عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - david gorgius

صفحات: [1]
1
بمناسبة تكريم الصديق ميخائيل ممو

حينما قرأتُ في موقع عينكاوة خبر تكريم الصديق الأديب ميخائيل ممو كأفضل مدرّس للغة الأم لعام 2007 من قبل الجهات السويدية، إنتابني شعور الفرح الطافح وقلتُ في نفسي الّتي تحاول دائماً جاهدة سبر اغوار المجهول في شُتات الغربة، قارات وبلدان ومدن وقرى، بأننا قادرون على صنع المستحيل لأنّ لنا في التاريخ السحيق امتداد طويل. ألسنا نحنُ اول من إكتشف الحرف ومن ثمّ الكتابة وقدّمناها هدية للعالم؟ الم يكُنْ كلكامش من صلْبِ تاريخنا وتراثنا، ذاك الّذي سعى الى معرفة الحقيقة والخلود بعد أنْ إكتشف سرّ الموت؟ ألمْ نَكُنْ نحنُ اوّل من صنع الحب والجمال، أُسّ الحياة وسرها، حيثُ قيثارة ديموزي ما أنكَفَأتْ منذ فجر التاريخ وليومنا هذا تصدح الحاناً وولهاً بالحبيبة عشتار الرمز في اروع صورة لهذا الخلق الأنساني الثنائي المتكوّن من هو وهي؟ أليستْ أنانا ورحلتها الأسطورية الى العالم الأسفل عبر البوابات السبع، نزولاً وصعوداً، امتدادنا في هذا التاريخ السحيق والغني ليعكس قدرة ذلك العقل على صنع الأس الفلسفي والمعرفي للحياة، ولو على شكل اسطورة، اذا اخذنا بنظر الأعتبار انّ الأسطورة كانت مغامرة العقل الأولى على حد تعبير فراس السواح.
هلْ استطيع أنْ لا اذكر حمورابي الّذي علمنا اولى مبادئ القانون كون القانون اساس التحضر؟

ومع ذلك ايها الصديق ميخائيل دعني اردد قول الفيلسوف والشاعر الفرنسي بودلير حينما قال "إنّ كأسي صغيرة لكنّي أشربُ منها". نعم أنّ هذا التاريخ الزاخر وتلك الحضارة الرائعة تجعل من كأسنا صغيراً، لكنّه هو الاخر زاخر، زاخر بالجهد والمثابرة، زاخر كونه يجعلنا ننتمي الى ذلك النصف الحي وليس الى النصف الميّتْ.

ليس غريباً إذن انْ يتمْ تكريمك كأفضل معلّم للغة الأم في هذا الجزء من صقيع العالم، فنحن قادرون على بث الدفأ في هذا الصقيع لأننا نستمدُ زيت سراجنا من ذلك التاريخ المنير، فكما فعلناه قبل عصور سحيقة، فنحنُ قادرون على فعله اليوم فقط إذا توفرت الأرادة والرغبة وأنْ نكون احراراً في تفكيرنا وأنْ ننطلقُ في مواقفنا مما يمليه علينا عقلنا وأن نكون علميون وليس ايمانيون وألاّ انتهينا أنْ نكون حضريون وحداثويون وعلمانيون في كل مواقفنا وسوف نكفُّ انْ نكون فراديون ونتحول انذاك الى مجرد رقم في قطيع. يقول الكاتب الروسي نيقولاي غوغول في رائعته "الأنفس الميتة" ما يلي : "إنّ بعض الناس يعيشون في هذا الوجود لا كشخصيات مستقلّة بذاتها بل كالبقع واللطخ على شخصيات الأخرين".

ايها الصديق ميخائيل.. مناسبة تكريمك هذه علينا انْ نتأمل منها ومنك أنْ تكونَ ذلك الأنسان الّذي عرفته دؤوباً ومثابراً، لكي يستطيع أنْ يقدّم شيئاً يختلف عنْ المألوف السائد والّذي هو في غالبه راكداً. وما اطمح اليه منك شخصياً في مجال اللغة هو الآتي:
•   أنْ يصار الى تطوير لغتنا لأنه لا يمكن لأمة انْ تتطور بلغة متاخرة، فكلّما تطورت لغتها تطورت هي الأخرى.
•   أنْ لا نحيا في حضارة لا نشارك في صنعها، فقدْ كنّا يوماً صنّاع اول حضارة اعطتْ للعالم ما أعطتْ.
•   أنْ لا نُسْتَلَبْ ونتغرّبْ كوننا لا نستطيع أنْ نخرج من الطوق المضروب على اللغة المثقلة بالقيود وما اكثرها من لاهوت وطقوس واعراف وتقاليد تعيق تطورها.
•   أنْ نكونَ في سعينا انصار الفكر والعقل لا انصار العاطفة في موقفنا من اللغة.

أنا اعي ما اقول ايها الصديق العزيز.. فليس من المعقول أنْ ندّعي الأنتماء ألى تاريخ وحضارة وثقافة  كانتْ ولا زالت مصدر إلهام لغيرنا في البحث والدراسة والابداع، أما بالنسبة لنا فهي مجرّد إطلال نقف عليها شاكين لها فشلنا ومعلقين على مشاجبها كل اخفاقاتنا وعجزنا. اللغة هي روح هذه الحضارة وذلك التاريخ وتلك الثقافة فماذا عملنا بهذه اللغة اليوم؟. لقد تمّ إثقالها بقيود اللاهوت والتقاليد وأُرهِقتْ لدرجة تمّ نسيانها. إذن نحنُ بحاجة ألى أناس يسبرون اغوار وبطون الكتب ويقلّبون صفحات التاريخ ليزيلوا الغبار الّذي تراكم على اللغة ليعدوا صقلها لتكون كما كانتْ حية، عطرة ومعطاءة تماماً مثلما هبّ يومُ من الأيام علماؤها واساطينها فترجموا علوم الأغريق من طب وفلسفة ومنطق واداب اليها ومن خلالها الى اللغة الشقيقة العربية في اروع حركة للترجمة شاهدتها المنطقة في العصر العباسي.

