عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - لَطيف عَبد سالم

صفحات: [1]
1
روحٌ اِسْتَبَدَّ بِها الوَهْن، فاستوطنتها رَغْبَة مَجْنُونة طافِحة بلَذّةِ الدم..
قراءةٌ فِي رِوايَةِ (وكر السلمان) للأديب شلال عنوز
لطيف عبد سالم
 اِعتنى الباحثُون والنُقاد والدارسُون بمسألةِ العُنْوَان فِي النُّصُوصِ الأدبِيَّة، بوصفهِ مُحددًا لهويةِ النَصّ، ومُشيرًا في نفسِ الوقت إلى مَا مِن شأنِه المُسَاهمة فِي الاِقترابِ مِن مَضْمُونه، الأمر الذي ألزمَ بعض الباحثين الاِنهِماك في إعدادِ دراسات مُتَخَصِّصة تناولت شروط صِّياغَة العُنْوَان بأسلوبٍ يوحي إلى إشاراتِ بوسعِها أنْ تُعبرَ عَن أبعادهِ الدلاليَّة والرمزيَّة المرتبطة بثيمةِ المُؤَلَّف، أو النَصّ الأَدَبِيّ، فضلًا عَمَا صدر من أبحاثٍ ودراسات ومواضيع شَتَّى بخصوصِ أهمية العُنْوَان في الكثيرِ مِن الأعمَالِ الأدبيَّة التي اِنْبَرى لها باحثون أكاديميون، وكتّاب متخصصون. 
 إنَّ نجاحَ الكاتب في اِختيارِ عُنْوَانًا لِمَا يَكتُب مِن نَصٍّ، أو مُنجَز أدَبِيّ، ليس بالمهمةِ اليَسِيرة كما يظن البعض، إذ أنَّ مِن موجبات سلامة اِنتقاء العُنْوَان هو اكتنازه بعض الإشاراتٍ - علنيَّة كانت، أو ضمنيَّة - التي بوسعِها الكشف عن المهمِ مِن جوانبِ نتاجه الأدَبِيّ، مَا يعني أنَّ العُنْوَان يُعَدُّ عتبة نَصِيَّة مهمة تفضي إلى اقترابِ المُتلقيّ مِمَا يجول بخاطرِ الكاتِب عبر كشف بعض دلالات العمل الأدَبِيّ، إلى جانبِ محاولة جذب القارئ، والمُساهمة في إغرائهِ بالاطلاع عليه.
 اِرْتَأَيتُ أنْ أسجلَ هذه المُقَدِّمةِ الموجزة، بوصفِها ممهّدة للبَحْثِ في رِوايَةِ (وكر السلمان) للأديب شلال عنوز التي صدرت عام 2020م بـ (220) مِن القطع المتوسط عن اتحاد الأدباء والكتاب في النجفِ الأشرف، وطبعت في دار أحمد المالكي للطباعة والنشر، إذ اجتهد عنوز في مجالِ صياغة عُنْوَان روايته بالخلطِ مَا بين مفردتين تحمل كُلَّا منهما سماتً خاصة في الوصفِ، وهما: الوَكْرُ والسلمان، فالوَكْرُ لغةً: تعني المغارة، أو الكهف، أو المَسْكن، أو المَقَرّ المشبوه الذي يلجأ إليه، ويختبئ به المجرمون وطريدو العدالة، فِيمَا ترتبط المُفردة الأخرى في ذاكرةِ أهل العراق بأصداءٍ مأساويَّة مُقْتَرِنَة بمعطياتٍ مُخيفة بسببِ اختيار السلطات العراقيَّة في انظمتِها السابقة منطقة نائية بقضاءِ السلمان في محافظةِ المُثنى مكانًا لإنشاءِ سَجْن (نقرة السلمان) الذي أقيم في منطقةٍ صحراويَّة بدويَّة بالقربِ مِن الحدودِ العراقيَّة السعوديَّة؛ لأجلِ أنْ يكون منفىً ومعتقل يٌبعد اليه كلّ مَن يقف بوجه السلطة، فكان أنْ زجَ العشرات مِن العناصرِ الوطنيَّة في هذا السَجْنِ الرهيب الذي يشار إليه باسمِ (باستيل العراق)، بوصفِه مِن أكبرِ وأقسى السُجُون في العالم. ويبدو جليًا أنَّ المفردتان تجمعهما خصائص الوصف في إنشاءِ المُتلقيّ صورة ذهنيَّة عن فحوى العُنْوَان الذي بُني على الربطِ في سياقٍ منطقي مَا بين كلمتين مختلفتين في المعنى، بيد أنَّهما اِمتزجا ليشكلا معًا فضاءً لعُنْوَانِ الرِوايَة هذه؛ بغية التعبير عن مشاعرٍ إنسانيَّة أيقظتها ظروف مأساويَّة تعرض لها مُجتمعنا، إذ يشير موقع الوَكْرُ الجُغرافيّ في الرِوايَةِ إلى إحدى معالم الخَوْف والاِضطهَاد والاِسْتبداد التي تجرعها أهل العراق، بوصفهِا شاهدًا حيًا على ممارسةِ النظام الدكتاتوري مَا تباين مِن أشكال الظلم والوحشيَّة التي نجم عنها عشرات الآلاف مِن الضحايا، وحتَّى مَن قدر لهُ البقاء على قيد الحياة، لَمْ يسلم مِن الآثار الجسديَّة والنفسيَّة التي تركتها أيام المحنة الوطنيَّة، فيما يرمز الوَكْرُ إلى الغرقِ في دوامةِ الظلام، إذ يُفرضُ على مَن يطأ فضاءه التخبط في دياجيرِ ظلامٍ دامس، مع العرضِ أنَّ المناطقَ المُظلمة تبقى على الدوامِ مرتعًا خصبًا لشبحِ الجريمَة بأنواعِها وأشكالها ومساراتها، ولطالما شهدت الغرف المظلمة قرارات هوجاء تسببت في إشعالِ فتيل الحرب، وتَأْجِيج لهبها. ولعلَّ مَا يؤكد مَا ذهبنا إليه هُنا هو مَا ورد في عتبةِ الإهداء، والتي نقتطفُ منها العبارات الأتيَة:
"إلى الذين خسروا أمانيهم وأكلوا أعمارهم..
 إلى الإنسانيَّة المُعذبة بحماقاتِ مشعليها..."
 مِن المعلومِ أنَّ هنالك جملة مِن العناصرِ الفنيَة المنسجمة التي يتعامل معها الكاتب بجديةٍ في ترجمةِ المسار السردي لخطابه الرِوَائيّ، والتي قد يكون أحدها مفتاحًا لحديثِ النُقاد على نحوٍ مستقل عن مجملِ أحداث الرِوايَة، ومِن أهمها: الزمان، المكان، الحبكة، شخصيات الرِوايَة وغيرها، ولكن مِن وجهة نظر شخصيَّة متواضعة، أرى أنَّ هُنالك مَا قد يسبق العناصر المُشار إليها آنفًا عند البَحْث في رِوايَةِ وكر السلمان تحديدًا، إذ يمكن القول إنَّهُ إذا جاز لنا الاقرار بتسميةِ ادب الجَرِيمَة، أو الكتابة البوليسيَّة، فإنَّ الثيمةَ الأساسيَة للرِوايَةِ مدار بحثنا تنحى إلى أبعدِ مِن عالمِ الجريمة، إذ أنَّ خطابها يرتكز على أنَّ الحربَ، بما تباين مِن دوافعها وتداعياتها الكارثيَّة، تُعَدُّ على مدى التاريخ المصدر الرئيس لكلِّ الجرائم التي شهدتها البشريَّة، إنْ لَمْ تكن عنصرها الأساس، والتي أصبحت تراثًا سيئًا مشتركًا للإنسانيةِ. ويضاف إلى مَا تقدم، إنَّ مَا أتيحَ ليَّ الاطلاع عليه مِن تلك الرِوايَات، وجدتها في الغالب تعتمد على النسقِ الغربيّ الذي يقوم على ابتكارِ الكاتب شخصيات رِوايته الرئيسة مِن الخيَال، والتي ربمَا يظنها المُتلقيّ شخصيَات واقعيَّة، إلا أنَّ عنوزَ نسج رِوايته الأثيرة هذه عن حقائقٍ مُؤلمة وصَادمة مُستوحاة مِن واقع مُجتمعنا، فلا أراني مُبالِغًا إنْ قلتُ إنَّهَا تبحث في حيثياتِ الوجع العراقيّ مِن بين أحداث تاريخيَّة مُتراكمة تعود إلى حقبةٍ زمنيَّة لَمْ تعشها أجيال الألفيَّة الثالثَة.
 ولَعَلَّنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ كاتبَ الرِوايةِ مدار بحثنا يُعَدُّ بمثابةِ شاهد عيان على عصرٍ عَرَفهُ وعاشَ تفاصيله، فضلًا عمَا خلف في الروحِ مِن كمدٍ ظلت الأجيال تتوارثه وتروِيه إلى اليوم، وبخاصة لعنة الحرب وقسوتها، مَا تعين عليه أن يأخذ على عاتقه تقديم بعض الوقائع مِن تلك الحقبة التاريخيَّة بأسلوبٍ شيّق ويُقدّمها في رِوايةٍ لَمْ تقلل قسوة أحداثها مِن روعتِها. ومِن المهمِ الإشارة هُنا إلى أَنَّ الزمانَ والمكان كان لهما أهمية في بنيةِ الخطاب الرِوائيّ برِواية وكر السلمان، حيث قام الكاتب بتوظيفِهما والحرص على تكامليةِ العلاقة بينهما، مع ملاحظةِ الأثر العميق للمكانِ في نسجِ بنية النَصّ. والمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الكاتبَ لَمْ يغبْ عن بالهِ تعريف الأجيال الحاليَة بالفارقِ الزمنيّ مَا بين وجه بغداد الحالي والسابق، إذ عمدَ إلى الإشارةِ لجملةٍ مِن ذِكريَاتِ الأمس مِن خلال استعراض بعض معالمها وصروحها في متنِ الرِوايَة مثل: شارع الرشيد يوم كان أيقونة بغداد بفضلِ مَا ضمه مِن شواهدٍ سياسيَّة وعمرانيَّة وثقافيَّة وفنيَّة، وشارع النهر الذي يشير إليه البعض باسمِ شارع البنات، أو شارع العرسان، والذي كان يُعَدُّ أحد أكبر أسواق الجمال والموضة، إلى جانبِ غيرهما مِن الأمكنةِ التي يفوح منها عبق ماضي بغداد الجميل، على الرغمِ مِن أنَّ بعضها قد تعرض إلى الإزالةِ ، أو الإهمال مِن أجلِ تحفيز شباب اليوم على التمعنِ بسحرِ عاصمتهم وجمالها وأهميتها الثقافيَّة؛ بغية المُساهمة في الجهودِ الراميَة إلى إعادةِ ألقها. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ دقةَ التفاصيل التي ذكرها عنوز عن الأمكنةِ في سياقِ رِوايته تجعل المُتلقي يتيقن مِن أنَّهُ عاشها شخصيًا في الأمسِ القريب، ولَمْ تُروَ إليه، إذ لوحظ أنَّهُ استعرضها بتأثرٍ واضح. ولَمْ يقتصر الفضاء الرِوائيّ للكاتبِ شلال عنوز على بغداد وحدها، إذ جهد في الولوج إلى أمكنةٍ أخرى قصد تحديد معالمها، كقضاء السلمان، الوَكْر وخنادق الحرب بتفاصيلها المُرعبة التي عايشها العراقيين قسرًا، والتي تُعَدُّ بوصفِها مِن الوثائقِ الإنسانيَّة التي يتعين على الأجيالِ الحاليَة والمُستقبليَّة أنْ تطلعَ عليها.
 ولعلَّ مِن المهمِ الإشارة هُنا إلى توظيفِ كاتب الرواية الأديب شلال عنوز اختصاصه الأكاديميّ في مجالِ القانُون، وامتهانِه المُحاماة لمدةٍ طويلة، فضلًا عن درايته الواسعة بالكثيرِ مِن الخفايا والأحداث ذات الصلة بالجرائم، واِطلاعه بحكم تواجده في المحَاكمِ على أعمالِ التحقيق، ومَا تبعها مِن مُعالجاتٍ قضائيَّة بالاستنادِ إلى القانُونِ الجنائي أو قانُون العقوبَات. وليس خافيًا أنَّ السنواتَ التي قضاها في العمل بمجالِ القانُون، ساهمت على مَا يبدو في امتلاكِ عنوز معرفة متعمقة في النظرياتِ النفسيَّة الاِجتماعيَّة المُفسرة للسلوكِ الإجرامي، وعلم النفس الجنائيّ، بالإضافةِ إلى مَا اِدَّخَرَ مِمَا تباين مِن المفاهيمِ المرتبطة بالجريمةِ والاِنحراف، إذ بدا واضحًا مِن مضامين رِوايته هذه أنَّ ممارسَته مهنته، أكسبته سعة الأفق، وغزارة المعلومات عن عالمِ الجريمة، ولاسيمَا العواملِ النفسيَّة، وتأثيرها على السلوكِ الإجراميّ، ولعلَّ بعض التساؤلات التي طرحها بخصوصِ الحكم القضائي خير مصداق على مَا تقدم.
 تبحثُ الرِواية في بيئةٍ اِجتماعيَّة أغلب شخوصها من المُهتمين بالقانُون، والذين نهلوا مِن العُلومِ التي تسعى إلى صياغةِ المعرفة والمفاهيم التي تساهم في ترسيخِ الهوية الوطنيَّة عبر المُشاركة الفاعلة في تحقيقِ العدالة واِستقرارها في المُجتمع، ومواجهة الظلم في كلِّ زمانٍ ومكان. وقد كان بطل الرواية (نعمان) الذي عاش وتربى وسط عائلة ميسورة ومُحافظة تتمتع بمخافةِ الباري عزّ وجلّ، مِن بين الذين أقسموا على توليّ مهمة تحقيق المطلب المُشار إليه آنفًا بالتعاونِ مع بقيةِ الخريجين، فضلًا عن كونه مِن المتفوقين دراسيًا، ويدفعهُ طموحًا جامحًا إلى أنْ يصبحَ قاضيًا بفضلِ مَا يمتلك مِن سماتٍ مميزة، مِنها قوّة الشخصيَّة، الإيمان بالمُثلِ العليا وسعة الثقافَة القانونيَّة بحسب أساتذته في الدراسةِ الجامعيَّة الأوليَّة.
 ولَمْ يكن خياره يومًا وهو الذي امتاز أيضًا بامتلاكهِ موهبة نظم الشِّعر أنْ يرتبطَ اسمه بعالمِ الجريمة، بيد أنَّهُ لَمْ يستوعب مَا خبأت لهُ الدنيا مِن صدمةٍ نفسيَّة عنيفة، بعد أنْ أفاق ذات يومٍ على نفسه، فوجد أنَّ حرب الثمان سنوات سلبتهُ ذكوريته التي يعدها أعز مَا يملك.
 نعمان الذي اختار اسمه الكاتب في إشارةٍ رمزية للدلالةِ على حادثةِ قتل مشهورة نفذها أشهر ملوك المناذرة قبل الإسلام النعمان بن المنذر، كان معول عليه أنْ يَهِبَ كلّ مَا يملك مِن جهدٍ للإنسانيَّة، فضلًا عمَا يرتبط بها مِن أعمالِ الخير ومقارعة الظلم، إلا أنَّ تداعياتَ تلك الحرب الداميَة جعلتهُ واحدًا مِن بين آلاف الضحايا البشريَّة في العراق مِمَن تجرعوا مرارتها التي اِستباحت كيانه الإنسانيّ عبر اِغتيال ذكوريته الذي ترك في نفسهِ جرحًا يصعب دمله، فكان أنْ عاش مُحبطًا في دوامةِ أزمة نفسيَّة حادة، قادته إلى اِبتلاعِ أحلامًا لَمْ تختمر بعد.
 بدأ يندب حظه العاثر حين أيقن أنَّه في حالٍ لا خروج منه، فاستكانَ لأزمتهِ التي ابتليَ بها وكأنه يعلن احتضاره، بعد أنْ استسلم لمشاعرٍ مستهجنة ايقظتها الحرب في روحٍه البريئة، فـ "الحروب لا تكتفى بالكشف عن أسوأ غرائزنا، بل تصنعها" كما يقول أمين معلوف.
 وأمام تخاذله لَمْ يكن بوسعه إلا الركونِ إلى فضاءاتِ عالمٍ كان ينبذه، ويعتزم مواجهته مهنيًا بكلِّ صرامة، بعد أنْ تمكن مِنه القلق المفرط الذي قاده إلى الاكتئابِ بسببِ إغفال القيادات الإداريَّة مسألة إعادة التأهيل النفسي لضحايا الحرب، والذي مِن شأنهِ تغيير أفكار وسلوكيات المريض السلبيَّة وتحويلها إلى أفكارٍ أكثر إيجابيَّة متصالحة مع الواقعِ مِن خلالِ مساعدة المريض على إدراكِ تصرفاته وأفكاره الحاليَّة والعمل على تغييرِها، إذ بحسبِ المتخصصين في علمِ النفس: "تتركُ الحروب آثارًا عديدة أكثر تعقيدًا وعمقًا ممَا نتخيل، تتعدى كونها آثارًا جسدية، أو عضوية وتمتد إلى الآثار النفسيَّة والعقليَّة التي قد تبقى وتمتد سنين طويلة حتى بعد أن تشفى الجراح وتختفي".
 وفي لحظةِ اِنكسار تربض في قاعِ نفس نعمان المضطربة، قاده إحساس غائر بقهرٍ نفسيّ مستمد مِن شعورٍ بالنبذِ الاِجتماعيّ وعدم المساواة، لِمَا أفضى إلى قلبِ حياته رأسًا على عقب، حيث كان لوطأةِ الضغوطِ النفسيَّة التي فرضتها عليه حادثة ضياع ذكوريته في جبهات القتال دورًا مؤثرًا في تفجيرِ مكامن الحقد الأعمى الذي أوقعه بأتونِ الجريمة، فاتخذ مَخْبَأ موحشًا قريبًا مِن مسكنهِ المُنعزل في باديةِ السَماوة جنوبي العراق مسرحًا لجرائمه الوحشيَّة التي أَزْهَقَ فيها أرواح أقربِ أصدقائه وأحبته مستغلًا براءة ضحاياه وثقتهم به، حيث أصبح هذا المكان الدموي المجنون مرتعًا للتعبيرِ عن نفسٍ جعلتها ويلات الحرب تكتظ بشهوةِ إبادة الأصدقاء التي أصبحت تغلي في نفسهِ، فاستكان إلى نزعةٍ عقليَّة مريضَة جعلته يتيقن مِن أنَّ قدراته في قتل الأصدقاء كفيلة بالتعويضِ عن إخفاقهِ في الاستجابةِ لغريزتهِ الجنسيَّة، فغدا يتلذذ بمنظرِ شلال الدم الذي تنزفه أجساد الضحايا الأبرياء؛ بغية تفريغ عقدته، إذ أصبحت النزعة الدمويَّة معادلًا موضوعيًا للقدرةِ الجنسيَّة التي أفقدتهُ إياها الحرب، فأصيب بإحباطٍ أفقده الثقة بنفسه، وجعله عاجزًا عن التصالحِ مع  التحدياتِ التي فرضتها إصابته في مجرياتِ الحرب، فركن إلى الأحقادِ والأضغان انعكاسًا لتصدعِ شخصيته؛ لذا حينما يكون مع الضحيةِ في مسلخهِ، لم يكن آبهًا بمَا يسمع مِن عباراتِ توسل وكلمات استعطاف طلبًا للرحمة؛ وكأنَّ أصواتًا تصدع رأسه تدعوه للمضيِّ قدمًا في أفعالهِ المأساويَّة، ولعلَّ مَا يؤكد ذلك هو اعتراف نعمان لأعزِ أصدقائه ناصر عند لحظة الشروع بقتله قائلًا: "أنها شهوة القتل التي تملكتني, فمنذ وطأت رجلاي هذا الوكر الخبيث, ولا شيء يطرق تفكيري سواها, هي لعنة الحرب يا ناصر. صدقني أنا أحبك. ولكنه حب يسكنه الموت, فلقد  فقدت الأمل واصبحت الحياة لي مجرد وهم ومات ضميري, متأجج الحقد والغدر في الاعماق".
 كان نعمان ينفذ جرائمه المُرعبة بدمٍ بارد، حتَّى يلامس رذاذ الدم وجهه، وجثة بعد جثة يأويها الوَكْرُ، بعد أن يقوم بدفنِها، ثم لا يلبث أنْ يبكيَّ بدموعٍ تذرفها عينيه، وينزف بها قلبه، يتبعها بصياحٍ حتَّى يكاد أنْ يختنق. وذات نهارٍ بغدادي، ذهبت إلى حيث لا أحد غير الباري عزّ وجلّ يعلم وجهتها خطيبته (سناء) التي أحبها وهام عشقًا في هواها، حيث اختفت آثارها عَن أعينِ أهلها وأحبتها، بعد أنْ استدرجها نعمان إلى معقلهِ النتن، وقتلها ببشاعةٍ، بعد محاورة عنيفة انتهت باعترافهِ إليها بـ (فقدان رجولته)، الأمر الذي جعله يركن إلى ممارسةِ القتل، ومؤكدًا لها أيضًا أنَّ دوافعَ جريمته هذه تعود إلى حُبّه لها، ومِن أجلِ أنْ لا تكون شريكة غيره في الحياةِ التي كان يحلم بها.
 في كلِّ انتهاكاته الجسِيمَة للإنسانِ الذي يُعَدُّ بوصفه أشرفِ المخلوقات وأكملها على الإطلاق بفضلِ ما أودعه الله تعالى مِن قوىً لَمْ يعطها لغيره، كان الشاهد الوحيد على مَا ارتكبَ مِن جرائمٍ مُرعبة، هو قطة سوداء وجدها عند باب مسكنه في الباديةِ الجنوبيَّة لدى عودته مِن مراسيمِ دفن والدته، فتوددت له، وعاشت معهُ لا تفارقه، ولا ريبَ أنَّ القطة تُعَدُّ مِن أقربِ الحيوانات الأليفة إلى الإنسان، وحتَى اختيار لونها كان يخضع لدرايةِ الكاتب بالألوان، فاللون الأسود هو سيد الألوان كما هو متعارف عليه. والمُذهل في الأمرِ أنَّ القطةَ السوداء كانت تحرص على القيامِ بحركاتٍ لا يفهمها الضحية في محاولةِ منعه مِن دخول الوَكْر؛ لمعرفتِها بِمُبتغى نعمان الإجراميّ، وكانت تنظر إليه بحقدٍ وأسى بعد قيامه بتنفيذ كلّ جريمة، إذ كان نعمان ينظر إليها خارج ميدان جرائمه برحمةٍ وشفقة، لكنه لا يعير لها أيَّ اهتمام عند الشروع بتنفيذِ جرائمه. ومع تعدد رؤى المُتلقين حيال الجدوى مِنْ إقحامِ الكاتب القطة السوداء في مسارِ رِوايته، إلا أنَّهُ يمكن القول إنَّ عنوزَ ربمَا استخدمها برمزيةِ (تناسخ الأرواح) للدلالةِ على عدمِ رضى والدته بأفعالهِ الشنيعة، وهي التي جهدت كثيرًا مِن أجل إعداده على وفقِ  تربيَة سلِيمة وصالحة، فضلًا عن محاولةِ تبصيره بضرورةِ التوقف عن الإيغالِ في عالمِ الجريمة، ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ القطة السوداء هي التي قادت المفرزة الأمنيَة المكلفة بإلقاءِ القبض على نعمان بعد اكتشاف أمره، وأرشدتهم  إلى وكرهِ المشؤوم. وقد تكون القطة أيضًا رمزًا تعبيريًا للدلالةِ على ضميرِ الإنسان الذي يؤنبه ويشعره بعقدةِ الذنب، إذا مَا أدركنا أنَّ تأنيبَ الضمير يعبر عن ألمٍ نفسيٍّ يشعرُ بهِ الفرد داخليًا، وهو مَا يتوافق مع مشاعرِ نعمان بعد كلّ جريمة يقوم بها، ولعلَّ وصية نعمان بتوزيع أمواله وعقاراته ومَا يملك إلى عوائلِ الضحايا خير مصداق على مَا كان يشعر به مِن ندم.
 الأديب شلال عنوز كان موفقًا في صياغةِ خاتمة الرواية، فالجريمة تبقى حاضرة في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا يمكن أن تنتهي بموتِ نعمان الذي توارى كشبح خلف سحب الدخان التي أحدثها انفجار الوَكْر اللعين الذي تسبب بإصابة بعض مراتب الشرطة تعبيرًا عن الثمنِ الذي يقتضي أنْ تدفعهْ البشريَّة قربانًا لوأد الجريمة.       
 ختامًا، لا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحَقـيـقـة إذا ما قلت إنَّهُ بفعلِ مَا مرت بهِ بلادنا من حروبٍ، فإنَّ عشراتَ الآلاف مِن الأشخاص يعانون مِن آثارٍ واضطرابات نفسيَّة، تتطلب حلولًا جديَة عبر إعادة التأهيل النفسيّ لِمَنْ عاشوا الحرب واعتادوا مشاهد القتل وزكمت أنوفهم جثث القتلى، فللحرب الكثير مِن التداعياتِ التي تتجسد بآثارٍ تدميريَّة وماديَّة وجسديَّة، إلا أنَّ الأثرَ الأهم يبقى على الدوام مرتبطًا بالأضرارِ النفسيَّة التي طالت حتَّى الذين قدر لهم أنْ ينجو مِن ويلاتِ الحرب وفظائعها؛ لأنَّهم ربمَا مَا يزالون يتوارثون ذاكِرة الحرب اللعينَة.
 أثمن جهد الصديق العزيز الشَاعِر والرِوائيّ الأستاذ شلال عنوز، وأبارك لهُ النجاح في باكورة عمله بالتجربةِ الرِوائيَّة، متمنيًا لهُ التواصل في عطائِه البحثيّ. 
 جدير بالإشارةِ أنَّ الأديبَ شلال عنوز، شَاعِرٌ وقاص وروائي مِن مواليد عام 1950م، حاصل على شهادةِ البكالوريوس في القانُون، عضو الاتحاد العام للأدباء والكُتاب في العراق، وعضو مؤسس في اتحادِ أدباء النجفِ الأشرف، أصدر خمس مجموعات شِّعريَّة، فضلًا عن اشتراكه بمجموعتين شِّعريَّتين، وردت لهُ تراجم في أغلبِ الذين أرخوا للحركةِ الأدبيَّة في النجفِ الأشرف والعراق، تناول تجربته الأدبيَّة الكثير مِن النُقاد، بالإضافةِ إلى الباحثين في الرسائلِ والأطاريح. 
***
_____________________
عُنوانُ الكتاب: رواية وكر السلمان. 
اسم الكاتب: شلال عنوز.   
عدد صفحات الكتاب: (220) صفحة من القطع المتوسط.
الطبعة: الأولى 2020م.
جهة الاصدار: اتحاد الأدباء والكتاب في النجفِ الأشرف
الناشر: منشورات أحمد المالكي للطباعة والنشر.
  ***



 

2
(منهجية الثورات بين التنوير والتثوير) بأمسيةٍ ثقافيَّة في مؤسسةُ أضواء القلم الثقافيَّة
   ضيفت مُؤسسة أضواء القلم الثقافيَّة في مقرها ببغداد، الباحث والروائي الأستاذ علاء الوردي؛ للتعريف بمنجزهِ البحثي والروائي، وإلقاء محاضرة ثقافية مستمدة من نشاطاته البحثيَّة في ميدانِ الوقائع والاحداث التاريخيَّة. 
 وفي مستهلِ الجلسة التي أدارها رئيس المؤسسة الأديب لطيف عبد سالم، وحضرها جمهور نخبوي من الأكاديميين والأدباء ورؤساء وأعضاء بعض المؤسسات الثقافيَّة، فضلًا عن المهتمين بالشأن الثقافيّ، رحب سالم بالأديب الوردي والحضور الكريم، وقدم نبذة عن السيرةِ الأدبيَّة للأديبِ المحتفى به، ثمَّ أطل الوردي على جمهورِ الحاضرين، متحدثًا عن سعادته بلقاء هذا الجمهور النخبوي، وشاكرًا في الوقت ذاته إدارة مؤسسةُ أضواء القلم الثقافيَّة التي يعود تاريخ تشكيلها إلى عام 2003م على دعوتها إياه، ثم شرع بإلقاء محاضرته التي وسمها بـ "منهجية الثورات بين التنوير والتثوير.. ثورتا الزنج والقرامطة أنموذجا"، والتي تخللتها مجموعة من المداخلات الشيقة، والأسئلة التي تفاعل معها الأديب الضيف، وأجاب عنها.
 وعلى هامش هذه الأمسية، تحدث القاص الأديب رياض داخل رئيس ملتقى السرد الروائي قائلًا: (إن ما تقوم به "مؤسسة أضواء القلم الثقافية" من جهد أدبي ومعرفي يستوجب الشكر، لأنهم دعموا واحتضنوا القلم، فازدهى وسال حبره أضواء مشعة. وتتميز إدارة مؤسسة أضواء القلم بالحيادية في طرح المواضيع، وبرز ذلك باستضافتها الباحثين والروائيين والقصاصين.. فعندما زرت هذا التجمع الراقي وجدت فيه مهنية في الطرح والاحترام المذهل لجميع الآراء والأفكار.
اضواء القلم المتمثلة برئيسها الباحث والكاتب الاستاذ لطيف عبد سالم الذي يقدم خدمات كبيرة للوسط الثقافي، وجدت  فيه صفات الكبار، من علم وتواضع، واحتضان لجميع الأقلام الشابة والرائدة. شكرا ايتها الأضواء يا مؤسسة أضواء القلم الثقافية).
 كذلك أشاد الناقد قاسم المشكور الذي حضر الأمسية أيضًا بأداء المؤسسة بقوله: (التواصل الثقافي، والمعرفي يبدأ لحظة شعور الفرد بإنسانيته، وصدقًا أقول إن مؤسسة أضواء القلم ممثلة برئيسها الأستاذ الفذ لطيف عبد سالم تمثل واجهة معرفية رصينة تعانق الفكر عبر خطابها الذي يوشحه القائمون عليها، وعندما تتحد الجهود في أي مؤسسة أو مركز تثقيفي تنويري، فإن هذا سينعكس حتماَ على أدائها الذي يتحول مع مرور الأيام إلى منجزات أبستمولوجية معرفية رصينة.
 وتعبيرًا عن تقدير مؤسسة أضواء القلم الثقافيَّة لحضور الباحث والروائي الأستاذ علاء الوردي، وتثمينًا لمساهمته في تدعيم برنامجها الثقافيّ، قدم الأديب لطيف عبد سالم رئيس المؤسسة في ختامِ هذه الجلسة - نيابة عن زملائه أعضاء المؤسسة -  شهادة تقديريَّة إلى الأديب الضيف الذي أشاد بدوره بفاعليةِ نشاطات مؤسسة أضواء القلم الثقافيَّة، وحرص إدارتها على تعزيزِ المشهد الثقافيّ عبر عملها الجاد، والجهود الكبيرة التي تبذلها، وأضاف قائلًا: (جمهوركم جمهور نخبوي جيد، ويمتلك الخبرة في فن الحوار مع محاضر الجلسة، إذ أضاف بمداخلاته الكثير من المعلومات التي أغنت المحاضرة بالمهمِ من المعاني والأدلة، فأعضاء المؤسسة شخصيات راقية جدا، ومحاورين من الدرجة الأولى، ويمتلكون معلومات عامة ثقافية تغني المحاور بالكثير من المعرفة والثقافة، حفظكم الله تعالى، ودعائي لكم بالخير والتوفيق والنجاح الدائم للمؤسسة مع تحياتي وتقديري لأعضاء مؤسسة أضواء القلم الثقافية، وإلى رئيسها الأديب المبدع الأستاذ لطيف عبد سالم).

3
مُؤسسةُ أضواء القلم الثقافيَّة تستضيف الروائي حَسن الموسوي بأمسيةٍ ثقافِيَّة
     اقامت مُؤسسةُ أضواء القلم الثقافيَّة في مقرها ببغداد امسية ثقافية استضافت فيها الروائي حَسن الموسوي؛ لإلقاءِ مُحاضرة عن الفنِ الروائيّ، بالإضافةِ إلى التعريفِ بمنجزهِ الأدبيّ وتوقيع مجموعة مِن رواياته وأدارها رئيس المُؤسسة الباحث والكاتب الأديب لطيف عبد سالم، وحضرها جمع مِن الأكاديميين والأدباء والمهتمين بالشأنِ الثقافيّ. وقد افتتحت الامسية بترحيبِ رئيس المُؤسسة بالروائيِّ الموسوي والحضور الكريم، وتحدث بإيجازٍ عن طبيعةِ المُنجز الروائيّ المحلي بعد عام 2003م، وقدم نبذة تعريفيَّة عن سيرةِ الضيف الشخصيَّة والأدبيَّة، ثمَّ دعا ضيف الأمسية إلى إلقاءِ مُحاضرته التي وسمها بـ (فن كتابة الرواية)، حيث أسهب الموسوي في الحديثِ عن مفهومِ الرِوايَة وأنواعها وتصنيفاتها مع الاستشهادِ بأمثلةٍ من فضاء السَرد الروائيّ، إلى جانبِ مروره بالمصادرِ التي اعتمدها في بناءِ رواياته ومجموعاته القصصيَّة، ثم فتح مدير الجلسة باب الحوار لإبداءِ الآراء وطرح الأسئلة والمداخلات، التي تفاعل معها الروائي الضيف وأجاب عنها، وقد شارك في هذا المحور الأستاذ الدكتور فلاح حسن، والناقد الدكتور علي عبد الرضا، والباحث الدكتور فالح القريشي، والمستشار القانوني عبد الحسين عايش، والأستاذ مظفر المحمداوي رئيس اتحاد الصحفيين العراقيين، والأستاذ عبد الأمير البياتي نائب رئيس اتحاد الصحفيين العراقيين، والشاعر إبراهيم علي، والمهندس محمد عبد حسن، والشاعر فرحان فهيم الموسوي، والباحث والكاتب كريم خالد، والأستاذ ماجد الشمري، والأستاذ حسين الزهيري، والفنان عباس إبراهيم حسون، والدكتور حسين عبد جساس والأستاذ حسين أحمد حسن عضو مؤسسة العراق الثقافية، بعدها وقع الموسوي مجموعة من اعماله ثم أجمع الحاضرين على تقديمِ التماس أبوي إلى معالي رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي، لإنقاذ حياة الصحفي الأستاذ علي صحن عبدالعزيز المشهود له بالمثابرة والعمل الدؤوب في الوسط الصحفي الذي قد يتسبب الانزلاق الغضروفي الحاد الذي يعانيه بقطعِ الحبل الشوكي ، في حالِ تاخر علاجه بحسبِ التقارير الطبية الصادرة من مستشفى ابن سينا. كذلك ناشد الحاضرون الأستاذ مؤيد اللامي نقيب الصحفيين العراقيين بسرعةِ الاستجابة لإنقاذ الصحفي علي صحن عبد العزيز.
 وفي ختامِ الجلسة قدم الأديب لطيف عبد سالم رئيس المؤسسة شهادة تقديريَّة إلى الروائي حَسن الموسوي؛ تثمينًا لمساهمته في برنامج المؤسسة الثقافي. كذلك قدم الباحث الدكتور فالح القريشي مشكورًا نسخة من أحدث إصداراته الأدبية هدية إلى رئيس المؤسسة الأديب لطيف عبد سالم. 
 وقد أثنى الروائي حَسن الموسوي، وبقية الضيوف الحضور على مبادرةِ مؤسسة أضواء القلم الثقافية بإقامة هذه الأمسيات خدمة لعراقنا الحبيب، وسعيًا لترسيخِ قيم بناء المُجتمع المدني، وإثراءِ المشهد الثقافي عبر مَا تبذل مِن جهدٍ في تنظيمِ الفعاليات الهادفة إلى ترسيخِ الوعي المُجتمعي وتعزيز المشهد الثقافيّ المحلي. 

4
مؤسسةُ أضواء القلم الثقافيَّة تفتتح موسمها الثقافيّ بالاحتفاءِ بحفلِ توقيع كتاب

   اِحتفت مؤسسة أضواء القلم الثقافيَّة بالقاص الأديب الأستاذ عبد الله البيضاني؛ للتعريفِ بمنجزهِ الأدبيّ، وتوقيع مجموعته القَصصِيَّة الموسومة بـ (عندما يهتز الجسر طربًا). وقد حضر الجلسة التي جرت مساء يوم الجمعة الموافق 21 / 1 / 2022م في مقر المؤسسة بمدرسةِ السنابل الأهلية في مدينةِ الكمالية ببغداد جمع مِن المُثقفين والمهتمين بالشأنِ الثقافيّ.
 وفي مستهلِ الأمسية التي افتتحت بها المؤسسة موسمها الثقافيّ للعامِ الجاري، رحب الأديب لطيف عبد سالم الذي أدار الجلسة بالأديب البيضاني والحضور الكريم، وقدم نبذة عن السيرةِ الأدبيَّة للأديبِ المحتفى به، ثمَّ أطل البيضاني على جمهورِ الحاضرين، متحدثًا عن القصةِ القصِيرة، والأسباب التي دفعته للتحولِ من كتابة القصة القصيرة جدًا - التي بدأ مشواره الأدبيّ بها - إلى القصةِ القصيرة، قبل أنْ يقدم تعريفًا لمجموعته، والإشارة إلى ظروفِ كتابة نصوصها.
 وبعد ذلك فُسح المجال أمام الحاضرين لإبداءِ الآراء وطرح الأسئلة والمداخلات بخصوصِ المجموعة القَصصِيَّة المذكورة، والتي شارك فيها الأستاذ الدكتور فلاح حسن، الدكتور حسين عبد جساس، المحامي عبد الحسين عايش، الأستاذ أحمد جليل، الأستاذ خليل الزركاني، الفنان عباس إبراهيم حسون، الأستاذ صبري الزركاني، الأستاذ حسين الزهيري، والأستاذ رافد محمد  حمزة. 
 وفي ختامِ الجلسة قدم الأديب لطيف عبد سالم رئيس المؤسسة شهادة تقديريَّة إلى الأديبِ الأستاذ عبد الله البيضاني الذي اشاد بدوره بحرصِ مؤسسة أضواء القلم الثقافية على تعزيزِ المشهد الثقافي عبر عملها الجاد، والجهود الكبيرة التي بذلتها منذ تشكيلها في عام 2003م.
 
 

5
قراءةٌ في رِّوَايَةِ (المَلْعُون المقدَّس) للرِوائِيِّ اللُبْنانيّ محمد إقبال حرب
لطيف عبد سالم
        قبل الولوج في عوالمِ وأحداث رِّوَايَة "المَلْعُون المقدَّس" قصد سَبْر أغوارها، لابد من الإشارة إلى أنَّ كاتبها الرِوائِيّ اللُبْنانيّ الأديب محمد إقبال حرب، يُعَدُّ من بين الأدباء العرب الذين أثروا المشهد الثقافيّ بالجريءِ من الموضوعاتِ التي من شأنها المُساهمة في تدعيمِ المفترض من الوشائجِ الحميمة ما بين الكاتب والمُتلقيّ، وذلك بفضل ما قدم مِن منجزٍ أدبيّ رصين يعبر عن انحيازِ صاحبه لمبادئٍ ساميَة تقوم على قناعةٍ راسخة بوجوبِ صلاح الذات الإنسانيَّة، وسموها إلى مراتبِ الفضيلة في ظلِ ما تعرضت له المنظومة القيميَّة العربيَّة في لجةِ مخرجات العَوْلَمة من هزاتٍ  معبأة بالصدع، وموشحة بالأوهام. ولعلَّ أولَ ما يستفز المُتلقي عند محاولته الاطلاع على هذه الروايةِ التي صدرت حديثًا بـ (176) صفحة من القطعِ المتوسط عن دارِ النهضة العربيَّة في بيروت، هو دلالة العُنوان بوصفه عتبة الرِّوَايَة، والذي أبدع الكاتب في صياغته بأسلوبٍ من شأنهِ إحداث اِستجابة لدى المُتلقي، تمهيدًا لجعله يشارك بحماسٍ في رحلةِ خطابه الذي ارتكز على إثارةِ المخفيِّ من القضايا بعيونِ كاتب راصد، بذل جهدًا مضنيًا  في محاولةِ إيجاد أجوبة لما يحمل في قلبهِ من تساؤلاتٍ كبيرة. وهو الأمر الذي حفّز خياله لابتكارِ مُسمىً مُستحدثًا يقوم على الربطِ ما بين عناصر متضادة، فكان أنْ خرجت تسمية لغويَّة مُهجِّنة تقوم على اعتمادِ علاقةٍ تشاركيَّة لمفردتينِ متناقضتين من ناحيةِ المعني، وهما: "المَلْعُون"، و "المقدَّس"، فجاء بثنائيةٍ تفتقر ظاهرًا إلى الانسجامِ، إذ لا يوجد أدنى سبيل للارتباط، أو التلاحم بينهما، فمن المعلومِ أنَّ لكلِّ منهما دلالته الواضحة، فلا عجب إن قُلنا إنَّ كاتبَ الرِّوَايَة ترك الرؤى مفتوحة لمخيلةِ المُتلقي لمليءِ ذهنه بما يظن قبل الدخول إلى المتنِ السردي في هذه الرِّوَايَة.
 وأنا أنهي قراءة الرِّوَايَة موضوع بحثنا، وجدت أنَّ الرِوائِي محمد إقبال حرب كان جريئًا في تناول ثيمات مواضيعها وصياغةِ أحداثها، بالإضافةِ إلى ما اِنطوت عليه الرِّوَايَة من مقاصدٍ اجتماعيَّة وإنسانيَّة وثقافيَّة ونفسيَّة، والتي تعكس في واقعِها الموضوعيّ تأملًا عميقًا لكاتبِها في الذاتِ الإنسانية، الأمر الذي حفزهُ على محاولةِ الغوص عميقًا في مشاهدِ الحياة اليوميَّة المؤثرة في شرايينِ المُجتمع؛ بغية طرق المتاح من الأبوابِ المُغلقة التي قدر لها أن لا تكون يومًا مفتوحة على مصراعيها بسببِ تمسك صانعي أحداثها بعدمِ إبراز مشاهدها الحقيقيَّة إلى العلن، والحرص على جعلِها مؤصدة على الدوام؛ بالنظرِ لارتباطِها على نحوِ وثيق بما هو مخفي من إيقاعِ حركة المُجتمع المعبِر في الكثير من تفاصيلهِ عن مثالبِ النَفْس التي يجهد أصحابها على طمسِ معالمها؛ لاعتباراتٍ تتعلق بما هو سائد من التقاليدِ والأعراف والقوانين، فجاءت أحداث الرِّوَايَة على نحوٍ مطرد متسق تعبيرًا عن إدراكِ الكاتب لبعضِ ما يدور في قاعِ المُجتمع الإنسانيّ من الدوافعِ والعواطف والنزوات التي ساهمت في نشوءِ العديد من السلوكياتِ السلبيَّة المزعزعة لاستقرارِ الحياة البشريَّة، والتي أفضت إلى تصدّعٍ كبير في جدرانِ المنظومةِ القيميَّة التي كفلتها جميع الأديان السماويَّة، ودعمتها - في تجلياتٍ ما بين الظَّاهِر والباطِن - جملة من القوانين الوضعيَّة، فكان أنْ عمدَ إلى اصطحابِ القارئ في رحلةٍ أدبيَّة شيقة لسبرِ أغوار تحديات الذات الإنسانيَّة المتمثلة بالغدرِ، الخيانة، هدر الكرامة الإنسانيَّة وغيرها من ألوانِ الظلم، حتّى أصبحت تلك الذوات حُبلى باِزدواجيةٍ في العدوانيَّةِ واِدعاء التسامح، فضلًا عما تعرضت لهُ عموم المنظومة القيميَّة من تقويضٍ في النمو بفعلِ ما أصابها من اضطرابٍ مشوب بمظاهرِ التخلخل والتشظي.
   ما شدني في هذه الرِّوَايَةِ أيضًا، هو حداثة بناءها السرديّ الذي تميز بتكثيفِ الحوار، والحرص على إحداثِ الدهشة في أسلوبِ صياغة الخطاب، إذ يمكن القول إنَّ حربَ كان حاذقًا ومقتدرًا فيما نهج من أسلوبٍ في مهمةِ صياغة أحداث الرِّوَايَة التي تطلبت منه جهدًا مضاعفًا لبثِ الروح فيما دار من الحواراتِ التي ارتكزت على العميقِ من المشاهدِ الاِجتماعيَّة؛ للتعريفِ بأصالة الكرامة في الشخصيَّةِ الإنسانيَّة، وبيان العواملِ الأخلاقيَّة والعاطفيَّة (الأصيلة، أو الدخيلة) التي ساهمت في تحديد الملامح العامة لمستوى  تلك الأصالة، والتي بدت في العديدِ من صورها الواقعيَّة سطحية وضعيفة خوفاً من العقابِ الاِجتماعيّ!.   
  ويبدو جليًا أنَّ الكاتبَ اِستمد أغلب المواقف والرؤى التي سجلها في فصولِ رِّوايته من واقعيَّةِ أحداث مُتراكِمة، ولاسيما القضايا المعاصِرَة ذات الأولويَّة التي كانت الرِّوَايَة بوصفها أداة تعبيريَّة منظورًا إليها، بعد أنْ أبدعَ في تطويعِ مضامينها وفقًا لفلسفته المعرفيَّة، ومرتكزًا في البناءِ السرديِّ على شموليةِ في الرؤيةِ الإنسانيَّة لجملةِ وقائعٍ وأحداث، ومعززًا إياه بمعرفةٍ واسعة في علمِ النفس الاِجتماعيّ، فضلًا عن قراءةٍ معمقة للأديانِ السماويَّة التي أظهر براعة في تناول ما احتاجَ من تعاليمِها في تعزيزِ وتدعيم حبكة الرِّوَايَة، حتى أنَّ البوذيَّة التي تُعدُّ بحسبِ أصحاب الشأن فلسفة أقرب منها إلى الأديانِ كان لها حضورًا فاعلًا في حيثياتِ البناء السرديّ.
  ثمة ملاحظة أخرى ذات صلة بما سبقها، هي أنَّ الكاتبَ محمد إقبال حرب - وابتداءً من السطورِ الأولى - لجأ في كتابةِ المَلْعُون المقدَّس إلى  سياقٍ فني مغمس بسعةِ المعرفة لتشكيلِ أحداث روايته وصورها التعبيريَّة الزاخرة بالمخايل، والذي منحه إمكانية تلمّسِ ما من شأنه المُساهمة في المُضي قُدُما بحراكٍ تطوّري صاعد في تأمين مخاضٍ حقيقي بوسعه أنْ يقودَ إلى فهمِ الذات الإنسانيَّة في شعورها، ونزواتها، وردود أفعالها التي تشتمل على تطلعاتها ورغباتها، وما تعيشها من صراعٍ أزلي، والذي اتاح له القدرة على الحراكِ بحريةٍ في وسطٍ شائك يقتضي الحذر في تجربتهِ هذه التي حاول من خلالها جاهدًا أنْ يرسىَ نمطًا من الكتابة السرديَّة التي تتعاضد في ثيماتها الموضوعات، وتتشابك وسط أحداثها مختلف الهواجس لأفرادٍ أغرقهم كاتب الرِّوَايَة في عوالمِ الفنتازيا.
   وبصورةٍ عامة، تعكس رواية المَلْعُون المقدَّس رؤية حرب كاتبها لحيثياتٍ الفساد التي استقصاها من قراءةٍ معمقة لواقعٍ مُعاش، فجاءت مضامينها عميقة المغزى؛ تعبيرًا عن قناعةِ كاتبها المعرفيَّة والفكريَّة بما يعيش العديد من أفراد المُجتمع الإنسانيّ من أزماتٍ أخلاقيَّة واِجتماعيَّة وثقافيَّة ونفسيَّة، والتي تسببت في زيادةِ مُشكلات المُجتمع وتنامي مصاعبه. ولعلَّ من بين أبرز تلك الأزمات هو نكوص القيادات الإداريَّة عن أدنى واجباتها، والتي مردها من خلال تتبع خطاب شخصيات الرِّوَايَة، واِستقراء أحداثها، إلى سلوكياتٍ سيئة استهدفت المنظومة القيميَّة، حتى أصبح الإنسان أسير مغالطة نفسه في عمليةِ الاختيار؛ نتيجة الخضوع إلى مشاعرهِ ونزواته، وتعليل ذلك في الشكوى الدائمة من أناسٍ منزوعي الضمير تسببوا في ما لحق به من ظلمٍ، وما ألصقَ بهِ من تُهمٍ باطلة، فلا عجب إنْ تأرجحَ مفهوم "المَلْعُون - المقدَّس" لدى البعض من البشرِ ما بين رفض كلّ ما يخالف رؤاهم وتطلعاتهم غير المشروعة، ونعته باسمِ "المَلْعُون"، فيما يشيرون إلى كلِّ ما تواءم مع نزواتِهم ورغباتهم، ولاسيما المكبوت منها باصطلاحِ "المقدَّس"!.   
  ومن هذه الكوةِ الضيقة، والصعبة الهضم عند البعض، انطلق الكاتب بلغةٍ سلسة الاستيعاب عبر مشاهدات مترابطة ومتناسقة - لا يمكن الاستغناء عن إحداها - في محاولةِ النبش وسط تلك العلاقات المضطربة المليئة بالقلقِ، والطافحة بمختلفِ معانيّ الخوف بفعلِ ما طغى عليها مما تباين من الانفعالات الإنسانيَّة، وما شابها من سلوكياتٍ متطرفة، تسببت بمجملِها في إنتاجِ مواقف من شأنِها تجريد الفرد من إنسانيته، وحرمانه من الحياة تعسفًا.
   تُعَدُّ رِّوَايَةِ المَلْعُون المقدَّس من الأعمالِ الأدبيَّة المهمة الراميَة إلى كشفِ المستور من الأفعالِ والمثالب والجرائم التي ترتكب - في كل زمان ومكان - ضد الإنسانيَّة في ظلِ متاجرة المستبدين بعناوينٍ وشعارات براقة تواءم عجز ما يعرف بـ (المُجتمع الدولي) عن كبحِ جماح الفساد المنظم بجميعِ أشكاله، وما أفرز من جرائمٍ يندى لها جبين الإنسانيَّة، بعد أنْ تفننَ المُفسد الذي ركن إلى السيرِ خلف عواطفٍ تُعْمِي صاحبها عن رؤية الأمور على حقيقتها في التجردِ من أسمى المشاعِر التي أودعها الباري عزّ وجلّ فيه، مرتكزًا على الاتقانِ في دفعِ غائلة التهم عن نفسه، وبراعته في تفنيدِ ما قام به من أعمالٍ مشينة!. 
  ختامًا أشد على يد الصديق العزيز الرِوائِي محمد إقبال حرب على ما قدم من عملٍ أدبيّ سلط فيه الضوء على إحدى الظواهر الاِجتماعيَّة الخطيرة التي أدت إلى تعميق أزمة المُجتمعات الإنسانيَّة، وبخاصة العربيَّة، فالرِّوَايَة هذه تُعَدُّ نافذة إنسانيَّة تستهدف إدخال النقاء في ثنايا مُجتمع مأزوم بتسلطِ ثقافة الفساد، داعية إلى التمسكِ بأهدابِ الاخلاق الكريمَة؛ لأجلِ إحداث تغير في السلوك، وما من شأنه المُساهمة في تعزيزِ الوعي بأهميةِ سلامة منظومة القيم.
***
_____________________
عنوان الرِّوَايَةِ: المَلْعُون المقدَّس. 
اسم الكاتب: محمد إقبال حرب. 
عدد صفحات الرِّوَايَة: (176) صفحة من القطع المتوسط.
الطبعة: الأولى 2021م.
الناشر: دار النهضة العربيَّة - بيروت.   


6
فلسفةُ الزعامةَ في أدبِ عماد المطاريحي
لطيف عبد سالم
 في تجربتِه الشِّعريَّة التي بدأها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، يُفْصِح الشَاعِر السومري عماد المطاريحي عن ذّاتٍ هائمة بما من شأنِه المُساهمة في ضمانِ احترام الكرامة الإنسانيَّة، وما يترتَّب على ذلك من اشتراطاتٍ تتسق مع الهويةِ الإنسانيَّة، وتنسجم مع ما يمليه الضمير من المقتضياتِ التي تتجسد أبرز آلياتها في جملةِ سلوكياتٍ من بينها: زراعة الأمل، غرسِ روح التسامح، تعزيز ثقافة التكافل، رفض إيذاء الآخرين وترسيخ تعامل الناس بعضهم بعضًا بروحِ الإخاء. ويمكن القول إنَّ المتلقيَ في تمعنَه بقصائِدِ المطاريحي، وتأمل مفرداتها الشِّعريَّة، يشعر بعناقيدِ الشِّعر تتدلى حاملةً حروفًا بهية تشرح النفس، وتسعدها بإنشادِ أجمل صور الإيثار والألفة والفطرة الإنسانيَّة:
***
جاري أبو ذر الغفاري
من اجوع...  يقسم وياي الرغيف
ومن يجوع بچفي أشربه دموع عيني
وثلمه من گلبي العفيف..
والغموس شويه ماي
من نهر مد روحه غِيره..
حتى يروينه محنه
***
 ذاتَ سماوةٍ، وفي إحدى الفضاءاتِ الثقافيَّة لسليلةِ أولى المدن الحضاريَّة في التاريخِ الإنساني (أوروك)، قدم عريف الحفل الشَاعِر عماد المطاريحي القادم من شقيقتها الديوانيَّة التي يفوح منها عبق أصالة التاريخ الممزوج برائحَةِ العَنْبَر بطريقةٍ جميلة تليق بخطابِه الإنساني، كان الخجلُ باديًا على وجه المطاريحي حين رافقه أحد المسؤولين عن تنظيمِ احتفالية تأبين صاحب (نخوة عشاير) الشاعِر الراحل محسن الخياط (طيَّبَ الله ثراهُ) بسببِ اشتداد تصفيق الجمهور الذي اكتظت به القاعة، حيث لا مكان لقدمٍ فيها، حتّى اضطر عشرات منهم الاستماع إليه وقوفًا؛ تعبيرًا عن الترحيب بمقدمه الذي بعثَ السرور في قلوبهم، وأدخلَ البَهْجَة على نفوسِهم.
 بعد أنْ ارتقى المطاريحي المنصَّة، أعلن أنه سيقرأ قصيدة إلى أحدِ قادة المُجتمع. ولا أراني مُبالِغًا إنْ قلتُ: إنَّهُ بحكمِ الثقافة السائدة في مُجتمعنا، فضلًا عما آلت سنوات المحن، فإنَّ جميع من كان حاضرًا حبس أنفاسهُ متأرجحًا في تفكيره ما بين قبول محتمل، أو رفض أكثر احتمالًا؛ لمعرفةِ هوية (القائد) الذي عناه الشَاعِر، فلا عجبَ إنْ ظنَ الجميع بأنَّ وجهةَ بوصلة الشَاعِر تتجه نحو رمزًا تبوأ منصبًا مرموقًا، أو موقعًا وظيفيًا مهمًا، أو مركزًا اجتماعيًا مؤثرًا وما شابه ذلك، إلا أنَّ المطاريحيَ لم يجعل أيًا منهم مُعَلَّقًا على حبلِ انتظارٍ منشغلًا في التفكيرِ بمقصده، بعد أنْ حسمَ الأمر بقوله: 
"سأقرأ قصيدة مهداة إلى أقدمِ عاملَ نظافة في بلديةِ الديوانيَّة العم السيد محمد السيد عنبر"!.
***
بيته طين ..
وكلبه فضه
وبدلته الزركَه سما الله
***
 تلكم هي الصفات الثلاث الأساسية التي أهتدى إليها المطاريحي في مهمةِ رسم صورة بطل قصيدته وثيمتها، ولا أظن أنَّ هناك أبلغ منها سموًا وجمالًا روحيًا، فحضارة بلاد الرافدين (الطينية) ما تزال شامخة في الأفق، تحكي للأجيال قصة أقدم الحضارات الإنسانيَّة التي عرفها البشر. وفي أمسنا القريب، كانت الطيبة، فضلًا عن غيرها من الصفَاتِ النَبيلة المتأصّلة في النفوس، حبيسة بيوت الطين على الرغم من صغرِ مساحاتها، وقسوة العيش فيها، لكن اللافت للنظرِ هو اقتران طين بيوت الفقراء بالفضةِ التي ألزم الباري عزّ وجلّ المسلمين وجوبِ الزكاة فيها. ويبدو جليًا من مضمون الصّورة الشِعريَّة هُنا تصوير المطاريحي بحسٍ مرهف لمسألةٍ وجدانيَّة تنحى صوب بياض القلب، وصفاء النفس، ونقاوة السريرة من وساوسِ الضغائن والأحقاد، فضلًا عن غيرها من موجباتِ زكاة النفس التي يندر أنْ نجدها في شخصيةِ القائد أو الزعيم بالمفهوم التقليدي المتعارف عليه، والتي تُعَدّ بوصفها من أبرزِ العوامل المعول عليها في مهمةِ صلاح الذات الإنسانيَّة. ولأنَّ السماءَ سقفٌ واسع وممتد بآفاقٍ لا تحدها حدود، فقد ركن المطاريحي إلى اقتناصِ لون بدلة الشرف التي إعتادَ العم السيد محمد على ارتدائها برمزيةٍ يقصد فيها ما يدور في ثنايا الحياة اليوميَّة بالمجتمعِ المحلي من إرهاصاتٍ ظاهرة للعيان، أو مخفية لا يعلم بها الكثير من الناس.
***
غبشه ينزل يبوس كل شباج
بات براسه موعد
يبوس كل موعد
لكَه الشباج نايم !!
ينعى كحله نرسمت على الدرب خيبه
يقره سالوفة كصيبه
يقره نص من الكمر شباج
والباقي كصيبه
***
 زعيمُ أدبَ المطاريحي، لم تخصص لهُ الدولة سيارة فارهة، أو مصفحة، ولا حماية، ولا نثرية، ولا يأبه بشعاراتٍ رنانة لإغراءِ الناس، فبطل قصِيدته لا يملك شيئًا وهو بحاجةٍ إلى أشياءٍ كثر، فيما الزعيم - بالمفهوم التقليدي -  كل شيء في متناول يده، لكنه لا يفكر إلا بما يُرسّخ نفوذه، ويدعم ما تتطلب مصالحه الشخصيَّة. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ الكبير السيد محمد لا يملك غير قطعة قماش عتيقة (صُّرَّةُ) حصل عليها من عرقِ جَبِيْنه، لكنها تبدو لعيالِ الله تعالى أكثرُ جاذبيَّةً من موكبِ الزعيم، فلا عجب إنْ تأبطَ القائد السيد محمد كُلَّ فجر أيقونة الكرامة المُشبَعة بملحِ أرض العراق الطيبة. وعلى الرغمِ مما تكتنز هذه الصُّرَّة من شحناتِ ألمٍ، وآهات معاناة، لكنها ما تزال بَيْضاء ناصِعة، وإنْ تقادمت عليها السّنين؛ لأنَّها مضمخة بالانتماءِ إلى وطنٍ حباه الله سبحانه وتعالى بما يعجز وصفه من النعمِ، وتحملها يد إنسان يملك  ضميرًا حي يخشى الباري عزّ وجلّ من فعلِ ما يغضبه، فكونه أميًا لا يُقلِّل إدراكه بالفطرةِ أنَّ الضميرَ صوت الرحمن في الإنسان.
***
بيده شايل (صره) بيضا
بيها حفنة زهدي حايل معفر بعطر
 التراب
بيها نص رغيف بايت نعجن بدموع
 وعذاب
بيها قراّن المدينة ونص اّلهي يبدأ اقرأ (للتراب)
بلحظه تتحول ولاية
أرشيف جيبه
المضيعله قصيده
المضيعله رساله
المضيع ماي وجهه
المضيعله حبيبه
المضيعله زعيم
المضيعله عريضه مهمش عليها حرامي (الله كريم)
الريح معتمدك بريد
*** 
 لعلَّ من المناسب الإشارة هُنا إلى أنَّ السيد محمد لم ينقطع عن عمله، حتّى مع انهيارِ مؤسسات الدولة في عام 2003م، حيث دأب على ممارسةِ عمله يوميًا من الصباحِ ولغاية الساعة الثالثة عصرًا من دون مراقب مثلما أسرني به بعض الزملاء في مدينةِ الديوانيَّة، فصاحب القلب الكبير - بخلاف الكثير من المسؤولين - يحرص على أنْ يكونَ رمزًا للتسامحِ والمحبة وإرضاء الضمير، فتراه لا يخاصم، ولا يقاطع، ولا يفشي سرًا، ولا يحاول أنْ يسرقَ من وقت العمل. وعلى الرغم من افتقاره إلى نعمةِ القراءة والكتابة بفعل ظروفه التي لم تمنحه فرصة التعلم، إلا أنَّه غدا مدرسة كبيرة في ترسيخِ القيم الإنسانيَّة النبيلة. وصدق المطاريحي حين نعته بـ (حرز الشوارع)، فهو تعويذة المدينة الفاضلة بامتياز.   
***   
انت اطول من اّذان .. وبالضهاري تصير معضد بيد طفله
الغبشه رسمتلك خريطه وطن باجر
النفط، والدولار، والكرسي وباء
الخيل والغارات والتاريخ والقالة جزيره
وانته والمكناسة والسكران والنخلة
 مدينه
يا صديق المطر يا حرز الشوارع
الغيم يعرب دمعتك .. فرحه متأخرة الفعل تقديره باجر
***
 السيد محمد، إنسان بسيط في حياته، كبير بسجاياه، متسامح يعشق الحياة، لا يعرف الغل والحسد، إنَّه باختصار يسمو بأخلاقه ليرتقي إلى رموزِ أدب اليوتوبيا في مُجتمع تسوده الكثير من ملامحِ أدب الدستوبيا!,
***
والله احبك
تمسح دموع النوافير ودمعتك تموت زعلانه عله خدك
تمسح جروح الشوارع بهيده وتغني عله كَدك
تخيط جروح الشوارع وانته كله جروح كلبك
تعرسّ النافور لو شمة ثيابك
تشهك الشجره اذا شمة ثيابك
الريح عيب يغثله شجره وانت واكَف
لو يفزز ورده حمره
ياما غنوك الزغار...
جدي ضمنه شهايدنه التجيك
جدي حتى احلامنه بودها تجيك
جدي خاف الشمس تنزل
نودي طيارتنه تفيي عليك
جدي هم عندك شهاده ؟
جدي لوانت شهاده ؟
جدي ابوك الشارع امك ؟
ليش تحسب جرحه جرحك
جدي هم عندك ذنوب ؟
جدي من تذرع الشارع روحه جيه جنك
 تفصله ثوب !!
جون وجه الشارع ودعوتك بيضا
شوك وجه الشارع وجفك حرير
شنو جدي انت امير
انت وحدك تدرك اسماء الاشاره
انته وحدك كاتم اسرار النثايه الجابن وحلفن عذاره !!
والله لو نفهم قضيتك جان ودعنه الهزائم
مد اديك بنفسي ابايع
اشهد انك نبي الشارع
اشهد انك تعرف اسرار الضفيرة
انزل وصلي امام بناس لسه ويه الصنم عدها اتصال
المكنسة اقرب للصليب
المكنسة اقرب للقنوت
لفكر ثائر
الوجه عامل
الشكل جايع
المكنسة ساعد عراقي بروح جامع
المكنسة اقرب للتراب وانت اقرب
 للوطن
المكنسة اول دين ناطق
وانت اّخر نبي صامت
***
 تحية لرمز النقاء، الكبير بسموه نحو الخير والفضيلة السيد محمد السيد عنبر، وكلنا نرفع له القبعات عاليًا؛ احترامًا وتقديرًا وفخرًا وعرفانًا، واعتزازًا، فهو مصدر فخر واعتزاز لكلَّ إنسانٍ شريف، وكلّ صاحب ضمير حي. وشكرًا من القلبِ شاعرنا القدير - شاعر الجمال - الأستاذ عماد المطاريحي على هذا الإنجاز الإبداعي الماتع الساعي إلى الدفاعِ عن كرامةِ الإنسان وترسيخ القيم العليا، والذي ترك مساحة مؤثرة في النفوسِ النقيَّة الباحثة عن مراتعِ الخير والصفاء والجمال الإنساني، وما من شأنه الغوص بآفاقٍ أرحب في عوالمِ الحب بمعناه السامي. ويقينًا كلنا نشارككَ محبة زعيمك السيد محمد، ونعدهُ رمزًا لإرادةٍ إنسانيَّة فاعلة، فتجربته تُعَدّ درسًا بليغًا في ميدانِ التربيَّة الجماليَّة. وختامًا: مرحى لك ما اخترت من قائدٍ يندر وجوده في هذا الزمنِ الرَدِيء.

7
ثَمَرَةٌ يَتِيمَةٌ.. قِطَافُ العَرَب مِن جائزةِ نوبل للآدَاب
لطيف عبد سالم
 بالمقارنةِ مع ما حصل عليه نظرائهم في معْتَرَكِ جائزة نوبل للآداب، أخفق الأدباء العرَب في تحقيقِ حضورًا مؤثرًا بأروقةِ هذا المسار الإبداعيّ، والذي من شأنه أنْ يضاهيَ، أو يقترب نسبيًا مما حققه الأدباء الذين يكتبون بلغاتٍ أخرى كالإنجليزيَّة، أو الفرنسيَّة، أو الإسبانيَّة، فضلًا عن مُساهمته في التعبيرِ عن مكانةِ الأدَب العَرَبيّ بين الآداب الأخرى، فالحصاد العَرَبيّ في واقعه الموضوعيّ، لم يكن وفيرًا كما ينبغي أنْ يكون معادلًا لما يليق بتاريخِ وعراقة الأدَب العَرَبيّ، إلى جانبِ ما بذله أدباء لغة الضاد من جهدٍ في تشكيل عالمهم الأدَبيّ، ووعيهم الثقافيّ. ولعلَّ من المناسبِ والمهم الإشارة هُنا إلى أنَّ أحوجَ ما يحتاجه الأديب العربيّ في واقعه الحالي، هو ضرورة تظافر الجهود التي بمقدورها المُعاونَة في مهمةِ العبور بالثقافةِ العربيَّة إلى الآخر وحضارته من أجلِ نسج خيوط التواصل مع الثقافةِ العالميَّة، والتي من شأنها أنْ تحققَ للأدبِ العربيّ حضورًا لافتًا في المشهدِ الثقافيّ العالمي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، دخلت دولة سانت لوسيا - التي تبلغ مساحتها (620 كم2)، وعدد نفوسها نحو (174) ألف نسمة - سِجلّ معترك الجوائز العالميَّة بفضلِ فوز مواطنها الشاعر والمسرحي الراحل دريك والكوت بجائزةِ نوبل للآداب عام 1992م، فيما اِقتصرَ قِطَاف الأدبَاء العرب على ثمرةٍ يتيمة، تجسدت بفوزِ الروائيّ والكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ (1911 - 2006م) بجائزةِ (نوبل) للآداب عام 1988م، والتي تُعَدُّ بوصفها الميداليَّة الوحيدة التي قطفها الأدباء العرب من الجائزةِ المذكورة منذ انطلاقها في الأكاديميَّةِ السويديَّة عام 1901م، وحتّى اعلان نسختها التي تزامنت مع زمنِ إعدادِ هذا الموضوع في أواخرِ أشهر عام جائحة كورونا. 
 على الرغم من أسرارِ وكواليس جائزة نوبل، وما لاحقها من شبهاتِ فساد،  فضلًا عن الجدل الذي يثور ويتجدد حولها منذ سنوات، والتي لسنا بصدد كشفها، أو الحديث عنها في بحثنا الحالي، فإنَّه ليس خافيًا أَنَّ ثمةَ خصوصيَّة في النظرِ إلى جائزةِ نوبل التي أنشأها الصِّناعيّ وعالم الكيمياء ألفريد نوبل (1832 - 1896م) لصالحِ المؤلّفات الأدبيَّة والعلميَّة في العالم؛ بالنظرِ لطبيعةِ إجراءاتها التنفيذيَّة - الإداريَّة والفنيَّة - التي وضعتها في صدارةِ الجَوَائِز العالميَّة، وأكثرها شهرة، بالإضافةِ إلى أنها تُعَدّ الأكبر قيمة من النواحيِّ الماديَّة، والأدبيَّة، والمعنويَّة، فلا عَجَبَ أن تكون - بفرعها الأدبيّ - الحدث الأدَبيّ الأبرز عالميًا، الأمر الذي جعل لها رمزيَّة كبيرة في الأوساطِ الأدبيَّة والثقافيَّة والإنسانيَّة بفضلِ ما يميزها عن غيرها مِن جوائزٍ أخرى، حتى صارت منصتها حلمًا يراود كبار أُدَبَاء العالم، ومدعاة لبذلِ قُصارَى الجُهْد، والعمل الدؤوب والمستمر؛ لتقديمِ روائع أدبيَّة قادرة على إلهامِ المتلقي، والتي من شأنها أيضًا المُساهمة في دفعِ أُدَبَاء آخرين، وتشجيعهم لإنجازِ أعمالٍ طَمُوحة.
 وُلِدَ محفوظ - الذي ساهم فوزه بجائزة نوبل لفت الأنظار للرواياتِ العربيَّة -  في بيتٍ متواضع بأحدِ أزقة واحدة من حواريِّ حيّ الجماليَّة في القاهرة، وتَنَقَّلَ في فترات نشأته للسكن بأحياءِ مِصْر القديمة كالحسين والغوريَّة والعباسيَّة، فكان أنْ أثرتْ طبيعة الحياة في الحاراتِ القديمة التي ترعرع فيها على كتاباته الأدبيَّة، وغدت من أهمِ مصادر إلهامه، إن لم تكن من أبرزِ المصادر التي أقبل عليها في أدبه، الأمر الذي جعل شريحة واسعة من الباحثين والدارسين والنقاد تصنف رواياته ضمن الأدب الواقعي، المستوحى من المناطقِ التي نشأ وعاش فيها، إذ من الواضحِ أنَّ أغلبَ رواياته - التي شهدت رواجًا واسعًا بفضلِ تحويلها إلى أفلامٍ سينمائية وتلفزيونية - تدور أحداثها في فضاءاتِ مِصْر القديمة، وتحديدًا مدينة القاهرة التي عاش فيها نحو (95) عامًا قبل أنْ قبل أنْ يودع الدنيا في عام 2006م، فضلًا عن السمةِ المتكررة فيها، والمتمثلة بـ (الحارة). وتدعيمًا لما ذكر، فإنَّ إلهامَ محفوظ بحسبه يأتي من جلوسه على النيل ليكتب، ومن ثم يأتي من الواقع والحارات التي تربى فيها، إذ التقى في اندماجه بالمُجتمع المحلي الكثير من الشخصياتِ الشعبيَّة التي ضمنها فيما بعد العديد من رواياته مثل شخصية الفتوة المستمدة من معايشته إياها في (قهوة عرابي) بالعباسيَّة التي كان يرتادها في فترةٍ من حياته. وفي السياق ذاته تقول الكاتبة والأديبة الروائيَّة نجلاء محفوظ: " لعل أهم ما يُـميز المنهج الروائي للأديب العالمي نجيب محفوظ، اقترابه الشديد من الواقع ورصده لكل دخائل النفس البشرية بمهارة شديدة، وفي نفس الوقت، ببساطة يفهمها الجميع، كما أنه كان يرى الناس كما هم في الواقع، وليس كما يُـريد أن يراهم". وفي ذات المنحى، يذهب الدكتور بليغ حمدي إسماعيل إلى ما هو أبعد من ذلك من خلالِ القول: "شخصيات محفوظ في الرواية ليست مجرد أبطال تحكي قصصا من أجل المتعة والإمتاع فحسب، بل هي رموز لواقع مضى، ومستقبل آتٍ". 
 جدير بالإشارةِ أنَّ محفوظَ دأب على الكتابةِ منذ منتصف ثلاثينات القرن الماضي، واستمر في إثراءِ الأدَب العربيّ بالعديدِ من نتاجاته الهامة في مجال الرواية والقصة والمقال، حتّى عام 2004م بسببِ اعتلال صحته. وهو الأمر الذي أهله الانطلاق من المحليَّةِ إلى العالميَّةِ، بعد أنْ ساهمت رواياته في تعريفِ العالم بصورٍ واقعية عن الحياةِ الاجتماعيَّة والسياسيَّة في مِصْر عبر حرصه على توظيفِ سير الكثير من الشخصياتِ التي عايشها - والتي من بينها بعض الشخصيات المهمشة في الحي الذي رأى النور فيه -  بسردٍ ارتكز على تدوينِ يومياتها التي تتضمن توثيقًا معاصرًا لبعضِ الأحداث التاريخيَّة التي مرت بها مِصْر، فكان أنْ انتزعَ الراحل نجيب محفوظ - الذي عُرفَ في تمسكه باعتمادِ أسماء الشخصيات المألوفة في المُجتمعِ المحليّ؛ بغية المُساهمة في وصفِ البيئة الشعبيَّة - وهو بعمرِ (76) عامًا لقب العالميَّة بشهادةٍ تاريخيَّة مرموقة ومعتمدة، والتي تمثل حتّى اللحظة كُلَّ مَا فِي جعبة خزانة الأدَب العَرَبيِّ من بريقِ أرفع الجوائز الأدبية العالميَّة، وأهمها، وأقدمها!.
 كان من الْمَأْمُولِ أَنْ يشكلَ نيل محفوظ جائزة نوبل للآدابِ إلهامًا، وحافزًا للأدباء العرب، إلا أنَّ مرورَ أكثر من ثلاثة عقود على ذلك الحدث المهم من دوُن أنْ يحظى أحدهم بفرصةِ ارتقاء منصة أهم احتفاليَّة أدبيَّة، أجهض ما كانت تتمناه الأوساط الأدبيَّة والثقافيَّة في البلدانِ العربيَّة، ولكن يظل الأدب العربيّ جديرًا بالقراءةِ، وكلنا ثقة بما يتمتع به الأديبِ العربيّ من إمكانياتٍ مدهشة تجعله قادرًا على الارتقاءِ بأساليبِ الكتابة الأدبيَّة التي تجعله جديرًا بثقة القارئ، وتمهد له الطريق إلى المنافسةِ عالميًا، على الرغم مما يعتري هذه المهمةِ من صعوباتٍ، ولاسيما ما يتعلق منها بالترجمةِ، والاستراتيجيات التي تعتمدها دور النشر العربيَّة في العمليَّةِ التسويقيَّة. 

 



8

من الصورِ الدلاليَّة للمعاناة الإنسانيَّة في الأدبِ العالمي.. قراءة  في كتاب هموم كافكا.. مقالات مُتَرْجَمة للكاتب والمُتَرْجِم أحمد فاضل

لطيف عبد سالم
يرى المتخصصون أنَّ التَرْجَمةَ فنّ تواصل معرفيّ مع إبداعِ الآخرين في فنون الشعر والسرد، فضلًا عن كونِها كتابة أدبيَّة ساندة، إلا أنَّها أي التَرْجَمة ذات قواعد مختلفة إجرائيًّا؛ بالنظرِ لأهمية ما يتعلق بهذه المهمةِ من واجبات، والمتمثلة في مسؤوليةِ المُتَرْجِم باعتمادِ الأمانة في عمليةِ نقل المعارف ما بين لغتَين.
وجدتُ من المهمِ تسجيل التوطئة المذكورة بوصفِها مدخلًا مناسبًا للدخولِ إلى فضاءاتِ كتاب المُتَرْجِم والناقد العراقي الأديب أحمد فاضل الموسوم (هموم كافكا).. مقالات مُتَرْجَمة، الصادر عن دارِ أمل في سوريا عام 2017م؛ تعبيرًا عن إعجابي بفكرةِ إعداد الكتاب الذي يُعَدّ بمعاييرِ التأليف من بين النتاجات المميّزة التي تسعى إلى الارتقاءِ بذوقِ المتلقي من خلال تعريفه بآراءٍ ومواقف بالغةَ الأهمية، جهد في كتابتها العديد من الكتاب البارزين في مجال تقويم وتحليل بعض معطيات الأدب العالميّ. ويضاف إلى ذلك اهتمام فاضل بسلامةِ اللغة، إلى جانب بناء الجمل الممتعة التي عكست سلاسة الأسلوب الذي اعتمده في ترجمةِ محتويات كتابه، مستفيدًا من تجربته الواسعة في عالم الثقافة والأدب، وخبرته المتراكمة في ميدانِ التَرْجَمةَ والكتابة والقص والنقد.
لعلَّ أهمّ ما يميز الكتاب موضوع بحثنا، ولا سيمَّا اختياره لموضوعه، هو أنَّه احتوى تدفقًا معرفيًا غنيًا، حيث ضم ما بين طياته تَرْجَمة لباقةِ متنوعة من المقالاتِ الأدبيَّة والثقافيَّة الرصينة التي تمَّ نشرها في صحفٍ ودوريات عالميَّة مشهورة. ويمكن القول إنَّ فاضلَ لم يكتفِ بتَرْجَمةِ العديد مِمَّا تيسر له من المواضيعِ التي أثرت المكتبة الأدبيَّة بنتاجاتٍ حملت في طياتِها ما تباين من أفكارٍ وتأمّلات لمجموعةٍ من الكتاب البارزين في المشهدِ الثقافي العالميّ إلى اللغةِ العربيَّة، بل عمد إلى انتخابِ مجموعةٍ من تراجمه التي بلغت نحو (82) عنوانًا، وجَمَعَها في قناةٍ واحدة، مُقدّمًا للمتلقي أفكارًا لكتابِ تلك المقالات المختارة، وما اكتنفته من معانٍ ورسائل حيال جملة من المؤثراتِ المحيطة بالشخصيَّة الإنسانيَّة، وربطها بمعاناة الشخصيَّة المنتخبة (كافكا)، ووظفَّهَا إبداعيًا، تمهيدًا لإعادةِ إنتاجها مُجتمعة بتوليفةٍ جديدة حملت اسم (هموم كافكا).
يبدو أنَّ سعيَ فاضل وراء البحث المضنى عن مقالاتٍ من الأدب العالميّ، والانكباب على ترجمتها قبل أنْ ينسجَها في نهايةِ المطاف على أشرعةِ الورق، لتخرج بكتابٍ ظهر في المكتباتِ بجماليةٍ وكينونة متميزة، كان الهدف منه محاولة استحضارِ مشتركات الهم الإنسانيّ في ذهنِ القارئ. إذ أنَّه وجد من خلالِ قراءةٍ متأنية واعية أنَّ هناك ترابطًا وثيقًا فيمَّا ضمنه بين صفحات كتابه هذا من مواضيعٍ متباينة الغايات، فثمة إشارات عبرت عن مشاهدٍ عامة للحياة، اتكأت عليها غايات كتابة ما اختار ترجمته من المقالاتِ التي شكلت قاسمها المشترك، والمتمثل بالدلالاتِ التي ترتقي بالحِسِّ الإنسانيّ؛ لإدراك معايير الجمال بدلالاتِ سموّ الفطرة والرّوح الإنسانيَّة. وهو الأمر الذي ساهم في إضفاءِ عنصر التّشويق الذي يتفاعل معه المتلقي بلا ريب، ما يعني حثّ القارئ على تتبّع ما زخر به الكتاب المذكور من رؤى وأفكار ومعلومات مثيرة لاهتمامه.
يُعَدُّ الروائي التشيكي فرانز كافكا (18883 - 1923م) من بين أهمِ الأدباء الذين عُرفوا بمهاراتِهم وقدراتهم الكتابيَّة بأمورِ الأدب في القرنِ العشرين. واللافت للنظرِ أنَّ كافكا، خاض الكثير من المواجهاتِ في حياتِه منذ بداية نشأته في كنفِ أسرةٍ يهوديَّة من الطبقةِ المتوسطة. ولعلَّ أبرز ما ميّزهُ كإنسانٍ في حياته هو معاناته المتأتية مِمَّا جبل عليه من علاقةٍ متوترة مع كل من والديه، والتي كان اضطرابها سببًا في تعاطيه الكحول بشراهةٍ، وصولًا إلى حالة الإِدْمان حتى المرض، إذ كان والده يتميز بشخصيّةٍ قوية، جعلت الحِدَّة غالبة على تعاملِه مع أفرادِ أسرته، فيمَّا عُرفَ عن والدته ربة المنزل انشغالها الدائم بأمورِ بيتها الذي ألزمها تكريس جل وقتها لما يقتضي منزلها من متطلبات، فضلًا عن افتقارها إلى ما يؤهلها لفهمِ وإدراك ما يحلم به طفلها (كافكا)، على الرغم من نشأتها في أسرةٍ عريقة ووجيهة للغاية وذات مستوى ثقافيّ رفيع.
 مَا أظنني مبالغًا إنْ قلتُ: إنَّ المعاناةَ العميقة التي خيمت على حياة كافكا الذي ينظر إليه الكثير من الباحثين بوصفِه أحد أعظم الكتاب المعاصرين كانت الفِكرةُ الرئيسةُ التي تمحور حولها كتابُ أحمد فاضل موضوع بحثنا الحالي. وما يؤكد هذه الأهميَّة هو أنَّ المعاناةَ التي بدأت مع طُفولةِ كافكا، واستمرت معه في مختلفِ مراحل حياته، انبثقت منها نتاجات أدبيَّة تجسدت بقصصٍ ورِوايات تكشف لِمن يطلعَ عليها، ويتمعن في صياغتها براعة كافكا في تصويرِ قلق الحياة العصريَّة وعقمها وتعقيداتها، على الرغم من اختلافِ تأويلات وتفسيرات النقاد والباحثين حيالها، حيث ظهرت بعض  القراءات النقديَّة التي لا تقر بِمَّا عاشه كافكا من معاناةٍ وخيبات؛ لأنَّ تلك الطروحات محكومة بأفكارِ ورؤى النقاد ذاتهم، إذ أنَّ الأمرَ الذي لا غبار عليه هو أنَّ العامل الرئيس الذي حفز كافكا، ودفعه إلى كتابةِ الرِّوَايَة - بحسبِ الباحثين، ومَّا عثر عليه من رسائلٍ شخصيَّة - كان عيشه أسير أزمة حقيقيَّة، متجسدة بمعاناتِه من صراعٍ داخلي متواصل ومزمن، فضلًا عن أنَّه لم يكن متصالحًا مع نفسه.
من المعلومِ أنَّ حياة كافكا الشخصيَّة تشبعت منذ الطُفولة بأجواءِ القلق والمعاناة الملازمة لهيمنةِ السلطة الأبويَّة عليه، والتي عاش في ظلها، وعانى من تداعياتها. ولست هُنا بصدد الحديث عن حياةِ كافكا، لكن ثيمة هذا الكتاب، تلزمني إضاءة بعض جوانبها - ولو بشكلٍ مكثف جدًا من أجلِ إنارة المتلقي بما أوحى إلى مؤلفه أحمد فاضل انتخاب مضامينه، إذ يكاد يجمع النقاد والباحثين على تأثيرِ والده العميق على حياته وكتاباته؛ بالنظرِ لتقلب مزاجه، وعدم اهتمامه بإبداعِ كافكا الذي كان طفلًا ذكيًا، ومجتهدًا في المدرسة، إلى جانب نبوغه في مدرسةٍ ثانويَّة للنخبةِ الأكاديميَّة والطلاب المتفوقين، والتي عُرفتْ بصرامةِ نظامها، إلا أنَّ ذلك لَمْ يلقَ أيّ اهتمام عند أبٍ جائر. ولعلَّ المذهل في الأمر أنَّ حصوله على احترام معلميه، لَمْ يثنه عن الغضبِ منهم؛ نتيجة سيطرة المدرسة والمعلمين على حياته!.
جدير بالإشارةِ أنَّ حياةَ كافكا تؤكد تعرَّضه لصراعاتٍ شخصيَّة كثيرة في علاقاته العاطفيَّة والإجتماعيَّة، والتي مردها إلى عيشه الكثير من حياته بالقرب من والديه، إذ استمد الكثير من طبيعةِ الحياة في منزلِ أسرته، ولا سيمَّا والده الذي ذكره أحد الكتاب بوصفه: "ضخم وأناني ورجل أعمال متغطرس"، في حين أنَّ (كافكا) كانت لَه رؤية أخرى بشأن سجايا والده، إذ وصفه بإنَّه: "كافكا حقيقي في القوة والصحة والشهية وجهارة الصوت والفصاحة ورضا النفس". وهو ما يعزز الادراك بطبيعةِ البيئة المنزليَّة التي كان لها أثرًا كبيرًا في تحديدِ هويته الشخصيَّة، الأمر الذي فرض عليه التأثر بشخصيَّة والده، والتي عبر عنها كافكا بالقول: "أنه تأثر تأثيراً عميقاً بشخصية والده الإستبدادية المتطلبة"، فلا عجب من ظهور الشخصيات في أغلب نتاجاته الأدبيَّة بوصفِها محاربة ضد قوةٍ طاغية من نوعٍ ما. وفي السياق ذاته، يشير العديد من الباحثين إلى أنَّ: " أبطال كتاباته كانوا يحاولون تحطيم إرادة الرجال وتدمير شعورهم بقيمةِ الذات العليا والغرور والتفاخر المبالغ فيه"!.
المحزن في أمرِ كافكا هو أنَّه عاشَ الوحدة بعد أنْ فُجعت عائلته  بوفاةِ شقيقين له وهو في عمرٍ لَمْ يتجاوز الست سنوات، بالإضافة إلى كثرةِ غياب والده عن المنزل؛ نتيجة انشغاله بالأعمالِ التجاريَّة. ويروى أنَّ والدته كانت تقضي نحو (12) ساعة عمل يوميًا. ويضاف إلى ذلك العلاقة المتوترة والسيئة التي كانت تربطه بوالده، فضلًا عن نهايته المفجعة بمرضِ السل عن عمرٍ يناهز (40) عامًا بعد فترة وجيزة من انتقاله إلى برلين من أجلِ التركيز على الكتابة. ومن المآسي الإنسانيَّة الأخرى المرتبطة بتاريخِ كافكا  - الذي لَمْ يتزوّج أبدًا على الرغم من أنَّه خَطب نساء عدة - هو بعض الأحداث والمواقف المؤلمة التي جرت وقائعها بعد رحيله المبكر في عام 1924م ، والتي في المقدمة منها ضياع شقيقاته الثلاث لاحقًا في معسكراتِ الإبادة التي شيدتها ألمانيا النازية إبان الحرب العالميَّة الثانية خلال الفترة ما بين عامي (1939 - 1945م). وما هو مثار للاستغرابِ والعجب هو أنَّ  تاريخه لَمْ يسلم هو الآخر من العبثِ حتى بعد أنْ رحل إلى العالم الآخر، إذ تعرضت كتاباته - التي تبنى نشر معظمها صديقه ماكس برود بعد مماته - إلى الحرق على يد هتلر، ثمَّ مَا لبثَّ أنْ جرى منع أعماله ومصادرتها من حكومات دولِ المنظومة الاشتراكيَّة في القرنِ الماضي، قبل أن تنتهي بالدعمِ والترحيبّ!.
الجهدُ الحثيث الذي بذلهُ أحمد فاضل في كتابه هموم كافكا - ترجمة وإعدادًا - يُعَدّ خطوةً في مسارِ الاستجابة لما تقتضي مهمة تدعيم القيم الإنسانيَّة الموجودة فيمَّا تباين من المُجتمعات بحكمِ ما يمتلكه من الخزين الثقافيّ الذي قاده إلى الإدراك بأنَّ حجمَ المعاناة الإنسانيَّة في بعض تلك المُجتمعات فاق استيعاب العقل، الأمر الذي يملي على الأدباء والكتاب والفنانين ضرورة استجلاء مفاهيم الحُبّ والجمال في الفكرِ الإنسانيّ بشكلٍ أكثر سطوعًا عبر الخوض في مواجهةِ واقع التجربة الإنسانيَّة مع المعاناة. ولمَّا كانت تجربة كافكا في هذا المجالِ عميقةً في النفس، فقد أوحت له فكرة صياغة مسودات كتابه، وإنجازه مستخلصًا من مجموعةِ المقالات التي انكب على ترجمتها ما يمكن أنْ يشكلَ عبرة للإنسانيَّة في ماضيها  وحاضرها، واستشرافًا لمستقبلها، إذ عمدَ إلى فرزِ كل ما له صلة بالمعاناةِ الإنسانيَّة في المقالاتِ المذكورة، وأسقطها على معطيات تجربة كافكا الغنية بالهموم، فكان أنْ ولد كتاب (هموم كافكا). ولعلَّ ما يؤكد ما ذهبنا إليه هُنَا، هو ما نسج فاضل في مفتتح لكتابه، وعلى وجهه الخلفي أيضًا من عبارةٍ بليغة، والتي نصها: "عندما نتطلع إلى هموم كافكا نجدها فينا، تتجلى في قصائدنا، ورواياتنا، قصصنا القصيرة وحتى رسوم لوحاتنا. هو ليس لعنة بقدر ما هو امتداد لآلام عمرها آلاف السنوات عكستها أحرف مضمخة بالألم تارة وتارة أخرى بالأمل". 
يمكن الجزم بأنَّ افتتاحَ فاضل فصول كتابه هذا بمقالِ الكاتبة (نينا مارتيرز) الموسوم (هموم كافكا.. الأب، الكتابة، الإدمان، المرض)، والمنشور في موقعِ الراديو الوطني العام الأميركي (npr)، يُعَدُّ اختيارًا صائبًا؛ بالنظرِ لما ضمنت الكاتبة مقالها من معلوماتٍ عن حياة كافكا الشخصيَّة. وقد وجدت من المناسب اقتطاع جزء منه لتعريف المتلقي بما كان يعانيه كافكا قبيل مماته: "توفي نتيجة لمرض السل الذي أصابه بشكل درامي لا يصدق حتى أنه لم يتمكن في أيامه الأخيرة من بلع الطعام والشراب الذي استمتع به طويلا وحتى الماء لم يتمكن من شربه، أصبح هيكلا عظميا لا يستطيع الكلام إلا همسا".. ص10.
إنَّ مَن يتجول بين صفحات كتاب هموم كافكا، تتسنى له فرصة ثمينة للتعرفِ على بعض آفاق المعرفة المتعلقة بمسارِ الثقافة في العالم بفضلِ تعدد موضوعاته، وما احتواه من أسماءٍ لامعة كثيرة، تركت بصمة مضيئة في ساحةِ الأدب. ففي روايته المصورة الموسومة (الحمار الأبيض)، يؤكد (ماكسيميليان أوريارتي) الذي عمل عسكريًا في سلاحِ مشاة البحرية أثناء الاحتلال الأميركي للعراق، جانبًا من المعاناة الإنسانيَّة على لسانِ أحد أفراد مشاة البحرية الأميركية من خلالِ بحثه عن معنى وجوده في هذه الحرب وفي هذا البلد ليلتقي بضابط شرطة عراقي يتقن الإنجليزيَّة يحكي له شعوره بالاشمئزاز من الشبان الأميركيين الذين يأتون حاملين معهم غطرسة الاحتلال ليعودوا بعدها إلى بلادهم تاركين ورائهم بلدا ممزقا، وكل من قرأ الرواية خاصة من العسكريين انتابهم الشعور بالاغتراب لان الملل من الحرب سيصيبهم وسيبقون ينظرون إلى السلام بين شعوب الأرض بعدما رأوا بأم أعينهم صور المدنيين الذين شوهتهم الحرب وحتى أعز أصدقائهم وقد تناثرت أشلائهم على قارعة الطرق نتيجة القتال.. ص28 - 29.
في صحيفة ديلي اكسبريس اللندنية، كتبت (شارلوت هيثكوت) موضوعًا بعنوان (كتاب الكاتبة الإنجليزية لارافيجيل.. طعم النصر المر في أنقاض الرايخ – محاولة لاعادة بناء أمة ممزقة)، ختمته بالقول: "لارا فيجيل في نهاية كتابها تقف على أعتاب بعض من أهم الأسئلة التي يمكن طرحها اليوم وهو شعور الألمان آنذاك بانهم كانوا على خطأ كبير حينما مشوا وراء النازية وأن الحلفاء حينما مدوا يد المساعدة إليهم كانوا يعلمون بالذنب الكبير الذي كانوا يحملونه فأرادوا نحو حياة جديدة الأخذ بيدهم وإعادة بناء أمة ممزقة ومحاولة لإقامة علاقات دولية ودية بين الجميع، الآن تشعر ألمانيا بأنها استعادت مجدها الفني والأدبي وهي فخورة بذلك ولا تنسى كيف ساعدت الدول التي حاربتها من قبل في كتابة فصل جديد من تاريخها الوطني الحديث".. ص 37.     
في مقالهِا الموسوم (مجلة الشعر الأمريكية تحتفي بمنظمة شق هذه الصخرة)، والمنشور في مجلة شعر الأمريكية، تشير الكاتبة سارة براوننج إلى أنَّ بعض القصائد "تفوح منها رائحة المآسي التاريخية التي يتردد صداها مع كل خسائرنا يوما بعد يوم، فكل قصيدة هنا إذن هي نضال من أجل الخلاص وهي صوت الحب ضد عواء الخوف والكراهية وهي تحدي من أجل هناء الحياة وراحتها".. ص62. 
من المقال الموسوم (الكاتبة الأمريكية هيلين موراليس تناولها المأساة اليونانية وأثرها على الحروب المعاصرة شيء يدعوا إلى الدهشة) الذي حرره الكاتب (ستيغ أبيل)، ونشره في الملحق الأدبي الأسبوعي لصحيفة التايمز اللندنية، نستدل على عمق المعاناة الإنسانية وتجذرها، إذ خلص الكاتب في نهاية مقاله إلى: "هذا الصوت ليس بالضبط نفس الصوت المكتوب منذ آلاف السنين وجرى تشبيهه في الأصل اليوناني، فالسفن الخشبية الكبيرة التي كانت تنقل الجنود في البحر العاصف جاءت شبيهتها الآن سفن مشاة البحرية الأمريكية، لكن الدمار الذي تخلفه الحروب هو نفسه وإن اختلفت تقنياته فهو شامل وأبدي".. ص 152.
من المؤكد أنَّ هناك صعوبة في الإشارةِ إلى جميعِ المواضيع التي ترقد بين صفحات كتاب هموم كافكا في قراءةٍ مكثفة، إلا أنَّ ما ينبغى التشديد عليه هو أنَّ تلك المقالات على اختلافِ ألوانها وأهدافها ومراميها بسبب تباين رؤى كتابها، ترتكز جميعها على  قاسمٍ مشترك، يتمثل هُنَا بالهمومِ والمعاناة الإنسانيَّة التي تّعَدّ في واقعها الموضوعي انعكاسًا للصراع الأزلي بين الخير والشر، إذ أنَّ جميعَ المقالات التي انتخبها فاضل، وعمد إلى ترجمتِها، تنهل حبكتها من مصدرٍ واحد هو معاناة كافكا التي تشكل أحد جوانب الحياة البشريَّة التي بدأت أسيرة التعقيدات والبغضاء والعنف المفرط المرتكز على المصالح الدوليَّة.
من الضروري تعريف القارئ الكريم بسيرة المؤلف الذاتية، والتي يمكن إجمالها بشكلٍ مكثف فِيمَّا يلي من السطور:
الأديب أحمد فاضل كاتب، قاص ومُتَرْجِم، ولد في محلة باب الشيخ البغدادية العريقة عام 1949م، حاصل على دبلوم عالي لغة إنجليزية من الجامعة الأميركية في بيروت، عضو الاتحاد العام للأدباء والكُتاب في العراق، عضو اتحاد كُتاب الانترنت الدولي، أصدر ستة  كتب موزعة بين الترجمة والنقد، كتب ونشر في معظم الصحف المحلية وبعض الصحف العربية، وبخاصة جريدة (أخبار الأدب) المصرية، فضلًا عن النشر في عدة مواقع الأدبية الإلكترونية، حصل على العديد من الجوائز من منابر ثقافية عديدة في الخارج وفي الداخل، من بينها مؤسسة المثقف العربي في استراليا، منظمة الكلمة الرائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤسسة النور في السويد وغيرها.
أباركُ للكاتب والمُتَرْجِم الأديب أحمد فاضل هذا السفرِ المعرفي الجميل الذي يخفي في طياته جهدًا نبيلاً مع تمنياتي بدوامِ العطاء الإنساني.
***
 عنوان الكتاب: هموم كافكا - مقالات مُتَرْجَمة.
- تأليف الكاتب والمُتَرْجِم العراقي أحمد فاضل. 
عدد صفحات الكتاب: (172) صفحة.
الطبعة: الأولى 2017م.
الناشر: دار أمل الجديدة، سوريا.
***

9
   
قراءةُ في رِّوَايَةِ (شبكة شارلوت) للكاتب الأميركي أي. بي. وايت... تَرجَمة المُتَرْجِم عبد الصاحب محمد البطيحي
لطيف عبد سالم
 تُعَدُّ التَرْجَمةَ من بين الفنون الأدبيَّة المهمة التي ساهمت في ترسيخِ سُبل التواصل الحضاريّ ما بين الأمم والشُعوب. وفي الإطارِ ذاته، يؤكد العديد من الباحثين أنَّ التَرجَمةَ الخاصة بالرِّوَايَةِ والشِّعر تتجاوز في أهميتها عامل المهارة الذي توصف بها عادة الأعمال غير الأدبيَّة، إذ يشكل هذا النشاط في نظرهم عملاً يناظر في فعاليته وإيجابيه تأثيره الأعمال الفنيَّة.
 أسوقُ هذه المُقدّمةِ القصيرة جدًّا، وأنا أنهي قراءتي للنسخةِ المُتَرْجَمة من رِّوَايَةِ الكاتب الأميركي (أي. بي. وايت) الموسومة (شبكة شارلوت)؛ لأجل التعبير عن دهشتي برصانةِ أسلوب التَرْجَمة الذي اختطه المُتَرْجِم والقاص الأديب العراقي عبد الصاحب محمد البطيحي في ترجمته الرِّوَايَة المذكورة، والصادرة حديثًا في بغداد بواقع (194) صفحة عن مؤسسة ثائر العصامي، مطبعة جعفر العصامي  للطبع والتجليد الفني، إذ يمكن القول إنَّ البطيحيَ جهد في توظيف معرفته ومهاراته بمجالي التَرجَمةَ والسَّرْد خاصة، والأدب عامة، حيث اِرْتَقَى في طريقةِ التعامل مع تراكيب الرِّوَايَة ومفرداتها بفضل خبرته في اللغةِ وثقافته الواسعة، فضلًا عن تجربته الخصبة في ميدانِ التَرجَمة، إذ تجلت مهاراته المهنيَّة في اعتماد أسلوب مميز بمهمةِ نقل أحداث الرِّوَايَة إلى اللغةِ العربيَّة، إلى جانب جهده في سباكةِ مضامينها، وما طرحه كاتبها من قضايا جوهريَّة بنصوصٍ جذابة، الأمر الذي ساهم في إثراءِ النّص المُتَرْجَم، والوصولِ به إلى المتلقي بانسيابيةٍ وأناقة ورشاقة، ما ألزم القارئ الحرص على متابعته بإمعانٍ. 
 لا أكتم القارئ الكريم سرًا إذا قلت: إني شخصيًا لَمْ أكن على معرفةٍ جيدة بمنجَزِ الكاتب وايت، ولَمْ يسبق أنْ قرأت شيئًا من كتبه، حتى أنَّ عناءَ البحث عنه في معطياتِ الشبكة الدوليَّة (الانترنت) لَمْ يفضِ إلى أيِّ نتيجة تذكر. ولولا اطلاعي على  تَرْجَمَةِ البطيحي للرِّوَايَةِ مدار بحثنا الحالي، لما أدركت معالجة كاتبها وايت أزمة أخلاقية بتفكيرٍ إجتماعيّ رصين، وتعامله مع شؤونِ الحياة بوعيٍّ مؤثر في النفس.
 لا أراني مُبالِغاً إنْ قلتُ: إنَّ الأديبَ البطيحي كان سَخِيًّا كَرِيمًا من ناحيةِ المعلومة مع القراء. ولعلَّ المُقدمة الثريّة للنسخة العربيَّة لهذه الرِّوَايَةِ بيد مُتَرْجِمها البطيحي، تؤكد إنَّه جهد كثيرًا؛ لأجلِ إضاءةِ جوانب مهمة من سيرةِ مؤلف الرِّوَايَة التي كنت شخصيًا أجهلها، حيث أشار في مفتتح ترجمته لرِّوَايَةِ شبكة شارلوت، إلى أنَّ وايت عُرفَ عنه كاتب مقالات بشكلٍ أساس، فضلًا عن كونه شاعرًا، صحفيًا، روائيًا، محررًا للكتب، كاتبًا للسيناريو والكتابة للأطفال، بالإضافة إلى تقديمه وصفًا ممتعًا ودقيقًا لبعض الجوانب المتعلقة بالرِّوَايَةِ.   
 أكادُ أجزم أنَّ مَنْ تسنح له فُرْصَةُ الاطلاع على رِّوَايَةِ شبكة شارلوت، يجدها من بين أشهر رِوايات الأدب العالمي، والتي لم  يكن بوسعي، ولا بوسعِ الكثير غيري الاطلاع عليها، لولا مبادرة البطيحي المتمثلة في ترجمتها إلى العربيَّة، حين قدر له أنْ يعثرَ عليها من بين عشرات الرِوايات أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية، فكان أنْ حظيت باهتمامِه بعد أنْ وجد أنَّها من صنف الكتب التي تفرض على الباحث الانكباب عليها؛ لأنَّها بحسبه: "واحدة من الرِواياتِ الخالدة التي تقرأ في كل العصور"، فكان أنْ تفرغَ لها، ثم ما لبث أنْ طبعَها على حسابه الخاص بمؤلفٍ ورقي صدر عام 2020م في بغداد بـ (194) صفحة.
 بَدَأَ الرِوائِيُّ وايت مشواره الأدبي عام 1925م كاتبًا ومحررًا في مجلة (نيويوركر)، حتى غدا أحد كتاب المقالة الأكثر تأثيرًا في أميركا المعاصرة. وفي نهايةِ أعوام العقد الرابع من القرن الماضي  اِنهَمَكَ بكتابةِ رِّوَايَةَ (شبكة شارلوت) التي شكلت أحد كتبه الثلاثة المُنجزة في مجال أدب الطفل، والتي قاسمها المشترك تأصيل الحُبّ والصداقة باستخدام خيال واسع النطاق قائم على حديث الحيوانات مع بعضها، وتصرفها كالبشر. كذلك أصدر وايت مؤلفات أخرى كتبها في مجالاتٍ معرفيَّة متعددة. وبعد ثلاث سنوات من إتمامه كتابةِ شبكةَ شارلوت، أصدرها في عام 1952م بمؤلفٍ ورقي.
 يمكن القول إنَّ شبكةَ شارلوت تُعَدّ من جملة الرِواياتِ الرائعة، والشيقة، بل أنَّها من بين الرِوايات الكلاسيكيَّة الخالدة بالاستناد إلى المعايير التصنيفيّة لتفوق الرِوايات. ويعود الفضل في ذلك إلى تماسك هذا العمل الرِوائِيّ وسلامة أسس بنائه التي جاءت داعمة  لطبيعةِ النظرة التي يحملها كاتبها وايت عن الحياة، فضلًا عن روعة مِخْيَاله الذي أغواه لتضمينه فصول رِّوَايَته، والذي يعبر عن قدرته على إثارةِ ذهن المتلقي. واللافت للنظرِ أنَّ الرِّوَايَةَ هذه لَمْ تَعُدّ حكرًا على الصغار فحسب، بل تعدت ذلك إلى الكبار الذين استهوتهم مضامينها المتشربة بالإحسان والإيثار وغيرهما من القيم النبيلة المعبرة عن مدلولها الإنساني.
 ثَمَّةَ ميزةٌ أخرى تملكها هذه الرِّوَايَة، أفضت إلى جعلِها تبقى حية ومتجددة، والمتمثلة بسلاسةِ أسلوب كاتبها - الذي لا يخلو من الإثارة - في إطارِ سياقٍ وصفيّ لأحداث الرِّوَايَة، وطريقة رسم شخصياتها، وتقديمها بشكلٍ مُتفاعل مع إطارها الزماني والمكاني. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ فكرةَ بناء الرِّوَايَة، ولدت من مشاهدة كاتبها لشبكة عنكبوت أثناء تجواله في مزرعته، فكان أنْ تبلورت برمزيةٍ ذات أبعادٍ دلاليَّة تصب في معاناةِ الإنسان بمواجهةِ ما يُفرض عليه من تحدياتٍ وأزمات ومُشكلات - جسيمة كانت أم مصيريَّة - لتمتد في آفاق الرِّوَايَة بحكاياتٍ رؤى، وتصل عتبة العنوان الذي جاء مثيرًا للقارئ.
 تتمحور ثيمة الرِّوَايَة حول مجموعة من الرسائلِ النبيلة التي تعكس سعة ذهنيَّة كاتبها في محاولةِ تعميق شعور الآخرين بالتبصر الواعيّ والرؤية الواضحة على فهمٍ أعمق للسلوك الإنسانيّ في التعامل، والعلاقة ما بين الإنسان والبيئة المحيطة، إلى جانب الحرص على العيشِ والانصهار وسط عالم تسوده منظومة قيم إنسانيَّة بمقدورِها نبذ كل ما له صلة بسجايا القُبْح، وما آلت إليه من ممارساتٍ أفضتْ على مدى عقود إلى تشويه معنى الحُبّ على مذبح المصالح الدوليَّة، وإفراغه من أسمى معانيه، بوصفه - أي القُبْح - ضدًا للجمال ونقيضًا له. وقد كشف الكاتب وايت في رِّوَايَته شبكة شارلوت عن الجوانب الإنسانيَّة في نفسه بقوله: "كل ما آمل أن أقوله في الكتب، كل ما أطمح أن أعبر عنه، هو انني أحب هذا العالم".
 من هُنا يظهر لنا جليًا أنَّ وايت راغبٌ في تعميمِ معاييرٍ ثابتة بجميعِ الثقافات، وما تباين من المُجتمعات، والتي من شأنِها إشاعةَ الشعور بالحُبّ والجمال والسلام، بالإضافة إلى كلِّ ما يقتضي من القيمِ الجماليَّة التي بوسعِها جعل النفوس مطمئنة وقادرة على العطاء والإبداع. وهو الأمر الذي يؤكد نجاح البطيحي في اختياره لإحدى أيقونات الأدب الروائيّ العالمي؛ لما تبعثه مضامينها من رسائلِ محبةٍ في مواجهةِ الظّلم والعنف والصراع والحروب والجهل التي استولت على نفوسِ شرائحٍ كثيرة من الناس، ودنستْ الإنسانيَّة بأبشعِ صور القُبْح، فضلًا عن حثِها على ضرورةِ ارتقاء البشريَّة نحو الْفَضِيلَة؛ لأجل تخليص الإنسانيّة مما لحق بها من دنسٍ، فما حضرت الْفَضِيلَة، إلا والجمال معها. ولعلَّ القول المأثور التالي يؤكد ما ذهبنا إليه هُنا: "قد يفتقرُ الجمالَ إلى الفضيلة، أما الفضيلة فلا تفتقر إلى جمالٍ أبدًا".
 تدور أحداث رِّوَايَةِ شبكة شارلوت وسط بيئة ريفيَّة في أعوام النصف الأول من القرن الماضي. وقد اهتدى كاتبها إلى التأمل في عبثِ الحياة معتمدًا أسلوب الخيال في اختيار شخصياتها، وصياغة حبكتها الدراميَّة، فضلًا عن استناده إلى معطياتِ المُجتمع الريفيّ من قيمٍ وسجايا في مهمة بناءِ تصوّره عن الكثير من القضايا ذات الصلة بحياةِ البشر مثل فلسفة الموت، الحب، الصداقة، الجمال وغيرها. وقد جاءت رؤى الكاتب وايت من خلال فعاليات ثلاث شخصيات رئيسة هي: فتاة صغيرة (فيرن)، خنزير (ولبر) وأنثى عنكبوت (شارلوت).
 الرِّوَايَةُ منذ قسمها الأول الذي حمل اسم (قبل الإفطار)، تبدو مغمسة بلحظاتٍ إنسانيَّة مؤثرة جدًا. ولعلَّ من بينها ترك الطفلة فيرن ذات الثمان سنوات المنزل، والجري مسرعة إلى الحقلِ عندما استعلمت من أمها أنَّ والدها ذهب إلى هناك لقتل خنزيرٍ ولد قزمًا، ما يعني أنَّه لا يمكن أنْ ينمو بشكلٍ طبيعي. وحين واجهت والدها، ترجته أن لا يقوم بقتله. وتتوالى المواقف الإنسانيَّة، حيث يستجيب الوالد - الذي أعتاد قتل الخنازير الضعيفة - لرجاءِ طفلته ويمنحها إياه هدية، بوصفه حيوان أليف، فتدخل البهجة نفسها وتصحبه معها إلى المنزل، وتطلق عليه اسم (ولبر)، وبعد أسابيع عدة يبيعه والدها إلى عمها، الأمر الذي فرض عليها زيارته في مزرعةِ عمها، إلا أنَّ شعوره بالوحدة هناك يأخذ منه مأخذا، ثم ما لبث أنْ تعرف على أنثى العنكبوت (شارلوت) لتبدأ صداقتهما. ومع تقادم الأيام يفاجئ ولبر باختياره وجبة رئيسة في أعياد الميلاد مثلما أخبره خروف عجوز بذلك، فيدخل الرعب نفسه، ولَمْ يجد غير صديقته شارلوت، فيهرع إليها طلبًا للمساعدة. وتستمر الأحداث في إطارٍ من التشويقِ والإثارة، مليئة بلوحاتٍ مبهرة تسلل ما بين سطور الرِّوَايَةُ، معبرة عن مواقفٍ إنسانية وإشارات برموز دلاليَّة كما في لوحة الأرجوحة وغيرها.
 من المناسبِ أنْ يتعرفَ المتلقي بنظرةٍ سريعة على المنجز الأدبيّ لمُتَرْجِم الرِّوَايَةُ موضوع بحثنا، وبالعودة إلى ما تيسر لنا من سيرته الذاتيَّة نجد ما يلي: الأديب عبد الصاحب محمد البطيحي، مُتَرْجِم وقاص، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ولد عام ١٩٣٤م في محافظة ميسان - المشرح، حصل على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزيَّة عام ١٩٦٧م، عمل في التدريس مدرسًا لمادة اللغة الإنجليزيَّة من عام ١٩٦٧م ولغاية عام ١٩٩٤م، حاصل على العديد من الشهادات التقديرية، وفيما يلي أبرز معطيات منجزه الأدبيّ:
1. تغريدة الرطب، مجموعة قصص قصيرة، دار الزيدي، 2011.
2. الماكنة تتوقف، مجموعة قصص مترجمة عن الإنجليزية، دار الزيدي، 2012.
3. نساء النبع، مجموعة قصصية مترجمة عن الإنجليزية، دار الزيدي، 2014.
4. حكايات الليل والنهار، مجموعة قصصية للكاتب الامريكي بن لوري مترجمة عن الإنجليزية، دار الجواهري، 2014.
5. الأسفار الجليلة لفواعل فنون الحداثة، بحوث نقدية مترجمة عن الإنجليزية، دار أمل الجديدة، دمشق، 2017.
6. قصص من بغداد، مجموعة قصص قصيرة لقصاصين عراقيين مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، مؤسسة العصامي، بغداد، 2019.
7. ترجمة مجموعة شعرية بعنوان نهايات للشاعر حمدان المالكي إلى اللغة الإنجليزية، مؤسسة العصامي، 2019.
8. 33 ايقونة عراقية، مجموعة قصصية مشتركة لعشرة كتاب عراقيين، عمان، دار فضاءات، 2016.
9. رواية شبكة شارلوت، مترجمة عن الإنجليزية، مؤسسة العصامي، 2020.
10. قصص عراقية، مجموعة قصصية لكتاب عراقيين باللغتين العربية والإنجليزية، دار أمل الجديدة، دمشق، 2018.     
11. هزيز الفجر، مجموعة قصص قصيرة جدا مشتركة لعدد من الكتاب العراقيين، دار أمل الجديدة، دمشق، 2016.
12. بوح النواعير، مجموعة قصصية مشتركة لكتاب عراقيين، دار أمل الجديدة، 2017.
13. حكايات الارتقاء والسقوط، مجموعة قصصية للكاتب الامريكي بن لوري مترجمة عن اللغة الإنجليزية، تحت الطبع. 
14- نصوص موضوعة، وأخرى مترجمة، فضلًا عن العديد من القراءات المنشورة في الصحف والمجلات، والتي من بينها:
•   ترجمة قصة مسكن الأشباح للقاصة والروائية الإنجليزية فرجينيا وولف.
•   ترجمة دراسة عن رواية " موبي دك " لهيرمن ميلفل.
•   قراءة عن قصة " الماكنة تتوقف " للكاتب أي . أم . فورستر.
•   قراءة عن قصة " المنجل " للكاتب  راي  برادبري.
•   قراءة عن ديوان " ومض الأجنحة " للشاعر جاسم العلي.
•   قراءة عن رواية " ذكرأة " للقاص والروائي علي الحديثي.
•   قراءة عن رواية " ليلة هروب الفراشات " للكاتب عبد الكريم الساعدي.
•   قراءة عن قصة " ابنة كوجو " للكاتب عبد الكريم الساعدي.
•   قراءة عن قصة " بندول الساعة " للكاتب  محمد علوان.
•   قراءة عن قصة " صوت من الظلام " للكاتب عدنان القرة غولي.
•   قراءة عن " تجربة عبد الكريم الساعدي " الأدبية.                                                                                                                                                                                                                                       
 خلاصةُ القول: حين أنهيت قراءة النسخة المُتَرْجَمة من رِّوَايَةِ شبكة شارلوت، وجدتني أمام كاتب فذ، ومُتَرْجَم حاذق. وختامًا أبارك للمُتَرْجِم والقاص الأديب العراقي عبد الصاحب محمد البطيحي جهده الكبير الذي بذله في هذا المنجزِ الأدبيّ المثير مع تمنياتي بتواصل العطاء الإنسانيّ.   
***
-   رِّوَايَةِ شبكة شارلوت.
-   الكاتب: أي. بي. وايت، أمريكي الجنسية.
-   تَرجَمة المُتَرْجِم العراقي الأديب عبد الصاحب محمد البطيحي.
-   النسخة المُتَرْجَمة: (194) صفحة.
-   مؤسسة ثائر العصامي، مطبعة جعفر العصامي للطبع والتجليد الفني، بغداد، 2020.
   

