عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - وردااسحاق

صفحات: [1] 2
1

المحبة الحقيقية هي لله أولاً
بقلم / وردا إسحاق قلّو
الوصية الأولى هي ( وتحب الرب إلهك بكل قلبك ، وكل نفسكَ ، وكل ذهنك ، وكل قوتك )
   الله هو خالق كل ما يرى وما لايرى ، وكل شىء في الكون تكون بأمر منه . فعلى الإنسان أن لا يفضل المخلوقات على الخالق ، أو يصنع له إلهاً ويعبده من دون الله ، لهذا قطع الله عهداً مع شعبه ونهاههم من صنع وعبادة آلهة أخرى ( خر 20: 4-5 ) ، لذلك  قال ( لأن الرب إلهكم هو نار آكلة ، وإله غيور ) " تث 24:4" .
        المحبة الصادقة يجب أن لا تكون لأجل المصلحة الذاتية ، كالذي يفضل القريب على الغريب ، إنما ينبغي أن يحب الجميع كمحبته لنفسه وبحسب قول الرب ( أحب قريبك كنفسك ) وهذه هي الوصية الثانية . أما الوصية الأولى فتخص بمحبة الإنسان لله أولاً قبل محبته لنفسه ولقريبه لأن الله هو مصدر المحبة ( الله محبة ) وهذه هي الوصية الأولى التي علنا أياها الرب يسوع بقوله ( تحب الرب إلهك بكل قلبك ، وكل نفسك ، وكل ذهنك ، وكل قوتك ) " مر 30:12 " محبتنا لبعضنا تبدأ من محبة الأبوين ، والأولاد والأخوة وهذه المحبة نفرضها على محبة الأقرباء والغرباء وبحسب ترتيب القرابة . وهذه المحبة تتضمن مشاعر وعواطف ومصالح . إذاً ليست هي المحبة التي يطلبها الله منا ، فالمحبة الصادقة حددها الرسول بولس في إنشودة المحبة ، فقال ( المحبة لا تتصرف بغير لياقة ، ولا تسعى إلى مصلحتها الخاصة .. ) " 1 قور 5:13 " .
     المحبة الحقيقية هي لله أولاً لهذا طلب منا يسوع أن نحبه فوق كل شىء ، وأكثر من محبتنا لأنفسنا ، ولكل أقربائنا ، لهذا قال ( من أحب أباُ أو أماً أكثر مني فلا يستحقني ، ومن أحب أبناً أو أبنة أكثر مني فلا يستحقني ) " مت 37:10 " . فمن أحب أهله ومحبيه أكثر من الله فأنه يتعاطى مع الموضوع بما لا يرضي الله ، والله غيور لا يرضى بأن نحب مخلوقاته أكثر منه . وحتى وإن كان الأبن الوحيد ، فمحبة أبينا أبراهيم لألهه كانت أقوى بكثير من محبته لأبنه إسحق ، فعندما طلب منه الله أن يقدم له إبن الوعد ذبيحة ، فلم يتزعزع إيمانه بل بادر في تنفيذ الطلب ، لأن محبته لله كان فوق كل شىء .
  وكما وضع الله محبتنا له ضمن شروط ووصايا ، فقال ( من يحبني ، يسمع كلامي ) " يو 24:14 " أو ينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني . وهكذا بحسب الوصايا نحب الله محبةً حقيقية .
لهذا نرفع لله صلوات قلبية ونصوم ونصدق من أموالنا ونصفح لمن أذنب إلينا ، ونلتزم بالوصايا ، ونتحمل أثقال الظلم من أجل أن نجعل الله فوق كل شىء لأنه محبة ، والمحبة يجب أن نعيشها بنقاوة لكي ننال الخلاص ، لهذا قيل ( بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السموات ) " أع 22:14 " .
   المطلوب من إنسان أن يتخطى أنانيته ن فلا يفرض مصالحه الدنيوية على الله . فالذي يقول لا أستطيع أن أحضر ساعة واحدة للقداس الإلهي في الأسبوع بسبب عملي ، فعملع صار صنماً له ، وفضل مصلحته الشخصية على الله الذي أرسل إبنه الوحيد لكي يموت من أجل خلاصه . وهناك من يعتذر من الصوم المفروض لأنه لا يتحمله ، أو لا يصلي من أجل متابعة لعبة أو لأجل النوم أو لزيارة الصديق . هؤلاء يفضلون راحتهم على محبة الله الذي يريدنا أن نصلي في كل حين . أما الذي يصلي فعليه أن ينسى العالم لكي يبقى مع الله فقط وكأنه في حضرته ، ويدرك ما يقوله لله وذلك بتركيزه بالعقل والتفكير والإحساس لكي تكون صلاته مقبولة . والمؤمن الحقيقي عندما يصلي إلى الله لا يشعر بالتعب بل بالراحة ، وتلك الراحة تأتي له من فوق ، تنبعث من روح الله السامع لصلاته القلبية . والصلاة هي الصلة بين الإنسان والله . وإذا كان ذهن المُصلّي معتماً بسبب جسده المرهق من العمل اليومي الشاق ، فذهنه سيسضيء بنور الله . فمتى خلد الإنسان للراحة والنوم بعد الصلاة فسيشعر بحضور الله المحب في حياته وبصحته فينسى أتعاب النهار .
     أخيراً نقول : الإنسان مدعو إلى أن يتخطى نفسه لكي يفضل الله على راحته ، ليعيش في راحة الضمير ، وفي سلام الله الذي فضّلَهُ على نفسه ، والله يعطيه الراحة النفسية وإن لم يبدد تعب الجسد ، إنه ينفخ من روحه القدوس في الإنسان ، وهكذا نتعلم لكي نضع محبة الله دائماً على محبتنا لأنفسنا ، وإن نتمم الوصايا بمحبتنا لإلهنا فوق كل شىء ، ومحبتنا للقريب كمحبتنا لأنفسنا ، وهكذا سنثبت في الله والله فينا . ليمجد أسم الله القدير . 
 التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1"



 


2
المنبر الحر / حرب الأيقونات
« في: 17:55 24/09/2022  »

حرب الأيقونات
بقلم / وردا إسحاق قلّو

 الله حِوّلَ أرضنا الخربة إلى أيقونة جميلة تحَدّث لنا عن مجده وقدرته السرمدية ، والإنسان الذي خلقه على صورته كمثاله وجعله مسكناً لروحه القدوس فبإستطاعة أيضاً أن يترجم ويصور الأحداث والأشياء المنظورة واللامنظورة في أيقونات تشع منها روح الجمال الإلهي . فما هي الأيقونة ، وما هي أهميتها في الإيمان المسيحي ؟ 
أولاً نبحث عن معنى الأيقونة والغاية منها . الأيقونة فن من الفنون المقدسة ، يُعَبّر فيها الفنان بالخطوط والألوان بعد تأمله العميق بموضوع الأيقونة مستخدماً إلهامه الإيماني لكي يلتمس قوة روحية تجمع أفكاره وطاقاته الفنية لكي تخرج الأيقونة من مرسمه حاملة فناً تصويرياً متقناً وجميلاً تُعبرعن الهدف الذي رسمت من أجله ، فالوجه الذي يرسم في الأيقونة ، ليس فيه لحم ترابي ، بل هو وجه متجل يحمل سمات الأبدية . وجه مروحَن ، أي تحول إلى أثير وشفافية كأنه حامل الألوهية نافضاً عنه كل بقايا اللحم والدم ، وداخلاًفي المجد السرمدي . لذلك وضعت الكنيسة أسساً واضحة لأصول هذا الفن ومبادئه.
   كل الفنون الصوفية هي أعمال فنية تعبّر عن أهداف مقدسة يحدد من خلالها الجانب اللاهوتي بالرسم أو النحت أو الفسيفساء . فبالرسم يتمم الفنان بمقدرته التصويرية ما مكتوب في الكتب المقدسة ، أو يخدم الكلمة بإسلوب آخر . فرسم الأيقونة هو شهادة ذات أهمية كبرى يعود تاريخها إلى بداية المسيحية . فأقدم وثيقة تاريخية تثبت أن البشير لوقا هو أول من رسم العذراء مريم وهي لا تزال بعد على الأرض وقد باركتها والدة الإله نفسها تثبيتاَ لقولها ( ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال ، لأن القدير صنع بي عظائم ) " لو 48:1 " . نقلت تلك الأيقونة من أورشليم إلى القسطنطينية .
    إنتشرت المسيحية في مختلف أنحاء الأمبراطورية الرومانية ، وسرعان ما رافق إنتشارها إضطهادات قاسية فتوارى الرسم لتظهر رموز بشكل رسوم ونقوش على بعض الأواني والجدران وعلى القبور . من أشهر تلك الرموز السمكة التي تكون حروفها الخمسة اليونانية الحروف الأولى من كلمة يسوع المسيح . وأستمر الإضطهاد إلى أن إنتصرت الدولة مع قسطنطين الكبير في أوائل القرن الرابع ، حينئذ إزدهر الفن وشيدت الكنائس وزينت جدرانها بالنقوش والفسيفساء وكأنها مطلية بصفحات الكتاب المقدس بعهديه ، أي كتاب مصور .
   بدأ الرهبان يرسمون الأيقونات ، وبقيت الحالة في الإزدهار الفني الجميل ، ولكن رافقه مشاكل عقائدية . برز أباطرة معادين للفن فساهموا في محاربة الأيقونات داخل الكنائس ، فتسرب النزاع إلى صميمها بين مدافع ومعاد . قامت حرب ضد الأيقونات في القرن الثامن الميلادي من سنة 726 في أيام الإمبراطور ليو الثالث فظهر مرسوم رسمي بموقف صريح ضد الرسم الكنسي ، فرمى بذور حرب دامية عصفت بالكنيسة ، وإضطهد القديسون المدافعون عن الإيمان القويم ، كان آنذاك يوحنا الدمشقي وزيراً في بلاط الخليفة في بلاد الشام ، فما أن أطلَّعَ على المرسوم ختى إعترض بقوة على هذا القرار الظالم مُعَبّراً عن رأيه بجهارة وجرأة ومدافعاً عن الأيقونة بكل جوارحه مما أثار غضب الإمبراطور وغيظهِ فوجد طريقة لكي ينتقم منه . فوشي بهِ عند الخليفة وأرسل موفداً من قبلهِ لكي يقنعهُ بخيانة يوحنا في البلاط . فغضب الخليفة جداً وأراد أن يعطي يوحنا درساً قاسياً جزاء خيانته ، فأمر بقطع يد يوحنا اليمنى عند المعصم تعبيراً عن إستيائهِ ! لكن قصاصه لم يحل المشكلة ، بل عزم يوحنا على الصلاة فأمضى ليلته أمام أيقونة مريم متوسلاً بالدموع والتضرع إلى أن حصلت المعجزة عند الصباح وإلتصقت اليد بالزند وشُفيَّت . إعتزل يوحنا الإدارة وقرر الدخول إلى رهبنة دير القديس سابا في الأراضي المقدسة . واللافت إنه بعد هذه الحادثة ظهر نموذج جديد لأيقونة السيدة يحمل يداً ثالثة مضاف إلى يدي العذراء وسميت تلك الأيقونة ( ذات الأيدي الثلاث ) تحمل ذكرى المعجزة .
  إستمرت حرب الأيقونات لمدة مئة سنة تقريباً أحرقت بفعلها أجمل اللوحات وضاع خلال ثورة تحطيم الأيقونات بين القرنين السابع والثامن . تكون لاهوت الصورة من قبل مفكرين كبار كنيفوروس ويوحنا الدمشقي وثيودورس السطوديتي على أساس واقعية التجسد والإتفاق والمطابقة بين الصورة والمصور بها ، وكان للوغس بتواضعه حضوراً سرياً حقيقياً في الأيقونة . وضع جرماتيس القسطنطيني عام ( 733 ) تفسيراً في الطقس ، وهو التفسير الطقسي الأول طبق فيه التدبير الخلاصي ، بالخصوص مراحل حياة المسيح التاريخية على الرتب الطقسية كأنها تمثلها مرة ثانية ، وقدم الصورة والكلمة كوسيطتي للخلاص .
   في مجمع القسطنطينية المنعقد سنة 842 برز موقف الكنيسة الصريح وعقيدتها القويمة ، بالنسبة إلى الرسوم الكنسية وشرعية تكريمها . إلتأم المجمع السابع هذا ليضع حداً للعلصفة الهوجاء التي هبت على العالم البيزنطي في تلك الفترة وكان تعبيراً عن عراك سياسي ذي طابع ديني أدى في أغلب الأحيان إلى معارك دموية . كانت تلك الهرطقة تهدف إلى محاربة الأيقونات وإبادتها مستترة خلف حجاب الغيرة على الكنيسة مدعية أن تكريم الأيقونة له طابع وثني ، وإنه يطعن بعقيدة الطبيعتين في شخص المسيح ، أما في الواقع فكانت تنوي مهاجمة الكنيسة وزعزعتها من أسسها ، أي لا لمهاجمة الأيقونة بحد ذاتها فحسب . كتب يوحنا الدمشقي إلى الأمبراطورليون الثالث ، وقال ( إنك لا تحارب الأيقونات ، بل تحارب القديسين أنفسهم ) لذلك كان ينقد من أراد تحطيم الصور المقدسة مشدداًمن أن كل من ينكر تجسد المسيح وسر الفداء ، وإن كل من لا يكرم صورة المسيح ووالدته وقديسيه يعتبر عدواً لله وعميلاً لأبليس وشياطينه . أشتدت الأزمة في عهد الأمبراطور قسطنطين الخامس الذي حرم على الشعب تكريم العذراء القديسين ، فطافت في القسطنطينية جماهير بقيادة الأمبراطورة ثيودورا نفسها في آذار (843) مسبحين الضابط الكل ومرنمين أناشيد الشكر . ومن مقتطفات التقارير التي دونها المجمع المقدس ، ما يلي :
( يجب أن توضع الصور المقدسة في الكنيسة .. وفي البيوت ، وعلى الطرقات .. سواء كانت لمخلصنا وفادينا يسوع المسيح ، أو لسيدتنا الفائقة الطهلرة أم الإله ز أو للملائكة القديسيسن أو للقديسين الموقرين وآباء الكنيسة . لأننا كلما تأملنا أيقونة ، نشعر بقوة تحثنا على تكريم من ترمز إليهِ وتذكرنا بالنموذج الأصلي الذي حسب إيماننا ... إلخ ) وأرتفعت منذ ذلك الحين الأيقونات في الكنائس ، للتأكيد على أن تكريم الأيقونات عقيدة إيمانية ، وإن السجود لها إنما يجوز إلى عنصرها الأول .
وفي القرن السادس عشر ظهرت البروتستانتية فبرزت حرب أخرى شرسة ضد الأيقونات فتم تدمير آلاف الأيقونات في الكنائس والأديرة التي أستولوا عليها أتباع لوثر، وأعتبروا الأيقونات من بقايا الوثنية ، فجعلوا جدران كنائسهم جرداء كمعابد اليهود ولحد اليوم . كانوا وما يزالوا يلومون من يكرم أيقونة أو يقبلها ويوقد الشموع أمامها كما يفعل المؤمنون في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية مفسرين بعض آيات العهد القديم حرفياً دون التأكد من الغاية التي قيلت من أجلها  ، وما هي الآيات الأخرى في الكتاب المقدس التي تكمل معناها ونحن ندرك في وصية الله الروح وليس الحرف . والهدف واضح من تلك الآيات وهو قول الرب ( لا تسجد لهن ولا تعبدهن ) ورد الكنائس الرسولية عليهم هو : إننا لا نرسم أيقونة أو ننحت تمثالاً لنعبدها ، وإنما لنكرم من موجود فيها ، وبحسب قول الرب يسوع لتلاميذه الأطهار ( من أراد أن يخدمني ، فليتبعني ، وحيث أكون أنا يكون خادمي . ومن خدمني أكرمه أبي ) " يو 26:12 " فإن كان الآب يكرم قديسيه ، ألا نكرمهم نحن ؟ !

 المصادر
1-   الكتاب المقدس
2-   الكنيسة عبر التاريخ / الأب.د منصور المخلصي
3-   الأيقونة شرح وتأمل / أيما غريب خوري
4-   فن الأيقونة – لاهوت الجمال / القمص بيشوي الأنطوني
5-   كتاب اللاهوت المقارن (1) / البابا شنودة الثالث



3

عيد الصليب ܫܗܪܐ ܕܨܠܝܒ̇ܐ.. الصليب هو جوهر الرسالة المسيحية 
بقلم / وردا إسحاق قلّو

( كلمة الصليب عند الهالكين جهالة ، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوّة الله ) "1قور 8:1"
في العهد القديم عرف الصليب على أنه مشنقة الرعاع المجرمين الخارجين عن القانون . فكان يعبِّر عن المصلوب على خشبة الصليب بالملعون . وأسفار الشريعة تلقب كل مصلوب على خشبة بالملعون ( طالع تك 23:21 ) . تحمل يسوع تلك اللعنة وأفتدانا بعمله الفدائي على خشبة الصليب ، فعبَّرَ الرسول بولس عن عمل محبته للبشر ، قائلاً ( فالمسيح إفتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا ) " غل 13:3 " . والوثنيون كانوا يعتبرون الصليب أداة إنتقام .
فلهذا لا يخطر ببال اليوناني أوالروماني أواليهودي بأن ينسبوا للصليب معنى إيجابي أو تفسير لائق . ففي نظر اليونانيين إكرام صليب المسيح هو جنون . وفي فكر الرومان ، إنه مجرد عار . أما في نظر اليهود فهو لعنة ألهية للمصلوب عليهِ . فلم يكن معقولاً لدى هؤلاء وغيرهم بأن المصلوب على الصليب يكون إلهاً متجسداً صُلِبَ عليهِ لكي ينال منه الموت طوعاً كعبدٍ أو مجرم أو متمرد .
  لكن صليب المسيح صار دعوة للإعتراض على الحياة الأنانية والإنتقام ، فأضهر في الصليب الحب الإلهي كلهُ من أجل خلاص العالم . إنها ثورة وإنقلاب على جميع القيّم المألوفة . ليس المقصود بالصليب هو لتذليل النفس عن ضعف ، إنما كان قصد المسيح المصلوب هو لعيش الإنسان بشجاعة وبلا قلق وحتى أمام الموت . كان عمل المسيح على الصليب تضحية قدمها بكل حب من أجل الحرية والحياة الأبدية عبر النضال والعذاب والموت ، وعلى أساس الثقة والرجاء الثابتين . فمن حجرعثرة حقيقي نشأ إختبار مدهش للخلاص ، فأصبح طريق الصليب طريقاً ممكناً إلى الحياة .
   الرسول بولس رأى في جوهر الرسالة المسيحية رسالة في المصلوب ، فوجه الصليب في نظرهِ هو الوجه الذي يختصرحياة يسوع الأرضية . فلو إختصرنا الرسالة المسيحية ، لقلنا إنها ( لُغة الصليب ) .
  في ضعف المسيح على الصليب أكتشِف ضعف الله بين البشر . وضعف الله هو أقوى من قدرة الإنسان ، فغلبَ أخيراً الإله المتجسد على الصليب كل المتحدين ضده ، وغلبَ سلاح الموت بقيامته . فالذي ينظر اليوم إلى الصليب في ضوء الحياة المسيحية الجديدة ، لعرفَ أنه يعني لجميع المتكلين عليهِ قدرة الله وحكمته . ففي الإيمان بالمصلوب ، وبعمل الصليب الكفاري يصبح الإنسان قادراً على إستخدام حريته في سبيل الآخرين ودعوتهم للسير وراء المصلوب . فرسالة القيامة مرتبطة بالمصلوب . فالفصح لا يمحو الصليب ، بل يثبّتهُ ، ويضفي عليه معنى أعمق . إذاً يجب أن لا تظلل رسالة القيامة رسالة الصليب ، لأن الصليب ليس مرحلة مؤقتة إلى الخلاص ، ولا طريقاً إلى الثواب ، إنما هو توقيع المصلوب الدائم . لا يمكن أن ينظر الإنسان نظرة صحيحة إلى الفصح إن لم يحفظ في باله أحداث يوم الجمعة العظيمة .
إن الذي يرى في سر الصليب الغامض تعبيراً عن نعمة ومحبة ذلك الإله الذي لم يدين أحداً . بل تقبَّلَ الجميع ووضع ثقته فيهم وأحبهم . ذلك الإله الذي لم يدين أحداً ، بل أصبح إنساناً حقيقياً ومثالاً للإنسانية جمعاء ، وصار إبناً لله الجالس عن يمينه .
   إن ما يميّز بين المسيحية والديانات الأخرى هو أن مؤسس المسيحية وفاديها مات ضعيفاً مهاناً ومصلوباً . لكنه قام إلاهاً قديراً ودخل مجده ، وبقي حياً . بينما كل مؤسسي الديانات الأخرى ماتوا وإنتهوا إلى الأبد . فالمصلوب على الصليب صار قدوة ومثالاً حياً . وصار صليبه أصل الإيمان بالمصلوب عليه . إذاً صليب المسيح يؤصّل الإيمان في واقع الحياة اليومية . الصليب يفصل المسيحية عن الإلحاد وعن الخرافان . أجل أن الصليب هو ضوء القيامة الذي سيضىء الكون كله قبل ظهور المسيح الديان . سترى علامة الصليب كل عين من آدم إلى آخر إنسان مخلوق في السماء بعد قيامة الجميع من القبور ، إنها آية إبن الإنسان الديان ، وفي تلك الساعة سينوح غير المؤمنين بالمسيح ( مت 30 :24 ) .
 والقيامة ستحدث في الوقت ذاته في نورالصليب ، فبدون الإيمان بالصليب سننزع عن الذي قام من بين الأموات طابعه المهم والمميّز والحاسم . كذلك بدون الإيمان بالقيامة ، ننزع كل ما له علاقة بالإيمان بالإله المصلوب . ذلك العنصر الذي يؤيده ويبررهُ .
 الكنيسة الكاثوليكية المقدسة تحتفل بعيد الصليب المقدس يوم 14 أيلول من كل عام . ويسمى الأحتفال ( شِهرا دصليوا  ܫܗܪܐ ܕܨܠܝܒ̇ܐ ) .
  التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "

4

يسوع يقول لكل إنسان اتبعني
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  في السنين الثلاثة الأخيرة التي عاشها يسوع بين البشر كان يتجول ويجتاز مدناً وقرى كثيرة ليلتقي مع الناس . فضَّلَ العمل على الراحة لأنه كان يبحث لدعوة أكبر عدد من الناس إليه . ففي تبشيره كان يقصد لكل إنسان أن يتبعه لكي يكون له الخلاص ، لأنه هو الطريق والحق والحياة . لم يكن يكثر في كلامه للدعوة ، ولا يقبل رفض دعوته لأي سبب أوحجة مهما كانت ، بل على من يسمع كلامه أن يلبي الطلب بدون جدال ، أو البحث عن سبب الدعوة وكما فعل أبينا إبراهيم عندما سمع صوت الله في قلبه فترك عشيرته ووطنه وإنطلق ليبي الدعوة .
كل إنسان مشغول في أعماله اليومية باحثاً عن مصالحه ، أي يقيم له مائدة لجباية الأرباح ، والإنسان مدعو إلى مائدة السماء ، فكل من يريد أن يكون له نصيباً بها عليه أن يخرج من مائدة الجباية التي يعمل من أجلها في هذا العالم ، لأن المطلوب ، والحاجة هي إلى واحد ، وهو الرب يسوع ، ذاك الكنز الثمين النازل من السماء والذي كان يبحث عنا ويدعوا إليه كل إنسان قائلاً ( إتبعني ) فعلى من يسمع صوته في كل زمن أن لا يقسي قلبه ، إنما عليه أن يؤمن بكلامه وينطلق صوبه ، ويأتمن بجانبه ، ويسلّم له أمره ، ويؤمن به وبكلامه لكي يدخل في سِرهِ تاركاً كل شىء .
   كلمة يسوع ( أتبعني ) التي كان يقولها لكل من يدعوه كانت تمس قلبهِ ، لأن النعمة الإلهية كانت ترافقها ، لهذا كان تأثيرها على السامع قوية ومؤثرة . ففي الساعة التي حل فيها إلى اللاوي متى وهو على مائدة الجباية ، قال له ( إتبعني )! ومن هذه الكلمة فقط فهم اللاوي بأن مائدة الجباية لا تنفع ، ولا تقاس بمائدة الرب السماوية ، فترك في الحال مائدته وتخلى عنها ، لآنه لا يستطيع أن يقاوم الدعوة  ، وسار في أثر يسوع وتبعه بدون جدال .
  يسوع لا يريد أن يدخل في كلام كثير وجدال واسع ، لأن الإنسان يحتاج فقط إلى كلمة واحدة من الله لكي تغيّره . كما أن يسوع لا يقبل الجدالات والحجج . فمثلاً ، عندما قال لأحد ( إتبعني ) فقال له ذاك ( دعني أولاً ، أدفن أبي ، ثم آتي وأتبعك ) فقال له يسوع ( دع الموتى يدفنون موتاهم . وأما أنت فإمضِ وبشر بملكوت الله ) " لو60:9 " .   يسوع يقنذ الإنسان الغارق في مصالح هذا العالم ، ويريد أن يحرره من المصالح الدنيوية لكي يندفع للبحث عن الإلهيات . المقاصد البشرية تسقط عند حضور الله في حياة الإنسان ، فمتى ما نشعر بحضور الرب ، تصغر في أعيننا المقاصد الدنيوية أمام ما هو أهم وأفضل . لهذا قال يسوع ( أطلبوا أولاً ملكوت السموات وبرهِ ، وكل ما عدا ذلك يزاد لكم ) " مت 33:6 " علينا أن نطلب وجه الله أولاً ليسكن في قلوبنا ، وكل ما عدا ذلك من الأرضيات يزاد لنا من قبل الله في حينه من دون تردد . القديسين الذين كانوا يبحثون عن وجه الله في حياتهم ، ترفعوا عن طلب المنافع الدنيوية ، فلم يطلبوا ما يحتاجون لصالح الجسد لأنهم كانوا يثقون بكلام الرب بأن الحاجة هي إلى واحد ، وكما قال يسوع لمرثا المنهمكة في أعمال كثيرة في بيتها ، فكانت بعيدة عن الرب القريب والموجود في بيتها .
   زكا العشار أراد أن يرى شخص يسوع فقط ، ولقصر قامته صعد فوق جميزة ليراه ، فدعاه يسوع بكلمة ( إنزل ) وهذا لا يعني إنزل من الشجرة فقط ، بل إنزل مما أنت فيه لكي أرفعك . بتلك الكلمة فتح قلب زكا . وبسبب تلك الدعوة المؤثرة أقام له مأدبة عظيمة في بيته ، بينما يسوع أقام له مأدبة الخلاص ، شيَّدها في قلبه ، وقال للحضور ( حصل خلاص لهذا البيت ) يسوع لا يشاء بإقامة مأدبة له ، إنما يريد أن نكرمه بمائدة الفضائل التي نسلك فيها . وهذه هي المأدبة الحقيقية التي يمدّها الإنسان في قلبه إلى المسيح ، والمسيح يطرحه على أبواب قلوب البشر ، فمن هيأ له قلبه يدخل ليسكن فيه .
   كان يسوع يجول باحثاً عن الخطاة المرضى ، فالخطيئة مرض قاتل للروح الخالدة . والله يتعاطى مع الناس الذين أتعبتهم الخطيئة لكي يشفيهم ، فما دامت الخطيئة هي مرض ، فلا حق للذين كانوا يتهمون يسوع بأنه يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة لأنه الطبيب الشافي الذي يبحث عن الخطاة لكي يحررهم من أمراضهم الكثيرة ، ويرحمهم برحمته ، أي أنه لم يكن بحاجة إلى طعام وولائم العشارين ، لهذا قال ( أريد رحمةً لا ذبيحة ) " مت 13:9 " كذلك هو يطالبنا بالرحمة إزاء الخطاة ولكل الناس ، لأن الجميع قد زاغوا وأخطأوا .
التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "

5

لماذا سأل المعمدان يسوع ( أنتَ هو أم ننتظر آخر ؟ )
بقلم / وردا إسحاق قلّو

  يسوع المسيح من الناحية الجسدية قريب من يوحنا إبن زكريا ، وبسبب هذه القرابة ذهبت أمه مريم إلى أليصابات في اليهودية لتخدمها ، فعندما ألقت عليها السلام ، أرتكض الجنين ( يوحنا ) في بطنها وأمتلآت من الروح القدس . فهتفت قائلة ( من أين لي أن تأتيني أم ربي ؟ ) " لو 43:1 " .
  زكريا الكاهن أخبر إبنه يوحنا عن مهمته حول إعداد الطريق للمسيح والذي أوحاه الوحي الإلهي ( طالع نشيد زكريا في " لو 1: 67-79 " ) . لم يذكر الكتاب شيئاً عن طفولة يوحنا ، لكننا نعلم بأن إبن الكاهن عليه أن يصبح كاهناً ويلتحق بالهيكل بعد أن يبلغ العشرين من عمره لكي يبدأ بالدراسة لمدة عشرة سنوات ، وبعد بلوغه الثلاثين من عمره يرسم كاهناً .
   الشعب اليهودي كان يظن الرجل من دون سن الثلاثين غير بالغ فلا يستطيع أن يتولى المسؤولية ، فمثلاً   الملك شاؤل الذي رسم أول ملك على شعب إسرائيل كان عمره ثلاثين سنة . وكذلك خلفه الملك داود الذي مسح ملكاً وهو صبياً ، لكنه ظل مطارداً من قبل شاؤل وبحسب خطة الله لكي يتحمل داود صعوبات وتجارب الحياة ويتعلم الكثير قبل بلوغه الثلاثين من عمره . وقبلَهم يوسف الصديق ظل في السجن 13 سنة ولم يصبح وزيراً لفرعون إلا عندما بلغ هذا العمر . وكذلك يوحنا المعمدان . والرب يسوع أيضاً الذي تعمد على يد يوحنا كان نحو الثلاثين من عمره ( لو 23:3 ) .
   عاش يسوع في الجليل في مدينة الناصرة ولم يلتقي بيوحنا الذي عاش في اليهودية ، ولم يتحدث إليه ، ولم يذكر الكتاب عن أي لقاء حصل بينهما ، لذلك صرح يوحنا قائلاً ( وأنا لم أكن أعرفه ) " يو 31:1 " . كان يعرف بأن له قريب إسمه يسوع ، لكن لا يعرف بأن يسوع هو المسيح المنتظر .
  يوحنا لم يلتحق بالهيكل ، بل ذهب ليعيش في البراري يلبس ثوباً من وبر الإبل ، وعلى وسطه زناراً من الجلد ، وظل هناك إلى يوم نزوله إلى نهر الأردن ليعمد الناس معمودية التوبة ليهيىء الطريق أمام المسيح ، أي يهيأ الشعب للمسيح المنتظرالذي لايعرفه .  كان يوحنا يعمد الناس في الأردن كل من يحمل الخطايا . فيتم التعميد بعد إعتراف المعمد بخطاياه أمام يوحنا . لكن يسوع الذي جاء إليه ليعتمد لم يكن له خطيئة ليصرح بها للمعمدان ، لهذا طلب يوحنا منه لكي يعمده لأنه أكتشف بحاسته الروحية بأنه أعظم منه ، لهذا مانع من تعميد يسوع قائلاً ( أنا أحتاج إلى الإعتماد عن يدك ، أو أنت تأتي إليّ ؟ فأجابه يسوع " دعني الآن وما أريد ، فهكذا يحسن بنا أن نتم كل بر" . فتركه وما أراد ) " مت 14:3" . إذاً لماذا إعتمد يسوع ؟ الجواب موجود في نفس الآية ( ان نتم كل بر ) إعتمد عن البشرية الخاطئة ، وعلى الصليب سيحمل كل خطايا البشرليدفع ثمنها إلى الله الآب . بعد العماد خرج من الماء ، فرأى يوحنا من دون الناس أن السموات قد إنفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة ينزل على يسوع ، كما سمع صوت من السماء يقول ( هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت ) " مت17:3 " رأى يوحنا الروح القدس كعلامة منظورة على شكل حمامة إستقرت على يسوع ، كما سمع صوت الآب ، أي عاش في تلك اللحظات مع الثالوث الأقدس كما حصل للرسل الثلاثة على جبل التجلي .
صرح يوحنا وإعترف قائلاً ( أنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي : الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليهِ فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس . وأنا رأيت وشهدت أنه هو إبن الله ) " يو 34:1 " أعترف يوحنا بحقيقة يسوع قائلاً ( هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم ) وعندما سمع تلميذي يوحنا المعمدان ( إندراوس أخ بطرس ، ويوحنا إبن زبدي ) هذا الكلام تبعوا المسيح ( يو 37:1 ) .
لقد شهد يوحنا للمسيح وأعد له الطريق ليؤمن الكل بواسطته ( يو 7:1 ) فلا يمكن أن يشهد له إلا إذا كان يعرفه ، لهذا نادى قائلاً ( هذا الذي قلت عنه أن الذي بعدي صار قدامي ، لأنه كان قبلي ) " يو 15 :1 " وكيف كان قبله علماً بأن يوحنا أكبر منه عمراً بستة أشهر ( طالع مت 36:1 ) فهنا المقصود بأن المسيح هو قبل يوحنا روحياً وهو خالقه وخالق الكون .
   يوحنا إذاً عرف بأن يسوع هو المسيح ، فلماذا أرسل تلميذيه عندما كان في السجن إلى يسوع ليقول له ( أأنت الآتي أم آخر ننتظر ؟ ) " لو 19:7 " إلجواب : أرسلهم لأنه يعرف بأن رسالته قد تمت وعليه الرحيل ، فغايته كانت لكي يؤكد لتلاميذه بأنه هو المسيح المنتظر ، وأراد أن يسلمهم له ، لأنه ينبغي أن ينقص وذاك يزيد ، ولينضموا إلى جماعة المسيح . ويسوع لم يشأ أن يقول لهم صراحةً بأنه المسيح المنتظر لأنه لا يريد أن يعلن حقيقته قبل أن ينشر رسالته التي ستتم بعد ثلاثة سنوات ، لهذا أرسل جواباً غامضاً بالنسبة لتلاميذ يوحنا ليخبروا سيدهم ، وفي الجواب سر سيعرفه يوحنا المعمدان وهو سيشرح لكل تلاميذه ما قصد به المسيح من جوابه . قال المسيح للتلميذين المرسلين ( أذهبا وقولا ليوحنا بما تسمعان وتنظران : العمي يبصرون ، والعرج يمشون ، والصم يسمعون ، والموتى يقومون ... وطوبى لمن لا يعثر فيّ )" مت 4:11-6" .  هنا نلاحظ بأن رسالة يسوع إلى يوحنا بدأت ب ( العمي يبصرون ) والسبب لأن لا يوجد أحد من الأنبياء قد فتح عيون الأعمى ، إلا الرب يسوع ، وهذا ما نقرأه بالنبوة التي جائت في المزمور " 8:146 " ( الرب يفتح أعين العمي ، الرب ينهض المنحنين ... ) فداود النبي قال هذا بالروح ، ويوحنا المعمدان فهم رد المسيح لسؤاله ، وشرح المقصود لتلاميذه ليؤكد لهم بأن يسوع هو المسيح المنتظر .

التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1


   

6

إختبارنا لضعفاتنا مَعبَر إلى القوة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الله لبولس ( تكفيك نعمتي ، لأن قوتي في الضعف تكمل ) " 2 قور 12/9 "
   خلق الله الإنسان ضعيفاً لكي لا يتباهى بقوته فيتكل على قدراته الذاتية فيستغنى عن قوة الله الذي خلقه والذي هو مصدر قوته .
   الرب الإله يريد أن يختبرنا بضعفنا لكي لا ننسى إنسانيتنا الضعيفة ، وننسى إننا من التراب وإليه سنعود وتنحل قوتنا . وإن أمور بسيطة بالمرض أو التعب أو الظلم أو بسبب قساوة الظروف نتنازل لنعترف بضعفنا . ينبغي أن نختبر الضعف في حياتنا اليومية .
   في العهد القديم أختبر الشعب العبري ضعفه ، وأعترف به ، فأخذ يصرخ إلى الله طلباً للعون . إختبر قوة الله العظيمة الذي كان يخلصه من فخ الأعداء ، ومن الأمراض ، وكذلك من مشاكل كثيرة ةمتنوعة ، أو عندما كان يبتعد عن الله ليعبد آلهة أخرى ، فكانت تنزل عليه ضربات من الأعداء الذين كانوا ينالون منهم ، فيذكرون قوة الله القديرفيعودوا إليه لكي ينقذهم بقوته العظيمة ، فكانوا حينذاك يشعرون بأن الله هو فاعل الإنتصارات فيهم .
الإنسان الذي يظن بأنه قوي ومقتدر ، لا يستطيع أن يختبر قوة الله فيه . لأن كل إنتصار يظن أنه منه ، لا من الله ، لإغنه ضعيف وفاشل لأن مهما كان قوياً سيبلغ به الحد من العجز ، أو الفشل في أمور كثيرة فيسقط في مشاكل لا يتوقعها كأسير مرض ، وخاصةً عندما يعترف الطب أيضاً بعجزه من شفائه ، كما حصل للمرأة النازفة الدم التي أنفقت كل ما لها للأطباء ، فعاشت في عجزها فترة طويلة غلى أن نالت الشفاء والقوة من طرف ثوب خالقها ، وإعترفت له أمام الجمهور الحاضر بحقيقة مرضها وسر شفائها .
   الرب يسوع عندما أفرغ ذاته ، وترك عرشه السماوي ، وأخذ صورة إنسان عبد ، إختبر هو أيضاً الضعف البشري لأنه لم يشأ بإستخدام قوة اللاهوت في حياته البشرية ، عدا عندما كان قوته الإلهية لعمل المعجزات التي كانت تقهر كل قوانين الطبيعة والعلم . إعترف بضعفه على الصليب ، ذلك الذي أحيا الموتى ، فصرخ إلى الله قائلاً ( إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني ) " مر 34:15 " . يسوع أختبر ضعفه الإنساني بالكامل ومات على الصليب ضعيفاً ، لكنه غلب الموت بموته عندما قان من بين الأموات قوياً ، لأن قوة لاهوته أعطت له النصرة والقوة .
  على الإنسان أن يفرح ويعترف بضعفه أمام الله ويقول مثل بولس الرسول ( ... بكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي ، لكي تحلّ علىّ قوة المسيح ) " 2 قور 9/12 " . وهكذا تكمل قوة الله في ضعفه فتجعله قوياً . تلاميذ المسيح كانوا كباقي البشر من لحمٍ ودم . إذاً كانوا ضعفاء ، وحتى بطرس ( الصخرة ) الذي قال ليسوع لا أنكرك حتى الموت . نكره في نفس الليلة ثلاث مرات ، فيسوع هو الذي عمل تلاميذه أقوياء . منذ أن كان معهم أعطاهم القوة والسلطان ليدوسوا الحيات والعقارب دون أن تضرهم ، كما أعطاهم القوة على الأرواح الشرية . إذاً الإنسان يصبح قوياً جداً بقوة الله ، لا بقوته . والله يريد الإنسان أن يعترف بضعفه اولاً ، وكما يريده أيضاً أن يكسب قوته بسبب إيمانه من الذي خلقه ، وهو مصدر كل قوة .  فإختبار الضعف ، والإتكال على الإيمان ، مع تسليم الذات لله ، فهو يعطينا الأمل والقوة والخلاص الأبدي .
   الإنسان المؤمن يرضى أن يعاني ويتألم ، ولكنه يجعل نفسه دائماً في أمان لأنه يؤمن بأنه بين يدي الله . فالثبات في الإيمان يجعل الإنسان في فرح دائم وإن كان يحتضر ليرقد وليغادر هذا العالم وذلك لأنه يؤمن بأنه قرار من الله الذي يريد أن ينقله إلى جواره ، فإنه سيصبح في حال أفضل، لأن الموت ربح له . وهذا هو المطلوب من كل إنسان أن يسلم نفسه إلى الله بدون شروط وبكل تواضع . ومتى فعل ذلك فأنه يعيش الإختبار العظيم لقوة الله في حياته ، فيثبت في الإيمان والرفح والثقة ، ويتيقن بأن الله حي وفاعل في حياته ، وفي حياة كل مؤمن . فيتكل على قوة الله وعهوده .
ليتمجد أسم الله القوي الذي لا يموت 
التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "


7


تاريخ الأيقونة ومسيرتها وغايتها

بقلم الفنان التشكيلي / وردا إسحاق قلّو


   رسم الأيقونة فن مقدس ومكرس في المعابد ناتج من تصور وتعبير الفنان عن موضوع إيماني أو لشخصية تعبر عن الشبه لصورة الشخص الحقيقية . والأيقونة تعكس ما هو غير منظور إلى صورة منظورة تقرب أفكارنا وتشد إيماننا مع الموضوع المصور . فالوجه المرسوم ليس بالوجه اللحمي الترابي الزائل ، بل وجه متجلي بالصورة يحمل سمات أبدية عميقة ، أي وجه روحاني حامل القداسة أو الآلوهة له مجد سرمدي ، لهذا وضعت الكنيسة أُسس واضحة ، وقوانين خاصة ، وقواعد مفصلة لأصول هذا الفن ومبادئه والتي تختلف عن قواعد المدارس الأخرى في الرسم . في الأيقونة نجد التمجيد والترنيم والخشوع . وإن أرتبط هذا الفن بقوانين ، فهذا لا يعني أنه فن جامد متصلب غير قابل للتطور كباقي الفنون ، بل تطور مع الزمن . في البدء كانت الأيقونة الأولى للرب يسوع غير مرسومة باليد . طبعت صورة المسيح على المنديل بمعجزة وذلك عندما غسل وجهه بالماء ونشفه بقماش أبيض فظهرت للحال صورة محياه واضحة فحصلت المعجزة التي أثارة دهشة وتعجباً لدى الشعب ، فبقيت حية في الذاكرة تتداولها الألسن عبرَ الأجيال ودخلت في التقليد الكنسي . أما سبب إعطاء السيد صورته على القماش جاءت بعد إرسال ملك الرها ( أبغار ) الذي كان مصاباً بمرض البرص ، كان قد سمع بعجائب المسيح فنوى أن يرسل إليه رئيس ديوانه يدعوه إلى الحضور عنده لكي ينال منه الشفاء ، وفي حال رفض دعوته . كان مع الوفد رساماً موهوباً أسمه ( حنان ) واجبه رسم وجه السيد المقدس ويأتي بالرسم الشافي . حاول حنان رسم السيد وهو يوعظ للجموع إلا أن مبادراته بائت بالفشل لأنه عجز من إلتقاط ملامح الوجه بسبب المجد الفائق المنبعث منه والمتموج بالنعمة المضيئة . علم الرب يسوع بالأمر لأنه الإله المتجسد فاحص القلوب والكلى فأستدعى حنان من بين الجموع فأستخبره الرسام عن مهمته وغايته ، فتحنن عليه يسوع فزوده بتلك الصورة . أخذها الوفد إلى الرها ( أورفا ) وأعطيت للملك فشفي في الحال . بعد صعود المسيح إلى عرشه السماوي وحلول الروح القدس على التلاميذ أنتشروا في المعمورة للتبشير بكلمة الأنجيل . فوصل أول رسول للمسيح إلى الرها القديس ( تداوس ) لغرض تبشير أهل الرها ، وكان طريقه قد أعد سلفاً لأن اهل الرها وملكها قد آمنوا بالمسيح قبل صلبه بسبب الصورة التي ظلت هناك إلى أن نقلت إلى قسطنطينية العاصمة لتصبح نموذجاً ونواة لرسم صورة المسيح في نمطه البيزنطي ، فبدأ الرسامون برسم لوحات خشبية ومعدنية كثيرة تقليداً لتلك الصورة . المسيح هو صورة الله الغير المنظور ، فهو أيقونة الله بوجه إنسان ، لذلك يجوز رسمه .   
 كما أعطى الرب يسوع صورته على المنديل الذي مسحت به القديسة فيرونكا وجهه المبارك في طريق الجلجلة فكانت الصورة كاملة الشبه والملامح .
 
أصل رسم الأيقونات وتاريخها

يذكر التقليد الكنسي بأن القديس لوقا الأنجيلي المتعدد المواهب والذي كان طبيباً وكاتباً ومحللاً ورساماً موهوباً ولاهوتياً أصيلاً . رسم أول أيقونة للعذراء مريم والدة الإله أثناء وجودها على قيد الحياة , وهو الكاتب الوحيد الذي أعطى التفاصيل الدقيقة عن حادثة البشارة ، وهذا يدل على أنه كان يلتقي بها ويحصل منها المعلومات المهمة والدقيقة عن السيد منذ البشارة ليدونها على صفحات الأنجيل ، وأوصافه الدقيقة ألهم الرسامين من بعده في الشرق والغرب وأتى بمعلومات عن زيارة مريم لنسيبتها أليصابات ، وكذك كتب نشيد مريم وغيرها من الأحداث . 
   حافظت الكنيسة على تلك الصورة التي بقيت في أورشليم بحسب التقليد إلى أن تم نقل الصورة إلى القسطنطينية أيضاً . وقد رسم سبعون صورة مثلها في بلدان كثيرة . 
  بدأ الرسم بتقليد لتلك الصورة فأزدهر الفن وتطور آخذاً أشكالاً مختلفة لكن بقي ثابتاً على غرار أسلوب لوقا التقليدي . 
 يذكر القديس جرمانوس بطريرك الأسكندرية ( 715- 730 ) يذكر في كتاباته أن صورة العذراء حاملة المسيح من رسم لوقا ، أرسلت إلى ثيوفلوس في روما . وثيوفلوس هو الذي ذكره لوقا في مقدمتي إنجيله وفي أعمال الرسل . أيقونة القديس لوقا حددت قواعد وقوانين لرسم الأيقونة . فالكنائس الأرثوذكسية منذ القرن الأول لا تستخدم صوراً مرسومة بأسلوب آخر كالصور الواقعية أو التماثيل . والفرق بين الأيقونة والصورة هو أن الأيقونة تظهر أمام المشاهد كلوحةٍ فنية صوفية ، بل فنها روحي صرف يُعّبّر عن فكر ديني لاهوتي . ولا يعتمد الفنان لرسمها على قوة الألوان أو دقة تدريجها ولا في جمال اللوحة لأن الهدف منها ليس لأبراز القيمة الجمالية أو الأثارة للناظر ، بل يجب أن تكون مجردة من لغة العاطفة وبحسب رسومات الدارس الأخرى ، فلهذا يتجاوز الرسام أسلوب المنظور ودقته أو توزيع الكتل في اللوحة ، لأن الغاية ليس لتزيين المعابد بل للعبادة لأن اليقونة تساعد المؤمنين في التأمل والناجاة فالأيقونة تمثل ذلك المكان المقدس للصلاة . أما في الكنائس الكاثوليكية فنجد إلى جانب الأيقونات الصور والتماثيل ، لأن المؤمن الكاثوليكي الذي يمتلك معلومات كافية حول إيمانه الكاثوليكي لا يمكن أن يعبد ويسجد للثمثال أو الصورة كما يفعل الوثنيين . لنتذكر الأبطال والشهداء السياسيين مثلاً والذين أفدوا حياتهم للوطن كيف أقيم لهم نصباً تذكارية تكريماً لهم . إذاً سوف لا يبقى أي إعتراض مبرر لتكريم نساء ورجال قديسين وأبرار كأبطال الإيمان . نطالع في " 1 بط 17:2 " يذكر هذا الخصوص ، فيقول ( أكرموا جميع الناس ، أحبوا أخونكم ، أتقوا الله ، أكرموا الملك ) . كذلك تم تكريم قيصر على العملة  " مت 21:22 " . الكتاب المقدس يعتبر الصور والتماثيل أداة للتذكير بعظماء من القديسين وأبطال الإيمان ( عبر 11 ) الذين كانوا أكثر حيوية منا وإنتماء خاصةً في صلاتهم وجهادهم الحسن كبرهان ملموس . وفي " 2 قور 18:3 " قال بولس ( ونحن جميعاً نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة كم في مرآة فتتحول تلك الصورة ذاتها ، وهي تزداد مجداً على مجد ، بفضل الرب الذي هو الروح ) . فالقديسون فس السماء لا ينفصلون عن جسد المسيح على الأرض ( رؤ 10:6 ) ولا نحن نريد أن ننساهم ، بل نكرمهم . 
 رسام الأيقونة يجب أن يبدأ قبل الشروع بالرسم بالصلاة والصوم والتقشف مع طلب صلوات كاهن الرعية . وفن الإيقونة شامل وليس من إستنباط كنيسة الشرق . كذلك كان موجوداً في كنائس إيطاليا ككنيسة ( رافدِنا ) أنجز بالفسيفساء . وأيقونة الميلاد على جدار قبة أحدى الكنائس في روما بنيت في القرن الخامس . ولا شك في كون الأيقونة فن أرثوذكسي . 
 تطور الفن في مختلف أنحاء الأمبراطورية الرومانية بفعل التبشير منذ القرون الأولى عندما كانت الكنيسة مضطهدة كانت الرسوم على شكل رموز ونقوش بسيطة على بعض الجدران والقبور والأواني كرسم السمكة الذي كان رمزاً للمؤمنين ، لكن بعد أن قبلت الأمبراطورية في عهد قسطنطين الكبير الإيمان المسيحي بدأ الفن بالإزدهار بعد تشييد كنائس وأديرة فزينت جدرانها بالنقوش والفسيفساء من قبل الرهبان ، ورافق ذلك الإزدهار مشاكل بسبب ظهور إختلافات عقائدية ، فتسرب النزاع بين مدافع ومعادٍ للأيقونات . فظهر موقف صريح ورسمي ضد الؤسم الكنسي ، ثم عادت الكنيسة بعد مجمع كنسي لتعود الأيقونة إلى مكانتها المقدسة . 
برز فن الأيقونات في بلدان كثيرة ، ولكل منها لونها الخاص كالأيقونة البيزنطية والروسية والأنطاكية والقبطية والحبشية والكريتية . صارت الأيقونة إشعاع منير في عرف اللاهوتييت ، إشعاع في جوهرها وكنز في معناها . ولا تزال تنثر كنوزها المفعمة بالبهاء والرقة موفرة لمشاهديها لحظات أثيرية من اللإنخطاف إلى ما تؤثر إليهِ الأيقونة . والأيقونة أداة صلاة وتضرع ووسيلة تمجيد الخالق ، ومنها نلتمس قوة روحية أثناء الصلاة والتضرع ، نال الكثرين الشفاء بواسطتها ، وفي الأيقونة شرح وتأمل ، فكل شرح لواحدة من الأيقونات يؤكد أن أسلوب رسمها حي ومقدس وذو طابع تأملي ووجداني . فعالم الأيقونات هو عالم الذهول الروحي في صلوات بارّة . الأيقونة هي نافذة نحو عالم آخر غير مرئي ، ووسيلة مساعدة للتعمق في عالم الخلود . 

8

التجلي ... تجليات الله وظهور مجده في العهدين
بقلم / وردا إسحاق قلّو
التجلي هو الكشف عن الحقيقة ، فعندما نقول ( جلى النور الظلام ) يعني كشفه وأظهر ما في داخله . كذلك عندما تجلى يسوع على جبل التجلي أضاء وجهه كالشمس وتلألأت ثيابه كالنور . والنور كشف حقيقته وجمال وجهه الفائق الجمال فإلتمسوا التلاميذ بهاء آلوهيته وآمنوا بأنه كإله متجسد . وظهور الغمام يرمز إلى حضور الله الذي أكد للتلاميذ الثلاثة بأن المتجلي أمامهم هو أبن الله الحبيب الممجد ، ومجد الله ظهر في العهد القديم لموسى وإيليا اللذان ظهرا مع يسوع على الجبل ، إنهما يمثلان عهد الناموس والأنبياء ، ومع المسيح إجتمعت كل العهود لتكتمل رسالة السماء في المسيح الموعود .
    تجلى الله في عليقة لموسى النبي ، ومن داخل العليقة المشتعلة تكلم الله مع موسى . وبعد خروج شعب الله المختار من مصر بيد قوية ، ترك موسى شعبه مع أخيه هارون ليصعد إلى الجبل ، وشيوخ الشعب جالسون على السفح ينتظرون برعدة عودة نبيهم . فعندما صار موسى على الجبل ، فجأة غمرت الغمامة الجبل ، ومجد الرب إستقرعليه مدة ستة أيام ، وفي اليوم السابع نادى الرب موسى من وسط الغمام ، وكان منظر مجدهِ كنار آكلة ! لأن إلهنا نار آكلة ، فإقترب موسى ودخل في الغمام وظل فيها أربعين يوماً وأربعين ليلة ( خر 24: 12-18 ) . تجرأ موسى وطلب من الرب أن يظهر له مجده ، والله كشف له عن إسمه ، قال ( أنا هو الكائن ... أنا هو ) لكن عن إكتشاف وجهه قال لموسى ( لا تستطيع أن ترى وجهي ، لأنه لا يراني إنسان ويعيش ... وأما وجهي فلا يرى ) فإنحنى موسى وسجد أمام حضرته . كما كان الغمام يسير أمام موسى وشعبهِ في الصحراء ( خر 24: 15و9:33) .
  مرت قرون والشعب يذكر موسى الذي أنقذهم من عبودية مصر ، إلى أن برز نبي عظيم آخر في القرن التاسع ق.م في مملكة إسرائيل الشمالية وهو إيليا الذي إنتفض غاضباً ومدافعاً عن إلههِ الحي فوبخ العظماء وملوك إسرائيل بسبب عبادتهم للبعل ، وزواجهم من الفينيقيات ، وبعدها تحدى ألهتهم وقتل كهنتهم وهرب إلى الصحراء خوفاً من إنتقام الملكة إيزابيل التي أرادت قتلهِ . إضطجع من التعب تحت الشجرة ، وإذا بملاك الرب يتجلى أمامه وقدم له الخبز والماء وأمره بأن يتابع مسيرته ، فسار أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى وصل إلى جبل حوريب ، وعلى هذا الجبل إلتقى موسى أيضاً الرب لأول مرة . أستدعى الرب إيليا ليريه مجده ، فدخل إيليا في مغارة وبات فيها ... ثم أمره الرب قائلاً ( إخرج وقف على الجبل ، فهبت ريح عظيمة وشديدة تصدع الجبال وتحطم الصخور ، ولم يكن الرب في الريح ! وبعد الريح زلزال ولم يكن الرب فيه . وبعد الزلزال نار ولم يكن الرب في النار . وبعد النار صوت نسيم لطيف وكان الرب في النسيم ، فستر إيليا وجهه برداءهِ لأنه كان في حضرةِ الله ) .
ماذا يعني مجد الرب ؟
لملوك وعظماء الأرض مجدهم الزائل والذي يوحي إلى أهميتهم ووجوب إحترامهم من قبل الشعب ليعطى لهم قيمة تليق بمكانتهم . والإنسان خلقه الله ليتسلط على الكون ويملكه ، فكلله الله بالمجد والكرامةِ قبل السقوط .
   المجد يرمز إلى الطهارة والنقاوة ، فمجد الله عند موسى كان ناراً متميزة عن الغمام التي كانت تصطحبه وتحيط بهِ وتشير إلى حضرةِ الله . وعند إيليا كان كنسيم عليل يشير إلى الصداقةِ الودودة بين الله ومحبيه . فنور الله يشرق على وجوه من يقابلهم ، كما حصل لموسى ، فكان يغطي وجهه لكي يستطيع الشعب أن ينظرو من وجهه بعد مقابلته لله . وهكذا نطالع في أسفار العهد القديم عن مجد الله الذي نزل وإستقر في هيكل سليمان عند إفتتاحهِ . كما تراءى مجد الله لحزقيال النبي ، منطلقاً من الهيكل على أجنحة الشاروبيم ، على أن يعود في هيكل جديد ( طالع حز 43 ) . أجل لقد رأى حزقيال مجد الرب عائداً إلى شعبه بعد السبي بصورة إبن البشر . وإبن البشر هو المسيح الذي أظهر مجده على جبل الشيخ الذي يقال بأنه جبل طابور . فعلى الجبل ظهر ثالوث الله ، كما ظهر ثالوث أنبياء العهد القديم وخاتم كل النبوءات ، الرب يسوع ومع وجود ثالوث الرسل المختارين . أراد بطرس أن يصنع ثلاث مظال ، والرقم (3) يرمز الكمال . وبينما كان يسوع يصلي تجلى أمام الرسل ، فتغير منظر وجهه وأخذ يبرق كالشمس وصار لباسه أبيض لامعاً كالثلج . وتراءى لهم موسى وإيليا في مجد ، وكانا يتكلمان مع يسوع في موضوع آلامهِ وموتهِ . النوم أخذ التلاميذ في رقادٍ بسبب قوة فاعلية المنظر السماوي الذي وعدهم الرب به قبل ثمانية أيام ليروه قبل مماتهم ( طالع مر 9:1 ) .
 ألقى التلاميذ بأنفسهم على الأرض لأنهم لم يحتملوا مشاهدة صورة المسيح الإلهية التي لا يطاق النظر إليها . كذلك أرعبهم صوت الآب الصادر من الغمام يأمرهم بقوله ( له اسمعوا ).
كان منظراً سماوياً مرعباً لأهل الأرض . على ذلك الجبل العالي إلتقت السماء مع الأرض في منظر مخيف فأستبد الخوف في قلوب التلاميذ وهم مرتمون على وجوههم . البياض الناصع الذي كان يحيط بالمسيح كان يوحي بنار الله الأزلية لفرط بهائه ، أبهر عيونهم لأن ثلاثة شعاعات إنطلقت من ثياب المسيح وكل منها إنصب بقوة في أحد التلاميذ ، وهذا ثالوث آخر في مشروع الله وخطتهِ على جبل التجلي . شاهدوا يوسف رمز الفصح والعبور . وإيليا رمز الإنبعاث الذي أختطف وسط زوبعةٍ في مركبةٍ نارية تاركاً روحه وردائهِ لتلميذه إيليشع ، وكان يرمز إلى المسيح الذي صعد إلى السماء عندما أخذه الغمام على مرأى تلاميذه . تاركاً لهم روحه القدوس الذي ارسله لهم في يوم العنصرة . ومجد يسوع لم يكتمل في يوم التجلي ، بل إكتمل على الصليب ، وفي يوم قيامته . كما تجلى لرسله بعد القيامة لمدة اربعون يوماً .
  في الختام نقول : أن المسيح في تجليه على الجبل أظهر لاهوتهِ ، وأثبت لنا جوهرهِ الحقيقي ، وإختار طوعاً أن يتخلى من مجدهِ الأزلي ليتجسد ويتخذ صورة عبد ، وفي التجلي نعلم بأن جوهر الله لا يدنى منه ، الله نور ، كما يقول عنه سمعان اللاهوتي ( من يؤهلهم الله ليروه يتأملونه كنور ) ولكن هذا النور الأزلي لا يستطيع أحد أن يدنو منه مطلقاً ، وأما تجلياته ومظاهره في العالم فيستطيع المرء أن يراها ويتحد بها بواسطة الأسرار . فالله يخرج إلى الإنسان بواسطة طاقاته ، وهو فيها بالكليّة . هي ليست قسماً منه ، إنما هي الله في إعلاناته وإنكشافاته . الله يفوق تصوراتنا الذهنية فالله الآب هو أب المجد ( أف 17:1 ) والإبن هو ضياء مجدهِ وصورة جوهره ( عب 3:1 ) والروح القدس هو كرامة الله ومجده وقوته ( 1 بط 14:4 ) .
ليخرق نور تجلي الرب قلوبنا وعقولنا ليفتح بصيرتنا وأذهاننا لنصغي دائماً إلى صوته ونعمل بوصاياه .
ليتمجد أسمه القدوس .
التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



9

لاهوت الزواج والتبتل
بقلم / وردا إسحاق قلّو
   قال بولس الرسول ( .. من زوج فتاته فعل حسناً  ، ومن إمتنع عن ذلك فعل أحسن ) " 1 قور 38:7"
    الزواج سر من أسرار الكنيسة السبعة المقدسة . برز هدف الزواج بين ذكر وإنثى بعد سقوط الأبوين ، لأنهما قبل السقوط كانا يعيشا بالنعمة والقداسة مع الله بعيديدين عن شهوات الجسد . لهذا شدّدَ آلاف الآباء للعيش كتلك الحياة وللعودة إلى ذلك الفردوس ، وذلك بتسليم الذات إلى الخالق والعيش معه وله في حياة البتولية رجالاً ونساءً ، والإستفادة من مزايا الحياة الرهبانية وفضائلها التي تقربهم من الخالق كما كان الإنسان قبل السقوط . فكل الآباء الغربيون في الكنيسة الكاثوليكية أظهروا ميولهم الشديد إلى البتولية لكي يبقى كل الأكليروس متبتلاً منذوراً للمسيح الذي عاش البتولية .
أما الآباء الشرقيين من الكنيسة الأرثوذكسية فيرون ذلك مخالفاً لتعليم الكتاب لأن الهدف من الزواج سيؤدي أيضاً إلى الكمال الروحي ، لأن الزواج لا يشكل حجة أو عقبة في مسيرة الإيمان ، أو يقلل الجهاد في العمل الروحي . كما أن الزواج لا يشكل عائق في طريق القداسة المسيحية . فموسى النبي كان متزوجاً بينما إيليا كان بتولاً ، وكانت حياة الأثنين مقبولة عند الله وظهرالإثنان في المجد مع يسوع على جبل التجلي .
   الله بعد أن خلق آدم ، قال ( ليس جيداً أن يكون آدم وحدهُ ، فأصنع له معيناً بأزائه ) " تك 18:2 " . والمسيح بارك سر الزواج في عرس قانا الجليل ، وينتهي برؤيا " عرس الحمل " ( طالع رؤ 9:19 ) .
    الزواج بلا شك حسن ، وهو من حكمة الله لكي يتكاثر الإنسان ويملأ الأرض وخاصةً بعد السقوط بات الزواج ضرورياً ، أما قبل السقوط فكانت المحبة الطاهرة بين آدم وحواء تغلب على موضوع الشهوة . وكان العيش المشترك بتوافق مع القريب ، لكن بعد الفشل أنحدر الإنسان إلى الأنانية الفردية ، فإنطوى حبه للآخر إلى حب الذات والشهوات الجسدية فتمزقت روابط الوحدة وتضعضعت أوامر المحبة الصادقة .
   أدخل الله الشهوة الجنسية في الإنسان لتصبح دعوة أساسية وفطرية في كل إنسان وذلك لأجل المحافظة على إستمرار وجود البشرية ، أي لأجل الخصب . لأن الإنسان ما بعد الخطيئة لا بد أن يموت ، لأن إجرة الخطيئة هي الموت . فبالزواج أعاد روابط الوحدة ليشكل من الأثنين جسداً واحداً ، وعائلة واحدة متوحدة ومُحِبة ، كما كانا في الفردوس بحسب الآية ( وقال الرب الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر ) : تك 22:3 " هنا لم يقول آدم وحواء ، إنما جمعهما بكلمة ( إنسان ) ليصبحا واحد . وهذه الوحدة أعادها سر الزواج ليجعل مرة أخرى من الأثنين واحد ، فعلى الرجل أن يحب إمرأته كمحبة المسيح لكنيسته .
   الشهوة الجنسية حسنة كدواء هادف وشافِ يؤول إلى رباط مشترك للمحبة ، والذي يقود الإثنان في طريق النضوج والكمال الروحي ، فالمحبة في سر الزواج تأتي من الطهارة ، عكس الزنى التي تبرز نتيجة نقص المحبة وبروز الأنانية .
    للزواج إيجابياته ، فهو يحفظ الإنسان في حياة التعفف والتعقل والقداسة  فيتجنب الشهوة الرديئة وحتى في النظر . يصوم الإنسان من ممارسة الجنس مع شريكه لفترة زمنية لأجل التفرغ إلى الصلاة ، ثم يعود كالسابق لكي لا يجربه الشيطان  ( طالع 1 قور 5:7 ) .
   مستقبل الإنسان ليس على هذه الأرض ، بل في السماء ، فعليه أن يعمل ما للروح أولاً ، فعدم الزواج أيضاً مطلوب من الكثيرين لكي يتفرغوا للعمل الروحي أكثر من العمل لصالح الجسد ، بل يترك الإنسان كل شىء ليهاجر العالم وينذر نفسه لحياة البتولية ، وهذا أفضل من الزواج بحسب رأي الرسول بولس .
 الزواج يحافظ الإنسان من خطيئة الزنى ، أما إذا زنى الرجل المتزوج أو زنت إمرأة متزوجة ، فعقوبة زنى المتزوجين تدان أكثر بكثير من زنى غير المتزوج . وتدعى هذه الخطيئة ب ( الفجور ) لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد ، وإنما إستغلالاً لجسد لا يملكه ، وإنما هو ملك للآخر الذي يسكنه وهو روح الله الساكن فيهِ ، كما أن جسده هو حق الذي أرتبط معه في الزواج . فزنى المتزوج يتحول إلى سرقة وإقتناص وإختلاس ، فالفجور هو أبشع من الزنى لأنه يلغي العفة ويقتل المحبة والحب ، وينكر سر الزواج المقدس ، وحقوق الجانب الآخر منه ، بل يتعدى على رباط الله الذي جعل الآثنين واحد .
البتولية لأجل الملكوت أفضل من الزواج . فعند بدء المسيحية برز رجال ونساء متبتلين كالرسول يوحنا وبولس وغيرهما ، أختاروا البتولية على الزواج لأنهم أقتدوا بسيدهم في كل شىء ولم يهتموا إلا ما هو للرب فنذروا أنفسهم كالعذراى الحكيمات ينتظرن قدوم العريس . والمسيح نفسه دعا بعضاً لأتباعه ليعيشوا على مثاله ( مت 12:19 ) فالبتولية تسمو العلاقة بين الإنسان والمسيح . علماً بأن سر الزواج والبتولية لأجل ملكوت الله كلاهما من الرب نفسه يصدران ، فهو الذي يؤتيهما قيمة ويجدد عليهما بالنعمة التي لا بد منها لممارستهما طبقاً لإرادتهِ . إحترام البتولية لأجل الملكوت ، والزواج في مفهوم المسيحي صوان لا يفترقان ، بل يتكاملان .
   التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "


10
المسيح الإله علمنا كيف نتأله
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( أنا قلت : إنكم آلهة ، وجميعكم بنو العَليِّ )
" مز 6:82 "
إبن الله تأنس لكي يعطي الفرصة للمؤمنين به أن يتألهوا وبحسب تعاليمه .
 الخطوة الأولى للتأله هي الإيمان بالمسيح بأنه الإله المتجسد في عالم الإنسان . ومن الإنسان أخذ له جسداً بشرياً .
الخطوة الثانية هي الأقتداء به وبحسب كلمته ( تعلموا مني ، فإني وديع ومتواضع القلب ) " مت 29:11 " . الإنسان الوديع هو الذي يعيش في صبر ، ويتحمل أخطاء الآخرين ، ولا يعطي مجالاً للغضب ، لأن الغضب يسر به عدو الخير ، فعلى الإنسان أن لا يغضب إلا من الأعمال الخاطئة ، كما غضب يسوع في الهيكل . فعلى من يقتدي بالمسيح أن يتخلى من إرادته الذاتية ليعمل بحسب إرادة ومشيئة الله ، ويقول كما قال المسيح للآب ( لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك ) وهكذا يسلم الإنسان حياته لإرادة الله لكي لا تكون له قرارات قد تكون ضد الله .
وبالإضافة إلى الوداعة نحتاج نحن المؤمنين إلى التواضع ، وعلى قاعدة التواضع نبني إيماننا وحياتنا ومسيرتنا نحو الله . فيسوع الإله أفرغ ذاته ، وأخذ صورة عبد ، ولم يطلب يوماً شيئاً لنفسه ، بل عاش كالفقراء منذ ولادته في مذود الحيوانات ، كما لم تكن له إمتيازات لكي تجعله أفضل من البشر ، بل كان مضطهداً منذ طفولته وحتى يوم صلبهِ .
عمل يسوع في تطبيق مشيئة أبيهِ الذي أرسله كحمل وديع يعدُ للذبحِ من أجل إعادة المصالحة بين الله والإنسان وبحسب عدل الله .
حياة الفقر تخفف من ثقل أحمال هذا العالم ، لهذا قال الرسول ( إذا كانت لنا كسوة وقوت ، فلنكتفِ بهما ) " 1 تيمو 8:6 " أي يحث المؤمنين إلى حياة التجرد وعيش الفقر لكي يكونوا بعيدين عن الغنى ، لكي لا يكنزوا كنوزاً على هذه الأرض ، بل في السماء .
 ليتضع الإنسان ويفرغ حياته ، ويتجنب من محاولة الحصول على حقوقه بقدر الإمكان ، لأننا ليس لنا حقوق في هذا العالم وخاصةً من يريد العيش حياة التواضع ونكران الذات . علينا أن يكون لنا الحق في التعبير ونقل الكلمة بشجاعة ، وبدون خوف ونحن في حالة الفقر وكما فعل يوحنا المعمدان وتحدى الملك الظالم دون أن يهاب من السجن والتهديد والموت ، بل صمِدَ بقول الحق إلى يوم إستشهاده . هكذا يجب على المؤمن أن يعيش الفقر ليموت عن أمور هذا الدهر ، ليولد للحياة الأبدية ، فيهيأ ذاته للدخول إلى باب الملكوت ، عندما يعمل بمشيئة الله ويتمم عمل الخالق ، وعلى هذا النحو ، كما ولد إبن الله بالجسد من مريم العذراء ، سيولد هو أيضاً في ملكوت السموات بقوة نعمة الله العظيمة . والله يريد الخلاص لكل البشر .
   المعنى الحقيقي لخلق الإنسان هو لدعوته للتأله . ولكي يشارك الله في حياته . ويا حبذا لو تذاع بين المؤمنين كلمة التأله ، وذلك لأن المسيح صار إنساناً إلهاً يرسل ألينا ضوءاً كاشفاً ينيرنا لنعرف من هو الإنسان ، ومن هو الله . والغاية من تأليه الإنسان هي أولاً ، لكي يتحرر من الخطيئة ، ليتحول إلى الإنسان الحقيقي الذي خلقه الله على صورته كمثاله . فكل ما يحول الإنسان عن الآلوهة هو لأنه خاطىء , وهذا هو الفرق بين المسيح المجرد من الخطيئة وبيننا نحن البشر . علينا أن نلبس المسيح لكي نتأله بهِ ، لهذا قال الرسول ( ومن إقترن بالرب فقد صار وإياه روحاً واحداً ) " 1 قور 17:6 " .
 مفهوم موضوع الله والإنسان في المسيحية ليس كباقي الأديان التي تكتفي بمجرد الإيمان بالله الموجود في السماء العالية ، بل هو الإيمان بالله الذي في السماء وفي الإنسان . فالله يُفَجِر بداخل المؤمن به ما هو كامن وقائم بالفعل ، وهذا لن يتم إلا من خلال الإيمان الذي يسيطر على طاقات موجودة في الإنسان ومعه الذي هو ( عمانوئيل ) فيقول كل منا ، بالله الذي معي أستطيع كل شىء في من يقويني . أي لا نستطيع بقدراتنا أن نبلغ ملء قامة المسيح إلا به فقط . فكل الناس قابلون للتأله ، لأن يكونوا حقيقة كالمسيح ، فيتحولوا إلى مسحاء آخرين . نحن المتحدين بجسد المسيح الواحد إبن الله ، فنحن أيضاً أبناء لله الواحد ، فعلينا أن نعيش هذا السر نفسهُ بنعمة روح المسيح الساكن فينا والذي جعلنا أبناء الله ، تقول الآية ( أن الذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقاً . لم تتلقوا روح العبودية لتعودوا إلى الخوف ، بل روح تبنّ به ننادي "أبا " أبتِ . وهذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله . فإذا كنا أبناء الله فنحن ورثة . ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث ، لأن إذا شاركناه في آلامه ، نشاركهُ في مجده أيضاً ) " رو 8: 14- 18 " ومشاركتنا هي في مجانية الحب الإلهي ليكون لنا شركة معه فنعيش ونحيا حياة الشركة فيما بيننا . إننا جزء من الطبيعة الإلهية المملوءة بالأسرار . فبعين الله ننظر بسبب إيماننا ! ويد الله تبسط علينا ، هي رجاؤنا لنشارك الله بعظمته .
في الختام نقول : إذا كان الله قد أرسل إبنه مولوداً من إمرأة وكما ولدنا نحن فصار إنساناً لكي يعيش معنا ويعلمنا ، ومن ثم يؤلهنا في ذاته . ولد من العذراء لكي يأخذ على نفسه خطأ جِنسنا حتى نصير نحن جنساً مختاراً وشركاء في الطبيعة الإلهية ( طالع 2 بط 9:1 ) فالله الآب بواسطة إبنهِ المتأنس يؤله ويضيء الجميع جميع البشر . ولكن ليس بحسب الطبيعة نكون أبناء الله ، بل بسبب الإبن الوحيد الذي يكون فينا ، وكذلك أيضاً الآب لا يكون أباً لنا بحسب الطبيعة ، بل لأنه أب للكلمة الذي يكون فينا ، والذي به وفيهِ نصرِح ونقول : يا أبا الآب . وهكذا الآب لا يدعو أبناء له إلا الذين يرى فيهم إبنهِ الوحيد الذي ليس جسداً مخلوقاً مكملاً ، حتى فيه نصير قادرين أن نتجدد ونتأله .
   التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



11

التربية الأسرية بين المسيحية والعلمانية

بقلم / وردا إسحاق قلّو

(لا تضلّوا فإن الله لا يسخر منه ، وإنما يحصد الإنسان ما يزرع )
" غل 7:6 "

  الزواج الناجح أساسه الحب المشترك والصادق ، وكذلك الشراكة في العيش تحت سقف واحد . وسر بقاء الحب هو الشراكة والتضحية من أجل الآخر ، وإحترام الآراء ، كل هذا يحمل في طياته إلتزامات متعددة . الزواج في المسيحية سّر عظيم يؤسس على صورة الإتحاد الروحي بين المسيح وعروسته الكنيسة المقدسة ، وإن خرج الزواج من هذا المفهوم فيدخل في إطار الوثنية وذلك لأن أعظم ما في ناموس الإنسان هو الأمانة للعهد الزوجي القائم على أسس الحب المتبادل والرضى الشخصي والإخلاص للشريك حتى الموت . على الأزواج المسيحيين أن لا يسيروا على هواهم ، بل أن يخضعوا للسلطة الضمير وتعاليم الشريعة الإلهية ولسلطة الكنيسة التي تفسر لهم الحياة الأسرية وفق ضوء الإنجيل تفسيراً دقيقاً . كما أن الأسرة الجديدة يجب أن لا تعيش لأنانيتها ، بل عليها أن تثمر ثماراً جيدة ليقدموا للمجتمع ولكنيسة الله بنين وبنات فيتحول البيت الذي يحتضنهم إلى مدرسة وكنيسة صغيرة . أبنائهم يكسبون ثروة إنسانية من الأخلاق والعلم وتربية بيتية نقية من الوالدين ، كما يتعلمون منهم المحبة والصبر والسخاء في العطاء والصفح للآخر والإيمان القويم ، خاصةً مخافة الله والعبادة والأخلاق الرفيعة . وبعد الأسرة تأتي الكنيسة التي تكمل عمل الوالدين في التربية . 

  أما الآباء الذين يهملون تربية وتنشئة أبنائهم متكلين على تربية المدرسة ، أو من الوسائل الإجتماعية والأجهزة الحديثة في تربطهم معها علاقة وثيقة إلى حد الإدمان ، فتلك الوسائل ستعزلهم حتى من الوالدين لتصبح لهم إستقلالية تامة بعيدين كل البعد من الأسرة والكنيسة والمجتمع فينمون في تربية شاذة غير مقبولة حتى من قبل الوالدين داخل البيت . وسرعان ما يختارون العزلة في الغرف المظلمة بعيدين لكي يستقلوا عن الأسرة ولكي يبحثوا على هواهم عن إمبراطورية حديثة عصرية تدفعهم للعيش في حياة خاصة  مخيفة ومرعبة من الإستقلالية الهدامة بداعي الحرية الشخصية والعصرنة بعيدين عن تحمل المسؤلية والأخلاق الحميدة والإحترام حتى للوالدين . وهذا ما تنبأ به الكتاب المقدس في سفر الحكمة . قال ( هكذا فكروا ، ولكنهم ضلّوا ، لأن شرهم أعمالهم ) " حك 21:2 " . وهذه الآية تضع الأصبع على جرح ما يعانيه مجتمعنا من إنحلال أخلاقي وتربوي ، وفساد يبدأ من العائلة وينتهي في أكثر فصائل المجتمع . بل بعض العوائل باتت مدرسة يتعلم فيها الأبناء دروساً خاصة في الإنحلال والفساد والتفكك الأسري الذي يقضي على أواصر الوحدة والتماسك بين أفراد العائلة والمجتمع .  والكثير من الآباء لا يكترثون لإنشغالهم في أعمالهم وحياتهم دون أن يخصصوا وقتاً كافياً لتربية أولادهم ومتابعة سيرتهم الذي هو من المواضيع المهمة والحساسة ، بل مسؤلية كبيرة ومباشرة يجب أن يتحملوها بكل جد

   التربية الأسرية هي مسيرة زرع وحصاد . فما يزرعون الآباء لأولادهم أياه يحصدون . ومسيرة الزرع تبدأ منذ نعومة أظفار الأطفال ، يبذرون في عقولهم بذار الفضائل الإنسانية كالتضحية وبذل الذات وإحترام القوانين والوصايا . وتعليمهم الفضائل الإلهية ( الإيمان والرجاء والمحبة ) إلى جانب التركيز على الإنتماء الروحي . في الأخير تنتهي المسيرة بحصاد الثمار . فالأهل سيحصدون ما زرعوه في قلوب ونفوس أبنائهم . وهذا يشبه البذرةالصغيرة التي زرعها الزارع في الأرض الطيبة وأعتنى بها ورواها بالماء ، وحفر حولها ، وسيَّجَها لكي يحفظها من أيدي الناهبين ، ولكي لا يدخل إليها إنسان غريب ويزرع فيها زوانه ، فعندما تكبر وتصبح شجرة ناضجة سيقطف منها ثمراً يانعاً . وهذا الثمر هو الفضائل التي تُزَيّن سلوك وسيرة الأبناء. .

   الأبتعاد عن تعليم الكتاب المقدس يؤدي إلى تدمير المؤسسة الزوجية القائمة في أساسها على الأمانة والإخلاص لتنشئة عائلة ملتزمة أمام الله والمجتمع . فعلى المجتمعات العلمانية وخاصةً في الغرب أن تعود إلى تراثها وتاريخها وإيمانها العريق لتخطي الصعوبات العائلية والعودة إلى إنجاب الأطفال وتكوين العائلة ، ومحاربة وباء الطلاق والإجهاض وزواج المثليين ، بل وصل الإنحطاط في المجتمع الغربي إلى محبة الحيوانات الإليفة كالكلاب والقطط على محبتهم لتربية الأطفال ، وقد نقد البابا فرنسيس هذه المحبة الزائفة التي تقضي على الأسرة التي هي نواة المجتمع . لمثل هؤلاء المنحرفين سيقول لهم المسيح الديان : 
( أذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ) " مت 41:25" 

 التوقيع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 " 

 


12

جوهر الشريعة وكمالها هي المحبة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
    قال يسوع لتلاميذه ( وصية جديدة انا أعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضاً ... ) " يو 34:13"
تجسد الرب يسوع في هذا العالم وحل فينا . جاء لا لينقض الشريعة والناموس ألتي أعلنها للبشر في العهد القديم . كما لم يأتي بنظاماً أخلاقياً جديداً لتعديل سلوك الإنسان ، لأنه لم يؤسس علم اللاهوت الأدبي لكي يعلِّم الأخلاق ، بل كل ما أتى به هو تبسيط تلك القوانين المُسّنة للبشر . فقد أوجز بسلاسة فائقة جميع الوصايا بالوصية المزدوجة ( محبة الله ، ومحبة القريب ) في " لو 27:10 "  أي ( المحبة ) لله والبشر . فيجب أن لا نفهم المحبة كعاطفة أو شعور ذاتي ، أو ردّ فعل حسّي ، بل نأخذه كموقف ونشاط تمليهما الإرادة التي تتجه نحو خير القريب ، وخير العدو . فالمحبة في نظر الرب يسوع تفرض قوانينها على جميع المواقف ، إنها شاملة ، فلا تنحصر أدوارها لبعض الأعمال فقط لأنها المحك الحاسم في كل فعل .
   بالمحبة نكتسب كل الوصايا ونمارسها كما ينبغي ولكي ينتهي العمل لمصلحتنا . فالمحبة تفرض على الإنسان ضميراً جديداً مسؤولاً يعرف كيف يستفيد من جميع إمكانيات الإعلام والتبادل . فوصية المحبة هي المحرك الأساسي لكل الفضائل ، ولكل مبدأ ، أو لكل مسلك إنساني نافع . الشريعة بقوانينها العشرة مشتقة من المحبة ، وليس العكس . إذاً المطلوب من الإنسان هو السيّر لا بحسب حرفية الشريعة ، بل بحسب روح الشريعة ، والمحبة هي التي تمكن من التغلب على النِزاعات حول الواجبات ، تلك النِزاعات التي تظهر حتماً إذا أُخذت الوصايا الخاصة حرفياً . وهكذا فالإنسان لا يسلك بحسب وصية أو تحريم خاص ، بينما يؤخذ بحسب ما يفرضه ويأذن به الواقع نفسه ، فكل مقياسٍ ، وكل وصيةٍ ، وكل تحريمٍ يستمد قوته الذاتية من محبة القريب الذي يرى أولاً ، ومن ثم محبة الله الذي لا يرى .
  فالمحبة الحقيقية في ضوء يسوع المسيح هي ذلك العطف الفَعال على الآخرين والتي تدفع الفاعل إلى القيام بالعمل الإيجابي النافع للمجتمع ، والنابع من قلبٍ مُحِب . وهذا ما قاله القديس مار بولس الرسول ( فالمحبة لا تعمل سوءً للقريب . وهكذا تكون المحبة إتماماً للشريعة كلها ) " رو 10:13 " . وحين يكتب العكس ، قال الرسول ( لو كنت عالماً بجميع الأسرار ، ولي الإيمان الكامل ، وقدمت جسدي ليحرق ، ولم تكن فيّ المحبة ، فما يجديني ذلك نفعاً ) " 1 قور 2:13 " . فالذي يعمل بالمحبة ، يطبق شريعة الله كلها ، لأن معنى شريعة الله هو المحبة .
ختاماً نقول : أن المسيح الذي رسم لنا الطريق لكي نسلكه ، ففي ضوئه نفهم لماذا على الإنسان ألا يبغض أخاه ، بل أن يحبه كنفسه . فلا يجوز أن يتسلط على الآخرين ، لأن صاحب السلطان يجب أن يكون لرعيته خادماً . فالمؤمن بكلام الإنجيل لا يبحث عن المناصب ولا عن الملذات ، بل عليه أن يقبل حياة الزهد والتواضع لكي يتجنب الجشع والأنانية وحب الذات . فمن خلال المحبة يتطابق المقياس الأعلى على مشيئة الله الذي يريد خير الإنسان في هذا العالم وفي الآخرة .
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1



13

عقوبة الله العادل في رحمته والرحيم في عدله
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( الله الرحيم الرؤوف وطويل الأناة صارم في عدله )
   من المعروف أن الكمال المطلق ، والقداسة المطلقة تخص لخالق الكون وحده ، اما الإنسان المخلوق فكماله نسبي ، وقداسته نسبية ومحدودة . القداسة هي المرحلة الأولى لرؤية الله وميراث ملكوته كما قال الرسول بولس ( سالموا جميع الناس وعيشوا حياة القداسة التي بغيرها لن يرى أحد الرب ) " عب 14:12 " . وهنا لا يعني الرسول بالقداسة عمل المعجزات الخارقة ، بل العيش في حياة التوبة والنقاوة المسيحية . أما طريق بلوغ الكمال النسبي فخطوته الأولى تبدأ بالتحرر من سلطان الخطيئة بالجهاد الحسن المستمر ، وبالتوبة والإعتراف بالتواضع وبمخافة الله وبالصلاة والصوم والوداعة وممارسة الفضائل المعروفة . 
   الرب يسوع دعانا في موعظته على الجبل لكي نبتعد من الخطيئة لنعيش في القداسة لنتقدم نحو الكمال ، لأنه يريدنا أن نكون كاملين كما هو والآب كاملين ، لهذا قال ( فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ) " مت 48:5 " وطريق الكمال طويل يشمل العمر كله للعمل المتواصل في الجهاد المستمر ضد الخطيئة ، وهذا الطريق شائك ومزروع بتجارب كثيرة ومختلفة الأنواع ويحتاج إلى دعم نطلبه من الله كل يوم لكي يعطينا النعم والفضائل ، أي لا يجوز الإتكال على قدراتنا الذاتية مهما بلغنا في الحكمة والعلم والإيمان . 
    أول من أسقطته الخطيئة هو الملاك " لوسيفير "الذي يسميه الكتاب بزهرة إبن الصبح و الذي كان قاهر الأمم ، وكان يمتلك قبل سقوطه أعظم أمتياز بين الملائكة ، كما كان ملآناً من الحكمة ... وكامل الجمال . "  طالع حز 28 : 11-15 " كان السبب الأول الذي دفعه إلى التمرد وعمل الخطيئة والموت الأبدي هو كبريائه وحب الذات والسيطرة والعلو . فدخل في المرحلة الأولى من مراحل السقوط ، وهي عمل الخطيئة التي أسقطت كاروباً كبيراً من بين صفوف الملائكة القديسين . إذاً على المؤمن مهما بلغ من التقدم في الفضيلة والقداسة عليه أن يعمل وكأنه في بداية الطريق فليحترس من تجارب عدو الخير لكي لا يسقط في الخطيئة ، لأن الخطيئة إذا كملت تنتج موتاً ( يع 15:1 ) . فعلينا أن نعرف بأن الخطيئة بحد ذاتها هي موت أدبي وروحي . وهذا ما نجده في أنجيل لوقا ( لأن أبني هذا كان ميتاً فعاش  ، وكان ضالاً فوجد ... ) " لو 15: 24 "  وذلك لأن الخاطىء وأن كان حياً في الجسد فهو مَيّت ، لهذا قصد الرب للذين يدفنون والد التلميذ الذي أراد أن يتبع المسيح  ( أتبعني .ودع الموتى يدفنون موتاهم ) " مت 8: 21-22" .
    عندما أخطأ ملاك كنيسة ساردس ، قال عنه الله على فم عبده يوحنا الرائي ( أنا عارف أعمالك إن لك إسماً إنك حي وأنت مَيّت ) " رؤ 1:3 " فالخطيئة هي الموت ، وكما يوضح لنا هذا الأمر مار بولس بقوله عن الخطاة ، قال ( كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا ) " أف 1:2" . وهكذا نصل إلى الفكرة فنعترف برأي الكتاب القائا ( أن إجرة الخطيئة هي الموت ) ، وبالموت نفقد صورة الله فينا ، والذي خلقنا على صورته كمثاله . الإنسان الذي فقد تلك الصورة الإلهية ، كان قبل الخطيئة قدوساً لأنه خلق من نفخة قدسية خرجت من فم الله القدوس . أما بعد إرتكاب الخطيئة ، فقال الله للإنسان ( أنت تراب وإلى التراب تعود ) نزع منه مجد الآلوهية ففقد مجد البشرية الذي كان يمتلكها . نتأمل بالجلالة التي كان يمتلكا الملك البابلي نبوخذنصر ، لكن بسبب كبريائه نُزِعَ عنه جلاله لكي يصير كأحد الحيوانات ( دا 5: 20-21 ) وشمشون الجبار فقد بصره ومركزه . والإبن الضال فقد كرامته بسبب الخطيئة وإبتعاده من دائرة بيت أبيه . ولهذا شعر بالخوف والقلق والضعف فتاب . 
لم نقرأ شيئاً عن آدم قبل السقوط بأنه كان يهاب الله ، بل كان صديقاً له . أما بعد إقتراف الخطيئة إعترف بخوفه من الله ، فقال له ( سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فأختبأت ) " تك 17:3 " وبهذا نتذكر الآية ( مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي ) " عب 31:10 " . كل هذا يظهر للإنسان الخاطىء فيعرف عقوبة الله العادل فيفقد السلام والإستقرار ليعيش في عذاب الضمير والخزي والهوان . أجل ، يجب أن تكون للخطيئة عقاب لأن الله عادل ، وكذلك هو رحيم وشفوق وطويل الأناة ، ويغفر للتائب خطيئته ولم يذكرها رغم كونه يكره عمل الخطيئة لكونه قدوس ومحب ، لهذا يدعو الخطاة إلى التوبة والقداسة والكمال . 
علينا أن لا نعتمد فقط على رحمة الله وننسى عدله ، بل أن نفهم ونعترف بأن الله عادل في رحمته ، وهذا الفهم يقودنا إلى التوبة والإعتراف لأن الله الرحيم هو صارم في عدله ، فهوذا لطف الله . أما صرامته فعلى الذين سقطوا ، وأما اللطف فهو لمن يثبت في اللطف وإلا فأنه أيضاً سيسقط ( رؤ 22:11 ) إذاً الله عادل في رحمته ، ورحيم في عدله ، فلا يمكن أن تنفصل رحمته عن عدله . وقد تتجلى الرحمة والعدل في وقت واحد كما في قصة الطوفان الذي حفظ نوحاً . وحرق سدوم وعمورة وأنقذ لوط البار . هكذا أنقذت رحمة الله الأتقياء وبالعدل عاقب الأثمة وحفظهم إلى يوم الدين .       
    عقوبة الله ليست للخطاةِ فحسب ، بل حتى للكاملين لأنهم لم يحتفظوا بكمالهم كما ينبغي . لهذا يقول الكتاب ( لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكةٍ قد أخطأوا ، بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم ) " 2بط 4:2" وفي سفر حزقيال يّوَضِح كمالهم ، فيقول ( أنت خاتم الكمال ملآن حكمة وكامل الجمال . أنت كامل في طرقك من يوم خلقت حتى وجد فيك إثم ) " 28: 11-15 " والسبب لأنه إختار الخطيئة فأنزلته إلى أعماق الهاوية  ( لكنك إنحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب ) " أش 14: 12-15 " . الله لا يرحم العصاة على وصاياه . واللعنة دخلت إلى العالم بسبب الخطيئة ، فعندما أخطأ آدم ، قال الرب ( ملعونة الأرض بسببك ) " تك 17:3" . 
  للخطيئة عقوبتان : أرضية وأبدية . الأرضية ، أما أن تكون ضربة من الله ، كما ضرب حيحزي  تلميذ إليشع النبي بالبرصِ عقاباً لخطيئته نتيجة حبه للمال . وكذلك فعل الله مع مريم أخت موسى . والضربات العشرة على مصر بسبب قساوة قلب فرعون . ووباء على بني إسرائيل بسبب خطيئة داود فمات منهم سبعون ألف رجل في يوم واحد ( 2 صم 15:24 ) . 
   أما العقوبة الأبدية فللإنسان الفرصة أن يتجنب منها بالتوبة . فالمرأة الزانية التي ضبطت في ذات الفعل ، فهي التي تابت فبللت قدمي الرب بدموعها ومسحتها بشعر رأسها ، فغفر المسيح لها العقوبة الأبدية . 
   الله يعاقب حتى الكاملين إن أخطأوا لأن عدله يجب أن يحكم على الجميع مهما كانت منزلتهم . فداود النبي والملك الذي وصفه الله بقوله ( وجدت داود بن يس رجلاً حسب قلبي ) لكن رغم ذلك غاقبه بسبب خطيئته . 
   حقاً مخيفةُ ومرعبة عقوبات الله العادلة . فكمال الله لا يتساهل مع الخطيئة ، بل يجازي كل واحد حسب أعماله مهما كان مركزه الأجتماعي والروحي عند الله . ويمكننا ان نفهم الدرس ونسير في طريق القداسة فنتوب عن الخطيئة ونقاومها بالنعمة التي نمتلكها فنسمو نحو القداسة والكمال فيكون لنا الخلاص . 
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "


14

مدارس الفن الروسي للأيقونة وفنانها روبليف
بقلم / الفنان التشكيلي وردا إسحاق قلّو
صورة الفنان أندريه روبليف على طابع روسي

 إبتدأ الفن الصوفي في روسيا برسم الأيقونات التي تحمل جمالاً مؤقراً ورصيناً سماوياً . وكان للفن البيزنطي تأثيراً كبيراً في ولادة هذا الفن في مدن روسيا .
  رسم الأيقونة هو ناتج ذهني يُعَبّر عنهُ الفنان الموهوب لرسم صورة لشخصية تنوب عن صورته الشخصية الحقيقية المتوارية عن الأنظار لتندمج معها ، والصورة هي وسيلة  تتكون من مجموعة خطوط وألوان تقربنا من المقصود لأهداف إيمانية . وبعد إنتهاء الفنان من الرسم تُكَرّس وتقدس من قبل آباء الكنيسة وذلك برفع صلوات خاصة ومن ثم تعرض في المكان المناسب في الكنيسة أو الدير .
 إبتدأ رساموا مدرسة موسكو برسم الأيقونات الروسية أكثر من غيرها من مدن البلاد وتميّزَت بطابعها البيزنطي . فكيف بدأ هذا الفن في روسيا ؟
دعا أحد أساقفة موسكو معلمين يونانيين لتزيين كنيسته باللوحات الجدارية ، ففي سنة 1395 م وصل إلى موسكو الرسام الشهير ثيوفانوس اليوناني ، فظل يرسم ويتلمذ حتى وفاته . لكن رغم هذا التأثير ، إنفرد الفن الروسي عن سلفه البيزنطي إذ لطف شىء من تقشفه ، فإنفجرت ألوانهِ ، وسطعت ببريق خاص وألوان زاهية ، وأتخذ في ما بعد طابعاً وطنياً ، فبدأ الفنان الروسي برسم وجوه القديسين المحليين ويعطيهم المكانة الكبرى في مواضيعه ِ .
   برزوا فنانين عباقرة في مدرسة موسكو ، منهم الرسام أندريه روبليف ، ومعلّمَي ديونيزي ، وهما من أشهر معلمي الرسم في القرن الخامس عشر ، أبدع روبليف برسم لوحة الصعود وكأنه عاش الحدث كتابياً وطقسياً وروحياً حيث تعمق في معنى الموضوع فشق الألوان وتلاعب بدرجاتها ، وقاس المساحات والكُتَل ، أما الوجوه فرسمها برقة ملحوظة تشير إلى ذوق رفيع وإحساس مرهف . وتلك اللوحة هي من مقتنيات متحف ( تريتياكوف ) في موسكو رسمها الفنان عام 1408 أشتركت لوحة الصعود في معرض أيقونة ( الصعود ) في أثينا في عام 2016 ، وشارك الزعيمان فلاديمير بوتين ورئيس وزراء أثينا في إفتتاح المعرض ، فقال رئيس الورزاء اليوناني ، أن بلاده تفتخر بإستضافة هذه الأيقونة وتعتبر ذلك شرفاً كبيراً .

