فرص التعبير، يحجم الكثير من الشيوعيين عن رفع لواء النقد أو راية الاختلاف، حتى وإن توصّل بعضهم للحقائق ذاتها، لأنهم يخشون من العقوبات والاتهامات، فضلًا عن الأساليب التي تتّبع للتشهير والتشويه والعزل، وذلك لمنع تكوين نواتات صلبة فكريًا وسياسيًا تكون سابقة خطيرة للمواجهة والمجاهرة بالرأي، وغالبًا ما تنتهي تلك إلى الانشطارات والانقسامات، وهكذا يستمر جيل من الماركسيين بعد جيل يدفع الثمن باهظًا حيث يسود التّعصب والتّزمت والغلو والتهميش والإلغاء وتغييب النقد الصّادق والمراجعة المخلصة.
   من هؤلاء القلّة الذين لم يبالوا في التحدي والمواجهة كان الياس مرقص الذي امتشق سلاح النقد وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف السامية وفقًا لمنهجه الجدلي القائم على البراكسيس وليس المنهج التجريدي، في حين ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون حقيقيون في منظومة البروقراطية الحزبية ولفّهم النسيان بعد الصمت، سواءً بقوا داخلها أم اعتبروا خارجها، وتحملوا صنوفًا من الأذى والهوان بسبب آرائهم واجتهاداتهم. والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل أن الأنظمة التي حكمت باسم الشيوعية ارتكبت مجازر وأعمال إبادة حقيقية لا تقتصر على الإدارات الحزبية أو الملاكات والكوادر المتقدمة أو النخب الثقافية والفكرية فحسب، بل شملت جميع من يُشك بولائه، ومن الأمثلة على ذلك محاكمات ستالين الشهيرة في الثلاثينات، حيث أطاح برؤوس كبيرة اتُهمت بالعمل لصالح الأجهزة المعادية وفي مقدمتهم بوخارين الذي كان يسميه لينين "محبوب الحزب" فقد أعدم هو وابنه بالتهم الملفقة نفسها، والحال ذاته حصل في البلدان الاشتراكية السابقة، ناهيك عن الثورة الثقافية في الصين 1965-1976 والتي جسّدت ازدراء الفكر والثقافة لصالح السياسة الأنانية الضيقة الأفق.
   لم يكن الياس مرقص حزبيًا مسلكيًا وتقليديًا يتلقى الأوامر والتعليمات الحزبية وينفذها بحذافيرها ويستلم المطبوعات ويوزعها ويسدد الاشتراكات الشهرية ويجمع التبرعات فحسب، بل كان صاحب رأي ومجتهد وله وجهات نظر بما يحصل. وكانت ومضاته الفكرية ولمعاته الاجتهادية قد أخذت تتغلغل إلى المنظمة الحزبية في اللاذقية، حيث كان قد تلقى دروسه الأولى في الشيوعية خلال دراسته في بروكسيل يوم كان طالبًا يدرس علم الاجتماع والتربية، وخلال دراسته ارتبط بعلاقة مع طلبة سوريين شيوعيين يدرسون في بلجيكا، وحين عاد إلى سوريا في العام 1952 وعمل مدرسًا للفلسفة في مدينة اللاذقية (مسقط رأسه) انضم رسميًا إلى الحزب الشيوعي السوري-اللبناني في العام 1955.
   خلال وجوده القصير برز كمثقف متميز وقد تمكن من إحداث جدل ونقاش للتجديد والتغيير في المنظمة الحزبية في اللاذقية، الأمر الذي اعتبرته اللجنة المركزية بقيادة خالد بكداش خروجًا على التقاليد الحزبية وقواعد التنظيم اللينيني وأوامر القيادة "الستالينية"، ولعلّ ظاهرة مثل تلك تعتبر من الكبائر التي قد تؤدي إلى إحداث تصدّع في خط التفكير السائد، لذلك اتُّخذت الإجراءات السريعة والعاجلة ضدّه احترازًا بما يمكن أن يحصل من تفشي واستشراء هذه الظاهرة، فقررت القيادة حل اللجنة المنطقية وتأسيس قيادة جديدة لها تابعة للتوجيهات البيروقراطية والمركزية الصارمة كما أخبرني الياس مرقص بطريقته الفكاهية وابتسامته المحبّبة، وحين سألته والنتيجة ماذا حصل؟ أجاب كان لابدّ من طرد هذا "المشبوه" المتسلّل إلى صفوف الحزب والذي يريد تخريبه، لاسيّما محاولته إضعاف الثقة بالقيادة التاريخية، وهذا ما حصل في العام 1957، وما زاد الطين بلّة كما يقول أن ثمة ملاحظات كانت قد تبلورت لديّ بخصوص المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي 1956، وكنت قد عبّرت عنها على شكل أسئلة انتقاديه، تمّ اعتبارها نوعًا من التشكيك بمكانة بلد لينين وحزبه البلشفي الذي كان خالد بكداش يردّد أن مقياس شيوعية الشيوعي تتحدّد بمدى إخلاصه للإتحاد السوفييتي وحزبه الشيوعي.
   