10
قصائدٌ تَنبض بآلامٍ وآمال تتحاكَى في خلجات النفْس..
قراءَةٌ في ديوان (عُشْبة الخُلُود) للشاعِر ناظم الصرخي
لطيف عبد سالم
 بفرحٍ غَامِر تلقّيتُ من صديقي الشاعِر ناظم الصرخي مجموعته الشِعريَّة التي أصدرها سنة 2014م عن دار الحوراء في شارع المتنبي ببغداد، والتي وسمها باسم (عُشْبة الخُلُود). وحين تصفحت الديوان للمرة الأولى قصد معاينته, وجدتني متفاجئاً وفرحاً في الوقت ذاته بعد أنْ ظهر ليّ أنَّ جميعَ قصائد الديوان كتبت على أسلوب التفعيلة في الشِّعر؛ لأني عرفت الصرخي  شاعِراً مهتماً بقصيدة العمود. وهو أمر يعبر عن قدرته على النظم بمختلف أنواع الشِّعر.   
 لعلَّ أول ما استوقفَني في ديوان الشاعِر الصرخي هذا، هو الإيقاعُ في عُنْوَانه النابض بحَتْميَّة حمل الإنسان أوجاعه، والسعي جاهداً في مهمة البحث عن عوالمٍ مفعمة بألوان التفاؤل التي بوسعها أنْ تعيدَ إليه عذوبة الأمل في الحياة، فلا رَيْب أنَّ الأمرَ الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة عند قراءة العنوان المذكور أو سماعه هو اتصال عُشْبةَ الخُلُود بتراثٍ أسطوريّ يتجسد بملحمةِ جلجامش السومرية التي تُعَدّ عملاً إبداعياً اسطورياً شِعرياً ينظر إليه العديد من الباحثين بوصفه أقدم قصة كتبها الإنسان. ومما هو جدير بالإشارة أنَّ مجموعةَ الحكايات الأسطوريَّة والبطولية، فضلاً عن الأعمالِ الخارقة التي تضمنتها تلك الملحمة - المكتوبة بخطٍ مسماريّ على أحد عشر لوحاً طينياً - تتمحور حول السعي المستميت للملك جلجامش الذي عاش بمدينة أوروك (الوركاء) الواقعة في وادي الرافدين إلى معرفةِ سِرّ الحياة الخالدة. 
 ليس خافياً أنَّ الصرخيَ استمد عُنوان ديوانه هذا من قصيدةِ (عُشْبة الخُلُود) التي عمد إلى جعلِ موقعها في مُقدمةِ نصوصه الشِعريَّة التي ضمنها إياه. ويبدو أنَّ ذلك مرده إلى تيقنه من أنَّ قصيدتَه عُشْبة الخُلُود تلخص الملامح العامة لمحتوى ديوانه موضوع بحثنا، والذي زينه بواحد وأربعين نصاً من شّعرِ التفعيلة، إذ يتضح من التمعن في تلك القصيدة التي استهل بها ديوانه أنَّه كان يَحدُوه الأملُ في أنْ تنهضَ حاضرة الدنيا (بغداد) قوية صلبة في وجه من يناصبونها العداء، وتتجاوز كبوتها لتعود كما كانت عاصمة العلم والثقافة، وأميرة زمانها، بعد أنْ دنستها خيول المحتل، وأفقدتها بريقها كما أضاعتْ الأفعى آمال بطل ملحمة جلجامش بعد أنْ سرقت نبتة الخُلُود. 
***
يا رشفة الظمآن في مجمرة الهجيرْ
وروضة تزهو بها الأطيار والغديرْ
بغداد يا شهية الثمار
ضنَّ عليكِ الغيمُ والنهارْ
فأجدبتْ واحاتكِ الخضراء حيث استُلِبَ النُضارْ
وغادرت حمائم الأفراح سعفَ نخلةٍ
برْحيّة الأعذاق والظلالْ
واحتَضرَ الهَزارْ
مِنْ حيفِ مَنْ دنسها بوطأة الشنارْ
***
 مثلما فُجع جلجامش بفقد صديقه الحميم (أنكيدو) الذي رافقه في رحلة البحث عن نبتةِ الخُلُود، استهلَّ الصرخي مجموعته الشعرية المذكورة بإهداءٍ جميل جداً إلى شقيقه الشهيد رزاق (طيَّبَ الله ثراهُ) في صورةٍ رمزيَّة تعكس اعتراف الشاعِر بالجميل، وإقراره بالفضل، وحفظه الود إلى مَنْ نذروا أنفسهم دفاعاً عن تراب العراق وكرامة شعبه، إذ أنَّ الشهيدَ يُعَدّ بوصفه الأجدر بالإهداء والتنويه. ولا أراني مُبالِغاً إن قلتُ: إنَّ الإهداءَ المذكور يعكس شيمة الوفاء التي تشكل الثيمة الغالبة في الديوان.
 تصفحتُ النصوص التي تضمنها ديوان عُشْبة الخُلُود، فوجدت أنَّ الصرخي قد صدح بما جادت به القَرِيحَة من شِّعرِ تفعيلةٍ سعياً في التعبير - بدلالاتٍ ورموزٍ وإيحاءاتٍ تجمع الكثير من المشتركات ضمن إطار الصورة الكلّية - عن موقفه تجاه قضايا وطنه؛ لإدراكه أنَّ الشِّعرَ رسالةٌ إنسانية بوصفه خطاباً مؤثراً يمتلك من الآليَّات المؤثرة ما يجعله قادراً على بناءِ تصوراتٍ بوسعِها المُساهمة في تأصيل مهمة نهضة المُجتمع وتقدمه من خلال تعزيز الوعيّ بما تباين من المُشكلات التي تواجه المُجتمع، بالإضافة إلى التحدياتِ والتهديدات الخارجيَّة والداخليَّة التي تحيق بالهويةِ الوطنيَّة. وفي هذا السياق يمكن القول إنَّ الوطنَ يُعَدّ بوصفه القضيَّة الرئيسة التي تمحورت حولها ثيمة أغلب قصائد الديوان الحالي؛ تعبيراً عن فخرِ الشّاعِر بتراث بلده وثقافته، فضلاً عن اعتزازه بهويته الوطنيَّة، والذي يعكس وعيه الانتمائي بالمكان. 
 في قصيدتِه الموسومة (وطن).. ص 69، منح الصرخي عواطفه الجياشة مساحة تعبيريَّة وهو يتغزَّل بالعراق، معبراً برمزيةٍ عن دلالاتِ عراقة تاريخ بلده وحضارته وعظمة إنسانه، إذ توحي الصور الشِّعريَّة التي نسجها بأنَّه يتغنى في جمالِ وطنٍ لا يمكن أن يماثله جمال، ولعلَّ من المناسب أنْ نقتطعَ بعض أبياتِ القصيدة المذكورة للاستشهاد بها:
***
وطنٌ يسكنُ ضوءَ المقلتين
تارةً يُلبسُني ثوبَ البهاءْ
تارةً يمسحُ عن عينيْ البكاءْ
وطنٌ يمنحني البسمةَ
فليُجزْى بآياتِ الوفاءْ
***
وطنٌ يشدو به المجدُ
صباحاً ومساءْ
قابساً من جذوة الفخر أئتلاقْ
يتمنى أنْ يكنى
بالعراق
***
خلال تجوالنا في أروقة غابة الشّاعر الصرخي الشِّعريَّة، يتضح لنا جلياً أنَّ الإحباطاتَ التي تعرَّض لها، لم يكن بوسعها إيقاف نزف قريحته باتجاه الوطن بوصفه الحضن الذي لم، ولن يجد أحنّ منه. وفي تعبيرٍ رَمْزِيّ عن مشاعرِ الحب والعلاقة الحميمة التي تربط الفرد بوطنه، جاءت قصيدته الموسومة (الحان الوطن المحروق).. ص 91 محملة بهدير التأوُّهات والوجع، فأبياتها التي تحمل في طياتها نبرة الحزن والألم تكاد تبتلع آهات الوطن ممزوجة بحسراتٍ مفجوعة: 
***
اسْـودَّ القمـــح وزال النـــــــور
وأقواس القـــزح اليوميــــةِ
حـُجـِبت بدخانٍ مسمــــــومٍ
ذَبُــــل الـــــــورد
أنتــحـــــر الآس
وتداعىَ ضِحك الأطفــــال
وأسارير الحــــب تلاشــــــتْ
صـُبـِغتْ بريـــاحٍ سـوداءْ
مطرقـــــة من حممٍ تلهث
أشباح قاتمة اللـــــــونِ
باتت تلتحف الأشيـــاءْ
(نيرون) الآثم  في قصرهِ
يتلذذُ رائحة النارِ
عن بعـُدٍ يرسل حطاباً
مدسوساً
كي يذكى النار
يستمتع أبناء العـمِّ
بشياط اللـــحمِ المحتـــرقِ
بعويــــل الأطفال اليتــــــمِ
وتناثر أتربة الــــــهدمِ
يستأسدُ منهم أجلافٌ
برعوا تقبيلاً في أيدي
موشومة بالـــدمِ والعهــــرِ
***
 اللاَفِتُ لِلنَّظَرِ أنَّ رَمْزِيَّةَ الخطاب الشِّعريّ كانت حاضرة في ديوان الشّاعر الصرخي هذا، فعلى سبيل المثال لا الحصر وجدتُ في العديد من قصائده، وبخاصة الموسومة: (اعرني دموعاً، تاج مائي، أميرة الإلهام، تراتيل، دفء البوح، قران) أنَّه اعتمدَ مناجاة الأحبّة - ممثلة بالمرأة - في إشاراتٍ رَمْزِيَّة تعبيراً عما ألمَّ بوطنه من آلام ومواجع، بالإضافة إلى ما أحاقه من أخطارٍ تسببت في ضياعِ الكثير من آمال شعبه، إذ اجتهد الصرخي هنا في تصويرِ المرأة رَمْزاً للوطن، ولعلَّه من المناسب أنْ نقتطع نصاً من قصيدته دفء البوح.. ص 125:
***
ما أجمل البوح إذا
أثقل قلب العاشق الضنى
القمر الساحر للنجومْ
الأرض للشمس بلا انحسار
البلبل الغريد للأيكة للنضارْ
المطر المحبوس للغيوم
وعشبة الصحراء للهموم
الجفـْنُ للدمع الذي أرهقه الهطولْ
فانداح في السهولْ
يُلهب في وجنتها الحريق
يلتهم الفصولْ
***
ما أجمل البوح إذا كان على يقينْ
ملتحفًا ملاءة الأشواق والحنينْ
الصدق لا المكر الذي يفجّرُ الأنينْ
يشرّبك الآمال بالظنونْ
ليرتقي المأفون والخؤونْ
فيخمد البروق في أروقةِ السنينْ
ينتصر الدَجـَنْ
يسرّبل الأفراحَ في كفنْ
مشاعرُ خيبة الشعوب العربيَّة المرتوية بآثام قياداتها السياسيَّة، والتي نضجت ثمارها حتى سقطت، لم يَعُدّ بوسع الصرخي الاحتفاظ بها في قلبه، فكان أنْ عمدَ إلى البوح بها شِّعراً في إشارةٍ رمزية إلى الخذلان العربيّ الذي لم ينفع معه الركون إلى الصّبر أو التظاهر به. وقد ظهرت تلك الانفعالات بشكلٍ واضح في قصيدة حوارية الجمر.. ص 77 التي عبر فيها عن زيف ما يسمى بـ (الربيع العربي)، والتي نقتطع منها النص التالي:
***
مددت يديْ
 الى جمرٍ
كساه رماد خيباتٍ
ثلوج أثقلت صدر البراعم في خطيئاتٍ
أصابع زادها الإجحاف إصرارًا
بنبضٍ واثقٍ سَغِبٍ
نبشت ورايتي أُفقي
وأسيافي نبؤاتي
رجائي بانبجاس الصخر يروي ماؤوه جدْبي
ولكن ْ صاح بي صوت ٌ
ألاَ تترك أنحائي ؟؟
فأن النبش في مقبرة الماضي بلا جدوى
دع النيّام في أوهامهم سكرى
غزا المكرُ أجنّتكم
وأضحى يومهم ْ دهرا
فزادت أنْةُ الوادي
أطاح بدفئنا عصف ٌ من الدجل ِ
فضاع الوهج من عيني
وضاع توقدي ْ المرجى
وضاع المبتغى من نزف أجيالي
أعد لي ما أزاحته
أصابع توْقك اللهفى
فليس لديَ آمال لأفنيها
فقد أجهضتم البشرى
وناء توقد الأيام بالحسره ْ
***
 إنَّ القراءةَ المتأنية لديوان الزميل الشاعِر ناظم الصرخي، توضح لنا أنَّه أديب متمكن، ومثقف اعتاد الإقبال على المطالعة بنَهم من أجل البحث والاطلاع الذي مكنه من مواكبةِ مسار الحياة الأدبية، وما شهدته من تطورات. وقد بدا ذلك واضحاً من خلال جمالية الصور الشِعريَّة واهتمامه بالمفردة التي تعكس شغفاً بلغة السحر والبيان. ويبدو أنَّه وجد في واحة الشِّعرِ ضالته التي فتحت له آفاق التعبير عن ذاته وآماله المرتبطة بهموم وآلام وتطلعات شعبه. ويمكن الجزم بأنَّ إيلاءَ الصرخي الاهتمام بقضية الوطن في ديوانه هذا تُعَدّ استجابة لما تَحمّله شعبه من آلامٍ وهموم وتضحيات وهو يتطلع إلى تحقيق البسيط من آماله.
أباركُ للصديق العزيز الشاعِر ناظم الصرخي على هذا الجهد الطيب، متمنياً أنْ يبادرَ إلى إعادة طبع ديوانه عُشْبة الخُلُود؛ لأجل تأمينه لمَنْ لم تسنح له فرصة الاطلاع عليه من القرّاء مع تمنياتي بدوام العطاء الإنسانيّ المتجدد.
*** 
المجموعة الشعرية: عُشْبة الخُلُود.
المؤلف: الشاعِر ناظم الصرخي.
دار الحوراء  للطباعة - بغداد
تاريخ الاصدار: 2014م.
عدد صفحات الديوان: 140 صفحة.


11
إصدار جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم في مجال الشِّعر الغنائيّ
لطيف عبد سالم
صدر في بغداد كتاب جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم وسمه بـ: (كاظم عبد الجبار.. شاعرٌ غنائيّ توارى منسياً في متاهات الزمن). الكتاب الذي يقع في (161) صفحة، قدم له الناقد العربي الفذ الدكتور حسين سرمك حسن، وصمم غلافه القاص والمصمم الأستاذ فلاح العيساوي.
تناول الباحث في مؤلفه الجديد سيرة حياة الشاعر الغنائيّ الراحل كاظم عبد الجبار منذ ولادته عام 1937م، وحتى وفاته المبكرة، وما تخللها من إبداعٍ وآلام، إلى جانب الخيبات التي لاحقته حتى بعد رحيله عن عالمنا عام 1980م، فضلاً عن البحث في منجزه الشِعري، ودوره في المساهمة بإدامة زخم الأغنية السبعينية من خلال جملة الأغنيات الوطنية والعاطفية التي كتبها. ويضاف إلى ذلك نشاطه الإعلامي المتميز. وقد ضمن الباحث أحد فصول كتابه الستة شهادات وآراء مجموعة من الأدباء والشعراء والفنانين بخصوص تجربة الشاعِر الراحل الشِّعريَّة والإعلامية. وقد كانت ندرة المصادر الورقية أو الشفاهية إحدى أبرز المشكلات التي واجهت الباحث في إنجاز بحثه هذا؛ نتيجة غياب معظم من عاصر الشاعر المترجم له بسبب الموت أو الهروب إلى المنافي البعيدة أو العيش تحت رحمة المسكنات من الأم الإمراض.   
في بداية مقدمة الدكتور سرمك التي حملت عنوان: (كاظم عبد الجبار.. المبدع الذي واريناه خلف حُجُب النسيان)، بإشارةٍ صريحة إلى مسؤولية الجهات المعنية، وفي المقدمة منها مفاصل البيت الثقافي في المساهمة بتغييب منجز الشاعر الغنائيّ الراحل كاظم عبد الجبار من الذاكرة المحليَّة، يقول سرمك: (إنَّ موضوع الكتاب شاعر ذو طاقة ليس شِعرية في حقل النص الغنائيّ العراقي والقصيدة العاميَّة العراقية فحسب، بل إعلامية بالمعنى الشامل أيضاً، ومن المُحيّر أنْ يختفي ذَكره بهذه الصورة المؤلمة بعد أنْ رحل بصورةٍ مبكرة).
أرى من المناسب أنْ نقتطع بعضاً من المقدمة هذه التي تميزت بارتكازها على الموضوعية، فضلاً عن شغلها صفحات عدة، ومن بينها قول سرمك: (ولعلَّ النِيّةَ المخلصة للكاتب تتجلى من صفحة الإهداء:
(إلى كلّ مبدع توارى خلف حُجُب النسيان)
ليصبح جهده تعبيراً عن مسؤوليةٍ جمعية مُعطّلة يتصدّى لها بقلمه الفرد البارع وبجهده المُضني، حيث لم يُبقِ جهةً - في الداخل والخارج - ذات صلة بعطاء ودور وتراث الشاعر كاظم عبد الجبار إلّا واتصل بها بكل الطرق ليحصل على صورةٍ أنشب فيها الفناء أظفاره التي لا ترحم أو نصًّ مُهمل علاه غبار النسيان الثقيل أو شهادة تأخرت لأربعين عاماً!!).
يشير الدكتور سرمك أيضاً إلى أهمية الكتاب هذا بقوله: (هكذا يضرب لطيف الأنموذج في الإخلاص والعمل الجاد من أجل إحياء ذكرى مبدع عراقي من بين عشرات المبدعين العراقيين الذين تعاونّا على مواراتهم خلف حُجُب النسيان. ومن الممكن أن يكون هذا الأنموذج حافزاً ونواةً لمشروع وطني شامل إذا توفّرت الإرادة والنوايا الوطنية المخلصة). كذلك تناول سرمك تأثير الأغنية في حياة الشعوب قائلاً: (وقد يستكثرُ بعضُ السادة القرّاء أنْ يخصّصَ لطيف كتاباً كاملاً بكلّ ما يعنيه من جهد في الملاحقة، والجمع، والتقصّي، والكتابة المُرهقة لشاعرٍ غنائيّ "مَنسي" كما وصفه الكاتب نفسه. لكنني أعتقد أن الكتابة عن شاعرٍ غنائيّ أكثر إلحاحاً من الكتابة عن مبدعين في أجناس الفنون والآداب الأخرى. فالأغنية أشدّ وطأة وفعلاً في التأثير في الوجدان الوطني، وبناء الشخصية القومية للشعوب). ثم أردف قائلاً: (ولهذا أضع أهمية كبيرة على جهد المؤلف في هذا الكتاب. فالأمر ليس استعراض سيرة وتراث الشاعر الراحل فقط بل هي إعادة تربية وجدانية للمتلقي وتذكير بضرورة أن نأتي القلوب من حيث إقبالها وعدم إكراهها فتعمى كما يقول الرسول الكريم).
في مباركته لجهد الباحث يقول الدكتور حسين سرمك حسن: (وحين يذكّر لطيف عبد سالم بما كتبه كاظم عبد الجبار من أغان - ناهيك عن استعادة دوره الثقافي النشيط، والمتعدّد الأوجه في المجال الإعلامي "إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية وكتابة تحقيقات صحفية.. وغيرها" بشكل عام - فإنّه يعمل على سدّ ثغرة في التاريخ الغنائيّ والشعري العراقي أُهمل ترميمها من خلال إغفال العناية والإحاطة بمنجز هذا الشاعر الثر خصوصا في جانب الدور الوطني للشعر الذي تحاول المناهج الحداثوية تغييبه).
يختم الدكتور حسين سرمك حسن مقدمته التي أعدها قراءة نقدية مكتملة أسس البناء النقدي الأصيل بالقول: (لقد أثار لطيف عبد سالم الكثير من التساؤلات التي ترتبط بحياتنا الثقافية في كتابه عن الشاعر المبدع الراحل "كاظم عبد الجبار" وهذه ميزة مُضافة لكتابه هذا.. فتحية له).
وتحية أضمنها أنقى عبارات الشكر والامتنان إلى لأديب المثابر والناقد الفذ الدكتور حسين سرمك حسن.

12
قراءة نقدية في رواية (صبريانا) للأديبة فضيلة مسعي
لطيف عبد سالم
  الأديبَّة الزميلة فضيلة مسعي، أهدتني مشكورة قبل أيام عدة نسخة من روايتِها الموسومة (صبريانا) التي صدرت طبعتها الأولى بواقع (320) صفحة عن دار غراب للنشر والتوزيع في مصر عام 2018م. وقد وجدتني منشدّاً إلى ما ضمنته مسعي من أحداثٍ في غاية الاهمية والدلالات بروايتها المذكورة، ما شجعني أكثر على الانهماك في قراءتِها، ولم استطع أنْ أدعَها جانباً إلا بعد أنْ أنهيتَها بالكامل.       
 فضيلة مسعي أديبةٌ وإعلاميَّة تونسية، حاصلة على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، كتبت الشِّعر، القصة، الرّواية، النقد، النقد السوسيولوجي وفي مجال علم الاجتماع، عضو اتحاد الكتاب التونسيين، واتحاد الكتاب العرب، بالإضافة إلى عضويتها في العديد من المؤسسات الثقافيَّة المحليَّة والخارجيَّة ونشاطاتها الإجتماعيَّة والسياسيَّة، تُرجمت بعض أعمالها إلى اللغتين الإنجليزية والصربية، بالإضافة إلى ما أجرته من حواراتٍ صحفيَّة مع كبار الأدباء العرب والسياسيين والمفكرين والفنانين.
 بعد رّواية (معسكر الحبّ) التي أصدرتها مسعي عن دار المغاربية للنشر في تونس عام 2007م، جاءت روايتها الثانية موضوع بحثنا (صبريانا)، والتي تُعَدّ من ناحيتي الأسلوب وحداثة التِقنيَّة التي اعتمدتهما مؤلفتها في كتابةِ نصها الروائيّ من بين الإعمال الساعية إلى ترسيخ مرتكزات تطور الرّواية العربية التي تتمحور حول تجسيد هموم الحياة ومعاناة عامَة النّاس برؤى تسمو إلى توظيف الحب والجمال بدلالاتٍ تشكّل صورة البحث عن الوطن والحرّية والكرامة والسلام.   
 قُدر لهذه الرّواية بفصولها الخمسة أنْ تتجاوزَ كلاسيكية الطرح التي سادت العديد من الأعمال الروائيَّة العربية التي اطلعنا على جوانبٍ عدة منها، بعد أنْ تمكنت كاتبتها من تقديمِ نصوصٍ حداثية في دلالاتها وبنائها لجملة الأحداثٍ والوقائع والأمكنة والأزمنة التي تفاعلت فيها حركة شخصياتها، فضلاً عن جنوحِها صوب توظيف آليات السّرد العجائبي والفنتازيا في مهمة نسج بعض الأحداث الرئيسة لروايتها كبلورة ولادة أثنان من أبنائها الثلاثة بشكلٍ مثير للدهشة والاستغراب بسبب افتقارهما إلى حبلٍ سُرّي يربط الطفل بحزمٍ مع المشيمة، والذي من المفترض أنْ يكون قاسمهما المشترك، إذ بالإضافة إلى تكفلها بتبني (زيدون) على خلفية فقدانه عائلته بحادثةٍ محزنة مردها إلى تداعيات الحرب ومآسيها، جاءت ولادة ابنها البايولوجي (أويس) بعد تسعة أعوام من وفاة زوجها ناظم الذي أحبته في حياته وعشقته جثة بعد مماته بفضل عملية تلقيح بويضة بحيواناتٍ منوية أودعها ناظم الذي تزوجته قبل سويعات من مماتِه في بنكٍ جيني بعد أنْ كلفته هذه المهمة رهن جميع أملاكه. أما ابنها البايولوجي الأخر وهو مجند أمريكي اسمه (بريتشارد) فقد جاء إلى الدنيا في أعقاب أحداث غزو الكويت؛ نتيجة تلقيح بويضة أودعتها صبريانا إبانَّ شبابها في بنكٍ جيني أمريكي - في إشارةٍ ذكية من مؤلفة الرّواية إلى تزعزع ثقة المواطن العربيّ بمؤسساتِ الدولة - بحيامن رجل كويتي كان مصاباً بمرض السرطان. 
 لعلَّ من المناسب والمهم أيضاً أنْ نمرَّ ولو في عجالة على إزاحة مسعي الستار عن استغلال الأمريكان البشع للطُفولَة من خلال إثارتها فرضية استنساخ خلايا وأنسجة بشريَّة؛ لأجل صنع نسخة مطابقة وراثياً لجنودٍ أمريكان، والتي يشار إليها اصطلاحا باسم الاستنساخ البشريّ أو الركون إلى عمليات أطفال الأنابيب التي تعتمد على تلقيح بويضةٍ لامرأةٍ عربية بحيوان منويّ لرجلٍ عربيّ؛ لأجلِ ضمان إراقة الدماء العربية على الاراضي العربية. وهو الأمر الذي كان ضحيته ابنها بريتشارد الذي استفهمت منه أثناء حبسها في زنزانة الآلام التي يتعرض لها المجندين الامريكان بعد تسريحهم من الخدمة العسكريَّة بسبب الإعاقات أو الأمراض النفسية. وما زاد الأمر بشاعة هو أنَّ صبريانا استُخدمتْ بويضتها لإنجاب بريتشارد من دون علمها، ما يعني التجاوز على بعض المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. ولعلَّ من المهم الإشارة إلى أنَّ كاتبةَ الرّواية اعتمدت الرمزية أيضاً في قضية ولادة بريتشارد حين أكدت رجوعه إلى حضن أمه، وإحاطته بفيض حنان الأمومة، بالإضافة إلى اعتراف زيدون به كشقيق؛ تجسيداً لوحدة الدم العربيّ وإنْ طالته الشوائب. وبعبارةٍ أخرى سعت مسعي إلى تبيان رسالتها بوضوح، كوضوح الشمس في رابعة النهار، والمتضمنة حقيقة الأخوة التي تربط الشعبين العراقي والكويتي. 
 اللافت للنظر أنَّ بطلةَ الرّواية الرئيسة - المستترة - المتمثلة هُنا بشخصية راوية الخزرجي، أطلت على المتلقي من  نافذةٍ ضيقة جداً وبمساحةِ سردٍ صغيرة لا تتعدى بضعة أسطر تقاسمتها ما بين مقدمة الرّواية ونهايتها، بعد إنابتها مسؤولية بطولة الرّواية لشخصيةٍ أخرى وسمتها مسعي رمزياً باسم صبريانا، اختصارا لعبارة (صبري أنا)، والتي تُعَدّ الشخصية المحورية أو شخصية الرواية الرئيسة التي سيتعرّف المتلقي على ما تحملته من معاناةٍ نتيجة تأثّرها بهمومِ مُجتمعها المتأتية من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، من خلال المحاكاة مع لوحة الفنان (جان أونري فراغونار) التي أهدتها إياها فتاة من أمٍ أمريكية وأب فرنسي، التقتها مصادفة في متحف اللوفر بإحدى سفراتها إلى باريس يوم كانت تعمل في الخطوط الجوية. ولعلَّ الشيء المميز في اللوحة المذكورة هو أنَّ مسعيَ نجحتْ في توظيفها فنياً حتى غدت إحدى الشخصيات الرئيسة في الرّواية، إذ كانت تجسد امرأة تقرأ رّواية اسمها (امرأة تعشق جثة)، احتفظت بها من القرن الثامن عشر، والتي تحكي قصتها مع ناظم التي توارثتها الفتاة جيل بعد جيل!.
 تحمُلُ صبريانا الصعاب بخلاف أهلها مرده إلى أنها لم تركن إلى مشاركة عائلتها الغربة بعد مقتل شقيقها الأصغر في أحداثٍ طائفية بسبب حاجة أمها إليها على خلفية تعرضها إلى الجنون المتأتي من  حادث الانفجار الذي طال شارع المتنبي ببغداد، وأفقدها إحدى ساقيها، إلا أنَّ ذلك لم يفقدها الاحساس بما يعانيه من الزمتهم الظروف الهُجرة من تّيهٍ وضياع وتشّظي.
- (أغلب ممن أعرفهم إما هاجروا وتشتتوا كالعصافير في أنحاء العالم أو قتلوا أو غرقوا في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. أو أُقعدوا بسبب إعاقات عضوية عميقة. الكثير منهم هاموا على وجوههم كالهوام، مجانين يبحثون عن عقولهم في الشوارع والساحات العامة والخرائب المنتشرة)... ص216. 
 لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو تأكيد صبريانا أنَّ جملةَ الظواهر التي طفت على السطح في المدةِ التي أعقبتْ الاحتلال الأمريكي للعراق، والمتمثلة بخيبةِ الحياة الوردية التي وعد بها الأميركيون، ليس بالإمكان نفي ما يماثلها أو يقترب من بشاعةِ أحداثها - وربما يتجاوزها من ناحية التأثير - في بلدانٍ عربية أخرى بعد أنْ تغيرتْ بوصلة ما أشير إليه باسم (الربيع العربي)، إذ تقول شخصية الرّواية الرئيسة:
- (أرى أن ثورة الربيع العربي قد سُرقت، وفشلت الفشل الذريع. الثورة انطلقت مع بدايتها في تونس تلقائية شعبية، ولكن منذ الأيام الأولى احتواها فريق فولكهام)...ص97.
 يبدو أنَّ إدراكَ الروائيَّة مسعي لأهمية توظيفَ الرموز في النصوصِ الروائيَّة، هو الذي أملى عليها توظيف الأمكنة والأزمنة في روايتها هذه توظيفاً رمزياً واستعاريًّا في العديد من جوانبِ خطابها السرديّ، الأمر الذي ساهم في تحقيق ملازمة الأمكنة وشخصيات الرواية للأحداث وأزمنتها في حبكةٍ فنيَّة مؤثرة تتماهى مع الفعل تجاه ما فرض على أهل العراق من تحولاتٍ شكّلتْ انعطاف حاد في تاريخهم السياسيّ والإجتماعيّ والثقافيّ. ولعلَّ أبرز ما تمظهرت به صورة السرد هو المزاوجة ما بين واقع الحياة اليومية وآفاقها الجديدة وبين الأحلام الورديَّة التي ينشدها عامّة النّاس بخيالٍ سورياليّ. ومن بين تلك الوقائع التي اجتهدتْ كاتبة الرّواية في سردِها بأسلوبٍ رمزي يوحي بدلالاتٍ عميقة هو إشارتها في الصفحة 193 إلى التفويض الخطي الذي تركه ناظم زوج صابريانا بشأن حملها منه، والذي قام بإمضائه وختمه بتاريخ 20 مارس 2003م، مع العرض أنَّ طفلَ الأنابيب الذي رأى النور بعد تسع سنوات من وفاة زوجها ناظم، أوقعها في مشكلة الحاقه بوالده في سجلات الأحوال المدنيَّة بسبب رفض السطات تسجيله؛ لتعارضه مع الشرع والقانون. وفي الإطار ذاته نقتطع جزءً من حوارِ صبريانا مع إحدى مدرساتها التي التقتها بالمصادفة:
- (قولي لي يا أبنتي هل توجد صيدلية قريبة من هنا؟ أريد أن أشتري قنينة أنسولين، لم أجدها في عّدة صيدليات.
- وهل الأنسولين يشترى في بلد يعوم فوق بحيرة بيترول؟.
- أصبحنا لا نجد جراياتنا آخر الشهر لنشتري الأنسولين وغيره.. هه.. هذا حالنا.. ولا يختلف عن حال من هم موزعون على كامل الخريطة العربية)... ص49.
 تميزت رّواية صبريانا بالتماسك الداخلي في بنيتها بالإضافة إلى تكييف كاتبتها أدواتها الفنيَّة بصيغٍ ساهمت في إضافة جمالية لعموم أحداث الرّواية كجنوحها في الكثير من المقاطع السردية في بعض صفحاتها صوب أسلوب الكتابة النثريَّة في مهمة معالجة إحداثها، فبدأت تلك النصوص تتوهج بعمق المغزى ومصابيح الدلالة. ولا عجب في ذلك ما دامت مسعي قد أولت الشِّعر مبكراً أكبر قدرٍ من عنايتِها في مجال الكتابة الأدبيَّة، إذ تؤكد سيرتها الذاتيَّة أنَّها شاعِرة وإعلاميَّة قبل ولوجها عالم الرواية.   
- ( آه.. آه.. ثم آه مرّة أخرى. فاض صدري ألماً، أغرقني، تعثّرت أنفاسي بوحل ما تركه الأجداد على جدران أضلعي، أحملق إلى السواد الذي يجذبني إليه كمغناطيس. يُسقطني في سرداب دمعة تمرّدت على خدّي. دمعة حاصرت ذقني، في انتظار غزو عنقي الذي تسلّقَته الذكريات الحزينة المؤلمة. وغطّت مساحة عرضه خطوطاً عميقة جداً. تلك الخطوط حُفرت بجرّافة السنين ذات السكاكين الحادة)... ص 179. 
 الغريب في الأمرِ أنَّ مسعيَ التي لمْ يسبق لها زيارة العراق، كتبت رواية (صبريانا) بتعبيرٍ انفعاليٍّ جسد جملة من القضايا المُلحَّة التي عاناها العراقي في وطنه، فضلاً عما يحلم به - وإن كان على درجة من التواضع -  في هذا البلد الموشح تاريخه بأعرقِ الحضارات الإنسانيَّة، بأسلوبِ سردٍ مثير ومشوق، ارتكز على جعل نهايات الأحداث مفتوحة؛ بغية ربطها مع ما تمر به البلدان العربية من تحولاتٍ بنيوية في واحدةٍ من أهم مراحلها التاريخية وأكثرها خطورة.
 الى جانب تسليط الرّواية الضوء على مرحلة مهمة من حياة الإنسان في العراق، وعمق أزماته التي لم تسلم منها بعض البدان العربية الأخرى، فإنها لم تجد بداً من تعرية ممارسات الانظمة الإمبريالية بتناول بعض مظاهرها المباشرة والمُقنَعة، ولاسيما الأحداث المرتبطة بنكبة فلسطين، فضلاً عما تلاها من أحداثٍ عبرت عن تمادي تلك الدوائر في سياساتها الرامية إلى إذلال الشعوب واستعبادها والهيمنة على مقدراتها.
- (اختفى جمال النّهرين كما اختفى الصيّادون، واختفت أهازيجهم، واختفى السّمك، واختفى في ركامه ورماده ودمائه ودموعه وطني الحبيب. وطني الذي مزّقته الطائفيّة، والحروب الأهلية، والفتن، أكثر ممّا مزّقه الاحتلال الأمريكي. 
أمريكا التي جاءت تفرض ديمقراطية واهية على دبابة. سرقت ملح العيون، نفط البلاد، وبسمة الشفاه على وجوه الأطفال.
لا أمان، لا خبز، لا مأوى، وطني الآن كوم من الأشلاء، وأخرى من المزابل)... ص209 - 210.
 الروائيَّة التونسية الزميلة فضيلة مسعي التي شربت عصير حب الوطن من كف أبيها (طيَّبَ الله ثراهُ)، والذي أهداها قبل رحيله الأبدي زهرة لتخبئها في كتاب، جسدت في روايتها صبريانا صبر كل عراقيّ في سياحة سَرديَّة كانت نهايتها الهجرة، وهي التي تردد:
- (كيف أترك العراق؟ هنا ولدت، وهنا ترعرعت، هنا لعبتُ وهنا درستُ، وهنا أهلي وناسي وأحبتي وأصدقائي)... ص92.
 حلمُ العراقية راوية الخزرجي الذي كيفته مسعي إلى التناسل لدى صبريانا، جعل المتلقي يعيش حلماً داخل حلم في مجموعة حكاياتٍ رسمتها المؤلفة بعنايةٍ وأناة، فباب الأمل مفتوح على مصراعيه.       
- (آه يا عراق... عراق الحب أين أنت؟
- سيعود عراقنا وسيعود الحب إلى هذه الأرض. سيعود وستعود أعشاش الطيور الجميلة. سيعود الهواء النقي، ستعود البراءة إلى أطفالنا. سنرى ذلك الحب بعيوننا، سنعيشه بإذن الله)... ص92.
 في الوقت الذي أبارك فيه للروائية الزميلة فضيلة مسعي منجزها الأدبيّ هذا، وأشكرها على هديتها التي أتاحت ليَّ الاطلاع عليه، فأني أقول جازماً إنَّ مسعيَ أحبت العراق، وشربت حبه حتى الثمالة. تمنياتي لها بمزيدٍ من النجاح والتقدم في أعمالِها الأدبيَّة القادمة بعونه تعالى.


13
أهمية التخطيط لإقامة طرق آمنة
لطيف عبد سالم
يرى المتخصصون أنَّ الحوادثَ المرورية في مختلف أرجاء المعمورة تُعَدّ من بين التحديات التي من شأن خطورتها المحدقة بالمجتمع تهديد حياة المواطنين، وإثارة العديد من النزاعات والمشكلات الاجتماعية والصحية والنفسية، فلا عجب من سعيّ إدارات المرور في أغلب بلدان العالم إلى تبني استراتيجيات شاملة تقوم آلياتها على صياغة القوانين التي تسهل حركة المرور والنقل بأعلى درجات الأمان والسلامة، وإحالتها إلى الجهات المعنية بالأمر؛ لأجل إقرارها بصورة تشريعاتٍ قانونية نافذة سعياً في تنظيم حركة المرور، وتحسين مستويات استجابة الجمهور لأهمية المشاركة في مهمة تنظيم السير على الطرق. ويضاف إلى ذلك  استخدام ما متاح من السبل الحديثة التي تتحكم بتنظيم سير المركبات؛ بغية المساهمة في تحسين مستويات الخدمات المرورية، إلى جانب رفع كفاءة مفاصلها الإدارية التي يتعين عليها بذل المزيد من الجهود التي من شأنها رفع مستوى وعي المواطنين بأهمية السلامة المرورية، والتي يُعَدّ الانضباط مادتها الرئيسة المتوجب مصاحبتها لجملة تدابير الجهات الحكومية المعنية. 
باستثناء العطل المفاجئٌ في المركبة أو تعرض سائقها لطارئ صحيّ أو ما شابه ذلك، فإنَّ النشاطاتَ البشرية تُعَدّ في طليعة الأسباب المؤدية إلى الحوادث المرورية على الطرق، ولعلَّ من أهمها إخفاق شرطي المرور في تنظيم سير المركبات، زيادة السائق سرعة مركبته عن المعدلات المقررة من إدارة المرور أو إهماله إشارات المرور وتجاهله قواعد السير والقوانين المرورية النافذة، بالإضافة إلى استهتاره وإغفاله اللياقة في السير مثل قيادته مركبته تحت تأثير الكحول أو انشغاله بأمورٍ عدة أثناء قيادة مركبته كالحديث مع من معه في المركبة أو استخدام هاتفه الجوال أثناء القيادة. ويضاف إلى ذلك أسباب أخرى أهميتها متأتية من فاعلية آثارها في التسبب بحصول الحوادث المرورية كسوء الأحوال الجوية، وإهمال المشاة الذين يعبرون الشارع وإغفالهم الحذر، إلى جانب قيادة المركبات من أشخاصٍ غير مؤهلين بسبب فقدهم الأهلية، أو كونهم دون سن الرشد وغيرها من الأسباب.     
بالاستناد إلى العديد من الدراسات التي أجرتها مراكز بحثية معتمدة، أتضح أنَّ من بين العوامل الفنية والإدارية المؤدية إلى التسبب بحوادث المرور، والتي تتحمل مسؤولية وقوعها جهات حكومية عدة هو التشوهات في هندسة الشوارع التي ينبغي أن تخضع عملية التخطيط لإقامتها، والطرائق المعتمدة في مهمة تنفيذها إلى أسس ضامنة لسلامة مستخدميها، بالإضافة إلى أهمية حرص الإدارات على ضرورة تكييفها للانسجام مع معطيات برامج عملية التنمية، وما يتبعها من التطورات التي يحتمل أن تشهدها المدن في مجال النهضة العمرانية، إذ تلزم اشتراطات سير المركبات الآمن في الشوارع اهتمام الجهات ذات العلاقة بكافة العوامل التي بوسعها المساهمة في انسيابية الحركة المرورية وسلامة مستخدمي الطرق، وبخاصة توفير الإنارة والتيقن من  جودة الأنواع المستخدمة منها، تأمين خطوط المشاة، سرعة إصلاح ما يظهر من حفرٍ عميقة قد تؤدي الى حوادث، تحديد سرعة المركبات وعدم تعارض التخطيط لإنشاء الطرق مع مسارات خطوط الخدمات الاجتماعية الأخرى المارة تحت الشوارع كالأنابيب الناقلة لمياه الشرب والماء الخام، إمدادات الطاقة الكهربائية، أسلاك الهاتف، منظومات المجاري وغيرها، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد يفضي عطب الإشارة المرورية أو تعرضها لخللٍ في آلية عملها الى كوارثٍ مرورية.
في أمان الله.

14
خطورة المنتجات البلاستيكية على البيئة والإنسان
لطيف عبد سالم
يمكن القول إنَّ الحربَ العالمية الثانية كانت أحد أبرز الأسباب التي ساهمت بفاعليةٍ في زيادة الطلب على مادة البلاستيك الصناعي أو ما يشار إليها باسم (اللدائن)، والتي جرى اختراعها في عام 1929م، إلا أنَّ مرحلةَ ما بعد الحرب شهدت توسعاً في رواجها بسبب ابتكار الصناعيين العديد من المجالات الجديدة لاستخداماتها في أغلب مجالات الحياة. ولعلَّ السبب في زيادة تطبيقات صناعة البلاستيك هو امتلاكها جملة من الخواص المميزة، فضلاً عن سهولة التعامل معها صناعياً وتجارياً. وهو الأمر الذي أفضى إلى تحديد التوجه التنموي للعديد من الصناعات بالاعتماد على مادة البلاستيك الصناعي.
لا مغالاة في القول إنَّ عام 1948م، يُعَدّ البداية الفعلية لاستبدال البلاستيك بالتعليب الزجاجي للمواد الاستهلاكية ذات الاستخدام الواحد مثل المواد الغذائية، المشروبات وغيرها، ثم ما لبث أنْ دخلت الصناعات البلاستيكية حياتنا في العقود الماضية بشكلٍ مثير للانتباه بعد أن استحوذت منتجاتها على جزء كبير من الاستخدامات اليومية كالأدوات الجراحية، عدسات أجهزة التصوير وتحسين الرؤية، الأكياس، ألعاب الأطفال، تخفيف وزن السيارات والقوارب والطائرات باستخدام أنواع جديدة من البلاستيك المقوى بألياف زجاجية وغيرها من الأغراض الصناعية والمنزلية، والتي ما تزال تغزو الأسواق والمحال التجارية وبسطات الأرصفة في مختلف بلدان العالم من دون دراية بأضرارها البالغة على صحة الإنسان أو إدراك لآثارها السلبية ببيئة الحياة في المدى البعيد. ويضاف إلى ذلك أنَّ صراعاً تنافسياً يحتدم الآن ما بين العديد من الشركات العالمية في مجال صناعة المعالجات وتغليفها وصناعة الترانزستور البلاستيكي المرن والقابل للشد، والذي تُنفق عليه أموالاً طائلة.
يُعَدّ النفط المصدر الرئيس لجميع أنواع البلاستيك الذي يجري تصنيعه باعتماد عملية يطلق عليها اصطلاح (البلمرة)، والتي تقوم آلياتها على بناء سلاسل مركبات هيدروكربونية بواسطة تفاعلات كيميائية بمساعدة الضغط والحرارة، مع العرض أنَّ هذه العملية التي تنتمي إلى صناعة البتروكيماويات، توصف بأنَّها عملية كبيرة ومعقدة، وتخلفُ الكثير من المواد الملوثة والضارة، إذ تشكل بوليمرات متعددة الأنواع المواد الأولية لصناعة البلاستيك، بالإضافة إلى مواد كيمياوية أخرى متباينة الوظائف كإعطاء اللون، الشفافية، الصلابة، الليونة، الطراوة، قابلية الانثناء، إلى جانب موادَ أخرى تضاف أيضاً لأجل رفع جودة أداء هذا النوع من المنتجات مثل إزالة الشحنات الكهربائية الساكنة عن سطح البلاستيك، مضادات أكسدة، مواد مزيتة وغيرها.
يمكن الجزم بأنَّ الموادَ الكيمياوية السامة التي تدخل في صناعة المنتج البلاستيكي بمقدورها دخول جسم الإنسان وفي مجرى الدم بالاتصال المباشر، إذ يمكن أن تتسرب من خلال الهواء، المأكل والمشرب، إذ أثبتت العديد من الدراسات المنجزة في جامعات ومراكز بحثية معتمدة أنَّ هناك أنواعاً من المنتجات البلاستيكية تُعَدّ أحد أسباب الإصابة بمرض السرطان حتى في جرعات منخفضة جداً. والمذهل في الأمر أنَّ الضررَ لا يتوقف على هذا المرض الخبيث فحسب، حيث كشفت دراسات مقترنة بتجارب عديدة أنَّ البلاستيك يتسبب في إحداث عيوب خلقية وتغيرات جينية، بالإضافة إلى تعريض المستهلكين للإصابة بالعديد من الأمراض الأخرى كإلتهاب الشعب الهوائية المزمن، القرحة، الأمراض الجلدية، الصمم، فشل الرؤية، عسر الهضم، اختلال الكبد، ضعف المناعة، بداية مبكرة للبلوغ، البدانة، السكري، فرط النشاط لدى الأطفال، بالإضافة إلى العديد من المشكلات الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها الناس في عالم اليوم بسبب استخدام البلاستيك.
بالاستناد إلى حقيقة عدم تحلل المنتجات البلاستيكية التي يجري التخلص منها بأسلوب الطمر في التربة، وما يمكن أن تفضي إليه هذه المواد من أضرارٍ بليغة على البيئة، فإنَّ العديدَ من الأطباء المتخصصين ينصحون المستهلكين بالابتعاد نهائياً عن استخدام الأكواب والأكياس البلاستيكية بسبب الخشية من أضرارها المتمثلة بتعريضهم للإصابة بمختلف الأمراض؛ بالنظر لإمكانية انتقال العديد من المركبات السامة الموجودة في البلاستيك إلى الأغذية، ولاسيما الأغذية الحمضية والساخنة، والتي تحتوي على دهون.   في أمان الله.
 

15
نظافة الطعام ضمان لسلامة المستهلكين
لطيف عبد سالم
تشير الدراسات العلمية إلى أنَّ حدوثَ التسمم الغذائي مرتهن بفاعلية مجموعة عوامل، لعلَّ من أهمها تلوث الأيدي أو الملابس للعاملين فِي المطابخ أو تعرض أدوات المطبخ أو أسطح تحضير الطعام المستخدمة لتجهيز اللحوم والدواجن والأسماك إلى حالات تلوث، بالإضافة إلى عوامل أخرى من بينها وجود ناقل للجراثيم الممرضة في الأطعمة والأشربة أو حملها من العمالة أو الحيوانات الموجودة بمحيط العمل أو المعيشة. ويضاف إلى ذلك أنَّ بقاءَ الطعام مكشوفاً في جوّ الغرفة العادي لفترةٍ من الزمن، من شأنه المساهمة في جعله مهيأ لنمو الجراثيم الممرضة، مع العرض أنَّ توفرَ أحد العوامل المذكورة آنفاً بوسعه إحداث حالة تسمم غذائي.     
يشارُ إلى مجموعة الأعراض الناجمة عن تناول طعام أو شراب ملوثٍ بالبكتريا، الفيروسات، الجراثيم، الطفيليات والمواد الكيماوية السامة باسم التسمم الغذائي. وقد أظهرت الدراسات العلمية أنَّ التسممَ الغذائي، والَّذِي يُعَدّ من الأمراض المتفشية عند ظهور أعراضه فِي أكثرِ من شخصين، تعود مسببات ( 80 % ) من حالاته إلى وجود البكتريا فِي الأطعمة والأشربة الّتي يتناولها الإنسان.
يمكن القول إنَّ الإصابةَ بحالات التسمم الغذائي تحدث غالبا بعد تناول وجبات طعام ملوثة كاللحوم، البيض، الأسماك الفاسدة وغيرها، ولعلَّ ما يعزز من احتمالية إصابة الفرد بالتسمم الغذائي هو ظهور الأعراض التقليدية للإصابة به بعد ساعات قليلة من تناول وجبة طعام ملوثة، وتتمثل تلك الأعراض في الشعور بالغثيان، القيء، الإسهال وتقلصات البطن. وفي السياق التقليدي المتبع في عملية علاج التسمم الغذائي، ينصح أصحاب الاختصاص المصابين تناول كميات كبيرة من السوائل - الماء والشاي الأسود ومختلف أنواع الأعشاب الساخنة - من أجل تعويض ما يفقده الجسم من سوائل وأملاح، إلى جانب تناول بعض الأطعمة في هذه المرحلة كالتفاح والموز. ويضاف إلى ذلك ضرورة تقيد المصاب بالتعليمات الصحية التي تخفف من شدة فعالية الآثار التي يحدثها التسمم.
لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنَّ استمرارَ الأعراض لمدة ثلاثة أيام تُعَدُّ من الحالات المهمة التي توجب عرض الشخص المصاب على الطبيب. كذلك ينبغي الانتباه إلى أنَّ ظهورَ أعراض أخرى مثل الحمى والدم في البراز قد تشير إلى مشكلةٍ أخرى تفوق في خطورتها حالة الإصابة بالتسمم الغذائي. ومن الضروري أيضاً توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أعراض التسمم الغذائي التي يتعرض لها الأطفال، الحوامل وكبار السن؛ لأنَّ تدهور الحالة الصحية عند هؤلاء الأشخاص يمتاز بكونه أكثر سرعة، ما يعني خطورته الشديدة.
من المهم حرص العاملين في المطابخ على اتباع بعض الإرشادات الصحية البسيطة، والتي بوسعها المساهمة في الوقاية من الإصابة بالتسمم الغذائي وتجنب ما يترتب عليه من مساوئ، والتي من جملتها الامتناع عن تقطيع اللحوم والأسماك على لوحة تقطيع الخضروات، إلى جانب التقيد التام بغسل اليدين بشكلٍ جيد قبل المباشرة بإعداد الطعام. كذلك يشدد المتخصصين على ضرورة قلي اللحوم والأسماك لفترة كافية قبل الشروع بعملية الطهي؛ بغية ضمان قتل الجراثيم المحتمل وجودها.
فِي أمان الله.
 

16
مساهمة التقنيات الحديثة في تهديد الاستقرار الأسري
لطيف عبد سالم
أظهرت البيانات الصادرة عن إدارتي مجلس القضاء الأعلى ومفوضية حقوق الإنسان زيادة مخيفة بمعدل حالات الطلاق في عموم العراق خلال السنوات الماضية، ففي الوقت الذي أعلن فيه مجلس القضاء الأعلى عن تسجيل محاكم العراق أكثر من (70) ألف حالة طلاق في عام 2017م، أظهر بيان لمفوضية حقوق الانسان أنَّ محكمةَ استئناف بغداد الرصافة تُعَدّ الاكثر تسجيلاً لحالات الطلاق في عام 2018م بالمقارنة مع ما شهدته محاكم الاستئناف الأخرى، مع العرض أنَّ بيانَ مجلس القضاء الأعلى المذكور آنفاً أشار إلى احتلال العاصمة بغداد المرتبة الأولى أيضاً في حالات الطلاق مقارنة ببقية محافظات البلاد، إذ سجلت محاكمها أكثر من (27) ألف حالة طلاق في العام ذاته!.       
ليس خافياً أنَّ ما أشرنا إليه آنفاً من إحصائياتٍ صادمة، يدق ناقوس الخطر إثر تنامي مشكلة اجتماعية كبيرة بشكلٍ يقلل من فرص معالجتها قريبا، بالإضافة إلى الخشية التي توجبها جملة المخاطر المترتبة على تضخُّم معدلات الطلاق التي شهدها مجتمعنا في الآونة الاخيرة. ولا ريب أنَّ هناك عوامل متعددة تقف خلف بروز تلك المشكلة بصورتها المقلقة من حيث البيئة المناسبة لنضوجها، والتي تجعل منها إحدى الظواهر الغريبة والطارئة على مجتمعنا. وفي هذا السياق تشير الكثير من الدارسات إلى أنَّ في طليعة العوامل الرئيسة التي تسببت في استفحال ظاهرة الطلاق في مجتمعنا هو الاستخدام السلبي لتقنيات الاتصال الحديثة التي اجتاحت بلادنا بشكلٍ مفاجئ بعد سنوات من عزلة دولية ومحلية. 
يمكن الجزم بأنَّ قنواتَ التواصل الاجتماعي - التي دخلت البيوت في أبعد مدننا - أفضت إلى تهديد الاستقرار الأسري بفعل مساهمتها في تعزيز العوامل الرئيسة المسؤولة عن رفع نسب الطلاق؛ بالنظر لتسببها في إصابة الأزواج - ومختلف الشرائح العمرية - بالإدمان على تلك القنوات والعيش تحت تأثير العالم الافتراضي الذي استحوذ على الكثير من وقت واهتمام أغلب من يستخدم تلك المواقع، إلى جانب تسببها في زيادة العوامل المساهمة في إعاقة محاولة الفرد العيش حياة طبيعية، إذ لم يعد ممكناً حضور مبدأ التواصل الواقعي في علاقة الزواج الذي يوجب الارتقاء بالحياة الزوجية إلى مستوى المشاركة بالأحداث والمشاعر والهموم مثلما كانت تقوم عليه فيما مضى. ولعلَّ ما يؤكد هذه الرؤية هو ما أحدثته قنوات التواصل الاجتماعي من تغيرات بنيوية في نمط حياة الأشخاص في بلادنا، مع العرض أنَّ مختلف بلدان العالم عانت بدرجات متفاوتة من تلك التحولات بفعل ما تعرضت له مجتمعاتها من ثورة عنيفة في أنماط سلوكيات أفرادها، لدرجة أفضت إلى زيادة اهتمام الباحثين في مجالات علمي النفس والاجتماع بهذا الأمر الذي أثمر عن ركون الحكومات إلى إنشاء مراكز لعلاج الإدمان على قنوات التواصل الاجتماعي في العديد من دول العالم.       
في أمان الله.

17
تجليات الحب والجمال في ديوان ترانيم الفتى البغدادي للشاعر غزوان علي ناصر.. قراءة نقدية
لطيف عبد سالم
   من المعلوم أنَّ الحبَ كحالة إنسانية سامية، وما يكتنفه من لواعج العشق وصور الجمال، شكل على مدى العصور حافزاً قوياً لإثارة إبداع الشعراء، فضلاً عن مساهمة إبداعية المنجز الشعري بفاعليةٍ في تميز بعض الشعراء عن نظرائهم. ولا ريب أنَّ إبداعَ الشاعر يرتكز بشكلٍ أساس على الموهبة المقترنة بتنوع مصادر المعرفة التي يوظفها هذا الشاعر أو ذاك لرغبةٍ جامحة في التعبير عما يشعر به، أو قد يوجه بوصلتها نحو بلوغ المجد والإحساس بالتميز حيناً ما، مع العرض أنَّ الشعورَ الخفي الذي يؤرق الشاعر، ويرغب البوح به قصد إيصاله إلى المتلقي، يبقى على الدوام رهين ما يمتلكه من أدواتِ البناء الشعري التي بوسعها ترجمة ما بداخله من رؤى، وما يطرق في ذهنه من هواجس.
 أسوق هذه المقدمة الموجزة بعد ما أطلعت على ديوان (ترانيم الفتى البغدادي) للشاعر غزوان علي ناصر الصادر عن مكتبة فضاءات الفن في بغداد، والذي يُعَدّ إصداره البكر. وعلى الرغم من اختلاف معايير المشارب والأذواق، الاّ أنَّ ما أثار انتباهي بدايةً بخصوص الديوان موضوع البحث هو ما تجسد بأمرين، أولهما الانتقائية في اختيار العنوان الذي ضمنه كلمة ترانيم، وهذه المفردة كما هو معروف في معاجم اللغة العربية تستمد خاصيتها المؤثرة في المتلقي مما تحمله في طياتها من معانٍ ترقى بالرؤيا الجمالية، وتستفز بما تحمله من بهاء ذائقته الجمالية، فالتَّرْنِيمُ لغةً: تطريب الصوت. الرَّنِيمُ والتَّرْنيمُ: تَطْرِيبُه، وقد رَنَّمَ الحَمامُ والجُنْدَبُ والقَوْسُ، وما اسْتُلِذَّ صَوْتُهُ، وتَرَنَّمَ. ترنَّمَ يترنَّم، ترنُّمًا، فهو مُترنِّم، ترنَّم المُغنِّي ونحوُه، رَنَّمَ الْمُطْرِبُ: غَنَّى على نَغَماتِ العُودِ غِنَاءً عَذْباً حَسَناً وَرَجَّعَهُ، رنِم: رجَّع صوته وتغنَّى في تطريب وتَحنان ترنَّم الطائرُ في هديره. 
 أما الأمر الآخر، فقد تمثل باعتمــاد غزوان المواءمــة والتكييــف ما بين الشعر والفن؛ لأجل الوصــول إلــى صياغــةٍ ذات قيمة أدبية وفنية معبرة، إذ أطل علينا في وليده الأدبي هذا بما يعتمل في ذاته من مشاعر وخيالٍ جامح بعد أنْ عودنا على الاندهاش بلوحاته الفنية. فقد ركن غزوان إلى اقتران قصائد الديوان الشعرية بلوحاتٍ فنية غاية في الجمال. وأكثر من ذلك أنَّ جميعَ اللوحات - التي وجدت لها حضوراً في صفحات ترانيم الفتى البغدادي - رسمها الشاعر بريشته من دون الاستعانة بفنانٍ آخر كما هو شائع في أغلب الإصدارات الأدبية. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، هو تباين الرؤى حيال موضوع المواءمة والتطابق ما بين الرسم والشعر، والتي وصلت إلى قناعة بعضهم إلى أنَّ الشاعرَ ما يزال متخلفا كثيراً عن الرسام في تجسيم الأشياء المادية، إلا أنَّ هناك رأياً آخر للرسام والنحات الإسباني خوان ميرو (1893 - 1983م)، والذي يُعَدّ أحد أشهر فناني المدرسة التجريدية، يقول فيه: (أنا لا أميز أبداً بين الرسم والشعر. أحيانا أوضح لوحاتي بعبارات شعرية وأحيانا العكس). كذلك يشير أعظم الفنانين وأكثرهم تأثيراً في القرن العشرين الرسام العالمي والنحات بابلو بيكاسو (1881 - 1973م) إلى منجزه بوصفه رساماً وشاعراً. وبالاستناد إلى هذه الرؤى، فإنَّ تمسكَ الشاعر غزوان بالمواءمة في ديوانه هذا ما بين البوح والصورة، فضلاً عن الحرص على تفاعلهما، مكنه من النجاح في مهمة جعل الصورة تكيف نفسها مع قريضه، ولم يستثني من ذلك حتى اللوحة التصويرية التي اعتمدها المصمم في تصميم غلاف مجموعته الشعرية. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمر أَنَّ اقترانَ الشعر بالرسم في هذا الديوان أضفى عليه مسحة من الجمال والرونق سعياً من الشاعر لتحقيق أعلى درجة من التفاعل ما بينه وبين المتلقي أو القارئ. ويبدو أنَّ هذا الامتزاج والتماهي ما بين الشعر وفن الرسم هو الذي دفع الدكتور إياد الباوي إلى الإشارة للشاعر غزوان بوصفه من رواد قصيدة (القصورة) المعاصرين.
إنَّ القراءةَ المتأنية لقصائد الديوان المذكور، تظهر بشكلٍ جلي أنَّ عاطفةَ الحب الصادق المقرونة بمسحة الجمال تشكل أبرز الينابيع التي أثارت قريحة الشاعر غزوان الإبداعية، وحفزته على البوح شعراً، إلى جانب تجسيد عواطفه رسماً؛ لذا كان الغزل حاضراً بقوة في أروقة الديوان فقد كانت القصيدة الوجدانية تشكل سمته الأساسية، وتعكس ما يخالج نفس الشاعر من مشاعرٍ جياشة ومتدفقة بالوجد والحب، والتحرق عطشاً وشوقاً صوب الجمال. وهذه القصائد كما يصفها الشاعر والناقد الجزائري الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي (قصائد تحترف الغزل البغدادي العريق، وتستعيد شيوخ العشق الشعري العراقي القديم) ويلقب الشاعر (بصريع الغواني) تشبيها له بالشاعر العباسي المشهور مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني. وتدعيماً لما ذكر، أرى من المناسب اختيار أبيات عدة من أحد نصوص الشاعر، والتي يقول فيها:
اني صريعُ الغواني والهوى دأبي 
عشق الجمال وحبّ البيضِ يصبيني 
قد كان أقصى مرامي يامعذبتي
أن بين نهديك ياروحي تضمّيني / من قصيدة (صريعُ الغواني) ص37
فهو شاعر عاشق يتبع الجمال ويلاحقه:
أضعتُ رشدي واني عاشقٌ ولهٌ
يهوى الجمالَ ولا يبغي به ضررا / من قصيدة ( معجزةُ الحسنِ ) ص 68
المتوجب إدراكه أنَّ الجمالَ في تشكيل القصيدة الشعرية بهذا الديوان مغمساً بالصدق والنقاء، ما يعني أنَّ هيامَ عشق غزوان الذي فاض بوحاً وغدا ركيزة لإنجاز لوحاته الفنية لا يخرج عن دائرة الغزل العذري والحسي، فالجمال لا ينبغي أنْ يفسرَ بوصفه قضية حسية ترتهن بالغرائز الجنسية. وتحضرني في هذا الإطار مقولة للشاعر إميل ناصيف ضمنها كتابه الموسوم (أروع ما قيل في الوجدانيات)، والتي يقول فيها: (الشعر الوجداني ينطلق من قلب الشاعر ليتوجه إلى قلبه موحداً بين الذات والموضوع محولاً الشاعر إلى النبع والمصب في آن واحد). ويمكن القول إنَّ السماتَ الجمالية المميزة للقصائد التي ضمها الديوان المذكور، وفي المقدمة منها اللغة الشعرية والصورة الشعرية، تكشف لنا عن شاعر وجداني عميق الإحساس، متمكن من أدواته الشعرية، ضليع باللغة ومحب لجماليتها، ولا غرابة في هذه الميزة ما دام غزوان علي ناصر يدرس اللغة العربية كونه احد طلبة الدكتوراه في اختصاص النقد والأدب. ولعلَّ من المهم الإشارة هنا إلى أنَّ مؤلفَ هذا الديوان يشتغل على القصيدة العمودية الكلاسيكية على الرغم من انفتاحه على أجناس الشعر الأخرى، إذ يبدو بما لا يقبل التأويل أنَّه يجد قصيدة العمود أقرب إلى نفسه.
إنَّ القراءةَ المتأنية المتأملة لقصائد ديوان ترانيم الفتى البغدادي تقود إلى الاحساس بتميز الشاعر غزوان فيما يكتبه وذلك يتجلى  بأسلوبه السهل الممتنع، إذ يتصف أسلوبه في تركيب أبياته الشعرية بسلاسة المفردات ووضوح معانيها، وصدق عاطفتها، ما يجعل قصائده أكثر إثارة للمتلقي واقرب إلى نفسه وخلجات وجدانه. ومن وحي القراءةَ المذكورة آنفاً، ندرك أيضاً تميز شاعرية غزوان بلغةٍ شعرية عززت بنية القصيدة وساهمت في المحافظة عليها بفضل امتلاكه إمكانيات شعرية غير محدودة، والتي ساهمت في تدعيم منجزه الشعري الواعد بما أفضت إليه من شعرٍ رقيق، إذ اتسم شعره بقوة التأثير وصدق العاطفة، إلى جانب إجادته التفنن في نسج الصورة الشعرية. وأما الاوزان الشعرية التي استعملها الشاعر في ثنايا هذا الديوان فقد كانت متنوعة كالبحر الوافر، والبحر الكامل، والبحر المتقارب والبحر البسيط الذي كانت له هيمنة واضحة على باقي الأوزان الشعرية.
وفي الوقت الذي أبارك فيه منجز الزميل الشاعر غزوان علي ناصر، أختم حديثي عن ديوانه البكر باختيار أبيات عدة من قصيدته (غادة الفيحاء) ص 159 :
وتلطَّفي في عاشـــــقٍ متســـــوِّلٍ
                         أبكى السَّمـــا حزناً ومــا أبكـــــاكِ
عندي مِــن الأشـــعارِ ما لـو قلتُهُ
                        غارتْ نســــاءٌ لــــو بها ألقــــــاكِ
عندي مِن الأشواقِ حبٌّ ســـاحرٌ
                         باحـــــــتْ بـهِ الشَّفتانِ حينَ أراكِ
دنياي مِنْ غيرِ الوصــالِ مريرةٌ
                        فكأنَّني أمشـــي على الأشــــــواكِ
لكِ بسمةٌ من لطفِها لو أشـــــرقتْ
                          لتشعشعتْ من نـورِهـِـــا خــدَّاكِ
هـاتي الشِّفاهَ أهيمُ فيهـــــا لحظـةً
                         ولتسقني خمـــــرَ الحـــياةِ يـداكِ
................................................ 
 المجموعة الشعرية: ترانيم الفتى البغدادي
المؤلف: الشاعر غزوان علي ناصر
تاريخ الاصدار: الطبعة الأولى 2019م
عدد صفحات الديوان: 207 صفحة
مطبعة تنوير
الناشر: مكتبة فضاءات الفن - بغداد - العراق








18
تجارب واعدة في مسار الانتقال نحو الطاقة المتجددة
لطيف عبد سالم

يمكن القول إنَّ العالمَ برمته يواجه في حاضرنا الكثير من التحديات التي تثير المخاوف من سلبية انعكاساتها على مستقبل البشرية، بالإضافة إلى تيقن جميع الحكومات من عدم إمكانية أي دولة التوصل إلى حلولٍ شافية لها بمعزلٍ عن الجهود الدولية. ولعلَّ من بين التحديات التي دفعت الكثير من الدول البحث عن مصادرٍ بديلة للوقود الأحفوري، والسعي الحثيث لإيجاد أمثل البدائل والحلول التي بوسعها تجاوز مشكلة عدم الوفرة المتوقعة، هو محدودية مصادر إنتاج الطاقة في ظل تناقص مواردها، وربما عدم توفرها بكفايةٍ في العديد من دول العالم، إلى جانب عدم استقرار أسعار النفط بفعل ما أفضت إليه التوترات الدولية التي يشهدها العالم من زيادةٍ في عدد متغيرات العرض والطلب. ويضاف إلى ذلك معاناة بيئة الحياة من سلبية آثار الوقود الأحفوري، والتي من أبرز صورها: تلوث الهواء، تلوث الماء، تآكل طبقة الأوزون، فضلاً عن آثار التغيرات المناخية التي ظهرت في مناطق مختلفة من أرجاء المعورة بفعل زيادة معدلات إنتاج الطاقة التقليدية بالاعتماد على حرق الوقود الأحفوري. 
على الرغم من ظهور مؤشراتٍ ملموسة تؤكد ما يتعرض له العالم من المخاطر التي تعبر عن حاجة ملحة إلى ركون الإدارات الصناعية لتخطيط مستقبلي بمقدور آلياته المساهمة في ضمان الوقاية من مشكلات التلوث البيئي، فالمذهل في الآمر هو أنَّ انتقالَ بعض الدول نحو مصادر الطاقة البديلة تميز بالبطء وعدم الجدية، فيما تسعى الكثير من دول العالم الأخرى إلى الانتقال التدريجي نحو اعتماد مصادر الطاقة المتجددة؛ بالنظر لأدراكها أهمية هذا المنحى الذي ألزمها الإسراع بخطى جادة في تبني العديد من الخطط والدراسات على الصعيدين الحكومي والخاص لتشجيع استخدامات الطاقة النظيفة.
في سياق التوجه العالمي صوب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في مهمة الحصول على الطاقة والاستعاضة عنه بمصادرٍ متجددة أو بديلة، نجحت كوستاريكا - إحدى دول أميركا الوسطى - في تحقيق ما وصف برقمٍ قياسي في مجال تحسين البيئية والمحافظة على عناصرها؛ إذ تمكنت هذه الدولة - التي تغطي الغابات الاستوائية نحو ثلث أرضها، وتبلغ المساحة المخصصة للمتنزهات والمحميات الطبيعية فيها نحو (25%) من إجمالي مساحتها - من استخدام الطاقة النظيفة طيلة (300) يوم متتالٍ لإنتاج الطاقة الكهربائية. ولعلَّ المثير للاهتمام أنَّ إدارةَ الطاقة في هذا البلد الذي يشار إليه بوصفه أكثر دول العالم صداقة للبيئة، استطاعت تحقيق هذا الإنجاز في الوقت الذي ما تزال فيه بعض العواصم الغربية تشهد جدلاً واسعاً حول التكاليف المترتبة على الطاقة النظيفة، فضلاً عن تأثيرها في النمو الاقتصادي. وتحتل طاقة الرياح ثم الطاقة الحرارية الجوفية، إلى جانب الطاقتين الحيوية والشمسية المرتبة الثانية بعد الطاقة الكهرومائية التي تشكل نحو (78%) من إجمالي إنتاج الطاقة المتجددة في عموم مناطق كوستاريكا. وعلى الرغم من محدودية الإنجاز البيئي التاريخي المذكور آنفاً بسبب اقتصاره على ميدان إنتاج الطاقة الكهربائية، وعدم شموله قطاع السيارات التي ما يزال الوقود مصدرا لنحو (7%) منها، فأنَّ اهتداءَ القيادات الإدارية في هذه الدولة الصغيرة الواقعة ما بين الأميركتين لاستراتيجية التحول صوب ميدان الطاقات النظيفة، أتاح لإدارة الطاقة فيها الإستغناء عن النفط وغيره من أنواع الوقود الأحفوري.
ونحن نغادر تجربة هذه الدولة التي تُعَدّ الوحيدة في أمريكا اللاتينية المدرجة على قائمة أقدم (22) دولة ديمقراطية في العالم، بمقدورنا تلمس إحدى التجارب الحديثة الأخرى في هذا المنحى أيضاً، والمتمثلة بمطار (بكين داكسينغ) الدولي الجديد الذي ساهمت في تصميمه المهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، والذي يمكنه استيعاب (72) مليون مسافر سنوياً، إذ أعلنت الصين أنَّ هذا المطار الذي يُعَدّ من أضخم المطارات الدولية على وجه الأرض، صمم للعمل جزئياً بالطاقة النظيفة، فبالإضافة إلى المصادر التقليدية، سيعمل هذا المطار العملاق بمصادرٍ متنوعة من الطاقة النظيفة تشمل طاقة الأرض والشمس، والتي تصل نسبة إنتاجها إلى (10%).
جدير بالإشارة أنَّ تغطيةَ متطلبات الطاقة الكهربائية لهذا المطار الذي أقيم استجابةً للارتفاع الشديد في حركة النقل الجوي الصيني، ومن المتوقع أنْ يصبحَ واحداً من أكثر مطارات العالم ازدحاماً، فرضت على المصممين نشر آلاف الوحدات من الأنظمة الضوئية الشمسية على امتداد سقف مبنى المطار، فضلًا عن مناطق الشحن، وسقوف المباني المخصصة لركن السيارات، إذ يتوقع أنْ تولدَ الأنظمة الضوئية المذكورة بمفردها طاقة كهربائية تصل إلى نحو   (6.1) مليون ساعة كيلوواط كهربائية سنوياً.

في أمان الله.
     

19
المنبر الحر / مواءمة قصة قصيرة
« في: 19:02 04/07/2019  »
مواءمة
قصة قصيرة
لطيف عبد سالم
ذاتَ لَيْلَةٍ مُطَيْرة في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي، إستفاق مِنْ شروده عَلَى صوت صغيرته المدللة، فوثب مذعوراً قبل أنْ يهرعَ حافي القدمين وقلبه يسبق أوسع خُطُوَاتِه صوب حجرة والدته الَّتِي تَعِدها كُلّ ما ورثته عَنْ أبيه.
أصابه الذهول لفترةٍ من الزمن وهو يحاول لملمة أفكاره خلال انشغاله بعقدِ ذيل دشداشته العتيقة بوساطةِ حزامٍ متهرئ وهبه إياه قبل أعوام عدة جده لأمه، بعد أنْ جعل من بابِ حُجْرَتها المتهالك سندَاً لظهرِه، أطرقَ للأرضِ قبل أنْ يترك لعينيه النظر إليها وهي تكور جسمها محولة إياه لما يشبه كرة غير منتظمة الأبعاد بفعلِ احتضانها وسادة تحتفظ بها منذ ليلة زفافها لأجل التخفيف من ثقل امراضها.
كان جل اهتمامه منصباً علَى الظفر بمحاولةِ إبعاد كل ما يثبط عزيمته حول التعامل معها بطريقة مِنْ شأنها خلخلة وجدانها المعبأ غيظاً وألما.
وهي ترخي عينيها في إغماضهٍ خفيفة أعادت إليه ذكرى حزنها يوم مات أصغر أبنائها غرقاً، حدق في صغيرته وأشار بيده إليها أن تتقدم منه، تحركت ببطء شديـد، وقفت أمامه، انحنى قليلاً، رفعت رأسها نحوه، همس في أذنها وهو يداعب شعرها بإصبعه، ذهبت لحجرته راكضة، ثم عادت إليه تحمل حقيبتها المدرسية، احتضن الحقيبة وافترش الأرض، أخرج منها دفتراً صغيرا وقلم رصاص، أمسك القلم من المنتصف وانحنى به على الدفتر، ممرّراً إياه في الورق بالاتجاهات كافة.
كانت والدته حيرى فيما بوسعها فعله، ووسط ذهولها نظرت نحوه ثم قالت:
- ماذا تفعل يا ولدي؟
رفع رأســه نحوها مبتسماً وقال:
- أكتب رساله إلى أخي.
قالت له والذعــر بائن في نظراتها:
- كيف تكتب رسالة وأنت لا تقرأ ولا تكتب؟
أشار إليها بيده قائلاً:
- وما الضير في ذلك؟ ما دام هو أيضاً لا يجيد القراءة والكتابة!.

20
مؤسسة أضواء القلم الثقافية تستضيف النائب السابق رحيم الدراجي بأمسية ثقافية   
لطيف عبد سالم
احتضنت مؤسسة أضواء القلم الثقافية بمدينة الكمالية، أمسية ثقافية واكبها جمهور غفير من الأكاديميين والتربويين والمهتمين بالأدب و ورواد الثقافة. الأمسية التي تعد الخامسة في برنامج المؤسسة الثقافي للعام الحالي، جرى فيها استضافه النائب السابق الأستاذ رحيم الدراجي، والذي ألقى محاضرة بعنوان  (دور المواطن في مكافحة الفساد وتقويم الانحراف السياسي).   
بدأت هذه الفعالية بقراءة سورة الفاتحة وقوفاً ترحماً على أرواح شهداء العراق، ثم ترحيب مدير الجلسة - رئيس المؤسسة - بضيف الأمسية وجمهور الحاضرين، بالإضافة إلى مقدمة موجزة عن واقع المشهد السياسي في العراق، وأهمية دور المواطن في تعزيز الممارسات الديمقراطية، والمساهمة في تحقيق خطط التنمية، فضلاً عن ضرورة تدعيمه لكافة التدابير والإجراءات التي من شأنها المعاونة في مهمة تحقيق الاصلاح الإداري. ثم استعرض بعد ذلك السيرة الذاتية للأستاذ الدراجي قبل دعوته إلى المنصة لإلقاء محاضرته التي ضمنها رؤيته لطبيعة المشكلات التي تواجه القيادات الإدارية في مهمة تعميق المسار الديمقراطي وإنضاج آلياته، كما تحدّث المحاضر عن جملة المعوقات التي تواجه الحكومة في مشروعاتها المتعلقة ببناء البلاد واعمارها.
بعد فراغ الدراجي من محاضرته، فتح مدير الجلسة الباب للمداخلات والأسئلة. وفي ختام الأمسية قدّم رئيس المؤسسة نيابة عن زملائه أعضاء الهيئة الإدارية وجمهور الحاضرين شهادة تقديرية إلى الأستاذ رحيم الدراجي تثمينًا لمساهمته في البرنامج الثقافي للمؤسسة. وبدوره أثنى الدراجي على مبادرة إدارة مؤسسة أضواء القلم الثقافية بإقامة هذه الأمسيات خدمة لعراقنا الحبيب، وسعياً لترسيخ قيم بناء المجتمع المدني.

21
صدور كتاب مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي
صدر عن دار تموز في دمشق كتاب جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم وسمه بـ: (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي). الكتاب الذي قدم له الناقد الدكتور حسين سرمك حسن، وصممت غلافه الأديبة والمصممة الأستاذة رفيف الفارس، يقع في (320) صفحة، ويضم أربعة عشر فصلاً.
في مقدمته التي حملت عنوان: (التجربة الشعرية والتسلّطية المُحببة) أشار الدكتور حسين سرمك حسن إلى أنَّ الكاتبَ ذهب إلى معالجة موضوعة مهمة وحسّاسة عن الشاعر يحيى السماوي ومنجزه الشعري، لم تتم معالجتها بهذا الشمول والتماسك والإحكام من قبل. وهي العرض السيري لمسيرة يحيى الحياتية - الشعرية منذ ولادته حتى يومنا هذا محاولاً - أي لطيف عبد سالم - الإمساك بالعوامل البيئية والحياتية والثقافية الحاكمة التي أسهمت في صياغة وجدان يحيى الشعري، وتفجير وصقل طاقاته الشعرية من بيت ومحلّة ومدينة ومدرسة وجامعة ومكتبة وشارع سياسي وشخصيات أولى مؤثرة في بلورة ركائز الشخصية كالأب والمعلم والصديق والناشط السياسي وغيرهم. وما لا يقل أهمية عن ذلك محاولة مراجعة التجارب الأولى؛ الشخصية والعامة - والتجارب العامة في وطننا تأتي عاصفة ساحقة في أغلب الأحيان - خصوصاً المبكرة والتقاط الكيفية والمسارات التي أسهمت عن طريقها في انبثاق موهبة يحيى الشعرية - والموهبة تستعصي حتى على التفسير العلمي المنطقي في بعض الأحوال - وتحديد مآلاتها ورسم محاورها الأساسية في تصميم ما أسمّيه "النبع المركزي" الذي ينطلق منه نهر الشعر الذي سيمتد في حياة أي شاعر مجيد ويحدّد نوعية مياه التجربة الشعرية وعنفوان تياراتها وصخب تحوّلاتها صعودًا متجدداً نحو الأعالي أو هبوطًا متباطئاً نحو قيعان الركود والتكرار.
وقد أمسك لطيف بـ (النبع المركزي) الذي لم يشكّل الملامح المركزية لتجربة يحيى السماوي الشعرية والحياتية فحسب بل أرسى مرتكزات ما أسمّيه (العوامل / التجارب التسلّطية). وهي تلك العوامل والتجارب الحاسمة التي تغور عميقاً في لاشعور الشاعر منذ مراحل عمره المبكرة، وتبقى - وبصورة متسلطة قاهرة - تنسرب من حيث لا يدري لتحدّد مضمون، وبدرجة أقل شكل، منجزه الشعري.
ما أمسك به لطيف في هذا المجال هو دور المدينة؛ السماوة، والوطن؛ العراق، كنبع مركزي انطلقت منه مياه نهر التجربة الشعرية ليحيى لتنغرس - عميقاً وبعيداً - في أعماق لا شعوره الفردي، ولتستوي على سوقها وتتصلّب بالمراس والمران وتصل بعد سنوات طويلة من الاختمار والإثراء المقصود وغير المقصود بالتجارب الحياتية والخبرات الثقافية العامة والشعرية إلى النضج و(التسلّط). إنها سوف تصبح (شاعراً داخل الشاعر)، إذا جاز التعبير ودقّ الوصف، تفرض سطوتها على مضامين نصوص الشاعر الذي لا يتمكن، بل لا يحاول الإفلات من سيطرتها، ويستمتع بتجبّرها لأنها النبع الذي يروي شجرة وجوده الشعري ويمنع تصحّر أرض تجربته. ولهذا تجد عامل المدينة والوطن؛ النبع المركزي في تجربة يحيى، منسرباً في أغلب نصوصه حتى لو كان يكتب عن مقهى أو شجرة أو لوحة أو مدينة غير السماوة ووطن غير العراق.
واختتم الدكتور سرمك مقدمته بالقول: هناك دائمًا الأنامل الخبيرة التي تفرك الصدأ عن تبر (العراقية). وهي دائماً أنامل المبدعين - وليس السياسيين عليهم لعنة الله - وفي مقدمتهم الشعراء الذين يتبعهم القرّاء المؤمنون بقداسة التراب (الأمومية) مثل لطيف عبد سالم. المبدعون - ومنهم يحيى السماوي - هم الذين يفركون الصدأ ويزيحون ركام أتربة القهر والإنذلال واللهاث الحيواني عن وجه (الروح العراقية) الكامنة؛ ولهذا تجد أبسط مواطن يطرب وينتشي ويبدأ بالتغني بوطنه حين يستمع لنص من نصوص يحيى برغم أنّه قد لا يكون حصل على إفطاره ويفكر كيف يدبّر رزق عائلته. وهذا التأثير تجلى أوّلاً في نفس الكاتب؛ لطيف عبد سالم، وهزّه من الأعماق على طريقة الشاعر العامي : (هزني الهوه - الهَوّى- بكل حيله لَنْ شاعر مسوّيني) لتشكل (عراقيته) المتسلطة المحببة هذا الكتاب الجميل الذي بين أيدينا. فله مني التحية.         

 

22
مشكلات مزمنة يعانيها الإقتصاد العراقي
لطيف عبد سالم
ليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ الاقتصادَ العراقي يُعَدّ من الاقتصادات الواعدة التي تعرضت لحالاتٍ من التدهور في مراحلٍ عدة، فضلاً عما صاحب ذلك من تعثرٍ في المساعي الرامية إلى تنميته. ويمكن الجزم بأنَّ السببَ الرئيس في ذلك يعود في واقعه الموضوعي إلى جملة من العوامل الموضوعية التي تركت في أرجائه ندبات سلبية عميقة الأثر، مع العرض أنَّ أغلبَ تلك العوامل متأتٍ من تداعيات الحروب، وسوء الإدارة، وما ظهر من السياسات المرتجلة، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الفساد بشكلٍ مخيف.
من المعلوم أنَّ الاقتصادَ العراقي شهد تحولات في نظامه واتجاهاته وأدائه منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فضلاً عن تعرضِه إلى صدماتٍ عنيفة بفعل رؤى القيادات السياسية الَّتِي ترتب عليها إقحامِه في ظروفٍ معقدة أفضتْ إلى زعزعة استقراره وفقدانه فرص التطوير المفترضة. ولعلّ أبرز هذه المحطات هو الحروب العبثية، والتي بدأت بحرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات، وتسببتْ في استنزاف نسبة عالية جداً من الاحتياطيات الأجنبية التي استخدمت من أجل تمويل الإنفاق الحربي، إلى جانب كارثية آثار هذا التوجه الذي كان في مقدمة نتائجه المأساوية ما حصل من تشوه في بنية البلاد التحتية، وتراجع إنتاجية قطاعات البلاد الرئيسة، إذ وصلتْ قيمة الإضرار حينئذ إلى نحو (453) مليار دولار أمريكي بحسب البيانات الحكومية.
حين أطلَ عقد التسعينيات من القرن المنصرم على المجتمع البشري، كان الاقتصاد العراقي وهو لم يتعافَ بعد على موعدٍ مع التداعيات السلبية لمجريات حرب الخليج الثانية، والتي سبقت التحضيرات لها فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية قاسية تمثلت بحصارٍ اقتصادي جائر، أفضى إلى دخول البلاد بعزلةٍ دولية وإقليمية دامت لأكثرِ من عقدٍ من الزمان، بالإضافة إلى جسامة التعويضات المالية التي تحملها العراق، والتي قدرت خسائرها بما يقرب من (200) مليار دولار أمريكي بالاستناد إلى الوثائق الدولية.
من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ الاقتصادَ العراقي يعاني اليوم من كونه أسير العديد من العوامل المقيدة لمحاولات تطويره، إذ ما تزال قِطاعات البلاد الرئيسة تعيش التراجع والتشتت، وتعتمد على مختلفِ دول العالم، فضلاً عن المحيط الإقليمي بمهمة تغطية حاجات السوق المحلي، فلا ريب أنَّ العراقَ أصبح في مقدمة البلدان المستهلكة لبضائعٍ وسلع ضرورية أو غير ضرورية من خارجِ البلاد، على الرغم من أنَّ البياناتَ الرسمية تشير إلى استنزافه ما يزيد عن ( 500 ) مليار دولار في المدة الماضية. 
تتجسد المشكلات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي في عالم اليوم بمجموعةٍ من العوامل الموضوعية التي من أهمها ارتفاعِ حجم المديونية الخارجية، تباطؤ معدلات النمو، تراجع إنتاجية قطاعي الزراعة والصناعة، القوانين القديمة المعرقلة لإنضاج البيئة الاستثمارية والاعتماد على الاستيراد الخارجي بنسبةٍ عالية في ظل تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي أفضت إلى انهيار القطاع الخاص.
في أمان الله.

23
مدخل لبحث هِجْرَةُ الأدمغة العربية
لطيف عبد سالم
تكتسب ظاهرةَ نزيف العقول العربية يوماً بعد يوم، أهمية مضاعفة في ظل تفاقم العديد من موجبات حضورها، فلا عجب من تزايد أعداد الكفاءات العلمية العربية المهاجرة، والتي من شأنها القيام بدورٍ مؤثر في توجيه إدارات مختلف القِطاعات في بلدانها، فضلاً عن المساهمة بشكلٍ فاعل في دعمِ برامج التنمية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، وتعزيز مهمة تمكين مؤسساتها وتطوير قدراتها في كافة المجالات، إذ لا نبعد عن الصوابِ إذا قلنا إنَّ المجتمعاتَ العربية ما تزال بأمس الحاجة لخبرات العلماء في مختلف فروع العلم، ومؤهلات المتخصصين في مجالات الحياة كافة.     
تُعَدّ البلدان العربية في طليعة البلدان التي تعاني من سلبيةِ آثار هِجْرَة المهندسين والأطباء وعلماء الذرة والفضاء، إلى جانب غيرهم من الكفاءاتِ العلمية التي تُعَدّ من أفضل الخبرات على المستوى العالمي. وفي هذا السياق كشفت نتائج بعض الدراسات التي قامت بها جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو والبنك الدولي، أنَّ هِجْرَةَ الأدمغة من البلدان العربية تشكل نسبة عالية تصل إلى ثلث إجمالي هِجْرَة أدمغة البلدان النامية، فضلاً عن هِجْرَة نحو  (50%) من الأطباء، و(23%) من المهندسين، و(15%) من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة من الجامعات العربية إلى أوروبا والولايات المتحِدة وكندا. ويضاف إلى ذلك ما أظهرته بعض الدراسات المعتمدة من أنَّ قرابة (54%) من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم!. 
لا ريب أنَّ الظاهرةَ المذكورة تُعَدّ بوصفها أحد أبرز المشكلات التي تعانيها القيادات الإدارية في البلدان العربية، إذ أفضت هِجْرَة الكوادر الوطنية خارج أوطانها إلى التأثير سلباً على تطور إقتصادات بلدانها التي يعاني أغلبها تردياً في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجعاً في مؤشر النمو. كذلك ساهم تصاعد وتيرة الهِجْرَة في المنطقة العربية بإعاقةِ ما متاح من فرصِ التنمية والتطوُّر، فضلاً عما أفرزته من تبعاتٍ سلبية على مستقبل التنمية في تلك المجتمعات. ويضاف إلى ذلك ما ترتب بسببها على البيئة الإجتماعية من آثارٍ ذات صلة بمواضيعٍ عدة كالتركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية.     
يعزو الكثير من الباحثين تسارع وتيرة هِجْرَة الكفاءات العربية، فضلاً عن ارتفاع معدلاتها في السنوات الأخيرة إلى تزايد القيود المفروضة في أغلب تلك البلدان على ممارسة الأفراد حرية البحث العلمي التي تُعَدّ في واقعها الموضوعي في طليعة العوامل فاعلة الأثر التي من شأنها إرساء أسس نشوء هذه الظاهرة، فلا مناص من الإقرار بأنَّ حريةَ البحث العلمي تشكل إحدى الواجهات المهمة للحريات الفكرية؛ لذا لا يخامرنا أو يساورنا أدنى شك في تنامي ما يترتب على هذا الواقع من تداعياتٍ إنسانية مؤلمة تتعلق بشعور الكفاءات العلمية والفكرية العربية المتزايد بالاغتراب داخل أوطانها، ما يعني وقوعها تحت أحد أعمق التحديات المتمثلة بتعرضها لاستبداد داخلي ألزمها العيش في دوامة الترقب والانتظار حتى تحين فرصة الهِجْرَة إلى خارج الوطن وضياع إمكانية الاستفادة من خبراتها في مجالات متعددة!.       
يمكن الجزم بأنَّ الاستمرارَ في حرمان البلدان العربية من كفاءاتها العلمية يُعَدّ من مظاهر الخلل في أداء حكوماتها، إذا ما أدركنا حقيقة الأخطار الجسيمة التي من شأنها التأثير على مستقبل مجتمعات هذه البلدان بفعل ما يتوقع أن تتعرض له من أضرارٍ بليغة الأثر في مختلف مجالات الحياة الإقتصادية والثقافية والتربوية والصحية من جراء ضياع عقول وأدمغة أبنائها وخسارة خبراتهم اللازمة لتحريك عجلة التقدم.
لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ الواقعَ السياسي للبلدان العربية - التي ما تزال أغلبها بعيدة جداً عن وتيرةِ الإجراءات والتدابير التي بوسعها المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة -  يشكل أحد أبرز العوامل المساهمة في هِجْرَة الأدمغة إلى مختلف بقاع العالم، إذ ليس خافياً على أحد ما شهدته غالبية تلك البلدان من اضطراباتٍ سياسية وعمليات إرهابية، فضلاً عن محاولاتِ إشعال فتيل الحروب الأهلية بوتيرة غير مسبوقة مثلما ظهر من بوادرها الأليمة في أعقاب موجة (الربيع العربي)؛ إذ أفضت تلك الحروب إلى التسبب في إحراق الأخضر واليابس، فضلاً عن تحويل أروقة الكثير من المناطق الجميلة بتاريخها وتعايش أهلها إلى كومٍ من الرماد.
في أمان الله.

24
المنبر الحر / حين يموت الضمير!
« في: 12:43 04/05/2019  »
حين يموت الضمير!
لطيف عبد سالم
من نافلة القول إنَّ القيمَ الصادقة تُعَدّ من أهم الركائز الأساسية التي تُبنى عليها المجتمعات البشرية، بوصفها مجموعة المعايير التي تحقق الاطمئنان للحاجات الإنسانية التي من شأنها المساهمة في الحفاظ على سلامة المجتمع واستقراره. وفي هذا السياق يشير بعض الباحثين إلى أنَّ مصيبةً الإنسان العظمى تتحقق في موته وهو حي بسبب موت ضميره، فالضمير على وفق هذا التحديد كالإنسان إما حي أو ميت، فيما يؤكد آخرون أنَّ الضميرَ الحي هو الضمير الذي يتمتع بقدر كبير من الحرية من صاحبه، فحينما يموت الضمير تغفو العقول في برك آسنة، ما يعني امتلاك هذا النوع من البشر القدرة على فعل كل ما يخالف المبادئ الإنسانية؛ لانَّ الضميرَ يعني وعي الفرد بتوافق ما يقوم به من عمل أو تعارضه مع المعايير الناظمة لمنظومة القيم الإنسانية النبيلة. ولا ريب أنَّ كل الأزمات والويلات والمحن والمصائب التي شهدتها المجتمعات الإنسانية – وما تزال تعيشها – تفرعت عن الأزمة الأم المتمثلة بأزمة الضمير الإنساني.
تشهدُ الكثير من بلدان العالم ازدهاراً في صناعة المنتجات الطبية العلاجية المغشوشة بعملياتٍ صناعية واسعة النطاق أو عمليات صغيرة تجري في الخفاء، حتى بات من غير الممكن وجود بلد لم تمسه تلك المشكلة. ويمكن الجزم بأنَّ سهولةَ الحصول على المتطلبات التقنية الخاصة بصنع الأدوية المغشوشة ومثيلاتها من أنواع العقاقير غير فاعلة التأثير كالأفران والمعدات التخصصية والآت إنتاج الأقراص ومواد التغليف وغيرها من المكونات يُعَدّ من بين أهم العوامل المساهمة في انتعاش المصانع السرية لهذه التجارة التي تشكل انتهاكاً جسيماً لمبادئ القانون الإنساني الدولي ولوائح حقوق الإنسان، إذ تعكس هذه الشوائب السلوكية التي أضحت سمة المفسدين في الأرض بهذا العصر اختلالاً هائلاً في الموازين الضابطة للسلوك البشري، والتي مردها بشكلٍ رئيس إلى موت الضمير الإنساني.
لعلَّ المذهل في أمر هذه المشكلة التي تفشت في مجتمعنا بشكلٍ مثير للحيرة والقلق هو صعوبة كشف حقيقة تلك الأدوية بفعل الدقة المعتمدة في إخراجها، إذ تبدو في أغلب الأحيان مصممة بشكلٍ مطابق من ناحية الشكل للمنتج الطبي العلاجي الأصلي. ويضاف إلى ذلك الدور الكبير لمافيا التجارة المحرمة دولياً، والتي تمتلك العديد من آليات تسويق الأدوية المزورة إلى مختلف بلدان العالم، وبخاصة المتخلفة أو التي تعاني صراعات أو مشكلات في طريقة الإدارة، إذ توسعت أذرعها التجارية ووصلت إلى درجةٍ غير معقولة بعد أن شملت منتديات المستهلكين والأعمال التجارية. كذلك أفضت ثقافة التشخيص الذاتي للحالات المرضية والتحديد الذاتي لوصفات علاجها إلى إلزام مصنعي العلاجات الطبية المغشوشة ونظيراتها متدنية النوعية - التي قد تتسبب في حالات وفيات - بإقامة ما لا يحصى من مواقع الشبكة الدولية، فضلاً عن استثمار قنوات التواصل الاجتماعي وتوظيفها في مهمة الترويج لمنتجاتها الفاسدة أو بضائعها التالفة، بالإضافة إلى سهولة توزيعها في ظل ضعف الإجراءات الرقابية.
في أمان الله.


25

لطيف عبد سالم
يشهد العالم سعياً متنامياً من أجلِ الوصول إلى أكبرِ قدر ممكن من العلوم وأدق آفاق المعرفة، الأمر الذي أفضى إلى زيادةِ حاجة أغلب البلدان إلى الدراساتِ والبحوث؛ إذ أَنَّ عظمةَ الأمم في مختلف أرجاء المعمورة تعكس ما توصّلت إليه شعوبها في مجال البحوث والاكتشافات الجديدة والابتكارات العلمية التي من شأنها المساهمة في ضمانِ نجاح خطط القيادات الإدارية، وحزمة برامجها الرامية إلى رفاهية الإنسان وتقدّم مجتمعه. وليس خافياً أنَّ المهمةَ المذكورة آنفاً، تفرض على هيآتِ التخطيط الحكومية ومجالسها، الشروع فِي إنشاءِ بيئةٍ ملائمة لتنميةِ العلوم والبحوث، فضلاً عن الحرص على تدعيمِ مؤسساتها، وبقية مفاصلها بما استحدث من التِقنيات والابتكارات المستخلصة من مختلف التجارب العالمية ضمن هذا المنحى، مع العرضِ أنَّ التوجه بالاستنادِ إلى هذا المسار، يتطلب تأمين متطلبات كثيرة، لعل من أبرزها حضور التنسيق والتعاون والشراكة ما بين جميع الجهات الوطنية المتمثلة بالمؤسسات الأكاديمية وموارد القطاعين العام والخاص؛ إذ لا بدّ من مساهمة تلك الجهات فِي مهمة تمويل البحوث العلمية، وتوفير حاجاتها البشرية والمادية والفنية؛ لأجل توجيه الطاقات البحثية في جامعات البلاد ومعاهدها، إلى جانبِ المتاح من مراكز البحوث والدراسات، بالشكل الذي يؤمن متطلبات نجاح استراتيجية التنمية الإقتصادية والإجتماعية.
لا رَيْبَ أَنَّ الرؤيةَ آنفاً، تتطلب سعياً حثيثاً لتحفيزِ مقومات التميز في البحثِ العلمي والابتكار والإبداع، فضلاً عن التمسكِ بحزمةِ آلياتِ تمكينها؛ بغية تطوير نطاق البحوث العلمية، وتوسيع آفاقها قصد الارتقاء في مستوى البحث العلمي ومخرجاته، وتوظيفها في دعمِ عملية التنمية الإقتصادية والإجتماعية. وهو الأمر الذي يوجب العمل على تقويةِ أواصر التعاون والتنسيق المفترضة ما بين جميع الجهات المحلية المعنية بمهمةِ التطوير، والتي تتطلب ربط موارد إدارة التعليم العالي ومراكزها البحثية بمفاصلِ القطاعين الحكومي والخاص؛ لأجلِ مساهمة تلك القطاعات في تدعيمِ منظومة البحث العلمي بمختلفِ حلقاتها، بالإضافة إلى رعايةِ الابتكارات العلمية والبحوث التطويرية وتشجيع العاملين في مساراتِها.
لا يخفى على أحد ما بذلته حكومات الدول المتقدمة، فضلاً عن بعض الدول النامية من جهودٍ جبارة - في مناخٍ إداري متقدم وبيئة فنية وتِقنية متميزة - بمجالِ بناء منظومات البحث العلمي لبلدانها، والحرص على رعايةِ ما تقوم عليه تلك المهمة الوطنية من دعائم، إلى جانب تعزيز قدراتها عبر محاور عدة، من بينها تمويل ما انتخب من مشروعاتٍ بحثية في مختلفِ المجالات العلمية، الدخول فِي شراكاتٍ دولية تتبنى التعاون بمشروعات التعاون العلمي المشتركة في إطارِ برامج بحثية مختلفة الأغراض ومتباينة المقاصد، إقامة المؤتمرات العلمية والطاولات المستديرة وورش العمل وتوجيه مخرجات البحوث العلمية في إطارِ متطلبات الخطط الاستراتيجية الخاصة بتحقيق النمو الإقتصادي والتطور العلمي والرفاهية الاجتماعية؛ إذ أَنَّ البحثَ العلمي يكتسب أهميته من خلال إمكانية مخرجاته على تقديمِ أنسب الحلول، وأكثرها قدرة عَلَى مواجهةِ ما يحتمل أنْ يظهرَ من مشكلاتٍ ميدانية، فضلاً عن تطوير أساليب العمل، وإنتاجيته في المجالات التطبيقية عبر توظيف التطبيقات العملية لنتائجِ التقدم العلميّ.
في أمان الله.