ولد أندريه روبليف بين عام 1360 – 1370 في إمارة موسكو  وتوفي بين عام 1427- 1430. يعتبر واحداً من أعظم الرسامين الروس في العصور الوسطى ، ذلك الراهب الموهوب الذي دمج أسلوب نوفغورود والأسلوب الكلاسيكي لتعميق التعبير عن المشاعر الدينية ، وهوالذي أبدع في رسم أيقونة إبراهيم وهو يستقبل الملائكة الثلاثة ( الثالوث ) الشهير . جَرّدَ الموضوع من الحادثة التاريخية وأعاده إلى أصلهِ الأولي ، فعرى اللوحة من كل التفاصيل المألوفة وسَما عالياً بالمنظر العام إلى أجواء أثيرية سماوية رفيعة ، وجعلَ من الشخصيات الزائرة ثالوثاً يُعَبرعن ثالوث الله القدوس قبل إنشاء العالم ، أي في اللازمن . ولم يرسم إبينا إبراهيم معهم ، ليرسم الملائكة الثلاثة حول المائدة التي أعدها لهم إبراهيم . فحول الطعام كانوا الثلاثة يتنعمون بالسكنة والهدوء . وشعور بالراحةِ والسلام التي تنبعث من كيانهم . ورحتهم العجيبة حول المائدة تُعَبر عن ذهول ودهشة . وكان الكأس الحامل صورة الحمل موضوع إهتمامهم لأنه الحمل المذبوح والمهيأ قبل إنشاء العالم المادي . إنه قلب الثالوث الأزلي . فالله محبة في ذاتهِ ، في جوهره الثالوثي ، إذاً هو تضحية وذبيحة ، ومحبتهِ للعالم ليست إلا إنعكاس محبتهِ الثالوثية . يقول أفدوكيموف ( بين الوجود والعدم لا يوجد أساس كينونة إلا الأساس الثالوثي . إنه الأساس الذي لا يتزعزع ، الذي يجمع بين الإفرادي والجماعي ، ويعطي المعنى الأخير لكل شىْ ) . صورة الله الغير المنظور والمثلث الشموس لحقيقةٍ واحدة مطلقة هو ينتصب أمامنا كمبدأ وحيد لكل وجود . ساهمت عبقرية هذا الفنان في إبداع هذه الآية الفنية التي كثيراً ما تكلم عليها الزي الفني العالمي . جمالها كامن في إكتمالها الفني والعقائدي . فالملائكة الثلاثة يشكلون المجلس الأبدي . رسم تلك اللوحة عام 1411 وضاعت تلك اللوحة الشهيرة مئات السنين ثم تم العثور عليها من قبل النُقاد الذين ضربهم مهارة ذلك الفنان القديم .
   في سنة 1515 عندما دشنت كاتدرائية الرقاد في موسكو ، وكانت قد زُيّنَت بلوحات أنجزها تلاميذ روبليف ، وبينها أيقونة الأيقونات التي كان قد رسمها العملاق روبليف . أندهش الحاضرون أمام تلك الأيقونة الرائعة ، وهتفَ المتروبوليت والأساقفة والمؤمنين الحاضرين :
( في الحقيقةِ السماوات إنفتحت وإنكشف بهاء الله ) .
   في النصف الثاني من القرن الرابع عشر تطورت روسيا ثقافياً وروحياً بسبب تأثير القديس سرج رادونجسكي ، شفيع روسيا والأكثر القديسين شعبية في القرون الوسطى . إنعزل منذ صباه في غابة كثيفة في وسط روسيا فإلتف حوله تلاميذ عدة ، وبادر إلى بناء الأديرة في شمال شرق موسكو ، فبنى دير الثالوث ( زاغورسك حالياً ) فأصبح مركز إشعاع روسيا . وروبليف الفنان أصبح راهباً في دير الثالوث ، وتدرب على الرسم في مشاعل الدير الذي صار من أهم مراز الفن الكنسي في تلك الأيام . ثم ترك روبليف ديره وذهب إلى موسكو ليعمل رساماً ، ثم عاد إلى الدير بعد وفاة رئيسه الذي حزن عليهِ جداً .
الألوان
   للألوان لغتها الخاصة عند الفنان روبليف ، فيها تموجات وغِنى لا مثيل له ، كل قطعة من اللوحة تفيض بنورها البَهيّ الذي يتفجر من جذورها السرية . الصورة المركزية فيها كثافة في الألوانِ ( الأحمر الغامق يشير إلى المحبة الإلهية . الأزرق الكثيف ، ويدعى بأزرق روبليف ، يشير إلى الحقيقة السماوية ، ولذلك يتراءى تحت جُبّة ملاك اليسار الطبيعة الإنسانية للمسيح تجلل كبيعته الإلهية ) . سلسلة الألوان تتلاعب مع اللون الذهبي اللماع وتتناسق معه فتبرز الأيقونة كنتاج فني رائع يُعَبّر عن خلاصة سِحر روبليف الذي يوحى بشعور عميق ، ولكنه غير عاطفي . فيه رِقَة من دون ميوعة ، فيهِ أناقة ممتزجة بالرصانة ، وفي خطوطهِ خِفّة تحمل صلابة ومتانة .
برز فنانين كثيرين بعد الفنان روبليف منهم 1- اليكساييتروف 2- اليسبي بيجرسكي 3- فيدور زوبرف 4- سيمون أوثاكوف 5- ديونيسيوس 6- دانيال الأسوَد . وغيرهم .
   في الختام نقول : برزت في روسيا مدرستان لرسم الأيقونة ، وهي مدرسة موسكو ونونغورود الشهيرتان . كل مدارس روسيا تعود إلى ما قبل القرن السادبع عشر لأن بعد هذا التاريخ ، إبتدأ الفن الروسي يميل إلى الإنحطاط . المعلوم أن الفن الروسي ورث الفن البيزنطي ، تعلَّمَه الرسامون من المعلمين البيزنطيين ولكن الخِبرة المكتسبة والعبقرية المحلية والبيئة المختلفة والروحانية العميقة كلها عوامل مهمة ساهمت في إبداع فن جديد متميّز له علاماته الفارقة . ومع الوقت أصبحت الأيقونة الروسية تراثاً دينياً ووطنياً ورمزاً للدولة ، ترافق الرؤساء في المعارك وتحمي المؤمنين ، فالشعب الروسي إذاً لم ينقل فن الرسم بطريقة عمياء ، بل ساهم بذوق فنانيه وإبداعهم فطوروه ورسموا قديسين جدداً ومنهم الأبطال والأمراء البارزين . والجديد ، أنهم صوروا لوحات تمثل حروباً ، مما أوجد فناً له فرادته ومميزاته . ففي الرسم البيزينطي مثلاً نجد الألوان غامقة مكثفةً والوجوه على شىء من القساوة . لا يمكن الكتابة عن كل الأيقونات الروسية لكثرتها ، ومنها أيقونة الصليب التي تنتمي إلى مدرسة ( نوفغورود ) الرائعة من الناحية الفنية ، ومصدرها متحف لوفر . هذه الأيقونة مأساوية في موضوعها ، جميلة في إدائها ، ولكنها لا تخلو من شىء من الفرح . أما ألوانها فنقية ثابتة ، وأسلوبها متفوق ورفيع . كثير من الأناقة في حركة يوحنا الحبيب . جسد السيد ( نائم كالمائت ) وكأنه ملقى برشاقة على عود الصليب . وفي وقفة مريم وِقار يتحكم بالألم وكأن أمل القيامة مسيطر . كما سطرت أيقونات أخرى قصص من وحي الكتاب المقدس ، وكتابات الآباء والمخيلة الشعبية الروسية .

.

15

العنصرة وعمل الروح القدس في الكنيسة  ( ܦܢܛܩܘܣܛܐ )
بقلم / وردا إسحاق قلّو

        ( ... من لم يكن فيه روح المسيح فما هو من خاصته ) " رو 9:8 "
أولاً يجب أن نعلم أن الله الآب والإبن واحد . كلامهم واحد . وعملهم واحد موحد وهو عمل الروح القدس أيضاً . لأن الله واحد موحد في كيان واحد . والروح القدس الذي سيرسله في يوم العنصرة لا يخرج من الآب فحسب ، بل من الإبن أيضاً لأنه ينبثق من كليهما لأنهما واحد . لهذا يقول الرب يسوع ( أنا والآب واحد ) " يو 30:10 " أي الآب مقيم في الإبن . ويسوع أكد هذه الحقيقة بقوله ( صدقوني إني في الآب ، والآب فيّ ) وهذا التعبير هو تأكيد للوحدة بين الآب والإبن . وهّم يسوع هو أن يتمجد الآب فيه . وهو سيرتفع إلى الآب ، والآب أيضاً متجه نحو الأبن . إذاً هناك حركة دائمية ، فالآب يكشف ذاته في الإبن ، وبالعكس . لهذا قال يسوع ( من رآني ، فقد رأى الآب ) " يو 9:14 " فتوارى الآب عن أنظار البشر هو ليظهر في الإبن . قال يسوع أسأل الآب لكي يرسل لكم المعزي ليقيم معكم إلى الأبد ( طالع يو 16:14 )  . وهذا الطلب هو تعبير عن تواري الإبن ليظهر عمل الآب . والإبن يرد كل ما أعطي له إلى الآب . نعم الآب هو المصدر ، لكنه يتجه إلى الإبن في كل حين . فيعطي للتلاميذ المعزي . إذاً هناك معزًّ آخر ، أي هناك معزيّاً أول ، وبعد ذلك يصير هناك معزًّ آخر . فمن هو المعزي الأول ؟
   المعزي الأول كان الرب يسوع الذي أتى من عند الآب معزياً للبشرية ، وعلمهم طريق الملكوت والخلاص . أما المعزّي الثاني فسيأتي إلى العالم بعد صعود يسوع إلى عرشه السماوي ، إنه الروح القدس المعزّي ( الفارقليط ) .
   المعزي الأول أقام بين البشر في الجسد المرئي المنظور . أما المعزي الثاني فيقيم فيهم بالروح الذي لا يرى ، وسيحل محل الإبن في الكنيسة المنظورة . ، وسيشير دائماً إلى الإبن ، ويشهد له الإبن بإعتبارهِ الكلمة . إذاً الروح القدس الهابط على التلاميذ لا يلغي وجود الإبن ، بل يجد له حاضراً وفاعلاً إلى الأبد . وهكذا يتمم قول الرب يسوع لتلاميذه . قال ( هئنذا معكم كل الأيام ، وإلى منتهى الدهر ) " مت 20:28 " إذاً كما حل يسوع في أحشاء مريم يوم البشارة بقوة الروح القدس ، هكذا يحل ويولد أيضاً وبتلك القوّة ذاتها في قلوب المؤمنين بكلمة الله المتجسد فينا . فيتحول المؤمن إلى خليقةٍ جديدة لأن روح الله يسكنه ( طالع 1 قور 19:6 ) فيرفع الروح المؤمن الذي يسكنه في كل لحظة ويزوده بالفضائل والنِعَم ، إنها صرخة نبوية ، لأن يسوع الذي آمن به يطبع في قلبه ثقتهِ النبوية بروح القدس فيصبح الإنسان مستعد لتقديم ذاته من أجل المسيح ، لأن الروح يشدد الإيمان ويقويه .
   ليس الروح القدس يكون مع تلاميذ المسيح فقط ، بل الإبن أيضاً ، لكن بطريقةٍ مختلفة لكي يبقوا يتامى . رحل إلى السماء أمام أعينهم ليجلس على يمين الآب . لكنه سيعود إليهم بروحه القدوس . لهذا قال : بعد قليل ، لا يراني العالم . أما أنتم ، فتروني . أعطيت فرصة للعالم لكي يروا يسوع بالجسد فقط . أما الذين آمنوا به فيستطيعوا أن يروه بالروح . بل سيكون حياً بينهم بالروح إلى الأبد . فكما يقيم الآب في الإبن ، والإبن في الآب ، أعطي للتلاميذ أن يقيم يسوع فيهم . وأن يقيموا هم فيهِ إبتداءً من يوم العنصرة . ففي ذلك اليوم نزل الروح القدس على الكنيسة ، أنه روح الحياة ، والنبع المتدفق ماءً حياً للحياة الأبدية ( طالع يو 14:4 . و يو 7: 37-39 ) . تكلم مجمع الفاتيكان الثاني عن حضور الروح الفاعل في التاريخ ، تاريخ العالم وتاريخ الكنيسة . ويرى أنه يقود مجرى الزمن ويجدد وجه الأرض . ويراه في أسرار الكنيسة كمن يسكن فيها ، ويحيي الكنيسة ، ويقدسها . ويسير بها إلى إكتمالها الميعادي في إنتظار مجىء المسيح . والروح القدس هو الدافع إلى كل إكتشاف وتجدد في الكنيسة . يحفظ لها بقوة كلمات الإنجيل شبابها ، ويجددها باستمرار.
   عطية الروح القدس للكنيسة هي ميزة العهد الجديد ، فزمن الكنيسة هو زمن الروح القدس ، تولد من فيض حنانه ، وتحيا بتأثيره الدائم . وهذا الروح يعمل في العالم ، ويشفع المؤمنين بأناة لا تنضب . ويدفع المؤمنين إلى الصلاة والتقوة .
    قال الرب يسوع لتلاميذه (  من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا ، يعملها هو أيضاً ، ويعمل أفضل منها ) فعلى أي عملٍ تكلم ؟ تكلم عن عمل الله الذي يشير إلى سكنى الله في التلاميذ ! ما كان بإمكان التلاميذ أن يعملوا أفضل منها لو لم يشأ الرب الإله أن يقيم فيهم . فيسوع كان يشير إلى أعمال الله ، لأن الاب هو الذي يعملها ، بإعتبار الآب هو ساكناً فيهم . هكذا بات تلاميذ المسيح عبر الأجيال أن يعملوا أعمال الله ، لأن يسوع بات مقيماً فيهم  بروحه القدوس .
   وهكذا نقول : بعد الإيمان والعماد يحل الروح القدس في الإنسان ليولد بالروح ويصبح إبن الله فيصبح كل شىء له واضحاً ومكشوفاً ، وذلك لأنه عملياً سيعيش تحت أنوار الروح القدس فلا يبقى هناك مجال للظلمة أبداً لأن الظلمة لم تدركه ! . كل شىء سيكون في النور واضحاً في المؤمن . الرب يسوع إذاً يعطي لمن يتقبل روحه القدوس لكي يكون شريكاً في عمله ، وكلامهِ ، والكلمة الإلهية ستغيّرهُ لكي يصبح واحد مع الثالوث الأقدس في الطبيعةِ والجوهر . نطلب ونقول للروح المعزي : أيها الروح القدوس ، روح الحق الحاضر في كل مكان ، واهب الحياة ، هلم وإسكن فينا وطهرنا من كل دنس وخلص نفوسنا ، وجدد وجه الأرض كلها .
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "


16

صعود الرب إلى السماء  ܣܘܠܵܩܐ
بقلم / وردا إسحاق قلّو

   بعد يوم الأربعين من قيامة الرب من بين الأموات تحتفل الكنيسة المقدسة بعيد الصعود الذي يصادف في يوم الخميس من كل عام ، ويوم الصعود هو آخر يوم لوجود المسيح مع شعبه بجسده القائم من بين الأموات وعليه سماة جروحه المقدسة فيتعمق المؤمنون في معنى العيد بالصلاة والتأمل ، فيوم الصعود هو يوم الوداع بعد أن ألتقى يسوع مع التلاميذ وتراءى لكثيرين بعد قيامته وشجعهم للسير في السراط الذي رسمه لهم . فصعود الرب إلى السماء هو فراق محزن لكنه إنسلاخ بالنسبة إلى التلاميذ . فالمعلم الذي يغادرهم ، ويرفع أمامهم بجسده البشري إلى السماء ، كان لهم نوح وحزن وألم ، لكن صعوده قبل الجميع إلى السماء هو لتهيئة المكان المناسب للمؤمنين به . صعد يسوع من جبل الزيتون بعد أن بارك الجميع بيده المباركة وإفترق عنهم بصعود جسده أمام الجميع نحو السماء وإلى أن دخل في سحابة لكي يدخل في مجد الثالوث . نزل أولاً من السماء فهبطت السماء معه إلى الأرض ، لكي تتجه الأرض بعد ذلك إلى السماء وبحسب وعده لتلاميذه ، ولم يتركهم يتامى ، بل سيهىء لهم المكان .
صعد أمام الجميع في اللحظات التي كان الجميع ينظرون إليه ، وجاذبية الأرض عاجزة عن إجتذابه إليها ، لأن جاذبية السماء أقوى من مغناطيسية الأرض .
   لم يذكر أعمال الرسل وجود مريم أم الإله مع الرسل لكي تودع إبنها إلى عرشه السماوي . فإين كانت العذراء ، أليست مستحقة أكثر من الجميع لتتمتع بهذا الفرح العظيم ؟ نعم هناك صمت وإخفاء لوجودها ، كما كان هناك صمت وسكوت عن موضوع لقاء إبنها معها بعد القيامة ، لكنها كانت في وسط التلاميذ يوم العنصرة .
   العذراء كانت موجودة حتماً في الصعود ، وهذا ما يثبته لنا التقليد الكنسي . والكنيسة نظمت أناشيد تتلى بهذه المناسبة ، منها ( أقبلت مع تلاميذك إلى جبل الزيتون فكانت معكَ والدتكَ يا باري الكل ، فإن التي توجعت حين آلامك أكثر من الجميع وجب أن تتمتع أكثر من الكل بالفرح بتشريف ناسوتك أيها السيد ) .
   ظل الرسل ينظرون نحو السماء إلى أن ظهر لهم ملاكان سماويانِ بلباس أبيض ، فقالا للرسل ( أيها الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء ، أن يسوع هذا الذي أرتفع عنكم إلى السماء ، سيأتي هكذا كما عاينتموه منطلقاً إلى السماء ) " أع 1: 1-13 " كذلك في يوم قيامته من بين الأموات ، قال الملاكان للنسوة ( لماذا تبحثنَ عن الحي بين الأموات ؟ ) " لو 5: 24" والغاية من ظهور الملائكة هو لتاكيد تلك الحقيقة .
   حركة يسوع العمودية نحو السماء يوم الصعود ، هي صورة لمجيئهِ الثاني ، وكما أكدوا الملائكة للحاضرين ، فتسرب الفرح إلى قلوب الحاضرين كما رأوا سيدهم المنتصر داخلاً في مجده الأبدي . وهذا المجد جاء بعد أن حقق النصر ، ونشر الملكوت في القلوب ، وأنهى مهمته الأرضية لينال الأستقبال اللائق به في السماء . لمع بريق الأمل في المودعين لمخلصهم ، فولد في قلوبهم فرحاً عظيماً ، لأن الصعود هو الخطوة الأولى نحو العنصرة . فبعد هذا الفراق إلتجأ الجميع إلى العلية مع العذراء لكي يقضوا الأيام العشرة القادمة بالصوم والصلاة ، والإستعداد لقبول وعد الرب في إرسال الفارقليط لهم لكي يعزيهم ، ويقويهم ، ويقودهم إلى مرحلة العمل الذي ينتظرهم . ففي يوم الصعود أشتموا رائحة نار العنصرة ، فشرعت أذهانهم تنفتح تدريجياً . فإنطلقوا من جبل الزيتون إلى أورشليم لينتظرو هناك وعد السيد . فرغم إنتقاله وغيابه عنهم شعروا بالأمل والغبطة .
   وعلينا نحن أيضاً أن نتهيأ للإنطلاق إلى حيث هو المخلص ، إلى تلك الديار التي أعدها لنا بحسب وعده . فلنتهيأ ونلبس لباس العرس لكي ندخل في ذلك العرس العظيم . فحياتنا الأرضية ليست إلا مقدمة للحياة الآتية التي نحن مزمعين للإنجذاب إليها .
    يسوع المسيح الذي تركنا في الجسد موجود معنا ، وفي داخلنا بروحه القدوس إلى أن نصل إلى مملكته السماوية فنصبح له شعباً ، ويكون لنا رباً وإلهاً أبدياً 
والمجد الدائم للرب الصاعد إلى السماوات
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



17

مريم دائمة البتولية ... والرد على الهرطقات
بقلم وردا إسحاق قلّو
في عمق الزمان خطط الله لخلق الكون المتكون من السموات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى فخلق بكلمة منه الأرض وملايين المجرات الشبيهة بأرضنا . يقول العلماء أن عدد النجوم والكواكب يساوي حبات الرمل على شواطىء البحار تسير بنظام ودقة متناهيين لأن الله هو الذي يسير الكون وكل هذا أعده الله لخلق الأنسان الذي سيخلقه على صورته كمثاله لكي يتسلط على الأرض كلها " تك 26:1" . لكنه أيضاً سيعطي للأنسان المخلوق حرية الأختيار في عبادته وأطاعة شرائعه .  فلهذا علم الله بأن الأنسان سيخطأ يوماً فلا يجوز أن يخلقه للهلاك فوضع له خطة لخلاصه ، فمهد أبنه الوحيد الأزلي لكي به ينقذ الجنس البشري الخاطىء ، فكانت فكرة تجسد الأبن من الأمور المهمة قبل الخلق حيث الأبن هو الكلمة والكلمة كان عند الله " يو 1:1 " . وعندما يرسل أبنه ليتجسد في إمرأة ومنها يأخذ جسداً بشرياً ، إذاً يجب أن تكون تلك المرأة طاهرة نقية من دنس الخطيئة ، فأختار مريم العذراء قبل إنشاء العالم المادي ، وقبل أن يفكر بخلق آدم كانت مريم موجودة في مخطط الله لخلاص البشرية التي سيخلقها . فيسوع الخالق لكل شىء هو من أختار له أماً ، وأصطفاها من بين نساء العالم ، وأرادها أن تكون قديسة أكثر من كل القديسين وبغير عيب، فبقيت معصومة من كل معصومة من الخطيئة ، لأن الروح القدس عجنها وكوّنها خليقة جديدة ، لا وبل حواء جديدة ، وأم طاهرة لأبناء العهد الجديد .
خلق الله السموات والأرض وفي اليوم السادس خلق الأنسان وسقط في الخطيئة وبما أن أجرة الخطيئة هي الموت بسفك الدم . لهذا بدأ العهد القديم بتقديم ذبائح حيوانية من تيوس وكباش وثيران وغيرها وكانت
كلها تقدم لله لمغفرة الخطايا ، لكنها لا تفي بالغرض المطلوب عند الله ولا حتى دم أنسان يكافىء الخطيئة ويصالح الله مع البشر ، لهذا لم يسمح ملاك الرب لأبراهيم لتقديم إنه إسحاق ذبيحة للرب . أذن الإنسان لا يستطيع أن يعيد العلاقة بينه وبين خالقه لأنه لا يستطيع دفع ثمن خطيئته  . لهذا على الله وبسبب محبته الفائقة للبشر قرر دفع الثمن بدم أبنه . لكن الله روح وليس فيه دم لكي يقدم نفسه ذبيحة عن البشر لهذا قرر أن يرسل أبنه الوحيد لكي يتجسد ويأخذ من الإنسان جسداً بشرياً  من أجل تنفيذ هذا الواجب ، وبموته يسكب دمه كذبيحة لكي يصبح خاتم كل الذبائح وبه سيتم الصلح وينشق حجاب الهيكل الذي كان رمزاً للحاجز الذي يرمز الى غضب الله على الإنسان فبموت الرب سيزيل الحجاب الحاجز بين الخالق والمخلوق .
تعاقبت نبؤات ورموز عديدة عن العذراء ، تلك المرأة المزمع إتيانها إلى العالم ، قال الله للحية التي أسقطت الأبوين ( ولأجعلن العداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ، فهويسحق رأسكِ .. ) " تك 15:3" والمرأة هي مريم التي انتصرت على الحية وأخمدت قوتها .  وكذلك العليقة المشتعلة التي رآها موسى في جبل حوريب وهي لا تحترق ، والله لم يسمح لموسى من الإقتراب من العليقة لأنها مقدسة .  وكانت العليقة رمزاً للعذراء التي ستحبل بالكلمة الإله المتجسد . فالعذراء حملت نار لاهوت الإله المتجسد في أحشائها دون أن تحترق ، فكم بالحري تكون قدسية العليقة الحقيقية مريم أم الرب ، وكم يجب على الإنسان أن يحترس عندما يقترب منها بأفكاره ، وكم يجب أن يطوبها ويقدسها ! ؟ 
وإشعياء النبي تنبأ عن ميلاد الله المتجسد قائلاً (ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ) " 14:7
والمقصود بهذه الآية هو أن هناك معجزة في كلمة العذراء التي ستحبل وتلد وستبقى عذراء .
وعندما جاء ملء الزمان " غل 4:4" جاء ملاك الرب وبشر مريم قائلاً ( ستحملين وتلدين أبناً وتسمينهُ يسوع ) " لو 31:1" . وكانت مريم قد نُذِرَت من قبل والديها للهيكل ، وهي تريد أن تلتزم بذلك الوعد ، وتحفظ ببتوليتها دون تراجع . فوضح لها الملاك بأن الحبل الإلهي لا يمس بتوليتك  ونذرِكِ ، بل ستظلين كذلك إلى الأبد . وطريقة الحبل هو من عمل الله ، لا يدركه عقل إنسان ، وحسب قوله ( الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظللك ) " لو 35:1 " . فقالت للملاك ( أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك َ ) فحل الروح عليها فحبلت بالكلمة الأزلي ، وأتخذ منها جسداً من لحمها ودمها لكي يصبح إنساناً ويحل بيننا . فأتحد لاهوت الله بناسوت الإنسان إتحاداً أبدياً بغير إنفصال أو تغيير أو إمتزاج ، فدعيت أم الإله و ( أم ربي )  . لأنها لم تحبل بمخلوق ، بل بالخالق الذي خلقها . إنه ليس من زرع إنسان ، بل من قوة الله . فظلت عذراء . وفي الولادة خرج منها دون أن يفض بكارتها لأنه الله الذي لا يحده مكان ، وهو القادر على كل شىء ، فظلت بتوليتها مختومة . كذا يليق بكلمة الله الذي ولد من أب منذ الأزل من دون أم ، وعلى هذه الأرض ولد من أم من دون أب لتكون ولادته الثانية شهادة عن الولادة الأولى . لقد أكد لنا سفر نشيد الإنشاد بتولية العذراء بهذه الأية ( أنتِ جنة مغلقة يا أخت العروس ، أنتِ عين مغلقة وينبوع مختوم ) " 12:4 " .
أما حزقيال النبي فرأى باب المقدس المتجه للشرق مغلقاً فقال له الرب ( هذا الباب يكون مغلقاً لا يفتح ولا يدخل منه إنسان لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقاً ) " حز 44: 1-2 " . وهذا الباب كان يرمز إلى رحم العذراء التي ستحبل بالكلمة المتجسد . وسيبقى مغلقاً لتبقى عذراء دائمة البتولية ، وهذا الإيمان أبتدأ منذ فترة الرسل إلى اليوم .   
وهكذا خرج الرب من القبر المختوم . ودخل إلى العلية والأبواب مقفلة ، ودخل إلى قلب توما المقفول بسبب عدم إيمانه بقيامة سيده . يسوع هو الإله الموجود في كل مكان ولا يحده أي شيء ، والقادر على كل شيء " رؤ 8:1 " إذاً لا يمنعه أي حاجز في الدخول والخروج .
عقيدة الحبل بها بلا دنس
  عقيدة الحبل بها بلا دنس من العقائد التي تُؤمن بها الكنيسة الكاثوليكية فقط ، تأخر الأيمان بهذه العقيدة وكذلك الأعلان عنها الى سنة 1854 حيث أعلنها البابا بيوس التاسع وأيدته العذراء مريم بنفسها عندما ظهرت الى القديسة برناديت سوبيروس في لورد بفرنسا سنة  1858 أي  بعد أربعة سنوات فقط وذلك بعد طلب القديسة برناديت المتكرر من العذراء " ما أسمكِ " ؟ وكان ذلك طلب الكاهن راعي الكنيسة من  برناديت لكي تقول لتلك السيدة من أنتِ ؟ فجاوبتها العذراء قائلة " أنا الحبل بلا دنس " فأخبرت برناديت كاهن الرعية فعرف في الحال بأنها مريم العذراء.
     حبل العذراء بلا دنس هو أمتياز خاص لها من دون البشر حيث منذ البدء أراد الله أن يُهيئ لتجسد ابنهِ هيكلاً مُقدساً وطاهراً يليق بأبن الله . هكذا صانها الله منذ اللحظة الأولى التي حبلت بها أمها سليمة من الخطيئة الأصلية الموروثة وذلك بالنعم الخاصة من لدُنِهِ وهو القادر على كل شئ ، لأن من خلالها سيولد مُخلّص العالم ، فولدت مريم عظيمة من القديسة حنة ، لقد أغنيت مريم  باستحقاقات ابنها منذ الحبل بها وباركها الآب بكل البركات .
هناك الكثيرون يتصورون عكس ذلك لكي ينالوا من مكانتها وقدسيتها ودورها في الكنيسة ، فيحاولون أنهاء ذلك الدور بعد ولادة الرب لتصبح إنسانة أعتيادية لا علاقة لها بالكنيسة والإيمان بل موتها كان نهايتها ، لهذا يتهموها بأنها قد أنجبت بنين وبنات من يوسف مستندين الى بعض الآيات الأنجيلية التي يفسروها كما يحلو لهم لأثبات أدعائهم الخاطيء . سنتناول كل تلك الآيات بدقة ومن خلالها سنثبت دوام بتولية مريم وأن يسوع الرب هو القادر على كل شيء . كما علينا أن نعرف بأن كل الأولاد الذين يأتون من نسل رجل سيكونون خطاة كباقي البشر وفي الوقت نفسه سيكونون أخوة للرب . فهل يعقل بأن يكون لله أخوة خطاة ؟ هذا السؤال نطرحه لأولئك المفترون بأم الله النقية ، وكما نقول كيف بدأت مريم بالروح وتكمل حياتها بالجسد وشهواته ؟ كيف يمكن أن يصبح مسكن الله المقدس مسكناً لأنسان خاطيء ؟ وكيف تتجول في عقولهم مثل هذه الأفكار ويتجرعون بالبوح بها ؟ قال القديس ساويرس الأنطاكي : حينما أريد أن أنظر الى العذراء والدة الإله فمنذ أول بادرة يبدو لي أن صوته من جهة الله يأتي صارخاً بقوة في أذني ينبئني " لا تقترب الى هنا أخلع حذائك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرضاً مقدسة "
أذاً للصعود بأفكارنا وأرواحنا وتأملاتنا في أي موضوع لاهوتي يمكن أن نتأمله أجل شأناً من موضوع والدة الله ؟ كل الأبحاث تتوقف عند ختم البتولية الذي هو سراً عجيباً لا يمكن أن نجتهد بتفاسيرنا للطعن به أو التحدث عنه بكلمات مشحونة بالشك لقدرة الله العجيبة في هذا العمل ولمثل هذا السبب صرخ يعقوب قائلاً : ( ما أرهب هذا المكان ما هذا الا بيت الله وهذا باب السماء ) اليست العذراء اذاً بيت ومسكن الله ؟ اليست العذراء الهيكل المقدس الذي حمل القربانة الحية ؟ فلماذا الشكوك ولماذا الأعتراضات بحق بتولية العذراء ؟المفترون يتعللون شكوكهم بحق بتولية العذراء مستندين على ما جاء في أنجيل متى " 1: 24-25" ( ولم يعرفها حتى ولدت أبنها البكر) . وهذه الآية تشير لهم ضمناً بأن للعذراء أولاداً من يوسف بعد ميلاد الرب حيث يركزون على كلمة ( حتى ) وكذلك على كلمة ( البكر ) مدعين بأن كلمة  ( حتى ) تعني أنه عرفها بعد ولادة أبنها البكر . لكي نفهم كلمة حتى التي تدل على الأستمرار حيث تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها ، أي أذا كان ما قبلها مثبتاً كان ما بعدها مثبتاً أيضاً. وأن كان منفياً كان ما بعدها منفياً .
بهذه الطريقة نستطيع أن نفهم كل أيات الكتاب المقدس المشابهة لهذه الآية ونتناول بعضاً منها
  ( وخرج الغراب متردداً حتى نشفت الماء) " تك 7:8 . نلاحظ قبل كلمة  حتى  منفياً حيث كان الغراب متردداً أي منفية لهذا لم يرجع الغراب بعد أنطلاقه أبداً فأرسل نوح الحمام بعده.
  ( قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك )" مز 1:11" هنا نجد قبل كلمة حتى مثبتة لهذا جلس الرب عن يمين الآب واضعاً أعدائه تحت قدميه .
 ( ولم يكن لميكال بنت شاول ولد حتى يوم موتها ) "2 صم 23:6" هنا الجملة منفية قبل حتى فهل أنجبت ميكال ولداً بعد موتها ؟ ! وهل يمكن أن تلد بعد الموت ؟
 ( وها أنا معكم كل الأيام حتى أنقضاء الدهر ) "مت20:28 " ما قبل حتى مثبتة لهذا يبقى الرب معنا الى أنقضاء الدهر.
 ( عيوننا نحو الرب حتى يترأف علينا ) " مز 123: 2 " هنا قبل كلمة حتى مثبتة اذن ما بعدها أيضاً مثبت فعلينا أن نرفع عيوننا نحو الرب الى أن يترأف علينا.
هذه الآيات هي القليل من الكثير وحتى الآية ( ولم يعرفها حتى ولدت أبنها البكر ) لا تخرج من هذه القاعدة فكيف فسرها الهراطقة بأن يوسف عرفها فولدت بنين ؟ فسر القديس يوحنا ذهبي الفم هذه الآية فقال : ( أستخدم الكاتب هنا كلمة - حتى - لكي لا نشك أو نظن أنه عرفها بعد ذلك أنما ليخبرك أن العذراء كانت هكذا قبل الميلاد ولم يمسها رجل قط ) ربما يقال لماذا أستخدم كلمة ( حتى ) ؟ الجواب لأن الكتاب أعتاد أن يستعمل هذا التعبير دون الإشارة الى الأزمنة المحددة وكما التمسنا من الآيات أعلاه
أما عن الرد على الهراطقة عن أن للعذراء أولاد غير الرب الذي كان بكراً فيقولون أن ( البكر) هنا تعني بأنه الأول بين أخوته ، وهذا يعني أنها أنجبت أولاداً غيره . فالجواب هو : جاء في سفر الخروج 2:13 ( قدس لي كل بكر كل فاتح رحم من بني أسرائيل من الناس ومن البهائم . أنه لي . فالمولود الأول كل ذكر فاتح رحم سواء جاء بعده أولاد أم لا. فسر القديس جيروم في رده على هلقيديوس وهو منكر بتولية العذراء قائلاً : ( كل أبن وحيد هو بكر ، ولكن ليس كل بكر هو أبن وحيد ) .

ما يثير شكوك الهراطقة في هذا الموضوع هي المحاور التالية

1- أخوة الرب ( أخوته ... أخوتك ... أخو الرب ) 2- ( لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ) 3- ( ولم يعرفها حتى ولدت إبنها البكر ) .
  هذه العبارت جعلت المشككين يظنون أن العذراء قد تزوجت من يوسف فعلاً بعد ميلاد السيد وأنجبت منه بنين وبنات .
  تابوت العهد كان مقدساً عند الشعب العبري لأنه يحتوي ما يرمز إلى المسيح ، والتابوت يرمز إلى العذراء التي أحتوت يسوع الإله . لم يسمح لأحد أن يحمل التابوت إلا اللاويين المكلفين بخدمة التابوت ، وكانوا يحملون بخوف ورعده . فعندما أمر داود بنقل التابوت إلى أورشليم على عربة تجرها الثيران . تعثرت الثيران فمال التابوت فمد يده عزة الذي كان يقود العربة ولمس التابوت بيديه لكي يمنعه من السقوط ، فأماته الله في الحال . وهكذا سينال كل من يلمس العذراء التي حملت الإله الحقيقي .
إنتقال العذراء
أنطلقت تلك البتول إلى السماء لتأخذ المُلكَ ويتوجها الثالوث الأقدس ، فلنتهلل إذاً بالرب الذي كرمها . أستقبلها الإبن مع أجواق الملائكة الذين كانوا يهتفون المزمور ، قائلين ليسوع وأمه ( قم يا رب إلى راحتك أنت وتابوت عهدك ) ” مز 8:132 ” أي أنت يا رب والتابوت الذي كان يحمل قدسك أيها الإله العظيم ، ذلك التابوت المختار هو مريم  التي حملته في أحشائها لتصعد هي أيضاً إلى السماء . وإبن الله قد فرح بصعودها إليه لتمضي وتجلس على العرش السماوي .
داود النبي الملك وجميع شعبه كانوا يحملون تابوت عهد الرب بأناشيد وتهليل وصوت بوقٍ ، وما كان ذلك إلا نبؤة ترمز إلى صعود التابوت الحقيقي ” مريم ” والدة الإله الذي جاء واستقبلها مع أجواق الملائكة ليستقبلوها بأحترام فائق . قال القديس برناردوس السياني ( لكي يكرم يسوع المسيح إنتصار مريم والدته ، جاء من السماء إلى ملاقاتها ، وأخذها برفقته إلى الأخدار السماوية ) ويقول القديس أنسلموس: ( إنّ المخلص أراد أن يصعد أولاً إلى السماء قبل أن ترتقي إليها أمّهُ ، ليس فقط لكي يهيىء هناك عرشاً لائقاً بهذه الملكة ، بل أيضاً ليجعل دخولها إلى السماء ذا مجدٍ عظيم بحضوره إلى ملاقاتها ، وبرفقته أرواح الطوباويّين أجمعين ) . لنتأمل كيف أستقبل يسوع والدته متكلين على آيات تنبأت بهذا الأستقبال وعلى فم يسوع وهو يقول لها بحسب الآية : ( أنهضي يا قرينتي ، تعالي يا جميلتي وهلمىّ يا حمامتي ، فها الشتاء قد عبَر والمطر ذهب وصار إلى ذاته ) ” نش 10:2″.
بادر البابا بيوس الثاني عشر بأخذ آراء الأساقفة الكاثوليك في العالم بشأن عقيدة انتقال العذراء إلى السماء، فتقبّل معظم أساقفته هذه البادرة بفرح . وانصبّ اللاهوتيون على دراسة هذه المسألة باهتمام ، الى ان اعلن البابا عقيدة انتقال العذراء بالنفس والجسد الى السماء في الاول من نوفمبر سنة 1950.
تحتفل الكنيسة الكاثوليكية بعيد أنتقال مريم العذراء إلى السماء بالنفس والجسد يوم  15 آب من كل عام .


18
ولادة الكنيسة من الجنب المطعون
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال يسوع لتوما ( هات أصبعك إلى هنا ، وانظر يديّ . وهات يدكَ ، وضعها في جنبي . ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمناً ! ) " يو 27:20 ".
     تجسدَ ابن الله لكي يصالح السماء مع بني البشر الساقطين في الخطيئة . دفع المصلوب ثمن الخطيئة على الصليب فتمم الفداء والخلاص بتكفيره عن خطايا الجنس البشري ، قال الرسول ( صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول : أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا ) : 1 تيم 1: 15 " . فمن يؤمن به وبعمل صليبه سيخلص من الدينونة الأبدية ، أسس الرب المتجسد شعباً جديداً مختاراً أستلم كرم الله من الشعب القديم الذي رفضه الله لعدم أمانته ، ولعدم إيمانهم بأبنه ، والشعب الجديد هو جسد الرب ، أي كنيسته المقدسة والمسيح هو رأسها وراعيها ، ولدت الكنيسة من جنبه المطعون على الصليب ، فيسوع هو الذي حبلَ بكنيسته ، وعاش ألم المغاض الذي تكلّلَ على صليب الجلجلة .
حواء أخذت من ضلع آدم ، أي من جنبه ،  لتصبح أم البشرية . ومن الجنب المطعون ليسوع الذي هو آدم الجديد خرجت الكنيسة في سرّ من أسرار الحب الإلهي للبشر، فالرب يسوع أبدع بخليقة جديدة على الصليب ، وكذلك بقيامته من بين الأموات .
    فوق الصليب طلب يسوع المغفرة لصالبيه ، ثم أسلمَ الروح إلى أبيه السماوي . وعبارة ( أسلمَ الروح ) تعادل تعبير ( نفخَ ) . قال الكتاب ( نفخ الله في التراب ، فكان آدم ) " طالع تك 7:2 " . وعلى الصليب ، أسلمَ يسوع الروح ، فكوّنَ بروحه الكنيسة ليستمر وجودها على الأرض ، وفي السماء . لم يكوِّن الكنيسة من التراب ، بل من الكلمة .
       مريم العذراء أحتلت المكان المرموق في حياة مؤمني كنيسة ابنها لتصبح هي صورة الكنيسة فيتعاطى معها المؤمنين كأم ربهم ومخلصهم لكي تحتضنهم وتحميهم وتشفع لهم عند أبنها المخلص الذي هو الشفيع الأعظم لدى أبيه السماوي . فالعلاقة بينها وبين ابنها الإله عبر الأجيال هي علاقة كيانية دموية وروحية ، لا يمكن إنكارها ، ولا يمكن الإستغناء عن دورها كأم لله وللكنيسة .
   المسيح الذي حبلَ بالكنيسة منذ يوم ولادته إلى صعوده على مذبح الصليب ، وَلدها على قمة الجلجلة . وكانت أمه مريم واقفة عند الصليب تمثل صورة تلك الكنيسة حديثة الولادة وأماً لها ، قبل الصلب كانت علاقتها بيوحنا الحبيب ، كعلاقتها مع كل المؤمنين . لكن عندما قال يسوع لها عن يوحنا الحبيب ، هذا أبنكِ . وليوحنا ، هوذا أمكَ . هنا وضع المسيح حجر أساس الكنيسة وأعلنها في تلك الساعة ، فأخذ يوحنا العذراء إلى بيته . أي أخذها ليصبح أبناً لها بكل معنى الكلمة . وأبناً للكنيسة الجديدة . تمسكت الكنيسة بمريم بكونها والدة الإله ، وما دام الرب يسوع هو أبن الله ، أتى منها بالجسد ، فالكنيسة أيضاً تأتي من والدة الإله بالروح . تأتي منها إلى أبنها ، وهكذا تتم الذبيحة الإلهية بشفاعة والدة الإله . وتبقى مريم أمةُ لله ، ومطيعة مخلصة لربها وأبنها الذي أخذ منها جسده .
  علاقة الكنيسة بأم الإله هي علاقة والدة يسوع بالمؤمنين به متجذر من الدماء والماء التي سالت على الصليب فأسس سر الأفخارستيا الذي هو مركز كل الأسرار الكنيسة وأهمها .
      قال الأب الأقدس مار فرنسيس : تولد الكنيسة من فعل محبة الصليب العظيم ، من الجنب المطعون الذي خرج منه دم وماء كعلامة لسرّي الأفخارستيا والعماد . فالقوة الحيوية في عائلة الله وفي الكنيسة ، هي محبة الله التي تتحقق من خلال محبته ومحبة الآخرين بدون تفرقة ومقياس ، لأن الكنيسة هي العائلة حيث يُحِبُ المرء ويُحَب .
         الخليقة التي انحدرت من الأبوين كانت من تراب ، والرب الإله نفخ في التراب فصار التراب نفساً حية . ، أما على الصليب فغفر الرب للص اليمين الذي وبخ لص اليسار لأنه كان لا يزال يهزأ بالمخلص ، قال له : نحن نستحق العذابات التي نحن فيها ، أما هو فلا ، بل قبلَ هذه المعانات بدون تذمر . بهذا عبّرَ للمسيح بأنه قال له ( نعم ) لإرادة الله ، واعترف ببراءة يسوع . وأكتشف أيضاً سر المسيح ، لهذا قال له ( أذكرني يا يسوع إذا ما جئت في ملكوتك ) فقال له ( ... ستكون اليوم معي في الفردوس ) " لو 23: 39-43 " .
       أسس المسيح كنيسة قوية ، وأبواب الجحيم لا تقوى عليها ، فيها نتغذى جسد ودم الرب لكي نعيش ، ولنبقى مقيمين فيها ، ونحتمي بها من عدو الخير . وتبقى صورة كل إنسان يأتي بالآخرين أليها هي الصورة التي تشّده بصورة عفوية إلى والدة الإله ، وكأن مريم هي المعلمة التي تحفظنا وتعلمنا إقتبال الكلمة ، وكيف نعمل من أجل إنقاذ كثيرين لنأتي بهم إلى ابنها الفادي . ليتمجد أسمه القدوس .
   التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "

19
عيد مار كوركيس الشهيد ... شفاعته وتكريمه
إعداد / وردا إسحاق قلّو

   مار كوركيس هو أحد القديسين الشرقيين المشهورين . ولد في الأراضي المقدسة في مدينة ( اللد ) عام 280 من أبوين ميسورين ، أسم الوالد ( أنسطاسيوس ) والأم تدعى ( تاؤبستا ) . الأخلاق المسيحية كانت زينة ً تتلألأ في تلك العائلة المباركة ، فتربى كوركيس بالإيمان والتقوى .
 يختلف أسمه بين لغة ولهجة . فبالكلدانية يسمى ( كوركيس ) وبالآشورية يدعى ( كيوركيس ) وفي شرق المتوسط ( جرجيس ) ، وبالقبطية ( جرجس أو جاؤرجيوس ) وبالأيطالية  ( جورجو ) وبالأنكليزية ( جورج ) ، ومعنى أسمه باليونانية ( فلاح )  . توفي والده وهو في الرابعة عشر من عمره فربته امه التقية المؤمنة الشابة الحسناء وهي في مقتبل العمر والغنى ، لكنها نذرت نفسها ألا تعرف أحداً بعد زوجها لتتفرغ لتربية أبنها على مبادىء المسيحية وعلى تعليمه وتهذيب أخلاقه ، فشبّ الولد ، وكان بهجة عائلته  بجمال طلعته ، وكمال نفسه ، ومثالاً حياً لأقرانه . كافأ الرب الوالدة على تضحيتها فجعل أبنها أمير الشهداء ، وشفيع الكنيسة كلها . تكرمه كل الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية في الشرق والغرب .
   بعد أن بلغ السابعة عشر من عمره دخل في سلك الجندية فشاهده الأمبراطور ذيوكلسيانس يوماً على جواده ، وكان عالي القامة ، بهي الطلعة ، حاد النظرات ، فاستدعاه وكلمه ، فوجده لطيف الحديث ، كثير الأدب . فأحبه وأدخله في فرقة الحرس الملكي . وتحدث عن ما كان لأبيهِ من الخدمات السابفة أمامه ، فرقاه وجعله قائد الألف . فلم يكن بين القواد الرومانيين الفرسان من كان أجمل منظراً ، وأعدل قواماً ، وأشد حماسة من ذلك الفارس المسيحي .

     سار الأمبراطور ذيوكلسيانس على سراط من سبقه من الملوك في إضطهاد المسيحيين ، ففجر الدماء المسيحية كالأنها في الأمصار . وكان عهده أشد عهداً حل بالمسيحية بسبب عبادتهم لإله الحق ، فكان القديس له بالمرصاد . فبدأ أولاً يجاهر بلوم الأمبراطور ، فنصحهُ رفاقه خوفاً عليه لكي لا يحل به ما حل بغيره من سخط ذلك المستبد . اما هو فلم يعبأ بكلامهم ، بل أزداد حماساً ، وعرف بأنه لا بد من الوقوع بين يدي ذلك الظالم . لكن عزة نفسه وإيمانه أبت عليه إلا أن يجاهر بإيمانه ، وأن نال العذاب والموت الرهيب . وبدأ يتغنى بعذوبة وحلاوة الإستشهاد حباً بالمسيح ، وكان حينها إبن العشرين سنة فقط .
   الخطوة الأولى التي قام بها كانت جمع أمواله الكثيرة وتوزيعها على الفقراء . وأعتنق ما كان عنده من العبيد ، وأخذ يستعد بالصلاة لساعة الموت .
   تجرأ مار كوركيس وقابل الأمبراطور وأخذ يدافع بحماسة أمامه عن المعتقد المسيحي ، ويدحض بجرأة ما ينسب إليهم من الإفتراءات ظلماً وعدواناً . وطلب منه أن يترك لهم الحرية كباقي البشر في مملكته . فغضب الأمبراطور من جرأته ، لكنه كظمَ غيظهِ ، مأخوذاً بسحر كوركيس وفتنة كلامه ، فقال له بهدوء ( أيها الشاب ، كن حريصاً على مستقبلك ) لكن كوركيس رده متحدياً ، فإستشاط ذيوكلسيانس غضباً ، وأمر الجند أن يجردوه من سلاحه ، ويقودوه إلى سجن مظلم للعذاب . فأوثقوا رجليه وشدوها بالحبال وجعلوا على صدره حجراً عظيماً ، وتركوه هكذا مطروحاً على الأرض . لكن القديس أخذ يسبح الله ويعظم قدرة المسيح الملك طول الليل .
   في الصباح استقدمه الملك آملاً أن تكون تلك العذابات والإهانة قد كبحت جماح حماسته وهدأت ثورته وأعادته إلى رشده . لكنه ظهر أمامه بأشد صلابة وأكثر جرأة   أستمر هذا البطل في تحدي الأمبراطوروكل العذابات إلى يومه الأخير عندما صلبوه وقطعوا رأسه فأسلم الروح في سنة 307 م ، فوصل خبر أستشهاده إلى الشرق والغرب . ومن يوم أستشهاده أخذت الكنيسة بتكريمه ، وطلب شفاعته ، وبدأ الرسامون يعَبّرون عنه كفارس مغوار يمتطي صهوة جواده الأبيض وهو يطعن برمحه تنيناً كبيراً ( رمزالوثنية ) التي تحداها إلى يوم وفاته . والتنين موجود حتى في قصص الحضارة السومرية والصينية .
  كثرت عجائب القديس في الأرض كلها ، فسابقت الشعوب بتكريمه ببناء الكنائس والأديره ومذابح الكنائس بإسمه إعترافاً بما قد هو للكنيسة ببذل الذات ، وبشفاعته وقوة قداسته .
أعلنته الكنيسة الكاثوليكية قديساً عام 404 م في عهد البابا جلاسيوس الأول . ، وتعده نصيراً للكنيسة الجامعة ، والكنيسة الشرقية تدعوه ب ( عظيم الشهداء ) . ففي بلاد النهرين تعد كنائسه الأكثر بين الكنائس والمذابح ، وهكذا بالنسبة إلى بقية بلدان الشرق . أما بريطانيا فأخذته شفيعاً لها . أما فرنسا وروسيا يكرموه إكراماً عظيماً ، وإتخذته جمهورية جَنَوا في إيطاليا شفيعها الأول والأكبر. وفي مدينة البندقية بإيطاليا أنشأت فرقة رهبانية عسكرية على إسمهِ . وشعب اليونان يعتبروه أمير الشهداء . أما الكنيسة البيزنطية فأتخذته في ما مضى شفيعاً لها في الحروب ، ونسَبَت إلى شفاعته انتصارات باهرة وأجترح آيات ومعجزات كثيرة ، وكان يستنيانس الملك قد بنى على اسمه كنيسة فخمة في مدينة ( اللد ) مسقط رأسه .
   أما القسطنطينية فإمتازت بإكرامه فكان فيها خمس كنائس على إسمهِ . وقسطنطين الملك هو الذي أمر ببناء الأولى منها . كذلك الإنكليز يكرموه أعظم تكريم ، وإتخذته المملكة شفيعاً لها . ودعي كثير من الملوك بإسمه . وظهر يوماً للملك ريكردوس الأول في حروبه ونصرهُ على أعدائهِ . فأنتشرت عبادته في كل بلاد إنكلترا . وأمر المجمع الأنكليزي العام في أوكسفورد سنة 1222 أن يكون عيد القديس جاورجيوس إلزامياً في كل إنكلترا . كما جعله الملك إدوار الثالث الشفيع الأكبر لفرقة حاملي وسام ( ربطة الساق ) وهو أرفع وسام عند الأنكليز .
 وإمتازت فرنسا بتكريمه ، فقد شادت القديسة ( كلوتلدا ) إمرأة ( كلو فيس ) ملك الفرنجة كنائس وهياكل عديدة على اسمهِ . كما هو شفيع لكثير من المدن والقرى الفرنسية .
 تحتفل الكنيسة الكلدانية بعيده يوم 23 نيسان من كل عام ، وتقوم القرى التي هو شفيعها بقيام مهرجانات سنوية بأعداد أكلة الهريسة الشهيرة ، يشترك في إعدادها كل أهل القرية من الفقراء والأغنياء ، لكي يجمعهم شفيعهم على مائدة المحبة ليتناول الجميع الطبخة المعدة بأسمه .
 ختاماً نطلب شفاعة هذا القديس اللابس الظفر لأنه قدم نفسه قرباناً للمسيح له المجد ليصبح أحد قديسي الكنيسة بعد أن أحتمل عذابات مختلفة ، وأخيراً أنتصر بأكليل الشهادة [/color].
        التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "

20

احداث قيامة المسيح من القبر
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( ها هو يسبقكم إلى الجليل ... هناك ترونه ) " مت 7:28"

أجتمع زنادقة الصدوقين والفريسين والكتبة برسم خطة دقيقة بمساعدة يهوذا الأسخريوطي لأختيال يسوع ، فتم القبض عليه ومحاكمته وصلبه حتى الموت . لكن القلق والخوف كان يساور الأحبار والكتبة لأن الذي أقام لعازر المنتن سيتحدى الموت ويقوم . فذهب رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون إلى بيلاطس ، فقالوا له ( يا سيد ، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي : إني بعد ثلاثة أيام أقوم . فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث ، لئلا يأتي تلاميذه ليلاً ويسرقوه ، ويقولوا للشعب : أنه قام من الأموات .. . ) فقال لهم ( عندكم حراس ، أذهبوا وأضبطوه كما تعلمون ) فمضوا وختموا القبر وأقاموا عليه حراساً  .
     في فجر يوم الأحد حدثت المعجزة عندما قام المسيح من بين الأموات ، ثم فوقع زلزال عظيم ، ثم نزل الملاك ، وكان منظره كالبرق مرعب ، فأرتعب الحراس  وسقطوا كالموتى ، ثم نهضوا وذهبوا مذعورين ، خائفين إلى رؤساء كهنة اليهود والشيوخ ليخبروهم بكل تفاصيل حقيقة قيامة يسوع الناصري من القبربأعجوبة وكما حدثت أمامهم بقدرة سماوية . كان على قادة اليهود الإيمان بالحدث ، والأعتراف بأن الذي صلبوه كان المسيح المنتظر . لكنهم عملوا العكس فرشَوا الحراس بالمال وعلموهم بأن ينكروا الحقيقة ، ويقولوا بأن تلاميذه هم الذين سرقوه ليلاً وهم نيام ! والسبب يعود إلى أن للإنسان أثر أناني يعشق مصلحته ويتمركز حول ذاته ، لأن طبعه نفعي وجشع ، ويفرض مصلحة الجسد الزمنية على مصلحة الروح الأزلية . وأضافوا قائلين للحراس ، إذا وصل الخبر إلى بيلاطس فإنهم يتدبرون الأمر ليحموهم من غضبه بإسترضائه . فنقول ، كيف يصدق العقل السليم هذه الأكاذيب ! ألا يسأل العاقل كيف عرفوا بأن التلاميذ سرقوه إذا كانوا هم في حالة الرقاد ، وهل يستطيع النائم أن يرى ؟ والأنكى من ذلك هو أن الحراس ارتعدوا من مشهد القيامة الرهيب ، فصاروا كالأموات . إذاً المشهد كان مرعباً بسبب حدوث زلزال عنيف وقت القيامة ، وبعد نزول الملاك دحرج الحجر المختوم بعد القيامة ، وجلس الملاك على الحجر ، وقال للمرأتين الزائرتين للقبر : لا تخافا ... لأنه قام كما قال .. فأذهبا في الحال إلى تلاميذه وقولا لهم ، قام من بين الأموات . 
   كان على الحراس أن يهتدوا ويؤمنوا بما حدث أمامهم ويخبروا السلطة بالحقيقة ورغم العواقب . أم بسبب خوفهم من العقوبة لجأوا إلى الكهنة لكي يحموهم من غضب السلطة ؟ أو إنهم لم يكونوا من الجنود الأصلين ، بل من المرتزقة . والمرتزق يعمل لا لأجل الهدف ، بل من أجل المال أولاً لأنه أجير . فلو كانوا جنود أوفياء لكانوا يذهبون إلى بيلاطس ويقصوا له كل ما حدث ، وبكل شجاعة ، ولم يكذبوا على قادة دولتهم لأجل كهنة اليهود ومصلحتهم ويقبضوا منهم الرشوة . أليس النضال ضد الشر ضرورياً ، وقول الحق مطلوباً ؟ وهل يمكن أن تدفن الحقيقة بتراب الكذب ، أم الحق يعلا ويظهر لكي يفرض نفسه على الباطل ؟ وهذا ما حصل بعد قيامة يسوع وظهوراته المتكررة لمن يستحق مشاهدته من أتباعه . أما الذين رفضوه من قادة الشعب وصلبوه ، هم أيضاً إلتمسوا حقيقة قيامته بشهادات ومعجزات أجترحها التلاميذ ، إضافة إلى إلتفاف آلاف اليهود وغيرهم حول تعليم رسل القائم من القبر . والكنيسة التي أسست بدأت تكبر لتحتوي المسكونة كلها ، لأن المنتصر على الموت أرسلهم لكي يعلموا الناس وصاياه ، ودعم عملهم بإرسال روحه القدوس إليهم لكي يعلمهم ويذكرهم ويرشدهم بكل ما أوصاهم به ، فقد قال لهم ( ها أنا معكم كل الأيام إلى إنتهاء الدهر ) .
      لم يتذكر التلاميذ أقوال الرب حول قيامته بعد ثلاثة أيام ، ولم يتذكروا النبؤات وأقواله التي كان يكررها لهم ، بل لن يتذكروا معجزاته الكثيرة ، وتجليه على الجبل . بل تركوه لوحده ، ولم يتبعه غير حبيبه يوحنا وقلة من النساء ، ولولا يوسف الرامي ونيقديموس فمن كان يقبره ؟ لهذا كافأ الرب النسوة بعد القيامة ، فظهر لهن أولاً ، وتحدث معهن ، وأرسلهن ليبلغن التلاميذ . فوصل بطرس ويوحنا ودخلا القبر ورأوا الأكفان وآمنوا لأنهم تذكروا النبؤات المتعلقة بحدث ذلك اليوم . فظهر الرب لبطرس قبل كل التلاميذ ، وبعد ذلك تكررت ظهوراته ولقائاته مع كل التلاميذ ولمدة أربعين يوماً .
   نحن المسيحين اليوم وعبر الأجيال لا نحتاج إلى أدلة وبراهين وشواهد تثبت لنا قيامة المسيح . فلا نطلب مثل توما الرسول الذي ربط إيمانه بطلب مشروط وهو لمس جروح المسيح الممجد القائم من بين الأموات . والمسيح طوّبَ إيماننا عندما رد على توما ، وقيامته تمس إيماننا في الصميم فتقودنا إلى الحياة الجديدة . القيامة إذاً هي إيمان نعيشه بما كتب لنا في العهد الجديد ، الذي يؤكد لنا حقيقة الشهادة ، بأن من مات لأجلنا قد قام . ونحن أيضاً سنموت ونقوم مثله ، وكما قال الرسول (وإذا كان روح الله الذي إقام يسوع من بين الأموات يسكن فيكم ، فالذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات يبعث الحياة في أجسادكم الفانية بروحه الذي يسكن فيكم ) " رو 8: 11 " . لهذا نشهد للعالم ونقول :
المسيح قام حقاً قام
   التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "




21
جمعة الآلام والتأمل بمنظر المصلوب
بقلم / وردا إسحاق قلّو


( ... لا صورة لهُ ولا بهاء فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه  . مزدرى ومتروك من الناس . رجل أوجاع وعارف بالألم . ومثل من يستر الوجه عنه . مزدرى فلم نعبأ بهِ ) " أش 53 "
    علينا أن نفهم أولاً دور الصليب في الخلاص ، فكيف نفهم معنى الصليب . وما أهميته في حياتنا المسيحية . في أسفار العهد القديم نبؤات كثيرة تشير وترمز إلى صليب المسيح وقدرته المعجزية . نستطيع أن تشعر بوجوده في تلك الأسفار ، لأنه يتراءى لنا أحياناً بين الأسطر ، فبصيص نوره يشعرنا بثمار العّود الذي خدع الأبوين فسقطا .
   الشعب العبري سار مع موسى في طريق طويل ، وكانت تلك ترمز إلى مسيرة صليب الفصح في طريق الجلجلة . ففي برية شور عندما وصلوا إلى ( ماره ) تذمروا على نبيهم لأن الماء كان مراً ، فأمر الرب موسى أن يطرح عوداً في الماء ليصبح الماء عذباً . هنا نجد صورة مسبقة للصليب الذي سيجعل مرارة حياة البشر إلى عذوبة . كذلك رفع موسى عصاه فشق البحر الأحمر .  كانت تلك صورة مسبقة لرسم الصليب على المياه ، وكما يرسم الكاهن تلك الأشارة على مياه المعمودية ليعبر المعمد من الظلام إلى النور . وهكذا عبَرَ الشعب مياه البحر الأحمر من العبودية إلى الحرية . وكذلك الحية النحاسية التي كانت رمزاً للداء والدواء معاً والتي ترمز إلى صليب المسيح ، ومن يؤمن بالمصلوب وبعمل الصليب سيخلصه الرب من عبودية الخطيئة .
   الصليب إذاً هو أداة خلاصنا . لأن الرب أختاره لكي يكون له مذبحاً تتم عليه مصالحتنا مع الآب . كما هو ميزان العدل والقدرة . غرس في أرض الجلجلة ليرُفَع عليهِ الحمل . وكأنه كان صلة الوصل السرية بين الجحيم والملكوت ، بل بين الأرض والسماء ، كما كان السّلِم الذي رآه يعقوب .
   عندما ننظر بصمت وإيمان إلى أيقونة الصليب ، فالمصلوب لا يريد منا الدموع ، بل يقول لكل منا كما قال لبنات أورشليم ( لا تبكينَ عليّ ، بَل على أنفسكنَّ وعلى أولادكنَّ ) " لو 28:23 " . إذاً علينا أن نبكي على خطايانا التي كانت سبب صعود السيد على الصليب لأجلنا . فأمام هذا المشهد نتأمل بإلهنا وهو يموت ويصل على عود الصليب إلى أقصى حدود المآسي البشرية . فلا نستطيع إلا أن نسجد له ونمجده على محبته وصبره وتحملهِ لتلك الآلام .


   تواضعَ حتى الموت لينحدر إلى أعمق هوه يصل إليها أي مخلوق . مات على الصليب لكنه بقي سيد الحياة ، إنه لسر يفوق حدود إدراك العقل والعلم ، مات السيد ، لكن بموته أرتعدت الجحيم خوفاً ، لأن مشروع الثالوث الأقدس ( الحمل المذبوح من قَبل إنشاء العالم ) كما يصفه الرائي في سفر الرؤيا . قد تم بنجاح ، فعلى الصليب يُجابه الإله التجربة الرابعة للمجرب الذي ترك المسيح بعد أن فشل في تجاربه الثلاثة إلى حين ، وذلك عندما قال له السيد ( أذهب يا شيطان ! ) " مت 10:4" . اي إلى حين يأتي الوقت للتجربة الأخيرة ، أيضاً سيجربه الشيطان في الوقت الذي يكون فيه المسيح ضعيفاً منهكاً وكما كان في أواخر أيام الصوم الأربعيني .

   الله الآب لم يبعد الكأس عن المسيح ، رغم طلبه في بستان الزيتون ، ولم يستجب لصرخته على الصليب . ( إلهي إلهي لماذا تركتني ! ؟ ) يتحدث المسيح كإنسان بعيد عن طبيعة لاهوته التي لم يشأ أن يستخدمها أبداً لكي يشعر بالآلام كإنسان كامل . تخلى الآب في تلك اللحظات عن ابنهِ ليشعر بأنه محروم من الآب ، ولكي يشعربوحدة عميقة ورهيبة . وفي هذه اللحظة بالذات يتحول الروح القدس ، ليصبح نقطة إلتقاء الألم الثالوثي . وكأنه يأخذ الصليب على عاتقه ، فيعطيه تلك القوة التي لا تقهر. هذه الفكرة أوجزها المطران ( نيلا ربت ) أسقف موسكو قائلاً : ( الآب هو المحبة الصالبة . الأبن هو المحبة المصلوبة . والروح القدس هو قوة الصليب غير المقهورة ) إذاً الآب لم يتركه ، بل يريد أن يتم به عدله الإلهي لخلاص البشر . كما علينا أن لا ننسى علاقة صرخة يسوع تلك بالمزمور 22 الآية الأولى . إذاً هل كان كلام المسيح عمودياً موجه نحو السماء ، أم أفقياً موجه إلينا نحن البشر ؟ كان على قادة اليهود أن يبحثوا ويتحققوا خاصة من آيات هذا المزمور والتي تحققت في يوم الصلب بكل حرفيتها .
  كيف نفهم نحن المتأملين بالصليب والمصلوب على قمة الجلجلة ؟
   التقليد يرجح أن جمجمة آدم رمز الإنسان الأول مدفونة في ذات المكان . فآدم الأول والثاني يلتقيان في  تلك البقعة ليؤلفان قطبين متمركزين موجودين في كل إنسان وعلى هذا الأخير أن يختار بملْ إرادته ، محور وجوده . ظّنَ قيافا ومن هتف معه لموت يسوع بأنهم قد انتصروا ، لكن الطبيعة أظهرت حزنها فلبست السواد بسبب موت خالقها لتخفي عريه عن النظرين . والأرض تموجت خوفاً وحزناً ، أما حجاب الهيكل فتمزق كمن ينتحر ليعلن لليهودية إنتهاء العهد القديم ، بل إنتهاء دور الهيكل إلى الأبد . وعلمَ قادة السنهدريم بهذه الأحداث . لكنهم لن يبحثوا عن الحقيقة ، ليبقوا في ظلام جريمتهم . وكذلك نبدي رأينا بما فعله رئيس الكهنة أثناء محاكمته ليسوع الذي قال له هل أنت المسيح أبن الله ؟ فأجاب يسوع ( أنت قلت ! ... سوف ترون ابن الإنسان جالساً عن يمين الق ... ) فشق رئيس الكهنة ثيابه وصرخ . وما فعله كان حقيقة لأن زمن ثياب كهنوت العهد القديم قد إنتهى إلى الأبد ، ليأتي بعده عهد النعمة والمصالحة . 
    كان الصليب عند الهالكين جهالة ولليهود عثرة ، أما لنا نحن المخلصين ففيه نجد فلسفةً جديدة لأن به أفتدانا السيد من لعنة الناموس ، لأنه هو صار لعنة من أجلنا . ومكتوب ملعون كل من علق على خشبة ( غل 13:3) . لكن هذه الفلسفة لم تنتهي بموت الرب ، بل يجب أن يتجدد هذا العمل بنا نحن أيضاً وذلك عندما نتمم وصايا المصلوب ، وذلك عندما نحمل صليبنا ونتبع فادينا . لهذا يقول الرسول ( مع المسيح صلبت .. صلب العالم لي وأنا للعالم ) وهذا يعني بأن أدخل معركة تجارب هذا العالم واستمر كالمسيح في المعركة . فما نقص من آلام المسيح لكي نتممه في أجسادنا ( طالع 1 قور 24:6) وذلك لكي لا يتعطل صليب المسيح ، ولكي نسير على خطاه وهو سيجذب كل المؤمنين به ويخلصهم ، وبحسب قوله ( عندما أرتفع سأجتذب إليَّ العالم ) . فصليبنا هو السّلِم الذي يرفعنا إلى السماء وكما رفع المسيح قبلنا .
نشكرك يا رب ، لأن بصليبك المقدس خلصتَ العالم
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



22

عيد السعانين .. يوم مبايعة الشعب لملك الملوك
بقلم / وردا إسحاق قلّو


( قولوا لأبنة صهيون : هوذا ملككِ آتياً إليكِ وديعاً راكباً على أتان وجحش إبن أتان )
" مت 5:21"
   لفظة السعانين أو ( الشعانين ) كما يلفظها البعض عبرية الأصل مستنبطة من كلمة ( هوشعنا ) أو ( أوصنا ) التي تعني ( يا رب خلص ) ولأهمية هذه المناسبة تحتفل الكنيسة المقدسة بهذا الحدث الجليل لكي تذكر تفاصيل إحتفال يوم دخول الرب يسوع منتصراً إلى مدينة أورشليم في يوم الأحد الذي سبق أحد القيامة . كان يوم الفرح لشعب أورشليم الذين بايعوا المسيح المنتصرعلى ظلام هذا العالم ، لأنه علمهم البشارة وأخبرهم بخبر إقتراب ملكوت الله ، وأصبح ذلك اليوم عيداً تحتفل به الكنائس الرسولية في نفس اليوم الذي يسبق أسبوع الآلام . وللعلم ( أيام صوم هذا الأسبوع لا تعد مع أيام الصوم الأربعيني ) .
   في أول أيام أسبوع الآلام ينقلب فرح يسوع إلى الحزن والألم ، ويلوم أورشليم راجمة الأنبياء والرسل ، وينبأ بنهاية هيكلها . ويبكي عليها لأنها لم تكشف وجوده فيها رغم إنتظارهم الذي طال قرون عديدة ، فخاطبها قائلاً ( إنكِ لو علمت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أخفيّ عن عينيك فإنه ستاتي أيام ويحيط بك أعداؤكِ بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيكِ ولا يتركون فيك حجر على حجر لأنكِ لم تعرف زمان أفتقادِكِ ) فعلاً حصل هذا في سنة 70 م على يد القائد الروماني تيطس .
 خاصته لم يؤمنوا به ، بل أنتقموا منه ، كما أنتقموا من الأنبياء الذين أرسلهم ، لهذه السباب تحول فرحه إلى حزن . وهكذا يتحول فرحنا نحن المؤمنين في اليوم الذي يلي أحد السعانين إلى التأمل بآلامه ، فندخل في منعطفٍ جديد لكي نشاركه في أحزانه ، ونفهم كم أن الإنسان خائن وضعيف .
     نتذكر كيف أن الشعب الذي بايع المسيح الذي علمهم طريق الخلاص ، وشفى مرضاهم ، وأقام موتاهم ، وكسب الخاطئين منهم إلى طريق الصواب والفضيلة ، لكنهم أنقلبوا عليه ورفضوه ، بل صاروا أعدائه ، فطلبوا صلبه حتى الموت ، موت الصليب .
    يوم عيد السعانين ، هو أيضاً يوم إنتهاء الصوم الكبير ، وبه نعَبّر عن فرحنا بسب إكمال الرب نشر إنجيله المقدس فأتم رسالته وتعليمه الجديد . فتقام القداديس في الكنائس والتي تقدم فيها المواعض والتراتيل والصلوات الخاصة التي تحمل كل تفاصيل وأحداث ذلك اليوم العظيم والتي استخدموها آبائنا وأجدادنا من قبلنا ، ونحنا نكمل المسيرة . بعد القداس تنظم مواكب ومسيرات إحتفالية حول الكنيسة ، والمؤمنين حاملين أغصان الزيتون التي ترمز إلى السلام ، والتي تذكرنا بحمامة نوح التي عادت إلى الفلك حاملة بمنقارها الصغير غصن الزيتون ( تك 11:8 ) فشعرنوح بالسلام والفرح مع ذويه ، فصار سعف الزيتوت رمزاً للسلام العالمي . كما تقدم الكنيسة لمؤمنيها سعف النخيل والذي استخدمه الشعب أيضاً في شوارع أورشليم ، وسعف النخيل يرمزإلى النصر ، وإلى التكريم أيضاً ، وكما بينه لنا الرائي يوحنا في سفر الرؤيا عندما رأى في السماء موكب مماثل لمواكبنا الأرضية يحملون المشتركين به سعف النخيل ( طالع رؤ 9:7 ) وسعف النخيل أيضاً يرمز إلى أكليل النصر الذي سيناله كل منتصر منا في تلك الديار .
      في المواكب الكنسية نجد أن الصليب المقدس المنتصر الذي يحمله أحد المؤمنين يسير به أمام الموكب ويكون عمود الذي يحمل الصليب مزيناً بتلك السعوف . يحمل المؤمنين السعوف إلى بيوتهم لكي يستخدموها لصنع الصلبان الجميلة ليضعونها في المنازل والسيارات وفي حدائق البيوت والمزارع لتبقى هناك كل أيام السنة يذكرون بها ذلك اليوم العظيم .
  في إحتفال يوم السعانين يرتلون المصلون الكلمات التي رتلت أمام المسيح والمدونة في الأنجيل المقدس ، فيقولون ( هوشعنا في الأعالي ... مبارك الآتي باسم الرب ) إنها كلمات النبوة بالمسيح المنتصرفي ذلك اليوم ،  قال صاحب المزمور ( تبارك الآتي بأسم الرب ... نبارككم من بيت الرب ... الرب هو الله وقد أنارنا ... فرصوا المواكب والأغصان في أيديكم حتى قرون المذبح ) " 117/118 " .
   سبب إختيار يسوع الركوب على جحش ابن أتان بدلاً من الحصان المزين وكما كان يفعل كل ملك منتصر داخل إلى المدينة بعد عودته من المعركة ، وكان يستقبلوه الجماهير بالهلاهل وبكلمات التبجيل والفرح ، علماً بأن المسيح هو ملك كل الملوك وخالقهم . فالسبب هو لأنه ملك وديع ومتواضع القلب ، ويريد أن يعلمنا درساً بليغاً في التواضع في كل أيام حياتنا ، فكان هو مثالاً كبيراً في التواضع ، لهذا نحصر كل حياته الأرضية بين قوسين : الأول عندما أمتطت والدته الحمار وهو في بطنها من الناصرة إلى مغارة بيت لحم ، وبعدها ولِد في هذا العالم ليركب على الحمار الذي أنقذه من سيف هيرودس فحمله إلى مصر، وعليه عاد إلى دياره ، وفي أسبوعه الأخير دخل إلى أورشليم على جحش أبن أتان فتمت نبؤة زكريا النبي عن هذا اليوم ، قال :
( أهتفي جداً يا أبنة صهيون ، أهتفي يا بنت أورشليم ، هوذا ملككِ يأتي إليك هو عادل راكب على حمار حجش إبن أتان ) " زك 9:9 " .
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



23

إصفح إولاً ثم أطلب الصفح

بقلم / وردا إسحاق قلّو

قال الرب ( إذا إخطأ إليك أخوك سبع مرات سبعين مرة أغفر له ) " مت 18: 22 )

    طلب الصفح هو الخطوة الأولى لتصفية النيّة ولأجل العودة إلى التوبة والمصالحة مع من كان له خصماً أوعدواً . الله والسماء تفرح في المصالحة والسلام على الأرض ، وينبغي أن لا يتكرر الغضب وتعود الأخطاء مهما بلغت الأزمات ، بل لنعرف مخاطر العداوة والكراهية بين بني البشر ، وهذا الزوان يزرعه الشيطان دائماً بين الناس ، لأنه تسعده المشاكل والحروب والعداوة بين البشر . بينما الله المحبة يريد أن تزال كل العوائق بين الناس ليعود السلام والنقاوة في المجتمعات . الله يعرف الإنسان أكثر من معرفته لذاته ( .. لأن الله أعظم من قلوبنا وهو بكل شىء عليم ) " 1 يو 20:3 " يعرف ضعفنا . والظروف التي تنتزع من أرادتنا عزمها ، يعرف أننا نخطىء كلنا . والله لا يجهده الصفح لمن يريد منه الصفح والمغفرة ، بل يسعده .
   الصفح هو الدليل الملموس عن المحبة ، وبالحب يبلغ المؤمن اقصى حدود النقاوة والقوة ، وبالحب تبدأ حياة جديدة ، فالصفح هو أجمل وأبهى هدية يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان ولله ايضاً .
 في المغفرة تبرز مصداقية الحب لكي يبلغ إلى قمته ، لأن الله هو الحب في جوهره ، بل نقول إن كيان الله يتجلى تمامه في الصفح . قد لا يصفح البعض خصمهم لأعتقادهم بأن الصفح ضعف ، او الصفح سينال من شخصيته وكرامته وكبرياءه أمام الناس . لكن في الحقيقة ، الذي يصفح هو القوي والحكيم لأنه سيربح صديقاً ويعيد المحبة بينه وبين الآخر . فمن يصفح هو الرابح ، وكذلك سيشارك الله بفرحة ، وبالصفح يرتاح ضمير الإنسان ، وتمحو مخاوفه ، وتقل مشاكله ، وينقى قلبه ، فيستعيد توازنه الفكري والروحي . حينذاك يتهلل فرحاً ، لأن الإنسان ينهش قلبه وتفكيره البغض والحقد والعداوة .
   حياة الحب الحقيقي مع البشر تزرع السعادة . والصفح هو قمة الحب ، فعلى كل مؤمن أن يختبر الصفح ليشعر بحلاوةِ ثِماره . بل هو إنتصار على مكائد الشيطان . الأب الرحوم أشفق على إبنه الضال الذي جاء إليه نادماً ليطلب منه الصفح ، فتحركت أحشاؤه وأسرع إلى الصفح ، فلاقاه بنفسه وحَضَنهُ على صدره وقَبّلهُ .
   هكذا يصفح الله كل من يعلن توبته ويطلب المغفرة . وكذلك يريدنا أن نكون على صورته في المغفرة لأخينا الإنسان لهذا علمنا الرب الصلاة التي تحتوي شرحاً مهماً لنرددها ونعمل بها وهي ( أغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن يخطأ إلينا  ) إذاً قبل أن نفكر بطلب المغفرة من الله علينا نحن اولاً أن نصفح لغيرنا لتعيد العلاقة بيننا وبين أخينا الإنسان ، وبعد ذلك نتقدم نحو الله طالبين منه المغفرة .
   وعلى مستوى الكنيسة التي عاشت ألفي سنة ، حدثت فيها إضطهادات ، وإنقسامات ، وعداوة بين الأخوة المؤمنين . وشريعة المسيح هي شريعة الحب والمغفرة والمصالحة من أجل هدم الجبال ونقلها بعيداً والتي تفصل بين أبناء المسيح لكي يصبحوا قطيعاً واحداً كما الآب والأبن هما واحد . فلتنقية الضمير ، وتصفية الذاكرة كان على قادة الكنيسة أن يطلبوا الصفح والسماح من كل أبناء هذا العالم ، وذلك بالإعتراف بالخطايا التي ارتكبتها الكنيسة عبر التاريخ . ومن ثم طلب الصفح من الأخوة المؤمنين لأعادة النظر بتاريخ الكنيسة وقراءئته قراءة مسيحية صحيحية ، فبدأ العمل بهذا المشروع العظيم البابا يوحنا الثالث والعشرون عندما أرسل إشارة إلى الإسلام ، فخطا الخطوة الأولى في تهذيبه للتاريخ وتنقيته . وعبِّر عن هذا العمل البابا القديس مار يوحنا بولس الثاني ( تصفية الذاكرة التاريخية ) . وفي المجمع الفاتيكاني الثاني ، توجَهَ البابا بولس السادس بكلمة إحترام إلى الكنائس المسيحية الأخوات البعيدات عن الكنيسة الكاثوليكية . يقول لهم ( أن كان هناك خطأ يعود إلينا في بدء الإنفصال ، فإننا نطلب الصفح من الله بكل تواضع ، ومن الأخوة الذين يعتقدون أننا أسأنا إليهم . أما من جهتنا فإننا مستعدون لأن نصفح على كل الإهانات التي وجهت إلى الكنيسة الكاثوليكية وأن ننسى الآلام التي عانتها من النزاعات والإنفصالات ) .
   تأثر البابا يوحنا بولس الثاني بكلمة البابا بولس السادس التي طلب فيها الصفح في الدورة الثانية للمجمع المسكوني في أيلول سنة 1963 . ففي نهاية الألفية الثانية قام بمغامرة الصفح بوحي من الروح ، معتمداً على قدرة الله التي تزعزع الجبال ، معلناً إيمانه بطيبة الإنسان ، وبالحب والتضامن الإنساني ، وليس في وجه الحب أمر مستحيل . وبسبب الحب يغفر الإنسان لمن أخطأ إليه . 
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "



24

دلائل حسية تثبت وجود يسوع في القربان
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب يسوع ( إذا لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه ، فلن تكون فيكم الحياة ) " يو 53:6"

القربان المقدس ( الإفخارستيّا ) سر من أسرار الكنيسة المقدسة أسسه الرب يسوع في العشاء الأخير ، ليلة أسلِم نفسه طوعاً . إنه سّر تقوى ، وعلامة وحدة ، ووليمة فصحية ، فيها نتناول المسيح غذاء ، وتمتلىء النفس بالنعمة ، وتعطى عربون الخلاص . فالمسيح موجود بجسده الحقيقي ، وبدمه الحقيقي في القربان ، وهذا السرلا ندركه البّتة بالحواس ، بل بالإيمان وحده . وعلينا أن نؤمن بقول الرب ، عندما أخذ خبزاً وبارك ثم كسره وناوله لتلاميذه ، قائلاً : ( خذوا فكلّوا ، هذا هو جسدي ... و ... هذا هو دمي ) ( طالع مت 26: 26-28 ) . القربان المقدس هو الخبز المقدس النازل من السماء ، من يأكل منه يحيى إلى الأبد ، وكما قال يسوع  ( أنا الخبز الحي الذي نزل من السماء ،من يأكل من هذا الخبز يحيَ للأبد . والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي أبذلهُ ليحيا العالم ) " يو 51:6" .
   القداس الإلهي هو أهم عمل يحدث كل يوم في العالم ، فيه يتم إعادة تجديد عذابات يسوع وموته على الصليب ( 1 قور 11: 26-27 ) . المسيح يقدم ذاته للآب لأجلنا في ذبيحة غير دموية . والكنيسة المقدسة جسد المسيح ، تشترك في تقدمة هامتها ، وتقرب ذاتها معه كاملة ، وتنضم إلى المسيح شفيعاً إلى الآب لأجل جميع الناس ، في الإفخارستيا . فكما بسط المسيح ذراعيه على الصليب ، كذلك الكنيسة تقرّب ذاتها به ومعه وفيه شافعةً في جميع الناس .
  عجائب القربان المقدس نقلت لنا عبرالأجيال لتسند إيمان الضعفاء ، ولتزيل شكوكهم ، ويقوى إيمانهم . يسوع يجترح عجائب قربانية كثيرة عبر الأجيال ليؤكد على مدى تاريخ الكنيسة بأنه هو الخبز الحقيقي النازل من السماء.فمعجزات القربان ظهرت للمؤمنين منذ القرون الأولى ،لنطالع أعجوبة ( لانشانو)-
 إيطاليا التي حدثت سنة 750 ، حيث في ( الكلام الجوهري ) تحول القربان إلى قطعة من ( اللحم والدم ) خلال كلام التقديس ، لقد تم فحص قطعة اللحم هذه في السبعينات من القرن الماضي ، فأكد العلماء إنها قطعة من عضلات طريّة لقلب بشري . . لقد كانت هناك في العصور الغابرة الآلاف من البراهين بان يسوع هو جسدياً موجود في القربان المقدس . و( لانتشاو) هي مجرد واحدة من تلك الحالات العديدة المشهورة في العالم .
في عام 1317 أخذ كاهن القربان الأقدس إلى رجل مريض في فيفرسيل – بلجيكا . وضع حُقة القربان ( وعاء خاص للقربان المقدس له غطاء ) على الطاولة وذهب للتكلم مع أقارب المريض . في الوقت عينه أخذ الفضول بأحد الأقرباء فأقترب من حُقة القربان ، وكان في حالة الخطيئة المميتة ، في فضوله أزال الغطاء عن القربانة بيديه . في الحال بدأت القربانة تنزف دماً ، فرمى القربانة في الحُق وهرب من المكان . حين عاد الكاهن ليناول المريض وجد الحقّ مفتوح والقربانة ملطخة بالدماء . لم يعرفكيف يتصرف . فذهب إلى الأسقف وأخبره عن الحادث . لاحظ الأسقف أن الأمر خارق للطبيعة فأمر الكاهن بأن يأخذ حقّ القربانة إلى كنيسة دير الراهبات السيستيريات في هيركنرود نظراً لسمعة الدير .
ذهب الكاهن الى الدير وما ان وصله أخبر الراهبات عن المعجزة وذهب اياهن الى المذبح . حين فتح الكاهن الغطاء الذي كانت القربانة بداخله شاهد رأس المسيح المكلّل بالشوك ظاهراً على القربانة . كان ذلك بمثابة اعلان من الرب عن رضاه وقبوله بالبقاء في هذا الدير
الكثير من الشعب قدم وشاهد المعجزة وأصبحت كنيسة هيركنرود مكانا شهيراً يؤمّه الحجّاج . بقي القربان في كنيسة الدير حتى سنة 1796 حين طُردت الراهبات منه اثناء الثورة الفرنسية .في تلك الأزمنة الصعبة للكنيسة كان  القربان العجائبي في رعاية بعض العائلات الى أن أُخرِج سنة 1804 من مخبأه بإحتفال مهيب ووضع في كاتدرائية القديس كوينتين في هاساليت لكن الأهم من ذلك بكثير – من بناء وجمال كاتدرائية هاسيلت – هو وعاء الذخائر المقدسة
 مع القربان المقدس المعجزة الإفخارستية المدهشة التي وقعت في 1317، والتي يتم الاحتفاظ بها تماما دون أي عنصر كيميائي . وضعت الذخيرة المقدسة على مذبح خاص حيث يتم تكريمها من قبل المؤمنين ، وما زالت معروضة حتى يومنا هذا .
    القديسة كاترينا السيانية ( 1347-1380 ) لقد أعطاها يسوع بذاته القربان المقدس بفمها . كانت  القديسة من أعظم المتعبدات للقربان المقدس ، فما يمكنها يوماً أن تعيش دون تناول يسوع حبيبها . قال عنها الكاهن مرشدها : كانت كاترينا تعرب لي غالباً عن جوعها الشديد إلى طعامها السماوي ، فإذ كنت يوماً راجعاً معها من زيارة أنفس تقية ساكنة في الجبل ، أعربت لي عن شوقها المضطرم وجوعها العظيم إلى خبز الملائكة ، فأجبتها بأني متعب جداً ، وأن وقت القداس قد عبَر . فسكتت ، ثم أعربت ثانيةً عن جوعها الشديد ، فذهبت إلى الكنيسة ، وأبتدأتُ بالقداس الإلهي . وبينما كنت أكسر البرشانة المقدسة طار جزء منها ونزل على لسان كاترينة التي كان وجهها يشع نوراً سماوياً . هكذا يشبع الرب الجياع إلى حُبه ، والعطاشى إلى مرضاتِه . ليت لنا هذا الجوع ، وهذا العطش إلى تناول يسوع في قربان .
( الأخت ماريّا كولومبا شون ) " 1744". طار القربان من بيت القربان على طول الكنيسة ونزل في فمها . وبنفس الطريقة وفي نفس السنة طار القربان وحط في فم ( الأخت كريشينسيا هوس ) .
( القديس الكاردينال جان فيشر ) 1859 . تركت قربانة مقدسة أصابعه وطارت إلى فم أحد أفراد المناولة الأولى ، وكان هناك مشكك شاهد ذلك فتاب وبعد ذلك رُسمَ كاهناً .
( تريزيا نيومن ) 1962. شاهدت يسوع يوزع الخبز في أفواه الرسل . لم تتناول تريزيا طعاماً على مدى ستة وثلاثون عاماً إلا القربان المقدس مع الماء ، وكان وزنها في تصاعد مستمر كلما تقدّم بها العمر . كذلك إمرأة من شمال فرنسا التي عاشت إلى الألفية الثالثة ،  مضى على عدم تناولها أي طعام إلا القربان المقدس حوالي خمسين أو ستين سنة . قام مطران المنطقة التي تعيش فيها بسجنها في غرفة في المستشفى لمدة أسبوعين ليمتحنها ، وبعد نهاية الأسبوعين تبين أنها لا تزال في صحة جيدة كما كانت سابقاً . لقد قام المطران بواجبه للتأكد من حقيقة الأمر وكانت هي تقوم بواجبها بالطاعة له .
في عام 1974 قال الأب جوزيف ماري جاك عن مارت روبين 1981 عندما بدأت أقرب القربان صوب فم مارتا لم أستطع ، لقد طار القربان نفسه إلى فم مارتا وحط على لسانها .
 قال القديس الأب بادري بيّو الذي كان غالباً يتألم آلام المسيح أثناء القداس : ( بإمكان العالم أن يوجد بشكل أسهل بدون الشمس من أن يوجد بدون القداس الإلهي ) هذا الكلام يدعونا لنفكر ملياً بضروة الإشتراك بالقداس لكي ننضمّ إلى يسوع لإنقاذ العالم من الدمار وباللقاء مع يسوع نخلص أنفسنا . القداس هو أهم من كل صلواتنا وتراتيلنا ، وما زلنا لا نفهم عمق وأهمية القداس لخلاصنا .
في عام 1988 بينما كانت ( جوليا كيم ) من ناجو – جنوب كوريا تتقبل المناولة على اللسان تحول القربان إلى لحم ودم . بدأت هذه الأعجوبة في حزيران 1988 في عيد خميس الأسرار وتكررت في التسعينات وحتى الآن ، وقد شاهدها الأب الأقدس بعينهِ في روما . هناك عجائب أخرى كثيرة عن القربان تفيد بأن حتى بعض الحيوانات كانت تسجد أمام القربان المقدس . فكيف يُعبَّر اليوم عن تحجر تلك القلوب البشرية تجاه القربان المقدس ؟ وكل العجائب تحدث بالتناول عن طريق الفم ، فلس هناك أعجوبة واحدة حدثت عن القربان المقدس بأيدي المتناولين . أي أن التناول الصحيح هو عن طريق الفم ، لا عن طريق اليد . بدأ المناولة عن طريق اليد في هولندا سنة 1965 . لقد دحض البابا بولس السادس في المنشور ( الإيمان بالأسرار ) لا( للمناولة باليد ) على أنها ( إعتقاد خاطىء قد نُشر ) فبالتالي طلب من الأساقفة الهولنديّين بأن يكتبوا لجميع مهنتهم ويعطوهم الأوامر ليعودوا إلى إعطاء المناولة المقدّسة على الطريقة التقليدية أي بالفم .
    ومن عجائب القربان في العالم نذكر قصة سرقة بعض الأجزاء من القربان المقدس من كنيسة بلدة ( لانجويز ) في إلمانيا . سمح اللص لنفسه بالرغم من أنه مسيحي بأن يرتشي بمبلغ قليل من المال لأخ بعض أجزاء من القربان المقدس وإعطائها لآخرين حتى يقوموا بسبّها وبالتجديف عليها . وبعد مرور فترة على تكرار هذا التجديف على تلك الأجزاء من القربان المقدس ، بدأت فجأةً هذه الأجزاء القربانية تنزف دماً . لقد أصيب المتورطون المشاركون في حفلة التجديف بصدمة ، ومن خوفهم وضعوا الأجزاء من القربان المقدس في قطع من قماش ودفنوها في الغابة بالقرب من بلدة لانجويز . وبعد فترة قصيرة حدث بأن أرستقراطياً بولندياً كان مسافراً على تلك الطريق بالرب من هذه الغابة ، وكانت أربعة خيول التي تجر عربته توقفت وركعت على الأرض . لا شىء ، ولا حتى سوط الأرستقراطي أستطاع أن يجعل هذه الخيول تنهض عن الأرض . عندها بدأ الأرستقراطي في البحث حوله حتى وجد قطعة القماش من الكتان التي تحتوي أجزاء القربان المضمّخة بالدماء . لقد انتشر الخبر بسرعة في المنطقة فجاء الكاهن من تلك البلدة على رأس مجموعة من المؤمنين وأنتشل القربان من الأرض وأعادهُ إلى الكنيسة ، بينما كانت الأجراس تقرع فرحاً وإبتهاجاً.