أنت تتذكر معي ايها الصديق ذلك اللقاء الذي جمعنا مع الشاعر الراحل سركون بولص حينما تحدثنا عنْ الحاجة الى لغة شجاعة وعلمية تستوعب العصر وايقاعه السريع ومتغيراته، لغة تجعلنا داخل التاريخ لا خارجه، نشارك من خلالها في صنعه لا انْ نكون متفرجون على احداثه. وقتها دار مثل هذا الحديث عنْ قدرة وشجاعة لغة شقيقة في انْ تعكس روحية الترجمة من لغة اجنبية وكان ذلك على هامش حوار دار بين الشاعر سركون بولس والشاعر الأميركي آلن غينزبورغ حول ترجمة احدى قصائد الأخير. ما اريد توكيده هنا هو انْ تكون اللغة الّتي نعبّر من خلالها عنْ ذاتنا وهويتنا ووجودنا الأثني والثقافي والتاريخي لغة تبحث في مخاض ونضوج الروح الحية فينا، لغة تتعدد فيها اصواتنا كتعدد اصوات الآلآت الموسيقية في فرقة سمفونية فرغم تعدد الالات وتنوع الاصوات الاّ انها في النهاية تخلق تلك الهارمونية في الوصول الى المنشود من ذلك التنوع. لغة تجعلنا نحس ونشعر باننا جميعاً ودون استثناء قدمنا القربان في سبيل تأكيد الذات الجمعية والفردية، ومن خلالها نجد انفسنا في ذات المركب وآلامنا تكاد تكونً واحدة ويأتينا الرجع من بعيد بأنْ لنا نفس الأوجاع والمسرّات عندما يتعلّق الأمر بالأنتماء.

يقول شكسبير على لسان بطله هاملت: "الآن انا وحدي". هذه اللحظات من الوحدة اعتقدها مطلوبة ممن يتعامل بالكلمة لكي يستطيع انْ يتأمل ويجد من خلال هذا التأمل وجوده تماناً كما كان يقول ديكارت"انا افكر، إذن انا موجود" . شقاؤنا في اننا لا نعطي لأنفسنا متسع من الوقت لكي ننفرد مع ذواتنا لنتأمل ما نشاهده ونراه ونسمعه عندما نكون في زحمة مع الناس، لأنه يالذات هذا الأنفراد سيعطينا المجال والقدرة لكي نحلل كل ما وقع عليه بصرنا وسمعته اذاننا لكي نستطيع ان نقول ما يراد قوله، لا اقول كلّ شئ، لكن ما نؤمن به مقتفين بذلك قول عمانوئيل كانط "إنني لا استطيع انْ اقول كلّ ما شئ، لكنّي لنْ اقول إلاّ ما أؤمنْ به فعلاً".

الدكتور داود كوركيس داود

2
المنبر الحر / قاتل في جلباب وزير!
« في: 09:35 29/06/2007  »
قاتل في جلباب وزير!

ما أنْ أُميط اللثام عن جريمة قتل نجلي رئيس حزب الأمة العراقي وعضو مجلس النواب الأسناذ مثال الآلوسي قبل ايام معدودة – الجريمة بحد ذاتها أُقترفت قبل نحو عامين- حتى تبين إنّ حكومة السيد المالكي ممثلة في بعضٍ  من وزرائها هي حكومة تحترف القتل والأجرام ناهيك انها ضالعة في الفساد حتى أذنيها وهي في الأخير حكومة المحاصصة الطائفية حد النخاع ابى ام شاء القائمون على وصفها بحكومة الوحدة الوطنية والوطنية منها براء.
أنا لا أريدُ أنْ اكون نهلستياً واعمم ذلك على بعض من طاقمها الّذين يريدون أن يعملوا شيئاً، لكنّ الموج العاتي للطائفية وراحة الدم الطرية والعطش لسفك الدماء وهتك الأعراض والأثراء عن طريق الفساد يحيل دون ذلك.
ليس من الصعب الوصول الى الأستنتاج المنطقي في كيفية وصول مثل هكذا وزراء قتلة الى دست الحكم وكرسي الوزارة الفلانية والعلانية، فالأصطفاف الطائفي الديني والقومي وعمليات المحاصصة المقيتة على الأصعدة كلها هي التي حملت في قطارها هولاء المجرمين. فعندما تختفي معايير المواطنة والنزاهة تطفو على السطح ارهاصات الوضع السئ الذي يمرّ به بلدنا وشعبنا، هذه الأرهاصات المتمثلة في التخندق الطائفي الديني والقومي والعشائري، إذْ لا سيرة ذاتية نزيهة ومخلصة لهذا الوزير او ذاك ولا رصيد نضالي وتفاني في خدمة الشعب والوطن ولا مؤهلات علمية او عملية لمثل هذه النكرات سوى امتداداتهم الطائفية والقومية والعشائرية  التي دفعتْ بهم للظهور على واجهة المسرح السياسي والأجتماعي لعراق ما بعد التاسع من نيسان 2003 .

لقدْ أُهينَتْ الثقافة العراقية وأُهينَ من خلالها صانع هذه الثقافة عندما بيعَتْ في سوق النخاسين مؤسستهم الثقافية المسماة بوزارة الثقافة تماماً كما كان يباع العبيد في غابر الأزمان. نعم بيعت وزارة الثقافة ضمن المحاصصة الطائفية السيئة الصيت وجاءوا، بعد تشكيل حكومة الجعفري، برجل من سلك الشرطة وجعلوا منه وزيراً للثقافة وهو لا يمت للثقافة والأبداع بأية صلة لا من قريب ولا من بعيد وربما هو لم يسمع في حياته كلها بكلمة الثقافة وربما لم يقرأ رواية او قصة ولم ير عرضاً مسرحياً ولم يشاهد فيلماً سينمائياً ولم يستمع في حياته كلها لمقطوعة موسيقية شرقية كانت ام من التراث الموسيقي الكلاسيكي الأوروبي ولم يحضر معرضاً تشكيلياً . وبعد مباشرته بعمله في الوزارة عادت مرة اخرى كلمة "سيدي" تتداول في اروقة الوزارة بعد انْ كانت قد اختفت في فترة وزير الثقافة الشيوعي مفيد الجزائري . وعندما ذهب هذا الوزير الشرطي جاءوا باخر، اي الوزير الحالي والأصح الوزير القاتل، وهو اسوأ حالاً من سلفه بكل ما تحمله الكلمة من معنى ليس إلاّ امعاناً في اذلال الثقافة والمثقفين العراقيين، هذا القطاع الذي اسهم في بناء الدولة العراقية بجهده الأبداعي في كل حقول الأبداع كما وساهم فكرياً في اثراء الحياة الأجتماعية مما اعطاها بعدها الحضاري والمدني وعمّق مفهوم المواطنة العراقية ولم يكن المثقف والمبدع العراقي طائفياً في موقفه ولا متعصباً قومياً تجاه شعبه بكل فسيفسائه الأثني الجميل ولم يكنْ ذا عقلية عشائرية تتعصب للحِمى القبلية بل كان ذا عقل متنور وقلب ملئ بحب كل ما هو جميل واصيل في تاريخ وحضارة شعب الرافدين.

