عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حميـد الحريزي

صفحات: [1]
1
أدب / مسامير من طين- نص سائل
« في: 16:28 30/08/2021  »
مسامير من طين- نص  سائل

حميد الحريزي

بالونات
تعانق الحراشف
المتصحرة
تبحث عن خياشيم قردة
هاربة
تآكلت عبر تجريف
المد والجزر
أهدته علبة شهد
معتق في أقنية السلاحف
التي فقدت سر
الزحف
عفن في بطن محارات
جرفتها الأمواج
الحبلى
بشقائق مزيفة
أظهرت له أنياب
من فضة
قضم رأس الجرذ
الأحمر
تتثائب فوق جدائل
أسماك أكلت زعانفها
تقيأ البر صنارة
صياد
أعمى
قطعت الريح
براعمها  الخرساء
صاح الديك في مقبرة
الوجدان
أسحب
أسحب سنارتك اصطدت
 البحر
هرب الثعلب يزعق 
خوفا من عرف
الديك
نكحته بيوض النمل
المخبأة في مسبحة
مسعورة
سجنت أسماء الله
الحسنى
في أخر خرزة
لامست يد مؤذن ينكح
ماعزة حبلى
فوق جبل من جماجم
 عصافير الدوري
سجدت له
العقارب
خارجة من جوف الحوت
الأزرق
أدلهم الأفق دماء
من كبريت
أسود
فأبتسمت  السعالي
في حضن ولي الله
الأعرج


2
صدور مجموعة شعرية (قافية رغيف) للشاعر امجد الحريزي

 
صدرت بتعضيد من اتحاد الادباء والكتاب في النجف  المجموعة الشعرية الاولى (قافية رغيف) للشاعر الشاب امجد حميد الحريزي  وقد ضمت العديد من النصوص الشعرية النثرية الحديثة ، وقد كانت محل اطراء واعجاب من قبل العديد من النقاد والشعراء  في داخل العراق وخارجه ....كل الشكر  لاتحاد الادباء ولكل من اهتم ومن يهتم بالابداع الشعري الشبابي، نتمنى ان تروق لكم مع الود

3
     
أصدار  كتاب  نقدي   جديد للأديب  حميد الحريزي

سيصدر قريبا عن دار رؤى للطباعة والنشر ، كتابي النقدي  بعنوان (قول في الثقافة والادب) دراسات في الرواية والقصة والشعر  للادباء عراقيين وعرب  ومن غير العرب . الذي يتضمن بالاضافة الى مقدمة الدكتور جليل ابراهيم الزهيري  خمسة أجزاء (ج1 مقالات في الثقافة ،ج2 مقالات في الرواية ، ج3 مقالات في القصة  القصيرة والقصيرة جدا ، ج4مقالات في سيرة مبدعين ، والجزء الخامس مقالات في الشعر ).
 نتمنى أن يروق لكم

4

                    البعد الفكري في روايــــــــــــة 
                 التصريف  الثـــــــــــــــالث 
                               للدكتور
          جليل إبراهيم الزهيــــــــــــــــــري


 

                   ((بين الحرية والأمر عداء مستحكم ))
                       ثيمة مستحدثة  وسرد شيـــــــــــق
بقلم : الأديب : حميد الحريزي
 
رواية  التصريف الثالث ليست رواية تسلسلية في المكان والزمان، ولا هي رواية بطلها شخصية محددة، وشخصيات ثانوية معلومة، ولكن الشخصية الرئيسة هي ظاهرة اجتماعية متوارثة، لها عمق  تاريخ في الثقافة الاجتماعية، بنية فوقية تستند على بنية تحتية ريعية استهلاكية لا تنتج سوى التقليد والاتباع والتمايز على مستوى الطبقة والجنس والعرق، وقد  قدم  الروائي للطبعة الثانية من روايته للتعريف بروايته قائلا:-
((هذه الرواية التي تتخذ شكلا سرديا مختلفا عن الاسلوب المعتاد في الروايات المتداولة، هي التصريف الثالث على كل الاصعدة اللغوية والذكورية والانثوية والبايلوجية والصوفية، حيث تبدأ أولا ببنائها الفوقي (اللغة) التي تكرس الفكر كقواعد وتنحدر الى قاع الجنس والعلاقة الاجتماعية المهلهلة المرتبطة به، وتنحدر اكثر الى قاع البايلوجيا الانسانية، قبل ان تضع لمسات على البناء الفوقي الاكثر خطورة وهو الدين الذي يضفي هالة القدسية على هذا التصريف.. قدسية تمتد الى اللغة والى القواعد التي وضعها للجنس والحياة الاجتماعية.)).
فعلا هذه الرواية ليست تقليدية لا من حيث الثيمة ولا من حيث أسلوب السرد، فهي حجر صلب يلقى في  بركة ركود التفكر، وصوت جريء يستفز واقع التقليد والسلوك المتوارث في  مختلف المجالات ومنها اللغة، والمكتب والبيت والجامعة وصوامع التصوف... إنه الكارت الاحمر يرفعه المثقف الواعي بوجه فعل الامر، هذا الفعل الدال على الاجبار وليس الاختيار، هذا الفعل الذي لا مكان له في اللغة بعد فعل الماضي والمضارع الذي يفيد الحال والاستقبال، ولكنه الحصن  الحصين  والصولوجان والعصا السحرية التي تتمسك بها القوة صاحبة القوة والهيمنة والتسلط سواء على مستوى الحكومات وطبقاتها المهيمنة على كرسي الحكم  التي لا يمكن أن يكون لها  وجود من دون الأوامر والفرمانات الصادرة فهي الآمر والناهي وأن سر بقائها وديمومتها يعتمد على دوام فعل الامر  واستجابة الناس بمختلف مواقعهم وطبقاتهم  لهذه الاوامر، وحفاظا على  فعل الامر تم ايداع الاستاذ السجن لأنه يريد أن يقتلع فعل الامر من اللغة، لأنه فعل الطبقات المسيطرة لفرض هيمنتها على الطبقات الخاضعة والمستسلمة لهذا الحكم بحكم التقليد والعادات المتوارثة، فالأستاذ ((فكر طويلا في العدالة المختلة في توزيع الزمن على التصاريف الثلاثة وقرر الغاء التصريف الثالث فهو لا يستحق العيش، فهو تصريف قلق الحضور يقع خارج الزمن ولأن الافعال تعني التحرك في الزمن لذا كأنه يخرج من أطاره الفعلي، وفي الإمكان الاستغناء عنه لتصريف الثاني المتسائل...)).
وباعتبار المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها تابعة لسلطة الدولة وبما فيهم الاساتذة وأصحاب الرأي في الجامعات والمؤسسات الاكاديمية، لذك فإن الاساتذة يستنكرون فعله  بإلغاء التصريف الثالث، حتى أنهم حاولوا الاعتداء عليه ومحاولة ضربه لأنه انتهك السائد ودنس المقدس، رفض اقامة سمنارا لمشروع معجمه حيث يواجه بالرفض، والتطاول على  لغة القرآن كما يدعون، فعزف  عن اقامة السمنار لأنه (خشى أن يهدر دمه أو أن يقتله متشدد أصم أبكم)،  ففعل الامر  يحمل  معنى الاكراه والتسلط، وقد افحمهم عندما حاججوه حين قال لهم رداً على صراخهم واحتجاججهم العنيف ((اصمتوا وأسمعوني، لكنهم لم يصمتوا ولم يسمعوه))، ما يعني لا قيمة لفعل الامر هذا، إنها  ثورة ضد الكتب الصفراء التي عفا عنها الزمن وتجاوزها الواقع المعاش، ولم تعد تنسجم مع حلم الأنسان في التقدم والتطور والحرية...
 وكذا هو الحال فقد أنزعج المسؤول البلدي من محاولة الغاء فعل الأمر، فلا مدير ولا مسؤول بدون  فعل أمر، فبدون  فعل الامر أين يصبح  الرؤساء والامراء والوزراء وحواشيهم وأين يصبح وعاظ السلاطين وأهل  الامر والنهي، وخطباء المنابر...
 كذلك فإن الصحفي يبتعد عن الكتابة وفق التصريف الثالث فعل الامر ((إذا اراد أن يقول شيئا للمستقبل كان يورده في صيغة تمني مضارع حاضر، لماضي مغاير، إذ سرعان ما يصبح ماضي فيفقد أسباب الاختلاف ((نحن أناس نحب الاستقرار ونكره التصريف الثالث)).
الاستاذ  يسخر من الشرطة الذين جاؤوا لإلقاء القبض عليه  حيث قال للشرطي وبكل برود ((أقبض))، ويرد على أمر القاضي بالوقوف بأنّه واقف  فعلا  مما  يعتبره القضاء استهانة بسلطته فيقرر سجنه لستة أشهر... وهو حجة في ضرورة الغاء فعل الأمر، فالراوي يدافع عن وجهة نظره عبر اجاباته الذكية والرادعة لأوامر السلطات بمختلف توصيفاتها.
يثير استغراب السجناء في الزنزانة حينما يعلمهم بأن تهمته  هي إلغاء  التصريف الثالث (رأيت التصريف الثالث في اللغة فائضا لا حاجة له، واقترحت أن يلغى بالكامل فأني اراه لا ينسجم مع إنسانيتنا))  (فبإمكاني أن أقول لك اعطني قدح ماء، أن أقول (هل يمكنك أن تعطيني قدح ماء)..
وحينما يقتحمون السجن ويقومون بالتفتيش يعثرون لديه على قصاصات ورقية مكتوب فيها ((لا للتصريف الثالث.. لا للإكراه))، فيودعونه السجن الانفرادي حتى لا يحدث انقلاباً  في السجن...
يستمر الاستاذ على لسان الراوي بعرض اكراهات التصريف الثالث وفعل الامر، في  مكاتب المدراء والاساتذة، الذي لا يصمد طبعا أمام إغراءات الجنس اللطيف الذي يتمكن من كسر إرغامات وتعسف فعل الامر من قبل المسؤول بفعل تأثير فتنة الإغراء والجمال والغنج الانثوي الساحر الذي يحول الامر إلى مأمور  حينما يتزوجها، مما يدل على تهافت هذا الفعل (يلبي كل طلباتها التي لم ترتق الى درجة الأمر ولكنها غير قابلة للرفض).
توصيف لهيمنة الذكر على الانثى في العائلة الواحدة، فالأب  له السطوة على الزوجة وأمره مطاع، وأمر الذكر هو المطاع وواجب التنفيذ على الانثى، يحق  للذكر فعل ما لا يحق للأنثى، حتى أن الاب يشعر بالتململ حينما يبشر بولادة أنثى   ويستبشر ويقدم القرابين حينما يأتيه ولد.
إن الروائي يكشف زيف وتعسف هذه الامتيازات الممنوحة للذكر بدلا من الانثى بغض النظر عن العمر وعن الدرجة العلمية.
 تلاحظ هذا التصريف الثالث للفعل ((عندما ذهبت الى المدرسة وحضرت درس اللغة العربية، شعرت بالغربة ووجدت أن التصريف الثالث في الفعل لا يعنيها البتة، وأنها تجلس في آخر السلم العائلي)).
تهافت وهمجية فعل الامر الذي يحول دون تمتع التلميذ بالفيء بالقرب من المدفأة على الرغم من أن زميله يتخلى له عن مكانه  كونه  لا يرتدي معطفا يقيه من البرد، وبأسلوب  كيس لا يحمل علامات الاذلال يشتري له زميله معطفا ليقيه من البرد القارس دون أن يمس كرامته، ملاحظا مدى اعتزازه بكرامته وعزة نفسه حينما رفض رفع اصبعه ليعلن عن فقره  مقابل الحصول على الكتب مجانا، ويكتفي بكتب متهرئة قديمة.
يستعرض الروائي العديد من المشاهد ومظاهر كسر التسلط الذكوري من قبل الجنس الانثوي اللطيف في العمل على أن تكون لها ((خبرة سابقة ولاحقة)) وهو غمز إلى أن الانثى لتكون لها وجود وكسر فعل الامر الذكوري أن توظف  جسدها وجمالها وإغراءاتها في تحقيق ذلك ((قررت أن تكون لها خبرة سابقة ولاحقة وتأخذ الجمل بما حمل))، فلا بديل لها غير هذا  السلوك للحصول على عمل بعد تخرجها من الجامعة، وهي  إشارة الى عدم تكافؤ الفرص وتسليع المرأة دون الاخذ في الاعتبار تحصيلها العلمي وكفاءتها في العمل.
كما ينتقل إلى نزعة التصوف ومحاولة الانسان التحرر من عبودية الجسد والخلاص من استعباد  الطغاة والسادة، لينتقل الى عبودية الروح واستبدال الله بدلاً من المستبد، حيث يرى المتصوفة أن هذه العبودية إنما هي تحرر للروح لتسبح في فضاء الحرية الالهية، فليس هناك من طريق ثالث وعلى وجه الخصوص بالنسبة للمرأة كما فعلت (رابعة العدوية)، حيث  انتقلت من العهر والمجون إلى الزهد والعبادة والتهجد والاستغفار، تاركة كل مظاهر البذخ والثراء وليالي الأنس في مجالس السلاطين وأصحاب الثروة والجاه، فالروائي  يرى أن  جوهر الاستعباد والاذلال والاستغلال للإنسان من خلال  التصريف الثالث وفعل الامر، ويدعو أن يكون فعل الانسان اختياراً ونابعاً من قناعة ووفق أسلوب الترجي والطلب وليس بأسلوب الزجر والقهر والاجبار، ويرى أن هذا الفعل له فعل مضاعف على المرأة على الرغم من انه يمارس وبوحشية على الذكور أيضا في المجتمعات الطبقية والديكتاتورية بمختلف مسمياتها، مما يستوجب العمل على احداث تغير جذري في البنية الفوقية للمجتمع، وذلك  يستدعي تغييراً جذرياً في البنية التحتية، بمعنى خلاص الانسان من حكم الضرورة للانتقال  الى حيز الحرية وهذا التغيير لا يمكن أن يحصل في المجتمع الرأسمالي مجتمع الاستغلال والقهر الطبقي، وبمعنى آخر أن لا خلاص إلا بتطبيق شكل من أشكال النظم الاشتراكية  والانتقال إلى المجتمع الشيوعي وذوبان الطبقات فلم تعرف  البشرية غير هذا الخيار للخلاص من العبودية الجسدية والروحية والعيش في  فضاء الحرية. 
 في الختام أقول ليس سهلا الاحاطة بكل الأبعاد الفكرية والفلسفية والتنويرية لهذه الرواية المميزة، وقد اخترت  توجيه مصباح الكشف الفكري للرواية، بعد أن اطلعت على الدراسات الرصينة والمهمة التي تناولت الرواية تأويلاً أكاديمياً متخصصاً من حيث  الحبكة والسرد وسيمياء الرواية والابداع  أفني والحنكة السردية للروائي الجليل  جليل الزهيري، والدالة على الوعي العالي والعمق المعرفي للكاتب، وثروته اللغوية والثقافية وموهبته الشعرية، إلى ابداع رواية تعتبر إضافة نوعية للسرد الروائي العراقي وللمكتبة الروائية العربية...



5
                 العراقي بين عوق الداخل وغربة الخارج       
                             
                               رواية
                      للمفتاح وجوهٌ عدة
       
                       للروائي: مهدي علي  ازبين


بقلم الأديب: حميد الحريزي
 

العنوان/
للحياة مفاتيح عدة، الإنسان في مسيرته الحياتية تعترض طريقه أحلامه، رغباته، لقمة عيشه الكثير من الأبواب المغلقة؛ ما يتطلب أن يجد المفتاح الذي تفتح به هذه الأبواب، بالتأكيد ليست كل الأقفال متشابهة، بل هي متنوعة كتنوع الحياة الانسانية عموماً وحياة الإنسان العراقي على وجه الخصوص، نعم يوجد ((ماستر كي))، ولكن هذا المفتاح لا تملكه إلا السلطة وأصحاب المال والجاه.
بطل رواية ((للمفاتيح وجوه عدة)) اللامسمى، لأنه يحمل آلام ومشاغل ومصائب ليس إنساناً واحداً بعينه، إنما هو نموذج مصغر للإنسان العراقي المعذب، تمكن عبر الصبر والتحدي والأقدام من أقتحام الصعاب، وأن يحصل على مفاتيح تفتح مغاليق الكثير من الأبواب من أجل إنقاذ حياة صغيره.بلدعاجزعن شفاءعوق أبنائه ،  ولايأتمن على حياة مواطنيه...
لانريدأن نفقد القارئ من متعة تفاصيل الرواية ومجريات أحداثها، لكننا نسعى إلى إضاءة منحنياتها ودلالة حوادثها.
الروائي يوجه سهام نقده لواقع مؤلم ويكشف عن فضح الكثير من الإجراءات والقوانين السلطوية في العراق، منها مثلاً همجية الحروب القذرة الجنونية التي أفقرت البلاد وأذلت الإنسان.
نموذج (المطي) هذا الإنسان العراقي المحترم صاحب المال والجاه في حياته المدنية الذي أذله الجيش، أو ما يسمى بخدمة العلم، أي علم هذا الذي لا يحترم من يخدمه، يحتقره، لا يعترف بإنسانيته؟ حيث عرّف بعض الظرفاء الجندي في الجيش العراق ((هو ذلك الحيوان الذي يحدّه البسطال من الأسفل والبيرية من الأعلى، ويقسمه النطاق إلى قسمين متساويين))  والـ (ج. م. ح)  بـ ((جحش مربوط حساوي)).
إحساس الشاب العراقي عندما يلتحق بالجيش عليه أن ينزع  كرامته مع نزعه للملابس المدنية، وقبل أن يدخل المعسكر ويرتدي البدلة العسكرية، كما فعل (المطي) الذي عرف نفسه بالمطي هو وإخوانه من الجنود، فكلهم مطايا في جيش الوطن.
السؤال عن أي شيء يدافع الإنسان إذا سلبت كرامته؟ وعن أي وطن يدافع إذا كان هذا الوطن يسلب كرامته ويمسخ ذاته؟
الروائي يوجه ضوء الوعي الكاشف على هذه الشخصية الممسوخة في الجيش، لكنها المحترمة الكريمة المضحية المحبة عندما تكون خارج أسوار المعسكر.
يجب أن يكون هناك جندي وجيش منضبط ولكن بكامل وعيه وإنسانيته، يجب أن يشعر بأن الاعتداء على الوطن هو جرح لكرامته ومسخ لإنسانيته، حتى يستبسل في الدفاع عنه ضد أي غازٍ أو معتدٍ، بالضد مما كان عليه في عراق الديكتاتوريات حيث أخذ الأغلبية يرون في المحتل محرراً ومخلصاً لهم من نير وتعسف النظام الحاكم؟!
وفي الوقت الذي يروي فيه مدى جبروت وقسوة السلطة الحاكمة وأجهزتها القمعية، يوضح مدى هشاشتها وإمكانية اختراقها من قبل أبسط الناس كما هو دور أم اللبن والقيمر في النهضة وساحة سعد وبائعة السمك في العمارة، حيث تمكنت أن تهيئ عوامل ووسائل خلاص وهروب الضابط الكبير مع ولده، ليصل إلى بلد الأمان والسلام في النمسا.
•   يكشف الروائي الظلم والتعسف الذي مارسته السلطات الحاكمة في العراق ضد اليهود، وما تعرضوا له من الفرهود لأموالهم وممتلكاته وانتهاك حرماتهم تحت أنظار السلطة إن لم يكن بدفع وتشجيع منها في عمل متخادم مع الصهيونية العالمية، فبمثل هذه الممارسات الوحشية من قبل السلطات وبعض الجهلة من الناس، لا يبقى لليهود سوى إسرائيل والصهيونية العالمية ملاذاً آمناً لهم، وهذا ما كانت تخطط له إسرائيل بالفعل، وتمكنت من تحقيقه نتيجة عمالة الحكام العرب عموماً وفي العراق على وجه الخصوص وتسفيرهم اليهود العراقيين قسراً.
على الرغم من كل ذلك لم يتنكر الكثير من اليهود لوطنهم العراق ولذكرياتهم ومحبيهم، وهذا ما أبدته العائلة اليهودية من حب ورعاية للهارب العراقي وولده في النمسا، فمظلومية يهود العراق وسلب أملاكهم وعقاراتهم وبيوتهم ومصادرتها من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة ما زالت لم تعالج بشكل  قانوني عادل، ويعيد لهم عراقيتهم التي كانوا وما زالوا يتمسكون بها ويحنون إليها على الرغم من مرور عشرات السنين على ترحيلهم، وما زال الكثير من كبار السن ممن عاشروا اليهود وتعاملوا معهم؛ يتذكرونهم باحترام وتقدير لحسن تعاملهم ونزاهتهم  وسلميتهم، حيث عاشوا وسط العراقيين من مختلف القوميات والأديان دون أية حساسيات أو مشاكل تذكر،  ألا يكفي أن يسمى زقاق كامل على مقربة من ضريح الامام علي في وسط مدينة النجف باسمهم ((عكد اليهودي))، ولنا في مثال وزير مالية  العراق في أول حكومة وطنية عراقية من اليهود والكل يشهد بنزاهته وعلميته وقدرته الإدارية، وكان الكثير منهم رجالاً ونساء انخرطوا في صفوف الحركة الثورية العراقية وآخر مثال المناضلة الكبيرة سعاد خيري زوجة الراحل زكي خيري، التي رفضت التهجير وتمسكت بعراقيتها، ورفضت العيش في إسرائيل على الرغم مما تعرضت له في السجن والتعذيب والمطاردة من قبل السلطات المتعاقبة على حكم العراق.
•   يسلط الروائي الضوء على المستوى العلمي المتطور الذي وصلت اليه  بلدان (الكفر) النمسا وغيرها في مجال الطب والمعرفة ومدى الحس الإنساني المذهل تجاه من يحتاج مساعدتهم، وهذا ما جرى بالفعل للطفل العراقي الذي عجز كل أطباء ومستشفيات العراق عن علاجه وإصلاحه لساقه  المكسورة.
•   المحبة الكبيرة للإنسان من قبل العائلة التي تبرعت بعظم ساق ولدها الميت دهساً بسيارة لإنقاذ حياة الطفل العراقي، والاهتمام المذهل من قبل ام الطفل النمساوية حيث  تبرعت لزرع عظمة ولدها في ساقه واعتبرته امتداداً لحياة ولدها ولم تطالب مقابل ذلك سوى استمرار التواصل  وزيارة الطفل العراقي..
وبالإضافة إلى الرعاية الطبية الفائقة للطفل تم منحه الجنسية النمساوية وتعليمه في أرقى المدارس ليحرز أعلى مراتب المعرفة والثقافة وليتزوج من نمساوية، وقرر أن يستمر العيش هناك مدى الحياة بعد أن يودع والده الذي عاد الى أرض الوطن وقاتل قوى الإرهاب وليصاب إصابة خطيرة  تفقده حياته، وهنا يتضح لنا مدى تمسك العراقي بعراقيته  ودفاعه عن وطنه وشعبه والتضحية بحياته طوعاً من أجل ذلك حينما تتوفر له القناعة بعدالة الحرب التي يخوضها.
 خلف الضابط تسجيلاً مفصلاً حول حياته وحياة ابنه وما تعرض له من مصاعب وعقبات ومخاطر من أجل  شفائه، لتكون هذه الذكريات في عهدة (معز) الصحفي، ليصوغ منها رواية تحكي حركة المفاتيح في حياة فرد وشعب ومجتمع...
لغة السرد والحبكة الروائية:-
الروائي مهدي ازبين الذي يمكنني أن أصفه بصائغ الكلمات الناطقة، مهدي لا يكتب فعلاً أو عبارة في سرده للأحداث دون أن يكسبها الحركة والحياة، يؤنسن الفعل والعضو البشري والحيوان وحتى الجماد ويمنحه ذاتاً، فالرمش يرقص، واليد  تعزف، الفم يزغرد، الشجرة تومئ، الزهرة ترتعش، وبذلك فهو يجعل كلماته وعباراته مجسمات، صور ذات روح وخاصية التعبير عن ذاتها من خلال توصيف يجسدها (فم المستحيل)، (مدجج بالأسلاك)، (يفقد الصبر وقاره)، (توجيهات حادة الحواف)، (أحبو بخطوات تزحف على البلاط)، (كف الحزن)، (حسرات وداد)، (رذاذ طيبتها)، (ازحزح النعاس)، (سرير هامد)، (أصباغ تلهث).. الخ، وهذا يمتد عبر كل السرد الروائي، إنها إمكانية كبيرة للتلاعب باللغة وإجبارها على النطق لتكون العبارات صوراً في ذهن المتلقي، شعرية عالية وخيال واسع، وثروة لغوية مبهرة حقاً، هكذا وجدت مهدي في كل رواياته وقصصه.
كما أن الروائي أتبع أسلوب الحركة البندولية في السرد، لينتقل من مكان إلى آخر ومن حدث إلى آخر، ويتنقل في الزمان والمكان دون أن يخرج  عن الحبكة الروائية أو يخلّ ببنائها، فالنسج الروائي محكم وممتع لا يخلف الملل، ولكنه بالتأكيد يتطلب من القارئ أن يركز فكره حتى لا يضيع منه خيط السرد، أو يفقد تسلسل الاحداث وإن كانت منثورة على مساحة كل قارة الرواية من حيث المكان والزمان، فرواية ((للمفتاح وجوه عدة)) إضافة نوعية لرواياته السابقة ومنتج روائي عراقي مميز..



6
يبد ان  غنج  ومحبة وشاي (( غزالة))  قد فتح مغاليق  الالغاز  وبدد  ضباب  طريق الخلاص ،  ولا ادري  مالذي  يشغل  راس (( غزاله )) الحلوه  الان ؟؟
حينما  وصل  الدار ،  وجد  ((حسن)) ينتظره  بلهفة وقلق  ،  ولم  يتناول غداءه  لحد الآن ...
 اعتذر   وطلب  منه  ان يتناول  غداءه  لأنه  لايستطيع الاكل  فقد تغدى في  بيت  احد اصحاب الحدائق ،  انزل  سعفات  النخيل والكرب   واضعا اياها  خارج الدار ، ثم ادخل دراجته ، وقرر ان  يعمل  الشاي  بنفسه  هذا اليوم ... وهم  يتناولون  الشاي  شرح  له ماتوصل  اليه  بخصوص الحل  الثوري  لما يجري  الان  ووجوب  استلام السلطة  من  قبل  الحزب  والقوى الديمقراطية  في العراق  وبدون ذلك  لايمكن تحقيق   استقلال  البلد  ورفاه الشعب ...
كان  حسن في غاية السرور لما طرحه  ((شمران))  وكأنه  كان  ينتظر منه  مثل  هذا القرار  الثوري  المصيري  بالنسبة لهم ، مما  فتح  الباب على مصراعيه   لحسن  ليكشف  لشمران   ما قرره (( المجلس الثوري))  من  العسكريين  والمدنين  الشيوعين  للاعداد والتحضير  لانقلاب  عسكري  انطلاقا من معسكر الرشيد  للقيام  بالثورة  ضد  الحكم القائم ، تحمس  (( شمران  )) كثيرا  لما  يخطط  له  رفاقه  بعد ان اطلع  على بعض  التفاصيل  ومنها  تاكده   من  وجود  صلة وتنسيق  مع  قيادة الحزب  حول   الامر ، وقرر تعريفه  ب(( محمد حبيب )) و (( حافظ لفته)) لغرض  تدارس جميع  الخطط  ومستلزمات  التحضير للثورة  وضمان  نجاحها ...
اخذ ((شمران ))  يضاعف  من  نشاطه  قاصدا  الاماكن  التي  يتوقع  ان  يلتقي  خلالها  ببعض رفاقه  القدامى  والمنقطعين  عن  العمل ، وقد تمكن  بالفعل  من  اعادة  صلة فردية بالعديد  منهم  من  العمال ، وصيادي  الاسماك ،  وعمال  المطابع ، والكسبه ،موضحا لهم  نية   الحزب في الاعداد  للثورة  واستلام السلطة  وعليهم  ان  يكونوا  جاهزين   لهذا  العمل  في  وقت التنفيذ ،  ولايألوا  جهدا  في  اعادة الصلفة   بمن  يثقون  به  من  الرفاق والاصدقاء المنقطعين ...
كما  انه  و حسن   كانوا  يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل    لمواصلة متابعة   نشاط  رفاقهم   ورسم  المخططات  في كيفية التحرك  حينما تحين ساعة  التنفيذ،  كما  كانت  تصلهم  ملاحظات  واراء   رفاقهم  الذين   كانت  لهم  عدد من  المناطق  ومحلات  للقائهم  واجتماعاتهم  غطت  اغلب مناطق  بغداد  الشعبية  ومنها  محل  خياطة  ((حافظ لفته )) خلف  السدة ، وستديو  شاهين  للتصوير  في بغداد الجديدة ،  وكوخ  صغير في كمب  ساره ، ومخبز في منطقة الجوادر  بالثورة ، ومقهى ابو حسن ((دي لوكس))  في ساحة الطيران ، بالاضافة الى العديد من المقاهي والدور السكنية في مدن الثورة والشعب والحرية
كما  ان  التنظيم   اوجد له  نواة  عسكرية  ومدنية  في  باقي  المحافظات  وخصوصا  الوسطى والجنوبية ،  وقد  وضعت عدة تواريخ  للقيام  بالثورة  منذ 15-5-1963 والتي  تم  تاجيلها بسبب حالة الانذار للحرس  القومي ،  نتيجة لصراعهم ضد القوى الناصرية  الحليفة للبعث  والذين تم  ابعادهم  فيما بعد ...
كان  (( شمران ))  يحصل  على معلومات  هامة جدا   من  دار ((الشيخ  ابو حردان ))  عن طريق متابعة احاديث  حردان    مع  رفاقه  في الدار او في  التلفون  وعن خطط  الحرس القومي  ضد  الشيوعيين ، وعن ما  حصلوا عليه  من معلومات  وما  قاموا  به  من اعتقالات  لناشطي الحزب  واصدقائه ،  وقد كانت  هذه  المعلومات  ذات  اهمية كبيرة  لقادة ((الثورة )) وما يتخذونه  من اجراءات  وقائية  سريعة ...
لقد  كانت  ((غزالة )) مصدرا  كبيرا  لمضايقته  واحراجه ،  ولم  تنفع  معها جميع  الاعذار  لتبتعد عنه ،  وكاد  ان  ان  يتورط  معها  في ممارسة حميمة حينما  زار  الدار ولم  تكن  سيدة البيت  موجودة  في الدار لانشغالها في الدوام ، فقد  رمت  غزالة نفسها  عليه  ملتهمة اياه  بقبل  لاتنتهي ، حركة  كافة كوامن  غريزته ، لتهيمن  على كل  سحب  الالم  والهم والانشغالات  الكبرى ،  فتستيقظ  مجنونة  فوارة  اما   اغراءات  جسد  ((غزالة))  ومداعباتها  المثيرة ، لم  ينقذه  من هذا الموقف  الاعندما  رن جرس  الباب من  قبل  ((الخبازة))  التي  جلبت  لهم  تخصيصهم  اليومي  من  خبز التنور الحار ، وخلال  ذهاب  غزالة  لجلب  الخبز   ، أستطاع   ان  يعيد  التوازن  الى  نفسه  ويكبح  جماح  غريزته ، وقد  اقترب موعد  قدوم  ربة  المنزل  من الدوام ،  رغم  تشبث  ((غزالة)) به  وانهمار دموعها  في  حضنه ،   رفع راسها  من حضنه ،  ماسحا  دموعها   واعدا  اياها  بانه  سوف  لن  يخذلها  لو توفرت  ظروف   مواتية ،  واستطاع  ان  يتخلص  مما  هو فيه  من هم  وكدر بسبب  مرض والدته ، وسوء  صحة ولده  وابنته في القرية وقلقه  الكبير عليهم ،  تشلغل  عنها  في   زراعة  بعض  أعواد  زهور جديدة  وتعديل  التربة   حتى  تاتي  ربت  البيت  واستلام  اجرته  التي  استحقها  في هذا اليوم  وهو  بأمس الحاجة اليها  الان ...
 احضرت له  (( غزالة)) طعام الغداء كالعادة ، وسلمته   اجره  من السيدة  مضافة لها اكرامية  محترمة  تقديرا  لجهوده  المتميزة في العناية  بالحديقة ...
حمل  ادوات  عمله  مثبت ايها على دراجته ، وقد  شييعته   من باب  الدار غزالة بحسرات  حرى  ودموع  ظاهرة  حاولت   ان  تواريها   عن  سيدتها التي  امرتها  بتحضير  الحمام ،  وتهيئة  طعام الغداء  للعائلة ، فسيدها على وشك  الوصول من المكتبة  ، حيث يحضر   وبيحث  في الكتب  المهتمة  بتاريخ  العراق  القديم ، ةتاريخ الاسطورة ، وتاريخ الحركات الثورية في بلاد الرافدين  في مختلف العصور ...
حاول (( شمران))  شراء بعض  المستلزمات  الضرورية  للتحضير  للثورة  المقبلة ،  كالحصول  على بعض  البدلات العسكرية  ، والرتب ، وتكليف  البعض  بعمل  قطع  قماش  تحمل  مختصر مقاومة شعبية ((م .ش))   لتربط بالساعد  لغرض تمييز  الثوار عن  غيرهم ، اثناء  بدء  الحركة  مع  علبتين  من سكائر  ((الجمهوري))...
والله ي(( مظلوم)) لو  مو هل  الوضع  الي احنه  بيه   مال  گعدت (( زحلاوي)) وسمچ مسگوف ، راحت ايامك  اسطه  جمال ...
حبيبتي حياة رغم  مرارة  فراقكم  ايتها  الحبيبة  انت    وعزيزتي  (( سعوده)) ، ولكن  مرارات  حكم الفاشست ليس لها حدود ،  ومن  مثلك  لايحتاج  الى   ان  اشرح  له  ما  نحن  فيه  ،  وجسامة  المسؤولية  الملقاة  على  عاتق كل  مناضل  للخلاص  من  هذا   الطاعون  الاسود ، اغتلوا احلامنا  اغتلوا  أحلام  الفقراء ، أغتالوا  الحرية ،  قتلوا  ومثلوا  واستهتروا  ولابد  من الثورة ،  كلنا  أمل  باننا  سنحقق آمال احرار العراق ، كلنا  أمل  بأننا  سنحقق  احلام   الشهداء اللذين  اغتالتهم الفاشية  ومزقت  اجسادهم  هذه الذئاب  المسعورة ،  حبيتي  الغالية  لايمكنني  العيش في ظل  العبودية  والقهر  ، لايمكنني العيش ورفاقي  يذبحون ،  وشعبي يعذب ، لذلك قررت  اما  حياة حرة  سعيدة  واما   فلا معنى للحياة ، حبيبتي   ربما  نلتقي  في مهرجان  فرح  او  ستلتقي ارواحنا  بعيدا عن  رقابة   الفاشية ...
لم  تفارق  فمه  سيكارته  الا لتخلفها  ثانية  حتى وصل  الى  كوخ  (( حسن ))، فاليوم لقاء  تقرير المصير  وبغداد  على موعد  مع  فجر جديد ... وجد  حسن  منهمكاً وهو  يحدث  نفسه ، يرسم  على الارض  ويمحو   ثم يرسم ،  ادى التحية  وجلس  قربه ،  تذاكرا  حول  اجتماع  الليلة  للتوصل  الى قرار  لاختيار موعد  جديد  لانطلاق  الثورة ،
ما  ان حل  الظلام  حتى  بدء الرفاق بالتقاطر  على   الكوخ ، بازياء  وهيئات  مختلفة  ، اغلبه  جاء على ظهر دراجة  هوائية  او بخارية ، بعد  اخذ كافة الاحتياطات حتى يكونوا بعيدا  عن  انظار  السلطة ،  وان  عنوان   تجمعهم  المعلن  هي ((  مشية ))  صلح  لزميلين متخاصمين في العمل ...
افتتح  حسن  الاجتماع  بشرح  عام  لطبيعة الاوضاع  الحالية ، ومراجعة  اغلب التطورات   ونضوج  اغلب  الاستعدادات  مما يتطلب   تحديد  ساعة الصفر  لاعلان  الثورة ، فتح  مجال  النقاش  والمداخلة  لاغلب  الحاضرين  لابداء اراءهم  وملاحظاتهم  لتكون  الخطة محكمة  والموعد  لاتشوبه  اية محاذير  لتكون  المفاجأة مذهلة ومربكة للعدو ...
خلص المجتمعون الى تحديد فجر يوم  24-6-1963 من حيث  المبدأ  موعدا لانطلاق  شرارة الثورة  ، وستكون  كلمة السر هذه المرة (( فهد))،ويكون  انطلاقها  من موقع "دبابابت" ابو غريب  نحو الاذاعة في الصالحية  لاذاعة البيان الاول  للثورة ،  انفض  الاجتماع  على ان  يتم  التواصل  في  الايام اللاحقة  ومتابعة التطورات   والمتغيرات  ، مع  اخذ الحيطة والحذر والكتمان  الشديد  لتفادي  المخاطر التي قد تجهض  الثورة ...
خرج  المجتمعون  الواحد  تلو   الاخر وكل  منهم    يشعر   بدنو  موعد النصر  والخلاص القريب ، خصوصا  وانه  قرأ الاصرار  والحماس  والاستعداد  للتضحية  في  عيون  كل  الرفاق . في حين   واصل   ((حسن))  و (( شمران ))  نقاشهما   في  الشأن  العام  والخاص ، وقد  عرض (( شمران ))  على رفيقه  خيار تركه  لعمله  في   حدائق  البيوت ،   للعمل  في  احد  البساتين  ،  مما   يوفر له  سكنا  مستقلا  ليكون  بمثابة وكر  جديد  يضاف  الى  الاوكار  الحالية ، كما  انه  يخفف  من  الضغط  عن  (( حسن))  وكوخه ، وربما  يفكر في دعوة  (( ام كفاح))  لتعيش  معه في   هذا الكوخ ...
فقال  (( حسن))  مبتسما :-
-   ها  رفيق  يبدو  انك لم  تعد  تحتمل  فراق  أم  ((كفاح ))؟
-   تريد  الصدگ ابو فلاح  فرگتهم  صعبه ،  لاكن  مو هذا القصد ،  آني  أفكر  بالافضل  لتطوير  عملنا  وابعاد  الشبهات  عنا .
-   آني وياك   ابو كفاح ، بس احنه  على وشك اعلان  الثورة   ولا ندري  كيف  ستسير الامور ، خليهم  الأهل  الآن   على ماهم عليه ، وبعدين   خلي  تواجدنه  سوية  يصير  حالة معتادة اولاد  عم  عايشين  سويه  حتى نبقى على تواصل  مستمر    وهو مانحتاجه  في  الظرف  الحالي ، ووضعنا  الان  لايثير الشبهات .
-   خلص كما ترى   ابو فلاح  العزيز ، ونشوف  شلون  نراوسه  ويه (( الحرس القومي))  ويه   العاشقة الولهانه  البطرانه (( غزاله ))؟؟
-   الحرس   القومي  انته  تلفه  وتلف  أبوه ،  وظل  الزلمه  فايدنه بمعلومات مهمه ، وهو مصدر معلومات  موثوقه  ولايمكن الاستغناء عنها  في الوقت  الحاضر ،  اما  ((غزالتك))  فهللت انهله بيه ولاتكسر خاطره ،  هههه.
-   التفضلت  بيه  ابو فلاح  صحيح ،  وهاي  المسكينه  اتمنه  تلگاله  ابن حلال  تشاركه  حياته  بامان ، وايام  گبل  راحت  ويه  اهله ، وحنه  اتعلمنه  ما نوعد  ونخلف ...
-   وهساه اسمع  عوعه  ((ديچ المختاضه)) ،  هاك هاي  جكاره  خلصه  ولف  راسك  ونام  وراك  غبشه للدوام . تصبح  عله  نصر تصبح  عله  خير .
-   تصبح  عله  خير وسلام   ((ابو كفاح )).
قبل موعد التنفيذ بعدت ايام  تم  تأجيل الموعد الى5 تموز 1963 والذي تغير الى يوم 3 تموز 1963 لعدة اسباب  من بينها قيام الحرس القومي  باعتقال ضابطي صف قياديين في الحركة ، ونقل  احدى الوحدات العسكرية في نفس اليوم الى  كردستان العراق ، وكان  في الوحدة عدد  من   انصار الحركة ،  وقد لوحظ  ازدياد  نشاط ومداهمات الحرس القومي ضد العديد من العناصر  من  اعضاء الحركة  وانصارهم  وقد عثروا    عند بعضهم  قطع  من القماش تشد على الذراع  وكتب عليها  حرفي ((م.ش))  أي مقاومة شعبية ،  واستخدام  شتى   انواع  واشكال  التعذيب لانتزاع  اعترافاتهم  على ما كان  يظنونه   مجرد (( تنظيم جديد))  للحزب  مستبعدين قدرة  اية  قوة على القيام  بثورة او انقلاب  عسكري  نظرا  لانها جميعا  بقيادة  البعثيين  وتحت  سيطرتهم ...
وقد وصل  الى سمع  ((شمران))  عن طريق (( خالد  )) قائد الحرس القومي  بانهم  تمكنوا  من  مسك رأس خيط  لتنظيم جديد  للشيوعين  ، الذين اصدروا عددا جديدا  من  جريدتهم الرسمية  السرية ،  وان   القوى  الامنية   والحرس القومي  سيقومون  بشن حملة واسعة النطاق لاعتقال كل  المشتبه  بهم ..مما جعل   امر التنفيذ غير قابل  للتأجيل ...
في كوخ صغير، مفروش بحصران سعف النخيل ، تم اجتماع ((اللجنة الثورية ))، بمن فيهم ((حسن، وشمران ،ومحمد حبيب، وقاسم محمد ،ورئيس العرفاء كاظم البندر وغيرهم)) تم وضع اللمسات الاخيرة لانطلاق الثورة  بكل تفاصيلها وتوزيع المهام  على الجميع  ثم اقسم الجميع وسط دوامة من دخان السكائر ، وتبادل انخاب اقداح الشاي (( نقسم بتربة هذا الوطن الغالي ان نحرره من الظالمين  الطغاة))*ب-ص70.
 وقد كانت الوصية الاخيرة  من قبل ((حسن)) ورفافقه ان (( لا تقتلوا احدا بل اعتقلوهم وسنقدمهم للمحاكمة))!!!
وفي الساعة الثانية عشرة والنصف قبل 3 ساعات من بدء التنفيذ انفض الاجتماع ، وقد عاد حسن ورفاقه من عسكريين ومدنين  بمن فيهم ((شمران)) الى معسكر الرشيد ، وقد كمنوا في مهاجع مدرسة قطع المعادن ...
عند الثالثة والنصف فجريوم  الخامس من تموز ، وضع  حسن وعدد من ضباط الصف وعدد من المدنين   من  ضمنهم ((ابوكفاح)) الذي ارتدى الملابس العسكرية فوق  ملابسه المدنية  فبدى اكثر بدانة مما  هو عليه ،وضعوا الرتب والاشارات على اذرعهم، وتوجهوا نحو حرس مدرسة الهندسة الآلية العسكرية، وبحركة  رشيقة وموحية  مد حسن ذراعه صوب الحرس وكذلك فعل رفاقه ، امرا الحرس بالاستسلام فورا ، فاستسلم الجميع وتم اعتقال عريف وضابط الخفر، واحتلال المدرسة،ومركز التدريب المهني، وكسر مشجب السلاح والاستيلاء على ((150)) بندقية،  وقد التحق بهم ((300)) جندي من سرية الحراسة ، ولكنهم لم يكملوا احتلال المدرسة  وكان ذلك  بداية  لعدة اخطاء اخرى  توالت بعد اطلاق  رصاصة  اشارة التنفيذ، ومنها  التزامهم بوصيت ((لاتقتلوا احدا...))،وقد تمكن العريف (( كاظم فوزي)) الملقب  ب((كاسترو))  بكسر باب  سجنه  هو ورفاقه من انصار الحركة والسيطرة عليه ، و  تمكنوا  بعد ذلك  من السيطرة على مقر اللواء ((15))، كذلك  تمكنوا  من السيطرة على كتيبة الدبابات الاولى  واعتقال  قائد وضباط الكتيبة ، وانتظروا  ضباط  سجن رقم  واحد  ولكن  دون طائل ،  وعدم مفاجئتهم لحراس سجن رقم  واحد واكتفاء  مسؤول  المجموعة  ((عريبي محمد ذهب )) بمناداتهم بالاستسلام التي لم يستجب لها احد، مما مكن ((الاحمر))* البعثي المتطرف من المقاومة وصدهم مما افشل عملية اطلاق سراح المعتقلين واغلبهم من الضباط الدروع والطيارين وبقية الكوادر الهامة الاخرى والذي كان المعول عليهم على قيادة  الطائرات والدبابات بعد تتم السيطرة عليها من قبل الثوار الجنود  ، وارتباك  او تخاذل  قائد الدبابة الاولى  العريف " راضي كاظم شلتاغ "بقيادة عبد السلام عارف رغم كونه من الثوار، وعدم وصول الضباط الى  الطائرات ،والى كتيبة الدبابات، وفشل عملية الاستيلاء على الاذاعة ، مما مكن السلطة من استنفار قواها من الحرس القومي  والجيش  واخماد اصوات  رصاص بنادق الثوار بعد حوالي  اربع ساعات من انطلاق رصاصتهم الاولى لانها التزمت بالوصية الاولى ولم تبادر بالقتل ، ورغم ان بعضهم  حمل رتبة ضابط ولكنه ظل يتصرف ويسلك سلوك الجندي  في لا وعيه احتراما للضباط والآمرين ، وهذا ما استغله اعداؤهم  ومكنهم منهم  رغم كونهم كانوا  الاقدر على المبادرة  والقتل وهذا ماحدث من قبل العريفين((كاظم زر اك وجليل خرنوب )) في باب النظام لمعسكر الرشيد حيث بدل  ان  ان  يقتلوا  عبد السلام عارف  رفع   العريف   لا اراديا  يده اليمنى  لتحيته ،  مما    ادخل  الخوف  والتردد بين  صفوف  رفاقه  من  الثوار ، وقد  اندفعت  الدبابة الثانية التي  كانت صحبة دبابة عارف  صوب  السجن المركزي  وقد  داست  وفرمت  بسرفتها  عددا  من  الجنود الثوار ، ونتيجة لذلك  تصرف  معهم اعدائهم بوحشية  كبيرة ،فقتل  من قتل ، واعدم من اعدم فورا على يد عارف والحرس القومي وقد  تم اطلاق  سراح كبار البعثيين الاسرى لدى الثوار  كل من ((  وزير الداخلية حازم  جواد، و وزير الخارجية طالب شبيب ومنذر الونداوي  قائد الحرس  القومي ، ونجاد الصافي وبهاء شبيب وامر كتيبة الدبابات الاولى وسالم مريوش وعدد اخر من  الضباط البعثيين )) ، وهرب من هرب ، وقد كان ((حسن سريع)) من ضمن من تم القاء القبض عليهم...
 نزع ((شمران)) ملابسه  العسكرية ، وشد جرحا  بسيطا  في  ساعدة ،  وتمكن  من التسلل  هو   واحد رفاقه  من الصيادين  الذي  كان  قد  دخل المعسكر عن طريق  النهر  رابطا  زورقه  على ضفته  قصدا الزورق بعد ان  ادركا عدم جدوى المقاومة  امام  هجوم الدبابات البعثية التي  اخذت تجوب المعسكر  ونفاذ ذخيرتهما
    كان  حسن  يؤكد على الضرورة القصوى على الصمود  بوجه  التعذيب   والحفاظ  على  اسرار الثورة  وعدم الادلاء  بأي  معلومة تكشف  رفاق  الطريق  وتعطي  اية معلومة عنهم  وقد  كان  يرد  على  كل  اسئلة  من  حاكمه   بأنه هو المسؤول  عن الثورة وهو من  اجبر الجميع  على حمل  السلاح ، وبعد  المحاكمة الصرية له  حكم  عليه  بالاعدام رميا  بالرصاص ، وعند  التنفيذ تقدم نحو الموت  بعد ان قبل  رفاقه وهو يهتف (( يحيا  الحزب يحيا الشعب)) وهو يهتف (( السجن الي مرتبه    والقيد الي خلخال       والمشنقة ياشعب مرجوحة الابطال )). وقد  هتف  الثائر  نائب العريف ((عبد الواحد راشد )) وهو يتقدم الى منصة الاعدام "لنا شعب يأخذ بثأرنا ولن تضيع دماءنا"، في حين هتف  الثائر صباح  ايليا  (( ان قتلتم أشبالا  فالعراقيات تلد الأشبال  باستمرار "،  وقد  كانوا (26))  ثائرا   ضمن  الوجبة الاولى اللذين اعدموا  من اصل ((46))  ثائرا  حكموا  بالاعدام .
وقد  حدثت الكثير من  عمليات  القتل  والتعذيب  في   مناطق  ومعسكرات اخرى  حيث تحرك  عدد من الثوار   هناك في محاولة للسيطرة عليها وتأييد حركة  معسكر الرشيد   وقد  حدث  هذا في "معسكر أبو غريب ،  ومعسكر الوشاش ومعسكر التاجي، ومعسكر الحبانية ، ومقر الفرقة الاولى في محافظة الديوانية ، وشرطة الموسيقى، وفي العديد  من الاحياء والمدن ، كمدينة الثورة ،  وضواحي  بغداد ...
وقد نصبت  المحاكم الصورية والقتل بمزاج  فردي حاقد  في  العديد  من  المعسكرات  ومنها  ما  قام  به ((طه الشكرجي)) في معسكر الرشيد في مقر اللواء 19 لواء عبد الكريم قاسم ، حيث  قام  هذا  الفاشي مهرجانات  من التعذيب والقتل لعدد  كبير من ((الضباط الاحرار القادة  كالزعيم الركن  دواد الجنابي والمقدم ابراهيم الموسوي ، والعميد عبد المجيد جليل ، والعقيد حسين خضر الدوري الذي قلع له الشكرجي أذنيه بكلابتين ، قبل  رميه  بالرصاص بامر من  صالح مهدي عماش))* بيريه ص 141،
 بالاضافة الى  قائمة  تضم 34 ضابطا  معتقلين في مقر لواء 19((نادى عليهم  المقدم الركن محمد حسين المهداوي ضمت   النقيب الطيار منعم حسن شنون والنقيب عباس الدجيلي، بامر من  صالح مهدي عما ش واخذهم بسيارة لوري الى منطقة قريبة من عكركوف وتم هناك  رميهم ودفنهم في نفس المكان )).وهناك الكثير  الكثير من جرائم القتل  والتعذيب  والأغتصاب ...
وامعانا في  الترويع  والارهاب  ، وكشف الروح  الفاشية الانتقامية  قررت  السلطة الحاكمة  تعليق  عددا  من جثث الثوار في  مناطق  واحياء مختلفة من بغداد ، خصوصا  ممن  كان  يظن  ان  ابنائها  قد شاركوا في  حركة ((البرية المسلحة ))، حيث علق :-
1-   الخياط  "حافظ لفته" في منطقة باب الشيخ في  رصافة بغداد  الذي اعدم  في  31-7-1963.
2-    العريف  (( عريبي محمد ذهب " علقت جثته خلف  السدة الشرقية ،  وكان قد اعدم  بتاريخ 31-7-1963.
3-   نائب العريف "راشد عبد الواحد الزهيري" من اهالي المشرح ، اعدم في 2.- 10- 1963 وعلقت جثته في ميدان مدرسة المخابرة  بمعسكر التاجي .
4-   جندي اول "فالح حسن" اعدم في 2.-10- 1963 وعلقت جثته   في ميدان مدرسة المخابرة بمعسكر التاجي.
5-   العريف "كاظم زراك ، والعريف جليل خرنوب اعدما  وعلقا على  الباب الشمالي لمعسكر الرشيد .
6-   تعليق  جثة "حسن سريع " في مدينة الثورة .
7-   اعدام  اربعة جنود  في معسكر الوشاش لبث الحماس لدى افراد  دورة  تدريية لافراد الحرس القومي.
8-   امر احمد  حسن البكر باعدام عدد من  المعتقلين في  3-7-1963  رغم ان  اعتقالهم كان قبل 3-7-1963  ولم يشاركوا  في   ثورة   حسن  سريع .
شق الزورق  صدر الماء ، كما  شق الالم صدور الثوار بعد ان  حل  كابوس الفشل  على الحركة ،الأمل  التي كانت  قاب  قوسين او ادنى من   الانتصار ، فبدلا من  ان  تصدح  اذاعة  بغداد  باناشيد الثورة وبيانها الاول  من اصل ((8))  بيانات  كان  من  المفترض ان  تذاع    عند  انطلاق  الثورة ...