معجزة القربان المقدس شهد عليها البابا فرنسيس


  عام ١٩٩٦ وفي ختام القداس خرجت امرأة من الكنيسة لتجد أن أحدهم رمى بالقربانة المقدسة أمام الباب ، فما كان منها إلا ان حملتها ودخلت الكنيسة من جديد لتخبر الكاهن بما حدث
  أخذ الكاهن القربانة ووضعها في كوب ماء ، ومن ثم وضع كوب الماء في بيت القربان – هذا عادة ما يقوم به الكاهن في هذه الحالة – فيضع القربان في الماء ليذوب فيها ومن ثم يسكب الماء في جرن العماد .بعد خمسة أيام عاد الكاهن الى بيت القربان ليفتحه فانذهل لوجود القربانة كما هي مغطاة بالدماء
أخذ الكاهن القربانة وذهب مباشرة ليخبر الأسقف المعاون بما حدث وكان الأسقف المعاون آنذاك هو خورخي برغوليو – البابا فرنسيس اليوم.
أعاد برغوليو كوب الماء الى بيت القربان حيث بقي فيه خمس سنوات ، كان خلالها برغوليو قد أصبح هو الأسقف . فأخذ قطعة صغيرة من القربانة وطار بها الى نيويورك الى مختبر مهم . هناك سلم المختبر القطعة دونما ذكر مصدرها . فالخبراء لم يكونوا أبداً على علم بأن ما بين يديهم هو من القربانة.
أتت النتيجة أن قطعة اللحم هذه هي قطعة من قلب أُخذت منه وهو لا يزال على قيد الحياة ! وهو قلب عانى الكثير وتعذب كما وأنه تحمل لطمات كثيرة على الصدر
تم نقل قطعة لانشانو الإيطالية الى نفس المختبر في نيويورك ، وكانت النتيجة هي عينها نتيجة القطعة الأخرى التي أحضرها برغوليو- البابا فرنسيس الى نيويورك: قطعة من قلب على قيد الحياة ، عانى الكثير من الألم واللطمات .
تبقى أعجوبة الافخارستيا، معجزة تحوّل الخبز والماء الى دم وجسد الرب هي المعجزة الكبرى  ، والتي بها نصير نحن جسد الرب


المصادر
1-   الكتاب المقدس
2-   كتاب ( أخرجونا من هنا ! )   ماريا سيمَا
3-   التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
4-   كتاب ( باقة أزهار لمار يوسف البار )

25

الفن التشكيلي والمعماري الأوربي في عصر النهضة
بقلم / الفنان التشكيلي وردا إسحاق قلّو
   الهندسة الباسيليكية القديمة أستمرت حتى القرن العاشر في إيطاليا . لكن في فرنسا رفعت أبراج السطوح عالية ، ومنذ القرن العاشر إلى الثاني عشر جرت محاولة لهندسة جديدة " الرومانسكية " مع كاتيدرائى ساسن ( 1130) ولاون ( 1163) . إنها تعبير عن القوة والثبات ، مع جدران سميكة وشبابيك صغيرة قليلة ، والنحت البارز في مشاهد الدينونة الأخيرة في المداخل . ثم ظهرت عقلية جديدة ، تبينت وازدهرت في الفن الغوطي من خلال كاتيدرائيات فرنسية عديدة . حفظت في ألمانيا الهندسة الرومانسكية . ونقلت في إنكلترا الغوطية بطريقة خاصة ( كاتيدرائية دورهام ، وكنتوربري ، ويستمينستر ، يورك ) . أن فرنسا وطن الفن الغوطي الصافي ، الذي يتجه نحو الحركة الديناميكية إلى الأعلى ، والتغلب على ثقل المادة ، وسط الألوان البراقة من الشبابيك الكبيرة العظيمة .
   أصبحت الكاتيدرائية كتاباً مصوراً منحوتاً للتعليم المسيحي ، حسب أفكار لاهوتية ورموز كتابية وغير كتابية ، حول علاقة العهد القديم بالجديد ، ثم حياة المسيح والقديسين ، مع تماثيل العذراء والشفعاء ، وأخيراً مع تعابير عن الحياة اليومية ، العمل حسب المواسم ، وصورة النبوية التي ترعب الخاطئين ، لتدعوهم نحو رحمة الله الوافرة . الفكرة الأساسية التي جعلت النهندسين يبحثون عن طريقة البناء هذه ، كانت فكرة لاهوتية قديمة . أن الكنيسة هي رمز أرضي لأورشليم السماوية ، وبواسطة وسائل مادية تحاول الهندسة التعبير عن هذه الرؤيا السماوية ، خاصة من خلال السقف العالي مع الأقواس المحدبة حول الأعمدة الأربعة الرئيسية ،، والجدران المكونة من نوافذ وألواح زجاجية ملونة ، وكان الضوء يخترق الجدران الزجاجية الشفافة . كنائس عالية وطويلة مطعمة بفسفسائيات من الزجاج الملون ، ومزينة بمئات من الأعمال النحتية تمثل أشخاصاً قديسين بطريقة طبيعية لاهوتية .
الفن الرومانسكي في القرن الحادي عشر :
حاول الغرب في القرن الحادي عشر الخروج من ظلام الإنحطاط ، وإصلاح الأبنية التي دمرت أثناء الغزو النورماني . برز في الجنوب العالم العربي في بعض المراكز كقرطبة وغيرها ، وقُبل في الشرق الروس في الكنيسة وأزدهر الفن البيزنطي المتوسط ، الذي أثر على البندقية وإيطاليا وألمانيا . حاول الغرب الدفاع عن المملكة المسيحية في حين أن البابا غريغوريوس السابع بذل جهوده للتغلب على منافسه الأمبراطور في صدد السلطة العليا ، كنسياً ودولياً . في هذه الفترة كان دير كلوني أعظم مؤسسة دينية كنسية وأهم مركز ثقافي . سنة 1095 كرست كنيسة كلوني الثالثة على يد القديس هوغو ، وكانت أكبر كنيسة وقتذاك ، وبنيت على قياس كنيسة مار بطرس في روما . إلى جانبها الكنيسة الضخمة الثانية ، الكنيسة الأمبراطورية في سبيرس على ضفة نهر الراين . زد على ذلك نفوذ مراكز الحج المتعلقة الواحدة بالأخرى ، كسلسلة من الكنائس في طريق المسافرين نحو ذخائر القديسيين . كذلك مع تطور الشعور الوطني خاصة في فرنسا ، أسبانيا الشمالية ، أيطاليا ، ألمانيا ، إنكلترا السكسونية ثم النورماندية . وفي فرنسا ظهر الفن الغوطي المتقدم فبنيت أديرة رومانسكية ضخمة ، وتم تجديد الواجهات الأمامية لبعض الأديرة مع تقليل الجدران لوضع شبابيك كبيرة لأدخال كمية أكبر من النور .
    في القرن الخامس عشر ظهرت في ايطاليا حركة ثقافية وفنية في وسط الأزدهار الثقافي الرائع لإاكتشفت صورة جديدة عن الإنسان والمجتمع دفعت المبدعين إلى البناء والتطور حسب أفكار علمية لمجتمع القرون الوسطى في حقل الأعمال القانونية والعلمية ، ثم في الفنون ايضاً نحت تمثال الفارس ( دوناتيلو ) وتميز أسلوب رسامين فيرنزا ( ماساشيو ، ليبي ، بوتيشيلي ) ، وكذلك ليوناردو دافنشي ( 1452-1519) الكاتب والعلامة والفنان الذي حاول أن يرسم الجمال الأعلى ، والتوازن العقلي ، في الوجوه الإنسانية المثالية بأسلوب جديد مستمداً ذلك من العمق الديني تعبيراً عن ذلك وضع برونليشي قبة كنيسة فيرنزا ( 1420 – 1434 ) منذ ذلك الوقت ، وإلى بناء قبة كنيسة القديس بطرس في روما من قبل مايكل أنجلو نحوسنة ( 1550 ) . أزدهرت النهضة التي أحدثت تغييراً في التفكير والتصرف الإنساني . أنتقل التركيز من مجتمع الكنيسة الواحدة إلى الإنسان الفردي . ومن القوانين الإلهية المتشددة إلأى الحرية العقلية ، ومن التصوف الروحي والكاتدرائيات العالية إلى القصور المدنية العالية إلى القصور المدنية العادية والواقعية البيتية . وإلى جانب الطبقات الثلاثية في القرون الوسطى ، الفارس والقس والفلاح ، يظهر الآن العالم والفنان والتاجر . إنها ثورة ونهضة للإنسان البالغ الكليم بأسمه الذي يرسم حسب أسلوبه ، والذي يكتب عن نفسه ويدافع عن شرفه الشخصي ، وإكتشافاته العلمية العقلية ، وينتقد المجتمع . يردع هذا الإنسان في خط القدماء إلى الطبيعة ، إلى إمتلاء الحياة الإنسانية ، مع القيم الجسدية حسب الإكتشافات الحديثة العلمية . قدم الفنانون مواضيع غير دينية ، وخاصة مشاهد من الأساطير الإلهية الوثنية . أكتشفت الطبيعة والعالم بشكل أوسع مما كانت عليه خلال القرون الوسطى .
 في القرن السادس عشر انتشرت حركة النهضة في بلدان أوربا كلها ومع مرور الزمن ، أصبح أسلوب النهضة الخفيف اللين الجميل الذي كان في القرن الماضي أكثر إحتفالي وضخم في القرن السادس عشر ، كما أن المركز نقل من فيرنزا إلى روما . بابوات النهضة جمعوا في روما كل الفنانين الكبار ، لكن الفرح بالأمور الطبيعية والصراحة في التوازن والصفات الخاصة لبداية النهضة تغيرت غلى حركة شديدة الهوية ، مع المبالغة في الحجم والتزيين . في هذه الأثناء ألف آريوزو متابه ( رولاند الثائر الهائج ) وشدّ مايكل أنجلو حركة النهضة نحو ( الباروك ) كما يظهر من بناء قبة كنيسة مار بطرس ( 1547- 1564 ) لذا يمكننا القول بأن النهضة الإيطالية انتهت سنة ( 1494 ) مع الهجوم الفرنسي ، وخاصة سنة ( 1527) مع سلب روما على يد الجنود الألمان ونفوذ الغرباء فيها .
 

26

دموع التوبة غذاءُ الروح
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  قال الرسول بولس لتلميذه ( وإن أتذكر دموعي أجدني في غاية الشوق لأن أراك لأمتلىء فرحاً ) " 2 تيم  4:1"
   كل إنسان بحاجة إلى التوبة للعودة إلى الله بإنسحاق ، فالتوبة الحقيقية تبدأ بالقرار الذاتي للعودة إلى الطريق الصحيح بالإعتراف أولاً من كل القلب بعدم العودة إلى ممارسة تلك الخطايا .  فالتوبة الصادقة أمام الله يجب أن تمس قلب وفكرٍ وضمير الإنسان فتدفعه إلى البكاء على ما إقترفه من خطايا ، فيذرف دموعاً غزيرة أثناء تأمله أو إعترافه بخطاياه وكما فعل القديس بطرس عندما أنكر سيده ثلاث مرات
    الدموع تنبع من العيون أثناء الصلاة الصادقة ، أو عند التفكير بحجم الخطيئة التي إقترفها  . مع دموع الصلاة يدخل الإنسان إلى عمق الذات فيدرك حجم خطيئته التي أهان بها الله ، فالدموع التي يذرفها التائب خارج الجسم ، تطهره من الداخل . وتلك الدموع شيئاً فشيئاً تبلغ إلى دموع أسمى وأنفع منها ، لا تتوقف ، ولا تجف نهاراً وليلاً لأنها مقدسة ، لهذا تزداد بلا توقف لأنها تُعَبّر عن شوقٍ متزايد إلى حب الله .
كما علينا أن لا ننسى أنواع أخرى من الدموع والتي لا علاقة لها ببحثنا نذكر منها :
1-   دموع الأطفال
2-   دموع التماسيح : وُصِفت بهذا الأسم لأنها دموع كاذبة يذرفها المنافقوق لخداع الناس.
3-   الدموع المطرية : دموع تذرفها العين لكي تحافظ على رطوبة العين ، ولكي تتحرك بسهولة في التجويف .
4-   قطرات الدموع الصناعية : تستخدم لعلاج العين .
5-   دموع الممثل : ناتجة عن إندماج الممثل مع الدور الذي يقوم بمتمثيله ، للممثل المبدع القدرة على البكاء وذرف الدموع الوهمية الكاذبة .
وهناك من يستخدم الدموع الصناعية
6-   دموع تقشير البصل التي تذرف لا إرادياً نتيجة تأثير عصارة البصل على العيون .

    قديسين كثيرين كانوا يرافقون صلواتهم القلبية بالدموع . وتلك الدموع التي كانت تولد لهم وجعاً وألماً في الرأس ، فالدموع الأولى تدعى دموع التطهير ، لكن عندما يتقدم صاحب تلك الدموع في مسيرته تلك سيجتاز إلى مستوى آخر من الدموع ، ستأتيه دموع الفرح ، ومعها يصير وجهه الكئيب جميلاً ومضيئاً ، كما سيشاهد كل إنسان أمامه منيراً ورائعاً روحياً ، ثم تأتي مرحلة دموع أخرى أسمى منها ، وللبلوغ إليها يتعلق الأمر بمقدار الطهارة وغصب الذات ، والغيرة الروحية الصادقة ، والحرارة الإيمانية التي يحملها كل مؤمن .
   كثيرين من الناس اختبروا دموع الفرح ، كمن يرى ابنه المفقود لسنين طويلة أمام عينيه فيذرف دموع الفرح ، أو عندما يحصل أحد أبنائه على النجاح ، وهناك من يبكون دموع الفرح في عرس أبنائهم . كما أن الأخبار والوقائع التي تستحضرها ذاكرة الإنسان تدفعه أيضاً إلى أن يذرف دموع الفرح .
   للدموع مراحل تتوسط مرحلة الأهواء . فالدموع الأولى هي دموع التوبة والتطهير ، فكل إنسان مؤمن عندما يسقط في الخطيئة عليه أن يُفكر مدى بعده عن الله ، وكم أقترب من الشرير ، وكم أحزن الذي مات من أجله على الصليب ، وكم أفرح الأبليس ؟ وهذه الأفكار تصل به إلى مقدار الجريمة التي اقترفها ، وبعدها تأتي دموع النِعمة ( ... ولكن حيث كثرت الخطيئة إزدادت النعمة جداً ) " رو 20:5 " . دموع النعمة عذبة وحلوة للغاية ، عبر عنها أحد الآباء وقال ( إلهي ، لا أرغب شيئاً سوى الفردوس ، لا أريد شيئاً سوى أن أذرف دمعاً كهذا ) .
   الدموع غذاءُ الروح ، فكما أن الجسد يتغذى بالطعام ، هكذا يتغذى الروح بالدموع . فعلينا نحن المؤمنين أن نمتلك دموعاً عندما نصلي أو نتعمق في التأمل لكي نعتاد أن نبكي في خطواتنا التي نرفعها إلى الله وهكذا نتقدم نحوه .
    الدموع هبة من الله لقديسيه الذين كانوا يطلبون منه أن يهبهم بدموع كثيرة لكي يبكوا ليلاً ونهاراً حتى صار للبعض القدرة على البكاء وحيثما يرغبون .
   المجاهدون الروحيين كانوا يرافقون صلواتهم بالدموع ، ليس من أجل خطاياهم هم ، بل من أجل خطايا العالم كله . ومن أجل إيمان الذين لم يعرفوا إبن الله الذي مات من أجلهم ، وموهبة الدموع تهجر عيون من يبرد في الإيمان .
   من الكتاب المقدس نذكر بطلاً من أبطال الدموع ، وهو داود الملك الذي اقترف بعض الخطايا المميتة في حياته ، كالزنى والقتل ، فقبل أن يعترف بتلك الخطايا التي أهان بها الله الذي اختاره من دون اخوته ليصبح مسيح الله وملكاً وكاتب معظم المزامير ، وقائداً عسكرياً ناجحاً وبارزاً وحّدَ كل أسبط أسرائيل ويهوذا . لهذا أرسل الله إليه نبيه ناثان الذي نبهه ، فأعترف في الحال بخطاياه ، فغفر له الله على لسان النبي الذي قال له ( الرب قد نقل عنك خطيئتك . لا تموت ) " 2 صم 13:12 " . بعد ذلك انطلق داود المختار الذي سيأتي المسيح من سبطه بالبكاء كأبن لله الذي أحبه وغفر له ، وبكائه أستمر طول حياته ، فقال ( صارت دموعي لي خبزاً نهاراً وليلاً ) " مز 3:42 " .
   لم يستريح داود من البكاء ، ولم تنشف مقلتاه من ذرف الدموع ، فظل يبكي على خطاياه إلى يوم مماته . فكان يبلل فراشه بدموعه متذكراً لخطاياه التي كان يراها أمامه في كل حين ، فقال ( خطيئتي أمامي في كل حين ) " مز 3:51 " . وكان يطلب من الله أن يحفظ تلك الدموع عنده في زق ( مز 8:56 ) . ولم يخجل داود بالإعتراف بخطاياه وبدموعه التي عبّرَ عنها بتوبته المرافقة بالدموع التي كان يذرفها بدون خجل ، بل وضع مزامير كثيرة عن التوبة التي ترافقها الدموع . رأى بعض المفسرين بأن لدموع داود علاقة بماء المعمودية . يقول القديس غريغوريوس النزينزي : توجد معمودية خامسة ، وهي عاملةُ بالأكثر ، معمودية الدموع ، حيث كان داود يبلل كل ليلة فراشه ويغسله بدموعه .
عبّرَ داود عن توبته التي دفعته على ذرف الدموع ، فقال ( أستمع صلاتي يارب ، وإصغي إلى صراخي . لا تسكت دموعي لأني غريب عندك ، نزيل مثل جميع آبائي )" مز 12:39 "
التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "

27

التهيئة للصوم الأربعيني المقبول لدى الله
بقلم / وردا إسحاق قلّو
كتب أشعياء النبي عن الصوم ( ألا يكون في مشاطرة خبزك مع الجائع ، وإيواء الفقير المتشرد في بيتك ... ) " 7:58"

    الصوم هو أول وصية إلهية للإنسان في جنة عدن . وقد أبتدأ العمل به بعد سقوط الإنسان . ومن أبرز متطلبات الصوم هو التهيئة النفسية والأستعداد لخوض معركة الصوم بالإنقطاع عن الطعام أولاً ، وذلك لأن الإنسان كسر وصية الله بإطعام فمه فسقط في الخطيئة ، فعليه أن يعمل العكس وهو الإنقطاع من تناول الطعام أثناء الصوم لكي يثبت لمن خطأ إليه بأنه خاطىء وضعيف ونادم محتاج إلى الصفح من لدنه . عندما يصوم الإنسان فلا يجوع جسده فحسب ، بل سيجوع إلى الله أيضاً ، والبحث عنه يحتاج إلى صوم وصلاة وصدقة وصفح لمن أخطأ إليه لكي يصفح عنه الله ، وبحسب الصلاة الربية ( إغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا ) ، وفي فترة الصوم يجب النيل من الكبرياء ، والأبتعاد من مديح الناس لكي لا يصبح الصائم كالمرائين . لأن الصوم يجب أن يكون روحانياً أولاً لا مادياً فقط ، وذلك لأجل تغيير الذات ومسيرة الحياة . وعكس ذلك يكون مرفوضاً من قبل الله ( طالع أش 56: 2-5 ) ويسوع المسيح حذرنا من ممارسة الصوم الخاطىء ، فوضع شروط للصائمين ، وقال ( وإن صمتم فلا تعبسوا كالمرائين ، فإنهم ينكرون وجوههم ، لكي يظهروا للناس إنهم صائمون . الحق أقول لكم  إنهم أخذوا إجرهم ) " مت 16:6" فالإنسان المرائي غايته من الصوم هو لبس قناع الخِداع لكي يبرر نفسه أمام الناس ، فيتظاهر بوجهٍ آخر أمام الجموع . إنه يتناسى أقوال الرب في الأنجيل ، قال ( إياكم أن تعملوا بركم بمرأى من الناس لكي ينظروا إليكم . فلايكون لكم أجرٍعند أبيكم الذي في السموات ... ) " مت 6: 1-4 " كان صوم الفريسين غير مقبول لدى الله لأنه لم يخلى من الكبرياء والأنانية ، وحب الظهور، بل الفريسي في داخل الهيكل تباهى بصومه أمام الله ، فقال ( ... إني لست مثل هذا العشار . فإني أصوم في الأسبوع مرتين ... ) " لو18 : 11-12 "  .
    الصوم المقبول لدى الله يجب أن يسبقه إعلان التوبة بإنسحاق وتواضع ، لأن التوبة هي إستنارة وعبور من الظلام إلى النور ( الشعب الساكن في الظلمة أبصر نوراً عظيماً ، والمقيمون في أرض ظلال الموت أضاء عليهم نور ) " أش 9: 2 و مت 16:4" . وكما فعل وانتصر شعب نينوى عندما تابوا ولبسوا المسوح ووضعوا الرماد على رؤوسهم ، وصار الرماد رمزاً للصوم . ففي بداية الصوم الكبير يرسم الكاهن صليب من الرماد على جبين كل مؤمن في اليوم الأول من الصوم ، والذي يسمى ب ( إثنين الرماد ) في الكنائس الشرقية . أو ( أربعاء الرماد ) في الكنائس الغربية . فالصوم يبدأ بالتواضع والأنسحاق ، والتوبة ، والصلاة والقراءات ، وحضور الكنيسة ، وهكذا يتم تحطيم قيود الشر بقوة الإيمان المبني على أرضية الإتضاع . الكتاب المقدس يربط التوبة الحقيقية بالصلاة والصوم وإرتداء المسيح والجلوس على الرماد ومسح الرأس والجسم بالرماد . تقول الآية ( ولما سمع آخاب هذا الكلام ، شق ثيابه وجعل مِسحاً على جسده ، وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت ) " 1مل 27:21 "
   نعيش فترة الصوم بإتزان روحي مقبول لدى الله ، وبحسب وصية السيد القائل ( أما أنت فإذا صمتَ فإدهن رأسك وأغسل وجهك ، كيلا تظهر للناس أنك صائم ، بل لأبيك الذي في الخفية . وأبوك الذي في الخفية يجازيك ) " مت 6: 17-18" . كما علينا أن نعلم بأن الله يريد من المؤمن قلباً نقياً أكثر مما يريد الجسد الجائع ، وإلا ما فائدة الصوم لصاحب القلب الخاطىء . فالصائم يجب أن يبتعد من عمل الخطيئة ، ويصون لسانه من التحدث بالسوء لمن مات المسيح من أجله . ويصوم قلبه وعقله من الشهوات والطمع والأباطيل والعمل بمحبة مع الجميع . فالصائم الذي يعطي كل أمواله للفقراء بدون محبته لهم لا ينفع شيئاً ( طالع 1 قور 12 ) .
   الصوم هو إمساك الإنسان فمه ونفسه ، أي ضبط النفس في العفة والعطف لكي يكون سيداً على أهوائه ورغباته . لهذا تعتبر الكنيسة أسابيع الصوم الكبير فترة تنقية الذات ومدرسة للتوبة ، وهي أفضل أيام السنة ، يجب على كل مؤمن أن يعيشها بقداسة لأنه زمن العودة إلى الله للعيش في خشوع ، وتقوى ، ومخافة الله ، وقراءة كلمته الإلهية ، أنه زمن البكاء والنحيب على البعد الذي عاشه الإنسان عن الله بسبب عصيان الوصايا وممارسة الخطايا . فبالصوم يعود الإنسان إلى ما قبل الخطيئة والموت . وهذا هو السبب الأساسي لإمتناعنا عن تناول اللحوم ومشتقاتها في فترة الصوم . قال الله للإنسان ( ها قد أعطيتكم كل عشب يخرج بزراً على وجه الأرض كلها . وكل شجر فيه ثمر يخرج بزراً يكون لكم حطاماً )" تك 39:1 " فالإمتناع والإنقطاع عن أكل اللحوم ومشتقاتها يعني في المفهوم اللاهوتي والروحي ، العودة إلى إنسان ماقبل الخطيئة إلى زمن التنعم بالخيرات السماوية الإلهية .
   في الختام نقول ، أن الصوم الصالح والمقبول هو الذي يأخذ مكانه الطبيعي في القلب ، لأن القلب هو مركز ومصدر الإحساس والعاطفة ، ومركز العلاقة بين الإنسان والله . فالإنسان الصائم يجب أن يجعل قلبه هيكلاً حياً يذبح المسيح عليه شهواته ، أي شهوات الصائم وملذاته . فيخلق منه المسيح خليقة جديدة بالروح ، ومن ثمار الصوم إقتناء الفضائل الإلهية الرئيسية . وهدف الصوم هو البلوغ في القداسة ، وهذا ما يريده الله من المؤمنين ( كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس ) .

      التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1 "
       


28

لم يعد الألم شراً في حياتنا

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( من أراد أن يحفظ حياته يفقدها ، ومن فقد حياته يخلصها ) ” لو 33:17″

يعتبر الألم والعذاب والمرض من نصيب جميع البشر . وإن كان هناك للألم والمرض أنواع ، فإيماننا المسيحي يقودنا إلى تحمل آلام هذا الدهر ، فعلينا أن لا نشوّه معنى العذاب الذي نعيشه

ولا نقلّل من وطأته ، كذلك يجب أن لا نبحث عنه ونتلذذ به لتعزيز إيماننا ، بل أن نجابهه ونتحمله من أجل من حمل الآلام من أجلنا . عذاب الألم المفروض علينا بسبب إيماننا يعتبره المجتمع شراً ، أما لدى المؤمن فلم يعد الألم شراً مطلقاً ، وحتى وإن كان ظلماً ، فالألم يعطي الأمل للوصول إلى الله ، الألم والشر والظلم في حياتنا الحاضرة نعتبرها صلبان ثمينة فعلينا تحملها بكل صبر ، كذلك الموت مخيف لمن لا رجاء له ، أما المؤمن فيعتبره ربحاً ، لأن بعد الموت هناك قيامة . سيقوم كما قام المسيح ، تقول الآية ( وإن كان الروح الذي أقام المسيح من الأموات ساكناً فيكم ، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم ) ” رو 11:8 ” .

  العذاب هو من نصيب الإنسان ، بدأ معه بعد سقوط الأبوين ، لهذا فهو نصيب الوجود البشري في هذا العالم . وحتى الحب يرافقه العذاب . وبالعذاب يأتي المولود إلى هذه الحياة . ولماذا يريد الإنسان ان يبقى بدون ألم ؟ للألم معاني ودروس مهمة لمن يفهمها قد تنتهي بالسعادة . فآلام يسوع وموته أنتهت بالقيامة والحياة الجديدة . هكذا آلامنا تحمل معنى وغاية ، ستنكشف لنا في حياتنا الزمنية وفي الأخرة .

   عندما نتألم بآلام يسوع سنرى في الألم معنى ، وهدف لا بد من إدراكه وفهمه ، وذلك عندما نكشف أن الله حاضر معنا ، وفي إمكاننا أن نلتمس وجوده في الظلام أو في الحزن والألم . أي ليس العذاب في حد ذاته إشارة إلى أن الله غائب عنا . ولم يكن الله غائب عن ابنه المصلوب الذي جعل من عذابه طريقاً لكل من يؤمن به إلى السماء حيث الحياة الأبدية . أي أن الله ينفذ في داخل الألم ليحوله إلى فرح ، رغم شعورنا بالخذلان وقت التجربة ، فعلى المؤمن أن لا يعرف طريقاً للتهرب من العذاب ، بل يعرف طريقاً يؤدي به إلى ما وراء العذاب ، فنقاوم الألم بالصبر متضامنين مع يسوع المتألم على الصليب . والمسيحية بدون صليب لا معنى لها . وفي وقت الألم والضعف نستطيع أن نلتقي مع الله .

   الله لا يكشف ذاته للأقوياء والأغنياء والمترفهين في القصور ، بل للمُفدين يكشف ذاته . أنه أب ومُخلّص يتضامن مع الإنسان المتألم الضعيف . فأين أتضح هذا التجلي الإلهي مع الضعيف ؟  أتضح على الصليب إتضاحاً تاماً أن الله يقف إلى جانب الضعيف ، والمريض ، والفقير ، والمظلوم ، أنه يهب نعمته للمرفوضين والمسحوقين وللمتألمين ,

    محبة الله لنا لا تحمينا من الألم ، بل تحمينا في الألم ، وهكذا يبدأ في الحاضر ما لا يكتمل إلا في المستقبل ، أي تبرير الإنسان ، والإنسان يجب أن يصمد في إيمانه لكي لا يشعر بعذاب الألم ولكي يستعيد إيمانه ويوقظه ويصونه كلما ضعف وحتى في أحلك الظلمات .

    نشاهد في هذا العصر إنتشار الحروب والظلم والبؤس والجوع والإستغلال ، لكن هناك مؤمنون يتحدون لأيمانهم بأن لله سلطة وغاية على تلك الظروف . فالحكام المستبدين الذين يسودون عليهم  ويتحكمون بعيشتهم ، لكنهم يؤمنون رغم ذلك بأن المسيح هو السيد الحقيقي ، لأن روح الله الساكن فيهم هو مقياس فكرهم وإرادتهم ، وأن الله سيزيل كل تلك السلطات لكي يكون هو سيدهم الوحيد . هكذا قال لنا الله في الصفحات الأخيرة لكتابه المقدس ( يسكن الله معهم ويكونون له شعباً ، الله معهم ويكون لهم إلهاً ، ويكفكف كل دمعة تسيل من عيونهم ، لم يبق للموت وجود ، ولا للبكاء ، ولا للصراخ ، ولا للألم ، لأن العالم القديم قد زال ) .

ولربنا وإلهنا كل المجد .

التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) ” رو 16:1″

29

لطف الله خلص البحارة ويونان ونينوى
بقلم / وردا إسحاق قلّو

يونان نبي من الأنبياء العهد القديم الصغار . ذكر في سفر الملوك بأنه عاش في زمن الملك يربعام بن يوآش أحد أقوى ملوك أسرائيل ( إنظر 2 مل 24:14 ) في أيام يونان زادت خطيئة شعب نينوى الأممية ووصلت إلى محضر الرب ، لكن الله أشفق على شعبها وأراد أن تشملهم رحمته لأنه يريد الخلاص لجميع الشعوب عكس ما كان يونان يظن ، والذي كان يريد العكس إنتقاماً لما نقله الآشوريين بالشعب العبري من تسلط ودمار وسبي .
   أختار الله يونان والذي يعني اسمه ( حمامة ) والحمامة كانت تستخدم في القديم لإيصال الرسائل . كذلك أراد الله أن يرسل رسالته عن طريق يونان الذي تمرد وأراد الهرب من المهمة إلى ترشيش أي إلى بلاد أسبانيا .
    عندما نقرأ الأصحاحات الأربعة من سفر يونان النبي نجد في قصته أموراً صعبة الإدراك لأنها تناقض قوانين الطبيعة ، كبقاء يونان في جوف الحوت بدون تنفس ، لكنه بقي حياً . لا وبل كان واعياً يفكر بدقة ، فقرر إعلان توبته ، وبعد ذلك رفع طلبه إلى الله الذي كان له يد خفية في كل أحداث تلك القصة ، حيث كان يقودها بحكمة ويهيىء كل شىء بدقة لتسير الأمور إلى ما هو صالح للجميع . لهذا نقرأ بأن الله كان يراقب كل شىء ، ويتحكم بالأحداث وكالآتي:
1-   أرسل ريحاً شديدة إلى البحر " 4:1" .
2-   جعل النوتية يوقط يونان النائم ووبخه لكي ينهض ويشترك مع الجميع لحل تلك المشكلة
3-   جعل البحر يزداد هيجاناً .
4-   جعل القرعة تقع على يونان رغم كثرة عدد الركاب في السفينة .
5-   أعد حوتاً عظيماً ليبتلع يونان عند قذفه غلى البحر من السفينة .
6-   حفظ الله يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وبكامل وعيه لكي يتوب ويصلي ويعلن أستعداده لتنفيذ المهمة .
7-   الله خلص البحارة البحارة بعنايته فهدأت العاصفة والبحرفخافوا من إله يونان فقدموا له الذبيحة .
8-   أمر الله الحوت ليقذف يونان إلى البر ( 10:2 ).
9-   أعد الله يقطينة لتمو بسرعة وتظّل يونان ( 6:4.
10-   أعد الله دودة عند طلوع الشمس لتقرض اليقطينة
11-   أعد الله ريحاً شرقية حارة لتضرب الشمس رأس يونان ، فذبل وانزعج فطلب الموت لنفسه ( 8:4) .
12-   الله خلص أهل نينوى بسبب توبتهم السريعة .
13-   الله خلّصَ يونان رغم تمرده .
14-   الله خلّصَ البهائم التي لا علاقة لها بخطايا البشر .

جميع الخلائق أطاعت الله إلا يونان ( 1- البحر 2- الريح 3- قُرعة الوثنيين لمعرفة المذنب 4- الحوت 5- نبات اليقطينة 6– الدودة ) . الإنسان يمتاز بالعصيان والتمرد ، فيونان الذي أراد أن ينهزم من وجه الله إلى ترشيش كان تصرفه وقراره غبياً وكأن الله لا يراه أو يقرا أفكاره ، وكما فعل آدم مع زوجته عندما سقطا في الخطيئة وتعرا فلجأ الأثنان إلى ما يخفيهم عن أنظار الله وكأن الله لا يرى خلف السواتر .
رغم عصيان يونان وحقده لأهل نينوى الوثنية ، وعدم تنفيذ وصايا الله ، فالله بسبب مراحمه رفض طلب يونان منه لكي يميته بسبب اليقطينة ، وذلك لأنه لومات يونان في أثناء غضبه وتمرد وعصيانه وعدم محبته لخلاص حتى الأطفال الأبراياء لكان موته يؤدي إلى الهلاك الأبدي . كذلك لم يشأ الله أن ينفذ طلب أيليا والذي كان الموت ، بل رفعه إليه بإكرام .
   الله رتب كل شىء لكي يقود يونان إلى التوبة في جوف الحوت ، وهناك شعر بخطيئته ، فصلى إلى الرب فأستجاب له لأن صلاته كانت قلبية وصادقة . صرخات يونان من الهاوية وتذرعاته النابعة من قلب مؤمن وصلت إلى الله ، وكان ليونان ثقة كبيرة بأن الله سيخرجه من بطن الحوت سالماً ، وهو سيقوم بإيصال الرسالة إلى الهدف . كما كان يمتلك إيماناً عميقاً لهذا اختاره الله لهذه المهمة ، بل كرم الله عمله في العهد الجديد عندما دافع عنه الرب يسوع واصفاً أياه أمام اليهود بأنه آية أي مُعجِزة ، بل بقائه في جوف الحوت ثلاثة أيام كانت رمزاً لبقاء المسيح في جوف الأرض المدة نفسها ( طالع مت 12:  39-40  ) .
    الله بسبب محبته ولطفه وصبره ربح شعب نينوى ويونان أيضاً . لذلك يقول الرسول ( أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته ، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ) " رو 4:2" فلا تسىء إلى إستغلال لطف الله وصبره معك أيها الإنسان . فتكملة الآية تقول ( ولكن من أجل قساوتك وقلبك غير التائب فإنك تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة ). كذلك قال ( نتأمل إذاً لطف الله وشدته ، أما الشدة ، فعلى الذين سقطوا ، وأما لطف الله فمن نحوك ما دمت تثبت في اللطف . ولو لم تكن ثابتاً ، لكنت أنت أيضاً تقطع ) " رو 22:11 " ليتمجد أسم الله الرحيم . 

التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1" [/size]


30
البرية معبر للقاء مع الله

قلم / وردا إسحاق قلّو
  البرية أرض خصبة أمينة يؤمن بها الإنسان نفسه من ضجيج العالم ومن مشاكل والتجارب ، وفيها ينكر العالم ليقترب من الله . وفيها يصبح حراً ليتفرغ للتجرد من كل المغريات ويبتعد عن الشهوات والغنى ليعتاد الفقر . هناك الصوم ، والصلاة ، والتأمل ، والنسك . وأول من هجر العالم ولجأ إلى البرية في العهد الجديد كان يوحنا المعمدان الذي نعتبره أول راهب نكر العالم ليصبح مُلكاً لله وحده . لجأ إلى البرية ليتعلم في جامعتها البر ، وفيها يستطيع أن يزيل الحاجز الخارجي بينه وبين الخالق . وهناك يسيطر على حواسه الجسدية ، فرضيَ عنه الله وجعله الصوت الصارخ في برية هذا العالم ( أش 3:40 ) وهناك سّرَ الله به وأختاره لكي يعد الطريق أمام أبنه  ، ولكي يستقبله في نهر الأردن ، ويعمده بالماء ، والله أكمل عمله بتعميده بالروح ، وبعد ذلك دخل يسوع أيضاً البرية الخارجية ليبتعد عن العالم .
   الشعب اليهودي الذي أدخله الله برية سيناء لمدة أربعين سنة كان لإعداده للدخول إلى أرض الميعاد بإستحقاق . أذاً نحن المؤمنين أيضاً يجب أن ندخل البرية الخارجية لكي نستطيع أن نتهيأ للدخول إلى أرض الميعاد السماوية . علينا أن لا نجعل رجائنا في ما لهذا العالم ، بل أن نخرج منه للقاء الرب الذي ينتظر عودتنا إليه . ولكي نلتمس وجهه المنير ، ونسمع صوته في داخلنا . إذاً العزلة ضرورية لخلاصنا . فهل يجوز أن يعزل كل الناس في البراري والجبال تاركين العالم للوصول إلى ذلك الكنز الثمين
    البرية نوعان : البرية الخارجية كالتي تحدثنا عنها ، والبرية الداخلية الموجودة في داخل كل إنسان . اي العلماني الذي يعيش في العالم يستطيع أن يتركه وإن كان فيه ليدخل برية القلب ، ويعيش مع الله ولله ، وعرش الله ليس في السماء فحسب ، بل في قلب كل إنسان مؤمن يُسَلّم ذاته له ويعيش القداسة . فالإعتزال ليس من نصيب الأنبياء والنُسّاك فقط ، بل هو نصيب كل المؤمنين ، لأن الله جعلهم أمة عظيمة من الأنبياء والكهنة والملوك . لهذا يستطيع كل واحد أن يلتمس يد الله ووجهه . لا بد من الذي يعيش في العالم أن يعمل ويزوج وينجب ، لكن المهم أن يعيش في الصحراء الداخلية ، وأن لا يفضل ما في العالم على الكنز الثمين الموجود في قلبه .
لا يصلح لله من أحب المال أكثر من الله ، ولا كل ما في هذا العالم . صوت الله ينادينا لكي نتبعه ، فعلينا أن نترك كل شىء ونتبعه كما تبعه إبراهيم ، وكما تبعه بطرس الرسول وأخيه وأبني زبدي ومتى العشار والقديس أنطونيوس أب الرهبان . صوت الرب ينادي كل إنسان ، وعلى المرء أن لا يتحجج ويقول للرب ( أسمح لي ، أولاً ، بأن أدفن أبي ، فالرب سيقول له : دع الموتى يدفنون موتاهم ، وأنت أتبعني ) . لأن كل ما في هذا العالم يقع تحت سلطة الموت ، فعلى الإنسان أن يتحرر من ذلك السلطان ليدخل في سلطة الله ومحبته . ومن دون اللجوء إلى البرية يستحيل الدخول إلى أرض الميعاد التي أعد لنا الله فيها البيوت المناسبة ، كما أعد كل ما لا تراه عين أو تسمع به إذن . فبرية هذا العالم تتطلب منا الفقر والتجرد من كل ما يغوينا في هذا الدهر .
    الله لا يتمجد في الإنسان إلا عندما يقيم في البرية . يستطيع أن يستعمل الإنسان في حياته كل شىء من هذا العالم وكأن لا شىء له ، أي أن لا يحب المخلوقات أكثر من الخالق . وأن يبتعد من إقتراف الخطايا لأنها تشكل حاجزاً بينه وبين الله ، فعليه أن يستئصلها ويقاوم عمل المجرب في حياته .
   كلمة الله أخذت في يوحنا المعمدان موضعاً عميقاً فحفرت في قلبه البرية الداخلية أيضاً . ففَضلَ كلمة الله وعاشها بتجرد . وأختار طعاماً بسيطاً من الجراد والعسل البري . ولباسه وبر الأبل . وحقويه ممنطقة من الجلد . أي أختار شظف العيش في هذا العالم ليتعزى بالمائدة السماوية مع حبيبه يسوع . هكذا ينبغي على كل إنسان مؤمن أن يعِدَ نفسه للظهور الإلهي في داخله ، ولكي يرى مجده كيوحنا الذي جعله الروح أن يفرز حمل الله بين الجموع على نهر الأردن ويتعرف عليه .
   وبإختصار ، علينا أن لا نهتم إلى أشياء كثيرة في هذا العالم ، لأن الحاجة هي إلى واحد ! فينبغي أن نتوب توبةً صادقة للدخول إلى البرية التي هي الطريق الأفضل للإقامة في كنف الله . ولمعاينة بهائه الذي لا يوصف ، وله كل المجد .
 
التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) ” رو 16:1″

31

شراكة الإنسان في الطبيعة الإلهية
بقلم / وردا إسحاق قلّو
    في جوهر الله يوجد تبادل محبة بين الآب والإبن والروح القدس . هذه هي ماهية الله أو هويته الحقيقية . وما هو في داخل الله من محبة يخرج إلى الخارج ليشمل الإنسان الذي خلقه على صورته كمثاله . عندما سقط الإنسان في الخطيئة ، من فيض محبة الله ، أراد أن يخلّص الإنسان ويكشف له أبوة الآب ، وبواسطة المسيح ينال البنوة ( الروح القدس نفسه يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله )  وبه ننادي ( يا أبتا ) كما أن الروح يمنح البشر ( حرية أبناء الله )  ” رو 15:8 – 16″ و ” غل 6:4 ” ويسوع المسيح هو ( بكر لأخوة كثيرين ) ” رو 29:7″ ( لا يستحي المسيح أن يدعو المؤمنين به إخوة له ) ” عب 2: 11-12 ” وداعياً أياهم أحباءه ” يو 15:15″ . وهكذا تتجه البنوة والأخوة والصداقة نحوسيادة يسوع المسيح على كل البشر ، لأنه يريد أن يكون العالم كله له ” قول 16:1 ” لأجل ذلك يجذب الله الآب البشر لأبنه ، وبحسب قول الرب ( جميع الذين أعطاني الآب يقبلون إليَّ ) ” يو37:6″ فنستطيع أن نقول إن الإنسان هو هدية الآب للإبن ، والأبن يتقبلهم من الآب ويعيدهم إليه ( كل ما هو لي فهو لك ) ” يو 10:17 ” فيصبحون ورثة الله ، وشركاء المسيح في الميراث والمجد . ” رو 17:8 – 18″ .

    كذلك سيشارك الإنسان إلهه في كيان واحد . ففي الإفخارستيا يتحد جسد المسيح ودمه مع جسد ودم الإنسان فيصبحا كياناً واحداً موحداً . وكل المؤمنين بالمسيح هم جسد واحد وهورأسهم ، وهكذا يكتمل الإنسان مع الله ، وبضعف الإنسان تكمل قوة الله . كما أن الوحي الإلهي القدوس يسكن في جسد الإنسان الطاهر ، والروح القدس هو الله . تقول الآية ( ألا تعلمون أنكم هيكل الله ، وأن الروح حال فيكم ؟ … هيكل الله مقدس ، وهذا الهيكل هو أنتم ) ” 1 قور 3: 16-17 ، 9:6 . 2 قور 16:6 ” فالمؤمن بيسوع المسيح يصبح هيكل الروح القدس الذي يحل فيه ويملأهُ ، ويجعل الآب والإبن يسكنان فيه إذا أحبوا أخوتهم ( يو 14: 15- 23 ) لأن روح الله هو روح المحبة ( رو5:5 ) .
    أما مستقبل الإنسان وهدفه فهو الإتحاد الكلي بالله ، الله الآب الذي يصبح ( كل شىء في كل شىء ) ” 1 قور 28:15″ . الله الإبن يصبح به المؤمن واحداً فنعبر عنه ( في المسيح ) و ( مع المسيح ) . فالوحي المسيحي يقّر بأن غاية حياة الإنسان هي الحياة الأبدية . إلا أن الإنسان في حاضره الأرضي حيث ملكوت الله هو حاضرً بين البشر ( طالع لو 21:7) وذلك ، أن الحياة الأبدية ، والملكوت تبدأ على الأرض بالإيمان ، لهذا تقول الآية ( الحياة الأبدية هي أن يعرفوك ، أنت الإله الحق وحدك ، ويعرفوا الذي أرسلته ، يسوع المسيح ) ” يو 3:17 ” .
    الألم والموت في هذا العالم يكتسبا بيسوع معنى عميق . الا وهو أنهما يقودان إلى الخلاص الأبدي . فكل شخص ٍ يتألم يتحد بشخص المسيح المتألم ، وبآلامه الخلاصية ، علاوة على أن الآلام في حد ذاتها تطهر المتألم من ذاته كالنار . فهذه هي ثمرة الألم الثلاثية الأبعاد ، وهي
تطهير الذات . الإتحاد بالمسيح . الأشتراك معه في خلاص البشر .
  ختاماً نقول : الفرق بين الوحي اليهودي والمسيحي في هذا الموضوع هو أن الله في العهد القديم أقترب من البشر بالرموز . فتابوت العهد هو رمز لحضور الله في وسط الشعب .
   أما في العهد الجديد فأصبح الله إنساناً ( متخذاً صورة العبد ، وصار على مثال البشر وظهر بمظهر الإنسان ) في العهد الجديد خص جميع البشر ورفعهم عالياً وجعلهم شركاء في الطبيعة الإلهية . ليتمجد أسمه القدوس .

التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) ” رو 16:1″

32

عذاب العذراء على هذه الأرض

   بقلم / وردا إسحاق قلّو

قال سمعان الشيخ لمريم
(حتى أنتِ سيخترق نفسكِ سيف ... )
" لو 35:2"
   للعذاب فوائد ودروس لحياة الإنسان الروحية ليحرره من قيود وإغراءات هذه الأرض ، لكي يتوجه نحو ما هو أفضل وأسمى من هذا العالم . والعذاب تضحية من أجل الآخر حباً بالمسيح الذي تعذب ومات من أجل الجميع ، فمريم شاركت المسيح في عذابه منذ ميلاده حتى مماته على الصليب أمام أنظارها وبقربها . وإلى إنتقالها إلى السماء . فالعذاب كنز لنا ، وهدية من السماء لمن يتحمله بصبر وإيمان ، فينال من بعده التكريم .
 فعذاب مريم مستمد من عذاب أبنها ، فكما تعذب يسوع ومات من أجل الكثيرين ، هكذا يريد من كل مؤمن به أن يحمل صليبه ويضحي من أجل الآخرين ( ما من حب أعظم من هذا أن يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه ) " يو 13:15" .
    زعم أحد الوعاظ بأن مريم لم تتألم ، فهل كان إدعائه صحيحاً ؟ مريم العذراء عاشت كل الأسفار التي عاشها يسوع منذ ولادته في المغارة فتحملت البرد والحر وتعب الطريق والجوع والخوف ، وحتى ملازمتها لأبنها في طريق الجلجلة وإلى قمتها فشاهدته عندما كان يُسّمَر على الصليب ، ويُهان ، ويتعذب ، وأخيراً موته المشين على خشبة الصليب عارياً أمام الجميع . فأي أم لا تتعذب عندما ترى ابنها الوحيد يتألم ويموت ! ومريم تعلم بأن هذا المصلوب هو أبن الله . فهل من الصواب أن مريم أمنا لا تتألم مثلنا وخاصةً على ابنها ، أم حقاً قاسمته أوجاعه ؟
  آرائنا حول عذابات مريم لا يجوز ان ترتكز على الإفتراضات ، بل علينا أن نقرأ الأحداث المدونة لنا في الأنجيل منذ بشارة الملاك وحتى آخر لحظة في حياة مريم . ففي اليوم الذي سبق ميلاد ابنها كانت تتعذب في الطريق إلى بيت لحم ، وهناك طردت مع خطيبها من قبل كل سكان البلدة لكونهما فقيران ، فلم يشفق أحد على حالها . ، فاضطرت أن تتحمل ذلك الألم لكي تلد ابنها في مغارة الحيوانات ، وهناك أكتنفها برد وجوع وإنزعاج ، فشعرت بالمرارة ، وفي تلك اللحظات كانت تمر بمحنة أليمة لأنها تعلم أن الذي تلده في حضيرة الحيوانات هو إبن العلي . لا تعلم بأن أبنها قد أختار ذلك المكان لكي يعلِّم المؤمنين درس التواضع ومهما كانت منزلة الإنسان في المجتمع . فمن خصائص الحب التنازل .
    مريم تعلم بأن كل شىء كان يسير بحسب إرادة الله فشاركت ابنها الإلهي تلك الإرادة .
    أما عن نبؤةِ سمعان الشيخ المخيفة في العذراء فبدأت بعد ختان الطفل يسوع وهربها السريع بالطفل مع مار يوسف إلى مصر خوفاً من سفك دم الإله المتجسد . وهكذا بدأ سيف الأوجاع ينغمس في قلبها . تركت أرض الآباء لكي تتجنب إنتقام الملك السفاح ، فرحلوا على عجل وبدون استعداد إلى مصر . وفي مصر أيضاً كانت تعيش بخوف وقلق لملاحقة جنود هيرودس الطفل . فعاشت هناك في فقر وخوف وألم النفي من بلادها مع عائلتها الصغيرة . حوادث كثيرة لم يذكر الأنجيل تفاصيلها . وعذاب مريم أساسه الحب ، وعلينا أن نسند كل عذاباتنا نحن على مبدأ الحب ، فبسبب حبنا ليسوع كمريم علينا أن نتألم وحتى وإن أخترنا الموت بدل الحياة . فيسوع يحب المتألمين ، وهو الذي سمح لأمه أيضاً أم تتألم على هذه الأرض . فإن تألمنا أيضاً ونحن نحب ، فنجد المكافأة والسعادة كما وجدتها مريم .
  بعد العودة من المنفى ، كان تأثيرالتهديد ما يزال قائماً لجلوس إبن هيرودس على عرشه فلجأت العائلة إلى الناصرة . في أحدى زيارات العائلة المقدسة إلى أورشليم للزيارة ، توارى يسوع إبن الثانية عشر عن حنان أمه لثلاثة أيام ، فعاشت مع مار يوسف في خوف وقلق . عندما وجدته في الهيكل قالت له ( يا ابني لما صنعت بنا هكذا ؟ ) وأخيراً تستمر مسيرة العذاب إلى طريق الجلجلة وهناك وصل عذاب مريم إلى ذروته وذلك عندما كانت تشاهد مع النسوة ابنها المصلوب . وهل نستطيع أن نعبّر عن العذابات التي كانت تعيشها العذراء تحت الصليب ، وما كان يجيش في قلبها وفكرها من لوعة وأسى ؟ ظلت واقفة تحت الصليب صامدة بوجه خطة الأشرار لكي تقدم للبشرية كل حبها ، وكل ما تملك وهو ابنها الإله إلى جميع البشر من أجل خلاصهم . قالت عنها القديسة تريز الطفل يسوع : أم مريم هي أول كاهن لأول ذبيحة للعهد الجديد  تكتب عنها :
  ( يا مريم تبدين لي ، على قمة الجلجلة ، واقفةً عند الصليب مثل كاهن على المذبح . تقدمين حبيبك يسوع ، عمانوئيل الوديع حتى تُسَكّني عدالة الآب ) .
ذاك ما قاله أحد الأنبياء ( أيتها الأم الموجوعة ، ما من وجع يضاهي وجعك . يا مليكة الشهداء ، ببقائك منفية ، تريقين لأجلنا كل دم قلبك ) .
    في الختام نقول : ليست العذراء وحدها مدعوة للعذاب مع ابنها الذي تجسد ليتعذب في كل إنسان . فكل إنسان مدعو ليتعذب أيضاً مع يسوع ليصبح شريكاً له في موته وقيامته . فكما نموت معه في المعمودية ، علينا أن نتعذب لنقوم معه أيضاً . لأننا نؤمن بمحبته ووعوده لنا جميعاً . ولنتذكر قوله ، قال ( من أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني ، لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها ، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي و سبيل البشارة فإنه يخلّصها ) " مر 34:8" .  إذاً المسيح يدعونا إلى مسيرة درب الصليب لنصل إلى المرحلة الأخيرة التي هي الموت والإستشهاد حباً مع المسيح وللمسيح له كل المجد .   
التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1"


33
التجسد الإلهي في العذراء مريم

بقلم / وردا إسحاق قلّو
( أن كل روح يعترف بأن الرب يسوع المسيح قد أتى في الجسد فهو من الله )
"1 يو2:4"

في عمق الزمان خطط الله لخلق الكون المتكون من السموات والأرض وكل ما يُرى وما لا يُرى ، فخلق بكلمةٍ منه الأرض ومليارات النجوم والكواكب الشبيهة بأرضنا ، يقول العلماء أن عدد النجوم والكواكب يساوي حبات الرمل على شواطىء البحار . ففي مجرتنا ( درب التبانة ) يوجد مئة مليارنجم , كما يوجد خمسون مليار مجرة أخرى في الفضاء، وكل نجومها تسير بنظام ودقة متناهية لأن الله هو الذي يُسيّر الكون وكل هذا أعده الله لخلق الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله لكي يتسلط على الأرض كلها ” تك  1 : 26 ” .

لقد أعطى الله للإنسان المخلوق حرية الأختيار في عبادته وإطاعة شرائعه وكان يعلم بأنه سيخطأ يوماً فلا يجوز أن يخلقه للهلاك فوضع له خطة لخلاصه . كانت الخُطة أنه مهّد أبنه الوحيد الأزلي لكي ينقذ الجنس البشري الخاطىء ، فكانت فكرة تجسد الأبن من الأمور المهمة قبل الخلق . الأبن هو الكلمة والكلمة كان عند الله ” يو 1 : 1 ” .

وبهذا فأن الله قد هيأ جسداً طاهراً نقياً لهذه المهمة وهو جسد العذراء مريم أمنا الذي منه سيلد الكلمة الألهية المتجسد وكما تقول الآية ( أنما خرجت من فم العلي بكراً قبل جميع المخلوقات ) “سير 24 : 5 ” .

   خلق الله السموات والأرض وفي اليوم السادس خلق الإنسان وسقط في الخطيئة وبما أن أجرة الخطيئة هي الموت بسفك الدم ، فقد بدأ العهد القديم بتقديم ذبائح حيوانية من تيوس وكباش وثيران وغيرها وكانت كلها تقدم لله لمغفرة الخطايا لكنها لا تفي بالغرض المطلوب عند الله ولا حتى دم إنسان لكي يكافىء الخطيئة ويصالح الله مع البشر .

إذاً الإنسان لا يستطيع أن يعيد العلاقة بينه وبين خالقه الذي يستطيع دفع الثمن ، لهذا على الله ولمحبته الفائقة للبشر أن يدفع الثمن ، لكن الله روح وليس فيه دم لكي يُقدمه ذبيحة عن البشر لهذا قرر أن يرسل أبنه الوحيد لكي يتجسد من أجل هذا الواجب وبموته يسكب دمه كذبيحة لكي يصبح خاتم كل الذبائح وبه سيتم الصلح وينشق حجاب الهيكل هذا الحاجز الذي يرمز الى غضب الله على الإنسان فبموت الرب سيزيل هذا المانع فتبتسم السماء بوجه البشر حينذاك سيبشر ملاك الرب البشر قائلاً :

 ( المجد لله في العلى ، وعلى الأرض السلام ، وفي الناس المسرة ) ” لو 2 : 14 ”   

بدأت فترة النبؤات عن التجسد الألهي أبتداءً من سفر التكوين 3 : 15 ،

” وأثير عداوة دائمة بينك وبين المرأة وكذلك بين نسليكما هو يسحقرأسك “

أما أبينا يعقوب فتنبأ في بركته الى أبنه يهودا في تك 49 : 12 – 8 ” قائلاً :  “

(( يهودا أياك يحمد أخوتك وتمون يدك على . . .

( لا يزول قضيب من يهودا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب . . . ) .

شيلون هو الرب يسوع المتجسد وكما أكد لنا كاتب سفر العدد 24 : 17 نفس النبؤة قائلاً ( يبرز من يعقوب ويقوم قضيب من أسرائيل ) .

  وهكذا تعاقبت نبؤات ورموز لهذا التجسد فالعليقة المشتعلة التي رآها موسى في جبل حوريب وهي لا تحترق كانت رمزاً ورسماً للعذراء التي ستحبل بالكلمة المتجسد ، هذه الأنسانة المقدسة والمطوبة من جميع الأجيال دون أن تحترق بنار اللاهوت المتجسد الذي يضيء أحشائها ، لم يسمح لموسى أن يقترب من العليقة على الجبل لأنها مقدسة ،

فكم بالحري تكون قدسية العليقة الحقيقية مريم أم الرب وكم يجب على الأنسان أن يحترس عندما يقترب منها بأفكاره وكم يجب أن يقدسها !! ؟

أما حزقال النبي فرأى باب المقدس المتجه للشرق مغلقاً فقال له الرب :

( هذا الباب يكون مغلقاً لا يفتح ولا يدخل منه أنسان لأن الرب اله أسرائيل دخل منه فيكون مغلقاً ) ” حز 44 : 2 – 1 “.

وهذا الباب كان يرمز الى رحم العذراء التي ستحبل بالكلمة المتجسد .

أما دانيال النبي فحدد لنا زمن الميلاد بقوله :

قد صدر القضاء أن يمضي سبعون أسبوعاً على شعبك وعلى مدينة قدسك ، لأنتهاء من المعصية والقضاء على الخطيئة ، وللتكفير من الأثم ولأشاعة البر الأبدي وختم الرؤيا والنبوءة ولمسح قدوس القدوسين لهذا فأعلم وأفهم أن الحقيقة الممتدة منذ صدور الأمر بأعادة بناء أورشليم الى مجيء المسيح ، سبعة أسابيع ، ثم أثنان وسبعون أسبوعاً ، يبني في غضونها سوق وخليج ، انما تكون أزمنة ضيق ، دا 9 : 25 – 24 . أما أشعياء فقد تنبا عن ميلاد الله المتجسد في 7 : 14 قائلاً :

. ( ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو اسمه عمانوئيل)

والمقصود بهذه الآية هو أن هناك معجزة في كلمة العذراء التي ستحبل وهي عذراء وتلد وهي عذراء  .

تنبأ أشعياء بهذه الاية التي يقصد فيها بأن مريم ستبقى عذراء قبل وأثناء وبعد الميلاد لهذا لم يدعيها عذراء بل ( العذراء ) المعرفة بأداة التعريف .

 إذاً الحبل والميلاد تمّ بقوة الروح القدس

أما النبي ميخا فتنبأ بمكان ميلاد الرب قائلاً  :

( أما أنت يا بيت لحم أفراتة ، مع أنك صغيرة بين ألوف قرى يهودا ، الا أن منك يخرج لي من يصبح ملكاً في أسرائيل وأصله منذ القديم ، منذ الأزل ) ” مي 5 : 2 ” .

وهكذا عندما تم الزمان ” غل 4 : 4 ” . جاء ملاك الرب وبشر مريم قائلاً :

(. . .   ها أنت ستحبلين أبناً وتسميه يسوع)

لأن مريم قد نذرت من قبل والديها للهيكل وتريد أن تلتزم بذلك الوعد وتحتفظ ببتوليتها دون تراجع فوضح لها الملاك بالقول بأن هذا الحبل لا يمس بتوليتك ونذرك بل ستظلين كذلك الى الأبد .

 أما طريقة الحبل فهي من عمل الله وحده لا يدركها عقل أنسان وحسب قول الملاك  :

 ( …   الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك) ” لو 53:1″ .

 وهكذا حل الروح عليها فحبلت بالكلمة الأزلي وأتخذ جسداً من لحمها ودمها لكي يصبح إنساناً ويحل بيننا ، أي سكن لاهوت الرب في أحشائها تسعة أشهر متحداً بالناسوت أذ أتحد

اللاهوت بالناسوت في أحشاء مريم أتحاداً أبدياً بغير أنفصال أو تغيير أو أمتزاج فدعيت أم الإله ، لأنها ولدت الله المتجسد وأنه ليس من زرع بشر بل من قوة الله ، بحلول الروح القدس عليها بقيت عذراء لأنها لم تلد مجرد مخلوق بل إله متجسد والذي حل فيها وهي عذراء وخرج منها وهي عذراء لأنه الله الذي لا يحده مكان وهو القادر على كل شىء ، أي أن ولد منها وتظل بتوليتها مختومة وهذا ما حدث فعلاً   ولادة الرب كانت عجيبة ، لا تدرك وكما يليق بالولادة الإلهية ، كذا يليق بكلمة الله الذي ولد من أب من دون أم أن يولد من أم دون أب ، لتكون ولادته الثانية شهادة على الولادة الأولى  .

 ” 4 : 12 ” : لقد أكد لنا سفر نشيد الأنشاد بتولية العذراء بهذه النبؤة في

( أنت جنة مغلقة يا أختي العروس !! ) . ( أنت عين مغلقة وينبوع مختوم )

وهكذا خرج الرب من القبر والقبر مختوم ، يا لها من أعاجيب رهيبة لنا من الخالق ،

تمت نبؤة ميخا فولد الرب في بيت لحم وكان في تلك الكورة رعاة بشرهم ملاك الرب قائلاً

( فها أنا أبشركم بفرح عظيم يعم الشعب كله .  فقد ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب ) ، هو نفسه أحبنا وأرسل أبنه كفارة عن خطايانا وهكذا صار الكلمة جسداً ليخلصنا بمصالحتنا مع الله . 1 يو 4 : 14 .

لقد صار الكلمة جسداً لكي يكون مثالاً لنا في القداسة فنقتدي به  .

  ( أحملوا نيري عليكم وتعلموا مني) ” مت 29:11″

صار الكلمة جسداً لكي يجعلنا شركاء في الطبيعة الالهية ، وهذا هو السبب الذي من أجله صار بشراً لكي يصير الأنسان أبن الله بدخوله في الشركة مع الكلمة وبنيله البنوة الألهية لأن أبن الله صار أنساناً والهاً وعلى قول الملاك زار الرعاة الطفل الألهي وبعدهم ملوك مجوس من المشرق فسجدوا له ، إذاً بشارة الملاك تشمل الرعاة الفقراء والملوك الأغنياء وكل الطبقات الأجتماعية الأخرى تقع بين قوسي الفقير والغني أي أن بشارة ميلاد المخلص هي لجميع البشر لقد سجد له الملوك وهكذا ستسجد له جميع المخلوقات في السماء وما في الأرض فيكون لها الخلاص ولهذا ولد أبن الله العلي وحسب قوله :

( لهذا ولدت أنا ولهذا قد أتيت الى العالم لأشهد للحق ،  كل من هو من الحق يسمع صوتي )

” يو 18 : 38 ” .

ببركة العذراء التي شاركت الرب في سر التجسد نطلب من الرب المولود أن يكون نوراً للجميع ، وسلامهُ يعم كل الأمم لأنه رئيس السلام  .



34
أصل لاهوت الكلمة المتجسد


بقلم / وردا إسحاق قلَو

قال الجالس على العرش ( … الألف والياء ” البداية والنهاية ” أنا أسقي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً ) ” رؤ 6:21″ 

   كتب لنا الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية ” 4:4 ” ( ولكن لما جاء ملء الزمان ، أرسل الله ابنه ، وقد ولد من إمرأة ) أي أنه كان موجوداً فأرسله لكي يتجسد ، ويتخذ جسداً بشرياً وكما سردت لنا قصة ولادته الطبيعية في بداية الأصحاح الثاني من أنجيلي البشرين متى ولوقا ، فدعي المولود ( إبن الله ) وحسب وصية الملاك للعذراء في ( لو 35:1 ) ولماذا ؟

لأن المولود ليس من ذرية آدم الخاطىء ، بل هو من الروح القدس الذي حل في أحشاء مريم وحتى ولادته لم تكن طبيعية كباقي البشر ، بل كانت معجزية تلائم والمولود الإلهي ، ولكي تبقى أمه دائمة البتولية . المولود هو كلمة الله الحي ، والموجود قبل كل شىء ، أي أنه مولود وليس مخلوق . أنه موجود قبل العذراء التي ولدته ، وقبل إبراهيم وحسب قوله ( أنا كائن قبل إبراهيم ) لم يقل أنا كنت ، بل أنا كائن . فهو كائن أزلي ، الذي كان ، والذي يأتي في نهاية الزمان . لقد وضح فكرة أزليته لليهود الذين عاصروه قائلاً : ( أبوكم أبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح ) ” يو 56:8″ . 

   المولود من مريم هو كلمة ( في البدء كان الكلمة ) ” يو 1:1 ” تبدو هنا الكلمة قواعدياً مؤنث ، لكن المقصود بها ليس الكلمة الملفوظة بالفم ، بل بالمقصود بها وهو (يسوع ) وحسب الآية  ( ويدعى اسمه كلمة الله ) ” رؤ 13:19 ” . والكلمة صار جسداً وحل بيننا ” يو 14:1 ” . أصل الكلمة هو اللوغس باللغة اليونانية ، ويعنى به العقل والنطق معاً . أي أن المسيح المتجسد هو عقل الله الناطق . لنسأل ونقول متى وجد الكلمة في ذات الله ؟ هل الله الآب وجد قبل الأبن الكلمة ؟ أي متى وجد لاهوت المسيح ليشكل الأقنوم الثاني في ذات الآب الأزلي ؟ للوصول إلى الجواب علينا أن نبحث عن أصل لاهوت المسيح الذي يعلنه لنا الرسول يوحنا الذي لم يدون لنا عن ولادة يسوع الجسدي ، بل تخطى ليبحث بالروح عن أسرار السماء ، والروح كشف له أصل لاهوت المسيح ، قبل كل الخليقة ، فقال ( في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة هو الله ، وهو كان في البدء مع الله ) في البدء ، الموجودة في بداية أنجيل يوحنا لا تعني ما تعنيه ( في البدء ) الموجودة في بداية الأصحاح الأول من سفر التكوين والتي تعني تحديد لزمن الخلقة ، هنا يعني بها الوحي الإلهي ( منذ الأزل ) أي لا يحده زمن ، بل أنه خالق الزمن ، وواهب الحياة ، ومصدر النور . به خلق الآب كل شىء ، أي بالكلمة ، وكما يعلن لنا الوحي في بداية سفر التكوين ، وأكده أنجيل يوحنا في الآية ( كل شىء به كان ، وبغيره لم يكن شىء مما كان ) “ يو3:1 ” وهكذا به خلق كل شىء ( فإنه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ومايرى وما لا يرى ، سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين . الكل به وله قد خلق ) ” قول 16:1 ” . إذاً في أسم المسيح ( الكلمة ) عمق كبير لا يستطيع العقل البشري المحدود أن يدرك بدايته وأسراره اللامحدودة ، وكما قال الرسول متى ( لا أحد يعرف الإبن إلا الآب ) ” 27:11 ” .   


 
   يسوع المسيح هو اللوغس الأزلي الواحد في الجوهر مع الآب ، لهذا لا يجوز أم نعتقد بأن الآب هو قبل الآب ، ولمجرد كونه هو الآب فيجب أن يكون هو الأول ، بل الأثنان هم فوق الزمن ، وموجودَين معاً ويشكلان مع الروح القدس إلهاً واحداً . فلا يجوز أن يكون الآب قبل الأبن ، أي حاشا للآب أن يكون ولو للحظة بلا عقل ونطق . بما أن المسيح هو الكلمة الناطقة التي بها خلق الآب الكون وكل المخلوقات ، وبه تحدث إلى بني البشر بلسان الأبن الذي جعله وارثاً لكل شىء وبه أنشأ العالمين ( عب 2:1 ) المسيح هو الذي كشف لنا أسرار الله الآب لأنه البداية والنهاية ، الأول والآخر . وهو الحق والأبن ، والشاهد الصادق لذهن وعمق الآب . لهذا يختلف يسوع عن باقي الأنبياء لأنه قدم للعالم الكلمة التي تنوّر العقل والبصيرة وتستوعبها عقول كل البشر لأنها كلمة عجيبة نابعة من ذات الله . أنه نور الله للعالم . هذا النور الحقيقي الذي ينير كل مولود في العالم . 

   كان في العالم وبه تكوَّنَ العالم ، ولم يعرفه العالم ( يو 10:1 ) أكد الرب هذه الحقيقة بقوله ( أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة )" يو 12:8 " وبمثل هذه الكلمات لا يتجرأ أحد من الأنبياء أن ينطقها سوى الله وحده الذي هو أصل الوجود ونور السموات والأرض . فكل من يؤمن بالمسيح بأنه أبن الله ستكون له الحياة . ومن لا يؤمن بالأبن . لن يرى الحياة . بل يمكث عليه غضب الله ( يو 36:3 ) ولربنا الملك السرمدي المولود في المذود المجد دائماً . ولربنا المتجسد المجد الدائم .
التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1" 

35

بشارة مريم العذراء والدة الإله
بقلم / وردا إسحاق قلّو

( السلام عليك يا ممتلئة نعمة ، الرب معك... ) " لو 28:1 "
   بشارة الملاك لمريم هي بداية تنفيذ خطة الله الخلاصية لبني البشر . نقرا في الإنجيل المقدس أن ملاك الرب قد بشر العذراء ، وأثناء البشارة تجسد أبن الله في أحشائها عندما قالت نعم . وهذا كان من بدائع القدرة الإلهية . جاء الفادي وتجسد لكي يحرر الإنسان من قيود الخطيئة . لهذا السبب جاء إبن الله وصار بشراً ليعيد البشرية الساقطة إلى مجدها وجمالها الأول ، فغسل معصيتها وقدسها وجَمّلها بدمه ، ورَفعها إلى الأعالي .
  يوم بشارة الملاك لمريم العذراء تحتفل به الكنيسة الكاثوليكية يوم 25 آذار من كل عام . في يوم البشارة حبلت العذراء بالرب المتجسد ، يقع قبل يوم ميلاد الرب بتسعة أشهر . أما الأسبوع الأول من شهر كانون الأول فهو زمن البشارة للعذراء الذي يسبق عيد الميلاد وبحسب ليتورجية الكنيسة الكلدانية . وهناك أربع آحاد لزمن البشارة وهي :
1-   بشرى الملاك لزكريا
2-    بشرى الملاك لمريم العذراء
3-   ميلاد يوحنا المعمدان
4-   بشرى الملاك لمار يوسف البتول

    حصلت البشارة في ملء الزمان عندما أرسل الله إبنه مولوداً من إمرأة ( غل 4:4 ) . هذا الطفل المتجسد يتحدث الرسول يوحنا عن أزليته ، ويقول ( في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله ... ) " يو 1:... " تجسد إبن الله في بطن العذراء بعد بشارة الملاك جبرائيل . والعذراء كانت في هيكل أورشليم منذ نعومة أظفارها . تركت الهيكل الذي تربت فيه ( يقال أن عمرها في يوم البشارة كان اربع عشر سنة وستة أشهر وسبعة عشر يوماً ) . وذهبت مع خطيبها يوسف البار الذي أخذها إلى الناصرة بعد أن عقد رئيس الأحبار لها عليه ، فساكنته في بيته . وعند البشارة كانت بتولاً عذراء . ويوسف لايزال خطيباً لها . فما معنى هذه المساكنة مع الحفاظ على البتولية ؟ الجواب ، هو أن مريم كانت قد عاهدت الله في الهيكل على أن تحفظ له بتوليتها طول حياتها الأرضية . ويوسف قد رضي بذلك . وإن كان هذان العروسان قد بدِءا بالبتولية وهما شابان طليقان ، فهل من المنطق أن يهجر تلك البتولية السامية والكلمة الإله صار بينهما ؟ نعم عاشا بتولين مع بعضهما كما عاش آدم وحواء في الفردوس قبل السقوط ، فلم يكن آدم يعرف حواء إلا بعد السقوط ، فولد لهم قايين البكر خارج جنة عدن.
   لما دخل الملاك إلى مريم وقال لها ( السلام عليك يا ممتلئة نعمة ، الرب معك ... ) " لو28:1 " . لما رأته أضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن يكون هذا السلام ، فقال لها الملاك : ( لا تخافي يا مريم ، فإنك قد نلت نعمة عند الله . وها أنتِ تحبلين وتلدين إبناً وتسميه يسوع . وهذا سيكون عظيماً وإبن العلي يدعى ، وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه ويملك على آل يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه إنقضاء ) .
   إنذهلت مريم لكلام الملاك ، ولما كانت قد عاهدت الله ومار يوسف خطيبها على حفظ البتولية ، لهذا لم تسرع بإبداء القبول الذي كان الهها قد تركه لحريتها ، حتى يكون أكثر كمالاً  . أعترضت على كلام الملاك وقالت له ( كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً ؟ ) فأجابها الملاك ( إن الروح القدس يحل عليك وقوة العليّ تظللك ، ولذلك فالقدوس المولود منك يدعى إبن الله ... ) . إقتنعت البتول ورضيت وتواضعت وأجابت الملاك قائلة ( ها أنا أمَةُ الرب فليكن لي بحسب قولك ) " لو 26:1 " في حينها تجسد إبن الله في أحشائها (  والكلمة صار جسداً وحل فينا ) " يو14:1" . وهكذا أخلى من هو ضياء ومجد الله وصورة جوهره ذاته وأخذ صورة عبد لكي يصير في شبه البشر ، وبهيئة البشر ، متضعاً حتى الموت .
  بعد بشارة الملاك تجسد إبن الله ، وأضحى أبن البتول ، وإبن الإنسان . أعمال الله لا تدركها عقولنا ، فليس لنا إلا أن نسجد أمام أسرار الله العجيبة ونقول له كالعذراء لتكن مشيئتك ، بل نهتف كالملائكة قائلين ( المجد لله في العلى ) . فالأشهر التي تسبق يوم الميلاد هو زمن تحقيق الرب لوعوده التي وعد بها على لسان أنبيائه في العهد القديم .
  إنتظر الآباء في قرون العهد القديم مجىء المخلص الذي تنبأ بمجيئه عدد من الأنبياء ، فكانت الشعوب تعيش في آمال ، وتعتقد أن لا بد للإنسان الساقط من فادٍ يصلح مفاسدهُ ويطهر أثامه وينهضه من غباوته وينير سبيله إلى الله . وفي مجموعة النبوءات تقول عن ولادة طفل إلهي يهبط من السماء ويظهر على الأرض ويبدأ معه عهد جديد للمسكونة كلها . وكان الرومان أيضاً ينتظرون إنبثاق فجرعهد يطلع من المشارق ويحمل إلى الدنيا السلام والطمأنينة والخلاص . أما اليهود فإن خلاصة حياتهم وأهدافهم القومية هو مجىء المسيح المنتظر لكي يحررهم من عبودية الرومان ، وليس من الخطيئة ، وما يزالون ينتظرون !
   أما الإحتفال بعيد تجسد الإله فيعود إلى أجيال الكنيسة الأولى ، ولقد ذكروه في مواعظهم أباء القرن الثالث كالقديس غريغوريوس العجائبي . وتكلم عنه بإسهاب الآباء العظام أثناسيوس وأوغسطينس ، والذهبي الفم في القرن الرابع . وأحتفلت الكنيسة كلها وعلى الخصوص الكنائس الشرقية بهذا العيد إحتفالاً رائعاً . وهي تدعوا هذا اليوم ( رأس خلاصنا وبدء إفتدائنا ) وهي تهنىء البتول بعواطف فياضة وبكل ما عندها من حب وإكرام وحماسة وإبتهاج ، وهي تدعو المؤمنين أجمعين ليعيّدوا ويبتهجوا في هذا اليوم المجيد ، ويسبحوا البتول مع الملاك هاتفين :
( أفرحي ، أيتها الممتلئة نعمة ، الرب معك )

التوقيع : ( فأنا لا أستحي بالأنجيل. لأنه قدرة الله للخلاص ) " رو 16:1"

36

في العهدين ... الحصول على الغفران يتم عن طريق الأعتراف لدى الكاهن
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب
( .. ما ربطتم في الأرض ُربط في السماء ، وما حللتم في الأرض حُلّ في السماء )
  عندما يخطىء الإنسان إلى الله ، هل يستطيع أن يحصل على الغفران بقدراته الذاتية كالقيام بأعمال الخير أو الصلاح ؟ الجواب كلا لأن الخطيئة أفسدت كل شىء ومنها الإنسان الذي خطأ إلى الله .
 حاول الإنسان أن يغيّر طبيعته الفاسدة ببذل الجهود في مجال الثقافة والتطور والتعليم والتهذيب الأدبي وسن قوانين جديدة وفي مجال الفلسفة إضافة إلى إنكار الذات من أجل تطوير مسيرته الإنسانية ، لكنه زاد عنفاً وإنتقاماً ، فأبدع في صناعة آلات الحرب والتدمير ضد من يتحداه من أخوته البشر ، بدلاً من زرع السلام والوئام . وهكذا فشل في تهذيب الشجرة البشرية بسبب أبتعاده من وصايا الله فزاد شراً فوق شر ، وكما قال يسوع ( هل يجتنون من الشوك أو من الحسك تيناً ؟ ) " مت 16:7 " وذلك تبياناً لعجز الإنسان لعمل الصلاح .
  في العهد القديم حاول الإنسان الخاطىء إرضاء الله بدفع الضرائب عن خطيئته وذلك بتقديم ذبائح حيوانية نحرها عبر التاريخ أقوام وأديان كثيرة ، لكنه فشل بالعمل بحسب الشرائع الإلهية والعمل حسب مطالبها فمكث في دائرة الخطيئة . الأعمال التي يحسبها الإنسان صالحة ، ما هي إلا نجسة في نظر الله . يقول إشعياء النبي ( كلنا أصبحنا كنجس ، وأضحت جميع أعمال برنا كثوب قذر ، فذبلنا كأوراق الشجر وعبثت بنا آثامنا كالريح ) " 6:64 " .
  الأعمال التي يقوم بها الإنسان وإن كانت صالحة فما هي إلا دين على طبيعته البشرية لأنه مطالب بالقيام بتلك الأعمال الصالحة ، مع الأبتعاد عن الشر . فكل عمل خير يقوم به أمام الله يكون قد عمل ما هو مطلوب منه كعبد . فأعماله تلك لا تكفر عن خطاياه أبداً ، فخطأ الذي قال ( الصالحات تمحو السيئات ) الأعمال الصالحة مطلوبة من كل إنسان كعبد ، فلا علاقة بذلك في الحصول على المغفرة .
 العبد لا يطمح في نيل المغفرة من سيده إذا عمل أعمالاً إضافية وشاقة ، بالإضافة إلى واجباته المفروضة عليع . فالذي يقترف خطيئة ضد الله القدوس فأفعاله الصالحة لا تكفر عن آثامه لأنه عبد لله . لهذا قال يسوع الرب ( أن فعلتم كل بر قولوا نحن عبيد بطالين ) .
الإنسان يعلمه ضميره بأن الأعمال الصالحة لا تغفر خطيئته ، وإنه بحاجة إلى الغفران من الله ، فكيف يستطيع أن يرضي الله لكي يحصل منه الغفران ، هل بالتوبة مثلاً ؟ الإنسان الذي يقترف جرماً وبعده يتوب ، لكن رغم تقديم توبته للمحكمة مع طلب الصفح بدموع ، لكن المحكمة تصدر حكمها العادل المتعلق بالجريمة ولا تعطي فرصة لضياع العدا وكسر الشرائع المرسومة . هكذا الله العادل متمسك بشريعته فلا يتنازل من عدله ، بل سيعاقب الخاطىء حسب القوانين والشرائع المعلنة ، كالتي وضعها لآدم قائلاً له ( يوم تأكل منها موتاً تموت ) .
 الله قدوس وكل خطيئة يقترفها الإنسان ضد قداسته لها قصاصها ودينونتها . فقصاص الخطيئة يجب أن يكون موافقاً مع الشرائع الإلهية والبشرية معاً والتي تتطلب معاقبة المذنب رغم أعماله الصالحة وتوبته ، لآن الشريعة بدون قصاص لم تبقى شريعة محترمة . والقصاص ضروري جداً للعمل بوصايا السماء . كما أن المغفرة بدون كفارة عن الخطايا هو مضيعة للشريعة والناموس الإلهي .
  في العهد الجديد دفع يسوع ثمن الخطيئة على الصليب فتمت المصالحة مع الله. فكل من يؤمن ويتعمد تغفر له كل الخطايا ومنها الخطيئة الموروثة . وإن أقترف بعض الخطايا في حياته فعليه أن يعترف بها لكي ينال الغفران ، تقول الآية ( وإذا إعترفنا بخطايانا فإنه أمين عادل يغفر خطايانا ويطهرنا من كل أثم ) " 1 يو 9:1 " إذاً هل يمكن أن يرفع كل خاطىء أعترافه إلى الله مباشرةً ، أم هناك من نعترف أمامه لنحصل بواسطته المغفرة من الله ؟
  لنبدأ أولاً من العهد القديم  ومن ثم نتدرج إلى العهد الجديد . في العهد القديم كان لله وسيط ، وهو الكاهن المنتخب والممسوح والذي ينوب عن الله عنده كان الخاطىء يقدم إعترافه ، فلا يجوز لأي إنسان أن يرفع خطاياه هو إلى الله مباشرةً . وهذا النظام تم تطبيقه في العهد القديم . نقرأ في " عد 5:6-7 " ( أوصى الرب موسى قائلاً : كل بني أسرائيل إذا عمل رجل أو إمرأة شيئاً من جميع خطايا الإنسان وخان خيانة بالرب فقد ذنبت تلك النفس فلتقر بخطيئتها التي عملت ) لم يكن الخاطىء يرفع خطاياه إلى الله لمغفرتها ، بل كان يذهب إلى الكاهن ويعترف له ، والكاهن يقوم بتقديم ذبيحة إلى الله لمغفرة تلك الخطايا . نقرأ في ( يش 19:7 ) في قصة عاخان أبن كرمي  ( يا بني أعطي الآن مجداً للرب إله إسرائيل وإعترف له وأخبرني ) . كما لا يجوز تقديم ذبيحة الغفران إلا من قبل الكاهن . داود الملك ، وكاتب معظم أيات سفر المزامير عندما أقترف الخطايا لم يتجرأ بأن يرفع غفرانه إلى الله ، بل أعترف لناثان الكاهن ، وقال له ( قد أخطأت إلى الرب ) والرب لم يقل لداود ، بل لناثان ، فقال ناثان لداود ( والرب قد نقل عنك خطيئتك فلن تموت ) " 2 صم 13:12 "
   في العهد الجديد ننال الغفران من الله بواسطة الكنيسة التي نالت من مراحم المسيح سلطان الحل والربط بواسطة الكاهن . إذاً يجب أن يعترف الخاطىء بخطاياه إلى الكاهن الذي له سلطة الحل والربط .
  هناك معترضون يقولون : إذا أعترفنا عند الكاهن فهذا يعني بأننا لا نعترف لله بل للإنسان . فالجواب هو إننا نعترف لله في مسمع شاهد وهو الكاهن المنتخب والمرسوم والموكل من قبل الله . والمسيح هو الذي يختار له التلاميذ في كل العصور كما أختار رسله وتلاميذه عندما كان على الأرض . إذاً النظام مستمر من العهد القديم والكهنوت لم يلغى ، بل لن يلغى أي شىء من الناموس ، بل أكمله يسوع بالأفضل . ( طالع مقالنا على الرابط )
    في العهد الجديد يجب أن نتوب عن خطايانا أولاً ومن ثم نعترف بها أمام الكاهن لنحصل الغفران .لأن للكاهن  سلطة الحل والربط . والذي يعترض ويقول ، تلك السلطة أعطيت للرسل فقط . فنقول ، بل أعطيت لمن يخلف الرسل من أساقفة وكهنة لأن وصية الرب يسوع مستمرة وبحسب قوله ( ها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر ) فالرسل والتلاميذ لم يعيشوا أكثر من عمرهم المحدود . إذاً الكلام هو لرعاة الكنيسة إلى زمن مجىء المسيح . لهذا نجد اليوم سر الأعتراف موجود في كل الكنائس الرسولية ( الكاثوليكية والأرثوذكسية ) وسيستمر إلى يوم القيامة .
   قال اليهود ليسوع الذي قال للمرأة الخاطئة مغفورة لك خطاياك ( لا يقدر أن يغفر الخطيئة إلا الله وحده ) لأنهم لا يعلمون بأنه الإله المتجسد بينهم . وعلى كرسي المعمودية يوجد الروح القدس الإله الذي يطلبه الكاهن وبه تغفر الخطايا . ويسوع القائم من بين الأموات هو الذي نفخ في رسله وقال ( خذوا الروح القدس ، من غفرتم لهم خطاياهم تغفر لهم . ومن أمسكتم عليهم الغفران يمسك عليهم ) " يو 23:20 " . وهذا الروح يختلف عن الروح القدس الذي نزل على الرسل في يوم العنصرة الذي أعطاهم مواهب كثيرة . ولربنا الغافر المجد دائماً
توقيع الكاتب: ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1"



37

التوبة هي التغيير الكامل للحياة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب  ( تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم ) " مت 28:11

   المسيحي الحقيقي الذي يسكن فيه الروح القدس هو الإنسان الذي هيىء جسده لسكنى ذلك الروح الإلهي . لأن روح الله القدوس لا يسكن في هياكل ملوثة بالخطيئة . والخطيئة تدفع الإنسان إلى العبودية ، فتبتعد من نور المسيح . أما الذي يعيش للمسيح فهو خليقة جديدة ، أما الأشياء العتيقة أي الخطيئة التي كانت تستعبده قد مضت بعد الإيمان والمعمودية ليصبح إنساناً جديداً . فالذي يريد أن يكون بحسب قلب الله وخادماً لأبنه يسوع ، فعليه أن يتوب أولاً ، لأن التوبة القلبية تغيّر المؤمن من الداخل والخارج فيتغيَر الذهن والقلب والإرادة والأعمال . بل سيتغيّر كل شىء ليصبح إنساناً مثالياً طاهراً وبحسب إرادة الله . تقول الآية ( ولا تشاركوا هذا الدهر ، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ) " رو 2:12 " وهكذا يتغيّر سلوك التائب بالقول والفعل لكي يعيش حياة جديدة مع المسيح وللمسيح عندما يتحرر من عبودية الخطيئة ، لأن الذي يعمل الخطيئة هو عبد لها .
قال يسوع ( الحق الحق أقول لكم : كل من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة ) .
فالإنسان التائب يعيش حياة جديدة وطاهرة لكي يذهب كل عتيق فيه إلى الزوال ، ولا يعود إليه مرة أخرى كما يقول الرسول ( عالمين أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود أيضاً نستعبد للخطيئة ) " رو 6:6" هكذا يجب أن يكون التائب قوياً لا يفارق فكره وإرادته حياة التوبة ، بل يدعوا الآخرين إلى التوبة . وكذلك يسعى إلى قيادة التائبين إلى ما هو أسمى ، إلى حياة ملؤها القداسة والكمال في المسيح ، كما قال بولس ( به نبشر فنعظ كل إنسان ونعلم كل إنسان كل حكمة لنجعل كل إنسان كاملاً في المسيح ) " قول 28:1" .
    التوبة تبدأ بالتواضع ومن ثم الإعتراف . فبطرس أتضع أمام الرب أولاً ، تقول الآية ( فلما رأى سمعان بطرس ذلك خر عند ركبتي يسوع قائلاً : أخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطىء ) " يو 8:5" فدعاه الرب لكي يصبح صياداً للبشر .
    كذلك النبي إشعياء أتضع وأعترف بأنه خاطىء عندما رأى مجد الرب ( أش 5:6 ) فدعاه الرب ، قال ( ثم سمعت صوت السيد قائلاً ، من أرسل ومن سذهب من أجلنا ، فقلت ها أنذا أرسلني ) " أش 8:6 " وكذلك السامرية الزانية وعلى بئر يعقوب قادها الرب في الكلام فأعترفت بخطاياهاالتي أظهرها لها الرب ، ولم تنتظر الدعوة للخدمة ، لكنها اسرعت للذهاب إلى السامرة لتشهد للمسيح المخلص . فالذي يريد أن يقدم نعمة التوبة للآخرين عليه هو أن يتذوقها أولاً . ويتحرر من الخطيئة وطرقها لكي يعيش حياة النعمة ( فأن الخطيئة لن تسودكم ، لأنكم لستم تحت الناموس ، بل تحت النعمة ) " رو 14:6" هكذا التائب يرفض أعمال الجسد ويرفض الخضوع لها ، بل يخضع لهمسات الروح . والروح يقوده إلى النور . فالتائب تتغير سلوكه وسيرته ويبتعد من مشتهيات الجسد لكي ينتعش بالروح ، لأن متطلبات الجسد هي عكس ما يريده الروح ، قال بولس  ( أسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد ، لأن الجسد يشتهي ما يخالف الروح ، والروح يشتهي ما يخالف الجسد ، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون ، فإذا كان الروح يقودكم ، فلستم في حكم الشريعة ) " غل 5: 16-18"
   أما العوامل التي تدفع الإنسان إلى التوبة والمصالحة فكثيرة ، منها الروح القدس الساكن في المؤمن منذ قبول المعمودية ( ومتى جاء ذاك أخزى العالم على الخطيئة والبر والدينونة ) " يو 8:16 " . فالروح يعمل في الإنسان الخاطىء ويدفعه غلى التوبة بعد أن يشعر ضميره بجرم الخطيئة ويذكره بأقوال الرب بأن إجرة الخطيئة هي الموت . فيدفع الخاطىء إلى نبذ عمل الخطيئة ويعمل على التحرر منها ، ويسعى إلى تغيير الذات لكي يعمل أعمالاً صالحة تليق بالتوبة . وقد يكون سبب هذا الأندفاع هو الإصغاء لكلمة الله عن طريق القراءة أو الإصغاء فتلك الكلمة توبخه لكي يعود إلى طريق البر والصلاح ( كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح ) " 2تي 3: 16-17 " وهكذا كلمة الله تنقي ضمير الإنسان وقلبه من دنس الخطيئة وتدفعه إلى سر التوبة والإعتراف للتقدم نحو القداسة ، كما قال يسوع لتلاميذه ( أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به ) " يو 3:15 " .
    ومن الأسباب الأخرى التي تفيق الخاطىء لكي يتوب ويعترف هي عمل الصلاة ، فلا توبة بدون صلاة وصوم كما فعل أهل نينوى . والله يسمع ويعطي لمن يسأل ويطلب بإنسحاق القلب وبدموع ، وحسب قوله ( الحق الحق أقول لكم ، إن كل ما طلبتم من الآب بأسمي يعطيكم ، إلى الآن لم تطلبوا شيئاً بإسمي . إطلبوا تنالوا ، فيكون فرحكم كاملاً ) " يو 24:16 " .
    الله يقبل توبتنا لأن رحمته كبيرة ( إنظر أف 2: 4-25 ) لكن الذي يخطىء عن عمد ، وعلى رجاء التوبة ، ولأعتقاده بأن الله رحيم ، فلمثل هذا لم تأتي رحمة الله ، أي كالذي يقرر بعمل خطيئة الزنى وبعدها يقول سأتوب وأعترف بخطيئتي فلا يحصل على رحمة الله ، فيبقى في خطيئته . ولإلهنا الرحيم المجد دائماً .
التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1"