لقد تعرّضتْ الثقافة العراقية ومن خلالها صانعيها خلال العقود الأربعة الأخيرة الى كل صنوف الأحتقار والأزدراء والتهميش والأضطهاد التي تعددت اوجهها كان منها التضييق في البدء والمحاربة ومنع الأعمال الأبداعية وصولاً الى السجن والأسقاط السياسي والفكري والأبعاد القسري واسقاط الجنسية والتصفية الجسدية، لكن كل ذلك لم يستطع انْ يثني المثقف العراقي والمبدع العراقي من انْ يضع ضميره، كأنسان وكمبدع، في راحة يديه لينطلق في خلق ما هو اجمل عبر الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية والموسيقية والغنائية والتشكيلية التي سعتْ قبل كل شئ الى موضوع واحد ومشترك وهو الأنسان العراقي، لأنّ المبدع العراقي كان يعي بأن التاريخ الّذي يتناوله في ابداعه يضع في جوهره الأنسان، الّذي هو مادة هذا الأبداع، وامتداد هذا الأنسان هو ذلك التاريخ بعينه. فكيف لهذا الأبداع ولهذا المبدع الذي يتوصل الى مثل هذه الصياغة الجمالية والفكرية انْ تقتله رصاصات الأنظمة الشمولية!.

لقدْ اثبتتْ الجهة الّتي رشحت الوزير اسعد الهاشمي ليكون وزيراً للثقافة والجهة الّتي استوزرته صحة المقولة الّتي تقول "باننا نحيا في حضارة لم نشارك في صنعها منذ اكثر من اثنين وعشرين قرناً". وألاّ كيف نفسر هذا الموقف اللأمسؤول ناهيك عنْ كونه موقف يدل على احتقار الثقافة المثقف وذلك باستيزار مثل هكذا وزير له هذه السيرة الذاتية الأجرامية! هل خلا العراق يا ترى من مبدع او من عالم او كاتب او باحث بامكانه ادارة دفة الثقافة لكي يستطيع انْ يوازن بين المتطلبات الساسية للحكومة وبين حقل الثقافة والأبداع لكي يأتوا بشخص أمّيُ، حتى وإنْ كان يحمل لقب الدكتوراه، وما نفع هذا اللقب اذا كان من يحمله يسخّره للقتل والأجرام! ألا يكفي هذا الأستهتار ايها السادة؟

بودي هنا انْ استعير من ماركس سؤال ينطبق محتواه على اصحابنا الذين يمسكون بدفة الأمور وفي ايديهم رقاب كل العراقيين، يقول السؤال: هل خدم الجهل قضية؟ اجيبوا المثقف والمبدع العراقي إنْ كنتم قادرون على الأجابة لكنني في شك من امري تجاهكم لأنّ لا براهين ولا حجج لديكم، لكنكم في الجانب الأخر "اسطوات" عندما يتعلّق الأمر في اهانة المثقف والمبدع  ومحاربته وها هو المشهد الثقافي والأبداعي في العراق خير شاهد على ذلك.

قولوا لي بربكم لماذا استوزرتم هذا الوزير المسمى اسعد وهو عن السعادة بعيد وهي منه براء كبراءة الذئب من دم يوسف؟ كم كان حجم وطول الفتوى التي رشحته لأن يكون وزيراً؟ هل اطلعتم على سيرته الذاتية وخلفيته العلمية والثقافية؟ هلْ إستشرتم الوسط الثقافي قبل ان تقدموا على عملية الأستيزار؟ اسئلة كثيرة تدور في الذهن ايها السادة ومن حقنا نحن المثقفين انْ نطرحها عليكم لأنّ ذلك يتعلّق بمصيرنا وبشرف كلمتنا الصادقة وفعلنا النظيف لكن يبدو انكم ضريتم مسبقاً بعرض الحائط مثل هكذا اسئلة مشروعة واكتفيتم بالنظر الى يديه بدل سيرته الذاتية وحينما رأيتم انهما كانتا ملطختان بالدم قررتم إنّ ذلك يكفي لتجعلوا منه وزيراً وايما وزير، وزيرُ لأهم واخطر مرفق من مرافق الحياة العراقية.
 وارتباطاً بهذا الأستيزار اسمحوا لي بأن اطرح على الحكومة العراقية ووزيرها الهمام اسئلة اخرى تختصر موقف الثقافة من الأنسان العراقي بوصفه عضواً في مجتمعه: إذْ من اين يكتسب هذا الأنسان معرفته بذاته وكينونته كونه عضواً فاعلاً في مجتمعه إنْ لم يكنْ من خلال المعرفة والفن والأدب والأخلاق والقانون وكل الحقول الثقافية الأخرى؟
كيف سيتسنى لشعبنا انْ يكون في حركة مستمرة من الأتصال بين افراده إنْ لم يكن هناك ثقافة وابداع تزدهران في ظل اوضاع ديمقراطية من شأنها خلق الأنسان المتكامل هارمونياً والمنسجم مع واقعه ومجتمعه؟
منْ يستطيع أنْ ينقل الأنسان العراقي من وضع الى اخر افضل إنْ لم تكنْ هي الثقافة والأبداع عداها سنمسي كالجثث الّتي تفوح منها رائحة العفونة؟
في ظل طاحونة الأرهاب والقتل والمحاصصة الطائفية الّتي تعمل على سلبنا ذاكرتنا، من غير الثقافة والأبداع قادران على انْ يَحْفِظْا ما تبقّى لنا من ذاكرة؟
هذه اسئلة لا يستطيع انْ يجيب عليها مثل هكذا وزير ويداه ملطختان ولا تستطيع حكومة المحاصصة الطائفية هي الأخرى الأرتفاع لمستوى هذه الأسئلة لكي تعطي اجوبة طالما هي مشغولة بحجم وطول وعرض الفتاوي التي وفق مقاسها يتم استيزار هذا الوزير او ذاك وليذهب كل ما عداه الى الجحيم.

الدكتور داود كوركيس

3
"بَلَغَت الدماءُ الثُنَن"

المسيحييون العراقييون يواجهون تحديات صعبة

لم يَعِدْ الصمتُ ممكناً، فالشر في العراق يتفاقمُ يوماً بعد يوم وقد طال هذا الشر البشر والحيوان، الأرض والضرع، طال التاريخ والهوية، طال التراث والثقافة، طال الأثنيات والأديان والمذاهب بشكلٍ يندى له الجبين.