26
المنبر الحر / الخيار المر
« في: 21:08 21/04/2019  »
                                               الخيار المر


لطيف عبد سالم

أصبحت ظاهرةَ المدارس الأهلية التي شهدت في السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً ببلادنا من بين أكثر الأمور إلزاماً لكثير من أولياء الأمور الطامحين إلى تنمية مهارات أبنائهم، والأخذ بأيديهم لمستقبل مشرق. ويمكن الجزم بأنَّ هذا الواقع الجديد مرده بالأساس إلى تراجع إداء قطاع التربية، إذ أشارت نتائج العديد من الدراسات المعنية بقياس أداء هذا القِطاع الرائد والحيوي من حيث الجودة والإنفاق والمنتج إلى تراجعٍ مثير للقلق في مستوى الأداء لدى الطلبة، فضلاً عما أثير هنا أو هناك بشأن واقع القِطاع التربوي وما يرزح تحته حالياً من مشكلات كثيرة ومتباينة.
لا ريب أنَّ ما ذكر آنفاً يفرض على الباحثين والمتخصصين دق ناقوس الخطر إزاء جسامة المخاطر المحيقة بالقِطاع التربوي، وسعياً حثيثاً للكشف عن أبرز التحديات التي تواجه العملية التربوية برمتها. ويضاف إلى ذلك ما توجبه كارثية الآثار المترتبة على تردي التعليم في البلاد من ضرورة قصوى لتبني القيادات الإدارية مشروعاً وطنياً يقوم على قراءةٍ علمية لهذا التراجع المخيف من أجل وضع الأسس السليمة لخطة استراتيجية طموحة لقِطاع التربية والتعليم، والتي تضمن الاهتداء لأفضل السُبل الكفيلة بإصلاح أسس التعليم العام في عموم المدارس العراقية.
ليس خافياً أنَّ الارتقاءَ بمستوى جودة نظام التعليم العام من شأنه تعزيز وشائج النسيج الاجتماعي بفعل قدرته على ردم الهوة المتنامية في بلادنا ما بين الشرائح الاجتماعية، والتي ضحيتها كالعادة طبقة الفقراء الذين يصعب عليهم تسجيل فلذات أكبادهم في المدارس الأهلية إن لم يكن أمراً محالا، فمن المؤكد أنَّ التعليمَ النموذجي بوسعه المساهمة في تحقيق المساواة ما بين أبناء البلد الواحد بفضل ما تتيح معطياته من تكافؤ للفرص. وهو الأمر الذي يشير إلى ضرورة أن يكون الحصول على التعليم متاحاً لجميع المواطنين من أجل إيجاد بيئة تعليمية آمنة تحقق المساواة في مدخلات عملية النشأة السليمة ما بين أبناء الوطن، ما يؤكد أنَّ حرصَ الحكومة على تأمين فرص تعليم متساوية لجميع الأهالي يُعَدّ في طليعة مهامها الأساسية وما تبتغيه من أهداف وطنية.
ليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ أموراً عدة دفعتني إلى إثارة هذا الموضوع الشائك، والتي من بينها الأهمية المترتبة على قِطاع التعليم في مهمة المساهمة بتحقيق التنمية البشرية بوصفه أحد مدخلات هذه العملية، فضلاً عن كونه أحد مخرجاتها. وتدعيماً لما ذكر فإن القاسم المشترك ما بين رؤى أغلبَ العلماء والباحثين في هذا المسار هو تأكيد أنَّ التعليمَ قضية محورية في المجتمع، فضلاً عن أنَّ المدرسةَ تُعَدّ من جملة مؤسسات المجتمع الأساسية التي تشكل أحد متطلبات التنشئة السليمة لقِطاع الشباب، بالإضافة إلى دورها في تشكيل اتجاهات الشباب ومعارفهم وسلوكياتهم. فالتنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة والشباب تكون على درجةٍ كبيرة من الأهمية سواء بالنسبة للفرد ذاته أم بالنسبة لمجتمعه.
في أمان الله.



27
أهمية التعليم في بناء المجتمع.. التجربة اليابانية أنموذجاً
لطيف عبد سالم
يُعَدُّ التعليمَ أحد أهم العوامل الرئيسة التي من شأنها المساهمة بشكلٍ فاعل ومؤثر في إرساء متطلبات نجاح عملية التنمية التي تعبر عن توجهات القيادات الإدارية لتحقيق الأهداف الوطنية في أي بلد. وليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ البلدانَ الساعية إلى ارتقاء سلالم الحضارة والطامحة إلى تحقيق نهضة تنموية لمجتمعاتها على الصعد كافة، ملزمة بتركيز الاهتمام على قِطاع التعليم وإيلائه المزيد من الدعم والرعاية، إذ يشير أغلب الباحثين إلى التعليم بوصفه شريان الحياة لأيّ مجتمع في مسيرته نحو التقدم والنمو والازدهار.
لعلَّ ما يؤكد أهمية دور التعليم في مهمة بناء المجتمع هو القفزات التنموية الكبيرة والمذهلة التي حققتها الدول الصناعية المتقدمة في المجالات كافة. وتدعيماً لما ذكر فأنَّ النظامَ التعليمي المتميز الذي ركنت إلى اعتماده القيادات الإدارية في اليابان يُعَدّ اللبنة الأساسية التي ساهمت في انتقالها بزمنٍ قصير إلى مارد اقتصادي بعد أن كانت بأمس الحاجة للمساعدات الإنسانية التي تصلها من دول العالم على خلفية هزيمتها النكراء في الحرب العالمية الثانية، وما تحملته جراء ذلك من خسائرٍ بشرية ومادية ساهمت في جعلها دولة فقيرة شأنها شأن دول العالم الثالث، فالمذهل في الأمر أنَّ إدارةَ التعليم في كوكب اليابان لم تكتفِ بالنظام التعليمي التقليدي المتمثل بالكتب المنهجية التي تعرضت ذاتها إلى التطوير الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تميز الطفل الياباني الصغير عن نظرائه في جميع
أنحاء العالم بفعل ما قدمته البرامج التطويرية من علوم ومعارف، إذ اهتدت تلك الإدارة إلى تبني سبل حديثة زاوجت ما بين الكتب المنهجية ونظام التعليم اللامنهجي الذي يهدف بالأساس إلى إيجاد بيئة معرفية بوسعها تنمية مهارات التلاميذ وحثهم على الابتكار ودفعهم إلى مسرح الاختراع، بالإضافة إلى تحفيزهم بطريقة أو بأخرى للبحث عن آفاق جديدة ومتطورة.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ من بين السمات الأخرى المميزة للتجربة التي خاضتها اليابان في ميدان التعليم وأذهلت العالم بهول نتائجها الإيجابية هو قيامها بالأساس على مبدأ المركزية مع السماح في الوقت ذاته لمجالس التعليم بقدرٍ من اللامركزية قصد مراعاة ظروف كل محافظة. ويمكن الجزم بأنَّ تحول اليابان من دولةٍ منهارة إلى عملاق اقتصادي لم يكن محض صدفة، فقد بُذلت في هذا المسعى جهوداً جبارة تمخض عنها ازدهار صناعتها التي تعَدّ واحدة من ركائز قوتها الاقتصادية، إلى جانب تغطيتها بفعل جودة منتجاتها وقدرتها على المنافسة لجزء كبير من حصة السوق العالمي.
لأنَّ القياداتَ الإدارية اليابانية تعي جيداً أهمية قِطاع التعليم بوصفه قاطرة التنمية الاقتصادية، فقد كان من جملة برامجها لتطويره ينطلق من تقديسها للتعليم والعلم. وهو الأمر الذي فرض عليها المحافظة على مكانة المعلم الاجتماعية اللائقة، إذ تبنت الحكومة اليابانية آليات عدة لتكريمه، والتي في مقدمتها الرواتب العالية وتوفير سبل الضمان الصحي والاجتماعي؛ لأجل تلافي انشغاله بهموم الحياة وشؤونها.
في أمان الله.


28
رئة المدينة في الحياة المعاصرة
لطيف عبد سالم      
تُعَدُّ المساحات الخضراء والحدائق، فضلا عما تباين من المجاري المائية، بوصفها أماكن عامة يشكل وجودها أهمية كبرى على صعيد تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولاسيما ما من شأنه المُساهمة في تدعيم برامج الإدارات الهادفة إلى بلوغ استدامة المدينة، وتعزيز مستوى الصحة العامة، بالإضافة إلى تحسين بيئة الحياة والمحافظة عليها. وبالاستناد إلى الأدبيات العلمية، فإنَّ مردَ ذلك يعود إلى ما يفضي إليه حضور المناطق في المستوطنات البشرية من حلولٍ فاعلة في مواجهة إفرازات التطور الحضاري المتنامي والتقدم التكنولوجي المتسارع، والتي أثبتت الدراسات العلمية انعكاسها بآثارٍ سلبية في الصحة العامة وسلامة المجتمع؛ نتيجة افتقار أغلبها إلى مقومات الاستدامة.
تدعيماً لما ذكر آنفاً، فإنَّ القياداتَ الإدارية في البلدان المتقدمة، فضلاً عن البلدان الناهضة الساعية بشكلٍ جاد للالتحاق بركب الحضارة والتقدم، تبذل جهوداً حثيثة ومتضافرة في هذا التوجّه وعلى مستوياتٍ مختلفة، فلا غرابة في أن تبدأ المساحات الخضراء بغزو المدن في مختلف أرجاء المعمورة بفضل وعي تلك الحكومات لأهمية الغطاء النباتي، ولعلَّ من بين تلك الفعاليات التي تتميز بالبساطة هو قيام السلطات المحلية في بعض المدن بدعم التوجهات الخاصة بتخضير المدن من خلال تشجيع دوائرها البلدية على تبني برامج استثمارية تقوم آلياتها على الاهتمام بزراعة الخضروات في مداخلها، وعلى جانبي الطرق من أجل تحفيز الراغبين بالعمل على استغلال هذه الفرص التي يمكن توظيفها لتأمين مورد مالي يجعلهم قادرين على مواجهة متطلبات الحياة. وهو الأمر الذي أفضى إلى المُساهمة في تحول فضاءات تلك المدن إلى واحاتٍ للراحة وسط ضجيج الحياة اليومية. ويضاف إلى ذلك دور هذا النشاط في المعاونة بتحقيق الاكتفاء الذاتي أو تقليص استيراد الخضروات من الخارج على أقل تقدير، إلى جانب فعاليته في امتصاص البطالة وتعزيزه لموارد الدخل الوطني.
المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ بعضَ المجتمعات عبرت عن تمسكها بالسير في مسار توسيع المساحات الخضراء في مدنها على الرغم من عدم اكتمال متطلبات إقامتها، حين تبنت مشروعات قد تبدو لنا من دهليز الخيال العلمي أو ربما يمكن أن تكون صعبة التحقق، والتي من جملتها على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة البستنة الحضرية أو الزراعة العمرانية التي شهدت انتشارا منذ سنوات عدة في ألمانيا، حيث أبدى مزارعو مدينة برلين التي تتميز بكثافتها السكانية العالية إصراراً على تحدي أي عقبات محتملة في تنفيذ هذا النمط من الزراعة كصلابة الأرض أو عدم صلاحيتها لأغراض الزراعة؛ إذ أصبحت المباني الكبيرة، أسطح المنازل، المرائب، جوانب الطرق، العلب البلاستيكية، أحواض الزهور القديمة وغيرها من المخلفات مكاناً لإقامة أنشطتهم. ومع تطور هذه السبل في هذا الميدان، ظهرت الكثير من الآليات الحديثة التي بوسعها مساعدة الأسر على إنشاء الحدائق الزراعية، والتي من بينها استغلال المساحات والباحات القليلة، فِناء المنزل الخلفي، سطح البناء والمناطق التي لا تصلها الشمس لهذا الغرض.
في أمان الله.


29
بطالة الشباب أزمة عالمية متصاعدة
لطيف عبد سالم
يُعَدُّ إخفاق القيادات الإدارية في مهمة إيجاد فرص عمل مشروعة لمن توافرت لهم القدرة على العمل والرغبة فيه، أبرز العوامل المساهمة في توسيع دائرة البطالة التي أصبحت في عالم اليوم من أكبر المشكلات التِي تعاني من تداعياتها أغلب الحكومات في مختلف أرجاء المعمورة؛ بالنظر لارتباطها بعوامل موضوعية يعود الجزء الأكبر منها إلى أسبابٍ هيكلية مردُّها إلى طبيعة نمو الاقتصادات الوطنية النامية التي تتسم بمعاناتها من اختلالات هيكلية داخلية وخارجية كالاختلال في قانون الموازنة العامة للدولة. وهو الأمر الذي أفضى إلى إخفاق نسبةٍ كبيرة من الأفراد القادرين عَلَى العمل، والباحثين عنه فِي الحصولِ على فرصة، بوسعها المساهمة في تحقيق الدّخل الذي يساعدهم على توفير لقمة العيش، إلى جانب تغطية حاجاتهم الأساسية المتعلقة بمصاريف السكن والملبس وغيرها مِن الالتزاماتِ الأخرى، بصرف النظر عن مناسبة العمل لطالبه فِي بعض الأحيان.
لا رَيْبَ أَنَّ ارتفاعَ معدلات البطالة لدى فئات الشباب، من شأنه التسبب في تعريض القوى التي يعوّل عليها في إرساء الأسس السليمة لبناء البلدان إلى الشعور باليأس التام من المستقبل؛ لأنَّ تلك القوى - المفترض أن تكون فاعلة ومؤثرة في صياغة مستقبل بلدانها - تجد نفسها أمام تحديات خطيرة، حيث تبدأ حياتها بالإحباط والشعور بالغبن، ثم لا تلبث أن تجد نفسها بعد سنوات من الجهد والتعب والدراسة وسهر الليالي من دون أمل في الحياة!.
لأهمية النتائج المترتبة على بطالة الشباب، فضلًا عما تشكله من خطورة على المجتمع الإنساني، أجد من المناسب والمهم أيضا الإشارة هنا إلى بعض العوامل الأخرى المساهمة في تنمية مشكلة البطالة التي تُعَدّ من أهم القضايا الأساسية المقلقة لأغلب المجتمعات في الحياة المعاصرة، مع العرض أنَّها لم تحظَ بنقاش جاد في أغلب المجتمعات، على الرغم من أنَّها توصف بحسب المتخصصين قنبلة موقوتة تهدد مصير الكثير من بلدان العالم. ولعلّ من بين تلك الأسباب: زيادة معدل النمو السكاني، بطء النمو الاقتصادي، التقلص المتنامي لدور القيادات الإدارية والقطاع العام في مهمة توفير فرص عمل جديدة من شأنها المساعدة على امتصاص نسبة فاعلة الأثر من التضخم المستمر في أعداد الخريجين الذين يضخون كل عام إلى سوق العمل، تحميل القطاع الخاص مهمة توفير فرص عمل جديدة من دون معاونته بتوفير مقومات نهوضه وتطويره، والتي في طليعتها التشريعات القانونية الداعمة لتطوير الأداء وزيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى عدم الالتزام بتقديم الضمان الاجتماعي لعمال القطاع الخاص. ويضاف إلى ذلك تواضع معدلات زيادة انتاجية العمل، وخيبة إدارة الاستثمار في إيجاد البيئة المحلية الملائمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن الانخفاض المستمر في الطلب على العمالة؛ نتيجة للتحديثات التي أفرزتها معطيات التقدم التقني المتسارع.
تأسيسًا لما تقدم، فإنَّ القياداتَ الإدارية في مختلف بلدان العالم، ملزمة ببذل أقصى الجهود من أجل إيجاد معالجات مناسبة لمشكلة بطالة الشباب.
في أمان الله.

30
الشباب حاضر المجتمع ومستقبله
لطيف عبد سالم
من نافلة القول أنَّ شريحةَ الشباب تُعَدّ حاضر المُجتمع ومستقبله، فالمُجتمع الذي يحوي نسبة كبيرة من هذه الفئة يُصنف ضمن المُجتمعًات القويّة بفضل كبر طاقة الشباب التي تؤهلها لمواكبة ركب التطور الحضاري المتسارع الذي تشهده البشرية على الصعد كافة. وفي هذا السياق يمكن القول إنَّ القاسمَ المشترك الأعظم لأغلب الدراسات المنجزة في ميدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أكد بما لا يقبل الشك أنَّ هذه شريحة الشباب من أيّ مُجتمع تشكل الركيزة الأساسية لحمايته وتطوره وإنمائه، فضلًا عن بناء مجده وحَضارته. وتدعيمًا لما ذكر، فإنَّ النتائجَ المتحصلة من التجارب التي شهدتها الكثير من بلدان العالم في مراحل تاريخية متباينة، أثبتت أنَّ للشبابَ دور بالغ الأهمية في مهمة تنمية المُجتمعات، إلى جانب المساهمة الفاعلة في تعزيز البرامج الخاصة بسلامة بنائها.
ليس خافيًا أنَّ القياداتَ الإدارية في المُجتمعات الحديثة التي ترنو إلى المضي قدمًا في ركب التطور وتحقيق الرفاهية لأفرادها، تدرك تمامًا أنَّ فئةَ الشباب تمثل رأسمال المُجتمع البشري، بوصفها الشريحة الفاعلة التي بوسعها المساهمة في تقدم المُجتمع بفعل ما تختزنه من طاقة هائلة قابلة للتجدد. وهو الأمر الذي يؤكد صعوبة، وربما استحالة إحداث عملية تنمية حقيقية من دون الاعتماد على الشباب والاستناد إلى قدراتهم؛ إذ أنَّ إدارةَ التنمية ملزمة بالتعامل مع شريحة الشباب بوصفها هدف عملية التنمية ووسيلتها إيجابية الأثر، فضلًا عن ضرورة التيقن من أنَّ الشبابَ هم أصحاب المصلحة الحقيقية المرتجاة من إقامة النشاطات الخاصة بعملية التنمية والبناء والتطوير الهادفة إلى تحقيق وضعٍ أفضل.
بالاستناد إلى ما تقدم ذكره، فإنَّ وظيفةَ التنمية تقع مسؤوليتها كاملة على عاتق الشباب، الأمر الذي يملي عليهم الجهد من أجل  ما من شأنه المساهمة في تعزيز تجاربهم وتحفيز ابتكاراتهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى البحث عن المتاح من السبل - أساليب وأفكار - التي بمقدورها مساعدتهم على تنمية ذاتهم، وتطوير خبراتهم، وزيادة وعيهم بما يتوافق مع السياسات العامة لنهج الحكومة التي تجد نفسها في هذا المسار ملزمة في التعامل مع شريحة الشباب بنظرة شاملة في إطار عملية التكامل والترابط ما بينها وبين تلك الفئة؛ لأجل ضمان أهليتها للمساهمة في بناء الوطن، إلى جانب قدرتها على حماية مستقبل مُجتمعه.
لا ريب أنَّ فهمَ القيادات الإدارية لأهمية دور الشباب في بناء الأوطان والمساهمة بتطويرها، يفرض عليها الإسراع في إيجاد الحلول الحاسمة لما يعانيه الشباب من المشكلات التي أصبحت في عالم اليوم من أهم الاستحقاقات الوطنية التي لا يمكن إغفالها أو التباطؤ في معالجتها، ولاسيما مهمة توفير فرص العمل للقادرين عليه والباحثين عنه، حيث أنَّ ارتفاعَ معدلات البطالة وتنامي تداعياتها، يعُدّ في الحياة المعاصرة من أبرز المشكلات التي تعانيها الحكومات في أغلب بلدان العلم؛ بالنظر لصعوبة القضاء عليها بشكل كامل.
في أمان الله.

31
إيجابية أثر التكنولوجيا في بيئة الحياة
لطيف عبد سالم   
لَعلنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قلنا إنَّ الزيادةَ في متطلبات الحياة المعاصرة، كانت من بين أبرز العوامل التي ساهمت في تحفيز المجتمع الإنساني على استثمار العقل البشري، وتوظيف ما شهده من تطورات في مهمة تحديث ما متاح من السُبل التي بوسعِها تغطية احتياجاته ومعاونته على تسهيل أمور حياته وجعلها أكثر سرعة وتطوراً. وهو الأمر الذي فرض على الإنسان الشروع في تكييف التقنيات الحديثة والمثابرة في تطوير آلياتها بما يحقق معالجة ما يظهر من مشكلات، بالإضافة إلى ضمان اليسر في ممارسة حياته اليومية. وتدعيمًا لما ذكر آنفاً فإنَّ من المناسب الإشارة إلى اعتماد المجتمع في عالم اليوم عَلى التكنولوجيا بشكلٍ كبير ودائم، حيث أصبحت مضامين هذه الظاهرة الحضارية تستخدم في جميع نواحي الحياة، ما يعني أنَّها تشكل الآن جزءٌ لا يتجزأ من الحياة البشرية.
يمكن الجزم بأنَّ التطوراتَ المتسارعة في ميدان التكنولوجيا، كانت من العوامل الداعمة بشكل فاعل لجملة البرامج المعنية بسلامة البشرية بفضل دورها الإيجابي في المساهمة باستراتيجية الحفاظ على بيئة الحياة، لكن اللافت للنظر أنَّ طبيعةَ التعامل مع الكثير من التقنيات الحديثة انعكس في الوقت ذاته بآثارٍ سلبية، ومدمرة في بعض الأحوال على مقومات التوازن البيئي؛ بالنظر لخطورة الملوثات التي خلفتها النشاطات البشرية.
تُعَدّ عملية إعادة تدوير المخلفات التي تستهدف إعادة استخدام المواد التالفة بشكلٍ آمن لتصنيع مواد مهمة أخرى جديدة أو من أجل استغلالها في إنتاج مصادر الطاقة، من أبرز الأدوار الإيجابية التي قدمتها التكنولوجيا للمجتمع الإنساني، بفضل مساهمتها في تعزيز السُبل المعتمدة بعملية الحفاظ على البيئة. ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ أغلبَ دول العالم المتحضرة - المتقدمة والنامية - شرعت في ظل التطورات الصناعية والتقنية المتلاحقة بتشجيع المسار الخاص بعملية تحويل المخلفات إلى منتجات جديدة بفضل ما تحققه من فوائد اقتصادية ومزايا بيئية، حيث أنَّ تراكم النفايات يؤدي إلى تهديد صحة الإنسان، بالإضافة إلى  تعريض البيئة التي يعيش فيها إلى ما تباين من الأضرار.   
المثيرُ للاهتمام هو أنَّ الإداراتَ البلدية في مختلف بلدان العالم،  تعتمد بشكلٍ أساس في مهمة إعداد الإجراءات الخاصة بعملية إعادة التدوير على تقدم الدولة ودرجة تطورها، فعلى سبيل المثال لا الحصر تشير البيانات المعتمدة إلى أنَّ صناعاتَ التدوير في دول الاتحاد الأوروبي تشكل نحو (50%) من الإجمالي العالمي لتلك الفعالية، والتي ساهمت أيضاً في امتصاص نسبة مؤثرة من معدلات البطالة؛ إذ يتواجد في تلك الدول أكثر من (60) ألف مصنع لإعادة التدوير، والتي يعمل فيها نحو نصف مليون موظف. وأدهى من ذلك أنَّ دولَ القارة العجوز تعيد تصنيع نحو (39 %) من مخلفاتها في المتوسط، مع العرض أنَّ هذه النسبة قد تصل إلى ما يقرب من (65%).   
في أمان الله.

32
ثقافة الاحتفال في بلادنا
لطيف عبد سالم
مرة أخرى نودع عاما من أعوام الألفية الثالثة، ولا شيء نطلُّ به على بوابة السنة الميلادية الجديدة، سوى سيل التهاني التي منحتنا إياها - على طبق من ذهب - الثورة التكنولوجية التي لم نستثمر من معطياتها الهائلة غير الإدمان على قنوات التواصل الإجتماعي، وتوظيف أدواتها لتوثيق ما نقوم به من مختلف النشاطات التي تبدأ من تناول عشاء فاخر في مطعم خمس نجوم أو عزومة في فضاء أحد المطاعم الشعبية، بالإضافة إلى كثير غيرها من النشاطات اليومية، والتي من بينها أنَّ البعض لم يدّخر وسعا في الإشارة إلى مجريات فصل عشائري أو حضوره مجلس عزاء أحد أرحامه أو أصدقائه.
إذا كانت بعض الفعاليات المذكورة آنفا تشكّل إساءة للذائقة الجمالية، فالمذهل في الأمر أنَّ هناك جملة نشاطات من شأنها تلويث فضاءات حياتنا؛ لأنَّها تُعَدّ من المصادر المسببة للتلوث السمعي أو الضوضائي. ولعلّ من أبرزها أصوات المفرقعات التي يرعب الصغير والكبير صوتها، لعب الأطفال البلاستيكية، إطلاق العيارات النارية العشوائية والكثير غيرها مما تعدُّ من سبل الابتهاج غير المتحضرة، والتي تعبر عن عدم اكتراث ممن اعتاد على ممارستها بما تفضي إليه من تداعياتٍ سلبية، بالإضافة إلى ما ينبغي أن ينتبه إليه مما يدور حوله من اعتبارات إنسانية وأخلاقية، وهو يساهم في ترسيخ أسوأ فعاليات التخلف والجهل المتمثلة بأنشطة فوضوية تَشْبَهُ أجواؤها إلى حد بعيد ملحمةً حاميةَ الوطيس.
يُعَدّ التلوث السمعي او الضوضائي خليطاً متنافرا من أصوات ذات استمرارية غير مرغوب فيها، والتي تحدث عادة على خلفية التقدم الصناعي الذي نحن منه براء بحمد الباري عزَّ و جلَّ، إذ أصبحت الضوضاء السمة الرئيسة لأغلب مدن العالم، ولاسيما مناطقها الصناعية بفعل الأصوات العالية المصاحبة لما تشهده من زحام. وفي هذا السياق يشير المتخصصون في الشأن البيئي إلى أنَّ الضوضاءَ في المدن مشكلة مزمنة تحظى باهتمام معظم السكان المحليين؛ إذ تصنف - من ناحية الأهمية - في المرتبة الثانية بعد مشكلة تلوث المياه. ولعلّ المثير للاهتمام أنَّ النتائجَ المتحصلة من إحدى الدراسات العلمية التي قامت بها إدارة الإسكان والتنمية الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية، كشفت عن أنَّ الضوضاءَ عُدتّ أسوأ صفة لمنطقة السكن، إضافة إلى تحديد الضوضاء والجريمة بوصفهما أهم العوامل التي ساهمت بزيادة رغبة السكان المحليين في ترك المناطق التي يقطنونها والانتقال إلى أماكن أخرى غيرها.
بالاستناد إلى الأدبيات البيئية، تشكّل الضوضاء أبرز قضايا البيئة المعاصرة؛ نتيجة خطورة آثارها في أصحاب الأعمال الذهنية والفكرية، إذ أكدت مجموعة من الدراسات التي تبنتها مراكز بحثية معتمدة وجود تباين محسوس في الإنتاج ما بين العمل الذي يُؤدَى في أجواء هادئة، وبين العمل الذي يجري وسط أجواء مشبعة بالضوضاء؛ بالنظر لتسببها في خفض القدرة الإنتاجية للفرد، وما يتبعه من تأثيرٍ سلبي في الاقتصاد الوطني.
في أمان الله.

33
العمل التطوعي.. المفهوم والأهداف المنشودة
لطيف عبد سالم
يشارُ إلى الجهد الذي يبذله الفرد من تلقاء نفسه، ومن دون إجبار أو انتظار مردود مادي من جراء ذلك الجهد - مهما كان نوعه فكريًا أو ماديًا أو حتى اجتماعيًا - باصطلاح العمل التطوعي، والذي يُعَدُّ من أبرز النشاطات الإنسانية إيجابية الأثر، بوصفه سلوكًا حضاريًا يفضي إلى تنمية المُجتمع من خلال تعزيز آلياته مهمة تنمية الفرد نفسيًا واجتماعيًا ودينيًا بفضل الفوائد التي يحققها؛ إذ أنَّ النشاطاتَ البشرية المتسمة بتجاوز القائمين بها الرغبة في الحصول على الربح المادي، والتي تندرج تحت مظلة العمل التطوعي، من شأنها المساهمة في تعزيز قيم التعاون وترسيخ مبدأ التكافل الاجتماعي، فضلاً عَنْ فاعليته في نشر الرفاهية ما بين أفراد المُجتمع؛ إذ أنَّ سلامةَ المُجتمع تقتضي استيعاب أفراده للتوجهات المحفزة لسيادة قيم التآخي والتعاون قصد ضمان الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة للأفراد التي بوسعها الحفاظ على كرامتهم، إلا أنَّ ما ينبغي إدراكه في هذا المسار هو ضرورة التيقن من مصداقية الجهات التي تتبني فعاليات العمل التطوعي بعد أنْ رشحت على سطح الأحداث بعض الممارسات السلبية التي قامت بها جهات عدة من أجل تحقيق أغراض ربحية بدعوى التطوع، ما يعني استغلال تلك الجهات الضالة قدرات شريحة الشباب، وسرقة جهودهم بأساليبٍ شائنة تحت عنوانات إنسانية ونبيلة!.
يمكن الجزم بأنَّ فعاليةَ العمل التطوعي، لم تَعُد أهدافها - الإنسانية النبيلة - مقتصرة على تقديم المساعدات المالية والعينية إلى من يحتاجها، مثلما هو متبع فِي نهج وممارسات الكثير من منظمات المُجتمع المدني التي وجدت لها مناخًا ملائمًا للعمل ببلادنا في المدة الماضية؛ إذ يُعَدّ العمل التطوعي خيارًا صائبًا ومؤثرًا بشكلٍ إيجابي في عملية الحصول على الكثير من الخبرات المهمة - الإدارية والفنية والتقنية - الّتي يمكن أن يستفاد منها المتطوع مستقبلًا في حياته عند دخوله سوق العمل. ومن المهم الإشارة هُنا إلى أنَّ الأهميةَ الاجتماعية لهذا النمط من الفعاليات ترتكز على تحقيق جملة من الأغراض ذات الأثر الإيجابي، والتي في طليعتها: ترسيخ المضامين النبيلة لعملية التكافل الاجتماعي، والمساهمة في تعزيز أواصر المحبة ووشائج المودة ما بين أفراد المُجتمع.
اللافت للنظر أنَّ الآثارَ النفسية للعمل التطوعي، تكمن بحسب المتخصصين في قدرة أدوات هذا النشاط على بعث السعادة في نفس الفرد الذي ينخرط طواعية في تأدية برامج هذا العمل الحضاري النبيل، بالإضافة إلى مساهمته في تمكين أفراد المُجتمع من خلال استثمار أوقات الفراغ التي تملكها فئة الشباب، وتوظيف طاقات أفرادها بشكلٍ منظم ومؤثر صوب ما تباين من الفعاليات التي تعود عليهم بالنفع والفائدة، إلى جانب إفادة المُجتمع من مختلف أنشطتها التي تتسم بقدرة آلياتها على المعاونة في تغيير السلوك البشري بما يتوافق مع القيم الإنسانية النبيلة.
لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ القياداتَ الإدارية في بعض بلدان العالم ركنت منذ سنوات إلى اعتماد فعاليات العمل التطوعي كمعيار رئيس في عملية توظيف الأفراد، حيث أصبحت الكثير من شركات تلك البلدان - العامة والمملوكة للقطاع الخاص - تعتمد هذ المعيار في عملية اختيار موظفيها عند الحاجة؛ تعبيرًا عن وعيها العميق لأهمية النشاطات الخاصة بالعمل التطوعي في مهمة البناء الاجتماعي السليم.
في أمان الله.   

34
الروائي سالم بخشي وروايته "إنانا والنباش" في ضيافة نادي السرد
لطيف عبد سالم
في إطار الفعاليات الثقافية التي دأب على تنظيمها، أقام نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب أصبوحة ثقافية، استضاف فيها الروائي والفنان والكاتب الصحفي سالم بخشي المندلاوي للاحتفاء بمنجزه الروائي الجديد المتمثل بروايته الموسومة " إنانا والنباش " الصادرة في بغداد عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع. 
الأصبوحة التي جرت وقائعها في قاعة الجواهري بمقر الاتحاد وحضرها جمع من الأدباء والكتاب والإعلاميين والمثقفين، تناوب على أدارتها الناقد علوان السلمان والروائي أسعد اللامي، حيث رحب السلمان بالحضور وضيف الأصبوحة، ثم شرع بقراءة السيرة الذاتية للروائي المحتفى به، والتي نقتطع منها ما يأتي: سالم بخشي المندلاوي، أديب، صحفي وفنان، عضو نقابة الفنانين، عضو نقابة صحفيي كوردستان، عضو اتحاد الصحفيين العالميين، صدر له: مجموعة قصصية بعنوان قال الشيخ عن دار الشؤون الثقافية العامة، رواية بعنوان المخبر السري عن دار الثقافة والنشر الكوردية. وحول سؤال لأسعد اللامي، أجاب المندلاوي قائلًا: " يتخذ السرد، مسارين متوازييّن في هذه الرواية، أولهما المسار الواقعي المتخيل الذي تمثله شخصيات أم حكيم، عواد الفراري ورغد، وثانيهما المسار الخيالي الأسطوري والميثولوجي، وإعادة تشكيل لهذه الميثولوجيا بما يتلاءم مع ثيمة الرواية الرئيسة، وتمثله شخصيات إنانا، الشيطان والمسخ ". وأضاف أيضًا أنَّ هناك ثيمات ثانوية، وإيحاءات لما جرى في العراق من أحداث مأساوية دامية؛ نتيجة الاحتلال الأمريكي عبر رموز ومسوخ وشخصيات خيالية، جسدها الروائي بطريقة تشد المتلقي؛ لأجل أن يغوص في أحداث شائقة لا تنعدم خلالها المتعة والفائدة.
وفي إطار مداخلات جمهور الحاضرين التي طرحت خلال هذه الجلسة، كان للناقد اسماعيل ابراهيم عبد دراسة نقدية موسعة وسمها بـ:  " وقّعنة الأسطورة وأسطرة الواقع في رواية إنانا والنباش! " التي أخضع فيها الرواية للفحص من خلال خمسة محاور هي على التوالي: المعرفة والحدس، جشتالت العرفانية، سرة الاسرار، ملخص احتفالية الاضطهاد وتناصات لامة.
قصد استيضاح ما نوه عنه عبد في المحور الأول آنفًا، عمد إلى الإشارة لمقطع من الرواية موضوع البحث، والذي نصه : "  اغمضت إنانا عينيها وأوقفت نبضات قلبها, وتوقفت عن التنفس, ودخلت دورة أشبه بالسبات الى حين, لكن عقلها ظل يقظا حذرا, كذلك سمعها ظل مرهفا يرصد دبيب النمل! ". ويعلق عبد على النص المذكور بأنَّ المعرفة في هذا المقطع تتجزأ على عدة مستويات, منها: المعلومات الحقيقية متمركزة بطبيعة ثلاثة مشخصات هي الصحراء, الرمل والنمل، ومنها أيضًا    المعلومات المضللة التي تخص موجودات متخيلة المظهر هي   الحفرة, الوشاح ومظاهر إنانا الخارجية كالشعر والخصر والعينين. ويضاف إلى ذلك  المعلومات المتخيلة التي تمثلها انانا, قلب إنانا, عقل إنانا وسمع إنانا. ويؤكد عبد أنَّ تلك المعلومات، حتمت وجود توافق مقنع بين المعرفة اليقينية والمعرفة الحدسية؛ إذ انها وضعت للفعل الروائي أكثر من منفذ ليلائم بين المادي والتخيلي، فالموجودات الحقيقية أوجدت أرض حقيقية اسمها " صحراء الربع الخالي في السعودية ", وحركت فوقها الحدث الأهم في الرواية كلها " مطاردة ابليس - الشيطان - لإنانا الذي استمر حتى نهاية الرواية. وفيما يتعلق بالمحور الثاني آنفًا يقول عبد: " أضافت الجشتالت بعداً للإبداع هو الاستبصار لوصف الاسلوب التخيلي الذي هو خاصية أساسية للعقل، تعني القدرة على جمع الاجزاء في كل, أو القدرة على تحديد الأجزاء في الكل، أو التغير من كل لآخر، والتي يسميها فرتيمر التفكير في عملية تلاشي كل ما, لصالح كل أفضل ". ويشير أيضًا إلى أنَّ أعم ما أرادت الرواية قوله هو الاستبصار الذي يتضمنه الغرض من الرواية ككل, وهو يتحدد ـ بعد تتبع الرواية من البدء حتى المنتهى ـ في: الخراب دخل الى النفوس كلها،     
الحل في العودة الى الاخلاق التي فطرها الله للخلائق كلها المتمثلة بالعيش دون افراط ودون اضطهاد والشهوة ورغبة التملك التي ستطل أكثر الضغوطات المحيلة دون تحقق العدل الأكمل بين البشر.           
الدراسة النقدية الثانية التي شاركت في هذه الأصبوحة، قدمها الناقد يوسف عبود جويعد تحت عنوان " التعددية في .. إنانا والنباش " تعد رواية إنانا والنباش للروائي سالم  بخشي,  من النصوص السردية  التعددية, ليس في الاصوات حسب, بل  في الازمنة  والامكنة والشخوص والاحداث والثيمات, وحتى في الانماط الادبية المستخدمة كأدوات كتابية لفن صناعة الرواية, فقد تمكن الروائي  من تقديم اكثر  من نمط  في التناول السردي الواقعية الغرائبية, الواقعية السحرية, الواقعية العجائبية, الواقعية النقدية, الواقعية الاجتماعية, الفنتازيا, الخيال. ومع هذا كله فأن الرواية نحت منحاً آخر, بكونها استطاعت أن تتصل بالموروث الحكائي الشعبي, حيث جعلت هذا الموروث سياق فني لتدفق الاحداث الغزيرة والكبيرة, كوننا سوف نكتشف الروحية الحكائية لحكايات الف ليلة وليلة , من حيث تشابك الاحداث, وتداخلها وارتباطها ببعضها ". وأضاف أيضًا أنَّ رواية إنانا والنباش  للروائي سالم بخشي, عمل كبير في احداثه, وزمانه, ومكانه, وشخوصه, ينبأ بوجود سارد يمتلك خيال خصب, ومقدرة عالية على الاستحواذ باهتمام المتلقي, وأن الاحداث التي تدور فيها, هي حياة هذا البلد بكل تقلباته.   
جدير بالإشارة أنَّ الروائي سالم بخشي المندلاوي كتب روايته بلغة وأسلوب تجريبييّن، صنعا للرواية بصمتها الفريدة، بالا ضافة إلى عدم وجود شخصية محورية مهيمنة، حيث توجد عدة شخصيات رئيسة تدور حولها الرواية، منها مثلًا " إنانا " وهي شخصية اسطورية ميثولوجية عراقية، تمثل إلهة الحب والحرب والخصب في الحضارة السومرية، إلا أنَّ المندلاوي نجح في أعادة تشكيل هذه الشخصية ببراعة فائقة، وقدمها بشكل جديد كمخلوقة عجائبية،؛ إذ عرّفها، كأحلى أنثى خلقها الله تعالى عبر الكون، ولما تزال تحتفظ بكل هذا الجمال الخارق، مع العرض أنَّها ترمز لحضارات العراق المشرقة. أما الثانية، فهي شخصية المسخ " نباش القبور " التي ظهرت في الرواية مركبة من شخصيتين رئيسيتين، هما: الشيطان الذي يقع في حب إنانا على غير عادته، ويهيم بها، ويتمنى كسب ودها، لكنها تتمنع وتحاول الهروب من أسره, والشيطان هنا رمز ايحائي للاحتلال الأمريكي، وفشله الذريع في كسب ود العراقيين الشرفاء، فيما تجسدت الأخرى بشخصية عبدول الملقب بـ " أبو حردوب " الذي ظهر في مسار الرواية بوصفه شخصية سلبية متواطئة، حيث اضطر الشيطان التلبس بجثته عند موته؛ لكي يتمكن من التعافي مجددا والعودة إلى العراق؛ لأجل اختطاف إنانا من جديد. وهو ايحاء لما حدث في العراق من كوارث. ويرى المندلاوي في سياق روايته استمرار الصراع من دون نتيجة حاسمة، لكنه الروائي يبشر بانتصار الخير يوما ما، بالاستناد إلى نظرية المنقذ أو المخلص والذي يعيد الأمور إلى نصابها بعد أن انحرفت الحضارة البشرية عن جادة الصواب.
مسك ختام الأصبوحة كان جميلًا ونوعيًا، حيث قدم الأديب حسين الجاف عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الأدباء والكتاب " درع الجواهري " إلى الروائي سالم بخشي المندلاوي تثمينًا لمنجزه الإبداعي، ولعل النوعية متأتية من أنَّ الروائي المحتفى به كان أحد طلبة الأديب الجاف. 
في نهاية الاحتفالية حدثنا المندلاوي عن روايته  قائلًا: " تقع الرواية في ثلاثة عشر فصلًا، تتحدث الثيمة الرئيسة فيها عن أزمة الوجود الانساني تحت رحمة القدر الأهوج الذي يتقاذفه بين الحياة والموت، والصراع الأزلي لهذا الانسان مع قوى الشر الشيطانية، وسقوطه أحيانًا في براثن هذا الشر وإخفاقه في الامتحان، وأحيانًا انتصاره الباهر، عبر شخصيات وأحداث شائقة ".
 
 

35
المنبر الحر / الإغراق السلعي
« في: 19:18 14/12/2018  »
الإغراق السلعي
لطيف عبد سالم
تعمد بعض دول العالم إلى اعتماد سياسة خاصة تقوم آلياتها على إدخال سلعة في تجارة دولة أخرى بِسعر تصدير يقل عن قيمتها المفترضة فِي مبيعات التجارة الدولية؛ بغية إلحاق الضرر بصناعة الدولة المستوردة. وليس خافيًا أنَّ الدولةَ التي تركن إلى تبني هذه السياسة، تستهدف من خلالها تحقيق النجاح في مهمة إزالة المنتجات الوطنية المناظرة لمثيلاتها - المستوردة - من دائرة المنافسة في السوق المحلي. كذلك تسعى هذه السياسة التي يشار إليها في الأدبيات الاقتصادية باسم " الإغراق السلعي أو التجاري " إلى استهداف صناعة محلية بتأخير ظهورها؛ جراء وجود واردات من السلعة ذاتها بأسعار الإغراق المنخفضة جدًا، والتي ربما لا تسد قيمة كلفة تصنيع تلك السلعة أو تكاليف نقلها أحيانًا.
بالاستناد إلى الباحثين والمتخصصين في الشأن الاقتصادي، يستخدم اصطلاح الإغراق السلعي أو التجاري للدلالة على الحالات التي تقوم فيها دولة مصدرة بدعم منتج محدد يتم تصديره إلى دولة أو دول أخرى، بحيث يتم بيع المنتج في الدول المصدر إليها بسعر شراء أقل من سعر بيع ذلك المنتج في أسواق دولة المنشأ، أو طرحه بسعر يقل عن سعر بيعه في أسواق الدول الأجنبية الأخرى، أو بيعه بسعر يقل عن تكاليف إنتاجه؛ لأجل إلحاق الضرر بالصناعة المحلية للدول المستوردة والمستهدفة في الوقت ذاته، ولاسيما في حال وجود منتج محلي في الدولة المستوردة مماثل للمنتج المستورد الذي يجري اعتماده في السياسة المذكورة آنفًا بسبب تزايد رغبة المستورين في اللجوء إلى خيار استيراد المنتج الذى يتم بيعه بأسعار منخفضة عن أسعار بيعه في دولة المنشأ ذاتها؛ سعيًا في تحقيق أرباح عالية في زمن قصير جدًا.

من المناسب الإشارة هنا إلى أنَّ الاغراق كمصطلح اقتصادي - تجاري، يعود تاريخ ظهوره إلى أيام حرب الاستقلال الأميركية، حيث شرعت إدارات المصانع الإنجليزية في ممارسة عملية الاغراق من أجل إعاقة نمو الصناعات الوليدة في مستعمرتها القديمة " أميركا ". وهو الأمر الذي فرض على الخزانة الأميركية التصريح - حينذاك - بأن هذا السبيل يُعَدّ من أهم العقبات التي تحول دون نمو الاقتصاد الاميركي بعد أن بلغت ممارسة المصانع الإنجليزية لنهج الاغراق حدًا كبيرا، كان من نتائجه المباشرة الإضرار بالمنتجات التي يجري تصنيعها في الولايات المتحدة الأميركية. ولعل المفارقة الكبيرة والصادمة أن تشرع الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الاوروبي في انتهاج ذات السياسة الاقتصادية - التي استخدمها الإنجليز - في محاربة الدول النامية؛ سعيًا في فرض سياسة الهيمنة والإضرار بالاقتصادات الوطنية لتلك الدول.
يمكن القول إنَّ الإغراقَ أصبح يشكل في عالم اليوم ظاهرة عالمية، حيث جرى بحسب المتخصصين تسجيل ما يقرب من (400) ألف حالة إغراق سلعي في العالم، وكدليل على ذلك قيام الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم إغراق على الألواح الشمسية المستوردة من جمهورية الصين، بالإضافة إلى إعلان الحكومية الصينية فرض رسوم إغراق على الألياف البصرية " الضوئية " التي تورد إليها من الولايات المتحدة الأمريكية.
في أمان الله.


36
أهميَّة قِطاع التعليم العالي
لطيف عبد سالم
يمكن القول إنَّ سعةَ الاهتمام الذي حظي به قِطاع التعليم العالي من لدى القيادات الإدارية، مرده بحسب ما ظهر مما تباين من الدراسات العلمية، ولاسيما الاقتصادية منها إلى أثر هذا القِطاع في عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلًا عن إيجابيات مخرجات فعاليات الاستثمار فيه على طبيعة النمو الاقتصادي. كذلك أفضى ظهور اقتصاد المعرفة إلى جذب انتباه إدارات التعليم العالي والحكومات في الكثير من بلدان العالم لأهمية التعليم العالي ودوره الفاعل في مهمة تعزيز مكانة تلك البلدان ما بين دول العالم الأخرى, وهو الأمر الذي ألزم الإدارات المذكورة آنفًا وبتشجيع  ودعم حكوماتها السعي الحثيث لتطوير منظومة التعليم العالي، وما يحيط بها من جهات ساندة؛ لأجل المساهمة في تطوير آلياتها.
مِنْ نافِلة القول إنَّ للتعليمَ العالي دوراً مميزاً في المعاونة بإكساب الفرد ما بوسعه - من مختلف العلوم والمعارف والمهارات والقدرات - تأهيله دخول سوق العمل والتأثير فيه بشكل إيجابي. ومن البديهي أنَّ المهمةَ المنوه عنها آنفًا تلزم الإدارة الجامعية الحرص على الارتقاء بمستوى التعليم الجامعي وترسيخ ما متاح لها من الإجراءات التي بمقدورها المساعدة على تحقيق جودة التعليم الأكاديمي، والتي من بين موجباتها تكريس المحاولات التي من شأنها تطوير المناهج التعليمية وتكييفها بما يجعلها في حالة توائم مع متطلبات سوق العمل المحلي، فضلًا عن الركون إلى اعتماد طرق تدريس فعالة تعبر عن اهتداء الإدارات الجامعية لسياسات تربوية مؤثرة، واستعدادها تعديل ما يتطلب منها؛ بحكم التحولات التي قد تمر بها مجتمعاتها.
لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو ما يفرض على تلك الإدارات من مهمة تتعلق بوجوب تمكين التدريسي في الجامعات والمعاهد، ولاسيما العمل الجدي لتذليل ما قد يواجهه من صعوبات، إلى جانب الاهتمام بحسن اختيارهم والسعي لتدريبهم بشكل جيد قصد رفع كفاءتهم وتنمية قدراتهم، والذي يملي عليها التمسك بمتابعة جودة خدمة التدريسي التعليمية عن طريق معرفة كفاءته المهنية وقياسها بالاستناد إلى المعايير العلمية المعتمدة، بوصفه أحد أهم مدخلات العملية التعليمية، الأمر الذي يفرض على التدريسي ذاته، الاهتمام ببرامج التعليم المستمر، فضلًا عن المبادرات الذاتية التي بمقدورها معاونته في مهمة زيادة معرفته العلمية. ويضاف إلى ذلك تشبثه بالتعرف على أحدث الطرائق المعتمدة في التدريس من أجل تدعيم مهمته في إعداد الطلاب المنتظمين في الكليات والمعاهد؛ بغية النهوض بالمستوى الفكري والثقافي وتنمية وتطوير قدراتهم، فضلًا عما بوسعه ضمان فاعليتهم وتأثيرهم في المجتمع.
خلاصة القول إنَّ التعليمَ العالي يُعَدّ أحد أبرز القنوات الرئيسة التي من شأنها تكريس السبل الكفيلة في التعريف بقضايا الوطن التي تأخذ حيزًا واسعا من اهتمام الرأي العام، وتنمية الوعي الثقافي ما بين أبناء المجتمع، إلى جانب تمكين الطالب من الابتعاد عن العشوائية في اتخاذ القرارات، ولزوم تفكيره بطرق سليمة النتائج. ويضاف إلى ما تقدم دوره الهام في تعليم الطلاب أساليب الحوار وآدابه، وزيادة القدرة على الاستيعاب، فإدارة التعليم العالي معنية بالأساس في تنمية عقول الطلاب التي تشكل الركيزة الأساسية في تحقيق التنمية على الصعد كافة.
في أمان الله.

37
مخاوف من مخاطر الهاتف النقال
لطيف عبد سالم
على الرغم من عدم وجود تأكيدات قاطعة - مصدرها جهات معتمدة - على مسؤولية الهواتف النقالة في تسببها بتعريض مستخدميها لأمراض معينة، فإنَّ خشيةَ الأفراد تزداد يوما بعد يوم من مخاطرٍ صحية محتملة الوقوع من جراء استخدامهم تلك الأجهزة الذكية التي انتشرت في الأعوام الأخيرة بشكل لافت للنظر. ويبدو أنَّ تلك المخاوف مردها إلى ما ظهر من عشرات الدراسات والإستبانة التي أجرتها جامعات عالمية ومراكز بحثية رصينة، والمتضمنة في أغلبها تحذيرات من التأثيرات المباشرة لاستخدام الهواتف النقالة أو الذكية مثلما يشار إليها أحيانا على صحة الإنسان، فعلى سبيل المثال لا الحصر أظهرت إستبانة أجرته إحدى أكبر الجامعات الغربية أنَّ النومَ بجانب الهاتف النقال يفضي إلى جعل مستخدمه في مواجهة صعوبات تكدر نومه؛ نتيجة الاعتقاد بإرباك الهاتف عملية إفراز مادة الميلاتونين في الدماغ المعروفة طبيا بعلاقتها في تنظيم النوم.
دراسة أخرى تؤكد نتائجها تسبب الهاتف النقال بأضرارٍ شديدة الأثر في الدماغ بفعل ما يصدر عنه من موجات بمقدورها، التأثير في المخ، والتسبب بعدم مقدرته على إجراء أعماله بشكل صحيح، فضلا عن تنويهها إلى زيادة الخطورة والضرر مع الوقت؛ لذا أوصت الدراسة المشار إليها آنفا بوجوب الامتناع عن تعريض الأطفال لتلك الموجات من أجل تجنيبهم ما بوسعه من الأضرار التي تؤثر في النمو السليم للمهارات العقلية، مع العرض أنَّ تلك الآثار تكون أضرارها أكثر شدة من البالغين، فيما خلصت دراسة جرى إنجازها في أحد المراكز البحثية إلى تأثير الهاتف النقال في نفسية مستخدمه، وتعريضه للإصابة بالقلق والاكتئاب وعدم المقدرة على النوم بشكل صحي، بالإضافة إلى تسببه في جعل خلايا الدماغ أكثر قابلية للإصابة بسرطان الدماغ. كذلك نوهت دراسة أخرى إلى مخاطر الهاتف النقال التي تؤذي جهاز المناعة لدى الإنسان، والذي من شأنه المساهمة في زيادة فرص إصابة مستخدمه بمختلف الأمراض.
المثير للاهتمام أنَّ الغموضَ الذي يحيط ما ظهر من بحوث ودراسات بخصوص المخاطر المحتملة لاستخدام الهواتف، يُعَدّ بمثابة جرس إنذار لمخاوفَ يصعب تحديد أضرارها حاليا، مع تزايد الظنون باستمرار تطور تأثيراتها شديدة الخطورة، فإشارة دراسات عدة إلى ما يحتمل أن يظهر من مخاطر بسبب تراكم الجراثيم والبكتيريا على الهواتف النقالة في حال إغفال تعقيمها بشكلٍ دائم، وبخاصة قبل استخدامه، تبدو أمرا مقبولا، وقد يفضي إلى انتقال الأمراض، فضلًا عن التسبب العديد بما تباين من الأضرار على الأذن والرقبة واليدين.
أحدث الدراسات المعنية بهذا الأمر، توصلت إلى أنَّ الهاتف النقال يصدر إشارات راديوية لاسلكية إرساله واستقباله المعلومات من الأبراج الخلوية المحيطة، والتي تشير دراسات عدة إلى أنَّها ترددات قد تكون خطرة؛ لذا تبنت بعض الإدارات الصحة مهمة إصدار بعض المبادئ - التي وصفت بالتوجيهية - إزاء سلامة استخدام الهاتف النقال، لكن الأدهى من ذلك هو ما كشفته تلك الدراسة من أمور مخيفة للغاية، والتي من بينها أنَّ " الاستخدام طويل المدى للهواتف الخلوية قد يكون مرتبطا بأنواع معينة من السرطان والآثار الصحية الأخرى ".
في أمان الله.

38
المنتج المحلي ..
رهين إضافة عبارة واحدة إلى قانون الموازنة العامة
لطيف عبد سالم
لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ أغلبَ البلدان النامية - ومن بينها بلادنا - ما تزال قياداتها الإدارية ملزمة بالتكيف مع ما يظهر من المستجدات والمتغيرات الدولية بالركون إلى البحث عما متاح من الحلول المبتكرة التي بوسع آلياتها المساهمة بشكلٍ فاعل في دفع عجلة التنمية وتدعيم الاقتصاد المحلي، وليس أدل على ذلك من اهتداء الحكومة العراقية في أواخر عام 2014م إلى تشكيل خلية أزمة تتبنى رسم السياسات القادرة على التكييف مع الهبوط المتواصل في أسعار النفط، من خلال إطلاق مبادرة جديدة لتطوير القطاع الخاص في سياق المنهاج الحكومي للإصلاح الاقتصادي.
كان الأمل يحدو الشرائح الاجتماعية في بلادنا - وفي طليعتهم الإدارات العاملة في أروقة القطاع الخاص العراقي - في أن يكون من شأن تلك المبادرة المعاونة في تذليل عقبات انطلاق القطاع الخاص والنهوض به تمهيدًا لتطويره؛ بالنظر لأهمية القطاع الخاص في عملية التنمية، بوصفه جزءً لا يتجزأ من خطة التنمية الشاملة، ومن المعلوم أنَّ مرد ذلك يعود إلى إخفاق الكثير من البرامج الحكومية الخاصة بدعم القطاع الخاص التي جرى اعتمادها في المدة الماضية، حيث لم يكن بوسع أدواتها المعاونة في تعزيز موارد الدخل، فضلًا عن خيبتها أيضًا بالمساهمة في تناسي الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أهل العراق. 
المثير للانتباه أنَّ قانونَ الموازنة العامة لعام ٢٠١٧م الذي أصدرته الحكومة العراقية، الزمت المادة "27" منه الوزارات بشراء احتياجاتها من المنتج المحلي سواء أكان "حكوميًا أم خاصًا"، الأمر الذي حفز الكثير من الصناعيين العراقيين المتخصصين بإنتاج المواد التي اعتادت الوزارات والمحافظات على طلبها، الشروع بإعادة تشغيل معاملهم، فضلًا عن تحديث خطوطها الإنتاجية الذي فرض عليهم شراء أجهزة ومعدات جديدة وتخزين مواد أولية، إلى جانب توظيف أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل والقادرين عليه؛ لأجل تغطية احتياجات الوزارات بمنتجات مصنعة محليًا بجودة عالية عوضًا عن لجوء الوزارات القسري إلى خيار الاستيراد من خارج البلاد. 
لا ريب أنَّ تأهيلَ الصناعيين لمعاملهم بعد توقفها سنوات طويلة، والحرص على تحديث معداتها ليست بالمهمة اليسيرة؛ إذ كلفتهم أموالًا طائلة، بالإضافة إلى الكثير من الجهد الذي بذل في هذا المسار، إلا أنَّ الآمل سرعان ما تبدد وخيمت الخيبة المشوبة بالحزن على إدارة القطاع الخاص العراقي، حين أعلن قانون الموازنة العامة لعام ٢٠١8م الذي حمل في ثناياه مفاجأة مخيبة لآمال الصناعيين وجموع العاملين في مصانعهم، تمثلت بالمادة "22" التي نصت على حصر التجهيز بالمؤسسات "الحكومية" فقط، ما أفضى إلى فتح المجال بشكلٍ كامل امام المسؤولين لتجاهل منتجات "القطاع الخاص المحلي"، والتعامل حصريًا مع السلع والبضائع المستوردة!.   
اللافت للنظر أنَّ بعضَ المسؤولين عن إعداد الموازنة، أبلغوا إدارات القطاع الخاص التي تورطت في هذه الفعالية: أنَّ كلمةَ " أو المنتج المحلي " سقطت سهوًا بخطأ غير مقصود، وأنه سيتم تصحيح ذلك في الموازنة القادمة 2019م، لكن المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ قانونَ الموازنة العامة لعام 2019م، تجاهل أيضًا القطاع الخاص؛ إذ حصرت المادة "25" التجهيز فقط بالمؤسسات الحكومية مرة أخرى!.
من المؤكّـد أنَّ هذا الموضوع سينال عناية السلطتين التشريعية والتنفيذية واهتمامهما؛ لأنَّ كلاهما جادًا في الاهتمام بالإنتاج المحلي "الحكومي والخاص" على قدم المساواة، وأقترح تفضلهما في القيام بتصحيح المادة "25" من قانون الموازنة العامة لعام 2019م؛ بغية إعادة بريق الصناعة المحلية، ووضع عبارة "صنع في العراق" محل التنفيذ الفعلي، والذي من شأنه تدعيم الاقتصاد الوطني.
في أمان الله.

39
المنبر الحر / التنمية المستدامة
« في: 17:50 30/10/2018  »
التنمية المستدامة
لطيف عبد سالم
من المعلوم أنَّ صحوةَ العالم على الضجيج الذي صاحب الخشية من التداعيات التي ترتبت على الكثير من مشكلات البيئة، بدأت ملامحها في الظهور منذ إطلالة أعوام العقد الثامن من القرن الماضي، حيث باتت خطورة تلك المشكلات جلية للقيادات الإدارية في مختلف أرجاء المعمورة، حين أدركت تهديدها لأشكال الحياة فوق كوكب الأرض، والتي من أهمها: تنامي مسببات تلويث بيئة الحياة، فضلًا عن الاستخدام الجائر للموارد الطبيعية الذي أفضى إلى استنزاف الكثير منها، الأمر الذي ألزم الباحثين والمهتمين في الشأن البيئي التنبه للتداعيات الخطيرة التي ترتبت على إهمال الإدارات المعنية بإعداد المناهج التنموية للجوانب البيئية طول العقود الماضية، بالإضافة إلى تأكيد موجبات البحث عن فلسفة تنموية جديدة بوسعها المعاونة في مواجهة ما ظهر من المشكلات التي أضرت ببيئة الحياة وساهمت في الإخلال بالتوازن البيئي؛ لأجل الحد من آثارها والتغلب عليها. 
ليس بالأمر المفاجئ أن تتصاعد الجهود الدولية في مجال المسارات الخاصة بتحقيق تنمية من شأنها أن تساهم في تحسين البيئة والحفاظ على عناصرها، حيث أثمرت تلك الجهود عن ظهور مفهوم جديد للتنمية أشير إليه باسم "التنمية المستدامة". ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن أول ظهور لهذا المفهوم جرى تداوله في مؤتمر "قمة الأرض" التاريخي الذي نظمته الأمم المتحدة من أجل البيئة والتقدم في عام 1992م بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، التي حمل هذا المؤتمر بعد ذلك اسمها، حيث أُصبح يشار إليه باسم مؤتمر "قمة ريو".   
المثير للاهتمام أنَّ مفهومَ التنمية المستدامة بدأ منذ ذلك التاريخ بالتبلور ليظهر مع تقادم الأيام بخصوصية ميزته عما عرف من الأنماط التقليدية للتنمية؛ إذ أطلت الأدبيات الاقتصادية والبيئية على العالم بنموذج تنموي جديد يقوم على التمسك بالعقلانية، فضلًا عن الحرص على إشاعة برامج ثقافية توعوية تتبني جملة سبل بوسعها المساهمة بشكل فاعل في ترشيد استغلال الموار الطبيعية لأهداف تتعلق بمهمة إنتاج الطاقة أو غيرها من الأغراض. كذلك ترتكز أعمدة هذا المفهوم على ما يفضي إلى المعاونة في حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، إلى جانب إلزام مختلف الإدارات بذل جهود حثيثة لاعتماد الآليات التي تتعامل مع الأنشطة الاقتصادية التي تسعى إلى ضمان النجاح في تحقيق معدلات نمو اقتصادي متقدم ومستدام، ما يعني الدعوة إلى دفع عجلة المشروعات التي بمقدور مخرجاتها تدعيم الطروحات الخاصة بإيجاد بيئة ملائمة لتحقيق نوعية حياة جيدة للبشرية في الحاضر والمستقبلية، حيث أنَّ التنمية الاستدامة تشكل في واقعها الموضوعي عملية للتغيير في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية؛ إذ أنَّ التنمية في النموذج  الجديد تُعَدّ منهجهًا يتعامل مع الإنسان بوصفه وسيلته وهدفه في الوقت ذاته، ما يؤشر أهمية تبني المجتمع الإنساني التنمية المستدامة كأداة استراتيجية لتحقيق سعادة الفرد ورفاهيته.
في أمان الله.

40
المنبر الحر / أخطر عوائق التنمية
« في: 19:00 25/10/2018  »
أخطر عوائق التنمية
لطيف عبد سالم
ليس خافيا أنَّ لقطاعي التربية والتعليم دوراً مهمَّاً في تنفيذ الآليات التي تمليها جملة الأنشطة الخاصة بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن كونهما من الركائز الأساسية لموجبات التقدم الحضاري الذي تنشده جميع الشعوب بفعل أثرهما في المساهمة بتقدم المجتمعات وتطوير أساليب حياتها، فلا ريب أنَّ معاييرَ جودة ثقافة المجتمعات الساعية لاستثمار إيجابيات التطور الحضاري والتقدم العلمي تقوم بالأساس على ضمان حكوماتها سلامة تنشئة وتعليم أفرادها؛ إذ أثبتت التجارب في هذا السياق عدم إمكانية إصلاح المجتمع وجعله متحضراً وأكثر تقدماً من دون إيلاء قطاعي التربية والتعليم الأهمية التي تفضي إلى ترسيخ عوامل نجاح آلياتهما.
المثير للاهتمام أَنَّ من جملة المؤشرات المهمة التي تؤكد سلامة تفاعل المجتمعات مع  معطيات المعاصرة، هو أَنَّ تحقيقَ برامج التنمية التي تشكل ركيزة تقدمها توجب أن يكون أفرادها أكثر وعياً وأعمق إدراكاً لأهمية التخلص من مجموعة القواعد النمطية الموروثة، فضلاً عن نبذ الكثير من التقاليد غير المبررة، الأمر الذي يؤكد حاجة تلك المجتمعات إلى استشراف مستقبل مزدهر لأفرادها بالركون إلى بذل ما بوسعها من الجهود التي بمقدورها المساهمة بشكل فاعل في مهمة إعداد الأجيال المتعلمة، إذ أنَّ التعليم من وجهة نظر علماء الاجتماع والمهتمين بشؤونه يشكل قوة عظيمة لنشر الخير في المجتمعات، بالإضافة إلى كونه أفضل السبل وأيسرها في الوصول إلى " عمل أفضل بفائدة أكبر ". وضمن هذا المعنى تشير بعض الدراسات إلى أنَّ مساهمة الأفراد  المتعلمين في الجهود الرامية إلى تقدم المجتمعات، تتضح آثارها العملية من خلال جملة فعاليات في مسار الحياة اليومية، والتي من بينها على سبيل المثال لا الحصر: المشاركة في التصويت بالانتخابات والتقليل من نسب حالات الطلاق التي أصبحت في بعض المجتمعات النامية تتفوق بعددها على حالات الزواج، إلى جانب المساهمة أيضاً في تقليص معدلات التدخين بأوساط المجتمع.
لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو تأكيد المتخصصين والباحثين والدارسين أنَّ " الأميّة والتخلف وجهان لعملة واحدة، كما التعليم والتنمية "، ومن هنا جاء تيقن المنظمة الأمية في ارتباط عوائق التنمية بمشكلة الأميّة كما هو وارد بالكثير من أديباتها التي ربطت تحقيق عملية التنمية في البلدان الساعية إلى اللحاق بركب التقدم والتمدن بقدرة إداراتها في مهمة القضاء على الجهل. وتدعيماً لما ذكر يمكن الاستدلال بمقررات المؤتمرات التي نظمتها الأمم المتحدة في هذا الإطار، والتي أكدت جميعها أنَّ مسألة محو الأمية قضية عالمية. ومن المناسب الإشارة هنا لما تضمنته الوثيقتان اللتان اعتمدهما المؤتمر العالمي حول التربية للجميع الذي عقد في شهر آذار من عام 1990م بمدينة جومتين في تايلند من اعتراف صريح بأوجه القصور في النظم التعليمية بجميع أنحاء العالم، فضلاً عن تأكيدهما الأهمية المتزايدة لدور التعليم الاساس في تحقيق التقدم الاجتماعي.
في أمان الله.

41
الحكومة المقبلة ومهمة تعظيم موارد الدخل
لطيف عبد سالم
من المعلوم أنَّ عمليةَ التنمية الاقتصادية، شكلت في عقود القرن الماضي إحدى أبرز الاهتمامات الكبرى للقيادات الإدارية في الدول المتقدمة والناهضة - من مجموعة الدول النامية - على حد سواء، بالإضافة إلى أنَّ هذه القضية الحيوية، ماتزال تحتل صدارة أولويات البرامج الحكومية في البلدان المتخلفة التي في طليعتها البلدان العربية، بوصفها الخيار الرئيس والأكثر رجوحا الذي بوسع معطياته تدعيم مهمة الانعتاق من أسر التخلف الاقتصادي الذي فرضته سياسات الدول الاستعمارية على الشعوب المقهورة.
لا رَيْبَ أَنَّ المواطنَ العراقي المبتلى بخيبات القيادات الإدارية ومرارة الشعور بالإحباط واليأس تجاه إخفاق ما تعاقب من حكومات المحاصصة في برامجها التنموية، وبشكل خاص في مجال الخدمات البلدية والاجتماعية، يتطلع اليوم إلى سعيِّ الحكومة القادمة لإقرار الخطط الواعدة التي بوسع برامجها تحقيق ما يفضي إلى المساهمة في تحسين الواقع المعيشي والخدمي لجميعِ الشرائح الاجتماعية ولو بنسبٍ مقبولة؛ إذ يصح القول إنَّ العراقيَ الخارج توا من أتون أكثر التحديات الوطنية شراسة المتمثلة بالحرب ضد الإرهاب، ما يزال يمني النفس في استبدال حكومة كفاءات وطنية بحكومة تكنوقراط تقوم بالأساس على أسلوب المحاصصة؛ لأجل تبني مشروعات تنموية من شأن مخرجاتها المساهمة في رفاهية الشعب وتحقيق استقراره الاجتماعي.
ليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ نجاحَ الحكومة العراقية المقبلة في إعداد قانون واعد لموازنة تنموية الهياكل البنيوية، يُعَدّ في طليعة تلك المشروعات المرتجاة، والتي بمقدور آليات برامجها التأثير الفاعل في مهمة الانتقال بالبلاد إلى مرحلة تحقيق أماني الشرائح الاجتماعية، فضلَا عن كونها أكثر تعبيرا عن تغطية حاجاتهم. لعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن هذا الانعطاف المأمول يفرض على الحكومة المقبلة الركون إلى ما متاح مِن التدابير في عملية بناء قانون الموازنة العامة، والتي من بين أبرز مرتكزاتها الرئيسة، التخطيط بشكل جدي لإقرار ما بوسعه من البرامج التنموية الكفيلة بتدعيم مهمة زيادة موارد الدخل، فضلًا عن جملة الإجراءات الأخرى التي بوسعِها المساهمة في تطوير جميع قطاعات البلاد.
إلى جانب ما تقدم، فإنَّ من بين السياسات الاقتصادية المهمة التي تفضي إلى إحداث تطور في عموم مفاصل العملية الإنمائية، هو التشجعِ على تنمية الإنتاج بما تباين من أشكاله، ولاسيما قِطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، فضلًا عن التمسك بمهمة إعادة بريق المنتج الوطني من خلال تأهيل المصانع والمعامل الحكومية التي تعرضت إلى التوقف منذ عام 2003م، بالإضافة إلى العمل على دعم القطاع الخاص بتنفيذ ما يقتضي من التشريعات القانونية النافذة وتنمية موجوداته من خلال فتح ما أغلق من أبواب المصانع والمعامل والورش الإنتاجية الّتي ما يزال الصدأ يعلو مكائنها؛ لأجل زيادة الإيرادات المالية للدولة، والتي تتوقف عَلَى تهيئة متطلبات النهوض بواقع الاقتصاد الوطني، وعدم اقتصار مهمة رفد الخزينة العامة بالأموال على العائدات المالية المتحققة من مبيعات النفط الخام.
في أمان الله.   

42
مَنْ بوسعه إيقاف التطاول على العراق ؟
لطيف عبد سالم
تعوّدنا أن نتقبل الإساءات التي توجّه إلينا ممن يشار إليهم بعبارة الأشقاء، فالسيدة صفاء الهاشم - النائب في مجلس الأمة الكويتي -تقيأت في العام الماضي ما في مهجتها من أحقاد دفينة على الشعب العراقي، وأعلنت صراحة صيحتها المشهورة: " لا أتحمل حتى اللهجة العراقية "، ثم تلتها مطلع العام الحالي إساءة أكثر تأثيرًا في نفوس العراقيين حين تطاولت الفنانة الكويتية " ملاك " على هامش بطولة خليجي لكرة القدم بعبارات بذيئة أهانت بها العراقيين بشكل سافر حين أعلنت من جملة ما ضمنته في تغريدة على مواقع التواصل الإجتماعي " مساواتها العراقيين بحذائها "، فضلًا توجّهها إلى الجمهور العراقي قائلة " الخليج تاج على رؤوسكم ".
إذا كانت حصانة " الهاشم " النيابية - بمفهومها المتخلف الدارج في البلدان العربية - تحميها من مقاضاة الجهات المختصة لها بتهمة ترويج العنصرية وترسيخ مقومات الأحقاد والكراهية ومحاولة إقصاء الآخر، فيبدو أنَّ الفنانةَ " ملاك " لا تدرك غاية الفن الأساسية، ولا حتى الوظيفة الجمالية لما تباين من أشكاله؛ إذ أنَّ    مسؤوليتها الإنسانية تفرض عليها الارتقاء بأحاديثها لأخلاقيات المهنة، بوصفها تنتمي إلى الأسرة الفنية التي عرفت تاريخيًا برقة الأحاسيس، فضلا عن سعيها الدائم إلى احترام مشاعر الإنسان وبذل جهود سخية من أجل نبذ الأحقاد والكراهية والدعوة إلى التسامح والوئام والمحبة والسلام.
على الرغم من أني كتبت مقالًا استهجنت فيه التصرف غير المبرر الذي صدر حينها عن البرلمانية الهاشم، أجدني الآن غير ميال للعتب عليها لسببين: أولهما عملها في الميدان السياسي الذي يتطلب جملة من الممارسات والإجراءات التي بوسع آلياتها التأثير في الرأي العام من أجل كسب أصوات الشرائح الاجتماعية المعروفة في الأوساط العربية بتفاعلها مع العواطف. أما الأمر الثاني فهو المتمثل بخيبة الأمل التي نعيشها من جراء ضعف ردود الأفعال " الدبلوماسية " للجهات الحكومية المعنية بهذه الأمور، ولعل أحدثها الموقف الرسمي من واقعة تطاول الجمهور الجزائري على قداسة دماء شهداء العراق وكرامة العراقيين، فضلا عن الهتافات الجماعية العنصرية التي أساءت لطائفة مؤثرة في المجتمع العراقي والكثير من المجتمعات الإنسانية الأخرى. وأدهى من ذلك هزالة العذر الرسمي الذي قدمته وزارة الخارجية الجزائرية إلى نظيرتها العراقية على الرغم من حرصها على تأطيره بعباراتٍ عفا عليها الزمن مثل روابط التضامن، الصداقة بين الشعبين وعمق العلاقة الأخوية بين البلدين؛ إذ لم نسمع حتى اللحظة عن إجراء حكومي جزائري يتضمن إحالة أي شخص إلى القضاء الجزائري بفعل الحدث المذكور آنفًا. ويضاف إلى ذلك الموقف السلبي والسيئ الذي اتخذه الاتحاد العربي لكرة  - الذي يتبوأ فيه العراق منصب نائب الرئيس - إزاء ما رافق تلك المباريات التاريخية من أحداث أقل ما يقال عنها أنها مؤسفة، حيث أنَّ مواجهةَ مثل هذه الأمور يتطلب وعيًا وخبرة بمقدورهما التأسيس لقراراتٍ موضوعية من شأنها إذابة جليد الضغائن والكراهية التي أفضت إليهما تصرفات الجمهور الجزائري.
لا أظن أنَّ بطولةَ الأندية العربية لكرة القدم، ستضيف شيئًا للعبة في العراق، ولا اعتقد أننا بحاجة ماسة للمشاركة في بطولة خليجي، وأكاد أجزم أنَّ الانسحاب من تلك البطولات الإقليمية غير الرسمية، فضلًا عن مغادرة أروقة الاتحاد العربي لكرة القدم بشكلٍ غير مأسوف عليه من شأنه المساهمة في إزاحة الكثير من المشكلات العالقة، والتمهيد لمد وشائج التواصل المبني على الاحترام، فالواضح أنَّ مثل هذه السلوكيات لانهاية لها.
في أمان الله.

43
المرتجى من البيت السياسي العراقي
لطيف عبد سالم
ليس خافيًا أنَّ الشارعَ المحلي يتطلّع اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نجاح جميع الكتل المؤثرة في مسار العملية السياسية بالعمل على ما من شأنه المساهمة في تعزيز موجبات الوحدة الوطنية، ولاسيما ما يتعلق منها بالسعي الحثيث لرسم صورة مستقبل آمن للبلاد فيه من الرفاهية ما يفضي إلى نفض غبار أيام المحن والمواجع عن شعبنا الذي تحمل عبئا باهظًا من جراء الأزمات التي عاشتها بلادنا؛ إذ إنَّ المواطنَ العراقي المبتلى بخيباتِ القيادات الإدارية، فضلًا عن مرارة الشعور بالإحباطِ واليأس تجاه إخفاقات ما تعاقب من الحكومات العراقية في برامجها التنموية خلال الأعوام الماضية، وبخاصة في مجال الخدمات البلدية والإجتماعية، لم يَعُدْ قادرًا على التعامل مع التداعيات التي يمكن أن تفرزها الأزمات الجديدة المحتمل وقوعها بفعل حالة التشظي التي تعيشها الكتل السياسية المكوّنة للبيت السياسي العراقي في الوقت الحاضر.
لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ بلادنا - التي خرجت توا من أتون أشرس التحديات المصيرية وأكثرها تأثيرًا في الاقتصاد المحلي -  يتطلع المواطن فيها إلى توجّه الحكومة المقبلة الجدي في السعيّ لإقرار إدارتها الخططِ الواعدة الَّتِي بوسع برامجها تحقيق ما يفضي إلى المساهمة في تحسينِ الواقع المعيشي والخدمي لجميع الشرائح الاجتماعية ولو بنسبٍ مقبولة. ومن المعلوم أنَّ في المقدمة من تلك البرامج الإنمائية هو ما يقوم على جدية القيادات الإدارية في محاولة تبني مشروع لقانونِ موازنةٍ تنموية ترتكز أبرز أعمدتها الرئيسة على زيادة موارد الدخل القومي من خلال الركون إلى ما متاح من التدابير الإجرائية القادرة على إحداث تطور مؤثر في عموم مفاصل استراتيجية التنمية الوطنية.

لا رَيْبَ أَنَّ التحدياتَ المنوه عنها آنفًا، تفرض على جميع المهتمين بإدارة البلاد الشروع بإيجاد البيئة الملائمة التي بمقدور آلياتها المعاونة في تشجع مختلف الإدارات على تنمية الاقتصاد الوطني بما تباين من أشكاله، وفي طليعتها قِطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، فضلًا عن أهمية الوعي بضرورة التمسك فِي مهمة إعادة بريق المنتج الوطني من خلالِ تأهيل المصانع والمعامل الحكومية التي تعرضت إلى التوقف منذ عام 2003م، بالإضافة إلى العمل على دعم القطاع الخاص بتنفيذ ما يقتضي من التشريعات القانونية النافذة وتنمية موجوداته بفتح ما أغلق من أبواب المصانع والمعامل والورش الإنتاجية التي ما يزال الصدأ يعلو مكائنها؛ لأجل زيادة الإيرادات المالية للدولة، والتي تتوقف على تهيئة متطلبات النهوض بواقع الاقتصاد المحلي، وعدم اقتصار مهمة رفد الخزينة العامة بالأموال على العائدات المالية المتحققة من مبيعات النفط الخام.
تأسيسًا لما تقدم، فإنَّ الدعوةَ إلى الإسراعَ بتشكيل حكومة وطنية بمقدورها تجاوز إخفاقات الماضي، تبقى الأمل المرتجى الذي يتطلع إليه الشارع المحلي من أجل إزاحة ما ظهر من تداعيات المحن التي عصفت بالبلاد والعباد في المدة الماضية.
في أمان الله.


44
منتدى أضواء القلم الثقافي ينظم أمسية لمناقشة مشكلة الموارد المائية في العراق
 
لطيف عبد سالم
أقام منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي بمدينة الكمالية شرقي العاصمة بغداد، أمسيته الثقافية العاشرة لهذا الموسم مستضيفًا فيها الدكتور حسام كاظم حافظ الذي ألقى محاضرة بعنوان" مشكلة الموارد المائية في العراق - رؤية جغرافية للإمكانات الطبيعية والمشكلات السياسية ". 
الأمسية التي حضرها عدد من الأكاديميين والتربويين والمهتمين بشؤون الأدب و ورواد الثقافة، بدأت بقراءة سورة الفاتحة وقوفًا ترحمًا على أرواح شهداء العراق، ثم ترحيب مدير الجلسة - رئيس المنتدى - بضيف الأمسية وجمهور الحاضرين، بالإضافة إلى مقدمة موجزة عن موضوع الجلسة المتعلق بأزمة الموارد المائية في العراق التي ظهرت آثارها واضحة في العام الحالي بمحافظة البصرة، مع عرض السيرة الذاتية للدكتور حافظ، ثم دعوة مدير الجلسة المحاضر الضيف إلى المنصة لإلقاء محاضرته التي بدأها بشكره لإدارة منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي وإشادته بما يقوم به المنتدى من فعاليات ثقافية واجتماعية خدمةً لعراقنا الحبيب، لينتقل بعدها للحديث  عن أزمة المياه العذبة في العالم، منوهًا إلى أنَّ المياه المالحة تشكل " 97.5 % "من إجمالي المياه على سطح الكرة الأرضية، فيما لا تتجاوز نسبة المياه العذبة الـ "  2.5 % ".كذلك أشار ضيف الجلسة إلى تباين التوزيع الجغرافي للمياه، فضلًا عن اتسامها بالندرة مع وجود الكثافات السكانية التي تشكل عاملًا أساسيًا للاستيطان البشري. وقبل أن يتطرق الباحث إلى تفصيل الوضع الجغرافي لتتبع مجرى نهري دجلة والفرات أكد حافظ أنَّ من بين هذه النسبة القليلة من المياه في العالم، أنعم الباري عز وجل على بلادنا بنهرين كانا الأساس في وجود البلاد والعباد. وقد ضمن المحاضر ضيف الأمسية رؤيته لطبيعة المشاكل الخاصة بالمياه العراقية. 
جدير بالإشارة أنَّ الأمسيةَ تخللتها بعض المداخلات والأسئلة من جمهور الحاضرين حول أهمية الحفاظ على مياهنا، إلى جانب ما متاح من الرؤى التي بوسعها المساهمة في الخروج بحلول علمية وعملية وآليات تطبيقية لمعالجة المشاكل المترتبة على مشكلة النقص الحاد بأزمة المياه. وقد كان من بين المساهمين بتلك المداخلات الدكتور حسين عبد جساس، الدكتور غازي محمد، المهندس محمد الواسطي، الأستاذ كمال ذيبان، الأستاذ مجيد أبو شهد، الأستاذ جليل الزركاني، الأستاذ حسين العتبي، الأستاذ أحمد خليل، التربوي حامد العقيلي، الفنان عباس الخالدي، والأستاذ سلمان الموسوي.
في ختام الأمسية قدّم رئيس المنتدى المهندس الاستشاري لطيف عبد سالم نيابة عن أعضاء المنتدى والسادة الحضور شهادة تقديرية إلى الدكتور حسام كاظم حافظ تثمينًا لمساهمته في تعزيز المنهاج الثقافي للمنتدى، وتعبيرًا عن الشكر على حضوره وإلقاء محاضرته.       

45
بَغْدَاد.. عبق الماضي وألم الحاضر
لطيف عبد سالم
لَعَلَّنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّنا اليوم أشد منا في أيِّ عهدٍ آخر حاجة إلى العناية بتنظيم مدننا، وما أظننا كذلك لا نغالي إذا قلنا إنَّ عاصمتنا الحبيبة بَغْدَاد تُعَدُّ أكثر مدن البلاد حاجة إلى بذل الجهود من أجل ترسيخ أصالتها وإعادة الهيبة لها، بوصفها المدينة التاريخية التي سبقت أغلب نظيراتها من عواصمِ بلدان المنطقة في ركوبِ موجة المعاصرة التي طرقت أسوار هذه المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتة على خلفيةِ حصول بلدانها على الاستقلال بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
ليس خافيًا أنَّ عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالفِ الزمان، كانت الأمم والبلدان تستنير بعلومها؛ لأنَّ ما عرف عنها بحسب الوثائق التاريخية هو أنَّ تمدنَها يتجددُ عبر العصور. وعلى الرغمِ من شدةِ وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة ما تحمله أهلها من مكابدات، فإنَّ أبناءها في سعي دائم إلى إدراك ركــب المدنية الحديثة واللحاق بها، فما يزال عبقَ ماضيها يوشح حاضرها بمعالمِ الرقي والمدنية والإبداع؛ إذ أنَّها تتفرد عن كثيرٍ غيرها من العواصمِ والمدن بسعةِ إرثها الحضاري والعلمي والثقافي، فضلًا عن عمقِ امتدادها التاريخي. يضاف إلى ذلك تأريخ أمسها القريب الذي يتجسد بآثارٍ وشواخص وبقايا عمران تشكل بمجموعِها وثائق مادية لو قدر لها أن تكونَ في إحدى مدن بلدان العالم المتقدم، لكان لها شأن آخر، بالإضافة إلى إمكانيةِ توظيفها على وفقِ برامج منظمة في تعزيز موارد بناء الدخل الذي بمقدوره المساهمة بشكلٍ فاعل في تدعيمِ الاقتصاد الوطني.
لا رَيْبَ أَنَّ الدورَ والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغير ذلك من الشواخصِ التراثية التي جرت إقامتها بفضاءاتِ مدينة بَغْدَاد فيما تعاقب من العهود القريبة، تشكل جزءاً من موروثِها الإنساني والحضاري والثقافي الذي ما يزال بعضه حاضراً في حياتِها العامة، إذ إن كثيرا من هذه المعالم التاريخية التي يعود تأريخ إنشائها إلى بداياتِ القرن الماضي ما تزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دونِ الحاجة إلى أعمالِ صيانة توجبها مهمة إعادة تأهيلها، إلى جانبِ دقة فعاليات إنجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسببِ تفوقها في كثيرٍ من الجزئياتِ الحرفية المعتمدة في أسلوبِ العمارة المستخدمة حاليًا بإعمالِ البناء.
يمكن القول إنَّ شواخصَ العاصمة بَغْدَاد العمرانية التي تحكي للأجيال عظمة دوافع التطلع إلى النهوض والتجدد في مدينة طالما ابتليت بالغزوِ والاحتلال وهي تتشبث بالحياةِ وتتطلع إلى آفاقِها الرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيرا ببعضها، إلى جانب ما أزيل منها لإقامةِ محال تجارية وصناعية على وفقِ الطراز المعماري الحديث السائد حاليا في البلاد، ما يعني أن استمرارَ الإهمال بتلك المواقع سيفضي إلى تعريض المدينة من دون أدنى شك إلى فقدانِ هويتها المعمارية والحضارية والثقافية.
في أمانِ الله.

46
مدخل لدراسة مشكلة التلوث البيئي
لطيف عبد سالم
يُعَدُّ تلوّث البيئة - وإن تباينت أشكاله - من أخطر المشكلات أثرا في المجتمع الإنساني؛ بالنظر لما يشكله من تهديد تصعب مواجهة آثاره الجسيمة في ظل انتهاك أغلب الدول المتقدمة صناعيًا الضوابط التي من شأنها المساهمة في الحفاظ على بيئة الحياة وصحة الإنسان، والذي مرده إلى تغليب تلك الدول مصالحها على سلامة المجتمع البشري، ولعل ما رشح من أدوارها في تأجيج الصراعات ما بين البلدان النامية وتغذية الحروب والصراعات في مختلف أرجاء المعمورة، ولاسيما المناطق الغنية بالثروات – في القلب منها منطقة الشرق الأوسط – خير مصداق على ما تقدم. وبصورة عامة، يعرف التلوّث بوصفه عملية إدخال ملوثات صلبة أو سائلة أو غازية أو أحد أنماط الطاقة كالحرارة والصوت والنشاط الإشعاعيّ إلى البيئة الطبيعية، الأمر الذي يفضي إلى إلحاق أضرار بالنظام البيئي، فضلًا عن التسبب في تدني مستوى الصحة العامة.
المثير للاهتمام أنَّ خطورةَ التلوّث، لا تقتصر في عالم اليوم على تهديد سلامة بيئة الحياة بما يحتمل من المخاطر الجسيمة الأثر؛ إذ أنَّ آثاره الكارثية تمتد إلى الأجيال القادمة لتلحق أضرارًا بليغة في مستويات الصحة والنمو، مع العرض أنَّ درجةَ خطورة التلوّث تتميز باختلافها من بلد إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى بالاستناد إلى طبيعة الملوثات من ناحية الحجم والنوع ودرجة الخطورة، والمتأتي بالدرجة الأساس من تفاوت المجتمعات البشرية في درجة الوعي المجتمعي ومستوى التقدم الحضاري، والذي تشكل البرامج الخاصة بعملية التنمية المستدامة المعتمدة من قياداتها الإدارية أبرز مرتكزاته، بالإضافة إلى جملة التأثيرات التي يفرضها واقع الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
لا ريب أنَّ التلوّثَ الذي بدأت ملامحه العامة بالظهور تدريجيا منذ أعوام المرحلة الزمنية التي أعقبت قيام الثورة الصناعية، أفضى إلى إحداث آثار سلبية موجعة للبيئة والإنسان، من بينها فاعلية دوره في التسبب بانتشار الكثير من الأمراض. ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو إعلان وكالة حماية البيئة أنَّ التعرض للملوّثات قد يؤدي إلى المساهمة في تعريض الإنسان للإصابة بأمراض خطيرة كالقلب وأمراض السرطان، بالإضافة إلى تأكيد المتخصصين في الشأن البيئي أنَّ الأفراد الذين يعيشون بجوار طرق المواصلات الرئيسة أو بالقرب منها، يُعَدّ تلوث الهواء مشكلة رئيسة لهم؛ نتيجة التراكيز العالية من المُلوّثات التي تطلقها السيارات عند مرورها. ومن المناسب الإشارة هنا إلى أنَّ جميع الملوثات تًعَدّ دخيلة على بيئة الحياة، حيث أنَّ التلوث لا يعني الآثار السلبية التي يخلفها دخول مواد الكيميائية إلى البيئة فحسب، بل أنَّ فضاء التلوث يمتد ليشمل مختلف أشكال الطاقة مثل التلوث الحراري، السمعي، البصري وغيره. كذلك أدى إفراط الإنسان في حرق الوقود الأحفوريّ - الفحم، النفط، الغاز الطبيعي - من أجل الحصول على الطاقة، التسبب في انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون إلى جانب أنواع أخرى من الغازات المساهمة في نشوء ظاهرة الاحتباس الحراري التي تُعَدّ اليوم في طليعة المشكلات المؤرقة للبشرية.
في أمان الله.

47
أزمة المياه في البصرة

لطيف عبد سالم

ليس خافيًا أنَّ أهاليَ البصرة قدر لهم أنْ يكونوا منذ عقود عدة في مواجهةٍ دائمة مع مشكلة النقص الحاد في مياه الشرب، فضلًا عن تدني جودتها وعدم صلاحيتها للاستخدامات المنزلية، فمن المعلوم أنَّ ندرة المياه الصالحة للشرب باتت تؤرق أبناء المدينة التي تُعَدّ رغيف العراق، ولاسيما في فصل الصيف. وأدهى من ذلك تأكيد بعض مفاصل الحكومة المحلية مؤخرًا إصابة عدد من الحيوانات بالعمى؛ نتيجة ارتفاع نسبة الملوحة بشكل يفوق التوقعات في مياه شط العرب.
لعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو تأكيد السلطات المحلية في محافظة البصرة أن حصة المحافظة من أطلاقات المياه الواصلة الى شط العرب قليلة جدا، ولا تكفى لسد ما تباين من حاجاتها، ما أفضى إلى المساهمة بزيادة نسبة الملوحة فيه. ويضاف إلى ذلك وجود نقص في كميات المياه الواصلة من مشروع ماء البدعة إلى محطات الإسالة في المحافظة، الأمر الذي فرض على إدارة مديرية ماء المحافظة الركون إلى اعتماد أسلوب المناوبة في ضخ المياه بشبكة الإسالة على الكثير من أحياء المحافظة الغنية بالنفط ومناطقها السكنية، والذي يشار إليه محليًا باسم " نظام المراشنة ".
ليس خافيًا أنَّ مدينةَ البصرة التي لم يتسنّ لها نفض غبار أيام المحنة عن أغلب فضاءاتها، ولاسيما ما خلفته حروب النظام السابق العبثية من آثار جسيمة على بناها التحتية، فواقع الحال يشير إلى أنها ما تزال بعيدة عن أي أفق لحل المتوارث من ازمة مياه الشرب؛ إذ تفاقمت أزمة مياه الشرب بعموم مناطق المحافظة في هذا الموسم بسبب التلوث الحاصل في مياه شط العرب، وارتفاع نسب الملوحة فيه. وليس أدل على ذلك من إعلان دائرة صحة محافظة البصرة قبل أيام قليلة، عن تسمم نحو أربعة آلاف شخص نتيجة المياه الملوثة التي تنقلها المركبات الحوضية التي وفرتها الحكومة لحل مشكلة المياه بالمحافظة، فضلًا عن إشارتها إلى أنَّ نسبةَ الكلور - المستخدم لتعقيم المياه - في معظم محطات التحلية هي صفر بالمئة. كذلك أكدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق خطورة الأوضاع التي تمر بها محافظة البصرة في الوقت الحاضر المتأتية من ارتفاع اللسان الملحي وزيادة التلوث في المياه، إلى جانب مطالبتها الجهات المعنية إعلان محافظة البصرة مدينة منكوبة بسبب ما تشهده من كارثة بيئية وارتفاع نسبة الملوحة في المياه، بالإضافة إلى نقص الأدوية!.
يبدو أنَّ إجراءات الحكومة المحلية في البصرة لم ترتقِ إلى مستوى أزمة الخدمات التي يعيش تحت وطء شدتها المواطن البصري. ولا أدل على ذلك من حالة الإحباط التي خيمت على الشارع البصري بفعل خيبة مجلس المحافظة عقد جلسة طارئة لبحث مطالب المتظاهرين؛ نتيجة عدم اكتمال النصاب المتأتي من سفر عدد من أعضاء المجلس خارج البلاد!.
في أمان الله.


48
حلول المشاكل الأسرية في أمسية ثقافية بمنتدى أضواء القلم
لطيف عبد سالم
نضم منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي بمدينة الكمالية شرقي العاصمة بغداد، أمسية ثقافية واكبها جمهور غفير من الأكاديميين والتربويين والمهتمين بالأدب و ورواد الثقافة، جرى فيها استضافه مدير مشروع القادة الشباب بالعراق الدكتور حازم محمد دوس العتابي، والذي ألقى محاضرة بعنوان  " المشاكل الأسرية أسباب وحلول ".   
بدأت هذه الفعالية بقراءة سورة الفاتحة وقوفًا ترحمًا على أرواح شهداء العراق، ثم ترحيب مدير الجلسة - رئيس المنتدى - بضيف الأمسية وجمهور الحاضرين، بالإضافة إلى مقدمة موجزة عن دور التنمية البشرية في معالجة موضوع الجلسة مع عرض السيرة الذاتية للدكتور العتابي، ثم دعوة مدير الجلسة المحاضر الضيف إلى المنصة لإلقاء محاضرته التي ضمنها رؤيته لطبيعة المشاكل الأسرية معززة بالبيانات الرسمية عن حالات الطلاق المريبة في العراق، فضلًا عن المعالجات التي بوسع آلياتها المساهمة بمواجهة هذا التحدي الخطير. وبعدها أجاب العتابي على أسئلة ومداخلات الحاضرين.
في ختام الأمسية قدّم رئيس المنتدى لطيف عبد سالم نيابة عن أعضاء المنتدى والسادة الحضور شهادة تقديرية إلى الدكتور حازم العتابي تثمينًا لمساهماته في مجال التنمية البشرية، وتعبيرًا عن الشكر على حضوره إلى المنتدى وإلقاء محاضرة.       

49
أضواء حول مفهوم الطُّفُولَة
لطيف عبد سالم
يمكن الجزم بأنَّ " الطُّفُولَة " تشكل أهميّة كبيرة فِي حياةِ الإنْسَان،  بوصفِها أحد أهمّ مراحلها الغنية بالنموّ المُستمرّ وَالتطوّر الملحوظ جسمانيّا وَعقليّا، وَالَّتِي يعيش الطفل خلالها باعتمادٍ كُليّ أو نسبيّ على والديه أو أفراد أسرته الآخرين؛ بالنظر لصعوبة تأديته ما - يفترض أو يودُّ - أَنْ يقوم بِه مِنْ مهام بشكلٍ مُستقلّ كُليّا فِي السنواتِ الأولى مِنْ تلك المرحلة. ويبدو أَنَّ معاجم اللغة مُتّفقةً " لغة " فِي تعريفها لمفهوم الطُّفُولَة، إذ إنَّ أغلبَها تشترك فِي هَذَا المسار بتعريف يُشير إليها بوصفِها مرحلة زمنيّة مِنْ حياة الإنْسَان، وَتحديدا أنّ الطُّفُولَة مدة أو مرحلة مَا بَيْنَ ميلادِ الإنْسَانِ وبلوغه. وَالمثيرُ للاهتمام أَنَّ الطُّفُولَة " اصطلاحاً " تمثلُ تعريفا يشترك فِيه  المعنيان اللغويّ والإصطلاحيّ لها؛ إذ يشير كلاهما إلى كون الطُّفُولَة مرحلة زمنيّة مِنْ عمر الإنسان، تبدأ بولادته وتظهر فيها خصائص مُعيّنة تمتدّ لمدة مِن الزّمن، ليدخل الكائن البَشَريّ بعدها مرحلةً أخرى، فالطُّفُولَة اصطلاحاً هي المرحلة الزمنيّة من عمر الطّفل التي تمتدّ منذ ولادته حتَّى بلوغه، ما يعني أَنَّها مرحلة النشأة البدنيَّة وَتكوين الشخصيّة، لكن اللافت للنظر أنَّ تلك المرحلة مُختلفة الحدود النهائيّة؛ إذ لا يتوفر اتّفاق يحدّد نهايتها بشكل واضح. وَبإمكان الباحثين الاستدلال عَلَى المدة الزمنيّة الخاصة بتلك المرحلة العمريّة مِنْ خلال التمعن فِي تعريف " الاتفاقيّة الدوليّة لحقوق الطفل "، وَالَّتِي عرّفت الطّفل بوصفِه " كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المُطبق عليه ". وَبالاستناد إلى تَعريفِ الطفل الَّذِي ضمنته تلك الاتفاقية، يَبْدُو أنَّ انتهاءَ مرحلة الطفولة مرتبط ببلوغ الرشد، وَالَّذِي قد يمتدّ حتى السنة الثامنة عشرة مِنْ عمرِ الإنْسَان كما رجّحته الاتفاقيّة المذكورة آنفا. في حين تُشير أدبيات عِلْم الاجْتِمَاع إلى عدم وجود اتّفاق ثقافيّ تُحدّده الشعوب والثقافات لهذه لمرحلة الطفولة مستندة فِي ذلك إلى اشتراك الثّقافات فِي توصيفها الطفولة كمرحلة عمريّة " تبدأ بالولادة وتنتهي بالرّشد أو البلوغ دونما تأطير للسنّ الَّذِي يحدث فيه الرشد أو البلوغ "؛ لذا عُرّفت مرحلة الطفولة فِي أدبياتِ عِلْم الاجْتِمَاع بأنّها " المدة الزمنيّة مِنْ عمرِ الإنْسَان الَّتِي تبدأ بولادته وَتمتدّ حتى رشده، مَعَ اختلافها مِنْ ثقافةٍ لأخرى "، وَأدهى مِنْ ذلك تحديد هذا القاموس نهايتها بـ " الرشد أو البلوغ أو الزواج أو الاصطلاح على سنٍ يُحدّد نهايتها ". وَفِي السياق ذاته يرى بعض المتخصصين أنَّ مرحلةَ الطفولة قد تمتدّ إلى ما بعد العام العشرين مِن العمر؛ بالنظر لاعتمادهم سن النضج كمعيار لاكتمال النموّ البدنيّ عند أغلب الأفراد. كذلك تشير دراسات عدّة إلى سنَّ الطفولة قد يتفاوت من جيل إلى جيل أو من شعب لآخر؛ نتيجة اقترانها بالنّضج البدنيّ والاعتماد على الذّات في أداء المَهمّات باستقلاليّة الفرد عن بيئته الخاصّة.
فِي أمان الله.

50
سلوكيات تقوض المستقبل
لطيف عبد سالم
يرى المتخصصون أنَّ " الغش في الامتحان " يُعّد أحد الجرائم التي يرتكبها بعض الطلاب؛ لأجلِ النجاح والتفوق مِنْ دُون جهد أو عناء. وَمِنْ المؤكّـد أنَّ هذه الفعالية غير المشروعة بفعل تعارضها مع مبدأ تكافؤ الفرص، لم تكن وليدة اليوم كما يتبادر إلى ذهن البعض، إذ إنها ظاهرةَ قديمة قدم مدارسنا ذاتها، على الرغم من معرفة ممارسيها من تصنيفها ضمن السلوكيات المشينة. ومن المعلوم أنَّ هذه الظاهرة الخطيرة كانت تمارس في الأمس البعيد بأساليب تقليدية، لا يتعدى ما تباين من آلياتها الركون إلى الطريقة الأكثر انتشاراً والمتمثلة في استخدام أوراق صغيرة الحجم يشار إليها محلياً باسْم " البراشيم "، بالإضافة إلى طرق أخرى كالكتابة على المقاعد أو على اليد، فِيما يلجأ بعضهم إلى اعتماد الملابس أو الأدوات الدراسية مثل الاقلام والمساطر والممحاة وسطاً لتسجيل ما يعتقدون مهماً من المعلومات. وأدهى مِنْ ذلك امتلاك بعض الطلاب الجرأة التي تدفعهم إلى تبادل أوراق الاجابة ذاتها فيما بينهم.
لا رَيْبَ أَنَّ التقنياتَ الحديثة كان لها دور مهم ومؤثر في انتشار ظاهرة الغش في الامتحان؛ بالنظرِ لتوظيف مزاياها الفائقة في تسهيل عملية الغش إلى الحد الذي جعلها آلية مألوفة يمارسها الكثير من طلبة اليوم الذين تفننوا في ابتكار أحدث الوسائل، فضلاً عن توصلهم إلى أكثر الطرق فاعلية في تنفيذ هذه المهمة التي تفضي إلى المساس بمنظومة التقاليد والقيم المتعارف عليها في مجتمعنا، إلى جانب تقويض نوعية التعليم وإهدار الفرص التي من شأنها المساهمة في تنشيط وتحفيز موجبات تقدم البلاد ورقيها.
الْمُثيرُ للاهتمام أَنَّ ظاهرةَ الغش بدأت تتنامى في بلادنا بشكل واسع خلال السنوات الماضية؛ إذ لم يقتصر انتشارها على المراحل الدراسية في القطاع التربوي فحسب، بل تجاوزتها إلى الأروقة الجامعية بعد أنْ وصلت خطورتها من حيث المبدأ إلى استغلالها في إعداد مشاريع طلبة الكليات وبحوثهم، حيث تقوم مكتبات متخصصة - تتباهى برفع شعار مشروع تخرج جاهز ومفصل على القياس - ببيع أبحاث ومشاريع تخرج على وفق نوع التخصص وحجم البحث أو المشروع إلى مَنْ يحتاج مِنْ طلبة الجامعات - مقابل أسعار يتفق عليها - بعيدًا عَنْ رقابة الإدارات الجامعية، فأصبحت الكثير من البحوث والمشاريع المقدمة من بعض الطلاب لأساتذتهم، ليس للطالب فيها من جهد أو دراية سوى اسمه المثبت على غلاف الدراسة التي لا يعرف عما فيها شيئًا. وقد يكون من بين العوامل المساهمة فِي ضعف رقابة الإدارات الجامعية على تلك الأنشطة هو تركيز كلياتها على الجوانب النظرية، وتجاهلها الجوانب العملية، الأمر الذي أدى إلى خيبة الطلبة في إعداد مشاريع تخرجهم؛ بالنظر لضعف الطلبة من الناحية العملية والفنية والتقنية.
لعلَّ المذهلُ في الأمرِ أَنَّ هناك أساتذة يبيعون طلاباً جامعيين أبحاثًا تخرج مقابل ثمن؛ إذ يمتلك غالبية هذا النوع مِن " الأساتذة النبلاء " مكاتب تجارية تبيع بالباطن مشاريع تخرج وبحوثًا على نحو غير شرعي!!.
في أمان الله.