38


البركات والتطويبات ال ( 16 ) في العهد الجديد

بقلم / وردا إسحاق قلّو

   نقرأ في ختام العهد القديم عبارة تهديد موجهة إلى شعب الله المختار  ، تقول ( ... لئلا آتي " إن لم يتوبوا " ، وأصيب الأرض باللعنة ) " ملا 6:4" . بينما في العهد الجديد تبدلت لغة السماء مع بني البشر ، فالله المتجسد أتى بالتطويبات والبركات بدل اللعنات ليجعل من الإنسان خليقة جديدة في عهد النعمة . ففي موعظته على الجبل أعطى يسوع للجموع التطويبات والبركات  التسعة ، وهي :
1.( طوبى للمساكين بالروح ، فإن لهم ملكوت السموات ) ويقصد بالمساكين بالروح الفقراء في الروح ، أي المتواضعين ، وهكذا يجب ان يكون المؤمن كسيده الذي أتضع  وظهر للبشرية كعبد وهو خالق الكون .
2.( طوبى للحزانى ، فإنهم يعزون ) الحزن والبكاء على أخطائنا يُعَبِّر عن الندم والعمل من أجل تطهير الذات لمتابعة المسيرة على الطريق القويم المؤدي إلى الحياة . 
3.( طوبى للودعاء ، فأنهم سيرثون الأرض ) . الوداعة مطلوبة في حياتنا الزمنية لكي نتجنب الشر والعنف ، لهذا يطلب منا الرب بأن نكون ودعاء كالحمام . أما عبارة ( سيرثون الأرض ) فهي مجازية وليس المقصود هنا بأن الودعاء سيبقون على هذه الأرض ، بل الأرض ستفنى ، كما ستنحل مليارات النجوم والكواكب ، لأن موطننا لا يمكن أن يكون إلا في السماء ، لهذا علمنا  الرب في الصلاة الربية لكي نقول ( ليأت ملكوتك ) . والملكوت لها عدة معان ، كالملكوت الحاضر بيننا ( لو 21:17 و مت 28:12 ) ويعنى بها حياة التقوى في القلب ، لهذا قال يسوع ( فأطلبوا أولاً ملكوت الله وبره ... ) " مت 33:6 " . كما يقول ( توبوا فقد أقترب ملكوت السموات ) " مت 17:4 " . وكنزنا الحقيقي هو في السماء . فالملكوت هم سيطرة الله على قلوب البشر ، فحيث يكون المسيح ، نكون نحن . وقد أعد لنا في السماء منازل كثيرة . كما يعنى بالملكوت " الكنيسة " إنها مملكة المسيح التي تبدأ من هذه الأرض وتنتهي في السماء عندما تلتحم مع الكنيسة الممجدة .
4.( طوبى للجياع والعطاشى إلى البر، فإنهم سيشبعون ) . هنا يحثنا الرب إلى التحمل وإنتظار وعده لكي يحقق العدل لكل مظلوم وهو الحاكم العادل الذي سيلبي إحتياجاتنا .
5.( طوبى للرحماء ، فإنهم سيرحمون ) كل من يقدم رحمة نابعة من قلب مُحِب سيكافؤه الله مهما كان حجم المساعدة ، وإن كانت قدح ماءٍ بارد للعطشان ، فالله سيكافىء كل من فيه الرحمة برحمة أكبر . 
6.( طوبى لأنقياء القلب ، فإنهم سيرون الله ) نصل إلى درجة النقاء عندما نقترب من الكمال الروحي ، اي القداسة فتصبح قلوبنا طاهرة ومُحِبة للجميع . فالذي يمتلك قلباً نقياً سيلتقي بوجه الله النقي في هذه الحياة وفي الآخرة . 
7.( طوبى لصانعي السلام ، فإنهم سيدعون أبناء الله ) جاء المسيح ليزرع السلام في العالم كله فدعي رئيس السلام ، فكل من يعمل من أجل نشر السلام فإنه يخدم الله والبشر لأنه يعمل بوصايا السيد . 
8.( طوبى للمضطهدين من أجل البر ، فإن لهم ملكوت السموات ) كل مؤمن مدعو إلى تحمل صعوبات هذا العالم فعليه أن يحمل صلبان الظلم ويسير خلف فاديه الذي حمل صليب الفداء من أجل الحياة الأبدية في ملكوت الله . 
9.( طوبى لكم ، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من اجلي ) على المؤمن أن يتحمل الإهانات والطرد والظلم ، بل عليه أن يقابلها بمحبة وفرح من أجل المسيح الذي أهين ومات من أجله لكي ينال المكافأة منه .
إضافة إلى التطويبات التسعة التي جاءت على فم الرب يسوع نقرأ أيضاً هذه التطويبات
 في " لوقا 28:11 " ( ... بل طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه ) لا تختلف هذه التطويبة عن التطويبات التي سنتناولها في سفر الرؤيا ، قالها يسوع رداً على كلام المرأة التي قالت ليسوع ( طوبى للبطن الذي حملك وللثدين اللذين رضعتهما ) وهنا رفع يسوع تفكير المرأة إلى ما هو عملي بالنسبة لها ولنا وهو سماع كلمة الله وحفظه والعمل به . وهنا لا يستخف يسوع بأمه مريم التي سمعت كلمة الله وعملت بها أكثر من كل البشر . ويسوع بفلسفته أراد أن يقول بأن شَرف القرابة الدموية معه محصور في بعض الأفراد بحكم الطبيعة ، أما الشرف الأسمى ، أي القرابة الروحية معه ، فهو معروض لكل الناس بغير تمييز . فبإمكان كل إنسان مؤمن أن ينال هذا الشرف بحفظهم للكلمة ليكون قريب المسيح كالعذراء التي كانت تحفظ الكلام كله وتفكر به في قلبها ( لو 51:2 ) .
 كذلك التطويبة التي جاءت في كلام القديسة أليصابات لمريم العذراء عندما ردت على سلام مريم عندما ختمت كلامها لمريم قالت ( فطوبى لمن آمنت : فسيتم ما بلغها من عند الرب ) " لو 45:1" .
أما التطويبات الأخرى ،[/color] فبعد صعود يسوع إلى السماء ، دوّنَ لنا الرسول يوحنا سبعة تطويبات في سفر الرؤيا ، خصص ثلاثة منها لكلمة الله وبركة وسعادة الإنسان الذي يقرأها ويحفظها ويعمل بها . أما الباقية فتخص حياة السهر من أجل تطهير الذات للحصول على كنوز الآخرة . نتناول تلك التطويبات بالتسلسل التالي :
1-( طوبى للذي يقرأ كتاب النبوءة وللذين يسمعونه ، ويحفظون ما هو مكتوب فيها ، لأن الوقت قريب ) " رؤ 3:1 " هذه التطويبة تدعونا لقراءة نصوص الكتاب المقدس وحفظها .
2-( طوبى للأموات الذين يموتون منذ الآن وهم في الرب ) " رؤ 13:14 " أي تطويب الإنسان الذي يموت مؤمناً وعلى جبينه وسم المسيحية .
3-( ها أنا آتي كلص . طوبى لمن يكون بانتظاري ، ساهراً وحافضاً لثيابه ، لئلا يمشي عرياناً فيرى الناس عريته ) " رؤ 15:16 " دعوة للمؤمنين لكي يحافظوا على طهارتهم من كل دنس لكي يكونوا جاهزين للدخول إلى ملكوت الله ، فلا شىء دنس يدخل إلى الملكوت .
4-( طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل ) " رؤ 9:19 " تطويب للمستحقين المدعوين إلى عشاء الرب في السماء .
5-( سعيد "  طوبى " مقدس من كان له حظ في القيامة الأولى ، فلا سلطان للموت الثاني عليهم ، بل يكونون كهنة الله والمسيح ويملكون معه الأف سنة ) " رؤ 6 : 20 " .
6-( ها أنا آتي سريعاً . طوبى لمن يحفظ أقوال نبؤة هذا الكتاب ) " رؤ 7:22 " أي حفظ الكتاب والعمل به .
7-( طوبى للذين يغسلون حللهم فإنهم يتسلطون على شجرة الحياة ، ويدخلون المدينة من الأبواب ) " رؤ 14:22 " وهذه هي آخر تطويبة في العهد الجديد لتطويب المؤمن الملتزم بالوصايا الإلهية المكتوبة ، هؤلاء يحق لهم الدخول إلى المدينة السماوية من أبوابها . 
ولإلهنا القدير المجد في كل حين
التوقيع : ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) " رو 16:1"


39
هل يجوز للعلماني أن ينقد قرارات المجامع الكنسية أو السينودس ؟
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  المجمع الكنسي والسينودس تُعد من قبل الأساقفة. والأسقف يجب أن يتصف بصفاة تخلو من اللوم ، سالكاً طريق الحق وفي القداسة ، ويتمثل بالمسيح ،  فيكون بلا عيب ( طي 1: 6-7  و 1 طيم 2:3 ) لكي لا تنال منه أقاويل الناس التي يختلقها كثيرون من الأخوة الكذبة ، وأعداء الإيمان الذين لا يراعون أقوال الله في كتابه المقدس ، ولا يعلمون بأن ( كل كلمة بطالة يقولها الناس ، يحاسبون عليها يوم الدين . لأنك تزكى بكلامك ، وبكلامك يحكم عليك ) " مت 36:12 .. فالكاهن الذي ينتخب ليصبح أسقفاً يجب أن يتحلى بصفات تليق بدرجته الكهنوتية السامية وكرسول للمسيح . كما يجب أن يكون حكيماً متواضعاً مبتعداً عن كل مفاسد الحياة مهتماُ بالكلمة الإلهية ليعطيها حقها في التفسير والعمل والتعليم كما كان معلمه يسوع الذي أبتدأ يعمل أولاً ثم يعلّم ( ... في جميع ماعمل يسوع وعلمَ منذ بدء رسالته ) " أع 1:1 " وتعليمه كان من فوق ، وكذلك الرسل ، وهذا لا يعني أن علم الكتب لا ينفع ، بل أن عِلم هذا العالم لا يكفي ، إذ حيث لا روح في ما يقرأ . والروح متى ملأ كيان الإنسان لا يعود بحاجة إلى قراءة الكتب كالكثير من القديسين الذين لم يتعلموا في المدارس ، إذ ذاك ، الروح في ألواح قلوبهم اللحمية يكشف لهم أسراراً ، وفق الآية ( أجعل شريعتي في داخلهم ، وأكتبها على قلوبهم ) " إر 33:31 " وهذا ما قاله يسوع لرسله ( .. لا تهتموامن قبل بماذا تتكلمون ، بل تكلموا بما يلقى إليكم في تلك الساعة ، لأنكم لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس ) " مر 11:13 "  . فعلينا أن نثق بخدام كلمة الله ونطيع وصاياهم لأنهم المرشدين والمختارين والمدبرين ، وهكذا نطيع الوصايا ونعمل بها ، قيل ( أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم ، لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم ) " عب 17:13 "  . كماعلى الأساقفة أن يكونوا رعاة صالحين أمناء في خدمة وقيادة الكنيسة . يعَلمّون حسب وصايا الأنجيل التي لها القوة في الحكم ، وإصدار القوانين الكنسية لكي تعمل بموجبها الكنيسة . يسمح للعلماني صاحب الأختصاص العلمي أن يحضر تلك المجامع المقدسة للإستفادة من معلوماته العلمية فيطرح أمام المجمع أو السينودس ما لديه في الموضوع ذات العلاقة ، والأساقفة تأخذ من أقواله ما يناسب مع الإيمان ، وبعد ذلك تصدر القرارالمناسب . فعلى العلماني الحاضر أن لا يعارض ما صدرمن المجمع من قرارات بعد سماع الحاضرين إلى ما طرحه  ، كذلك يمكن الوصول إلى أراء كل المؤمنين قبل إنعقاد المجمع أو السنودس وذلك بطرح كل ما سيناقش في المجمع والسينودس من قبل كل أسقف لأبناء أبرشيته عن طريق كهنته ، وبعد ذلك يأخذ ما هو مفيد ليطرحه الأسقف أمام الأساقفة . وهذا ما قررته البطريركية الكلدانية في إرسال استمارة أستبيان الكترونية لكل من يريد أن يعبر عن آرائه . للمزيد أبحث عن العنوان التالي :
إستمارة أستبيان لتفصيل المرحلة الأبرشية من سينودس الأساقفة ( تشرين الثاني 2021- آب – 2022)
للأساقفة فقط الحق في إصدار القرارات النهائية ، لأنهم القدوة الصالحة في الكنيسة ، فحيثما إنتفت القدوة الصالحة في الكنيسة ،  ساد التفلت وبدأ الأنشقاق ، لأن لهم قال الرب :
( أن كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء . وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ) " مت 18:18 " .
   إذاً كل ما يصدر من أفواه الأساقفة المجتمعين في المجامع الكنسية أو في السينودس المقدس توافق عليه السماء ، فلا مجال للعلماني أن يبدي برأيه ، أو يتصدى لما يصدر من أفواه الأساقفة . كما على الأساقفة أن لا يسمحون للعلماني في التدخل بما يقرروه . لهذا نقول للأسقف الجليل ليس من العدل وأنت الرأس أن تخضع للذنب ، أي للرجل العلماني وخاصةً السىء التصرف الذي يتجرأ ليفرض آرائه على آراء الأساقفة ، فالعلماني غير مخول بالأشتراك في أصدار القرارات أبداً . الأسقف هو الذي يتراس سامعيه من المؤمنين . فالولد لا يرأس أباه ، تلك هي سنة تعاقب الأجيال . ولا يجوز للعبد أن يرأس سيده ، فهذا هو الشرع . ولا التلميذ معلمه ، ولا الجندي ملكه ، ولا العلماني أسقفه .
   الأسقف مكانته عظيمة ، وله أعطي السلطان للربط والحل ، وكذلك حسابه عسير ، والله سيطالبه بالكثير بسبب الوزنات التي أودعها عنده ، لهذا قيل ( من أودع كثيراً يطالب بأكثر منه ) " لو 48:12" فعليه أن يتجنب الخطأ ، ويكون بينه وبين العلماني محبة وإحترام متبادل وهكذا كان الأمر في العهد القديم أيضاً الجالسين على كراسي المسؤولية . سيحاسبهم الرب كيف يرعون قطيعه ، قيل ( ... ها أنا أنقلب على الرعاة وأطالبهم بغنمي .. ) " حز 10:34 " . والغنم الذي لا يتبع الراعي تكون من حصة الذئاب فتهلك . كذلك غنم الرعية التي لا تتبع الأسقف تهلك وتتشتت إلى طوائف لا راعي لها. فينبغي للعلماني أن يحترم الأسقف الذي أختير راعياً لأبرشيته ، كما عليه أيضاً أن يخشاه كأب وسيد ورئيس ، ويوقره ككاهن الله . إذ أن من يسمع له يسمع للمسيح ، ومن ينبذه ينبذ المسيح ، فالأساقفة هم خدام الكنيسة الجامعة المقدسة ، وهم بين العلمانيين كالأنبياء ورؤساء ومدبرين وملوكاً ووسطاء بين الله ومؤمنيه . ومبشرين بالكلمة وحافظين الكتب المقدسة وعمق كلام الله وقوانين الكنيسة .
   حمل الأسقف ثقيل ، وبما أنه يحمل هذا الوزر ، فعلى العلمانيين أن يطيعوا رؤسائهم الأساقفة لأنهم حراس المعرفة ، ووسطاء بين الله والشعب في الأمور التي تتعلق بالعبادة الصحيحة .. والكتاب علمنا بأن نسمع أقوالهم ونعمل بها . فمن يعمل بدون أسقف فعمله باطل ، ولا يحسب له عملاً ، بل حسابه عسير كشاول الملك الذي أصعد المحرقة من غير حضور صموئيل ، قيل له ( أنك بحماقةٍ فعلت ) " 1صم 13:13 "  وهكذا يستحق كل علماني يتدخل في ما يخص رجال الأكليروس ، أو يقلد واجباتهم .
  إذا كان هرون قد دعيَ نبياً ، وموسى سميّ إلهاً لفرعون ، أي ملكاً ورئيس كهنة معاً ، وكما قال له الله ( قد جعلتك إلهاً لفرعون ، وهارون أخوك يكون نبيك ) " خر 1:7" .
   فلماذا نحن لا نعتبر وسطائنا الأساقفة أنبياء الكلمة ونحترمهم كآلهة ؟ فمن لا يلتزم بكلام الكتاب المقدس القائل ( لا تجدف على الله ، ورئيس شعبك لا تلعن ) " خر 27:22 " فالمتطاول على الأسقف بالقول أو بالفعل فأنه قد أهان الله الذي أختاره . وهذه الوصايا موجهة إلى كل المؤمنين لكي يحترموا آبائهم الروحيين الذين قيل عنهم ( إنتم ألهة وبنو العلي كلكم ) " مز 6:82 " .
   إذا قال أحد للعلماني ( يا أحمق ويا جاهل ) " مت 22:5-23 " لا ينجو من العقوبة ، فكم بالحري من يتكلم ضد الأسقف الذي بواسطته منحنا الروح القدس ، وبه تعلمنا العقائد المقدسة ، وعرفنا الله ، والله عرفنا ( طالع غل 9:4 ) .
   إذا كان الكتاب المقدس يقول لنا عن والدينا الجسديين ( من لعن أباه أوأمه ، فليقتل قتلاً ) " خر 16:21 " فكم بالحري يدعوكم الكتاب إلى أن تكرموا الذين أصبحوا والديكم الروحيين ، وتحترموهم كمحسنين وشفعاء لدى الله ، هم الذين ( ولدوكم بالماء ) " يو 5:3 " وملآوكم من الروح القدس ( أع 15:8 ) وغذوكم بلبن الكلمة ( 1 قور 2:3 )  وثبتوكم في التعليم وقوّوكم بالنصائح ، وجعلوكم أهلاً لجسد المخلص ودمه الكريم .
مكانة الأسقف يجب أن تكون أرفع من مكانة الملك الذي يهتم في الأمور الدنيوية لمصلحة الجسد الزائل ، ولكن الأسقف قد تسلم الكهنوت من الله ليبعد النفس والجسد من الأخطار . وبما أن النفس أفضل من الجسد ، فإن الكهنوت أفضل من المُلك ، لهذا يجب أن نحب ونحترم الأسقف كأب ، ونهابه أكثر من المَلك ، وكما إننا لا نعترض أو نقاوم السلطات الزمنية وبحسب وصايا الأنجيل ( طالع رو 13 ) إذاً علينا أيضاً أن لا نحاسب وننقد ونهاجم الأسقف ، ولا نسأل هل عمله وقراراته صالحة أم باطلة ، أو نفرض عليه آرائنا . لا احد يحاسب الأسقف إلا الرب الإله فقط الذي في يده التدبير والذي جعله مستحقاً لدرجة كهنوتية سامية . فعلى المؤمن أن لا يدن أسقفه ، كما لا يجوز أن نحكم على علماني مثلنا . والذي يفعل ذلك ، فأنه يجعل نفسه قاضياً دون أن يكلفه أحد . أما الكهنة فلهم الحق في القضاء ، لأنه قيل لهم ( أحكموا حكم الحق ) " زك 9:7" . إذاً على الأسقف والكاهن أن ( يفصلوا كلمة الحق بإحكام ) " 2 طيم 15:2 " كما على الأسقف والكاهن أن لا يسمح للعلماني القيام بأعمال كهنوتية لأنه لا يجوز للعلماني أن يكون خادماً لأي سر من الأسرار المقدسة ، قيل ( وما من أحد يتولى بنفسه مقام كاهن أعلى ، إلا إذا دعاه الله كما دعا هارون ) " عب 4:5" . كما لا يسمح للكهنة أن يقومون ببعض الأعمال التي هي من حق الأسقف فقط ، كرسامة الكهنة ، وتكريس الشمامسة الرسائلين ، والقارئين ، والمرتلين والخدام . وهذا هو نظامنا الكنسي منذ البداية ، وقد سلم من قبل الرسل الأثني عشر اللذين استلموا السيادة من عند الرب الذي أختارهم ، ومن عندهم أستلمت الأحكام الإلهية وحسب النظام الأسقفي والكهنوتي والشمامسة السبعة . كما تم توزيع الواجبات بين الرتب الكهنوتية الثلاثة ( الأسقف والكاهن والشماس ) . فالعلماني الذي لا يستطيع حتى قراءة الأنجيل في الكنيسة ، ولا شرح كلماته إلا من قبل الأسقف والكاهن والشماس الإنجيلي ، وهكذا لا يحق للعلماني أن يتدخل بكل القرارات الصادرة من الأساقفة في المجمع أو السينودس ، أساسها مبني على الأحكام التي استلموها من رسل المسيح اللذين رتبوا كل ما يتعلق بالعبادة الحقيقية وسلموها للأساقفة وعلى مر الدهور ، والأسقف في زمانه هو رسول للمسيح . فعلينا إذاً أن نتذكر قول الرب لهم ( من يسمع لكم ، يسمع لي . ومن يرفضكم يرفضني . ومن يرفضني يرفض الذي أرسلني ) " لو 16:10 ". فلا تحاسبنّ الأسقف عن تدبيره ، هل عمله صالح أم باطل أم مناسب ، وكيف يقوم بعمله ، لأنه له من يحاسبه وهو الرب الإله الذي وضع في يديه التدبير.  لهذا السبب ظلت الكنيسة الرسولية محافظة على وحدتها بسبب قادتها الروحيين المنتخبين . أما إذا قادها العلمانيون فلا بد من الأنشقاق والتمزيق لجسد الكنيسة إلى آلاف الأقسام والطوائف وكما حصل لكنيسة مارتن لوثر بعد الأنشقاق مباشرة ولحد اليوم لأن قادتها علمانيين . والرب يريد كنيسة واحدة وموحدة في جسد واحد ليكون هو رأسها . كنيستنا حيّة وقوية ، لا تموت حتى تأتي الساعة التي يقول فيها أبنائها

( مبارك الآتي باسم الرب )


40

 

المسيح لم ينقض الناموس بل أكمله وأثبته

بقلم / وردا إسحاق قلّو

قال يسوع
( لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأبطل ، بل لأكمل …)
 

   المسيح أعترف بشريعة الناموس ، لم ينقضه ، بل أكمله وأثبته ، ووضحه بأقواله التي تكمل معانى وصايا الناموس وتتوضح معانيه في العهد الجديد ، فوضع تلك الوصايا بأسمى صورة ، وأكمل الهدف وطبق الكل بدون أن يحذف حتى نقطة واحدة منه ( مت 18:5 ) . يسوع تمم كل الناموس . فمثلاً الذبائح التي كانت تقدم في عصر الناموس ختمها يسوع بذبيحة دموية بشرية واحدة على الصليب . وختان الجسد ، بالختان الروحي . وهكذا لم يبطل شىء من الناموس ، بل أكمله بالأنجيل ،  لهذا قال الرسول بولس ( أنبطل الناموس بالإيمان ؟ حاشا ! بل نثبّت الناموس ) ” رو 31:3 ” .

  الناموس والأنبياء قادت الإنسان إلى سر تجسد الكلمة الإله ، وتنبأت بكل ما صار في العهد الجديد ، فهي أساس الإنجيل ، فالمسيح أكمل كل ما جاء به في أسفار العهد القديم ، وختم كل نبوة . في العهد القديم كان الإنسان يعيش الناموس ويطبقه حرفياً . أما في عهد النعمة فعلينا أن نطبق الناموس بعتق الروح ، وبحسب الآية ( أما الآن تحررنا من الشريعة ، لأننا متنا عما كان يُقيدنا ، حتى نعبد الله في نظام الروح الجديد ، لا في نظام الحرف القديم ) ” رو 6:7″

   الناموس هو الشريعة التي أعطاها الله لموسى في لوحين حجريين تحمل الوصايا العشرة . أما الأمم الأخرى الغير يهودية فناموس كل شخص فيها هو ضميره أعطى له بالطبيعة ، وعليه أن يعمل به ( طالع رو 14:2 ) . للأسف أبناء اليوم أبتعدوا عن الناموس المكتوب والطبيعي ليعيشوا حرية العصر.

   كان الناموس صالح وبار وحر، لهذا قال الله ( إن صنعت لي مذبحاً من تراب تصنعه لي ) ” خر 24:20 ” لم يأمر ويقول ( إصنع ) بل ( إن صنعت ) لأن الله ليس بحاجة إلى ذبائح حيوانية ، والمصالحة بينه وبين البشر لا تتم بدم تلك الحيوانات أو النذور النباتية التي لا توفي العدل الإلهي . والله يريد أن يحررالإنسان من عبودية الخطيئة بدم إبنه الوحيد ليقول لبني البشر ( لا أسميكم بعد عبيداً بل سميتكم أصدقاء … ) ” يو 15:15 ” . ولا الإلتزام بقوانين الشريعة تنقذ الإنسان . فالناموس كان بحاجة إلى تطويره ليصل إلى كماله ( راجع مت 17:5 ) . جاء المسيح ليطهر الناموس من كل ما أضيف إليه من قبل اليهود ، فأيد ما كان حقيقياً ولم يلغيه ، بل أيده وطَوَرَهُ وثبته , فالذي قال في الناموس ( أن الرب إلهك رب واحد )” تث 4:6 ” قال يسوع في الأنجيل ( … أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي الوحيد ) ” يو 3:17 ” . كما شددَ على موضوع المحبة ، قيل ( لا تنتقم ولا تحقد على أحد أبناء شعبك ، ولكن تحب قريبك كنفسك ) ” أح 18:19 ” يجدد الرب هذا بقوله ( إني أعطيكم وصية جديدة ، أن يحب بعضكم بعضاً ) ” يو 34:13 ” كما أوصى على محبة العدو ورفع الصلاة لأجله .

  العهد القديم نهى عن القتل ( لا تقتل ) أي لا تُبِد الإنسان شبيهك ، فبصنيعك هذا تهدم ما خلقه الله حسناً .

لكن أيضاً أمر بقتل القاتل ( النفس بالنفس ) ” خر :21 ” . لكن في العهد الجديد ينهي حتى عن الغضب الطفيف أيضاً ( مت 5: 38-39 ) . ليس أن كل قتل مرذول ، بل قتل البرىء . فالقتل العادل هو بحسب قانون الحكام وحدهم . . كما قيل للقدماء ( عين بعين ، وسن بسن .. ) ” خر 24:21″  أما المسيح فقال ( لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً ) . كما قيل ( تحب قريبك وتبغض عدوك ) أما يسوع فقال ( أحبوا أعدائكم ، وباركوا لاعنيكم … ) وهكذا أعطى للوصايا عمقاً روحياً .

  قيل في الشريعة ( لا تزنِ ) لأنك تجزىء جسداً واحداً إلى أثنين ، لأنه قيل ( فيصيران كلاهما جسداً واحداً ) ” تك 24:2 ” وأعطى يسوع حدوداً قاطعة للزنى ، فقال ( إن كل من ينظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه ) . وهكذا نهى عن الدعارة بإنهاء الشهوة غير الشرعية ( مت 5 : 27-28 ) .

  قيل ( لا تسرق ) . أما في وصايا الأنجيل يحث المؤمن لكي يتبرع من حاجته على المحتاجين ( أع 35:20 ) والغبطة هي في العطاء أكثر من الأخذ . والنفس التي تسرق كان مصيرها الهلاك ف ( عاكان ) من بني اسرائيل الذي أخذ من المحرم في أريحا ، رجم بالحجارة ومات . ويهودا السخريوطي الذي كان يختلس مال الفقراء وباع سيده مق قطع من المال ذهب وخنق نفسه . والعهد الجديد ينهي المؤمنين عن السرقة ، بل إذا كان عليه دين فعليه أن يدفعه قبل أن يقدم قربانه ( مت 23:5) .

 وعن الكذب قال  ( لا تشهد بالزور ) فشهادة الزور هي الكذب ، وبسبب شهادات الزور حكم على رب الكون بالصلب . والكاذب عقوبته الموت ، قال ( و تهلك الناطقين بالكذب ) ” مز 6:5 ” فشهادة المؤمنين يجب أن لا تنطق بالكذب ، قيل ( كل كلمة باطلة ستحاسبون عليها ) ” مت 36:12″ .

   الرب الذي أنهى عن البغض ، يطلب منا أن نحب الأعداء ( مت 5: 43-44 ) كما كتب عن الحب ( من يحب يعرف الله ، ومن لا يحب لم يعرف الله ، لأن الله محبة ) " 1 يو 4: 7-8 " .

   والذي نهى عن الإنتقام ، يطلب الصفح ، لا لأن الإنتقام العادل ليس مشروعاً ، بل لأن التسامح أكثر سمواً ( مت 5: 38-39 ) .

 والذي أمر ب ( إكرام الوالدين) هو نفسه كان طائعاً لهما ( لو 51:2 ) . والذي قرر الراحة الأسبوعية عن العمل للتأمل في الشريعة . يأمرنا أن نتأمل كل يوم في كل ما كتب لنا في الكتاب المقدس وبكل إيماننا و قدرتنا ونؤدي الشكر لله في كل حين .

كذلك الذي أمر( بالختان ) قد خُتِنَ ( لو 21:2 ) ، لكن جاء بأفضل منه وهو ختان الروح لا ختان الجسد .

الذي أمر أن ( نُقسِم عن حق ) ، نهى عن الحنث بالقسم ( تث 20:10 ) وأمرنا بأن لا نقسم البتة ، بل ليكون كلامنا ، نعم نعم ، أو ،لا  لا .

  لقد جدد العماد والذبيحة والكهنوت ، وبدّلَ مكان العبادة : فبدَل الإغتسال اليومي بالعماد مرة واحدة فقط ، لأن موته حصل مرة واحدة ( رو 3:6 ) .  وبدل أن ينحصر ( الكهنوت ) في سبط واحد ، فقد سلمه إلى أناس أفاضل ينتمون إلى كل الأقوام في العالم كله . 

 وبدل ( الذبائح الحيوانية الدموية ) ، أتم ذبيحة بشرية طاهرة على الصليب . وتُكرَر بذائح غير دموية على مذابح الكنائس . وجعل المؤمنين به ذبائح حية سرية غير دموية  ( فأناشدكم ، أيها الأخوة ، برأفة الله أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة حيةً مقدسة مرضية عند الله ) ” رو 1:12″ .

 إنه لم يعفنا من قوانين الناموس أو الشريعة ، بل من قيوده ، فقد قال في الناموس على لسان موسى : ( وليكن هذا الكلام الذي أنا آمرك به ، في قلبك ، وتأمل به إذا جلست في بيتك وإذا أقمت ، وإذا مشيت في الطريق ) ” تث 6:6 ” .

الرب يريدنا أن نكون في كل مكان خاضعين للناموس ، لا خارجين عنه ” 1 قور 21:9″ . فأنه يقول ( طوبى للكاملين في سلوكهم ، للسائرين في شريعة الرب ) “ مز 119:1 “.

  كما أن الناموس الذي كان يقتصر لليهود أعلنه للأمم فآمنوا بالرب وابتعدوا عن عبادة الأصنام وعن الظلم ، وقبلوا كل ما هو صالح ، وهذبوا ما كان شائناً ، فآمنت الأمم بالمسيح . حرم الرومان من حريتهم في عبادة الأصنام والقتل وتقديم الذبائح حسب إراتدهم لأصنامهم التي سقطت بسبب بشارة العهد الجديد .

   ختاماً نقول : لنسرّ بالناموس بحسب الأنجيل الذي أضاء بصيرتنا نحن المؤمنين بالمسيح ، ولنشترك بالبركات ، ونسير بموجب الناموس والأنبياء على ضوء الأنجيل . طائعين وصايا المسيح الذي هو ملكنا والذي شرع لنا ويأمرنا فنأتمر.

وله المجد الدائم


41
أعظم وأكمل أنواع المحبة هو محبة الأعداء
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب ( ... أحبوا أعدائكم ... باركوا لاعنيكم ... أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ) " مت  44:5"
   المحبة هي قمة كل الفضائل ، تبدأ بمحبتنا لله أولاً ، ثم محبتنا للقريب التي يجب أن تسواوي محبتنا لأنفسنا ، ومحبة القريب تعني محبة الجميع بدون تفضيل جنس على جنس أو اللون على آخر أو تفضيل القرابة العائلية أو من هو من ديننا وعقائدنا . فالمحبة مجردة من الإنحياز ، وهكذا سنكمل الناموس كله بمحبتنا الصادقة لله والقريب .
     المحبة الحقيقية ينبغي أن تكون مجردة من البغض لهذا يجب أن ترتقي إلى محبة أعدائنا والمسيئين إلينا ونطبقها في حياتنا عملياً كما فعل يسوع على الصليب عند غفر لصالبيه وطلب من أجلهم المغفرة عندما قال ( يا أبتاه أغفر لهم ... ) " لو 34:23 " كذلك فعل الشماس اسطفانوس عندما كانوا يرجمونه " أع 60:7" .
إذاً أعظم وأكمل أنواع المحبة هو محبة الأعداء ، وذلك بتحمل الإضطهاد والإساءة واللعِن الصادر منهم .  رغم ذلك علينا أن نطبق وصية الرب لنا عندما قال ( أحبوا أعدائكم ) وهكذا نرتقي إلى الكمال في المحبة كالآب السماوي . قال يسوع ( فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ) : مت 5: 44-48" الله كامل في محبته لجميع الناس ، وحتى للذين يجذفون عليه . لهذا فأن ( شمسه يشرق على الأشرار والصالحين ، ويمطر على الأبرار والظالمين ) " مت45:5" ويريد الخلاص للجميع .
   محبتنا لأعدائنا ومبغضينا تبدو صعبة جداً لكن علينا أن نكملها ونتحمل كل إضطهادٍ لكي نعطي للآخر درساً جديداً في الإنسانية ، ليعلم إننا نور العالم وملح الأرض . فعلينا أن لانتحمل إسائاتهم فحسب ، بل أن نحبهم أيضاً ونصلي من أجل خلاصهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ( إنظر لو 34:23 ) . كل الشهداء ذاقوا كل ألوان التعذيب دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة لا تليق بإيمانهم وبمحبتهم ، بل كان بعضاً منهم يسلمون أنفسهم للعذاب في صبر وشكر وهم يصلّون من أجل جلاديهم وسيافين والولاة الظالمين لكي يؤمنوا فيكون لهم الخلاص .
   على المؤمن أن يحسن إلأى مبغضيه فيعمل معهم الخير والإحسان بكل فرح ، وهكذا يكسر شرهم ويطفي نار حقدهم . فالنار لا تنطفي إلا بالماء الذي هو المحبة . وهذه هي حكمة إيماننا المسيحي فلا يجوز أن نقاوم الشر بالشر ، بل بالخير ، لهذا قال الرسول ( لا تجازوا أحداً عن شر بشر  ... لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء ، بل دعوا هذا لغضب الله . فالكتاب يقول " لي الإنتقام ، يقول الرب ، وأنا الذي يجازي . " . فإن جاع عدوك فاطعمه . وإن عطش فاسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه . لا يغلبك الشر ، بل أغلب الشر بالخير ) " رو 12: 17-21 " .
   الإحسان إلى العدو هو التقدم في طريق كمال المحبة ، كما هو تطبيق للوصايا . أما الدرجة الثالثة في سلّم محبة الأعداء هو أن نبارك لاعنينا ونعاملهم لا بحسب أعمالهم وأقوالهم ، بل نتكلم عنهم في غيابهم بكل محبة ، ونذكر محاسنهم ، ونظهر كل شىء صالح فيهم ، وهكذا نحررهم من الظلام إلى النور .
   المحبة الحقيقية هي التضحية من أجل الآخر والعمل من أجل خلاصه . لا يجوز للمؤمن أن يكره ، بل أن يحب فقط . فأسمى أنواع الحب هو حب المضحي والباذل من أجل الآخر . فالله هو محبة ، ومحبة الله للعالم شاملة حتى للخطاة رغم خطاياهم ، لهذا تقول الآية ( لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد ، فلا يهلك كل من يؤمن به ... ) " يو 16:3 " كذلك ( ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ) " رو 8:5 " وهكذا يجب أن نقتدي بالمسيح ونحمل صليبه من أجل خلاص الآخرين ، ونضحي من أجلهم ، لأن ( ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ) " يو 13:15 "
مجداً للذي صلب من أجل الجميع


42

مصادر ومراحل كتابة الأناجيل وعصمتها
بقلم / وردا إسحاق قلو
 قال الرب يسوع ( السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ) " مت 24: 34-35 "
   أسئلة كثيرة تراود أذهان المؤمنين وغيرهم حول موضوع كتابة الأناجيل لأن المسيح لم يكتب شيئاً ، بل بشر بالأناجيل تاركاً موضوع الكتابة لتلاميذه الأطهار بعد أن يرسل لهم المعين ( الفارقليط ) ليعطيهم المواهب ، ولكي يتذكروا كل ما قاله للناس ولهم ، وكل الآيات المعجزية التي اجترحها بحضورهم أكدت لهم كل الحقائق بعد قيامته من بين الأموات ، وكذلك لقائاته المستمرة معهم بعد القيامة أرشدهم للعمل في المرحلة اللاحقة بعد صعوده وإرساله لهم الروح القدس . لهذا قال يسوع لتلاميذه ( لستم أنتم المتكلمين ، بل الروح القدس ابيكم المتكلم فيكم ) " مت 10: 20 " .  بعدها أجتهدوا بجمع أقواله وربطها مع الأحداث والمناسبات التي قالها الرب ودمَجِها مع بعضها وتنسيقها وبيان معانيها وأهدافها . كل رسول وتلميذ صار مبشراً بالكلمة فنشر ما لديه من نصوص سمعها من يسوع أو سردت له من قبل الآخرين كقصة البشارة والحبل الإلهي ، وولادة المسيح وهروبه إلى مصر مع العائلة المقدسة ، كانت مريم مصدراً مهماً للرسل . وكل نص أنجيلي مرتبط مع حدث ما ، ومعناه ملتزم مع الوقائع والأقوال والمناسبة التي قيل فيها ، فكان لكل نص مراحل ، ابتدأت بالمرحلة الشفهية التي بدأت بعد القيامة مباشرةً وإعلان هذه الشهادة المهمة جداً من قبل أول وعظة للرسول بطرس ، وبعد ذلك بدأت مرحلة كتابة النص . أما مصادر تلك النصوص فكانت من التقليد الشفهي الذي كان بداية الأنطلاق للتبشير ، الأناجيل كتبت من التقليد ، والتقليد لم يكتب كله بل عاشته الكنيسة . بدأوا بالكتابة على مخطوطات ، وصل عددها إلى نحو خمسة آلاف مخطوطة . المصادر تبدأ أولاً من نبؤات أسفارالعهد القديم التي ساعدت الكتبة بفك رموز ما جاء في العهد الجديد .والعهد الجديد أيضاً وضَّحَ ما كان غامضاً في العهد القديم ، فيهوذا يذكر في رسالته عن أخنوخ ويقول عنه كان نبياً . وبطرس يقول عن لوط كان باراً . وبولس تحدث عن الطوفان . أفكار العهد الجديد دقيقة وتكّمِل ما في العهد القديم ، كما اكتسبت أفكار العهد القديم معاني واضحة في ضوء العهد الجديد . صحيح أن المسيح قد أسس عهده الجديد على ذبيحة دمه على الصليب ، غير أن أفكار العهد القديم ما بلغت كمالها النهائي إلا في العهد الجديد ، لأن فيه أكتشفت كل معانيه الحقيقية وفيه تمت نبؤاته بوضوح .  فالنبؤات عن المسيح بحثواعنها في الكتب لكي تثبت للأجيال ما حدث في عهد المسيح وكيف تحققت كل تلك النبؤات عدا الخاصة بمجيئه الثاني .
   بعد كتابة مخطوطات كثيرة جاءت مرحلة الفرز والتصنيف وذلك لوجود مخطوطات متشابهة ، فتم اختيار النص الأقرب إلى الحقيقة بالأستعانة بما جاء في التقليد ، والتقليد كان مرحلة أولى سبقت الأناجيل المكتوبة ، وبالتالي الأناجيل الأربعة هي تقليد عاشته الكنيسة ، نما وتطور بمعونة الروح القدس ، والتقليد يتضمن كتابات الرسل والتلاميذ والآباء الأولين للفترة من بداية الكنيسة بعد يوم العنصرة مروراً بحياة الجماعات المسيحية الناشئة بين العقد الثامن والتاسع للقرن الأول وإلى منتصف القرن الثاني .
جاءت في كتابات التي كانت تكتب على البردى أوعلى جلود المواشي ، تم جمع أكبر عدد منها بعد الأعتراف بالكنيسة من قبل السلطات الرومانية سنة 313م وأهم تلك المخطوطات هي :
1-   المخطوطة الفاتيكانية : سميت بهذا الأسم لكونها محفوظة في مكتبتها والتي تحتوي على إصحاحات العهد الجديد ما عدا الرسالة إلى العبرانيين ، والرسالتين إلى طيموثاوس وطيطس وفيلمون وسفر الرؤيا . يرجح العلماء أنها خطت عام 300م
2-المخطوط السينائي : عثر عليه في دير القديسة كاترينا في السناء عام 1859 . تحتوي على العهد الجديد كاملاً ، لا وبل مضاف أليه الرسالة إلى برنابا وجزء من ( الراعي ) فهرماس ، يعود إلى القرن الرابع ، أو تعادل الفاتيكانية بالقدم .
3- مخطوطة الأسكندرية : سميت بهذا الأسم لأنها خُطّت في تلك المدينة يعود نسخها إلى سنة 325م .
4-النسخة الأفرائيمية : محفوظة في دار الكتب بباريس وتشمل كل الأسفار المقدسة وتعود إلى حوالي 450 م
5-مخطوطات أخرى :  ( مجلد بيزا ) يحتوي على الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل . ومجلد ( فرير ) الذي يحتوي على الأناجيل فقط
 أما اللغات التي كتب فيها الأناجيل فهي اليونانية ( العهد الجديد كله كتب باليونانية العامية ) ما عدا كتابات البشير لوقا
 ( الأنجيل وأعمال الرسل ) والرسالة إلى العبرانيين كتبت بالفصحى اليونانية . وتم ترجمته إلى السريانية واللاتينية والقبطية منذ القرون الثلاثة  الأولى بداً من نصف القرن الثاني ( 160 -180 ) . 
   الأنجيليون الأربعة لم يكونوا جامعي تقاليد الجماعات المسيحية الأولى وحسب ، بل كان لهم نظرتهم الخاصة لتصنيف المواد الأنجيلية بطريقة تعبِرعن إهتماماتهم اللاهوتية والتصرف في ترتيبها ، وهذا ما لا تقوله الجماعات المسيحية الأولى في روايتها الشفهية لشدة أمانتها على حرفية ما قاله يسوع وعمله . فكلمات يسوع وتفسير الكنيسة أياها هي الشىء نفسه في نظر الأنجيليين الذين تصرفوا بحرية مذهلة في كتابة النصوص الأنجيلية .
   يحاول علماء الكتاب المقدس اليوم الإستفادة من مؤلفات آباء الكنيسة ( التقليد الكنسي ) وذلك بنقد النصوص فتوصلوا إلى النص كما كان قبل أقدم الترجمات . فأنجيل اليوم يظن على أنه استقاه الكتبة من التقليد الشفهي وقد تم حذف آيات كثيرة من نسخ العهد الجديد المتداول اليوم كانت مذكورة في بعض المخطوطات لأنها على الأغلب قد أضيفت في وقت لاحق . وهكذا تم اختيار الآيات الأكثر قوة تعبِر عن الحدث أكثر من غيرها ، وبقوة الروح القدس تم الوصول إلى كل أسفارالعهد الجديد والمستخدم اليوم من قبل كل المذاهب المسيحية .
   أما عن كتابة الأناجيل ، فأنجيل مرقس كتب مابين عام 64 و65 . ومتى ولوقا قبل عام 70 بقليل أو بعدها مباشرةً وهي الفترة التي دمر فيها الرومان الهيكل . أما أنجيل يوحنا وسفر الرؤيا فقد دونها يوحنا في أواخر القرن الأول .
   في حوالي عام 125م كانت هناك مجموعتان من الكتابات اعترفت الجماعات المسيحية بصحة تعاليمها : الأناجيل الأربعة ، ورسائل القديس بولس التي ارسلها إلى جماعات معينة . وقصد بها حل مشاكل ذات طابع رعوي . وفي النصف الثاني من القرن الثاني أضافت الكنيسة إلى لائحتها سفرأعمال الرسل وباقي الرسائل وكذلك رؤيا يوحنا . وفي حوالي عام 200م اكتملت اللائحة التي يسلم بها اليوم جميع المسيحيية وعددها 27 سفراً .
   يتفق العلماء على أن كتب العهد الجديد  لم تكتمل حتى سنة 90-95م . فأن رؤيا يوحنا الحبيب لا يمكن ان تعود الى تاريخ سابق إذن كان المسيحيون لمدة 65 سنة من إنتشار المسيحية بدون كتاب ( العهد الجديد ) الكامل الذي في حوزتنا اليوم ، وهذا برهان قاطع على أن الكتاب المقدس ليس الأساس الوحيد للإيمان ، وليس العنصر الوحيد ولا المرجع الوحيد في أمور الدين وإذا كان هو كل شىء للإيمان والتعليم ، فهل كان إيمان الرسل وأقرب الناس إلى المسيح ناقصاً ؟ بل النتيجة هي عكس ذلك تماماً . فالطوائف التي تجعل من الكتاب المقدس مرجعها الوحيد تجهل أو تتجاهل وضع الكنيسة الرسولية الأولى ، أما تعليم الكنيسة فهو أن الكتاب المقدس هو مع التقليد الرسولي وسلطة الرسل وخلفائهم الأحبار وسائر الأساقفة الرسوليين للإيمان القويم . 
   ظل التقليد الشفهي إلى تلك الفترة محتفظاً بسلطة معادلة لسلطة الآناجيل ، وتعايش هذا التقليد مع التقليد الكتابي في الكنيسة ، وقد اعتمد آباء الكنيسة الأولى هذين التقليدين فكان المؤمنين قبل كتابة الأناجيل يسألون الرسل عما قاله يسوع أو فعله من آيات ومعجزات ، بهذا يقول الكتاب ( وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلاة ) " أع 42:2 " هذا قبل الكتابات . إضافة إلى مرافقة الكثير من الآباء للرسل فأقلمندوس أسقف روما كان يعمل مع بولس الرسول ( فيلبي 3:4" ) وديونسيوس أسقف قورنتوس الذي توفي سنة مئة كان من معاصري الرسل . وهرماس معاصرلبولس والذي ألف كتاباً في ثلاث مجلدات ، من ضمنها الكثير من الإقتباسات من العهد الجديد . وإغناطيوس أسقف إنطاكيا بعد صعود الرب بسبعة وثلاثون سنة . وبوليكابوس الشهيد تلميذ يوحنا الرسول الذي عينه أسقف على أزمير . وبابياس أسقف هيارابوليس في غرجينيا سنة 110 م أجتمع ببوكيكاربوس وألفا تفسير للكتاب المقدس في ستة مجلدات ، وقال هذا العالِم أن الأناجيل كانت متداولة في الكنائس باللغة اليونانية وشَهِدَ أنَ البشير مرقس كان مرافقاً للرسول بطرس وإنجيله كان متداولاً آنذاك . وغيرهم من الآباء مثل هيجيوس ، وإيرينوس وأكلمندس أسقف الأسكندرية والآخرين .
مجداً لألهنا لقدير ، وكلمته تثبت إلى الأبد
المصادر
1-لاهوت التقليد / للأب صلاح أبوجوده اليسوعي
2-الجواب من الكتاب / للأب يعقوب سعادة وبمشاركة الأب بيتر مدروس
3-   مدخل إلى النقد الكتابي / للمهندس رياض يوسف داود
4-عصمة التورات والأنجيل

 

43


غاية يسوع من التبشير بالأمثال

بقلم / وردا إسحاق قلّو

    ( سأفتح فمي بأمثال، وأكشف ما كان مخفياً منذ إنشاء العالم ) ” مت 35:13 “

    المثل ، لغة خاصة تعبيرية لها عمق يتخطى كلماتها المسموعة ، أو المكتوبة لأجل أيصال هدف الكلام إلى الآخر لكي يشعر بهدف المثل . والمثل يدخِل السامع أو القاريء في خيال روحي ليبحث في العمق فعليه البحث عن الحقيقة والغاية . في العهد القديم استخدم أيضاً أسلوب التحدث بالأمثال ، فنجده في سفر يشوع بن سيراخ ، والحكمة ، إضافة إلى سفر مخصص للأمثال وهو سفر الأمثال  . يقول إبن سيراخ (قلب الرجل العاقل يتأمل في المثل ومنيةُ الحكيم أذن سامعة) ” سير 29:3 ” .

   تكلم المسيح بالأمثال للذين كانوا يرفضون كلامه الصريح ، فكانت الأمثلة لغة تصويرية ، فكان على المستمع الشعور بخفاياها  ، ففي بعض الأحيان كان قادة اليهود يصلون إلى التفسير ويكتشفون أن يسوع يعنيهم ، ويهاجم أفكارهم وعقائدهم ، فكانوا يحاولون رجمه أو إلقاء القبض عليه .

    استعملت الأمثال في العهد القديم ، لكن في العهد الجديد أعطى لها يسوع لوناً ، وطعماً ، وعُمقاً ، ورؤى جديدة ، فيها فكرة روحية لم يصلها أحد من قبلهَ . كان المثل يتكون من قصة بسيطة في خطاباته للجمهور إلا إنهم لايستطيعون فهمه  . أستعمل في خطاباته أمثال كثيرة في الأناجيل الأزائية الثلاثة ، مجموعها 65 مثلاً . منها متكررة في الأناجيل الثلاثة الأولى ، أما عدد الأمثال الغير مكررة فهو 43 مثلاً . والأنجيل الذي  يحتوي أكبر عدد منها هو إنجيل البشير لوقا الذي صاغ تعليم يسوع بالأمثال ، وأهتم بها إهتماماً خاصاً أكثر من متى ومرقس ، فدّوَنَ ثلاثة وثلاثون مثلاً ، أما البشير يوحنا فأسلوبه يختلف عن الآخرين لأنه تميّزَ بأسلوب لاهوتي بعيد عن لغة الأمثال والقصص .

   الأمثال ليست لغة مشفرة تحتاج إلى حلها ، بل هي قصص قد تبدو بسيطة لكنها تحتاج إلى من يفك رموزها . وللأمثال مزايا كثيرة تجعلها مرغوبة للسامع كأنه يسمع إلى قصة قصيرة فيها البساطة ويستطيع حفظها ونقلها للآخرين . وغاية المثل ليس للتعقيد ، بل للتواصل مع الآخر، وعلى الآخر أن يفكر لكي يصل إلى التفسير . كما كانت غاية يسوع من إستعمال الأمثال للإستمرار في الحوار مع سامعيه ، سواء كانوا كتبة أو فريسيين أو الشعب بدلاً من التحدث علناً بما يقصد به لكي لا يدخل في نقاش وجدال عقيمين معهم ، فكان يطرح الفكرة على شكل مثال وعليهم التفكير في أن يقرروا ويردوا عليه ، وقد غيّرَ أفكارهم المتحجرة والمتعصبة  بالأمثال لكي ينطقوا بالحق وإن كانت النتيجة لصالح عدوهم كمثل السامري الصالح الذي استخدم فيه يسوع لغة المجاز ، والذي كان يتحدى به مواقف السامعين العنصرية . فالرجل الذي سقط في طريق أورشليم أريحا ( كان يقصد به آدم ) والكاهن واللاوي الذين لم يسعفوه هم ( الشريعة والأنبياء ) أما السامري الصالح ( والصالح هو الله وحده ويقصد به المسيح ) هو الذي اهتم به ، فوضعه على دابته ( المسيح نفسه هو الذبيحة ، لأنه حمل خطاينا كما حملت الدابة جسد الجريح ) وقاده إلى الفندق التي اسهها بدمه ( الكنيسة ) وترك لصاحب الفندق ( الكهنة ) قطعتي فضة ( كتابَي العهد القديم والجديد ) أي الكتاب المقدس الذي يشفي جروح الخطايا ,ووعدَ صاحب الفندق بالعودة ( مجيئه الثاني ) . بهذا المثل أقحم الرب أحد علماء الشريعة عندما قال له ( من برأيكَ كان قريبه ؟ ) لم يقل السامري ، فقال ( الذي ساعده ) وذلك لوجود عداوة وكراهية بين اليهود والسامريين ، لهذا السبب أختار يسوع في مثله السامري ، وقد كرر يسوع ذكر السامري في أمثال أخرى عمداً ليكون الشخصية المرغوبة ، وذلك لكي يُقَرِب اليهود من السامريين ، وبهذا المثل أثبت لهم بأن القريب الأفضل للإنسان هو من يكون بقربه  ويساعده وإن كان يحسبهُ عدواً . ومن شِدة المفاجأة لم يقول عالم الشريعة أن قريب الجريح هو السامري لأنه يمتنع من لفظ كلمة ( السامري ) لكونه يمقتها . وهكذا غيّرَ يسوع وجهته عن كون القريب هو قريب النسب عندما قال ليسوع ( ومن هو قريبي ؟ ) فوضح له الرب بان القريب هو كل شخص بحاجة إليه ، لا بالقول فحسب ، بل بالفعل . والفعل هو المطلوب ، وهذا ما يوضحه لنا مثل الإنسان الذي كان لديه ولدان ، طلب من الأول ليذهب ويعمل في كرمه ، فأجاب : ( لا أريد ) وبعد ذلك ندمَ وذهبَ  . والثاني الذي أجابه ( لبيك يا سيدي ) لكنه ليذهب . ( لو 21: 28-31 ) . إذاً الأولوية تعطى للفعل لا للكلام ، وقد شبه يسوع البغايا بالأبن الأول ، وعظماء الكهنة والفريسيين والكتبة بالأبن الثاني ، لهذا قال لهم : ( ان الجباة والبغايا يتقدمونكم إلى ملكوت الله ) .

  وكذلك نقول : كانت الغاية من الأمثال لدعوة الناس إلى الملكوت الذي كان بينهم ، والملكوت لا ياتي بسبب الأعمال والواجبات ، بل بدافع الإيمان المقرون بالحب والفرح . فالأمثال تدعو الناس أولاً إلى التوبة ، ثم الأستجابة لنداء سر الملكوت ، أما في نظر الآخرين فالأمثال عندهم تصبح ألغازاً وقصص غامضة لا يلتمسوا منها اي إعلان ، وأن ملكوت الله قد أتى وحل بينهم ، وعليهم أن يتوبوا ويؤمنوا بذلك النداء العاجل القائل ( حان الوقت واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالبشارة ) ” مر 15:1 ” .

   كانت الأمثال مهمة جداً لنقل البشارة بصورة مستترة لكي لا يعلم السامعين في حينها ما يقصده المسيح ، وبأنه هو المسيح إبن الله المنتظر ، ولكي يستطيع أن يتمم رسالة الملكوت في السنين الثلاثة الأخيرة . لهذا كان يكَلِم الجموع بالأمثال ، تقول الآية ( وبغير مثل لم يكن يكلمهم ، ولكنه كان يفسر لتلاميذه كل شىء حين ينفرد بهم ) ” مر 34: 4 ” وذلك لأنه ( كان يريد ان يعطي لهم سر ملكوت الله ، ولغيرهم كان يتحدث بالأمثال ) ” مر 11:4 ” . وبعد البشارة سيتم تفسير كل شىء من قبل المبشرين  .

    قال لتلاميذه ( ضربت لكم أمثالاً في كلامي عن هذه الأمور ، ولكن سيأتي وقت أحدثكم فيه عن الآب بكلام صريح ، دون أمثال ) ” يو 25:16 ” وقد تم ذلك فعلاً في الأيام الأخيرة ، لهذا قالوا له ( ها أنت الآن تكلمنا كلاماً صريحاً بغير أمثال ) ” يو 29:16 ” .

   المثل الذي كان قصة قصيرة ومُسَليّة للسامع استعملها يسوع لغاية الوصول من خلالها إلى مفاهيم سماوية عظيمة ، فكان يفهمها كل مستمع مهما كان مستواه الثقافي ، وكان يشعر بضرورة التأمل بها لسبرغورها .

  يسوع فقط تحدث بالأمثال ، أما رسله من بعده فلم نجد لهم أمثالاً في رسائلهم . أمثلة يسوع غَيّرِت النفوس ، وأجبرت مستمعيها لكي يعترفوا بالحقيقة ويتحولوا من تعليم العهد القديم إلى تعليم عهد النعمة والمصالحة ، تعليم العهد الجديد .   


44
المسيحي خمير في عجين العالم
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب ( يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها أٍمرأة ووضعتها في ثلاثة أكيال من الدقيق حتى اختمر كله  ) ” مت 33:13 “
      تُعَرِف الخميرة على أنها كائنات مجهرية وحيدة الخلية تنتمي إلى مملكة الفطريات ، توضع في الدقيق الذي يحتوي على سكريات قابلة للتخمر بواسطة الخميرة وذلك بعد إضافة الماء فتتفاعل مع السكريات ، فيعمل الخمير بخفية ،  ويكتمل عمل التخمير، فيكبر حجم العجين .

   وهذا ما حدث أيضاً منذ بداية المسيحية في المسيح الذي كان يتجول بين الناس وينقل إليهم كلمة الأنجيل فزرع في قلوبهم كلمة الله ، فكان كالخميرة بين اليهود والوثنيين . وهكذا غيّرَ العالم بمجموعة صغيرة من التلاميذ ، وبهم غيّر العالم كله.
   الخميرة أيضاً هي إشارة إلى الأفخارستية التي توحد عجين المسيحية ، على أن الأفخارستية هي الحياة المسيحية ومركزها ، بل هي أداة اتحد بها كل عجين المسيحية في العالم ليصبح جسداً واحداً ، وخميرته هو المسيح الساكن في عجين المسيحية  ليصبح غذاءً حياً لكل من يستحقه . جاء المسيح ليصبح خميرة حية للعالم كله، فهو مثالاً حياً لكل مؤمن به ، وهو المحبة والتضحية ، كما أنه ( الطريق والحق والحياة ) فعلى المؤمنين أن يقتدوا به ويعملوا بوصاياه ويختاروه لهم معلماً ومثالاً صالحاً وراعياً ومخلصاً لتعكس ملامحه في شخصيتهم فيصبحوا هم أيضاً خميرة للآخرين كما صاروا الرسل الأطهار من بعد العنصرة مباشرةً فبشارتهم كانت خميرةً حية لعجين العالم كله فكسبوا العالم بخميرة محبتهم وبدمائهم التي تحولت فعلاً إلى خميرة خفية في كل أصقاع العالم . روح المسيح يسكن في كل مؤمن ويحيا به ويقود افكاره وكلامه وأعماله ، حينئذ يستطيع المؤمن أن يقول مع الرسول ( فما أنا أحيا بعد ذلك ، بل المسيح يحيا بيّ ) ” غل 20:2 ” . فمن يريد أن يختمر بخمير المسيح فعليه أن يبدأ حياته معه ويتأمل بسيرته وأعماله وكلمات إنجيله التي هي نور للعالم . ثم يحمل صليبه ويتبعه ، هكذا سيتصل به لكي يستمد منه القوة والثمر كما لخصن الكرمة . ومنه يتسمد المحبة ليختمر بها العالم ، ومحبة المؤمن لا تنبع من ذاته ، بل هي فيض من المحبة التي يستقيها من إتحاده بيسوع الذي كانت رسالته شعاعاً مضيئاً للعالم كله ، ودمه ثمناً لخلاص جميع البشر .
  حقاً عمل المؤمنين في العالم يشبه كعمل الخمير في العجين ، فالخمير يتلاشى في العجين كله ليخمرّهُ . وهكذا الذين تندمج حياتهم مع المسيح عليهم أن يندمجوا مع العالم ليختمر في تعليمهم ، وخميرتهم هي التعليم الصحيح والبشارة الحقيقية لبني البشر . خميرتهم نقية وصافية ليست كخميرة الفريسيين ، والخميرة هي تعليم كلام الله  . فدور المؤمن في المجمتمع الذي يعيش فيه عليه أن يصبح واحداً منهم ، مهما كانوا لكي يخدمه بما يمتلك . وهم كالمرضى بحاجة لمن يعالجهم ، فعليه أن يعمل في وسطهم ، وكما كان المسيح يختلط مع العشارين والخطاة ليكسبهم وينورهم بنوره ، هكذا يجب أن يقبل المؤمن أن يختلط في عجين كل من هو بحاجة إلى عمل خميرته ليربحه . وكما فعل الرسول بولس الذي عمل حتى مع الوثنيين ، فقال ( … صرت لليهود كاليهودي لأربح اليهود ، وللذين هم في حكم الشريعة كالذي في حكم الشريعة لأربح الذين في حكم الشريعة ، وصرت للذين ليس لهم شريعة كالذي ليس له شريعة لأربح الذي بلا شريعة ، مع أن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح .. . أعمل هذا كله في سبيل البشارة لأشارك في خيراتها ) ” 1 قور 9: 19-23 ” . وهذا هو النموذج الرائع لعمل الخمير في كل المجتمعات . ولكي لا يفقد الخمير قوته يجب أن يعتنى أولاً بتخميره جيداً لكي يتمكن من الإمتزاج الحميم بالجماعة البشرية لغرض تنويرها بنور المسيح . إذاً يجب أن يمتلىء بالمسيح أولاً حتى يفيض فيضاً . لأن المسيح هو الذي سيشع من خلال الإنسان ليصبح الخميرإلاهي مقدس ومؤثر فيأتي بثمر كثير ، وبنتائج أفضل عندما يعيش المؤمن حياة الصوم والصلاة والسجود والمطالعة ليقترب من يسوع الحي الحاضر في الأفخارستية وفي كلمة الإنجيل المقدس . فبالإتحاد العميق مع المسيح في الذبيحة الإلهية وممارسة الأسرار ستغدق حياته حياة الإفخارستية التي ستقوي خميرته ليصبح ليس الخميرة فقط ، بل نور العالم وبحسب قول السيد لتلاميذه ( أنتم نور العالم ) لإنهم ( ليسوا من العالم ) ولكنهم ( في العالم ) ولا يجدر بهم أن ( يخرجوا من العالم ) ” راجع يو 17: 14-15 ” . يجب أن يبقوا في المجتمع البشري كما يبقى ( ملح الأرض ) في الأرض ،  وملح الطعام في الطعام ، كذلك تبقى الخميرة في العجين  .  مريم التي حملت يسوع وقدمته للعالم ، هكذا يجب أن يحمله كل مؤمن بثقة وإيمان ويقدمه للعالم . مريم هي الوسيطة لكل النِعَم ، ومن يديها نتقبل الطفل الصغير يسوع ونحمله مثلها إلى العالم بفرح . كذلك يجب أن نصبح مثله فنعيش حياة الطفولة الروحية لكي نتأثر في الآخرين لكي نستحق الحياة ، وهذه كانت وصية المخلص لنا ( … إن لم ترجعوا فتصيروا مثل الأطفال ، لا تدخلوا ملكوت السموات .. ) ” مت 3:18 ” . أي عندما تصبح لنا قلوباً طاهرة كقلوب الأطفال حينذاك سنصبح الخمير الفعال في عجين العالم .
 
والمجد ليسوع الإله الحي .

45

عناصر الفن الغوطي في أوربا
بقلم / الفنان التشكيلي وردا إسحاق قلّو
   في القرن الثاني عشر كانت مملكة فرنسا مركز أوربا الروحي ، فيها برزت الهندسة المعمارية فبنيت كنائس وأديرة كبيرة وجميلة ، كما تنوعت أنواع الهندسة المعمارية ، منها التجريدية المجردة من الرسوم والزخارف . كما برزت هندسة جديدة وفنون تشكيلية جديدة . وفي تلك الفترة ولد فن جديد سمي ب ( الفن الغوطي ) . فما هي عناصر هذا الفن :
  ا- التسمية : أزدهر الفن الهندسي الرومانسكي في جنوب فرنسا ، وتم تأسيس الأديرة الضخمة الخاصة بالرهبان البنديكتين للصلاة والتأمل ، حيث كوّنت الهندسة الكنسية الثقيلة الثابتة ، والتشكيل الخطي التجريدي ، وذلك بالعلاقة بالمناطق القريبة من البحر الأبيض المتوسط ، لكن منذ القرن الثالث عشر ظهرت في خط الفن الرومانسكي حضارة جديدة ، وجد مركزه في فرنسا الشمالية وبعد سنة 1250 في باريس نفسها ، مدينة الثقافة المسيحية الأوربية بفضل الجامعة والمعلمين المشهورين . إنتشرت من هناك الحضارة الجديدة إلى أقصى حدود الغرب المسيحي اللاتيني . ومن هناك أصدر فن الهندسة الغوطي الخاص للكاتدرائيات الأسقفية في المدن ، فن ديناميكي حي متعلق بروحية أوربا الشمالية ، والذي يقصد الحصول على السماء لكن من أجل طبيعة الإنسان الحقيقية الواقعية .
  2- الروحية الجديدة : يشهد مطلع القرن الثالث عشر تغيير عميق في تصرف الإنسان الغربي ، إذ أخذ يحصل على نظرية جديدة تجاه العالم والحياة الإجتماعية ، لقد نجح الفن البيزنطي بتعبير كامل عن الروح المسيحي مع نوع من الأحتقار للعالم المادي الجسدي المانع الحصول على الأفكار الأبدية والعائق عن القيّم الروحية الخلاصية . والفن الرومانسكي المتعلق بنفوذ البيزنطي أضاف إليه المنطق التجريدي ، مع أنه حاول تطبيق الأفكار الأبدية على الحياة الواقعية وإدخالها إلى التصرف الأخلاقي ، وذلك ايضاً تحت تأثير نظام القديس أوغسطينوس الفكري حيث جمع من الأفلاطونية والمسيحية على حساب العالم المادي الذي ليس إلا رمز وآية تساعد صعود العقل إلى الله . لكن في القرن الثالث عشر ترك الأفلاطونية لصالح الأرسطوطالية ، وذلك خاصةً بفضل موقف جامعة باريس المؤسسة سنة 1215 ، حيث درّسَ كل من ألبير الكبير ( 1193 – 1280 ) وتوماس الأكويني ( 1224 – 1274 ) مع وضع النظام التعليمي المسيحي الشامل حسب مباديء أرسطو القائل بأحترام للطبيعة ومتطلبات العالم المادي الحسي . أن الحضارة الغوطية رغم حضور الأفلاطونية المستمر أخذت تصبح واقعياً وتكتشف الطبيعة وتعجب من العالم المادي . الآن اصبحت الطبيعة ينبوع المعرفة وقبلت ضمن الكنيسة . تبينت نتيجة هذا التغيير على سبيل المثال في تقديم الجسد الإنساني ( التماثيل مع الملابس والحركات الطبيعية ) وفي إختيار المواضيع ( الحيوانات والنباتات ) وفي هندسة الكاتدرائيات مع التغلب التدريجي على مبدأ ( الرقم المثالي الذهبي ) لصالح حرية المهدنس على مبدأ القانون الجديد وهو قانون جاذبية الثقل . ووضعت مؤلفات مثيرة حول هذه المواضيع ، نذكر منها كتاب ( مرآة العالم ) في مفهوم الفن وطريقة تعبيره المتعلقة بالطبيعة والتاريخ الخلاصي . فسرت مباديء فن الكاتدرائيات العظيم ويبدو من كل ما يحمله من فنون أن الحضارة الغوطية هي فترة الجرأة الفنية في كل الميادين الهندسية ، والكتابية ، والتصرف تجاه المرأة مثلاً ، مع الإحترام الخاص للسيدة ، ودور مريم العذراء في تقوى القرون الوسطى .
   3- ميادين الفن الغوطي الأربعة . كونت هذه الحضارة بفضل عناصرمختلفة نذكر منها :
أ- الكاتدرائيات الغوطية . ب- الأسكولاستيك الباريسي . ج- المؤسسات الرهبانية المتسولة . الشعر الفرساني      
( 1 ) – الكاتدرائيات : تشهد الكاتدرائات عن فن عظمة الهندسة الغوطية التي وصلت قمة إزدهارها من 1200 – 1260 ، ليس فقط في الأديرة الريفية الرومانسكية الفخمة ، بل في الكنائس الأسقفية وسط المدن والمبنية بأشتراك الشعب كله ، وخاصةً بأشتراك البسطاء والفقراء لمدة خمسة قرون تقريباً ، أنتشر النور الإلهي في وسط العالم البشري ، كانت الكاتدرائية بيت الله ، يقصد رفع الروح نحو الأعلى ، وأيضاً بيت الشعب حيث وجدت الحياة الإجتماعية المدنية المكان للإجتماعات والقرارات المهمة . جمع في هذا البيت بين كل ميادين الحياة وعناصرها . لكن شكل هذا التحقيق الهندسي العظيم حسب روحية اللاهوت معينة ، الذي يرجع أخيراً إلى الأسقف أو القانوني المسؤول العام عن الأشغال . ان الكاتدرائية آية ومراة تشير إلى فكرة دينية ، إنها لاهوت متجسد في الحجارة ، والهندسة كلها تعبر مادياً عن لاهوت الكنيسة الروحية .
ومن مراحل تطورها نذكر :

أولاً : المرحلة البدائية ، مرحلة الربيع ( 1130 – 1160 ) مع كنائس سان داني 1140 وكنيسة سانس 1130 وهي الكنيسة الأولى مع هيكل غوطي كامل وكنيسة لانغى وقد اهتم بالمعرفة عن طريق الخبرة والعواطف ، مع ألأحترام للطبيعة والجمال الجسدي ، وفي القرن 13 الأزدهار مع رسم البراعم ، وفي القرن التالي تم رسم الزهور ، وفي القرن 15 اللبلاب .

ثانياً : مرحلة الفن الغوطي المُشِع المنير 1250 – 1350 مع مجموعة من الكاتدرائيات العجيبة على الطراز الغوطي المجرد نذكر منها بصورة خاصة شارتري حيث حفظت في الكنيسة كل التفاصيل كما كانت قديماً ، وبورجي القرن 12 ، رايمس وسواسون 1180- 1225 ، وآميان ، ومريم العذراء في باريس 1200- 1220 ، 1245 وأخيراً بوفيه 1247 – 1272 مع أعلى سطح بأرتفاع 50 م والذي سقط فيما بعد .
ثالثاً : مرحلة الغوطي المتوّج الملتهب 1350- 1500 مع تزييد المعابد الجانبية ، والتركيز على ألام المسيح ، والموت ، وأم الأحزان .

رابعاً : مرحلة الغوطي المتأخر: من القرن 16-18 ، وهي فترة الرد على البروتستانتية ، فكان للإصلاح البروتستانتي تأثيراً سلبياً كبيراً على الفن المسيحي لأن الفكر البروتستانتي المناهض لكنيسة الأم رفض كل الفنون التشكيلية فجرد الكنائس من الأيقونات والمنحوتات وتم إزالة رسوم المسيح ، والعائلة المقدسة ، والعذراء ، والقديس يوسف ،و لم يقبل الرسم في الكاتدرائيات إلا القليل . أنتشرت هذه الهندسة الجديدة في كل أنحاء أوربا ، أولاً في فرنسا ، وأسبانيا ، وقد وصلت إلى إنكلترا ، ومن ثم أكملت الهندسة الغوطية طريقها الخاص في إنكلترا ، مع الهيكل الطويل والأبراج المربعة الإحتفالية ، لكن دون أي فن تشكيلي . ووصل النفوذ الغوطي في القرن 14 إلى ألمانيا . ولم يدخل في إيطاليا الفن الغوطي إلا قليلاً من التزيين ، وبنيت تحت تأثير الرهبنيات المتسولات كنائس عالية دون شبابيك متكرسة للكرازة .

أما أهم صفات الكاتدرائات الغوطية فهي :
ا- الروح الجديدة التي تجسد في إنسجام الفنون الهندسية والتشكيلية المختلفة كلها .                 2- مفهوم الكاتدرائية كصورة الفردوس ، وكبيت الشعب المؤمن ، والمبنية على يد الكل .            3- إستعمال القوس الحاد عوضاً عن القوس على شكل نصف دائرة .                          4- تشكيل القنطرة من خلال تصالُب قوسين متقاطعين .                                             5- إستعمال الزافرة ، العقد الساند والركائز . 6- الأتجاه نحو الأعلى مع الخط العمودي الرفيع  7- الحائط المفتوح لقبول النور . 8- الكاتدرائية كمدرسة ومعجم المعارف الطبيعية والأدبية الأخلاقية والتاريخية .                                                                                        ب- الأسكولاستيك : حاول الإنسان المثقف في القرن 13 ان يجمع بين كل عناصر العلوم والمعرفة اللاهوتية والفلسفية بنظام شامل واضح يجمل فيه الحقائق والخلائق لتترتب كلها نحو القمة في الله ، وقد وضع آنسيلموس من كانتوربوري 1033- 1099 البراهين العقلية لوجود الله ، وعرف ارسطو والفلسفة اليونانية في الغرب عن طريق الترجمات العربية . ومن أبرز المعلمين هم : سكوتوس ، وبونافنتورا الفرنسيسكاني ، وتوما الأكويني الدومينيكي الأيطالي . ظهرت في فرنسا إلى جانب المدارس الأديرة القديمة ، جامعات كبيرة مهمة حرة ، أشهرها جامعة باريس التي قصدها علماء وطلاب من العالم كله . كما تمكنت العقلية الغوطية ايضاً من وضع دوائر المعارف وموسوعات ، ومن دوائر الصور المترتبة المتركزة .
ج- مؤسسات الرهبنة المتسولة : إلى جانب الجماعات الرهبنية القديمة المتركزة في الأديرة الريفية المحصنة ، أسست منظمات جديدة تهتم أكثر بحياة الفقر الأنجيلي والتبشير الرسولي لدى الشعب ، فقد جدد برناردس الروح البندكتيني 1090 – 1153 وأعطى مجالاً أوسع للشعور الديني ، ثم أسست الرهبانيات المتسولات على يد القديس فرنسيس الأسيزي 1181 – 1226 والقديس عبدالأحد الأسباني 1170 – 1221 مع الأديرة وسط المدن .
د- الشعر الفرساني : خلق خلال تلك الفترة أيضاً الشعر العاطفي الذي به يعبر الفارس عن شعوره تجاه الأميرة المثالية ، والذي كرس حياته من أجلها ، أعظم شاعر كان ( دانتي الفيرنزي ) الذي ألف الكوميديا الإلهية بعد سنة 1300 خلال المنفى في رافينا ، وهي رؤيا سماوية عن الأمور الأرضية .

46

شجرة الحياة وصليب المسيح 
بقلم / وردا إسحاق قلّو

( فإنّ الصليب عن الهالكين جهالة ، وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله )
" 1قور 18:1 " 
   نطالع في معتقدات الحضارات القديمة عن الشجرة التي كانت ترمز وتُعَبِرلشعوبها عن حياة الخلود ، وكذلك عن الخصوبة .
    فحضارة مصر القديمة ، كان الفراعنة يعتقدون بأن إلههم القمر ، وإله البعث ولدا من شجرة . وللآشورين شجرة حياة كان لها رمز صوفي تم رسمها كمجموعة من الخطوط المتداخلة .  وكان يخدم تلك الشجرة آلهة برؤوس نسور وكهنة وحتى ملوكهم ، لكن لم يصل علم الآشوريات إلى تفسير واضح لرموز تلك الشجرة . وكذلك للأرمن شجرة رسمت ونحتت على معابدهم القديمة ولها رموزها الدينية , وفي حضارة بلاد فارس أسطورة أخرى تتحدث عن شجرة كبيرة تحمل كل أنواع البذور . 
   اما في المسيحية فنقرأ عن شجرة الحياة في عدة أسفار، كما ذكرها سفر أخنوخ أنه في يوم القيامة سيقدم الله ثمرة من شجرة الحياة لكل من ذكر اسمه في كتاب الحياة . وفي سفر الرؤيا نقرأ ( ...نهر ماء الحياة صافياً كالبلور ينبع من عرش الله والحمل ويخترق ساحة المدينة وعلى ضفتيه شجرة الحياة تثمر أثنتي عشر مرة كل شهر مرة ، وأوراقها دواء يشفي الأمم ) " رؤ 22: 1-2 " .

فماذا تعني لنا الشجرة ؟ 
 
   جَبِلَ الله آدم من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة ليؤدي لإسمِهِ القدوس المجد ، فجعله كاهناً وملكاً وحبراً وسلّمَ له كل ما خلقه في الطبيعة . ( وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة ِ المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة ، وشجرة معرفة الخير والشر ) " تك 9:1 " لكنه أمر آدم لئلا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر لئلا يذوق الموت ويتعرى من مجده . وإذا خالف آدم وصية الله سيتعرى من ثوب النور والمجد اللذين ألبسهما له الله . تلك كانت الشريعة التي ألزمَ الله بها آدم . لكن آدم تمرد ، وبتمرده أضاع إمكانية الوصول إلى الشجرة الثانية التي هي شجرة الحياة والتي هي رمز الخلود ، وهكذا فقد الخلود فطرد مع زوجته حواء من جنة عدن عريانين .   
   تهلل آدم وحواء لأن أبنتهم مريم ستأخذ الثأر وتنتقم من المجرب وتسحقه . مريم حملت في بطنها شجرة الحياة ، وصانها الله من كل وصمة في نفسها وجسدها لتبقى طاهرة . فصارت هي جنة عدن جديدة تحمل شجرة الحياة الجديدة التي أعطت للبشرية ثمرة الخلاص والخلود . 
إذاً في العهد الجديد مريم هي الشجرة المباركة التي أعطت ثمرة الخلاص للعالم . لقد شاء الرب يسوع في تدبيره الخلاصي أن يكون لها صلة وثيقة بصليبه المقدس . لقد جسدت مريم المسيح في حياتها ، إنها شجرة الحياة الحقة ، فيها ينبت ، ومنها يولد المخلص الذي من على شجرة الصليب سيفدي البشرية ويجدد العالم في عهد جديد عهد النعمة والمصالحة . فإن كان الإنسان قد سقط بسبب شجرة ، فمن خشب الشجرة سيصنع الصليب الذي عليه سيدفع أبن مريم الفدية لأجل المصالحة .   
   من جنب آدم خرجت حواء . ومن جنب المصلوب على الصليب خرجت الكنيسة . ففي البدء ، برجل وعذراء وشجرة كان الموت . لكن في العهد الجديد برجل وعذراء وشجرة الصليب غلب الموت بالموت . فالكلمة في مريم أخذ جسماً ، وعلى الصليب أعطى الحياة للبشرية الجديدة المؤمنة والمنتمية إلى كنيسة الرب المقدسة ، فيا لسر هذا الصليب العظيم الذي به شاء كلمة الحياة أن يتعهد كل لعنة الجنس البشري ليجعل منه علامة البركة المميزة عثار صليب اللعنة صار جنون الحب وقوة الله ( طالع 1 قور 1: 18-25 ) . فعلى الصليب سُمِر، فتحول صليب العار إلى مذبح الكرامة ، وعليه سمِرَت لعنة حواء ، ومنه تنبع كل البركات ، لأن عليه تعرى ابن الله ليجلب لبني آدم المجد . فصليب الفداء هو مفتاح الفردوس ، وهو قاتل الحية القديمة ، وساحق رأس التنين ، ومحطة سلاح الموت . وبالصليب اكتملت الأمور القديمة ليصير كل شىء جديداً ، فصار الصليب أصل حياتنا في المسيح المصلوب ، وكنيسته صارت بديلةً للفردوس . كما صار للكنيسة شركة في ( طوبى ) مريم أمَةُ الرب المتواضعة ، ومع مريم تشيد الكنيسة بآيات الله العجيب في أعماله وقديسيه .
 [/size]


47

القديس الشهيد الجاثليق مار شمعون برصباعي

بقلم / وردا إسحاق قلّو
    ولد البطريرك مار شمعون برصباعي في مدينة ( سوس ) في أقليم عيلام الفارسي . من أبوين يعملان في صبغ ثياب ملوك فارس الحريرية باللون الأحمر ، لهذا دعي برصباعي ، وبحسب المخطوطة الكلداني المحفوظة في الفاتيكان . . أتخذ مار شمعون اللون الأحمر رمزاً للشهادة فصبغ ثيابه بدمه تمهيداً للدخول إلى الأخرة شهيداً للمسيح ربه ، وكانت هذه أمنيته وطلبه المستمر من الله ليحصل على أكليل الشهادة ، وهذا ما يوضحه لنا في صلاته القلبية المرفوعة إلأى الله ز فلهذا صار لون ثوب كل البطاركة الذين خلفوه من بطاركة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنائس الآشورية ( الأحمر القاني ) كلون الدم ولحد اليوم ، وذلك تكريماً لهذا الشهيد البطل وللإقتداء بسيرته الطاهرة . 

   جلس مار شمعون على كرسي كنيسة المشرق بعد الجاثليق فاف أول بطريرك كنيسة المشرق ، وكان تلميذاً له . يذكر تاريخ السعردي ان الجاثليق مار فافا ولكبر سنه أرسل مار شمعون مع الأسقف مار شاهدوست غلى مجمع نيقية عام 325م . 
   أستطاع مار شمعون جمع كل أساقفة المملكة الساسانية تحت ولاية كرسي قسطيفون ( المدائن ) . في السنين الأخيرة للبطريك كان شابور الثاني ملكاً على مملكة فارس ، وكان ملكاً ظالماً وحاقداً على المسيحيين وينوي أضطهادهم لكنه لم يكن يعلن إضطهاده عليهم في أيام الملك الروماني قسطنطين ، لكن بعد وفاة الأخير شرع بتنفيذ أحقاده على كل المسيحيين في مملكته . بدأ تهيده بإرسال رسالتين إلى حكام الآراميين يطالب فيها إجبار بطريرك المسيحيين على الخضوع لأوامره وإجباره على دفع كل المسيحيين جزيةٍ مضاعفة . لكن مار شمعون لم يرضخ إلى أوامره المجحفة بحق المسيحيين ، بل رفض العمل بها ، كما تصدى لكل تهديدات الملك في الفترة التي تعرف بالأضطهاد الأربعيني لأنها دامت نحو اربعون سنة ( 339 – 379 ) قتل خلالها عدد كبير من المسيحيين . وقف مار شمعون وقفة شجاعة بوجه السلطة الظالمة فكان كلامه واحد وهو رفض دفع الجزية مهما كانت العواقب . أستشاط الملك غضباً عندما استلم رد الجاثليق فأرسل في الحال إلى حكام الآراميين في أرض النهرين لكي يلقوا القبض على مار شمعون وعلى عدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة البالغ عددهم 103 . سمع الطوباوي بأوامر الملك فتقبلها بفرح واجتمع بكل الأكليروس وتحدث إليهم لكي يشجعهم على الثبات والصمود وعدم الرضوخ بل أن يقتدوا بالذين سبقوهم في طريق الإستشهاد وبعدها صلى عليهم وباركهم بيده المباركة لكي تحل عليهم بركات السماء . سيقوا إلى مدينة مدينة ( كرخ ليدان ) في منطقة الأهواز حيث كان الملك مقيماً هناك . أمتثل الجميع أمام الملك الحاقد فبدأ بالتحدث إلى البطريرك ، فقال ( نحن نعيش في حروب ومعارك مستمرة وأنتم تنعمون بالراحة والأمان رغم كونكم على غير ديانتنا … عليك أن تخضع أنت وشعبك وأقبل الجزية وأسمع نصيحتي بما يفيد حياتك وأمتثل لأمري وأجحد بإيمانك وأسجد للنار والشمس المقدسة وإلا لضرب أعناقهم بالسيف ) . فأجابه مار شمعون قائلاً ( أجسادنا وأموالنا تحت تصرفك ولكني أقول الحق ، إني لن أجبر شعبي على الجزية حتى إذا أمرت بسلخ جلدي ، ونصيحتك تضر بحياتي ولا تفيدها ولا أضَرَ منها . والموت في سبيل الله خير من كل التنعمات ، وإني أقبل على الموت من كل قلبي فطوبى لمن يؤهل ليُهان من أجل الله ويزج في السجن ويحتمل العذاب ) . بعد خروجه من لدن الملك إلتقى مع أساقفته والكهنة والشمامسة المودعين معه في السجن وشجعهم بكلامه لكي يصمدوا على طريق الرجاء منتظرين مكافئتهم الثمينة من السماء . وفي أثناء حديثه دخل إليهم رجلاً مؤمناً لكي يبشرهم قائلاً ( أفرحوا بالرب أيها الطوباويون فإن كوستازاد المجيد قد نال إكليل الشهادة . وكوستزاد كان فارسياً آمن بالمسيح وأرتد بسبب الخوف من الملك لكن مار شمعون أشعره بخطئه فعاد إلى المسيح فقتل ونال أكليل الشهادة ) فغمرتهم البهجة ، فقال لهم مار شمعون : هلموا نشكر المسيح ونعظم أسمه القدوس على هذا الفرح العظيم إذ عاد الخروف الضال إلى حضيرة المسيح ، والدرهم الضائع من الكنيسة إلى صرته . ثم شرع يصرخ ويقول ( أيها المسيح يسوع أمنحني أكليل الشهادة لأنك تعلم أني ابتغيه من كل قلبي . أشتقت إليه وإني ألتمسه منك ) ثم ختم صلاته بالشكر وألتفت إلى أخوته مباركهم وتابعوا الصلاة طول الليل السابق ليوم أستشهادهم الذي كان يوم الجمعة العظيمة 14 نيسان 341 وكات تلك بدايو الأضطهاد الأربعيني . لم يغلبهم النعاس طول الليل ، ولم تشتت أفكارهم ، بل كانوا يطلبون من إلههم أن يذيقهم كأس الشهادة من أجل أسمه . وفي الساعة الأولى من صباح الجمعة استدعوا الجميع من السجن إلى قصر الملك ، ولما حضروا أمامه قال لهم : لماذا نسجد لمن ​لا يرى سجودنا ظ اسجدوا للشمس التي بشروقها يحيا العالم فتحيوا . فأجابوه ( ما عاذ الله أن يسجدوا المسيحيون للمخلوق عوض الخالق . أو أن يستبدلوا الخالق بخليقته ) .   
فأرسل إليهم ثانيةً وثالثة ولكنهم لم يتراجعوا أو يستسلموا . حين أصدرالملك أمراً على مار شمعون وأخوانه بقطع رؤوسهم . أمر الملك بقتل الجميع قبل مار شمعون لربما تنهار عزيمته أمام منظر قتلهم وبينما هؤلاء الأبطال القديسون يقادون إلى الموت كان البطريرك يتقدمهم لدى خروجهم ويشجعهم ويسند عزيمتهم ويذكرهم بأقوا الرب يسوع والرسل الأطهار ثم يباركهم . وكان يتقدم نحو السياف أولئك الشجعان فرحين مسبحين الله حتى تقدم مار شمعون الجبار فصلى أولاً لأجل شعبه وطلب من الرب أن يبارك المدينة التي استشهدوا فيها . وما أن أنهى صلاته حتى أحز السيف رأسه ونال أكليل الشهادة والظفر. عندها ثارت عاصفة وأظلمت الشمس وأصيب الحاضرون بالرعب . أما أجساد هؤلاء الأبطال فقد أختطفها بعض الأسرى الروم في أهواز ودفنوها بإكرام . أما جسد مار شمعون فقد تم نقله إلى مدينة ( سوس ) مسقط رأسه أما عن كتاباته فهو صاحب الترتيلة ( لا خومارا دخواه مودينان ) أي ” بك يا رب الكل نعترف ” . والتي كانت بمثابة قانون الإيمان . وله ترتيلة ( يا ذع حوشاي ) أي ” يا عالم أفكار البشر ” تُرَتل في زمن الصوم . وترتيلة ( بعينا عيثا وذحوبا ) أي ” بعين الفكر والحب ” كذلك : إن نزعتم عنكم لباس الخارج ، لا تنزعوا عنكم حلة الباطن ، أيها المعمدون ، لئن لبستم السلاح الخفي ، لا تستطيع أمواج التجارب أن ترخي عزيمتكم . إنكم تعرفون أي كلمات سمعتم ( من الأنجيل ) وتعرفون من أي ذبيحةٍ حية تناولتم ، فحذار أن يغويكم أبليس كما فعل بآدم ، ويبعدكم عن الملكوت المجيد ، إنه يسعى لإبعادنا عن الفردوس كما فعل بآدم . وغيرها من التراتيل . 

صلاة مار شمعون لنفسه لنيل أكليل الشهادة

  هب لي يا ألهي أكليل الإستشهاد ، لأنك تعلم أني قد طلبته من كل قلبي ، وتعرف أنت العليم بذات الصدور ، أن حبك قد شغف قلبي في ملكوتك وأتسلى ببهائك حتى لا أعود أحيا فارى هدم كنائسك ودك مذبحك وتمزيق كتابك وتدنيس قواي ، فأهلني لأن أستريح وأبهج آنية دارك وأبصر الضيق شعبك وتديل عبادكَ وأنظر إلى إنخذال المتراخين وإنكسار الهلعين وأعاين الذئاب الضارية تمزق أغنامي الوافرة ، فأعطني يا رب أكمل استشهادي . أهلني يا رب لا أكون أماماً لجميع المؤمنين الذين في المشرق بسفك دمي أمامهم ( وكان وجهه قد تغير وصار يضارع الورد رونقاً وبهاءً ) .

صلاته في يوم إستشهاده

أعطني يا رب أن أتألم في هذا اليوم وأشرب كأس الموت من أجل اسمك القدوس حتى لا يبقى على الأرض إلا من يقول ( أن شمعون واخوته أنقادوا ليسوع ونظير يسوع قُتِلوا في يوم الجمعة في الرابع من نيسان ) .

قال في نهاية خطبة التشجيع

فعلينا المحبة ، وعليه المجازات . علينا التعبد ، وعليه الموهبة . علينا العمل ، وعليه الأجر . علينا الآلام ، وعليه الراحة . علينا الدم ، وعليه الملكوت . علينا الموت ، وعليه الحياة . إذ يريحنا ويفرحنا ويكأنا في المتكأ السماوي ويقول لنا بأعلى صوته : نعما يا عبيداً صالحين ، وأمينيين تاجرتم جيداً بوزناتكم ، فخذوا عشر وزنات أُخر وأدخلوا إلى فرح سيدكم .

أخيراً نقول لننادي المسيح نحن أيضاً كمار شمعون ، ليأتِ ويشدد بروحه القدوس نفوسنا جميعاً .

