عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - حاتم جعفر

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / أهي خفقة قلب؟
« في: 12:15 28/01/2023  »
أهي خفقة قلب؟

 ﻷمر طارئ إضطر صاحب البيت أن يترك زائره وحيدا وبشكل مؤقت. الضيف وفي مثل هكذا حالة، عادة ما كان يزجي الوقت ويقضيه بمتابعته وعبر نافذة البيت لحركات وألعاب وصراخ أطفال البيت المجاور، وعدوهم وتسارعهم في باحة الدار الواسعة وما سيرافقها من شعور بالنشوة والفرح وبلا حدود، سينعكس تأثيرها على الضيف لينتابه إحساس، بسعادة لا تدانيها سعادة. كذلك عادة ما يستهويه التطلع الى كيس اللبن المعلَّق وبشكل ثابت على ساق إحدى الشجيرات ومع كل زيارة يقوم بها لصديقه، والذي عادة ما كان يستغرقه ويأخذ منه بضعة دقائق تغزلا، حيث يعيده ويذكره بذلك البيت الذي قضى فيه طفولته، يوم كان شقيقه اﻷصغر ينافسه على تذوق خلاصته اﻷولى.
 الاّ ان الضيف هذه المرة وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه لا سيما وان صاحب الدار وعلى غير عادته قد تأخر كثيرا. فبينما هو مستغرق في نظره الى البيت المجاور وإذا به يشعر بأنَّ في حركته ما يعيقها، فوقع المفاجئة كما يبدو كانت كبيرة عليه. فعلى مدى سنوات عمره التي انقضت والتي عبرت العقد الثالث ببضعة منها، وعلى الرغم من وقوفه وإطلاعه على العديد من التجارب، وقراءاته للكثير من القصص المشابهة لما يحدث له الآن، وعلى الرغم كذلك من التنظيرات والنصائح التي كان يسجيها مجاناً لهذا وذاك من أصدقائه بفخر وزهو، وخاصة فيما يتعلق  بهفهفة القلب وأوجاعه، والتي عادة ما يصاب بها العاشقون، الاّ انه اﻵن يبدو عاجزاً عن القيام بأي فعل أو حركة، تنجيه  من الحالة التي وجد نفسه وقد وقع فيها. أمّا رجاحة العقل وحكمة التصرف عند الشدائد والتي كثيرا ما يرددها ويباهي بها، فقد فلتت من بين يديه وقلبه.
نحرها أبيض بض، لا يفصله عنه وعن نهديها الاّ بعض خطى. وما دام الحال كذلك فما عليكم الاّ أن تعذروه، إذ هو في حالة إنفصال وانفصام كامل، غائب عن البعدين، زمانا ومكانا وربما هناك بعدا آخر أيضا. فالرجل ولعلها للمرة الأولى في حياته التي يحسُّ فيها بطعمَ الهيام والتي أفضت ومن حيث لا يدري الى قطع الصلة بما يحيط به، ليكون بذلك قد سقط في جُبٍ عميق وعلى نحو غير متوقع، جانحاً ومبتعدا عن سياق شخصيته، متمردا عليها دونما دراية بل باتت مفروضة عليه.
دونما تخطيط مسبق وإذ به يشرع بفتح النافذة الفاصلة بينه وبين مَنْ هامَ بها، متجاوزا كل اﻷعراف التي كثيرا ما كان يدعو اليها ويبشر بها. ثم أخذ يدندن وهو العارف بأغاني سيدة الطرب أم كلثوم ورائعتها اﻷطلال. وما كادت تقترب أكثر منه وفي لقطة بدت كأنها في شوق لمن يطري قلبها النابض والرابظ على خط العشق، حتى راح مزيدا من وتيرة صوته، منغما ذلك المقطع اﻷثير على قلبه: ومن الشوق رسول بيننا ونديم قدم الكاس لنا. وعند وصولها الى هذا المقطع راحت الفتاة تُكمل بقية اﻷغنية و بأداء رائع وصوت شجي، تطرب له القلوب قبل النفوس، مما دفع الضيف الذي يزعم معرفته بأصول الغناء ومقامته، الى أن يصغي اليها بكل جوارحه. وما كان له أن يخرج من حالة الهيام هذه لولا  نداء أحدهم وهو يدعو سرب طيوره الى التحليق بعيدا بعيدا. إثر ذلك ومخافة أن يحدث لها وله ما ليس في الحسبان، ما كان على الضيف أو الزائر الاّ أن يعود الى أدراجه والى وعيه، مغلقا النافذة المطلة على الجيران، ملوحا لتلك الفتاة بيديه الحانيتين، على أمل اللقاء فيما بعد.
 أمّا نحن فسنصرف النظر ونغض الطرف عن بعض الإعتبارات، ونشرع بقراءة ما حصل معه وعلى نحو لا يخلو من إجتهاد في القراءة وفي التفسير وما يمكن أن يتبعها من تصورات وأحكام. فالرجل وبسبب تلك الصورة التي شاغلته وإستقرت في ذهنه وأتعبته كثيرا بل وأقضت مضجعه، والمقصود هنا صورة النحر والنهدين وموقع القلادة من الصدر، (للعلم فالفتاة لم تكن تعلق قلادة كماصورها الضيف)أدَّت فيما أدت الى إختراق مخيلته ومن غير إستئذان وإحداث بعض الإرباك، حتى تعذّر عليه معرفة ما يدور من حوله. 
 ولولا بعض المؤشرات التي بانت على وجه الفتاة التي تقابله في الطرف اﻵخر من النافذة وما صدر عنها من ردات فعل مفاجئة، تنم بمجملها عن حالة قلق وإرتباك وخوف، لتثير بدورها إنتباهه ولتعيده نسبياً الى حالته الطبيعية، لما كان الضيف قد تنبَّه الى ما يجري من حوله. ففي حركة عينيها ووجلها وإحمرار وجنتيها، ما ينبئ بوقوع شيئا ما لم يكن في الحسبان ولا بالمطمئن. انه صوت جلبة داخل الغرفة، لم يستطع التأكد منه الاّ بعد أن صدرت من مضيفه   بضعة كلمات،إستبقها بنحنحة، كاد صداها وبسبب من قوتها أن تخترق زجاج النافذة الفاصلة بين بيته وبيت الجيران، في مؤشر واضح، يُنبئ بدخوله الغرفة، والى تحذيره كذلك وفي حركة تنم عن تواطئ مكشوف مع صديقه، علَّها تصله ومن دون أن  تسبب له حرجا.
حتى الآن يبدو الأمر طبيعياً أو لنقل نصف مصيبة، ولكن المصيبة الأعظم هي دخول صاحبة البيت بعيد لحظات من دخول ولدها، وبيدها شيئا ما لم يستطع تبينه من شدة وقع الصدمة عليه. في هذه الأثناء لم يكن امام الضيف من حل لتجاوز الإحراج الذي وقع فيه الاّ قيامه وعلى عجل بلملمة وضعه المضطرب ما استطاع وعلامات الإرباك بادية عليه، وسط دهشة وتعجب أهل البيت، ليغادر الغرفة والدار معاً، وحتى من غير أن ينطق بأي حرف، تاركاً ورائه ذيول مشكلة، يظنها كبيرة، لا يعرف درجة تفاعلها وما سيترتب عليها من نتائج، ولا كيفية تجاوزها مستقبلاً، لا يعرف كيف سيجد لها من التبريرات والمخارج، ما سيسعفه وينقذه لتجاوز الحرج والمأزق الذي وقع فيه.
لم يتوقف عن التفكير فيما حصل معه، فطيلة طريق عودته الى البيت راح يستعيد تلك الواقعة، واضعا العديد من السناريوهات التي يمكن أن تترتب عليها: لقد إنقلبت الطاولة على رأسك يا فلان وأصبحت في حالة لا تُحسد عليها، فربما تداعيات ما وقع ستصل أبعد بكثير مما تعتقده. كان اﻷجدى بك أن تترك أمرا كهذا لشقيقك، فهو اﻷجدر منك واﻷقدر على محاكاة ومجاراة هكذا وقائع، وَلكانَ قد خطفها وطار بها حيث يشاء، وﻷجتاز كل الحدود، بما فيها الممنوعة والمحرمة. ثم راح مسائلا نفسه: ولكن ما بك يا رجل، فها هي الفرصة قد أتتك وعلى طبق من نور ومحبة، فما كان عليك الاّ أن تستجيب لنداء العشق وتطوي تلك الصفحة المعتمة من حياتك، والتي لم توصلك وحتى اللحظة الى ما تبتغيه رغم ما تمتلكه من رصيد فكري ومعرفي، بل حتى لم تساعدك على عبور الضفة اﻷخرى من النهر الذي يخترق المدينة رغم صغره.
في هذه اﻷثناء وبينما هو منهمك في حساباته، لفت إنتباهه صوت جلبة واضحة، مصدرها ما يحدث من مشادة كلامية، أحد طرفيها رجل ستيني،  تبدو جلية عليه ملامح الوقار والهيبة، وهو يحاول التدخل لدى رجلي أمن، محاولا منع إقتياد أحد الصبية وإدخاله عنوة في الجانب الخلفي لسيارة الفوكس فاغن الرمادية اللون، السيئة الصيت والسمعة، والمعروفة من قبل اﻷهالي بعائديتها الى دائرة أمن المدينة، ففي اﻵونة اﻷخيرة لوحظ تزايد نشاطها وتحركاتها المريبة، مستهدفة كل مَنْ يعارض سياسة الدولة وحزبها الحاكم وتحت مختلف الحجج والذرائع. أراد أثرها صاحبنا التدخل لصالح الصبي غير انه تراجع عن ذلك، خشية أن يقتاد هو اﻵخر الى دائرة اﻷمن، فالأجواء السياسية في البلد لا تبشر بالخير، ومَنْ يدري فقد يكون هو اﻵخر مطلوبا لهذه الدائرة أسوة بأصدقائه الذين سبقوه.
 
حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

2

حين يشدو النخيل
 (فصل من حكاية طويلة)

على ذلك الكرسي المنزوي وبعد أن أخذ قسطا من الراحة، وجد الضيف نفسه في معنويات عالية جدا وعلى إستعداد كامل للصبر والتحمل فترة أطول، بل حتى بات لا يفكر كثيرا في عودة مُضيفه الذي إضطر على تركه وحيدا، إثر نداء من والدته ولأسباب تتعلق بشؤون البيت على الأرجح، وسوف لن يغيب طويلا كما وعده. وبعد تأكده من خلو الطريق من المارة، وإذ به يمدٌ بناظريه بعيداً وعبر نافذة الغرفة المطلة على البستان، ماسحا ما بان منها وما خفي قدر ما يستطيع. شدَّ إنتباهه ومن بين صفوف متراصة من النخيل ومثلها من أشجار البرتقال وما يدخل في صنفها شيئا ما أو حركة لم يستطع بداية الأمر من تمييزها أو إستجلائها على وجه الدقة. لذا وبدافع لا يخلو من الفضول ومن قبلها الرغبة في معرفة ما يجري راح محدقا وبتركيز عالٍ ولبرهة من الوقت حتى إنجلت أمامه الصورة على نحو واضح، انه أحدهم، ملامحه من بعيد أو بالأحرى ملابسه لا تشير الى ذات الشخص الذي مرَّ قبل قليل بالقرب من النافذة.
تابعَ  الضيف ما كان يقوم به ذلك الرجل وشيء من القلق بات ينتابه: كاد أن يهوى وهو لما يصل بعد منتصف ساق النخلة التي يروم بلوغ قمتها، وأعتقد بل أجزم بأنه سيتمكن منها في نهاية الأمر، ولكن عليه تجاوز تلك اللحظة الحرجة التي يمر بها الآن، ولابد له في بادئ اﻷمر من السيطرة على آلة التسلق البدائية التي يستعين بها والموروثة أباً عن جد، حيث تحيط وتمسك بوسطه وبجذع النخلة كذلك، كي يعيد توازنه ويواصل مشواره. انها عملية ليست بالسهلة، فساق النخلة التي اختارها نحيفا جدا وخلا جذعها من أية نتوءات بارزة، يستعين بها، من أجل التثبت والصعود الى غرتها بتأنٍ وسلام، كل ذلك ضاعف من صعوبة تسلقها.
هكذا بدت الصورة للضيف من بعيد، عازما على متابعتها ورصدها بدقة، واضعا نفسه على أهبة الإستعداد لأي طارئ، فإذا ما ساء الحال وحدث ما لا يحمد عقباه وبات المتسلق في وضع حرج، سيكون عند ذاك رهن اشارته وتصرفه وأول المعينين له، حتى لو إستدعى الأمر الخروج من النافذة بإعتباره أقصر الطرق للوصول الى البستاني. وسوف لن يعير اهتماما إن تجاوز وضرب عرض الحائط كل الوصايا والتعليمات المتعلقة بشروط الضيافة، والتي ما انفكت تصدر من مضيفه ووالدته وكلما قام بزيارتهم.
لبضعة دقائق، إنتابته حالة من القلق، ولم تغادره الاّ بعد أن تأكد من نجاح المتسلق إجتياز أصعب العقد التي واجهته أثناء صعوده الى القمة، وليتنفس معها الصعداء. وفي تعليقه على ذلك قال: على ما اعتقد فإنه سوف لن يتراجع الا بعد أن يكون قد بلغ غرة النخلة، ويكون حينها قد إستغرق في شم عطرها والإطمئنان أيضاً على ما تحمله من ثمار طيبة، دون أن يفوته  تحسس مذاقها. هي لا تشبه أي ثمرة بل هي مَنْ تفرَّد خالقها وبضعة من أشجار أخر من أخواتها في مباركتها، موصيا بها، مودعها تحت رحمة ورعاية تلك الأيادي الطيبة التي تليق بها، داعيا كذلك الى حمايتها من كل ما يصيبها من عين حسود.
لم يكتفٍ الضيف بهذا القدر من الدهشة وإبداء الإستعداد لكل مكروه وطارئ، بل لا زال في جعبته الكثير من الكلام، لِمَ لا وقد أعجبته تلك الصورة أو لنسميها تلك اللوحة أيما إعجاب، لذا راح يضيف وبلغة ستبدو لمن كان يصغي اليه لحظتها، كما الذي خرجَ تواً من مشاهدة شريط سينمائي مشوق وبأحداث متسارعة لم تخلُ من مفاجئات ومصاعب. وسيتوقف كذلك ولوقت ليس بالقصير عند بعض اللقطات المهمة، والتي كان قد استقاها مما رأته عيناه، ليلقي الضوء عليها: ملامح الشخص المتسلق بدت تتضح شيئاً فشيئا حتى أكاد أجزم بأنها إكتملت.
إنه كهل ربما قارب الستين من العمر، أي أصغر من عمر النخلة التي يتسلقها بمقدار الضعف على أقل تقدير، هذا ما تنبئ به بُطء حركته ودقته وتأنيه، ولا أظنكم ستستبعدون أو تستغربون إحتمالا كهذا، فأفضل متسلقي النخيل هم من كبار السن، وأعتقد ان رأيا كهذا لهو أمر مفروغ منه ومُدعماً بالكثير من الأدلة والبراهين، هل تريدون التثبت من ذلك، طيب، لذاسآتيكم بمثال بسيط وسريع، فإذا نظرتم الى الرجل وحين ملامسته للثمرة وعثوقها النضدة وكيف يتعامل معها، لرأيتم كم هو مشفق عليها وكم هو أنيق في صلته بها ومحب لها. إنها أمّكم وعمّتكم النخلة، هذا ما تعلمَّه من اﻷسبقين وما أراد إيصاله لنا، نحن الذين ما فتئنا نجحد في بركات ثمار تلك الشجرة المباركة.
حين وصل غرتها طاب له المقام وراح يشدو ما يحلو له من المواويل والعتابا، ربما أراد بذلك تمهيد طريق عودته، والتي سوف لن تقل صعوبة عن صعوده، خاصة وإن النخلة التي اختارها للتسلق تبدو الأطول والأنحف كذلك في بستانه بالقياس الى ما جاورها من النخيل. هناك أمر آخر، علينا أن لا نغفل عنه والذي سيضاعف بكل تأكيد من صعوبة نزوله، فالرجل بات الآن يحمل معه بعض من عثوق تلك الثمرة، حيث قام بتعبئتها في سلة صنعت خصيصا من سعف النخيل، اختار لها أن تكون لصيقة بظهره، ومنذ أن بدأ التسلق وما إنفكت ترافقه حتى اللحظة، رغم ما لاقاه من مصاعب. انها ثقيلة الوزن بكل تأكيد بسبب ما احتوته من تلك الثمرة الطيبة، حتى أوشكت أن تسقط أرضا لولا فطنته وخبرته وحسن تصرفه عند المنعطفات الحرجة.
في هذه الأثناء وبينما كان الضيف منغمسا في رصده للمشهد، وصل مسامعه صوت نباح أحد الكلاب، غير انه لم يتفاجأ بذلك فهو من بداهة الحال فكثيرا ما تعج البساتين بالأليفة منها والحارسة بل وحتى الضالة، ما يعنينا هنا ان هذا الصوت لم يدفعه الى التوقف بل تجده مستمرءا لعبة الوصف إن لم تزده حماسا: إنَّ الرجل المتسلق وعلى ما تراه عيني ومن المكان الذي أقف عنده بدا كما الذي غطّى رقبته بشالٍ رحب الحركة، هفهافاً، فضفاض. يبدو وعلى ما أرى بأنه حافي القدمين وأظنه حسنا  فعلإ فسيساعده ذلك ومن خلال أصابع قدميه بتحسس وتمييز تلك المناطق الآمنة من الجذع عن غيرها.  أما ما يرتديه فهو عبارة عن جلباب بسيط، بانت شقوقه رغم عمليات الرتق العديدة التي أجريت له، وكي لا تظنوه بخيلا فقد كان حريصا على إستبدالها كلما دعت الضرورة، ولما بلغ به اليأس مبلغا ومع تقدمه في السن فقد قرر إرتداءذات الجلباب رغم العيوب الظاهرة عليه.
أمّا إذا شئنا التحدث عن بشرته فأظنها بيضاء اللون في الأصل إن لم أكن مخطئاً، هذا ما أنبأت به إنكشاف ساقيه وما بان منها من غضون وتجلد، غير ان سطوع الشمس ولفحتها وبقاء الرجل فترة طويلة تحت تأثيرها ووهجها ولعقود من الزمن، جعلت من لون بشرته يميل الى السمرة. إنظروا الى قمة رأسه فها هو يعتمر قلنسوة ذات قياس مناسب جدا، مخططة باللونين، الأبيض والأصفر الفاتح، هذا ما أخمنه فهي شائعة الإستخدام لدى العامة من الناس القاطنة في تلك المناطق، طيب إن لم يكن هذا لونها ولم تتفقوا معي فلنقل هي حائلة إذن، لذلك ستجدونها متماهية مع محيطها.
وقبل أن ننسى أمراً آخر على صلة بموضوع التسلق، فحين وضع الرجل رجليه على ساق النخلة ومن أول لحظة، إنتبه الى أمر في غاية اﻷهمية، انهما خفّيه فعليه خلعهما قبل الشروع بعملية التسلق، فأصابع قدميه ومع تزايد خبرته باتتا أكثر تحسسا للمواضع الآمنة منها وغير اﻵمنة. المهم أرجو أن لا تتوقفوا طويلا عند هذه الجزيئات الصغيرة التي جئنا على ذكرها توا فهي ليست بتلك الأهمية، فما يعنينا في هذه اللحظات هي حركة الرجل المتسلق وقلقنا عليه، لاسيما وانه أخذ بالترنح، تارة نحو اليسار وتارة نحو اليمين، مما يدلل الى أنه بدأ يواجه صعوبة حقيقية في التحكم والسيطرة على حركته. إن قلبي معه وكل تمنياتي وتمنياتكم أيضا له بالتوفيق والنجاح، ولكن لا تنسوا فأنا بإنتظار تلك الثمرة التي سيأتيني بشيء منها على ما أأمل،  فليباركه الرب ويحميه من كل مكروه.
للأسف فالقصة لم تنتهِ عند هذا الحد، والقلب لم يطمئن بعد. فبعد أن بانت على الرجل بعض المؤشرات التي تدعو للقلق، كالقيام ببعض الحركات التي لا تخلو من خطورة، وكذلك في إستغراق خطواته التي يتوجب عليه القيام بها وقتا أطول مما تستحق،وما رافقها من تصبب للعرق على ما بدا من جبينه وصدغيه وحتى الرقبة، كل ذلك سيلقى من لدن مَنْ يرصده تأثيرا سلبيا، سيجد له إنعكاسا في اللغة التي سيستخدمها في وصفه للمشهد الشاخص أمامه، وفي طريقة تناوله لما يحدث للرجل إذ تجده معلقا: بسبب ما يلاقيه من صعوبات لم تكن متوقعة، إضطر الرجل المتسلق التوقف لمرات عديدة عن مواصلة مشواره. ولكي يستعيد سيطرته وبعد استراحة قصيرة شرع بترتيب شاله الهفهاف الذي بدا معرقلا لحركته بعد أن مسح قطرات العرق المتصببة وبشكل خاص من على وجهه، ثم قام بعد ذلك بإعادة النظر بغطاء رأسه من جديد، مبتدأً بإعادته الى مكانه الصحيح أولاً ثم الضغط عليه بقوة من أجل تثبيته، مخافة تعرضه مرة اخرى الى أي مكروه، فَجُروح وتخدشات الأسبوع الماضي التي كان قد تعرَّض لها أثناء تسلقه أيضاً لإحدى النخلات الفارعات الطول، لا زالت طرية وأمر إندمالها سيأخذ بعض الوقت.
مَنْ تَخَبَّرَ بلغة النخيل سيقول عنها بأنها سيصعب عليها التكيّف وإستقبال كائن مَنْ كان، وبشكل خاص أولئك الذين تنقصهم خبرة التعامل معها. وفي تفسيرهم لهذه الظاهرة وعلى ما يراه البستانيون فإنها تُعد من  الوسائل التي تتوفر عليها وتستعين بها من أجل الدفاع عن نفسها، على الرغم مما هو معروف عنها بالتواضع والبساطة والغفران كذلك إن استطاعت اليه سبيلا. أما إذا لم يُحسن أحدكم التعامل معها فستبقى عصية الطوع، أبية الإنحناء. وبتلك الصفات الآنفة، ستشبه والى حد بعيد الكثير من الأشجار السخية المعطاءة والحذرة في آن، وربما يكمن في ذلك سر قوتها وصمودها وبقاءها شامخة، رغم تبدل العصور والأزمنة وما حِيكَ ويحاك، وما يبيت لها من بعض المتربصين، الذين لا يريدون لها الخيرا.
لعبة الوصف هذه راقت للضيف، فراح مستكملا ما تراه عيناه في البستاني، ليسرح ويمرح  وبما يشاء ويحلو له من الإنطباعات وبشكل مفصل ودقيق، خاصة حين اختار التوقَّف طويلاً عند اللحظة التي تُظهر الرجل المتسلق وهو في حالة حرجة جدا، عندما بدا كما المعلق بين السماء والأرض، ليقول عنها: من المؤكد انه قد وصل الى منتصف المسافة الواقعة بين جذع النخلة الثابت على اﻷرض والممتد الى باطنها والمجاور لإحدى الفسائل، وبين غرتها. وقبل أن يواصل البستاني طريق العودة، وبسبب ما يلاقيه من صعوبات فقد قرر الإستراحة مرة أخرى، مستثمرا الوقت لأمر في غاية الأهمية بالنسبة له، لذا راح مخرجاً من جيب جلبابه الأيمن علبة مستطيلة الشكل، فضية اللون،ذات معدن لماع، يبلغ حجمها ما يغطي كف يده أو أقل بقليل. قام بفتحها، مستلا منها عدد قليل من ورق البافرة المحلي الصنع والخاص بلف التبغ ( لعل الأمر الوحيد الذي لم يتأكد الراصد من إحصاءه بدقة هو عدد أوراق البافرة التي أستلها من العلبة) وليس أي نوع أخر من التبغ كما تعتقدون، بل هو ذلك الصنف القادم من شمال الوطن تحديدا، بإعتباره من أجود انواع التبوغ والذي يفوق في مواصفاته ذلك المستورد والمهرب كذلك من خارج الحدود.
وبحركة أصابع رشيقة، سريعة، تنم عن خبرة طويلة، لم تأخذ من وقته سوى دقيقة أو أكثر قليلا، استطاع أن يهيأ من عدته البسيطة تلك والتي يحملها معه أينما حل وارتحل، سيكارة أنيقة صلبة، ذات قوام نحيف كنحافة الشجرة التي يتسلقها، تقارب في طولها أحد أصابع يده. تلى ذلك أن تذكر بأنه كان قد اشترى قبل يومين بلسماً جميل الشكل لم يدشنه بعد وها قد حان موعده، ليضع سيكارته فيه لتبدو الصورة للرائي على نحو من الأناقة التي تليق به وباللحظة التي هو عليها.(كيف استطاع المتابع ومن بعيد تمييز لون العلبة وحجمها ونوع الورق المستخدم في لف السيكارة وما أرفق بها من حركة، هذا لعمري أمر محير، ولكن لِمَ الغرابة فالقصة حتى الآن لم تخرج بعيدا عن تلك المخيلة التي يتمتع بهاصاحبنا).
بعدها أخرج الرجل المتسلق والمحلق في فضاء الله ومن جيب جلبابه الأيسر إحدى القداحات الأثيرة والقريبة الى قلبه، والتي يعود تأريخ صناعتها الى أكثر من عقدين من الزمن، حيث بقي متمسكا بها رغم كل العروض السخية التي قدمت له من أجل مقايضتها بالأجمل والأحدث منها. وبقدحة خاطفة، بان وهجها من بعيد وكاد صوت قدحتها أن يصل مسامعي. هذا ما زعمه الراصد، ساحبا منها البستاني ما راق له من نكهة ومذاق، شاعرا بنشوتها وليست كأي نشوة حيث تصاعدت معها رغبة شديدة على قضاء فترة أطول هناك، متطلعا ومن ذلك الإرتفاع الذي  قد يصل الى منتصف ساق النخلة التي يعتليها، الى ما بان من البيوت التي باتت تحت مرمى ناظريه، والى ذلك النهر الصغير وبضعة من صبية الحي، يعومون وهم في كامل عنفوانهم وفي أقصى درجات المرح واللهو، ليعود من جديد الى محاولاته، مبتدءاً بتثبيت قدمه اليمنى على ساق الشجرة الباسقة، غير انه للأسف وكما يتضح قد فشل حتى اللحظة، ربما سيحاول إيجاد موطئا لقدمه اليسرى كبديل عن ذلك، وهذا ما أتأمله وأتمناه، فليس من المعقول أن يستسلم وتَفل عزيمته ويتراجع، خاصة وأنه قد قطع مسافة لابأس بها، تجاوز معها كل الصعاب التي إعترت طريقه في ذهابه وإيابه ولم يبق لإستكمال مهمته الا بضع خطى.
ثم عاد الضيف ليقول: أجزم بأن بلوغ القمة أي قمة ليس بالأمر السهل، وطريقها ليس معبداً بالورود أو بالنوايا الحسنة، إذ هما لا يكفيان، فالرجل وكما يظهر أمامي في ورطة حقيقية، وقد يسقط من عليٍ بعد أن بدت تظهر عليه بعض من مؤشرات ضعف السيطرة بل ها هو الآن يترنح. لا تلوموه فله كل الحق، فجذع النخلة وعلى امتداد طولها وكما ذكرنا سابقا يبدو مسطحاً بشكله العام، وهذا واضح من حركة ساقيه وتنقلهما، ويعد هذا دليلا قاطعا على عدم إستقرارهما على نقطة أو ركيزة بعينها. أي بمعنى آخر وإذا ما أراد العودة الآمنة وإستكمال مشواره ومن حيث إنطلق، سيتوجب عليه والحالة هذه بذل مجهود مضاعف كي يجد ضالته ويعثر على النتوءات البارزة بالرغم من ندرتها، ثم عليه أن يقوم بعد ذلك بتثبيت قدمه عليها والتشبث بها بقوة، لتساعده على مواصلة طريقه، وأعتقد انه سيفعلها وينجح. ألم أقل لكم ان الصعود الى القمة ليس بالأمر السهل؟ فمهما بذلت من جهد وطاقة وعلى الرغم من أهميتهما، اﻻّ انهما لا يكفيان ولا كفيلان لبلوغ ما تبتغيه إن لم تَشفعهما بطرق تفكير منطقية وصحيحة.
هنا يستحضرني سؤال، يقول الضيف، فالرجل وقبل شروعه بالتسلق، ِلمَ لَمْ يقم بهز جذع النخلة ويجنب نفسه شر المغامرة وتوابعها، فمن غير المستبعد إذ ذاك أن ينجح في إسقاط ثمرها، أو إن شاء وفي موسم آخر يمكنه القيام بتلقيحها، غير انَّه تنبَّهَ سريعا الى ما صدر منه ومعاتبا اياها في ذات الوقت: ما بك يا رجل، فالفكرة قد لا تتوقف عند رغبة البستاني في الحصول على الثمرة فحسب، فقد تكون أبعد وأعمق من ذلك بكثير، وهو في حلٍ عن الكشف بما يخطط له وما ينتوي القيام به. ناهيك عن أن موسم التلقيح وتوقيته لا يتزامنان بل لا يلتقيان مع موسم الحصاد وقطف الثمار، وهز جذع النخلة قد لا يضمن تلقيحها، وساعة ذاك سوف لن تأتي النتائج وفق ما أرادَ لها.
وحتى لا يمر هذا الأمر بعجالة فأصحاب هذه المهنة النبيلة يقولون والعهدة عليهم، بأنَّ عملية التلقيح الذاتي قد تنجح مع هبوب الرياح وبالتظافر مع عوامل أخرى، أمّا أنا المعلم في مدرسة الإبتدائية، فلست على علم كافٍ بذلك ولا أستطيع القطع برأي كهذا، فعلاقتي بحرفة الزراعة وما يتصل بها تكاد أن تنعدم، غير ان ما يمكن القول هنا بأن الرجل البستاني وأكاد أجزم قد تعذَّرَ عليه هز جذع النخلة، فقد بلغ أو تجاوز الستين من العمر، فَفعْلٌ كهذا يتطلب قوة مضاعفة كما أسلفنا الذكر. وبسبب من تعذر إنجاز مهمته وتعذرها لحد اﻵن، كان  من الأجدى والأجدر به تكليف أحد أولاده وممن يعتمد عليهم، من أجل القيام بالمهمة ويكفيه شر المغامرة وما يمكن أن يترتب عليها.
في هذه الحالة والقول لا زال للراصد، سيبرز تساؤلاً مهما آخر، لا ينبغي لنا إهماله أو تجاهله، فالرجل ربما لا زال عازباً!. وإذا ما كان الأمر كذلك فيمكن أن يعطى العذر، ولبدا  طبيعياً ويمكن تفهمه، فهناك الكثير من الناس ومن كلا الجنسين ممن فاتهم العمر، اختاروا أن يبقوا عزابا، مفضلين الوحدة على التوائم والإتفاق مع الآخر. وستلتحق بهذه الشريحة فيما بعد وبما لا يدع مجالا للشك جمهرة من المطلقين والمطلقات، ممن زهقت أرواحهم بهذه العلاقة والوثاق الذي أريد له أن يكون أبديا ومحفوظا باللوح المكتوب، وسيحاسب عليه في حالة إختلاله يوم قيام الساعة.
لذا ولِما فات ذكره، لا أجد مجالا لإلقاء الملامة على الرجل إذ ربما حسبها على نحوصحيح، وسنضع هذا الرأي في خانة الإفتراض وعلى أساسه سنصل الى سيناريو آخر، سيقوم على النحو التالي: إذا ما كان قد تورط وإقتنع بفكرة الزواج ومنذ بواكير حياته ومضى فيها وأرتضى بإحداهن قرينة له، عند ذاك كان سيتحول حكماً وبفعل المعاشرة الطويلة وما سيتخللها من أحداث ومشاكل وتداخلات، الى رجل مكبل اليدين والرجلين والصدغين وما يعتليهما، هذا إن بقي من رجولته شيئ يذكر، إذن في هذه الحالة مَنْ سيقوم بتسلق النخلة وَمَنْ سيرعاها؟.
وكي لا يُتهم الضيف بالإنحياز لطرف دون الآخر، أو يعتقد أحدهما بأنه على حق واﻵخر على خطأ، فقد ختم تصوراته عن الرجل المتسلق وعن فكرة الزواج عموما بالقول: إن الحديث موجه لكلا الجنسين، للذكر والأنثى على حد سواء. أما لماذا غاص صاحبنا عميقا في هذا الموضوع، فعلى ما أعتقد بأنه قد أراد الإتكاء على بعض الذرائع والحجج التي سيجد من خلالها أسباباً مشروعة، تبرر له عزوفه عن الزواج، ناسيا ما كان قد إفترضه وتمناه في تذوق حلاوة التمر، والتي ستأتيه على يد متسلق النخلة الباسقة.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

3
المنبر الحر / ما بكَ يا جواد؟
« في: 17:55 26/10/2022  »
ما بكَ يا جواد؟
توطئة.
(في السرد الروائي وبما لا يخفى على المتلقي، هناك جملة من الشروط التي ينبغي توفرها لنجاح أي عمل أو لنقل كي تكتمل عناصره وعلى نحو مقنع. ففضلا عن اللغة والحبكة والفكرة وأفق التوقعات وما الى ذلك، هناك مايسمى بالشخصيات الرئيسية التي يرتكز عليها، والتي بها ومن خلالها يتحرك النص حتى يصل غاياته. وهناك أيضا ما يمكن أن نطلق عليه بالشخصيات الثانوية، والتي سينيط بها الكاتب ما يرتأيه من دور، شرط أن يكون متسقا ومنسجما مع طبيعة النص وما مرسوم له. في السطور اللاحقة، وهي مجتزأة من نص روائي طويل،سنتوقف عند إحداها، والتي ستتكشف للقارئ مدى أهميتها في تحريك العمل وسيرورته. وكي لا نصادر ذائقة المتلقي فسنتتركم مع هذه الشخصية ولكم ما ترونه فيها). 

                                        ــ ّ1 ــ

للحديث عنه وبهدف تقريب الصورة أكثر، فلا بأس من الإشارة الى أنَّ هناك العديد من العلامات والدلالات التي يتميز بها، من بينها على سبيل المثال ظاهرة الصلع المبكر والذي يحاول جاهدا إخفاءه وبشتى الطرق، لكن دون جدوى. كذلك حلاقته الدائمة لشاربيه وبعناية فائقة، حتى تكاده أملطا. لماذا يا جواد لا تطلقهما؟ سأله أحدهم ذات مرة وربما بدافع الدعابة، الاّ انه سَيردٌ عليه بخطاب ناري، مباغت، حتى بدا كمن كان في حالة من الإنتظار والترقب، فتجده مقتنصا الفرصة قبل ضياعها، ليمرر ما يريد إيصاله بذريعة السؤال.
  وقبيل الدخول في إجابته فجواد ملاّ محمد وبشهادة معارفه، هو أقرب ما يكون الى تلك الشخصية المهادنة والمجاملة، رغم ما تصدر عنه من شطحات أحيانا. تجده يصغي الى هذا والى ذاك وبروح منفتحة. حذر في التعبير عمّا يجول بخاطره حتى ظنَّ البعض وعزا اﻷمر الى ضعف ملكاته وقدراته. غير انَّ الرجل وحين قيامه بالرد على السائل، سيفاجئك أيما مفاجئة، إذ راح يتحدث بطريقة ولغة، سيخيّل لسامعها بأنها لا تعود اليه.صحيح إستخدم مزيجا من المفردات التي تراوحت بين العامية والفصحى، لكنها أظهرت وبشكل جلي مدى إستعداده على المواجهة والتصدي. هل كان الرجل يبطن ما لا يظهر، حتى بان وإنكشف معدنه في هكذا إختبار! أم كان متحاملا بسبب تكرار تعرضه لذات السؤال من قبل! ربما. وربما أيضا وقف خلف ذلك طبيعة إنتمائه السياسي، المختلف والمتقاطع أصلاً مع اﻷوساط التي يلتقيها، والتي لم يكن لها أن تحصل لولا تأثير وضغط صديقه وقريبه من بعيد أبو داود، ولم يأت رده على النحو الذي سنأتـي على ذكره الاّ بعد أن طفح به الكيل كما سيجيء على لسانه فيما بعد.
 ولأنَّ ردّه وإذا ما نقلناه حرفيا، قد يبدو للقارئ غير واضح لما شابه من جو إنفعالي، فسنعمد الى إعادة صياغته، صارفين النظر عن مدى حدته وإذا ما كنّا متفقين أو مختلفين معه، وليأتي على النحو التالي: إذا كانت الشوارب تمثل رمزاً ومقياسا للرجولة وعنوانها فقد تركتها لورثة جوزيف ستالين (وهنا يقصد ويرمي السائل بسهمه ومَنْ يقف خلفه ومَنْ يمثل)، فهم اﻷقدر منا جميعاً على حمل الرسالة والدوران بها على مختلف بقاع الأرض، ومن خلالها وبها، بإمكانهم فرض سلطتهم وبقوة السلاح. ومن كان منكم بلا نظام حكم شمولي، أو ذا قبضة رخوة في التحكم بزمام اﻷمور، فإعملوا بتلك الوصايا واتكلوا على تجربة أبو يعگوب (هذه كنية جوزيف ستالين لدى العراقيين) في فن إدارة الدولة قبل أية نظرية أخرى. فالرجل وعلى ما تدعون، كان ماسكا بخيوط اللعبة كلها ونجح في أيصال ظلالها حتى بلغت أرض المشرقين والمغربين. وزيادة في الإطمئنان فلكم أنْ تستعينوا  بتجربته البلشفية والعودة اليها عند الملمات وحالات الإنفلات والتمرد والتراخي، ولا تترددوا في التصدي لكل مَنْ يسعى الى إعلان حالة العصيان المدني أو يفكر القيام بإنقلاب عسكري أو يحاول الهمس بذلك، فصاحبكم كان عارفا وخبيرا بذلك كلّه، وهو الذي رأى في قوة رأس المال وإنتشاره الأخطبوطي عدوا لدودا للبشرية جمعاء.
في هذه اللحظات حاول السائل إيقافه الاّ انه فشل فشلا ذريعا، مستغربا أسلوبه ومن طبيعة الكلام الذي لم يسبق له أن سمعه منه، حيث بدا كمن حفظه عن ظهر قلب، أو انَّ أحدهم قام بتلقينه ولمآرب دفينة، لذا نجد جواد وقد إستمر في إسترساله: ولجوزيف ستالين من المؤيدين والمؤازرين واﻷحفاد ما يفوق الخيال والتصور، وهم أوفياء له وسيميلون معه أينما يميل حتى وهو في قبره. تراهم مروجين ﻷفكاره، مطبلين لها، حافظين دعواته، خاشعين لإرادته رغم حتفه. فهو وعلى ما رأوا من أوائل مَنْ  تصدى وفضح الإمبريالية العالمية ودورها وأهدافها الدنيئة، وكشف عن وجهها الحقيقي وإدعائاتها الزائفة في نصرة الشعوب.
أخيراسيختم جواد خطابه الذي سبق وصفه بالناري وهو رافعا يده اليمنى عاليا، بترديد شعار عاش الزعيم جوزيف ستالين… عاش الزعيم جوزيف ستالين… عاش أبو  يعگوب.
هذا ما وردَ على لسان جواد ملاّ محمد، والذي يُشم من كلامه رائحة إستخفاف وتقليل من شأن الطرف اﻵخر. أمّا نحن فسنترك جانبا أمرُ مَنْ كان على حق في موقفه، وما إذا كان السائل حسن النية فيما ذهب اليه، وسنتوقف على وصف ما يمكن وصفه. فلون بشرته، يميل الى الوردي أكثر من ميله الى الأبيض، أو لنقل وبشكل أدق هو خليط من بينهما وبنسب مختلفة، وستتغير بحسب طبيعة المناسبة والحضور والمزاج الشخصي في اللحظة اياها. فمثلا ستجده محتقنا اذا ما دخل في بعض المساجلات الجدية كالتي أتينا على ذكرها، وستراه هادئا إذا ما طاب له المقام وهكذا.                   
 وإستكمالا لسبر شخصيته وما يتصل بها فلا بأس من التحدث قليلا عن مسكنه. فمن يدخل غرفته سيجد أن هناك فوضى عارمة قد لفَّت وضربت جنباتها، فما من زاوية الاّ وطالتها يداه، وما من حائط نجا من المانشيتات وبعض من صفحات الجرائد القديمة، موزعة وملصقة بطريقة عشوائية، تمثل في بعض منها مراحل متعاقبة من تأريخ الدولة ونشأتها، كذلك صور لممثلين عالميين مشهورين ككريكوري بيك وشارلي شابلن وَمنْ كان يُلَقَّب بالزعيم العظيم، إضافة الى صور أخرى تم إلصاقها بشكل عشوائي، ليس لها ضرورة ولا معنى ولا صلة.
 وكي لا نجانب الحقيقة فهناك صورة واحدة فقط ومن بين كل ما عُلٌِّقَ تشد اﻷنظار بحق، مؤطرة ببرواز شديد اﻷناقة واللمعان، إدعى جواد بأنه قصد أحد المختصين في سوق السراي ببغداد ودفع لقاءها مبلغا كبيرا، لتبدو على هذا الشكل من الجمال. يكاد حجمها يستحوذ على نصف مساحة أحد الحيطان، لذا وبسبب من  اهتمامه الزائد بها وبهدف ابرازها عن سواها، تجده وقد اختار لها الجدار المقابل للنافذة، والذي ستتسلل منه الشمس، إبتداءاً من لحظةشروقها وحتى مغيبها، حيث جمعت (تلك الصورة) وفي لقطة نادرة وتأريخية ثلاثة من كبار قادة حركة عدم الإنحياز، جوزيف بروز تيتو وجواهر لال نهرو ويتوسطهم الرئيس المصري جمال عبدالناصر وقد ظهرت على وجهه إبتسامته العريضة المعهودة. ربما أراد بذلك جواد أن يعلن عن هويته أو لنقل ميوله السياسية، أو يكون قد حشر نفسه حشرا في تيار واسع، كان قد إنتشر وذاع صيته في تلك الحقبة من الزمن، هادفا الى وضع حد لتلك التساؤلات المريبة، المتعلقة بإنتمائه السياسي والتي ما انفكت تراود وتثير شكوك الكثيرين.
                                        ــ 2 ــ
لم تعد صغيراً يا ولدي، قالت له أمه في آخر زيارة اليه، كنت قد قمت بها قبل ما يقارب السنة، ثم أضافت: لقد أخليت بي وخذلتني بعد أن عاهدتني على الزواج، وقمنا في حينها بتجهيز كل ما يلزم لذلك وإستبشرنا خيرا وطار أخوتك فرحا. لم يرد على عتاب والدته وشكواها، يقول أبو داود، بل تركها تُفرغ ما تريده ومن غير أن يصدر منه أي تعليق حتى وإن بإيماءة يطمئن لها قلبها. ربما أرادت والدته من وراء إثارة موضوع زواجه من جديد وبحضوري الى إحراجه، لتزيد من حجم الضغوط عليه، عسى أن يعيد النظر في قرار العزوف ويستجيب لرغبتها.
مع كل زيارة له، لم يكن هناك أي موضوع يدور بيننا ولا من قصة تشغل باله ويشغلني معه ومن دون رغبتي، سوى قصة ذلك الزعيم الذي يأنف حتى عن ذكر إسمه، على الرغم من ان الرجل بات معروفا من قبل أعلى المستويات العربية والإقليمية والدولية، بل حتى من قِبَلْ كبار قادة العالم وحركات التحرر وفي مقدمتها المنظمات اليسارية ولجان حقوق الانسان، إذ راحت تلك اﻷوساط تنظر اليه بعين واسعة من الغبطة والإحترام والإعجاب، فيما عدا جواد وَمَنْ هو على شاكلته، حيث يفضل بل يصر على إستخدام اللقب الذي حُمّلَ به رغم أنفه من قبل أعدائه، هادفا من وراء ذلك التقليل من شأنه ومكانته، لذا فثلاثة أرباع أحاديثنا، دارت وستستمر على ذات المنوال أي عن(ابن كيفية) كما يسميه، وكيف غدرَ كما يزعم برفاقه وتصفيته لهم، من أجل تسلق السلطة وتربعه على عرشها.
أمّا مَنْ هو إبن كيفية فهذا ما سيتم الكشف عنه لاحقاً والذي ما إنفك يشغل بال جواد ملاّ محمد، أكثر مما يشغل وسائل الإعلام المعادية له، رغم رحيل الرجل أو باﻷحرى رغم التخلص منه وتصفيته جسديا وبطريقة بشعة، قبل ما يزيد على العقد من السنين. فعلى الرغم من حدوث الكثير من المتغيرات والتطورات، وتبدل الكثير من المواقف والإصطفافات السياسية وما رافقها من تحالفات، وتوالي عديد الإنقلابات العسكرية التي جاءت بأنظمة حكم أسوء منه، الاّ انه لم يضع حدا  ﻷحاديثه تلك، بل حتى لم يفكر بإعادة النظر في موقفه منه، وليتحول جواد وموضوعه اﻷثير واﻷبدي الى قصة يتندر بها أصحابه عليه قبل غيرهم، فكلما شعروا بأنَّهم في ضيق وحسرة، وبحاجة الى تطييب وترطيب اﻷجواء، فما عليهم الاّ التذكير بتلك القصة التي لا تنتهي والتي سوف لن تنتهي ما دام جواد على قيد الحياة.
وبالعودة من جديد الى تلك الزيارة التي قام بها أبو داود الى صديقه جواد ملاّ محمد، وبعد أن رحَّبت به وفتحت له والدته الباب الرئيسي مشرعاً أمام زائرها وصديق ولدها المفضل، في هذه الأثناء وما كاد الضيف  يلج الغرفة حتى باغته صاحبه: ألم أقل لك بأنَّ ابن كيفية يتحمل المسؤولية الكاملة لكل ما جرى للبلاد من مهازل، فلو كان قد أدار دفة الحكم بطريقة صحيحة، لما وصلت هذه الشلة التي نراها اليوم متربعة على دست السلطة، وما كان قد حدث كل هذا العبث بمقدرات البلاد والعباد. ألم ترَ بعينيك حجم الفوضى؟ وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال، فليس هناك من شك بأننا سائرون نحو الهاوية ونحو المزيد من التخلف والإنحطاط والتراجع.
 من أين يأتي بكل هذه الطاقة والإصرار على تكرار ذات الموضوع. فمنذ عرفته ولحد الآن، يضيف أبو داود، وفي كل مرة كنت أتوجه فيها الى بيت جواد وقبيل طرقي للباب، كنت أعاهد نفسي على عدم الخوض في هكذا حوار معه، وأن ألتزم جانب الصمت وعدم التفاعل أو الإستجابة لكل إستفزازاته ومهما كلَّفَ الأمر، وأيضا لا بدَّ من إيصال رسائل واضحة، تشير  وبصراحة الى مدى مَلَلي وضجري من أحاديثه هذه ومن سماع ذات الإسطوانة.
 الاّ انه ورغم كل المحاذير والإشارات المباشرة والغير مباشرة، لم يَعُد جواد الى ذات القصة فحسب، بل زاد عليها ما يعتبره دليلاً جديداً آخر، سيعزز من خلاله كما يعتقد من تلك القناعات التي كان قد ذهب اليها في أوقات سابقة.فعلى ضوء ما توفر له وما تحصَّل عليه من معلومات، لم يكتفٍ الى الكشف عنها وتسويقها، بل راح أبعد من ذلك بكثير، ساعيا ما استطاع الى إقناعي واﻵخرين كذلك، محاولا كسب ولائي وولاء ذلك القسم الذي يعتقده لا زال مترددا، وحثه على إعادة النظر في موقفه وجره الى جانبه في موضوع الموقف من ذلك الرجل، والذي يأنف ولحد اﻵن أن يطلق عليه أي تسمية سوى ما يدور برأسه.
لذا وإستكمالا لذات الموضوع وبغضب وتوتر شديدين، رفع جواد عالياً أحد أعداد جريدة آخر ساعة المصرية، والذي يعود تأريخ إصدارها الى ما بعد نجاح ثورة تموز في العراق عام 1958 وبأيام معدودات، واضعاً سبابة يده اليمنى على العنوان الرئيسي الوارد في تلك الصفحة، والى ما اعتبره سراً خطيرا وفضيحة بحق قادة ومفجري الثورة، كان قد تمَّ الكشف عنها منذ ذلك التأريخ وجرى التستر عليها. ليس مهماً كما قال معرفة المصدر الذي قاده للوصول والحصول على ذلك العدد من الجريدة، بل المهم هو الوقوف على ما جاء  فيها من معلومات، تكشف كما يقول حقيقة ما جرى في ذلك اليوم، والجهات التي كانت تقف وراء ما يسمونه بالثورة.
 أبو داود من جهته وعلى أثر  تلك الحركة التي قام بها جواد وعلى الرغم من إصراره على عدم التفاعل معه، غير انه تفاجأ بأمرين، أولهما كيف إستدل جواد على ذلك العدد من الجريدة ومَنْ هي الجهة التي مدته بها. وثانيا، كيف لجواد أن يخفي عليه كل تلك المحاولات التي كان يِقوم بها والتي قضاها في تجميع المعلومات وأنا الأقرب اليه، فما بيننا يبيح ويتيح لكلينا الإطلاع على أي مسعى من هذا النوع.
إستمرَّ جواد في فورته وحالة الإنفعال، ليتوصل ومن خلال ماجاء في الجريدة وهذا هو الأهم وإذا ما صحَّت حقاً تلك الأنباء وما ورد فيها من تفاصيل، ما يؤكد ِوبالأدلة القاطعة التي لا تخطئها العين أو العقل، على حد زعمه، الى إنحراف ما يسمونه، البعض من رجال الثورة عن أهدافها المرسومة  وبإيعاز من جهات خارجية، وذلك بحكم إرتباطاتهم بها ومنذ الساعات الأولى لإندلاع شرارتها، بل حتى أثناء التهيئة والإعداد لها، ليصل الى نتيجة مفادها بأنها مشبوهة مشبوهة مشبوهة، قاسماً على ذلك بأغلض الإيمان وبكتاب الله الذي سحبه على عجل من أحد رفوف غرفته، حيث كان واقفا.
ثم راح جواد مضيفا، كل ذلك ليس مهماً ولا عتب على إبن كيفية ولا على من جاء به، ولكن عتبي على بكر صدقي، ذلك البطل الهمام، الذي تحدَّثتْ عنه كُتب التأريخ وأشادت بسجله العسكري، والذي أراد وضع حد لتلك المهازل التي كانت قد وقعت في عهده. فما قام به من تحرك سريع آنذاك، كان الهدف منه العمل على إعادة أوضاع البلاد الى حالتها الطبيعية، وإدارة دفة الحكم وإعادة بوصلتها نحو الإتجاهات الصحيحة، بعد أن عمَّت الفوضى وإضطربت الأوضاع في البلاد.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

4

بَعيداً عن الهَمْس
(وقفة مع كتاب)

صراع العقل، بهذا العنوان لكتابه يكون جميل اﻷنصاري قد لفت إنتباه القارئ ومن أول وهلة، الى أن هناك أمرا مضمرا ستنجلي صورته مع مضي المتلقي في الغوص فيما ذهب اليه الكاتب. ومن العنوان أيضاً ربما سنخرج بخلاصة مفادها، بأن هناك صراعا، ستتضح صورته بشكل جلي، طرفاه، ضفتين متباعدتين، متعارضتين، ومن الصعوبة بمكان أن يلتقيا أو يشغلا في لحظة بعينها أرضا محايدة، فلكل منهما أفكاره وخلفياته ومبررات وجوده، كذلك قناعاته وما يؤمن به. وقد يبلغا حداً من التمترس والثبات على المواقف، بما لا يدع مجالا لثني أحدهما، ففي ذلك ما يعدانه تراجعا عمّا جُبلا عليه إن لم يعدّانه تنازلا. وللتذكير فإننا نتحدث هنا عن طبيعة الصراع الفكري الدائر في دولنا وما حمله من تعصب، والذي بلغ أشدّهُ في بعض المراحل، وأغلقت المنافذ الموصلة بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية.
ومما يعزز الرأي اﻵنف، ما ذهب اليه مصمم الغلاف الخارجي، حيث تظهر خلايا دماغ الإنسان، وقد إنقسمت الى نصفين متساويين في الحجم. اﻷول تتنازعه أديان وأديولوجيات ونظم سياسية، متنوعة ومتعارضة فيما بينها. وإذا ما شيء لها وتحت ظروف معينة أن تلتقي إضطرارا في بعض من المحطات، فهو أمر نادر الحدوث إن لم يكن مستحيلا. والنصف اﻵخر منه (الدماغ) يبدوصافيا، نقيا من كل شائبة، ربما أراد الكاتب إظهاره على هذا النحو ليوصل رسالة تقول: أن لا مناص من أن يُعْملُُ المرء عقله، بروية وإسترخاء، ومن دون إنحيازات مسبقة أو ضغوط من هذا الطرف أو ذاك. أو أنه يعكس وينم عن طريقة تفكير الكاتب نفسه وما يحمله من تناقضات كان مصدرها البيئة المحيطة به وما لها من تأثير وقوة حضور وإقناع، تنازعتها بعض الإديولوجيات التي سبق لها أن مرَّت بذاكرة الكاتب وأشغلته ردحا من الزمن. وكي لا نصادر ما ينتوياه، فالقول الفصل في هذا، يتقاسماه الكاتب ومصمم الغلاف معاً.
على الصفحة اﻷولى وفي مستهل الكتاب ستأتيك البسملة، وهذا ﻷمر متعارف عليه في بلادنا، وقد ينوي الكاتب بهكذا فاتحة، الإستبشار والتبرك بصاحب المُلك، على وفق قناعاته وإنطلاقا منها. لكنها في ذات الوقت ستفتح لنا نحن القراء بابا، يدعونا للعودة الى بدايات تشكل رؤى الكاتب وكيفية قراءة ما يحيط به وصولا الى ما أرتآه خياراً، وليس مهما هنا أن نتفق أو نختلف معه.
وإذا شئنا الحكم على طبيعة الكتاب وعلى أي خانة يُحسب، فيمكننا القول بأنه ينتمي الى ما مكن وصفه بأدب السيرة. فمنذ السطور اﻷولى، يأخذ بيدنا الكاتب ليدلنا على ما مرَّت به عائلته وأباه بشكل خاص من صعوبات، إذ (بدأت معاناة الوالد منذ طفولته حيث أضطهٍدَ من زوج جدتي)ص9. غيرأنه والحديث هنا عن الوالد فقد كان عصاميا، فتجده وقد إختط له بعض المهن ومنها الحلاقة والتي إستقر عليها وتحولت فيما بعد الى لقب ستفخر به العائلة وتتشرف بهكذا نسب. في ذات الوقت لم تغب عن عين الوالد ما كان مصمما عليه وفي رغبته والتي كان كثيرا ما يرددها: أريد أن أنشئ مملكة من المثقفين. وفعلا تحقق له حلمه.
لطالما دخل الكاتب في الحديث عن عائلته، فهو لم يغفل التوقف وبصفحات من نور على سيرة والدته أيضا، حيث لاقت هي اﻷخرى من المصاعب ما تشيب له الولدان، أسوة بغالبية اﻷمهات العراقيات اللائي لاقين من اﻷسى وقساوة الظروف ما يصعب التوقف عنده والتذكير به لما يحمله من عسف وأوجاع. فرغم طيبتها وصبرها وجلدها على النائبات التي مرَّت بها العائلة فقد(كان والدي يعاملها بقسوة في بعض اﻷحيان)ص11. 
وإستكمالا لما لاقته هذه السيدة الفاضلة من متاعب، فقد كان لإنتماء ولدها الى إحدى التنظيمات اليسارية، ما شكَّل له صدى سلبيا لدى دوائر أمن الدولة، فراحت عناصرها في البحث عنه، بغية إلقاء القبض عليه وتحت طائلة تُهَمٍ ، تتعلق بميوله السياسية، والتي كانت آنذاك تُعَدٌ من الكبائر وتشكل تحديا   لسطوتها وتسلطها. وعن هذا اﻷمر فقد جرى إعتقال الوالدة وإقتيادها الى دائرة أمن مدينته، كربلاء، وكان سؤالهم الوحيد عن ولدها الذي بات يقلقهم.
وفي ذات السياق وعلى نحو أكثر وجعا فقد تمَّ تغييب أخويه إبراهيم ومهدي، ولم يعد لهم من أثرٍ يُذكر، وهذا ما جرى التأكد منه فيما بعد وجرى تسريب الخبر من قبل إحدى الشخصيات النافذة في العراق والتي لها صلة وثيقة بأصحاب القرار. وخلاصة اﻷمر فقد تم تصفية شقيقيه، ولم يعد لهما من أثر يُذكر في سجلات اﻷمن والدوائر المختصة. خبر كهذا كان له أثرا موجعا لدى أفراد  العائلة وكانت ضحيته اﻷولى والدة الكاتب، إذ وافاها اﻷجل كمدا وحزنا.
لم يفت الكاتب وفي صفحات لاحقة من الإشارة الى أن هناك ومن داخل أجهزة الحكم، سواء على المستوى الرسمي أو اﻷمني بشكل خاص، َمَنْ كان متعاطفا مع المعارضين، وقد تقف خلف ذلك دوافع إنسانية، أو أنَّ هناك ما يشبه الرفض لسياسات الحزب الحاكم ولكن بشكل غير مباشر، تجلَّت صوره في حالات التضامن مع المعارضين ولكن بحذر شديد، مخافة تداعيات اﻷمر وإنسحابه عليهم سلبا. وعن هذا اﻷمر فقد كان للكاتب أكثر من وقفة وتعبير، كان قد جاء على ذكرها في ثنايا الكتاب.
وعن الشأن اﻵنف، سيتوقف الكاتب وعلى الصفحة 29 مثلا، ليورد نصا، جاء على الشكل التالي: هناك كثيرا من المنتسبين الى حزب البعث عندهم الطيبة والإخلاص للوطن ولم يتفقوا مع كثير من توجهات السلطة. ثم يستمر الكاتب وفي ذات السياق ليأتي على مثال آخر أو حالة أخرى، إذ يشير وعلى الصفحة 51: كنت أنا مضطهدا سياسيا، لكن علاقاتي جيدة مع الكثير من اﻷصدقاء البعثيين الذين كانت السلطة بيدهم هي حماية لي من الإعتقال في كثير من اﻷحيان. لم يكتفِ الكاتب بهذا القدر من الإستشهادات بل سيتوقف عندما روته له شقيقته، حين زارهم أحدهم وهو حامل معه رسالة من شقيقها مهدي، الذيكان  يقضي حكما في نگرة السلمان قبل تصفيته، ليبلغها بأنَّ شقيقها بخير. وعندما سألته مَنْ تكون؟ إكتفى بالرد: أنا حارس هناك ولا تسأليني أكثر خوفا من إعدامي.   
 في كتابه أيضا ستتضح بعض معالم التراجع والتردد وجنوحه الى إعادة النظر في مواقفه من اﻷحداث وقراءتها بالتالي على نحو مختلف، وإنعكاس كل ذلك على تصورات الكاتب وما سيخرج به من إستنتاجاءات، ستتقاطع مع ما كان يفكر به وما يتمناه. فمثلا سيعلن الكاتب وعلى الصفحة 14 عن ندمه وتراجعه وبتعابير صريحة عما كان يحمله سابقا من مفاهيم وآراء، بعد أن جرى ذلك الحدث التأريخي، والذي أدى الى تغيير جوهري في طبيعة نظام الحكم، إثر قيام ما سمّي بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما تبع ذلك من إسقاط للنظام الملك. معزيا تراجعه أو موقفه هذا وعلى حد تعبيره(كنت لا أفقه كثيرا بالسياسة حيث كنا صغارا فرحين بذلك ونردد ما يقولون، ولكن عندما كبرنا عرفنا بأن ذلك كان وبالا على العراق وشعبه).
وإرتباطا بما ذُكِرَ فستتولد عنده ما يمكن أن نطلق عليه بسياسة إعادة النظر في بعض المواقف والتي يدخل قسما منها ونظرا ﻷهميتها القصوى في عداد القضايا المصيرية. فالكاتب وبعد خوضه صراعا مع الذات ومروره بعديد التجارب، إختار له وفي مطلع حياته السياسية اليسار جبهة للإنتماء، غير أنه ورغم قطعه شوطا لا بأس به وقضى من عمره عقودا من السنين مع هذا التنظيم، بات الرجل يكتشف العديد من اﻷمور التي ستقضي على حلمه.
فبسبب تنقلاته المستمرة كغيره من الذين طاردتهم قوى السلطة الحاكمة وإضطراره التغرب مرغما عن وطنه، اثر الحملة القمعية التي شنها النظام الحاكم أواخر السبعينات، كان قد تعرَّفَ على الكثير من القضايا التي كانت خافية عليه وعلى غيره من المنتمين الى ذات الحزب. فعن ذلك يحدثنا الكاتب عن مدى صدمته مما يجري، وأنَّ لديه (شكوك حول أحد أعضاء تنظيمنا بالإمارات أن له علاقة مع المخابرات العراقية)ص67، وعن ذلك فقد قام بإبلاغ مسؤوله في التنظيم الاّ انه لم يلقَ أذنا صاغية.
وفي ذات الدولة التي عاش فيها الكاتب ردحا من الزمن ويقصد هنا الإمارات العربية، يَرِدُ على لسان الكاتب وعلى الصفحة 74، بأن (أحد القياديين في التنظيم يعمل لصالح المخابرات العراقية، وكان عضوا في اللجنة المركزية للتنظيم). على أثر ذلك وﻷنه لم يتلقَ الإستجابة الكافية، فقد وجد نفسه مضطرا على مغادرة محل إقامته بعد تقديمه الإستقالة من العمل، ليتوجه الى دمشق كخيار أفضل له ولعائلته.
في الشام تكررت ذات الشكوك وأخذ الإرتياب من الكاتب مأخذا، وسيتكرر أيضا ذات المشهد الذي كان قد واجهه يوم إقامته في دولة الإمارات، حيث سيلتقي ومن مساوئ اﻷقدار ذات (الشخص القيادي في التنظيم والذي يتعاون مع المخابرات العراقية في دمشق أيضاً، وكانت علاقته مع مسؤول التنظيم المركزي قوية جدا واحيانا يملي عليه ما يريد)ص79.
إجمالا وإذا شئنا إلقاء الضوء وإبداء الرأي على أمر كالذي جاء على لسان الكاتب، وأعني به هنا ما طال البعض من قيادي الحزب الذي يتحدث عنه وما حام حولهم من إتهامات وشكوك وشبهات، كانت قد حامت على بعض منهم، وجرى تداولها ومن قبل أوساط وجهات ليست بالقليلة ولا يستهان بها وبمصداقيتها. وربما جاء البعض منها بغير حساب، وﻷغراض وأهداف لا تمت للحقيقة بصلة. وﻷجل معالجتها على نحو منصف، كان ينبغي على التنظيم السياسي المعني أخذ زمام اﻷمر بيديه والتحقق من هذه الحالة أي التهم، ويجري توكيل اﻷمر وإحالته الى أيادٍ نزيهة وعادلة لتصدر حكمها النهائي ومن دون محاباة أو مجاملة لطرف على حساب آخر، بعد أن تدعم رأيها بالدلائل والقرائن المطلوبة، معززة بشهادات موثقة، بدل أن تلقى التهم على قارعة الطريق، ويشتغل عليها البعض، ويلتقطها مَنْ يشاء بغير حساب ويخفيها مَنْ يشاء ولإعتبارات لا تمت للنزاهة بصلة. فالقصة بالمجمل تتعلق بمصائر بشر، وبمبادئ كبيرة، عظيمة، حملتها على أكتافها أجيال وأجيال، وراح ضحيتها اﻵﻻف، إبتغاءاً لأحلامهم السامية والنبيلة.
وللأسباب التي جئنا على ذكرها والمتعلقة بالإندساسات والإختراقات التي طالت تلك الجهة السياسية ومن قبل أجهزة النظام الحاكم في العراق، فقد قرر الكاتب الإبتعاد وإنهاء الصلة بالتنظيم الذي كان قد إنتمى اليه منذ بواكير عمره اﻷولى. في ذات الوقت فقد بدأت تتبلور لديه فكرة جديدة مفادها: النقطة اﻷساسية التي أخذت أفكر بجدواها وهي أن الذي يكون وطنيا هو من يخدم بلده بإخلاص في العمل وفي مجال إختصاصه هو ليس من خلال التنظيم وإن الوطن يحتاج هؤلاء أحياء وليس شهداء،ص80.
في خاتمة المقال وبصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع وجهة نظر الكاتب فيما ذهب إليه، وإذا كان لنا من رأي عن هذا الموضوع، فالكاتب له ما له وعليه ما عليه. ومن نافل القول فإن حرية إبداء الرأي مكفولة لكل اﻷطراف، إن كان مواليا أو معارضا، وأيضا لكل من يبحث عن الحقيقة.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

5

قبل أن يعود الى مأواه تلفت يميناً ويساراً ، وبعد ان تأكد من خلو المكان من المارة ، صرخ بملىء فمه : يا شجرة القلمطوز ، هل تسمعين ؟
ألا زلتِ تنتظرين ؟ لقد رحلوا ،كلهم رحلوا ، لكنهم سيعودون ذات يوم ، حتماً سيعودون ، فأصبري وصابري ، فالأرض والنهر والذاكرة أمانة ووديعة عشاقها الحالمين .
رواية تأليف الاستاذ حاتم جعفر
متوفر الكتاب في ديالى للطلب من موقع الدار
اصدار دار المها للطباعة و النشر و التوزيع
العنوان : ديالى - بعقوبة - قرب مدرسة الجواهري - بناية مركز هلا 
هاتف : 07734306163
تليكرام : dar_almaha
#دار_المها_للنشر_والتوزيع

6
غيدان أبو الراس، هناك مَنْ يَشبههُ
(فصل من رواية)

بالكاد أكمل أبو داود عقده الثالث من العمر، وإذا أردنا النزول عند رغبته فلنقل قد بلغ الخامسة والثلاثين، رغم ان المعلومات المتسربة ومن مختلف المصادر وفي مقدمتها من داخل بيته وعلى لسان أحد أخوته الثقاة، تؤكد بمجملها بأنه قد بالغَ بعض الشيىء في حقيقة عمره، والسبب في ذلك يعود الى حرصه على التظاهر بكبر سنه، فله في ذلك أغراض ومآرب، ربما لا يرغب في الكشف عنها، قد يكون من بينها وعلى ما يمكن إستنتاجه ومن خلال بعض ما كان يفصح عنه، بأنه مستندا في ذلك الى بعض المصادر، والتي تعود زمنيا الى بواكير علاقته بالقراءة والى أحد الكتاب على وجه التحديد، ولا أدري كيف توفر على هذه القناعة، والتي مفادها بأنَّ  هناك ترابطا عضويا وثيقاً ومطردا، بين كبر العقل من جهة وعمر الإنسان من جهة أخرى، فكلما تقدم بك العمر كلما إزددت وعياً، والعهدة في هذا الرأي تعود على الكاتب(الفلتة) بالدرجة اﻷولى والذي إستشهد به أبو داود ومن ثم على صاحبنا.
الاّ أنَّ ما يكشف عن حقيقة عمره ويفضحه، وبصرف النظر عن إدعائاته والإجتهادات التي ساقها البعض وتقديراتهم، فالرجل يتمتع بمشية واثقة، ثابتة، يتميز بها عن سائر زملاءه وأصدقائه، وكل من جايله في السن وفي الدراسة وفي مجال عمله أيضا. ومن بين العلامات التي تؤكد حقيقة عمره، هو إستقامة  ظهره وخلوه من أي إعوجاج، ولم يكن يوما قد شكا منه، والذي كثيراً ما كان يثير حسد البعض و(غيرتهم) بسبب إعتداله وبمستوى مُلفت للنظر. ناهيك عن كثافة شعر رأسه وإسوداده الفاحم. ولولا بعض الإجراءات التي لابد من القيام بها، لكان أكثر من نصف وجهه قد طالته غزارة الشعر ولغطّي تماما. وإذا ما تحدثنا عن أسنانه فهي ناصعة البياض قوية، يستخدمها أحيانا في قضم وكسر بعض المواد الصلبة التي تستعصي على أسنان اﻵخرين.
وما دمنا في هذا الموضوع فلا بأس من الذهاب الى أبعد من ذلك قليلا، فالحديث عن إستقامة الظهر ستقودنا الى إستذكار أحدى الشخصيات المعروفة في المدينة والمدعو بدري. هذا هو إسمه اﻷول أمّا اﻷسم الثاني وما هو لقبه فقد نسيته. المهم في الموضوع ان هذا الشخص كان زميلا لأبو داود في المرحلة  الإبتدائية، وبسبب فشله في المدرسة وجد والده ان من المناسب جدا زجّه في سوق العمل، ليكون مساعدا له في المحل المختص ببيع الخزفيات وما يلحق بها من لوازم المطبخ، فما كان عليه الاّ أن يرضخ ويستجيب لرغبة والده.
فما يلاحظ على هذا الـ(بدري ) هو إنحناءة وميل ظهره الى الوراء، وبوضع ملفت للنظر وعلى عكس القاعدة الفيزيائية والجاذبية اﻷرضية، إبتداءا من قفى  رقبته وبزاوية حرجة، والمتمثلة بالفقرة العليا الملتصقة بالرقبة، وإنتهاءا بالفقرة العصعصية الواقعة في أسفل الظهر،  مما كان يسبب قلقا وفضولا للمارة وخاصة لأولئك الذين لم يسبق لهم أن رأوه أو تعرفوا عليه، إذ يعتقدون بسقوطه الحتمي أرضاً، أو على اﻷقل فهو موشك على ذلك. بإختصار فإنَّ مركز الثقل بالنسبة لبدري يختلف عن سائر البشر، أو إذا شئنا الدقة في التعبير فلم نصادف أحدا على هذه الشاكلة الاّ ما ندر. ولهذا السبب كانت تصل مسامعه الكثير من التعليقات السمجة، فضلا عن عديد النصائح من أجل تقويم مشيته. غير انه لم يكن ليصغٍي ولم يعر إهتماماً، لا لهذا ولا لذاك، وبقي بدري مصرا على طريقته هذه في المشي من غير  أن تصدر منه أية شكوى. ومما يزيد من حالة الإستغراب هي طبيعة حركته وكذلك ميكانيكيته في طريقة التدخين، فمسكه للسيكارة بين إصبعه اﻷوسط من يده اليمنى وسبابته وصعودها ونزولها من والى فمه، تتم بإيقاع ثابت وبفترة زمنية واحدة، تبدو وكأنها محسوبة بدقة وبزاوية لا تخطئها تقديرات بدري على الإطلاق، وسوف لن تتأثر بأي طارئ أو حادث قد يصادفه في الطريق.
زد على ذلك هو الصَمْتُ المطبق والمطلق لبدري، ورفضه التحدث وتحت أي ذريعة مع أي شخص سيلاقيه، إن كان في الذهاب أو الإياب، أثناء توجهه المعتاد، من البيت الى امحل عمله وبالعكس. وإذا كان( بدري) في مزاج رائق وهذه قد تكون من النوادر التي تحصل معه، فسيتخذ من إحدى المقاهي التي تقع على الطريق والمطلة على نهر خريسان وبعد تأكده من خلو ألارائك التي تقع على جانبي المدخل من الزبائن مجلسا له، مُمتّعا نظره في بضعة أشجار باسقات، سيصل فيئها حتى قدميه. وجلسته هذه سوف لن تستغرق من الوقت أكثر من عشرة دقائق في أحسن اﻷحوال، سيرتشف خلالها شايا حامضا، إنتبهوا معي، يرفض أن يغيره بأي مشروب آخر حتى لو كان الجو في أشد حالات سخونته أو برودته. عجبي!.
بعد بلوغه سن الرشد وحسب القوانين المعمول بها، ولعدم وجود أي مبرر يمنعه أو يعفيه عن ذلك، فقد تقرر سَوْق بدري الى أداء الخدمة العسكرية. وبعد تدخل والده القوي وبحكم تلك العلاقات التي يتمتع بها والتي تربطه بالكثيرين من أصحاب القرار، فقد أثمرت مساعيه ونجحت في إستصدار قرارا إستثنائيا من الجهة المختصة والمخولة في هذا الشأن، يقضي بإعفاءه عن أداء خدمة العلم في الوقت الحاضر ولأسباب صحية، على أمل أن يستدعى مرة أخرى بعد إنقضاء فترة التأجيل والبالغة خمس سنوات. ومن بين ما جاء في نص القرار اﻵنف الذكر وقبيل إلتحاقه، هو ضرورة إجراء الفحص الطبي اللازم وبشكل دوري، وإذا ما وجدت اللجنة المكلفة بأن حالة بدري لا تساعد ولا تؤهله لأداء الخدمة، فيمكن إعفاءه منها وبشكل نهائي،شريطة موافقة وتصديق الجهات المختصة العليا.
                                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة بدري دَخلت عرضا ولم تأتِ الاّ على هامش سيرة أبو داود ولا أظنها كانت بالثقيلة والمملة على مسامع القراء. على كل حال لا بأس من العودة الى غيدان أبو الراس أو أبو داود وما يتميز به، ففي ضربة حذائيه بل رجليه القويتين، ما يؤدي الى أن ُيسمع رنينها وصداها كل من كان يمشي على الأرض في الجهة الثانية من الشارع، بل وحتى مَنْ هو في الجانب الآخر من النهر والذي يشطر المدينة الى نصفين متساويين الى حد كبير. ولشدة ضربة قدميه فقد تحولت الى علامة فارقة، يتفرَّد أبو داود عن سواه، حتى تحولت الى  مؤشر ونذير قوي يُدلل على مقدمه، وعند ذاك ستتخذ الإجراءات اللازمة في كيفية إستقباله وما يمكن أن يهيأ له، فمنهم مَن كان على موعد مسبق معه، ومنهم مَن تواجد صدفة وأراد مباغتته بإحدى المفاجئات السعيدة أو قد تكون غير ذلك. كذلك فإنَّ سرعة مشيته وتزايد وتيرتها ستتفق تماما وتتصاعد مع وتيرة حماساته، إن كانت سلبا أو إيجابا. كل ما أنف ذكره عن أبو داود، يُنبأ ويكشف عن مدى تمتعه بقوة جسدية هائلة، بل وخزين كبير من الطاقة، ربما سيساعده على العيش فترة أطول وبصحة جيدة، إن لم يتعرض ﻷي طارئ أو يحصل له مكروه، لم يكن في الحسبان.
وللمزيد من الوصف، فصاحبنا يتمتع بحاجبين، حالكي السواد، كثَّين، معقودين، ملتصقين ببعضهما البعض وبوضوح لا غبار ولا خلاف على ذلك بين أي اثنين، ولا يحتاج أي شخص الى كثير عناء ليتأكد من ذلك ومن أول نظرة، بل بإمكانك وإذا ما نسيت كنيته المتعارف عليها بين زملائه وأصدقائه، ودون سابق تفكير أو تردد وبثقة عالية بأن تناديه بغيدان أبو الحواجب، رغم عدم تفضيله لهذه التسمية، بل يعتبرها إنتقاصاً وتقليلا من شأنه إذا ما قورنت بلقب ابو داود، المحبب والمفضل من لدن والدته بالدرجة الأولى، ولوقعه الخاص ورنينه كذلك والذي سينطوي كما يعتقد على كل أسباب القوة والهيبة والمكانة لشخصه بين الناس.
وإذا ما أردنا الخوض في الجوانب السلبية من شخصيته، فصاحب السيرة ينقصه الصبر وطول الاناة، لذلك تراه سريع الغضب، عنيف في ردات فعله. ستظهر دلالات ذلك على حركة يديه وتفريكه المستمر لهما ببعضهما البعض، خاصة إذا ما تصاعدت درجة إنفعاله وإنغماسه في الموضوع الذي يتناوله. وزيادة في القلق وعدم الإرتياح فستصل مسامعك طقطقة أصابعه العشرة وﻷكثر من مرة. كذلك ستجده متلفتا وبكل الإتجاهات وعلى غير هدى. وستظهر أيضاً علامات ودلالات غضبه وعدم رضاه عمّا يدور من نقاش على حركة إحدى سبابتيه، فكثيرا ما يرفعها ويهزها هزا، وبمشهد يوحي لمن لا يعرفه بأنها تنطوي على تهديد من نوع ما، كذلك تُعد مؤشرا قويا على وجود خلاف حاد، بينه وبين غرمائه في الرأي، وليس من السهولة حلَّه أو حسمه.
اﻷنكى من ذلك هو ترافق إنفعاله مع بعض الكلمات التي كان يصدرها، هادفا وعلى طريقته إقناع الطرف الآخر برأيه وبأي ثمن كان. لم أعد أتذكر أي من السبابتين، اليمنى أم اليسرى التي كان يستعين بها حين دخوله في  معمعة الجدل وتصاعد مستوى الخلاف وبلوغه ذروته، فقد مضى على ذلك دهراً، فربما كان يستخدم يمينه وهذا هو أغلب الظن وأرجحه. المهم تراه كذلك مشمراً عن ساعديه ومع أي إنعطافة أو رأي يتقاطع وما يحمله من تصورات يعتبرها مُقدسة وثابتة، غير قابلة للتغيير أو الطعن أو الإضافة، حتى لو أتت في بعض اﻷحيان على شكل إضافات أو إيضاحات، ستصب لصالحه وداعمة لرأيه. بالمختصر المفيد فإنَّ أبو داود وإذا ما دخل في مناقشة أي موضوع جدي، فسيتحول العالم الذي أمامه الى ساتر من العتمة، ستحجب معه الرؤيا تماما، مما سيؤدي به ﻷن يقع تحت تأثير فقدان السيطرة والتحكم بما سيخرج به من قول ورأي.
ورغم إنفعالات أبو داود وردات فعله السريعة التي يتميز بها عن الآخرين، الاّ انك لم تجد بين أقرانه أو معارفه، القريبين منهم على وجه التحديد وقسم من البعيدين كذلك، مَنْ لم تَرقْ لهم صحبته وأحاديثه. ولكي نكوّن فكرة كافية الى حدٍّ ما عن بعض طباعه فلا بأس من الغوص أكثر في شخصيته. ففي بعض الأحيان وعندما يصل مسامعه بأنَّ فلان الفلاني عاتب عليه بسبب ما صدر منه على في الليلة الفائتة أو اللقاء السابق بحقه، من كلام وتصرف لا يليقان به، يردُّ عليه وعلى كل مَنْ يخصه الأمر كذلك، على النحو التالي: اللي يعجبه خل يتحمل واللي ما يعجبه خلي يطخ راسه بالحايط. مضيفاً وبالعربي الفصيح: هذا أنا وما يصدر مني أنا المسؤول عنه، ومَن يريد سماع رأيي فليتحملني، وأمّا مَن لم يرد، فليضرب رأسه  بأصلب جدار، حتى لو كان قد بني من الاسمنت الخالص.
كذلك ستظهر علامات توتره وبشكل أوضح على القسم المدبب والبارز من أنفه رغم صغره، حيث ستستقر قطرات التعرق هناك، وستبدأ بالنزول، لتتراوح كميتها وتتناسب مع درجة إنفعاله. وبعض منها ستعلق بين شعيرات أنفه وأحيانا ستأبى المغادرة، حتى وإن انتهى الجدل الدائر وبسرعة لصالح أبو داود، ليشد ذلك المشهد إنتباهك ومن حيث لاتدري ومن دون أن تكون راغباً فيه. وفي أحيان اخرى وبسبب من إحتدام النقاش وإستغراقه وقتاً أطول مما هو مفترض، فستجد تلك القطرات قد إزدادت كثافتها وأخذت بالتدافع فيما بينها، ولم يظهر حتى اللحظة من مؤشر يدلل على إنقطاعها وتوقفها. وكي نكون منصفين في تقييم الرجل ولطالما نحن بصدد التوقف عند ظاهرة الإنفعال، فحتى أثناء الحديث عن بعض المناسبات السعيدة، فإن ردود فعله ستجدها ظاهرة بشكل جلي على تلك اﻷجزاء من جسده والتي توقفنا عندها. 
لذلك وتداركاً لحدوث أي نتائج غير سارة أو غير محسوبة بدقة سلفاً، أو خشية حصول ردات فعل لا تُحمدُ عقباها، فستجد بأنَّ أكثر أصدقاءه ومعارفه، قد لجأوا مضطرين الى التزام جانب الصمت أثناء إثارة أي موضوع للنقاش فيما عدا بعض الحالات النادرة. غير أنَّ ردات فعل ابو داود أزاء عدم الإستجابة له أو ﻷحاديثه، لم تدفعه الى التوقف عما يريد الخوض فيه، بل بالعكس، فستجده متجهاً نحو المزيد من التمادي في طرح ما يشاء، والتي ستحمل بين ثناياها الكثير من المغالطات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وعلى العكس من الصورة النمطية التي اعتدنا عليها، فمَنْ يرى أبو داود في ظروف من الهدأة والإسترخاء، وإذا ما ابتعدنا قليلاً عما يُنغصٌ عليه ويستفزهُ، كذلك إذا ما تجنبنا الحديث معه في أمور تستدعي منه النظر اليها بجدية ومسؤولية، فستجد نفسك أمام انسان آخر تماماً، سيجبرك هذا على تغيير وجهة نظرك فيه، فبراءته ربما تفوق براءة طفل لم يبلغ بعد الثامنة من العمر، فما يأتي على لسانه لم يكن الاّ ما يعتقده صحيحاً، من غير أن يوارب أو يجامل، ولكي تفهمه جيداً فما عليك الاّ أن تستقبل ما يصدر منه بحسن نية ليس أكثر. 
وعن صحبة أبو داود فستؤنسك بلا شك إذا ما أحسنت التعامل معه أو إذا كنت من النوع الذي لا يناكد، ففي قلبه ما تطيب له النفوس وتنعم. ما حيلتك! فهناك أناس جبلوا على بعض من الطباع (العصية والصعبة)وكبرت معهم، منهم مَنْ رآها تُقَطعُ الوصل والود، ومنهم مَنْ رآها غير ذلك، ولكل امرئٍٍ ما يشاء من الرأي. وطالما حديثنا عن طيب الذكر أبو داود، فلا بد من القول وقد يختلف البعض مع ما سنذهب اليه، فهو من النوع الذي ينتمي الى الصنف المريح من البشر، على الرغم من كثير العلل إن سمّيناها عللا.
كثيراً ما تسائل أصحابه في سرهم وفي غيابه: ما الذي سيخسره أبو داود لو كان قد خفف من درجة حماساته وإنفعالاته أثناء نقاشاته؟ ماذا لو قلل الكلام في السياسة وراح أبعد في تنوع أحاديثه؟ أما كان قد أراح باله وأراحنا!. ماذا لو أرفق ما يريد قوله ببعض من دعاباته وروحه الطيبة؟ ماذا لو أسمعنا وأتحفنا بما تجود به حنجرته من عذوبة؟ لماذا ظلَّ كاتما على جمال صوته؟ ألم تسمع بحكمة ذلك الزعيم الذي قال: السياسة بلا أدب وفن ستصدأ. لا يهم من قالها، غير انها جاءت على ألسنة العديد من القادة السياسيين، حتى من قِبل ذلك الصنف الذي أتهِمَ بالجلافة والتحجر وضيق اﻷفق والرؤيا. أمّا عن أبو داود وخلاصة القول، فالرجل يتمتع بقلب رقيق ورهيف، وكان له أن يزداد جمالا، لو قلل من حدة الكلام في أحاديثه، ولزدادت حلاوته حلاوة، ولزددنا إقتراباً منه أكثر فأكثر.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو


7

  مظفر النوّاب حين ترجَّل.
(هذا المقال، مستمد نصفه من فكر الشاعر الكبير وسيرته وقصائده وبسالته النادرة التي عُرِفَ بها، والتي لم تكن بالخافية على أحد. ونصفه اﻵخر لا يخلو من بعض خيال، فلنوقد الشموع لروحه الطيبة وهو في أبديته).
                                 ــ 1 ــ
عشية رحيله قرأ النوّاب المشهد العراقي على النحو التالي:

انها أيام مباركة، أيام سعد والقادمات منها ستكون أبهى، فأجواء بغداد تؤشر الى بدأ الزحف من جديد. أمّا التغيير وقلب الموازين وتحقيق اﻷمل المرتجى، فهو أت، لا  شك في ذلك ولا ريب. وفي الحديث عن الخطوة القادمة، التي ينتظرها أبناء الشعب كل الشعب، فستتمثل بشد اﻷحزمة والتهيئة من أجل إعلان النفير العام، دون عودة أو تراجع أو تردد حتى الإطاحة بسلطة الطغاة ومن تَجَبَّرْ. لذا كونو أهلاً لها، فالموجة الثانية من الإنتفاضة التي كانت شرارتها قد إندلعت في تشرين عام 2019 بانت نذرها، وبإستعدادات وعلى ما أرى ستكون أكثر تنظيما، وستُصحب بمنسوب عالً من البسالة والتحدي. وقبل هذا وذاك، ستصطفي لها قيادة، تجيد الشدو وتُحسنُ الطرب إذا غنَّت، والسهر كذلك حتى الفجر على أنين منْ ضربه اﻷنين وصولا الى إستعادة ما فاتها من كرامة ومن أيام صعبة.
 فما يحدث في هذه اﻵونة، والكلام لا زال للنواب، يشكل إمتدادا وتواصلا مع شهر الخير، ﻷكتوبر المجد، حيث شهدت حينذاك أكثر مدن العراق وأكبرها وأهمها، إندلاع ثورة عارمة، أبطالها غرٌ ميامين، أجسادهم لم تََلِنْ ولم تساوم، جُبِلَتْ من نور ومحبة ومن وطنية لا يدانيها أو ينازعها عليها أحد. ورغم كل ما حيك لها من دسائس ونذالات، فلم تفت من عزيمتها وإرادتها تلك الشلل السافلة التي خشيت من إماطة لثامها، وباتت الجحور مأواها وإليها تعود، إنهم لا يختلفون عن أولاد القـــ ... اﻵخرون إن لم يفقونهم خسة ودناءة.
ثم يستمر النواب بقراءة المشهد: وها هي جحافل الرجال قد بدأت تلتحق حيث التجمع الأكبر، متجهة بأنظارهاصوب منصةصُنعت من أيادٍ نقية طاهرة على عجل، ومن نبات البردي بأعوادٍه السامقات، المنتشر بكثافة رغم عيون حاسديه ومَنْ تربَّصَ به شرّا من خلف الحدود، فهور العمارة لا زال سخيا، معطاءاً وصلباً كأهله. أرى من بعيد وعلى جانبيها(المنصة) بضعة صبية وشباب، يقومون بنصب جدران شاهقة، ثابتة بوجه الريح ومَنْ أراد لها شرّا. أعمدتها جذوع نخيل، مشذبة معطرة بِطَلعِها، لها نكهة أسواق البصرة العتيقة وأصالة أهلها. ستزدان بصور كوكبة مقدامة من الشهداء، لا زال عودها ودمها غضان، تَشمٌ منهما رائحة الياسمين والشجاعة النادرة. سيتقدم صفوف الحاضرين صفوة من رعيل قديم، كانت فيما مضى قد تشرَّفت وتحملَّت وزر التصدي والوقوف بوجه أعتى ديكتاتورية عرفها العالم، ها وهي رهن الإشارة، لتخوض من جديد غمار مواجهة ستنطلق من هنا وحسب ما تراه من توقيت، ولا أظنه سيكون بعيداً.