 

51
المنبر الحر / أسئلة صامتة!!
« في: 17:58 20/07/2018  »
أسئلة صامتة!!
لطيف عبد سالم
واقعةٌ قد يبدو حصولها في بلادنا أمراً مألوفًا، إلا أنها سرعان ما أثارت غضبًا واسعًا في الشارع الماليزيّ، فضلًا عن اضطرار السلطات الماليزية إلى الشروع بإجراء تحقيق في القضية المذكورة آنفًا والوقوف على الظروف المحيطة بها؛ بالنظر لاستياء عدد كبير من المواطنين من حدوثها. وعلى الرغم من الاهتمام الشديد الذي حظيت به تلك الحادثة، والذي تسبب في تحويلها إلى قضية رأي عام، فأنها لا تمت بصلة إلى مصير ركاب الطائرة الماليزية المنكوبة التي ما يزال الغموض يلف احتمالات اختفائها في جنوبي المحيط الهندي عام 2014م، ولا بصدد الظروف التي تسببت بسقوط شقيقتها وتحطمها في شرقي أوكرانيا بواسطة صاروخ روسي ما يزال الجدل دائر حول الجهة التي أطلقته. كذلك لم تكن تلك الحادثة على علاقة بما يمكن أن تسببه الأعاصير أو الفيضانات العارمة - التي عرفت بها تلك المنطقة - من نزوح وخسائر بشرية وخسائر في الممتلكات، ولا ما قد يظنه القارئ الكريم من أنها تمثل بعضاً من ويلات الحروب وما يتبعها من أهوال النزوح أو ربما يذهب ببعضهم الظن إلى غيرها من أزمات الحياة المعاصرة التي وهبتها العولمة لجموع المقهورين؛ إذ أنَّ تلك الواقعة التي تصدر خبرها الصحف الماليزية وأغلب الصحف العالمية بالإضافة إلى الوسائل الإعلامية الأخرى، خلاصتها أنَّ فتاةً تايلاندية تبلغ من العمر إحدى عشرة سنة جرى تزويجها "سرًا" لرجل أربعيني يحمل الجنسية الماليزية، لتكون الزوجة الثالثة لهذا الرجل الذي يكبرها بثلاثين عاماً، الأمر الذي أغاظ إحدى زوجاته وحفزها على تقديم شكوى ضد زوجها إلى أحد مراكز الشرطة في بلدتها تتعلق بصغر سن العروس الجديدة الذي يتعارض مع القوانين الماليزية التي تمنح الفتيات اللواتي تقل أعمارهن عن ستة عشر سنة الحق في الزواج بشرط موافقة المحكمة والوالد، فأصبحت تلك الزيجة التاريخية حديث المجتمع الماليزي، فضلاً عن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في ماليزيا وغيرها من البلدان، بعد أن جرى تسريب مجموعة من الصور التي تظهر مراسم عقد القران ما بين الزوج الماليزي وعروسه التايلندية الصغيرة، حيث انقسمت الآراء ما بين مؤيد وآخر معارض له يطالب برفع سن الزواج لدى النساء الماليزيات.
الفحلُ البشريّ الماليزيّ الذي يستمتع حاليًا بشهر عسله الثالث، واجه ما أفضى إلى أثارته زواجه من أحاديث مثيرة بالتأكيد على أنَّ زواجه جرى بالاستناد إلى القانون؛ لأنه تم بموافقة والديّ الطفلة، إلا أنَّ تبريرَ الزوج، لم يكن مقنعاً لنائبة رئيس الوزراء الماليزية، والتي ردت على هذا الطرح بالقول "إن الزواج غير قانوني إذا لم توافق عليه المحكمة الشرعية"، مضيفة "سألتقي - اليوم - مع بعض المسؤولين لمناقشة هذه القضية".
ما أثارني وأنا أتصفح نشرات الأخبار، لا يتعلق مطلقاً بمجريات القضية المذكورة آنفاً، إنما أمران، أولهما هل بوسع المواطن العراقي المبتلى بنكبات الزمان، الحديث عن اليسير من حقوقه في مجال الخدمات - وليس الأمنيات - من دون تبريرات الجهات المعنية كما دافع " رمز الفحولة الماليزية " عن زواجه، أما الأمر الآخر فهو : هل بإمكان الحكومة العراقية في ظل غياب وحدة القرار المتأتي من " مستنقع المحاصصة " الذي أوجدته ديمقراطية "بريمر" التوافقية، مواجهة الأزمات التي تمر بها البلاد وقت حدوثها كما فعلت نائبة رئيس الوزراء الماليزية؟!.   
في أمان الله.

 

52
مرافئُ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة السابعة والعشرون )
لطيف عبد سالم 
بعد أنْ توقفنا عند محطات عدة مِنْ حياته الغنية بالأحداث وَالمواقف، أظن أنَّه قد آن الأوَان لكي نخلع عَنْه معطف الشَّاعِر أو الأديب، وَنتحدث عَنْ السَماويّ يحيى الإنْسَان؛ إذ أَنَّ كُلَّ مَنْ عايشه أو تعرف عَلَيه عَنْ قرب، يدرك جيداً أنَّ السَماويّ يحيى شغوف ببحثٍ دائم عَمَا يسمو بفكرِه لِمَا يفضي إلى المُسَاهَمَة فِي الارتقاء بالمشاعر الإنسانيَّة وَالوصول بِهَا إلى صدق العطاء الَّذِي مِنْ شأنِه تغذية زهور المحبة وَشجيرات المودة المتعطشة لكؤوسٍ منْ مشاعرَ صادقةٍ، تمنح الإنسان قيمة فاعلة فِي مُجْتَمعه، وَتشعره بذاتِه وَشخصيته، بمعزلٍ عَنْ الأنا وَبعيداً عَنْ الرغبات المادية والآنية. وَفِي هَذَا السياق يمكن الجزم بأنَّ البساطةَ، الطيبة، التواضع، الاندفاع لمساعدة الأخرين، الحساسية المرهفة، فضلاً عَنْ احترام الآراء والإصغاء إلى الآخر بمشاعرَ صادقة بريئة وَشفافة تُعَدُّ مِنْ أبرز عنوانات شخصية السَماويّ يحيى، وَالَّتِي تشكل أدلة عَلَى نخلات الألفة الباسقات عَلَى ضفاف أنهار الجمال وَالمحبة، فثَمّةَ مَا يشير إلى أَنَّ كلمةَ " المحبة " هي المفردة الأكثر استخداماً فِي القاموس اللفظي، وَفِي الحياة اليومية للسَماويّ يحيى الَّذِي عُرفَ عَنه خفة الروح وَانتصاره للحق وَقضايا الإنْسَان وَكلّ مَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي تعزيز قيم الجمال. وَضمن هَذَا الإطار يقول الشَّاعِر السَماويّ : " أنَا أردد  كلمة المحبة يومياً مرات عدة؛ لإيماني أَنَّ الله تبارك وَتعالى قد خلق الإنسان ليحبّ لا ليكره، فضلاً عَنْ أَنَّ وظيفة الشِّعْر عندي هي المُسَاهَمَة فِي إضافةِ زهرة جديدة إلى حديقة المحبة الكونية أو اقتلاع شوكة ناتئة من هذه الحديقة ". وَفِي السياقِ ذاته يؤكد أيضاً بِمَا نصه : " أنا أحب القارئ؛ لذا يبادلني هذه المحبة، بالإضافةِ إلى أَنَّ محبة المتلقين تفرض عليّ مسؤولية مضافة، هي تحديداَ بذل المزيد مِن الجهد والدرس كي أبقى جديراً بمحبتِهم، وكي لا يخيب حسن ظنهم بي  سواء على صعيد سلوكي الشخصي أو على صعيد جديدي الشعري، آخذاً بنظر الاعتبار أنني أكتب للقراء وليس لنفسي، فهم الأرض التي أغرس فيها بذوري ". وَيختم السَماوي حديثه فِي هَذَا المنحى بالقولِ: " الشاعر الذي ينشر قصائده ويزعم أنه يكتب لنفسه، هو شاعر كاذب، فالذي يكتب لنفسه عليه عدم نشر شعره ".
 
شـقّـتْ ظـلامَ الـلـيـلِ " إيـنـانـا "
فـأيـقـظـتِ الـمـرايـا . .
ألـبَـسَـتْـنـي بُـردةَ الـفَـرَحِ الـمـؤجَّـلِ مـنـذ
عـامِ الـهـجـرةِ الأولـى عـن الــمـاءِ الـفـراتِ
وســيِّـدِ الــشَّـجَـرِ الـنـخـيـلْ
*
وعـن الـسَّـمـاوةِ
والـظِـبـاءِ الـفـاتـنـاتِ إذا نـظـرنَ الـى الـغـزالِ :
أسَــرْنَـهُ بـمـصائِـدِ الـطَّـرْفِ الـكـحـيـلْ
*
وحـدي " وقـاسـمُ " كـنـتُ فـي " قـصـر الـغـديـرِ "
مُـهَـرْوِلَـيـنِ وراءَ قـافـيـةٍ
ونُـطـنِـبُ فـي الـحـديـثِ عـن الـبـلاغـةِ والـبـيـانٍ
وسِــرِّ عَـجْـزِ الــنـهــرِ
عـن إرواءِ مـتـبـولٍ تـأبَّـدَهُ الـغـلـيـلْ
*
قـبـلَ انـتـصـافِ الـلـيـلِ :
آذنَ بـالـذهـابِ الـى جـنـائـنِ بـيـتِـهِ الـضَّـوئيِّ " قـاسـمُ "
فـاقـتـرَحْـتُ عـلـيَّ أنْ أبـقـى مـعـي
لأُعِـيـدَ تـرتـيـبَ الـهـمـومِ
عـسـايَ أطـفـئُ مـن حـرائـقِـهـا الـقـلـيـلْ
*

مِنْ المعلوم أنَّ مِنْ فضل الباري عَزَّ وَجلّ وَكرمه أنْ يتفضل عَلَى الإنْسَان المؤمن بالتواضع وَحسن الخُلق؛ إذ يُعَدُّ التواضعُ انعكاساً لثمرة المعرفة، فضلاً عَنْ كونه مِن القيم الرفيعة الَّتِي تنشر الخير مَا بَيْنَ أفراد الْمُجْتَمَع، فالتواضع كلمة جميلة فِي مبناها وَمعناها، كلمة سامية فِي مفرداتها وَأجزائها، بالإضافةِ إلى أَنَّ التواضعَ يُعَدّ مِنْ أعظم الجرعات، وَأسهل الطرقات لكسب القلوب وَالود العميق.  وقد جاء فِي الأثر أَنَّ مِنْ أروع الأخلاق الَّتِي تلزم كُلّ شخص الاتصاف بها خُلق التواضع، وَالَّذِي لا رَيْبَ أَنَّه يأسر القلوب ويستهوي الأسماع وَالأبصار. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة عَلَى إيجابية أثر التواضع هو حقيقة أَنَّ المكانَ المنخفض أكثر ماء؛ لذَا لا غرابة فِيمَا نسمع ونقرأ عَنْ تواضع الحكماء وَجهابذة العلم وَمَا يشار إليهم باسْمِ أهل الحل وَالعقد، فأمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ الإنْسَانَ كلما استزاد مِن العلم، ازداد تواضعاً. وَالتواضع لغة : مصدره وَضُعَ : يقال وَضُعَ الرجل " يَوْضُعُ " ضِعَةً وَوضاعة : صار وَضِيعا، أي دنيئاً، وتواضع فلان: تذلّل وَتخاشع، وَتواضعت الأرض: انخفضت عمّا يليها ( المعجم المحيط ), والتواضع أيضاً هو التذلّل ( كتاب العين، للفراهيدي ). أمَا اصطلاحاً فأَنَّ التواضعَ انكسار للنفس يمنعها مِنْ أنْ يرى صاحبها لِذَاتها جميلاً عَلَى الغير, وَتلزمه أفعال وَأقوال موجبة لاستعظامِ الغير وَإكرامه ( جامع السعادات )، أو هو احترام الناس حسب أقدارهم، وَعدم الترفع عليهم ( أخلاق أهل البيت, محمد مهدي الصدر ).
جدير بالإشارةِ أَنَّ صفةَ التواضع تُعَدّ مِن القيم الإنسانيَّة العظمى فِي كُلّ الشرائع وَالأديان وَالمباحث الفلسفية، فالتواضع الحقيقي هو " أبو كل الفضائل " كما ورد فِي أقوال الحكماء وَأهل المعرفة، وهو الطريق لاستعباد قلوب الناس واستمالتهم؛ فالإنْسَان يدنو مِن العظمةِ بقدر مَا يكون متواضعاً. وَمِن جملة مَا قيل عَنْ التواضع أيضاً الأقوال التالية : " أحب الخلق إلى الله المتواضعون "، وَ " ضع فخرك، واحطط كبرك، واذكر قبرك، فإن عليه ممرك "، وَ " ليس للرجل سوى مجد واحد حقيقي، هو التواضع ". كما ورد عَن أهل المعرفة أيضاً مَا نصه " لا يتكبر إلا كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع ". وَ" كلما ارتفع الشريف تواضع، وكلما ارتفع الوضيع تكبر ". وَلأنَّ مَا قيل فِي صفة التواضع أكثر مِنْ أنْ يُعَدّ أو يحصى، أراني ملزماً بالاكتفاء فِيما ذكرته آنفاً وَختم تلك الحكم العظيمة بقولٍ جميلٍ نصه " لا حسب كالتواضع، وَلا شرف كالعلم ". وَممَا قال الشعراء عَن التواضع، ننتخب مِنه مَا يأتي :
قال البحتري:
وإذا الشريف لـــم يتواضع
للأخلاء فهو عين الوضيع
وَقال احمد شوقي:
ومن لــــم يجمِّل بالتواضع فضله
يبن فضله عنه ويعطل من الفخر
وَقال شاعر أجهل اسْمه:
ولا تمشي فوق الأرض إلا تواضعاً
فكـــــــــــم تحتها قوم هم منك أرفع   
وقال الشاعر موسى بن علي الزرزاري القُطبي :
تواضع تكن كالنجم استبان لناظر
علـــى صفحات الماء وهو رفيعُ
ولــــــــم يكُ كالدخان يرفع نفسه
إلـــى طبقات الجو، وهو وضيع
السَماويّ يحيى " صاحب القلب المليء كرماً واخلاقا " بحسب الشاعر العراقي الدكتور حسين يوسف الزويد، وَالَّذِي يشهدُ الجميع لهُ بأنَّه " قال فأجاد وَأنشد فأطرب وَنسج فأبدع "، لا أدلَّ عَلَى تواضعه مِنْ مخاطبته أحدِ الشُّعراء بعبارةٍ بليغة الأثر، تعكس تواضعه وَعلو هامته فِي عالمِ الشِّعْر، وَالَّتِي يقول فِيها : " فخار ليّ أنْ أكونَ عشبةً ناتئة فِي حقل إبداعك ". وَعَلَى الرغمِ مِنْ الإشادةِ بإبداع منجزه الشعري وتميزه، فإنَّ السَماويّ يحيى يخاطب أيضاً  زميلاً آخر بعبارةٍ بليغة الأثر تعكس طيبته وَإصالته وَنقاوة روحه، وَالَّتِي نصها : " ما أنا بأكثر من طفل يحبو على رصيف الشعر رغم مضيّ نحو خمسين دورة شمس على إصداري أول مجموعة شعرية ". وَيَوْمَ لَبَّى السَماويّ يحيى - الَّذِي يسكن فِي مدينة " أديلايد "عاصمة ولاية جنوبي أستراليا -  دَعَوْةَ " المنتدى العراقي الأسترالي " فِي مدينةِ ملبورن - عاصمة ولاية فيكتوريا الَّتِي تُعَدّ ثاني أكبر مدن أستراليا بعد سيدني - لإقامة أمسية شِعْريَّة، تجمع عشاق الشِّعْر وَالأدب مِنْ أهل العراق بِمختلفِ طوائفهم وَقومياتهم وَاحزابهم وَعقائدهم فِي مكتبة " تومس تاون "، حيث اعتلى السَماويّ يحيى أواخر شهر تشرين الثاني عام 2006م  المنصة؛ لإلقاءِ منتخباتٍ مِنْ قصائده، إلا أَنَّه لَمْ يتمالك نفسهُ مِن البكاء حين وقعَ نظره عَلَى هَذَا الْمُجْتَمَع العراقي الصغير بشخصياته المعروفة وَغير المعروفة لَهُ، وَالَّتِي قاسمها المشترك الانسجام وَالتآلف, وَالشعور بانتماء حقيقيّ إلى وطن يمتد أفقه مِنْ مدينة زاخو الى الفاو؛ إذ سرعان مَا بدأت الدموع تنهمر عَلَى وَجنتيه قبل أنْ تبدأ شفتاه بنطق كلمات مِنْ شعْرِه. وَحينما اقترح عليه أحد الحاضرين السكن فِي مدينةِ ملبورن، قال : " سآتيكم متى مَا أردتم، حتى لو جئت عَلَى الأقدام مِنْ مدينة أدلايد ".
عَلَى الرغمِ مِنْ إنَّ المنظومةَ الشِعْريَّة للسَماويّ يحيى تعبر عَنْ شموخ أدبي وَثَّقَافَيّ وَفكري، إلا أنَّ نهجه الإنْسَانيّ لَمْ يتغير منذ صباه، وَلَمْ يتأثر بمعطيات الأمكنة الجديدة الَّتِي وَطِئت إياها قدمُه؛ لأنَّه مَا يَزال مهووساً فِي البحثِ عَنْ النبيل مِن المواقف الَّتِي تبهج النفس بسعادةٍ تشعر السواد الأعم بالنشوة الَّتِي تتراءى لَه فِي أحلامه، ويتمنى وجودها فِي أيامه؛ إذ أَنَّه لَمْ يعش يوماً رهين حدود الشخصية الأدَبيَّة أو الإعلاَميَّة أو التَرْبَوِيَّة فحسب، وَإنما كان - وَمَا يَزال - شخصية اجْتِماعِيَّة إنسانيَّة متعددة المآثر، فضلاً عَنْ أَنَّ قلبَه الكبير يسع الجميع. ويحضرني هُنَا مَا كتبه ذات يوم فِي أحد المواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة الشاعر الدكتور حسين يوسف الزويد، وَالَّذِي   نصه " أخي وأستاذي سماوينا الكبير الجليل المبجل، في كل تعليق لك على أوشال حروفي، تدمرني بكرمك وأخلاقك التي تحملني مسؤولية الوفاء في زمن شح فيه الوفاء ". ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأحداث القريبة الَّتِي تُعَدّ شاهدًا حياً عَلَى شهامتِه وَنبله وَطيبته المتناهية، هو مَا جرى فِي زيارتِه نهاية العام الماضي 2017م إلى العراق، حين تقدم إليه فنان تشكيلي مِنْ شريحة الشباب فِي إحدى الأمسيات الثقافيَّة المقامة بمدينة السَماوة قصد استحصال موافقته عَلَى إقامة تمثال نصفي لَه؛ تثميناً لِمواقفِه الوَطَنيّة وَجهودِه فِي مقارعة النظام الدكتاتوري، بالإضافةِ إلى الاعتزاز بمنجزِه الإِبْداعيّ، إلا أنَّ السَماويَّ شكر هَذَا الفنان عَلَى مبادرتِه النبيلة، وَاعتذر عَنْ قبول طلبه، طالباً مِنه تخصيص التمثال النصفي لإحياءِ شخصية الشهيد " حسن سريع " قائد انتفاضة معسكر الرشيد الإيثارية الموسومة باسْمِ قائدها، وَالَّتِي لَمْ يَعرِف عَنهَا ذاك الفنان شيئا، مَا ألزمه التعريف بِها. وَيقيناً أَنَّ أكثرَ شيء مدهش فِي موقف السَماويّ يحيى هَذَا هو التعبير العمليّ عَنْ نكران الذات الَّذِي يعني الخروج مِنْ شرنقة الأَنانيَّة - الَّتِي تسيطر عَلَى ذات الكثير مِن الشخصيات المهمة فِي الْمُجْتَمَع - إلى فضاء المَوْضُوعِيَّة وَالعقلانية. وَلعلّ مِن المناسب أنْ أشيرَ هُنَا إلى أنيّ حين كنت أسجل هَذِه السطور، وَجدت أَنَّ موقفَ السَماويّ يحيى المذكور آنفاً ينطبق إلى حدّ كبير أو رُبَّما يكرس مقولة الشَّاعِر التركي ناظم حكمت الشهيرة، وَالَّتِي نصها " إذا أنا وأنت وهي وهو لم نحترق، فمن يُضيء الطريق ؟ ". كذلك قفز إلى خاطريّ " قول تشي جيفارا " إنَّ الطريقَ مظلمٌ وحالك، فإذا لم نحترق أنا وأنت، من سينير الطريق ؟ "، فنزعة الأَنانيَّة بحسبِ علماء الاجْتِمَاع تقود الإنْسَان إلى حبِ الذات الَّذِي يقوده لاتباع الأهواء والشهوات وَجعله أسير رغباتِ تنمي فِي داخلِه خسارة الأخلاق وَانعدام الضمير.
*
قـبـلَ الـنـداءِ الـى صَـلاةِ الـفـجـرِ :
فَـزَّ الـقـلـبُ ..
صـوتٌ كـالأذانِ أتـى .. أصَـخـتُ الـنـبـضَ ..
مَـنْ ؟
فـأجـابـنـي صـمـتـي :
هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ
*
فـانـثـرْ بـذورَكَ
آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـاَ الأيْـكَ الـظـلـيـلْ
*
وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ سـلـسـبـيـلْ
*
ألـقـى عـلـيَّ تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى
وقـال :
يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ بـجـنَّـةٍ
مـن فـوقـهـا تـجـري مـن الأفـراحِ أقـمـارٌ
ويـجـري تـحـتـهـا نـهـرٌ مـن الـقُـبُـلاتِ والأزهـارِ والأطـيـارِ
والـشـجَـرِ الـبَـتـيـلْ
*
فـاحْـزمْ فـؤادَكَ
واخْـلـعِ الأمـسَ الـمُـقـرَّحَ مـن كـتـابِ الـيـومِ
وادخـلْ آمِـنـاً غـدَكِ الـجـمـيـلْ
*
الـيـومَ قـد أكـمَـلـتُ عـشـقَـكَ ـ قـالَ " عـشـقـائـيـلُ " بـاسـمِ الـسـومـريَّـةِ
وارتـضـيـتُـكَ أن تـكـونَ لـيَ الـرَّسـيـلْ

الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ اِسْتَحْضَرَ فِي شهادته جانباً مهماً يدلل عَلَى جمال الروح فِي شخصية السَماويّ يحيى، وَالمتمثل بتمسكِه فِي إدامة التواصل الاجتماعي والإنساني عَلَى الرغمِ مِنْ مرارة التعسف وألم الاغتراب اللذين عانى مِنهما؛ إذ يؤكد فِي تلك الشهادة هذه السجية بالقولِ : " ظلَّ السماوي يحيى وفيّاً لقضايا شعبهِ، بالمستوى نفسهِ الذي ظلَّ فيه وفيّاً للفلسفةِ التي آمن بها، ولعلَّ ما كان يُعانيه شعبهُ من استلابٍ ثقافيّ، وفكريّ، واقتصاديّ هي بعض الأسباب التي عمّقتْ ذلك الوفاء، فكانَ أميناً مع ناسه قبل أنْ يكونَ أميناً على مبادئهِ في حريّةِ الفكرِ والتعبير، والعملِ، فكان لابدّ للدكتاتوريّةِ من أن تبعدَهُ عن مهنةِ التعليم التي اختارها، وتنقلَهُ إلى مكتبِ بريد في مدينة السماوة، عقوبةً لرفضهِ الانتماء لحزب المنظّمةِ السريّةِ الذي كان يحكمُ العراقَ بقبضتهِ الحديديّة بداءةً من نهاية ستينيّات القرن الماضي، وحتّى سقوط الدكتاتوريّة في العام 2003م ". وَيضيف عليّ أستاذ الأدب والنقد الَّذِي عرف بِمنجزِه النقدي الكبير، ومؤلفاته المتعددة الَّتِي أصبح بعضها منهجاً معتمداً فِي الجامعات قائلاً : " منذُ ذلك الحين، أي قبل خمسةٍ وأربعينَ عاماً وحتى هذه الساعة لم تستطعْ محنُ الزمانِ، ولا أيّامُ الخوفِ، ولا معتقلاتُ البعثِ، ولا المنافي العديدة، ولا غيرها من المنغّصات أن تفرّق بين ما آمنتْ به روحانا من أفكارٍ، أو فلسفات، أو انحيازات استدعتها مواقفُ معيّنة - وإنْ فرّقتنا فضاءات هذه الدنيا الشاسعة الأطراف مكانيّاً - لكنّنا كنّا نلتقي بين الحينِ والحينِ في فضاءات جميلة، هي فضاءاتُ الأدبِ وما إليه، وما حوله، لكونِ كلٍّ منّا قد أدركته حرفةُ الأدبِ، ومن أدركته تلك الحرفة بات أسيرها طوال العمر راضياً مرضيّاً ". وَيختم الدكتور عبد الرضـا علي شهادته التاريخية هذه بقوله " إنَّ هذه الشهادةَ القصيرةَ التي رويتُها هنا عن صديقي الشاعر يحيى السماوي، لا تفيه حقّه، لكنها واحدةٌ من صور السماوي الحيويّة التي قد لا يعرفها الكثيرون ".
*
مـيـلادُ " إيـنـانـا " الـبـعـيـدةِ بُـعـدَ قـلـبـي عـن يـدي :
مـيـلاديَ الـمـكـتـوبُ فـي الـلـوحِ الـمُـقـرَّرِ قـبـلَ يـومِ ولادتـي
وغـوايـتـي فـي نـشـرِ أشـرعـةِ الـرَّحـيـلْ
*
إصـعَـدْ إلـيـهـا ـ قـال هُـدهُـدُهـا ـ لِـتُـبْـعَـثَ مـن جـديـدٍ :
عـاشـقـاً .. طـفـلاً رضـيـعَ الـلـثـمِ .. مـشـبـوبـاً فـتـىً ..
فـاهـنـأ بـمـيـلادِ الـمـلاكِ الـسـومـريَّـةِ أيـهـا الـشـيـخُ الـجـلـيـلْ
*
كـيـف الـصـعـودُ ـ أجَـبْـتُ ـ مـولايَ الـبـشـيـرَ
الـى جـنـائـنِ ربَّـةِ الـمـطـرِ / الـجـمـالِ / الـحـبِّ " إيـنـانـا " ؟
أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ
*
ســتـقـولُ : كُـنْ فـتـكـونُ ـ قـالَ ـ فـتــصـطـفـيـكَ
لِــمـا أعـدَّ الـلـهُ لـلـمُـتـضـرِّعـيـنَ مـن الـقـطـوفِ
ومـن شــرابِ الـزَّنـجـبـيــلْ
***
هَـبَـطـتْ إلـيَّ إلـهـةُ الـعـشّـاقِ " إيـنـانـا "
فـأشــمَــسَــتِ الـطــريــقَ الـى مـضـاربِ " عــروة بـن الـوردِ "
وابْـتـكـرَتْ لإسـرائـي " بُـراقـاً " فـالـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..
وكـنـتُ أُقـيـمُ فـي " قـصـرِ الـغـديـرِ " أمـام جُـرفِ الــنـهــر
في أرضِ الـسـمـاوةِ
يـومَ حَـطَّ عـلـى سـريـري هـدهـدُ الـبـشـرى بـأوَّلِ زخَّـةٍ عـذراءَ
مـن مـطـرِ الـهـديـلْ
*
فـثـمِـلـتُ مـن خـدَرٍ
فـمـا أدري أكـان الـوقـتُ صُـبـحـاً أمْ أصـيـلْ ؟
*
كـلُّ الـذي أدريـهِ أنـي صـرتُ غـيـري :
لـم يَـعُــدُ حَـجَـراً جَـنـاحِـيْ ..
والـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..
ولـم أعُــدِ الـيـتـيـمَ ولا الـغـريـبَ عـلـى الـهـوى
وابـنَ الـســبــيــلْ
*
لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَّ يحيى عانى كثيراً مِنْ إفرازات سنوات المحنة الوطنية، وَمَا تزال تؤرقه، فثّمة جروح وَدماء غير مرئية، لكنه اعتاد عَلَى تحمل آلامها وَالتكيّف عَلَى جعلِها أقل ألماً عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ نزيفَ الوطن أنهكه، وَغدت جراحه خضراء، لكنه جعل مِنْ حبِه وطنه وناسه الطيبين ضماداً لقروحِها، فكان أنْ اعتاد عَلَى دربِه الذي لَمْ - وَلَنْ - يحيد عَنه، وإن تركت آلام جروح الوطن ندبات عَلَى أعضاء مِنْ جسمه، فالسَماويَّ يَعدّ الحياة " قصيدة "، فهو يرى المرأة قصيدة، وَالطفل قصيدة، وَالأصدقاء قصيدة، والوطن قصيدة، وَالمدينة قصيدة، حيث يؤكد تلك الرؤية بالقول : " أنا عندما خرجت من السماوةِ فهي كانت عندي قصيدة، وعدت إليها لأجدها قصيدة ". وَفِي هَذَا السياق يؤكد الشَّاعِر العراقي هاتف بشبوش فِي دراسةٍ حديثة تلك الرؤية بالقول " إنَّ منجز المبدع يحيى السماوي الذي حمل قضيته، وطنه، العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجاً لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من عشرين مجموعة شعرية ". وَعَنْ إيجابية أثره فِي الوسطين الأدبي وَالاجتماعي يشير بشبوش إلى ذلك بالقول " يحيى السماوي شاعر له صدىً نستطيع سماعه لما فيه من روح مداعبة متواصلة مع الحدث مع الثورية الواضحة في ما نقرؤه عنه وحبه لوطنه بشكل فائض يجعله محبوبا في وسطه الأدبي والاجتماعي وضمن مجايليه من الشعراء والكتاب، فهو يمسك بالذاكرة التي تجعل منه لا يغيب أبدا عن كل ما يمتّ بصلة للتراب الآدمي العراقي المترابط مع بقية الأنفس البشرية في هذا العالم العربي وواقعه المؤلم ".
عَنْ ذكرياتِ الوعي السياسي، يشير صديق طفولته الشَّاعِر وَالفنان التشكيلي عباس حويجي إلى بعض المواقف الَّتِي تركت بصمة وَذكرى طيبة باقية فِي الوجدان بقولِه " اشترك الشاعر يحيى السماوي بتوزيع الماء والمؤن للسياسيين المعتقلين في قطار الموت عند وصوله لمحطة قطار السماوة وهو آنذاك صبيٌّ  مراهق "، مضيفاً أيضاً " أول صدمة اعتقال سياسي كانت في عام 1973م حينما نشر مقالا في - جريدة طريق الشعب - انتقد فيه قيام فرقة مصرية ترفيهية بأعمال اعتبرها مخلـّة، فاعتقل من قبل الامن وضرب وأهين واطلق سراحه بعد أيام ". وحول المضايقات الامنيةِ الَّتِي تعرض لها السَماوي يحيى وتركت ندبة واضحة فِي نفسه يقول حويجي مَا نصه " في تلك الايام حينما أصدرت السلطة البعثية قانوناً بإعدام أي عسكري ينتمي إلى الحزب الشيوعي، والشاعر كان عسكريا حينذاك، فكنا اصدقاءه ورفاقه نخاف عليه من عيون السلطة وندفعه إلى مرافقة الاصدقاء البعثيين وملازمتهم كغطاء لدفع الشبهات. وفي ذلك الوضع الحساس كان الشاعر يقتل ساعات طويلة وهو يلعب الدومينو مع أزلام بعثيين بعضهم من أراذل البعثيين في المدينة، وفي الاماسي يذهب مع ذات النوع من الرفقاء إلى النوادي الكثيرة المنتشرة في المدينة ". وَعَنْ طبيعةِ شخصيته المحبة للخير وَسعيه لمساعدةِ جميع مَنْ حوله بطيبةِ نفس دون هدف أو غاية، يقول الشَّاعِر هاتف بشبوش بِهَذَا الصدد مَا نصه " يحيى السماوي هو الشاعر الذي عرَفتهُ وخبرتهُ إذا ما كلّف بمهمةٍ من صديق وخصوصا في مجال الأدب لا يستطيع الاعتذار إلآ على مضض أو أمر جلل، ولذلك أتذكر وأنا أرجو منه التنقيح لدراسة معينة وهذا غالبا ما يحصل أجده وانا على دراية تامة من إعيائه لكنه لا يستطيع قولها من أنه متعب يتوجب عليه الاعتذار وهذه الشخصية قلما نجدها وان وجدت فهي بنسبٍ ضئيلة ".
*
لـلـهِ مـا لـلـهِ
لـكـنْ
مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ لـيْ ..
ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ ..
نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ " إيـنـانـا "
وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ
*
خـلـعَـتْ خـريـفـي
فـارتـديـتُ مـن الـفـصـولِ ربـيـعَ " إيـنـانـا " الـمُــسَــيَّـجَ
بـالـفـصـيـلْ
*
فـإذا بـبـاديـةِ الـسـمـاوةِ واحـةٌ ..
والـنـهـرُ طُـرِّزَ بـالـزوارقٍ ..
والـضـفـافِ تـفـيـضُ بـالــنَّـسَــمِ الـعـلـيـلْ
*
ولـديَّ مـنـذ هـبـوطِـهـا :
مـفـتـاحُ بـابِ الـمـسـتـحـيـلْ
*
تـحـتـالُ " إيـنـانـا " عـلـى قـلـقـي
فـتُـشْـغِـلـنـي بـرشـفِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ
والـسـفـرِ الـطـويـلْ :
*
مـا بـيـن فِـضَّـةِ قُـبَّـتـيـنِ وتِـبْـرِ مـهـبـطِ قـرطِـهــا
وقــرنـفــلِ الـشــفــتــيــنِ
والـدفءِ الـمُـشِـعِّ لـذاذةً مـن مُـقـلـةِ الـخـصـرِ الـنـحـيـلْ
*
نـغــفــو فــيــوقِــظــنــا حـريـقٌ نـاعـمُ الـنـيـرانِ ..
نـبـتـكـرُ الـخـصـامَ عـلـى قـطـوفِ الـمَـنِّ والـنـعـمـى
فـيـشـتـبـكُ الـهـديـلُ مـع الـصـهـيـلْ
*
فـانـا بـشُـغـلٍ عـن هـمـومِ الأمـسِ
أقـطـفُ مـا أشـاءُ مـن الـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ
فـحـيـثُ مِـلـتُ :
إلـى يَـديَّ قـطـوفُ " إيـنـانـا " تَـمِـيـلْ
***
ثمة سؤال يطرح نفسه فِي ذهنِ بعض الكتاب أو الباحثين أو العاملين فِي مهنة المتاعب عَنْ مثلث افتراضي، زواياه : الشِّعْر، الخطيئة وَالحب، أجاب عَنه السَماويّ يحيى ذات حوارية بالقول : " لا تأبه للذي يفلسف نبضك بتجاهل ... مادام المتجاهل مشتقا من الجهل، فإنَّ تجاهله هو الحل الأفضل ... لي مع مثل هذا المتجاهل تجربة جميلة : ثمة جاهلان يدّعيان الأدب يركضان خلف نصوصي في المواقع والصحف ليرميا شجرتي بحجارة ناتئة ظنا منهما أنهما يثيران حنقي بينما هما يبعثان بي فرحاً جميلا ليس لأن نصوصي تسبب لهما احتقانا نفسيا، فأنتشي وأنا أراهما يمضغان قيحهما فحسب، إنما ولأنني أضع حجارتهما تحت حذائي فأزداد ارتفاعا، لابد أن نكون كالنهر، فالنهر لا يلتفت للوراء ". وفِي السياق ذاته وسعياً إلى محاولةِ تقريب القارئ مِن المعنى يؤكد السَماويّ يحيى : " إنَّ الحبَ لا يمكن أن يكون افتراضاً ... وقلبك لا يخدعك فأصِخْ السمع لرفيف نبضه وأطِعْه، فليس ثمة ما ننتصر به على تنّين الضغينة غير الحب .. بالحب وحده نقاوم الموت إكراماً للحياة. هل كان قيس بن الملوح سيعيش كل هذه الأزمنة لولا الحب ؟ كلنا نعرف قيس بن الملوح، ولكن أكثرنا لا يعرف أسماء الملوك الذين جايلوه أو عاشوا في عصره ". وَفي مناسبةٍ أخرى، كتب السَماويّ يحيى إلى أحد أصدقائه مَا نصه : " تحياتي ومحبتي يقفوهما سرب من حمام التمنيات بالغد البهي لك وكل الآمرين بحب العراق والناهين عن المساس بأرضه وإنسانه ". وَيستطرد فِي الكلام عَنْ هَذَا الموضوع بالقول : " إذا كان الشك هو الخطوة الأولى على طريق الفلسفة بحسب رأي دينيس ديرويت، فإن المحبة هي الخطوة الأولى على طريق إقامة الوطن الفردوس ". وَتأكيداً لتفاعله مَعَ الْمُجْتَمَع وَإيمانه بضرورةِ العمل عَلَى غرس بذور المحبة الإنسانيَّة، فضلاً عَنْ السعي لتعميق تفاعله مَعَ محيطه الاجْتِمَاعِيّ وَالثَّقَافيّ، يشير السَماويّ يحيى إلى ذلك بالقول : " ثمة قول أحفظه عن ظهر يقين، لا أتذكر قائله، نصه : ليكن وجهك باسماً وكلامك ليناً، تكن أحبَّ إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة .. هذا القول قد اتخذت منه منهجاً، فنظرت الى كل الناس الذين لا أعرفهم، على أنهم مشروع صداقة وإخاء ". وَيضيف أيضاً بصيغة سؤال : " إذا كنا قادرين على غرس الزهور، فلماذا نغرس الأشواك ؟ ". وَمثلما قالت العرب " المرء على دين خليله "، يعبر السَماويّ يحيى عَنْ أهميّة الصديق فِي حياة الإنسان بذكر حادثة عاشها قبل سنوات قائلاً " من حماقاتي أنني أهديت يوما شخصاً بعض كتبي موقّعة بإهداء كصديق، وبعد اكتشافي انفلاته الأخلاقي أرسلت إليه شخصين كي يجلبا لي فقط الصفحة التي كتبت فيها بخط يدي الإهداء واصفاً إياه بالصديق؛ لخشيتي أنْ ألحِقَ عاراً بابني باعترافي أنه كان يوماً صديقي، أليست الحكمة تقول : وكلّ قرينٍ بالمقارن يهتدي ؟ "

مـن حـمـرةِ دمـي
وخضرةِ عـشـبِ عـيـنـيَّ
وبـيـاض قـلـبـي
وزرقـةِ جـنـونـي
وصُـفـرةِ شـحـوبِ وجـهـي :
سـأرسـم قـوسَ قـزحٍ لـلأطـفـال ..
قـوسَ قـزح يـخـلـو مـن الـلـون الأسـود
فـالأطـفـال يُـفـزعـهـم سَـوادُ وجـوهِ الـسـاسـة
فـي وطـنٍ لا يـفـوقُ عـديـدَ نـخـيـلـهِ
إلآ عـديـد فـقـرائـه !
***
يمكن القول إنَّ ثمةَ مَا يعزز الأوهام فِي ركونِ البعض إلى نزعة البهرجة الإعلامية وَالتكلف وَالاستعراض، وَالَّتِي لا ريب فِي مُسَاهَمَتها بإغراق أصحابها بالمادية الَّتِي قد تطبع حياتهم بطابعٍ لا إنْسَانيّ؛ إذ أَنَّ مِنْ شأنِها تغييب صور الحب وَالعدالة وَالجمال وَغيرهَا مِنْ القيمِ الإنسانيَّة الَّتِي بوسعِها المعاونة فِي بناء روحٍ أخاذة بحبِ الحياة، فليس خافياً أنَّ البساطةَ تُعَدُّ سر علاقات الود وَالحب مَا بَيْنَ الناس؛ لأنَّها الجسر الذى يربط بَيْنَهم. وتأكيداً لبساطةِ السَماويّ يحيى الَّتِي تطبع أسلوبه فِي الحياة، أراني ملزماً بالتنويه بِمَا له مِنْ علاقةٍ بهَذَا الموضوع بالإشارةِ إلى مَا كتبه ذات منفى عنْ مشروعٍ لإقامة أمسيةٍ فِي مدينةِ السَماوة، وَالَّذِي نصه : "      أهلا وسهلاً بابن صديقي الشاعر السماوي الجميل أسامة الزهيري، أرجو أن تكون على ما تتمنى وأتمناه لك من الرغد والحبور والإبداع، ولابد لنا من أمسية شعرية في زيارتي القادمة للسماوة نقرأ فيها جميعاً - الكهول مثلي والشباب مثلك - في البيت الثقافي أو اتحاد الأدباء أو في حديقة عامة ". وَيضيف أيضاً قائلاً : " أقترح إقامتها في مقهى فايق، وندعو لها العمال ومن نعرف من الفلاحين وحتى الصبية والفتيان ... حقاً سأسعى لمثل هذه الأمسية بعيداً عن الصالات والقاعات. وما الغرابة، ألم يقدم المرحوم ناجي كاشي مسرحية في تلك المقهى ؟ ". وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السَماويّ يحيى تعرف حديثاً عَلَى مقهى فايق، وتحديداً بعد عودته إلى العراق فِي أعقاب انهيار النظام الدكتاتوري, وَهي مقهى متواضعة تابعة لبلدية السَماوة، لكن أكثر جلسائها مِن المثقفين وَالأدباء وَالشيوعيين، ويعود الفضل فِي تأسسها إلى المخرجِ المسرحي الراحل الدكتور ناجي كاشي " رحمه الله " الَّذِي جعل مِنْ باحتها الأمامية أشبه بمسرحٍ صيفي. وَقد أصبحت المقهى بعد وفاة مؤسسها تدار مِنْ قبل شقيقه فايق، ثم مَا لبث أنْ جرى إغلاقها؛ لأنَّ أحد الاشخاص استأجرها مِن البلديةِ بسعرٍ أعلى، الأمر الَّذِي أغاظ السماوي كما يظهر مِنْ مخاطبته فايق كاشي بالقول : " أين سنمضي أماسينا في السماوة بعد إغلاق مقهاك يا أبا عباس ؟. لقد كانت منتدانا اليومي الجميل ". وَمثلما يزداد السَماويّ ألقاً وَبهجة برعايته لشريحة الأدباء الشباب، فإنَّه يزداد فِي نفوسنا حضوراً وتوهّجاً؛ إذ لا قيود عَلَى الراغب مِن الفنانين توظيف نتاجه الشعري، فقد غنى لَه فؤاد سالم قصائد سياسية عديدة، وَغنى لَه الفنان الدكتور فاضل عواد قصيدة " أحببت من دنيا الحسان حبيبة " قبل أكثر مِنْ أربعين عاما. وَفِي هَذَا السياق يقول السَماويّ : " لا أبحثُ الآن عن مطرب حتى يغني لي قصائدي، أما إذا أراد احدهم أن يغني لي قصيدة، فشعري متاح للجميع وذلك يسرني، إلا أني لا أبحث عن حقوق أو شيء أخر ".

أريد أن أكون أكثر عطشاً من بادية السماوة
وأكثر جوعاً من جهنّم
لأشربك بكاس القبلات
وأقضمك بقبلاتي
إنَّ مَنْ يتوغل فِي أعماق تجربة السَماويّ الشعرية المائزة، يدرك أَنَّ لَه فلسفة شعريّة خاصة تتبلور حول سمو غايته مِنْ ولوج عالم الأدب، وَهو مَا عزز الإبداع فِي تجربته الشعرية الواسعة الممتدة زمنياً مِنْ ديوانه البكر " عيناك دنيا " حتى مجموعته الشعريّة الموسومة " تيممي برمادي " الصادرة في منتصف عام 2018م، وَالَّتِي تُعَدُّ أحدث مجاميعه الشعريّة. وتأكيداً لهذه الرؤية أسجل هُنَا مَا أعلنه السَماويّ ذات أمسية ثقافية، وَالَّذِي نصه : " أغرس زهرتك وأمضِ،فإذا  كانت هذه الزهرة أصيلة فسوف تمتص الماء وترتوي، وإن كانت غير أصيلة  فسوف تذبح أو تنتحر. وأقول للشاعر كن صادقاً مع نفسك وكن ذائداً عن شرف النص والأدب ككل، وأنا أتسأل ما هو الهدف من كتابة القصيدة، هل هو أن اكتب الشعر فقط حتى يقال عني شاعر؟. لا ، الهدف من الشعر هو خدمة الناس والخدمة يجب أن تكون غير معتمة؛ لان القصيدة المعتمة هي تعبير عن داخل معتم، والشعر عائد للعشق، والعشق واضح، ولا يراد له أن يكون واضحا جداً ولا أن تكون القصيدة مسطحة مثل حدوه حصان، لا تكون معتمة كطلسم, فالقصيدة عندي لها وظيفة ولتكن كيفما تشاء كلاسيكية أو نصا مفتوحا أو نصا نثريا  أو شعر تفعيلة أو قصيدة رقمية - سمها ما شئت - المهم أن تصل إلى هدفها أو تساهم في إضاءة ما هو معتم في حياتنا، وإن تساهم في نصرة الحق، والحق واضح؛ فيجب أن تكون القصيدة واضحة ". وحول صدق مَا يبوح بِه فِي نتاجه الشعري، يستحضر السَماويّ قولاً للروائي الأميركي الشهير الفائز عام 1949م بجائزة نوبل في الأدب وليام فوكنر " 1897 – 1962 " الَّذِي يُعَدّ واحداً مِنْ كبار الأدباء فِي القرن العشرين، وَالَّذِي نصه  " لا تخف أبداً أن ترفع صوتك من أجل الحب والصدق والحقيقة ومن أجل التعاطف ضد الظلم والكذب والطمع، فلو فعل كل الناس ذلك ، فسيتغير العالم "، حيث يقسم السَماوي يحيى برب العزة والجلال أنَّ سرّه كجهره، وأنّ ما يخطّه مداده إنْ هو إلآ ما يقوله قلبه مؤكداً بالقول : " أقصى ما أتمناه من غرسي لزهور الشعر، هو رضى الأحبة الطيبين والمساهمة في تأصيل ثقافة المحبة ".

بُــلِــيْــتُ بـمُــسـتــلــذَّاتِ الـلــيــالـي
فـكـنـتُ ضـحِـيَّــتـي .. فـأنـا وَبـالـي
*
وأغـوانـي الـشــبـابُ .. فـلـيـتَ أنـي
قـفـزتُ مـن الـشـبـابِ الـى اكـتـهـالِ
*
تـحَــرِّضـنـي خـطـايَ عـلـى دروبٍ
تُــقــايــضــنـي الـحـجـارةَ بـالـلآلـي
*
لَـهَـوْتُ عـن الـصـبـاحِ بـأنـسِ لـيـلٍ
وبـالــكـأسِ الــسَّـرابِ عـن الــزلالِ
فِي نهاية عام 2017م، وَعَلَى هامش حضور السَماويّ يحيى مهرجان النور الثامن للإبداع الَّذِي أقامته مؤسسة " النور " للثقافة والإعلام فِي مدينة مالمو السويدية وحمل اسْمه " دورة الشاعر الكبير يحيى السماوي "، نظم لَه تيار الديمقراطيين العراقيين فِي الدنمارك أمسية ثقافية فِي " بيت النخلة " بكوبنهاجن، وقد استثمر الكاتب وَالصحفي العراقي الرائد رعد اليوسف المقيم فِي الدنمارك، وَالمشرف على " شبكة الإعلام فِي الدنمارك " فرصة وجود السَماويّ يحيى هناك، فأجرى مَعه حواراً نشر بشبكة الإعلام فِي الدنمارك ومجلة الف باء وجريدة المشرق. وقد وجدت مِن المناسب أنْ أقتطف مِنْ مقدمته ما أعده شهادة لليوسف فِي السَماويّ، وَالَّتِي نصها " لم يهرب من الطرقات، ولَم يتخلّ عن الارصفة والحارات وبساتين السماوة ونخيلها.. ولم يترك بغداد ومقاهيها وأحباءه فيها؛  فهو الوفي الذي طالما سجل وفاءه في قصائده شعرا، ونسجه في علاقاته واقعا ". وَيضيف اليوسف فِي مقدمته أيضاً " القسر غير الاختيار، وفِي لجة الغرق وجد نفسه مضطرا لقبول النجدة من زورق عابر يقيه شر الموت، فركب بعد أن حملَ الوطن .. كل الوطن في قلب بحجم قبضة اليد، ليكون له الفضاء الذي تسبح فيه روحه اللائبة في غربةٍ لم تعتد عليها...انه الشاعر العراقي الكبير الاستاذ يحيى السماوي الذي قطع البحار ليلتقي أصدقاءه وشركاءه في الغربة وحب الوطن، في مالمو السويدية قادما من استراليا؛ ليتلو بشيء من القداسة بعض قصائد الحب والجمال، وليصب جام غضبه وسخطه على الذين حطموا الأمل في العراق ". وَفِي السياق ذاته يشير الدكتور ابراهيم الخزعلي إلى شخصية السَماويّ يحيى بالقول " تحية لنبضات قلبك التي لم ارها يوماً، إلاّ شعراً ومحبة وجمالاً سماويا، يحيى الأنسان الخلاق، ويحيى الأنسان المبادئ والقيم والمثل العليا، فتحية وسلاماً لك من قلب انت فيه ". وَعَنْ انبهاره بإحدى قصائد السَماويّ الموسومة " ثلاثة أرغفة من طحين النبض "، يخاطبه الدكتور جودت صالح بالقول " لقد أنعشتني رائحة أرغفتك الشهية، ولكنها لم تشبعني أبداً ". وتدعيماً لما ذكره اليوسف، يصفه الناقد المسرحي نعمة السوداني بالقول " السَماوي رجل ثائر مناضل, يحلق بلغته بأجنحة قوية في عالم الواقع والنضال في الدفاع عن كل شيء يراه يستحق, في عالم الشعر واللغة, يحلق في اللامحدود وهو العليم المكين في ادواته حيث لا يقيده شيء اطلاقا سوى الهواجس التي تؤلمه ويتفاعل معها لينتج لنا ما ينتج من كلمات تحمل فسحة من الاستعارات الشعرية في نصوصه أو لوحاته الشعرية وتستقر اخيراً في قلوبنا ". وَعَن أبويته وَجمال روحه تقول الأديبة عبير آل رفيع " من يوم فقدي أبي لم أجد إنسانا اقول له أبي ..لأنني لا أرى أحدا يشبهه، وفجأة وأنا اقرأ كلماتك أحسست بشعور جارف يدفعني لأناديك بأبي؛ ليس لكبر سنك، بل لروح الأب لكل الموجودين، وفي حضرة أبي واستاذي يحيى السماوي تتقيد حروفي ويستسلم القلم لأنه لا يجد ما يسطره أمامك، حفظك الله ورعاك أبي واستاذي الفاضل يحيى السماوي ". وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ كُلّ الذي سجلته مِنْ شهاداتٍ ليس بوسعِها انصاف السَماويّ يحيى الَّذِي خاطب ذات منفى صديقه الحميم الأديب حمودي الكناني مبيناً محبته لَه قدر إعجابه بمقولةِ صديق كتب الى صديقه ذات زمان قائلاً : " إذا كنت ستعيش مئة عام، فإنني أتمنى أن أعيش مئة عام تنقص يوما واحداً؛ كي لا أضطر للعيش بدونك "

لـكِ الألـقُ الـبـهـيُّ ولـيْ الـظِـلالُ
فـنـحـنُ مـعــاً صَـلاةٌ وابــتـهــالُ
*
ونـحـنُ إذانُ مِـئـذنـةٍ تــمـاهـى
بهـا قـلــبــاً وأحـداقـاً " بـِـلالُ "
*
بَـلـغـتُ مـن الـنـدامَـةِ أنَّ قــلـبـي
بـهِ مـن صـخــرِ مـنـدمـةٍ جـبـالُ
*
تـبـاعَـدْنـا فـصـرتُ الـى مـحـاقٍ
وعـدتِ إلـيَّ فـاكـتـمـلَ الـهــلالُ
***
رسالة مقتضبة بعثتها بالمِرْسال الإلكتروني " ماسنجر " إلى الشاعر العراقي الدكتور أفضل فاضل المقيم فِي أستراليا نصها : "  سيدي الكريم، وقد طال انتظاري لوصول شهادتكم الكريمة بخصوص الأستاذ يحيى السَماويّ، أملي أنْ تشرفني بمداد قلمك عَن السَماويّ إنساناً مَعَ فائق احترامي "؛ ظناً منيّ أني قد رجوته سابقاً التفضل بتسجيل شهادته فِي الشاعر السَماويّ، فما كان مِنه إلا التعبير عَنْ دماثة خلقه واحترامه لقدسية القلم وَفضاء الأدب؛ إذ اجابني بعد خمسة عشر دقيقة فقط بِما نصه " اهلًا بك استاذي الفاضل، سأفعل بأقرب وقت وتقبل شديد اعتذاري "، مَعَ العرض أنَّ الشخص المكلف سابقاً بهَذِه المهمة، وَالَّذِي لا أرى ضرورة لذكر اسْمه، لَمْ يجبني حتى اللحظة عَلَى الرغمِ مِنْ وعده بتلبية مَا مطلوب خلال أيام. وَفِي وقت تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الشكر وَالامتنان إلى الدكتور أفضل فاضل الَّذِي بعث ليّ بعد يومين رسالة رقيقة كتب فِي مقدمتها " استاذي الكريم إليك هذه السطور كتبتها بجرة قلم واحدة .. هذه شهادتي عن الكبير يحيى السماوي تقبل تقديري واحترامي ". وَأسجل تالياً شهادة فاضل فِي السَماويّ يحيى الموسومة هكذا تكلم صوفائيل " طِرْ بهِ، للسماوة ....! "، وَالَّتِي نصها فِي ما مبين تالياً : 
( لاينضج من الثمار، ويبقى، كتلك التي لا تطالها يد، المشرئبّة نحو الشمس، المسفرة فوق غصنها في وجه الريح والضوء ...
صوفائيل يعرف أنَّ الوَجد موقد، فما اقتبس نارا من موقد غيره، صوفائيل يصطلي ناراً فيوقدُ أصابعهُ العشرة ليُنيرَ ظلمة البياض فوق أوراقه الناصعة .
وهكذا كان، صوفائيلُ السماوة، يكتبُ على الأرض عن القبر فيومض البرق في السماء. كلّما أكثرَ من الشعر زاد مَهيلُ الغمام ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله، أقصد من خلال صوفائيل لا الغمام ...
صوفائيل السماوة قديم الحزن، عتيقُهُ، تخمّرَ قلبه طويلاً في نقيع الأيام الظالمة ... هطلت على روحه عصور من الألم وتمرَّغ جسدهُ في أصقاع شاسعة من التعذيب والاغتراب والفَقد الممضّ حزناً وجورا .. هو يرفلُ بإزارٍ من وهجٍ ترصّعهُ الكلمات، لا رفاهيّة لديه غير هذا القلب الطيب الذي يشي بسومريٍّ قديم تناسلَ صنواً لنخل السماوة، وها هو يعذق محبّةً وخيراً وشعرا ...
لتعرفَ صوفائيل، ليس عليك أن تجلس معه، وليس من الضرورة أن تستمع إليه، عليك فقط، حين تراه أن تنظر بقلبك ... هو بسيط، مثل دورة المطر في الطبيعة، تماماً؛ مُفَسَّرٌ مثل تراتيل مقدَّسة، وواضح مثل حقل في ربيع؛ وهو كثير، كثيرّ جداً، روحه أخاديد تملؤها الحكايا، عن السكارى والعيّارين والحالمين والموهومين والماضين، وحتى الآتين !
صوفائيل هذا، من السماوة، سومريٌّ ضلَّ عن ( أور )، وما وصل الى ( أكد ) ، ولا حتّى ( سومر )، بل وصل إلينا، فاعْتُقلَ، وعُذِّبَ، وطُردَ، واغترَبَ، وصار أوَّل سومريٍّ يصل أقصى الأرض، بعيداً عن سومر، وسيكون الأخير ...
في شعره، وهو يكتب عن الحياة والموت والقبر والصبابات، طعمُ البلَح؛ ونخيل، يمخر شوارعاً من ماء؛ في شعره، وهو يدوّن اللوعة أمام جبروت الرحيل، لآلئ، تكنُّ عصوراً من أسىً شفيف، يتكوّر مثل مُضغات أجنّة تشعر بالبرد، أو مثلما كان يتكوّر هو في ليالي سجنه الباردات على نفسه ... لا دفء لصوفائيل إلا من حناياه !
أتمتع الى حدّ السُكر حين أقرأ قصيدة صوفية ليحيى السماوي؛ أقصد صوفائيل ......!
فمرحى لهُ ولي، بمعرفته ورفقته وشعره .....)

شـفـيـعـي لـو جَـنـحـتُ عـن الـصَّـوابِ :
جــنــونُ الــشــوقِ لا نَــزَقُ الــشـــبـابِ
*
مَـحَـضـتُـكِ فـي الـهـوى قـلـبـاً وعــيـنـاً
وحـرفــاً ـ فـي الــصَّـبـابـةِ ـ لا يُـحـابـي
*
أنـامُ عــلــى ســـريــرٍ مــــــــن هـــيــامٍ
وبـيْ شــوقُ الـضـريـرِ الــــى الـشِـهـابِ
*
لــئــنْ أنـجـيْــتِــنـي مـن جَـمــرِ يـومـي
لأغــدوَ كــالــصَّــلاةِ مــــــــن الــثــوابِ

أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ مفهومَ الوطن يرتبط بذاكرة الأماكن الَّتِي تسكن وجدان الانسان، مَا يعني أَنَّ الحنينَ إلى الأمكنة يُعَدُّ حنيناً لأشخاص ارتبطتْ بهم ذاكرة السَماويّ الَّتِي أتعبتها سنوات المحنة؛ الأمر الَّذِي ألزمني البحث عَما متاح مِنْ تلك الأسماء اللامعة فِي سماء الأدب، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الشاعر العراقي ناظم الصرخي الَّذِي يقول فِي شهادته مَا نصه " بداية تعرفي على الشاعر الكبير الأستاذ يحيى السماوي كانت في أحد مهرجانات الجامعة المستنصرية الشعرية في السبعينيات الميلادية، وكان قد ظُلم من قبل لجنة التحكيم لوضع قصيدته وهي من شعر التفعيلة بالمركز الثاني مع العلم أنها نالت إعجاب جميع الحضور وتستحق المركز الأول، لكنّ اللجنة ارتأت غير ذلك لسببين، أولهما أن القصيدة كانت ذا منحىً سياسي يساري، وثانيهما أن السماوي كان قد قدّم الى لجنة فحص النصوص قصيدة غزلية، لكنه قرأ قصيدة أخرى مختلفة تماماً، إلا أن تحيّز لجنة الحكام كان واضحًا، على إثرها استشاط غضبًا وهمّ بالخروج من القاعة الغاصة بمحبي الشعر، فاعترضته وأتذكر قولي له: لا عليك فلقد حصلت على إعجاب كلّ الحاضرين. وبعد ذلك تابعت نصوصه المنشورة في المجلات والجرائد، وتسير عجلة الزمن إلى بداية الثمانينيات لألتقيه في مدينة البصرة إبّان الحرب العراقية الإيرانية، كنت حينها ضابطاً في إحدى الوحدات، وقد وصلت إلينا وجبة من الجنود الاحتياط، وكان الأستاذ يحيى من ضمنها، وعند التدقيق لسحب أصحاب الحرف والمهارات التي تستفيد منها الوحدة وإرسال الباقين إلى الخطوط الأمامية، لمحت وجهه الغائم آنذاك وأيقنت أن هذا الوجه ليس غريبًا على ذاكرتي، فقلت له ما هو اختصاصك، فقال أنا مدرس خريج كلية الآداب، فقلت له ألست الشاعر ...، قال نعم ...أتذكر أنه ارتبك قليلاً وكأنه يقول في نفسه : حتى إلى هنا تبعتني البلاوي، فعينته في مكتب الوحدة، وكان نِعمَ ما اخترت؛ إذ كان دمث الخُلُق، نزيها، جاداً في عمله ومثابرا، حيث أضاف للمكتب قفزة نوعية في التنظيم والإدارة. وقد كان لخفة ظله وثقافته وأخلاقه العالية وتعاونه الأثر البالغ في التفاف منتسبي الوحدة حوله، فتقرّب أكثر إلى قلبي، ولاسيما أنّ رابطًاً سامياً كان يعزز هذا التقارب وهو محبة الشعر المشتركة، فكثيرا ما كنا نجلس سوية لمناقشة قصيدة أو قطعة أو يقوم بإبداء الملاحظات على قصيدة كتبتها، وقد استفدت كثيراً من وجوده في مجال الأدب وخاصة الشعر. كان حسن السيرة والسلوك ولا تشوبه شائبة، هذا ما كنت أكتبه عندما يُطلب مني تقييمه للمراجع العليا وهو كان كذلك، رجلٌ ملتزم بالقانون ثائرٌ على الباطل، أحمد الله أني التقيته في زياراته للعراق بعد الاحتلال المقيت وكان نعم الأخ والصديق الصدوق ". وَبالعودة إلى أيامِ امتهانه التدريس فِي مدينة السَماوة، وجدت مِن المهمِ الاطلاع عَلَى مَا تكتنزه ذاكرة أحد طلبته فِي المرحلة الثانوية وَصديقه حالياً الشاعر العراقي قاسم والي؛ لكي يدلي بدلوه فِي هذه المهمة، فبادرت إلى الاتصال بِه لِهَذَا الغرض، فكان ودوداً وَرائعا وَفرحاً بما رجوت منه؛ إذ بعث ليّ بعد أيام قليلة بشهادته فِي السَماويّ يحيى الَّتِي نصها " يحيى السماوي الشاعر الذي ملأ بالسماوة الآفاق، والشاعر الذي منحته السماوة اسمه فمنحها فخرها.. اكتب هذه الكلمات ليس لأنني من السماوة ذاتها؛ وليس لان يحيى السماوي أستاذ العربية الذي تتلمذت عليه في مقتبل الوعي والشعر؛ بل لأنني منحاز تماماً للسماوي يحيى، ولست هنا لأبرر انحيازي له شاعراً وإنسانا؛  فالسماوي الشاعر الذي أنجز عشرات المجاميع الشعرية منذ عيناك دنيا وهو في مقتبل الشعر والعمر لغاية اطفئيني بنارك مرورا بهذه خيمتي فاين الوطن ونقوش على جذع نخلة وشاهدة قبر من رخام الكلمات وضفتان ولا جسر وغيرهن من مجاميعه الشعرية، كان ملتزما بقضية الإنسان والعراق ومحارباً عنيداً للفاشية ومنحازاً للكادحين والمظلومين ومنساقاً مع هواجس ملهميه من الشعراء الثوار الفقراء منذ عروة بن الورد. ومع كل المحمولات الفكرية والعقائدية في شعر السماوي وكل الصدق والثبات المبدئي الذي هو عليه، لم ينحرف الشعر عنده باتجاه التقريرية الفجة أو المباشرة الهجينة، بل إنه في طليعة المجيدين من شعراء العربية المعاصرين  في المباني والمعاني مع جزالة مذهلة وجمال يأخذ بالألباب.. لست في وارد الحديث عن شعر السماوي الكبير فلست مؤهلاً لذلك ولا املك ادوات النقد والحديث عن التجربة وغيري من عشرات المتخصصين اغنوني وأغنوا المكتبة العربية، بل ومكتبات العالم بالحديث عن شعريته المذهلة وتجربته الفريدة. لقد كتب السماوي في كل الأغراض الشعرية واستوفاها محلقاً، كما كان شعره من الناحية الشكلانية مسبوكاً بكل الأنساق البنائية المعروفة للشعر العربي كتب عمود الشعر والشعر الحر- قصيدة النثر- والتفعيلة وأجاد فيها جميعها أيّما اجادة. ومن الرائع أن تجربة يحيى ألسماوي ما زالت متواصلة، ونسأل الله أن نستمتع بها وتستمتع بها الأجيال اللاحقة ...محبة بسعة المحبة التي يحملها قلب السماوي الكبير له وللعزي

53
الأداء الرياضي مرتبط بمهمة بناء الإنسان
لطيف عبد سالم
خيبة أمل كبيرة خيمت عَلَى شوارع وأغلب فضاءات البلدان العربية الَّتِي تأهلت منتخباتها إلى مونديال روسيا 2018، عَلَى خلفية الخروج المبكر لتلك الفرق الَّتِي لم تشفع لها ألقابها الكبيرة كالفراعنة وأسود الأطلس والأخضر ونسور قرطاج فِي اجتياز الدور الأول مِن منافسات تلك البطولة - الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أكثرِ الأحداث الرياضية مشاهدة عَلَى مستوى العالم - وتحقيق ما يسعد الجماهير الرياضية المتعطشة لأجواء البهجة والفرح والمتعة، وَالَّتِي ما انفكت تجهد فِي بلورة آليات تشجيعها وشحذ همم الناس؛ لأجلِ تعميق مساندتها لفرقها الوطنية ومؤازرة لاعبيها؛ أملاً فِي تحقيق نصر يرفع مِنْ شأنِ الرياضة فِي بلدانها.
فِي المونديال الحالي، تبددت الآمال العريضة للجماهير الرياضية العربية مِنْ محبي اللعبة الأكثر شعبية فِي مختلف أرجاء المعمورة، بعد أنْ صحت عَلَى حقيقة مستويات لعبة كرة القدم فِي بلدانها، وَالَّتِي بددت الأوهام ووضعتهم أمام مرارة الواقع العربي، فاستسلمت له بعد أنْ تيقنت مِنْ عدم جدوى القفز عَلَى واقعٍ يشيب له رأس الرضيع؛ إذ أنَّ البلدانَ العربية ما تزال رهينة التخلف عَلَى الرغمِ مِنْ ضخامة ثرواتها وكثرة خطب قادتها. وإذا كان الحديث عَن ربط هزائم الفرق العربية بكرة القدم فِي منافساتِ بطولة كأس العالم، بطبيعة واقع بلدانها السياسي والاقتصادي والثقافي، قد يبدو للبعض أنَّه مِنْ ترف القول أو الانقياد وراء " نظرية المؤامرة "، فإنَّ حيثيات الواقع لا تكذب، ولها دلالاتها فِي بيان أهمية هذا الأمر؛ إذ أنَّ الرياضةَ ليست مهنة مَنْ لا مهنة له كما يظن البعض، إنما الرياضة علم قائم بذاته، يستوجب تحسين أداء فعالياته، تبني الإدارات الرياضية برامج مِنْ شأنها تكييف آلياته مع حركة التطور الحاصلة فِي بقية القطاعات الأخرى بالركون إلى جملة إجراءاتٍ مخطط لها بعناية، لعلَّ مِنْ بَيْنَها تنشيط حركة البحث العلمي فِي هذا المجال.
ليس خافياً أنَّ الرياضةَ علمٌ يمثل المعرفة الَّتِي تقوم عَلَى أساليبٍ علمية تستمد مقوماتها مِنْ مرتكزات استراتيجية تعنى بتدريس علوم الرياضة والتقويم في مجال التربية البدنية بالاستناد إلى الاتجاهات والتقنيات العلمية الحديثة الَّتِي بمقدورها المساهمة فِي استثارة عامل الإبداع بالعملية التعليمية فِي هذا الميدان الحيوي، فتطوير الحركة الرياضة فِي أيّ بلد قصد تحقيق نتائج فِيما تباين مِنْ ضروبها، يخضع بحسب المتخصصين لشروط علمية تتداخل فيها الكثير من التخصصات ويكون التكوين فيها هو الأساس في حين يبقى تحسين الأداء هو الهدف المرجو منها.
يمكن الجزم بأنَّ الهم المشترك فِي أغلب البلدان العربية يتمثل فِي صعوبة مهمة بناء الإنسان، والاخفاق - عَلَى صعيد الرياضة تحديداً - فِي سبل إعداد المعلمين مِنْ ذوي المهارات المتميزة بمجال التربية الرياضية والبدنية؛ إذ أنَّ الرياضةّ تُعَدّ مِنْ بَيْنَ العناصر المهمة الَّتِي يعول عَليها فِي تمكين التنمية المستدامة. وبحسب أدبيات الأمم المتحدة تضطلع الرياضة بدور متعاظم فِي تحقيق التنمية والسلام؛ بالنظر لفاعلية دورها فِي تشجيع التسامح والاحترام، فضلاً عَنْ مساهمتها فِي تمكين المرأة والشباب والأفراد والمجتمعات، وبلوغ الأهداف المنشودة في مجالات الصحة والتعليم والاندماج الاجتماعي.
فِي أمَانِ الله.





54
المنبر الحر / ذاكرة العيد
« في: 22:37 26/06/2018  »
ذاكرة العيد
لَطيف عَبد سَالم
لا رَيْبَ أَنَّ مَا بَيْنَ أمسنا البعيد ويومنا الحالي، مساحة واسعة مِن ذكريات مفعمة بشوقٍ مؤطر بحنين إلَى ماضٍ فيه مِن الألم الممزوج بالجمال مَا لا تدركه الأجيال الجديدة، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرز تلك الذكريات أيام العيد الَّتِي كان لها طعم خاص مستمد مِنْ العاداتِ والتقاليد الَّتِي جبل عليها أهل العراق، فالفقر المدقع الَّذِي عاشه أهلينا جعل لفعاليةِ شراء دشداشة العيد المقلمة أو تفصيلها وخياطتها، فضلاً عَنْ بقية اللوازم الَّتِي يحرص الآباء عَلَى تأمينها لأطفالهم يومذاك حلاوة ومذاق عَلَى الرغمِ مِنْ تواضعِ نوعيات تلك المواد؛ لأنَّها كانت تعبر عَنْ الشعور بفرحةٍ عامة تفرض عَلَى الجميع تأدية طقوسٍ تنحى صوب التكافل والتسامح وإدامة صلة الرحم، حيث كان الناس فِي بلادنا متمسكين بقيم التكافل الَّتِي تلزمهم التكفل بتأمين احتياجات العوائل الفقيرة، وَلاسيَّما أرحامهم، حتى لو تطلب الأمر بيع بعض الحاجيات البيتية أو اقتراض المال مِن المعارف.         
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ التسوقَ قبل حلول العيد كانت له لذة، وارتداء الملابس الجديدة أول أيام العيد كان يتم بفرحةٍ غامرة لا حدود لها؛ لأنَّها تعكس مشاركة وجدانية لأبناء الحي أو الزقاق، طالما أنَّ هناك شعور جمعي يوحي بأجواء مناسبةٍ جميلة اسمها "العيد"، فالعائلة كانت تتجمع منذ صباح يوم العيد فِي بيت الجد أو الأخ الأكبر، فتمتلئ الدار "الحوش" عَلَى الرغمِ مِنْ صغرها بأفراد العائلة، والأكثر جمالاً اجتماعهم عَلَى سفرة الطعام، والأطفال يمرحون وسط أجواء عائلية أنْستنا إياها فِي عالم اليوم ملوثات "العولمة" الَّتِي أفضت سموم آلياتها وقذاراتها إلى تغليب المادة وقبح تداعياتها عَلَى كُلِّ ما هو جميل وإنسانيّ؛ إذ كان كُلّ نشاط يجري فِيما مضى عَلَى الفطرة، فالناس متحابين لبعضهم، والجميع انصهر فِي روح المستعمرة البشرية الواحدة أو ما يسمى الطرف أو "العكَد"، فلا عجب مِنْ سمو الحب فِي نفوسهم، ما دامت الطيبة تتناغم مع بساطةِ حياتهم.
بالأمس كانت الروح تسري فِي أيام العيد، عَلَى الرغمِ مِن بساطة ما متاح أمام الأطفال مِنْ مباهج الفرح، وَالَّتِي لا تتجاوز المتعة - مِن الضحى الى المغرب – فِي اللهو بركوب العربات التي تجرها الخيول أو "المراجيح" الَّتِي يجري تصنيعها بآلياتٍ محلية بسيطة مِن الحديد والخشب، ويصار إلى نصبها فِي الساحات العامة، فضلاً عَنْ الاستمتاع بركوب الخيول والحمير أو الذهاب عَلَى شكل مجاميع إلى دور السينما لمشاهدة أفلام الإثارة كفيلم طرزان وما عَلَى شاكلته؛ إذ لم يكن للعنة الألعابِ الالكترونية وجوداً يومذاك. أما اليوم فأنَّ وسائل التسلية كالبلاي ستيشن وسواه، أفقد العيد روحية متعة الصغار، بالإضافةِ إلى تسببه فِي أغفال الكبار لصلة الرحم.
خلاصة القول أننا فقدنا روح مناسبة العيد الذي أصبح فِي عالم اليوم، يعكس الرديء مِن طقوس الحداثة والمعاصرة الَّتِي تقبلناها وانغمسنا فِي ظلمات أنفاقها بفعلِ قلة وعينا وتفشي "الأنا".
فِي أمَانِ الله.     
 
 


55
الرهان على ثقافة الأسرة
لَطيف عَبد سالم
تُعرفُ ظاهرةَ " الشلل الدماغي " بوصفِها حالة مرضية متأتية مِنْ نقصٍ فِي كميةِ الأوكسجين الواصلة إلى الدماغ؛ نتيجة إصابة جزء مِن الدماغ او تعرضه لمرضٍ خلال عملية الوضع أو فِي مرحلة ما بعد الولادة. ومع تنامي حركة الإبداع فِي الميدانِ العلمي عَلَى خلفيةِ تقدم المجتمعات الإنسانية وتطورها بفضلِ اتساع فضاءات التنمية المستدامة، تفتحت آفاق جديدة للبحثِ العلمي، أفضت إلى المساهمةِ فِي انتعاشِ التنافس الإيجابي فِي مجالاتٍ ترتكز عَلَى التواصلِ الواعي ما بَيْنَ الحضارات؛ لأجلِ إنتاج حلول ناجعة لما يعانيه الإنسان مِنْ مشكلات. وقد كان مِنْ بَيْنَ تلك الهموم الَّتِي حظيت باهتمامِ كُلّ مِن الباحثين والعامة عَلَى حد سواء هو ما يعانيه المصابين بظاهرةِ " الشلل الدماغي " وذوي "الاحتياجات الخاصة" بصورةٍ عامة، حيث تطورت الأساليب والطرائق الَّتِي مِنْ شأنِها المساعدة فِي التخفيفِ مِنْ معاناتِهم وتقريبهم لحياة الأصحاء؛ لذا ركنت القيادات الإدارية فِي مختلفِ أرجاء المعمورة وباندفاعات متباينة الأثر  لتنفيذِ فكرة إنشاء المدارس والمؤسسات الخاصة بالمعاقين، حيث جرى اعتماد برامج علمية تهدف إلى إبراز مواهب أفراد هذه الشريحة وقدراتهم العقلية ومهاراتهم الَّتِي تتناسب مع وضع كُلِّ حالة من حالاتهم؛ لأجل ضمان دمجهم بالمجتمع.
يمكن الجزم بأنَّ الحالاتَ المشار إليها آنفاً - باختلافِ الإصابات ودرجة الإعاقات المتعلقة بها -  لا يمكن أنْ تشفى بشكلٍ تام؛ إذ ينبغي عدم تجاهل صعوبة معالجة ما قد يحدث - لا قدر الله - مِنْ حالةِ إصابة أو خلل فِي الدماغ، ما يعني أنَّ كُلَّ ما يبذل مِنْ جهدٍ فِي هذا المسار، يرتجى مِنه - ضمن حدود الورقة الحالية - المساهمة فِي تأهيلِ الشخص المصاب بحالةِ الشلل الدماغي، والوصول بِه إلى مستوى الاعتماد عَلَى النفس؛ لأجلِ أنْ يغدوَ عضوا فاعلاً فِي المجتمع ومساهماً بنهضته.   
مِنْ المؤكّـدِ أنَّ رحلةَ علاج المصابين بتلك الحالة المرضية قد تبدو مهمة صعبة؛ بالنظرِ لما تتطلب مِنْ جهودٍ مضاعفة ومستمرة تتحملها كافة الإدارات الحكومية، والجهات الأخرى المعنية بالأمر، وَلاسيَّما أسر الأطفال المصلبين بالشلل الدماغي وإدارات المدارس؛ إذ أنَّ علاج الطفا المصاب يقوم بالأساس عَلَى السعيِّ لتعليمه كيفية التكيف مع حالةِ الإعاقة، وإبعاد الشعور بالخجلِ منها قصد تحفيزه للتغلبِ عليها. وفِي هذا السياق، تشير النتائج المتحصلة مِنْ أحدث الدراسات إلى أهميةِ تعاون جميع المعنين بالأمرِ وتنسيق جهودهم بما يؤمن العمل كفريق عمل واحد مِنْ أجلِ الوصول إلى نتائجٍ مثمرة فِي مختلفِ مراحلِ العلاج؛ لأجلِ تحقيقِ الأهداف الَّتِي يسعى إليها الجمع.   
لعلَّ مِنْ بَيْنَ المحاور المهمة الَّتِي تُعَدّ مفاتيح فِي فهمِ هموم الأطفال الذين تعرضوا لحالةِ الشلل الدماغي وتحليلها، هو دور الأسرة فِي التعاملِ الإيجابي مع ما تباين مِنْ أنواع تلك الحالةِ المقلقة لهم, ما يعني أنَّ الأسرةَ ملزمة بامتلاكِ ثقافة خصوصية العلاج مِنْ جميعِ النواحي المؤثرة فِي سلامةِ إعداد المصابين بالشللِ الدماغي.
فِي أمَانِ الله.

56
مرافئُ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة السادسة والعشرون )
لطيف عبد سالم 
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.       
يمكن الجزم أنَّ مِنْ بَيْنَ أهمَ المقومات الهيكلية الَّتِي ارتكزت عَليها الإبداعية المائزة لتجربةِ السَّماويّ يحيى الأدبية، تمثلت فِي روعةِ نظمه الشِّعر وَعذوبة تقريضه، وَالمبهر مِنْ جماليةِ الصورة البلاغية، بالإضافةِ إلى خروجِ آليات نظم الشِّعر لَديه عَنْ المألوفِ فِي إثارةِ المتلقي، طالما أنَّ الشِّعرَ وَأساليبه - بحسبِه - فِي تطورٍ متأتٍ مِنْ كونَه ابن الحياة المتحركة، فالسَماويّ يحيى يرى أنَّ قصيدةَ النثر تمثل إضافة جديدة للأدبِ العربي، أو دماً جديداً لجسدِ القصيدة العربية، حيث أنَّه مَعَ كُلِّ جديد إبداعي، فالشِّعر بحسبِه : " ليس الوزن والقافية، فلو كان الوزن وَالقافية وَاللغة السليمة تُشكل مستلزمات الشِّعر وَثوابته وَشروطه؛ لأصبحت ألفية ابن مالك ملحمة شِعْريَّة، بينما هي فِي حقيقتها لا تعدو كونها منظومة لغوية ليس فيها مِنْ بيدرِ الشِّعر ولو بمقدارِ حبة خردل ". يضاف إلى ذلك أنَّ مَا يهمّ السَماويّ فِي القصيدةِ هو حجم الشِعْريَّة وَليس شكل القصيدة، حيث يشير إلى هذه الجزئية المهمة بالقولِ : " يعنيني مِن الثمرةِ لبّها وليس قشرتها الخارجية، وهذه الشِعْريَّة هي الَّتِي جعلتني أركض وراء نصوص محمد الماغوط وسرجون بولص وسيف الرحبي ووديع سعادة وناهض الخياط وهادي الناصر وعبد العظيم فنجان وماجد الشرع وكريم جخيور وشعراء بُهِرتُ بهم مؤخرا مثل علوان حسين وهبة هاني وطارق الحلفي وفائز الحداد ومثلائهم، بينما لا أعير مثل هذا الإهتمام للكثيرِ مِنْ شعرِ الشطرين والتفعيلة ولسببٍ جوهري، هو ندرة الشِعْريَّة فيه ". وَحولَ تعمده وضع جملة " نصوص نثرية " عَلَى بعضِ إصداراته، فإنَّ السَماويّ يحيى يعزو ذلك إلى سببينِ جوهريين، أولهما أنَّ نصوصَه لا تتوافر فيها كُلّ شروط قصيدة النثر كالتوهج وَاللازمنية وَالإقتصاد فِي الكلمات، حيث أنَّها أكثر مِنْ كونِها خواطر، لكنها فِي نفسِ الوقت أقلّ مِنْ كونِها شِعرا، فِيما يتمثل السبب الآخر بحبِه لتشكيلِه النثريّ وعدم خجله منه، الأمر الَّذِي  يفرض عَلَيه عدم إلباسه ثوباً عَلَى غيرِ مقاسه؛ إذ أنَّ خلودَ النص بحسبِه " ليس فِي فصيلةِ جنسه الأدبي، فالجاحظ مثلاً كتب النثر وَليس الشِّعر، ومع ذلك فقد عاش نثر الجاحظ بينما مات شعر كثيرين مِنْ مجايليه ". 

الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي
والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ
*
جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ فـي عـيـنـيَّ
والـنـجـومْ
*
وهـا أنـا مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ
وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ
*
لابُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ
غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ
*
خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو
ولـكـنْ
تـسـكـرُ الـكـأسُ وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ
*
عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي
وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي
فـهـل أنـا " ثـمـودُ "؟
أمْ " سـدومْ "؟
***
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ منجزَ السَّماويّ يحيى الإبداعيّ، ألزمه التحليق فِي فضاءاتٍ بعيدة اعتمد فِيهّا عَلَى حنكةِ إزميله اللغوي التصويري فِي نحتِه المثيرَ مِنْ أبياتِ الشِّعر، أو نقشه الأنيق مِنْ جملِ النثر. وَمِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الصَوَابِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ قدرته عَلَى إيقاظِ الإحساس بالجمالِ لدى المتلقي، كان له أثره الإيجابي فِي المُسَاهَمَةِ باستعدادِ المتلقي التفاعلِ بشكلٍ وجدانيّ مَعَ نتاج الشاعر المترجم لَه؛ نتيجة شعور القارئ أو السامع بحالةٍ مِن الانتشاءِ الَّتِي ملؤها الاندهاش، وَرُبَّما الانبهار أو الذهول، وَالَّذِي يترك فِي النفسِ وَالذهن أثر الرضى وَالارتياح؛ لذا لا عجب مِنْ كثرةِ الباحثين أو الكُتَاب، وَكذلك النقاد الَّذين انهمكوا فِي دراسةِ القيمةِ الإبداعية وَالفَنِّيَّة لمنجزِ السَّماويّ الشِّعْريّ، حيث تناول نتاجه الكثيرَ مِن الدارسين وَالباحثين وَالنقاد بدراساتٍ تحليلية وَمقارنة وإحصائية، فضلاً عَنْ أبحاثٍ نقدية، وَرسائل ماجستير وَأطاريح دكتوراه، وَكَتب عَنه عشرات الأدباء وَالكتاب وَالشُّعراء فِيمَا تباين وَتعدد مِن : الدورياتِ وَالصحف وَالمنتديات وَالمواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة - المَحَلِّيَّة وَالعَرَبيَّة وَالعَالَميَّة - مواضيع بمختلفِ المحاور الخاصة بتجربتِه الأدبية المتميزة، بالإضافةِ إلى تَرجمةِ مختارات مِنْ شعره للغاتٍ عدة، لعلَّ مِنْ بَيْنَها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإسبانية، الفارسية، الإيطالية، الأوردية، الصربية، الكردية وَالهندية. كذلك ساهم السَّماويّ فِي تأسيسِ العديد مِن الروابطِ وَالمنتديات الثقافيَّة، إلى جانبِ إيجابية المشاركة فِي فعالياتِها. وَمِنْ بَيْنَ البحوث وَالدراسات الكثيرة الَّتِي كتبت عَنْ خطابِ السَماويّ يحيى الشعري، وصلني مؤخراً مؤلف الدكتور باسم خيري الموسوم " التماسك النصي في شعر يحيى السماوي - نحو منهج في التحليل النصي للخطاب الشعري - ديوان أطفئيني بنارك أنموذجاً " وَالَّذِي سجل فِي مقدمته مَا نصه " حاولت أن أغوص في نصٍّ عالٍ، حمل في طياته تأريخ وطن، ومعاناة شاعر لم ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان وتعاور الظالمين. أبحرت في هذا المبحث في لغة شعرية عاشقة، ومعجم قلَّ ما نجد مثل شفافيته وتميزه، فكانت قصائده كمنبع صاف ينهل منه العاشقون، ويرتوي منه الظمآن، يرتوي منه من أعياه فراق الأهل والأحبة، ولا يجد سوى كلمات السماوي ملجأ يأوي إليه. لقد مثل السماوي في شعره عودة للشعر الرومانسي الهادف، فكانت قصائده تحاكي حبيبة، وتناجي وطنا ".

تـعِـبـتُ مـن الـوقـوفِ عـلـى رصـيـفِ الـلـيـلِ
مـشـلـولَ الـخـطـى والـدربِ
أعـمـى الـقـلـبِ لا الـبَـصَـرِِ
*
وأتـعَـبَـنـي الـسـؤالُ الـصـعـبُ :
كـيـفَ غـدوتُ فـي عِـشـقٍ عـلـى كِـبَـرِ؟
*
سَـلـي واديـكِ يـامـعـصـومـةَ الـبـسـتـانِ
عـن مـطـري
*
أمـثـلـي فـي الـهـوى صُـبـحٌ ضَـحـوكُ الـشـمـسِ دافـئـهـا
ولـيـلٌ راقـصُ الـقـمـرِ؟
*
ومـثـلُ رغـيـفِ تـنـوري وكـوثـرِ جـدولـي؟
مـثـلـي نـديـمٌ سـاحـرُ الـسَّـمـرِ؟
*
وهـل رمـحٌ كـرمـحـي عـنـد مُـشـتَـجَـرِ؟
*
وهـل طـيـشٌ كـطـيـشـي أو حـيـاءٌ مـثـلـمـا خَـفَـري؟
*
ومـثـلُ تـبـتُّـلـي فـي غـرَّةِ الـسَّـحَـرِ؟
*
بـلـى قـدَرٌ
ولا مـنـجـىً مـن الـقَـدَرِ !
*
مِنْ المعلومِ أنَّ مدينةَ السَماوة تُعَدُّ بوصفِها الرَّحم الذي أنجبَ السَّماويّ يحيى، فضلاً عَنْ كونها بحسبِه جنته وَجحيمه معاً، لكنها عَلَى الرغمِ مِنْ أثرِ معطياتها فِي بلورةِ شخصيته، لَمْ تُنجب شاعريته، فالَّذِي أنجبها - بحسبِه - هو " الفقر وَالشعور بغيابِ العدالة فِي " وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط، إلآ أنَّ فقراءه مازالوا يستخدمون روث البقر وَسعف النخيل وقوداً للطبخِ والتدفئة، وطن سوط الحاكم فِيه أطول مِنْ يدِ العدالة، وَالحزب الحاكم فِيه وَحده المبشّر بجنةِ النعيم السحت وَجميع الإمتيازات ". وَيعبر السَّماويّ عَنْ آهاتِ السواد الأعظم مِنْ شعبِه، وَمَا يعانيه مِنْ قسوةِ الأنظمة الحاكمة بشكلٍ دقيق بقولِه : " أنا ابن أمٍ قروية وأبٍ بقال، أطلقت أوّل صرخة بكاء حين طردتني أمي مِنْ رحمِها ظهيرة يوم ربيعي فِي بيتٍ طينيّ، وما زلتُ أواصل صراخي احتجاجاً على الفقرِ في وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط لا يمتلك مِنه الفقراء إلآ السّخام، وإدانة لساسةٍ وَعدونَا بالفردوس، فقادونا نحو الجحيم ". وَبنبرة وجدانية مؤثرة ﺗﺟﺳّد مواطنته بمسحةٍ عاطفية قال السَّماويّ يحيى ذات أديلايد : " غادرت وطني قبل نحو ربع قرن هرباً مِنْ حبلِ مشنقة، لكنني بقيت مشدوداً إلى رحمِه بأكثرِ مِنْ حبِل مشيمة ". وَليسَ أدل عَلَى ذلك مِمَا يحضرني الآن مِنْ حادثةٍ مؤثرةٍ رواها ليّ السَّماويّ منذ سنوات، حيث اشترى محدثي بيتاً فِي أستراليا، وأصبح لَه حق التصرف بحديقةِ المنزل، فَعمدَ إلى شراء فسيلة نخلة، وَاضطر لتوفيرِ مناخٍ لها كالَّذِي فِي بساتينِ البصرة أو السَماوة، فضلاً عَنْ رعايتِه لهَا كما ترعى الأم وليدها البكر وَالوحيد، حتى كبرت وَازدادت طولاً، حيث صارت بحسبِه " أطول منه، وأضحى عمرها أكبر مِنْ عمرِ ابنته سارة "، وَالغريب فِي أمرِ نخلته المدللة أنَّها أصبحت لها أعذاق، بَيْدَ أنَّها لَمْ تثمر أبداً، حتى غضب عليها يوماً وَاستأصلها بعد أنْ عرفَ مِنْ فلاحٍ أسترالي محترف، أنَّه إذا كان الحصى يصبح ياقوتاً، فإنَّ النخلة هذه ستثمر رطبا. وَلا رَيْبَ أَنَّ السَّماويّ يحيى - الَّذِي نزف مِنْ روحه وقلبه الكثير ليمنح الثقافة مِنْ ألقِ الشعر الرائع والمحلق في فضاء الإنسانية عبر السنين بحسبِ الشاعر جعفر المهاجر - حين يذكر حادثة النخلة الأسترالية، فإنَّه يريد التعبير عَمَا يتصل بِهَا مِنْ مغزى عميق لَه دلالاته الرمزية الَّتِي عبرَ عَنهَا صراحة بقولِه : " أنا كالنخلة العراقية، لَنْ تصبحَ نخلة حقيقية، إلآ في أرضها - وَمَا اعتزامي شراء حفنة أمتار مربعة فِي مقبرةِ وادي السلام إلآ لأنني لا أريد أنْ أتوسّد غير أرض العراق حين يتحتم عليّ التدثر بلحافٍ مِن التراب "، وكان حينها قد عقد العزم عَلَى طيّ خيمته فِي آخر شبر مِن اليابسة، والشروع فِي نصبِها بفضاءٍ ولو صغير فِي جنتِه الأرضية - مدينة السَماوة - بإذنه تبارك وَتعالى، إلا أَّنَّ ظرفاً قاهراً أفسدَ عَلَيه مَا كان - وَمَا يزال - يتمناه.
 
   ***
أنـا جـمـري خـرافـيٌّ
ولـكـنْ
نـاعـمٌ كـنـدى زهـور الـلـوزِ فـي وادي الـمـنـى
شـرَري
*
أنـا بـشـرٌ
ولـكـنـي بـعـشـقـي لـسـتُ مـثـلَ بـقـيَّـةِ الـبـشَـرِ
*
نـبـذتُ الـدربَ مـألـوفـاً بـلا خـطـرِ
*
فـمـا الـبـسـتـانُ إنْ أضـحـى بـلا شَــجَـرِ؟
*
ومـا مـعـنـى الـرَّبـابـةِ حـيـنـمـا تـغـدو بـلا وَتَـر؟
*
تـريـديـن الـجـوابَ عـن الـسـؤالِ الـصـعـبِ
كـيـفَ مَـلَـكْـتِـنـي قـلـبـاً وأحـداقـاً وقـافـيـةً؟
جـوابـي : صـمـتـيَ الـحـجـري !
***
لعلَّ المذهلَ فِي أمرِ السَّماويّ يحيى أَنَّه خلال وجوده فِي العراق كان يحلم بالمنفى، لَكنهُ حين وصلَ المنفى بقيَ لا يحلم إلآ بالعراق،  فهو القائل : " العراق وطني وَمنفاي فِي ذات الوقت ". وَتدعيما لِمَا ذكر، فإنَّ مَنْ يبحر فِي روائعِ ديوانه السادس " عيناك لي وطن ومنفى " يتلمس حقيقة وَصفه الَّذِي أعلنه أكثر مِنْ مرة فِي مواضعٍ وَمناسباتٍ عدة بقولِه : "  قصائد الديوان تتحدث عَنْ وطنٍ هو جنتي وجحيمي معا ". وَبحسبِ الشَّاعِر السوري علي فرحان الدندح، فإنَّ الديوانَ المذكور آنفاً " يضمّ بقايا رماد حروف السَماويّ يحيى المكونة مِنْ ثلاثين قصيدة، تجمع بين الشعر العربي الموروث والحداثة، فالقصيدة عنده برزخ بين الأصالة والحداثة ".  وَمِنْ هُنَا يمكن القول إنَّ المعاناةَ الهبت شاعرية السَّماويّ الَّذِي يتمتع بموهبةٍ شِعْريَّة وَ فَنِّيَّة فذة غنية بالإِبْداعِ الجميل، فكانت دلالاتها واضحة فِي منجزِه الشِّعْري. وَلعَلَّ مِنْ بَيْنَ الأمثلة عَلَى مَا أشرنا إليه فِيمَا تقدم بخصوصِ قوةِ لغة السَماويّ الشِعْريَّة وَرقة إحساسه، هو مَا عبرت عَنه الشاعرة وَالروائية " الرقية " السورية فوزية المرعي بالقولِ " نشعر بالشموخِ كلما لاحَ اسم السَماويّ يومض فِي سماءِ الشِّعْر أو النقد، فهو شَّاعِر متجدد فِي طرحِ أفكارٍ جديدة فِي عالمِ الشِّعْر، وأكثر ما ألهب مشاعري فِي شعره ذاك المنهج الصوفي الذي رتله بطريقةٍ جديدة لم يسبقه إليها أحد مِنْ قبل فِي نمطٍ جديد ملفت للنظرِ ومطرب للنفسِ التوّاقة لكل تهجدات الشِّعْر، فلا يشعر عشاق الشِّعْر بالمللِ أو بالسأم حين يعبرون خمائل السَماوي الشعرية، بل تنتابهم اختلاجات قد لا يستطيعون نقل ايقاعها فِي أيّ تعبيرٍ مهما حاولوا وأنا واحدة منهم. حين أقرأ قصائده وخاصة الصوفية أحلق بعيداً عني، وأدخل فِي ملكوتِ محرابه الإبداعي أتنسم رائحة البخور، وأميد علَى دق الدفوف، وأدور ..أدور.. وأحلق عالياً علني أقطف حبات مِنْ كرمِ إبداعه. يغشى عينيّ وهج القوافي، أرفع يدي للواهبِ بالدعاء : اللهم احفظ شاعرنا مِنْ كُلِّ مكروه، فهو أحد ملائكة الله عَلَى الأرضِ أرسله المولى وباركه بموهبةٍ قد لا تتكرر ". كذلك تشير الدكتورة مها عبد النبي إلى السَماويّ بعبارةٍ موجزة، لكنها بليغة فِي وصفِها بالقولِ " السَماوي مَعلَم ومُعلِم، يكتب بأنفاسِ رهطٍ مِنْ الشعراء  عَلَى اختلافِ مشاربهم ".

أمـسِ ـ انـتـصـافَ الـلـيـلِ ـ جَـفَّ دمـي
وشَــبَّ حـريـقُ شــوقـي
فـاسْــتـغــثـتُ
بـمـاءِ " زمـزمِ " بـئـرِكِ الـضـوئـيِّ فـي الـوادي الـسـحـيـقِ
مُـيَـمِّـمـاً وجـهـي لِـخِـدرِكِ
لا دلـيـلَ سِـوى سَــنـاكْ
*
مُـتـبـتِّـلاً حـيـنـاً وحـيـنـاً كـافـراً بـالــبُـعــدِ
بـيـنَ الـجـذرِ فـي كـهـفـي
وبـيـنَ قـطـوفِ أغـصـانـي الأثـيـرةِ فـي سَــمــاكْ
*
فـرشـفـتُ قـبـلَ دخـولـيَ الـفـردوسَ كـأسـاً مـن زفـيـرِكِ
فـانـتـشـيـتُ
وخِـلـتُـنـي قـبَّـلـتُ فـاكْ
*
فـسـألـتُ ربـي أنْ يُـزيـدَ مـن الـظـلامِ
وكـنـتُ قـابَ قـمـيـصِ نـومِـكِ مـن سـريـركِ ..
ربـمـا أدنـى ..
وأطـبَـقـتُ الـضـلـوعَ عـلـى الـضـلـوعِ
فـفـرَّ ثـغـري نـحـو ثـغـركِ حـاطِـبـاً قُـبَـلاً
وفـزّتْ مـقـلـتـاكْ
*
وانـزاحَ عـن سـاقـيـكِ ثـوبُـكِ
فـاسْـتـفـزَّتْ بـيْ مُـجـونـاً رُكْـبَـتـاكْ
*
أوشـكـتُ أنْ ..... !
فـإذا بـشـيـطـانـي يـعـودُ فـتـىً مـلاكْ
*
حـتـى إذا نـادى الأذانُ الـى صـلاةِ الـفـجـرِ
أغـوانـي نُـعـاسُــكِ بـاقـتـطـافِ الـتـيـنِ والـتـفـاحِ
مـن حـقـلِ الأنـوثـةِ
وارتـشـافِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ خـالَـطَـهُ شــذاكْ
*
فـدخـلـتُ واديـكِ الـبـعـيـدَ
وهـا أنـا ثـمِـلٌ فـمـا أدري
أأسْـكَـرَنـي رحـيـقُ الـفُـلِّ والـريـحـانِ فـي حـقـلِ الأنـوثـةِ؟
أمْ نـداكْ؟
***
فِي دراستِه الموسومة " يحيى السماوي الامتداد العضوي لفخامةِ القصيدة العمودية "، يشير الشَّاعِر العراقي عبد الستار نور علي المقيم فِي السويد، إلى " إن المتابع لشعرِ السماوي يجد عنده المحافظة الصارمة على شكل القصيدة العمودية بشروطها الفنية من خيال وعاطفة متأججة واسلوب راقٍ يحافظ على السلامة اللغوية والجزالة اللفظية والفخامة التعبيرية والشكلية المعتمدة على الوزن والقافية واللغة السليمة الحريصة على النحو والصرف والبلاغة العالية التأثير. وللعلم فإن شاعرنا الكبير يكتب أيضاً شعراً حراً - شعر التفعيلة - مع المحافظة على الوزن والقافية والجزالة وقوة السبك والمبنى اللغوي ". وحول مَا يطرقه السَّماويّ يحيى مِنْ موضوعاتٍ فِي منظومتِه الشِعْريَّة يقول علي أيضاً " يتناول شاعرنا الكثير من الموضوعات بجمالية عالية التأثير من خلال خيال خصب ولغة جميلة جزلة فخمة الايقاع ووزن يتناسب مع المضمون. تناول الحنين الى الوطن، ومعاناة الغربة، مقارعة الاحتلال والفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة. ومن أجمل ما يمكن أن نقرأ له هو الغزل أيضا. ففي غزلياته نجده فتىً غِرّاً مليئاً بالعاطفة الحارة الملتهبة حد الرغبة الجامحة المندفعة. فلو لم نعرف أنه كهلٌ اشتعل رأسه شيباً لقلنا نحن أمام صبيٍّ فتنه العشق وسلبَ لبهُ الغرام وأشعلَ صدره الهيام فأهاج بلابله ". وَلا يسعني هُنَا إلا القول : بأنيّ استمتعت بقراءةِ تلك الدراسة المبهرة، وَالَّتِي أقطف مِنْها أيضاً بحدودِ البحث مَا نصه " الشاعر الكبير يحيى السماوي المواصل خط عالم وفن عمود الشعر، مع انه مجددٌ فيما يستخدم من مضمون وشكل يتسم كثيراً بالرقة في اختيار اللفظة، وبالحديث في تناول المضامين. وفي كل ذلك تسعفه موهبة فذة وشاعرية متألقة وثقافة تراثية غزيرة وتمكّن من اللغة كبير. وشعره واسع لا تكفيه هكذا عجالة في التناول ".


ســألـتـنـي ربَّـةُ الـحـانـةِ والـمـحـرابِ
والـمـشـحـوفِ والـنـهــرِ الأنـوثـيِّ الـذي شاربُـهُ
يُـبـعَـثُ حَـيَّـاً إنْ هَـلَـكْ :
 
كـيـفَ جِـزتَ الأبـحـرَ .. الأنـهــرَ ..
والـبـيـدَ الـصـحـارى ..
أبــســاطُ الـريـحِ نـحـوي حَـمَـلَـكْ ؟
 
أمْ هـو الـحُـلـمُ
وقـد " شُــبِّـهَ لـكْ " ؟
 
ولـمـاذا جـئـتـنـي فـي آخـرِ الـعـمـرِ
لـتـغـوي بـتـلـتـي الـمـعـصـومـةَ الـلـوز ؟
أجِـبـنـي : مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ ؟
 
قـلـتُ :
يـا مـولاتـيَ الـمـائـيَّـةَ الـنـيـرانِ
أسـرى بـيْ الـى فـردوسِــكِ الـعــشــقُ
وهـا قـلـبـي عـلـى شـرفـةِ عـيـنـيـك
فـهـل تـأذنُ مـولاتيْ فـآوي
مـنـزلَـكْ ؟
 
أنـا ـ يا ســبـحـانَ مَـنْ قـبـلَ وصـولـي قـمَّـة الـعـمـرِ ـ
بـعـيـنِـي أنْـزَلـكْ
 
ضـائـعٌ مـن قـبـلِ أنْ أُولَـدَ ..
حـيٌّ وقـتـيـلٌ ..
فـعـسـى أنَّ الـذي يـعـرفُ مـا أُخـفـي
لأجـلـي أنـزلّـكْ
 
قِـبـلَـةً لـلـقـلـبِ
تُـفـضـي بـيْ الـى شـمـسٍ تُـضـيءُ الـدربَ
إنْ حـاصَـرَنـي ذئـبُ الـحُـلَـكْ
 
فـأعـادتْ قـولـهـا
مـن خـلـفِ شِــقِّ الـبـابِ ـ أو سِــتِّ سـمـاواتٍ :
أجِـبـنـي مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ ؟
 
قـلـتُ :
شـمـسٌ وأنـا مـن حـولِـهـا جُـرمٌ " سـمـاويٌّ " صـغـيـرٌ
يـا مَـلَـكْ
 
و" بُـراقٌ " يـعـرفُ الـدربَ الـى الـفـردوسِ
لـكـنْ
مـن ضــيــاءٍ لا كـمـا بـاقـي الـفَـلَـكْ
 
فـإذا صـوتٌ كـمـا الـوحـيُ
أتـانـي مـن وراءِ الـبـابِ
نـادانـي :
لِـتـدخـلْ فـأنـا   قـد " هَـيْـتُ لـكْ "
 
فـاقـتَـطِـفْ مـا شـئـتَ مـن فـاكـهـتـي
واشــربْ نـمـيـري واتَّـخِـذْنـي دون أنـهـارِ الـغـوانـي
مـنـهَـلَـكْ
 
واحـتـرسْ
مـن غـضـبِ الـنـحـلـةِ
إنْ خـنـتَ شــذا وادي زهـورِ الـلـوزِ
واحـذرْ
إنَّ إيـنـانـا إذا جـزتَ مَـداهـا
تـمـسـكُ الـمـاءَ عـن الـحـقـلِ وتُـظـمـي جـدولَـكْ
***
الناقد وَالمفكر العراقي البارز الدكتور حسين سرمك حسن كشف فِي دراستِه الموسومة " يحيى السماوي وفن البساطة المربكة "، أموراً مهمة وَمثيرة عَنْ مَا يجول فِي خاطرِ البعض مِنْ أنَّ السَّماويّ يحيى قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ " سفر نشيد الأناشيد "، فضلاً عَنْ إثراءِ سرمك المشهد الثقافيّ بحقيقةِ وأصل تلك الأناشيد كما سنرى فِي السطورِ التالية. وَفِي هَذَا السياق يقول سرمك : " عندما تسمع أنَّ الشاعرَ يحيى السَماويّ قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ " سفر نشيد الأناشيد، فإنك سوف تتساءل عَن التأثيراتِ الَّتِي خضعَ لها يحيى فِي كتابته لهذه النصوص؛ فهو ليس يهودياً، وَلَمْ يترعرع في بيئةٍ تقرأ الكتاب المقدس أو السفر المعني، وَلا تحتفظ مكتبتهم العائلية بنسخةٍ مِنه فِي حدودِ علمنا. فهو مسلم مِنْ مدينةِ السَماوة وأبوه الحاج عبّاس، نشأ وترعرع فِي بيئةٍ دينية محافظة عَلَى تقاليدها وموروثها الديني الإسلامي، ولا توفر ثقافة أبيه الإسلامية والمحيط الَّذِي نما فِيه وتمسك بطقوسِه أيّ فرصة لقراءةِ الكتاب المقدس لأبنائِه، فما بالك بالعهدِ العتيق والأكثر تمأزقا، مَا بالك بسفرِ نشيد الإنشاد بلغته المعقدة وإيحاءاته الجنسية والغزلية. فهذا النص لا يُمكن أن يُعَدّ نصاً دينياً أبداً، وقد فشلت كُلّ محاولات المرجعيات الدينية اليهودية والمسيحية فِي تبريرِ وجوده فِي العهدِ العتيق وترقيع دلالاته الروحية والدينية، فهو نص حسّي ملفّق ولا علاقة له بالآلهةِ ولا بالأنبياءِ ولا بالعباداتِ ولا بالطقوسِ التوراتية، بل هو ضدها فِي بعضِ المواقف والإستعارات المأخوذة مِنْ شعوبٍ يسخط عليها " يهوه " ويذمها ويدعو أبناءه إلى الانعزالِ عَنها وَنبذها ". وَيستمر الناقد سرمك فِي بحثِه  قائلاً " قد يعترض قارئ مقتدر بالقولِ إنَّ الكثيرَ مِن الشُّعراءِ يقرؤون مصادر معينة وَيتأثرون بِها. ثم هناك مخزون لاشعور الشَّاعِر الجمعي الَّذِي يتجاوز حدود الجغرافيا المَحَلِّيَّة وَيستند إلى رموزٍ ومكونات وتجارب مشتركة بَيْنَ جميع أبناء البشر. وأقول هذا صحيح .. ولكن أليس الأولى بشَّاعِرٍ عراقي مِنْ أهلِ السَماوة وهي تقع فِي دائرةِ حضارة سومر أنْ يحتفظ لا شعوره الجمعي بمخزونِ الحضارة الَّتِي نشأ وترعرع عَلَى أرضِها، وأحاطت بنشأتِه مؤثراتها وتفتحت ذائقته الثقافيَّة عَلَى منجزاتِها؟. وَهل سنصدم هَذَا القارئ المحق فِي تساؤلِه إذا قلنا إنَّ نشيدَ الأناشيد المكون مِنْ سبعِ صفحات مِن القطعِ الصغير، وحظى بتلالٍ مِن الكتبِ والبحوث والدراسات الَّتِي لم يحظَ بِمثلِها أيّ نص " ديني " قصير آخر، مأخوذ - بشهادةِ الكثير مِن الباحثين أو " مسروق " - مِنْ تراثِ سومر وتحديدا من " أناشيد الحب السومرية " وخصوصا أناشيد الزواج الإلهي على الرغم من أنني لأ أميل إلى تسميتها بتسمية " أناشيد " المتأخرة  المأخوذة مِن التوراةِ وأفضّل تسميتها الأصلية : " قصائد أو نصوص أو غنائيات سومرية ". ويؤكد سرمك بأسلوبِ المقارنة أنْ لا صلة لنصوصِ يحيى عباس السماوي بسفرِ نشيد الأناشيد، لا من الناحية اللغوية ولا التصويرية ولا المضمونية ولا الجمالية؛ إذ أنَّ بنيةَ الصوتين المتحاورين " الحبيب والحبيبة " فِي نشيدِ الأناشيد غير موجودة - بحسبِه - فِي نصوص يحيى مطلقا، فالنصوص كلّها قائمة عَلَى الصوتِ الواحد " ضمير المتكلم "، وهذا حال الأغلبية المطلقة لقصائدِ السَماويّ يحيى عبر حياته الشعرية المديدة، وقد تكون نرجسيته الشِعْريَّة واحداً مِنْ أهمِ العوامل وراء هَذِه السمة الأسلوبية.
 