   III
فرج الله الحلو وقصور النظر الحزبوي
   استعدت ما حصل قبله لفرج الله الحلو (سالم) القائد الشيوعي اللبناني الذي تحفّظ على قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة، فاتُخذت عقوبات بحقه وتم تنحيته من جميع مسؤولياته لاحقًا، لاسيّما حين تفاقمت الأمور (حزيران / يونيو / 1951)، وكانت هذه العقوبة تحصيل حاصل لمواقف انتقاديه أخرى في قيادة الحزب الشيوعي السوري-اللبناني، فقد جرى التآمر عليه بإرساله إلى باريس ولندن في مهمة خاصة وتمّ تعيين نيقولا شاوي بدلًا عنه وتحت إشراف خالد بكداش، وهو ما يندم عليه شاوي لاحقًا كما يذكر كريم مروّة.
    جدير بالذكر أن فرج الله الحلو اضطر لاحقًا إلى الإذعان وأجبر على تقديم نقد ذاتي، هو أقرب إلى "الجلد الذاتي" بإدانة نفسه وسلوكه البرجوازي الصغير وغرقه في حمأة الانتهازية وتحدّث بمرارة ووخز الضمير عن وقوعه تحت تأثير الميول الكوسموبوليتية الرجعية الغريبة عن عقلية الطبقة العاملة وموقفه المخزي من الاتحاد السوفييتي من قرار التقسيم كما قال بالنص الذي نشره يوسف الفيصل في كتابه "مواقف وذكريات"، وهو نص أقرب إلى رسالة "النقد الذاتي" التي كتبها زكي خيري القيادي الشيوعي افتراءً على نفسه وتقريعًا لها بعد معاقبته في العام 1962 بتهمة التكتل ضد قيادة السلام عادل ، وهو ما كانت تقتضيه التقاليد الحزبية الثقيلة والّاإنسانية.
   لم يكن موقف فرج وحده ضد التقسيم الذي تحمّل بسببه أعباءً كثيرة، بل إن سكرتير الحزب الشيوعي السوري رشاد عيسى الذي يأتي بمرتبة ثانية بعد خالد بكداش في دمشق ظلّ رافضًا لقرار التقسيم وقد وجّه رسالة يعتذر فيها عن تحمّل المسؤولية الحزبية بعد إعلان معارضته لقرار التقسيم، الأمر الذي تمت محاسبته عليه حيث إتُّخذ قرارًا بفصله لمدة عام لحين أن يقدّم نقدًا ذاتيًا، وحين امتنع عن ذلك، جرى فصله والتشهير به، وقد نشرت صحيفة الحزب " نضال الشعب" قرار الفصل؛ وقد ظل رشاد عيسى على مسافة بينه وبين الحزب لحين وفاته، لكن المؤتمر السادس للحزب صحّح موقفه منه (شباط / فبراير / 1987) واتخذ قرارًا بـإلغاء الفصل، وهو القرار الذي إتُّخذ بحق الياس مرقص أيضًا أي بعد عقود من الزمان، وقد أطلّ كريم مروّة في كتاب بعنوان "الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث" على قضية رشاد عيسى التي تناولها يوسف فيصل بالتفصيل.
IV
المثقّف الراقي والإعتداد بالنفس
   قبل فصله كان الشاب المتحدّر من أسرة لاذقانية عريقة يطرح أسئلة عويصة في وسط مقتنع بطريقة أقرب إلى الإيمانية، وهي أسئلة بحمولة نقدية، لم تلق إجابات شافية في نفسه فقد  كان قد درس كانط ونظريته المعرفية وأعماله الأساسية مثل نقد العقل الخالص "المجرد" ونقد العقل العملي، فضلًا عن كتاباته في التنوير والأخلاق والدين، كما قرأ ديكارت صاحب نظرية الشك المعرفي الذي يعتبر عرّاب الفلسفة العقلانية الحديثة وهو القائل: "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، الأمر الذي كانت الأسئلة تتوالد عنده، وبقدر ما كانت الإجابات شحيحة أو غير مقنعة كان يزداد حيرةً، فما بالك حين يتم التشهير به بعد ذلك، وهو المكلّف بالإشراف على منظمات حزبية في جولات تثقيفية طاف فيها على مدن وأحياء عديدة ملاحظًا انخفاض مستوى الوعي وتدني الإلمام بأبسط مبادئ "الماركسية" والافتقار إلى المعلومات الأساسية، فضلًا عن تغليب الأوامرية البيروقراطية على الجدل والمنطق والعقل، بحجة الضبط الحديدي والتنظيم الفولاذي.
   لم يقبل الياس مرقص وهو صاحب الرأي المستقل أن يُستغفل عقله وأن يطيع ما لا يرتضيه من سياسات تلقينية وتعليمات فوقية بعضها بدائية، فما بالك حين يتعلّق الأمر بالفكر والممارسة، وكان بدافع من حسن النية قد اقترح توسيع دائرة الديمقراطية الحزبية على حساب المركزية الشديدة التي كانت تطبع الحياة الحزبية لدرجة أشبه بالتنظيمات العسكرية، كما اقترح وضع نظام داخلي جديد، ملفتًا النظر إلى موضوع عبادة الفرد ، لاسيّما ما تركت القيادة الستالينية من أساليب بوليسية وامتداداتها على الحركة الشيوعية برمتها، كما انتقد الماركسية السوفييتية أو "المسيفتة" على حد تعبيره ، وظلّ يدعو إلى تعريب الماركسية، أي جعلها تبحث في واقع العالم العربي وليس بطريقة مجردة أو اقتباسية لأوضاع لا تشبه أوضاعنا، وكان يدعو إلى عدم تجاهل الشروط الموضوعية لتاريخ الأمم والشعوب.
    وفي حديث مطول مع الياس مرقص ونحن على الطائرة عائدين من طرابلس (ليبيا) إلى الشام قلت له "هل يمكن البحث عن تأسيس فكر اجتماعي عربي ماركسي جديد؟ وهنا تناول موضوع البنية الروحية لموروث الشعوب وبيّن أهمية آليات الفهم والتأويل الفلسفي لها بحيث لا نركن إلى القطيعة العقلية مع موضوع الهُويّات والانتماءات القومية وإلا فإننا سنتحدث عن مجتمعات لا نعرفها، قلت له وكيف السبيل للتوليف بين الهويّات العامة الجامعة والهويّات الفرعية؟ فأردف قائلًا في إطار قوانين عامّة نحتاج إلى الاعتراف بالحقوق التي تترتب وفقًا لاحترام الخصوصيات والتّنوع والتعدّدية، ولا ينبغي أن نأخذ النصوص على علّاتها، بل نُخضع كلّ شيء للنقد، لأن النصوص لابدّ لها أن تتكلم وإلّا ستكون جامدة أي بلا روح، وبالتطبيق والممارسة ستكون لها دلالة ومعنى، لاسيّما إذا كانت متساوقة مع المنهج الجدلي، وبالطّبع فلكل تجربة ظروفها وخصوصيتها.