                              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                      ــ 2 ــ                                   

أن تكون شاعرا كما النوّاب بقامته وتموت غريبا، لم يَعُد ونقولها بأسف وألم شديدين باﻷمر المفاجئ والنادر، بل بات حدثا يدخل في باب البداهة، أرغمنا على تجرّعه وتقبّله، وما عادت الشكوى مخرجا نلوذ به ليُنجينا من عاقبته ومن أوجاعه، فثمة آخرين كانوا قد سبقوه في ذلك، فها هو بدر السياب وها هو الجواهري وهاهو صاحب اﻷخضر بن يوسف، وأسماء أخرى كثيرة وكبيرة، يصعب علينا اﻵن إستحضارها وشفاعتي العذر لها. حيث غادرت دنيانا وهي بعيدة عن وطنها وﻷسباب لم تَعُد سرا.
وعن رحيل المثقف أيضا في مغتربه، لا يقتصر وقوعه على فئة مثقفة دون غيرها، بل سينسحب ليمتد ويشمل كل الفئات الأخرى التي تدخل في هذا الحقل. ولم يأتِ مثالنا الاّ إستشهادا ودليلا، يُثبت مدى نكوص وتقصير السلطات الحاكمة المعنية وعجزها المتعمد ربما عن أداء دورها إتجاه هذه الفئة وأخواتها، أو لفرط جهلهم بكيفية إدارة أمرٍ كهذا وما ينبغي عليهم فعله. والحال ينطبق كذلك على كل أبناء الشعب التي قد يطالها الموت وهي بعيدة عن أوطانها.
 وسلطة كالتي تتحكم بمصائر الناس في بلادنا وعلى النحو الذي ذكرناه، لا تختلف كثيرا عن سابقاتها في شكل التعامل والتعاطي مع المثقفين، فهي بيئة طاردة بإمتياز ولا عجب في ذلك، فمن يتحكم بزمام اﻷمر ليسوا الاّ شلة من جُهّال القوم، ساوا بين الضلالة والهدى، ومن أول فرصة أتيحت لهم. لذا وفي ظل أجواء كالتي أتينا على ذكرها، سيرفض الشاعر ويأبى أن يكون تحت رحمة وسطوة زمرة كهؤلاء. 
وعود على بدأ، فأن يوارى الثرى جثمان الشاعر ويستقر في مأواه اﻷخير، لم يكن ليشكل مانعا من حضور روحه السامية لتشهد مقدمات الإنتفاضة المرتقبة، والتي ستعم بلاده بعد حين ومن أقصاه الى أقصاه. فمن هذه اﻷرض التي حباها خالقها بأبهى وأغنى آياته ونعمه، وفي هذه اللحظات التي سيخلدها التأريخ ويكتبها بحروف من ذهب ومجد، سيلقى بيان الثورة اﻷول وبحضور القطب اﻷعظم، مظفر بن عبد المجيد النواب، المولود في كاظمية بغداد حيث وُلِد صنوه ورفيق سلاحه، أمين الخيون.
وبناءاً على ما فات ونزولا عند رغبة الحاضرين وإلحاحهم وبعيدا عن البرنامج المعد سلفا لهذا الحفل أو المهرجان، فقد إعتلت المنصة روحه النبيلة، ولتتصاعد معها الهتافات ترحيبا. وعن هذه اللحظات فقد خالَ البعضُ بأن النوّاب سيفتتح مهرجانه هذا بإلقاء قصيدة البنفسج أو أي من شقيقاتها العذبات، تطييبا للنفوس وتهدئة، الاّ انه باغتهم بواحدة من تلك الفعاليات التي تفرد بها عن سواه وما لم تخطر على بال أحد.
فصانع القوافي وسيدها ومبدعها لم يُلقِ أي من قصائده التي كانت قد صاغتها أنامله وعلى طيلة فترة حياته، والتي قضى أكثر من نصفها بين المنافي، بل أحضر معه بعض شخصياتها التي رافقت رحلته الشعرية، داعيا صويحب بمنجله الذي لا زال محافظا على بريقه ولمعانه رغم مرور السنين، ليلتحق به. ثم أشَّر بعيدا على حَمَد ليترك الريل قليلا، طالبا منه صعود المنصة هو اﻵخر. سيصطحب حمد معه دِلال قهوته برائحتها ونكهتها، فبدا كما الذي كان على موعد ومعرفة مسبقة برغبات سيد الحاضرين. وما كاد الحفل أن يبتدأ حتى تذكر النوّاب حجّام البريس وراح مناديا عليه، بعد أن تمكن من تمييزه من بين مئات الحاضرين، بمهابة عقاله وطوله الفارع، معيدا عليه وهو في طريقه الى صعود المنصة قراءة تلك القصيدة التي عادت بهما الى عشرات السنين:
منهو الجاي .. ويه الماي.. ويه الشرجي.. يا حجّام؟
 يمكن عدو يا حجّام...
  يمكن شرطه وتلعب النفس.. 
   والشرطه لا هي جلاب ..
      ولا هي زلام ..
 هنا بدأ المتجمهرون والتي أخذت أعدادهم بالتزايد، بشكل فاق كل التوقعات بالتلفّت، فبالقرب من مكان تجمعهم، راح يجوب رتل عسكري، مصحوبا بسيارات مدنية، تؤشر الى مدى هيبتها دون هيبة راكبيها. فمن خلال النوافذ، جرى تمييز وجوه البعض منهم، فهذا رئيس ما يسمى..... وذاك وزير .... وسيارة ثالثة حملت إحدى السيدات وقد غطَّت كل جسدها، إبتداءا من رأسها حتى آخر ما ظهر منها وما بان. تمثلُ مَن هذه السيدة؟ تسائل البعض في سرِّه ولم ينتظر رداً من أحد. لحقت بها سيارة رابعة كادت أن ترتطم بسابقتها، ربما لإضطراب حال سائقها، تقل أحد كبار ضباط مرحلة الإنحطاط التي جاءت مع الإحتلالات المتعددة الولاءات، مسترخ في جلسته حتى تعذَّر رؤية رقبته. إعتلت كتفيه نماذج مصغرة من نجوم وسيوف متقاطعة، أراد من خلالها إبراز رتبته العسكرية المفترضة، ناسيا انَّ صدر بزته قد أظهر صنوفا متعددة ومتضاربة من التقسيمات والإختصاصات، إذ إختلط صنف المشاة مع صنف الجو والمغاوير مع قوات حرس الحدود.
النوّاب مظفر أو لنقل روحه وطيفه الذي لا زال سابحا ومحلقاً فوق سماء المحتشدين، لم تعر إهتماما لمرور رَكبْ (كبار مسؤولي الدولة) حيث واصل قراءة قصيدته حجام البريس. وما أن وصل الى المقطع الذي يقول فيه:
أفه يا گاعنه، الوكحه!!..
  حلاة الليل، وأهل الليل...
     والنار...
       بمرابعها...
        أفه يا گاعنه...
         السحگته...
          وإنسحگت عليها...
           جيوش يابو جيوش...
              وما بدلت طبايعها ...

 حتى بدأ المتجمهرون برمي ذلك الرتل الذي بات قريبا جدا منهم، بما توفر لديهم من حجر ومن أحذية، رفضا لحضوره ورفضا كذلك لمحاولة إستعراض ما يسمى بقوته، والتي أراد من خلالها إثبات وجوده وفرض سيطرته. وبعد أن تلقى (الرتل) من الضربات والهتافات والإهانات ما لم تبق لهم من وجاهة، ولَّوا وجوههم من حيث أتوا.
 خلاصة القول ورغم حجم الإستفزازات التي تعرَّضَ لها الجمهور، ورغم محاولة البعض من المندسين إفساد ما يمكن إفساده، فقد إستمر المهرجان وتواصل حتى ساعة متأخرة من الليل، محافظا على جذوته، حاملا على كتفيه تلك الأهداف النبيلة التي ما إنفك يدعو الى تحقيقها، مختتما حضوره بالإستماع الى البيان الختامي للمهرجان، والذي ألقته روح النَّواب، مشفوعا بأغانٍ تنسجم وطبيعة الظرف والمناسبة التي تمر بها البلاد.
 أمّا سماء بغداد فقد بدت بهية، مزدانة بقصائد الشاعر الكبير، محلقة بعيدا وبألوانها الزاهيات، مشكلة لوحة فنية رائعة الجمال، سيخلدها تأريخ العراق، وستقرأ عنها اﻷجيال القادمة بفخر وإعتزاز. وسيكتب عن ذلك اليوم: بأن النوّاب مظفر كان هنا رغم رحيله الجسدي. ومثلما كان داعيا الى الثورة ضد كل أنظمة الحكم الفاسدة أثناء حياته، فها هو مرة أخرى وفي يوم رحيله، يحمل راية التصدي عالياً ضد الطغاة.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو











8
النصف اﻵخر من الحكاية
(إستكمالا لما سَبَقَ نَشْرَهُ)

 أحاديث رواد الحانة وفي أغلب اﻷحيان ورغم ما عُرِفَ عنهم وما ألصِقَ بهم من تُهَمٍ وإدعاءات،  تُعَدٌ أكثر جدية وإنضباطا وكذلك هدوءا، قياسا الى ما كان يتداوله رواد الجانب الآخر من القبو والذي أسميناه بالمقهى، فَمَنْ يصغي الى ندماء الحانة سيظنهم من أولي الأمر وأصحاب القرار، وقد تأخذ بك أحاديثهم الى أبعد من ذلك بكثير، فلا تمرٌ امسية من أماسيهم على سبيل المثال الاّ وقد شُغِلَت بأهم المنعطفات التي تَمرُ بها الساحة السياسية الدولية، ولا يجري تناول أي شخصية سواء أكانت ثقافية أو فكرية أو فنية الاّ وقد أشبِعت بأصدق ما يمكن من قول ولتأخذ نصيبها، إن كان لها أو عليها.
 ولعل من أهم الشخصيات التي عادة ما يتوقف عندها رواد الحانة طويلا وبإجلال هو الزعيم الهندي المهاتما غاندي،  فهو مدار أحاديثهم وحاضراً بقوة، وتكاد لا تخلو أية أمسية من إستحضاره والإشادة بمواقفه، فوقتذاك كان قد اكتسب تأييداً شعبياً واسعا وتعاطفاً دولياً، منقطع النظير، أجبرَ في حينها دولة الإحتلال البريطاني وراعية منظمة الكومنولث على التعامل معه والإصغاء لمطالبه بجدية وإحترام، ليس بإعتباره زعيماً وطنيا فحسب، وإنما ممثلا لشعبه وناطقا بإسمه، لا ينافسه على مكانته تلك أحد، حتى نجح في إنتزاع كامل حقوق بلاده وعلى رأسها وفي مقدمتها الإستقلال الناجز.
ورب ضارة نافعة ففي إحدى الليالي وبعد أن طال السهر، بدأت تُسمع بعض الأصوات من داخل القبو ومن جهته اليمنى على أكثر الظن، مما أدّى بسكان تلك المنطقة الى تقديم شكوى عاجلة ولمن يهمه الأمر. وكإجراء سريع، تمَّ مداهمة المكان لإستقصاء ما يجري بداخله. الدورية المكلفة بذلك، وبناءاً على الأوامر الصادرة لها، إتجهت مباشرة وبهدف الإستطلاع والتحري صوب المقهى، سانحة الوقت ودونما قصد وربما بقصد وتواطئ من قائد الدورية المكلفة لرواد الحانة، على القيام بما يلزم وفاتحة في المجال لإستدراك أوضاعهم وبأسرع ما يمكن، وبشكل لا يلفت الأنظار أوالإنتباه لما كانوا فاعلين.
 وبعد أن أكملت مهمتها، ستخرج الدورية المكلفة بنتيجة مفادها: أن ليس هناك ما يخالف الأعراف والقوانين. في ذات الوقت قدَّمت إعتذارها لصاحب المكان عمّا سببته من إزعاج، حاثة اياه على تقديم طلب إجازة رسمية، تتيح له ممارسة مهنته وبشكل علني ووفقا للقوانين المعمول بها، أسوة بالأماكن الأخرى المشابهة لها، لتنتهي المهمة على هذا النحو. بعبارة أخرى فالإشارة سيكون مؤداها: الى إن بإمكان رواد القبو وبقسميه، الإستمرار على ما هم عليه، ريثما يتم إستكمال الإجراءات القانونية وإستحصال الموافقة.
                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالعودة الى عمّي، فقد دخل تلك البلاد منذ وقت بعيد وعاش فيها ردحاً من الزمن، ونجح في نسج علاقات إجتماعية متطورة، باتت موضع حسد من قبل كل مَن لا يروق له ذلك. تشكلت تلك العلائق وتعززت أواصرها مع طول سنين غربته، فرأى ما رأى، تعثَّرَ هنا وقام هناك، توفق في بعضها وأخفق في أخرى، غير إن عزيمته وحتى اللحظة لم تهن ولم تلن، هي لعبة الغربة والإمتحان العسيران إذن، خبَّرهما وعرفهما جيدا، ففيهما ما له وما عليه أيضا.
الاّ أن طول فترة التغرّب وإبتعاده عن وطنه ومع تقدمه في السن وإعتلال صحته، أخذت منه مأخذا وباتت تتزايد متاعبه يوما بعد يوم. وسيزداد اﻷمر صعوبة مع إشتداد حمّى الحنين الى وطنه، لكن ما حيلته، فبلاده البعيدة لا زالت أرضها قلقة، رخوة، وأصحاب القرار والسطوة والسلطة لا زالوا في غيّهم، تتقاذفهم اﻷهواء والولاءات العابرة للحدود وأعياهم الحكم. لذا وكلما خطر على باله العودة الى النبع واﻷصل، ستتقاذفه من جديد تلك النوازع واﻷسئلة المقلقة، فهي اﻷخرى تبحث عمَّن يجيب عليها. إذن متى يحزم أمره ويسلك طريق العودة والإلتحاق بأهله بشكل نهائي! لا أحد يعرف، لكن الثابت هو أنَّ صاحب الشأن سيرجأه مرة تلو أخرى حتى تحين لحظته، آملا أن لا يطول قرار عودته وقد يطول.
أمّا عن يوميات شقيق أبي وكيف كان يقضيها فلا بأس من التحدث عن جوانب منها وبعبارة واحدة: تفاعله مع الأوساط التي مرَّ بها وتعايش مع قسم منها، كانت تجد لها وفي أكثر اﻷحيان قبولا ورضا، ومن قِبل مَنْ أصبحوا فيما بعد أصدقاءا مقربين له. أمّا عن ليالي اﻷنس فلا تحلو الاّ بإكتمال العقد. في أحيانٍ أخرى وعلى ندرتها، كان يجابه بردود أفعال سلبية، تجد  تعبيراتها في سلوكيات وتصرفات نفر منهم، غير انها لم تَرْقَ ولم تصل الى ما يُنغصٌ عليه أوقات راحته.صحيح كان يحس بها غير انه إختار أن يغض الطرف ما استطاع عن بعضها، لذا تألفه مستعينا بطيب سريرته وحسن نيته والتي سيفترضها باﻵخرين أيضا، متيقنا من انه في ذلك يدفع ضريبة تغرّبه التي طال أمدها.
وإذا ما أردنا الإقتراب أكثر والتحدث عمّا كان يجري له، فلنستذكر سوية واحدة من تلك اﻷماسي ونقول عنها: بدأ شقيق أبي يشمُّ رائحة تُنبئ بوقوع أمرٍ ما، وسوف لن تأتيه بما يُسرٌ ويهنأ، مؤشراتها بدت واضحة، مصدرها سلوك أحدهم وما يفلت من فِيهِ من عفن الكلام. على إثرها حاول عمّي في بادئ الأمر أن يجد له مخرجاً وعذرا، عازيا تصرفه الى كونه حديث عهد على جلساتهم وعلى أجواء المنادمة وتبادل أنخاب الطلا، لذا تجده وجريا على عادته وفي مثل تلك الليالي وما يخترقها من مصادفات نحسة، بذل ما يستطيع من أجل تطييب النفوس والخواطر والإنتقال بالجلسة الى ما يريحها، لذا راح ينوع في شكل حضوره ومساهماته، حاثاً أصدقاءه على مشاركته، فتجده وقد شرع في قراءة ما يحلو من أشعار وبلغات تلك الشعوب التي إختلط بها وعاش معها ردحا من الزمن، مبتدئا بحافظ الشيرازي ومنتهياً بالجواهري، مروراً بغيرهما من فحول الشعر وأعلامه، متوقفا طويلا عند ناظم حكمت وأكثر منها عند عمر الخيام ورباعياته، فهي ضالته وملاذه اﻷخيرحين تضيق به النفس.
وحين لم يلقَ من الإستجابة ما يرتقي الى ليالي الخمر تلك وما يشجعه على الإستمرار والتواصل، سيتخذ شكلا آخر من الحضور، ساعيا الى خلق جو أكثر  بهجة وفرحا، كإن يغني الدشت على النغمين الفارسي والتركي، قدر ما يستطيع ويحفظ، مختتماً برائعة الشاعر أحمد رامي، مقتربا الى حدٍ ما من صوت موسيقار اﻷجيال محمد عبدالوهاب، ايها الراقدون تحت التراب...جئت أبكي على هوى الأحباب، الى آخر اﻷغنية.
هنا ستثار شجوني وأسئلتي، أنا إبن أخيه التواق الى لقاءه، إذ رحتُ متسائلاً في سرّي: من أين له هذه المقدرة على حفظ أشعار، سادة القافية وبتنوع لغاتها؟ كيف تعلم عمّي كل هذه الأطوار من المقامات ومن أين أتى بها ومتى؟ هل كان يستمع الى الغناء العربي، من جهاز خاص كان قد إقتناه في غربته؟ أم كان يستمع الى  الإذاعات العربية وعلى ندرتها؟ أم ان لديه وسائل اخرى من التواصل، تعينه على ما يريد ويطيّب بها خاطره؟ وعلى ما يبدو فقد تأكد لي بأنه كان على تواصل مع هموم ومشاكل وإهتمامات شعوب تلك المنطقة.
المهم وبينما كان يشدو بصوته العذب تلك الأغنية الرائعة لعبدالوهاب، تحركت مشاعر أحدهم ممن له كثير إطلاع على اللغة العربية والذي يُعَدُّ من أقرب مقربي عمّي ويحضر أكثر جلساته. فعلى نحو غير متوقع، تجده وقد راح يتمايل بتمايل اللحن وتصاعد وتيرة الشجن، متهدجاً أحياناً ومُطرقاً أحياناً اخرى، ربما لتذكره عزيزا كان قد رحل الى أبديته منذ وقت ليس ببعيد، أو لطيب وجمال المقام الذي أدّاه عمّي. هذه الإستجابة البريئة والصادقة من الحاضرين، لم تَرٌقْ كما سيتضح لذلك الشخص الذي نغَّصَ عليهم سهرتهم. فمن غير مقدمات، أقدم وبشكل مفاجئ وغير متوقع على شن هجوم عنيف على عمّي وعلى الشخص اﻵخر الذي كان متفاعلا ومتناغما مع أجواء السهرة.
جلاّس تلك الليلة سعوا صادقين من أجل تهدئة الأجواء وترطيبها. عمّي من جهته وبإعتباره طرفا معنيا وبشكل مباشر بما حصل، تجده وقد استجاب سريعاً لتلك الدعوات المهدئة، وذلك نزولاً عند رغباتهم، معزياً ما حدث من متاعب الى ما يفعله الخمر، منطلقا في ذلك من خبرته الواسعة، والتي مرَّ من خلالها بتجارب كثيرة، فمثل هؤلاء، ستجد العديد من نظرائهم، موزعين على مختلف البلدان والحانات. وما دام الحال كذلك فلا بأس من طول الأناة والتحمّل. وهذا ما مال اليه عمّي من حلٍٍّ، وصولا الى تسوية، تتسامى فيها الروح وتسعد.
بعد مضي قرابة الربع ساعة وما كاد الوضع  يعود الى طبيعته ويستقر نسبياً، حتى عاد من جديد ذلك الشخص الى محاولاته الهادفة الى تعكير الأجواء والى إستفزاز عمّي وهذه المرة بشكل مباشر ومن خلال  إتّباعه لبعض الأساليب، والتي تُعَد أكثر وقاحة وصلفاً من سابقاتها، إذ راح وبطريقة متعمدة ومفتعلة، برفع وتيرة صوته حتى حوله الى صراخٍ، لم يستفز به من كان يجالسنا فحسب بل طال كل رواد القبو، بقسميه الحانة والمقهى، ضارباً بذلك عرض الحائط كل تقاليدها وحرصها الدائم على راحة رواده. الأنكى من ذلك هو اصراره على محاولاته تلك وبشكل مفتعل ودون توقف أو إستجابة للدعوات الصادرة من هذا وذاك،  هادفاً على ما يبدو الى إفساد اﻷمسية وبأي شكل من اﻷشكال.
وعن ما صاحب تلك الليلة من متاعب وكيف جرى التعامل معها وأسلوب معالجتها والى ما انتهت، فلم يصلني عنها من المعلومات ما يكفي، غير أن الذي عرفته فيما بعد ومن جهات أخرى، أن أقدم شقيق أبي على الإنسحاب من اﻷمسية، تاركا خلفه كل تداعياتها. في هذه اﻷثناء وعند خروجه من الحانة، إلتحق به أقرب أصدقائه وأعزَّهم، وليسرَّ له اﻷسباب الحقيقية التي وقفت وراء تصرفات ذاك الشخص اﻷحمقة، ليقول له: في اللحظة التي أتيت بها على ذكر أحد رجالات دولتكم وعلى ما أتذكر فإن إسمه جعفر العسكري، هنا ثارت ثائرته. وعلى ما أظن فقد أراد أن يوصل رسالة تؤشر الى أن ليس هناك من رجال خارج حدود بلاده.
  على أثر ما جرى لعمّي في تلك الليلة، فقد قرر أن ينحى منحا آخر وربما سيشكل إنعطافا حقيقيا في مسيرة حياته، وقد تحدث إنقلابا فيما يحمل من مفاهيم ومعتقدات وأفكار. أمّا أنا، كاتب هذه السطور، فسأرجىء الخوض فيها، بإنتظار إكتمال الرواية والتي ستحمل الكثير من التفاصيل.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

 


9
لم يكتمل النص بَعْدُ

(مقتطع من حكاية طويلة، قد نأتي على أجزاء أخرى من فصولها لاحقاً)

 تقول الحكاية: بعد أن أجرى شقيق أبي بعض التغييرات والتعديلات الضرورية على هندامه وهيئته العامة وبما ينسجم وطبيعة المكان المنوي قصده، تجده قد اختار مغيب الشمس وحلول أول خيط من الليل ميقاتا لخروجه. إجتاز شارعين بخفة وراحة وبخطى الواثق، ثم إنعطف يمينا، ليدخل أحد الأزقة الضيقة، سيفضي بنهايته الى شارع أكثر رحابة، وما هي الاّ بضعة أمتار، وإذا بقدميه تقودانه أخيرا الى ذلك البيت القديم، والذي يُنظر اليه من قبل مَنْ لم يُحسن التقدير، بأنه لا يعدو أن يكون سوى بيتا خربا، لا يمكن أن يُلفت الإنتباه، بعد أن كان في يوم ما وبحسب العارفين قصراً منيفاً، وفق مقاييس زمان قد مرَّت عليه عهود وأيام.
 لكن وعلى الطرف اﻵخر، فهناك مَنْ يرى فيه وعلى الرغم من الإهمال الواضح عليه وقد يكون متعمدا، بأنه لا زال يحتفظ ببعض من الرونق واﻷناقة والتي بدت جلية على ما تبقى من ملامحه، والتي تشير وتؤكد أيضاً على مدى هيبته وجماله. تعود ملكيته الى أحد أثرياء المدينة، الذي غادر الدنيا قبل قرابة العقد من السنين. وبسبب إختلاف ورثته من بعده عليه وعلى غيره من الأموال المنقولة وغير المنقولة، فقد بقى أمر حسم ملكيته وعائديته من الناحية القانونية معلقاً، لذا كان لعامل الزمن ما يفعله وراح يأكل فيه شيئا فشيئا.
حالة العقار هذه وكما أسلفنا القول، فتحت شهية وطمع نفرا من ذوي القربى ومن لهم صلة بالموضوع وبعض الطامعين به بشكل خاص، وبطابقه السفلي على وجه التحديد والمسمى قبواً، لذا تجدهم وقد شرعوا القيام ببعض التحويرات وما يلزم من التغييرات الضرورية عليه، ليحولوا قسمه اﻷكبر الى ما يمكن تسميته بالحانة، دون أن يعلنوا عن ذلك بشكل رسمي، حيث باشروا العمل فيه ومن غير أن يستحصلوا على الموافقات الرسمية وما يترتب عليها من إجراءات.
يقابل الحانة وفي الطرف الثاني من القبو ما يمكن أن نطلق عليه بالمقهى، وليس هناك من تسمية اخرى تليق به أو تنطبق عليه، بسبب إفتقاره الى الكثير من الشروط الضرورية. زينت جدرانه ببضعة لوحات، كانت قد رُسمت باللونين اﻷبيض واﻷسود، مذيلة بأشعار وحكم، غلبت عليها البساطة وعمق الدلالة. ضمَّ المقهى المفترض أيضاً عددا من الكراسٍي وطاولتين كبيرتين أو ثلاثة على أكثر تقدير، تم اختيارها بشكل عشوائي ودونما إكتراث. متضاربة في ألوانها، مختلفة في أحجامها، فمنها من كان بأرجل عالية وبشكل مُلفت، حتى إستقر اﻷمر لتكون من نصيب طوال القامة من الرواد، متخذين منها مجلسا ثابتا. ومنها مَنْ كان بأرجل قصيرة، باتت حكما من نصيب قصار القامة ومتوسطيها. وتعليقا على هذا اﻷمر، فربما أراد القيمون على المقهى إظهاره على هذا النحو ﻷهداف، يصعب سبرها.
دخول ما يسمى المقهى والحانة والذي لم يستحصل بعد على الموافقات الرسمية، سيكون من البوابة الخلفية للقصر المهجور، لضرورات اقتضتها بعض القوانين الخاصة والمشددة، المعمول بها في ذلك البلد، كذلك مراعاة لسكانها المحافظين وهذا شرط لا مساومة عليه ولا تساهل. لذلك وإنسجاماً مع مقتضى الحال، ولضبط عمليتي الدخول والخروج من والى المكان المذكور، إرتأى صاحب الحانة الى وضع مواعيد محددة ومتفق عليها مسبقا، بينه من جهة وبين روادها من جهة اخرى.
وبعد أن يعتلي الزائر أو الزبون درجتين أو ثلاثة، وصولاً الى البوابة والتي من المفترض أن تكون مدخلا للقبو،سيجد نفسه مضطرا للنزول ولبضع درجات أيضا وبعمق لا يقل عن ثلاثة أمتار، عند ذاك سيتفاجئ مَنْ لم يزرها من قبل بوجود باباًً موارباً، فما على قاصد الحانة لحظة ذاك وبناءا على التعليمات التي تلقاها سلفا الاّ أن يدفعه قليلاً، لينكشف أمام ناظريه قبواً، واسع الأبعاد، شديد العتمة اذا ما تُرِكَ دون إنارة كافية، أو إذا ما تمَّ غلق نوافذه وستائره بإحكام.
كان القبو المذكور وبجانبيه في سالف الأيام وكما بدا من بعض المؤشرات والملامح، مخصصاً لخزن وحفظ المؤونة وخاصة الحبوب منها، فضلا عن  المنتجات الغذائية اﻷخرى، القابلة للتجفيف أو الكبس، والتي ستعطي مذاقاً أشهى كلما تُرِكت لتختمر فترة زمنية أطول، لتشكل بمجموعها ذخيرة دسمة، ستمد ساكني القصر المنيف وتعينهم في موسم الشتاء والأيام الصعبة وبما يطيب لهم من طعام وشراب، دون أن يغفل سيد القصر عن تعتيقه ما حلى له من اﻷعناب، بإنتظار إرتشاف أول كأس من نبيذ، لا زالت الحانة تعبق ببقايا رائحته.
 تعمَّدَ مَن يشرف على إدارة الحانة أو لنقل تشغيلها، ترك واجهتها مهملة، ما خلا بضعة كلمات وبهدف التمويه، والتي ستدل زائريها على وجود ما يمكن  أن نطلق عليه بمكان عام، كإن يكون ملتقى أو مقهى أو ماشابه ذلك، وذلك كإجراء إحترازي، إذا ما تعرض للتساؤل من قبل الجهات المختصة، وفي ذات الوقت كي لا يُلفت إنتباه أو فضول المارة والجيران الى حقيقة ما يضم بداخله وما هي طبيعته.
القبو إذن أكثر سينفتح على اتجاهيين غير متساويين من حيث المساحة. الجهة اليمنى منه أصغر من الجهة اليسرى، ربما شكَّلت ثلث مساحة القبو، لذلك خصصت لأن تكون ما أسميناه بالمقهى.صاحب المكان تعمَّدَ أن يبعد كراسي الزبائن لبضعة أمتار عن المدخل الرئيسي للقبو، بهدف السيطرة على الأصوات التي قد تصدر من جالسيه والتي قد تتسرب الى الخارج. حلى لروّاده أن يسمّوا المكان بمقهى المعقدين، فجلهم من أتباع إحدى الفلسفات المنقرضة والتي كثيراً ما تحفل بها وبغيرها تلك البلاد العجيبة. وفي عديد المرات راودت صاحب المقهى فكرة إغلاقه بعد حدوث بعض المشاكل والمشادات بين رواده، كذلك حالة الإفلاس والعوز التي يعاني منها أكثر زبائنه، فراح يضيّق عليهم الخناق وتحت مختلف الأساليب والحجج، الاّ انه فشل في ذلك فشلاً ذريعاً.
أغلب رواد هذا المقهى هم من الشباب العاطلين عن العمل، ولا شاغل لهم غير إجترار الكلام والإختلاف عليه وإعادة تدويره من جديد. وفي أحسن اﻷحوال فسينبري أحدهم بالتحدث عمّا يعتبره آخر المستجدات في عالم الفلسفة وأهم اﻷسماء اللامعة في هذا المجال وآخر الإصدارات، الاّ انه سيجابه بالرفض والتصدي وكما في كل مرة من أحد الرواد، والذي اختار أن يطلق شاربيه ولحيته وشعر رأسه، تيمناً بالشاعر البنغالي طاغور رغم بعد اﻷخير عن عالم الفلسفة، ليجعل من نفسه ناطقا رسميا لهذا الإختصاص، بل ويعده حكرا عليه ومن غير المسموح أن ينازعه أو ينافسه أحداً على ذلك.
 وعلى ما أعتقد فإنَّ تسمية إحدى مقاهي بغداد، الواقعة في شارع السعدون، (مقتطع من حكاية طويلة، قد نأتي على أجزاء أخرى من فصولها لاحقاً)كان قد جرى إستقاءها من ذلك المكان البعيد، مع بعض الإختلافات في طبيعة زبائنه، فمقهى المعقدين في بغداد والذي يسمى أيضاً بمقهى ابراهيم (نسبة الى اسم صاحبه) كان يضم نخبة منتقاة من المثقفين ومن شعراء الخط اﻷول، فضلا عن عدد لا بأس به من مشاهير السياسة. الاّ انه وفي الفترات اﻷخيرة بات يأفل نجم هذا المقهى، بعد أن بدأت تزحف عليه جحافل ومجاميع منفلتة، جُلّهم من اﻷوباش واﻷميين، ليتربعوا على عرش السلطة والمقهى على حدٍ سواء.
أما الجهة اليسرى منه والتي يطيب لروادها تسميتها بالحانة وعلى الرغم من إفتقارها لبعض الشروط المهمة، فإنَّ اﻷكثرية من جلاّسها كانت تتراوح أعمارهم ما بين مَنْ وجد نفسه مجبرا على خلع نصف أسنانه وخاصة اﻷمامية منها، وبين مَنْ فقدها كلها ليصبح أدردا، الاّ شقيق أبي، فبحسب شهادة الشهود، فقد ظلَّت أسنانه قوية ناصعة البياض،صامدة حتى ذلك التأريخ، رغم الشيب الذي تسلل ليغطي أكثر من نصف شعره، ورغم زحف السنين التي تأنف اللحاق به ومساواته بأقرانه. أما لماذا إقتصر رواد الحانة على هذه الفئة بالتحديد، فربما إرتبط ذلك بخبرة العمر والتجربة، وما لحق بهما من إصطفاء أنيق، يتناسب ويتسق مع ما ينتويه هذا النوع من الرواد. فغاياتهم ولا شك الراحة والتسامر وقضاء أجمل اﻷوقات وأزهاها.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو
 



10
أسُعادٌ أنت أم قطر الندى!!
(فصل من رواية، في طريقها الى النشر)
 بعد أن أصدرت إدارة المحافظة قرارا يقضي بنقل كل دوائر الدولة التي يضمها مبنى السراي القديم الى مكان آخر، كانت قد جرت تهيئته مسبقا. بالمقابل سيتم تحويل المبنى الى قسم داخلي للطالبات بعد إجراء بعض التعديلات والإضافات الضرورية، ليستقبل أولئك اللواتي يسكنَّ خارج المدينة. وإنسجاما مع مناسبة إفتتاحه وترحيبا بالطالبات القادمات، فقد أقامت مديرية التربية حفلا خاصا، دعت الى حضوره عدد من موظفي هذه الدائرة وعوائل الطالبات، فضلا عن فتح أبوابه أمام العامة من الناس. وأكثر مَن تداعى الى حضور هذا الحفل هم سكان المنطقة التي يضمها مبنى السراي. وعن هذا الحفل فقد إقتطعنا جزءا منه، متوقفين عند بعض اﻷحاديث التي جرت بين عدد من ضيوفه، والتي جاءت على النحو التالي:
 كان أبو وعد النادي قد سبق صديقه اﻷستاذ عبدالهادي في الحضور الى باحة بناية السراي. إقترب اﻷخير منه وحيّاه الاّ أنه لم يتلق رداً مرضيا كما اعتاد عليه. إستغرب تصرفه هذا ولم يهدأ له بال حتى إنجلاء اﻷمر. فمن بين كل الواقفين والواقفات، كانت عيناه قدسقطتا على إحداهن حتى أشغلته عن سواها من البنات. إنها تشبه سعاد بل تكاد أن تكون هي أو توأمها، قالها لصاحبه الذي يقف بجانبه. حَسَدَ أبو وعد النادي نفسهُ على ذاكرته، وشعر بزهو على تمييزها من بين عشرات الصبايا اللائي تجمهرن في الباحة.
 إنضم اليهما شخصا ثالثا، كان متأبطاً ديوان شعر، يعود لصاحب إحدى المعلقات العشرة على أكثر الظن، فما بان من عنوانه يشير الى ذلك. كان هو اﻵخر يعرف سعاد مذ كانت صغيرة، فهي إبنة حارته وكانت صديقة إبنته الوسطى، وقد طاب له ما رأى، لذا تجده سخياً في وصفها: انها تشبه أمها حقا، فقد حباهما الله بنعمتي الجمال والخُلُق الرفيع، هذا ما تنبئ به محياهما. ثم أضاف، موجها كلامه همسا لصاحبيه، ألا ترونها كيف جدلت شعرها بظفيرتين، عقصتهما بشريطين أحمرين، ليأخذا شكل فراشتين، أوشكت أن تطير بهما فرحا !!.
 وأيضاً عن شعرها راح مزيدا: يكاد أن يكون بلون عينيها العسليتين اللامعتين كأغلب أهل السواد. ثم واصل مستغرقا في وصفه: في جيدها عقد مُرَصَّعٌ بحبيبات صغيرة، لونها كلون اللجَين. وﻷنها رقيقة الحاشية ناعمة، فقد خشيت الفتاة كما يبدو من إنفراط حباته من كثرة التدافع، لذا ما برحت تتحسسه بين حين وحين. وﻷننا في شهر أيلول وشمسه الهادئة، فقد بدت حانية عليها، حيث لامست وجهها بِرفقٍ، ولامست عقدها كذلك، فراحا يتلألآن.
 أبو وعد النادي لا زال مندهش الخطب، بل راح أبعد، وها هو  يعود بذاكرته الى تلك الأيام والى تلك الأزقة المتداخلة، والى ما كان يتخللها من مشاكسات، مصدرها بعض من فتية الحي. مستعيدا تلك العيون الهائمة، التي تاهت دلالاتها وتداخلت بين الفضول والعفوية والعشق الغير معلن. محاولة (العيون) ما استطاعت، إختلاس نظرة عابرة، بعد أن نجحت في التسلل عبر ستائر، كان البرد والشمس قد أنهكاها حتى فقدت لونها. جرى تعليقها بغير هدى على ما كان يسمى بوابات بيوت، وها هي اﻷخرى متعبة، لقِدمها وضِيقها ولتدافع الصغار حين ولوجها وما كانوا يعبثون.
 تذكَّر كذلك، كيف وبَّخَ جاره ولده الأصغر على فعلة حاول في البدء إنكارها، يوم غرِّرَ به لنقل رسائل عشق لا يعرف كنهها. مكتوبة على عجل وبحسن نية وبراءة طفل، لم يزل بعد يحبو في لغة العشق، ومن حبيب لحبيبته، مما تسبب لهما في أن ترميهما أنظار الحي  بالفاحشة، وإتهامهما بإرتكاب الرذيلة وما هو أبعد وأكثر نذالة.
 ثم أضاف: لم تكن وقتذاك سوى نزوة عابرة، كان لها أن تمر سريعا، أسوة بسيرة وتجربة أي فتى أو فتاة، لا زالا غضي العود والعمر، يحلمان بألوان الطيف وبسعادة، يتأملانها أن  تأتي. هذا ما قاله في حينها بعض من أبناء الحي المنصفين والمتعاطفين معهما، ولكن لم يلتفت ولم يَستجب لدعواتهم ورغباتهم أحدا. أنا هنا يقول أبو وعد، لست بموقع الدفاع عنهما رغم إنحيازي لهما، بل هكذا كان الأمر بين أي عاشِقَين إثنين، وهذه هي حقيقته.
 وعن ذات الموضوع، فقد كان للأستاذ عبدالهادي ما يقوله، فشرع بدوره، متذكرا ما جرى في تلك اﻷيام: حالٌُ كهذا، لم يَرُقْ للبعض الآخر، لذا تجد ألسنتهم وقد راحت معلنة عن وقاحتها وبصلافة، لتزيد من ثقل الواقعة على ولي أمر سعاد ولتضيف على همَّه همّا، فأختير لها أشد الخيارات قسوة وظلما. وسترمى كما ترمى النطيحة لأي كلب سائب ضال، سيدقُّ بابها. سيتمنن عليها في بادئ اﻷمر، وسيَرتضي بها زوجة إن أراد، لـ(يستر عورة أبيها قبل أن يستر عورتها)، فكان مصيرها أن تكون ثالثة الزيجات على رجل له من العمر ما يزيد على عمر أبيها، و لتسكن سعاد قرية نائية، لا تصلها عيون أحبتها. وسوف لن تستطيع زيارة أهلها الاّ بعد إكتمال الحول، حسب الشرط الأول الذي وضعه زوجها. وإذا ما (نجح) وبنى فيها، فعليها إنتظار مَقْدَم ولي عهده، وبعد ذلك سيكون لكل حادث حديث، وكان هذا شرطه الثاني.
 أمّا عن ليلة الوطر والقول لا زال للأستاذ عبدالهادي، فقد كانت سعاد وبحسب ما تسرب من أخبار، كانت قد دارت فصوله بين بضعة من نساء الحي، فخوررة بعفتها وأكثر حياءاً وخجلا من سابقتيها، وهذا ما شَكَّلَ حافزا قويا ومدعاة للتشبث بها من قبل مَنْ بات يسمى زوحها، رغم ولادتها بنتاً على ثلاثة أخريات من زوجتيه السابقتين ومن أول نطفة. بكرها، لم تكن كأي بنت، بل هي كالقمر، إن لم تكن القمر بعينه. انها نسخة طبق الأصل من والدتها سعاد، فأسموها قطر الندى. إسم نادر كندرة جمالها.
 بالمناسبة وبينما كان الرجال الثلاثة يتناوبون على وصف سعاد وإبنتها ومدحهما، فقد تأكد لهم إسم البنت من خلال تلك النداءات التي كان مصدرها بضعة بنات، كن ينادين عليها بين وقت وآخر وهن معتليات الطابق الثاني من المبنى، إثناء نثرهن باقات الورد على الحاضرين، المتجمعين، المحتفين في باحة السراي.
 أبو وعد النادي وعلى الرغم من انه بات يعرف إسمها، لكنه أوشك أن يناديها من جديد بإسم اُُمها، ربما لِما تَحمله من مكانة متميزة في ذاكرة الرجل. أو لشديد الشبه بين الإثنتين، حتى بدتا وكأنهما تقاسمتا وانفلقتا من بذرة واحدة، غير انه إستدرك وتدارك، ليتنبه الى الفارق الكبير والبيّن بين عمريهما. عجيب أمر هذه الصبية، فهي تحملُ ذات الملامح والطباع، .. وتحمل أيضاً ذات الحضور، وذات الجاذبية المُلفتة والنظرة الحانية. هذا ما قاله الرجل حين عاد به الرجع.
 غاص أبو وعد النادي عميقاً في ذاكرته وراح مستعيدا في داخله تلك الواقعة، وبأبرز فصولها: بعد مرور بضعة سنين على تلك الخطيئة، أدرك والد سعاد وبعد فوات الأوان ما أقترفت يداه وما إرتكب ضميره من ذنب بحقها، فراح فاتحا باب قلبه وباب بيته على مصراعيهما لزهرة الإقحوان، عسى أن تدخل المغفرة وتدخل معها إبنته (سعاد) بيت أبيها واُمها. غير انَّ جرحها لا زال طرياً، غائرا. وبعد تردد، إستغرق بعض من الوقت، قررت أن تدخل بيتها الذي كان، وبين يديها طفلة من جمال أخّاذ. وأول ماقامت به أن توجهت الى غرفتها الواقعة في أقصى الدار، والى تلك النافذة التي تطل على درب المشاة والعابرين، عسى أن يمر من هناك حبيبها، لتبادله ذات البراءة والشوق، كما اعتادت عليه في خاليات اﻷيام.
 لا أحد هناك ولا أحد يمر بالشرفة والزمن لن يعود. هذا ما نُُقلََ عنها وعلى لسان إحدى صديقاتها المقربات. لذا والكلام لا زال عمّا نُقِلَ عنها، ما كان أمام سعاد من خيار سوى  إستعادة بضع صفحات من الماضي، لتشم عطره وتغفو على أبيات شعر كانت قد دونتها على ورق، حال لونه مع مرور الزمن. وما هي الاّ بضعة دقائق حتى وجدت نفسها قد عادت الى ذلك الجرح، وكيف أرغِمَتْ على الإقتران برجل فاقد للرجولة ولأسباب كثيرة، لم يكن مناسبا الكشف عنها، لطبيعة الظرف الحرج الذي تمر به، فالتزمت الصمت مجبرة، واستعانت بالصبر حتى تحين ساعة البوح والمكاشفة، لكنها في ذات الوقت كانت قد عقدت العزم على أن تضع حداً لتلك المهزلة، مقررة الإفتراق وبأي ثمن، عن ذلك الذي أسموه زوجها، ويمضي كل منهما الى حال سبيله، وهذا ما تحقق فعلا فيما بعد.
 وبالعودة الى ما جرى فجر ذلك اليوم النحس، فيقول أبو وعد عنه وبأدق التفاصيل، وبدا وكإنَّ ما يرويه قد حدثَ قبل دقائق من الآن: الناس لا زالوا نياماً والنجوم كذلك. إعتبر والدها انَّ الوقت قد حان وبات مناسبا للتستر وإخفاء ما يعتقده عاراً، سيظل يلاحقه أبد الدهر، إن لم ينهِ الأمر بسرعة ويُسكتُ كل الأصوات والألسن التي فقدت الرحمة. كيف لي أن أنسى ذلك اليوم  يقول أبو وعد، حين فُرِضَ على سعاد التسلل من بين عيون ربما كانت تتلصص عليها أو كانت كذلك، لتتم عملية تهريبها بصحبة ولي أمرها وصحبة مَن سيكون زوجا لها كما يُفترض، وقبل إنبلاج ضوء الصباح وإفتضاح ما يعتبره البعض سرِّا وعارا.
 في حينها ما كان لسعاد من خيار غير أن تُسرع وتحث الخطى وبما يستجيب وسرعة وعقلية مَن كان معها، ولأسباب لا زالت غير مُقنعة لها ولا لغيرها ممن تعاطف معها. فسعاد لم تكن لتعي أو تدرك حجم ما يحصل من حولها وطبيعته، فهي لا تزال صغيرة، طرية، وستمسي طوع مَنْ لا قلب له. لم يسمعها أحد حين كانت تإن وتصرخ. لماذا لفقوا لها تهماً وألصقوا بها ذنوباً لم ترتكبها؟. ما العيب في أن تكون عاشقة بريئة! ما الحرام في العشق؟ لم يرد عليها أحدٌ فكان الثمن باهضاً، دفعته هي قبل أبيها وامها.
 أخذ أبو وعد النادي يستغرق أكثر في رجعه، ليعود الى ما كان يدور من كلام في حينها عن مفهوم الشرف، وكيف راح البعض يلوك ما يطيب له ذبحاً بتلك الفتاة، والتي لم تكد بعد قد بلغت الخامسة عشرة من عمرها، وحليب اُمها ما زال ساخناً في فمها، حين اُنتهكت بألسنة نذلة وبأبشع الأساليب وأرخصها. ما هو الشرف ما معناه؟ مَنْ أشرف مِن مَنْ، في معادلة خَلَتْ من منطق العدل والمساواة والرحمة والرؤية الواحدة، بين سعاد من جهة ومن هي بحكمها، وبين من أساء لها أو من صادر حياتها حاضراً ومستقبلاً من جهة آخرى؟ .… . أسئلة كانت ولم تزل مُعلقة ورهن الإجابة عليها.
 سعاد وقصتها لم تقتصر عليها، أو هي حالة نادرة أو إستثنائية، غير إنَّ ما كان يميزها عن مثيلاتها، هو انتشارها الواسع وسرعة تداولها بين الناس، ووصل صيتها مستوى لا يستحق كل ذلك التهويل والمبالغة، فكثيرة هي الأخبار والحوادث التي تشابهها، وكثيرة هي الفضائح المماثلة، إن سُميت فضائح، والأكثر منها ما كان يزكم اُنوفاً ويكسر اُخرى، الاّ إنها لم يجرِ تبنيها من أحد، ولم يجرِ الترويج لها أصلا، وكانت سعاد هي الضحية والذبيحة.
 بعد إنتهاء الحفل بدقائق معدودات وبينما كان الزحام على أشده، تقدمت إبنة سعاد أو لنقل قطر الندى من بين المتجمهرين، وهي حاملة ما تبقى لديها من باقات الورد، لتهديها وبشكل عفوي الى أبو وعد النادي والى الإستاذ عبدالهادي وَمَنْ كان معهما. يا له من تصرف رائع ومصادفة جميلة، لا تليق الاّ بسعاد وإبنتها، قالها ثلاثتهم.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو




11
   
   
أللقاء اﻷخير وقارورة العطر

 أقصاها ثلاثون يوماً، هي الفترة التي تقرر منحها لمن يرغب في السفر خارج البلاد، غير قابلة للتجديد أو التمديد تحت أي ظرف. هذا ما أصدرته السلطات من تعليمات لمواطنيها، وهي ليست بالفترة الكافية والكفيلة بكل تأكيد لإشباع رغبة اﻷم من رؤية ولدها البكر، والذي كان قد تَغَرَّب مضطرا، أسوة بغيره  ومنذ بضع سنين، بسبب اﻷوضاع السياسية التي عصفت بالبلاد. ولولا ذلك الإنفراج النسبي والمؤقت الذي تحقق آنذاك، إثر المفاوضات المضنية بين البلدين (الجارين والشقيقين والعدوين في نفس الوقت) لما كان لها أن تلتقيه، ولو كان اﻷمر متروكا لها ﻷختارت البقاء معه فترة أطول، لكن ما حيلتها فالوقت قد نفذ سريعا، وشروط الإنفتاح والتفاهم التي إتفق عليها حكام البلدين، بُنيت على أساس من أمنهما القومي بالدرجة اﻷولى، ومن ثم تَمَّ إلحاقه بجملة من الإجراءات التي ستدخل في هذا الإطار وتعززه. هذا ما تم نشره في الصحف الرسمية الناطقة بإسم النظامين، ودخل حيز التنفيذ، وبات معمولا به  منذ تأريخه.
                 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  بناءا على طلب الإبن وصديقه الذي يقاسمه إنتمائه السياسي، فقد توقفت سيارة التكسي التي أقلتهم من الفندق الذي شغلته والدته وأخته طيلة فترة بقائهما هناك، في مكان بعيد نسبيا عن محطة الحافلات المخصصة للنقل الخارجي، ولإعتبارات أمنية لم يكشفا عن دواعيها بشكل مفصل. سائق السيارة رفض تقاضي أجرته، فقد أعجبته اللهجة التي كان يتحدث بها مَنْ إعتبرهم ضيوفا على بلده، غير أنَّ اﻷم رفضت ذلك بل زادت على كرمه كرما.
 في البدأ ساروا سوية، اﻷم وإبنتها والصديق وإبنها. ومع إقترابهم من الهدف المراد بلوغه، وبناءا على رغبة الإبن وبإشارة منه، أخذا بالتباعد شيئا فشيئا. ومع كل خطوة تخطوها اﻷم، كانت ترافقها دمعة ساخنة رغم وصايا الإبن الذي أجبِرَ على كتم مشاعره. ولكي يبعث في روحها شيء من الطمأنينة ولكي تراعي موقفه والحالة التي تُحيط به، فليلة عودتهما والتي إستمرت حتى ساعات الصباح اﻷولى، ما إنفك ولدها يعيد عليها: الدار هناك يا أمي ليست باﻵمنة، وأخشى عليكم من عيون العسس وآذانهم، ولن أكشف لك سراً إن قلت، بأنهم قد عبروا الحدود وباتوا على مقربة منّا، وترينهم يصولون ويجولون أمام أنظارنا، وتحت عناوين وواجهات مختلفة، يتقنها أصحاب السلطة، إنهما متشابهان يا أمي (يقصد نظام الحكم في البلدين) وما لنا من خيار نلجأ اليه حتى اﻵن، وقد تصلك من اﻷخبار في اﻷيام المقبلة، ما تفتح لنا أبواب النجاة ويستقر بنا المقام في دولة أخرى، آملا أن تكون أكثر أمنا وسلاما.
 وحين تباعدا وبعد أن إطمئن وعلى ما يعتقد بأن لا عين تلاحقهم أو ترصدهم، فقد تشجعا على تبادل التحايا والتلويح لبعضهما البعض بحذر وإنتباه شديدين. في هذه اﻷثناء كادت اﻷم أن تعود أدراجها وتلتحق بولدها ثانية وليحدث ما يحدث، لولا بعض الإعتبارات التي أجبرتها على التراجع، فهناك مَن ينتظرها من  الأبناء والأحفاد، الذين كانت قد تركتهم، تحت رحمة مَنْ لا رحمة له، فضلا عن توقيعها على ورقة، تعهدت فيها بالعودة ريثما تنتهي الفترة المسموح بها  للسفر، والتي تمَّ الإتفاق عليها سلفاً وإلاّ سيحدث ما لا يُحمد عقباه.
 إستعانت بالصبر وبالصمت وبدعاء كان والدها حين طفولتها يردده على مسامع أهل بيته، وكلما إقتضى الحال وشعرَ بالضيق وإنحسار المنافذ، يدعو فيه خالقه   أن يبرؤ كلَّ مريض ويُعيد كلَّ غريب الى أهله وحضن أمه. من ثمَّ راحت معتلية بصعوبة بالغة بضعة درجات، دخولا الى جوف الحافلة المقرر توجهها الى الوطن. تبعتها إبنتها، غير أن اﻷخيرة تعثرت قليلا، فقد تقاطع صعودها ونزول مساعد السائق، أهي مصادفة أم أنَّ هناك أمراً ما؟. لم تشغلها هذه الواقعة طويلا، فقلبها كان معلقا على قارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها، وخشيتها من سقوطها وإنكسارها، ومن قبلها عليه (أخيها) الذي قد لا تلتقيه مرة أخرى.
 ليس هناك من وقت محدد للإنطلاق، فاﻷمر وكما جرت العادة وما هو معمول به، يعتمد على مدى إشغال كل مقاعد الحافلة والبالغ عددها الخمسين. وما إن تجاوزت الساعة منتصف الظهيرة بقليل، حتى لاح من بعيد الراكب اﻷخير، يمشي الهوينا ولا يحمل معه سوى حقيبة يد صغيرة في يساره وفي اﻷخرى مجموعة من الصحف، وما عليه الاّ الصعود الى الحافلة مباشرة، دون القيام بأي إجراء آخر. إذاً على بركة الله، قال السائق لمساعده، في لغة بدت كما الذي يأخذ موافقته، وهذا ما لم نعتد عليه، فزمام اﻷمر ومع قيادة أي ركب غالبا ما تكون بيد القبطان أو الربان.
 تحركت الحافلة. إنه يوم خير فها هو المطر بدأ بالتساقط، ليضع حدا لموجة الحر الطارئة، والتي ضربت البلاد في العشرة أيام اﻷخيرة. هذا ما قاله السائق وبصوت مسموع نسبيا، الاّ أن مساعده الذي يجلس بجانبه لم تظهر عليه أي من ردات الفعل. إتجهت الحافلة نحو الشارع المحاذي للنهر الذي ينتصف المدينة، لعله للمرة اﻷولى يختار طريقا كهذا. في ذات الوقت إنشغل السائق بالبحث عن أحد أشرطة الكاسيت المحببة الى قلبه وذائقته، فالطريق طويل ولا يمكن قضائه الاّ بما تطيب له النفس وتطرب.
 الشوارع التي مرَّت بها الحافلة بدأت هادئة والحياة تبدو طبيعية نسبيا، والناس يتحركون بإنسيابية مُلفتة، يحسدون عليها، فنادرا ما تسمع صراخا يثير الإنتباه، أو عراكا باﻷيدي بين مجاميع لا يمكنك أن تقف على أسبابه أو تعطيه ما يبرره. هل هم طوع إرادة النظام ورهن إشارته، أم هو شعب هادئ بفطرته وطبيعته. أمّا هناك (يقصد بلاده) وإذا ما أجرينا مقارنة سريعة، فهم في فوضى وتوتر دائمين. ما حالنا قالها في سرّه هذه المرة، لعله لا يريد إسماع مساعده، فالأخير منشغل بالمرآة الداخلية للحافلة، وأكثر اﻷحيان تجده متطلعا بين فترة وأخرى الى البنت التي تجلس على المقعد الملاصق لوالدتها، والتي كان قد تقاطع معها على سُلَّمْ الحافلة أثناءصعودها.
 بعد عدة محاولات وإعتمادا على الملصقات والإشارات الدالة، إهتدى أخيرا الى الطريق الرئيسي الذي سيؤدي في نهاية المطاف الى بلاده. في هذه اﻷثناء ومن دون أن يعطي الإيعاز لمساعده فقد قام اﻷخير بالتحرك نحو الركاب لجمع أجور السفر. وما أن بلغ السيدة وبنتها فقد تعمد الإطالة هناك، مفتعلا بعض الحركات التي ربما ستوهم اﻵخر بعفوية تصرفه. البنت من جانبها لم توليه إهتماما فقد كان شاغلها فراق شقيقها وقارورة العطر التي كا قد أهداها إياها قبيل لحظات من إفتراقهما.
 وﻷن الطريق طويلة فقد راح قسم من الركاب يشاغلون بعضهم بعضا بأحاديث تضاربت في مواضيعها وفي جديتها، فهم مضطرون على ذلك، إذ حيلة لهم ولا منفذ، فالوصول الى عاصمة بلادهم والمحطة الرئيسية، ستأخذ من الوقت ما لا يقل عن إثني عشرة ساعة، هذا دون أن يضعوا في حسابهم عدد التوقفات. أما القسم اﻵخر فقد أضناهم التعب، ولعل أسبابه تعود الى الليلة الفائتة فراحوا في غفوتهم سارحين، أملا في تعويض ما فاتهم من ساعات النوم، فكثير من الناس يساورهم القلق مع كل ليلة سفر.
 بعد بضع ساعات على الرحلة، بدت تظهر على ركاب الحافلة علامات التعب والملل، لذا تجدهم هادئين قانطين، غير أن ذلك الحال لم يستمر طويلا، فقد قطعه نحيب اﻷم على ولدها الذي تركته هناك. في هذه اللحظات ورغم أن البنت حاولت أن تخفي مشاعرها وإنفعالاتها طيلة الساعات المنصرمة على فراقها لشقيقها، الاّ أنها وبشكل مفاجئ إلتفتت الى والدتها لتحملها مسؤولية عودتهم الى بلادهم، فقد كانت أمامهم وكما قالت لها فرصة البقاء هناك فترة أطول، دون أن تضع في بالها حسابات تلك التعهدات التي أجبرَت والدتها على توقيعها وما  سيترتب عليها من إلتزامات، كشرط لابد منه للسماح لهما بالسفر. حاولت اﻷم وبشتى الطرق إسكاتها، غير ان ذلك لم يأتِ بأية نتيجة، بل ذهب اﻷمر الى أبعد من ذلك، فصوتيهما بلغ مديات بات مسموعا من قبل ركاب الحافلة، لتشي محياهم بالسخط والإنزعاج.
 اﻷنكى من ذلك هو طبيعة الكلام الذي كان يدور بينهما، فلو توقف على الصوت العالي والصراخ لهان اﻷمر، بل طال اﻷوضاع السياسية التي تمر بها البلاد وحالة الحرب الدائرة منذ سنوات، ولا من أمل يرتجى لإيقافها. واﻷخطر في حلقات كلامها أن أخذت تشن هجوما كاسحا على نظام الحكم في بلدها وسياساته القمعية، والتي طالت مختلف المكونات السياسية واﻷحزاب بما فيها تلك التي كانت حليفة لها حتى اﻷمس القريب، متوقفة وبشكل تفصيلي ومطول عند التصفيات الجسدية وحالات الإبعاد عن مراكز القرار المهمة، بحق كبار القادة والمسؤولين في جهاز الدولة، والتي أقدم عليها الحزب الحاكم.
 إحدى السيدات ممن كنَّ في الحافلة ورغم كبر سنها وصعوبة حركتها، فقد حاولت أن تُسكت إنفعالات وأحاديث البنت وبكل الوسائل، هامسة أحيانا بأذنها بأنها ستنتظر مصيرا مؤلما إذا ما إستمرت على هذا النحو. وإستمرارا  لجهودها فقد أشارت اليها بأن الحافلة التي تقلنا قد عبرت الحدود الدولية وأصبح ركابها تحت سيطرة وسطوة القوات اﻷمنية لدولتنا. في هذه اﻷثناء تعمَّد مساعد السائق على تخفيظ مستوى الصوت الصادر من مسجل الحافلة، ليصغي بوضوح الى ما كان يدور من كلام بين تلك البنت وَمَنْ معها، وكان له ما أراد.
 وما هي الاّ دقائق معدودات حتى توقفت الحافلة عند نقطة التفتيش الخاصة ببلدها، وصوت البنت لا زال عاليا حيث فشلت كل الجهود المبذولة لإسكاتها. في هذه اﻷثناء قام مساعد السائق بالتوجه نحو ركاب الحافلة، طالبا منهم تحضير جوازات السفر من أجل التفتيش. في البداية تمنعت البنت عن الإستجابة، إذ لا زالت في حالة من التوتر، مما أدى بالمساعد القيام بضغط أكثر عليها وبلغة تنم عن تسلط واضح ولا يخلو كذلك من إستهتار في تصرفه. أخيرا استجابت لما أريدَ منها وبتأثير وضغط من والدتها.
 عاد مساعد السائق بعد أن قام بتقديم جوازات سفر الركاب الى نقطة التفتيش بغرض إجراء عملية الفحص عليها وتدقيقها. كل جوازات السفر أعيدت الى أصحابها ما عدا إثنين، أحدهما يعود لآخر الملتحقين بالحافلة، صاحب الحقيبة اليدوية والصحف. والثاني يعود للبنت التي وصفها مساعد سائق الحافلة بالعنيدة، فضلا عن نعوت أخرى لا يطيب لنا أعادة التذكير بها في هذا المقام، لإنطوائها على مفردات لا تليق بقارئنا التعرف عليها.
 في هذه الحالة يستدعي اﻷمر وبناءا على هو متعامل به، أن يقوم الشخص المعني بجواز سفره بالترجل من الحافلة والتوجه الى نقطة التفتيش للإستفهام والقيام بما هو مطلوب. وعلى هذا اﻷساس توجه الشخص والبنت نحو المكان المخصص لحل هذه الإشكالية. وبعد دقائق عاد صاحب الحقيبة الى الحافلة ومعه جواز سفره ولم تعد البنت، وهذا ما دعا والدتها الى التوجه الى ذات المكان حيث إبنتها، فكانت الصدمة أن رفض رجال اﻷمن المشرفين على نقطة التفتيش من إعادة جواز السفر اليها، بل ذهبوا أبعد من ذلك، حيث تقرر إقتيادها الى سيارة خاصة تابعة للدولة، بهدف تسليمها الى السلطات اﻷمنية المعنية في العاصمة.
 حاولت اﻷم جاهدة أن تحل الإشكال وبشتى الطرق الاّ انها فشلت في مسعاها. وفيما بعد جرى تخييرها بين أن تلتحق بإبنتها ويجري تسفيرهما سوية، أو أن تراجع السلطات المختصة فيما بعد لإجلاء اﻷمر. البنت من جهتها رفضت الخيار  اﻷول، ظناً منها بأنها وبمفردها قادرة على تسوية أي إشكال أو سوء فهم كان قد حصل. فما كان للأم لحظتذاك الاّ أن تعود مجبرة أدراجها، لتسلم لإبنتها حقيبتها اليدوية بعد أن تأكدت من وجود قارورة العطر التي كان قد أهداها لها شقيقها. وما هي الاّ لحظات حتى إنطلقت سيارة اﻷمن الخاصة وهي تقل البنت وبجانبها جالس مساعد السائق، دون معرفة الهدف الذي سيتوجهون اليه.
 بعد قرابة الستة أشهر من البحث المضني في العديد من مراكز الشرطة والمستشفيات وبعض من دوائر اﻷمن وبوساطة مَنْ لهو سطوة وجاه لدى رجال الدولة، تّمَّ العثور أخيراً على البنت، وهي جثة هامدة، في أحد الدور المهجورة والخربة. أستدلَّ على مكان وجودها بمساعدة من سكان تلك المنطقة ، ممن كانوا يحسنون اليها.
 بدت البنت في صورتها اﻷخيرة، شعثاء الشعر، مرتدية ذات الملابس يوم تمَّ إقتيادها الى جهة لم تستطع عائلتها الإهتداء اليها، رغم كل المحاولات التي بذلتها. كانت ممسكة بقوة بقارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها. وبجانبها قطة صغيرة، ذات شعر برتقالي كث، وعيون شديدة الزرقة، ما إنفكت تموء كما النحيب، على فقدانها لِمَنْ آوتها وقاسمتها التشرد والملاحقة.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو
 

12
المنبر الحر / سيرة الوجد والطين
« في: 16:12 10/12/2021  »
سيرة الوجد والطين

المقال مهدى الى الفنان جعفر طاعون، فله من بعضه أثراً وعطرا.

 للوقوف على تجربة وسيرة أي فنان، كان قد نجح وعلى ما أنبأتنا به اﻷيام التاليات، في بناء عالمه الخاص وفي تشكل ذائقته، سنجد أنفسنا ملزمين بالعودة الى تلك الجذور والى البدايات التي ساهمت ولعبت الدور الأكبر في رسم معالم منتجه الإبداعي وما كانت قد حفرته أنامله وسارت عليه خطاه. مستعرضين أبرز محطاتها، ولا بأس من تناولها بشيء من التفصيل، قارئين أهم المؤثرات والعوامل الداخلة في تكوين عالمه، تحقيقا للهدف المرتجى وأخذاً بالعِبَرْ. فالصبي أو الفتى الذي سيكون مدار حديثنا، هو شخصية إفتراضية ليس الاّ. ولا غرابة إن وجدَ أحدكم في تجربته، ممن له ذات المنحى والإهتمام، بعض من ملامحه أو يكاد.
وللتخصيص أكثر وإختصارا للوصف، وعلى ما رسمته مخيلتنا، فصاحب السيرة التي سنتناولها والتي اخترناها بمحض الصدفة ليس الاّ، لتكون نموذجا في سبرنا هذا، نقول: إنه غضٌ طري العود، لم يكن كأقرانه من حيث البنية ممن يقاربونه في العمر. لكنه في ذات الوقت كان كثير الحركة، شديد الإنتباه، حتى إختلط على زملائه اﻷمر وصعبَ عليهم الفصل والتمييز، بين أن يكون مصدر نشاطه المفرط هذا، أهو عائد لفضول مترافق مع سن الطفولة؟ أم هو توق للمعرفة، أو ربما جاء نتيجة لتظافر العاملين معاً؟. 
 لم يبلغ بعد العاشرة من العمر عندما قررت إدارة  مدرسة عتبة إبن غزوان الإبتدائية، التي كان أحد تلامذتها، القيام بزيارة الى نصب الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، الذي لا يبعد سوى رمية عصا عن المدرسة، وفق قياس بعض كبار السن. وبعد أن دار دورتين أو ثلاثة حول النصب ودون سواه من زملائه، وإذا بالفتى وعلى الرغم من معرفته المسبقة عن طبيعة الزيارة المقررة وما الهدف منها، راح متسائلا وبصيغة بدت كما الذي يريد المزيد من التفاصيل عَمَّا يمثله صاحب هذا المجسم الواقف أمام شط العرب، وبهيئة بدت كما الذي سيحث خطاه بعد قليل لقطع النهر والعبور الى الضفة اﻵخرى مشيا. أو كَمَنْ أقسمَ إنَّ النهر ورغم مهابته وعظمته حين هياجه سيكون ملك يديه أو هو ملك يديه حقا، لا ينازعه في ذلك أحدا!! رَدَّ عليه معلمه والمشرف على تلك الرحلة: أنه واحد من أبرز رواد ومؤسسي الشعر العربي الحر، إن لم يكن سيدها وباني مجدها.
 لم يكتفِ الفتى بهذا القدر مما قيل له عن الشاعر، فحين عودته الى البيت، شَرع بالبحث هنا مستفهما هناك، حتى إستقر به الرأي وإرتضى بما جمعه من معلومات، ربما يكون قد إكتفى بها حتى اللحظة، أو هذا ما بان عليه. الاّ أنَّ اﻷمر لم يقف عند هذا الحد بل سيأخذ منحى لم يكن ليتوقعه. فأباه الذي كان يتابع عن كثب، هِمَّةَ وعزم ولده عن بُعدٍ، دخل هو اﻵخر وبما مَلَكَتْ حافظته على خط البحث، مقترحا على ولده المسك بدفتر صغير ليملي عليه اﻵتي: إنه السياب الشاعر بجلالة منزلته ومكانته. إنه إبن جيكور، وهي ليست قريته وموطن ولادته ونشأته فحسب، بل هي هاجسه ومصدر إلهامه وعطاءه، وهي جرحه الذي ظلَّ برفقته ولم يندمل حتى الرمق اﻷخير من حياته. وتُعَدٌ (جيكور)واحدة من أتباع مدينته، الضاربة بعمق التأريخ، لتغطي بظلالها وفيئها بقاعا أرحب مما يظنه البعض أو يخاله، فهي الكريمة والسخية، وأنا (لا زال الكلام للأب) أتحدث هنا عن البصرة الفيحاء.
 بعد بضعة أسطر من الكتابة وتحريك حروفها وفق ما تقتضيه جماليات اللغة ونحوها وما كان يمليه عليه أباه، ولعله كان أستاذا للغة العربية أو أحد عشاقها، أسوة ببعض من أبناء جيله في ذلك الزمان، راود الصبي في هذه اﻷثناء إستفسارا آخر، كان قد تولَّد من بين ثنايا الكلام، ولابد من التوقف عنده قبل إنفلاته من ذاكرته: وما الفيحاء يا أبي؟  فردَّ عليه: هي اﻷرض الرحبة الواسعة، الشبيهة والتوئم في ذلك بأخواتها اﻷخريات كالشام وطرابلس، على ما ورَدَ في العديد من المصادر. ثم راح اﻷب مسترسلا، وهي التي ما إنفكت فاتحة أبوابها وأذرعها لزائريها، فمَن دخلها فهو آمن، ومَنْ عاشهاصار جزءا من أهلها وأديمها حتى يصعب إقتطاعه أو فصله عنها. وإذا ما وسنت عينا الغريب وثقُلت أجفانه، فسينام على ضفافها مطمئنا ما شاء له وقتا. وعلى أرضها ومن خيراتها عاشت شعوب وقبائل، ما كان لها أن تحط رحالها ولا لتنعم الاّ على سوادها ومن بركاتها. وهي قبلة المشرقين والمغربين، فكما كانت الكوفة منارة لمن يبغي الهداية والمعرفة، فكانت البصرة أيضا.
 في الأيام الموالية بنهاراتها ولياليها، ونصب بدر شاكر السياب والذي كان قد شدَّ إنتباهه وأُعجِبَ به أيما إعجاب، لم يكن ليبرح فكره. فالصبي وبعد أن سمع من أبيه الكثير من طيب الكلام، والتي سيشكلَّ بالنسبة له في القادم من اﻷيام دافعا وحافزا قويا للمضي فيما ينتوي، تجده مقلبا اﻷمر من كل جهاته، حتى ذهب قائلا في سرِّهِ: هل لي أن أصنع مثله، فالقصة كما قال أبي ليست أكثر من طين وأنامل ساحرة وطول أناة، كذلك بعض رؤى ومخيلة وخبرة ستأتيك بعد حين. أمّا عن الخطوة اﻷولى فبالتأكيد ستكون هي اﻷصعب، والمسيرات الكبرى لا تبدأ الاّ من هناك.
 أمّا عن النحات نداء كاظم الذي خطط وأشرف ونفََّذَ نصب السياب بدر، ودخل سجل البناة والخالدين من أوسع أبوابها ومنافذها، فلا يزيدنك بشي، وقد تبلغ مصافه ويبلغها غيرك أيضا، إن أصغيتم الى الوصايا وتعلمتم لغة الصبر. آه كم أنت رائع يا أبي، فها انت تفتح لي باب السلوان ﻷطرقه، وتفتح لي باب التوق والتحليق بعيدا نحو عوالم أكثر زهواً وبهاءا. وبعد أن حفظ تعاليم النحت وطقوسها عن ظهر قلب، راح الصبي ذو العشرة أعوام أو ما ينيف، يبحث عمَّن يدله على أجمل الطرق التي ينبغي سلكها وصولا الى تحقيق غايته، كذلك على أفضل المواد وأحسنها، التي ستدخل في صناعة نصب كالذي رآه شامخا على شط العرب.
 من محاسن الصدف أن كان صيف ذلك العام مبكرا في حضوره وأشدٌ حرارة عمّا أعتادت عليه مدينته، فما كان على الصبي الاّ أن يأخذ عدته وحلمه ويرتقي بهما سُلم البيت وصولا الى سطحه. وما أن ألقى بهما أرضا، حتى تجده وقد باشر بتنفيذ ما خطط له وعلى نحو من السرعة والسعادة الغامرة. مبتدأً بنحت بعض الوجوه التي يَعدها اﻷسهل واﻷقدر على تنفيذها، واﻷقرب كذلك الى إهتماماته وبما يتناسب مع عمره وملكاته.
 فيما بعد وفي القادم من اﻷيام، سيقدم  على تكرار التجربة، ليقوم هذه المرة بتكوير كرة قدم، تساوي في حجمها الكرة الحقيقية، والتي دائما ما كان يُحاذر الإقتراب منها واللعب مع أبناء محلته، بسبب جديته المفرطة، وأيضا ما كان يمارس عليه من ضغوط مصدرها أخاه اﻷكبر. ألحقها بعد ذلك وبما تبقى له من طين وعلى إحدى زوايا سطح بيتهم، أن شرع بنصب ونحت ملعبا مصغرا، يتسع لعدد مساوٍ لفريقي مباراة.
  بداية كالتي أنف ذكرها لتنطوي حقاً على جانب كبير من اﻷهمية، فقد أحسن التصرف وأصاب الإختيار، ففكرة نحت نصب السياب التي ما إنفكت تساوره، تستدعي الكثير من الدقة والروية والتمكن، لذلك بقي مرجئهاً حتى تحين اللحظة المناسبة ومن بعدها سَتَزِف وتوقدُ الشموع إبتهاجاء. فالصبي لم يزل بعد غير واثق من خطاه، فقد يعثر أو تنزلق قدماه، وربماسيضربه اليأس ويفقد القدرة على مواصلة الحلم.
 مع تراكم الخبرة وتزايد الرغبة وتصاعد منسوب الحماسة عنده، وبعد أن شعر بأن الطين بات والى حد مُقنِعٌ طوع يديه، وأن عامل الثقة في إشتغاله أخذ بالتسلل اليه، كذلك تعلم كيفية التعامل معه(الطين) بخفة ومقدرة أعلى، إثر تلك المحاولات العديدة والجدية التي قام بها، فقد قرر الصبي العودة الى فكرته اﻷولى، والتي من أجلها إعتلى السطح وتحمل وزر  تلك اﻷثقال من الطين وإعتراضات البعض، ليشرع في نحت رأس السياب، محاولا ما استطاع الإقتراب ومحاكاة ما كانت قد خرجت به أنامل النحات نداء كاظم، وإذا به قد نجح وبما يتناسب وقدرات فتى في ذلك العمر.
 بعد مرور قرابة اﻷسبوع وبعد أن يكون قد إطمأن وتأكد من جفاف نصبه، سيضع المجسم على قاعدة أوسع، لإجراء بعض التعديلات والتحسينات الضرورية التي سيكون مؤدّاها الإقتراب أكثر من وجه السياب، من ثم سيتبع ذلك بصبغ المجسم وطليه  باللون الذهبي البرّاق. ومن شدة جمال ما جادت به يداه على ما اعتقد وما رآه، فسيقوم بحفظ النصب المذكور في مكان آمن وداخل علبة خاصة، لا يعلم بها إلاّ الله ووالده وثالثهم هو. هذا ما سَيُسرٌ به أثناء إحدى جلسات المصارحة، التي ستجري وقائعها بينه وبين أقرب أصدقائه، وبعد مرور بضع سنين. وعلى ذكر الوالد وللتذكير، فإن ما كان يقوم به صاحب السيرة من خطوات نحو تحقيق هدفه وعلى مختلف مراحل تطوره، لم تكن بمعزل عن التوجيهات والملاحظات المستمرة التي كان يسديها له أباه.
أخاه اﻷكبر وسائر أهل البيت، باتوا ينظرون اليه بعين من الرضا والدهشة، بعد أن تمكن من إنجاز  عدد لا بأس به من المجسمات والمنحوتات، والتي لفتت أنظار كل مَن إطلع عليها وخاصة إدارة مدرسته الثانوية التي كان قد دخلها العام الماضي، داعية إياه الى المشاركة في المعارض الفنية السنوية التي دَرَجَت على إقامتها إدارة تربية المحافظة، أسوة بباقي المحافظات، فكان لها ما أرادت. وفي دلالة على مدى تطوره في مجال تخصصه، فقد بات يشار اليه بإعتباره فنانا لا يخطئه كل منصف وذي بصيرة.
 وفي واحدة من جولاته وهو على أبواب تخرجه من الثانوية العامة، قرر أن يمتطي دراجته الهوائية، هادفا الوصول الى الطرف القصي من المدينة والمعاكس لمنطقة سُكناه. ما الذي يهدف اليه من جولته هذه، أهي الرغبة في ملاقاة حبيبته التي تسكن هناك وإختطاف لمسة يد، أو أن يحظى بإبتسامة من بعيد، سيغفو على صداها حين يجافيه النوم ويسهد؟ أم هي نزوة فنان حالم؟ أم هي عود الى فضول الطفولة والمرور بنصب السياب، لعقد مقارنة من نوع ما، بين ما جادت يداه، وبين النصب الشاخص؟ لا أحد يعرف.
 في طريق عودته الى البيت وقبل أن يحل الليل، قرر إختراق المدينة والتجوال في وسطها وفي شارع دينار على وجه التحديد، ليجد نفسه واقفا عند بوابة سينما الكرنك، متطلعا الى أعلى  مدخلها الرئيسي، والتي عادة ما يجري وجذبا للأنظار، تعليق صورة للفلم المقرر عرضه هناك ولمدة أسبوع كامل، إن لم يجرِ تمديده لفترة أخرى، فصادف أن كان العرض هو لفلم ميرامار للكاتب الكبير نجيب محفوظ، المفضل لديه، وهنا سيراوده الشك والرغبة فيما إذا سيدخل قاعة العرض لمشاهة الفلم والذي سيبدأ بعد قرابة نصف ساعة من وصوله، أم سيؤجله الى يوم غد.
 في هذه اﻷثناء ومن بعيد بدت تصل مسامعه بعض اﻷصوات المحببة اليه وبإيقاعات موسيقية منتظمة، تدل على دراية وإحتراف عازفيها، لذا قرر أن يركن دراجته الهوائية جانبا، معزفاً عن دخول العرض السينمائي والتوجه نحو المصدر، غير أنه لم يلحق، فالعازفون هم مَنْ أقبل ناحيته، ويبدو كأنهم كانوا على موعد مع روّاد السينما وزوارها، حيث أخذ الناس بالتجمهر والإحاطة بهم، ترحيبا وتهليلا. وبعد أن أنهوا وصلتهم من العزف وإذا بالجموع تزيد من تصفيقها لهم إمتنانا.
 مباشرة وبعيد إنتهاء العرض من قبل الفرقة الموسيقية والتي تبين فيما بعد بأنها فرقة الخشابة البصرية الشعبية، الذائعة الصيت وذات الجمهور الواسع والعفوية بأداءها، وإذا برجل خمسيني، بملامح أفريقية، ممتزجة بخفة دم أهل البصرة على ما عُرفوا به، ممسكاً بآلة الناي ليعزف بأنفه وبحركة أنامل، تُنمٌ عن دراية وحرفة، مصحوبة بإيقاعات راقصة لبضعة شباب، تُذَكِّرُ سحناتهم  بأولئك الزنجباريون، الذين كانوا قد عبروا وشقوا بقواربهم عباب البحر رغم هيجانه قبل عقود من السنين، ليتخذوا من جنوب العراق وتحديدا عاصمتها الفيحاء، قبلة ومستقراً لهم. وﻷن الفضول ضرب من جديد صاحبنا الذي بات شابا يافعا، حيث راح متسائلا عَمَّن يكون عازف الناي، فقيل له أنه تومان البصري.
 وكأي طالب له الرغبة الشديدة في مواصلة مشواره وتحقيق حلمه، فقد دخل أكاديمية الفنون الجميلة في العاصمة بغداد، وهوحامل بين أضلاعه وثنايا ذاكرته رصيدا ليس بقليل من الحفريات والمجسمات، كان آخرها لوحة من الطين مستطيلة الشكل وبعرض لا يقل عن المتر وإرتفاع قد يزيد قليلا عن نصفه. وهي عبارة عن بضعة شباب، بجلابيبهم الشعبية وهم يؤدون رقصة الخشابة. وفي خلفية الصورة، سيظهر شط العرب، ساكنا هادئا كلحظة اﻷصيل. أراد من خلال مجسمه هذا وإن إختلفت التفاصيل واﻷهداف واﻷحجام، وإختلفت كذلك حركة شخوصه وطبيعتها ودلالاتها، أن يوصل رسالة، تشير الى مقدرته على محاكاة نصب الحرية في بغداد.
 هذه هي سيرته، والتي كثيرا ما يتقاسم التحدث فيها و بضعة أصدقاء، إعتادوا على مشاركته ليلة كل سبت، في مرسمه الواقع في إحدى مدن شمال العالم البعيد، عالم الثلج والليالي الطوال. يتبادل فيها اﻷنخاب كما يتبادل اﻷوجاع والمسرات وعلى ندرتها. فالحصار والديكتاتورية وحروب العبث و(النيران الصديقة) والعدوة، لم تبق ولم تذر وكانت بالمرصاد لبلده وشعبه وأحلامه، مما إضطره وآخرين ممن هُم على شاكلته، من أخوة الدم والجذر والسلالة الواحدة، الى مغادرة البلد اﻷم، مولين وجوههم الى ما إفترضوه عالما أكثر أمنا وأمانا وسلاما وبرداً، فهل من منفذ يعيد النبع الى أﻷصل والشيخ الى صبواته!!. نتمنى ذلك، فالغربة موجعة، وبلاد الشمس والشرق مسرانا ومأوانا وإن طال السفر.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو   