يـا أنـتِ
يـا مِـشـكـاتـيَ الـدُّريَّـةَ الأنـوارِ فـي لـيـلِ الـصَّـبـابـةِ
يـا أنـا
يـا كـوكـبـيْ الأرضـيَّ
يـا محـرابَ شِـعـري واعـتـكـافـي
 
يـا أوّل الـخـطـواتِ
فـي إســراءِ قـلـبـي نـحـو فـردوسِ الـهـوى :
مـن أيـن يـدخـلُ حـقـلـنـا
ذئـبُ الـتـجـافـي ؟
 
نـحـن ابـتـكـرْنـا لـلـهـوى لـغـةَ الـمـودَّةِ والـتـبـتُّـلِ
والـتـصـافـي
 
الـغـصـنُ لا يـجـفـو الـجـذورَ
ولــيــسَ مـن طــبــعِ الــضـفـافِ
 
أنْ تـرتـدي ثـوبَ الـرَّحـيـلِ
إذا تـعـرّى الـنـهـرُ مـن أمـواجـهِ بـعـدَ الـجـفـافِ
 
عـلَّـمْـتِـني الـتـحـلـيـقَ مـا بـيـن الـطِـبـاقِ
وكـنـتِ مـن صـدري وأجـنـحـتـي  الـقـوادمَ والـخَـوافـي
 
أكـمـلـتُ سـِـتَّـاً فـي ســمـاواتِ الـطـوافِ
ولا يـزالُ الـقـلـبُ فـي بـدءِ الـطـوافِ
 
حـيـنـاً أسَــبِّـحُ مُـسـتـعـيـذاً بـالـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ
مـن الـفـيـافـي
 
وأفـيـضُ حـيـنـاً بـالـغـنـاءِ عـلـى مـقـام الـلـثـمِ
طـفـلاً يـرتـدي ثـوبـاً
مـن الـفـرَحِ الـخـرافـي
 
كـفـرَتْ بـغـيـرِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ
كـاسـاتُ ارتـشـافـي
 
وكـفـرْتِ إلآ بـالـوفـاءِ
وبـالـعـفـافِ
 
مـتـلازمـانِ
كـمـا الـمُـضـافُ إلـيـهِ يُـلـزَمُ
بـالـمُـضـافِ
 
لـولاكِ لـم تـعـرفْ رغـيـفَ الـعـشـقِ مـائـدتـي
ولا اسـتـعـذبـتُ قـبـلـكِ مـتـعـةَ الإســراءِ مـن خـمـر الـضَّـيـاعِ
الى يـنـابـيـعِ الـسُّـلافِ
 
وكـتـبـتُ بـالـمـحـراثِ فـي تـنُّـورِ واديـكِ
اعـتـرافـي:
 
شـفـتـاكِ بـسـتـانـانِ مـن شـجَـر الـبـلاغـةِ
والـقـوافـي
 
فـأنـا وأنـتِ الـصَّـخـرتـانِ
وعـشـقـنـا ـ لا السـفـحُ ـ ثـالـثـةُ الأثـافـي
***
مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ إنَّ السَّماويَّ يحيى شَّاعِرٌ سامق، وَتربويّ حاذق، وَوطَنِيّ أصيل، وَإنْسَانٌ ثائرٌ عَلَى الظلمِ وَالظلام، حملته صلابته وعشقه للحياةِ وَحبه للجمالِ مواجهة الأهوال، فقد ركب موجتي الأدب وَالسِّياسَة مبكراً مستعيناً بشِّعْرِه المتميز، وَفضاء الصحافة والإعلام الَّذِي تمددت آفاقه بشكلٍ واسع فِي محطاتِ الغربة؛ لأجلِ الإفصاحِ عَنْ معاناةِ الذات، فضلاً عَمَا يحمله الشَّاعِر السومريّ المهووس بعشقِ فراتي العراق ونخيله مِنْ همٍ إنسانيّ مرده إلى معاناةِ شعبٍ جهد سواده الأعم - وَمَا يَزال لليومِ يجهد - فِي البحثِ عَنْ هويته الإنسانيَّة المسلوبة قصد استعادتها. وَتدعيماً لِمَا ذكر حول وَطنية السَماويّ يحيى، مِن المناسبِ أنْ نشير إلى مَا توصلت إليه الباحثة السعودية إنصاف فيصل الحسني فِي رسالتها الموسومة " شعر يحيى السماوي بين الرؤيا والإبداع " الَّتِي نالت بموجبها درجة الماجستير فِي الأدبِ والنقد بتقدير امتياز مِنْ قسمِ اللغة العربية فِي جامعةِ أم القرى؛ إذ سجلت الباحثة ضمن نتائج الدراسة المذكورة مَا نَصه " كان السماوي شاعراً وطنياً من الطراز الأول، وحتى مع تنوّع رؤاه الشعرية فإنها تدور حول نقطة واحدة هي الوطن، هو يحبه ويتغزّل فيه ويحنّ إليه ويشخّص أدواءه، ويقترح علاجات لها، ويستعرض مزاياه ويهاجم أعداءه، ويبكي ماضيه وحاضره ويأمل في مستقبله، وقد استطاع الشاعر بجدارة أن يحوّل حرقته وألمه إلى فنٍّ موظَّف في السياسة فاستغلّ واقعه وواقع شعبه المحاصر لإدانة النظام الحاكم بوجهه السياسي ". وَلعلَّ المذهلَ فِي الأمرِ أَنَّ السَّماويّ يحيى بالاستنادِ إلى معطياتِ سيرته الذاتية " عاش الكهولة فِي صباه وَالشيخوخة في شبابه "، أمّا الطُفولة " فَلَمْ يعشها - بحسبِه - كما ينبغي للطُفولة أنْ تُعاش ". وَفِي هَذَا السياق يقول السَّماويّ : "  لأنني لم أعش الطُفولة فِي الأمسِ البعيد، فقد بدأت أعيشها فِي حاضريّ منذ أنبتَ لي التبتّل جناحين خرافيين حلّقا بي وراء الأفق والمدى اللامتناهي، لأجدني في معبدِ إينانا السومريّ حينا، وفِي السماء السادسة حيناً آخر، فلا شيء أقاوم به شيخوخة المكان والزمان كالطفولة ". وَمِمَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ السَّماويَّ دخلَ معترك الإعلام وَخاض غمار أمواجه  المتلاطمة الصاخبة، فعزز فِي نفسِه بوادر التمرد وَالثورة عَلَى كُلِ مَا هو منتسب للقبح وَالظلام، وَفِي هَذَا السياق يقول السَّماويَّ يحيى أو " شَّاعِر النهرين الَّذِي اختبرته الأيام، وَتوالت عليه المحن " بحسبِ الأديبة ذكرى لعيبي مَا نصه : " ... نفعني الإعلام فِي الانتقالِ مِنْ فضاءِ الأحلام إلى صخرِ الواقع، أعني مِن الرومانسي الحالم إلى المنشغلِ بهمومِ المهمومين ". وتدعيماً لِمَا ذكر فإن السَّماويَّ عمل محرراً وَمسؤولاً للقسمِ السياسي وَالأدبي فِي إذاعةِ " صوت الشعب العراقي " المعارضة للنظام الديكتاتوري، وَقد وظف ذلك فِي قصائدِه وَنصوصه وَبرامجه لتكون أكثر تعبيراً عَنْ المعاناةِ الإنسانيَّة وَليس عَنْ همومِه الذاتية، مَعَ العرضِ أنَّ المثقفَ وَالأديب وَالفنان ملزم بعيشِ قضايا وطنه، وَعكس معاناة شعبه، فلا عجب أنْ يكون نتاجَه قراءة لِهَمِ الشعب.
 
بـهــواكِ لا بـالـشــمــسِ والــقَــمَــرِ
شـعَّ الـضـحـى واللـيـلُ في نـظـري

أعْـشَـبْـتِ صحـرائي بـمـا حـلُـمَــتْ
نــفــسـي بِــنـهــر الــودِّ والــشَـجَــرِ

لُـغـتـي ـ قُـبَـيـلَ هــواكِ ـ مُــبْـهَـمَــةً
كـانـتْ .. وطِــيـنـاً مُـهْــمَــلاً دُرَري

لَــكـأنــكِ الــفــردوسُ ... ســاكِــنُــهُ
يـحـيــا عـلـى مـا شــاءَ مِــن صُــوَرِ
 
مـا زاغ مــنــهـــا نــحــوَ فـاحــشــةٍ
خـطــوٌ ولا ســارتْ عــلــى عَـــثَــرِ

 شَــبَّـتْ عــلـى طُـهــرٍ فــحِـلْــيَــتُـهــا
ذَهَــبُ الـعــفـافِ وفِــضَّـــةُ الـخَــفَــرِ

 ولـهـا اسْــمــرارُ الـخـبـزِ أنْــضَـجَــهُ
ربُّ الــرغــيـفِ ومُــنــزِلُ الـمَــطــرِ

تُــرْجـى ولا تَــرجـو .. كــأنَّ بــهــا
فـي مَـغْـــنَــمٍ عَــفٍّ عــن الــبَــشَـــرِ

بــيــنـي وبــيــن زهــور روضـتـهـا
مـا بــيــنَ مِــحــرابٍ ومُــعْـــتَـــمِــرِ

بَـلـغَـتْ مـكانَ الــضـوءِ مـن مُـقَـلـي
وبَــلـغْــتُ مـنـهــا غــايــةَ الـسَّـــفَــرِ

يَـهــمـي عــلـى أعـــنــابِ واحــتِـهــا
مَــطــري فَــيُـعــشِــبُ لــذّةً وطَــري
***
الأديب حافظ محفوظ المقيم فِي لندن كتب دراسة عَنْ ديوانِ السَماويّ يحيى الثالث عشر، وَالفائز بـ " جائزةِ البابطين لأفضل ديوان شِّعْر " الموسوم " نقوش على جذع نخلة "، وَنشرها فِي مجلةِ " الحوادث اللندنية "، وِمِنْ بَيْن مَا سجله محفوظ نقتطف مَا نصه " في كل قصائد الديوان، يتفجر يحيى السماوي وطنية صادقة وغضباً مقدساَ على الظالمين وتجسيدا حياً للمظالمِ والمجازر البشعة التي شهدتها المدن العراقية، والتي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً. وقد عبّر الشاعر يحيى السماوي عن معاناته بشعرٍ راقٍ وموهبة متألقة ومشاعر عفوية ورؤية عميقة صادقة لواقعِ وطنه الذبيح وحمّامات الدم اليومية التي تغسل أرض العراق الطاهرة ". كذلك أشار محفوظ فِي موضعٍ آخر مِن الدراسةِ قائلاً " الديوان الذي تمتاز قصائده كلها ببهاءِ الشكل والمضمون وشفافية البوح وعمق الجرح الوطني والقومي والإنساني، لا يخلو من زوايا خاصة بالقلبِ العاشق والصائم على باب الهوى، كما في - صوتك مزماري، خذي بأمري وإغنميني -  وسواها من القصائد، يقرع يحيى السماوي ناقوس العاطفة بيد رقيقة وعيون دامعة ومشاعر نبيلة وعشق راقٍ، وغربة عن الوطن والأحبة، لعله يعود ذات يوم إلى العراق حين يصبح معافى، ليقضي فيه بقية عمره، ويتحفنا بمزيد من إبداعاته الغنية المضاءة بوهج موهبته المتدفقة كالينابيع ". وَفي السياق ذاته نعود ثانية إلى الشَّاعِر السوري علي فرحان الدندح؛ لأجلِ تصفح دراستِه الموسومة " الوطن في غربة الشاعر العراقي يحيى السماوي "، وَالَّتِي يذكر فِي متنها مَا نصه " الشاعر السماوي يحاول من خلال أشعاره في غربته أن يقدم شعراً معارضا للديكتاتورية مقاوما للاحتلال، يقوم على غنائية محببة، ونظم عمودي وتفعيلي بعيد عن الخطابية، مثلما هو بعيد عن تقليد شعراء النخبة. وهو من خلال ذلك يريد العودة بالشعرِ إلى عفويته الأولى عبر وضوحٍ وسهولةٍ تعيدان الاتصال بين الشعر والشعب، فشعراء المقاومة كثر، أمثال لويس أراغون وبول إيلوار وخير الدين الزركلي، هؤلاء الذين أججوا روح الثورة لدى شعوبهم وأعطى كل واحد منهم أروع ما عنده في الحب الغنائي. والسماوي واحد من هؤلاء، بل تماهى في ذلك حتى غدت المرأة عنده هي الوطن، والوطن يطل من عيني المعشوقة، هو شاعر الحب، شاعر اليدين الممدودتين إلى الوطن؛ لأنهما إذ تحتضنان الوطن إنما تحتضنان ذات الشاعر التي ذابت متماهية بذات الجماعة ... وهكذا نرى أنّ الكلمات لدى الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي، مؤثرة بما تحمل من شحناتٍ شعورية قوية، فهي تهز الوجدان، وتـُشـعر الروح بالطمأنينة ". وَيضيف الدندح قائلاً " لا يخفى أنّ ليلى المحبوبة لدى الشاعر هي الوطن الأم " العراق " الذي يهيم به كما هام المجنون بليلاه .. ومع أنه ابتعد عن وطنه مرغماً وحاول أن يُغـَيّـِب صورة وطنه التي تبعث في نفسه الألم والحسرة، إلآ أنها كانت تتسرب إلى روحه ، وتحتل قلبه ". وَيختم الباحث مباحث دراسته هَذِه بالحديثِ عَنْ قوةِ شاعرية السَماوي يحيى ورؤيته إلى القصيدةِ بالقول " يبدو جلياً كمبدع، تمكنه من انتقاء كلماته ونظمها في نسق موحٍ، فالقصيدة في مفهومه، ليست صورة فوتوغرافية للعالم كما هو كائن ننشرها في صحيفة أو كتاب، بل هي صورة لما يجب أن يكون عليه العالم، صورة يبدعها الشاعر مستعيناً بالبيان عبر محاولة لتجديده وإحياء ما انطفأ منه ". وَيخلص الدندح فِي ورقته البحثية إلى " إنَّ شعرَ يحيى السماوي يشكل إضافة جديدة للشعر العربي المعاصر، تنير للأجيال دروب حلّ المعادلة الصعبة بين الاستسلام لتقليد الوافد الجديد أو الركون إلى سحر التراث ".

***
تَــعِــبَ الــهــوى مِــمّــا نُــحَــمِّــلُــهُ
مـا لا يُــطــيــقُ الـسُّـهْــدُ مـن سَــهَــرِ

يَــمَّــمْــتُ قــلــبـي يــومَ مــولِــدِهـــا
فَـوُلِـدْتُ طِـفـلَ الـعِـشــقِ فـي كِــبَـري

حُــبٌّ ـ ولا مِـــثــلٌ ـ سَــــمَــوتُ بــهِ
بــيــن الـــثــرى والأنــجُــمِ الــزُّهُــرِ

هـامَــتْ بـمـا أُخـفـي وهِــمْــتُ بــمــا
جَـهَــرَتْ بــمـاءِ عـفـافِـهـا الخَــصِــرِ

وحـدي بــهــا والـعــشــقُ ثــالِــثُــنــا
نَـسْـتـافُ طِـيـبَ الـمُـزهِــرِ الـنَّـضِـرِ

مَـلَّــكْــتُـهــا أمـرَ الأســيــرِ ســعــى
لـلأسْــرِ ســعـيَ الـعــزمِ لـلــظَــفَــرِ

لـيْ بَــيْـدَرٌ .. لــولا سَـــنــابــلُــهـــا
مـا كـان ذا حَــصْــدٍ لِــمُــنــتَــظــِـرِ

مَحَـضَـتْ كـؤوسي خَـمْـرَ كُـرمَـتِـهـا
ومَـحَـضْـتُ حَـقــلَ وفــائِـهـا غُـدُري

يــومـي بــهــا جِـــيــلانِ مِــن فَــرَحٍ
بـعـضُ الـهـوى مـن رِزقِ مُــقــتـدرِ

تـا لــلــهِ لا مـعــنــىً لِــمُــبْــتَــدَئــي
إلآ وسِـــفْـــرُ هُــيــامِــهـــا خَــبَــري

لقد قُدِّر للسَماويّ يحيى أنْ يعيشَ محنة اغتراب مريرة، بعد أنْ  رحلَ عَنْ وطنِه، مخلفاً وراءه أحبة وَذكريات طُفولة وَشقاوة صبى، وَحاملاً فِي ذاتِه معاناته الَّتِي ألجأته إلى الاغترابِ عَنْ ذويه وَعذب فرات سَماوتِه وَفَيْء نخليها الَّذِي لا يظن أنَّه سوف يرى مثله فِي غيرِ مدينته أو جنته الأرضية مثلمَا يشير إليها بشكلٍ دائم مِنْ منفَاه القسريّ، فضلاً عَمَا استجد مْنْ ألمٍ وَمعاناة فِي بلدانِ المهجر؛ إذ ليس هناك مَا هو أشد مرارة عَلَى المرءِ مِنْ تركِ وطنه وَمسقط رأسه مكرهاً، فلا غرو أنْ يعكس عشقه وطنه بمدادٍ يرسم مِنْ خلالِه لوحاتٍ بارعة التشكيل، أنيقة ألوان الوجد، محكمة ظلال الرُؤْيَة؛ لأنَّ مفرداتِ شعره تخرج صافية مِنْ أعماقِ قلبٍ جُبِل صاحبه عَلَى حبِ وطنه، حيث يمكن الجزم بأنَّ مدحَ السَماويّ يحيى وطنه بالمعبرِ والجميل مِنْ القريضِ، وتخليده مآثر شعبه وَأمجاده بقصائدَ شعريةٍ طافحة بألحانٍ وإيقاعات وجدانية فِيها عذوبة وَحلاوة، إلى جانبِ اعتماده مَا ينتمي إلى مدرسةِ " السهل الممتنع "، وَالَّذِي ساهم فِي بلوغِه عتبةً عالية مِنْ الشاعريةِ وَالعمق وَالبلاغة اللغوية، يعبر فِي مجمله عَنْ الإحساسِ بالانتماءِ للوطن. وَهي مناسبة لتذكيرِ الأدباءِ وَالكتاب وَالفنانين وَغيرهم مِن النخبِ الثقافيَّة حول ضرورةِ الشروع بِإِنْتَاجِ أعمالٍ ثقافيَّة وَفَنِّيَّة بوسعِ مضامينها المُسَاهَمَة فِي تعزيزِ الثَّقَافَة الوَطَنيّة وَترسيخِ قيم التماسك الاجْتِمَاعِيّ، بالإضافةِ إلى استحضارِ كُلِّ مَا مِنْ شأنِه المعاونة فِي تعزيزِ اللحمة الوَطَنيّة، وَغرس مشاعر الألفة وَالولاء وَالانتماء الوَطَنِيّ فِي نفوسِ النشء الجديد. وَلا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ نتاج السَماويّ خلد حب الوطن فِي الكثيرِ مِنْ قصائده، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الدراسات الأكاديمية الكثيرة الَّتِي تناولت هذه الجزئية المهمة، هي دراسة الباحثة العراقية هدى مصطفى طالب الأمين لنيل شهادة الماجستير الموسومة " البنية الدرامية في شعر يحيى السَماويّ "، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَ نتائجها الأربعة عشر، مَا يعزز بحثنا فِي هَذِه الفقرة بالذات، حيث خلصت الأمين فِي إحدى النتائج المتحصلة مِنْ دراستها المذكورة آنفاً إلى مَا نصه " يتضح الصراع الخارجي في إشكاليته مع الاحتلال والسلطة الحاكمة وضياع الوطن والشباب، ومما يلفت الانتباه إن الوطن يمكن أن يكون محور الصراعين الداخلي والخارجي، حيث تتصل المرأة اتصالاً وثيقاً بالوطن ويصعب الفصل بينهما، وكذلك نجد التماهي بين المرأة والوطن، ويمكن أن نعده مظهراً من مظاهر الصراع الخارجي، حيث يرفض الاحتلال أو ضياعه على أيدي الحكام المستبدين، فضلاً عن ذلك يجسد الشاعر الصراعين - الداخلي والخارجي - وذلك من خلال تقنية المفارقة والمونتاج ". ولعلّ مِن المناسبِ أنْ أشير هُنَا إلى مَا سجلته الأمين فِي مقدمة رسالتها آنفاً، وَالَّتِي جاء فِيها تالياً " إنَ للشاعر العراقي يحيى السماوي مكانة متميزة في الحياة الثقافية العربية المعاصرة، حيث يتمتع هذا الشاعر بذكاء وحذق شعريين مكناه من النهوض ببنية قصيدته إلى درجة عالية من الفنية والتميز، إذ مكنته مواهبه المتعددة في كتابة - الدراما - من أن ينجز نكهة خاصة امتاز بها عمله دائماً، ولاسيما أن معظم أعماله جاءت نتيجة لهذا المسعى المحفوف بالمخاطر الإبداعية بين هموم الحياة وطموح الكتابة، للارتقاء باللغة العربية وإن كان شكلياً إلى مجاراة العصر، وقد مكنه ذلك من أن يقدم نفسه للقارئ بوصفه شاعراً مجدداً وعلى أكثر من صعيد " وتضيف الأمين أيضاً مَا نصه " تكتنز نصوص يحيى السماوي عناصر الدراما نتيجة لامتلاكه هذه الرؤية المركبة في الشعر والدراما، مما يطبع نصوصه بطابع خاص فيه الكثير من المميزات المستقلة المشبعة بالدراما ".     
بُــلِــيْــتُ بـمُــسـتــلــذَّاتِ الـلــيــالـي
فـكـنـتُ ضـحِـيَّــتـي .. فـأنـا وَبـالـي
*
وأغـوانـي الـشــبـابُ .. فـلـيـتَ أنـي
قـفـزتُ مـن الـشـبـابِ الـى اكـتـهـالِ
*
تـحَــرِّضـنـي خـطـايَ عـلـى دروبٍ
تُــقــايــضــنـي الـحـجـارةَ بـالـلآلـي
*
لَـهَـوْتُ عـن الـصـبـاحِ بـأنـسِ لـيـلٍ
وبـالــكـأسِ الــسَّـرابِ عـن الــزلالِ
***
الشَّاعِرُ وَالناقد وَالروائي الراحل الدكتور غازي القصيبي " طيب الله ثراه "، ضمن كتابه النقدي " صوت من الخليج "، دراسة قيمة عَنْ شاعريةِ السَماويّ يحيى وَسمها بـ  " يحيى السماوي هذا الطائر الجريح المغرد ". ولأهميةِ هَذِه الدراسة، أجدني بعد أنْ استسلمت لدموعي شغوفاً للفتِ انتباه القارئ الكريم بمضمونها وَكما مبين تالياً " منذ سنين طويلة، وأحسبني كنت في المدرسة الثانوية وقتها، قرأت في كتاب مثير من كتب الناقد الساخر مارون عبود عبارة مثيرة نسبها إلى أديب فرنسي شهير. سقط أسم الكتاب، وإسم الأديب الفرنسي، من ثقوب الذاكرة وبقيت العبارة " الشعراء الكبار نادرون، بل انهم أندر من العلماء الكبار "، وصف " الكبار" يخيفني، فالشاعر قد يكون كبيراً في الحجم، ولا مبرر للأمثلة!، وقد يكون كبير المقام، والأمثلة كثيرة. كما أن تعريف " الشعراء " قد يكون محل أخذ ورد،  وبالتعريف الواسع، لا توجد ندرة في الشعراء بين العرب. مؤخرا، أعلن القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية عن مسابقة للشعر فتقدم اليها مئات الشعراء من أقصى الوطن العربي الى أقصاه. وعدد الأمسيات الشعرية في الأمة العربية لا يكاد يعادله إلا عدد المؤامرات على هذه الأمة. فلنعدل إذن عبارة صاحبنا الفرنسي الذي ضاع إسمه ولنقل : أن " الشعر الحقيقي نادر ". من هنا يجيء فرحي كمتذوق يتوهم انه يستطيع التفرقة عفويا بين النظم والشعر إذا إلتقيت ببيت رائع، أو مقطع مؤثر، أو قصيدة نابضة. ومن هنا يجيء حرصي على أن يشاركني الفرح أكبر عدد ممكن من الناس. إليك إذن أيها القارئ العزيز باقة من الشعر، الشعر الحقيقي النادر، من بستان الشاعر العراقي يحيى السماوي. أنظر كيف تتفجر الغربة شعراً في قوله :
أكاد حتى رفات الميت أحسده
غداة يملك أرض القبر في بـلــدي
وقوله :
وطني؟! يُقال بأن لي وطناً فما
أبصرته.. إلا وقيدي في يــــدي
وأراه أحيانا ينام كطعـنـــةٍ
فوق الخرائط.. أو بصوتِ المنشد
قال أبو سهيل : اذهب أيها السماوي فلم يسبقك إلى " طعنة فوق الخرائط " أحد!. وأسمع خوف الشاعر إذا عاد إلى وطنه في يوم لا ريب فيه، بإذن الله، فلم يعرفه أحد :
أتعرف عاشقا قد كان طفلاً غداة مضى.. وجاء به المـشيبُ؟!
غـداً آتي.. فلا شفة تغني مواويلي.. وتنكرني الـــدروبُ
وتطفـأ ضحكة كحفيف زهرٍ ويومـئُ نازل ” هذا غريــبُ “!
وفي الغربة يقدم الشاعر النازح أروع التحيةِ الى الوطن المعطاء الذي أستضافه شقيقا قريبا من شغاف القلب.
يقول عن مكة المكرمة :
حجَـت لها قبل الأنام سماؤها بحجيج ســجيل على سُلابهــا
أرض تكاد لفرط عزة رملهـا يروي عطاشى الماء وهِجُ سرابها
قال أبو سهيل : ولم يسبقك أحد من شعراء أم القرى ولا من حولها في “حجيج السَجيل “
ويقول عن أبها الحسناء :
نسلت من الشجر الوريق ضفيرة ومن الجبال الشاهقات ســريرا
ومــن النجوم قلادة بدويــة ومن الغيوم الطيبات بخـــورا
قال أبو سهيل : لا يُقدر الشطر الأول من البيت الأول قدره إلا أهل الخليج الذين يتحدثون، حتى بلغتهم العامية، عن فتاة "تنسل شعرها“.
ماذا عن قلب العاشق في الغربة؟!
يدعي شاعرنا أنه لا يستطيع أن يحب إمرأة ما دام بعيدا عن وطنه، وأنه سيؤجل الحب حتى العودة :
لو كان لي بيتي ولي وطني لم أتخذ غير الهوى نسبا
إلا أن إدعاء الشاعر يذكرنا بتصريح الأخطل الصغير :
كذب الواشي وخـــاب من رأى الشاعر تــاب ؟!
وصدق الأخطل الصغير !
هذا هو شاعرنا ينظر إلى إبنة العشرين متحسراً :
وأوَاه كم يؤلم هذا الشجن هنا :
قد اعتنقتِ من الدنيا مباهجهـا اما أنا فهموم النـاس أعتــنقُ
لقد شربتُ.. ولكن لا كما شربوا وقد عشقتُ.. ولكن لا كما عشقوا
وهنا :
فإذا إقتلعت الرمح من جسدي غرس الأسى رمحين..والوطن
أفكلما نفّضت مركبتــــي ....... نفضت عليَّ جراحها المُـدُن ؟!
وبعد :
تحية شكر عميق للأديب الصديق عبد المقصود خوجه الذي نشر للشاعر مجموعة " قلبي على وطني ". وتحية شكر عميق لنادي أبها الأدبي الذي نشر مجموعة الشاعر الأخرى " من أغاني المشرَد ".
أما أنت أيها الطائر الجريح فقد أوشكت عيني تدمع وأنا أقرأ :
غداً إذا غفوتَ…من يا ترى يسقي حقول الورد من بعدي ؟!
لا أدري يا أخي…
لا أد

57
مِنْ ذاكرةِ شَهْر رمضان المبارك
لَطيف عَبد سالم
تستقبلُ البلدان الإسلامية الشهر الفضيل فِي كُلِّ عامٍ بمظاهرِ الحفاوة التي تحولت إلى عاداتٍ وتقاليد، وشكلت مع تقادم الأيام موروثات مهمة لشعوبها وعلامات فارقة ومميزة لكثير مِنْ تلك البلدان في مشارقِ الأرض ومغاربها، عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ طقوسها تتشابه فِي الكثيرِ مِن الأحيان، وتختلف فِي أحيانٍ أخرى، فمع حلولِ شَهْر القرآن، تبدأ استعدادات المسلمين لاستقبالِ ضيف الرحمة بطقوسٍ إيمانية، فِي مقدمتها المناجاة وفضائل التقرب إلى الباري عز وجل، وركون أهل الخير وبعض الأغنياء إلى إقامةِ الموائد الرمضانية لإطعام الفقراء، بالإضافةِ إلى ما اعتادت عليه المجتمعات الإسلامية مِنْ مظاهرٍ شتى منذ مئات السنين كالحرص عَلَى رؤيةِ الهلال وإعداد إمساكية رمضان، وإدامة مدفع الإفطار الموجود في بعض الدول الإسلامية؛ لأجلِ ضمان استخدامه فِي الإعلان عَنْ موعد الإفطار، فضلاً عَنْ قيامِ بعض الأفراد بأداءِ مهمة إيقاظ الصائمين فِي السحور طواعية؛ لأجل تناول الطعام والشراب قبل الإمساك. كذلك يجري إبراز " الفوانيس " بكثرةٍ فِي شهرِ رمضان المبارك، تعبيراً عَنْ استخدامِ الأسلاف الفوانيس الَّتِي كانت تستعمل الشمع فِيما مضى كأداة للإضاءة.
توارثت بعض البلدان الإسلامية جملة مِن التقاليدِ الَّتِي تعاد فصولها فِي كُلِّ عامٍ، حيث تشهد شوارع مصر ومحالها حركة نشيطة منذ الأسبوع الأخير مِنْ شهر شعبان؛ لأجلِ تزيينها بالأعلامِ والبيارق الورقية، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ المظاهر الجميلة الَّتِي تؤطر فضاءات المدن المصرية فِي تلك الموسم هو تعليق الأعلام والفوانيس بحبالٍ يجري ربطها مَا بَيْنَ المنازل المتقابلة فِي الأزقة. ومِنْ جميلِ الحكايات المصرية فِي الشهرِ الفضيل ما يتمثل بخروجِ الأطفال إلى الشوارعِ والأزقة فِي ليلةِ رؤية هلال شهر رمضان - سواء مع أقرانهم من الأطفال أو إلى جانب أفراد عائلتهم - مرتدين أحلى ما عندهم مِنْ ثياب، وهم يحملون الإعلام والفوانيس الرمضانية، ويرددون الأناشيد والأهازيج الخاصة بهذا الشهر الكريم في فرحةٍ جماعية عارمة.
إلى جانبِ ادخار الأسر السودانية المحاصيل الزراعية والبقوليات والتمر منذ وقت مبكر استعداداً لقدومِ الشهر الفضيل الذي ينتظرونه بفيض من الشوق والاستعداد، فلعلَّ مَا يلفت النظر فِي العاداتِ المتبعة بالسودان فِي شهرِ رمضان، هو انتشار ظاهرة إفطار الناس فِي المساجدِ أو فِي الساحات التي تتوسط الأحياء السكنية أو على أرصفة الشوارع؛ لأجلِ الشروع فِي دعوةِ المارة البعيدين عَنْ منازلهم أو الأفراد الذين يعيشون حالة العزوبية وربما لا يمتلكون الوقت اللازم لإعدادِ الأطعمة بالطريقةِ التي يرغبونها؛ لذا يتجمع الناس هناك عَلَى شكلِ حلقات قبل الغروب مِنْ أجلِ دعوة المارة لتناول الإفطار معهم.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ العراق يُعَدّ البلد الوحيد الَّذِي أخضع التقاليد الرمضانية لضوابط " الحداثة " أو " ما بعد الحداثة "، حيث يطلق البعض العنان لأسلحتهم الخفيفة أو المتوسطة فِي النزاعاتِ العشائرية لأتفه الأسباب أو الرمي فِي الهواءِ الطلق بشكلٍ عشوائي استقبالاً لعيد الفطر المبارك أو في حالِ فوز أحد الغريمين " ريال مدريد أو برشلونة " بفعلِ سبات الرياضة العراقية وإحالة أغلب أنشطتها علَى التقاعد !!.
فِي أمَانِ الله.   

58
مرافئُ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الخامسة والعشرون  )
لطيف عبد سالم
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.       
أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ عبثيةَ سِّياسات الأنظمة الدكتاتورية الَّتِي قدر لَهَا أنْ تتحكمَ بمصائرِ الكثير مِنْ شعوبِ العالم، أوقعت بلدانها فِي الكثيرِ مِنْ المآزق، وَجلبت الخراب وَالكوارث الدموية الَّتِي تسببت فِي تهشيمِ حياة شعوبها، وَلاسيَّما مَا أشعلتهُ مِنْ حروبٍ لا غرض مرتجى مِنهَا غير تدعيم سُّلطة تلك الأنظمة المستبدة بِأنهارِ دمٍ وَمزيد مِنْ جماجمِ الأبرياء، فضلاً عَنْ تداعياتِها المحملة بِمَا تباين مِن المحنِ وَالمصائب. وَلأنَّ الكتابةَ تساهم فِي تعزيزِ معنى الحياة، فقد تعددت أقوال الأدباء وَآراء الحكماء عَنْ مآسيِّ تلك الأنظمة المقيتة بحكمِ معايشتهم، إلى جانبِ التجارب المستمدة مِنْ حياةِ الآخرين، وَمِنْ بَيْنَ مَا قرأته فِي هَذَا السياق هو إشارة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ( 1939 - 2014 ) الَّذِي يُعَدّ أحد أهم الشعراء العرب الَّذين ارتبط اسْمهم بشِّعْرِ الثورة وَالمُقَاوَمَة مِنْ داخلِ أراضي العام 48، إلى مصائبِ تلك الأنظمة الفاشية بالقول " النظام الدكتاتوري، قد يبني التماثيل في الوطن، لكنه يهدم الإنسان فِي المواطن ". وَفِي السياقِ ذاته، أوضح الأديب جبران خليل جبران اعتلال الكرامة الإنسانيَّة فِي ظلِ سطوة الأنظمة الاستبدادية تعبيراً عَنْ اختلالِ علاقة الحاكم بالمحكومِ فِي قولِه " هل لطاغيةٍ أنْ يَحكمَ الأحرار والأعزة إلا إذا شابَ حريَتهم الاستبداد، وخالط عزتهم العار؟ ". وَقد يَبْدُو للبعضِ أنَّ الحديثَ فِي هَذَا الأمر مِنْ ترفِ القول، إلا أنَّ الواقعَ يؤكد أنَّه ليس سهلاً أنْ يتجاهلَ الإنْسَان الآثار النَفْسِيَّة الَّتِي تخلفها سِّياسات الانظمة الدكتاتورية، فَمِنْ يعاني قيود الديكتاتوريات أو عانى مِمَا تباين مِنْ أشكالِ الظلم الَّذِي أذاقته إياه تلك الانظمة لفتراتٍ مِنْ حياتِه، يبقى عَلَى الدوامِ أسير مشاعر نَفْسِيَّة وَاجْتِماعِيَّة، تلزمه المطالبة بالحريةِ الَّتِي تُعَدّ القاسم المشترك لجميعِ مَا شهده التأريخ مِنْ ثوراتٍ ضد الأنظمة الاستبدادية.

           ***
كـبّـرَتْ  مـئـذنـة ُ الـروح ِ ..
فـأغـلـقْـتُ كـتـابـي
وتـوضّـأتُ بـعـطـر ٍ ..
ثـمّ وجّـهْـتُ إلى الـلـه ِ فـؤادي ..
وعـيـونـي لـلـتـي لـيْـسَـتْ تُـسـمّـى

خـاشِـعـا ً ..
سِـجّـادتـي مَـحْـضُ تـراب ٍ
ربّـمـا كان أخي فـي الـجـوع ِ والـعـشـق ِ
ومِـثـلـي عـاش تـشـريـدا ً ..
ومِـثـلـي ذاق ظـلـمـا ..

 
أو  أمـيـرا ً
عـاشَ  كـلّ الـعـمـرِ تِـيْـهـا ً ..
ثـوبُـه ُ يـكـنِـزُ  يـاقـوتـا ً وشـحْـمـا

عَـطـشـي يَـسـمـو عـلـى كأسـي ..
وجـوعـي  مـنْ رغـيـف ِ الـلـذة ِ الـسّـوداء ِ
أسـمـى ..

شـاكـرا ً حِـيـنـا ً ..
وحِـيـنـا ً أسـألُ الـصّـفْـحَ
عـن الأمـس ِ الـذي عـاقـرتُ إثـمـا

بـهـوىً كـنـتُ بـه ِ :
الـسَّـجّـان َ والـمـسـجـون َ ..
والـقـاتـِـل َ ..
والـمـقـتـولَ ..
والخِـنـجَـرَ ..
والـجُّـرْحَ الـمُـدَمّـى ! 

سَـجْـدَة ٌ مـرّتْ ..
وأخـرى ..
وإذا بـيْ :
طـائِـرٌ أعـبـرُ صـحـراءً ..
ويَـمّـا ..

لـيْ جَـنـاحـان ِ  :
جـنـاحٌ يـلـمَـسُ الأرضَ
وثـان ٍ ريـشُـه ُ يَـعْـبـرُ غـيْـما .. !!


لاح  " صوفائيلُ " في الأفـق ..
فــتـمْـتـمْــتُ خـفـيـضـا ً :
بـصَـري كـان سـلـيـما ً
غـيـر أنّ الـقـلـبَ  أعْـمـى  !

***               
تدعيماً لِمَا ذُكر آنفاً، فَمِن الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى إنَّ هناكَ الكثير مِن الرؤى الَّتِي لها دلالاتها العميقة فِي بيانِ أهمية هَذَا الأمر، وَلعلَّ مِنْ بَيْنَها مقولة جميله أطلقها قبل عقود مِن الزمانِ الشاعرَ وَالكاتب المسرحي وَالممثل الإنجليزي وِلْيَمْ شكسبير ( 1564 - 1616 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أشهرِ الشخصيات الأدبية الكبرى فِي العالمِ الغربي، وَالَّتِي يعبر فِيهَا عَنْ رفضِ الإنْسَان الخضوع لإكراه السُّلطةَ بقولٍ نصه " أَطلِقْ لسانك بما تشعرُ به وليس بما أنت مُجبرٌ على قولِه ". وَلأَنَّ السَماويَّ يحيى مؤمن بحتميةِ الخلاص وَبزوغ فجرٍ جديد، فقد كان بشهادةِ مجايليه - وَمَا يزال - وَطنياً مخلصاً، لَمْ يتخذ مِنْ توجهِه اليساري " جداراً شعائريا أو مظهراً شعبيا أو موقفاً استعلائياً "، فالسَماويّ يحيى بحسبِ الفنان التشكيلي وَالناقد عباس حويجي " يساري بالفطرة، فطرة إنسانية تقف دائماً مع المظلوم ضد الظالم، ومع الحق ضد الباطل، ومع الاشتراكية ضد الرأسمالية ". وَيعلل حويجي - الَّذِي عُرف بنظمِ الشعر أيضاً منذ يفاعته - المَسَار النضالي الخاص بصديقِ طفولته أبي الشيماء بالقول " هو موقف إنساني عام، دعمته الموهبة الشعرية المبكرة عندما لامس شغفه الثقافي بمواقفِ وأدب شعراء اليسار الكبار كالجواهري وبحر العلوم والسياب والبياتي والحيدري وسعدي يوسف وغيرهم، إضافة الى شعراءِ اليسار العالميين حيث تتداول كتبهم ومواقفهم في تجمعات مثقفي اليسار ". وَفِيمَا كان حويجي يلامس قدح الشاي بأنملته مِنْ دُونِ أنْ يتناولَ رشفة منه وَهو يحاول العودة بذاكرتِه إلى الأمسِ البعيد لاسترجاعِ شريط الذكريات، عاد إلى الحديث بالقول " من ماياكوفسكي واراغون وإيلوار وناظم حكمت ولوركا ونيرودا الاكثر شهرة وتداولا منذ الخمسينيات من القرن الماضي، شكّل هؤلاء وغيرهم ليحيى وأمثاله من شعراء اليسار العراقيين : شعلة التمرد ومفتاح التنوير وفرح الاكتشاف ورؤى التجديد والحداثة؛ فتسلحت تلك الفطرة بالوعي السياسي والتطور الفني والنظرة التقدمية للتراث القومي والفولكلور الشعبي، وما يتمخض عن النضال السياسي اليومي ". وَيختتم حويجي شهادته عَنْ السَماوي بالقول " يسارية الشاعر يحيى السماوي كانت اختياراً لابد منه وانتماءً إنسانياً أكثر مما هو حزبي، فهو من جيلٍ كانت السياسة شغله الشاغل، ومن بيئةٍ اجتماعية تعيش على حافةِ الكفاف مثل أكثرية الشعب العراقي آنذاك ".
 
أيـتـهـا الـمُـقيَّـدةُ بـسـلاسـل نـبـضـي
الـمـحـكـومـةُ بـعِـشـقـي الـمـؤبّـد :
مـا أضيـق زنـزانـةِ الـدنـيـا
لـولا
نـافـذةُ الـحـب !
*
حـيـن رأيـتـكِ
إكـتـشـفـتُ أنّ قـوسَ الـقـزح
يُـمـكـن أنْ يـتـألَّـفَ مـن لـونٍ واحـد
وأنّ الـوردةَ الـواحـدة
يـمـكـن أن تـكـون بـمـفـردهـا حـديـقـة
*
نـهـرُكِ الـذي شـربـتُـهُ قُـبـلـةً قُـبـلـة ذات لـقـاء
ذرَفْـتُـهُ
دمـعـةً دمـعـة ذات وداع
*
دأبَ الأدباءُ وَالفنانون منذ أمد بعيد عَلَى وصفِ الكثير مِنْ المشاهدِ الصادمة لصورِ الظلم الَّتِي تتحكم فِي تشكيلِها مُؤَسَّسَات الأنظمة الشمولية القائمة عَلَى سوءِ استخدام السُّلطات الممنوحة لِهَا دستورياً مِنْ أجلِ توفير الحقوق الإنسانيَّة لمواطنيها، بعد أنْ ركنت تلك الحُكُومات إلى استخدامِ مَا تباين مِن الأساليبِ القمعية امتداداً لفشلِها فِي إدارةِ سياسات بلدانها. وَفِي هَذَا السياق يُعبر الطبيب وَالأديب الروسي أنطون تشيخوف ( 1860 - 1904 ) الَّذِي كان يُنظر إليه بوصفِه مِنْ أفضلِ كتاب القصة القصيرة عَلَى مدى التاريخ، عَنْ التأثيراتِ المباشرة الَّتِي تقع عَلَى الشخصِ الَّذِي يتعرض إلى المظلوميةِ بالقول " لا أريد شيئا, ولكن الظلم يثير تقززي ". وَليس خافياً أنَّ المواطنَ العراقي كان يتعرض للاعتقالِ عند قيامه بأيِّ نشاطٍ يعارض سِّياسَات النظام الدكتاتوري الَّذِي تمرس عَلَى خنقِ الحريات، وَعُرفَ بارتكابِه التجاوزات، فضلاً عَنْ فرضِه حالة مِن الرهبةِ فِي نفوسِ المواطنين، إلى جانبِ إحكامه رقابة صارمة عَلَى جميعِ الأنشطة المتعلقة بحريةِ التعبير؛ إذ لَمْ تكن هناك ضمانات لممارسةِ الجماهير حقها فِي التعبيرِ عَن الأفكارِ والآراء، مَعَ العرضِ أنَّ حُرِّيَّةَ التعبير تُعَدّ أحد حُقُوق المواطن الأساسية. وَكمثال حيّ عَلَى ذلك هو الضغوط الَّتِي كانت تمارسها حُكُومة القائد الضرورة حيال مَا كان يقام مِنْ نَّشَاطُاتٍ ثقافيَّة، كما حدث عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر فِي عام 1971م، حين أُقيمتْ أمسية شِعْرية فِي ساحةِ النادي الرياضي بمدينةِ السَماوة، وَلمصادفةِ وجوده فِي مدينته، دُعي السَماوي يحيى الَّذِي كان وقتها طالباً فِي الجامعةِ للمشاركةِ فِي فعالياتها، فلبّى الدعوة استجابة لإلحاحِ الأصدقاء وَالمشرفين عَلَى تلك الأمسية، فارتقى المنصة وَقرأ قصيدة لَمْ يمتدح بِهَا فكر الحزب الحاكم أو الترويج الموهومِ مِنْ إنجازاته، فكان أنْ طرقَ شرطيّ أمن باب أبيه فِي اليومِ التالي، معتمداً أسلوباً سلساً فِي محاولةِ إقناع السَماوي الحضور إلى مُدِيرِيَّةِ أمن البلدة، حيث أبلغه قائلا : " إنَّ السيدَ مدير أمن البلدة عنده سؤال بسيط، ولن تتأخر غير دقائق معدودة ". وَمَعَ معرفته بخفايا الأمور وَعواقبها فِي أجهزةِ أمن النظام منذ أنْ لسعَ ظهره أول سوط، وتلقى وجهه أول صفعة فِي معاونية شرطة القشلة، لكنه لَمْ يكن فِي يده حيلة سوى الذهاب مَعَ رجلِ الأمن الَّذِي اصطحبه إلى تلك المُدِيرِيَّة الَّتِي استقبلته فِيها مظاهر العنف كالعادة قبل أنْ يخبره الضابط  الَّذِي يدير مُدِيرِيَّة أمن البلدة رسالة فِيها تهديد مبطن، بِمَا مفاده " إنَّ الشِّعْرَ سيسبب له الكثير مِن الإهانات، ويجعله يخسر كرامته وسمعته ".
*
حـيـن مَـسَّـدَتْ نـحـلـةُ فـمـي زهـورَ شــفـتـيـكِ
سـالَ الـشـهـدُ مـن قـلـمـي
وسـطـوري غـدتْ بـتـلاتِ نـجـوم
*
يـومُـكِ أمـسـي .. وغـدي يـومُـك ..
مُـذْ أنـقَـذَتِـنـي مـنـي وأطـفـأتِ حـرائـقـي بـنـارك
ونـحـنُ :
قـوسٌ وسـهـم ..
مـحـراثٌ وتـنُّـور ..
ومـحـرابٌ وصـلاة
وحـدُهُ تـنـورُكِ مـا يـمـلأ صـحـونَ مـائـدتـي
ولـيـس مـا يـمـلأ واديـكِ الـعـمـيـقَ
إلآ سـيـولـي
*
نـهـرُكِ الـمـمـتــدُّ مـن قِـمَّـةِ رجـولـتـي
حــى أخـمـصِ أنـوثـتـِك
صـرتُ ضِـفـتَـه الـثـالـثـة !
*
يـوم تـسـلّـقـتُ نـخـلـتـكِ قُـبـلـةً قُـبـلـة
ســقـطـتُ مـغـشـيّـاً عـلـيـكِ
مـن أثـر الـلـذة
وكـمـا يـتـلاشـى الـدخـانُ فـي الأعـالـي
تـلاشـتْ أمـطـاري فـي واديـكِ
مـوقـظـةً عـشـبَ ربـيـعِـك
فـي صـحـراءِ خـريـفـي
*
ضابط الأمن الَّذِي نجهل أي زاوية قصية اتخذها هو - وَمِنْ أمثاله - مستقرا لهم فِي " أرصفةِ الهوامش "، والَّذِي جهد فِي محاولةِ حمل السَماوي يحيى عَلَى الكَفِ عَنْ كتابةِ الشِّعْر، بالإضافةِ إلَى إخبارِه عمَّا سيحل به فِي القادمِ مِن الأيام؛ لأجلِ تقويض جذوة همته وَاحتواء ثوريته المتنامية، لَمْ يطلع قطعًا - حتى وَلو بشكلٍ محدود -  عَلَى ثمراتِ الذهن الإنسانيّ فِيما يتعلق بمواجهةِ الاستبداد، كمقولة الشاعر وَالروائي فيكتور هوغو ( 1802 – 1885 ) الَّذِي يُعَدّ أبرز أدباء فرنسا فِي الحقبةِ الرومانسية، وَالَّتِي نصها " عندما تصبح الدكتاتورية حقيقة واقعة، تصبح الثورة حقاً من الحقوق "، وَلَمْ يَدُر بخلَدِه أيضاً وَهو يبلغه رسالته تلك، أنَّ هذا الطالب الجامعي سيصبح يوماً فناراً مشرقاُ فوق أرصفة الأدب، أو كمَا يشير إليه الأستاذ الدكتور خضير درويش بوصفِه " باسقة مِن باسقات عراقنا الحبيب "، فأين الثَّرَى مِن الثُّرَيَّا ؟ كما يقول المثل العربي؛ إذ أَنَّ السَماوي يحيى أو " المبدع الدائم الإقامة في كونِ الشِّعْر البهي قمرا " بحسبِ الشاعر وَالناقد وَالأكاديمي الدكتور عبد المطلب محمود، حظيَ منجزه الشِّعْري الإبداعيّ باهتمامِ الكثير مِن الأكاديميين وَالباحثين وَ الأدباء وَالنقاد " دراسة وَنقداً وَترجمةً وَبحثاً وَتحليلا "، وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ أُشيرَ هُنّا عَلَى عجالةٍ إلى غيضٍ مِنْ فيضِ آراء بعضهم، حيث يشير إليه الشاعر الدكتور عصام البرام بِمَا نصه " عندما تتسامق قامه أدبيه شعريه كبيرة، تحمل بين طياتها روح العراق وقامة نخيله الممتدة على فراتيه، والمتمثلة بشاعر العراق الاستاذ يحيى السماوي، فلابد من الوقوف برهة للتأمل بمثل هذه القامة ، والتأمل بروح القامه والابداع الذي رسمه لنا مثل السماوي عبر تأريخه الإبداعي والنضالي الكبير ". ويضيف البرام أيضاً مخاطباً إياه " لقد كنت كما قرأتك في الأمس وأقرأ اليك اليوم، شمعة أدبية عراقية بين الشموع العالمية، والتي أضافت للإنسانية جمعاء أدباً عالمياً وضاء ". وَيقول الكاتب وَالسِّياسِيِّ العراقي الدكتور كاظم حبيب الَّذِي يعمل فِي مجالِ الدفاع عَنْ حُقُوقِ الإنْسَان " إنَّ هذا الشاعر الغريد يستحق الكثير الكثير الذي نعجز عن ذكر مساهماته الرائعة في نشر الحب عبر مشاعره الإنسانية المتجسدة في قصائده الممشوقة والشفافة "، وَيكتب عَنه الشاعر وَالمترجم الأردني نزار سرطاوي المولود فِي بلدةِ سرطة الفلسطينية " الشاعر الكبير يحيى السماوي، مبدع وإنسان أثرى الساحة الأدبية والثقافية بفيض من نور، وأسهم في تشكيل ذائقتنا الأدبية ". وَفِي مداخلةٍ جميلة كتبها فِي منتصفِ أيلول مِنْ عامِ 2017م بأحدِ المواقع الإلكترونية الأديب العراقي الدكتور حميد نعمة العبد مشيراً فِيها إلى شاعريةِ السَماوي بالقول " منذ اكثر من خمس سنين عدت الى العراق، ومن يومها لم اتصفح اية مجلة او أكتب في أية صفحة، لكن مجيء صديقي الدكتور حسين سرمك إلى الديوانية واهداءه لي بعض مؤلفاته ومنها الكتاب الذي يناقش مسيرة الشاعر يحيى السماوي كشاعر ايقظني ". كذلك تحدث الشاعر العراقي سلام كاظم فرج عَنْ منجزِه الإبداعي بقولِه "  الشاعر يحيى السماوي رمز إنساني كبير، منح الشعر العربي الأصيل ديمومته وجزالته وعنفوانه .. غنى شعبه في أحلك العهود "، فلا غرابة فِي أنْ يكون الإبداع عنواناً للسَماوي يحيى الَّذِي عبرت عَنه الشاعرة العراقية الدكتورة سراب شكري العقيدي بالقول " الشاعر الكبير يحيى السماوي قامة شعرية هامة لها حضورها اللافت في المشهد الشعري العراقي والعربي والمهجر ".
*
فـمُـكِ لـيـس شـيـطـانـاً
فـلـمـاذا لا يـقـبـلُ الـعـشـقُ حَـجَّ فـمـي
إلآ بـعـد رمْـيِـهِ بـسـبـعِ بـاقـاتٍ
مـن زهـورِ الـقُـبُـلات ؟
*
حـيـن عـقَـدَتِ الـحـديـقـةُ قِـرانَ مـيـاسـمـي عـلـى تُـوَيـجـاتـك
آمـنـتُ أنّ " الـقـنـاعـةَ كـنـزٌ لا يـفـنـى "
فـأنـا يـكـفـيـنـي مـن كـلِّ الـدنـيـا :
خِـدرُكِ
وكـأسٌ مـن زفـيـرِك
وطـبـقٌ مـن خـبـز تـنـورك
مع لـحـافٍ مـن دفـئِـكِ يـسـتـرُ عـورةَ
شِـتـاءات جـسـدي !
*
مـنـذ أربـعـةِ أنـهـارٍ وخـمـسـةِ جَـداول
وأنـا بـسـتـانٌ عـلـى سـعـةِ الـعـشـق
عـاصـمـتُـهُ نـخـلـتُـك
*
لا عُـشَّ كـشـفـتـيـكِ يـلـيـقُ
بـعـصـفـور فــمـي
*
أكلُّ هـذه الـبـحـارِ/الـصـحـارى / الـغـابـاتِ / الـتي بـيـنـنـا
ونـحـن أكـثـرُ اقـتـرابـاً
مـن شـفـتـيـن مـضـمـومـتـيـن !
السَماويُّ يحيى أو " أحد أنهار العراق الذي يفتخر به العراق وأهله " بحسبِ القاصة العراقية سنية عبد عون رشو، وَالَّذِي لَمْ يكن بوسعِه - مثل الآلاف مِنْ أبناءِ شعبه - مغادرة السباحة فِي بحيرةِ الوجع العراقي، كان أحد الأعمدة الرئيسة فِي الشريحةِ الاجْتِماعِيَّة الأولى مِن المتضررين بفعلِ سياسات النظام الدكتاتوري؛ إذ أنَّ ضريبةَ مواجهة السُّلطةَ أملاً فِي بزوغِ فجر الحُرِّيَّة الَّذِي يفضي إلى استعادةِ البلاد هويتها وَسيادتها وَهيبتها، كانت ثقيلة التداعيات وَباهظة التكاليف عَلَيه، حيث ارتضى وَهو يتصدى لِمَنْ نهشَ أحلامه واغتصب مستقبل شعبه، البعيد مِن المنافي، وَعمل فِي أحلكِ الظروف بساحاتِ الغربة الَّتِي لا تخلو يومذاك مِنْ خطورةِ الملاحقة وَالاغتيال، فكان أنْ تركَ بصمات قوية، لا يمكن محوها مِن ملفاتِ الذاكرةِ الوَطَنيّة، حيث أَنَّ السَماويَّ مَا يَزال رباناً ماهراً فِي توجيِه منظومته الشِّعْرية بصورةٍ جعلته : " يقف عند سدرة الإبداع، يضيء جوانب العتمة وهو يطل علينا من أفق النور حاملاً بيديه عشبة الشعر الخالد " بحسبِ الشاعر العراقي أحمد الشطري. وَلا أدل عَلَى هَذَا المعنى مِنْ قيامِ "المؤلفة الموسيقية  الأسترالية  HILARY KLEINIGبتحويلِ خمسٍ مِنْ قصائدِه إلى نوتاتٍ موسيقية بتقنيةٍ خلابة عَلَى شكلِ لوحةٍ جدارية، تعبيراً عَنْ اهتمامِ دول أوروبا بالخيالِ السمعي وَالبصري المستفز، وَتثميناً لمنجزِ السَماويّ الإبداعي. وَممَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ بعضِ مَا ظهرَ مِن جزئياتِ الرؤية النقدية الخاصة بتجربةِ السَماوي الأدبية فِي ظل معادلةِ الإبداع، أكدت عَلَى قيمةِ توظيفه الألم فِي منجزِه الشِعري، وَالَّتِي ساهمت بتوطيدِ رأيٍ عام مشترك فِي المشهدين الثقافي والانساني، وَلعلَّ ما ذكره صديقه الشاعر فائز الحداد، يؤكد الأمر الَّذِي ذهبنَا إليه، حيث قال الحداد مَا نصَه " أنني أسألك ايها المبدع الكبير.. لولا هذا الألم الذي اجتاحك عاتياً، هل خرج هذا الفيض الهائل ككراتِ نارٍ من قلب بركانِ محتبس؟؛ أذن أتمنى لك الألم الذي تمنيته لي يوماً ما... كي نحفل بأبداعك المثابر والثائر على سكون الأشياء ".       

مَـطَـراً مـن الأعـيـادِ جـئـتِ
وكـنـتُ قـبـلـكِ ـ كـالـعـراقِ ـ يـتـيـمَ عِـيـدْ

حَـدَّقـتِ بـي وسـألـتِـنـي : مـن أيـن أنـتَ ؟
فـقـلـتُ : مـن أعـرابِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ مَـسَّـنـي عـشـقٌ
فـغـادرَنـي الـرشـادُ وهـا أنـا : الـحـيُّ الـشـهـيـدْ

قـبـري مـعـي يـمـشـي ولا صـحـبٌ سـوى مـوتـي الـمُـؤجَّـلِ
أقـتـفـي أثَـرَ الـمـلاكِ الـسـومـريـةِ فـانـتـهـيـتُ الـى بـلادِ الـغـربـتـيـنِ
وهـا أنـا : تـسـعٌ وعـشـرون انـتـهـيـنَ ولـم أجـدنـي فـابـحـثـي عـنـي
صـفـاتـي : نـخـلـةٌ مُـذ غـادرَتْ بـسـتـانـهـا عَـقُـمَ الـنـضـيـدْ

إنـي عـثـرتُ عـلـيـكَ ـ قـلـتِ ـ فـقـمْ مـعـي لِـنُـعـيـدَ لـلـبـسـتـانِ خـضـرتَـهُ
ولِـلـتـنُّـورِ أرغـفـةَ الـمـسـرَّةِ والـسـمـاوةَ لـلـشـريـدْ

عـنـدي عـلاجكَ مـن ضَـيـاعِـكِ فـيـكَ فـادخـلْ آمِـنـاً قـلـبـي

وكـنْ فـي الـعـشـقِ سـادنـيَ الـوحـيـدْ

سـأقـومُ مـن قـبـري لأحـيـا مـن جـديـدْ :

طـفـلاً .. فـتـىً .. شـيـخـاً كـمـا قـيـسُ الـمُـلـوّحُ
لا كـهــرون الـرشـيـدْ

هـيَّـأتُ نـاراً لـلـتـصـاويـرِ الـقـديـمـةِ والـرسـائـلِ والـمـنـاديـلِ الـحـريـرِ
ومـعـولاً لـكـؤوس مـائـدتـي
ومـحـرابـاً يـلـوذ بـهِ مـن الأمـسِ الـبـعـيـدْ

مـا سـوف أتـلـو مـا تـيَـسَّـرَ فـي جـلالـكِ مـن قـصـيـدْ

وضـيـاءَ قـنـديـلٍ يُـريـنـي مـا أريـدْ

لا تـسـألـيـنـي عـن رمـاد الأمـسِ قـد أبـدلـتُ ذاكـرتـي
فـخـبـزُ الأمـسِ تِـبـنٌ والـنـمـيـرُ كـمـا الـصـديـدْ

عـدتُ الـجـديـدَ كـمـا الـولـيـدْ

مَـلِـكـاً غـدوتُ
وكـنـتُ آخـرَ مُـسـتـبـاحٍ مـن سـلالاتِ الـعـبـيـدْ

تدعيماً لِمَا ذكرناه آنفاً، فإنَّ السَماويَّ يحيى أسرني ذات مرة، إعجابه بمقولةِ الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه ( 1875 - 1926 ) الَّذِي يشار إليه باسْمِ الشاعر الذي قتلتْه وردة، فضلاً عَنْ أَنَّه يُعَدّ وَاحداً مِنْ أكثرِ شعراء الألمانية تميزا، وَالَّتِي نصها " الأعمال الفنية تنبع دائماً من أناس واجهوا الخطر، ووصلوا إلى النهاية القصوى للتجربة، وكلما ازدادت جرأة الإنسان على التوغل، كلما أصبحت الحياة أكثر جدارة للاحترام وأكثر ذاتية وأكثر تفرداً "، بَيْدَ أنَّ السَماويَّ الَّذِي نَشرتُ عَنهُ قبل سنوات تدوينة كتبت فِيهَا " السَماويُّ قامةٌ سامقةٌ فِي سوحِ الثَّقَافَة، وَصوتٌ باسقٌ معني بقضايا الإنْسَان، وَتأريخٌ حافلٌ بالنضالِ ضد الدكتاتورية "، وَبفضلِ مَا عُرِفَ عَنه مِنْ تواضعٍ يترجم فلسفته فِي الحياة وَرؤيته حول التعامل مَعَ الإبداعِ الأدبي بالقولِ : " لا أزعمُ أنَّ ليّ أعمالاً فنية ترقى إلى ما يطمح له الفن - شعرا كان أو نثراً أو سواهما - لكنني أعتبر حياتي ذاتها موضوعاً فنياً يتوجب عليّ خوض غماره بصدقٍ كي تكون الحياة جديرة بالاحترام "، فالوطنُ على وفقِ رؤية  السَماوي يحيى، يمثل " الحبيب " الَّذِي استعذبَ مِنْ أجلِه أقسى العذابات، لكن ولاة أمره كما يقول : " جعلوني أشعر أنني أحبه مِنْ طرفٍ واحد؛ نتيجة حماقاتهم وسياساتهم الَّتِي جعلته فِي شبه حالة إغماء ". ولعلَّ مِن المذهل أَنْ يعترفَ السَماويّ بعدمِ كتابته قصيدته الأُمنية، حيث يشير إلى ذلك بِمَا نصه : " لم أكتبها بعد، ولن أستطيع كتابتها؛ إذ أَنَّ قصيدتي الأُمنية سيكتبها غيري، وعند ذلك سأشعر بفرحٍ صوفي وأنا متدثر بالتراب ".

نـخـلـةَ اللهِ الـبـتـولـيّـةَ : سِـرِّي بـاتَ جـهـراً ..
فـاكـتـمـي جـهـري الـذي أصـبـحَ سِـرِّيْ

آنَ لـيْ أنْ أخـلـعَ الان جـلابـيـبَ وقـاري 
لأعـودَ الـطـفـلَ يـلـهـو  بـيـن مـوجٍ هـائـجِ الـمَـدِّ
وجَـزرِ !

مُـسـتـعـيـراً مـنـكِ يـا مـعـصـومـةَ الـعـشـقِ جـنـاحـيـنِ
فــأمـضـي  رحـلـتـي  داخـل  ذاتـي !
فـأنـا أصـبـحـتُ غـيـري !

كـلَّ يـومٍ :
وأنـا  أولَـدُ  إنـسـانـاً جـديـداً ..
لـمْ أعـدْ أعـرفُ كـمْ أصـبـحَ عـمـري !

فـرحـي فـاضَ  فـغـطـّـى ضِـفـتـيْ نـهـري
ووديـانَ " طـوى " الـعـشـقِ
ويُـسـري  !

مِنْ بَيْنَ مظاهر الاضطهاد الكثيرة الَّتِي تعرض لَهَا السَماويّ، أَنَّه يوم كان مدرساً فِي إعداديةِ السَماوة، وَزّعت النقابة - بإشراف حزب السلطة ومديرية الأمن - قطع أرض عَلَى المعلمين والمدرسين، لكنه - وَكثير غيره - لَمْ يحصل عَلَى مترٍ مربع واحد مِنْ تلك الفعالية، حيث ألزمته الظروف الاكتفاء - مِنْ كُلِّ مساحة العراق - بغرفةٍ يتيمة فِي بيتِ أبيه قبل أنْ يستأجرَ حجرة وَصالة صغيرة لمكتبته مِنْ بيتٍ يُطل عَلَى أخدودٍ كان يوماً مجرىً لمياه الأمطار. وَقد شهدت هَذِه الحجرة البائسة ولادة طفلته البكر الشيماء، وَفِي الحجرة ذاتها كان يخطط للهربِ مِنْ عراق " القائد الضرورة ". وَلا رَيْبَ أَنَّ هَذِه الخلفية المؤثرة بوجعِها الإنسانيّ ستكون حاضرة حين يهم بكتابةِ قصيدة، فالسَماويّ أو " الصانع الأمهر " بحسبِ الشاعر العراقي المغترب فِي بلجيكا جبار حمادي، كان محكوماً بقساوةِ العيش فِي ظلِ النظام الشموليّ الَّذِي ساهم بِمَا عُرفَ عَنه مِنْ أساليبَ استبدادية ببلورةِ فكرة الانعتاق فِي ذهنِه، وَتعميق سعيه للخلاصِ مِن الظلمِ الصارخ الَّذِي تعرض له، باهتدائِه إلى آليةِ الهرب خارج البلاد. وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أَنَّ وَالده حين اكتشفَ بالصدفة نيته الهرب، وَبخهَ علَى تصميمه مغادرة البلاد، فكان جوابه لأبيه فِي كُلِّ مرة مَا يلي: " مَا الذي سأخسر لو هربت؛ ما دمت لا أملك في وطني بضعة أمتار؟ "، بَيْدَ أنَّ جوابَ الحاج عباس " طيب الله ثراه " كان عميق الدلالة؛ لِتيقنِه مِنْ وجودِ مَا يلزمه إبعاد فكرة الهرب عَنْ ذهنِه، وَهو خسارته أصدقاءه. وَلَعَلَّ إشارة وَالده هَذه تعيدني إلى مَا ذَكرهُ السَماوي ذات غربة وَهو يلتفت إلى الأمسِ البعيد قائلاً : " قبل سنين كثيرة، زمان كان أبي يتنقل بأطفاله الثمانية بَيْنَ بيت وآخر مِن بيوتٍ رخيصة الإيجار، كان يقول لأمي : ليس مهماً إنْ كان موجوداً في البيتِ مصباح كهربائي، ما دمنا نملك فانوساً .. المهم وجود جارٍ نقيّ وشريف ". وَمَا هو ملفتٌ للنظرِ بمضمونِ مقولة الحاج عباس " الحكمة " فِي ظلِ معطيات الحياة المعاصرة الَّتِي نعيشها اليوم، هو أنَّ شعباً " هويته الأنين "، يسعى عَلَى الدوامِ إلى مداواةِ آلامه بالعودةِ إلى الماضي الَّذِي نشير إليه بوصفِ " الزمن الجميل " عَلَى الرغمِ مِنْ نكدِ العيش فِي أيامه؛ بالنظرِ لبساطةِ الحياة وَطيبة الأهالي وتميزهم بالصدق وَغيره مِن سجايا النبل، وَهو الأمر الَّذِي يجعلنا نستشف أنَّ هناك ماضٍ جميلا كان فِي الأمسِ البعيد يسكن تلك البيوت البائسة المتواضعة، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو حكايات الأوفياء لعشقها.     
ظميء.. واللهيب هَمِيْ
فما يحسو سوى ضَرَمِ

يُفتشُ في صحارى العشقِ
عن مُستعذَبٍ شَبِمِ

وفانوسٍ ينشُّ به
عثارَ طريقهِ العَتِمِ

يُقوِّسُ ظهرَهُ تعَبٌ
يشدُّ يداً إلى قدَمِ

ينامُ على ندى أمَلٍ
فيوقظه لظى ألَمِ

ويسْتجدي من الأيام
صفواً بعد مُحْتدَمِ

به شغفٌ.. ويُخجِلهُ
تصابي العاشقِ الهَرِم

يراودُهُ على شفتيه
ثغرٌ للرحيق سمي

رأى نبعاً.. فصاح القلبُ :
ياهذا الذبيحُ صُمِ

ومئذنة.. فقال لها :
متى تكبيره الهِمَمِ ؟

متى الإمساكُ عن جزعٍ
وعن بَطرٍ وعن سأمِ؟

وعن عَسَلِ الخنوع يشلُّ
همَّة أشرفِ الأممِ ؟
***
عود عَلَى بدء، يَبْدُو أنَّ السَماويَ يحيى كان مقتنعاً بتنفيذِ خطة الهروب إلى خارجِ البلاد بَعْدَ أنْ وجدَ نفسه عالقاً مَا بَيْنَ " فكي كماشة "؛ إذ تنامت أسباب تفكيره بِهَا، وَنضجت الظروف المَوْضُوعيَّة لتحقيقِها، ومثلما يقول الشاعر إبراهيم بن قيس
قالوا دمعت فقلتُ الدّمع من رمدِ
والعينُ ما دمعت إلاّ على الكمدِ
كأنَّ في كبدي رقطـــاء تلسعُها
كأنّما زفرات النّـــار في كبدي 
وَيمكنُ القول إنَّ السَماوي، وَإنْ كان كتوماً وَحذراً وَفِي " صدره لسرِه متَّسعْ "، إلا أنَّه لا يمكن أنْ يخفيَ أمراً عَلَى وَالده وَمعلمه الأول، حتى لو كان ذلك الأمر بالغ الأهمية أو شديد الخطورة كاستلهامه الإنسانيَّة فِي التطلعِ إلى الهربِ بحثاً عَنْ فضاءٍ حر؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِه أنَّ هناك أذناً واعية تصغي إليه باهتمام، إلى جانبِ إحساسه بأبوةٍ مسؤولة عند مكاشفته بمراميِه فِي التخلصِ مِنْ سطوةِ الاستبداد، فإنَّه يجيب عَلَى تحذيرِ وَالده بصراحةٍ متناهية بالقول : " إنْ لَم يهرب أصدقائي، فسيعدم أكثرهم ". وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ هَذَا مَا حدث فعلاً، فَأبناء جيله أكلت أغلبهم الحروب الغبية، وَغَيبت أو حصدت أرواح الكثير مِنهم المشانق وَرصاص الإعدام وَالمقابر الجماعية، فضلاً عَنْ أمراضٍ أماتت بعضهم فِي غياهبِ السجون وَالمعتقلات. وَيضاف إلى ذلك " غربة " سلبت بعضهم الآخر، وَالَّتِي رُبَّما أجاد فِي التعبيرِ عَنْ خلجاتِها وَعواطفها وَآلامها، تعبيراً صادقاً الفيلسوف وَالكاتب وَرجل الدولة الإنجليزي فرانسيس بيكون ( 1561 - 1626 ) المعروف بقيادته للثورةِ العلمية عَنْ طريقِ فلسفته الجديدة القائمة عَلَى الملاحظةِ وَالتجريب، حيث يشير بيكون " إذا كان المرء لا يدري إلى أي ميناء يريد أن يذهب، فإن كل ريح تهب عليه لن تناسبه ".       
ظميء.. والنهارُ ظمي
إلى شمسٍ من القيَمِ

يَغُّذ إلى الديار السيرَ
في صحوٍ وفي حُلم

فما جازتْ ركائبُهُ
سوى سطرين من كَلِم:

إلهي جفّ طين العمر
لا أقوى على سَقمِ

إلهي صُنْ عراقَ الروحِ
من هوجاءِ مُضطرَمِ

تجيّشتِ الهمومُ عليه
من سفحٍ إلى قمَمِ

فمن جوع إلى وجع
ومن ضيْم إلى ظُلَم

ولا من حيلة فأحوْلُ
بين أسى ومغتنم

أنا الراعي، وعاطفتي
عصاي.. وأضلعي غنمي

دمي مرعايَ.. والينبوعُ
دمعي.. والوجاقُ فمي

أنادمُ في هزيع العمرِ
ما أهرقتُ من ديم

وقد مَلكَ الهوى مني
ندى روحي ودفء دمي

عشقنا.. فانتهينا
بَيْـن مُتَّهِمٍ ومُتَّهَمِ!

كلانا نادمٌ.. والعشقُ
قد يُفضي إلى ندَمِ!
***
من البديهي أنَّ العيشَ فِي مُجْتَمَعٍ يسوده الظلم ويعمّه القهر وَالخوف، يفرض عَلَى الإنْسَان تكثيف مساعيه لتحقيق حلم الخلاص، وإنْ كانت سبله محفوفة المخاطر؛ إذ ربما تفضي بالمغتربِ إلى حتفه، لكن تلك المرامي تبقى أرحم مِنْ الظلم الَّذِي يتعرض له الإنْسَان فِي بلدِه. ولأنَّ واقع الحال فِي بلادِنا كان حينئذ كما فِي قول أحد مؤسسي الفلسفة الغربية الحكيم اليوناني سقراط المتوفى فِي العام 399 ق.م " راحة الحكماء في وجود الحق, وراحة السفهاء في وجود الباطل "، فلا مناص مِن الإقرارِ بأنَّ استبدادَ نظام القائد الضرورة، قد ساهم فِي غرسِ فسيل المواجهة فِي البِيئَةِ المَحَلِّيَّة بالركونِ إلى البحثِ عَنْ سُّبُلٍ لمغادرةِ البلاد؛ وَلذا فإنَّ فكرةَ الهرب كثر ما كانت تتبلور فِي تفكيرِ السَماويّ، بالإضافةِ إلَى الكثيرِ غيره، إلا أنَّ المفارقةً فِي أمرِ هروبه مِن العراق، تمثلت بحدوثه فِي أعقابِ امتلاكه بيتاً جميلاً بناه له أبوه عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّه وزوجته كانا يتقاضيان راتباً؛ كونهمَا يعملان فِي حقلِ التدريس قبل إبعاده عَنْ فضاءاتِها بشكلٍ غير مشروع وَمُثير للاشْمِئْزاز فِي الوقت ذاته.       
***
ويا بغداد و«الخمسون»
بدءُ صبا لذي نِعَم

ونافذة ـ لذي ألم
ولا أملٌ ـ على رِمَم

نُحشِّمُ مَنْ وكلّ فيه
جرحٌ غيرُ ملتئم؟

فلا من حزم «هارونٍ»
ولا من عزم «معتصم»

لمن نشكو و«قاضي العصر»
ما أبقى على قيم؟

أضاع بصيرة وغفا
على ريشٍ من الصَمَمِ
***
ظميء.. والشراع ظمي
إلى نهريك والنَسَمِ

إلى نخل السماوة زُفَّ
بعد الصبرِ للدِّيَمِ

وفاختةٍ إذا هَدَلتْ
أثار هديلها نغمي

وحَفَّزتِ المِداد يصبُّ
كأسَ الحبِ من قلمي

سلاماً يانميرَ الروحِ
من قلبٍ إليكَ ظمي 
لَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ السَماويَ يحيى أو " الطائر الذي منح للحرف سماء إبداع " بحسبِ الشاعرة الدكتورة راوية الشاعر، لَمْ يخضع وَلَمْ ينكسر، فهو القائل : " مادام الواقع قبيحاً، فليس لنا إلآ تجميله - قدر استطاعتنا - بالشِّعْر حتى لو كنا مذبوحين من إخمصِ الماضي إلى قمةِ الحاضر "، فالسَماويّ يحيى مؤمن بأنَّ شعورَ الإنْسَان بنشوة الحياة، يلزمه البحث عَنْ الشيء الذي يشبع ذاته؛ لأنَّ  للحياة بحسبِه " متعة، مَنْ لا يجدها فهو لم يولد بعد ". وَضمن هَذَا المسار وَجدت فِي بعضِ آهات السَماويّ يحيى مَا يترجم آلام شعبنا وَيعبر عَنْ إحساسه بضياعِ وَطَن، حيث يقول فِي واحدة مِنْ تنهداته : " أرجو ألآ أكون مجانباً للحقيقة لو قلت أن كلّ عراقييِّ الأمس عاشوا ذات المرارة، وأمّا عراقيو اليوم، فلا أظنهم أحسن حالاً : غرباء حتى في مدنِ أحلامهم "، لكنه يستدرك قائلاً : " من أين للمرء القدرة على إعادة دموع الأمس إلى عينيه، فربما يحتاج بعضاً منها للفرحِ المرتجى "؛ لأَنَّه مَا يَزال متفائلا بالغد وَمتمسكاً بالأمل فِي إجهاض مَا تواجهه بلاده مِنْ جسامِ التحديات. وَقد يكون مِن المناسب أنْ نذكر هُنَا مَا أشار إليه الفيلسوف البريطاني وَعَالم المنطق وَالمؤرخ وَالناقد الاجتماعي برتراند راسل ( 1870 – 1970 ) بالقول " لو كان في عالمنا اليوم عدد كبير من الناس يرغبون في سعادتهم أكثر من رغبتهم في تعاسة الآخرين، فسنحصل على جنة في بضع سنوات ". وَالطريف فِي الأمرِ بشأنِ هذه المقولة أَنَّ صاحبَها انتهج فِي مراحلٍ مختلفة مِنْ حياتِه، الليبرالية وَالاشتراكية، فضلاً عَنْ عَملِه داعية سلام، إلا أَنَّه أقر بعدمِ كونه أياً من تلك المناهج بالمعنى العميق.

***
ذنـبـي كـبـيـرٌ  !
مَـرَّ لـيـلٌ كـامـلٌ
مـن دونِ لـثــمِ قـرنـفـلِ الـشـفـتـيـنِ والـيـاقـوتـتـيـنِ
ودون تـمـشـيـطـي جـدائـلـكِ الـحـريـرْ

والـركـضِ
خـلـفَ غـزالـةِ الـفـردوس ِ مـا بـيـن الـوسـادة ِ
والـمـلاءةِ والـســريـرْ

فـلـتـغـفـريْ لـيْ إثـمَ مـعـصـِـيـتـي  ...
جـِدي عـذراً لـســادنِـكِ الـبـتـولـيِّ
الـمـوزَّعِ بـيـن بـاديـةِ الـسـمـاوةِ والـرّصـافـةِ
مُـطـفـأ الـيـنـبـوعِ مُـتـَّـقِــدَ الـسـَّـعـيـرْ

شـوقـاً
الـى صـحـنٍ مـن الـقـُـبُـلاتِ ...
يـقـفـو  جُـوعَـهُ عـطـشٌ  خُـرافـيٌّ
لـكـأسٍ مـن زفـيـرْ
***
لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَ يحيى أو " سيّد السّكر دون خمر، والعمر الزاحف دون شيخوخة، والطفل الملفّع بأنين اللحظة دون دمية، فنان الرسم بالكلمات.." بحسبِ الشاعرة وَالروائية وَالناقدة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان، كان يئن مِنْ فرطِ الإجحاف الَّذِي فرضته عَليه أجهزة النظام الدكتاتوري، وَلعلَّ مِنْ جملةِ تلك المواقف المؤلمة هو أنَّه بَعْدَ أنْ سيقَ إلى الخدمةِ الإلزامية فِي أعقابِ تخرجه مِنْ كليةِ الآداب عام 1974م، انتظم بدورةٍ للضباطِ " المجندين " أو - الاحتياط مثلما هو شائع فِي بلادنا - فِي قسمِ الدروع بمعسكرِ منصورية الجبل، حيث أمضى شهوراً عدة عَلَى أملِ التخرج مِن تلك الدورة العسكرية برتبةِ ملازمٍ مجند، إلا أنَّ أمراً رسمياً صدر قبل أسابيع مِنْ تخرجِه، يقضي بتحويله - وَنحو أربعين مِنْ خريجي الجامعات العراقية - إلى " جندي شغل "؛ بالنظرِ لوصولِ أضابيرهم الأمنية مِنْ كلياتِهم وَمناطق سكناهم. وَأَدْهَى مِنْ ذلك إجراءات إدارةِ وحدته الجديدة التعسفية الَّتِي اتخذت ضده هو وزملائه الَّذين يشاركونه الدرب نحو مدينة العشق الفاضلة - مِنْ بَيْنَهم الدكتور نجاح طاهر العميشي المقيم حالياً فِي الدانمارك - وَالَّتِي يمكن أن نتلمس معاناة أيامها مِنْ خلالِ وصف السَماويّ إياها بدقةِ وَعمق إنْسَانيّ فِي قولِه : " أمضينا شهوراً عديدة في - قره داغ - كبغال بشرية ممنوع عليها الاختلاط بالجنود الاخرين ". وَلا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا ما قلت إنَّ مَنْ يتاح لَه الاطلاع عَلَى هَذِه الحكايات أو عَنْ غيرها مِنْ مآسي تلك الأيام، يدرك جيداً عمق فجيعة الأجيال العراقية الَّتِي عاصرت تلك الفترة برعبها وَبؤسها وَعذاباتها، فضلاً عَنْ أنَّه لا يجد غرابة فِي تسيّد مَا يسعى إلى بعثِ الهوية الإنسانيَّة فِي الحراك الإبداعي عَلَى صعيدِ الأروقة الثقافية والفَنِّيَّة، فبالإمكان استقاء بعض الإيماءات الخاطفة مِنْ إجماليّ ما دونه عَلَى مدى عقود مِن الزمانِ علماء وَأدباء وَمفكرون وَغيرهم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، أنَّ شعورَ الكاتب وَالشاعر التونسي المنصف مزغني بِمَا يعيش مَعه مِنْ ألم، ترجمه بمقولةٍ جميلة نصها : " قشروا ضحكتي تجدوا دمعتي ". أو كتلك الصورة الإنسانيَّة الَّتِي رسمها أيقونة السينما الصامتة، الممثل الكوميدي الإنجليزي تشارلي تشابلن ( 1889 - 1979 ) الملُقّب بالحزين الَّذِي أسعد العالم، وَالبائس الَّذِي أضحك الملايين، وَالَّتِي عبرَ فِيها عَنْ الموضوع إياه بالقول " أحب المشي تحت المطر، لأنه لا أحد يرى دموعي ". 

تـَوَهَّــمَــنـي صَــبـوراً فـاســتــزادا
صــدوداً كـاد يـســلـبـنـي الــرَّشـادا

ولـو عـلِـمَ الـحـبـيـبُ حـدودَ ضـعـفـي
لـمـا  عَــرَفـَـتْ وســـادتـهُ الـرُّقــادا

غـرَسـتُ أضالـعـي شـجَـراً ظلـيـلاً
فـجـازانـي بـذبحِ غـدي  حَــصــادا  !

يُـعـانِـدنـي بـحـجـبِ خطىً وصـوتٍ
فـزدتُ عـلـيـهِ فـي شـغــفـي عِــنــادا  !

تـمـكـَّنَ مـن فـؤادي  فـهـو  عــنـدي
إذا  شـُــلَّ الــفــؤادُ : غــدا  فــؤادا !

ولــولا  عـاذلٌ  يــمـتــارُ  حــقـــداً 
خـبـيـثـاً  ســـاءَ  ظـنـاً واعــتــقــادا


لكـنـتُ كـ" صَبِّ عـذرةَ " في هـيامي :
أرى مـوتي ـ عـلى عَـجَـلٍ ـ مُــرادا  !

ولـكـنـي كـظـمـتُ الـوجـدَ  كـيــمــا
أغـيـظُ بـهِ لــدوداً قـد  تــمــادى  !

وخـوفـاً من شــمـاتـةِ  مُـسـتـريـبٍ
وقَــولــةِ  جـاحِــدٍ  إنْ  قــالَ  زادا   
***
مَا تَزال الذاكرة الوَطَنيّة المشبعة بويلاتِ الحروب العبثية حاضرة لِمَنْ اكتوى بنيرانِها، وَتأثر بمعطياتِها الَّتِي أصابت السواد الأعظم بالتصدعِ وَالتشظي، وَخذلت أماني الحالمين بمستقبلٍ زاهر للبلادِ  يتجول فِيه السلام وَتتناثر فِي فضاءاتِه ضحكات الطُفُولة السعيدة. وَعَلَى الرغمِ مِنْ سعةِ حجم تلك الذاكرة المتعبة، أراني مضطراً لاستذكارِ واحدة مِنْ إحدى ملفاتها الَّتِي مَا تَزال طرية فِي ذهنِ السَماويّ يحيى، حيث كُتَب لشقيقِه الأوسط " محمد " أنْ يكون معه فِي نفسِ وَحدته العسكرية أيام مطحنة حرب الخليج الأولى، وَالَّذِي كان وقتها بحسبِه : " شاباً مفرط الجمال، أشقر، له عينان أكثر خضرة مِنْ عشبِ الربيع، ، قويّ مثل المكوار، رشيق مثل الفالة ". وَلعلَه مِن المفيدِ الإشارة هُنَا إلى أنَّ " المكَوار " الَّذِي يُعَدّ اليوم مِن الموروثاتِ الشعبية العراقية، كان فيما مضى مِن الزمانِ السلاح الدفاعي الشخصي الفردي الأقوى بَيْنَ يدي الفلاحين فِي الريفِ العراقي. كذلك كانت الفالة أداة فعالة للصيد ابتكرها أهل العراق القدامى عوضاً عَن الرمح، فضلاً عَنْ كونِها سلاحاً فعالاً أيضاً لدى الفلاحين، وَهي عبارة عَنْ آلة حديدية لَهَا ثلاث شعب قبل أنْ تصبح بخمسة أصابع عَلَى شكلِ كف، وَفِي نهايةِ كُلِّ أصبع يوجد نتوء معاكس، فِإذا غرست الفالة فِي جسمٍ مَا، لا يمكن اخراجها أبداً إلا بعد تمزيق اللحم. وَيجري تركيب تلك الأداة الحديدية عَلَى ذراعٍ طويل مِن البردي الَّذِي يتم الحصول عَليه مِنْ منطقةِ الأهوار، وَهو الأمر الَّذِي جعل مدن العراق الجنوبية المحاذية أو القريبة مِن الأهوار تختصّ فِي صناعتِها. وَلشدةِ أثرها فِي إيقاعِ الاذى؛ اعتمدها أحد الشعراء الشعبيين فِي نظمِ هَذَا البيت الدارمي :
يا لتنشد اعلة الحال حالي اعلة حالة
سمجة وشحيح الماي وبظهري فالة
وَمِنْ المعلومِ أنَّ الثوارَ العراقيين اعتمدوا الفالة، إلى جانبِ المكَوار فِي معاركِ ثورةِ العشرين، واللذان أرعبا جنود الاحتلال البريطاني وَأصبحا مِنْ رموزِ تلك الثورة التحررية، حيث كانا يشكلان أعمدة الأهازيج الَّتِي أطلقها ثوار عشائر الفرات الاوسط. ولعلَّ مِنْ بَيْنَها مَا ارتجله مهوال " الأمس " بعد أنْ أنبت الثوار الفالة فِي ظهرِ أحد جنود العدو البريطاني وَحملوه جماعته وَهي مغروزة فِي ظهرِه بقولِه :
" مشكول الذمة اعلة الفالة " وأخرى " رد فالتنا احتاجيناها "
خلال معارك " بسيتين " فِي عامِ 1982م، حدث أنْ ارسل آمر مفرزة التصليح الملازم أول عبد مسلم درو - الَّذِي ينحدر مَنْ أريافِ الديوانية - أحد جنود مفرزته لإحضارِ السَماويّ مِنْ أجلِ إبلاغه ضرورةِ مراجعة مستشفى البصرة؛ لمعاينةِ أخيه محمد الَّذِي يرقد هناك بسببِ إصابته. وَحين وصل السَماوي المستشفى وجد أخاه قد بُتِرت ساقه مَنْ فوقِ الركبة،  وكان يرقد إلى جانبِه جندي مقطوع الساقين، بالإضافةِ إلى جرحى كثيرين. وَالْمُلْفِت أَنَّ السَماويَّ لَمْ يتحمل هول المنظر الَّذِي ربما لِمْ يتح لَه فرصةً لالتقاطِ أنفاسه، فاستدار إلى معاونٍ طبيّ " مضمد " كان متواجداً فِي الردهةِ وَسأله بصوتٍ واضح وَمسموع بفعلِ الصدمة : " هل يوجد مَا بَيْنَ هؤلاء الجرحى جريح واحد مِنْ أهالي العوجا، وَهل يوجد مَا بَيْنَهم إبن مسؤول مِنْ مسؤولي حزب البعث؟. وَفِي اليوم التالي فوجئ السَماويّ بوصول والده البصرة، ليس لأجلِ زيارة شقيقه محمد، إنما ليأخذَ له إجازة مَنْ وحدتِه العسكرية كي يذهب معه إلى مدينةِ العمارة؛ لاستلامِ جثة خاله " رسول " الَّذِي دهست سيارته ناقلة دبابات فقتلته هو وَرفيقه المهندس الَّذِي يشرف عَلَى مقاولاتِه .
***
فــيــا لــلـهِ مـن قــلــبـي  وخِـلـِّـي
كــأنــهــمــا  : عــذابـاتـي  أرادا  !

ويـا لـلـهِ مـن جُــرحٍ عَــصِـيٍّ
أبـى إلآ  الـبــتـولَ لـهُ ضِــمـادا

ويـا لـلـهِ مـن صَــبــرٍ تـسـلـّـى
بـصَـبٍّ إنْ مـشى طلَـبَ الـسِّـنـادا

ويـا لـلـهِ مـمـا  بــتُّ أخــشــى
إذِ  الأيــامُ قـارَبَـتِ الــنِّــفـــادا  !

أمـاطِـلُ غـربـتـيَّ بـأرضِ لـغـو ٍ
وأسـتـجـدي مـن الأصـواتِ ضـادا !

يُـقـاتِـلـنـي هَـوايَ فـلـيسَ يـرضى
جـنـوحـاً لـلـسـلامِ ولا  حِـيـادا  !

أنـا الـراعـي ..خِـرافي ذكـريـاتٌ
وبـسـتـاني صِـباً لـن يُـســتـعــادا   !
***
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ فِي هَذِه الحكاية الَّتِي تدمي القلوب، وتذكرنا بأيامِ المحنة فِي زمنِ الطغيان، هو أَنَّ أبَاه كان يومذاك مريضا؛ لذا لَمْ يكن بمقدورِ السَماويّ إخباره عَنْ إصابةِ شقيقيه. وَحين عادوا بجثمانِ خاله إلى مدينةِ السَماوة، كانت المفاجأة الصادمة الَّتِي تسببتْ فِي إصابتِه وَمَنْ أسره بتلك التفاصيل - مِنْ العائلة أو الأصدقاء - بحالةِ ذهول، حيث وجد شقيقته " أم نوفل " فِي بيتِ وَالده قادمة مِنْ بغداد؛ لأجلِ إخبارهم عَنْ حصولِها عَلَى معلومةٍ تفيد بأنَّ زوجَها المناضل المعتقل لأسبابٍ سِّياسيَّة  ربما تمت إذابته بحامضِ الكبريتيك المركز. وَممَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ الأيامَ أثبتت صِحة هّذَا الأمر حين فشل أبناؤه بالعثورِ عَلَى رفاتِه فِي كُلِّ " المقابر الجماعية " كمَا هو حال الكثير مِنْ أبناء شعبنَا المبتلى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك مَا تعرض لَه السَماويّ حين عاد إلى وحدتِه، حيث أخضع للتحقيقِ عَمَا قاله فِي المستشفى وَهو بحالةِ غضب. وَكان يمكن أنْ يكون ضحية أخرى وَيلحق بقوافلِ المغيبين، لولا الموقف النبيل الَّذِي وقفه لأجله الملازم أول عبد مسلم درو، وَالَّذِي يُعدّه السَماويّ أحد أشرف الضباط الَّذين عرفهم فِي حياته، فضلاً عَنْ العقيد محسن علي عكلة، أحد أبناء مدينته، وَالَّذِي كان يومها ضابط التوجيه السياسي للقواتِ البحرية ومسؤول التنظيم العسكري فِيها، بالإضافةِ إلى كونِه شاعرا  شعبيا جيدا ، للسَماويّ يحيى علاقة صداقة به.   
***
وبـيـتٌ كان من طـيـنٍ وســعـفٍ
حَـبـوتُ بـهِ مـع الـعُـشـبِ اتـِّـحـادا

وكـنـتُ أقـودُ قِـطـعـانـي  وئـيـداً
فـصـرنَ الـيـومَ يـأبَـيـن انـقـيـادا 

يـُوَسِّـدنـي  طيوفَ الأهـلِ شوقٌ
فـتـحـرمـنـي مَـدامـعُـهـا الوِسـادا !

فـيا ملحَ الـهـوى ـ ياصبرُـ عـندي
جـمـوعٌ مـن هـمـومٍ لا فـرادى  !

59
المنبر الحر / أملٌ مرتجى!!
« في: 20:08 11/05/2018  »
أملٌ مرتجى!!
لَطيف عَبد سالم
مِنْ المعلومِ أنَّ الممارسةً الديمقراطية بحسبِ المفهوم الغربي، قد تكون عرضة إلى الإخفاقِ فِي تحقيقِ الحكم الرشيد؛ إذ ليس هناك ما يضمن إفراز العملية الانتخابية لمخرجاتٍ بمقدورِها المساهمة فِي تشكيلِ حكومة وطنية رشيدة، حيث أنَّ الكثيرَ مِن التجارب الانتخابية فِي البلدانِ الغربية كانت حصيلتها ظهور حكومات أدخلت بلدانها فِي دوامةِ الأزمات الاقتصادية، وهو الأمر الَّذِي يجعلنا نتيقن مِنْ أنَّ الشعبَ يُعَدّ اللاعب الرئيس والأساس فِي عمليةِ التغيير المرتجى، ما يعني تحمل الكيانات والأحزاب السياسية الداعمة للتغيير، والرامية إلى خوضِ الانتخابات البرلمانية مسؤولية إنشاءِ قاعدةٍ جماهيرية قادرة عَلَى التأثيرِ الإيجابي فِي مهمةِ الاصلاح السياسي والاقتصادي مِنْ خلالِ صناديق الاقتراع.
ليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ إجماليَ عمل الكتلَ السياسية العراقية فِي المدةِ الماضية ساهم فِي تشتيتِ القرار السياسي، فضلاً عَنْ تسببه فِي إجهاضِ الكثير مِنْ مشروعاتِ الإصلاح والتوجهات الخاصة بمهمةِ التغيير؛ بالنظرِ لغيابِ الرؤى المتعلقة بإعدادِ البرامج الَّتِي مِنْ شأنِها خدمة الشعب عَلَى خلفيةِ سيادة المنافسة عَلَى الزعامةِ والاستحواذ عَلَى مصادرِ السلطة، وَالَّتِي انعكست بمظاهرٍ عدة مِنْ بَيْنَها المناكفات والتشهير بالشريكِ الآخر ومحاولات التسقيط والتخوين بشتى السُبل، مع العرضِ إنَّ كُلّ مِنْ هذه الكيانات المتصارعة يشكل جزءاً مِنْ المنظومةِ السياسية الَّتِي تدير شؤون البلاد.
لا مفاجأة في القول إنّ ثلاثَ دورات انتخابية خاضها الشعب العراقي بعد سقوط النظام السابق، كانت كافية لتصحيحِ مسار العمل السياسي، بَيْدَ أنَّ انشغالَ الأحزاب السياسية فِي تحقيقِ مآربها أفضى إلى إغفالِها مهمة مراجعةِ أدائها قصد تلمس إخفاقاتها، والبحث عَنْ مخارجٍ لأزماتِ البلاد الَّتِي انعكست بتنظيمِ التظاهرات الجماهيرية والاعتصامات في أغلبِ مناطق البلاد. وَليس خافياً أنَّ أبرزَ معطيات العملية السياسية فِي السنواتِ الماضية، تمثلت فِي التخبط السياسي، ضعف سلطة القانون، تراجع إنتاجية القِطاعات الاقتصادية غير النفطية، سوء أداء الأجهزة الخدمية، تردي المستوى المعاشي، تفشي البطالة، فضلاً عَنْ استشراء الفساد المالي والإداري، الأمر الَّذِي فرض عَلَى الكتلِ السياسية الفاعلة فِي المشهدِ السياسي المحلي اللجوء قسراً إلى خيارِ " التشظي " مِنْ أجلِ ضمان عودة ذات الوجوه الَّتِي وصلت سابقاً إلى قبةِ البرلمان والمحافظة عَلَى ما حققته مِنْ مكاسب. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ الكتلَ والأحزاب السياسية العراقية أصبحت منذ بدءِ العد التنازلي للانتخاباتِ البرلمانية الَّتِي ستجري يوم غد السبت، فِي مواجهةِ أحد أكبر التحديات، والمتمثلة بانشقاقاتٍ بنيوية عَلَى يدِ قادةٍ وأعضاء بارزين فِيها؛ لذا فإنَّ الكتلَ الانتخابية الصغيرة المعول عَليها فِي التعبيرِ عملياً عَنْ متطلباتِ المرحلة القادمة، ليس مِنْ اليسرِ تحقيقها نتائج مؤثرة فِي الانتخاباتِ البرلمانية القادمة تتوافق مع رغباتِ الشعب العراقي الَّذِي أدرك خيبة الوجوه القديمة فِي إعادةِ إعمار البلاد وتأهيل بناها الارتكازية وتحديث قطاعاتها الإنتاجية وَالَّتِي تُعَدُّ البوابة الحقيقية للاستقرارِ الاجتماعي الَّذِي ينشده المواطن.
فِي أمانِ الله.
     


60
مرافئُ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الرابعة والعشرون  )
لطيف عبد سالم
السَماويُّ يحيى شاعرٌ لامعٌ، أطرب محافل الثَّقَافَة وَفضاءات الأدب بإبداعِه المائز، وَعذوبة قريضه المستمد مِنْ افتتانه بالجمال، وَتشبثه بالحياة، وَتمسكه بالأمل وَالتفاؤل، وَاحترامه الإنْسَان وَحرصه عَلَى الدفاعِ عَنْ قضاياه وَالتعبير عَنْ همومِه، وَهو أيضاً عاشق لعملِه فِي التدريس، فضلاً عَنْ افتتانِه بسبرِ أغوار الحياة بمتعةٍ وشغف منذ نعومة أظفاره، الأمر الَّذِي جعل المطالعة هوايته المألوفة، فكان الكتاب - وَمَا يَزال - ملهمه الأول، يتألق دوماً مَا بَيْنَ يديه وَهو يحمله مَعَه أينما توجه فِي حلِه وَترحاله. وَليس خافياً أنَّ القراءةَ المستدامة تفضي إلى توسيعِ مدارك الإنْسَان وتجعله فِي إطلاعٍ دائم عَلَى مختلفِ التجارب، ولنا أنْ نتصورَ مدى حاجة مَنْ يمتهن الأدب وَنظم الشِعر إلى المطالعةِ الدائمة؛ لأجلِ تنمية الإبداع فِي تركيبِ الصورة الشِعرية وإثراء القصيدة بالجميلِ مِن المفرداتِ وَأكثرها عذوبة. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ الأديبَ المصري عباس محمود العقاد ( 1889 - 1964 ) الَّذِي يُعَدُّ واحداً مَنْ أهمِ الأدباء الَّذين لمعت أسماؤهم فِي القرنِ العشرين، يشير إلى القراءةِ بالقول " لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً فِي تقدير الحساب .. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة - دون غيرها - هي التي تعطيني أكثر من حياة ". وإسرافاً فِي حبِه للقراءةِ وَشغفه بِمَا يكتنزه الكتاب مِنْ مضامين يضيف العقاد قائلاً " ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة ؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون؟ ”.
لـلـطـبـيـعـةِ كِـتـابُـهـا :
الأشـجـارُ حـروف ..
الأنـهـارُ مِـداد ..
والأرضُ الـورقـة ..
لا أحـدَ يُـجـيـدُ قـراءتـهُ
كـالـطـيـورِ
والأطـفـالِ
والـعـشـاق !
*
حَـطـبُـكِ أنـتِ ولـيـس تـنّـوري :
أنـضَـجَ رغـيـفَ قـصـيـدتـي ..
دُخـانُ ظـنـونِـكِ
ولـيـس بـخـورُ احـتِـراقـي :
أسـالَ دمـوعَ حـروفـي ..
ريـحُـكِ ولـيـس شِـراعـي :
أوصَـل سـفـيـنـتـي
إلى الـضّـفـةِ الأخـرى
مـن نـهـر الـقـلـق !

لا رَيْبَ أَنَّ ميلَ السَماوي يحيى إلى المطالعةِ منذ أنْ بدأ خطواته الأولى فِي مرحلةِ الدراسة الابتدائية بتشجيعٍ مِنْ عائلته الَّتِي كانت عَلَى شيء مِن الثقافة وَالكثير مِن الإيمان، قاده إلى سعيٍ دائم لتطويرِ مهاراته فِي فضاءاتِ الأدب وَغيرها مِنْ قنواتِ الثَّقَافَة وَالمَعْرِفة بعد أنْ ترسخت لَديه تلك الهواية فِي مرحلةِ الدرَاسة المتوسطة، حيث أصبح قارئاً نهماً مدمناً عَلَى القراءة، محباً لها، وَشغوفاً بِه نهم. وَليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ حاجَةَ السَماوي إلى غذاءِ الروح مِنْ أجلِ زيادة آفاق معرفته، وَالارتقاء بفكرِه وَسلوكه، عززت لَديه متعة القراءة وَساهمت فِي تذوقِه للمميزِ مِنْ مواردِ الثَّقَافَة وَالفُنون وَالعُلُوم الإنسانيَّة، فالثَّقَافَة الَّتِي تزين الإنْسَان كما الريش يزين الطاووس بحسبِ مثل روسي، أقرَ بأهميتِها العلماء وَالباحثون وَالمُتَخَصِّصون وَأهل الخبرة، بوصفِها ثمرة المعايشة الحية لأمورِ الحياة وَالتفاعل مَعَ تجاربِها، وَمَا تباين مِنْ خبراتِها؛ لأَنَّها تعبيرٌ عَنْ الواقع، وَأداة للتغييرِ وَالتطوير وَتحرير المُجْتَمَعات البَشَريَّة مِنْ عواملِ الاِسْتِغلال وَالتخلف، حيث يشير مؤلف كتاب الإسلام بَيْنَ الشرق وَالغرب وَأول رئيس لجمهوريةِ البوسنة  وَالهرسك بعد انتهاء الحرب فِي بلادِه الفيلسوف الإسلامي علي عزت بيجوفيتش ( 1925 - 2003 ) إلى الثَّقَافَةِ بوصفِها " الخلق المستمر للذات "، فضلاً عَن قولِه أيضاً فِي مناسبةٍ أخرى مَا نصه " الحضارة تُعلِّم أما الثقافة فتُنور. تحتاج الأولى إلى تعلم أما الثانية فتحتاج إلى تأمل "، فِيما يرى جواهر لال نهرو ( 1889 - 1964 ) أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها وَخلاصها مِنْ نيرِ استعباد التاج البريطاني أَنَّ الثَّقَافَةَ تُعَدُّ بوصفِها " اتحاد العقل مع الروح ". وَفِي السياقِ ذاته، يشير الروائي وَالكاتب وَالمترجم ألبرتو مانغويل إلى القراءةِ فِي كتابِه " تاريخ القراءة "، بوصفِها ضرورة للحياةِ كالتنفس ، فضلاً عَنْ تثبيتِه فِي بدايةِ كتابه آنفاً عبارة " إقرأ كي تحيا "، ولعلَّ الأمر المحير هُنَا مَا تضمنه هذا الكتاب مِنْ إشارةٍ صادمة - ربما لشعورِ المتلقي - هو أَنَّ المؤلفَ صاغ عبارته بتشكيلٍ سرديّ أميل للمبالغةِ مِنه إلى التصحرِ الثقافي فِي عالمِ اليوم، حيث يذكر مانغويل الارجنتيني المولد وَالكندي الجنسية أَنَّه كلما التقى شخصاً أو رأى مشهداً، شعر أَنَّه قد مر عليه مِنْ قبل؛ نتيجة غزارة قراءاته. 
*
لـقـلـبـي حُـجـرتـان ..
فـلـمـاذا لا يـتـسِـعُ
إلآ
لـحـبـيـبـةٍ واحـدة ؟
أنـتِ أيـضـا :
لا شــريـكَ لـك !
*
أعـرفُ تـمـامـاً أيـن يـرقـدُ " نـيـوتِـن" ..
وأيـن كـان الـحـقـلُ ..
لـكـنْ :
فـي أيِّ تـنّـورٍ انـتـهـتِ الـشـجـرة ؟
وفـي أيّـةِ مـعـدةٍ
اسْــتـقـرّتِ الـتـفـاحـة ؟

أعـرف أن الـعـبـيـدَ
هـم الـذيـن شــيّـدوا :
الأهـرامَ ..
سـورَ الـصِّـيـن ..
وجـنـائـن بـابـل ..
لـكـنْ :
أيـن ذهَـبَ عَـرَقُ جـبـاهِـهِـم ؟
وصُـراخُـهـم تـحـت لـسْـعِ الـسّـيـاطِ
أيـن اسـتـقـر ؟

بخلافِ اعتقاد البعض مِنْ أَنَّ السَماويَ " ولد وِفِي فَمِه ملعقة مِنْ فضة "، فإنَّ الواقعَ الفعلي، وَمَا أفضى إليه بحثي المعمق فِي هَذَا المنحى يؤكدان أَنَّه ابن بِيئَة فقيرة وُقد ولد مِنْ رَحمِ المعاناة، فَلَمْ يجد نفسه فِي بحبوحةٍ مِن العيش، وَلَمْ تكن أسرته في فيضٍ وَوفرة منذ ولادته، حيث وصل تنقّل عائلته " أربع عشرة " مرة فِي فضاءاتِ مدينة السَماوة؛ لغرض السكن بمنازلٍ مؤجرة تتناسب مَعَ دخلِ والده " رحمه الله "، وَلَمْ يَسْتَقِرْ لَهَا حال إلا فِي سبعينياتِ القرن الماضي حين ترك والده مهنة البقالة وَافتتح مكتباً لبيعِ الحصى وَالرمل، وَعملَ مقاولاً ثانوياً مَعَ الشركةِ الروسية الَّتِي قامت بتحديثِ معمل سمنت السماوة، حيث تولّى تجهيزها بهاتين المادّتين. ومِنْ المعلومِ أنَّ السَماوةَ تُعدّ منجماً لإِنْتَاج الإسمنت؛ بالنظرِ لتوفرِ المواد الأولية الداخلة فِي هَذِه الصِناعة وَالمتمثلة بحجرِ الكلس وَالتراب العادي واطئ الكبريتات فِي صحراءِ السَماوة، وَوجود الجبس عَلَى ضفافِ بحيرة ساوة، الأمر الَّذِي يلزم الحُكُومة المَحَلِّيَّة المثابرة وَالجهد سعياً فِي الوصولِ إلى جعلِ محافظة المثنى عاصِمة العراق فِي إِنْتَاجِ الإسمنت. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة الَّتِي تثبت مَا أشرنا إليه بخصوصِ نشأة السَماوي فِي بِيئَةٍ فقيرة هو مَا ذكره الأديب سلام إبراهيم عَنْ زيارته إلى مدينةِ السَماوة للقاءِ السَماوي يحيى بعد فراق دام بضع سنوات، وَالَّتِي كان يظن أَنَّ مبيته وَصحبه فِي شقةٍ موقعها وسط السوق تعود لأهلِ السَماوي، حيث تحدث عَنها إبراهيم بعد أربعة عقود مِنْ ذلك التأريخ بالقول " تصورت أن والد يحيى من أثرياء السماوة وعلى خلاف مع يحيى لتوجهه اليساري، وهذا ما بقى في ذاكرتي من تلك الرحلة الشبيهة بحلمٍ بحسبِه، لكن يحيى فِي لقائي بِه نهاية عام 2017م، حكى لي قصة أخرى خلال الأمسية التي أقيمت تكريماً للسماوي - يقصد أمسية بيت النخلة فِي الدنمارك - عن فقر أهله المدقع، وتنقلهم في بيوت مستأجرة ".
*
الـسـفـيـنـةُ غـرقـتْ ؟
لا ذنـبَ لـلـمـيـنـاءِ
إنـهُ ذنـبُـهـا !
لا ذنـبَ لـهـا ..
إنـه ذنـبُ الـمـجـاديـف !
لا ذنـبَ لـلـمـجـاديـفِ ..
إنـه ذنـبُ الـسّـواعـد !
لا ذنـبَ لـلـسّـواعِـد ..
إنـه ذنـبُ الـرّأس !
آه ..
كـم مـمـلـكـةِ عـشـقٍ انـدثـرتْ
لأنَ " رأسـاً " واحـداً
رمـى الـفـتـيـلَ فـي الـغـابـةِ
لِـيُـذيـبَ الـجـلـيـدَ الـمُـتـجـمِّـدَ
فـي عـروقـه ؟!