مع تفاقم الشر اصبح كلُ شئٍ مستباحُ في عراق اليوم دون إستثناء، ودرجة الأستباحة هذه آخذةُ بالتصاعد لا سيما إذا كان المعني بالأستباحة فردُ او فئة أثنية او دينية، خاصة تلك الّتي تفتقد كلياً الى الحماية. هذا هو حال الأقليات الدينية الغير المسلمة في عراق اليوم من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين، الّذين يعيشون اليوم احلك الفترات ضمن هذا الفلتان الّذي يعصف بالعراق ولا احدُ يعرف كيف سيصير الأمر فيه!

فكل يوم تتناقلُ الأنباء اخياراً مقلقة عنْ وضع الأقليات الدينية والأثنية، فتارة تشتدُّ على المسيحيين في مختلف مناطق العراق الوسطى والجنوبية وتارة اخرى على الصابئة المندائيين وثالثة على الأيزيديين. وها هي الأنباء الأخيرة الواردة من مناظق مختلفة من العاصمة بغداد تتحدّث عنْ صولات وجولات العصابات الأرهابية من كل لون واتجاه تهددُ المسيحيين في وجودهم وعقيدتهم وحياتهم وعليهم انْ يختاروا بين امور عديدة واحدها امرُّ من الأخر: فأمّا انْ يشهروا إسلامهم ليسلموا وإمّا انْ يدفعوا الجزية كذميين أو انْ يتركوا ارض الأباء والأجداد-العراق- لكي ينجوا بحياتهم.

أليس هذا شراً يريد زرعه أفاقوا التاريخ ومجرميه، شرُ يرادُ به ارجاع العراق الى عصور الظلام والتخلّف؟ أليس شراً انْ تجبر الأخر على ترك دينه ومعتقده الّذي وُلِد عليه وترعرع على طقوسه وتقاليده؟ بالمقابل هلْ يَقَبَلْ هؤلاء الأشرار على أنْ يُرْغِموا على ترك دينهم ومعتقدهم، إنْ كان لهم دينُ ومعتقد؟ أم إنّهم قدْ نَصّبوا مِنْ أنْفُسِهِم الجهة الّتي تمتلك "الحق" الشرّاني في تحديد دين المرء ومتقده.

أليس هذا شراً ما بعده شر في أنْ يُعْتَبَرْ المسيحي ذُمّيُّ لذا عليه أنْ يدفع الجزية إلى هؤلاء البرابرة؟ ومفهوم الذمي هو مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة وهكذا نزولاً في السلّم الأجتماعي كتحقيراً مقصوداً له الغرض منه النيل من مكانته إذْ هو، والحالة هذه، لا يستطيع انْ يتدرّج في السلّم الأجتماعي والوظيفي. هلْ يعقل المرء إعتبار المسيحييون ذميّون ومواطنون غرباء في بلدهم الّذي بنوا حضارته وكتبوا تاريخه وابدعوا ثقافته وحددوا ملامح هويته الوطنية عبر مراحل التاريخ بدءاً من سومر ومروراً باكد واشور وبابل والعصر العباسي الذي انبروا لبناء مؤسساسته الثقافية والعلمية والفكرية وانتهاءاً بالعراق الحديث حيث كانوا ولا زالوا وسيكونون نسغه الأجتماعي والثقافي والروحي والمدني وليس هناك من يستطيع انْ ينكر ذلك إلاّ الشخص العَدَمي  وبدون هذا النسغ سيجف العراق حتماً وهذا ما يريده هؤلاء الأشرار.
مَنْ هو الذمي إذن؟ إنّهم الأشرار الأرهابيون أنفسهم، فهم دخلاء وغرباء على ارض العراق الطيبة وكما يقول المثل الشعبي العراق "همْ نِزلْ وهم يدبّج فوك السطح".

أليس مدعاة للسخرية في أنْ يأتي الأرهاب وفلوله ليضعوا المسيحيين وكل العراقيين الشرفاء امام هذا الأمتحان في ارضهم وتاريخهم وشواهدهم وحضارتهم وثقافتهم من خلال إجبارهم على ترك بلادهم؟ أيّة مفارقة هذه وفي هذا الزمن الردئ، زمن التخلّف، زمن إلغاء الأخر فكراً ووجوداً لمجرّد إنّه مختلف عنه في المعتقد؟!.

إنّه الشر بعينه يسعى الى تطهير العراق من مسيحيي اليوم، الّذين هم الأمتداد التاريخي لشعب الرافدين من سومريين واكديين واشوريين وبابليين لكي يمهدوا الطريق فيما بعد للأنقضاض عليه والقضاء على حضارته وتاريخه تماماً كما فعلوا حينما فجّروا رموز وشواهد الحضارة البوذية في افغانستان وكما يفعلون في العديد من بقاع العالم.

إنّه الشر مرّة اخرى هذا الّذي يعصف بنسيج العراق الأثني والديني، والّذي تشكّل عِبر مراحل تاريخية طويلة قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة. وألاّ ماذا يُمْكِنْ أنْ نسمّي هذا التطاول الوقح على وطنية المسيحيين العراقيين والشك في اخلاصهم وتفانيهم لوطنهم الأم قبل انْ يكون وطناً للأخرين وجعل ذلك ذريعة لشن الحرب عليهم بهذه الشراسة وهذه الخسة والجبن. هل هناك أناس اكثر إخلاصاً منهم لتربة وطنهم الّتي سقوها بدمائهم وعرقهم عِبر آلاف السنين لكي يأتي اليوم هؤلاء الغرباء ليطعنوا فيها محاولين ثلمها من خلال إتهامهم بانّ ولاء المسيحييون هو ليس للعراق وانّما للغرب ولأميركا! يا لسخف ويا لوقاحة مثل هكذا إدعاءات لا تصمد امام التاريخ والحقيقة. المسيحييون العراقيون بكل تلاوينهم الأثنية والمذهبية هم عراقيون اولاً وأخيرأً، في عروقهم تجري دماءاً سومرية، اكدية، اشورية وبابلية والّتي قام على اساسها العراق الحديث. المسيحييون العراقيون شعب شرقي في تكوينه الثقافي والروحي، وشرقيتهم، بمعناهاالثقافي والأجتماعي ضاربة في عمق تفكيرهم وتكوينهم الروحي لذا فهم والغرب من جهة وأميركا من الجهة الأخرى على طرفي نقيض. لكن هذا لا يعني انهم غير منفتحون على الفكر والثقافة والعلوم القادمة من الغرب واميركا، على العكس هم مؤمنون انّ كل ذلك ما هو إلاّ انجاز للفكر الأنساني الّذي هم جزءُ منه وهو بالتالي ملك للأنسانية جمعاء بالضبط كما فعلوا هم يوماً حينما بنوا اول حضارة وانتجوا اول ثقافة واخترعوا الكتابة وقدموها للعالم لأنهم كانوا ولا زالوا يؤمنون بأنّ لا احد يحتكر نتاجات الفكر الأنساني ، فهذا الفكر لا حدود جغرافية او قومية او دينية له. اما من الناحية السياسية فليس للمسيحيين العراقيين ذنبُ فيما آلتْ اليه الأمور في العراق وليس هم من جلبوا الجيوش الأميركية او الغربية اليه، لذا فمن العار انْ توجّه اليهم مثل هكذا تهم باطلة غايتها النيل من وطنيتهم واخلاصهم لتكون ذريعة لتصفيتهم.