13
المنبر الحر / حانة للندامى
« في: 14:03 20/11/2021  »
حانة للندامى
عن أيام الشام وبعض من صفحاتها التي لم يُكتبُ عنها كثيرا، نقول: ماسنأتي عليه قد يكون محض خيال، أو ربما كان له بعض نصيب  من الواقع، أو هو من الإثنين معا وقد تداخلا وتضافرا حتى خرجا بما هو أحلى، وراحا يشكلان لوحة ثالثة، أظنها ستكون أكثر دلالة وتعبيرا، ولأجد نفسي منحازا لها وبما لا يدع مجالا للشك. ووفق هذه المؤالفة، وتحت ظلالها وتأثيرها، سأشرع في الكتابة. وما دام الحال كذلك  فلا مناص من الإصغاء الى ما يعينني على ذلك، فألفتني حازما أمري، مقلبا أوراقي، شاحذا معهما ذاكرتي، عائدا ببها  الى هناك، فزائري اﻵن يحمل معه بشائر سعد، قد نحياها من جديد ويا ليتها تكون كذلك.
 وإنسجاما مع ما دار بخلدي، فقد بات لزاما عليَّ، أناصاحب المقال، العودة بالزمان بضعة عقود، لنقوم  بجولات أو لنقل بزيارات خاطفة على أهم معالم دمشق القديمة. فها هو وبكل شموخه مقام شيخ المتصوفة اﻷكبر، محي الدين ابن عربي، الزاهد بمرقده كزهد حياته. ومن بعده سنقطع بضعة شوارع، وصولا الى ما نبتغيه، إنه الجامع اﻷموي، الواقع بالطرف اﻵخر من المدينة، زاه بمآذنه وضياءه، جليل ببناءه وهندسته وعبق تأريخه. أما عن أماكن إستراحتي وسلواي بعد  الظهيرة، فلا أظن هناك أجمل من درابين وأزقة حارة الورد وباب الجابية، وسوق ساروجة وضوعة طيبوها في دمشق العريقة ومذاق نبيذها المعتق في أقدم خاناتها وسراديبها، دون أن نغفل  المرور على واحدة من أقدم مقاهيها، حيث مأوى الغرباء وأحاديث السياسة، يوم كنّا ننتظر جني الثمار، غير انَّ العمر مضى وغادر اﻷحبة تباعا ولم نجنِ حتى حبة تمرٍ واحدة.
 وما دمنا نتحدث عن ذلك السفر المجيد، فجمال الكلام لا يكتمل إن لم نلج منطقة الصالحية ونسعد في الحديث عن محلاتها وعن نساءها الفارهات الطول، المغنجات بقدودهن، وعن حانة الخمر القريبة ووجهتنا حين تحلٌ المساءات. كذلك لا مناص من أن ننعطف نحو شارع العابد حيث يقع هناك مقهى الروضة، لندخله آمنين، راكعين على عتبته التي أوتنا سنينا، مستذكرين بعض فصوله. وإذا كان لنا من قول عن الصورة النمطية لذلك المقهى وكيف كانت عليه يومذاك، فلا بأس من التذكير بها.
 فما بين هذا الجالس في أحد اﻷركان القصية من المقهى ومَنْ كان برفقته، وبين آخر قد جاء تواً من سَفَرٍ بعيد ومضيفه، كانت تدور رحى نقاشات عالية السخونة، أمّا عن حماس لغتها، فقد بات من البداهة أن تبلغ أشدها وصولا الى أعلى مناسيبها، وسيتبعها الخلاف والفرقة. كل ذاك كان يدور وسط دهشة رواد المقهى، غير ان ما كان يشفع لصراخ أهلي وأبناء جلدتي: أنَّ هناك مَنْ فتح لهم باب القلب قبل باب البيت، ورأوا في ضيافة الغرباء فرض عين لا مناص منه ولا فكاك.
 وعلى ما رآه أهل الدار، فالمتحاورون وبعد أن طال بهم المقام في أرض ليست كأرضهم رغم المشتركات والتشابه الكبير بينهما، باتوا اﻵن في إضطراب وعلى عجالة من أمرهم. منتظرين بفارغ الصبر بيانا هاماً ومطمئنا من هذا الحزب المعارض وتوضيحا من ذاك، فاﻷحداث تُنذرُ بوقوع تطورات دراماتيكية، قد تُحدث تغييرا ما في بنية النظام الحاكم في بلادهم، على ما قيل لهم وما وصلتهم من أخبار، الاّ انَّ واقع الحال كان غير ذلك، فبعد أن أخذ منهم اليأس مأخذا، وخرجوا بخفي حنين وقبضة ريح، ما كان عليهم الاّ أنْ يختطوا طرقا ومسالك أخرى، باحثين عن بدائل وملاذات أكثر أمنا، ليضعوا حدا لحيرتهم، فتشتت القوم وعلى غير هدى. أمّا أنا المتحدث عن تلك الحقبة، فقد كنت أحد هؤلاء الهائمين، حاملا أمتعتي حيث يذهبون.
 الصورة لم تكتمل بعد ولم تُقتصر على ما فات ذكره، فبجانبها كانت هناك فسحة ضوء وقلة قليلة من رواد المقهى، مَنْ كان بموضع الغبطة والحسد. إذ لم يكن الشأن السياسي شاغلهم اﻷوحد، على الرغم من أهميته، بل كانوا أكثر عقلانية في قراءة اﻷحداث، وأكثر إنفتاحا على العوالم اﻷخرى، باحثين عن أسباب الجمال أينما يكون، ففيه راحة للروح وكثير سلوى!. وبين حين وحين كنّا نحن أصحاب الفضول، حيث لا همَّ لنا سوى أحاديث السياسة المرهقة وأباطيلها، نقترب بحذر شديد وتردد من هذه الفئة، لنشم منها عطر ما يقرأون، أو تجدنا وقد غفونا على حلو كلامها. وتحت تأثيرها ولعديد اﻷسباب، وبعد أن نفضنا أيادينا من الولاءات والإنتماءات العفوية والعاطفية وقرارات الصبينة، التي ظلَّت تلازمنا حينا من الدهر حتى أقضت مضاجعنا وراح الشيب يزحف رويدا رويدا، قررنا أن نخطوا ونحذوا حذو مَنْ سبقنا من الحالمين، مستشعرين آثارهم وكيف يكتبون ويفكرون وما يقرأون، وبما يتناغم ونشوة الخمر، فألفتنا مهووسين في البحث عن عوالم أكثر سموا وألقا، ولا ندري إن فاتنا اﻷوان أم لا زلنا على مقدرة من اللحاق بهم.
 وللدخول في بعض الوقائع فلا بأس من التوقف عند واحدة من أهم صفحاتها. و لابد أيضا من التذكير مرة أخرى، من أنَّ مدونتي هذه تأتي بعد مرور ما يزيد على الثلاثين عاما، فما أكتبه ربما كان حلما قد طاف بي، أو هو هاجسا عابرا، ما زال يداعب ذاكرتي ويحثني على إستحضار وتوثيق ما مرَّ بي، وما مررت به. أمّا دليلي اليها فكانت ليالي الشام المقمرات وطريق حريرها، ودافعاي الشوق والحنين التى تلك اﻷيام رغم قساوة بعض صفحاتها.
 وخير الكلام ما سيكون مداره مقهى الروضة، ببهاء حضوره ومكانته وهيبته، فبه نبتدأ واليه نعود. فلم يكن مرتعا أو وجهةً لمثقفي المنافي أو ملاذا لهم فحسب، بل كان مأوى وقبلة  أهل الدار ومَحَجَّهم. وهم ربابنته وموقدي شموعه، سادته وسدنته. فمن قبل أن يصله الغرباء كان جُلَّ جلاّسه ومَنْ تربَّع على عرشه صفوة من كبار القوم، فمن بينهم  من كان قصاصا أو صحفيا أو رساماأو حكيم زمانه أو أو أو .....  وكل مَن هو على شاكلتهم من بناة الروح اﻷمارة بالحب وجمالياته.
 ومن محاسن الصدف الجديرة بالتوقف عندها لبعض من الوقت وبضعة من السطور، أن كان من بين روادها (المقهى) أحد أشهر عازفي آلة البزق، إنه الفنان الكبير الراحل، والذي لُقِّبَ بأمير البزق، محمد عبدالكريم، الحمصي الولادة، الشامي النشأة والهوية والولاء والروح. الشديد اﻷناقة، ببدلته البيضاء وربطة العنق التي تطابق لون منديله المثلث اﻷبعاد، والذي عادة ما يضعه في جيب جاكيته اﻷعلى من جهة اليسار، عدا عن تلك القبعة التي تغطي فروة رأسه، فهي تنتمي وبألوانها الزاهيات الى جيل أكثر حداثة وأصغر عمرا من صاحبها، انه الغنج وروح الفنان بعد رحيل العمر، وحسناً كان يفعل.
 هذا العازف وحين دخوله المقهى كان مثار دهشة وإعجاب روادها، كذلك موضع تساؤلاتهم، وبشكل خاص من قبلنا نحن الغرباء والمنفيين عن بلادنا، فمن أين يأتي هذا الكهل المتصابي بكل هذه القدرات على العزف، لا سيما وقد بلغ من العمر وإعتلال الصحة ما يُفترَضُ أن يقفان عائقا. المهم وإختصارا للقول فقد كان الرجل مهذبا، قليل الكلام ولكنه إن نَطَقَ فسيكون ممتعا وخير أنيس في أحاديثه، سخيا وكريما بلا حدود. أحيانا ومن خلال بعض الإشارات والإيحاءات التي تصدر منه واﻷسئلة التي يثيرها وإن إنطوت على بعض حياء وتردد، يُشعرك بحجم التعاطف معك.
  وللتذكير فإن عازف البزق الذي هو موضع حديثنا، كان يتخذ مكانا، يمكن أن نسميه (حكراً) عليه أو مملكته الخاصة والتي لا ينازعه عليها أحد. فالكل بات على علمٍ بأن الطاولة الفلانية هي من نصيبه فقط ولا خلاف أو إجتهاد في ذلك، بصرف النظر عن عدد الرواد وحجم الزحام الذي يبلغ أشده مع مقدم ساعات الضحى. وما يُلفت النظر فإن عمال المقهى قد اعتادوا على إتباع طقسا يوميا، لم أرَ له مثيلا وفي كل المقاهي التي تسنى لي دخولها وتسكعي فيها. ولم أجد له أيضاً وحتى اللحظة وصفا دقيقا وبما يتسق وشدة جماله وإنبهاري به. إنهم يعدونه (أي ذلك الطقس) بمثابة المسك واللمسة اﻷخيرة التي يستكمل من خلالها أناقته. فقبيل جلوس العازف وبلحظات، كانت إحدى باقات الورد، قد وضعت في مزهرية  زجاجية، مناسبة في حجمها ولا تقل جمالا عن باقة الورد، بل ستزيدها بهجة وبهاءا، لتستبقه وتتوسط طاولته.
 في إحدى المرات صادف أن شَغلنا، بضعة أصدقاء وأنا من بينهم طاولة ذلك العازف اﻷنيق، ولم نك نعرف ما ينبغي القيام به من تصرف، حتى جائتنا الإشارة خطفا من أحد جلاّسها المدمنين،  فما كان علينا الاّ أن نفرغها ونفسح له في المجال إحتراما وتقديرا، غير أن الرجل أبى ذلك وفضَّل أن يجالسنا. عموما ومع مرور الوقت واﻷيام والسنوات التي قاربت العشرة،  بات يألف وجوهنا وأحاديثنا ولهجتنا التي لم تَعُد عصية عليه كما كانت عليه في بادئ اﻷمر، بل حتى راح يعيد على مسامعنا بعض اﻷغاني المحببة اليه، للمطرب الكبير، الراحل ناظم الغزالي، وفي مقدمتها أغنية فوگ النخل.
 ومن محاسن جلسات عازف البزق، أن كان الرجل يمدنا بين فترة وأخرى وفي ما بعد تحول كرمه هذا الى طقس ثابت، بأعداد من الصحف اليومية السورية، والتي عادة ما كان يشتريها من ذلك البائع المسمى أبو عادل على ما أتذكر، والذي يتخذ من أحد اﻷكشاك القريبة من المقهى متجرا له. وما دمنا قد جئنا على ذكر بائع الصحف هذا، ففي إحدى المرات وبينما كانت المنطقة إياها في أوجٌ حركتها لا سيما وأنها تطل على سوق الصالحية الذي يُعد من أكبر أسواق العاصمة وأكثرها إزدحاماً، خرج الرجل عن (طوره) على حدِّ وصف البعض،صارخاً: مَنْ هو اﻷسد؟ إنه حيوان أليف. فما كان من رجال اﻷمن الاّ أن تنادوا ليطوقوه وبلمح البصر. وبعد مناوشات ومشاورات بين الطرفين لم تدم طويلا، تمَّ إطلاق سراحه وبسرعة أيضاً، بعد أن وجدوه مخمورا، أو ربما رأوا في ذلك عذرا ومخرجا لهم. كذلك بسبب تدخل بعض المارة. هذا ما جاء في الرواية التي جرى تناقلها في ما بعد، والعهدة على ناقلها.
 وفي صفحة أخرى من صفحات ذلك السِفْر الذي نتحدث عنه، ولعلها اﻷهم في هذا المقام لما فيها من طرافة وحنكة صحفية، أن قام أحد أبرز المهتمين بالشأن الثقافي على الساحة السورية، بنشر نصا نثرياً مثيرا للجدل، وعلى واحدة من أهم الصحف الدمشقية والتي تُعَدٌ كذلك أكثرها إنتشارا وشيوعا، وعلى ملحقها الثقافي تحديدا، والذي عادة ما يصدر اسبوعيا. داعيا القراء ومن قبلهم أصحاب الشأن من النقاد الى التفاعل مع النص وإبداء الرأي بحرية وصراحة، واعدا إياهم بنشر ما يكتبون بأمانة تامة وعلى ذات الصفحة.
 ومن بين ما وصل الجريدة من آراء وإستجابة لتلك الدعوى، ما يلفت الإنتباه حقاً ويستحق التذكير به والعودة اليه. فأحدهم على سبيل المثال أرجع النص الذي كان قد نشره ذلك الصحفي ولنسميه بالمحترف، تحت عنوان نص نثري، أرجعه الى مدرسة الشكلانيون الروس، وراح مستكملا ملكاته النقدية بإستعراض بعض اﻷسماء التي كان لها الدور البارز والرئيسي في ولادة هذه المدرسة النقدية، ومن بينهم على سبيل الذكر: رومان ياكبسون وميخائيل باختين، بإعتبارهما أبرز منظري وحملة رايتها. ومن غير المستبعد أن يكون الشخص المشارك في هذا التعليق، أراد وبحسن نية ومن خلال مساهمته هذه،  إستثمار وتوظيف مناسبة كهذه، من أجل إستعراض ملكاته اﻷدبية وإيصال صوته لمَنْ يهمه اﻷمر ولغايات في نفسه.
 وقسم آخر من القراء وربما من بينهم مَنْ كان شاغله النقد اﻷدبي، راح بعيدا في وصفه للنص المنثور، حيث وجد فيه ما يدفعه الى التوقف عند أهم وأبرز المدارس النقدية في اﻷدب، إبتداءاً بالرومانسية حتى بلوغه البنيوية وما بعدها مرورا بالواقعية، ففي النص المنشور وعلى ما رآه، يُمثل خلاصة التيارات النقدية وصدى لها. بل ذهب في تعليقه الى أبعد من ذلك، إذ راح  مدافعا عن سيرة الناشر  اﻷدبية بل وحتى الشخصية، ليزيل عنه كل الإنتقادات واﻵراء التي كانت تطاله.
 ولكي لا نطيل ونغرق في التفاصيل أكثر.، فبعد أن هدأ الحال وإستقرت الردود والمشاركات على ما هي عليه، وتم غلق الملف، أقدم صاحب النص اﻷصلي على كشف ما كان خافيا. فما نشره لم يك الاّ مجموعة نصوص أو لنقل فقرات، كان قد استقاها وإنتقاها وجمعها بدراية ودربة شديدين، تعود أساسا الى مجموعة من الكتاب، متباعدين في أساليبهم وفي صياغاتهم وأفكارهم. كان الناشر قد أجاد الربط وآلف في ما بينها، مستغلا قدراته اللغوية وخبرته في النشر، حتى أظهر للقراء وأوهمهم بأنهم أمام نص متفرد، لم يسبقه اليه أحد.
 أمّا لو تحدثنا عن الهدف اﻷبعد والذي أراد صاحب النص اﻷصلي إيصاله وعلى ما أرجّح، وبعيدا عن درجة الإتفاق والإختلاف مع  طريقته هذه ولجوءه الى هكذا لعبة، وبعيدا أيضا عن كشف سرّهم ووضع في موقع الحرج كل مَنْ تفاعل معه واستجاب لدعوته وبحسن نية، فكان يهدف وعلى ما يبدو وإذا ما جاز لنا تفسير الحالة، هو أن يقف  القارئ في نهاية المطاف أمام مسؤولياته، متمنيا عليه أن يكون في منزلة لا تقل شأنا عن منزلة الكاتب إن لم تزده قليلا. ولعل هدفا كهذا لعلى درجة كبيرة من اﻷهمية. فالمعني ومن يهمه اﻷمر، سيجد صعوبة شديدة إن لم تكن مستحيلة، في إحداث فصلٍ أو شرخٍ، ما بين عمليتي القراءة والكتابة، فهما يكملان بعضهما بعضا، وإذا ما ضعف أو إختل ميزان إحداها، فسينسحب اﻷمر بالتأكيد على  اﻷخرى. هنا  وبمناسبة كهذه تذكرت إحدى العبارات التي قالها الشاعر الكبير الراحل، سعدي يوسف وربما قالها كثيرون غيره وبما معناه: عليك أن تكون قارئا جيدا قبل أن تكون كاتبا.
 أخيرا، لنعود الى السؤال اﻷساسي الذي أثرناه في بداية المقال: هل ما كتبناه كان حلما أم حقيقة؟. سأترك لك الجواب عزيزي القارئ، دون أن أنسى التذكير من جديد بأني أحب الشام أرضا وشعبا، وإذا ما كانت قد استكانت قليلا ولبعض الوقت، فلكل حصان كبوة وستنهض من جديد.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو
                   


   

14
وجه الزعيم ودورة القمر
(صفحات مجتزئة من عمل سردي طويل)
على نحو مفاجىء وعلى غير عادته، توارى حميد الخياط عن الأنظار وليس له من أثر يُذكر ولبضعة أيام. وعلى الرغم من قلة فترة غيابه فقد باتت ثقيلة على مقربيه ومريديه، لذا راحت اﻷسئلة تتوالى من هنا وهناك.صحيح انه اختار في الفترة الأخيرة الحد من لقاءاته وتردده على المقهى لإعتبارات وجدها ضرورية، الاّ إنَّ صدى صوته وآراءه ومماحكاته كانت تُسمع وبوضوح، حتى وإن كان غائبا.
 فالرجل وبإ`تراف أبناء حيّه بمن فيهم مَنْ يدعي عدم إرتياحه لحضوره، فقد كان شاغلهمِ ومالىء أوقاتهم بل وأحد مصادر سلواهم، لما يحمله من أفكار وآراء مُلفتة للنظر وجاذبة للأنتباه، حتى وإن لم تَرُقْ لهم كثيرا. أول من تنبَّه الى تغيّبه أو غيابه هو ابو وعد النادي، صديقه القديم والمستأجر الجديد لمقهى الحي، حيث إتخَذ من هذه المهنة مضطرا باب رزق، بعد أن تم إحراق بستانه السخي، الوافر العطا، والمسترخي على كتف نهر المدينة الكبير، وعلى يد حفنة من مأجوري وأزلام العهد البائد،  يوم كانوا متسلطين على دست الحكم.
 ليلة حميد الخياط الأخيرة في مقهاه العتيد، لم تمضِ على خير، إذ كانت وبشهادة ما رواه روادها الأصلاء والدائميون، حامية الوطيس، حيث شهدت حوارات صاخبة، تقلبت وتنقلت بين اتجاهات ومواضيع شتى. غير انَّ أكثرها سخونة والذي تركَّز حولها النقاش في تلك الأمسية وتمحور، هو ما أدّعاه أحد الحاضرين وببرودة أعصاب يُحسَد عليها، برواية مفادها: بأن الله قد حباه بمكرمة ما بعدها مكرمة، فكلما تطلَّع في القمر حين إكتماله، سيجد صورة الزعيم، شاخصة أمامه، معلقة هناك، وهي ترفل بالزهو وبهيبة الحضور. لِمَ لا فهو زعيم البلاد المفدى والذي راح غدرا، دافعا ثمن قربه من الناس وما يشتركان به من حب متبادل. كان حاميا لهم ومحافظا على أرواحهم من شر العداوات ومن كل سوءٍ قد يتهددهم. وإذا كنّا قد نسينا فكيف لنا أن ننسى تلك الليالي الحالكات، والتي عصفت بالبلاد وكادت أن تشعل حربا أهلية، أطرافها مجاميع حمقى، كل منها أراد جر العباد حيث الفوضى، وبذريعة إحتكاره صواب الرأي ورجاحة العقل وما يتبعه.
 ثم يضيف ذات الشخص الذي أنف ذكره: وكي أكون أكثر دقة في الوصف وللتوضيح كذلك، فإن دورة القمر ستأخذ شكلاً يطابق وجه الزعيم وليس العكس. (هنا لم يكن المتحدث دقيقا في وصفه، فَوَجهُ زعيمه المفضل يميل الى الطول). أما ضحكته وبشاشته والكلام لا زال له، فلا تفارقانه أبداً حتى وإن غاب القمر. وكلما تقدمت خطوة، فستقابلك تلك الكتلة الضوئية المعلقة في السماء بخطوة مماثلة، مساوية لها بالضبط إن لم تزد عليها، تقديراً وتبجيلا وإكراما لمقامه ومكانته. انَّهما (القمر ووجه الزعيم)خُلقا هكذا كأنما يأبيان الإفتراق عن بعضهما البعض.
 ثم يمضي صاحب الرأي ليزيد على ماذكره  وبلغة لا تخلو من تحدٍّ وإصرار وقناعة لا تدانيها قناعة: إذا كان لدى البعض منكم ما يساوره ولو قليل شك فيما أقول، فبإمكان أي واحد منكم، الخروج معي الآن، ما دمنا في منتصف الليل والفرصة سانحة للتحقق من ذلك فالقمر في بدره، ولترون بأم أعينكم زعيمنا المفدى بكامل قيافته وبزته العسكرية وعنفوانه. ويمكننا أن نصطحب معنا من الشهود مَنْ تشاءون، حتى لو كان من بينهم مَنْ إختلفَ أو كان عدواً أو حاقداً على الجمهورية الفتية وعلى مفجرها المغوار، إبن الشعب.
 مِن بين الجلاس مَن أقلقهم الأمر وراودتهم بعض من الأسئلة وبداوفع لا تخلو من فضول وإستطلاع، لذا قرروا الخروج مع الخارجين ليتحققوا بأنفسهم وبالعين المجردة من تلك المزاعم، وفيما إذا كانت حقاً صورة زعيم بلادهم الراحل معلقة، ليتجهوا بأنظارهم صوب السماء، متلفتين على مختلف الإتجاهات، فكلما تحرك القمر تحركوا معه، بل راح أحدهم وللتأكد مُخرجا من جيبه ضوءه المتنقل (اللايت)، والذي عادة ما يستعين به حين عودته الى البيت ليلا، ومروره بأزقة ضيقة جدا تفتقر الى الإنارة الكافية، وليحركه بشكل دائري، وصولا الى تثبيته بمواجهة القمر.
 وبسبب من حجم الزحام والتدافع على رؤية القمر وهو مُشِعٌ  بوجه الزعيم، فإنَّ (هدَّو) كاد أن يسقط في نهر خريسان المحاذي تماماً للمقهى، بعد أن وجد نفسه ولكي يلحق بركب الباحثين عن وجه الزعيم، مضطرا  على إعتلاء سياج النهر وماسيرافق ذلك من إرباك  وترنح. كذلك ما شكلته شجرة اليوكالبتوس المطلة، الوارفة والمتدلية على النهر من عائق، َفوَّتت عليه فرصة رؤية صورة الزعيم بشكل أوضح. بالمناسبة فإنَّ (هدَّو) كان حذرا بعض الشيء هذه المرة، مستفيدا من تجربة صديقه الذي يزيده قصرا، والذي عادة ما يتسابق معه في الوصول الى ما يبتغيه، حيث سقط اﻷسبوع الماضي في نهر خريسان، أثناء عملية البحث التي قام بها وآخرون معه، عن وجه الزعيم.
 الطريف في الأمر أن من خرجَ للتثبت من الإدعاء المذكور، أخذ في البحث عما يدعم أوهامه، بنشاط وحيوية منقطعي النظير وبإصرار تام ولا تراجع عنه. فإذا ما صادف على سبيل المثال أن مرَّت غيمة خاطفة وغطَّت قليلاً من وجه القمر، يبادر أحدهم بالقول، إنظروا ها قد بدأت تظهر بعض من معالم  بزته العسكرية، فها هي أزرار قميصه الخاكي، ثم يمضي مضيفاً: أترون معي السيفين المتعاكسين والنجوم المتلألئة على كتفيه، كم تبدو مشعة وبريقها ألمع من نجوم السماء، وسيتبعها حتماً ظهور وجه الزعيم. أو يقول آخر ممن يحمل ذات الرأي والإعتقاد، سبحان من صوَّرك، كم هي جميلة ابتسامتك وضحكتك. دققوا معي في الوجنتين، يقول لمن برفقته، ففيهما الرصعتان دلالة حُسنه وجماله، أمّا الشاربين فقد خُطّا بكفاءة ودقة عاليتين لتبدوان كالقلم، ولا تليق الاّ به وبشخصيته العسكرية المنضبطة والفذة. الى آخر الأوصاف والتشبيهات التي أخذت تُطلق بعفوية وبراءة بل وبسذاجة.
 وبعد إن إنتهت ما يمكن تسميته بحفلة رؤية الزعيم في القمر، عادوا أدراجهم الى المقهى ولتعود معها النقاشات ثانية بعد أن بلغ الوقت قرابة الواحدة فجرا أو ما يزيد. منهم مَنْ إطمأن الى رؤية الزعيم وقطع الشك باليقين وأشبع فضوله. ومنهم مَنْ لم يصل الى قناعة كافية، تزيل من حجم الظنون التي راودته رغم كل ما قُدِّم له وعلى يد الطرف اﻵخر من (أدلةٍ دامغة وقاطعة).
 في كل الأحوال إنقسم الحاضرون الى جبهتين غير متكافئتين، تراوحت بين المكذّب والمصدّق، الاّ انَّ إحدى الكفتين مالت أكثر وبشكل صريح الى الجهة التي تعتقد بل وتجزم ان صورة الزعيم معلقة في السماء ولا ريب في ذلك، شاء من شاء وأبى من أبى. وراح دعاة هذا الرأي يتهامسون في ما بينهم وبما يشير أو لنقل تأكدهم من تفوقهم على الطرف المغاير.
 في حين فضَّل قسم ثالث أن يقف على الحياد بين الرأيين، وليقرر مغادرة المقهى والإنسحاب على عجلٍ، ففي ذلك الموقف ما يعتقدونه خيراً لهم، وهذا ما جاء على لسان أحدهم، قائلاً: لسنا مُجبرين على الإصغاء الى أحاديث لا طائل منها، (ولا توكّل خبز)، ولا تحميهم أيضاً من البرد القارص الذي يوشك أن يطرق أبوابهم وأجسادهم وفي أية لحظة.
 ولولا صاحب المقهى أو مستأجرها ابو وعد النادي، وتدخله في الوقت المناسب وحكمته في التصرف وأخذه لزمام الأمر، وكذلك تهديداته المتكررة لهم بغلق المقهى، لكانت الأحاديث وتقاطع اﻵراء وما قد يصحبها من (زعل)، مصدره كل اﻷطراف المتحاورة، لكانت المناكفات والمماحكات قد إستمرت وعلى ذات المنوال وحتى بزوغ فجر يوم جديد.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو



15
أوجاع السيدة شهد الراوي
(حديث عن روايتها ساعة بغداد)

 إبتداءاً، لا بأس من تسجيل ما أظنه ملفتا في نصها. فعلى الرغم من أن رواية ساعة بغداد تُعَد اﻷولى في مسيرتها اﻷدبية، الاّ انها حوت بين جنباتها ما يستدعى الإنتباه ويشد القارئ، الا و هو تمكن الكاتبة من لغتها وتطويعها وبما يتفق مع البعد والسياق الزمنيين للرواية، وهذا ﻷمر على غاية من اﻷهمية في عالم السرد. فمثلا حين كانت تتحدث عن طفولتها وأقرانها أيضا، إعتمدت من المفردات ما يتناسب وعفوية ذلك العمر. ولم تكتفِ بذلك بل راحت أ`عمق في مخيلتها، وهذا ما لمسناه في وصفها لعالم الطفولة، حيث سلطت الضوء على طبيعة إهتماماتها واﻷلعاب المفضلة لديها،  والتي كانت شائعة آنذاك.
 في ذات السياق فالمتتبع لسردها ومع الإنتهاء منه، سيلمس وبوضوح تام تلك البساطة والسلاسة في أسلوبها، ليأتي متناغما ومستجيبا لمقتضى النص. وسوف يكتشف المتلقي أيضا تغيّرا وتطورا ملحوظين في مستوى اللغة وإستخداماتها ومع كل مرحلة جديدة من العمر، ولتتناسب مع ما أملته طبيعة اﻷحداث والظروف التي مرّت بها شخصياتها. انها بحق لإلتفاتة ذكية من لدنها.
 ثلاثينية العمر أو أكثر بقليل، هذا ما أنبأتنا به سيرتها الذاتية، فهي وقريناتها إذن عاشوا وواكبوا أصعب المراحل السياسية في تأريخ العراق، حيث تقاذفتهم صنوفا من اﻷذى واﻷسى، فمن حرب الى أخرى ومن حصار الى نظام حكم ديكتاتوري، لم يبقِ ولم يُذر، لذا ما كان على ضحاياه الاّ أن يجوبوا بقاع الأرض بكل جهاتها، وعيونهم ما إنفكت ترنو وتحن الى وطن تركوه هناك عاريا، يتقاذفه مَنْ يشاء ويعبث به مَنْ يشاء.
 هنا سنصل الى بيت القصيد، فالكاتبةشهد الراوي ورهطها ممن وُلِدوا في ثمانينات القرن الماضي، قد لاقوا ما لاقوا من حيف وظلم، يشبهون في ذلك والى حد بعيد مَنْ سبقهم، لذا راحت تبحث عن ملاذ خارج الحدود، أملا في أن يوفر لها بعض أمان. وما دام الحال كذلك، فما كان منها الاّ أن تبحر في قارب صغير، أرادت له أن يرسو على أقرب شاطئ من بلادها، ومن هناك ومن شرفة السارية، ستحاول (شهد) أن تطل على ذاكرتها، لتدون  أهم المحطات التي مرَّت بها، فكانت روايتها ساعة بغداد. أمّا نحن فسنتوقف عند أوجاعها.
                      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 بينما كان التنافس على أشده بين الطفلتين على مَنْ منهما لها من العيون أجمل، وَِمنْ منهما اﻷكثر طولا من اﻷخرى، وإذا بصفارات الإنذار تُعلن عمَّن سيكون الضحية القادم. هكذا تبدأ الحكاية، انها سنة 1991، فعلى حين غفلة وتحت وابل كثيف من الحقد والكراهية، شَرَع سربٌ من الطائرات المتعددة الجنسيات بالقصف المركز على ما حلى لها وطاب من اﻷهداف، فما كان على الطفلتين الاّ أن تلجئا الى بعضهما البعض. وعن ذلك تقول الكاتبة في وصفها لتلك اللحظة (أمسكتُ بيدها وهربنا نحو المكان الذي تجلس فيه أمي وأمها)ص13. من ذلك المكان ستبدأ الخطوة اﻷولى نحو صداقة ستمتد طويلا بين صاحبة النص وإحدى شخصياتها وأسمها نادية.
 ومنذ الحدث اﻵنف سيرتبط تدوين اﻷحداث بما سيحصل من كوارث. فإذا أردت مثلا أن تتذكر متى التقيت أول مرة بصديقك الفلاني، والذي أجبر على مغادرة البلد وللعديد من اﻷسباب، فستسعين او تعود بالذاكرة الى المعركة الفلانية التي وقعت بالتأريخ  الفلاني. أو ستحث الذاكرة على ما حصل من مآسي بسبب سياسة التجويع التي أتبِعَت،  أثر ذلك القرار المجحف، الذي قضى بإتباع سياسة حرمان الشعب، وبعنوان فرض الحصار على النظام الذي كان قائما آنذاك. فعن هذا الموضوع وعندما أرادت نادية الطفلة، أن تتذكر متى رأت النهر أول مرة، راحت تروي وعلى لسانها، عندما (عَبَرَت سياراتهم فوق النهر، شاهدت جسورا ميتة قتلتها الطائرات)ص24.
 أسماء اﻷشخاص التي كانت شائعة آنذاك قد لا تعكس بالضرورة كل مكونات المجتمع ومناطقه، فالمستوى الإقتصادي سيحدد وبنسبة لا بأس بها طبيعة اﻷسماء التي ستختارها العوائل ﻷبنائها ومن الجنسين على حد سواء. كذلك سيلعب العامل الجغرافي دورا هاما فيها، فضلا عن مستوى الوعي ومدى إقتراب أو إبتعاد الوسط من أسباب التحضر، لذا سنجد المدن الكبيرة على سبيل المثال قد (إحتكرت) أو لنقل تميزت عن غيرها في العديد من اﻷسماء.
 وإذا دار الحديث عن رواية ساعة بغداد فسيجد القارئ أن هناك من اﻷسماء ما يمكن فرزها ووضعها في خانة الطبقة الوسطى من المجتمع، والتي عادة ما يكون لها الدور البارز في اﻷخذ بأسباب التحضر، وذلك من خلال شغلها لمؤسسات الدولة وأهم مرافقها، بل وتُعَد صمام أمام لها. ومن بين أسماء الشخصيات التي ترد في الرواية، سيأتي ذكر: نادية، أحمد، بيداء، مروة، وجدان، ريتا ومناف. وبذا تكون الكاتبة قد أوصلت رسالتها والتي مفادها: إن مَنْ غادر بلاده مضطرا في تلك الحقبة من الزمن هُم في جلّهم ينتمون الى الطبقة المتعلمة.
 في سياق سردها ستتحدث الكاتبة أيضاً عن الصورة النمطية للمجتمع العراقي، وعن مدى الألفة التي كانت سائدة بين مكوناته وبصرف النظر عن بعض الخصائص. بل ستذهب الى ما هو أبعد من ذلك، حيث ستبرز الجوانب الإيجابية ومدى اللحمة التي تجمعهم (أنا ونادية وكل أطفال المحلة ... أكلنا من مطبخ باجي نادره... تحكي لنا بلكنتها الكردية قصصا عن الجبال الشاهقة)ص39. وَستُسمعنا  أجمل اﻷغاني: نرجس نرجس نرجس ... نرجس زينار جوانا.... أوي نرجس نرجس نرجس... سرك ألوني إيفانا.
 لم يستمر الحال على ما هو عليه، فهناك من اﻷحداث والوقائع ما سيفسد تلك اﻷلفة التي كان المجتمع محافظا عليها حتى وقت قريب. حيث ستبرز أولى المؤشرات التي ستدل على ذلك، وَسَيُفتح الباب واسعاً أمام مشاكل من نوع آخر. ففي اليوم الذي أعلنت فيه نتائج إمتحانات أبناء المحلة وإنهائهم لإحدى المراحل الدراسية، وما رافقها من أجواء فرح وبهجة، الاّ أنَّ هناك ما سيُفسِدُ ويُنغص عليهم فرحتهم. فــ(بعد أن تسلَّمَ نزار نتيجة الإمتحان، كانت تقف في بابهم سيارة سوداء ... سنتعود عليها في ما بعد، إنهم في هذه الساعة يتركون بيتهم، ويهاجرون الى خارج العراق ولن نراهم بعد هذا اليوم)ص45.
 في الفترة اﻷخيرة سيتكرر تواجد السيارة السوداء وبكل ما تحمله من نُذر شؤم، فيا ترى، مَنْ من العوائل سيلقى بها خارج الحدود؟. كل ذلك سيترافق مع ظهور عامل جديد ما كان في الحسبان من قبل، سيعزز من فكرة أن المنطقة أو لنقل السفينة كما تحب أن تسميها الكاتبة، وأعتقد هي كناية عن بغدادها، وبما احتوته من جلال وحضور بهي، ومن ساعة خالدة، كانت محجا لطفولة الكاتبة وشاهد عصر لزمان قد زخر بآيات العشق والمحبة، مقبلة أي السفينة على الغرق. هذا ماسينبؤنا به مَنْ سمّى نفسه بالعرّاف. والعبارة التي أطلقها هذا الدعي، سترن في أسماع مَنْ كنَّ صاغيات له من نساء الحي، ولتنزل (مثل الصاعقة على رؤوسهن وهن يتسائلن عن أية سفينة يتحدث هذا المشعوذ)ص72.
وتيرة مغادرة المنطقة أخذت بالتصاعد، وها هو بيت أبو سالي، تُركََ بعهدة الرجل الطيب وأحد أعيان المحلة، أبو شوكت، فهو الذي سيشرف ويقوم بعملية سقي ما بقي من حديقة، كانت وحتى وقت قريب زاهية بشجرة الرارنج وعبق ساكنيها. وها هو يدفع عن جدران البيت ما تراكم من غبار وحزن. وها هو أيضا يطمئن أصحاب البيت بخطوة قد تُرضيهم بعد أن فقدوا أمل العودة. فما إن إتصل بمالك الدار حتى قال له(سأبيع هذا البيت وأرسل لك ثمنه)ص85. بالعبارة اﻷخيرة، تكون شهد قد أشَّرت الى بداية التغيير الديمغرافي الحقيقي. خاصة وان عملية المغادرة أخذت تطال بعض من العوائل التي لم تبرح المنطقة، وعلى مدى ثلاثة أجيال متعاقبة.
 أوجاع العراقيين لم تتوقف، فمنذ مطلع الثمانيات وما قبلها وهم يعانون من أشد أنواع التعذيب والفتك والإنتهاك لحرياته، لذا بات من نافلة القول: ان العراقي يولد كي يلقى حتفه بعد حين، ولم يك بعد قد شمَّ عطر الياسمين أو إستظل بشجرة النخيل الخالدة. وعن هذا الموضوع مرة أخرى فالكاتبة لم يفتها التذكير بحملات التضامن اﻷممية التي قادتها العديد من المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان وحق الشعوب المشروعة في الحصول على قوتها اليومي. ومن بين أبرز الوجوه التي قامت بهذه الحملة، عضو البرلمان البريطاني والمدافع الثابت عن حقوق شعوب العالم في نيل حريته، وبشكل خاص الشعب الفلسطيني، حيث دعا ومن عاصمة الرشيد، الى رفع الظلم وكل أشكال الحيف، بما فيها سياسة التجويع الممنهجة، فها هو (جورج غالاوي في شوارع بغداد، تضامنا مع أطفال العراق ضد الحصار)ص92.
 وبالعودة الى ذاك الشخص الذي أطلق على نفسه صفة العرّاف، فها هو مرة أخرى وبحلة جديدة، حيث بدا حليق الذقن وبنظارات معتمة، مستعينا بعصا، تظهره كما الأعمى الذي يتلمس الطريق بعد أن فقده أو حاول أن يتظاهر بذلك.  يجوب أحياء المنطقة، لِيُبَشر أهلها بالمزيد من المصائب والمصاعب. وبأنَّ الخراب سيعم أركان البلاد، وستعصف الريح بأرض الرافدين وسيتقاسم تأريخه ومجده كل مَنْ تربَّصِ به شرا. وسيتنازع عليه أهله قبل اﻷعاجم. وسيرحل مَنْ يرحل، و(سيظهر الغرباء فجأة من البيوت المهجورة وهم يتحدثون بلغة غريبة عنكم، يطلقون النار بدم بارد ومن دون أن تطرف لهم عين)ص108.
 أمّا مَنْ تبقى من أهل الحي وربما أحياءا أخرى، فقد بدأت تصل مسامعهم من المفردات غريبها. وباتت تُشكل وجعا آخر أو لنقل هماً آخر لهم. فهي وعلى قلتها  وصعوبة إختراقها وخاصة للفئات الإجتماعية لنقل المثقفة نسبياً، الاّ انها أخذت تتسلل لتجد لها مكانا بين اللهجات المحكية الشائعة، والتي كان يتقاسمها ويفخر بها المجتمع العراقي. من أين جاءت وكيف دخلت واستقرت!. ومن بين تلك المفردات على سبيل المثال، التي إنتبهت لها الكاتبة وأشارت اليها وعلى عجالة، والتي دخلت حيز التعامل حتى بين بعض اﻷوساط الجامعية(قفّاص، نگري، حاتة تملخ، باي، أصيلة، طگطوگ)ص153.
 توظيف الحلم في العمل الروائي لهو أمر شائع ومتعارف عليه، أمّا تأريخيا فقد وُلِدَ مع ولادة النص نفسه أو لنقل المدونة. فهما صديقان حميمان، ظلا يسيران سوية. واللجوء اليه (الحلم) فهو مرتبط بعديد الإعتبارات ولسنا هنا بصددها، ولا أظن اﻷمر بخافٍ عليك عزيزي القارئ. وفي إستعانتها بالحلم، فقد أرادت الكاتبة أن تُحلّق على بغدادها بعد أن صَعُبَ عليهما التلاقي. وما دام الحال كذلك، فستستحضر شهد مدينتها المفضلة والحبية. سترسم خطوط العرض والطول لتلك المدينة المدورة والمنورة. ستطوف على أهم وأبرز معالمها، بأحيائها، بشخصياتها، بحسونها اﻷمريكي، هل من أحد منكم يعرف هذه الشخصية البغدادية الطريفة؟ والذي طالما تحدث عنه جدها، يوم كانت طفلة. وبمناسبة الحديث عن جدها فهو سيرافقها في منامها أيضا، حيثسي أخذ بيدها، لتستعيد ذاكرتها، ولتروي لنا ما شاهدته في حلمها (هنا تعرفت على مدرستي ثم رأيت الملجأ، بعد ذلك شاهدت ساعة بغداد وبرج المأمون والجسر المعلق ثم عثرت على بيتنا)ص169.
 ستعودين يا شهد الى ساعة بغداد، والى حيّك ذات يوم ولعله قريباً.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو
 


               
 
 


 



16
.إطلالة على كتاب: الروائي الساذج والحساس

هي رحلة ليست بالقصيرة، فما بين روايته اﻷولى جودت بك وأبناؤه، وبين وروايته اﻷخيرة متحف البراءة قرابة الخمسة والثلاثين عاما. في سِفرهِ هذا والذي أسماه بـ(الروائي الساذج والحساس) سيراجع الكاتب التركي أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2006 سيرته اﻷدبية، مستذكرا أحياء مدينته العريقة إستنبول وما لها من دور في تشكيل ذائقتيه اﻷدبية والفنية بل وفي سيرة حياته أيضا. مستعرضا ما كانت لديه من مواهب أخرى لعل أبرزها ميله الواضح ﻷن يصبح رساما في كبره، بعد أن ذهب به الظن وتأكد من رشاقة أنامله وتحريكها في كل الإتجاهات وبأناقة العارف، كذلك لقدرته على دمج الألوان وبكفاءة عالية. هذا ما إعتقده الطفل باموك ذو اﻷعوام السبعة حينذاك.
 الاّ أنَ إتجاه الريح قد ذهب بصاحب سيرتنا نحو منحى آخر ولها في ذلك من اﻷسباب ما يبررها، فالإبن قد ورِثَ من أبيه ما يمكن عدّه رصيدا ثقافيا معقولا، تمثَّلَ في طبيعة وظيفته و ما ترك له من مكتبة عامرة، ضمَّت بين جنباتها عيون اﻷدب والمعرفة، فضلاً عما كان سائدا من أجواء عائلية، تنتمي الى ما يمكن تسميته بالطبقة المتوسطة من حيث مستوى التعليم وما كان يصاحبها من نقاشات وحوارات، تعكس مستوى الوعي الذي كانوا يتمتعون به. لذا ولِما فات من مقدمات فإنَّ سفينة الرغبة أخذت بأورهان باموك نحو جرف آخر ونهر آخر، رآه أكثر جمالا وأبهى حضورا وأشد تعبيرا عمّا يجول بخاطره، فكان له ما أراد وهذا ما تحقق. ومن هناك، من تلك المحطة وكاتبنا لمّا يزل يواصل رحلته، أمّا نحن فسنتواصل معه، وسنتوقف عند أهم المنعطفات التي شكلت سيرته ورسمت معالم منتجه اﻷدبي.
وﻷن صاحب السيرة قد قضى معظم حياته وأهم مراحلها في مدينة شديدة الصخب والحضور والتأريخ، فكانت بالنسبة له خير معين لرسم خطوط مستقبله، ولتشكل كذلك مصدر دائم للإلهام والعطاء السخي، لذا تجده مغترفا منها بثقة ودلال، وبلمسات فنان يعرف كيف يحرك أنامله وكيف يلتقط أطيب الكلام وأحلاه. في ذات الوقت أدرك مبكرا لعبة الحياة فلا مجال هنا للتمادي أو غض الطرف عن الفرص النادرة والسعيدة والتي لن تتكرر. أما والحال كذلك فلابد له من إلتقاطها قبل أفول الشمس: لقد تعلمت التعامل مع الحياة بجدية، جاء ذلك نتيجة تعاملي مع الروايات بجدية بمرحلة شبابي.ص53.
 وما دمنا قد دخلنا في عالم اورهان باموك الروائي فلا بأس من الغوص أعمق كي نشكل صورة ما قد تعيننا على رسم ملامحه وهويته بشكل أوضح. وإذا كان لنا من قول، فبدايات صاحب السيرة تشبه إن لم تطابق بدايات أي صبي كان قد دخل عالما جديدا، رآه مغريا وممتعا، لذا ألفته قارئا نهما ومجربا أيضا لحظوظه في الكتابة، واثقا من أنها ستكون شفيعا وكفيلة لعبور الضفة اﻷخرى من النهر.
 وكغيره ممن إختط ذات الخطى ومع بداية مشواره ستجده متعثرا، مرة هنا ومرة هناك، حتى كاد أن يتوقف عن تكملة مسيرته، غير انه أدرك أخيرا بأن بلوغ الغايات النبيلة لا يمكن الوصول اليها بتلك السلاسة والخفة، وبات على قناعة: بانَّ عالم الرواية ولطالما يدخل في مجال اﻷهداف الكبرى والتي ما إنفك يحلم بها، فلا بأس من الإستعانة بالصبر وببذل المزيد من الجهد والوقت.
 لذا وفي مدونته التي بين يدينا، وبعد مروره بالعديد من التجارب، وبكل ما حملته من صعوبات ومعوقات، خَلُصَ الى أنَّ ما يجب وضعه نصب عينيه هو التركيز على الشخصية الرئيسية لمنتجه الروائي، بإعتبارها المحرك اﻷساسي له، ودون إغفال أو تجاهل بطبيعة الحال للأدوار التي ينبغي أن تقوم بها الشخصيات اﻷخرى بإعتبارها مكملة له. وعن ذلك فقد كتب على الصفحة السابعة والخمسين(إنَّ الروائي الناجح هو مَنْ يخلق بطلاً لا يُنسى). وبذا سيكون كاتبنا قد وضع إصبعه على أول  الدروس المهمة والواجبة الإلتزام في عالم الرواية.
 ومع مواصلة مسيرته الإبداعية في المجال الذي بات شاغله، ومع تحقيقه لبعض النجاحات المبكرة وخاصة على المستوى المحلي، فأورهان باموك الشاب لم يتوقف عن سلك طرق جديدة، ستساعده بكل تأكيد على تطوير ملكاته الكتابية وبالتالي التمكن من المسك في أهم المفاصل التي ينبغي توفرها في كاتب الرواية. وعلى هذا اﻷساس ومن الخلاصات التي سيأتي على ذكرها، وفي جردة حساب وبعد مسيرة حافلة وتجارب غنية عديدة، سنقرأ في كتابه الموسوم، الروائي الساذج والحساس وعلى الصفحة 60 النص الآتي (إنَّ الرواية، هي نتاج المهارة والبراعة معا. كلما كانت الرواية طويلة، كلما واجه الكاتب صعوبة في صياغة اﻷحداث).
 وما دمنا نواصل سبر كتابه فلا بأس من التوقف عند مؤشر وركن هام آخر من أركان العمل الروائي الناجح، والذي لا يقل أهمية عمّا سبق ذكره، انها اللعبة الروائية، فهي وعلى رأي باموك(تضيف متعة طفولية أخرى الى السعادة التي استمدٌها من الكتابة)ص62. وعن هذا اﻷمر فينبغي على الكاتب وكما أعتقدُ أن يكون شديد الحذر ويضع حداً فاصلاً بين ما أسماه تحقيقه للمتعة ووصوله اليها من جهة، وبين تراخيه أو تماديه عن مسك النص من جهة أخرى، والتي قد تؤدي الى إنفلاته (أي النص) من بين يديه وإرتباك نسيجه، وبما يتقاطع مع ما كان قد خطط له الكاتب ووضع من أهداف.
 وإستكمالا لذات الفكرة التي جرى التحدث عنها في الفقرة السابقة، فسيتوقف الكاتب هنا عند موضوع هام جدا بل ومحوري في العمل الروائي، كأن الكاتب قرأ ما في داخلي وأراد أن يوقف إعتراضي أو لنقل ملاحظتي التي أوشكتُ على البوح بها ولنلتقي من بعدها عند هذه النقطة، ونسير سوية من جديد، إبتغاءاً لذات الغايات. فحبكة الرواية وعلى ما جاء في كتابه (هي الخط الذي يربط وحدات السرد الصغيرة والكبيرة غير القابلة للإنقسام)ص69. وبهذه الفقرة الشديدة التعبير والدلالة أراد الكاتب أن يوضح للقارئ مفهوم التتابع الزمني وأهميته في العمل الروائي ودونه الفوضى والإرتباك.
 أمّا عن شخصية البطل والتي تحدث عنها في صفحات سابقة، يبدو أنَّ الكاتب لم يصل الى ما يشير الى إكتفائه منها. وبعبارة أوضح فلابد من تفصيل أدق كي تصل المتلقي على نحو مُقنع، بل إعتبر مهمة من هذا النوع لهي على أهمية كبرى. وعنها راح مدونا(إنَّ التحدي اﻷكبر الذي يواجه الإبداع الروائي هو بناء شخصية البطل، وإكتشاف هذه الشخصية بنجاح من قبل القارئ)ص66. وعن ذات الموضع وزيادرة في التفصيل وعلى الصفحة الثامنة والستين، كتب أورهان باموق: الروائي يطور أبطاله بقدر ما يطور المواضيع التي يريد بحثها، كشفها والحديث عنها).
 وبالعودة ثانية الى موضوعة التسلسل الزمني للرواية، فهناك من اﻷعمال الروائية، قد وقعت في خطأٍ كبير حين لم تراع أو تنتبه لهذا الجانب، وعنه أيضا فعلى الكاتب أن لا يستغفل القارئ أو يراهن على عفويته وقلة حيلته. وما دمنا نتحدث عن أمر في غاية الحساسية، فالذي يشفع للكاتب تنقلاته من زمن الى آخر أو من مكان الى غيره، هو النزول عند رغبة النص ومقتضياته، شريطة الحفاظ على وحدة العمل ووصوله الى المتلقي على كفٍ من الراحة والرضا. 
 أمّا عن مراجعاته لتجربته الروائية فسيذهب باموك بعيدا في قرائته لها، فهو لم يكتفِ بمراجعة ما كان قد كتبه بل ينحو منحى الناقد في بعض من توقفاته. ولان أعمال فيودور ديستوفسكي أثَّرَت بشكل كبير على منتجه وعلى سواه من الكتاب، فستجده داخلا في تفاصيل هذا الروائي ، وبشكل خاص فيما يتعلق ببناء شخصياته التي لفتت إنتباه المعنيين بهذا النوع من الإبداع. وعن ذلك وعلى الصفحة 75، سنقرأ النص التالي من كتابه الروائي الحساس والساذج( عندما نقرأ روايات ديستوفسكي، نشعر في بعض اﻷحيان بأننا نواجه شيئا عميقاً ومفاجئاً، بأننا حصلنا على معرفة عميقة عن الحياة، الناس وفوق كل هذا معرفة أنفسنا). وبذا سيكون قد أنصفه بحق، لَمَ لا والحديث هنا يدور عن أحد سادة الرواية العالمية والمتربع على عرشها بكفاءة وإقتدار.
 وفي مكان آخر من كتابه فَسَيُقدمُ أورهان باموك على حركة أخرى، لا تخلو من أهمية بل هي من مقومات العمل الروائي اﻷساسية، تتمثل بتقسيم الجهد الروائي بينه وبين القارئ، فبدون المتلقي لا يجد الكاتب أهمية لإصدار منتجه، فصاحب النص وعلى حد رأيه معني بــ(الرسم بالكلمات، وقراءة الرواية تعني تخييل الصور من خلال كلمات شخص آخر)ص78، أنها ليست كالكلمات التي إعتدنا على سماعها أو قرائتها كما قد يظن البعض، فالكاتب هنا معني برسم مشاهد العمل بدقة متناهية والتحرك معها، وفي بعض اﻷحيان قد يجد الكاتب نفسه مضطرا للميل يمينا أو يسارا والخروج بالتالي عن السياق العام للعمل، وفي هذا ما لا يُعَدٌ مروقاً عمّا خُطِطَ له، بل يمثل إستجابة سريعة لمقتضيات النص وما طرأ من مستجدات، وصولا الى الإمساك من جديد والسيطرة على العمل وتوجيه بوصلته كما يشاء.
 وفي مكان آخر من الكتاب، سيعود بنا الكاتب مرة أخرى وإن بشكل غير مباشر الى الدور الملقى على القارئ، بإعتباره طرفا مكملا للعمل، مراهنا على مدى نباهته ودرجة تفاعله مع النص.  طالبا منه أن يكون دقيقا في رصده لسيرورة النص وصيرورته، والكلام هنا بكل تأكيد عن اﻷعمال المهمة. وإذا ما نجح في ذلك فلسوف(نرى العالم من وجهة نظر اﻷبطال، ونندمج مع عواطف الشخصيات من جانب آخر، نرتب ذهنيا اﻷشياء المحيطة بالشخصيات، ونربط تفاصيل المشهد الموصوف مع مشاعرهم)ص93.
 الجملة المقوسة اﻷخيرة، والتي جاءت في سياق كتاب أورهان باموك لم تأتِ بعفو خاطر، وإنما بُنيت على معرفة بطبيعة المتلقي، ويبدو فيها كمن تقمص دوره. وإذا ما أستثنينا القارئ النبه، فهناك قسم آخر من القراء مَنْ لا يروق له أو لا يجد ضرورة في قراءة كل ما أتت به الرواية، معتمدا في ذلك على وجهة نظر مفادها: أنَّ في تجاوزه هذا، سوف لن يؤثر على درجة تلقيه للعمل. وأظنه في هذا (أي القارئ) ليس على صواب، فهناك من التفاصيل واﻷحداث وعلى صغرها إفتراضا، سيكون لها دورا هاما في إستيعاب النص والوقوف على أهم محطاته. لكنّا وقبل مغادرة هذه الفقرة فهناك من اﻷعمال الروائية ما لا يستطيع القارئ هضمها ومهما بذل من جهد وصبر ووقت، لذا تجده في حلٍ عن تكملتها وله في ذلك كامل الحق.
 وفي الحديث عن المناخ الذي ينبغي توفره، فسيتوقف الكاتب عند تجربة أقرانه من الكتاب في الدول الغربية. فعلى الصفحة 118، سيرد النص التالي(الروائيون في الولايات المتحدة اﻷمريكية يكتبون بدون قلق تقريبا عندما يتعلق اﻷمر بالقيود الإجتماعية والسياسية). والكاتب هنا أوردَ إسم الدولة كنموذج للدول التي ما عادت تعاني كما نحن في بلاد الشرق وَمَنْ يشبهنا من حجم الضغوط التي يتعرض لها أدبائنا، وبشكل خاص تلك التابوهات الثلاثة، الدين والسياسة والجنس، فالإقتراب منها سيدخل الكاتب في المحضور، واﻷشد خطورة هو ماسيترتب على تلك الممنوعات من تداعيات، ستأتي بالضرورة على حساب النص المُنتَج وعلى صاحبه أيضا، وهذا ماعانى منه العديد من الكتاب، لا سيما أولئك الذين حملوا على أكتافهم مهمة التغيير واﻷخذ بيد مجتماعتهم نحو غد أفضل.
 وبصرف النظر عن اﻷجواء المحيطة بالكاتب فسينقلنا أورهان الى عالم آخر من فن القص، فــ(كتابة الرواية قد تشبه عبور غابة، تكريس إهتمام عاطفي لكل شجرة، تسجيل ووصف كل تفصيل)ص124. وأظنه في هذا التشبيه قد توفق كثيرا. فالغابة تحتوي على أنواع عديدة من اﻷشجار، تتفاوت في أعمارها، ولكل صنف منها مايميزها، وقد تحمل شخصيتها معها. أما عن طبيعة عطائها فهو مختلف أيضا، وقد تختلف كذلك فيما تتركه من فيء وظل. وما دام الحال كذلك وإذا ما أسقطنا التشبيه عمليا على العمل الروائي فعلى الكاتب أن يُمسك بكل تفاصيل عمله، إبتداءاً من الشخصيات وليس إنتهاءاً بالبعدين الزماني والمكاني، مرورا بوحدة العمل وسياقه والغاية البعيدة منه.
 أخيرا ورغم كل ما فات ذكره من تفاصيل تتعلق بفن القص ومستلزماته وأدواته، كان الكاتب قد تنبه اليها وتوقف عندها طويلا من خلال سِفرهِ الطويل في عالم الرواية، فإنَّ هناك من المصادفات ما تخرج عن السيطرة وقد تدفع أحيانا الى إعادة النظر في كل ما كُتِبَ، بل واﻷكثر إيلاما أن يضطر الكاتب الى إلغاء كل ما دونه. وعن هذا الموضوع يقول أورهان(لم أتردد لحظة، شطبت كل ما كتبته وبدأت من جديد في الصفحة اﻷولى. عمل سنة كاملة رميته في سلة المهملات)ص127. وأعتقد بل أكاد أجزم بأن الكثيرين من كتابنا قد مروا بتجربة ومأزق كهذا، لذا نعلن عن تضامننا الشديد معهم، وليس لنا من حيلة أخرى نخفف من خلالها وطء ما يعانون. 

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو


 








17
في ضيافة ألبرتو مانغويل

قال الراوي وعلى لسان كريتون، وهو إحدى شخصياته:
(ليس ثمة خطيئة أعظم من الجهل). 

 عديدة هي مواهبه وإهتماماته اﻷدبية، لذا تألفه طائفاً بجناحين من البهجة، بين حدائق شُيدَتْ من نور ومن بليغ الكلام، بحثا عن حلو ما قيل من قبله. سيقطف من هذا البستان زهرة ومن ذاك إستراحة لمساءاته. أو تراه مستظلا بزخات مطر ربيعي ليهدأ قليلا كي يواصل مشواره. انها رحلة بحث قد يجدها البعض مضنية، غير انه يراها مبهجة لا تدانيها سعادة، فأجمل اللحظات حين تكون برفقة ما تقرأءه، تأنس بصحبته وتغفو على حروفه وقد يفتح لك بابا من حلم  ما إنفكَّ يراودك.
إننا نتحدث هنا عن مانغويل البرتو، اﻷرجنتيني الولادة، الكندي الجنسية. جَمعَ بين يديه مختلف أنواع الفنون وألوان من الراحة. في صبره وأناته ودقة إشتغاله، يشبه حاطِب الليل وجامع المحار، هذا ما أنبئنا به محياه وما أنبئتنا به سكينته. وعلى الناحية اﻷخرى ولذات اﻷهداف التي رسمها له، فستجده دؤوب في ترحاله وتنقلاته، يشده الغوص في عالم رأى فيه سلواه ومتعته، فتألفه في بحثه كما ذاك الذي يجول حول محراب، شديد الجلالة.
يدور (الكاتب) برغبة وشوق عارمين بين درابين وحارات وزوايا، يظنها البعض مقفلة مقفرة، ويراها زاهية يانعة. انها خبايا وخفايا رفوف، ضمَّت بين جنباتها أقدس الحروف وأحلى ما كتبه بني البشر. سيغرف بكأسه الأثير من هذه الضفة ومن اﻷخرى أيضاً، مقلباً أوراق صحائفه تحت شجرة صفصاف شاهقة باسقة، جميلة المحيا، ظليلة.
في كتابه الموسوم بيوميات القراءة والذي سنأخذه نموذجا لكتب التشويق والدفع للقراءة، سيحاول الكاتب من خلاله نسج علاقة من نوع ما بين القارئ وصاحب النص، وقد يعتبره شرطا أو عقدا بينهما، يهدف في نهاية المطاف الى حسن التلاقي. والمقصود هنا ليس أي كتاب بل ذاك الذي سيدخل في دائرة إهتمام القارئ ويستجيب لرغباته وبتعبير أدق ما يدخل في دائرة إهتمامه. وعن هذا الشق تحديدا سيرد على الصفحة29 من الكتاب النص التالي: ربما كان على كتاب ما يستهوينا، أن نقيم صلة من التوافقات بين خبرتنا وخبرة الرواية، بين مخيلتين وتلك التي على الورق.
في موقع آخر من الكتاب، سيدخلنا الكاتب بل سيلفت إنتباهنا الى  محور آخر من شروط القراءة، وهنا وعلى ما أعتقدسيدفع بكامل المسؤولية على القارئ نفسه، ليحمله وزر طبيعة النص المكتوب وضرورة شحذ قواه ليحقق الجدوى المتوخاة من القراءة. وعن ذلك وعلى الصفحة 42 من الكتاب سنقرأ: عندما يكبر المرء فإنَّ الذاكرة بدورها يمكن أن تسلب الكثير من المتعة، كون القارئ جاهلا بما سيحدث تالياً.
 في سياق كتابه هذا والذي هو مدار حديثنا، وفي صفحات متقدمة، سيتناول الكاتب طرح بعض اﻷنماط الشخصية التي وردت في بعض اﻷعمال التي سبر أغوارها، أو  يكون قد تعمد إستحضارها دعما لوجهته وأهدافه، ومن ثم القيام بتحليلها وفي ضوء علم النفس، واقفا على أهم ما يميز إحداها عن اﻷخرى. وعن هذه النقطة، سيأتـي البرتو مانغويل على ذكر بعض اﻷمثلة والإستشهادات. فمثلا على الصفحة 46 سنقرأ النص التالي:( إنَّ إرادة الإنسان تحكم الحياة، مركزا على مفردة الإرادة). وفي موقع آخر سيحاول أن يبرز دور الحظ في تحريك الكثير من القضايا. وثالث الإستشهادات سيتوقف الكاتب عند مفهوم القدر، فهو وعلى حد قوله ســ(يطمس معالم الخط الفاصل بين الإنسان والبهيمة).
 وإستطرادا لما فات وخلاصته، فسيوصلنا الكاتب الى النهاية الشهيرة لرواية مزرعة الحيوان لجورج أويل، والتي أراد من خلالها تجسيد مبتغاه:( نقلت المخلوقات التي كانت في الخارج نظرها من الخنزير الى الإنسان، ومن الإنسان الى الخنزير، ومرة أخرى من الخنزير الى الإنسان، ولكن كان من المستحيل أن نقول أي واحد منهما أي واحد كان)ص47. وبذاسنعود وفي نهاية التناص اﻵنف الى فكرة التماهي ما بين الإنسان والبهيمة.
وعن شخصية القارئ النهم، فسيحدثنا المؤلف وفي موقع متقدم من كتابه عن أحدهم وسيسميه بـ(ك). هذا النموذج وعلى حد قول روبرتو مانغويل، قد نجح أخيرا في جمع مقدار من المال، كافٍ لشراء مجموعة من الكتب المفضلة لديه، والتي ما إنفكت تشاغل فكره صباح مساء، فكم من مرة راح متحينا الفرص لإقتناءها غير انها سرعان ما كانت تفلت من بين يديه، وها هي اللحظة قد حانت ولابد من إقتطافها قبل أن تضيق اليد ويفوت اﻷوان.
ومن غير تردد راح هذا الـ(ك) مخرجا من جيبه كل ما لديه من مالٍ كان قد إدخره لقاء ما أسماه حلمه، ومن قبل أن يتراجع صاحب المكتبة أو يعيد النظر في المبلغ الذي إشترطه لقاء الكتب التي ستكون بحوزته بعد لحظات. حتى اﻵن تجري اﻷمور على نحو من السلاسة والشعور بالرضا. الاّ أنَّ المفاجئة التي ستحصل ولم تكن متوقعة، أن صاحبنا لم يحسب حساب عودته الى البيت، خاصة وان جيبه قد أفرغ تماما من المال. واﻷنكى من ذلك أنَّ الكتب التي إشتراها ربما بلغ وزنها (ما يقارب الخمسة والعشرين كيلو غراما)ص57، وليجد نفسه أمام إختبار صعب، فأما التخلي عن الكتب وإرجاء شرائها الى أجل غير مسمى، أو قبول التحدي وهذا ما حصل، حيث حمل الرجل على أكتافه وظهره تلك اﻷوزان، قاطعاً بضعة كيلومترات على قدميه وصولا الى بيته. ومن بعدها وما إن بلغ هدفه، ستغمره السعادة، وليبقى حتى الصباح بصحبة زائره الجديد، الشديد اﻷناقة والقيمة.
 في سياق لاحق سيتوقف الكاتب عند بعض الفقرات التي تحمل دلالات خاصة في رواية طفولة شاتوبريان لفرانسوا رينيه، لما لها من أهمية وصلة مع طبيعة الموضوع الذي يسعى مانغويل الى إشباعه ومن كل أطرافه. فعلى الصفحة 89سيرد هذا النص(سوف أسرق بقايا شمعات صغيرة من الكنيسة كي أقرأ ليلا الوصف المغوي لإضطرابات الروح). في هذا التضمين وعلى الرغم من قدسية المكان(الكنيسة)لاسيما ونحن نتحدث عن الزمن الذي كُتِبَتْ فيه الرواية، والذي يعود الى أكثر من مئتين وخمسين عاما، حينما كان لهذا المكان القول الفصل والكلمة اﻷخيرة. ومن جديد نقول: في ظل هذه الظروف واﻷجواء وما يحيط بها من قداسةستحدث عملية السرقة، إن جاز لنا تسميتها. كل ذلك من اجل تحقيق هدف، رآه المؤلف أسمى بل وأكثر قداسة من الكنيسة نفسها الا وهو فعل القراءة، ليؤشر الكاتب الى مدى أهميتها ودرجة إنحيازه لها، ضاربا عرض الحائط كل الإعتبارات واﻷعراف التي كانت سائدة آنذاك.
قبل نهاية الجزء اﻷول من كتابه يوميات القراءة، سيأخذنا البرتو مانغويل الى مكان آخر لا يقل أهمية عن موضوع القراءة، الا وهو الكتابة. فبصرف النظر عمّا سيدونه الكاتب ومدى قيمته وطبيعة موضوعه ونوع جنسه اﻷدبي وحجمه وما الى ذلك من إعتبارات، فما يهم مانغويل هو عقد نوع من المفاضلة بين مَن يَكتبْ وبين مَنْ لا يكتب، ليعلن انحيازه بكل تأكيد الى الفئة اﻷولى.
غير انه وبعد وصوله القرار الذي أنف ذكره، سيذهب نحو شكل آخر من المفاضلة، الا وهو: أي نوع من الكتابة هو المطلوب! هنا سيأتيك الجواب سريعاً، فبالنسبة له وللأغلبية الساحقة من المتلقين على ما أعتقد بل وأجزم، سيحدثنا عن شروط خاصة  وقد تكون قاسية، ربما لم تتوفر في أي كاتب، والحديث هنا عمَّنْ اجتاز المراحل اﻷولى للكتابة، يوم كان قلمه لا زال غضا، ومن ثم دخل مراحل متقدمة ولنسميه محترفا. فعن اﻷخير لا يستطيع أن يجامل وبأي شكل من اﻷشكال، فليست كل الكتابات ستروق له، وبذا سيضعنا مانغويل أمام نوع خاص من الكتابة، وسيوقفنا أمامها بمسؤولية، فهناك (من الكتاب من أستطيع قرائتهم وسط الصخب، أمّا بالنسبة لشاتوبريان ــ صاحب كتاب مذكرات من وراء القمر ــ فأحتاج الى الهدوء كي أجلس معه)ص93. بهذا التضمين وكي لا يفوتنا التذكير، فإنَّ طبيعة النص وموضوعه فضلا عن عوامل أخرى وإذا ما اجتمعت وتضافرت، فستكون لها الكلمة الفصل واﻷهمية الكبرى في شد القارئ وجذبه الى حيث يريد الكاتب.
في الجزء الثاني من الكتاب والذي يبدأ مع العام 2003، سيتوقف البرتو مانغويل عند أحدى الكاتبات المهمات وقتذاك، حيث وصفها باللامعة والحيوية لشدة إنبهاره بها، إنها الماركيزه دي سيفينيه، الفرنسية الجنسية، البرجوازية في إنحدارها الطبقي وفي طريقة حياتها. داعيا القراء الى حفظ كتابها الذي حمل اسم رسائل مدام دي سيفينييه، رغم مرور قرابة اﻷربعة قرون على إصداره. وهو عبارة عن مجموعة من الخطابات والنصائح، كانت الكاتبة قد وجهتها الى إبنتها، بسبب تعلقها الشديد بها.
وعلى ذات الصعيد وبذات المنحى، سيستمر مانغويل في رصده لمجموعة من الكتب التي شدَّت إنتباهه والمضي بالتعاطي معها بجدية، في ذات الوقت سوف لن يغفل عن نقاط التقاطع والإختلاف التي سيشير اليها. ومن بينها كتاب الإعترافات لجان جاك روسو، وهو عبارة عن سيرة ذاتية لحياته، وسيصفه بألـ(العاطفي جداً، فليرمى بعيداً). بهذا الرأي ربما سيكون مانغويل قاسيا في حكمه ولم يكن متوقعا أيضا، بل وقد يراه البعض غير منصف، لا للكتاب ولا لصاحبه رغم أهميتهما في ذلك الوقت وما كان قد شكله نصَّه من ردود أفعال، كان في غالبها منحازا لما خرج من بين يدي الكاتب، لطهر سيرته وصدق ما دونه.
لعل من أهم المدونات التي استوقفت البرتو مانغويل هو كتاب الشعر والحقيقة. ففي معرض إستعراضه سيقول عنه(نصفه جذاب ونصفه جرئ)ص178. داعيا المتلقي ﻷن ينتزع نصفه والإحتفاظ بالنصف اﻷفضل. في هذا الرأي سوف لن يكتفي الكاتب بطرح نفسه بإعتباره قارئا متميزا فحسب ويترك اﻷمر على عواهنه، بل سيواصل (لعبة) النقد المحببة لديه، لتجده متمكنا من قدرة التمييز بين هذا وذاك من النص، ناصحا المتلقي الى أي من الجهات ينبغي له أن يميل، فالبوصلة التي تدلك على الطريق المفضي الى الجمال، سالكة لا تخطئها العين.
في مكان آخر من الكتاب سيمضي مانغويل في تعليقاته الدقيقة الوصف والتعبير، ليضع المتلقي مرة أخرى أمام مسؤولياته، بعد أن يكون قد خط له شروط الكتابة الناجحة. فعلى الصفحة 180 وفي تعليق له على أحدى المدونات كتب يقول: (رويدك، مؤلفه صديق لي، ومع أنَّ الكتاب ينطوي على مقدار قليل من التنميق، وأقل من الذكاء، فهو يحمل ميزة من الحماس والإيجاز، وهاتان الصفتان تكفران مشكورتان عمّا ذُكِرَ، دعه اﻵن وسننظر لاحقا). إنه بذلك لا يحابي أحدا ولا يجامل، فطبيعة النص هي مَنْ تفرض عليه طبيعة الموقف، وهي مَنْ تحدد مساره. أي أنَّ الناقد وبتعبير آخر سيأتي بالمرتبة الثانية ومن قبله النص.
من ضمن القراءات والمراجعات التي لم تغب عن بال الكاتب، والتي تستحق الذكر والتوقف عندها وتسليط الضوء ساطعا عليها، هي تناوله لديوان الشاعر النيكاراغوي روبن داريو وبشكل خاص تلك القصيدة التي وجهها آنذاك الى الرئيس اﻷمريكي الأسبق، فرانكلين روزفلت، فاضحا من خلالها جوهر السياسة اﻷمريكية، القائمة على العنصرية والقتل والتوسع على حساب مصالح الشعوب. ففي وصفه لسياسة اليانكي وفي نقده لهم،كتب الشاعر يقول: انها تؤمن بـالشعار الآتي(حيث تضع الرصاصة، تضع المستقبل)ص219. إستشهاد كهذا سيدلنا مانغويل من خلاله الى موضوع بالغ اﻷهمية، فهو  لم يتوقف في مراجعاته للكتب عند جنس بعينه أو يقتصر على موضوع واحد، بل راح أبعد من ذلك بكثير، إذ تجده جائلا بين القصة والرواية والشعر وأخواتها. كذلك فيها من اﻷغراض، وهنا بيت القصيد ما تنوعت وتعددت، كالسياسة والإقتصاد والحرب، معلنا عن تضامنه غير المشروط مع الشعوب التواقة للتحرر.
(ليلة بلا نوم، الليلة الثالثة على التوالي... أنا واثق من أنَّ هذا اﻷرق يأتي فقط ﻷني أكتب)ص234 . النص الفائت، يُعَدٌ خير ما سيختم به الكاتب نصَّه، إذ هو يعطي شكل من أشكال القداسة والرهبة لفعل الكتابة، وهي حقا كذلك، لما لها من أثر في تحديد إتجاهات الكاتب ومسيرته وفي رسم مستقبله. لذا فالقلق سَيباتُ مشروعا ومرافقا لكل فعل جدي ومسؤول، ولعل ليالٍ ثلاث قد لا تكفي لتبديد مخاوف الكاتب الملتزم، الحالم بصياغة نص، مكتمل الشروط.
ومما سيعزز من حالة اﻷرق التي سترافق الكاتب بعد الإنتهاء من كتابة نصه بل وستزيد عليها، هي ليلة نشر الكاتب لمؤلفه، بعد أن يظنه قد بات جاهزا. فقد تصحبها حالة من الإضطراب المشروع، ستثار معها جملة من اﻷسئلة(مع مخاوف وهواجس)ص235، لعلها سترافقه حتى بزوغ ساعات الفجر اﻷولى، وربما سيجد صعوبة في أن يطبق الجفن على الجفن حتى يجفاه النوم.
وفي لفتة أخرى من المؤلف وفي الصفحات اﻷخيرة من كتابه، سيشدنا الى حالة ربما يكون قد تفرد وأمتاز بها عن سواه ولعله من القلائل الذين تنبه لها، الا وهي شكل العلاقة المفترضة وفي بعض من مفاصلها، بين كاتب النص وقارئه ومن زاوية قد لا تخطر على بال أحد، حيث يقول:(إنَّ أسوأ عيب في هذا الكتاب هو أنت أيها القارئ). ثم يأتي على تفسير ما ذهب اليه وفي ذات الصفحة، ليوجه كلامه الى المتلقي:(أنت في عجالة من أمرك كي تكبر، والكتاب يتقدم ببطء)ص236.
 وعلى ما أعتقد فإن فكرة الكاتب ومقصده، لو دققنا فيها قليلا ستبدو واضحة، إذ أراد من القارئ أن يستوعب النص بهدوء وروية، كي يصل مبتغاه وبما ينسجم ويتلائم ورغبة الكاتب وما يدور بخلده، وبإيقاع يتناغم معه، يشبه في ذلك ما يقوم به المايسترو من دور وما يصدره من إيعازات ﻷعضاء فرقته، مخافة الخروج عن قواعد العزف. وبذا سيكون القارئ جزءا من النص بل ومكملا له، يستوعبه ويتحرك معه. وربما سيستدعي منه التوقف في بعض المناطق والتأني في أخرى، وصولا الى التحليق سوية وبجناحين من الخفة والتناسق.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو





18
المنبر الحر / سحر المكان وسطوته
« في: 12:18 05/06/2021  »
سحر المكان وسطوته

ما قاله المتصوف جلال الدين الرومي:
 إلهي ، خذ روحي إلى ذلك المكان الذي يمكن فيه أن أتحدث بِدونِ كلمات.
 في كتاب الحكمة وثوابت العصر جاء ما يلي: إنَّ الناس راحلون وإن بعد طول دهِِر، وان المكان هو ألابقى. ومن كان على ألفة ومحبة وذو قربى باﻷثر فلا مناص من العودة اليه مهما طال السفر ومهما بعدت المسافات. ولوعة التواصل مع الماضي ستبقى كذلك وسيزداد الحنين اليه كلما هزَّكَ الشوق، فالعودة الى النبع اﻷول حيث إرتويت لا ينازعك عليه أحد. أما عن شكل إستحضاره (الماضي) فلا أظنه موضع خلاف أو إجتهاد، كذلك سوف لن يُمسي موضع شك أو تساؤل،  فمهما إبتعدت فسيبقى شاهداً حيا، وصادقاً، لا يمالئ أحداً ولا يحابيه، حتى وإن فعل الزمان وعاتياته ما فعل. عُدْ اليه إذن، فلابد أن تَجِدَ أو تعثر على بقايا أثر كنت قد تركته هنا أو هناك، فمنه وبه ستستعيد نعمة التذكر التي ظننتها قد خَبَتْ وإنطفت جذوتها.
إن عدتَ فلا تنسى المرور بتلك الشجرة الباسقة التي ما إنفكتْ تناجيك منذ ابتعدت. إن عُدتَ فتذكر يوم تسلقك كرمة العنبِ رُغمَ عدم نضوجه، إن عدت فتذكر ذلك الزقاق وسطح ذاك الدار، يوم رمت إحدى الصبايا وردة حمراء لا زال عطرها عبقاً، وكُدتَ تهوى من الهوى ولوعة الحب. إن  عُدتَ مُرْ  بذاك الحجر وذاك الذي كان على عهدك يسمونه قنطرة أو جسرا، كنتَ قد عبرته وعَبرهُ أيضاً سواك من البشر، منهم ما زال حيّا ومنهم من غادرها.
 المكان هو ذات المكان إذن..  ثابت، لم ولن يتغير، شاهد حق لا يساوم أو يخاتل، صابر على ماهو عليه وليس في ذلك من هوانٍ أو ضعف، ولا تذهب في حسابك سوءا أو يخونك التقدير. لم تستطع الريح هزّه (المكان) ولم ينحنِ لها ذات يوم أو ذات مرة. واهمٌ ذلك البعض ممن طوعته الغربة ولوَت ذاكرته، بأنه باتَ شاهد زور، أو  أنَّ رقبته مالت حيث الحاكم وقسوته. أجْزِمُ انه لم ولن يُخطئ أبدا، إنَّه أصدق مني ومنك، راسخ أصلب مني ومنك حتى وإن بانت عليه علامات الكبر وتغضن وجهه بشيخوخة العمر ومصائب الدهر.
 إذن سيبقى المكان وكما عهدناه، منصفاً، لمن استقرَّ أو مرَّ به أو حتى غادره على الكراهة أو مجبرا. لا يأتيه الباطل من أي جنبٍ، لا من يساره ولا من يمينه. لا يخاتل ولا يهادن، ولا يميل نحو هذا أوذاك، أو يضربه الهوى فيفقد الصلة الحسنة والقسطاس بين الناس. فهو واﻷرض التي نريد ونحلم صنوان لا يختلفان، فكلاهما وطأتهما قدماك، وهما مَنْ حَماكَ يوم ولدت ويوم غادرت ويوم ولّيت وجهك صوب أصقاع العالم وأطرافه.
 آه، تذكرت الآن وقبل أن يفلت السؤال من بين يدَي وذاكرتي، لِمَ أدرت ظهرك ونأيت عن ذلك الذي حملك على هذا الكف وذاك الكتف؟ ألمْ يصلكَ نداء المكان وخشية العابثين به؟ هل أصغيتَ الى صوت من سامرك الخمر والحب والطفولة وما بينها من مشاكسات محببة؟. إن نسيتَ أو تناسيت سأعيد عليك ما قالوه وقاله أخاك اﻷكبر: لا ترحل، ثم أضافوا عليه وبنسيم لغة عذبة، مخافة عليك لا منك: إياك يا ولدي، فقد تهتز الارض من حولك أو من تحتك وتفقد الوصل باﻷصل وبالجذر! لكنك لم تصغِ ولم تلتفت، فَرِحْتِ مولّيا وجهك صوب اللامكان وصوب اللاعودة، وأصبحت في تيه من أمرك، يأتي بك اﻷغراب والريح حيث تشاء، من يدري فكل الإحتملات  ممكنة بل لعلها لَوَتْ ذراعيك. وربما صادفتك أسوء المآلات، واعلم إنَّ اﻷحمال الثقيلة لا تُلقى على أي أرضٍ . ولعلك صاحبت مَنْ كان عصيٌ عليك أن تألفهم أو يألفوك، وليس مستبعدأ إن ضاقت بك المصادفات الطيبة وحُسن الأحوال رغم طول المقام هناك. لذا عُدْ الى الجذر والى تلك الشجرة الباسقة وَنَم تحت فيئها فظلالها لا زالت وفية، بإنتظار عاشقيها. 
                              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 ما فات ذكره هو مفتتح رواية كنت قد فرغت منها منذ فترة، والمكان فيها هو لبُّ الموضوع وهو جوهره. السرد في العمل السردي اﻵنف قد يأتي متداخلا، يُقسِمُ أحياناً ويُشطرُ بعضه بعضا، أو يخترق بعضه بعضا دون إستئذان. وقد تتداخل فيه اﻷيام والحوَلْ، غير اني سأحرص أو قُل حرصتُ على المسك بالتتابع الزمني ما إستطعت. أما إذا فُرضَ علي أو تسَلَّلَ من بين يدي ما هو خارج عن السياق والرغبة، وبما لا يوحي بالتسلسل الزمني للاحداث، فإعلم إنَّ وراء ذلك خلل ما قد حصل، مردّه الغفلة أو سوء الحساب، أو لضرورات اقتضاها النص فدُفعت للِّحاق به لتدارك ما فات من خطل ومن خطأ، لذا حسبتني مرغماً، ملتجئا الى شيئ من (المراوغة)، غير أن الأمل يحذوني أن تبقى الحبكة ويبقى السرد متماسكان، مترابطان.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو
                 


19
الشهيد علاء مشذوب وسيرته العطرة
القسم الثاني واﻷخير


( في تعليقها على الرواية، قالت إحداهن: إنها رواية ممتعة والسرد فيها جميل غير اني توقفت عن المواصلة عند منتصفها، لما ورد فيها من مَسٍّ للذات الإلهية. هناسأختلف مع السيدة القارئة، فالكاتب لم يكن ليهدف الى ما ذهبت اليه بقدر توقفه وتصديه وبجرأة للإنحرافات التي مارسها البعض وتحت خيمة الدين وبدعوى الدفاع عنه، لذا وللذريعة نفسها، فإنَّ هذه الرواية سوف لن تروق لهذا البعض).
   