7
انتفاضة العرفاء الباسلة  3-تموز 1963


الاديب حميد الحريزي
 
قصة انتفاضة ((حسن سريع)) 3-تموز 1963 كما وردت في الجزء الثاني ((كفاح))من ثلاثيتي الروائية  ((محطات))... نجتزئها لكم بمناسبة ذكرى الانتفاضة المجيدة ضد الفاشية البعثية .
*************************
((ثم عاد"(("مظلوم)) الى  بغداد ، متنكرا  بزي  ابن الريف  قاصدا   كوخ  صديقه  العريف (( حسن  سريع))  في  سعيده ، الذي جمعته به  علاقة  صداقة   ورفقة حميمة  حينما كان يعمل في  المطبعة  ، وكان لهم آراء وأحلام وتطلعات مشتركة ، وقد   نشأت وتطورت  بينهما علاقات عائلية على مستوى الأسرتين  آنذاك ...
اما ((كفاح  )) فعلم  انًّه  قرر  ان  يغادر العراق  عبر  البصرة  فايران ، فالأتحاد السوفياتي  ان  نجح  في  اجتياز الحدود  بمعونة احد الرفاق من  حزب (( توده ))  الايراني ...
قصد ((حسن)) الى كوخه في  (( سعيدة))  بعد  ان    عاد من الدوام  في معسكر الرشيد ، فرحب  به  (( حسن ))  ترحيبا  كبيرا ،  واخذه بالاحضان  بعد  طول فترة  عدم لقاء بسبب  الظروف  الغير ملائمة المتلاحقة ، اعد له  وجبة غداء تليق  به ، افترشا حصير  (( الخوص))  وتناولا  وجبتهما  وهما يتبادلان  الحديث  والاخبار المؤلمة ، وما  جرى وما  يجري  من  انتكاسة كبيرة للحركة الوطنية العراقية ، نتيجة الانقلاب  الفاشي  الذي دمر كل شيء ، لمس  (( ابو كفاح))  حماسا   واصرارا كبيرا  من لدن  (( حسن) على مواصلة طريق الكفاح  رغم كل الصعوبات ...كما  انه  لمس  تقارب وجهات نظرهما في  فهم وتفسير  ما حدث ، فقررا  العمل  من اجل  اعادة البناء ،  وتواصل مسيرة الكفاح  وتحقيق  الاهداف  النبيلة  في ((  وطن  حر وشعب سعيد ))...
طلب  (( ابو كفاح )) من حسن  ان   يفتش  له عن  عمل ،  خصوصا  وانه  ناقش مع نفسه الكثير من الخيارات  التي تناسبه   من حيث   حرية الحركة  والتمويه  في  مثل هذه الظروف  الغاية في الصعوبة والخطورة ... وتوصلت ان افضل  عمل  يمكن  ان  يناسبني   حاليا  هو (( فلاح ))  او ((حدقچي))...
أي والله  خويه  ياريت  تشوفلي شغلة  فلاح  حدايق    للناس  التحتاج (( حدقچي )) وبيش ما چان ،  واني عندي چم فلس اشتريلي  بيهن  بايسكل  حتى اگدر افتر  عله  البساتين  والبيوت ، وبعدين هاي الشغله   راح  تبعد عني العين ـ  وتفسحلي المجال  بالحركة  في مختلف  المناطق  ودخول  مختلف  الدور .
-   استحسن (( حسن)) مقترح  رفيقه كثيرا  معجبا  بحماسه  وفطنته  وذكائه ، واخبره  بانه سوف  يكلف  احد  معارفه   فلاح  حدايق  وبساتين  حتى يدبرله  هاي الشغله   واعتقد هو محتاج  هچي واحد
بعد مرور  ثلاثة ايام ، قضاها   ((مظلوم )) بعيدا  عن  اماكن  تواجد القوى الامنية والحرس القومي ، اخبره  (( حسن))   بانه عثر له  على عمل  ، وسيعرفه  مساء اليوم  بصديقه الفلاح ، الذي سيدله  على اماكن عمله ، فقد اخبره  ان  ((  ابو كفاح )) (( شمران ))  ابن عمه ، وقد ضاقت  به  مدينة كربلاء فقرر البحث عن عمل في بغداد ، وبالفعل   تم له ذلك ،  حيث اعاره ((حسن))  بنطالا  قديما ،  وقميصا من  قمصانه ، واضعا  منجله  في حزامه ، ورابطا  (( الكرك))   على الدراجة ، مرافقاً   سيد نعمه  الذي استانسه كثيرا ، وبعد ان افطرا سوية عند  احد باعة (( الشوربه ))، اصطحبه  الى  اصحاب الدور  الذين  هم  بحاجة الى خدماته  لتنظيم والاعتناء بحدائقهم التي كان  هو  يعمل  فيها والان  هو مضطرا للانقطاع  لانه حصل على  عمل ((  فراش))  في احد المدارس  الحكومية  ، كذلك  فانه سيحصل  له  على عمل  في احد البساتين  القريبة  متى ما  اراد ذلك ...
وهكذا  كان ، ثبت  (( شمران ))  عناوين  ومواقع  واسماء اصحاب  البيوت  في  ذاكرته ، باشر عمله  في حديقة   دار احد  الاطباء ، بعد اكمل  مروره بالجميع واتفق معهم  على  أوقات  عمله  حسب جدول  يمكنه  من  رعاية كافة  الحدائق ...
خلال  مزاولته   على العمل  تعرف  على العديد  من  الشرائح الاجتماعية ،  ولمس  مدى الاختلاف  بين عائلة واخرى  من حيث  التعامل ، كذلك  على  اذواق اهل الدار في  حبهم  للخضرة وانواع  واشكال  النباتات  والزهور  والوانها ، ومدى انسجام وتناسق  الوان  طلاء الدار ، وأسلوب لبس  وأشكال مختلفة من الملابس ،  وقد  كان  يحدس  من خلال ذلك على  طبيعة   ومنهج حياة هذه  العائلة  او تلك ، ووفق فرضياته  واستنتاجاته  هذا  قرر طريقة التعامل  مع  هذه العوائل ، مع انه  حاول   عموما  ان يظهر بمظهر  الفلاح الساذج  الامي البسيط ، عبر لهجته   وملابسه  ، وعدم فهمه لمفردات الانسان  المديني  والمثقف ، ناهيك  عن الابتعاد  عن  كل مايتصل  بالشأن السياسي ...وقد  كان  يتقبل  على مضض بعض  الهدايا  والاعطيات  من  الملابس وبعض  المأكولات  والاكراميات  المالية ، وكان غالبا  ما يستجيب  للمساعدة في  عديد  من الامور وان كانت  خارج  مجال عمله ، ناهيك  عن غض بصره  وعفته  وامانته وطيبته  والتزامه الصارم  بمواعيده ووعده ، ومبادراته الدائمة  لتكون  الحديقة اجمل   وانظر ، مما جعل  اغلب العوائل  تألفه بسرعة  وتعتبره    مقربا من  الاسرة  تحرص  على  ادامة علاقتها  به ...
لفت نظره  احد  القصور الشامخة   حين دخولها ، فقد كان اللون الاصفر طاغيا  على  جدرانها  واقسامها ، الحديقة  تنتظم فيها  الزهور صفراء اللون ، فيا  تماثيل  اسود  ونمور  وذئاب ...
ناداه  بصوت بدوي  من داخل الدار :-
تفضل  يبه ، تفضل  يولد  دش ..هلا بيك  هلا بيك
-   اگعد هين ، اگعد هين ، وشسمك  يولد ؟؟
كان شيخا  ضخم الجثة ، يهيمن البياض على شعر رأسه  ولحيته  وشواربه ،تكتسي اسنانه  باللون  الاصفر ، فقد كانت  السيكارة لاتسقط من يده ، يمسك  بيده  الضخمة  عكاز  ذو قبضة ذهبية ، يتكأ على كرسي مجلل  بجلد  نمر ، معلق على جدار الغرفة  عدد من السيوف  والخناجر ، وبنادق مختلفة ...
-   نعم  حجي  اسمي ((شمران )).
-   من  يا منطقة انت ؟؟
-   آني  من اهل  العماره حجي .
-   اها  يعني  انت  شروگي يولد ؟؟
-   مثل  ما تگول  يمحفوظ
نادى  على  شاب  اسمر ليحضر القهوة ، حاملا  ((دلة)) فضية اللون ، مقدما  للشيخ  ول((شمران ))  فناجين القهوة  المهيلة ... وبينما  هما  يرتشفان القهوة ، دخل الديوانية  شاب  كثير الشبه  بالشيخ  يرتدي  زي  ((الحرس القومي))، خلفه  ثلاثة  منهم يحملون  رشاشات  البورسعيد ...
ودون ان يلقي السلام  ،  مستفسرا  باستغراب  من الشيخ :-
كيف  سمحت  لهذا  الشروگي  ان يجلس في مجلسك  ياشيخ ؟؟
انه  ضيفنا ولدي  وللضيف حق  الضيافة ، ديوانيتي ليست مقرا  للحرس  يجب ان تفهم  هذا ...
قال هذا  والتفت  الى ((شمران ))  قائلا:-
رح  شوف  شغلك بالحديقة  ياولد  ((شمران ))... في حين  رن  جرس الهاتف  طالبا ((حردان ))  الذي  يبدو  قائدا من قادة الحرس  القومي ، فتبادل  الحديث  مع   المتكلم على الطرف الثاني ،  قائلا  بانهم  منشغلون  جدا  في  متابعة  خيوط  تحاول  اعادة بناء خلايا  تنظيمية جديدة للحزب  الشيوعي ، وخصوصا  في  الجيش ... اظهر ((شمران ))  تشاغله  في قلع  الحشائش الصفراء  عن  ارض  الحديقة  في حين  كان  مركزا  انتباهه  الى   مجريات  المحادثة التليفونية  ل (( حردان ))  مع  رفاقه ...
فشعر (( شمران )) انه  الان  وفي المستقبل  سيكون  قرب  عدوه  اللدود  ، وتحت حمايته ، وسيكون مصدر معلوات  هامه  بالنسبة  له  ولرفاقه ، وعليه  ان  يتعامل مع ((الشيخ))  ومع  ولده  بذكاء كبير  وفطنة ، تبعد  عنه كل شك  في الوقت الذي تمكنه من الحصول  على الرعاية والمعلومة ...
كان  (( شمران))  لايعود  الى  كوخ  حسن  خالي  الوفاض  بل   يجلب  ما يحصل  عليه ،  ويشتري ما امكنه  من  خضرة او  فواكه  فكمية من اللحم قدر المستطاع ،  وان كان   ((حسن ))   كان  ينزعج  ولايوافقه  على ذلك ، فهو ضيفه  وهو غير عاجز  عن  ضيافته ، فكان  (( شمران))  يرده   بسؤال :-
السنا   رفاق  السنا  اخوة ؟؟ 
اذن لابد ان  نتعاون  ونشترك  في ادارة امور حياتنا  سوية ً.
فيسكت  حسن  مذعنا  لقوة حجة  رفيقه .
اثناء تناولهما  لطعام الغداء اخبر حسن  بما  حصل  له  اليوم  في  دار الشيخ  ((ابو حردان )) احد قادة الحرس القومي  واتعرض له  من  الاستجواب من قل الشيخ ،  ومضمون المحادثة التليفونية  للحرس القومي ، ومدى اهتمامهم  بمتابعة   الخيوط التنظيمية  للحزب وخصوصا  في الجيش  مما يستدعي  المزيد  من  الاحتراز والحيطة والحذر  من  الاندساس  او  انهيار احد  العناصر ، وعدم الثرثرة  في الاماكن العامة، اشبعا  الامر نقاشا  واتخاذ بعض التدابير  الضررية  لصيانة العمل ...
 كان  حسن  يبدو  ل((شمران))غاية في  الانشغال   والانهمام بامور شتى    غير معروفة  بالنسبة له ولايمكنه  ان  يطلب  منه معرفتها ،ولكن ليس من الصعوبة حدس  ان  دماغ  حسن  منشغل بامر غاية في الاهمية والخطورة ، ولاشك  انه  يتعلق بالحزب  والوضع  السياسي  القائم ...
كان  امر  اعادة الصلة بقيادة الحزب  هو جل  مايشغل  بال (( شمران ))، لذلك  فقد  كان  يقوم في كل  يوم  بجولة في   مختلف  مناطق  بغداد  عسى ان  يلتقي  باحد  الرفاق  ممن له صلة  بالحزب ،  او ممن  يريد  التواصل ، يعني  كانت مهمة  مزدوجة   في لم شتات الرفاق واعادة صلتهم  بالحزب ...وقد كان لايخفي كونه   يعمل فلاحا  في  بيت   الشيخ  ((  ابو خالد )).
كانت ((غزاله)) الشغالة في د ار  احد الاساتذة  الجامعيين  ، امرأة  لم تغادرها حيوية  ونظارة الشباب  بعد ، سمراء عيناء مربوعة ، تفيض ملاحة  ولطفا وعذوبة  وطبية ابنة الجنوب ، تزين ،  مابين حواجبها ، وعلى خديها ، وشم  ازرق  امتد من حنكها  على  مقدمة رقبتها، استلطفت  (( شمران)) كثيرا ، وغالبا  ما ترهف  السمع  له وهو يدندن  بصوته العذب  احد  اغانيه الريفية المثيرة للطرب  والشجن ، كانت  ((غزاله)) تختلق  الاعذار لتكون    بالقرب منه في  حديقة الدار ، فمرة تجلب  له  الماء او الشاي ، واحينا ((لفة))  اكل ، او  فاكهة ...مما جعل  سيدتها  تضطر احيانا لمناداتها   او تخرج للحديقة لتفقدها  لحثها  على القيام  بعمل  ما ، وقد  كانت  تلحظ  اهتمامها بتنظيف  الحديقة  عند  حضور ((شمران ))،  فتظهر على محياها  ابتسامة  ذات مغزى ، فتغمزها
ها عيني  ((غزيله )) ، عيني الحديقه  دينظفها  ((شمران )) ، انت  شدتسوين ...
-   ها عمه  مثل  متگولين  صدگ الحديقه   مخليه   ((شمران))  ترگص  رگوص ،  ورد الجوري  والرازقي   صاير يخبل  من ريحته  وحلاته ، عمه  من اچه ((شمران))،  اچت  للحديقه  روح  جديده ، شوفيه  شلون  حنين  ويه  الورد  والاشجار ، والثيله  ،وريحته  ترد الروح
-    أي  عيني   الله  يخليه ،  بس  يلله تعالي  بسرعه  شوفي  شغلچ بالمطبخ ...
-   صار   ، صار عمه ،  عيني فدوه  لعيونك ((شمران )).
غالبا  مايشعر (( شمران))  بالاحراج ، وهو العليم  بما  تريده  هذه  ال((الغزاله ))، ولكن   هو  الان  باي حال ، ياليتها  تعلم  ما  انا  فيه (( خايبه  اني  وين  وانتي وين ))،  وقد  نقله  خياله  الى ايام الفتوة والشباب  وذكريات  الحب  والعشق  والغرام ، ولكنه الان  هائم في عالم  آخر ،  هو الان  عاشق لقضية  كبرى  هيمنت على كل حياته ...
بعد ان  تناول  قدح الشاي  وقطعة الكيك  التي جلبتها له  (( غزاله))، اخرج  باكيت   الجمهوري ، ولع  سيكارته ، وقد لاح له  خيال   حبيبته  ورفيقة دربه  حياة ،  وولده  كفاح ،  وعزيزته  ((سعوده )) ، نفث  دخان  سيكارته على شكل دوامة من دخان ، اثارت  تحسس وريقات  ورد  الجنبذ الاحمر ...
واصل  عمله   حيث قام  بتشذيب النخلات ، التي  تصورهن  لجمالهن  وصفتوتهن  كانهن  صبيات مراهقات ، مثقلة صدورهن   ب(( عثوق))  التمر البرحي ، كانها  نهود  متمردة
قام  بازالة  السعف اليابس ، والكرب الزائد ،  كحلاق  يقوم  بتجميل وتصفيف شعر  فتاة  في  يوم  عرسها ،  يجملها  يصف لها  سعفاتها  يزيل من حولها  الاعشاب ، يعدها  عروسا مدللة في  احضان  امها  الطبيعة ، تستعد لاستقبال عريسها  ليلة الزفاف  ، يسرح  في  خياله ، واستمتاعه  بعمله  وكأنه في  بستان   اهله   ايام  فتوته وشبابه  وسط مزارع ورائحة عنبر المشخاب ...
لم يصح  من تخيلاته  الا بعد أن  وضعت  (( صينية)) الغداء  امامه  بيد  ((غزالة))  بامر من سيدة المنزل  وهي موظفة  في احد دوائر  الدولة ، تتمتع بنبل  الخلق والانسانية الطافحة بالمحبة  والكرم  خصوصا   عندما تكون في الدار عند  مجيئ ((شمران ))  لدارهم...
تناول  غذائه الشهي  من  التمن العنبر ،  ومرق  البامياء ولحم الغنم ، والخبز الحار  متمنيا لو شاركه  بها  رفيقه  ((حسن ))... بعد ان اكمل  ناولته  (( غزاله)) قدحا من الماء البارد  وقدحا من الشاي  محاولة  ان  تتلامس  اصابعها  مع  اصابعه(( يلزارع البزنگوش ازرعلي انه  ورده ))، يتحرز  ويتحرج  ((شمران )) كثيرا  يتناول القدح  بحذر ،  شاكرا  لها حسن رعايتها ، متابعا  مشيتها  المتبخترة وهي  تجر عجيزتها  الرجراجة  المشتهاة ، وضفيرتها  التي  تنساب  على ظهرها  معانقة مرتفاعات  وركها الهزاز  وهي تسير في ممر الحديقة  أمام ناظريه ...
جمع اغراضه ،  ثم  قاد دراجته  مودعا  اهل الدار ...
خارج الدار   ثبت ((الكرك)) على الدراجة ، مع  حزمة من  سعف النخيل ، والكرب ، ليستفاد منه  وقودا  لتنور    بيت حسن ، وهو  يقود  دراجته  قبل ان يركبه في الشارع العام ، احس  بوقع خطى  تتبعه ، التفت  فشاهد  غزاله  تسير خلفه ...
-   ها عيني  ((شمران )) آني هم  رايحه  لبيتنه ، عمتي انطتني  اجازه  اليوم ، لك عيني  اني  اشم بيك ريحة اهلنه ، والله  داده  من اشوفك ترد روحي ، ومن اسمعك  تدندن  بصوتك الحلو  تذوب  روحي ...
-   عيني  ((غزاله))  انا  اشكرچ هوايه على  اهتمامچ بيه  ،  ولطفچ، وهاي  اهيه طبايعنه  احنه الفقره  واحد  يحن للثاني . بس انتي منين وشجابچ لهل الشغله ؟؟
-   ولك  داده  انه  جابني الوكت ، اني  اطوني  لرجال  شايب فصليه ، ما  عشت  وياه  سنه  وراح لدار حقه ،  ورديت  انه لهلي ،الساكنين  بمدينة الثورة ، بعد هدم  الزعيم  الاكواخ  وبنى لنا  دورا جميلة تأوينا ،  وحالتهم  تعبانه  حيل ، فاضطريت  اشتغل  هل  الشغله  عد  هذوله الناس الطيبين ، الله يطيهم ما  مقصرين وياي ، يطوني  ثلث دنانير بالشهر ولبسي  واچلي عليهم ، ويكرموني  بالمناسبات ، ويطوني    الملابس الزايده  واكل ، اخذه  لامي  وابوي  واخوتي ...
 چان  جيرانه  خوش  ادمي  راد  يشوفلي شغل  بمعمل  الزيوت  ،  لكن  مناعيل الوالدين ، حبسوه وره  ما كتلوا  الزعيم الله  يرحمه ،  وبعد ماعرفنه  عنه  أي  شي ، يگولون چان شيوعي ... من صار الانقلاب عله الزعيم ، چان عدنه  ((اميمن ))، اشو من اجو الحرس القومي ، نزع  صايته  وعمامته  ولبس حرس  قومي  وگام  يلگط  بالوادم  نسوان وشبان  وشياب ، علبو  شيوعيه  لو من ربع  الزعيم ، يريد ياخذ بثاره  والله ليش نزلوه  من  المنبر  لانه  حرم  عله الفلاح  اخذ الگاع من الاقطاعيين  حسب قانون الاصلاح الزراعي ، وگلب الدنيه  عله   القانون  الي  اطه حقوق  المره .
عيني  وينك  يلزعيم ، دمعة عيونها وهي  تخرج   مدالية  معلقة في صدرها  تحمل صورة الزعيم ، خويه  صدگ  شافوا  الزعيم  بالگمر ؟؟؟
ابتسم ، ((شمران))، قائلا:-
-   ((غزاله))  شدي حيلچ وديري بالچ عله اهلچ وشغلچ، وماكو شده   واله  فرج . وهسه الله  وياچ .
-   الله وياك عيني  ومصحوب  بالسلامه ، من فدوه اروح  لهل  الجهامه
احس ((شمران)) بانه يمر بمأزق جديد ، لايدري  كيف  سيتعامل  معه ، يبدو  ان هذه  الفتاة قد وقعت في  عشقه ، والنساء عندما تعشق تكون  كالمجنون ، لاتفكر بعقلها ابدا ، وانما تكون  تحت   هيمنة  عاطفتها ، انها شابة تعرضت للظلم  والحرمان  والقهر  الاجتماعي  في  ظل تخلف  العادات والتقاليد الاقطاعية والعشائرية  السائدة ، وهي تحاول  بكل وسيلة   ان   تعيش في كنف رجل يرعاها ويحترم مشاعرها  ويحرص عليها ، يشبع لها  رغباتها  الجسدية والروحية ...
ولك هاي  شلون شغله  ((يمظلوم)) لو ((حرس قومي ))  لو ((غزاله ))، ها يشلون راح تراوسه ، هسه  ((الحرس القومي))  ومگدور عليه ، لكن هاي  الراح  تغط  بالحب  شنسويله ؟؟
من أجل ان يعطي  لنفسه  فسحة من التأمل  لما  هو عليه ،  تأمل المزيد  من الظواهر  التي يشهدها  البلد في  هذه الاوقات ، عليه ان  يدور الاحداث  في مشغله الفكري والمعرفي  لغرض تظهيرها على حقيقتها ، ماهو الرئيسسي وما هو الثانوي  في طبيعة الصراع الدامي الجاري في البلاد ، في ظل  بلد  ودولة ريعية ، تعتمد الثروة البترولية مصدرا رئيسا  للدخل ، لم تهتم  بتطوير ولا بتدوير عجلة  العمل المنتج ، ادخال  المجتمع في   اتون الثقافة الاستهلاكية ، وبالتالي  المزيد  من الاضعاف للطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة ،  ونقيضها الطبقة العاملة ، مع تبعية موضوعية للطبقة المتوسطة للسلطة الحاكمة ، لانها مستوظفة عندها  ولا تمتلك  ذاتها واستقلاليتها  كما هو الحال في المجتمعات الصناعية المتطورة  في البلدان الرأسمالية ،وكل الشواهد تشير الى فشل  نظرية ومنهج  التطور الرأسمالي صوب الاشتراكية  بقيادة  البرجوازية  ((الثورية)) وهما  كما تصورها  مروجا  هذه النظرية ، فالطبقة الحاكمة  هي خليط من بقايا  الاقطاعية  والبرجوازية الطفيلية التابعة  بما يمكن وصفها  بالطبقة (( الاقطاوازية )).
إنَّ حالة الميوعة الطبقية  وتداخل الطبقات الاجتماعية  ببعضها ، وتحولاتها  جماعات وافرادا من  حال  الى حال  ومن موقع الى موقع ، لايمكن ان يخلق  و لايمكن ان  ينتج  طبقة عاملة  واعية لذاتها ، تتمكن من رفع راية الكفاح  من اجل اقامة المجتمع الاشتراكي ، مما يتطلب  ان  تكون هناك  شريحة   ثورية  واعية لاوعيها  وتردي موضوعها تمسك  بالسلطة السياسية ،  تعمل من اجل  تطوير وتثوير طبقات اجتماعية منتجة  مستقلة عن المركز الرأسمالي  الاستغلالي ،  وهذا  يتطلب  العمل من اجل تحقيق ذلك  بالاستيلاء على السلطة  بالقوة  سواء بانقلاب عسكري ، او بثورة  شعبية مسلحة ...
حينما توصل  الى هذا الاستنتاج  اخرج  علبة سكائره   مشعلا سيكارة الجمهوري الحارة ، نفثا  دخانها  بعيدا  كمن  يزيل  عن  صدره  هما ثقيلا ،   يشعر وكانه   تلميذ  تمكن  من حل  مسالة  رياضية  في قاعة الامتحان ...
ركب  دراجته  وسار مسرعا  خشية ان  يتأخر   عن وقته المحدد الى دار ((حسن))   مما قد  يثير  مخاوفه  وقلقه  عليه ، كما  انه  يشعر بانه   حامل اليه  حل معضلة فكرية كبيرة  ستطرد حالة الضبابية والغموض المهيمن على  الوضع السياسي والاجتماعي العام  في  البلاد ، يشعر بأنه قد وجد  مفتاح  الحل  الذي يجب  اتباعه   لبناء (( وطن حر وشعب سعيد ))... يعطيه  هذا الشعور   قوة مضافة  للضغط على  دواسة الباسيكل  ليندفع مسرعا ملتهما  الشارع  الاسفلتي  صوب  قرية (( سعيده))...

8
روايــــــــــــة
ســــــــــــــــــــــــلم بازوزو
للروائي
عامر حميو


 
                                                 
((نحن كلنا...كأن أمهاتنا ما ولدتنا إلا لنعيش في البئر)) رص180


بقلم :- حميد الحريزي
 

((أنا بازوزو ابن حنبو ملك أرواح الرياح الخبيثة، التي تخرج عنيفة من الجبال وتفعل الخراب، هو أنا)).
السلم كما عرفه الناقد الكبير ياسين النصير ((يشكل الوسيط الحيادي عندما تكون الحركة مشتركة بين علو وانخفاض، حيث لا تتبني إلا نفسها... ليس للسلم ظهر مختف فاعل)) ياسين النصير– شعرية الأشياء– دار مكتبة عدنان للطباعة والنشر ص142.
و((السلم طاقة التمرد على الأرضي)) المصدر السابق نفسه ص 144.
سلم بازوزو بالنسبة للعراقيين يمتد لمئات من السلمات، منذ عهد  البابليين والآشوريين، وما بعد هذه العهود حيث تعرض العراق ومن سكن العراق للظلم والقهر والتشرد من قبل حكامه قبل محتليه ومستعمريه من الرومان والتتر والفرس والتركمان والانكليز والأمريكان.. ورافق ذلك ظلم وتعسف آشور  ونبوخذنصر وأبنائهم وأحفادهم، ومن الأمويين والعباسيين وولاتهم ومن الملك الأول وأولياء عهده وفي عهد الجمهورية الأولى والثانية والثالثة وما بعدها حتى جمهوريتنا ((الديمقراطية)) الحالية المحروسة بظل تمثال الحرية الامريكي وعمامة ولي الفقيه الإيراني.
نريد أن نقول لزميلنا الروائي عامر حميو إن هذا البئر يتجاوز الـ ((34)) سلمة بعشرات لا بل بمئات المرات، إنه موغل في عمق التاريخ لبلاد النهرين، بلد أرضه وتاريخه أسود، لم يشهد  تاريخه الممتد لآلاف السنين عاماً أبيضَ ليعيش شعبه عام حرية ورخاء وهناء.. بازوزو اختص بهم لا بغيرهم، عشق دماءهم ودموعهم وجوعهم وتشردهم الدائم، حياته تنتهي حالما يبتسمون، حالما يفرحون حالما يأمنون لذلك، بذل كل طاقاته وقدراته وعون آلهته ليؤبّد بؤسهم وشقاءهم..
فكان الكاتب موفقاً تماماً في اختيار أسطورة بازوزو ليسرد تاريخ وتحولات المجتمع العراقي الاقتصادية والسياسية والثقافية خلال ما يقارب السبعين عاماً وهي حياة جيل بكامله، حيث ترعرع في ظل الجمهوريات المتعاقبة على حكم العراق، واختار الجد ليروي إلى الحفيد، ومن بعده الأب ليروي للابن (برهان العسافي) الولد الوحيد لأب ضرير وأخو البنات ومعاناتهم المريرة من شظف العيش..
(برهان العسافي) كان شاهداً على أساليب السلطة البعثية  الإجرامية ضد القوى السياسية كافة التي رفضت الذوبان في حزب البعث أو على الاقل الانضواء تحت خيمته والتسليم بهيمنته وقيادته للبلاد كحزب قائد يجب أن يخضع لسلطانه الجميع ((كل عراقي بعثي وإن لم ينتم))،هذه الهيمنة التي تحولت من هيمنة الحزب الواحد إلى هيمنة الفرد الواحد ((القائد الضرورة)) الذي لا قول إلا قوله ولا فعل إلا فعله ((لا حياة بلا شمس ولا كرامة بلا صدام)) له كل الأسماء الحسنى..
الإنسان بين القوة والضعف:-
يروي لنا الراوي العليم مواقف السجناء السياسيين داخل قصر النهاية، هذا الذي وصفوه ((بدرب الصد مارد))، فمن يدخله لا يخرج منه إلا جثة هامدة مشوهة أو مقطعة الأوصال أو بلا جثة حين  يلقى في أحواض التيزاب ليذوب لحمه وعظمه..
في داخل هذا السجن الرهيب يظهر معدن الإنسان ودرجة تضحياته من أجل عقيدته ومبادئه، بين الصمود والانكسار، بين الشموخ والخضوع، بين حفظ الأمانة وخيانة الرفاق، ففي الوقت الذي يقول فيه السجين (طالب باقر عيدان): ((لو قطعوني أثر قطعة.. لن أنطق بحرف واحد)) ص30.
في حين ينهار (قاسم) بعد أول ((صونده)) ويعترف على (23) فرداً ممن يرتبط بهم، في حين يقول المعلم (شاكر): ((إذا استدعيت للتحقيق ثانية فسأعترف على زوجتي)) ص27، وبالفعل ((وفى المعلم شاكر بعد يومين بوعده، معترفاً على زوجته، ثم تناقل الوافدون، الآخرون لاحقاً، إنهما أعدما سوية)) رص28 . أي أن مصير الصامد والمتخاذل واحد هو الموت في كل الأحوال.
ويصف لنا مشهد السجين الذي اتخمه ناظم كزار بشراب البيرة لتنتفخ مثانته ثم يشد قضيبه حد القطع من أجل إجباره على الاعتراف وعلى الرغم من ذلك يأمر الجلادين بإنقاعه ((في الحوض إن اعترف أو لم يعترف)) رص25.
يروي لنا أساليب القمع الوحشي لزمرة البعث بقيادة ناظم كزار الفاشي في قصر النهاية- القصر الذي لا حياة ترجى لمن يدخله- وكيف كان يذيب أجساد المنتمين للأحزاب الأخرى من شيوعيين أو إسلاميين بأحواض التيزاب، وأساليب أخرى مبتكرة بحاجة إلى كتاب كامل لتوصيفها والتعريف بها، من قلع أضفار، والتعليق في المراوح، وإدخال القناني الزجاجية في الشرج، والقطع بالمنشار الكهربائي، والفرم بماكنة الفرم، والاغتصاب وووو.. عند حكمه في 1963 وفي  1968 لغاية 2003.

مشاهد الموت والقتل في جبهات القتال:-
يروي لنا الكاتب على لسان الراوي (برهان العسافي) مشاهد مؤلمة من حروب القائد الضرورة مع إيران آو حرب الخليج، وحالة القمع الدموي لكل من يرفض العسكرة والانخراط في جيشه وجيشه الشعبي، حيث سيكون مصيره الإعدام رمياً بالرصاص أمام انظار الناس كما حدث في معسكر المسيب، وكما حصل عند إعدام (احمد)  صديق (برهان العسافي) وعدد آخر من الفارين من خدمة ((العلم)) كما كان يسميها الحكام لاستعباد الانسان العراقي تحت رمزية وقدسية وطنية مزيفة لا تقيم وزناً للإنسان وفكره وكرامته، في حين تطلب منه أن يضحي بحياته للدفاع عن العزة والكرامة التي لا تعني إلا عزة وجبروت الحاكم وحزبه وزبانيته، حيث كان الجندي يعرف نفسه في ذلك الزمان بأنه ((ذلك الإنسان الحقير الذي يقع ما بين البيرية والبسطال ويقسمه النطاق إلى قسمين متساوين))، وكانت تمارس ضده  أبشع إشكال الإهانة والإذلال من قبل الانضباط العسكري وفي معسكرات الضبط الإجرامية، ناهيك عن فرق الاعدام في خلفية كل القطعات العسكرية على الجبهات التي تمتلك حق الاعدام الفوري لكل هارب من خنادق الموت وجهنم السواتر القتالية.. فكان الجندي العراقي ينزع كرامته ويرميها جانباً ويصبح ذاتاً ممسوخة لا قيمة لها حالما يرتدي اللباس الخاكي ويتحول إلى رقم ليس أكثر ويترجم توصيف جندي مكلف احتياط ((ج م ح)) بـ ((جحش مربوط حقير)).
يصف لنا الكاتب عبر مشاهدات ومعايشة الراوي (العسافي) حالة الجنود في الساحات وفي القطارات وفي المواضع القتالية التي امتازت بالضجر واحتقار الذات واللامبالاة والحرمان من كل أحلام الشباب في الحب والتمتع بحياة آمنة مستقرة، ويصف لنا بعض المغامرات الغرامية للشاب العسكري المتمرد على أوامر السلطة كما هو احمد الذي تبع وتمتع مع بائعة القيمر الشابة المحرومة من زوجها في جبهات القتال، فارتضت الخيانة والعهر لسد حاجتها الجنسية والمادية عبر ممارسة الجنس مع الجنود الشباب المكبوتين والمحرومين، حتى انتهى به الأمر قتلاً بنيران الرفاق بتهمة الجبن والخيانة والهرب من معركة العزة والكرامة قادسية صدام المجيدة..
كما أن الروائي أراد عبر تنقلات الجندي (برهان) أن يوضح ان اختلاف الرقعة الجغرافية لا تعني اختلاف التعامل والسلوك وأساليب الترهيب للعسكر العراقي، سواء أكان في خنادق الجنوب اللاهب أم على قمة جبل قنديل المتجمد أو في الوسط حيث معسكر المسيب والمحاويل..
فالجندي مغلوب على أمره، المطلوب منه دائماً "نعم سيدي، صار سيدي، تأمر سيدي"، رغم انه غير مقتنع في كل معارك السلطة الحاكمة التي تضطره أحياناً لمواجهة شقيق له يحارب في معسكر المعارضة ضد النظام وهو يتعاطف معه تماماً ومنحازاً لقضيته، كما في مواجهة قوات الأنصار والبشمركه في شمال الوطن مع القطعات العسكرية، ولكنها لغة السلاح فأما قاتل وأما مقتول وليس هناك من خيار وأي خيار صعب يوضع فيه الإنسان وهو مسلوب الإرادة..
قصة حب في زمن الحرب:-
يروي لنا الروائي قصة حب رائعة نقية مشوقة بين (ندى) وهو ترميز للخصب والارتواء والرقة، حيث يقول ياسين النصير في الندى((الندى الأنثى المائية الهادئة الشفافة التي تلقح الضوء والشجر والرؤية)) ياسين النصير- شعرية الأشياء- دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر 1 2018 ص . 153 ابنة مدينة بابل الجميلة الطالبة في معهد الصحة- فرع الصيدلة في البصرة، حيث يتم التعارف بينها وبين الجندي (برهان العسافي) في القطار أثناء السفر من الحلة إلى البصرة، ورغم آلام الحرب وقساوة الحياة والخوف والرعب واصل (برهان العسافي) علاقته بالندى بالجمال بالخصب خلال نزوله إلى البصرة بعدم التعرض عندما كانت وحدته (كتيبة الراجمات) في البصرة، ويستمر التواصل ولكن وحش الإرهاب والرعب والحرب لا يرحم ولا يعرف معنى الحب والرقة والندى فيتمزق جسد ((الندى)) أشلاءً اثر تفجير السيارة التي كانت تقلها في الحلة إلى المستشفى التي يرقد فيها حبيبها (برهان) الذي أصيب بجروح في جبهة القتال، فتموت دون أن تكتحل عيونها برؤية الحبيب..
نعال (أبو تحسين) نعال الشعب يصفع جبهة الديكتاتور وحذاء (منتظر) يصفع علم المحتل:-
تستمر حروب الديكتاتور وتوجه نيرانه الهوجاء هذه المرة صوب الشقيق البلد العربي الكويت، ليواجه أكبر وأعتى قوة وتحالف في العالم بعنجهية وغباء بدوي أحمق وحداء متوحش ((يا حوم اتبع لو جرينه))، متنكبا سلاحه الوهمي ((اللي يهلطهم هلط))، وبقوة ((الويلاد أولاد الجريه))، فيتعرض إلى هزيمة كبرى مفجعة راح ضحيتها آلاف الشباب طمراً في خنادق الصحراء أو حرقاً في باطن الدبابات والعجلات المحروقة، فتكون الانتفاضة الكبرى للشعب الغاضب وهتافه ((لا ولي إلا علي نريد قائد جعفري))، حيث تسفر((الانتفاضة)) عن توجهاتها الطائفية وانحيازها لإيران الإسلامية، مما يثير حفيظة الأمريكان، ويسهل للنظام إمكانية قمع الانتفاضة عبر حرسه الجمهوري وطائراته السمتية وصواريخه أرض- أرض، بعد أن وقع ذليلاً على بياض للأمريكان في خيمة الذل والهوان خيمة (صفوان)...
وقد وضع الشعب العراقي في جهنم الحصار الاقتصادي الاجرامي ليعاني الجوع والمرض والتشرد بدعوى محاصرة ومحاربة النظام الذي استغل هذا الحصار أبشع استغلال لتركيع الشعب العراقي وإذلاله وتطويعه كعقوبة لتمرده وانتفاضته الجبارة ضد نظام حكمه، لقد تخادم الطرفان أمريكا والديكتاتور ونظامه لتهيئة الارضية الاجتماعية والنفسية لاحتلال العراق وإذلال شعبه. وقد خطف المحتل الامريكي خيار الثورة ضد احتلاله من خلال جلبه لمعارضته معه عبر قوى القاعدة والإرهاب الداعشي مدعية الثورة ضد المحتل وضد الطبقة السياسية التي حكمها على رقاب العراقيين.. هذا كلام يطول لا نريد آن نسهب فيه، لكننا نريد القول ان الروائي تابع كل التحولات والأحداث المؤلمة التي تعرض لها الشعب الذي وضع بين سندان الديكتاتورية ومطرقة الاحتلال.
في الوقت الذي  يمتلئ جيب المحتل والكويت بالمكاسب واقتطاع الاراضي العراقية وفرض الغرامات المليارية كتعويضات حرب،  يملأ الديكتاتور أرض العراق بجثث العراقيين عبر مجازر جماعية للثوار، فيستأسد المهزوم على شعبه ويصفه بالخائن الغادر، ناقلاً توصيفاته وهزيمته وجبنه لينسبها لأبناء شعبه الأحرار الثوار وبالتخادم مع المحتل الذي أسقط تمثاله وجبروته في ساحة الفردوس لتتحول إلى ساحة الذل والهزيمة وليسطر (أبو تحسين) صفعات نعله على جبهته المهانة، ففي الوقت الذي سلم الديكتاتور العراق لأمريكا الاستغلال والاحتلال، تمكن الامريكي من خطف الثورة من أبناء العراق للقضاء على ربيبها الديكتاتور العاصي والمتمرد على أسياده، وقد جاء حذاء (منتظر) ليصفع رمز الاستغلال والاحتلال علم الأمريكان تعبيراً لرفض العراقيين للمحتل وللطبقة السياسية الجبانة التي نصبها على مقاليد العراق. ((راحت فردة حذائه تلتف حول حجمها الصغير في الهواء في بث مباشر عبر القنوات الفضائية العالمية، وربما بينها ذات الكامرة التي صورت قبل خمس سنوات فردة نعال ابي تحسين بضرب الصورة))، ألحقها منتظر بحذائه الثانية مخاطباً بوش ((هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي يا كلب)) رص 162.
عدالة الديكتاتور:-
إن وحشية الديكتاتور كانت شاملة لكل شرائح وفئات المجتمع العراقي وأطيافه وقومياته وأعراقه، وقد كانت شاملة لكل القوى والأحزاب السياسية مهما كانت مسمياتها، فالديكتاتور مهووس بالسلطة ومصاب بفوبيا الخوف من المتآمرين، ولم يثق حتى بأقرب الناس إليه لأنه مارس القتل والخديعة والتآمر على اقرب رفاقه وأقربائه وأهل بيته، فقد قتل الشيوعي والإسلامي والقومي  والعربي والكردي والتركماني والمسلم والمسيحي والازيدي والصابئي، وقتل البعثي، فما زالت جريمة قاعة الخلد ومحمـد عايش ورفاقه ماثلة أمام أعين البعثيين قبل غيرهم، ومقتل ناظم كزار وحسين كامل وراجي عباس التكريتي وعبد الخالق السامرائي لا يمكن أن تنسى وتدل دلالة أكيدة على أن الديكتاتور كان يوزع الموت بالتساوي بين كل أفراد الشعب ((يشهد الله كان عادلا في ظلمه)) ص138.
الحواسم وثقافة الفرهود:-
 لم تكن ثقافة الفرهود والسلب والنهب طارئة في العراق وعبر تاريخه الطويل الحافل بالقهر واللامساواة واحتكار المال والسلطة بيد أقلية حاكمة وزمرها التابعة، مما جعل الإنسان العادي والمهمش يستغل أية فرصة للانقضاض على السلع والأموال التي تخص الدولة أو الاشخاص بدون تمييز معتبراً إياها حقوقه المغتصبة، يرافق كل ذلك طبيعة النظام الحاكم ودور الاعلام في توجيه وتصنيع السلوك خلال الحدث..
فقد تعرض اليهود المهجرون للسلب والفرهود، وتعرض الإيرانيون للسلب والنهب أثناء التهجير، وتعرضت الكويت المحتلة للنهب والسلب من قبل السلطة الغازية والأفراد، وتعرضت دوائر الدولة أثناء انتفاضة اذار للسلب والنهب  والتخريب، وحصل ذات الشيء وبالأيدي نفسها لكل مؤسسات الدولة في العراق وعلى الخصوص في بغداد للسلب والنهب والتخريب وأمام أنظار قوات الاحتلال، مما جعل الشعب العراقي   يدفع ثمناً غالياً لتخريب منشآته الزراعية والصناعية والثقافية   وتهريب ألاف الأجهزة الهامة والمعدات الكبيرة والسلع والسيارات والآثار والأموال  خارج العراق..
يسلط الروائي الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة وآثارها الكارثية على الشعب والوطن.. وقد شاع آنذاك مصطلح ((الحواسم)) الذين أصبحوا فيما بعد من أثرياء ووجهاء البلد وتسنم بعضهم مراكز مهمة في الحكومة العراقية وفي الاقتصاد العراقي الذي أصبح تابعاً بالكامل لقوى خارجية عن طريق سماسرة الداخل من ((الحواسم)) ومن لف لفهم في الداخل والخارج.
وحشية قوى الإرهاب وبسالة المقاومة:-
ربما لم يشهد التاريخ العراقي عبر تاريخه مثل وحشية وطائفية من يدعون انهم مقاومة مسلحة ضد الاحتلال والنظام السياسي القائم، قوى طائفية قذرة مسعورة، تقتل على الهوية، تكبر وتحز الرؤوس دون رحمة، كانت مؤلفة من عتاة البعثيين وعتاة المجرمين من كل أنحاء العالم وكان لدول الجوار وللمخابرات الامريكية ومخابرات دول شقيقة دور كبير في تمهيد الطرق لهم لدخول العراق وتمكينهم من احتلال العديد من المدن العراقية وقد سهل لهم ذلك ضجر الناس من فساد السلطة الحاكمة، وجهل ولا مهنية الكثير من القادة.
فمثلا يحكم على شاب موصلي بقطع الرأس لا لشيء إلا لأنه يدخن السكائر في الأماكن العامة كما يدعون، ناهيك عما قاموا به من سبي النساء من غير المسلمين من مسيحيات وازيديات وقد خص الروائي هذا الفعل بروايته ((بهار))...
لكن الشعب لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الوحش الكاسر فقد كان المقاوم البطل يفجر رؤوس الإرهابيين وسط ساحاتهم، والمواطن البسيط يتعاطف بشكل كبير حد التضحية لمساعدة أفراد الجيش والقوات الأمنية وخلاصهم من يد الموت الارهابي الأسود.
اهتم الروائي كثيرا بتأثيت وتوصيف وتعريف شخصياته الروائية بحيث ستظل مواصفاتها عالقة في مخيلة القارئ، ولا ننسى هنا اهتمام الروائي بتوصيف وتعريف المكان سواء في المدينة أو في القطار أو في جبهات القتال أو على قمم الجبال، مما يضفي على الرواية المزيد من الواقعية، واقعية الخيال القصصي المعبر عن سعة اطلاع الروائي ومعرفته بمكان الحدث وتحولاته عبر الزمان.
لقد تمكن الروائي وبمهارة أن يرتقي سلمه نزولا لتوصيل رسالته، ولسرد أحداث ستظل مادة ومنجماً لا ينضب للادباء العراقيين وخصوصاً الروائيين للكتابة عنها لسنوات طويلة.
كان الروائي حاذقاً في نسج حبكته الروائية من دون أن تفلت منه خيوطها الملونة والمتشابكة فأخرج نسيجاً متجانساً منسجماً يشي بالجمال والحرفية الروائية.
هذا هو ديدن الروائي (عامر حميو) مهموم بآلام شعبه ومعاناته ضمن رواياته الثلاث ((بهار))، و((رمال حارة جدا)) ورائعته موضع الحديث ((سلم بازوزو)).
ثورة شباب أكتوبر هي الأمل:-
في السلمة رقم ((1)) يعيش (برهان العسافي) حلم الشباب بعد الهرم والعوق الذي أصابه، يسرح خياله كأنه وسط تظاهرات الشباب الثائر في ساحة التحرير ولقائه بحبيبته الـ ((ندى)) والمشاركة في التظاهرات الشبابية العارمة التي ستكنس كل قاذورات الديكتاتورية والاحتلال وقوى الفساد والإفساد وهم يهتفون بشعار ((خبز.. حرية.. دولة مدنية))، هذا الحلم الكبير  الذي ظل الشعب العراقي يحلم به طوال تاريخه ويدفع من أجله الدماء الغزيرة، لكنه لم يدركه بعد ولكن الامل بالنصر والحرية والسلام ما زال باقياً رغم كل الخراب ((ووسط ذاك الخراب رأى برهان العسافي وندى ثمة عجوز تجلس تحت ظل شجرة وارفة الظلال، وحولها يلتف جمع من الأطفال، ملامحهم خالية من أي تعبير ينصتون لها بلهفة مبهورين، وعيونهم ترنو لسبابة يدها التي تشير بها نحو السماء)) رص199 ، نعم أن ضاعت بكم السبل وافتقدتم الطريق فاتبعوا درب التبانة يصلكم إلى بر الأمان  هذا ما نصحته به جدته.



9
رواية (حدث في بغــــــــــداد)

 
      للدكتور الروائي  رسول محمد رسول

الرواية، هي: ذاكرة تحولات عامة او خاصة، وقراءة ضمنية للماضي والحاضر، واستشراف المستقبل، تنطلق من الخلفية الثقافية والسياسية والاجتماعية للروائي، يجسد كل هذ التحولات عبر تخليق شخصيات واحداث منها حقيقية واقعية ومنها متخيل ولكن له جذر واقعي مهما بدا محلقا في عالم الخيال .
رواية (حدث في بغداد) لا يحتاج عنوانها الى التحليل والتأويل، فهو عنوان مباشر يشير الى ما حدث في بغداد، في زمن الجمهورية الثالثة:  جمهورية البعث وحكمها في العراق.
عبر متابعة حياة (مرهون الشاكر) الروائي والمثقف. هذه الشخصية العاشقة للثقافة والادب والزاهد بكل شيء الا الكتاب والكتابة، وهي احد افراد عائلة كتب عليها القهر والالم والموت. فأخويه(واقد شاكر) و (علي الشاكر) كانا ضحايا حرب الثمانينات في قادسية صدام وحربه ضد ايران، التي دامت اكثر من ثمان سنوات دموية .
أما أخيه الاخر (حسين الشاكر) فقد قطع الإرهابيون رأسه بعد احتلال العراق في 2003.لم يبق من افراد العائلة سوى (مرهون) ووالدته المفجوعة بأولادها وزوجها .
مرهون إسم يدل على الإرتهان والقيود، حيث كان هذا المثقف المبدع  مرتهن لأفكاره وثقافته الداعية للسلام والحرية والرفاه وصيانة كرامة الانسان ، ومرتهن لظروف قاهرة متمثلة في حكم إسلاموي متخلف، ومعارض يلبس نفس الرداء الديني، أشاع الرعب والخراب والقتل على الهوية، متسلحا بفكر طائفي عقائدي متشدد ، يدّعي مقاومة المحتل وطبقته السياسية  الحاكمة وإستبدالها بحكم وشريعة الله على الارض .
حيث أدت الحرب الدولية الاستعمارية والحرب الاهلية في البلاد الى حدوث تغيرات هائلة في طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العراق ( اخذت الحرب والتغيير السياسي الذي جرى في بلادنا تؤثران في بنية المجتمع المهنية والسكنية والاخلاقية ، فكل شيء أصبح يمضي بطريقة جديدة )، ص154. وجديدة هنا، بالمعنى التخلفي السيء وليس بالمعنى الايجابي الهادف لإستبدال القديم المتهالك المعيق للتقدم والحرية والرفاه، بل جعل التخلف أكثر رسوخا وبأساليب أشد ضراوة ووحشية وقسرية.
ان أول صدمة تلقاها هذا المثقف هي مقتل زوجته (فاطمة البصري) في قصف 1991 الوحشي لمدن العراق، وهي المرأة التي وصفها  (مرهون) بفجره الاول .. فجر العفة والطهارة والحب الصادق والاخلاص للحياة الزوجية وللشريك الحبيب . وهذه اشارة من قبل الروائي الى ان  عام 1991 كان عام موت القيم النبيلة في المجتمع العراقي، وتعرضه للقهر السلطوي الفاشي والتجويع بسبب الحصار الاقتصادي المفروض من قبل أمريكا بدعوى محاصرة النظام، وهي فرية مفضوحة؛ فقد كان المحاصر أولا وآخرا هو الشعب العراقي ، مما أدى الى شرذمة المجتمع العراقي وانتشار ثقافة الثعلبة والفهلوة والقردنة كدوافع لغريزة استمرار الحياة وعدم الموت جوعا، وانتشار ثقافة الخرافة ومظاهر التدين الزائف وهو الملجأ الاخير الذي تلجأ اليه الذوات المستلبة والمقهورة أملا  في  عيش الحرية والرفاه في الحياة الآخرة، والهروب من حياة القهر والجوع والحرمان، في ظل الحكم الديكتاتوري والحروب والحصار  المفروض لتركيع الشعوب وترويضها، للقبول ببدائل الواقع مهما كان هذا البديل؛ أملا في الخلاص .
 هذا (المثقف) المرتهن يقع فريسة هذا الواقع المتردي، فيتزوج من  (فجره) الثاني (نهى) الذي تحول الى ليل بهيم متجسدا بهذه العاهرة المبتذلة، رمز الخيانة وانعدام القيم وغروب عالم العفة والطهارة، هذه اللعوب ابنة الواقع الفاسد القائم ،المستهين بالثقافة والساعي لتحطيم الثقافة والمثقف بمختلف الأساليب. تقع نهى بين مطرقة السلطة مجسدة بضابط الدورية والإرهابي الإسلاموي الداعشي مرتدي لباس المعارضة المسلحة، ولكل من ينتمي للسلطة الحاكمة، وهنا يؤشر الروائي، ببلاغة باهرة، الى واقع حال العراق عبر (نهى ) العاهرة.
ففي الوقت الذي ينشغل (مرهون) بإكمال روايته الجديدة، مسلطاً الضوء  على واقع السلطة والمجتمع وتحولاته الكارثية، على الرغم من اصابته بمرض السرطان الرؤي بسبب ما يعانيه من قهر سلوكيات السلطة والارهاب والمختزل والمجسد بسلوكية (نهى) التي تكشف له حقيقة خيانتها، حينما تعود ثملى، بعد سهرة داعرة مع الضابط والإرهابي وشخص ثالث، تركوا آثارهم وبصمات مخالبهم الوحشية على جسدها، حيث تخاطب مرهون، قائلة: ( هل رأيت يا زوجي المثقف، كيف انا عاهرة بشكل رسمي، زوجة محترفة في الفجور والغرام والخلاعة  لأخونك ليس في النهار فقط بل وفي الليل ايضا ) ص120، و( ان الوطن يريد مني أن أضحي من أجله، أن أكون عاهرة، وهذه  مسؤولية تاريخية  كما يقول رشيد الفار، أما أنت فيريد منك هذا الوطن أن تكون راضخا ومنحنيا حتى يرضى عنك ) ص 129. وهنا تشير بصدق الى ما يريده الوطن حسب رأي السلطة الفاسدة، وما يريده الوطن حسب إرادة المعارض الإرهابي  ألا وهو: امتهان كرامة الانسان، وقتل وتطويع وتركيع المثقف الشريف، وقتل الثقافة المعارضة للقبح والرذيلة .
وهنا تظهر هذه ال(نهى) في حالة من تجلي الوعي بمسخ الذات الانسانية والوطنية، وقتل الثقافة المعارضة تحت سوط الأيدولوجية الارهابية معية مقاومة الاحتلال والكفر والساعية لإقامة حكم الله على الأرض، فيكون النكاح واجبا مشرفا في منطق المقاومة المزيفة، كما أن هذه هي آيدولوجية السلطة الفاسدة ومقاومة افسد، وكلاهما مدّع مزيف للدين والوطنية تفرض على المثقف، حامل رسالة التنوير والتثوير، حامل مشعل القيم النبيلة، الرضوخ والخضوع والسكوت المر، وهو يشهد الخيانة والفجور واللصوصية والزيف الممارس من قبل طرفي النزاع والمتخادم مع العقل الاكبر المحتل وذيوله .
وقد كان هذا الحال  هو احد أهم اسباب اصابة مرهون بالسرطان، ومن ثم موته المفجع في المستشفى، ولم  تزره زوجته الخائنة إلا لسرقة فصول من روايته التي تسلط الضوء الكاشف على هذا الواقع المؤلم  وإحراقها؛ لكي لا تظهر الحقيقة لعامة الناس، متعرفة على اسباب  ضياعها واستغلالها وتخلفها وكشف حقيقة حملة الفضيلة والعفة، كونهم اكثر عهرا وممارسة للرذيلة واللصوصية والتبعية للمحتل، عبر اكثر الوسائل حقارة ودناءة.
على الرغم من كل هذا الواقع المؤلم والظلام الدامس، يشعل الروائي شموع الأمل من خلال الموقف الانساني النبيل لصديق (مرهون) المهندس سعدي وزوجته الرائعة (مريم الشبلي)،والتي تظهر وكأنها النموذج النقيض ل((نهى)) من حيث العفة  والوفاء ومساعدة الغير والأنسانة الواعية  والتي غالبا ما يستعين برأيها زوجها ((سعيد))، والطبيب أحمد عزالدين الجبوري، المشرف على علاج مرهون ، والعامل خليل عبد الله نايف، والصحفية الجريئة (   وفاء السامي  )، من خلال رعايتهم ل (مرهون) ولأمه، ومحاولتهم الشجاعة، على الرغم من المصاعب والمخاطر، لاسترجاع الفصول المسروقة من رواية مرهون؛ لتكتمل رسالته التنويرية (رسالة المثقف ) الواعي. مما عرضهم للملاحقة والتهديد، وأدّى بهم للتشرد او الهجرة، ثمنا لانتصارهم للحقيقة ودفاعهم عن المثقف باعتباره يمثل  الضمير الحي للشعب. وكذلك الموقف الايجابي لاتحاد الأدباء وانتصاره للروائي باعتباره من واجبه كمنظمة مهنية  نقابية يجب أن تدافع عن، وترعى حقوق أعضائها، والموقف الايجابي لوزارة الثقافة بشراء مكتبة مرهون وطباعة مؤلفاته كاملة تحت ضغوط كبيرة من قبل أصدقاء ومعارف مرهون من الأدباء والكتاب والصحفيين.
تلقى العاهرة، الزوج الخائنة، مصيرها المحتوم، حيث يدفعها الارهابي  لتنفيذ عمل إنتحاري إرهابي يودي بحياة العشرات من الأبرياء، لتلتحق بعالم الحور العين، بعد أدائها واجب النكاح، لتطهر جسدها وروحها بهذا العمل الارهابي!! كما  انها ربّما تقوم بهذا العمل الانتحاري للخلاص من واقع الاستلاب والرذيلة والخيانة التي سقطت فيه بفعل وتأثير عوامل  مختلفة.
 كان الروائي متمكنا من السرد المشوق لأحداث الرواية، مرة بلسان أنا المتكلم، وأخرى بلسان الراوي العليم وضمير الغائب. وقد تنقل السرد بشكل رشيق من حدث لآخر، ومن شخصية لأخرى.
ولم يغفل الروائي عن التناص في عملية الابداع الادبي بالنسبة لمرهون  أو لغيره من الادباء، من خلال اهتمامه بمشروع رواية مرهون وعنوانها اللافت ( ينحني الصابر للوجع)، حيث ان العنوان مستوحى من قصيدة للشاعر النمساوي (جورج تراكل) وكما أكد ذلك صديقهم المطلع على  الشعر الاجنبي  (    ).
يروي الكاتب مظاهر ومشاهد الالم لضحايا الارهاب والحرب بعيون سعيد  صديق مرهون، وزيارته للمستشفى بحثا عن الدكتور احمد المشرف على علاج مرهون، محاولة منه للعثور على الفصلين المسروقين من الرواية ، وكيفية تبرعه بالدم لإنقاذ حياة طفل جريح، وهو القائل لتوصيف  المستشفى في ذلك الزمن المشبع  بالموت والبارود :-
((لكي تنتظر في مستشفى، عليك ان تبكي الف مرة، ففي كل خمس دقائق تودع راحلا وتستقبل جريحا )).

10
المنبر الحر / همساتُ القَمر
« في: 21:11 03/06/2020  »
همساتُ القَمر


(تصيحُ الكلماتُ أنّي عاشقةٌ، أطفئُ ظمئي بالقبلِ الحرَّى، وتماهي فيَّ، فأنا أنتَ ونحنُ حماةُ الكون ).
دراسة نقدية  بقلم الأديب   : حميد الحريزي
 