المحيّر في الأمر، وامام هذا الشر الّذي يهدد النسيج العراقي كلّه، هو انّ الحكومة العراقية والقوى السياسية والدينية وبالأخص منها الأسلامية، شيعية كانتْ ام سنيّة، لم تفعل ما هو مطلوب منها ان تفعله لحد الآن وهي المسؤولة اخلاقياً ووطنياً ودينياً تجاه جزء مهم من شعبهم يتعرض لخطر الزوال. فقد تمّ إخلاء المدن الجنوبية تقريباً من المسيحيين والصابئة المندائيين حيث تركوا ممتلكاتهم ومنازلهم وفروا هاربين اما الى شمال العراق او تركوا ارض الأباء والأجداد ميمنين وجوهم شطر ارض الله الواسعة متحملين المشقات والمصاعب علهم يصلون الى بقعة ارض في بلاد غير بلادهم تأويهم وتقدم لهم المساعدة بعد ان لم يجدوا الحماية في بلدهم. نعم الحكومة لم تحرّك ساكناً ولم نرى من المرجعيات الدينية الشيعية والسنية استنكاراً لهذا العمل البربري. نعم كانت لمبادرة السيد السيستاني في تحمل المرجعية مسؤولية اعادة اعمار الكنائس الّتي دمرها الأرهاب وقعها الطيب، لكننا نعتقد إنّ ذلك لم يكن كافياً، فما الفائدة من كنائس، كأبنية فقط، دون روادها الّذين يستطيعون انْ يعموها للصلاة واقامة الشعائر بكل حرية؟.

ايها العراقيون، عرباً كنتم أم كرداً ام تركمان، لقد عشتم مع المسيحيين العراقيين مئات من السنين متحابين متأخيين ومتألفين، اريد ان اخاطبكم اقول لكم: هل ستغضون الطرف عنْ هذا الشر؟ هلْ ستديرون ظهوركم عنه؟ هل بامكانكم تصور عراق بدون مسيحييه بكل اطيافهم الأثنية والمذهبية؟ هل انتم مدركون بأنّ خلو العراق قسراً منهم سيحوله الى ارض يباب تنعدم فيها الحياة كما هي معدومة في دول اخرى عصف بها شر الأرهاب.

إذا سكتم عما يجري في العراق بحق المسيحيين، ونرجو انْ لا يحدث ذلك، فانّ لا حياة لكم انتم ايضاً لأنني اعرف، وانا ابن هذا البلد وابن ثقافته الكلية الّتي افتخر بالأنتماء اليها والّتي لا اجد مبرراً لوجودي الحضاري والثقافي والأنساني خارجها، بانّ قسماً كبير منكم، إنْ لم القسم الساحق، لا يريدون العيش في ثكنة طالبانية ارهابية  تعيدكم  الى الماضي قروناً حيث التخلف والجهل وهناك شواهد حية في العديد من مناطق العراق حيث اُقيمت مثل هكذا امارات طالبانية تنعدم فيها الحضارة وحقوق الأنسان فهل هذا ما تصبون اليه؟ اجيبوني إنْ كنتم صادقون مع انفسكم وقناعاتكم وإذا كان جوابكم برفض هذا الشر فعليكم عدم السكوت وإذا حاولتم التبرير سأكون مضطراً للقول بأن مثل هكذا تبرير هو سكوت عن هذا الشرإنْ لم يَكُنْ موافقة ضمنية عليه.

الشر يحيط بنا وهو يحاول ان يلتف حول اعناقنا رويداً رويداً ليخنقنا وليس امامنا سوى الوقوف بوجهه. فامّا انْ نكون شعباً عراقياً واحداً بكل فسيفسائه الأثني العربي والكردي والتركماني والأشوري والصابئي والأيزيدي وبتركيبته الروحية- الدينية الأسلامية والمسيحية والمندائية والأيزيدية واليهودية، إنّه صراع التحضر ضد التخلف فعلينا ان نكون مستعدون له  وألاّ سيكون حالنا كحال من "بالت بينهم الثعالب".


الدكتور داود كوركيس 
   

4
"لكي لا يسير الشعب كلّه في طريقه الى الضياع"

عَلام نقتُلُ بعضنا البعضْ؟
تُرى متى إكْتَشفنا بأننا اعداء للبعض الأخر!
متى امسى هذا الوطن المسمّى "العراق" لا يتسِعنا، لمجرد إنّنا مختلفون في الأنتماء لهذا الدين او ذاك، لتلك الطائفة او هذه، لهذا الأثنوس او ذاك!
متى تولّدَتْ فينا هذه الرغبة في انْ نَنْخَرَ بعضنا البعض لمجرد الأختلاف في الأنتماء!
ألمْ نَعِشْ في هذا الوطن عُقودٍ طويلة رغم كل ذاك وهذا الأختلاف!
ما الّذي حَدَثْ؟
هلْ تغَيّرنا في ليلةٍ وضُحاها؟
أمِنْ المعقولِ أنْ نوغِلَ عميقاً في هذا الأجرام الّذي نعيشه كلّ لحظةٍ ونمضي به قُدُماً حدَّ انْ نَفْني بعضنا البعض!
أَيُعْقَلْ إنّ الحياة بهذا الرخص وليس لها ايّةِ قيمة في قواميسِنا!
أيّةِ نوازع لا إنسانية إسْتيقَضتْ في بعضٍ منا، وما هي يا ترى هذه النوازع؟
اينَ كانتْ إذنْ مخفية مثلَ تلك النوازع؟
ولماذا؟
هذا السؤال المُلِحُ بات يؤرّقُنا مع مرور الأيام :
لماذا نَقْدِمْ على قتل الواحد الأخر؟
لماذا يُحَلِلْ واحِدُنا دَمَ الأخر؟
لماذا يكَفّر واحدنا الأخر؟
ألأننا مختلِفون في طريقة التفكير وفي اسلوب الحياة؟
لكنْ يا سادتي هذا ليس بالجديد، وقد مارسناه وعشناه سوية ولعقود طويلة!
أم لأنّ هذا شيعي وذاك سنّي، هذا مسيحي والأخر مسلم، هذا عربي وذاك كردي، هذا أشوري وذاك مندائي او ايزيدي او يهودي...الخ!
وهذا ايضاً ليس بالجديد على شعب العراق، إنّه تاريخنا المشترك بهذه الفسيفساء منذ القِدم.
   * * *