 سيعيد علاء مشذوب سرد حكايته من هناك، من مخيم رفحا والمنفى البعيد،   حيث التجمع اﻷكبر لعراقيين، لم يكن أمامهم حينها من خيار وبعد أن ضاقت بهم المنافذ سوى مغادرة بلدهم، دفاعا عن مبادئهم وصونا لكرامتهم، فاﻷحوال قد تغيرت واﻷوضاع لا تسر أحدا. متجهين صوب عالم آخر، عالم مجهول لم تطأه أقدامهم من قبل، علَّهم يعثرون هناك على مخارج مشرفة، حاملين على أكتافهم في ترحالهم وطنا من جلنار وكل ما حباه الله من أشكال الخير.
 لكنهم وبسبب من حداثة تغربهم وقلة حيلتهم فقد فاتهم تلمس وعورة الطريق، عدا عن إرتداد مَنْ ظنوهم أخوة لهم، فإذا بأوصالهم تتقطع ويجري تقاسمها بين هذا وذاك، وراح (اﻷعدقاء) يتقاذفونهم بعد أن ضاقت بهم السُبُل، فضربهم التيه وهاموا على وجوههم، ليتحولوا الى ضحية لجنسيات متعددة اﻷطراف والولاءات، كانت قد وحَّدتها المصالح ليس الاّ، ولتجتمع في ما بينها تحت خيمة أو كذبة ما يسمي بالنظام الدولي، الراعي اﻷمين والمدافع عن حقوق الإنسان كما يُفترض، وفي ضوء ما سنته شرائعهم، وإذا به لا يقل فسادا وشراسة إن لم يزد عن النظام السابق، ليمسي متحكما ومتفردا بزمام اﻷمر، وبقراري الحرب والتجويع، والإتيان كذلك بمنظومة حكم مهلهلة، كبيرها لص وصغيرها زاني.
 ومن بين المغادرين أيضاً، مَن ْاستثمرها ووظفها لغايات أخرى، لا صلة لها بما كان يدعيه حين كان معارضا، لتتكشف نواياه بسرعة ملفتة، ولتسقط معها وبشكل مدوي كل شعاراته وإدعائاته، ولتهوي معها أيضا ما كان قد لفَّقه من سطور بعد أن لوى عنق التأريخ، ونسج منه ما يشاء بغير حق، إنسجاما مع ما انتواه وما خطط له، فراح في ما بعد وإثر سقوط الدولة أو إسقاطها، ليلعب ويرقص على أشلاء وطن، تمَّ ذُبِحه من الوريد الى الوريد، وليعبث به كما كان يفعل من قبل.
 وعلى تلك اﻷرضية والمعطيات الصادمة وما شهده العراق من مصائب وما لحق به من تخريب وتدمير متعمدين، وعلى يد فئة باغية، تحكمت بشؤون البلاد والعباد، سيسرد الكاتب علاء مشذوب روايته، بائع السكاكر، مختارا لها بضع شخصيات كان أبرزها تلك التي أسماها متوكل، لتشكل محور شاعمله. ومن خلال حركة هذه الشخصية وتفاعلاتها مع ما يحيطها، ستتحول وتصبح كما الشاهد الحي والمدون المحايد لحقبة من الزمن، حيث وُلِدَ وكبر معها، انها نهاية عقد الستينات وما سيتبعها من متاعب. وتعليقا على هذا الإسم(متوكل)، فهناك من الكتاب ولعل علاء كان أحدهم، سيختار له من اﻷسماء عن دراية وقصد، وسيحمل معه دلالته وما يرمز اليه.
 سيطوف هذا الصبي أحياء مدينته وهوحامل حلواه على صينية من نحاس، كان الصدأ قد طالها من بعض جوانبها، علَّه يكسب قوت يومه، ليحتفظ بما تيسر له وبالحلال، في(صندقجة)آملا أن تعينه على مسايرة أبناء حيّه ومدرسته والتواصل معهم ومن موقع المتكافئ، انها جذور الإعتداد والإعتزاز بالنفس وبالزهد أيضا، وستجد هذه الصفات  لها تعبيراتها، وسنسمع صداها مع تطور السرد، ولتبقى ملازمة له حتى في كبره.
 وأثناء تجواله على أحياء مدينته، كالمخيم وباب الخان وباب الطاك وباب بغداد وغيرها، سيصل مسامع هذا الصبي الفطن، الكثير مما يتناقله الكبار، ومداره ما تمر به البلاد من أحداث وأزمات متلاحقة، كالحرب والعوز والحرمان والديكتاتورية، لم تكن لتسر طفولته بل أوشكت أن تهدد أحلامه وما كان قد رسمه في مخيلته من أفق بعيد. لكن ورغم كل ما فات ذكره من ظروف صعبة ومع مرور السنين، فهذا الـ(المتوكل)، سيثبت تفوقه الدراسي وسيدخل مجالات أكثر رحابة وبالتزامن مع الإزدياد الملحوظ في مستوى وعيه وطموحه. وعلى هذا اﻷساس سينقلنا الكاتب الى مستوى آخر من روايته، ليكون متوكل نفسه محورها كما سبق القول.
 ومن خلال سيرورة الرواية وعلى لسان شخصيتها الرئيسية، فسيصلنا منه وفي طريقة تناوله لبعض المظاهر الإجتماعية التي لفتت نظره، إرتكانه الى لغة الكشف عن المستور وكذلك المسكوت عنه وما كان خافيا، كتلك الطقوس والعادات وما ورثه وأروثناه معه. ميل كهذا من لدن الكاتب، ربما سيؤرق البعض وسيكون مبعث قلق لهم، بل سيشكل دافعا قويا لمَنْ ألصق وإحتكر لنفسه صفة صاحب الفقه والتفسير، ليرميه بالشطح، وبالخروج عن الملة. موضوع كهذا هو ما شدَّ إنتباهنا، لذا سيكون محورنا في هذا المقال.
 فمثلا ووفق ما جاء في سرده، وأثناء مراسيم تشييع أحد الشهداء، ستظهر وبجلاء على الشخصية الرئيسية للرواية، علامات من التندر على هذا الطقس وليقلل من شأنه. بل تجده وقد ذهب بعيدا حين راح يتهامس مع أحد المشيّعين. ففي تعبير يدل على وقوفه في جانب الرافض له، شرع بالقول(ولكن الله لم يذكر كلمة الشهيد بمعنى من قُتل في سبيله، ﻷنه يقول ولا تحسبن الذين قتلوا، ولم يقل ولا تحسبن الذي أستشهدوا)ص50. وتعليقا على هذه الفقرة، فربما الكاتب، وانا لست بصدد مصادرة رأيه وما يكتنهه، أراد أن يقول: إنَّ فكرة ما يسمونه شهيدا،سترتبط هنا بالحروب التي تخوضها النظم الحاكمة الفاسدة والغير شرعية. وإرتباطا بهذا السياق، فهل يصح لنا أن ننعت ضحاياها بالشهداء؟. بالمناسبة حديث كهذا لا زالت تدور رحاه في أروقة النظام الحالي.
 وفي لفتة أخرى وفي ذات السياق سينقلنا الكاتب الى حدث لا يقل أهمية عن سابقه، إذ راح مذكراً بذلك الخلاف الذي نشب بين أبيه من جهة وعمه من جهة أخرى، فاﻷخير كان صعب المراس والطباع، وعلامات عدم الرضا والنحسُ بادية عليه، حتى تمَّ إكتشاف اﻷمر والتوصل أخيرا الى سرّه. فالرجل لا يُسكتهُ ولا يغير من طباعهِ الاّ تسجيل البيت الذي كانوا قد أورثوره من والدهم بإسمه فقط، وبذا سيفرض على أخيه التخلي عنه وكان له ما أراد.
 وفي الحيثيات أو الخلفيات التي وقفت وراء هدفه هذا، هو إستغلال حديقة البيت كما إدعى العم، لإخفاء تلك المطبوعات السرية التي كان يصدرها أحد اﻷحزاب الإسلامية المحظورة، والتي كانت بحوزة ولده بإعتباره عضوا في واحدة من التنظيمات المذكورة. وتعليقا على ما فات وفي تنويه الكاتب وإيراده مثال كهذا، أراد من خلاله التذكير بحقيقة هذه اﻷحزاب ومدى طمعها في الإستحواذ والتملك، وهذا ما سنشهده لاحقا حين تسلقوا السلطة، حيث قاموا وبعد أن وطئت أقدامهم عتبة الحكم ومنذ اللحظات الأولى، بالإلتفاف ومصادرة ما يمكن نقله وما لا يمكن،سواء ما كان تابعا وجزءا من ملكات الدولة أو من المواطنين. متبعين في ذلك شتى الوسائل بما فيها تلك التي جرى تحريميها من قبلهم هم أنفسهم، في أوقات سابقة.
 وفي موقع آخر من الرواية، والتي ستأتي بمثابة الإحتجاج على عدم القدرة على اتخاذ اي خطوة تحمي الشعب ومقدراته، وبعد إنفلات اﻷوضاع وبلوغها مرحلة لا يمكن السكوت عنها، فستجد الكاتب رافعاً صوته عاليا، محرضا الخالق على فعل شيء، يحمي ويدافع عن حق أصحاب الحق( إنَّ الاله الذي يسكن بعيداً عن غنماته ولا يستطيع حمايتهن لا يستحق الإفتراض أو الوجود. وإنَّ الاله الذي يحيط نفسه بألاسرار مخافة إكتشافه، اله لا يمتلك أي أسرار)ص53. نص كهذا سيدفعنا الى التساؤل: هل أن علاء وبسبب إيراده نصا كهذا،سيدفع باﻵخرين ممن يدعون تمثيل الله ويحتكرون النطق بإسمه، لأن يضعونه في خانة من الشك والريبة.
 وعلى ذات الصفحة سيضرب الكاتب بقسوة ويبلغ أقصى درجات التقاطع مع فكرة النبوة وخلفياتها ومن خلال العبارة التالية: إنَّ البيئة التي لا تنتج أنبياء هي بيئة خالية من الإنحرافات. بل سيذهب أبعد من ذلك حين يورد النص التالي: البعض يحتاج الى صنم يلجأ اليه عند حاجته ليبكي في حضرته وينساه في لحظة فرح. بدورنا نحن القراء ولنعتبر اﻷمر سيدخل في باب الفضول لكنه سيبقى تساؤلا مشروعا، إذ كيف لعلاء أن يورد  نصا كهذا وهو إبن مدينة محافظة، تضم بين جنباتها مزارات مقدسة ومحمية باﻷئمة والصحابة. هل ما أورده يمثل رسالة رفض صارخة عما ترى عيناه، موجهة تحديدا ضد مَنْ يدعي حماية الدين والمذهب؟ ربما !!.
 أفكار كالتي سقناها لم تكن بالغريبة أو الجديدة عليه، فمنذ كان فتيا، راودته الكثير من اﻷسئلة، وراحت تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال. فعلى الصفحة التاسعة والستين سيسأل صاحبه وقد يسبب له حرجا غير انه لم يتراجع: لماذا لا تُغني كل اﻷدعية عن جوع، ولا تستر كل التسابيح والتضرعات عرياناً. وبالمناسبة فقد جاء تعليقه هذا وعلى وفق ما جاء في الرواية، بعد أن صادف مرورهما بالقرب من أحد الجوامع ورائحة الطيب تضوع بالمكان، وبلغة لا تخلو من تندر على بضعة أشخاص، كانوا متجهين لصلاة الظهر.
 الكاتب لم ينتهِ عند هذا الحد والصورة لم تكتمل بعد، لذا سيمضي في رسمها  وعلى وفق ماستتفتق به مخيلته، والتي ستكون على النحو التالي: سيقوم اﻵذن أو المشرف على الجامع، بجملة من الطقوس والفروض وغيرها من إجراءات العبادة ومقتضياتها، في مسعى منه للتقرب الى الخالق وإرضاءا له، واضعا نصب عينيه ما سيوفره له من رصيد وحسنات، إستعدادا وشفاعة ليوم الحساب. لكن هذا الشيخ المعمم والجليل كما هو مفترض، ومع أول إختبار حقيقي لمدى إيمانه، ستذوب وتتلاشى كل إدعاءاته، وسينازعه صراع الرغبة والشهوة(مع قرب إمرأة حسناء)، سيحضر معها الشيطان، ليفسد عليه صلاته وقيامه.
 وعلى ذات المنوال سيستمر الكاتب على جرأته والوقوف على ما يصعب التوقف عنده(كان أبي قبل كل صباح وعند السحر وقبل الفجر يوقض الله ليُخبره بصحوه المبكر.... يُخبره باﻷفواه التي ستُفتَح بعد السادسة من كل ضياء)ص70. في هذا النص سيجنح صاحب النص الى تبادل اﻷدوار بينه وبين خالقه، لعله أراد أن يقول: إنتبه يا سيدي، يا مالك السماوات وما فوقها وما تحتها، القادر على كل شيء، هناك بشر محرومين من نعمك وأفضالك، فالعوز هو الكفر والجوع هو الكفر. أمّا ما هو بيني وبينك فلنرجأه الى إشعار آخر، فاﻷفواه لا تعرف اﻷعذار ولا تقوى على الإنتظار.
 وفي إنتقالة أخرى، لا تقل صراحة ووضوحا،سنقرأ(المدن التي تدور حول المراقد الدينية مدن خائفة من العطش... تبقى مدن ليلية تتخطفها اﻷشباح ويرعبها عواء الكلاب والذئاب وعيون القطط)ص75. هنا سيكون السؤال مشروعا: لِمَ وصل الكاتب في وصفه للمدن المقدسة الى ما وصل اليه؟ فعلى ما عرفناه، إن أماكن العبادة ولدى كل اﻷديان والمذاهب وحتى لدى غير الموحدين، تبعث على الطمأنينة والسكينة وهدأة الروح.
 وإذا ما أردنا التوقف عند هذه الظاهرة وما تعانيه المدن المقدسة وكما رآها الكاتب، فإلى ماذا سنعزي أسبابها!. وبصرف النظر عما يجول بخاطرنا من ردٍ وتفسير، فإنَّ الكاتب علاء مشذوب سوف لن يُحار جوابا، فبعد القليل من اﻷسطر، سيرد هو نفسه وفي ذات الصفحة على تساؤلاته أو لنقل إحتجاجاته على تلك الصورة التي خرج بها عن تلك المدن(كنت ما بين مطرقة الواقع وسندان اﻷحلام أطحن كل مساء، كلما غرز الواقع أنيابه في الحمى هربت الى الحلم ﻷلتحف به).
 وتعقيبا على ما ذُكرَ، فسيؤشر الكاتب هنا وبلغة لا تخلو من تورية، بانَّ عملية البوح لم تعد ممكنة، فحرّاس النوايا يقفون بحرابهم على اﻷبواب، وفكرة تعدد اﻵراء واﻷصوات لا مكان لها في حوار الطرشان. حتى اﻵن سيظن القارئ أن الكاتب ربما إكتفى بهذ القدر من الإحتجاج حين كان حذرا في تعبيره، غير انه سيباغتك وعلى نحو مفاجئ وبجملة إعتراضية، ربما سَيُلخِّصُ من خلالها طريق النجاة من المأزق الذي يعصف بالبلاد، ليقترح حلا، لم يكن ليخطر على بال أحد(في كل زمان يحلم الشباب بالخلاص، ولا خلاص غير المسيح من براثن الحقد النابتة في الصحراء دون بذور)ص76.
 إذن، ومن كل مافات، يمكننا القول بأن فكرة إقحام الدين بالأحداث التي تعصف ببلاده وبسيرة الكاتب الشخصية أيضاً، لم تأتِ بعفو خاطر، بل كان يعنيها ويتقصدها، وعلى أرجح الظن ربما أراد لها أن تكون موضوع روايته، وأراد أيضا ومن خلالها إيصال العديد من الرسائل. لذا وإنسجاماً مع ذات السياق، سينقلنا علاء الى أجواء أخرى، سيستحضر فيها ما كان أباه قد مرَّ به وعائلته بشكل عام من متاعب، دون أن يغفل طبعاً عن ربطها بالشق الديني.
 فكم تمنى الكاتب أن يوفر ﻷبيه عيشا رغيدا وأناقة تليق بمقامه، بعد مرَّ شابسنوات من العذاب وشغف العيش. وكم تمنى أيضاً لوالدته توفير ما شايطيب لها من الرغبات، تنسيها قرف ما لاقته من أيام نحس وليال قاسيات. فعلاء كان يحلم أن يرى والدته (تضع الميك آب الخفيف على وجنتيها بشعرها السارح لتعلن عن أنوثتها الجميلة)ص98.
 غير انه وفي المنتصف من ذات العبارة الآنفة،سينقلك الكاتب الى مناخ آخر مختلف تماما، وبشكل بدا كما الذي أوحي اليه على حين غفلة، ليتقاطع مع تلك الصورة التي كان قد رسمها وتمناها لوالدته قبل لحظات والتي ما إنفكت تراوده، ليحذرها ويدعوها الى(صيانتها لنفسها من كل الذين يرتدون بزة الله، رافعين آيات الكتب المقدسة بوجهها)، وعليك يا أمي أن لا تلتفتي اليهم، وأريحي ركابك حيثما يطيب لك المقام، فمن جنباتك ستفوح ضوعة الطيوب.
 ربما التحدي اﻷكبر الذي سيطلقه الكاتب وبعد أن طفح به الكيل ولم يَعُد في قوس الصبر منزع، تمثَّلَتْ في دعوته الصريحة الى (أن يُطلق العنان شالشعائر الله ليمتحن تقوى القلوب بالتزامن مع فتح الملاهي والبارات)ص99، وعندهاستتضح الرؤيا ويبان الخيط اﻷبيض من الخيط اﻷسود، وسنرى الناس مولّين وجوههم زرافات ووحدانا صوب ما يشتهون. وعن ذات الموضوع، فالكاتب هنا يتحدث بثقة عالية، فبدا كما الذي عرف سلفا مصداق قوله ولعله لم يجانب الحقيقة حين (رأى الدين مطواعا بيد زبانية الجكومة)ص101، يحركون زواياه كما يشتهون، يفسرونه كما لو رأوه حمّال أوجه، فإذا شاء أحدهم فسيأخذه  يمينا، وإذا شاء اﻵخر فسيأخذه شمالا، أمّا فقراء اﻷرض فلا حول لهم ولا قوة.
 قبل أن نختم، هناك نص كان قد ورد في رواية أحلام ممنوعة للروائي نور عبدالمجيد يقول فيه:
(خربوا البلد... منهم لله... البلطجية بيكسروا المحلات والبنوك يا خالتي). والحاذق يفهم.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو
 
 




                               





20
الشهيد علاء مشذوب وسيرته العطرة
                       
                             ــ 1 ــ   
قبيل الخطوة اﻷولى.
 مضى على تخرجه من كلية الفنون الجميلة قرابة العقد أو ما زاد عليها ببضعة سنين، ومنذها لم تحن الفرصة لزيارتها الاّ ما ندر، ربما لإنشغالاته وتعدد مسؤولياته، أو لأن الحظ وقتما كان طالباً لم يحالفه في نسج زمالة عابرة أو علاقة عشق حتى لو كانت بريئة في نواياها مع إحداهن، لذا لم يشده الحنين اليها كما ينبغي. لكنه وفي الحالتين لم يكن في حلٍّ عن إستذكار أحلى اللحظات وأجمل اﻷماكن، فكم من مرة راودته فكرة معاودتها الاّ انها كانت تفلت من بين يديه دون إرادته ورغبته.
 أخيرا وبعد طول سنين وإذا بالشوق يضربه بقوة وعلى نحو مفاجئ ليحن الى تلك اﻷيام، بكل ما فيها، وكان له ما أراد. إذن ها هو اﻵن بحضرتها، مستظلا بشموخها، يدور بين أروقتها وقاعاتها، يتجول بزهو في رحابها، متطلعا في ثناياها وما تحدثه الشمس من دفءٍ وفيئ، قائلا في سرِّهِ: لا زالت جدرانك بهية رغم عوامل الكبر والتغضن، البادية عليك. لم يكتفِ علاء بذلك فها هو يقدم لها وبصوت كاد البعض يَسمعهُ فروض من الشكر والإمتنان، كذلك فيض من العرفان لكل مَنْ أهداه حرفا ودلَّه على صواب الطريق.
 بعد أن أكمل ما أسماه زيارته ﻷحد أهم اﻷماكن قدسية وشأناً، ما كان عليه الاّ التوجه صوب الحافلة التي ستقله الى مدينته، مدينة كربلاء التي باركها الرب وألِفت مآذنها أسراب طيور زاهية بألوانها وأنواعها، عمادها الوداعة وما هو أبعد. تطلَّع في ساعته والى اللوح المعلق الذي يحمل مواقيت الإنطلاق، وإذا به يكتشف أن هناك فائضا من الوقت وما عليه الاّ تزجيته، وخير مكان لذلك هو شارع المتنبي، فكم من مصادر دراسته إغترف منه، وكم كان سخيا لراحة روحه وسعدها. وما هي الاّ عطفة صغيرة سيجتازها ليصل الى مكانه المفضل، ليلتقي هناك خير جلاّسها وصفوة من روادها حين كان  طالبا، مستعيدا ما فات من حلو الأيام ومن أحاديث ما إنفك صداها يداعب ذاكرته، لذا راح يستحث الخطى نحو ما يبتغيه، إنه مقهى الشبندر.
 قبيل وصوله وعلى بعد أمتار معدودات وإذا به يتفاجأ بطاقم تلفزيوني كامل العدة والعدد، منغمس أحدهم في حوار ساخن ومؤثر مع صاحب المقهى محمد الخشالي، بهدف إعداد تقرير مفصل عما تعرض له وما اُلحِقَ بمقهاه سنة 2007 من أذى وتخريب، إثر عمل إرهابي راح ضحيته خمسة من أبنائه. ترحَّم علاء على أرواحم البريئة والزكية، قرأ من آيات الله ما تيسر وما توائم وتلك الواقعة الفاجعة، ثم واصل مشيته، علَّه يجد بديلا يستريح به، وإذا بقدميه تقفان عند ذلك المكان الذي كان يؤمه الشاعر الفيلسوف جميل صدقي أيام الثلاثينات والذي حمل إسمه، والحديث هنا يدور عن مقهى الزهاوي العتيد.
 وبمحض الصدفة المحضة، إلتقى هناك بأحد الأشخاص الذين كان على صلة به أيام زمان رغم فارق السن الواضح بينهما. أوشكت هيئة صاحبه أن تتطابق في زيها لما كان يرتديه الشاعر الزهاوي ومسحة من الحزن واﻷسى تغطي محيا العم شهاب، هذا هو إسمه، أمّا سكناه فهو في منطقة الفضل القديمة وربما يكون أحد اعيانها.
 ما بالك ياعم، أراك واجماً وعلى غير عادتك التي كنت قد عهدتك بها أيام زمان؟ سأله علاء مشذوب، ولم يردٌ عليه، ربما لم يسمعه وهذا أغلب الظن، فصوت مجنزرات الإحتلال التي مرَّت مسرعة بالقرب منهما حالت دون ذلك. ثم راح مكرره عليه، وإذا بالرجل يلتفت الى جليسه ليبدو كما الذي كان ينتظر سؤالا كهذا، ففي داخله فيض من الهَمِّ واﻷسى، لذا ألفته معيدا النظر في جلسته، ليكون في وضع يؤهله للسرد المريح، وبين سبابة يده اليمنى وأوسطها سيكارة تأبى مفارقته.
 بعدها شرع العم شهاب قائلا: سأحدثك يا ولدي وبإختصار عمّا يوجعني. سأحدثك عن مُدللتي بغداد وما كانت عليه في الفترة التي أنت وُلدتَ فيها، انها الستينات وما أجملها وسأعرج على الخمسينات أيضا، أمّا ما آلت اليه اﻷوضاع وسوء اﻷحوال في السنوات اﻷخيرة فسأترك أمر تقديره لك. أو إذا شئت فسأتلو على مسامعك ما كتبه أحدهم في إحدى الصحف البغدادية اﻷسبوع الماضي؟. ردَّ علاء بعد أن وضع عامل الوقت في حسابه، خشية عدم تمكنه من الإلتحاق بالحافلة التي ستقله الى مدينته، إذن لنستمع الى ما جاء في المقال. وهنا أخرج العم شهاب من جيبه ذلك العدد من الجريدة، شارعاً في قراءته وكما ورد نصاً:
((سنلقي الضوء هنا بعجالة على ما أطلق عليه بفترة الستينات وما سبقها بقليل، وعلى جيلها وما أنتجه من أعمال أدبية رائعة، لا زالت عالقة في ذاكرة مَنْ عاصرها، يحنون اليها بين حين وحين، يستحضرونها بشوق ولهفة، رغم تحفظنا على هذه التسمية (مصطلح جيل الستينات)، فعنها دار وَلمّا يزل لغط كبير. في كل اﻷحوال فلا خيار لنا ولا مندوحة الاّ التوقف عند أبهى محطاتها، نقلِّبُ صفحاتها، نشم عطرها، نسعد بنسائمها، نغفو على جمال ما دَوَّنهُ كتابها.
عن ماذا أحدثك عزيزي القارئ، عن فورة الشعر وفن السرد وما رافقهما من حوارات ساخنة، أم عن المسرحَينِ، الناطق منه والصامت وكذلك التجريبي وسادته. أم عن كُتّاب سيعتلون منصات الألق والتنافس، برفقة حزمة ضوء من ذهب وماس. أم عن عادل كاظم وقرينيه بل صديقيه عبدالوهاب الدايني وابراهيم جلال والقائمة تطول!. أم أحدثك عن فن الدراما ومدى رُقيه وتميّزه عن سائر الفنون، حيث لا مجال فيه الاّّ للكبار، فهو كما الوديعة والأمانة، كان قد تبارى في الذود والدفاع عنها، بعفة وشرف عاليين فنانين بقامات عالية، كخليل شوقي وزينب ويوسف العاني وناهدة الرماح وجعفر السعدي وبدري حسون فريد وآخرين قد نسهو عن ذكرهم.
عن ماذا أحدثك عن لوحات راحت تطرز قاعات بغداد وغاليراتها، فمن هنا مرَّ الدروبي حافظ وخالد الرحال، وهذه الريشة تعود لفايق حسن وهناك توقفنا طويلا عند لوحة سعاد العطار بألوانها الزاهيات، وهناك أيضا مَنْ سيتبارك بجدارية جواد سليم وسيستمد منها العزيمة والكبرياء، وهناك مَنْ إلتقط بفخرصور تذكارية مع إسماعيل فتاح الترك ومثلها مع محمد غني حكمت وغيرهما.
 وعلى الضفة اﻷخرى من أشكال الجمال وتعبيراته، فهناك من ضربه العشق والهيام وراح يندب حظه العاثر، محاولا مداراة ومداواة جراحه الغائرة، وعلى نغمات عفيفة اسكندر وأغنيتها شدعيلك يللي حركت كَلبي. ومنهم مَنْ راح يإنٌ مع أنين سليمة مراد وأغنية الهجر مو عاده غريبة .... ومنهن مَنْ راحت تتحسر مع مائدة نزهت بنت الضابط، وتخشى على الولد من أن يفلت من بين يديها وقلبها لتردد معها عيني عالولد. وهناك مَنْ رأى في أغنية عبدالوهاب، جفنه علَّم الغزل، خير مَنْ تُطربه. ومن شدة تعلقه بهذه اﻷغنية وصاحبها، راح يخوض نقاشات حامية الوطيس، حتى أوصلته في نهاية المطاف الى أن يتخلى عنه  نصف أصدقائه، وربما إتهموه بالولاء والتبعية الفنية لجهة أجنبية مشبوهة، ولعل أمر كهذا يُعَد من إحدى الطرائف والدعابات التي واكبت تلك الفترة من الزمن)).
  بعد هذا السرد المؤلم والشيق من المتحدث، والذي كاد على أثره أن ينسى علاء موعد عودته الى مدينته، كان لابد له من إصدار بعض الإيحاءات والتلميحات، على أمل الإلتقاء مرة أخرى وبأقرب فرصة ممكنة. خرجا سوية من المقهى وكادت إحدى قدمي العم شهاب وبعد  نوبة من اﻷلم والحسرة  أن تعثر بدكة المقهى لولا إتكائه على كتف علاء، ليتبعها بإبتسامة شكر، وليتوادعا على أمل اللقاء في ظرف أحسن، تكون فيه المجنزرات ومَنْ جاء معهم، قد إختفت تماما من شوارع مدنهم الحبيبة والسليبة.
                             ـــ 2 ـ
    توطئة لرواية بائع السكاكر.
 لا أظنُّ أنَّ علاء مشذوب، المولع بالقراءة والمتابع عن كثب لمتغيرات بلاده سيغفل عمّا سمعه من العم شهاب حين التقاه في ذلك المقهى، بل لقد حمل على كتفيه وطيلة الطريق الذي سَيوُصلهُ الى مدينته كل حرف وكل واقعة وكل إسم كان قدساهم وشارك في صناعة تلك الحقبة من الزمن، فهم وعلى ما رآه حَمَلَةُ ذلك الورد، بعبقه وأريجه، وبعطره الفواح وهو يغطي سماء بل سماوات بلاده. ولشدة جمالها راح متحسرا عليها، ناشدا العودة اليها أو محاكاتها.
 وما كاد يغادر تلك اللحظة الحرجة التي بلغ فيها ذروة الوجع، حتى أخذت تنثال على ذاكرته تلك اﻷحداث التي كان قد مرَّ بها ودونت سيرته ومنذ ولادته، لتتقاذفه وترمي به شرقا وغربا، لتجد بعد سنين تعبيراتها وإنعكاستها على شكل أعمال روائية وقصص قصيرة، فضلا عن بعض البحوث والدراسات المتعلقة بالتأريخ الإسلامي وكذلك المتعلق منها بإختصاصه في فن الصورة التلفزيونية. كذلك سينشط في حقل كتابة المقال وراح إسمه متداولا وبقوة في أهم الصحف العراقية.
 وسيختم طيب الذكر والثرى مشواره الفني واﻷدبي بعمل روائي، سيرى النور عام 2018، لعلَّ ما جاء فيه من محتوى سيشكل نقطة تحول كبرى في حياة الكاتب، لما فيه من أفكار لا تخلو من جرأة، خاصة وانها وفي بعض من فصولها قد مَسَّت الباب العالي وكل مَنْ نصََّبَ نفسه وكيلا وممثلا للإرادة الإلهية. وعن الرواية ذاتها فستحمل إسماً، كان قد إختاره ليدون فيه أهم المحطات والمنعطفات التي مرَّ بها ومذ كان صغيرا، إنها رواية بائع السكاكر.سيندب فيها حظَّه العاثر وحظَّ مَنْ جايله، ملقيا على صفحاتها قسوة عهد مضى وقسوة عهد يعيشه، ذاق من خلالهما أشد حالات العوز، وأكثرها تسلطا وتخلفا.
 وعلى الرغم من قساوة اﻷحداث والظروف التي يمر بها البلد ونظام حكم يتراوح بين الظلالة والجهالة، فألفته مُجدّا في مسعاه، ليطرق من جديد باب أكاديمية الفنون الجميلة التي تخرَّجَ منها، ليواصل ومن هناك تخصصه، مبتدءاً بحصوله على درجة الماجستير ومن ثم الدكتوراه، وبذا سيكون علاء قد وضع نفسه أمام مسؤوليات أكبر وأكثر جسامة وربما أشدٌ إيلاما ووقعا عليه، مُذكراً بتلك القاعدة اﻷثيرة للمتصوف الإسلامي،  محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري( كلما إتسعت الرؤيةستضيق العبارة)، وستضيق معها المخارج والمنافذ، فبأي العُقَدِسيبدأ! أيبدأ بالتي أقل ضررا، أم بتلك التي أقرب الى الحلِّ وأسهله، فالحال لا يسر أحدا، والبلد سائر نحو المجهول إن لم يكن الطوفان من بعده.
 وقبل أن يشرع في كتابة نصه، راح مستعيدا ما قرأ على مسامعه العم شهاب قبل سنوات، عن تلك الحقبة من الزمن والتي أسميناها بالستينات وجيلها، وسينظر اليها ويتعاطى معها بعينين مختلفتين، فمرة يغتبطها لزهوها وعطائها فيسميها بالزمن الذهبي، ومرة ينظر اليها بعين من الحسد ولعله مشروعا. وعند هذه اللحظة سيعيد علاء ذات التساؤل الذي كثيرا ما كان يرواده ويردده: لِمَ لَمْ نعش مثلها، ولَماذ تقطَّعَت الأوصال فيما بيننا؟.
 وبعد أن فرغ من كل تساؤلاته، راح يسرد روايته بروية وتأني. سيتخللها بين حين وحين إرتشافه جرعة من خمر أصيل، كان صاحبه قد أتى بها خلسة من قضاء طويريج القريب من مدينته، مخافة أن يُكشَفَ سرّه، فحسّاده كثرُ، ومنافسيه من أصحاب العمائم على اﻷبواب، تراهم يسترقون السمع والبصر، لا يدانيهم في ذلك الاّ رجال اﻷمن وسطوة حكام فاسدين من الرأس حتى القدمين.
 لكنه رغم هذا وذاك ورغم إنبهاره بتلك الحقبة التي أسميناها بالستينات، فإنَّ لعلاء وجهة نظر خاصة بها، فلا ينبغي أن نغفل كما يقول عن الجانب المعتم منها، وعلى وجه أدق نهايات ذلك العقد، وأظنه مصيبا في ذلك، حيث ستدشن بلادنا عهدا جديدا، عهد من المتاعب والمنايا، ستتخلله خيبات وهزائم، وستخاض معارك كانت نهاياتها قد رسمت وَعُرِفَتْ سلفا، ستدفع أثمانها أجيال وأجيال، وستشهد بلادنا أيضا ولادة أنظمة، أحرقت الحرث والنسل واغلقت طرق الوصول الى الضفة اﻷخرى، حيث الخمرة والخضرة والوجه الحسن. سنعيش زمانا سيصادر  فيه اﻷفق وساعات الغسق والسحر، وَسيُحجبُ عنا نور الشمس وضوء القمر. وستمر علينا أياما من الضلالة والتيه....
أراد علاء أن يسترسل أكثر في وصفه للحال وما هو متوقع غير اني أوقفته، أنا المتلقي: علامكَ ياصاحبي، تمَّهل قليلا، الا تظن أنك قد بالغت في ما ذهبت اليه؟ لم يرد عليَّ، مكتفيا  بإحالتي الى روايته. إذن نحن اﻵن في صحبة علاء مشذوب وما كتبه. متوقفين عند أصعب وأعقد محطاتها بل وأكثرها خطورة وربما كان من خلالها قد رسم نهايات حياته بل قد تكون السبب الرئيسي الذي وقف وراء إستشهاده، فهل هي النبوءة أم ماذا؟
 
ملاحظة: لنا لقاء آخر مع حكاية الشهيد علاء مشذوب في قسمها الثاني، سننشره لاحقا.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو


21



النص اﻷدبي بين السرقة والإقتباس

كظاهرة، لا يظن البعض بأنها منتشرة على نطاق واسع والى الحد الذي يدفع للقلق، لذا لا يجدون أصحاب هذا الرأي ما يستدعي التصدي لها، بل حتى ذهبوا الى أبعد من ذلك، فعلى ما يعتقدون بأنهاستأفل كما أفلَتْ من قبلها الكثير من الظواهر السلبية، والحديث هنا يدور عن سيرة اﻷدب وما رافقه من عثرات وتجاوزات طيلة مسيرته عبر التأريخ. وعلى الطرف الآخر هناك مَنْ يراها بعين مغايرة تماما وراح قائلا: لقد باتت حقا تشكل خطورة، وستستفحل إذا ما تُرك الحبل غاربا أو إذا ما تعاملنا معها بتجاهل وخفة.
  بصرف النظر عن الحالتين وما يحملان من رأي، فما يمكن قوله وما يمكن الإتفاق عليه، بأنها ليست بالظاهرة الجديدة على اﻷدب العربي والعالمي بشكل عام. وإذا ما عدنا بالتأريخ الى الوراء، فسينبأنا وعلى سبيل المثال، بأن أكبر شاعرين عربيين كانا قد رميا بها، الا وهما المتنبي وأبو تمام، على الرغم من إنهما عاشا بزمنين مختلفين والفارق بينهما زاد على المائة عام، ولا أقصد هنا بأنَّ أحدهما نحل من اﻵخر، كما قد يذهب الظن بالبعض، وإنما ما أدعته فئة صغيرة، ظلَّت طريقها، وراحت تحلّقُ خارج السرب مرة ومرة تحفر في الخبايا، علَّها تعثر على مثلبة، تروّج لها لتستطيب.
في عصرنا الحديث ومع مطلع القرن الماضي وكي نعطي مثالا أقرب للقارئ، كنا قدشهدنا العديد من السجالات اﻷدبية، منها ما تعذَّرَ تدوينه وﻷسباب كثيرة لسنا بصددها وضاعت نسيا منسيا، ومنها ما تمَّ رصده. ومن بين ما توفَّر لدينا من معلومات وتستدعي التوقف عندها، هي تلك الواقعة التي دارت رحاها سنة 1916وإنتشرت في حينها على نطاق واسع، بين الشاعرين عبدالرحمن شكري من جهة وابراهيم المازني من جهة أخرى. ففي كتابه الموسوم (المذاهب اﻷدبية)، يتحدث الدكتور عبدالله خضر حمد، عما دار بين الشاعرين من سجالٍ وتدافعٍ حتى بلغا مرحلة، تقذافا فيها ما يمكن إعتباره أرخص التهم، وبما لا تتسق ومكانتهما، (وثارت إثر ذلك الخصومة، فأخذ شكرى يعيب على المازنى انتحاله لبعض الأشعار الإنجليزية بعامة، ومما دون فى "الكنز الذهبى" بخاصة).
ولمزيد من اﻷمثلة عن ظاهرة السرقات اﻷدبية التي نتحدث عنها، فسيتوقف الصحفي المصري، عاصم زكريا عند إحداها، كاشفا عنها وبقدر كبير من الصراحة والتفصيل، وبتقرير كان قد نشره في مجلة المصور القاهرية في شهر آب لسنة 1993، توقف  فيها عند مسرحية (العريس) والتي تُعَدٌ باكورة أعمال الكاتب الكبير توفيق الحكيم، فهي باﻷساس والكلام للصحفي( مسرحية فرنسية مجهولة). وقد عزز هذا الرأي ناقدا مسرحيا آخر، حيث ذهب الى ما هو أبعد حين كتب: وقفت من المسرحية موقفاً جامداً؛ لأنها نُقلتْ من الفرنسية إلى العربية، فقط مع تغيير الأسماء. اﻷنكى من ذلك، فإن أحد أهم اﻷعمال الروائية للكاتب توفيق الحكيم، والتي ستكون سببا في شهرته وشيوع إسمه على صعيد اﻷدب في ما بعد، الا وهي (حمار الحكيم)، حيث سيرمى بإنتحالها هي اﻷخرى أو لنقل بإقتباسها تخفيفا لوطئة المفردة وما تحمل من معنى، بإدعاء إنَّ كاتبها اﻷصلي هو خوان رامون خيمينيث، الإسباني الجنسية والتي حملت عنوانا أنا وحماري، علما أن هذا الكاتب سيمنح جائزة نوبل للآداب عام 1956عن روايته هذه وعن مجمل أعماله.
وعن ذات الموضوع وبمثال أقرب وأكثر معاصرة، فقد شنَّ الكاتب التونسي كمال العيادي، المقيم في العاصمة المصرية، حملة شعواء على اﻷديبين يوسف زيدان، الحاصل على جائزة البوكر لعام 2009 عن روايته عزازيل كأفضل عمل روائي عربي، وكذلك على علاء اﻷسواني صاحب رواية عمارة يعقوبيان، متهما إياهما بالإنتحال. فعن يوسف زيدان مثلا ونحن هنا لسنا بمسؤولين عن ذلك، وتعزيزا لما  ذهب اليه، فقد ادعى بأنه قام( بسرقة عزازيل من رواية إنجليزية قديمة ومهملة لروائي إنجليزي كتبها عام 1853، وترجمها إلى العربية عزت زكي بإسم هابيشيا، والتي تتكون شخصياتها الرئيسة من بطل الرواية، وهو راهب من وادي النطرون). بالمناسبة وعلى ذكر رواية عمارة يعقوبيان، فقد أثيرَ على أثر إصدارها تحفظ ولغط واسعين، وسُمعت أصوات عديدة من قبل سكان العمارة اﻷصليين أو مَنْ تبقى منهم، متهمين كاتبها بحرف الحقائق أو اللعب عليها بطريقة أساءت لساكنيها.
ربما يخال للبعض بأن ظاهرة السرقات اﻷدبية، قد أقتصرت على الناطقين بالعربية فحسب، وهذا رأي يجانب الحقيقة ويبتعد كثيرا عن كشفها. ولكي لا نغوص عميقا ونشتت ذهن القارئ، وإختصارا للأمر، فلا بد من القول بأنَّ اﻷدب العالمي وبكل لغاته الحية والمستجيبة لمتغيرات العصر، قد شهدت وربما على نطاق أوسع مثل هذه الظاهرة، أي السرقات اﻷدبية وتحت عناوين ومسميات عديدة. وإذا أردنا أن نأتي بمثال فسنكتفي بسرد إحدى الوقائع وكما وردت في الكتب التي تتحدث عن تأريخ اﻷدب.
فَتَحْتَ عنوان عجائب وغرائب السرقات اﻷدبية، كان الكاتب محمد الشبرواي قد نشر مقالا في موقع أنطولوجيا اﻷدب العربي، تحدث فيه عن هذه الظاهرة وبلغة بدت أكثر صراحة ووضوحا. وما يلفت الإنتباه في مقاله هذا ويجذب اﻷنظار، هو ذلك العنوان الفرعي الطريف الذي أسماه بالسرقة اﻷدبية تحت تأثير الكحول. كشف فيه عن تلك العلاقة التي جمعت وتحت ظروف خاصة جدا، بين الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير(1821 ـــ 1880)وبين إحدى حسناوات باريس، وإسمها لويز كوليه، حيث إدعت علاقاتها باﻷدب عموما وبالشعر بشكل خاص. وصادف ان كان هناك ولنسميه سباقا للشعر وعلى مستويات عليا، لتصر هذه الحسناء على الإشتراك به وبأي ثمن. (ولأن قريحتها الفنية سقيمة ورديئة؛ فقد آلت على فلوبير إلا أن يكتب لها قصيدة). وكي تُكمل مشوارها وتحقق غايتها فقد(أغلقت عليه وصديقه بويليه الحجرة ورفضت خروجهما إلا بعد أن ينظما القصيدة...وتحت تأثير السُكر تناول أحدهما أحد دواوين لامارتين، وأملى على صديقه بضع أبياتٍ منه، وأنجزا المهمة وخرجا بعد يأس من هذا المأزق). ومن مهازل اﻷقدار أن فازت هذه القصيدة بالجائزة اﻷولى في ذلك السباق ونشرت في أهم الصحف وأوسعها إنتشارا وخاصة الباريسية منها. ولكن في ما بعد إفتضح أمرها وإفتضح أيضا أمر الجهة المنظمة للمسابقة، لجهل اﻷخيرة مرة لشاعر كبير بقامة الفونس دي  لامارتين، ولإنحيازها للحسناء مرة أخرى.
بجانب هذه الظاهرة، أي السرقات اﻷدبية، بدأت ترى النور وتتبلور ومع مطلع الستينات بعض المفاهيم والمصطلحات الجديدة في النقد اﻷدبي، لتشق طريقها بروية وراحة، وصولا وفي آخر المطاف الى الإفتراق وقطع الصلة مع ما أسميناه بالسرقات اﻷدبية، لتحدث لاحقا تحولا نوعيا فيما بات يُسمى بالنقد اﻷدبي، وعلى ضوءه سيجري التعامل مع النص على أسس وقواعد مختلفة، إنه ما بات يُعرف بمصطلح التناص. وعن هذا المفهوم فقد تحَّدث الكثيرون عنه وغاصوا في أعماقه وخاصة أدباء فرنسا، المولعين أصلا بفن الكلام واللسانيات. ومن بين أهم اﻷسماء التي كان لها الدور البارز في التوقف طويلا عند هذا المفهوم هي الناقدة اﻷدبية، الفرنسية الجنسية، البلغارية اﻷصل، جوليا كريستيفيا، حيث ستتحدث  بشيء من التفصيل والدقة عنه ومع بداية الستينات من القرن المنصرم، ولِتتوجهُ وبنهاية ذلك العقد بواحد من أهم إصداراتها، الا وهو كتابها الموسوم بعلم النص.
وعنها نقول (أي عن الكاتبة) انها واحدة من بين ذلك الرعيل الفرنسي الذي وضع إصبعه بثبات وثقة على هذه الظاهرة، لتفسر لنا مفهوم (التناص) كمصطلح نقدي، مضفية عليه لمسات معاصرة، ولتمنحه أيضا نوعا من الإستقلالية والتميّز عن باقي المفاهيم اﻷدبية كالسرقة والإقتباس والتضمين وأخواتها بطريقة سلسة، وبما يؤشر الى إمكانية التأثير والتأثر وما سيتبعه من تفاعل بين النصوص بعفوية وبراءة مطلقين، سواء على مستوى المعنى أو اللفظ أو الإثنين معا، ووفق حدود وثوابت معروفة وواضحة.
 وبذاستكون جوليا كريستيفيا، والتي (تعدُّ واحدة من البنيويين الكبار مثل رولان بارت وتودوروف، عندما كان للبنيوية مكانة هامة بين العلوم) قدشفعت للشاعرين الكبيرين أبو تمام والمتنبي، ما ألصقِ بهما من تهمة النحل، دون دراية منها ودون أن يعترضا أو يرغبا على ما أجزم، فهما سادة القريض وكتبا أجمل ما قيل في فن القصيد، وهما مَنْ فتح الباب واسعا للقادم من اﻷجيال كي يقتفوا خطاهم، فهما وأصحاب المعلقات السبعة أو العشرة مَنْ مَسَكَ وَتَحَكَّمَ بزمام اﻷمر وأوصلنا بناصية الشعر ليضعنا في أعلى مستوياته وأبهى تجلياته، ولهم أيضا قصب السبق في فن إستحضار وتوظيف ماهو أبعد من الخيال وأجمل من الوصف، وإذا كان هناك من شكٍّ فلنسأل اﻷثر فهو الذي يدلنا على المسير.
وإزالة للبس أو الخلط أو ما يقترب منهما، فسنتوقف لبعض الوقت عند مفهوم السرقة اﻷدبية وما يميزه عن مصطلح التناص، وكيف يعرفّه ويراه أحد الكتاب العرب، واظنه كان مصيبا في ما ذهب اليه. معتمدين في صدق شهادته على غنى تجربته، وما له كذلك من مساهمات جليلة في نواح عديدة من أشكال التعبير اﻷدبي، ولقربه أيضا من بيئتنا الثقافية بل هو ابنها، والحديث هنا سيدور عن الأديب والصحفي السوري وصاحب العمود الثابت في صحيفة تشرين الدمشقية، حسن م يوسف، حيث سيلخص مفهوم السرقة اﻷدبية، بصراحة تامة ومطلقة وعلى الشكل اﻵتي:
(أخذ ما للغير خفية، والسرقة الأدبية هي قيام أحد ما بنسخ نص أبدعه شخص آخر وتقديمه على أنه له). وإستطرادا للرأي اﻵنف وفي لحظة تعاطف، أجدها قد مالت نسبيا الى جانب صاحب النص الأصلي، الذي سيتحول حسب ما أرى الى ضحية لِمنْ إلتف وصادر منجزه، فسيستكمل الكاتب وفي ذات المقال رأيه عن هذا الموضوع(من المعروف أن مبادئ حقوق المؤلف لا تحمي الأفكار، وإنما تحمي تعبير المؤلف عنها، إلا أننا نقرأ ما يشي بأن هذا المصطلح اكتسب طبيعة مطاطية؛ لأن كل مستخدم يعطيه ما يناسب وجهة نظره). ربما أراد حسن م يوسف من وراء إستخدامه لهكذا تعبير، هو تحريض المشرع وحثه على سن قواعد نشر أكثر تشددا وإنصافا، تحمي وتدافع عن صاحب النص اﻷصلي، ودونها سيتمكن أي منتحل من التسلل وسرقة أفكاره ويبني عليها ما يشاء من لفظ، ومن غير أن يُعرِّض نفسه للمسائلة .
وبعد السرد اﻵنف عن مفهوم السرقات اﻷدبية وما قاله البعض وما أدلى به من شهادة، فلا بأس من التحدث وإن على عجالة، عن إمكانية الكشف عنها وفضح مَنْ يقف ورائها. ففي عصر كالذي نعيشه وبعد أن بلغت تكنولوجيا المعلومات مرحلة متقدمة جدا،سنرى اﻷبواب والنوافذ قد فُتحت برحابة ورشاقة، لتدلنا على الكثير من الخبايا والخفايا، وستفتح معها ما توفر من وسائل وطرق، لتقودنا الى وضع اليد على الجرح وعلى مَنْ جَنَحَ. فبإشارة وحركةصغيرة من محرك البحث، الحسن السيرة والسمعة، المسمى بـ(الغوغل)،سيقودنا هذا الصديق الوفي الى أصل ومنشأصاحب العلاقة الشرعي بالنص المكتوب، ليكون بذلك قد قطع الطريق على كل منتحل، لا يمت بصلة الى عالم الكتابة وجمالياتها، كان قد إدعى وفي غفلة من الرقيب بما ليس له، دون مواربة أو خجل أو وجل، ولا أعتقد أن بعد ذلك من دليل أنزه وأصدق على كشف الحقائق. لنقل شكرا لك ايها الصديق الوفي (غوغل)، فلقد أوصلتنا مبتغانا، بعد أن قصَّرتَ علينا المسافات وأهديتنا من الوقت والجهد أثمنه.
لكن ورغم ذلك فإن هناك أشكال أخرى من أشكال السرقة اﻷدبية وأظنها ليست بالقليلة، التي لا يمكن الكشف عنها بتلك السهولة. منها مثلا أن يقوم أحدهم بالتسقط من هذا بكلمة ومن ذاك بفكرة ومن آخر بعبارة، ليمضي بها وكيفما إتفق، ظنا منه بأنه قد بلغ مرحلة تؤهله لعبور أصعب اللحظات وأعقدها. وهذا الصنف من المدعين،سيفتضح أمره بلا شك بعد قراءة نصه المنتحل بشيء من الروية والإنتباه، خاصة إذا ما كان منتجه المفترض قد دار في فلك يصعب إختراقه أو دخوله، كعالم اﻷدب، لنكتشف ودون عناء كبير، بأنَّ ما كتبه، لم يكُ الاّصدى لخليط غير متجانس، كانت قد تداخلت فيه العديد من اﻷصوات، وأجزم انها كثيرة لذلك تجدها قد تضاربت فيما بينها وتصادمت.
ملاحظة: هناك الكثير من أشكال الإنتحال والسرقات اﻷدبية، منها المرئية ومنها غير المرئية، لكننا إكتفينا بهذا القدر، آملين أن نكون قد توقفنا عند أبرزها وأشدها وضوحا.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو





22
هل سمعتم بكارلوس زافون؟
(حديث عن رواية متاهة اﻷرواح وأشياء أخرى)

 جنود الدكتاتور يطوفون شوارع المدينة وهم مدججون بالحقد والكراهية. كانت عيونهم وبنادقهم تحوم حول ذلك الشاب الغرناطي لوركا. كان كل مساء ومع غروب الشمس ينشد للحرية وللجمال وللكلمة الحرة. لماذا يا فيديريكو لا تكتب قصيدة شعر عن سيدك فرانكو؟سأله أحد الجلاوزة؟ لم يردَّ عليه. وما هي الاّ دقائق معدودات حتى وجهوا بنادقهم لتصيب رصاصاتها قلبه الفتي، قلب شاعر اسبانيا اﻷول، لتضع حدا لتلك الروح المحلقة بجناحين من الحب، ولحياته المزدانة بألوان الطيف وبجمال المشرقين، غير أنَّ لوركا ورغم سقوطه أرضا، ظل ماسكا بباقة الورد التي كان قد قطفها قبل قليل من حديقة منزلهه، ليختلط دمه بعطرها.
(سيناريو تصفية الشاعر على النحو اﻵنف كنت قد إفترضته. أمّا عن رَدّةُ فعل الضحية فهي لا تليق الاّ بالشعراء أمثال لوركا).
                         ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 اننا نتحدث هنا عن اسبانيا سنة 1936 ،حيث شهدت بداية إندلاع الحرب اﻷهلية، تقاتل فيها اﻷهل مع اﻷهل واﻷخ مع أخيه وراح البعض يُكسر البعض اﻵخر، ولم تضع أوزارها الاّ بعد مرور قرابة سنوات ثلاث، سال فيها الدم نزيفا والبناء هدما. وإرتباطا بهذه اﻷحداث وعن أسباب ودوافع مرتكبي جريمة إغتيال غارسيا لوركا، فهناك من أعزاها الى تلك الدعوات القوية التي تبناها لوركا وبشَّرَ بها، والمتمثلة في ضرورة أن تختار إسبانيا في شكل حكمها نظاما جمهوريا، يُخلِّصُ الشعب الإسباني مما هو فيه من مهازل، كذلك لتتواكب  وتطورات العصر، فنظام الحكم الذي نخضع لسيطرته اﻵن، والكلام لا زال للوركا، لم يعد يشرف أحدا.
 وهناك فريق آخر كان قد ذهب بتحليله الى جهة مغايرة جدا وبعيدة عن سابقتها، فهم يرون أن سبب تصفية الشاعر، جاءت على خلفية ما يحمله من أفكار ومبادى، كانت قد وضعته في خانة اليسار والشيوعية، وهذا هو الظن الراجح بحسب ما أورده مدوني تأريخ بلاده وكادوا أن يُجمعوا عليه. وبمقتله هذا وَمَنْ هو على شاكلته من رموز الثقافة الإسبانية ودعاة التحرر، لم تفقد إسبانياشاعرا كبيرا بقامة لوركا فحسب، بل سيُفتح الباب واسعا أمام صعود شلة من المنحطين والسفلة، ليتبوأوا أهم مراكز صنع القرار وأكثرها حساسية، ليقودوا دفة البلاد وعلى مختلف المجالات الى مصير مجهول، لا قرار له.
                         ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 بعد إنتهاء الحرب اﻷهلية التي شهدتها الدولة، سيبرز نجم الديكتاتور السيئ الصيت والسيرة، فرانسسكو فرانكو، ليتربع على عرش الحكم وبصلاحيات مطلقة. ومنذ البدء سيعتمد في إدارته على أكثر الرجال تبعية وطاعة لفلسفة حكمه، فكانت يده ضاربة بقوة، مادا سلطته وسطوته على كل مفاصل الدولة. وإنسجاما مع سياسته هذه والتي لم يتورع في الكشف عنها والتبشير بها، فقد أقدم على بعض الخطوات السريعة والتي كان من بينها وأخطرها شنَّه لحملة إعتقالات واسعة، شملت أكثر العقول تنورا وممن يتمتعون كذلك بسمعة وتأثير قويين على حركة المجتمع. مدركا(فرانكو) بأن تواجدها خارج سيطرته، ستنسحب سلبا على طبيعة حكمه، وقد تتوسع لتشكل مخاطر أكبر فيما لو تُركت طليقة اللسان والحركة، وقد يؤدي ذلك الى إهتزاز سطوته وإنفلات زمام اﻷمر من بين يديه.
 وتماشيا مع الخطوة السابق فقد أوكل مهمة إدارة سجن مونتويك الشهير، والذي يُعدٌ من أكبر سجون اسبانيا وأبشعها طرا، الى شخصية غامضة نسبيا، لم يكن همٌها سوى التسلق والقبول بأي موقع وظيفي، يمنحه الوجاهة وجذب اﻷنظار وما يقترب منهما. انه ماوريسو فايس، حيث سيُمنح فيما بعد لقب الدون، والذي يعني باللغة الإسبانية السيد أو القائد، وكلا الصفتين سيهنأ بهما، فالمهم أن يشار له بإنه مديرا لأكبر سجون إسبانيا، غير مبال لطبيعة المكان والوظيفة التي يشغلها. وعلى طيلة الفترة التي بقي فيها مديرا للسجن والتي تجاوزت الخمس سنين، فقد أداره بقبضة من حديد ونار وصنوف من التعذيب ولم يكد بعد قد بلغ نشوته. لقد قَدِمَ المدير ... قَدِمَ المدير، عندما كان يسمع بهذه العبارة من قبل حاشيته، كان يزداد غطرسة وتجبرا، وسيجد نفسه مدفوعا أكثر نحو تشديد قبضته، ليزيد من الخناق حول رقاب ضحاياه.
 بكل تأكيد لدينا مثل هذا الكائن الكثير في سجوننا، وربما كان من بينهم مَنْ فاقه إستهتارا وبطشا، وقد يكون إسمه فلان أو فلان. كل هذا لا يعنينا فما يعنينا أن هذه الشخصية التي أنف ذكرها ستستفز كارلوس زافون، الروائي الاسباني، والذي شاع صيته وإنتشر بسرعة البرق، وراحت  أعماله تلقى رواجا منقطع النظير، مما حدا بدور الطباعة والنشر والتوزيع، الى ترجمة جل أعماله إن لم تكن كلها، الى العديد من اللغات الحية في العالم، لذا ستجده (الكاتب) مندفعا لإعادة قراءة تأريخ بلاده، بعين محايدة وبعيدا عن تأثير وضغوط بعض السياسيين وألاعيبهم، وكان من نتائجها، أن ترى النور الكثير من أعماله اﻷدبية المهمة، لعل من أبرزها تلك السلسلة التي أسماها بمقبرة الكتب المنسية، وهي عبارة عن مجموعة من الروايات المترابطة والتي يمكن قراءتها أيضا بشكل مستقل.
 مما يؤسف له، أنَّ كاتب هذه السلسلة الرائعة، لم يأخذ نصيبه من العمر على النحو الذي تأمله اﻷكثرية من بني البشر، كما لم يأخذ نصيبه من ألقاب  وتسميات، تعكِس وعن جدارة وإستحقاق طبيعة إهتماماته اﻷدبية وبما يتتفق وملكاته وقدراته الحقيقية. فالرجل إذن ظُلِمَ مرتين، ففي اﻷولى توفي وهو في أحلى وأخصب سنوات عطائه ولما يبلغ بعد أحلامه وأهدافه البعيدة، ففي منتصف عقده السادس غادرنا الى عالم آخر، ولنسميه عالم اﻷبدية. وعلى المستوى اﻷدبي فقد حصرهُ النقاد في خانة واحدة، حرجة، حين عدَّوه روائيا فحسب، وهم بذلك لم يكونوا مخطئين ولكنهم قصار نظر. فمن يقرأ اعماله سيكتشف أن زافون، واسع الثقافة، عميقها، مسكها وفي وقت مبكر ومن عليائها، وراح يدبجُ منها ما طاب له  من حلو الكلام ودلالاته.
 وإذا ما تسنى لك عزيزي القارئ ورحت تبحث عن أعماله ولنسميها الروائية هنا، فأهم ما سيسترعي إنتباهك، وهنا لا أريد أن أصادر وجهة نظر القارئ، هي تمكنه الواضح في بناءه لشخصياته، فزافون لم يكتفِ بالتوقف عند الشكل البارز أو الظاهر منها، بل راح أعمق من ذلك بكثير، لتجده كاشفا عن الجانب الخفي من تلك الشخصيات أو لنقل ما بَطُُنَ منها، وهنا لا أقصد أو اعني الضمر بل الذهاب الى تناول أعماق شخصياته، حاثاً القارئ على الغوص والخوض فيها، جاعلا منه طرفا فاعلا  ومشاركا في نصه، سعيا منه الى إكتمال شروط سرده وأركانه. فضلا عن فتح يديه وخزينه الفكري، ليضع المتلقي أمام جملة من المعارف التي سبق للكاتب أن إكتسبها وتعمَّقَ فيها، ودون أن يغيب عن باله مراعاته للبعدين الزماني والمكاني، وهذا ما سنكتشفه وبشكل جلي، حين يأخذ بيد القارئ على سبيل المثال، ليطوف به أزقة برشلونة وتوقفه الطويل عن أبرز معالمها، ليبدو كمن قرأ تأريخ بلاده بحرفة وإقتدار.
 في منحاه هذا، والقصد هنا عن بناء شخصياته، ربما يكون زافون قد تذكَّرَ  وإستحضر طريقة إشتغال ديستوفسكي، محاولا اللحاق به وتقليد أسلوبه ما استطاع اليه سبيلا. وكي لا يبدو أمرا كهذا مبالغ فيه، أو أنه سيغمط حق صاحب أيقونة العمل الروائي العظيم، الجريمة والعقاب وأخواتها، وإعتلائه منصة هذا النوع من اﻷدب ومن غير منازع، فهو ودون شك وبرأي قاطع، أعلى شأنا ومنزلة ومقاما، بإجماع وشهادة كبار النقاد وراصدي الثقافة العالمية وعلى مختلف مراحل تطورها، لذا نقول أن (زافون) بذل جهدا واضحا في إشتغاله، ساعيا نحو التناغم مع معلم الرواية اﻷول ومحاولة السير على خطاه، لِمَ لا فهو بالنسبة له ولكبار الروائيين العالميين، خير مثال ومرجع، وخير مَنْ يُحتذى به أيضا، فعلى شجرته نمت أطيب الثمار ومنها قُطفت، وفي فيئها إستظلَّ كبار الكتاب، فكما غوغول تخرج من معطفه مَنْ تَخَرَّج فكذلك ديستوفسكي. 
 وإذا شئنا العودة والحديث ثانية عن رواية متاهة اﻷرواح التي تُعَد واحدة من سلسلة أعمال مترابطة كما سبق القول، فلابد من التوقف عند إحدى شخصياتها المحورية والكلام هنا عمن بات ينادونه بالدون ماوريسو فايس، على ما يطيب له. فقد سبق له(فايس)وعشية شَغلهِ لمنصب مدير، ﻷحد أكبر سجون إسبانيا وتوطئة لذلك، وفي خطوة يمكن وصفها بالشديدة الذكاء من لدن الكاتب، حين حرَّك هذه الشخصية، لِتُقدم على الزواج من إحدى الفتيات رغم إصابتها بالإعاقة الدائمة. قد تبدو خطوة كهذه للقارئ في بادئ اﻷمر بأنها تنطوي على جانب كبير من الرأفة والنظرة الحانية، الاّ أن ما خفي كان أعظم. فوالد هذه الفتاة التي ستصبح سيدة بيت الدون فايس، ينام على ثروة مالية هائلة، كان قد إستحوذ عليها بعملية نصب وإحتيال كبرى، كان ضحيتها أقرب المقربين اليه، وتربطهماصداقة مديدة في عمرها. في هذه الحركة، أراد الكاتب أن يُلفت إنتباهنا ليقول لنا ما معناه: اننا نتعامل مع  شلة من المنحطين والسفلة، إذ هم لا يتورعون عن إستخدام أكثر الوسائل قذارة وخسة، من أجل الوصول الى ما يطمحون اليه من أهداف دنيئة. 
 وعن (فايس) أيضا، فسيمضي الكاتب في كشف تداعيات وحقيقة هذه الشخصيته. فمن خلالها وبالإتكاء عليها، سيستمر في فضح المنظومة السياسية المتحكمة والمتسلطة على رقاب الشعب. ومن بين ماسيجري تسليط الضوء عليه وبكثافة، هو قيامه(فايس) وبالتنسيق مع خيوط وشبكات أخرى على صلة به، بعمليات خطف ومساومة، ومن بينها على سبيل المثال خطف شقيقتين، لا زالتا في عمر الورد، سينتهي بهما اﻷمر الى إيداعهما في بيتين مختلفين متباعدين، ليجري تبنيهما وبصفقة نذلة، ليبقيا على هذا الحال ومن غير أن يلتقيا الاّ بعد مضي فترة زمنية ليست بالقصيرة، حتى كادا أن ينسيا بعضهما بعضا.
 غير أن العملية اﻷبشع التي قام بها مدير السجن، حسب تقديري، هو ما كان يمارسه من ضغوط على ضحاياه من السجناء، خصوصا إذا ما علمنا أن أكثريتم من المحسوبين على الطبقة المثقفة، كي يدبجوا له ما يرغب من المقالات، ليقوم فيما بعد بنشرها في الصحف الرسمية وخاصة تلك المقربة من مصادر القرار وهي حاملة وبكل وقاحة توقيعه، وله في ذلك نوايا وغايات ستتكشف لاحقا ومع سيرورة الرواية. ومن بين تلك اﻷسماء التي كان كثيرا ما يعتمد عليها في تنفيذ مأربه هذا وعلى سبيل المثال لا الحصر وبحسب ما ورد في سرده، الكاتب دافيد مارتين، حيث سيستغل ويستثمر(فايس) وبطريقة بشعة، حالة الإضطراب الذهني التي كان يعاني منها هذا الكاتب بسبب ظروف السجن القاسية. يقابله ما كان  يُطلقه (المدير) من وعود كاذبة، تتعلق بتحسين ظروف ضحاياه وهم في زنازينهم.
 السيد فايس، ولنسميه هنا بالكاتب الملفق، وبعد تمتعه برصيد إعلامي قوي، كان قد خطط وإشتغل عليه ومنذ تسلقه وشغله لأول وظيفة عامة وفي ظل سلطة فرانكو، كذلك بعد نجاحه في تحقيق حضور سياسي ومن قبله حضورا ثقافيا ملفتا، بدعم ومباركة من جناحه الذي ينتمي اليه ومن بطانته، تجده وقد إنتقل الى خطوة أبعد، تنسجم مع تطلعاته وما كان قد رسم. لذا وعلى ما رآه، وأظنه مصيبا في تقديره هذا، فلابد له من إستثمار الظرف وإستغلاله وعدم إضاعة الفرصة، مادامت اللحظة قد حانت،  ومادام الباب قد فُُُتح وبرحابة أمام فكرة تعيينه بوظيفة أخرى، ستكون بالتأكيد أعلى شأنا وأرفع منزلة، وكان له ما أراد، حيث أستوزر لما كانت تسمى بوزارة التربية الوطنية. لم يكتفِ فايس أو الكاتب الملفق بذلك بل راح مقترحا تغيير إسمها الى وزارة الثقافة، إستجابة لتلك العقدة التي ظلَّت ملازمة له طيلة حياته، لعل في ذلك شفاعة لجهالته ولا أظنها ستشفع.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو



 

23
المنبر الحر / قسوة التذكٌر
« في: 17:01 11/01/2021  »
قسوة التذكٌر

                                  ـــ 1 ـــ
 عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، صدر مؤخرا للشاعر العراقي جليل حيدر نوفيلا تحتِ عنوان تنظيف الماضي. وتعريفا بهذا الجنس اﻷدبي وعلى ما أجمع عليه أصحاب الشأن والعلاقة، فهو ينتصف المسافة بين اﻷقصوصة والرواية، لذا ستنطبق عليه شروط الكتابة السردية بكل ما تحمله الكلمة من دلالة ومعنى، غير انه سيختلف عنهما في حجمه ليس الاّ. وزيادة في الإيضاح وعلى ما يرى البعض، فإنَّ عدد صفحاته (النوفيلا)سوف لن تزيد عن المائة أو نحو ذلك. في كل اﻷحوال فإنَّ أمرا كهذا ليس مهما، فما يعنينا هنا وبالدرجة اﻷولى، أن يكون النص مكتمل الشروط، مستجيبا لها ويصل القارئ على كف من الراحة والمتعة والفائدة.
 ومن خلال قراءة النص، فقد بدا واضحا وبما لا يدع مجالا للشك وبضرس قاطع، بأن الكاتب يتمتع بذاكرة وقادة وقدرة فائقة على الخوض والغوص في الماضي وفي عالم السرد، لذا وإذا جاز لنا أن نبدي رأيا، فكان بإمكانه أن يمد يديه ويبسطها أكثر كي يوسع من نصّه، وأن يحث خطاه ليشتغل على موضوعة الربط بين حلقات مدونته وفصولها، وأيضا الدخول وبشكل أعمق على مستويات أخرى كاﻷحداث والوقائع التي جاء على ذكرها، وكذلك على بنائه لشخصيات  نصه وتفعيله لها، لتمتد وتأخذ  مديات أرحب، خاصة إذا ما علمنا بأنَّ الكاتب يتحدث عن فترة زمنية فائقة الخطورة وعصيبة من تأريخ العراق، الا وهي فترة الستينات وما حملته من تغيرات دراماتيكية وإضطرابات، كان لها الدور الكبير في رسم مستقبل البلاد وما لحق به من مصائب. غير انه وفي كل اﻷحوال، سيبقى لصاحب النص الكلمة العليا في إختيار نوع الجنس اﻷدبي الذي سيخرج من بين يديه، وبما ينسجم ويتلائم وغاياته التي كان قد خطط لها ورسمها، عند شروعه في الكتابة.
 أمّا عن لغة القص فقد استوعبت بين جنباتها وفي اغلب فصولها الكثير من فنون الكلام وبديعه، عدا عن الإستعارات والتشبيهات وأخواتها اﻷخريات من أشكال البلاغة، لنخرج بنتيجة مفادها: أنَّ الكاتب قد أحْسَنَ وأجاد في إستخدامها. وهدف كهذا على ما أجزم لا يقل أهمية عما جال في خاطره وأراد إيصاله. وإذا كان لنا من قول وتعليق على هذه الجزئية من العمل، فينبغي ان لا يغيب عن بالنا بأن صاحب السرد أو النوفيلا هنا، هو شاعر من الطراز اﻷول، وبينه وبين اللغة ما أنصف الدهر. وإذا ما تحدثنا عن سلطة الخيال فعنده منسابة، سلسة، طوع يديه، مكنته من توظيف ملكاته هذه على صياغة نصه. وكحصيلة لهذا كله، سنجده موفقا في اﻷخذ بيد القارئ والتحليق به وبخفة الطير ورشاقته حيث يشاء. 
 وعن أثر لغته الشعرية في بناء شخصياته فلا بأس من التوقف عند بعضها، ولنأخذ هنا مثالا الا وهي شخصية لويزة. فقد صاغها الكاتب بطريقة واضحة، أكملها من كل أطرافها، لتصل المتلقي بإعتبارها إبنة الحي (الحبابة)، ذات اﻷصول والحسب والنسب، بل حتى راح مغاليا في بناء هذه الشخصية، وربما أراد من خلال ذلك التذكير بطبيعة العلاقة ومدى جمالها وطهرها وأناقتها، والتي كانت سائدة آنذاك بين بنات المحلة وشبابها. وعن ذلك أقول، أنا كاتب هذه السطور ومن غير تردد، بأنَّ هذه الـ (لويزة) التي صاغها لنا جليل حيدر قد أثارت حفيظتي، رغم البعدين الزماني والمكاني الذي يفصلنا عن بعض، وأعادت لي مواجع الصبا ولوعاته، لِمَِ لا وهي الخاتون والأكثر سحرا وجمالا من بين بنات المحلة، لذا دعني ياصاحبي أغتبطك على رسمك لهذه الفاتنة.
 وﻷن شخصيتها تتمتع بجاذبية لا يدانيها أحد وأقضت على مضاجع الكاتب قبل غيره، فقد أفرد لها من الكلام ما لم يقله لغيرها، لذا بات لزاما علينا العودة الى ما كتبه عنها. ففي إحدى الفقرات على سبيل المثال. رأى فيها ما لم يره في النساء اﻷخريات((ﻷنها رصينة مثل راهبة، ومحتشمة مثل مصلية في كنيسة)). بهذه العبارة البليغة التعبير والدقة سيعيدنا جليل الى مفهوم الحب العذري، التقي النقي، البريء من كل شائبة الاّ ما حلَّله الله ودعاة العشق الالهي.
 وﻷنه يعيش مغتربا ومنذ أمد بعيد، وبينه وبين لويزته دهر من المسافات واﻷزمة، لذا راح يبحث عن معادل موضوعي، يعوض من خلاله ما كان قد فقده هناك في بغداده، فكانت مايا بحضورها البهي، السويدية اﻷب واللبنانية اﻷم، فهي اﻷخرى، تتمتع بقلب طيب وبلا حدود.شفيفة، لطيفة، بدت ومن بين سطور السرد، كما التي إصطفاها الله لتكون شفيعة ومنقذة للكاتب أولا ومن ثم لجمهرة غفيرة من المغتربين الى بلدان الشمال، بلاد الثلج والمحبة، بعدما ضاقت بهم اﻷرض بما رحبت، وَضَيَّقَ عليهم الحكام حتى سُمِعَ أنينهم. وإذا كان هناك من إختلاف بين الشخصيتين اﻵنفتي الذكر فيتمثل في الأجواء المحيطة بهما، فللجغرافية بعض نصيب وللعادات نصيب آخر، فمالمو السويدية ليست كبغداد في أحياءها ودرابينها وتقاليدها وقاهيها، وليست هناك من عتبة أو دكة تجمع شباب الحي وفتيته.
                                 ـــ 2  ــ
  في هذا القسم من النوفيلا،سنستعرض شخصيات أخرى ومن حيث انتهى اليه الكاتب وعلى قاعدة الفلاش باك، والحديث هنا سيدور عن كريم دعبله، احد الشخصيات الرئيسية التي جرى تركيز الضوء عليهان إذ كان ضمن مجموعة أصدقاء، جرى التعويل عليها أيام الحرس القومي، وكان الحال كذلك حيث تصدى هو وصحبه ﻷولئك الذين عاثوا في اﻷرض فسادا. هنا وعلى ما جاء في النص ستقع المفارقة بل قل الفاجعة. فـكريم هذا وبعد مضي قرابة العقود الستة على تلك الواقعة، وبعد أن كان يدافع عن أبناء حيّه وعن تلك المبادئ التي حملها بين ضلعيه ويديه، فإذا به يقف((مؤشرا على قصر عباسي من قصور بغداد)) وهو في حالة سطو علني وأمام الملأ وبالهواء الطلق، موعزا لشلته المرافقة بطرد سكان البيت اﻷصليين والإستحواذ عليه. هنا سيأتيك السؤال: هل تمت عملية الطرد على أسس طائفية ودينية وعرقية؟ الرد سيكون في ذمة أهل الحكم.
 عن حالة كهذه وما يشابهها وهي كثيرة وباتت مدن العراق وخاصة العاصمة تَعجٌ بها، سيعلن جليل حيدر إحتجاجه وبصوت عالٍ، لِيُسمعُ حتى مَنْ بإذنه صمم((أنا اﻷول واﻵخر أعلن عن بدء الضد وأصرخ ايضا تفاً)). ثم يمضي مكملا وبدافع الغيرة عن مدينته التي أحبها وفارقها على ضيم: دَعْ بغداد تكن بغداد لنا يوماً. وفي هذا البيت الشعري، ومن غير عناء وبتفسير صريح العبارة، أراد الكاتب أن يقول أن مدينته لم تعد له ولا ﻷخوته ولا لويزة وشقيقاتها.
 والذي أثار حنق الكاتب أكثر هو أن يكون قائد مجموعة السطو على البيوت هو كريم دعبله: حتى أنت يا كريم يا إبن دعبله، أنسيت اﻷحبة هكذا؟ وإذا كنت نسيت أو تناسيت عن عمدٍ، فسأعيدك الى ذلك اليوم الذي جرى فيه إحتلال مركز شرطة الخلاني من قبل ثلة من الحرس القومي، ليتخذوه مقرا لهم، ويقوموا بإعتقال فلان وفلان وفلان والقائمة تطول، بتهمة الولاء للشعب. وعن ذلك اليوم اﻷسود وشباطه سأذكرك أيضا حين قمت بالدفاع عن أهلك، يوم كنت رجلا بشاربين وزندين، ويوم إهتزت فرائص كل مَن سولت له نفسه.
 وإستمرارا لمدونة الكاتب، سيظهر بجلاء مدى إلتصاقه ببغداد، وإذا كان لنا من وصف لها فهي علاقة عشق أبدية، جرى تعميدها بمباركة كبار سدنتها وسادتها، وجال أزقتها وتخبّرَ درابينها مُذْ كان صغيرا. فمنطقة الفضل هنا، وعكَد الأكراد هناك، والشواكة على مرمى حجر. وإذا ما أراد أن يستحث التأريخ وَيُحضرهُ، فسيتذكر كيف تم عقد صلحا أبديا بين محلتي أبو سيفين والعوينة، فاق في نظافته كل المواثيق، عماده المحبة والنخوة، مما شجع أحياء أخرى على الإنضمام لهما وكان في مقدمتهم أهالي فضوة عرب. سار كرخها ورصافتها بقدمين مباركتين، وبنشوة خمر وغرة شعر بطويات ستة، وعلى هدى وإيقاعات المقام البغدادي وصوت حسن خيوكة ويوسف عمر .
أما والحال قد تغيَّرَ، فما كان له الاّ أن يناجي أحد متصوفة مدينته، انه بشر الحافي، الإمام التائب عن المعاصي:
ــ  يا أزهد الناس وأكثرهم أناقة في الكلام، إياك أشكو حال بغداد، فها نبوءتك قد تحققت حين قلت: يأتي زمان ستكون الدولة للحمقى. ثم راح الكاتب يزيد عليها في إستشهاده ما قاله الجواهري الكبير بعد قرون، بعد أن شَمَّ اﻷخير رائحة الطغاة وهو على بعد عقود عديدة، لتأتي أبيات شعره كما الذي قرأ ما سيحصل:
 فضيق الحبل وأشدد من خناقهم
                            فربما كان في إرخائه ضرر   
 تصور اﻷمر معكوسا وخذ مثلا
                            مما يجرونه لو انهم نصروا
 وحدثت الواقعة ووقع المحذور، فخسر الشعب كل الشعب الاّ قلة باغية.
                                 ـــ3 ـــ
 سيواصل الكاتب سبر سيرته البعيدة ليتوقف ويسترجع واحدة من أهم وأزهى المحطات التي ظلَّت راسخة وبقوة في ذاكرته، والتي يمكن عدَّها موئلا  وخزينا ثريا، لا أظنه سينضب بتلك الخفة، بل سيكون معينا له ويعود اليه كلما إقتضت ضرورات الكتابة. ولعل النص الذي بين أيدنا، لهو نموذج ودليل قاطع على ما ذهبنا إليه. فمصادر التأثير على منتج جليل حيدر بادية عليه. وإذا شئنا العودة الى فترة الستينات والعود رحمة لِمَنْ يُحسنها، وعلى الرغم من يفاعة عمره، فقد راح ساعيا في مناكب اﻷدب والثقافة، بهمة وحماس وكان له ما أراد. ومن هناك إبتدأ مشواره وشرع في بناء أعمدته والمشي بخطى ثابتة ومستقرة، ليجد نفسه مؤتلفا مع ذائقته الفنية بل راحا يسيران سوية.
 إنه إبن الجمهورية اﻷولى وزعيمها اﻷمين، ومن جيل سيُطلق عليه بجيل الستينات. وخلال الفترة التي كان فيها طالبا للمرحلة المتوسطة، كان إبن الحجي، الشيوعي الصغير، قارئا ممتازا وشغوفا(( مقارنة بأقرانه وزملائه ... حفظ الكثير من شعر المعلقات للزوزّني))، فضلا عن تأثير شقيقته الكبرى على ذائقته الفنية وعلى خياره السياسي، فقد كانت هي اﻷخرى مولعة بقراءة الكتب الملتزمة ومواضبة على مشاهدة اﻷفلام الجادة، من على شاشات السينما، يوم كانت بغداد زاهية وعاجة بدور العرض، وربما فاقت آنذاك في عديدها وبهاءها كل العواصم العربية بما فيها القاهرة، التي تُعد عاصمة للدراما العربية، إذا ما حسبنا اﻷمر على قاعدة النسبة والتناسب من حيث عدد السكان.
  مبروك لجليل حيدر إصداره لنوفيلاه ((تنظيف الماضي))

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو




 