إذا كنا نركن إلى القولِ الَّذِي يسلم إنَّ الإحصاءاتَ لا تعطي صورة كاملة بوسعِها المُسَاهَمَة فِي فهمِ مُشْكِلة الفَقر، فلا رَيْبَ أَنَّ الفَقرَ يُعَدّ مِنْ أكثرِ الظواهر فتكاً فِي حياةِ الأمَم وَالشعوب؛ إذ لا تقتصر تأثيرات هذا الوباء الْمُجْتَمَعي عَلَى الحالتينِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فحسب، وَإنما تتعداهما إلى حزمةٍ متشابكة مِن الآثارِ الموجعة الَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي شيخوخةِ الْمُجْتَمَعات الإنسانيَّة وَالتعجيل بهلاكِها. وَيرى المتخصصون تفرد الفَقر كظاهرة اجْتِماعِيَّة تتساوى مِنْ حيث الشمول في تعدّيها عَلَى حقوقِ الإنْسَان؛ نتيجة تعدد سلبية آثارها الكارثية، وَالَّتِي مِنْ أكثرِها خطورة عَلَى الْمُجْتَمَعِ البَشَريّ هو مَا يخيم عَلَى فضاءاتِ العِلْم وَالثَّقَافَة. وَبالاستنادِ إلى هَذَا الاستدلال يمكن الجزم بأنَّ البؤسَ الَّذِي عاشته الْمُجْتَمَعات المَحَلِّيَّة فِي بلادِنا كان لَه دورٌ مؤثرٌ  فِي تشكيلِ وَعيها السِّياسِيِّ، وَهو الأمر الَّذِي يفسر انخراط أبنائها - وَمِنْ بَيْنَهم يحيى السَماوي - فِي صفوفِ حركة اليسار العراقي بشكلٍ مبكر؛ لأجلِ تحقيق حلم الطبقات المقهورة فِي إقامةِ دولة تظللها الحرية وَيسودها العدل وَالرفاه.
*
هـي الـتـي
رأتْ كـلّ شيء ..
فـأخْـبَـرَتْـنـي عـنـي
*
أمِـنْ مـاءٍ جـسـدُك ؟
كلما حـاصـرني الـعـطـش
أقـبّـله فـأرتـوي !
أنـامـلـي الـيـبـيـسـةُ تـغـدو فـراشـات
حـيـن تـمـسّـدُ يـاسـمـيـنـه ..
يـسـيـلُ الـضـوءُ مـن بـلّـورك
مُـضـيـئـاً لـشـفـتـيّ
الـطـريـقَ نـحو حـقـول الـتـيـن والـزيـتـون والـكـرز !
*
الـجـالـسـون فـي الأبـراج الـعـالـيـةِ والـقِـمـم
رؤوسُـهـم مُـنـحـنـيـةٌ
لـكـثـرة تـحـديـقـهـم نـحـو الأسـفـل ..
نـحـن الجـالـسـيـن فـي الأوديـة والـسـفـوح
رؤوسُـنـا مُـرتـفـعـةٌ دائـمـاً
لـتـحـديـقـنـا نـحـو الأعـالـي !
*
عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ السَماويَ الَّذِي ارتشف قهوة الأدب مبكراً، عاش وَترعرع فِي كنفِ عائلةٍ كادحة وَمكافحة بالكاد توفر أدنى احتياجاتها الأساسية, فضلاً عَنْ استحالةِ إيجاد مكان ملائم فِي منزلِه - وَلو بالحدود الدنيا - يسمح لَه بممارسةِ هوايته فِي المطالعةِ وَالكتابة الأدبية، إلا أَنَّ ذلك لَمْ يحد مِنْ عزمِه فِي المثابرةِ عَلَى طلبِ العلم وَالسعي إلى الحصولِ عَلَى مواردِ المَعْرِفة، حيث كان يعمل جاهداً مِنْ أجلِ تحقيق مرامه، وَمِنْ بَيْنَ تلك السبل ذهابه مَعَ بعضِ أترابه فِي أوقاتِ الظهيرة مِنْ أيامِ الصيف القائظ إلى منزلِ صديقه الوَدُود الشاعر وَالفنان التشكيلي عباس حويجي، وَالَّذِي كان وضع عائلته المادي يتيح له تنظيم حياته بشكلٍ يجعله قادراً عَلَى ابتياعِ الكتب، فضلاً عَنْ توفيرِ البِيئَة الملائمة للمطالعةِ وَممارسة هوايته فِي الفنِ التشكيلي، حيث كان دَخلُ عائلته جيداً؛ جراء عمل والده فِي تجارةِ الحبوب، بالإضافةِ إلَى أَنَّ عددَ أفراد عائلته قليل، الأمر الَّذِي مكنه مِنْ اِسْتِغلالِ غرفة الضيوف الَّتِي يشار إليها محلياً باسْمِ " البراني " أو " الديوانية " فِي متابعةِ هواياته المفضلة وَنشاطاته الَّتِي يحبها، مَعَ العرضِ أنَّ تلك الحجرة كانت مزودة بمروحةٍ سقفية وأرائك خشبية وَبَدن - بمثابةِ البراد المعتمد فِي الوقتِ الحاضر - لحفظِ الماء بأوعيةٍ وسط الثلج الملفوف بالأكياسِ النسيجية. وَيقيناً أنَّ جميعَ تلك المواد وَعَلَى الرغمِ مِنْ بدائيتها وَبساطتها، لَمْ تكن يومذاك متاحة فِي منزلِ السَماوي يحيى وأغلب مجايليه.
*
لـم يـكـن " عـلـمـاً فـي رأسِـهِ نـار " ..
لـكـنـه مـشـهـورٌ أكـثـرُ مـن الجميع 
فـهـو الـوحـيـدُ الـكـامـلُ نـقـصـاً
فـي مـديـنـةٍ
جـمـيـعُ أهـلِـهــا نـاقـصـو الـكـمـال !
ظـافـرٌ بـالـرذائـل كـلـهـا ..
غـريـبٌ عـن الـشـرف ..
لا تـحـزنـي يـا تـفـاحـتـي الـحـلال :
أعـرفُ أنّ مـاءَ غـســيـل ثـيـاب الـمـومـس
أطـهـرُ مـن أن يـكـون حِـنّـاءً لـشـاربـهِ
لـكن فـضـلـهُ عـلـى الــعـهـر كـبـيـر ..
فـلـولاه
مـا كـنـا سـنـعـرفُ
أن بـعـضَ الـمــخـانـيـثِ
يـحـيـضـون
فـيـطـمـثـون مـن ضـمـائـرهـم !
هـل كــان كـتـابُ الـلـهِ
ســيُــقـدِّسُ شـهــدَ الـنـحـلـةِ
لـولا
قـذارةُ الـخـنـزيـر ؟
*
ليس خافياً أنَّ محاولاتِ السَماوي يحيى قصد تطويرِ أدواته الشِعرية وَصقل مهاراته، منحته حافزاً للتفاعلِ مَعَ عالمِ القراءة وَالأدب، حيث مَا يَزال شغوفاً بالإقبالِ عَلَى ابتياعِ الكتب الورقية، حتى مَعَ ظن الكثير مِن النخبِ الثقافية أَنَّ زمنَها انتهى. وَضمن هَذَا المعنى استوقفتني عبارة للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فِيهَا " المعرفة التي لا تنميها كل يوم تتضاءل يوماً بعد يوم "؛ إذ أَنَّ القراءةَ بالاستنادِ إلى المُتَخَصِّصين تحفّز العقل، وتخلق الكثير مِن التجارب، فالثقافة مِنْ وجهةِ نظر الروائي والكاتب المسرحي  الفرنسي - المولود فِي بيئة جزائرية شديدة الفقر مِنْ أبٍ فرنسي وَأم إسبانية - ألبير كامو ( 1913 -1960 ) هي " صرخة البشر في وجه مصيرهم ". وَالمذهلُ فِي الأمرِ هو مَا أثبتته الدراسات العِلْميَّة مِنْ نتائجَ تشير تحديداً إلى أَنَّ القراءةَ الأدبية تُكسب العقل وَظائف معرفية عدة، فضلاً عَنْ أَنَّ مُتعةَ القراءة تفضي بحسبِ الأدبيات العلمية إلى مضاعفةِ تدفق الدم فِي مناطقٍ عديدة مِن الدماغِ البشري، وَثَبَتَ أيضاً أنَّ " دراسة الرواية الأدبية والتعمق في التفكير بقيمتها مِن الأعمال الفعالة للعقل ". وَفِي هَذَا السياق يشير الأب الأديب يوسف جزراوي إلى صديقِه السَماوي يحيى بالقول " ينامُ ابو علي وفي عينه قافية، ويفيق وفي بؤبؤ عينه الثانية رباعية. إنّه المتأرّق دائمًا وأبدًا، ينام ولا يرتاح. إنّه إبن الشعر، إبن الأرق، إبن المحبة والإبداع العراقي. يقرأ كثيراً وينام قليلاً، معلّق على جدران الغربة، غارق في ذاكرة الوطن ". ويضيف جزراوي أيضاً مَا نصه " ..... ولا يخفى على أحد بأنَّ العربية الفصحى ظلت أداته المفضلة لإظهار فكره الراقي ونفسه السمحة وإيجاد أسلوبه الخاص لتعبيره الأدبي الذي يتسم بالمحبة الكونية. فهو حين يقف على منصة المنبر تلقاه كبلبلٍ جريح يُرفرف بصمتٍ وهو يُغرد اناشيد المحبة والسلام، وحين تقرأ له تلتمس استعداده للتضحية من أجل الغايات النبيلة والأهداف السامية. وَيضيف الجزراوي أيضاً مَا نصه " ولا بُدّ لي أن اعترف أنَّ الرجلَ حين تجمعك به محطات الوجود ستجده من الوزن الثقيل في الشعر والثقافة والإنسانيّة واخلاقيات الحياة ". وَفِي المنحى ذاته تخاطبه الشاعرة العراقية رند الربيعي بالقول  " استاذنا ومعلمنا الفاضل يحيى السماوي دائما حين اقرأ لك اجد كل ما هو يشبع الرغبة الادبية عند المتلقي ويجد الاصالة في الكلمة والرصانة في اللفظة او المفردة التي تستخدمها في قصائدك المميزة ذات الطابع السماوي ".
*
ثـمـة وقـوفٌ أسـرعُ مـن الـرَّكـضِ ..
هـذا مـا قـالـه الـبـئـرُ لـلـجـدولِ
فـي وصـفـهِ الـنّـاعـور !

ثـمـة ركـضٌ أبْـطـأ مـن الـوقـوف ..
هـذا ما قـالـه جـبـلُ الـحـقّ
فـي وصـفـهِ
غـزالَ الـبـاطـل !

ثـمـة بـيـاضٌ أكـثـرُ عُـتـمـةً
مـن قـعـر بـئـرٍ فـي لـيـلٍ يـتـيـمِ الـقـمـر والـنـجـوم :
بـيـاضُ الأكـفـانِ و" الـبـيـتِ الأبيـض " مـثـلاً ...

ثـمـة سَـوادٌ أكـثـرُ بـيـاضـاً مـن مـرايـا الـصّـبـاحِ :
الـحَـجَــرُ الأسـودُ ومـقـلـتـاكِ مـثـلاً ..

يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ كان يتأملُ عَلَى نحوٍ مثمر فِي كيفيةِ متابعة مستقبله، حيث كان فِي حلمٍ دائم، يَبْدُو بمفاهيمِه الجوهرية متناغماً مَعَ رؤيةِ الروائي العالمي " باولو كويلو " المولود فِي البرازيل عام 1970م، وَالَّذِي نشرت مؤلفاته في أكثر مِنْ مائة وَخمسين دولة، وترجمت إلى أكثرِ مِنْ خمسينِ لغة، وَبيع مِنهَا أكثر مِنْ ثلاثين مليون نسخة، وَالَّتِي نصها " لا يستطيع الإنسان مطلقاً أن يتوقف عن الحلم.. الحلم غذاء الروح كما أن الاطعمة غذاء الجسم... نرى غالباً خلال وجودنا أحلامنا تخيب، ورغباتنا تحبط، لكن يجب الاستمرار في الحلم وإلآ ماتت الروح فينا ". أو مثلمَا يقول نجيب محفوظ الَّذِي يُعَدّ أهم الشخصيات فِي مجالِ كتابة الرواية الَّتِي ابتليت بالمصائب " كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان؟، كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا؟  "، فالسَماوي يحيى كان حريصاً عَلَى إكمالِ دراسته الجامعية فِي كليةِ الآداب ليحققَ طموحاته وَيصبح لهُ شأن فِي الحياة؛ لأنهُ أرادَ فعلاً مِنْ أعماقهِ أنْ يلبسَ ثوب التدريس، فكان لهُ مَا أرادّ بعد أنْ حصلَ غَلَى شهادةِ البكالوريوس فِي اللغةِ العربية عام 1974م، فغدا جديراً بالاشتغالِ فِي حقلِ التدريس مدرّساً لمادةِ اللغة العربية فِي " إعداديةِ السماوة "، بالإضافةِ إلى الاستمرارِ بِعملِه فِي ميدانِ الصحافةِ وَالإعلام. وَقد كان حقاً سعيداً وَمستمتعاً فِي ممارستِه لِمهنةِ التدريس الَّتِي أحبها، وَشغفَ بِهَا حتى حدود العشق، حيث كان يحاور طلابه، ويعيش معهم، متقمصاً أعمارهم وَمستويات وَعيهم؛ إذ كانت علاقته الإنسانيَّة بِهمْ تُنسيه الكد وَالتعب اليومي، وَمَا يَزال للآن مؤمناً بتلك السجية المستنيرة عَلَى الرغمِ مِمَا جلبت لَه لاحقاً مِنْ مُشكلاتِ مَعَ بعضِ الإدارات المدرسية، حيث كانت إحداها السبب فِي نقلِه إلى ثانويةِ التحرير بمدينةِ السماوة، فالسَماوي يحيى كمَا وصفه الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول " إنَّ السماويّ يحب العربية ويتقنها حدّ الإبداع، ولا يرضى بسواها لكتابة أدبه الغزير... هو نجمةٌ مضيئةٌ ومشعةٌ في سماء الأدب العربي المُعاصر، سراجه لا ينضب زيته، ولا تنطفئ فتيلته، سكب معاناته الإنسانيّة والوطنية في  قصائدَ حلّق خلالها بأجنحةٍ لا تحدها سموات، عصرَ فيها قلبه، ومنح من وهج شرايينه كتابات أفرغها في قلبِ القارئ العربي، ليعطيه طاقة روحيّة، وهو يترجم له أحاسيسه ومعاناته، بل قُلّ أحزان شعبه ومحنة بلده " وَيضيف أيضاً " هو شاعر وَأديب وَناقد وَباحث، يمتشق القلم لينشر مبادئه وقناعاته المُختمرة بفرن الاعماق بلغةٍ تشد القارئ وتحفر الإبداع فيه، لغة يعجنها ويصقلها لتأتي طوّاعة بين يديه، فميزته لا تكمن في تمكنه من اللغة العربية وحسب، بل في القدرة على استخراج تركيبات لغوية ساحرة. فعندما تتزاوجُ لغة الإبداع بصاحبها فإنّه من غير شك ستولدُ القصيدةُ ويولدُ النصّ الأدبيّ وتولد القطعة النثرية بأبهى حلّة، وكيف إذا كانَ المبدعُ قد انغمسَ في تفاصيل عالقة في جسد الذاكرة لتكتب همّ الوطن ومعاناة الشعب من حاكم أرعن وساسة لا يفقهون من الحياة إلآ الفساد والقتل والتعصب ". وَمثلمَا أشار إليه الشاعر الدكتور ابراهيم الخزعلي بالقول " إن الأعمال الخالدة في الأدب، هي تلك التي  تحتوي على مضامين انسانية نابعة من أحاسيس صادقة ممزوجة بالألم والمعاناة، وليست تلك الأشكال الجمالية التي لا تحتوي على أية قيمة مضمونية، أو بعيدة عن المصداقية، وهي مجرد ترف برجوازي .. فمن يقرأ السماوي إنساناً ونتاجا، لم يجد فارقا بينهما .. فالسماوي هو نتاجه، ونتاجه هو السماوي، وهذه هي قمة القيمة الإبداعية ". كذلك أشار إليه قارئ كريم اسْمه علي موسى‏ - يَبْدُو أنَّه كان عَلَى معرفةٍ قديمة بِالسَماوي - بمداخلةٍ نشرت فِي أحدِ المواقع الإلكترونية بالقول " قامة شامخة وشاعر كبير عراقي أصيل، وطني حد نخاع العظم، صامد كالجبل الأشم، لم يتغير، ولم ينحن لجنس بشر، محب للجميع، رقيق الاحساس، شفيف عذب حلو المعشر، أبي النفس ".

مُـتَّـهَـمٌ بـيـقـيـنـي فـي مـحـكـمـةِ الـظـنـون ..
حـزنـي الـشّـاهـدُ عـلـيَّ
ولـيـس مـن فـرحٍ يُـدافِـعُ عـنـي !

أيـهـا الـرّاعـي أعِـرنـي مـزمـارَك
لأنـشَّ بـهِ ذئـابَ الـوحـشـةِ
عـن بـقـايـا خِـرافِ طـمـأنـيـنـتـي !

*

مـنـذ دهـورٍ وهـو يـصـرخ ..
لـم يـسـمـعـه أحـد
لـيـس لأنـه يُـصـفـق بـيـدٍ واحـدة ٍ ..
ولا لأنـه مـثـقـوبُ الـحـنـجـرة ..
إنـمـا
لأنـهـم اعـتـقـلـوا الـهـواءَ
فـي قـاعـةِ الـوطـن

*

كـلُّ ضـغـائـن الـعـالـم
أضـعـفُ
مـن أن تـهـزمَ
قـلـبـيـن مُـتـحـابَّـيـن
بالاستنادِ إلى مَا تيسر لَيَّ مِنْ شهادات، وَلاسيَّما أحاديث طلبته الَّذين ارتقى الكثير مِنهم سلالم التطور فِي مَا تباين مِنْ ضروبِ الأدب، مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ عشقَ السَماوي للتدريس انعكس بصورةٍ إيجابية عَلَى تطويرِ الأداء فِي حقلِ التَّرْبِيَة بِمدينتِه، فضلاً عَنْ محاسنِه للطلبةِ الَّذين غرس فِي نفوسهِم بذرة القدرة عَلَى النجاح والسعيّ الحثيث لتَنْمِيَةِ مواهبهم وَتطوير قدراتهم، حيث تعودوا عَلَى النظرِ إلى الدراسةِ بطريقةٍ إيجابية؛ مكنتهم لاحقاً مِنْ التبحرِ فِي بطونِ كتب العُلُوم وَالتمتع بالتجوالِ فِي سوحِ الثَّقَافَة وَالفُنون. يضاف إلى ذلك انعكاس برنامج العمل هَذَا عَلَى أساليبِ التعامل مَعَ أقرانِه مِنْ المدرسين. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ السَماويَ وَمِنْ خلالِ استعراض مَا أُتيح لَيَّ مِنْ أقوالِ بعض مجايليه وَالنظر فِي شهاداتِ آخرين مِنْ طلبته، أبدع فِي أدائِه كمدرس للُغَةِ العربية. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرز وَأهم الدلائل عَلَى إبداعه هو اعتراف مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ فِي محافظةِ المثنى بالنهجِ الَّذِي اختطه فِي طرائقِ التدريس؛ إذ أوكلت إليه أكثر مِنْ مرةٍ مهمة إقامة دروس نموذجية لطلابِه يحضرها مدرسو وَمدرسات اللغة العربية فِي المحافظة، وَلاسيَّما فِي درسِ النحو، حيث كان يقوم بتأليفِ قصيدةٍ تتضمن أبياتها مَوْضُوع الدرس، وَمِنْ خلالِ شرح القصيدة يتم استنباط القاعدة النحوية، كما يتم معرفة بحر القصيدة وَتبيان السمات الأسلوبية وَالبلاغية، بالإضافةِ إلَى رسمِ مواضع الهمزة وما الى ذلك؛ فأصبح " الدرس النحوي " درساً فِي " النقدِ وَالبلاغة وَالمطالعة " مَعَ حرصه - المتعمد - عَلَى إنسانيَّةِ النص وَإشاعة الفكر الإنسانيّ التقدمي وَثَّقَافَة المَحَبَّة وَالتسامح كبديلٍ للأمثلةِ الجامدة وَالشعارات الَّتِي كان يتضمنها كتاب القواعد أو النحو.
فِي وقتٍ لَمْ يعد فِيه بيتُ شعر أحمد شوقي المشهور " قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا... كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا "، حاضراً فِي أذهانِ الكثير من التربويين فِي بلادِنا؛ لِتيقنهم مِنْ أنَّهُ أصبح فِي خبرِ كان بوصفِه مِن الأبياتِ الشِعرية الَّتِي لا ينسجم مضمونها مَعَ مَا يجري حالياً فِي أروقةِ مدارسنا بفعلِ تمرد الطلبة عَلَى أساتذتِهم وَعدم مَنحهم المستوى المطلوب مِنْ " التقديرِ وَالاحترام " بتشجيعٍ مِنْ بعضِ أولياء الأمور المتفاعلين مَعَ فوضى ديمقراطية المحتل، وجدت مِن المناسبِ استعراض بعض مناقب السَماوي التَرْبَوِيَّة، فالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مهنةَ التدريس أكسبت السَماوي صداقات واسعة وَحميمة مَعَ الطلاب، وَأكـاد أجـزم أن هَذَا التفاعل الإيجابي كان مِنْ بَيْنَ الأسباب الَّتِي حببت الأدب لعددٍ كبير مِنْ طلابه الَّذين أصبح لبعضهم اليوم حضوره الكبير فِي المشهد الإبداعي العراقي كالأدباء وَالشعراء قاسم والي، إياد أحمد هاشم، نجم عبيد عذوف، باقر صاحب، كاظم الحصيني، الدكتور عبد الرحمن كاظم زيارة، الشهيد المناضل كاظم وروار وغيرهم كثيرون.
 
سَـحَـبَـتْـنـي مـن مـرايـا شُـرفـةِ الـفـنـدقِ نـحـو الـقـاعِ صـخـرةْ

فـتـشــبَّـثـتُ بـحـبـلٍ مـن دخـانٍ كـلـمـا أنـفـثُـهُ :
يـنـفـثـنـي آهـاً وحـسـرةْ

فـتـلاشـيـتُ كـمـا فـي الـبـحـرِ قـطـرةْ

أيـهـا الـعـابـرُ مـن فـضـلـكَ : هـل ألـقـيـتَ نـظـرةْ

حـولَ هـذا الـبـحـرِ والـشـرفـةِ والـشـارعِ والـبـئـرِ
فـإنـي ضـائـعٌ أبـحـثُ عـنـي مـنـذ أنْ سَــلَّـمَ وادي الـنـخـلِ لـلـعـاصـيـن أمـرَهْ

لـم أجـدنـي فـي دجـى الـبـئـرِ وبـطـنِ الـذئـبِ والـحـوتِ
فـهـل فـتَّـشـتَ عـنـي ؟
إنـنـي الأعـمـى الـذي هـيَّـأ قـبـلَ الـمـوتِ قـبـرَهْ
كان السَماوي صادقاً فِي مهمته التَرْبَوِيَّة وَالمتمثلة فِي سعيِّه الحثيث للمُسَاهَمَةِ بِبناءِ أجيالٍ محصنة بالعلمِ وَمدركة لقيمةِ الثَّقَافَة وَتأثيرها، بَيْدَ أنَّ كُلَّ مَا فعله لَمْ يكن ذا أهمية فِي صلبِ تفكير إدارة تَرْبَوِيَّة تَنْهَل مِنْ معينِ النظام الشمولي فكراً وَممارسة، حيث فوجئ بقرارِ نقله مِنْ الآفاقِ الَّتِي يجد نفسه فِيها إلى " مُدِيرِيَّة بَلَديَّة السَماوة "، موظفاً لا عمل له. وَبعد مضي سنة دراسية كاملة قضاها فِي العملِ بمُدِيرِيَّةِ البَلَديَّة، استعاد السَماوي يحيى فرحاً صُودِر منه كيدا فِي أعقابِ إعادة خدماته ثانية إلى قِطاعِ التَّرْبِيَة بسببِ حاجة التَّرْبِيَة يومذاك إلى المدرسين. وَقد مكث فِي التدريسِ سنوات عدة، حتى شروع النظام الحاكم فِي التعاملِ مَعَ هَذَا القِطاع الحيوي بالاستنادِ إلى نهجِ " التبعيث ". وَحين أعلن السَماوي امتناعه عَنْ الإنتماءِ للحزبِ الحاكم، تم نقله وظيفياً إلى مكتبِ " بريد السَماوة " ليمارس فِيه وظيفة " رزّام رسائل "، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّه كان باعترافِ " مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ " وَإدارة المدرسة وَطلابه، مدرساً ناجحاً لدرجة أنَّ مُدِيرِيَّةَ الإشراف التَرْبَوِيّ كانت تكلّفهُ سنوياً بإقامةِ درسٍ نموذجي لطلابِه، بحضورِ مدرسي وَمدرسات المحافظة؛ إذ فوجئ ذات صباح بأمرٍ صادر مِنْ " مُدِيرِيَّةِ تَّرْبِيَة محافظة المثنى " بإنهاءِ علاقته بالتدريس؛ إستنادا للأمرِ الوزاري " المرقم 42051 وَالمؤرخ فِي الثالثِ مِنْ تموز عام 1980م "، وَ الَّذِي يقضي بنقلِ خدمته الوظيفية مِنْ " مدرس " إلى " رزّام  رسائل " فِي مكتبِ بريد السَماوة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أنَّ السببَ المعلن فِي أمرِ نقل خدماته - وَعدد آخر مِنْ زملائِه - هو مقتضيات " المصلحة العامة "، إلا أَنَّ غيرَ المعلن هو : رفضه وَزملائه الإنتماء لحزبِ البعث الحاكم.


لـسـتُ وحـدي أجـلـسُ الان عـلـى سـاحـلِ " هِــنْـلي بـيـجْ "

أرمـي الـمـوجَ والـرمـلَ بـأحـجـارِ الـنـدَمْ


لـسـتُ وحـدي فـأنـا فـي قـلـبـيَ اللهُ

وفـي عـيـنـيَّ بـحـرٌ

ويـدي تـحـمـلُ أوراقـاً وتـبـغـاً وقـلـمْ


وبـأعـمـاقـي جـبـالٌ مـن هـمـومٍ

وسـهـولٌ مـن ألـمْ


لـسـتُ وحـدي ..

إنـنـي فـردٌ ولـكـنْ بـيـن أضـلاعـي شـعـوبٌ وأمـمْ


كـيـف أشـكـو وحـشـةَ الـوِحـدةِ والـبـحـرُ صـديـقـي

ونـديـمـي الـصـمـتُ ..

هـل يـشـكـو صـريـرَ الـريـحِ مـزمـارُ الأصَـمّْ ؟

الشابُ الثوري المهووس بالثورةِ الَّتِي أكلت نفسها فِي مطلعِ ستينيات القرن الماضي، وَالَّذِي وصفَه - بعد عقود مِنْ تلك الأيام - الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول : " السَماوي كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية "، انتظم في مهنةِ رزم الرسائل بمكتبِ بريد السَماوة - لا عَنْ رضىً وَلا طيب خاطر - بعد أنْ تسببَ وعيه الوَطَنِيّ وَانغماسه فِي حركةِ اليسار عيشه خارج أسوار بِيئَة التَّرْبِيَة الَّتِي أحبها وَشغف بفنونِها حد العشق، فضلاً عَنْ مثابرتِه وَجهده الكبير، ومَا مِنْ شأنه الإثقال عَلَى أسرتِه مِنْ أجلِ التشرف بالانتماءِ إلى أروقتها ورسم ملامح الإبداع فِي فضاءاتِها، بَيْدَ أنَّ التضييقَ عَلَيه وَجعله بعيداً عَنْ طلبتِه، فضلاً عَنْ وضعِه تحت أنظار عسس السلطة ومخبريها السريين وَكتاب التقارير الإخبارية، لَمْ يبعده عَنْ همومِ شعبه، فكانت سياط أمن السُّلطة الَّتِي تجرى عَلَى ظهورِ آلاف العراقيين المطالبين بالكرامةِ وَالحريةِ تترك ندبات عَلَى جسمِه وَتعرج أخاديدَ عَلَى وَجهه.

قـالَ لـيْ الأعـمـى : أنـا أرضٌ يـبـابْ

لـيـس يـعـنـيـنـي إذ أشـرقـتِ الـشـمـسُ
أو الـبـدرُ عـن الـشـرفـةِ غـابْ

مـا الـذي تـخـسـرهُ الـصـحـراءُ إنْ جَـفَّ الـســرابْ ؟
السَماوي يحيى وجد نفسه ثانيةً بعيداً عَنْ تدريسِ طلبته أعلام الشعراء العرب كالمتنبي وَالبحتري وَامرئ القيس وَأبي تمام وَالنابغة الذبياني وَالمعري وَابن الرومي وَغيرهم، بعد أنْ أنيطت به مهمة لا تمُت إلى المؤهلِ العلمي فِي مجالِ اختصاصه أو نشاطاته المَعْرِفية وَاهتماماته الأدبية بأيِّ صلة؛ إذ أجبر عَلَى العملِ فِي عزلِ الرسائل وَرزمها فِي أكياسٍ قبل أنْ يبعثها بنفسِه - وَأحياناً سائق الدائرة أو عامل الخدمة الَّذِي يشار إليه محلياً باسْمِ الفرّاش - ليلاً إلى محطةِ القطار مِنْ أجلِ إرسالها إلى المدنِ الأخرى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ السَماويَ لَمْ يستقر بِه الحال هكذا طويلاً؛ إذ سرعان مَا أصبح مكبلاً بقيودِ العزلة القسرية عندما جرى نقله إلى وظيفةِ " أمين مخزن القرطاسية "، وَالَّتِي يقتصر واجبه فِيها عَلَى تجهيزِ مكتب البريد بالورقِ وَأقلام الحبر الجاف وَبقية القرطاسية، حيث كانت معاناته حملاً ينوء بِه ظهره؛ لأَنَّ ذلك المخزن لَمْ يكن إلا عبارة عَنْ غرفةٍ ضيقة معزولة مِنْ أجلِ عزله عَنْ بقيةِ الموظفين وَالموظفات. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ لقسوةَ تلك الأيام وقعاً فِي ذاتِ السَماوي، فقد كان هناك مِن المواقفِ مَا اخترق جدران عذاباتها بلمسةِ جمالٍ إنسانيَّة تعكس الأمل وَتدفع للتسامحِ والتكافل وَالمودة الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي زرعِ الثقة بقلوبِ الآخرين، وَرُبَّما القدرة عَلَى التأثيرِ فِي إعادةِ النظر بالحياة وَتغيير بعض المفاهيم، وَلا أدلَّ على ذلك مِمَا جعل إحدى زميلاته فِي دائرةِ البريد تضمين محتويات حقيبتها اليدوية " أبره وَخيط  وَأزرار "؛ لأجلِ إصلاح ملابسِه الممزقة بفعلِ مَا يتعرض لَهُ مِنْ ضربٍ وَركلات وَغيرهَا خلال حفلات الاستجواب شبه الشهرية فِي دائرةِ أمن البلدة، فضلاً عَنْ تمكنه مِنْ كسبِ وَد الموظفين وَالعمال هناك؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ العزلةِ الَّتِي فرضت عَليه، فإنَّ بعضَهم اصبح متعاطفاً مَعَ الحزبِ الشيوعي، فكان السَماوي يبيعهم خلسة جريدة " طريق الشعب " وَمجلة " الثقافة الجديدة "، مَعَ العرضِ أَنَّه كان شديد الحذر فِي التعاملِ مَعَ الآخرين؛ لِعلمه بوضعِه تحت مراقبة أجهزة أمن النظام وَعسسه. وَضمن هَذَا الإطار للسَماوي يحيى قول جميل نصه : "  نحن - الصعاليك - مثل نبات الأثل، نزداد انتشاراً وَتوغّلاً فِي الأرضِ كلما حاولتْ مناجل الجبابرة اجتثاثنا ".

الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي
والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ

جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ ـ فـي عـيـنـيَّ ـ والـنـجـومْ

وهـا أنـا : مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ
وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ

لابُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ

خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو ـ ولـكـنْ تـسـكـرُ الـكـأسُ ـ
وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ

عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي
وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي ..
فـهـل أنـا " ثـمـودُ " ؟ أمْ " سـدومْ " ؟
إذا كان بمقدوري استعارة المعنى مِنْ بيتٍ شعري لأبي الطيب المتنبي نظمه قبل أكثر مِنْ ألفِ عامٍ عند خروجه مِنْ مصر عَلَى أيدى جماعة مِنْ قطاعِ الطرق كان قد هجا كبيرهم بقولِه : " وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ ..  وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا "، فإنَّ مِنْ المضحكاتِ المبكيات الَّتِي يمكن أنْ تُساهم فِي رسمِ صورة للواقعِ العراقي أيام النظام السابق هو أنْ يغادرَ السَماوي يحيى مربي الأجيال - قسراً أيضاً - وظيفته الَّتِي كان يعاني فِيها العزلة وَيجبر لتأديةِ خدمةِ " الإحتياط " فِي محرقةِ حرب الخليج الأولى، فِي زمنٍ كان يُعفى فِيه المدرس مِنْ هذه الخدمة، حيث كان أقرانه مِن المدرسينِ وَالمعلمين يعيشون بعيداً عَنْ جبهاتِ الموت وَخنادقها بفضلِ قرارِ النظام استثناء المدرسينَ مِنْ مواليد عام ( 1949 ) مِنْ أداءِ الخدمة العسكرية كجنود احتياط، فكان أنْ سيقَ إلى مطحنةِ القادسية ليبقى ثمان سنين؛ بالنظرِ لزوالِ العذر الرسمي الَّذِي يوجب أنْ يكون المستثنى منتظماً فِي قِطاعِ التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، والمتأتي مِنْ رفضِه خيانة مبادئه وَالانتماء لحزبِ البعث.

لأنَّ عـيـنـيـكِ عـمـيـقـتـانِ عُـمْـقَ الـكـاسْ :
صـرتُ " أبـا نـؤاسْ " !
*
لأنَّ عـيـنـيـكِ حـديـقـتـايَ فـي الـيـقـظـةِ
و " الـبُـراقُ " إنْ أسـرى بـيَ الـعـشـقُ إلـى جـنـائِـنِ الأحـلامْ :

صـرتُ نـديـمَ الـوردِ والـطـيـورِ
والـسّـادِنَ فـي مِـحـرابِ شــيـخـي " عُـمَـرِ الخَـيّـامْ "
*
لأنَّ عـيـنـيـكِ بُحَـيْـرَتـانِ من ضـوءٍ تـشـعّـان بـكـلِّ الـفـصولْ :
صارَ فـمي مِـئـْذنـةً تـُمَـجِّـدُ الـسّــنـبـلََ في الحـقـولْ
*
ليس خافياً أنَّ ركونَ السلطة إلى قرارٍ " أسطوري " يقضي بتحويلِ تَرْبَوِيٍّ حاذق - يعتمد نظم الشعر لغة مَعَ البِيئَة الَّتِي يعيش فِيها وَيتواصل بِه مَعَ البَشَريَّة - إلى رزامِ رسائل، يعكس مِنْ دُونِ أدنى شك أنَّ متخذه لَمْ ينل الحد الأدنى مَن الأهلية، وقد زُجَ فِي أروقةِ إدارةٍ مهمة لا يفقه فيها شيئًا. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم، وَنحن فِي رحابِ استعراض بعض ذكريات تلك الأيام الإشارة هُنَا إلى أنّ تقدمَ الأمَم وَالشعوب يعود إلى طبيعةِ معطيات الإدارة المعتمدة فِيها، حيث أَنَّ بوسع الإدارة العِلْميَّة إنجاح المُنَظَّمَات داخل المُجْتَمَع؛ نتيجة مقدرة آلياتها عَلَى اِسْتِغلالِ المَوَارد البَشَريَّة وَالمادِّيَّة بفاعليةٍ وَكَفاءَة عالية. وَمصداقاً عَلَى مَا تقدم يمكن الاستشهاد بكثيرٍ مِن الدولِ الَّتِي تمتلك المَوَارد المَالِيَّة وَالبَشَريَّة، لكنها مَا تزال منضوية تحت خيمة الدول المتخلفة بسببِ النقص فِي خبراتِها الإدارية. يُضافُ إلى ذلك أنَّ نجاحَ خطة التَّنْمِيَة الاقْتِصَادِيَة وَالاجْتِماعِيَّة، وَتحقيقها لأهدافها يتوقف عَلَى حُسنِ استخدام مَا مُتاح مِن المواردِ المادِّيَّة وَالبَشَريَّة.
*
لأنّ عـيـنـيـكِ وديعـتانِ كـالأطـفـالِ فـي مـديـنـتـي ..
تـُضاحِـكانِ الـنـخـلَ فـي الـبـسـتـانِ والـنـجـومَ فـي الـسـمـاءْ :

صرتُ مـيـاهـاً فـابْعـثـيـني للعـطـاشى مـاءْ
*
لأن عـيـنـيـكِ تـُحِـبّانِ الـسّـنا
وتـكـرهـانِ الـدمَ والـخـنـجـرَ والـبـارودَ والـظـلامْ :

غـنّـيـتُ لـلـعـشـقِ وللأطـفـالِ والـسّـلامْ
*
لأنـنـي ابـتـدأتُ مـنـكِ رِحـلـةَ الـمـعـراجْ :

دعـوتُ أنْ يُـورِثَـنـي مـصـيـرَهُ " الـحلاّجْ " !

لَمَا كانت الإدارة تشكل عصب الدَّوْلَة وَالسُّلطة، وَتجسيدها الأمثل، فإنَّ الإدارةَ السليمة تفرض عَلَى المدراءِ وضعِ الشخص المناسب فِي المكانِ المناسب؛ تحقيقاً للعدالةِ وَمراعاةً لظروفِ العمل وَمتطلباته، إلى جانبِ قدرات الفرد وَإمكانياته. وَيَبْدُو جلياً أنَّ صاحبَ ذلك القرار " المعجزة " لَمْ يصل للإدارةِ بالاستنادِ إلى َكفاءته أو خبرته، وَإنما أرتقى سلالم المنصب الوظيفي بأجراءٍ إداريٍّ خاطئ أو بمحضِ الصدفة أو بانتهاجِ سبلٍ لا تقيم وزناً للإمكانات، وَلا تعول عَلَى مَا يلزم مِنْ مهارات. وَلا أَكتُمُ سراً عندما أقولَ أَنَّ مِنْ بَيْنَ أهم العوامل الَّتِي أثارتني للحديثِ عَنْ تلك الحادثة المؤلمة الَّتِي تجرع مرارتها الكثير مِنْ الوطنيين وَالاحرار هو التخبط الَّذِي يخيم عَلَى المشهدِ السِّياسِيِّ المَحَلّيّ؛ نتيجة لافتقارِ القيادات الإدارية إلى التَّخْطِيط المنظم وَالمتقن الَّذِي يرتكز عَلَى فهمٍ عميق لأهميةِ عملية التَّنْمِيَة وَدورها المرتجى فِي مهمةِ بناء الإنْسَان وَرقيه وَتطوره، بالإضافةِ إلى مَا مِنْ شأنِه النهوض بالبلادِ اقْتِصادِياً وَاجْتِمَاعِياً وَثقافيا، وَصولاً إلى النهضةِ الحقيقية الشاملة. وَلعَلَّ فِي مقدمةِ تلك الاخفاقات هو الخيبة فِي مواكبةِ التطوير بمختلفِ جوانب العملية التَرْبَوِيَّة وَالتَّعْلِيميَّة، بِمَا يضمن تبنى المتفوقين وَالنابغين وَدعمهم؛ لأجلِ تمكينهم مِنْ تطويرِ ملكاتهم وَتنمية قدراتهم بِمَا يُساهِمُ فِي الارتقاءِ بالبلاد. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ أَنَّ أستاذَ اللغة العربية الَّذِي قدر له أنْ يعملَ فِي رزمِ الرسائل مرغماً، لَمْ يقتصر عطاؤه عَلَى تركِ بصمة فِي المشهدِ التَرْبَوِيّ العراقي، حيث مكنه مداد يراعه أنْ يصبح بعد سنوات أحد أهم العنوانات داخل الخارطة الشعرية الَعرَبيَّة بفضلِ تنوع نتاجه الشِعريّ مَا بَيْنَ القصيدة العمودية الَّتِي عشق كتابتها منذ بداياته الأولى وَمَا بَيْنَ القصيدة الحرة الَّتِي يتنقل فِي تفاعيلها، فضلاً عَنْ تخطي صيته وَشهرته الصعيد المَحَلّيّ وَالعربي، مثلما يشهد بذلك المترّجَم مِنْ أعمالِه إلى لغاتٍ عدة، إضافة إلى الرسائلِ وَالأطاريح الجامعية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعاتٍ إيرانية وهندية؛ بالنظرِ لكونِ مضامين أعماله الشِعرية نابعة مِنْ إحساسٍ صادق وَعميق مفعم بالحبِ وَالجمال واحترام الإنْسَان وَالدفاع عَنْ قَضايَاه.

إنَّ لـقـاءً قـصـيـراً
يـمـنـعُ زَعَـلاً طـويـلاً ..

فـتـصـدَّقـي عـلـيَّ ولـو بـ " شِـقِّ لـيـلـةٍ "
أشـربُ فـيـهـا خـمـرَ أنـوثـتـك بـكـأس رجـولـتـي

كـلُّ قُـبـلـةٍ تـتـصـدَّقـيـنَ بـهـا عـلـيَّ :
سـأجـزيـكِ بـعـشـرةِ أمـثـالـِـهـا
ذات سَماوة، سأل السَماوي وَالده : " هل جرّبت الجندية يا أبي ؟ ". وَمِنْ دُونِ حاجة الحاج عباس " طيب الله ثراه " إلى وقتٍ للتفكير أجابه على الفور : " نعم يا ولدي... حاولت التملص منها فلم أستطع؛ لأَنّيَ لم أكن وحيد العائلة فأعفى، ولا ثرياً فأدفع البدل النقدي..! ". وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ كلماتَ الحاج عباس كانت أكثر مِنْ إجابة عَلَى سؤال، فالمتمعن بمضمونِها الإنساني يعي جيداً أَنَّ الدفاعَ عَنْ الوطنِ محصور بالفقراء. ولأَنَّ جوابَ الوالد كان بمثابةِ صفعة لولده، سأل يحيى والده ثانية ببراءةِ الفتوة : " لكن الفقراء لا يملكون بيوتاً فخمة وسيارات ونقوداً كثيرة .. المفروض أنْ يكون الأثرياء أكثر دفاعاَ عن الوطن؛ لأنهم تنعّموا بخيراته... أليس كذلك يا أبي؟ "، إلا أَنَّ الجوابَ كان بحاجةٍ إلى تفكيكٍ لألغازِه فِي ظلِ مَا اكتنفه مِنْ غموضٍ أوقع الفتى السَماوي فِي حيرةٍ مِنْ أمره، حيث أجابه الحاج عباس بِمَا نصه : " سيأتيك القوس بلا ثمن فاهتمْ بدروسـك! ". ولقد جاء القوس فعلاً، لكنه كان بأثمانٍ باهظة، وَليس مِنْ دُونِ ثمن كما اعتقد السَماوي. وَأنا أتأمل بعض تداعيات " قوس " السَماوي يحيى، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري إحدى رسائل الروائي وَالصحفي الفلسطيني غسان كنفاني ( 1936 – 1972 ) إلى الأديبةِ السورية غادة السمان، وَالَّتِي نصها " ويبدو أنَ هناك رجالا.. لا يمكن قتلهم إلا من الداخل ".

61
مرافئُ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الثالثة والعشرون  )
لطيف عبد سالم  
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.       
مَا يميز تجربة السَماوي يحيى الشِعرية فِي أحدِ جوانبها المهمة، هو القدرة الفائقة عَلَى اِسْتِغلالِ مَا اكتنزته ذاكرته مِنْ مَوْرُوثَاتٍ وَأحداث عاش فِي خضمِها وتجاذبته المعاناة مِنْ معطياتها، حيث أَنَّ القراءةَ المتأنية لبعضِ قصائده، فضلاً عَنْ مدادِ يراعه فِي أجناسِ الأدب الأخرى، تكشف عَنْ أثرٍ واضح لاستفزازِه الذاكرة ومنحها دفقاً؛ لإِنْتَاجِ صورٍ شِعرية وَأدبية تقوم عَلَى إبرازِ حالته النَفْسِيَّة وَانفعالاته الَّتِي تجتذب القارئ وَتهز وجدانِ المتلقي الَّذِي مَا يَزال مشاركاً لَه فِيمَا يشعر بِه مِنْ هواجسَ حيال مَا جرى مِنْ أزماتٍ وَمجاعات وَاغتراب وَأحداث دامية خلفت الكثير مِنْ الهمومٍ وَالأحزان وَالنكبات. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تنوعَ الينابيع الَّتِي نهل مِنهَا السَماوي يُعَدّ أحد الدعائم الإِيجابيَّة الَّتِي ميزت تجربته الشِعرية؛ إذ أَنَّ الخروجَ مِنْ مأزقِ الأحادية فِي اعتمادِ المصادر، وَالَّتِي لَمْ يكن بوسعِ الكثير مِنْ الشعراءِ وَالأدباء مغادرة شباكها، ساهم فِي إثْرَاءِ أدواته الشعرية، وَطور مِنْ موهبته فِي نظمِ القصيد وَانتقاء مفرداته عَلَى وفقِ ضوابطَ لغوية وَشروط نحوية، وَهو الأمر الَّذِي اتضحت معالمه فِي جمالِ صياغة قصائده وَتميزها؛ لارتكازِه عَلَى الإِبْداعِ فِي تركيبِ الصورة الشِعرية، فضلاَ عَنْ دقةِ اختيار الكلمة. يضاف إلى ذلك الدور الواضح للبِيئَةِ المَحَلِّيَّة الَّتِي عاش فِي رحابِها بالمُسَاهَمَةِ فِي إنضاجِ شاعريته وَتوهج وَعيه السِّياسِيِّ الوَطَنِيّ التقدمي؛ إذ يمكن الجزم بأنَّ مشاركته فِي الانتفاضةِ الجماهيرية عام 1991م، كانت تتويجا للحسِ الوَطَنِيّ الَّذِي نشأ عَلَيه منذ ختم مراهقته الشِعرية فِي ديوانِه البكر الموسوم " عيناك دنيا "، ليبتدئ شبابه الشِعري فِي ديوانِه الثاني " قصائد في زمن السبي والبكاء " الَّذِي أصدره أيام دراسته فِي كليةِ الآداب بالجامعةِ المستنصرية، فلا غرابة فِي قولِ الكاتبة وَالقاصة التونسية هيام الفرشيشي مَا نصه " شِعرُ يحيى السماوي يتقلب بين الوطن داخل الكلمات والمنفى خارج الوطن "، فضلاً عَنْ إشارتِها إليه بوصفِه " أشبه بالطفل الذي يطرب لثغاءِ شاة أو نباح كلب في بستانٍ من بساتين السماوة، أكثر مما تطربه موسيقى منتديات الليل في المدن الكونكريتية "، وَيقيناً أَنَّ الأديبةَ الفرشيشي كانت عَلَى صوابٍ بشكلٍ لا يقبل اللبس فِي معناه؛ لأَنّ قولَها يعبر حقيقة عَنْ تعلقِ السَماوي بوطنِه وَمرابع طفولته وَأيام صبَاه وَشبَابه. 

جـرّبـتُ يـومـاً
أنْ أغَـيِّـرَ فـي طـقـوسـي حـيـن يـطـحـنـنـي الـحـنـيـنُ
كـأنْ أخـونَـكِ
فـي دهـالـيـزِ الـخـيـالْ

هـيّـأتُ فـي سِـردابِ ذاكـرتـي
سـريـراً بـاردَ الـنـيـرانِ مَـسـعـورَ الـنـدى ..
ومـن الـسَّـفَـرْجَـلِ والأقـاحِ وسـادةً ..
ومَـلاءةً ضـوئـيَّـةً
طـرَّزْتُـهـا بـهـديـلِ فـاخِـتـةٍ ..
ومـبـخـرةً مـن الـشّــبَـقِ الأثـيـمِ ..
ومـن صـحـونِ الـلـذّةِ الـحـمـراءِ مـائـدةً ..
وثـغـراً ظـامـئـاً لـرضـابِ زهْـرِ الـبـرتـقـالْ ..
 
ونـديـمـةً كـانـتْ تُـويْـجَـتُـهـا أنـيـسـةَ مَـيـسَـمـي :
شـفـتـانِ مـن كَـرَزٍ ..
وعـيـنـانِ اسـتـفـاقَ الـعُـشـبُ فـي حـقـلـيـهـمـا ..
وحَـمـامـتـانِ يـكـادُ عُـشُّـهُـمـا يـضـيـقُ بـهِ الـقـمـيـصُ
فـحَـلَّ أزراراً لِـيُـفـسِـحَ فـي الـمـجـالْ

فـاسْـتـنْـفـرَتْ جـوعـي لـذائِـذُهـا ..
وحـيـن هَـمَـمْـتُ :
سَـلَّ الـقـلـبُ أضْـلاعـي عـلـيَّ
فـكـنـتُ مـهـوىً لـلـنِـبـالْ

فـعـرفـتُ أنـي
حـيـن أجـنـحُ عـن صِـراطِ هـواكِ :
أبـدأ بـالـتّـلاشـي والـزّوالْ
***
السَماوي يحيى الَّذِي أسبل عناقيد العشق مِنْ حول وطنه، نجح فِي توظيفِ مَا امتلكه مِنْ موهبةٍ أدبية حقيقية فِي التعبيرِ عَنْ انفعالاتِه الَّتِي تعكس صفحات مرعبة مِنْ تأريخِ معاناة الشعب العراقي، فضلاً عَنْ حرصِه عَلَى الغوصِ فِي بحورِ اللغة؛ لأجلِ الإمساك بالمفردةِ الَّتِي مِنْ شأنِها التعبير بصدقٍ عَما يجيش فِي صدرِه وَرأسه مِنْ أفكارٍ وَآراء مستمدة المقومات مِنْ مشاعرِ الحب وَالشوق وَالمُقَاوَمَة وَالغربة وَالحنين. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ السَماوي كان واعياً فِي البوحِ عما يعتمل فِي وجدانه، حيث تمكن مِنْ تفريغِ انفعالاته بِمَا أفضى إلى إيجادِ بِيئَةٍ خصبة بالتعاطفِ مَا بَيْنَ نتاجه الشِعري وَبَيْنَ المتلقي. وَفِي السياقِ ذاته، يرى السَماوي أنْ لا هدوءَ لطوفانِ انفعالاته، إلاّ حين يعود العراق خيمة أمان وَمائدة عافية، وَليس كما هو الآن كما يصفه بـ : " أرخبيل دويلات هشة.. وكل وزارة دولة أو حزب أو طائفة ، في وطن أغلبه منطقة صفراء وقليله منطقة خضراء ". وَلا رَيْبَ أَنَّ وَطنَ السَماوي كان حاضرًا عَلَى الدوامِ فِي عقلِه وَمؤثراً فِي نظمِ شِعره، فحسهُ الوَطَنِيّ يزيده يقيناً مِنْ أنَّ البناءَ السِّياسِي فِي بلدِه، لَمْ يكن سليماً بفعلِ أجندة المحتل الأمريكي، حيث يشير ضمن هَذَا المعنى بالقول : " طوفان الانفعالات سيهدأ حين يصبح الوطن كله منطقة خضراء، وحين يعمّ الأمان كل العراق وليس المنطقة الخضراء وحدها، وحين نرى اللصوص الجدد في قفص المحاكمة، وقبل ذلك إعادة النظر في بعض مواد الدستور لتخليصه من القنابل الموقوتة التي وضعها المحتل الأمريكي ". وَمِن المؤكّـدِ أنَّ تلك المواقف الوَطَنيّة لَمْ تكن جديدة عَلَى السَماوي يحيى الَّذِي استمد وعيه السِّياسِيّ مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة، وَالَّتِي مِنْ المؤكدِ إنَهَا كانت سبباً فِي معاناتِه وَمعاناة عائلته، فضلاً عَنْ السوادِ الأعظم مِنْ أبناءِ شعبه، فَكان أنْ انصهر فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد مذ أنْ كان غضاَ طريا.
***
جـرّبـتُ يـومـاً
أنْ أغـيِّـرَ فـي كـتـابِ الـقـلـبِ ..
أشـطـبُ مـنـهُ :
بـاديـةَ الـسـمـاوةِ ..
والـفـراتَ الـمُـجـتـبـى ..
ومـآذنَ الـلـهِ الـنـخـيـلْ

والـكـوخَ والـفـانـوسَ ..
تـنّـورَ الـصّـبـاحِ ..
وطـاسـةَ الـلـبـنِ الـخـضـيـضِ ..
ونـخـلـةَ الـبـرحـيِّ وسْـطَ الـحـوشِ ..
والـفـقـرَ الـجـلـيـلْ

فـنـشـرتُ أشـرعـتـي
وأبْـدَلـتُ الـلـسـانَ بـغـيـرِهِ ..
غـيّـرْتُ أثـوابـي ..
وأبْـدَلـتُ الـسـواحـلَ بـالـسّـواقـي ..
والـمـراقـصَ بـالـمـآذنِ ..
والـكـمـنْـجـةَ بـالـهـديـلْ

لـكـنـنـي
عـنـدَ الـوقـوفِ إلـى الـمـرايـا
لا أرى
إلآ مـلامـحَ أمـسـيَ الـحيِّ الـقـتـيـلْ :
 
طـفـلٌ بـلا لُـعَـبٍ ..
صـبـيٌّ قـابَ قـوسٍ مـن كـهـولـتِـهِ ..
فـتـىً صـلـبـوا عـلـى عـيـنـيـهِ هُـدْهُـدَهُ الـجـمـيـلْ

وأرى غـدي
فـي " الـمـسـلـخِ الـوطـنـيِّ " ..
يـنـهـشُـهُ الـمُـنـافـقُ ..
والـمُـدَجَّـنُ ..
والـولـيُّ الـلـصُّ ..
والـضَّـبْـعُ الـدّخـيـلْ ..
*** 
الرئيس الأوزباكستاني إسلام كريموف ( 1938 - 2016 )، الَّذِي حكم بلاده منذ استقلالها عَن - الراحلِ - الاتحاد السوفيتي فِي عامِ 1991م، له مقولة جميلة بخصوصِ المواطنةِ نصها " لا يوجد سعادة بالنسبة لي أكثر من حرية موطني "، وَقد وَجدت فِي جعبةِ السَماوي الكثير مِن النصوصِ وَالأقوال الَّتِي تؤكد الرابطة الوطنية، وَتعبر فِي الوقتِ ذاته عَنْ مقصد كريموف حيال الوطن، فمِنْ بَيْنَ طروحات السَماوي قوله : " أقسم انني أكتب الشعر، لا حباً به ولكن : لأنه الماء الوحيد الذي أطفئ به حرائق روحي، والمنديل الذي أخبّئ فيه دمع الرجولة ". وَلأَنَّ " الوطنية تعمل ولا تتكلم " بحسبِ الأديب المصري وَرائد حركة تحرير المرأة قاسم أمين ( 1865 - 1906 ) الَّذِي يُعَدّ أحد مؤسسي الحركة الوَطَنيّة فِي بلادِه، فإنَّ الحضور النضالي للسَماويّ الَّذِي انعكس بمواقفَ مشهودةٍ فِي مختلفِ مراحل حياته، بلغ ذروته بِمشاركتِه مقاتلاً وَخطيباً فِي الانتفاضةِ الشعبية التي جرت أحداثها فِي شهرِ آذار مِنْ عامِ 1991م، حيث ركن مخيلته الشِعرية الَّتِي طالمَا تغنت بالمقلةِ وَالنهد جانباً، وَشرع فِي مهمةِ شحذ الهمم، فعززَ بشعرِه وَخطبه دور الإنْسَان المقاوم للدكتاتورية، وَتغنى بالنضالِ مِنْ أجلِ حرية الوطن وَسعادة الشعب وَرفاهه. وَفِي هَذَا السياق يصف الروائي العراقي المغترب سلام ابراهيم جانباً مِنْ ألبومِ تلك المرحلة بالقولِ " يحيى السَماوي كان عاطفياً ومتحمساً وثورياً يكاد يتفجر حماسةً، شِعرهُ يشبه المتطرف في غزله، وعند - سويعات النشوة - تسيل العواطف فيبكي لغزلٍ ولفكرة عن الثورة، أو لحديث عن أوضاع الفقراء ". وَفِي مناسبةٍ أخرى يتحدث إبراهيم عَنْ فيضِ المشاعر الملتهبة عند حضوره أمسية شعرية أقامها نهاية عام 2017م بيت النخلة فِي الدنمارك تكريماً للشاعرِ يحيى السَماوي، وَالَّتِي وصل إبراهيم إلى مكانِها قبيل بدئها، فبادر بإلقاءِ التحية عَلَى مديرِ الجلسة الشاعر والناقد العراقي المغترب هاتف بشبوش، فالتفت بشبوش نحو يحيى الَّذِي كان منشغلاً فِي إخراجِ أوراق أشعاره قائلا: سلام إبراهيم، وهو لا يعرف علاقة السَماوي بإبراهيم وجذورها، ويضيف إبراهيم واصفاً مَا جرى فِي تلك الأمسية الممتعة بقولِه " ترك السَماوي اوراقه وعانقني بشدة طويلاً وكأنه ذلك الشاب المتحمس الثوري بشعره الطويل المتدلي حتى كتفه والمتهدج الصوت حينما يمس الحديث فكرة الظلم والفقر، وجدته هو.. هو.. عانقني وألتفت إلى الحضور قائلا : واحد وأربعين عاما من السماوة حتى كوبنهاكن.. ومن عشرينيات عمرنا وحتى ستينياتها ". وَيسترجع إبراهيم بعضاً مِنْ ذكرياتِ الأمس البعيد فِي ختامِ حديثه قائلاً " محبتي صديقي يحيى السماوي، الآن فقط تَفَسرَ لي ولك : لِمَ بكينا على ما يجري في وطننا في ليلة السماوة، وسرّ لوم وضحك - أصدقاء آخرين - من احتراقنا.   
***
جـرَّبْـتُ يـومـاً
أنْ أخـونَ الأصـدقـاءَ
كـأنْ :
أغـضُّ الـسَّـمْـعَ
حـيـن يـنـالُ مـن أزهـارِهِـمْ
شـوكُ الـمُـهـتَّـكِ ..
والـطـحـالـبُ ..
والـذّلـيـلْ

فـخـشـيـتُ أنْ يَـعْـتـابَـنـي شـرفـي
ويـبـرأ مـن جـذوري
طـيـنُ بـسـتـانـي الأصـيـل
 
أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ شلالَ الدم المتدفق مِنْ جراحاتِ شعبنا النازفة، يفرض عَلَى البيتِ الثَّقَافي العراقي بمختلفِ موارده الشروع بتوثيقِ أيام المحنة الَّتِي أصبحت جزءاً مِنْ ذاكرةِ أجيالٍ عانت مرارة الدكتاتورية وَفجعت بديمقراطيةِ " فوضى المحتل الخلاقة " الَّتِي لَمْ تبقِ لَنَا سوى النحيب عَلَى أطلالِ حضارة مَا بَيْنَ النهرين، دجلة والفرات، وَالَّتِي تمتد جذورها فِي أعماقِ مَا قبل التاريخ. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، يشير الأديب العراقي المغترب الدكتور إبراهيم الخزعلي فِي مداخلةٍ بأحدِ المواقع الإلكترونية إلى إعجابه بتجربةِ السَماوي يحيى وَتثمينه لِمنجزِه الشعري مخاطباً إياه بالقول : " سيدي كم نحن محتاجون إلى ترجمةِ حروف جراحنا وآلامنا إلى كل لغات العالم، لأنها تاريخ أدبنا الذي نقشه أدباء هم كانوا احد أحرار هذا التاريخ الدامي، فعندما نرى لوحة الشهيد البطل شاكر الجوعان، نرى بين ألوانها روح ودم وقلم الشاعر يحيى السماوي، الذي كان جنبا إلى جنب شاكر الجوعان في مقارعة الدكتاتورية وأزلامها، فمثل هذا الأدب الصادق بحاجة إلى ترجمة، وايصاله إلى العالم، لا أدب دولارات السلطة وهبات السلطان لشعراء قصره، وهم يكتبون بعيون مغمضة عن بالوعات الدم التي هي من حولهم ". وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ للأدبِ دوره فِي الحيَاةِ الإنسانيَّة، وَلاسيَّما مَا يتعلق مِنهَا فِي إتاحةِ الأعمال الأدبية فرصة التفكير للقارئ أو المشاهد أو عيشهما اللحظة كما لو أنها تحدث لهما، فَعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، " لولا ذيوع اسم بابل فِي فجاجِ العالم وَأزمانه، لما شهد الناس لحدائقها المعلقة كإحدى عجائب الدنيا السبع، ولما عرفوا قانون حمورابي "؛ إذ أَنَّ للأدبِ أثرا  فاعلا فِي مهمةِ توثيق الأحداث وَتبليغها. وَإلى جانبِ أهميةِ مَا كتبه الدكتور الخزعلي حول ضرورة إبراز معاناة الشعب العراقي وَبؤسه بأعمالٍ أدبية، تعبيراً عَنْ الدورِ المهم الَّذِي يلعبه المنجز الأدبي فِي إطلاعِ العالم عَلَى ما تعرض لَه شعبنا مِنْ قهرٍ وَعذابات، فإنَّ المثيرَ للاهتمامِ هو أَنَّ الخزعليَ ضمن سطوره المذكورة آنفاً شهادة مهمة مِنْ أكاديميٍّ ومناضلٍ تقدمي حول دور السَماوي يحيى فِي مقاومةِ الدكتاتورية. وَأجدني هُنَا مدفوعاً بلهفٍ إلى تذكيرِ المُؤَسَّسَةَ الثقافيَّة العراقية بضرورةِ توثيق الأحداث الجسام الَّتِي عانى مِنْ ويلاتها شعبنا؛ وفاءً لدماءِ شهداء العراق الطاهرة وتضحيات أبنائه، فَغنيٌّ عَنْ القولِ إنَّ المُؤَسَّسَةَ الثقافيَّة تتحمل مسؤولية تاريخية وَإنسانيَّة فِي البدءِ بتهيئة مَا يتطلب مَشْروع تدوين أحداث مرحلة عصيبة مِنْ تاريخ العراق المعاصر، أعوامَها غنية بالمآسي وَمرارة المعاناة الَّتِي بوسعِ الأدباء وَالكتاب سبرِ أغوارها بإلهامٍ وَاحترافية؛ لأَجلِ أنْ لا يصبحَ ضحايا الدكتاتورية مُجرَّد أرقام أو لا شيء كما فِي المقولةِ اللافتة لقائدِ للاتحاد السوفييتي الثاني جوزيف ستالين ( 1878 – 1953 )، وَالَّتِي يقول فِيها " تعتبر حالة وفاة واحدة حادثة تراجيدية، أما مليون حالة وفاة فهي حالة إحصائية "؛ إذ أَنَّ الثَّقَافَةَ ميدانٌ للنضال، وهو أمرٌ يؤكده أكثر مِنْ منجزٍ أدبي، وَلاسيَّما مَا ظهر مِنْ أدبِ المُقَاوَمَة.

لـثـمـتُ خـدودَهـا فـاغْــتـاظَ زهْـــرُ
وأعْـشَـبَ مُـقـفِـرٌ واخْـضـلَّ صَـخْـرُ

وخَــرَّ مُــكــبِّــراً نــزقٌ وطــيــشٌ
وصــلّــى تــائِــبــاً لـــلــــهِ نُـكْـــرُ

وجَــفّــتْ مُـوحِـلاتٌ  لــلـخـطــايـــا
وفـاضَ على حـقـولِ العُـسْـرِ يُـسْــرُ

رأيـتُ فـجائعـي عُـرســاً ومَـغْــنـىً
وعـادَ صِباً بـرغـمِ الـشَّـيْـبِ عُـمْـرُ

غــفـونـا فـي ســريـرٍ مــن غــيـومٍ
يُــدَثّــرُنــا بــنــورٍ مــنـــهُ   بَـــدرُ

وأسْـكَـرَني الـعِـنـاقُ فـرِحْـتُ أعـدو
 فـبـيـني والـمــدى والــنـجـم شِــبْـرُ

 فـبـعْـضـي مُـثْـقــلٌ بـالــقــيــدِ عَـبْــدٌ
وبـعـضي مثـلُ ضـوءِ الـنـجْـمِ حُــرُّ
***
إذا كان " الوطن " بالاستنادِ إلى رؤيةِ الكاتبِ وَالطبيب الأمريكي أوليفر وندل هولمز ( 1809 - 1894 ) الَّذِي نال الشهرة بفضلِ مقالاته وَقصائده، فضلاً عَنْ قيامِه بالتدريسِ فِي مدرسةِ هارفارد الطبية خلال سنوات أعظم نجاح أدبي لَه، هو " المكان الذي نحبه، فهو المكان الذي قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه "، فإنَّ شرايينَ السَماوي يحيى مَا تَزال موصولة بترابِ العراق وَرافديه، فضلاً عَنْ أَنَّ روحَه - الَّتِي علاجها بحسبِه القرب مِن الأحبةِ الرائعين - تواقة للظفرِ بظلالِ نخيله، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " إنّ قرويةَ عراقية أو عربية في كفّها رائحة الحنّاء أجمل عندي من شقراواتِ الدنيا وسمراواتها .. وأنّ خيمة أغفو فيها بأمان في السَماوة، أحبّ الى نفسي من الإغفاءةِ في قصرٍ تطاردني فيه  الكوابيس ". وَيمكن الجزم بأنَّ هَذَا الحس الوطني أكثر تأثيراً فِي نفسِ المتلقي مِنْ مضمونِ مقولة الكاتب وَالفيلسوف الفرنسي فولتير ( 1694 - 1778 ) الَّتِي مفادها " خبز وطنك افضل من بسكويت اجنبي ".
***
حـمـلــتُ أمــيـرتـي والـلــيــلُ سِــــرٌّ
وعُــدتُ بـركـبـهــا والصّـبـحُ  جَـهْــرُ

دخـلــتُ بـهــا مـن الــبــلـدانِ شــتّـى
فـأرضٌ طــيــنُـهــا مِـــسْـــكٌ وتِــبْــرُّ

 وأرضٌ مـــاؤهــــا  لـــبَـــنٌ وراحٌ
وأرضٌ شـــوكُـهـــا تِــيــنٌ وتــمْــرُ

وأرضٌ ســـورُهـــا  قــمـحٌ  ونـخــلٌ
وأرضٌ رمْــلُــهــا بــالــمـاءِ غــمْــرُ

 وبــانــتْ  دُرّةٌ مــن  شِــــقِّ زيــقٍ
فـأخـفـاهــا عـن الـعــيـنـيــن شَــعْــرُ

 كــأنّ الــنـهـــدَ فــاتــنــةٌ  خـجـــولٌ
وأنّ قـمــيــصَـهــا الــشــفّــافَ خِـدْرُ

وجــيــدٌ لا أرقّ .. خـشــيـتُ هُــدبـي
ســيـجـرحُهُ .. ومـثـلُ الـجـيـدِ نـحْـرُ

أيُـطبِـقُ جـفـنـهُ في الـرّوضِ نـحْـلٌ
إذا نــادى عـلــيــه شـــذاً وزهْــــرُ ؟

فُـضِحْـتُ فـلـيس ليْ في الحـبِ أمْــرٌ
عـلى قـلـبي ولا في الـشـوقِ صَـبـرُ
***
يوم كان شعبنا يعيش فِي دهاليزِ الدكتاتورية وَأروقة أنفاقها المظلمة، لَمْ يكن السَماوي الفتى فِي معزلٍ عَنْ قضايا وَطنه السِّياسِيِّة، فالحسّ الوَطَنِيّ لَديه لَمْ يكن وَليد المنفى؛ إذ أنَّ تاريخه يحفل منذ فتوته بالكثيرِ مِنْ المواقفِ الوَطَنيّة الَّتِي عكست انحيازه إلى قضيةِ وَطنه وَشعبه، وَالَّتِي عززت بدورِها استعداده لمواجهةِ النظام الشمولي فِي الانتفاضةِ الشَعْبِيٍّة. وَقد يَبْدُو مِن المناسبِ هُنَا وَالمهم أيضاً العودة إلى الماضي البعيد لاستذكارِ مَا أتيح لنا مِنْ تلك المواقف، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها مَا كتبه الروائي سلام إبراهيم عَنْ زيارةٍ قام بِها فِي النصفِ الثاني مِنْ سبعينياتِ القرن الماضي إلى السِماوةِ بصحبةِ آخرين مِنْ أجلِ لقاء السَماوي يحيى بعد فراقهما فِي أعقابِ إكمال دراستهما الجامعية وسوقهما لأداءِ الخدمة الإلزامية، وَالَّتِي يصف مجريات إحدى جلساتها بالقول " كان اللقاء حافلاً، كلام عن الثورة والأفق المسدود في العلاقة مع البعث. لا أدري كيف أنقضى الوقت، لكن كان ليل السماوة الصحراوي وحكايا النضال فيها، فقطار الموت في 1963 الذي أعده البعثيون لقتل أكبر عدد ممكن من الشيوعيين توقف فيها لينقذ أهلها من بقي حيا، وسجن نقرة السلمان البعيد في عمق الصحراء وقصصه كلها فيها، وحسن سريع الذي قاد انتفاضة معسكر الرشيد على أنقلابيي 8 شباط 1963 من أهلها، كنا نطوف ليلتها في التاريخ، في الحماسة، في الرغبة بتغيير العالم وخلق مجتمعٍ حرٍ سعيد، ليلتها بكينا أنا ويحيى بحرقة، جعلت من جلسائنا يسخرون من عواطفنا وهشاشتنا كما وصفونا ضاحكين ". وَلا رَيْبَ أَنَّ ندبةً عميقة وَجروحاً مؤلمة تركتها تلك الأيام فِي روحِ السَماوي يحيى وَأرواح أبناء شعبه، وَالَّتِي وَصفها ذات مهجر بالقول: " أن تشعرَ بالغربةِ وأنت في وطنك بين أهلك وناسك، ذلك هو الاغتراب "، مضيفاً أيضاً " أو بعبارة أبو حيان التوحيدي هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يفارق مهب أنفاسه، وأغرب الغرباء من كان غريباً في وطنه ". وَعَنْ هَذَا الاغتراب الموجع الَّذِي فجر عذابات لا تنتهي فِي قصائدِه الشِعرية، يشير السَماوي فِي مناسبةٍ أخرى بالقول : " تلك كانت حال كثير من المثقفين في عالمنا العربي قديماً وحديثاً، ولعل أبا ذر الغفاري واحداً من أبرزِ النماذج على اغتراب المثقف ". وَعندما يمتزج ألم تلك المعاناة وَمشاعرها الحزينة بعذوبةِ المعنى وَسحر الكلمة، وَالَّتِي ساهمت بمجملِها فِي حضورِ إِبْداعه الأدبي وَتسيّده عَلَى المنابرِ الثقافيَّة وَالفكرية، فَمِن البديهي أَنْ يجدَ منجز السَماوي الأدبي برموزه الَّتِي لها سطوتها وَقصائده الشِعرية البارعة، صدى عند الآخرين، وتجاوباً وَمشاركة لِهَذِه المعاناة. وَلعلَّ مَا كتبته الأديبة العراقية دلال محمود حول أحد أنشطة السَماوي الأدبية يعكس مَا أشرنا إليه آنفاً، حيث كتبت محمود مَا نصه " يحيى السماوي شاعرنا وكاتبنا الجليل، انها مذكرات رغم مرارتها، تحس أن هناك شيئا ما جميلا يأخذك بعيداً - حيث لا تعلم - ليطوف بك في سني عمرك التي ذهبت هباء وفي غفلة من الزمن وكأنها باتت حلما ". وَأظنُ أَنَّ الروائيَ وَالكاتب المسرحي الفرنسي أونوريه دي بلزاك ( 1799 - 1850 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ روادِ الأدب الفرنسي فِي القرنِ التاسع عشر وَتحديداً الفترة الَّتِي أعقبت سقوط نابليون، سيكون بحاجة إلى تعديلِ قوله " الألم لا نهائي، أما الفرح فمحدود "، وجعله مقتصراً عَلَى عبارة " الألم لا نهائي "  فِي حالِ اطلاعه عَلَى مآسي الشعب العراقي، وَالَّتِي يَبْدُو أنَّ لا نهاية لها، فالألم وَالحزن وَالمعاناة مَا تَزال ظواهر مستدامة فِي حياةِ أهل العراق.   
***
يُـحَـرّضـني الـجّـمـالُ عـلى وقـاري
فـأنـسـى أنــنـي فــي الــنـاسِ سِـــرُّ

تــفــرُّ إلــيَّ مــنـي  فــرْطَ  ذُعْـــرٍ
فــيــغـــدو لـــذّةً عـــذراءَ ذعــــــرُ

 وتُـغـوي روضـةُ الـشـفـتـيـن ثغـري
كـمـا يُـغـوي شِــبـاكَ الـصّـيْـدِ بَـحـرُ

 وأثـمَـلــنـي  رحــيــقٌ مـن زفــيــرٍ
كـأنّ شـمـيـمَــهُ لـلـعِـطـرِ عِــطــرُ !!

 نـشــقْــتُ لـهـاثـهــا لــمّــا تـراخـتْ
فـحَـمْـحَـمَ فـي فــمـي لـلـثـمِ مُـهْــرُ

تـدَحْـرَجَ من مَـرايـا الجـيـدِ ثـغـري
وجـاز الـنَّـحْـرَ فـاسْــتـغْــواهُ صـدرُ

 لـثمـتُ حـمـامـةً وشـمَـمْـتُ أخـرى
ومَـسَّـدَتِ الحـريـرَ الـبـضَّ عَــشــرُ 

 سـكرْتُ فـلـسـتُ أدري كيف فـرّتْ
كعـصـفـورٍ يـدي والـعـشُّ خـصْـرُ

نـسَـجْـتُ لـهـا مـن الـقُـبُلاتِ ثـوبـاً
وقــد نــام الــظــلامُ وقــام فــجْـــرُ

أمِــثـــلُ أمـــيــرتــي  روحٌ  وراحٌ
ومـثـلُ رضــابـهــا شـهــدٌ وخـمــرُ ؟

 غـزوتُ ورودَهـا شــمّــاً ولــثـمــاً
فحـربـي فـي الـهـوى : كـرُّ .. وكـرُّ

أشــبُّ صَـبـابـةً .. وتـشـبُّ مــثـلـي
ويُـطـفِـئ جـمـرَنـا الـوحـشـيَّ جـمْـرُ

عَـلِــقــتُ بـهــا وأدري أنَّ حَــظّـي
بـلا  حَـظٍّ .. وأنَّ الـحَــتـمَ  خُــسْـــرُ

 إذا ضحِـك الـهـوى لـيْ بعـضَ يـومٍ
فــإنَّ  بُــكـاءَهُ  الــصُّــوفـيَّ  دَهْــــرُ

فــيــا تــفّـاحَ " آدمَ " لا تـلـمــنــي
إذا امْــتــدتْ يــدايَ  وجُــنَّ  ثـغـــرُ
 
لـ " آدمَ " عُـذرُهُ .. وأنـا  لــثـغــري
وجـوعِ يَــدي  ولــلأحــداقِ عُــذرُ
منذُ يفاعته، التحق السَماوي يحيى بحركةِ اليسار العراقي، وانصهرت طموحاته الوَطَنيّة وَالإنسانيَّة فِي بوتقةِ آمالِ الوطنيين الحالمين بغدٍ جديد، وَعراق معافى يسوده العدل وَالبناء وَالنماء وَالرخاء، فكان أنْ اختبرت " وطنيته " فِي أقبيةِ سجون الشرف؛ إذ لطالمَا اعتقل وَعُذِّب وَفصل مِنْ وَظيفته وَطورد، فضلاً عَنْ تحميل أهله الاضطهاد بسبب مواقفه الوَطَنيّة الَّتِي فرضت عَلَيه مواجهة السلطة. وَيصف السَماوي هَذه المعاناة بقولِه :  " ما هذا بجديدٍ  في وطن كانت قراءة  كتابٍ فكريٍّ  من كتب لينين أو يوسف سلمان يوسف أو محمد باقر الصدر جريمةً تقود الى أقربِ حبل مشنقة أو ساحة إعدام ". ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الكثير مِمَا تعرض له السَماوي، ومَا يزال يؤرقه - رُبَّما لشعوره بالذنبِ تجاه مَا سببه لِمعلمه الأول فِي الحياة - هو أنْ يُصفعَ أبوه أمامه حين زاره فِي مركزِ شرطة الحي الجمهوري بمدينةِ السَماوة يوم أوقف فِيه عَلَى خلفيةِ مقال نشره فِي صحيفةِ " طريق الشعب " البغدادية الَّتِي كان ضمن كادرها فِي وقتٍ كان مَا يسمى بالجبهة الوَطَنيّة فِيه قائمة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ فحوى ذلك المقال لم تكن سِّياسِيِّة بقدر مَا هي وَطَنيّة تُشيرُ إلى خطأ يجب تلافيه درءاً لمفسدة، حيث أَنَّ السَماوي وسم مقاله آنفاَ باسْمِ " مدينة للألعاب في السماوة "، وَالَّذِي تضمن الكشف عَنْ أنَّ تلك المدينة مَا هي إلا مدينة قمار تُدير فيه طاولات القمار نادلات مصريات شبه عاريات وليست مدينة ألعاب ". وَليس مِنْ شك أَنَّ السَماوي يحيى الَّذِي يعبّر عَنْ فجيعةِ شعبه بقولِه : " في ظل أنظمة مجرمة كنظام القائد الضرورة، يكون الأبرياء متهمين ببراءتهم "، ليس سهلاً عَلَيه نسيان تلك الحادثة المُحزنة بفعلِ مَا أفضت إليه مِنْ تعريضِ والده الإنْسَانٍ البريء إلى الظلمِ وَالتعسف، حيث مَا تَزال حاضرة فِي ذاكرته الَّتِي لَمْ يبقَ فِي أروقتِها فسحة متناهية الصغر بوسعِها تحمل المزيد مِن الألم، بَيْدَ أنَّ مَا تركه بِه ذلك الجمر، عزَّزَ آماله فِي الخلاصِ مِنْ حكمِ الاستبداد وبراثن الدكتاتورية، حيث يقول السَماوي بِهَذَا الصدد مَا نصه : " أما ما الذي تركه بي ذلك الجمر، فإنه قد زاد من نضجِ وصلابة طين إرادتي تماماً كما يُنضجُ جمرُ التنّور عجين الخبز ". 



لـسـتُ بـالـمُـشْـرِكِ بـالـلـهِ
فـأشْــرِكْ
 
 بـهـواكِ الـفـرْدِ ..
قـلـبـي فـي الـهـوى يُـؤمِـنُ بـالـتّـوحـيـدِ ..
لا ثـمَّـة َ فـي مِـشـكـاةِ  أحـداقـي
سـوى
مـصـبـاحِـكِ الـحـقِّ ..
ولا ثـمّـة َ فـي هـودج ِ قـلـبـي
ظـبـيـة ٌ أخـرى ..
حـمـدتُ اللهَ أنْ أسْـقـطـني العِـشـقُ
بـبـئـرِكْ
 
فـإذا الـذئـبُ غـزالٌ ..
والـدُّجـى نـورٌ ..
وطيـنُ الـبـئـرِ ريـحـانٌ  وآسٌ
فـتـهـجّـدْتُ لأبـقـى كـلّ عـمـري
رهْـنَ  أسْـرِكْ
***
لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ السَماوي لَمْ يفقد الأمل بإرادةِ الشعب فِي التغييرِ عَلَى الرغمِ مِمَا حصل مِنْ إخفاقات، الأمر يجعلَه يزداد تمسكاً بخيوطِ الأمل؛ لإيمانِه بأَنَّ المعاناةَ وَالألم لهما سعة حضور فِي ظلِ مَا يفضي مِن الأنظمة السِّياسِيِّة إلى سيادة القهر وَالعذاب. وَلا أدل عَلَى ذلك مِنْ قولِه : " لابد للفجر أن يُطِلَّ سواءٌ أصاح ديك الإمبراطور أو لم يَصِحْ .. الظلاميون ضباب، وإرادة الشعوب شمس، وليس من ضبابٍ يمتلك القدرة على خنقِ الشمس "، ولا غرابة فِيما يحمله السَماوي يحيى مِنْ رؤى، فهو بخلافِ الكثير غيره مِنْ أدعياءِ البطولات الزائفة، يمتلكُ تاريخاً ناصعاً مفعماً بمواقفَ وَطَنيّة حفرتها الأيام فِي ذاكرةِ الزمن، وَالَّتِي تُعَد براهين واضحة - لا لبس فِيها وَلا غموض - عَلَى أَنَّ السَماويَ إنْسَانٌ نبيل جعل مِنْ الأبرارِ الشرفاء قدوة له، وَشاعرٌ أصيل وَشامخ شموخ نخيل العراق، ذاب فِي حبِ وطنه وَتفاعل مَعَ همومِ فقراء شعبه. وَلأَنَّ تاريخ الكبار مليء بالدفءِ وَالفخامة وَحافل بالإضاءات، أرى مِن المناسبِ الإشارة هُنَا إلى مداخلةٍ خص بهَا السَماوي صديقه الشاعر وَالناقد العراقي خليل مزهر الغالبي الَّذِي يَعَدّ السَماوي يحيى بوصفه " إنسان تفتن العقل والقلب أشعاره وأخلاقه "، فضلاً عَنْ أنَّه كتبَ بحقه قصيدة فِي عامِ 2010م، وَسمها بـ " مصحة فوكو "، وَزينها بإهداءٍ نصه " إلى شاعري يحيى السماوي إن قبلَ إليه سبيلا "، حيث كتب إليه السَماوي مَا نَصه : " صديقي الأديب الجميل، ثمة أسباب كثيرة تحتّم عليّ أن أكون مخلصا للعراق .. من هذه الأسباب مثلا أنَ الأبرارَ الشرفاء مثلك، سيطردونني من قلوبهم لو خنت العراق يا سيدي ".
***
فـاصـنعـي بيْ مـاتـشـائـيـن .. :
وِجـارا ً نـاعِـمَ الـنـيـران ِ فـي لـيـلِ  شـتـاءاتـكِ
عُـشّـا ً لِـحَـمـام الـصّـدرِ ..
نـاطـورا ً  لـوردِ  الـفُـلِّ  في روضةِ  خـصـرِكْ
 
وأمـيـنَ الـتِّـبْـرِ والـفِـضَّـةِ والـدُّرِّ
بـكـنـزِ الـجـسـدِ الـمـائِـيِّ  ..
حَلاّجـا ً جـديـدا ً
يـتـمـنـى الـعـمـرَ مـصـلـوبـا ًعـلـى
شُـرفـةِ نـحـرِكْ
 
فـأنـا ـ معـصومـة َ الأعـذاق ِ ـ سِــرِّي
 طوعُ جَـهْـرِكْ
 
ومـيـاهـي طـوْعُ واديـكِ  ..
وطِـيـنـي طـوْعُ جَـذرِكْ ..
 
لـيـسَ فـي الـفـردوسِ
مـا يُـغـوي فـراشـاتي بعـطـر ٍ
غـيـرِ عـطـرِكْ
 
وشـراعي لـيـس مـايُغـريـهِ بـالإبحارِ
إلآ
مـوجُ بحـرِكْ
 
وكـؤوسي لا تُـسـاقـيـنـي رحـيـقـا ً
غـيـرَ خـمـرِكْ
 
وبـسـاتـيـني أبـتْ تـنهـلُ
إلآ
فـيضَ نهـرِكْ
***
السَماويُّ يحيى الباحث عَنْ بلسمٍ لشفاءِ جرح الوطن، لا ينفك عَنْ التفاعلِ مَعَ المَوْرُوثِ قصد رسم لوحة فنية تندمج فِيها المشاعر الإنسانيَّة وهو يبحث عَنْ توصيفٍ دقيق يليق بمعاناةِ شعبنا فِي الماضي وَالحاضر، حيث يصوّر الألم الَّذِي أضنى أهل العراق مِنْ خلالِ توظيفِ مفردات مهمة وردت فِي الملحمةِ العربية اليتيمة الَّتِي حملت اسْمِ " ملحمة جلجامش "، وَالَّتِي مِنْ حقنَا أنْ نفخرَ بِهَا؛ لأَنَّهَا ملحمة عراقية انبثقت مِنْ فضاءاتِ بلادِ الرافدين، وَحروفها خطت عَلَى أديمِهَا، حيث يشير السَماوي إلى محنةِ بلاده بالقول : " لا ثمة ما ينبئ عن أنّ الوحش خمبابا سيغادر الغابة المسحورة ". وَتحضرني فِي هَذَا الإطار مقولة بليغة للروائيِّ الروسي ديستويفسكي يقول فِيهَا " أخاف أن أقول لك اني بخير، فتتمنى دوامه .. فيتخلد بؤسي "، فالسَماوي يخشى عَلَى بلادِه الَّتِي يراها تضيع رويداً رويداً. ولعلَّ مِنْ المناسبِ أنْ نتأمل مَا سجلته أقلام بعض القراء عَلَى صفحاتِ المواقع الإلكترونية عَنْ شاعرية السَماوي وَما قدمه مِنْ أجلِ بلده وَشعبه، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر قول قارئ كريم - قد يكون عَلَى معرفةٍ بالسَماوي منذ أيام الدراسة الجامعية - مَا نصه " عرفت السَماوي واستمعت إلى قصائده منذ أكثر من أربعين سنة، حتى رأيته قبل فترة قصيرة فكان كما هو يحمل على كاهله هموم الوطن واوجاعه ". ويضيف قارئ آخر بالقول " برعت وأجدت بالســـجال واشهرت اليراع واحسنت المقال وانطلقت بخيل خيالنا ودونت ملاحم من قصائد تبقى لأجيال ". وَفي مداخلة جميلة يَدلُو قارئ آخر بدَلْوَه قائلاً " التي توصد شطآنها عن سفينة اشواقك المبحرة دائما وشراعها القصيدة، إنما توصد باب حظها دون امل قادم يبشر بالجمال.. أنت تجترح لنا في افق الجمال غيمة مطرها زمرد ومخمل.. شاعرنا الكبير، دم كبيرا لنتباهى بقامتك الشعرية ".
***
لـيس ليْ أمـرٌ عـلى قـلـبـي ..
فـأمـري
طـوعُ أمـرِكْ
 
مُـقـلي أعـلـنـتِ الإضـرابَ ..
لا تـبـصـرُ إلآكِ ..
وثـغـري  أوقـفَ الـلـثـمَ
عـلـى
زنـبـقِ ثـغـرِكْ
 
أنـتِ مَـنْ أسْـرَتْ بكهـفـي
لـيلـة َ الـمـوتِ
لأحـيـا
شـمـسَ فـجـرِكْ
 
قـدَري أنْ أتـشـظّـى فـي تـخـوم الـطّـيـش ِ دهـرا ً
قـبـلَ أنْ
تـجـمـعـنـي  " لـيـلـة ُ قَـدْرِكْ" !
***
مِنْ المعلومِ أنَّ التمسكَ بالأملِ يُعَدُّ أفضل سُّبُل مواجهة اليأس وأكثرها تأثيراً، حيث أَّنَّ رهان الإنْسَان عَلَى الحياة، يملي عَلَيه الدفاع عَنْ خياراتِه؛ لأنَّ إصراره عَلَى السيرِ بأملٍ نحو الآفاق الرحبة مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة الفاعلة فِي مهمةِ فك قيود اليأس حين تحاصره، فوظيفة الإنْسَان فِي الحياة بحسبِ السَماوي يحيى هي المُسَاهَمَة بإضاءِة مَا هو معتم، وإيقاد شمعة فرح فِي ليلِ الإنْسَان. وَمِمَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ مِنْ بَيْنَ الرؤى المنسجمة مَعَ هَذَ الواقع هو إشارة الأستاذ الجامعي الأمريكي، الباحث فِي مجالِ تِقْنِيَّة المَعْلُومات وَالمُتَخَصِّص فِي الواقعِ الافتراضي الدكتور راندي بوش (1960 - 2008 ) إلى ذلك بالقول " ما يهمُ ليس الضربات التي نسددها، بل تلكَ التي نتلقاها، ونقاومها كي نسيرَ إلى الأمامْ "، لكن يَبْدُو أنَّ الجراحَ - بحسبِ معطيات الواقع المحلي - تأبى أنْ تلتئمَ فِي بلادِنا الَّتِي مَا يزال البؤس يخيم عَلَى فضاءاتِها. وَقد تناول السَماوي يحيى هَذَا الأمر، وَعبر عَنه بشكلٍ دقيق حين وَصف فِي قراءته هَذَا المسار مَا نصه : "  منذ عرف شاربي شفرة الحلاقة وأنا أغرس في حقولِ حياتي شجر الأحلام، ممنّياً نفسي بما كان يتمنى السندباد وهو ينشر أشرعة سفينته بحثاً عن الجزيرةِ الحلم - الأمنية - ليفاجأ بعد عذاب وطول انتظار أنّ جزيرته لم تكن غير بيضة الرخّ الأسطورية. فما أجمل فراديس الأماني التي ندخلها في الأحلام... وما أقبح مفازات وكهوف الواقع ".

***
 
" والـضُّحى والـلـيـل ِ " :
ما أشـمـسَ صُـبحي  دون عـيـنـيـكِ
ولا زان مـسـائي غـيـرُ بـدرِكْ
 
ما سَـجـا  صدريَ
 إلآ
ودثاري دفءُ صـدرِكْ
 
فـأنـا بـعـضُـكِ يـا كُـلّـي ..
ونـهـري طـفـلُ قـطْـرِكْ
 
ثـكـلـتْـنـي جـنّـةُ الـعِـشـقِ
إذا يـعـشـقُ نـحـلـي
غـيـرَ زهـرِكْ
 
فـأزيـلـي
عـن مـرايـاكِ ضَـبـابَ الـشـكِّ ..
لا " لاتٌ " و " عُـزّى " غـيـركِ الان بـمـحـرابـي
ولا  كـعـبـة عـشـق ٍ
غـيـر خِـدْرِكْ
فِي هدأةِ ليلٍ مِنْ لياليِّ المنفى، وَقد حَرَمَ حنينه لأيامِ الطُفولَة فِي سماوتِه عَلَـى أجفانِ عينيه المثقلتين بالنعاسِ لذيـذ المنام، فتح السَماوي يحيى حافظة الرسائل فِي بريدِه الإلكتروني، واستعرض مَا فِيها، فوجد رسالة مِنْ أحد الأدباء تحمل سؤالاً عَنْ تأريخ ولادته، وَبعد لحظات استرخاء عاد إلى حاسوبه ليكتبَ مَا نصه : " لم أولد بعد يا ولدي .. أعني أنَ ولادتي الحقيقية ستكون حين يعود عراقنا خيمة محبة للجميع تخلو من ذئاب البنتاغون وضباع الظلاميين ولصوص قوت فقراء العراق ".






 



62
مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الثانية والعشرون  )
لطيف عبد سالم  
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.     
مِنْ المؤكّـدِ أنَّ مواجهةَ السَماوي سلطة الاستبداد، كانت ضريبتها إجباره عَلَى العيشِ مَا تبقى له مِنْ العمرِ " متغرباً " فِي المنافيِّ بعد معاناته مرارة الاضطهاد فِي وطنٍ جبلت رموزه الإبداعية وَالنضالية عَلَى استنطاقِ إرث فجيعة أهله باستيطانِ أمانيهم  حكايات وَقوافي قصائد فِي أجنحةِ طيوره المهاجرة حول العالم. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ قساوةِ الدروبِ المتعرجة الَّتِي طبعت حياة الكثير مٍن الباحثين عَنْ كرامةِ شعبٍ وَالحالمين بغدٍ أفضل، حيث كان السَماوي يحيى وَأغلب أبناء جيله مِن الفتيانِ يعيشون فِي منتصفِ القرن الماضي أولى خطوات طفولتهم وسط حياة قد يصح فِيها القول إنَّها بدائية، فضلاً عَنْ كونِها بالغة القسوة بفعلِ مَا يخيم عليها مِنْ فقرٍ مدقع وَجهل وَمرض؛ إذ أَنَّ متاعَ السواد الأعظم فِي البلاد - وَجلهم حينئذ مِنْ أبناءِ المناطق الريفية - كان خبز الشعير أو الذرة، فالقمح موجود لكنه ليس فِي متناولِ الجميع، وَهو الأمر الَّذِي فرضَ عَلَى الأُمَّهاتِ العظيمات وَالنساء الجليلات اللائي تحملن شظف العيش ومرارته بحكمةٍ وَجلد، مواجهة مهمةِ رعاية أسرهن الَّتِي كانت يومذاك كما هو سائد كثيرة الأفراد. وَلا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا مَا قلت إنَّ هناك مَـا يعجز إنْسَان عَـنْ إحصائه مِن القصصِ وَالروايات الَّتِي تجعل المرء يقف مذهولاً حيال مَا تتعرض له المرأة العراقية مِنْ انتهاكٍ لحقوقِها وَيَعكس فِي الوقتِ ذاته مظلوميتها وَمدى صلابتها فِي تحملِ المآسي وَويلات الحروب، بالإضافةِ إلى تحليها بالصبرِ وَالتضحية، فالكثير منهن عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، لا يخلدن إلى النومِ إلا سويعات قليلة؛ حرصاً عَلَى مستقبلِ أولادهن وَمِن أجلِ المحافظة عَلَى بيوتهن بعد فقد المعيل فِي الحروبِ أو العمليات الإرهابية، ولعلَّ الأكثر أسىً حين تفقد المرأة معيلها أمام عينيها. وَمِنْ بَيْنَ أبشع صور القبح الإنسانيّ حين يلمح المرء فِي ساعاتِ الصباح الباكر خروج امرأة مسنة فِي أجواءٍ ماطرة صوب ناصية الشارع، وَهي تحاول بالكادِ دفع عربة محملة بالأواني المعدنية أو البلاستيكية؛ لأجلِ الوصول إلى إحدى  محطات تعبئة الوقود كي تحصل عَلَى حصةِ عائلتها مِنْ مادةِ النفط أو الغاز. وَأَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ العنفَ ضد المرأة فِي بلادِنا طالما اتخذ شكلاً جسمانياً بأساليبِ الضرب وَالركل، إلى جانبِ مَا تباين مِنْ أنواعِ التعنيف الجسماني الَّذِي تتعرض لَه المرأة العراقية فِي محيطِ الأسرة أو غيرها مِن الفضاءاتِ كالاغتصاب وَالتحرش وَغيرهما. يُضافُ إلى ذلك تعنيف المرأة المرتبط بأساليبٍ دنيئة أخرى قوامها القهر وَالتعذيب النفسي عبر بعض الإجراءات المتخلفة كالقمع الَّذِي قد يتخذ أشكالاً عدة، لعلَّ مِنْ بَيْنَها قباحة الإهانات اللفظية، وَمنع النساء مِن دخولِ الحياةِ الطبيعية بجميعِ مستوياتها الإنسانيَّة مثل التعليم وَالعمل وَالمشاركة فِي النشاطاتِ الثقافيَّة وَالحضور المجتمعي وَالإنسانيّ وَحالات الزواج المبكر الَّذِي اصبح مَعَ شديد الأسف تجارة عند بعضِ العوائل. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ المرأةَ العراقية مَا تَزال أسيرة الشعور بالخوفِ وَالهلع نتيجة مَا يحدث من أعمالِ العنف، مثل الخطف وَالقتل وَالتعرض للتفجيراتِ داخل المنزل أو خارجه. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ دخول المرأة فِي العمليةِ السياسية، لَمْ يجعلها بمنأى عِنْ انتهاكاتِ زملائها، حيث أشارت إحدى البرلمانيات َالَّتِي تحمل شهادة الدكتوراه فِي أحدِ المجالات العلمية إلى أَنَّ بعضَ النواب ينادونها تندراً باسْمِ " حجية "، مَعَ العرضِ أَنَّ بعضَهم لَم يحصل عَلَى الشهادةِ الأولية. وَلا رَيْبَ أَنَّ المرأة العراقية تُعَدّ بالاستنادِ إلى مَا قدمته مِنْ تضحياتٍ وَمَا عانته مِنْ مخاطرَ واضطهادٍ بمَا تباينت أنواعه وَأشكاله، بالإضافةِ إلى مَا لحق بِها مِنْ عنفٍ وَانتهاكات، مميزة مَا بَيْنَ نساء العالم؛ إذ تجاوزت فِي بعضِ الأحيان جهود الكثير مِن الرجالِ فِي مواجهةِ المحن الَّتِي عاشها العراق.

ســألـتـنـي ربَّـةُ الـحـانـةِ : مـا تـشـربُ ؟
قـلـتُ : الـقـهـوةَ الـمُـرَّةَ ..
قـالـتْ : عـنـدنـا زادٌ وخـمـرُ

قـلـتُ : إنَّ الـجوعَ قـد أشـبَـعَـنـي
والـخـمـرُ عـنـدي مـنـهُ ما يُـسْـكِـرُ صـخـراً
فـأنـا جـرحٌ فـراتـيٌّ وحـزنٌ مُـسـتـمـرُّ

أمـسـيَ الـقـهـرُ .. ويـومـي الـعُـسـرُ .. والـقـادمُ سِــرُّ

فـلـمـاذا جـئـتَ لـلـحـانـةِ ـ قـالـتْ ؟
قـلـتُ : كـي أعـرفَ هـلْ يُـشـفـي عـلـيـلَ الـقـلـبِ سُـكْـرُ ؟

مَهمَا طالَ زمَن الجراح، وَمَهمَا عاش الحزن فِي أعماقِنا، لابد مِنْ لحظةِ استذكارٍ لأيامٍ خلت ينسينا عبق صدقها وَطيبة مَنْ عاشها حزن الليالي، وَيزيح وَلو للحظاتٍ " نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ ". وَفِي هَذَا السياق يصف السَماوي يحيى لصديقِه القاص حمودي الكناني طبيعة الحياة أيام طفولته فِي سمائِه التاسعة - السَماوة -بالقول : " في تلك الأيام كان عيشاً ولا أحلى، أيام ذلك الفقر الثري بمكارمِ أخلاقه وطمأنينته وقناعة إنسانه .... اقسم يا أبا علياء كان كل جار يبعث بصحنٍ مِمَا يطبخه إلى جاره، فتجد كل بيت وكأنه طبخ عدة أكلات ... صحيح أنه كان طعاماً فقيراً لا يتعدى  المثرودة، حساء البصل وَالطماطم، طبيخ الحميض وَالحرش أبو زريدة، لكنه كان أكثر عافية مِن طعامِ اليوم ". وَيضيف أيضاً : " .. وحتى نحن الأطفال أبناء الفقراء كنا أقوى وكانت أجسادنا أسلم بنية مِن أبناءِ الأغنياء، مع العلم  أنَّ فطورنا لم يكن بيضا وَقيمرا  وَمربى برتقال؛ إذ أنَّه لم يتعدَ الخبز والشاي، وفِي أحسنِ الأيام كان الفطور ما تسمّيه أمي رحمها الله - القرصاع - وهو عبارة عَن طاسةٍ كاملة من العجين الرقيق المخلوط ببيضةٍ واحدة، ولك أنْ تتصور بيضة واحدة ممزوجة بطاسةِ عجين لثمانيةِ أطفال، ومع ذلك كنا نملك مناعة ضد مرض فقر الدم الذي كثر ما كانت بيوت  الأغنياء بيئة مناسبة لانتشاره. كذلك كانت أمي تصنع لنا أرغفة خبز صغيرة بواسطةِ قلي ذلك المزيج بالسمن، وما زلت أتذكر اسم ذلك النوع من السمن الذي يشار إليه باسمِ - دهن الراعي - حيث أنَ لونه يشبه لون الكركم، ومَن يشاهده مِن الأجيالِ الحالية يظن أنه أحد أنواع الزيوت المستخدمة فِي إدامةِ محرك السيارة، وبعبارةٍ أخرى يمكن القول إنَّه خبز يحمل رائحة بيض ".

 بُستــــــــانُكِ المُتنسّكُ الشَجَرِ
أغوَتْ قطوفُ غصونه مطـري
لًثًمتْهُ أحداقي فسارَ بـــــــــها
خَدَرٌ فزاعَ الدربُ عـن بصري
وَثق العِناقُ بـــــــنا فأوْدَعَنا
سِرَّ ارتعاشِ ضفيرةِ الوَتــــرِ
تاهَ الجنونُ بنــا فإنْ غرُبَتْ
شمسٌ فركْنـــــا مُقلة القمرِ 
مِنْ وحيّ معاناة الألم، وَشقاء المنافي، وَأوجاع جراحات شعبه الَّذِي كان طوال سنوات العهد الدكتاتوري فِي مواجهةٍ دائمة مَعَ الموتِ مِنْ أجلِ أنْ يتنسمَ عبير الحرية، يجهد السَماوي يحيى فِي توثيقِ مَا أتيح لَه معايشته مِنْ مجرياتِ هَذَا المشهد العظيم، وَالَّذِي يلخص تداعياته المأساوية بالقول : " لقد شفينا - أو نكاد نشفى - من أنيننا بتوقف دويّ انفجارات الصواريخ والقنابل ... لكن أنين جراح الأرض غير مسموع ". وَيَبْدُو أنَّ السَماويَ أو " إمام الشعر العربي المعاصر " بحسبِ المعماري وَالأديب العراقي الأستاذ الدكتور هاشم عبود الموسوي، يعبر فِي مقولتِه هُنَا عَنْ جملةِ حقائق مهمة يصعب عَلَى المتلقي تجاهلها أو تجاوزها، أولها كثرة المآزق الَّتِي تعرضت لها بلادنا بفعلِ عبثية سياسات النظام الشمولي خلال ما يزيد عَلَى ثلاثةِ عقودٍ مِن الزمان، وَالَّتِي جلبت علينا الدمار وَكثيراً مِن المصائب, وَثانيها إضاعتنا لآمالٍ معفرة بالدماءِ الزكية  وَجسامة التضحيات، وَهو الأمر الَّذِي أفضى إلى امتلاكها مِنْ قبلِ آخرين بعد أنْ جعلتها أجندة الاحتلال الأمريكي أشبه بشموعٍ سرعان مَا انطفأت جذوتها، فكان أنْ غاضت الآمال فِي النفوس، وَامتلك اليأس القلوب. أما آخرها فهو أنَّ الأرضَ لا تكف عَنْ النواحِ حتى يأتي الربيع، فهو قادم وَإنْ تأخرْ. وَقد يكون مِن المناسبِ التمعن هُنَا بإشارةِ الشاعر الروسي جوزيف برودكسي ( 1940 - 1996 ) - الحاصل عَلَى جائزةِ نوبل فِي الأدبِ عام 1987م، وَالَّذِي تم تعيينه ملك شعراء الولايات المتحدة فِي سنةِ 1991م - إلى ذلك المعنى بالقول : " أيها الإنسان الفاني، يجب أن تناضل ضد الوحوش، فمن يؤكد أن الوحوش خالدة ؟ ". وَليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ فِي القلبِ مِنْ عوائقِ النهوض المرتجى فِي بلادِنا هو استنفاد الطبقةَ السياسية الَّتِي تولت إدارة البلاد بعد انهيار النظام الدكتاتوري رصيدها، وَلَمْ يَعُدّ فِي جرابِها مَا يمكن أنْ يساهم فِي تحقيقِ مهمة رفاه الشعب وَتنمية البلاد الَّتِي حباها الباري عز وَجلّ بِمَا تباين مِن الثرواتِ وَالخيرات. وَأَدْهَى مِنْ ذلك توظيف الشعوب الَّتِي تدرك قيمة الكفاءات البشرية للمبدعِ مِنْ الكوادرِ الوطنية المهاجرة الَّتِي أخفقت القيادات الإدارية فِي العراق بمحاولةِ اجتذابِها والسعي الحثيث لإعادتِها إلى حضنِ الوطن، وَالَّذِي مَا يَزال بحاجةٍ إلى إدارةٍ مشبعة بالأمل؛ لأجلِ الشروعِ بنهضةٍ طال انتظارها، فَيقيناً أَنَّ الصورةَ مهمَا ادلهمت، يبقى التغيير ممكناً، مَعَ العرضِ أنَّ الجدوى مِنْ التغييرِ لا تقتصر عَلَى إمكانيةِ بلوغه فحسب، وإنما فِي البحثِ عَنْ البدائلِ الَّتِي بمقدورِ آلياتها إعادة إِنْتَاج العوامل الداعية إليه.