إنّ النفس البشرية خُلِقَتْ لكي تَعيش أيها الطائفيون والظلاميون.
وليس من حق أية قوةٍ او كائن من كان أنْ يَسلَبَ النفس البشرية حقها الطبيعي والشرعي في الحياة.
الحياة هي الغاية الأسمى للأنسان في هذا الوجود وليس هناك اي  شئ اخر يسمو عليها.
أمّا الأختلاف بين شخص واخر في طريقة التفكير والطبائع والسلوك، فهي وسائل يسعى من خلالها الأنسان لأنْ يعيشَ حياته كما يريد.فلا تأتونا بأحكامكم المنحدّرة من كهوف وعصور الظلام "لِتَخْلَقوا" لنا وسائل بديلة لا يقبلها العقل ولا الضمير ناهيك عنْ العصر.
فكِّروا قليلاً إنْ كنتم قادرون على ذلك : إن التاريخ لا يرجع إلى الوراء وليس بامكانكم ايقاف زحفه، فكل شئ سائر الى التغيير، وقيل قديماً إنّ المرء لا يسبح مرتين في مياه النهر.
نعم كل شئ، دون استثناء، سائر الى التغيير. حتى انتم، اذا لم تتغيروا فسوف يلفظكم التاريخ.
اسمعوا ما يقوله احد شعرائنا:
آياتٍ
نَسَخَتْ
آياتْ
وتريدُ لِرأسِكَ أنْ يبقى
جلموداً
لا يتغيّر والسنوات
..........
يا هذا الفان
وَلْتَنْظر
كيف تحاور ربُّكَ والشيطان
أكَثيرُ انْ تَتعلّم
كيفَ تُحاوِرُ أنسان
                                                                         * * * 
تُرى ماذا يستطيع أنْ يَنْتُجْ هذا الفكر الطائفي الظلامي المتصحّر؟
لا شئ سوى الجدبْ كجدبِ الأرض المتصحّرة الّتي لا ينبُتُ فيها اي شئ.
فحينما يتصحّرُ الفكر تتصحّر النفس الحاملة لهذا الفكر.
وعندما تتصحّر هذه النفس تَفْقٍدُ إحساسها وعاطفتها
وعندما تفقد إحساسها وعاطفتها تتحوّل إلى رمال وصخور واشواك لا اكثر.
فالرمال تزحف تدريجياً لِتَقتل كل ما هو اخضر يرمز للحياة محاولاً الأتساع.
والصخور هي الأخرى لا ينبتُ عليها اي شئ يدلُّ على الحياة.
(...فتحت الصخر كلسُ... تحت الكلس جذور العقل الظلامي) على حد تعبير مصطفى جحا!
اما الأشواك فانّها توخز الأنسان حد النزيف تماماً كما يفعل الظلاميون والطائفيون.

* * *

مَنْ إتَمَنَكُمْ على رِقابِنا وضمَائرنا وأُمهاتنا وَلَدَتنا أحراراً؟
مّنْ خوّلَكُمْ في انْ تَفرِضوا علينا ما تؤمنون وتفكرون به؟
منْ اعطاكم الحق في انْ تقتلونا لمجرّدَ إننا نختلف معكم في الرؤية ونرفض منطق قتل الحياة، فالحياة ايها الظلاميون حق مشروع لكل بني البشر؟
ايّة شرائع تلك الّتي تسعوَن من اجلها بقوة السلاح ومنطق التكفير كي تسلبونا حريتنا وحقنا في انْ نَخْتَلِفَ مع الأخر؟
اي منطق هذا الّذي يبيح قتل منْ لا تتفقون معه؟

* * *
إلبسوا ما شِئتم من العمامات
بيضاء كانتْ أم سوداء او خضراء
قَصّروا، إنْ شِئتُمُ، سراويلكم حتى تصل الرِكبة
وأطلِقوا لحاكم مع الشارب او بدونه كما تشاؤون
لكنْ لا تفرِضوا الحجاب على النساء عنوةً
وليس مِنْ حَقِكمْ انْ تفرِضوا على الرجال إطالة اللحى
ولبس السراويل الطالبانية
فوالله ما اقبح شكل هذه اللحى المنفوشة
وتلك السراويل الغريبة في شكلها.

* * *

كل سور القرآن، عدا واحدة منها، تُفْتَتَحْ بالقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم"
فلماذا لا يكون  "الله" رحيماً في تفسيركم الأرهابي!
لماذا تحولون هذا الله، الّذي هو المحبة والجمال والسعادة والخير، ألى شئ اخر؟
تحولونه إلى اجتهاد للتكفير والتخوين والقتل.
لماذا لا تلتزمون بكتاب الله، الّذي تتهافتون ليل نهار بجعله منار "هُداكم" لكنكم في الواقع تحرقون هذا الكتاب بافعالكم الشنيعة؟
لماذا هذا الله في البلدان الّتي تنعتونها ببلاد الكفر يتجلّى في المحبة والسعادة والخير والتسامح وقبول الأخر، بينما هو عندكم يتجلّى في انكار الأخر حد نحره لآنه مختلف عنكم؟
الله عندكم يتجلّى في التكفير وليس التفكير.
يتجلّى في إعدام الأخر حياته.
يتجلّى في الشر وكره الحياة وتحريم السعادة
وحتى تحريم لعبة كرة القدم!
لِنَعِدْ قليلاً إلى القرآن وماذا يقول الله فيه؟
إنّه يقول:
"وانّا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا فيما بينكم"
نعم انه يقول: لتعارفوا ولم يقل لتتقاتلوا وتفنوا بعضكم البعض.
فلماذا لا تتلزمون بما تروجون له دجلاً ليلاً ونهاراً؟