24

إسمها كامليا

(مقاربة لكتاب سيرة إيرانية، للكاتبة كامليا انتخابي فرد)
للمقال مدخل، فكان اﻵتي:
لست ميالا الى مصادرة حق القارئ في الإستنتاجات التي قد يتوصل اليها، بعد الإطلاع على النص الذي بين يديه، وذلك تحقيقا للفائدة والمتعة المرجوتان منه. لكني في هذا الكتاب الذي سأسبره، سأستبق اﻷمر وسأجنح الى كشف بعض من مجرياته، وبشكل أدق فإن هناك موضوعا بعينه لم أستطع هضمه أو إستيعابه بل وتقبله، وذلك لإنطوائه على إلتباس وإرتباك واضحين، على الرغم من توقفي طويلا عنده، محاولا إيجاد ما يمكن تسميته مخرجا أو عذرا لصاحبة النص. وعنه أيضا ومع سيرورة القراءة ستجده (الموضوع الذي شغلني) مُطلا برأسها بين الفينة واﻷخرى ليبدو اﻷمر وكأن كاتبته تعمَّدَت تسليط الضوء عليه وبتركيز عال. ما ذهبت اليه يمثل وجهة نظرشخصية ليس الاّ، فربما ستجد عزيزي القارئ وبعد قراءتك للكتاب إن تسنى لك ذلك ما لم أجده، أو ربما ستختلف معي فيما تتوصل اليه. وعن ذات النقطة التي هي موضع حديثنا، فربما تكون الكاتبة قد ذهبت الى ما تراه منسجما ومتسقا مع أهدافها البعيدة. في كل اﻷحوال فها نحن ماضون في  التوقف على أهم المفاصل التي جاءت في متنه، آملا أن يتوفق كلانا، أنا وأنت فيما نبتغيه.
                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                         ــ 1 ــ
بعد مضي قرابة الشهرين على إعتقالها فها موعد محاكمتها قد حان، ولم يكن في حوزة كامليا ما تغطي به رأسها، فإذا ما إنكشف وعلى وفق فهم المتأسلمين والجدد منهم على وجه الخصوص، فسيعدٌون ذلك عورة لا يمكن القبول بها أو غض الطرف عنها. وعلى ما يقولونه، فإنَّ إرتداء الحجاب ليس فيه إجتهاد، بل هو ركنا أساسيا من أركانهم، لذا لا مناص ولا مخرج لـ(كامليا) الاّ أن تغطي رأسها بمعطفها اﻷسود الذي كانت ترتديه لحظتذاك. وإستكمالا لطقوس المحاكمة، كان لزاما عليها أيضاً الوقوف بثبات وإحترام ومن غير رمشة عين، أمام ما يسمّى بقضاة المحكمة الثورية، إنتظارا لما سيصدرونه من قرار بحقها. ومن طرائف ما حصل معها في ذات الجلسة، إنَّ إحدى السجانات والتي طاب  للمتهمة وصفها بالرقيقة الحاشية، متخصصة في تفسير اﻷحلام والصلوات النوافل، قد لقَّنتها إحدى اﻵيات القرآنية، وما عليها الاّ أن (ترددها أربع مرات خلال الإستجواب ثم تنفخ على مستجوبها لكي تعمي بصيرته)ص46. ويمكننا أن نبني على هذه الواقعة وشبيهاتها، ما يمكن قوله بأنَّ هناك تعاطفا صريحا مع الضحايا المعتقلات والمعتقلين حتى من بين سجانيهم.
ومن خلال عملية الإستجواب وما أستشِفَّ منه، فلم تستبعد كامليا أن يكون المحقق قد داعب قلبها، وهنا نتحدث عن علاقة من نوع ما، بدأت تشق طريقها بيسر الى قلبيهما. وبوضوح أكثر، فها نحن نتحدث عن علاقة عشق بين طرفين غير متكافئين، يفتقران وهي بدرجة أكبر بكل تأكيد الى أهم قواعد العشق، الا وهي رغبتهما المشتركة الحقيقة في مواصلة لعبة الحب والإستجابة لخفقة القلب، فضلا عن الإرادة وحرية الإختيار واتخاذ القرار. وما يُجدَرُ ذكره، فهي لم تبلغ بعد سن الحب من عمرها ويا له من عمرٍ قلقٍ .
غير انها ورغم ما أحيط بها من ظروف خاصة وإستثائية، كانت قد ترافقت مع أجواء المحاكمة ونتيجة لها، وفي لحظات كهذه، وهنا المفارقة، راحت تبحث عمَّن يداعب قلبها ويصغي الى عاطفتها، (كنتُ أتخيل أنه ـ أي المستجوب ـ ليس قادماً لكي يُعذبني بل لكي يُحبني)ص49. إستنادا الى هذه الجملة الإعتراضية التي أوردتها الكاتبة، فأظنهاستوقعنا نحن القراء في الإلتباس الذي قصدته، حين أشرتُ اليه في بداية المقال،  لذاسيأتي التساؤل مشروعا: أبهذه الخفة والسرعة، وجَفََ قلبها ومع مَنْ، مع مستجوبها؟.
 لكنها وفي ذات الصفحة، ستحاول أن تجد تفسيرا ومبررا لإعتقادها هذا، فربما أرادت من خلاله التخفيف من وطئة الإعتراض الذي يُمكن أن يثار من قبل القارئ، أو ممن يتربص بها سوءا، لا سيما وانها سليلة عائلة عريقة، معروفة بمحافظتها وإلتزامها بجملة من القيم والعادات، والتي كانت قد نشأت وكبرت معها ومن الصعوبة بمكان أن تحيد عنها، لذلك راحت مدونة: كنتُ في حاجة الى راحة البال وإبعاد شبح الجنون.. إذن وحالة كهذه التي تمرٌ بها كامليا، وبإفتراض صدق مشاعرها ونواياها، فإنَّ ما كانت تقاسيه من عذاب وضغوط، هي وزميلاتها السجينات اﻷخريات، ما لا طاقة لها على تحمّله، ولا أظننا سنختلف على ذلك، فنحن أبناء الشرق المبتلين بأنظمتنا، همّنا واحد ونعيش تحت خيمة واحدة، كالحة اللون، ضرجَّها الدم، تَخَبَّرنا مستوى القمع والبطش الذي يلاقيه المعارضون للحكم.
وطالما دخلنا في عائلتها فلا بأس من تسليط الضوء على عائلتها. فعن والدها مثلا، تُشير الكاتبة الى انه  قد تمَّ إعتقاله بسبب رفضه تناول الحلوى، إبتهاجا بمقتل الرئيس المصري أنور السادات، الذي كان قد زار القدس الشريف وما يمكن أن يترتَّبَ على ذلك. فعلى الصفحة 58 من الكتاب تقول: لقد إستجوب (تقصد والدها) وهو معصوب العينين، على مدى ساعات بينما كان الحراس يَغيرون على محفظته). وَلحِقَ ذلك أنْ تمَّ إجباره على تقديم ما مجموعه ستة أشهر من راتبه، والذي كان يُعَدٌ كبيرا جدا بحكم مهنته، لأحد رجال الدين، وتحديدا للإمام رقم 100!!! (هذا ما ورد نصا)، بذريعة تَسببه بجرح جنود أثناء الحرب. ربما المقصود هنا بالحرب العراقية الإيرانية التي لما تزل بعدُ مستعرة.صورة من هذا النوع ستتكرر بعد عقود وبشكل مُلفت، في تجربة الحكم في العراق وربما على نطاق أوسع وأشد قسوة وأكثر إستهتارا ومن مختلف الجهات، بارعة في لصوصيتها وإدعاءها التقوى ومخافة الله، وتحت حجج ومسميات شتى.
وفي إلتقاطة ملفتة، فالكاتبة ستشد إنتباهنا الى واقعة أو لنقل إجراء شديد الغرابة. فإذا ما أردنا الإستعانة بالحكمة واﻷخذ بحصيف الرأي، فأصحاب المنطق اﻷخلاقي والإنساني من رجال الدين، قد حسموا أمرهم حين أوصوا بدفن الميت إكراما له، صارفين النظر عن طبيعة الموت وأسبابه وعمر المتوفي ومنزلته ودرجة قربه وإبتعاده عن صاحب السلطة والقرار، وبالتالي وَجَبَ دفنه في مقابر تليق بجلال الموت ولحظته. لكن وهنا المفارقة فإنّ ضحايا النظام الإيراني ممن تمت تصفيتهم وأصدَِرتْ بحقهم عقوبة الإعدام، فـ(حتى اﻷعشاب الضارة والشجيرات أحرقت مع مرور اﻷيام بأيد حاقدة، لكي لا تنبت أية أعشاب خضراء على القبور التي تضم أرواحاً مجهولةً)ص63. أمّا مناسبة تدوين كامليا لهكذا معلومة، فقد جاءت على هامش زيارة عائلتها لقبر إحدى النساء اللاتي تمَّ إعدامها، بعد أن إتهِمَتْ بالخيانة العظمى. وفيما بعد وعلى لسان الكاتبة أيضا وبإعتراف صريح من قبل الجهات الرسمية، فإنَّ تهمة الخيانة كانت قد أسقطت عن الضحية، وإنَّ العقوبة التي طالتها ونُفذَتْ بها كانت باطلة وشكلت خطأً فادحا إن لم تكن جريمة، كانت قد أرتكبت بحق روح بريئة.
قبيل إطلاق سراح السجينة كامليا بليلة واحدة(بالمناسبة، الكاتبة تم إعتقالها لعديد من المرات)، إلتقاها رجل اﻷمن ليبلغها بذلك، واضعا شرطا، لا حياد عنه، ألا وهو (التوقيع على الإقرار بالتوبة وعلى قبول التجسس لمصلحة وزارة المخابرات)ص91. ما أشبه اليوم بالبارحة، فالمشهد سيتكرر ولكن في مكان آخر، انها تجربة الحكم في العراق بعد غزوه وإحتلاله. فعلى أثر الإحتجاجات التي عمَّت مناطق واسعة منه، فقد قامت بعض التشكيلات المسلحة، والتي إدعت السلطات الرسمية بجهلها لها، وسمّيت بالطرف الثالث، بحملات تصفية بشعة بحق المتظاهرين السلميين، طالت المئات منهم، وبرصاص، لم تتوصل بعد الجهات المعنية الى مصدره بحسب إدعاءها، فضلا عن حالات الإعتقال التي  بلغت اﻵلاف.
ولم تكتفِ أو تتوقف عند هذا الحد بل راحت أياديها تطال حتى النساء ومن بينهن قاصرات عمر. ومن بين اﻷسماء التي جرى تغييبها وتداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع، صبا المهداوي وكثيرات غيرها. وفي الآونة اﻷخيرة جرى الترويج لأحد الفديوات وعن عمد للمتظاهرة ماري محمد، ليظهرها في وضع معيب، أراد من خلالها معتقليها إيصال رسالة مفادها: ان مَنْ يقوم بالتظاهر والإحتجاج على السلطة الحاكمة، هم شلة من المارقين، الخارجين عن القانون واﻷخلاق العامة. وبمقارنة بسيطة، فمثلما جنحوا الى عقد صفقة مع المعتقلة كامليا إنتخابي فرد، فستجنح الجهة التي إعتقلت ماري الى ذات اﻷسلوب، فمقابل إطلاق سراحها، ستوضع شروط ومطالب، يجب الإلتزام بها وتنفيذها ودونها التصفية، وهذا ما تحدثت عنه ماري في مقابلة لاحقة مع إحدى القنوات الفضائية، كاشفة عن حجم الضغوط التي تعرضت لها والمهام التي أو كلت اليها من قبل الجهة الخاطفة.
وكي لا ننسى فلا بأس من التذكير  بحجم التهديدات وطبيعة التهم التي ستوجه للمعتقلين، فعن كامليا مثلا وفي كتابها، سيرد النص اﻵتي وعلى الصفحة 120: سيكون هذا قبرك يا سليلة جهنم… هنا لا مجال للخداع، أيتها الجاسوسة الإسرائيلية... قولي لنا: مَنْ يمدك بالمعلومات في إسرائيل؟. إذن هي ذات التُهم وذات اﻷساليب التي ستتكرر، ولا ندري إن كانت على ذات اليد على الرغم من إختلاف الزمنين، فكامليا اﻷمس كما هي كامليا اليوم، فكلاهما ضحيتا نظام تسلطي، متخلف قمعي بلا حدود. وأزاء ضغوط من هذا النوع ستجد نفسها مضطرة الى نسج سيناريوهات وقصص، لا أساس لها من الصحة، فهي لا تعدو أن تكون سوى مخرجا لإنقاذ حياتها.
                                       ــ 2 ــ
صدقيني يا صديقتي، لقد أبيدَ النخيل كلّه،
أخبريني متى سيخضر شبابنا، ونخيلنا من جديد؟.
 هناك ما يشغل يوميات كامليا وعلى نحو أجمل، ولايقل حضورا عن همّها السياسي والإنشغال بقضايا شعبها ووطنها. فللأدب في حياتها والشعر منه بشكل خاص منزلته ومكانته ولا من مساومة عليه، إذ بات يُشكل بالنسبة لها رفيقا دائما وصحبة لا فكاك منه، فتراهما يمشيان سوية، وأحيانا يتنافسان لإختيار أي الطرق أكثر أمنا، وأيهما سيؤدي الى جهة القلب وضوعة الطيوب. بيتا الشعر اﻵنفان، جاءا في رسالة من صديقة كامليا واسمها ماندا، كانا قد تعارفا على بعضهما البعض  في مهرجان شعري أقيم في مدينة مشهد سنة 1987، أي أثناء الفترة التي كانت فيها الحرب العراقية الإيرانية، مستعرة وبضراوة.
وعن أنشطتها الثقافية، فبوصية من نادي الإدب الإبداعي، الذي تتردد عليه كامليا، فقد وصل مراسلوا محطة تلفزيون (صدا وسيما) بيتها، وذلك بمناسبة ما يطلقون عليه بيوم الثورة ونجاحها. طالبين منها بعض اﻷشعار التي تتحدث عن قائدها، فراحت تبحث بين أوراقها، علَّها تجد قصيدة واحدة، تتحدث فيها عن الإمام الخميني، بإعتباره زعيمها اﻷوحد ومن غير منازع أو منافس.
سيتسبب لها هذا الحادث بعض الإشكال والإرباك. ففي بادئ اﻷمر أبلغتهم بأنها كانت قد كتبت قصيدة عن القائد المفدى الاّ انها لم تجدها. وحينما سُئِلتْ : لماذا كذَّبتِ وادعيتِ بأنك كنت قد كتبت قصيدة بهذا الشأن، فردَّت عليهم: (الجميع يكذبون ولهذا كذبت، أنا أيضا)ص164. كامليا هنا لم تقل الاّ الحقيقة، فكلهم أو لنقل هناك نسبة لا بأس بها ممن تعاطوا مع(الثورة) ورموزها، من موقع المنافق. لكنها وفي ذات الوقت، وكي تفلت مما هو مضمر لها وفي ضوء تجارب سابقة، وصلت مسامعها، راحت تنشد إحدى قصائدها أمام كاميرا التلفاز، مدعية بأنها كانت قد كتبتها لزعيم اﻷمة:
منّي أليك
حتى آخر الفجر
من أعالي أغصان شجرة الصفصاف القوية
أنا عاشقة، مخلصة لك.       
 فيما بعد وأثناء بث البرنامج من على شاشة التلفاز، كان أبي يشعر بالزهو وبالفخر، وأدركت حينها(إنَّ كسب الشهرة قد تطلَّبَ مني أن أمارسِ الخداع).ص166   
وإستكمالا لما سمَّته بطريق الخداع، وبسبب ما لاقته من قسوة في التعامل على يد رجال اﻷمن، فقد قررت كامليا أن تخرج من هذا النفق وعلى طريقتها، مستغلة قدراتها المسرحية حين كانت تمارسها أيام المدرسة. وعن هذا الموضوع كتبت في مدونتها وعلى الصفحة 180(كان دوري أن اقع في الحب وأن أجعله يقع في الحب ـ تقصد هنا عشيقها المفترض ـ). ولتزجية الوقت وعلى الرغم من انها حبيسة زنزانتها وإستجابة لخفقات قلبها ولربما أرادت إسماع مَنْ بأذنه صمم، فأنَّ الشعر لم يغب عنها، متذكرة بيتين للشاعرة فروغ فرخزاد، ومن قصيدة أحبٌ يديك:
سأزرع يدي في الحديقة
سأخضرٌ، أعلمُ أعلم.
طالبات الثانوية، بين فترة وأخرى،كنَّ يتعرضن الى حملة تفتيش، ربما عائد ذلك الى شكوك من نوع ما من قبل إدارة المدرسة، وعلى أغلب الظن لدوافع سياسية. وإجراء من هذا النوع، سيدخل في باب مصادرة  الحقوق الشخصية والتجاوز على خصوصيات بنات لا زلن يافعات. وقضية كهذه سوف لن تمر مرور الكرام، بل راحت كامليا معلقة وبتندر (عثرت مفتشات الجحيم، مراقبات الرواق… على القصيدة بعد تفتيش حقيبتي المدرسية. فتحت إحداهن الورقة المطلوبة…. قلت لها بنزق: ألم تقرئي شعرا من قبل؟ انها قصيدة  حب)ص188. عندما ذكرت كامليا هذه العبارة أصابت المفتشة حالة  تشبه السعار. ثم راحت مستطردة في كتابها، لِتُذكِّر مَنْ فاته التذكّرَ: ان إيران بلد الشعراء، فعلام الغرابة والإستهجان، الا يعرفوا أن هناك شاعرا متصوفا إسمه حافظ الشيرازي!. أصابت كامليا في ما ذهبت اليه، ولعل ما أرادت إيصاله كان قد إكتمل، لو جاءت على ذكر متصوفة آخرين، كمحي الدين إبن عربي أو الحلاج أو الإمام الجنيد البغدادي.
حادث كالذي فات ذكره سوف لن يمر مرورا هادئا كما تمنت كامليا، بل ذهبت إدارة المدرسة الى إستدعاء والدة الكاتبة، لتبلَّغ بطرد الطالبة ليوم واحد عن الدوام. قضية كهذه راحت تتفاعل في دواخل كامليا حتى إنسحبت سلبا على اهتمامها بعالم الشعر الذي فُتِنَتْ به، وظلَّت عاكفة عنه حتى وصلتها رسالة من إحدى مدرساتها، والتي كان لها الدور البارز في تشجيعها ورعاية موهبتها الشعرية لتكتب لها(تجملي بالصبر. دعي الشعر يقطر من تلقاء ذاته كقطرات الماء. سوف يأتيك قريبا وحده). ص190
وعن شيطان الشعر أيضا ومن معتقلها وفي مكان آخر من الكتاب، ستكشف لنا كامليا عن ذائقتها ودرجة إرتباطها بأبيات القصيد وذاك الكلام المقفى، الراقص بين شفتيها، بزهو ودلال. فبينما كانت تؤدي دوريتها وما أملى عليها سجانوها من واجبات، كتنظيف دورات المياه وأماكن حبسها واﻷخريات معها من السجينات، اللائي يشاركنها، كتبت في مدونتها: رحت مصغية الى صوت مذياع الحراس وأنا أكنس الرواق، كان ضيف البرنامج شخصا أعرفه، انه أفشين آلا، وهو مؤلف وشاعر. بعد إطلاق سراحها بفترة زمنية، صادف أن إلتقت بهذا الشاعر، لتذكره بتلك المقابلة الإذاعية، قائلة له: عندما كنت تلقي الشعر كان مذياع حراس السجن مفتوحا، أجابها أفشين:لو كنت أعلم في ذلك اليوم انك تصغين اليَّ، لقلت ما يلي(في نهاية الليل يتحول الظلام من جديد الى نور).ص218
                                  ــ 3 ــ
 من أكثر المواضيع غرابة والتي تدفع الى التساؤل، هو ما صدر من إهتمام مثير حقا،  لشخصية فائزة هاشمي، إبنة الرئيس الإيراني رفسنجاني، والذي كان قد تولى الحكم لدورتين متتاليتين، إمتدت من عام 1989 وحتى عام 1997. فدوائر اﻷمن والعهدة على صاحبة الكتاب، قد سمعوا بشائعات، تتحدث عن علاقتها برجل ما، دون الكشف عن المزيد من التفاصيل، متسائلين عن إسمه، كم عشيقا لها...؟ هل تضاجع زوجها؟ هل يناهضان حكم الأئمة أم يعارضان الخميني؟ ص214.
 أن يأتي نصا كهذا في كتاب كامليا، الموسوم سيرة إيرانية وعلى هذا النحو الفاضح والمباشر، ليعطي دليلا قاطعا، لا لبس فيه على مدى إختراق الدولة لخصوصيات مواطنيها، وكذلك يعكس درجة إنعدام الثقة حتى بقادة الصف اﻷول وأبنائهم. فَهُم، ولنسميهم بالمحسوبين على النظام الحاكم، لم  يكونوا بمعزل عن شكوك وعيون الجهة المتسلطة والمتحكمة بإدارة البلاد، فكيف بالفئات اﻷخرى من أبناء الشعب، واﻷهم من ذلك، كيف سيكون التعامل مع معارضيها؟ وما هو شكل التصدي لها؟.
 غير انه ومع إنتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية في سنة 1998، شهدت البلاد نوعا من الإنفتاح السياسي، إنعكس إيجابا على طبيعة علاقات إيران مع محيطها ودول العالم اﻷخرى أيضا، وبانَ أثره في الإنفتاح الإعلامي وبشكل خاص على مستوى الصحافة، حيث تنوعت الإصدارات وتعددت اﻷصوات. وبكلمة واحدة يمكن وضع التغييرات التي حصلت في خانة الإصلاح وإن على خجل. وإنعكاسا لهذا الجو الإيجابي ومن بين تجلياته على سبيل المثال، أن قام وفد صحفي، رفيع المستوى، وبدعوة من إحدى الجهات الرسمية اﻷمريكية، بزيارة الى واشنطن، وعقد لقاءات إعلامية ببعض اﻷوساط المعروفة. ومن بين أعضاء الوفد، كانت صاحبة الكتاب.
 كان في بال كامليا إنتخابي فرد، أن تستثمر هذه الزيارة على أحسن وجه، فربما لا تتكرر مثل هذه الفرصة، لذلك ركزت جهدها على إجراء بعض الحوارات الصحفية المهمة، إتساقا مع اﻷهداف التي كانت قد رسمتها. وعن هذا الموضوع فقد حاولت أن تلتقي بسلمان رشدي، بعد أن رُفعتْ عنه تلك الفتوى التي أحلَّت سفك دمه، غير ان هذا اللقاء لم يُكتب له النجاح، إثرَ تلقيها بعض الإشارات من السفارة الإيرانية، فُهِمَ منها بعدم رغبتهم بإجراء حوار كهذا. غير أن كامليا وفي ساحة أخرى، نجحت في إجراء لقاءا صحفيا مع أبي الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإسلامية بعد سقوط الشاه.
 ستواصل كامليا نشاطها، وهذه المرة بحماس أكثر وبثقة عالية وربما بعيدا عن بعض السياسات والخطوط التي رسمها ساسة إيران. فحين عودتها الى بلدها راحت تنشط وبشكل ملحوظ، ولعلها ستسجل سبقا صحفيا لم يألفه الإيرانيون، حيث نجحت في إجراء لقاءا صحفيا مع زعيم حزب توده، نور الدين كيانوري وزوجته، في بيتهما حيث مكان إقامتهما الجبرية، بعد قضائهما سنوات عديدة في المعتقل. ومن بين اﻷسئلة التي وُجهت لهما(الا تخشيان أن يلاحقكما أولئك القتلة؟) فكان جوابهمصريحا وذكيا وبلا تردد(انهم يراقبونا من البناء الكائن على الجهة المقابلة من الشارع).ص241
 أمرٌ كهذا سوف لن يمر مرور الكرام كما يتوهم البعض. ففي تلك الفترة أصدرت الجهات الإستخباراتية قائمة باﻷسماء التي ينبغي التعامل معها بقسوة شديدة وقد تصل الى مستوى التصفية. ضمَّت هذه القائمة 179 شخصا مطلوبا، جلّهم من الفنانين والأدباء والصحفيين ومن هو بحكمهم، ومن بينها ورود اسم صاحبة الكتاب. في هذه الفترة كانت كامليا إنتخابي فرد في سفرة خارج البلاد، فراح القلق يساورها ولا من قرار يحزم أمرها، فظلت في حيرة من أمرها، متأرجحة بين أن تعود أو لا تعود، الاّ انها في نهاية المطاف حسمت أمرها وقررت العودة، معتمدة في ذلك على رصيدها الوطني وعلى إخلاصها اللا محدود لبلدها، ففي ذلك ما يشفع لها كما تعتقد.
 ومن بين ما راهنت عليه كامليا كذلك، هو ما نسجته من علاقات مع بعض الشخصيات المهمة، المتربعة وكما تظن على هرم السلطة، ومن بين هؤلاء على سبيل المثال فائزه مهدي رفسنجاني، حيث يرتبطان بصداقة متميزة. متناسية عن قصد أو بحسن نية ما قامت به من أنشطة صحفية، على المستويين، الخارجي والداخلي، والتي وُصفت بالخطرة في عرف الحاكم، كان من بينها ذلك اللقاء الصحفي الذي أجرته مع الشاه الشاب رضا بهلوي، وأيضا مع الملكة، الرشيقة القوام فرح بهلوي، فلم تُعَد تلك اﻷنشطة من الكبائر فحسب، بل دخلت في المشبوه والمحرمة قطعا.
 في الساعة السادسة صباحا من ذلك اليوم المشؤوم، سيُطرق باب بيتها، ليقتادها إثنان من رجال اﻷمن، ويذهبا بها حيث يشاءا، وليبدأ من جديد فصل آخر من فصول الضغط والإبتزاز. وعن مجريات التحقيق ستكتب كامليا على الصفحة 267: عندما عدنا الى الغرفة، سأل المحقق، إذا تقولين انك مستعدة لتنفيذ أي شيء… هل تريدين أن تصبحي أحد الجنود المجهولين؟، أو مأت برأسي إيجاباً. لذا (والكلام لا زال لها)رحت أحفظ الجرائم التي ارتكبتها كما يُفترَض عن ظهر قلب، كتواصلي مع رضا بهلوي وتقديم تهنئة لفرح ديبا، وإقامة علاقات مع اسرائيل ومع الإستخبارات اﻷمريكية، وغيرها من التهم التي يحاسب عليها القانون والتي قد تصل عقوبتها الى الإعدام.
 في موقع آخر من الكتاب ستدون كامليا ما دار بينها وبين مستجوبها من حوار والذي وصفته بالمتكافئ: كان الحب، كهَبَّةٍ من الهواء المنعش القادمة من الجنة، قد تغلغل عميقا في قلب ذلك الرجل القاسي. كنت أعلم حتى عندما يضربني، انه يشعر بأنه يلمس زهرة رقيقةص270. هنا سنعود من جديد الى تساؤلنا اﻷول والذي أثرناه في مقدمة المقال وما رافقه من إلتباس، كنا قد لمسناه من الكاتبة وبات موضع شكٍ : هل تسلل الحب حقا قلبيهما، أم أن هناك أمرا  ما قد حدث، إستدعى أن تكون كامليا عاشقة قبل أن تكون سجينة رأي.
 أسئلة كالتي أنف ذكرها سنجد لها جوابا وبصرف النظر عما ادعته الكاتبة وما كان يدور عن حالة العشق والهيام الذي تبادلته مع سجانها. فقد وُضِعَ شرطان من قبل دائرة الإستخبارات، نظير إطلاق سراحها. اﻷول، يقضي بتوقيعها على كفالة مالية والإعلان خطيا عن تعاونها مع أجهزة الدولة كالقيام مثلا ببعض المهام التي تُكلَّف بها. ثانياً وبحسب ما دونته كامليا: أن تظهر بشريط فديو أثناء مرافعات المحكمة، وقد يكون الهدف من وراء ذلك هو تثبيت إعترافاتها، بالصوت والصورة، كما هو معمول في بعض الدول. فضلا عن تصوير فلمين آخرين، سبقهما إجراء العديد من البروفات، قامت أثناءها بقراءة ما أملي عليها من أقوال!!!. عن هذه الفقرة وما احتوته من شروط، فلدينا العديد من التجارب المماثلة إن لم تتفوق عليها خسة وإنحطاطا، وسأترك لك عزيزي القارئ ما تشاء من التعليق.
 في آخر فصل من الكتاب، ستدون كامليا شيئا عن هروبها من وطنها، وبعزيمة لا تقبل التردد أو التهاون. فما تعرضت له من ضغوط على أيدي سجانيها، سيشكل بالنسبة لها حافزا قويا وقرارا لا عودة عنه أو تراجع. لذلك ستجدها مضطرة على دفع مبالغ كبيرة، لقاء تهريبها، عبر طرق غير شرعية، وإيصالها الى منطقة آمنة، تقع خارج حدود بلدها، وهذا ما تحقق فعلا، تاركة ورائها حباً لوطنها لا يدانيه حبا، لكنها في ذات الوقت بدأت تتحسس طعم الحرية ورائحتها، التي كانت قد حُرمت منها لسنوات ليست بالقليلة، ولتعود من جديد الى ممارسة مهنتها المحببة والمفضلة الى قلبها الا وهي الصحافة، ومن غير أن تبتعد كثيرا عن مواصلة إهتمامتها اﻷخرى كالشعر والرسم وما هو قريب منهما.
 أمّا عن الصحافة وما سمعته من أحاديث خلال إجراءها للعديد من المقابلات وما تم الكشف عنه، قد لا يصدقه البعض. ففي إحدى المرات، وفي ظلال الفترة التي إشتدت فيها من جديد رغبتها في العودة الى وطنها، صادف أن كان الرئيس الإيراني اﻷسبق، محمد خاتمي، خارج البلاد، وهو يقوم بجولة تستهدف تحسين صورة بلاده، التي كانت قد تشوهت بفعل عوامل عديدة، لتلتقيه كامليا على هامش زيارته هذه، طالبة منه وبعبارة صريحة مباشرة، توفير ضمانات عودتها الى أهلها وبلادها. الاّ أن سيادة الرئيس ردَّ عليها(لا أدري إن كان في إستطاعة أي أحد أن يحمي أيامنا عندما نعود الى طهران)ص300. هنا من حقنا أن نتسائل: هل كان محمد خاتمي، الرئيس الفعلي للبلاد ؟ أم كان رئيساً صوريا، خاضعا لسلطة وسطوة الدولة العميقة؟إن كان اﻷمر كذلك فما بالنا نحن. عجبي.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو


25

سيروان باران والجمال المؤلم

 عنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.
في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.
 وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.
 وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.
وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.
سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.
وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.
 انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب. 
 تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.
إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟
أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.
وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.
تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.
أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو








26

أيا أهل النخيل سلاما

(في الذكرى السنوية اﻷولى لإندلاع ثورة الشعب العراقي، ثورة اﻷول من أكتوبر عام 2019).
 أمام مبنى بلدية كاليه (Calais)الفرنسية، يشمخ نصبا تذكاريا لستة رجال وبأوضاع وحركات مختلفة، كانوا قد قدمّوا أرواحهم قربانا، يفتدون بها مدينتهم. أعمارهم وملابسهم كانت متفاوتة بشكل واضح، عاكسة طبيعة مكوناتهم الإجتماعية وكذلك خلفياتهم الثقافية. انهم بإختصار عصارة عطر الياسمين ومن خيرة أبناء مدينتهم وفخرها. أمّا أصل الحكاية فتقول: ان ملك انكلترا أدوارد الثالث وبعد أن حاصر المدينة إياّها وأوشك أن يحقق نصره النهائي المزعوم، وذلك بإستباحتها وإزالتها من الوجود وتصفية كل مَنْ فيها، قرَّرَ وفي اللحظات اﻷخيرة التوقف عن تنفيذ ما رماه، وذلك نزولا عند طلبات ورغبات وإستغاثات، جاءته من هنا وهناك ومن بينهم وعلى رأسهم زوجته. وكبديل عن مخططه الخبيث هذا وما انتواه وكي لا يبدو ضعيفا، فقد وضع شرطا  أمام أهل المدينة، مفاده أن يتقدم ستة من عيون أبناءها وقدوتهم وهم حاسري الرؤوس، مُذلين، مُهانين ومقيدين أيضا. وبهذا الإستعداد والوقفة الشجاعة وروح التضحية التي أبداها هؤلاء الرجال الستة، استطاعوا إنقاذ اﻷرض التي أنجبتهم ومن قََبْلُ إنقاذ ساكنيها.
 وبسبب من هذه الواقعة التي أتينا على ذكرها، فسيتحول هؤلاء الرجال الستة في ما بعد وعلى مدى قرون لاحقة الى أيقونة وأبطال خالدون، وسيتحول اﻷثر أو النصب الذي تم نحته على يد الفنان رودان الى قبلة يؤمها الناس وعلى تعاقب أجيالهم. انها واحدة من حلقات الحرب التي سُمّيت بحرب المائة عام، والتي كانت رحاها وفصولها قد دارت بين قطبين كبيرين آنذاك، هما فرنسا وبريطانيا، وذلك في سنة 1347. كذلك وهذه لعلها النقطة اﻷهم والتي تعنينا في هذه المناسبة، سيعدَّها المؤرخون، واحدة من صفحات المجد التي حفرتها إرادة الشعوب، وباتت مزارا لمتطلعي الحرية وعاشقيها في العالم.
بين كاليه المدينة الفرنسية التي هي حديث ساعتنا وناصرية العراق شيء من التناغم والتشابه والعزف المشترك. فالتأريخ هنا وفي لحظة كالتي نعيشهاسيعيد نفسه، وهذه المرة على شكل مجد وسمو. فمدينة الناصرية التي يليق بها أن نُسمّيها بزهرة الجنوب العراقي، وإذا ما أردنا التحدث عنها بإعتبارها نموذجا ومثالا يحتذى به للمدن الباسلة، فهي اﻷخرى من ماس ونور وكرامة، وأبناءها رجال تضحية وإقدام. وربما هي أكثر تحسسا وتوقا للحرية قياسا الى غيرها من المدن. وإن شئنا دقة الوصف وتعميمه فهي  لا تختلف كثيرا عن سائر مدن العراق اﻷخرى، وبشكل خاص تلك التي أنصفها التأريخ وشرَّفها بأن أطلق عليها وسمَّاها بالمدن المنتفضة. وربما تتمتع (الناصرية) ببعض من الخصوصية ولنقولها بكلام واحد صريح فهي  أيقونة ساحات العز اﻷخرى  وبإمتياز، ومنها يستمدون العزيمة والإصرار على تحقيق أهدافهم السامية. وإذا ما أردنا التحدث وبلغة اﻷرقام  عن حجم التضحيات التي جادت بها وعلى ضوء ما دونته يوميات الإنتفاضة، فسنجدها وقد بلغت أرقاما تفوق كل التوقعات، وستهتز لبسالتها فرائص اﻷعداء ويجبنٌ أشجعهم إن كان بينهم رجالا، وسيتربع شهدائها على عرش البطولة بثبات وفخر.
وما دمنا قد دخلنا في باب المقارنة او بالأحرى استحضار تجربة مدينتين، تشتركان في تصديهما لقوة غاشمة، فلابد من التوقف عند بعض الحقائق: فكاليه الفرنسية قد تمت إستباحتها على يد قوى أجنبية، أتتها من خارج الحدود. وفي صراع كهذا سيجد الغازي أو المحتل  من الأسباب ما تبرر فعلته وما يخطط له، وخاصة في زمن الحروب التي تنشب  بين الدول. بينما الناصرية وشقيقاتها من المدن العراقية اﻷخرى المنتفضة، تعرضت ولا تزال الى حرب إبادة، بهدف إسكات صوتها الوطني وعلى يد مَنْ، على يد حفنة مَنْ  يُفترض بهم أبناء جلدتها وحماتها. واذا ما حسبنا حجم التضحيات التي قدَّمها شبابها فهو يفوق وبما لا يدع مجالا للشك وبأضعاف مضاعفة ما قدمته تلك المدينة الفرنسية، ونحن هنا لسنا بصدد التقييم أو التقليل من حجم الخسائر و الدماء التي قدمها الشعوب على طريق تحقيق خياراتها المشروعة وحقها في الدفاع عن نفسها.
اﻷنكى من ذلك وما يُلفت النظر ويثير الدهشة والغرابة، انَّ عمليات القتل والتصفية التي تعرض لها أبناء مدننا العراقية المنتفضة، قد شهدت تفننا وألوانا من الدناءة والخسة، كان من بينها ما هو أشدٌ فتكا ونذالة، بل ماهو محرم دوليا وأخلاقيا وفي كل الشرائع واﻷديان والأعراف. وليس ببعيد أن يكون القتلة قد استعانوا بتجربة حكم بول بوت، زعيم الخمير الحمر في كمبوديا ورئيس دولتها في سنة 1975، حين أوصى بيادقه: من اﻷفضل قتل البريء خطأً، على عدم قتل العدو. أو وفي وصية أخرى: لا تنسى الجذر حين قطع الشجرة. فأي سادية هذه وأي إنحراف. والفضيحة اﻷكبر، أنَّ مرتكبي  الجرائم بحق شبابنا المنتفض، لم تقف أمامهم ولم تثنيهم عن فعلتهم أي من الإعتبارات، لا الوطنية ولا الدينية ولا المذهبية، والتي كثيرا ما يتشدقون بها.
 وإسترسالا في موضوع المقارنة بين شكلي التعامل في الحالتين، فالملك الإنكليزي أدوارد الثالث وعلى الرغم مما كان يحمله من حقد وكراهية ضد أبناء المدينة التي قام بغزوها، لكنه في النهاية راح صاغيا، مستجيبا لرجاء الرحمة التي أصدرها البعض، الاّ أن جلادي العراق وقتلته، لم يصغوا لأي نداء أو صرخة إستغاثة ومن أي مصدر كان، ومهما علا شأنا ومرتبة، إن لم يمعنوا أكثر في غلّهم وحقدهم، ولا أريد هنا التحدث عن سيف ذو القربى وكم هي مضاضته، فلستم عنه بغافلين.
وإذا كان التأريخ قد خلَّدَ أبطال تلك المدينة الباسلة المسماة كاليه بعد خمسة قرون على تأريخ وقوعها، فإن تخليد إنتفاضة العراقيين التي نشهد فصولها في هذه اﻵونة سوف لن تكون بعيدة واﻷيام بيننا. فما أن تمر بضعة سنين على ذكرى إندلاع ثورة اﻷول من اكتوبر عام 2019 الاّ وستكون مدن النخيل ومن أقصاها الى أقصاها قد شهدت إحتفالات غامرة، إحتفاءا بإنتصار ثورتها وتكريما لشهداءها، وبشكل خاص تلك المدن التي وقفت على الساتر اﻷول وبمواجهة نظام حكم فاسد، كان قد تربع على حكم البلاد على حين غفلة من الزمن، وبتواطئ وتسوية، وبصفقة مشبوهة لم تعد خافية على أحد، ومن قبل قوى خارجية أرادت للعراق وأهله أن يؤكل لحمه نيئا. انها كبوة حصان أصيل لا ريب في نهوضه. 
أمّاشكل الإحتفالات المتوقعة، فأرجح السيناريو التالي: سيتنادى أحفاد جواد سليم وزها حديد ومحمد غني حكمت واسماعيل فتاح الترك وغيرهم من النحاتين العراقيين الى عقد إجتماع موسع، قد يختارون له هور الغموكة، الواقع ضمن قضاء الشطرة إداريا مكانا لهم، بإعتباره قد شهد من قبل إحدى الإنتفاضات المباركة، ليشرعوا في تداول أمر نحت نصبٍ تذكاري عرضه السماوات واﻷرض، يُمجِّدُ شهداء الوطن،ستزين به ساحة الحبوبي، حيث شهدت إنطلاق الشرارة اﻷولى للثورة وبالتزامن مع إندلاعها في سائر ساحات العز اﻷخرى. وفي سنوات لاحقة وعلى ما أرجحه، سيتحول هذا (النصب) الى مزار وقبلة للأجيال القادمة، وسيمسي مكانا للتبرك وإستذكار أولئك الرجال اﻷبطال الذين ضحوا بأرواحهم الزكية من أجل عراق أبهى. ومن هذه الساحة وبمناسبة إندلاع ثورة أكتوبر وبتقليد سيصبح ثابتا ومع إطلالة المناسبة وفي كل عام، ستصدح اﻷصوات عاليا وبأناشيد وطنية، ستؤديها باقة من البنات الحلوات، يمثلن مختلف مناطق العراق ومكوناته، ولعل خير فاتحة للمهرجان أو الحفل، ستكون بصوت أحد فنانيها الكبار وهو يشدو:
استمد الشجاعة منك
ومنك العزيمة تأتي الي
على شكل سيف يتوجني
ويشد يشد يدي
وإن مسَّكَ الضرٌ أسرعت
مدرعا بشمسٍ وفيء
وعرفت اﻷذى عن حبيب وأهلي وخل وفي
ﻷنك أنت الصباح الذي نام فيه الوفي.
وخير خاتمة لهذه الإحتفالات هي إلقاء قصيدة الجواهري الكبير: يا دجلة الخير،  وبصوت أحد أبناء شهداء ثورة تشرين العظيمة.

ملاحظة: النص الآنف للشاعر هاشم شفيق، لُحنه الفنان سامي كمال، وأداه بصوته الجنوبي اﻷصيل.


حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

27

حيّاك يا سامري
(عن سيف الدين ولائي)
يكفي أنه شاعر حقيقي، لذا لا مناص من أن نضفي على سيرته شيء من الخيال، وكان اﻵتي:
 ما بين باب المراد وباب الدروازة وأبوابها اﻷخريات، سنوات من العشق وضروب من اللوعة واﻷسى وبينهما أيام وليال لا تخلو من المسرة وإن على خجل. فَلَكَمْ جالها صاحب السيرة في صباه جيئة وذهابا، وَكمْ تخبَّرَ درابينها وناسها، وَكمْ من مرة دخل المقام الذي تحتضنه مدينته الكاظمية وطاف حضرتيها بجلال وخشوع، حتى أختزِنَتْ في ذاكرته لتمسي رصيدا ثمينا،سيهتدي اليه كلما داعبه الهوى وهام في رجعه، واﻷهم أن يكون شفيعه في قادم اﻷيام.
توقف هنا حيث محل بيع الزهور، إستنشق شيء  من عطرها فهالته ألوانها ومظهر بائعها الخمسيني الشديد اﻷناقة، حيث إتخذ من الرصيف الملاصق لمحله متاهة للتأمل والراحة، قاطعا بدراية منه أو دونها طريق السابلة، محاولا بعد يأسٍ وتردد وحياء إستعادة ما فاته من عذب الكلام وأرقَّهُ، يوم كان يغازل هذه ويداعب تلك أو يرمي قبلة حتى وإن ضلَّت طريقها. متطلعا بالمقبلة وأكثر منها بالمدبرة: آه كم هو مغرٍ شكل العباءة حين تنتصف غرة النسوة والصبايا.
ذهب بك العمر يا فلان، قالها بحسرة في سرِّه، ساحبا نفسا عميقا من سيكارته التي كادت أن تحرق سبابة يساره والوسطى، ليدخل محله مسرعا بعد أن باغته أحدهم، طالبا منه باقة ورد، زاهية بألوان الطيف، تفوح منها رائحة المسك. أرادها أيضا وهذا اﻷهم أن تليق بمن ستكون قرينة قلبه في غضون شهر من اﻵن، بعد أن حسم أمره، تاركا ورائه إرثا وهمّاً ثقيلين، عدا عن سنوات من الجري والصبر والإنتظار .....حتى حانت الساعة أو قيامها وليستقرَّ القمر أخيرا بين يديه.
لولا إنشغال صاحب محل الزهور بزبون آخر، لكان عاشقنا الولهان قد شكا وكشفَ له سرّه وما لاقاه وما كابده. فَمثلا أمر الإنزواء والتفرد بمعشوقته كان يُعَدَّ ضربا من  الخيال والوهم والمستحيل، حتى أوشكا هو وحبيبته على أثرها الفراق سبيلا، غير أنَّ ضربات قلبيهما التي ما إنفكت توجعهما كل يوم بل كل ساعة، هي التي حالت بينهما وبين إتخاذ القرار المرّ. عمّا أحدثك يا صاحب الزهور، عن رهط  من اﻷبناء واﻷقرباء وهم يحيطون بنا أينما إخترنا خلوة للتناغم والكلام الحلو ! أم عن لوعة غياب لسبع ليالٍ ونهارات مثلها! أم عن سفر بعيد، باغت حبيبتي مرة وباغتني مرتين.
تأمل طويلا باقة الورد التي باتت بين يديه: أنها حقا تليق بمعشوقتي دون غيرها. قالها بزهو وبصوت مسموع حتى لفت إنتباه بعض المارة. وقال أيضا: لا زال في الوقت متسع، فالساعة اﻵن لم تبلغ بعد الخامسة عصرا ولا بأس من إستراحة قصيرة حتى مجيءصديقي الذي سيرافقني وجهتي. لذا ولتزجية الوقت الفائض قرر حامل الورد التوجه صوب باب القبلة حيث مقهى محمد علي الكاظمي. وفي الطريق الى هناك لاح له من بعيد روادها وكان بها من الكثرة ما ضاقت بهم أرائكها، ولاح له أيضا علي الوردي بحضوره البهي ومسبحته وسدارته الفيصيلية ونظارته الطبية التي زادته مهابة ووقارا.
آه أي مصادفة جميلة هذه وكم تمنيتها، فها هو( الوردي) بجسده الطاهر يمشي تبخترا، لعله يتأمل ما يدور من حوله، أو ربما تجده منهمكا وعلى عادته في وجوه المارة وأزيائهم، ذاهبا الى قراءتها بتأنً وروية رغم شدة الزحام. فهذا مثلا وعلى رأيه قادما على أكثر تقدير وأرجحه من البادية الغربية، فلفحة الشمس بادية على وجهه. وذاك الذي يعتمر عقال سميكا، تبدو عليه ملامح ريف العمارة وطيبة أهلها. أمّا تلك المرأة اﻷربعينية العمر، بطولها اﻷهيف ونحافة خصرها وزيّها المديني، فهي  تعود بأصلها إن لم أكن مخطئا الى أرض نينوى، أو ربما تكون من بلاد الشام وقد جاءت لزيارة مَنْ على صلة بها، أو لحضور حفلة عرس ﻷحد اقاربها.
 قال حامل الورد محدثاً نفسه: انها فرصة نادرة. ماذا لو أرجأتَ زيارة أهل حبيبتي وأجَّلتَ مرادي بعض الوقت، وأذهب لتحية (الوردي ) وأقاسمه بعض الهموم! لِمَ لا وهو المعروف عنه ببساطته وبشاشته وطيب سريرته، وهذا ما فعلت. فبعد التحية والسلام والتفاعل السريع بينهما راح (الوردي) يشكو بُعد المسافة بين منطقة سكناه في أعظمية أبو حنيفة النعمان، وبين مقهى الكاظمي الذي إعتاد إرتياده عصر كل يوم. وبين أخذ ورد وإذا بالحديث يجرنا بعيدا حتى إستغرق منا وقتا طويلا. وﻷن في كلامه ما يؤنس الجلسة ويمتّعها، فرحتُ هاديا إياه باقة الورد، ناسياً أو متناسياً الإثنين معا،صاحبي الذي كنت أنتظره، وحبيبتي التي تنتظرني.
 على أرضية من هذا الإرث والبيئة اﻵنفة وما تخللها من أسباب وظروف جاذبة وحاضنة للجمال والموهبة، تشكلت ذائقته الشعرية. انه سيف الدين ولائي، الكاظمي الولادة، العراقي الهوى، البغدادي اﻷصيل. وعنه نقول: هو سيد اﻷغنية البغدادية أو العراقية إن شئتم يوم زهوها وتألقها، وربما تربَّع على عرشها دون أن ينازعه في ذلك أحد. قد يلومني أو لا يروق للبعض قول كهذا، لكن ما حيلتي فلكل أمرئ مما إجتهد نصيب ونصيبي في رأي هذا لا أظنه عاثرا أو مبالغا فيه.
إذن قدرة ولائي على كتابة الشعر الغنائي وبهذا الزخم والقوة، لم تأتِ بعفو خاطر أو محض صدفة، بل هي حصيلة عوامل عديدة، تظافرت في ما بينها لتنتج لنا هذه الموهبة الكبيرة وهذه القامة. ودون أدنى شك كان قد أصغى وبإمعان لسيرة اﻷغنية العراقية ومنذ بدايات القرن الماضي، بالغا أ`على درجات التفاعل معها في فترة الخمسينات واﻷكثر منها في الستينات حيث تساميها. ومذ تلك الفترة بدأ بالتوقف طويلا عند أشهر قيان بغداد ومطربيها وعلى رأسهم قراء المقام العراقي كمحمد القبانجي وحسن خيوكة، وأصغى كذلك لمنيرة الهوزوز وصديقة الملاية وغيرهم.
لم يكتفِ سيف بما لديه، ولابد والحال كذلك من تدعيم وتطوير ما بين يديه من موهبة وصولا لتحقيق حلمه وغايته. فراح مركزا على قراءة الشعر والقريب منه الى قلبه حصرا، مبتدءاً بديوان الحاج زاير بلهجته العامية الجنوبية المحببة، مارا بالعديد من أطوارها، كالحسجة والزهيري واﻷبوذية. وقرأ أيضا من شعر البادية وما حمله من قيم وأعراف ومبادئ سامية. واﻷهم من ذلك قرأ وبإمعان لملا عبود الكرخي ومنه إستمد وعلى ما أزعم ذلك الكمّ الكبير من المفردات واﻷجواء التي يمكن وضعها في خانة اللهجة الوسطى، والتي تُُعدٌ قاسما مشتركا لكل لهجات أهل العراق.
 وبذاك الخزين وذاك الثراء، دخل معترك كتابة اﻷغنية، على الرغم من وجود كتاب كبار في هذا المجال كخزعل مهدي وجبوري النجار. وما إن تجاوز العتبة اﻷولى في مسيرته، حتى تفتحت أمام سيف الدين كل اﻷبواب، وكانت بحق واسعة، رحبة. ولتتراقص من بعدها بين يديه أعذب الكلمات وأكثرها شيوعا وتقبلا وألفة. انه وبإختصار شديد، قد شرب بل قُلْ إحتسى عصارة خزين شعري هائل، بعاميته وفصحاه، بعد أن سقاها بكؤوس من أثير وتأمل.
إذن يمكن القول بأنه إخترق اﻷغنية البغدادية وبكلمات سيطرب لها المتلقي وبصرف النظر عن طبقته وفئته الإجتماعية. فسيف في كتابته وإنتقاء مفرداته كان كما الموحد والجامع بين مختلف اللهجات. وتأكيدا على هذا الرأي ستجد أغانيه حاضرة في كل مناسبة سعيدة ومحفل، فما من عرس عراقي الاّ وتكون أغنية سمر سمر حاضرة، بل هي خير ما يُفتتح به المقام حتى تحولت الى أيقونة خالدة، حُفِرَتْ  في ذاكرة العراقيين.
وإذا أردنا أن نحصي عدد اﻷغاني التي كتبها سيف الدين ولائي فهي كثيرة بل كثيرة جدا وربما بلغت اﻷلف. ومن بين تلك اﻷغاني على سبيل المثال والتي لاقت رواجا ملفتاً، أغنية هذا الحلو كاتلني يا عمة وأغنية  خالة شكو والله الله من عيونك والردته سويته وادلل عليَّ ادلل وجيرانكم يا أهل الدنيا وغيرها. وإذا نظرنا بعين فاحصة فسنجد كلمات هذه اﻷغاني تدور بجلها حول العائلة والبيت والحنين والعشق وكذلك ألم الفراق.
واللافت للنظر أيضا أن معظم الملحنين المعروفين آنذاك وممن كانت لهم بصمة واضحة في الغناء العراقي واﻷغنية البغدادية على وجه الخصوص، قد تعاملوا وتفاعلوا مع الشاعر سيف الدين ولائي ومنذ بدايات رحلته في هذا الفن وبحماس شديد، لتجد أشعاره وقد طافت سماء بلاده ودخلت أغلب البيوت العراقية، لتغنّى على نغمات من مقام الصبا والحجاز والسيكاه وغيرها. ومن أبرز هؤلاء الملحنين كبيرهم أحمد الخليل وكذلك ناظم نعيم ومحمد نوشي وخزعل مهدي. أما عن أبرز اﻷصوات النسائية التي غنت من كلمات الشاعر طيب الذكر، فستحضر هنا مجموعة ليست بالقليلة من اﻷصوات، وفي مقدمتهم الفنانة مائدة نزهت، كذلك لميعة توفيق وزهور حسين وأحلام وهبي وصبيحة ابراهيم وسليمة مراد. ومن اﻷصوات الرجالية التي تعامل معها شاعرنا، فاضل عواد وفاضل رشيد وياس خضر وعباس البصري والقائمة تطول.
وإذا كان لنا من حديث عن التلحين وأكثر من تعامل معهم شاعرنا ورافق رحلته الفنية، فسيحضر هنا أسم الملحن الكبير الراحل رضا علي. وأكاد اجزم بأن العدد اﻷكبر من أغاني شاعرنا طيب الذكر والمناسبة، كان قد لحنها هذا الفنان، ومن بينها تلك التي لا زالت تتردد على ألسنة العراقيين.
وما دمنا نتحدث عن اﻷغنية وشاعرها، فإنَّ أركانها  لا تكتمل الاّ بظلعها الثالث، وأي ظلع هذا إن لم تكن صاحبته فاتنة بغداد عفيفة إسكندر، وليس من فاتنة سواها، إذ كان لها النصيب اﻷكبر والقدح المعلى من أشعار سيف الدين ولائي، ومن ألحان رضا علي.
وﻷن أشعاره تحمل من الرقة والعذوبة ما تفوق الخيال وتطرب لها النفوس وتطيب، فقد عَبَرت أغانيه حدود بلاده لتصل دول المشرق العربي، ولتنافس كبار الكتاب العرب في هذا المجال. وإذا كان لنا من أن نستذكر بعض اﻷسماء من المطربين والمطربات من الذين غنّوا من كلمات شاعرنا، فستكون السيدة نرجس شوقي في مقدمتهم وكذلك الفنانة الكبيرة فائزة أحمد ورائعتها خي لا تسد الباب خي بوجه اﻷحباب واغنية ما يكفي دمع العين يا بويه. وأيضا لا ننسى المطربة راويه ونهاوند وأغنيتها يبا يابا اشلون عيون عندك يابه. من جديد نقول: إنّا نتحدث عن الشاعر الكبير سيف الدين ولائي.
                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحدى سنوات القحط وإندلاع الحرب التي أكلت وحرقت ولمّا تشبع. في سنة 1980، سيجد سيف الدين ولائي نفسه حائراً بين التيه والدهشة، فالمكان ليس مكانه واﻷهل ليسوا بأهله، ومقهى محمد علي الكاظمي بات بعيدا، بعيدا جداَ. في جوٍّ كهذا، راح شاعرنا يتلفت في كل الإتجاهات عمَّن يدله على (شريعة النواب) وعن البلاّمة ومساءات دجلة الخير، وعن سوق حماده ورفيق مسيرته رضا علي. وعمَّن يدله على إحدى بوابات مدينته التي تركها هناك كي يستجير بها، وعن جهة القلب، عن بغداده، ولكن دون جدوى.
وما أن مشى سيف الدين ولائي بضع خطوات حتى وصل مسامعه ومن إحدى مقاهي السيدة زينب، واحدة من أجمل أغانيه وبصوت راويه: أدير العين ما عندي حبايب.... غريبه الدار بس وين الكَرايب. لم يطل به اﻷمر كثيرا، فقد أعلِنَ عن وفاته بتأريخ  25-11-1984وليُدفن هناك في مقبرة الغرباء، ليكتب على قبره: مات شاعرنا كمدا على وطنه. هل سنجد في بلاده التي تغرَّب منها أو غُرِّبَ، شارعا أو زقاقا أو حديقة ورد تحمل إسمه؟ تضم من الزهور أجملها وأعبقها عطرا، كتلك التي أهداها الى علي الوردي يوم التقاه قبل بضعة عقود.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو











28
 
إنْ قَفُرَ المكان فَقَدَ قيمتهُ، وإن غاب عنه عاشقوه فسيمسي موحشا، يعبث به مَنْ يشاء بغير حساب. ما بين يدي كتابا أراد له صاحبه أن يكون مكثفا في تعبيره، دقيقا في وصفه أمينا له، ناقلا لصور كان قد أحبها وما انفكت ترافقه حين صغره ويفاعته وحتى بلغ المشيبا. وصلة الوصل والتناغم بين روحه وروحها لم يكن مرهقا أو مستحيلا، فمشاها ليلا كما السراة وعلى إيقاع من الشجن، قاطعا شوارع بغداده بتؤدة ومحبة.
بعد حين من الوقت، راح يتلفت يمينا وشمالا، فوقع خطواته لم تكن من الثبات والثقة كما كان عليها قبل رحيله، ربما للكبر بعض نصيب في ذلك، الاّ أن لهول الخراب والدمار الماثل أمام عينيه النصيب اﻷكبر في تعثرها. فالطرق لم تعد سالكة، منسابة، كما كانت على عهده رغم محاولات التظاهر بالراحة والنشوة.سيعقد كاتبنا شكلا من أشكال المقارنة بين ما كان قد إستقر في ذاكرته من صور عن أيامه الخواليا، وبين ما تراه عيناه، ستفضي به الى ما هو أبعد من التحسّر على ما فات وعلى ما كان زاهيا.انه ربع قرن من البعاد.
ضباب اﻷمكنة، هذا هو اسم الكتاب وزهير الجزائري إسم صاحبه. كان قد صدر بطبعته اﻷولى عن دار المدى العراقية في الربع اﻷول من هذا العام، بواقع 166 صفحة، توزعت على العديد من العناوين، إلتقت في جلّها على أماكن كان قد أحبها الكاتب وشكَّلت بالنسبة له عيون عاصمته ولآلئها.
                                      ــ1ــ
رحلته خفيفة ظل على ما أعتقد وسبرها ليس باﻷمر العسير. فمع مطلع صفحاته اﻷولى، كانت قد وردت العبارة التالية وأظنه قد توفق فيها وفي شدّنا اليه: أحببت وأنا أكتب عن اﻷمكنة أن تكون حاضرة أمامي. وعلى ما أرى ومن خلال هذه الجملة، أراد أن يقول لنا أنَّ المكان كان برفقته مادام في غربته، بل هما كما التوأمان لا ينفصلان، وانه لم يغب عن عيونه رغم إبتعاده الإضطراري المفروض عليه. ولا شكَّ عندي في صدق ما ذهب اليه الكاتب، لذا إخترتها مفتتحا.
وفي جملة لاحقة وعلى ذات الصفحة ستهتز ذاكرته حيث يتواجد. (بيني وبين هذه اﻷمكنة كثير من الغموض هو بعض من ذاكرة المنفى المعطوبة). إذن هنا وحيث تجواله سيكتشف الكاتب أن تغييرا هائلا وكبيرا قد لحق بالمكان وطال أهم الدلالات والعلامات المساعدة التي تشكلت منها ذاكرته.
ومن أجل إستعادة اﻷمكنة ستبدو العملية ليست بالسهلة، هذا ما يراه، فالعطب لم يصب ذاكرته فحسب بل واﻷمكنة كذلك، فها قد تبدلت ملامحها لتستجيب لرغبة القابض على السلطة، المتحكم بشكلها وطعمه. لذا ستجده متخبطاً (باحثا عن الجدران الصلبة) وســ (أتلمسها ﻷعبر الهاوية المحتملة وأعرف الإتجاهات). وﻷنه لا زال قلقا غير مطمئن لذاكرته، فسيستعين بالضوء لإدراك حياطنها وشوارعها، فاﻷحداث قد تراكمت وأخذت مآسيها بالتسارع أكثر بعد الزلزال الكبير الذي وقع لبغداده في سنة 2003. لابد إذن والحال كذلك من فض خيوط وخطوط الإشتباك والإلتباس الحاصل، كي يستعيد ذاكرته ويرى اﻷمكنة التي يبتغيها مرة أخرى.
                                 ــ2ــ
في مكان آخر، سيحدثنا الكاتب عن منطقة كان قد أحبها كثيرا (أمشي في الكرادة وأنا أسأل نفسي بين زحمة البضائع وزحمة الشارين). تساؤلا لا يخلو من وجع بل هو الوجع بعينه. هل أمسى زهير غريبا عن وطنه وعن حيّه وعن مدينته التي أحبها؟. ومن أجل ضبط إيقاع ذاكرته وتنشيطها سيدور دورتين أو ثلاثة، ليسترجع اﻷماكن التي ألفته وألفها! الاّ انه سيجد نفسه وقد وقع في حيرة أشد مرارة وأكثر وجعا، حين يباغتك بسؤال: ماذا أفعل هنا؟ وبذا سيحتاج الكاتب الى وقت أطول لإعادة ترتيب ما فاته في سنوات إغترابه، وسيحاول الإئتلاف والتوائم مع المكان، إن استطاع.
وﻷنه لم يوفق في محاولته الآنفة الذكر فقد قرر أن يستريح قليلا، ملتقطا أنفاسه، كذلك ملتقطا بعض الصور المحببة الى قلبه، مسجلا ما لذَّ له من إنطباعات لطيفة، كصورة(إبن المحلة الكهل الذي خرج ليشتري الخضار وهو لا يزال بروب البيت، البنت البدينة القبيحة التي تتظاهر بالقرف من كثرة المتحرشين، أو التي تتلوى من ضيق البنطلون الذي جسد عجيزتها). أضحكته هذه اللقطات قليلا، وربما حسَّنَت من مزاجه لبعض الوقت.
قرر الإطالة أكثر في مشواره بعد أن لمس تحسنا في المشهد العام، لذا راح متسربلا في مشيته، قاطعا شوارع مدينته بطمأنينة وغنج، غير ان وقع المفاجئآت لم ينقطع بل كانت كبيرة عليه، لذا تجده مضطرا لقطع سلسلة تماديه، فها قد وقع إنفجار كبير بالقرب منه، ليعود بصاحبنا الى نقطة القلق اﻷولى، فالإنفجار رفعه ( عاليا، عاليا، عاليا من دون أن تتناثر أو تنزل أشلائه). في ذات الوقت فما لفت إنتباهه هي عودة الحياة الى طييعتها وبسرعة فائقة وكأن شيئا لم يكن. هنا سيسائل نفسه من جديد: هل أِلفَ العراقييون الفوضى والموت والخراب؟.
                                    ــ3ــ
 خطوط العرض والطول ستتداخل في ما بينها بإنسيابية عالية، هي في ذلك تشبه ساكنيها، ففيها جمع مختلف من قوميات وأديان ومذاهب وأثنيات شتى، فضلا عن إنتماءات وولاءات سياسية عديدة، يجمعها عشق لمكان إسمه البتاوين ببيوتها العريقة ذات الأطرزة العتيقة، والتي كان لليهود الكلمة اﻷولى في هندستها وبناءها وفي سكناها أيضا. في هذه المنطقة من بغداد ستختبر مدى قدرتك على قبول الآخر البعيد ليمسي قريبا. فهي (البتاوين) تُعدٌ من المناطق التي لا تغيب عنها عيون رجال اﻷمن، ففي تركيبة سكانها الطبقية ما يفتح شهية اﻷحزاب والتنظيمات اليسارية المعارضة، للتحرك عليها وكسب رضاها، مما سبب قلقا دائما للسلطات الحاكمة.
 وبسبب التداخل والتصاهر بين العوائل وطبيعة البناء، فقد كانت العلاقات الإجتماعية قائمة على نحو من الإنفتاح والثقة المتبادلة. لذا وتجنبا لما يمكن أن يقع لبعض الناشطين السياسيين المعارضين فقد كانت تأتي التحذيرات من أهليها. وكلمة (دير بالك) أي إنتبه، كانت شائعة الإستعمال. وعن ذلك فسيورد الكاتب مثالا هذا مفاده: زوجته أسرَّت زوجتي بأن هناك (شائعات) عن إجتماعات شيوعية في شقتنا وكررت التحذير(ديروا بالكم).
وغير بعيد عن ذات المكان وعلى ما ورد على لسان الكاتب من فضائح طالت كبار رجال الدولة، فقد (كَبس الملازم ماجد ذات يوم بيتا للدعارة في حي راق من غير أن يعرف أن برزان التكريتي يقضي بعض لياليه فيه). أمّا ما الذي ترتب على ذلك في ما بعد فالعلم عند الله. وعلى أغلب الظن وإنطلاقا من تجارب سابقة شبيهة، فقد جرى تسوية اﻷمر بالتستر عليه، مستخدمين لغة تهديد،ستطال بكل تأكيد الملازم ماجد ومَنْ كان بمعيته، هذا إن خَرَجَ منها سالما.
وعلى الرغم من أهمية المكان ومدى إرتباطه به الاّ ان الكاتب سوف لن يتوقف طويلا عند واحدة من أهم معالم منطقة البتاوين الا وهي مقهى المعقدين، رغم حبه لها وما له فيها من ذاكرة لا زالت طرية، خصبة. فزهير لم يعد يهمه كثيرا إستحضار تلك الحوارات الساخنة التي كانت تدور رحاها بين أهم أقطابها، كوليد جمعة(بروحه الحائرة بين المثقف وبين القاع الشعبي) وسفيرهم الى ملعب سباق الخيل، ومؤيد الراوي  القادم من كركوك النفط، وشريف الربيعي الذي لم يتوقف عن دعاباته، وفلان وفلان، وما كان يشغلهم من موضوعات ساخنة، مثَّلت أهم ركائز وموضوعات فترة الستينات الثقافية، كقصة المنتمي واللا منتمي والوجود والعدم، وحديث من نوع كيف رفض جون بول سارتر إستلام جائزة نوبل، التي تُعَد من أهم الجوائز العالمية وبمختلف الفروع وعلى رأسها اﻷدب، فالذي شغل الكاتب ولفتَ إنتباهه على نحو واضح هو أن مرابع شبابه، منطقة البتاوين وبعد عودته سنة 2003 (قد تحولت الى أخطر منطقة في العالم).
لكنه ورغم ذلك فإنَّه لم يفقد اﻷمل في لقاء بعض من أحبته، فمن بين كل هذا الركام سيشم من بعيد عطر أحدهم، انه (بابيت) الرجل اﻷرمني اﻷخير المتبقي في تلك العمارة ذات الطوابق العالية، وفق مقاسات أهل بغداد القدامى. أنيق لا زال في زيه ومشيته وفي تصفيفة شعره رغم زحف العمر. لم يتنازل عن تشبهه باشهر الفنانين العالميين، كيف لا وصنوه مارلون براندو. كذلك إلتقى صاحبنا بشخصية أخرى لا تقل جمال وحضورا عن سابقته. انه أدمون، عاشق الموسيقى والغناء وفرقة البيتلز وربما فرقة آببا السويدية، عارضا عليه حصيلة عمره وإرثه الموسيقى وعدد كبير من الإسطوانات النادرة والعزيزة على قلبه ومن دون مقابل، شريطة الحفاظ عليها ليس الاّ. بهذا العطاء السخي لم يكن أدمون وفيا لموسيقاه التي أحبها فحسب، بل وفيا لصداقاته القديمة أيضا وهذا هو اﻷهم.
                                     ــ4ــ
 وعن جسر الجمهورية الرابط بين جهتي القلب، الرصافة والكرخ، سيلفت إنتباه الكاتب، ظاهرة جديدة، لم يكن المجتمع العراقي والبغدادي بشكل خاص قد ألفها على هذا النحو وبهذا الحجم. فبين أضلاع ثلاثة(الحديد والطين والماء)سيحدث ما لم يكن في الحسبان (رأيتها تركض، تنورتها حمراء، أردت أن أقطع طريقها، لكنها قفزت مثل قردة). مشهد كهذا سيتكرر كل يوم وربما بين ساعة واخرى، وبات وللأسف (طقسا) أليفا،سيشاهده المارة من على جسور العاصمة وربما جسور المدن اﻷخرى، المطلة على نهرانها. وعندما تسأل أحدهم عما يجرى، سيأتي ردَّه ومن دون إكتراث قائلا: انها لم تبلغ بعد العشرين من عمره. وعن حادثة أخرى سيقول لك انه كان على خلاف مع أخيه بسبب الإرث أو لرفض عائلته تزويجه إبنة عمه. أو وهذا إحتمال آخر يدفع للإنتحار: ﻷن سيد البيت لم يعد سيدا بعدما فلت زمام اﻷمر من بين يديه وراح اﻷبناء يبحثون  عن لقمة،  تنجيهم من شظف العيش، وبأي ثمن وتحت أي شرط أو ظرف.
                                     ــ5ــ
كان زهير وفيا لصداقاته السبعينية وربما لمن هم أبعد من تلك الحقبة، فراح يستذكرهم واحدا واحدا، ابراهيم زاير، سركون بولص، سعد سلمان وآخرين، منهم مَن إستعجل الرحيل ومنهم من هو على شاكلة زهير، لا زال يستحضر تلك المتع التي راحت بغير عودة. ومن قبل هؤلاء كان أشد وفاءا ﻷبي نؤاسه، إذسيقف قبالة نصب صاحب الخمريات، حاملا كأسه ساعة أصيل الشمس، معيدا ما مرَّ به من أحداث ووقائع. بعد رشفتين على عجل، سيندب أبو نؤاسه وما حلَّ به من خراب على يد جلاوزة العصر. (ما من مكان تعرض للتشويه في غيابي مثل هذا الشارع). 
 ولعل حبيبته وداد ستكون أولى اللواتي سيستحضرهن، فلها القدح المعلى من غير منازع ولا ندٍ . سيعود بنا الى أواسط السبعينات و(سيمشي الكاتب على إيقاع خطواته متخيلا حبيبته وداد الى جانبه). لقد أحبها كثيرا حتى بلغ حد العشق إن لم يكن الهيام، غير ان هناك مَنْ كان يراقبهم، فـ(ثمة خطوات رجل خلفي، انه قاتلي بكل تأكيد، وربما هو الذي عبر الشارع الى الرصيف اﻵخر، لِمَ بدَّل إتجاهه). لذا ما كان على زهير لحظتها الاّ أن يُفلت يد محبوبته، لتفويت الفرصة على أولئك السفلة وما يمكن أن يدَّعوه من تأويل، بحقه وحق حبيبته.
                                      ــ6ــ
فوضى اﻷمكنة وفوضى ما تراه عيناه، ستتسلل اليه وتتحكم بطريقة تفكيرة ولابد والحال كذلك من إعادة ترتيب ما أسماه(اﻷبعاد الثلاثة) فراح سائلا أخيه ليعينه على ما ينوي الوصول اليه، غير أن اﻷخير ردَّ عليه: أنت تبحث في زمن العثمانيين، ثم أكمل: فالزعيم لم يَعُدْ واحداً كي تراه من شرفة وزارة الدفاع، وزعامات البلاد باتوا من الكثرة بحيث يصعب عدَّهم. أمّا عن الطالبات فسوف لن تراهنَّ بتنانيرهن القصيرة كما كنت على زمانك، فالحشمة تقتضي الجهالة والضلالة وضروب من فنون التخلف .
                                   ــ7ــ                   
سيواصل الكاتب رحلته متأرجحا بين شوق عارم وألم يكاد يخترقه. أخيرا قرر أن يدخل شارع المتنبي وسيجتاز (السيطرات بلا تفتيش فليس في مظهره النحيل والشائب ما يثير الشبهات). وعن نص كهذا وإذا ما اطلع عليه أي قارئ عربي، سيذهب به الظن بأن كاتبنا يهم بالدخول الى ثكنة عسكرية، أو الى أحد اﻷماكن الذي يضم فيما يضم مفاعلا نوويا، يُحضرْ دخوله لمن لا يحمل ترخيصا خاصا، أو في طريقه الى لقاء أحد كبار مسؤولي الدولة.
أيها الناس، أيها الخلق، اننا نتحدث هنا عن شارع المتنبي، عن معلم حضاري ثقافي، عن شاهد عصر محايد وأمين وهادئ الطبع أيضا، لا زال يحمل بين جنباته نكهة الماضي ورائحة الشعر والموسيقى وكل ضروب الراحة الروحية وما إختطته لنا أقلام اﻷولين كي نمشي الهوينا. انه آخر معلم ثقافي وآخر قبلة نتوجه اليها بطمأنينة كما يُفترض. حري بنا أن نباهي به ونفخر، فهو إمتداد طبيعي لساحات اﻷدب العربي الشقيقة اﻷخرى، من طنجا حتى بيروت، مرورا بقاهرة نجيب محفوظ وجمال الغيطاني ورائعته الزيني بركات. فيا ايها المتنبي الكبير كُنْ شفيعنا في ما ابتلينا به، فها هم الهمج الجدد كما تتار اﻷمس كما هولاكو، واقفون على بابك ينتظرون لحظة الإنقضاض عليك وعلينا.
                                      ــ8ــ
أمّا عن القشلة فيقول الكاتب: في هذا الرواق سار الضباط العثمانيون ذوو الشوارب الكثة. وجوههم متجهمة وهم يستشرفون هزيمتهم. سيأمرون الجنود بالإنسحاب..... من بعدهم سيدخل (الجنرال مود محررا لا فاتحاً) كما ادعى. بعد عقود عدة سيتكرر الشعار الذي رفعه الإنكليز ولكن هذه المرة على يد اﻷمريكان في سنة 2003، حين غزوا العراق وداسوا أرضه ببساطيلهم كـ(محررين) على ما روجوا به، وبمعيتهم كبار الخونة، سيصبحون في ما بعد قادة للدولة، سيتقاسمون غنائمها وعلى مبدأ المحاصصة، بعد أن أسس لها وأرسى دعائمها بول بريمر.
سيقف زهير عند ساعة القشلة (المتوقفة بإنتظار الحدث الذي سيغير الزمن والتأريخ). هذا ما كان يأمله بعد أن رأى بعينين واسعتين حجم الخراب الذي طال القشلة وأخواتها، إبتداءاً من المتحف الوطني العراقي وليس إنتهاءاً بـ(نزع الكابلات من تحت البناء لبيعه كنحاس يشتريه تجار ايرانيون كقوالب).
                                      ــ9ــ
وعن شارع الرشيد وما علق بذاكرته، سيستعيد الكاتب ما مر به وصديقه عمران من مآزق قبل سنوات بعيدة. فاﻷزقة كانت ملاذهم وفيها تواريا وتقفازا بين رصيف وآخر، فـ(صاحب الدكان هذا مدين له، سيخجل مني إذا رآني). صورة ملفتة، تعكس مدى الشهامة التي يمتلكها ولنسميه الدائن، فهو أكثر خجلا من المدين. بالمناسبة هو لم يكن دائنا واحداً، فقد زرع زهير وصاحبه وعلى طول شارع الرشيد العديد من (الديانة).
ليس بعيدا عن سينما الخيام كان هناك مقهى إتخذ منه الشاعر الراحل عبداﻷمير الحصيري مناما له إذا ما جنَّ الليل. وفي هذا المقهى أيضأ سيتلقى زهير أسوأ خبر في تأريخ جيله وربما في حياته، انه (إستقالة جمال عبدالناصر إقرارا بهزيمة العرب أمام إسرائيل). وعن آثار تلك الهزيمة والإستقالة يقول الكاتب(خمسة منا سقطوا مغميا عليهم عند سماع ذلك الصوت المنكسر). وفي إشارة واضحة تدل على مدى تفاعل المثقف العراقي مع القضايا العربية.سيحدثك الكاتب عن الحوارات الساخنة التي كانت تدور رحاها في أشهر بارات بغداد، وهو يشعر بالحزن لما آلت اليه حرب حزيران.
وفي ذات السياق سيتوقف الكاتب عند واحد يُعد من بين أهم المثقفين الفلسطينيين، فعنه يقول( أحبَّ غالب هلسا حي المربعة الذي تحول الى قطعة شعبية من القاهرة). وعن تلك الفترة أي السبعينيات، وﻷن الحكم في بغداد أراد أن يسوّق  مشروعه السياسي وعلى صعد مختلفة، فقد حذا حذو بعض العواصم العربية المشهود لها بالحضور الثقافي القوي، فما كان منها الاّ أن تفتح أبوابها ﻷشقاءها العرب أو هكذا بدا اﻷمر، محاولة كسب ود ورضا مثقفيها، كجبرا ابراهيم جبرا وخالد علي مصطفى ومعين بسيسو وغالب هلسا وكبيرهم عبدالرحمن منيف، حيث شغل اﻷخير رئاسة تحرير مجلة النفط والتنمية، فضلا عن أسماء أخرى لا تستحضرني اﻵن. ومن هناك ستشهد النور العديد من اﻷعمال اﻷدبية المهمة، كثلاثة وجوه لبغداد وشارع اﻷميرات وعالم بلا خرائط واﻷشجال واغتيال مرزوق وشرق المتوسط وغيرها الكثير.   
                                     ــ10ــ                                       
رصده لمعالم بغداد سوف لن يكتمل إن لم يمر بساحة التحرير وما يجاورها، فهناك سينما غرناطة ومنها ستخرج العوائل بعد أن شاهدت آخر عرض سينمائي لذلك اليوم. وبالقرب منها بعض من مقاهٍ وبارات كانت وجهة لمشارب وطبقات اجتماعية مختلفة. ومن بين ثنايا ذلك المكان سيستعيد الكاتب صورة ( القواد ابراهيم بشعره السبط المدهون ذهابا وايابا وهو يدخن، وحين تسأله عن واحدة يجيبك برصانة رجل اﻷعمال: عندي منهن ست وثلاثون؟).
وﻷنها (الساحة) كانت شاهدا على الكثير من المنعطفات واﻷحداث التأريخية، منها ما خلَّده الشعب وصار إرثا وطنيا يحتفى به كل عام، ومنها ما كان موضع إجتهاد وخلاف بين أغلب القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في سيرورة المجتمع العراقي. ومما شهدته الساحة وبقي في ذاكرة العراقيين ردحا من الزمن هو (يوم الإثنين السابع والعشرين من كانون الثاني سنة 1969) حيث سيدشن البعثيون سلطتهم  ليقيموا ما أسماه الكاتب (مهرجانا سيكون بداية للرعب التأريخي الشامل) والحديث هنا يدور عمّا أسمته السلطة آنذاك بشبكة من الجواسيس التي تدار من قبل الصهيونية العالمية، والتي تمَّ على اثرها إعدام مجموعة من العراقيين المرتبطين بتلك الشبكة على حد زعم إعلام السلطة، وكان من بينهم مَنْ أشيع اسمه وعُرِفَ على نطاق واسع، انه عزرا ناجي زلخا.
بعد نحو أربعين سنة أو يزيد قليلا ومع تغيير النظام الحاكم على يد اﻷمريكان، ومن على هذه الساحة التي أراد لها جواد سليم أن تكون رمزا للوحدة الوطنية وعنوانا  للتحرر من الإضطهاد والديكتاتورية، ستنطلق مظاهرات عارمة، تنديدا بالنظام الحاكم وديكتاتوريته، حيث خرج الشعب في شباط 2011 بمظاهرات صاخبة، جرى التصدي لها بقوة السلاح والإلتفاف والتآمر ومن قبل حزب الدعوة الحاكم بقيادة المالكي، ليستشهد على أثرها عددا ليس بقليل من العراقيين كان من بينهم الفنان والصحفي هادي المهدي.
(ملاحظة أظنها مهمة، فكم تمنيت على الكاتب أن يتوقف طويلا عند إنتفاضة تشرين المباركة عام 2019 ، حيث حملت معها نذر تغيير جذري للطبقة الحاكمة الفاسدة وتخليص الشعب من بطشها وعمالتها لولا بعض الظروف الخارجة عن السيطرة).
                 
                                      ــ11ــ

الحديث عن الجادرية كما الحديث عن عشيقة كانت قد فلتت من بين يديه على حين غفلة. فها هو واقف عند أطلال سدير نخيلها بتأسف وحسرة (تقطع نخلة ثم نخلتين، ثلاثة فتتحول الى أرض سكنية). أنها مجزرة من نوع آخر، فها نحن أمام أكبر جريمة ترتكب بحق إحدى الثمرات التي باركها الرب وقال عنها محمد العربي: ارحموا عمتكم النخلة، والعمل لا زال جاريا وعلى قدم وساق ودون هوادة وإكتراث، لتصفية ما طاب للطبقة الحاكمة من بيئة نظرة خضراء، لا تتسق وذائقتهم. وها هو زهير يحدثنا بوجع عن(بستان شوكت) يوم كانت مأواه في صغره وفي كبره وفي ساعات الهوى، فهي قبلته وتحت فيئها إستظل وبها وتبارك.
انهاسياسة تطهير من نوع خاص، فمثلما استولى رجال العهد السابق على أكثر المناطق جمالا وبهاءا وأهمها موقعا، فالحاليون كذلك سائرون على ذات النهج إن لم يكونوا أسوأ وأكثر تخلفا ممن سبقهم، حيث راحوا يتقاسمون الغنيمة، الضحية فيما بينهم، فهنا مثلا( استولى الرئيس جلال الطالباني على بيت برزان التكريتي). وهنا يسكن عمار الحكيم  في بيت طارق عزيز وهنا يسكن العامري في... وهنا المالكي في.... وهنا رئيس البرلمان، فالمتحاصصون لم يكتفوا بتقاسم المواقع السياسية والمناصب فحسب بل طالت كل مفاصل الدولة، وكأنك يا عبيد ما غزيت، على ما يقوله أخوتنا الفلسطينيون في مثلهم الشعبي.
                                    ــ12ــ
(في المنطقة الخضراء تتوزع بيوت الحيتان الجدد، أغلبهم ريفيون اكتشفوا ان البذار في السياسة أكثر ربحا) بهذه العبارة المباغتة والبليغة، سيدلنا الكاتب ويقودنا الى عقلية وطبيعة الطبقة السياسية المتحكمة بالقرار وعلى مستوى الدولة. وفي صفحات لاحقة سيدخلنا الكاتب بيوتهم، ليوصف لنا ما رأته عيناه وما شكلَّت له من صدمة. فمثلا عن أثاث المسؤول الجديد يقول ( لا يحمل ذرة ذوق ولا نأمة انسجام، مزيج من ولع الطغاة بالفخامة الشكلية والذوق السوقي).
 وﻷنهم يدركون بأن عاقبتهم ليست بالبعيدة فتراهم قلقون، يتراجفون في سرهم، رغم كل الإجراءات الإحترازية التي قاموا بها، كوضع أجهزة تنصت ونصب كاميرات عالية الجودة والكلفة على مداخل محل إقاماتهم وحتى داخل بيوتهم. فضلا عن العيون التي إنتشرت في الشوارع وراحت تراقب ليل نهار معارضي حكمهم. لم يكتفوا بذلك بل لجأوا الى نصب نقاط حراسة من نوع مختلف وعند مداخل مربع الرعب المسمى بالمنطقة الخضراء. وعن هذا الموضوع يتحدث الكاتب ما تعرَّضَ له عند دخوله المنطقة إياها (تشمني كلاب من مختلف القوميات ويفتشني رجال فلبينيون، جنوب أفريقيين، أمريكيون .... ). أنهم لا يثقون حتى بكلابهم ولا حتى بأعوانهم حين تقع الواقعة، لذلك (استوردوها) من خارج الحدود.
في العبارة اﻵنفة ربما أراد الكاتب أن يقودنا الى النتيجة المنطقية التالية: ان مَنْ يحكم ليس أهلا لها، فالدولة لا تدار الاّ بذوي الإختصاص، ومن طبقة وسطى  لديها من التعليم والثقافة ما يؤهلها لتلبية متطلبات المجتمع وإدارته على نحو صحيح. وبذا سيحفزنا على إثارة أهم اﻷسئلة: لماذا جرت عملية تمشيط وتصفية وإبعاد لكوادر الدولة وذوي الكفاءات، وإحلال كل  مَنْ هبَّ ودب كبديل عنها. إذن فالقصة لا تُقرأ بحسن ظن أو ببراءة أو سذاجة، بل هي لا تبتعد كثيرا عن أن تكون مؤامرة خبيثة، كان قد جرى التخطيط لها وحبكها بليل حالك، الهدف منها تحويل العراق وبذرائع شتى ومن بينها ما كان واهيا الى دولة فاشلة وعلى كل الصعد وهذا ما تحقق فعلا.
                                      ــ13ــ
لا يفصله عن البيت الذي فارقه قبل أكثر من عقدين سوى مسافة قصيرة حَسَبَها دهرا. انها أصعب اللحظات والخطوات وأبعدها. ربما أنقذته أصوات الموسيقى الصاخبة  المنبعثة من إحدى المقاهي القريبة. متى بُنيت؟ مَنْ هو صاحبها؟ كيف سُمح له بفتحها؟ اسئلة كثيرة راحت تتدافع في داخله، لم ينجح في الإجابة عليها. علامات البهجة البادية على ابنة شقيقته التي كانت برفقته، لم تعفها من الإنتباه الى الخال الذي  بدت عليه حالة من التشتت والإستغراب مما ترى عيناه ويسمع، لذا راحت ملتفتة اليه، قائلة: (ذوقنا رديء يختلف عن ذوقكم الرومانسي......). رأي كهذا أعطاه دفعة قوية من الثقة  بخزين ذائقته الموسيقي فضلا عن الإحساس بالنشوة والزهو.
 قبل أن يجتاز عتبة الباب تناهى الى مسامعه صوت عتاب وملامة. تَوَقَّفَ ليصغى ثانية، انه صدى صوت أمه: لماذا رحلت، لماذا رحلت؟ لقد كسرت ضلعينا، أنا وأبيك، وضيقت الطرق على أخوتك وتعبنا من عسس الليل ووقاحة رجال اﻷمن. حبس دمعته ثم إتجه نحو إحدى زوايا حديقة البيت، متذكرا بأنه في ربيع ما وقبيل رحيله سنة ...... كان قد زرع هنا شجرة رمان، ظنها لا زالت نضرة، لكنه لم يجد لها أثرا، سأل عنها، قيل له لم يعد لها أثرا، كان عليك أن تبقى لتسقيها.
تذكَّرَ ما كتبه ديستوفسكي  في اﻷخوة كارامازوف: أنت تكترث لكل شيء وهذا ما يجعلك أتعس الناس. ظلَّ مترددا قلقا في قراره، بين أن يحسم أمره ويستقر في بلده اﻷصلي الذي أمسى غريبا عليه، وبين أن يعود من حيث أتى. (لا أحد هنا يثق بقدرتي على البقاء)، هذا ما توصل اليه بعد سماعه من اﻷقربين رأيا كهذا. عند رجوعه الى مغتربه أسمعته إبنته(ستتركنا وتذهب الى هناك). لا زال زهير متأرجحأ، متذبذبا، بين هذا الخيار وذاك فكلاهما مرٌ والضباب لا زال يُعَتِّمُ على اﻷمكنة.
بعد أن فرغ منه، فاته أن يخطَّ على الغلاف الخارجي للكتاب وبحروف كبيرة، واضحة العبارة التالية:
 سيأتي اليوم الذي ستشرق فيه الشمس على ربوع بلادي، وستتضح الرؤيا ويزاح الضباب عن اﻷمكنة، لنراها أكثر بهجة وجمالا، وستحيا من جديد شجرة الرمان التي أحببتها.

حاتم جعفر
مالموــ السويد
 

29

يوم كان التوراة زقاقا

  للمرة الثالثة وبفترة قياسية، تعود مرة أخرى لتضل الطريق الرابط بين بيتها وبناية السراي، على الرغم من توجيهات (هدَّو) المتكررة لها بعدم المجازفة والمجيء اليه تحت أي ظرف. وإذا ما كنت مضطرة، يقول لها، فيمكنك الإستعانة بأحد أولادك، الاّ انَّ زوجته لم تصغِِ له وستبقى مصرة على القيام بما تعتقده صحيحاً، ولتتحمل بعدها نتائج ما سيترتب على عنادها. أمّا دافعها والذي لا يريد (هدَّو) الإعتراف به هو شعورها العالي بالمسؤولية إتجاهه، فهو الآن بحاجة ماسة الى وجبة طعام دسمة، تعينه على القيام بوظيفته على أكمل وجه، خاصة بعد أن حُرم من وجبة الصباح، حتى وإن تظاهر بعكس ذلك.
  بمجرد أن أخذت الشمس مدارا عموديا ووصل مسامعها آذان الظهر ومن مختلف مساجد المدينة القريبة، قدَّرت زوجته أن النهار قد بلغ منتصفه وأصبح الوقت مناسباً ليحسَّ (هدَّو) بخواء بطنه، لذا شرعت بالتهيأة والتجهيز واعداد وجبة دسمة، ريثما يأتون أولادها من المدرسة، ومن بعد ستترك صغارها الثلاثة بحماية بعضهم بعضا، ملقية عليهم بعض من الوصايا والتعليمات المهمة، وبلغة لا تخلو من تهديد ووعيد، وبعاقبة لا تستثني منهم أحدا إن عصوا أمرها، مضيفة وبتشدد بأن العقوبة ستطالهم ثلاثتهم وبنفس المستوى، بصرف النظر عمن سيكون المسبب في إحداث أي مشكلة، دون أن تستثني من ذلك حتى صغير أبناءها ومُدللها.
 خرجت من دارها على عجل، غالقة الباب الخارجية بإحكام وبقفل لايقل وزنه عن كيلوغرامين، تعود صناعته الى عقدين من الزمان على أقل تقدير. لونه أسود، لم يكن طوع يديها عندما حاولت التعامل معه في بادىء الأمر، بسبب الصدأ الذي غطّى طلائه واخترق حتى وصل جوفه، ينتمي الى جيل أكل الدهر عليه وشرب. تذكرت نجية(هذا هو اسمها) أثناء قيامها بغلق الباب بأنَّ (هدَّو) قد نذر وتعهد لها ذات يوم، بأنه سوف يبدّل القفل القديم بأحدث منه، بعد أن يستلم أول راتب، ولكنه أخلف الميعاد ولم يقدم على ذلك، رغم مرور أشهر عديدة على تعيينه.
 ولأن زقاقهم الضيق أصلا ينحدر بشدة نحو الأسفل، فقد بذلت جهداً مضاعفاً حتى وصولها صعودا الى مدخله. وبسبب إرتباكها وبدلا من أن تنعطف نجية يساراً بناءاً والتزاماً بتوجيهات زوجها وإختصاراً للطريق، تجدها  متجهة نحو اليمين، وعندما سألها هدَّو فيما بعد عن سبب تكرار ذات الخطأ، ألقت باللائمة على إحدى جاراتها التي أرشدتها بأن تسلك طريقاً آخر، أكثر راحة واختصارا، لكنه وللأسف لم يفضِ الى ما تريد وترغب، مما جعلها تتيه مرة أخرى، وكان خطأها على ما اعترفت به، بأنها إنعطفت مع التواء الشارع، ثم حاولت إستدراك الطريق لكنها لم توفق في الوصول الى مبتغاها.
 بعد أن أدركت ما ارتكبته قدماها من خطأٍ، حاولت نجية تصحيح مسارها لكنها وجدت نفسها وقد دخلت زقاقا صغيراً آخر يسمى بالتوراة، نسبة الى ساكنيه من يهود مدينتها، لتجده مغلقاً من طرفه الآخر، مهجورا منذ سنوات بعيدة. أوشكت نجية أن تطرق أحد أبوابه، ففيما مضى كانت على صداقة وثيقة مع إبنتهم الوسطى، الا انها تذكرت بأن أهل هذا البيت ومَنْ يجاوره قد غادروه رغماً عنهم الى جهة ما خارج البلاد.
 وقفت لبرهة في منتصف الزقاق، لا تعرف كم أستغرقت من الوقت. أجالت بعينيها منزل صديقتها، ماسحة بابه صعودا ونزولا. أطالت النظر في إحدى نوافذه الزجاجية المهشمة، علّها تعثر على أحد ما من أهله، ثم راحت مطرقة نظرها أرضا لتستعيد في ذاكرتها بعض خطوط من الطباشير يوم كن يتقافزن وهن فرحات، مرحات بين مربعاته المرسومة بكل ألوان الزهو. إسترقت النظر، تلفّتت يمينا ويسارا، كادت أن تخلع عباءتها وتضعها جانبا لتلعب (التوكي) وتقفز قفزتين فقط بين مربعين ولتسأل الواقفات من زميلاتها ممن يشاركنها البهجة: كبي؟ ليأتيها الجواب بــ(نو أو يس) كما كان يصلها حين طفولتها، لكنها تراجعت في اللحظة اﻷخيرة خشية أن يراها أحدهم.
 خَطَتْ نحو باب البيت الخشبي العتيق لتطيل ملامسته براحة كفها اليمنى،  تلتها بعدها بالراحتين. اسم صديقتها (حبيبة) لا زال محفورا رغم تشققات الباب الذي كاد أن يمحي أثره. يداها لم تعد ناعمتان كما كانت صغيرة، كلانا كبُرَ، هذا ما همست به نجية للباب. تراجعت خطوتين بعد أن إستنشقت منه ما حسبته عبقا معتقا باﻷحبة، لعله سيعيد لها بعض ما فات. لا تستكثروا على المرأة تصرفها هذا، والذي قد تجدون فيه بعض غرابة أو تذهبون بها الى أبعد من ذلك والى ما يساء الظن بها، لكنها هي هكذا. وإذا أردنا الغوص أكثر، ففي سابقة لها وحين التقت بإحدى أقرب صديقاتها وبعد فراق دام طويلا، أصرت نجية على إصطحابها الى بيتها والقيام بما يلزم، عرفانا لتلك الصحبة ولتلك اﻷيام التي خلت. فهي البسيطة والعفوية في سلوكها، وكذلك الوفية لرجعها البعيد، والوفية أكثر لكل صداقاتهاحين كانت صغيرة.
 أبت مبارحته فــ(نجية) لا زالت هناك قبالة البيت الذي غادره أهله مجبرين. رفعت رأسها عاليا بإتجاه سطح المنزل، تراءت لها من علٍّ غرة إحدى الشجيرات الباسقات، انها شجرة البرتقال: آه كم أنت صابرة، غير انَّ نضارتك وللأسف قد غادرت هي اﻷخرى مع مَنْ غادر المكان، لا أحد يسقيك. أتذكرين ايتها الشجرة كَمْ كنّا سعداء في طفولتنا؟ كنّا نطير سوية كما سرب الحمام ثم نحط ونطير ثانية، كنّا نشبه ألوان الطيف السبعة، بل كنّا أجمل من القوس قزح وأجمل من باقات الورد.
 غاصت في رجعها، ناسية ما الذي أوصلها الى هنا بعد فراق سنين: كان هذا الزقاق يضمُّ بين جنباته كنيس قديم يعود لأتباع النبي موسى عليه السلام. قالت في سرّها: كان لنا أخوة هنا، وكان الزمان حلوا.. حلوا، تُرى مَنْ سيعيده الينا؟. حبست دمعة، شعرت بحالة من الحزن واﻷسى على فراق أهل هذا البيت وَمَن جاوره. بعد مضي ما يقارب الدقائق العشر، تنبَّهت على نحو مفاجئ وخاطف الى طبيعة المهمة التي ينبغي القيام بها، لتجد نفسها وقد عادت أدراجها بسرعة الى حيث المكان الذي إنطلقت منه وهي في حالة من القلق والإرتباك.
 توقفت لتعيد حساباتها مرة ثانية. سلكت من جديد ما افترضته الشارع الذي سيفضي بها الى مبتغاها، غير انها راحت في دوامة أخرى من التيه. أخيرا اهتدت وبعد مرور قرابة الساعة والنصف من الوقت الى ضالتها ولكن بمساعدة أحد أصدقاء ولدها الكبير. وحين بانَ لها جلياً البناء الذي يعمل بداخله (هدَّو)، وشعرت بإطمئنان تام وتأكدت من عدم تكرار أي خطأ أو إلتباس في العثور على ما تريد ومن الوصول الى غايتها، التفتت الى مَنْ ساعدها لتقدم له واجب الشكر والثناء على ما قدمه من معروف، مقترحة عليه الإلتحاق بأولادها الثلاثة كي يلعبون سوية داخل البيت، ناسية انها قد أغلقت عليهم الباب، غير انه إعتذر.