   وهنا أدون رأيي الـذي تبلور خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية، والـذي مفاده أننا تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية للقوى والأحزاب الإسلامية أو "الإسلاموية" وأدرنا ظهورنا للتراث العربي-الإسلامي، كما أهملنا موضوع الانتماء التاريخي لشعوبنا واعتبرناه من اختصاص قوى وأحزاب قومية في الغالب أو "قوموية" وبعضها لم يكن بعيدًا عن ترسانة الفكر الأوروبي، وقد استطاعت هذه الأحزاب والقوى تجيير مسألة العروبة لصالحها، بل إنها سحبت الشارع أحيانًا إلى صفها، وهي بعيدة كل البعد عن تحقيق مستلزمات العروبة بتعبيراتها الحضارية والثقافية والارتقاء بمتطلباتها كرابطة طبيعية لأبناء الأمّة وليست ايديولوجيا أو نظام، فما بالك حين انفردت بادعاء الوعي التاريخي بأهميتها كهويّة خاصة ومكوّن أساسي هي من يعبّر عنه ويزعم تمثيله.
   كتبت ذلك منطلقًا من ذات الأرضيّة التي وقف عليها الياس مرقص بما مفاده أنني كنت أعجَب أن شيوعيًا كرديًا يعتزّ بكرديته "كراديتي" ولا يقابله شيوعي عربي الاعتزاز ذاته بعروبته، والأمر كان يحصل لي بذات الدهشة حين أقابل شيوعيًا روسيًا أو تركيًا أو إيرانيًا أو فرنسيًا يعتزّ كل منهم بقوميته في حين لم نكن نجد وسيلة إلّا وحاولنا الانتقاص من الانتماء القومي لاسيّما العربي متبرعين له للآخرين، ولذلك كررت في مناسبات عديدة اعتزازي بعروبتي وكأن الأمر جزء من التعويض عن الحرج الذي يسبّبه أصحابنا الشيوعيين "الأقحاح" حين نتكلّم عن العروبة، دون أن يعني ذلك عدم احترام حقوق القوميات الأخرى، لاسيّما حقها في تقرير مصيرها، وتلك كانت الأرضية التي وقف عليها الياس مرقص.
V
اللقاء مع الياس مرقص
   كانت تلك الموضوعات الأولى التي ابتدأت حواري مع الياس مرقص في العام 1981 حين استكمل تعارفنا، وكانت شهرته قد سبقته وقد قرأت له قبل ذلك وتوقفت بإعجاب عن الكثير من الأطروحات التي بلورها، وكان ذلك اللقاء مدعاة لقراءة العديد من كتبه وحواراته فيما بعد، وخصوصًا الحوار الممتع والشيّق والعميق الذي أجراه الصديق جاد كريم الجباعي مع الياس مرقص، وهو حوار استراتيجي بعيد النظر قدّم فيه أطروحاته الفلسفية على نحو ما أفاضت به تجربته، واطلعت كذلك على حوار غير منشور أجراه طلال نعمة مع مرقص صدر بكتاب وللأسف لم يتسنى لي مراجعته مؤخرًا.
   في أواسط الثمانينات سألني عن أوضاعنا، خصوصًا بعد الاختلاف في المواقف بشأن الحرب العراقية-الإيرانية وقضايا سياسية وتنظيميّة أخرى فضلًا عن بعض القضايا الفكرية، فأجبته "الحال من بعض"، فخاطبني قائلًا: كنت أتصور أن الحال لديكم أفضل، فإذا بكم مثلنا، وهكذا "كلّنا في الهمّ عُرب"، يبدو أن أمراضنا مزمنة وعدواها تنتقل من بلد إلى آخر ولو أنكم في المنافي، وذكرني كيف تعرّض بعد فصله إلى الضرب، مرّة في اللاذقية وأخرى في الشام، وحين عرف ما حصل من تجاوزات وانتهاكات قال: الستالينية متأصلة فينا يا رجل، فهل يعقل إن يتم اتهامي بالعمل لصالح  المخابرات المركزية الأمريكية وفي الوقت نفسه لصالح المخابرات المصرية، لأنني كنت معجبًا بقيادة جمال عبد الناصر وخصوصًا أطروحته الوحدوية بعد تأميمه قناة السويس؟
الياس مرقص: الحاجة إلى قراءة جديدة
   بعد قراءة جديدة لآراء الياس مرقص أستطيع أن أقسمها إلى مرحلتين:
الأولى – من أوساط الخمسينات، حيث بدأ بالتأليف والترجمة وتمتد هذه الفترة إلى أوساط السبعينات، ومن أهم مؤلفاته "الستالينية والمسألة القومية" (مع آخرين) و"نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري" و"نقد الفكر المقاوم".
الثانية – من أوائل السبعينات وحتى وفاته مطلع العام 1991 حين انكبّ على ترجمات كتب فلسفية قاربت 30 كتابًا شملت :هيغل وماركس وفيورباخ ولينين وجورج لوكاش ومكسيم رودنسون وماوتسي تونغ وروجيه غارودي، وقد أنشأ "دار الحقيقة" للنشر، وأصدر في العام 1981 "مجلة الواقع" في بيروت، وقد دعاني للكتابة فيها، وحين أنجزت بحثًا كانت المجلة قد انقطعت عن الصدور بسبب الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982، كما ساهم في تأسيس "مجلة الوحدة" مع نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، في العام وقد دعاني وناجي علّوش للكتابة فيها، 1984 وقد ساهمت فيها بعدّة أبحاث ودراسات، وكانت تصدر من الرباط (المغرب) من "المجلس القومي للثقافة العربية"، كما شاركت في ندوات نظمتها أو تعاونت في تنظيمها مع جهات أخرى وذلك في دمشق وأثينا وطرابلس وبيروت.