إنفجرتْ حبّةُ قمحٍ
فأعـشـبَـتْ سـنبلة ..
إنفجرت السنبلةُ
فأنجبَتْ بيدرا ..
لكنّ قنبلةً انفجرتْ في مدرسة
فأغلقتْ ستة صفوف
وذبحتْ سِـربَ عـصـافـيـر
مُـطـوّحـةً بمئذنةٍ
كانت ترشُّ فضاءَ المدينة
برذاذ الصلوات!
*
لا تذعري ياحبيبتي
سـنعود يوماً لـنـردم الـخـنـادق
ونبني صفوفاً جديدة
مُـفـجّـريـن تلالاً من السنابلِ في
رَحِم أرضنا ..
أرضنا التي حرثتها القنابل!
حينذاك
ستجتمع الزهور في حديقة واحدة
ويتناسل النخيلُ في بستان واحد
يمتدّ من أهدابِ البصرة
حتى قدَمَيْ أربيل ..
مُعيدين الإعتبارَ
للعَـلم المُثقّـبِ برصاص الخيانة!
يمكن الجزم بأنَّ عراقَ الأمس المفجوع بحصادِ الموت، أيامه كانت حافلة بحكاياتٍ مشبعة بالأسى وَالاذلال وَالرعب وَالاغتراب، وَالَّتِي تؤرخ بمجملِها بعض ما تعرض لَه شعبنَا مِنْ عذابَاتِ الحروب وَتداعياتها المتمثلة بالجوعِ وَالضياع فِي حافلةِ الزمن الغابر. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ بعضَ الشعوب عانت أكثر مِمَا عانَاه شعبنا مِنْ أهوال، وَرُبَّما تعرضت لمصائبَ أكبر مِمَا تعرضنا لها، إلا أنَّ مَا اكتوى بشظى لهيبه أهل العراق، ميزه عَنْ سائرِ الشعوب وَالأمم فِي مختلفِ أرجاء المعمورة؛ إذ عاش السواد الأعظم مِنْ شعبِ العراق سنوات عجافا بلا أمل، بعد أن جعلتهم السياسات الحكومية الهوجاء فِي مواجهةٍ قاسية مَعَ فقرٍ مدقع وَجوع وَمرض طال أمده حتى أصبح مزمنا. وَأدهى مِنْ ذلك أنَّ ثرواتَ البلاد لا ينعم بها أهلها، فالوافد للعمالةِ أو الدراسة فِي العراق يدلل شهيته بنكهاتٍ أصلية وَمأكولات متميزة، فِيمَا يتحسر المواطن العراقي عَلَى بوابةِ مطعم شعبي شوقاً فِي الحصولِ عَلَى شطيرةِ حمص " فلافل "، حتى أصبح يشار إليها حياءً باسْمِ " معلاكْ مصري "؛ لأجلِ إيهام الحاضرين بتناولِ لحومٍ موردة مِنْ جمهوريةِ مصر العربية وَمعدة بطريقةِ الشواء، حيث أَنَّ شرائحَ مجتمعنا الفقيرة كانت تعيش حياة بائسة بفعلِ ضيق ذات اليد وكفاف العيش، فضلاً عَنْ بشاعةِ مَا تحملته مِنْ كثرةِ الهموم وَالأحزان وَتكالب الزمان، فِيمَا أموالنا الطائلة تذهب يميناً وَيساراً بشكلِ هباتٍ ومعونات وَكوبونات نفط، وَالَّتِي قد يصح فِيها قول شاعر شعبي أجهل اسمه :
" ولتهينةْ .. نداوي بجروح النحبهم
وإحنه سيل دموعنا
يغرگ وطن "
لأنَّ " الجوع يجلب جميع أنواع الشرور " كما قيل قديماً، فقد تسببت تلك الظروف فِي إرساءِ الأسس الكفيلة بتصدعِ المنظومة القيمية، وَالَّتِي كانت أبرز مظاهرها حينئذ ظهور تجارة الأعضاء البشرية، وتخلي بعض العوائل عَنْ فلذاتِ الأكباد بالبيعِ أو بسُّبُلٍ أخرى، فضلاً عَنْ عملياتِ سرقة السيارات َالَّتِي لا تكاد تخلو مِن جرائمِ القتل فِي حالاتٍ كثيرة.         
فِي ذَلك العالم الكابوسي الَّذِي يجعل المتلقي مِنْ أجيالِ الشبكة الدولية " انترنت " وَالهاتف النقال وَالصحون اللاقطة عاجزاً عَنْ تخيلِ البؤس الضاغط عَلَى نفوسِ المعذبين بالثقيلِ مِن الأهوالِ وَالأحزان وَالغربة، كان مِنْ بَيْنَ غرائب مَا خيم عَلَى فضاءاتِ تلك الأيام هو عدم السماح للعراقيين التعبير عمَّا فِي النفسِ مِنْ مشاعرٍ أو الإفصاح عمَّا بداخلِهم مِنْ آلامٍ وَأحزان، حيث كان نظام القائد الضرورة يمنع الأم مِن البكاءِ عَلَى فلذةِ كبدها المعدوم اعداماً تعسفيا، فضلاً عَنْ تحميلِ عائلته ثمن الإطلاقات الَّتِي أعدم بِواسطتِها. وَإذا كانت فظاعة هَذَا الفعل تدخل الأسى فِي نفسِ المتلقي أو تفضي إلى إثارةِ اشمئزاز مَنْ يطرق سمعه، فإنَّه قد يبدو كأَمْر مُسَلَّم بِهِ فِي ظلِ سطوة الأنظمة الدكتاتورية الَّتِي لا تقيم وزناً لقوانينِ حماية حقوق الإنسان، ولا تعرف مِن معنى الحب سوى كلمة مِن الألفاظِ الشائعة الَّتِي تتداولها الألسن، وكما تقول الكاتبة وَالأديبة السورية غادة السمان" تاريخ البشرية الحزين هو من صنع رجال لم يعرفوا الحب ".  وَلعلَه مِن المفيدِ الإشارة هُنَا إلى أحدِ جزئيات المحنة الوطنية الَّتِي ذكرها السَماوي يحيى بالقول: " بيني وبين أقربائي قارات ومحيطات وبحار وصحارى، فارقتهم زمناً طويلا، وحين زرت العراق بعد طول فراق، كان أكثرهم قد غفا إغفاءته الأخيرة وتدثّر بالتراب، والآخرون بين مُعاق ورهين همومه ونزيل وطن مستعار ".   
*
علّمتني العربات التي أكلت نصفَ عمري
أنّ الجالسين في المقاعدِ الأمامية
لا يبصرون غير زجاج النوافذ ..
لذا :
أبحث عن مقعدٍ فارغ
بين المقاعد الخلفية ..
فأنا أريد أن أرى الجميع
وهم يغذّون السير
نحو المدينة الفاضلة ..
وحين يترجّلون
سأسير خلفهم
فإنْ سقط أحدٌ مضرّجا بالضنى
سأجعل من صدري " نقّالةً " إسـعـاف
ومن ظهري هودجا ..
أمّا إذا ضرّجني الضنى
فسأسقط دون ضجيج
كي تستمر القافلة!
*
قال النهرُ :
أنا ابـنُ الينابيعِ الصغيرة
التي اتّحدتْ في جسدي ..
وقال الحقل :
الشجرةُ الواحدة
لن تكون بمفردها بستانا ..
فلماذا نفترق ياصاحبي؟
إنْ كنتَ تأبى السيرَ معي
فاسمحْ لي بالسير معك
مادُمنا مُتّجهين
نحو المدينة الفاضلة
*
للتمعنِ أكثر فِي هَذَا المسار الكارثي أراني مضطراً للتوقفِ عند إجابة السَماوي يحيى عَلَى سؤالٍ للشاعرِ العراقي الأستاذ الدكتور هاشم الموسوي حول وجود صلة مَا بَيْنَ أحداث حياته الواقعية وَبين مَا يرد فِي قصائدِه مِنْ أحداثٍ وَصور، حيث يقول السَماوي في معرضِ رده عَلَى سؤالِ الموسوي : " قبل سقوط الصنم ، كثيرا ما يُفزعني كابوسٌ مرعب لا أدري لماذا يتكرر في منامي بأشكالٍ عدة جميعها تنتهي بأنَ النظام ألقى القبض عليّ وأنني سأشنق، فأستيقظ متعرق الجبين ألهث عطشا ...هذا الكابوس لا يتركني شهرا من دون أن يفاجئني بزيارته الوحشية .. ربما لأنني سبق ووقعت في مديرية أمن المثنى على تعهدٍ بإعدامي في حال مارست العمل السياسي، فإذا بي من بين أوائل الذين حملوا السلاح في الانتفاضة الجماهيرية عام 1991م ". ولعلَّ مِن المفيدِ فِي بحثِنا الحالي استعراض أحد محاور دراسة الشاعر المصري الراحل الدكتور حسن فتح الباب ( 1923 – 2015 ) الَّذِي يُعَدُّ أحد رواد الشعر الحر وَأحد قامات النقد فِي الساحةِ الأدبية العربية الموسومة  " الأفق نافذتي للشاعر يحيى السماوي"، وَالَّتِي يقول فِيهَا  : " ... ولا يقلّ يحيى السماوي في مكانته كأحد المبدعين العباقرة الذين خلدوا الحرية وخلدوا بها، عن شعراء الحرية والمقاومة العالميين، وهم الشاعران الفرنسيان بول إيلوار ولويس أراجون، اللذان انضما الى شارل ديغول في نضاله ضد الطاغية هتلر حين غزا باريس في الحرب العالمية الثانية، وكذلك الشاعر التركي ناظم حكمت الذي ثار على الطغمة الحاكمة في بلده، فأودعته السجن حيث قضى بين أسواره أكثر من عشرين عاما، ثم أفرج عنه تحت ضغط الرأي العام العالمي، فقضى بقية حياته في المنافي ". وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب والباحث العراقي المقيم فِي السويد منذ أواخر سبعينات القرن الماضي الدكتور خالد يونس خالد : " مَن أراد أن يحب العراق، عليه أن يقرأ السماوي من زاخو إلى البصرة، فأنت جبل حمرين وأنت الفرات، في قصيدتك "  أذلَّـنـي حـبـي ". وأنت بين الأهوار تسكب الدموع مع كل العشاق لتشرق شمس الحرية في قلوب المحبين في قصيدتك " الاختيار ".
**
كـمـا يتوغّـل مسمارٌ في خشبة ..
أو جذرٌ في لحم الأرض :
أتوغّلُ في أودية الحنين
أجوب فضاءاتٍ ما مرّتْ في ذاكرة عصفور ..
وبحاراً ما عرفها السندباد ..
لا بسفينةٍ في بحر
ولكن:
على قدميّ الحافيتين
مُيمِّماً روحي نحو الله
وعـيـنـيّ نـحـوك ..!
لا تخافي الرحلة يا حبيبتي
فإنّ فمي سـيعـلـن الإضرابَ عن القبلات
و الحقولَ ستعلن الإضرابَ عن الخضرة ..
الضفافَ لن تعانق الموجةَ العاشقة ..
وستعلنُ البراءةُ عصيانها على الطفولة
ستفقد الحياة عذريتها ويجفّ عفافُ الكبرياء ..
وتنتحرُ الأغنية على شفة القيثار ..
والنخل سيبرأ من أعذاقه ..
فأنحني خجلاً من رجولتي
أنا الذي أريد أن أموت واقفاً
كنخيل العراق !
**
مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ الأحداثَ الَّتِي مر بها السَماوي يحيى، وَتعايش مَعَ معطياتِها لسنواتٍ طويلة خلت، كانت لَهَا صلة بالكثيرِ مِمَا ظهرَ مِنْ قصائدِه؛ إذ أَنَّ المحطّاتَ الَّتِي مرّت بِها البلاد - وَلاسيَّما لحظات الفرح المسروقة الَّتِي تخللتها، فضلاً عَمَا حَالَ مِنْ أوجاعِنا إلى تكريسِ الصمت فِي أرواحِنا حتى فِي أعياد الله تبارك وَتعالى - مَا تَزال تستوطن ثقوب ذاكرة شَاعرنا الَّتِي لا تحمل سوى همٍّ  فوق هم. وَمِنْ أجلِ أنْ لا نبقى أسارى تصور تلك القضية كاستنتاجاتٍ عامة، حري بنا أنْ نركن إلى مَا اطلعنا عَلَيه مِنْ رؤى النقاد وَالأدباء وَدراسات الباحثين بِهَذَا الخصوص، بالإضافةِ إلى التوقف - قليلاً أو ملياً - لتأملِ وُجّهة نظر السَماوي الَّتِي أثارها - هُنَا أو هناك - عَلَى صعيدِ الكتابة، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " ليس سهلاً على الإنسان أن يغسل شرطيّ أمنٍ قذر وجهه بالبصاق  أو أن يجعل من وجهه كيس ملاكمة أو كرة قدم. وليس سهلاً على عريسٍ يمضي أوّل أيام شهر العسل موقوفاً في مرحاضٍ مهجور ليخرج بعد أيام مخرّز الجسد ". ويضيف فِي إطلالةٍ أخرى عَلَى أحدِ المواقع الإلكترونية قائلاً : " ليس سهلاً على مدرّسٍ أحبّ وأخلص لمهنته، وكان باعترافِ مديرية التربية من أنجحِ المدرسين في مادته، حتى أنَ الإشرافَ التربوي كان يكلفه بإقامةِ دروس نموذجية في طرقِ تدريس اللغة العربية يحضرها مدرسو ومدرسات المحافظة، فإذا بالأوغاد ينقلونه وظيفياً إلى بائعِ طوابع؛ لأجلِ أنْ يسقط العذر القانوني بعدمِ سوقه للخدمة العسكرية ". وَأَدْهَى مِنْ ذلك الصورة المأساوية المفجعة المتمثلة في استدعاءِ مديرية الأمن لأمه وَأبيه وَأشقائه وَشقيقاته، وَتهديدهم بالتسفيرِ إلى إيران كنوعٍ مِن التعذيبِ النفسي له، مَعَ العرضِ أَنَّ كُلَّ أهل مدينة السَماوة يشيرون إلى والده باسْمِ " عباس الطوبجي "؛ لأَنَّ أباه كان عريفاً فِي الجيشِ العثماني بقسم " الطوب "، وهو ما يعادل مفردة " المدفعية " المستخدمة حالياً فِي الأدبياتِ العسكرية. ولعلَّ مِنَ المُناسِبِ أنْ نشير هُنَا إلى أهزوجةِ " الطوب أحسن لو مكَواري " الَّتِي تُعَدّ أشهر أهزوجة عرفها تأريخ العراق الحديث، إلى جانبِ ارتباطها بأحداثِ ثورة العشرين الَّتِي اندلعت فِي مدينةِ " الرميثة " بمحافظةِ المثنى، وانتشر لهيبها ليشمل العراق كله،، فاصبحت  لمدينةِ الرميثة بصمة تاريخية فِي الدفاعِ عَن العراق، وَانطلاق الشرارة الأولى فِي مقارعةِ الاستعمار البريطاني؛ إذ تُعَدّ قلعة الرميثة وَمركزها القديم شاهداً عَلَى حقبةٍ تاريخية أذاق فيها شعبنا الانكليز دروساً فِي الحربِ وَالجهاد وَالشجاعة. وَمِنَ الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا أيضاً إلى تأكيدِ الوثائق التاريخية عَلَى أَنَّ تلك الأهزوجة ولدت فِي رحمِ معركة " الرارنجية "، حيث زحف أحد المقاتلين الغيارى الَّذِي كان يترصد مدفعاً تابعاً للجيش البريطاني مستغلاً حلول الظلام وهو لا يحمل غير " المكَوار" سلاحاً - المكَوار عبارة عَنْ عصا فِي أحد طرفيها كمية مِن القيرِ الأسود - وعند وصوله قريباً مِن المدفع، هجم بوثبةِ أسد وَقتل رامي المدفع، ثم اعتلى المدفع وأطلق أهزوجته المشهورة " الطوب احسن لو مكَواري "، إلا أَنَّه استشهد " رحمه الله " فِي الحالِ بعد أنْ أثارَ شعوراً مِن الحماسِ فِي تشديدِ الهجمة عَلَى الجيشِ الإنجليزي المحتل. 
**
اللهمَّ اجعلني:
عشبةً في وطني
لا غابةً في منفى ..
ذرّة رملٍ عـربية
لا نجمةً في مدن النحاس ..
عُكّازاً لضرير
لا صولجاناً لـلـقـيـصـر ..
شريطاً لضفيرةِ عاشقةٍ قروية
لا سوطاً بيد جلّاد ..
حصاناً خشبياً لطفلٍ يتيم
لا كوكبةً ذهبيةً على كتفٍ أثقلتْه الخطايا ..
فلقد أرهقتنا مهنة القتل وهواياتُ المارقين ..
لذا أعلنتُ تضامني مع الحفاة
في حربهم العادلة ضد ذوي القفازات الحريرية ..
مع البرتقالة ضدّ القنبلة ..
مع الأرجوحة ضدّ المشنقة ..
ومع أكواخ الفقراء ضدّ حصونِ الـدّهـاقـنـة !
*
أنا لا أبكي يـا حـبـيـبـتـي ...
إنما:
أريد أن أغـسـلَ بالدموع
صورة الوطن المنقوشة كالوشم
في عـينيّ!
**
مَا أثارني أيضاً فِي الحديثِ عَن الموضوعِ المذكور آنفاً، هو مَا تناوله الكثير مِن الأدباءِ وَالباحثين وَالنقاد عَنْ تجربةِ إنسان وظف مداد قلمه فِي البحثِ عَنْ وطنٍ يضم مَا بَيْنَ جنباته أوجاعنا، فالسَماوي مَا يَزال عرضة لأرقٍ مزمن، لازمه منذ أول قافلة صفعات و" جلاليق " أناخها ملاكمو أمن البلدة فِي واحاتِ جسده الغض عام 1971م. وَمِنْ بَيْنَ صور الحزن وَالأسى َالَّتِي علقت بذاكرةٍ السَماوي يحيى، مَا أكدته القاصة العراقية سنية عبد عون رشو عَنْ أوجاعِ تلك الحقبة بالقول : " الشاعر الكبير يحيى السماوي، تلك الايام كانت غيمة مطارة وانقشعت ..أمطرت علينا وابلاً من الحروب والخوف والرعب حتى من اللاشيء، هذا ما أراه  دائما في الاحلام ". وَفِي دراسته الموسومة " يحيى السماوي بين العدمية و الآيروتيك "، يقول الشاعر وَالناقد العراقي هاتف بشبوش مَا نصه : " يحيى السماوي شاعرٌ ومناضلٌ ورمزٌ لصبانا الثّوري في السبعينيات، لما لاقاه من مطاردةٍ وتشريد وتعذيب في زمن البعث المجرم حتّى أصبح اسماً تتناقله الألسن منذ ذلك الوقت ". وَفِي مداخلةٍ عَلَى صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية، يشير الشاعر والإعلامي العراقي عبد الحميد الصائح الذي عمل جنباً إلى جنب مع السَماوي يحيى فِي إذاعةِ " صوت الشعب العراقي " إلى شاعرنا السَماوي بالقول : " سيدي وصديقي الشاعر والمناضل الكبير يحيى السماوي اقسم بالله على شجاعتك وأبايع وطنيتك العالية، فأنت شاهد عصر باسل، وانت صوت الشعب قبل ان يعرف الشعب انك كنت تنسج امله بالحرية .. نعم يا شاعر الشعب، كانوا يترددون في قول الحق في إذاعتنا .. وهم اليوم يتصدرون لوائح الجهاد المزورة .. تبّت أيديهم وهم الى ضلالةٍ سائرون .. دمت اخاً مبدعاً كبيرا، يحيى السماوي يا صديقي الجميل، إنها حقا قسمة ضيزى : للأباطرةِ الأوغاد النفط، وللصعاليكِ الطيبين الدخان والسخام ".

الأسـى أمـسُـكِ ..
والـحـاضِـرُ نـاعـورُ ضـنـى ..

أطـفـأ الرعـبُ الـقـنـاديـلَ
وألـقـى بالـفـراشـاتِ
عـلى أرصـفـةِ الصـبـحِ ..
وفـرَّتْ من فـضـاءاتِ الـبـسـاتـيـن ِ
العـصـافـيـرُ ..
الـنـهـاراتُ اسـتـحـالتْ دُجَـنـا ..

وأنـا مـثـلـكِ :
تـابـوتٌ
بـهِ يـرقـدُ جُـثـمـانُ الـمُـنى ..

أشْــبَـكَ الـدربُ
ولا بعضُ سـنـا ..

زمـنٌ بـاتَ بـهِ الشـوكُ
يُـعـيـبُ السَّـوسَـنـا ..

تـصـرخُ الـمـسْـغـبـةُ الانَ
بـنـا :

هـزُلَ الـخـبـزُ
وجـوعـي سَـمُـنـا ..

مـثـلـكِ الانَ
أُسَـمِّـي غـربـتي أهلاً
وجُـرحـي وطـنـا ..

كلُّـنـا أصبحَ " هابـيـلَ " و " قـابـيـلَ "
ترى
أيّهُما كان أنـا ؟
يمكن الجزم بأنَّ مضامينَ الكثير مِنْ نصوصِ السَماوي الشعرية   تُعَدُّ انعكاساً للأحداثِ وَالمُشْكِلات وَالقضايا الَّتِي مرت بِها بلادنا، بالإضافةِ إلَى همومِ اليوم، فالشعب الَّذِي اكتوى لسنواتٍ طويلة بنيرانِ القصف وَالحروب الَّتِي اغتالت براءة الطفولة وَهشمت مقومات الكرامة الإنسانيَّة، مَا يَزال  يعيش معاناة حقيقية بكلِّ مَا تحمل الكلمة مِنْ معنى؛ نتيجة السياسات الخاطئة الَّتِي أسس لها المحتل الأمريكي بعد الزلزال السياسي فِي المنطقة. وَيمكن القول إنَّ السَماويَ الَّذِي يُعَدّ الوطن جنته وَقلبه النابض عَلَى يقينٍ مِنْ أنَّ مئاتَ آلاف العراقيين عاشوا المعاناة بشكلٍ وَآخر، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " ... وبسبب هذه المعاناة، فإن العراقيين يبدؤون الشيخوخة ربما قبل وصولهم سنّ العشرين من العمر، فالعراق تحول في ظل نظام صدام حسين إلى تابوت على هيئة وطن ... لا أعتقد أن التاريخ سيشهد ساديّا مثله ... كان يتلذذ برؤية الدم ... ولعله الرئيس الوحيد في العالم الذي كان يأمر جلاديه بتصوير ضحاياه وهم يُعذبون وتقطع أوصالهم ". وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تلك البشاعة تُعَدّ انتكاسة للإنسانيَّة، بالإضافةِ إلَى مَا تعكسه الأنظمة الدكتاتورية مِنْ نهجٍ يقوم عَلَى استبدالِ آليات التشبث بالسلطة - وَالسعي بجميعِ السُّبُل مِنْ أجلِ ديمومتها - بحبِ الوطن ومَا يمليه مِنْ ضرورةِ الإيفاء بتأمينِ احتياجاتِ الشعب، فالحبَ عاطفة جياشة وَشعور ليس بوسعِ الكلمات أنْ تَوضحَ رسوخه فِي الضميرِ وَالوجدان؛ إذ يُعَدّ بوصفِه حالة مِن الرُّقِي فِي أسمى أوجهها، فالإنْسَان قد يفوق أفعال الوحوش فِي حالِ تجرده مِنْ ثيابِ الإنسانيَّة وَنبذه لمشاعرِ المحبة وَالتسامح، وَكما يصف تلك الحالة الشاعر الإنجليزي جون كيتس ( 1795 – 1821 ) الَّذِي هوجمت أعماله خلال حياته القصيرة مِنْ قبلِ نقاد الدوريات فِي ذلك العهد، إلا أنَّه أصبحَ بعد وفاته واحداً مِنْ شعراءِ الحركة الرومانتيكية الإنجليزية المهمين فِي مطلعِ القرن التاسع عشر بقوله  : "  الحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء ". ولا أعرف كيف قفز إلى خاطري مَا قرأته قبل أعوام طويلة عَمَا يبهر مِنْ سلوكِ أحد الحيوانات، وَالَّذِي يمكن تلخيصه بأنَّ أنثى " السنجاب " عندما تجد رضيع سنجاب آخر، فإنها تقدم له الطعام وَتنتظر ثلاثة أيام قصد التحرّي وَالتأكد مِنْ أنَّه مِنْ دُونِ أهل، وحينئذ  تأخذه وَتطعمه وَتجعله يعيش مَعَهَا وَمَعَ صغارها وكأنَّه أحد أطفالها.

***
لا تـقـولـي إنَّ جـرحَ الـيـومِ
يـشـفـى فـي غـدِ

كلُّـهـمْ أقـسَـمَ
أنْ يـحـرسَ بـيـتَ الـمـالِ
باسـمِ الأحـدِ :

سـادِنُ المـحـرابِ ..
والـنـاطـورُ ..
ربُّ الـدَرَكِ الـسِـرّيِّ ..
قـاضـي الـعـدلِ والشَّـرْعِ ..
إمـامُ المـسْـجِـدِ..

فـلـمـاذا ازدادتِ الــفـاقـةُ
واسْـتـشـرى وبـاءُ الـفَـسَـدِ ؟

ولـمـاذا
كـلَّـمـا يُـوعِـدُ بـالـخـبـزِ
أمـيـرُ المـؤمـنـيـنَ
ازدادَ جـوعُ الـبـلـدِ ؟
***
أيـهـا الـقـلـبُ الـذي
ثـلـثـاهُ مـن مـاءِ الـفـراتـيـنِ
وثـلـثٌ من رمـاد الـنـخـلِ
أو طـيـنِ الـبـلـدْ :

طـعـنـةٌ أخـرى
وتـشـفـى
مـن عـذابـات الـجـسـدْ
***
ألـفُ " أنـكـيـدو " بـدارِ الـعَـجَـزةْ !!
مـا الـذي يُـغـويـهِ بـالـرمـحِ
ولا ثـمّـةَ " كلكامشُ "
يـأتـيـه بـ " عـشـبِ الـمُـعـجـزةْ " ؟
ذات فجر بغدادي دنسته خيول المحتل، هاتفت السَماوي يحيى مستغلاً فرق التوقيت مَا بَيْنَ العراق وبلاد الكنغارو، بعد أنْ اختمرَ فِي ذهني سؤال استنتجته مِنْ عبارةٍ قرأتها فِي روايةِ وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق الكاتب وَالروائي يحيى يخلف الموسومة راكب الريح، وَالَّتِي نصها " يرحل الغزاة والمكان لا يرحل. يرحل الطغاة والحكمة لا ترحل "، فأجابني السَماوي بكلماتِ أملٍ مشوبة بألمِ الغربة : " قبل نحو ساعتين وبضع آهات، سألت نفسي الأمّارة بالحرية : هل عجزت الأمهات العراقيات اللائي أنجبن شعلان أبو الجون وَعبد الكريم قاسم وَمحمد باقر الصدر وَسلام عادل وَحسن سريع وَأمثالهم، عَن إنجابِ حفيدٍ لأبي ذر الغفاري يعلّم الجياع كيف يقضمون الآلهة التمر، أو سبارتكوس جديد يحرّض العبيد عَلَى الوقوفِ منتصبين ليتساقط مِنْ عَلَى ظهورِهم الأباطرة ؟ "، فازددتُ يقناً بصدقِ مقولة الشاعر وَالكاتب وَالرسام اللبناني جبران خليل جبران : " ليس بوسعِ أحد أن يبلغَ الفجر مِنْ دُونِ المرور بطريقِ الظلام. "   

63

مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الحادية والعشرون )
لطيف عبد سالم   
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.     
لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ السَماويَ يحيى الَّذِي كتبَ ذات يوم : " أنا أرى فِي كُلِّ طفلٍ أمسي ... وأرى فِي كُلِّ عكازٍ أو كرسيّ متحرك غدي "، فضلاً عَنْ قولِه ذات منفى : " سيبقى الشعر طالما بقي حزنٌ وَعشق وَصبابة وَفرح ... به نوقظ الربابة مِنْ سباتِها ... وبه تناغي الأم طفلها حين تهزهزه فِي المهد .. وَمِنْ حريرِه ننسجُ منديلاً نمسح بِه دموع الروح "، دفعَ ضريبة دخوله المبكر معترك السياسة تعرضه للكثيرِ مِن المضايقات، بالإضافةِ إلى مَا لحق بِه مِنْ مخاطر، لعلَّ فِي القلبِ مِنْها مَا أفضى إلى التسببِ فِي وقوعِه بمآزقٍ يصعب عَلَى إنسان - فِي ريعانِ شبابه - التخلص مِنها، فأصبحتْ محاولة الرجوع إليها أشبه مَا تكون بحجرٍ ثقيل يأبى إلا أنْ يجعله يغوص فِي وديانِ ذاكرةٍ عميقة, حيث تحمل السَماوي مِن العذابِ مَا يكفي بحسبِه لإصابةِ حمار سليم البنية بالشللِ مِن دُون أنْ يصرخ، فَقد مارس فِي صدرِ شبابه مهنة التدريس وَعمل بمجالِ الصحافة بعد تخرجه فِي عامِ 1974م مِنْ قسمِ اللغة العربية بكليةِ الآداب فِي الجامعةِ المستنصرية، إلا أَنَّه كان طوال تلك السنوات العجاف عرضة للاعتقالِ وَالمطاردة بسببِ كتاباته وَمواقفه السياسية المناهضة للنظامِ الشمولي، وَالَّذِي كان مِنْ بَيْنَ إجراءاته إصدار قرارٍ مثير للاشمئزازِ يتضمن نقل خدماته الوظيفية مِنْ حقلِ " التدريس " إلى " بَلَديَّةِ السَماوة " بعد افتضاح مصيدة مَا كان يشار إليه باسْمِ " الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ". وَلأَنَّ الحديثَ شجون كما تقول العرب، يشيرُ السَماويَ إلى بعضِ الجزئيات عَنْ محنةِ شعبنا فِي تلك الأيام المليئة بالحزنِ وَالأسى قائلاً : " نحن - ويعني أهل العراق - نعدو خلف قطار الفرح، ولا أدري متى نلحق به فنركبه متجهين نحو الغد الجميل ...  قد لا يعرف الكثيرون أنَّ العراق في زمن - القائد الضرورة - كان أول بلد عربي استخدم الكومبيوتر... لكنه استخدمه فِي أجهزةِ أمنه وَمخابراته وَاستخباراته... أقسم أننا عثرنا خلال الانتفاضة الشعبية - الشعبانية - على وثائقٍ تفيد بوجود جلادين مهمتهم الإغتصاب ".

***
لا فَرْقَ بين الموتِ والميلادْ
ما دام أَنَّ الناسَ في مدينتي
مزرعةٌ
يقطف من رؤوسها الجلاّدْ
وباسم صولجانِهِ
تُؤَبَّنُ البلادْ
لا فَرْقَ بين الموتِ والميلادْ
وها أنا
يومٌ يتيمُ الغَدِ
في حقيبتي وَهْمٌ
وفي ربابتي صمتٌ..
فما الإنشادْ
إنْ جَفَّ ماءُ «الضادِ» في حنجرتي
وحاصرتني شَهْقَةُ العويلْ؟
الليلُ في قلبي
فماذا ينفعُ القنديلْ؟

***
لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَ يحيى أصبح بقوةِ شاعريته مثار إعجاب الأوَساط الثقافية وَالشعبية، فعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر أشارت الأديبة العراقية الدكتورة ناهدة التميمي إلى تجربتِه فِي عالمِ القريض بالقول : " يحيى السماوي .. أيها البحار الجريء المبحر بنا إلى شواطئ الخيال وعوالم التهدجات الروحية بحثاً عن مغامرة في مغارات الجن الشعرية ". وَعَلَى الرغمِ مِنْ ذلك، فأَنَّه مَا يَزال يسبح - محدّقاً بثيابِ الحقيقة - فِي نهرِ الوجع العراقي مِنْ أجلِ المُسَاهَمَةِ فِي إعاقةِ محاولة سرقة تاريخ مرحلةٍ تاريخية حالكة السواد كان فِيها الشعب يتلوى تحت سوط جلاد واحد فِي ظلِ النظام الدكتاتوري الَّذِي تمّ ردم مستنقعه فِي عامِ 2003م، فضلاً عَنْ توثيقِه بأسلوبٍ شعري شفافَ لِمَا عاناه شعبنا مِنْ إذلالِ الاحتلال وَجرائمه المروعة، وَمَا تعرضت له بلادنا بسببِ سياسات المحتل مِنْ تدميرٍ منظم لبناها التحتية، وَالَّذِي أدى إلى تعطيلِ حركة الحياة، إلى جانبِ التداعيات المترتبة عَلَى تنافسِ أغلبية مكونات الطبقة السياسية فِي ممارسةِ أسلوبِ النفاق السياسي خلال هَذِه المرحلة العصيبة مِنْ تأريخ العراق المعاصر. وَتحضرني هُنَا كلمات أحد أشهر الكُتاب وَالمؤلفين حول العالم الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881 ) الَّتِي يقول فِيها : " اطمئنوا .. الجحيم يتسع للجميع، فالأمر لا يستحق كل هذه المنافسة الشرسة على من سيكون الأسوأ فيكم ". 

على ما يذكرُ الآباءْ
إنَّ الارضَ كانت غير ضَيِّقَةٍ
وكان الماءُ أعذبَ
والرغيفُ أَلَذَّ
والأعشابْ
أكثرَ خضرةً...
حتى فاتناتُ الأمسِ
كُنَّ أَرَقَّ...
والخيلُ القديمةُ
لم تكن تُرْخي اللجامَ لغيرِ فارسِها...
ولا كان الجبانُ يصولُ في الميدانِ...
والأغرابْ
لا يتَحَكَّمونَ بقوتِ ذي سَغَبٍ
وَنَبْضِ رقابْ..
وَيَقْنَعُ بالقليلِ من القطيعِ الذئبُ
لا كذئابِ هذا العصرِ...
أذكرُ أنَّ أُمي حَدَّثَتْني عن بيوتٍ
دونما أبوابْ
وتقسمُ أَنَّ جاراً
قد أضاعَ شُوَيْهَةً يوماً
فَعادَتْ بعد عامٍ خَلْفَها حَمَلٌ
يقودهما فتىً سألَ المدينةَ كلَّها
عَمَّنْ أضاعَ شُوَيْهَةً يوماً...
على ما يذكر الآباءْ
كان الناسُ
لا يَتَلَفَّتون إذا مشوا في السوقِ
أو خرجوا من المحرابْ
وكان " الخيش " و " الجنفاصُ "
أَنْعَمَ من حريرِ اليومِ
***
على ما سوفَ يذكر بعدنا الأبناءْ
إنَّ الأرضَ
أضيقُ من حبال الشنقِ في بغدادَ
والماءَ الفراتَ له
مذاق الصّابْ..
وانَّ الجارَ يخشى جارَهُ
وتخافُ من أجفانها الأهدابْ
***
يمكن القول إنَّ مِنْ بَيْنَ البراهين البينة عَلَى مصداقِ قولنا المذكور آنفاً، هو سعي السَماوي جاهداً توظيف إبداعه الأدبي بِمَا تباين مِنْ أجناسِه فِي تسجيلِ مَا عاشه حقيقة؛ خوفاً عَلى ذلك التأريخِ مِن التشويه فِي زمنٍ رسخت فِيه " العولمة " آليات قرصنة الاحلام وَالحقيقة. وَفِي هَذَا السياق يشير السَماوي إلى هَذَا المنحى بالقول : " قد لا أوفق فِي تدوينِ شهادتي، لكني صادق فِيها وربي ". وَتأكيداً لمَا حل بشعبِنا مِنْ مأساةٍ إنسانيَّة مروعة أيام النظام الشمولي، فضلاً عَنْ معاناتِه الأحزان لسنواتٍ عجاف بسببِ هولِ مَا سُفك مِن الدماءِ البريئة، وَلأَنَّ الثَّقَافَةَ فِي مثلِ هَذِه الظروف تُعَدّ أحدى أبرز السُّبُل المتاحة لتأكيدِ الإنْسَان آدميته، فقد حاول السَماوي قدر استطاعته ذكر اليسير مِمَا عايشه أو كان شاهداً عَلَيه فِي تلك المرحلة العصيبة مِنْ تأريخِ العراق، وَالَّتِي لا ينبغي أنْ تضيعَ مِنْ ملفاتِ الذَاكرة الوَطَنيّة فِي ظلِ مَا ظهر مِنْ محاولاتٍ جادة لشطبِ جزء مِنْ تأريخِ بلادنا قصد تجميل صور الطغاة بتزويرِ موروث معاناة شعبنا، فالسَماوي يحيى - الَّذِي يشير إليه الشاعر العراقي  كاظم غيلان بوصفِه، " شاعر استثنائي حقاً لأنه مسكون بحبه المطلق للإنسان والجمال " يقسم أَنَّ " الحقائقَ أكثر بشاعة مِمَا ذكره وَما سيذكره فِي قادمِ الزمن "، فالواقع كما يعلم مَنْ عاصرَ تلك الأيام المريرة يشير إلى أَنَّ ثَمّةَ أحداث مر بِها العراق لا يمكن تصديقها بسببِ منافاتها لأبسطِ القيم الإنسانيَّة، وَالَّتِي قد تصح فِيها إشارة المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون ( 1737 – 1794 ) إلى التأريخِ بوصفِه " أكثر من سجل للجرائم والحماقات ومصائب البشرية "، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الوقائع مَا ذكره السَماوي ذات مرة بالقول : " إذا كنت سأنسى، فلن أنسى ذلك الموقف الصعب عندما اضطر بعض الجنود أن يجمعوا جثامين رفاقهم ويضعوا عليها كميات من الترابِ والطين لتكون بمثابةِ ساتر لهم يقيهم الرصاص والشظايا في معارك الفاو ".
***
تَوَسَّدَ الوِجاقْ
رمادَهُ...
توسَّدَ العراقْ
مِخَدَّةَ السبيِ
فَشاصَ الخبزُ في التنورِ
والضياءُ في الأحداقْ
***
ما عادتِ الأقمارُ تُغري
مَقَلَ السُهادْ
متُّ غريباً
قبلَ أَنْ أعيشَ يا بغدادْ
***
كلَّ صباحٍ
أبدأُ الرِحْلَةَ في مدينةِ الأشباحْ
تقودني حافلةُ النهارِ نحو الليلِ..
أحياناً يقودني رنيمُ الليلِ
نحو شرفةِ الصباحْ
منطفئَ العينينِ
أو
مَهَشَّمَ المصباحْ
***
مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ مَا اكتنزته تجربةِ السَماوي الأدبية مِنْ نّبشٍ فِي ذّاكرةِ سنوات الحرب وَغيرها مِنْ فواجعِ عبثية سياسات النظام الدكتاتوري، ليس القصد مِنها عَلَى مَا يَبْدُو إضفاء جو مِن الحنين إلى ماضٍ تولى، إنمَا لَهذا المنحى ما يبرره وَمَا يسوغه، فَكما يشير القولِ المأثور إلى أَّن :" الأمة التي تحفظ تاريخها تحفظ ذاتها "، يثابرُ السَماوي جاهداً فِي محاولةِ إضاءةِ ندبٍ تقتضي الحقيقة بقاءها محفورة فيِ ذاكرةِ التأريخ الإنْسَانيّ مِنْ أجلِ أنْ تَرويّ للأجيالِ بشاعة جرائم النظام الشمولي الَّتِي ارتكبت بحق أبناء الشعب العراقي عَلَى مرأى ومسمع مَا يشار إليه باسْمِ " الْمُجْتَمَع الدَوْليّ "، وَيمكن الجزم بأنَّ أكثرَ مَا يؤكد صحة مَا ذهبنا إليه مِنْ رُّؤية، هو ردود أفعال الأدباء وَالنقاد وَالقراء حيال نتاج السَماوي الشعري وَالأدبي، وَالَّذِي لَمْ يقتصر عِلَى اهتمامِ المتلقي مِنْ أبناءِ وطنه، بل تعداه إلى الكثيرِ مِنْ القراءِ وَالمتابعين فِي مختلفِ أرجاء المعمورة بفضلِ جمال شاعريته وَتعبير قصائده الشعرية عَنْ همومِ الإنْسَان، بالإضافةِ إلى مُسَاهَمَةِ مَا تحمله الْمُجْتَمَعات البَشَريَّة مِنْ مشتركاتٍ إنْسَانية فِي هَذَا المنحى، وَالَّتِي رُبَّما يصح فِيهَا قول الروائي الراحل نجيب محفوظ " لا شيء يقرب بين الناس مثل العذاب المشترك ".
   
أوصِدْ نوافذك الجريحةَ
لن يُطِـلَّ الهدهدُ الموعودُ
حتى يستعيدَ عفافـَهُ طينٌ ووَردُ
ويعودَ للأربابِ رُشـدُ
للأرض قصّـتها القديمةُ :
كان يا ما كانَ
في الزمن الذي لم يأتِ بعدُ
وطنٌ
تخاذل فيه جندُ
فإذا الرغيف الذلُّ
والماعونُ جرحٌ
والهوى سوطٌ وقيدُ
فلتدّخِـرْ آهاتكَ
الشطآنُ سوف تضيقُ
والأنهارُ تعطشُ
تستحي من ظلها الأشجارُ
سوف يجفُّ ضرعُ الأرضِ
والتنورُ يغدو
إرثاً فراتيّـاً..
إذن ؟
أينَ المفرُّ من القصيدة
والقصيدةُ تهمةٌ إنْ لم تـُهادن
سارقي قوت الجياعِ
ولم تـُمَسِّـدْ لحيةَ السـيّافِ
فادخل كوخ جرحِكَ واغلقِ الأبوابَ
فالناطورُ وغْـدُ
كذبتْ غـيومُ الفاتحين
وكاذبُ برقٌ ورعـدُ
لا يخفى عَلَى كُلِّ متابعٍ أَنَّ السَماويَ شاعرٌ ملتزم، فقضايا الإنْسَان وَهمومه تشكل الينبوع الرئيس الَّذِي تتفجر مِنه شاعريته وَيطوّف خياله فِي أرجائِها، حيث يَعَدّ القصيدة بوصفِها التزاماً وطنياً وَإنْسَانيّا وأخلاقيا؛ لذلك مَا يَزال مثابراً عَلَى تعزيزِ رسالته السامية فِي الحياة، وَالَّتِي ترتكز أبرز مقوماتها عَلَى رفضِ الاستبداد، وَالدفاعِ عَنْ المقهورين وَالمعذبين وَالمهمشين، بالإضافةِ إلَى تمسكِه بالدعوة للتشبثِ بخشبةِ الأمل فِي بحرِ الهموم الَّذِي قادنا نحوه ربابنة الصدفة والقراصنة الجدد، حيث أَنَّهم يريدون لنا أنْ نيأس فنستكين لهم؛ لذا لا بد مِنْ محاربتهم بالأمل. وَيمكن الجزم بأنَّ السَماوي أينما ذهب، وكيفما كان الطقس، يحرص دائماً عَلَى أنْ يصطحبَ معه ضوء الشمس الخاص بِه كما ينص قول مأثور لا يحضرني الآن اسْم قائله. وَمِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا أطرقنا السمعَ إلى السَماوي وهو يتحدث عَنْ فهمِه لمعنى الشعر بالقول : " إنَّ الشعرَ بالنسبة لي هو الماء الذي أطفئ به حرائق الغربة، والعصا التي أنشّ بها ذئاب الوحشة عن خراف طمأنينتي مثلما هو النافذة التي أطلّ منها على جنتي وجحيمي العراق ... وقد يغدو المنديل الذي أخبّئ فيه دمع الرجولة الخشن، لذا ألوذ بحرير أحلامه هرباً من صخور اليقظة ".
***
هَرِمَتْ قـناديلي وشاخَتْ جبهتـي
لــكــنَّ قـلـبي مــا يَــزالُ فَـتِــِيّــا

 لا زلـتُ أذكرُ سَـكرةً صوفـيَّـــةً
أَلْـفَـيْـتُـني بـرحـيقِهــــا مَغْـشِــيّـا

فَـتَـوَضّأتْ روحي وَيَمَّمَ نبضَـــهُ
قـلبي وفاض الذِكـــرُ من شَـفَـتيّا

صلَّيتُ لـلـهِ الـوجـوبَ ولم أكـنْ
من قبلِ حبكِ نـاسِـكاً صُـوفـيّـا

مَحَضَتْكِ رِقَّـتها الورودُ وأوْدَعَتْ
شـفـتيكِ سِـرَّ الـياسـمـيـن شَــذِيّــا

حَضَرِيَّةُ الديباجِ لكنْ في الـهوى
بَـدَوِيَّـةُ الأشــواقِ تــأْنَـفُ غَـيّــا

 والـلـهِ عـشـتُ الفاجعاتِ جميعَها
وَخَـبَـرْتُ منها شاخِصاً وَقَصِيّــا

لـــكــنَّ أَثْـقَـلَها عـلـــيَّ : شماتَـةٌ
مِـمَّـنْ تَـخَـيَّـرَهُ الــفـؤادُ صَـفِـيّــا

لا تنفِـني من حقـلِ قـلبِكِ .. إنني
عـشـتُ الحـياةَ مُـشَـــرَّداً مَـنْـفِـيّا

أُوصِيكِ بيْ شَـرّاً إذا خنتُ الهوى
وَنَـكَـثْـتُ عَـهــدَ مَحـبَّـةٍ عُــذْرِيّـا

المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماوي يحيى يعتقد أَنَّ بمقدورَ القصيدة ترميم جزء مِنْ هَذَا الخراب الَّذِي حوّل العراق الى مكبِّ نفاياتٍ بَشَريَّة ظلامية إجرامية، وَأرخبيل دويلات هشة أفرزها مستنقع المحاصصة الَّذِي حفره المحتل الأمريكي. وَلعلَّ مِنْ جملةِ مَا دلنا عَلَى هَذَا اليقين الأديب والمترجم السوري عبد اللطيف الأرناؤوط فِي دراسته الموسومة " الرؤية الوطنية في ديوان البكاء عَلَى كتفِ الوطن "، وَالَّتِي يؤكد فِيها رؤيته بالقول : " محنة الوطن هي محنة الشاعر يحيى السماوي، وهي من أكبر الأحداث التي هزّت الضمير الإنساني، فلا غرابة أن ينذر الشاعر قلمه لتصوير وقعها في نفسه، فقد غادر السماوي وطنه العراق هربا من الظلم والاستبداد الديكتاتوري على أمل العودة إليه في ظل نظام يغدو فيه العراق وطنا للجميع يخلو من القهر والاضطهاد، لكن أمله خاب حين بدت له مأساة الاحتلال لا تقلّ فداحة عن الحكم الاستبدادي، فآثر البقاء في منفاه يمزقه الألم، وقد تخلى العالم كله عن وطن وشعب كان عبر تأريخه منهلا للحضارة ومنبعاً للعطاء الإنساني ". وَقد وصل الأرناؤوط إلى استنتاجاتٍ أجملها فِي قولِه : " وهكذا يبرز صوت الشاعر يحيى السماوي شاعراً مقاوماً للديكتاتورية مثلما هو مقاوم للإرهاب والاحتلال والظلاميين وأصحاب الحوانيت السياسية وسارقي قوت الجياع... فهو مع المظلومين في حربهم العادلة ضد الظلم، مع المهمشين والمسحوقين ضد ذوي القفازات الحريرية، ومع أراجيح الأطفال ضد دبابات الاحتلال... إنه مع العراق الواحد الموحد ضد كل ما من شأنه تفتيته وتشظيته ".
لي وطنانْ
الأولُ يمتدُ كحبلِ السُرَّةِ
يربط بين نخيلِ البصرةِ
وبساتينِ التينِ بكردستانْ
ينضحُ عشباً . . وحبوراً . . وأمانْ
الثاني من ورقٍ
أغرسُ فيه زهورَ العشقِ
فتنبتُ شعراً ومناديلَ حريرٍ
وأنا ما بينهما طيرُ أغانْ
لكنْ
في آخر تكبيرةِ فجرٍ من شعبانْ
من عام الفيلِ القوميِّ احترقا
فاذا الوّطنُ الأولُ قّفْرٌ
والثاني عصفٌ . . ودخانْ !
لي قبرانْ
الأولُ في قلبي
حيث دَفَنْتُ بلاداً
كانت يوماً ضاحكةَ الشطانْ
الثاني جسدٌ لا يعرف
أين تقيم الروحُ الآنْ
وأنا ما بينهما تابوتٌ يتمشى . .
صرخةُ صمتٍ تطلقها في كهفِ المنفى
حنجرةُ النسيانْ
مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ يجهر فِي اعتبارِ وَطنه عشقاً سرمدياً، فقد كتب الكثير عَنه غزلاً بمرابعِه، وَفخراً بِعظمةِ مآثره وَحزناً مشوباً بالبكاءِ عَلَى فجيعته. وَحوّل هَذَا المعنى يشير رئيس مؤسسة المثقف الأديب العراقي وَالباحث في الفكرِ الديني ماجد الغرباوي إلى ذلك قائلاً : " اللافت في موقف الشاعر يحيى السماوي أنه توحد بالوطن وتلبس به حتى أنه أصبح يرى في خلاص وطنه خلاصه الشخصي ". وَلأَنَّ العراق بالنسبةِ للسماويّ كنفحاتِ عطرٍ فِي روحه، يسجل الدكتور باسم خيري خضير فِي مقدمةِ كتابه الموسوم " التماسكُ النصيُّ في شعر يحيى السماوي " مَا نَصه : " السماوي شاعر ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان ". ولعلَّ مَا أثارَ استغرابي وَأنا أعيد قراءة نص  الدكتور خضير المذكور آنفاً لِمَا يزيد عَلَى خمسِ مرات، خلوه مِنْ الإشارةِ إلى سماءِ السَماوي التاسعة. وَعَنْ قوةِ آصرة ارتباط السَماوي بوطنِه وَهاجسه المشدود إلى ترابِه، فضلاً عَنْ جمالياتِ قصائده وَقوة شاعريته، يشير الأستاذ الدكتور صدام فهد الأسدي إلى الشاعرِ السَماوي بالقول : " يتماهى حباً وتضحية في فداء وطنه على البعد بتجربة مميزة، واقول بحق أن السماوي يحيى خليفة الفرزدق قديماً، والجواهري حديثاً بعيداً عن الألقاب ". وَفِي إشارة أخرى يقول الأسدي : " لا يقف احتراماً للنبلاء إلا النبلاء الشرفاء.. ولا يغوص حتى الأعماق السحيقة إلا المهرة الذين يتقنون فهم الأرواح بطريقةٍ فريدة ". كذلك أشارت الشاعرة وَالناقدة السعودية الدكتورة فاطمة القرني إلى منجزِ السَماوي يحيى الشعريّ بالقول : " لا عجب في أن تتداخل هاتان الكينونتان إلى حد التماهي في تجربة استثنائية، التشظي بعمق ومرارة التجربة العراقية ".

سـأقـيـمُ ـ مـن تـلـقـاءِ حـزنـي ـ مـهـرجـانـاً لـلـفَـرَحْ

أدعـو إلـيـهِ أحـبّـتـي : الأنـهـارَ والأشـجـارَ والأطـيـارَ والأطـفـالَ والـعـشـاقَ
والـعـيـدَ الـمـؤجَّـلَ فـي تـقـاويـمـي وأقـواسَ الـقُـزَحْ

أتـلـو بـهِ نـدَمـي عـلـى أخـمـارِ مُـغـتـبَـقـي وكـأسِ الـمُـصْـطـبَـحُ

لأنـامَ مـقـرورَ الـرَّبـابـةِ والـمُـدامـةِ والـقَـدَحْ
***

هـا أنـا وحـديَ فـي الـقـاعِ
نـديـمـايَ : الأسـى والـلا أحـدْ

لـم تَــعُــدْ تُـجـدي لإخـراجـي مـن الـبـئـرِ حِـبـالٌ مـن مَـسَـدْ

أيـهـا الـرافـعُ سَـــقــفَ الـكـونِ مـن دون عَـمَـدْ :

أطـبَـقَ الـحـزنُ عـلـيـنـا
فـارفـعِ الـغـمَّـةَ عـن هـذا الـبـلـدْ

ســاسـةُ الـصُّـدفـةِ مـا أبـقـوا لـنـا مـن خـيـمـةِ الـيُـسـرِ وَتَـدْ

كـلُّ بـحـرٍ ولـهُ جَـزرٌ ومَـدٌّ ..
وحـدُهْ بـحـرُ عـراقِ الـيـومِ فـي مـأسـاتِـهِ : مَـدٌّ ومَـدْ !

فـأغِـثـنـا أيـهـا الـفـردُ الـصَّـمَـدْ !
***
مِنْ بَيْنَ مَا قرأته عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر فِي صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية مَا ذكرته الشاعرة وَالأديبة الفلسطينية شادية حامد - الَّتِي جبلت عَلَى معاناةِ الاحتلال وَبقيت وفية للمقاومة - قائلة : " أستاذي أبا الشيماء مذكراتك لوح مقدس يجمل همومنا لأننا مررنا من خلاله إلى ذلك الأسى الكبير في احتراق وأتون لا ينتهي من الوجع ". وقولها أيضاً : " السماوي ..حد السماء.. كيف لي أن لا أدمن سطورك...وأن لا أجوب الصفحات بحثاً عن نورك....وأنت تصنع هذا المجد من الألم والقهر...وتعزف على أوتار أرواحنا بأناملِ الألق.. لتدوّي ترانيم القلوب الشجية بفسحاتِ معابد الارواح... ...فالإبداع الساحر ليس إلا ... وليد الألم ". وَحين نُمعن النظر فِي هَذِه الرُّؤية، فلا غرابة فِي أنْ نجدَ مَا بَيْنَ صفوف الأدباء وَالباحثين وَالنقاد الكثير مِمَنْ أماطوا اللثام عَنْ اِستراتيجيةِ الخطاب الشعري عند السَماوي مِنْ خلالِ تسليط الضوء عَلَى العواملِ المؤثرة فِي شعرِه وَمَا عنيَ بجزالةِ لفظ قصائده، بالإضافةِ إلَى مَا تحمله مِنْ صورةٍ فنية وَأفق جمالي. وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الفعاليات الرصينة، مَا ذكرته الأديبة والكاتبة السعودية بلقيس الملحم بقولِها : " لآنه شاعر استثنائي ولا يكرر نفسه، صرت قريبة من الظن بأن دراسة شعره لم تعد من الفروض الكفائية ليسقط عن الباقين في حال قيام البعض بها!!... أنا أستحث نفسي لتأكل من - رغيف السماوي- والذي أصبح ميزة تتميز به نصوصه الرائعة ". وَفِي مطلعِ عام 2009م كتب الشاعر السوري فاروق طوزو مَا نصه : " هذه القامة الشعرية الكبيرة التي تدل على عدم فراغ الساحة رغم احساسنا بذلك في قليل من الأحيان. وهي دلالة على عدم درايتنا الكاملة بكل القامات العالية في حقول الشعر العربي، فحين قرأت للشاعر الكبير يحيى السماوي وكنت سابقاً سمعت باسمه العالي، لمتُ نفسي كثيراً لأنني لم أقرأ له ثم علمت كم هي مليئة ساحة الشعر بقامة تبعث الغيم والربيع والرياحين... يحيى السماوي فجر وربيع، وجمال صونٌ للشعر، وأجمل الكلام دوام للذة الحرف سلام وثقافة ونضال وتاريخ محبة ".
 * *
بَيْنَكِ والنَّخِيلْ..
قَرَابَةٌ..
كِلاَكُمَا يَنَامُ في ذَاكِرَةِ العُشْبِ..
وَيَسْتَيْقِظُ تَحْتَ شُرْفَةِ العَوِيلْ.

كِلاَكُمَا أَثْكَلَهُ الطُّغَاةُ والغُزَاةُ..
بِالحَفِيفِ والهَدِيلْ.

وَهَا أَنَا بَيْنَكُمَا..
صُبْحٌ بِلاَ شَمْسٍ..
وَلَيْلٌ مَيِّتُ النُّجُومِ والقِنْديلْ.
* * *
لاَ تَعْجَبِي إِنْ هَرَمَتْ نَخْلَةُ عُمْرِي..
قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ المِيلاَدْ.

لاَ تَعْجَبِي..
فَالجَذْرُ في " بَغْدَادْ
 ".
يَرْضَعُ وَحْلَ الرُّعْبِ..
وَالغُصُونُ في " أَدِلاَدْ ".

وَهَا أَنَا بَيْنَكُمَا..
شِرَاعُ سِنْدِبَادْ.

يُبْحِرُ بَيْنَ المَوْتِ والمِيلاَدْ ".
فِي دراسةٍ نقدية أدبية لغوية عَنْ خصائصِ تجربة السَماوي يحيى الشعرية للناقدِ وَالشاعر العراقي جعفر كمال المغترب فِي المملكة المتحدة، وجدت جعفرا يكشف برؤيةٍ تحليلية براعة الشاعر السَماوي وقدرته عَلَى تلمسِ أعماق المتلقي، حيث يشير فِي ورقتِه إلى مَا نصه : " أَنَّ السماويَ شاعر رفد الأدب العربي بميزة شعرية مختلفة في قيمتها وخاصيتها الفنية، تكمن في طريقة تناولها الموضوع، وتوظيفه، وتنميته، ورفد النص بالمهارات البيانية واللغوية، المختصرة في حدودية صياغة معانيها وحضورها، المستمد من تربة خصبة، امتاز بها الأدب العراقي بقدمه الشمولي، سواء أكان في داخل الوطن، أم مع أولئك الأدباء الذين عاشوا في المنفى، وطرقوا أبواب التجديد، والمغايرة، متجاوزين الأسلوب التقليدي العقلاني، باتجاه تحسين أدوات صاخبة، وصيغ مثيرة تستفز القارئ، وتحثه على ما يغضبه ويرضيه، عبر تحديد الملتبس في الحكمة الشعرية المملة، وتوضيح الغامض في المبنى اللغوي القاموسي المعقد، وبسط لغة سلسة القرار، سهلة الجواب، مفتوحة التجليات بمحاسنها الإيقاعية والتصويرية ". وَيصيغ جعفر خاتمة بحثه بخلاصةٍ مفادها ما يأتي : " أن يجهد الشاعر نفسه في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بمبنى النص فهذه محصلة إبداعية وجدتها عند الشاعر يحيى السماوي، فخير الشعر جزالته، وحبكة إيماءاته، وكونه مشتملاً على معناه ".
لـو تـنـفـعُ الأعـمـى شــمـوعٌ
لاتَّـخـذتُ أضـالـعـي فـي كـهـفِ مـنـدمـتـي شــمـوعـا

هَـبْـكَ اســتَـطَـعـتَ غـداً تُـعـيـدُ الـمـاءَ لـلـغـزلانِ
والـغـزلانَ لـلـمـرعـى
ولـلـمـرعـى الـرَّبـيـعــا

وَهَـبِ الـمـآذن سـوف تُـرجِـعُ لـلـمـحـاريـبِ الـخـشـوعـا

فـمـن الـذي ســيُـعـيـدُ آهـاتـي الـى صـدري
ولـلـمُـقـلِ الـدمـوعـا ؟
***
فِي دراسته النقدية الموسومة " فضاءات تشكيلية وإيقاعات دلالية بشعر يحيى السماوي " يشير الباحث والناقد صباح محسن كاظم إلى أنّ " ثمة انحياز نحو الصورة الشعرية لدى الشاعر يحيى السماوي بمعظم دواوينه المُحتشدة بالصور التي تتسم بالبهاء التكوينيّ كلوحات تشكيلية مزخرفة بالألوان المنسجمة، بكثافة بصرية، وبؤر مركزية لفيكرات بفضاء لوحاته التشكيليّة الشعريّة الباذخة بالغزل وصوفية مترفعه برهافة الإحساس، والقدرة على التخييل الصوريّ. والصياغة الشعريّة لديه تتماهى فيها مفردات الطبيعة الخلابة مع مدركات ومواقف الشاعر لتشدو بها ثنايا الروح وخلجات البوح، فضلاً عن موسيقى وانزياح مقاصد الدلالات نحو بوصلة حب الوطن، رفض الاستبداد والتفرد، المكر السياسيّ وإدانة الاحتلال... مفارقات لاذعة وأسواط يرفعها بوجه الطغاة. كما يوظف الصفات اللسانية الصوتية والإيقاعية بتحليقه الصوفيّ، وبعوالم الجمال المُتناغم مع المخيال المُتدفق بالصور الشعريّة الباذخة بالعشق، ومُناصرة المرأة، والتي تكاد تؤطر نسق البناء الشعريّ لدى "السماوي".

تـشـكـو الـضـيـاعَ وتـشـتـكـي غـدْرَ الـدروبِ بـمـقـلـتـيـكَ ؟
كـذِبـتَ .. بـلْ غَـدَرتْ بدربـِكَ مُـقـلـتـاكْ

الـذنـبُ ذنـبُـكَ لا سِــواكْ

أفـمـا رأيـتَ الـبـحـرَ مـصـلـوبـاً بـلا مـاءٍ
فـمَـا أغـواكَ فـي رمـي الـشِـبـاكْ

أمـلاً بـصَـيْـدٍ لا تـراهُ ولا يـراكْ ؟

مـا دامَ أنَّ الـعـصـرَ شــيـطـانٌ
وأنـتَ رضـيـتَ أنْ تـبـقـى مَـلاكْ :

فـاقـنـعْ بـمـا جـلـبَـتْ يـداكْ

أطـلِـقْ سـراحَ يـقـيـنِ يـومِـكَ مـن قـيـودِ ظـنـونِ أمـسِـكَ
واتَّـخِـذْ مـن ضِـلـعِـكَ الـعُـكّـازَ لـو تَـِعـبَـتْ خـطـاكْ

إنْ كـنـتَ تـعـتـزمُ الـوصـولَ الـى مـنـاكْ
***
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى منتخباتٍ مِنْ آراءِ قراء شعر السَماوي وَمتابعيه، حيث تقول سيدة فاضلة : " الشاعر النبيل يحيى السماوي، قرأناكَ وطناً تحملُ وطناً منذ أن كنا صغاراً. وما زلتُ أقرأ لك، ومازالت دهشتي تكبر معي كل مرة.. أنتَ شاعرٌ احترقت بالوجع حتى بات يحترقُ بكَ ليتنشق عبير الصدق الذي تحمله أحرفك.. حفظك الله حيث كنت، وأسبغ عليكَ نعمه ظاهرةً وباطنة ". وَمداخلة أخرى لسيدةٍ فاضلة تقول فِيها : " مَا اروعك يا فارس الكلمة والحرف وانت تصف من تحب بأروع الصفات الجامعة المانعة متبتلا في محرابها فكأنك تغرف من بحر، بل انت البحر اذا زخر والسحاب اذا أنهل بالمطر، سلم يراعك ودمت أميراً للحرف والكلمة ". وتشارك سيدة أخرى بتعليقٍ قالت فِيه : " سيدي السماوي الكبير لا أعاد الله تللك الايام الرهيبة اتذكر وانا طفلة دعوات امي وشتائم والدي حينما يجلس قبالة التلفاز .. ايام موجعة محملة بالخوف والاسى صدقني ما زلت للحظة استذكرها فيعتريني الخوف , كنا اطفالا ويا لطفولتنا البائسة .. رغم البؤس فمازال فينا أمل للغد انشاء الله اجمل ".
***
أمسِ فجراً
أطبق السهدُ جفوني..
فرأيتُ الوردَ – أو شبه ليْ -
ينسجُ ثوبين من العطرِ..
وعصفوراً عجيباً
ريشُهُ يقطرُ نوراً
كالذي يقطرهُ في الليلِ
جفنُ الأنجمِ

ورأيتُ الشمس في هيئة غصنٍ
يتدلى منه عنقود من الياقوت ..
والياقوت يا معصومة النهدين قانٍ
لونه لون دمي

ورأيت النهر - أو شبه لي- يغسلُ
ساقيك..
ونهديك..
ويلتفت على الخصر
التفات البرعم


***
ذات فجر وقد بدأ القمر فِي آخرِ نقطةِ اغترابٍ مِن العالمِ بالتلاشي، كان ربان القريض الَّذِي لَمْ تثنِه عواصف وَلا رياح عَنْ السعي لبلوغِ شاطئ الأمان يتثاءب ثم تنطبق الأجفان انعكاساً لليلةِ أرق طويلة، فتح درج مكتبه وَاستل قلماً ليكتب إلى أحدِ طلبته بعد عقود مِنْ مفارقته : " إذا كان صحيحاً أنني كنت مدرّساً لك ذات زمن، فإنَّ الصحيح أيضاً أنني تعلمت منك فكنت مدرّسي ... تعلمت منك وَمِنْ مثلائك الطلاب النجباء كيف تغدو حبة القمح سنبلة، وكيف تغدو السنبلة بيدرا "، فازددت إعجاباً بشخصيةِ السَماوي يحيى واحتراماً له.



64
الطمر الصِحي العشوائي!!
لَطيف عَبد سالم
لعلَّ مِنْ بَيْنَ أهم العوامل الَّتِي حفزتنا للحديثِ عَنْ موضوعِ «الطمر الصحي» هو مطالبة أهالي منطقة «المعامل» شرقي بغداد بإلغاء مكب النُفاياتِ فِي «حي العماري» وتحويله إلى موقع آخر فِي مكان بعيدٍ عَنْ الأحياءِ السكنية؛ نتيجة الآثار السلبية الَّتِي تخلفها عملية طرح النُفايات فِي تلك المنطقة عَلَى الصِحَّةِ العامَة، فضلاً عَنْ خطورةِ تداعياتها المحتملة عَلَى بيئةِ الحياة. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أنَّ المكبَ المذكور آنفا لا تتوفر فِيه المتطلبات الَّتِي تؤهله للاستخدام كأحد مشروعات الطمر الصحي عَلَى الرغمِ مِنْ حمله لهذا الاسم. وَالمذهل فِي الأمرِ أنَّ هناك تسريبات تشير إلى وجودِ قرار صادر منذ سنوات عدة عَنْ الجهات ذات العلاقة يقضي بمنعِ رمي النفاياتِ فِي مكبِ العماري، إلا أنَّ العجلاتَ العائدة لأمانةِ بغداد ما تزال ترمي حمولتها فِيه لأسبابٍ غير معروفة لأهالي المنطقة!.
مِنْ المعلومِ أنَّ فعاليةَ رمي النُفايات بشكلٍ عشوائي وغير خاضع لما يفترض مِن المعاييرِ القياسية المعتمدة فِي إقامةِ مناطق الطمر الصحي، تفضي إلى عواقبٍ وخيمه يمكن أنْ تستمر لعقودٍ مِنْ الزمان، فعلَى سبيلِ المثال لا الحصر تحتاج حفاظات الاطفال إلى ما يزيد عَنْ (500) سنه مِنْ أجلِ أنْ تتم عملية التحلل، فِي حين تستغرق عملية تحلل السجائر أكثر مِنْ عشرِ سنوات. كذلك تبقى قشور بعض الثمار مثل الموز والبرتقال لأكثرِ مِنْ شهرٍ قبل أنْ تتحلل. يُضافُ إلى ذلك أنَّ رميَ النُفايات بأسلوبٍ غير مخطط له، مِنْ شأنه أيضا أنْ يجذبَ الحشرات والقوارض، حيث وجد أَنَّ القُمامة تحمل معها الجراثيم الَّتِي تُعَد بيئة جاذبة للجرذانِ المعروفة بقدرتها عَلَى اعتلالِ الناس وتعريضهم للإصابةِ بمتباين مِن الأمراض، ما يعني أنَّ القمامةَ بمقدورِها التسبب فِي الإضرارِ بصحةِ الإنسان، إلى جانبِ آثارها السيئة في السلامةِ العامة وعناصر بيئة المجتمع المحلي؛ لذا يمكن الجزم بأنَّ رميَ النُفايات خارج الضوابط الحاكمة لإنشاءِ مناطق الطمر الصحي، لا يقتصر غَلَى الخشية مِنْ تشويه جمالية المدينة فحسب، وإنما تمتد آثاره إلى مناحٍ أخرى فِي المقدمةِ مِنها المشكلة البيئية.
إنَّ عزمَ أي دائرة بلدية عَلَى إنشاءِ موقعٍ لأغراضِ الطمر الصحي، يلزمُ إدارتِها التمسك بانتهاجِ عنصر التَخْطيط سبيلاً عند الشروع بمهمةِ انتخاب المكب المؤهل للتخلصِ مِنْ النُفَايات؛ إذ تستوجب آلية اختيار المراد إقامته التقيد بمَجْموعة مِنْ المحدداتِ الَّتِي تضمن التوافق مَعَ حزمةِ الضوابط الضامنة لتوافرِ الاشتراطات الصِحية والبيئية. ولعلَّ فِي طليعة هَذِهِ الاشتراطات هو وجوب التركيز عَلَى ما مِنْ شأنه المساهمة فِي ضمانِ الحماية المفترضة للتربةِ والمياه الجوفيَّة مِنْ مشكلةِ التلوّث بالمياه العادمة، وَالَّتِي تلفظها عادة أماكن الطَمَّرِ الصِحِّي، بالإضافةِ إلى ضرورةِ تجهيزها بشبكةِ خاصة مِنْ أجلِ تصريفِ المياه الناجمة عَنْ هطولِ الأمطارِ أو بفعلِ عمليات تحلل المواد العضوية الموجودة فِي طبقاتِ النُفَايات المدفونة.
فِي أمانِ الله.     



65
مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة العشرون  )
لطيف عبد سالم
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.   
لأَنَّ " مَنْ لَمْ يقرأ التأريخ، لَمْ يحز قسطاً مَن الثَّقَافَة " بحسبِ أحد المفكرين، فَإننا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا ما قلنا إنَّ السَماوةَ يومَ أطلّ يحيى السَماوي عَلَى الدنيا، كانت بقعة مِنْ أرضِ باديتها المترامية الأطراف تشكلُ سجناً كبيراً للوطنيين وَالأحرار الَّذين حفروا طريقهم فِي مسارِ النضال الوطني، وَتفانوا مِنْ أجلِ أنْ يستبدلوا المحبة وَالسلم والنهوض بالظلمِ وَالاستبداد والكراهية والإذلال. وَيمكن الجزم بأنَّ هَذِه الميزة هيمنت عَلَى جزءٍ مهم مِن التأريخِ الحديث لمدينةِ السَمَاوة الَّتِي يرزح أهلها فِي شظفِ العيش، ولا شيء يميزها غير الطيبة وَينابيعها الثقافيَّة الَّتِي لا تجف؛ إذ أَنَّ الحكوماتِ العراقية المتعاقبة اعتادت الركون إلى عقابِ المعارضين لسياساتِها بالإبعادِ إلى تلك المدينة البائسة فِي جنوبي البلاد مِنْ أجلِ رميهم خلف قضبان سجن " نقرة السلمان " وَزنازينه المرعبة، وَالَّذِي أقيم عام 1928م إبان فترة الاحتلال الإنجليزي بالاستنادِ إلى توصيةٍ مِن الجنرالِ البريطاني " غلوب باشا " الملقب " أبو حنيك " فِي ناحيةِ " السلمان " جنوب شرقي منطقة صحراوية بالقربِ مِن الحدودِ العراقية السعودية. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ عساكرَ " أبو ناجي "، أخضعوا تحديد مكان إنشاءِ هَذَا السجن إلى دراسةٍ دقيقة تحقق غاية المحتل فِي إيجادِ تكوين مادي بمثابةِ " منفى " وَليس كما جاء فِي بعضِ الروايات مِنْ أجلِ الحيلولة دُون تسلل المهربين وَالشروع بممارسةِ نشاطاتهم فِي إدخالِ سلعٍ وَبضائعَ بشكلٍ غير قانوني، فكان الاختيار مثالياً؛ لأنَّ المنطقةَ المنتخبة عبارة عَنْ منخفضٍ فِي الباديةِ يشير إليه السكان المحليون باسْمِ " النقرة ". وَلعلَّ مَا يدعم قولنا هو أَنَّ الحكومةَ العراقية، أقامت فِي أعوامِ العقد السادس مِن القرنِ الماضي سجناً آخر فِي المنطقةِ ذاتها أكبر بأضعافٍ مِنْ بنايةِ المعتقل القديم الَّذِي يُعَدّ أقدم السجون فِي بلادِنا.

النفط الذي أشبَعَنا جوعاً ، متى يجفُّ ؟
دماؤنا ستبقى تسيلُ حتى آخر
برميل نفط !
*
على ماذا يتناطحُ الصيّادون ؟
حيتانُ المحتلِّ لم تُبقِ من سمكةِ
الوطن إلاّ الزعانف !
*
سيادة الوالي
حسناً فعلتم بتشييدكم نصباً تذكارياً للجندي المجهول..
ولكن :
متى ستشيدون نصباً تذكارياً للشعب المجهول ؟
****   
مِنْ المعلومِ أنَّ أبرزَ مَا يميز بادية السَمَاوة هو خلوها مِنْ أبسطِ مظاهر الحياة المدنية، حيث لا يعيش فِيها غير بدوٍ رحّل يعتمد استقرارهم المؤقت عَلَى وجودِ مصادر المياه وَالعشب، ولا يطأ أرضها إلا المهربون وَدوريات حرس الحدود. وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْ سماتِ تلك البادية - بالمقارنةِ مَعَ مجريات الحياة فِي المَدْيَنة أو غيرها مِن البيئاتِ الاجْتِماعِيَّة الحَضريَّة - هو العزلة الَّتِي تخيم عَلَى مُجْتَمَعها الَّذِي يُعَدُّ فِي واقعِه المَوْضُوعِيّ مِنْ بَيْنَ التكوينات المستقلة بذاتها؛ نتيجة تميز طابعها الإسكاني بسُبُلِ عيشٍ متفردة، فرضتها حاجة مَنْ يسكنها إلى التعاملِ مَعَ صعوبةِ معطياتِ الحيَاة، وَمِنْ هُنَا جاءت إشارة المؤرخين إلى أَنَّ ذلك المنفى القسري يُعَدّ بوصفِه نهاية الطريق لِكُلِّ شخصٍ منتمٍ إلى حزبٍ أو لِمَنْ لديه سجل نضالي فِي أعوامِ العقدين الخامس والسادس مِن القرنِ الماضي.

***
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي صـرتُ
أبـا نـؤاسْ

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـوطـن الـجـريـحِ
جـوعٌ ودمٌ
يـسـيـلُ  مـن مـئـذنـةٍ
وروضـةٍ مـذبـوحـةِ الأغـراسْ

وحـيـنـمـا هـاجَـرَ مـن أحـداقـيَ
الـنـعـاسْ

رأيـتُ جـفـنـي زِقَّ أحـزانٍ
وجـرحي كـاسْ
*** 
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ هو استحالة تحقق أي عملية هروب مِن هَذَا السجنِ الأسطوري الَّذِي أقيم عَلَى شكلِ قلعةٍ مكونةٍ مِنْ ثلاثةِ طوابق، ثم اضيفت إليها لاحقاً عشر قاعات تتوسطها باحة كبيرة. وَضمن هَذَا الإطار يروى أَنَّ سجيناُ اتفق مَعَ بعضِ أهالي المنطقة البقاء فِي بئرٍ خارج السجن حتى تحين فرصة هروبه، لكن سرعان مَا خابت آماله حينمَا أخفق فِي الابتعادِ كثيراً عَنْ تلك القلعة المشؤومة؛ إذ وجد ميتاً خلفها مِنْ شدةِ العطش. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أهم الصفات الَّتِي تدلل عَلَى بشاعتِه هو استيطان أروقته الأمراض الخطيرة، فضلاً عَنْ استخدامِ جواره مقبرة يدفن فِيها المعتقل الَّذِي يلقي حتفه. وَبحسبِ شهادات بعض أهالي المنطقة، فإنَّ دفن الموتى كان يتم بشكلٍ سطحي، حيث يكتفي الجنود وَالحرس بإهالةِ التراب عَلَى السجينِ الميت قبل الانصراف عَن المكانِ بشكلٍ سريع. وَتحضرني الآن حكاية قرأتها قبل ثمان سنوات عَنْ ذكرياتِ المعتقلين يصف فِيها الشاعر العراقي عباس البدري الحياة فِي ذلك السجن الرهيب بقولِه : " كانت السماء وحدها تلتهم غموض الصحراء وتشطر حبات رمالها فيما كانت بوابتا سجن نقرة السلمان مشرعتين على مصراعيهما في الليل والنهار ولكن اين يذهب السجين اذا ما حاول الفرار؟! ".

قالتْ وفي دمها من لوعةٍ لهبُ :
علامَ وجهُكَ يرسو فوقه التَعَبُ ؟
ولِمْ قناديلكَ الخضراءُ مطفأةٌ
كأنّما لمْ تزُرْ أجفانها الشهُبُ ؟
ولِمْ جوادُكَ جرحٌ رحتَ تركبهُ
فما يضمّك بيتٌ حيثُ تغترِبُ ؟
فبئستِ الشمسُ إنْ لم تُسْقِنا ألقاً
وبئست الأرضُ لا ماءٌ ولا خَصَبُ
وبئس عمركَ في الآفاق تنفقُهُ
نديمُكَ الشوقُ والحرمانُ والوصَبُ
فقلتُ : عفوَكِ بيْ من كلّ ناحيةٍ
جرحٌ يؤرّق أجفاني ويحتطبُ
أنا المسيحُ الذي عُلِّقتُ أزمنةً
على الدروبِ ولكنْ قوميَ العَرَبُ
نذرْتُ للوطنِ المذبوحِ قافلة
من السنين عليها من منىً ذَهَبُ
وللتي خبّأتْ ليْ تحتَ بردتِها
خالاً توسّدَ سفحا طيبُهُ العَجَبُ
كلاهما شاء قتلي دونما سببٍ
إلآ لأنّ فؤادي الناصحُ الحَدِبُ
أقسى المواجع: جرحٌ لا يسيل دماً
وأعمقُ الحزنِ: حزنٌ ما له سببُ
رضعتُ حزنا من الثديين في صغري
وإذْ كبرتُ فحزني أخوةٌ وأبُ
أسامرُ الكأسَ أخفي تحت نشوتها
ذلي وأزعمُ أني صادحٌ طرِبُ
أخيط جرحيَ بالسكين .. يحرقني
مائي ويُثْلِجني في جمره اللهب ُ
عريانُ تُلبِسُني الذكرى عباءتها
 وفي بحيرة حزني يغرقُ الخشَبُ
 أما عبرتُ بحاراً دون أشرعةٍ
 وفي حقول فؤادي أتمَرَ القصبُ ؟
فكيف يثكلني عشقي ويذبحني
عشبي فيفرع في بستانيَ الجدبُ ؟

***
مَا غاب عَنْ بالِ السلطات، وَمَا لَمْ تدركه وسط التباهي بضخامةِ إنجازها التعسفي فِي نقرةِ السلمان، هو اَنَّ النفيَ إلى زنازينِ تلك القلعة الرهيبة - وَإن طالت مدته أو جهل المنفيّ مصيره - لَمْ يكن بوسعِ البشع مِنْ تداعياتِه إدخال اليأس فِي نفوسِ المناضلين إلى الحدِ الَّذِي يجعلهم يظنون اَنَّه الملجأ الأخير لرحلتِهم فِي الحياة؛ إذ أصبح ذلك المعتقل بمثابةِ " بركان فكري " قابل للمُسَاهَمَةِ بشكلٍ مؤثر فِي إشعالِ الشارع المحلي بتباشيرِ الثورة فِي القادمِ مِن الأيام، وستدك حممه أسوار السلطة وأذنابها مِن الإقطاعيين وَغيرهم، فحلم الحرية وَالسيادة، فضلاً عَمَا مِنْ شأنِه تقويض سلطة الاستبداد، كانت مِنْ أبرزِ العوامل الَّتِي ساهمت فِي صيرورةِ التحدي العميق لفكرةِ المنفى، وَالَّذِي ساهم فِي تدعيمِ مرتكزات الأرضية " الثورية " للسوادِ الأعظم الَّذِي همّشته الحكومات العراقية المتعاقبة وَمارست ضده كُلّ أشكال التمييز.   

***
فيمَ العتابُ؟ وماذا ينفع العَتَبُ ؟
أنا دخاني وناري، بلْ أنا الحطبُ !
فكيف أطلبُ من بستانها عِنَباً
تلك التي عزّ منها الدّغلُ والكرَبُ ؟
يا عاشقاً لمْ تسامرْ قلبه امرأةٌ
وسامرتْه دواةُ الحبرِ والكتُبُ
 أكلّ مطلع فجرٍ ثمّ مذبحةٌ
 وكلّ مهجعِ ليلٍ ثمّ مُضطرَبُ ؟
مُريبةٌ هذه الدنيا فلا عجبٌ
 أنْ يكذبَ الصدقُ أو أنْ يصدق الكذِبُ
***
مِنْ المؤكّـدِ أنَّ هَذِه الجزئية كانت نقطة جذب هائلة لغالبيةِ الكادحين وَالمسحوقين فِي العراق، فالمناضل - بفضلِ مَا آمن بِه مِنْ مبادئ - يفكر عَلَى الدوامِ فِي البحثِ عَمَا يمحى غبار الآلام عَنْ صدرِه، وَكما تقول الحكمة " المستقبل شبح يؤرق كُل عين إذا نامت ". وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو قضاء السجناء أمسياتهم بالغناءِ أو إقامة أمسيات الشعر أو العمل فِي إصدارِ النشرات الثقافية الَّتِي كانت تجرى بحذرٍ شديد وَسرية تامة خشية معرفة الحرس أمرها. يُضافُ إلى ذلك قيام بعض السجناء فِي تخضيرِ مناطق صغيرة مِنْ تلك الأرض الجرداء وَتحديداً بمحاذاةِ القلعة القديمة؛ تعبيراً عَنْ أحلامِهم فِي بلدٍ موشح بالنماءِ وَالبناء وَإنسان حرٍّ يعيشِ بسعادةٍ وَرفاه. وَيرى المُتَخَصِّصون أنَّ تلك الفعاليات الفردية أو الأنشطة الجماعية للسجناءِ تُعَدّ بوصفِها إحدى عجائب الحياة فِي غياهبِ سجنِ نقرة السلمان؛ إذ كان لتلك النشاطات بلا ريب أثرٌ فاعلٌ فِي إزاحةِ ركام مَا قد يكمن مِنْ يأسٍ فِي جنباتِ المعتقل، مَا يعني خلق بيئة مناسبة لإشراقةِ أملٍ بالحياة، فاليأس كما فِي حكمةٍ قديمة : " نقطة سوداء فِي عالم مضيء ". وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ حياةَ السجناء المثيرة للغثيانِ فِي ثنايا معتقلَ نقرة السلمان، فضلاً عَمَا تفنن به أزلام سلطة الاستبداد مِنْ جلدٍ وَأساليب تعذيب فِي غيره مِنْ سجونِ وَمعتقلات بلادنا، كان لها الأثر الكبير فِي المُسَاهَمَةِ الفاعلة بإثارةِ محركات الوعيّ الوطني، بما حافظ عَلَى جذوةِ نضال شعبنا متقدة فِي وجه الدكتاتورية وَالفاشية، وَلا أدل عَلَى ذلك مِنْ موقفِ زوج فلاحٍ مناضل - يساري الهوى - إغتال الإقطاعيون رفيق دربها فِي خمسينياتِ القرن الماضي، ورموه مخضباً بدمِه جثة هامدة أمام باب منزله الطيني فِي منطقةِ الكحلاء بمحافظةِ ميسان، حيث وقفت تلك القروية الجنوبية الكبيرة بإنسانيتها بجَلَدٍ وَإباء متجاوزة آهات الوجع العراقي وَهي تصرخ بالنساءِ المعزيات طالبة الكف عَنْ البكاء؛ خشية أنْ يختلط " الكحل مَعَ الدم ". وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ تلك الحادثة الكبيرة والمعبّرة عَنْ الذّاتِ الإنسانيَّة، لَمْ يحفظ لنا التأريخ مِنها غير مَا كتبه مظفر النواب عَنْ لِسَانِ زوجة الشهيد " صاحب الملا خصاف "  بقصيدته الشعبية الموسومة " مضايف هيل "، وَالَّتِي خلدها العامة باسْمِ " جرح صويحب "، وَشداها الفنان سامي كمال فِي عامِ 1984م بلحنٍ جميل، ألزمته تكاليف انتاجه بيع مصاغ زوجته لتوفيرِ المبلغ.

***
بي للأحبةِ وجدٌ ما عرفت له
 صبراً ودون منايَ الضّيمُ والرّعُبُ
 للواقفات ـ حياءً ـ خلف نافذةٍ
 يشدّهنّ الى مُستظرَفٍ شَغَبُ
 لعازفٍ تبعثُ السلوى ربابتُه
 وناسكٍ ببخورِ الروح يختضِبُ
آهٍ على وطنٍ كاد النخيل بهِ
 يكبو ويبرأ من أعذاقه الرُطَبُ
وكاد يهرب حتى من كواكبه
 ليلٌ ويخجلُ من أجفانه الهُدُبُ
 وربّ ظلمة كهفٍ بعد فاجعةٍ
 أضاءها حُلُمٌ أو شفّها أرَبُ
 ولسعةٍ من سياط القهر تجلدنا
 تشدّنا للمنى والفجر يقتربُ
فِي هَذَا الخضم المتلاطم مِن المعطيات، يمكن القول إنَّ السَمَاويَ يحيى، استمد وَعيه السياسي مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة،  وَالَّتِي يقيناً كانت سبباً لمَا يشعر بِه، بالإضافةِ إلى مَا أحاط بِه مِنْ بِيئَةٍ مُجْتَمَعية تعاني الفقر وَالحرمان؛ إذ لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ السَماوةَ كانت مدرسته، فقد كانت تُعّدّ محطة العبور الرئيسة نحو سجن نقرة السلمان سيئ الصيت، فضلاً عَنْ أَنَّ التظاهراتَ الشعبية كانت تنطلق مِنْ سوقِ السَماوة " المسقوف " نحو بقية شوارع المدينة. يُضافُ إلى ذلك أَنَّ ريفَ مدينة السَماوة كان ملاذاً آمناً للهاربينِ مِنْ شرطةِ مدير الأمن العام إبان العهدِ الملكي بهجت العطية ( 1900 - 1959 ) - الحاصل علَى لقبِ " باشا " بإرادةٍ ملكية مِن الملك فيصل الأول - أو مِنْ جلاوزةِ مدير الأمن العام فِي مطلعِ عهدِ النظام السابق ناظم كزار ( 1940 - 1973 ) لاحقاً، فلا عجب لو نظر مَا تعاقب مِن الحكوماتِ العراقية إلى مدينةِ السَماوة بوصفِها مدينة " مارقة ". وفِي هَذَا السياق يشير السَمَاوي إلى مرحلةِ فتوته فِي مدينته بقولِه :  " فِي السَماوةِ كنا نشاهد سيارات الشرطة المليئة بالمعتقلين السياسيين وهم يهتفون مِن داخلِ الأقفاص الحديدية : سنمضي ..  سنمضي إلى ما نريد .. ". 

لـيـسَ لـيْ إلآكِ في مـمـلـكـةِ الـقـلـبِ شــريـكْ
فـأنـا بـعتُـكِ نـفـسـي فـي الـهـوى كـيْ أشــتـريـكْ
فـي دمـي جـمـرُ الـمـنـافـي ... والـفـراتـانِ وفـيءُ الـنـخـلِ فـيـكْ
مـنـذ أسْـلـمْـتـكِ أمـري وأنـا :
الـمـأسـورُ والآسِـرُ .. والـمـمـلـوكُ والـمـالـكُ .. والـعـبـدُ الـمـلـيـكْ
فِي صَخَبِ الجدل الشعبي الدائر حَوْلَ مَا كانت تشهده بِلاده مِنْ أحداث، انصهر السَماوي مذ كان غضاَ طرياً فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد بعد أنْ جهدَ فِي استكشافِ مرتكزاتِ رؤيته للمُسْتَقْبَل، إذ سرعان مَا وجدَ نفسه - فِي مرحلةِ دراسته الثانوية - تواقة للعملِ السياسي فِي حركةِ اليسار العراقي، فانتمى إلى " اتحاد الطلبة " عَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِه العميق لِمَا يفرضه عَلَيه هذا الانتماء مِنْ مهامٍ أخرى تضاف إلى مَا تمليه عَلَيه المتطلبات الخاصة بضمانِ مستقبله المنشود، وَالَّذِي مِنْ أهمِ موجباته التمسك بالاستمرارِ في بِذل مزيدٍ مِن الجهد، وَالمواظبة عَلَى التحصيلِ الَّذِي يقتضي الاهتمام بأداءِ واجباته المدرسية، فالسَماوي يحيى كما عرفنا مِنْ مضامينِ شعره، فضلاً عَنْ شهاداتِ أترابه كان - وَمَا يَزال - رافضاً لأيّةِ دعوة تنحو فِي اتجاه ترويض الناس عَلَى القبولِ بالدونِ مِن المعيشةِ أو الساعية لإقناعهم قبول البخس وَالهوان فِي الحياة؛ لأَنَّ تلك الدعوات وَمَا ماثلها مِنْ حيث الغاية يراد مِنها تمكين السلطة مِنْ إشاعة " الظلم الاجتماعي "، بالإضافةِ إلى مَا يتبعه مِنْ تداعياتٍ تفضي إلى إرهاقِ المواطن الكادح.

***
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي
ربـابـةْ

وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن مـعـزفـي
حـنـجـرةٌ تـنـهـلُ  مـن بـحـيـرةِ الـكآبـةْ

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
سـال الـضـوءُ مـن أصـابـعـي
وأمـطـرتْ حـديـقـتـي سـحـابـةْ 
***
حـلـمـتُ يـومـا أنـنـي
سـادِنُ مـحـرابِ الـتـي صـارتْ تـسـمـى
نـخـلـة الـلـهِ بـبـسـتـانـي
وظِـلَّ  الـلـهْ

فـي جـسـدِ الـتـرابِ والـنـيـرانِ
والـمـيـاهْ

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت لـغـتـي
تـخـلـو مـن الـشـوكِ
وجـمـر الآهْ
يَبْدُو أنَّ تطلعاتَه المتمثلة بالأهدافِ الَّتِي حددها منذ يفاعته، ألزمته ضرورة التغلب عَلَى كُلِّ مَا يظهر مِن الصعوباتِ أو المخاطر أثناء مسيرته بإرادةٍ وَتصميم، الأمر الَّذِي جعله شغوفاً باستكشافِ خبايا القصيد والغوص فِي ثنايا الكتب؛ بحثاً عَنْ المفاتيحِ الخاصة بفكِ أسرار اللغة وَالغوص فِي أعماقِها؛ لكي يتمكّن مِنْ جماليةِ البلاغة وَخباياها، فإلى جانبِ انهماكه فِي العملِ السياسي، كان السَماوي - الذي حقق حلمه وَانتسب إلى كليةِ الآداب - لا يألو جهداً فِي النهلِ مِنْ أنهارِ المعرفة، لتعزيزِ موهبته وَصقلها بِمَا ساهم فِي تقديمِ أرغفة شعر ساخنة مفعمة بإبداعٍ يمتزج فِيه الجمال بالشجنِ قبل نثر رحيقها إلى المتلقي، فليس خافياً أنَّ السَماويَ دخل عالم القصيد باكراً وَلقي تشجيعاً مِنْ معلمِه الأول - والده - عَلَى المضي قدماً فِي مسارِ المعرفة وسط شغف بنسجِ معالم قصائده بإخلاصٍ وَالتزام، ألزمه الحرص عَلَى بناءِ قصائدٍ تتضمن تقديم محتوى مثرٍ وهادف  فضلاً عَنْ تميّزِه بصوتٍ مبهر فِي الإلقاء، حيث برع السَمَاوي فِي كتابةِ الشعر بما تباين مِنْ أشكاله، حتى أصبح بشهادةِ الباحثين وَالمُتَخَصِّصين مِنْ أبرزِ شعراء العربية المبدعين بفضلِ مَا حملته قصائده مِنْ جمالٍ وبلاغة وصفاء مخيلة. وَيمكن القول إنَّ مَا يميز تجربة شاعرنا الكبير يحيى السماوي في أحدَ جوانبها المهمة، هو القدرة الفائقة عَلَى استغلالِ الذاكرة، وَمَا تكتنزه مِنْ موروثاتٍ وَأحداث، وَتوظيفها بأسلوبٍ خلاق فِي مساراتٍ تنحو صوب الدفاع عَنْ قضايا الإنسان، فضلاً عَنْ رسمِ صورةٍ للقادمِ المرتجى،  فالشمس " تتجدد كل يوم " كمَا يقول هيراقليطس.
أيـهـا الـطـفـلُ / الـفـتـى / الـكـهـلُ / الـقـتـيـلُ / الـقـاتـلُ / الـنـشـوةُ /
والـحـزنُ الـفـراتـيُّ الـمُـعَــتَّـقْ :
أنـتَ لا يُـمـكـنُ أنْ تـجـتـازَ صـحـراءً بـزورقْ

وتـجـوزَ الـبـحـرَ بـالـعُـكَّـازِ ..
فـاخْـتـرْ غـيـرَ دمـعِ الـنـدَمِ الـمُـرِّ عـلـى ثـوبٍ تـمَـزَّقْ

كـلُّ صـخـرٍ يـتـحـدّى الـمـوجَ : يَـغـرَقْ

فـاتـخـذْ غـيـرَ ثـقـيـلِ الـصّـخـرِ طـوقـاً لـنـجـاةٍ
وسِـوى الأشـواكِ فـي مـعـركـةِ الـنـيـرانِ بَــيْـدَقْ

كـلُّ مـا فـي الـكـونِ مـن مـاءِ سَــرابٍ
لـنْ يُـسـاوي رشــفـةً فـي قـعـرِ دورَقْ

فـاحْـفـرِ الأرضَ بـأضـلاعِـكِ إنْ كـنـتَ ظـمـيـئـاً
وتـوضَّـأْ بـيـقـيـنٍ قـبـلَ أنْ تـدخـلَ مـحـرابـاً وتَـعْــشَــقْ

مـا تـبـقّـى مـن حـريـرِ الـغـدِ :
يُـكـفـيـكَ لأنْ تـنـسـجَ ثـوبـاً مـن مـيـاهٍ لـيـسَ يُـحْـرَقْ
***
لاشك أنّ السَماويَ أبدع عبر مسيرته الشعرية الغنية بأنواعِها، وَالَّتِي أغنت بشهادةِ الدارسين وَالنقاد الساحة الثقافية العربية بنتاجٍ شعريٍّ متوافق مَعَ جوهرِ العملية الإبداعية بفضلِ مَا عكسته قصائده مِنْ جمالياتٍ تتكئ عَلَى عناصرَ فنية مؤثرة، وَلاسيَّما المقدرة الشعرية، وَالهامية بعدها، وَتنوع مضامينها، وَتميزها بالعواطفِ الإنسانيَّة، وَالَّتِي اعترف لها الحقل الأدبي بالخصبِ وَالإشراق وَالثراء وَالنماء، مَا جعلها مادة غنية للإجراءِ النقدي وَالدراسات العليا. وَعَلَى وفقِ مَا تقدم يمكن الجزم بأنَّ النتاجَ الشعري للسَماوي يحيى كان مؤثراً إيجابياً فِي المتلقي أينما كان، فعَلَى سبيل المثال لا الحصر يخاطبه أحد القراء الكرام بمداخلةٍ فِي أحدِ المواقع الإلكترونية قائلاً : " أنت مَنْ رضعت مِنْ ترابِ الوطن لبنا "، فِيمَا يشير إليه قارئ كريم آخر بالقولِ : " لقد رسمت الشعر على جدرانِ العراق أيها الرائع، وعلقت حروف الوطن على صدورِ المحبين ".
أراني ملزماً هُنَا بالإشارةِ إلى غيضٍ مِنْ فيضِ ممَا ورد في آراءِ بعض الأدباء عَنْ منجزِ السَماوي الإبداعي، حيث يشير إليه الشاعر والمترجم الأردني نزار سرطاوي بالقول : " لست ناقداً ولكن قصيدة يحيى السماوي تفتح في العقل والوجدان والقلب والروح عالماً من الانفعالات "، فِيما يصف الناقد السوري الدكتور صالح الرزوق تلك التجربة بقوله : " أرى أن تجربة السَماوي لها ظل وأصل، في ظلها انعكاس شفاف ينقل لنا ما وراء الأصل من معاناة وتجديد، فالتجديد في الفن هو توأم للمعاناة في الواقع والروح ". وَيقول الكاتب وَالناقد العراقي سعدي عبد الكريم فِي توصيفه لتجربةِ يحيى السماوي الشعرية : " جزى الله السماوة خيرا، لأنها أنجبت هذا الشاعر الفحل الذي سرق دماً من محجريّ بشعره المحلق صوب صدفة فينوس ليحملها منتشيا الى شواطئ الغربة، ثم ليسقطها فوق المآقي لؤلؤا يشبه لون الدمع ". وَفِي السياقِ ذاته يكتب القاص وَالشاعر العراقي حمودي الكناني بمضمونٍ أقرب إلى التناص مَعَ مَا سجله الأديب سعدي عبد الكريم بقوله : " الآن عرفت لماذا كان الشيخ المرحوم مدرس العربية يبكي كلما مر بشعراء المهجر .... أترانا محظوظين أن اصبح لدينا شعراء مهجر يذوبون شوقاً وحنيناً إلى ديارهم، حيث مرابع الصبا وإلى - نخل السماوة يكَول طرتني سمره - ولكننا نشكر السماوة أنها أنجبت لنا واحداً هو يحيى السماوي ".
وفِي شأنٍ آخر يدون الأكاديمي العراقي الأستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي مَا نصه : " تعجز الأقلام والبحوث عن عبور نهر يحيى السماوي، فقد كتبت واشرفت على طلبة دكتوراه وماجستير كثر، واخر البحوث في جامعة البصرة كلية التربية - كسر الأفق عند الشاعر يحيى السماوي - للباحثة مها قاسم عبعوب. وهل يحصر الشاعر في عنوان، فقد قابلت البحر ولكن لم تقطر الا قطرة واحدة من شعره ونثره، فالشاعر يحيى جبل من الجليد لا يطفو منه الا القليل ". وَعَنْ معجمِه الشعري تشير الباحثة مها قاسم عبعوب فِي بحثها المذكور آنفاً بالقول : "  اللغة الشعرية التي استخدمها يحيى السماوي مألوفة مأنوسة، ولكن نتيجة تملك التجربة الشعرية لإحساسه وصدوده عنها كانت على قدر كبير من الثراء والايحاء، الأمر الذي جعله يسيطر على كلماته وتراكيبه فيسخرها لتصوير عواطفه وعوالمه تصويراً مركزاً يترجم مكوناته وعوالمه الداخلية والخارجية على السواء. والمعجم الشعري عند السماوي يستفيد من ثلاثة مصادر بارزة هي : المصدر الديني، المصدر الشعبي والمصدر الأدبي, ما اضفى على شعره رصانة وفخامة وخصوصية شعرية تكمن في عمق الاندماج في الدين والتراث  الوطن والفخر بذلك ". وبالاستنادِ إلى مَا تقدم، لا غرابة فِي رؤيةِ الأديب يحيى الكاتب الَّتِي نصها : " تجربة الشاعر الكبير والإنسان الكبير يحيى السماوي جديرة بالاهتمام والدراسات لأنها ظاهرة أدبية عابرة للمألوف ومتألقة بنور المحبة والطيبة، متجلببة بجلابيب البلاغة والبيان والكناية والجناس والطباق والاستعارة، حتى ضج منها الوليد الأدبي واستغاث منها المطبوع العربي والإنساني وتباهى بها المشهد الشعري ليليق بذائقة الكون المحايدة ليملأ الدنيا ويشغل الناس ". وَضمن الإطار ذاته يؤكد الناقد السينمائي وَالأديب العراقي المقيم بهولندا، نعمة يوسف السوداني علوّ كعب السَماوي فِي نظمِ القصيد بالقولِ : " السَماوي شاعر يمتلك القدرة على رؤية الاشياء وتوظيفها للقارئ كصورة بصرية وسمعية, كما يوصلها ايضا لوحة تشكيلية تتألف من عناصر اللون واللغة والايحاء، فيشكل صوراً مكملة للكلام ". وحول تكامل أدوات السَماوي فِي كتابةِ القصيدة يشير السوداني إلى عمقِ مشاعره فِي فضاءات الجمال وَالعشق الإنساني قائلاً : " السَماوي شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لا يتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة، حيث نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا, ومن ثم يعيد بناءها من جديد, فمن الحدس والتخيّل للنزعة الجمالية من خلال الانفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه عن عمق مشاعره  وحبه ". ويخلص السوداني إلى بقاءِ جذوة الحب متقدة فِي عالمِ السماوي يحيى بقوله : " كل الدلالات الَّتِي ذكرتها آنفاً تشير وتؤكد على اعلان بيان للحب الدائم  في قلب وعقل وافكار مبدعنا العاشق اللهف, الوله في حبه لحبيبته، وبخط احمر بأن اللوعة مازالت فيه, وان جذوة الحب مازالت مشتعلة, وانه عاشق ابدي؛ لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول القاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها الا في  قلبٍ ثائر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد ".