العنوان :-
عنوان المجموعة الشعرية للشاعرة فاطمة منصور(همسات القمر ) مشبّع بالرقة والرومانسية، يثير في نفس المتلقي وخياله فضاء من الجمال والاحلام الجميلة، ويسقيه بكؤوس من حميمية وعذوبة الليل  المقمر؛ ليسرح في عالم العشق وتراقص النجوم، فالقمر يمس بكل ما هو جميل وقريب للروح، فهو حافز لإثارة الشوق والإشتياق، أو يعمق من لوعة الفراق والهجران. همس القمر يترجم لغة الأشجار والأزهار  وحفيفها المضيء. الهمسات تكسب مويجات النهر أثواب البهجة والرقص على نسمات الهواء العليل؛ ليسبح المتلقي بعالم من الخيال والجمال، وهذا هو مفعول الشعر في حياة البشر .
(الشعر في جوهره يشكل الاحساس العميق للبشرية، التي ستعود يوما الى طفولتها الاولى، ولن تجد أمامها غير الشعر الذي يحميها من جبروت أفكارها المدمّرة ) السرد وأسئلة الكينونة – بحوث في مؤتمر عمان الاول، اعداد د. حاتم بن التهامي فبراير  201٣- ص23
لقد مر الشعر بمراحل عديدة خلال تطوره وتبدلاته، تبعا لتطور وتحولات الحياة الانسانية، حتى وصل الى ما هو عليه من قصيدة نثر وقصيدة ومضة، والتي عرفها النقاد ب ( قطعة نثرية موجزة ، موحدة، ومكثفة ) اشكالية قصيدة النثر – نص مفتوح عابر الانواع – عز الدين المناصرة - ص31.
ووصفت ب ( نوع من التمرد والحرية، أكثر من كونها محاولة لتجديد الشكل الشعري) ص31 - المصدر السابق نفسه .
و(أن قصيدة النثر هبأت حديث يسمح بأشكال تحفظ وهجا في اللغة على عكس  القصيدة الغنائية، ولكنها تشيد بحقوق الفرد وبكل شكل غريب على نقيض الخرافة والحكاية) ميشيل ساندرا- قراءة في قصيدة النثر – ترجمة أد. زهير مجيد مغامس - ص2٩.
نريد أن نقول: إن هذا النوع من الشعر نزع عن كاهله كل ما يثقل روحه من أعراف وتقاليد وخرافات ما سبقه من انواع مقيدة بمختلف الضوابط والروابط ، حتى صار أجمله أشبه  بلبلبل غريد داخل قفص، فاقدا لفضاء الحرية، لا ندري هل ما نسمعه تغريد فرح أو أنين قيود وفقدان حرية الطيران، حرية المرح بين البساتين وعلى ضفاف الانهار والوديان  والروابي والجبال والسهول. هذا النوع من الشعر لا يريد أن يرى الانسان المتلقي صنماً فاتحاً أذنيه وفمه ليدفع الشاعر لقمة طعام اعتاد تناوله كل يوم، وكل أكلة تشبه -ان لم تطابق- ما سبقها، في حين أن هذا النوع من الشعر يشغل فكر وعين المتلقي، ويشارك في تحليل وتأويل  وتذوق النصوص ليكون مشاركا فاعلا ،وليس منفعلا فقط ..
واستسهل البعض من (الشعراء) كتابة هذا النوع من الشعر فأساء اليه كثيرا، فهذا النوع من الشعر كثور هائج، يجب ان نعرف كيف نروّضه  والا أفسدنا كل شيء، وكما يقول رسول حمزاتوف (أذا لم تستطع أن تمسك الثور من قرنيه فلن تستطيع أن توقفه أذا أمسكت به من ذنبه ) بلدي – دار الفارابي، ط3 -2006 ،ص9. وبالتالي سيقوم بسحلك خلفه ويشوه حالك، وبالتأكيد سيقضي على مستقبلك الأدبي الشعري .
وعلى من يريد أن يسجل حضورا في عالم الابداع وتأليف كتاب في  الشعر أو السرد، أن يكون حذرا نبها فطنا، وأن يمتلك كل لوازم العوم في هذا البحر المترامي الاطراف الذي ليس لأعماقه قرار، وأن يحمل هذا الكتاب سرّ جماله وإمتاعه ومؤانسته للمتلقي بين طيات دفتيه، وحين يعثر عليها القارئ يشعر شعور غواص تمكن من العثور على لؤلؤة ثمينة، أو كما يصفها رسول حمزاتوف بالتعويذة ( في كلّ كتاب يجب أن تكون تعويذة ...، يعرفها المؤلف ويحرزها القارئ لكنها مخفية تحت الملابس ) المصدر السابق نفسه، ص 42.
لندخل الآن الى رياض (همسات القمر) للشاعرة فاطمة منصور، ونرى من أين أمسكت الثور، وماهي التعويذة التي تخفيها مجموعتها الشعرية بين ملابسها.
نحت الحروف وأنسنة الكلمة :-
الكلمة في المخزون  اللغوي للإنسان تحمل معناها القاموسي كما تعارف عليه الناس، وما تراكم بخصوصه من معنى عبر الزمن وعبر الاستخدام في مختلف تحولات المجتمعات: الاقتصادية والثقافية والسياسية. فقد نجد المعنى الغابر للكلمة يختلف اختلافا يكاد أن يكون جذريا عمّا هي عليه الآن، ونجد أن كلمات لفّها النسيان، ولم يعد لها وجود إلّا في بطون  كتب التراث القديم، وقد دفنت مع الحضارة  المندثرة كما  تدفن زوجات وعبيد سلاطين بعض الحضارات في حضارات شعوب غابرة .
وعليه، يجب على الشاعر على وجه الخصوص أن يمتلك خزينا لغويا ثرّاً، وأن يجيد استخدام المفردة، ويضعها في مكانها الصحيح؛ لتكون راضية مرضية بما وضعت به من مكان ضمن العبارة، وكما يقول  حمزاتوف ( اللغة الضعيفة بالنسبة للفكرة النافذة، هي تماما كالذئب للحمل ) المصدر السابق نفسه - ص 54 .
وهنا يجب التمييز بين الفذلكة والتكلف في اختيار المفردات لتشكيل لغة قوية، بل المهم دقة الاختيار ووضع المفردة المناسبة في المكان المناسب، فسنراها تشع بمعناها ومبناها رغم بساطتها ( أروع الجرار تصنع من الطين العادي، أروع الأشعار من الكلمات البسيطة ) المصدر السابق نفسه - ص56.
فامتلاك ناصية لغة الكتابة للكاتب ،وللشاعر على وجه الخصوص، أمر في غاية الأهمية، وبدون ذلك سوف يكون عاجزا عن الإتيان بعمل أو نصّ شعري ذي قيمة إبداعية، وكما يقول حمزاتوف ( الانسان الذي يقرر كتابة الشعر وهو لا يعرف اللغة، كالمجنون الذي قفز الى نهر جارف وهو لا يعرف السباحة ) المصدر السابق نفسه - ص 67 .
لا نريد أن نسترسل في عرض دروس وعبر وإرشادات هذا المعلم الكبير والشاعر الرائع حقا، وإنما أردنا أن نستدلّ بمقولاته على الابداع والتفرد والتميز عند شاعرتنا في مجموعتها الشعرية موضوع الدراسة (همسات القمر ) المؤلفة من (55) نصاً شعرياً.
ففي نصّها الأول (بريقُ الذّهب )، الذي يمجّد ولادة السيد المسيح عليه السلام ، حيث تقول: (بلغَ الهناءُ البسيطةَ
تموَّجَ أفقُ السّماواتِ
وماتَتِ الرّذيلةُ )
نتوقّف عند ( تيبّسَت في تراتيلِ يسوعَ
تنازَعت معَ العطاسِ )
نلاحظ هنا كيف تمكنت الشاعرة من أنسنة المفردة ، حيث تتيبّس التراتيل ويحدث تنازع مع العطاس، الترتيل مخلوق حيّ يتيبّس، والعطاس مخلوق إمتلك قدرة التنازع!!!
وفي نصّ (قطافُ الحبِّ)
تكون للمسافات أرجل تتمدد، ونهد غارق بالشهوة، وفاطمة تتحول الى ساحل قصيّ، والعتاب كائناً لديه مدفأة، والمسافات فتيات تتكحل بقبل  تمتلك قدرة الهروب، والذكريات تفقد قدرة المشي ... إنها عبارات تتكلم،   كائنات حيّة تمتلك كل صفات الانسان في الفعل والانفعال، وتقبل الصفات والتوصيف والتعريف .
في (ضيْف)
يا للروعة، ويا للحياة الممنوحة للوسادة التي تتحول الى قلب يمتلك القدرة على أن يدقّ، ان ينبض ( ما بينَ اليقظةِ والحلمِ تسارعتْ دقّاتُ وَسادتي)!!
وما أعظم هذا القديس الذي (يوقدُ في الثلج )، في الثلج موقد!! لا يوجد هذا الموقد إلا في خيال هذه الشاعرة ذات الخيال الباذخ، فلا نتفاجأ حينما يورق صفير خافقها بالحسنات، هذا الخافق يتحول بقدرة شاعر الى شجرة مورقة، ويستدل على ثقب في الروح،  نعم ايّها المدهش (شاعَ أنا ونيزك من صنْوِ الرّعدِ أدخلُ ثقبَ الرّوح) !!
والأنفاس كائنة تعاتب لأنها (ساكنة لا تنزفُ الشّوقَ. وأنْ يقيمَ مأتمَ  الأحزانِ على شَفا حفرةٍ منْ نار)!!
(مسكونة في الحبّ)
تصير ، تخلق الاعجاب سماء وغيوما ممطرة (لم يستمطروا إعجابي)
صانعة المعجزات والغرائب، فتملك الحصى أجنحة ليطير ( ربّما ألتقيه ضاحكاً مع الحصى الطائر).
تخلق للقلب جناحا (تغفو على جناحِ القلب ) ، وهي طاهرة حتى وان كانت عارية بلا ثياب ( وبلا ثياب تلبسُ طاهرةُ المساء )...
ويبلغ التحدي أقصاه ( وأتصبّرُ على الآتي رغمَ أنفِ الحرّية )
(لا شيءَ على مائدتي)
الموج مخلوق يمرض ويتعافى، هكذا ملكة الشعر الروح ( أو تركب موْجَ العافية )
(بلا وَجَع)
العلل قوافل تتحرك، ترحل أو تستريح ، والصبر يمتلك القدرة على الكلام   او الصراخ  او الصمت ( أنتظرُ مرورَ قوافلِ العللِ بصمتِ الصّبر). والسماوات إمرأة، ولود مرة، ومرة عاقر، هنا هي المسكينة  (سماواتٌ عاقرة )
(ليلُ الخيال)
القنديل يمتلك قلبا (وسطَ ثلجٍ متراكِم )، والغريب ان تذيب قطراته ليس النار بل قطرات البرد، أما الأودية فهي أطفال يكركرون (بمياهٍ نقيّة ) فليس غريبا أن تكون للشوق بلابل تغرد، نعم لا غرابة، فانت في بستان الشعر لشاعرة امسكت الثور من قرنيه .
(قطراتٌ من مَطر )
 هنا الافق يؤَنْسَن، ويملأ كأسا بنفسجية، فتاة تشكو العري على الرغم من أن الطقس صقيع ... بأمر الشعر، تتحول الكأس الى فتاة مطيعة مذعنة لآلهة الشعر، وتتعرى في الصقيع.
وبعد ماذا؟
(وكناري حطّ على نافذة
تحتَ النافذةِ فتاة
تتَوسّد زنْدَ الحبّ
تقبّلُه ) هاهو الحب مخلوق له زند تتوسده العاشقة  !!
(تباشيرُ النّدى )
أي تباشير رائعة هذه التي يأتينا بها الندى، هذا الذي يقول عنه الناقد الكبير ياسين النصير ( الندى طائر لا يطير الى أعلى )، ص154.
(الندى أكثر اللصوص الطبيعية التي تسرق الضوضاء والغضب ، وتزرع الهدوء الصاخب )، ص153.
(الندى الأنثى المائية الهادئة الشفافة التي تلقح الضوء والشجر والرؤية )، ص157.
(في بحر يمتلك ذاكرة للحنين ، تسافر في أوصاب الروح، وتمنح الجسد رعشة كتباشير الندى) فما أروعها من تباشير، كما وصفها النصير.
(قيدُ رعشة)
للشمس رسول يتوجب عليه إيقاظ مافات الانسان واشقاه، ورؤوس وقلوب محمّلة (منْ فيضِ الأشواقِ والحنان).
في (سيرة محتال)
تخلق للحروف (أجنحة خَجلى)، ثم  تكون للحروف أفواه وألسنة ف(ينعتقُ همسَ الحروف) وللورود أحضان ..
(زاجل)
للريح أذن نهمس فيها لتحمل انفاس الحبيب وقبلاته عبر مداعبة شفتيه  وملامستها، ويحوّل شفته خمرا، يقدم للحبيب بكأس الريح، ففي أحضان الحبيب تسجل ولادة جديدة .
وفي (قيد التكوين) للخطوات همس تسير نحو الحبيب .
يمتلك الشاعر قدرة السحر وفعل اللامعقول، ففي (نبوءَة) تمكن الانسان من السير على الغيم (أمشي على الغيم، وأمنحُ الأرضَ شهوةَ الرّبيع ).
(إنزياح)
يتحول الماء الى ابجدية، وأية ابجدية ! تمتلك القدرة على (موسقة الكيمياء)، وتمكن روح الحبيب من التراقص بين يدي المحب .
فالماء الذي قيل فيه (وجَعلْنا منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ)، يحيي الانسان والحيوان والنبات، كذلك يزرع الحياة في روح الشعر، أو يخلق للشعر روحا تفيض بالحب والجمال، وكما يقول الناقد الاستاذ ياسين النصير (لغة الماء دائما مجازية، ولذلك تدخل الشعر من أبوابه الواسعة ) ياسين النصير – شعرية الاشياء – دار مكتبة عدنان للطباعة والنشر، ط1 2018 - ص 161.
كما يقول (جريان النهر وسط البساتين ، من أجل تغذية الاشياء جنسيا، ثمة مني كوني يحمله الماء للأشياء) المصدر السابق نفسه ، ص169.
خرير الماء موسيقى كونية تزرع الامل بالخصب والنماء والفرح للإنسان إبن الطين والماء ، وكما يقول حمزاتوف (لم يسمع في حفلات الزفاف وفي الاعياد كلها نغمة أشجى من خرير الماء) رسول حمزاتوف - بلدي - ص323.
عبر ال (55) نصّا شعريا في (همسات القمر)، تبعث الشاعرة الحياة وتؤَنسن الشجر والطير والماء والحجر، فلو أردنا ان نستعرض كل حالات التخليق هذه في رحم المجموعة الشعرية؛ لاحتجنا الى كتاب كامل للإيفاء بالغرض المنشود، ولكننا عبر إيراد بعض هذه النماذج، انما نؤشر الى ميزة هامة من مزايا الابداع المميز لخيال الشاعرة في هذا المجال، وعليه ان يستمتع بهذه الحيوات، ويؤاخي هذه المخلوقات، ويتمعن في سلوكياتها الانسانية، فيمتلك قدرة فهم لغتها ومخاطبتها، كما تروي بعض الاساطير بأن الانسان كان يعرف لغة الطيور والاشجار والاحجار، وهي صفة كان يتمتع بها الانسان ما قبل الحضارة، وكانت ذاته متماهية ومندمجة مع مكونات الطبيعة .
والميزة الابداعية الاخرى للشاعرة في المجموعة : انها جعلت من كل نص من نصوصها قصة متكاملة الاركان لها بداية وبؤرة ونهاية، أي ان نصوصا عبارة عن سرد منثور، أو نثر سردي، إن صح التعبير.
فمثلا في نصّ (وَشْوشات ) يدور الحدث بحوارية بين الشاعرة وبين النافذة حول كيفية وزمن ولادة القصيدة ، ف(الحرفُ يحتجبُ حينَ يفقد الحبرُ شهوةَ الإندلاق، هكذا تحافظُ على عذريّتها الأوراق).
فأيتها الشاعرة (اقفلي النافذة )، إحتفظي بأسرارك الليلية حتى يحين اشتهاء الاوراق فقدانها لعذريتها، عندها  تكتمل قصة كينونة القصيدة ( فوقَ الأوراقِ المُحتفيةِ بعرسِ بكّارتِها). فما أجملها وأبلغها من قصة.
تستدعي الشاعرة في أغلب نصوصها الندى، الاشجار، الأنهار، والأطيار ومنها البلابل.
 ففي نصّ (عشقْتك) تقول: (على متنِ لغةِ اللهِ بحروفٍ منْ نور، تتهادى قُبَلاً وأغاريدَ على نافذة). وسيشهد القارئ العديد من هذه القصص  الممتلئة بجواهر المعنى الخلابة، كنصّ ( حكايتي الخجلى )، و نصّ (الشمس والقمر ) مثلا.
(تشتهي تغريدَ بلابل )
البلبل، هذا الطائر الجميل المغرد دوماً، هذا الطائر الذي لا يعرف الصمت، سواء في البساتين والمروج، على أغصان شجرة البرتقال أو على عذق نخلة برحية، أو في داخل قفص، فهو يغني ولا يفقد الأمل في حرية مأمولة، يصفه الناقد  ياسين النصير:
(البلابل هي الانثى الكونية التي تعيد تكوين الأشياء الارضية مع الأشياء السماوية في نغمة كونية طبيعية، من خلال أعشاشها المعلقة ما بين السماء والأرض) المصدر السابق نفسه، ص172.
في (فجوةُ الخَيبة )
تنسج الشاعرة نسجا جديدا يحمل معاناة الفقراء والمهمشين وهم يعيشون في جهنم، حياة سرقها منهم أهل الثروة والسلطة المال، فتكون كل حاجاتهم أسيرة الفقر والعوز (وأنا أتشفّعُ في زحمةِ حاجاتي الأسيرة).
نعم، (الأفراحُ ليستْ عاقرةً .. ولكن حضنَ الأحزانِ يتاجرُ بالبكاء)، أي حضن قاس ومؤلم هذا الذي يتاجر بالبكاء، إنه حضن مجتمع الفوارق الطبقية والاستغلال والافقار المتعمد، مقابل اتخام قلة قليلة من اصحاب  رؤوس الاموال. وبذلك تقترب الشاعرة كثيرا من هموم الأغلبية الساحقة من أبناء وطنها وهموها هي بالذات. وعليه تقوم بواجب التنوير والتثوير، ليس بالشعارات ولكن بإرسال شعل النور والتنوير والتثوير للضمائر الحية، واستنهاض هممها من اجل بناء عالم أفضل لاجتثاث الحزن، لان الأفراح ولودة بالبهجة والسعادة والسلام لبني البشر، لولا ان الأحضان النتنة تتاجر بالبكاء والآم الفقراء، وكما يقول حمزاتوف:  (الشاعر لا يمكنه أن يكون ظلا ، بل انه نار ومصدر نور) بلدي – رسول حمزاتوف، ص 107.
(الشعر يمثل أعلى درجات الوعي  في الكلام ) ت. س. اليوت - فائدة  الشعر وفائدة النقد - ترجمة يوسف نور عوض، مراجعة الدكتور جعفر هادي حسن، دار القلم - بيروت ط1 1982، ص 25.
الشاعرة، وعبر نصوصها، تقترب أحيانا من النص الشعر الايروسي الشفيف بطبعته المخففة القريبة للنفس والبعيدة عن المباشرة والابتذال،  فتنعش ذائقة المتلقي بهذا الشدو الانساني المحب للروح، والملامس  للجسد والنابذ للجفاف والتصحر، ففي نصّ
(أنثى مغْناج)
 تحملنا الشاعرة على أجنحة الرغبة؛ لنعيش رغبات إنسانية مشروعة ، بعبارات وصورة مشبعة بالحسّ الجمالي الايحائي (على كتفِ الغيْمةِ ،  أنثى مغْناج تجلسُ عاريةً إلّا منْ ضوء تتوهجُ شَغفاً شَبقاً )، وتستمر، وتتوالى الصور (فعيونه سابحة في نهديها )، ليأتي النداء(تعالَ إليّ إحْكِ ) اركب أصوات الحب (فتعالَ صدري عارٍ قد أفردتُ ذراعيّ لأعانقَك) تسقيه قبلا وشوقا، وتمطره شوقا وخمرا ((سأوافيكَ جرعاتٍ تُسكرني  لنُحييَ على كتفِ الغيْمةِ شهراً للعشق )!!! وكذا هو الحال في نصّ (حرمانُ عروسةِ الشّعر)
(تخشى أن يداهمَها الخريفُ فتحْملها الرّيحُ يجفُّ العطرُ وتفرغُ الكؤوس من خمرةِ الشّفاهِ وعطرِ الجلّنار في النّهدين ). و في (جدائل نشوى ) ( أتشهّى مَن يطرقُ  بابي  فيسامرَني فيـلوكَ شَفَتي)، ونصّ (عطرُك المتواري ) (هاتِها تلكَ اللمسات واتركني أغفو على وَسادتِك المخمليّة ، حلوةٌ أحلامي معكَ كرّرْها أرجوك وهي  آخرُ الأمنيات ). ونصّ (السّحر) (فمتى ألقاك؟ سآتيكَ موشحةً بأريجِ الياسمين وفي جيدي عقدُ السّوسن، خُذني وقبّلني، وتنَشّق غوايةَ عطري، وازرع قبلاتَك ما بينَ ثغري ونَحري)، الله، الله!! أية بقعة ساحرة مسكرة ما بين الثغر والنحر !! ونصّ قصيدة (لا .... أحلم) حيث  تستدعي هنا الشاعرة المطر (يا أّيها الليلُ كمْ تشبهُ حبيبي، إنّها ليلتي، طرقَتْ قطراتُ المطرِ على شبّاكي )، الله، الله!! ما أجمل وأحلى وأعذب صوت المطر، عنوان الخصب والنماء، عنوان احتضان الماء لحبيبته الارض التي  تتلهف وتتحرق شوقا للقياه، تنصت بهيبة وقدسية لصوته الحبيب، وكما وصفه شاعر داغستان  الكبير (لا موسيقى أعذب من صوت المطر ) رسول حمزاتوف - بلدي - ص319.
 ممّا سبق من عرض لعدد من نصوص (همسات القمر ) باختزال كبير،  لا يمكننا إلا أن نرفع القبعة للشاعرة الرائعة؛ لإبداعها الشعري المميز، وقد ولدت قصائدها من عالم الجمال، عالم الواقع المتسامي والمترفّع عن القبح والساعي للرقة والجمال، فنجد كلماتها حية وليست دمى أو أشباح كلمات، فاستولدت من زواج الكلمات نصوصا، أولادا وأطفالا في غاية الحسن والجمال، وكما يقول حمزاتوف ( لا يولد أطفال من تزويج الدمى ) بلدي، ص53.
يقول حمزاتوف: ( يمكن للرجل أن ينحني في حالتين؛ ليشرب من العين، أو ليقطف زهرة) بلدي، ص21.
وأنا  هنا انحني امام (همسات القمر) مرتين لأني  شربت حتى ارتويت من ماء عيون الهمسات  الماء الزلال القراح الذي يروي ضمأ العطشان للجمال والحب والكلمة المبدعة، وقطفت باقة من زهور الجمال الشعري الآسر بألوان مختلفة زهورا تفوح شذى ينعش الروح والقلب.
وللبحر في  قصيدها نصيب كبير 
(البحر)
هذا الساحر الساخر الهائج المائج الصامت الساكن، الصاخب المتفكر  الهادئ، الفسيح المريح، حاوي العجائب ومالك الغرائب، كانز الجواهر ومولد الظواهر، أنيس العشاق وحاضن القرصان ، جامع الكواسج والقرش، وحاوي اللؤلؤ والمرجان .....
(وأنا والبحر حكايةٌ ألِفُها ملاذٌ وياؤها استحواذ)، فتعيد الى مخيلتنا بحر فيروز وحنا مينا وأرنست همنغواي، وحوت موبيك، وسفينة تايتنك ..
للأمومة وحنانها نصيب في جواهر فاطمة نور، كما في (ابنتي ريبال الحبيبة) حيث المشاعر الدافئة والحب والحميمية الصادقة المعبرة عن غريزة الأمومة وسموها.
(فعذراً يا فلقةَ قلبي ومَلاكي إنْ تواضَعَتْ أبجديّتي وانحنَتْ أمامَ ساطعِ سَناك)
تخليق الشعر ولادة، ومخاض القصيدة مخاض عسير مؤلم يولد الأنين والصراخ، في الوقت نفسه يجري دموع الفرح حين تولد القصيدة الجميلة  المشتهاة، مما يتطلب من الشاعر ان يحتمل معاناة المخاض بصبر وجلادة وحكمة، ويحسن اختيار المواضيع والكلمات، ويضع كلّ في مكانه الصحيح  ( لا تحاول ان تطعم النسر نبتا، والحمار لحما) كما يقول حمزاتوف، بلدي، ص123.
 تظهر لنا هذه المعاناة الشاعرة في نصّها بعنوان (صورَتي) (على بابِ الشّعرِ أقفُ حائرةً ألتمِسُ حوارَ الكلمات).
عالم الشاعر: عالم كلمات وصوت وأحاسيس ومشاعر. الشاعر تمتلكه الكلمة، يتحمل، يقاسي الحر والبرد وهجير الصحراء وهيجان البحر وفيض النهر ووحشة الفيافي وغلظة الناس ووعورة الطرقات ومخاطر التجسس والإنصات، ولكنه على الرغم من ذلك ينصب شباكه ليصطاد الكلمات، فهي زاده ومراده، ومبعث سروره وفرحته. فالكلمات كما يصفها ياسين النصير ( عصافير تطير في فضاء الورقة البيضاء لتمحو بياضها الزائف، ونكتب فوقها لتكشف بياضها الحقيقي الناصع) ياسين النصير  - كلام النص- مكتبة عدنان، ط1 2018، ص 53.
وكما هو الحال في نصّ (أنا والكلمات )
(وتصيحُ الكلماتُ: إنّني عاشقةٌ أطفِئي ظمئي بالقُبلِ الحرّى، وتماهي فيَّ، فأنا أنتِ ونحنُ حماةُ الكون ، اسكبيني خمراً في شَفَتيك وَلَهاً، حبّاً يتهادى نشواناً في نهديَّ في شَفتي .. لأكونَ قصيدة ).



11
صدوركتاب دراسة نقدية  للقاص والباحث عبد الله الميالي
صدر حديثا كتاب  بعنوان (( الموروث الشعبي في  ثلاثية محطات  للروائي حميد الحريزي))  عن مطبعة ((حوض الفرات في النجف الاشرف))  بقلم القاص والناقد الاستاذ عبد الله الميالي  القى  فيها الضوء حول  جانب  مهم من  الجوانب  الذي اهتمت به الرواية عبر الاجزاء الثلاثة ، الدراسة   رصينة ومكتوبة بحرفية وشمولية عالية ... شكرنا وتقديرنا  لللزميل  والصديق عبد الله الميالي متمنين أن ينال الكتاب  قبولكم واستحسانكم ))

حميد الحريزي

12
صدور الطبعة الالكترونية من مجموعة ((مشاهدات مجنون في عصر العولمة )) للاديب حميد الحريزي‬


https://en.calameo.com/read/006120926a4ee28b3aba8?fbclid=IwAR2zWDyxO5C4tsIuLpVrM9qKRNe_KFKXkwfia3gEWhGXVW3sBbDRltaa-zg

13
   
رواية ((سلالم التــــــــــــــــــيه ))   



معزوفة  سرد شعري  ، تكشف وجه القبح ، وتمزق شرنقة الوهم

 ((ماذا ستفعلين ؟؟
اصرخ اقبع في قمة سلالم الهدير / ارتد  الى مكامن  القوة، اتلفع بموطن الوهن ))
 انتظري ي ي ي ي ...
يطبق الزعيق على كل الانحاء ، يسيل رصاصا يتكاثف ، يتصلب نوارس تحلق في صفحة السماء، تسير على خطوط ، او سكك بيضاء))ص107
هكذا يختتم مهدي ازنين روايته ((سلالم التيه)) في حين يبدأها في الصفحة الاولى
((تساير قطعانا من نعاج بشرية ،مسوخ الاصباغ والتصنع  توائم \ تنافر جمالا فطريا في خطوط مللامحها ، ترفل في مروج تفوح منها انوار بهيجة ، تعطر واقعا ينتأ من ثنايا الزمن))ص7.
هكذا قادتني سلالم مهدي ازبين وسط شعر سردي او سرد شعري هذا اذا افترضنا ان للتيه سلالم .هنا يوحي العنوان  بالوهم  والضياع  لحياة اشخاص تأسرهم شخصية الديكتاتور ..
(( تتوكأ على عكاز من شعر متعب ، يتهدل عباءة بلون خجول .. ذيل حصان هائج ينشد الهرب ...)) الخ من الصور الشعرية والروائي يأنسن الكلمات ويهبها روحا  وسلوك ، ويصطاد المفردات بصنارة من ذهب  من اعماق بحر اللغة  ألمترامي فتبهر حروف الكلم  فتعلق في سبابة قلمه فرحة مطاوعة ترتدي حلة الجمال والكمال  ، كم يخرج لؤلؤة من  محارة مغمورة لتنتظم ضمن قلادة الجمل المنسابة في نهر السرد الدافق بالحياة والمعنى .
تتضمن الرواية درسا سيكولوجيا ، ونموذجا لمسخ الانسان ذاته وتماهيه مع صورة البطل الاله  والقائد المخلص .
((نحول)) طفلة تعيش في كنف عائلة تقدس القائد ، تتملقه  تؤهله  ، تعبده ، هو المثل الاعلى للانب المؤدلج ، والأم التي ترى فيه الفارس الذي لا يدرك ...تتزين  بصوره جدران الدار  ، وتضمه ساعات المعاصم   وقلائد الصدر ..
المدرسة التي تعلم حب القائد  وتربي الجيل على عبوديته ، رمز القوة ، الشجاعة ، البطولة ، الكرم ، صانع المعجزات وخالق الاساطير  ، المحاط بالهيبة والشموخ والعظمة في فعله وكلامه في نومه ويقضته ، الذي فاقت اسماؤه اسماء  وأوصافه اسماء وأوصاف  الله الحسنى
ما ان تبلغ النضج الجسدي حتى يكون ديدنها الاقتراب من معبود ، تكلمه ، تحتضنه ، تخدمه ، تعطيه كل ما يسره ويسعده ...
تحصل على فرصة المواجهة ، تقدم فرائض الطاعة  وتمنيات  اللقاء  حد الاستعباد  والذوبان عند اقدام  الحبيب ، تفوز بموعد، تطير فرحا  وفخرا  ومباهاة  وسط حشد من الرفاق القرود فقد منحها  العظيم صك العظمة  ومن عليها يفيض من هيبته  وعظمته  وهاهي قاب قوسين او ادنى من عرش الاله  لا بل من ملامسة  الاله ذاته ، وبقدر ما يقترب اليوم الموعود ،تحف بها السعادة   وتنثر  في طريقها الزهور  وتغني لها الطيور ،انها الاجمل ، انها حبيبته الاله وحبيبته المختارة ...
تزف  روحها قبل جسدها للاله في يوم اللقاء ، عد طول ترقب  وانتظار  يصطحبها الاله رفقة غجريةمشعشعة  بمظاهر الابتذال  والغنج الرخيص ، مشبعة بعطر البداوة والشبق ، تدخل قصر الجواري المدجج بالشوارب الكثة والزيتوني الاشن ، طاولات تضج بالكؤوس الذهبية وقناني الويسكي مختلفة الماركات المتاهبة لمنح النشوة  للاله  ...
تفور  دهاليز انوثتها انهار الرغبة ، تزعق اهات الشبق المكبوت المدخرة  للاقتران بالإله في معبد العشق ، فهي البغي المقدس في زقورة الرب المعبود .
يوميء للغجرية ، يغيبان في دهاليز  القصر ، تتحرق شوقا وغيرة لايكبتها سوى انه الاله ولا مرد لرغبته وهو مالك الاسرار  وله الفعل والارادة والخيار  يقرب من يشاء ويبعد من يشاء .
يهشم على راسها امل اللقاء حين ينصرف دون ان يبادلها حتى نظرة وداع ناهيك  عن الاعتذار ، فالاله لايعتذر  وما على العبد الا التوسل بالمعبود .
يصرفها الزيتوني على امل الاتصال بها حين  يشاء الاله ..
تغسل وجهها ببصاق اهماله مرتدية قناع الامل بلقاء جديد  ، فالالهة لا تخلف وعودها ولابد ان يأتي اليوم الموعود .
تمسك بحبل الامل بالتعرف على الابن الاكبر للإله ، فيراودها عن نفسها  ، ترفع بوجهه ورقة الحصانة  الموقعة بقلم الاله ،  ولكي يثبت الابن انه اله ونصف  دبر لها   شياطين العرش  فراش الاغتصاب ممزقا  صك الحصانة  هازئا بتصابي الوالد كاسرا ومحطاماً   نهجه باحتكار  الجواري  لصالحه  وحده  وان  لا شريك له  في امتلاك البلاد والعباد ..
تخذلها  مظلات الهبوط بتدبير من شياطين  الاله الاصغر ...تسقط مرمية على ارصفة احد الشوارع ، تعود للوعي في المستشفى  متحسسة اللزوجة بين فخذيها ، يستشيط  الوالد الرفيق غضبا   يتوعد ويزبد ويرعد ، تصر هي على تسجيل الحادث  ضد مجهول  ، يبتلع الرفيق  الاب زبد غضبه  ووعيده بعد ان علم بالفعل والفاعل !!
تحاول صديقتها الاقرلاب والأعز  ((نورس))  ، الانسانة المثقفة الواثقة من نفسها الجريئة التي تحاول ((نحول)) ان تكون مثلها ، عسى ان تتمكن من نزع قشرة الزيف  والتباهي  والأبهة الفارغة التي  مرغها الذئب الصغير بالوحل ...
نجحت ((نورس)) من اعادتها الى الحياة من جديد   ورمي الماضي ورائها  وممارسة حياتها   بشكل طبيعي .
ولكن يد القهر السلطوي تغيب ((نورس)) في غياهب المجهول دون ان تعثر لها على اثر هي وعائلتها  ، في حين  يسائل  ازلام السلطة ((نحول)) حول طبيعتها علاقتها بنورس وإذا تعرف عنها .
بعد وعكة وقيء تخبرها الممرضة  في المستشفى بأنها حامل ... الذئب الصغير   الاله الابن نفخ من روحه وأنفاسه القذرة في رحمها  فأودعها  روحا ،  يسقط الخبر  على راسها سقوط الصاعقة على هشيم  اشواك جافة  فيشعل حريقا  مدمرا في ذاتها  المدحورة  فيغلي في دماغها  سؤال :-
((الان ماذا تفعلين ؟؟))
اما انا  سأحاول  ان اتخلص من سحر السرد الشعري لمهدي ازنين  لانتقل الى   فصل التحليل الموضوعي لإحداث الرواية وشخصية نحول  حيث اراد الكاتب ان يظهرانا شخصية المراهقة  المشبعة بثقافة  حب القائد ضمن محيطها العائلي والمدرسي والإعلامي المنافق ، فتقع فريسة لحب موهوم  يرضي تطلعها لتكون الاقرب  للقائد الاله .. كعشق الشاة للذئب ، وقد تجسد ذلك من خلال تصرف المعبود وتفضيله العاهرة الغجرية على العاشقة الولهانة  لأنها  توافق ذائقته المتدنية وبيته  الهابطة  معى جل احترامنا لإنسانية الغجر ، نرى انهم ايضا ضحية مجتمعات القهر والاستعباد والطبقية والتراتبية الاجتماعية المقيتة ..
ثم تقودها اوهامها الساذجة ومرضها  يعشق الاله  للتعلق بولده الذئب الصغير  كوسيط مرجو لايصالها لمعبودها  فيقوم هذا  بافتراسها ولم  يقم أي وزن لوالده المتصابي والذي يحاول ان يكون المفترس الوحيد الاوحد .
كما يظهر الروائي  واقع الدونية والنفاق  والقردنة لدى ((الرفاق)) من زمرة الزيتوني وخنوعهم لسيدهم ومعبودهم ، وأوهام بعضهم حول عدالته وإنسانيته وترفعه عند افتراس عبيده ومواليه  كما هوحال ((الرفيق)) والد ((نحول)) الذي كتم صوته  كأي ديوث حينما علم بالفاعل ...
توصيف وتعريف   بواقع الحال المؤلم في مجتمع   يقاد من قبل  حزب شمولي   لابل من قبل  شخص فرد تفرد  بالقرار  والتحكم بحياة الناس ومصائرهم  بأرزاقهم   وشرفهم وكرامتهم  ، كشف قناع الزيف والوهم  لقطعان من الاتباع  عشاق العبودية  والمذلمة.
لمح ولم يصرح الروائي للنهاية المأساوية لنحول  بالانتحار غرقا في نهر دجلة  للخلاص من  الفضيحة  وماتعرضت له من  القهر  والإذلال  نتيجة  اوهامها  وطموحها الزائف ، وهو درس بليغ لكل من يعلق  الامال بالسعادة والحرية والانعتاق  على يد الانظمة الشمولية  والطغاة   المتالهين .
لسنا بحاجة للتعريف بأسلوب   مهدي ازبين السردي المتميز بالاختزال والتكثيف  واللغة الرصينة والأسلوب السردي الرصين والحبكة المحكمة . فرواية  ((سلالم التيه)) اضافة  قيمة للسرد العراقي والعربي ، رغم انها ليست الاولى  من سلسلة ابداعات   الروائي  (( مهدي علي ازنين )).




14
طغيان الطبيعة و قمع الحكومات ،نفي الملائكة وقتل النوادر 
رواية(( خانة الشواذي))
للروائي
عبد الخالق الركابي


 

بقلم  :- حميد الحريـزي
 

خانة الشواذي :-

العنوان في الرواية  يشير الى مراتبية الواقع الاجتماعي العراقي ، خلال الحكم الملكي للعراق ، وتقسيم البشر الى مراتب وطبقات \ المراتب العليا من ذوي السلطة والجاه والثروة، وطبقة وسطى من الموظفين ولفيف الطبقة الأولى  والمصنعة من قبلها ، والطبقة الدنيا المنبوذة والموصوفة  بالدونية بحيث تعتبر دون مستوى البشر  ملحقة بخانة القرود أو ما يسمى بالشواذي .
كانت وسائط النقل  في العراق انذاك تقسم مقاعدها وكراسي الجلوس وفق منزلة الفرد ومرتبته ، فصدر السيارة ومقدمتها للطبقة الاولى  والطبقة الوسطى ، اما الاخيرة مخصصة للطبقة الدنيا وقد اطلق عليها ب ((خانة الشواذي))، وقد شهد جيلنا كراسي مصلحة  نقل الركاب الحكومية  في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ذات كراسي اسفنجية في المقدمة  الدرجة الاولى ، وكراسي خشبية للطبقات الادنى  ولكل منزلة او طبقة تسعيرة او اجرة محددة ، ومجلس الفرد حسب امكانية  دفعه بين طبقة الأوادم او طبقة الشواذي .
وما زالت  بعض رواسب هذه الثقافة موجودة حتى في حاضرنا الحالي فكراسي مقدمة السيارة الصالون   على الخصوص تكون ارفع منزلة واغلى اجرة من سواها او من كراسي   ومقاعد الخلفية ، والجالس في صدر المجلس  في المجالس والدواوين والدوائر هو الارقى والأرفع درجة ومرتبة  من المواقع الاخرى .
فخانة الشواذي  هي  المكان المخصص  لربط السجناء السياسيين المنفيين في  السيارة التي تجلبهم من الكوت الى  منفاهم في  بدرة .ومنها سيارة دك النجف ملكية بشير و ناظم ومن بعدهما ولديهما نادر وفيصل .
طبيعة الصراع في (خانة الشواذي)):-
تذكرنا رواية ((خانة الشواذي)) ، مكانيا وحكائيا  برواية مالم تمسسه النار للروائي عبد الخالق الركابي، كما تذكرنا برواية ((المبعدون))  للروائي المرحوم هشام توفيق الركابي  حيت تستعرض حياة السجناء السياسيين وبالخصوص من الشيوعيين وعموم اليساريين المبعدين الى ناحية  بدرة الحدودية النائية من مختلف سجون العراق المركزية ، بدرة في  الوسط والجنوب النائي  و قلعة راوندوز في  الشمال  الجبلي  القصي ، حيث يصعب على السجين تدبر أمره  عند محاولته الهرب من بدرة أو  راوندوز  أو من  نقرة السلمان ، لكونها مناطق معزولة ومحاطة اما بالمتاهات  الصحرواية أو الجبال والوديان المسكونة من قبل الضواري المفترسة  كالذئاب والضباع وغيرها.
 

تظهر الرواية  وبأسلوب ضمير الغائب للركابي القدير الشيق والرشيق طبيعة الحياة والبساطة والجمال في بدرة ،مدينة البساتين والسيول ، وارتباطها بالصراع السياسي والأجتماعي الدائر في العاصمة بغداد في ذلك الوقت .
مبتدئا بمأساة أم بشير التي اقتيد ولدها الى الخدمة العسكرية تحت أمرة العثمانيين الاتراك ، وبعد سنوات من الغيبة والمعاناة  تمكن من العودة الى  بلدته من العاصمة الأرمينية يرفان  مصطحبا معه زوجته الأرمنية  كرستينا التي  خلصها من استعباد الاتراك ضمن هلكوست الارمن  وما فعلته السلطات التركية بهم  وإبادتهم  بمجازر تضاهي ان لم  تفوق على هلكوست اليهود  من قبل النازية  الألمانية ، للركابي حسنة استذكار هذه المجزرة الوحشية المرتكبة بحق الأرمن  التي تناستها البشرية وأغفلها الضمير الانساني وكأنها لم تحدث رغم ان شواهدها وشهودها لا زالوا موجودين  ومنهم  الأرمن في العراق .ومنهم المنفية السياسية محور الرواية الشابة المناضلة ((ملاك عيسى )) التي مات  حبيبها المتظاهر ((يعقوب)) ضد معاهدة بور تسموث الاسترقاقية ، حيث قتل برصاص أجهزة السلطة القمعية وأودعت هي في  سجون السلطة  .
رافقت كرستينا زوجها بشير صحبة ولدهم الوحيد  نادر  هذا  النادر حقا  حيث الوسامة والعيون الزرقاء الجذابة كعيون والدته وأخواله بالتأكيد ، فجمع بين الملاحة العربية والفطنة العراقية والحسن الأرميني المدهش.
ناظم الفطن الذكي يحضى بإعجاب ورضى الضابط الانكليزي  لحدت ذكائه وفطنته وقدرته على الأبتكار في تشغيل وتصليح  أيّة أداة تتعرض للخراب أو العطل ، حيث تمكن من أعادة سيارة انكليزية ((قجمه)) الى الحياة  بعد أن  القيت في السكراب ، فأهداها الانكليزي له ملكا خاصا  باسمه تقديرا لجهده  وعبقريته  .
الحميمة  والطيبة العراقية وحالة التضامن بين ابناء الطبقة المسحوقة المقهورة  في العراق ، دفع  ناظم لأشراك بشير في العمل على السيارة للنقل بين  الكوت وبدرة حيث وجد بشير نفسه بلا عمل بعد عودته  من أرمينا  ،رغم صعوبة  قطعة المتاهة الصحراوية بين المدينتين ، والتي راح ضحيتها  ناظم عندما فقد خط سيره  فمات جوعا وعطشا واكلته النسور ، فتولى قيادتها  نادر وفيصل  الى ان حصل الخلاف بينهما بسبب انتماء فيصل الى قوات الأمن الحكومية  وتخصصه في جلب المنفيين السياسيين من الكوت الى بدرة مقيدا اياهم في مقاعد خانة الشواذي، في مشهد  لا انساني  يثير الاستنكار والشجب من قبل  نادر وبذلك تمكنت السلطة من كسر حالة التضامن الطبقي بين الصديقين الحميمين...
صعد الصراع بينهما جلب  الحسناء المناضلة  الأرمنية ((ملاك عيسى)) من الكوت الى بدرة مقيدة اليدين  في السيارة التي يقودها فيصل ، وحينما تصل بدرة يطلب منه امر المركز بأن يستضيفها في داره  لحين تأمين  بيت يخصها بمعزل عن المنفيين الرجال ،وقد حصل ذلك بالفعل ، مما اثار مشاعر الرغبة الذكورية بالحسناء الجذابة  من قبل   فيصل ، ولكن من أستحوذ على قلبها الوسيم نادر الذي تعرفها خلال زياراتها المتتالية  لبنت قوميتها كرستينا أم نادر ، حدث بينهما ود ولقاء  فعناق فاحتضان فممارسة مستجيبة للعواطف الشبابية الفوارة  حينما أحتك جسديهما ببعض في ((بيتونة))   دار نادر ، مما  نتج عنه حملا غير مرغوب لملاك ، فقررت الهرب من سجنها لإنقاذ نفسها  وجنينها وكسب حريتها بمرافقة وتخطيط  وتنفيذ  نادر ، مما  جعل فيصل تحت  طائلة المحاسبة ، فاستشاط غيضا وغضبا لان نادر سلب منه ملاك  كما وضعه  تحت طائلة القانون لأنها هربت من بيته ، فأقام الدنيا ولم يقعدها الا بعد أنْ تمكن من معرفة خبر القاء القبض على نادر  وسجنه في الكوت  بعد ملابسات هربه مع ملاك بمساعدة المهربين  وتعرضها للنزف بسبب طول وعورة الطريق بين بدرة  ومندلي مما سبب لها الاسقاط و الموت  في مستوصف مندلي .
قصده  فيصل مقررا القضاء عليه عندما أصطحبه من الكوت  الى بدرة بسيارته رفقة طاهر منذر الرجل المثقف والد طه ، وتعرضهم لسيل جارف مما أدى الى موت نادر غرقا وهو مقيد الى  الكرسي في ((خانة الشواذي)). وموت فيصل نتيجة لجرفه من قبل السيول وأصابته بطلق ناري من قبل طلال محاولا تخليص نادر وفك قيده ورفض   فيصل  للاستجابة  على الرغم من  غوص السيارة في مخاضة عميقة  .
تمكن  الشرطة المسعفين من انقاذ حياة  طلال في اللحظة الأخيرة  حيث  كان  معتليا سقف  السيارة، ولكنه يتعرض للاعتقال والتحقيق  بعد شفائه  ،بتهمة مقتل رجل الأمن ((فيصل))، فيودع في سجن بغداد المركزي ، ثم يقتل من قبل  قوات الشرطة  لقمع أحتجاج وتظاهر السجناء بتاريخ  18 \6\1953 وأرتكاب مجزرة  كبيرة بحق السجناء العزل  وتستر الحكومة على جريمتها  مما جعل مصيره مجهولا  حتى كشف عنه المحامي  نجيب رفعت الذي اصبح قاضيا  بعد حين وكشف  الأوراق السرية  لقوات الامن .
نجيب  رفعت نموذج للإنسان الذي ينتصر لإنسانيته ، ويساند قضايا المهمشين والمظلومين  ويدافع   عنهم في المحاكم دون مقابل ، وهو نموذج للانسان الذي يترفع على أنانيته الطبقية كرجل ثري ومن عائلة  ثرية ليصطف مع اخيه الانسان ، فان ظلم وقهر وقمع  وإذلال أي انسان على الكرة الأرضية يعتبر شرخا لكرامة الإنسان الحر اينما كان ان لم ينتصر لأخيه المظلوم  وكذلك كان المحامي  نجيب رفعت البغدادي العراقي الثري ، يذكرنا وأن لم ينتمي للشيوعية ،  انجلس الثري ابن الثري   رفيق   ماركس وانتصاره لقضية العمال والكادحين  على الرغم من كونه من الطبقة البرجوازية الثرية ، وكأنه الضد النوعي لحقارة ودونية الفقير المعدم ابن الكادحين فيصل الذي  تنكر لطبقته ووظف  نفسه لخدمة الطبقة الحاكمة المتسلطة .
كما يمتعنا الروائي بشخصية كاتب العرائض كرم أفندي شقيق زوجة  طلال منذر، فقد كان شخصية ظريفة خفيفة الظل ، تعيش  حياتها يوم  بيوم رغم كل الصعوبات الحياتية كان  اب لعدد  متزايد من الابناء الذي كانوا مرة ينامون متخمين  وأخرى جياع ، فكان  اكرم يؤمن بمقولة  ا نفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب .
كما توضح لنا الرواية دور المثقف الواعي  ((طلال منذر))  الذي كانت تأتيه الكتب والمجلات من مختلف البلدان العربية ، القاريء النهم وهو القائل (( القراءة يا أصدقائي من أعظم نعم الله على البشر فهي تزيد من سعة الأرض ، تجعل من يتعاطاها يعيش عوالم السحر والخيال )) رص 79 ، وكان  هذا رده على من يلومه من اصدقائه على اتلاف   نظره ووقته في القراءة بشكل  مستمر ، ناهيك عن كونه يحب الطرب  وعازف عود وصاحب صوت عذب  ومتمكن من تقليد اصوات العديد من المغنين والمطربين ...
كما ان الروائي يحبب القاريء ويعرفه  بمدينته بدرة الجميلة ، بدرة البساتين والكلال، فهي المدينة  التي تضاهي بجمالها  اجمل مدن العالم ومنها مدينة ((يرفان)) عاصمة ارمينا التي كانت محط اعجاب  بشير والد نادر حيث عاش فيها عدد من السنوات مع حبيبته كرستينا .
ان رواية ((خانة الشواذي)) بحبكتها الرصينة وسردها المتقن واسلوبها الرائع   زودتنا بدرس بليغ حول طبيعة الصراع الاجتماعي بين الظالم والمظلوم بين السلطات القمعية وبين  حملة الافكار الانسانية من اليساريين والشيوعيين  وأعداء الحرية الحكام ، فيطارد ويقتل الملاك ويسقط  جنين العلاقة خارج الشرعية السلطوية بين الملاك الواعي، وال((نادر)) الرافض للقبح والجريمة والمحب للحياة من الطبقة الفقيرة .
كما يؤشر لنا مدى القهر  الذي يلاحق القومية الأرمنية من كل السلطات القمعية سواء اكانت تركية أو عراقية ، كما حصل  لكرستينا وقومها وما حصل لملاك وفكرها وحبها وجنينها الذي يفترض ان يبشر بحياة اجمل وأفضل  باقتران الفكر والجمال  النادر بالملاك الواعي .

15
نداء من أجل ولادة تحالف وطني ديمقراطي لمناهضة المحاصصة والفساد والتبعية


من أجل دولة مدنية ديمقراطية ومن أجل عدالة اجتماعية - من أجل وطن حر مستقل
بعد مرور مايقارب الشهرين على اندلاع التظاهرات الشبابية الشعبية ضد قوى المحاصصة والفساد والتبعية ، وهي ولادة نوعية لتراكم كمي لانتفاضات شعبية سابقة منذ ان تولت الطبقة السياسية الفاسدة على سدة الحكم بالتخادم واشراف الولايات المتحدة الامريكية من خلال مجلس الحكم ورضى ومباركة حكومة الملالي في ايران .
ان ثورة تشرين هي ولادة وعي جديد للشعب العراقي بمختلف قومياته واديانه ومعتقداته .
من اهم اهدافها الخلاص من حكم المحاصصة العرقية الطائفية ومن القوى الفاسدة والجاهلة و التابعة لدول خارجية بشكل معلن ومستتر ، والسعي لقيام دولة المواطنة المدنية والعدالة الاجتماعية بعد طول معاناة .
أن هذه الثورة تضم كل الطبقات الاجتماعية المقهورة والمستغلة وكل الوطنيين الاحرار وكل القوميات والاديان والطوائف ومختلف التوجهات الفكرية والسياسية المؤمنة باهداف الثورة والتغيير ، وقد تجسدت خلال ساحات التظاهر اروع نماذج التكاتف والتضامن والمحبة بين المتظاهرين وكل جماهير الشعب من شباب وشيبة نساء ورجال .. انها اول ثورة شعبية حقيقية نابعة من ضمير العراقيين الاحرار ، وقد اثبت الثوار بطولة اسطورية في مقاومتهم لحكومة الفساد والمحاصصة العفنة .
نرى ان من الضروري جدا ليكون الحراك منتظما ان تحالف قوى الثورة بكل توجهاتها واطيافها ، وصياغة برنامجها على المستويات كافة الفكرية والسياسية والاقتصادية ... لتقود عملية التحول وصيانة الثورة من كل اندساس للقوى الانتهازية والوصولية من مختلف التوجهات .
من خلال هذا النداء الموجز نتمنى ان تتكاتف كل الجهود ليرى هذا الوليد الثوري من اجل انتصار الثورة بعيدا عن التسييد وفرض الزعامات والولاءات عبر عمل جماعي ينطلق من الحس الشعبي الجماهيري الثوري .
فكل عمل ثوري غير منظم غالبا مايتعرض للشرذمة والانتكاس والفشل ويعطي تضحيات ودماء غير مبررة احيانا .
المجد والخلود لشهداء ثورة تشرين
النصر المؤزر للثوار البواسل
الحرية والسلام والرفاه لشعبنا العراقي العظيم
السيادة التامة والكرامة لوطننا الحبيب
4- كانون الاول 2019

16


                        رواية 
          (( في قرى الجــــــــــــــــــــن))
                       للروائي
                  جعفر الخليلي

 
رواية الحلم بدولة الحرية والديمقراطية ، دولة العلم والعمل
بقلم:حميد الحريزي
 

رواية ((قرى الجن)) 
الصادرة بتاريخ 1948 في طبعتها الثانية من مطبعة الراعي في النجف، أي في نفس سنة صدور رواية ((الضايع)) في طبعتها الثانية أيضاً ((إذا كانت الرمزية طبعت الأدب العراقي المعاصر بوجه عام الى يومنا هذا، فمؤكد أنَّ هذا دليل واضح على نمط السياسة العراقية))جون توماس هامل – جعفر الخليلي والقصة العراقية  ص32.
رواية قرى الجن هي نموذج للرمزية في كتابة الرواية العراقية حيث قال الدكتور جميل سعيد ((خير مثال لهذا الأسلوب–الرمزية- هو "في قرى الجن" لجعفر الخليل الذي استعاد أجواء (ألف ليلة وليلة) و((العقل في محنته)) لذنون أيوب و(أفول وشروق) لخالد الدرة))
جون توماس هامل-جعفر الخليلي-ترجمة الاستاذ وديع غلسطين والدكتور صفاء الخلص ص176
وقد افتتح الخليلي روايته بمقدمة رائعة بإهدائها إلى مدينته مدينة النجف الأشرف، كونها تمثل روح الناس الطيبين المتنورين  الطامحين بالحرية والتحضر والتقدم لمدينتهم ولبلدهم عموماً  حيث يقول:-
((غالى المدينة الزاهرة التي كان لها الفضل في تنشئة حملة الأفكار الحرة.
إلى المدينة التي أخرجت عشرات الشعراء الذين دعوا للمحبة والرفاه والحرية، فكان لها في تاريخ الفضيلة سهم كبير..
إلى مدينة (النجف) القاحلة الجرداء أِلا من الحس والعطف، أهدي كتابي هذا كصدى لروح الطيبين من أبنائها الذين يسعون لخير المجموع ويحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم)) قرى الجن.
فمن خلال تحليل هذه المقدمة المختصرة للكاتب، يمكن أنْ يلمس المتلقي ما يصبو إليه الخليلي في التذكير بالتاريخ التنويري  لمدينة النجف، وطبعاً لا يقصد الأرض بل يقصد النجفيين من  رواد العلم والمعرفة ودعاة التنوير مقتدين بسيرة الإمام علي (عليه السلام)، كما أنَّه أشار إلى أهمية المدينة وأهلها كونها أغنت الأدب بالشعراء من ذوي الفكر الحر وهي إشارة ذات مغزى عميق.
كما أنَّه يؤشر إلى أنَّ الرأسمال الأكبر للمدينة هو حملها راية الحرية والتقدم لصالح المجموع، فهي لا تعدو أنْ تكون مدينة  جرداء قحلاء، فخرها أنَّها تحتضن ضريح الأمام علي، وهو القائل ((أحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها))، وهذه هي من أسمى وأنبل الصفات الإنسانية التي يصبو إليها الخليلي ومن رافقه.
الخليلي الطامح بالجديد والتجديد حيث ورد في تقريض لمجلة العرفان بحق الخليلي وبحق روايته ((في قرى الجن)):-
((..الأستاذ جعفر الخليلي صاحب الهاتف النجفية الجريدة المرافقة بمباحثها وسائر شؤونها من كتابنا المجيدين المجددين حتى إنَّه كاد يؤمن بقول المرحوم الزهاوي:-
سئمت كل قديم......عرفته في حيــــــــاتي
إن كان عندك شيء...... من الجديد فهات
وهذا الكتاب تكاد  تظنه من قصص ألف ليلة وليلة فتقرأه بلذة وهو يشبه الأساطير القديمة وإنْ كان جديداً بأسلوبه.. وفيه وصف لعالم الجن وهو أرقى بكثير من عالم الأنس، الذي يقرأَ الكتاب يحسب انَّه يقرأ أمراً واقعياً مع أنَّ المؤلف لا يعتقد بالصلة بيننا وبين عالم الجن.. والكتاب تحفة في بابه...)) قرى الجن ص8
وفي مختزل من تقريض مجلة الهلال لوصف رواية ((في قرى الجن)):-
((.. وفق إلى تصوير تلك الحكومة ((الخيالية)) تصويراً رائعاً حتى بات يخيل للقارئ أنَّه حقا وسط بلاد الجن وبين صفوف سكانها وهكذا تمكن الأستاذ الخليلي من تشخيص كثير من الأمراض الاجتماعية والأدواء المزمنة الفاشية بين الكثير بأسلوب قصصي شائق جذاب))قرى الجن ص8      .
وفي وصف رائع لقصيدة طويلة لشيخ الأدباء الجليل عبد الحسين الحلي:-
((شعوب حرة للجن....عاشت وهي في أنِ
وفازت بنظام....... فيه ما يمري وما يهني
نظام أغلق السجن...... فلا جان ولا مجني
فيا للفكر ما أبدع.......... ما يبني أب لأبنِ
وبالله ما أغرب........ وضع القبح والحسنِ
شعوب لا ترى سجينا ....وشعب هو في سجنِ))رق ص9
ومقالة للأستاذ عبد السلام حلمي:-
((لم يقتصر هذا الكتاب القيم إلى ما ألمحت إليه في هذه الإلمامة  على تناول بالبحث والدرس والاستقصاء أهم مسائل الحياة التي تشغل أفكار المصلحين وما يتعلق بالنظم التي تؤمن حرية الشعب ورفاءه وحقوق الأفراد والجماعات وكيف يجب أنْ تكون المصالح والمؤسسات الحكومية والأهداف الإنسانية التي لا جرم من استهدافها للوصول إلى حياة الاستقرار والرجاء ووجوب التساند والإخاء، ويتعدى ذلك مرفرفاً في آفاق أرحب إلى هذه الحروب والمجازر البشرية التي تنشب وتقع بين حين وآخر بسبب فساد النظم والأطماع...))رق ص12   
من يطالع قرى ((الجن)) يجدها مشروعاً إصلاحياً طموحاً كان يشغل عقول الكثير من العراقيين وخصوصاً الأدباء والمثقفين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، في ظل الحكم الملكي التابع لقوى الاستعمار البريطاني ونهب ثروات البلاد من قبل الشركات الاحتكارية البترولية، والواقع المزري للمجتمع العراقي آنذاك من حالة الفقر المدقع والبطالة والأمية وانتشار الأمراض وعدم نزاهة القضاء والتفاوت الطبقي الكبير بين طبقات الشعب هي الأثرياء من الإقطاعيين والبرجوازية الطفيلية التابعة ومن كبار المسؤولين من الوزراء والنواب ومن لف لفهم، مصادرة الحريات الفردية وقمع كل فعل أو قول ينتقد الحكم الملكي ويسعى للتغيير، وتاريخ العراق كان حافلاً بالأحداثِ الكبيرة من تظاهرات  واحتجاجات عارمة للجماهير العراقية وفي مقدمتها المثقفون والأدباء والكتاب من أبناء العراق سعياً إلى بناء دولة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والابتعاد عن الأحلاف  الاستعمارية آنذاك، الذي أراد الخليلي أنْ يترجم هذه الأهداف وهذه التطلعات عبر روايته الرائعة (في قرى الجن) التي  مزجت بين الواقعية والواقعية السحرية والغرائبية من خلال سرد متقن وعبارة رشيقة مدهشة، نرى إنَّ هذا الأسلوب من السرد إنما هو  ريادة متقدمة للخليلي في كتابة رواية الواقعية السحرية التي أمتاز بها سرد أواخر القرن العشرين على يد ماركيز وآخرين من الروائيين الكبار ومن حازوا على جائزة نوبل مكافأة لإبداعهم الروائي ولكننا نرى اللامبالاة والإهمال وعدم الاهتمام بمنتج الخليلي الإبداعي الرائع والسباق والمتحدي لأصعب الظروف  للدفاع عن حرية وكرامة وسيادة الأوطان والإنسان، نمجد المنتج الأجنبي وهو يستحق التمجيد بلا شك ولكننا نهمل نتاج أبناء وطننا وكما يقال ((مغني الحي لا يطرب))، ولا نكتفي بذلك وإنَّما  نحاول تكميم فم المبدع ونكسر قلمه ومحاولة قتله كما حدث للخليلي والكثير من أمثاله من دعاة الحرية والتقدم، حتى وصل الأمر بسلطات صدام إلى طرده وتسفيره والبراءة من الخليلي وعائلته ورميه إلى إيران؟!
ولا غرابة أن يبدع الخليلي هذه الرائعة وهو وريث ((ألف ليلة وليلة)) المنتج الأدبي الخالد في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية والذاكرة العالمية أيضا.
فالمنتج الإبداعي الروائي العراقي في مثل هذه الفترة دلالة على  تنسم روح الحرية والتحرر التي هبت على كل العالم بعد الانتصار الكبير على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وإعطاء الأمل للطبقة الوسطى العراقية بتجاوز ضعفها واسترداد أنفاسها من أجل تحقيق أحلامها وأحلام جماهير الأحرار والكادحين العراقيين بالحرية والتقدم والمساواة، وهنا تكمن أهمية إعادة الخليلي لطباعة روايتيه ((الضايع)) و ((في قرى الجن)) في 1948 عام المد الثوري في العراق، عام انتفاضة ووثبة كانون المجيدة ضد معاهدة بورتسموث وحلف بغداد الاستعماري.
وما أشبه اليوم بالبارحة في الواقع العراقي الراهن البائس حيث التبعية وتفشي الفساد والأمية والجهل والتفاوت الطبقي الكبير بين أفراد الشعب، وسرقة ثروات البلاد من قبل الحكام والطبقة السياسية الفاسدة، بالتخادم مع الشركات البترولية الاحتكارية  من مختلف الجنسيات والقوميات، ربما تجعل من الإنسان العراقي  يتحسر أسفاً إلى أيام الخليلي على الرغم من بؤسها!
حيث دفع العديد من الكتاب والمثقفين حياتهم ثمناً لأفكارهم  الحرة والمنحازة للجمال والعدل ونبذ التعصب والطائفية ومحاربة الفساد، فاغتيل ((قاسم عبد الأمير عجام)) و((كامل شياع))  و((الدكتور علاء مشذوب)) وغيرهم من المثقفين والروائيين  والشعراء، فـ ((جعفر نفسه أحد أساطين القصة في العراق، واخلد كتبه الذي لا يزال ينتظر مترجماً قديراً روايته قرى الجن)) هامل –ص72
من أجل أنْ تكون للقارئ صورة ولو مختزلة لرواية ((في قرى الجن)) نحاول أنْ نستعرضها من خلال السطور التالية:-
((زفاف الشيخ طاهر الساعي أبن الشيخ حسون الساعي يزف إلى ابنة عمه اليتيمة في هذه الليلة))رقص14.
يعرض الكاتب مراسيم الزواج بفرح غامر وحضور جمع كبير من الأقارب ووجهاء المدينة رجالاً ونساءً وشباباً، ولكن المفاجأة الكبيرة والمدهشة، هو الهجوم الغريب العجيب على دار العريس  والعروس بالحجارة ومن ثم خطف الشيخ طاهر دون أن يعثر له  أثر، ولا معرفة الخاطفين ولا أسباب الخطف، مما جعل الحزن والأسى والألم يهيمن على أهل الشيخ وعروسه ومعارفه، وحيرتهم في  واقع  ما حدث وأسبابه.
وبعد أنْ عجزوا عن الوصول إلى خبر الشيخ أضطروا للذهاب إلى المُنَّجِم ليكشف لهم مصير ولدهم، فأخبرهم المنجم أنَّه مخطوف من قبل جنية عشقته فأخذته من عروسه أبنة عمه، يطلب منهم المنجم أو ((الساحر)) إحضار عظم هدهد وأشياء أخرى   ليتمكنوا من معرفة مكان الابن ولقائه، ويجب فعل ممارسات وطقوس صعبة تتطلب من يقوم بها أنْ يكون ثابت الجنان شجاعاً   حتى يفوز بلقاء الشيخ إنْ تمكن من تجاوز كل العقبات وهو يرى العجيب والغريب والمخيف والمرهب فإنْ لم يكن قادراً على التحمل ربما يتعرض للخطر، وقد فشلت والدته في اجتياز الامتحان الصعب إذْ شاهدت الأهوال مما هو مرعب ومخيف مما لا يحتمل وتعرضت إلى صدمة نفسية وروحية كبيرة أفقدها توازنها العقلي والنفسي  فانسحبت  معلنة عجزها..
فقرر أنْ يقوم بتأدية هذه المراسيم صديقه الشيخ كريم الغرباوي الذي كان يظنها خرافات وخزعبلات لا تعقل، لكنه  شاهد  الحقائق  بعد أنْ صمدَ أمامَ الامتحانات الصعبة وفي ليلة الأربعين حضر ((مردان العفريت)) ليلبي طلبات الشيخ كريم الغرباوي وإحضار ((5)) ليرات ذهبية.
يرسل رسالة إلى الساعي ويعلقها في شباك الزعفران، فتأتيه رسالة جوابية من الساعي يخبره بمكان وجوده في عالم الجن  مع حبيبته الجنية واَّنه يعيش في سلام وهناء وفرح ويبلغه السلام لأهله.
وقد أوضح ألساعي لصديقه الغرباوي طبيعة دولة الجن  وحكومتها وطبيعة وحياة مملكة الجن، وقد وصف لصديقه عالم الجن، جماله، فرحه، أمانه، عدالته، وأرسل إلى صديقه القلنسوة المسحورة والقلم المسحور وسيلته لكتابة ما يريد من صديقه  ليرسلها في الحال لصديقه ومن ثم يأتيه الرد، وعند لباسه للقلنسوة لم يره أحد.
  كان المجلس الجني الأعلى هو المهيمن على السلطة في مملكة الجن.. حيث ألغى المجلس الاستعمار. تم أعطاء الحرية المطلقة لكل الشعوب الجنية اختيار نوع الحكم وانتخاب الحكومة))  ص64.
واضح هنا ما يرمي اليه الخليلي في طموح الشعوب للخلاص من الاستعمار في عالم البشرية وإعطاء الحرية التامة لشعوب الأرض لاختيار حكامهم، هذا الأمر يبدو مطلباً في العراق الملكي المنقوص السيادة تحت الهيمنة البريطانية، ومحاولة ربطه بحلف  استعماري خطير.
أرسل الساعي إلى صديقه الغرباوي نظارة جميلة من اختراع أحد نبغاء الجن التي أنْ وضعتها على عينيك تكشف ما يخفي  الشخص من المال سواء بين طيات ثيابه أو في باطن الصناديق أو تحت الأرض، مما مكن  الغرباوي من كشف زيف الكثير من المتسولين المحتالين وما يملكونه من ثروات ومكان إخفائها.
كما يعرض لنا التقدم الكبير في مجال الرعاية الصحية المتقدمة جداً واهتمام مملكة الجن بالوقاية الصحية من الإصابة بالأمراض كونها خير من العلاج، وهنا يقارن الروائي ما موجود في مملكة الجن الحلم والطموح والواقع المتردي على الأرض في مملكة  العراق.. ولا نظن إننا الآن أحسن حالا مما كان..
كذلك تميزت مملكة الجن بعدم وجود وزارة للخارجية ولا يحتاج الجن إلى جواز سفر للسفر والانتقال من مكان إلى آخر.. فلا حدود ولا قيود في عالم السلام والعدل والرفاه والحرية الواعية.
الحديث الممتع والطريف حول الدجاجة التي تجيد الغناء التي تبيض كل ساعة بيضة، والربط بين متعة الغناء ومتعة إنتاج الذهب، فالفن والجمال منتجان للثروة المادية والروحية..
كما إنَّ الكاتب يكشف الظلم والاستغلال للطبقة العاملة العراقية من خلال نظارته السحرية ومطالبته بضرورة أنصاف هذه الطبقة الكادحة أداة البناء والأعمار في كل العالم وهي دلالة وعي الخليلي بمكانة وأهمية ومظلومية الطبقة العاملة، وعلى مدى تأثره بالفكر الشيوعي الماركسي حيث كان للشيوعيين وجود وحضور قوي ومؤثر في النجف وعموم العراق وقت صدور الرواية كما ذكرنا ذلك سابقاً.
اهتمام الجن بالثقافة والأدب والفن فقد كانت لهم أغنية رائعة\ هي دعوة للعمل والنقاء والجمال والمتعة والمحبة والفرح وتعتبر هذه الأغنية بمثابة دستور مقدس يستظهره كل جني ويحاسب نفسه على ما أستطاع أن يفهم منه ويطبق مفهومه على حياته العملية فهي كالصلاة التي يرددها المسلمون في كل يوم ولكن الفرق أنّ المسلمين يرددون صلاتهم كما تفعل الببغاء والجن يتلون أنشودتهم وهم يعنون ما يتلون..))ص103.
 هنا إشارة جريئة وواعية تبصر المسلم أنْ يعي ويتمثل مضمون ومعنى صلاته والالتزام بما ترمي إليه هذه الفريضة الإلهية المقدسة.
الساعي يخبر صديقه الغرباوي من خلال رسالة مرسلة إليه من خلال التواصل عبر القلم الذهبي قائلا: ((إنني يا أخي لم أعد ذلك المتلهف المشتاق الوجل على أمي وأبي وأبنة عمي ولا أدري أهو بفضل هذه البيئة الفاضلة والمحيط الراقي أم بسب وسائل سحرية سحرتني بها زوجتي الجنية لأكون لها وحدها)) ص105.
واضح هنا مدى السعادة التي يعيشها الساعي في مملكة الجن  محققاً أحلام كل إنسان في مختلف جوانب الحياة بحيث تنسيه ألم فراق والديه وزوجته عروسه ابنة عمه.
يصاب الغرباوي بالجزع لاحتراق قصره المنيف الذي بناه له الجن وصار أعجوبة لأهل البلدة، ((وأّنَه كان يجزع لفقده النظارة جزعاً كبيراً فقد التهمتها النيران ضمن الأثاث والحاجات الأخرى))ص107.
 فيبعث للساعي رسالة يطلب فيها تزويده بنظارة وقلنسوة جديدة.
الساعي تبهره قرية الجن وحياة الفلاحين الجن في المملكة ((أحسن الأعمال عند الجن هو ما كان مبنياً على أساس الاستقامة والعدل والمروءة، سواء أكان ذلك في ميدان السوق أو الزواج أو الحب أو التربية والتعليم)) ص114.
 وأورد وصفاً لطبيعة التعليم وجمال شكل المدرسة في القرية.
يطلب الغرباوي من صديقه الساعي أنْ ينقله إلى مملكة الجن فلم يعد يطيق الحياة على الأرض قائلاً لصديقه ((إنّي راض بأنْ أكون حماراً ولا أكون أنساناً بهذا العيش وهذه الدنيا))  ص126.
فيودع أمه وقد حمله الجني إلى مملكة الجن بعد أنْ استطاع أنْ يحصل له الساعي على الموافقة للعيش في مملكة الجن.
ينبهر الغرباوي بما شاهده في مملكة الجن اللباس، الجمال، الزينة ومعالم الترف الكبير الذي يعيشه سكان مملكة الجن.
كلف بكتابة مقالات توضح حياة الناس على الأرض ممارساتهم  وأساليب تعاملهم وطبيعة حكمهم.. وقد عدّ مخالفاً في بعض مقالاته وخرق القوانين الجنية، فعوقب  بتحويله إلى نملة من قبل   مجلس قضاة الجن ليتعلم على طبيعة العمل الجمعي التضامني، ثم تم مسخه إلى كلب، غرقه في بحر الدبس، ومن ثم العودة إلى بيت الشيخ غفران..
يصف في مقالاته حالة الحزن والإدمان عليه في الدنيا حيث يصفه ببلاد الأحزان ((بلد الأحزان هذا هو البلد الذي يتعمد أيجاد كل وسائل الحزن والألم والشقاء لنفسه ليحزن ويشقى بمجرد أنْ يموت واحد منه))  ص150((حاحوحا يبو))
((قوما سلوتهم في عزائهم وتفريحهم في مصيبتهم، ولذتهم في شقائهم )) ص158.
((لقد سرت العادة من النساء إلى الرجال فلجأ قسم من هؤلاء إلى اللطم ولم يعد يأنس بغير أخبار الأموات وإقامة الأحزان وعقد المجالس))ص160
((أحزر أية مدينة غناؤها العويل ونشيدها النشيج وموسيقاها دق الصدور ومسارح روايتها وتسلياتها اللطم وأدبها كله أو جله رثاء)) ص160.
كم تبدو هذه التوصيفات جريئة في ذلك الزمان في أواسط القرن العشرين؟ ولا شك أنَّها الآن أكثر وأكبر خطورة وأنَّ مظاهر الأحزان تضاعفت أضعافاً مما عاشه الخليلي، فليته يستفيق الآن ويرى مظاهر شج الرؤوس حتى للأطفال، ولطم الصدور والخدود  وتطيين الملابس والسير على النار وغيرها من البدع الشعائرية  التي لا تمت للثورة الحسينية بأية صلة وووو..
بعد أنْ لمسوا هيمنة الحزن والألم على روحه ونفسيته قرروا ((علاجه يصيرونه بلبلا ًغريداً يصدح بالغناء مدة تكفي لتغيير طبيعته المحزنة الشبيهة بطبيعة البوم))ص165 التي ورثها من مملكة الأرض   
الاستهتار بالقوانين وتفشي الرشوة والفساد في مملكة الإنسان على الأرض:-
((صدقوني إنَّ المخالفة للقوانين العامة والاستهتار بالنواميس الاجتماعية والرشوة بجميع أنواعها وصورها قد بلغت يومها بتلك الزاوية من الدنيا مبلغاً لم يطق معها إنسان أنْ يبول بدون رشوة فكيف به إذا أراد أنْ يبيع وانْ يشتري وأنْ ينقل المتاع من جهة إلى أخرى وأن يبني ويؤسس إلى غير ذلك من مقتضيات الحياة)) ص168.
ليتك تشهد ما نحن عليه الآن أيها الخليلي فقد أحرزت حكومتنا  الدرجة الأولى بامتياز  في الفساد  بين حكومات العالم ؟!
يسهب في وصف حالة الوطني المغرور والمزيف، إهمال المواهب  والكفاءات، ناس هيمن عليهم الكسل امتلكوا السلة والمال وآخرين يكدحون ويجدون دون أن تقدر جهودهم وصفهم بدودة القز، الصحفي المزيف، الكاتب المتزلف، الموسيقار العالم الروحاني.. الخ . هذه صفات حكومة ملكية يتحسر بعضهم عليها  في زمننا الحاضر في ظل الحكومة الديمقراطية علامة الـ  USA
نظراً لكتمان الشهادة بالحق يمسخ الغرباوي إلى كلب لمدة عشرين يوماً، فيرى ما يرى في  حياته الكلبية، وما يلاقيه من الاستهزاء والاستخفاف من قبل الكلاب والقطط في دار أسياده من أهل الجن، ينظم بعد ذلك عرس بين ((بيوض)) الكلب الممسوخ والكلبة ((زه زه)) في احتفال كبير، فالحب والعشق محتفى به  حتى للحيوانات..
يطول الحديث حول رواية في قرى الجن، التي تمثل حلم الخليلي  ومن شاكله من أحرار ومتنوري ذلك الزمان للعيش الكريم ودولة المؤسسات الرصينة ووجود المؤسسات المحترمة من صحة وقضاء وتعليم وفنون والتوزيع العادل للثروة وإنصاف العاملين ونبذ المستغلين الكسالى.
هذه الأحلام التي ما زالت حلم العراقيين من أجل حياة أفضل وهم يعيشون واقعاً حياتياً ربما أسوأ مما كان عليه زمن الأربعينيات  الذي عاشه الخليلي، نتمنى على الجهات الأدبية والثقافية والفكرية الأهلية والحكومية أنْ تبادر إلى جمع وإعادة طباعة كل نتاجات جعفر الخليلي الأدبية والثقافية لما لها من أهمية كبرى  في حركة التنوير المطلوبة في عراق اليوم أكثر من أي وقت  مضى.
تختم الرواية بنهاية صادمة للقارئ الذي عاش أجواء وتفاصيل ومشاهد غريبة عجيبة وكأنها حقائق واقعة من خلال السرد المحكم والأسلوب الرائع في السرد ليخبرنا إنَّ كل ما رواه كان حلماً ليس إلا ((حانت هنا التفاتة من الجدة إلى حفيدها فالفته يغط في نوم عميق فأدركت أنَّ قصتها قد ذهبت أدراج الرياح وأنَّ الولد لم يع منها – إذا وعى – إلا قليلاً فمدت يدها إلى السراج فأخمدت أنفاسه وإلى اللحاف فسحبته وسلمت هي نفسها للنوم))     ص190.
نعم أيها المبدع الكبير والحالم الرائع فالولد لم يع حتى القليل من  قصة الجدة ولو أتيت اليوم لشاهدت الأسوأ فالجهل هو السائد والخرافة مهيمنة والرشوة والفساد تنخر كل مفاصل المؤسسات الحكومية والبطالة متفشية، المال والجاه ملك الأقلية الفاسدة  والقهر والإقصاء والتهميش نصيب الكفء النزيه النابه الفطن  الكادح المثابر.
وأنت أوضح مثال على الأبعاد والتهميش حيث حوربت من قبل المجتمع ومن قبل السلطات فأبعدت وأقصيت أنت وعائلتك  وأحلامك ومشاريعك لتموت في الغربة، نرى إنَّ  جعفر الخليلي  فكراً وثقافة وتطلعاً وطموحاً إنّما كان يمثل صوت أحرار العراق في تلك الفترة من الأدباء والكتاب والمثقفين ورجال الدين المتنورين ومن العمال والفلاحين وعموم الكادحين وصوت القوى السياسية الديمقراطية واليسارية النشطة والعاملة من أجل عراق حر وشعب مرفه سعيد وبناء دولة الرفاه والحرية دولة الإنسان المواطن الحر الكريم فقد كانت هذه الفترة حافلة بالأحداث  مميزة بحراك شعبي اجتماعي مميز متواصل وعنيف من أجل الخلاص.