48

شجرة الحياة وسط الجنة ترمز إلى المسيح
بقلم / وردا إسحاق قلّو
       الله مجداً له
( ... غرس أيضاً شجرة الحياة ... في وسط الجنة )
" تك 9:2"
https://h.top4top.io/p_1988zry1n1.jpg
   نقرأ في أسفار عديدة من الكتاب المقدس تتحدث عن شجرة الحياة إبتداءً من سفر التكوين وحتى سفر الرؤيا ، فلماذا تشير هذه الشجرة ، وإلى من ترمز ؟
   سفر التكوين يخبرنا عنها في هذه الآية ( واستنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة بهية للنظر ، ولذيذة للأكل وغرس أيضاً شجرة الحياة ، وشجرة معرفة الخير والشر في وسط الجنة ) " 9:2 " . ثم ( قال الرب الإله : ها الإنسان قد صار كواحد منا ، يميّز بين الخير والشر . وقد يمد يده ويتناول من شجرة الحياة ويأكل ، فيحيا إلى الأبد ) " 22:3" . فما المقصود بشجرة الحياة إذاً ، ولماذا تنفع ثمارها ؟
     تلك الشجرة كانت حقيقية مغروسة في وسط الجنة وكما يؤكد لنا سفر الرؤيا في الآيات التالية ( ... كل من ينتصر سأطعمه من ثمر شجرة الحياة في فردوس الله ) "7:2 " كما يصف لنا يوحنا الرائي ويقول ( وأراني نهر ماء الحياة صافياً كالبلور ينبع من عرش الله والحمل ويخترق ساحة المدينة ) " 1:22" . كما يقول الكتاب : ومن يأكل منها يعيش إلى الأبد . أي تعطي  له الخلود ، لهذا السبب طرد الله الأبوين بعد سقوطهما مباشرةً لكي لا يأكلوا منها فيعيشا إلى الأبد .
   إذاً السفرين الأول والأخير من الكتاب المقدس تبدو الشجرة حقيقية بينما في أسفار أخرى كالأمثال وغيرها يعبرون عنها كرمز يقودنا إلى المسيح ، حيث الحياة الروحية . في سفر الأمثال نطالع عدة آيات تعبّر عن فكر الله وحكمته في شجرة الحياة ، فيقول ( هي شجرة حياة لمن يتشبث بها ، وطوبى لمن يتمسك بها ) " أم 18:3 " . وفي مثل آخر نقرأ ( ثمر الصديق شجرة حياة ، ورابح النفوس حكيم ) " 30:11" كذلك ( اللسان السليم ينعش كشجرة حياة .. ) " 4:15" فثمار شجرة الحياة تعطي الخلود فتتحول حياة الأنسان إلى حياة أبدية مع المسيح . والكتاب المقدس هو ( كتاب الحياة ) وكما يكتب على غلاف بعض النسخ . لماذا هو كتاب الحياة ؟ الجواب لأنه يحمل كلمة الله للعالم ، لهذا يقول المسيح ( الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة ) " يو 63:6 " وكأن المسيح يقدم لكل نفس شجرة حياة فعلى المؤمن أن يتغذى منها لكي يحيى الخلود الأبدي . أي أن شجرة الحياة كانت رمزاً للرب يسوع خالق مصدر الحياة وواهبها . وهذا ما نلتمسه من أقواله الكثيرة التي تحمل الرجاء للحياة الأبدية ، منها قوله ( أنا الخبز الحي الذي نزل من السماء . إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد ، والخبز الذي أقدمه أنا ، هو جسدي ، أبذله من أجل أن يحيى العالم ) " يو 51:6" . وفي الأصحاح نفسه نجد آيات كثيرة تعطي للمؤمن الرجاء للحياة الأبدية ، وفي ذلك الخبز نجد الغفران للخطايا ( مت 28:26 ) فالتناول من جسد الرب ودمه هو نفس التناول من شجرة الحياة ، لأن الأفخارستيا إذاً هي ثمار شجرة الحياة الأبدية . والمسيح هو الكرمة التي تغذي الأغصان ، والأغصان هم المؤمنون به لأنه الكرمة الحقيقية ، بل هو شجرة الحياة ، ، وهذا ما نفهمه من قوله ( أنا هو الطريق ، والحق ، والحياة ، لا يأتي أحد إلى الأب إلا بي ) " يو 6:14 " وعلى الإنسان أن يحفظ أقواله ويعمل بها ليحيى ، وبحسب وصيته ( الحق الحق أقول لكم أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد ) " يو 51:8 " وهذا ما نجده في سفر الأمثال ، تقول الآية ( إحفظ وصاياي فتحيا ) " أم 4: 4، 22 " .
   في الختام نقول : سفر الرؤيا أيضاً يؤكد لنا على حفظ الوصايا والعمل بها لكي نستحق شجرة الحياة ، فيقول ( ها انا  آتٍ سريعاً ، ومعي الجزاء الذي أجازي به كل واحد بأعماله ... هنيئاً لمن يعملون بوصايا الله ليكون لهم سلطان على شجرة الحياة ، وليدخلوا المدينة من ابوابها ) " رؤ 22: 12-14 " .
وللرب المجد دائماً
[/size]

49

ܝܪܐ ܕܨܠܝܒ̇ܐ عيد الصليب وعمل المصلوب والصليب في خلاصنا
بقلم / وردا إسحق قلّو
( أما من جهتي ، فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربّنا يسوع المسيح ... )
" غل 14:6"
     تحتفل كنيستنا المقدسة بعيد الصليب المقدس يوم 14 أيلول من كل عام ، وتمتاز بلادنا بإحتفاء خاص نجد فيه مظاهر الفرح والإبتهاج ، ففي ليلة هذا العيد تقام مهرجانات خاصة فتتحول سطوح الكنائس والبيوت وقمم الجبال إلى شعلات من النار وحديثاً تطلق سهام نارية تتصاعد نحو السماء لتعكس أنوارها الملونة بألوان زاهية وكأنها نجوم تنفجر لتتلألأ فوق الناظرين .  ولهذا العيد طقوس خاصة وتراتيل وصلوات ، تكريماً للصليب الذي اختاره المسيح لكي يكون مذبحاً له وعليه يتم خلاصنا ، وبتكريماً لخشبة الصليب نكرم إلهنا الفادي الذي علق عليه على جبل الجلجلة . نضعه فوق كنائسنا وأديرتنا وفوق مذابحنا وعلى صدورنا ، هو سند لنا ، و حارس للمسكونة كلها . الصليب هو مجد الملائكة والبشر ، ونكبة كل الأبالسة والهراطقة العائشين في ظلمة الأبتعاد عن إنجيل المسيح . فما هو عمل المصلوب يسوع والصليب في حياتنا ؟ 
   كان المعروف عن خشبة الصليب أنها مشنقة الرعاع المجرمين الخارجين القوانين العامة في العهد القديم يحسب المصلوب على الخشبة ب ( الملعون ) فلهذا لا يخطر ببال اليوناني أو اليهودي وكذلك الروماني بأن ينسّب لها معنى إيجابي . ففي نظر اليوناني صليب المسيح هو ضرب من الجنون الوحشي ، وعند الرومان ، مجرد عار ، أما في نظر اليهودي فهو لعنة إلهية للمصلوب عليه ( تث 23:21 ) . فلم يكن معقولاً لدى هؤلاء وغيرهم بأن المصلوب على ذلك الصليب يكون إلهاً متجسداً وبحسب أرادته سلم نفسه للصلب لكي ينال منه الموت كعبد أو مجرم أو كمتمرد على شرائع السلطات الزمنية ، لكن في الحقيقة قدم نفسه للموت لكي يموت عن الجميع ، فلو لم يحمل تلك اللعنة لظلت البشرية في الأثم ، وتحت اللعنة السماوية ( أش 6:53 ) فالمسيح المصلوب دفع الثمن . إذاً صلب المسيح صار دعوة للإعتراض على حياة الأنانية ، فالمقصود بالصلب هو لتذليل النفس عن ضعف ، وكانت غاية يسوع المصلوب من هذه العمل لكي يعيش الإنسان الساقط في الخطيئة في حياة جديدة وعصر جديد عصر النعمة والمصالحة وبدون قلق وحتى أمام الموت ، لأن الموت نال منه المسيح بموته على الصليب . وموته هو قمة التضحية من أجل حرية الآخر وذلك بسبب محبته المطلقة لبني البشر عبر عمل الفداء والموت . فمن حجر عثرة حقيقي نشأ إختبار مدهش وغير متوقع للخلاص . فأصبح طريق الصليب طريقاً ممكناً إلى الحياة الحقيقية . فلا يجوز لأي مؤمن ان يختار رمزاً آخر يحل محل الصليب . لن الصليب هو مصدر فخرنا ومذبح خلاصنا . 
   الرسول بولس رأى في جوهر الرسالة المسيحية رسالة في المصلوب . فوجه الصليب في نظره هو وجه الذي يختصر حياة يسوع الأرضية . فلو أختصرنا الرسالة المسيحية لقلنا إنها ( لُغة الصليب )
   في ساعات ضعف المسيح على الصليب أكتُشِفَ ضعف الله ، وضعف الله هو أقوى من قدرة الإنسان ، فأثبت أخيراً أن قدرة الله على الصليب غلبت كل المتحدين ، وغلب سلاح الموت بقوة القيامة . فالذي ينظر اليوم إلأى الصليب في ضوء الحياة المسيحية الجديدة لعرف أنه يعني لجميع المتكلين عليه قدرة الله وحكمته . ففي موضوع الإيمان بالمصلوب ، وعمل الصليب الكفاري يصبح الإنسان قادراً على استخدام حريته في سبيل الآخرين ودعوتهم إلى السير خلف المصلوب . فرسالة القيامة مرتبطة بالمصلوب ، والفصح لا يمحو الصليب ، بل يثبته ويضفي عليه معنى ، فيجب ألا تظلل رسالة القيامة رسالة الصليب ، لأن الصليب ليس مرحلة عابرة أو مؤقتة نحو الخلاص ، ولا طريقاً إلى الثواب ، بل هو توقيع المصلوب الدائم . لا يمكن أن ينظر الإنسان نظرة صحيحة إلى الفصح إن لم يحفظ في باله يوم الجمعة العظيمة . أن الذي يرى في سر الصليب الغامض تعبيراً عن نعمةٍ ومحبة ذلك الإله الذي لم يدين أحداً ، بل نقبلهم من أول مرة ووضع ثقته فيهم وأحبهم . ذلك الإنسان لم يعد خادماً أو عبداً مصلوباً ، بل صار إنساناً حقيقياً ومثالاً للجميع . وصار أبناً لله الجالس في عرشه . 
   إن ما يميز بين المسيحية والديانات الأخرى هو أن مؤسس المسيحية مات مصلوبً ، وقام إلاهاً قديراً ، ودخل في مجد الله ، وظل حياً . بينما كل مؤسسي الديانات الأخرى عاشوا وأنتهوا إلى الأبد . فليس للصليب قدوة ومثالاً حياً فحسب ، بل هو أصل الإيمان بالمصلوب . فالصليب يؤصل الإيمان في واقع الحياة اليومية بما فيها من نزاعات . الصليب هو ضوء القيامة ولكن القيامة تبقى في الوقت ذاته في ظل الصليب . فبدون الإيمان بالصليب ننزع عن الذي مات عليه وقام من بين الأموات طابعه المميز والحاسم . وبدون الإيمان بالقيامة ، ننزع إيماننا بالمصلوب . ذلك العنصر الذي يؤيده ويبرره . وأخيراً نقول للمصلوب :
بصليبك المقدس خلصت العالم
[/size]


50

عيد مولد مريم العذراء الفائقة القداسة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
عزم الله أن يخلق ليسوع شعباً مؤلفاً من عدد غفير من البشر المصنوعين على صورته ومثاله حتى يصبحوا له أخوةً وأتباعاً . كان الجنس البشري يبتدى برجل واحد وإمرأة واحدة ومنهم تتكاثر البشرية . لكن سقطة آدم كانت متوقعة لدى الله ، ومعه سقطت كا ذريته لكن بإستثناء العذراء مريم التي لم تكن خاضعة لهذا المرسوم لأنها كانت في فكر الله قبل أن يخلق آدم وذلك لكي تصبح مكاناً مقدساً طاهراً لسكنى الكلمة المتأنس . وبهذا حدد الله الدواء لسقطة الإنسان .
  تقول الآية ( إنما خرجت من فم العلي بكراً قبل جميع المخلوقات ) " سير 5:24 " ومريم قبل أن تلدها أمها لها وجود في أسفار العهد القديم وكأنها مولودة ، فتقول في سفر الأمثال عن نفسها ( أن الرب خلقني أولى طرقه قبل أعماله منذ البدء ) " 22:8 " إذا العذراء موجودة في مخطط الله قبل آدم ، وقبل السقوط ، لهذا لا تشملها لعنة الخطيئة الموروثة من الأبوين ، بل حبل بها بلا دنس تلك الخطيئة لتحل محل حواء الأولى . فعجنها الروح القدس لكي تكون خليقة جديدة تحل محل حواء الأولى ، بل حواء جديدة ، كلية القداسة بنعمة الله .
أما عن الأحتفال بعيد الميلاد فنقول : الوثنيون فقط يقيمون أعياداً وأحتفالات كبيرة يصرفون عليها أموالاً ويدعون لحضورها الكثيرون وكما فعل هيروس الملك في عهد المسيح فأقام وليمة كبيرة دعا اليها النبلاء وكبار قادته وكل أعيان منطقة الجليل ، كذلك كان يفعلون فراعنة مصر وبابل وغيرها من شعوب الأمم . اما في المسيحية فلا يجوز الأحتفال بعيد ميلاد أي مسيحي وإن كان قديساً ، لأن جميع المسيحيين ولدوا في الخطيئة ، فلا يستحقوا الأحتفال في يوم كانوا ملوثين بالخطيئة الأصلية ، وكانت نفوسهم تخلوا من الأستحقاقات السماوية ، فلا يجوز الأحتفال بيوم ميلادهم الجسدي ، بل عليهم الأحتفال بعيد ميلادهم الروحي ، أي يوم عمادهم الذي هو ولادة جديدة فيه يموتون مع المسيح ويقومون ليولدوا من جديد . يستثنى  ميلاد الرب يسوع الذي ولد بلا خطيئة فتحتفل به كل الكنائس ، وكذلك أمه البتول مريم الفائقة القداسة فأمرُها يختلف عن كل البشر أبناء آدم الخاطىء ، لأن الله الذي اأصطفاها من كل نساء العالم لتكون هيكلاً مقدساً منها يأخذ إبنه الإله جسده ليولد بيننا ويتجسد فينا ، لهذا كرمها الله بولادة تختلف عن كل البشر وهي ( الحبل بها بلا دنس ) لتولد مكملة بالنعمة الإلهية ، ورائعة في جمال نفسها وجسدها . فلا يجوز أن تكون كباقي البشر ، أو نعاملها كباقي النساء ، لأنها ( أم الله ) فكم يحق لأبناء الكنيسة المقدسة أن تكرمها .
   أنعم الله القديسة حنة بمشاهدة رؤيا سامية ، وقال لها ( يا حنة خادمتي العزيزة لقد حان الوقت الذي سيصبح فيه ابني إنساناً ليخلص البشر . ويجب أن يولد من إمرأة ستبقى عذراء نقية مع كونها أماً وسترتقي بفضل هذا الشرف الرفيع فوق سائر المخلوقات وها أنا أجعلكِ الآن أماً لها ) .
 تحتفل الكنيسة المقدسة بيوم ميلادها الذي يصادف في ( 8 أيلول من كل عام ) وهو فعلاً يوم ميلادها وكما أخبرت العذراء للرائية ماري داغريدا فكتبت لنا ( في الثامن من أيلول علمت القديسة حنة بأنها ستحصل أخيراً على الولد الذي طالما انتظرته بعد صلوات كثيرة . ورفعت إلى الله هذه الصلاة بعد الولادة وقالت " يا خالق جميع الكائنات أني أشكرك وأقدم لك أبنتي هذه التي حصلت عليها بفضل صلاحك . تصرف كما تريد بالإبنة وأمها ، وكن مباركاً على الدوام لأنك قد هيأت في داخلها مسكناً للكلمة الأزلي ، ولكن كيف أن أتصرف نحوها وأنا لست بأهل أن أكون خادمة لها " ) .
   قبل أن ندخل في تفاصيل يوم ميلاد العذراء بالجسد علينا أن نتناول أولاً سيرة حياة والديها القديسين جدّ ي يسوع ( يواقيم وحنة ) اللذان كانا من سبط يهودا ، ومن نسل داود الملك ، وكانا باريّن أمام الله سالكين في طرقه ووصاياه . ولم يكن لهما ولد لأن حنة كانت عاقراً . وكانا يرفعان الصلوات إلى الله  فنظر إليهما في أيام شيخوختهما فحقق أمال حياتهما . قالت الطوباوية ( ماري داغريدا ) الأسبانية بأنها تلقت إيحاءات من العذراء مريم لتنقل لها تفاصيل ولادتها نشرته في كتاب عنوانه ( مدينة الله السرية ) نختصر موضوع الحبل بها والولادة بما يلي :  أرسل الله اولاً ملاك جبرائيل إلى يواقيم بشكل بشري بينما كان مستغرقاً بثبات الصلاة الطويلة لكي ينظر الله إلى مذلته ، فقال له :  أفرح أيها القديس لأن إمرأتك سوف تلد لك أبنة ستسميها ( مريم ) بأمر الله الذي كشف للملائكة أنه رسم منذ الأزل ان يعطي للأم والأبن إسمي ( مريم ويسوع ) وفيهما قد وضع إعجابه وأنتهى الى القول : إن أسم مريم يجب أن يُمجد على أكمل وجه ، والذين يبتهلون إليه بتقوى حقيقية ينالون نعماً غزيرة .  والحبل بها من القديسة حنة هو بداية لسر تجسد المسيح فالأبنة التي ستلدها هي هدية السماء لهما وللعالم كله والتي فاقت كمالاً وجمالاً وأناقة ونعمة ومجداً كل من سبقها من النساء المجيدات في العهد القديم . فقد فاقت سارة بإيمانها ، ورفقة بلطفها ، وراحيل بجمالها ، ومريم بنت عمرام أخت موسى وهارون بتقواها وطاعتها ، ودبورة بشجاعتها ، ويهوديت بغيرتها ونقاوتها ، وراعوت بتواضعها ، وأستير بتسلطها على قلب الله ، لذلك أختارها الله من كل نساء العالم لتكون أماً لأبنه الحبيب وشريكة في سر إفتداء البشر .
  ولدت مريم العذراء في أورشليم ، في جوار هيكل سليمان وبركة بيت حسدا ، في المكان المدعو اليوم ( مدرسة القديسة حنة الأكليريكية ) المعروفة ب ( بالصلاحية ) وهذا المكان اليوم هو مُلك للدولة الفرنسية ، وفيه أنشأ الكردينال لافجري مدرسة أكليركية يتخرج منها عدد كثير من كهنة البطريكية وسائر الأبرشيات والرهبانيات التابعة للكنيسة الكاثوليكية الملكية .
   لقد ملأ الروح القدس مريم من النعمة ( لو 28:1 ) من أول لحظة التي كوّن نفسها وضمها إلى جسدها النقي في أحشاء والدتها حنة ، فكان يوم ميلادها يوم فرح لا يوصف لوالديها ، كما ابتهجت به في السموات أجواق الملائكة ، واعتنت حنة بإبنتها مريم عناية الأمهات القديسات بخير البنين والبنات . وهل كان لمريم أخت أخرى أنجبتها حنة بعدها ؟ تفسر بعض الطوائف الاية ( وهناك عند صليب يسوع ، وقفت أمه ، وأخت أمه مريم .. ) " يو 25:19 " . بأن للعذراء أخت أخرى أسمها مريم ، لكن لا يوجد أي أدلة في تاريخ الكنيسة والسنسكار وفي أقوال القديسين أي إشارة لهذا الإدعاء ، بل مريم تلك كانت قريبتها.
      الكنيسة المقدسة تأملت بأوصاف مريم البتول المجيدة ، وفي نتائج مولدها للجنس البشري ، تشيد بهذا الميلاد الشريف قائلة : أن يواقيم وحنة من عار العُقرِ أطلقهما ، وآدم وحواء من فساد الموت أعتقا ، بمولدك المقدس أيتها الطاهرة ، فله يعيّد شعبكِ أيضاً ، وقد أنقذ من تبعه الزلات صارخاً إليك : ( العاقر تلد والدة الإله مغذية حياتنا ) .
   ما أحلى وما أبهج ما تهتف به كنيستنا الشرقية في نشيد في يوم ميلاد أمهم البتول مريم ( ميلادك يا والدة الإله بشّر بالفرح المسكونة كلها ) . فإن هذا العيد هو حقاً عيد الأفراح والمسرات في السماء والأرض ، فالسماء فرحت لأن أم العلي ولدت ، والأرض أبتهجت لأن خلاص العالم بدأ يتحقق ويسوع الإله سيتجسد في عالمنا المنظور .
 أبناء كنيستنا الشرقية كثيرة العبادة للبتول مريم فخصصت لها أعياد كثيرة . منذ القدم تقيم الكنيسة  تقيم عيداً ليوم ميلادها ، إلا أن القديس إندراوس الأورشليمي أسقف كريت ( 720 ) هو أول من ترك لنا خطابين في عيد ميلاد البتول . والأخولوجيون المدعو كتاب الأسرار الجيلاوي ، ومن أوائل القرن الثامن يذكر أن بلاد الغربية كانت تحتفل بهذا العيد . ومما لا ريب فيه أن هذا العيد تحتفل به الكنيسة كلها شرقاً وغرباً منذ القرن العاشر . وكنيستنا الكلدانية تحتفل بعيد ميلادها في يوم 8 أيلول من كل عام . تضرعي لأجلنا يا أم النور لكي نستحق مواعيد المسيح
المصادر
1-   الكتاب المقدس
2-   مجلد أمجاد مريم البتول للقديس ألفونس دي ليكوري
3-   كتاب ( مدينة الله السرية ) للطوباوية ماري داغريدا






51

دورنا مع معذبي هذه الأرض
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرب يسوع ( روح الرب عليّ ، لأنه مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء ، أشفي منكسري القلوب ، أنادي للمأسورين بالحرية … وأطلق المرهقين أحراراً .. ) ” لو 8:4″
  الأيمان بالمسيح ورسالته ليست إمتيازاً لنا لكي نفرز أنفسنا عن أبناء بقية الأديان والمعتقدات الكثيرة وكما فعل الفريسيين ( بريشايي ) ، بل أن نكون كخميرة في وسطهم ، وخدام مخلصين لأبناء هذا العالم . وهذا العمل يحتاج إلى المحبة والتضحية أولاً قبل الأنطلاق إلى العمل ، وقد يقتضي الأمر إلى بذل الذات على أساس المحبة لا للشهرة أو بسبب التعصب الديني ، ومثل هذا العمل يعتبره المسيح قمة المحبة إن كان الفاعل أميناً لسيده . فالعمل يبدأ فردياً أو قد ينتمي منذ البداية إلى مؤسسات خيرية نظامية أو سياسية تعمل على تحرير المظلوم وإبراز الحق من أجل تحقيق العدالة في الأرض كلها . فمثل هذه الخدمة تضع المرء في محك أصالة إيمانه فيقدم الخدمة الصالحة بكل إندفاع وفرح ومحبة إلى كل الناس بمختلف معتقداتهم ومذاهبهم ، فكل محتاج يلتقي به هو قريبه . ووصايا الله للبشر تطلب محبة القريب كالنفس ، والمحبة الفاعلة تتجلى في العمل لا في التدين وممارسة الطقوس فقط كما كان يفعل الكاهن واللاوي الذَين سقطا في تجربة مساعدة الجريح المحتاج ( طالع لو 10 : 34-45 ) وبمثل السامري الصالح قلب يسوع كل الموازين ، وبرز المفهوم الصحيح للقريب ، وأكد أن مفهوم القرابة لا تنحصر في صِلاة الدم والقومية والعقيدة وغيرها ، بل القريب هو من أقترب منه وأمد له يَد العون والخدمة التي كان يحتاج إليها ، وهكذا يجب أن يفعل كل مؤمن مع أي إنسان محتاج وإن كان عدوه ، وبمثل هذه الأعمال سيحول عدوه إلى قريب ، وبسبب تلك الأعمال الخيرية سيردم الهوة التي كانت تفصل بينه وبين خصمه . 
    المحتاجين إلى الخدمة في عالمنا كثيرين ، منهم البائسين ومعذبين ومظلومين ومرضى ومحتاجين ، فعندما نقوم بهذا الواجب سنجعل الخالق مديوناً لنا ، وهو لا ينسى فضائلنا وإن كان كأس ماء بارد نقدمه للعطشان . وفي يوم الحساب سيقول لعاملي الخير ( تعالوا ، يا مباركي أبي ، رثوا الملك المعدّ لكم منذ إنشاء العالم ، لأني جعت فأطعمتموني ، وعطشت فسقيتموني … ) “ مت 25: 34-40 ” . وهكذا وحّدَ يسوع بينه وبين كل متألمي المسكونة ، من جياع وعطاشى وعراة ومشردين ومرضى ومسجونين عندما قال :
( روح الرب عليّ ، لأنه مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء ، أشفي منكسري القلوب ، أنادي للمأسورين بالحرية … وأطلق المرهقين أحراراً .. ) ” لو 8:4″  .
   كل محتاج إلى مساعدة يعتبره المسيح صغيراً بين البشر ، بل يجعل نفسه متجسداً فيه ، فهل نحن مستعدين أن نقدم للمسيح خدماتنا ؟  علماً بأن كلامه واضح وصريح وخاصةً عندما قال ( الحق أقول لكم : إن كل ما صنعتموه إلى واحد من أخوتي هؤلاء الصغار فإلي قد صنعتموه ) ” مت 25: 34-40 ” . 
   كما علينا أن نعلم بأن لا نحصر المسيح في جماعة المؤمنين به فحسب ، إنما أن نرى مسيحنا ومسيحيتنا في كل معذبٍ ومحتاج أية كانت هويته ودينه ، فالمسيح موجود في كل جريح ومتألم ، ومات من أجل الجميع ، ويريد الخلاص للجميع . 
      ختاماً نقول : نحن المؤمنين بالمسيح لسنا من هذا العالم ، لكننا في العالم ، ولا يجدر بنا أن نخرج من العالم ، بل أن نبقى بين المجتمعات البشرية  ( طالع يو 17: 14-15 ) كما يبقى ملح الأرض في الأرض ، وملح الطعام في الطعام ، والخميرة في العجين ( مت 6 ) .
 المحبة هي وصية الرب يسوع لنا ، بل هي علامة فارقة لكل من يتبعه ، وهذه الوصية ثقيلة وصعبة فعلينا أن نتحمل ثقلها الذي يحتوي على إهانات وظلم وتفرقة وغيرها لكي نستطيع أن ننفتح على الآخرين لأجل ربط جسور الأخوة بيننا ، وهذه العلاقة ينبغي أن نجسدها على المستوى العائلي أولاً ومن ثم مع المقربين منا ، وبعدها ننفتح في المجتمع المحيط بنا بمحبة نزيهة وخالية من المصالح الذاتية لكي نجعل الجميع يعيشون مثلنا في المحبة كأخوة ، وهكذا نسعى في إحلال المحبة والسلام في المجتمعات التي ستجد فينا الرحمة والحنان والصدق ، هؤلاء الذين يخالفوننا في الرأي والعقيدة والطباع والثقافة .
   المسيح موجود في كل إنسان محتاج إلى رحمتنا ، ويريد أن يختبر محبتنا له هو شخصياً من خلال ذلك المحتاج . قال القديس يوحنا الذهبي الفم : 
 ( ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأوان ذهبية إذا كان هو نفسه يموت جوعاً ؟ فأشبعه أولاً حينما يكون جائعاً ، وتنظر في ما بعد في أمر تجميل مائدته بالعطايا ) . كما قال أيضاً ( فلا تُزيّن الكنائس ، إن كان ذلك لأهمال أخيك في الشدة . هذا الهيكل أكثر جلالاً من ذاك )
فجهادنا الأول هو تحرير الفقراء والمأسورين ، وزرع المحبة الحقيقية والعدالة في العالم كله .
ليتبارك أسم المسيح المتجسد بيننا

52
[
هكذا نفهم جلوس المسيح عن يمين الله

بقلم / وردا إسحاق قلّو

  قال يسوع لعظيم الكهنة ( سترون بعد اليوم إبن الإنسان جالساً عن يمين القدير ، وآتياً على سحاب السماء ) ” مت 64: 26 ” .
   قبل كل شىء علينا أن نعترف بأن الله روح ، وهو كائن غير محدود ، أيضاً هو أصل الوجود وخالقه . أفلا تحدده آيات كثيرة عندما تصفه جالساً ، أو واقفاً عن يمين الله ؟ فماذا يُعني بيمين الله القديرأو يساره ؟ كلنا نؤمن بأن المسيح بعد الصعود دخل في مجد الله ليملاْ الكون كله بوجوده ، أي ليس لله بأقانيمه الثلاثة حدود . ويسوع صعد إلى السماء ودخل في الله الواحد ، لأنهما واحد ، وحسب قوله عندما كان في الجسد ( أنا والآب واحد ) ” يو30:10 ” . بل هو في الآب والآب فيه وكما قال لرسوله فيلبس ( من رآني رأى الآب … ألا تؤمن أنا في الآب والآب فيّ ؟ ) ” يو14: 9-10″ . وفي العهد القديم يقول المزمر ( قال الرّبُ لربّي ، إجلس عن يميني حتّى أضع أعداءكَ موطئاً لقدميك ) ” مز 1:110″ , ويؤكد الرسول بولس تلك الآية فيقول ( فمن من الملائكة قال الله له يوماً ” إجلس عن يميني حتى أجعل أعدائك موطئاً لقدميك ؟ ) ” عب 13:1 ” .
هنا نجد أن الله الآب هو ( رب ) وابنه الجالس عن يمينه هو ( رب ) أيضاً . إذاً الأثنان هم :
1×1=1   
   فإذا كان الآب والأبن واحد فكيف يجلس المسيح عن يمينه ؟ كما علينا أن نفهم المقصود بكلمة (جلس ) يعني بها دخول المسيح في مجد الآب ، نقرأ في الأنجيل ( متى جاء بمجده ومجد الآب … ) ” لو 16:9 ” ومجدهما هو واحد . وهذا ما عّبَرَ عنه الرسول بالقول ( أن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد ابيه مع ملائكته ) ” مت 17:16 ” . كما نقرأ أيضاً ( وأما رأس الكلام فهو أنه لنا حبراً جلس عن يمين عرش الجلال في السموات ) ” عب 1:8 ” كذلك ( جلس عن يمين العظمة في الأعالي ) “عب 2:2 ” بينما الشماس أسطفانوس رآه قائماً عن يمين الله وليس جالساً ( أع 56:7 ) إذاً كل هذه التعابير وُضِعَت لكي تكون بمستوى لغتنا البشرية وبحسب مفهومنا الإنساني ، أما لغة ومفهوم السماء فتختلف عن تعليمنا وعن مستوى إدراكنا الذي لا يرتقي إلى علم الله ، لهذا يقول الرسول بولس عن معرفتنا الناقصة ستزول ، قال (  والمعرفة تزول ، لأن معرفتنا ناقصة ، ونبواتنا ناقصة ، فمتى جاء الكامل زال الناقص ) ” 1 قور 9:13 ” . ففكرة الجلوس على اليمين واليسار لنيل العظمة كانت موجودة في الفكر اليهودي لهذا طلبت أم أبني زبدي من يسوع طلباً فقالت له ( مر أن يجلس أبناي هذان أحدهما عن يمينك والاخر عن شمالك في ملكوتك ) ” مت 21:20 ” . أما في أنجيل مرقس فنقرأ بأنهما طلبا منه ذلك ( طالع مر 37:10 ” فكان رده لهم ( أنتما لا تعرفان ما تطلبان …. فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم ) ” مر 40:1110 ” وإن كان ليسوع يمين فنقول ، أليست مريم العذراء مستحقة أكثر منهما ؟ وهذه الفكرة نعببّر عنها في الأيقونات الخاصة بالعذراء ويسوع أو التماثيل فنجد أن مريم تحمل يسوع على كتفها الأيسر لكي تصبح هي عن يمين قدرة أبنها . ومن الأفضل أن نتجاوز حرفية الكلمات المكتوبة لندخل في عمق الهدف الذي كتبت من أجله . وكذلك نبحث عن الأهم وهو أن ندخل نحن في مجد الله كما دخل يسوع ، وهكذا نحن ايضاً المحدودين في هذا العالم بأجسادنا المادية ، عندما ننطلق إلى السماء سنكون في حضن الله وندخل في مجده ، وهذا أفضل . لهذا صعد يسوع لكي يجذبنا إليه فنجلس عن يمينه الغير محدود ، أي في مجده وقوته وسره . وهذا هو وعد المسيح لنا ، قال لنا بعد صعوده ( والغالب سأهب له أن يجلس معي على عرش كما غلبت أنا أيضاً فجلست مع أبي على عرشه ) ” رؤ 21:3 ” وهنا لم يحدد عن جلوسه إلى يمين عرش الله ، بل قال مع أبي على عرشه . ولكي نفهم بأن العرش أي كرسي الله هو واحد لهذا تؤكد لنا الآية ( عرش الله وعرش الحمل واحد ولهما عبادة واحدة ) ” رؤ 3:22″

  ختاماً : نقول في قانون الإيمان ( … وجلس عن يمين الله الآب .. ) والله روح غير محدود بزمان ومكان . موجود في الكون كله ، وهو ثالوث في أقانيمه وواحد في تكوينه . والكلمات التي نقرأها في الكتاب المقدس مثلاً ( يمين الله ) فمعناها قدرته القوية . وكذلك ( رفع الله المسيح  أعلى من الملائكة ) فيعني بها بأنه كرمه أفضل تكريم كإله لا كإنسان أو ملاك . كما نقرأ ( الله يحمينا بكلتا جناحيه ) فهل الله يحتاج هو وملائكته إلى أجنحة وهم أرواح ، وهل الأجنحة تحمل الروح ؟ إنها مجرد كلمات تصوِّر المطلوب فهمه لتضعه على مستوى إدراك عقولنا . كما علينا أن لا ننسى بأن المسيح قد أخلى ذاته وتجسد ، وأخذ له شكل العبد ، وعاش بيننا كإنسان ( في 5:2 ) وتحدث بلغتنا ، وتألم وجاع وعطش مثلنا ، لكي ينقل إلينا رسالته السماوية بلغتنا . لكن أخيراً سيأتي بمجد عظيم ، وبنمظر مخالف لمجيئه الأول . وعلينا أن نستعد لأستقباله ونحن مؤمنين طاهرين  فرحين لكي يخطفنا من هذا العالم إلى عالمه الخالد لنبقى معه إلى أبد الآبدين . ليتمجد اسمه القدوس .

53
التعبد للعذراء مريم … ولكن !

بقلم / وردا إسحاق قلّو
                                   
    مريم هي تلك المراة التي رآها يوحنا ، فقال ( … إمرأة ملتحفةً بالشمس والقمر تحت قدميها ، على رأسها إكليل من أثني عشر كوكباً ) ” رؤ 1:12 ” .
   لعذراء مريم دور ومكانة خاصة عند المؤمنين في الكنيسة الرسولية ( الكاثوليكية والأرثوذكسية ) يعطون لها دوراً في الكنيسة كأم الله ، وأم المؤمنين . ومركزاً هاماً في حياتهم الروحية . فلمريم دور في الكنيسة كأم وشفيعة ، فهي متحدة مع المسيح ومرتبطة به في عمل الخلاص منذ حبلها البتولي وحتى موت إبنها على الصليب ، لهذا تكرمها الكنيسة المقدسة بسبب ارتباطها بإبنها ، ولشمولها في مخطط الله لخلاص البشر . فهل نعبد العذراء مع المسيح ؟
  أولاً نقول :ما معنى العبادة ، وما أنواعها ؟ في البداية علينا أن نفهم معنى العبادة ، ولمن نعبد ؟
      العبادة بمفهومها المطلق هي لله وحده ولا شريك له في العبادة والسجود . وحسب الوصية الأولى من وصايا الله العشرة في الشريعة التي تؤكد عبادة الله وحده . إذاً ماذا نعني بالعبادة للعذراء ؟ في الكثيرمن كتب الصلوات الخاصة بمريم في الكنيسة المقدسة نفهم معنى التعبد من خلال مصطلحين باللغة اللاتينية . الأول
Latrea
والذي يعني تعبداً بشكل العبادة الخاصة بالله وحده . أما النوع الثاني للتعبد فهو
Doulia
ويقصد به تعبد تكريمي يعطى للقديسين من أجل التكريم فقط لا للعبادة بمعنى السجود  . فمصطلح التعبد للعذراء جاء بسبب يكمن في الضعف اللغوي أو عدم وجود كلام مرادف في العربية إلى ما موجود في  اللغة اللاتينية ، أي هناك ضعف في الترجمة الحرفية للمصطلح الأصلي . . كما نقول أن العذراء ليست بإله ، فطريقة تعبدها ليست من نوع Latrea
 بل من نوع Doulia
 ولكن بشكل أرفع وأرقى من جميع القديسين لكونها أم المسيح الإله ، لذلك خصص لها لقب   Doulia
  وهو أعلى مركزاً أو سمواً ، لكنه يحدد في ضمن مرتبة التكريم فقط . فوجود مصطلح التعبد للعذراء مريم ليس بالخطأ لأنه تعبد تكريمي ليس إلا          Hyper Doulia
   أما الذي يعظم العذراء عن جهل أكثر ما يريده الكتاب المقدس والكنيسة فيجHyper Douliaعلها بتعبده هي الهدف والغاية فأنه يهينها لأنه سيحولها إلى إله ، وكل من يعبد أو يسجد إلى غير الله فسيحول ذلك الإله إلى صنم وهذا لا يليق بأم الله التي أتضعت لتكون ( أمة للرب ) . فمريم ليست هي النور ، بل هي تعكس النور الصادر من مصدره إلينا . مصدر النور هو ابنها وبدونه لا يكون للعذراء أي دور ، وعلى نقيض هذا يوجد هناك جماعات من خارج الكنيسة الرسولية تقلل جداً من أهمية ودور العذراء في الكنيسة فتجعلها مجرد وعاء جاء من خلاله الرب ، أما الوعاء بحد ذاته لم يبقى له قيمة أو دور في الكنيسة ، فتقليلهم من دور العذراء هو إهانة للرب يسوع لعدم تكريمهم لأمه فهو إذاً مخالفة لتعليم الأنجيل المقدس الذي جاء في كلام العذراء مريم نفسها ودوِّنَ في الأنجيل ، قالت ( فها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال ) ” لو 1: 48 “. كذلك نقول ، الله أعلن دور العذراء في كتابه المقدس منذ السفر الأول في العهد القديم بطريقة رمزية ، ومنذ سقوط الأبوين ، فنقرأ ( وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك وبين نسلها فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه ) ” تك 15:3″ . وهذه المرأة الذي تحدث عنها الكتاب هي مريم العذراء ، وفي نفس السفر نقرأ في الأصحاح السابع عن فلك نوح الذي حوى نوح ونسله ، هكذا أمنا البتول هي الفلك الجديد الذي حوى ابن الله واعطته للبشرية جمعاء لأجل خلاصهم من طوفان الخطيئة . وهناك مثال آخر رمزي وهو تابوت العهد الذي يمثل العذراء . فتابوت العهد كان يحتوي الوصايا وعصا هارون والقليل من المن وهذه كانت رمزاً للمسيح ، فكان لذلك التابوت مكانة عالية والأحترامٍ كبير عند الشعب اليهودي وكان ذلك التابوت رمزاً لتابوت العهد الجديد ( مريم ) التي احتوت لاهوت الله الحقيقي في أحشائها وليس الرمز، فكم يتحتم لأبناء العهد الجديد تكريم العذراء الممتلئة نعمة والتي حملت مسيح الرب .
  أما الأناجيل فكتبت عنها الكثير منذ الحبل الإلهي حتى الصليب ، وعند الصليب سلمها يسوع ليوحنا الحبيب ، بل لنا جميعاً بشخص يوحنا لكي تكون أم المؤمنين والكنيسة جمعاء ، ولكي يكون لها دوراً مهماً في الكنيسة ، لهذا نطلب منها الصلاة والتشفع عند ابنها الإله . 
  عبادة المؤمنين للعذراء راسخة في قلوبهم وأذهانهم منذ القرون المسيحية الأولى فيقدمون لها الصلوات ، ويطلبون منها الشفاعة ، ويستغيثون بها في ضيقاتهم ، أو لأجل نيل إحتياجاتهم الضرورية كشفائهم من الأمراض أو لأنقاذهم من المصاعب والضيقات ، وكذلك في إحتياجاتهم الروحية . وكان للعذراء كأم لأبنائها والمملوءة من النعم قوّة لمد العون لأبنائها ، وكذلك لحمايتهم من المخاطر والمعاثر ، ولهذا دفع المؤمنين إلى الثقة بها وعبادتها في قلوبهم ، وكذلك تكريمهم لها لكي يطبقوا ما دونه الوحي لهم في الأنجيل لتكريمها لهذا انتشرت الصلوات والمدائح الموجهة لها ، وخصصوا في أعيادها ، ورسموا لها أيقونات وصور . وسميت كنائس وأديرة باسمها ، ونظمت جمعيات وأخويات ومزارات في مختلف أنحاء العالم بإسمها ، كما خصص لها صلاة خاصة وهي ( مسبحة الوردية ) وقد انضم إلى صفوف المتعبدين لها قوافل المصلين المؤمنين الذين يكلون حياتهم لتدبير الخالق أولاً ولعنايتها ثانياً .
   المؤمن الحقيقي الذي يعبد الله عبادة حقيقية عليه أن يتخذ مريم نموذجاً له في العبادة مسلماً ذاته لأرادة الله ليستطيع أن يقول مع العذراء ( أن القدير صنع لي عظائم ) .
   هناك تيارات في المسيحية تختلف عن الآخرين في عبادتهم للعذراء . فمنهم يريد أن يجعل منها خليقة من جبلةٍ تختلف عن جبلتنا ، فيضعوها إلى جنب ابنها للتوسط لديه على غرار الوساطات البشرية الضيقة . ففي هذا التيار مغالاة في العبادة لأنه يرتكب أخطاء في الممارسات ، والعقيدة فمنهم من يعتقد بأن لولاها لم يأتي المسيح فتعظم بشكل لا يليق بالعذراء المتضعة التي اطلقت على نفسها ( أمة الرب ) دون أن يدركوا منزلتها الروحية . أما التيار الثاني والبارز أكثر من التيارات الأخرى فهو الأيمان الكاثوليكي ، فتعليم المجمع الفاتيكاني الثاني يجعل من العذراء ابنة من بني البشر تقف إلى جانبهم ومعهم تؤمن وتترجى وتحب ، وبذلك تكون مثالاً لأبناء الكنيسة . ونظراً إلى صفاء إيمانها بالله وحبها له وما وصفها الكتاب المقدس بعهديه ، فأنه من الحمق الأعتراض على تكريمها من قبل بعض الطوائف ، وإزالة دورها في الكنيسة كأم وعدم التعبير عن فضائلها والإيمان بشفاعتها علماً أنها للمؤمن قوة ومشجع وأم في غربة هذا العالم لهذا تشجع الكنيسة الكاثوليكية أبنائها على التعبد للعذراء وتكريمها ، إنها الأم التي تدل الطريق لأبنائها وتوجههم إلى أبنها المخلص ، وهكذا تُساهم دائماً في توجيههم ، وتقول لهم ( أعملوا ما يقوله لكم إبني في الأنجيل ) .
   أعترفت الكنيسة الرسولية منذ القرون الأولى بأقرارها قانون الإيمان النيقي الذي يذّكرهم بأن المسيح  الإله تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء فعلينا أن نكون لها أبناء أصلاء مقتدين بإيمانها ، ونثق بها لكي تسدد خطانا نحو أبنها الفادي . إنها النجمة التي تقودنا إلى الهدف كالتي رافقت المجوس نحو طفلها الإله في بيت لحم . الكنيسة الأرثوذكسية موقفها من العذراء نابع أيضاً من تقليد وأصول مشتركة مع أبناء الكنيسة الكاثوليكية لأنهما قبل الأنفصال كانوا مجمعين ومتفقين معاً على تكريم أم الله . وقد أغنوا أبناء الكنائس الشرقية بمؤلفاتهم ومواعظهم لتوضيح العقيدة المريمية ، ومن الشرق الأرثوذكسي انطلقت معظم الأعياد المريمية ونظمت لها أناشيد وصلوات وعبادات تبدو فيها منزلة مريم سامية فوق الخلائق كلها ، فلا يغامرهم الشك في بتوليتها ، وأمومتها لإبن الله  وبقداستها وشفاعتها ، وقد تجلى تقديرهم لهذه الأم من خلال الأيقونات الجميلة التي تزين واجهة كنائسهم ومعابدهم وبيوتهم وصدور رعاتهم الأساقفة . فكل مؤمن بالمسيح مدعو دعوة صريحة ليعيش في كنف العذراء مريم وفي جوّها الروحي . أما أخوتنا البروتستانت فموقفهم مختلف تماماً ولا يخلو من التناقض لأننا إذا عدنا إلى مارتن لوثر، فلوثر كان يكرم العذراء ، وكذلك لوناريوس وكلفن ، فكان لهما كتابات تحمل إعترافات صريحة بأمومة مريم الإلهية بطهارتها وبرائتها فكلفن أعتبرها مثالاً للإيمان والرجاء والمحبة . غير أن هذا الموقف تغير فيما بعد عند أتباعهم إستناداً إلى مبدأ عام انطلقت منه البروتستانتية وهو رفض كل ما لم يذكر في الكتاب المقدس صراحةً . وهذا يعني بأن الكنيسة لا سلطة لها على تفسير الكتاب ، وعلى تحديد العقائد ، كما ألغوا التقليد الموروث من الرسل الأطهار الذين كتبوا الأناجيل والرسائل . هكذا ألغوا دور العذراء في الكنيسة وأهملوا كل تعبد وتكريم لها . غير أن بعض الجماعات منهم شرعت في العودة إلى جذور المسيحية المتعمقة في درس الكتاب المقدس وفي مؤلفات آباء الكنيسة الأولين فأخذت تعي دور العذراء وتعيد إليها تلك المكانة التي كانت لها قديماً والتي تحق لها بكل جدارة وهذه علامة من علامات فعل الروح القدس في ذوي الأرادة الصالحة الذين يبحثون عن الحقيقة بتجرد وإخلاص .
كما نقول للمرتدين عن أصول الكنيسة وينابيعها بأن التعبد للعذراء ليس مزاحمة تهدف إلى حجب وجه الرب يسوع ودوره الأساسي في حياة المؤمن المسيحي . قد يحدث ذلك فعلاً لبعض الجهلاء الذين يغالون في عبادتهم للعذراء أكثر من يسوع الرب ، أو يستخدمونها كدرع واقي ضد ضربات أبنها العادل ضد أعمالهم الخاطئة ، وهذا لا يليق بالمفهوم الصحيح للإيمان في كل الطوائف .
في الختام نقول : تعظيمنا لك يا أم النور هو تعظيم لأبنك . غايتنا من التعظيم لأمنا البتول هو تعظيم إبنها الإله ، وعندما نمجد العذراء لا نقلل من شأن أبنها الفادي . العذراء لا تريد شىء لنفسها ، إلا أن تكون ( أمة للرب ) ولبني البشر وكما خدمت نسيبتها إليصابات ، فلم تثنيها بشارة الملاك على أنها ستصبح أم الله ، بل استمرت في تواضعها ومحبتها للجميع .
لتكن صلواتها معنا ولتشفعنا عند إبنها الإله الذي هو نور العالم

54

عقيدة إنتقال العذراء وقيامة الأجساد ( ܫܘܢܵܝܐ ܕܥܕܪܐ )
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( قم أيها الرب إلى موضع راحتك أنت وتابوت عزتك ) " مز 8:131 "
  إنتقال العذراء مريم إلى السماء بالنفس والجسد عقيدة قديمة يعود أصلها إلى القرون الأولى حيث كانت كنيسة أورشليم تحتفل بهذه المناسبة كعيد كنسي منذ القرن الخامس ، وعرِّفَ بعد ذلك بعيد ( رقاد مريم ) يحتفل به يوم ( 15 آب ) من كل عام . وفي القرن الثامن أطلق على هذا العيد ب ( عيد إنتقال مريم إلى السماء بالنفس والجسد ) وجسد العذراء قد أختفى فعلاً بعد الأيام الثلاثة من رقادها بشهادة الرسل الأطهار .
   البابا بيوس الثاني عشر هو الذي أعلن إنتقالها عقيدة وذلك في اليوم الأول من تشرين الثاني سنة 1950، مصرحاً الآتي ( نؤكد ونعلن ونحدد عقيدة أوحى بها الله ، وهي أن مريم أم الله النقية هي دائمة البتولية ، بعدما أتمت مسيرة حياتها الأرضية ، رفعت بالنفس والجسد إلى المجد السماوي ) أما البابا فرنسيس فيضيف إلى جمال هذه العقيدة قائلاً : أن مريم هي حواء الجديدة ، وهي موازية للمسيح آدم الجديد . وقد أتحدت إتحاداً وثيقاً به في محاربة العدو الجهنمي ، فكان لا بد أن تنتهي الحرب التي خاضتها مريم بتمجيد جسدها البتولي ، والإنتقال من هذا العالم ليصبح إنتقالها تحفة الفداء وعمل الله الثالوث : إنها إبنة الآب وأم الأبن وعروس الروح القدس . بواسطتها تحقق مشروع الله الخلاصي للبشر . ومعها بدأت شركة الإنسان مع الله بالروح القدس . بأن محبة الآب ملآتها ، ونعمة الأبن خلقتها ، وحلول الروح القدس قدستها . أما بالنسبة إلينا نحن المؤمنين ، فستشملنا هذه العقيدة أيضاً ، أي أن أجسادنا لن تنتهي بعد الموت عندما تنحل في تراب الأرض ، بل يخبرنا مار بولس الرسول ويقول ( يسوع المسيح سيغير شكل تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده ) " في 21:3" والجسد الممجد هو جسد روحاني ( طالع  1 قور 15: 44-46 ) . أما القديس يوحنا الذهبي الفم فيوضح لنا هذه المسألة بشكل رائع قائلاً : أن الجسد المقام سوف يكون نفس الجسد وأيضاً ليس هو ، بالمقارنة بالجسد الذي تحلل في القبر. فمثلما يكّوِن الزجاج من الرمل ولكنه ليس بعد هو الرمل ، بل هو شىء آخر غير هذا الذي أُخِذَ منه . إذاً الجسد سيكون نفسه الذي انحلَ ، ولكن بسبب الخصائص الجديدة التي ستطرأ عليه ، لن يكون هو نفس الجسد الذي انحل ، أي هناك وحدة بين هذين الجسدين مع وجود إختلاف كذلك . ولتأكيد حالة الجسد في السماء ، يمكننا أن نتأمل بعمق كلام الرب يسوع عند لقائه بالصدوقين قائلاً لهم ( لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون ، بل يكونون كملائكة الله في السماء ِ ) " مت 30:22" نفهم من ذلك أن الأجساد المقامة تكون روحانية ، وهذا لا يعني تجردها من العنصر المادي ، بل أن المادة التي تكّوِن هذه الأجسداد ستحرر من المطالب المادية والشهوات الأرضية التي كانت تحتاج إليها في الحياة الأرضية . ولهذا سنستمر في أن نكون شخص جسدي في السماء ، ولكن بواقع ملكوتي خالص .
    الكنيسة تؤكد بأن مريم قد أخذت إلى المجد السماوي كشخص كامل ، فأمست هذه العقيدة علامة رجاء لعالم يرزح تحت وطأت الأيديولوجيات الفاتكة بالعقل الإنساني . جسد مريم الذي كان مسكناً لرب الكون وخالقه ، أي كانت تابوت العهد الحقيقي لأبن الآب كحقيقة لا كرمز كما كان تابوت العهد القديم ، فلا يعقل بأن يعامل جسدها الطاهر المبارك كأجساد باقي البشر ، بل أن يرفع إلى السماء لتنتقل بالنفس والجسد . كما علينا أن لا ننسى بأن مريم كانت عذراء ، ولا نعني بهذا بأنها كانت عذراء من ناحية الجسد فحسب ، بل من الخطيئة التي لن تقدر أن تخترق حياتها الروحية لتبقى طاهرة .
  لعقيدة إنتقال العذراء أثر كبير في تدعيم جوهر الجسد ، وفي هذا الصدد صرح البابا القديس يوحنا بولس الثاني . قال ( أن إنتقال العذراء إلى السماء كشف عن مصير فائق الطبيعة للجسد اللإنساني ، وبكونه مدعو لكي يصبح أداة قداسة واشتراك جذري في مجده السماوي ، لقد دخلت مريم في ذلك المجد لأنها رحبت بإبن الله في رحمها العذري وفي قلبها المتهلل . ومن خلال التأمل في خضوعها لمشيئة الله ، يسعى الشخص المسيحي إلى اكتشاف قيمة جسده ويحرسه كهيكل لله ، قريباً موعد اللقاء النهائي . أن إنتقال العذراء إلى السماء هو إمتياز إلهي قد وهب لأم الله ، وهكذا اصبح قيمة عظمة لحياة ومصير الإنسانية جمعاء ) .
   ختاماً نقول : أعترفت الكنيسة المقدسة منذ البداية بأنتقال العذراء مريم إلى السماء بالنفس والجسد ، وأحتفلت بعيد إنتقالها ومن خلال مراحل زمنية  وأصبح العيد عقيدة إيمانية ثابتة .
نطلب شفاعة أمنا العذراء لأنها هي ام الكنيسة المقدسة .
ملاحظة : هل هناك آيات في العهدين تنبأت بأنتقال العذراء ؟ طالع مقالنا على الرابط :
https://www.ishtartv.com/viewarticle,89332.html




55

مار أفرام السرياني ( ܡܪܝ ܐܦܪܝܡ ܣܘܪܝܝܐ )
   
بقلم / وردا إسحاق قلّو
   أعلن البابا بندكتس الخامس عشر 1914-1922 مار أفرام شماس الرها معلماً من معلمي الكنيسة الكاثوليكية شرقاٌ وغرباً . وتعيد له الكنيسة الكاثوليكية في 18 كانون الثاني ، كما يعد قديساً على مذابح الكنائس الأرثوذكسية . وهو القديس الوحيد من بلاد الرافدين في قائمة ألاف القديسين والطوباويين المعترف بهم من قبل الكرسي الرسولي . فمن هو القديس مار أفرام السرياني ؟
    ولد مار أفرام في مطلع القرن الرابع في مدينة نصيبين التي كانت تابعة إلى بطريركية ( ساليق وقسطيسفون – المدائن ) . كانت نصيبين مدينة حدودية فاصلة بين الأمبراطوريتين الرومانية والفارسية . وبسبب موقعها الحدودي كانت تتعرض لحروب كثيرة .
   لقن أفرام بالإيمان ومخافة الله من قبل والديه المؤمنين منذ طفولته . وفي أيام شبابه حدث له مشكلة طبيعية ، لكنها كانت بالنسبة له نقطة تحول مهمة في حياته الروحية ، فذات يوم طارد بقرة رجل فقير دخلت حقل أبيه فأختفت في الغابة ، وقد أهان صاحبها على ترك بقرته ترعى في حقل غيره ، فتقبل الفقير الإهانة ومضى . وبعد أيام سُرِق بعض الأغنام من قطيع أحد الرعاة فأتهم أفرام بها وزج في السجن وهوبرىء ، فحزن جداً ، فرفع قلبه إلى الله طالباً مساعدته لإظهار الحق . وفي تلك الليلة حلم حلماً وكأن ملاكاً ظهر له قائلاً ( حقاً إنك برىء من هذه التهمة ، ولكنك لست بريئاً من كل ذنب ) . ولما استيقظ فَكَرَ في قول الملاك وتذكر حادثة مطاردته بقر الفقير وندم وخاصةً لسوء معاملته للفقير فتفجرت عيناه بدموع التوبة وطلب من الرب المغفرة . ثم نذر نفسه لخدمة الله بأن يهجر العالم حال خروجه من السجن الذي ظل فيه ثمانون يوماً . أطلق سراحه فتوجه إلى الكنيسة وأدى صلاة الشكر للرب الذي خلصه ، ثم قصد أسقف المدينة ( مار يعقوب النصيبيني ) وأطلعه على ما حدث ، فرحب به الأسقف وشجعه ، فأكب أفرام على دراسة الكتاب المقدس . وأتّقَنَ السريانية وآدابها ، فكانت لغته نقية صافية خالية من الشوائب ، غنية واسعة ، وأداة طيّعة التعبير عن مختلف الأهداف الفكرية . كان الأسقف المذكور ناسكاً فاضلاً ، وعلى يده تدرج أفرام في مبادىء العقيدة المسيحية وتعمق في أصول العلم الديني وفروعه . أحب أفرام مار يعقوب واستفاد منه كثيراً . وفي عام 325 م رافقه إلى مجمع نيقية المسكوني ، حيث كان له لقاء ات مع مفكري الكنيسة ، وعلى أثر عودتهما أسس مار يعقوب مدرسة لاهوتية في النصيبين أزدهرت حتى القرن السابع ، وقد سلّمَ زمام التعليم فيها لتلميذه أفرام الشماس . وفي تلك المدرسة نظّمَ أفرام القصائد والأناشيد التي تعرف بالنصيبينية ، وتعِد رائعة لذلك العصر ، يصف فيها ما عانته المدينة من مشاكل مع الفرس . أزدهرت الرهبانية في عهد أفرام ، فأتم نذره الرهبانية الثلاثة ( الطاعة – الفقر – البتولية ) وتطبيق مبادىء الرهبانية : الصلاة والصوم ومطالعة الكتاب المقدس ، وممارسة بعض الأعمال اليدوية لتحصيل القوت للجسد . وكان أفرام لا يأكل سوى خبز الشعير والبقول المجففة . ولا يلبس إلا أطماراً بالية . وقد وصف فلسفته الرهبانية في قصيدة وهو يخاطب فيها نفسه التي روضها على أعمال التقشف . أغنى بمؤلفاته مكتبات الشرق والغرب المسيحية ، كتب أكثر من ثلاثة ملايين بيت شعرونثر، أي مائة وعشرون ألفاً من الصفحات  شرح فيها كل أسفار الكتاب المقدس بعهديه إضافة إلى حوارات دينية ، إضافة إلى مقالات ورسائل وميامر وتسابيح ، فقد كان ثورة أدبية كبيرة ، بل كان قيثارة الروح القدس بين البشر . كما أبدع في التفسير والشرح والإيضاح للمعاني الروحية في كلام الله العميق . ولكثرة شروحه وتوضيحاته صرّحَ البعض إنه لو ضاعت ترجمة الكتاب المقدس السريانية الأصلية لينشر جميع نصوصها من تصانيف مار أفرام . كما له فصول مختارة في حياة النسك . ترجمت مؤلفاته إلى اليونانية في حياته ، أو في العقد الأول بعد وفاته نظراً لأهميتها ، وبعد ذلك إلى العربية حيث ترجمها أبراهيم بن يوحنا الأنطاكي سنة 980 مؤلفاته موجودة في مكتبات الشرق الأوسط . كما ترجمت إلى اللغات الأرمنية والقبطية والأثيوبية والألمانية والأيطالية والفرنسية والأنكليزية وغيرها  . ترجمات مؤلفاته زينت أثارها الدينية مكتبات الفاتيكان وبريطانيا وأو كسفورد وبرمنغهام وكامبرج وباريس وشيكاغو وغيرها .  ومن مؤلفاته ( الشعر عند السريان نوعان :
1- الميامر ، أي القصائد والتي تعد بالآلاف. كما كتب صلوات للكنيسة ومنها صرة سقوط الأمطار .
2- المداريش ، أي الأناشيد التي صاغها بأوزان مختلفة ، وألحان شتى ، كما تناول شعر المواضيع الدينية العقائدية والروحية ممجداً بها السيد المسيح له المجد ومدح العذراء مريم وتغنى ببتوليتها وبحقيقة كونها والدة الإله ، كما كتب عن القيسين الأبرار. وقد حازت أسفاره مكانة كبيرة في الكنيسة السريانية فأدخلت في الطقس الكنسي وهو لا يزال على قيد الحياة .
  نشر الأب بطرس مبارك ، ومن بعده المطران يوسف سمعان السمعاني والمطران عواد (6) مجلدات كبيرة الحجم ضمت كل ما حفظته مكتبة الفاتيكان . ظل مار أفرام يعلن الأيمان المسيحي طوال 48 سنة في مدرستي نصيبين والرها ويدافع ضد أصحاب البدع .
   عندما سلمت نصيبين للفرس سنة 363م هجرها برفقة نخبة من أساتذة مدرستها وتلاميذها إلى الرها التي كانت أشهر مدن بلاد ما بين النهرين ، ومركزاً تجارياً بين الغرب وآسيا الوسطى ، وكانت لغتها سريانية .
في الرها سكن مار افرام في أحدى مغاور جبل الرها وعكف على العبادة ودراسة الكتاب المقدس ، وأعمل بعض الأعمال البسيطة ليسد رمقه من الجوع ، كما كان يقضي بقية وقته في الكرازة للوثنيين وكان يشرح لهم ألأسفار المقدسة ، وكان جدياً في تعليمه ومستقيماً في إيمانه وقوياً في كرازته بين الوثنيين في المدينة فثار عليه بعض رؤساء مدينة الرها ومنهم اليهود والوثنيين فوسعوه ضرباً فاضطر إلى الهروب إلى مغارته التي تحولت إلى مدرسة في الجبل لجأ إليها العديد من التلاميذ .
  في الرها حرض الأبليس إمراة بفكرة شريرة فبدأت تتحدث إليه ، لكنه بسبب جفاف كلماته لها بدأت تهدده بأنه ارتكب معها الزنا تنشر الخبرإن لم يمارس معها تلك الخطيئة . تظاهر هذا الحكيم بالموافقة لكنه أشترط بأن يمارسا الخطيئة معاً في السوق وأمام الناس . فردت عليه ( كيف نمارس ذلك والناس محيطين بنا ؟ ) فأجابها قائلاً ( إن كنت تستحين من الناس ، أما تستحين من الله الذي عيناه تخترقان أستار الظلام ؟ ) تأثرت بكلامه وتابت ، وقيل إنها التحقت بأحد الأديرة .
   قيل أن متوحداً اسمه أفرام أيضاً كان واقفاً خارج مغارته فرأى ملاكاً ومعه درج كبير مكتوب عليه من الوجهين ، يحيط بذلك الملاك النازل من السماء ملائكة آخرون وسمعه يقول : ( لمن أعطي هذا الذي بيدي ؟ ) فقيل له ( ليس من يستحقه من بين البشر في هذا الزمان سوى أفرام السرياني الذي بجبل الرها ) . وإذ رأى المتوحد تلك الؤية فأنتابه الشك فزار مار أفرام فوجده يكتب في تفسير سفر التكوين ، وإذ قرأ ما يكتبه ، دُهِشَ بسبب الموهبة التي أعطيت له من السماء ، فأخذ منه التفسير وأسرع به إلى مدرسة الرها وعرضه على علمائها فأعجبوا به ، فأمسكوه ليكرموه ، فقال لهم أن الكاتب هو مار أفرام ، فأسرعوا إليه ليحضروه ، أما هو فإذ شعر بذلك هرب إلى أحد الأودية ومنها إلى المدينة فبات ليلاً في أحد أبراج سور المدينة فظهر له ملاك الرب وألزمه ألا يهرب من العمل . عاد وتفرغ للتدريس ، وإلى تفسير الكتاب المقدس ، فهو أقدم من فسر الكتاب المقدس عند السريان . ناهض هناك في تعليمه اللاهوتي البدع والهرطقات فوصفه القديس مار يوحنا الذهبي الفم 407 عام ، قائلاً ( كان على الهراطقة كسيف ذي حدين ، وقد قاوم في كتاباته التيارات الفكرية المعاكسة للدين القويم دون أن يلجأ دائماً إلى البرهان المنطقي الفلسفي ، بل كان في عظاتِهِ الأدبية وأناشيده وأشعاره يثبت الإيمان في قلوب المؤمنين ويبعدهم من الضلال . وفي أحد أناشيده قال عن بدعة المرقيون : أن الشيطان أضل مرقيون وأصابه بالجنون فاحتقر صانعه واستصغر خالقه ).
   كان مار أفرام يتوق إلى القداسة التي هي ثمرة المحبة على الطريق الضيق ، طريق الصليب الذي اتبعه ، فقيل عنه : أنه طريق الجوع والعطش والعري والخشونةِ وعدم الرفاهية . ورأى في الكتاب المقدس المعين الذي يزف منه مادة فكره ويقدمه للآخرين في شعره ونثره ، بل كان يعيش بكامله في الكتاب المقدس .
  بدأت الطقوس الكنسية منذ فجر المسيحية كأدعية ومزامير كانت ترنم في أجتماعات المؤمنين للصلاة والأحتفال بالقربان المقدس ، وأهتم أفرام بالحياة الطقسية في الكنيسة إذ أدخل إليها أناشيد المنظومة على ألحان خاصة ، وإليه يعود فضل تنظيم الحياة الطقسية في الكنيسة السريانية وتنظيم الجوقات الكنسية التي تنششف اليوم آذان المؤمنين في الكنائس وتخلق في نفوسهم الخشوع وتساعدهم على التعبد للرب والأهداء إلى الإيمان الأفضل . ومن نشاطاته في المجالات الإجتماعية : حدث جفاف رهيب ومجاعة في الرها سنة 372-373 عندما انحبست الأمطار فمات الكثيرين جوعاً ، فقام أفرام بزيارة الأغنياء محتكري القمح ، قال لهم ( افتكروا في رحمة الله وجودته واعملوا أن ثروتكم ستمسى وبالاً عليكم ونقمة لكم ودينونة لنفوسكم إلم تسخوا بشيء منها على الجياع والمنكوبين ) فأثر كلامه فيهم وقلوا له إننا نعرفك رجلاً تتقي الله . فزودوه بمال وفير ليوزعه على المحتاجين ، فأسس دوراً يجمع فيها المشردين ، وكان يشرف على الأعتناء بهم واستمر عمله سنة كاملة إلى أن انتشرالطاعون بعد المجاعة فاندفع أيضاً في تطييب المرضى ومآساتهم حتى اصيب هو أيضاً ، وإحتمل آلامه المبرحة إلى أن فاضت روحه الطاهرة في 9 حزيران 373 بعد أن عاش نحو سبعين سنة . 
في الختام نقول عنه : في ساعاته الأخيرة ، وفي لحظات إحتضاره أملى وصيته الأخيرة لتلاميذه شعراً فأهتموا بتدوينها ، فقد أعترف بإيمانه وتمسكه بالمسيحية ، وحث تلاميذه على التشبه به ، فقال لهم : الويل لي فأن أيام حياتي قد أوشكت على الإنتهاء . لقد نفذ الزيت في السراج وقرب يوم الأجل . أن الأجير قضى ساعة عمله ودنا موعد رحيل الغريب واوبته إلى وطنه . وقال :
( هلم يا تلاميذي وأغمضوا أجفاني فأنا مائت لا محالة . أتخذوا مني مثالاً لكم ، إنني لم أشتم ولم أخاصم أحداً ألبتة ، ولكني كنت على نزاع دائم مستمر مع الكفرة . ذلك أن الحكيم لا يبغض أحداً ، وإن أبغض فإنما يبغض الجاهل . لم أملك كيساً ولا فروداً ولا عصا ، إتماماً لوصية الرب ) .
  أقرأوني السلام يا اخوتي وسامحوني لأرحل عنكم مطمئن البال . أذكروني بصلواتكم وطلباتكم . أستحلفكم يا أبناء الرها قسماً لا حل فيه أن لا تحيدوا عن وصاياي ، ولا تبطلوا شرائعي ولا تدفنوا جسدي تحت المذبح ولا في الهيكل ولا مع الشداء ، بل وارو جسدي في التراب بثوبي وقبعتي وذلك في مقبرة الغرباء لأني غريب نظيرهم .
نطلب من القديس مار أفرام أن يذكرنا بصلاته ويعضد كنيسة ما بين النهرين ويحفظها من مؤامرات إعداء الخير .



56
المقالات الدينية / صلاة الصمت
« في: 01:58 31/07/2021  »

صلاة الصمت
بقلم / وردا إسحاق قلّو   
قال رجل روحاني
( سَكِّت لِسانِكَ لكي يتكَلم قلبُك ، وسَّكِت قلبُك لكي يتكَلم الله )
      الصلاة في حياتنا المسيحية كثيرة الأنواع نرفعها إلى السماء بطريقة نطق الكلمات أو بغير نطق لكي نعبّر من خلالها ما نريد أن نقوله لمن نصلي إليه ، لكن هناك صلاة أخرى عقلية نستطيع أن نُصَليها بدون ألفاظ ، كأننا نتأمل في جزء من حياة يسوع أو أقواله أو في الآيات التي اجترحها في أثناء حياته الأرضية ، أو عندما نتأمل في الحياة في السماء حيث كنزنا الدائم . وهذا النوع من الصلاة يحتاج إلى جو صلاتي خاص لكي ننقطع عن محيطنا كلياً لأجل التركيز ولتوجيه أذهاننا نحو الله الذي نصلي إليه ، فنحتاج إلى عُزلة قد تطول عدة ساعات نقضيها في خلوة روحية ندخل من خلالها في مرحلة جهادية نتخلى عن ضجيج العالم وشروره لكي نعيش في العكوف والتأمل في كلام الله ووصاياه ، هكذا تبدأ النفس بالإخلاد إلى الإختلاء ، وإلى السكينة وهما أمران تشعر بهما النفس بعمق من جراء الرضى والسلام اللذين تنعم بهما . ومعها تأتي مرحلة الإمتحان التي فيها يختبر الإنسان مستوى إتضاعه ، والإتضاع سينقله إلى مرحلة التحول الحاسم التي فيها يختبر المرء أوقاتاً من الإختلاء قد تتعدى قواه وجهوده الخاصة فيشعر بمحبة الله ، أو يقترب الله منه فيشعر به كمن يتحرك بقربه في ظلام دامس ، وكما وصفت الحالة القديسة تريزيا الكبيرة الأفيلية . فعندما يشعرالمرء بقرب الله منه سينتقل إلى منعطف آخر فيه يموت عن ذاته ، وعن العالم ليدخل في حياة أخرى في المسيح الله الذي مات من أجله ، وكل هذا التحول يحدث بقوة الروح القدس العامل في المؤمن . وعليه أن يستمر في ذلك التأمل بصمت لكي يتخطى إلى الحياة الجديدة التي غايتها رؤية الله وجهاً لوجه وهذا يحتاج إلى عذاب القلب والفكر لكي يتحرر من كل ما يربطه بهذا العالم فيتسنى له التقدم نحو العمق . الروح القدس يأتي ليستقر في تلك النفس العطشانة التي تحبه وتناديه وتحفظ وصاياه فيشعر أولاً في السلام الداخلي وبالهدوء الذي يخيّم عليه في تلك اللحظات وبعدها سيدخل في مراحل أخرى كثيرة ، وعليه أن يستمرلأجل الوصول إلى المرحلة الأخيرة ، وهي مرحلة الصداقة مع الله واللقاء به شخصياً ، بل للألتصاق به ، وهذا أفضل بحسب الآية ( أما أنا فخير لي الإلتصاق بالرب ) " مز 73 "  وكما حدث لأبينا يعقوب . يمر الإنسان في مرحلة أخرى أثناء الإختلاء قد لايحسب لها حساباً ، وهي مرحلة إنخطاف الروح إلى عوالم أخرى كما حدث ليوحنا الرائي ولبولس الرسول ولقديسين كثيرين في مختلف العقود المسيحية .
   مريم العذراء تكلمت يوم البشارة مع الملاك لتقول ( نعم ) لله . ومنذ تلك اللحظة لزمت الصمت لتعبد حضور الله فيها . طوال هذا السّر لم تتفوه بكلمة واحدة ، بل كانت تتأمل في كل تلك الأشياء وتحفظها في قلبها . أما خطيبها مار يوسف فكان مدرسة الصمت والإصغاء لصوت الله ، أتبع مثال مريم لهذا لا نجد له أي كلام في الأنجيل ، هو ذلك القديس الذي لم يناقش ما أراده الله منه ، بل أطاع وصايا الله المنقولة له عن طريق الملاك بصمت ومن دون إعتراض أو إبداء الرأي الخاص .  حضور إبن الله بيننا بعد تجسده كان ينبغي لكل من يزوره أن ينظر إليه بصمت ويعبده ويؤمن به بصمت أيضاً وكما فعله الرعاة والمجوس .
     كما نقول ،  الصلاة الصامتة ليست هروباً من الصلوات الأخرى ، بل هي الأرتقاء إلى ما هو أسمى وفيها يتجاوز المُصَلي أخطاء اللسان ، لأن ( كثرة الكلام لا تخلو من المعصية ) وبالصمت يتجاوزالإنسان ذاته ليحصل إلى المزيد من الفضائل الروحية يخدم بها إخوته البشر بشكل أفضل وأسخى بعد أن يحصل على السلام الداخلي وفي المحبة فيحيا في عمق كل التطويبات . فهذه الصلاة ليست غاية في ذاتها ، إنما تهدف إلى إعداد النفس لرؤية الله وهو في هذا العالم ، أو رؤية عرشه السماوي . كان القديس يوحنا الذهبي الفم يمارس السكون ليرفع قلبه نحو السماء ، فيختبر من خلالها التحدث مع الله .
   صلاة الصمت تحتاج إلى جهد شخصي مستمر لكي لا يتراجع الإنسان نحو الخلف ، أو يعيش في يبوسة روحية ، وإن شعر بذلك الهبوط ، فعليه أن ينهض ليتقدم في ممارسة صلاته الصامتة ويولي لها الإعتبار اللائق . وفي هذه الصلاة سيكتشف المُصلّي أشعاءً سماوياً ينير حياته في وسط الظلمات التي يجتازها أثناء هذا الإختبار للبلوغ إلى الإلفة الصميمية مع الله . الأخت الراهبة أليزابيت الثالوث ( 1880 -1906 ) اكتشفت أيضاً طريق ( الصمت الداخلي الذي يتيح للإنسان أن يلتقي مع الله في الداخل ) وأن يسجد له في أعماق ذاته ، وقد وضعت هذه الأخت صلاة التقدمة للثالوث الأقدس ، بدأتها بالقول ( يا إلهي ، الثالوث الذي أسجد له ، ساعدني لكي أنسى نفسي تماماً فأستقر فيك  ... أيها الدائم أمضي بي كل دقيقة إلى أبعد في سر عمقك ) .
       الصلاة الصامتة ليست مختصة للنساك والمتصوفين المنعزلين في المغاور والأديرة فحسب ، بل لكل إنسان يستطيع العكوف في رياضات روحية عميقة لوحده مع الله ليقترن به فيصبح معه كياناً واحداً ، وكما يقول الرسول بولس ( أن من أقترن بالرب ، فقد صار وأياه روحاً واحداً ) " 1 قور 17: 6 " . هكذا سيشعر الإنسان بحضور الله في حياته فيسير معه وبه بعزم وثبات وثقة ، وهدف كل مؤمن هو الأتحاد مع الله لينصهر في ناره فيتحد به ليصبح له ، وهذا الأتحاد لا يجري إلا في الصمت ، وفي عمق كيان الإنسان ، وهذا الأتحاد المغيّر هو قران روحي بين الله والنفس البشرية . وهكذا من خلال الصلاة الصامتة يبدأ بالخروج من الذات أولاً ، أي موت الإنسان عن ذاته ليبدأ بأن يحيى حياة جديدة مع يسوع بقوة الروح القدس ، ومن ثم يبدأ الحوار الداخلي مع الله ، إنه حوار المحبة ، نشعر به عندما تتجلى قدرة الله فينا ، وهو يساعدنا لكي نستمر في طريقنا من أجل الوصول إليه والأتحاد به . قليلون هم الذين يبلغون قمة الحياة التصوفية للوصول إلى إكتشاف عالم جديد ، هو عالم النفس وأعماقه السحيقة ومن ثم الحصول على الثمار الروحية ورؤية ما لا تسمع به أذن أو رأته عين أو ما يدركه عقل إنسان . فبالروح نكشف أعماق الأسرار المخفية .
للمزيد عن هذا الموضوع طالع مقالنا السابق ( مار يوسف مدرسة الصمت والإصغاء ) على الرابط
https://www.ishtartv.com/viewarticle,92307.html
[/size]


57

حيث يكون الأسقف هناك الكنيسة

بقلم / وردا إسحاق قلّو
   بدأ النظام الأسقفي في الكنيسة منذ عهد الرسل ، ففي إنطاكيا تأسست المسيحية على يد الرسولين بطرس وبولس ، وأصبحت مركزاً للإنطلاق إلى آسيا الصغرى وأوربا ، وكان القديس أغناطيوس هو الأسقف الثالث على أنطاكيا في القرن الثاني . أما الأسقفيات الرئيسية فهي ( روما - قسطنطينية - أسكندرية – إنطاكيا – أورشليم ) فكل منها تحتوي على كرسي بطريركية يتبعه عدة أسقفيات أو أبرشيات يرأس كل منها أسقف .
   الله هو مصدر الوحدة ، ويريد الوحدة لكنيسة ، ، لأن يسوع أسس كنيسة واحدة فيجب أن تكون هناك وحدة لأنها جسد المسيح الواحد وهو رأسها . فالإتحاد في الكنيسة الواحدة يربط ويجمع بين المسيح والمؤمنين كافة . وبين المؤمن والمؤمن الآخر . وكذلك الكنائس في ما بينها . وهكذا يكتمل سر الوحدة الإلهية . والوحدة هي نتيجة المحبة بين المؤمنين . وهذه الوحدة يجب أن تؤسس على نظام أسقفي يخضع إليه الجميع . لهذا كتب القديس أغناطيوس عن وحدة الكنيسة وتركيبها فقال ( حيث يكون الأسقف ، هناك الكنيسة ) وهنا يتكلم لاهوتياً عن النظام الكنسي الصحيح ، والوحدة الإلهية السماوية ، فيراها منعكسة في الخليقة كلها وخاصة في الكنيسة المنظمة بإنسجامٍ تام . أن سر الثالوث الإلهي هو مصدر الوحدة المسيحية . وهذه الوحدة تتحقق في جسد الكنيسة المنظور . المجهزة بنظام رئاسي يكون الأسقف على رأسه ، فهو صورة الله الآب الغير المنظور ( التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ص 465 ) . الأسقف هو رئيس الكنيسة المحلية المنظور . يمثل المسيح رئيس الكنيسة الجامعة الغير المنظور . ومن يخالف هذا النظام فأنه يدعو إلى الإنشقاق ، وتقسيم جسد الرب . لأن الوحدة الكنسية المنظمة منذ عهد الرسل ، تتجسد المحبة الإلهية ، وحيث تكون الوحدة الكنسية ، هناك المسيح فعلى جميع المؤمنين أن يحافظوا على هذه الوحدة ويتحاشوا الإنقسامات مقتدين بالمسيح الذي يقتدي بأبيه ويعيش في وحدة دائمة ثالوثية . الله لا يكن حيثما يسيطر الإنقسام والغضب . إنما يغفر لمن يقبلون على التوبة ، شرط أن تفضي بهم توبتهم إلى الإتحاد بالله ، وبمجلس الأسقف ، والأسقف هو برتبة رسول ، وقد كتب : أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل لتنجحوا في كل ما تعلمون . بالجسد والروح ، في الإيمان والمحبة . ، في الإبن والآب والروح . في المبدأ والغاية ، مع أسقفكم الوقور ، وتاجكم الروحي الثمين ، أي لفيف شيوخكم ( الكهنة ) ومع شمامستكم القديسين . إخضعوا للأسقف وليخضع بعضكم للبعض الآخر ، كما أن المسيح ، في الجسد كان خاضعاً لأبيه ، والرسل للمسيح وللآب والروح . حتى يتم الإتحاد معاً في الجسد والروح . كما كتب ( متى خضعتم للأسقف كما للمسيح . لا تعيشون كسائر الناس ، بل يحسب من مات لأجلكم تعيشون . فيجب أن نخضع ونسلك بإتفاق مع الأسقف لأنه رسول المسيح في كل الدهور . أما طاعة الكهنة فهو واجب للإنسجام من خلالهم بالأسقف ، كإنسجام الأوتار والقيثارة ، وهكذا بإتفاق الشعور ، وتناغم المحبة ، تنشدون ليسوع المسيح ).
   بشهادة التقليد الكنسي ، وظيفة الأسقف تم استلامها في خلافة مستمرة متصلة منذ بدء المسيحية ، أي من زمن الرسل الأطهار ، ومن خلالهم انتقل الزرع الرسولي إلى الأجيال اللاحقة . فالمسيح الذي أغنى رسله بفيض خاص من الروح القدس عندما نفخ عليهم بعد قيامته من بين الأموات ، هم نقلوه إلى غيرهم بوضع الأيدي فسلموا إلى معاونيهم موهبة الروح القدس التي انتقلت إلينا حتى يومنا بطريقة السيامة الأسقفية التي هي ( ملء سر الكهنوت ) المسنى ( الكهنوت الأعظم وذروة الخدمة المقدسة ) ، فكل أسقف بصفته نائباً للمسيح يرعى الكنيسة التي وكلت إليه مسؤلية الخلافة بفعل تنصيب إلهي بمسحه بالزيت المقدس ووضع الأيدي ، وبعدها يسّلِم ( 1- الكتاب المقدس . 2- الخاتم الأسقفي . 3- التاج 4- عصا الراعي رمز مسؤولية الرسولية في التبشير بكلمة الله وأمانته للكنيسة عروس المسيح ) .
 الأسقف هو المسؤول عن كل الأسرار الكنسية يعاونه الكهنة الحاصلين على وسم الكهنوت الذي لا يبلى ، وهم أعوان للأساقفة .
   مهمة الأسقف هي قيادة الكنيسة كراعي ، ورسامة الكهنة والشمامسة ، وإعداد الزيت المقدس لسّرَي التثبيت  ، ومسحة المرضى ، توَزَع على كل خورنات الأبرشية .
  منذ العهود الأولى مورس سر الكهنوت على درجات ثلاثة وهي : 1- الأساقفة 2- الكهنة 3- الشمامسة ( طالع " 2 تي 6:1 " و : من رغب الأسقفية تمنى أمراً عظيماً "  1تي 1:3 " ) . قال ببولس الرسول للأسقف تيطس ( تركتك في كريت لتتم فيها تنظيم الأمور وتقيم كهنة في كل بلدة كما أوصيتك ) " تي 5:1 " فالطوائف التي ألغت هذا النظام خالفت تعاليم الأنجيل المقدس لأن بدون أساقفة ( لا وجود للكنيسة ) طالع كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ص 475 .
   ليبارك الراعي الأعظم يسوع المسيح كنيسته المقدسة ويحفظها واحدة  موحدة وهو رأسها .
 


58

جريمة إنتقام الإخوة من أخوتهم
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  ( لي الإنتقام ، أنا أجازي ، يقول الرب ) وأيضاً ( الرب يدين شعبه ) " عب 30:10 "
كل إنسان مدعو إلى المحبة ، فمن فيه المحبة يتصرف بعقل ولياقة . لا يثير سريعاً ، بل يتأنى ، ويتحمَل ، ويستر أخطاء الآخرين من أجل المحبة ، لأن المحبة يجب أن لا تسقط عند الإنسان ، بل أن يصونها لكي لا تضعف وتتحول إلى البغض ، والكراهية ، ومن ثم إلى العداوة والإنتقام ، أي لكي لا يتدرج في السقوط والإبتعاد عن الوصايا .
   المحبة تبدأ من أفراد العائلة ، بين الأخوة أولاً ، ومن ثم تتوسع لتشمل الغريب ، وكل غريب هو قريب للمؤمن وحسب الوصية ( أحب قريبك كنفسك ) فعلاقة الأخوة فيما بينهم يجب أن تكون النموذج الأقوى فعلى الأخ أن يتحمل أخيه ولا يسمح للتجربة أن تفسد تلك العلاقة المقدسة بسبب الغيرة والمصالح والحسد والتي تنال من الطبيعة البشرية الحقيقية فتحوِّل كثير من من الأخوة إلى أعداء ، كما حصل بين الأخوة في العائلة الأولى وكما دوّنَ لنا سفر التكوين إنتقام قايين من أخيه هابيل فقتله غدراً بسبب غيرته وحسَدَه وبدون أي مبرر ، فقط لقبول الله ذبيحة أخيه ، ورفض ذبيحته ، أي لم يكن لأخيه اي ذنب ، بل كان إنساناً باراً ، وقد نبهه الله لخطيئته ، لكنه لم يكترث ، أو يفهم بأن ( ذبيحة الشرير مكرهة الرب ) " أم 15 " فالله لا ينظر إلى نوع الذبيحة وقيمتها المادية ، بل إلى قلب مُقَدِم الذبيحة ، هل قدمها بفرح وإيمان نقي ،  ومن أفضل ما لديه لكي تليق بمقام الرب ؟
 عبر لنا كاتب سفر العبرانيين ، فقال ( بالإيمان قرب هابيل لله ذبيحة أفضل من تلك التي قدمها قايين ، وعلى ذلك الأساس ، شهد الله بأن هابيل بار ، إذ قبل التقدمة التي قربها له . ومع أن هابيل مات قتيلاً ، فأنه ما زال الآن يلقننا العِّبَر بإيمانه ) " 4:11 " .
   وفي سفر التكوين أيضاً تحول الأخوين عيسو ويعقوب إلى أعداء بسبب موضوع البكورية التي احتقرها عيسو إمتيازاتها فباعها بأكلة عدس ( 34:25 ) لكن عندما أعطيت لأخيه في حينها ، بدأ يتوسل بأبيه باكياً ، فقال ( ألك بركة واحدة فقط يا أبي ؟ ) فأجهض في حينها بالبكاء ( 38:7 ) فحقد عيسو على يعقوب وصمم لقتله ، فتحولت المحبة إلى العداوة بين الأخوين واستمرت بينهما عقود ، بل دامت بين نسليهما ، اي بين بني أسرائيل وبني أدوم أجيالاً . تحدث لنا عوبديا في سفره في القرن السادس ق.م بأن الله أوصى إليه بشأن خراب أدوم التي تآمرت على دمار أورشليم سنة 856 ق. م وهم من نسل عيسو الذين اساءوا إلى أبناء عمومتهم بسبب إنضمامهم إلى الأعداء فنهبوا أورشليم . تقول الآية ( فمن أجل ما أنزلت بأخيك يعقوب من الظلم ، يغشاك العار وتنقرض إلى الأبد ) " عو 10:1 " .
   أما المثال الثالث عن العداوة بين الأخوة بسبب الغيرة والحسد ، فنقرأ في سفر التكوين أيضاً عن خطة الأخوة الأسباط الذين ناصبوا العداء لأخيهم يوسف فخططوا لتصفيته فبدأوا أولاً بإلقائه في البئر ، ثم بيعه عبداً لقافلة الإسماعيليين المتوجهة إلى مصر بعشرين قطعة من الفضة ودفعهم الحقد إلى الكذب على والدهم بتقديم قميصه الملون المغموس بدم التيس المذبوح لكي يخفوا جريمتهم ( تك 37: 31-33 ) .
ليكن سلام المسيح بين الأخوة المؤمنين وفي العالم أجمع


59

الفنون التشكيلية والعمرانية في الكنيسة البيزنطية

بقلم / الفنان التشكيلي وردا إسحاق قلّو
https://a.top4top.io/p_2017s7dgq1.jpg
كاتدرائية الحِكمة الإلهية (  آية صوفيا )
       الحضارة البيزنطية حضارة عظيمة بفنها وعمرانها وأدبها وسياستها وقوانينها . إزدهرت هذه الحضارة وتطورت فبدأت فترة الفن البيزنطي المبكر من عهد يوسطينيانوس في القرن السادس ، وذلك مع مجمع القسطنطينية سنة 553م ، أما الفترة المتوسطة للفن فبدأت من 634- 1071م . وفترة إزدهاره كانت في عهد سلالة المقدونيين ( 867 – 1453 )  .
   العهد البيزنطي هوعهد الأمبراطورية البيزنطية التي تمثل الجزء الشرقي من الأمبراطورية الرومانية ، أزدهرت حضارة البيزنطينيين بعد إعتراف الملك قسطنطين بالمسيحية عام 313م واستمرت إلى سنة 1453 وهي سنة سقوط العاصمة قسطنطينية بيد السلطان العثماني محمد الفاتح الذي أمربسلب كنوزها وضرب الحضارة البيزنطينية ، فأنتهت فترة الفنون التشكيلية  .
بدأت الفنون التشكيلية تتطور بعد دخول الأمبراطورية في المسيحية ، وامتدت لأكثر من ألف سنة ، لجأ إلى هذه الأمبراطورية آلاف الفنانين التشكيليين من إيطاليا هروباً من العصور المظلمة البربرية فأنشأوا الفن البيزنطي كنمط جديد في الفن والخاص برسم الأيقونات ، أي أن الفن البيزنطي هو مزيج من الفن الروماني والهليلنتسي وفنون بلدان الشرق الأوسط . صار فن رسم الأيقونات أكثر استخداماً في كل الكنائس الأرثوذكسية ولحد هذا اليوم .
   تأثرت الحضارة البيزنطية على النهضة الأوربية ، بدأت وبرزت الحضارة البيزنطية من الروح اليوناني القديم ، فنهض فن العمارة ، والفنون التشكيلية في الكنيسة البيزنطية التي سميت ( كنيسة الروم الأرثوذكس ) ومنذ سنة 1911م أتـحد قسم صغير منها مع روما بإسم ( كنيسة الروم الملكية ) .
  أسس الأمبراطور قسطنطين العاصمة التي سميت بأسمه ( القسطنطينية ) وذلك في عام 330 وبقي هذا الأسم حتى بعد إحتلال الأتراك لها وبعد ذلك تحول أسمها إلى إسطنبول والتي  تعني ( نحو المدينة ) ويرجع أسم أسطنبول إلى الكلمة اليونانية :   
 
(  Constantinople ) 
  في سنة 395 كُرِست هذه المدينة لتصبح بمثابة روما الجديدة ، وأصبحت العاصمة الشرقية للإمبراطورية ، وحصلت كنيستها على الدرجة الثانية بعد بروما في تسلسل الكنائس البطريركية الخمسة ( روما – القسطنطينية – الأسكندرية – إنطاكية – أورشليم ) .
   أهتم الأباطرة البيزنطينيين بهذه المدينة فشيدوا له أسواراً دفاعية قوية وجميلة  ، مع باب ذهبي ، وتزينت بقصور وكنائس بهية ، وكانت تسمى كنيستهم ب ( أم الدين الصحيح للمسيحيين ) . ومن الصروح العظيمة التي تم تشيدها في العاصمة هي كنيسة الحكمة الألهية ( كنيسة آية صوفيا ) وصوفيا هو أسم راهبة قبطية قتلها الأمبراطور أقلوديوس في مصر ، فأمر الملك قسطنطين بنقل جسدها إلى القسطنطينية وبنى لها تلك الكنيسة العظيمة بإسمها . وكانت تلك الكاتدرائية العظيمة مقر لبطريركية القسطنطينية قبل الغزو العثماني ، وبعده تحولت إلى مسجد ، ثم إلى متحف بأسم ( أجيا صوفيا ) أي آية صوفيا ، وأخيرا تحولت إلى مسجد .  كما تم بناء كنائس كثيرة وصل عددها إلى 485 كنيسة  صممت تلك الكنائس من قبل مهندسين معماريين أكفاء ، ومنها كنيسة ( السلام ) في عهد قسطنطين ، وكذلك كنيسة ( الرسل ، ومئات الأديرة ومنها دير ( الآكوميطي ) أي الساهرون ، ودير ( السطوديين) ،  وعندما بلغ عدد سكان المدينة 400 ألف شخص أزدهر الفن البيزنطي بأعمال فنية تشكيلية نفذت بالفسيفساء والزجاج وأحجار كريمة ، ورسمت أيقونات كثيرة في العاصمة ، ووصلت هندسة عمران الكنائس إلى قمتها عندما تم بناء كنيسة الحكمة في موقع الكنيسة الكبرى ، هندسها المهندسَين ( آنثيموس من طرالي وأيسيدوروس من ميلطي ) وتعتبر هذه الكنيسة ألأجمل والأعظم . كما كان هناك كنائس أخرى مشهورة ككنيسة ( بلا خزنة ) التي حُفِظَ بها رداء مريم العذراء وأيقونتها كالمصلية حاملة عمانوئيل والمحافظة على المدينة .
   سليمان الملك بنى الهيكل في أورشليم سنة ألف ق.م والبيزنطينيون نجحوا ببناء كنيسة الحكمة الإلهية والتي تبدو وكأنها جبل معماري روحي يحمل أعظم قبة سماوية على الأرض بالأمتار :
 . وفي يوم تكريس الكنيسة سنة 547 رفع الأمبراطور يوسطينيانوس يديه نحو السماء  75 في X) 71)
وصرخ قائلاً :
 ( المجد والحمد لله العلي ، الذي سمح لي بإكمال هذا العمل الفريد ، يا سليمان ، لقد إنتصرت عليك ) . ساعدت المملكة كلها بتقديم أروع مرمر ، والمذبح الذهبي المُزين بالجواهر ، والأعمال الفسيفسائية على الجدران ، وفعلاً الفن البيزنطي يجمع بين الأرض والسماء في إنسجام كامل ، حيث يعبر عن الإيمان بالله المحب للبشر . لقد تأثر هذا الفن في الشرق كله ، وعلى الغرب في عهد السلالة الأوطونية وخاصة في بداية النهضة الأيطالية .
   أما عن فن الأيقونات البيزنطية فهذا الفن يمتاز عن بقية مدارس وأنواع الرسم . إنه فن عريق وله قوانينه الخاصة ، ويمكن إعتباره الأصعب بين مدارس الرسم الكثيرة ، يصعب ممارسته لأنه يحتاج إلى خبرة وممارسة وتدريب فعلي ليصبح للفنان دراية في هذا النوع من الرسم . كما كان يستخدم فيه مواد طبيعية ، وألوانه تسمى التمبرا . رسمت أيقونات كثيرة لمواضيع مختلفة ومن أشهر تلك الأيقونات هي أيقونة ( أم الله ) أو ( أم المعونة )  المنقوشة على خشب والموجودة في القسطنطينية . كانت تلك اللوحة تحظى بأحترام فائق وشهرة واسعة لكثرة المعجزات التي صنعتها .
الغاية من رسم الأيقونة
      الأيقونة ليست للعبادة ، بل العبادة والسجود تقدم للثالوث الأقدس وحده . أما الأيقونة أو أي عمل فني داخل وخارج الكنيسة فما هو إلا تعبيرعن تكريم لصاحب الأيقونة ، وكل القديسين هم متحدين بالمسيح الإله في جسد واحد ، لهذا يليق بهم التكريم . وبتكريمهم نكرم المسيح الذي أعطاهم نعمة القداسة .  فبالأيقونة أو أي عمل فني آخر نُعبّربه عن تكريمنا  وليس عن عبادتنا . الأيقونة لوحة فنية جميلة تجذب الأنظارنا كالنافذة التي تقود أنظارنا إلى العالم المنظور ، فالأيقونة أيضاً نعتبرها نافذة بين عالمنا المرئي وبين عالم السماء ، فالبعدان إذاً للأيقونة والسماء مرتبط إرتباطاً حميماً كعلامة لتجديد صورة الله المتجسد في الإنسان . أي إنها نقطة لقاء بين الإنسان وأسرار السماء . والأيقونة أيضاً وسيلة لقيادتنا لفهم أسرار الله ، فكما نُقل كلام الله إلينا بالكتابة المكتوبة في كتبه المقدسة ، أو بالوعظ ، فالأيقونة أيضاً تُعبرعن المُعبِّر عنه ، والتجسد هو أساس رسم الأيقونة ، فبالتجسد رأينا صورة الله الغير المنظور في الإنسان يسوع الإله المنظور ، وكما قال يسوع ( من رأني رأى الآب ) ويسوع هو كلمة الله المكتوبة أيضاً ، وكذلك المرسومة ، لأن الصورة المنظورة تقدم للمشاهد مساعدة في تحقيق المشاركة في عبادة الله وفهم أسراره ، لهذا السبب عبّرَ القديس يوحنا الدمشقي برأيه عن أهمية رسم الأيقونة ، فقال ( إن لم يكن لدي كتب ، فإني أذهب إلى الكنيسة .. فأن المرسوم تجعلني مفتوناً كما تفعل الأرض المعشوشبة والمزهرة ، فتحرك مجد الله في روحي ) . هذا هو تعبير القديس الكبير عن الكلمة المكتوبة والمنقولة عبر السمع من خلال الوعظ والرسم الصامت والظاهر من خلال الصوّر .
وبنفس الهدف قال القديس نيلوس السينائي ( الذين لا يحسنون القراءة يمكنهم تذكر تصرفات خدام الله من خلال صوَر العهدين القديم والجديد ، وأيضاً يمكنهم السعي لمشابهة هؤلاء القديسين الذين استبدلوا الأرض بالسماء مفضلين غير المنظور على المنظور . ) .
  أما رأي القديس فوتيوس القسطنطيني عن هذا الموضوع ، قال ( كل من يقول أنه يحب الكتاب ويكره الأيقونة يكون مجنوناً ولا منطقياً . فإننا نقبل التعليم المأخوذ من الصورة تماماً كما نقبل نفس التعليم الآتي من خلال الكلمات المكتوبة . نتقبل المواعظ بسمعنا ، وكذلك نتسلم الشكل من خلال النظر ، كلاهما ينقل الحقيقة ذاتها ولكن بطرق مختلفة )  .


