ankawa

الحوار والراي الحر => المنبر الحر => الموضوع حرر بواسطة: david gorgius في 09:35 29/06/2007

العنوان: قاتل في جلباب وزير!
أرسل بواسطة: david gorgius في 09:35 29/06/2007
قاتل في جلباب وزير!

ما أنْ أُميط اللثام عن جريمة قتل نجلي رئيس حزب الأمة العراقي وعضو مجلس النواب الأسناذ مثال الآلوسي قبل ايام معدودة – الجريمة بحد ذاتها أُقترفت قبل نحو عامين- حتى تبين إنّ حكومة السيد المالكي ممثلة في بعضٍ  من وزرائها هي حكومة تحترف القتل والأجرام ناهيك انها ضالعة في الفساد حتى أذنيها وهي في الأخير حكومة المحاصصة الطائفية حد النخاع ابى ام شاء القائمون على وصفها بحكومة الوحدة الوطنية والوطنية منها براء.
أنا لا أريدُ أنْ اكون نهلستياً واعمم ذلك على بعض من طاقمها الّذين يريدون أن يعملوا شيئاً، لكنّ الموج العاتي للطائفية وراحة الدم الطرية والعطش لسفك الدماء وهتك الأعراض والأثراء عن طريق الفساد يحيل دون ذلك.
ليس من الصعب الوصول الى الأستنتاج المنطقي في كيفية وصول مثل هكذا وزراء قتلة الى دست الحكم وكرسي الوزارة الفلانية والعلانية، فالأصطفاف الطائفي الديني والقومي وعمليات المحاصصة المقيتة على الأصعدة كلها هي التي حملت في قطارها هولاء المجرمين. فعندما تختفي معايير المواطنة والنزاهة تطفو على السطح ارهاصات الوضع السئ الذي يمرّ به بلدنا وشعبنا، هذه الأرهاصات المتمثلة في التخندق الطائفي الديني والقومي والعشائري، إذْ لا سيرة ذاتية نزيهة ومخلصة لهذا الوزير او ذاك ولا رصيد نضالي وتفاني في خدمة الشعب والوطن ولا مؤهلات علمية او عملية لمثل هذه النكرات سوى امتداداتهم الطائفية والقومية والعشائرية  التي دفعتْ بهم للظهور على واجهة المسرح السياسي والأجتماعي لعراق ما بعد التاسع من نيسان 2003 .

لقدْ أُهينَتْ الثقافة العراقية وأُهينَ من خلالها صانع هذه الثقافة عندما بيعَتْ في سوق النخاسين مؤسستهم الثقافية المسماة بوزارة الثقافة تماماً كما كان يباع العبيد في غابر الأزمان. نعم بيعت وزارة الثقافة ضمن المحاصصة الطائفية السيئة الصيت وجاءوا، بعد تشكيل حكومة الجعفري، برجل من سلك الشرطة وجعلوا منه وزيراً للثقافة وهو لا يمت للثقافة والأبداع بأية صلة لا من قريب ولا من بعيد وربما هو لم يسمع في حياته كلها بكلمة الثقافة وربما لم يقرأ رواية او قصة ولم ير عرضاً مسرحياً ولم يشاهد فيلماً سينمائياً ولم يستمع في حياته كلها لمقطوعة موسيقية شرقية كانت ام من التراث الموسيقي الكلاسيكي الأوروبي ولم يحضر معرضاً تشكيلياً . وبعد مباشرته بعمله في الوزارة عادت مرة اخرى كلمة "سيدي" تتداول في اروقة الوزارة بعد انْ كانت قد اختفت في فترة وزير الثقافة الشيوعي مفيد الجزائري . وعندما ذهب هذا الوزير الشرطي جاءوا باخر، اي الوزير الحالي والأصح الوزير القاتل، وهو اسوأ حالاً من سلفه بكل ما تحمله الكلمة من معنى ليس إلاّ امعاناً في اذلال الثقافة والمثقفين العراقيين، هذا القطاع الذي اسهم في بناء الدولة العراقية بجهده الأبداعي في كل حقول الأبداع كما وساهم فكرياً في اثراء الحياة الأجتماعية مما اعطاها بعدها الحضاري والمدني وعمّق مفهوم المواطنة العراقية ولم يكن المثقف والمبدع العراقي طائفياً في موقفه ولا متعصباً قومياً تجاه شعبه بكل فسيفسائه الأثني الجميل ولم يكنْ ذا عقلية عشائرية تتعصب للحِمى القبلية بل كان ذا عقل متنور وقلب ملئ بحب كل ما هو جميل واصيل في تاريخ وحضارة شعب الرافدين.

لقد تعرّضتْ الثقافة العراقية ومن خلالها صانعيها خلال العقود الأربعة الأخيرة الى كل صنوف الأحتقار والأزدراء والتهميش والأضطهاد التي تعددت اوجهها كان منها التضييق في البدء والمحاربة ومنع الأعمال الأبداعية وصولاً الى السجن والأسقاط السياسي والفكري والأبعاد القسري واسقاط الجنسية والتصفية الجسدية، لكن كل ذلك لم يستطع انْ يثني المثقف العراقي والمبدع العراقي من انْ يضع ضميره، كأنسان وكمبدع، في راحة يديه لينطلق في خلق ما هو اجمل عبر الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية والموسيقية والغنائية والتشكيلية التي سعتْ قبل كل شئ الى موضوع واحد ومشترك وهو الأنسان العراقي، لأنّ المبدع العراقي كان يعي بأن التاريخ الّذي يتناوله في ابداعه يضع في جوهره الأنسان، الّذي هو مادة هذا الأبداع، وامتداد هذا الأنسان هو ذلك التاريخ بعينه. فكيف لهذا الأبداع ولهذا المبدع الذي يتوصل الى مثل هذه الصياغة الجمالية والفكرية انْ تقتله رصاصات الأنظمة الشمولية!.