17

السرد  الناطق ، التجريب  المنتج  والصورة المبهرة
قراءة في   رواية (( تفضل معنا  وو))* 
للروائي   
مهدي   زبين
بقلم :-  حميد الحريزي
 

وداعا  حكايات جدتي :-
الروائي مهدي  زبين  مهموم بتجديد اسلوب السرد ، يحاول ان يبتكر  اسلوبا سرديا مختلفا  عما كتبه  ليس  عن  بقية الروائيين  ولكن  ايضا   مخلفا  عن اساليبه السردية  السابقة ، اسلوبا  عابرا للتقليد ،  وكذلك في  طبيعة  الثيمة  المعتمدة في السرد   ليتجاوز المألوف ، لم يكن يعبث  او   يجرب  بعبثية او دون دراية  ولكني ارى انه كان موفقا  جدا في بث روحا  جديدة غي الرواية العراقية  لتكون بعيدة عن التكرار والاجترار .
 لايحتفظ  مهدي في رواياته  سوى ميزة واحدة،  او لايكرر في رواياته الا على ميزة واحدة   تميزه  عن سواه  الا وهي  ميزة بث الحياة والحركة وانسنة المفردة  فيتلقها القاريئ   كروح  منظورة  وليس  كحروف  مسطورة  ، انه  اسلوب (السرد الناطق)  كما   ارى (( تهمس خطواتي  عند مدخل القاعة ))  ص7،((عصافير الكلام)) ووو8،  وهو اسلوب    لايتمكن منه  الا   مالك خيال  باذخ  وثروة لغوية  ثرية ،  قادر على تخليق  روح  للعبارة والحرف ... كم اتمنى ان تصيبنا  عدوى  هذا الاسلوب السردي   لتحفل كتاباتنا   بالحياة  فنشهد  حروفنا  وعباراتنا   كائنات  ناطقة  تعيش في كوكب  عملنا القصصي والروائي .
هذه  الرواية  هي   توصيف   لحالات  واستعمالات  وصور  عبارة ((تفضل معنا ))  العبارة ذات الاستعمالات  المختلفة حسب المكان والزمان  والواقع المعاش  ،  وحسب  الفرد الناطق  بهذه العبارة ، فعلى الرغم من كونها   عبارة  تحمل قدرا من الاحترام والاحتشام  والتقدير والتوقير   للمخاطب   للداعي  وللمستدعى ...
ففي مجتمعنا   لها  دلالات مختلفة   منه  :- الدلالة على  المجهول الدال على الخوف والارهاب والترويع  حينما يكون  الداعي  رجل  امن  في بلد اللاقانون ، حينما  يتقضلك  معه من الشارع  او البيت  او محل العمل  دون ان  يكون لك  في في طرح اسئلة من انت ، لماذا  والى اين ؟؟  فالسؤال ممنوع   والعتب  مرفوع  في بلد  الخوف  والقهر والخنوع ..
1-     (( تفضل   معي))  كما حصل  مع  عامل الاخشاب  وصاحبه  واقتياده   (( تفضل معنا))  الى دائرة الامن  واتهامهم بسرقة سيارة الاخشاب  التي تعود   لصديق المسؤول  ، فلابد  من  القبض على فاعل  كائن  من يكون  ولايهم ان يكون  بريئاً  ولا علاقة له بالتهمة ، المهم ارضاء المسؤول واثبات الجدارة ، دون  أي  احساس بالذنب  او  تانيب الضمير  حتى وان ادت التهمة الملفقة  التي يجبر البريء الاتهام بها تحت التعذيب   الى الاعدام   حيث  سيكون راضيا  بالاعدام  كخلاص  من   شدة التعذيب  ...
المؤلم ايضا  هو موقف  الناس في مجتمع  الخوف والخنوع  هو تاييدهم  لفعل  السلطات القمعية والامنية   دون علم بمجريات الحدث  فالسلطة  هي الاعلم وهي   صاحبة الحق    المطلق  ولايمكن الاعتراض او التساؤول  ((  تتخاطف اصوات صبية ورجال تشفي بنا:"حيل بيهم" و "عاشت ايديكم"" منصورين ..( حيل بيهم ذوله الارهابيه، فروخ ... )) ص27-28
 فالروائيهنا يوجه  سهام النقد  واللوم اللاذع الى مثل هذه السلوكيات العدوانية  التي زرعتها سلطة الخوف  في نفوس  العامة من الناس.
اخيرا   يتم القبض  على السيارة المسروقة  والسارق  في احدى السيطرات ،  يطلق سراح المتهمين مع    عبارات التحذير وعدم الكلام عما حصل .!!!
2-    ((تفضل  معنا ))   للجنة الاتحادية    لماذا  تكتب  ومن تعني   ب((اكرهكم ))
3-    ((تفضل معنا))  الاستاذ  يريدك    المنظمة الحزبية ،   هنا  تظهر لنا  العبودية والخنوع    من قبل  ((الرفاق))  امام   مسؤولهم  المتغطرس (جبتوه ))  فياتي الحواب ((نعم رفيق  (شنو )) يعصي  على الحزب؟)  ص39 .
وبعد ذلك  يتحولون الى فئران مهانة  حينما يتصاغر مسؤولهم امام   ورقة   يبدو انها  ممهورة  بمهر  مسؤول كبير ،  يوجه اللوم   للرفاق  (( والله النوب اللي يتعرضله ميلوم الا نفسه ، يلله ولو منا ))!!
حتى انهه لم  يدقق في  الورقة    كونها منتهية  المفعول  واتت بطريق الصدفة   في يد((المتهم))   بمناكدت الحزب والثورة ، هذه  صورة   للشخصيات   الكارتونية المتنمرة على الناس والمتصاغرة  امام الاسياد ، صورة لذكاء وفطنة  الفرد  العراقي  وضحكه على ذقون قود السلطة  وزبانيتها .
4-   ((تفضل  معنا ))  لتلبية  حاجة مخرج سيمائي الى كومبارس   يردد كلمات  يلقنها له  وهو يسجل فلما سينمائيا في  المطار ، لايعلم ذلك الا بعد اخذ منه الخوف والرعب مأخذه   وهو يقاد للمجهول ، فيضحك على نفسه .
5-   (( تفضل معنا ))  ليفرغ   الطائرة من احمالها  من فراخ الدجاج  ،  فيخلس  قناني    مياه   علامة ((بيريه)) بنية   وخضراء اللون   متوهما انها     قناني بيرة ،  فيعطيه مضيف الطائرة   منا  مايشاء ، فيسكره  الخجل والوهم   وجهله   بان يكون الماء  بمثل هذه العلب  الجميلة  نظيرة علب البيرة في بلادنا .
6-   ((تفضل  معنا)) دعوة من الحبيبة لحضور امسية  جميلة ، يعيش   حلم  سعادة اللقاء  بالحبيبة ،   تتناوبه اللهفة  والشوق   و مشهد  المافجأة  للمحب   في قاعة الامسية   الفخمة ، يفتش  عنا  يتفرس  الوجوه  ، يمسح  بنظراته  المنصة   وكراسي الجلوس   فلا يجدها  ، يصاب   بالصدمة   حينما يعلم انها  قد فارقت الحياة  حينما يدله  بعضهم عن  لافتة النعي في مقدمة القاعة .
عبر ماتقدم فالرواية  تكاد  تكون مجموعة من  القصص القصيرة يربطها    رباط  واحد   فيلبسها  ثوب الرواية    الا وهو   عبارة ((تفضل معنا )) بمختلف  تجلياتها المؤلة المرعبة ، المدهشة ، الغير متوقعة  الساخرة من الذات  ومن الاخر   ، افرادا او سلطات ، قيما  وسلوكا  وممارسات ...
وقد حملت  هذه القصص   اجمل ميزة من ميزات القصة القصيرة  وملاحتها  الا وهي القفلة  او  الخاتمة الصادمة المدهشة .
مهدي  زبين لايمارس السرد الخيطي المتسلسل متنكرا لحكايا الاجداد والجدات و (سوالفهم) التي كانت تشدنا صغارا في ليالي الشتاء الجميلة  ونحن نتحلق حول  منقلة  الحطب  ونتعطر برائحة مسك الجدات   ورائحة  الشاي المهيل ،  يقطع الصور  ويعرض سلسلة  متناثرة الاجزاء لحياة انسانية معاشة ، لناس  فقراء   ، بسطاء ،   محايدين   حرمتهم سطوة سلطات  ظالمة  واعراف بالية وقهر  الفاقة والعوز من نعمة الامان  والاحساس   بقيمة الذات  وصيانة الكرامة .
فلو  اقتطعنا  احد هذه القصص  فستكون  مكتملة ولاتحتاج لاستكمال بنيتها السردية   وحبكتها الى استدعاء القصص الاخرى في الرواية .
انها   محاولة لعرض بانورامي   لصور وومارسات  وتجسيدات   وتمظهرات ال((تفضل معناو ..))  في  حياتنا   الاجتماعية  المعاشة ، يمكن للقاري ان يضيف المزيد من  من تمظهرات  ((تفضل معناو))  مثلا  ((تفضل معنا)) لتناول وجبة  طعام  في مطعم فاخر  ونحن نعاني من  الافلاس المزمن ، ولكن الداعي المتفضل يتسسلل  خارج المطعم ولايدفع  الحساب  ونقع  نحن في المصيدة ،   وتفضل معنا لحسناء تنتهي بكمين  فنكون فريسة  للضرب   والابتزاز ودفع  الغرامات ، وتفضل معنا  لتصريف وتبادل   بعرض مغري  لعملة باخرى    لنتبين بعد حين انها عملة مزيفة  وهناك الكثير   من المشاهد .
فتظهر لنا  حربنة  هذه ((تفضل معنا ))  وقدراتها الكبيرة على الايهام  ، فمرة  سوط جلاد ، ومرة افعى  قاتلة ،  او  حبيبا  مفقود  ،  او ثعلبا   ماكرا  ..
 الامر الرئيس الذي اكد عليه الروائي  ان  هذه  ((التفضل معنا ))  غلفتها  السلطات  بالخوف  وحرمة ورهبة السؤال  والتساؤول   وهي    صفة   وتوصيف الانظمة الديكتاتورية   في حياتنا اليومية .
(( "تفضل معنا" يالها من جملة أنيقة ، لكنها توحي باتجاهات متناقضة ، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية ، كأن احدا يدعوك الى وليمة \ نزهة، أو مناسبة عزيزة، أو تعني قصدا مغايرا ، يفسره سياق الموقف، أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها، وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد...))  ص21.

*طبع  واصدار فضاءات الفن   ط2 2019 .
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق  ببغداد(1349)لسنة 2019.


18

الرمز ودلالته في سرديات الروائي حميد الحريزي .
الروايات القصيرة جدا. أنموذجا
.
 


الناقد ظاهر حبيب الكلابي

 

...............
لماذا الرواية
القصيرة جدا فهل تعتبر الحاجة الى الرواية القصيرة جدا إستجابة لحاجات نفسية إبداعية تتوسط بين التكثيف المستغرق والعميق للقصة القصيرة والأطناب الممل للرواية الطويلة في الحكي والسرد والوصف بدلالات الزمان والمكان والحدث وارهاصات الشخصيات وتمردها وصراعها
من خلال تأثر الأجناس الأدبية بعدوى إرهاصات الثقافة الرقمية وتكنلوجيا المعلومات التي عودت المتلقي على تقديم الموجز المفيد والمعلومة الراكزة
وسط كم معلوماتي هادر فأضحى القاريء يعيش متلازمةالأنهاك المعلوماتي والأخباري اليومي. فجاءت الحاجة نحو استدعاء أجناس أدبية لتلبي تحقق متطلبات الأنفعال والتماهي والأدهاش من دون الأخلال بالشروط الموجبة لصنعة الأبداع الروأئي من حيث البناء الفني وحضور الحدث وعمق الشخصية ومركزيتها في السرد وقدرتها عبر السرد بالأخذ بتلابيب القاريء وتحقيق التفاعل العاطفي والوجداني المدهش فكانت الرواية القصيرة جدا لكونها تمنح السرد القدرة على الغور والتفسير على المستوى الرمزي والواقعي و لتوفرها على أمكانية فتح مغاليق السرد قراءة بين ثنايا الخطاب وخارجه قراءة جمالية عميقة لقدرتها من الأنفتاح السهل على دلالات الخطاب الرمزية والكشف عن مهيمنات جماليات السرد بالوصف الموجز والصور الساحرة لتحقيق قوة الأدهاش لذا جاء تطبيق الرمز في الروايا القصيرة للحريزي في هذه المجموعة الصادرة عام ٢٠١٩ مطبعة حوض الفرات النجف الأشرف.
عميقا وغائرا وتمثيله لم يكن عشوائيا فالرمز تجربة ابداعية جمالية تحتاج الى جهد سردي وفضاء فكري ضابط للعلاقة بين المنجز الأبداعي وتمثلات الرمز وتشظياته الجمالية والأنية الراكزة على مضمر يلمح الرمز نحوه بتمثلاته ليبعد السرد عن السطحية والمباشرة .فهناك علاقة ابداعية معقدة تقوم بصهر الروابط الأنفعالية بجذور تجليات الخطاب الغائرة في المنظور السردي وصراع الشخصية في محيطها المتخيل
قدم الروائي في هذه المجموعة أربع روايات قصيرة جدا وهي
المقايضة . والقداحة الحمراء.
وأرض الزعفران .والمجهول....
فقد وظف الروائي الحريزي الهم السياسي وعبر رموزه الشخصية والشيئية
ومن خلال متانة صياغة السرد بلغة سهلة قريبة لفضاءات القاريء النفسية والثقافية فالروايات الثلاث بعد اخراج رواية أرض الزعفران تلوح بالهم السياسي الواضح وصراع المظلوم في مواجهة واقع الزيف والفساد وقهر السلطة والحرمان من قبل السلطات الشمولية .
فجاء الرمز في رواية المقايضة برمزها التهكمي الفاضح عبر صورة الذيل في طوله وقصره ليفسر طبيعة الولاء المتغابي والساذج الممنوح بالمجان لصورة الطغيان والأستعباد .فالرمز يشكل إدانة واضحة لمرحلة الخواء والجدب في طبيعة الأستسلام والرضوخ لخطابات المستبد الشمولي . وفي رواية القداحة الحمراء القصيرة جدا يأتي الرمز محمولا من خلال هيمنة الصورة الرابطة القداحة الحمراء بتجليات اللون ودلالة مرجعياته الآيديولوجية وفعلية القدح والأشعال وعبر رمزية المناضل الكردي البسيط العاشق لوطنه وقضيته وخلاصه كاكا حسن الذي عاش اغترابين اغترابا على صعيده الشخصي بعيدا عن وطنه وأهله وقضيته واغترابا في ضياع الفكر والموقف الوجودي بعد فشل المواثيق السياسية مع الانظمة الشمولية فشل مشروع الجبهة الوطنية فقد جاء الوصف الفني مقتضبا للأمكنة يجنح نحو انضاج الوعي بالممارسات الخارجة عن الطابع الأنساني والأستغلال الطبقي فقد جاء فقدان ونهاية كاكا حسن رمزا واضحا لهيمنة القهر وغياب الآيديولوجيا التي تأخذ زمام المبادرة والخلاص وترك القداحة الحمراء الرمز المتمثل بصورة العلاقة مع الجذور والتاريخ والقضية القابلة للأنعاش والتفجير لمن يتمكن من فك شفراتها وطرائق توظيفها .لم يمنح السرد امكانية الغور العميق في نفسية كاكا حسن مع كونه الشخصية المحورية والأشكالية المضببة وغير المستقرة حتى يقذف بها السرد خارج لعبة الوجود لتكون رمزا عريضا للرفض وعتبة مجهولة للأغتراب والنفي السياسي لكونه شخصية لم تكن رمزية شكلية بل رمزية لها تشظياتها على الفعل الأنساني وعمقها الآيديولوجي الممزوج بالبساطة والحياة والأنتماء للقضية والوجدان فكانت شخصيات روايتي القداحة الحمراء والمجهول شخصيات تعاني الوحدة بشكل كوني مرعب لها مبرراتها الفلسفية وارتكازاتها الأجتماعية القاهرة
الروايات القصيرة جدا عند الحريزي تجمع محورين ومسلكين الواقعي والمتخيل بل صار الوهمي والمتخيل أعمق اشتغالا وتماهيا مع الوعي الشعبي رواية أرض الزعفران فقد تداخل الرمزي والوهمي في بنية واحدة عميقة مع تعدد الرؤى مع هيمنة الرؤية الآيديولوجية جاءت الروايات القصيرة الأخرى معبأة بالرمز السياسي وارتكاساته في التغييب والضياع فكانت هناك نصوص لها طابع الأنتماء والتاريخ وتوفر الروايات على شخصيات مثقفة . الأنتلجنسيا .
وحضور الصوت المتعدد أرض الزعفران القداحة الحمراء .
كان للمكان عند الحريزي أهميته ووظيفته السيكلوجية والسوسيولوجية هناك توافق لبعض الشخصيات مع الأمكنة وهناك تصادم لبعض الشخصيات مع الأمكنة القهرية كاكا حسن في الفهود الناصرية في القداحة الحمراء المجهول في غياهب المجهول .الفصاء الرمزي أضحى طاردا للفصاء الواقعي حتى في ارض الزعفران فيمكن فهم عمق المأساة وطبيعة الصراع عبر قراءة الأمكنة وتجاذباتها علائقيا ونفسيا وأجتماعيا.
ان سلطة الرمز ودلالته الأيحائية ترصد مع فهم علاقة الفضاء المكاني لكونه يعد جزءا من فضاء النص الروائي ومرجعياته الواقعية والذهنية والخيالية والتأثير فيها يظهر على الشخصيات والأشياء بقوة فالرمز المتعالق مع الفضاء المكاني المفتوح يمنح الرواية طابع العمق والأيجابية والتأثير فالتعمق في وعي الشخصيات يجعلنا نعثر على رموز ودلالات تتطلع نحو خلاصها الفردي ضوية والمجهول وكاكا حسن وادريس . فكان احساس الشخصيات بالخطر وتهديد المجهول دليلها نحو الفعل الأختياري نحو الخلاص والحرية بعد زحف العفن والجدب والخواء . كما جاءت رواية المجهول عبر رمزية بطلها المجهول الوحيد في غربة وطن تناوشته ذئاب اليوم بين محتل شرير ونفعي نهاب في لعبة سياسة يقرب فيها الماحل ويقصى المناضل الشريف بل قد يتهم هو الخائن حسب مقتضايات السياسة وفنون الأعلام فهو الألم الكبير الذي يكشف عنه السرد عبر حبكة عميقة ومؤثرة فيظهر السرد مدى الأغتراب العميق للمناضل السياسي وهو يعيش حالة انعدام الرؤية بسبب تضبب الفضاء وانعدام الباصرة وسط عالم تسوده الفوضى والخراب فكشف لنا السرد عن ادانة شاملة لكل رموز المرحلة السياسية والأجتماعية لأنها ساهمت بشكل أو آخر على القبول بمناخ يتماهى مع حالة الفوضى وإستلاب الهوية وكشفت عن خطاب سياسي مضمر يطعن بكافة التبريرات السياسية التي تداهن الفوضى على حساب الهوية والتحرر والوعي وفي رواية أرض الزعفران يجنح الروائي نحو الخيال الفنطازي ليؤسس حكاية تتماهى مع انزياحات الخيال الشعبي ليحاكي قصص الف ليلة وليلة ورحلات السندباد والشاطر حسن فالعنوان أرض الزعفران له طاقاته الروحية ومرجعياته الطقوسية الساكنة في تخوم الطلاسم والتعاويذ والتمائم والقوى الخفية هكذا شكل الروائي سرده وبناءه الفني عبر أنعكاسات شخصية ضوية الطافحة بالنور والضياء وسحرها الكوني عبر حكاية تتوسط بين الواقعي والمتخيل والحقيقة والوهم عبر استثمار المخيال الشعبي الأسطوري لبناء حبكة تتفجر بالخيال والدهشة بعدما تمكن الروائي من ازاحة الحواجز بين العوالم الواقعية والمتخيلة بهيمنة الخطاب بضمير المتكلم العليم الذي يشارك في صنع الحدث وتأويله ليمنح الأيقاع السردي حركة دائبة بهاجس التوقع والترقب القلق.

19
((عودة البلشون ))
شعرية باذخة، صورة مبهجة، عمق المضمون و قفلة مدهشة

 
                    للقاص
       عبد الكريم الساعدي

حميد الحريزي
القصة :-
هي عملية تظهير حدث أو ظاهرة أو حالة الإنسان أو حيوان أو نبات وحتى الجماد عبر اللغة بصيغتها الإبداعية الجذابة وليس بصيغة الحكي العادي البسيط، بمعنى هي ليست صورة فوتغرافية للحال والسلوك الظاهرة وإنما هي بالإضافة للتوصيف هي عملية استبطان وداخل الفاعل والمنفعل، انفعالاته، تهيؤاته، تساؤلاته، تحولاته.. وقد استنطق الأدباء حتى الجماد وأنسنة لتوصيف  مشاعره وانفعالاته في حدث ومكان معين.
ممكن أن يروي أكثر من شخص هذا الحدث أو هذه الظاهرة، يمكن أن يحكيها لك أحدهم دون أن يترك لديك كمستمع أو كقارئ أي صورة عن انفعالات وتبدلات من حيث الشكل والسلوك للفاعل وكذلك الشخصيات الثانوية المشاركة.. فتكون ردة فعلك باردة غير منفعلة وغير متفاعلة، وتترك في مخيلتك أية صورة عن الحالة.
في حين يرويها آخر يمتلك خيالاً وخزينًا لغويًا ومعرفيًا ثريًا  وقدرة على التوصيف والاستبطان والتصوير ويمتلك إحساسًا  جماليا رفيع المستوى، فيجعلك تتفاعل مع الحدث ومنشدًا للحكاية سواء كان الحدث بهيجًا سارًا، أو حزينًا، الفهم والتساؤل، القناعة  أو الشك القبول الفرح أو الرفض الغاضب. القاص يستغفلك كقارئ فيأخذك إلى تصور وتوقع لفعل أو نهاية تشاكس سياق السرد فتكون نهاية صادمة او مفاجئة لك كقارئ ومتلقي، فتضيف للقص مزيدًا من المتعة عبر استغفال محبب للنفس، إشراقة وومضة إبداعية وإعجاب في ذكاء وقدرة القاص على الايهام، وتمكنه من التلاعب الجميل بتصورتنا وانفعالاتنا، كمن يغمض عينيك ليضع بين يديك  هدية غير متوقعة.
القص فن جميل ممتع وسهل ممتنع لغير أهله، يتطلب من القاص أن يكون نابهًا حساسًا دقيق الملاحظة، واسع الخيال يميل للتكثيف والاختزال بعيدًا عن الثرثرة رشيقًا لا يحب الترهل والإسفاف.. وأن يمتلك حسًّا وإحساسًا جماليًا شعريًا في اختيار مفرداته اللغوية، ليشعر المفردة بالرضا إن لم يكن شعورها بالبهجة والفرح والامتلاء التام بمعناها وهي في سياق الجملة المصاغة من قبل القاص، يزفها  للقارئ راضية مرضية فتنقله إلى فضاء الجمال  والخيال المشبع بالمعنى والدلالة الخصبة.
القاص عبد الكريم الساعدي يسعدنا وهو يطلق أمام عيوننا ((بلشونه)) الجميل، وكل ريشة من ريشاته تشع جمالاً ودوال وبهجة، مغمسة بماء الورد وعطر السعد ونقاء وصفاء الحضور الطائر في فضاء المحبة والخيال الخصب.
الساعدي يدهشنا حقا في قدرته الابداعية كصائغ ماهر في صياغة وصناعة الجملة، يجملها بشذرات بالغة الجمال من جواهر الكلم المنعش للروح  والعقل.
((امرأة تضيء مفاتنها ظلمة الفراغ، ممهورة بالغنج))، ((عشب جسدها المتوهج بالإغواء))، ((تستقي من وجه الصباح دثارًا لخطواتها)). ((يرتدون البرد جلبابًا، فيرتسم الدمع سلامًا على خديها، تبتلع رضاب الترقب يلفحها سموم الجواب))، ((كان ينزف وردًا أحمر))، ((تتعثر بانطفاء بكارتها))، ((أحتسي قلقي، خدر الإهمال))، ((جبهتي تفترس شظاياها))، ((أسرج دمعي مثقلاً بالخوف))، ((يستيقظ الزقاق بعد منتصف الليل))، (( الليل يكشف غرائزه))، ((يمد ضفائر النعاس على ضفاف نهر فائر بالدهشة))، ((يفتح خزائن أفخاذ شهد))، ((تغازل عجلاً ضيع أسماله))، ((يطارده صدى النهيق، يلغم خطواته بدمع وجعه))، ((الشارع يمشي تحت أقدام الحفاة ))، ((الرصيف ينحني خجلاً))، ((فارشًا موائده في ظل مواكب الصمت))، ((خطواتها مهد من دمع))، ((أنسج لهاثي تحت دفء مئزرها))، ((تلقفته كثبان من النساء الشبقة))، ((تقرعه امرأة شقراء بنهديها الناطين))، ((ترتل جمالاً قديمًا))، ((عطر يشكو أنفاس الخداع))، ((أتوضأ بحروف قراءتي الخلدونية))، ((الأراجيح وحدها ظلت باكية، تهرق دمعها، تنشد ألواح حتى مطلع القيامة)).
الله الله ما أروع هذا العزف باذخ الجمال من حيث الصورة والدلالة، هنا نلمس ونحس وندهش والكاتب يؤنسن الحروف يجعلك كمتلقي تعيد قراءة الجملة أكثر من مرة لتمتع عينيك بصورة ولا أريد أن أعيد عرض هذه  الجملة التي أشعرتنا  بعطر أنفاسها كثبان من النساء، ترتل جمالاً، عطر يشكو، أتوضأ بحروف، مهد من دمع... الخ  سلسلة من نور  يسر الناظرين.
أمام هذا الجمال الباذخ ليس لقلمي إلا أن يرفع قبعته إجلالاً واحترامًا وإعجابًا بهذه القدرة الكبيرة على التعبير والتصوير، فالساعدي يموسق ويؤنسن المفردة شعور، المفردة إحساس، المفردة روح، المفردة ضوء.
أما الجانب الثاني في مجموعة عودة البلشون هو مضمون  قصص المجموعة التي سنعرض باختزال شديد لمضامين بعضها ولا نقول أهمها بما يناسب المقال وفسحة المجال، نتمنى عليكم  قراءة المجموعة والتمتع  بجمال قصصها:-
1-   ايقونة الدفء ص9-12
 ، أنسنة المعطف توصيف ((لمشاعره)) وهو  يرقب من يشتريه  وهو في محل بيع الألبسة، هو الأنيق الجميل باهظ الثمن، كيف يعرض مفاتنه ومواصفاته المغرية على المشتري، يتنقل من على اكتاف الزوج الخائن، تشوهه الخادمة بالمكوي فيتعرض للحرق، يكون من نصيب أول فقير يطرق الباب،  ومن ثم  يعرض للبيع في ((اللنكات))   يكون من حصة سكير حيث يعاني من الإهمال ومزيدًا من الوساخة والعفن، يمزقه الانفجار إلى قطع متناثرة، ترمى في  براميل القمامة لتكون غذاءً للقوارض.
إشارة إلى التحولات والتغييرات التي يتعرض لها كل شيء في الحياة وينتقل من الرفعة إلى الابتذال والإهمال  حد التلاشي، وربما يحدث العكس هذه هي الحياة، القصة تعرض لنا التراتبية الاجتماعية أهل ثراء كبير  رغم أنهم  مبتذلين أخلاقيًا، وفقراء يفتك بهم البرد والجوع،  وآخرين يعيشون على الهامش كما هو حال السكير الذي لا يسلم من جنون العنف والإرهاب فتمزقه شظايا الإرهاب دون أن يحفل به احد.
2-   توهم ص 13-15
حنين وشوق لحبيبة غائبة، بعد اللحاق بها  صدفة / يصدم  أنها امرأة ثانية هنا المفاجأة والصدمة.
3-دمع الأراجيح ص17.
-   أيهم أنت يا ولدي؟ من يدلني عليك؟
أم تفقد ولدها نتيجة العنف المجنون، لا يمكن أن يستدل عليه أحد بين عديد القتلى والمقطع أجسادهم والمشوهة رؤوسهم  والمحروقة معالمهم، مثل هؤلاء لا يمكن أن تستدل عليهم إلا أمهاتهم  من رائحة أجسادهم فهم قطعة من جسد الأم 
((الأراجيح وحدها ظلت باكية، تهرق دمعها تنشد النواح حتى مطلع القيامة.))
توصيف ولا أرع ولا أوجع منه لحالة القتل المجاني للأطفال للحياة.
5- احدهم يتوهم انه صار طيرًا ((كان الهور يمنح ضمد سحر الطلاسم والأساطير، يبشر بغيابه، بينما هو يلوذ بالصبر مذ أتى مملكة الوجع، يحلم أن يكون طيرًا فحسب بيد انه لا يدري أسكن جنوب الوجع، أم سكن الوجع حنوبه؟؟))
للخلاص من فقره وبؤسه ومعاناته بالمقارنة مع طيور الماء الحرة  الفرحة السابحة في الهور  والقادرة على الطيران والهجرة من قارة الى اخرى حينما لم تعد الحياة  تطاق في المكان، وحينما يأتي موسم الطيور في الشتاء ((عند امتزاج خضرة الطائر البراقة باللون الأخضر للقصب والبردي ينزلق في حلم تتكحل السماء باللازورد، عيناه تجوبان الفضاء المديد كطائر مهاجر، تعانقان نجم سهيل، يمد زمانه نحو سرب الطيور، يخلع ثوبه، يرتدي جبة حلمه، يزحف على بطنه، يتكور، ينبت له ريش ملون جميل، يستطيل أنفه، يصبح منقارا، أصابعه تتقلص، تلتصق بطيات جلدية، يصفق في الهواء بجناحيه...)) يستمر القاص بوصفه  الساحر لتصوير أحلام هذا القروي الحالم بالحرية والتمتع بالجمال  والسلام، يفاجئه صوت إنسان ينتفض من قبره،  يهرب ضمد فزعًا   وخوفًا((وبلمح البصر يختفي بين اكمات القصب والبردي بلا عودة، لا يدري، أصار طائرًا أم أصبح طائر الخضيري ضمدا؟
ينص مشبع بالخيال، بين الحلم والواقع، بين العجائبية والواقعية  المسحورة.
5- غزوة الحرمان ص 25
((امرأة تضيء مفاتنها ظلمة الفراغ، ممهورة بالغنج))
حلم الحرمان للتماهي مع صورة جدارية معلقة على جدران الامل، يهب بعيدًا في حلمه، يتصورها يتخيلها ((يهزك صهيل النهدين، ترجرج أردافها..))
يسكر في فضاء الخيال والمتعة وما يعود إلى وعيه حتى ((يرتخي جسدك، ويدك لما تزل معلقة بين فخذيك)) الحب المكبوت،  محاولة تعويض الحرمان بالإمعان بالخيال وتفريغ الرغبة  بارتعاشة وهمية.
6- عذراء شنكال  ص29
((تستقي من وجه الصباح دثارًا لأخواتها))، توصيف  دقيق  مشبع بالألم، لمعاناة الأسيرات من المسيحيات والأيزيديات من قبل ((داعش)) الإجرامي قتل الاحبة الازواج الاباء الاخوان، وساقوا الفتيات سبايا من قبل وحوش دولة الخرافة كما اسماه الروائي  عبد الرضا محمد صالح.
((لقد نحروا سعيدا عند منعطف جنوني، كان ينزف وردا احمر... ساقونا جواري لأسيادهم في ظل غرائزهم الوحشية))، تغتصب  تنتهك عذرية وبكارة الفتيات الأسيرات ((تتعثر بانطفاء بكارتها))، ولكنها تظل تحلم بالعفة والطهارة  رغم دنس الوحوش.
7-  التكوين ص35.
((الشكل يشهر عريه، احتس قلقي، خدر الاهمال، اتوهج بنبيذ شفتيها))
طين يسكن غرفة المنزل ((باذخ الهدوء والسكينة))، يعمل منها  تمثالاً، لصورة معلقة على الجدار،  بعد الانتهاء من العمل يظهر انه يصنع نفسه من الطين ((أدنو منه، أبتسم، ضوء الشمعة يعس ظلاً  واحداً:-
كنت أنا !
سرد مبهر ومفاجأة مدهشة.
وهكذا تستمر قصص المجموعة تنثر على القارئ زهور المتعة، وصور الحكمة والإدهاش، وعمق المعنى في ((صمت))، ((انتظار))، ((ثقب المرآة))، ((خريف المهرج))، ((عطب))، ((عودة البلشون))، ((رجل سيء الحظ))، ((عندما يرقص زوربا))، ((الرفيق ديون يسوس))، ((عزلة))، حنين النوارس))، ((ندم))، ((طقس عبثي))، ((آسف حدث سهوا))، وهو عنوان لأخر قصة تتحدث عن بعض الهفوات الخطيرة التي يقع فيها بعض أحبتنا الأطباء، حيث تختلط عليهم اوراق فيكون الشخص السليم مريضًا، والمريض سليمًا فبعد ثلاثة أشهر وهي الفترة الباقية من حياة الرجل الستيني حسب ما اخبره الطبيب ((يستيقظ على صراخ مخيف، يصدر من بيت جاره، يعلن  موت نبيل)) ونبيل هو الشخص الذي اخبره الطبيب بأنه سليم معافى، وحينما يستعلم من الطبيب  حول  الأمر  يخبره ((آسف جدا، حدث سهوا)) فـ ((يزم شفتيه بعصبية، يبصق في ورقة التحليل، يزيح كابوسًا مرعبًا  بابتسامة هازئة بما تبقى من سنين)) ص91.
نعم هكذا هو القص حيث المفردة الجميلة، الصورة المعبرة، الحبكة  الرصينة، الدلالة الغنية بالمعنى، القفلة المدهشة، يبدو لي الساعدي  يسبح بأريحية في بحر لغوي وثقافي زاخر بجواهر الكلم، جمل قصيرة، متلاحقة متحركة، رشيقة، للفعل الهيمنة في السرد، فعل المضارع  سيد الافعال.
إن موقد قلبه نار إبداع لا تخبو، نار إبداع هو يمتلك حطبها ويمتلك عيدان الثقاب اللازمة لإشعالها ولا يستعيرها من أحد وكما يقول رسول حمزاتوف ((يمكن للإنسان أن يطلب اعواد ثقاب من جاره كي يضرم النار في موقده، لكنه لا يمكن للانسان أن يطلب من اصدقائه أعوادا تضرم النار في القلب)) رسول حمزاتوف رواية بلدي- الفارابي ط3 2006 ص 83. تعريب عبد المعين الملوحي، يوسف حلاق.




20
رواية ((أرجحة الوسن ))
 

صرخة الجمال  بوجه القبح، عسى أن يستيقظ الضمير
                                للروائي
                      مهدي علي ازبين
تجديد في الأسلوب، عمق في المضمون، سحر في المفردة
حميد الحريزي    
الرواية فاتنة العصر، حاملة أسرار الروح، مشرعة الأبواب أمام كل جديد، بانوراما حياة الشعوب، دائمة الحركة متغيرة الشكل، شعارها لا ثابت إلا المتغير، السكون هو الموت، لا تطيق الأسوار حتى وإن كانت من الذهب.
أباحت هذه الفاتنة بسرها لبعض الرواة وعلمتهم أسماء السرد الحسنى كلها، وأمر إله الجمال بفنون الإبداع بالسجود لها فأجابت  طائعة إلا النقد فأبى واستكبر، متعهدًا أن يبقى مشاكسًا لها مغويها بأن تتذوق كل محرم وكل ممنوع وكل محظور، فكان التنافس والصراع  للوصول للأمثل والأكمل الذي لا تحده حدود.
يبدو لي أن الروائي (مهدي علي ازبين) واحد ممن اجتهد ليعلم ويتعلم أسماء السرد الحسنى وقد حصل على الكثير، فأبدع في كتابة الرواية محاولاً في كل  مرة أو في كل رواية أن يلبسها ثوبًا جديدًا من حيث الشكل واللون وخيوط النسج، على القارئ أن يمعن النظر وينشط الفكر والحواس ويفتح صناديق مخزوناته الثقافية  والأدبية كي يتمكن من القبض على مفتاح حصن الجمال والخيال  للرواية المتمنعة الغنج المتباهية بشعرية جملها وصورها باذخة الجمال والخيال، فكانت مثالاً للتجديد روايته (هياكل خط الزوال)،  ورواية (سلالم التيه)، والآن بين أيدينا (أرجحة الوسن) التي أرجحتني معها  كثيرًا حد الدوار، ولم تسقني بكأس متعتها إلا بعد جهد جهيد وإعادة القراءة لأكثر من مرة، فهي مجموعة من السلايدات والأفلام السينمائية القصيرة، عدد من القصص، أو الروايات القصيرة جدًا، لما يجري للمجتمع في الماضي القريب والحاضر، المفارقات، المغالطات، العذابات، السلوكيات بين الظاهر والمستتر، إنها لعبة فكرية إبداعية وهذا هو توصيف الرواية الرصينة كما وصفتها بحق الأديبة لطفية الدليمي ((تمتاز الرواية الرصينة بأنها لعبة ذهنية تخييلية في المقام الاول بصرف النظر عن تجنيسها النوعي وتقنياتها السردية)) لطفية – روبرت ايغلستون – الرواية المعاصرة – دار المدى ط1 ص 13.
  وقد توزع السرد على أكثر من (24) تتقاسمها الشخصيات  التالية:-
هادي، أنيسة ، صالح ، ضياء ، غسان.
فضلاً عن لوحة (مرزا، أنا، الزوج، الزوجة).
يعالج الروائي الظلم والتعسف والحيف الذي تعاني منه المرأة في المجتمع العراقي، سواء كان من المجتمع أو من الحكومات، في وقت تنهش فيه ذئاب السلطة من الأمن والاستخبارات العسكرية  جسد المرأة الزوجة التي توضع بين خيار الإفشاء بسر زوجها  المتخفي عن أزلام السلطة لأن رأسه مطلوب منها لكونه معارضًا  لها، وبين ترك أطفالها الصغار وضياعها إن هي قاومت وتنمرت على الذئاب بعد أن تنكر لها أهل الزوج وتركوها وحيدة مكشوفة الظهر لتعاني الأمرين، يطالب الإخوة والأخوات الزوج بغسل  (عار) هذه الزوجة/ الضحية لأنها اغتصبت من قبل عصابات السلطة مضحية بشرفها وعزتها من أجل خلاص زوجها وحماية  أطفالها...
"نحن هنا لتنفيذ الواجب، حتى يسلم زوجك نفسه، أو نلقي عليه القبض" ص51
"امتهنوا نفسي، يغيرون على مخدعي يصحبهم الليل، يعزفون ألحانهم على جسدي، حتى أدمنتهم – يا للمرارة ويا للقهر– يسكبون لي مختلف القناني يذيبون فيها (حبوبا)، وأنا أعب صاغرة ... يسقون طفلينا عصائر حينما يتعلقان بي، لا يصحون إلا في اليوم التالي، يتطوحان بعيون زائغة" ص50.
بأبلغ العبارات وأدقها توصيفًا- كما ذكرنا سابقًا فازبيِّن يؤنسن الكلمة- يوضح لنا الروائي مدى وحشية السلطة وتهتكها وساديتها، كما يجعلك تتشظى ألمًا لظلم الأسرة ومطالبها بقتل الضحية، وحجم الإذلال الذي يتعرض له ((العم)) وهو  يشهد امتهان الذئاب لجسد زوجة ابنه، ومرارة الأطفال وصراخهم وتعلقهم بوالدتهم فريسة  قطعان الليل.
كما أن الروائي ينقل لنا نموذجًا آخر من معاناة المرأة (العرافة) التي  تفقد زوجها وحبيبها في عبثيات السلطة، وظلم المجتمع  واضطرارها لامتهان طريق الرذيلة وبيع الجسد من أجل لقمة العيش، ولكنهم يريدون تنظيف المدينة من عهرها رغم أنهم وأبناءهم ينتهكون عفتها ويقايضون رغيف الخبز بمتعتهم الخسيسة، حتى وصل بها الأمر منح جسدها بالمجان لمن يريد فماتت منفرجة الساقين تحت طلاب اللذة.
إنها ازدواجية المجتمع وقبح أعرافه وتقاليده، جبن الأغلبية ممن يسلطون سياطهم على المقتول ويتذللون للقاتل، إنه وجع المرأة المزدوج وقهرها الذي لا ينتهي في ظل سلطات إجرامية ومجتمع  خانع متخلف.
وفي أكثر من لوحة صاخبة يكشف الروائي فساد السلطة وتهتكها  ومنها اتهام من كشف سرقة شرطة النجدة لإطارات سيارات المواطنين ليلا أثناء الواجب، وحينما يطاردهم من كشف جريمتهم  يتركون (جك) نجدتهم ويهربون، وفي الوقت الذي يعدّه هو دليل جريمة ضدهم يحولونه هم إلى دليل جرم ضده ويودع السجن  يهان ويذل ولا يطلق سراحه إلا بعد أن يجبر على التنازل عن الدعوى، والمفارقة الأكبر أن لا أحد من الجيران يزوره ويتفقده  ويواسيه عند خروجه من السجن برغم ما قام به من أجلهم والحرص على ممتلكاتهم.. إنه  يبصق بوجه هذا الخنوع وهذا التنكر للمضحين من أجل حماية كرامة وملكية الآخرين.
تعرية أساليب السلطة الديكتاتورية المنهارة في سوق الناس إلى ميادين الحرب ضمن ما يسمى بـ(الجيش الشعبي)، يهرب المطلوب ولكنه يضطر إلى  ارتداء ملابس الجيش الشعبي حفاظًا على كرامة عائلته.
 مهدي علي ازبين  في روايته (أرجحة الوسن) يقدم لنا شريطًا ملونًا من واقع حياة القهر، العهر، والمفارقة، وتجريف القيم في المجتمع العراقي، رواية بأسلوب سردي جديد خلاف التقليد الذي  يروي أحداثًا متتالية متسلسلة تحكي تبدلات وتطورات شخصية واحدة أو أكثر المسندة بشخصيات ثانوية ليكوّن لنا الراوي صورة وحدثًا وظاهرة أو ظواهر لها بداية ونهاية وبؤرة، هنا تبدو الشخصية الرئيسة هي الشعب العراقي وبالخصوص الطبقة الشعبية  الفقيرة المهمشة وهي تعاني من عسف وظلم السلطة الغاشمة  الفاسدة المتجبرة  ورموزها وأزلامها، يظهر لنا صور تشظي القيم الاجتماعية مثل (إنا انزلناه) وتهمة البريء دون حجة، واعتبار  النزاهة والصدق والأمانة أمرًا غريبًا (يريد ايصير نزيه)، ولمن  لا يقبل أن يأخذ ما لا يستحق من المال العام يكون موضعًا للهزء والسخرية (ايريد ايصير وطني)، اتهام البريء وتبرئة المتهم كما جرى للجار الذي كشف سرقات الشرطة لإطارات السيارات.
كما تضم الرواية العديد من المفارقات اليومية، لتضيف للرواية  نكهة من الخفة والمزحة والطرافة كمفارقة راكب الدراجة الذي لا يعرف إيقافها مدعيًا ما لا يعلم، صحوة المدهوس فاقد الوعي الذي تتركه الشرطة عرضة للموت لتنسب تهمة دهسه إلى من ينقذه، ولكنه يصحو من غيبوبته عندما يصدم رأسه بالسيارة.
من المفارقات المضحكة المبكية حينما يصلح الجار الكهرباء لـ(العرافة)، وهي  تمارس  الجنس مع  أحدهم فتلفظ  تأوهات اللذة  (أتت...أتتتتت) مع عودة التيار الكهربائي.
في الختام نقول إن مهمة الناقد الأدبي لمثل هذا النموذج من الروايات مهمة صعبة خصوصًا بعد أن أدمنا على قراءة وكتابة الرواية التقليدية التي أغلبها مطواعة غير متمنعة من حيث  المضمون والتأويل والتحليل، ولكننا نرى أنها مهمة ممتعة وليست مستحيلة، فمن يبحث عن لؤلؤة البحر يجب أن يمتلك القابلية  الجسدية والتجربة ، وعدة الغوص الرصينة، فالرواية هي لؤلؤة في بحر الثقافة والأدب في العصر الحديث وكما يقول روبرت ايغلستون ((إن المهمة الأولى لكل ناقد أدبي للرواية المعاصرة هي متابعة ومحاولة تفهم نمط (التفكير) الملتوي والحافل بالمسالك الالتفافية في الرواية المعاصرة)) روبرت الغستون– الرواية المعاصرة– ترجمة وتقديم لطفية الدليمي،ص215. دار المدى2017.
لا ندعي أننا أحطنا بكل جوانب الرواية من حيث الأسلوب، والمضمون، والشكل، فهناك الكثير مما يجب أن  يحظى بالدرس في هذه الرواية (الصغيرة) الرائعة.

21


صدور مجموعة ((مشاهدات مجنون في عصر العولمة)) الشعرية
للاديب
حميد الحريزي

 
    صدرت  عن  ((المطبعة العالمية )) في النجف مجموعتي الشعرية ((مشاهدات مجنون في عصر العولمة )) المكون من 160 ةصفحة وزيري ، وقد تضمن مقدمة بقلم الشاعر الكبير يحيى السماوي بعنوان ((النقمة المقدسة )) بالاضافة الى مقالات نقدية حول بعض نصوص المجموعة لعدد من النقاد والشعراء ، بالاضافة الى ((17)) نص شعري ...
تصميم الغلاف للمبدع القاص الزميل فلاح العيساوي
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق - بغداد ((1004)) لسنة 2019
نتمنى ان يروق لكم مع الود

حميد الحريزي

22
هياكل خـــــــــــــــــــــــط الزوال 
بين عمق الدلالة وفيض الجمال
              للروائي
مهدي علــــــــــــي ازبين




 

((إننا الروائيين سوف نكون أشباه الآلهة)) فرنسوا مورياك الروائي وشخوصه – ترجمة علا شطنان التميمي ص78. دار المأمون ط1.

بقلم :- حميد الحريــــــــــــــــزي
 

 قول في التصنيف والتعريف:-
هذه الرواية أو كما عرفها المؤلف بنص سردي، فمن المعروف أن كل رواية أو قصة هي نص سردي، ولكن ليس كل نص سردي رواية، لكن السؤال ماذا أراد المؤلف من وراء هذا التوصيف  لمؤلفه هذا ولغيره كما درج عليه مهدي علي ازبين، هل يريد أن يؤكد مقولة تداخل الأجناس الأدبية وذوبان أو ميوعة وتداخل الحدود فيما بينها؟؟
أو أن الكاتب أراد أن يترك للقارئ والناقد عملية التصنيف والتعريف بمنجزه الإبداعي دون أن يفرضه عليه أو يقيده   بحدود توصيفه كونه قصة أو رواية أو خاطرة... الخ
أرى أن التفسير الأخير لدلالة المؤلف وتعريفه لمنجزه، فهو لا شك نص إبداعي سردي يفيض بالجمال ومشبع بالدلالة وعمق المعنى والفرادة والتميز في اختيار الراوي العليم ((الكلب)) في الرواية العراقية، ولكن هل هو رواية ؟
((إن الرواية تعبير إنساني، وجد منذ القدم، واغتنى بإضافات عديدة من لدن مبدعين ينتمون إلى ثقافات وحضارات متباينة، من ثم يصعب القول بوجود شكل روائي فرنسي أو أمريكي أو روسي أو عربي، بل هناك شكل مفتوح، مستوعب لمختلف الإضافات، يتوفر على مكونات نصية وجمالية تتعدى ((الأصل)) الاثني أو الثقافي لأنها مكونات تعتمد السرد والتخييل والحبكة وتعدد اللغات والأصوات، وهي جميعها عناصر مشتركة في التراث الروائي الإنساني المتفاعل باستمرار)) ص49 الرواية العربية ورهان التجديد د. محمد برادة مايو 2011
تعريف جان غوستاف لوكليزيو للرواية ((تقوم الرواية على اللايقين والتساؤلات وإعادة النظر أنها نظرية من لا اكتمال الحياة. الرواية جنس تعبيري للحاضر، إنها وصف لحالة العالم والمجتمع والذات، وبهذا المعنى فهي تلائم تمامًا عصرنا الذي هو عصر شك وعدم تيقن من المستقبل)) ص40 الرواية العربية ورهان التجديد .                                               
((الرواية كلا ظاهرة متعددة في أساليبها متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها... الرواية تنوع كلامي ((وأحيانا لغوي، اجتماعي منظم فنيًا وتباين أصوات فردية)) ص9-11 الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 دمشق 1988.
فلو راجعنا مختلف تعريفات وتوصيفات الرواية التي اعتمدت من قبل كبار الروائيين والنقاد لوجدنا أن ((هياكل خط الزوال)) رواية بدون شك.
فهي بالأساس فن سردي يقص حكايات بصورة نثرية سواء من الواقع المعاش أو من بنات مخيلة المؤلف والذي غالبًا تمتد جذوره في أرض الواقع مهما كانت درجة عجائبيته وغرائبيته، ولكنه مشروط بعد استنساخ الواقع بل تخليقه وتصنيعه فنيًا وأدبيًا  فلا يكون سردًا تاريخيًا أو تسجيليًا...
كما أن الرواية هي عملية تذكر غالبًا ما يكون أحداثًا تروى إما بشكل متسلسل زمنيا أو متداخل ينتقل فيه الراوي من زمن إلى آخر قد يكون اللاحق سابقًا ومستهلاً للرواية أو يسير سيرًا تقليديًا متواترًا، كما أن الرواية تتطلب حضورًا للمكان والزمان أثناء عملية السرد وقد تكون شخصيات الرواية بشرية أو تروى على لسان الحيوان كما في روايتنا فالروائي العليم هنا ((كلب)).
وفق ما تقدم يحق لنا أن نصنف ونجنس ((هياكل خط الزوال)) برواية لأنها تمتلك كل مقومات الرواية وشروطها الأساسية.
العنوان ودلالته:-
عنوان الرواية أو عنوان أي نص أدبي هو من يملك المفتاح السحري لمغاليق العمل الروائي ومصباح إضاءة وإنارة لخبايا وزوايا ودلالات النص الأدبي والروائي على وجه الخصوص...
عنوان رواية ((هياكل خط الزوال)) في الحقيقية إجابة استباقية  على تساؤلات القارئ الناقد حول مكان وزمان الرواية، فخط الزوال هو خط التلاشي والذي تنطلق منه أو تستدل به كل خطوط العرض والطول  في الكرة الأرضية، ونقطة تقاطع خطوط العرض والطول هذه تحدد المكان المعين على الأرض، وحينما تكون الرواية هياكل خط الزوال فهي أحداث وصور وأساليب تمارس  على كل الأرض دون استثناء ولا تخص دولة بعينها أو أرضًا بعينها دون غيرها، هذا يشير لنا تاريخ البشرية وتاريخ الشعوب  ضمن مسيرتها الطويلة ولحين التاريخ، فهو تاريخ حروب وصراعات دموية هوجاء سواء أكانت داخلية بين الشعوب  وحكامها أو بين الطبقات الاجتماعية والأديان والطوائف في داخل البلد أو بين الشعوب وحكامها، أو كونها حروبًا خارجية بين  دولة وأخرى أو بين عدد من الدول كما في الحرب العالمية  الأولى والثانية .
فالكاتب هنا لم يذكر لنا مكان وزمان الرواية؛ وإن كانت تدل حيثياتها وإحداثها أنها حرب نظام مستبد وطاغية على أبناء شعبه   وربما يمكننا الاستنتاج أنها مستلة من أحداث إخماد الانتفاضة الشعبية الآذارية عام 1991 ضد نظام الديكتاتور بعد هزيمته في حرب الخليج .
الكلب والإنسان \ الكلب شخصية محورية في الرواية:-
تذكر بعض البحوث والدراسات في ما يخص علاقة الإنسان بالحيوان  فتشير إلى أن الإنسان روّض الكلب أو الكلب رافق وصادق الإنسان منذ 14000 إلى 150000 ألف سنة خلت، فهو من أقرب الحيوانات إليه، وقد تميز عن  العديد من الحيوانات  كونه تميز بالوفاء والإخلاص الأعمى  لسيده الإنسان ومصاحبته  في مختلف الظروف، ربما يشاركه في هذه الصفة الحمام الزاجل   حين يعتاد على مكان محدد، فنرى أن البقرة والحمار والفرس حينما تباع أو تساق إلى مالك جديد أو مكان جديد تتأقلم معه  وتتعايش مع سيدها الجديد ولكن الكلب يصعب تطويعه وجعله ينسى ويتناسى سيده وصاحب نعمته الأول لذلك كان له ذكر  واسع في التراث الأدبي والحكواتي وحتى الديني  للإنسان وليس  خافية علينا قصة أهل الكهف وخامسهم كلبهم.
كتبت العديد من الروايات والقصص العراقية والعربية والعالمية  على لسان الحيوان وخصوصا الكلب ونذكر بعضًا منها على سبيل المثال وليس الإحصاء :-
-   رواية ((حرب الكلب)) لإبراهيم صنع الله.
-   تحريات كلب – لفرانز كافكا .
-   رائحة الكلب-  للكاتب الجزائري جيلالي خلاص.
-   مذكرات كلب عراقي- للروائي العراقي عبد الهادي سعدون .
-   كلب آل باسكرفيل – آرثر كونان .
-   الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر - جنكيز ايتماتوف .
-   رواية حوار كلب – للروائي الاسباني ميغيل دي ثيربانتس سافيدرا.
-   الكلب السائب -  للكاتب الإيراني صادق هدايت .
-   موت كلب – قصة للكاتبة بثينة الناصري
-   ((كبرياء كلب وحنان كلب، وغيرة كلب، وبصمة كلب)) أربع قصص قصيرة للقاص والروائي حميد الحريزي .
هنا نريد أن نقول إن الكاتب مهدي علي ازبين الأول في كتابة رواية يكون فيها الراوي العليم الكلب ونؤكد كونه  أبرز من اجترح هذا الأسلوب من السرد الروائي  في العراق خصوصا حسب علمنا.