ومن القوانين الخاصة بالرسم الأيقونى نذكرالآتي :
1-   إستخدام علامات ورموزهندسية
2-   البساطة في الألوان فلا يبغى الجمال أو المبالغة في تدرج الألوان .
3-   تجاوز قوانين المنظور
4-   عدم الأهتمام بالتشريح
5-   عدم الأهتمام في توزيع نسب الكتل والمساحات في اللوحة لأن الفنان يركز على الجانب الروحي ليعطي للوحة القدسية والرهبة والتقوى
التي تخدم الإيمان .
6-   لنقاد هذا الفن قوانينهم الخاصة بهذا النوع من الرسم الصوفي .
في فترة ما بين 717-842م ظهرت حرب الأيقونات مع مجمع نيقية الثاني سنة 787 فخلال فترة تحطيم الأيقونات تكوَّنَ لاهوت الصورة من قبل المفكرين الكبار مثل نيكوروس ، ويوحنا الدمشقي ، وثيودويوس السطوديتي على اساس واقعية التجسد ، والإتفاق والمطابقة بين الصورة والمصوِّر بها ، وكان اللوغس بتواضعه حضر فيها حضوراً سرياً حقيقياً . وضع جرمانيوس القسطنطيني (733) تفسيراً في الطقس ، وهو التفسير الطقسي الأول ، وطبق فيه التدبير الخلاصي ، وبالخصوص مراحل حياة المسيح التاريخية على الرتب الطقسية كأنها تمثلها مرة ثانية ، وقدم الصورة والكلمة كوسيطتي للخلاص .
   أزدهر الفن البيزنطي بين القرنان العاشر والحادي عشرفبنيت كنائس عظيمة مشهورة مزينة بأعمال فسيفسائية ورسومات جدارية وأيقونات في ( دير هوسيوس لوقاس ، نيا موني في خيوس ، كنيسة دافني ... ) وأثر التعليم عن لاهوت الصورة أيضاً في تفسير الطقوس . هكذا كتب في الموضوع نيقولا وثيودور من آنديدا ( القرن 11 ) تفاسيراً في الطقس ، حيث شدد أكثر على المطابقة بين الأفخارستيا وبين آلام المسيح التاريخية ، مع تطبيق مراحل حياة المسيح على الرتب الطقسية المختلفة في هذه الفترة شكلت أيضاً أيقونة ( تناول الرسل ) و ( طقس الآباء ) كما ألف خلال هذه الفترة سمعان اللاهوتي الجديد ( 949-1022 ) أناشيده وتعليمه الروحي .
إلى اللقاء في مقال أخر عنوانه ( عناصر الفن الغوطي في أوربا )
[/size]
 

60

الحياة الجديدة في الدهر الآتي ( الجزء الثاني )
بقلم / وردا إسحاق قلّو

بعد تناول الموضوع في جزئه الأول وكما في الرابط التالي ننتقل إلى الجزء الثاني
https://ankawa.com/forum/index.php/topic,1019941.0.html

 الحياة الجديدة في الدهر الآتي ( الجزء الأول )

     جاء يسوع إلى الأرض في ملء الزمان ( غل 4:4) وبَشَرَ بالملكوت ، فبدأت الأزمنة الأخيرة . وبقيامته من بين الأموات بدأ الدهرالآتي ، فالذين يؤمنون به ويعتمدون باسمه القدوس يشتركون في الخلاص الذي إقتناه لنا ، فالدهر الآتي الذي ننتظره قد بدأ لنا ، بل نعيشه لأنه حاضر في أسرار الكنيسة وحياتها . إنه زمن الكنيسة ، ولكن هذا الزمن يبقى مشدوداً إلى نهايته ، حسب قول مار بولس ( لأننا نِلنا الخلاص ، ولكن في الرجاء ، فإذا شوهد ما يرجى بطل الرجاء ، وكيف يرجو المرء ما يشاهده ؟ ولكن إذا كنا نرجو ما لا نشاهده فبالصبر ننتظره . ) ” رو 8: 24-25 ” . ولتحديد النهاية نقول : دينونة الله لمن آمن قد تحققت على الصليب بموت إبنه . فساعة موت يسوع على الصليب هي في آن معاً ساعة دينونة العالم . ( فمن آمن به لا يدان ، ومن لم يؤمن به دينَ منذ الآن … ) ” يو 18:3 ” .  كتب عن تلك الساعة يوحنا في إنجيله وقال ( اليوم دينونة هذا العالم . اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج . وأنا إذا رفعت من الأرض ، جذبتُ إليّ الناس أجمعين ) ” 12: 31-33 ” وستمتد تلك الدينونة بعد موته إلى أن تبلغ ذروتها في يوم القيامة حيث ستزول هيئة هذا العالم ( ا قور 31:7) فمجيئه الثاني سيكون عقاب الغير المؤمنين ، وتكون نهاية الأزمنة ( رؤ 12:20 ) .
    بعد قيامة أجساد الموتى يلاقي جميع المؤمنين الرب ، والأحياء أيضاً بعد أن تتحول أجساد الجميع إلى أجساد غير قابلة للفساد ( للمزيد طالع 1 قور 15: 51-53 ) بعد ذلك سيحلون في موطنهم السماوي كما تقول الآية ( أما نحن فموطننا في السموات ومنها ننتظر مجيء المخلص يسوع المسيح الذي يبدِّل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد بما له من قدرة يخضع بها كل شىء ) ” في 3: 20-21 ” . سيتم التحول في عالم غير محسوس يتخطى عالم الزمن والمادة ، والذي لا يمكن لعقلنا المادي الخاضع للزمن المحدود أن يدركه إدراكاً واضحاً وكاملاً لذلك يلجأ بولس الرسول إلى أسلوب التشابيه والتصاوير لكي يعبر لنا عن مصير أجسادنا ( طالع 1 قور 15: 35-44 ) .
   أن الروح الساكن فينا هو العربون الذي نستند إليه لنشترك في قيامة المسيح بعد الموت ، وإشتراكنا معه يتم على مرحلتين ، على هذه الأرض عندما نعبر من باب الموت إلى الحياة الجديدة عند العماد ، فننتقل من الموت إلى الحياة في هذا العالم عندما نولد ولادة جديدة .
وفي اليوم القيامة ستشمل الرجاء لجسدنا نفسه . في إنجيل يوحنا نلتمس هذه الحقيقة بوضوح ، يقول الرب ( الحق الحق أقول لكم : إنها تأتي الساعة ، وما هي ذي حاضرة ” تلك هي المرحلة الأولى على هذه الأرض “ التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله ، والذين يسمعون يحيون ” ) وهنا يعني الأموات بالخطيئة ، وإن كانوا أحياء على الأرض . ثم يضيف مشيراً إلى المرحلة الثانية بقوله ( إنها تأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته فيخرجون منها ، فالذين عملوا الصالحات ينهضون للحياة ، والذين عملوا السيئات ينهضون للدينونة ) ” يو 5: 25-29 ” . فالحياة الأبدية إذن تبدأ من هذا الدهر ، ونعيشها ، ونرجوها للدهر الآتي ، هي الحياة مع المسيح ، ومن خلاله مع الله ، تلك العلاقة الحميمة التي يريدها الله إنشاءها مع الإنسان في الكنيسة مع كل ما فيها من أسرار مقدسة وطقوس ليتورجية . فمع الله هو مستقبل الإنسان حتى على هذه الأرض لأن ( به نحيا ونتحرك ونوجد ) ” أع 28:17 ” فدعوة بعض الأيديولوجيات العلمانية كالماركسية الملحدة إلى بناء مستقبل للإنسان بعيداً عن الله فما كان إلا تجديد قول الشيطان للإنسان عندما قال لحواء ( أن أكلتما من شجرة معرفة الخير والشر تصيران كآلهة ) كذلك تصميم الإلحاد لن يصل إلا إلى كشف عري الإنسان وعجزه عن بلوغ المعرفة والسعادة خارجاً عن الله . فبعد الفشل عادت روسيا إلى أحضان الكنيسة لتعترف بخطاياها ، وهكذا يجب أن يفعل الغرب الملحد الذي ترك الإيمان . وأن رسالة الكنيسة تظهر للبشر بما صنع الله لخلاص الإنسان العريان ، شرط أن يعترف بضعفه وأخطائه كما فعلت روسيا .
   أما عن رجاء المسيحي في الدهر الآتي بعد الموت فهو الحياة مع الله ( ثم نرفع معهم في السحاب ، نحن ألأحياء الباقين ، لملاقاة الرب في الفضاء ، فنكون كل حين مع الرب ) ” 1 تس 17:4″ . وفي سفر الرؤيا نقرأ ( هوذا مسكن الله مع الناس ، سيسكن معهم ، ويكونون له شعباً ، وهو الله معهم يكون إلههم ) وهذه هي أعظم مكافأة للإنسان ، وهذا هو فرح الحضور الدائم مع الله واللقاء به والتمتع بمشاهدته ، إنه مبدأ كيان الإنسان وغاية وجوده . هذه هي أقصى السعادة الأبدية في الدهر الآتي . فالموت لنا ربح لأننا لا نتلاشى بالموت ، بل سنلتقي بسببه مع الله في حياة أزلية . سنصير على مثال الله ، ونعرفه كما يعرفنا ، ونتحد به بوحدة كاملة ، لهذا يقول الرسول يوحنا ( أيها الأحباء ، نحن منذ الآن أبناء الله ، وما كشف لنا بعد عما نصير إليه . نحن نعلم أننا نصبح عند هذا الكشف أشباهه لِأنّا نراه كما هو ) ” 1 يو 2:3 “ . وكذلك سنشترك في مجده ( طالع يو 17: 1-5 ) وهذا يعاكس فكرة من يقولون ( المجد لله وحده ) .
    تعجز عقولنا أن تدرك ما سنناله . سينال الإنسان ما لا نستطيع وصفه وكما قال الرسول بولس ( .. أعد الله للذين يحبونه كل ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر )  ” 1قور 9:2 ” .
   في الفردوس السماوي سيزول كل شقاء عرفناه ، وهناك يجد الحزانى التعزية ، ويشبع الجياع ( مت 5:5-6 )  ولا نوح بعد الموت ، ولا نحيب ،  ولا حرج . لأن الأوضاع الأولى قد مضت ( رؤ 4:21 ) كما هناك في الدهر الآتي المطهر . نقرأ في سفر الرؤيا عندما يتكلم عن الشهداء الذين دخلوا الحياة الأبدية ، فيقول ( بعد أن غسلوا حللهم وبيضوها بدم الحمل ) ” رؤ 14:7 ” فالمقصود هنا هو تطهير كيانهم قبل الإشتراك في حياة الله تطهيراً كلياً ، لان لا شيء نجس يشترك في الحياة مع الله . فالمطهر هو تهيئة للدخول في فرح الحب الأبدي . لا يجوز الدخول إلى العرس بملابس رثة . والرسول بولس أيضاً يتحدث عن تلك التنقية فيقول ( من أحترق عمله فسيخسر ، أما هو فسيخلص ، ولكن كمن يمر في النار ) ” 1 قور 15:3 ” علماً بأن بولس لم يقصد هنا نار المطهر بل مجرد تشبيه يريد منه التعبير عن صعوبة خلاص الإنسان .
   الفترة الممتدة بين الموت والحياة للمؤمن الآن ، هي فترة تنقية وتحرير وشفاء من الخطيئة . فلا مطهر بعد قيامة المسيح ، لأن المسيح حينذاك سيحرر الجميع ، فصلوات الأحياء والقرابين التي تقدم للراقدين وأسرار الكنيسة المقدسة تشارك المسيح بعمله الخلاصي . نيران المطهر ليست للجزاء ولا عذابات للإنتقام ، بل غاية المطهر هي لبلوغ النضوج ، ولتنقية من كل الشوائب التي تلوث صفاء الروح .
  وفي الدهر الآتي يوجد الجهنم الذي فيه سيسكن الأشرار الذين رفضوا الله ونكروا تعاليم ابنه ووصاياه فعاشوا في الشر والأثم والخطيئة ، ورفضوا الله وكل عمل صالح ، فأعمال الإنسان الشريرة تقوده إلى الهلاك والعذاب . هُم بإرادتهم رفضوا عمل الخير والمحبة وأختاروا طريق الشر الذي يصل إلى الهلاك الذي لا نهاية له . يعتقد البعض بأن نار الجهنم ستنطفي في نهاية الأزمنة ، والشر سيزول ، وسيخلص كل الناس ويعودون إلى حالة النعمة مستندين حجتهم لقول الرسول بولس ( سيخضع الله للإبن كل شىء ، وحينئذ يخضع الإبن نفسه للذي أخضع له كل شيء ليكون لله كلاًّ في الكل ) ” 1 قور 15: 27-28 ” وأول من نادى بهذه النظرية كان أوريجانوس إلا أنه على فكرة ( إعادة كل شيء إلى الله في نهاية الأزمنة ) كما كان يعتقد بأمور أخرى حرمتها المجامع المسكونية ، كالوجود السابق للأنفس وغيرها ، والنقاش سيبقى مفتوحاً أمام اللاهوتيين حول خلاص الخطاة في نهاية الأزمنة وتلاشي نار جهنم ، هما من الأمور التي يمكن أن نرجوها من محبة الله اللامتناهية ، وكما يقول اللاهوتي المعاصر ( أوليقيه كليمان ) إنه أمر يجب أن يكون موضوع صلاتنا ومحبتنا العاملة ورجائنا . فموضوع جهنم ليس موضوعاً إيمانياً . فما هو موضوع إيماننا إذاً ؟ هو أن محبة الله أقوى من كل شرّ ، وحياة الله أقوى من الموت . ليتبارك أسم الله القدوس إلى الأبد

61

الحياة الجديدة في الدهر الآتي ( الجزء الأول )
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( وأقامنا معه ، وأجلسنا في السماوات ، ليظهر في الأجيال الآتية غنى نعمته الفائقة في الرأفة التي أبداها لنا في المسيح ) " أف 2: 6-7 "
كتب لنا الرسول بولس عما رآه وسمعه عندما خُطِفَ إلى السماء الثالثة ( الفردوس ) ، نقرأ ( حيث سمع أموراً مدهشة تفوق الوصف ولا يحق لإنسان أن ينطق بها )
" 2قور 4:12 " .
   الكتاب المقدس تم تدوينه على مدى خمسة عشر قرناً ، والوحي الإلهي هو الذي ألهم كتبة الأسفار لنقل الأحداث ، وكل تلك الأسفار التي بدأت تتحدث عن فترة الخلق إلى يوم مجىء الرب الثاني لكي تنتهي الحياة على هذه الأرض فيخلق الله أرض جديدة وسماوات جديدة ويكون للمؤمنين بالمسيح المصلوب رجاء في عالم الأرواح . إذاً ما هو مضمون رجاء المؤمن  في حياته بعد موت الجسد وفراق الروح ؟ قانون الأيمان النيقي نختمه بعبارة ( الحياة في الدهر الآتي ) فكيف نكشف النقاب عن سر تلك الحياة ؟ علينا أولاً أن نتبع مراحل تطور الوحي الإلهي على مدى العصور . ففي العهد القديم عندما نقرأ الأسفار التي كتبت قبل فترة الأنبياء ، أي في فترة الشريعة ، فلا نجد فيها الرجاء للإنسان بعد الموت . بعد السبي البابلي تأثر اليهود المسبيين بالإعتقادات البابلية بأن نفس الإنسان تنفصل عن جسده وتنزل إلى عالم الأموات ( الجحيم ) مهما كانت صالحة أو شريرة . وهناك حياة تعيسة لا سعادة لأحد ، بل الجميع سيكونون في عالم الأموات . قال الله عن الأموات في " مز 87 : 11-13 " ( لا يصنع المعجزات للأموات ، ولا يحدَّث برحمته في القبر ، ولا بحقه في الجحيم ، حيث الظلمة وأرض النسيان ) لهذا كان رجاء شعب العهد القديم يقتصر على هذه الأرض فقط ، لكن الله قطع مع الإنسان عهداً وأغدقه بوعود إذا التزم بوصاياه ( تث 8 ) فسعادة الإنسان ربطت بأمانته في تطبيق الوصايا ، وقضية جنة عدن وفقدان الأبوين لسعادتهما بعد الطرد ، كانت تعبيراً حياً للإنسان على مدى التاريخ ، أما في فترة الأنبياء فظهرت إعلانات جديدة أعلِنَت من قبل الأنبياء بأن الله سيدين العالم بسبب خطايا الإنسان ، وكشفوا للشعب بوجود يوم الدينونة ( يوم الرب المخيف ) الذي سيكون غضب ، وظلمة ، كما كتب النبي صفنيا ، قال ( قريب يوم الرب العظيم ، قريب وسريع جداً . صوت يوم الرب مُرّ . هناك يصرخ البطل ، يوم حنق ذلك اليوم . يوم ضيق وشدة ، يوم خراب ودمار، يوم ظلمة وديجور. يوم غيمٍ وغمام مظلم ، يوم بوق وهتاف على المدن الحصينة ، وعلى بروز الزوايا الشامخة . . . ) " 1: 14-18 " .
هكذا أكدوا الأنبياء بأن الأرض ستترك خراباً ، ويبيد الخطاة . والكواكب لا تبعث نوراً . والشمس تظلم في خروجها . والقمر لا يضيء نوره . تلك الصورة انتقلت عبر الأجيال من فترة الأنبياء إلى سفر الرؤيا حاملة المعنى ذاته وهو أن دينونة الله آتية لا محال ، فعلى الإنسان التوبة عن خطاياه ، والتوبة إلى الله من القلب والمحافظة على عهده ووصاياه.
  أما الحياة بعد الموت في منظور الأنبياء فيشير إلى الرجاء ويتخطى الفردوس الأرضي والحياة في هذه الأرض إلى حياة جديدة في الآخرة ، فيصف إشعياء النبي الحياة بعد الموت قائلاً ( فيسكن الذئب مع الحمل ، ويربض النمر مع الجدي ، ويكون العجل والشبل وكل حيوان معلوف معاً ... ) " أش 11: 1-9 " ، والكون كله سيستنير ( ويصير نور القمر كنور الشمس ، ونور الشمس يصير سبعة أضعاف ، كنور سبعة أيام ، يوم يجبر الرب كسر شعبه ، ويشفي جرح ضربته ) " " أش 26:30 " ( ويخلق الله سماوات جديدة وأرض جديدة ، ويخلق في أورشليم أبتهاجاً ، وفي شعبها سروراً ، ويبتهج بأورشليم ويسر بشعبه ، ولا يسمع فيها من صوت بكاءٍ ولا صوت صراخٍ ... ) " أش 65 : 17 -25 " ويبيد الرب الموت على الدوام ، ويمسح الدموع الفردي بعد الموت بعد أن بقي الأنبياء لفترة طويلة يعتبرون الجزاء أمراً جماعياً . لكن بعد سقوط أورشليم كتب حزقيال عن الجزاء الفردي ، فقال ( النفس التي تخطأ هي تموت ) " 4:18 " وهكذا تطورت الفكرة في فترة المزامير لكي يكتب عن الرجاء بالحياة مع الله بعد الموت ، فنجده بوضوح في " مز 16: 8-11 " يقول ( جعلت الرب أمامي في كل حين ، فإنه عن يميني لكي لا أتزعزع ، لذلك فرح قلبي وابتهج نفسي حتى جسدي أستقر في أمان . لأنك تترك في مثوى الأموات نفسي ، ولن تدع صفيك يرى الهوة . ستبين لي سبيل الحياة . أمام وجهك فرح تام ، وعن يمينك نعيم على الدوام ) .
  نشأ الإيمان بالحياة مع الله بعد الموت من خبرة روحية أختبرها الصديقيون في حياتهم الأرضية مع الله ، كما آمنوا بوجود حياة دائمة مع الله ليس فيها الموت ، بل الخلود الأبدي لأن إله الخير لا يمكن أن يترك الشر يسيطر على الإنسان إلى الأبد وهكذا نشأت فكرة الحياة في الدهر الآتي بوضوح في سفر المزامير وأسفار الحكمة . أما عن الجحيم فيعنى به مكان الهالكين . أما الحياة للصديقين في الدهر الآتي فتقوم مع الله ، وهكذا تطورت الفكرة من مصير الإنسان بعد الموت والتي ستحدد وفقاً لما عمله في حياته فيجازيه الرب بحسب إيمانه وأعماله النابعة من محبته . يسوع في العهد الجديد وضع حداً لتلك التصورات المعهودة لدى مستمعيه فيتحدث إليهم عن موضوع قيامة الأموات ، وهلاك الفاجرين في جهنم النار ، وأنتقال الصديقين من الهاوية إلى النعيم الأبدي . فنفوس الصديقون من أبناء العهد القديم  قال عنهم بأنهم عاشوا في الهاوية في حضن أبراهيم . كما تنبأ الأنبياء عن زمن جديد يملك فيه الله على البشر ويضع لهم عهداً جديداً ويغفر خطاياهم ويفيض في قلوبهم الروح القدس ، وهذا الزمن تم بمجيء المسيح الإله وتبشيره بالملكوت ، فقال عنه يسوع ( لقد تم الزمان ، واقترب ملكوت الله ، فتوبوا وآمنوا بالأنجيل ) " مر 1: 14-15 " . فالملكوت لايظهر بعلامات خارجية باهرة على الصعيد الكوني في الشمس والقمر والنجوم ، بل في داخل الإنسان عندما يملك الله في قلبه ، وهكذا تبدأ الملكوت في قلب الإنسان ليعيشه من هذه الأرض . وبالإيمان وحده يستطيع الإنسان أن يشاهد الملكوت قبل الموت أيضاً كما شاهدوها الرسل الثلاثة وحسب وعد الرب لهم ( الحق أقول لكم : أن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يعانون ملكوت الله آتياً في قدرة ) " مر 1:9" ورأوه فعلاً الرسل الثلاثة على جبل التجلي ، ورأوه قديسين كثيرين في حياتهم الأرضية . إذاً الدهر الحالي والآتي كلاهما موضوع رجاء الإنسان ، فالمسيح يشمل الدهرين لأنه رجاء للفرد والجماعة في تحقيق الملكوت ، فكنيسة المسيح هي موضوع تحقيق الرجاء الجماعي ، وهي الشكل الحاضر لملكوت الله . فردوسنا يبدأ من هنا ، أما العقاب فهو بعد الموت مباشرةً وبحسب قول الرب في مثل لعازر والغني ( طالع لو 16: 19-31 ) وكذلك قوله لمصلوب اليمين ( اليوم تكون معي في الفردوس ) " لو 34:23 " لهذه الأسباب يجب أن لا نفهم موضوع مجىء المسيح الثاني وقيامة الأموات ونهاية العالم على الصعيد الزمني بقدر ما يجب النظر إليه على صعيد القرب النفسي والأستعداد لملاقاة العريس بعد الموت مباشرةً ، وذلك بالتوبة والمصالحة والإيمان بكلمات الإنجيل ( طالع مت 24 ومر 13 ) لذلك على المؤمن أن لا يفكر كالخاطئين بيوم الدينونة ، لأن لا دينونة للمؤمنين الصالحين ، بل عليهم فقط ان يثقوا بأقوال مخلصهم الفادي الذي قال عن نفسه عندما يرتفع على الصليب يجذب إليه الجميع ليخلصهم . أما الذين يرفضونه فيدانون . يسوع أعلن وهو على الصليب أن كل شىء قد تم  بموته ( يو 30:19 ) وأنه بدأ للعالم زمن الدينونة وزمن الخلاص وتلك هي الأزمنة الأخيرة للإنسان . فالخلاص على الصعيد الشخصي هو الدخول في علاقة شخصية حميمية مع الله ( رو 5:5 ) هكذا ننتقل من الآن من الموت إلى الحياة ( 1يو 14:3 ) لذلك لا يقتصر الرجاء المسيحي على إنتظار عالم آخر يتحقق بعد الموت وحسب ، بل على تغيير وجه هذا العالم ليصيرعالماً آخر يسوده الحب الطاهر والمساوات . والدهر الآتي الذي نرجوه ونسعى لكي يأتي ليطهر كل شىء .
إلى اللقاء في الجزء الثاني والأخير .


62

إستعدادنا ليوم موت أجسادنا والقيامة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( فإن كنا قد متنا مع المسيح ، نؤمن إننا سنحيا معه ) " رو 8:6 "
     الموت هو نهاية لأجسادنا الترابية لكي تنحل إلى عناصرها فتعود إلى الأرض التي أخذت منها " تك 19:3 " . وما دام للأجساد زمناً محدداً للحياة ، فالموت يعلن نهايتها لكي تخرج الروح وتتحرر إلى حياة أخرى ، وحتى الرب يسوع خالق الأجساد الذي تجسد بيننا متخذاً له جسداً بشرياً قد ذاق الموت على الصليب ، وكانت كلمته الأخيرة ( يا أبيِ ، في يديك أجعل روحي ! ) " لو 46:23 " مات وظل في جوف الأرض ثلاثة أيام ، ثم قام بجسد ممجد لا يقبل الإنحلال . ففي موته وقيامته رسالة مهمة للبشرية كلها ، بأن هذه الحياة لا بد أن تنتهي بالموت ليبدأ فجر جديد لحياة جديدة وعالم جديد . فموت الجسد هو الموت الأول . أما الموت الثاني فهو الموت الأبدي بالأنفصال عن الله بسبب الخطايا التي اقترفها الميّت أثناء حياته ، لهذا تقول الآية ( آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلاهكم ) " أش 2:59 " والموت الثاني هو الموت الأبدي ومصير الميّت سيكون في بحيرة النار والكبيرت ( طالع رؤ 10:20 ، 14،15 ) .
     في مرحلة موت جسد الإنسان وخاصة الساعة الأخيرة يعيش المحتضر في حالة حرجة ، أفكاره قلقة متجهة نحو عالم آخرمثيرومخيف فيشعر بالخشية من مصيره ، فيداهمه القلق بسبب تفكيره بالخطايا التي اقترفها في حياته وبملء إرادته وحريته . فمقدار الخوف في تلك الساعة يقاس بالإيمان وطهارة النفس التي يمتلكها الإنسان . فالقديسين يفرحون في ذلك اليوم فتظهرعلامات الفرح والبهجة في وجوههم المبتسمة لثقتهم المطلقة بالله ووعوده ، لهذا يقول المزمر ( عزيز عيني الرب موت أتقيائه ) " مز 15:116 " . عكس الملوث جسده بالخطايا فلا بد أن يشعر بالذنب فيتذكر في تلك اللحظات كل ذنوبه فيداهمه الخوف لأنه كان منغلقاً على محبة ذاته وشهواته وأنانيته وبعيداً عن الله فيعيش لحظات القلق حتى ساعة موت الجسد لكي يدخل في مرحلة الموت الثاني ، وهي الموت الأبدي للروح .
   كان اليهود يعتقدون بأن الجسد يمضي إلى الفساد وإلى الأبد ، ولا شَركة له في الحياة . أما نحن المؤمنين فنقول أجسادنا التي تَغذَّت من جسد الرب ودمه تطابق مع الإفخارستيا ، والإفخارستيا تطابق وتختلط مع أجسادنا فتنسجم معها ، ومع أن الجسد متحد مع الروح أثناء الحياة ، كما الخبز الأرضي المادي الموضوع على المذبح بعدما يستدعى روح الله إليه ، لا يبقى خبزاً عادياً ، بل يسمى إفخارستيا ، والمؤلف من إتحاد عنصرين ، الأول أرضي ،
والآخر سماوي ، هكذا أجسادنا أيضاً عندما تشترك في الإفخارستيا ، لا تبقى قابلة للفساد وإن فسدت في القبر وتحللت  إلى زمن محدد لها  فأن لها الرجاء في القيامة ، لأن المسيح القائم  سيمنح لها يوم القيامة جسد ممجد مماثل لجسده ، لأنه هو مانح الحياة والخلود فيعطي عدم الفساد لمن هو فاسد ، لكي تظهر قوته الإلهية في ما هو ضعيف .   
   على الإنسان أن يحيا حياة طاهرة على هذه الأرض ،  وإن أقترف ذنوباً فعليه أن يطلب التوبة ويعترف بها واضعاً للموت معنى في حياته لكي يبقى مستعداً له . لهذا قال يسوع ( .. ولكن إن لم تتوبوا ، تهلكون كلكم مثلهم ) " لو 3:13 "  . فعلينا أن نخاف من الهلاك والموت الأبدي ونستعد بكل فطنة لحياة الآخرة ، وهنا الخوف ليس جبناً أو ضعفاً بل حكمة ، والله خلق الخوف في الإنسان كما يقول الكتاب ( كمال الحكمة مخافة الله . إنها تولد في الرحم مع المؤمنين ، وجعلت عُشها بين  الناس مدى الدهر ، وستسلم نفسها إلى ذريتهم . ) " طالع سي1: 16- 30 " فإن كان خوفنا من الله بسبب محبتنا له لأنه يحبنا ، فخوفنا يكون مقدساً وواجباً ، نقتدي بالله ونعمل بوصاياه فنكون محبين لكل الناس مثله، أما الذي لا يعرف المحبة فهو بعيد عن الله ، لأن الله محبة ، لهذا يجب أن يبقى الله الخالق هو الهدف الأسمى وكنز الدائم للمخلوق ، فينبغي أن يتوب دائماً ليتطهر من خطاياه .
   عندما يكون الموت إحدى خطوات الإنسان في طريق المحبة ، فالله المحب لا يغذله ، بل يحن عليه ويكافئه بسبب توبته المستمرة  في يوم الحساب الرهيب . قال أحد القديسين لأخوته المؤمنين :
( يا أخوة : في يوم الرحيل ، روحنا ستكون أمام السيد ، لن نلام لأننا لم نصنع عجائب ، أو لأننا لم نصنع لاهوتاً ، ولا لأننا لم نبلغ مرحلة التأمل ، ولكن الله سيسألنا بِلا أدنى شك ، لِمَ لَم تتب بشكل مستمر ؟ ) .
    حياتنا على هذه الأرض قصيرة تزول في ساعة الموت ، لهذا ينصحنا الرسول قائلاً ( أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد ! لأنه ماهي حياتكم ؟ إنها بخار ، يظهر قليلاً ثم يضمحل ) " يع 14:4 " . فعليه أن نستعد ونتوب ليطهر حياتنا من الخطيئة ، لأن أجرتها هو الموت ( النفس التي تخطىء هي تموت ) " حز 4:18 " .
    بعد الموت هناك مرحلة يقضيها الإنسان في إنتظار يوم الدينونة الأخير الذي فيه سيحّل الملكوت كاملاً ، وحينذاك يقوم جميع المخلصين بأجساد ممجدة شبيهه بجسد يسوع القائم من بين الأموات والذي رآه تلاميذه فآمنوا وبشروا بموته وقيامته ، ونحن اليوم تلاميذه فعلينا أن نقوم بنفس الواجب حتى يؤمن بإبن الله أبناء هذا الجيل . لا يجوز للمسيحي أن ينام مستكيناً بدون عمل ، بل أن يتذكر قول الرب لتلاميذه للذهاب لتبشير العالم كله ، وكذلك نتذكر قول الرسول بولس ( أستيقظ إيها النائم وقم من الأموات فيضىء لك المسيح ) " أفس 14:5 " .
   إذا علينا أن نتحول من حالة الخطيئة إلى التوبة بتغيير أذهاننا لكي نصبح أبناء الله ومستعدين للعمل من أجل تغيير العالم وتحويله إلى شكل أفضل يبدأ به الملكوت من هذه الأرض . إمكانية التحرر من مفاعيل الخطيئة بالقيامة من الخطيئة ، والقائم من الخطيئة يعيش القيامة الحقيقية المرجوة للجميع ، قال بولس ( تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ) " رو 2:12 " .
   كما يوجد أيضاً قيامتان : الأولى روحية من الخطيئة أثناء الحياة في الجسد وذلك بالإيمان بالمسيح والتوبة والأعتراف بالخطايا والمعمودية التي يولد بعد خروجه من الماء ولادة جديدة كما وصفها يسوع لنيقديموس . أما القيامة الثانية فهي قيامة الأجساد لجميع البشر في يوم الدينونة عند مجيء المسيح الثاني ونهاية العالم ، قال يسوع عن تلك القيامة ( تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة ، والذين عملوا السيئات إلى الدينونة ) " يو 28 : 5 " . وقيامة المسيح من القبر هي أساس القيامتين الروحية والجسدية .
    عندما نصبح أبناء الله سنعيش بحسب إرادته ، فنستحق أن نقول ( إن عشنا ، فللرب نعيش ، وإن متنا فللرب نموت ، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن ) " رو 8: 14 " فإن متنا فالله سيخلصنا من الموت الأبدي ويشاركنا معه بالخلود ويفتح لنا باب التألُه ، بمنحنا إمكانية المشاركة في نوره الغير مخلوق ، فنبقى معه في فرح دائم ... ليتمجد أسمه القدوس .



63


بداية الفنون التشكيلية المسيحية

بقلم / الفنان التشكيلي  وردا إسحاق قلّو

https://g.top4top.io/p_1985h8rqq1.jpg

     بدأت الفنون التشكيلية مع الإنسان القديم قبل آلاف السنين عندما كان الصيد مهنته الأولى لكسب قوته اليومي ، فكان يرسم الحيوانات التي يسعى إلى صيدها على جدران الكهوف ، ومن أقدم تلك الرسوم هي التي اكتشفت في كهف لاسكو في جنوب فرنسا والتي تحتوي على رسوم الخيول والغزلان والأبقار . كما اجتهد في تلوين تلك الرسوم بلون واحد كالأسود والأحمر والأصفر فكان الرسم أول الفنون التشكيلية في التاريح ومن بعده جاء النحت والخزف وفن العمارة وغيرها .   

    بعد الإيمان بالمسيح ورسالته ظهر الفن المسيحي ويسمى بالفن المقدس ، تأتي أفكار هذا الفن للفنان الذي يتأمل بعمق في الموضوع الإيماني الذي يتوخى الوصول إلى عمقه مستخدماً إلهامه الروحي الذي يرفعه إلى تجسيد تلك الأفكار ونقلها على لوحته ،  وبها يهدف إلى التعبير عن أهداف مقدسة لكي يحدد الجانب اللاهوتي بأعماله ، ومن خلالها يرفع بها عقلية الناس إلى المستوى الروحي وكما يفعل الواعظ ، لأن لوحته أو نحته أو جدارية الفسيفساء وما شابه ذلك من الأعمال ستنقل الفكرة إلى الناظربكل وضوح . 

  بدأ الفن مع بداية المسيحية ، وأقدم اللوحات في تاريخ المسيحية تعود إلى حوالي عام 70 م . وأقدم تمثال كان لتابوت منحوت يرجع تاريخه إلى بداية القرن الثاني . ثم برز الفن بعد أعتراف الدولة الرومانية بالمسيحية لكي تعيش الكنيسة في عصر الحرية فأخذ المؤمنون يعبّرون عن أيمانهم برموز ورسوم وتعابير فنية جميلة فتقدم الفن في الشرق الأوسط على ضفة نهر الفرات في المنطقة المسمات ( دورة أوروبس ) وفي الدياميس على ضفة نهر نيبر في روما وحتى بنفس الطريقة التشكيلية . وفي الفن الهيلينستي استعمل الفنان المسيحي أساليب وأشكال فنية يونانية رومانية بطريقة هندسية ، وتصوير الأشخاص والمواضيع ( الراعي ، المعلم ، اللباس ، الحركات ، الحيوانات .. ألخ ) وطريقة التعبير نفسها ، وفي خط التقليد اليوناني حفظت المسيحية التوازن والإنسجام العقلي ، والأحترام للشخص دون أن يشدد على الشعور والعواطف .   

   وهكذا انتشرت الفنون التشكيلية في العالم المسيحي ، أما بعد ظهورالإسلام فمنذ بدايته صار إنتكاسة كبيرة وفترة مظلمة لكل الفنون التشكيلية ، فحرم فن التصوير ( الرسم والنحت ) وأقتصرت الفنون الإسلامية على الخط العربي والزخرفة الأسلامية وهذه لا تدخل في قائمة الفنون التشكيلية العالمية . أما سبب منع الإسلام لهذه الفنون فجاء بسبب حديث لرسوله الذي نقله البخاري في صحيحه ( 5954) ، فقال محمد : ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون الله بخلقه ) وفي صحيح آخر للبخاري المرقم ( 5950) فيقول ( إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون ) أي الرسامون والنحاتون . واستمر رسول العرب في توضيح حديثه ليقول للذين أطلق عليهم المصورون ( إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون ، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم ) وقال ( إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة ) ولهذا تجردت بيوت العبادة الإسلامية من الرسوم والمنحوتات الفنية وما تزال بعض البلدان لا تحتوي على معهداً للفنون الجميلة . رأي الإسلام بالفنون التشكيلية أنعكس على تطور الفنون في البلدان التي دخلها وحتى على الفنون المسيحية في تلك البلدان . 

   كل الأديان تُعَبّر عن معتقداتها بتعابير حسية مادية كالكتابة ، والرسوم ، والموسيقى وأشكال هندسية مرسومة كشعارات أو عن طريق رسوم تشكيلية أو زخارف ، وهذه التعابير بالنسبة إلى المسيحية ما هي إلا رموز محدودة تقود إدراك المؤمن إلى أهداف لاهوتية تفوق تلك الإشارات التي لا يمكن أن تقود الإنسان إلى كامل الإستيعاب لما تشير إليه ، بل تساعده في إدراك الحقائق المتوخاه . 

   تجذر الفن المسيحي في الحضارات التي عاشها لكي يعطي لكل حضارة طابعها الخاص كالحضارة المصرية وحضارة بلاد الرافدين وبلاد الشام وبلاد فارس وغيرها مع إحترام السلطات الحاكمة على بلدانها . وهكذا الحال في الغرب حيث الحضارة اليونانية القديمة المشهورة بفنها التشكيلي الهندسي والتي ركزت على أهداف كثيرة منها روحية ومنها سياسية أو إجتماعية لهدف الدفاع عن الحرية والحقوق والحياة الديمقراطية . أما روما فقد وضعت أنظمة صارمة بفضل الجيوش المدربة ، وشدة القوانين، علماُ بأنهم ليسوا مفكرين وفنانين كاليونانيين ، بل رجال عمل وهندسة وفتح الطرق .   

   في المسيحية بدأت الفنون التشكيلية منذ القرن الأول . أما عن عصر إزدهاره فكان في القرن الثالث عشر في أوربا . كان الرهبان يرسمون مخطوطات زخرفية في الكنائس فالهمت تلك الأعمال الفنانين التشكيليين كليوناردو دافنشي الذي رسم لوحات زيتية رائعة كلوحة العشاء السري ، والفنان مايكل أنجلو الأكثر شهرة في عصر النهضة ، وجونتو الذي كان رساماً ومهندساً  معمارياً ، وغيرهم . أسست أناملهم مدارس الفن التشكيلي . وكانت الكنيسة تشجع الفنون التشكيلية في القرون الوسطى ، بل تُجبِر الفنانين لرسم الكنائس فدفعت بالفن التشكيلي إلى النهوض والتطور، وأكتشف الفنانون مدارس مختلفة في أنواع الرسم كالواقعية والإنطباعية والرمزية والسريالية والتعبيرية وغيرها .

    أما عن التركيز على المعنى الروحي الرمزي على حساب التعبير الطبيعي الجسدي ففي الغرب حفظ على التعبيرالمتوازن الطبيعي لأن المقصود من فنه ليس إلا تقديم البشارة الإنجيلية على إدراك الشعب البسيط دون الإهتمام مباشرةً بجمال الشكل كالفن الهيلينستي  ، لكن في الشرق الأوسط أخذت المسيحية تتجاهل في تعبيرها الفني التشكيل الجسدي الطبيعي وذلك خاصةً تحت تأثير الفلسفة الأفلاطونية . الصورة ليست الهدف في العبادة ، وإلا فتصبح وثناً ، بل كل الفنون الدينية ما هي إلا رموزاً ترمز إلى أشياء تفوقها ، وإلى سر غير منظورتشير إليه ، مع أن الصور تجذب نفس الإنسان إلى التأمل بالحقيقة الأصلية وإلى التقرب من هدفه الإيماني  .فالصورة ليست هي الهدف الأسمى الذي يفوق ما في معنى الصورة أو المنحوتة المنظورة والتي تشير إلى سر غير مرئي . كما أن الصور تجذب الناظر إلى التفكيربحقيقة الموضوع المرسوم لتقربه من الهدف . 

   كان الفن التشكيلي قليل الإستعمال لخدمة إيمان أبناء العهد القديم ، لكن عندما تجسد ابن الله بينناعبرت صورته عن الإنسان الكامل والحقيقي الطاهر وكما يريده الله ، أو كما خلقه منذ البداية وصورته كانت تُعبّر عن محبة الله للإنسان ، بل كانت كصورة الله المنظور والملموس المتحدة بصورة الإنسان المخلوق الكامل ، لكن ليس ككمال المطلق لله طبعاً . 

   في هذا العصر أظهرت الفنون المسيحية في الصور والتماثيل التي ترمز إلى شخصيات أرضية وسماوية ، أما الفن المسيحي القديم فمر في عدة مراحل ، منها في عهد الأضطهاد في القرون الثلاثة الأولى والتي نقلت إلينا رسومات جدارية وصور نحتية بارزة على ألواح التوابيت الحجرية وعلى القبور ، ومن الرموز القديمة التي ظهرت كانت للصليب والسمكة وخاصة على القبور .  أما ما بعد عهد قسطنطين الملك ، فبدأت النهضة الفنية ببناءً هندسياً معمارياً وخاصة كنيسة القديس بطرس والقديس بولس وكنيسة الصليب المقدس وغيرها . أما في القسطنطينية فبدأ قسطنطين ببناء عشرات الكنائس في الأراضي المقدسة وفي القسطنطينية وسائر الأمبراطورية وخاصة بناء بناية الباسيليكية ( الحكمة الإلهية ) أي كنيسة ( آية صوفيا )  ، والقديسة أيرينة ، والرسل القديسين . وفي أورشليم الباسيليكية مع دائرة القبر المقدس ، وبيت لحم مع مثمن مغارة الميلاد . أستعمل في تزيين الكنائس أعمال فسيفسائية عظيمة حيث يظهر اللاهوت المسيحي في أجمل لباسه بتعبيره التشكيلي وذا ألوان ساطعة . أولاً ظهر الصليب المنتصر المرصع بالجواهر على السماء الأزرق أو الذهبي وسط الورود والنجوم ، ثم من بداية القرن الرابع أخذت صورة المسيح مكاناً بارزاً في الصدر ، جالساً مثل الملك الحاكم المجيد وسط الرسل والأحياء الأربعة وكما يوصف المنظر سفر الرؤيا ويتقدم نحوه في الصورة صفوف الخراف ، من مدينة أورشليم وروما ، وبعدئذ الشهداء والقديسون ومشاهد أخرى مستنبطة من العهدين ، والبسطاءالأميين يقرأون هذه الصور ككتاب التعليم المسيحي المصور فيصلون إلى الأهداف المرسومة من أجلها . 


إلى اللقاء في مقالات أخرى تتناول المراحل اللاحقة .


64

الإشتياق إلى الشهادة هو إقتداء بالمسيح
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( من أراد أن يتبعني ، فليكفر بنفسهِ ويحمل صليبهُ ويتبعني ) " مت 24:16 "
    الشهادة تعني إعلان خبرما للآخرين ، يعلنه الشاهد بقوة وحتى وإن كان الثمن الموت أو الإستشهاد . فهناك من يفسر كلمة ( أستشهد ) بأنها الموت في سبيل الله الذي يشهد له . أو في سبيل الوطن الذي يدافع عنه . أما في المسيحية فالشهادة هي إعلان بشرى الأنجيل في الكرازة بالكلام أو الكتابة أوالنقاش المباشر وحتى وإن كان مع الرؤساء أو المسؤولين المناهضين للإيمان فيجهروا المبشرون بإيمانهم لهم ويعلنوه بجرأة وإن كان ذلك على حساب حياتهم ، حينذاك تتحول شهادتهم إلى إستشهاد بمعنى الموت . فيخسروا الدنيا لكي يربحوا السماء ، وحسب قول يسوع  ( لأن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها ) " مت 25:16 " . فالذي يموت في سبيل المسيح ، يموت شاهداً وشهيداً له ، لأنه يحبه ويحب كل من يموت لأجله ولأجل من يحب ، لهذا يقول الكتاب ( ليس لأحد محبة أعظم من هذه : أن يبذل أحد حياته فدى أحبائه ) " يو 13:15 " .  الكثير من القديسين والمؤمنين قدموا انفسهم بكل إيمان وفرح للذبح وبكل عزيمة لكي يستشهدوا كمخلصهم ويموتوا شهداء كما مات هو على  الصليب كاسراً جسده ليصبح ذبيحة كاملة بدون عيب ، قدمها لله الآب بسبب محبته للبشرولأجل خلاصهم . والإفخارستية هي حقيقة تجسد المحبة الإلهية نتذكر بها موت إبن الله من أجلنا ، كما يتجسد في هذا السر ويحضر في القربانة جسداً وروحاً كشهيد من أجل خطايا العالم وخلاص كل مؤمن به . فكل من يشتاق إلى الإستشهاد يصير خبزاً مكسوراً على مثال سيده ، فيتحد معه ليصبح ذبيحة من أجل الكنيسة . كتب القديس أغناطيوس إلى كنيسة روما طالباً من مؤمنيها لكي يستشهد للمسيح ، فقال ( دعوني أقتدِ بآلام إلهي ) وهذا ما أكده الرسول بطرس ، قال ( .. فإن المسيح تألم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قِدوة لتقتفوا آثاره ) "  1بط 21:2 " .
   خير لكل مؤمن أن يموت شهيداً ليتحد بالمسيح الشهيد ، فالموت هو الباب الذي يفتح للشهيد لكي يولد في عالم آخر ، عالم النور الصافي ، وهناك يصير إنساناً كاملاً . فموت الشهادة هو صورة لموت المسيح ، وليس هذا الإقتداء نسخة عن مثال خارجي بعيد ، بل هو شِركة حياة ، فالمقتول بسبب إيماته يعتبر موته هو الطريق الأئمن ، ووسيلة للبلوغ الأكيد إلى الله واللقاء بالمسيح الذي مات من أجله . فهدف الإستشهاد هو الأقتداء ، كما نقتدي بمن علمونا هذا الطريق كمار بولس الذي مات شهيداً ، قال
( اقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح )" 1قور 1:11".
 أجل ، أقتدى بولس بمخلصه فاختار درب الشهادة لكي يحظى بأسمه بالأكليل ويحظى بالمسيح ، الذي هو غاية الحياة .
   بالشهادة غلب المسيح على الموت ، والمسيحي إذا مات شهيداً سيولد ولادة جديدة ويتحرر من سجن الجسد فيُفتَح له الطريق ليلتقي المسيح . الشهادة عمل بطولي فيه التحدي للشيطان وأعوانه في هذا العالم ، ليصير إنساناً حُراً جديداً في عالم آخر . فمن الأفضل أن نقتدي بالمسيح ، وكما يقتدي هو بأبيه . هذا الإقتداء يحتاج إلى تضحية كبيرة في الحياة الزمنية وذلك بمحبتنا للجميع وأحتمالهم ، فنحتمل ضعف الضعفاء ، ونساعد الأرملة والمحتاج ، ونحب العبيد والمرضى والمضطهدين والمهمشين وغيرهم كما أحب يسوع كنيسته ، وهكذا نسير على خطى من مات لأجلنا ، ونسير في درب الآلام حتى الشهادة . فمن أجل الوصول إلى المسيح يجب أن نعمل بوصاياه ونسير خلف صليبه حاملين صلباننا ، لأن الصليب هو أعلى درجات المحبة ، والمسيح أوصانا بحمل صلباننا ، وإن اقتضى الأمر نحمله حتى الشهادة التي هي كمال التلمذة . وموت الشهادة هو الدرجة العليا للمحبة .
ختاماً : الشهادة هي إعلان للحق ويسوع المسيح جاء إلى هذا العالم لكي يشهد للحق وكما قال لبيلاطس . يقول الرسول بولس لكل مؤمن ( فلا تستحي  بالشهادة لربنا ، ولا تستحي بي أنا سجينه ، بل شاطرني المشقات في سبيل البشارة ، وأنت مُتَكِل على قدرة الله ) " 2 تي 8:1 " فكل أبناء الكنيسة يساهمون كشهود للحق ، ولإعلان كلمة الإنجيل بالأقوال والأفعال ، وإن تَطوَّرَ واجب الشهادة إلى الإستشهاد في سبيل تأدية الشهادة للمسيح الذي هو متحد بكل مؤمن ، فالمستشهد يؤدي الشهادة بحسب وصية الإنجيل ، فيولد بعد الموت في عالم الأنوار الأبدية ، والشهادة هي قمة المحبة وبسببها سينال معمودية الدم لكي يطهر من كل ذنوبه ، ويرفع إلى السماء ليلتقي بمخلصه الذي مات لأجله .

ولإلهنا ومخلصنا يسوع كل المجد


65

معمودية الأطفال … هل يجوز إعادة المعمودية ؟
بقلم / وردا إسحاق قلّو
قال الرسول ( وهناك رب واحِد وإيمان واحد ومعمودية واحِدة ، وإله واحد …) ” أف 5:4″
     المعمودية هي أجمل وأبهى عطية من عطايا الله للإنسان ، تسمى عطية ونعمة وإستنارة  وثوب عدم الفساد وغسل الميلاد الثاني ، وختماً ووسماً لا يمحى ولا ينمحي ولا يعاد لأنه ختم أبدي ، وبالمعمودية نصير أعضاء في جسد المسيح وبها نندمج في الكنيسة المقدسة . كذلك  هي سر الولادة الجديدة من الماء والروح وفي الكلمة . وبالمعمودية يصير المعتمد إبن الله ووارثاً مع المسيح ، فيستطيع أن ينادي الله قائلاً ( أيها الآب ) ” رو 15:8 ” وهذه الولادة الجديدة بالروح والنار تؤلِه الإنسان لأن جسده سيصبح سكنى لروح الله القدوس ، فيولد من فوق ، أي من زرع الله ” 1 يو 9:3 ” والمقصود هنا بزرع الله هو الروح القدس وبه يولد ولادة جديدة بالماء والروح ” يو 13:1 ” . وهذه الولادة لا تتكرر ابداً ، أي لا يجوز تكرار المعمودية مطلقاً ، لأن المتعمد مات في ماء المعمودية وقام مع المسيح ، فلا يجوز أن يموت مرة أخرى ويولد ولادة ثانية ، لهذا قال الرسول بولس (وهناك  رب واحد  إيمان واحد  ومعمودية واحدة وإله واحد . .) ” أف 5:4″ . وهذا ما نقوله في قانون الإيمان . كما لا يجوز أن تعاد الولادة الجسدية فندخل في بطون أمهاتنا لكي نولد من جديد وكما قال نقيوديمس للرب يسوع ( يو 4:3 ) . فالمعمودية أيضاً هي ولادة روحية لا يجوز إعادتها لأنها الولادة الثانية ، وإن أعيدت لأصبح المعمد مولود ولادة ثالثة وهذا لم يرد قط في الكتاب المقدس . فكل من يتعمد للمرة الثانية يقترف جرماً كبيراً لأنه يطلب من الذي يعمده لكي يدعو الروح القدس مرة ثانية للهبوط عليه لكي يولد ولادة ثالثة .

هل يجوز تعميد الأطفال ؟

كل الطوائف في الكنائس الرسولية تعمد اطفالها منذ بداية المسيحية ، لكن بعض الطوائف الغير رسولية تدعي بأن المعمودية هي للكبار فقط بعد أن يؤمنوا أولاً بالمسيح وحسب الآية ( من آمن واعتمد يخلص ومن لم يؤمن يدن ) ” مر 16:16″ . وكذلك توصية الرسول بطرس ( توبوا ، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح ، لغفران خطاياكم ،  فتنالوا موهبة الروح القدس … ) ” أع 38:2 ” .فالرد على هذا نقول : لا يجوز لأحد أن يستشهد بنص من الكتاب المقدس لينسف نصوصاً أخرى تتناول نفس الموضوع ، فمعمودية الأطفال تظهر لنا جلياً من خلال معموديات الرسل لعوائل بأكملها مدونة في العهد الجديد ، بل في بعض المناسبات عمّدَ الرسل جميع الحاضرين بعد أن حل عليهم جميعاً الروح القدس ، ولدينا آيات تثبت معمودية عائلات بكل أفرادها ، وهذه هي المرحلة التي يغفلها الرافضون لمعمودية الأطفال ، فإيمان الطفل مرتبط بإيمان عائلته التي آمنت وتقدمت إلى سر المعمودية بكامل أفرادها كباراً وصغاراً . أي لا يجوز تعميد طفل لعائلة غير مؤمنة . ومعمودية الأطفال ضرورية جداً لأن المولودون بطبيعة بشرية ساقطة وملطخة بالخطيئة الأصلية ، ويحتاجون من ثمّ ، إلى أن يولدوا هم ايضاً ولادة جديدة في المعمودية ، ويعتقوا من سلطان الظلام ، وينتقلوا إلى رحاب حرية أبناء الله ، فالذين يحرمون ولدهم من نعمة المعمودية لكي يصيروا أبناء الله سيتحملون خطيئة كبيرة إذا الطفل وافته المنية قبل أن يولد ثانية من عل ، من الماء والروح  . نقرأ في ” يو 5:3 ” ( إن لم يولد أحد ” وهذه تشمل الكبير والصغير ولا تذكر سناً ما “ من الماء والروح فلا يقدر أن يدخل ملكوت الله ) ، وهذا ما يوضحه الرسول بطرس أيضاً فيقول ( وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة الخطايا فتنالوا موهبة الروح القدس ، لأن الموعد هو لكم ” الكبار “ ولبنيكم ” الصغار “ ولكل الذين على بعد ، كل من يدعوه الرب إلهنا ) ” أع 2: 38-39 ” . فالمعمودية هي نعمة للطفل أيضاً لكي ينال الروح القدس فيغسل بالميلاد الثاني من خطيئة الأصلية . وفي التناول الأول يكررالمعتمد منذ طفولته كل ما قاله عنه الأشبين في أثناء معموديته أمام أبناء الكنيسة ، فيكفر بالشيطان وأعماله . في الكنيسة اللاتينية الكاثوليكية ينال المتناول سر الميرون المقدس ” سر التثبيت “ كسمة أخرى لا تمحى ولا تتكرر أيضاً ، أي هناك ثلاث أسرار لا يجوز أن تتكرر وهي  ( المعمودية والميرون والكهنوت )  ومن ثم بتناول أول قربانة بعد أعترافه بخطاياه أمام كرسي الأعتراف .

هل توجد نصوص عن معمودية الأطفال في العهد الجديد ؟
أجل /، الرسل الأطهار أعتمدت على أيديهم منذ القرن الأول بيوت بأكملها ، بل في بعض المناسبات جميع الحاضرين بعد أن حل عليهم الروح القدس ، وهذه الآيات تثبت معمودية كل أفراد العائلة وهذه المرحلة لا يتطرقون عليها أخوتنا الرافضون لمعمودية الأطفال . كان اليهودي والوثني يتعلم ويؤمن مع كل أفراد أسرته بأسرِها . والآن نذكر خمس عائلات نالت المعمودية بأكملها ، أفرادها كباراً وصغاراً :
1- قائد المئة كرنيليوس وجميع أهل بيته الحاضرين ( أع 10: 44-48 ) .
2- ليديا بائعة الأرجوان من مدينة طياثيرة . نقرأ أن الرب فتح قلبها لتصغي إلى ما يقول بولس ” غير أن المعمودية تصل غلى جميع عائلتها : ” فلما أعتمدت هي وأهل بيتها ( أع 16: 14-15 ) .
3- سجان فيلبي  الذي كان مسؤلاً عن بولس الرسول ورفيقه سيلا : ” سار السجان بهما في تلك الساعة من الليل فغسل جراحهما واعتمد من وقته ، وأعتمد ذووه جميعاً . ” ( أع 16 : 32-33) .
4- آمن بالرب رئيس المجمع كريسبس وأهل بيته جميعاً ، وكان كثير من الكورنثيين يسمعون كلام بولس فيؤمنون ويعتمدون . ( أع 8:18 ) .
5- معمودية بيت استفانوس : قال الرسول بولس ، عمدت كريسبس وغايس ، كذلك باسمي عمدت أيضاً أسرة أستفانوس ( 1 قور 16:1 ) .

كما نذكر معمودية جماعة جمهورية بسبب وعظة بطرس الأولى عندما أنضم في ذلك اليوم ثلاثة ألف نفس ( أع 41:2 ) راجع أيضاً ( أع 8:18 ) ثم ( 8: 14-17 ) ومعمودية الجماهير بفتح الباب رحباً أمام معمودية الأطفال والقاصرين . أما الآيات التي تسند موضوع عماد الأطفال فهي دعوات الرب يسوع له المجد المتكررة أن يدع تلاميذه الأطفال يأتون إليه ولا يمنعوهم لأن لمثل هؤلاء الأطفال ملكوت الله ، والمولود من الجسد هو جسد فقط ( وهذه هي حالة الطفل والمؤمن الراشد غير المعتمد ) في حين أن المولود من الروح هو روح ، بالإضافة إلى كونه جسداً بالميلاد الجسدي ( طالع يو 3: 5-6 ) .

شهادة التاريخ لمعمودية الأطفال/
يشهد كتاب ” تعاليم الرسل الأثني عشر “ ( نهاية القرن الأول والقرن الثاني ) على معمودية الأطفال وعلى مسح المعمّدين بالزيت المقدس . ويشهد لنا تاريخ الكنيسة أن المسيحين الأولين عمدوا أطفالهم لا بناءً على ممارسات الرسل والتلاميذ الأولين فحسب ، بل سعياً في تنقية الطفال من الخطيئة الأصلية ، والعماد طهارة ، ولا يجد المرء رفضاً لمعمودية الأطفال ، كما لا توجد آية واحدة تمنع معمودية الأطفال . مورس تعميذ الأطفال منذ العصور التي تلت العصر الرسولي مشهوداً لها كثيراً ، فأوريجانيس كتب لنا : أن الكنيسة تقلدت من الرسل أن تمنح المعمودية للأطفال أيضاً ( في الرسالة إلى الرومانيين 9:5 ) . والقديس إيريناوس قال : أن الأطفال عمدوا شرقاً وغرباً ( راجع مؤلفه ” في مجابهة الهرطقات 2: 33: 2 ) .

كذلك يشهد ترتليانوس ( نحو 155-220 م ) على الظاهرة نفسها . وفي روما كانت معمودية الأطفال مألوفة في القرن الثالث . أما القديس كبريانس القرطاجي فيقول : أن المسيحيون يقولون بضرورة منح المعمودية في اليوم الثامن لولادة الأطفال . وإن معمودية الأطفال كانت نظاماً شائعاً كل من القديسين يوحنا ذهبي الفم ( الموعظة 11ن 17، 28 ) وأمبروسيوس ( في كتابه ” عن إبراهيم : 2، 81 ) في القرن الرابع . أما في القرن الخامس فكتب البابا أنو شنسيوس الأول : ” من الحماقة أن نعلم أن الأطفال يقدرون أن يرثوا الحياة الأبدية بغير المعمودية ) . وهذا ما يطابق قول الرب ( فمن لم يولد من الماء والروح ” المعمودية “ لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ) ” يو 5:3 ” . وثبت في الغرب رأي القديس كبريانس الذي عبّرَ عنه في أحد المجامع الأقليمية في إمكان تعميد الأطفال بعد ولادتهم مباشرةً ، أما في الشرق فقد ذهب بعضهم في القرن التاسع إلى أنه يحب تعميد الصغار في اليوم الأربعين .
في الختام نقول : المعمودية واحدة لا تتكرر . وعماد الإنسان يعني صلبه ، وفي هذا المعنى قال الرسول ( ونحن نعلم أن إنساننا القديم قد صلب مع المسيح ) ” رو 6:6 ” وقوله ( دفنا معه بالمعمودية وشاركناه في موته ) ” رو 4:6 ” فإذن المعتمد ثانيةً إنما يعيد الصلب ، وكما أن السيد المسيح له المجد مات على الصليب مرة واحدة ، هكذا نحن متنا بالعماد مرة ، فلا يجوز أن نموت أيضاً ، ونولد روحياً مرة أخرى بالعماد الثاني .

ليتمجد أسم الرب يسوع .

المصادر

الكتاب المقدس
التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
الجواب من الكتاب – للأب يعقوب سعادة
معمودية المسيح ومعمودية المسيحية – للقمص سيداروس عبدالمسيح

66

عيد العنصرة .. التشابه بين عنصرة العهدين
بقلم / وردا إسحاق قلّو
https://i.top4top.io/p_1963os1hj1.jpg
( جئت لألقي على الأرض ناراً ) " لو 49:12 "
العنصرة ، هو يوم حلول الروح القدس على التلاميذ والذي يصادف بعد صعود الرب بعشرة أيام ، ويسمى بعيد الخمسين ( بنطيقوسطي ) لأنه يقع بعد خمسين يوماً من قيامة المسيح . أما لفظة ( العنصرة ) فتعني بالعبرية ( جمع أو إجتماع ) فكانوا التلاميذ مجتمعين في العلية ، معتكفين بصوم وصلاة . وعند اليهود هو أحد الأعياد الثلاثة الكبرى الذي يجذب إلى أورشليم أعداد كبيرة من اليهود من كل أطراف المسكونة . والمسيحيون يعتبرون هذا اليوم إتمام لوعد المسيح لتلاميذه ، فقد أمرهم بعدم مغادرة أورشليم ، بل الأنتظار فيها إلى أن يحل عليهم المعزي . وبهذا الروح القدوس أسس المسيح كنيسته ، وبه أعطى القوة والتعزية لتلاميذه وجعلهم يتذكرون كل أقوال المسيح لهم . كما نوَّرَ هذا الروح طريقهم وأعطاهم مواهب مختلفة ، أُرسِلَ هذا الروح من السماء فأحدث دَوّي قوّي كريح عاصف هز أورشليم ، وكان مركز تأثيره على البيت الذي كان يحتوي التلاميذ .
   كانت أورشليم مكتضة باليهود الزائرين فحضروا إلى حيث التلاميذ لمعرفة أسباب الصوت العجيب وهم في حالة حيرة . اما في داخل البيت فقد ظهر على الحاضرين ألسنة من نار توزعت ووقف كل لسان على رأس أحد المجتمعين فامتلأوا من الروح القدس ، وبدأت مواهبه تظهر عليهم ، فأخذوا يتكلمون بلغات غريبة .
  خرج التلاميذ لمقابلة الحشود التي هَبّت على ذلك المكان ، فوقف بطرس مع التلاميذ ليخطب أول عظة طالباً من الجميع الأصغاء إلى كلامه . وكان الجميع يصغون إليه ويفهمون لغته بوضوح رغم إختلاف اللغة التي كان ينطق بها بطرس ، فالذين قبلوا كلامه آمنوا وتعمدوا ، فأنضم إلى التلاميذ في ذلك اليوم فقط نحو ثلاثة آلاف نفس ، وكان كل يوم ينضم إلى الكنيسة أعداداً جديدة .
التشابه بين عنصرة العهد القديم والعهد الجديد
في العهد القديم [                          في العهد الجديد
1-أطلق عليه ( عيد العنصرة ) والتي تعني جمع أو إجتماع .                                                                     
في يوم العنصرة كان التلاميذ مجتمعين منتطرين وعد الرب لهم وهو حلول الروح القدس عليهم

2-   يقع بعد خمسين يوماً من الفصح اليهودي                                                     يقع بعد خمسين يوماً من قيامة المسيح ، وهو عيد ميلاد الكنيسة .
3-   هذا اليوم يوافق تسليم الشريعة لموسى من قبل الله على جبل سيناء بعد خروج إسرائيل من مصر بخمسين يوماً .                                                          في هذا اليوم حل الروح القدس على التلاميذ بعد قيامة المسيح بخمين يوما .
4-يحتفلون به اليهود كعيد إستلام موسى الشريعة من الله والمكتوبة على ألواح حجرية .  الروح القدس الذي حل على التلاميذ كتب على ألواح قلوبهم اللحمية وصايا الرب لكي يذّكِرهم بكل ما قاله يسوع لهم .
5-عيد العنصرة هو أحد الأعياد الثلاثة الكبرى عند اليهود ويسمى أيضاً بعيد الحصاد " خر 16:23 " .                                                                                      في هذا اليوم نضج الزرع وأبيضت الحقول للحصاد ( طالع يو 36:4 ) فحصد الرسول بطرس بعظة واحدة ثلاثة آلاف نفس ( أع 41:2 ) .
6- كان اليهود يأكلون في هذا العيد خبزاً مختمراً بعكس عيد الفصح حيث كانوا يأكلون فطيراً أي مختمر كرمز للعبودية .                                                           في العهد الجديد تحررت البشرية من عبودية الخطيئة ليعيشوا أحراراً كأولاد الله .
7-قديماً كَلّمَ الله أيوب من العاصفة ( أي 1:38 ) وموسى ( تث 2:5 ) وإيليا ( 1مل 11:19 ) وحزقيال ( حز 7:37 ) فكان إقتران حلول روح الله بالعاصفة تعبيراً عن حضور الله .                                                                                    في يوم العنصرة هب ريح عاصفة سمعوه الناس في كل أورشليم بوضوح فتجمعوا ليتحققوا عن المصدر ، فاجتمعوا عند الرسل . والريح يرمز إلى القوة ، وللعمل الغير المنظور ( يو 8:3 ) .
8-   ظهرت نار في العليقة ( خر 2:3 ) وحل الرب في النار على جبل سيناء ( خر 18:19 ) كما كانت الريح والنار إعلاناً لظهور الله لحزقيال مظهرة مجد الله ( حز 14:1 ) . وكذلك النار طَهَرَت شفتي إشعياء . وكانت النار تأكل الذبيحة الإلهية المقبولة ، والتي كانت تحمل خطايا من قدمها .           نار يوم الخمسين لم تحرق التلاميذ المجتمعين لأن خطاياهم حملها يسوع على الصليب ، والنار التي حلت عليهم كانت ألسِنة رمو اللسان والكلام والتحدث بلغات عديدة أفاد منها الرسل في كرازتهم ونشروا الحق في العالم كله . والألسِنة التي استقرت على التلاميذ كانت منقسمة لكي توزع على كل منهم الموهبة حسب قياس كل منهم .
9-   في العهد القديم تفرقت الألسِنة عند بناء برج بابل بسبب الخطيئة ( تك 11: 1-9 ) .    في العهد الجديد استخدم الرب مواهب الروح القدس الحال على التلاميذ لتجميع كل الأمم في وحدة روحية هدفها إعلان الخلاص للجميع . فأتت إلى الرب شعوب وقبائل وألسنة لتجتمع معه في الفردوس ( رؤ 5 ) .
10-ماتت البشرية بسبب سقوط الإنسان في الخطيئة .                                     خلع عن البشرية كل عتيق وألبس الإنسان روحاً جديداً يتجدد حسب صورة خالقه ( قول 3: 9-10 ) والروح القدس يلد المؤمن في جرن المعمودية ، ويحل عليه الروح القدس في سر التثبيت " مَسحة الروح القدس " ليولد ولادة جديدة .                                  ارسل روحك أيها المسيح فيتجدد وجه الأرض
[/size]

للمزيد عن عيد العنصرة طالع مقالاتنا السابقة :
1- العنصرة - عيد حلول الروح القدس
2- عيد حلول الروح القدس ( العنصرة - بنطيقوسطي )
3- يوم الخمسين وعمل الروح القدس وأهميته
4- عيد العنصرة - عيد ميلاد عروس المسيح
5-عيد العنصرة ... جئت لألقي ناراً .
6- العنصرة ... عيد ميلاد عروس المسيح " بنطيقوسطي "
7- العنصرة ... هل حل الروح القدس مرتين على التلاميذ ؟
8- نشأت المسيحية بعد قيامة المسيح والعنصرة

67

صعود المسيح وبركاته لأبناء الكنيسة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
https://i.top4top.io/p_1945t9ydz1.jpg
( أيها الجليليون ... فيسوع هذا الذي رفع عنكم إلى السَّماء ، سيأتي كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء ) " أع 11:1 "
تجسد الكلمة الإله لكي يفدي الإنسان ، فأحتمل الآلام على الصليب مستهيناً بالخزي ، فقدم على الصليب نفسه ذبيحة واحدة مرضية ، ومات عن الجميع لكي يعيش الأحياء فيما بعد لا لآنفسهم ، بل للذي مات لأجلهم وقام " 1قور 15:5 " . قُبِرَ في قبرٍ مغلق ومختوم تم حراسته جيداً من قبل حراس مدججين بالسلاح ، لكنه قام من القبر بجسد ممجد تحدى به سجن القبر ، فخرج منه بقوة لاهوته . كذلك دخل إلى العلية ليظهر لتلاميذه بينما الأبواب كانت مغلقة " يو 2: 9-26 " وبقيامته صار باكورة الراقدين " 1 قور 20: 15 " . مكث الرب بعد قيامته أربعين يوماً مع تلاميذه ، ووعدهم بأنهم سينالون قوّة بعد أن يحل الروح القدس عليهم . صعد المسيح بمجد عظيم أمام أنظار المؤمنين إلى أعلى السموات ، ، كما وصف لنا الرسول قائلاً (إذ صعدَ إلى العلاء سبيَ سبياً وأعطى الناس عطايا . وأما إنه صعِدَ فما هو إلا أنه نزل أيضاً أولاً إلى أقسام الأرض السفلى . الذي نزل هو الذي صعِدَ أيضاً فوق جميع السموات لكي يملأ الكل ) " أف 4: 8-10 " وما هذه الآية إلا شرحاً لنبؤة داود النبي عن صعود المسيح الذي كتب في مزموره " 18:68 " قال عنه ( صعِدت إلى العلاء ، سبيت سبياً . قبلت عطايا بين الناس ) " طالع أيضاً مز 24: 7-10 " فالمسيح بصعوده أعطى لنا عطايا كثيرة ، ثمينة وعظيمة ، منها : إرساله الروح القدس لكي يرافق أبناء الكنيسة ، أي صعوده مرتبط بإرسال الروح القدس الذي يدخل في كل أسرار الكنيسة المقدسة ، لهذا قال يسوع  " يو 7:16 " . وبقوة الروح القدس سيحل المسيح بالإيمان في قلوب المؤمنين ( أف 17:3 ) ويعطي لهم المواهب الكثيرة للخدمة والكرازة وصنع المعجزات ، والحكمة ، ومواهب الشفاء ، وإخراج الشياطين ، والتكلم بألسنة ، ولتميييز الأرواح ( ا قور 12: 8-10 و مر 17:16 ) . وبحلول الروح القدس على التلاميذ تأسست الكنيسة التي هي جسد المسيح . كما أعطى لنا المسيح السلام الذي يفوق الإدراك فقال ( سلاماً أترك لكم سلامي أنا أعطيكم ) " يو 7:14 و في 6:4 " . وصعد المسيح بذاته إلى السماء ، وأجلسه الآب عن يمينه كما تنبأ صاحب المزمور ( قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك ) " مز 1:110 " . وبصعوده قبلنا الله نحن أيضاً ونحن أموات بالخطايا مع ابنه يسوع ، وأقامنا معه وأجلسنا في السموات في المسيح ربنا ( أف 2: 5-6 ) . وعلينا أن نعرف أيضاً بهدف صعود المسيح إلى السماء . إنه قد صعِدَ بالجسد الممجد ، ويجب أن يموت كل جسد أرضي ، ليعطى صاحبه جسداً مماثلاً لجسد يسوع الصاعد إلى السموات ، وهذا السر أعلنه لنا الرسول بولس بأن ( الرب سيغيّر شكل جسد تواضعنا لكي يصير على صورة جسد مجده ) " في 21:3 " وشرح هذا السر بكل تفصيل في ( 1قور 49:15 ) فقال ( وكما لبسنا صورة الإنسان الترابي ، فسوف نلبس أيضاً صورة الإنسان السماوي ) إذاً بصعود ربنا يسوع المسيح إلى السماء حصلنا على عربون الجسد الممجد . فالموت لنا ربح لأنه وسيلة لكي نخلص من أجسادنا الترابية ، لهذا علينا نحن المسيحيين أن لا نهاب الموت ، بل أن نفرح به ، لأنه عن طريقه سوف نؤهل للحصول على الجسد الروحاني الأبدي ، فعلينا أن نستعد لمغادرة خيمتنا الأرضية لكي نتغيَّر إلى ما هو لائق لسكنى عالم الأرواح .
    ولصعود المسيح كرئيس الكهنة وإبن الله القدوس الذي كان بلا دنس كان عليه أن ينفصل عن الخطاة ليصعد أعلى السموات ويجلس مع أبيه السماوي ليشقع في المؤمنين به ، وشفاعته كفارية ، خلاصية ، ليست كشفاعة الروح القدس أو شفاعة القديسين ، لأنها لأجل خلاص الإنسان الذي دفع هو ثمن خطيئته إلى الآب ( فمن ثم بقدر أن يخلص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله ، إذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم ) " عب 25:7 " .
 ختاماً نقول : سننال عطية المجد وبحسب قول يسوع للآب ( وأنا وهبت لهم ما وهبت لي من المجد ليكونوا واحداً كما نحن واحد ) " يو 22:17 " مجد الثبوت في المسيح بالتناول من جسده ودمه الأقدسين . 


68

طبيعة ومصير الجسد والروح البشرية
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  الله خلق الإنسان ووضع في داخله صوته ، لكي يسمعه الإنسان المخلوق ويسير دائماً نحو صاحب الصوت ، إنه صوت العدل الإلهي المزروع في ضمير كل إنسان ، لكن الله خلق الإنسان حراً ، فعلى الإنسان أن يتحمل مسؤوليته الشخصية . وهنا يبدأ صراع مستمر في كل إنسان بين إتباعه لذلك الصوت أو الميل نحو القرارات الذاتية . الأنانية وحب الذات وإتباع الأهواء الشخصية تدفعه بأتجاه مدبر عن الله الذي هو قبلته وهدفه . فالإنسان الذي يبحث عن الله عليه أن يتجاوز كل المصالح ليؤسس في داخله الحب والفرح الذي لا يزول . وهكذا سينفذ وصايا المسيح القائل ، من خسر نفسه من أجلي ربحها . وهكذا بتنمية طاقة الحب في الذات سيؤسس لنفسه قاعدة متينة للأنطلاق نحو الحياة الروحية مستخدماً العقل والإيمان كطاقة يستخدمها في معركة حياته الزمنية .
   الله وروح الإنسان هما المحورين الأساسيين في إيمان الإنسان لكي ينمو في الروح متجاوزاً كل التجارب والضيقات التي ترغمه للعمل من أجل مصلحة الجسد . جسد الإنسان يبدأ بالنمو منذ تكوين الجنين في بطن الأم ، وسرعان ما يكبر ليصبح طفلاً ولمدة قصيرة أقصاها تسعة أشهر ، لكن بعد الولادة تبدأ سرعة النمو بالنقصان لكنها لا تتوقف إلى أن يتجاوز العشرين من عمره . يقول المختصيين بأن الإنسان يبدأ بمرحلة الشخوخة بعد سن الثانية والعشرين بمعناها البيولوجي ، أي كل خلايا الجسم في آخر المطاف تنتهي إلى التوقف عن عملها لكي يموت الجسد ويتفسخ ليعود إلى الطبيعة التي منها أخذ ، لأن الأرض هي أم البشر والحيوان والنبات فإليها تعود أجسادهم .
   جسد الإنسان ينمو بالطعام ، أي بالأخذ . لهذا فإن الإنسان يبحث عن مصالحه الجسدية الزمنية أكثر من مصالحته الروحية الأبدية . أما الروح فهو عكس الجسد ، ينمو لا بالأخذ ، بل بالعطاء ، فمن يعطي بسخاء وبرضى قلبه ، فإنه يزرع لنفسه بالبركات ، وبالبركات سيحصد الخير لنفسه ، وكما قال الرسول ( الغبطة في العطاء لا بالأخذ ) ، ومن يعطي للفقير والمحتاج فأنه يقرض الله ، والله سيرد له الأضعاف وإن كان كأس ماء . لهذا يقول طوبيا في سفره ( تصَدَّق من مالك ، ولا تحوّل وجهك عن الفقير ، فحينئذ وجه الرب لا يحوِّل عنك ) " 7:4" . كما علينا أن نعلم بأن مصير الروح هو الخلود ، ومصير الجسد الزوال . فعلينا أن نخدم الأهم . فكل من يبحث عن مصلحة الجسد فإن ذلك يكون على حساب الروح ، لهذا يقول مار بولس ( أسلكوا بالروح ولا تكملوا شهوة الجسد ، لأن الجسد يشتهي ضد الروح ، والروح ضد الجسد لكي يقاوم أحدهما الآخر، لكي تفعلون ما لا تريدون ) " غل 5: 16-17 " .
   اما عن نمو الروح ، فالروح يبدأ ضعيفاً عكس الجسد ، أما المرحلة التي ينطلق فيها الروح بالنمو فتظهرعندما يتقدم الإنسان في العمر والوعي فتزداد إمكانية نمو الروح بإطراد . وبما أن طاقة العطاء والحب عند الإنسان لا تتوقف مع تقدم العمر ، فأن نمو الروح كذلك لا يتوقف ، ولا يعرف بالضرورة خطأً تراجعياً كالجسد . والشىء الوحيد الذي يوقف عمل الروح نحو التقدم هم التناقض مع النفس عندما يعود الإنسان ويختار خدمة أطماع الجسد .
   أما مقومات الروح للنمو فهي الفرح والعطاء والسلام ، فكلما ازداد المؤمن حباً وعطاءً لغيره ، كلما إزداد غنى وجمالاً ، وإزداد فرحه لكي يبقى فيه دائماً ، كما قال الرب ( ستفرح قلوبكم ، وما من أحد يسلبكم هذا الفرح ) " يو 22:16 " .
   أخيراً نقول : ينبغي أن يتقدم الحب لكي يتجاوز مصالح الجسد ، لا وبل قد يضحي بالجسد حتى الموت من أجل الأرتقاء إلى أعلى مراحل العطاء ، وكما وصف الرب يسوع هذه التضحية بأنها أعظم حب هو أن يبذل الإنسان حياته من أجل محبيه ، وهذا مافعله هو على الصليب لخلاص البشرية التي أحبها . والفرح الذي نتحدث عنه ليس كفرح متعة الجسد ، بل هو حالة داخلية يشعر من خلالها المؤمن بالسلام والتفاعل مع الحياة ، يتم تنميته القِّوى التي لا ترى الموت في الإنسان وفي الحياة . أما من يراهن على الجسد والعوامل المرتبطة به ، فإنه يحكم على نفسه بموت الجسد منذ أن يكون حياً ، قال الرب ( دعوا الموتى يدفنون موتاهم ) ، وكذلك يخسر مستقبل الروح الأبدي .
طوبى لمن يحب غيره كنفسه ( أحب قريبك كنفسك ) .   

69

من لطمك على خدك ألأيمن فأعرض له الآخر

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء ، بل دعوا الغضب لله ، لأنه قد كتب " لي الإنتقام ، أنا أجازي ، يقول الرب " ) " رو 19:12"
     منذ القدم عندما شرع الإنسان قوانينه من أجل نشرالعدل بالقوة كانت القوانين بدائية قاسية وذلك لترسيخ العدل ومعاقبة المجرمين بصراحة ولكي يصبحوا عِبرة لغيرهم ، وفي بعض الأوقات ينالون عقاباً قاسياً يفوق جريمتهم . تطورت القوانين مع الزمن لكي تساوي العقوبة حجم الجريمة التي اقترفها فاعلها ، وهذا مانجده في قوانين الملك حمورابي كقانون ( العين بالعين والسن بالسن ) وهكذا نجد قوانين مماثلة في أسفار الشريعة التي تأمر بمعاقبة من أوقع بقريبه ضرراً بمثل ما اوقع يوقع به . نجد نفس القانون موجود فعلاً في سفر اللاويين ، يقول ( كسر بكسر وعين بعين وسن بسن ، وكما أنزل بسواه من أذى ينزل به ) " 20:24 " كذلك من أجل إستئصال الظلم من المجتمع اليهودي . يعود سفر التثنية ليكرر ذلك القانون بنص آخر مجرد من الرحمة ضد المعتدي ، فيقول ( لا تترأف به قلوبكم . حياة بحياة ، عين بعين ، وسن بسن ، ويد بيد ، رجل برجل ) " 21:19" .
   أما في العهد الجديد فالقوانين تطورت وتغيّرَت من طريقة الإنتقام إلى الصفح والغفران مع نسيان الماضي من أجل زرع المحبة ، أو على الأقل لا يجوز أن يكن القصاص أكبر من الجريمة المقترفة . لهذا كان يسوع صريحاً في تجديد تلك الشرائع ، بل طَوّرَها ، فقال ( وسمعتم أنه قيل ، عين بعين وسن بسن . أما أنا فأقول لكم ، لا تقاوموا الشر بمثله ، بل من لطمك على خدك الأيمن ، فأدر له الخد الآخر ، ومن أراد محاكمتك ليأخذ ثوبك ، فأترك له رداءك أيضاً .. ) " مت 5: 38-42 " هنا ألغيَّ مبدأ العنف والأنتقام ، ولكي لا يستخدموا تلك الآيات التي وردت في أسفار العهد القديم التي تحرض للإنتقام وأخذ الثأر الشخصي . أما في الإسلام فنجد أن ذلك القانون القديم قد أعيد مرة أخرى ليطبق وبشكل أقسى ، فيقول ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص . فمن تصدق به فهو كفارة له . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) " سورة المائدة 45 " هنا سيتساوي الأثنان الظالم والضحية ، والمجرم بالصالح . فهل تخدم تلك القوانين العدل والسلام ، أم الشر والإقتتال ؟
 لنأخذ دروس وعِبَرمن هذا الموضوع ونقتدي بيسوع عندما كان واقفاً أمام رئيس الكهنة في الليلة الأخيرة أثناء محاكمته فرد على سؤاله بكل موضوعية لكن أحد الحراس لطمه وقال له ( أهكذا تجيب عظيم الكهنة ؟ أجابه يسوع ، إن كنت أسأت في الكلام ، فبين الإساءة ، وإن كنت أحسنت في الكلام ، فلماذا تضربني ؟ ) " يو 18: 22-23" . وهكذا يسوع لم ينتقم أبداً . 
   يسوع أراد أن يبطل ذلك الشرويزيل الفتَن  بإزالة العنف من أجل زرع المحبة والسلام ، فمن أجل تحمل ظلم أخينا الإنسان ، قال ( من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ايضاً ) والخذ الآخرالذي سنعرضه للمعتدي هو عرض محبتنا له بعدم الرد بالمثل ، بل نتحمله بمحبة  لكي يشعر بصفعتنا هذه على خد قلبه وضميره عندما يتأكد بأن الذي صفعه هو أفضل منه لأنه غلبه بتسامحه ومحبته . فكلما يتذكر فعله المشين ستتكرر الصفعة على خذ ضميره فيترك عدوانه ، أو كلما تبصره عيناه لاحقاً سيشعر بالندم والخجل ، وأخيراً عليه أن يقرربالأقتداء بسلوك الذي لطمه .
   مبادىء المسيحية مبنية على صخرة المحبة ، والمحبة المسيحية تحتمل كل شىء وتحتوي الظلم ، وهي قمة الفضائل ، فعلى المؤمنين بالمسيح أن يعيشوا المحبة ويعملوا بوصايا الذي أحبهم ومات لأجلهم . سياسة المحبة هي أقوى من القوة والتحدي بالسيف ، لأن من يضرب بالسيف ، بالسيف يهلك . آيات كثيرة في العهد الجديد تثبت للعالم بأن المسيحية أسِسَت على التسامح والسلام ، فالمحبة المسيحية تعني العمل بوصايا الذي لم يسمح لبطرس برفع السيف للدفاع عنه ، فتحمل الظلم ، ولم يكن ذلك ضعفاً أو جبناً أو خنوعاً ، بل قوة وغفران ، وغايته من هذا التجديد هو لنبذ الأنتقام وعدم النزول إلى مستوى المعتدي الشرير، وكما كانت العادة لدى اليهود من أجل الدفاع عن النفس أو لحصن الكرامة الزائلة . كما يقصد بذلك بأن لا ننتقم لأنفسنا ، بل نتذكر كلام الله القائل ( أنا المنتقم ) فلندع له الإنتقام . أما عندما يصل الأمر إلى موضوع آخر فعلى الإنسان أن يصون جسده وماله ، لهذا قال يسوع ( إنه لو عرف رب البيت في أي هزيع يأتي السارق ، لسهر ولم يدع بيته ينقب ) .
   صاغ القديس فرنسيس الأسيزي هذه الحقيقة وأنشدها وطبقها في أعماله ولسانه ، فقال ( يا رب استعملني لسلامك ، فأضع الحب حيث البغض . والمغفرة حيث الأساءة . والإتفاق حيث الخلاف . والحقيقة حيث الضلال . والإيمان حيث الشك . والرجاء حيث اليأس . والنور حيث الظلمة . والفرح حيث الكآبة ... آمين )
 وأخيراً نتذكر الآية ( لا تدع الشر يغلبك ، بل أغلب الشر بالخير ) " رو 21:12"
والمجد الدائم للرب يسوع


70
أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله
بقلم / وردا إسحاق قلّو
https://g.top4top.io/p_19379j81v1.jpg
    في السنة الأخيرة من وجود يسوع على هذه الأرض إستطاع نشر كلمة الملكوت بين الشعب فمال إليه الجمهور بسبب كلامه ولكثرة الآيات التي اجترحها في وسطهم والحكمة والتعليم بقوة كمن له سلطان ، بل كانت كل أعماله تحدياً في كل المجامع الدينية والسياسية للكتبة ومفسري الشريعة والفريسيين " المفروزين عن الشعب لقداستهم " وهم الطبقة المتدينة والوطنية ، ، تتكون من الكهنة والعلمانيين . كما تحدى الهيروديسيين الموالين لهيرودس الملك الذي منحهم نفوذاً كبيراً لكي يكسبوا الشعب لموالات الإستعمار الروماني ودفع الجزية لقيصر روما ، وكانوا اليهود ينبذون أعمالهم . كذلك الحال مع طبقة الصدوقيين الذين كانوا من الطبقة الإرستقراطية ومنهم كان معظم رؤساء الكهنة ، كانوا ينكرون موضوع قيامة الأموات ووجود الأرواح والملائكة . رغم هذه الفروقات بينهم أنظموا مع الفريسيون ضد المسيح بعد أن شعر الجميع بأن المسيح بات يهدد وجود الجميع ، فأتحدوا مع الفريسيين وتشاوروا مع الهيروديسيين لينالوا من يسوع بحيلة ومن ثم تقديمه للسلطات لتقتله ( طالع مر 6:3 ) .
   كانت الخطة المرسومة بحكمة ودقة لإيقاع يسوع ليمسكوه بحجة مع وجود الشهود لغرض تسليمه إلى السلطة الحاكمة لتصفيته . جاءوا إليه متظاهرين له بأنهم يؤمنون بأنه صالح ، ويتحدث بالصدق ، وينطق بالحق . والسؤال الذي طرحوه له يحتاج إلى جواب بسيط وقصير ويختصر ب ( نعم ) أو ( لا ) وفي الحالتين سيقع في فخهم . فإذن كانوا متيقنين بأنه سيسقط في تجربتهم الشيطانية لا محال . فقالوا له ( يا معلم ، نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد ، لأنك لا تنظر إلى وجود الناس ، بل بالحق تُعَلّم طريق الله . أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا ؟ ) يبدو كلامهم معسول فيه التملق والتبجيل لكنه مبَطَن بالرياء يتحيلون عليه لغرض النيل منه .
   عَلِمَ يسوع برياءهم وحيلتهم لأنه كان يقرأ المخفي في القلوب والنيات ( طالع لو 5: 20-23 ) وبعد ذلك طلب منهم ديناراً ليراه ،  فقال لهم ( لمن هذه الصورة وهذا الأسم ؟ ) فقالوا ( لقيصر ) فقال لهم ( أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) أي يجب إحترام الله الذي هو في السماء والسلطة الأرضية مهما كانت طالمة لأنها وضعت برضى الله فيجب الخضوع لسلطانها وكما وضّحَ لنا الرسول بولس بقوله ( ليخضع كل إمرىء للسلطات التي بأيديها الأمر . فلا سلطة إلا من عند الله ، والسلطات الموجودة هو الذي أقامها ، فمن قاوم السلطة قاومَ النظام الذي أراده الله ... ) " رو 13: 1-2 " . كان جواب المسيح لهم صاعقاً ، فتعجبوا به ملتزمين الصمت ، بل إنسحبوا فاشلين مقهورين ، وجواب يسوع لهم صار قاعدة للأجيال لكي يقومون بواجباتهم الدينية والعلمانية بحسب القوانين والشرائع الصحيحة الموجودة في الدين والسلطة الزمنية ، والخضوع للسلطتين الدينية والدنيوية واجب وإن كانت طلبات الدولة من الشعب ظالمة .
   سبق وأن جُرِبَ يسوع مرة أخرى عندما تقدموا إلى بطرس في كفرناحوم فقالوا له ( أما يوفي معلمكم الدرهمين ؟ ) فقال ( بلى ) وقبل أن يخبر بطرس الرب سبقه هو بالقول ( ماذا تظن يا سمعان ، ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية ، أمن بنيهم أم من الأجانب ؟ ) فقال بطرس ( من الأجانب ) فرد يسوع عليه ( فإذاً البنون أحراراً ، ولكن لئلا نعثرهم ، أذهب إلى البحر وإلق صنارة ، والسمكة التي تطلع أولاً خذها ، ومتى فتحت فاها تجد إستاراً ، ففخذه وإعطهم عني وعنك ) " مت 17: 24-27" .
السؤال الذي سألوه اليهود لبطرس عن دفع المسيح للجزية كان سابقاً للسؤال الذي سألوه له مباشرةً عن دفع الجزية لقيصر ، والغاية من السؤالين هو لإيجاد عِلّة عليه. الخطة المرسومة لإيقاع يسوع في موضوع دفع الجزية لقيصر تشبه خطتهم له عندما أحضروا أمامه المرأة الزانية والتي كانت غايتهم الأساية ليس لرجم المرأة ، بل لإيقاع يسوع في مشكلة لمحاكمته أمام السلطات الرومانية . فإذا قال لهم لترجم المرأة حسب شريعة موسى سيخالف القوانين الرومانية لأن لهم السلطة فقط لقتل المجرم . وإن قال لا ، فسيرفعون شكواهم إلى السلطات الدينية لأنه ناقض الناموس . لهذا ظنوا أيضاً بأنهم سينالون منه ، لكن جوابه لهم كان كالسيف القاطع ، قال ( من كان بينكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر ) " يو 7:8" .
 نختم مقالنا بهذه الكلمات: الإنجيل المقدس يعلمنا الطاعة لله وللسلطات الحاكمة ، فعلينا أن نحب وطننا وندافع عنه بإخلاص ونحترم قوانينه ونخضع لها ونصلي من أجل المرؤوسين ليحكموا بالعدل لنحيا في سلام ومحبة ، كذلك لا نهمل واجباتنا الإيمانية وبهذا سنرضى الله والسلطات معاً .
والمجد الدائم ليسوع المخلص.