رَفـعَ الـنِـقـابَ وسَــلّـمـا وبـحـاجِـبَـيـهِ تـكـلّـمـا
ودَنـا .. وأغْـمضَ مقـلـتـيـهِ تغـنُّـجـاً .. وتـبَـسَّـمـا
وأزاحَ عـن زيـقِ القميصِ جَـديـلـتيـنِ ومِعْـصَـمـا
فــرأيـتُ مـا أغـوى بـفـاكـهــةِ الــلـذاذةِ " آدَمــا " : !
نـسـرانِ كـادا يـهـربـانِ مـن الـقـمـيـصِ تـبَـرُّمـا
نـسـرانِ يخـتـبـئانِ خلفَ ضـفـيرتـيـنِ فـأوْهَـمـا !
أهُـمـا أنـا مُـتـحَـفّــزانِ ؟ وفـي الـحَـيـاءِ أنـا هُـمـا ؟
فَـغَـرتْ عـيونـي جـفـنـهـا وفمي تـمَـطَّـقَ مُـرغـمـا
فـوجَدْتُـني بـعـبيـرهِ ـ رغـم انطِـفـائيَ ـ مُـضْـرَمـا
لاصَـقـتُـهُ خـطـواً تـهـادى في الـغـروبِ مُـنـغَّـمـا
وهَـمَـمْـتُ أسـألُ مُـقـلـتـيـهِ لـلـيـلِ عـمريَ أنـجُـمـا
فـتـعَـثَّـرَتْ شـفـتي بصـوتي .. فـانـكـفـأتُ مُــتـيَّـمـا
خـتـمَ الـذهـولُ فـمـاً تـمنّـى أنْ يُـضاحِـكَ مَـبـسَـمـا
لـكـنّـمـا عـيـنـايَ - مــن شــغـفٍ - تحـوّلـتـا فـمـا
فـرَمَـيـتُ أحـداقـي عـلـى نـهــديــهِ حــيـن تـقـدَّمـــا
وعـلـى مَــرايـا جـيـدِهِ .. مُـتـوسِّــلاً أنْ يـفـهــمـــا
كــادتْ تـفـرُّ لِـثـغـرِهِ شـــفــتـي لـتـلـثـمَ بُــرعُـمــا
فهَـمَـسْـتُ : رِفـقـاً بالـغـريبِ ألـسْـتَ قلـبـاً مُسْـلِـمـا ؟
أبْـطـلتَ عُـمْـرَةَ ناسِـكٍ قد جاء " مـكّةَ" مُحْرِمـا !
وحَرَمْـتهُ سَعْـياً بـ " مروةَ والصّفاءِ " و" زمْزما"
يا مُـبْـطِـلاً حتى وُضوئي : كُـنْ لـعِـشـقٍ مَـيْـسَـمـا
فـأعـادَ وضـعَ نِـقـابـهِ كـيـداً... وقـال مُـتـمـتِـمـا :
صَـبراً على عطـشِ الهـوى إنْ كـنتَ حـقـاً مُغـرَما
فـالـمـاءُ أعـذبُ ما يـكونُ : إذا اسْـتـبَـدَّ بـك الـظـمـا !
***
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثَمَّةَ ما منع السًماوي مِن طرحِ نتاجه الشعري عَلَى جمهوره بشكلٍ واسع لنحوِ نيفٍ وَعقدين مِن الزمان ( 1971 - 1992 )، فقد بقي النهل مِنْ نتاجِه الشعري محدوداً ببيئةٍ مُجْتَمَعيةَ ضيقة، مساحتها لا تتعدى الأصدقاءَ الذين يطمئن لهم، حيث كان يشدو قريضه وسط مَا يمنحه مِنْ الأمكنةِ الفرصة لكي يُفرغ أنينه وَيؤنس وحشة الليل، فيشرب جلساؤِه مِنْ نهرِ إبداعه شراباً سائغا قبل أنْ يتوارى عَنْهم فِي ظلامٍ مظلم، مَعَ العرضِ أنَّ بعضَ تلك الجلسات كانت سبباُ لمبيتِه وَصحبه أياماً خلف قضبان السجون. يُضافُ إلى ذلك مَا نحته مِنْ قريضٍ وَوجد له مستقراً فِي مَا تباين مِن الدهاليزِ الَّتِي يحسبها آمنة بسببِ بعدها عَنْ أنظارِ عسس السلطة ومخبريها وَأزلامها؛ نتيجة مواقفه المعارضة لسياساتِ النظام البائد وَكشف تعدد نشاطاته الاجْتِماعِيَّة انتماؤه لحركةِ اليسار، غَيْرَ أَنَّ الكثيرَ مِنْ تلك المخطوطات تحولت إلى رمادٍ بفعلِ اضطرار أسرته سجرها فِي التنور خشية وقوعها بأيدي السلطة وَأعوانها، حيث أَنَّ " هولوكوست الكتاب " أو التخلص مِنه بالدفنِ أو بغيره مِن الوسائل المتاحة، يُعَدّ بفعلِ ركون السلطة الدكتاتورية إلى نهجِ الرقابة الصارمة، فضلاً عَنْ قمعها العنيف للحريات أحد أبرز موروثاتنا الثقافية. وأراني ملزماً هُنَا بدعوةِ البيت التفافي العراقي بما تباين مِنْ عنواناته إلى إطلاقِ مسابقةٍ أدبية سنوية بعنوان " جائزة شهيد الكلمة "؛ وفاءً للذين جادوا بأنفسهم مِنْ أجلِ حماية الكلمة الرافضة للاستبداد وهم يحاولون اختراق جدران الرقابة بترويجِ النتاجات الإنسانية بِمَا متاح مِن السُّبُلِ الَّتِي كانت محفوفة بالمخاطر.

***
ســتون .. في ركـــضٍ ولــمْ اصــلِ
نهـــــرَ الأمـــانِ  وواحــةَ  الأمـــلِ

ســتونَ .. أحسَبُ يومَهــــا سنــــةً
ضــوئيَّــةً مـــــــوؤودةَ الــــشُّــعَلِ

عــشــرون منهـــا : خيمتي قلــقٌ
بيـــن المـنافـــي عاثـــرُ الــسُّــبُلِ
 
والباقيــــاتُ ؟ رهـــينُ مــــسْغَبَةٍ
حينـــاً.. وحينـــاً رهــن مُعْتَقَــــلِ
***
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير إلى أنّ بعضَ الكتاب وَالنقاد يشيرون إلى تلك الفترة الزمنية مِنْ سفرِ أدب السَمَاوي بوصفِها مساحة " صمت  كبيرة " تخللت تجربته الشعرية، فَعَلَى سبيلِ المثال لا الحصرَ ورد فِي دراسةِ الإعلامي وَالشاعر الفلسطيني علي فرحان الدندح الموسومة " الوطن فِي غربةِ الشاعر العراقي يحيى السماوي " المنشورة عام 2008م ما يؤكد ذلك، حيث يقول دندح : " إنَّ الشاعرَ السماوي بدأ تجربته الشعرية في بداية السبعينيات الميلادية مع ديوان عيناك دنيا، تلاه الديوان الثاني قصائد في زمن السبي والبكاء، وبعد صمت سنوات امتد حتى عام 1993، أصدر ديوانه قلبي على وطني وديوان جرح باتساع الوطن ". وَيمكن الجزم بأنَّ السًماوي لم يكن بعيداً عَنْ واحةِ الشعر الَّذِي شغف به حد العشق منذ السنوات الأولى فِي دراسته. وقد تنامى فِي نفسه هَذَا الشعور، فأصبح الشعر بمثابةِ " فيروس " أصابه وَهو يرى لقمة الخبز تدخل افواه فقراء الشعب وكادحيه مجبولة بإذلالِ سلطةٍ لَمْ يكن فِي حسابها أنْ تزول. وَلندع السَماوي يحيى يدلُو بدلوه حول هَذَا الأمر، حيث يقول مَا نصه : " كان صمتاً قسرياً فرضته عَليّ ظروف العراق فِي ظلِ نظام الحزب الواحد والفكر الواحد والقائد الأوحد، ومع ذلك فقد كان صمتا ظاهرياً؛ لأنني كنت أكتب ولا أنشر خوفا على رقبتي من حبل مشنقة أو سياط جلاد مادام أن كتابتي بمثابةِ صراخ احتجاج متضامنة مع الصعاليك في حربهم العادلة ضد الطواغيت والأباطرة ".
***
ما العيبُ في قولِ الحقيقةِ؟
هل تكون النارُ ضاحكة اللهيبِ
بلا حطبّْ؟

أم يستحي من طيبِ لَذتِهِ العِنَب؟

فأنا الفراتُ وأنتِ دجلة
والسريرُ بكوخِنا شطَ العَربْ
***
ذات إديلايد، أفزع السَماوي هدوء الفجر عَلَى غير عادته حين يهرب مِنْ ضجيجِ النهار إلى سكونِ الليل، فخُيِّل إليه أنه يشبه سكون مقبرة فِي صحراء، فاستعان بصوتِ محمد عبد الباسط عبد الصمد وهو يرتّل بصوتِه الملائكي : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه "، فكتب قصيدة.   



66
صباح رحيمة في ضيافة منتدى أضواء القلم الثقافي 
لَطيف عَبد سالم
في أمسيته الثقافية الثالثة لهذا الموسم، استضاف منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي بمدينةِ الكمالية الكاتب والمخرج التلفزيوني الأستاذ صباح رحيمة، والذي ألقى محاضرة شيقة وسمها بـ " تأثير التلفزيون عَلَى المجتمع ". وَقد بدأت مجريات الأمسية الَّتِي جرت وقائعها بحضورِ حشدٍ كبير مِن الأكاديميين والتربويين والإعلاميين والمثقفين والوجهاء فِي قاعةِ مؤسسة الحوراء القرآنية، وَأدارها رئيس المنتدى لطيف عبد سالم، بقراءةِ عضو الهيئة الإدارية للمنتدى الأستاذ  أحمد جليل آي مِن الذكرِ الحكيم، ثم قراءة الحاضرين سورة الفاتحة وقوفاً ترحماً عَلَى أرواحِ شهداء العراق، وبعدها قدم مدير الجلسة توطئة مقتضبة عَنْ قدرة الإعلام عَلَى البناءِ وترسيخ القيم كقدرته عَلَى الهدمِ وابدال القيم، حيث أصبح لوسائلِ الإعلام الحديثة - مِنْ بَيْنَها التلفزيون - تأثيرها الكبير عَلَى المجتمعِ المتلقي سواء كان هذا التأثير ايجابياً أو سلبياً، وهو الأمر الَّذِي ألزم المتخصصين في مجالِ الإعلام البحث فِي التداعياتِ الإعلامية الَّتِي يمكن أنْ تجد لها مستقرا فِي أوساطِ المجتمع، فكان أنْ ظهرت نظريات ودراسات علمية وبحثية، قاسمها المشترك أنَّ الإعلامَ ووسائله بمقدوره اليوم تحقيقِ أمور عدة، وَالَّتِي مِنْ أبرزِها: تغيير المواقف والاتجاه، التغير المعرفي، التنشئة الاجتماعية، الإثارة الجماعية، الاستثارة العاطفية والضبط الاجتماعي. وقبل أنْ يطل الباحث ضيف المنتدى عَلَى جمهورِ الحاضرين، قدم مدير الجلسة عرضاً لسيرته الذاتية.
تضمنت المحاضرة محاور عدة يمكن إجمالها بأنَّ التلفزيون صار صديقاً حميماً للإنسان منذ اكتشافه؛ بالنظرِ للخدماتِ الجليلة الَّتِي يقدمها مِنْ دُونِ عناء، فهو يختصر المسافات والزمن والجهد ويكون رافداً مهماً مِنْ روافدِ الثقافة والعلم والمعرفة، فضلاً عَنْ المتعةِ والجمال لجميعِ طبقات المجتمع، حيث يُعَدّ التلفزيون بوصفِه مدرسة داخلية ومعلماً جديراً بالاهتمام والاحترام؛ لذا فإنَّ العائلةَ تسعى إلى الحصولِ عليه والاهتمام به وإعطائه الأولوية فِي التأثيثِ والمكان اللائق، وتفرد له الوقت الكافي لمتابعتِه؛ لأنَّه يقدم كل ذلك بأشكالٍ متعددة واختصاصات متنوعة، فعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر يقوم التلفزيون بنقلِ الأخبار أول بأول عَلَى الهواءِ مباشرة، ما يعني أنَّ الأحداثَ تكون شاخصة أمام المشاهد بتفاصيلها مثل مباراة كرة القدم، نشاطات اجتماعية، فعاليات سياسية، كوارث وغيرها مِن الوقائع.
مِنْ المؤكّـدِ أنَّ جهازَ التلفزيون بملأ فراغ الكثير مِن المشاهدين الَّذين يتفاعلون معه فِي تنمية القابليات الفكرية والمهنية، فضلاً عَنْ توفيرِ المعلومات الَّتِي يحتاجها الكثير مِنهم فِي ممارسةِ حياتهم اليومية وتقوية مهاراتهم مِنْ خلالِ  تقديمِ البرامج والدروس في ما تباين مِن الاختصاصات وعرض التجارب والبحوث لحاصلة بجميعِ أرجاء المعمورة فِي أحدثِ مستجداتها، إلى جانبِ دوره الفاعل والمؤثر فِي تنمية الاقتصاد الوطني، وإرشاد المجتمع فِي التعامل مع الأوضاع الراهنة قصد توجيهه بالاستنادِ إلى سياسةِ الدولة؛ إذ أنَّ هذا الجهاز قادر علَى زعزعةِ قناعات مثلما هو قادر علَى زرعِ قناعاتٍ بفعلِ ما تخطط له إدارته مِنْ سياسات تقتضي استخدام متخصصين فِي علومِ الاجتماع، الاقتصاد، النفس وكُلّ ما له علاقة بمرافقِ الحياة وما بوسعه المساهمة فِي المحافظةِ عَلَى وحدةِ المجتمع أو تفككه؛ لذا فإنَّ مَنْ يمتهن العمل فِي هذا الميدان يجب أنْ يتحلى بصفاتٍ إضافية أخرى تميزه عَنْ العاملين فِي الكثيرِ مِن الأعمالِ والمهن الاخرى: مثل الثقافة العالية والصبر والشجاعة  ونكران الذات، وغيرها مِن السجايا الَّتِي تؤهله للالتصاقِ أكثر بمجتمعِه، ما يعني وجوب أنْ يكون مراقباً ذكياً لما يدور حوله، مؤمناً بما يقوم به، أميناً لطرحه وأكثر تأثيراً؛ لأجلِ أن تعطي رسالته أوكلها. وبعد انتهاء الباحث مِنْ إلقاء محاضرته، فتح باب المداخلات الَّذِي شهد مشاركة عدد كبير مِن المتداخلين في مداخلاتٍ واسئلة اثرت الموضوع  وأجاب الضيف على جميعها. وَفِي ختامِ الأمسية قدم رئيس المنتدى نيابة عَنْ جمهورِ الحاضرين شهادة تقديرية لضيفِ المنتدى الأستاذ صباح رحيمة؛ تثميناً لمشاركته فِي تعزيزِ البرنامج الثقافي للمنتدى.
 
 

67
مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
(الحلقة التاسعة عشرة )
لطيف عبد سالم
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ  كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.   
ثَمَّةَ عبارة لا يحضرني الآن اسم مَنْ قالها أو عنوان الكتاب الَّذِي قرأتها فِيه، فالأسماء كما قيل : " تطوفُ بالذهنِ حين لا نريدها، وَتستعصي إذا طلبناها "، إلآ أني أحفظها عَنْ ظهرِ قلب منذ أيام دراستي فِي سبعينياتِ القرن الماضي في إعداديةِ الجمهورية فِي مدينةِ بغداد، وَالَّتِي مفادها : " ألّا أسوأ مِن الفقر، إلا فقدان الرغبة فِي الحياة "، فالفقر بحسبِ الأدبيات الاجتماعية هو الحالة أو الوضع الَّذِي يحتاج فيه الفرد أو المجتمع إلى المواردِ الماليّة، فضلاً عَن الأسسِ الضروريّة للتمتُّعِ بأدنى مستوىً مِن الحياةِ وَالرفاهيّة. وَبالاستنادِ إلى تقريرِ التنمية فِي العالم الصادر فِي عامِ 1990م عَنْ " البنك الدولي للإنشاءِ والتعمير "، يُعرف الفقر بوصفِه " عدم القدرة عَلَى تحقيقِ الحد الأدنى مِنْ مستوى المعيشة ". وَقد وجدَ بأنَّ الأطفالَ الَّذين ينشؤون فِي بيئةٍ فقيرة يعانون منْ مشكلاتٍ صِحيّة بشكلٍ مستمر وَمتكرّر بخلافِ الأطفالِ الَّذين ينشؤون في ظلِّ ظروفٍ ماليّة أفضل، فالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الأطفالَ فِي كثيرٍ مِن الأسرِ الفقيرة يفتحون عيونهم عَلَى الدنيا بوزنٍ منخفض عند الولادة، إلى جانبِ كونهم أكثر عرضةً للموتِ قبل إتمامهم عامهم الأول، ما يعني احتمال تعرضهم لكثيرٍ مَن المشكلاتِ الجسديّة وَالإعاقات العقليّة، وَالَّتِي لا يمكن الوقاية مِنْ حدوثِها إلا بتوفيرِ الرعاية الصِحية الأولية.

*
مـاذا سـأخـسـرُ
حـيـن يـقـتـحـمُ الـخـرابْ
كـهـفَ الـكـهـولـةِ
حـيـث جـثـمـانُ الـشـبـابْ ؟
لا شـيءَ يـخـسـرُ شـوكُ أيـامـي
إذا انـحـسَـرَ الـسّـرابْ !
الـمـاءُ مـن حـجـرٍ ..
وأرغـفـةُ الـمـديـنـةِ مـن ضـبـابْ
نـاطـورُنـا لـصٌّ ..
وأمّـا حـارسـو مـرعـى الـمديـنـةِ فـالذئـابْ

**
ليس خافياً أنَّ الفقرَ بفعلِ مَا يحمل فِي ثناياه مِنْ أبشعِ صور القبح فِي المعاناةِ الإنسانيَّة، لا يعرف معناه إلا مَنْ تكابد معايشة أيامه أو مَنْ شعرَ بِمعاناةِ غيره ممَنْ تجرّعَ مرارة العوز، وَثقل مراثي الأيام، بالإضافةِ إلى مَنْ بوسعِه الشعور - عَلَى نحوٍ صارخ - بِما يتلمس مِنْ الفقرِ المس بالكرامةِ الإنسانيَّة للأفراد؛ إذ لا أظن أَنَّ هناك أسوأ، ولا ألعن مِنْ مصاحبةِ الألم النفسي والروحي لإنْسَانٍ يعشق الحياة وَأنسها وَلطفها وَيحاول النهل مِنْ عذوبتها؛ نتيجة معاناته الدائمة مِن العوزِ وَالفاقة وَالحرمان، وَالَّذِي قد يجعله لا يفكر بأي شيء فِي الحياةِ سوى الوقوع فِي شباكِ الموت البَشَريَّة رويداً رويداً ببطء. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلت أَنَّ ذلك الأمسَ الحافل بالزفراتِ فوق سنين هموم الكثير مِنْ أهلنا ليس بعيداً بمعطياتِه عَنْ مَا يجري فِي أيامِنا، وَكما يقول الروائي وَالفيلسوف الروسي " فيودور دوستويفسكي " فِي روايته الجريمة وَالعقاب : " مَا يَزال يخيّل إليّ أنَّ فيك شيئاً قريباً مني كل القرب "؛ إذ أَنَّ رمادَ وقائع الأمس، وَمَا حمله مِنْ حسراتٍ فِي جبين مَنْ عاشه ليس بعيداً عَنْ حاضرنا، بل يَبْدُو أنَّه ملتصقٌ به، فمَا يَزال يتناثر فوق أيامنا. فلَا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا أنَّ الفقرَ بمعناه الواسع تفشى فِي العراق مَا بَيْنَ المواطنين فِي الأعوامِ القليلة الماضية بفعلِ سوء تخطيط الإدارات المتأتي مِنْ ركون القيادات الإدارية إلى اعتمادِ نهج " المحاصصة " الَّتِي هيمنت عَلَى البلاد، وأصبحت وَبالاً عَلَى الْعِبَاد، حتى أصاب الفقر، وَمَا تباين مِنْ تداعياتِه الكثير مِنْ أهلِ أغنى بلدان العالم بالثروات، وَأكثرها كرماً للغرباء.

*
حلمتُ يوماً أنني جناحْ
وحينما استَيْقَظْتُ
كانت السماءُ صهوةً
وَسَرْجُها الرياحْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ المُباحْ
مشنقةٌ
تمتدُّ من سِتارةِ الليلِ
الى نافذةِ الصباحْ
*
حلمت يوماً أنني صرتُ «أبا نؤاسْ»
وحينما هاجر من أحداقيَ النُعاسْ
رأيتُ جفني زِقَّ أحزانٍ
وجرحي كاسْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ الجريحِ
قَيْحٌ
ودمٌ يسيل من مئذنةِ الصباحْ
وروضةٌ مذبوحةُ الأغراسْ
*
المتوجبُ إدراكه أيضاً أَنَّ الفقرَ بالاستنادِ إلى المفاهيمِ الحديثة المبينة فِي أدبياتِ التنمية المستدامة ينظر إليه بوصفِه " أكثر مِنْ مجردِ الافتقار إلى الدخلِ وَالموارد ضماناً لمصدرِ رزقٍ مستدام "؛ إذ أَنَّ الفقرَ يشير عَلَى وفقِ هذا المعنى إلى الحرمانِ المادي الَّذِي يترتب عليه التدني فِي كافةِ المستويات، وَلاسيَّما المستوى التعليمي وَالمستوى الصحي وَالسكني، فضلاً عَمَا قد يفضي إلى انعدامِ ثقة الفقير بالْمُجْتَمَعِ وَفقدان احترامه لمبادئ التعايش، وَلَعَلَّ مِنْ أبرزِ مظاهر الفقرَ وَأهمها : الجوع وَسوء التغذية، ضآلة إمكانية الحصول عَلَى الخدماتِ الأساسية كالتعليمِ وَالصِحة، التمييز الاجتماعي، الاستبعاد مِن الْمُجْتَمَع، فضلاً عَنْ عدمِ المشاركة فِي اتخاذِ القرارات؛ لذا يتعين أنْ يكون النُمُوّ الاقتصادي مخططاً لَه عَلَى وفقِ سبلٍ ضامنة للخروجِ بالفردِ مِنْ مستوى خط الفقر. وَتحضرني الآن مقولة لرئيسِ البرازيل الخامس والثلاثين" لويس سلفا "، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري، وَالَّتِي يقول فِيها : " إنَّ الفقرَ يُعَدّ أسوأ أسلحة الدّمار الشّامل على الإطلاق ". ويبدو أَنَّ الرجلَ كان مصيباً فِيما اعتقد، ولعلَّ خير شاهد عَلَى ذلك أَنَّ الفقرَ كان عَلَى مرِ العصور مِنْ أبرزِ الأسباب الرئيسة الَّتِي أدّت إلى قيامِ الكثير مِن الثوراتِ الاجْتِماعِيَّة وَالسياسية " الكبرى " الَّتِي شهدها التاريخ الإنساني؛ لأَنَّ الفقر يُعَدّ آفة جسيمة الأثر، بوصفِها ولادة للخوفِ وَالاحباط، وَمَا يترتب عَلَى ذلك مِنْ بؤسٍ وَاضطهاد وَضيم.

*
مـوائـدنـا تـخـلـو من الـدسَـم ..
قِـدورنـا بـيـضـاء ..
وأعـذاق نـخـيـلـنـا
لم تـَعُـد تـســيـلُ عَـسـَـلا ..
فـمـا الـذي أغـوى
كـل هـذا الـذبـاب البشـري
لـدخـول الـعـراق ؟
*
رأتِ المـآذِنَ مُـمَـدَّدَةً عـلى الـقِـبـاب ..
والـنـخـيـلَ حـلـيـقَ الـرؤوس ..
ولا ثـمـة غـيـرُ دخـان الـحـرائـق ..
لـذا :
إكـتـَفـَتِ الـلـقـالـقُ والـطـيـورُ المُـهـاجـرة
بـتـأشـيـرة " ترانـزيـت "
مـا دامـتْ لـن تـجـِدَ فـي الـعـراق
مـكاناً مـرتـفِـعـاً
لأعـشـاشـهـا !

*
يبدو أنَّ العراقيَ رسمت لَه الأقدار ملحمة صراع متفردة مِنْ أجلِ البقاء عَلَى قيدِ الحياة، فهذا المبتلى بشقاءِ الليالي : لا أمانٍ لَه مثل سائر الأقوام، فهو كمَنْ يخالجه شعور المستجير مِنْ الرمضاءِ بالنار، لَمْ يكن أمامه خيار - وَحالة الاستياء ترسمت عَلَى وجهه بفعلِ سياسة افقار الفقير وإغناء الغني الَّتِي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة - سوى تذوق ألم التلصص عَلَى حياةِ الثراء الَّتِي يعيشها اللصوص وَالمفسدون وَالعابثون، وَلاسيَّما " القطط السمان " الَّتِي تأبى دخول جحورها مِنْ دُونِ رادع، حيث أورث الفقر أهل العراق غماً كبيرا؛ بالنظرِ لعدمِ شعور المتسلقين إلى السلطةِ باحتياجاتِ الفقراء عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ بعضهم كانوا جزءاً مِنْ شريحةِ الفقراء يشاركونهم همهم المتأتي مِن ارتفاع نسبة البطالة بفعلِ قلةِ فرص العمل وَجهل الكثير مِنْ الناس بأسرارِ المهن أو الحرف التي يمكن أنْ يعتاشوا منها، بَيْدَ أنَّهم تعمدوا نسيان مَا يعانيه أبناء جلدتهم مِنْ هموم، وانغمسوا فِي محاولةِ البحث عَنْ الثراءِ وَالنفوذ، وَكأنهم بمثابةِ ثعبانٍ لا هم لَه سوى الانسلاخ مِنْ جلدِه؛ لأجلِ الاكتساءِ بجلدٍ جديد يضفي عَلَيه حيوية.

*
كـيـف أشـعـرُ بـجـمـالِ الـمـنـظر
إذا كنت
مـعـصـوبَ الـعـيـنـيـن ؟

الـطـيـبـة أمـي
رحَـلـتْ قـبـل أنْ تـلِـدَنـي
وأبـي شُـقَّ لـه قـبـرٌ
قـبـل أنْ يـشـقَّ الـمـنـفـى لـسـفـيـنـتـي
نـهـراً تـجـاه الـوطـن

والـقـحـطُ نَـبَـتَ فـي الـحـقـلِ
قـبـلَ أنْ يـنـبـتَ ريـشُ
جـنـاحـي
*
يمكن الجزم بأنَّ الفقرَ الَّذِي صبغ حياة الإنْسَان فِي بلادنا بآثارِ صبغته المتمثلة بالبؤسِ وَالحزن وَالفاقة وَغيرها مِنْ أنواعِ الهموم، كان - وَمَا يَزال - أحد أقسى المشكلات الاجْتِماعِيَّة وَأكثرها خطورة؛ بالنظرِ لِمَا أحدثه مِنْ تفاوتٍ كبير فِي مستوياتِ دخل الأسر، فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يؤديَ الفقر المدقع إلى فشلِ دخل الأسرة فِي تلبيةِ حاجات أفرادها الأساسيّة، فضلاً عَنْ خيبةِ العوام فِي الحصولِ عَلَى فرصٍ متكافئة فِي الْمُجْتَمَع؛ إذ أَنَّ هذا الآدمي المبتلى بالعوزِ وَالمهووس فِي البحثِ عَنْ السعادة، وَإنْ كانت قصيرة الأجل، لَمْ يَمنحه أباطرة السياسة الفرصة المناسبة لإثباتِ نفسه فِي الحياة، فَلَمْ يَكن بوسعِه الانعتاق مِنْ أروقةِ المعاناة وَمفارقة عالم الفقر.

*
زرع الليل فلم يحصد
سوى
عتمة كهفٍ
من صباحٍ مستريبِ!
*
إنّ عدمَ رقي الإنسان إلى العيشِ بحياةٍ هانئة ومطمئنّة ضمنَ المستويات المعيشيّة الجيّدة، وَالَّتِي تشير إلى صعوبةِ تحمّله متطلبات الحياة وَتكاليفها، فضلاً عَنْ عجزَه الاستمتاع بها أو إمتاع أفراد أسرته، لا تشكل الحالة السلبية الوحيدة لتزايدِ رقعة الفقر؛ إذ يمكن القول إنَّ تأثيراتِ الفقر عَلَى الْمُجْتَمَعِ كبيرة وَآثاره السلبية لا حصر لها، حيث لا تقتصر تأثيراته عَلَى الحالةِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فَحسب؛ وإنما له مجموعة متشابكة مِن التأثيراتِ الكفيلة بتدميرِ أي مُجْتَمَع، وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْها وأكثرها خطورة هو مَا بوسعِه التأثير سلباً عَلَى العلمِ وَالثَّقَافَة.
لا يخفى عَلَى كُلِّ متابعٍ مدى الألم الذي يحزّ فِي النفسِ بسببِ حياة الفقر والعوز الَّتِي عاشها الكثير مِن الأدباء والكُتّاب والفنانين الَّذين وضعوا بصماتهم في سجلِ الإبداع قبل أنْ يرحلوا بشكلٍ مأساوي عَنْ الدنيا، وَلاسيَّما مَنْ وافته المنية عَلَى قارعةِ الطريق، أو مَنْ ألزمه حسّه الإنْسَاني رفض " واقع " العبث بمصائرِ الناس، وَمَا فرضته عَليه أصالة الجذور مِنْ مواجهةٍ لمحاولاتِ أقوياء العصر تكدير الحياة وَتلويثها بكُلِّ وَسيلة، فكان أنْ دفع ثمنه العيش فِي البائسِ مِن الأمكنةِ الَّتِي لا تليق بالآدمية، أو ارتضاء أحد أرصفة المدينة الَّتِي يعيش فِيها مأوىً، كما حصل مَعَ الشاعرِ عبد الأمير الحصيري ( 1942- 1978 ) الَّذِي وُجد جثة هامدة فِي غرفةِ غاية فِي الرثاثةِ بأحدِ الفنادق البائسة، وَمثلما حدث أيضاً مَعَ صاحبِ رائعة "غريبة الروح" الشاعر الشعبي جبار الغزي ( 1946 - 1985 ) الَّذِي عثر عَلَيه جثة مشبعة بالمياه تحت جسر الجمهورية وسط بغداد فِي أعقابِ يومين غزيرين بالمطر، فضلاً عَنْ بقائِها رهينة إحدى ثلاجات الطب العدلي فِي بابِ المعظم مدة عشرة أيام. كذلك كان المصير التراجيدي للشاعرِ عقيل علي (1949 – 2005 ) الَّذِي اشتهر بعبارته الموجعة : " لا أقسى من غربة الوطن، فأنا لاجئ في وطني "، حيث فارق الدنيا بجسدٍ ممددٍ عَلَى أريكةِ محطة باص فِي أحد شوارع بغداد العاصمة. وَهناك الكثير مِنْ تلك الحوادثِ الَّتِي تدلل عَلَى ركونِ المبدعين لممارسةِ حالات الرفضِ والتمرد، بالإضافةِ إلى المعاناةِ الدائمة مِنْ شظفِ العيش وَبؤسه إلى الحدِ الَّذِي ساهم فِي ضياعِ هيبة الإبداع وَالمبدعين، وَكأنَّ المقولة الَّتِي تزعم أنَّ : " حرفة الأدب تورث الفقر " تخيم عَلَى فضاءاتِ حياتهم.

*
حـلـمـتُ يـومـاً
أنـنـي
جـنـاحْ
وكـان مـا بـيـنـي
وبـيـن
الـوطـنِ الـمُـبـاحْ
مـشـنـقـةٌ
تـمـتـدُّ مـن سِـتـارةِ الـلـيـلِ
إلـى
نـافـذةِ الـصّـبـاحْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـسـمـاءُ صـهـوةً
وسـرجُـهـا الـرّيـاحْ
*
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي
قـنـديـلْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الأهـلِ
صمـتٌ عـارمٌ
وصـرخـةٌ تـنـبـئُ عـن قـتـيـلْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـفـراشـاتُ عـلـى نـافـذتـي
تـنـسـجُ لـيْ مـن كـحـلـهـا
مـنـديـلْ
*
مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ مثل الكثير - مِمَن سبقه وَمَا تلاه - ينتمي إلى جيلٍ جُبل عَلَى المعاناةِ وَالاضطهاد وَالحرمان، فمنذ أنْ فتحَ عينيه عَلَى هذه الدّنيا فِي أواخرِ أعوام العقد الرابع مِن القرنِ الماضي، وجد الشارع المحلي يلهج بتناصٍ معَ قولِ بدر شاكر السياب : " مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ "،عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ أغلبَ دول العالم كانت يومذاك تضع مهمة مكافحة الفقر ضمن أهم أولوياتها؛ لأجلِ التخلص مِنْ تداعياته بطريقةٍ أو بأخرى. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ السَماويَ يحيى حين أطل عَلَى الحياةَ كان أبوه كما هو حال السواد الأعظم - فِي مدينتِه وَبقية مناطق جنوبي البلاد - يصارع الحياة وَتصارعه، فِي محاولةٍ للانتصارِ عليها؛ لأجلِ تحقيق أقصى مَاهو مشروع مِنْ " طموحاته "، وَالمتمثل بإعالةِ أسرته وَلو بالكفافِ طالما يجعلها تعيش بأمانٍ وَكرامة، فلا عجب فِي أنْ يشكلَ الفقر والمؤلم مِنْ تداعياته أحد " دعائم البناء الشعري " الَّذِي قامت عَلَيه تجربته الإبداعية؛ بالنظرِ لتأثره ببيئةِ مدينته البائسة الَّتِي كان الفقر مخيماً عَلَى فضاءاتِها وَالشقاء يوشَّح لياليها، إلا أَنَّ تلك البيئة " المهمشة حكومياً " كانت تسودها معايير الفضيلة الناظمة لحركتِها، وَالَّتِي فِي القلبِ مِنها الطيبة وَالصدق وَالبساطة وَتكافل أهلها، بالإضافة إلى تميزِها بولادةِ القامات الثقافية فِي مجالاتِ الثقافة وَالفنون، فَلَمْ يكن الفقر عائقاً أمام امتطاء أبناء السَماوة صهوة الإبداع، فها هو " السَماوي يحيى بن عباس " الَّذِي يُعَدّ بوصفِه أحد أبرز شعراء العربية وَأكثرهم نتاجاً وإبداعاً، يخرج مِنْ تحت عباءة الفقر وَمحيطه الَّذِي لا يرحم إلى النجوميةِ والتألق الدائم.
*
أمـسِ ضُـحـىً
رأيْـتُ في بـحـيرةِ الـبـطِّ صَـبـيّـاً
يـرتدي سـحـابـةً ..
تـضـحَـكُ فـي مُـقـلـتِـهِ الـحـقـولْ

رأيْـتُ فـي ضـحـكـتـهِ
بـراءةَ الـقـانـتـةِ الـبـتـولْ

وفي بـيـاضِ الـبـطّ لـونَ قـلـبِـهـا ..
وكنتُ ما بينهما
سـفـيـنـةً تُـبـحـرُ في الـمـجـهـولْ

تـبـحـثُ عـن طـفـولـةٍ ضـائـعـةٍ ..
وعـن بـسـاتـيـنـي الـتـي
مـنـذ اغـتـرَبْـتُ
لـم يـزُرْهـا مـوكـبُ الـفـصـولْ
*
فِي قصيدته " لـماذا تـأخـرتِ دهـراً عـلـيّـا ؟ " مِنْ مجموعتِه الشعرية الموسومة " لماذا تأخرت دهرا "، يركن السَماوي ببلاغته المعهودة وَهو يتحدث عَنْ زياراتِه إلى السَماوةِ فِي أحلامِ اليقظة إلى اعتمادِ اصطلاحٍ غير مألوف بقولِه :
" وأمـي ـ إذا جـعْـتُ ـ تـشـوي لـيَ الـمـاءَ ".
وَإذا كان ثمة مَا يدفعنا إلى التسليمِ بضرورةِ الوقوف عند العبارة المذكورة آنفاً قصد إدراك مَا تعنيه، فإنَّ الواقعَ يشير إلى نباهةِ السَماوي وتشبثه بتوظيفِ البلاغة فِي بناءِ منجزه الشعري؛ إذ أنَّه وظف هذا التعبيرٍ البلاغي " شوي الماء " فِي توصيفِ واقع الفقر الَّذِي نهش في حياةِ العراقيين بعلامةٍ فارقة، حيث أراد مِنه القول إنَّ أمه ( وكل الأمهات العراقيات الفقيرات ) كانت تحاول أنْ تبتكر الطريقة تلو الاخرى أو كما يشير إليها السَماوي يحيى بعبارةِ " فتح قفل باب المستحيل "؛ لأجلِ طرد شبح الجوع عَنْ صغارِها. وَضمن هذا السياق يروي السَماوي إحدى الحكايات الَّتِي قد يصعب عَلى الأجيالِ الحالية تصديقها، وَالَّتِي يقول فِيها : إنَّ امه - رحمها الله - طبخت لهم ذات يوم ماءً وَكركماً وَبصلاً، فأكل ألذ " مثرودة " في حياته.
عَلَى الرغمِ مِنْ أني لا اكتم خشيتي مِنْ احتمال سؤال أحدهم عَنْ معنى " المثرودة " أو " الكركم "، فثمة واقع وَحقيقة ينبغي إدراكها وهي أَنَّ الباري عز وَجل لا ينسى عياله؛ إذ أثبت العلم الحديث أَنَّ فوائدَ " الكركم " عظيمة فِي مواجهةِ عدد كبير مِن الأمراضِ وَالوقاية مِنْها. يضافُ إلى ذلك أَنَّ مفعولَه فِي محاربةِ السرطان يُعَدّ مِنْ أهمِ مميزاته الرائعة، حيث أشارت بعض الدراسات إلى قدرتِه عَلَى منعِ نُمو الأورام بفضلِ عمله بشكلٍ مباشر عَلَى الأنزيماتِ والجينات، مَا يفضي إلى منعِ انتشار خطوط الخلية السرطانية. وَبالاستنادِ إلى أشهرِ علماء الأورام المشهورين، فإنَّ ملعقةً صغيرة مِن الكركمِ يومياً، ستكون كافية لتوفيرِ الحماية ضد السرطان.

*
كاللصّ : في حذرٍ أطلُّ عليكِ من ثقبٍ بذاكرتي
وأدخل خلسة من شرطة الطرقات بيت أبي
وقد أدعو صديقا للعشاءِ: حساء دخنٍ دونما لحمٍ..
وشيء من سقيط التمرٍ..
خبزٌ " طابكٌ " زادته أمي بالدعاء العذبِ عافيةً..
ومثل اللصّ : أخرجُ قبل صوت الديكِ خشيةَ شرطة الطرقاتِ
يانخل السماوة كيف حال القبّرات ؟
أما يزال هديلها كالأمس ؟                                     

أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ سارقَ الطفولةِ أو مغتصبِها - مُستبِدَاً كان أو مُفسِدَا، أباً كان أو حاكما، متعلماً كان أو جاهلا، صديقاً كان أو عدوا - اعتاد عَلَى التلذذِ بجعلِ البؤس يتشرب فِي نفوسِ النشء الجديد مِنْ دُونِ أنْ يرفَ لهُ جفن، فالأطفال بحسبِ يحيى السَماوي : " أكثرُ مروءةً وَإنسانيةً وَعزّة نفس وَقناعة وَطهراً وَحتى شرفاً مِنْ بعضِ الكهول الذين أكلوا ومازالوا يأكلون آباءنا وأمهاتنا ". وَضمن هذا المعنى يؤكد السَماوي معنى َإنسانية الطفولة بقوله : " لازلت أتذكّر أنَّ الطيبَ أبي رحمه الله، اشترى لي قطعة شكولاتة عَلَى شكلِ حمامة، فلم أأكلها خوف أنْ أخسر الحمامة ".

*
صُـبِّـيـنـي فـي كـأسِـكِ لأشـربَـكِ قُـبـلـةً قُـبـلـة ..
لا تـخـافـي مـن جـنـونـي
فـالـطـفـلُ الـجـائـعُ لا يـأكـلُ دُمـيَـتـه !

*
خُـذيـنـي صـاريـةً لِـشِـراعِـك ..
ومِـرْوَداً لِـمـكـحـلـتِـك ..
ومِـحـراثـاً لِـتـنُّـورك ...

أو :
كـونـي حـقـلاً لِـبـذوري
وورقَـةً لـقـلـمـي
وقـوسـاً لِـسـهـمـي
فـإنّ حـاءَ حـقـلـي سـيـبـقـى بـلا مـعـنـى
بـدون بـاءِ بـئـرك !

*
لا عجب مِنْ تفننِ الطغاة وَالمستبدين - الذين انغمسوا فِي شهوةِ السلطة وَجنون العظمة - بأساليبِ الإذلال، فضلاً عَنْ زيادةِ إيغالِهم فِي إيقاعِ الأذى بجموعِ الفقراء عَلَى مرأى وَمسمع القائمين عَلَى المَنظماتِ والمؤسسات الأممية الَّتِي صدعت رؤوس الناس - الَّذين لا حول وَلا قوة لهم - بشعاراتٍ براقة مثل العدالة الاجتماعية وَالحقوق المكفولة وَغيرهما؛ إذ لطالما سعى الطغاة إلى إخضاعِ السواد الأعظم مِن المُجْتَمَع للسيطرةِ الكاملة مِنْ دُونِ معارضة، وَهو الأمر الَّذِي يملي عليهم وجوب المضي بعامةِ الناس إلى حدِ التأرجح فِي الحياةِ ذات اليمين وَذات اليسار حتى بلوغ مَا يشابه " النقلة الجينية " الَّتِي مِنْ شأنِها ترويض العامة عَلَى التكيفِ مَعَ الفقرِ وَالخنوع، فضلاً عَنْ الحرصِ عَلَى استبعادِ محاولة التفكير بالخروجِ مِنْ جلبابِهما فِي ظلِ جعل واقع الحال يستبطن مَا يفضي مِن المحركاتِ إلى استبدالِ مشاعر اليأس وَالإحباط بمشاعرِ البهجة.
*
هم يقتلونَ النخلَ !
إنَّ النخلَ مُتـَّـهَمٌ بـِرَفـضِ الإنحناءِ
وبالتشـبُّـثِ بالجذورِ ..
وباخضرارِ الـسَّـعْـفِ ..
مُـتـَّـهَمٌ بإيـواءِ العصافيرِ التي
لا تـُحْـسِـنُ اسـتـقبالَ :
أعداءِ الطفولـَةِ ..
والطواغيتِ الكبارْ ..

والنخلُ مُـتـَّهمٌ
بتـألـيبِ المياهِ على الطحالبِ
في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ
الكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ
ولنا عَـنـادُ المستحيلِ بوجهِ جلجلةِ التخاذلْ
ماذا يريدُ المُـتخـَمونَ من الجياعِ ؟
فلم يـعُـدْ في الحقلِ
ما يـُغـري المناجلَ بالحصادِ
النخلُ معنيٌّ بـِـرَدِّ الإعتـبـارِ إلى السَّـنابلْ
أمْ أنَّ حَـرْثـاً بالقنابلْ ..
سيُقيمُ بُسـتاناً جديداً
للثكالى والأراملْ ؟ٌ
لابدَّ للنخلِ المُـحاصَرِ بالفجيعةِ
أنْ يقاتلْ
ذوداً عن العشبِ المُـخـَـضَّـبِ بالدماءِ
وعن أراجيحِ الطفولـةِ
والبلابلْ
*
يُمكنُ الجزم بأنَّ موتَ " الحب " بمعناه الإنساني النبيل فِي قلوبِ ولاة الأمر، يُعَدّ الباعث الحقيقي لتسلطِهم عَلَى الشعوب، وَالإيغال فِي دروبِ الظلمِ وَالاستبداد وَالوحشية وَغيرها مِنْ أشكالِ التعسف الَّتِي تمارسها الكثير مِن الأنظمةِ الاستعبادية، فلا غرابة فِي أنْ تكون صرخات الفقراء وَآهاتهم مثاراً لضحكِ الطغاة بنشوةٍ وَجنون. وَليسَ خافياً أنَّ الشعورَ بتشبعِ نفوس الراغبين فِي التسلطِ عَلَى رقابِ الناس بصفاتِ البغضاء وَالحقد وغيرهما مِن المساوئ، وجدت لها مستقراً فِي الكثيرِ مِنْ الإنجازاتِ الإبداعية للأدباءِ وَالكتاب وَالمفكرين؛ إذ طالما شغلت المبدعين الَّذين عمدوا لاتخاذها رموزاً مِنْ أجلِ التعبير عَنْ المعاني الَّتِي يريدون الخوض فِيها عَلِى طولِ التأريخ الإنساني، وَلَعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الموروثات فِي هَذَا الإطار مقولة الشاعر وَالكاتب وَالناقد الأدبي وَالمترجم وَالفيلسوف فرناندو بيسوا ( 1888 - 1935 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أهمِ الشخصيات الأدبية فِي القرنِ العشرين، فضلاً عَنْ كونِه أحد أعظم شعراء اللغة البرتغالية، وَالَّتِي يقول فِيها : " نعذّبُ أخوتنا من البشرِ ببغضنا، بحقدنا، بخبثنا، ثمَّ نقولُ بعدَ ذلك: العالمُ سيّئ ! ".

*
الـثـيـابُ الـقـصـيـرةُ
قـد تـخـفـي تـحـتـهـا سـواطـيـرَ طـويـلـة

قـد لا تـكـونُ الـدمـوعُ
دلـيـلَ تـهـجُّـدٍ
وإثـبـاتِ بـراءة ..

فـأخـوة يـوسـفَ
جـاؤوا أبـاهم مُـنـتـحـبـيـنَ
وعـيـونـهـم
تـزخُّ دمـوعـا
*
لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ الأيمانَ بحريةِ الإنسان وَالتيقن مِنْ حتميةِ الدفاع عَنْ قضاياه تُعَدّ بوصفِها العوامل الرئيسة الَّتِي دفعت طبيباً فِي ريعانِ الشباب مثل " تشي جيفارا " الَّذِي يُعَدُّ مِنْ ألمعِ قادة أميركا اللاتينية الثوريين، وجعلته يهجر سُبُل العَيْش الرغيد وَالهني فِي أوساطِ بحبوحة السلطة وَالنفوذ؛ إذ لَمْ تجذبه رفاهية الحياة وَأضواؤها، وَلَمْ تستهوه مخملية فضاءات وزارة الصِناعة الكوبية والبنك الوطني اللذين جعلاه القيصر " الافتراضي " للاقتصاد الكوبي، فكان أنْ انغمسَ بحركةِ المقاومة فِي الكونغو ثم أحراشِ بوليفيا؛ إذ امتازت حياته بطابعِ النضال وَالكفاح المرير وَالانحياز إلى الفقراءِ وَالمعدمين وَالكادحين فِي تلك القارة، مَعَ العرضِ أَنَّه ينحدر مِنْ أبوين يعودان إلى أصولٍ إيرلنديّة وَإسبانية وَمولود فِي الارجنتين. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ المواقفَ الخالدة الَّتِي دافع بها جيفارا وغيره مِنْ المناضلين - سياسيين وكتاب وفنانين ومثقفين ومفكرين وغيرهم - عَنْ نبلِ القيم الإنسانية، تعبر فِي واقعِها الموضوعي عَنْ فضائلَ وَمكرماتٍ وَأعمال بطولية تركت علامات كبرى فِي التاريخِ الإنساني بوصفِها بصمة خالدة فِي مسارِ الدفاع عَنْ الشعوبِ المقهورة فِي ما تباين مِنْ أرجاءِ المعمورة، مَعَ العرضِ أَنَّ عجلةَ الاستبداد والتسلط مَا تَزال تعمل وَدائـرتـهـا أخـذةٌ فِي الاتساعِ بوحشية، ما يعني إلزام مَنْ يتصدى للطغاةِ استحضارَ المحبة الإنسانية وَمَا يتمحور حولها مِنْ قيمٍ نبيلة، بوصفِها أساس المواجهة. ويحضرني فِي هَذَا الإطار بوحٌ رائعٌ للشاعرِ التركي ناظم حكمت ( 1902 – 1963 ) الَّذِي وِلد فِي كنفِ أسرةٍ ثرية وَمتنفذة، إلا إنَّه عارض الإقطاعية التركية، وَأصبح شاعر البسطاء وَالمعوزين وَأصحاب المهن البسيطة، وَالَّذِي تأثر بشعرِه الكثير مِن الشعراءِ العراقيين مثل عبد الوهاب البياتي وَبلند الحيدري، حيث يقول حكمت :
يا طفلتي يا ذات العيون الذهبية
كنت سأشتري لك البنفسج هذا الصباح
لكن الرفاق كانوا جياعا
فاشتريت لهم خبزا
وكتبت لك قصيدة حبّ.
لا يخفى على كُلِّ متابعٍ إنْ كان سياسياً أو اقتصادياً وحتى الإنْسَان العادي، أنَّ سياسةَ الحكومات المتعاقبة فِي العراق، لَمْ تكن جديرة بضمانِ العيش الكفاف للفقراءِ والمعوزين، فالمستقبل الذي يصبو إليه الكادحون ظل حلماً يراودهم، فلا أمل يرتجى بالعيش فِي عالمٍ مِن الحريةِ الحقيقية وَالسعادة وَالرفاه. وَأَدْهَى مِنْ ذلك الحضور الفاعل داخل النفس البَشَريَّة لهاجسِ الاغتراب فِي الوطن، فقمة الاغتراب أن يكون الإنْسَان غريبا فِي دياره وَمَا بَيْنَ أهله وأبناء جلدته، إلا أَنَّ تلك الشرائح الاجْتِماعِيَّة - وإن ارخى عليها ليل الفقر سدوله - لَمْ يفضِ بهما الفقر المدقع والعوز المؤرق إلى الخنوع، وَلا الذل عرف طريقاً لإكساءِ وجوه أهلها، وَلَمْ تتلاشَ جذوة الأمل ببزوغِ فجرٍ جديد فِي نفوسِ هؤلاء الَّذين لا يملكون شيئا مِنْ حطامِ الدنيا سوى الحب وَالتكافل وَالطيبة، فحالة العوز الَّتِي كانت تخيم عَلَى أيامِهم وَلياليها لَمْ يكن بمقدورِها إيقاف الحياة بالنسبةِ لأباةٍ الضيم، وإنما تجلت بأنبلِ صور الرفض وَالتحدي، فكانت المواجهة لسدنةِ الاستبداد الَّذين ظلّت نفوسِهم سجينة مغامراتها بفعلِ تيقنهم مِنْ أَنَّ لا رادع يردعهم وَلا خشية مِنْ عقوبةٍ قد تطالهم.
*
مـن حُـسْـنِ حـظـي
أنـنـي أبـدلـتُ :
بـالـوطـنِ الـمـديـنـةَ ..
بـالـمـديـنـةِ مـنـزلاً ..
بـالـمـنـزلِ الـطـيـنـيِّ ركـنـاً مـن بـقـايـا حُـجـرةٍ ..
بـالـحـجـرةِ الـشـبّـاكَ
أفـتـحُـهُ عـلـى نـهـرٍ بـلا مـاءٍ
وبـسـتـانٍ بـلا شـجـرٍ
وفـاخـتـةٍ تـفـتـشُ فـي الـفـضـاءِ عـن الـفـضـاءْ

مـن حـسـنِ حـظـي
أنـنـي هـيّأتُ :
حـقـلـي لـلـخـريـفِ ..
ولـلـحـريـقِ الـسّـنـديـانـةَ ..
والـحـديـقـةَ لِـلـيـبـابِ..
ولـلـفِـراقِ الأصـدقـاءْ

مـن حـسـنِ حـظِ الـعـشـقِ
أنَّ نـخـيـلَ دجـلـةَ
لايُـجـيـدُ الإنـحـنـاءَ
ولا يـمـدُّ ظِـلالـهُ لـلـمـارقـيـنَ..
وأنّ بـاديـةَ الـسـمـاوةِ لا تُبـادِلُ بالـرّمـالِ
الـتـبـرَ والـيـاقـوتَ ..
والمعـصـومـةَ الأعـذاقِ تـنـسـجُ سـعـفـهـا كـوخـاً..
تُـبـايـعـنـي أمـيـراً فـي بـلاطِ الـوردِ ..
عـرشـي قـلـبُـهـا
والـصّـولـجـانُ الـكـبـريـاءْ
وإذن ؟
سـأطـبـقُ مـقـلـتيَّ عـلـى غـدٍ عـذبٍ
أرى وطـنـاً بـلا قـهـرٍ
ومـئـذنـةً تُـكـبّـرُ لـلـهـوى
فـيـؤمّ بـالـعـشـاقِ طـفـلٌ مُـشـمِـسُ الـعـيـنـيـنِ
يـلـبـسُ بـردةً خـضـراءَ مـن عـشـبٍ ومـاءْ
*

بدأ السَماوي يحيى محاولةِ الانتماء إلى اتحادِ الطلبة ولمّا يَزَلْ فِي مرحلة الصبا، حيث دفعته روحه الوثابة المليئة بالحسِ الوطني منذ أنْ كان طالباً فِي الصفِ الأول المتوسط إلى تلك المحاولة الَّتِي قد يرى فِيها البعض مغامرة؛ نتيجة تأثره بزوجِ شقيقته التي تصغره بعام واحد  الَّذِي كان منتمياً إلى الحزبِ الشيوعي العراقي حينئذ، إلا أَنَّ صغرَ سنه أخّرَ تحقيق مرامه إلى بداياتِ مرحلة الدراسة الثانوية الَّتِي تشرف فِيها بعضويةِ الحزب الَّذِي يشير إليه باسْمِ " أحفاد عروة بن الورد ". وَقد كان لاتحادِ الطلبة الأثر الفاعل فِي تحولِه مِما توجبه مرحلة المراهقة مِنْ إفرازاتها، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها صدور مجموعته الشعرية الأولى " عيناك دنيا "، حيث انتقل المراهق إلى مرحلةِ الفتى المنشغل بهمومِ الإنسان ويبدأ شبابه الشعري فِي ديوانه الثاني الموسوم " قصائد في زمن السبي والبكاء "، مَعَ العرض أنَّ تلك الفترة تركتْ فِي نفسه ذكريات لم ينسَها. وَتنامي هذا الحس الوطني فِي مرحلةِ دراسته الجامعية الَّتِي عمل خلالها " مجاناً " فِي صحيفةِ " طريق الشعب ". وَضمن هذا الإطار لا ينسَى السَماوي تأثره بأساتذته الذين أسهموا فِي صنعِ الوجدان الوطني لطلابِهم أمثال الأساتذة عزيز الحاج علي عيسى الجبلاوي وحسين علي الغرة وزوج شقيقته الشهيد إبراهيم الحساني "ابو نوفل"، فضلاً عَنْ بقيةِ رموز الحركة الوطنية فِي مدينةِ الفقراء وَالكادحين " السَماوة ".
*
لابـدَّ أنـكِ تـسـألـيـن الان
عـن أسـبـابِ إيـقـادي الـفـتـيـلْ

فـي ورد أحـلامـي ..
وعـن سـرِّ انـطـفـاءِ العـشـبِ
فـي مـقـلـي ..
وعـن سـبـبِ الـرّحـيـلْ

أمضـيـتُ عـمـري واهِـمـاً..ً
حـيـنـاً أرى ـ فـي الـحـلـمِ ـ بـاديـة السـمـاوةِ
واحـةً ..
والـنـخـلَ ـ وهـو مـآذنـي الـخـضـراءُ ـ
يـرفـلُ بـالـهـديـلْ

وأرى " أبا عـوفٍ " و " عـمّـارَ بن يـاسِـرَ "
يـثـردانِ الـخـبـزَ فـي صـحـنٍ
ويـقـتـسـمـانِ مـا فـي الـكـوزِ مـن دمـع الـسـمـاءِ ..
وآلَ دجـلـةَ يـسـمـرون عـلـى الـضـفـافِ ..
أرى الـخـلـيـلـةَ والـخـلـيـلْ

يـتـنـاغـيـانِ ..
أرى بـيـوتَ الـطـيـنِ ضـاحـكـةً ..
أرى الـعـشـاقَ
يـفـتـرشـون سـاحـاتِ الـمـدائـنِ فـي الأصـيـلْ

حـتـى أفـقـتُ عـلـى :
الـمُـلـثّـمِ ..
والـفـقـيـهِ الـزُّورِ ..
والـسـيّـافِ ..
والـحـامـي الـدخـيـلْ

فـإذا بـيـومـي يـلــطـمُ الـشـمـسـيـن مـن جـزعٍ
عـلـى غـديَ الـقـتـيـلْ
*
يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ يحيى، شاعر متوهج الموهبة، أفضى بتميزِ عطائه الشعري إلى المُسَاهَمَةِ فِي إثراءِ الأدب العربي بمنجزٍ أدبي مائز، أصبح يشكل - بتماسه مَعَ معاناةِ الفقراء وَهموم الوطن وَالإنسان - وَجدان أجيال، فالمثقف كما قيل: " ينبغي أنْ يكون صاحب رؤية وموقف، متجاوزا دائماً لواقعِه، متصادما مَعَ ثوابتِ مجتمعه وَالسلطة القائمة ". وَقد حظيت تجربة يحيى السَماوي الشعرية باهتمامٍ متزايد مِنْ قبلِ النقّاد العراقيين وَالعرب، فضلاً عَنْ الشعراءِ وَالأدباء وَالقراء، فالباحث وَالناقد العراقي صباح محسن كاظم يشير إلى تجربةِ السَماوي يحيى بقوله : " السماوي تجربة إنسانية ثرة .. من جنوب القلب سماوة النخيل والسمار وضفاف الفرات...الشاعر والاستاذ والمكافح والسجين والشريد اكتوى بها القلب الكبير...مخاضات ..من سجن الوطن الى سجن رفحاء الى الغربة الضبابية...جعلته يبحث عن الخلاص ..عن السلام...عن الحب ". وَضمن هَذَا المعنى يقول الناقد العراقي جمعة عبد الله : " إن اسلوبية السماوي في خلق المخيلة الشعرية الملهمة, في الصياغة والتكوين والبناء, لها منهجية وخصوصية يتميز بها السماوي في الاسلوبية الشعرية التي ينتهجها وبرع بها بتألق جمالي كبير, تتمثل في التركيز على خلق الصورة الشعرية المتكاملة بحيث يجعلها ناطقة بالصوت والصورة , في مشاعرها المتدفقة, برز في البنية المعمارية في خلق الصورة المتكاملة, شعرياً ولغوياً دون اطناب في السرد الشعري, وانما خلق محصلة الصورة الكلية المشهدية التي تتكون بالاختزال والتكثيف, وفي هندسة شعرية معمارية متألقة ".كذلك ينحى الشاعر العراقي عبد الكريم محمد الحسون بالمسارِ ذاته حين يقول : " تحية اجلال وتقدير لشاعرنا الكبير المعطاء السماوي الذي ألبس الشعر ثوب العافية بنصوصه المتميزة واشعاره المخضلة بندى ازاهير الحب والحنان والحبلى ببشارة الامل الذي سيلقي ظلاله على ربوع ارواحنا التي أمحلتها سنين القهر ".
وَعَلَى ذكرِ " الأرواح الَّتِي أمحلتها سنين القهر "َ، لا مناص مِن الاعترافِ بصبرِ السَماوي وَتمسكه بالأمل فِي انجلاءِ غيوم الظلام وبزوغ فجر جديد وَإنْ تأخر، فهو الَّذِي كتب ذات يوم إلى صديقه الشاعر كريم الثوري - وَرُبَّما كان يمازحه - بقولِه : " بعض التأخر جميل أيها الحبيب ... من أمثلة ذلك : تأخرنا في الوصولِ إلى المقاعدِ الأمامية في سياراتِ النقل العام، فنجلس في المقاعدِ الخلفية، لنكتشف أنَّها الأجمل والأبهى؛ لأنَّ جلاسَ المقاعد الأمامية لا يرون غير زجاج الواجهة، أما الجالسون في الخلفِ فإنهم يرون جميع الركاب "

*
لن يكون بعيداً اليوم الذي ينتقم فيه :
الجرحُ من السكينِ...
الدموع من دخان الحرائق ...
الشجرةُ من الفأسِ ...
الأقدام الحافيةُ من الأشواك ..
القيودُ من صانعيها ..
الأوطان من السماسرة ...
وظباء يقيننا
من ذئاب الظنون !
لن يكون بعيداً اليومُ الذي يتآلفُ فيه :
الخبزُ مع الجياع ...
العشب مع الصحارى ...
الذئبُ مع الشاة ...
الوسنُ مع الأجفان المسهدة ...
هذا ما قرأته في كتاب عشقي
المكتوب على فمي
برحيق رضابك !
*
يشير الأديب العراقي حسين السوداني إلى شاعريةِ يحيى السَماوي بقوله : " أنت لست من سلالة بني ادم بل من سلالة الجن الذين اختطفوا يوماً - خرافة - أنت من عصابة العفاريت لغة, بلاغة وصوراً جمالية شعرية عذبة. قرأت كثيراً باللغة التشيكية لشاعر الرومانسية والجمال - يسينين - الشاعر الروسي العظيم فتوصلت الى قناعة تامة بان شيطان الشعر وليس ملاكه هو الذي يزق الشعر زقاً بقلبك كما كان يفعل مع - سيرجي يسينين - . رومانسيتك السحرية قريبة جداً من رومانسيته إلا أنه شاعر الريف وأنت شاعر المدينة. هنيئاً لك ولنا نحن قراء شعرك هذه الشاعرية الرهيفة ". وَفِي شهرِ نيسان مِنْ عامِ 2009م وصلته رسالة مِن الدكتور يحيى معروف - إيراني الجنسية - يقول فِيها : " أخي العزيز الأستاذ يحيى السماوي المحترم .. انه من دواعي فخري وسروري ان اعلن إلى سيادتكم باني اعمل استاذا مشاركا بجامعة رازي في كرمنشاه بإيران - كلية الآداب والعلوم الانسانية قسم اللغة العربية - ولنا اطروحات مختلفة عن شعراء العرب الكبار، والآن افتخر أن اقترح لطلابي باختيار موضوع اطروحتهم حول سيادتكم كشاعر مجيد ورومنسي فذ، ولذلك أتمنى من حضرتكم أن ترسلوا لنا دواوينكم الشعرية عن طريق البريد الإلكتروني للوقوف على قصائدكم القيمة .... أخوكم الدكتور يحيى معروف ".
*
الخبز يشكو الجوع
والينبوع يستجدي السراب
وتشحذ الشمس الضياء من الفوانيس الكفيفة
ما الجديد إذن
إذا جحدت مغنيها الربابة
والنديمة صَيْرَتْ من شعرها
حبلاً لمشنقة.. ومن شباكها لهزار قلبك
مقصلةْ ؟
*

68
منتدى أضواء القلم يقيم أمسية عن المخدرات
لَطيف عَبد سالم
انطلاقاً مِنْ اعتباراتٍ إنسانية ووطنية فِي مقدمتِها مقولتي أَنَّ الثقافةَ مظهر حضاري ومعيار صادق لتقدم الشعوب والأمم ورقيها فِي أي عصر مِن العصور، وأَنَّ الشعوبَ الحية والشعوب المتقدمة تهتم بأطفالها وشبابها وتعنى بهم عناية فائقة في كافة نواحي الحياة، ومِنْ أجلِ المساهمة فِي الأنشطةِ الثقافية الَّتِي مِن شأنِها تدعيم الحراك الرامي إلى تحقيقِ أكبر قدر مِن التوعيةِ ونشر الثقافة فِي المجتمع، وضمن سلسلة ندوات موسمه الحالي، نظم منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي فِي مدينةِ الكمالية شرقي بغداد، أمسيته الثقافية الثانية؛ لأجلِ التعريف بمشكلةِ "المخدرات"، وما يمكن أنْ ينجم عَنْ تعاطيِها مِنْ آثارٍ صِحية واجتماعية واقتصادية ونفسية؛ إذ أَنَّ للمخدراتَ بحسبِ المتخصصين أضراراً عديدة وخطيرة عَلَى صحةِ الإنسان بسببِ احتوائها مواداً كيميائية بمقدورِها الفتك بجسمِ الإنسان قبل تقديم العلاج فِي الوقتِ المناسب، ليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ تعاطيَ المدمن لجرعاتٍ زائدة مِن المخدرات يؤدي إلى الوفاة مباشرة.
الأمسية الَّتِي حضرها حشد كبير مِن الأكاديميين ورجال القانون والإعلاميين والمثقفين والتربويين وشيوخ العشائر والوجهاء وبعض رجال الدين، نظمها "منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي" بالتعاون مع منظمةِ الكيميائيين العراقيين تأكيداً لرغبةِ إدارة المنتدى فِي عقدِ شراكة مثمرة مع الجهاتِ الثقافية، جرت وقائعها فِي قاعةِ المناسبات الملحقة بمسجدِ الإمام الجواد "عليه السلام" فِي مدينةِ الكمالية، واستضاف فيها المنتدى نائب نقيب الكيميائيين العراقيين ورئيس منظمة الكيميائيين العراقيين الكيمائي الاختصاص الأستاذ جمعة لافي الخزعلي، وَالَّذِي ألقى محاضرة بعنوان " تعاطي المخدرات وأثره عَلَى المجتمعِ العراقي صحياً واجتماعياً ".   
بدأت مجريات الأمسية الَّتِي أدارها رئيس المنتدى لطيف عبد سالم بقراءةِ المقرئ رشيد العتبي - مِنْ مؤسسةِ الحوراء القرآنية - آي مِن الذكرِ الحكيم، ثم قراءة الحاضرين سورة الفاتحة وقوفاً ترحماً عَلَى أرواحِ شهداء العراق، وبعدها قدم مدير الجلسة توطئة موجزة عَنْ تعاطي المخدرات وترويجها والمتاجرة بها والآثار المترتبة عَلَى ذك، فضلاً عَنْ خطورةِ تلك النشاطات عَلَى بلادِنا وشعبنا، وَلاسيَّما ما يتعلق منها بسلبيةِ تداعياتها عَلَى المنظومةِ القيمية الناظمة لحركة مجتمعنا، وآثارها الضارة عَلَى صِحةِ الأفراد وتربية النشأ الجديد. كذلك قدم عرضاً لسيرةِ ضيف المنتدى الذاتية، ليطل بعدها الأستاذ جمعة لافي الخزعلي عَلَى جمهورِ الحاضرين، وبدأ بإلقاءِ محاضرته الَّتِي تضمنت محاور عدة، أهمها التعريف بالموادِ المخدرة وبيان مكامن خطورتها ودرجة تأثيرها عَلَى متعاطيها، فضلاً عَنْ طرقِ الحصول عليها، ونوه الباحث إلى أكثرِ الأنواع المروجة حالياً فِي بلادنا، وَالَّذِي يشار إليه محلياً باسمِ مادة "الكريستال"، وَالَّتِي بوسعِها التسبب فِي حصولِ انهيارٍ عصبي وجسدي للشخصِ المتعاطي، بالإضافةِ إلَى بقائِه مِنْ دُونِ نوم لمدةٍ تتراوح ما بَيْنَ (3 - 4) أيام مع شعورٍ بالتعبِ البدني والنفسي.
انتقل الباحث بعد ذلك إلى الحديثِ عَنْ علاماتِ المتعاطي للمخدرات، وَالَّتِي تتمثل فِي جملةِ مظاهرٍ مِنْ أهمِها: الانطوائية والانعزال، عدم الاهتمام بالمظهر، التعرق وشحوب لون الوجه، رعشة فِي الأطراف، الهزال وفقدان الشهية، الهياج الشديد والتعصب لأي سببٍ كان، الكذب وممارسة الحيلة وما متاح مِن الوسائل لأجلِ كسب المال، السرقة والفشل الدراسي، الهروب مِن الواقع، الابتعاد العاطفي عَنْ الأسرة، القلق والاكتئاب النفسي، عدم احترام التقاليد، فضلاً عَنْ الأعراضِ الجسمانية والسلوكية. وأضاف الأستاذ الخزعلي أنَّ "الكوكائين" الَّذِي يُعَدّ مِنْ أخطر أنواع المخدرات، استخدم بداية كمخدرٍ موضعي مِنْ قبل عالم نمساوي، وهو متوفر بأشكالٍ عدة مِنها العجينة، المسحوق والملح، فضلاً عَنْ إمكانيةِ استخدامه عَنْ طريقِ الفم والآنف والحقن بالوريد. وتكمن خطورة الكوكائين فِي عمله عَلَى الدماغ كفعل "الدوبامين"، ما يفضي إلى تحكمه بالمشاعر والحالات العاطفية، فيما يكون تأثيره عَلَى المستوى الموضعي كمخدر موضعي. ويؤثر الكوكائين عَلَى القلبِ والشرايين، ما يؤدي إلى تسريع نبضات القلب، ارتفاع ضغط الدم، ذبحة صدرية لدى الشباب، مخاطر على الجهاز العصبي والدماغ كالنزيف، ارتفاع درجة الحرارة، الإضرار بالجهاز التنفسي والذبحة القلبية مع احتمال الموت أحياناً. والمثير للانتباه هو أنَّ سريان تلك الأعراض على المتعاطين تتطور إلى أمراضٍ مثل تشمع الكبد والتهاب الكبد الفيروسي وصولاً لضعفِ جهاز المناعة لدى المتعاطين، وَالَّذِي يؤدي إلى مرضِ نقص المناعة الذاتية "الايدز"، فضلاً عَنْ آثارٍ أخرى.   
بعد تضمين موضوع الأمسية بالحوار والمداخلات والأسئلة، خرجت هذه الندوة الموسعة بتوصياتٍ عديدة بعد أنْ أجمعَ الحاضرين عَلَى أَنَّ للمخدرات أضراراً متعددة علَى الفردِ والمجتمع، حيث لا تنحصر سلبية آثارها عَلَى الفردِ فحسب، بل تُمتد خطورتها إلى الأسرةِ والمجتمع ومصالح البلاد العليا، وَلاسيَّما ما يتعلق مِنها بالأمن الوطني وإنتاجية الفرد واقتصاد البلاد؛ إذ يُعَدّ تفشي هذه الآفة وانتشارها ما بَيْنَ أفراد المجتمع مِنْ أخطرِ المشكلات الَّتِي ينبغي الحد مِنها بجميعِ ما متاح مِن السبلِ، وهو الآمر الَّذِي يلزم جميع الجهات المعنيّة - حكومية ومنظمات مجتمع مدني - الركون إلى ما مِنْ شأنه الحفاظ علَى نشأةِ جيلٍ سويّ يتمتع بأخلاقٍ طيبة ومُحبة للوطن، وحرص عَلَى العائلة والمجتمع، فالشباب أمل الأمة ورجال المستقبل, وعلَى قدرِ ما تبذل مِنْ جهود في أسلوبِ التربية والإعداد السليم يكون مستقبل البلاد مزدهراً. وَفِي ختامِ الأمسية قدم رئيس المنتدى نيابة عَنْ جمهورِ الحاضرين شهادة تقديرية لضيفِ المنتدى الأستاذ جمعة الخزعلي؛ تثميناً لمشاركته فِي تعزيزِ المسار الثقافي للمنتدى.

69

مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
( الحلقة الثامنة عشرة  )
لطيف عبد سالم
لا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا مَا قلت أنَّ موهبةَ نظم القصيد الَّتِي بدأها السَماوي يحيى فِي سنيِه المبكرة، قد بانت بواكير محاولات إنضاجها بشكلٍ فاعل فِي أعوامِ مرحلة الدراسة الجامعية، وَالَّتِي تُعَدُّ أعوامها - بحسبِه - الأميز له بحياته الَّتِي طغى عَلَيها الإبداع وَالتجديد وَالاطلاع عَلَى مَا تباين مِنْ فروعِ المعرفة، الأمر الَّذِي ساعده عَلَى امتلاكِ ناصية القدرة المبكرة في  فهمِ مشكلات مجتمعه وَمَا يجري حوله مِنْ أحداثٍ ووقائع، وَلا أظنني أبالغ أيضاً  إنْ قلت أنَّ أيامَه تلك كانت حافلة بالعملِ الدؤوب والمثابرة عَلَى حضورِ مَا متاح مِن الأنْشِطَةِ الثقافيَّة وَالاجْتِماعِيَّة، بالإضافةِ إلَى كُلِّ مَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي تعزيزِ توجهه الفكري، وَالَّذِي أفضى إلى بلورةِ صورةٍ كاملة عَنْ وَعيٍّ سياسي قائم عَلَى إدراكِ عضوية العلاقة مَا بَيْنَ تحرر بلاده مِنْ هيمنةِ المستعمر وَخلاص شعبه مِنْ هيمنةِ الطبقات البرجوازية والأرستقراطية السائدة، فليالي العراق - مثلما جاء فِي مضمونِ الموروثِ الأدبي العربي - كانت مِن الزمانِ حُبالى  ..  مُثقلات يلدن كل عجيب، فلا عَجَبَ فِي مَا تخطه أنامل السَماوي مِنْ بوحٍ يتدفق مِنه نزف وجدان يفيض عوالمَ مِن الحبِ وَالألم والولاء المطلق للوطن الحبيب كما يفيض ماء البئر مِنْ دُون أنْ يجف معينه أو ينقص حجمه، ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نتلمسَ مَا أثقل كاهله مِنْ همٍ بفعلِ مَا يتعرض له شعبه مِنْ حزنٍ وَخوف وَحاجة وَشتات باستعراضِ قصيدته الموسومة " أرحلوا عَن وطني " الَّتِي أطل بها بعد عقود مِنْ أيامِ مرحلة دراسته الجامعية وهو يعيش فِي أبعدِ منافٍ استوطنها أبناء جلدته، وَالَّتِي تُعَدُّ بشهادةِ النقاد واحدةً مِنْ أجملِ روائعِ الأدب المقاوم:     

هذه الأرضُ التي نعشقُ
لا تُنْبِتُ وردَ الياسمينْ
للغزاةِ الطامعينْ
والفراتُ الفَحْلُ
لا ينجبُ زيتوناً وتينْ
في ظلالِ المارقينْ
فارحلوا عن وطني المذبوحِ شعباً
وبساتينَ. . .
وأنهاراً وطينْ
واتركونا بسلامٍ آمنينْ
نحن لا نَسْتَبدلُ الخنزيرَ بالذئبِ
ولا الطاعونَ بالسُلِّ
وموتاً بالجُذامْ
فارحلوا عن وطني. . .
هذه الخوذةُ
لا يمكن أنْ تصبحَ عشاً للحَمامْ
فارحلوا عن وطني. .
والدمُ المسفوحُ لن يصبحَ أزهارَ خَزامْ
فارحلوا عن وطني. . .
والبساتينُ التي غادرها النبعُ
وما مرَّ عليها منذ جيلين الغمامْ
تصرخ الآن : ارحلوا عن وطني
وارفعوا- قبل العقوباتِ- أياديكمْ
عن الشعبِ المضامْ
حَرّرونا منكم الآنَ. .
ومن زيف الشعاراتِ. . .
وتجارِ حروبِ - النفطِ والشفطِ -
وأصحابِ الحوانيتِ
أدِلاّءِ جيوشِ الإحتلالْ
فارحلوا عن وطني. .
واشربوا نخبَ انتصارِ القائدِ الَسَجَّانِ
في الحربِ على الشعبِ السَجينْ
نحن مهزومون حتى قبل أن تبتدئ الحربُ
حقولٌ تشحذُ القمحَ
وطينْ
سال منه الدمُ من بوابة القصرِ
إلى النهر الحزينْ
فارحلوا عن وطني
وامنحونا فرصةَ الدفنِ لموتانا
وأنْ نَخْرِجَ من تحت الركامْ
جُثَثاً ما بلغتْ عُمْرَ الفِطامْ
فارحلوا عن وطني
من قبل أنْ يَنْتَفِضَ النخلُ العراقيُّ
ويستلَّ سيوفَ الإنتقامْ

يمكن الجزم بأَنَّ " فسحة الحرية " غير القليلة الَّتِي منحتها له فرصة مواصلة دراسته الثانوية فِي مدينةِ الديوانية، لا يمكن أنْ ترقى بمعطياتِها وَمُناخاتها إلى سعةِ عوالمها الَّتِي عاشها السَماوي بداية متنقلا مَا بَيْنَ بيتي خالته وشقيقته فِي حي البياع عَلَى خلفيةِ قدومه إلى بَغْدَاد العاصمة مِنْ أجلِ إكمال دراسته الجامعية الَّتِي طالما حلم بتحقيقها؛ إذ أنَّه متيقن مِنْ قدرته عَلَى النَّجاحِ والوصول إلى غايته، مَا دام هناك قلبٌ ينبض فِي صدره، إلا أَنَّ " الحرية الواسعة " - بالاستنادِ إلى مَا نقله لي السماوي ذات صباح بغدادي - تحققت أولى مراحلها بعد انتقاله مِن منازلِ أرحامه فِي حي البياع ليقيم مَعَ بضعةٍ مْنْ زملائه وَرفاقه فِي شقةٍ ضيقة بمنطقةِ " الحيدرخانة " قبل أنْ يتنفس نسائم الحرية بمعناها الواسع فِي أعقابِ انتقاله وَصحبه إلى بيتٍ جميل لَهُ حديقة واسعة فِي حي " الوزيرية ".
إلى جانبِ ما تتطلب دراسته الجامعية مِنْ جهدٍ ووقت، كان السماوي بفضل مَا يمليه عَلَيه انتماؤه السياسي، حريصاً عَلَى المشاركةِ الفاعلة فِي المحافلِ والمناسبات الوطنية مِنْ أجلِ المساهمة فِي تعزيزِ مسار حركة اليسار المحلي، وَالَّذِي مِنْ شأنِه شحذ الهمم، فِي مواجهةِ سياط الجلادين وَأعواد المشانق وَكثير غيرها مِنْ صورِ المحنة الوطنية الَّتِي كان العراق يعيشها، بالإضافةِ إلى مَا تتطلب مِنْ موجباتٍ لتدعيمِ حضور حركة اليسار بشكلٍ يرتقي إلى مستوى المواجهة بعد أنْ أصبحت البلاد تسير صوب المزيد مِنْ استبدادِ السلطة، فلابد مِن العملِ الدؤوب وَتكثيف مختلف الفعاليات الثقافية والاجتماعية؛ لأجلِ رصِ الصفوف وتعزيز الوعي حول خطورةِ مَا كانت تشهده البلاد فِي تلك المرحلة مِنْ عبثٍ سياسي أفضى إلى تردي أوضاعها العامة وَتنامي أزماتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وَالَّتِي لا ينبغي أبداً أنْ يتمَ تجاوز مآسيها وَويلاتها بالركونِ إلى الصمتِ وَالخنوع؛ إذ " لا يولد أطفال مِنْ تزويجِ الدمى " مثلما يقول شاعر داغستان الكبير رسول حمزاتوف. وَأَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ الشعوبَ لا تموت أبداً، حيث أَنَّ " القبرَ الحقيقي ليس فِي الأرض بل فِي القلوب " كما يرى الشاعر الشيلي بابلو نيرودا ( 1904 - 1973)، الحائز عَلَى جائزةِ نوبل فِي الأدبِ عام 1971م، وَالَّذِي كتب عَنه الناقد الأدبي هارولد بلووم : " لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره ". وَضمن هَذَا الإطار يقول الناقد الأستاذ ثامر الحاج أمين : " إنَّ اسمَ السَماويَ برز فِي الوسط الثقافي عام 1969م، بعد أن نقل مِن السماوةِ إلى الديوانيةِ لنشاطه اليساري في اتحاد الطلبة العام، وانه كان مثار قلق للأجهزة الامنية آنذاك ". وبالاتجاه ذاته  يروي القاص سلام ابراهيم بعض ذكرياته عَنْ أيام الدراسة الجامعية الَّتِي يصف فِيها السَماوي يحيى مِنْ خلالِ معايشته لَه فِي بغداد بقولِه : " إنَّ السَماويَ كان عاطفياً متحمساً ثورياً يشبه شعره المتطرف في غزله، لكن هنا ثوريً يكاد يتفجر حماسةً، ثم لا يلبث أنْ تسيلَ العواطف فيبكي لغزلٍ ولفكرة عن الثورة، أو لحديث عن أوضاع الفقراء ". 

فمي قلمٌ
لا يُجيدُ الكتابةَ إلاّ
في دفترِ شفتيكِ
***
جسدكِ كتابٌ أتصفّحهُ بالشمِّ
وأتهجّاه بالقبلات ..
يا لبلاغته
حتى الفارزةُ فيه :
جملةٌ مفيدةٌ تامّةُ اللذة !
*****
عَلَى الرغمِ مِنْ القسوةِ الهائلة وَالتفنن فِي أساليبِ القمع الَّتِي كان يعتمدها النظام الدكتاتوري بالتعاملِ مَعَ الشعب فِي ظلِ تجاهل المجتمع الدولي للمروعِ مِنْ أساليبِ بطشه وَاضطهاده، ساهم السَماوي في مرحلةِ دراسته الجامعية مَعَ بعض زملائه فِي تأسيسِ اتحاد الطلبة بقسمِ اللغة العربية فِي كليةِ الآداب؛ نتيجة مَا كان يحمله مِنْ توقّدٍ وَمغامرة، وَتأكيداً لِمَا آمنَ بِه مِنْ مثلٍ سياسية وَقيم إنسانية، وَ يُضافُ إلى ذلك أنَّ السَماويَ يحيى بن عباس عمل أيام تلك المرحلة فِي صحيفةِ " طريق الشعب " مجاناً، مستعذباً ضجيج مكائن مطبعة الرواد وَعطر حبرها؛ لذَا ليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يُضَمنَ الأستاذ معن غالب سباح حديثه عَنْ انجازاتِ السماوي الشعرية فِي وطنه وَمغتربه عند إدارته لجلسةِ احتفاء بالشاعرِ المترجم له، أقامها فِي مدينةِ الديوانية اتحاد الأدباء وَالكتاب فِي الديوانية، بالتعاوِن مَعَ قصرِ الثقافة والفنون فِي المحافظة، وَالَّتِي يقول فِيها مَا نصه : " بقي السماوي لصيقا بوطنه، واستطاع بأحاسيسه نقل المعاناة بنمط شعري دقيق ".
   
لست سكرانا ...
فلماذا نظرتم اليّ بازدراء ...
حين سقطت على الرصيف ؟
من منكم لا ينزلق متدحرجا ...
حين تتعثر قدماه بورقة ...
او بقطرة ماء ...
اذا كان  يحمل الوطن على ظهره ..
و على رأسه تابوت أمه
***
فِي هذه المرحلة مِنْ دراستِه، أصبح للفتى المشاكس القادمِ مِن السماوة إلى بَغْدَاد صديقات مِنْ أقسامِ الكلية الَّتِي انتظم للدراسةِ فِيها - كليةِ الآداب - وَأخريات مِنْ كلياتٍ أخرى. كذلك أقام علاقات صداقة متينة مَعَ زملاء دراسةٍ عَلَى درجةٍ عالية مِن الروعة. يُضافُ إلى ذلك مكانته الأدبية العالية الَّتِي حظي بها مَا بَيْنَ زملاء الدراسة فِي كليتِه وَالكليات الأخرى بفضلِ مَا تركته " روائعه الشعرية " مِنْ صدى رائع، أهله لحصدِ جوائز المسابقات الشعرية. وأدهى مِنْ ذلك أنَّ شيخَ النقاد الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر كتب عنه مبشراً بولادةِ شاعرٍ واعد.

أنتِ لستِ خمراً
فلماذا حين أكتبُ عنكِ
تسكرُ الورقةُ
فتغدو السطورُ أنهاراً
والكلماتُ زوارق !
***
إذا كان بعض مجايلي السَماوي فِي أيامِ الدراسة الجامعية يشير إلى حراكِه يوم ذاك بوصفِه كالحجر الَّذِي يلقى فيحرك الماء الراكــــد، فإنَّ مَا يثير الدهشة هو أنَّ شاعراً ثرياً بالفضاءاتِ وَغنياً بالعوالمِ وَجمال الصور الشعرية وَعذوبة الكلمات - بحسبِ انطباعات الكثير مِن النقادِ عَنْ أسلوبِه فِي نظمِ القصيد - يلوذ عَلَى الدوامِ برداءِ التواضع المبهر؛ إذ أجاب السَماوي يحيى بعد سنوات مِنْ نضجِه حول سؤال عَنْ شاعريتِه بقولِه : " إنني أقول الحقيقة صادقاً وَليس تواضعا .. إنني لست أديباً كبيرا .. فأنا لست أكثر مِنْ كلمةٍ مبهمة أحاول جهدي أنْ أكونَ جملة ذات معنى فِي كتابِ المحبة الكونية أو جملة مفيدة فِي كتابِ الشعر العربي وَالإنساني ... بل مجرّد حرف يُحاول أن يكون كلمة ذات معنى .. فمَعَ أنني كتبت الشعر منذ أكثر مِنْ أربعين عاماً، إلآ أنني مَا زلت طفلاً  يحبو فِي دربِه الطويل وَالصعب .. ".

" الـقُـبـلـةُ " بَـوصَـلـةُ شـفـتـيَّ
لـتـحـديـدِ اتّـجـاهِ " الـقِـبـلـة "
فـي صـلاة الـعـنـاق !

مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ درساً بليغاً للمارين فِي دروبِ الثقافة، ضربه السَماوي يحيى ببالغِ أثر عباراتِه المذكورة آنفاً، وَالَّتِي بالإضافةِ إلى مَا تكتنفه حيثياتها مِنْ محاولةِ تحفيز الأجيال الجديدة عَلَى القراءة، وَالدور المطلوب مِن القياداتِ الإدارية وَالمؤسسات لإغناءِ الأدباء بِمَا تباين مِنْ ضروبِ المعرفة، فالقيمة الأهم فِي هَذِه الصفة النبيلة هو أنَّ فحواها تُعَدّ مثلاً فِي طهارةِ النفوس وَنقاوة القلوب، إلى جانبِ مَا تعكسه مِنْ ميزةٍ تتمثل فِي تحلي الكبار بمكارمِ الأخلاق، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها التمسك بصفةِ " التواضع " فِي زمانٍ يشهد الكثير مِن التجاوزاتِ عَلَى هيبةِ الثقافة وَالسعي لتشويه إبداع رموزها؛ نتيجة نشاط مجموعات الطارئين عَلَى المشهدِ الثقافي الَّذين يشار إليهم محلياً باسْمِ " الزواحف "، فالسَماوي يحيى بن عباس الَّذِي قال عَنه صديقه - منذ أيام دراسته فِي الديوانية - الأديب عبد الرحيم صالح : " عرفته حيويا نابضا بالشعر والثقافة, يلتهم المفردة وان كانت عسيرة على البعض "، يُعَدّ أول شاعر عراقي يصدرُ ديواناً كاملاً ضد الإحتلال الأمريكي هو ديوانه الحائز عَلَى جائزةِ البابطين لأفضلِ ديوان شعر الموسوم " نقوش على جذع نخلة "،  وَالَّذِي تميز - أعني السَماوي - باستيقاظِه منذ بواكير طفولته عَلَى وجودِ الكتاب فِي منزلِه، فِمَا كان مِنه إلا حث الخطى قصد النهل مِن المعارفِ والعلوم، ثم مَا لبث أنْ توجه فِي مراحلٍ لاحقة صوب العميق وَالباطن وَالمكتنز مِنْ عوالمِها، وَمَعَ ذلك لَمْ يثنه نضجه الَّذِي مكنه مِن الانتساب للأدبِ وَاستعمال أدواته، وَلا تقادمه فِي العمرِ عَنْ المثابرةِ عَلَى اكتسابِ المستحدث مِن المعارفِ وَالعلوم، فِمَا زار مدينة إلا وعاد منها محملاً بأرغفةِ خبز المعرفة بوصفِها متاعه وَبضاعته الَّتِي لا غنى لَه عَنها. وَيَبْدُو لي أنَّ هناك انسجاماً فِي النهجِ مَا بَيْنَ أسلوب السَماوي فِي هضمِ موجبات نظم الشعر قصد بلوغ المنجز الإبداعي وَبَيْنَ مضمون مقولة الرسام العالمي " بابلو بيكاسو " مؤسس المدرسة التكعيبية وَأعظم الفنانين فِي القرن العشرين وَأكثرهم تأثيراَ الَّتِي يقول فِيها : " اتقن القواعد كمحترف, حتى تتمكن من كسرها كفنان ".
يُضافُ إلى ذلك مَا شهد به النقاد والمتخصصون والباحثون مِنْ أَنَّ السَماويَ دخل الأدب مِنْ أوسعِ أبوابه بعد أنْ نهل عَلَى مدى عقود مِنْ الزمانِ مِمَا تباين مِنْ مشاربِه، فكان أنْ تفاعلَ مَعَ وجدانِ المتلقي، وَأثار إعجاب كبار النقاد العراقيين وَالعرب، وَوصلت أصداء نزف قلمه إلى أبعدِ أصقاع الأرض بعد ترجمة منتخباتٍ من قصائده إلى لغاتٍ أجنبية عدة، فضلاً عَنْ محبةِ الكثير مِن الناس الَّتِي حظي بِهَا، وَلاسيَّما متذوقي الأدب العربي الأصيل؛ لذلك مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ السَماوي وَهبَ الأجيالَ الشعرية درساً عملياً فِي حُسنِ التعامل الَّذِي تقوم فلسفته عَلَى أنَّ بريقَ الشُّهرة لا يرقى إلى مستوى كسْبِ محبة الناس، فثَمَّةَ كنــز أخلاقي وَإنساني يمتلكه السَماوي قد يَبْدُو بلوغه غاية فِي الصعوبةِ بالنسبةِ لكثيرٍ غيــره، وَبالإمكانِ التعرف عَلَى فحواه مِنْ خلالِ التمعن بقولِه : " أظنني سأغفو إغفاءتي الأخيرة وَأنا مجرد كلمة ... لستُ أفضل شاعرية من غيري ... الشعراء كلهم يُكمِل بعضهم الآخر .."، وتحضرني هُنَا إشارة للشاعرِ الراحل رحيم الغالبي " طيب الله ثراه " يصف فِيها يحيى السَماوي أديباً وَإنساناً بقوله : " شاعرٌ عراقيٌ مبدع، يكتب بالصدق كله، مبدئي ملتزم بقضايا الإنسانية بوجه حقيقي، وله تاريخ مشرق ومشرف ".
مِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ رؤيةَ السماوي تتوافق تماماً مَعَ المثلِ العربي الَّذِي مضمونه : " كلما ارتفع الشريف تواضع، وَكلما ارتفع الوضيع تكبر "، فكم نَحنُ بحاجةٍ فِي عالمِ اليوم إلى حضورِ الأخلاق وَتفاعلها مَعَ عطاء مَا تباين مِنْ أجناسِ الأدب؛ لأجلِ تدعيم مقومات غذاء المحبة الإنسانية، فالشعر بالنسبةِ للسَماوي يحيى " منديل .. ودواء .. وعصا .." وليس محاولة للتباهي أو الاسترزاق كما ركن إليهما بعض الشعراء؛ إذ يشير أبو الشيماء إلى هَذَا المعنى بشكلٍ دقيق حين يقول: " بِهَذَا المنديل أمسح دموع قلبي ... وَبِهَذَا الدواء أقاوم الموت إكراماً للمحبةِ والحياة .. وَبِهَذِه العصا أنشّ عني ذئاب الوحشة فِي براري الغربة ".

أمنح صوتي
للذي يُعانقُ الرّبابةْ
وللذي يفتح لي كتابهْ
أكتب : يا أهل الهوى
قلبي لكم حديقةٌ
ومقلتي سحابةْ
***
أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ مَنْ حبَاه الله تبارك وَتعالى موهبة نظم القصيد، يحاول جاهداً طوال رحلته فِي ميدانِ الأدب استشراف مَا يتطلب مِنْ مرتكزاتِ إثبات وجوده عَلَى الساحةِ الشعرية الَّتِي لا حدود لمساحتِها، وَهو الأمر الَّذِي يلزمه الاستزادة مِن المعارفِ وَالعلوم وَالانتباه إلى مَا يسجله النقاد مِن إشاراتٍ حول أسلوبه قصد تنمية تجربته وضمان تحقيقه لمنجزِه الشعري، فاللغة الشعرية تفرض عَلَى الشاعرِ التطلع إلى أنْ يكون أديباً واعياً وَملتزماً بالقراءةِ الأدبية؛ لأَنَّ البناء الشعري يتمحور حول الكثير مِن المفرداتِ الإنسانية مثل الإحساس، المشاعر وَالجمال بوصفِه رهين الإلهام والإبداع. ولعلَّ مَا دونه الباحثون، وَمَا سجله النقاد، وَمَا تناوله الدارسون بدراساتٍ تحليلية معمقة وَمفصلة بخصوصِ آفاق التجربة الشعرية للشاعرِ يحيى السماوي وَمدلولاتها، تؤكد علو كعبه فِي الساحةِ الأدبية، وتثبت أَنَّه شاعرٌ وَأديبٌ وَكاتبٌ مِنْ نوعٍ خاص، بالإضافةِ إلى أَنَّ شعرَه يحتل مكانة مرموقة فِي المشهدِ الشعري العربي. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنَّ السماويَ يحيى يجسد التأمل الفكري فِي إنجاز نصوصه، وَلاسيَّما مَا ينحى مِنها صوب كشف المفارقات الخفية فِي رؤيةِ العالم مِنْ خلالِ طرح الأسئلة؛ إذ أنَّ الأسئلةَ بحسبِه هي الَّتِي تجعلنا نبحث عَنْ الحلول، وَكما يقول المؤلف المسرحي وَأحد أبرز مسرحيي مسرح اللامعقول " أوجين يونسكو " إنَّ " الأجوبة لا تكشف الظلام، وإنما الأسئلة ". كذلك تحضرني هُنَا مقولة لا أتذكر اسم قائلها، وَالَّتِي نصها : " التقدم كان اجوبة عَلَى الأسئلة، والاكتشافات كانت أسئلة عَلَى الأجوبة ". وَمِنْ المعلومِ أنَّ ثمارَ مَا اعتادت بلدان العالم عَلَى إنفاقه مِنْ ضخامةِ أموالٍ لإدامةِ فعاليات مراكز البحث العلمي، تتمثل فِي اكتشافاتٍ وَابتكارات وَحلول لبعضِ ما تعانيه المجتمعات مِنْ مشكلات، بَيْدَ أنَّ تلك المخرجات الإيجابية لا تعني أنَّ الإنسانَ يملك الإجابة عَلَى كُلِّ سؤال؛ إذ قد يظهر عاجزاً عَنْ الإجابةِ عَلَى أبسطِ الأسئلة فِي حياته، وَهنا تكمن قيمة البحث عَنْ الإجابةِ عَلَى السؤال.
يابنتَ سبعين التي عكّازها
صدري .. وأحداقي لها فانوسُ
نخرَ الأسى قلبي .. فما لعراقنا
في كلّ يومٍ " داحسٌ " و" بسوسُ " ؟
" تمّوزهُ " عارٌ على أعوامنا
ويفوح من " نيسانه " التدليسُ
آهٍ على زمنٍ تعثّرَ فجرُهُ
فاسْتعبدتْ أرضَ الأسودِ تيوسُ
فإذا ابنُ طاهرةِ الثيابِ مشرَّدٌ
وإذا ابنُ صـائدة الرجالِ رئيسُ
***
مِنْ المؤكّـدِ أنَّ حدودَ القراءة فِي حلقة واحدة، لا تسع الوقوف عَلَى أغلبِ مَا كتب عَنْ شاعريةِ يحيى السَماوي، إلا أني سأشير هُنَا - مِنْ بَيْنَ عشراتِ الشهادات - إلى آراءِ أثنين مِن الشعراءِ حول إحدى قصائده - مناصفة مَا بَيْنَ الجنسين قصد تحقيق العدالة أو رُبَّما لأجلِ الخروجِ مِنْ هيمنةِ المجتمع الذكوري - أولهما رائد المقامة الحديثة الشاعر العراقي زاحم جهاد مطر الَّذِي يقول : " يحيى السماوي شاعرنا السامق من يدخل روضه الشعري لا بد أن يصاب بالانبهار؛ انه عالم من الدهشة بجمال اختياراته غير المطروقة وبقابليته الفريدة على تطعيم الحروف والكلمات وانتاج صور واشكال جديدة اكثر بهاء وبهجة كما ينتج البستاني المحترف العارف انواعا غير مألوفة من الزهور والورود والفواكه ".  وَالآخر للشاعرةِ وَالروائية الفلسطينية هيام مصطفى قبلان الَّتِي تصف أسلوبه فِي نظمِ القصيد بالقولِ : " يحيى السماوي الشاعر القدير المحلّق بين حلم وأرض، تحايا لهذه الزمهريرة الحبلى برائحة امرأة وبحجّ ناسك متبتّل، يهوى الجمال والنار مستعرة، وها هي القصيدة تولد من رحم المأساة، من - رحم الحلم - الخالي من الخطايا "

القادمون :
وراء المحيطات ...
الغابات البحرية الاشجار
مدن الثلج و النحاس
المباغي الايدلوجية
افرغوا حنجرتي من الصوت
و عيني من الدموع
و شفتي من الابتسامات
و مئذنتي من التراتيل
و صباحاتي من الالق
و مساءاتي من النجوم
و الشارع من البهجة
استبدلوا:
بكوفيتي خوذة
بحصاني دبابة
بالقران مجلة ستربتيز
و دما بمياه الينبوع
اطلقوا سراحي من قبضة الخرتيت
و اعتقلوا الوطن
ثم اعطوني قلما و دفترا لاكتب عن الحرية ...
فهل ثمة مَن يلومني
اذا صرخت ملء حنجرتي : اعيدوني الى زنزانتي
واطلقوا سراح وطني ؟
***
عَنْ علاقتِه بأساتذتِه فِي مرحلةِ الدراسة الجامعية، يؤكد السَماوي - المتوحدِ بطقوسِ الشعر سلاماً  وَعشقاً وَهياماً بحسبِ الشاعرة خلود المطلبي - تميزها بطبيعةِ الأجواء الحميمة الَّتِي عاشها معهم، إلى جانبِ حسن تعاملهم معه، وَعدم اعتراض طريقه فِي المشاركةِ بِمَا كان يقام مَنْ محافلٍ أدبية وَندوات ثقافية، وَفِي مقدمتهم أستاذه - شيخ النقاد العرب - الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر " طيب الله ثراه "، وَالَّذِي كتب عنه مقالاً رائعاً فِي كتابِه الموسوم " وراء الأفق الأدبي " حين كان طالباً فِي الصفِ الأول بكليةِ الآداب، وَهو العام الَّذِي شهد صدور ديوان شعره الثاني الموسوم " قصائد فِي زمن السبي والبكاء " وَالَّذِي كتب مقدمته أيضاً الشاعر الراحل محمد علي الخفاجي" طيب الله ثراه "؛ إذ كان لتشجيعِهم بحسبِه الأثر الكبير فِي نماءِ فسيلته الشعرية، بخلافِ اعتقاد - مَنْ سأله ذات مرة حول طبيعة العلاقة معهم - أنَّ همَهم يتحدد فِي المحافظةِ عَلَى مكانتِهم، فعَلَى سبيل المثال لا الحصر يستذكر السماوي أحد أستاذته بالقول : " رحم الله شيخي وَأستاذي الدكتور عبد الجبار المطلبي .. ما قرأت تعليقا أو قصيدة للأخت الشاعرة خلود المطلبي إلآ ودعوت بالرحمةِ لذلك الأستاذ الجليل الَّذِي كانت الابتسامة ملمحاً مِن ملامح وَجهِه السمح ". وَمِنْ بَيْنَ طريف الحكايا الَّتِي رواها السَماوي ذات مرة وَهو يحاول الغوص فِي وقائعِ تلك الأيام الجميلة مِنْ أجلِ استرجاع بعض مَا علق مِنها فِي ذاكرةٍ خطّها قلم الزمان : أنَّ الدكتورَ عبد الجبار المطلبي " طيب الله ثراه " كان يدرسهم مادة الكتاب القديم، وحدث أنْ كانوا فِي امتحانٍ شهري، فإذا بأستاذِه المطلبي - لسوءِ حظه وَحظ طالبة تجلس بجواره - يقف قربه وَيلقي نظرة عَلِى أجوبتِه مَا بَيْنَ حين وآخر، فَمَا كَان مِن السَماوي إلا ممازحته بقولِه : " أستاذ: مَنْ راقبَ الناس مات همّاً .... فكان جوابه : إلآ فِي الإمتحان ..". وَيرى السماويَ أنَّ الأستاذَ الجامعي ملزم بدعمِ طلبته النابهين، لا اعتراض طريقهم؛ بحكمِ أخلاقيات مهنته وَضوابطها الإنسانية؛ إذ أنَّ إعاقةَ الأستاذ طريق طالبه النابه يعبر عَنْ كونِه غير سويّ أخلاقياً وَإنسانياً وَأكاديمياً. وَمِنْ المعلومِ أنَّ التحليَ بمبادئ أخلاقيات المهنة وَقيمها الَّتِي ينميها أو يكتسبها الإنسان ويمارسها أثناء أدائه لعمله، تقوم ضوابطها الناظمة عَلَى مجموعةِ القواعد وَالآداب السلوكية وَالأخلاقية الَّتِي يجب أنْ تصاحبَ الإنسان المحترف فِي مهنتِه تجاه عمله.

جاءني
في يوم ِعيدِ الوردِ "صوفائِيلُ"..
مبعوثاً
من القانتةِ الزهراءِ ..
حَيّاني ..
وألقى للعصافيرِ على النّخلةِ
قمحاً ..
جاءَ طيرٌ يُشبهُ الهُدهُدَ ..
حَيّاه ..
فقالا كلماتٍ ..
ومضى الطائرُ  حتى غابَ
في حضنِ الفضاءْ ..
****

ثَمَّةَ لقاء قبل تسعة أعوام جمع السَماوي فِي مدينةِ كربلاء بعددٍ مِنْ أصدقائه، وَالَّذِي ألزمه النزول عند رغبتهم فِي جعلِ فضاء ذلك المكان رئة للشعر. وقد كان مِنْ بَيْنَ الحضور القاص وَالشاعر وَالصحفي صباح محسن جاسم، وَالَّذِي كتب عَنْ مجرياتِ ذلك الكرنفال الأخوي موضوعاً نقتطف مِنْ بَيْنَ سطوره بعض المقاطع الَّتِي مِنْ جملتها قوله : " يواصل يحيى السماوي ما اكتنزت به ذاكرته الثاقبة من نصوص فيتلمس خبيء جيبه متناولا أجمل ما قاله من قصيد  تفاعل معه الأصدقاء والمكان "، ثم يضيف قائلاً : " بدأ السماوي يناجى وطنه العراق وحنينه بالعودة. ما أجمل ذلك التوصيف الذي يتميز به الشاعر الإنسان وهو يؤاخي ما بين شموخ النخيل وباسقات المآذن مواشجا ما بين بلال الذي تماهى بهديل الحمام والأذان الذي تماهى بتوسل الشاعر للدعوة بتحرر حقيقي صوب سعادة ثابتة. وهو  يزاوج ما بين الأمل والطفل الذي يكبر فيما يعد النجوم فيقع صريع إغفاءة بذات الحلم ". وينتقل جاسم المولود فِي مدينةِ الديوانية إلى وصف شاعرية السَماوي بالقول : " شعر يحيى لما يزل معافى رغم كل نوبات الدهر .. فما عاود طبيبا .. الشعر الذي ينبض في روح  يحيى قد أمده بكل هذا الصمود ! فزوادته التمر والخبز والماء ولباسه الخشن من الملابس.. الا يذكرنا هذا بحياة صحابة الرسول عليهم أفضل السلام ؟ ".

فمي طفل ...
دميتُهُ شفتاك !
****
لكثرةِ تحديقي بقميصكِ الأخضر :
نَبَتَ العشبُ في عينيَّ !
****
حين قبّلتُ عينيك
جاءتني الفراشات تستجدي مني
بقايا الكحل العالق بشفتي !
****
أنا وطنٌ
أنتِ عاصمته !
****
أيتها البعيدة بُعد الشيطان عن عيني ...
القريبةُ قُربَ الله من قلبي :
حياتي قصيدة من بيتٍ واحد
أنتِ مطلعها !
****
ما حاجتي للبساتين
وعندي بتلتك ؟
****
سأقشِّرُك مثل برتقالة
لأحصي مسامات جسدك بالقبلات !
****
لا تخافي من جوعي
فأنا سأقضمكِ بهدوء ...
جنوني لا أنيابَ له
****


70
منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي
يفتتح موسمه الثقافي بأمسيةٍ عن سمات الخطاب السياسي لانتخابات 2018
لطيف عبد سالم
رغبة فِي المساهمةِ ببناءِ وعيٍّ مجتمعي يتجاوزِ مرحلة الخيبات الَّتِي تعرض لها الناخب العراقي، وما ترتب عليها مِنْ تداعياتٍ سلبية أدخلت اليأس إلى قلبِه بفعلِ الاخفاقات الَّتِي خيمت عَلَى الأداءِ الحكومي، ومِنْ أجلِ استثمار الفعل الثقافي وتوظيف منجزه فِي بلورةِ وعيٍّ وطني يرتكز عَلَى دورِ المجتمع فِي عمليةِ التغيير بعد تصاعد الدعوات مِنْ جهاتٍ مختلفة حول ضرورة العزوف عَنْ المشاركةِ فِي الانتخاباتِ النيابية القادمة، فضلاً عَنْ تمادي بعض السياسيين فِي التمسك بالعزفِ عَلَى نغمةِ المقاطعة، أقام "منتدى أضواء القلم الثقافي الاجتماعي" أمسية ثقافية عَلَى قاعةِ مؤسسة الحوراء القرآنية فِي مدينةِ الكمالية، استضاف فيها الدكتور محمد الواضح رئيس قسم الدراسات العليا فِي كلية الإمام الكاظم "عليه السلام" لإلقاءِ محاضرة حول ما يدور فِي أذهانِ الناس مِنْ أمورٍ تتعلق بموضوعِ الانتخابات. 
جدير بالإشارةِ أنَّ هذه الأمسية تُعَدّ أول فعاليات المنتدى ضمن موسمه الثقافي للعامِ الجاري 2018م، وَالَّتِي بدأت بقراءةِ عضو الهيئة الإدارية للمنتدى الزميل أحمد جليل آي مِن الذكرِ الحكيم، ثم طلب رئيس المنتدى لطيف عبد سالم الَّذِي أدار الجلسة مِن الحاضرين قراءة سورة الفاتحة وقوفاً ترحماً عَلَى أرواحِ شهداء العراق، وبعد توطئة مدير الجلسة الموجزة عَن موضوعِ الانتخابات  وعرضه السيرة الذاتية الخاصة بضيفِ المنتدى، أطل الدكتور محمد الواضح عَلَى جمهورِ الحاضرين، وبدأ بإلقاءِ محاضرته الَّتِي وسمها باسْمِ : سمات الخطاب السياسي لانتخابات 2018 " رؤية حجاجية "، وَالَّتِي كانت بمثابةِ رؤية تداولية تحاكي جميع المستويات، داعية أنْ يكون للصوت الثقافي دوراً واضحاً فِي هذه المرحلة المهمة مِنْ تاريخ العراق؛ لأجلِ الوصول إلى قراءةٍ استشرافية لانتخاباتِ عام 2018م.
حفلت الأمسية الَّتِي حضرها جمع كبير مِن الاكاديميين والأدباء والتربويين والمثقفين وشيوخ العشائر بمداخلاتٍ وأسئلة أجاب عنها الباحث الَّذِي ترك كلمة فِي سجلِ زيارات المنتدى أشاد فِيها بإدارة الأمسية وحسن متابعة الحاضرين وتفاعلهم مع مجرياتِ المحاضرة. وَفِي ختامِ الأمسية قدم رئيس المنتدى نيابة عَنْ جمهورِ الحاضرين شهادة تقديرية لضيفِ المنتدى الدكتور الواضح؛ تثميناً لمشاركته فِي تعزيزِ المسار الثقافي للمنتدى. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير إلى أنّ الدكتور محمد الواضح حاصل عَلَى شهادةِ الدكتوراه فِي النقد اللغوي والدلالة مِنْ كلية التربية ابن رشد - جامعة بغداد، ويعمل أستاذاً للنحو والعروض فِي كلية الإمام الكاظم (عليه السلام) الجامعة، بالإضافةِ إلى أنّ