* * *
يقول كتاب الله" أنْ لا إكراه في الدين"
لكنكم بافعالكم تديرون ظهوركم عنْ هذا القول؟
إذْ ماذا يمكن أنْ نسمّي قتل أصحاب الديانات الأخرى؟
إنّكم تزعمون بانّ المسحيين واليهود والصابئة المندائيين والأيزيديين كفرة يجبُ قتلهم أو ارغامهم على إلدخول في الأسلام.
ترى! أليسوا اصحاب رسالات سماوية مثل ما هو الأسلام ويؤمنون بنفس الأله الّذي تؤمنون به؟
ألمْ يوصي كتابكم المقدس "القرآن" باحترام اصحاب الرسالات السماوية؟
لماذا تديرون ظهوركم عنْ ذلك؟
ثمّ اليس غريباً كلّ الغرابة في أنْ تعترفوا بأنبيائهم وكتبهم لكنّكم من الناحية الأخرى تعتبروا اتباعهم كفرة تجبُ محاربتهم إلى أنْ يعلنوا التوبة ويدخلوا الأسلام او يلاقوا مصيرهم وهو القتل!
أينَ إذنْ القول بأنْ "لا إكراه في الدين"؟
هل هو قول لم يعِدْ له أثرُ في هذا الزمن الفاجر زمن الأرهاب الطائفي الديني المقيت، زمن إلغاء الأخر فكراً وحياة ووجوداً؟
* * *

بالأمس القريب إختطفتم كاهناً مسيحياَ
في البداية ساومتم اهلهُ على سعر للأفراج عنه بالدولارات!
نعم بالدولارات وليس بالدينار او الريال او الدرهم
او التومان! يا للعجب!
لكنكم مع ذلك نَحَرْتُم هذا الكاهن المسالم
الذي لم يجلب الأذى لأيّ انسان
بل كان يصلّي لربه كي بنقذ العراق، وطنه، من محنته!
إقترفتم جريمتكم بنحر الكاهن واعلنتم بأن عملية النحر تمّت في برميل
وعلّلتم فعلتكم الشنيعة هذه لكي لا يدنّس دمه "النجس" ارض الأسلام!
لذا اسئلكم يا مَنْ نسلكم ينحدر من نسل الذئاب وليس البشر!
من انتم؟
وماذا تريدون؟
انا لا افهم، كما غيري، حِقدكم الدفين هذا على بني البشر!
ألأنّ هذا الكاهن كان "ازرق العينين" لذلك وجهتم نٍصالكم المسمومة الى روحه الطاهرة وازهقتموها.
لم يكُنْ هذا الكاهن ومثله المئات من الكهنة المسيحيين في العراق اميركياً او بريطانياً
او فرنسياً او إيطالياً او...أو..او...
بل كان عراقياً ومن أرومة العراق اباً عن جد.
جذوره تمتد عميقاً في سومر واكد واشور وبابل.
لعمري انكم قوم ينطبق عليكم المثل القائل:
"أمُ سَقتك الغيل من غير حَبَل"
لأنّكم تدينون الأخر من دون ذنب وتقصونه حد حرمانه الحياة.
لكن يبقى السؤال قائماً!
من انتم؟ ومن اين جئتم؟
اي ارض لفظتكم لقطاء في غفلة من التاريخ؟
نعم لقطاء
لا اصل ولا هوية ولا تاريخ لكم!
وهذا الّذي يجعلكم تتمادون في ممارسة كل هذا الأجرام
 من خطفٍ وقتلٍ ونحر رؤوس
علّكم من خلاله تستطيعون كتابة "تاريخكم" .
لكن هيهات
فمثل هكذا صفحات سوداء سوف لن تدخل تاريج البشرية مطلقاً!


دعوني باسم منتسبي هذه الأديان أنْ أطمئنَكم يا رهط الأرهاب الطائفي الديني وأقول:
بأنّ اصحاب هذه الديانات لهم عراقة عميقة في تاريخ هذا البلد فهم من اسسوا حضارته وهم الّذين ارسوا معالمه العلمية والفكرية والثقافية والروحية والجمالية قبل أنْ يمارس التاريخ غَلطته ويخلقكم طفيليون على هذه الأرض المقدسة الّتي تريدون حرمانها من نسغها الّذي غذاها طوال هذا التاريخ الممتد على مدى سبعة آلاف سنة.
هم ليسوا بوافدين اليه ابداً، وهم لا يشعرون بخجل كونهم مواطنوا هذا البلد ولم يُثلمْ تاريخهم وشرفهم فيه وهم الوجه الحضاري والجميل لهذا البلد. إنهم جميلون مهما حاولتم تشويه ذلك وإلصاق كل وساخاتكم بهم ، وعليهم بالذات ينطبق
قول الشاعر السمؤأل:
"إذا المرء لَمْ يُدْنَس من اللوم عرضه     فكلّ رداء يرتديه جميلُ".


* * *


لقد نصبّتم من انفُسِكم آلهة على رِقابنا.
وجعلتم من السماء المصدر الّذي تتلقون منه الأحكام والفتاوي الظلامية.
وأخَذتم، وعلى ضوء ذلك، تَعْبَثونَ بمصائرنا كأننا ذباب وليس بشر.
لقد صدق شكسبير وعلى لسان بطله الملك لير حينما صرخ قائلاً:
"مثلما الذباب للصبية العابثين كذلك نحن للآلهة.
انّهم يقتلوننا في لهوهم ".

* * *

كلا، لا يحق لكم الأدعاء بأنّ السماء توحي لكم
وانها ارسلتكم لكي "تطهروا" الأرض من "شرورنا" نحن ابناء الأرض!
فالسماء بريئة من إدعائكم
السماء هي رئتنا الّتي من خلالها نستنشق هواء حياتنا النقي
وما انتم إلاّ مخلوقات تحاول تسميم هذا الهواء النقي لأنكم اعداء الحياة.
"إنّ الحياة نبع فرح فياض، لكنّ حينما يكرع السفلة والغوغاء تتسمّم كل الأبار" على حد تعبير نيتشة.

* * *

إنّنا بحاجة يا قوم إلى التعقل، إذا كان هناك متسع للوقت والمكان،
 لكي يُمكننا التوقف امام هذه الحالة المأسوية التي اوصلتنا اليها كل السياسات السابقة واللاحقة.
حيث لم تَعِدْ كرامة لم تُهان ولا حياء لم يُمَسْ من قبل كل الطغاة والسفلة.
ألا يجدرُ بنا أنْ نعمل على أنْ لا يسير "الشعب كله في طريقه الى الضياع"؟

الدكتور داود كوركيس[/b][/size][/font]

5
أيّة شمعة انطفأت في مسرحنا العراقي


ما اصعب الكتابة عنْ إناس كانوا بالأمس بيننا واليوم غيبهم التاريخ!
ما اصعب أنْ تفارق إنسان عرِفته استاذاً وصديقاً وزميل مهنة!
ما صعب في هذه الحياة انْ نفارق انساناً ومبدعاً في آن واحد!
الكلمات تأبى الخروج من اليراع لتؤكد هذا المصاب الجلل!
الأفكار هي الأخرى تأبى التركيز، بل تراها مشتتة هائمة من حول الخبر- الصدمة!