مراحل  حياة ((كلب)) ازبين  وتحولاته :-
لا يعطينا الكاتب صورة عن شكل ولون ومميزات كلبه   الراوي العليم، فهو لم يؤثثه؛ بل وصفه بجرو يتعرض للملاحقة والمطاردة بدفع من قبل السلطات للقضاء عليه وعلى أبناء جنسه كونه مخلوقًا فائضًا سائبًا فائضًا عن حاجة الإنسان في بلد الدكتاتور الذي أراد أن  يطوع الإنسان في بلده على العنف والكراهية وتمرينه على القتل دون  تساؤل ودون تردد  مبتدئًا بالحيوان المسالم البريء، ليعده نفسيًا وسايكلوجيًا وسلوكيًا لمهاجمة وقتل أبناء جلدته من البشر أيضًا دون تردد ودون تساؤل وإنما لإرضاء رغبة الحاكم والنظام القائم وهو ما حدث بعد ذلك ليكون ((الجرو)) شاهدًا على  قتل الإنسان وإذلاله واغتصابه  وليأخذ دور حاميه والمدافع عنه والمحافظ على وجوده وكرامته حيًّا أو ميتًا المهدورة من قبل أخيه الإنسان...
فكان الجرو المدافع ضد وجود سيدته ضد من فهم أن  خطيبها يريد سلبها منه وخطفها من عائلته فعاجله بعضّة  شرسة دامية في إليته حينما كان يتبختر ببدلة عرسه الجديدة...
ولكنه أحس بالجبن والعجز بالدفاع عن سيدته حينما تعرضت للاغتصاب من قبل العسكري حامل المدية الذي اقتحم الدار هو وزمرته واغتصب الابنة الكبرى وربما والدتها، مدعيًا بأن لا حول ولا قوة له بصدّ الجاني المغتصب بينما تصوب إلى جمجمته فوهة سلاح حارس المغتصب. فيردد مع نفسه متهمًا إياها بالتخاذل ((ألوم نفسي "متخاذل")) ص45.
وهنا إشارة بأن الحيوان الحامي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان في الدفاع عن حريته وصيانة كرامته، فماذا عساه أن يفعل حيوان لا يمتلك سوى أنيابه ومخالبه وسط خضوع  وخنوع كل سكان المدينة مغلقة الأبواب خوفًا وهروبًا من بطش العسكر الذي استباح المدينة...
ولكن هذا الجرو الذي أصبح كلبًا ناضجًا كفر عن ذنبه  ومهادنته وانهزاميته هذه في الاستبسال حد الموت في منع  الكلاب والذئاب والثعالب والقطط من تمزيق جسدي سيديه الأب وابنه الأوسط اللذين وجدهما مقتولين في الأرض الجرداء، وتمكن من صد هذه الحيوانات المتوحشة وتمكن من دفنهما والحفاظ عليهما حتى حضور الأم الزوجة والولد الأكبر والعثور على جثتيهما بدلالة الكلب الوفي الذي ربما فارق الحياة بعد ذلك في المكان نفسه.
نسبية الخير والشر، الإنسانية والتوحش:-
وفي الوقت الذي أشار فيه الروائي إلى نسبية نزعة الخير والشر نزعة الإنسانية والتوحش عند البشر كذلك هي موجودة في عالم الحيوان ومنها الكلاب...
فكما كان كلب العائلة متمثلاً بأرقى قيم الإنسانية من حيث الرحمة والإخلاص والوفاء التي تخلّى عنها الكثير من البشر، كذلك هناك كلاب وحيوانات شريرة ومفترسة  وشريرة، وقد تعرض أشرسها للهزيمة من قبل كلاب خيرة  تمكنت من إصابته بعدد من الجروح  وبتر ذيله الذي أصبح لعبة من قبل القطط!!
كذلك هناك تناظر لحالات الخيانة والدونية بين الأعداء في عالم الحيوان وعالم الإنسان حيث يكون الفرد وسيلة  للإيقاع بابن جلدته متعاونًا مع عدوه، كما هو حال الكلبة الخائنة المتواطئة مع الثعلب وتمكينه من افتراس دجاج القرية في الوقت الذي يجب أن  تكون هي الحامية لها  من شر الثعالب.
للتعبير عن موضوعيته في سرد الأحداث وتظهير السلوكيات ذكر لنا الكاتب سلوكيات متباينة من قبل حتى  عساكر النظام فربما يكون بعض منهم مغلوبًا على أمره  وغير قادر على العصيان والتمرد للانتصار للقيم الإنسانية وقيم الحرية والعدالة ولكنه يحاول إثبات إنسانيته متى توفرت له الفرصة الممكنة غير القاتلة، مثال ذلك الضابط العسكري فارع الطول وبالغ الهيبة الذي أخذ الطفل الجريح وتطبيبه في الطبابة العسكرية وإعادته إلى أمه سيدة المنزل  وهو طافح بالحنان والرقة والإنسانية، بالضد من العسكري حامل المدية وهي إشارة وتلميح ربما لقادة فدائي صدام  وجلاوزة عدي أو بعض أفراد الحرس الجمهوري الخاص الذي كان بالغ العنف والشر والذي اغتصب النساء في المنزل دون رحمة، وعجز الجندي المتعاطف مع الضحية  وكانت دموعه تسيل على خديه ألمًا وغضبًا لما جرى من عملية انتهاك واغتصاب لعفة وعذرية الفتاة الشابة في المنزل.
كذلك أشار لنا الروائي إلى وجود حالة من التضامن والمحبة  بين الناس بعضهم البعض رغم كل أساليب السلطات على قتل هذه الروح  ومحاولة تفكيك المجتمع وتجريف كل قيمه الايجابية النبيلة، كان هذا الموقف ممثلا من مجازفة ومغامرة الجارة على إيصال المرهم الشافي والضمادات  للبنت التي أصيبت بالحرق في قدمها جراء انسكاب الزيت المقلي عليه، متحدية الرصاص والخوف متسلقة الجدار البيني بين المنزليين تمتلكها روح التضامن والدعابة لتخفف  من الأم الجارة  رغم المخاطر ولعلعة الرصاص.
الحبكة الروائية  وأسلوب السرد :-
الرواية يمكن عدّها من الروايات المدورة حيث تبدأ من حيث تنتهي، كما الرواية تنحو منحًا غرائبيًا عجائبيًا حينما تجعل   كلبًا راويًا عليمًا وليس أحد الشخصيات الروائية كما في العديد من الروايات التي أشرنا إليها سابقًا، وتجعله  يصارع  الكثير من  الكلاب وغير الكلاب من الحيوانات المفترسة، بأشكال وهيئات مختلفة، ينطقها ويجعلها تحاور بعضها،  وتجري في دواخلها منولوغًا حواريًا داخليًا، وكأنه يقوم  بمتابعة  وتظهير مشاعر الكلاب وتصوراته واسترجاعاته في أوقات مختلفة محاولاً قدر الإمكان أن يكون مستترًا  خلف الكلب المأنسن بعد تكالب الإنسان المدجن من قبل السلطات ولم يحِد الروائي الكاتب عن هذه الحالة إلا في  مداخلته وتساؤله حول سلوك الكلب وقيامه بحماية الجثتين لسيديه الأب وابنه الأوسط ((ميتان منذ صباح الأمس، ملقيان على الأرض.. والعجيب هذا الكلب لا يفارقهما، يتنقل بين الرجل والفتى. هل يحرسهما؟؟)) ص59.
نرى أنه إيضاح فائض عن الحاجة أكيد القارئ سيصل إلى هذه النتيجة وهو يتابع معاناة الكلب وإصراره على حفظ جثتيهما وحمايتهما من الحيوانات كي لا تنهش جسديهما، وقيامه بعملية دفنهما وتوسد قبريهما إلى حين حضور  الزوجة والبنت والابن الأكبر، وكأنه يسلمهما الأمانة  وليسلم روحه معهما بعد أن تعرض لأذى كبير وجروح خطيرة  أثناء عراكه مع الكلاب والثعالب والقطط .
كان الكاتب فطنًا وذكيًا ومتابعًا لحركات وسكنات الكلب منذ دخوله لاجئًا إلى بيت الأسرة التي رعته وحتى هلاكه وهو يحرس الجثتين..
كما أنه كان دقيقًا في توصيف الضحايا  وهم  ناس مسالمين لم يحملوا السلاح ضد السلطة، فمثلا الأب طلب تزويده بعصا ليهشّ بها الكلاب الذي قد تعترض طريقه ولم يحمل   سلاحًا ناريًا ولا سلاحًا جارحًا، وهي إشارة إلى مدى وحشية النظام وقذارته واستهدافه للناس العزل من كل سلاح وهذا بالفعل ما حصل للكثيرين أثناء أحداث انتفاضة آذار  عام 1991.
رغم ذلك نرى أن هناك  صعوبة في  إقناع القارئ أن الكلب ذو حاسة الشم القوية جدا يقدم على شرب النفط متوهمًا   كونه ماءًا، وكذلك  صعوبة إقناع القارئ بأن الكلب قادر على الإمساك بقنينة الخمر ودلق محتوياتها في جوفه فيسكر، ناهيك أن شارب الخمر لا يمكن أن يرمي قنينة الخمر إلا بعد  إفراغها تمامًا.. لا نرى أن  للمؤلف حاجة في ذكر هذين المشهدين ولو من أجل تلطيف جو السرد  وإدخال نوع من الطرافة في الرواية المشحون بالألم  والمشاهد المؤلمة والحزينة، كنا نأمل أن يكتفي بطرافة عضّ الكلب لخطيب البنت، وبوصية الكلب الثري بأملاكه  للناس من موظفين من دون ذكر القاضي الذي جعل من الكلب  المذموم إنسانا مرحومًا طمعًا بحصوله على جزء من ثروته ((ألم يوصي المرحوم بشيء آخر)) ص62.
وتوصيف كلابنا للأجنبي محاولاً إقناعه بأن كلابنا أكثر ذكاءً من كلاب الغربيين، فهناك كلب  يقوم بدور الشرطة السرية، والكلب الوسخ الملطخ بدهن السيارات ((إنه يصلح السيارات))، والكلب الغاطس في بركة قذرة ((إنه كلب عاطفي وحساس لقد سمع للتو  بنبأ وفاة حبيبته)) ص68
و((هل أصبحت محلتكم كلها كلابًا)) ص69
من خلال سرد وعبارة رشيقة وجملة محكمة شدنا الروائي  إلى متابعة حركات أفراد العائلة من كونها عائلة سعيدة ومنسجمة وهانئة ومحبة للخير وللحيوان، إلى عائلة  مكلومة منكسرة فقدت الأب والابن الأوسط ، وعفة وشرف الأم والبنت الكبرى، ولكنه يبدو غير مقنع من الناحية المنطقية للأحداث وخطورة الوضع القائم أن يجعل الأم تقرر العودة ثانية إلى المدينة بدعوى تفقد الدار بعد أن تركتها مجبرة تحت تهديد السلاح وطلب العسكر إخلاء المدينة  بأسرع وقت، مما عرضهما لمهاجمة العسكر والتعرض للاغتصاب خصوصًا وأن الزوجة تعلن موقفها  حين تقول ((خسارة الأموال يمكن تعويضها، أما خسارة الإنسان لذاته فلا تعوض)) ص57  بمعنى أنها تفضل الحفاظ على النفس على المال كمبدأ حياتي لها فما الذي يدفعها للعودة للدار وتفقدها صبيحة اليوم الثاني رغم جسامة المخاطر؟ وكأنه لم يجد وسيلة لاغتصابهما إلا بعودتهما، في حين كان الأمر ممكن الحدوث قبل مجيئهما للواحة في المرة الأولى، كما أنه صنع هذه العودة ليبرر حالة عدم التقاء رب الأسرة وولده الأوسط للزوجة والبنت الكبرى ومن ثم البحث عنهما   ومقتلهما في الطريق صوب المدينة.
نرى هنا خلل في الحبكة ويمكن اختزال الحدث واعتماد الحدث الأول لتصنيع وهندسة مشهد الاغتصاب ومقتل الأب وولده..
نرى أن الروائي تطرف في عملية الاختزال والتكثيف  للمشاهد والصور التي يفترضها الحدث محملاً القارئ  عملية تصنيع المشهد المفترض كما في توصيفه لعملية الاغتصاب وما يفترض أن يرافقها من صراخ ومقاومة  وتمزيق ملابس الضحية ومصاحبة دماء النزف للضحية العذراء ضمن عملية الاغتصاب الوحشية من قبل العسكري  المتوحش.
كما أن الروائي لم يؤثث شخصيات الرواية فهي مجرد   تسميات أب وأم وطفل وبنت كبرى وولد أكبر والوسط   وخطيب، دون ذكر أي توصيفات لأشكالهم  وأطوالهم ولون  العيون والحركة المميزة لكل منهم، لترتسم في ذاكرة القارئ صورة للشخصية تعايشه بعد الانتهاء من قراءة  الرواية، كما فعل مثلا في توصيف ولو مختصر جدا  للضابط الملازم أول الذي احتضن الطفل وتطبيبه في الطبابة العسكرية كونه شابًا فارع الطول ذا كبرياء وشموخ، وقسماته التي تدل على الحزن وعدم الرضا عما يحدث. في حين لم يصف المجرم المغتصب بما  يتناسب مع شخصيته المتوحشة الشريرة.
كما أننا لم نستمع إلى الحوار الداخلي لأغلب هذه الشخصيات: البنت المغتصبة، والأم المكلومة، والأب الملهوف لرؤية ولقاء زوجته وابنته العزيزة وما اعتراهما في طريقهما للمدينة وتوصيف اللحظات الأخيرة لهما قبل  الموت قتلا برصاص العسكر، بل حصر هذه الحوارية   بالكلب فقط .
كذلك الحال بالنسبة للمكان فليس هناك توصيف للمكان:  البيت، الحي، الواحة، فهي ليست أكثر من دوال الحضور بدون أية سمات وأشكال ومواصفات، ربما يرتبط هذه برغبة الروائي عدم الإفصاح عن مكان وزمن الحدث  بالضبط  كما أسلفنا عند الحديث حول عنوان الرواية.
لا شك أن الروائي أدهشنا في سعة خياله واجتراحه لهذا الراوي العليم غير المسبوق في الرواية العراقية على الأقل، وكما يقول أحدهم ((لو اكتمل الشيء مات)) فليس هناك عمل روائي مكتمل .
رواية ((هياكل خط الزوال)) عمل سردي مميز  ومتفرد من حيث الثيمة وأسلوب السرد تحتسب للروائي المبدع مهدي علي ازبين .



23
هم  ناقصه وهم عــــــــــــــــــوره !!!

كنا قد توقعنا ودون الادعاء بالنباهة  المميزة  في مقالنا ((ما نرجه بالصفصاف يطلع تمر بيه))، ان حكومة المكلف سوف لن ترضي ابسط طموحات المواطن العراقي الطامح بالأمن والعيش الكريم ، فالمعطيات تدل دلالة واضحة ، الى هذه ألنتيجة فالمكلف لم يكن جديدا على ذاكرة المواطن العراقي ولم يزل مقعده في الحكومة والسلطة العراقية المحاصصاتية ساخنا ، كما ان قبة البرلمان شغلت  مقاعده بنواب لم ينتخبهم سوى اقلية من الشعب ألعراقي ورغم ذلك فأن النتائج كانت تفوح منها رائحة التزوير والتدوير والفساد وقد تمت عملية ترقيع شقوق وسد ثغرات فشلها  بعد ان استشعرت الطبقة الحاكمة ان كرسيها قد هزته تظاهرات وانتفاضات مدن العراق في المنطقة الوسطى والجنوبية، وكالعادة تمكنت بالتخادم مع ؟آخرين لهم سطوة على ألشارع وعن طريق دس بعض المخربين لإفساد التظاهرة ، فخمدت جذوتها ...
فتنفسوا الصعداء واغدقوا الوعود بالإصلاح والخطوات  الملاح ، بأنهم سيوفرون العمل والكهرباء ويزيلوا الاملاح  من مياه البصرة  عن طريق حكومتهم الموعودة ..
فكانت ليلة الاربعاء على الخميس، ليلة خيبت الآمال وبددت الاحلام ، فقد ظهر الفارس المكلف ، واهن القوى  وأسماء اغلب وزرائه لم تمر على بال ، بين شيخ هرم  وشاب قليل التجربة والعلم ، ناهيك عن كون شهادات اغلب الوزراء واختصاصاتهم لا تتناسب مهامهم الوزارية  ولا اختصاصات وزاراتهم ، وقد اصبح اسم وزير الثقافة المرشح لوزارة الثقافة شاهد يأس واستهزاء من قبل الاغلبية  لكون المرشح اسم  ليس له  أي باع   في مجال الثقافة والفكر والأدب  قياسا بقامات وأعلام  معروفة  في هذا المجال من مفكرين وأدباء وكتاب ...
كما دلت مشادات وحوارات قبة البرلمان على صراع عاصف بين مختلف القوى حتى من قبل من دفعوا بالرئيس المكلف ليتبنى المسؤولية .
وحينما  سالت الحكيم العريان حول  كابينة الوزارة  الناقصة  فأجابني  ضاحكا :-
عمي هاي موبس ناقصه  وإنما  ناقصه وعوره ...
وينطبق المثل  القائل (( المارضه بجزه*  رضه بجزه وخروف)) ، على من كان يتوهم  بالإصلاح والتغيير  واستبعاد المحاصصة  العرقية والطائفية ...
•   الجزه \ صوف الاغنام  بعد جزه  من جلدها ، فيكون بشكل  لفة صوف تدعى جزه .

حميد الحريزي.


24
   
(( العراق –السيادة المنتهكة- الثروة المنهوبة – الامن المفقود))

الكتاب الذي صدر حديثا  للبرفسور استاذ القانون الدولي ((حكمت شبر )) عن دار ((الزمان)) للطباعة النشر  ...
 وقد كان  لنا  فخر كتابة مقدمته  ادناه  نتمنى ان يحضى  باهتمامكم ...
المقدمة :-

:-   
جهد فكري  مميز وأدلة  قانونية  لا تدحض ...

(( إذا كان الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية فالعولمة اعلي مراحل الاستعمار )) حكمت شبر

الدكتور حكمت شبر علم من أعلام  القانون في العراق ، له العديد من المؤلفات  الهامة  ، وبذلك فهو  غني عن التعريف في  هذا المجال القانوني ....
كما ان الأستاذ الدكتور  حكمت شبر  شخصية وطنية عراقية  ذات تاريخ  نضالي مشرف ، كان ولازال  لا يخشى لومة لائم  في مقارعة  قوى الظلم  والقهر والاستبداد ،  منحاز   وفق  منهجه اليساري  الي الطبقات  الفقيرة المعدمة  من أبناء وطنه  بكافة قومياتهم  وانتمائهم  وأديانهم ، مدافع  صلب  عن الحرية  وقضية التقدم والسلام ، له حضور  في  ساحات  التظاهر والكفاح     في حقبة النظام الملكي التابع لقوى الاستعمار ، تعرض بسبب هذه المواقف   الصلبة  الغر مهادنة الي الكثير من  الأذى والملاحقة  والمضايقة  خلال العهد الملكي والجمهوري على حد السواء ، لا لشيء الا لكونه  رجل قانون ورجل  ثقافة  لا يتملق  الحاكم  ولا يجامل في قضية الحق  ثابت على مبادئه  وقيمه  المنحازة للإنسان  وحريته  ورفاهة، لم تغريه المناصب  ولم  تهزه المتاعب / همته لم تضعف وإصراره  لازال متوقدا  رغم  اجتيازه الثمانين  من العمر  من اجل نصرة الحق والعدل ومناصرة قضايا العدل والسلام لكل  بني  الإنسان  في العالم  كونه أنسانا  امميا  رغم  وطنيته المتأججة دوما ، فهو  صوتا وكلمة  مدوية بوجه قوى القهر والاستغلال والاستعمار العالمي وعدوانيتها  الوحشية ضد الشعوب ونهب ثرواتها  وكبت حرياتها ، مناضلا وطنيا  امميا صلبا  من  اجل حق  تقرير المصير  للشعوب واختيار  طريقها  في الحكم والحياة ....
الأستاذ حكمت شبر  أديبا وشاعرا  متميزا  له العديد من الإصدارات في مجال السرد  والشعر  في مختلف الأغراض الإنسانية  والحياتية ، وطنيا ، عاشقا ، مكافحا  منتصرا للحب والجمال  احب العراق وشعبه  بصدق، وكافح  ضد كل مظاهر وأشكال القبح والتخلف والكبت  والقمع ... احب بغداد  وتغزل  بها  ، احب  كردستان  وأحب مدينته النجف  وكتب لها ، انتصر للمرأة وحقها في العلم والعمل والمساواة  في كل  مجالات الحياة مع  أخيها الرجل ، عاش حياته كما يريد وليس كما  أريد له ، كسر قيد العادات والتقاليد البالية ناشرا أجنحته  في فضاء الحرية  الرحب ....
ونحن نقدم  لسفره الجديد الذي بين  أيدينا  حول سيادة وامن العراق وتعرضه للانتهاك من قبل  قوى الرأسمال المتوحش العالمي  بقيادة  الولايات المتحدة الأمريكية  وحلفائها  ومناصريها  في العالم ،  فه يدك بعلميته وغزارة معلوماته وتبحره في القانون  الولي يدك معاقل التوحش الدولي وأساطينه ويكشف  زيف  دعاوى قوى الاحتلال في نشر  الحرية  والديمقراطية  في العراق  ويمزق عصائب التضليل والتجهيل الذي يراد منها  إيهام الشعوب ومنها الشعب العراقي بان قوى الرأسمال العالمي في عصر العولمة الرأسمالية المتوحشة  إنما هي حاملة مشعل الحرية والسلام  وهو  القائل :-
(( إذا كان الاستعمار اعلي مراحل الرأسمالية فالعولمة اعلي مراحل الاستعمار )) ص44.
ونحن نقول :-  اذا كانت الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية فان  الإرهابية هي  اعلي مراحل  الامبريالية .  وان الامبريالية ألان  تمر بطور الإرهابية في كل العالم  عبر تدخلها العسكري  المسلح  المباشر في  غزو البلدان وقهرها ...
فالأستاذ الدكتور  يعرض لتاريخ العدوان والانتهاك لسيادة العراق  من قبل قوى  الاستعمار العالمي ومنذ معاهدة  1930 التي فرضها الاستعمار البريطاني على العراق  فارضا سيطرته الكاملة  على كافة  ارض  ومياه  وأجواء العراق عبر قواعده العسكرية وخصوصا في الحانية وغيرها من القواعد ، وقمعه لانقلاب  العداء الأربعة  في مايس 1941، ضد الوجود البريطاني وأذنابه...
يبحر الدكتور في  تاريخ تطر  مفهوم السيادة  في العالم وكيفية تحولها من سيادة ألمللك  المطلق الي كون الشعب هو مصدر السلطات كما يراها رموز الحرية كالفقيه الفرنسي ((بوا دون)) وجاك جان رسو  صاحب العقد الاجتماعي وكما يقول :-
((ان البحث في موضوع السيادة ليس أمرا هينا ، فقد دار ويدر حوله جدل شديد بين فقهاء القانون الدولي والسياسين في العلاقات الدولية ))  ص2
ومحاولة البرجوازية في عصر تدهورها  ونكوصها قد تخلت عن الكثير من شعاراتها أبان  نهوضها ومقاومتها للسلطات الملكية الاستبدادية  زمن صراعها مع قوى الإقطاع ونفوذ الكنيسة ومحاكم التفتيش ، وقد ركز الأستاذ على المفهوم السياسي للسيادة ، كما تطرق  الي مفهوم ومعنى السيادة في  الفكرالراسمالي وال فكر  الاشتراكي
ففي العالم  الاشتراكي  السيدة للطبقة العاملة  وحلفاؤها  وهم أغلبية  سكان البلد المعين  في حين   السيادة تمثل  الأقلية من  أصحاب  رؤوس  الأموال وحلفائهم  من  الطبقات المستغلة
ويرى ان  مظاهر السيادة  هي السيادة الخارجية بمعنى الاستقلال، والمساواة ، أما السيادة الداخلية فتعني  ان الدولة حرة التصرف في  شؤون  بلادها الداخلية ، إما السيادة الاقتصادية   فتعني((حرية الدولة في السيطرة على  مواردها وثرواتها القومية  وتوجيهها لصالح شعبها  بدن تدخل من قبل أية دولة أجنبية  او أية قوة خارجية سواء كانت شركات كبرى  او مؤسسات عولمية  تعمل لصالح الدول  الرأسمالية )) وهنا يركز بحق ان الاستقلال  السياسي لايمكن ان يكن كاملا الا في حالة الاستقلال والسيادة الاقتصادية للبلد على  موارده  وثرواته . كاشفا وبأرقام دقيقة  ما تعرضت له  شعوب  العالم الثالث من التعسف ولظلم وسرقة الثروات   وعبر  فرض ساسة المحصول  الواحد ، الموز فقط ، الكاكاو ، البترول  كما في العراق  مثلا ....كما  كشف  عن قرارا  الأمم المتحدة التي  تلزم البلدان  الغنية التي سرقت  ثروات  الشعوب  في زمن الاحتلال  والاستعمار  وهيمنة شركات الاحتكار الي  مد يد العون  المالي  والتقني والخبر العملية للنهوض  باقتصاديات  هذه  البلدان  وتنمية مجتمعاتها  لتحلق  بركب الحضارة والتقدم ، كما  اشر الايجابيات التي  فرضتها  العولمة ، ولكن  بالرغم من ذلك ففي الحصيلة النهائية تصب هذه الايجابيات في مصلحة دول العالم  الأول في عصر الرأسمال  المعولم  المتوحش ، متجاهلا كل  القرارات  والتوصيات  الأممية  بهذا الشأن ، كاشفا  الوجه الكالح  لصندوق  والبنك الدولي ودورهما  في امتصاص   ثروات  الشعوب   وإلقاء   العبء الأثقل  على كواهل  الفقراء والجماهير الكادحة في هذه البلدان  لصالح  الطبقات  البرجوازية الطفيلية وكيلة الرأسمال العالمي  في هذه  البلدان ..
تحدث   بشكل وافي  وشامل  عن مدى الارتباط مفهوم السادة  في العصر الراهن  وتطوراتها   ومفهمها النسبي الحاضر ، حيث إنها أصبحت  مفهوما نسبيا يوازن  بين  حرية وكرامة الإنسان  داخل  بلده  ومدى تمتع حكامه  أفرادا  وأنظمة ومؤسسات   بالاستقلالية  والسيادة  ، فلا سيادة  لدولة وحكومة  وحزب  وحاكم وفرد مع واقع  ظلم وقهر  وكبت حريات  الإنسان في داخل  البلد   او  الاعتداء على سيادة  وحريات  واستقلال  البلدان الأخرى ، ولكن رغم  وضوح  هذه القرارات  الأممية ولكن قوى  الرأسمال  العالمي والدائر في الفلك الأمريكي  تكيل  بمكايلين  في فهم  وتطبيق  هذه القرارات ، ففي الوقت تكون  حدية ومتزمتة بحق  من  يخرقها  ممن  لا يسيرون  في ركابها  فتشن عليهم  الحروب  وتحتل بلدانهم كما جرى في العراق  ولبيا ويجير في بلدان  اخرى ، في حين  تغمض عيونها  وتتغاضى عمن  يخرق  حقوق  الإنسان  ممن  والاها من بلدان العالم  كما ه الحال  بالنسبة لإسرائيل  والسعودية  وديكتاتوريات  استبدادية اخرى .
كما  تطرق  بالتفصيل الي العدوان  والاحتلال الفاضح للقوات التركية  وانتهاك سيادة العراق تحت أعذار وحجج واهية  لم  تصمد أمام  أية محاكمة عقلية  او  قانونية دولية  وقد  فند الدكتور هذه الحجج الزائفة  مطالبا  العالم  بموقف  صلب  لإجبار قوات الاحتلال  الاردوغاني التركي للانسحاب الفوري من العراق  وعدم التدخل في  شؤونه الداخلية .
ضمن  ذكر الحقائق  الدامغة والأدلة الواضحة  كشف  الأستاذ شبر  الوجه  القبيح  والإجرامي  لشركات  الارتزاق مما يسمى بشركات  الحماية الخاصة ومنها  شركة   بلاك  ووتر سيئة الصيت  وانتهاكها الفاضح  تحت أنظار السادة الكبار لسيادة  وامن وسلامة  العراق  شعب  وأرضا   ونشر الفوضى وعدم الاستقرار والاتجار بكل  المحرمات  الدولية دون  حساب  او رقيب  لأنها تتمتع  بالحصانة الأمريكية المفروضة على العراق  ضمن  المعاهدة الأمنية بين الحكومة العراقية والحكومة الأمريكية   والتي  تتيح  لقواتها  الأمنية  وشركاتها  الخاصة   بفعل أقذر الأفعال  دون حساب .
ويخلص  الدكتور في ختام  كتابه  القيم لا ان العراق كان  ولازال بلدا  منقوص السيادة والحرية ، منهوب  الثروة ، فاقدا للأمن سواء من قبل حكامه ((الوطنين )) اللذين نصبهم او ساعد على تنصيبهم  على سدة الحكم  في العراق الرأسمال البريطاني والأمريكي  في عهد  الديكتاتوريات الفردية ا الجماعية،  وفتح  حدود العراق على مختلف قوى الإرهاب المحلي والعالمي  وشركاته  الارتزاقية  وهيمنة البنك الدولي ،  واتفاقيته الأمنية  الأمريكية ، كما  ان أصابعها  ليست  بعيدة  عن تخليق وتصنيع  القاعدة وداعش  وأخواتها  في العراق وغير العراق ...
أخيرا  في الوقت الذي نثمن  فيه  هذا  الجهد  الكبير المبذول من قبل  الأستاذ الدكتور حكمت  شبر في   انجاز هذا  الكتاب وما سبقه  من  مؤلفات  قيمة ، نتمنى  لكل عراقي الاطلاع  على  هذا  الكتاب  القيم  الكاشف  عن  الحقائق  بكل  أمانة وصدق ووطنية وحب  للعراق  وشعب العراق .

حميد الحريزي – العراق


25
يخوطون  بصف الاستكان!!!!

من   يحد  من آفة الطلاق  في  المجتمع العراقي؟؟؟

في  برنامج  تحت خطين   الذي يقدمه  الإعلامي   كريم  حمادي   عبر فضائية  العراقية  ،  حول  ظاهرة  لارتفاع  حالات  الطلاق  في العراق  وخصوص ابعد   عام2003 ، شارك فيه الإعلامي  الدكتور كاظم  المقدادي ، والقاضي  عبدالستار  البيرقدار ، والنائبة   شروق  العبايجي    وخبيرة اجتماعية  ليلة 15-6-2017 ولكنهم للأسف   كانوا   لا يلامسون كبد الحقيقية  متناسين  دور  الأحكام القضائية   ضد  الزوج  طالب   الطلاق  والذي    بيده   العصمة   حسب  الشرع  والقانون ،   وكذلك دور  المرجعيات الدينية وتهاونها عبر  مقولة(( الطلاق  ابغض  الحلال))  ،  والعرف  العشائري   المستهين  بالمرأة  وحقوقها رغم  تعنتهم  في محاسبتها  لو  أخطأت  ،  وبذلك مع احترامي  لمقدم البرنامج  وضيوفه   لكنهم    كانوا  جميعا ((  يخوطون  بصف  الاستكان ))   كما  يطلق  على من   لا  يضع  الحلول  العملية  للمشكلة والظاهرة  ،  خصوصا  وإنها   ظاهرة تشبه   دودة  العث  التي   بدأت  تنخر  بنية المجتمع  وتزيد  من  مشاكله   ومشاكل  أجياله   القادمة    ...
وبودي  ان  أضع    أمام كل  مهتم بهذا الأمر   الآراء والملاحظات  ومقترحات  الحلول  لهذه  الظاهرة   وخصوصا    ظاهرة  الطلاق  التعسفي   وقد  سبق   لي   أن  نشرت   هذه   الملاحظات   في  العديد  من  وسائل  الإعلام   ولكن    للأسف  ليس هناك  من  يسمع    وكما  يقال   ((0 لا تشكو جرحا  أنت  صاحبه  فلا  يؤلم  الجرح    الا من به  الألم ))،  وكنت    آمل  ان  تكون  السيدات الحاضرات ت  بمستوى   هذا  الهم  الكبير   لبنات  جنسهن   وما يعنينه  من  ظلم  وقهر  وتعسف  بحق  المرأة  العراقية   ولكن   للأسف   كن   بعيدات   عن هذا  الشعور .
كما  اعل ناسفي  عدم  إجابة  السيد  البيرقدار  على  مقترح  احد  المشاركين   بضرورة  معالجة   ومنع انتشار ظاهرة  (( المؤذون  الشرعي))   خارج  المحكمة   والتي  تعتبر   من  العوامل  المشجعة والمساعدة  على تفاقم  وتضخم  ظاهرة الطلاق 
                       
    من يوقف  جرائم الطلاق بشكل عام والطلاق  التعسفي  بشكل  خاص  ؟؟
من خلال متابعتنا  للصحف  ووسائل الإعلام  ومن خلال معايشتنا  لما يجري في  المجتمع  العراقي ،  ذهلنا حقا  من  الأرقام الإحصائية  المهولة  حول عدد حالات  الطلاق في  العراق  فمثلا   نقرأ  على شاشة الشرقية  خبر يقول ((  ارتفاع  حالات الطلاق في النجف  حيث  بلغة (( 9))  آلاف حالة طلاق  من  أصل  ((11))  الف  حالة زواج ))،  وقد تحدث  كاتبان  صحفيان  في مقالتين  متواليتين في جريدة الزمان  حول  استفحال  هذه  الظاهرة الخطيرة  التي  أخذت تهدد  بحدوث  كارثة اجتماعية  من  الصعوبة التبوء بآثارها  الخطيرة  على النسيج  الاجتماعي  العراقي مقالة ((الطلاق في العراق صدمة اجتماعية)) – بقلم نهاد الحديثي بتاريخ 18-2-2017،  ومقالة  ((كلام  أبناء المطلقات)) بقلم  الأستاذ فيصل العايش  بتاريخ16-2-2017،  ومن الملاحظ ان  اغلب   حالات الطلاق   تكون  من قبل  الشباب   من أشباه الرجال  اللذين  يتهربون  من مسؤولياتهم  في   رعاية   عائلة والقيام  بواجباتها  الحياتية ، خصوصا  وان  اغلبهم  يعتمد  في معيشته  وتدبير  أموره  اليومية على والديه ، وخصوصا  الأم ، فما ان  تنفر امه  أو أخته  زوجته   حتى  ينقاد الي قرارها  بالطلاق  هذا  الباب  الخطير  للخراب الاجتماعي   الذي   وجده  مفتوحا  من قبل :-
أولا : الدين   حيث  اكتفى  وحسب  الفهم   العام   للمسلم  بمقولة  (( ابغض  الحلال  عند الله الطلاق))، بمعنى أجاز  الطلاق   والطلاق  هو بيد الرجل   صاحب العصمة ،  وفي الآونة الأخيرة  نرى  إعدادا من  العمائم المرتزقة تفترش أرصفة المحاكم باسم (( المأذون الشرعي))  لتسهيل  عملية الزواج  والطلاق   لمن يرغب  دون  أية  إجراءات  احترازية  وتنويرية  لمن يقوم بهذا الإجراء  المهم  ان  يتقاضى المأذون  أجرة   ورقته  الماذونه !!!
ثانيا:- الدور السلبي  للأعراف العشائرية  عند  حدوث  الطلاق   فلم تتضمن  سوانيهم  أية عقوبة مادية أو معنوية رادعة  لمثل  هذه  الحالات  القهرية والتعسفية ، حيث  غالبا  ما ينتهي دورهم   عند (( المشية))  وتناول  حلويات  اخذ رضا    ولي أمر الفتاة  بتزويج  بنته   لابن  فلان  الفلاني  الذي  جاؤوا  معه  حشدا  لتزكيته   وشبه  إجبار  لولي أمر  الفتاة  بالموافقة ، رغم  ان  حالة الطلاق  التعسفي   هذه  وخصوصا  لمن  لديها  أطفال  تساوي جريمة القتل  ان  لم  تفوقها خطورة ،  لأنه  قتل  عمد  لأكثر من روح  بريئة  ومع  سبق  الإصرار ، يرتكبها    من  يفترض  ان يكون راعيها  وحاميها  فأين   هنا   الغيرة  العشائرية  وقيمها  الإنسانية  ومسؤوليتها  الاجتماعية ...
ومن المعروف  ان  خطبة  الفتاة   وموافقة ولي أمرها  غالبا لا تتم  الا بحضور  أقرباء   ووجهاء  العشيرتين  المتصاهرتين ،  وتعهد  كل  منهما  بحسن  سلوك   والتزام   كل  من الطرفين  بواجباته  الزوجية  سواء  الفتاة أو  الفتى  طالب الزواج ، وبذلك  يتوجب عليهم أخلاقيا  وإنسانيا  وعشائريا  إنصاف  المظلوم   ومحاسبة الظالم  والحرص التام  على  وحدة العائلة  ومستقبلها .
ثالثا :- القانون    نرى ان  القانون  لا يقوم بردع  من قام  باتخاذ  وارتكاب  جريمة الطلاق  التعسفي  وبعد  سلسلة من المرافعات  الشكلية  تتحمل وزرها  المطلقة وأطفالها  وتعرضها  لمختلف  أنواع  الابتزاز ،سوى   إلزامه   بالمهر المعجل  والمؤجل  وبإقساط مريحة جدا ، وغالبا  ما يحتال  على القانون  لإظهار عدم قدرته  على دفع  الا مبلغا تافها  بما ترتب عليه  من  مهريها  ومن  حق  النفقة ،  لا تشكل  إي  ثقل  على الجاني   مقابل  تمليكه   قرار خلو شخصه  من  أية مسؤولية عن  جريمته  المشهودة  بالقتل  المادي والمعنوي  للزوجة  وأطفالها .
كما  يتوجب  ان تزود المطلقة ربت البيت  التي  ليس  لها  دخل  تعيش منه  بكتاب يلزم  وزارة العمل والشؤون الاجتماعية  بشمولها  الفوري هي وأطفالها  براتب  الرعاية الاجتماعية  ومن تاريخ  نفاذ  قرار الطلاق .
لذلك  نرى   ان  الواجب  الإنساني  والتني  والديني  والعشائري  يتطلب  من كافة أصحاب الضمائر الحية  ، من البرلمان العراقي ،  منظمات حقوق  الإنسان  وحقوق  المرأة والطفل ،  وكافة منظمات المجتمع  المدني ،  والقضاة ،  والمراجع الدينين ،  وخطباء الجوامع ،  والصحفيين ،  والمثقفين  والأدباء   بالعمل  على  منع  هذه الجريمة البشعة  التي أصبحت  كالوباء  الخطير  المتفشي في المجتمع  والمهدد بانهياره ، ونقترح   ضرورة التأكيد على مايلي :-
أولا :-  ان  تعيد  المراجع  الدينية  النظر في إحكام الطلاق وفق  للظروف  الراهنة  والمستجدات  الواقعية  حاليا ، والتشدد في  إجازة  الطلاق  وتحريم  الطلاق  التعسفي  تحريما قاطعا ،  ومنع   رجل الدين  المأذون وغير المأذون  بإجرائه ، فمثل هذا  الفعل  أكثر خطرا  من شرب الحمرة  ومن  أكل لحم الخنزير ومن  لعب  القمار  وكلها محرمة  في شرع الإسلام  وفي كل المذاهب .
ثانيا :- على  العشائر  ان  تعتبر  حالة الطلاق  التعسفي  ،  حالة  قتل  متعمد  ومع  سبق  الإصرار وبدون  إي ذنب  فعل استفزازي  من قبل الضحية  لدفع  المجرم  على ارتكاب جريمته ، وتكون  الدية والفصل  مضاعفة في حالة وجود  أطفال  قصر ،  وان  لا تقل هذه  الدية  عن  دية القتل  المعمول  بها  عشائريا  ودينيا ، وإلزامه بإجراء  معاش مناسب  يتكفل في  إعاشة ولباس وتعليم وصبابة  الاطفال  يقدره  اهل الخبرة واهل الحظ والبخت ،  وان تلزم  عشيرة  الجاني  بدفع  الدية  والمصروفات  في حال  عدم   التزام  الجاني  بها ، فالمرأة المطلقة  تعتبر  مقتولة  جسديا ومعنويا واجتماعيا ، مما  يحول دون  اضطرار  ولاة أمر  المطلقة  المظلومة  بالتصرف  الفردي  ردا  على   مثل  هذه  الحالة من  الاستفزاز  والقهر  ، والإقدام على عمل  كرد فعل   وارتكاب جريمة  لا تحمد عقباها  وبالتالي  ضياع العائلتين  بسبب عدم  الإنصاف .
ثالثا :- ان  تعمل الحكومة على اقتراح    مشروع  قانون  يقر في البرلمان ،  يمنع الطلاق  التعسفي  منعا باتا ،  وفي حال  إصرار الرجل على  إجرائه ، يلزم  بدفع  مهريها الحاضر والغائب  مضروبا بما لا يقل عن  أربعة  مرات  بمقداره  المذكور في عقد الزواج ، وان  يكون الدفع  فوريا  وليس بالتقسيط ، يلزم  المتعسف  بتأمين  السكن  ومستلزمات العيش اللائقة  من أكل  وملبس  وتعليم  وصبابة  لطليقته وأطفالها  حتى بلوغ  القصر سن الرشد والاعتماد  على الذات ،  وانقطاعه  عن  الزوجة في حالة زواجها .
كما تقوم المحاكم  بمنع  وطرد  سماسرة   الطلاق  والزواج  من  التواجد في   أبواب  المحاكم  والذي يعتبر وجودهم  مساسا  بعدالة وشرعية  المحاكم الشرعية .

 الاديب  والصحفي 
حميد  الحريزي




26
اطلقوا مكافأة  نهاية الخدمة  للمتقاعدين ...

نصت المادة ((21)) من قانون التقاعد الموحد  رقم ((9)) لسنة 2014 على :-
(( يصرف للموظف المحال على التقاعد لاكماله السن القانونية او بناءا على طلبه او لاسباب صحية ولديه خدمة تقاعدية  لا تقل عن ((30))  ثلاثين سنة ، مكافأة نهاية الخدمة وتحتسب على اساس كامل الراتب الاخير  والمخصصات x12)).
تمت احالتنا على التقاعد  منذ بداية  شهر كانون الثاني 2017  على ان  نستلم رواتبنا  ومكافأة نهاية الخدمة  في شهر نيسان 2017 اي بعد  اكثر من اربعة  اشهر ... ولكن الذي حصل ان  دائرة  التقاعد   لم تزودنا  بكتاب مكافاة نهاية الخدمة   الى المصارف  دون ذكر سبب   مقنع  يقال  لعدم وجود سيولة  مالية  في المصارف !!!
نقول  ان  المتقاعد   رتب الكثير من  اموره الحياتية منتظرا  هذه المكافاة  ، حيث  استدان ، تكاليف اجراء عملية  ضرورية   خصوصا  وان  اغلبنا  يعاني اكثر من  مرض ، او  لغرض اكمال  نواقص  في الدار ، او تزويج  احد  اولاده ... الخ  من  متطلبات  الحياتية  الواجبة  الانفاق ، واذا  بنا  نفاجيء   بتاجيل  صرف  هذه المكافاة  خلافا لكل  التوقعات  حيث  استلمها  كل  زملائنا  من المتقاعدين  مع  اول  راتب ...
نقول  لماذا  دائما  يكون  المتقاعد   ضحية بعض القرارات  المجحفة ، وهو الاحق  بالرعاية والعناية  بعد  ان  امضى   ملا يقل  عن  30 عاما  وقد  تصل  الى  اكثر من   اربعين  عاما  في الخدمة ، هل   هكذا  يجازى  المتقاعد  المتعب ؟؟؟
سؤال نوجهه  الى  وزارة المالية  والى  مديرية التقاعد  العامة  والى كل  من يهمه الامر ، ونطالب  باطلاق مكافاة نهاية الخدمة  فورا  لاننا  بامس  الحاجة اليها ...

حميد الحريزي


27
تنبؤات  مرعبه
احذروا  فالديكتاتور   قادم
جولة((أبيض قلب))  في  دهاليز ((أحمر حانه ))
للروائي
حميد الربيعي
 

       
((لا يمكن لسارق  أن يكون الهاً))
بقلم:- حميد لفتـــة
 

دلالة العنوان :-
عنوان رواية الروائي المبدع  ((حميد الربيعي ))   (( احمر حانه ))،  الدال  على  إضافة الأحمر  الي الحانة  ، فالعبارة تدل على المضاف احمر والمضاف  إليه  الحانة ،  والأحمر  كما  يستدل منه  كونه  رمز  الدم  بمختلف توصيفاته   الايجابية والسلبية ، فالأحمر  ورد  ألجوري   ، والأحمر دم الشهداء لذلك نرى  رايات  العديد من الأحزاب  وخصوصا اليسارية منها  هي رايات حمراء ،  والأحمر دم  مسفوح  مهدور  في عالم الفوضى ، وكما نرى  ان  هذه الدلالة  هي  الأوفر حظا  في تأويل  احمر حانه ، فالحانة  رمز  العبث  والسكر واللاعقلانية  ، رمز التحلل وبيع الروح والجسد  ومكانا  للبوح  بالغرائز الإنسانية، وهذا  ما   يجده  القاريء  ضمن متن الرواية  المؤلفة من ((202))  صفحة من الحجم  المتوسط من إصدارات  دار ((صفصافة))  لعام 2017  وهي أخر روايات   حميد الربيعي .
التاريخ  يعيد  نفسه :-
الكاتب  يستضيف  ضمن روايته  المؤرخ  العربي الإسلامي الشهير ((ابن الأثير )) وهو  ((عز الدين ابن الحسن الجزري الموصلي ولد سنة  555 للهجرة  بجزيرة ابن عمر الداخلة  في الأرض التركية  وتوفي  في عام 630 للهجرة  أهم كتبه الكامل في التاريخ ، واهم  هذه الكتب هو الجزء السابع ، لم يكن ابن الأثير ناقلا للخبر فقط  وإنما كان  ناقدا ومحللا  لأحداث التاريخ ))...
الكاتب يستحضر ابن الأثير  ليخرجه  من قبره  في الموصل  ويدخله  بغداد ،  يرتقي جامع  الخلفاء  ليطلع  على حال بغداد في زمن  حروبها  الحديثة  زمن ((القائد الضرورة )) ، حيث الحرب الأولى بين العراق  وإيران ((القادسية ))  وحرب الخليج  الأولى  بين  العراق  ودولة الكويت  ، ثم  الحرب الثالثة  او حرب الخليج الثانية  ((أم المعارك ))  بين   صدام  وجيوشه  وقوى التحالف  الدولي وجيوشها من ((33)) دولة ، وهزيمة  ((عبد الله  المؤمن)) في 9 -4-2003 ميلادية  واحتلال بغداد  المدينة المدورة ...
يقرر  ((ابن الأثير))   ان يتابع  الفتى ((  إدريس)) الذي  استطاع  ان يفلت  من  قبضة  ملك الموت  ((عزرائيل ))، الذي اعترضه  ابن  الأثير ، وظن  بأنه  سيأخذ روحه  بدل  الشاب الهارب ، حب  الكشف  وطفولية  المؤرخ   تدفع  ابن الأثير  لملاحقة  ((إدريس))  ومن خلال ذلك  يطلع  على الأهوال  والأحوال  للعراق الحديث ويقرر ان  كل ما كتبه  كان  زورا  ومزيفا  وعليه  ان يكتب التاريخ من جديد  واضعا له  عنوانا   (( الفر هود  في يوم صيهود ))، حيث ان  التاريخ يعيد  نفسه  وكأنه  تاريخ متصل  والحاضر إنما هو امتداد للماضي ، منذ زمن ((لاسكندر)) ومدينته ((خارا كاس)) حيث مولد  المسخ ((  إدريس العاشق ))  من بطن الحوت  في منطقة الاهوار ،وحتى  ((المدينة المدورة )) بغداد  في زمن  ((صدام ))، حيث ((علا الشيخ المنارة – منارة جامع الخلفاء  وهنا   إشارة ان   لا فرق  بين  كل  الطوائف والملل    لأنه يراقب من خلال جامع الخلفاء إي  بجمعهم  ككل   وليس   خليفة دون غيره – وقد اجتاز  مسرعا الفسحة والمصلى  خاف على نفسه من ان تفتك  الحرب الثالثة به ،فارتقى السلم  الملتوي – بمعنى ان  التاريخ  يسير  بشكل حلزوني  وليست مستقيم – بسرعة رغم كبر سنه ))  ص107 .
وقد  توزعت الرواية  على ((24))  عنوانا  فرعيا  توزعت  (( 4))  مدخل ، و ((3))  مخرج،  و((2)) المدينة المدورة، و ((2)) خاراكاس، و ((3)) كرخ ، و ((2)) رصافة ، و ((2)) سوق الجيف ، و ((2)) القاع ، و ((2)) الحمامات ، و ((1)) أسطح  مثلومة، و ((2)) لقاء ، و ((2)) العاب  نارية ...
وزع  الحوار  بين  شخصيات  مثيولوجية  ((  5))  أدارسة  و ((5))  دانيال ، كل  منهما  يشير الي  رمز في الموروث  الديني  المثيولوجي  وقد   صنف  الدانيالين  الي ((احدهم قواد ، الأوسط مذيع  فوضى ، الأصغر رادود ، وآخر يعتلف الحشيشة ))ص126،  وهنا  يصور الكاتب  مستويات  وادوار   وسلوكيات  هذه  الشخصيات التي تمثلها  ناس  العصور  المختلفة ،  بن  القوادة ، والتحشيش، والفهلوة ، والخداع ،  وقادة  الحروب( ،والغش والاحتيال  ومصادرة أموال الناس وهذا  ما تمثله  الادارسة الأربعة والادريسه  ،  وخصوصا  أثناء  عصور الفوضى  وشيوع  الخرافة  والحروب .
كما انه  يستحضر  القوى السلفية  الساكنة لكهوف  الجمود والتخلف ورفض التغيير والتحول  مجسدا  ذلك عبر ((الخمسة اهل الكهف بما فيهم كلبهم  )) ومهاجمتهم  ل ((إدريس )) بصنادلهم  الذي  أصابها التحجر والعفن  بعد ان كانت طرية  في أيامها  الأولى ، وكلبهم  الذي حاول  التعويق  ل ((إدريس))  وعضه  في بطة ساقه  ، وكذلك  تعويقه   لامرأة إدريس التي  انقذت  المؤرخ  ابن الأثير  وتحويلها  الي عرجاء معوقة  تجوب الشوارع ،  وعدم كفهم عن ضرب  ((إدريس)) الا بعد ان ذكرهم بالعجل الذهبي كانه يستحضر فعل السامري الذي  اغوي قوم موسى  فصنع  لهم عجل  من الذهب الذي جمعه منهم  والقمة  ترابا  فاخذ  يخور  فصدقوه  وصدوا عن دين موسى   وهي إشارة الي  عجل السامري و أصحاب موسى اللذين تخلوا  عن دينه وعبدوا العجل  دلالة هشاشة إيمانهم  وضيق  أفق تفكيرهم ... هذا ما قاله  الله تعالى من سورة الأعراف (148): وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:148]
هذا العجل الذي  خلقه ((إدريس))  العصر المتأخر من   صهر سرقاته  من الذهب  من نجوم وسيوف  وتيجان  العسكر  وحلي  ومدخرات النساء   ما بعد الفرهود .
كل  هذا حدث في عصر انعدام  القيم  وعصر التزييف((هذه المرحلة إنا أطلق عليها التزييف ، كل شيء خاضع لهذه المعادلة :- الأراضي ، المدارس، الشهادات ، الوظائف، العسكر، القيم كل شيء)) ص 137.
 ((الادارسة ))  عصابات الحرب  والخراب :-
في اللقاء الثاني  ص 171 ((اصمت إلفا  وانطق ياء))
يجتمع الادارسة الأربعة   بعد  عدة محاولات سابقة  كانت فاشلة  ولكن هذه المرة  اجتمع الشمل ، وقد  تزعمهم  الأصغر حيث  جلس   خلف  كرسي القيادة  خلف منضدة الثعابين ((إدريس العاشق)) ، وقد تم استعراض أعمال واستعدادات الادارسة الثلاثة الآخرين
إدريس العريف قدم لأخيه  ما قام به  وقد استعد كعسكري محترف وانه  قد اعد لأخيه  جيشا جرارا لم يجد في جند الأولين ولا الآخرين من يماثله
-   الطرارون، النظافون، المحتالون، السلابون والسفلة الغوغاء)).
إدريس الخراز  يقدم  ما عنده
هنا تصطفن السواطين، المأبونين ، الفساق، الزناة، الفجار، الداعرين ، وشذاذ الآفاق)) ص174.
إدريس الثالث  قدم ما عنده
(( الافاكون، الخراصون، المفترون، المنتحلون، المقامرون، الأوباش وأكلوا السحت ، جيش كالعثة  يجعل الدنيا  كورقة متهرئة .)) ص175.
وبذلك  يقدم  لهم  أخيهم    إدريس الأصغر  وليمة دسمة في مطعم دجاج ، وبعد ذلك  قدموا   خططهم  ومخططاتهم لخوض  المعركة القادمة  بعد ان استطلعوا المكان  وعادا  إليه
((عادوا الي ، إنا الذي كنت  أتظلل بنصب ساحة التحرير، ما زال الحصان والجندي  يجاهدان لإيقاف  انزلاق الأرض ، في حين  كانت شمس النهار تنحدر نحو الأفق الغربي.))ص177
-   هنا  تصطف الجيوش،كل يأتي بعصبته لنبدأ حربنا القادمة  .
مثل التلاميذ يستمعون، افرك راحتي، اشد انتباههم:
يلهثون بانتظارهيمنت ثقافةار البقية، بخبث أطيل  الصمت  قلت :-
كروا وفروا ، عيثوا في المدينة، انخرا لبها .)) ص176 –ص177
 هذه  النبؤة الخطرة والمرعبة التي  يتوقعها  الكاتب  للعراق  في ظل  الواقع  القائم  وتطوراته  وهو محكوم  بتاريخ مزيف  ،  واداريس    لهم  من الجيوش الجرارة سابقة الوصف  للحصول على الذهب وهو عشيق  الذهب(( معشوقي صدمني حال الوصول الي المدينة رأيت تواريه عن الأنظار واختباءه في الخزائن مما حدا بي الي إدارة بعض الألعاب البهلوانية بغية الصول  إليه )) ص113.
وما ال  إليه حال ((دانيال  وإخوته ))  بين قواد ، ومحشش، ومهرج،  ومجتث القضيب  فاقدا رمز رجولته  وتواصله .
ان  من   يضع  إمام  ناظريه  ما يجري في عراق اليوم  يقتنع بتنبؤات الكاتب   لمستقبل  عراق الخراب والاحتراب  والشرذمة  والانقسام ... لم يكن  المؤلف   يخرج   بهذه النتيجة  الا بعد  ان  استعرض  حال وواقع  المجتمع العراقي  الذي  استهلكته الحروب  وطغيان ن الديكتاتوريات المتعاقبة  ومن  ثم هيمنت القوى الإسلاموية  وزمر من الانتهازيين والنفعيين الذين  استفادوا  من تجنيد الكم الجماهير  المخدر بالخرافة والوهم  ،    تحركه الإشاعة  وتلعب  به  الأوهام ....
وكيف  انقلبت  الي الأوضاع  من سيء إلى أسوء   فالبشر تغير والعملة تغيرت  والأسواق تبدلت ، أصبحت المبادئ  سلعة تباع وتشترى . فهو يرى  ان  هذا الوضع  سيؤدي  الي  ظهور جنرال  ديكتاتور:-
(( يخرج من قاع الأرض عجل من ذهب ، يجره حمار نهاق، خلفه الجمع تسير ، يقودهم جنرال صوب جسر الجمهورية فيحدث قتال عظيم بين الكرخ والرصافة ، القتلى يرمون الي النهر ، فتصطبغ صفحة المياه باللون الأحمر ، عند القصر ذي القبة الزرقاء ، تحي الجموع حفلا صاخبا ...)) ص199
فحولة معوجة وفحولة مجتثة :-
يشير الكاتب  الي حال  العديد  من   شخصيات   الرواية ومنهم بطل  الرواية  إدريس العاشق  والذي  أصيب بمحنة  ((قضيب معوج)) عجزت  الزنجيات عن إصلاحه  واستقامته  الا على يد ((المدلكجي)) الشاذ في حمام ((مهدي))...
و((دانيال)) الأصغر الذي    اجتثت فحولته على يد  قوى   عجز عن مقاومتها  ، وعجز عن  استرداد  فحولته ...
ان  الكاتب يستعرض  لنا حالة  السقوط   المفجع  لأحوال المجتمع العراقي  تحت طائلة الجوع  والحرمان (( فالجوع مذلة )) لا تحتمل ،  وعبر كوميديا  هازئة  كسرقة الديكة ، وسباق  نهيق الحمير  يأخذنا  الكاتب الفطن بين  تراجيديا  مبكية  وكوميديا  مضحكة  فيظهر لنا  مأساة العراقيين  وواقعهم  بين البكاء   والضحك  ،  بين  الحزن   والألم ، وبين اللامبالاة  والهزل .
هيمنت  ثقافة العنف  والقتل  والقهر حتى  على  اللغة الشعبية المتداولة لدى  الباعة المتجولين  في المدن
((رمان مثل ثدي مقطوع – يا احمر ))
خيار يشبه ذراع((عتروزيمعيبة لقد( اضحك من السخرية التي تحيل الموت الي بضاعة للبيع، صادفني مأبون يساوم على ركوبه بقطعة حشيشة ، قال انه  يتعاطى الأفيون ، وان مخرجه لا يساوي شيئا أمام شمة أفيون )) ص183-184.