VI
البراكسيس و"جرد الواقع"
   انشغل الياس مرقص بدراسته الواقع التي يسميها الصديق د.عبد الله التركماني "جرد الواقع"، ولم يهتم بالنظرية فحسب، بل بالتطبيق "البراكسيس" وأي نظرية تبقى "مجردة" دون فحصها بالواقع، وهو معيار صحتها من عدمه وقرب الهدف من الواقع أو بعده عنه، خصوصًا علاقة الغاية بالوسيلة، فلا غايات شريفة دون وسائل شريفة، ولا غايات عادلة دون وسائل عادلة، وإذا كانت الغاية مجردة وبعيدة المدى فإن الوسيلة آنية وملموسة، وأحيانًا تتشابه الغايات، لكن تختلف الوسائل، وهو الأمر الذي يميّز غاية عن أخرى أي بقدر اتساق الوسيلة بالغاية، فذلك سيكون دليل صدقية أخلاقية ومعيارية مبدئية، فالعلاقة بين الغاية والوسيلة ينبغي أن تكون مثل العلاقة بين البذرة والشجرة حسب المهاتما غاندي أي أنها علاقة عضوية وموضوعية وجدلية فلا انفصال بينهما.
   وتوصل مرقص إلى إدراك ذلك ليس عبر النظرية فحسب، بل من ملاحظة الواقع وفي التطبيق العملي (البراكسيس)، فقد درس التاريخ والفلسفة، وكما يُقال أن التاريخ أبو العلوم أمّا الفلسفة فهي أمهم، وبالطبع فلكل علم فلسفة مثلما له تاريخ، كما درس الاقتصاد والاجتماع والمنطق وعلم النفس واللاهوت والفن، ودون أن يهمل الرياضيات، وهو ما جعله مثقفًا موسوعيًا بامتياز دون ادعاء أو حب الظهور.
   لم يهتم الياس مرقص بالمجتمع ويهمل الفرد، وهذا خطل الكثير من النظريات الاشتراكية الماركسية وغير الماركسية، في حين أن الدعوات الليبرالية بالغت بدور الفرد وأهملت المجتمع وهذا خطأ آخر وإنما انشغل بالمجتمع والفرد في آن، والمجتمع مكوّن من أفراد، بينهم مشتركات عامة مثلما بينهم مختلفات خاصة، ولذلك خصّص حيّزًا من دراساته لبحث موضوع "الحق في الاختلاف" باعتباره حقيقة موضوعية، وهو ما عرضه جاد الكريم الجباعي بتطبيقه على الهويّة الجامعة وذلك بالقول " المجتمع الذّي تتحقّق فيه الهويّة القوميّة هو مجتمع التعدّد والاختلاف والتناقض أو التعارض الذّي يصنع التاريخ الداخلي للأمّة" ولذلك فاختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب والأقاليم هو السمة المميّزة للمجتمع، لأن المجتمع الذي يلغي حرية الفرد يلغي حريته ذاته.
   ويحتاج الأمر حسب مرقص إلى المزيد من الاعتراف والحرية على المستويين الخاص والعام، وقد ميّز بين الفلسفة والأيديولوجيا، فالأولى عنده هي نظرية المعرفة وهذه الأخيرة بالضدّ من الأيديولوجيا، وهي الأخرى ليست حاملة للحق مثلما نقيضها ليست حاملة للباطل (الاشتراكية وعكسها الرأسمالية) وحسب تعبيره "ليس الأيديولوجيا هي التي تنقصنا، بل المعرفة والثقافة والاخلاق والمنطق."
VII
رُكنا المشروع النهضوي لـ الياس مرقص
   يقوم المشروع النهضوي العربي للياس مرقص على ركنين أساسيين هما:
أولهما- الوحدة العربية وهي حسب وجهة نظره ضرورة تاريخية لا غنى عنها للتقدم العربي، ولكنها لوحدها ليست كافية، ولا بدّ من مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي خاص لها، أي أن تكون الوحدة العربية التّي كرّس لها جزءً مهمًا من مشروعه: اجتماعية الأهداف وديمقراطية الوسائل، وثانيهما- العدالة الاجتماعية وتوفير مستلزمات عيش كريم للمواطن للقضاء على الاستغلال وتحقيق الوفرة المادية والرفاه الاجتماعي.
   ولكن ما السبيل للوصول إلى تحقيق ذلك؟ يقول الياس مرقص: إن الأمر يتعلّق ببناء الوعي العربي، وهذا البناء لا بدّ أن يستند إلى ثلاث رافعات هي: الاولى- الإنسانية والثانية- العقلانية والثالثة- الديمقراطية.
   ثم يتساءل من ينجز عملية الوحدة؟ هل الحزب أم الطبقة أم الفئة المعنية؟ يقول مرقص: الوحدة تنجز عبر حركة الأمة وليس حركة طبقات أو فئات أو أحزاب، ويحتاج الأمر إلى مواجهة التخلّف والتجزئة ودون ذلك لا يمكن إحداث التراكم المطلوب، بما فيه مواجهة الإمبريالية والاحتلال الصهيوني.
   إن الوحدة حسب مرقص "عملية مركّبة" لا تُتَّخذْ بقرار لإلغاء الظروف والاختلافات، سواء بالتوحيد "القسري" العسكري أم بعدم الاعتراف بالتمايزات، وإنما تؤسس الوحدة على الاختلاف والتعدّد، وهو اختلاف بين المجتمعات العربية واختلاف بين الأفراد في كل مجتمع.
   لقد انطلق الياس مرقص بمشروعه النهضوي من الفكري وصولًا إلى السياسي، وحسب تعبيره إن بلادنا لن تنهض إلّا إذا تغلّب فيها الفكري"العقلاني" على السياسي أو السياسوي، والسياسة وإن كانت تعني فعل الخير، فإنّها في نهاية المطاف لا بدّ لها أن تنطلق من العقل والعقلانية، ولذلك يصبح الفلسفي شقيق السياسي، والاجتماعي شقيق المنطقي.
   كابد الياس مرقص من هيمنة السياسة على الثقافة، خصوصًا في الفترة الجدانوفية التي رفعت لواء ما سمي بـ"الواقعية الاشتراكية""، وكان ضد حرق المراحل وفي هذا الأمر كان أقرب إلى بليخانوف الذي انتقد "اشتراكية الدولة" وهي الوجه الآخر لرأسمالية الدولة "السياسة الاقتصادية الجديدة NEP" ، واعتبر مرقص أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن سببه البريسترويكا وإنما السياسات المتّبعة ونقص الحرّيات.