حاتم جعفر
مالمو ــ السويد




30


مرثية على نغم الصبا
(الى روح الصديق مصطفى گلاز)
هو رسم من الكلمات أو لحن على الماء أو هو من الإثنين معاً، هكذا وصفه أحدهم. وآخر رآه نغما شرقيا أصيلا، يصول ويجول بين أوتار العود عند وقت اﻷصيل أو ساعة السحر. أمّا أنا فبيني وبينه ورغم بعد المسافات التي تفصلنا وصل من الحنين والمحبة، وحبل سري، لم ينقطع وصله أو تشوبه إحدى نوائب الدهر وطوارئه. وإذا أردتم المزيد من الوصف فنقول: إن كان حاضرا معنا فهو أول مَنْ سنلتفت اليه بل هو سيد ديوان جلساتنا وصدره، وإن غاب فهو مُقَدَّمٌ في الإستذكار من غيره. َتألفهُ حَرِكاً، يدندن في أذن هذا وَيُسمعُ ذاك بآخر اﻷلحان وأعذبها. وعن مكانه من الجسد فهو  ملامس لشغاف القلب أو أي مكان يشاء. ورغم تعذر اللقاء به طوال ثلاثة عقود من الزمن الاّ انه وجوده بين ظهرانينا كان كما الطيف، يدور ما بيننا.
ما من حديث يدور بين إثنين من أحبته الاّ ويكون معطرا بذكره وبدعاباته التي لا تتوقف. ولا من حدث إستحضرناه في لحظة من الخمر، الاّ ويكون( أبو التوف) أحد أطرافه وهو حاملا كأسه عبر أثير من الحب وسلطنة على مقام الصبا القريب الى قلبه ولنا، بل هو دورة اسطوانة لا تتوقف عن عشق الموسيقى. رغم رهافته، فالتناسق لم يكن مرهقاً بالنسبة له، حيث آلَفَ وبقدرة فائقة وبرشاقة العارف، بين علاقته بشتراوس وسيمفونية بيتهوفن التاسعة من جهة، وبين أغاني أهلنا في الفرات اﻷوسط والغربية وصوت سعدي الحديثي، وهو يغني واحدة من أجمل قصائد الشاعر الفذ مظفر النواب من جهة أخرى.
رحيل صديقنا اﻷعز  مصطفى گلاز، دفعني الى إعادة قراءة بعض من فصول التأريخ الذي أمسى بعيدا، مستذكرا ما كاد يُنسى، خاصة تلك الصفحات التي جمعتني به وبأخوة مشتركين، كانت اﻷرض قد شتَّتتهم على بقاع أطرافها بعدما ضاق بهم تراب وطنهم وضاقت بهم سلطة تكره اﻷغاني وأحاديث الطرب والسلطنة. فعن أي ذكرى أحدّثك يا مصطفى؟ أتتذكر تلك اﻷيام، حين كنّا نجدف سوية وفي مركب واحد وعلى إيقاع منسجم متناغم، محصنين بالبراءة وطيب النوايا، هادفين بلوغ الطرف الثاني من النهر، حالمين بمرفأ آمن حيث الراحة والسكينة، ويوم وقفنا وعلى قلة حيلتنا وطراوة تجربتنا وعودنا، بوجه تلك النذالات التي أرادت أن تسحق الزهرة.
ربما إبتعدت قليلا عمّا رمتُ الخوض فيه ولكن للإستدراك بعض نصيب أيضا، وحضوره بين ثنايا النص قد يمهِّد الى ويُحسِّنُ من شروط الوصول الى ما نبتغيه، وبأدوات أحسبها ضرورية ولا مندوحة منها. أمّا عن فاتحة الكلام فخيره هو حلوه: فمصطفى، الحاضر الغائب بل قُل الحاضر القوي رغم غيابه، كان موضع غبطتنا وبهجتنا في آن، كانت عيوننا ترنو اليه بغير حسد، ولذلك أسبابه، إذ لم يكن طيب الذكر والثرى على شبه بغيره من بين تلك الباقة العطرة التي باعدتها الغربة، فهو عمودها وغصنها الذهبي، جمع بين يديه ما عجزنا عنه وما لم نستطع اللحاق به، وكم من مرة أردنا السير على خطاه، غير انّا لم نبلغ ربع المسافة التي قطعها والتي أوصلته  ليتربع على عرش من الطهر والتسامي ومن دون منازع. وإذا أردتم  من الصفات أكثر، فقليل عليه القول: انه اﻷنيس والجليس وما هو أسمى، وهو النديم كذلك، لذا سمّى ولده البكر نديما وأراده أن يشبَّ ويثبَ على سرِّه. تُرى هل سيحمل وليده من بعده آلة العود أو الكمان ليعزف هو اﻵخر ويصدح صوته للسلام والحرية؟.
ما فات ذكره من تعريف بشخصه قد لا يفي بالغرض أو قد يبدو ناقص الدلالة، أو لا يشير لإسمه على نحو واضح ومنصف، لذا إرتأى أصدقائه ووفاءا له وعرفانا بجميله وجمال حضوره، ولمن لا يعرفه أو لم يعاصره، إرتأوا أن يدونوا في مفكرة مدينتهم بضع كلمات جاءت على النحو التالي: هو أحد أغصان شجرة سامقة، يانعة الإخضرار، تطلُّ على نهر مدينته، بل هو أكثر نضارة وبهاءا من بين ذلك الجيل الفتي الذي دخل عالم السبعينات واختط له طريقا، يدرك مدى وعورته ومآلاته ومذ وضع خطواته اﻷولى، لكنه أقسمَ على تكملة المشوار.
في سبعينات القرن المنصرم، أصغى مصطفى لصوت ماريام ماكيبا يوم غنَّت للجزائر الثورة أغنيتها اﻷثيرة والخالدة (أنا حرة)، ليرقص على أنغامها أحرار العالم وفي مقدمتهم نيلسون مانديلا. وأصغى كذلك وبكل جوارحه للجزائر الدولة التي فتحت لتلك الثائرة اﻷفريقية أبوابها بعدما أسقطت عنها دولة التمييز العنصري (اﻷبارتايد) في جنوب أفريقيا الجنسية عنها، لتمنحها حق الإقامة والتمتع بجواز سفر كامل الصلاحية، مطرز بأحرف من نور وبهجة، لتجوب به أركان العالم الحر بمحض إرادتها ومتى شائت، مُعرِّيةِ تلك النظم السافلة والمنحطة.
 وفي تلك السبعينيات أيضا سمع مصطفى ومن مكان آخر من العالم بأن سلفادور الليندي، الإشتراكي الإنتماء والولاء واﻷمل، والرئيس الشرعي المنتخب لدولة تشيلي، قد جرى إعتقاله وتصفيته، وان هناك شخصا اسمه فكتور جارا، الأستاذ الجامعي والمخرج المسرحي وكاتب اﻷغاني الثورية، قد إخترقت جسده ونخرته سلطة الإنقلاب العسكرية الفاشية، بأربعة وأربعين طلقة، إنتقاما لولاءه للثورة ولشعبها وﻷغانيه الشهيرة المحرضة والتي كان مدارها حقوق أبناء جلدته.
وليس بعيدا عما يحيط به، فقد سمع بأحمد قعبور وهو يغني لفلسطينه: شمس المشرق بتدفي، شمس المغرب ولعاني، وأنا ما بعرف من الشمس الاّ شمس اﻷغاني، ولا بعرف شمس فلسطين  ولا شروق الشمس بيافا. وكان لمارسيل خليفة نصيبا ملفتا في إهتمامات مصطفى، ولعل أغنيته الشهيرة التي راجت وانتشرت وبشكل ملحوظ بين ساحات وأزقة الدرابين العربية الفقيرة، انها أغنية منتصب القامة أمشي. وراح مكررا مصطفى الإستماع عليها حتى حفظها عن ظهر قلب وبسرعة قياسية: منتصب القامة أمشي، مرفوع الراية أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي، قلبي قلبي أحمر، قلبي بستان، فيه فيه العوسج، فيه الريحان، شفتاي سماء تمطر نارا حينا حبا أحيان.
ولعل من أكثر اﻷغاني الوطنية التي أثَّرت وشكلَّت ذائقة مصطفى الفنية، هي أغاني الشيخ إمام وشاعرها الكبير أحمد فؤاد نجم. فبين بين فترة وأخرى وكلما إلتقينا على مائدة من الخمر والحماسة، كان يتحفنا بترديد بعضها. ومما يستحضرني منها: أبوك السقا مات والخواجه اﻷمريكاني واﻷوله آه وغيرها. غير انه كان يركز بشكل خاص وعلى قاعدة ختامها مسك، على ما يعتبرها من أهم اﻷغاني والقريبة الى قلبه الا وهي البقرة حلوب، وكنا حينها نرددها معه بحرفة وإنسجام تام ومتعة.
إعتاد وفي كل زيارة كان يقوم بها الى عاصمته الحبيبة بغداد، أن يمر على كنيسة مار يوسف وفي منتصف النهار تحديدا، ليصغي الى ضرب النواقيس، وهي تعزف لحنا من السكينة والراحة وللمسيح المخلص، هنا سيقول في سره: من هنا تبدأ الوحدة واللحمة الوطنية، فهم أصحاب حلٍّ وعقد  كما أخوتهم في الحديقة الكبيرة المسماة أرض النهرين. إذن جُبِلَ مصطفى على ذلك الإرث الوطني والموسيقي، وعلى تراكم نوعي متنوع، فقد جمع بين جناحيه وبين جهتي القلب مختلف المشارب والمدارس، والتي كان قاسمها المشترك واﻷحلى واﻷجمل هو ذلك الإصغاء الى صوت الإنسانية المعذبة، وهي تصحو وتنام على جراح صعبة الإلتئام إن لم تكن مستحيلة. كل هذا لم يذهب سدى بل ظلَّ راسخا في ذاكرته، حافظاً له وبه سيستعين عند إقتضاء الحال، وهذا ما إنعكس فعلا وبدا جليا في أعماله، فقد لَحَّنَ وغنَّى وكتب أجمل الكلمات.
في آخر اتصال هاتفي بيننا، والذي جرى قبل قرابة الشهر من رحيله، راح مصطفى يسرد لي حلمه: لعلها الوحيدة المطلة على نهر خريسان، انها شجرة الزيتون، لقد  كبرت على نحو ملفت. هذا ما قاله مَنْ كان يرافقني حلمي، ثم أردف ذات الشخص متسائلا، بماذا سقيتموها؟ أجبته: سقيناها بخمر ومحبة وصبر سنين، وما يفيض منها كنّا نعبئه بدن من الجلد ونمضي به خلسة  مساء كل خميس بعد إنكسار الضوء وَبِدأ تواري الشمس خلف سدير من النخيل، فاسحة في المجال لقمر سيأتي بعد حين، متخذين من درب البساتين وجهة، ومن الغروب العذب ستارا ومن ريحها الطيبة نشوة ،حتى يجن الليل ويبلغ أشده، وسيغدو حينذاك أليفا كعادته كي يشاركنا السهر والسمر. ومن قبل ذلك سنطرق الباب على سيد المكان أو قُلْ صاحب الحانة كما يروق له من تسمية، ليطل علينا بوجهه الضاحك صديقناسعد إبن حبيب. وإن غاب أو تعذر حضوره فسنلاقي رباح إبن حسن وعن أي رباح أحدثك، وبحضورهما أو بأحدهما سيكتمل العقد وتحل البهجة.
 بعد أن أنهى سرد حلمه، قلت له ما الذي ذكَّركَ بصديقينا سعد ورباح بعد رحيلهما ومنذ ما يزيد على السنوات العشرة؟ فقال هم أحبتي وأنا في شوق لهم. ثم غلق سماعة الهاتف على مضض بعدما طالني نصيب من نحيبه. وعود على بدأ، فلم تمضِ على تلك المكالمة كما سبق القول سوى شهر واحد وحسب الاّ ويأتينا الخبر الصدمة: لقد رحل مصطفى، تاركا ورائه باقات من الورود واﻷغاني والقبلات، لينثرها على مَنْ تبقى من أصدقائه. أمّا عن وصيته فقد جاءت مبتسرة وبعبارة واحدة: إرفعوا نخبي عاليا وفي أول لقاءسيجمعكم، ولا تنسوا أن ترددوا ما قاله الشاعر الصوفي إبن الفارض:
شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً    سكرنا بها، من قبل أن يُخلق الكَرمُ.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

 





31
كتاب (أشقيائية بغداد) والموت وقوفا

 الى الرابضين والمرابطين في ساحات العز، الماسكين بحبل الحق بحثا عن الحرية وما هو أسمى، ومن قبلهما عن وطن كاد أن يفلت من بين أيديهم وأيدينا، لولا بسالتهم وشجاعتهم النادرة، ولولا تصديهم وتصدرهم الصفوف وإيقادهم لشرارة الثورة في اللحظة المناسبة، حيث ستفضي وبإصرارهم وتضحياتهم وفي آخر المشوار وبما لا يدع مجالا للشك الى وضع حد نهائي لهذا التداعي وهذا الإستهتار الذي تمارسه السلطات الحاكمة. وثورة الشباب هذه جاءت كرد فعل طبيعي لما يجري من مهازل، وبالضد تماما من محاولات الحاكم المستبد في سعيه لتسويق وترويج وفرض ما يسمى بسياسة اﻷمر الواقع، والتي يستهدف من خلالها الى تهميش وتغييب الشارع عن القيام بدوره الوطني وعن تحمل مسؤولياته والتطلع بعيدا، والتي ما إنفك الحاكم المستبد، الجاهل يشتغل عليها ويغذيها وعبر عقود من السنين، مستخدما في ذلك أشد اﻷساليب فتكا وأقساها ضراوة وبطشا وأكثرها خسة ونذالة.
 ومن غير المستبعد أيضا وبعد أن أدرك وتأكد له فشل (حلوله)، أن يلجأذلك المستبد وفي محاولة خبيثة يائسة منه وقد تكون اﻷخيرة، الى تغيير قواعد اللعبة والى إبتكار وإستخدام أدوات قمع جديدة، تنسجم وتتلائم ومقتضى الحال وطبيعة الطرف الند أو سَمّه الطرف المقاوم، الاّ انَّ زمام اﻷمر بدأ  يؤشر الى وجود حالة من الإنفلات وفقدان السيطرة، وان الشعب ماضٍ في رسم خطى مستقبله بعزيمة وثبات، سيجني لا محال ثمار ثورته، وسيعطر ضحاياه بطوع الياسمين.
                                       
                                الموائم منه والمتسق               
يقول الفيلسوف اﻷلماني نيتشة: إن البطل هو الذي يعرف كيف يموت في الوقت المناسب. فقلت في سري لقد أصاب ومسك نيتشه بما كنت أبحث عنه، حتى قادني الى أن ابني عليه فاتحة الكلام، لكني رغم ذلك وإذا ما أردنا إسقاط قوله على ما يجري في بلادنا الحبيبة فسأختلف هنا معه قليلا. فالشباب المنتفض، اختار له من اﻷدوات واللغات ما هو مناسب  للتصدي، وأختار أيضا ما يضع حداً لحالة التراجع والسقوط المدوي الذي يشهده البلد وعلى نحو غير مسبوق. واضعا في باله كل الحسابات، منظما صفوفه، مدركا أن ثمن إحتجاجاته وحريته سيكون باهضا وقد يبلغ الشهادة، غير انه في ذات الوقت مدرك أيضا بأنَّ ما يقوم به سيفتح الباب رحبا أمام الأجيال القادمة، لتعيش بهامات مرفوعة وجباه عالية، وهذا لعمري هو الهدف المبتغى وليس هناك ماهو أنبل منه، وبذا سيكون الشعب قد اختار مصيره وسار عليه بإرادته الحرة وليس كما شاء لها نيتشه.
وإذا ما عدنا للكتاب الذي بين يدي ثانية، فسأسترسل وأغوص عميقا في عرضه، محاولا الربط ما أستطعت بين ما أحتواه وما دلالاته، وبين ما يسطره شباب وفتية العراق من بطولات، سيسجلها التأريخ بحروف من ياقوت وماس. انها ظاهرة الأشقيائية الذي تحدث عنها اﻷستاذ سعد محسن خليل في كتابه الموسوم (أشقيائية بغداد)، الصادر عن دار سطور وفي طبعته اﻷولى عام 2015. مستعرضا فيه ما تحمله هذه المفردة من معانٍ، فبها الجمٌ والنفيس من القيم الإجتماعية السامية ومن الأخلاق الرفيعة. وفيها كذلك من الشجاعة والشهامة والإقدام ما فاق الخيال والحلم، سيوظفها ذلك (الشقي) من أجل التصدي لكل باغٍ، وكل مستهتر سيجرأ  على مس وتجاوز الخط الفاصل بين العدل وندّه، وعلى حدود الكرامات التي إختطتها اﻷعراف الحرة وغابت عن تدوينها قوانين الدولة، بِتعَمّدٍ أو بغيره. وسنتوقف أيضا و بتفصيل أكثر عند دفاع هذا الرجل الذي أسميناه شقيا عن إبن محلته وشرف إبنة عمه وقبلها عِرْض جارته، وإعطاء كل ذي حق حقه. مدافعا عمّنْ رمته الدنيا وتقلَّبَ به الدهر بغير حساب حتى أضناه البحث عن لقمة العيش النظيفة، مذكرا بعروة إبن الورد العبسي وحركة الشطار والعيارين في ما بعد، رغم نعت اﻷخيرين منهم ومن قبل البعض بالغوغاء.
وإذا شئنا التحدث عن  ظاهرة الأشقيائية ودرجة إتساعها والمساحة التي شغلتها، فلا بأس من التذكير بإقتصارها آنذاك على عدد محدود أو نخبة منتقاة من أبناء المجتمع، آلوا على أنفسهم أن يكونوا في خط المواجهة اﻷول، وبذا فإن أعدادها قد لا تصل بضع عشرات على مستوى البلاد كلها. ومن الناحية التأريخية فقد بدأت بالظهور والتنامي مع قدوم المحتل العثماني وإستهتاره بالقيم واﻷعراف الإجتماعية لبلادنا، لتأخذ في ما بعد منحى تصاعديا مع حلول العهد الملكي، وأعقبها إتساع مساحاتها وتزايد أعدادها مع قيام الحكم الجمهوري، ثم أخذت هذه الظاهرة بالإنحسار شيئا فشيئا، تزامنا مع قوة حضور الدولة وأجهزتها، فضلا عمّا إتبعته وابتدعته من اﻵعيب وأساليب، أدَّت الى تقويضها.
وربطا بحديث ساعتنا، فإنَّ ما نشاهده اليوم في ساحات التظاهر من إحتجاجات ومن إتساع نطاقها لتشمل وتغطي مناطق شاسعة وواسعة من بلادنا، فسوف لن نجانب الحقيقة إذا ما قلنا بأنها  قد أفرزت عشرات اﻵلاف إن لم تكن مئات اﻵلاف من هؤلاء الشجعان ولنسميهم هنا مجازا بإشقيائية الزمن الحاضر، إستحضارا وإستذكارا وتيمنا بأولئك الرجال، الذين تصدوا ﻵلة القمع والبطش المسلطين من قبل الحاكم. فما حمله هؤلاء الفتية المنتفضين بين حناياهم  وضمائرهم وعلى أكتافهم من أهداف، وعلى الرغم من وجود ذلك الترابط والتأثير والدور والصدى الذي لعبه اﻷولون في شحذ الهمم، لهو أكبر بكثير وبما لا يقاس مع ما قام به أشقيائية العهود السابقة، فأحلامهم كبيرة حتى إمتدت لتشمل مساحة اﻷرض التي أنجبتهم.
 أمّا عن مطالبهم فلم تعد مقتصرة على بضعة من حقوق، أو ركون لوعود ملَّوا سماعها، والتي سيعمد الحاكم بكل تأكيد الى الإلتفاف عليها وتسويفها بمكر شديد ومن قبل أن ترى النور، بل ان اﻷمر أخذ بعدا أكثر عمقا وجدية وإصرارا، فالشباب المنتفض مصرٌ على إحداث تغيير جذري شامل، يطال كل مؤسسات الدولة والمجتمع، والنهر والعِرضْ وما أستُلِبَ، وباتوا يحلمون بقمر وشمس وضوعة طيب، وبعيش رغيد وحياة حرة كريمة، وعن مكان يفترشونه حبا وأملا، يسمونه وطنا، عرضه السماوات واﻷرض وما بينهما من خيرات وَنِعَم، بعدما غاب أو غُيِّبَ تحت خُدَعٍ وحكومات وذرائع شتى.
رايات ثورتهم، ناصعة البياض، خفاقة عالية، تحملها أكفٌ جُبِلَتْ على الكرامة. ما حيلتهم! فَهُمْ ذوو سيرة وسريرة  طيبة، وهم أسرى فطرتهم وأعوادهم الغضّة، ولكنهم أيضا أقوياء، ثابتين على الساتر وعلى خط المواجهة اﻷول. أعلنوا بفخر ومنذ إندلاع ثورتهم وفي بيانهم اﻷول: نحن أهلا للدفاع عَمَّنْ يحتمي بنا و(ينخانا). لذا تراهم حاملين ا على أكتافهم بفخر وإعتزاز باقات ورود معطرة بالمبادئ والقيم واﻷعراف السامية. وحملوا كذلك عصارة حضارات كانت قد علَّمت البشرية ما لم تعلم، فأرضهم باركتها الرسالات السماوية الموحدة والوضعية حيث مهبطها. وعلموهم أيضا تلك القوانين التي فتحت باب العيش المشترك بين مختلف الطوائف والإنتماءات. وكيف يُقابل الحب بالحب والنظرة بالنظرة والغمزة بأختها. وكيف تُجرَف اﻷرض وتسقى وتنمو على هضباتها أشجار من الطمأنينة. وكيف تغفوا الشعوب تحت ظلال باسقات نخيلها وفيئها والجرف والمنحنى. 
                                     
                      وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في اﻷرضِ (قرآن كريم)
 يستعرض الأستاذ سعد محسن خليل من خلال كتابه هذا وبالإستناد الى جملة من المصادر المهمة، الكثير من اﻷسماء والتي باتت تُعرف بأشقيائية بغداد وماسيتصل بها من حوادث بما في ذلك الطريفة منها. واضعا إياه (كتابه)أمام مَنْ يبحث عن الفائدة والمتعة والجدوى وأيضا عن شحذ للهمم، وصولا الى ما سيخرج به القارئ من دروس وعِبَر، وأحلام مشروعةستتحقق تباعا.
من بين الحكايا التي تلفت النظر وسيتوقف الكاتب عندها طويلا هي حكاية ممودي زيد الهلالي. أمّا قصة هذه الحكاية فمدارها إحدى مقاهي بغداد، يوم كان يجلس آنذاك ما يسمونه  بالقصه خون، بُعيد صلاة العشاء ويروي ما في جعبته من نوادر وأحداث، وأعتقد أن التسمية لا زالت دارجة. فما أن يشرع الرجل بسرده حتى تُشد اليه اﻷفواه قبل اﻷنظار. وفي إحدى المرات راح يروي للجلاس قصة أبو زيد الهلالي وما مرَّ به من صعوبات ومشاكل حتى تمَّ إلقاء القبض عليه من قبل العسس وبتهمة ما. والى هذا الحد إنتهت (الحدوتة) على أمل إستكمالها في اليوم التالي، الاّ أن أحدهم والملقب بممودي لم ترق له هذه النهاية، فما كان منه الاّ أن يتتبع خطى الرجل القاص ويطرق عليه الباب في ساعة متأخرة من الليل حتى تفاجأ صاحبنا بالطارق، طالبا منه تكملة القصة التي بدأها في المقهى وإنهائها على النحو الذي تضمن كرامة وحرية أبو زيد، فما كان على الرجل وهو لا زال واقفا في باب بيته الاّ أن ينهي القصة نهاية سعيدة، ويتم إطلاق سراح (البطل) أبو زيد الهلالي من قبضة الحكومة. 
وتمضي السنون وإذا بممودي هذا، وبعدما كبر وتغضَّن عوده، قام بإعتراضه بعض الأشقيائية ومن قبل التعرف عليه، فأمروه بخلع ملابسه، فراح فارشا عبائته ليضع متعلقاته عليها قائلا: يوم لك ويوم عليك. وبمجرد أن سمعوا نبرة صوته حتى تذكروا انه صوت ممودي، فما كان عليهم الاّ أن يعتذروا له عمّا فعلوه، إذ هو من الأشقيائية المعروفين بكرمه على مستوى بغداد، بل راحوا أبعد من ذلك حيث أقبلوا على تقبيل يديه، متوسلين، طالبين الغفران، فصفح عنهم بعد أن تعهدوا له بترك عمليات السطو والسلب وقطع الطرق. أمّا عن ممودي، فشقاوته كانت تقتصر على مقاومة حكومة الإحتلال العثمانية، وإذا ما وجد نفسه مضطرا فـ(سيجيز)لنفسه السرقة ولكنه سيقتصرها على موسوري الحال. وقبل الدخول في فقرة أخرى، فهناك من الأشقيائية من سار على خطى ممودي، انه عباس السبع، فقد كان يُشَبِّه بروبن هود، فـكل (سرقاته) كان يوزعها على الفقراء وضعيفي الحال ومَنْ تقطعت بهم السبل وأسباب الحياة.
أمّا عن النخوة والشهامة فحدث ولا حرج. فعن ذلك يروي الكاتب حادثة جديرة بالذكر وبالتوقف عندها، إجلالا وإحتراما. ففي سابقة جرى وصفها بالخطيرة جدا وتنم عن إستهتار ما بعده إستهتار، قامت الشرطة وفي خطوة تجاوزت فيها على كل الحرمات واﻷعراف، بتوقيف إحدى النسوة، كرهينة وبديلة عن شقيقها الهارب عن وجه العدالة بعد ارتكابه إحدى الجرائم التي يحاكم عليه القانون حسب الإدعاء، وذلك للضغط عليه وتسليم نفسه. وبمجرد أن بلغ الخبر أحد الأشقيائية التي هزَّته غيرته على تلك المرأة، حتى راح حاملا نسخة من القرآن الكريم، كي يقسم به أمام المسؤولين ويدعي بأنه هو مَنْ قام بهذه الفعلة وليس شقيق المرأة الرهينة، كي لا تقضي ليلتها في مخفر الشرطة، فهذا يُعّدٌ عارا على أهلها وأبناء محلتها وكل مَنْ له صلة بها. ولعلنا لحقنا على تلك الفترة التي تُحتجز فيها النساء في بيت المختار كمكان بديل عن مركز الشرطة، إذا ما كانت مطلوبة للسلطات في أمرٍ ما، لقطع كل التفسيرات والتأويلات التي قد تنتهي بالإساءة للمرأة المحتجزة.
وفي واقعة أخرى، سيحدثنا الكاتب عن شقيقين هما عبدالمجيد كنّه وأخيه خليل كنّه، حيث برز إسماهما في فترة العشرينات من القرن المنصرم(وإنتشر نفوذهما في محلة السيد عبدالله ببغداد، واشتهر هذان الشقيقان بمقاومة الإحتلال البريطاني). فما قاما به هو تشكيل ما أسماه الكاتب عصابة مع تحفظنا على هذه التسمية، مهمتها التصدي لكل شخص يتعاون مع قوات الإحتلال وخاصة إذا كانوا من وجهاء بغداد. ثم يذهب الكاتب بسرد كيفية مقتل عبدالمجيد كنّه، مستندا في ذلك على ما رواه عالم الإجتماع العراقي علي الوردي، حيث يقتبس منه الفقرة الآتية: إنَّ هذا الشقي وبعد واقعة خضر الياس تم إلقاء القبض عليه، ويظهر ان بعض اﻷعيان وعلماء بغداد من الوجهاء، قدموا طلبا (عريضة) الى ويلسون، أي الحاكم البريطاني، يطلبون فيها التشديد على معاقبة الشقي عبدالمجيد كنّه(إنتهى الإقتباس). يُستنتج من هذا بأنَّ في كل المراحل التي خضع فيها العراق للإحتلال أو أخضِعَ، كانت هناك من العيون والعملاء مَنْ يشتغلون أذلاّء، أدلاّء لصالح المحتل، ولعل العراقيين يعرفون ذلك أكثر من غيرهم، فهم لا يزالون قابعين تحت نير إحتلالين، غاشمين.
وبعد أن ألقي القبض على إبن كنّه، صدر بحقه قرارا بالإعدام وتمَّ تنفيذه في أيلول سنة 1920. وعن تلك الواقعة اﻷليمة وتحديا للسلطات الحاكمة، فقد جرى تشييع عبدالمجيد كنَّه بمهابة عالية وبحضور جماهيري كبير حيث عُدَّ شهيدا للوطن وَزُفَّ عريسا. وفي دلالة على الوحدة الوطنية فقد حَمَلَ البعض رايات الإمام الحسين، وقسم آخر وجلّهم من المسلمين المتصوفة راحوا يضربون  الدفوف، تعبيرا عن إستنكارهم ورفضهم للجريمة البشعة التي أرتكبت بحق عبدالمجيد كنّه. ثم راح الموكب يجوب ويطوف مختلف مناطق بغداد المعروفة وذات الغالبية السكانية، فوصلت الفضل وجادة السراي وعبرت صوب الكرخ. ولم ينتهِ اﻷمر عند هذا الحد، فقد تعهدوا أعوانه بأخذ الثأر إنتقاما له، وهذا ما تمَّ فعلا، حيث قاموا بتصفية أحد الضباط، لصلته بعملية إلقاء القبض على شهيدهم.
في صفحات أخرى من الكتاب، سيروي الأستاذ سعد محسن خليل واقعة أخرى لا تقل بسالة عن سابقتها. فعلى ذات الطريق الذي سلكه إبن كنّه، إنخرط شقيقان آخران في مقاومة المحتل. ففي إحدى العمليات وأثناء أدائهم لإحدى العمليات البطولية، وبعد نفاذ عتادهما، وعملا ببعض اﻷعراف والتقاليد التي تضمن سلامتهما وحمايتهما، فقد إلتجأ الشقيقان الى أحد جوامع بغداد، غير انَّ ذلك الخيار لم يردع المحتلين، وراحوا مخترقين حرمة المكان، وليطلقوا الرصاص الحي على المقاومين العزَّل.
ولم يكتفوا بذلك بل أقدموا على ربط الجثتين بسيارتين وتسييرهما بإتجاهين متعاكسين، مما أثار حفيظة وحنق كل مَنْ كان حاضرا، ولتخرج بعدها الجماهير بموكب تشييع صاخب، إلتحقت به حتى النسوة، وهذا ما كان يعَدُ خرقا وتجاوزاً على اﻷعراف والتقاليد المعمول بها، غير ان ما حركهن وأثار غضبهن ودفعهن للمشاركة الواسعة، هو ذلك التمثيل الذي جرى لجثث الضحايا من المقاومين.
أخيرا ويا أيها الفتية والشباب المنتفض في سوح الوغى، إنكم بحق أحفاد شرعيين لأولئك اﻷجداد الصناديد وخير مَنْ حَمَلَ راياتهم، وبينكم وبين النصر المؤزرصبر ساعة.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو



32
الكتابة الحديثة ورواية (مياه متصحرة)

  في البدأ وﻷعترف القول بأني من النوع الذي لا يميل بل لا تستهويه كثيرا قراءة بعض النصوص، خاصة تلك التي يغلب عليها ما تمَّ وصفه أو وُضِعَ عنوة ودون دراية وتمحيص في إحدى خانات أو مدارس اﻷدب الحديثة، إن لم يكن صاحب النص متمكن فعلا من المسك بمنحاه هذا ويستجيب كذلك لمقتضياته. فَتَحْتَ ظلال هذه المذاهب اﻷدبية وبحجتها وعلى ما أرى ستتوارى الكثير من العثرات والثغرات، كذلك سيجري التجاوز على ما يجب توفره من شروط وأساسيات حين الشروع بالكتابة وما سيتولد عنها من مُنتج،  فضلا عن ضياع بعدها الجمالي وحرمان المتلقي من متعة النص، وهذا بحد ذاته هدفا لا يمكن التخلي عنه أو المساومة عليه وبأي شكل من اﻷشكال.
ولكي نكون موضوعيين في تناول أمر كهذا، فسنستثني هنا من المسؤولية ونعطي العذر لتلك الكتابات التي ستقع تحت طائلة الإضطرار، والتي ستدفع بالكاتب ومن أجل الترويج لنصه وتحقيق غايته وإيصال رسالته النبيلة، الى إستخدام وتوظيف بعض الوسائل التي يمكن أن تساعده في التمويه والإلتفاف على سلطة الرقيب. والحديث هنا يدور عن أو يمكن إسقاطه على الواقع السياسي المعاش في بلدان العالم الثالث وأخواتها، وما سيتعرض له الكاتب من ضغوط وقيود من قبل سلطات الحكم الغاشمة. أمّا مَنْ كان خارج حدود هذه السيطرة فليس له من العذر نصيب.
 وعن النص الذي سنسبره، فعلى الرغم من محاولته الإقتراب مما يمكن تسميته بأدب ما بعد الحداثة، والتي أخذت مدرستها بالتبلور أكثر فأكثر حتى باتت معالمها تتضح شيئا فشيئا وذلك في مطلع خمسينيات القرن المنصرم، لتشمل بعض من العلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة، الاّ ان هناك مَن له رأيا آخر في ذلك، إذ يعتبر هذا المذهب لا يزال في طور التكوين ولم تتبين أو تكتمل معالمه بعد ولم يستقر ليأخذ شكلا نهائيا. وإذا كان لنا من رأي حول هذا النوع من الكتابة، فنعتقد، بأنه لم يولد من الفراغ ولم يقفز على المدارس اﻷدبية المعروفة ولم يحرق المراحل أيضا، ولا هو بنزوة أو رغبة أو قرار، يحلو للكاتب إتخاذه كيفما يشاء ومتى يشاء، بل هو منهج يرون أصحابه فيه من الرصانة ما يكفي ليسيروا عليه، كذلك هو رؤيا وبعينين ثاقبتين، بعيدة في مداها وأفقها وغاياتها.
 وما دام الحديث يدور عن مذهب ما بعد الحداثة وعلى ما كتب مؤرخوه، فقد وُلِدَ وتطورَ بعد المرور بمختلف اﻷساليب اﻷدبية، بل بعد أن جرى إستيعاب مختلف المدارس والتمكن منها وعلى أحسن وجه. وكي تتضح الفكرة أكثر فلا بأس من التشبيه بمدارس الشعر، فكاتب القصيدة الحرة أو الحديثة، عليه أن لا يظنها تمر بتلك الخفة والسهولة أو خالية من الإشتراطات. وذات اﻷمر سينطبق على أي نص أدبي آخر. وسيكون واهما مَنْ يعتقد بأن أسلوب المدرسة الحديثة في الكتابة، سيعني من بين ما يعنيه غموضا في التعبير أو ذات دلالات وتأويلات مفتوحة أو عائمة، ستسعف الكاتب وتعينه على الإنفلات من سلطة القارئ. وزيادة في الإيضاح فمنحى الكتابة الحديثة وما تترتب عليها، لا تعني بشكل من اﻷشكال صعوبة في فكَّ عُقَدْ النص أو إستحالتها، أو انه مُنفلتٌ ويسير على هواه ولم يخضع لمجموعة من المعايير والقواعد الضرورية التي ينبغي توفرها، بل هو كغيره من المدارس اﻷدبية، فكاتبها يجب عليه أن يكون متمكنا، متمرسا، حريصا بكل تأكيد على الوصول الى غاياته التي كان قد خطط لها ورسمها في مخيلته وبما ينسجم والرسالة التي يحملها.
 ولو أسقطنا بعض مما فات وأدرنا الحديث هنا عن حازم كمال الدين، فيمكننا القول بأنه قد نجح والى حد ما في شد وجذب القارئ الى نصه، صارفين النظر عن طبيعة المذهب الذي اعتمده في كتابة روايته، رغم ميلي الشخصي وانحيازي المسبق الى مذهب الواقعية في اﻷدب، وما سيلحق بهذا الميل من حذر الإقتراب وكما سبق التنويه من الكثير من اﻷعمال الروائية التي تنتمي لمذهب ما بعد الحداثة، على الرغم مما لعبته هذه المدرسة من دور كبير وأساسي في تشكيل الذائقة الفنية لعديد اﻷجيال، وما أحدثته كذلك من إنعطافات هامة وتأريخية في مسيرة اﻷدب العالمي.
 في التوطئة اﻵنفة الذكر سنعدها مدخلاً لقراءة ما كتبه الصديق البعيد حازم كمال الدين في روايته (مياه متصحرة). ففي سرده وعلى ما أرى سنجد أشكال متعددة من المذاهب اﻷدبية، كان من أبرزهاذلك الذي أسميناه بـ(بعد الحداثة) أو هذا ما حاول إيصاله للقارئ، ومن غير أن يغفل بقية الفنون، وقد بان ذلك جليا من خلال بناء شخصياته وطبيعتها والحدود التي رسمها لها، كذلك في تفاعلها مع بعضها البعض، وفي تنقلات الكاتب التأريخية وما رافقها من أحداث وحوارات وأجواء، معتمدا على تنشيط وتحفيز خياله بدرجة واضحة وليذهب بها بعيدا الى عالم من الميتافيزيقيا، رغم تكرار بعض المشاهد والصور. بشكل عام نستطيع القول بأنه ربما توفق في الكثير منها وأخفق في أخرى وهذا يُعَدٌ من بداهة اﻷمور إذ يندر أن تجد عملا متكاملا. وإن كان لي من عتب أو مأخذ عليه فمحورها هذه النقطة تحديدا، إذ كان بإمكانه إختصار بعض اﻷحداث والمشاهد ومن غير ان تُحدث أي خلل أو تترك أثرا سلبيا على سياق نصه ووحدة بنائه.
 وإذا ما واصلنا قراءة النص وتناولنا جانبا آخر منه، فمن الحسنات التي ستسجل له، هي محاولة الكاتب أو لِنَقُلْ مراهنته على عقلية المتلقي، واﻷخذ بيده والإرتقاء به الى حيث يريد. وإستكمالا لهذه الملاحظة وإرتباطا بها، سيُفرَضْ علينا هنا سؤالا ولعلهه على غاية من اﻷهمية، الا وهو طبيعة العلاقة الجامعة والمفترضة بين طرفي العمل، أي بين الكاتب من جهة والمتلقي من جهة أخرى، والإشارة هنا لا تدور عن هذه الرواية حصرا وانما على عموم النصوص واﻷدبية منها على وجه الخصوص. فالمطلوب من المتلقي (وهنا سأفترضه قارئا إيجابيا ومتفاعلا) بذل المزيد من الجهد ليرتقي هو اﻵخر بمستوى العمل، خاصة إذا ما راق له، ليكون الطرف المكمِّل لمعادلة النص، فالطير لا يحلق بجناح واحد، وبالتالي عليهما التواصل معا ليصيغا نصا يليق بهما، حتى يبلغا ما يسعيان اليه وإن إختلفا بالوسيلة أو إن شئتم تسميتها باﻷداة.
جمال بعض ما ورد من نصوص في رواية مياه متصحرة وحبكتها وهي كثيرة، قادتني ﻷن أنساق معها وأمضي حيث تشاء، على الرغم مما حاف رحلتها وسِفْرَها من مخاطر ومجازفات وآلام أيضا. وإذا كان لنا من قول أو سمّها ملاحظات فسنأتيها تباعا أو قد تتداخل فيما بينها، لكني سأحرص في ذات الوقت على التكثيف. وقد تجدني عزيزي القارئ متنقلا بين هذا الفصل وذاك، أو هذه الصفحة وتلك وبطريقة سعيتها أن تكون مترابطة ما إستطعت. فمثلا عن الصور أو المشاهد التي رسمها وصاغها الكاتب سأورد هنا مثالين متناقضين، متباعدين، كانا قد لفتا نظري وشدا إنتباهي، ففي اﻷولى وهنا الطرافة سيصور لك صاحب النص مشهدا جنائزيا، مستخدما ما يناسبه من مفردات، راسما أجوائه وشخوصه بدقة متناهية. وفي الثانية سينقلك الى مشهد بعيد جدا عن سابقه، بل لا يمت له بصلة وبأي شكل من اﻷشكال الا وهو مشهد البستان، حيث سيدخلك معه حتى تكاد تشم أريجه، وبكلمات تنسجم تماما والمناخ الذي ولجتماه معا (الكاتب والمتلقي)، عارفا دقائقه وتفاصيله، متمكن منه، متحكم فيه. إذن ففي الحالتين نجح حازم في توظيف رصيده وخزينه من اللغة العربية وثراء مفرداتها ووضعها في سياقها الطبيعي الصحيح، وبالتالي ستصل القارئ وهي بكامل الدلالة والغِنى والمعنى وكما أريدَ لها، وهذا سيسجل له وبما لا يدع مجالا للشك.
 في روايته، ستجد الكاتب مستفيدا من تأريخ بلاده وعلى مختلف مراحله، إبتداءأ من الحضارات القديمة كسومر وأكد وجارته العزيزة على قلبه بابل، وليس إنتهاءا بالعصر الحديث. ملتقطا منه ما يشاء وبعين العارف وليوظفه بطريقة ذكية. وبذا سينبؤك حازم وبشكل غير مباشر ومن غير أن يضع هذا الهدف نصب عينيه على ما أعتقد، بأنه لم يمر بِسِفْر بلاده مرورا كريما فحسب، وانما ستجده قارئا جيدا له، شاعرا بنشوة جذوره وصلابتها. لذا وانسجاما مع ماذُكر فستجده متنقلا بين اﻷزمنة والمراحل التأريخية رغم تباعدها واختلافها عن بعضها بعضا، لينقلك ويتنقل بك وبرشاقة حيث يريد ومن غير أن يُشعركَ بذلك.
 وﻷنه منبهر بتأريخ بلاده وله كامل الحق في أن يفاخر به، ولكي يخفف على القارئ من وطئة العمل إذا ما أتعبه أو ليعطيه قسطا من الراحة، فقد أدخل حازم في ثنايا النص بل وتماهت معه فقرة أو عبارة  غاية في الجمال، تشي بعالمي الموسيقى والغناء، موائما بين مختلف الحضارات التي شهدتها بلاد ما بين النهرين، موعزا لها وكما المايسترو، لتشدو بأغنية واحدة وبتنوعات وإيقاعات موسيقية متناغمة، ليختزل بها كل ذلك الإرث العظيم. انها أغنية المجد والحياة وهي ذاتها التي كان أجداده اﻷولون قد طربوا عليها، ووقفوا على شطآن نهريه، متأملين ظهور سيدة البحر وإنبلاج ضوء الصباح. 
 وإذا أردنا تناول جانب آخر مما كتبه فنقول: في كل عمل روائي هناك ثوابت وأساسيات لابد من مراعاتها واﻷخذ بها كي يستقيم النص ويشار اليه بعلامات الرضا. ومن بين ذلك مثلا اللغة المعتمدة أو سمّها لغة السرد، فبدونها لا يمكن للكاتب أن يوصل فكرته وعلى الوجه الذي يحلم به أو يُرضيه. وهنا يستحضرني قولا للكاتب العراقي الراحل فؤاد التكرلي وفي لقاء معه، تحدث فيه عن رؤيته للعمل الروائي وأسباب نجاحه والوسائل المستخدمة، فردَّ بالقول وبما معناه: أي عمل روائي ولكي يكتب له النجاح فلابد من توفر عاملين مهمين،أساسيين، هما الفكرة واللغة. والتكرلي هنا لا أظنه يعني أي لغة، فعدا عن قواعدها وشروطها وثراء مفرداتها، فجمالها مطلوب أيضا وبنسب عالية، فالكتابة الروائية ليست توثيقا لأحداث فحسب وعلى أهمية هذا الجهد، بل هي أيضا رؤيا وموقف وأزهار تشم عطرها حين تقرأ، وقد تحلق بك الى سماوات أعلى فأعلى. وعن هذه النقطة نقول: لم يبتعد حازم كثيرا عن هذه الإشتراطات التي أنفَ ذكرها، بل كان ماسكا بسيرورة نصه، سيستجيب ويصغي له عند الضرورة وعند بعض المنعطفات، ومن غير أن يأتي ذلك متقاطعا والأهداف الرئيسية التي كان قد خطط لها.
في روايته لم يغفل حازم أو يتنصل عن أداء دوره في فضح بعض المظاهر الإجتماعية التي باتت تخترق مجتمعه ومنذ إحتلال بلاده وغزوها ومن جيء بهم، بل أكاد أجزم بأن من بين اﻷهداف المهمة والرئيسية التي رسمها من وراء كتابته نصه، هو التوقف طويلا على هذه المظاهر. ففي هذا السياق وبالعودة الى المشهد الجنائزي، فقد نجح في تحويل مشهد الموت وبكل  ما يحمل من دلالة الى صورة كاريكاتورية، سَيسخرُ فيها من درجة التداعي والإنحطاط الذي بلغته الجهات المشرفة على دفن الموتى. فمن خلالها وبحجتها سيتوقف عند حجم الفساد الذي بلغ أشده وضرب اطنابه، وطال كل مؤسسات الدولة دون إستثناء، حتى وصل اكثر الاماكن جلالا ومهابة الا وهي مقابر الموتى. وهنا سيحدثنا الكاتب وإن بشيء من التورية عن هذه الجهة، وكيف تجاوزت حتى على اﻷعراف والتقاليد الدينية المتبعة والمعتمدة، والتي كانت أصلا قد ألزمت نفسها بها قبل غيرها، حيث سيتوقف الكاتب ويوقفنا معه على موضوعة تلقيها الرشا، لقاء دفن قطعة (من كفي  ومن جسدي). ولكي لا يلتبس اﻷمر على القارئ فإن الجملة المقوسة جاءت على لسان المتوفي نفسه، وعلى ما أظن فإن ورودها على هذا النحو، ليس بهدف الفضح فحسب وانما للفت إنتباه القارئ أيضا الى الجهة الداعمة له، وليبين كذلك حجم إنفلات الأمور والسقوط اﻷخلاقي المدوي الذي رافقه.
وفي مكان آخر من الرواية ،سيسجل حازم أكبر الإحتجاجات الا وهي تلك الصرخة العالية التي يخشى أن لا يسمعها أحد، وهنا يتحدث الكاتب عن تلك الزيجة، المؤامرة التي تمَّت بين رجل عجوز أدرد، لا يقوى على سير مسافة عشرين مترا متواصلة دون أن يأخذ قسطا أو قسطين من الراحة من جهة، وبين طفلة لم تصل بعد عمر الحيض من جهة أخرى. وعن المشهد اﻵنف سنقتبس هذا النص وكما ورد في الرواية:سترتعد الطفلة من مرأى كائن ملطخ بالدم والمخاط الى جانبه كومة لحم أحمر مبهم مشدود الى حبل...الخ، انها صورة مأساوية بحق . لعل إقتباس كهذا، يمثل نموذجا مؤلما، يعكس مدى النذالة والإنحطاط الذي بلغه البعض، مستغلين ذلك التفاوت الطبقي الذي أنتجته العملية السياسية، وما ترتب عليها من تداعٍ مجتمعي ،ستدفع أثمانه اﻷجيال القادمه إن لم يجر تداركه بسرعة وإحداث تغيير بل إنقلاب جذري، يعيد دورة الحياة وما تحمل من دلالات الجمال الى مسراها وحالتها الطبيعية. 
لم يغفل حازم أمرا أمسى مؤرقا لبني جلدته وبات يشكل جرحا وليس كأي جرح، أراد له البعض أن يكون عميقا ودائما، يلعبون عليه ويحركونه متى يشائون. وفي لحظة كهذه لابد من التوقف بمسؤولية وفضح أصحاب هذا المشروع ومروجيه والقيمين عليه، مخافة إحتراق السهل كل السهل. هنا نتحدث عن ذلك النزيف والمسمى بالطائفية، والتي اراد له سدنته أن يبقى (معينا لا ينضب) لهم، فبه ومن خلاله جرى حياكة وتمرير الكثير من الدسائس وبلعبة قذرة، أخذت خيوطها تتضح وبجلاء بعد أن دُفعَ من أجلها الغالي والنفيس، وزُهقت على محرابها أرواح بريئة. ومن يتتبع ما دَوَّنهُ حازم في روايته، سيكتشف وبما لا يدع مجالا للشك والإجتهاد، بأنه لم يكن حياديا أزاء جرح كهذا بل راح معلنا عن إحيازه وبشكل كامل، لا لبس فيه، مع الغالبية العظمى والساحقة من أبناء وطنه، الرافضة بقوة لهذا الشكل الجديد والخبيث، والذي ما إنفك يعمل على تمزيق الوحدة الوطنية ونسيجها الإجتماعي، وعدّها (الطائفية) هجينة ودخيلة وهي فعلا كذلك، وَمَنْ أحياها بعدما اندثرت وأصبحت نسيا منسيا وغير ذو بالٍ، كمن قتل أبناء شعبه بدون إستثناء.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو



 .





33
انها الناصرية .... إرفعوا لها القبعات

من أور حيث ولادة اﻷب الرحيم إبراهيم وحيث إبتدأ التأريخ وفجر الحضارات واليها نعود.
الرسالة اﻷولى
المكان: أرض الرسالات السماوية
الزمان: الفترة المحصورة ما بين 2324-1850 قبل الميلاد
 
يا سماء الشرق طوفي بالضياء
وانشري شمسك في كل سماء
ذكريه واذكري أيامه بهدى الحق ونور الانبياء
 
 أور مدينته الفاضلة. بولادة نبيها ابراهيم، سيزداد فضول هواة التأريخ ورقيماته بحثا عما تحمله هذه المدينة وابنها من ألق، وسوف لن يغمض لهم جفن الاّ حين يغوصوا عميقا وصولا الى معرفة كنه ما يخفيان. لِمَ لا فاﻷبن ومدينته كانا قد رسما سوية خطان متوازيان من المجد ومن مستقبل أرادوه أن يكون زاهيا فكان كذلك. سيلتقيان بعد قليل وعند المنعطف الذي ستبدو فيها الشمس آيلة للرحيل ليمسكا قرصها بيدين من محبة ونور، هذا ما إتفقا عليه ومنذ ابتدأآ الخطوة اﻷولى. فبعد أن إطمأنت أور للخط الذي سيسلكه ولدها والمؤدي حتما الى جهة القلب
 حيث الراحة والسكينة، وبعد أن شعرت بأن في ساعديه من القوة بحيث يواصل مسراه وحيدا، قالت له: عليَّ أن أعود من حيث أتيت، آملا أن تكون رجلا لا تشبه الرجال بل ستكون أكثر حكمة وأرجح عقلا وظني بك لن يخيب، وغير هذا وذاك فلك قلبا مجبولا بالرحمة والرأفة.
أراد إبراهيم أن يبقي مدينته أور برفقته فترة أطول وحتى إنقضاء الليل فالوحدة وحشة، غير انها ردَّت عليه: لك أخوة هناك ، منهم مَنْ ضربه البرد، ومنهم ما زال يخط بيديه حروف اﻷبجدية اﻷولى كما أوصيتهم. لم يرق لإبراهيم جواب مدينته  فراح معترضا: لكنهم سوف لن يقضوا جوعا، فقالت له مدينته أنا لم أقل انهم بدون أكل فالبيت الذي فيه نخلة لا يجوع،  فما كان عليه الاّ أن يسلم أمره ويتوادعا.
 
كانت الدنيا ظلاما حوله وهو يهدي بخطاه الحائرينا

  مشى بضع ليال ومثلها من النهارات، مشاغلا نفسه مرة بغرته ذات الثنايا السبع، ومرة أخرى يحاكي صوت أحد الطيور، إذ ظل برفقته كالنديم أو الخليل أو الرفيق، متخذا منه أنيسا وأي أنيس. لم يكن زاد إبراهيم الاّ الصبر والخيال الخصب حتى اجتيازه الحدود المسموح بها. عندذاك أوقفه أحد العسس الواقفين بالطرف اﻵخر، فتح له سجلا قيلَ لإبراهيم بعد أن إستعصى عليه ما يرادُ منه: ان الواقف أمامك شرطيا يتبع لمحمية أخرى، وتهمتك عبور الجهة اﻷخرى من دون إذن فمن تكون ومن أين أتيت؟
 لم تخف ولم تتلعثم فقلت لهم اني إبراهيم ومعي صُحفي ورسالتي. لم يدعه المحقق يُكمل حديثه ليستفهمه بسؤال آخر: أهي صحف إبراهيم؟ ردَّ عليه أجل، ثم راح المحقق مكملا أسئلته: ومن أي أرض أتيت؟
فردَّ عليه إبراهيم: أنا من أور، مدينة النور و المعرفة

أرضها لم تعرف القيد ولا خفضت إلا لبارئها الجبينا
كيف يمشي في ثراها غاصب يملأ الأفق جراحا وأنينا

 راح يردد البيتين اﻷخيرين بأعلى صوته حتى تنبهت له والدته التي كانت تنام في الغرفة المجاورة له، لتأتيه مسرعة: ما بك يا ولدي؟ لم يرد عليها بل راح مزيدا من صراخه حتى وجدت نفسها مضطرة لإيقاضه، فراحت تهزه بتؤدة وحنان فاستفاق والعرق متصبب من كل جوانبه، وآخر ما كان يردده: انها أور حيث بدأ الحضارات واليها نعود. بعد أن صحا تماما قالت له والدته: لا تخف يا ولدي فقد كنت تحلم وأظنه حلما جميلا، وأور ستبقى سيدة المدن.
 
الرسالة الثانية
المكان: مدينة ناصر السعدون، أرض البسالة
الزمان: 2020 ميلادية
 من كان منكم بلا شجاعة فليرجمها بحجر، وعذرا للسيد المسيح على  هذا
 التجديف.
 حين جيء به شهيدا لم يهدأ لإفطيمة إبنة عشيرة الظوالم العدنانية، الواسعة الإنتشار في الفرات اﻷوسط وجنوب العراق، وسليلة شعلان أبو الجون ورميثة ثورة العشرين الاّ أن تنشد وبصوت عالٍ، أسْمَعَ الحجر قبل البشر والطير قبل الشجر: جن ما هزيتي ولوليتي.... هزيت ولوليت لهذا.
هي غنَّت لهذا المجد ولهذا الفخر، فالموعد قد أزف، والتأريخ سيعيد نفسه بعد مرور قرابة القرن من الزمان، يوم تصدى اﻷسلاف وبصدورهم العارية قوات الإحتلال البريطاني. فها هن أمهات الضحايا في مدينة الناصرية ومدن العراق اﻷخرى الباسلة، يتصدرن الصفوف اﻷولى في مسيرة تشييع جثامين أبنائهن، وعلى إيقاعات من التحدي والتصدي للقوى الغاشمة، معطرين ضحاياهم بعبق الياسمين، ناثرات أغصان الزيتون والياس.
فيا أيها الشهداء اﻷحياء، من أي معدن جبلتم؟ لقد قرأنا في الأديولوجيات والسياسة ومن مشارب مختلفة، فمنها ما خطه هيغل وماركس المصنف على خانة الإلحاد كما يسمونه، ومنها ما جاء في كتب اﻷديان، وصدق منها من صدق وأكثرهم كاذبون. قرأنا أيضا في كتب اللاهوت وضربنا الودع ورمي الحصا وتشكيلاته ودلالاته، وإستخرنا المرآة لقراءة المستقبل، وأصغينا لما تقوله العرافات من على شاشات التلفزيون عمّا يخبئه برجنا، ورحنا نبحث في كتب اﻷولين كي نقف على ما يجري فلم نجد تفسيرا،  فعجزنا عن وضع هذه التجربة الفذة والشجاعة النادرة في أي من الخانات السالفة الذكر، انه المستحيل بعينه وانها النبوءة التي لم يتوقعها أحد، فلا التلمود ولا الإنجيل ولا القرآن ولا الهندوس ولا المجوس ولا بوذا ولا ولا ولا أي طرف آخر جاء على ذكرها.
 هي بإختصار إخترقت كل اﻷعراف والحسابات لتخرج مكللة بالغار، مزهوة بكبرياء وشموخ، لتعلم العالم، العالم كله كيف تجري الثورات وما هو منطقها وأدواتها وكيف تنجح، وعلمتهم أيضا أن هناك شعبا عظيما، سيرسم صرحا من الكرامة والشموخ، لتسير من بعده قبائل وشعوب ودول، انه زمان الفتية ذوي الصدور العارية، انه زمن الشهادة والجباه العالية .
  أنهض يا جلجامش ويا صاحبة الحانة وأنكيدو وارقصوا فرحاً، فالبحر أليف والموج هادئ واﻷفعى سوف لن تأكل عشبة الخلود كما حدث في المرة السابقة، فها نحن أبنائك الأوفياء قادمون، أبتُعِثْنا من جديد، وعلى العالم أن يقف على رجليه وينحني ويقبل جباهنا، فما نصنعه هي لحظة مصيرية، لم يشهد لها التأريخ مثيلا، لقد قصّرنا المسافات يا جلجامش بين النظرية والتطبيق حتى تماهت، فكان الإصرار والثبات سيد المواقف كلها، وكتاب الثورة في الثورة وصاحبه ريجيس دوبريه لم يعد مناسبا ولا مرشدا، والتحق به من نظَّرَ من قبله، وسقطت كتب سيد قطب وسقطت معه كتب الإقتصاد والفلسفة وصاحبها الذي وقف على الطرف الثاني من التفسير الفقهي والشرعي، ووقف النفري مذهولا أمام عظمة هذه ما نشاهده حتى ضاقت العبارة وضاق الوصف .
عن أي تجربة نتحدث؟ انه زمان (المجانين) والحماسات المنقطعة النظير بل لا نظير لها، انه زمن البسالة النادرة، انه زمن لم يكتب التأريخ عنه من قبل، لكنه اﻵن سيجد نفسه مجبرا على خطه بحروف من ذهب ومحبة وأمل، وسيأتي من يُقبّل جباهكم، فأنتم ملح اﻷرض وخضرته

أناديكم.. أشد على أياديكم
أبوس اﻷرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
وأهديكم ضيا عيني
ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
 نصيبي من مأسيكم
.......
وقفت بوجه ظلامي
يتيما، عاريا، حافي
حملت دمي على كفي
وما نكست أعلامي
صدق الشاعر توفيق زياد وصدقنا من بعده ومشينا على عهده فكان الوعد، وعلى متطلعي وتواقي الحرية في العالم أن يقفوا جميعادقيقة صمت، بل ساعات من الصمت، إجلالا وإكبارا لشهداء العراق وبطولات شعبه. انه زمان التحدي والتسابق نحو الشهادة. طوبى لكم يا احرار بلادي وفخره.
الرسالة الثالثة
المكان: ساحة التحرير وشقيقاتها المنتفضة
الزمان: مطلع الشهر الرابع من عام الحب
جمهرة من العاشقين، حاملين باقات من الورود
جمهرة من الندامى، يقضون مساءاتهم على دكة وضلال وبصحبةسيدهم أبو نؤاس
جمهرة من العطاشى، يغرفون من دجلة الخير أعذبه
جمهرة من رواد الذوق الرفيع، يصغون لصوت فيروز وهي تشدو
 جمهرة من النحاتين، يتظللون بنصب جواد سليم ويفترشون حديقة اﻷمة
جمهرة من عشاق يوسف عمر ومقاماته، يحملون معهم تسجيلات جقمقج
جمهرة من النسوة الكبيرات السن، يغنين لا خبر لا جفيه
جمهرة من أهلنا الجنوبيون، يأدون أحلى أغاني حضيري أبو عزيز وداخل حسن
جمهرة من أهلنا الكرد يدبكون على موسيقى هربشي كرد وعرب
جمهرة من البنات الصغيرات يرقصن على إيقاعات أم العباية
جمهرة من عشاق أم كلثوم، تركوا مقاههم العتيد في شارع الرشيد والتحقوا بساحة التحرير لسماع أغنية بغداد يا قلعة اﻷسود
جمهرة من الموسيقين، يعزفون نشيد موطني
    هذا هو العراق الذي عرفته وهذه صورته كما تركته قبل أربعين عاما. وهذه هي ساحة التحرير وهذا هو جمهورها، فهم صلة الوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الحياة واللا حياة، فافسحوا لهم في المجال كي نراهم  ونشم عطرهم ونطرب على أصواتهم ونستذكر ذاك الزمن الذي راح، ودعوا كل اﻷزهار تتفتح.
 
(تضمن المقال بعض القصائد المغناة فاقتضى التنويه)

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

 
 


34
المنبر الحر / قطرات من الندى
« في: 19:29 23/12/2019  »
قطرات من الندى

كي يتغلب على ما يمر به في هذه اﻵونة، وجريا على عادته ومنذ سنوات خلت، لم يجد حميد الخياط من نديم يشكو اليه ويشاركه محنته والترويح عنه عند إشتداد اﻷزمات غير ذاك النهر الذي يخترق المدينة من أقصاها الى أقصاها، وها هو اﻵن يسير بمحاذاته، الاّ أن حالة الكآبة التي ضربته أبت مفارقته رغم مضي قرابة الساعة وهما يسيران سوية. فالنهر هذه المرة لم يكن عذبا أو طوع رغبته، بل حتى رآه عصيا غليظا، ذا إيقاع ثقيل، وبدا كما الذي يشق قلبه الى نصفين، ليُذكّره ومن غير رحمة بتلك الجراح الغائرة والعميقة والبعيدة، والتي اعتقدها قد اندملت أو في طريقها الى ذلك.
 وﻷن النهر لم يستجب لحميد أو يتفاعل معه وعلى نحو ينسجم وحالته، سيجد نفسه مضطرا ليحدثه بلغة لا تخلو من عتاب: حتى انت يا صاحبي الأبدي، فكم رجوتك أن تكون منصفا، عادلا بيني وبين ..... آه، لم تكن حتى حياديا في أحكامك رغم اني أحببتك وربما أكثر من كل الذين تعرفهم وأعرفهم .... ، نعم أحببتك واجزم اني وإياك نسكن قلبا واحدا، نعزف ونغني على إيقاعات متشابه، تصل وفي أحيان كثيرة الى درجة عالية من التناغم بل قُلْ نتطابق، واذا ما لَحِنْتُ قليلا أو إبتعدتُ عن قواعد وشروط التلاقي التي تجمعنا، كنت تدلني، نعم كنت تدلني، وانا كذلك كنت أدلّك على الرغم من فارق العمر ما بيننا وقلة حيلتي وتجربتي.
 الاصوات الصادرة من بعض المارة، لم تلفت إنتباه حميد الخياط ولم تشغله رغم قربها منه، ولم تمنعه كذلك من الإستمرار في مشيته وسيعبر إحدى القناطر الصغيرة التي تُجسر ضفتي النهر، وسيواصل عتابه للنهر: أعترفُ انك علّمتني العوم، ولكن عليَّ أيضاً أنْ اُذَّكركَ، بأني وكم من مرة أوشكت على الغرق، يوم كان عمري آنذاك لم يتجاوز بعد سنواته الست أو ربما أكثر بقليل، لا أتذكر بالضبط، ولكن دعني أفكر قليلاً، دعني أعود الى ذلك اليوم، آه الآن تذكرت .... (عند هذه اللحظة شدَّ إنتباه حميد أمر ما فنسي ما كان يقوله لذا توقف عن الإسترسال).
 حالة التعب التي عانى منها حميد الخياط وبعد أن بدأت تتطاير من رأسه نشوة الخمر ويتلاشى تأثيرها، قد أشّرتْ الى أنه ربما مشي بما لايقل عن ساعتين متواصلتين، قضاهما بين الترنح والتذكر. غير ان الشيء الوحيد الذي رسخ في ذهنه تماماً وسيتذكره في اليوم التالي، هو وقوفه الطويل قبالة شجرة اليوكالبتوس العملاقة، التي كانت تغطي امتدادات سيقانها وأغصانها سياج الطرف الثاني من النهر، حيث تتدلى ناعسة، شفيفة، أوراقهاساطعة الإخضرار  ، ندية، مُنذرة بنهار بهي آت بعد قليل. راح حينها يبحث عن مدونة كان قد حفرها على جذع تلك الشجرة ومذ كان صغيراً، يوم حَملتْ إسمه وإسم صديقه وتأريخاً صار سحيقاً، لكنه فشل في ذلك ولم يعثر على أي أثر مما كان قد كتبه.
 أوشك حميد الخياط ليلتها أو فجرها على معاتبة شجرة اليوكالبتوس هي اﻷخرى كما عاتب النهر، لعدم إحتفاظها بما كانت قد خطَّت يداه قبل بضعة عقود، الاّ انه أعدل عن ذلك في اللحظة الأخيرة. وقبل مغادرته للشجرة اياها لجأ الى مشاغلة نفسه لبعض الوقت، إنتظارا لما ستقوم به تلك اﻷفواج اﻷليفة من الطيور، والتي ظلت مخبأة طوال الليل بين تلافيف وغرّات الأشجار الملاصقة للنهر، فالموعد قد أزف، وهي الأخرى عازمة على مغادرة أعشاشها والإنطلاق نحو  يوم عمل جديد، فالفجر أوشك على البزوغ وبانت بعض من خطوط وخيوط الشمس بألوانها الزاهية، وبعض أيضاً من زقزقات العصافير وصدحاتها، حيث بدأت تُسمع من هنا وهناك وتُسمع أيضا رفرفة أجنحتها.
 الإصغاء والتمتع بتغريدات الطيور صباح كل يوم، ليس بالفعل الطارىء في يوميات حياة حميد الخياط بل هو طقس ثابت، درج الحفاظ عليه مذ كان صغيرا، وليستمر ويتواصل معه حتى في كبره وكلما توفرت له الفرصة. فلا يدانيه شك، بأن أجمل الصباحات طرا، هي تلك التي يكون أطرافها النهر والطير وشجرة اليوكالبتوس، كيف لا، فهي كما يقول خلاصة مدينته الوديعة التي أحبها ولا يزال، والتي يأبى مغادرتها.   
 قبل أن يعود الى مأواه، تلفَّتَ يميناً ويساراً، وبعد أن تأكد من خلو المكان من المارة،صرخ بملأ فمه: يا شجرة القلمطوز، هل تسمعين؟ ألا زلت تنتظرين؟ لقد رحلوا، كلهم رحلوا لكنهم سيعودون ذات يوم، حتماً سيعودون، فإصبري وصابري، فالأرض والنهر والذاكرة أمانة ووديعة عشاقها الحالمين.
 لقد شطحتُ كثيراً، كان عليَّ أن لا أفقدَ توازني. هذا ما قاله حميد بعد أن أفاق من نومه. وقال أيضا: لقد أقسمتُ قبل يومين أن لا شأن لي وليالي الخمر إذا ما ترافقت وأوجاع الماضي، فالهمُّ والمدامُ لا يجتمعان. ثم عاد الى فراشه ثانية بعد أن شرب قدحا باردا من الماء، مقررا أن لا يذهب الى العمل الاّ بعد أن يستعيد كامل صحته وعافيته. وما ان حطَّ رأسه على الوسادة حتى غطَّ في نوم عميق. هل حلم حميد الخياط بأسراب من الطيور الملونة وهي تحوم فوق رأسه؟ ربما أو قُلْ هذا ما نتمناه له ففي ذلك فأل حسن.
(جزء مقتطع من رواية ستجد حتما طريقها للنشر وآمل أن تكون في وقت قريب).   

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو 


35
إبراهيم الخياط وأستباق الرحيل

(في هذا المقال سأذهب الى ما هو أبعد مما كتبه الشاعر ابراهيم الخياط، وبإفتراضات ومديات أحسبها لا تخرج كثيرا عمّا كان يجول بخاطره).
 1ــ قُبيل الخطوة اﻷولى
تغفو على اكتاف نهرين حانيين. حين يدخلها زائرها ومن أية جهة يشاء، سيفاجئ ومن  مسافات بعيدة لا تدركها العين برائحة الإقحوان والنعنع البري. ستتدلى من بين سياجات منازلها قناديل من البرتقال الندي ومن ثمرات أُخَرْ حباها الله بالحب وبما هو أطيب. ستدفعك الرغبة بقطف إحدى الثمرات الناضجات، غير ان من يشاركك المشي سيقول لك تمهَّل فَكَرمُ المدينة أسخى مما تظن والخير قادم، فما بيننا والمبتغى بضع دقائق.ستأتيك من بين  فيء كرمات أعنابها صوت إرتطام أقداح الشاي ببعضها البعض، مشفوعة بنسيم عليل وأحاديث يصعب تمييزها، حينها ستتذكر إنْ نسيت انكَ في إحدى ساعات النهار، انها ساعة العصر أو بعدها بقليل. أمّا مساءات تلك المدينة فكم هي مباركة، جميلة، وكم ستبدو أبهى لو صادف زائرها تلك الباقة من العاشقين والعاشقات وهم يتجولون شوارعها بخفة وزهو.
من بين أحد الأزقة الواقعة قبالة أقدم قنطرة عرفتها مدينته، سيخرج حسين مردان ذات مساء وهو في عجالة من أمره، حاملا بيده اليسرى مسودة ديوان شعره اﻷول (قصائد عارية)، مُطبقهُ بقوة على جهة القلب، لَمَ لا وهو ابنه البكر. وفي اليمنى حقيبة سفر صغيرة كاد أن يتخلى عنها لولا إلحاح شقيقته الصغرى. عندما سُئِلَ الشاعر عن وجهته ردَّ قائلا: الى عاصمة النور واﻷلق وحوار الندامى ومقابر المتصوفة، فالمساحات  هناك أوسع لممارسة طقوس التمرد، وهناك أيضا سيكون الباب مفتوحا للبوح ولقول ما لا يمكن قوله. أباه لم يستوعب وعلى نحو كاف ما جاء على لسان ولده، فتركه يختار وجهته، ظناً منه بأن غيابه سوف لن يطول أكثر من يومين أو ثلاثة ليعود بعدها نادما، غير ان اﻷمر لم يأتِ كما شاء أباه، فمنذ ذاك التأريخ ما عاد ابن مردان الى مدينته الاّ بعد أن فقدَ جواز سفره وكل متعلقاته في اسطنبول، وذلك أثناء إحدى جولات تسكعه المحببة اليه، طالبا من مختار محلته القديمة وبشهادة إثنين من العدول إستخراج هوية أحوال مدنية جديدة، فكان له ما أراد.
هنا راح متسائلا أحد سكان محلته القديمة ممن لم يسبق له أن التقاه: مَنْ يكون هذا الذي تسمونه إبن مردان؟ في لحظة كهذه ما كان لعارفيه الاّ القول: هو الغائب العائد الى مدينته التي عاش فيها ردحا هانئا من الزمن، وهو القائل في قصيدته المسماة زرع الموت:
إبليس والكأس والماخور أصحابي
نذرت للشبق المحموم أعصابي
من كلِّ ريانة الثديين ضامرة
تجيد فهم الهوى بالظفر والناب
وقع السياط على أردافها نغم
يفجر الهول من أعراقها السود
تكاد ترتجف الجدران صارخة
إذا تعرت أهذا الجسم للدود
كم هي ماجنة هذه القصيدة علَّق ذلك الـ(أحدهم)، لكن لم يلتفت اليه أحد.صفحة كهذه والتي قرأها في كتاب شعراء مدينته، لم يركنها جانبا أو يطويها ابراهيم الخياط على عجل حين اختار من الشعر ناصية ومبتغى له، بل ظلَّ حافظها في ذاكرته، راجعا اليها كلما إستفزه ملكوت الشعر والرغبة بقراءة حلو الكلام وإستحضار نشوة النص وما سيتبعه من تسامٍ، في ذات الوقت سيجد نفسه أمام إمتحان عسير: كيف لي أن أحاكي شاعرية كالتي أنف ذكرها؟
 ما فات كان الدرس اﻷول الذي سيتوقف صاحبنا عنده طويلا وما سيستخلصه أيضا من فائدة وجدوى. أمّا الثاني فكان مع الشاعر البعقوبي اﻵخر هادي الربيعي الذي إتخذ في سنواته اﻷخيرة من مدينة كربلاء بجوها الروحاني مستقرا جديدا له، بعدما ضاقت به اﻷرض بما رحبت. فعنه يقول ابراهيم الخياط: لَكَمْ حلمتُ التعرف عليه ﻷقرأ بحضرته ما خطَّته يديَّ شعرا، طبعا هنا يتحدث ابراهيم عن بدايات مشواره الأدبي، والسؤال سيأتيك: هل تحققت أمنيته تلك؟ لست متأكدا من ذلك حتى اللحظة. لكن وهنا ستقع المفاجئة، فما هي الاّ بضع سنين وربما بلغت العشرة وإذا بهما يلتقيان في إحدى اﻷماسي الثقافية. لقاءهما كان عاصفا، فاق حدود الخيال والتصور، بل بلغ ما هو أبعد، وكان لهما أن يستحوذا على أجواءها (اﻷمسية) بتألق مريح.
إبتدأ إبراهيم بقراءة ما يحلو له وبحضرة أحد شعرائه المفضلين، محققا بذلك أمنيته ورغبته التي طال إنتظارها. ثم تلى ذلك أن وقف الربيعي هادي ليشدو على مسامع الحاضرين ما طاب له ولهم من الشعر، انها قصيدة: يوما ما
                        يوما ما
                     سأنام عميقا
                 وسأحلم اني كنت .. أنا
                أطلق صرخاتي كيف أشاء
               وسأعدو فوق حدود اﻷرض
                      منتشيا بسعادة قلبي
              وأنا أرفع فوق حواجزها الشوكية
                         رايتي البيضاء
                             يوما ما
                          سأنام عميقا
                            وتنام معي
                         هذياناتي الحمقاء
 القِدرْ لا يستوي ولا يثبت على إثنين كما تقول العرب، فلا بد والحال كذلك من حجر آخر يستعين به ابراهيم الخياط. هنا وفي لحظة كهذه سيبرز دور الشاعر الشهيد خليل المعاضيدي ليكون كما ثالثة اﻷثافي الذي سيرتكز عليه ويستعين به لمواصلة مسيرته ودونه إختلال التوازن. لذا راح ابراهيم متلمسا ذات الدرب الذي سار عليه الشاعر الراحل، حتى بات عنده من الرصيد ما يمكن عدَّهُ خزينا ومنهلا سيعود اليه عند إقتضاء الحال، فأينما حلَّ أو حاول صياغة بيت من الشعر، الاّ وكانت قصائد المعاضيدي حاضرة في مخيلته. وإذا شئنا التذكير بإحداها فستبرز وبقوة تلك القصيدة المسماة كان موسما للكآبة، ولا بأس في مناسبة كهذه من التوقف على أحد مقاطعها:
هنا موسم للكآبة والوحل
باركه الفقر في ألفة الدمع،
يعتاده الفقراء المباعون في صعقة الشاي،
علَّ النساء النحيفات يُفصحنَ عن هاجس،
ها هنا موعد للنواح الجنوبي،
ما بين عينيك سيدتي فارس أعزب
وصديق أباح اشتباك الهواجس،
في شهقة العشب مبتهجا
يستضيف التقوّل عند إشتداد
الفطور المرابط
2ــ جمهورية البرتقال
 المهمة ليست سهلة إذن يا إبراهيم، فها انك قد أمسيت أمام إشتراطات سنّها كتاب الشعر وسدنته والحافظون على عهده. وقصيدة الشعر الحر كما تعرف ليست بتلك الخفة والطوع، فهي أيضا محكومة بالتفعيلة والقافية واﻷهم من ذلك بجمال صورتها وكيف ستُحَلِّقْ معها، ولنتذكر سوية تلك الأسس والقواعد التي أرساها وتربَّعَ على عرشها حسين مردان ومَنْ هو بقامته ومَنْ أتى من بعده .
جمهورية البرتقال، هذا هو إسم ديوانه اﻷول ولم يَرِدْ أن يكون اﻷخير، غير أنَّ للأقدار كلمتها وأحكامها. أودعه وأهداه الى بعض من أصدقاءه قبيل رحيله بسنوات قليلة، كانت الغربة الإضطرارية قد غيبتهم لعقود عدة. ربما وجد ابراهيم في تلك النخبة مَنْ كان يعدَّهم أكثر وفاءاً ومقدرة على المسك بالعهد، أوفياء له. وربما أيضاً ضاقت به دائرة علاقاته في وطنه المحتل، فراح يستذكر ما فات من الصداقات، فتجده وبنحت لغوي رائع، صارخاً:
                    أخالل مَنْ؟
              في طاقة للأبابيل المحنطة
             ما جاءها الكناري المستهام
                ولا السنونوة الرغيبة
          ولا جاء الحمام الذي ـ كمثلي ـ أنَّ
انه سؤال كبير حقاً وينم عن وجع وحسرة ظلاّ برفقته حتى آخر لحظات حياته، فاﻷحبة كلهم ذهبوا وتشتت الجمع، وأقْفِرَتْ الدار بعد أن غادرتها طيور الحبارى. وهديل الحمام البري ما عادَ يُسمع عند نافذة البيت، كذلك زقزقة العصافير التي عادة ما تذكره بأخذ قسط من الراحة بعد منتصف الظهيرة، كانت قد اختفت هي اﻷخرى، حتى البساتين ما عادت ملجأ للطيور ولا ملجأ للغناء ولا ملاذا للتخفي حين تضيق الطرق.
ربما يمكن للشاعر أن يستوعب ما فات من ألمٍ وينام عليه على مضض، الاّ ان هناك جرحا ظلَّ ينزف ما دام حيّا، انها أنثاه. هي ليست كما النساء اﻷخريات، انها جمهورية البرتقال ، هكذا أسماها وأشتق منها إسم ديوانه وفيها يتحدث عن نفسه وعن تجربته في العشق:
                 إنتكس القلب مرة
               وإنتكس النهر مرات
           فلم يبقَ لقلبي سوى ظل أنثى
في هذا المقطع تحديدا ربما يكون ابراهيم بل أكاد أجزم قد إستحضر زوجته التي رحلت غدرا. ثم يعود ليكمل فكرته أو ما أراد إيصاله وفي ذات القصيدة، ليستذكر نهر مدينته، عاقدا بينه (النهر) وزوجته نوعا من الصلة المحببة، فكلاهما اﻷقرب اليه وكلاهما كان قد فقدهما وإن  بإختلاف الطرق. ثم سيتبعها بشطر آخر، سيعزز من رفضه واحتجاجه على مَنْ بقي بعد رحيل اﻷحبة:
         ولم يبق لنهرنا الشقي
     سوى حثالة اﻷهل المتسربين
 وعلى ذات السياق وﻷنه لم يُشبع بعد رغبته في التخلص من تلك اﻷوجاع، فستجده في قصيدته المسماة مَدمي الشباب، وقد أوغل في وصف عذابته، مستعرضا تلك اﻷماكن الموحشة التي صادرت حلمه وصادرت صداقاته، وفي بعضها وجد فيها مهربا وخلاصا وملاذا:
     في زوايا المخافر والمدافن والحانات
             وعند إنقلاب الحرائق
                  أحاور الجثث
 لكن ورغم عتمة الصورة وإنعدام الرؤية، فسيظل هناك بصيص أمل وكوة من النور:
          أخبئ القمر المستور في لفافة الرمل
         ألتصق بالمذياع إلتصاق الجمرة بالجمرة
في السطر اﻷخير اﻵنف، فإبراهيم لا زال منتظرا بزوغ الفجر وساعة الخلاص وإذاعة بيان الحب والذي سيحمل رقم واحد في قاموس العاشقين. وعند ذاك سيعود للغناء من جديد، ويعود الى لقاء مَنْ افتقدهم، وسيتحول مقام المدمي الحزين الى اغنية للفرح والسعادة.
3ــ الرحلة اﻷخيرة
الطيور الراقصة، المحلقة عاليا في السماوات السبعة لا ينبغي صيدها فهي الوديعة والصديقة والحانية، وأكاد أجزم بأني كنت من الداعين الى التآلف معها، بل كلانا كان على موعد مع ذلك السرب لنحلق معا، حتى سألتني في ذلك اليوم يا إبراهيم: ما رأيك لو نحط كما الطير على إحدى قناطر المدينة، فقلتُ لك لا بأس فالندامى لا زالوا هناك ينتظرون وحانة الخمر ليست بالبعيدة، غير انك ترددت في اللحظة اﻷخيرة وأظنك كنت على صواب، فعسس الليل هم ذات العسس، والبطش واحد والقسوة واحدة، ولم يتغير شيئا رغم تبدل الحكم ومجيئ سلطة جديدة، فها هم منتشرون بين درابين المدينة وأزقتها، يبحثون عمَّن أربكهم وأقضى على مضاجعهم، لذا أرجأنا سفرة الروح ومتعتها الى مساءات أخر، وما كان منا الاّ أن نفترق ويمضي كل منا الى غايته، منتظرين لحظة إصطفاء القلوب وهدأة النفوس واﻷهم خلو الشوارع من أعدائها.
لكنك وفي غفلة لم أكن أتوقعها، قررتَ تغيير مسارك فبديت كما الذي أدرك ساعة رحيله رغم  عدم اكتمال شروطها، انه حدسك المبكر. ليلتها ورغم إضطراب الوضع اﻷمني رحت مودعا مدينتك التي أحببتها وأبيت مغادرتها. طرقتَ بيت فلان، لم يرد عليك أحدا، أعدتَ الطرق ثانية وثالثة، حتى قيل لك وبعد إلحاح: لقد سافر ولدنا الى جهة لا يعلم بها حتى الله، ثم أعطيته العذرا فالحال ليس بالمطمئن، وسيفلح مَنْ يشد رحاله قبل طلوع الفجر ويحسن قراءة طالعه، كذلك له القدرة على إكتشاف النوايا الخبيئة والخبيثة. هذا ما علمتنا إياه أنظمة القمع والتسلط، ولعله كان درسا هاما في كيفية مقارعته والوقوف بوجهه.
بعد برهة قصيرة من التفكير توقف ابراهيم فجأة ليعيد النظر فيما سمعه، إذ لم يعجبه ردّا كهذا، فكان على صديقه الاّ يغادر، ثم راح متسائلا في سره: كيف تم ذلك وأنا على مقربة منه، بل اﻷقرب اليه من شريان قلبه؟  إعتصره اﻷلم ليبدو حينها كما الماسك على جرح سينزف بعد قليل. عَبر زقاقين حتى بلغَ بيته. عَلَّقَ رقبته وناظريه بثبات ملفت نحو هدف بعينه، انه مَرْبَعْ طفولته، سيترك هناك أخوة لم يصلوا بعد عمر اليفاعة. تسائل في سره: كيف لي تركهم وحيدين هنا وفي مدينة تضربها الوحشة والغربة.
 في لحظات كهذه وبينما كانت إحدى الحافلات تمرق من أمامه، إستعجلها التوقف ليستقلها صوب مكان لا يعرف كنه لكنه يعرف اين تقع  تلك البلاد التي يسمونها نينوى، وأين يسكن آشور بانيبال، ملك الجهات اﻷربعة، حيث المجد والكبرياء والشموخ الذي تباهى به وتباهينا به من بعده. لم يبلغ ابراهيم هدفه ولم يدخل مكتبة آشور العامرة والنابضة بالتأريخ والحضارة العريقة، فقد سقطت الحافلة كما جاء في اﻷخبار في واد سحيق، أو ربما إرتطمت بأخرى بعد أن أغشى الليل سائقها. لا يهم كل ذلك ففي الحالتين انتهت رحلة إبراهيم وحياته، وانتهت معها مسيرته الشعرية ومن قبل أن يُكمل مشوارهما.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو



36

صبا المهداوي وأشقيائية زمان

 الشقي وعلى ما جاء في معجم اللغة العربية وفي أحد معانيه، فهو الشخص الخارج عن قانون الدولة والهارب في ذات الوقت من وجه العدالة، هذا بإختصار تعريف مركز ومكثف له. غير انه ومع غياب العدالة التي تزعم الدولة المشي على خطاها والإلتزام بها، وﻷن أجهزتها القمعية على وجه الخصوص طليقة اليد وتستخدمه متى شاءت، لذا وجدت فئة من الناس نفسها مضطرة على إتباع سياسة أخرى قد تقع في خانة (التمرد) الاّ انها تنسجم مع ما تعتقد به وما تفكر. لذا وجدت نفسها وفي بعض من المفاصل والمستويات والحالات، آخذة زمام أمرها بيدها، لتدافع عمَّا تظنه مضطهدا أو ضعيفا أو غير قادر على أن يقف بمواجهة الحيف الذي ما انفك يلاحقها. وعلى أساس من ذلك، راحت هذه المجموعة والذي أصطلح على تسميتهم  بالشقاوات وبرضا وقبول وأحيانا تواطئا من سكانها، تفرض أعرافها و(قوانينها) ضمن الحدود الجغرافية التي تقع تحت سيطرتها، كالمحلة أو الحي أو المدينة إن كانت صغيرة. وإذا أن أردنا سرد بعض من هذه اﻷسما،ء فسيبرز وبقوة اسم خليل أبو الهوب وكيف كان يحمي أبناء محلته في منطقة الفضل وما جاورها.
واﻷشقياء ليس كلهم أصحاب نخوة كما قد يعتقد البعض، فهناك قسم منهم مَنْ ارتضى لنفسه لأن يكون أجيرا، مسخّرا قدراته وامكانياته و(استهاتاراته) إن صحَّ القول، للقيام ببعض اﻷعمال التي تتعارض وتتقاطع مع الكثير من اﻷعراف الإجتماعية، وذلك لقاء حفنة من المال، حتى  تحول هذا القسم من اﻷشقيائية الى فئة منبوذة، مرفوضة من المجتمع. وهناك أيضا ومن بين هؤلاء مَنْ وظفتهم الحكومات وأجهزتها اﻷمنية لتكون أداة طيعة ورهن اشارتها ومنفذة لتوجيهاتها وما وضعته من أهداف ومتى شاءت، حتى وصل اﻷمر الى قيامها بعدد من الإغتيالات، فضلا عن إتباع مختلف الطرق واﻷساليب إتجاه معارضيها وبما ينسجم وسياسة الدولة والحزب الحاكم، واﻷمثلة على ذلك كثيرة  فمنهم على سبيل الذكر جبار كردي وأخيه ستار وآخرين كُثرُ، ولسنا هنا بصدد التوسع في هذا الصنف من اﻷشقيائية.
بعد هذه المقدمة فما يهمنا هنا وما نهدف اليه في هذا المقال هو التحدث عن القسم اﻵخر من الأشقيائية ، والذي درجنا على تسمية الواحد منهم بألــ (أخو خيته) والذي ستجدع واقفا بجانب أخوته، مظهرا معدن الرجولة الحقيقي، فهو المدافع عنهم وعن شرف وأعراض بنات حيّه. ومن بين ما تضمه هذه الفئة مَنْ انحاز وبالمطلق الى صف القوى الوطنية وشاركها في الكثير من المناسبات، ولعلنا قرأنا  أو قيل لنا كيف كانوا يتصدرون الصفوف اﻷمامية واﻷولى من المظاهرات،داعيين الى تحقيق مطالب الشعب المشروعة، عدا عن سائر الفعاليات واﻷنشطة الوطنية اﻷخرى. وإذا كان لنا من ذكر لتلك اﻷسماء فسيبرز في مقدمتهم الشخصية اﻷسطورية إبن عبدكه، فضلا عن أسماء أخرى لا تقل حضورا، والتي ما فتئت اﻷجيال اللاحقة تتناقلها وتتحدث عنها بل وتتغنى بها.
قد يسأل سائل وخاصة من أبناء هذا الجيل ونحن  في خضم إنتفاضة شعبية عارمة، يخوضها ويقودها ببسالة نادرةشباب العراق وفتيته، عَمَّنْ يكون إبن عبدكه؟ انه وبإختصار ابراهيم حسن ابن عبدكه، وُلِدَ في إحدى قرى ديالى والمسماة ذيابة أواخر القرن التاسع عشر. ويُعد أحد أبطال ثورة العشرين وقادتها في تلك المناطق. ومن بين مآثره  التي خلَّدها التأريخ هو تحريره لمدينة بعقوبة من رجس الإحتلال. وكي لا نغمط حق اﻵخرين من أخوة ابن عبدكه ومَنْ يشبهه، فقد أنجبت المدن العراقية من أقصاها الى أقصاها مَن لا يقل حضورا وشجاعة عنه.
 وﻷن الإنتفاضة العراقية الحالية تتعرض الى حملة تشويه وتضييق وتصفية منظمة وبإتباع أكثر اﻷساليب قذارة ورخصا، والمتملثة بعمليات الخطف الممنهجة، والتي تقودها وتنفذها جهات مشبوهة، معروفة، مدعومة من الخارج، تحاول أجهزة السلطة  وعلى رأسها وسائل إعلامها، التستر والتعتيم عليها وتحت تخريجات مختلفة، غير انها باتت مكشوفة للقاصي والداني ولم تعد تنطلي على أحد والناس يتداولونها على نحو واسع. ومن بين عمليات الخطف الدنيئة تلك ما طال بعض البنات المشاركات في دعم مطالب شعبهم وآخرها ما تعرضت له الناشطة ماري محمد ومن قبلها صبا المهداوي، ولم يكنَّ بعد قد شبعن من حليب امهاتهن، وغيرهن كثيرات قد تعرضن لذات الجريمة الاّ ان بعض الإعتبارت الإجتماعية حالت دون الإبلاغ عن ذلك، علما ان عمليات الخطف هذه قد تمت بمجملها تحت جنح الظلام، ليثبت الخاطفون مرة أخرى مدى جُبنهم.
 وإذا ما عدنا بالتأريخ الى الوراء واستذكرنا تلك الحادثة، يوم نجح رجال الثورة العراقية، وقبل قرابة القرن من الزمان وبقيادة ابن عبدكه في خطف القطار الصاعد نحو شمال الوطن وأسر مَنْ فيه، وكان من بينهم المسز  بيل وما أدراك مَنْ هي  هذه السيدة، فهي العالمة باﻵثار والمستكشفة والمستشارة للمندوب السامي البريطاني، ولها الدور الكبير في تأسيس المتحف العراقي وما يشبهه من مشاريع، وهي مَنْ سمّاها العراقييون بخاتون بغداد، و أخيرا شاءت ذلك أم أبت وبحكم وظيفتها، فقد كانت واقفة ضد تطلع العراقيين في تحرير بلدهم وتحقيق الإستقلال الكامل.
 وعن حالة اﻷسر هذه فقد وجد أبن عبدكه صعوبة بالغة في كيفية التعامل والتعاطي معها، لا سيما وهو المدافع عن العرض والشرف وصاحب الغيرة والشهامة، وفي ذات الوقت فإنَّ السيدة بيل تُعَدْ بالنسبة للثورة العراقية صيدا ثمينا، سيمكّن خاطفيها لو أحسنوا التفاوض مع الطرف اﻵخر من تحقيق الكثير من المكاسب، والتي ستأتي بالنتيجة لصالح  ثورتهم،  غير انه وقف أمام سؤال كبير ومحيّر: كيف له أن يقدم على أسر سيدة عزلاء، لا تحمل سلاحا ولم تدخل معه في أية مجابهة، ولم تنبئ حالتها بما يشي بعدوانيتها. أخيرا وبعد أن دار بين الطرفين نقاشا وحوارا طويلين، يمكن وصفه بالودي، فقد أفضت نتيجته الى أن يتخذ ابن عبدكه قرارا يقضي بإطلاق سراح المسز بيل، ومن دون أي قيد أو شرط، ولتحفظ هذه السيدة في ذاكرتها تلك الوقفة الرجولية التي صدرت منه، ولتظهر نتائجها في ما بعد عندما أصدرت إحدى المحاكم المختصة قرارا بإعدامه، وبتهمة قتله العمد  ﻷحد اﻷشخاص، ليُخفف عنه قرار الحكم ويستبدل الى السجن  ولمدة خمسة عشر عاما، وذلك بتأثير وتدخل مباشر من قبل السيدة بيل.
وتذكيرا لعصابة الخطف المنتشرة في بغداد ومن وقفات ابن عبدكه وشهامته، وبعد أن أقدم رجال ثورة العشرين في المناطق التي تخضع لسيطرته على قتل أحد الضباط البريطانيين والذي كان مشرفا على مدينة شهربان(المقدادية)، إضطرت زوجة هذا  الضابط واسمها زنتون على الهرب والإختفاء في بستان تقع خلف القشلة. وبعد عملية البحث استطاع ابن عبدكه العثور عليها وتسليمها الى الشيخ مجيد، محملا إياه مسؤولية الحفاظ عليها وحمايتها من أي إعتداء، خاصة وانها كانت مهددة بالإغتصاب من قبل البعض.
وعن الشهامة أيضا ووقفة الرجال، وفي حادثة أخرى يتداولها العراقييون على نحو واسع، قيل ان إحدى عصابات السطو نجحت في التسلل الى أحد البيوت البغدادية ظناَ منها وبعد رصدهم  لها أن لا أحد هناك. وبعد أن قامت بسرقة ما غلى ثمنه وخف وزنه وقبيل مغادرتهم، إنتاب هذه العصابة إحساسا بالجوع فدخلت مطبخ البيت لتأكل ما توفر وما تسد به رمقها. في هذه اﻷثناء دبَّت حركة في إحدى الغرف غير انهم لم يبالوا للأمر، معتقدين بأن مصدره من خارج البيت، ثم تلا ذلك أن وصل مسامعهم صوت امرأة وبشكل واضح وهي تقول لإبنها: قُمْ يا ولدي وساعد (خوالك). في هذه اﻷثناء ما كان عليهم الاّ أن يتركوا أرضا ما كانوا قد سرقوه، فكلمة (خوالك) قد هزَّت مشاعرهم وأصابتهم في مقتل وجعلتهم يندمون على فعلتهم، ففيها من الدلالة ما يشير الى انها قد (خاوتهم) أي أصبحت أختا لهم، فكيف لهم أن يسرقوها.
لو سألت أهلنا في جنوب الوطن عما استخدمته هذه المرأة في تعاملها مع اللصوص من لغة لقالوا انها الحسجة، والحسجة يقابلها في اللغة العربية الفصحى ما يسمى بعلم البلاغة. واستطاع هذا النوع من اﻷدب من تحقيق أغراضه وعلى مستويات مختلفة وبشكل خاص على مستوى الشعر العامي، فقد رسم من الصور ما ضاهى الفصحى بل حتى فاقها في بعض منه. ففي الحسجة هناك الطباق والجناس وحسن التعليل والتورية. وللخاطفين نقول: هل تحتاجون الى تورية لنختبأ خلفها ونقول لكم وبشكل غير مباشر اطلقوا سراح البنات المخطوفات. أم لديكم من الشجاعة ما يكفي لإطلاق سراحهن والإعتذار لهن دون قيد أو شرط وكما فعل إبن عبدكه ولتكونوا رجال الرجال.
وقبل أن نغادر الموضوع، فأهلنا يقولون، وهذا المثال يدخل أيضا في باب الحسجة: المرأة اوداعة الطيب، أي أن المرأة وديعة الخير من الناس والقادر على صونها وحمايتها.
أخيرا سأذكّركم بما قاله الإمام علي وعلى لسان البحاثة الفرنسي (كاراديفو): علي فارسا غالبا، ولكنه فارس صوفي، أي أنَّ فروسيته نهلت من معين المعارف الإلهية حتى الإرتواء.. فهو لا يرفع سيفه النبيل، ويهوى به الاّ ليقتل شيطانا..... ليعز كلمة الله ويجعل الناس يعيشون تحت ظلالها جنات الإخاء..والمحبة، وسلامة الصدور من اﻷحقاد والبغضاء والمفاسد. فسيروا على خطى الإمام علي سيد المتقين وكونوا فرسانا.