الغرائبية في  ((احمر حانه )):-
من اجل  ان يحكم  الكاتب قبضته  في  مسك خيوط السرد  ولكي   يطلعنا  على جسامة  ما يجري   في عراق  الحاضر واذا علمنا  ان  ألعجائبي  هو حدث  او ظاهرة  مستحيلة الحدوث  على مستوى الواقع  الحقيقي ،  او هي  حادثة او ظاهرة من  صنع  مخيلة  الكاتب  وان كانت  لها  جذور في الواقع ((المتخيل الروائي  في جزء كبير منه  ينتمي الي الواقعي ، او بالأحرى  مولد  منه وبه )) الخطاب الروائي العربي ج2 – ط1 2013 ص 364 د.عبد الرحمان غانننمي .
 فقد  تمكن   الربيعي ان    يوظف  العجائبية في الرواية ،  ليثبت  لنا مدى سريالية  ولا عقلانية ما  نعيشه  في عراقنا اليوم ، استحضر   ابن الأثير ، واستخدم  الأطباق الطائرة ، والأفاعي الجائرة ، والحمير الناهقة ، الحية الميتة ،  والبهلوان  المسحر القادر على  اصطناع المعجزات،  والشقيقة التي تحلت الي حدأة ، وكذلك  شخصية  إدريس العاشق((المسخ ))  العجائبية  ولا  نقول  الغرائبية ... فالغر ائبي   هو  ممكن  الحدث  في الواقع  وما ذكرناه أعلاه  من المستحيل ان يحدث في الواقع .
 وبهذا  الأسلوب ألعجائبي  امتلك  الكاتب  جناح  الطيران فوق  الوقائع  ليمسك  بكل ظواهر اللا معقول  في مجتمع  مشلول

وصف  دقيق  لأهوال  الحرب وواقع  الكرب :-

تمكن  الكاتب ان يرسم  لنا صورة  الألم  والجوع  والقهر  الذي  عاشه  المجتمع  العراقي  تحت ويلات  الحروب الخارجية والداخلية ، ما قبل  الاحتلال  وما بعده  حتى ان   مهنة التسول  لم  تعد  معيبة  في المجتمع العراقي
(( مهنة التسول لم تعد معيبة  لقد انخرطت فيها  الأرامل ومشوه الحرب وأطفال الأزقة )) ص150 في  بلاد أصبحت (( كنوزها  مثل  إسرارها  زيف )) ص164.
في مدينة تهرالعائدين من الغربان:-
 ((يقال ان هذه المدينة  تفر منها الغربان، جيفها تدفن، الأرض تبتلعها بسرعة فائقة )) ص63.
حالة الجنود العائدين  من  الحرب الثانية (( حرب الكويت لان هذه الحرب الثانية كانت الأرعن ،آلاف الجنود المشوهين عادوا خائبين منهم من  قطعت يده ومنهم من فقد عينه ، لقد زادوا  جيش العاطلين )) ص49.
  أصبح  كتاب ((البخلاء)) للجاحظ  لا يفي  بالغرض  ليكون مرشدا   لمجاميع  الفقراء والمشردين  والجياع  العاطلين عن العمل  في  ممارسة فن النصب والنهب والفهلوة   لغرض الحصول   على لقمة العيش  سواء بالنصب او  بالتذلل والمسكنة او  بالقوة  والافتراس  مما يتطلب   تأليف  نسخة محدثة من  كتاب البخلاء  للجاحظ  وقد   اقترح ان يكون    اسمه (( الفر هود  في زمن الصيهود)).
((الإقبال على تعلم  فن السلب والنهب والبخل ، وتقاطر  أفواج الغرباء  الي المدينة  هجرة طلبا  للعيش)) ص70.


فساد وحرمنة  وجهل  الطبقة السياسية الحاكمة :-

وها هوراعة الكاتب الواعي  واقع   ممارسة الطبقة السياسية الحاكمة  بعد  انهيار الديكتاتورية  سوءا  من ((الادارسة )) او من ((  ال دانيال )) وطرقهم  الإجرامية  في  سلب  ونهب ثروات البلد  بدون  إي وازع  من ضمير  وليس هناك  ما أدل  من سرقة((11)) طن  من  الذهب من  مصرف  الزوية  هذه  السرقة  المشهورة  والتي جرت   نهارا  جهارا ، والقيام  بإغلاق  وهدم  كافة دور السينما  والملاهي الليلية على شارع  أبي  نؤاس الذي أعيد الي منصته  وشارعه  وقد سلم من يد الفر هود  العابثة ،   وقد كانت أوامر الهدم  لمصادرة  أراضيها لتكون ملكا   للطبقة الحاكمة  وبالتوافق  فيما بينها ،  بأمر ((الملتحي)) المتاسلم المتنفذ،  وتنفيذ المكروش ((أمين العاصمة )) التابع الفاسد ....
 وها هو يجري  وسط  الم  ومعاناة  بنات  وأبناء العراق الشرفاء الأحرار  وهنا تمثلهم  ((الحداة)) شقيقة  إدريس العاشق التي  حولها الساحر الحضر موتي وبناءا  على طلبها الي حدأة -  ولا  ندري  لماذا اختار الكاتب حضرموت  لتكون   موطن السحرة -  وهي طائرة   تراقب ما يجري على الأرض  من قبل   ((الادارسة وال دانيال))  وبقية زمر التخريب  والهدم  ولسان حالها يقول  تأسيا لما ترى  وما حل  بأرض الصبا في الاهوار :-
((حين أمر  عليها في طيراني وأنا  الحداة ، اشعر بالأسى لما  آل إليه مرتع صباي ، أجوب الآفاق محلقة في العلي فأجد  الأراضي المنخفضة وقد  انسحبت عنها مياه الهور ، تاركة سبخة مالحة وأشتات ، جففتها الشمس فتيبست ثم تهاوت كخيوط مقصوصة الاطراف ) ص51.

المنحى الفكري للرواية :-

الروائي  استطاع    من خلال ملاحظاته  ان  يتابع   ما جرى من أهوال  وتغيرات  في بنية المجتمع  العراقي ، ومنه  ظاهرة الفر هود  والذي يرى أنها  ظاهرة ليست جديدة  في المجتمع  العراقي  وإنما هي امتداد غير منقطع    مورست  في مختلف  عصور القهر والتدهور التي مر بها  الشعب  العراقي، سواء من قبل  الحاكم او من قبل  المحكوم ، نهب  السلطة   مجسدة بشخص الحاكم  وزمرته  وحاشيته   ا ومن قبل   الجماهير الرثة  بفعل الجوع والقهر والقطيعة الكبرى والمزمنة بين السلطة والشعب ،  كون السلطة ليست  بنت  الشعب  وإنما  هي مفروضة عليه  من اعلي  من الخارج المستعمر  المتجبر في زمن الاحتلالات المتوالية  منذ  قرون  ماضية  سواء من قبل  الفرس او المغول  ا الأتراك  او الانكليز او الأمريكان  في هذا الزمان .
نريد القول  ان الكاتب   وكحال اغلب كتابنا  يسهبون في  التوصيف  للظواهر والأحداث  دون  الغوص  في بحث  أس  الظاهرة وجذورها  في بنية  التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية  القائمة في  الزمن المحدد .
فحين يرى  ابن الأثير  الحي  المراقب في  العصر الراهن  ان ظاهرة  ((الفر هود في زمن الصيهود))  ممتدة منذ قرون غابرة ولازالت لحين التاريخ ، يجب   ان يظهر الراوي  هنا  طبيعة السلطة  الغير متغير  فلا زال  بيد أقلية من  الإقطاعيين  وأشباههم   في زمن الخلفاء  ومن ثم  بيد  ((الاقطوازية))  من بقايا  الإقطاع والبرجوازية الطفيلية  ، هذه الطبقات  المأزومة في دولة الخراج  او دولة  الريع  البترولي ،  وعدم   تطور قوى الإنتاج  في حين  يزداد  قطاع  الاستهلاك   ويتغول   بشكل  مستمر ، مما سيشبب العفن   والركود في بنية المجتمع ، السلطة تمسك  بمصادر الثروة  توظفها   لتنمية أجهزة القمع   ورشوة   حواشيها  من العسكر وشيوخ القبائل على حساب جوع  وقهر الطبقات  الفقيرة  والمهشمة التي  لا تملك  سوى  الخضوع  لهذه القوى  التي  تبدو منزلة من  قوة جبارة  لا يمكن قهرها ، فتنجرف  في طريق  الخرافة  والتسول الأخلاقي وسلوك طرق  الفهلوة والاحتيال  والثعلبة والقردنة من اجل ان تخطف  لقمة العيش من  أفواه من يشاركها  القهر والظلم ...
وهنا   يبدو لي  ان  لا  معادل موضوعي   لنمو  مسخ  في بطن  امرأة  فلاح  بسيط  او صياد  فقير يعيش في الاهوار  ليكن سارقا وهو في  بطن امه ، ليكون  هذا المسخ  ابن الطبقة الفقيرة المعدمة   وليكون  بالتالي قائد  الادارسة  قادة كل قوى الشر من  النهابين  والسلابين ، والسراق، والمزورين ، والقتلة ؟؟؟
دون ان يكون  هذا المسخ  ابن  الطبقة الإقطاعية  التي زورت  تاريخ وملكية الأرض في بلاد السواد:-
  ((ثمة رجل أيام العثمانيين استل ورقة من ملف ،خبأها أياما ، في الأخر حين قرأها مزقها ، كان ينقذ الأرض من أسرها ، الورقة مهرة بخاتم الخليفة ، وتعد هذه أراض أميرية ، وقف ليجوز بيعها او حيازتها ، هو استل ورقة اخرى ومهرها بطريقة ذكية فاستوصى على ارض السواد من يومها صارت تباع وتشترى وتؤجر )) ص138 .
وقد  حول  إتباعه من الحكام والقطاعين  هذا  المزور الكبير  الي مقدس  مبجل  يعبد  حتى لا تكشف  سرقاته  ويفتضح  أمره
                 (( فلا يمكن لسارق  ان يكون ألها )) ص138.
وها  هو الآن   ألها ومقدسا  وحاكما  وممسكا  بصولجان الحكم  ومفاتيح  الخزائن  البترولية ...
 افليس الأجدر والأكثر قناعة ان يكون  ابن السارق  الإقطاعي  والملتحي  والمزور هو  ((المسخ)) الذي مارس السرقة وهو  في رحم  امه ؟؟؟
التاريخ المنطالب ونتمنى ارض السواد  هي ارض أميرية  اتفق على ذلك  الخليفة  عمر بن الخطاب  والإمام علي  في وقتها  ولا احد  يمكن ان يشكك في هذه  الواقعة ، ورغم ذلك  يدعي  الأدعياء  من  كبار الإقطاعيين  ان  الأرض ملكا  لهم ولأجدادهم  في الوقت   اللذين هم  من المغتصبين  والمتجاوزين ظلما وقسرا  على ارض السواد  ملك من يزرعها ويرعاها !!!
  إننا  نلمس  من خلال  العديد  من الروايات  وكتابات بعض الأدباء والكتاب  إدانة كبيرة  ظالمة   للفلاحين   والصيادين  الفقراء اللذين  يهجرون  الريف بسبب جفاف الأنهار وظلم  الإقطاع ويتوجهون الي المدن طلبا  للعمل وكسب لقمة العيش ... ذنبهم الوحيد  أنهم جياع مشردين  حكم عليهم بالضياع  في ظل حكم الإقطاع  المسند من قبل  سلطة الدولة وسلطة ((الدين ))، وبما  ان  دولتنا  ريعية  فلا يجد  هذا المشرد  عملا  منتجا في المدينة مما  يجعله يتحول  إما  الي أداة بيد السلطة  لقهر أبناء طبقته  ا و الي محتال وسارق  ومشرد ، بالضد مما حصل  في بلدان العالم الأول حيث  تم احتواء هذه  الأيادي  المهاجرة من الريف  في المعامل والمصانع  والعمل  المنتج  حتى وان كان تحت ظروف  قهرية  ولا إنسانية ،  ولكن هذا العالم  اخذ يشعر بذاته  ولذاته ، واخذ يصطف  مع  أبناء طبقته في  النقابة والمنظمة  المهنية  للمطالبة بحقوقه ، وقد  أعطته  الطبقة البرجوازية المنتجة في هذه البلدان جزءا من حقوقه  لأنها بحاجة الي صوته  وتضامنه في كفاحها  ضد  الطبقات  الإقطاعية وطبقة النبلاء  وهي  تناضل من اجل انتزاع  السلطة منها ، ليس كما  يجري في بلداننا  لعدم وجود  طبقة برجوازية وطنية  منتجة  تحتوي    هذه  الأيادي  الطالبة للعمل  مما  يعرضه  للضياع  وإبقائه  كالاشنة في مستنقع  الجهل والأمية والبطالة  ومسخ الذات .
مما يجعلنا نطالب  ونتمنى على كتابنا  فهم  ومعالجة هذه  الظاهرة بعين العلم والإنصاف  وليس   بكيل تهم الإدانة  وإحكام  ظالمة  ضدهم ....
سرقوا الأرضم ضمن  معادلة (( من يحوز ومن لم  يحز)) ص143   وهو التقسيم الحقيقي للمجتمع  والذي  يجسد  طبيعة الصراع  بينهما  كفريقين  متصارعين  مدى التاريخ  حتى تتحقق المساواة والعدالة  والتوزيع  العادل  للثروة ، وإعادة (أطنان  الذهب )) المسروقة الي أصحابها  الحقيقيين  من  أبناء الشعب  المظلوم   شريكهم في الثروة  .
فقد سرقوا  الأرض  في ختم مزور وسرقوا  النفط    بقوة أسيادهم  من  الاستعماريين اللذين نصبوهم   أسيادا  وبإسناد  أصحاب العمائم  من مختلف  الألوان والإشكال .

((احمر حانة)) رواية مميزة :-

اتبع  الكاتب  المبدع  أسلوبا سرديا  متميزا  من خلال ((24))  عنوانا  فرعيا  ، وقد استهل الرواية   بنهاية وخاتمة الرواية ،  تنقل  بين مختلف مستويات الروي    غير متقيدا  بالتسلسل الزمني الخطي  للروي  كما  في  أغلب الروايات  التقليدية ، توزع  بين شخصيات رئيسة  وفرعية  متشابكة الأفعال والمهام ، تتطلب   تركيز  كبير  وتجربة   لقاريء  غير عادي  لسبر اغوارها  ومتابعة إحداثها  والفصل  بين  شخصيتها  التي   حملت نفس المسمى  مما  يثير الالتباس  بين الأفعال  والأقوال ، خصوصا  وان الكاتب   اصطحب معه  أهوال الواقع  وضجيج  الأسواق  ،   وجمع  بين  الحوت الطائرة ، والحمير الناهقة ، بين  لحى  بهية  وتهتك  تسوي ، بين أطنان الذهب  وأطنان القمامة ،  جمع بين  نقيق  ضفادع  الاهوار المتغضنة الجلود  وبين  ارض الموصل  وأضرحتها  المجرفة ، جمع  بين حداثة  الراهن ، وكهوف  الماضي ، بين مفرقعات  ومتفجرات  الحاضر وصنادل  الماضي  السحيق....
امتلك  الكاتب  المبدع  ثروة  لغوية ،  وخيال خصب ، وحنكة في إمساك  خيوط السرد  رغم  تشابكها  الشديد ، ليخرج لنا   بإبداع روائي   يستحق  القراءة   بعقل منفتح  وتركيز خاص  لنتمكن ان نرافقه بوعي  ضمن  تحولاته وتنقلاته  في مستويات روي  متعددة ...
رواية تقرع لنا أجراس الخطر القادم ، لنشد  أحزمة الأمان ، ونستنفر كل  مخزوننا  الكفاحي  والنضالي  الإنساني لكي   لا نسمح للعث  وعصابات  الادارسة  وفساد   ال (((دانيال )) بان تمهد الطريق   لجنرال ديكتاتور سوف  يحرق  الأخضر واليابس ...ان  نعي صرخته  الكبرى  وهو  يقول :-
((لايمكن  لسارق  ان يكون  ألها ً))  ، فاسمعوا  وعوا ،  وانتبهوا   الي ما تعبدون
 انزعوا  عصائب  التضليل  والتجهيل  واقرؤوا   واقعكم  بعين  العاقل  المتبصر  وليس  بعين  الجاهل المتقهقر .
لاشك ان الرواية تحتمل المزيد من التحليل  والتأويل ،  بالتأكيد  سيلقي الأحبة النقاد عليها أضوائهم  لإنارة المزيد  من   جوانبها  الأخرى .
 



28
((عزف بلا أوتار ))  قصص قصيرة  للقاص  فلاح  العيساوي


عزف على أوتار القلب  من اجل الحب والسلام

بقلم \ حميد الحريـــــــــــــــزي

 

تعديل اعوجاج  ال((راء))
على  قيثارة القلب المحب لوطنه وشعبه ، القلب المحب للحرية  والجمال  والإبداع، بأوتار  هذا القلب يعزف لنا القاص فلا ح العيساوي سيمفونية ((الحب والحرب)) ، أجمل صور الإبداع الأدبي القصصي  الهادفة  الي حياة أفضل  وأجمل  بعيدا  عن الحروب وويلاتها ، بعيدا  عن الخراب ، بعيدا عن الحرائق ونافورات الدم  الإنساني المقدس ، بعيدا عن الأنانية  وضيق  الأفق، ليعدل بعزفه  هذا  حرف ((الراء)) مقتلعه  من جذوره وكأنه يمثل  منقار ((داعش) الطاعون الأسود الذي فتك بالبلاد  والعباد ، ويصهره في فرن الحب والتضحية والفداء الذي  يغلي بقوة وإصرار وثبات  أبناء العراق  الأحرار ، أبناء العراق الأخيار ، ليقوم  اعوجاجه ، فتستقيم  الكلمة   وتتحول من ((حرب))  الي ((حـــــــــــــــــــــب)) مذيبا  خنجر الراء  الإرهابي المدمر ،  لتعانق  الباء الحاء  فيولد الحب  ، وتزهر الحياة  بالمحبة والسلام  والمودة  والجمال .....
كما  ان  العيساوي يستفز الضمائر  الحية لتكون عند  إنسانيتها  لتقارع الفقر  والحرمان  والعوز  الذي تعاني منه شرائح كبيرة من المجتمع  العراقي ، رغم ان   وطنهم  يطفو على بحيرة  من الذهب  الأسود ، فلا يمكن ان  نكون  بمستوى  إنسانيتنا ونحن  متخمون  مرفهون ، ونسمع أنين  وشكوى الأرواح والأفواه الجوعى ، والبطون  الغرثى....
ان تحب لنفسك  يجب ان  تبارك الحب لغيرك ((  أحبب لأخيك  كما تحب  لنفسك  واكره  له  ما  تكره  لها )) فلا يمكن ان يحب الأناني الذي لا يريد الخير السعادة الا  لنفسه ، فتتكاثر  هوام  وأفاعي الشر في عقله وسلوكه فيكرس جل وقته وقدراته لسرقة السعادة  من الآخرين ، ووضع  العقبات والمطبات في طريق المحبين ....
 هذه مقدمة  موجزة حول مجموعة ((عزف بلا أوتار)) للقاص فلاح  العيساوي الصادرة عن دار المختار للنشر والتوزيع والمكونة من ((23)) قصة قصيرة  بواقع ((100)) صفحة من الحجم المتوسط يمكن ان  نصنفها اعتمادا  على رسالتها  الي :-
 أولا \قصص الحرب
ذئاب  رحيمة
شروق الشمس
عقدة الماضي
نار تحت الهشيم
بغداد
شروق  الشمس
في قصص الحرب تحكي  لنا مدى وحشية  وظلامية قي الإرهاب ، الطاعون الداعشي الأسود ،  والماسي الرهيبة التي سببها  للشعب العراقي ،الذي كان يحلم  بالأمان  والسلام والرفاه بعد  انهيار الديكتاتورية ،  ولكن طائرات ودبابات وصواريخ المحتل وأتباعه التي ادعت التحرير التنوير ،  حملت بين   خفاياها بذر الموت والطائفية  التي كانت  مخصبة من كل بلدان العالم  لتخلق  لها وكرا  للذئاب  المسعورة في عراق ما بعد الديكتاتورية،  ومركزا لنشر الرعب والخراب ليس  في العراق  فقط وإنما في كل  العالم... لكن أحرار العراق رجالا ونساء قرروا  مقاومة هذا الطاعون الأسود واستئصاله من  العراق ،  وقد استرخصوا الدماء من اجل حماية الأرض  والعرض ، وسجلوا  أروع  وأجمل وأنبل  ملاحم البطولة  والشجاعة  في  ساحات المعارك . كما في  قصة ((نار تحت الهشيم )) ص64  وقصص اخرى .
قصص اخرى تفضح  الإرهاب الدموي  الأعمى  ومنها ممارسات  القتل  والاختطاف  الإجرامي  كما في قصة (( وحوش الظلام)) ص90.
 وعلاقات الحب  والتضامن  بين مختلف  القوميات  والمكونات العراقية رغم  انف  الديكتاتورية واسالبها  القهرية والإجرامية   كما في  قصة (( شروق  الشمس)) ص75،   قصة احتضان  وحماية الجندي  العراقي العربي من قبل الكرد ،  حيث  تمرد  على  أوامر الطغاة  رافضا  وحشيتهم  بنبش  قبور أطفال  الكرد  ...
ثانيا \ قصص الحب
دولاب القدر
عنق الزجاجة
شفاه صفيقة
اللوحة
الموعد
كان للحب حرف  ملون  جميل ، وعزف أطربنا بعذوبته  وجماله ورقته ، فبعض القصص تبهرنا بقفلتها المدهشة  الصادمة ، بحيث ان القاريء لا يحاول قراءتها ثانية حتى يظل سرها الجميل قيد التواري حتى تحين الخاتمة ، انه سرد يأخذ القاريء الي العديد من التأويلات وتتجاذبه العديد  من النهايات والخواتيم ، ولكن  الخاتمة كانت   ليست ضمن توقعاته فينتشي  بدهشة المفاجأة ...  وكما أرى ان هذا الأسلوب القصصي هو أجمل القصص وأكثرها جذبا  وإمتاعا  للقاريء ،  فهي كالحبيبة الجميلة  المتمنعة  غنجا ودلالا  ليكون عطائها بحجم  لهفته ونشوته  بحجم المفاجأة  والمتعة  ليلة  الدخلة  فيكون العطاء  باذخا  لا تحده حدود ...كما في  قصة (( دولاب القدر )) وخاتمتها  للشيخ  الذي وقع في  شباك  فتاة لصة لعوب أوهمته  بالحب  لتسرق  محفظة نقوده ،العاشق  الذي  تسرق  فرحته  مع   محفظة نقوده (( فرحة الحلم الجديد  زادته ابتهاجا ، اخذ الدواء من يد الصيدلي الذي طلب منه مبلغ الداء ، مد يده الي جيبه قاصدا محفظة النقود ، أخرجها بيضاء وهو يعتذر لشيبته  والصيدلي )) ص20.
ثالثا \ قصص  تحمل رسائل مختلفة
أوتار العود
خفايا الجسد
غشاء الطهر
سحر الليل
ألوان الطيف
طائر الجنة
عطف الموتى
أهازيج بلا معنى
الوداع
وحوش الظلام
وداع الزهور
أهات الفقد
قصص المجموعة الثالثة  و اغلب  عناوينها  جاءت   بصيغة  المضاف  والمضاف  إليه ، ولهذا دلالة  واضحة  ان احدهما  ينتج  ويرتبط   بالأخر  ربطا  لا انفصام  له .
وهي تتوزع على إغراض  ورسائل  مختلفة ، منها كشف عورة الفقر  وألم الحرمان ،  كما  أنها  تستثير ضمائر مالكي  الثروة   لرفض  العوز والذلة  لأبناء وطنهم  وإخوانهم شركائهم  في الأرض والمصير والثروة، وبث  روح  التكافل والتضامن  بين  أبناء الشعب الواحد . كما في قصة (( عطف  الموتى )) ص57.
كما  إنها توجه سهام النقد اللاذعة  الي بعض الأعراف الاجتماعية المتخلفة  والى سلوكيات الخيانة  وقذارتها وحجم  قسوتها على المرأة خصوصا في مجتمع يفتخر ويتباهى بفحولته    وذكورته  المتوحشة .
بعض القصص الأخرى  من القص يلقي نظرة  على  الأقدار خارج نطاق الحدس التكهن  والحسبان ،  كموت  الحي المعافى وتعافي  المريض  الميئوس منه ،
أتحفنا القاص   بقصة جميلة مشوقة حول  إشكالية التحول الجنسي ، من ذكر الي أنثى وبالعكس والمعاناة النفسية والجسدية   لهذا  الإنسان الذي   يكون  مزدوج  الجنس ،  وكذلك  تطفل المجتمع اللاواعي على خصوصيات مثل هؤلاء الشباب والشابات رغم ان القاص يختم قصته بالفرح  حيث  تتوج بزواج حبيين  كانا (( صديقتين )).كما في قصة (( خفايا الجسد)) ص35.
يرسل  رسالة   جميلة  حول  ما تعانيه الفتاة العراقية   من الخوف حد الرعب طوال حياتها على ما يسمى ب((غشاء البكارة ))   والعفاف  والطهارة ، فهو مقياس الشرف والعفة  والطهارة مادام سالما  حتى وان  كان سواه  لا يعرف لهذه  الطهارة والعفة  معنى  لأنه  بلا غشاء ، فعلى الفتاة  ان  تكون بالغة الحرص  كحرصها  على حياتها  على  هذا   الغشاء   حتى يسلم   الى صاحب  الحق  الاول  والأخير في   خرقه  ، ولا عذر لها  ان حصل  غير هذا  تحت  أي  ظرف  قاهر  خارج  عن إرادتها ، حتى  وان كان  هذا  التمزيق  والخرق  حصل  نتيجة لحظة  ((ضعف)) من قبل  الشريك  المرتقب  قبل  ليلة (( الافتتاح))  و ((قص))  الشريط  الرسمي بواسطة  مقص الفحل المفوض شرعا  وقانونا !!!!كما في قصة ((أهازيج  بلا معنى )) ص71.
ورسائل  تفضح  ممارسات  الديكتاتورية القمعية حتى  على المواهب العراقية  المتفردة في العلم  والفن  والمعرفة ،  فتكون  مدانة  ومحكومة بالإعدام  في نظر  الديكتاتور وأزلامه كما في  قصة ((أوتار العود)) ص21.
يتميز أسلوب العيساوي السردي برشاقة وشعرية المفردة ، والقدرة على رسم الصورة  بحرفية  وجمالية   ملفتة ، وهذا ليس غريبا من قبل رسام  يجيد  الإمساك بالريشة والتعامل مع  ألوان  بحساسية  الفنان  المرهف ،  حبكته القصصية محكمة ورسائله واضحة ومعبرة  من دون    مباشرة خبرية ...
هناك بعض اللوحات السردية  تقترب من الخاطرة أكثر من اقترابها من القصة  حسب   رؤيتي ، قد  يرى البعض فيها  أسلوبا أخر للقص المفتوح بعيدا عن   التجنيس  الحرفي للنص  السردي ،   رغم ذلك   فاننا نرى فيها  نصا إبداعيا جميلا  بغض  النظر عن  تجنيسه ...كما في ((  وداع الزهور))  ص92.
شكرا  لأوتار العيساوي  الرائعة  مولدة  الحان السرد، وهي   ترسل  لنا أجمل  وأنبل الرسائل من اجل السلام  والمحبة ، نتمنى  ان  تبقى هذه الأوتار  صادحة  باللحن  الجميل  الذي  تطرب  له الأرواح الحرة ...


29
رواية (( جاسم وجوليا ))*  للأديب  زيد الشهيد
جولة  الذاكرة
 بين
 نيران الجحيم  و نسائم الجنـــــــــة
               
              

بقلم \ حميد  الحريـــــــــــــزي
 
العنوان  دلالة  المتـــــن

عنوان الرواية ومنذ النظرة الأولى  يؤشر  للمتلقي  انه  أمام  بيئتين وحضارتين  مختلفتين ، فجاسم  ابن  البيئة العراقية الشرقية الريفية بكل   صفاتها  ومواصفاتها ، وطريقة حياتها  من حيث  العرف الاجتماعي  السائد  والمشبع بروح الجهل  والتخلف  والحرمان ، والمقهور  والمقبور  بسوط سلطات قمعية استبدادية  لعشرات القرون  منذ  ما قبل  التاريخ  ولحين التاريخ...
في حين  تدل  ((جوليا))  إلى حضارة الغرب  وما يمثله    من  حرية    في التفكير  والعقيدة ، وضمان للحرية الشخصية ،  وتقدم  علمي  ،  وسيادة القانون  في دولة تضمن الحريات  الخاصة والعامة ، فلا رابط بينهما  سوى  حرف الجيم  مفتتح  اسميهما ،  ودالة كونهما من  الجنس  البشري  ، وهذا  المعنى  ما سوف  نجده  في  متن الرواية  وفصولها  المتعددة  ...
حاكم يعشق  الحروب  وشعب ضيعته الدروب !!!
تحكي الرواية  قصة  شاب مهاجر  يعيش  في لندن  عاصمة الضباب  والحب  والجمال ، يشده الحنين  إلي وطنه ، ويحفزه  الوفاء لرؤية والدته  التي  أنهكها المرض ومعاناتها   المرعبة  من جور السلطات  على  زوجها ((شلال))  المناضل الذي قتل  في جبال  كردستان حيث   كان  ضمن فصائل  الأنصار  المقاتلة ضد  النظام ،  وأولادها ،((جاسم))  و ((سالم )) المقيم في ألمانيا  هربا  من  بطش  النظام و قمعه  الذي  لا يرحم ...
((جاسم )) يغيب  في  احد زنازين  الديكتاتور  متهما  كغيره  من العراقيين  المتواجدين  في الغرب  ، فالنظام المأزوم  والمحارب  من  قبل  الأنظمة  الغربية ،  اخذ  يشك  بأغلب  أبناء شعبه  وخصوصا من المثقفين والمتعلمين  من  المهاجرين  متهما إياهم  بالتجسس  لصالح  الدول  الغربية العدوة  المتآمرة على النظام  ((الثوري ))،  وقائده المظفر حيث  أصبحت  الشهادة العلمية  مثيرة للشبهات  بالنسبة للنظام ، الذي   لا يأمن الا  بالجهلة وأشباه الجهلة  ، وقطيع  يأتمر بأمر الراعي  وعصاه  السحرية ، التي  يتكئ عليها  كرسيه  ويهش  بها  غنمه ...
يتعرض  ((جاسم)) لشتى أنواع  التعذيب والاهانة  والتجويع  والإذلال    من قبل جلاديه  في معتقله مطالبته  بالاعتراف   بتهمة التجسس لصالح  دولة أجنبية  وصلاته  بالمعارضة العراقية ((العميلة)) في الخارج ...
لم  يستطع  الخلاص   من  السجن ا لا  بعد  إن  اشتد  القصف على بغداد  وأخذت  أجهزته  القمعية بالتفكك ، وبدافع  من صحوة ضمير  يبادر  العريف ((برهان))   باستغفال ضباط  السجن  ومراتبه  وفتح  الأبواب  للسجناء  وإعطائهم  فرصة للهرب ، فليس  مستبعدا  أن   يدمر السجن  بمن فيه  من قبل  الطائرات  المعادية في أية لحظة ،  وان بقاءهم كضباط  ومراتب في هذا المكان  الخطير مرهون  بوجود هؤلاء السجناء ، حيث   ارتبطت حرية الجلاد بحرية الضحية ...
وهكذا  كان  ،  إذ  استأجر ((جاسم))   سيارة  أجرة إلي ((كراج  العلاوي))  لتقله  إلي مدينته  الجنوبية ،  ولكنه يلاحظ   الاستنفار الكبير  لقوات  الأمن  ونصبها السيطرات   في الطرقات  وتقاطعاتها  للتدقيق في هويات الناس ، مما يدل إن انكشاف  أمر هروبهم  قد  بلغ  السلطات  العليا  فاستنفرت  قواتها لإلقاء القبض عليهم ، ترجل من السيارة  راكبا  بلما  للعبور إلي الضفة الأخرى  تحاشيا  للوقوع  في قبضة  السلطات ، ولكن   قطعان  الزيتوني المستنفرة أخذت  تضيق  عليه  الخناق  كلما  اقترب من  ((كراج  العلاوي))،   بالإضافة إلي انه أدرك  إن  رقابتهم  ستكون مشددة  على   ركاب السيارات  المتجهة نحو الجنوب  لذلك  فليس من   صالحه   السفر  في  الوقت  الحاضر ...فقرر إن يلتجأ  إلي مكان  يؤبه    حتى   تنسحب  المفارز ، فاستطاع أن   يقفز   إلي داخل    ((المتحف  العراقي))  ويختبأ  بين  أغصان  شجرة الزيتون   في حديقة المتحف
وهنا  يعرج  بنا   الكاتب  إلي  دلالات  جديدة  ومنها :-
شجرة الزيتون \
 لتكون مظلة حماية  للسجين  الهارب ((جاسم))  وهنا   عودة إلي موروث شعبي وديني  حيث  تعتبر شجرة الزيتون شجرة مباركة  ذكرت  في القرآن الكريم ، ورمزا  للسلام  والمحبة لكي  يؤمن  من خوف  ويستظل  بالسكينة   وحماية المبارك ،  حاله  حال   الطيور  الذي  أحس  خشخشتها  بين  أغصان الشجرة   وهو يراقب  حركة  أزلام  السلطة  وهي  تمسح  الشوارع في الخارج  و تدقق داخل  سياج  المتحف   علها  تعثر على صيدها  وتطبق  عليه  بمخالبه  القذرة ، مكرسين كل   وحشيتهم  وقواهم  للإجهاز على  ابن الشعب ((  عدو )) الداخل ،  تاركين   الأرض والسماء  تحت  رحمة  العدو الخارجي  الذي  زلزل  الأرض  تحت  إقدامهم  وأصبح  على  قاب  قوسين  أو  أدنى من   قطع  رؤوسهم  وهدم قصورهم ..
ثانيا \ المتحــــــــــف
اختار  الكاتب أن يكون  المتحف ، إي تراث  العراقيين  عبر مختلف  عصوره  الموغلة في القدم  ليكون   مخبأه  للخلاص  من أيدي  الجلادين ، هذه  التماثيل  واللقى والكتابات  التي  تحمل  تاريخ  الشعب   لآلاف  من سنين  خلت ،  منذ سومر وأشور ، مستعرضا   من خلال تجواله  حروبهم   وصراعاتهم  ،  ودورية  نشوء وازدهار ومن ثم   خراب  وانهيار  ممالك  لتحل محلها أخرى ، يصرح  ويلمح   الكاتب  عبر  ملاحظات  بطله  للتاريخ  الموغل في القدم  من البطش  والقتل والقهر للإنسان  البسيط  العادي   وسيلة الحاكم الطاغية  للسيطرة   والهيمنة  لتلبية ملذاته  وبذخه  وامتلاكه   السهول  والأنهار والهضاب  والحيوانات  والرقاب، منذ جلجامش   وآشور بانيبال  وانكيدو  وألهتهم  صاحبة الغرائز   والميالة للبطش  والتدمير  لا يرضيها  إلا  إشباع  رغباتها وغرائزها  ونزواتها  ... هي ومن  يمثلونها  من  الكهان ، اللذين   وضعوا كل  خيرات  الأرض  تحت   سيطرتهم  فامتلكوا  الضياع  والقلاع ، وصادروا  كد  وجهد  الإنسان  الكادح – الم يخلق  الإنسان  من طين  ودم  الإله  ليشقى  ويكدح  من اجلها -، استباحوا  أجساد  النساء  تحت  ذريعة البغي  المقدس  وزواج  الإلهة النزقة  الشبقة  دوما ،  يبدأ   موظفوا  المتحف   وحراسه   يتملصون  من  الدوام   تحت  رهبة   القصف  واقتراب  دبابات  المحتلين من قلب العاصمة ، تكسرت  التماثيل  وتمرغت  هيبة الملوك  في وحل  الهزيمة  لتقف  عاجزة  لا تدفع  عن نفسها ضررا  فتهاوت  تحت   أصوات  الانفجارات ،  ثم  أسرت  ومثل  بها  من  قبل  رعاع  الناس الذين  هبوا  كالجراد الأصفر  يحطم  ويأكل  كل  ما يقع   في طريقها  هنا يريد الكاتب  إن  يقول  على لسان  بطله  الهارب  بان   لا سلطان  الماضي ولا سلطان  الحاضر  يمكن  أن  يؤمن له  حياة حرة كريمة  آمنة ،  أما  هذه  الرعاع  فهي  كالهوام  والحشرات  تقبع  ساكنة تحت   أغطية القمع  والقهر  للطغاة ، في حين تظهر كل  همجيتها  ورعونتها  ولا معقوليتها  فور  رفع  هذا الغطاء  لتهب زرافات  وقطعان  لتدمر وتنهب  كل مؤسسات  الدولة التي   لا تربطهم  بها سوى رابطة الخوف والقمع  ،وتقتل  وتلاحق  رموزها ،  وما  إن  تفرغ  من هذا  الجنون  الهستيري  حتى  تبدأ تتقاتل  فيما بينها  في  قتال  دموي   فينهب ويسلب  بعضها بعضا ...
المرأة ضحية الحاكم الغاشم  و المجتمع الظالم
المرأة \ نرى وضعها في العالم الأول  وقد تحققت لها اغلب حقوقها ومنها  وفي مقدمتها الحرية الشخصية ، فهي حرة الروح  والجسد مثالها ((جوليا))  مقارنة بنظيرتها  العراقية ، حيث تقهر و تعهر وتستعبد  الحرة العفيفة الشريفة من قبل سلطة الدولة والمجتمع ،في حين يقطع  رأسها النظام القمعي الحكومي والعرفي والديني كعقاب لعمل دفعت إليه دفعا  شارك فيه الحاكم الغاشم  والمجتمع الظالم .مثالها ((أم راجحة))  وابنتها ((راجحة)) التي رمي رأسها المقطوع من قبل وحوش الديكتاتور وحسب توجيهاته في حملته الإيمانية بتهمة ممارسة البغاء (( خرجت المرأة الخمسينية بوجه اصفر كالليمونة، وعينين ذابلتين وشفتين زرقاوين،وعباءة موحلة ومرقعة تستقبل الطارق ولم يكن الطارق واحدا بل ثلاثة انزلوا كيسا أبيض من سيارة بيك اب عند قدميها، بعدها ركبوا السيارة وانطلقوا))ص222.
حال ((أم راجحة)) حال  اغلب النساء العراقيات المحرومات من الحرية  والعيش الكريم ، الأرامل والمطلقات  وفاقدات  الأبناء والأزواج والأحباب  في حروب  قذرة هوجاء لا تنتهي ، أخيارهم في السجون والمنافي والمعتقلات ، وأشرارهم يد السلطة  المجرمة  وأدواتها القمعية  من الجلادين والمخبرين  والقتلة  المأجورين .
المثقف  الواعي  هو الحائر  المغترب  المطارد  المنبوذ
يجري ((جاسم)) حورا  مستحضرا  أهل  العقل والعلم والحكمة في الماضي  والحاضر ،فهم ضحايا   دائما ، فيظهر (( طه باقر)) عالم الآثار  لجاسم  مرشدا  ودالا  ومشيدا  بجهود  علماء الغرب  المضنية للكشف  عن تاريخنا وتراثنا ، وخوفهم على ضياع  وخرابه  ، يستعرض  مدراء المتحف ومنقييه  وهم يذرفون دموع  الأسى على   سجل حضارات  تمزقه اكف الجهلة ، تحت نظر وسمع  من  جاؤوا  تحت ذريعة  التحرير والتنوير  ...
لهم النعيم ولنا الجحيم
((مددنا لهم كفا تمتلئ عسلا ، بصقوا على العسل وبتروا الكف ، ثم استداروا لخانقهم يقبلون يده، ويركعون ليمسحوا جبهتهم بتراب قدميه....فلا فائدة من شعب تريد أن تشعره بوجوده ليكون رأسا فيرفض مندفعا بكل أسلحة العناد ليبقى ذيلا )) ص117.
 بهذه  العقلية يحاول   المستعمر أن يظهر بمظهر المحرر،  وحامل جرار الذهب والمن والسلوى لشعوب  البلدان  المستعمرة لكن شعوب  هذه  البلدان  ناكرة للجميل ، شعوب  تعشق  مستعبديها  وتقدس  طغاتها ومضطهديها ، تهرب من النعيم  إلي الجحيم  إنها شعوب لا تستحق  الحرية  ولا  تأنس الحضارة والتنوير ...
 نعم  فالحرامي والوقائع والحقائق  يوهم الشعوب  بحسن  نواياه، خصوصا  وإنها ترزح  أما تحت نير محتل  أخر  أو تحت حكم  طاغية  يسومها  العذاب ، ولكن  المؤلم  حقا  إن  يرى  بعض مثقفي  وأبناء هذه  الشعوب  ما يراه  المحتل  والمستعمر ، غير مدركين  إنهم  بين  نيران الحاكم  المستبد  وبين  سندان  وجشع  وهمجية المحتل ، فحالهم  كالهارب من  كلب مسعور  ليحتمي  بعرين  أسد جائع ،  فلا حرية ولا أمان  ولا رفاه  للإنسان العراقي   البسيط   لا في زمن كلكامش  ولا حمو رابي  ولا في زمن  الأتراك  ولا  الفرس ولا  انكليز  ولا  البعثيين  الصدامين  ولا  في زمن  الأمريكان  ((المحررين ))
هذا ما تثبته   الوقائع  والحقائق  الناصعة  على الأرض ...
نعم إنهم  تمكنوا   من نزع  رداء الجهل والتخلف ، وكسر صولجان   طغيان السلطان  والكهان في بلدانهم ، وامنوا  لمواطنيهم  الأمن  والأمان  ومستوى  مرض  من  العيش الكريم ، ولكنهم عملوا  على إدامة هذا النعيم  بنهب  ثروات  وقتل حياة  الشعوب  المستعمرة  وليس  بالتقسيم العادل  للثروة في بلدانهم ، فهيمنت  سلطات وطبقات الاستغلال  على  كراسي الحكم  ومصادر الثروة  عبر   لعبة الديمقراطية المزيفة ، تبهرنا  نحن  أبناء الشرق الواقع تحت طغيان  طغاة جبابرة ....
ف ((جوليا ))    وعائلتها  وأجدادها من  جند  المستعمر  لأهم  ولا غم  لهم سوى الحب  والمتعة  فهم من علية القوم  ومن  وسط  الطبقة الحاكمة ، التي بنت  حضارتها  ومفاخر عمرانها بعرق ودماء عمال وكادحي  هذه  البلدان ...
إن   الإنسان  في الغرب  يعيش  في  نعيم  الجنان  في ظل  أنظمته  الاستعمارية الرأسمالية ، بفعل ما  نعيشه   من جحيم  تحت   هيمنة أنظمتنا  التي هي  بالنتيجة صنيعة عالم ((النعيم))  وإحدى  خدمه   ومديمة  رخائه .
مسح شامل  للمكان ،وحسابا للزمان و اختيارا للشخصيات
ببراعته  المعهودة تمكن   الكاتب أن   يحمل    كامرته  عبر  حروف قلمه  لتصور لنا  مختلف   شوارع  وحارات  وحاضر العراق  بغداد  معالمها  وساحاتها  وشوارعها   في الكرخ  والرصافة  وحياة ناسها  ك  أبو ستار بائع  البيض المقلي بالدهن الحر ،  وأم راجحة  التي  قطع  رأسها  أزلام  النظام بدعوى ممارستها  للبغاء ، رغم انه  الهارب   ولكنه  الراصد المراقب  لما يجري  كما يراه  بطله  ((جاسم ))  أثناء سفره ، واصفا  شوارع  وساحات  ومباني   مدينة ((ليدز))  البريطانية  أثناء تجواله  مع   حبيبته ((جوليا ))، والسماوة مدينته  الغافية على نهر الفرات  ، بستان مصيوي ،  وبستان آل ضويف  وغيرها  من  الأسواق  والحارات  ، و((فارما" الهندي ، وحسين  سلطان بائع الأعشاب و هاب شاكر ، و ((شهيد  بشيشي  الخياط ))....
كما انه  وضع أمام  القاريء سجلا وافيا  لأبرز  المنقبين  من  الأجانب  ممن  كانت لهم  انجازات  كبيرة  في اكتشاف  العديد  من الآثار  الهامة والتي  لا تقدر بثمن  من بقايا  حضارات  العراق  القديمة  كالألماني ((كولدوي))،و((ماكس ملوان )) ، و ((اندريه باروت ))، و ((السير جارلس ليوناردوولي)) ، ومشروع  الروائية  الشهيرة  ((اجاثا كريستي ))  في  الكتابة  عن  معاناة  الإنسان  العراقي في  سجون  الديكتاتور ....
وهنا  يريد أن  يوصل   الكاتب  رسالة هامة  للمتلقي  بان  هذا  التراث  الخالد  إنما هو ملك  الإنسانية جمعاء شرقها وغربها ، إن  هذا  التراث  سجل حي  لحضارة العراق  وشعبه   ولا علاقة له  بالأنظمة    الباقي منها  ومن رحل ،  تخريبه   والتفريط به  جريمة  وطنية  وإنسانية كبرى .
أسلوب  سردي  امتلك موسيقى الشعر  وجمالية النثر 
يتميز  الأديب   زيد  الشهيد   بامتلاكه   كنز  لغوي   لا ينضب  وحس شاعري  في  اختيار مفرداته  ووضعها  في مكانها  ومعناها  المناسب ، بحيث  يشعر القاريء  بان المفردة  فرحة  بما هي عليه  لأنها  في المكان  والمحل والمعنى  الأكمل  والأدق  والشامل ، مما يجعلها  تفيض  بالمعنى   الذي  يمتع  القاريء  ويغني  النص ، ولو إننا  أردنا  أن   نعيد  صياغة  عبارة أو جملة  لما  عثرنا  أجمل  وأفضل  وأكمل  مما هو كائن ،  وهذه صفة لا يمتلكها  إلا كاتب  متمرس  يمتلك أسرار جمال  أداته  اللغوية  خصوصا  وان  لغتنا  العربية  تكشف  عن  قدرتها  المذهلة في  التصوير والتعبير  تمنحها  بأريحية  كبيرة  لمن   يمتلك   مفاتيح   أبواب  رياضها  الغنية  بالمعنى ...
كما  إن   الكاتب  امسك  بقوة  وتعامل  بمهنية وحرفية عالية    بخيوط   الحبكة السردية ،  فأنتج نسيجا  متماسكا  منسجما  ، فامتلك  بلاغة القول  وكفاءة  إيصال  المعنى ،  مما  يسعد القاريء  ويأخذ بيده نحو مكامن   الجمال والإبداع  دون ملل ...
ولكن القاريء  بعد إكماله  قراءة الرواية  لا ترتسم في  مخيلته  صورة شخصيات  الرواية  بما  فيها  صورة (( جاسم))   ولا (( طه  باقر))  و  ((العريف برهان ))  ولا حتى  لوالده (( شلال ))، فشخصياته  تمر على القاريء اسماءا  وسلوك  وليست  إشكالا  هيئات  وطبائع  وحركات  يتمثلها القاريء في مخيلته  فيكسبها  ذلك  المزيد  من  الواقعية والحيوية والتميز  وربما  الفرادة ...
 وهنا    لا يسعني  الإشارة  إلا  إلي  هفوة  واحدة  حيث   يصف  صورة الجندي  جد (( جوليا ))  والذي  ذكر أنها  بالأبيض والأسود  ولكنه حين يصفه  ملونا (( كان  شابا وسيما  ببدله كاكية  قميصها بجيبين عريضين  وأزرار ذهبية  وبنطلون تشد  ساقيه أشرطة كتانية خضراء..)) ص116.
أما  من  الجانب  الفكري  \ أرى   إن  هناك  انبهارا  بالحضارة الغربية الاستعمارية  يولد  عند  القاريء إن  البطل   ومن  ورائه  المؤلف  وكأنه يصدق بأن الدافع  في  استعمار   مثل  بلداننا  إنما هو بدافع   التحضر  والتحرر  وانتشال   هذه  الشعوب  من براثن  الفقر والجهل  والقهر ...
كما أن هناك    انحيازا  لفكرة خاطئة كما نرى  ،تحاول  بعض  الايدولوجيات  ترسيخها  في  أذهان  الناس  بأن  الإنسان  مجبول على الشر  والقتل  و لا فائدة من  محاولات  إصلاحه  ليسير في طريق  الحب  السلام
 (( إن الإنسان أيها الملك جبل على الشر ، وروح  القتل لديه  متجذرة في  أعماقه ، دوافع السرقة ، والعبث ،  والاستحواذ ، والتشهير  لا تزول من النفس  البشرية أبدا))  ص124. تعاد  نفس  الفكرة في  ص 159.
وهذا  رأي  ينفيه  علم  النفس وعلم  الاجتماع ،  والإنسان  يولد  صفحة بيضاء   يرسم  المجتمع  والبيئة  التي   يعيش في كنفها  عليها  خطوطه  وألوانه ، فالسلوك  منتج  بيئي  اجتماعي  بالدرجة الأولى  وليست   صفة  وراثية تخزنها جيناته  كما تخزن  لون عينيه  وشعره  وبشرته .....
ف ((شلال)) و ((جاسم ))  و((سالم ))  و((طه باقر )) وغيرهم  الكثير  وهم   عراقيون  وبشر ،  وكذلك   السراق  والقتلة  وأزلام  السلطة  عراقيون  وبشر أيضا ، ففي  الوقت الذي  تمكنت ظروف  القهر الاجتماعي والسلطوي إن  تجرف   قيم السلام  والمحبة  من  أدمغتهم ، فقد  عجزت عن  اختراق  أدمغة   وتخريب سلوكيات  الفئة  الأولى  مما  جعلها  ترفع  لواء مقاومة التعسف  والظلم  والقهر  وتقديم  التضحيات  على طريق  الحرية والكرامة الإنسانية ...
في الختام  نقول  إن  الكاتب  تمكن من إيصال  رسالته الإبداعية  بقدرة وكفاءة  تستحق  التقدير ،  ولا غرابة إن  يوحد  الحب  بين  روح((جاسم )) ابن السماوة و ((جوليا ))  ابنة  لندن ، فالإنسان  أخ  الإنسان  بغض النظر  عن  القوميات  والأعراق والأديان .
*رواية ((جاسم وجوليا ))259  صفحة  ط1 2016، دار امل الجديدة  سورية - دمشق، لمؤلفها  الأديب زيد الشهيد .



 




30
((رواية فندق السلام ))
للأديب
محمد سعد جبر ألحسناوي
                         
تسجيل بارع ،وسرد شيق لأحداث أيام دامية
بقلم الناقد:- حميد الحريزي
 

العنــــــــوان :-
فندق  السلام  أم  فندق الآلام؟؟

العنوان  دالة مهمة وإشارة بيانية  إيحائية من قبل الكاتب المرسل الى المتلقي المرسل إليه ، يوقف عنده الكاتب كثيرا  ليكون بمستوى المتن الحكائي وهويته   أولا ، ووسيلة جذب انتباه القاريء لاستيضاح ما يخفى وما يبطن من خلال اندفاع المتلقي لمعرفة ذلك عند قراءته للنص السردي  والشعري  ثانياً وبذلك  يحقق الكاتب هدفه في الكتابة من خلال العنوان اللافت  والمثير للتساؤل ...
فعنوان  (( فندق السلام )) ، في الوقت  الذي  يشير الى دلالة  مكانية واقعية  ، فهو  فندق  سياحي قامت  السلطة  بإنشائه في شمال مدينة النجف  على متن الطريق العام الرابط  بين مدينة النجف ومدينة كربلاء في  مقدمة  احد هذه الأحياء المسمى ((حي السلام)) ، وقد شكل  هذا الفندق دالة وشاخصاً سلطوياً بالنسبة لعامة  النجيين ، وهذه  ظاهرة  عامة في العراق  والدولة المشابه  فمؤسسات الدولة هي ملك  الحكومة  الاستبدادية  نتيجة  القطيعة  بين السلطة  والمواطن ، نتيجة اغترابه  عن  الحكومة  ، فهي وسيلة قهر واستغلال للمواطن  فهو  شاخص   معادي دائما ،  وهذا  هو احد الأسباب التي أدت الي قيام الجماهير المنتفضة  بحرق ونهب وتهديم اغلب مؤسسات الدولة  بما فيها المدارس ، غير مميزين بين  الدولة والحكومة ،  باعتبار الدولة  ملك  الشعب ووليدته  بينما  الحكومة في  هذه البلدان   وليدة   حزب  أو  طبقة  أو  دولة مستعمرة ...
هذا  الفندق اتخذته السلطات الديكتاتورية مقرا لقواتها اأثرا، الفاشية أثناء وبعد  فشل  الانتفاضة الاذارية ، فكان فندقا للآلام وقاتلا للأحلام، احتجز فيه آلاف الرجال من الشباب والشيوخ  وحتى الاطفال  وجرت عملية إعدامات مباشرة في داخله وعلى جوانبه خصوصا بعد ان أخذت تجوب النجف سيارات السلطة تدعو العسكريين للالتحاق الى فندق السلام بعفو من القيادة وبعذر أنَّها ستوفر لهم  وسائل  النقل التي ستقلهم الي وحداتهم  ،  وقد كانت  هذه الدعوة مصيدة ومكيدة حقيرة وقذرة  لإلقاء القبض على الشباب ومن  ثم إعدامهم أو إرسالهم الي معسكرات التعذيب الوحشية في الرضوانية أو  في  آمرية الانضباط العسكري والتي لم يفلت منها حيا الا وهو مصاب بعاهة جسدية أو نفسية خطيرة.بعد انهيار النظام  في  2003  لم  يبقَ  لهذا  الفندق   أثرا ، حاله  حال  العديد  من  المؤسسات  القمعية  في المحافظة .
وبذلك كان عنوان الرواية يحمل معنى التضاد   لو وجدت علامة استفهام  أو تعجب بجانب الاسم، نرى كان الأحرى ان تسمى برواية (( فندق  الآلام )) وليس فندق السلام .