VIII
على هامش الحوار القومي-الماركسي
   في جلسة مطوّلة امتدت إلى الثالثة صباحًا في منزلي بدمشق (المزّة) حدثني عن علاقته بالمفكر ياسين الحافظ التي بدأت في العام 1953، وذلك استكمالًا للحوار الذي دار بيننا في طرابلس، وقد سألته عن هذا التلاقح بين العروبة والماركسية فأشار إلى ما كان يردده الحافظ عن الثورة من "إنها حفرٌ في العمق في حين أن الانقلاب نقر في السطح" وذلك بالعودة إلى موضوع حرق المراحل وأحيانًا استخدام أساليب قسرية ولاإنسانية لتبرير عملية التحول الثوري المنشود بزعم أن العنف أحيانًا ضرورة لا غنى عنها، وهو الأمر الذي دفع روزا لوكسمبورغ لانتقاد لينين وتروتسكي بقولها: الثورة ليست حمّام دم ولكن شيء آخر مختلف وإن دكتاتورية حفنة من السياسيين ستؤدي إلى الهمجية في الحياة العامة وإلى الإرهاب وإعدام المعارضين".
   كان ذلك الحديث على هامش الحوار القومي-الماركسي الذي التأم في طرابلس الغرب (ليبيا) في أواسط الثمانيات والذي شارك فيه نخبة متميزة من السياسيين والمثقفين من التيارين بينهم على ما أتذكر:جورج حاوي وجورج بطل (لبنان) ود. عمر علي (رئيس الدائرة الأيديولوجية في اليمن ورئيس الجامعة) أديب ديمتري(مصر) عبدلله العياشي(المغرب)، عربي عواد (فلسطين)، الياس مرقص(سوريا) وعبد الحسين شعبان(العراق).
   ومن القوميين والنّاصريين بتوجهاتهم المختلفة شارك كل من: محمد فايق، كامل الزهيري (مصر)، عبد الرحمان النعيمي (الجبهة الشعبية في البحرين)، تيسير قبعة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، إنعام رعد(الحزب السوري القومي الاجتماعي) ونجاح واكيم (لبنان)، ناجي علوش(فلسطين) وطلال ناجي (الجبهة الشعبية-القيادة العامة) وسمير غوشة وخالد عبد المجيد(فلسطين- جبهة النضال الشعبي)، عوني صادق (فلسطين)، السفير الفلسطيني في طرابلس(فتح) وممثل عن الجبهة الديمقراطية، وأحمد سالم(اليمن).
   كما حدثني عن لقاءات خاصة مع علي صالح السعدي بصحبة ياسين الحافظ في الستينات من القرن الماضي وكيف تم تأسيس "حزب العمّال الثوري العربي" من قبل مجموعة من البعثيين العراقيين ومن تأثّر بهم ممن تمّ طردهم عشية انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر1963 في العراق ومنهم محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وحميد خلخال وحمدي عبد المجيد الذي تحدّث عن بعض مزاياه.
   وكنت قد اصطحبته إلى منزلي بعد أن عرفت أنه سيبقى في الشام إلى اليوم الثاني لعدم وجود سيارة(حافلة) إلى اللاذقية، فقلت له ستبقى في بيتك، وهكذا توجهنا من المطار إلى المنزل، وبعد أن استرحنا قليلًا عرضت عليه الذهاب إلى مطعم أبو صيّاح العجلوني بالربوة وهو مكان تاريخي كان يلتقي فيه القوميون العرب في الخمسينات كما هو معروف، وكنت أتردد عليه أحيانًا، وفعلًا ذهبنا إلى المطعم وأكلنا وشربنا وتحاورنا، وعدنا إلى المنزل لنستكمل الحوار، وقد استيقظ صباحًا ليتوجه إلى كراج السيارات، وبعد ربع ساعة اتصل بي مهدي الحافظ وكان قد وصل الشام يوم وصولنا إليها، فسألني أين كنت فقد حاولت الاتصال بك عدّة مرات يوم أمس فأخبرته بأنني عدت من طرابلس  ومعي الياس مرقص فقال لي كنت أود التعرف عليه، فقلت له لقد غادر إلى اللاذقية قبل قليل، وإذا كنت ستخبرني في المرة القادمة عند مجيئك فيمكننا الذهاب إلى اللاذقية واللقاء به وسنأكل السمك اللّذيذ في مطعم سبيرو الشهير على البحر.
رحيل حزين يختلط بالحزن على بغداد
   وصلني خبر وفاة الصديق مرقص حين كانت الطائرات الأمريكية تقصف بغداد، حيث كانت الحرب قد اندلعت في 17 كانون الثاني/ يناير 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت التي احتلتها قوات النظام السابق في( 2 آب/اغسطس، العام 1990)، وأدّت إلى تدمير العراق وفرض حصار دولي جائر عليه.
   كل شيء كان غائمًا ومضببًا وحزينًا، إلّا أن موت صديق ومفكر بمنزلة الياس مرقص كان له حزن خاص، فهذا الرجل الذي غادرنا سريعًا، وهو لم يتجاوز الستين إلّا بسنتين، وكان في ذروة إنتاجه وعطائه وقمّة تألّقه الفكري والإبداعي، اتّسم بصفات الكبار من العلماء فكان متواضعًا وبسيطًا ومتسامحًا ومحبًا للخير،امتاز بالانفتاح على جميع التيارات متجاوزًا الحساسيات والبلوكات القائمة، بل حاول أن يفتح قناطر بينها من خلال مقارباته وحواراته.
   رحل الياس مرقص وهو نظيف الفكر ونظيف القلب ونظيف اليد ونظيف اللسان ونظيف الهندام، رحل المثقف النظيف وهو نموذج للمثقف العضوي الذي تحدث عنه المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي. ولعلّ الوفاء لذكراه هو إعادة طبع أعماله وجعلها بيد القارئ العربي وقد يكون لقراءتها الراهنة نكهةٌ جديدة، خصوصًا أنه سبقنا في آرائه واجتهاداته، وتلك فضيلته الأولى وهو الذي استحق لقب "المثقف الأول".
***