لقدْ اثبتتْ الجهة الّتي رشحت الوزير اسعد الهاشمي ليكون وزيراً للثقافة والجهة الّتي استوزرته صحة المقولة الّتي تقول "باننا نحيا في حضارة لم نشارك في صنعها منذ اكثر من اثنين وعشرين قرناً". وألاّ كيف نفسر هذا الموقف اللأمسؤول ناهيك عنْ كونه موقف يدل على احتقار الثقافة المثقف وذلك باستيزار مثل هكذا وزير له هذه السيرة الذاتية الأجرامية! هل خلا العراق يا ترى من مبدع او من عالم او كاتب او باحث بامكانه ادارة دفة الثقافة لكي يستطيع انْ يوازن بين المتطلبات الساسية للحكومة وبين حقل الثقافة والأبداع لكي يأتوا بشخص أمّيُ، حتى وإنْ كان يحمل لقب الدكتوراه، وما نفع هذا اللقب اذا كان من يحمله يسخّره للقتل والأجرام! ألا يكفي هذا الأستهتار ايها السادة؟

بودي هنا انْ استعير من ماركس سؤال ينطبق محتواه على اصحابنا الذين يمسكون بدفة الأمور وفي ايديهم رقاب كل العراقيين، يقول السؤال: هل خدم الجهل قضية؟ اجيبوا المثقف والمبدع العراقي إنْ كنتم قادرون على الأجابة لكنني في شك من امري تجاهكم لأنّ لا براهين ولا حجج لديكم، لكنكم في الجانب الأخر "اسطوات" عندما يتعلّق الأمر في اهانة المثقف والمبدع  ومحاربته وها هو المشهد الثقافي والأبداعي في العراق خير شاهد على ذلك.

قولوا لي بربكم لماذا استوزرتم هذا الوزير المسمى اسعد وهو عن السعادة بعيد وهي منه براء كبراءة الذئب من دم يوسف؟ كم كان حجم وطول الفتوى التي رشحته لأن يكون وزيراً؟ هل اطلعتم على سيرته الذاتية وخلفيته العلمية والثقافية؟ هلْ إستشرتم الوسط الثقافي قبل ان تقدموا على عملية الأستيزار؟ اسئلة كثيرة تدور في الذهن ايها السادة ومن حقنا نحن المثقفين انْ نطرحها عليكم لأنّ ذلك يتعلّق بمصيرنا وبشرف كلمتنا الصادقة وفعلنا النظيف لكن يبدو انكم ضريتم مسبقاً بعرض الحائط مثل هكذا اسئلة مشروعة واكتفيتم بالنظر الى يديه بدل سيرته الذاتية وحينما رأيتم انهما كانتا ملطختان بالدم قررتم إنّ ذلك يكفي لتجعلوا منه وزيراً وايما وزير، وزيرُ لأهم واخطر مرفق من مرافق الحياة العراقية.
 وارتباطاً بهذا الأستيزار اسمحوا لي بأن اطرح على الحكومة العراقية ووزيرها الهمام اسئلة اخرى تختصر موقف الثقافة من الأنسان العراقي بوصفه عضواً في مجتمعه: إذْ من اين يكتسب هذا الأنسان معرفته بذاته وكينونته كونه عضواً فاعلاً في مجتمعه إنْ لم يكنْ من خلال المعرفة والفن والأدب والأخلاق والقانون وكل الحقول الثقافية الأخرى؟
كيف سيتسنى لشعبنا انْ يكون في حركة مستمرة من الأتصال بين افراده إنْ لم يكن هناك ثقافة وابداع تزدهران في ظل اوضاع ديمقراطية من شأنها خلق الأنسان المتكامل هارمونياً والمنسجم مع واقعه ومجتمعه؟
منْ يستطيع أنْ ينقل الأنسان العراقي من وضع الى اخر افضل إنْ لم تكنْ هي الثقافة والأبداع عداها سنمسي كالجثث الّتي تفوح منها رائحة العفونة؟
في ظل طاحونة الأرهاب والقتل والمحاصصة الطائفية الّتي تعمل على سلبنا ذاكرتنا، من غير الثقافة والأبداع قادران على انْ يَحْفِظْا ما تبقّى لنا من ذاكرة؟
هذه اسئلة لا يستطيع انْ يجيب عليها مثل هكذا وزير ويداه ملطختان ولا تستطيع حكومة المحاصصة الطائفية هي الأخرى الأرتفاع لمستوى هذه الأسئلة لكي تعطي اجوبة طالما هي مشغولة بحجم وطول وعرض الفتاوي التي وفق مقاسها يتم استيزار هذا الوزير او ذاك وليذهب كل ما عداه الى الجحيم.

الدكتور داود كوركيس