71

ما بين قيامة يسوع وصعوده

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( أرتفع الله وسط الهتاف ، ارتفع الرب وسط نفخ البوق  ) " مز 47: 5 "

قيامة المسيح من بين الأموات لم تتم بالسر أو الخفاء ، بل لها شهود وأدلة وبراهين قاطعة إبتداءً من حراس القبر ، والنساء واللواتي زرن القبر الفارغ وشهادة الملاك لهن . ومن ثم لقائهن بالسيد القائم من بين الأموات . إضافة إلى القبر الفارغ بعد أن دحرج منه الحجر ، والأكفان المرتبة . والمسيح نفسه تنبأ عن موته وقيامته قبل صلبه ، وتحدث عن قدرته على القيامة إذ قال ( لي سلطان أن أضعها ، ولي سلطان أن آخذها أيضاً ) " يو 18:10 " . كما قال لليهود ( إنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه ) " يو 15:2 " وكان يقصد هيكل جسده .

   قام المسيح بقوة لاهوته الذي كان متحداً بجسده المسجى في القبر . على الصليب قال للمصلوب على يمينه ( اليوم تكون معي في الفردوس ) بينما القديس بولس يقول ( إصعد إلى العلاء سبى سبياً وأعطى الناس عطايا وأما إنه صعد فما هو إلا إنه نزل أولاً إلى أقسام الأرض السفلى ) " أف 4: 8-9 " كما يقول ( إذ جهاراً نزع سلاح الرئاسات والسلطات ، فضحهم جهاراً فيه ، وساقهم في موكبه ظافراً عليهم ) " قول 15:2 " . إذاً المسيح موجود في كل مكان في، في الفردوس ، وفي الجحيم ومعناعلى الأرض حسب قوله " سأكون معكم إلى نهاية الدهر "  وهذا ما وضحه لنقديموس الذي كان جالساً معه ، قال ( ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ، إبن الإنسان الذي هو في السماء ) " يو 13:3 " . 

   بعد قيامة السيد المسيح من بين الأموات قضى على الأرض مع تلاميذه أربعين يوماً تحدث لهم عن الأمور المختصة بملكوت الله ( أع 3:1 ) كما حدثهم عن النبؤات التي تنبأت عنه وعن موته وقيامته . كذلك أظهر لهم لاهوته وناسوته بعد فترة قيامته لأنه كان يخفي لاهوته قبل الصلب ، لأنهم لو عرفوه على حقيقته لما صلبوا رب المجد ( 1قور 8:2 ) فكان كلامه مع تلاميذه عن لاهوته قليلاً جداً ، لكي لا يدركوا أنه أبن الله المتجسد بينهم ( مت 16:16 ) . في ظاهرة التجلي حذر التلاميذ الثلاثة لكي لا يتحدثوا عن حقيقته التي سمعوها وشاهدوها على الجبل إلا بعد قيامته . لكن في أيامه الأخيرة ترك أسلوب التحدث بالأمثال ليتحدث إلى تلاميذه علناً . ففي عظة الوداع قال ( إني في الآب والآب فيّ ) " يو 10:14 " . وبعد قيامته أعلن لاهوته بظهوره للمجدلية أولاً ولتلميذي عمواس ، ولسائر التلاميذ عندما دخل إلى علية صهيون مرتين والأبواب مغلقة . وقد أثبت لهم لاهوته وناسوته أيضاً بعد القيامة ، وبرهن ناسوته بأن جسده الممجد ليس بأمر صعب للتصديق ، فعندما دخل إليهم والأبواب مغلقة ، جزع التلاميذ وخافوا وظنوا إنهم رأوا روحاً ، فقال لهم ( أما بالكم مضطربين ، ولماذا تخطر أفكاراً في قلوبكم ن إنظروا يدي ورجليّ إني هو . جسوني وانظروا فأن الروح ليس له لحم وعظام كما تروني لي ) . وحين قال لهم هذا أراهم يديه ورجليه " لو 24: 38-40" ولكي يثبت لهم ناسوته قال لهم ( أعندكم ههنا طعام ؟ ) فقدموا له جزء من سمك مشوي وشيئاً من شهد العسل فأخذ وأكل قدامهم ( لو 24: 41-43 " .   

      ظهر يسوع على بحيرة طبرية لبطرس وستة من التلاميذ وهم في سفينتهم عائدين من صيد سمك بدون أن يصطادوا شيئاً . فوجدوا على الشاطىء من يقول لهم ( يا غلمان العل عندكم إداما ؟ ) أجابوه لا . فطلب منهم أن يلقوا الشبكة إلى يمين السفينة فيجدوا . ففعلوا وأصطادوا سمكاً كثيراً . ولما وصلوا إليه نظروا جمراً موضوعاً وعليه سمكاً وخبزاً . أخذ يسوع الخبز وناولهم  ، وكذلك السمك ، تلك كانت المرة الثالثة التي تراءى لهم بعد قيامته .

وهناك قال ( أتحبني يا بطرس ؟ ) ثلاث مرات . لم يكن يسوع بعد القيامة روحاً مرئية ، بل جسداً يسير معهما وهما يعلمان أنه الرب الذي قام من بين الأموات .

وفي يوم الصعود أجتمع التلاميذ وعدد من المؤمنين ليودعوا الرب إلى السماء بعد أن أتم رسالته ، وأنجز الخلاص بفداء البشرية على الصليب . صعد بإرادته وسلطانه ، وبقوة لاهوته لكي يبرهن للناس عن أصله السماوي الذي أتى من السماء ، فالمسيح ( رفع في المجد ) " 1 تي 16:3" و ( أصعد إلى السماء ) " لو 51: 24 " وعاد إلى عرشه السماوي بجسده المرئي . ظل المودعين يحدقون إلى السماء وهو ينطلق إليها إلى أن ظهر رجلان بثياب بيض ، وقالا لهم ( أيها الجليليون ، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء ؟ فيسوع هذا الذي رفع عنكم إلى السماء سيأتي كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء ) " أع 11:1 " . 

ليتمجد أسمه القدوس


72
قدرة يسوع على الظهور والإختفاء وتغيير صورته
بقلم / وردا إسحاق قلّو
https://k.top4top.io/p_1919cegxn1.jpg
        موضوع الإختفاء كان مهماً في حياة المسيح منذ يوم تجسده وولادته في مغارة بيت لحم . لام يسوع الفريسون الذين طلبوا منه معجزة بسبب عدم معرفتهم لوقت مجيئه رغم وجود نبؤات كثيرة بمجيئه ، لهذا قال لهم ( إذا كانت السماء حمراء صافية عند الغروب ، تقولون : سيكون صحو ! .... أما علامات الأزمنة فلا تستطيعون الأستدلاال عليها ! جيل شرير خائن يطلب آية ، ولن يعطى آية إلا ماحدث للنبي يونان ، ثم فارقهم ) " مت 16: 2-4 " وكان يقصد بأن يونان كان رمزاً للذي كان يتحدث إليهم . نعم مجيئ المسيح المنتظر كان مخفياً على أبناء أورشليم لهذا قال لها باكياً ( ليتك أنتِ أيضاً ، في يومك هذا ، عرفت مافيه سلامك ! ولكن ذلك محجوب الآن عن عينيك . فستأتي عليك أيام يحاصرك فيها أعداؤك بالمتاريس ، ويطبقون عليك ، ويشددون عليك الحصار من كل جهة . ويهدمونك على أبنائك الذين فيك ، فلا يتركون فيك حجر فوق حجر ، لأنك لم تعرفي وقت أفتقاد الله لك ) " 19 : 41-44 " . 
   كان اليهود يظنوه أبن يوسف النجار ، وليس المسيح إبن الله . عاش ثلاثين سنة مختفياً على الجميع ، وحتى والداه لم يكتشفوا فيه بأنه أبن الله رغم علمهم بسرتجسده . فمثلاً أشار لهم في الهيكل عندما كان صبياً جالساً مع علماء الشريعة . رد على كلام أمه الذي كان يحمل العتاب ، فقال ( لماذا تطلباني ، ألم تعلما أنه ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي ؟ ) رد إلهي كشف لهم السر وعاتبهم لأنهم يعرفون بأنه أبن الآب السماوي ، وأزاح الستار عن السر المخفي على الناس ، لكنهم يعلمون بأنه ليس أبن يوسف ، بل هو أبن الآب الأزلي ، وهو في بيت أبيه " الهيكل " .
   بعد عماده في نهر الأردن ، ابتدأ بنشر رسالة الإنجيل ، وكان معروفاً للجميع ، بشكله وهيئته وجماله . لكننا نقرأ في الإنجيل بأنه كان يمتلك قدرة كبيرة على الإختفاء السريع جداً أمام الأنظار ، فلوقا الإنجيلي دَوّنَ لنا ثلاث مرات لإختفائه وكذلك يوحنا ثلاث مرات في إصحاحات إنجيله . جاء في أنجيل لوقا أنه دخل في مجمع مدينة الناصرة ودُفِعَ إليه سفر إشعياء ليقرأ الآية التي تقول ( روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين .... ثم قال لهم : اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ) وبعد ذلك ابتدأ الجدال بينهم إلى أن أمتلأ الجميع غضباً حين سمعوا اقواله ، فأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل ، أما هو فجاز في وسطهم ومضى ) " لو 4: 24- 29 " فكيف توارى عن أنظارهم ، وأين اختفى وهو في وسطهم منذ أن كان في المجمع وإلى رأس الجبل ؟ 
  تفسيرنا هو أنه تحول إلى شكل غير منظور واختفى من وسطهم فجأة لكي يظهر بعيداً عنهم . وكذلك أتحفنا البشير لوقا بقصة أخرى بعد قيامته من بين الأموات ، فقد ظهر فجأة مع تلميذي عمواس بشكل غير معروف ، أي أمسكت أعينهما من معرفته ، وسار معهم كأنسان مجهول يشرح لهم الكتب التي تحدثت عنه إلى أن دعياهُ للدخول إلى منزلهما ليتعشى معهما ، فوافق . عند كسر الخبز فَتَحض أعينهما ليعرفاه ثم أختفى عنهما ( لو 24: 30 -31 ) . 
   أما في أنجيل يوحنا فنقرأ في الأصحاح السادس عقب معجزة إشباع خمسة آلاف شخص من الخبز والسمك ، أمر تلاميذه ليغادروا وحدهم بقاربهم ، أما هو فصعد إلى الجبل وحده ، وبعدما جذف التلاميذ نحو ثلاثة أميال أو أربعة ، رأوا يسوع يقترب من القارب ماشياً على ماء البحيرة ، فاستولى عليهم الخوف ( يو 6: 15-20 ) ، بل يقول البشير متى ( ظنوه شبحاً فخافوا وصرخوا ) " مت 14: 25- 27 ) نقول ، إن لم يتمكنوا من مشاهدة ملامح وجهه بسبب الظلام ، فلماذا لم يميّزوا شكل جسده المعروف لديهم ، علماً بأنهم يعرفون بأنه ظَلَ في الجبل لوحده وله القدرة في اللحاق بهم ! . 

   أبرز المعجزات في تغيير هيئته بشكل عجيب ليظهر على حقيقته أمام التلاميذ الثلاثة فكانت على جبل التجلي عندما تغيّرَ وجهه إلى شكلاً منيراً مدهشاً ، ولون ملابسه التي صارت بيضاء تتلألأ كالبرق ( طالع لو 29:9 ) .
    وفي أثناء الإحتفال بعيد تجديد الهيكل في الشتاء حضر يسوع وتجمع حوله اليهود ، وقالوا له ( إن كنت أنت المسيح حقاً ، فقل لنا صراحةً ... فختم جوابه لهم بالقول ( أنا والآب واحد ) فرفعوا مرة ثانية حجارة ليرجموه ، ثم أرادوا ثانيةً أن يلقوا القبض عليه ، ولكنه أفلت من أيديهم ، ورجع إلى الضفة المقابلة من نهر الأردن ( يو 39:10 ) . 
   استطاع يسوع أن يغيّر شكله أو يخفيه بسرعة قبل موته لكي لا يستطيع أحداً من النيل منه قبل أن تأتي ساعته . لا شك أن اليهود قد أدركوا هذه الحقيقة بأن له القدرة الفائقة على الأختفاء والظهور السريع ، ويسوع لم يكن له طاقية الأختفاء السحرية ليصبح غير منظور كالتي نقرأ عنها في القصص الخيالية ، كما لم يضربهم بالعمى لكي لا يبصروه ، بل كانت أعماله المعجزية واضحة أمام الجميع ، لهذا فرحوا بتلميذه الخائن عندما اقترح لهم بتسليمه إليهم مقابل الفضة . لكننا أيضاً نقول بأن يسوع كان يقدر أن يختفي أيضاً عن أنظار الجميع وحتى يهودا ، أو كان يستطيع مغادرة المكان مع تلاميذه قبل وصول القوة التي جاء بها الأسخريوطي . لكنه أراد أن يسلم نفسه طوعاً لأن الله الآب أيضاُ  أراد ان يشرب الكأس لكي يتمم رسالة الخلاص على الصليب ، لهذا قال لرؤساء الكهنة وقواد حرس الهيكل والشيوخ الذين اقبلوا عليه ( أكما على لصٍ خرجتم بالسيوف والعصي ؟ عندما كنت معكم كل يوم في الهيكل ، لم تمدوا أيديكم عليّ ، ولكن هذه الساعة لكم ، والسلطة الآن للظلام ! ) " لو 22: 47-53 " . 
 وبعد القيامة ، كان أول ظهور له لمريم المجدلية عند القبرولم تعرفه  ، كما كان يظهر كل مرة لتلاميذه بهيئة جديدة ، فعلى بحيرة الطبرية عندما أمرهم بإلقاء الشبكة إلى يمين القارب ، إلتقوا به بعد نزولهم من القارب وشباكهم مليء بالسمك ، فرأوا أن صورته قد تغيرت عما رأوه سابقاً في العلية بعد القيامة ، ولم يجرؤ أحد منهم أن يسأله من أنت ؟ ( يو 19:20 ) . كما ظهرلبطرس و لشاول الطرسوسي على شكل نور في طريق دمشق وفي الهيكل . ليتمجد أسمه القدوس   
للمزيد طالع مقالاتنا السابقة عن الظهور والإختفاء والتغييرات في شكل يسوع في المقالات التالية :

تغيرات في وجه وشكل يسوع قبل وبعد القيامة . 
يسوع يقتحم الأبواب المغلقة
ظهورات يسوع بعد القيامة
الظهورات وموقف الكنيسة الكاثوليكية منها 
ظهور الله لصديقه أبراهيم
تغيرات في وجه يسوع قبل وبعد القيامة 
إخفاء يسوع شخصيته على الأرض 
 



73


العلاقة بين فصح العهد القديم والجديد

بقلم / وردا إسحاق قلّو
    عيد الفصح هو من أكبر الأعياد عند اليهود والمسيحين ، وله عدة أسماء ، كعيد البصخة أو الفصح ، وبالسريانية ( بصحا ܦܸܨܚܵܐ) وبالعبرية ( فيساح ) . وعيد القيامة .
    عيد الفصح كان يحتفل به المسيحين في القرون الأولى بنفس وقت إحتفال اليهود أي في الرابع عشر من نيسان كل عام ،  لأن يسوع له المجد قام من بين الأموات في الفصح اليهودي ، في يوم الأحد .  لكن الكنيسة قررت في مجمع نيقية فصل العيدين .
الفصح اليهودي في العهد القديم ، بدأ بذبح حملاً أو جدياً  لكل عائلة في ليلة خروج الشعب اليهودي من مصر ( طالع خر 21:12 وتث 2:16 ) والحمل المذبوح يجب أن يكون سليماً ، يذبح دون أن يكسر أحد عظامه , ذلك الحمل المذبوح كان رمزاً لحمل العهد الجديد الذي سيراق دمه على الصليب لأجل دفع الفدية عن خطيئة الإنسان وإنقاذ البشرية من الموت  . حمل العهد القديم لن يحررالإنسان من الخطيئة والموت الأبدي . أما حمل العهد الجديد الذي هو سر الفصح الجديد ، وهوعهد أبدي غير قابل للفساد ، بل يبقى خالداً .
   ذبح حمل العهد الجديد على مذبح الصليب ، بعد أن سيق كالخروف إلى الذبح دون أن يفتح فاه ، لا صوت له . ذلك الحمل لم يكن خروفاً ، بل إلهاً صار بديلاً عن الحمل . فبدل الخروف حل إلهاً متانساً . وفي ذلك الإنسان كان المسيح الذي يحتوي كل شىء ، بصلبه ، وموته تحت رتبة الفصح . وحرفية الناموس أدت إلى المسيح الذي به جرى كل شىء في الشريعة القديمة ، ولا سيما في النظام الجديد ، وفي عهد جديد ، فيسوع أبن الله الذي ولد من إنسان ، سيق كحمل وذبح وورى الثرى كإنسان كامل خالي من العيب الجسدي والروحي ، ثم قام من بين الأموات بقوته الشخصية ، وأثبت لصالبيه آلوهيته ، إذ كان في الطبيعة إله وإنسان . إنه كامل ، كان هو الشريعة ، بصفته سيدين العالم . وكلمة ، بصفته علمنا الإنجيل ، ومخلص ، لأنه دفع الثمن وأعطانا النعمة . فالله الآب بصفته يلد ، ويسوع الأبن بصفته يولد لنا ، ويذبح عنا كالخروف لكي يتألم . كذلك هو إنسان كامل فعليه أن يموت ، كإنسان ليدفع الفدية إلى الله الآب .  وهو إله بصفته سيقوم من بين الأموات بقدرته . فصفاته كلها تحتوي كل شىء لأنها صفات الله ، فهو الكل وفي الكل ( طالع 1 قور 28:15 . وقول 11:3 . وأف 23:1 ) .
   في العهد القديم نظم الرب آلامه الشخصية في الآباء والأنبياء ، وفي الشعب كله ، وكأنه ثبتها بخاتمه بالشريعة وبالأنبياء . وأما كان ينتظر أن يتحقق المستقبل بشكل مهيب لا يصدق ، فإنه يعد من بعيد حتى إذا تحقق ، كأنه جديراً بالتصديق ، لأنه صوّر مسبقاً منذ عهد بعيد ، سِّر فصحه أصدر مسبقاً بشكل غير منظور ، كذبيحة أبراهيم الذي أراد أن يذبح أبنه الوحيد ، فرأى بعين الروح سّر ذبيح العهد الجديد ففرح ، كما قال المذبوح لليهود ( أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح ) ” يو 56:8 ”  . سّر الرب إذاً هو قديم وجديد ، قديم بحسب التصوير الذي نقرأه في أسفار العهد القديم . وجديد بعد أن تم ذبح المسيح على الصليب . فإن نظرنا إلى ذلك التصوير القديم ، نرى الحقيقة من خلال الصليب . ولو طالعنا نبؤات العهد القديم لوجدناها قد تحققت في العهد الجديد ، باسثناء التي تتحدث عن مجيئه الثاني .
    خروف العهد القديم الذي ذبح في مصر ، ضرب أبكار مصر ، وخلص الشعب العبري بالدم المثبت على عتية كل بيت . وامور كثيرة بشّر بها الأنبياء من أجل سر الفصح الذي هو المسيح المنتظر . حلّت قيود العبودية من يد فرعون . ونحن في العهد الجديد أشترينا بدم زكي لنتحرر من عبودية الخطيئة ، بل صرنا أبناء الله . وجعلنا الذبيح أعضاء جسد واحد ، وهو رأسنا . إنه المنتصر الذي غطى الموت بالعار ، وجعل الأبليس في حداد دائم . أنتشلنا المصلوب من العبودية إلى الحرية . ومن الظلمة إلى النور ، ومن الموت إلى الحياة ، ومن الطغيان إلى ملك أبدي .
    هو الذي جعل منا أمة عظيمة ، وكهنوتاً جديداً ، وشعباً مختاراً أبدياً . إنه فصح خلاصنا الذي كان في العذراء متجسداً ، وعلى الصليب معلقاً ، وفي الأرض مدفوناً ، ومن بين الأموات قائماً ، وإلى أعالي السموات مرفوعاً . إنه المسيح ، الحمل الصامت المذبوح ، والنعجة الصالحة المختارة من القطيع ، سيق إلى الذبح ، جرد من ملابسه ، وصلب عارياً ، لكن الطبيعة حنت على خالقها ، فحزن عليه الشمس فلن يرسل نوره لكي يستر عري الخالق ، وليعتم عيون الناظرين الحاقدين في ساعات صلبه  . لم يرتعد ذلك الشعب الظالم ، ولم يشعر ، بل أرتعدت الأرض فحدث الزلزال ، والشعب لم يأخذه الذعر ، بل السموات هي التي ارتعبت . وبما أن الشعب لم ينتحب ، فإن الرب هو الذي رعد السماء ، وإن العليّ هو الذي رفع صوته
   قتل في المساء دون أن يكسر له عظماً ، وقبر في الليل ، في قبرٍ جديد دون أن يفسد جسده الطاهر . ثم قام من بين الأموات منتصراً وكاسراً شوكة الموت ، صاعداً إلى أعلى السموات ، وأقامنا معه وحررنا من الدينونة . فلنقل بإيمان ( قام المسيح .. حقاً قام )

له المجد والقدرة إلى أبد الدهور ، آمين


74
الجمعة العظيمة ودور المسيح في خلاصنا
بقلم / وردا إسحاق قلّو
https://i.top4top.io/p_1915q8dm11.jpg

( لأن أجرة الخطيئة هي الموت ) " رو 27:6"
   كيف يستطيع الإنسان الخاطيء أن يتجنب الخطيئة ؟ الخطيئة هوعمل إنساني حر لكسر وصية الله .
دخلت الخطيئة إلى العالم بإنسان واحد ، ودخل معها الموت الذي شمل جميع البشر . إذاً بإنسان واحد أخطأ الجميع " رو 12:5" . كانت حواء تعرف حكم التمرد على وصية الله قبل أن تخطىء ، فبخطيئتها أثارت غضب الله ، وبفعلها أعلنت العصيان والتمرد . فلأرضاء الله يجب أن يدفع ثمن الخطيئة المقترفة ، وثمن الخطيئة  هو الموت بحسب قول الله لآدم ( ... لأنك حين تأكل منها حتماً تموت ) " تك 17:2 " . إذاً يجب أن يكون هناك موت  ، ولأجل عودة العلاقة . يجب أن يرتبط الحدث بسفك دم ، أي الذبيحة ، لأن ( بدون سفك دم لا تحصل المغفرة ) " عب 22:9 " . وهل للإنسان ذبيحة كاملة ترضي قلب الله ؟ طبعاً ليس للإنسان الخاطىء ذبيحة كاملة تساوي مقام الله الكامل ، لهذا منع الملاك أبراهيم من ذبح أبنه إسحاق فأعطى له حيواناً لذبحه ، وعمل أبراهيم كان رمزاً لعمل الله الآب لتقديم أبنه الوحيد البار .
   كل الذبائح الحيوانية التي قدمت في العهد القديم لن تصل إلى مستوى أيفاء العدل الإلهي الذي يقضي بأطفاء الخطيئة ، هذا ما عرفه الإنسان في العهد القديم ، فبدأ يقدم الذبائح الحيوانية كذبائح المحرقة التي تشير إلى إرضاء الله وإيفاء جزء من عدله ، لكن مُهِمُة تلك الذبائح كانت تغطي فقط خطيئة الإنسان أمام أنظار الله ، لكن لا تغفر له ، لأن ثمن تلك الذبائح لا يساوي العدل الإلهي . فكانت ذبائح المحرقات رمزاً إلى ذبيحة المسيح الكفارية في إرضاء الله الآب كما كانت تشير إلى طاعة الإنسان الكامل وخضوعه ، وكذلك تُعّبِرعن الندم . فالذبيحة التي قدمها المسيح إبن الله على الصليب نيابةً عن البشرية كلها ، غايتها كانت لترضي العدل الإلهي لأنه إله وإنسان كامل وطاهر من دنس الخطيئة .
  كانت ذبيحة المحرقة هي أقدم الذبائح التي قربها الإنسان إلى الله ، لذلك دعيت قرباناً ( تك 5:4 ) وأستمر الإنسان بتقديم الذبائح على المذابح لكي يتنسم الرب رائحة الرضا والسرور ، لهذا قال : لا أعود ألعن الأرض أيضاً بسبب الإنسان ( تك 8: 20 -21 ) . كانت تلك الذبائح كلها للمحرقة في داخل نار مشتعلة والتي تمثل نار العدل الإلهي ، فتظل فيها النار حتى تحولها إلى رماد . دون أن يتناول منها الكاهن ولا من يقدمها ولا أحد من الحاضرين ، لأنها للنار فقط . كما كانت ترمز إلى المسيح الذي قضى على الصليب حتى الموت لإرضاء العدل الإلهي في عملية الفداء وبه سّرَ الآب عند موته على صليب في جمعة الآلام ، جمعة الحزن والموت ، وبموته الشنيع تمت المصالحة  . قال أشعياء النبي ( .. الآب سّرَ أن يسحقه بالحزن ) " 10:53 " . وعلى مذبح الصليب طعن بالحربة ، فصار خشب الرمز حقيقة ( خشب المعد لذيح اسحق والخشبة التي صلب عليها موسى الحية النحاسية ، وخشب فلك نوح ، كل هذه كانت صِوّر لصليب الجلجلة ،  ومن جنبه على الصليب خرجت بيعته المقدسة لتصير معه جسداً واحداً ، إنه لسّر عظيم ، يشير إلى سّر المسيح وكنيسته ( طالع أف32:5) .
    إذاً الثمن الحقيقي للخطيئة هو فداء الرب يسوع بموته على صليب الجلجلة في يوم الجمعة العظيمة ، فكان ذلك هو الحل الوحيد لأنقاذ الإنسان . ولهذا تجسد المسيح وأتخذ له جسداً بشرياً قابلاً للموت ، فعندما أتحد الكلمة الإله بذلك الجسد البشري فأصبح إنساناً مستحقاً للذبح نيابتاً عن الجميع ، ويبقى في القبر ثلاثة أيام في عدم فساد بسبب إتحاد اللاهوت بذلك الجسد البشري . وهكذا قَدّمَ لله الآب ذلك الجسد الطاهر الذي أخذه من العذراء مريم ذبيحة طاهرة كاملة خالية من كل عيب فنال رضى الآب فدفع الثمن وتمت المصالحة . هكذا قدم الكلمة الإله هيكل جسده المقدس فدية عن حياة كل البشر موفياً دين الجميع بموته .
   المسيح وحده إذاً كان بمقدوره دفع الثمن الغالي لفداء البشر ، لأن البشرية كانت عاجزة عن إنقاذ نفسها ، لهذا تحمل الإبن الإله العقوبة لوحده ( داس المعصرة لوحده ) وبإرادته ومشيئته ، وليس لمجرد الطاعة للآب . نعم إنه أطاع حتى الموت موت الصليب ( في 8:2 ) فهذا يشمل الناسوت فقط ، لأن لاهوت المسيح لا يدركه موت ومتحد مع الآب ( أنا والآب واحد )  . فالمسيح مات بالجسد أي ( يسوع الإنسان ) مات بإرادته الحرة وحسب قوله ( أضع نفسي لآخذها .. لي سلطان أن أضعها ، ولي سلطان أن آخذها أيضاً ) " يو 10 : 17-18 " كما قال ( هذا هو جسدي الذي ابذله من أجل حياة العالم ) " يو 51: 6 " . إذاً هو الذي بذل نفسه ، وليس لمجرد الطاعة للآب ، وكذلك تلك الطاعة تعني إتفاق مشيئة الآب والإبن معاً . كان يعرف بأنه لأجل فداء البشر جاء إلى العالم . إذاً علينا أن لا نغقل مشيئة المسيح ودوره في الفداء ، لأن في ذلك إنقاص لمحبته لنا ، هذا الذي وضع وبذل وسلّمَ ذاته للموت لكي يفدينا ويخلصنا بكامل إرادته بسبب محبته لنا ، قال إشعياء النبي ( سكب للموت نفسه ) " 12:53 " . . أنه الحمل الفصحي أو العهد الجديد بين الله والبشر .  مات الفادي على الصليب لكي يفدي. أنه الحمل الفصحي أو العهد الجديد بين الله والبشر .   كل من يؤمن به وأستعاد لآدم مجده الضائع كإبن الله .
ليتمجد اسم يسوع المصلوب .


75
عيد السعانين  ... عيد النصرة والفرح
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( ابتهجي جداً يا ابنة صهيون ، أهتفي يا بنت أورشليم ، هوذا ملكك يأتي إليك . هو عادل ومنصور ، وديع راكب على حمار وجحش ابن أتان ) " زك 9:9 "
https://b.top4top.io/p_1907xine21.jpg
   تنبأ زكريا النبي بيوم دخول الرب الأنتصاري إلى أورشليم فوصف دخوله بأحترام فائق لم يتوقعه قادة اليهود . استقبله شعب أورشليم بالأبتهاج والفرح والغبطة لأنه ملك منصور ، ووديع راكب على حمار لا على حصان مزين بالحلي كما كان يفعل معظم الملوك المنتصرين العائدين من المعارك . كان استقبال يسوع من قبل الشعب رسالة ودرس في التواضع الذي أظهره يسوع أمام الجميع من جهة ، وميل الجمهور كله له بهتاف وفرح من جهة أخرى .
   يسوع الإله المتجسد أختار حماراً وعرف موضعه ، وأكد لمن أرسلهم لإحضاره بأن هناك من يسألهم عن سبب فك رباط الأتان والجحش ، وما هو الجواب الشافي لإقناع السائلين ؟ الجواب لأنه الإله المتجسد والموجود في كل مكان ويقرأ حتى ما في القلوب والأذهان ، كما كان يقرأ أفكار الكتبة والفريسيون والكهنة ،  ويعلم بكل أحداث المستقبل .
   تم إحضار الحمار فوضع التلاميذ ملابسهم عليه بدلاً من السرج ، فركبه يسوع وسار بين الجموع المحتشدة في شوارع المدينة . من أين أتت تلك الجموع ، وما هي الأسباب التي دفعتها إلى إعلان البيعة للرب ، وكيف عرفت أن يسوع هو إبن داود ( أي المسيح ) ؟ كذلك نقول كيف كانت تشهد له وتهتف قائلة ( أوصانا لإبن داود ) أو ( هوشعنا لإبن داود ) ؟ كلمة هوشعنا مركبة وتعني ( فلنفرح بالخلاص الحاضرهنا والآن ) . الشعب كان يعلم بأنه من نسل داود الملك . أما أوصانا في الأعالي فهو ( لتصرخ الملائكة ) .
   التلاميذ وضعوا ملابسهم على الحمار ، أما الشعب فخلع كل منهم ردائه ليفرش له الطريق ، وخلع الرداء يعني خلع القديم من أجل الجديد ، كما فعل الأعمى بريماوس في أريحا الذي أخذ يصيح ( رحماك يا ابن داود ، يا يسوع ! )  ألقى رداءه وَوَثبَ وجاء إلى يسوع ( مر 10 : 46 ، 50 ) . كما قطع الجموع سعف النخيل وطرحوه في طريق الرب لأن سعف النخيل يرمز إلى النصرة وكذلك سعف الزيتون الذي يرمز إلى السلام والأستقرار والحياة الجديدة . عَلّمنا نوح بعد فترة الطوفان واستقرار الفلك . نقول بأن مشيئة السماء هي التي دفعت الجموع إلى هذا الحضور والهتاف بكل قدراتها لأستقبال السيد ، فأخذ الصغار والكبار مع التلاميذ يعلنون شهادتهم قائلين ( هوشهنا لإبن داود ! تبارك الآتي باسم الرب هوشعنا في العلى ) " مت 9:21 " . الجموع لا تعلم ماذا تقول ، وما هي القوة الخفية التي جمعتهم ودفعتهم للإعتراف بالراكب على جحش ابن أتان بهتافات حارة ضجت أورشليم كلها وشعرت بالقوة الداخلة إليها فسألت : من هذا ؟ فأجابت الجموع المحتشدة ( هذا هو النبي يسوع من ناصرة الجليل ) تلك اليد الخفية التي عملت فيهم هي من الروح القدس الناطق على ألسنتهم ، فلهذا عندما عارض كهنة اليهود طالبين من الرب أن يسكتهم ، فأجابهم ( إن سكتوا هؤلاء فالحجارة تنطق ) .
   عادت الجموع بعد أيام قليلة بعد أن هتفت له لكي تقف مع كهنة اليهود أمام بيلاطس البنطي لتهتف قائلةً " أصلبه أصلبه " .
   تحتفل الكنيسة المقدسة بعيد السعانين في يوم الأحد من الأسبوع السابع للصوم ، فتخرج الجموع المؤمنة من كنائسها حاملة أخصان الزيتون أو سعف النخيل لكي تطوف حول كنائسها ، أو في شوارع المدن والقرى وأمامهم من يحمل صليب الرب المزين بتلك الأغصان هاتفين الأناشيد الخاصة بهذه المناسبة متذكرين يوم دخول يسوع إلى أورشليم . نطلب منه ان يدخل إلى أورشليم قلوبنا ويباركنا .
ليجعل الرب عيد هذه السنة عيد فرح وسلام في العالم كله .   



76
معجزات يسوع في إحياء الموتى وإقامة لعازر نموذجاً

بقلم / وردا إسحاق قلّو   
عندما نتناول النصوص الخاصة بإقامة الموتى من قبل يسوع المسيح . نلاحظ فيها العطف والحنان أولاً ، ومن ثم الرحمة تظهر في نظرات يسوع إلى ذوي الميت الذين فقدوا عزيزاً من بينهم . وبسبب تلك المحبة يبدأ بإعادة الأمل والفرحة في النفوس بعد إعادة الحياة إلى الجسد الذي فارقه الروح . فيبعث في ذلك الجسد القدرة على الحياة ، وبعد المعجزة يتمجد إسم يسوع الخالق الذي به خُلِقَ الكّون كله ، ويتمجد الله في خليقته الجديدة التي انبعث فيها الحياة . المعجزة الأولى من معجزات يسوع في إعادة الحياة إلى جسد الميت كانت للشاب الميّت في قرية نائين الصغيرة الواقعة إلى غرب جبل التجلي ، أعاد الحياة إلى من كان وحيداً لأمه  الأرملة بعد أن فارق الحياة . كانت تلك المرأة رغم موت وحيدها محظوظة جداً بسبب مرور يسوع بالقرب من موكب الجنازة . كان المنظر مؤلم جداً وكل أبناء القرية كانوا حزينين على وحيد لأمه الوحيدة الحزينة . فمن يستطيع أن يشاهد ذلك المشهد من دون ان يشعر بحزن عميق في قرارة نفسه ، فكيف يستطيع يسوع المحب لكل البشر أن ينقذ ذلك الموقف ويعيد الفرح ؟
   نظر يسوع أولاً مع تلاميذه إلى ذلك الموكب الحزين ، وركّز نظراته على الأم المؤلمة الباكية ، فبدأ يحن عليها ، ومن ثم يتدخل ليواسيها بقوله لها ( لا تبكِ ) وبعد ذلك دار نحو النعش ولمسه ، فوقف حاملوه . كان تدخلاً غريباً لا يفهم غايته في تلك اللحظات المحرجة . وقف المسير ، وبدأ ينادي الميت قائلاً ( يا فتى ، أقول لك ، قم ! ) فصعق السامعون من طلبه . لكن سرعان ما استولى الخوف عليهم ، لأن ذلك الشاب سمع الصوت الإلهي الذي أعاد إليه الحياة فبدأ يجلس ويتكلم ، ثم سلمه يسوع إلى أمُهُ . فحوّلَ حزنها إلى فرح . . بدأ الجميع يمجدون الله لأنهم رأوا في ما حدث رسالة محبة من الله لهم ، فقالوا ( قام فينا نبي عظيم ، وأفتقد الله شعبه ) . يسوع أعطى لتلك الأرملة ولداً مرتين ، الأولى عندما ولدته ومات فحزنت . والثانية عندما أعاد إليه الحياة بعد أن خطفه الموت من بين يديها ليكون لهاً فرحاً وإيماناً بخالقها المحب .
    أما المعجزة الثانية ، فكانت في إحياء إبنة يايرس ، رئيس المجمع في كفرناحوم الذي انطرح عند قدمي يسوع متوسلاً إليه لكي يرافقه إلى بيته لأن ابنته الوحيدة مشرفة على الموت ، وعمرها أثني عشر سنة . لكن يسوع أبى أن يحضر في الوقت الذي كانت الصبية مريضة ، وكما حصل للعازر  رغم استلامه خبر مرضه من أختاه مريم ومرتا . ماتت الطفلة ، ووصل المبعوثين من هناك ليخبروا والدها بأن الطفلة فارقت الحياة . كان يسوع يستطيع أن يشفيها بكلمة منه عندما طلب منه والدها دون أن يذهب ، لكن لله رأيه وحكمته . وصل مع والدها وتلاميذه إلى البيت فرأى الجميع في مناحة ، يبكونها ويندبونها ، لكنه وبكل ثقة قال لهم ( لا تبكوا إنها نائمة ! ) فضحكوا منه لأنهم يعلمون بأنها قد ماتت . لم يدع يسوع احداً يدخل معه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا وأبا الفتاة وأمها فقط . أمسك بيد الميتة ، ونادى قائلاً : ( يا صبية ، قومي ! ) فعاد إليها الروح ، فعاد الفرح إلى الوالدين ليتمجد أسم الرب في مخلوقاته .
  أما الميت الثالث الذي أقامه يسوع في قرية بيت عنيا فكان صديقه لعازر . قصته مختلفة ، بل معقدة لأن الميت هنا منتن في القبر بسبب موته قبل أربعة أيام . ولماذا مكث يسوع أربعة أيام ؟ الجواب ، لأنه يريد أن يثبت قدرته الإلهية ويتحدى القوانين وكل مألوف ومعروف لدى اليهود الذين كانوا يعتقدون بأن الروح قد تعود إلى الميت خلال ثلاث أيام من موته . أما بعد ذلك فمحال . ولهذا لم يحضر يسوع في حينها ؟ لأنه أراد أن يموت أولاً وبعد ذلك يذهب ، وهذا واضح من كلامه لتلاميذه عندما قال لهم ( هذا المرض لا يؤول إلى الموت ، بل إلى مجد الله ، ليتمجد به إبن الله ) . الأختان عاشتا في صراع وصدمة بين ثقتهما بيسوع ومحبته لهن ، وبعدم إعارته لرسالتهن أي إهتمام وذلك لعدم مجيئه . ومات أخوهن ، فهل فقدن الثقة بيسوع ومات فيهن الإيمان ؟
  يسوع يعلم بالساعة التي مات بها لعازر، لهذا قال لتلاميذه في لحظتها ( قد مات لعازر ) ورغم ذلك أضاف على كلامه قائلاً ( يسرني ، من أجلكم كي تؤمنوا ، إني لم أكن هناك ، فلنمضِ إليه ) . وَصَلوا إلى بيت عنيا بعد موت لعازر بأربعة أيام فقابلته مرتا ، نظرت عيناه الإلهيتان إلى قلبها ففهم إنها ستعاتبه بقولها ( يا رب ، لو كنت هنا لما مات أخي ) لكنه أدرك عمق إيمانها الذي دفع بها لتتابع كلامها قائلة ( ولكني ما زلت أعلم أن كل ما تسأل الله ، فالله يعطيك أياه ) إذاً كان عدم حضوره أمتحاناً لأيمانها . كان يسوع ينظر إلى عينيها بكثير من الحنان ، تلك العيون التي ارهقتها الدموع بسبب البكاء ، فقال لها ( أنا القيامة والحياة ، أتؤمنين بهذا ؟ ) فقالت له ( نعم يا رب ، إني أؤمن بأنك المسيح إبن الله الآتي إلى العالم ) هذا هو الإيمان الذي ينقل الجبال ، بينما قيافا وشيوخ اليهود لم يكتشفوا هذا السر العظيم بأن مسيا المنتظر هو بينهم ، ويعمل معجزات خارقة كل يوم لم يعمل مثلها أحد .  أما تعزية يسوع لمرتا فكانت ( أنا القيامة والحياة ) وبهذا سكب في قلبها العزاء وادركت أن الموت هو ولادة جديدة وبداية إنبثاق لفجر جديد .
   جاءت مريم أيضاً فتوجه الجميع نحو القبر ، وعندما بلغوا القبر يوجز لنا يوحنا بأنجيله ما حدث بكلمات ثلاثة من الصعب جداً على القارىء أن ينساها ( فدمعت عينا يسوع ) ولماذا بكى علماً بأنه سيقيمه من بين الأموات ؟ بكى لكي تدرك مرتا ومريم ونحنُ كم أن قلب يسوع يحزن لأحزان البشر ، وكم هو يشاركنا عمق الأسى الذي نحس به عندما تزعزع حياتنا عاصفة الموت ، ودموعه ما هي إلا علامة لما في قلبه من حب صادق لكل متألم . ومن عمق مشاركته للإنسان في ما يمر به من أحزان في حياته اليومية .
   أمر يسوع برفع الحجر ، ومن ثم صاح بأعلى صوته ( يا لعازر ، هلّم فأخرج ) في تلك اللحظة توقفت الحركة في الجمع الحاضر ، وساد السكون ، وتركزت العيون على مدخل المغارة ، والقلوب تنبض بسرعة . هنا وضع يسوع مصداقيته على المحك ، فإذا كان هو الله الخالق فسوف يقوم لعازر ، وفجأةً حدثت المعجزة التي أذهلت العقول وعيون الحاضرين فدهش الجميع . هل هم في حلم ، أم في يقظة ؟ لأن الميت المنتن المشدود اليدين والرجلين بالعصائب ، وملفوف الوجه بمنديل خرج من القبر . هزهذا الخبر قادة سنهدريم اليهود فعزموا منذ ذلك اليوم على قتل يسوع ولعازر أيضاً . قتلوا يسوع ، لكنهم لا يعلموا إن الذي أقام لعازر المنتن والمدفون منذ أربعة أيام ، له القدرة أن يقوم بعد ثلاثة أيام ويتحداهم وينهي مملكتهم ويسلّم الكرم إلى غيرهم وسيُهدم هيكلهم عن قريب وإلى الأبد .
ختاماً نقول : كان سبب عدم حضوريسوع في بيت عنيا عندما تمرض لعازر لكي يكون فرح للرسل وللأختين ولكثيرين ، فقيامة لعازر بواسطة يسوع أعطت لنا جميعاً دفعاً جديداً لأيماننا ، وتذكير بدعوة المسيح المحي للأموات ، لكي يخرج الجميع من قبر الخوف والقلق إلى نور الحياة ، نور القيامة ـ فكل من يؤمن في العالم بالمسيح وأعماله ويعلن إيمانه سيتحرر من ظلامه ليدخل نور وسر المسيح . إنها ولادة جديدة ، بل حياة جديدة مع المسيح الإله

77

سباق الحب ليسوع بين مرتا ومريم
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( كما أنّ إبن الإنسان لم يأتِ ليخدَم بل ليخّدم ، وليبذل نفسه فديَة عن كثيرين ) ” مت 28:20″
  الحب الحقيقي هو الفرح مع يسوع ، فكل حياتنا وصلاتنا وخَدماتنا هي تعبير عن حبنا لله ، نعملها بدافع نعمة الروح القدس فينا ، والحب الأعظم وأروع من أي عمل أو خدمته ، هو اللقاء مع يسوع لأنه الهدف والفرح والسلام الحقيقي ، فعلينا أن نعرف كيف نلتقي به لنتمتع بحبه وبكلماته التي تقودنا إلى الطريق الصحيح . فطرق اللقاء به كثيرة . لكن هناك طرق أقصر تأخذنا إليه ، وهو يريد أن نكون بقربه . أعمالنا قد لا تفيد بقدر محبتنا الصافية والطاهرة له . وهذا أفضل مثال على ذلك : دخل إلى بيت الأختين مرتا ومريم . كانت مرتا منهمكة بأمور الضيافة وعلى الأرجح كانت هي الأخت الكبرى التي تدير المنزل ، وهي التي تقرر ما يجب أن يهيء لأستقبال الضيف كإعداد الطعام الذي هو بالنسبة لها الأمر الأساسي الذي يجب أن يفعله صاحب البيت ليرضي ضيفه . أما مريم فاختارت الجلوس أمام قدمي الضيف ، ولم تبالي لأمر أختها لأن نظرها مركز صوب كنزها فلا تريد أن تفارقه . وعندما احتجت مرتا لدى يسوع ، فأجابها : ( مرتا ، مرتا ، أنت تقلقين وتهتمين بأمور كثيرة ، مع أن الحاجة إلى شىء واحد ، فمريم أختارت النصيب الأفضل ، ولن ينزعه أحد منها ) .
  ظنت مرتا بأن حبها ليسوع يفوق حب اختها ، ولكن حبها توقف على صورة تحملها في قلبها ، أي تريد أن تحبه بطريقتها فهذا ما منحها الرضا والثقة بنفسها فتمنت أن يتجاوب يسوع مع حبها لكي تكون هي المميزة ، وأن لا ينافسها أحد بحبها له . فكانت تتوقع بأن يسوع سيفهم حبها له بسبب خدمتها وعملها ، وبسبب جهدها الشخصي ستربح يسوع أكثر من أختها . أي بمثابة نوع من الإغراء ، أو بسبب ما تقدمه له ستملك عليه ليكون لها وحدها . لكن نظرة يسوع كإله تختلف عن ما نتوقع نحن البشر، لأنه يريد أن يلتقي مع حقيقة المرء في إنسانيته الطاهرة والمجردة من حب الأنا ، وهذا أفضل من الطعام التي تعده أو الخدمة التي تقوم بها له كضيف . عملها يفسره كهروب من الجلوس بجنبه وسماع كلمة الحياة والخلاص من فمه المبارك وكما فعلت مريم . مرتا تتعب في سبيل يسوع ، ويسوع لن يأتي لكي يُخدّم ، بل ليخدِم . وخدمته هي تعليم الإنسان طريق الخلاص . فما كان يريده منها هو أن تسمح له أن يمنحها هو حبه وخدمته ، أي كلمته للحياة والفرح والحرية والخلاص .
  عجيب هو الإنسان ، يحب ، لكنه يخاف من اللقاء بالحب الحقيقي ، لأن الحب يجعله يفقد زمام الأمور ، ويقوده بالتأكيد إلى حيث لا يدري ، فهو يأخذه إلى أعماقه الإنسانية ليعرف طعم الحياة والفرح بفضل حبه . المحب يتطلع إلى أمر واحد ، وهو أن يستقبله المحبوب في حياته . والحب يمر بالموت عن الذات للعيش في الآخر . أستسلم للحب الذي يقود الحياة ، قال يسوع ( لأن الذي يريد أن يخلص حياته يخسرها ، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها ) ” مت 16: 25 ” هذا هو منطق الحب الحقيقي .
  تحول استقبال مرتا ليسوع إلى الأستحواذ عليه ، وعنى لها الحب أن تعمل من أجله بغية الإحاطة به ، أختارت الغيرة في قلبها ، ومع الغيرة جاء الإحباط والفشل ، فصوّرَت بأن مريم أختطفت يسوع منها بجذبه تجاهها وذلك بالجلوس عند قدميه ، لهذا طلبت من يسوع أن يصرفها إلى العمل . ومن الممكن وحتى وإن سمح يسوع لمريم بأن تذهب إلى أختها قد لا ترضى بعملها في إعداد الطعام لكي تتظاهر بأنها هي وحدها قد أعدت المائدة . وهنا نجد التناقض بإتهام أختها بالتقاعس والإنسحاب من واجب خدمة الضيف ، كما تتهم يسوع أيضاً بسبب قبوله ببقائها عنده بدون أن يحثها لمساعدتها . حب مريم كان الأقوى ، وقد أظهرته في ليلة الآلام عندما تناولت قارورة طيب غالي الثمن من الناردين النقي وسكبتها على قدمي يسوع ومسحتها بشعرها ” يو 3:12 ” .
  يسوع كان يحب مرتا أيضاً ، وحبه لها كان يفوق ما يمكن أن تدركه ، لا وبل أعمق بكثير عن ما كانت تنتظره ، هو يريد أن يعطيها ذاته ، أي حياته على الصليب ولم يكن بحاجة إلى عملها وخدمتها .

  ختاماً نقول : قال يسوع ( الحاجة إلى واحد ) وهو سلام القلب الذي يقود الإنسان إلى يسوع ، إلى الوداعة لروحه القدوس الساكن والعامل في الإنسان المؤمن . بأعمالنا الشخصية لا نستطيع أن نربح يسوع كأعمال مرتا التي كان عليها أن لا تغضب وتتذمر كعمال الساعات الأولى في الكرم ، فصاحب الكرم الكريم أعطى لعمال الساعة الأخيرة مثلهم ، لا وبل قبلهم ” مت 20 : 1-16 ” فبدأ الأولون يتذمرون كمرتا دون أن يدركوا كَرَمهُ وسخاءه ، ولم يفهموا حبه لهم جميعاً ، وهو الذي دعاهم إلى الكرم لكي يعطي لهم القيمة ، وعندما يفقد العمل دوره كوسيط في العلاقات الإنسانية يصبح وسيلة لأظهار الذات وتمجيدها ثم الضغط على الآخرين لأستغلالهم بسبب القلب الذي يخترقه الحسد . على الإنسان أن لا يذكر خدمته للآخرين ، بل أن يقدمها بمحبة ونقاء الضمير ، ويقول ( فما أنا إلا خادم ، فعلت ما كان يجب أن أفعل ) ” لو 17: 7-10 ” فمن يريد أن يعيش في الفرح التام ، يصير خادماً للحياة في الآخرين مقتدياً بيسوع الخادم والفادي . له كل المجد .

78
وليمة ملكوت الله
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( طوبى لمن يتناول الطعام في ملكوت الله ) " لو 16:14 "
    قبل أن ندخل في موضوع الوليمة علينا أن نتعرَف على معنى كلمة ( الملكوت ) وعبارة ( ملكوت الله ) لكي نستطيع أن نميّز بين المعاني الكثيرة التي تقصدها ، وخاصة ملكوت الله الذي قال عنه المسيح بأنه حاضر بيننا ( لو 21:17  و مت 28:12 ) . قبل أن نطلب ملكوت الله علينا أن نطهر ذواتنا لكي نعيش حياة التقوى في القلب ( مت 32:6 ) وبعدها نطلب ملكوت الله وبره . فالملكوت هو هيمنة الله على ذواتنا بسبب محبتنا له لأنه سيكون مسكننا الأبدي . المحبة تملك القلوب ، فنحب أولاً  كل الناس الذين نلتقي بهم ، ومن خلالهم سنحب الله الذي لا نراه ( طالع 1 يو 20:4 ) فعندما نشعر بأمتلائنا بمحبة القريب ، سنشعر بوجود الله في قلوبنا وفي عقولنا .
    نطالع بعض النصوص الإنجيلية فنجد فيها عبارت ( ملكوت الله ) و ( ملكوت السموات ) . اليهود الأتقياء كانوا يتجنبون من ذكر أسم الله لأنهم كانوا يهابونه لهذا استخدموا لفظة ( أدوناي ) أي السيد الرب ، أو لفظة ( آلوهيم ) أي الله ، وهنا نجد أن العرب على طرف نقيض مع اليهود ، إذ يكثرون من ذكر أسم الله بلا خوف .
   بعد هذه المقدمة عن ملكوت الله علينا أن نتابع خطوات الإنسان نحو الملكوت منذ أن خلقه الله في جنة عدن ، وبعدها سقط وطرد منها ، ومن هناك اتجه برحلته للعودة إلى الله ، فانتقل إلى جبل صهيون لكي يعبد الرب ، ويحاول مجاهداً لمغفرة خطاياه للعودة إلى الله ، والله تجسد لأجله لكي ينقله إلى مكان آخر ويسكنه في بيته الذي بناه بدمه على الصليب وهو الكنيسة ، والكنيسة هي ملكوت الله على الأرض ، بل هي صورة للملكوت في السماء التي غمرها بحبه وأعتبرها عروسته ، فخطبها خطبة سرية وأفتداها بآلامه على طريق الجلجلة وعلى الصليب وجعلها سر الأزمان والأجيال ، وترك لأبنائها جسده ودمه في سر رهيب لا تدركه العقول ودعى الشعوب إلى وليمة عرسه في الكنيسة إنها وليمة فصحه التي اقترنت بصليبه عربوناً وباكورة لوليمة الملكوت وضمانة للخلود.
  بدأ يسوع بتأسيس كنيسته وأسرارها ، وخاصة سر الإفخارستيا الذي يشير إلى وليمة الملكوت ، أسسه في يوم خميس الأسرار عندما قال لتلاميذه ( إني لا أشرب بعد اليوم من نتاج الكرمة هذا حتى يأتي اليوم الذي فيه اشربه معكم جديداً في ملكوت أبي ) " مت 29:26 " . مات المسيح على الصليب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين القدرة ليشفع لعروسه التي لا تزال في رحيل خروجها من هذا العالم ، ولا يزال يقدّم ذاته من خلال الأفخارستيا كذبيحة غير دموية فزرع قيامة لجسده السري المنتشر في كل كنائس العالم ، وهكذا نسير بفرح لا يوصف نحو المدينة السماوية المقدسة بقوة الصليب الذي وسِمنا ، وثبتنا به يوم عمادنا وتثبيتنا ، وسيظل كدليل طوال مسيرتنا نحو الملكوت .
   يسوع يصور لنا ملكوت الله بالأمثال ، قال أحد الجالسين على الطعام مع يسوع ( طوبى لمن يتناول الطعام في ملكوت الله ) " لو 16:14 " . أما يسوع فَمَثل ملكوت السموات بملك أقام وليمة في عرس ابنه ، فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فأبوا أن يأتوا .... فغضب الملك ( وانتقم ) ... ثم ارسل عبيده إلى الطرقات
  ليأتوا بالفقراء والكسحان والعميان والعرجان لكي يمتلىء بيته . " أي علينا أن ندعوا اللذين لا يستطيعون أن يكافؤنا بوليمة مماثلة لكي تكون مكافئتنا في يوم الدينونة " .
  كما على الذي يحضر الوليمة أن يكون مستعداً لابساً ثوباً يليق بالأحترام لصانع الوليمة الذي دعاه وإلا سيطرده ، كما تقول الآية ( يا صاحبي ، كيف دخلت إلى هنا وأنت لا تلبس ثوب العرس ؟ ) " مت 12:22 " . كذلك شَبّهَ يسوع عرس الملكوت بعشر عذارى أخذن مصابيحهن لملاقات العريس ، وكانت خمس منهن حكيمات ، وخمس جاهلات . فأخذن الجاهلات مصابيحهن بدون زيت عكس الحكيمات ، وعندما جاء العريس ، نهضت العذارى جميعاً لتجهيز مصابيحهن . وقالت الجاهلات للحكيمات ، إعطنا بعض الزيت من عندكن فأن مصابيحنا تنطفىء ! فأعتذرت الحكيمات . ذهبت الجاهلات للشراء ، لكن العريس وصل ، واغلق الباب . فقالت الجاهلات : يا سيد ، يا سيد افتح لنا ! فأجاب العريس : الحق أقول لكن . أني لا أعرفكن ! فعلينا نحن السهر ،
لأننا لا نعرف اليوم ، ولا ساعة موتنا ( طالع مت 25: 1-13 ) فالدخول إلى وليمة العرس تحتاج إلى إستعداد لائق .
الوليمة السماوية تبدأ من هنا ، فالرب يسوع هو الذي يعمل لنا مائدة سماوية ويدعوا الجميع إليها ، وهي وليمة القربان المقدس في كنيسته المقدسة ، فالمشغولين في أعمالهم ومشاريعهم الدنيوية ليس لهم الوقت للحضور إلى الكنيسة لتناول من مائدة الرب بملابس لائقة ، ملابس الطهارة والتوبة ، أي يرفضون لبس ملابس العرس فلا يستحقون تناول جسد الرب فلكي لا يجلبوا على أنفسهم الدينونة ، يرفضون الحضور ( طالع 1 قور 11: 28-29 ) كل الذين يخلقون حجج للحضور في الكنيسة يرفضون دعوة المسيح لهم ، ويرفضون محبته ، فحتماً سيحاسبهم على أعذارهم في يوم الحساب ، ويرفض دخولهم إلى الوليمة السماوية .
   وليمة الملكوت التي سيقيمها الله الآب ليسوع ولأبناء كنيسته العروس ستدوم إلى الأبد . جسد المسيح ودمه الآن مطموران ، ومدفونان وممزوجان كضمانة في أجسادنا ، أي نحن المؤمنين متحدين بجسده القائم من بين الأموات ، فنحن إذاً متحدين به لأننا جسده وهو رأسنا ، وسنتناول معه الوليمة السماوية ، إنه العريس ، وعرس الحمل قد إقترب ، وعروسته الكنيسة تهيأت للقائه على الغمام لكي يأخذها إلى الوليمة السماوية ( فطوبى للمدعويين إلى وليمة عرس الحمل ) " رؤ 19: 7-9 " سيغسلوا ثوبهم بدم الحمل أيضاً ، وبعد ذلك ( يكون لهم سلطان على شجرة الحياة ، ويدخلون المدينة من الأبواب ) " رؤ 34:22" وهناك ستكتمل غبطتنا .
الترجمة باللغتين الانكليزية والالمانية
The feast of the kingdom of God
Written by / Warda Isaac Qalou
(Blessed are those who eat in the kingdom of God) ′′ Lu 16:14 ′′
Before we enter the topic of the feast, we have to learn the meaning of the word (kingdom) and the phrase (kingdom of God) so that we can distinguish between the many meanings that you mean, especially the kingdom of God, which Christ said about him as present between us (Lu 21:17 And I died 28:12) Before we seek the kingdom of God, we have to cleanse our souls in order to live a life of piety in the heart (Matt. 32:6) and then seek the kingdom of God and His righteousness. . The kingdom is God's dominion over our souls because of our love for him because he will be our eternal dwelling. Love has hearts, we first love all the people we meet, and through them we will love God that we don't see (fortune 1 u2) so when we feel full of love from the near, we will feel the presence God is in our hearts and in our minds. https://ankawa.com/forum/index.php/topic,1011692.0.html. Das Fest des Reiches Gottes
Geschrieben von / Warda Isaac Qalou
(Gesegnet sind diejenigen, die im Reich Gottes essen) '' Lu 16:14 ''
Bevor wir zum Thema des Festes kommen, müssen wir die Bedeutung des Wortes (Reich) und des Ausdrucks (Reich Gottes) lernen, damit wir zwischen den vielen Bedeutungen unterscheiden können, die Sie meinen, insbesondere dem Reich Gottes, das Christus sagte über ihn als Gegenwart zwischen uns (Lu 21:17 Und ich starb 28:12) Bevor wir das Reich Gottes suchen, müssen wir unsere Seelen reinigen, um ein Leben in Frömmigkeit im Herzen zu führen (Mt 32: 6) ) und suche dann das Reich Gottes und seine Gerechtigkeit. . Das Königreich ist Gottes Herrschaft über unsere Seelen wegen unserer Liebe zu ihm, weil er unsere ewige Wohnung sein wird. Liebe hat Herzen, wir lieben zuerst alle Menschen, denen wir begegnen, und durch sie werden wir Gott lieben, den wir nicht sehen (Glück 1 u2). Wenn wir uns also aus der Nähe voller Liebe fühlen, werden wir die Gegenwart fühlen, in der Gott ist unsere Herzen und in unseren Gedanken. https://ankawa.com/forum/index.php/topic,1011692.0.html

79
وحدة المسيحيين وإرتباطهم بالمحبة
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكون الجميع واحداً ) " 21:17 "
    المحبة هي أسمى الفضائل ، تُتَخذ من الله لأنه مصدر المحبة ( الله محبة ) فالوثني والملحد لا يستطيعا أن يؤديا فعل المحبة الحقيقي لأن حب كل منهما  سيفتقر إلى العنصر الجوهري الذي يزيل عنه صفة الحب البشري الوضيع الذي لاقيمة له أمام الحب الحقيقي النابع من خالق الحب . وهذا العنصرهو أن يكون الحُب من صنع الله . فالمحبة إما أن تأتي من الله ، وإما أن لا تكون . ومن هذه النقطة يجب أن تنطلق المحبة الصادقة .
   المحبة عطاء من الله للإنسان ، لهذا يقول الرسول ( ... لأن الله أفاض محبته في قلوبنا بالروح القدس الذي وهبنا أياه ) " رو 5:5 " . مهما حاولنا أن نحب الله بقدراتنا الذاتية ، لم نصل إلى الحب الذي يبتغيه منا كأبناء  ما لم يتح لنا هو نفسه أن نحبه كأولاد بسَكبِهِ روح التبني في قلوبنا . ، لهذا قال الرسول ( إختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة ، إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح نفسه ) " أف 1: 1-5 " المحبة الإلهية تعلمنا الحب للجميع ، حتى لأعدائنا ، ويجب أن نشعر بذلك الحب نحو المؤمنين أولاً ، ولغيرهم ثانياً ، كما تقول الآية ( لنعمل الخير للجميع ولا سيما لأهل الإيمان ) " غل 10:6" . فالمسيحين فيما بينهم هم أخوة وأكثر لأنهم أعضاء في جسد واحد رغم كثرة الأعضاء في الجسم الواحد ( 1 قور 12: 20 ) فالمسيح القائم من الأموات هو مركز الإتحاد والتلاحم لجميع المؤمنين والذي يعتبر كل مؤمن إمتداد لجسده . جميع المؤمنين هم جسد واحد ، وروح واحد ، ورجاء واحد ، وإيمان واحد ، ومعمودية واحدة ، إله وآب واحد للكل " أف 4: 4-6 " . لكن تلك الوحدة التي يلزمها المحبة المتبادلة بين الأعضاء ، أيانا أن ننظر إليها كأنها حقيقة ذاتية ونفسية بحتة ، فالأمر يتعدى ذلك بكثير ، إذ أن إتحاد المسيحيين لا ينتج عن كونهم يحبون بعضهم بعضاً ويؤمنون بالأفكار نفسها ، ومثل هذه المحبة والمشاركة في الأفكار ليست هي سوى الشيء القليل لو لم تكن مبنية على حقيقة موضوعية وخارجة عن إرادتهم . وانهم يحبون ويفهمون بعضهم بعضاً  لأن الروح القدس الواحد يقيم فيهُم حقاً ، والذي سكبه فيهم الرب يسوع ، بعملية نقل سرية لكي يعيشوا حياة واحدة تنبع من ذاته ، ويربطهم بعضهم ببعض في مجال حياة الإيمان أكثر مما تربط قرابة الدم الناس فيما بينهم . إنها وحدة المؤمنين في الكنيسة الواحدة ، جسم المسيح السري الذي جمعه الروح القدس .
   أما القربان المقدس فهو سر هذه الوحدة الرفيعة في الإيمان والمحبة ، يجمعهم على مائدة واحدة ، ويطعمهم خبزاً واحداً سماوياً ، ويحقق ذلك لأنه تكتمل فيه كلياً عملية إتحاد الجميع في جسد المسيح التي ابتدأت في المعمودية ومن ثم تناول الحمل الجديد المذبوح الذي يجعل الشعب يتلاحم على تلك المائدة . فالأفخارستيا ينجز وحدة الكنيسة ويوطدها بشكل سري في جسد إبن الله الممجد ( كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح ؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد ، جسد واحد ، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد ) " إنظر 1 قور 10 : 16-17 " .
 وما يحتاجه المسيحي لكي يعيش تلك المحبة الأخوية ، يقول الرسول بولس لكل المؤمنين ( فألبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفة ، ولطفاً وتواضعاً ، ووداعة ، وطول أناة محتملين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى ، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً . ألبسوا المحبة التي هي رباط الكمال ، وليملك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دعيتم في جسد واحد ) " قول 3: 12-15 " . أما الذي يكون له الأيمان والحب الكامل للمسيح ، لكنه لا يعطف على أخيه أو قريبه ، فالكتاب يدعوه إلى اليقظة ليتجنب النزاعات مع أخيه الإنسان لكي يعيش بحسب دعوة الرب التي تجعل من الجميع أبناء لآب واحد . وعلينا أن نتعلم الكثير من أنشودة المحبة ( 1 قور 13 ) التي أخرج فيها الرسول بولس بكل واقعية الأعتبارات العملية ، مع أعمق وجهات النظر المذهبية . يجب أن نعيد العلاقة مع أخينا الخاطىء مهما كانت منزلته وأن كان فقيراً خاطئاً ، لهذا طلب بولس من فيلمون أن يعيد أحد عبيده إلى عمله ويغفر له ذنوبه ، هكذا أعاد الوحدة بين السيد والعبد .
    نختم مقالنا بالقول : ما يربط أبناء الله ببعضهم هي المحبة التي تتحمل كل شىء وتحتوي كل السلبيات الصادرة من البعض . فالمحبة لا ترتكز على إرادة الإنسان وأفكاره ، بل هي محبة من الله إلى الإنسان لكي يتحمل كل شىء ويعيش بسلام مع الآخرين ، وهي التي ترفع الإنسان إلى النضوج والكمال وتحرر المؤمن من كل التجارب ، والمحبة تفتح الحرية وتحققها ، وهي ( الشىء الكامل الذي لا يسقط ) " 1 قور 13: 8-10 "
 . ولإلهنا المحب المجد دائماً

80
صراعنا مع  قوى الشر الروحية
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم ، بل مع الرؤساء ، مع السلاطين ، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر ، مع أجناد الشر الروحية في السموات ) " أفس 12:6 "
    في البدء ، وقبل وجود الإنسان ، بدأت المعركة بين معسكر الله وبين الملاك لوسيفيرس عدو الله الأول ، وبعد أن خلق الله الإنسان أخذ المتمرد وقواده بتوسيع دائرة الصراع لتشمل الإنسان المخلوق على صورة الله ليدخل معه في صراع دائم ضد الخالق . نجح عدو الخير في إسقاط الإنسان فزادت رقعة المعركة والمواجهة المأساوية بين معسكر الله ومعسكر سيد هذا العالم ، والله أرسل ابنه الوحيد فتجسد وتأنس وصار آدم جديد لهدف دعوة الإنسان للأنضواء تحت راية معسكره . كان للإله المتجسد القدرة لمواجهة خطط العدو، فدخل في معركة حامية معه بعد عماده في مياه نهر الأردن وصيامه الأربعين يوماً فأقهره وفضح خططته وانتصرعليه ، فأعلن الشيطان هزيمته ، لكنه أجل تحديه بعد التجارب الفاشلة إلى حين .
   بدأت البشرية تنتمي إلى أحد المعسكرين ، فيسوع يدعو الجميع إلى قطيعه وتحت راية صليبه لكي يشمل الخلاص للجميع لأنه تجسد ليموت عن كل إنسان . ولوسيفيرس يعمل بكل قوة لخداع الكثيرين للإنتماء تحت رايته ، فيظهرللناس كمن يعمل لمصلحتهم فيبدو لهم كملاك نور ، أو كأسد زائرمخيف يسعى إبعاد الناس من نداء الملك السماوي لكي يتمردوا أولاً ، ومن ثم  يلبوا طلباته ، فعلى الإنسان أن يختار أحد المعسكرين . الذي يكشف خطة عدو الله سيقاومه بكل ثبات طالباً من الرب أن يقوي بصيرته ويعضد قوته بواسطة النعمة لكي تتجلى الصورة الحقيقية للمجرب أمامه ، بعدها سيفضح مكر ودهاء الإبليس الذي قد يجرب الإنسان بأقرب أقربائه ومحبيه ، وتجاربه مستمرة مع العمر لهذا يجب أن يكون الإنسان في حالة أستعداد لمقاومة التجربة في كل وقتٍ ومكان . 
   الشر موجود في العالم ، زرعه الشيطان في زرع الله كالعدو الذي يزرع الزوان في حقل خصمه ، فعلى كل إنسان أن يعلم بأن لديه عدو متربص ككائن سري يعمل في الخفية يخطط له ، وهو أشد ذكاءً منه ، لأنه يمتلك ذكاء وحكمة ملاك  ، يظهر في خطته كأنه جاء بدافع الحب لكي يدافع عن مصلحته كما فعل مع أمنا حواء ، لكن في الحقيقة مجيئه يكون دائماً بدافع الخبث والحقد لتدميرالمخلوق الذي يعبد الله . الله يعطي القوة والحكمة والقدرة للإنسان لكي يقاوم الشرير ويهزمه وكما فعل مع تلاميذه عندما ارسلهم إلى القرى للتبشير بملكوته ، فأعطاهم القدرة لطرد الشياطين والأرواح الشريرة ، فتلك المعركة التي قادها يسوع كانت لكسب بني البشر إلى معسكر الله ، فعند عودة تلاميذه من المعركة ، صرح لهم عن نتائجها ، فقال ( كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق ) " لو 18:10 " . وهكذا نلتمس من قصص العهد الجديد صراعاً واضحاً ، بل معارك مستمرة بين المسيح والشيطان ، فغاية المسيح واضحة ، وهي ( طرد سيد هذا العالم إلى الخارج ) " يو 31 : 12 " . والعدو يستمر مع نسل المرأة " رؤ 11:12 " وإن كانت هزيمته واضحة له مسبقاً ، لأنه لا يكل ولا يمل ولا يخجل من الفشل .
   في جبل التطويبات أعطى يسوع للحاضرين القوة والعزيمة والأمل والفرح الدائم ، فقال لهم : أن أجركم في السماء عظيم ( طالع لو 6: 17-23 ) كان في خطابه تحدياً لأعمال المجرب الكاذب .
   لا شك في أن الوجود البشري في ضوء هذا الواقع يبدو جدياً لكي يتمسك أتباع الراعي الصالح بوصاياه من أجل خلاصهم ولأجل توجيه البشرية إلى عمل الخير والمحبة ، وهكذا سيتقلص معسكر الشريربمواجهة محاولاته الكثيرة لهلاك البشرية . كما على الإنسان أن يتخذ موقفاً واضحاً لكي يقرر إنتمائه ومصيره ، فلا يجوز أن يتخذ موقف الحياد ، فلا يستطيع أحد أن يكون مع المعسكرين ، كما لا يجوز أن يعبد إلهين ، فجاهل من يقول ( ساعة لك وساعة لربك ) .
    الإنتماء الأفضل هو إلى جبهة المسيح لأجل المشاركة في المعركة الضرورية ضد عدو الخير ، ولأبراز نورالأنجيل للعالم أجمع ، والمؤمنين بالمسيح هم نور العالم وملحه وخميرته ، فعلى كل مؤمن أن يدخل المعركة كجندي شجاع إلى آخر لحظة في حياته الزمنية . لا سلام ولا راحة له ما دام عدو هذا العالم  ، لوسيفيرس وأبالسته يعملون ضد معسكر الله ، لهذا فالمسيح لم يأتي ليلقي سلاماً ، بل سيفاً ( طالع لو 12 ) تلك ستكون الخميرة الكبيرة التي تحطم جميع آنية العدو ، ذلك سيكون الصراع مع الأهواء ، مع ظلمات النفس ، وعلينا أن لا نفكر يوماً بأننا سنهزم أثناء المعركة ، بل نضع دائماً النصر أمام أعيننا بعد أن نستعد للقتال . وكما علمنا الرسول بولس أسلوب وطريقة الإستعداد ، قائلاً ( لذلك أتخذوا سلاح الله الكامل ، لتتمكنوا من المقاومة في يوم الشر ، ومن الصمود أيضاً بعد تحقيق كل هدف  ...) " أفس 6 : 13-20 " .
   في الختام نقول : في حياتنا المسيحية لا يوجد هدوء ، بل صراع دائم ، فعلينا أن نتهيأ للمواجهة والتحدي والصمود في كل الجبهات ، وهدوء المؤمن ما هو إلا علامة ضعف وبداية هزيمة يفرح بها العدو ويستغلها لكي يسجل له انتصاراً بإفساد الملكوت المزروع في داخل ذلك الإنسان . فعلى المؤمنين أن يطلبوا في صلواتهم النِّعَم لأفراز خطط المجرب لكي تتجلى لهم الرؤية بوضوح فيجاهدوا ويتحدوا من أجل الإنتصار .
   كانت حياة يسوع كلها صراعاً مستمراً مع قوى الشر ، وحتى عندما كان على الصليب ، وهذا يعني بأن أتباعه أيضاً سيخوضوا الصراع ذاته إلى يوم مغادرتهم لهذا العالم . 
ليتمجد أسم يسوع المنتصر

81
الصوم الكبير – بدايته – غايته – فوائده 

بقلم / وردا إسحاق قلّو

   يقول الرب ( أرجعوا إليّ بكل قلوبكم ، وبالصوم والبكاء والنوح )” يؤ 12:2″

الصوم هو أول وصية إلاهية للإنسان المخلوق في جنة عدن عندما حذر الله الأبوين من تناول ثمار شجرة معرفة الخير والشر( تك 17:2) لكن الإنسان تمرد وعصى وصية الصوم فسقط . في العهدين نقرأ وصية تقول ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ) ” تث 3:8 ، مت 4:4 ” الغاية منها هي الإمتناع من متطلبات الجسد والبحث عن غذاء الروح . في العهد القديم بدأ الصوم من عهد موسى الذي صام أربعين يوماً وأربعين ليلة قبل أستلامه للوحي الشريعة من الله على الجبل . وبعد ذلك تم تحديد مواعيد للصوم من قبل الله للشعب العبري للعمل بها جماعياً ( طالع زك 19:8 ) كما نقرأ في العهد القديم صوم أستير ، وصوم نينوى ، وصوم الشعب اليهودي أيام عزرا ونحميا ويوئيل . 
وفي العهد الجديد كان الرب يسوع بكر الصائمين ، صام أربعين يوماً وأربعين ليلة وعليه اتخذت الكنيسة هذا الرقم لصيام الصوم الكبير الذي يسبق صوم أسبوع الآلام . بعد أن رفع العريس إلى السماء في يوم الصعود ، بدأ الرسل بالصوم حتى يوم حلول الروح المعزي عليهم يوم العنصرة . بعد صوم الأربعين تبدأ الكنيسة بصوم أسبوع الآلام تستذكر في صلواتها الطقسية مأساة أبناء الكرمة الغير أمينة من الشعب اليهودي الذين أخرجو إبن صاحب الكرم ، الوارث الوحيد خارج الكرم ( أورشليم ) وذبحوه على خشبة الصليب ، ومن الصليب نبتت الكرمة الجديدة ، شعب جديد ( كنيسة الرب ) التي غرسها يمين الرب وغذاها الروح القدس . فكما من جنب آدم خرجت حواء ، كذلك من جنب يسوع على الصليب ، خرجت الكنيسة ، كرمة شعب الله المحبوبة المدللة . أعطى لأبنائها جسده ودمه رمزاً في العشاء السري ، وفي اليوم التالي وعلى الصليب صار الرمز حقيقة . 
قبل الصوم الأربعيني على المؤمن أن يستعد نفسياً وجسدياً قبل الدخول في معركة الصوم ، لأن في أيام الصوم التي نخضع اجسادنا لأرواحنا ، فالروح سيتغذى من الصوم وينتعش فيصبح هو من يقود الجسد الجائع لتصبح حياة الصائم روحانية . الصوم هو صلب الذات والذي يبدأ بالتوبة ، بعد ذلك يذلل الجسد بالجوع الذي يرافقه الصلاة والقراءات في أسفار الكتاب المقدس وهكذا ينتعش الروح وينطلق للسير في طريق الرب ، لا وبل إلى حضن الآب وهو يصرخ قائلاً ( يا أبانا ، الآب ) ” رو 15:8 ” . كما أن الصوم يشعرنا بمشاركتنا الرب في آلامه . الصوم هو إعلان حرب ضد المجرب الذي يجرب الإنسان عندما يراه جائعاً وضعيفاً ، كما جرب يسوع عندما جاع في نهاية صومه الأربعيني . وهكذا يصوم الإنسان من عمل الخطيئة وهو الهدف الأسمى من الصوم لتطهير النفس . وبهذا يتحرر المؤمن من شهوات الذات ، ومن أنانيته من أجل خدمة الآخر ، فما كان ينتعش به الجسد من طعام وشراب سيعطى للجائع الفقير ، وهكذا يقمع الصائم جسده لينمو في الروح . 
إذاً الصوم ليس غاية ، بل وسيلة توصّلنا إلى الغاية . والغاية هي نمو الروح . الصوم هو وسيلة أيضاً للعبادة بالروح والجسد معاً ( طالع مت 6 ) كذلك هو وسيلة للتوبة ( يوئيل 12:2 ) كما فعل أهل نينوى . والصوم وسيلة أيضاً لغاية الخدمة ، فالرسل صاموا فأفرزوا برنابا وشاول للعمل ( أع 2: 13 ) . كان الآباء يستغلون فترة الصوم للوعظ كما كان يفعل القديس يوحنا ذهبي الفم والآخرين . كانت الكنيسة في فترة الصوم الكبير تعد المقبلين للعماد بالوعظ والأرشاد والصلواة . ولكي يشعر الصائم بحلاوة الصوم وقوته وعطائه فيجب أن يقترنه ب ( الصلاة والصدقة والصفح ) وهذه هي أركان العبادة الحقيقية ، يرافقها العمل بكل الوصايا وذلك بالصوم من عمل الخطيئة . فالصوم هو لجام الحواس به نقمع الجسد ونستعبده ( 1 قور 27:9 ) وهكذا يؤكد للمؤمن إنتصاراً وصوماً مقبولاً .
لصوم والصلاة قوة لطرد الأرواح الشريرة ، قال الرب ( هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم ) ” مت 20:17 ” وأثناء الصوم يتضع المؤمن أمام الله والناس ( أذللت بالصوم نفسي ) ” مز 13:35 ” وبالصوم يقترب الغني من الفقير عندما يشعر بأحتياجاته فيصبح صومه مثمراً عندما يكسر للجائع خبزه ، وبالصوم والصلاة نرضي السماء فيحصل من الرب يد العون فيزيل المرض والحروب وغيرها من وسطنا . وعلينا أن نعترف بأن للصوم فوائد لصحة الجسد ، فصحة دانيال الذي صام من أطاييب الملك كانت أفضل من صحة الذين كانوا يتمتعون بتلك الأطعمة . وأشعياء النبي يؤكد لنا بأن الصوم صحي لجسد الصائم ، فيقول ( حينئذ تنبت صحتك سريعاً وينشط عظامك فتصير كجنة ريا ) ” 58: 9، 11 ” . 

في الختام نقول : على المؤمن أن لا يكتفي بالصوم التي حددته الكنيسة المقدسة في الصوم الكبير والتي هي يومين فقط ( اليوم الأول ، ويوم جمعة الآلام ) فقط ، لأن ما يصومه الإنسان في هذه الفترة القصبرة لا تكفي لمساعدة الفقير ، كما لا تكفي لنمو الروح ، أما سبب تقليص الكنيسة لأيام الصوم فهو لقلة إيماننا ، أما المؤمن الحقيقي الذي يريد أن يعيش في القداسة فعليه أن يصوم الصوم كله لأن أيام الصوم الكبير وخاصة أيام أسبوع الآلام هي من أقدس أيام السنة فعلينا أن نتبارك ونتقدس بها . بالصوم والصلاة والتوبة يستعد المؤمن لتناول الفصح بأستحقاق وفرح وغبطة .

ليقبل الرب صومنا وصلاتنا ويطهر قلوبنا وحياتنا . 

82
آيات يسوع أثبتت أنه المسيح المنتظر

بقلم / وردا إسحاق قلّو

قبل أن يحل ملء الزمان ويتجسد المسيح ويولد من العذراء في مغارة بيت لحم ، تنبأ به الأنبياء ، وتلك النبؤات كان مصدرها الوحي الإلهي ، أتت لتسبق مجىء المسيح وأعماله المعجزية . بعد التجسد أعلن يسوع أنه أبن الله الحي ، ومشابه للآب ومساوي له في الجوهر . وهو في الآب والآب فيه ، وغيرها من الأقوال . لكن ليثبت تلك الأقوال بالعجائب . فالأعجوبة الحقيقية هي علامة جليّة لتَدخل الله المباشر في أمور الناس . فكل ما قام به يسوع من أقوال وتعليم مقرون بالمعجزات كان يبرهن للناس أنه أبن الله المتجسد بينهم . وخاتمة المعجزات التي برزت فوق كل المعجزات كانت قيامته من بين الأموات بقدرته الفائقة كاسراً شوكة الموت .

لأعاجيب المسيح وجهان : وجه يكشف مافي داخله من محبة وعطف وحنان لمن يقدم له المعجزة ، كالمريض ، والمتألم ، والمحتاج . والوجه الآخريبرهن للحاضريبن والسامعين عن قدرته الإلهية الفائقة لأجل الإيمان بالله القدير بسبب تلك الآية ، وذلك لأن الآية كانت تشكل قوة برهان حقيقية مرئية وملموسة ومسموعة أمام الحاضرين . فهدفه الأول من معجزة الشفاء مثلاً هو شفاء المريض ومن معه روحياً ، فبسبب شفاء الواحد جسدياً كان يؤمن به الكثيرين ، وهو كان يقصد شفاء النفس قبل شفاء الجسد . لهذا قال لمخلوع ( تشجع يا أبني ، فقد غفرت لك خطاياك ) وللآخرين الذين نالوا منه الشفاء ( لا تعودوا إلى الخطيئة أيضاً ) لكن اليهود الحاضرين عارضوا قوله في موضوع مغفرة الخطايا ، لأنهم يؤمنون بأن الله وحده يغفر الخطايا لكونهم لا يعلموا بأنه هو الله المتجسد بينهم وله القدرة على المغفرة وشفاء الجسد في آنٍ معاً .

معجزات يسوع أثبتت أنه المسيح المنتظر . فيوحنا المعمدان الذي وضعه هيرودس في السجن سمع بيسوع بأنه يجوب كل المناطق ويجترح العجائب ، ويعلم بسلطان ، فشعريوحنا الذي عمده ورأى الروح القدس قد حلّ عليه على هيئة حمام ، إضافة إلى علمه بنبؤات العهد القديم ، لكن رغم ذلك كان الشك يراوده ، لهذا أراد ان يتأكد وخاصة بعد سماعه بتفاصيل أخبار يسوع المعجزية فشعر بالبهجة ووصل إلى الإيمان بانه المسيح المنتظر . لهذا أوصى تلاميذه للذهاب إليه ليسألوه عن حقيقة أمره ، فنقلوا الخبر إلى يسوع ، فأجابهم قائلاً ( إذهبوا وأخبروا يوحنا بما رأيتم وسمعتم ، العميان يبصرون ، العرج يمشون ، والبرص يطهرون  والصم يسمعون ، والموتى يقومون ، والمساكين يبشرون … وطوبى لمن لا يشك فيّ ) ” لو 7: 22-23 ”  . ( وهذا ما تنيأ به أشعياء ، فقال في 35: 5-6  ” حينئذ تنفتح عيون العميان ، وأذن الصم تنفتح ، وحينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويهتف لسان الأبكم … ) كان في إجابة يسوع معاني كثيرة . وفي معجزاته نجد القوة والسلطة على الأرواح ، وعلى كل قوانين الطبيعة ، مما يدل على أنه يمتلك قوة تفوق قوة البشر . وتلك الأعاجيب كانت من صنع الله ، أو من يعمل بأسمه . ومعجزاته كانت علامات تحرير الإنسان من رواسب الماضي بيحل فيه ملك الله ، فالمعجزات تظهر ملك الله بالأعمال . لم يأتِ يسوع ليقلب نظام الطبيعة الذي أسسه ، بل أتى بعلامات تبين مقدماً ما سيكون ملك الله عندما يكتمل النظام الطبيعي ، بل هي علامات حقيقية أعمق تحررما من آخر أنواع عيودية الشر .

للطبيعة قوانينها ، وكل شىء يسير وفق تلك القوانين ، وإن كان هناك خرقاً واضحاً وحقيقياً لتلك القوانين ، ندرك بما لا يقبل الشك إننا أمام قدرة تفوق قوانين الطبيعة ، فإما هي من الله أو من روح شريرة . فالقوة الصادرة من الروح التي هي من الله تعمل لمجده . أما روح الشر فيحقق من خلال معجزاته التي تخدم أهداف أنانيته وحقده ، لكن سرعان ما يظهر مكره وغايته فتبدد وعوده لتحل محلها الخيبة في النفس ، ومن ثم الضياع لمن يتكل عليه .

ما يساعد على أستيضاح طبيعة الأعاجيب والمعجزات الخارقة ، النظر عن كثب في ما يحيط بها من وقائع وما يكتنف حدوثها من ظروف . فما يسبق الأعجوبة ، وما ينتج منها إنما هو دائماً أمر حسن . في الأعجوبة خبر في البداية ، وأثنائها كما في النهاية .

كانت حياة يسوع مليئة بالأعمال المعجزية المدهشة لأن قدرة الله بدت جلية فيها ، ويسوع الذي كان يعمل أعمال أبيه غدا أسطع صورة لحضور الله بين البشر . وهكذا أثبت بالأدلة والبراهين وآيات خارقة بأنه الإله المتجسد والكلي القدرة . بدأ بالمعجزات من قانا الجليل عندما حول الماء خمراً ، وطهر البرص ، ملأ شبكة بطرس والتلاميذ فجأة بالسمك الكبير ، كما نراه يسير على الماء ، ويتسابق مع الزمن فرأوه التلاميذ في الهزيع الأخير من الليل بقرب مركبهم علماً بأنهم تركوه في الجبل يصلي . وخمس خبزات وسمكتان تطعمان الآلاف ، والموتى يقيمهم ، وغيرها من المعجزات التي ليست هي ببرهان على قدرة الله التي في المسيح فحسب ، بل هي بمثابة حافز للأجيال لكي يولون الثقة بذلك الإله الذي قام من بين الأموات . واليوم نؤمن به دون أن نراه أو نلتمس جراحه لأنه مصدر ذلك الحب الذي يترجم قدرته الخارقة لكي نؤمن به ، ونتكل عليه متذكرين قول الرسول بطرس لنا ( ألقوا عليه جميع همكم فإنه يعني بكم ) وهذا القول يتعاطف مع قوله للمؤمنين به ( تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم … )

ختاماً نقول : علينا أن نشكر الله على كل عمل معجزي ناتج من المواهب الفائقة التي لا يمكن لأحد أن يشك بعمل فاعلها ، بل يلتمس خيراتها ، وعظم منافعها للروح ، فما عمل يسوع وقديسيه ، وما يعمله اليوم الروح القدس في كنائسنا عندما يحوّل الخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع على مذابح الكنائس ، أنه عمل معجزي فوق مستوى إدراك العقل البشري يحدث في سر لا ينطق به .

أعمال يسوع المعجزية كشفاء المقعدين وإقامة الموتى ، وفتح عيون العميان وغيرها من الأعمال أثبت فعلاً حقيقة كونه إبن الله ، والله الآب أعلن هذه الحقيقة عندما تعمد في نهر الأردن ، وفي يوم التجلي على الجبل أمام الرسل الثلاثة الذين سمعوا صوته يقول ( هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت ) وصعوده إلى السماء أمام حشد من المؤمنين به ، وكذلك سيأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات . إنه المسيح المنتظر الذي تنتظره البشرية كلها .