56

سيادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المحترم،

تحية واحتراماً نرسلها إليكم بإسم "الرابطة العربية للقانون الدولي"، وبعد:

لا يصحّ أن يمرّ هذا اليوم التاسع عشر من نيسان 2021 دون مخاطبتكم، ففي مثل هذا اليوم قبل مائة عام بدأ انعقاد مؤتمر إتّخذ قراراً أنتج بموافقة عصبة الأمم عليه، مشكلة تتفاقم منذئذ، وما تزال هي مشكلة فلسطين .

لقد منح المؤتمر بريطانيا "حق" الانتداب على فلسطين دون استشارة أهلها، وقامت بريطانيا بإشراف من عصبة الأمم، ثم بإشراف من منظمة الأمم المتحدة عام 1948، بعملية تغيير ديموغرافي في فلسطين نتج عنها تهجير شعبٍ من وطنه.

قد يقال: هذا أمر تاريخي يعالجه المؤرخون، ولكنّه أمر إنساني لأن المشكلة ما تزال راهنة وقد تُوّجت مؤخراً بفضيحة أخلاقية كبرى قمتم بإدانتها ألا وهي خطوة أقدام الدولة الأولى في تمويل المنظمة التي تتوّلون إدارتها بالموافقة على إعلان ضمّ قسم من أرض سورية إلى أرض كيان قائم بالاحتلال هو "إسرائيل".

قد يقال: كان القانون الدولي يجيز تصرفات كالتي قام بها الإنتداب في فلسطين، إلا أنّ القانون الدولي تقدم وأصبح أكثر شمولاً من الناحية الإنسانية، وإنّما قامت به السلطة الإنتدابية هو بمعيار شرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي يُعتبر جريمة ضد الإنسانية، ولاسيما أن أساليب التغيير الديموغرافي القسري التي نفّذتها السلطة الإنتدابية، ما تزال مستمّرة تقوم بها السلطة القائمة حالياً في فلسطين.

وكما تعلمون يا سيادة الأمين العام كان القانون الدولي لا ينكر شرعية الإسترقاق، لكنّ من المرفوض حتماً أن يتساهل اليوم أي أحد مع مثل هذا السلوك، ولا يصح أن يمضي هذا اليوم دون مخاطبتكم يا سيادة الأمين العام.

إنّ هذه الرسالة التي نوّجهها إليكم بإسم الرابطة العربية للقانون الدولي، هي دعوة لكم لكي تعملوا الفكر وتجروا الإستشارات المناسبة لكي يتم ما هو واجب إنساني ألا وهو إفساح المجال لعقد ندوة دولية في مبنى الأمم المتحدة في جنيف، وهو المبنى الذي بارك عملية التغيير الديموغرافي القسري في فلسطين، ونأمل أن تنتظم أعمال هذه الفعالية الحقوقية بتاريخ تموز/يوليو 2022 وهو ذكرى مرور مائة عام على تصديق عصبة الأمم صكّ الانتداب على فلسطين.

أما عنوان الندوة المقترح فهو التالي:"الانتداب على فلسطين: هل هو جريمة ضد الإنسانية؟". وبالطبع يتيح الطابع الاستفهامي للعنوان المجال لمن لا يرى في ما جرى جريمة يتيح له المجال للتعبير عن رأيه.

سيكون من دواعي الغبطة أن نتسلّم ردّكم الذي نأمل أن يكون إيجابياً، علماً بأنّ العديد من المنظمات المدنية والشخصيات القانونية والحقوقية تدعم وتؤيد مثل هذا التوّجه، سواءً على الصعيد العربي أو على الصعيد الدولي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

                        الرابطة العربية للقانون الدولي
                        السبت 10 - نيسان/أبريل - 2021