حاتم جعفر
مالمو ــ السويد



37


الحصان اﻷصيل لا ينحني
(ردا على كلمة عادل عبدالمهدي)

 يحكى أنَّ هناك رجلا تجاوز العقد الخامس من العمر، يتخذ من  الدواب وعلى مختلف أنواعها تجارة له. وﻷنه يحسن التعامل فقد وصلت سمعته بقاعاً بعيدة عن قريته، فبدأ الناس يتقاطرون عليه من كل حدب وصوب. في يوم ما وصله نذير بضرورة السفر الى سمرقد لعقد صفقة قد تكون اﻷكبر في سجل عمله، فما كان عليه الاّ أن يحزم أمتعته ويمتطي راحلته ومع بزوغ أولى ساعات الفجر، ليلتحق بإحدى القوافل المتجهة الى هناك، فالطرق الغريبة حافلة بالمصاعب والسير جماعة لهو حلٌ ينجي صاحبه من منغصات وعثرات السفر.
وﻷن ما يمتلكه من المزارع والحضائر ما لا قدرة ﻷهل بيته على إدارتها ومتابعتها، فقد أوصى عامله والذي لا زال حديث عهد بالمهنة بأن يرعى حلاله وماله، فكان له ما أراد، لا سيما وان الرحلة قد تطول لبضعة أشهر. في يوم قائض جائه أحدهم، سائلا عن فرس أصيل فاحتار العامل له جوابا، فلم يكن سيده قد علَّمه بعد بعض مفاتيح المهنة مما إضطره للإعتذار، غير انه في اليوم الثاني وبما انه مؤتمن على ما أودع ووُضعَ تحت تصرفه، فقد قرر البحث عما يساعده في فرز ومعرفة  الخيول اﻷصيلة من الهجينة.
وعملا بنصيحة أحدهم وبعد غروب الشمس، تجده متجها نحو إحدى القرى، باحثا عمَّن له دراية بأمر كهذا الاّ انه لم يعثر على ضالته فعاد بخفي حنين. في الأسبوع الذي تلاه قيل له أن خلفَ إحدى الروابي التي تبعد من هنا مشي ليلة واحدة بإتجاه الشرق، ستجد ما يعينك على أمرك، فشدَّ الرجل رحاله ليصل فجرا وكان وقع المفاجئة صادما،  فنصف دواب تلك القرية وجدها نافقة، فقال في سرّه: لا أظنني سأصل مبتغاي. فما كان منه الاّ أن يعود أدراجه ومن غير أن ينزل من دابته أو يسرجها، كعادة القادمين من مسافات نائية.
بينما هو جالس في بيته لمع في ذاكرته حديثا كان قد سمعه من أبيه يوم كان صغيراً: يقولون ان هناك شيخاً، يسكن في مكان ليس ببعيد عنّا، لديه من الخبرة ما تعينه على تمييز الفرس اﻷصيل من الهجين. فما كان من الرجل الاّ التوجه صوب المكان الذي عرِفَ أين يقع. في الطريق وإذا بالشمس والمطر يجتمعان. إنه فأل حسن، قال هامساً.
قُلْ وصل غايته وأسرج دابته، وإذا بمضافة واسعة اﻷبعاد، أنيقة المظهر، تعجٌ من حولها بمجاميع متنوعة من الخيول، تتراقص على إيقاع ضربات سنابكها، رشيقة في حركاتها، مغرورة بغررها، يتطاير شعرها يمينا وشمالا وبألوان زاهية، مُبهرة. أشار أحدهم عليه من بعيد مرحباً. دخل المضافة، سأل عن الشيخ العجوز، قيل له قد توفى قبل سنين، الا انه وضع أسراره الى ولده اﻷكبر وها أنت في ضيافته، شَرِبَ القهوة بعد أن طمأنه مضيفه بتلبية رغبته، ثم تلاها بفنجان ثانٍ. تبادلا اﻷحاديث حتى وصلا الى ما يبتغيه الضيف من طلب، فردَّ عليه مضيفه بأن ما جئت من أجله لهو سهل المنال، فما عليك الاّ إتباع قاعدة واحدة فحسب، وراح مصغيا حتى حفظها عن ظهر قلب.
عاد الرجل المؤتمن على مال سيده الى قريته. بدأ بتنفيذ ما اقترحه إبن الشيخ العجوز من وصايا لمعرفة خيوله اﻷصيلة من الهجينة، فلبضعة أيام حرمَ خيوله من اﻷكل والشرب حتى ظهرت عليها علامات الوهن. بعد أن إطمأن على تحقيق الخطوة اﻷولى وأتت أكلها إنتقل الى الخطوة الثانية واﻷخيرة، حيث قام بجمع الخيول وسوقها الى إسطبلاتها، بعد أن هيأ لها أشهى الأكلات وأطيبها، وراح يتطلع من بعيد الى خيوله، وإذا بقسم منها أبت التقرب من تلك الموائد، بل حتى راحت تدير برقبتها وكل جسدها بعيدا، في دلالة على ما تحمله من عزة نفس،كذلك جاء تصرفها بمثابة ردة فعل على تصرف عامل الخيل إتجاها حين جوَّعها عن عمدٍ. عند هذه اللحظة أستطاع الرجل تمييز الخيول اﻷصيلة من الهجينة.
فيا سيد عادل عبدالمهدي، عليك أن تعرف بل أظنك تعرف بأن شبابنا المنتفضين في ساحات العراق كلها خيول أصيلة وفيها من الكرامة ما يرفع أجبننا عاليا، وسوف لن تنفع معها كل ما تحاولون تقديمه من مغريات ورشى، من أجل ثني إراداتهم ووقفتهم الباسلة، بل هم على العهد باقون، صامدون، ثابتون والشعب كل الشعب من ورائهم.
هل وصلت الرسالة؟

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو




38


(كان هناك) بين العرض والتأويل.

 نقول عنه، هو سليل المسرح العراقي يوم كان زاهيا، وسليل مدينة مباركة بأهلها، يجمعهما جسر من التناغم والتكامل، ومنهما إستمد خطوته اﻷولى ليضعها على طريق من الثبات والثقة. من هناك ستبدأ رحلة سالم، وسالم هذا سيمثل  الشخصية الرئيسية والمحورية في رواية الصديق محي الإشيقر (كان هناك)، الصادرة منذ ما ينيف على العشرين عاما، ومن مغتربه، بلاد الشمال البعيدة، يوم حُمل كغيره من ضحايا العالم الثالث على راحة من الطمأنينة، بعدما وُصدت أبواب ذي القربى ولم يكن لنا وله وقتذاك غير بلاد الثلج والنفوس الطيبة، فيا لجمالها وجمال أهليها. كان قد كتب سرده اﻵنف بين مدينتين، تقاسمتها مالمو السويدية، مكان إقامته، واﻷخرى كوبنهاغن، حيث اﻷحبة واﻷصدقاء والندامى. ويبقى السؤال شاخصا: هل سيصل سالم قرص الشمس، إذ هي وجهته ومبتغاه؟.
وقبيل الشروع في مشواره، وصل مسامعه وعلى حين غفلةصوتا رخيما، هادئا، متماسكا، ينم عن خبرة ودراية بمتاعب السفر وعثرات الدنيا وما يحيط بهما، انها إحدى الوصايا وأظنها على غاية من اﻷهمية، إذ قيل له وبإيقاع يشبه التعويذة: عليك يا ولدي أن لا تكون وحيدا في ترحالك البعيد والإضطراري، فالطرق ليست كلهاسالكة بالحب. لذا ونزولا عند تلك الوصية ووفاءا لها، قرر سالم أن يأخذ معه إرث مدينته وجرعات من الصبر وأضمومة من صفاء الروح، ليحفظها في إحدى زوايا القلب، دون علم الرقيب، الرابض على حدود الوطن وما يفترضه من نوايا مخبئة.
تحولت أرض السواد سوادا وجفَّ ضرعها، وتمرها الباسق منذ بدأ الخليقة لم يعد يُشبع اﻷبناء، ونهراه لم يلتقيا منذ دهر ولن يلتقيا ما دامت الأرض والسماء ليست لنا. في يوم كهذا من أيام القحط والجدب السياسيين وما أضيف لهما من سبي منظم، طال الحرث والنسل، والذي ما إنفكت الدولة وأجهزتها تسلطه وبفخر على (أبنائها المشاكسين) حسب أعرافها وقوانينها، نقول في ذلك اليوم النحس خرج سالم من زقاقه، حيث وُلِدَ وكبر وحيث سيمضي الى مغتربه، ليقضي هناك أكثر من نصف عمره، تاركا ورائه ليالي العشق وحوارات السياسة الساخنة.
قبل أن يواصل مسراه، توقف طويلا بمواجهة إحدى الحضرتين، تذكَّرَ يوم دخوله أحد المرقدين بصحبة أمه وهو ماسك بذيل عباءتها، عملا بوصيتها حين كان صغيرا. راح يسترجع ما حدث له في ذلك اليوم وبما لم يبح به ﻷحد حتى في كبره. ففي يوم كهذا من أيام الحزن وإستحضار التأريخ، وبينما كانا يؤديان سوية طقوس الزيارة الكبرى، غابت عيناها لبرهة خاطفة بفعل التزاحم والتدافع ومن قبلهما التهدج، ليفلت الصبي من بين يديها. وقبل ان تدخل في فصل من النواح وما يتبعه، وإذا بسالم يظهر وعلامات وجهه تنذر بفرح غامر وبعد أن نجح في إختبار العودة اﻵمنة الى أمّه ليشبكها بقوة، خشية إنفلاته مرة أخرى، حتى سألته: كيف إهتديت ووصلتني؟ لم يحترْ جوابا، فببداهة العارف ردَّ عليها: أترينَ يا أمّي تلك المآذن العالية والمزدانة بماء الذهب والحب؟ فهي وقلبكِ دليلي اليكِ، فما كان منها الاّ أن تحتضنه ثانية حتى إلتصق بشغاف القلب. ومنذ تلك الواقعة و(الولد) راح يجيد لعبة اﻷمكنة والإتجاهات، وستتحول فيما بعد الى ذخيرة لا يستهان بها، ليبان تأثيرها في ما بعد عند التحاقه بالثورة الفلسطينية، فمنذها لم تنقصه النباهة ولا دقة الملاحظة، فهما بوصلته وهما معينه حين تتيه أو تضيق الطرق.
كان للطقس الحسيني حضورا واضحا في أعمال محي الإشيقر، ولهذا العامل أثر فاعل ومهم في رفد الحركة المسرحية في محافظته عموما وفي مركزها بشكل خاص. وإذا كان الفن العراقي قد أنجب وعلى هذا الصعيد من أسماء لامعة، فسيأتيك في مقدمتهم وعلى الفور، تلك الشمعة الخالدة في سماء المسرح العراقي وأحد روادها، الا وهو الفنان القدير وطيب الذكر والثرى، بدري حسون فريد. ثم راحت تلتحق به تباعاشخصيات أخرى لا تقل عطاءا وإبداعا، ولعل جواد اﻷسدي سيكون من أبرزهم.
عن الكاتب وإذا كان لنا من قول، فهو إبن بار ووليد طبيعي لهذه المدينة، حيث جمع بين يديه صناعة الكتابة وفن المسرح وتلك الشعائر والمشاعر الدينية والتي نَمَتْ معه وظلَّت ملازمة، مرافقة له حيث يشاء من اﻷمكنة. غير ان ما يمكن إضافته وما دمنا نستعرض المؤثرات الخارجية على سيرة صاحب الذكر، هو ذلك الميل العروبي المعتدل، الواضح عليه والمتجسد في طبيعة إنتمائه السياسي، يوم حَملَ وصحبه راية الدفاع المشروعة عن شعوب الشرق وهمومها وفي مقدمتها القضية الفلسطنية. ولا أظن انَّ في ذلك من غرابة، فكثير من اﻷسماء الثقيلة التي حملت هذه الراية وعلى مستوى الوطن بل ومنهم من عبرحدود بلاده، هم من أبناء مدينته. وقد يكون مرد ذلك هو إحساسها المبكر بتلك اﻷوجاع التي تعاني منها الشعوب المضطهدة، ولربما للتأثير الديني هنا بعض نصيب، عدا عن إطلاعها وإنفتاحها الواسع على أثنيات وأعراق متعددة، بإعتبارها مركزا دينيا ووجهة سخية العطاء، مع الحفاظ وهنا مربط الفرس وخلاصة القول على هويتها القومية، دون أن يكون ميلها هذا على حساب أو يأتي بالضد من أخوته من المكونات اﻷخرى. 
وعود على بدء، فمن خلال قراءتي لرواية الصديق محي وﻷني قريب منه، سنكتشف انَّ هناك تقاربا شديدا بين شخصية سالم، والذي يُعد المحرك الرئيسي للسرد كما سبق القول، وبين كاتبه. فمن خلال سيرورة العمل سيدفعك الى القول بأنَّ سالم وعلى ما أرى، يمكن عدَه إبنا شرعيا، يقترب كثيرا من صاحب النص إن لم يتطاببق معه والى حد بعيد. فهمّه الروحاني جلي عليه، وراحته ستتجلى أكثر حين يكون على مقترب من أضرحة مدينته المقدسة، وستبقى كذلك حتى يومنا هذا. هي سلواه إذن وستعطيه دفعا ودفقا من الطمأنينة،  ومن غير أن يكون مبالغا في ذلك أو ميالا لطرف أو جهة على حساب أخرى، فكما رأى في مقام محي الدين ابن عربي في شام سوريا، مزارا محببا له، فسيجد راحته أيضا في ضريح السيدة زينب أو أزهر مصر وقيروان تونس أو جامع آيا صوفيا في اسطنبول، فكل هذه اﻷماكن وشبيهاتها، ستفتح له بابا من التأمل وتبعث في نفسه السكينة.
وأن يكون الكاتب قد إستقى عمله من تجربته الشخصية فهذا لعمري شيء حسن، فاﻷعمال الروائية ستتنوع بكل تأكيد مشاربها ومصادرها وبما لا يدع مجالا للشك، وسيكون من بينها وفي مقدمتها تجربة الكاتب الشخصية وما يحيط بها من أجواء وعلاقات وبيئة. وقد تأتي أيضا من طبيعة مشاهداته وإطلاعه على تجارب اﻵخرين، مضيفا عليها نوع قراءاته وما سيستنبط منها، فكلما إتسع مخزونه المعرفي، كلما إنفتحت ورحبت أمامه أساليب التعبير وتعددت وبرشاقة وحيوية أكثر. فضلا عن ملكات الكاتب وموهبته، وكيفية توظيف رصيده لما ينوي خطّه في مدونته وهذا هو اﻷهم.
وكي لا نطيل عليكم فها نحن نستعرض سريعا بعض من أهم محطات رواية محي(كان هناك):
 أسباب السفر عديدة وكُتِبَ عنها الكثير، فقد تكون دوافعها إقتصادية أو سياسية أو لأغراض أخرى متعددة، غير ان الشعب العراقي وأكاد أجزم وبالقياس الى أخوته وجيرانه، فهو اﻷقل حظا واﻷقل حماسا للتغرب، وعن ذلك قرأنا العديد من اﻷعمال اﻷدبية. وﻷنا نخوض فيما كتبه صديقنا فسنتوقف ونقتطع ما كان قد حققه من إختراق لأعماق سالم وتمكنه كذلك من قراءة ما يفكّر به في لحظة كهذه، دون أن يبوح بذلك:
أدرك بقلبه ان هذه النظرة هي اﻷخيرة، وما من فرصة لوداع أي شيئ.
بإختصار هذه الجملة ستنبؤك بعدم رغبته البتة بالسفر.
وﻷنه واثق من أحاسيسه الداخلية والتي تشير الى أنه سوف لن يعود ثانية لمدينته التي أحبها وأحبته بل تنافسا على ذلك، فراح يصفها بجملة رائعة، كثيفة التعبير وغاية في اﻷناقة:
فقد كانت منذ لحظات أشبه بمشكاةسماوية معلقة في أسفل قبة ظلام الكون.
 مع التقدم بقراءة الروايةسيكشف الكاتب وبوضوح، السبب المباشر الذي يقف وراء مغادرة سالم مدينته بل وطنه:
كان سالم ولدا من نار وشقيقا للحدائق.
وفي ما بعد ستأتي جملة أخرى، تبين طبيعة التهمة التي وُجهت اليه والمتمثلة بــ :
هاجم سالم أحد المسؤولين بسكين خاص بتكريب النخل... .
هذا ما ورد في التقرير اﻷمني الذي رفعه أحد المخبرين الى سيده.
بعد أن خرج من الحدود وأطمأن أن لا عودة الى تلك الوجوه اﻷمارة بالحقد والكراهية، أراد سالم أن يستنشق هواءا عذبا،صافيا، طالبا من رفيق رحلته والذي أسماه محمداً فتح كل نوافذ الحافلة التي أقلتهم الى بلاد الشام، ثم راح قائلا:
 أريد هواءاً.
فهواء مدينته ووطنه قد طالها الخراب والتراب، وما عادت أنسام دجلة الخير تأتيه بريح الصبا.
واصل سالم رحلته، وﻷنه لا زال يقلّبُ في ذاكرته تلك الليالي الخوالي، فقد فاته التنبه الى (ريمة)، هذا هو اسمها والتي وصفها بــ :
الوردة الجالسة في المقعد المجاور له.
ربما لإنشغاله بأخيه همام، فقد كان هو اﻵخر قد مرَّ من هنا قبل فترة من الزمن، ثم راح متسائلاً:
ولكن.... الى أين ...؟ هذا ما لا أعرف...
وبعجالة إستدرك وجهة أخيه،إذ إلتحق حين ذاك بأحدى فصائل المقاومة الفلسطينية.
ما إنفك الحنين يضرب بذاكرته لينقله الى هناك مرة أخرى، مستعيدا تلك اﻷمكنة، انه نوع من الوصل الذي يصعب فصمه:
سطور دقيقة لنخلات متكئات على أفق من اﻷزرق الذي في عطر أمي، ودرب نحيييييييل طافح بالنرجس والعسل. هل هو النهر النائي الفرات؟ بلى.....هو طريق الجنة المعبد بصوت أبي، وحقول القمح الناضجة في عيني الطائر المحلق... عاليا.
سالم سيلتقي أحد تلامذته، إسمه عامر، وصل حديثا بلاد الشام يوم كانت آمنة ووجهة للخلاص من قمع ذلك القابع في بغداد. هو بابلي اﻷصل والهوى والميول ويفخر بنسبه هذا، لِمَ لا، فهي منهل الحضارات وعزّها، وجنائنها لا زالت معلقة لترفل التأريخ وكتبته بما خطّه اﻷولون. غادرها مجبرا كما أخوته الآخرون من أبناء تلك البلاد، حين لم يروا من خلاص سوى إعادة ترتيب أوضاعهم وَﻷم جراحهم بعضا من الوقت، حتى تزف ساعة العودة المباركة والمظفرة.
كان هارون رجل اﻷمن ثالثهم، ومركز جذب أحايثهم، فما أن يدور الكلام عن آلة القتل الاّ ويكون حاضرا. سيستعيد عامر ذلك المشهد الذي سقطت فيه زوجة رجل اﻷمن من علٍّ على رماح مسننة بعد أن مسَّها الجنٌ، كانت بمثابة السياج الذي أرادت أن تحمي دارها وتحتمي به، ناسية إن تلك الرماح سوف ترتد عليها حين تحين الواقعة:
أعدادا غفيرة من اﻷهالي تتوجه صوب ضابط أمن المدينة المعروف بإسم هارون، هذا ليس اسمه الحقيقي فهو يستعير مجموعة من اﻷسماء.... .
صَدَقَ وأصابَ محي في قوله هذا، فإسمه بالتأكيد عبارة عن إستعارة لكل رجال البطش التي مرَّت على بلادي الحزينة والضحية، ويوم تحكَّمت بمصائر شعبي، فربما هذا الشخص قد عاش قبل مائةسنة أو خمسة قرون أو أكثر، ومارس ذات القوة والبأس مع معارضي حكمه، ومن المؤكد أن يأتي زمان، سيرتدي به ذات الـ(هارون) هذا زيا آخر وسيتستر خلف عباءة رجل دين، أو يعتمر عمامة بألوان مختلفة، أو يكون قد حنَّ الى طربوشه التركي ويحلم بعودة سلطة آل عثمان، أو سيستحضر شخصية تشبه بهجت العطية، وزير داخلية الملك المفدى ولكن بِحُلة وتسويق جديدين، دون أن يفوته إستخدام تلك التي شاعت آنذاك والمسماة بألـ(الفيصيلية) ليتذكر أيام الملك المعظم.
بالمناسبة قد يعترض أحد القراء ليقول: زمان الملك كان أرحم، ربما، ولكني تعمدت إيراد مثال كهذا، كي نعقد مقارنة خاطفة وقد تكون متأنية، بين ما فات من زمان وبين ما يحلُّ بنا هذه اﻷيام. إيه يا بلادي، الا تراهم يتنافسون ويتقافزون كالقردة لنيل ذات المنصب الذي كان يشغله هارون، ومن شدة اليأس وبلوغنا مرحلة متطورة جداً من الإنحطاط والتداعي، بتنا نخشى على بغدادنا من الموت ويبقى جلاّدها، فما نراه هو سقوط الدولة ومن قاع الى قاع وليس في اﻷفق حلاّ.
لم يطل المقام بسالم طويلا في الشام، فشدَّ أحزمته ورحاله صوب بيروت، حيث الثورة الفلسطينية وحيث رغبته ومراده. أختيرَ له هناك مكانا في إحدى قواعدها، كذلك إسما حركيا قريب الى قلبه ووجدانه (حسين). صادف أن يكون إسم مسؤوله أبو الشفيع. تقاربا وأنسجما على نحو سريع، وتصاعد بينهما منسوب الثقة، فراح كل منهما ينفتح على اﻵخر وبشكل مُطّرد ليدخلا في بعض من التفاصيل. وعن ذلك فقد بادر سالم وببضعة كلمات، أعادتني أنا، المتطفل عليهما الى ما كنت قد ذكرته في بداية المقال عن وجود صلة قوية تجمع ما بين (سالم) من جهة وبين كاتب الرواية من جهة أخرى. وعن هذا فلنستمع الى ما دار بينهما من كلام:
اني عملت في حقل التعليم لفترة من الزمن قبل التحاقي بالمقاومة.
ــ ((ولكن لا يبدو عليك انك كبير في العمر.)) قال
ــ ((لكنني أشعر انني مسنٌ)) قلت
ــ((أبدا، لو لم تخبرني... بعمرك، لقدرت أننا متقاربان في السن))
في ما بعد ستتعزز الثقة أكثر بسالم حتى بات يُكلف من قبل المكتب العائد لإحدى فصائل المقاومة الفلسطينية ببعض المهام السياسية، كصياغة التقارير التي تخص عمل الثورة، والتي لا تخلو من جهد فكري وسعة إطلاع.
شبح رجل اﻷمن والمتمثل بهارون ظلَّ يلاحق سالم حتى في منامه على الرغم من بعاده عن وطنه، ولكن هذه المرة سيحضر بطريقة مختلفة تماما، حيث أوقفه أمامه كما المتهم، باحثا عن مصير شقيقه:
أريد معرفة أي شيء عن مصير همام....
علما أن شقيق سالم هذا، كان قد خضع لعملية تعذيب بشعة ولكنه بقي صامدا، بسبب من تكليفه:
 بإغتيال أحد المسؤولين الكبار... بعد أن زُودَ بمعلومات كافية عن هذا المسؤول .... .
بعد أن يفيق من حلمه هذا سيعود سالم ليتذكر  بيته الذي هناك، في مدينته المقدسة. ومما لفت إنتباهه هو أنَّ أخاه الذي يكبره لم يكن من بين مودّعيه، إذ كان وقتها منشغلا في أمرٍ ما، كما قيل له، ولعل أهل البيت تعمَّدوا عدم إخباره فما يربطهما من ود لعصي عليهما تقبل فكرة افتراقهما، فهما بمثابة الإبن وأبيه. وعن ذلك ستأتيه اﻷخبار عن مدى الجرح الذي أحدثه ﻷخيه بسبب غيابه هذا.
ومع المضي في قراءة الرواية، سينقلك محي الى جو آخر من السرد، لكنه سوف لن يفقد الترابط والتسلسل المنطقي للعمل. ففي إحدى صفحات الكتاب وبشكل ما سيشير للقارئ عما يمكن تسميته بإحدى الساحات التي تقف عندها الحافلات القادمة من الشام، ليتحول هذا المكان مع مرور الوقت الى ملتقى يضم بين جنباته غرباء بيروت ولبنان بشكل عام، تراهم على درجة عالية من التوتر والقلق، منتظرين زائرا جديدا أو كل مَنْ سيأتيهم بخبر ما، يفتح لهم بابا من اﻷمل. من بعيد سيلوح لهم شخصا ما، بدأت معالمه تتضح شيئا فشيئا:
كان ذلك رجلاً عالياً بعينين واسعتين وجبين مقطب يعتمر اليشماغ والعقال....، سقطت عباءته الحنية اللون عن كتفه، بحركة ما أعاد عباءته الى كتفيه وهو يشعل لفافته وينفث الدخان من فمه وأنفه، متقدما بصمت أب من طراز صديق.
يبدو أن الزائر يدخل بيروت أول مرة، هذا ما يشكل من إنطباع لكل مَنْ يراه. فطرق الوصول الى مايريد، ضاعت وتشابكت ولا يدري من أين يبدأ؟ كيف سيستدل على شقيقه؟ فمهمة العثور عليه في هذه المدينة المتباعدة والمترامية اﻷطراف، بدت صعبة عليه إن لم تكن مستحيلة، غير انه بقي مصرا على تحقيق ما جاء من أجله. المساء بدأ يزحف والمارة أخذت أعدادهم بالتناقص ولكنه لم يفقد اﻷمل، فها هو يلتقي بشخصين ممن سيفتحا له باب الرجاء، وحسن المصادفة هذه المرة قادته الى مبتغاه وليبادر أحدهم وبلهجته الخاصة والمفهومة في آن:
ــ:((بتسأل عن حد))؟
ردَّ عليهما بسرعة المستغيث وبلكنة فراتية، عذبة:
ــ:((أنشد عن أخي سالم.))
 ﻷن في وجهيهما بعض حيرة، راح مكملاً سؤاله، بفخر واعتزاز، ربما أراد من وراء إيضاحه هذا أن يكسب تعاطفاً معه:
ــ:((هو مقاتل، فدائي في إحدى الجبهات ...))
 لم يتأخرا كثيرا، حيث استجابا له وأعاناه على مبتغاه. فبعد أن أجريا بعض الإتصالات الهاتفية الخاصة، أبلغوا سالما بوصول زائر مهم الى بيروت ويقو بالبحث عنه، فما كان منه الاّ الإستجابة السريعة، فلعله قادم من هناك:
ــ :((أوقف سيارته بمحاذاة أحد محلات الفليبرز بهدوء. اشترى علبة دخان….. مرَّت بخاطره صورة أخيه الكبير، لكنه استبعدها. حتى إذا كان أخوه القادم، فكيف… ومن الذي أوصله؟))
لم تخطئ عيناه، ليصرخ سالم من بعيد بعد أن تيقن من ناظريه:
ــ:((شِفْتكْ .. شوصلك..؟))
التقيا، تعانقا بحرارة، شدّا إنتباه المارة وتوقفت بسبب هذا المشهد حركتهم. انها لصورة مؤلمة جدا، علَّقَ أحدهم. في هذه اﻷثناء بدأت حمم النيران العبرية تتساقط على رؤوسهم لذا:
ــ:((تلَّ سالم أخاه من ذراعه ليضعه على كتفه أو بين ذراعيه وربما أسفل قلبه.. في مدار من الركض بل الطيران.. رامحا به صوب أي مكان آمن … ومن هناك بإتجاه دمشق))
توادعا على عجل، خشية عودة الطائرات العدوة ثانية. لم يعد سالم الى وحدته أو لنقل مكان عمله، والتقارير التي كان يشتغل عليها تركها مفتوحة على أمل إستكمالها حين عودته. علامات القلق على محيا أبو الشفيع باتت جلية، رغم محاولته التغطية على ذلك من خلال تظاهره بقراءة أمر ما. على نحو مفاجئ:
 رنَّ جهاز الهاتف في المكتب، فإنقطع أبو الشفيع عن القراءة، ليرد على المتحدث
ــ:((نعم
ــ:((هل هذا مكتب..
ــ:((نعم..
ــ:((أنا
ــ:((نعم
ــ:((هنا، منذ البارحة كان يرقد..
ــ:((نعم
ــ:((وكان يحمل بطاقة صادرة عنكم تحمل اسم همام حمزة..
ــ:((نعم
ــ:((مات منذ ساعة.
هذا يعني ان همام هوسالم والعكس صحيح. في كل اﻷحوال فقد إنتهت رحلته وهو بعيد عن وطنه. وسيجري التأكد فيما بعد من أنه كان قد تعرض الى حادث صعب الشفاء، إثر سقوطه من سلم البيت الذي كان قد لجأ اليه مؤقتا، ولم تفد معه كل المحاولات التي بذلتها تلك العائلة التي سكن عندها من أجل إنقاذه.
ــ:((فألرضوض والكدمات والكسور قد لحقت برأسه وأضلاعه بكل وضوح).

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو



 

39

النعماني رياض في مقامه الفيروزي

عن دار كنعان للدراسات والنشر، صدر للشاعر  العراقي المعروف رياض النعماني كتاب أسماه مقام الفيروز، وأكاد أجزم بأنه كان موفقا في إختياره عنوانا كهذا، لما تضمنه من إيقاع ووقع مريحين، محببين من لدن المتلقي. حاذرَ ( رياض) أن يسميه ديوان شعر بل ذهب الى ما أعتبره نصاَ مفتوحا، ومن يدخل ويجول في ثنايا الكتاب سيكتشف ذلك ومن غير عناء. وفي حالة كهذه یكون عن قصد أو دونه قد (تحرر ) أو لنقل نجح في التخلص وفي فقرات واسعة منه من سلطة النقد والرقيب المتزمت، التقليدي النزعة والميل، خاصة إذا ما راح هذا النوع من متذوقي الشعر ورواده ومحبیه، (نابشاً) في التفعیلة والوزن وما تقتضیه ضرورات الشعر وشروطه.
وإذا ما كان لنا من رأي يضاف الى ما تمَّ ذكره، ففي الكتاب وبعد التوقف والقراءة المتأنية ما يمكن قوله عن وضوح في الحهد، من حيث إختياره وتوظيفه لطبيعة المفردات، فهي شفيفة، عذبة، وربما بالغ في (نعومتها) ورقتها، ولا أرى في ذلك من ضير أو غرابة، فلكل كاتب الحق في أن يستمد مفرداته من قاموسه الشخصي، الذي نما وكبر معه وباتوا على صحبة دائمة. لكن وعلى ما يبدو ولكي لا يغمط حق الكاتب وعندما إختلى بقلمه، راح مراعيا مقتضى النص وسطوته واتجاهاته ومناخه أيضا. جامعا وعلى راحة يديه وبإسترخاء عالٍ  بين فنَّين أو شكلين من الكتابة، قاطفا وكيفما يروق له من هذه الزهرة ومن تلك، وهذا وعلى ما أظن، يُعدٌ من بين أحد شروط الكتابة الناجحة.
إذن لم يحتر رياض كثيرا، فبدا كما الذي حسم أمره مبكرا وليستقر وكما سبق القول على شكلين من الكتابة، بين تلك الكلمات الموزونة التي تعشقها اﻷذن اﻷمارة بالذوق الرفيع وتطرب وتجنح اليها حين تغنى، وبين ذلك النوع من الكتابة والمسمى نثرا، حيث لا قافية ولا سجع ولا من حضور لميزان الفراهيدي، غير انّا وفي هذه الحالة، علينا أن لا يأخذنا الإعتقاد بعدم وجود ضوابط لشكل الكتابة اﻷخير، بل ستجد القارئ مدفوعا وبتساؤل مشروع: الى أين سيفضي بنا نصٌ كهذا؟ وأي الدروب التي ينبغي علينا سلكها، كي نصل الى ما ينتويه الكاتب. بمعنى آخر سيبقى صاحب النص تحت سلطة ومن نوع ما ومهما تفنن أو تنوعت وتعددت أساليبه. عموما وإذا كان لنا من قول فإنَّ اجمل النصوص ما كُتِبَتْ نثرا وتشم منها رائحة الشعر، وشعرا تحسه قريبا وصديقا حميما للنثر، وأبهى أشكال الكتابة مَنْ نجحت في أخذك الى مديات بعيدة، حالمة، حيث الراحة والمتعة، حتى بلوغ الغاية المرتجاة.
أحيانا، (الملاحظة هذه بالذات تتمحور حول كتابه اﻷخير حصرا) وحين يشعر رياض بأنه في حرج من انسيابية الكتابة وتدفقها وفي دقة التعبير أيضا عما يجول بخاطره من أفكار، ستجده مضطرا للجوء الى أحد اﻷساليب التي ما إنفك الكاتب، أي كاتب من الإستعانة بها والركون اليها والمتمثلة بالسرد التفصيلي، والتي قد تصل بالقارئ الى ما يشبه حالة من الملل، خاصة من قبل أولئك الميالين والباحثين عن الإختصار والتعبير المركز عن أية فكرة، الاّ انه وفي كل اﻷحوال فحل كهذا يُعتبر مخرجا مشروعا ومبررا، وقد يجد له صدى إيجابيا من قسم آخر من القراء. وإذا أردنا التوقف عند اﻷسباب التي تجعل منه (أي من الكاتب) متعثرا في كتابته، فأمر تفسيره على ما أظن ليس بالصعب، فمن غير المعقول أن تتوفر له ذات الشروط التي تجعل من منتجه على سياق واحد ونسق واحد ومرضي عنه أيضا، أو سيؤدي  الهدف المعول عليه، وبذات الرشاقة والكفاءة المنتظرة، بل ان بعض من الزلل إذا ما سمّيناه كذلك ربما سيأتي بالفائدة على المتلقي، فقد يدفعه للتوقف طويلا عند النص وربما ستجده معيدا قراءته، ولكن هذه المرة من زاوية أخرى وعين أخرى ومن منطلق نقدي، وهنا لا أتحدث عن أي قارئ بل عن ذاك الذي ينبغي للكاتب أن يحسب له حسابا.
                     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أنف من تقديم فلا بأس من الإستشهاد ببعض نصوص رياض والتوقف عندها، ففي مفتتح كتابه يقول:
خارج على سلطة النص،
خارج من جملة الحد الى المطلق
في الذرى التي تواجه
اللاشيء
واﻷبد
نحو الضراوة والرذاذ.
 بهذه الكلمات المكثفة الدلالة والتي يفتتح بها كتابه، سيدعوك رياض للذهاب معه الى فضاءات رحبة، بحثا عن الحرية وبكل ما تحمل من دلالة ومعنى، فهو الرافض للقيد ومن أي مكان أو جهة أتى. وكي لا ينحسر التفسير في إتجاه واحد فعبارته السابقة لها أكثر من بُعد، فهو العاشق وهو المتمرد السياسي وهو المتصالح مع الوسط الرافض لكل أشكال القمع.
وفي جملة مباغتة وهو يواصل نصه ستقف طويلا ليبهرك القول وبصورة شعرية لافتة:
انه ياقوت يسهر في ماء الرمان.. ياله من هطول فريد.
وفي ذات الصفحة، سيعلن عن إحتجاجه وبلغة لا تخلو من العتاب والملامة:
قُُلْ لي أيها الجديد الذي لم يأتٍ بعد.. ماذا تقول؟
ماذا أقول لنص الحاضر؟
بأي شيء أعد السريرة
والسر
بغير هذا الخراب؟
ثم يمضي الشاعر متسائلا:
فأين المنفذ؟
.........
ليعود مجيبا على رفضه وصرخته اﻵنفة:
كل شيء هنا حطام،
ضواري حاسرة، وبعمائم تطارد النية والسؤال.
عند هذه العبارة ستتضح الصورة أكثر، فهو يتحدث عن وطنه المبتلى بالقادم من مجاهيل التأريخ ومعارك يثرب والحامل معه ثأرا طال أمده حتى تجاوز الخمسة عشر قرناً.
ضاعت على رياض الطرق والدرابين المحببة اليه، ففي كل مرة ومع كل عودة من مغتربه، سيجد الكثير من اﻷمكنة وقد طالها الحيف والتغيير، لكنه سيبقى يحن اليها، فهي المبتدى وهي مرجعه اﻷخير:
لي ظل يغفو على عتبات البيوت في حارات
تضيق،
وتضيق
وتضيق حتى تكاد تُمحى من فرط النسيم وعذوبة الظل.
إذن هو لم يفقد اﻷمل، وسيظل يلهج بإسم إحدى المدن المحببة اليه:
يا شآم
      يا شآم
         يا شآم
حتى يصل بك وبثقة راسخة ورغم كل المآسي التي تمر بها، أملا في أن تنهض وتقف على رجليها، شامخة،  قوية، بجذورها الراسخة وبصلتها باﻷرض التي أنجبتها، وأن تتفتح أزهار ياسمينها من جديد:
وستولدين.. ايتها الشام وستكبرين
هو متفائل إذن رغم كل الجراح الغائرة، وسيرى في اﻷفق ألوان طيفها السبعة:
المجد للمفاجئ
المجد للذي يباغت عصره.
لكنه سوف لن يخفي إحتجاجه ورفضه لبعض النظم الحاكمة، المتسلطة، والتي ما انفكت تستحضر التأريخ ومن أنذل أبوابه:
هذا الوله بالماضي الميت،
      هذا التقدم الذي
     يرجع للوراء
عبادة الكهوف، وأزمنة الظلام
والغبار
      والخرافة
            والنواح
                وتقمص الذلة
                     وعصور السبي اﻷولى .. كم ترهقني
هذا العداء للمستقبل أدار الوجه
الى القفا.
وكي تكتمل الفكرة ونمضي فيما ذهب اليه الكاتب، فموقفه مما يجري لم يبنَ على فراغ، فعنده من اﻷسباب كثيرها ومنها على سبيل الذكر:
الظلمة المهددة، المخيفة والدم والخراب
ينتظرون الشرق.
هو جرس إنذار إذن، أراد إسماعه لمن في أذنه صمم:
الى أين يمضي الطاعون بهذه الجموع؟
بعد هذا الفناء ...
    أي فناء ينتظرنا؟
           الولايات
                الولايات
                     الولايات
          ولاية الدم
              ولاية الفجيعة
                 ولاية بغداد
                    ولاية المحن
                       ولاية الرقة
                             ولاية الطاعون والفناء.
  انه لا يتحدث عن بشر بكل تأكيد فالفرح والسعادة لا يستويان ولا يلتقيان بمن تدجج بالحقد وبالكراهية:
كيف يبتهج المرء وهو يحمل سكيناً؟
  وربما يصف حالة عاصمته بغداد وهي تأنٌ تحت ضغط وتأثير إحتلالين، ما جاء منها من خارج الحدود وكانت له الكلمة الفصل في رسم خطوط خرابها. وَمَن تولد من داخلها وطابت له لعبة القتل المجاني والإرتباط الرخيص وتوزيع الولاءات و(إهدائها) الى خارج الحدود، فأينما ولَّيت وجهك ستصطدم بجيوش من العبث والحثالة وووو، وهنا يتسائل عَمَّنْ صنعها وَمَنْ يقف ورائها وفي أي المطابخ تمَّ إعدادها:
ماذا تقول هذه الكانتونات
التي صنعتها قوة السلطة التابعة
ماذا تقول هذه الجدران العازلة
والأنفاس التي تمتد وتمتد.
لذا ضاقت الطرق كما ضاقت العبارة، فراح مستعينا برائحة العشق ورائحة العطر التي تركها هناك يوم كان صبيا. قال في سره لا تخطأ يا رياض فلا زالت تلك النخلة الباسقة دليل خطواتك الواثقة، ولسوف لن تضيع أو تفقد صلة الوصل بمن تُحب وتهوى:
من أين أمضي الى بيتي،
         والجدار يغلق المدى والهوى
أما وإنَّكَ سألت عن شجرة الرمان فهي لا زالت طرية، رغم محاولات العبث التي طالتها. هم لا يعشقون الحياة فلا تقلق، هم لا يعشقون الحياة فلا تحزن:
كيف يتمكن الكائن من قتل شجرة رمان
ريّانة بالندى وحرير النهار الجميل
                                 واﻷغاريد؟
دعك من هذا كله، فقد مرَّ من قبلهم الكثير من الغزاة، وما عليك الاّ أن تعيد صياغة الخلق والجمال. (لا أخفيكم سراً فقد أصغى رياض لنصيحتي) فراح ممسكا قلمه من جديد:
والآن ...
وقد خُلق
أمن نور
أم من دمع وفجيعة؟
ما زلتُ، وأنا في ذروة لحظة التقهقر
أحاول مزج البوذا
بيسوع،
بغيفارا...
في الهزيمة أواصل دفاعي اليائس عن كلمة الإنسان
وإنقاذ رايته من التلوث
سلطتي.. كل هذا الحب
                 ولن أنحني
                       أو أخون.
هنا سيدفعك صوته الإحتجاجي الى التساؤل: مَنْ يقف وراء هذا الخراب؟ مَنْ عاثَ في السلالة الطيبة، سلالة الطين وروح كلكامش وشريعة الحق التي سنها أجدادنا الأولون، مَنْ يتحمل وزر هذي الجريمة وضحكة تلك الطفلة التي أسكتتها طلقة عابرة، طلقة غاشمة:
الى مَنْ أتوجه بصرختي الكونية هذه؟
الكل إشترك في الخطيئة، ... الخالق
والمخلوق
   أين المنقذ؟
    كلما خُلق كائنٌ.. كي يخلق الخلق الخلاق الجديد
تتنادى لذبحه الطوائف
                   والعشائر
                   والظلمات السرية للعالم (الحر)
                                              الرهيب.
بعد هذا التصاعد في وتيرة الحماسة حتى بلغ الذروة في وجعه، سيجد رياض نفسه أن لا مناص ولا مفر من الهدأة وإن قليلا، وخير مَنْ يستعين بها لراحته هي حبيبته، لذا راح مصغيا لها كذاك الذي أراد حفظ قواعد العشق عن ظهر غيب:
حبيبتي .. تلقي عليَّ وصايا شعرها الراكض في الكستناء
وتعيد في حضرته فضاء اللغة الى حليب الغمغمة اﻷولى،
ولكن، هل حفظَ الدرسْ، إذن لنقرأ ما كتبه الشاعر:
عرفت اﻵن كيف تكون التقوى
فرساً في جسد ورط البرق بزهر المشمش والصيف، وأمر
لا يعرفه الاّ الراسخ في اللوز.
وفي معادلة ملفتة يحاول فيه الكاتب صياغة نموذج انساني، قد يمثل بالنسبة له مثالا ناجحا، سيستعين به في سبر مسالك الحياة وكيفية فهمها والتصدي لمصاعبها، ولعلها تعكس طريقته في التفكير أو لنقل النموذج الذي يسعى اليه ويستقي منها معارفه وأسلوب حياته، لذا تجده جامعا ثلاث شخصيات، لعبت دورا مصيريا في جر الكثير من الشعوب نحو إقتفاء أثرها والسير على خطاها وإن أتت من مشارب مختلفة:
ما زلت وأنا في أعلى التقهقر
أحاول مزج البوذا
بيسوع
وغيفارا
 ستلمس من كاتبنا أيضا، تلك الضربات والإستعارات الصوفية وما يرافقها، والتي يروق لقسم كبير تسميتها بالشطحات، لذا وأثناء التوقف على عدد من صفحات الكتاب، ستظهر أمامك بعض العبارات الصارخة، التي تؤشر الى مدى تأثره بالفكر الصوفي وتلك النزعات السامية التي تميّزهم عن غيرهم. ومن بين ذلك على سبيل المثال، سنجد بعض الإستخدامات وأظنها جاءت في أماكنها وفي توقيتاتها المناسبة:
هو النور إذا استوى على العرش
.............
أنوار حديقة مولاي
(السهروردي)
................
أخبرني أين أنا
ﻷدلني علي
إذن فالحلاج كان حاضرا في نص رياض، مثلما حضر بشر الحافي ومعروف الكرخي والجنيد البغدادي وجلال الدين الرومي وغيرهم الكثير.
وخير ختام في نص رياض المفتوح، ما عطَّرَ به كتابه برائحة المسك، رائحة حبيبته بغداد، لِمَ لا وهي حاضرة الدنيا وشاغلة الناس، وستعود الى أهلها وإن بعد حين، وسنعزف لها أغاني المجد، أغاني الحياة:
من أين لبغداد كل هذا الضياع، والظلام، والرماد والخراب
                والجروح
                         والألم.

حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو









40


تموز 1958 وتباين الرؤى

 على الرغم من مضي قرابة قرن من الزمن على تأسيس الدولة العراقية الحديثة، الاّ انها فشلت في بناء دولة المواطن وفي كل تجلياتها وتعبيراتها السياسية وأشكال حكمها، وهذا اﻷمر أو الإستنتاج ينطبق ويشمل وعلى حد سواء كل اﻷنظمة التي حكمت العراق وتربعت على عرش السلطة، إبتداءا من النظام الملكي وإنتهاءا بالنظم الجمهورية الستة. وإذا ما أردنا الغوص والخوض في اﻷسباب التي وقفت ولا زالت وراء ذلك وعلى نحو سريع، فيمكننا إختصارها بالقول، أن الولاءات والإنتماءات الطائفية والدينية والمذهبية والقومية، كانت هي المحرك اﻷساسي في تشكيل وسيرورة هذه الدولة والهيمنة عليها، واﻷخطر من ذلك هو عدم فصل الدين عن الدولة، مما أدى الى نشوء وتنامي حالة من الإغتراب والبعاد بين هذا الذي سنسميه مجازا بالمواطن من جهة، وبين مَنْ يتربع على دست الحكم واﻷجهزة والمؤسسات التابعة لها من جهة أخرى، وأظنها ستبقى كذلك إن لم تحدث ثورة حقيقية في الدساتير والقوانين والمفاهيم، والتي ينبغي لها أن تصل وبالضرورة وكما يُفترض الى خلق معادلة جديدة، تجمع طرفي المعادلة، ولنسميهم هنا بالشعب أو المجتمع من جهة، ومَنْ يدير دفة البلاد من جهة أخرى. وهنا ينبغي أن تكون القاعدة اﻷساسية للحكم ونقطة إرتكازها: في أن تنظر الدولة الى مواطنيها بسواسية وعين واحدة، من دون تمييز في العرق أو الدين أو اللون وما شابه ذلك، وتحت سقف واحد مصون ومحمي بالقوانين الوضعية وبالشرائع السماوية ذات الصلة. آخذين بنظر الإعتبار التطورات الحاصلة في محيطنا والعالم وما بلغته من تقدم وعلى كافة المستويات، لتنعم وتتمتع كل مكونات المجتمع دون إستثناء بكامل الحقوق وعلى قدر من المساوات، متطلعين الى غد أفضل، يليق بهذا الشعب، وليس في ذلك منة من أحد .
                                        ــ 1ــ 
 في البدأ، إن كان هناك من قول فأرى في هذه الكلمات مفتتحا: الرحمة والراحة اﻷبدية للمغفور لهما جلالة ملك البلاد، فيصل الثاني، والى مَنْ أتى من بعده عبدالكريم قاسم. وانسجاما ومعتقديهما وتصالحهما مع ما يؤمنان به، فهما المحتسبان والمقيما الليل ومقعدانه وإن بدرجات مختلفة. لم يأخذا من الدنيا حين حتفهما غير الوراعة والزهد، ولعلي في هذاسأتقاطع مع الكثيرين وأختلف، وعذري في ذلك العودة الى التأريخ ووجوب قرائته والتمعن فيه بعين من السماحة والحيادية والمسؤولية، مغلبين ومنحازين الى سلطة اﻷرض التي نعيشها والمسماة وطنا وما ستمليه علينا هذه العلاقة من التزامات ووقفات.
 فاﻷول (مليك البلاد)كان له أن يستخدم سلطاته المطلقة بإعتباره رأس السلطة والواقف على هرمها ليرد الطعنات ويسددها ضد مناوئيه، غير انه لم يفعل بل إختار وعائلته رفع المصاحف لتكون شفيعهم، الاّ أن آلتي الحقد والكراهية كان لهما السبق والقول الفصل. والثاني (زعيم البلاد)سار على نَهجِ خُلقهِ وما تربّى عليه وجُبِلَ، فعفا عن غادريه ليأتيه السلخ فيما بعد من جهات متعددة، ولعل أشدها مضاضة ما جاءته من اﻷقربين، ليدفع الثمن باهضا، ومن بعدهما راحت الدولة والشعب الى منزلقات خطرة حتى هوََتْ الى اللاّ قرار، غير انهاستعود قوية معافاة، إن إتعضَ وحفظ الدرس بناتها القادمون.
                                    ــ 2 ــ
  يخطأ من يظن أنَّ العراق ما بعد منتصف تموز عام 1958 مال في سياسته وولائه نحو الغرب ، هذا ما قاله فريد هاليداي، الكاتب الإيرلندي الشهير والمتابع عن كثب لتطورات اﻷحداث في منطقة الشرق اﻷوسط، المضطربة والدائمة السخونة. وربما موقف الكاتب هذا ودفاعه عن تلك المجموعة التي أطلقت على نفسها ما سمي آنذاك بتنظيم الضباط اﻷحرار، والتي كان هدفها اﻷساس والرئيسي، العمل على الإطاحة بالنظام الملكي وتحقق لها ما أرادت، يعود الى يساريته وماركسيته قبل تحوله ليكون ليبرالي الهوى. رأي الكاتب آنف الذكر، جاء أيضا ليشكل ردة فعل مباشرة على تقولات البعض وما صاحبها من تسريبات، أرادت يومئذ النيل من سمعة ما قامت به هذه المجموعة أو بعض من أفرادها، وذلك حينما ألصقت بها تهمة الإتصال بالسفارة البريطانية في بغداد، وفي توقيت تزامن وعملية الشروع الفعلي لإحداث التغيير، ليبدو اﻷمر وكأن هناك إتفاقا سريا مشبوها، كان قد جرى الإعداد والتهيئة له، عشية القيام بتلك الحركة.
                                      ــ 3 ــ
 حالة التشكيك وكما سَلَفَ القول في نزاهة ما قامت به مجموعة الضباط اﻷحرار، لم تقتصر حين ذاك على بعض اﻷوساط ومن داخل العراق وحسب. وﻷن أعدائها كثر فقد  طالت مستويات أخرى ومن خارج الحدود، إن كان على مستوى دول وحكومات، أو على شركات ومنظمات. ومن بين أولئك ممَّنْ يستحضرني ذكره الآن كمثال قريب، لا زال على قيد الحياة، الشخصية اﻷكاديمية الكويتية، عبدالله النفيسي. ففي لقاء متلفز أجري معه وقبل فترة ليست بالبعيدة، فقد تحدث عن وجود صلة ما تربط عبدالكريم قاسم ببعض من موظفي السفارة البريطانية في بغداد. وقد يكون بل أكاد أجزم بأن ما ذهب اليه النفيسي لهو على صلة مباشرة بتلك الدعوات التي كان يطلقها عبدالكريم قاسم بين فترة وأخرى، والمتعلقة بعائدية قضاء الكويت السليب على حد تعبيره الى الوطن اﻷم، وأن لا مساومة أو تفريط في ذلك، علما ان تلك الدعوات كانت قد وجدت لهاصدى وترحيبا واسعين من قبل مختلف اﻷوساط العراقية.
                                        ــ 4 ــ
 وإذا عدنا مرة أخرى ﻷحداث تموز 1958 وخلفياتها، ومما زاد في منسوب الإلتباس وأعطى المشككين ذريعة للطعن بها، هو ما ساد من إعتقاد وروِّجَ له ما يفيد: بأن الهدف الرئيسي وراء قيام تلك الحركة، هو الوقوف بوجه عجلة التقدم والتطور، الذي كانت البلاد قد شهدته أبان فترة الحكم الملكي وعلى مختلف الصعد، رغم الإمكانيات الإقتصادية المتواضعة وضعف ميزانية الدولة، إذا ما جرت مقارنتها بالعهود التي تلتها. وعن تلك الإنجازات، إذا جاز لنا تسميتها مع التحفظ، فقد صدرت العديد من الكتب، أشارت بجلّها الى ذلك وعززته بالكثير من اﻷدلة والبراهين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الكتاب الموسوم سلالة الطين للراحل والشخصية القانونية المعروفة، العضو المناوب لمجلس الحكم  الذي شكله بريمر، عطا عبدالوهاب، والذي كان يتشرف على حد تعبيره وفي منتصف الخمسينات بصفة المستشار الشخصي لجلالة الملك فيصل الثاني. فعن ذلك، أشار الكاتب وفي أكثر من مكان ومناسبة الى طبيعة الخطط والبرامج التي وُضعت من أجل إرساء دعائم دولة حديثة، تواكب لغة العصر. ولعل العراقيون( يضيف الكاتب) يتذكرون وينظرون بحسرة وفخر الى تجربة مجلس الإعمار على سبيل المثال، والذي تم تأسيسه في ذلك الوقت، وقام بتنفيذ العديد من المشاريع البعيدة المدى والمهمة، والتي ظلَّت مثار حديث حتى يومنا هذا. بل أن ما قام به المجلس المشار اليه، لا زال ولحد اﻵن، يُعدُ أساساصالحا للتمثل به ولإقتفاء خطاه وإتخاذه نموذجا ناجحا ونبراسا للمشاريع الإستراتيجية الكبرى. ثم راح الكاتب وفي ذات المصدر قائلا: لو أن النظام أو اﻷقدار كانت قد أمهلت النظام الملكي وأعطته الفرصة ليستمر في قيادة البلاد ولخمسة سنين فقط لأنتقلت الى مصاف الدول المتقدمة.
                                      ــ 5 ــ
  تعقيبا على وجهات النظر اﻵنفة والمشككة بأحداث تموز، فلنا في ذلك قول آخر. فعلى الرغم من بعض النجاحات التي حققها النظام الملكي والهدوء المجتمعي النسبي الذي كان يعم البلاد وترفل به على حد وصف البعض، خاصة تلك اﻷوسحاتم جعفر
مالمو ــ السويداط التي عاصرت تلك المرحلة، الاّ أني أجد صعوبة بالغة في تبني موقف أو رأي كهذا وبشكله المطلق وعلى عواهنه، وبالتالي لا يمكن الركون اليه دون العودة الى تشريح وقراءة طبيعة النظام الحاكم آنذاك والتوقف بحيادية على عثراته وشطحاته، فضلا  عن الجرائم التي ارتكبها وعلى ندرتها كالنفي وحالات الإعدام، وهذا موضوع آخر، والغوص فيه يستدعي منّا التوقف طويلا. فعلى ما أظن وأكاد أجزم وبعجالة، فإنَّ اﻷحداث وقرائتها، وبالتالي كيفية صياغة رأي واتخاذ موقف منها، كل ذلك سيبقى مرتبطا ومرتهنا بلحظته التأريخية. وإذا أردنا التفصيل والتوضيح أكثر فلا بد من النظر الى جملة من العوامل والظروف، التي كانت قد فرضت نفسها آنذاك ودفعت بإتجاه القيام بتلك الحركة أو إن شئتم تسميتها بالثورة، على وفق التسمية التي تفضل أن تطلق عليها بعض اﻷحزاب المؤيدة والمساندة لها في أدبياتها السياسية، والتي وقفت معها ومنذ إندلاع شرارتها اﻷولى ومن دون تباطؤ أو تراخي. وقبل مغادرة هذه الفقرة، فما يمكن ملاحظته والتوقف عنده، هو بروز إحدى المظاهر الملفتة، وبنبرة عالية وواضحة، والمتمثلة بالحنين الى الماضي، وليس الى أي ماضي بل ذلك المرتبط تحديدا بالحقبة الملكية، وعزائهم في ذلك وعلى أكثر الظن هو ما لاقته اﻷجيال اللاحقة ولا زالت من حيف وظلم، على يد بعض قادة الجمهوريات الست التي حكمت البلاد فيما بعد. 
                                       ــ 6 ــ
 لنعود ثانية  الى ما جرى في ذلك الصيف الساخن من عام  1958 وما لحق به من تطورات، يُمكننا وصفها بالدراماتيكية. إذ لم تكد تمضي سنة واحدة فقط على نجاح حركة الضباط اﻷحرار فيما أقدموا عليه واستقر لهم اﻷمر وبسطواسيطرتهم على كامل البلاد، حتى تعرض زعيمهم الى محاولة إغتيال فاشلة قامت بها مجموعة من البعثيين وفي شارع الرشيد الذي يعتبر العصب الرئيسي للعاصمة، مما أدى الى  إضطراب اﻷوضاع. وعلى أثر ذلك ولكي لا تصل اﻷمور الى ما هو أسوأ على وفق حساباتهم، فقد حذَّر السوفييت سلام عادل، اﻷمين العام للحزب الشيوعي العراقي من مغبة الإستيلاء على الحكم في زمن قاسم. ومع التقادم الزمني وبعد عقود على ذلك الحدث، فقد جرى التثبت والتأكد من صحة هذه المعلومة ومن أكثر من مصدر، سواء كان من قبل تلك الجهات التي  آزرت التغيير ودعمته، أو من قبل تلك الجهات التي وقفت ضده.
                                    ــ 7 ــ
وعن طبيعة العلاقة التي تربط السوفييت بعبدالكريم قاسم، فقد كانوا لا يخفون مدى رضاهم عنه وتبنيهم له، رغم قيامه ببعض الإجراءات والتحركات التي تشي بمدى تفرده بالحكم وبشكل خاص أثناء المنعطفات المهمة والتأريخية. فمن بين ذلك على سبيل الذكر ما أحدثه من إنقسام داخل الحزب الشيوعي العراقي، حين تبنى ودعم جناح داود الصايغ وعلى حساب الكتلة اﻷكبر، والتي تُعد وحتى ذلك الوقت المعبر الوحيد والوريث الشرعي لتأريخ الحزب وتراثه النضالي. وكي لا نغفل هذه النقطة أو نمر عليها مرور الكرام، فربما كان للتوازنات الدولية وبعض المعاهدات المنعقدة بين كبار اللاعبين في الساحة السياسية العراقية، الصوت اﻷعلى والقول الفصل في صياغة شكل وطبيعة الحكم، والذي سيلبي ويستجيب لرغبة ومصالح تلك الدول، رغم عدم الكشف عن ذلك. أو ربما كانت تصلنا منه نحن الصغار بعض ظلال، غير انّا لم تكن لدينا من القوة والحَولْ ما يؤهلنا لقلب الطاولة على رؤوس صناع الصفقات الكبرى، إذن هي هكذا لعبة اﻷمم والتي بتنا ندرك بعض من خيوطها ولكن بعد فوات اﻷوان. حاتم جعفر
مالمو ــ السويد
                                    ــ 8 ــ
 وبالعودة مرة أخرى الى محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم، وفي العديد من المناسبات، فقد أعلن الشخصية العسكرية الشيوعية المعروفة غضبان السعد والذي كان متبوءاً وظيفة الملحق العسكري لدى السفارة العراقية في موسكو، عن وجود نية لدى بعض القيادات العسكرية العراقية والمحسوبة على اليسار، بضرورة إستثمار وتوظيف تلك المحاولة، والقيام بترحيل رئيس الدولة الى الإتحاد السوفييتي بعد إصابته بجروح نصف بليغة، معززا، مكرما، والشروع بعد ذلك بترتيب البيت العراقي،  من خلال جملة إجراءات كإناطة شؤون الدولة الى المؤسسة العسكرية مؤقتا ولفترة إنتقالية، لا سيما وان اﻷوضاع والمد الشعبي الذي يتمتع به الحزب الشيوعي وكثافة تواجده بين صفوف المؤسسة العسكرية بشكل خاص، ستمكنه من تحقيق ذلك، بيسر وسهولة، خاصة وان سلاح الجو، الذي يعد له الدور الرئيسي في حسم مثل هكذا حالة، يدار من قبل القائد العسكري الحاتم جعفر
مالمو ــ السويدشيوعي المعروف، جلال الدين اﻷوقاتي. غير ان هذا الإقتراح، أي فكرة ترحيل قاسم، إصطدم بالرفض الروسي الشديد والقاطع، ليأكدوا مرة ثانية عن مدى تشبثهم به والمراهنة عليه، بإعتباره زعيما وطنيا، قادرا على إدارة دفة الحكم وإيصالها الى بر اﻷمان، حسب رؤيتهم. ولعل الوثائق التي نُشرت والسرية منها بشكل خاص والتي أميط عنها اللثام، وما صدر من عديد مذكرات، جلّها إن لم تكن كلها دعمت وذهبت بإتجاه تأكيد المعلومات التي تشير الى الدعم السوفيتي اللامحدود للزعيم، ولزام عدم التفريط به وبأي شكل من اﻷشكال، بل وصلوا وكما سبق الذكر، الى حد الدفاع عن حكمه وبقوة، رغم ماشاب علاقته بقوى اليسار وخاصة الشيوعيين منهم، والذين يُعدّون الحلفاء الطبيعيون لموسكو، بعض الإخفاقات واﻷخطاء التأريخية التي قد تصل الى مستوى الخطايا.

حاتم جعفر
مالمو ــ السويد

41
السيكَار وأشياء أخرى


  هافانا، هذا هو إسم الماركة التي تُعَد اﻷشهر في العالم بين أنواع السيكَار، حيث بان على واجهة العلبة وبحروف خُطَّت باللون الذهبي البارز ومن جهتيها، كان قد جلبها له زميله من أحد اﻷسواق الحرة حين عودته الى البلاد، بعد أن أنهى دورة أمنية خاصة، ظلَّت طي الكتمان حتى على المدير المباشر لدائرته الى حين إنقضاء الفترة المخصصة لها، هكذا كانت اﻷوامر وهكذا استجاب لها. إستل منهاسيكَارا في حركة أرادَ لها أن تكون إستعراضية، لكن أركانها لم تكتمل حتى كاد أن يسقط من بين يديه لولا تدارك المأزق في اللحظة اﻷخيرة وبمساعدة مرافقه الذي كان واقفا على يساره، وذلك لحداثة إستخدامه لها على أكثر تقدير. وكي لا يستمر هذا الحرج فقد سارع مرافقه الى القيام بإشعال السيكار بدلا عنه، ثم إعادها اليه جاهزة.
 مرافقه الثاني والذي يقف على يمينه راح يسرد السيرة (النضالية) لمسؤوله اﻷمني وما قام به من (بطولات)، أجبرت الكثيرين على (التعاون) مع أجهزة الدولة القمعية. الهدف من هذا التقديم وعلى ما يبدو، هو  إعطاء مؤشر قوي للمتهم أو الضحية وربما أراد من خلاله الوصول الى حد التحذير، وبما يفيد من انه يقف أمام رجل مهم بل مهم جدا، لذا فمن الأفضل ومن أولها الإستجابة والرضوخ لما يُطلب منه، وليس هناك من مجال لإظهار ما أسماه بعض البطولات الفارغة وبأي شكل من اﻷشكال. لذا على (زوار هذا المكان) ومن الجنسين، كبِاراً كانوا أم صغاراً، أن يدركوا هذه القاعدة ويضعونها نصب أعينهم ويتعاملوا على ضوئها، والاّ. (شدَّدَ على الكلمة اﻷخيرة وكرّرها عدة مرات).
 ثم راح هذا المرافق مسترسلا: فمع هكذا حالات وبحسب القوانين المعمول بها في هذه الدائرة والدوائر المشابهة لها وعلى مستوى الدولة ومن أقصاها الى أقصاها، سيستوي العاقل بالمجنون والمتهم بالبريء فكلهم ووفق الصلاحيات الممنوحة لنا مذنبون حتى إثبات العكس، ومن لا يروق له هذا القانون أو العرف، فهناك غرفة أخرى، بها من الامكانيات والوسائل ما يمكننا من إستنطاق مَنْ لا قدرة له على النطق.
 صاحب السيكَار لم تخرج من بين شفتيه الاّ عبارة واحدة، وجَّهها للسيدة التي تقف أمامه: لكِ كل الحق وكامله في كيفية تدوين الأقوال والاعترافات ولكن بما نمليه نحن فقط، دونما إعتراض أو تعليق. أعقب ذلك أن سحب نفساً عميقاً من سيكَاره، محاولا تقليد سيده اﻷعلى شأنا ومقاما، حتى كاد أن يختنق لولا جرعة الماء التي أسْعِفَ بها، ليدلل مرة أخرى وبما لا يدع مجالا للشك على حداثة عهده وبجهالته لكيفية إستخدامها، غير انه أصرّ على تكملة ما أرادَ قوله، وباسلوب لا يخلو من تهديد: لكي يكون الأمر واضحا وحتى لا نُلام أو نُعاتب، فلنا في ذلك طريقتين (يقصد هنا كيفية إنتزاع الاعترافات)، وسنترك لكِ حق اختيار أي منهما.
أحد مرافقيه راح مضيفاً: فأما أن تدوني مباشرة وبيديك الناعمتين، الحلوتين، أي نعطيك أوراقا أنيقة ومذهبة الأطراف، مُعطَّرة، وأقلام حديثة الصنع وبإمكانك الإحتفاظ بها إنشئت وبعد إكتمال المهمة، وتتخذي من إحدى الغرف اﻷنيقة داخل الدائرة، مكانا للشروع في الكتابة. أو إن رغبتِ وكي لا تجهدي نفسك ويخونك التعبير، وحتى نُسهل اﻷمر ونثبت لك كم نحن مرنون، متسامحون، فهناك طريقة أخرى، وذلك من خلال ما يسمونه بالتسجيل الصوتي، وهو جهاز متطور جدا وسهل الإستخدام، ولا أظنك قد رأيتِ أو سمعتِ به من قبل.
 عند وصوله الى هذه النقطة، قاطعه مسؤوله اﻷمني موضحا: نرجو أن لا تسيئي الظن بنا، حاشى لله، فليس في نيتنا الترويج أو التسويق لهذا الجهاز الحديث الصنع، بل هذا ما إعترفت به كبرى شركات اﻷمن المختصة في كيفية إستنطاق المتهم والحصول على المعلومة، والتي سبق لبعض الدول الصديقة والشقيقة أن دشنته ودخل حيز التنفيذ وقبل أن يصلنا، وإذا لم يرق لك أي من الخيارين فهناك طريق ثالث لإنتزاع ما نريده من النساء تحديدا، ونتمنى أن ﻻ نصل اليه، ولعلك فهمت القصد . (هنا بدأ يصعد من لغة التهديد).
  حتى اللحظة لم يلحظ أي ردة فعل من السيدة التي تقف أمامه بإستثناء موضوع واحد حين سَألَته: ما هي نوع التهمة الموجهة لي. ردَّ عليها، سَبٌ الذات الإلهية، واﻷهم من ذلك التطاول على قيادة الدولة. وعن التهمة اﻷخيرة راحت معلقة: مَنْ تقصد بالقيادة، فأنا أرى مجموعة من الصور خلف ظهرك وكلهم زعماء، فبها المعمم و اﻷفندي ومن لا زال محتفظا بطربوشه رغم أفول عهدهم. وبسبب من ذلك الإعتراض الصادر من قبل السيدة والذي إعتبره قدحاً بالزعامات التأريخية، راح مصعدا ولينتقل الى اسلوب آخر من الضغط والتصعيد، فتجده ناهضا من كرسيه وبردة فعل عنيفة، ليقف أمامها وليفتضح أمره، لما بدا عليه من هزالة في هيئته وبنيته. الملفت في اﻷمر هو شكل بزته والرتبة العسكرية التي يحملها على كتفيه، فكلاهما لا تعكسان هوية بلد بعينه، فهما خليط ولاءات متعددة، وهنا إختلط اﻷمر على السيدة وباتت في حيرة، فراحتُ متسائلة في سرّها، أمام مَنْ أقفُ ويمثّلُ مَنْ؟
تخلَّصَ من كرسيه الهزاز بصعوبة، فإندلاق كرشه ومن كل جهات بطنه كان عائقا واضحا في ذلك ، ثم راح يقطع الغرفة ذهابا وإيابا، متطلعا في ضحيته بين حين وحين وقد بانت عليه جلية علامات التعب والارهاق، شاكيا لمرافقيه من أمرين، أولهما صعوبة تنفسه، وثانيهما طول فترة التحقيق، التي لم يتوقع لها أن تستغرق كل هذا الوقت، مقارنة مع تجاربه السابقة، واﻷنكى من ذلك انه  لم يخرج منها بحصيلة ترتجى، لذا أعطى إيعازا لمرافقيه بإقتيادها الى إحدى الغرف الواقعة في الطرف الثاني من المبنى والمخصص أصلا للحالات الصعبة والعصية كما يسمونها.
 أدخِلَتْ السيدة في غرفة بدت معتمة، ما خلا بصيص ضوء بالكاد تسلل خجولا من بين ثنايا نافذة صغيرة جدا، معلقة في سقف المبنى رغم انَّ الوقت وقت ضحى،. مسحت الغرفة بعينيها المتعبتين، علّها تعثر عما يريح جسدها المنهك فلم تجد. سلَّمت قدرها لنعاسها الذي غلبها فراحت ممدة كما المسجية على أرض خشنة الملمس، فراشها الحصى وغطاءها بقايا كرامة وطهر لا زالا لصيقين بها. لم تمضِ الاّ دقائق معدودات حتى بدا الطرق على باب الغرفة عنيفاً، متواصلا وليفتح الباب على أربعة رجال من طوال القامة، تراهم متدافعين، متبارين للوصول اليها والنيل منها،  لتبدو كما الغنيمة التي طال إنتظارها. وحسما للخلاف الدائر بينهم، راح كل واحد منهم ينهش فيها كما يطيب له ويحلو حتى أغشي عليها، وبقي اﻷمر كذلك لقرابة اسبوعين متواصلين، حتى تم الإفراج عنها لعدم كفاية اﻷدلة. وعندما سئلت عن أي اﻷماكن تفضل إيصالها، فكان لها شرطا واحدا، وهو رفض العودة الى مدينتها بعد أن جرى لها ما جرى، مفضلة أن تكون بعيدة عن اﻷهل، كي لا تتسبب لهم بفضيحة أو طول لسان.
  فيما بعد وكما جاء في الاخبار، فقد شوهدت ولمرات عديدة في إحدى المدن البعيدة، مفترشة اﻷرض عند مدخل أحد المقاهي، بشعر أشعث والشيب قد غزا مفرقيها، وملابس بالكاد تغطي جسدها المتهالك، تتسقط من هنا وهناك عقائب السكائر التي يرميها المارة، لتنفضها عما تعتقده قد علق بها، ثم تقوم بمضغها وتبصقها بإتجاه أي شبيه بأولئك اﻷربعة الذين تناوبوا على إغتصابها وخامسهم كلبهم ومسؤولهم اﻷمني، لتُحرم  والى الأبد من اللقاء بأهلها مرة ثانية.
     
                          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 سعدية، يمّه سعدية، الساعة تجاوزت العاشرة صباحا، كان عليك النهوض قبل هذا الوقت. استفاقت بصعوبة بعد سماع مناداة والدتها المتكررة وهي متصببة عرقا، وأصوات  تشبه الهذيان تصدر منها بين لحظة وأخرى. في البدأ إختلط عليها اﻷمر وتأرجح، بين أن تكون في حالة حلم أم حالة صحو،  وبعد أن إستقرت وعدَّلتْ جلستها،شكت لوالدتها ثقل الحلم الذي رافقها طيلة الليلة الفائتة، ولتبتسم أخيرا بملأ شدقيها وتعم الفرحة أجواء البيت. فها هي سعدية بعفتها وببدلتها الناصعة البياض، كفراشة زاهية الألوان، تضوع منها الطيوب، تطير على أنغام الحب والموسيقى كما تشاء وتحط أينما تشاء.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو
   

42




أليكََََ وَمَنْ يَشبهكْ

 الساعة تقترب من السادسة صباحا. عاد للتو من وردية عمله ولم يسمعه أحدا حين ولوجه الدار بإستثناء ولده اﻷكبر، جرَّب مختلف المهن واﻷعمال من أجل حل وتجاوز أزمته الإقتصادية، والتي باتت تشكل بالنسبة له ولعائلته مشكلة أزلية. له من اﻷبناء خمسة، ثلاثة منهم تخرجوا من جامعاتهم تباعا وقبل عدة سنوات، غير ان الحال بقي على ما هو عليه إن لم يزدد سوءا، فليس أمامهم من معيل سوى رب هذا البيت، وعندما يُسأل لِمَ لم يتحسن الوضع يا فلان فسيقول لك: الدولة باتت تحت رحمة وتسلط (اليسوة والميسوة) وأظنه مصيبا في رأيه هذا.
 رغم إنحناءة ظهره الاّ انه يتمتع بمعنويات عالية أو قُلْ هي مفروضة عليه أو هذا ما يحاول ألتظاهر به، فللكرامة شروطها وأثمانها والعض على الجرح وتحمله من شيمة الرجال. ﻷنه كان مرهقا من أثر السهر والعمل، فقد وجد نفسه متجها ودون إرادته الى غرفة نومه كي يأخذ قسطا من الراحة، رغم انه لا زال في ملابس عمله. فاجأه ولده بأن أحدهم حمل له رزمة ثقيلة من اﻷوراق وربما بينها من الصحف، وحين سأله الوالد عمَّن أتى بها، سيردَّ عليه أنه أبو فلان، تذكره اﻷب من فوره فهي كناية متعارف عليها ويجري التعامل بها عند الضرورة، لذا قام على اثرها ومن غير أن ينبس ببنت شفة بتغيير ملابسه ليرتدي بنطاله اﻷثير وجاكيته اﻷزلي وقميص حائل اللون لكنه لا زال يحتفظ ببعض بياض أو هكذا يتراءى له.
 وقف أمام المرآة، غسل يديه ووجهه، عدَّلَ من هندامه ومن دون أن ينسى المرور على شاربيه ليشذيها بعناية فائقة وبمقص لا يزيد حجمه عن راحة اليد، أنه رفيق أسفاره، في مسراته وأوجاعه، فقد ظلَّ ملازما له منذ سنين بعيدة. وعن ذلك يقول: في أصعب اللحظات لم أستغنٍ عنه، خاصة وقد اخترت له مكانا مريحا، بعيدا عن اﻷنظار، انه جيب صغير، واقع  في إحدى زوايا الجاكيت الخفية، كانت قد خاطته لي سيدة البيت. ومما يُذكر عن هذا اﻷمر وفي كل مرة يجري اعتقاله وهي كثيرة، أو حين يساق الى دائرة أو جهة غير موثوق بها، أو سيتوقع منها ما لا يُسرُ القلب، فسيوعز لزوجته بتزويده بمقص شاربيه معه فقط وليس من شيء آخر. وتسهيلا للأمر ولتمييزه عن اﻵخرين فقد أطلق عليه محبوه وأصدقائه كنية ظلَّت لصيقة به ومن غير أن تسبب له حرجا أو يجد فيها ما لا يناسبه رغم كل التغيرات السياسية التي وقعت، أنه رشيد أبو شوارب.
 وضع رزمة اﻷوراق أو إن شئت تسميتها بالصحف في حقيبة بالية، مقطعة اﻷوصال لم ينفع معها الرتق رغم كل المحاولات التي بُذلتْ . وﻷنها صغيرة الحجم فقد بانت من إحدى جوانبها بعض ما تحتويه. أبى ولده أن يتركه ليحملها وحده، غير انَّ اﻷب أصر على إبقاءه بعيدا عن تحمل المسؤولية، وذلك درءاً لأي   طارئ أو حدوث أمرٍ لا تُحمد عقباه، ففي  الحقيبة من المصائب والممنوعات و(البلاوي) ما لا طاقة لولده عليها. وإلتزاما بما تم الإتفاق عليه في وقت سابق مع مَن حمل له البريد وضرورة تنفيذ ما طُلِبَ منه، وقبل الشروع في الخروج من البيت، راح متلمسا شاربيه، وفي حركته هذه والتي كان قد اعتاد عليها منذ سنوات، ما يشير الى صعوبة المهمة، لكنها أيضا تؤشر الى إستعداده لها، والرجل يظهر معدنه عند المنعطفات العصية.
قطع أحد أزقة بغداد الشعبية العريقة ليصل في نهايته جامع الحيدرخانه، وقبيل إنعطافه ودخوله الشارع العام التقى رجلا أكبر منه سناً، تبدو عليه علامات اﻷناقة والبساطة بوضوح شديد، معتمرا قلنسوة تليق بوقاره وزهده، لكنه صَعُبَتْ عليه خطواته من أثر الكِبَرْ، لذا طلب ممن صادف وجوده هناك مساعدته على الوصول الى الجامع، فما كان من صاحبنا الاّ أن يضع الحقيبة جانبا ويستجيب لرغبة الرجل. بعد قطعه لبضعة خطوات، إستفزته رائحة القهوة العربية المنبعثة من محل آرتين اﻷرمني، رغم المسافة الفاصلة بينهما ورغم تيقنه من إغلاق المحل قبل سنوات.
صباحات بغداد لم تعد كما كانت أيام زمان.(قال ذلك في سرّه). ولكي يزجي الوقت فقد قرر التوجه الى مقهى أم كلثوم من دون أن يعير إهتماما لما يحمله من أثقال ولا لبعدها النسبي، فكان له ما أراد، غير انه وجد المقهى مغلقا. أوصال شارع الرشيد مقطعة وعربات الدفع والسابلة يعبثون به كما يشاءون وشاء لها القابضون على السلطة، أين شناشيلها؟ أين أبوابها المفتوحة للأحبة والغرباء؟ أين مقاهيها؟ أين حاناتها؟ أين... أين ....؟( عن ماذا تتحدث يا رشيد، دَعْ همّك لك). حزن على   بغداده وما أصابها ولكن لم يسمعه أحد .
 ارتكن جانبا، جعل من حقيبته مكان إستراحته ومتكأه. أخرج علبة دخانه،سحب منها إحدى سكائرها، أجال بنظره الشارع الطويل الذي عبثت به اﻷقدار وشلة من الجهلة واﻷميين وحديثي النعمة وكل مَنْ دخلها بغير حساب. تذكَّرَ إحدى التظاهرات الطلابية التي خرج فيها أسوة بزملائه يوم كان يافعا. راح مسترجعا بعض الصور واللقطات التي مرَّت به: هناسقط فلان جريحا. على الرصيف المقابل حشَّدَت السلطات بعض من مرتزقتها كي تُفسٍد على المتظاهرين ما كانوا قد خرجوا من أجله. على بعد خمسين مترا من هنا أوْقَفَ رجال اﻷمن ثلاثة من أنشط الطلبة والمتصدين للأجهزة القمعية وأدواتها القذرة. وﻷن الرجع أخذه بعيدا فقد أوشك أن يُشعلَ سيكارة أخرى، الاّ انه إستدرك، فالوقت لم يعد يسعفه لذا حمل أثقاله وليتجه بها نحو هدفه.
 دخل شارع المتنبي من إحد فروعه التي ظلَّت راسخة في ذاكرته، فمنها تعلَّمِ كيفية الزوغان والتواري والإنفلات من قبضة عسس الليل والنهار، فاليوم يوم جمعة وسيعج الشارع ويرفل بالكثير من الزائرين، من ذوي الإختصاص والطلبة ومن المهتمين براحة الروح وما يسطرون. وسيؤم حضرة المتنبي ويأتونه من كل حدب وصوب، لِمَ لا وقد بات قبلة ومتنفسا ووجهة لكل من ضاقت به العبارة حتى إختنق، جراء الوضع القائم ومهازله، لذا اختاره مكانا ﻷداء مناسك الحب التي يحملها بين كفيه وعقله.سبقه الى ذلك حشد ليس بالقليل ممن إفترش اﻷرض بأمهات الكتب وأغناها. فهو المكان الذي لا يقل طهرا ونبلا، ولا يختلف كثيرا عن تلك الأماكن التي يولّي وجهها الزائرون في بعض المناسبات. هكذا قرأ المكان رشيد أبو شوارب وكان حقاً كذلك.
 للمرة اﻷولى خلال مسيرة العشق التي قطعها،سيجد نفسه مكلفا في مثل هكذا مهمة، سيسائل نفسه: ما حيلتي وقد أخذ مني الخجل  مأخذا، ولم تسعفني في ذلك أو تعينني حتى شاربيَّ التي أباهي بهما، ولا أخفيكم القول، ففي لحظة ما كدت أن أتراجع عن تنفيذ ما أوكلَ لي لولا ما لاقيته من تشجيع ودفع من صاحبي عازف الناي، حيث إستبقني الى هناك ويا لها من صدفة جميلة، فما بيني وبيه رابطة قديمة، تعود جذورها الى ما ينيف على العقدين من السنين، يوم  استدعينا سوية الى إحدى دوائر اﻷمن بعد عودتنا من خارج البلاد، حيث ساق اﻷمر مَنْ بيده  اﻷمر نحو تفسير واحد أحد، لا يقبل الرد أو الطعن: لقد كنتم في زيارة مريبة، مشبوهة، ونحن لكم بالمرصاد ولسنا بغافلين.
 فتح حقيبته بمساعدة عازف الناي، أخرج منها رزمة من اﻷوراق أو سمّها ألصحف، قلَّبها، أطال النظر في عناوينها الرئيسية، تفاجأ بها، أخذته الدهشة والغبطة،شدَّ نظره عنوانا رئيسيا، كان قد خُطَّ باللون اﻷحمر العريض وقد تقطرت من بين ثناياه رائحة الورد، ملأ عُرض الصفحة اﻷولى من الجريدة. قال في سرّهٍ صاحب الذكر: اليوم يومك يا رشيد، والشوارب التي تحملها إن لم تلِق بك فبمن تليق، ثم راح حاملا بين يديه مجموعة من أعداد الجريدة لينشد وبأعلى صوته بعد أن إستمد شجاعته من عناوينها: لا للطائفية، لا للمحاصصة، لا للإحتلال، كل السلطة للشعب، لا للتبعية، لا للتدخلات اﻷجنبية، نعم لكامل السيادة، نعم للتآخي، اﻷرض لنا والسماء لنا ....... . ثم راح مضيفا وبحماس شديد: إقرأوا صوت العمال  والفلاحين والطلبة والجنود البواسل، إقرأوا صوت الشعب، إقرأوا صوت الغد، إقروأ صوت العقل والبديل الديمقراطي، إقرأوا صوت الحقيقة كل الحقيقة. وعلى أثر تلك الصرخة وذلك اللحن الشجي، ترى الناس وقد تدافعت وبفرح غامر نحوه، من أجل الحصول على نسخة من ذلك المطبوع، وما هي الاّ دقائق حتى إستُنفِذَتْ كل النسخ التي كانت بمعيته.
  بعد أن أنهى مهمته على أكمل وجه، وبعد أن حيّا عازف الناي، حزم رشيد أبو شوارب أمره وحقيبته ليعود الى بيته. قرر أن يمر بذات الزقاق الذي أوصله الى شارع المتنبي، ففيه من الفأل أحسنه وفيه من التأريخ أعطره. حين وصوله البيت سوف لن يقوى حتى على تغيير ملابسه بل سيكتفي بقدح من الماء وقبلة سيطبعها على جبين مَنْ يسميها بثابتة الجنان وسيدة البيت، بإنتظار يوم جديد وإنبلاج غد يعمه السلام والمحبة، وإن نسي أمراً فسوف لن ينسى  المرور على شاربيه.