مات عوني كرومي... يا لهذا الخبر الصاعق! الّذي للوهلة الأولى تأبى الأسماع عن تصديقه
تحاول توسيع حدقة العين مركّزاً اياها على الخبر، تهرب منك الكلمات في كل الجهات
احقيقة هذا الحدث الفاجع الّذي تناقلته وسائل الأعلام ام أنّه....!

نعم فارق الحياة، وبصمت، الفنان المبدع والأنسان الوديع ووسيط الثقافات وصديق الجميع عوني كرومي
خذله قلبه الّذي كان كبيراً "كبر الغابة" يتسع هذا العالم ويتسع كل معارفه واصدقائه وجمهوره ومسرحه، لكن هذا القلب ابى إلاّ ان يكون ضعيفاً تجاه حامله، المبدع عوني كرومي!

غادرنا عوني كرومي بصمت بعيداً عن وطنه، بعيداً عن مسرحه وجمهوره، تماماً كما غادرنا قبله مسرحيون كبار كجاسم العبودي ذو النظرة الثاقبة وجعفر علي الأنسان الرقيق وابراهيم جلال محبوب الجميع وبهنام ميخائيل القديس وزينب درة المسرح العراقي وجعفر السعدي اب الجميع دون منازع كل هؤلاء العمالقة سبقوك يا عوني الى عالم الخلود بابداعهم الذي يعيش بيننا.. !
يا لهذا الزمن العسير الّذي لم يمنحنا الفرصة لنلقي نظرة الوداع لأساتذتنا ومبدعينا بالقدر الّذي يليق يهم كما تفعل الأمم المتحضرة. يا لقساوة هذا الزمن الّذي أرغم المبدع لأنْ ينزوي في زاوية النسيان سواء في بلده او تلقفته منافي الغربة بقساوتها حيث هناك يعاني المرض والغربة والموت كما في حالة فناننا المبدع عوني كرومي.

اول معرفتي بالفنان الدكتور عوني كرومي تعود الى اكثر بقليل من ثلاثين عاماً، وبالتحديد عام 1975، وقتها كنت طالباً في السنة الأخيرة من قسم الفنون المسرحية، فرع الأخراج المسرحي  في اكاديمية الفنون الجميلة وكان المرحوم قد قَدِم تواً الى العراق من المانيا الديمقراطية حيث كان يدرس الدكتوراه وكان بمعيته استاذه المشرف البروفيسور يواكيم فيباخ ليدافع عن المرحلة الأولى من اطروحة الدكتوراه في بغداد وليقدم بحثاً نظرياً عن اقدمية المسرح في بلاد الرافدين على المسرح الأغريقي. وما اسعدني اكثر أنه حضر والبروفيسور يواكيم فيباخ اضافة الى استاذي المشرف ابراهيم جلال العرض الثاني للعمل المسرحي الّذي قدمته كأطروحة التخرّج وكانت مسرحية "عدو الشعب" للكاتب النرويجي هنريك إبسن. ولن انسى تلك الملاحظات القيمة الّتي ابداها لي الراحل عوني كرومي لا سيما وانا اضع الخطوات الأولى في عالم الأخراج المسرحي.

المرة الأخرى الّتي التقيت بالراحل كانتْ على ما اتذكر عام 1995 في مدينة غوتنبورغ السويدية حيث اقيم، إذْ استضفناه مع الفنانة انعام البطاط والفنانة المبدعة نماء الورد لكي يعرض مسرحيته الجميلة والشاعرية "ترنيمة الكرسي الهزاز".
اتذكر جيداً عندما استقبلته في محطة القطار وهو يهم الخروج من مقطورته مطلقاً تلك الأبتسامة العريضة مرسلاً في الفضاء كلماته الّتي لا زالت ترّن في مسمعي "ها اننا نلتقي ثانية بعد فراق طويل يا كوركيس" إذْ إعتاد ان يناديني مقدماً اسم الأب على اسمي الأولي. وكان لنا حديث طويل وشيق في المسرح والغربة والحياة خلال فترة اقامته القصيرة في مدينتنا، ارجعنا ذلك الحديث عقدين من الزمن، ارجعنا الى ذكريات الأكاديمية ومسرح الستين كرسي.. الى اساتذة المسرح العراقي سواء الّذين رحلوا دون انْ يتذكرهم او يكرمهم الوسط الفني والثقافي، او اؤلئك الّذين يعملون في ظروف صعبة ولم نكن نعرف حينها ان الّذين سنفارقهم هم اثنان من  مبدعي المسرح العراقي، زينب الّتي رحلت عام 1998 وهو الّذي رحل بالأمس!
حدثني في هذا اللقاء عن ورشته المسرحية في برلين وتجربته في تعميمها في بلدان الشتات، حيث يتوزع العديد من المسرحيين العراقيين.. يا لهذه الطاقة الّتي لا تكلّ عن العمل رغم الصعاب وطول المسافات. كان يريد انْ يتواصل، عبر هذه الورشة، مع زملاؤه واصدقائه المسرحيون، لذا كان دائب الأتصال بهم في فيينا واوسلو في غوتبوبرغ وستوكهولم في مالمو وكوبنهاغن..
اي قلب نابض بحب المسرح هذا الّذي يركض دائماً ليتواصل مع المسرحيين مختزلاً الزمن والمسافات!

اخر مرة تحادثنا مع بعضنا كان قبل عدة سنوات دعاني فيهل لحضور احدى اعماله الّتي قدمها في برلين، لكنّي للأسف لم استطع تلبية هذه الدعوة إذْ كان لضيق القت دوراً في ذلك.
كان عوني كرومي الوديع في مظهره، كتلة من الطاقة لا تكل عنْ العمل!
كان مبدعاً على خشبة المسرح مخرجاً وممثلاً
كان مفكراً لامعاً في حقل المسرح تحليلاً ومعالجة
كان عوني انساناً رائعاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى
كم كنت اتمنى ان لا اكتب عنه بصيغة ال "كان" لكن هذه هي الحياة
وداعاً ايها الأنسان الجميل
وداعاً ايها المبدع الرقيق
انك تفارقنا جسدياً لكن ثق ستبقى معنا في ابداعك ابدأً

الدكتور داود كوركيس داود
  [/b]

صفحات: [1]