((علي)) الثائر عاشق ال((إيمان)) في  رحاب حي(( الحسين)).
******************************.
الشخصية المحورية في الرواية هو الشاب الثائر  الذي حمل  القيم الايمانية ((علي)) وهنا علي هذا الاسم الذي  يتماها وعظمة وقدسية وهيبة وعظمة رمز الشجاعة وحامل القيم الايمانية وناصر الضعفاء والفقراء ،  حامل سيف الحق  والعدل ، المقتول غدرا  من قبل  اهل  الضلالة (( الإمام علي  بن  أبي طالب  عليه السلام ))، فكان علي في الرواية الشاب الذي يغلي حماسا وثورة ضد الظلم والقهر المسلط على أبناء شعبه ووطنه، يتصف  بالمبدئية والجرأة والإقدام على الفعل  والقول ،  ويتصف  بالفطنة والقدرة على القيادة والتوجيه وتشخيص  مواطن الضعف والقوة لدى الخصم ،  يتصف  بالفراسة في  تقييم وتشخيص  إمكانيات  وقابليات ومميزات من  يحيطه من الشباب، كذلك فهو يحظى بحب واحترام الثوار من الشباب ، ويثير خفيضة وحذر وخوف العملاء والمندسين والخونة  الى درجة التخطيط  لاغتياله في خضم معارك المواجهة مع  قوات السلطة .
ولكي  يضع الكاتب ((عليا)) في  بيئته ، فكان هو عاشق ال ((إيمان)) تلك الفتاة البريئة النقية الذكية  الطاهرة المخلصة لـ (( علي)) حلمها وأملها رافع  راية الإيمان  وحامل  مشعل المبادئ فهو  لباس  لها وهي  لباس  له  لا يليق  احدهما   الا  للآخر ،كل هذا العشق  يدور في  رحاب  حي ((الحسين )) أمام الثورة ورافع لواء الإصلاح،  ووريث ((علي)) وخليفته من بعده، هذا العشق  النقي  لدى  ((علي)) ل ((إيمان)) في حيز  ورحاب ((الحسين)) الفواح بعطر قداح الثورة على الظلم المضمخ بعطر الحب والصدق  والوفاء ، وهنا كل  شيء محاط  بالقدسية والنبل  والرفعة والسمو ..وهو ما يرمي إليه الكاتب .
ان عليا ثائرا ، عاشقا ، عليا سامع كلمة الحوزة ومنفذ ومجند نفسه وباذلا  حياته على طريقها ، علي صلة الوصل بين علية القوم في  مدينة النجف ، الخوئي والسبزواري والصدر ، وبيت شمسه  وفخر الدين  وسعد راضي والبو غنيم   والخرسان ، وبين فقراء وكادحي النجف  من فقراء وكادحين من عمال وكسبة وحوذيين  أمثال (( سلمان الحافي)) وعباس وخضير وعبد الزهرة  وغيرهم الكثير ،  يبدو لي ان  هناك رابطا  واعيا بين ال((الإيمان)) في حي الحسين وبين العلم في ((حي  المهندسين))، فالعلم  والإيمان كليهما   يطلب العدل  والحرية  والسلام ، كذلك  العلاقة  بين حي الأنصار والجديدات والحي العسكري ودوارنهما حول  قطب مرجعيتهم حول  الضريح المقدس مقر الحوزة الدينية   التي  ساندت  الثورة ...
وبذلك  أرى ان الكاتب كان واعيا لما يريد قوله مشبعا بروح القيم الدينية  مستلهما دروس التضحية من رموزها الكبرى عليا وأولاده وذريته التي  توارثت  الثورة ضد  الظلم والطغيان  رغم جسامة التضحيات  من قتل  وتشريد  وسجون   ومضايقة ...
كذلك  كان واعيا في اختياره لأسماء العملاء والخونة محاولا إبعادها عن دلالات الأئمة والأولياء وأوصياء ك ((مصعب))  مجيد ، وسرمد، وعردوش ،وفاخر ... رغم ان  هذا التوصيف انحيازا  واضحا لا يمكن  تعميمه وإلا لكان  علي  كيماوي وحسين كامل  وغيرهم من الأتقياء الانقياء .
كذلك  هناك محاولة لإلصاق تهمة الخيانة والاشتغال في جهاز الأمن  والمخابرات لناس  من خارج  النجف كإلصاق لقب  البصري  بمصعب  ولقب  السماوي  بشراد في حين  الوقائع والحقائق تشير الى بطلان  هذا الادعاء حيث  وضع  العديد  من أدعياء النجفية  والمشهدية  الأصيلة أنفسهم في خدمة الأنظمة في السابق واللاحق ، سواء  للأتراك أو للفرس  أو للانكليز  أو  لصدام   وما بعده  أو للأمريكان  في زمننا الحاضر ،  فالعمالة استعداد   ودونية ذاتية  وإفرازات  مجتمعية ونفسية لا علاقة   لها  بالمدينة  الا ماندر ، فهم أشخاص  موجودون  في  المدن  وفي كل  الفترات والحكومات  والأنظمة ...
ولاشك ان  ثوار النجف  في  مختلف الأوقات هم الأعلم بهذه  الحقيقة أكثر من غيرهم .
الكاتب  لم يغفل إدانة سلوكية بعض جهلاء مدينة النجف ممن يسمون أنفسهم (( بالنجفيين الاقحاح)) ،  وليس هناك اعتراضا الى نسبهم ألنجفي  أو اعتزازهم  بنجفتيهم الأصيلة  ولكن الإدانة لنظرتهم القاصرة والدونية لأبناء الريف اللذين استوطنوا  مدينة الإمام علي وتسميتهم  ب(( المعدان))  دلالة التخلف والهمجية والبلادة  حتى وان كان  جده أو جد  جده   أتى من الريف   للمدينة ، وهذه  نظرة وسلوكية تدل على الجهل وضيق الأفق يقع  في شباكها أحيانا حتى من يدعي الثقافة  والتحضر  والانفتاح... ولا نرى  هذا السلوك الا  ردة فعل  غير واعية من قبل  سكنة  المدينة من القوميات الغير عربية من الفرس أو الأتراك  أو الأفغان  على الممارسات اللا إنسانية  ضدهم من قبل  الحكومات  القومانية  أو الرجعية  المؤتمرة بأمر السيد  لها في  الخارج لإثارة النعرات  وبث  التفرقة بين المواطنين  العراقيين  تحت مختلف الأعذار ، الم يقسموا  النجف  الي  زكرت  وشمرت  وأربعة أطراف  متحاربة  ومتعادية ؟؟؟
فهذه  السلوكيات   تعاكس طبيعة النجف  كمدينة سياحية   وتجارية  وصناعية جاذبة  وليست طاردة   ويتوجب ان  يمتاز  سكانها  بالتسامح  والمحبة وسعة الصدر لكل  وافد  وقادم  الى  رحابها  رحاب  الإمام  علي  عليه  السلام صاحب القول الرصين (( أحبب لأخيك ماتحب  لنفسك  ..))  و (( لا فرق بين عربي وأعجمي  الا بالتقوى )) وهناك الكثير مما يقال  في هذا المجال ...
كذلك  يمكن  لقارئ  الرواية  وأحداث  الانتفاضة  ولمن عاش إحداثها والتي  لازالت هناك أراء غير متفقة بين عفويتها وأصالتها العراقية ، وبين كونها انتفاضة مخطط لها  سواء في الداخل  أو الخارج ومابينهما...
ان القيادة  أقحمت  إقحاما  على المرجعيات الدينية  التي كانت  تأخذ بمبدأ التقية ودور الوعظ  والإرشاد والتلميح  دون التصريح ، بدلا من الحث  على التمرد والثورية ، الا ما تعلق بالخط الصدري الأول  والثاني فيما بعد ، فالجماهير الثائرة والمتمردة وخصوصا طلائع الجنود المكسورين  والمهزومين  من جبهات القتال   كان  لهم دور في إشعال  فتيل الانتفاضة في المدن العراقية،  ولكن  في النجف  كانت  الانتفاضة مخطط لها  من  قبل  نخبة من الشباب ،  في ظل  فراغ  امني كبير تركته  الحرب على  الداخل العراقي ، وبذلك فقد وضعت  هذه الجماهير الثائرة رموز الحوزة الدينية في  خيار صعب الا وهو الانحياز  الى جانب  الثوار ومباركتهم ، خصوصا  وان  هوية الثوار  وطابعهم الفكري  ديني  جعفري في شعاراتها ومطالبها  وتوجهاتها (( لاشرقية ولاغربية جمهورية اسلامية )) وكنا  نسمع  من مكبرات  الصوت  في  الصحن الحيدري  صوتاً  يصدح   ب(( نعم نحن  خمينيون )) وغيرها  من الشعارات ... فالعامة من الناس  ((العمايدية)) كما يسمونهم هم  من أشعل فتيل الانتفاضة وهم اللذين دفعوا القسط  الأكبر من الدماء والشقاء وكان  لهم اكبر الحصص في  المقابر الجماعية  ولم تزل  جثث  الكثيرين  منهم مجهولة المكان ، فكانوا  ولا زالوا  هم  الأكثر عطاءا  والأقل  مكسبا  في الماضي والحاضر ، كانت قيادة الانتفاضة سجالا بين  ((العمامة )) و ((العامة)) ، فقد كانت  انتفاضة شعبية  بامتياز ، ركب  البعض  موجتها  فأساؤوا  إليها أكثر مما  نفعوها ،ولم تكن  قيادتها  بمستوى  حماس  الجماهير  واستعدادها  للتضحية، وقد  كان  هذا  احد  أسباب  فشل   الانتفاضة  الذي   يعزوه  البعض الى الدور السلبي لقوات  التحالف وخصوصا  الأمريكية  في دعم الانتفاضة ، فكيف   تساند أمريكا  وحلفاؤها  ثورة شيعية ((خمينية))، تعتبرها عدوا  استراتيجيا  لها  في المنطقة والعالم ، فقد كانت هناك  أخطاء  إستراتيجية  وتكتيكية  ليس  ضمن مجال  بحثنا  هي  التي  أدت  الى فشل  الانتفاضة ، ناهيك عن كون  الأمريكان صرحوا  علانية بأنهم لا يريدون سقوط النظام في العراق على  يد أبنائه  في ثورة  شعبية ،  بل  أرادوا  سقوطه  على  أيديهم  في 2003، بعد ان  أنهكوا  الشعب  العراقي   في حصار ظالم ،مكنهم  ومكن  الديكتاتور من أحكام قبضته  على الشعب وتصفية  قواه  الوطنية  من مختلف  المشار والتيارات  السياسية ، فتمكن تحت  عصا  التخويف والتجويع  والتشريد  من تجريف   القيم الايجابية  المختزنة في  ذاكرة وسلوكية  الجماهير  خلال  عشرات  السنين من الكفاح ضد  القهر  والحرمان ، وبذلك  مهد الطرفان  الطريق للدبابة الأمريكية  بتدنيس ارض العراق  تحت ذريعة تحرير شعبه .
كان علي واعيا   لخطورة الاحتلال ورافضا   ان  يكون الخلاص  على يد  المحتلين   الأمريكان  وكأنه  متناغمٌ  مع  شعار (( لا ديكتاتورية ولا  احتلال )) الذي كان مرفوعا من قبل بعض  القوى اليسارية العراقية ،  وكل أحرار العراق .
سوف  لن  ادخل  في  تفاصيل  المعارك البطولية   التي  خاضها الثوار  في مختلف مناطق النجف  والتي  تمكن الكاتب  من  تسجيلها بدقة الحاضر المشارك  والسارد المبدع ، وهي مادة غنية  توثيقية لفلم  تسجيلي  ننتظر ان  ينجزه  احدهم .
دور المرأة في  الانتفاضة :-
******************.
اظهر  الكاتب  الدور الهام والمؤثر  للمرأة  النجفية في  مساندة  الانتفاضة الاذارية سواء  من حيث الدعم المعنوي والمشجع للثوار في  مقاومة الظلم والتعسف أو في المساهمة المباشرة في القتال في الميدان ومشاركة أخيها  الرجل في التصدي لقوات القمع في ساحات الكفاح ...
فإنَّ (( إيمان )) وأمها  أم  ((زهير)) مدرسة التاريخ  المتقاعدة ، وأم ثويني ، وأم جهاد، ونساء وعائلة السيد الخوئي والكثير من عوائل  ونساء ((العامة))  المجهولات مثالا  للشجاعة والجرأة في مقاومة الظلم  من اجل غد  أفضل  ومثالا للصمود في  الزنازين والسجن  والمعتقلات ومواجهة موجات التعذيب والقهر من قبل أجهزة السلطة ،   وهذا الدور مشهود للمرأة  العراقية والنجفية  خلال  ثورة 1918 و1920 ، وانتفاضات  وتظاهرات  النجف ضد السلطات   العميلة والتابعة  في  الثلاثينات  والأربعينيات  والخمسينيات من  القرن العشرين  سواء في  تياراتها  اليسارية   أو  القومية أو الدينية ،  وقد كانت  (( زينب)) و ((ليلى )) مثالا للمساهمة المباشرة في القتال البطولي حد  الاستشهاد ص ((183))

المكان  الفاعل والمنفعل :-
************.
 كانت كاميرة وعي الكاتب فَطِنَةً  وواعيةً  في رصد الأمكنة المختلفة كما  هي واعية  لرصد  حركات  رفاقه  المناضلين  في مختلف  شوارع  وساحات  وإحياء المدينة ، منذ انطلاق الانتفاضة في محيط الصحن الشريف ثمَّ توجه قسم من المتظاهرين باتجاه شارع المدينة واستيلائهم على مركز شرطة الغري ،  ثم  ما دار خلال  الاستيلاء على  مركز التفسيرات قرب الميدان  ،  وعمارة الحياة ، وشارع  الصادق ،  وشارع  الرسول ، وحي  الحسين ، وما  جرى  في  سراديب   مقابر النجف ،  وفي   صافي  صفا ، وحي الحسين وساحة ثورة العشرين  والكوفة ، ففي الوقت الذي كانت  الروح وكان  العقل مركزه في الصحن الحيدري وما حوله من دور المراجع ، وقد  كانت  هذه  الأماكن فاعلة مفكرة موجه ،  وكانت الجديدات وحي  الأنصار والحي  العسكري منفعلة  تمور بالحماس والاستعداد البطولي للتضحية  وتحقيق  النصر  على رموز السلطة  وأدواتها  القمعية ونظرا  لسعة  حيز ( الانتفاضي المكاني ) فلم يلم  الكاتب بمجريات الأحداث والعناصر  الفاعلة في  تحريكها وتثو يرها  في العديد من أحياء النجف  عامة ، وفي الاقضية والنواحي التابعة للنجف كالمشخاب والدور  البطولي  الشجاع  الذي  قام  به  (( عبودي  القصاب ))  في  إشعال  فتيل  الانتفاضة  في المشخاب ودوره القيادي الكبير في  تنظيم المقاومة هناك  حتى بعد دخول  الجيش بالإضافة  الى دوره في  تنظيم  حياة الناس  في المدينة التي  اكتظت  بالنازحين  من  مركز مدينة النجف
 وتوفير القوت للنازحين ولأهل المشخاب وكانت بحقه  الأهزوجة  الشهيرة  حول  توزيع  التمر  لسد حاجة الناس  الجياع في  المدينة وقراها  (( ماكو تمر الا  بأمر عبودي)) ،  وكذا الحال في  أبي  صخير والعباسية والحيدرية ، وهناك  الكثير  الذي  مازال  طي  الصدور حول   ماعاناه  أبناء العراق  من  عسف  النظام  وقهره ،  والكثير مما يقال حول  البطولات الفردية أو الجماعية للجماهير الثائرة  التي يصعب تسجيلها  وإحصاءها .
ماذا يريد  الثوار وما هو توجههم الفكري ؟؟؟
***********************.
الذي يطالع  الرواية  وكذلك  المتابع  لأحداثها  الفعلية أو من خلال  الرواية   ومن مركز قيادتها  سواء  المكتوبة أو المسموعة  يرى ان  الهدف  الأساسي  للانتفاضة والمنتفضين هو الخلاص  من الحكم الصدامي ، والإيحاء هو جمهورية اسلامية  وبقيادة دينية جعفرية على وجه  التحديد ، فليس  هناك برنامج تعد  فيه الانتفاضة الجماهير  بعد  الانتصار على الديكتاتورية   ولا  شكل الحكم القادم  غير هيمنة الخط الديني والأخذ  بأمر  وفتوى رجال الدين  وأعلامها  ورموزها  الحوزوية  حيث هدفها  النهائي  هو إقامة جمهورية اسلامية  متماهية مع  الجمهورية الإسلامية  الإيرانية  وسائرة على نهجها  وهذا هو الوعي الممكن  لجمع  المنتفضين  مجسدا  بسلوك وشعارات رموزهم  ومنهم  بطل  الرواية  ((علي))  فالوعي  الممكن حسب  ما يراه  غولدمان:-
 ((هو الذي  يجسد الطموحات القصوى التي تهدف إليها الجماعة ، وهناك علاقة وثيقة بين الوعي الواقع  والوعي الممكن، غير ان العي الممكن ه  المحرك الفعال لفكر الجماعة ، بل ه الذي يرسم مستقبلها ، ويعطيها صورتها الحيوية في الحاضر والمستقبل ، وعادة ما  يكون الوعي الممكن في غير متناول الناس العاديين الذين  يندمجن في الجماعة ، ولكنه فقط في متناول الأشخاص ذوي  الثقافة العالية ، كالفلاسفة والأدباء والسياسيين )) حميد لحمداني – الراية والايدولوجيا  ص69....
ومن  علاماتها الدالة على  قولنا  منح حماية سيارة السيد الخوئي  رقم  واحد جمهورية اسلامية
(( تم اختيار حيدر محي الدين مسئولا عن حماية السيد وتزويده بهوية "مجاهد" ثم أمر السيد مجيد الخوئي بمنح سيارته رقم((1 جمهورية إسلاميه)) الرواية ص54.
والشعارات التي كان يرفعها  قادة  التظاهرة  من  المثقفين  ويرددها عامة الناس كما  ورد  في الرواية
(( وازدادت أعداد المتظاهرين  شيئا فشيئا حتى بلغت المئات مرددين عدة شعارات (يا صدام شيل  ايدك شعب النجف  ميريدك ،  لا زعيم الا الحكيم  لا زعيم  الا الحكيم) وكان من بينهم مجموعة من مثقفي النجف وأدبائها))الرواية ص24 

 ولم يكن  هناك من  يتحدث  عن  حكومة تعددية ديمقراطية  غير دينية  الا  أقلية  من  اليساريين  والعلمانيين  والمدنيين  الذين يكاد  صوتهم  لا يسمع ، ولذلك  لم  تسجل  ذاكرة  الكاتب لهم  إي موقف
ان  هذا  التوجه هو ما  أثار توجس  الطوائف  الأخرى وخصوصا  الطائفة السنية   والذي  استغله  النظام  في  كسب  مساندتها   وفي اقل التوصيفات  بقاؤها  على الحياة   لا بل  كبت حتى  نية من كان من ((السنة))   يتحين  الفرصة للانقضاض على النظام  نتيجة لمعاناتهم  من ظلمه  وجبروته  وفتكه  برموزهم  وقادتهم ، كما أثار هذا توجس  الأنظمة الإقليمية المجاورة  والدولية على السواء ، والعمل  على إحباط الانتفاضة وإعادة زمام الأمور الى السلطة الصدامية  فهو أفضل  الشرين  بالنسبة لهم ...ولا نريد ان  نخرج  كثرا  على داخل  المتن  الى خارجه  وملابساته  وتعقيداته  وأثره  على التطورات اللاحقة  في العراق .
وبذلك  فالرواية   تكاد تحمل  فكر وايدولوجية   واحدة  ومن  لون  واحد ، مما  افقد الرواية حيوية  الحوار بين  أكثر من  ايدولوجية كما  في الواقع المعاش فعلا  ، الا  إذا  قلنا ان  الصراع  كان  بين  الايدولوجية  الدينية الشيعية وهو هنا يمثل  الوعي الواقع للمنتفضين  كما يراه  غولدمان (( الوعي الواقع هو مجموع التصورات التي تملكها جماعة ما عن حياتها ونشاطها الاجتماعي ، سواء في علاقاتها مع الطبيعة ، أم علاقاتها مع  الجماعات الأخرى ، وهذه التصورات تبد ثابتة وراسخة ، بحيث  لا يمكن تصور وجود الجماعة المذكورة بدونها ))حميد لحمداني – الرواية والايدولوجيا  ص69
 وبين  الايدولوجية  القومانية  الصدامية ، وفي كليهما  يغيب  البعد الطبقي  في مثل  هذا  الصراع ، ان لم نقل  إنهما  ينتميان  الي  نفس التركيبة الطبقية  ، وهذا ما  نلمسه  من خلال صراع  أبطال  الرواية وشخصياتها   المنتفضين  من جهة   وأنصار السلطة من جهة أخرى ، وبالنتيجة  هي  تعكس  ايدولوجية الكاتب  وهنا  واضح    تبنيه وانحيازه  الكامل  الي  الفكر الديني  الشيعي  تحديدا
(( وأخيرا تحرك المارد الإسلامي وزحف لقلع جذور الفساد والمفسدين من ارض الشرف والإسلام النجف الثائر أتتبعها مدن الفرات والجنب)) الرواية ص24   
 وبذلك  فالرواية  تتسلح بايدولوجية  وفكر وممارسة   الكاتب  ، رغم  ظلال  الصراع الفكري  الباهت  بين المتصارعين  والذي تحول  في الرواية ومن خلال  الانتفاضة  الي   صراع البنادق والرصاص  بعد ان   استنفذت  كل  الوسائل  الأخرى طاقتها بسبب  استبداد الحاكم  ،وكما قال   باختين :-
(( ان  الايدولوجيا في الرواية إذ تكون عادة متصلة بصراع الأبطال بينما تبقى  الرواية كايدولوجيا تعبيرا عن تصورات الكاتب بواسطة تلك الايدولوجيات المتصارعة نفسها )) .د. حميد لحمداني- النقد الروائي والايدولوجيا ط1 1990 ص37 المركز الثقافي العربي.
هذا هو واقع الشرذمة  والرثاثة الطبقية  للمجتمع  العراقي الذي  أنهكته  الحروب  وسنوات  القهر والتجويع ،  وسيادة نزعة الاستهلاك   على  الإنتاج ،  في  ظل حكم دولة   النفط الريعية ، مما  أنتج  فكرا  سلطويا  شعبويا   اقصائيا فرديا مستبدا حاكما ،  وفكرا   دينيا  معارضا  يوازيه ويماثله  من  حيث  نزعته في  تقديس الفرد  وتهميش ان لم نقل  إقصاء المختلف  والمخالف وحسب  قربها او بعدها عن كرسي الحكم  و شدة الإمساك  بصولجان  السلطة ، لكونها  نتاج  نفس  الطبقة الاجتماعية المأزومة  المنقسمة على ذاتها(( الاقطوازية ))  كما  وصفناها  في عدة دراسات لنا  ، بسبب علة  في  بنيتها ومحاولتها  تجاوز أزمة هيمنتها الطبقية ، وقد حاول  الديكتاتور مواجهة الفكر الديني  الشيعي  المعارض  بفكر مضاد على نفس المستوى من  خلال حملته  الايمانية  وارتدائه  لباس  ((عبد الله  المؤمن))  في  أيام حكمه الا خيرة  ولم  ينقصه  آنذاك  الا  ارتداء العمامة  ليكون  خليفة المسلمين وأمير المؤمنين  وقد  اختار لون عمامته بلون عمامة معارضيه  فنسب نفسه الي  الإمام علي عليه  السلام   كما تشير الي ذلك   شجرة نسبه كما  شجرة  أسمائه ((الحسنى))  التي  رسمها  لنفسه  وبصم  له عليها  مناصريه  في حين حاول  ان  ينزع   صفة العزوبية من   معارضيه زاعما  أنهم   من الفرس ومن بقايا  الزط ...الخ  من الافتراءات لينال منهم  وليمسك  هو   بكل   الخيوط العزوبية  والإسلامية  السنية والشيعية  مجتمعة في شخص  القائد الضرورة .
وقد  انتقل الحكم  بعد  الاحتلال  الي  القسم  المعارض  من نفس  الطبقة  ولكن بلباس ديمقراطي  هذه  المرة  وبمشيئة   قوة خارجية غازية  ، فعاد الصراع  الدموي  بين  شراذمها المأزومة  ثانية  وان  اتخذ اسماءا  واشكالا   أخرى ،  مع  تبادل  المواقع  على رأس السلطة ، شكل  (( داعش)) اشد أجنحة  السلطة((السنية)) القومانية  المهزومة تطرفا في صف  المعارضة المسلحة  ورفض مجمل  العملية السياسية (( دواعش الصحراء))،وأجنحة أخرى لها رجل  مع المعارضة المسلحة ،  ورجل  في السلطة  وقبول اللعبة السياسية  حتى  أنها تكاد تمثل  الجناح السياسي للمعارضة المسلحة (( دواعش الخضراء)) ،  وفي الطرف  الثاني الكتلة  ((الشيعية)) الأكثر هيمنة على السلطة  الا اننا  لا نرى((عليا ))  و لا ((ايمان ))  ضمنها  في الجانب الثاني من الصراع وهي  على  مستويات مختلفة من حيث  قربها و بعدها عن كرسي الحكم  فمنها  من  انغمس  في العملية السياسية  ودافع  عنها  باستماتة  وأخرى  رفعت  بوجهها السلاح  حد  الاستماتة ،  هذا الصراع  بمختلف تمظهراته  سيطول  أمده  مادامت   هذه  الطبقة المأزومة هي  الحاكمة.
واذا صح  لنا  التشبيه  في  الماضي واستحضاره   لنكون قريبين من طبيعة  صراع القوى  المتنافسة على سدة الحكم في العراق ، فلابد من استحضار  قبيلة (( قريش))، وصراع  بطونها  وأجنحتها المختلفة على  السلطة   من  الأمويين ، والعباسيين ، والعلويين  يختلفون  في التسميات وربما  بأهداف  ووسائل  الحكم  ولكنهم  بالتالي  من  قبيلة  .
وبذلك فرواية فندق  السلام   قدمت  لنا  تجسيدا  عمليا لواقع  الصراع في  المجتمع  العراقي  يمتد  ربما  منذ الثورة الجمهورية  الأولى  الي حين  التاريخ   رغم أنها   تختم   عند بداية الاحتلال ، ولكن  ما بعد  الاحتلال  أعاد عجلة الصراع  لتدور  بشكل  مقلوب ولكنها  مطحنة  يدورها  نفس الدولاب  وتنتج  عين الطحين ، الذي  يذهب جله الي تنور الحاكم ،  ولا يحصل منه الإنسان  العراقي  العادي سوى الفتات ...  فظل(( عليا و ايمانه))خارج  ((المنطقة الخضراء))،  و لا زال  ((سلمان ))  حافيا لا يسمع صوته  سوى حماره !!!

 ملاحظات  لابد منها :-
*هناك العديد من الملاحظات  تستوجب الإشارة إليها  نراها  خللا  في الحبكة  الروائية  من قبل الكاتب ، ففي بداية الرواية عند وصف انطلاقة الانتفاضة في  شارع المدينة  ووجود  مصعب ، يذكر الكاتب ان  مصعبا  البصراوي  يخفي بين  شواجير بندقيته كإمرة خفية  يصور  من خلالها الأحداث  والأشخاص ، ومصعب  هو احد  ضباط   امن السلطة المندسين  بين  المنتفضين ، ولا يكشف  أمره  الا بعد عدت  أيام  وبعد  ان  يقوم بإنجاز مهام صعبة وخطرة  وتزويد السلطة بالمعلومات عن  الانتفاضة   ، فكان يفترض عدم كشف هذا  السر  عن مصعب ودره  وكإمرته الا بعد  مقتله ومقتل  زوجته ((دموع))  ومسئوله ضابط  الاستخبارات (( سرمد)) ، وإلا كيف  يمكن  تبرير  السكوت  عنه كل هذه  الفترة  ونحن نعلم حمله  لكاميرا مخفية   تصور المنتفضين (( في هذه  الأثناء كان مصعب البصري الذي عصب رأسه ولاث على رقبته يشماغا اسود يصور احتراق المركز بكامرته الصغيرة التي  لا يزيد حجمها على حجم (قداحة سجائر) والتي أخفاها بين ثلاثة شواجير عتاد ربطها على بندقيته التي لم يرم بها أطلاقة واحدة ، كان يصور بدقة وجوه  المتظاهرين ....الخ)) الرواية ص18.
 
* طلب  ((علي)) للعتاد  بواسطة أخيه  حسنين  من  مشجب  الوحدة  التي مقرها بغداد ،  واستجابة  المسؤول  لطلب وتحميل سيارة علي بكمية كبيرة من العتاد ، ومن  ثم نقله  للنجف ، أمرا   في غاية  الصعوبة وغير واقعي  لمن يعرف صرامة  السلطة  وخصوصا   في حالة فقدان  أية  قطعة سلاح  أو أية  طلقة عتاد ،  حيث  تعرض المقصر  حتى لعقوبة الإعدام !!!
* تخلص ((علي)) في أكثر  من حدث  من موت محقق ، محاولة  لاغتيال  في عمارة الحياة ، إخراجه للعتاد وخلاصه  من السيطرات في ذهابه  وإيابه  من النجف  الي بغداد وبالعكس ، اعتراضه من قبل  الضابط الذي أراد اعتقاله على طريق النجف  كربلاء  بالقرب  من حي المهندسين  وحدث معجزة اشتغال  ماكينة سيارة الضابط بإيحاء من علي ،  وحصوله  على هويته  نتيجة  ذلك ، مقتل شراد السماوي على يد الجلاد حينما أراد الاعتراف على علي في سجن الانضباط العسكري  طمعا  في الخلاص ،  ضياع ومن ثم العثور بالقدر على كتاب العفو عالقا  في سرواله  حين تم  إلقاء القبض عليه  من قبل  مفارز السلطة في كراج العلاوي  هو   ورفيقه ...
واذا كانت  هناك  صدفة او مصادفة تخدم  الفرد  لخلاصه  من  ورطة او مأزق   فمن الصعوبة  واقعيا  ان تجتمع  كل هذه  الصدف  مع  شخص  واحد كما  حدث  مع  ((علي))،   وقد  مكنت  هذه  الصدف  المثالية  بمساعدة  الكاتب  ليبقى  بطله  حيا  رغم  كل  ما لا قاه من محن  وما قام به  من  مغامرات ...!!!
من المعروف  ان الكثير من الشباب ورغم دخوله  للجيش لا يجيد استخدام السلاح  وخصوصا   استخدام  القاذفة  ار بي جي  سفن  فكيف  بشابة ليس لها أدنى تجربة أو تماس مع السلاح ، تمكن المقاتل محمد تبلية من تدريبها خلال فترة وجيزة  لتكون  رامية قاذفة  ماهرة  تمكنت  من  إحراق  دبابات  العدو رغم   ما يلف  الوضع من خوف  وإرباك  ومغامرة ، بالإضافة  الى  التساؤل  على  كيفية  الثقة  بنساء الا  إذا كان  يعرفهن سبقا  ولكن  لم  يرد   في الرواية ما يشير  الي ذلك  ، فكيف  تتم عملية تدريبهن  ، وتسليمهن  السلاح  والعتاد  دون  تحسب  قد  يكنَّ  مدسوسات ، كان  يمكن ان يجد  الكاتب تخريجة  أخرى  لمشاركة  النساء في المعركة  كون هناك العديد  من  النساء شاركن في قتال السلطة في الاهوار وفي جبال  كردستان  ولهن  تاريخ  معروف  في المدينة .
ـــ       كما  ان  الكاتب اغفل  أو تغافل  عن ظاهرة  السلب  والنهب  لمؤسسات  الدولة  ومخازنها  كافة  والقيام  بإحراق  بعضها ،  كالمخازن   الغذائية ،  و((الاورزدي  باك ))،  ومخازن المواد  الإنشائية  وغيرها ،  ولا شك  ان  هناك  يد  للسلطة  وأجهزتها  الأمنية  يد  في ما حدث   ف((سرمد))  وأمثاله   لا يمكن ان  يغيب  عنهم  بتوجيه  الناس  الى مثل هذه  الأفعال  لتكون  سبة على  الثوار  وإدانة لهم  بتهمة   النهب  والسلب وحرق  مؤسسات الدولة .
 ((  فقط إذا ما حاول الروائي"ان يجعلك ترى" سيكون عندها قادرا "ان يجعلك تفهم وتصدق")) ص75  تطورات الرواية الحديثة لطفية الدليمي
من  الملاحظ  ان  القارئ  حين يفرغ  من قراءة  الرواية  لا يحتفظ  بصور  شخصيتها من  حيث  التوصيف  والتعريف  بالشكل  والمظهر والسلوك ، كما ان  دواخل  هذه  الشخصية  ظلت  موصدة  أمام   القارئ   فلم   نشهد   حوار داخلي للشخصية مع  ذاتها  لنتعرف   على   عمقها  في حالة الوعي واللاوعي  وهو أمر  مطلوب  لإغناء  شخصيات  الرواية  وانعكاسها  في  وعي  وذاكرة القارئ. ف (( الرواية ليست محض وصف  للحياة يبعث  على المتعة بل هي شيء يمكن ان "يتنافس مع الحياة" وان يطورها ويرتقي بها وحتى يفوقها ويضعها في مخ مصيدته لأجل تحقيق غايات مستحبة بأعظم  قدر من الدقة، ))تطور الرواية الحديثة – ترجمة لطفية الدليمي ص67-68
وفي هذا المقام   لا يسعنا  الا ان  نستشهد  بمقولة  الكاتب  الانكليزي  سومر ست موم  حول  فن  الرواية  ولنكون موضوعيين  ومنصفين في دراستها :-
 (( إنني كلما فكرت في عدد العقبات التي على الروائي إن يجتازها ، وفي مهاوي الزلل التي عليه أن يتجنبها ،لا أدهش حين  أجد  حتى أعظم  الروايات لا تخلو من العيوب ولكني أدهش فقط لأنها ليس فيها إلا هذا القدر من العيوب... )).
في الختام لا يسعنا  الا  ان  نشيد  إشادة كبيرة في الجهد  الكبير الذي  بذله  الكاتب  في  توثيق  هذه  الأحداث الهامة في تاريخ  مدينة النجف  وانتفاضتها  في  1991، وقد تمكن بالفعل  في  إنتاج  رواية  تسجيلية   يمكن  ان   تكون مادة ثرية  ودسمة  لفلم  وثائقي  مميز ، تجمع  بين  الوثائقية   التاريخية وبين  الصياغة الروائية  بأسلوب  ممتع   يجمع  بين  الواقعي والمتخيل  صاحب الأرضية الواقعية  ، وكما   قال  سعيد يقطين:-
(( ان الرواية التاريخية ... تنهض على أساس مادة تاريخية لكنها تقدم وفق قواعد الخطاب الروائي"القائم على البعد التخيلي مهما كان واقعيا  وحقيقيا" وهذا مايجعلها مختلف عن الخطاب التاريخي)) قضايا الرواية العربية الجديدة – الوجود والحدود ط1 2012م- دار الأمان  الرباط ص159.
 وبذلك  سجل نجاحا  ملحوظا  ومميزا  في  ((ادبنة التاريخ ))  ضمن منظوره   ومنهجه  الفكري  الذي  لا نريد  ان  نكون  حكاما  على  مخرجاته  واستنتاجاته  فهي حق  من حقوق  المؤلف فليس هناك كلمة محايدة كما يقول  باختين
 (( لكل كلمة صاحبها المغرض والمتحيز، ولا وجود لكلمات ذات دلالة عامة  لا تعود  لأحد)) مختارات من إعمال ميخائيل باختين ترجمة يوسف حلاق ط1 2008 ص 235.
ولا شك  ان  هناك الكثير من  الملاحظات   سواء  بالإضافة أو بالحذف  بالموافقة أو الرفض لما ورد  من إحداث وأسماء شخصيات  في الرواية  حيث    ان  الكثير من  عاشوا  وعايشوا  واشتركوا في  هذه  الإحداث  لازالوا أحياءً ، وربما   هناك لكل نجفي عاش تلك الفترة رواية  حول  هذه  الأحداث  الدامية ،ناهيك عما  حمله  الشهداء والضحايا معهم  الى دار الخلود .
 
 
 


31
 
  قول على قــــــــــــول


من يوقف  جرائم الطلاق  التعســـــــــــــفي ؟؟

                     
   
من خلال متابعتنا  للصحف  ووسائل الإعلام  ومن خلال معايشتنا  لما يجري في  المجتمع  العراقي ،  ذهلنا حقا  من  الأرقام الإحصائية  المهولة  حول عدد حالات  الطلاق في  العراق  فمثلا   نقرأ  على شاشة الشرقية  خبر يقول ((  ارتفاع  حالات الطلاق في النجف  حيث  بلغة (( 9))  آلاف حالة طلاق  من  أصل  ((10))  آلاف زواج ))،  وقد تحدث  كاتبان  صحفيان  في مقالتين  متواليتين في جريدة الزمان  حول  استفحال  هذه  الظاهرة الخطيرة  التي  أخذت تهدد  بحدوث  كارثة اجتماعية  من  الصعوبة التبوء بآثارها  الخطيرة  على النسيج  الاجتماعي  العراقي مقالة ((الطلاق في العراق صدمة اجتماعية)) – بقلم نهاد الحديثي بتاريخ 18-2-2017،  ومقالة  ((كلام  أبناء المطلقات)) بقلم  الأستاذ فيصل العايش  بتاريخ16-2-2017،  ومن الملاحظ ان  اغلب   حالات الطلاق   تكون  من قبل  الشباب   من أشباه الرجال  اللذين  يتهربون  من مسؤولياتهم  في   رعاية   عائلة والقيام  بواجباتها  الحياتية ، خصوصا  وان  اغلبهم  يعتمد  في معيشته  وتدبير  أموره  اليومية على والديه ، وخصوصا  الأم ، فما ان  تنفر امه  أو أخته  زوجته   حتى  ينقاد الي قرارها  بالطلاق  هذا  الباب  الخطير  للخراب الاجتماعي   الذي   وجده  مفتوحا  من قبل :-
أولا : الدين   حيث  اكتفى  وحسب  الفهم   العام   للمسلم  بمقولة  (( ابغض  الحلال  عند الله الطلاق))، بمعنى أجاز  الطلاق   والطلاق  هو بيد الرجل   صاحب العصمة ،  وفي الآونة الأخيرة  نرى  إعدادا من  العمائم المرتزقة تفترش أرصفة المحاكم باسم (( المأذون الشرعي))  لتسهيل  عملية الزواج  والطلاق   لمن يرغب  دون  أية  إجراءات  احترازية  وتنويرية  لمن يقوم بهذا الإجراء  المهم  ان  يتقاضى المأذون  أجرة   ورقته  الماذونه !!!
ثانيا:- الدور السلبي  للأعراف العشائرية  عند  حدوث  الطلاق   فلم تتضمن  سوانيهم  أية عقوبة مادية أو معنوية رادعة  لمثل  هذه  الحالات  القهرية والتعسفية ، حيث  غالبا  ما ينتهي دورهم   عند (( المشية))  وتناول  حلويات  اخذ رضا    ولي أمر الفتاة  بتزويج  بنته   لابن  فلان  الفلاني  الذي  جاؤوا  معه  حشدا  لتزكيته   وشبه  إجبار  لولي أمر  الفتاة  بالموافقة ، رغم  ان  حالة الطلاق  التعسفي   هذه  وخصوصا  لمن  لديها  أطفال  تساوي جريمة القتل  ان  لم  تفوقها خطورة ،  لأنه  قتل  عمد  لأكثر من روح  بريئة  ومع  سبق  الإصرار ، يرتكبها    من  يفترض  ان يكون راعيها  وحاميها  فأين   هنا   الغيرة  العشائرية  وقيمها  الإنسانية  ومسؤوليتها  الاجتماعية ...
ومن المعروف  ان  خطبة  الفتاة   وموافقة ولي أمرها  غالبا لا تتم  الا بحضور  أقرباء   ووجهاء  العشيرتين  المتصاهرتين ،  وتعهد  كل  منهما  بحسن  سلوك   والتزام   كل  من الطرفين  بواجباته  الزوجية  سواء  الفتاة أو  الفتى  طالب الزواج ، وبذلك  يتوجب عليهم أخلاقيا  وإنسانيا  وعشائريا  إنصاف  المظلوم   ومحاسبة الظالم  والحرص التام  على  وحدة العائلة  ومستقبلها .
ثالثا :- القانون    نرى ان  القانون  لا يقوم بردع  من قام  باتخاذ  وارتكاب  جريمة الطلاق  التعسفي  وبعد  سلسلة من المرافعات  الشكلية  تتحمل وزرها  المطلقة وأطفالها  وتعرضها  لمختلف  أنواع  الابتزاز ،سوى   إلزامه   بالمهر المعجل  والمؤجل  وبإقساط مريحة جدا ، وغالبا  ما يحتال  على القانون  لإظهار عدم قدرته  على دفع  الا مبلغا تافها  بما ترتب عليه  من  مهريها  ومن  حق  النفقة ،  لا تشكل  إي  ثقل  على الجاني   مقابل  تمليكه   قرار خلو شخصه  من  أية مسؤولية عن  جريمته  المشهودة  بالقتل  المادي والمعنوي  للزوجة  وأطفالها .
كما  يتوجب  ان تزود المطلقة ربت البيت  التي  ليس  لها  دخل  تعيش منه  بكتاب يلزم  وزارة العمل والشؤون الاجتماعية  بشمولها  الفوري هي وأطفالها  براتب  الرعاية الاجتماعية  ومن تاريخ  نفاذ  قرار الطلاق .
لذلك  نرى   ان  الواجب  الإنساني  والتني  والديني  والعشائري  يتطلب  من كافة أصحاب الضمائر الحية  ، من البرلمان العراقي ،  منظمات حقوق  الإنسان  وحقوق  المرأة والطفل ،  وكافة منظمات المجتمع  المدني ،  والقضاة ،  والمراجع الدينين ،  وخطباء الجوامع ،  والصحفيين ،  والمثقفين  والأدباء   بالعمل  على  منع  هذه الجريمة البشعة  التي أصبحت  كالوباء  الخطير  المتفشي في المجتمع  والمهدد بانهياره ، ونقترح   ضرورة التأكيد على مايلي :-
أولا :-  ان  تعيد  المراجع  الدينية  النظر في إحكام الطلاق وفق  للظروف  الراهنة  والمستجدات  الواقعية  حاليا ، والتشدد في  إجازة  الطلاق  وتحريم  الطلاق  التعسفي  تحريما قاطعا ،  ومنع   رجل الدين  المأذون وغير المأذون  بإجرائه ، فمثل هذا  الفعل  أكثر خطرا  من شرب الحمرة  ومن  أكل لحم الخنزير ومن  لعب  القمار  وكلها محرمة  في شرع الإسلام  وفي كل المذاهب .
ثانيا :- على  العشائر  ان  تعتبر  حالة الطلاق  التعسفي  ،  حالة  قتل  متعمد  ومع  سبق  الإصرار وبدون  إي ذنب  فعل استفزازي  من قبل الضحية  لدفع  المجرم  على ارتكاب جريمته ، وتكون  الدية والفصل  مضاعفة في حالة وجود  أطفال  قصر ،  وان  لا تقل هذه  الدية  عن  دية القتل  المعمول  بها  عشائريا  ودينيا ، وإلزامه بإجراء  معاش مناسب  يتكفل في  إعاشة ولباس وتعليم وصبابة  الاطفال  يقدره  اهل الخبرة واهل الحظ والبخت ،  وان تلزم  عشيرة  الجاني  بدفع  الدية  والمصروفات  في حال  عدم   التزام  الجاني  بها ، فالمرأة المطلقة  تعتبر  مقتولة  جسديا ومعنويا واجتماعيا ، مما  يحول دون  اضطرار  ولاة أمر  المطلقة  المظلومة  بالتصرف  الفردي  ردا  على   مثل  هذه  الحالة من  الاستفزاز  والقهر  ، والإقدام على عمل  كرد فعل   وارتكاب جريمة  لا تحمد عقباها  وبالتالي  ضياع العائلتين  بسبب عدم  الإنصاف .
ثالثا :- ان  تعمل الحكومة على اقتراح    مشروع  قانون  يقر في البرلمان ،  يمنع الطلاق  التعسفي  منعا باتا ،  وفي حال  إصرار الرجل على  إجرائه ، يلزم  بدفع  مهريها الحاضر والغائب  مضروبا بما لا يقل عن  أربعة  مرات  بمقداره  المذكور في عقد الزواج ، وان  يكون الدفع  فوريا  وليس بالتقسيط ، يلزم  المتعسف  بتأمين  السكن  ومستلزمات العيش اللائقة  من أكل  وملبس  وتعليم  وصبابة  لطليقته وأطفالها  حتى بلوغ  القصر سن الرشد والاعتماد  على الذات ،  وانقطاعه  عن  الزوجة في حالة زواجها .
كما تقوم المحاكم  بمنع  وطرد  سماسرة   الطلاق  والزواج  من  التواجد في   أبواب  المحاكم  والذي يعتبر وجودهم  مساسا  بعدالة وشرعية  المحاكم الشرعية .


32

حكايا العم   ((وجدان )) 

اكو  ناس  لا تخاف  ولا تستحي وما عده  ضمير

دخل العم وجدان وهو بحالة لاتسر الصديق متعبا ، لاتفارق السيكارة فمه ، وهو يردد عمي تره مايصير هجي ، ((الله)) و (القانون))  وال((سواني)) ضد المره !!!
ساله من في الديوان .... شنو القضبه عمي وجدان شبيك اليوم ، وشبيه المره ؟؟
عمي من يريد واحدنه يزوج ابنه يتعنه  لبيت ابن حلال ويطلب ابد بنته لبنه ، وياه حشد من أهل العمايم والعگل مشايه وهم يطلبون موافقة ولي أمر البنيه على زواج بنته من ابنهم ، ويسووله الهور مرگ والزور خواشيگ ....وأم الولد تحير  شتسوي حتى تحصل موافقة أم البنيه والبنيه ...
لكن بعد ما يطيح الفاس بالراس ، تشتغل المشاكل بين البنيه العروس الجديدة وبين العمه والحماه وما داير مادايرها .... والعريس صور الله عليه مثل الاثول مايدري شيسوي ، يصير ويه مرته لا هاي عيب فشله والمره شنه قيمته ، عليه تخدم وتتحمل الاهانات والرزاله بطيب خاطر ، وماتفك حلگه ويه العمه والحماه ، واذا ما عجبه تولي تروح لهله ، لو سويله خط طلاگه وسرحوهن بالمعروف  عله گولت أهل العمايم   الگاعدين بصف  سور المحكمة  متحضرين   لكسر ارگاب المسكينات  وإصدار حجج طلاگ  ويسمي نفسه  مجاز  من  المحكمة الشرعيه ....!!!
وبها الوضعيه تكون البنيه هي  وبزرته الضحيه ...
لا المجتمع يرحمه وينتصرله ويگول ياعالم تره هذا ميصير حرام
واهل العمايم يگلك عمي هذا ابغض الحلال ... بس هاي هيه العصمه بيد الرجل واذا ماراد يطيه المعجل والمؤخر اقساط حسب المقدره وتروح لهله وياه خلفته !!!
والقانون هم من راي الدين والشريعه ، يگلك العصمه بيد الرجال خلص ماايريده يطيه حاضره وغايبه حسب امكانيته ، ويجر نفقه  فلسات للزعاطيط !!!
عمي من سود الله وجوهكم هاي المسكينه بيش مطلوبه وتتحمل كل هذا الظلم ، يگضي وطره وياه ويخلف ويوديه لهله مكسورة الجناح والخاطر ، ويرح  اجيبله  امه  مره  جديده
والله لالعن ابو هيچ شريعه لابو هيچ سواني لابو هيچ قانون ...لكم هذا ظلم وكفر  ومو انسانينه ، وما يورث غير  السقوط  والفساد  والضياع  لكل  الاطراف ...
... عمي وجدان وانته شجايبك عله الموضوع الحارگ اعصابك ؟؟؟
والله عمي  الحارگ اعصابي  هذا  الي گاعد  نشوفه  ونسمع بيه  ونقراه   عن مايصير    بمجتمعنه  هالايام  ،  منا نسمع  فلان  وفلانه  ازوجوا  وبعد  فتره  تسمع  فلان وفلانه  اطلگوا  لان  أهل الولد  ما يريدون البنيه ، لا يمنعهم شرع  ولا  سواني  ولا قانون !!!!
وهاكم  اقروا  هذا  الكتبه  ابن  الاچاويد(((فيصل العايش))   بجريدة الزمان في 16-2-2017   حول حالات  الطلاگ  ومصايبه  بهل الأيام
((ولعل دوائر القضاء الإداري كانت محقة عندما أعلنت عن زيادة غير معهودة في نسب الطلاق بمجتمعنا قد تفوق ربما حالات الزواج ، فهل يعقل إن شهراً واحداً يشهد أكثر من خمسة آلاف حالة طلاق وتفريق بين زوجين ، حين استشرى الخلل الأخلاقي في صفوف الكثيرين من الشباب واستسهال الطلاق عوضاً عن معالجة الأمور لكي لا يقع ابغض الحلال ويعيش الصبية الذين هم نتائج هذا الزواج حياة مأساوية لا تنفع معها أية حلول.
ما ذنب طفل رضيع لم يتمكن بعد من السير على قدميه أو طفلة مازالت في الصفوف الأولى من مدرستها إن تكون ابنة لأبوين مطلقتين غير عابئين بمصيرها وبمستقبلها ودون التفكير بما يمكن إن يؤول إليه حال هؤلاء الأطفال من أبناء المطلقات، فلو حسبنا إن نصف هذا العدد من المطلقين لهم أبناء وبنات فأن هذا يعني إنتاج جيش كامل من الأطفال فاقدي الأبوين تأخذهم الحياة دون رحمة الي دروبها الوعرة وفي مسالكها الشائكة ويكونوك ن آخر المطاف عالة على المجتمع الذي لاستطيع إن يوفر لهم شيئاً مما ينبغي إن يتوفر لهم من التعليم والرعاية الطبية والسكنية والغذائية )).
زين  برأيك  شنهو  الحل حتى على الأقل  نحد  من هاي الظاهرة  الخطيرة  فعلا :-
أولا :-عمي  لازم ما نمشي يه  خطاب  لبنت الناس  الا  نكون  كفلاء لحق الطرفين  مو نشرب الشربت ونذبنه  حچايتين  وفيمانلاه ،  ونكل  للعايل عايل  اضبط روحك  هاي  الشغله  مو لعب زعاطيط . وانته  رجله  لا زم  تصير رجل  بحق  وحقيقه   وتتحمل المسؤولية  وبناء اسره  وبيت ، مو تطبگ ويه  امك  يو اختك  بالباطل ...
الثانيه \عله  ((المومن))  ما  يطلگ  المر هالا  بحضوره  وموافقته ،  واذا  ما  موافقه   لازم  عند  الطرف طالب  الطلاگ   عذر مشروع  يحول  دون استمرار الحالة الزوجية  كالخيانة الزوجية  لا سامح الله  مثلا ، مو  يوزع  خطوط   مقابل  كم فلس  من هذا يو ذاك  ويكسر ارگاب  بنات  العالم باسم  الشريعه  ...
الثالثه \ على القانون  إن  يكون  شديد  الحساب يه  اليطلب  طلاگ  تعسفي  غير  مسبب  بأسباب معقوله ، واذا أصر عليه تحميل  المخالف  مضاعفة المهر المعجل والمؤجل  لعدة أضعاف تصل الي عشرة أضعاف ولاتقل عن  أربعة أضعاف وحسب درجة القهر التعسف المرافق للقضية . وتدفع  فورا  تصديق  قرار الطلاق حتى  يعرف  المتعسف خطورة وكلفة  ما  يقدم عليه  عسى ان  يرتدع ، ولو ان كل اموال العالم  ما تعووض المره  وابنه  حنان الوالدين ورعايتهم  ولكن   شنگدر نسوي  للماعنده ضمير ، والله  عمي    صدگ  (( الكثوليك))  عدهم  حگ ...
ويلزم  المتعسف  براتب شهري  للطفل  مايقل 300-500  الف دينار قابل  للزيادة والنقصان  حسب  الظروف  الاقتصادية  وصعود ونزول قيمة العملة حتى لا يضيع  الأطفال بسبب  لعز  العاطفي والمادي   .
عمي هذا الحچي  حگ  يوباطل ،  عمي الظلم  هسبب كل  الصار ويصير ويانه ، وما اكو ظلم اشد من ظل  الزوجه  والام  والطفل  والمطلب  من   النسوان البرلمانيات إن  يضمن صوتهن  للمرة المظلومة ويشتغلن  على إصدار قانون جديد يضمن حقوق المرأة  ويحد  من  هاي الظاهرة السرطانية الخبيثة  ،  وها  ليسمونه  منظمات  حقوق  الإنسان إن  ما تظل ساكتة  وملتهميه  بالترهات ...
إما  رجال الدين فعليهم  الوزر الأكبر  لان مايصير   احد أسبابه سكوتهم  وتبريرهم  لتعسف لرجال باسم الشريعه ..
وعله الحكومة  إن  تسن قوانين  حسب  متطلبات  الضعة  المتغير ، والبصير  ألان  يتطلب  تشريعات  جديده  تحد من  هاي الظاهرة الخطيرة ...
عمي الوضع ما ينسكن عليه  ابد  أبدا ....
فقال   جميع من  في الديوان  والله  عمي  حجيك ذهب ،ولا زم  هل  القضيه  يصيرله حل  وباسرع   وقت . لان ماكو شريف  وصاحب  ضمير  يرضه  يوگع  ظلم  على  ابنه  وعله  بنته وعله  جهاله .
ش اطني  جداحتك  خل  اورث  جگارتي ، والله عمي اكو وادم لاتخاف  ولا تستحي ...

حميد الحريزي



33
مظاهرات التغير بين (( بوخارست))  وساحة التحرير




             
لخمسة أيام  متتالية  غير منقطعة ،  تفور ساحات  رومانيا  بتظاهرات  غاضبة ، تطالب  الحكومة بإلغاء  مراسيم حكومية  ، سيعفى  بنفاذها  العديد  من  المسئولين الفاسدين  لا تتعدى  تهمتهم   أكثر من ((48))  إلف دولار  فقط
لا غير ..
ونتيجة لهذا الضغط الشعبي الجاد  والمتواصل  والواعي ، اضطرت  الحكومة الرومانية على لسان  رئيسها  بسحب  وإلغاء هذا المرسوم ...
رغم ذلك  لا تزال  التظاهرات  مستمرة  لأنها فقدت الثقة بمثل هكذا  حكومة حاولت  إصدار  مرسوم  يعفي  الفاسدين  من العقوبة ، لذلك  فالجماهير تطالب  باستقالة   هذه الحكومة  لأنها  لم تعد  تحظى بثقتهم  وعليها  الرحيل  استجابة  لأمر الجماهير ...
نريد  أن  نقول   إن  تظاهرات  الشعب  الروماني  تميزت  بمايلي:-
أولا وضوح  الهدف ، فهي تعرف  ما تريد  بالضبط ، حيث  ركزت  مطلبها  على المطالبة بإلغاء  المرسوم .
ثانيا   تميزت  التظاهرات  بالطابع  السلمي  المتحضر  والمنسجم مع  الروح  الديمقراطية للبلاد .
ثالثا \ التظاهرات   لم تكن  متقطعة  ولا  رتيبة ولا متقطعة  بل  استمرت  طوال  خمسة أيام  متواصلة  لحد  الآن  وما زالت .
               
ولو قارنا  هذه  التظاهرة مع  تظاهرات  ساحة التحرير وبعض  المحافظات  في العراق ، لما وجدنا  أي وجه  شبه  بينها  وبين  تظاهرات  ((بوخارست))، بل  يمكن مقارنتها    بال((هايد بارك)) اللندني  حيث   يتجمع  ويخطب  ويزعق  العديد  من  الناس في مختلف  المواضيع  ثم  يتفرقون دون  تحقيق  أية  نتيجة ...
فتظاهراتنا  غالبا ما  تحمل حزمة  طويلة عريضة من المطالب قد  لا يجمع  بينها جامع .مما افقدهاها الكثير من القوة  وافقدها  التفاف  الجماهير حولها
كما  أنها  أصبحت  روتينية ومملة  بامتياز  في  أيام الجمع  وكأنها تحاكي  خطبة الجمعة  وليست تظاهرة شعبية   لديها مطالب  واجبة التنفيذ والاستجابة من قبل السلطة ،  مما جعل  السلطة  لا تهتم  بها   وكان  الأمر لا يعنيها ، إلا إن  تسور  هذا  العدد الضئيل  من المتظاهرين  بحشد  من قوات  الأمن  والشرطة  عددهم  يفوق  عدد  المتظاهرين بعدد  من المرات ، مما  يوحي بعدم الأهمية  للصوت  المعارض  المطالب بحقوق  مغدورة  أو  مكاسب  مهدورة ،  والنتيجة   في مثل   هكذا  إيحاءات  تصب  في   نهر السلطة  وتقوية  مركزها ...
مما يعني إن الأغلبية من  الجماهير  لا تشارك  هذه((الشرذمة)) من  المتظاهرين  شعاراتهم ، ويدل  على  عدم  شرعية هذه  المطالب ولا تعدو  عن  إن تكون مطالب  أقلية  لا تأثير لها .
كما  أنها  تعني  مدى ديمقراطية السلطة   واتاحتها  حيزا كبيرا  من الحرية للشعب  للتعبير عن  مطالبه  حتى وان  كانت  قلة قليلة  وما هذا  الحشد  الأمني  إلا   لحمايتها  ورعايتها ...!!
كما  إن  من الضروري  جدا  غلق  الطريق  أمام  بعض  أحزاب السلطة  الذي  تحاول  أن  تركب  موجة بعض  التظاهرات ولي اذرع   شركائها  في السلطة لإحراز مكاسب  خاصة بها  ولا علاقة  لها  بمطالب  الجماهير ، بل إنها  سرعان  ما تتنكر لهذه الجماهير  وتطعنها  بالظهر  حال  حصولها  على مكاسبها  الضيقة ، وقد  تمكنت  إن  تفسد  هذه  التظاهرات  وتزرع  خيبة الأمل  واليأس بين  صفوف  الجماهير المقهورة 
من كل ذلك  نأمل  إن    نستفاد  من  تجارب  الآخرين  في  تنظيم   التظاهرات  من حيث تكثيف  المطالب  والإصرار على تحقيق  الأهم  منا  ثم  الانتقال  إلى المهم ،  ثم  الحرص  على  تواصل  التظاهرات   وإلغاء  تظاهرات  يوم الجمعة  الذي  أصبحت  غير منتجة ...
الحفاظ على سلمية التظاهرات  واستيراد  القادة الحقيقيين   للتظاهرات ، وعدم السماح  للانتهازيين  والمدسوسين  ومحبي  الظهور  والشهرة  من  أصحاب (( السيلفي))  بالهيمنة عليها ،  واستغلالها  مع  فبركة عمليات  ضرب أو حجز  وحتى اختطاف  لتكون  جواز  سفر  وأعذار  قبول  للجوء الإنساني  أو السياسي  في  بلدان  المهجر  مما يسيء كثيرا إلى   التظاهرة وسمعة المتظاهرين
مع  تقديرنا  العالي  لكل من  شارك  وتفاعل  بصدق  وحماسة  في كل  هذه  التظاهرات   في   ساحة التحرير أو في  المحافظات  العراقية  المختلفة  ولكننا   نأمل  إن تكون  أكثر فاعلية وتنظيما  وتأثيرا ...

34
ترامب يرقص  على  لحن اغنية عراقية !!!




اغنية شعبية عراقية مشهورة  تقول (( ابيتنه  ونلعب بيه  شله غرض بينه الناس))،  بمعنى ان  صاحب  الدار حر فيما يفعل  ويعمل  ويتصرف  في داره  وهذا  امر طبيعي  لا  اعتراض عليه ،  ولكنه  بالمقابل  عليه  ان  لايفعل  ولا يتصرف  ولا يقوم  باي  عمل    في  دور الاخرين  كما     يريد   ان لا يكون في داره ، فمن يريد الحصانة لداره عليه  ان يصون  حرمة وحصانة الدور الاخرى ،  ولايجوز ان تقدم للفرد  دعوة  ثم  تطرده حينما  يطرق  بابك ...
اما  ان يحرم   ((ترامب)) طرزان  امريكا  الحالي  بفرض  حضر على  السفر لمواطني سبعة بلدان   منها العراق ، في حين  توجد  في هذه البلدان  عشرات الالاف  من  مواطنيه  وباعذار  غير مشروعة ، فالعراق  احد ابرز البلدان  في محاربة الارهاب والارهابيين  بالتعاون مع  الولايات المتحدة الامريكية  وبوجود خبرائها ،  وللدولة العراقية اتفاقات  امنية   مع  امريكا ، فهل  من المعقول ان  يحضر   على مواطني  مثل هذه  الدول  كاجراءات احترازية ضد الارهاب  في حين  لا يتعرض  مواطنوا بلدان   معروفة بتصديرها  للارهاب  لمثل هذا الحضر ؟؟؟
ثم  هل  يجوز  ان يطرد  من يحمل وثائق ودعوات  رسمية   حتى  مع من عملوا  مع  الامريكان في العراق ؟؟؟
يجب ان تتخذ  الحكومة  العراقية الاجراءات  القانونية  والاتصالات   الدبلوماسية  وغيرها  لتفسير مثل هذه الاجراءات ... فهل  بلغ  الضيق بالحضن  الديمقراطي  الامريكي   كل  هذا الحد  لاتخاذ مثل هذه الاجراءات ، ام ان  هذا  الاجراء كشف  لزيف  ديمقراطية  امريكا  وانفتاحها  على  كل دول العالم كما تدعي ؟؟؟
ان الثور الامريكي  المازوم لم يجد حلا لازمته  الا  باستعمال قرونه  ليغرسها  في  اجساد  الضعفاء  ليبرهن على سطوته  وقوته  الزائفة

35
المنبر الحر / قول على قـــــــول
« في: 17:26 30/01/2017  »
قول على قـــــــول

  ...
قال الامام علي عليه السلام :-
(( اني لا اخاف على امتي مؤمنا ولا مشركا :- اما المؤمن فيمنعه  الله بايمانه ، واما المشرك فيمنعه الله بشركه ، ولكني اخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ))) فلسفة الحكم عند الامام علي لنوري جعفر ص20-21
وها نحن يحكمنا منافق الجنان وعالم اللسان ...فما عسانا ان نفعل ونحن نشارك في تنصيبهم على كراسي الحكم ونصمت امام فسادهم ولصوصيتهم كالعميان البكم ، فخيراتنا ومدننا محروقه واموالنا مسروقه ، فارضنا تباع ، ويتحكم في امرنا الجهلة الرعاع....
حميد الحريزي


36
يقاتلونها  ولكنهم  لا يريدون موتها !!!