57
بابا الفاتيكان في العراق: أي رسائل؟
عبد الحسين شعبان

" فلتصمت الأسلحة وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة" هكذا بدأ قداسة البابا فرنسيس كلامه أمام رئيس جمهورية العراق د. برهم صالح. ودامت زيارته ثلاثة أيام (8-5 آذار/ مارس/ 2021) وكانت قد ابتدأت من بغداد إلى أور مسقط رأس النبي ابراهيم الخليل (أبو الأنبياء) ومنها الى النجف (مرقد الامام علي) للقاء السيد علي السيستاني وبعدها إلى الموصل التي شهدت دماراً وخراباً ووحشيةً لا تُصدّق على حدّ تعبيره اثر احتلال داعش في 10 حزيران (يونيو) العام 2014 والذي استمرّ لثلاثة اعوام ونصف، واختتم زيارته بصلاة مفتوحة في بارك سامي عبد الرحمن في إربيل.
تعتبر زيارة البابا إلى العراق تاريخية بامتياز لاعتبارات كثيرة:
- أوّلها:  أنها أول رحلة للبابا خارج الفاتيكان بعد تفشي وباء كورونا " كوفيد 19" في مطلع العام 2020، ولذلك فإن قراره بإختيار العراق جاء بعد دراسة وتمحيص لاعتبارات عراقية وإقليمية ودولية، مثلما هو لاعتبارات دينية لتأكيد علاقة الفاتيكان بالنجف.
- ثانيها: أنّها الزيارة الأولى للحبر الأعظم إلى العراق، فقد أخفق قبله اثنان من رؤساء الكنيسة الكاثوليكية في زيارة العراق، حيث ألغى البابا بنيدكتوس السادس عشر زيارته إلى أور لأسباب أمنية، في حين لم يرحّب النظام السابق بزيارة البابا يوحنّا بولس الثاني، وقد توقّع كثيرون أن يتمّ إلغاء الزيارة لأنها تأتي في ظرفٍ عصيب صحي ونفسي وسياسي واجتماعي وأمني في العراق، إضافةً إلى مداهمة الوباء، فضلاً عن استمرار الاحتجاجات الشعبية، كما وأنّ القصف من جانب المجموعات المسلّحة خارج القانون ما يزال هو الآخر  مستمراً على  السفارة الأميركية والمنطقة الخضراء، الأمر الذي قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، يُضاف إلى ذلك أنّ تفجيرات حصلت في قلب بغداد (ساحة الطيران) عشيّة زيارته (يناير / كانون الثاني 2021) وكانت أوساط عراقية محدودة جداً قد وضعت علامات استفهام على الزيارة ذاتها معتبرة أنّ لها طابعاً دينياً وإعلامياً ظاهرياً وكانت باطنيّاً ذو أبعاد سياسية واقتصادية.
- ثالثها: ان اختيار البابا زيارة العراق وتوجيه رسائل عديدة منه يعني فيما يعنيه أنّ العراق يشغل مكاناً مهماً في الاستراتيجيات الكونية السياسية والروحية، وهي التي دفعت قداسته إلى الإصرار على زيارته في حين أنّ هناك دولاً مهمة لم يقم البابا في زيارتها مثل روسيا والصين.
- رابعها: إنّ الزيارة بحدّ ذاتها تعني رسالة تضامن مع العراق ككل، خصوصا بعد معاناته لسنواتٍ طويلة من حروب ومغامرات وحصار واحتلال وارهاب.
- خامسها: إنّها حملت رسالة تعاطف وتساند ودعم للمسيحيين في محنتهم المستمرّة، وهؤلاء شعروا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الظلام والفوضى والتهجير، وأنّ الفاتيكان يقف بكل ثقله معهم وبقوّة، كما حملت ذات الرسالة إلى الايزيديين الذين عانوا أشدّ المعاناة والتي ما تزال مستمرّة، وهي رسالة للأخوّة الانسانية وللتضامن الإنساني.
- سادسها: إنّ الزيارة هي ضدّ التعصب ووليده التطرف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ وصار سلوكاً سيؤدي إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً، وحين يستهدف خلق حالةٍ من الذعر والهلع لإضعاف ثقة الدولة بنفسها وإضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة يصير ارهاباً دولياً.
- سابعها: أنّها رسالة ضد الطائفية والتمذهب والدعوة للمساواة والتسامح والسلام، فالعراق كبلد يمتاز بالتنوّع الديني والقومي والسلالي واللغوي، مثلما يمتاز بالتعددية والهويات الفرعية، والتي كانت متعايشة ومنسجمة في التطور التاريخي وعلى مدى قرون من الزمان، الأمر الذي يحتاج إلى تعزيز المواطنة المتساوية والمتكافئة دون تمييز أو تهميش أو استعلاء.
- ثامنها: الرمزية الكبيرة التي تحملها الزيارة، حيث أراد البابا تأكيد أنّ وعد البابا يوحنا بولس الثاني لا يزال حاضراً وأنّه شخصيّاً يريد الايفاء به، ولا سيّما بتأكيد أنّ مسقط رأس النبي ابراهيم هو العراق وأنّه عراقي، وليس عبثاً أن يقول البابا مخاطباً العراقيين "جئتكم حاجّاً" في حين يحجّ إلى الفاتيكان ملايين المسيحيين الكاثوليكيين، ويُمثّل قداسته أكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسيحي.
لقد أخطأ النظام السابق حين اعتذر عن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني العام 2000، وكان جواب البابا أن رقّى بطرك الكلدان الكاثوليك إلى رتبة الكاردينالية بحيث أصبح لمسيحيّ العراق حقّ الإنتخاب والترشيح لمنصب البابوية عبر الكاردينال ساكو، علماً بأنّ البابا بولس الثاني في حينها استهجن إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن الحرب على العراق باعتبارها "حرباً صليبية"  واعتبرها حرباً غير مبررة أخلاقياً ودينياً، وهو الأمر الذي أدّى إلى فتور العلاقة بين واشنطن والفاتيكان.
- تاسعها: اللقاء التاريخي بين النجف والفاتيكان، حيث التقى البابا بالسيد علي السستاني أحد أبرز المراجع الشيعة، في تأكيد غير منظور أنّ مرجعية الشيعة هي في النجف تحديداً وليست في قم أو في مكان آخر، والزيارة استمرار ومواصلة للقاء التاريخي بين أهمّ مرجعين روحيين في العالم، يوم اجتمع في أبو ظبي البابا فرنسيس بالدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وكنت آمل أن يزور البابا مرقد الإمام علي  لما له من اعتبارية رمزية وروحانية إنسانية للمسلمين بشكل خاص والمؤمنين بشكل عام، خصوصاً وهو الذي جسّد بُعداً انسانيّاً في رسالته يوم خاطب عامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي بقوله: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
- عاشرها: إنّ الزيارة وما تمخضّت عنه صبّت في مشروع التلاقي المسيحي - الاسلامي والعيش المشترك معاً في المجتمعات المتعددة الثقافات وعلى المستوى العالمي، فالإنسان أخ الإنسان وقد خلقهم الله جميعاً وفقاً للأديان الإبراهيمية والتوحيدية، ولذلك عليهم أن يأخذوا بعضهم بعضاً بالتسامح وعلى أساس المساواة والكرامة والأخوّة الانسانية، وهو ما جسّدته وثيقة أبو ظبي في 4 شباط (فبراير) 2019 والتي تبنّتها الأمم المتحدة في 22 كانون الأول (ديسمبر) 2020 حيث اعتبر يوم 4 شباط (فبراير) من كل عام يوماً عالمياً للأخوّة الانسانية، بتأكيد حريّة المعتقد والحق في الاعتقاد واحترام هوية كل ديانة لأن الجميع تحت سقف الأخوّة وذلك بتجسيد قيم السلام والتسامح، وهو ما تمنّاه البابا للعراقيين إثر زيارته التاريخية.
إذاً، فلتصمت الأسلحة حسب الحبر الأعظم، ولتكن رسالة الدين وفقهه لخدمة البشر عبر الاخوّة والتفاهم والعيش المشترك بغضّ النظر عن الدين والمذهب واللغة والقومية واللون والجنس، والأصل الإجتماعي وهو ما يُمثّل جوهر الفكرة الكونية للحقوق الانسانية.
لقد احتفى العراقيون بمختلف مشاربهم وإتجاهاتهم وأديانهم وقومياتهم وأفكارهم بالبابا واعتبروا الزيارة مناسبة للفرح والغبطة ولإظهار مشاعر المحبة، وليس الدين سوى الحب، وذلك تعويضاً عن الموت والدمار والتفجيرات والدماء والسبي والخطف، وقبل ذلك الحروب والحصار والاحتلال، هكذا استُقبِلَ البابا بالرقصات والملابس الشعبية والاندفاع لملاقاة الضيف الكبير الذي تشرّفت أرض العراق بحضوره.
وقد استعدت بهذه المناسبة احتفاء النجف بالمفكر المسيحي الأمريكي من أصل لبناني "أمين الريحاني" واستقباله الحار قبل 100 عام تقريباً (1922) من طرف المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والمراجع الآخرين من أمثال: الشيخ عبد الكريم الجزائري والشبيبيان الشيخ محمد رضا والشيخ جواد، وكان الجواهري الكبير قد أنشد حينها:
      أرض العراق سعت لها لبنان       فتعانق الإنجيلُ والقرآن
وليس عبثاً أن يكتب البابا وبعد مغادرته العراق (8 آذار / مارس/ 2021) : "العراق سيبقى في قلبي أطلب منكم جميعاً أيها الاخوة والأخوات الأعزاء، أن تعملوا معاً متحدّين من أجل مستقبل سلام وازدهار لا يهمل أحداً ولا يميّز أحداً" فعلى الرغم من جلبة الدمار والدماء فقد كان مشهد أشجار النخيل التعويض الرمزي للشموخ الذي رآه البابا وعبّر عن ذلك بأنه يمثّل رمزية الوطن في النمو وفي إتيان الأثمار، وهكذا أيضاً هو الأمر بالنسبة للأخوّة، لكي لا تُحدث ضوضاء لكنها تُثمر وتجعلنا ننمو، كما قال. وقد ترددّت الأجواء بعطر كلماته:
•   الأخوة أقوى من القتل
•   الرجاء أقوى من الموت
•   السلام أقوى من الحرب
•   المحبّة هي قوّتنا
إنّها قيم جديدة للأخوّة واللّاعنف: فالردّ على الحرب ليس حرباً أخرى، والردّ على السلاح ليست أسلحة أخرى، الجواب هو الأخوّة، وبالتالي المحبّة. لعلّ ذلك بمثابة برنامج عمل لكل من يتوق إلى تحقيق قيم السلام والتسامح والعدل، وينبغي أن يتحوّل إلى خطط ملموسة يتمّ الاعتماد عليها بالتربية والتعليم وإعادة النظر بالقوانين والأنظمة السائدة وإصلاح المجال الديني عبر مواطنة حقيقية وبعيداً عن أي إقصاء أو انتقاص للحقوق الإنسانية.