  (ملاحظة مهمة: المقال أعلاه جرى إستلهامه بعد الإطلاع وعبر مواقع التواصل الإجتماعي على مقطع فديو لم يستغرق من الوقت طويلا، على رجل وهو ينتصف وقوفا شارع المتنبي، ويقوم بتوزيع إحدى الصحف المعارضة، ولعل هناك بل هناك بكل تأكيد من الرجال والنساء ممن يحدوهم اﻷمل وبهم من الشجاعة ما يكفي أو يزيد، للقيام بهكذا أنشطة، تُظهرُ وتفضح مدى المأزق والتراجع الذي بات يضرب بأطنابه أركان الدولة العراقية وكيف إنسحبت تداعيات كل ذلك على المجتمع العراقي برمته، ولابد من وقفة واحدة، صلبة، ثابتة، تضع اﻷصبع على الجرح، لا تهزها الغربان ولا تفل من عزيمتها تلك النفوس الوضيعة، ولنعمل سوية من أجل غد أفضل لبلادنا العظيمة).

حاتم جعفر



43
المنبر الحر / في مقام السيدة
« في: 05:44 25/04/2019  »

   في مقام السيدة

 ليس لي من طريق آخر يوصلني الى غايتي سوى ذاك الذي يمر بالحضرة المقدسة، لا لأنه سيختصر المسافة التي تفصلني عن هدفي فحسب وانما لما يبعث فيَّ من سكينة وطمأنينة، ستعينانني بكل تأكيد على تبديد والى حد ليس بالقليل من متاعبي وهمومي. وأنا في دربي هذا وما ان إجتزت إحدى بوابات المزار الشريف وعلى حين غفلة ودون قصد، وعلى الرغم من حجم التدافع والتزاحم الكبيرين والتي عادة ما يشهدها المقام في مثل هذا الوقت، ومن بين عشرات العوائل والنسوة المفترشات الارض، سقطت العين على العين، فبدا كلانا كما الذي راح يسدد سهمه نحو اﻵخر وفي ذات الميقات.
 هي لحظة خاطفة إذاً، أعادت بذاكرتي الى هناك، فرحتُ معيدا النظر من جديد بتلك المرأة بتمعن ولأستغرق من الوقت أطول من سابقه. وعند اللحظة التي كادت عيناها تفضحها وﻷنها أحسَّت ببعض حرج، لَجَأتْ الى مشاغلة نفسها بأمر ما، مستغلة رفع أذان الظهيرة وتلك الدعوات المصاحبة له والتي تحث على أداء فريضة الصلاة. هل لخجل ما إنتابها! لا أعتقد ذلك فلها وعلى ما أجزم من الأبناء ما يفوق عمري بسنين عديدة، أم تُراها هي اﻷخرى لم تصدق ما تراه عيناها! ربما. هل ستتسائل في سرها من أكون! هل أنا بعينه مَنْ أرجعها لسنين بعيدة! أم انها أرجأت ما أنبأته به ذاكرتها، أملاً  في أن أقوم بحركة أو مبادرة ما لتتأكد وتعزز من صدق ظنونها وما ذَهَبَتْ اليه.
 انها هي، اُقسمُ بحق هذا المقام المقدس والذي أدور برواقه وتحت رحمته وشفاعته وبحق السيدة الراقدة فيه. اُقسمُ بكل النوايا والصدف الطيبة والمستحيلة، التي أتت بي وبها وفي لحظة واحدة لتجمعنا في هذا المكان النائي عن اﻷهل والوطن المدمى. (رحتُ مفكراً)لنفترض ان اﻷمر قد التبسَ عليَّ بسبب خطوط العمر التي بانت على وجهها، لكني أجزم بأني لم اُخطىء التقدير أبداً، فها هي روحها وها هو حضورها. لا زالت تحمل والى حد كبير ذات الملامح ومذ رأيتها أول مرة في ذلك الحي العتيق، يوم كنّا صغاراً نلهو في أحد أزقته. ضحكتها هي العلامة الفارقة والمميزة التي لا يخطئها السمع، بل قُل أني أراها من ضحكتها تلك، فهي معها وهي هويتها أينما حلَّت وارتحلت.
 لم تتوقف دهشتي ولا قلقي، وكي أقطع الشك باليقين، شرعت من جديد بإعادة النظر وتقليب كل الإحتمالات بما فيها البعيدة وحالة من الإرتباك والتيه لا زالت تلازمانني، حتى رُحت وفي لحظة ما مشككا بما رأت عيناي. أهي الصدفة وحدها، أم هي ضربة حظٍ كنت قد يئست من أن تأتي ذات يوم ولكنها أتتْ . لم تتغير كثيرا رغم زحفها على السبعين من العمر، هذا حضورها وهذه بهجتها. بعض خطوط وغضون لامستا بل حفرت قليلا جبينها والوجنتين لكنهما لم يغيرا كثيرا من ملامحها، فحمرة خداها زادتها بهاءاً ونظارة وقبلهما أمومة وهيبة. بُتُّ في حيرة من أمري، فكيف لي أن أختبر ذاكرتي! ربما، وهذا إحتمال ضعيف جدا سَتُسمعني كلاما ثقيلا إن اقبلت عليها، وفي حالة كهذه أكون قد وضعت نفسي في مشكلة لست مضطراً عليها، بل لأكون صريحاً واضحا فأنا مجبر على فعلٍ كهذا، فليس لي من خيار آخر وليحدث ما يحدث!.
 وقبل الشروع فعلا فيما انتويته إلتفتُّ الى من يرافقني والذي كنت قد نسيته لبرهة من الوقت بل نسيت حتى الغاية التي جئت من أجلها الى هذا المكان، بسبب الصدمة التي ما إنفكت تلازمني حتى بتُّ في وضع لا أحسَدُ عليه. سألت صاحبي ومن دون النظر اليه وحالة من القلق والإرتباك تلفّان بي، ماذا تقول، هل أقبلُُُ عليها؟ فها هي تنظر اليَّ بدهشة كما أنا مندهشٌُ وربما كنت أكثر منها. تفاجأ صديقي وأستغرب حالتي حتى بادرني: عمّا تتحدث، لقد احترتُ حقاً لحيرتك، ما لهذا الإضطراب الذي عصف بك ونزل عليك كالصاعقة؟ ما عليك يا صديقي سوى أن تُهدأ  قليلا، فإن كان اﻷمر متعلقا بإحداهن ممن شدَّ انتباهك وشغل بالك، فيمكنك معالجة الموقف بروية، ولا أظنك عاجزاً أو قليل حيلة، وعهدي بك أن لا تخطىء ما تبتغيه. ومن غير أن أقوى على مقاطعته راح مسهباً كعادته: وسهمك ماض لا توقفه أو تمنعه أية عوارض أو حواجز، وانك لقادر على قراءة الوجوه والنوايا، ولا تنقصك حكمة التصرف والمبادرة، ولك من الخبرة ما يؤهلك لترويض أصعب الفرائس، حتى وإن بدت عصية أو تظاهرت بالتدلل والمحاذرة.
 قلت له تمهل، لقد ذهبتَ بعيدا في ظنونك يا صاحبي، فالذي يدور بخاطرك ليس كما الذي يدور بخاطري، ولا شك انك أخطأت هذه المرة في تقدير ما اُفكر به، والأمر لايستحق كل هذا الإسترسال، فأنا الآن في حالة لا اُحْسَد عليها، أشعر أنَّ دواراً بدأ يضرب رأسي، فالازمنة والاشخاص والاحداث واﻷماكن كلها تداخلت واشتبك اﻷمر عليَّ، وفي لحظة كهذه بتُّ أشعر بالحاجة لأن أسترجع وأعيدُ ترتيب بعض ما فاتني من الذاكرة، لذا ارجوك أن تبقى معي لبعض الوقت كي ندور المقام المقدس سويةً، فربما تسكن الروح وتهدأ عما أصابها من جرح طارىء، وكلّ ما عليك فعله هو أن تتحملني حتى أخرج من حالة الارباك التي تتملكني اﻵن.
 أخيراً وبعد تردد وما أن أكملنا دورتين حول المزار المقدس، استجبت لنداء صاحبي ونصيحته، فحزمت أمري وعزمت على الإقتراب من جمهرة النساء على أمل ملاقات تلك المرأة. وقبل أن أشرع في الكلام وفي الطريق اليهن، أحسست بعبق الورد وعبق تلك الأيام الغابرة، معيدة بي الى ذلك الزقاق الذي كنت قد مُنعتُ من الدخول اليه لبضعة أيام بناءاً على وصايا ورغبة الكبار. وأنا موشك على الوصول اليهن كدت أعود أدراجي، فالمرأة التي أقصدها وعلى ما بان أمامي لم تكن بينهن في تلك اللحظات، ولكني راهنت على مَنْ كان برفقتها، فهن وعلى اﻷغلب ينتمين الى ذات المدينة وذات الحي الذي قَدمنَ منه، وهنَّ أيضا وسيلتي للوصول اليها:
ــ مرحباً
ردّت عليَّ إحداهن مرحبة بأجمل من تحيتي.
ــ هل تتذكرينني؟
وجهك ليس غريباً، ولكن دعني أفكر قليلا.
 (أنتظرت جوابها ولا أخفيكم القول فقد كنت في حالة تراوحت بين الخجل الذي أصابني لحظة الإقبال عليهن، وبين اختبار ذاكرتها).
أجابت: اعذرني يا ولدي فأنا غريبة هنا وجئت لزيارة هذا المقام المبارك.
-أعرفُ ذلك جيدا، وانا مثلك غريب أيضاً.
ـ آه ...هذا صحيح فأنت تتحدث بلهجة أهل بلدي.
ـ بل قولي بلهجة أهل مدينتك وحيّكِ..
(هنا وعلى وقع المفاجأة تراجعتْ قليلا الى الوراء، كي تعيد ترتيب جلستها، إستعداداً لحديث قادم سيكون أكثر جدية).
ـ أفهم من كلامكَ انك من مدينة ....؟
ـ نعم.
ـ وما الذي أتى بك الى هنا؟
ـ هذا حديث طويل يا خالتي.
إلتفتَتْ الى النسوة اللائي كنَّ يجالسنها ويشكلن نصف دائرة كبيرة نسبيا، وهنَّ يرتشفن الشاي بعد أن انتهين توا من أكل وجبة دسمة، كانت قد جرى إعدادها سلفا، لتعّبر تلك المرأة التي حييتها عن سعادتها، لملاقاتها أحد الاشخاص الذي سيعينهم حتما على تلبية بعض رغباتهن، غير أنها ولحد الآن لم تتأكد من شخصه، مما دفعها لأن تدور ما استطاعت وبكامل جسدها الى احدى النساء من بين اللواتي كنَّ برفقتها، غير أنَّ عباءة اﻷخيرة كانت قد حجبت عني ثلاثة أرباع وجهها، لتستفسر منها ان كانت تعرف هذا الشاب الواقف، فطريقته في الكلام وبعض ما تلفّظ به، تشير بل تؤكد على انه ليس غريبا عنّا. وبمجرد أن دارت  هذه المرأة برأسها الى جهتي وركزت قليلا بوجهي حتى صرخت بصوت عالي، لتبدو كما الشخص الذي فقد صوابه، ومن دون أن تبالي أو تعير اهتماما أو اعتبارا خاصا لحرمة المكان المقدس الذي يحيط بنا: يا إلهي، انه قيس .... انه قيس إبن..… .  تفاجأت بدورها المرأة التي  كنت قد سلّمتُ عليها أول مرة، لتكمل حديثها معي:
إذن أنت ابن .....؟ (كعادة نساء الشرق، فإذا أردن التعريف بشخص ما، فسيلجأن الى إلحاق إسمه بإسم الأم لإثبات نسبه).
ـ بالضبط.
ـ لقد تغيرت كثيرا يا ولدي وكبرت قبل أوانك!.
ـ هذه الغربة وهذه لعبتها.
ـ ألم تفكر بالعودة بعد كل سنين الغربة الطويلة؟.
ـ وهل تغيَّر شيء يشجع على ألعودة؟  فبحسب ما يرد من أخبار فإن الامور في طريقها لأن تزداد سوءاً.
 (ردت على قيس بلهجتها الخاصة والعامية وبتعبيرات بسيطة لكنها تنم عن عمق بالتفكير)
ـ ولكن عندي سؤال، أشو كلكم إنهزمتو، مدكَلولي منو راح يغيّر؟
 بين أن يداري حرجه وبين أن يعيد للذاكرة تلك الأيام البهية التي مضت، راح قيس يدور في متاهة تنسيه عذاب التغرب ووحشة البعد عن الأهل والأحبة، مستذكرا ذلك الزقاق ورائحة الورد المشفوعة بالدعاء التي تصدر من بعض النسوة ممن يحضرن طقوس الخلق، متمنيات ولادة طفل معافى، محروس من كل سوء، محمي بأئمة العشق وبكرامات رجال وهبوا ما يملكون في سبيل سعادة بني البشر. آه، كم هي جميلة تلك المعادلة التي تجمع ما بين العطر والولادة، فكلاهما يبعثان في الروح الراحة والرضا، قالها في سرّهِ.
 أتعرف عزيزي القارئ ما كانت مهنة السيدة التي التقيتها في المكان المقدس؟
لا تحتاروا جوابا، انها القابلة المأذونة أم ….. . ليس مهما ذكر الإسم، المهم في اﻷمر انَّ على يديها وُلدَ العشرات بل المئات من أبناء حيّنا العتيق وأحياء أخرى من مدينتنا وأجزم أن هناك مَنْ يشابهنها في مدننا اﻷخرى.

                   ( قد تكون لنا عودة لإستكمال موضوعنا هذا)

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو


44
الإنشقاق الكبير وتداعياته

(في تلك الحقبة من العمل السياسي وفي ظل ظروف بالغة التعقيد وتحت تأثير هجمة شرسة من الدولة، فقد إشتد الخلاف بين قطبين رأيسيين داخل الحزب الشيوعي العراقي، فلكل منهما رأيه الخاص في كيفية التعاطي مع الحكم الجديد حتى باتت القواعد الحزبية في حيرة من أمرها، فمنهم مَنْ التحق بهذا ومنهم بذاك، غير انهما يلتقيان على هدف واحد وهو الإخلاص والتفاني من أجل المبادئ السامية).
بدأت تظهر من على شاشة التلفاز بعض المؤشرات التي تنُبأ بإقتراب موعد بث الخبر الموعود. أعيدَ رصّ الصفوف ليقترب رواد المقهى أكثر فأكثر ويتحلقوا حول جهاز البث، تاركين أحاديثهم وتوقعاتهم جانبا. في هذه اﻷثناءصدرت بعض اﻷصوات من هنا وهناك ولكن لم تستمر طويلا فقد جرت السيطرة عليها بسرعة فائقة. مَنْ كان بمعيتي وأنا إتخذنا من المواقع اﻷمامية مجلسا لنا وصادف أن كان بجوارنا أحد الرجال المسنين، والذي كما يبدو ومن خلال بعض النظرات التي كانت ترنو اليه، يتمتع بحظوة وتقدير عاليين من لدن الحاضرين، ربما تقديرا لعمره أو لوظيفته التي كان يشغلها أيام زمان، أو إحتراما لسجله النضالي المشهود له، وهذا على ما نعتقد الإحتمال اﻷرجح.
حاولنا إستدراج الرجل المسن الذي يشاركنا المقاعد اﻷمامية، من خلال فتح حوار هامس قد يفضي الى الإفصاح والتكهن عن توقعاته بما ستنبأنا به اﻷخبار أو الضيف الذي سيظهر على الشاشة بعد قليل، الاّ انّنا لم نوفق وعلى ما نعتقد بسبب إنشغاله بشاربيه الكثين، اﻷشيبين أو هكذا بدا لنا، واللتان وبسبب من كثافتيهما وعرضيهما حتى كادتا أن تسدا منخريه، تذكران بشاربي ذلك الزعيم السوفييتي، الجورجي اﻷصل جوزيف ستالين.
صاحب المقهى إرتكن جانباً ليختار مكاناً إعتاد عليه ومع كل مناسبة رسمية هامة وحين يشتد  الزحام كالتي ستبث فيها المقابلة بعد قليل، وأكاد أجزم بأن إختياره لهذا المكان سيساعده على رؤية ما يظهر على التلفاز بشكل أوضح، وتجعله كذلك في موقع المسيطر على ما يجري من أحداث داخل المقهى وبكل جنباتها، فضلا عن حركة الدخول والخروج. أشار أبو جمعه بيمينه لكبير عماله بعد ولده الى تحمل مسؤولية إدارة المقهى بالكامل ريثما يتم الإنتهاء من متابعة ما سيجري.
قبيل لحظات من بدأ البث، علَّقَ أحد الجالسين في الصف الثاني وبصوت حاول فيه إسماعنا نحن فقط الثلالثة وﻷسباب نجهلها ما مفاده: بسبب ما تعانيه البلاد من مصاعب، فما أتوقعه أو قُُلْْ ما أتمناه هو خروج أحد المسؤولين الكبار من على الشاشة، ليعلن أمام الشعب عن إصدارحزمة من القرارات المصيرية والتأريخية، والتي ينبغي أن تكون مُنصفة وعادلة وجريئة، واﻷهم من ذلك كله أن تصب في صالح المواطنين، آملا أن تتضمن أيضا تراجعاً وإنتقاداًصريحا لتلك السياسات الخاطئة والخطايا التي إنتهجتها الدولة، فضلا عن الجرائم التي ارتكبتها، وإعترافاً كذلك بما إقترفت أيادي الحكم الجديد، الذي استلم إدارة دفة البلاد مؤخرا وبذات الوجوه والزمرة التي سبق لها وقبضت على مقاليد السلطة في عام 1963، وما قاموا به من تجاوزات، كانت قد  طالت نُخَبٌ طيبة وبريئة من أبناء الشعب. لم يُردّ على التعليق اﻷخير الصادر عن الرجل أي أحد، ربما بسبب خشيتهم من تطور اﻷمر ليأخذ بعدا أكثر خطورة، خاصة وأنَّ عناصر اﻷمن الموزعين على أركان المقهى، ما انفكت عيونهم وآذانهم وهي في حالة من الترقّبْ والإنتباه، لما سيأتي من أخبار من على الشاشة.
قُطعت البرامج المعتادة وبشكل مفاجئ، ثم تبع ذلك تثبيت علم الجمهورية العراقية في أعلى شاشة التلفازمن جهة اليمين مصحوبا بالسلام الجمهوري، فيما بعد ظهر علينا مدير الإذاعة والتلفزيون بدمه ولحمه وصوته ونظارته الطبية السميكة،  والذي كثيرا ما يبالغ في تحريك الحروف والوقوف عليها مطولا ليضعها كما يعتقد في مكانها الصحيح إعرابيا وبلكنة غَلُبَ عليها التمنطق على الإلقاء الطبيعي الهادئ والمتزن، حتى تظنه جالسا في إحدى قاعات التدريس وأمام حشد من التلاميذ ليقول:
أيها الأخوة المواطنون، يا أبناء الشعب العراقي العظيم، يا مَن خضتم معارك النضال والبطولة في سوح الوغى، يا َمن تصديتم لعملاء الإستعمار والصهيونية، يا مَن وقفتم صفاً واحدا كالبنيان المرصوص بوجه المتآمرين والمتربصين لمسيرة الثورة البيضاء المباركة، يا مَن سطرتم الملاحم البطولية، وبنيتم سياجاً شاهقا من الكرامة بوجه شلة من المتربصين المرتبطين بالأجنبي، يا مَن وقفتهم بوجه العملاء ومطايا الطابور الخامس ومستوردي النظريات واﻷفكار الجاهزة والدخيلة، والذين أرهنوا إراداتهم بيد الغرباء على حساب أبناء جلدتهم، سنكشف لكم اليوم عن آخر المحاولات التي قامت بها شلة مأجورة، ليس لها من همّ سوى الإلتفاف على مقدرات هذا الشعب الآمن، والعمل على إسقاط تجربته الثورية الرائدة والواعدة.
بعد أن رفع المذيع رأسه قليلا وبمواجهة الكاميرا ليواجه المشاهدين وجها لوجه في محاولة منه كما يبدو للفت إنتباههم، راح مواصلا: أيها الشعب العظيم، ايها المواطنون في شرق البلاد وغربها، ومن أقصى جنوبه الى أقصى شماله، نعرض عليكم الآن الإعترافات الكاملة لأحد العناصر المغرر بها والذي عاهد نفسه على التبرؤ والتنكر عما إجتهده من إنحرافات فكرية وقراءات خاطئة ﻷوضاع البلاد، كان من نتائجها أن ألحقت بالشعب والوطن أفدح اﻷضرار والخسائر وفي ظل ظروف بالغة الدقة، تستدعي من الجميع الوقوف صفا واحدا خلف القيادة التأريخية، التي تتحمل وزر إدارة البلاد بشرف ومسؤولية، ليكون بظهوره العلني هذا وأمام الملايين من أبناء الشعب، قد أعطى درسا بليغا لمن غرر بهم وعبرة لمن إعتبر، ليعلن أمامكم وبكامل إرادته وقواه العقلية والجسدية، عن ندمه وأسفه، عما قام به جناحه العسكري  المسلح، من أعمال تخريب وتفجير في العاصمة وبعض مدن وقصبات الوطن، حاثا وداعياً مَنْ سماهم برفاقه، بإلقاء السلاح والسير على خطاه والإلتحاق بالصف الوطني، جنبا الى جنب وكتفا الى كتف وبما يتفق وأفكار الحزب الحاكم. ومن خلال هذا الظهور سيعلن وبرغبته التامة، ومن دون ضغط أو تهديد من أحد عن إلتحاقه بالتجربة الثورية التي نخوضها، وأن لا مناص الاّ التعاون والعمل المشترك، فمصيرنا واحد، وعدونا واحد، ولنعمل سوية من أجل إنجاح تجربتنا الوطنية والوقوف صفاً واحداً بوجه أذناب الإستعمار وأدواته، والمجد ﻷمتنا المجيدة.
ثم راح المذيع مكملا: ايها المواطنون اليكم نص المقابلة التي جرت مع هذا الشخص الذي أعلن عن ندمه وبلسانه، وليعرب  عن إستعداده التام للتعاون مع السلطة الوطنية.......
 وبمجرد أن بدأت تظهر ملامح الشخص المعني من على شاشة التلفاز وحتى اكتمالها على نحو جلي، ومن قبل أن يُكمل المذيع مقدمته، تذكّره وعلى الفور ذلك الرجل المسن المتصدر للصفوف الأولى من الجالسين، لينهال عليه ودونما إنتظار أو مراعاة للجو المشحون بالتوتر وبعيون رجال اﻷمن، بسيل من الشتائم والسباب، ملحقها بحذائه الأيمن ليسدده صوب الشاشة، إحتجاجاً وتعبيراً عن غضبه وسخطه عما تراه عينيه وما تسمعه اذنيه. تبع ذلك كم هائل من التعليقات الرافضة والمستنكرة لما صدر من تصريحات، مرفقة بفردة حذاء اخرى مصدرها أحد الواقفين الذي كان يتابع هو اﻵخر مجريات المقابلة. غصَّت بثالث عبارات الغضب واﻷسى، لذا صعبت عليه القدرة على التعبير عن رفضه وإحتجاجه.
صاحب المقهى لم يجد أمامه من حل للسيطرة على الفوضى التي عمَّت المكان غير التوجه نحو التلفاز والتهديد بإغلاقه، إذ إعتبره مصدراً ومسبباً لكل ما يحصل، الاّ انه إضطر على التراجع عن ذلك في اللحظة الأخيرة، تحت ضغط الإعتراضات والصراخ الذي رافق ما كان ينتويه. مَنْ كان بصحبتي وأنا ضربتنا الدهشة واُصِابنا الذهول، فلم نقوَ على القيام بأي فعل، فوقع المفاجئة كان كبيرا ومدميا. تطلعنا في وجوه بعضنا البعض، حائرين، متسائلين ومحتجين أيضاً عن الدرك الذي أوقعنا فيه هذا الذي كُنّا حتى لحظات خلت نعده رمزاً للشجاعة، معولين عليه كي يقلب موازين القوى ونفخر في أن نسميه رفيقاً مقداماً،ستهتز له جبال الشمال وتفخر به أهوار الجنوب. الى أين سيأخذنا هذا السافل؟ قال أحدنا.
بدأ الناس يتقاطرون من جديد وبأعداد غفيرة وغير متوقعة نحو المقهى، وذلك بعد أن ارتفعت وتيرة الإحتجاجات وتصاعدت معها لغة الرفض. صاحب المقهى إنسحب من المشهد بشكل كامل وبطريقة ملفتة حتى إنتبه له البعض حين مغادرته، لَحِقَ به أحد رجال الأمن ومرافقيه، ربما إدراكا منهم وإعترافا كذلك بصعوبة السيطرة على ردات الفعل الصادرة من الحضور. في هذه اﻷثناءدخل المقهى شخص آخر لم يكن من بين جلاسه عند بدء البث التلفزيوني، غير ان ما ورد من إعترافات خطيرة على لسان الشخص الظاهر على الشاشة، والتي وصلت مسامعه قد أثارت غضبه، ليتجه وبسرعة ملفتة نحو التلفاز، ليتف وبملأ فمه على مَنْ كان رفيقه حتى اﻷمس القريب ومَن ظنه سيكون أول رئيس لدولة البروليتارية المنتظرة في منطقة الشرق الأوسط، والذي ما إنفك يراوده ذلك الحلم، حيث سيتساوى فيها الجميع تحت رايته الخفاقة، وتصبح تلك التجربة نبراساً ونموذجاً لدول اخرى واعدة، وستجبر آلة الحرب العالمية وزعيمتها على الإنحناء لها إجلالا وإكبارا.
أحد اﻷشخاص والذي كان قبل قليل قد شدَّ أسماعنا بالصوت الصادر عن بدراجته البخاريه القديمة، دخل المقهى هو اﻵخر بسرعة وهو في حالة من الإنفعال والغضب الشديدين، مهدداً ومتوعدا وعلى رؤوس الأشهاد بتصفية مَنْ أسماه بالنذل، والذي كان قد ظهر قبيل لحظات من على شاشة التلفزيون، قاسماً وبكل ما يمتلك من مبادئ وقيم، أن تكون نهايته على يديه. وأثر هذا التهديد وبحسب الأخبار الواردة ومن مكان الواقعة، فقد جرى إقتياده بُعيد مغادرته المقهى مباشرة، ومن قِبَلْ رجال الأمن الثلاثة، الذين كانوا قد عادوا ثانية ليراقبوا ردات فعل رواد المقهى، ليتم حشرْ صاحب الدراجة البخارية في إحدى السيارات المظللة ويودع في أحد أقبية اﻷمن. وفيما بعد وعلى ضوء ما تسرب من أخبار، فقد جرت محاكمته بتهمة حيازته للسلاح وتهديده ﻷمن الدولة والمجتمع. يقال ولم يجرِ التأكد من ذلك، بأن فترة العقوبة قد خُفضت واطلق سراحه قبيل إنبثاق ما سمّي بالجبهة الوطنية، في بادرة وُصفت بحسنة النية، تمهيداً كما أشيع لذلك الإتفاق الذي ابْرمَ فيما بعد بين حزب السلطة وبعض الأطراف المعارضة له.
في صبيحة اليوم التالي على تلك المقابلة الشائنة، ظهرت في أغلب المدن العراقية ردات فعل عنيفة وصاخبة، تمثلت بالشعارات التي ازدانت بها جدران بعض المحال والمقاهي الشعبية، لتعبر عن رفضها القاطع لتلك التصريحات والإعترافات، مُدَعَّمة ببيانات الإستنكار والشجب، بسبب هذا الظهور المتخاذل لذلك الشخص، محملة إياه مسؤولية كل قطرة دم ستساح في مقاصل دوائر اﻷمن ومؤسساته القمعية.

حاتم جعفر
السويد - مالمو

45
المنبر الحر / حبيبته سلمى
« في: 18:02 22/03/2019  »


حبيبته سلمى

(بدل أن تكون مؤرخا للعطر، كن الزهرة التي تفوح منه، قال أحدهم. مدخلا كهذا ارتأيته بديلا عن ذكر سيد سيرة هذا المتن، أو إذا شئتم فلنسميه بذاك الذي حبيبته سلمى).
حاول أن يسير على خطى بعض الخطاطين العرب والعراقيين من قبلهم. ونزولا عند حماسه وإندفاعه راح يستعير بعض الكراسات ذات العلاقة من هنا وهناك. وعن ذلك وفي مرة من المرات إرتجى من أحدهم وقبيل توجهه الى اسطنبول لغرض لم يعد يتذكره، أن يستجلب له ما تقع عليه عيناه وتلتقطه في هذا المجال، وبشكل خاص ما كانت يدا الخطاط التركي الشهير حامد الآمدي قد إختطته، محاولاً مسك فنون الخط العربي وجماله من عليائه، إعتقاداً منه بقدرته عليه، غير انه وللأسف لم يفلح في ذلك وعلى النحو الذي حَلَمَ فيه، فما بين الرقعة والثلث وصولاً الى الكوفي، دَهرٌ من الوقت والتجربة والصبر والمراس المتواصل، لذا تجده وبعد فترة ليست بالطويلة وقد بدأ الملل يأخذ منه مأخذا وبالإتساق مع بعض الإخفاقات، والتي ستحول بينه وبين مواصلة رغبته. وللأسباب اﻵنفة قرر وبحسرة ترك محاولاته هذه وبشكل نهائي، ومن قبل بلوغه منتصف الطريق، على الرغم مما لاقاه من تشجيع ودعم من أطراف عدة، ومن تمكنه كذلك في تحقيق بعض النجاحات. ربما يكون طيب الذكر في ذلك قد إستعجل قرار مغادرته هذه الهواية، ولكن ما حيلتنا فاﻷمر عائد له بلا شك.
لم يتهاون أو يفقد الأمل، فالجمال وبواباته ليس لهما حدوداً ولابد من طرقها تباعاً، حتى يستقر قراره على إحداها، إبتداءاً من تلك التي يعتبرها الأقرب الى قلبه وقدراته، نزولاً الى ما سيليها تباعا، دون أن ينسى أو يغفل عما يميل لها عقله وعاطفته ورغبته، فالعمل الإبداعي بالنسبة له عالم واسع، رحب، متعدد اﻷجنحة، لا يتجزأ ولا يقبل القسمة أو التنافر أو التباعد، فبعضه يكمِّل بعضا، ومجالاته تتسع لكل ألوان الطيف السبعة وربما يفوق ذلك بكثير، ليصل الى ما هو أبعد من الخيال والتصور، ومن غير قيود، وفيه من ضروب الفن أشكالها.
وإنسجاماً مع ما فات وليس ببعيد عن إهتماماته السابقة وما كان يدور بخلده، وجد نفسه وقد أغوته فكرة العلاقة وحميميتها بالكتب القديمة، بنكهتها وعبقها الضارب بالتأريخ، بل وحتى الحديثة منها والتي تضم بين جنباتها ذلك الدفق العالي من المعرفة والحكمة. ومن شدة إرتباطه بها راح وبلغة العارف يُقلب بين راحتيه الدسم منها والثمين، وليكتشف ان ليس هناك من عائق يحول بينها وبينه، حتى تحولت بالنسبة له الى شاغل يومي، لذا ألفته متفاعلا معها، شبيها بذاك الذي يتعاطى مع أبنائه حين يولدون وحين يكبرون وحين يغفون على أيدٍ آمنة، فهي الأخرى أي الكتب، تستحق حقا الإحتضان والرعاية والحماية من شوائب ما قد يطرأ عليها من تغيرات، لتبقى محافظة على ألقها ورونقها، وعلى قيمتها وأثرها، لتكون مصدر سعادة وطمأنينة للقادم من اﻷجيال، ففيها من الخزين والجهد ما لا ينضب، ومن سطور ثمينة ليس لها قرار، كان قد خطَّها اﻷولون.
بخياره هذا إستقر أخيراً على ما كان قد سعى اليه وثابر وليعثر على ضالته وبعد رحلة من البحث المضني والممتع في آن والتي لم تدم طويلاً، وليعقد الصلة والوصل بينه وبين مهنة تجليد الكتب، مداعباً النفيس منها والقيّم وربما بدرجة أكبر مما يداعب حبيبته، بل هو لم يداعب يوما ما حبيبته فقد غادر وطنه مبكراً ومن قبل ان يلتقيها. ويقال، وهنا إختلف الرواة في أصل ما ذهبنا اليه، فمنهم مَنْ أكدها ومنهم مَنْ تردد في نفيها، والذمة فيما قلته ستقع برقبة مَنْ سرَّبَ ونقل وزْرَ هكذا معلومة، لذا والحالة هذه فأنا لست بكافر. في كل الأحوال فحدث من هذا النوع، أي فيما لو كان قد التقى فعلا حبيبته المفترضة، لهو محبب ومفضل عند الله ومبارك، لكن وللأسف الشديد فقد تصادف تعارفهما مع لحظة مغادرته وطنه أو نحو ذلك، لذا وفي بعض الجلسات الخاصة، لذا وفي بعض الجلسات الخاصة، كان يردد على مسامعنا وأحيانا يفرضها فرضا، بعض من أبيات شعر المتنبي، حيث يرى فيها ما يتطابق وحالته:
 بأبي مَنْ وددته فافترقنا       وقضى الله بعد ذلك اجتماعا
 فافترقنا حولا فلما التقينا           كان تسليمه عليَّ وداعا
ولو كان قد دخل حبيب سلمى عالم العشق وذاق مرارته وإن جاء من أضيق أبوابه، لكانت حياته وكما أجزم قد تغيرت وانقلبت رأسا على عقب، ولرأيناه مقاتلاً شرسا، همّاما، من أجل معشوقته، لِمَ لا وهو لم يجرّبُ حتى الساعة لوعة الحب. ولو سألتموني عما آلت اليهاﻷمور في ما بعد لقلت تا الله حسناً فعل، بل أتت على أحسن مايرام ونعم الخيار وصوابه، فسيعوضُ عن محبوبته التي فارقها مُرغماً ومن قبلُ ان يلتقيها ويضع اولى خطواته على قارعة الهيام، المحفوف دائما بالمخاطر وبهفهفة القلب وأوجاعه،سيعوضها بأخرى لا تقل جمالاً وبهاءاً وحضورا، عن تلك التي تركها في بلاده البعيدة.
المهم لنطوي هذه الصفحة ولنعود الى عالمه الذي أحبه وحرص على إتقانه وغاص فيه، فتجده وكلما فاض به الوقت، مقتعداً بين دفتي كتبه المفضلة، ليُفصِلََ ما بين غثها وسمينها، فكان له ما أراد وليعطي قصب السبق لأمهات الكتب، الخالدة منها على وجه ألخصوص، وكما رآها وأصاب في تخمينه، كالبيان والتبيين وبخلاء الجاحظ  والجرجاني وابن الجوزي وصاحبه القريب الى قلبه إبن خلدون و و و و و. من ثم ألحقها مؤخراً بدواوين الجواهري والسياب وجيكوره، وكاد أن يقترب من سعدي يوسف والبياتي والملائكة نازك، غير أن الوقت لم يسعفه، فموعد مغادرته وطنه قد أزف، لكنه لم ينسَ ورغم ما أحيط به من ظروف وضيق في الوقت، ثلاثية نجيب محفوظ الرائعة والتي كانت قد نزلت للأسواق حديثاً وبطبعتها الجديدة، ليلتقطها بسرعة فائقة، ليشتغل عليها وبعجالة ويفرد لها أجود أنواع الورق الخاصة بالتجليد. وعند ذاك يكون صاحبنا قد أكملَ وإطمأنَّ على رسالته التي أراد إيصالها، ليخلص القول ويصدقه: لقد أحبَّني مَنْ شاء محبتي وحباني بهذه الهواية العظيمة، لأعضد وأثبت بها ومن خلالها متعة الروح ونزهته، ولألاقي من خلالها أوفى الاصدقاء وأعزهم الى قلبي ومهجتي، ذلكم هو الكتاب وأي كتاب.

حاتم جعفر
السويد - مالمو


46
كريم أبو الحق فيلسوفا، الجزء الثاني واﻷخير

(اﻷسماء كثيرا ما تتشابه، لذا لا بد من إزالة الإلتباس، فكريم الذي أقصده هنا، هو ذاك الذي تركته في بلادي البعيدة، التي ما انفكت ترزح ومنذ ما ينيف على العقود اﻷربعة تحت نير أنظمة القمع والتسلط، إبتدءا بدكتاتورية الطغاة والبغاة، وليس إنتهاءاً بإحتلال متعدد اﻷلوان واﻷشكال والجنسيات، وبأدوات ووجوه  تنتمي الى قرون سحيقة من التخلف).
موضوع الأناقة ومراعاة المظهر لم تشغل بال كريم أبو الحق في يوم من الأيام ولا في أية مناسبة من المناسبات، على الرغم من عديدها وتوزعها على مدار السنة، فلا الأعياد الدينية ولا الإحتفالات الوطنية ولا حتى بعض المناسبات الخاصة، كل ذلك لم يثنه أو يدفعه للتراجع وإعادة النظر بموقفه المتشدد هذا من موضوع الإهتمام بهيئته العامة، بل لم يفكر حتى بتقلبات الجو وإحتمالاته المفاجئة، كالتغيرات التي تحصل في درجات الحرارة وما يمكن أن يرافقها من برد وحر، أو تلك الشروط التي تقتضيها وتفرضها الأعراف الإجتماعية وطبيعة العلاقات التي تربط بين الناس وما يترتب على ذلك من التزامات، واجبة ومفروغ منها.(في هذا الموضوع، أي اﻷناقة، سوف لن يختلف بل قُلْ هو متفق تماما مع صديقه وزميله في عالم الفلسفة مسعود وبنسبة مائة في المائة، إن لمْ تزد على ذلك).
أمّا عن أسباب ومبررات رفضه التأنق والظهور بالمظهر اللائق، فلأبي الحق فيها ما يكفي من أسباب ومبررات عدا عن تلك التي جئنا على ذكرها، فهي كما يقول عنها ويصفها مبنية في جلها على المجاملات المزيفة والتي لا تخلو من نفاق إجتماعي ومآرب خاصة لا يعلمها الاّ الراسخون في إجادة فن المجاملة والمواربة والنفاق والعلاقات الطارئة والمزيفة، لذا سيفضل أن يكون مظهره بسيطاً، نظيفاً، يشبه قلبه، ومن غير مبالغة أو مغالات، الاّ في بعض الحالات الإستثنائية والنادرة جداً وحين تُفرض عليه فرضا، وبعد أن يتأكد أن لا مناص ولا مهرب منها.
لذلك وأزاء عناده وموقفه الثابت هذا، فقد فوَّت على نفسه فرصة أن يقال عنه ذو حضور وهيئة كاملتين، فضلا عما يتمتع به من شَعر متنوع اﻷشكال في طبيعته، لتجده مُجعداً في قسمه اﻷمامي ومُنسبلا في قسمه الخلفي وصولا الى الرقبة، لذا سوف لن يحتاج الى كثير جهد وعناء، ولا يحتاج كذلك الى إستخدام بعض المستحضرات، أو إتباع بعض الإجراءات الخاصة من أجل تصفيفه، كأولئك الذين درجوا على فعل كهذا، وبشكل خاص ممَنْ هُمْ في مثل سنّه وأبناء جيله، فبحركة سريعة من أصابع يديه العشرة وبالتظافر بينها، مشفوعة بقطرات قليلة من الماء، ليبدو مظهره بعد ذلك قد إكتمل تماما، وسيتحول ُرها الى موضع للحسد ومن قَبْلهِ الإغتباط.
لكن وعلى الرغم مما أوردناه من ملاحظات وما يمكن أن نسميها إنتقادات، تتمحور وتتركز في معظمها على ملبسه وعدم مبالاته لذلك الشق من حياته، الاّ أنك لا يمكنك أن تتجاهل في ذات الوقت حُسن خلقه وجمال طباعه، فأوصاف كهذه تاالله لحري بها وتنطبق علي وبنسبة مُلفتة، غير انه وعلى عهدي به، فقد ظلَّ غير راغب ولا مهتم لسماع مثل هكذا مدح وإطراء، وقد يكون مرد ذلك ثقته وإعتداده العاليين بنفسه والتي أوصلته الى معادلة بسيطة مفادها: أن لا أهمية ولا ضرورة للإنتباه الى  أمر من هذا النوع. ثم يضيف وفي تعليق لا يخلو من لمسة فلسفية: أنَّ العالم زاخر ويعج باﻷسئلة وبما هو أهم من ذلك بكثير، والإلتفات للجوهر لهو أولى من الإهتمام بالمظهر.
دخل عالم التدخين منذ وقت مبكر بل قل مذ كان صغيرا. في بعض الأحيان ومن غير قصد، سيلفت إنتباهك وعلى نحو غير معقول بأنه مدخن من الطراز الأول، فسيكَارته لا تبارح فمه أو يمينه، بل سترى إصفراراً واضحاً على إصبعي يده اليمنى، الأوسط والسبابة، ليس همّاً ولا كرباً كما قد يتوهم البعض، فعوده لا زال طرياً ونوائب الدهر لم تأخذ منه ولم تقترب بعد، بل الأكثر من ذلك فهو مدلل أبيه وامه وآخر عنقود أخوته. أمّا إن سألت عن عادة التدخين عنده إن شئت البحث عن خلفياتها وكيف تسللت اليه، فقد جائته ومن دون إطالة وكما يظن هو ويظن غيره ممن لهم ذات الطباع وذات الميول السياسية والفكرية، بسبب ما يشغل باله وبالهم، لِمَ لا كما يقول عنها ويتوهم، فما من عيب فيها، بل إذا شئت الصراحة أكثر، ففيها إستراحة للتفكير المضني، وصفاء للذهن وفاتحة لآفاق جديدة قادمة!!.
ولإلقاء المزيد من الضوء على شخصيته فقد اعتاد كسائر أبناء جيله ورغم صغر سنه كما أسلفنا، وكي لا يُتهم أو يُرمى بالتخاذل أو غيرها من الصفات المشابهة، على أن يتأبط إحدى صحف المعارضة المعروفة في ذلك الزمان، رغم عدم إجازتها من الجهات الرسمية، ولنقل بعبارة أوضح فهي موصوفة ومصنفة وموضوعة كذلك على خانة الصحافة السرية الممنوعة والخطيرة جدا، بل حتى صار معروفاً بأن من يقتنيها قد أصبح مطلوباً لأجهزة الأمن وتضع حاملها تحت طائلة المسؤولية والمحاسبة، وقد يلقى القبض عليه مباشرة، دون العودة الى الإجراءات الرسمية. (هكذا تتصرف الدول القمعية).
ليس ذلك فحسب بل لقد جرت العادة ولذلك الجيل الذي هو موضوع حديثنا ومن بينهم أبو الحق، بأن يتعمدوا إبراز إسم الجريدة التي بحوزتهم وبشكل متعمد والتي لا تخلو من تحدٍّ، وأحياناً تجدها حاملة عناوين صارخة وقد خُطَّت باللون الأحمر الفاقع والعريض وبمانشيتات صارخة، إرضاءاً لقناعاتهم وما يؤمنون به أولاً، ولإثارة واستفزاز رجال الأمن ثانياً، وهذا هو الاهم بالنسبة لأبي الحق ولكثيرين غيره ممن كانوا يفكرون على ذات الشاكلة، ومن غير أن يدركوا مخاطر ما يفعلون.
وإذا ما عَمَدَ البعض وخاصة أولئك الذين تخبروا أساليب النظام وكيفية تفويت الفرصة عليهم الى تحذيره أو تنبيهه من تداعيات هكذا تصرفات، لا سيما وإنَّ هناك من العيون ما لم تكن لها من مهام غير مراقبة مناوئيها، فسيأتيك الرد سريعاً وبلغة لا تخلو من تحدٍّ، ولِيكرَّ عليك كما تكر المسبحة بقائمة طويلة من اﻷسماء التي تضم أعدادا كبيرة من الشهداء، الذين ستسعفه بها ذاكرته بكل تأكيد وعلى مختلف الساحات واﻷزمنة ومواقع المنازلة، إبتداءاً بالصعيد المحلي وإنتهاءاً بالمستويين الإقليمي والدولي، ولا أظنه سينسى أحداً منهم إن لم يضف عليها أسماء جديدة، ليضمها الى قافلة الشهداء. طقساً من هذا النوع صار بالنسبة لأبي الحق أمراً عادياً وبديهياً بسبب تكرار تلك الأحاديث، ولإستشهاده كذلك ببطولاتهم، بمناسبة واخرى، وبنبرة صوت عادة ما تكون مسموعة من قبل نصف رواد المقهى على اﻷقل، والذي عادة ما يتخذ منه مجلسا، خاتما ردَّه بعقد مقارنة سريعة بين رجالات أيام زمان وشجاعتهم، وبين رجال الوقت الحالي إذا ما سمّوا رجالاً، في إشارة لا تخلو من غمز ولمز، للبعض ممن يجاورونه الجلوس.

حاتم جعفر
مالمو _ السويد



47
كريم أبو الحق فيلسوفا، الجزء اﻷول.

(اﻷسماء كثيرا ما تتشابه، لذا لا بد من إزالة الإلتباس، فكريم الذي أقصده هنا، هو ذاك الذي تركته في بلادي البعيدة، التي ما انفكت ترزح ومنذ ما ينيف على العقود اﻷربعة تحت نير أنظمة القمع والتسلط، إبتدءا بدكتاتورية الطغاة والبغاة، وليس إنتهاءاً بإحتلال متعدد اﻷلوان واﻷشكال والجنسيات، وبأدوات ووجوه  تنتمي الى قرون سحيقة من التخلف)
بعد أن فرغنا من شخصية مسعود، ما رأيكم لو انتقلنا الى شخصية اخرى لا تقل حضوراً وجمالاً عنه. أنه كريم ويسمونه أبو الحق رغم صغر سنه، هذه كنيته، يحملها معه أينما ذهب، وإن أردت البحث أو السؤال عنه، فليس هناك من علامة فارقة تميّزه عن اﻵخرين ومن غير لبس الاّ بإلحاق إسمه بذلك النعت. قد يوحي إسمه ولمن لا يعرفه بأنه كبير في عمره، أو يظن البعض بأن هناك إشكالاً ما قد حصل، ولو لم يحدث مثل هذا بالفعل لما أعدت التذكير، حيث يتوهمه الكثيرون حين ينادونه أصدقاءه من بعيد، فتراهم يتلفتون يميناً ويساراً، للتأكد من الشخص المطلوب، بعد إستبعادهم في أن يكون المعني هو ذاته المكنى بأبي الحق، بدمه ولحمه، وهنا تقع المفاجئة.
ولعل هناك من يتسائل عن كنيته هذه ومن أين جاء بها والتي لا تخلو من غرابة وطرافة، وكيف إستقر عليها، لذا فلا بأس من الرجوع الى الوراء قليلا والتوقف على أصلها. بإختصار فالقصة لا تحتاج الى كثير جهد وعناء وليس فيها من سر مكتوم، فإسمه أو بالأحرى لقبه هذا هو مَن أحبَّ أن يطلقه على نفسه ومنذ أن نمت في أضافره وتمكَّنَ من بعض من المعلومات، ظنها آنذاك كافية للتسلح الفكري والمعرفي والتصدي لأي منازلة، وكفيلة أيضا للوقوف بوجه أكبر شارب يدعي التمكن من الفلسلفة، وحين مراجعته لما يمتلكه من معلومات وبعد أن وصل به العمر حداً تجاوز فيه مرحلة اليفاعة، راح متندراً على نفسه ولائمها، بسب من فقرها وعدم كفايتها للخوض في نقاش رفيع المستوى، غير انه في ذات الوقت سوف لن يتراجع عن ذلك الإسم، حيث اعتبره ملائما جدا له ومناسبا حتى استقر عليه، بل سيبقى حسب قوله مرافقاً له، لصيقا به ما دام حيا.
وبصرف النظر عمّا كان يصله من نقدٍ هامسٍ أو معلن من هنا وهناك بسبب هذا اللقب، فهو يرى في اختياره له وصفا دقيقاً ومطابقاً لحالته وإسم على مسمى وعنوانا لصراحته، وذلك متأتٍ من عدالة أحكامه على ما يزعم. معاهداً نفسه أن لا يحيد أو يتردد عن قول الحق، ليس ﻷنه قد كنّي به وارتضى أن يحمل وزره ومهما كلفه من تبعات وخسائر فحسب، بل ﻷنه يأتي منسجما ودواخله، حتى لو لم يرق لأقرب المقربين الى طريقة تفكيره وقناعاته، بل حتى لو طال أو جاء على حساب علاقته المتميزة جداً والتي تربطه بصنوه وصديقه الأقرب مسعود، الذي (ينافسه) في التطلع الى ما هو أرحب وأبعد في عالم الفكر والمعرفة.
هادئ في طبعه، بخيلاً بل قُل شحيحاً في طرح أفكاره ويأتيك بها تقسيطا ومن غير أن يكون قد تعمَّد ذلك. ومن صفاته كذلك التي يُمكننا التوقف عندها لأهميتها، هي الحرص الشديد على إنتقاء مفرداته والدقة في إختيإر ما هو مناسب منها ومعبّر، فلكل كلمة كما يقول دلالتها ومكان إستعمالها الخاص بها، لذا لا يمكنك وبحضوره إطلاق أي مفردة على عواهنها، فليس هناك في عالم اللغة من تطابق تام بين كلمة واخرى حتى لو إقتربتا أو تشابهتا بالمعنى العام، وهو في هذه الصفة سيقترب كثيراً من أبو داود الذي يكبره بما لا يقل عن العقد من السنين، والذي يدعي لنفسه بأنه سيد الفلسلفة ولا ينازعه في ذلك أي أحد في المدينة، على الرغم من خلافاتهما المستحكمة في جوانب اخرى. 
أبو الحق وقبل الإستعجال في الحكم على طريقته في الحوار، لابد من القول والإيضاح، إذ هو لا يستهدف من وراء أسلوبه هذا وعلى طريقة البعض الإستعانة أو الإتكاء على تلك اﻷساليب الملتوية كالمراوغة والإلتفاف وأخواتها، وبالتالي قد يأخذك التفكير بعيدا لتظن به سوءا وتعتقد بأنه يبيت لك أمراً ما لا ينوي الكشف عنه الاّ بميقات وحين تحين لحظته.إنَّكَ يا عزيزي القارئ وبإختصار ومع هذه الإفتراضات التي سُقناها، ستكون واهما بكل تأكيد إن رأيت فيها ماهو معقد وصعب على الفهم، فشخصيته أبسط من ذلك بكثير.
ولِمنْ لم يسبق له أن التقاه وعندما تحين الفرصة للتعرف عليه عن قُرب فسيخرج بمحصلةسريعة، تُنبئ بأنه متروٍ جداً في إصدار أحكامه وفي بناء تصوراته التي قد تطال حتى المواضيع والحالات التي لا تستدعي منه كل ذلك الجهد والمبالغة، فتجده وفي الكثير من المرات وقد استغرق وقتاً لا بأس به قبل وصوله مرحلة النطق والإدلاء برأيه وبأحكامه، رغم بساطة وعدم أهمية الموضوع الذي يجري التحدث عنه، فما يهمه بشكل أساسي هو التركيز على الفكرة، أية فكرة حتى لو بدت ساذجة طالما بُنيت على قناعة ورضاصاحبها بها، أو حتى لو ترتب عليها اختلافاً في الرأي، ولكن، وهنا الأمر الأهم في طريقة تفكير أبو الحق، فلكي تستكمل شروطها (الفكرة) وعلى حد رأيه، فلابد من مراجعتها قبل الإقدام على تبنيها والنطق بها، فهي في محصلتها النهائية مسؤولية عظمى، تُحسب لك أو تُردُّ عليك، وهي لا تقل شأنا وأهمية عن قراري الحرب والسلام.
 ولتسليط الضوء أكثر على طريقة تفكير أبو الحق فهو مؤمن بأسلوب أحدهم ومن غير التطرق الى إسمه، ولشدة إعجابه به راح حافظا بعض من عباراته اﻷثيرة والشهيرة، من بينها وعلى سبيل المثال: ربما ستعتقدون بأن عملية إصدار اﻷحكام معقدة جداً، فما بين الفكرة والإفصاح عنها هناك برهة من الوقت وفسحة من التروي والتفكير. ثم يمضي مضيفا: كل هذا صحيح ولكنكم ومع مرور الوقت ومع الرضا عما تحملوه وما يرافق ذلك من قناعة وإطمئنان بها، سوف تجدون أنفسكم وقد إختصرتم الكثير من الكلام وأخذتم لبّهُ أو جوهره، وبذا تكونوا قد إختصرتم أيضا من الوقت والجهد لتكتفوا بما يلبي ويستجيب للغاية المبتغاة. في كل الأحوال ليس لي من حيلة، فلست من النوع المناور أو المراوغ. وكي يدعّم أبو الحق رأيه فسيستعين ببعض المفاهيم التي استقاها من كاتبه المفضَّل، فمنها على سبيل المثال: هذه هي موضوعة الفلسفة وفي أهم جوانبها وقوانينها، وهذا هو عالمها ورسالتها، وهكذا أفهمها، وقد لا تتفقون معي أو تجدونني مبالغاً في رؤيتي هذه، فلكم في هذا شأنكم ولي شأني. وكي لا يصادر أحدنا حق اﻵخر في إبداء ما يراه مناسبا، فلكم مذهبكم ومنهجكم في التفكير، ولي مالكم وبذات القدر، وتبقى الحياة وبكل ما يحيط بها من حركة وتغيّر، كفيلة ومقياس وفيصل كذلك، يُعتد به ومجرب والى حد كبير، لتمييز وتزكية صحة هذا الرأي من خطله.

حاتم جعفر
مالمو _  السويد



48
المنبر الحر / أه يا نهر خريسان
« في: 20:58 27/02/2019  »

أه يا نهر خريسان

(فصل من رواية قد تجد لها طريقا للنشر)

 سكن الليل وخلا المكان الاّ من بقايا مقهى اُغلقت أبوابه قبل قليل، مبقية على بضعة ارآئك مترامية، متباعدة، أخذت من نهر خريسان المقابل مستقراً ووجهة لها، لم يلحق ولم يستطع صاحبها جمع كل ألوان العبث التي أحدثها رواده. بساطة المكان وعفويته ربما كانا عاملين مساعدين ودافعين كذلك لقضاء ماتبقى من يومهم، بعد فترة عمل مضني لشغيلة أو موظفين صغار، وجدوا ضالتهم في هذا المكان القريب والذي يسمونه بإسم حيّهم. يشعرون بالطمأنينة حين يتبادولون الاحاديث وآخر المستجدات وخاصة السياسية منها، وبحرية تامة ومن غير رقيب أو حسيب. أحياناً بل في أكثر الاحيان يكررون ذات الأحاديث كل يوم، ولكن بصيغ وأشكال مختلفة، تريح متحدثها  وتشعره بالفخر وبالقليل من الغرور، وخاصة حينما ينصت الأخرون اليه أو هذا ما يوحى له. 
 هنا في هذا المكان وفي هذا المقهى تحديدا، اعتاد حميد الخياط أن يقضي أوقاته الملاح بعد منتصف الليل، حيث يتجه صوبها ومن معه، وحديث العشق وقصائد ابن الفارض تكون حاضرة اينما حلَّ وارتحل. صاحب الذكر، كثيرا ماترميه الذاكرة الى تلك الليالي الجميلة واُماسي الشعر. ما ميَّز حميد الخياط عن سواه في مرحلة الفتينة من العمر هي نظارة طلعته وبمواهبه المتعددة، حتى بدا واثقاً من المسك بالحاضر وبالمستقبل معاً.
 قدرته على حلو الكلام دفعته الى الواجهة ليكون نقطة جذب واستقطاب وحَسدُ من قبل أبناء جيله. لم تمسّ حافظته من الشعر أي شوائب أو زحافات في الوزن والقافية، ولم تضعف قواه وملكاته في التذكر وفي إستحضار الماضي عوامل الدَّهر رغم توالي المحن، فتراه كمن إختص وأرتضى لنفسه أن يكون سيداً للقوافي، وكان حقاً أهلا لها ومن غير أن ينازعه أحداً من أصدقائه ومعارفه في ذلك.
 وبعد أن يملأ الرأس بأقداح من المسرات وأحاديث الهوى، يبدأ وبتحريض وتشجيع من أصدقائه بقراءة بعض من خمريات أبو نؤاس، التي تطيب لها النفوس وتفتح شهية الجلاّس، بجمال القول وبترديد أعذب الشعر وأرقّهُ. ومن يستمع الى طريقة القاء حميد الخياط، يَظنّه قد قدِمَ تواً من ذلك الزمان، فيبدو كمن يتبارى مع كبار شعار القوم في سوق عكاظ أو المربد أو نحوهما. هكذا كانت جلسات الخياط حميد وهكذا استمرت معه وبقي محافظاً عليها حتى فترات لاحقة متأخرة، رغم خطوط الشيب التي تسللت وتوزعت بغير هدى على شعر رأسه، والتي يصفها بأنها زادته وقاراً على وقار.
 في تلك الليلة التي احتفى بها وعلى نحو بهي بختان إبن شقيقته، أحسَّ أصدقائه بأن صاحبهم ربما صدمته حميّا الكأس مبكراً، أو فاض به الهمُّ، أو تراه ينام على جرح ظلَّ كاتما عليه لإعتبارات يجهلونها. ولربما شعر أيضاً بحيف وقع عليه ولا زال، لأسباب كثيرة وقد يكون من بينها غدر الزمان ومآلاته، على ما يسره للخاصة من أصدقائه. فمن كان يلتقيه وقبل بضعة سنين وقبل حدوث بعض المنعطفات في سيرة حياته، كان لابد له من أن يرسم مستقبلا زاهراً سيكون بإنتظاره بكل تأكيد، وشأنا لايدانيه شأن.
غير ان الخياط في ذلك اليوم أصرَّ وعلى غير العادة، وبما لا يتلائم وطباعه التي أعتاد الناس أن يرونه فيها، حيث خرج عن السياق الطبيعي لشخصيته، فراح يرقص ويغني ويلقي أعذب الشعر وفي مختلف ألوانه وأغراضه، مارّا بأفحل الشعراء وبأجمل المعلقات، غير أن مسحة الحزن والألم كانت ولمّا تزل تغطي سحنة وجهه، على الرغم من محاولاته المتكررة في سبيل تجاوز هذه الحالة، والتي رافقته بل لازمته طوال وقت السهرة.
 لذلك غلب على أمسيتهم هذه جواً من النكد، غريباً وطارئاً عليهم، لم يكن لهم قد ألفوه من قبل، وليأتي على العكس من تلك الأماسي التي كانت تميز جلسلتهم. حاول البعض التفاعل مع تلك الإنفعالات التي طغت على سلوك وتصرفات حميد الخياط، وعلى قاعدة الإستجابة والمشاركة، في محاولة منهم على مقاسمته ما يحمله من هموم قدر المستطاع. غير انهم فشلوا في ثنيه عما هو ماض اليه، وفشلوا كذلك في وضع حد لتلك الاندفاعة المفاجئة وتلك النشوة التي أتت سريعاً وعلى غير ما عهدوه منه.
 في كل الأحوال ورغم كل الأساليب والطرق التي اُتبعتْ معه، فإنهم لم يفلحوا في إستيعابه وفي إمتصاص الحالة التي يمر بها، وربما يعود ذلك الى صفة العناد التي طبعت شخصيته وخاصة أثناء تناوله الخمر. لذلك لم يخرج حميد الخياط مما يعاني منه الاّ بعد أن فسحوا له في المجال، أو لنقل الاّ بعد أن لبّوا رغبته الملحة في قراءة تلك اللازمة الشعرية التي عادة ما يختتم بها اُماسيهم. فكان له ما أراد وراح ينشد قصيدته المفضلة لإبن الفارض، والذي يُطلق عليه بسيد العاشقين، وبطريقة بدت للسامعين كما الذي ينوح على عزيز كان قد فقده من غير ميعاد وعلى حين غفلة، أو لِسرِّ لا يستطيع البوح به:
                    قلبي يحدثني بأنك متلفي         
                    روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ     
                    لم أقض حق هواك إن كنت الذي
                   لم أقض فيه أسى ومثلي من  يفي
                   ما لي سوى روحي، وباذل نفسه   
                   في حب من يهواه ليس بمسرف
                   فلئن رضيت بها، فقد أسعفتني،       
                   يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
                   يا مانعي طيب المنام، ومانحي     
                   ثوب السقام به ووجدي المتلف
                   عطفا على رمقي، وما أبقيت لي
                   من جسمي المضنى، وقلبي المدنف
                   فالوجد باق، والوصال مماطلي،         
                   والصبر فان، واللقاء مسوفي

               
 اختلط تهدّجه بلوعته حتى اكتمال القصيدة، ليزيل عنه ذلك التوتر والانفعال اللذان نزلا عليه وحلاّ به دون إرادته، ولأسباب ظلَّت مجهولة ومكتوم عليها، وربما سببت له حرجاً عظيما أمام أصدقائه، حتى وان كانوا من أقرب المقربين اليه ومن الذين ألفوا شطحاته في ساعات الخمر. لم يكن حميد الخياط راغبا في إهتزاز صورته، وهو المتماسك القادر على الثبات بوجه الكثير من المصائب والمصاعب، غير ان عاطفته غلبته.
 تداخلَ ضوء القمر الذي أوشك على الرحيل بأنبلاج لحظات الفجر ألاولى. مضى حميد الخياط وحيداً الى غايته، ومضى الآخرون كذلك ليحملوا معهم سوء طالعهم على تلك السهرة غير المباركة، متهامسين فيما بينهم: هذا هو حميد الخياط وهذا بعض من شخصيته، فكما به من أسباب تدفع للمدح وهي الغالبة، فبه كذلك بعض من الزلل.
 لذا ليس مستبعداً أن يلومه في اليوم التالي أحد أصدقائه ممن كان برفقته، عما حدث له في الليلة الفائتة، وما كان قد بدر منه من سوء تصرف. وقد يقول له آخر وفي لحظة من الصحو، انَّ ما حصل ليلة البارحة لهوَ أمر طبيعي، ولا غرابة في ذلك، فنحن كذلك خطاءون كباقي الخلق، وقد نكون أكثر تحسساً من غيرنا ونأنُّ لجراح ليست جراحنا، وربما تكون أكتافنا قد حُمِّلتْ ما لم يستطع على حمله غيرنا.



حاتم جعفر
السويد_ مالمو

49
  تداعيات بعد منتصف ألليل
أي صباح نحس هذا الذي أصحو عليه! أهو سوء طالعي، أم هو نذير شؤم سَيُعكرَ صفو يِومي بأخبار لا أقوى على سماعها! أم لأن الأمر كله على صلة بالكتاب الذي فرغت منه في ساعة متأخرة من الليلة الفائتة. سألت نفسي: مالك يا رجل، ما كان عليك الاّ أن تلغي فكرة تكملة قراءته وتذهب الى تأجيله حتى اليوم التالي، لكنك ضعفت كما يبدو أمام سطوته، فجمال نصِّه ووحدة موضوعه وما الى ذلك، كلها أشرت الى قدرة كاتبه وكفاءته على ِأن يجرك أينما يشاء، بل حتى وفي بعض منعطفاته بات يُشعركَ بالعجز عن اللحاق به. لكن في ذات الوقت وعلى الرغم مما يحمله من حبكة وصور كثيفة من الجمال وما به من المتعة، الاّ اني سأسجل إعتراضا واحدا عليه وهو موضوع الكتاب، وربما سيختلف البعض معي في هذا التقييم والوصف، فعلى ما رأيته فقد زاد من همّي همّاً وجعل من غربتي أكثر ثُقلا وإغترابا.
 ولكن ما رأيكم لو اختصرنا اﻷمر ودخلنا في أهم مفاصل الرواية التي هي موضوع حديثنا. حسنٌ فمن خلال متابعتي لشخوصها التي وردت، وتعليقاً على ما جاء فيها، سأخرج بنتيجة وربما هناك آخرين مَنْ هم مثلي وسبق لهم الإطلاع عليها،  تفيد بوجود تشابها كبيرا بين الشخصية الرئيسية والمحورية في هذا العمل وبيني. ومن شدة التقارب فيما بيننا والذي وصل في بعض فصوله الى حد التطابق، فقد انتابني ولا زال إحساس خاطف، غريب، سيفضي الى الظن بأني المعني بهذا العمل وليس من  أحد سواي، أو ان هذه الشخصية على أقل تقدير قد بُنيتْ وأستقّتْ مني ومن دون دراية، فحركتها وتطورها وحتى اسلوبها في الحوار والمفاهيم التي تبنتها وما كان يصدر عنها، كلها تدعو الى القول بأن الشخص الرئيسي في هذه الرواية هو أنا، أو ان الكاتب وهذا احتمال آخر، يتحدث بأسلوب كمن سكن داخلي وتحرك برغبتي.
  الاّ أن ما جعلني أتراجع عن هذين الإحتمالين وأستبعدهما، هو جملة من المؤشرات، كان من بينها على سبيل المثال ماورد في مقدمة الكتاب الذي هو حديث ساعتنا، بعض المعلومات والإيضاحات واﻷسماء والتواريخ، التي ستختلف بكل تأكيد عمّا انا فيه، فضلا عن إسم الكاتب واسم المترجم الذي ألحِقَ به. كذلك دار النشر التي صدر عنها والمتخصصة أصلا  بالأدب الأجنبي. وكي نصل الى النهايات، فالكتاب الذي فرغت منه تواً يعود الى أحد كُتاب أمريكا اللاتينية، آه كم بدا  التقارب جليا بين تجربتينا رغم البعدين الجغرافي والزمني، وكم أعادني الى ما كنّا نعانيه من قادة تلك البلاد التي أبعدتنا والتي ستبقى وطننا، وهي حقا كذلك رغم كل ما قاسيناه. إذن فنحن نعيش في عالم متشابه، عنوانه القمع والتسلط والإنتهاك المستمر.
 وفي لحظة كهذه وأنا أفرغ من قراءة الكتاب، الرواية، ما كان عليَّ الاّ أن اُعبِّرَ في سري وفي علني عن التضامن التام مع ضحايا تلك الدولة وغيرها من الدول التي هي على شاكلتها، والتي يتحدث عنها أو يعنيها الكاتب، فهم أخوتي بكل تأكيد ولكن هنا سيبرز السؤال: منْ سيتضامن معنا نحن أبناء البلاد الحزينة؟ مَنْ سيغني لنا؟ مَنْ سيلعق جرحنا النازف حتى اللحظة؟ مَن سيخفف الهمَّ عنّا؟.
 لا اُخفيكم القول فبسبب من جمال بعض فقرات الكتاب، فقد أعدتُ قراءتها لعدة مرات، حتى أني في المرة الأخيرة وحين عزمت على إعادتها، وجدت نفسي قد حفظتها عن ظهر قلب مع كل وَقفاتِها وهوامشها، ولأنها أعجبتني فساُعيدها عليكم نصاً وعلى لسان إحدى الأمهات التي فُجعتْ بغربة ولدها:
الكثير منّا رحلَ وانا أيضاً رحلت معهم، لقد أطلت الغياب ولم تأتِ حتى لحظة مغادرتي هذا العالم، تعبتُ من الإنتظار حتى أصابني اليأس. على كل حال لا تقلق يا ولدي، فلقد وضعت مفتاح البيت بنفس المكان الذي اعتدت عليه في كل مرة حين كنت تعود في ساعة متأخرة من الليل. قد تجد سكان البيت يغطون في نوم عميق، لذا إن عُدْتَ يا ولدي من غربتك، دعهم وشأنهم فلا ضرورة لإيقاظهم، وإذا ما شعرت بالجوع فلا زال الأكل ساخنا. نعم، هو ذات البيت الذي وُلدتَ فيه ونشأت وكبرت، ولكنك غادرت قبل أن يحين موعد قطاف الحب، وكي لا تتفاجأ، فقد أعدنا ترتيب الغرف بعد أن ازداد عدد أفراد العائلة وتشعبت الاّ غرفتك، فقد بقيت على حالها، لم يمسها أحدٌ، وأبقيت على صورتك معلقة على ذات الحائط كما أوصيتني.
 قد ترى وجوها لم ترها من قبل، فالصغار كبَروا ووُلِد آخرون بعد رحيلك الإضطراري. لا تلمني يا ولدي إن لم تجدني فلقد تَأخّرتَ كثيرا وبانت عليّ علامات الشيخوخة المبكرة، لكن علي أن أقول لك، أن لا تستغرب حين سماعك بعض الاخبار التي سأسردها عليك، قد يكون من بينها ما هو سار وما هو غير ذلك: لك من الأخوة من كبُرَ ومنهم من قضى نحبه في تلك الحرب التي لم ترَ شرها وشرارتها التي أحرقت السهل كله، ربما كان ذلك من محاسن الصدف التي خففت قليلا عن بلواي وعن أوجاع قلبي على فراقك. هناك أيضاً من مات كمداً على رحيلك بعد أن ظنّك ستأتي ذات يوم ولكنك لم تأتِ، ومن شقيقاتك من ترمَّلت وخطَّ الشيب مفرقيها وضاع نصف عمرها. (انتهى الإقتباس من الكتاب).
 حالة من الضيق والإختناق بدأت تحاصرني، كان من المفروض أن لا أعيد قراءة هذه الفقرة ففيها من الشوق والحنين كما فيها من العذاب، لذا قررت أن أركن الكتاب بعيداً عن ناظري، أملاً بإرجاعه الى صاحبه وبأسرع وقت ممكن، وأن أتجه صوب ما تهدأ له الروح، لذا قررت أن أولّي وجهي صوب ذاك المكان الذي سميناه ملتقى للغرباء، رواده جُلَّهم على شاكلتي أو أنا على شاكلتهم، وقد اعتدنا على تبادل الشكوى من حياة الغربة وطول الإنتظار، إذ لا حيلة لنا الاّ أن نكابر ونصابر بعضنا بعضا. كنا نتصيد الضحكة والبسمة التي تكاد أن تفلت منا والى الأبد. في بعض اﻷحيان وعندما كان ينتابنا شعوراً بالوهن والضعف، كنّا نرنو الى مسائلة أنفسنا: عَلامَ كل هذا الجَلد والتحمل؟.
 الساعة اﻵن تقترب من منتصف الظهيرة وهذا ميقات مناسب كنا قد اتفقنا عليه مسبقاً أنا وَمَنْ يقاسمني سكني، للخروج سوية من البيت وتزجية بعض الوقت، فغرفته ملاصقة لغرفتي واهتماماتنا تكاد أن تكون متطابقة، فكلانا انتمينا الى ذات الخيار السياسي، وكلانا اغتربنا سوية، وكلانا أثار من التساؤلات ما رفضها الباب العالي ومن قبل الإستماع اليها( أتعرفون مَنْ هو الباب العالي، لندع هذا اﻷمر الى القادم من اﻷيام) كلانا حَمَلَ ذات الهموم والإهتمامات مع بعض الإختلافات البسيطة التي تكاد لا تُذكر، لذا طرقت الباب على صاحب، لم يردَّ عليَّ، أعدت الطرق ثانية وثالثة حتى فُتحَ الباب، مصطحبا معه صوت الموسيقى وصوت أحدهم وهو ينشد تلك اﻷغنية اﻷليفة على أسماعنا يوم كنا فتية أو قُل في بدايات الوعي والإنتماء السياسي: دَمٌ في الشوارع، سانتياغو……  الى آخر اﻷغنية، انه صوت جعفر حسن وقيثارته الشهيرة وتلك الحماسة الثورية التي تدفعك ﻷن تتذكر فيكتور جارا وكل شهداء الثورة التشيلية وشهداء العالم، لتتذكر بابلو نيرودا وسلفادور الليندي ومريم ماكيبا وجياع أفريقا وفلسطين المحتلة وووو.
 هنا سألتُ صاحبي: الا تعتقد بأنَّنا نشترك في جرح واحد مع مَن أنشدَ لهم جعفر حسن؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا أيضاً شعراء استشهدوا في شوارع مدننا وعاصمتنا؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد بأن لنا من السبايا ما فاق أعدادهم أو يكاد يقترب من ضحاياهم؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا من اﻷطفال مَنْ تيتم مبكرا وعلى يد أنظمة القمع التي تعاقبت على حكم بلادنا؟ قال بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف. قلت له لماذا إذن لم يغنّوا لنا كما غنينا لهم، أو على اﻷقل لم نسمع بتلك اﻷغاني التي تدل على تضامنهم معنا؟. هنا توقف صاحبي لبرهة خاطفة من الوقت ليقول لي بلغة ودودة: كم أنت ملحاح وكثير أسئلة. فأجبته وكم أنت ساكت لا ترد. ثم وبلحظة خاطفة قرر صاحبي وحسماً للجدل أو من أجل تأجيله الى أيام أخرْ، أن يوقف جهاز التسجيل ويخرج الكاسيت ليضع آخر بدلا عنه وليصدح صوت السيدة فيروز برائعتها:   
بغداد والشعراء والصور  ذهب الزمان وضوعه العطر
يا ألف ليلة يا مكملة الاعراس    يغسل وجهك القمر
بغداد هل مجد ورائعة       ما كان منك اليهما السفر
أيام أنت الفتح ملعبه            إنا يحط جناحه المطر 

حاتم جعفر
السويد - مالمو


50
طائر حطّ على سبأ
( الانتماء والرحيل )

الى أخوة جعفر, حيدر, طالب ومن نسيتهم
  قلق ظل يساوره كما ساور الاخرين من قبله وسيظل كذلك لمن سيأتي من بعده, فالاختيار ليس سهلا والطريق الى الحرية ليس سالكا ببساطة كما يظن البعض, ففكرة الانتماء, أي انتماء سينطوي على شكل من أشكال التحدي والمجازفة سيظل يؤسرك صباح مساء حتى وان لم تبح به, ففي بلدان العالم المصنف على خانة الديكتاتوريات الشديدة البطش, يعد لجوءك الى خيار المعارضة للحزب الحاكم وللفرد الحاكم مهما كان حجم وشكل وطبيعة هذا الخيار, يعد ضربا من الانتحار, وينطوي كذلك على الاستعداد الدائم للتضحية, وقد يكلف ذلك حياتك وانت لم تزل بعد في الربع الاول من انتمائك السياسي,  فلا بد اذن من التأني والتريث واعادة الحسابات أكثر من مرة.
  ولطالما نحن في وارد سبر شخصية الغائب الحاضر الفنان جعفر عبود فلا بد من العودة الى بعض المعطيات التي توفرت من هنا وهناك, مضافا لها جملة من الانطباعات الشخصية التي قد يتفق عليها البعض و يختلف عليها البعض الآخر, والحديث هنا عن انتمائه السياسي تحديدا, فصاحب الذكر نصفه يساري الهوى ونصفه الآخر هائم في عالم من الخيال والبحث عن نغمة من الجمال تطمأن لها الروح الأمارة بالسعادة الابدية. هذا ماقيل عنه أو ما رماه البعض به وما لم ينكره أيضا.
 ولأنه عاش في ظل نظام المصادرة والقبضة الحديدية, وكغيره من الحالمين بغد من الحرية ملؤها السماوات والارض وما بينهما, فقد وجد نفسه مضطرا للاستعانة بالصمت والوحدة والحذر, كأشكال مجربة وضرورية لتفويت الفرصة والانفلات من قبضة الرقيب, ليدخل راصديه وعسس الليل والنهار في ضرب من التخمين والتنجيم وحيرة كذلك في حقيقة انتمائه. ربما رأى جعفرا في نهجه هذا ردا مناسبا على ما أعتبر تهمة آنذاك, غير انه وحين يطمئن لنظافة المكان والحاضرين فلا يتردد في الافصاح عما يجول في خاطره, وعند هذه اللحظة يكون للكلام الصريح والمباشر, القول الفصل في اختبار منسوب الشجاعة والثبات على المبادئ, وهذا ما كان عليه. 
    واذا كان للانتماء ما يعني الانحياز الى الحقوق المشروعة للشعوب فهو منحاز دونما التباس أو اجتهاد في ذلك, غير انه كان مختلفا في وسائل تعبيره وهذا أمر مشروع ومفروغ منه بحكم طبيعة أدواته التي يستخدها في كيفية قراءة الواقع وبالتالي كيفية التصدي له, وعند هذه النقطة قد يأتي متقاطعا مع الكثير من التعبيرات الايديولوجية المحكومة بضوابط وروابط, يرى فيها تقييدا لتطلعاته وتضييقا على حرية حركته, لذا كان جعفر حريصا على الانطلاق نحو عوالم أكثر رحابة, غير عابئ لفكرة الالتزام بمدرسة فنية بعينها.
  وانسجاما مع تطلعاته الفنية تلك, كان طيب الذكر ينهل من هذا وذاك, وصولا الى تحقيق اهدافه الانسانية النبيلة, كاشفا ومن خلال أعماله الفنية عن طاقة ابداعية هائلة, أراد لها أن تتحرر وتحلق بعيدا دون سقف أو شرط, ليجسد بذلك فلسفة, حرص على العمل بها حتى مغادرته الحياة الدنيا. اشترك بالتأكيد في قناعته هذه مع آخرين من هم بشاكلته, مفادها ( خطوتي لوحدي غير أني أسير مع الجميع ), ولا بد من التسجيل هنا بأن الكثير من الفنانين العالميين قد سبقونا في فكرة التحرر من تلك القيود التي يؤطرها السياسيون, والحديث هنا لايدور عن صحة هذا الخيار من عدمه وانما مرتبط بالضرورة بأدوات عمل الفنان وبحساسيته وباشكال التعبير والفضاءات التي يتحرك بها.
  يمكننا القول هنا بأن جعفرا الفنان, قد نجح في وضع مسافة مريحة بين منهجه الابداعي الذي اعتمده وبين خياره السياسي الذي يأتي متسقا وانحيازه لجهة اليسار, وبشكل لاتتقاطع احداها بالاخرى,مستشعرا بذات الوقت بتصاعد عمليات القمع, وتوصله الى قناعة لايدانيها الشك تؤشر الى ان لعبة الصمت التي استعان بها لتحييد من يتربص به شرا قد استنفذ مفعولها, ومما عزز لديه هذه القناعة هو تعرض اخوته الى الاعتقال التعسفي من قبل الاجهزة الامنية في المدينة, ففي الحالة الاولى تعرض شقيقه الاكبر الى الاستدعاء والتحقيق, بتهمة المس بهيبة الدولة أو نحو ذلك, اثر وشاية من أحد صغار القوم أو مايطلق عليه في ايامنا هذه بالمخبر السري, السيء الصيت والسمعة. وفي الحالة الثانية تم اعتقال شقيقيه الاصغر بتهمة الانتماء الى احدى التنظيمات السرية المقارعة للسلطة, فالدار اذن لم تكن آمنة ومن غير المستبعد ان يكون مصيره كما أخوته.
  التطورات الدراماتيكية التي حدثت في بلاده والتي أخذت منحى خطيرا جدا, أجبرته على اتخاذ قرارا عدّه تغيرا نوعيا في حياته غير انه أجبر عليه, أنه الرحيل الى بلاد ليست بلاده, فتراه في ساعته الاخيرة كما حاطب الليل أخذ يجمع وعلى عجل ما تيسر له من لوازم السفر, وراح يجوب ثنايا نزل كان حتى لحظات خلت مستقره الاول واراده ان يكون الاخير, تلمّس برفق أحد جدران بيته, راجعا بذاكرته الى عقود خلت حين كان صغيرا, يداعب هذا ويشاكس ذاك واسترسل قليلا في رجعه البعيد, وفي لحظة مفاجئة أوشك على التراجع غير انه استفاق ثانية ليخرج مسرعا غير انه ترك الباب مواربا علّه يعود عن قراره.
  قال لصاحبه الذي بجانبه :  ماذا لو هبطت الطائرة قرب مأذنة في الكرخ أو بستان في العشار؟ بعد برهة ليست بالطويلة أعلن وصول الرحلة المرقمة ..... الى مطار .....أومأت بلقيس ملكة سبأ لحاجبها أن يفتح باب صنعاءها للغريب القريب, ترجّل جعفر بحقيبته الصغيرة وراح يدور بين درابين المدينة ودور عبادتها حتى حطّ استراحت قدماه في بيت الثقافة, واهبا شعب اليمن السعيد الوان الطيف السبعة وخطوط الطول والعرض وفنون الرسم ومدارسها, لم يدم به المقام طويلا وفارق الحياة الابدية على حين غفلة, غير ان روحه أبت الاّ ان تعود الى بئرها الاول حيث نهر خريسان وحيه العتيق وبقي جسده مسجّى هناك في حديقة الغرباء, تعلوه باقة ورد عطرة, تفوح منها رائحة القداح والاهل وكانت تلك لوحته الاخيرة.
 
حاتم جعفر
 
 
جعفر عبود, فنان عراقي ولد في مدينة بعقوبة عام 1952 وفارق الحياة في جمهورية اليمن عام 2008
 
 
 


صفحات: [1]