83
توبة وصوم أهل نينوى ( ܨܘܡܐܵ ܕܒܵܥܘ݂ܬܵܐ ܕܢܝܢܘܵܝ̈ܐ )
  بقلم / وردا إسحاق قلّو

ܡܵܪܲܢ ܡܪܵܚܸܡ ܐܸܠܲܢ ܀ ܡܵܪܲܢ ܩܒܘ݁ܠܵܐ ܒܲـܐܘܼܬܼܲܢ ܀ ܡܵܪܲܢ ܫܦܘ݁ܪ ܒܥܵܘ̈ܕܹܐ ܕܝܼܘ݁ܟܼ ܀
مارن مراحم إلّن . مارَن قبولا باؤوثن . مارَن شبور بعَودي دِّيوخ

    التوبة قرار شخصي أو جماعي للعودة إلى الطريق الصحيح . ففي الكتاب المقدس نجد أرتباط واضح بين التوبة والمغفرة . لا مغفرة بدون إعلان التوبة ، لهذا يقول الكتاب ( توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم ) ” أع 19: 3 ” . و الكتاب المقدس لا يكتفي بهذا الطلب ، بل يطلب اعمالاً تثبت للتوبة مصداقيتها ، فيقول ( أصنعوا ثماراً تليق بالتوبة ) ” مت 8:3″ . كالصفح والصلاة والصدقة والصوم ، وهكذا يعيش التائب حياة طاهرة ويقترب من الله . وفي هذا المقال نجد أن غاية إرسال الله ليونان إلى أهل نينوى كان لأنذارها لكي تتوب . والتوبة تغيّر قرارات الله  . فالذي يبقي في الخطيئة ، ينتظره الحساب والهلاك ، لأن أجرة الخطيئة هي الموت .   
   الله يحب كل الناس ، ويريد خلاص الجميع ، عكس ما كان يؤمن به يونان بأن الخلاص هو لشعبه المختار فقط ، وكان هذا أحد الأسباب التي دفعته إلى التمرد ، والعصيان ، والحقد ، والأنتقام من أهل نينوى . أما سبب إصرار الله في إرسال يونان وليس غيره ، هو لكي يعطي يونان درساً بليغاً  فلا يتحدى إرادته ، لهذا أطال صبره عليه ، ولم يسحب منه درجة النبوة ، ولم يقصيه من مهمته تلك ، بل أراد أن يقوده إلى طريق الصواب والمحبة لكي يفهم الدرس جيداً ويتوب هو أولاً قبل أهل نينوى ، فرغم إستغلال يونان طول أناة الله الذي كان يتعامل معه بكل شفافية ودقة وترتيب ، كان الله أيضاً مسيطراً عليه ، وعلى البحر ، وعلى القرعة التي جعلها أن تكون من نصيبه ، وعلى العاصفة ، والحوت ، وأخيراً حتى على اليقطينة التي أحبها يونان .
   في جوف الحوت تاب يونان وصلى إلى الرب وصام ثلاثة أيام ، ومن صومه جاء صوم الباعوثة ثلاثة أيام ، وليس من صوم أهل نينوى الذي لم يحدد لنا السفر مدة صيامهم . وبقائه في الحوت ثلاثة أيام كان صورة ونبؤة لبقاء يسوع في باطن الأرض ، فيقول الكتاب ( لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام ، هكذا يكون إبن الإنسان في قلب الأرض ) ” مت 4:12 ” .
    تاب يونان وصلى صلاة ملؤها الإيمان والثقة بالله ، قائلاً : ومن جوف الهاوية ابتهلت فسمعت صوتي … فاكتنفني الغمر وأحاطت بي تياراتك ولججك …عندما وَهَنَت نفسي في داخلي ، تذكرت إلهي ، فحلقت صلاتي إليك ، إلى هيكلك المقدس الكائن في أورشليم . بهذا الإيمان المطلق أستطاع أن يحوِل صلاته إلى ثقة مرجوة  ، فقال ( أما أنا فبصوت شكرٍ أذبح لك ، ومانذرته أوفي به ، لأن للرب الخلاص ) ” يون 9:2 ” .
   كان يونان على يقين تام من قبول الله لتوبته لأنه نبي عجيب ، كونه رجل الإيمان العميق  ، لهذا أختاره الله ولم يشأ أن يختار غيره رغم تمرده ، وحساب الله وقراراته لا ندرك عمقها نحن البشر . نعم تاب يونان وخرج من جوف الحوت وذهب لتنفيذ الأمر وأنذر نينوى العظيمة ، ولماذا سميت بالعظيمة ثلاثة ( طالع يون 2:1 و 2:3 و 3:3 ) علماً بأنها مدينة أممية وثنية منتنة بالخطايا التي صعدت إلى عرش الله . وكذلك سماها عظيمة للمرة الرابعة في الآية الأخيرة التي ختم بها السفر . فهل لكبر حجم المدينة وكثرة سكانها ، أم لشهرتها وقوتها العسكرية ، أم لكونها وثنية فتابت وآمنت بالله وقدرته أكثر من يونان الذي أنذرها ؟
   بسبب يونان تاب البحارة الوثنيون أولاً فبدأوا يتذرعون طالبين من إله يونان الخلاص ، ومن ثم أهل نينوى الذين صدقوا إنذاره ، ويونان غضب عليهم بدلاً من أن يفرح لنجاحه في إرساليته . بينما فرح باليقطينة التي ظللته لوقت قصير .
   تاب أهل نينوى فأعلنوا الصيام ، وارتدوا المسوح من ملكهم إلى صغيرهم ، ورفضوا طريق الخطيئة تائبين عائدين إلى الله الذي لم يكن إلههم ، لكنهم كانوا يعرفونه . لما رأى الله توبتهم عن أعمالهم الرديئة ، قبل التوبة وندم عن الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه . تابوا وعادوا إلى الله كتوبة الأبن الشاطر الذي أعلن توبته فقرر العودة إلى حضن والده تائباً متضعاً . فخطوات التوبة الحقيقية تبدأ بمراجعة النفس ، والندم ، ثم القرار لتنفيذ أمر التوبة وبكل إنسحاق وكأهل نينوى ، ثم التنفيذ بكل عزيمة ، ولا يجوز تأخير التوبة كما يقول أبن سيراخ في سفره ، بل السرعة مطلوبة خاصةً في التوبة
   قال مار أفرام السرياني ( اليوم هو لك ، أما الغد فلم تدري لمن يكون ) فعلينا أن لا نؤجل توبة اليوم إلى الغد . يجب أن نسرع في طلبها قبل أن يطلبنا الموت ونحن خاطئين . الله طويل الأناة ، يعطي لنا الوقت للتوبة ، فعلينا أن نستغل الوقت لنتوب فنتطهر .
  رفع الله عن أهل نينوى الغضب بسبب توبتهم ، هكذا بالتوبة والأعتراف والأعمال الصالحة  نعود إلى حضن الله ، لهذا قيل ( إثمروا ثماراً تليق بالتوبة .. ) ” لو 8:3 ” فالتائب هو الإنسان المتضع الذي يشعر بأنه الأدنى بين الناس تسنده صلاته التي تقربه من الله ، والذي أنقذ يونان من جوف الحوت كانت توبته وصلاته . وأهل نينوى أنقذتهم بوبتهم وصومهم وتذرعاتهم ، فعلينا أن نتخذ من قصة أهل نينوى درساً لنا ولا نعود أيضاً إلى الخطيئة كما عادت نينوى بعد التوبة فدمرها الرب كسدوم وعمورة إلى الأبد ولم يبقى منها إلا أجزاء من أسوارها لتشهد لها ، وهذا ما فعله الله أيضاً ببابل العظيمة الخاطئة .
  لنقتدي بأهل نينوى فنصوم صوم الباعوثة متذرعين إلى الرب لكي يشملنا عطفه وحنانه ويطهر بلاد النهرين من كل البلايا ليعود السلام والفرح والإيمان الحقيقي إلى القلوب فيحصل الفرح في السماء ولشعبنا المظلوم .

ولإلهنا المحب الغافر المجد دائماً .

84
الصمود في التوبة وعدم العودة إلى الخطيئة

بقلم / وردا إسحاق قلّو
     
 الإنسان لم يخلق كاملاً لأن الكمال لله وحده ، ففي الإنسان ضعفات يستغلها المجرب للنيل منه في التجارب التي يعدها له ، فأقتراف الخطيئة بسبب الضعف ليس عيباً ، لكن العيب هو الأستمرار في السقوط وعدم التوبة وإصلاح النفس . والعودة إلى الصواب ليس صعباً إذا كان المؤمن قد دَرّب نفسه لليقضة والإستعداد للعودة إلى طريق التوبة والمصالحة . فد تكون تلك العودة لفترة زمنية قصيرة ثم يضعف ليقترف نفس الخطيئة . إذاً مطلوب من المؤمن أن يحتفظ بنقاوته وتوبته وطهارته ، لهذا عليه أن لا ينسى التوبة والندامة من أجل تطهير الذات .
   الإنسان الذي يعود من طريق الخطيئة نادماً ومعترفاً سيستحق تناول الأسرار المقدسة ، لكن عدو الخير لا يمل ، بل سيلاحقه فيراقب حركاته بدقة لكي يتحفه بتجارب أخرى ليفقد طهارته  لكي لا يتخطى نحو طريق الكمال الروحي . ، فالإنسان يبدأ بالطهارة ، ثم يدخل في تجارب كثيرة ويسقط في الكثير منها ، فكل الهالكين بدأوا طريقهم بالنقاوة ثم سقطوا . الشيطان نفسه بدأ مع الله كملاك طاهر ومنير( كامل الجمال وملآن حكمة ) لكنه لم يكمل المشوار مع الله ، فكم بالحري الإنسان الذي عرف الخطيئة وعاشها لفترة ثم تاب ، فهل يستطيع الصمود في توبته ؟
   عندما نتطلع إلى قصص الكتاب المقدس فنجد الكثيرمنها تتحدث عن هذا الموضوع . ففي سفر القضاة كانت التوبة تستمر أحياناً عند شعب إسرائيل عشرات السنين ، لكنهم كانوا يعودون إلى الخطيئة ويبتعدون من الخالق الذي كان يتدخل لكي يخلصهم بواسطة أحد القضاة الذي يختاره ليقيمه عليهم لكي ينصحهم لكي يتوبوا فكانوا يعملون بحسب أقواله . لكن عند موت ذلك القاضي سرعان ما كان الشعب يفسد أكثر من آبائه فيترك الله لكي يلجأ إلى عبادة آلهة أخرى ( إنظر إلى قض 19:2 ) . يقول الكتاب ( واستراحت الأرض أربعين سنة ، إلى أن مات عثنيئيل بن قناز ، فعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب ...) " قض 3: 11-12 " . كذلك نقرأ ( واستراحت الأرض ثمانين سنة ، وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب بعد موت إهود ) " قض 3:3 و 1:4 " وتستمر الحالة ، لهذا تقول آية أخرى ( واستراحت الأرض أربعين سنة ... وعمل بنو اسرائيل الشر في عيني الرب ) " قض 31:5 و 1:6 " وقصص تتكرر في حياة الشعب نفسه كشعب أو كفرد واحد . لأن قلوبهم لم تكن ثابتة مع الرب ، وتوبتهم لم تكن قلبية . أي أن الخطيئة لم تنتهي من فكرهم ، بل يستمرون باقترافها ، لهذا شَبّه الرسول بطرس العائد إلى الخطيئة بمثل قاسي ، قال ( الكلب عاد إلى قيئه ) " 2 بط 22:2 " .
    أجل الكثيرون ساروا مع الرب مرحلة طويلة ، لكنهم لم يستطيعوا الصمود ، فهؤلاء لا ينطبق عليهم قول القديس بولس ( أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد ) " غل 3:3 " . ومن الأمثلة الواضحة عن هؤلاء ، شاول الملك الذي اختاره الله من بين الشعب ومسحه صموئيل النبي ملكاً ، وحل عليه روح الرب ، وأعطاه الرب قلباً آخر فتنبأ حتى تعجب البعض ، ومع هذا عاد فأخطأ ، وكثرت أخطائه وأستمر عليها إلى أن رفضه الرب .
   في العهد الجديد نقرأ عن التلميذ ( ديماس ) الذي كان أحد مساعدي الرسول بولس في الخدمة والكرازة . أي كان أحد أعمدة الكنيسة المشهورين . قال عنه بولس ، إنه أحد العاملين البارزين معه مثل ( مرقس وأرسترخس وديماس ولوقا ) " غل 24 " ونهايته وصفها بولس قائلاً : ( قد تركني إذ أحب العالم الحاضر ) " 2 تي 11:4 " . عاد إلى العالم ، ومحبة العالم هي عداوة لله ، فعلينا نحن أن نحترس من هذا العالم ومقتنياته  لأنه يسرق محبتنا للخالق . كل الهراطقة لم تبدأ حياتهم وتاريخهم كهراطقة أعداء للإيمان ، كالراهب أوطيخا الذي كان أفضل رهبان القسطنطينية ، ورئيس رهبنة ، لكنه فشل في أكمال مسيرته الطاهرة . كذلك آريوس كان كاهناً ، ومن أفضل وأقوى كهنة الأسكندرية . كذلك أوريجانوس كان أعظم عالم في عصره ، كان زاهداً ومدافِعاً عن الإيمان ، لكن أخيراً سقط لكي تنطبق عليه العبارة الأليمة ( أيها البرج العالي كيف سقطت ؟ ) وهكذا يسقط الإنسان في لحظة طرفة عين ليهلك إلى الأبد كزوجة لوط الخارجة من أتون سدوم وكانت يدها في يد الملاك ولم تحترق مع المدينة وأهلها ، بل كان يقودها ملاك الرب مع عائلتها بسلام ، لكنها حنت إلى أهلها ، أي إلى الخطيئة فنظرت إلى الوراء فهلكت في الحال ، وهكذا ينطبق عليها قول الرب يسوع ( من وضع يده على المحراث ونظر إلى الخلف لا يدخل إلى ملكوت الله ) .
    التوبة والعودة من الخطيئة لا تعطي الإنسان العصمة النهائية ، فليس هناك أحد بلا خطيئة سوى الله وحده " مت 17: 19 " فعلى الإنسان أن يجاهد من أجل البقاء على خط الصلاح من أجل الخلاص كما قال الرسول ( تمموا خلاصكم بخوف ورعدة ) " في 12:2 " فليس المهم إننا أبتدأنا ، بل الأهم هو أن نكمل المسير في الطريق القويم حتى ساعة إنتهاء أيام غربتنا على هذه الأرض .
       أخيراً ، علينا أن لا نعود إلى الوراء لأن طريق الخلاص طويل وشاق مملوء بأشواك التجارب فيجب مقاومتها ، كما علينا أن نفرز المطلوب منا والأهم في حياتنا الزمنية ونحن نسير ونتقدم في خطوات مدروسة كل يوم نحو الأبدية ، وإن سقطنا فعلينا بالنهوض بسرعة لكي ننمو ونتقدم ، والنمو يقينا من الضعف والسقوط ، فكل كائن ينمو وإن توقف عن النمو توقفت الحياة عنده فيبدأ بالذبول ثم الموت . الروح الموجود في المؤمن هو روح ألهي حي قابل للنمو إذ وجد وسائل وعوامل للنمو التي هي النعمة التي يتغذى منها ويشبع ويتزايد حتى يصل الكمال ، أي إلى قياس قامة المسيح الكامل ، ننمو في كل شىء إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح ( أف 4: 13-15 ) .
   الإنسان الجاد في روحانياته يحترم مبادئه ويعمل لخدمتها فيتميز بالثبات ، لا يتزعزع لأن له قلب قوي لا يضعف أمام التجارب ، بل يقاومها بإيمان جاد ، والجدية تمنحه حرارة روحية تدفعه كل حين إلى قدام لأنه يجاهد من أجل النقاوة والكمال ، ومن أجل الخلاص .


85

أساس تفعيل المعجزة هو الإيمان

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( لو كان لديكم إيمان بقدر حبة خردل قلتم لهذا الجبل : أنتقل من هنا إلى هناك ، فينتقل .. ) “مت 17 :20 ”

     بعد تجسد المسيح في الإنسان ، فجر طاقات موجودة ومخفية داخل الأرض وفي البشر ، كانت تحتاج إلى تفعيل بقوة إيمان الإنسان للحصول على نشاطات ومعجزات خارقة لقوانين الطبيعة ( فكل شىء ممكن للذي يؤمن ) ” مر 23:9 ” في الإنجيل تلميحات كثيرة إلى هذه الفكرة ، فالمسيح الذي كان يشفي مريضاً كان عمل شفائه يركّز على القوة الإيمانية النابعة من داخل المريض . ونحن البشر لا نعلم مدى فعالية تلك الطاقات العظيمة المكنونة في داخلنا . في أميركا تيار أسمه ( الشفاء بالإيمان ) يتم شفاء المريض بدون تعاطي العقاقير والأدوية ، وذلك بتفعيل وإبراز الطاقة الكامنة في المريض . . كما تستعمل هذه الطريقة في علم النفس ، وقد أيد الفكرة العالم النفساني الشهير ( كارل يونج ) فهو يؤكد العلاج عن طريق إيمان الشخص ، هذا التيار يكشف لنا أن العلاج الجسماني والنفساني كلاهما مرتبط بحالة إيمانية خاصة تفتح أبواباً داخل الفرد وتدفعه للأنطلاق ، كقول الرب ( قُم فأحمل فراشك وإمش ) ” يو 8:5″  . فما كان يفعله المسيح هو تفجير تلك الطاقات المخزونة ، مع زرع الثقة بالنفس . وكذلك فعل بطرس الرسول بالرجل الكسيح المطروح عند باب الهيكل ( باب الجميل ) ” أع 2:3 ” .

        يسوع المسيح أعطى الحياة وسمح لتلك الطاقات في البشر أن تعطي ثمارها ، كما أعطى لكل المؤمنين به أن يعملوا المعجزات مثله بأستخدام طاقة الإيمان ، فقال لهم ( … من آمن بي يعمل هو أيضاً الأعمال التي أعملها أنا ، بل أعظم منها ) ” يو 12:14 ” فعلينا كبشر أن نبحث عن تلك القدرات الموجودة في داخلنا . الأنجيل أعطى للإنسان قيمة ودروس وثقة لكي يفهم بأن في داخله ينبوع من الطاقات يتدفق لعمل المعجزات أسمه ( النِعمة ) وهو يصفها بالينبوع الذي يتدفق بأستمرار ويتجدد بداخلنا . وهذه القوّة تجعل المؤمن متفوقاً على ذاته ، والدعوة للتفوق هي صفة ملازمة للإنسان . على الإنسان أن يتقدم ويتطور باستمرار إلى ما لا نهاية وإلى إنجازات يصعب تخَيّلها ، كالمجالات الصناعية والعلمية والزراعية وغيرها ، لأن الحياة التي وهبت لنا هي حياة إلهية عظيمة ، ودعوة كل إنسان هي دعوة إلى الآلوهية التي لا حدود لها ، فكل من يؤمن ستتحقق من خلاله المعجزة ، وهذا ما وضحه لنا يسوع عندما نطلب من الآب باسمه سيحقق لنا عندما يخلو طلبنا من الشك ، وعلينا أن لا ننسى بأن روح الله الساكن فينا يعضدنا ، وهذا هو لب إيماننا المسيحي ، فبإيماننا نستطيع أن نفرض طلباتنا وننزع ما نريد من الخالق . فالإيمان هونوع من الخطف ، به نخطف مما للمسيح ونجعله لنا . المرأة النازفة فهمت هذا الدرس جيداً وأرادت أن تطبقه لكي تنال الشفاء ، فجاءت من خلف يسوع بهدوء كالسارق ولمست ثوبه دون أن يشعر بها أحد ، فحدثت المعجزة بقوة إيمانها وأنتزعت مما أرادت من الخالق دون أن يقرر ذلك . بإيمانها اغتصبت ما أرادت . وبإيماننا نحن نستطيع أن نسلب ما لله التي في المسيح يسوع لتمر فينا بقدر ما نؤمن به نحن . والرب يسوع وضّحَ لنا ذلك ، فكان يقول لطالبي المعجزة ليكن بحسب أيمانكم . فالذي يؤمن بالمسيح وقدرته ، حتى وأن كان من الأمم ستحدث له المعجزة أيضاً كالمرأة الكنعانية التي طلبت من يسوع أن يخرج الشيطان من أبنتها ، ويسوع أراد أن يجرب إيمانها القوي ، فقال لها ( ليس من الصواب أن يؤخذ خبز البنين ويطرح لجراء الكلاب ! ) ورغم هذه الإهانة إيمانها ظل صامداً ولا تريد فراقه قبل أن تنزع منه الطلب ، فأجابته ( صحيح يا سيد ، ولكن جراء الكلاب تأكل من الفتاتِ الذي يسقط من موائد أصحابها ! ) فأجابها ( أيتها المرأة ، عظيم إيمانك ! فليكن لك ما تطلبين ! فشفيت ابنتها من تلك الساعة ) ” مت 15: 21-28 ” . واليوم نجد الكثيرين من ألمنتمين إلى أديان أخرى يلتجأون إلى الكنائس طالبين الشفاء أو طلبات أخرى فينالونها بإيمانهم .

   الإيمان الغير مشروط والمجرد من الشكوك تم في مريم العذراء عندما بلغها الملاك بأمر مستحيل وهو حبلها من دون زواج ، فسِّر حلول اللاهوت فيها كان بسبب إيمانها بالمستحيل فتحقق ، وهكذا للإيمان قوة ليس في عمل المعجزات فقط ، بل للحصول على الحياة الأبدية ، فالخلاص نحصل عليه بالإيمان ( … من آمن فله الحياة الأبدية ) ” يو 47:6 ” فمن يؤمن بالمسيح سيحصل على الحياة التي فيه والتي نحصل عليها لمجرد إيماننا به كما حدث للمصاوب على يمبنه . وبالإيمان يحدث لنا كل شىء ، والمسيح كان يسأل عن إيمان طالب الطلب قبل أن يفجر فيه طاقة الشفاء أو أي طلب آخر . فعندما كان يشفي الذي يلتمس منه الشفاء كان يرد عليه ( إيمانك شفاك ) وكما قال للأعمى ( مر 52:10 ) وللأمرأة المنزوفة ( مت 22:9 ) وليايروس ( لو 5:8 ) الإيمان إذن هو أساس لتفعيل تلك الطاقة الموجودة بداخل الإنسان الذي يتفتح على بعد معيّن فيجد في ذاته شفاءه .

ليتمجد أسم الرب يسوع


86
وِلادة الله في الإنسان والإنسان في الله

بقلم / وردا إسحاق قلّو

خلق الله الإنسان ليسبحه ويكرمه ويخدمه ، لكن الإنسان سرعان ما وقع في الخطيئة ، فالخطيئة صارت حاجزاً بين الخالق وعبده . فالإنسان الخاطىء مدعوا إلى ولادة جديدة وعبور ثان،وإلى علاقة جديدة مع الله . كما إنه مدعو إلى الآلوهة . وتلك الآلوهة لا يستطيع الإنسان بلوغها بقدراته الذاتية دون أن يتدخل الله لكي يعيد تلك العلاقة كهبة مجانية بدافع حبه اللامحدود للإنسان لكي ينال الخلاص بعد أن يوفي العدل الإلهي على الصليب. نَظَرَ الأقانيم الثلاثة في عرش الله إلى وجه الأرض الغاصة ببني البشر ، فرآهم في حالة البؤس ومصيرهم الأبدي هو الهلاك فقرر الثالوث في أزليته تأنس الكلمة الإله وإتخذ جسماً لكي يتمكن أن يموت ليقضي على سلطة الموت ، أي الإبليس ( طالع عب 14:2 ) ولكي يخلص بني البشر ، فحدد الله الثالوث وقتاً في ملء الزمان الذي فيه سيرسل الملاك جبرائيل إلى مريم في الناصرة ليتجسد فيها الإله ، ففي ذلك اليوم تكلمت مريم وقالت للسماء ( ها أنا أمة الرب ) وبكل تواضع . وبموافقتها تمت خطة الله في الإنسان فتجسد في أحشائها الطفل الإلهي فتبدل وجه الأرض ، وصار للإنسان أملاً بعد حضور كلمة الله بين البشر وهكذا تجسد الله في الإنسان لكي يولد ويتخذ منه جسداً بشرياً ، وهكذا حصل شرف للإنسان لكي يولد خالقه . نقول ، هل يسوع تجسد في العذراء مريم فقط أم في كل مؤمن ؟ في يوم العنصرة ، عندما حل الله على شكل السنة من نار على كل الموجودين في العلية ، فالطبيعة الإلهية إتحدت بالطبيعة البشرية . إنها صورة تجسد المسيح في العذراء . فما حدث في يوم العنصرة هو تمام ما حدث في يوم تجسد المسيح وميلاده . فولدت في ذلك اليوم الكنيسة المقدسة أتحدت العذراء أو الكنيسة بأجمعها بالطبيعة الإلهية ، فغاية التجسد قد بلغت ذروتها يوم الخمسين ، لأن كل أبناء الكنيسة صاروا في المسيح الإله لما لهُ من صِفات الإلهية التي لا يمكن أن يحصل عليها الإنسان ، لأن كل ما يمتلك المسيح لا يسعه الكون كله ، ولا يستطيع الإنسان تحمله بطبيعته البشرية. يقول الرسول بولس ( فإنه فيه ” أي المسيح ” جسدياً ، يحل الله بكل ملئه ، وأنتم مكملون فيه … ) ” قول 2: 9-10 ” .

   بقي الإله المتجسد في الخفاء ثلاثون سنة ، أي إلى يوم إعلانه لسر ملكوت الله . كل شىء حدث في الصمت ، في الفقر المدقع ، وهذا السر ليس حدث وقع في الماضي فحسب ، بل يبقى لكل منا حقيقة راهنة ، فكلما نتقدم من الأسرار المقدسة ، تصبح هذه الحقيقة واقعية لنا لكي يتجسد الإله فينا . فسر التجسد يستمر في عالم اليوم والغد . فميلاد المسيح هو سر ولادة الله بين البشر . والعكس صحيح لأنه هو سر ولادتنا المستمرة لحياة الله . إذاً ولادة المسيح في عالمنا يقابله ولادة المسيحي في المسيح وفي الكنيسة المقدسة ، وهذا يحتاج إلى إيمان وصليب للتضحية كما ضحّى المسيح من أجلنا منذ ولادته . فسّرَي الميلاد والفداء سّران متماسكان ومرتبطتان معاً ، فعلينا أن نجد الصليب بوضوح في سّر الميلاد ، فالمسيح الذي ولد بكل تواضع في مذود الحيوانات ، في البرد ، والجوع ، والعطش ، والعوز ، والإهانة ، ومن ثم المطاردة لقتله من قبل هيرودس الملك ، فكل ذلك كان من أجل خلاصنا ، هكذا نرى المسافة قصيرة بين المذود والجلجلة منذ ليلة الميلاد . فالمولود الإله لم يأتي إلى عالمنا إلا ليتألم ويموت من أجلنا ، ونحن من أجله ، لأننا متنا معه بسبب إيماننا به في ماء المعمودية ، وهو مات بنا ، وأخيراً نحن مائتون وقائمون فيه ، إنه أكمل موتنا بموته ، وقيامتنا بقيامته ، وقيامته هي القوة التي سترفعنا من هذا العالم إلى عالمه الأبدي الغير المنظور لندخل معه في اللازمن وفي الأزل . فكما نزل مار يوسف ومريم التي كانت تحمل الطفل الإلهي في أحشائها من الناصرة إلى بيت لحم ، ، ومن ثم أخذ المسيح طريقه بالصعود في طريق الآلام للوصول إلى الصليب ، ومن الصليب نحو السماء حيث طريق العودة إلى الآب ، علينا أن نفهم العلاقة بين سري التجسد والفداء ، فحدث التجسد لم ينتهي بموت المسيح ، بل نجد فيه إتمام غاية التجسد . وهكذا يجب أن نقتدي بالرب يسوع ونسير على خطاه في ذات الطريق ما دام هو الأقصر إلى المدينة السماوية ، والمطلوب منا التبشير بأسمه ، وبذل ما بوسعنا من جهد لكي لا نصعد لوحدنا بل معنا الكثيرين بعد أن نمهد الطريق لهم لفهم هذا السّر العظيم ليؤمنوا به ولكي يحضروا في سر الميلاد حضوراً فاعلاً مبنياً على أساس الفهم والإيمان بحدث تجسد الإله العظيم ، والعالم كله يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يعرف ويؤمن بالمسيح الذي تجسد من أجله ومن أجل جميع البشر لكي يشمل الخلاص للجميع بيسوع الرب.

ولإلهنا المتجسد ، المجد والتسبيح إلى أبد الآبدين .

87
وِلادات يسوع الأربعة

بقلم / وردا إسحاق قلّو

https://j.top4top.io/p_1817wbuxc1.jpg


يسوع المسيح هو إله في إله منذ الأزل . لا يجوز أن يوجد من دون الآب ، ولا الآب من دونه ، بل وجد الأثنان معاً منذ الأزل ، والله الآب خلق كل شىء به لأنه أقنوم الكلمة الألهي الناطق لللآب ( اللوغس ) الخالق لكل شىء . لهذا المسيح يعَبّر عن ذاته لليهود ، فيقول ( أنا قبل أبراهيم ) ، لم يقل أنا كنت قبله ، بل هو كائن قبله ، أي خالقه ، فعلينا أن نفهم سّر الشراكة الأزلية بين الآب والإبن الذي كان في حضن الآب ” يو 1 : 18 ” . يسوع الكلمة هو صورة كاملة لله كمالاً مطلقاً ، أي هناك إتحاد دائم مابين الأقنومين . كذلك هناك تساوي في تلك الوحدة ، وفي جوهرها . فكلمة الله اللوغس يحمل طبيعة الله منذ الأزل ، وهي ولادة أزلية وأبدية ، لذا قال يسوع عن نفسه ( أنا في الآب والآب فيّ ) والله الذي خلق الإنسان بسبب محبته تمرد المخلوق على خالقه فانقطعت العلاقة . لكن محبة الله للبشر أستمرت ، لهذا كان مفتاح سّر التجسد هو حب الله ، و ( الله محبة ) ومحبة الله لا تضعف أو تسقط مع سقوط الإنسان . وهذه المحبة تنير لنا الطريق لفهم خطة الله لخلاص البشر من خلال سّر تجسد أبنه الوحيد . وللحب منطق لا يدركه عقل إنسان ، وحب المسيح هو فوق كل حب ، إنه التضحية من أجل الآخر ، وقد علّمنا هذا الدرس بقوله ( ليس لأحد حب أعظم من هذا : أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ) ” يو 13:1″

ولأن تضحية الإنسان لا تستطيع أن تدفع خطيئته للعدل الإلهي ، لهذا فحركة التجسد كانت حتمية لخلاص البشر . لأن غاية التجسد كان لردم الهوّة بينه وبين البشر . كانت هاوية عميقة ودائمة ، ولولا المبادرة الإلهية لأستحال على الإنسان أن يجتاز تلك الفجوة بقدراته الذاتية للوصول إلى الله . فتجسد ” عمانوئيل ” فعاد الله ليكون معنا . في ولادة جديدة زمنية حدثت في ملء الزمان ” غل 4:4 ” لم يقتصر التجسد في مريم العذراء ، بل ولد في كل إنسان ، كما أعطي الشرف للإنسان أن يلد خالقه ، أو يلد من وَلَدَهُ ، إنه إنقلاب الأدوار حدث في المسيحية ، فعلينا أن نقلب مفاهيمنا أيضاً لنفكر بطريقة جريئة لكي نفهم أمور كثيرة لم تكن مفهومة . والآية تقول ( … كل شىء ممكن للذي يؤمن ) ” مر 23:9 ”  . وعلينا أن نعلم بأن للمسيح ولادات كثيرة نختصرها بما يأتي :

ولادته الأزلية من الله الآب : هذه الولادة تحمل طابع آخر لا تشبه الولادات البشرية ، فعلينا أن نفهم ما نقوله في قانون الإيمان عبارة ( المولود من الآب قبل كل الدهور ) وهنا لا يحدد زمناً لوجود المسيح كأقنوم ثاني ، بل هو موجود منذ الأزل مع الآب ، ولا يمكن للآب أن ينفرد بوجوده ولو للحظة من دون الإبن ، لأن الإبن هو الكلمة الموجود في الله الآب منذ الأزل . وأبرز آية نفهم منها أزلية المسيح مع الآب هي الآية الأولى من أنجيل يوحنا ( في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله ) ” يو 1:1 ” والمقصود هنا بلفظة ” البدء “ هو الأزل بدون أي تحديد زمني لوجوده . فالمقاطع الثلاثة في الآية توضح لنا آلوهية المسيح وأزليته لأن به خلق الله الآب كل شىء ” يو 3:1 ” فهذا هو الميلاد الأول الأزلي للمسيح من الآب والذي شاطره في اللاهوت والجوهر . فبما أنه موجود مع الآب منذ البدء ، إذاً لا يمكن أن يكون مخلوقاً كما يدّعي البعض ، بل هو إلهاً أزلياً أعطاه الآب كل ملء اللاهوت ، لهذا نرى كلمة ” الملء ” تتكرر في الأنجيل منها ( طالع يو 16:1 و قول 19:1 و 9:2 ” وهكذا أعطاه جوهر اللاهوت كله ليكون مساوي له في الجوهر . كما إنه مساوي للآب في القدرة ، يقول القديس هيلاري ( إن له طبيعة الآب الكلية القدرة ) . وهو قال لتلاميذه بعد القيامة ( دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض ) ” مت 18:28 ” . و ( كل ما للآب هو لي ) ” يو 15:16 ”  .
ولادته من مريم العذراء : تجسد المسيح كان مطلوباً لإتمام خطة الله لخلاص البشر ، فتجسد وصار إلهاً متجسداً ، وبعد تجسده في مريم العذراء وولادته منها ظل محافظاً على طبيعته الإلهية ، لهذا تقول الآية ( فإنه فيه سر الله أن يحل كل ملئه ، وأن يصالح به كل شىء مع نفسه ) ” قول 19:1″ . أما الرسول يوحنا فكتب ( … والكلمة صار جسداً وحل بيننا … ) ” يو 14:1 ” حرف الواو تسبق ” الكلمة ” تعني أن هناك كلام آخرما قبله ، نجده في الآية الأولى من نفس الإصحاح وهي ( الكلمة هو الله ) أي أن الله صار جسداً وظهر بيننا ، وعندما صار إنساناً لم يفقد ولو للحظة على أن يكون كلمة الله ( اللوغس ) ، إتخذ جسداً لكي نراه ، وعلى ذلك الجسد حمل خطايانا كإنسان كامل ، فعلينا ان نؤمن بأنه إله كامل ظاهر في الجسد وكما تقول الآية ( الله ظهر في الجسد ) وهذا هو جوهر عقيدتنا . في العهد القديم كتب ( … لأنه لا يراني الإنسان ويحيا ) ” خر 20:33 ” أما في العهد الجديد فحدث العكس ، فكل من يراه يحيا على مثال الحية النحاسية ( عد 9:5 ) . وكيف يستقر ملء اللاهوت في طفل صغير مولود من إمرأة ؟ هذا هو الّسر الذي لا يفهمه الغير المؤمن ، بل هو تحدي كبير ونقطة الخلاف الكبرى مع غير المسيحيين ، كيف يمكن للإنسان المحدود أن يحتوي الله اللامحدود ؟ العذراء ولدت الإله المتجسد فيها ، لكننا نقول لم تلده بمفردها ، بل أشترك في هذه الولادة كل الشعب العبري الذي كان ينتظر مجىء المسيا ، فتحقق حلمهم في شخص مريم التي تمثل ايضاً كنيسة العهد الجديد أي مَثلت العهدين .
ولادة المسيح في كل إنسان : يمكن القول إن تمخض العذراء وقت ولادتها ليسوع كان تعبيراً لتمخض الأرض كلها لتلد المخلص ، لم يأت ليحل في جسد مريم فقط ، بل في كل إنسان . يسوع تسلم ملء اللاهوت من الآب كخطوة أولى ، وفي الخطوة الثانية تستوعب البشرية الإله المتجسد في ذاتها ملء اللاهوت الذي كان في الكلمة ليحل في جسد كل إنسان . وفي الخطوة الثالثة ، الملء الذي في المسيح يوهَب لنا نحن البشر لكي يجعلنا شركاء له في لاهوته ، لهذا تقول الآية ( فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً وأنتم مولودون فيه ، الذي هو رأس كل رئاسة وسلطان ) ” قول 9:2 ” فكما إنه مملوء من اللاهوت هكذا نحن أيضاً ، والملء الذي فيه قد وهِبَ لنا عندما جعلنا أعضاء في جسده ( الكنيسة ) فما يحل في رأس الكنيسة ، يحّل في باقي الأعضاء ، لأنه رأس الجسد ، وهذا أيضاً هو سّر من أسرار التجسد . إذاً لم تكن ولادة المسيح من العذراء هدفاً لذاتها ، بل تمّت حتى يولد فيه كل إنسان وشاركه في الملء الذي فيه . لهذا تقول الآية ( فمن ملئه نلنا بأجمعنا ، وقد نلنا نعمة على نعمة ) ” يو 16:1 ” وهذا يعني أن إمتداد التجسد في كل إنسان مؤمن هو الهدف الأساسي في تجسد المسيح ، بتجسده دخل العنصر الإلهي في الإنسان القديم . ومن تلك اللحظة بدأت البشرية مرحلة جديدة في مسيرتها مع الله ، يمكن أن نطلق عليها المرحلة الإلهية ، فعلينا إذاً أن لانُقّيم أنفسنا بمعاييرالبشر الغير مؤمنين ، لأننا الآن أكثر من بشر ، لأن الله يسكن فينا من خلال المسيح ( الكلمة صار بشراً فسكن بيننا ) ” يو 14:1 ” فصارت الإنسانية هيكلاً لله ، فلم يكن مشروع التجسد إلا خطوة أولى لتأليه البشرية كلها لكي تصير أولاداً لله ” يو12:1 ” . مفهوم الله والإنسان في المسيحية ليس كباقي الأديان التي تكتفي بمجرد الإيمان بالله الموجود في السماء ، بل تؤمن بالله في الإنسان ، وهو الذي يفجر بداخل المؤمن ما هو كامن وقائم بالفعل ، وهذا لن يتم إلا من خلال الإيمان الذي يسيطر على طاقات كبيرة موجودة في الإنسان الذي ( عمانوئيل ) معه ، فبالله الذي معي أستطيع كل شىء في من يقَويني .
هل هناك ولادة رابعة للمسيح ؟ بعد أن تناولنا ولادته الأزلية من الآب أولاً وولادته من العذراء ثانياً ، وتجسده في البشرية كلها ثالثاً ، فهل سيظهر المسيح ليتجسد مرة أخرى في عالمنا ؟ في الحقيقة ، البشرية والطبيعة كلها تنتظر يوم تجسد المسيح الرابع ( أش 4:34 و 22:66 . رو 8 و 2 بط : 12-13 ) فالبشرية تتجه من خلال التجسد إلى تحقيق إمتلاء المسيح في اليوم الأخير عندما يأتي على الغمام مع ملائكته القديسين ، والذي سيسبقه الصليب المضىء ( علامة أبن الإنسان ) ” مت 30:24 ” كما سبق ظهور النجم المضىء للمجوس  قبل وصولهم إلى مكان مولد المسيح . في ذلك اليوم تبلغ فيه البشرية والطبيعة كلها قامتها الكاملة ، بالتجدد الشامل ، ليس للإنسان فقط ، بل للجماد والنبات والحيوان . كلها تتقدم باستمرار إلى النهاية ، إلى ولادة جديدة ، بل إلى عالم جديد ، وأرض جديدة ، حينذاك سيعلن المسيح رغبته في أن يولد مجدداً بكل ملء لاهوته ، وبكل أبعاد كيانه ، في كل إنسان وفي الطبيعة الجديدة ، فيستمر الإنسان مع الطبيعة في حالة تمخض ، كما فعلت قبل التجسد . ننتظر مجىء المسيح في الولادة الأخيرة ( الرابعة ) إنه الميلاد الأخير ، لكل إنسان وللكون كله ، لهذا قال ( هاءنذا أجعل كل شىء جديداً ) ” رؤ 5:21 ” . عالم جديد … أرض جديدة .. وسماء جديدة ، فعلينا أن نستعد للميلاد العظيم لكي نولد نحن فيه وهوفينا .
ليتمجد اسم يسوع القدوس

88
شريعة الله البليغةِ للكون

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( بكلمةِ الرَّبِ صًنِعَت السمواتِ ، وبنسمةِ فيهِ كُلُّ جنودِها ) ” مز 6:33 “
 في الكتاب المقدس بعهديه آيات تتحدث عن خلق الله للكون كله ، ما يرى وما لا يرى ، خلقها بكلمة منه والكلمة هو يسوع الرب . ومن تلك الآيات نذكر المزمور ( السموات تتحدث بمجد الله ، والجلد يخبر بما صنعت يداه ) ” 1:19 ” . وهل للسموات الجامدة حديث لنا ؟ أم هل حديث العناصر الموجودة في الأجرام السماوية والتي تحيطنا من كل الجوانب هو حديث صامت يُعَبّر لنا حركة مليارات الكواكب والنجوم الموجودة في آلاف المجرات التي تسبح في الفضاء الواسع والتي تتحدث بصمت عن شريعة الله في خلقها فعلينا أن نفهم سّرِها والغاية من وجودها في الكون ! كما علينا أن نفهم سّر العلاقة بين عناصر الطبيعة  وشريعة الله ، فالآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع تتحفنا بالأجوبة الدقيقة . فقبة السماء المحيطة بنا هي الكلمة الأولى في المزمور المذكور ، ولفظة السموات تلفت إنتباه الإنسان المتأمل عندما يغدق نظره في السماء يبدأ بطرح أسئلته لها ، فالسموات تتحدث بلغة خاصة بليغة تعلِن لنا مجد الخالق كما قال صاحب المزمور . نستنتج من هذا بأن العلاقة الصحيحة بين العناصر الموجودة في الكون كلّه يقودنا إلى قراءة غنية بالمعاني تظهر لنا شيئاً من عظمة الخالق الذي لا تدركه عقولنا ، فعندما نرى حركة الكواكب الصامتة ، مسارها الدقيق عبر السموات ولميارات السنين ، كذلك بالنسبة إلى النيّرات في السموات وكم عددها في كل المجرات ، كذلك تعاقب حركة شمسنا في مجرتنا والقمر والنجوم التي تتناوب حركاتها بإنتظام دقيق ، إنها قصة حقيقية وكلام مهمً لنا ، فعلينا أن نقول ومن هو المشرف على هذا النِظام البليغ ؟ . تعبّر لنا  الآية عن هذا النِظام وتقول ( النَهار للنهار يعلِن أمره ، والليل لليل يذيع خبره ) ” مز 3:19 ” .
نستنتج من قصة الخليقة سّر الله الخالق ، علماً بأن الكتاب المقدس يفاجئنا برأيه فيقول ( لا صوت لها ) أي ليس هناك من أمر يُسمَع عندما تسرد قصة الخِلق ( لا حديث ولا كلام ولا صوت يسمعه الأنام ) ” حز 4:9 ” هي لغة صامتة تحدثنا عن الخالق الذي خلق الخلقة بحكمته وفطنته الإلهية ، ألا يقول المزمور ( صانع السموات بفطنة ) ” 5: 136 ” وهذه اللغة الصامتة شمولية فيجب أن نفهمها . فعن الشمس يقول الكتاب ( هناك للشمس نصب خيمة وهي كالعريس الخارج من خدره وكالجبار تبتهج في عدوِها ) ” مز 19: 5-6 ” فنشاط الشمس لما يحتويه من نارٍ ونورٍ وحرارة قوية له علاقة بشريعة الله ، وحتى وإن كانت خاصة بالسموات وعناصرها . فسر الشمس يرمز إلى وجود شريعة لها يجعلها تخرج من مسارها هذه ، هي اللغة العميقة لها ولباقي الكواكب ، إنها لغة صامتة تدعونا إلى قرائتها وفهمها ، إنها شريعة من أجل الإنسان ، فكما للإنسان شريعة وناموس ، فللطبيعة وعناصرها شريعة في منتهى الدِقة والكمال . ومن تابع طريقها فيصل إلى ما صنعت يد الخالق . فهذه الطبيعة تخاطب كل إنسان عن عمل الله خالقها .
تنطوي نظرة القديس إغناطيوس إلى العالم والإنسان على العلاقة التي تجمع بين أقطاب ثلاثة ، وهي ( الله والإنسان والخليقة ) تربط بعضها ببعض إرتباطاً وثيقاً . وكل ما يبعث عن الله يمر ليندمج في صميم العالم المخلوق ، وفي المقابل ، ما من إلتزام كامل في العالم المخلوق إلا إن كان ثمرة إكتشاف الله من خلال خليقته ، فالمخلوقات يجب أن تساعد الإنسان لبلوغ الله .
وسّر كمال هذه الشريعة يبرز في الحياة المستفيضة منها بوفرة شديدة وبكلمة ، فإنها تعطي الحياة للإنسان وترافق هذه الحياة الحكمة التي تجود بالفطنة على أبسط الناس ( شريعة الرب كاملة تنعش النفس شهادة لرب صادقة تعقّل البسيط ) ” مز 8:19 ” أي تجعل الجاهل حكيماً ، وأول عطايا هذه الشريعة هي ( الحكمة ) وهذه الحِكمة تُفهَم ولا شك أن لغة السموات البليغة والصامتة هي شريعة فيها اليقين والثبات وثِمارها الطيبة لا تخفي على أحد .

نستنتج من هذا فنقول : إذا كان الله أميناً وإن كانت شهادته صادقة ، فلا بد لأمانته من أن تحرك في ضمير الإنسان جواب الأمانة أيضاً ، يدفع الله الإنسان على طريق الأمانة ، لأن مخافة الرب تعمر في قلب الإنسان الذي يمشي على طُرقهِ ، فمخافة الله ليست كخوف عبيد من سادتهم ، بل هي مخافة مُلؤها إحترام الله الذي خلقه على صورته ، هي مخافة بنوية تثبت المؤمن بالله على طريق الأمانة ، لأن ( مخافة الرب طاهرة تثبت للأبد ، وأحكام الرب حق وعدل على السواء ) ” مز 10 :19 ” فشريعة الله غالية وحلوة تعطينا القوة  ، لهذا يقول المزمور ( أحكام الرب … هي أشهى من الذهب ومن أخلص الأبريز  واحلى من العسل ومن قطر الشهاد ) ” 11:19 “.
ولخالق الكون المجد دائماً


89
خَلق الكَون بين العلم والإيمان
بقلم / وردا إسحاق قلّو
( السموات تحدِّث بمجد الله ، والفلك يخبر بعمل يديه ) " مز 1:19 "
     العلماء الفلكيون والفيزيائيون يبحثون علمياً عن مصادر تكوين الكون الشاسع جداً رافضين مبدأ وجود الله الخالق ، ومنهم العالم الشهير سيغموند فرويد الذي قال ، أن الله وَهَم ، ومعتقدات كثيرة كالبوذة الذين يقولون لا حاجة إلى المعرفة عن الله . وآخرين يقولون أن الآلهة ليست سوى بشر مثلنا . إذاً فكرة الله الخالق مرفوضة عند الكثيرين ، بل يعتقدون أن فكرة وجود الله سخيفة . أما عالم الفيزياء البريطاني الشهير " ستيفن هوكينغ " فأعلن إلحاده في مهرجان ( ستارموس ) المنعقد في جزيرة لابالما ، أحدى جزر الكناري أثناء مشاركته مع مجموعة العلماء ورواد الفضاء ، فأعلن من على كرسيه المتحرك بوضوح عدم أيمانه بوجود الخالق ولا بضرورة وجود الله ، فقال ( ليس هناك حاجة إلى وجود خالق لنشأة الكون ) كما أشار قائلاً : أن الدين مثله مثل العلم ، إذ كِلاهما يفسران أصل الكون ، ولكن أن العلم اكثر إقناعاً ، وبالنسبة له لا أحد يستطيع أن يثبت وجود الخالق ، لكن يمكن التفكير في كيفية نشوء الكون بشكل عفوي ، ونحن نعلم أنه لا يمكن تقديم أي تفسير عقلي إلا عن طريق العلم ، وفي النهاية سنعرف كل ما يعرفه الخالق إذا كان موجوداً فعلاً . كما أقر هذا العالم الشهير فشل العلم في معرفة نشأة الحياة على هذه الأرض ، فكيف يستطيع هو وكل العلماء معرفة أسرار نشأة الكون كله وطريقة تكوينه ؟ والكتاب المقدس يوصف أمثال هؤلاء بهذه الآية ( قال الجاهل في قلبه ، لا يوجد الله ! .. ) " مز 1:14 " . لنبحث إذاً آراء العلم والدين عن الخالق .
     عن الفلاسفة نذكر منهم " دافيد هيوم "  الذي عاش في القرن الثامن عشر ، لم يكن يؤمن بوجود الله . ونظرية داروين التي تم دحضها ، عرضت لنا طريقة تطور الحياة من دون الله ، لكنها لم توضح لنا كيف بدأت أولاً وهكذا لم يستطيع العلم بنظرياته أن يثبت لنا بأن الكون قد وجد في الصدفة . أي أوجَدَ نفسهُ بنفسهِ من لا شىء ، فينسبون بنظرياتهم أصل الكون إلى بداية صغيرة . ومن تلك النظريات نظرية تسمى ( التضخيم ) تقول : ( ما حدث في جزء من الثانية بعد بداية الكَون الذي كان في الأصل بالغ الصغر ، ثم تضخم بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء ) . ونظرية الأنفجار العظيم الذي وقع قبل 13.7 مليار سنة منه بدأ الكون بالتكوين على شكل منفرد ، أي بنقطة الكثافة اللانهائية والحرارة التي يصعب أستيعابها ، أي أن الكون نشأ من حالة حرارة شديدة الكثافة ، ، لكن رغم ذلك تبقى تلك النظرية غامضة ولن تصل إلى معرفة حقيقة بداية الكون .
   نقول إن كان الكون في بدايته يتميّز بحجم صغير لا متناه وكثافة لامتناهية ، فمن حقنا أن نسأل ونقول : ماذا كان يوجد قبل ذلك ، وماذا كان هناك خارج ذلك الكون ؟ أي علينا أن نواجه مشكلة البداية . هل يستطيع العلماء اليوم تفسير أصل الكون وتحديد بدايته ؟ موضوع التضخيم ما هو إلا مجرد فرضية أو إدعاء ، وهذا الإدعاء لا يمكن تجربته في المختبر ، فلا يزال الجدال قائماً حول نظرية التضخيم هذه . رُفِضَت هذه النظرية من قبل علماء كثيرين ومنهم البروفيسور ( روبرت جاسترو ) العالم في علم الفلك والجيولوجيا في جامعة كولومبيا ، قال ( قليلون هم الفلكيون الذين توقعوا أن يصير هذا الحدث " أي الولادة المفاجئة للكون " حقيقة علمية مثبتة ، لكنَّ رصد السموات بواسطة المقاريب أجبرهم على استنساخ ذلك ) . فقال ، أن المعاني الضمنية لذلك هي ( أن الدليل الفلكي على بداية الكون يضع العلماء في موقف حرج ، لأنهم يعتقدون أن لكل معلول علّة طبيعية . أما الفلكي البريطاني ا. أ. مِلّن ، فأعترف قائلاً ( لا يمكننا أن نقدم اقتراحات عن سير الأمور " عند بداية الكون "  ) .
    في عملية الخلق الإلهية ، الله لا يرى ولا يعاين . وما تزال المشكلة عالقة في علم الكونيات الحديث . فالخبراء عاجزين فعلاً للوصول إلى تفسير أصل الكون وتطوره . وهكذا سيدورون في كل العصور في دائرة مغلقة ولن يستطيعوا بقدراتهم العلمية إكتشاف السر ، إلا بالأعتراف بخالق الكون الحقيقي أولاً ، ومن ثم دراسة الأشياء المخلوقة التي خلقها الله منطلقين من آراء الكتاب المقدس ، وكما يفعل الآثاريون الذين ينقبون الأرض بحثاً عن آثار الحضارات القديمة معتمدين على قصص الكتاب المقدس ، فمكتشف مدينة أور وحضارة سومر القديمة كان الأثاري البريطاني ليوناردو وولي معتمداً على الكتاب المقدس .
الرسول بولس يقول عن بداية الخلق ( فإن ما لا يرى من أمور الله ، أي قدرته الأزلية وآلوهته ظاهر للعيان منذ خلق العالم ، إذ تدركه العقول من خلال المخلوقات ، حتى أن الناس باتوا بلا عذر ) " رو 20 :1 " . فالكتاب المقدس بدأه الوحي الإلهي بكتابة آية الخلق قبل كل الآيات ، فقال ( في البدءِ خلقَ الله السمواتِ والأرض . وكانت الأرضُ خاويةً خالية ، وعلى وجه الغمر ظلام . وروح اللهِ يرف على وجهِ المياهِ . ) 1: 1-2 " .
كيف خلق الله الكون الواسع جداً ؟
   يقول العلماء ، في الفضاء حشود كبيرة من الكواكب والنجوم الهائلة العدد الموجودة في مجرتنا " درب التبانة " التي يبلغ قطرها نحو كِنتليون كيلومتر اي ( 10 10 ) كيلومتر ، ويلزم للضوء 100,000 سنة لقطعها ، وسمك المجر حوالي 1000 سنة ضوئية  وهذه المجرة لوحدها تضمّ أكثر من 100 بليون ( مليار ) نجم ! فكل النجوم التي يستطيع الإنسان رؤيتها من سطح الأرض موجودة في مجرة درب التبانة فقط . إلى العقد الثاني من القرن الماضي كان العلماء لا يظنون بوجود مجرات أخرى غير التبانة ، لكن بعد إكتشاف التلسكوبات والمواشير الحديثة وصلوا إلى إكتشاف 50 مليار مجرة أخرى ، وهل سيكتشفون المزيد ؟ والذي يدهش الجميع هو أن في كل مجرة من تلك المجرات بلايين النجوم ، و بعضها تحتوي على أعداد أكثرمن النجوم مما موجود في مجرتنا . فلو أفترضنا أن في كل مجرة نفس عدد نجوم مجرة درب التبانة فعلينا أن نضرب ( 100 ) مليار ( في ) ( 50 ) مليار مجرة لكي نحصل على العدد الكلي للنجوم . وأقدم جرم سماوي مكتشف يبعد عنا نحو 13,2 مليار سنة ، وعمره يقارب عمر تكوين الكون . أما مساحة الكون فكيف نستطيع أن نتخيلها على ضوء مساحة درب التبانة ، وهل يمتد أكثر من المساحة التي تحتلها مجرات أل ( 50 ) مليار ؟ والغريب جداً أن كل تلك المجرات تتحرك ، ولكل نجم فيها مجالاً مغناطيسياً يدور فيه دون الأقتراب من المجالات المغناطيسية للكواكب القريبة . فإذا خرج أي كوكب من مساره ودخل في مجال كوكب آخر ، فالكوكب الكبير الذي يمتلك قوة مغناطيسية أكبر سيجذب الآخر إليه بسرعة هائلة تؤدي إلى إصطدام الكوكبين وتحطيمها ، ونتيجة قوة هذا الإصطدام قد تخرج وبسرعة هائلة أجزاء من الكوكبين خارج ذلك المجال المغناطيسي لتدخل في مجال الكواكب الأخرى لتحدث كارثة مماثلة . لكننا نجد كواكب كل تلك المجرات ثابتة في مستقراتها كل هذه المليارات من السنين ، فهل هناك من يشرف على هذا النظام الدقيق ، وهل كل هذا الكم الهائل من النجوم خلقت بالصِدفة ؟
  في بداية أنجيل البشير يوحنا نقرأ بأن خالق الكون هو الله الآب بأبنه الكلمة ، قال ( به تكوّن كل شىء ، وبغيره لم يتكون اي شىء مما تكوَن ) " يو 3:1 " . كذلك يؤكد لنا الكتاب بأن الله قد خلق كل الأشياء المنظورة ، وكذلك خلق الأشياء  الغير المنظورة والتي لا يستطيع العلم أن يكتشفها ، يقول الكتاب عن المسيح الخالق ( إذ به خُلِقَت جميع الأشياء . ما في السماوات ، وما على الأرض ، وما يرى وما لا يرى ... كل ما في الكون قد خلق به ولأجله ) " قول 16:1 " . وأسفارالعهد القديم تؤكد لنا بأن الخليقة لم تظهر لوحدها كما يدَعيّ العلم ، بل خلقها الخالق . تقول الآية ( أنت وحدك هو الرب ، أنت صانع السماوات وسماء السماوات ، وكل كواكبها ، والأرض وجميع ما عليها ... ) " نح 6:9 " . أما الذي يشرف ويحافظ على نظام كل كوكب في تلك المجموعة الهائلة من المجرات ، فتقول لنا الآية ( أرفعوا عيونكم إلى العلاء وانظروا ، من خلق هذه ؟ ومن يبرز كواكبها بمجموعات ويدعوها بأسماء ؟ إن واحدةً منها لا تفقد لأنه يحافظ عليها بعظمة قدرته ، ولأنه شديد القوة ) " أش 26:40 " .
الله هو خالق الكون ، وقد أنهى كل أعماله في اليوم السادس . وكل ما عمله رآه حسن جداً " تك 31:1 " . ولكي نفهم ما خلقه الله الغير المنظور لما هو منظور وملموس ، تقول لنا الآية ( وعن طريق الإيمان ، ندرك أن الكون كله قد برز إلى الوجود بكلمة أمر من الله ). حتى أن عالمنا المنظور ، قد تكَوَنَ من أمور غير منظورة ، فكيف يستطيع العلم أن يكشف أعمال الله الغير المنظور . لنطرح على العلماء سؤال الخلقة الذي طرحه الله لأيوب قائلاً ( أين كنت عندما أسست الأرض ؟ أخبرني إن كنت ذا حكمة . من حدد مقاييسها ، إن كنت حقاً تعرف ؟ أو من مد عليها خيط القياس ؟ على أي شىء استقرت قواعدها ؟ ومن وضع حجر زاويتها ؟ ..... أخبرني إن كنت بكل هذا عليماً ؟ ) " طالع إصحاح 38 أيوب " . سؤاله كان فقط عن تأسيس الأرض . . وهل أكتشف العلماء كل أسرار كوكب الأرض الذي يعيشون عليه وخاصة ما موجود في باطن الأرض وفي أعماق المحيطات ، فكيف يعرفون أسرار خلق الكون كله ؟ ليتمجد أسم الله الخالق الكون بأبنه الوحيد .
المصادر
1-   الكتاب المقدس
2-   نظرية الأنفجار العظيم
3-   آراء عالم الفيزياء الشهير " ستيفن هوكينغ " .
4-   كتاب " هل يوجد خالق "



90

يسوع يفضل شفاء الروح قبل الجسد

بقلم / وردا إسحاق قلّو

( لكن إطلبوا أولاً ملكوت الله وبره ، وهذه كلها تزاد لكم ) ” مت 33:6 “

الإنسان بطبيعته البشرية يميل إلى الماديات أكثر من الروحانيات لأنه يفضل الأرضيات على السماويات ، لهذا يعمل من أجل إكتساب ما هو مادي فيقضي ستة أيام في العمل من أجل المزيد من الأرباح التي تخدم الجسد . وهكذا إذا تناولنا جانب الصحة التي تشمل صحة الجسد والروح معاً ، فيفضل شفاءه من كل الأمراض الجسدية لكنه لا يسعى بنفس القدر للتحرر من أمراضه الروحية . نلاحظ في قصص الإنجيل ، قليلين هم الذين يسألون كيف يحصلون على ما للروح أولاً قبل الأمورالأخرى ، لهذا علمنا يسوع بان نطلب البر والقداسة أولاً . أي شفاء الروح وما للروح أولاً . ولشفائنا من الأمراض الجسدية نحتاج إلى دواء الروح أولاً الذي هو الإيمان بقدرة يسوع في شفائنا . إذاً على المريض أن يستخدم إرادته وقوته الإيمانية أولاً قبل أن يذهب إلى يسوع لشفائه ، ويسوع لم يفرض قوته في شفاء المحتاجين القادمين إليه لأجل الشفاء لأيمانهم بقدراته الخارقة ، بل كان يسألهم أولاً ليكشف فيهم الإيمان الحر الذي دفعهم بقوة الروح للمجىء إليه مقتنعين بأنه يستطيع أن يكمل لهم تلك الغاية . فكان يسال المريض الماثل أمامه قائلاً : هل تعتقد بأنني أستطيع أن أتمم لك ذلك ؟ فكان المريض يعترف له بالإيجاب ، وهكذا بالنسبة إلى الذين كان في أجسادهم أرواح نجسة كانوا يندفعون إليه لكي يحررهم من إستعمار تلك الأرواح لأجسادهم ( مر 5: 1-7 ) فبكلمة من الرب ، أو بلمسة شفاء بسيطة للجسد كانت تلك الأرواح تغادر الجسد فيبرأ الإنسان ويتطهر من الأمراض ومن تلك الأرواح الشريرة .

لماذا شفاء الروح أولاً ؟ لأن روح الإنسان خالدة . أما الجسد فزائل . لهذا قال للمخلع الذي دلوه من السقف لأجل شفائه من عاهته الجسدية ( … يا بني مغفورة لك خطاياك ) ” مر 5:2 " فشفاه أولاً من الشلل الروحي ، أي العيش في الخطيئة . وبعد ذلك قال له ( قم أحمل فراشك وأمشي إلى بيتك ) وكذلك قال للمشلول الراقد على أروقة بركة باب الغنم ” بيت حسدا ” بعد شفائه ورؤيته له في الهيكل ، قال ( قد تعلفيت ، فلا تعد إلى الخطيئة ) ” يو 14:5 ”  .

الإيمان هو الأساس ، وهو الشرط الأول المطلوب من المؤمن قبل أن يرفع طلباته إلى الله ، فعندما يلقي إيمان الإنسان عند الله تجاوباً ستحصل المعجزة ، والإيمان هو فعل شخصي يُعَبِر عن العلاقة الحميمة الصادقة ، والثقة بأن ما يطلبه من الله بدون شك سيناله .

الذي يريد أن يشفي من الداخل عليه أن يسلم ذاته ليسوع الذي يخلص الإنسان من كل الميول التي تقود المرء إلى عمل الشر والإبتعاد عن النبع الحي . وهذا يتطلب إلى العيش بالقداسة وذلك بالإصغاء اليومي إلى كلمة الإنجيل والصلاة والتأمل . فكلمة الرب تتحدى كل قوة الشر ( اليست كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقةٍ تحطم الصخر ) ” أر 29:23 ” إنها مطرقة الرب ضد الخطيئة ، تطهر الأجساد . وهكذا سيعيش الإنسان في الطهارة بسبب العبادة الحقيقية للرب ، وعبادتنا الصادقة للرب تحررنا من كل مرض ، تقول الآية ( إنما تعبدونني أنا الرب إلهكم فأبارك طعامك وشرابك وأزيل الأمراض من بيتكم ) ” خر 25:23 ” . إذاً بالإيمان والصلاة والصوم والتوبة سينال الإنسان حتى على شفاء الروح من أمراضها ، لهذا صلى سليمان الحكيم ، وقال ( إذا غلقت السماء ولم يكن مطر ، لأنهم أخطأوا إليك ، ثم صلوا في هذا الموضع واعترفوا باسمك ورجعوا عن خطيئتهم لأنك ضايقتهم ، … فأسمع أنت من السماء وإغفر خطية عبيدك وشعبك أسرائيل ، فتعلمهم الطريق الصالح الذي يسلكون فيه ) ” 1 مل 35:8 ” .

الرب يسوع أسس لنا سراً خاصاً في الكنيسة وهو ( سر مسحة المرضى ) لكي نلجأ إلى كاهن الكنيسة في حالة مرضنا لننال بواسطته شفاء النفس والجسد ، تقول الآية  ( هل فيكم مريض ؟ فليدع كهنة الكنيسة ليصلوا عليه بعد أن يدهنوه بالزيت باسم الرب . إن الصلاة مع الإيمان تخلص المريض ، والرب يعافيه . وإذا كان قد اقترف بعض الخطايا غُفِرَت له  ) .

في الختام نقول : بإستطاعتنا الحصول على الشفاء من أمراضنا الروحية والعضوية مهما كانت بسبب إيماننا فنعترف بخطايانا أولاً ، ثم نلجأ إلى حضن الرب الحنون فإنه قادر على الشفاء لكل مرض كما كان يفعل عندما كان في الجسد ، بل أقام الميت المنتن من قبره وأعطاه الرجاء في الحياة الجديدة . ليكن لنا ثقة عظيمة بالرب لشفائنا من كل مرض ، إنه الطبيب الحقيقي للنفس والجسد .

ليتبارك أسم الرب القدوس

91
بغذاء الروح نتحد مع المسيح
بقلم / وردا إسحاق قلّو
  في الكنيسة الرسولية سبعة أسرار ، وأهمها سر الأفخارستيا ، الذي هو سر الأسرار ، لأن الرب يسوع فيه يعطينا ذاته ، و يعبّرعن حبه اللامحدود للذي يأتي إلى وليمته لكي يقدم له جسده ودمه ، وغايته من هذا لكي يحيا فينا ونحن به ، لهذا قال ( أنا الخبز الحي ، من يأكلني يحيا بي ) " يو 6 " هكذا يريدنا الرب يسوع أن نحيا فيه كما يحيا هو في الآب . وهذا ماكان يقوله لتلاميذه ( أنا في الآب والآب فيّ ، وأنا أيضاً فيكم ) . لنسأل ونقول كيف يصبح المسيح فينا ؟
        أولاً علينا أن نعلم بأن هناك فرق كبير بين أن ( يكون معنا ) و ( يكون فينا ) .   بتناولنا جسده ودمه بإستحقاق يصبح فينا لأن جسده سيختلط بأجسادنا ، ودمه بدمائنا  ( إنظر يو 6 ، و 1قور 11 ) إذاً لكي يتحد الرب فينا علينا أن نتهيأ أولاً تهيُئاً لائقاً أكثر من تهيئنا واستعدادنا لأستقبال ملك من ملوك الأرض ، لأن يسوع هو الأعظم ، إنه ملك الملوك ورب الأرباب ، وإلهنا الخالق . فعلينا أولاً أن نفكر بالتوبة الحقيقية من أجل تطهير الجسد وتهيأته ، ومن ثم نتقدم إلى سرّ الأعتراف لكي نحصل على المغفرة الحقيقية فنلبس الثوب اللائق للدخول إلى وليمة العرس . الأب الكاهن الجالس على كرسي الإعتراف بإسم الله الغافر يحول تلك الخطايا  بدوره إلى حمل الله الغافر لكل خطيئة . وسلطان الحلّ الذي نسمعه من الكاهن يأخذه من الرب يسوع الذي سفك دمه من أجلنا . بعدها نتقدم لتناول خبز الحياة فيطهرنا ويحيا فينا ( أنا هو خبز الحياة ، الواهب حياة للعالم ... من يأكلني يحيا بي ) . كل يوم نتناول الخبز لأجل أن تحيا أجسادنا وتستمر في الحياة ، أما خبز الروح فهو الخبز النازل من السماء فعلينا أن نتناوله بالتواترلكي تحيا به أرواحنا . وبهذا نتذكر قول الرب ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ) " تث  3:3 . مت 4:4 " . المقصود بالكلمة هنا هو المسيح ، إما بقرائتنا المستمرة لآيات الكتاب المقدس التي نتغذى بها روحياً ، وإما أن تكون الكلمة المتجسد على مذبح الكنيسة في كل قداس إلهي ، نتناوله من يد الكاهن ، فعلينا أن نُفَضِّل خبز الروح على خبز الجسد . فخبز الروح يحيا حتى الجسد ، لأن الأنسان الذي يتناول الطعام فقط ، دون أن يتناول خبز الحياة يكون ميتاً دون أن يشعر ، لهذا قال يسوع لمن أراد أن يتبعه  ( دع الموتى يدفنون موتاهم ، وأما أنت فأذهب ونادِ بملكوت الله ) " لو 60:9 ". كما نقرأ في سفر الرؤيا ( .. أنّ لك أسماً أنك حي وأنت ميّت ) " 1:3 " . فالناس الذين نراهم نشيطين ومجتهدين وناجحين في أعمالهم اليومية ، لكنهم بعيدين كل البعد عن الله ، فهم ليس فيهم الحياة  .
     من يتناول جسد الرب يحصل أيضاً على القيامة ، وحسب وعد الرب القائل ( من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية ، وأنا أقيمه في اليوم الأخير ) " يو 54:6 " . نحن نعلم بأن جميع الناس سيقومون في يوم القيامة من القبور ، لكن ما يقصده الرب هو إننا المختارون ندخل معه إلى الحياة الأبدية . لكن الملوث بالخطيئة عليه أن يدفع أجرتها ، وأجرة الخطيئة هي الموت ، فكل نفس تخطىء مصيرها هو الموت . والخطيئة لا تغفر بدون سفك دم ، ليس دماء الذبائح الحيوانية ، بل بدم المسيح الغافر فقط . الخطيئة لا تدخل إلى السماء مهما كان حجمها ، بل يجب أن تغسل كل الخطايا بدم الحمل ، لهذا تقول الآية ( هؤلاء الذين غسلوا ثيابهم وبيضوها في دم الحمل ) " رؤ 14:7 " وهذا ما أكده الرب بقوله أيضاً ( هذا هو دمي الذي يسفك لأجل كثيرين لمغفرة الخطايا ) " مت 28:26 " . فتناولنا للقربان هو لمغفرة الخطايا .  وعندما نسمع صوت الكاهن وهو يقول ( جسد الرب ) علينا أن نؤمن بأن المسيح يقول لكل منا ( خذ هذا جسدي ) كما قال لتلاميذه ، ونحن اليوم تلاميذه . كذلك قوله ( وهذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا ) " لو 20:22 . و مت 28:26 " .
    نختم مقالنا بالقول : في العهد القديم كان هناك طقس حمل الفصح الذي كان يرمز إلى يسوع ( حمل الله الذي يرفع خطايا العالم ) فكان لايسمح للغريب أن يأكل منه ، فالذي كان يتناول منه يجب أن يكون مختوناً ، أي من ضمن جماعة شعب الله المختار . هكذا أيضاً بالنسبة إلى شعب عهد النعمة هم أيضاً مختونين بالمعمودية ، لأن الختان كان رمزاً للمعمودية ، وكما قال الرسول ( ومنه أيضاً ختنتم أنتم ختاناً لم تجره الأيدي ، إذ نزع عنكم جسد الخطايا البشري وهذا هو ختان المسيح : فقد دفنتم معه في المعمودية ، وفيها أيضاً أقمتم معه ... ) "  قول 2: 11-12 " . المتناول إذاً يجب أن لا يكون غريباً ، بل من رعية الرب ، وهكذا عندما نتناول القربان لا نشعر بأننا غرباء ، بل نؤمن بأننا من أبناء الكنيسة التي هي بيتنا ، ومنها نحصل على هذا الأمتياز الذي لا يستحقه غير المؤمن ، وبهذا السّر نتحد مع المسيح الذي يصبح فينا كما هو في الآب . والمسيح الرب يريدنا نحن أيضاً أن نكون مع الآب ومعه ، لهذا قال للآب :
( كما انك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً فينا ) " يو 21:17 " .
ليتمجد اسمه القدوس



92
المسيحيون أحراراً أزاء الناموس
بقلم / وردا إسحاق قلّو
يجب أن نعي تماماً أن المؤمن الآن ليس تحت الناموس بل تحت النعمة ( طالع : يو6:1 . رو 15:6 )
   الشعب اليهودي الذي اختاره الله أعطاه الناموس الذي يحتوي على القانون الأخلاقي الوارد في الوصايا العشرة ، ومنه القانون الطقسي الموجود في سفر الأحبار ( اللاويين ) وفي سفر تثنية الأشتراع ، والذي يحتوي على عدة أركان منها ( الختان ، التميز بين الحيوانات الصالحة للطعام ، أنواع التطهير ...إلخ ) . الناموس قال عنه الرسول بولس ، بحد ذاته صالح ومقدس ( رو 12:7 ) وكان لليهود بمثابة المؤدب الذي يوجههم إلى المسيح ( غل 24:4 ) ، وهنا لا يقصد بالمؤدب المعلم ، بل العبد الذي يقود الولد إلى المعلم ، والمعلم الوحيد هو المسيح الله . وكان يفترض أيضاً بالناموس أن يهيء الأرواح إلى التحرر الذي ينجزه يسوع وحده . ورغم ذلك أدى الناموس الدور المطلوب منه للكثرين من اليهود وبلّغوا إلى مستوى من الحياة الروحية وعبّروا عن محبتهم لله . لكن الفضل الأكبر كان يعود إلى إيمانهم ، لأن الناموس بوحده غير قادر على أن يجلب التبرئة المنشودة . خطأ اليهود عندما ظَنّوا أن الناموس هو المعلم الكبير ، وتطبيقه سيجلب لهم التحرير. هذا ما يخص العهد القديم  .
أما في العهد الجديد جاء المسيح ليقطع عهداً جديداً ، وما كانت العهود القديمة إلا إشارة له والمسيحيين يدخلون فيه ، لنهم ورثاء أبراهيم بالإيمان . الناموس  لم يعط إلا كحافظ للوعد ، كمعلم يقود إلى المسيح الذي فيه تتحقق هذه الوعود . سقطت مراسيم الناموس مع حفظ تعليمه الأخلاقي الأساسي ، فلم يأتي المسيح ليحل الناموس والأنبياء ، ولكن ليتممهم ( مت 17:5 ) وعلى غرار ما حدث في العهد القديم ، ظهر  الوحي في العهد الجديد تدريجياً ، ونستطيع أن نحدد لظهوره ثلاث مراحل :
 أولاً : إعلان مجيء ملكوت الله الذي أسسه يسوع .
ثانياً : إظهار المنهج الجديد المؤدي إلى الخلاص والذي يتطلب الإقلاع عن الخطيئة والإندماج في المسيح ليصبح الإنسان  إنساناً جديداً في المعمودية ( غل 20:2 ) .
ثالثاً : إظهار يسوع كسيد في حياتنا وإبن الله ، كنور وحياة ، وإظهار الروح القدس ، والصِلة بين الأقانيم الثلاثة في ذات الله . 

الإنسان فداه المسيح بدمه على الصليب ، وعلى الصليب دفع ثمن الخطيئة ، فالمؤمن بالمسيح لم يعد خاضعاً للناموس ، أو بالأحرى لم يعد خاضعاً لأي شريعة . كان الإنسان قبل المسيح محروس تحت الناموس . إذاً كان الناموس يوجه الإنسان إلى المسيح المنتظر لكي يتبرر لاحقاً بالإيمان لا بالناموس . وبعد أن جاء الإيمان لم يعد الإنسان تحت سلطة المؤدب لأنه صار أبن الله بالإيمان بالمسيح يسوع ، يقول الرسول ( فقبل مجيء الإيمان ، كنا تحت حراسة الناموس ، محتجزين إلى أن يعلن الإيمان الذي كان إعلانه منتظراً ، إذاً ، كانت الشريعة  هي مؤدبنا حتى مجىء المسيح ، لكي نُبرر على أساس الإيمان . ولكن بعدما جاء الإيمان تحررنا من سلطة المؤدب ) " غل 3: 23-25 " . إذاً عندما يصير الإنسان ابناً لله يعني إنه صار حراً . فلما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من إمرأة ، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس " غل 4:4" فعلاً هذه الأقوال الصريحة مدهشة ، وأقوال الرسول بولس تُرَكِز فعلاً في بعض مقاطعها على إبطال الطقوس اليهودية إبتداءً من الخِتان . انه تحرير جديد ، بل عهد جديد ، عهد النِعمة والمصالحة بيسوع المسيح الذي حررنا حقاً من جميع الشرائع وحتى من الشريعة الإنجيلية ، وكما يقول القديس توما الأكويني ( من يبتعد عن الشرّ تطبيقاً لتعاليم الرب ليس حراً ، إنما من يبتعد عن الشر لأنه شرّ : ذاك هو حر ) ولكن ، أفلا يصبح الإنسان المسيحي كائناً غير أخلاقي بعد ذلك إذ لم يعد خاضعاً لأية شريعة ؟ بل وفي أحسن الإحتمالات ، أفلا يستسلم لما يوجهه له ضميره الذاتي مُعَرِضاً نفسه للخطر ؟ لقد استدرك بولس هذا الإعتراض وأجاب عليه مرتين على الأقل ( إنظروا الآيات رو15:16 و 1 قور 13:6 ) فهناك شىء آخر غير الناموس يمكن أن ترتكز عليه الأخلاق المسيحية ، وهذا الشيء هو ( المحبة ) والمحبة تحتوي كل شىء . فالأخلاق المسيحية لم تعد مبنية على شريعة مفروضة من الخارج ، بل إنها تستند إلى ( محبة الله التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا ) " رو 5:5 " فروح الله هو الذي يقودنا إلى الله وحسب الآية ( لأن جميع الذين يقتادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ) " رو 4:8 " ، لهذا قال الرسول ( إذ ندرك أن الشريعة لا تطبق على من كان باراً ، بل على الأشرار المتمردين ... ) " 1 تيم 9:1" .
الشريعة التي تحذرنا وتقول ( لا تقتل ) لا تزال قائمة ، بيد إنها لا تفرض قوانينها إلا على الذين لا يحترمون الحياة بصورة تلقائية ، فهؤلاء يعيشون تحت الناموس ، في حين أن المؤمنين أحراراً حقاً إزاء الناموس ، ويعملون بحسب إرادتهم النابعة من قلب محب كإنسان حر ذو إرادة حرة . وهذا ما قالته القديسة تريزيا الطفل يسوع ( عملت دائماً بحسب إرادتي ) والذي يعيش بالمحبة لا يستطيع أن يعمل الخطأ ضد غيره . القديس أوغسطينس كانت وصيته ( أحبب وأعمل ما تريده ) فتلك الحرية لا تعطي لنا تدريجياً ، فإننا لا نتحرر بيوم واحد ، بل يخشى أن تبقى دائماً تحت الناموس في بعض النقاط ، فلا بد من بذل الجهود تحت رعاية النعمة الإلهية بغية التوصل إلى الهدف ، نبدأ بالأبتعاد عن كل مذهب أخلاقي لا يتماثل بالمبادىء المسيحية . مع إشتراكنا بالسر الطقسي الذي سيتاح لنا خلال أسبوع الآلام والذي سيدفننا مرة أخرى . يموت يسوع ويحقق قيامتنا معه متحررين من كل القيود في صبيحة يوم الفصح
المجد والكرامة لإلهنا الواحد إلى أبد الآبدين



93
      من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر
بقلم / وردا إسحاق قلّو
في شريعة موسى ، قال الله في الوصية السادسة ( لا تزنِ ) فالزاني والزانية بحسب الناموس يرجمان بالحجارةِ حتى الموت . 
في أحد الأيام كان يسوع منذ الفجر في الهيكل وحوله جمهور يسمعون إلى تعليمه ِ . أراد الكتبة ومعلموا الشريعة والفريسيون رسم خطة ذكية ودقيقة ضد يسوع لإيقاعه في مصيدة ، ومن ثم النيل منه أمام السلطات الرومانية . والخطة كانت جلب إمرأة زانية ضبطت في ذات الفعل مع إعداد شهود لكي يشهدوا بحسب شريعتهم لكي ترجم . لكننا نقول لماذا أتوا بها إلى المسيح  أليس لديهم شيوخ في مجمع السنهدريم ؟ الجواب ، لكي يضعوا مسؤولية رجمها وموتها على المسيح ، علماً بأن إعدام الإنسان لم يكن من حق أحد إلا السلطة الرومانية ، لهذا أرادوا تحويل قضية تلك الزانية إلى يسوع ليحملوه مسؤولية رجمها ، ومن ثم رفع الشكوى ضده أمام السلطات المدنية لأنه أمر برجمها وموتها . فالغاية الأساسية من جلب الزانية إلى يسوع لم يكن أولاً للحكم على الزانية ، بل كان لوضع يسوع في مشكلة أمام السلطة الرومانية . فطلبهم المنسوج في خطة دقيقة بحسب إعتقادهم سينالون من يسوع بكل تأكيد ، واثقين ومتحدين له من أجل تصفيته .
 أحضروا الزانية أمام يسوع وسألوه قائلين ( يا معلم ، هذه المرأة ضبطت وهي تزني ، وقد أوصانا موسى في شريعته بإعدام أمثالها رجماً بالحجارة ، فما قولك أنت ؟ ) السؤال معد سلفاً بمكر ودهاء بحيث أن كان جوابه نعم لترجم بحسب الشريعة ، فإنه سيجعل من نفسه مسؤولاً يشرِع أوامر بالقتل فيشتكون عليه عند السلطات الرومانية التي لها الحق فقط بإصدار أوامر القتل ، وهم يعرفون هذه الحقيقة جيداً لهذا لم يستطيعوا يوماً قتل أو رجم المسيح لهذا عندما أتت ساعته أخذوه إلى بيلاطس البنطي . وإن أجاب بالنفي ، أي ترحم ولا ترجم فإنه سيخالف معتقدلتهم ويصبح عدوا للشريعة  فيشتكون عليه عند سلطاتهم الدينية لأنه نقض الناموس . لهذا ظنوا إنه الخاسر لا محاله بكلتي الحالتين . أي عندما يكون جوابه ب ( نعم ) أو ( لا )   .
لم يرد عليهم المسيح بل أنحنى نحو الأسفل عند سماعه للطلب وبدأ يكتب بأصبعه على الأرض . لنسأل ونقول : ( ماذا كان يكتب على الأرض ؟ ) هل كان يدون خطايا كل المتحلقين حول المرأة لرجمها ؟ حدث صمت في تلك اللحظة لعدم إكتراث يسوع لطلبهم . لم يفهوا سبب سر صمته . لم يعلموا إنه يخطط للنيل منهم لا من المرأة ، وبعد قليل سيعلن الحكم ، أرادوا أن يخترقوا ذلك الصمت ليكرروا طلبهم بإلحاح للرد على سؤالهم . فاعتدل يسوع لكنه لم يرد على سؤالهم بنعم أو لا كما كانوا متوقعين . أي لم يكن رده معاكساً لشريعتهم أو للسطات الرومانية ، بل كان بعيداً عما خططوا له ، كما لم يهرب من سؤالهم ، بل قبل التحدي ، فقال لهم ( من كان بينكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر ) " يو 7:8 " . كان يعلم جيداً بكل خطاياهم ، إذاً لم يعادي الشريعة والناموس وينقضها ، بل جاء ليكملها ، وفي كلامه عمل بها لكن بدقة وكما تريد الشريعة حقاً بشكل شمولي ، فأمر برجم المرأة من قبل من يكون بمستوى الشريعة ، وفي الوقت نفسه لم يطلب بإطلاق سراحها ولم يؤيد فعلها الشنيع . وهكذا كانت ضربته قاسية جداً لهم ، لأنهم قساة القلوب ولا يحكمون بالعدل لأنهم هم أيضاً ملوثون بخطايا أسوأ من الزانية . ومن خطاياهم في هذه المشكلة إنهم لم يجلبوا الزاني الذي ضبط معها ، أم هل كان الزاني معهم أيضاً لأنهم هم من ارسلوه إليها مع إرسال شهود ليشهدوا على الجريمة ، ومن ثم يأتون بها إلى المسيح ؟ علم يسوع بنواياهم المبيتة ضده ، والزانية كانت حجة لهم لكي يناوا منه ـ لكنه كشف المؤامرة . هذا الذي يعرف حتى خطاياهم المستورة التي لا يعرفها أحد إلا هو ، فاحص القلوب والنوايا فبرهن بأنهم خطاة أيضاً ، وهم أيضاً يستحقون الرجم .
 عاد يسوع بعدها وأنحنى ليكتب على الأرض ثانيةً . فماذا كتب ذلك الإله المحب لكل البشر ، والذي رد عليهم بكل محبة دون أن يجرح مشاعرهم ، أو يفضح خطاياهم ، ونياتهم أمام الحاضرين ، لأنه كالطبيب النفسي المعالج لجراح النفوس المريضة . بمهارةٍ أيقظ ضمائرهم لكي يفكروا بخطاياهم قبل أن يفكروا بخطايا غيرهم ، ولكي يدينوا أنفسهم أولاً قبل أن يدينوا الآخرين . كما دفعهم لكي يجتهدوا بإخراج الخشبة من عيونهم قبل أن يسعوا إلى إخراج القذى من عيون الآخرين .
جواب يسوع لكل متحدي والذي هو عنوان هذا الموضوع ، لم يكن للمشتكين على المرأة وعلى قادتهم الذين أرسلوهم إلى يسوع فحسب ، بل صار يتردد عبر الأجيال لكل الخطاة الذين يعتبرون أنفسهم أفضل من غيرهم واللذين يتفننون في تغطية خطاياهم متحدين الضمير ، والله الذي يعرف كل الخطايا . يستخدم الوعاظ وعلماء الدين والفلاسفة والكُتّاب قول يسوع لأمور كثيرة . لم يكن أحداً من الموجودين حول المسيح بدون خطيئة إلا هو . وهو الوحيد الذي كان محقً في رجمها ، لكنه لم يفعل لأنه لم ياتي إلى هذا العالم لكي يدين ، بل لكي يخَلص . فواجبه تِجاه الزانية كان الدفاع عنها لكي لا ترجم وتموت في خطيئتها ، وثانياً لكي يغفر لها بدلاً من أن يرجمها ، لهذا قال لها ، وأنا أيضاً لا أحكم عليك ، أذهبي ولا تعودي تخطئين . وهكذا محبته أسرت قلبها ، فلم تعد تخضع ثانيةً لطلبات شهواتها الجسدية ، هذه التي ارتكبت الخطيئة سراً مع عشيقها فكُشِفَ سِرها ، أما إطلاق سراحها من الرجم بعد مغادرة الجميع فكان سِراً بينها وبين حبيبها الجديد المخلص .هكذا نحن أيضاً علينا أن نقتدي به لكي لا نفكر بالأنتقام وهلاك الأنفس ، بل بخلاصها ، وهكذا نغفر لمن يخطأ إلينا . وإن غفرنا للناس زلاتهم سيغفر لنا أبانا الذي في السموات زلاتنا .
والمجد الدائم لربنا يسوع الغافر للخطايا

94
الزواج المسيحي ... لا طلاق حتى في علة الزنى
بقلم / وردا إسحاق قلّو
الزواج عند كل الطوائف المسيحية الرسولية يختلف جوهرياً عن الزواج عند سائر الأديان والمعتقدات لأنه مؤسس على العدل والمساوات بين الزوجين . ولا بد من المساواة حتى يصير الأنفتاح بين الزوجين متبادلاً ومنهما يتم الأنفتاح على الله الذي يشترك في سر الزواج فيجعل الأثنان واحداً . في الزواج المسيحي لا يجوز أستعلاء الرجل على المرأة ، لأن الإثنان مساويان في الحقوق ، كما يقول الرسول ( فليس حر بعد يهودي ولا يوناني ، ليس عبد ولا حرّ ، ليس ذكر ولا أنثى ، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع ) " غل 28:3 " لكن يجب على المرأة أن تخضع لزوجها كخضوع الأثنين للرب ، لأن الرجل رأس المرأة ، كما أن المسيح رأس الكنيسة " أف 5: 22-23 " كما على الرجل أن يحب إمرأته كما أحب المسيح كنيسته وضحى من أجلها ( أف 25:5 ) والإثنان يجب أن يخضعا بعضهم لبعض بتقوى المسيح ( أف 21:5 ) . هناك تمايز لكن الحب الحقيقي يجمع بين الوحدة والتمايز مثل الثالوث الأقدس ( إله واحد وثلاث أقانيم ) فعلى الزوجين العمل كقول المسيح لأبيه ( ليكونوا واحداً كما نحن واحد ) " يو 11:17 " .
الحب يبدأ محصوراً بيم الزوجين ، ولكن يجب أن يفيض سريعاً على آخرين ، على الأولاد ثمرة الزواج والحب ، ومنهم إلى المجتمع كله ، لأن المحبة من طبيعتها فياضة ولا يمكن أن تحبس لكي لا يصيبها داء الإنانية القتّال . فالزوجين اللذان يتفقان على عدم إنجاب الأطفال للإكتفاء بالمتعة ، وعدم تحمل مسؤولية الأطفال ،  يقترفان خطيئة بسبب حبهم لذاتهم وسيطرة الإنانية على كيانهم . والله بارك الأبوين الأولَين لكي يكثروا النسل ، فقال ( أنموا واكثروا ) " تك 28:1" ، إنه خصب الحب بين الأثنين ،  فيجب أن يكون موضوع الإنجاب هدفاً مهماً في خطة الزواج . أما الذي يتزوج لأجل اللذة فقط . فإنه ينهمك في سعي منفرد مع قرينه إلى اللذة الذاتية فيتخذ من الآخر مجرد ذريعة لبلوغ تلك اللذّة . سيثيرحتماً عند الآخر شعوراً مراً ، أو يخلق تباعد بين الأثنين وقد ينفجر خلافاً مدمراً ينتهي بالفراق . فالحب الحقيقي للزواج الناجح لايمكن أن يكون بدون إنجاب ، وإلا أصبح الزواج مجرد ممارسة جنسية أنانية وليس حباً طاهراً . وتلك الأنانية  تدفع البعض إلى إقتراف خطيئة الإجهاض التي يرفضها الإيمان المسيحي ، لا وبل حتى الشرائع المدنية لأنها قتل إنسان خلقه الله في بطن أمه . فالإنجاب مهم ، وله حدود وبحسب طاقة الزوجين الصحية والمادية وذلك لأجل تنشئتهم  وتربيتهم تربية مسيحية صالحة . كما أن حب الزوجين سيزداد بالإطفال اللذين سيزيدون العلاقة بين الأبوين لكي لا يفكروا بالفراق ، وكذلك المحبة المسيحية بينهما ستزيد بسبب وجود الأطفال ، وكذلك الحب سيرتقي و يتطور الميل الجنسي ، ولكن لا يتبع منه ، بل من الله كنعمة مجانية تثبت الميل الجنسي والعاطفي ، وعلاقة غير قابلة للإنفصام علماً بأن الغريزة الجنسية هي من الله الذي جعل كل من الجنسين غريزة تدفع أحدهما نحو الآخر ، إنها مزروعة في قلب الإنسان منذ ولادته وتنمو معه حتى بلوغه سن النضوج فيشعر بجاذبية نحو الفتاة التي يختارها . وكذلك الفتاة حين تبلغ النضوج جسدياً تضرم فيها شعلة الحب الذي يدفعها بالأرتباط بشاب لكي تعطي له حبها وكل كيانها من أجل حياة مسيحية مشتركة ، فيتحقق في الأثنين غاية الله في الخلق .
   في المسيحية ، الحب الزوجي هو أعظم حب إنساني ممكن ، إذ هو عطاء كامل نهائي لمدى الحياة هو أعظم من حب الوالدين لأولادهما . إذ أن الأبوين ينفصلون عن أولادهم بعد الزواج وحسب الوصية ( .. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتحد بزوجته ، فيصير الإثنان جسداً واحداً ) " مت 5:19 " . أما الزوجان فيتابعان حياتهما المشتركة حتى الموت ، في الكنيسة الكاثوليكية لا يجوز إبطال الزواج الصحيح لأي سبب من الأسباب ، إلا إذا كان الزواج خاطئاً منذ البداية وهناك أسباب بطلان العقد بين الزوجين لأنه لم يُعقَد بحسب قوانين الكنسية الصحيحة ، بل كان هناك إلتفافاً على قوانينها ، والعقد لا يكون صحيحاً إلا إذا عقد الطرفان بكامل المعرفة ومجرد من الغش والكذب على الآخر كمن كان متزوجاً من أخرى دون علم الكنيسة أو علم  الطرف الآخر. فالنقص في الزواج يبطل الزواج ، وكذلك كأن يكون الكاهن الذي بارك الزوجين غير ذي ولاية أو تفويض ، أو أتم الزواج بدون حضور شاهدان ، أو يتم بدافع الرشوة ، أو غير ذلك من الأسباب اللاقانونية كنسياً . 
سِّر الزواج الكاثوليكي يتم بشروط لكي يصبح غير قابل للحل ، وليبقى الزوجان مرتبطان إلى يوم موت أحد الطرفين ، وهكذا كان الزواج منذ البدء ، لهذا قال يسوع لليهود ( من أجل قساوة قلوبكم رخص لكم موسى في طلاق نسائكم ، ولم يكن الأمر منذ البدء هكذا منذ البدء ) " مت 8:19 "  أي أن يسوع ألغى الطلاق الذي أباحه موسى وذلك للعودة إلى ما وضعه الله في بدء الخليقة . فلماذا نريد اليوم إلغاء وصية المسيح للعودة إلى الطلاق ؟ لماذا نجد اليوم  بعض الطوائف والمذاهب تبيح الطلاق في حال إرتكاب الزنى ، بينما الكنيسة الكاثوليكية لا تفهم الآية ( .. من طلق إمرأته ، إلا لفاحشةٍ ، وتزوج غيرها فقد زنى ) " مت 9:19 " على إنها حجة للطلاق . فغالبية المفسرين وعلماء النصوص يرون أن عبارة ( إلا في الفحشاء ) أي في علة الزنى ، أضيفت إلى النص الأصلي ، أي لم تكن موجودة  . وآخرون يقولون أن المقصود بالزنى هو الزواج غير الشرعي ، أي الزواج الخاطىء الكاذب المحرم كما أشرنا إليه . فالزواج الغير الشرعي يجب أن يلغى ليفترق الأثنين . كذلك هناك من يقول ، إن كلمة طلاق هنا تعني الهجر والفراق فقط لأن لا طلاق في المسيحية ، ويسوع يضيف عليها نص آخر لكي يكتمل المعنى ، فيقول ( من طلق إمرأته وتزوج أخرى ) هنا يحدد مفهوم الطلاق بالمعنى الواسع والواضح والغير مقبول إنجيلياً . وللأسف حتى في الكنيبسة الكاثوليكية  في هذه الأيام تتجاوز  لوصية المسيح في بعض الحالات .
نختم مقالنا بالقول ، الكنيسة الكاثوليكية تفسر الآية ( من طلق إمراته إلا لعلة الزنى وتزوج  من أخرى فقد زنى ) تعني إنه لا يجوز للزوج أن يطلق زوجته الزانية ويتزوج من أخرى . ولكن أن زنت فعلى الرجل أن لا يساكنها ، ولا يحل له أن يتزوج غيرها لأنه سيزني وبحسب قول الرب .  هو التفسير الصحيح الذي لا يتعلق به أدنى ريب ، وإلا فكيف يزني من يتزوج إمراة مطلقة ؟ فرباط الزواج إذاً باقٍ ولو زنى الرجل أو زوجته ، لا ين