58
ثقافة المواطنة وفكرة الدولة
عبد الحسين شعبان
لم تترسّخ، فكرة المواطنة في الدولة العربية الحديثة بعد، سواءً على الصعيدين النظري أم العملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة)، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسّسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي.   
وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة كمنجز بشري كبير الأهمية، خصوصاً لجهة حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة بمعناها الحديث ارتبطت بتطوّر الدولة، ولا سيّما خلال القرون الثلاثة الماضية، والأمر يتعلّق بالأبعاد الفكرية والحقوقية والقانونية ووظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة.
ومنذ القرن الثامن عشر اعتمدت فكرة المواطنة بالدرجة الأساس على بناء الدولة، بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد وقيمة الحرّية، بما فيها حرّية السوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوّراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطوّر مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.
    أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى حقوقه المدنية والسياسية التي جرى التوسّع فيها تدريجياً. وقد وجدت هذه الحقوق تأطيراً وتقنيناً دولياً بعد التطوّر الذي حصل على الصعيد العالمي بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948، وقد حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيّما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية، وهو ما شهدته المجتمعات الغربية التي تبلورت فيها الفكرة بعد صراع طويل وتراكم كبير.
1- معاصرة وحقوق
وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمّةٍ في طريق تأمين الحقوق والحريّات المدنية والسياسية، وسارت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحرّيات بالعدالة، وهو الأمر الذي نطلق عليه عنوان "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم على:
أولاً: قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
وثانياً: قاعدة الحرّية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية لجميع الحقوق، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملّك والتنقل وعدم التعرّض إلى التعذيب... إلخ .
وثالثا- قاعدة العدالة بجميع صنوفها وأشكالها، وفي جوانبها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،