((داعش))  صنيعة من صنعها ،ومضللة من  اتبعها ، تمكنت  أن  تبني  أعشاشها  بيسر في العراق ، بعد أن  اجتاحته رياح الديمقراطية على  طريقة المار ينز الأمريكي ، الذي  نصب  على السلطة  طبقة سياسية  هي  الافسد في العالم ، نسيجها  وعمودها الفقري الطائفية  والقبلية الضيقة ، همها المال ، وزعيمها  السارق المحتال ، تجلس على كرسي  الحكم في العراق  ، وروحها  في  احد  دول  المهجر ...
الجماهير الذي هبت فرحة لاستقبال هدايا  الديمقراطية ، وشم رياح التحرر والرفاه ،  تلقت عواصف  الدم  والحرق  والجوع والبطالة  والتخلف ، فالمكون صار مكونات ، والدين صار طوائف  متحاربات ....
كل هذا  وفر ل((داعش))  رحما  مناسبا  للنمو والتغول  لتهيمن  على  أكثر من ثلث العراق سبق وان  مهد  له  الدكتاتور  عبر ((حملته الايمانية))... وعندها  تنادى المصنع السيد الأكبر  في البنتاغون ، والأتباع في الخضراء ، والمعمم القابع في  سردابه فرحا  بالصحوة  الإسلامية  حيث أصبحت  النيران تقترب  من  كراسيهم  ومنافعهم ، وهب الشعب  ليس  فقط  استجابة لفتوى  وإنما  لكونه موجوع  برؤوس  أبنائه  المقطوعة ، وقلوب نسائه  المفجوعة  لمحاربة  هذا الوحش الكاسر
وها هم أبطال  العراق  من القوات المسلحة  والحشد الشعبي بكافة فصائله   تحقق  النصر تلو النصر على هذا  الطاعون الاسلاموي الأسود  في جرف الصخر وفي الانبار وصلاح الدين  ونينوى ، ولكن بدلا من إن  يتأهب الجميع  للاحتفال بالنصر المؤزر ، تشهد  البلاد العديد من المؤتمرات   والندوات  والاجتماعات  لبحث مصير العراق   بعد  انهزام ((داعش)) ، تقيمها  وترعاها الطبقة السياسية الحاكمة ، وكأنها تخشى  نهاية  وموت هذا  الوحش الكاسر !!!
فالمصنع  الأكبر  سيد البيت الأبيض  لم يضمن بعد  ارض ونفط  وبيعة شعب العراق لإمبراطوريته  بعد  هزيمة داعش  وهو بحاجة إلى المزيد  من الوقت ، وقد يضطر إلى تصنيع ((طنطل))  جديد   يخلف  ((داعش))  لإخافة وترويض أعدائه  من العراقيين  أو من  منافسيه على  ارض  العراق  وخصوصا  ((الفرس المجوس)) وهو بذلك  لا يريد  لها  أن  تموت  ألان ... وكذا هو  حال  وشعور  القوى  العربية والإقليمية  الأخرى  الطامعة في  ارض وخيرات العراق ، فموت ((داعش)) يعني  موت  عملائه  و موت  ذريعة التدخل  في  شؤونه الداخلية...
وهناك أصوات  يتصاعد زعيقها  بان العراق معرض للتقسيم  بعد  موت ((داعش)) ،  وكأن  دوام  ((داعش))  دوام  وضمان  لوحدة العراق  رغم إن الكل يعرف  إن  مشروع  تقسيم  العراق  ه  مشروع  سيء الصيت ((بايدن)) الذي قلده  الغراب  اوباما  وساما رفيعا  جراء  خدماته  ((الفذة)) في العراق  وغيره ...
والسلطة الحاكمة ، كانت لها  ((داعش)  خير  شماعة تعلق  عليه  كل نواقصها  ،  وخير غطاء  لسرقاتها  وفسادها ،  وخير عذر لانعدام الخدمات  وتفشي  الجريمة والبطالة ، وفرض المزيد من  الضرائب  والإتاوات  على الشعب  بحجة مكافحة   الإرهاب الداعشي ...هذا أولا
وثانيا :- إن  السلطة   وطبقتها السياسية وبالتضامن مع أصحاب العمائم من مختلف الألوان  ساهموا  وبشكل  مباشر  على  تصنيع  وتشكيل   قوة مسلحة نظامية وغير نظامية  بمئات الآلاف  من المقاتلين  مسلحين بأحدث الأسلحة ، وهذه  القوة  ستطالب  بثمن تضحياتها  بعد انهيار ((داعش))، تطالب  بالعمل  وتطالب  بالأمل  أن يكون لها   قول ورأي  في  الحكم وحصة في  الثروة ، وقد  ينقلب  السحر على الساحر  ، وقد يلتهم  العبد رأس معبوده  لسد  جوعه ، وقد  لا ترضى بما  شرعته  السلطة  من  قانون   يضمن   لها رواتب  ومناصب  وهي بالتأكيد  لا تعني  شيئا مقارنة  بامتيازات  الطبقة السياسية الحاكمة ،وبذلك فالطبقة  السياسية الحاكمة  تريد إضعاف  داعش  وإبعادها  عن  ((الخضراء))  والليرة ((الصفراء)) ، والبحيرة(( السوداء)) ولكنها   لا تريد  لها  أن  تموت ، فحياة كل منهما مرهونة بحياة الأخرى .
إما  المواطن  البسيط  حامل الزر الأكبر ، فهو لا يريد  ((داعش))  قاطعة الرؤوس ،  ولا يريد  البقاء تحت ظل   الطبقة السياسية الحاكمة  سارقة الفلوس  ومفسدة النفوس ، ولا يدري  هل  سيسلم رأسه  من  سكاكين  مليشيات  سوف   ستكون لها  اليد الطولي بعد  ((داعش))،  وبعضها  قد  يفوق  ((داعش)) في القتل والسلب  والنهب  ونفي  وقتل  المختلف ، وربما سيكون ضحية صراعاتها  فيما بينها بعد ((داعش))  وله في  ذلك  تجربة مريرة ...  وهو  بذلك  بقدر ما يكون  فرحا  بالنصر على داعش  فهو خائف   غير مطمأن على مصيره  بعد  موتها ...
وهذا  الحال  ليس غريبا  في  عالم رأسمالي إرهابي  مأزوم  ممثلا ب((ترامب))  مسعور  أعلن دون  خجل  بأنه لابد إن  يستولي على نفط العراق ، ومنطقة إقليمية تعيش أسوء فتراتها  حيث الصراعات  العرقية والطائفية ،  وطبقة سياسية  هجينة  تعيش وتعشعش  الأزمة ضمن بنيتها ، ومجتمع  يدور في حلقة  الاستهلاك  والتجهيل والتضليل ، محني الظهر معصوب  العين  لا يستطيع  إن  يرى  ويتلمس طريقه ...  لا نريد إن  نرسخ  التشاؤم  ولكن  هذا  هو واقع الحال ولا يسعنا   إلا أن  نقول   ..اللهم أحفظ العراق  وأهله من  قوى الشر وأهله  !!!
حميد الحريزي

37
الوطن المضام الفائض عن حاجة الحكام



المعروف في التاريخ ان  شيوخ القبائل ، وامراء الامارات ، وزعماء الدول ، يحاولون بالوسائل  المشروعة وغير المشروعة  ومنها  الغزو   قديما  والاستعمار في العصر الحديث  على توسيع   مناطق نفوذهم  في مختلف الاتجاهات ، ينقبون في  بطون الكتب والحفريات   لايجاد  ادلة واسانيد  تدعم  دعواهم  بالحق  في  ارض الغير ،  وفي التاريخ القديم والجديد ما لايعد من  الشواهد والاحداث  التاريخية   الدالة على هذا  المنهج ، وما  الاستعمار  الحديث  الا   اقرب  شاهد ، تخاض الحروب  وتغلق  الدروب  وتقدم  التضحيات  من اجل   سلب حق  الاخر ، او من اجل  الدفاع  عن   الحق المراد سلبه ،  وقضية فلسطين والشعب الفلسطيني  وصراعه  مع  الصهيونية العالمية   الا احد القضايا  التي  لازالت ساخنة وقائمة   لحد الان  وقد قدم  الشعب الفلسطيني  والشعب العربي ولا زال التضحيات الجسام  للحفاض  على ارضه  وعرضه ....
ان  من  مساويء الحروب  الاستعمارية  الكبرى زرع  الفتن  بين  الشعوب والدول  بفرض شروط   سلام  تعجيزية على الطرف  الخاسر ، مما يجعله  يشعر بالحيف  والمرارة ، يعمل  المستحيل  على رد اعتباره  حين  تحين  الفرصة المناسبة ،  وهذا  ما حصل  بالنسبة  للدولتين العربيتين الجارتين  العراق والكويت ، فقد زرع  الاستعمار البريطاني  الفتنة الحدودية  بينهما  لتظل  بؤرة توتر دائم بين الشعبين  الشقيقين ،  وبسبب  ذلك  كانت حرب الخليج  ((ام المعارك)) كما  اطلق عليها  ((صدام حسين ))، والتي  انتهت  بخسارة  مريرة  بالنسبة للنظام  وللشعب العراقي  عموما .....
ومن اجل ان تبقى  حالة اللاحرب واللاسلم  وتبقى عوامل التوتر قائمة  فرضت على النظام  شروط غاية في الاجحاف والظلم    في  قضية  ترسيم الحدود   باقتطاع  اراضي ومياه  عراقية   ومنحها للكويت  دون وجه حق  ناهيك  عن التعويضات  بارقام  فلكية  توجب   على الشعب العراقي دفعها  للكويت  وغيره مقابل   همجية وتهور حكامه ...
 وها نحن نقرء ونسمع  ان   مجلس الوزراء العراقي  يصوت بالاجماع  على منح  ((خور عبدالله))  العراقي  للكويت  ، هذا  المجلس  ((المنتخب))  الذي  يحكم العراق بعد مرور ((14)) عام من رحيل  النظام  الذي  غز الكويت  في  1990
ان هذا  الامر يثير الاستغراب  والاستهجان من قبل كل  احرار العراق  بمختلف  قومياتهم  واديانهم  وتوجهاتهم ، فكيف يمكن ان يقدم  حكم  على التنازل  عن  ارضه  ومياهه  طواعية  الى  الغير ....
يبدو ان حكام  الخضراء  يعتبرون   كل   ما هو خارج خضرائهم  هو فائض عن الحاجة ، فهم  يملكون   جنسيات   ثنائية   امريكية وبريطانية  وفرنسية وكندية ووووو   وهذه   البلدان  هي   اوطانهم الحقيقية  اما  العراق  فلا حاجة لهم به  سوى  كنز المال  والثروة  والحصول  على المناصب والمكاسب ، حيث  اشغلوا  الشعب هم واسيادهم  في  محاربة عدو صنعوه  واصطنعوه  اسموه  الارهاب   ليتفرغوا  بعد ذلك  للنهب والسلب  وبيع ارض  ومياه العراق  في  المزاد العلني وغير العلني  ....
حميد الحـــــــــــــــــــــريزي

38
أدب / الوليد المفخخ – نص شعري
« في: 03:30 01/01/2017  »


الوليد المفخخ – نص شعري


حميد الحريزي

اعتصرت  رأسي
حد
الصراخ
تمنعت الصورة  من التخلق
في رحم
الفكر
الورقة  فاتحة ذراعيها
لتلقي
هدايا القلم
القلم
أصابه  النعاس
يتثاءب في حضن  اناملا
متعبة
أطلقت الحروف  جناحيها
هرباً من   آلام
المخاض
فتورى  عامنا  الآفل
 خجلا  من
أطفالا
جياع
لعام جديد الأيام
لعام  جديد
اطل خجلا لأن جيوبه 
مفخخة
31-12-2016   

39
  تاريخ و تحـــــــــــولات  ((الطبقة الموؤودة ))
دراسة  لرواية
(( عشاق وفونوغراف وأزمنة ))
 
للروائية العراقية المبدعة (( لطفية الدليمي ))
بقلم    :-  حميد الحريزي
 
(( العراق بيت الأحزان من  أور حتى الباب الشرقي، ومن أروك حتى انتهاء الصبر ...))ص67
مقدمة :-
ماهي الطبقة المتوسطة ؟؟؟
رواية ((عشاق وفونوغراف وأزمنة ))للروائية العراقية  المبدعة  لطفية الدليمي ، الصادرة عن  (( دار المدى ))  الطبعة الأولى في 2016  في  582 صفحة ، من الروايات  المميزة  والتي  تسجل   تاريخ  الطبقة الوسطى  العراقية ، في   زمن  الاستعمار والهيمنة التركية  ،  وفي زمن  الاستعمار الانكليزي  وقيام الدولة العراقية  في عهدها  الملكي حتى زمننا  الحالي  بعد   انهيار الديكتاتورية  على يد  أمريكا وحلفائها ، وقيام  الدولة العراقية (( الديمقراطية )) الحالية ، مع  ملاحظة  عدم توقف  الكاتبة  إلا  لماما   على فترة  ما بعد سقوط الملكية  بعد  ثورة   14 تموز 1958 ، وانقلاب  1963،  وحكم   الأخوين ،   ثم  انقلاب  17-30  تموز 1968 ، وحرب  ألثمان سنوات مع  إيران ،  وحرب  الخليج ،  وفترة الحصار   المر ...ربما  هي  لم  تشأ أن  تكرر ما تناولته في  روايات سابقة    مثل  رواية (( سيدات زحل )) ،  وحصرت  اهتمامها في هذه الرواية   بفترات   الحكم  الاستعماري المباشر   الظاهر والمستتر ...
تستعرض  الكاتبة  تحولات  وسلوكية  هذه الطبقة  عبر  متابعة تفاصيل  حياة  وسلوكيات  وتبدلات  وطبيعة عيش   أسرة ((  إسماعيل  الكتبخاني))،   وعائلة  (( نجدت ألخيامي ))...
تبدأ الرواية  بعبارة (( المستعد للشيء تكفيه اضعف  أسبابه )) لابن سينا ،هذه العبارة  التي ترددها  كثرا ((نهى  جابر فؤاد صبحيإسماعيل  بك  الكتبخاني ))والدالة  إلى كون  هذه  الطبقة تحمل  في بنيتها الاستعداد  للتطويع  والتشويه  والضعف  وعدم  قدرتها  على المقاومة  ...
((نهى)) العراقية  المولودة في  بغداد  عام 1980 عام  اشتعال  الحرب  بين العراق وإيران ، تدرس  اللغة العربية في مدينة ((  غرينوبل ))  الفرنسية  المهاجرة إليهاهربا  من بغداد   بعد  تعرضها  لمحاولة  اختطاف  في زمن  الدولة(( الديمقراطية )) بعد  انهيار الديكتاتورية  في 2003 .والتي  تضطر العودة إلى بغداد  ،  استجابة لدعوة   شقيقها   (( وليد)) نتيجة لتردي  حالة والدها((جابر))  الصحية  وطلب  رؤيتها  قبل  أن يموت ،  هذا الوالد  الذي غالبا  ما يفاجئها   بالهدايا  فهي  ابنته  الأثيرة إلى قلبه ،  وهكذا فعل  حيث  فاجأها  بهدية  لا تخطر لها  على بال  إلا وهي  عبارة عن   صندوق ، يضم  العديد  من الأوراق  والملفات  التي سجلت حياته  وحياة أجداده   من عائلة
(( الكتبخاني))، بالاضافة إلى (( غرامفون))  وأقراص خاصة مسجل فيها  اعترافات  ومذكرات   عددٍ من أفراد العائلة ،  يطلب منها  دراسة  محتويات الصندوقين  وفك   رموز  المذكرات ،  وتحويلها  إلى  كتاب  يروي  حياة الأسرة ... فكان له  ذلك  حيث  اعتكفت  (( نهى))  على  قراءة  المذكرات  ما ظهر منها   وما استتر عبر تظهيره على  لوح من زجاج  شفاف ، إشارةإلىالأمانة  والدقة والشفافية في النقل ،   لتدونه  على جهاز  الحاسوب  ومن ثم نقله   إلى الورق  وتقديمه لوالدها ، الذي يغادر الحياة قبل  إكمال  قراءة كل المذكرات  والاستماع  إلى  التسجيلات  على أقراص
((  الفونغراف ))، فمات  محسورا  وهو لا يعرف  سر  اختفاء  جدته وزوج جده  (( صبحي ))  (( بنفشة خاتون )) ، بعد  أن علمت   إنها  متزوجة من  أخ إبنها    ، حيث كانت  جارية مملوكة  ل(( إسماعيل  بيك ))  أولدها  ولدها  بهجت ، الذي   أخذه منها  حين  ولادته    واسند  تربيته  لمربية خاصة ،   ثم أهداها   ل (( نامق  باشا))  مقابل  احتكاره  تجارة  الشاي   في  بغداد ...
تاريخ طبقة  موؤودة ، تاريخ طبقة مخصية
(( كان نشطا في مجال حقوق الإنسان في التسعينيات، فاعتقلته السلطة ولم يكتفوا بتعذيبه بل اخصوه مع  آخرين  كانوا يعملون معه ))  ص236.
هكذا كان مصير ((حازم )) احد  نماذج  الطبقة الوسطى العراقية ،  الناشط  المدني  والساعي من اجل قيام دولة مدنية ديمقراطية حديثة  زوج (( حياة البابلي))   ،  - احد الشخصيات  المحورية في رواية (( سيدات زحل ))  للكاتبة  لطفية الدليمي -،  هذا  المدني (( الحازم )) العامل من اجل  حياة أفضل  لطبقته  ولشعبه  ولوطنه ،  وإذا علمنا  إنالطبقة الوسطى  هي  الرافعة الأكثر فعالية  وتأثيرا في الحراك الاجتماعي والاقتصادي في  أي مجتمع  من المجتمعات  تتعرض  للاخصاء ، فماذا سيكون مصير وواقع حال  هذا  الشعب وهذا  الوطن ؟؟؟
ومن خلال دلالة  تسميتها بالوسطى ، فهي تحتل مرتبة بين طبقتين، الطبقة البرجوازية وطبقة  الكادحين  من عمال وفلاحين من  شغيلة  الفكر واليد ، وبذلك تكون قوتها وقوة تأثيرها  مرهونا بقوة  وهيمنة الطبقتين  أعلاه ، الطبقة البرجوازية، ونقيضها الطبقة العاملة، فبقدر ما تكون هناك برجوازية  وطنية منتجة  تكون  هناك طبقة عاملة   تقاس  قوتها العددية  والفكرية  بقوة  الطبقة النقيض ، فالطبقة الوسطى هي حاملة فكر  التطور والتقدم  والحضارة ،  وهي المصباح  المشع   باتجاه  الطبقتين  النقيضين  خلال  الصراع الطبقي  الدائر بين  الطبقتين النقيصتين  ، غالبا  ما   تأكل  من جرفيها   ليكونا  الأقرب  إلى حالة التوافق  والأمان  والتقدم  إلى حين  قيام  التوازن الاجتماعي  العام عبر  تلاشي  الفوارق  الطبقية ، إن لم  نقل  زوالها  ، هذا هو  التاريخ  تاريخ الحراك  والصراع  الطبقي  طوال  تاريخ  البشرية ،  وهو حقيقة ما يجري  إمامنا  في  عالم  السابق  والحاضر ،  رغم  محاولات  توصيفه  بتوصيفات  أخرى  لا تمت  للواقع  ولا  لجوهر الصراع  بصلة ، سوى عمليات  التمويه والتضليل   بمختلف المضللات  الدينية  والطائفية  والعرقية ...
فلو تتبعنا   تاريخ الطبقة الوسطى  في  العراق  كجزء من  الإمبراطوريةالإسلامية   بمختلف مسمياتها ،  نرى  انه  مرتبط  ببواكير وعي وحراك  الطبقة  البرجوازية  الناشئة  وبالتالي  حراك الطبقة الوسطى  في الدولة العباسية ، حيث   تطلب   اتساع  وتطور  الخلافة  إلى  ضرورة تطور وسائل  وأدوات  وتلبية حاجات   الإمبراطورية ، مما  تطلب  تشجيعها  عملية  الترجمة  والتصنيع  والنشاط  الحرفي  والفني  والثقافي ،  فظهر  آنذاك فكر المعتزلة   وإخوان  الصفا  ومن هم  بشاكلتهم ، والذي حكمت  العقل كوسيلة للفهم  والحكم ، وبذلك حاولت إن تجد  لها مكانا   في  سدة  الحكم  أو على الأقل   ترشيده  وعقلتنه  بعيدا  عن   تمثل  الخوارق  والاستناد  للخرافة والغيب ،  وقد  تبناها  المأمونآنذاك ومن بعده  ولده  ، ولكن  بعد  حين  ظهرت استحالة   الاحتكام   للعقل  في اختيار الحاكم  الذي  يحكم  بالوراثة  ووصية الأب  للابن ،  مما تطلب  قمع  هذه  الحركة ، والقضاء عليها   تحت مختلف  الذرائع  ومنها الهرطقة والزندقة ، والتاريخ  يشهد قتل وحرق  والتمثيل  كل  ينابيع  مثل  هذا الفكر ،  ولنا في  الحلاج   وابن المقفع  وغيرهما  من  الفلاسفة والمفكرين  اللذين لاقوا  شتى ضروب   القتل والسجن  والتشريد ، وبالمقابل  أيضا كان   هناك المصير  المأساوي  لمختلف  الحركات   الثورية المناهضة  لخلافة  المستبد  باسم الإسلام   ولنا  في  البابكية والخرمية  وحركة القرامطة  وثورة الزنج   دليلا  على هذا الحراك ... هذا الحراك الذي حسم اغلبه  لصالح السلطة الحاكمة  والارستقراطية الإقطاعية  الحاكمة بأمر الله  على حساب  الطبقة البرجوازية  التي تحاول  النهوض ، ومن أهمأسباب هذه  الإخفاقات  للحركات الفكرية  البرجوازية الناشئة  والطبقة المتوسطة  كون  الدولة دولة ريعية  تعتمد  على واردات الخراج  والجزية في  جمع  مواردها  وتسيير أمورالإمبراطورية، ولا تعتمد على  أموال  دافع  الضرائب  البرجوازي  المنتج ، مما  اضعف قوة ونفوذ   الجانب  المنتج  في الزراعة والصناعة وعدم  تطورها ، فكان الحكام يشترون  مبايعة ودعم  ورضيالإقطاعيين  والوجهاء  وكبار التجار بمنحهم  المزيد  من الأراضيالأميرية مقابل  ثمن  بخس
(( توزيع الأراضي من قبل العثمانيتين على الوجهاء والاقطاعيينالمساندين للسلطة العثمانية ، بعشرة قروش للدونم )) ص356.
والمفارقة  الكبرى إن يدعي  هؤلاء وأحفادهمإنالأرض  ملكهم   وقد  ورثوا  من  آبائهم  وأجدادهم   ،  وقد   قاوموا  وبعنف  وبدعم  من قبل   بعض حلفائهم   في  السلطة الدينية  على مقاومة كل محاولة   لإحقاق  الحق  وتمليك الأرض  لمن  يزرعها ،  وعادة الحق  إلى نصابه ،  ورفع  يد  مرتزقة السلطات  الاستعمارية  الظالمة  عن  هذه الأرض  وهي ملكية  لكل  العراقيين  ، منذ  دخول   الجيش الإسلامي  للعراق  عهد  الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وعدم تمليكها أو منحها  لأحد .
، وليس كما  حدث  في  الغرب  الرأسمالي  خلال حقبة التنوير والثورة الصناعية في البلدان الأوربية  والتي  رافقتها  البروستانتية  والاحتكام  للعقل  وإضعاف دور الكنيسة والبابا    وبالتالي  إضعافالإقطاع  وحكم النبلاء لصالح  البرجوازية والطبقة المتوسطة  الناهضة ... ففي الوقت الذي البس الصراع على السلطة وكرسي  الحكم  في العالم الإسلامي ومركزه  لفترة طويلة بغداد   لباس  صراع   بين  أولويات  حكم  لعوائل وأفخاذ من   قريش  التي احتكرت  لنفسها  حق  حكم  الأمة الإسلامية بعد  الرسول  القرشي ، فكان  الصراع  بين  العلويين  والامويين  والعباسيين  وتوابعهم   لعدة قرون  من الزمان  وهم  أفخاذ  وبطون  من  نفس القبيلة  نعني  قبيلة قريش ، لغاية سقوط  إمبراطورية إل عثمان   على يد  الاستعمار الانكليزي ، في حين كان  الصراع  في  دول  أوربا هو بين   طبقات  اجتماعية  متناقضة  ،  وخصوصا  بين   الطبقة الإقطاعية  والبرجوازية وحلفائها من  العمال والكادحين ،  ومن ثم بين  الطبقة البرجوازية  وطبقة العمال  وأنصارها ، ولحين التاريخ ،بعد إن نبذت  هذه الشعوب الصراعات الطائفية ، كالصراع بين  الكاثوليك  والبروتستانت ، أو بين مختلف  الطوائف  المسحية الأخرى ، فأصبح  الصراع  صراعا  طبقيا  واضح  المعالم  لا غبار عليه ، ضمن كل  هذا الصراع  كان  ولازال  للطبقة الوسطى   وليدة  الحراك ومتطلباته  في الغرب  دورا  فاعلا في  السير نحو  التطور والتقدم  والحضارة ،   على  الضد  من الطبقة المتوسطة في  عالمنا  الإسلامي  ومنها  العراق  فالطبقة الوسطى من الكتاب  والشعراء والحرفيين  وما  شاكلهم   فهي  طبقة مصنعة وتابعة للطبقة الحاكمة ، وبذلك اتسمت  بالذيلية  والانتهازية والتبعية   في مختلف  العصور  والتحولات   لحين التاريخ ...وهذا العجز الموضوعي ناتج  عن  ضعف  إن لم  نقل  عدم  وجود  طبقة برجوازية وطنية منتجة  ونقيضها ، وبالتالي  ضعف   وسيطهما ...
بعد هذه  المقدمة  العامة  حول الطبقة المتوسطة  وتحولاتها   وحالات  قوتها  وضعها  ضمن الحراك  الاجتماعي ، نعود  إلى روايتنا  ولنتابع   الطبقة المتوسطة في العراق خلال  الهيمنة العثمانية  وما بعدها  عبر  متابعة   عائلتي (( الكتبخاني)) و (( ألخيامي )).
فإسماعيل الكتبخاني  تاجر وإقطاعي كبير ،  متزمت   ومحافظ جدا في  سلوكه وتعامله داخل الأسرة  ومع عموم  من له  صلة به  ماعدا  ما يمثل   الباشاوات  والسلاطين  الممسكين   بالحكم ، فهو يظهر كخادم ذليل  يريد الحظوة برضاهم ،  للحصول  على المناصب والمكاسب  له  ولأسرته  التي  كانت  تعد  من  العوائل  المتعلمة  حسب  قياسات زمنها  ومن هنا أتت   تسميتها  بعائلة (( الكتبخاني))، وبالخصوص   الذكور  من أسرته     ومنهم   الولد (( نشأت))، هذا الذي  كان  متوافقا ومنسجما  مع  والده  من حيث  السلوك  والتفكير  العام  حيث  انشغاله  بالتجارة  واللهو   ومعاشرة  النساء  حتى انه  أقدم على اغتصاب  الخادمة (( نمنم ))،  والتنكر  لها  هي وولدها (( حمدي))  الذي  نسب  إلى   خادمهم  وأجيرهم  ((  رجب))  بقوة السوط  والتهديد  بالطرد ...  فهذا  إل (( إسماعيل))   لم  يتوجه  توجها إنتاجيا  سواء بإنشاء مصنع  أو معمل  منتج  بلى    توجه  نحو العمل الاستهلاكي  عبر  الاستيراد  للمواد  الاستهلاكية ، وهو وصف  لحال  البرجوازية  الطفيلية  التجارية  التابعة  لأسيادها ، وصاحب القول المعروف عنه
(( المصالح تقتضي أن تكون كل يوم بلون ، وكل يوم بصورة )) ص424.
وهكذا  كان فبعد أن  يأس من استعادة السلطة  على  بغداد من  قبل  الأتراك، اخذ يتودد  ويتردد  على  الأسياد الجدد  من الجنرالات الانكليز ، فبدل  زيه  العثماني  ليرتدي  الزىالإفرنجيوليحظى برضا وصداقة الجنرال  مود  ومن  ثم  الجنرال وليم مارشال  حيث :-
(( عين إسماعيل بك مستشارا للأمور التجارية  في إدارة  التجارة والمالية ))  ص433.
وقد  ماثله في  السلوك ولده  نشأت في التلون  واقتناص الفرص والتبدل  والتلون  حسب  ما  تتطلبه  مصالحه ،  وكذا  هو حال   حفيد الكتبخاني   (( فهمي منصور  اسيماعيل  االكتبخاني))  الذي  تخلى عن كل  أرديته  السابقة ، وتعاون  مع قوى وعملاء الاستعمار  الأمريكي  ليكون نائبا  في  البرلمان العراقي بعد السقوط   عام 2003
(( أسرة عجيبة لها ارث باهظ من الشر والدناءات العتيقة ، وأبناء الزنا وشهوة السلطة والمال والجواري والمحظيات ))  ص476.
عزل ، وعزلة العقول المتنورة :-
صبحي، وولده ، فؤاد ، وولد فؤاد  جابر ، وبن جابر وليد ،  وبنت جابر نهى  نموذج  للشريحة الاجتماعية  المتنورة  التي أقبلت على   الاستزادة من العلم والمعرفة ونبذ التشدد والخرافة ، الانتصار للحق  والعلم  والجمال والفن الرفيع ، الإحساس  العالي بالكرامة الوطنية ،  ورفض التعاون مع  المحتلين والمغتصبين  مهما  اختلفت  مسمياتهم وأساليبهم  سواء كانوا  أتراكا  أو انكليز   أو  أمريكان ، الاتصاف  بالأمانة والصدق  والإخلاص في الحب  وتجاوز الكثير من   العادات  والتقاليد الاجتماعية المعشعشة في  عقول  الكثير من  أبناء طبقتهم  ناهيك عن هيمنتها على الأغلبية من  الكتل البشرية  الذي لا يمكن توصيفه  بالمجتمع  حسب  تصوراتهم ، وبراءتهم من  أفراد  العائلة   الماليين  للمستعمرين  من الإقطاعيين  والمستغليين  حيث يرون إن  هؤلاء هم سبب خراب البلاد   وعذاب  الشعب وويلاته  في مختلف  العصور
(( هؤلاء مساهمون في خراب البلاد منذ العهد العثماني حتى اليوم ، الحقيقة  أنا لا أتشرف بالانتساب إليهم))  ص521.
ف((صبحي))  يذكرنا  بشخصية  (( معروف الرصافي ))  وجيل  المتنورين  المقاومين للهيمنة التركية ، والباحثين عن  الحقيقة ، والمرافقين للعقول النيرة من الكتاب والفلاسفة  دون التحيز  لدين أو قومية  أو جنس ، كانوا عشاقا للحياة والحب والانفتاح  على الحياة ،   متذوقون   للموسيقى والغناء   والرسم  وللفن الرفيع ، وكذلك ،  ولده  فؤاد ، وجابر ... ونهى التي  تتمثل  لنا  برائدات التنوير في  العراق  كنزيهة الدليمي  ، وزهى حديد  وغيرهن  الكثير من نساء العراق  المناضلات من اجل الحرية  والتقدم والسلام .
والواقع المأساويللجيولوجي   القدير   وليد ، الذي اضطر للهجرة  خوفا  من بطش الإرهابيين الذين أبادوا عائلة   حبيبته  المسيحية  (( سميراميس))،  إما(( نادر)) حبيب   نهى  فيتمثل  لنا  بالعقول  المبدعة  والمبتكرة  والمتسائلة  عاشقة العلم  وتطوراته ، الذي  يعيش في  عزلة قاتلة ، مبعدا من  دوائر الدولة   ومؤسساتها ،  وهو يذكرنا  بالعالم العراقي الكبير عبد الجبار عبدا لله  الذي  سجنه  وأهانه  انقلابي  1963 .والمهندسة المبدعة الكبيرة التي ماتت  في المهجر (( زها حديد ))،  وغيرهم كثير  نجوما  لامعة في مختلف  العلوم  تقاسمتهم بلدان المهجر  ، ولكن  قلوبهم  وأرواحهملإزالة وستبقى  عالق  في  تربة وطنهم العراق ...
كان  نصيب العقول  المتنورة  والكفوءة  والوطنية الصادقة   ، كان  ولا يزال مصيرها   النفي والإقصاء ، والإبعاد  والعيش  بالغربة  في مختلف  العصور ، هكذا عاش  ((صبحي))  ،  وهكذا سجن  وطورد  ونبذ  ((معروف  الرصافي))  وتشرد  وهاجر   محمد مهدي ألجواهري ،  والبياتي  وسعدي  يوسف ، وغيرهم  من الأدباء والشعراء والكتاب  ،  وبهذه  الطريقة تم إعدام   الشيوعيين   في  الزمن  الملكي  والجمهوري  فكان  هناك  الآلاف  من المعدومين والمشردين  والمهاجرين ، حتى في زمن  الجمهوريات   الديكتاتورية  و (( الديمقراطية ))...
فالقابض على وطنيته  وإنسانيته  ومبادئه  كالقابض  على الجمر ،   لا بل  اشد  من الجمر ، فرأسه  مطلوب  إن لم يركع ويخضع  لعملية الترويض  والانسجام  مع الأوضاع  الجديدة  مهما كانت  فاسدة وبائسة ، رغم  ذلك   فقد   بقى   البعض  القليل  مثالا للثبات  والقوة   سليما من درن  حب السلطة  والسير مع  القطيع  ، بل  ظل سليم  العقل والجسد   والسلوك مثلها  الأستاذ سليم  خال (( نهى))
(( ذو النزعة الاشتراكية التي ما تزعزت حتى بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي، بل ازدادت رسوخا كعقيدة ثابتة لها قوة الإيمان ، تحب نهى هذا الخال الاشتراكي الفياض بالحماسة والآمل والمتفائل بازدهار الاشتراكية حتى بعد قرون )) ص61
مما يؤكد  ما ذهبنا  إليه من حالة ضعف  البرجوازية الوطنية المنتجة ،  وهيمنة  البرجوازية الطفيلية  التابعة متحالفة مع  بقايا  الإقطاع   مشكلة طبقة (( الاقطوازية)) ، المهيمنة على السلطة   والحائزة على المناصب والمكاسب ،  وهذا ناتج  عن  استمرار الدولة الريعية من ريع  الخراج   إلى ريع  البترول  في زمننا الحاضر ... حيث  تتم عملية  القمع  القهري للطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة  من  قبل  الاستعمار    كعامل خارجي ،  ومن  (( الاقطوازية))  التابعة كعامل داخلي ، وبالنتيجة أدى هذا الحال  إلى هزال  الطبقة  الوسطى  إن لم  نقل موتها ، رغم   مقاومتها  الباسلة  من اجل  الحياة  متأثرة   ومنبهرة  بما  وصلت  له  الشعوب  المتقدمة من تحضر  ومدنية  ورقي   في مختلف  المجالات ،ومن علامات  موت  الطبقة المتوسطة  ،  استبعاد   وشبه موت  للفلسفة والفلاسفة  في العالم العربي الإسلامي ...

ف(( جدارية السلام للفنان فائق حسن  مكسوة بالغبار ، وآثار الدخان ، حتى لتكاد تفاصيلها تتلاشى  تحت طبقة  السخام  والتراب الأحمر ))  ص290.
دلالة  موت كل معالم  المدنية والتحضر  ، واحتضار الطبقة الوسطى ، وانحلال قيم  الفن  والجمال  والتمدن  أهم  ميزات الطبقة المتوسطة ، فتلاشت دور السينما والمسرح  والموسيقى  هذه  الفنون  مصدر التنوير   والتثوير وحب الحياة  وإنقاذالإنسان  من عمى الجهل والتخلف
(( سلمت مقادير حياتي للموسيقى   فنجوت من العمى والمطامع وعرفت نورا غير الذي ترونبأبصاركم ))  ص261.
طبقة (( الاقطوازية )) التي  اطفات مصباح الحب  داخل   أجسادهاوأرواحها ، فانصرفت   نحو  جني الأموال  وبناء القصور  وحوزة المنافع على حساب  معاناة  أغلبيةأبناء الشعب ،  وفرت لنفسها  بحبوحة العيش  في خضرائهم   المشئومة التي خلفها لهم الديكتاتور وأهملوا  المدن  العراقية   يعمها الخراب  وفقدان  ابسط الخدمات ، هكذا عاش (( فهمي منصور الكتبخاني ))وأقرانه  من أعضاء الحكومة والبرلمان  العراقي ، في حين  عاش  نادر  وفؤاد  ونهى ، ووليد وسميراميس ، وسليم ، والشيخ   (( قيدار))  عم حياة البابلي  الذي  بذل جهودا كبيرة من اجل حفظ تراث  بغداد  من الضياع  من خلال   شراء وجمع  المخطوطات  التي  تسجل  وتحكي  تاريخ  بغداد  على مدى العصور   حيث  تقول  حياة
(( عمي مصاب بهوس  اسمه المخطوطات  المتعلقة ببغداد ، البلاد تتلاشى وهو يحفظ تراثها))  ص 233
 عاش  هؤلاء العراقيين  الأشرافالأحرار  في حالة عزل وتشرد وغربة  لأنهمأوقدوا  شعلة الحب  في أرواحهمفأحبوا وطنهم ، وامنوا   بالحرية والتقدم  والسلام ، ورفضوا  مهادنة  الاستعمار  وأذنابه  وخدمه ، فاضاؤا  طريقهم  بمصباح  الحب  ، وعملوا  من اجل حياة أفضل  لشعبهم ووطنهم
((  في أعماق الجسد بئر  وفي البئر معبد وفي المعبد مصباح وعندما يضاء المصباح  بالحب يضاء الجسد )) ص315.
واقع المرأة في  المجتمع  العراقي :-
المرأة في ظل  الأوضاع  التي عاشها  العراق في ظل    حكم   الامبراطورايات  الإسلامية ، وفي ظل  الإمبراطوريات  الاستعمارية  بمختلف توصيفاتها ، فهي   حالة من  الاستعباد  والتملك   كسلعة للمتعة والإمتاع ،  والتفريخ  والترفيه  سواء أكانت   جارية أو مملوكة  أو   كما تسمى (( حرة)) بالتوصيف  ...
فهي تعيش تحت وطأة الهيمنة الذكورية الاستعبادية ،  ونظرة الدونية   من  قبل  الأغلبية  الذكورية ،  ولا يكاد  هناك  فرق كبير بين حياتها  وحالها  في ظل   هيمنة السلطنة العثمانية ،  أو  الملكية التابعة ، أو الجمهوريات الديكتاتورية (( الاشتراكية))  أو (( الديمقراطية ))، فالتاريخ  يروي   مآسي  السبايا  والجواري  الناتجة عن غزوات  الخلفاء   أولياء أمور المسلمين  والحاكمين بأمر الله  كما يدعون ، حتى أنهم  امتلكوا  الآلاف  من  النساء  كجواري  ومحظيات في قصورهم   وضيعاتهم ، بحيث  كانت  هناك أسواق  ومزادات   لبيع  الجواري والغلمان في ظل  حكم   الخليفة  السلطان  ولي أمر المسلمين !!!!
وما حياة (( بنفشة خاتون ))  إلانموذجا لهذا  الخرق الفاضح  لإنسانيةالإنسان  الذي جعله  الله  كما يقولون  خليفته  على الأرض ،  هذه  ((البنفشة ))، التي  لم  تجد  إنسانيتها  ا لا باقترانها  بمحبها  المتنور (( صبحي ابن  إسماعيل  بك))، الذي زهد  بالمال والجاه  والثروة  ، معلنا  ثورته  ضد  تقاليد  وأعراف  عائلته  وطبقته  الظالمة  بنفشة خانم
(( كانت وهي تدخل إلى بستان مدحت بيك أشبه  بنجمة هبطت توا من السماء، فأضاءت عتمة القصر والبستان ))  ص281.
ولكنها  تصدم  كونها  قد تزوجت ابن   سيدها  (( إسماعيل بك))، وان  ابنها  (( بهجت )) من إسماعيل  هو  أخ  زوجها  من أبيه ! فتقتل  سعادتها    نتيجة لفساد (( إسماعيل الكتبخاني))، وفساد  كل  نظام وحكم الإمبراطورية العثمانية وتوابعها ....
نموذج الخادمة (( نمنم))  الحبشية  ورفيقاتها   وما يعانن  من  الاغتصاب والاهانة  والإذلال  ، حتى مع  مربيات  وراعيات  أولادهم  وزوجاتهم  مثل  المربية  الحنون  (( أم نعمان))  التي تتعرض  للطرد  لأنها انتصرت للحق ...
لم يكن حال   زوجاتهم   (( جميلة ))  زوجة إسماعيل بك  ،  ومصير بناته  بين  انتحار والموت غرقا((  مديحهإسماعيل ))،  حرقا  نتيجة الكبت والإهمال ، والحرمان  من الحب  والاستمتاع  بالحياة ، فيكاد  حالهن لا يختلف عن  حياة  الخادمات والعبيد ...
رغم كل ذلك  كانت  هناك  نماذج  من النساء  تمكنت  بجرأة وشجاعة وقوة  شخصية من  مواجهة طغيان الرجال  وظلم المجتمع  إلى كسب  حريتهن  وحياتهن   مثل  (( حياة البابلي)) و (( هناء ))  و (( نهى الكتبخاني ))، ولازالت   هناك نماذج من النساء المتحديات  الرائعات  في  عصرنا  الراهن  ومن أمثالهن   كاتبتنا  المبدعة (( لطفية الدليمي ))  وغيرها  بالعشرات ، وريثات  طريق  التحدي والكفاح  للمرأة العراقية   الثائرة  ضد الظلم والقهر والتسلط .... رغم رثالسرد،عة  الطبقة  المتوسطة   ووضاعتها  في عصرنا  الحالي  وانحدار الأغلبية  الحاكمة والمحكومة  إلى قاع  التخلف والجهالة  وعقلية وثقافة القرون الوسطى .
طبيعة السرد  ، ودقة الوصف ، ورهافة اللغة :-
عندما  قررت   قراءة الرواية ، والعمل  على الإلمام   بمضمونها ، ومتابعة شخصياتها ،  لا اخفي  إني شعرت  بصعوبة    تنفيذ  هذا القرار  نظرا   لبدانة الرواية ،  وضخامتها  وعدد صفحاتها  البالغة (( 582))  صفحة ، والتعدد الكبير  لشخصياتها  الرئيسية والفرعية ، خصوصا  وان  قراءتي تهدف النقد الأدبي  للرواية ، مما يستدعي  دقة  الملاحظة  ومتابعة الحدث والربط  بين   سلوكيات الشخصيات ، والالتفات إلى  ما    ذكرته  الكاتبة من  تلميح  إلى حدث   ربما  لا يتضح إلا في نهاية الرواية ،  ولكن ما سهل  علي هذه المهمة ،  هو السرد   السلس  والكلمة الرشيقة والوصف  والصور الجميلة التي  تمتعت  بها  الكاتبة القديرة ، مما  جعلني  لا أمل  من القراءة   ومتابعة سير الأحداث ...
فالكاتبة  طافت  بنا    في  معالم   رائعة  شخصت  أمام    ناظرينا   من  خلال الوصف   في  فرنسا ،  وخصوصا مدينة  غنرنوبل أو في زيورخ ،  أو  في   تركيا   والتجوال في أسواقهاومقاهيها  ونواديها ،  وساحاتها  خصوصا  مدينة الأستانة ، وعادات  وطبيعة ناسها ،  وسلوكياتها  وثقافتهم ،  ومدارسهم  الفكرية  وطبيعة  الحراك  السياسي  الناهض فيها ،  وكذا هو الحال  وهي  تتجول  في بغداد   وحاراتها  ومعالمها  في  الماضي والحاضر ، وما لحقها  من خراب  وتدمير وتشويه  نتيجة  الاحتلالات  المتكررة ، وما تعرض  له  أهل العراق  من الويلات  والمآسي  ، على يد الأتراك  ،  والانكليز ، والأمريكان
(( إن الناس هلكوا جوعا وافترست الكلاب جثث  الرضع الذي ماتوا بموت  أمهاتهم، وكان العجزة يزحفون في الطرقات بحثا عن عشبة أو ورقة  نبات يقتاتون بها، وإذاوجدوا حيوانا نافقا  كانوا يقطعون لحمه بكسر الفخار والحجارة ويأكلونه))399ص
سوق  الناس  قهرا إلى  الجيش  وعسكرة المجتمع  للمشاركة في  الحروب  العبثية  في  مختلف   الحقب  سواء  التركية أو  الانكليزية أو الجمهورية 
((إعدام مئات الهاربين من التجنيد في محلات بغداد كلها وأقيمت المشانق في مداخل الأزقة ))  ص387
،  وفي تاريخنا الحديث   لا يمكن أن  ينسى أهل العراق  ما جرى زمن  الديكتاتورية  الصدامية  وسوق  الناس  بالقوة  والإرهاب إلى جبهات القتال  العبثية  الخاسرة ، والموت   والقتل ،  وقطع  الإذن  للهاربين  والممتنعين  عن الالتحاق   بجهنم  الحرب ، وقطع  لسان من يعترض ، وهنا نعود  لملاحظتنا في بداية  الدراسة إلى إن  الكاتبة   طوت  بسرعة كبيرة  فترة  حال   أهل العراق  زمن  الديكتاتوريات  الجمهورية ، فهي  ركزت  على  عهود  التواجد المباشر للقوى الاستعمارية على ارض  العراق ،  رغم  إن  ما حصل  على يد  (( الحاكم الوطني))  اشد  قسوة وعنفا  ويلاما  حتى من  المستعمر نفسه ...
 والدور القذر الذي لعبه   الانتهازيون   والمتلونين  ومتصيدي  المناصب والمكاسب  في مختلف  الحقب ،  ومعانة  أهل العلم والمعرفة  والوطنيين  والتقدميين  العراقيين  من  القهر  والظلم  والتعسف ...
هناك إشادة كبيرة  بالتعليم كوسيلة  هامة جدا من اجل  بناء   عراق  حر  وشعب   متحضر في  العراق ...وضرورة الاهتمام   بدراسة علم الاجتماع ليكون منارا  للأجيال الشابة في  فهم   طبيعة مجتمعهم  وأسلوب  النهوض به  نحو  التقدم والرفاه  والسلام ...
كذلك  أشارت  بقوة  إلى  د ور الفن  والموسيقى في  رقي  الشعوب  وتطورها ، ونبذها  للعنف  والإرهاب
(( إن الموسيقى هي احد عناصر تطور البشرية  وتهذيب النفس ، لو كانوا أنصتوا يوما للموسيقى لما تحولوا إلى لصوص وقتلة )) ص91
شدني  الوصف  الجميل  لمناغاة الحب والعشق   الصادق   وتجاربه   المختلفة بين المحبين  ،  الحب  الصادق  بين  (( نادر)) وهو اسم على مسمى  شخصية نادرة  في زمن التردي ، وبين (( نهى))  التواقة نحو  الأمان والحرية ،  التي تمكنت  إخراج نادر من عزلته   وبث الأمل وحب الحياة في روحه  ،وقصة الحب  أو قصة الحياة المدهشة  ل((  بنفشة خاتون ))،  والوصف  الأخاذ  لعطورها ،  ولملابسها ،  ولصوتها  ،  ورفعة  ذوقها ،  وجمالها  الساحر ، مما يجعل  القاريء يسبح في عالم  باذخ من السحر والجمال  والفن الرفيع ...
وقد كانت  الكاتبة موفقة جدا  باختيارها  الروي  عن طريق  مذكرات  الأجداد   المحفوظة في الصندوقيين ،  مبتعدة عن  الاستذكار والروي  بالنيابة ، وإنماأحضرتإمامناالأشخاص  بدمهم ولحمهم  وعصرهم   ليروا  لنا  أحوالهموأفراحهموأهوالهم ، بالإضافةإلى  الروي  على لسان  (( نهى))  الشخصية المحورية  في الرواية ...
إن رواية (( عشاق  وفونغراف  وأزمنة ))  بانوراما  ملحمية ، تبهر الأبصار ، وتشنف الآذان ، وتغني  العقل ،   بالصورة  ، والصوت  ،  والكلمة  الرائعة ،رواية حيكت بخيوط من حرير ، تضمخت حروفها  بعطر البنفسج ، ودموع المقهورين ، أنارت  كهوف الماضي ،  واشرعت  نوافذ توقعات المستقبل ، وهي تحكي تاريخ طبقة  كتب عليها  إن  تبقى   معوقة ،  متعبة ،  مصادرة الخيارات ،  مخنوقة  الأحلام  والآمال ،  عبر قرون  من الزمان ، ولم تزل ، إنها  شهادة  على مثال وشهد  شاهد من أهلها  ، حيث   أظهرت  الكاتبة  ما هو  مظلم وفاسد   ومخزي  في ،  و ماهو  مشرق ومشرف  ونبيل في تاريخ  هذه  الطبقة ...



40
قريبا من أسرار ، بعيدا عن لهيب نار
روايــــــــــــة
(( مالم تمسسه  النار ))
للروائي  القدير الأستاذ عبد الخالق ألركابي





بقلم  :-  حميد  الحريــــــــــــــزي
 

((مالم تمسسه النار ))
عنوان رواية الروائي القدير عبد الخالق ألركابي الصادرة عن  ((المؤسسة العربية للدراسات والنشر)) في طبعتها الأولى عام 2016 والمؤلفة من 271 صفحة، هي رائعة جديدة من سلسلة روائع الأديب الكبير ألركابي .
العنوان في المتن إشارة إلى ما تبقى أو افلت من الحرق من ((الدفتر الأسود)) سجل أحداث الرواية المكتوبة بقلم الراوي على لسان ((نديم  اسكندر بيك)) الشخصية المحورية في الرواية سليل العائلة التركية  الثرية الإقطاعية عائلة ((اسكندر بيك))، حيث قام بإحراق هذا السجل  قبيل انتحاره، لولا أن يتمكن من إنقاذ المتبقي منه من قبل  صديق  نديم الحميم عيسى من سكنة مدينة الثورة الجوادر وهو احد أقرب أصدقاء   نديم .
((انه دفتر قديم، متسخ وملوث بالرماد، يبدو وكأن النار شبت في أطرافه، فلوت أوراقه وجعدتها بعد إن أجهزت على العديد منها))  ص9
((عيسى)) الذي آوى (( نديم)) بعد خروجه من الشماعية على اثر   تسيب نزلائها وإهمالهم من قبل السلطة وموت اغلبهم جوعا وعطشا، واستضافه في داره في الجوادر ورعايته حتى موته منتحرا بالتهامه كمية كبيرة من الحبوب علاجه في المستشفى قبل خروجه، وإقدامه على حرق  ((سجله الأسود)) الذي أنقذ عيسى بقاياه واحتفظ به لديه  لحين  تسليمه  إلى الراوي وهو ضالته الكبرى، وهي دلالة على طيبة ووفاء ونقاء هذه الشريحة الاجتماعية رغم فقرها، كما إنها دلالة على كون هذه الطبقة هي  حاملة وحامية التاريخ الحقيقي ناهيك عن كونها الفاعل الحقيقي في  أحداثه وتغيراته ...
  العنوان يحيل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فعلى الرغم من البانوراما  الروائية التي شملت الكثير من الطبقات والشرائح الاجتماعية وفي فترات  تمتد لعقود من السنين، لكن هناك  ما لم  يتمكن  من الاحتفاظ به وقد  التهمته نيران الذاكرة ونيران الحروب وضيعته السجون وظروف التقشف  والتشرد، ويد السلطات ورواتها المزيفون، وسطوة قوى الاحتلال، مما  يؤكد للقارئ والمؤرخ وللأديب أن هناك الكثير لم يزل في خانة المستتر أو ما هو ضمن رماد الحرائق، وقد كان الكاتب موفقاً تماماً، وأميناً مع ذاته وصادقاً مع القاريء في المقدار الذي تمكن من كشفه أمامه من  حالات تاريخ وحراك وطبيعة المجتمع العراقي وتحولاته في مراحل   مختلفة منذ الاحتلال العثماني  وحتى الاحتلال الأمريكي ....
ولا شك إن الكتاب أو السجل أو الدفتر يوصف بـ((الأسود)) دلالةً على  المآسي والظلام والكوارث على مستوى الأفراد أو على مستوى البلاد  فيختزل الكاتب بذلك الحاجة للإشارة إلى مدى عمق مأساة العراقيين  على مر عقود من الزمان من احتلال إلى احتلال وفيما بين احتلال واحتلال ، فالسواد هو السائد في ((أرض السواد))!!!
طبقة اجتماعية عليلة ومأزومة :-
يشير الكاتب إلى أن ((نديم)) ابن ((اسكندر بيك)) ورث عن أبيه مرض ((الصرع)) بالإضافة إلى الثروة والجاه، وربما ورث أبوه المرض عن جده، وهم من موالي العثمانيين ودولتهم المريضة التي تناهشتها الدول  العظمى وخصوصا بريطانيا وفرنسا، وقد عرّف الأطباء هذا المرض  بأنه:-
((اعتلال في الدماغ أو المخ حيث يحدث خلل في وظيفة خلايا الدماغ والخيوط العصبية فيصدر عنها موجات كهروكيمائية مفاجئة تسبب خللاً في وظيفتها قد تكون على شكل خلل سلوكي، اضطراب نفسي ، اضطراب  حسي، فقدان الوعي أو تشنجات عضلية، وقد تكون محددة في أجزاء معينة من الدماغ أو شاملة.
وتشير العديد من الدراسات الطبية والتاريخية أن العديد من الشخصيات  المصابة بهذا المرض تتميز بالحس الفني المرهف أو بالذكاء المفرط  ومن أمثالهم:
((نابليون القائد العسكري الفرنسي المعروف، وكذلك الفرد نوبل صاحب الجائزة العالمية حيث تذكر المراجع إنهم مصابون بالصرع)).
فالشخصية المركزية في الرواية هي شخصية ((نديم اسكندر بيك))،  كان  يتميز بحساسية كبيرة ، وذكاء مميز، وحس فني  فطري، بدلالة قدرته على عمل تماثيل تمزج بين الفطرية والحداثة، غريبة الأشكال تلفت النظر، استطاع أن يصقلها متمرناً على يد زميله في الشماعية النحات الفطري (( حكمت الكردي)) والذي قال عنه (( نديم )):- 
(( كان من المحال عليّ مواصلة الحياة في المستشفى خلال تلك الشهور المعدودة لولا صداقتي لذلك النحات الفطري ((حكمت الكردي)) الذي كان يستلهم – دون أن يدري بطبيعة الحال – طريقة النحات العظيم  مايكل  أنجلو ))  ر.ص 58.
كذلك قدرته على عمل نموذج  مصغر من مطحنة والده بعد مشاهدتها  مرة واحدة وقد كان نموذجا أدهش جميع من شاهده في حديقة المنزل ، وكانت له قدرة غير عادية على التنبؤ بالأحداث  والفواجع  القادمة .......
فهذه الشخصية التي عاشت في ظرف مرتبك وفي بيئة غير متوازنة، ورث عن والده الثراء، والصرع، والسوط، وتاريخ غير مشرّف وفضائح  يعلمها القريب والبعيد ...
فهذا الشاب المصروع الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب كما يقال لأن  والده ورث عن والده أملاك وعقارات وإقطاعيات مترامية الأطراف، عن طريق ارتباطه بالاحتلال التركي العثماني للعراق آنذاك، حيث وهبوا   قومهم وأنصارهم ضياعاً واسعة، وهؤلاء قد استحوذوا على مساحات واسعة من الأراضي دون حساب، قد تميز بحالة من الانطواء على الذات  والانعزال  منصرفا بالكامل إلى ولعه للعب  بالطين وعمل التماثيل، أو  القراءة، هذه الهواية التي جرت عليه الكثير من الويلات ولاسيما من قبل  والده الذي ضبطه وهو يطالع كتبا يعتبرها الوالد ممنوعة على أمثاله مثل    كتاب ((ألف ليلة وليلة)) وما عداها من الكتب التي تتحدث عن الجنس  والممارسات الجنسية واحتوائها على عبارات فاضحة وإباحية، وهنا  يظهر  مدى ازدواجية مثل هذه الشخصيات؛ ففي الوقت الذي يبح لنفسه   ممارسة هذا الممنوع يقمعه عند أولاده وعائلته .
 تتميز هذه الطبقة بشراهتها في جمع الأملاك وجمع المال، بالإضافة  إلى أنانيتها، وحبها للسيطرة والهيمنة على كل شيء وإقصاء المنافس  بشتى السبل والأشكال ومنها قوة القهر والقتل والسجن والتشريد، وقد تمثلت هذه النزعة بسوط ((اسكندر بيك)) الذي ورثه عن أبيه والذي  أوصاه بان لا يتخلى عنه عندما يعجز عقله عن حل إشكالية ما مع فلاحيه أو التابعين له :-
 ((عليك الاستعانة بهذا السوط في إدارة أملاكك حينما لا يعينك عقلك في ذلك)) ر.ص 180   
حيث لم يفارقه السوط حتى وهو يتجول على عربة المعوقين بعد إصابته  بالشلل......
الســــــــــــــــــوط :-
رمز الوسيلة القهرية الذي اعتمدته هذه الطبقة الهجينة من البرجوازية الطفيلية والإقطاع وبقاياه الذي اصطلحنا عليها ب((الاقطوازية))، وهي  الطبقة السياسية الحاكمة المأزومة دوماً، والحاملة لكل أمراض هذه الطبقات من الجهل والطمع والقسوة والتبعية لأسيادها من عثمانيين أو الانكليز أو أمريكان منذ ولادة الدولة العراقية ولحين التاريخ، وهي وليدة الشرذمة الطبقية في مثل هذه المجتمعات والدول الريعية الاستهلاكية الغير منتجة، حيث قمعت البرجوازية الوطنية المنتجة بفعل التدخل  الاستعماري وقطع حلقة التطور الاقتصادي التقليدي، وبالتالي ضعف النقيض القوي من الطبقة العاملة المنتجة، وتبعية وضعف الطبقة الوسطى لكونها طبقة مصنعة من قبل الدولة الريعية لإدارة شؤونها، وليست وليدة النمو الاقتصادي والسياسي الطبيعي التقليدي كما في  المجتمعات الصناعية المتطورة، حيث كان لهذه الطبقة دور تنويري   مشع باتجاهين الطبقة البرجوازية الحاكمة والطبقة العاملة وعموم الكادحين الطبقة النقيض ......
لا نريد أن نسهب في هذا المجال، ولكننا أردنا أن نوضح طبيعة الصراع المزمن والغير محسوم للطبقات السياسية الحاكمة في العراق وتوالي  الانقلابات والصراعات الدموية بين نفس مكونات ((الاقطوازية)) المرتبط حبلها السري برحم الرأسمالية العالمية مما أدام أزمة الهيمنة الطبقية في الحكم، وبدعم والتخادم مع الدول الاستعمارية الكبرى، وبقاء الاقتصاد ألريعي منتقلا من الأرض إلى النفط بفضل (( نقمة)) الثروة البترولية الهائلة، التي تحولت إلى بساط من نار ودمار تحت أقدام عموم العراقيين  بدلا من أن تكون بساطاً من ذهب وحرير من أجل الرفاه والحرية والتقدم بفعل  جشع  الشركات البترولية الاحتكارية وأدواتها من الطبقة الحاكمة المحلية.
إن هذا السوط هو ما فجر الصراع العنيف بين الابن ((نديم)) ووالده ((اسكندر بيك))؛ لأن هذا الابن حاول تمزيق قناع والده وفضائحه  بالاطلاع على تاريخ ضحاياه ومنها تاريخ خادمته المغتصبة ((فردوس))  وابنتها سفاحاً ((هاجر))، حينما عثر الوالد على ((الدفتر الأسود)) وملاحظات ولده حول هاتين الامرأتين، وهذا ما لا يمكن أن يسمح به،   لأن فيه كشف النقاب عن وجهه الكريه وتمريغ هيبته وغطرسته المزيفة،  وتمزيق قناعه المهلهل بالشرف والفضيلة حتى وإنْ  كان ولده لا يقصد ولا يعلم بمدى علاقة والده بـ((فردوس وابنتها سفاحاً هاجر))، فاستل  سوطه كما هو حال طبقته في التعامل مع من يكشف زيفه، وألهب به  وجه ولده الذي دخل معه في صراع ضارٍ أدى إلى سقوط بسبب إصابته بنوبة قلبية مفاجئة.... وهو مصير هذه الطبقة على طول الخط بسبب المرض والعجز الكامن في بنيتها كما ذكرنا آنفاً.
ولكن هل هذا الفعل من قبل الابن، والرغبة في تجريد والده من سوطه  القاسي يعني أن الجيل الوريث لهذه الطبقة سينتصر لقيم الحرية والجمال؟؟
إن فطنة ووعي االكاتب  وموضوعيته تجيب بلا :-
حيث إن الابن حمل والده على عربة المعوقين وسوطه في حجره بطلب  من أمه التي أرادت لزوجها أن يحتفظ بوسيلة بطشه رغم إنها إحدى  ضحاياه، وخضوع ((نديم)) لإرادة أمه كونه وأمثاله أعجز من أن يكونوا  مشاعل للحرية ورفض الظلم والظلام، مما له دلالة على دوام البطش والتسلط ضد الفقراء والمعدمين وجمهور الفلاحين في إقطاعيات أبيه حتى وهو مشلول فلا زال هناك من يدفع عربته ويضع طربوش عليائه على رأسه..
(( تنقّل لحظات بنظراته بين الطربوش المنتصب على رأس أبيه والسوط المهمل في حضنه مستعيدا بلمحة خاطفة تاريخ سلالة أجداد عثمانيين فرضوا سطوتهم على آلاف الناس بهذين الرمزين ))  ر.ص 210
كذلك فإن ((نديم)) بدل أن يسعى لإنصاف ضحايا أبيه ومنهم أخته ((اللاشرعية)) هاجر من خادمة أبيه المغتصبة ((فردوس))، فإنه يتابعها  ويتربص بها شراً محملاً إياها ما أصاب أباه من الشلل فهي عار العائلة:
 (( لن أغفر لهاتين المرأتين، فهما السبب الحقيقي لكل ما حصل بيني  وبين أبي)) ر.ص 212
 فكمن لـ((هاجر)) عند شريعة النهر ليقوم بقتلها غرقاً، متوهماً أنه بذلك  أفلح من ستر فضائح أبيه والتخلص من كل ضحاياه وكتم أصواتهم للأبد،   وقد انبرت له أمه ببذل المال والجاه لغرض تبرئته من جريمته الشنيعة هذه، رغم أنها تعرف تماماً مدى إجرام الأب والابن وأن ((هاجر)) وأمها  محض ضحايا أبرياء، وبذلك نرى دوام تذبذب وعنف ولا إنسانية هذه  الطبقة، ودوام أزمتها النفسية والروحية وهي تحمل تناقضاتها وتشظياتها  التي لا تنتهي،  فيؤدي به الحال  أخيراً إلى الانتحار ....
إنها طبقة محكومة بالفشل والموت والتقهقر إن آجلا أو عاجلا، وهذا أمر مرهون بعوامل داخلية وخارجية وما إقدام الديكتاتور على احتلال الكويت  ومحاربة (( 33)) دولة كبرى إلا شكل من أشكال الانتحار جرت عليه  وعلى الشعب والوطن الويلات التي لا تنتهي فكان الحصار والاحتلال  والفوضى العارمة فتحققت نبؤه ((نديم)):-
 ((الشماعية امتدت وستمتد أكثر وأكثر لتسع كل شيء... كل شيء))  ر.ص 254
  وها نحن نعيش الآن في شبه جنون غير مسبوق، حرائق وإرهاب  وفساد وتشرد وجوع في كل مكان على طول البلاد وعرضها منذ انتحار واندحار الديكتاتورية ولحين التاريخ ..
(( تخيل وجود  ناس عقلاء يهاجمون مستشفى يؤوي ناسا فقدوا عقولهم  لأجل السرقة ....)) .
الشيوعيون في طليعة ضحايا ((الاقطوازية)) الحاكمة :-
  الصدف هي التي حكمت بإيجاد علاقة بين ((نديم)) وبين المنفي  السياسي المثقف الشيوعي ((فريد عمران)) كانت إحدى المصائب التي حلت على رأس هذا الشاب، حيث أعاره ذلك عدداً من كتبه حينما التقاه   مصادفة في المقهى التي يرتادها المنفيون عادة، ومنها طبعة  تجارية   لرواية ((الجريمة والعقاب))  لديستويفيسكي، وهي إشارة من الروائي إلى واقع ذلك الوقت حيث يقبع خيرة المناضلين والمثقفين العراقيين  ولاسيما الشيوعيون في السجون والمنافي على طول الون وعرضه، مما جعلهم، رغم هذه الحواجز، بؤرة إشعاع فكري وثقافي كبير أينما حلوا حتى وإن كانوا في السجون والمنافي، وهذا يذكرني برواية رائعة للروائي هشام توفيق ألركابي بعنوان ((المبعدون))  وهي تحكي أيضا حال المناضلين  في السجون والمنافي ولاسيما في بدرة التي كانت من المنافي الرئيسية آنذاك للمناهضين للحكومات وخصوصاً من الشيوعيين واليساريين  عموما.
وقد أشار الروائي إلى هذا الدور الهام  لهؤلاء المناضلين في مقاومة  الظلم والقبح وانتصارهم للكادحين من عمال وفلاحين ومقاومتهم للاستعمار الانكليزي، وما حدث من حالة فوضى وصدام بين الشرطة  وأنصار فريد عمران أثناء عرض فلم يشيد بالاستعمار الانكليزي  ويستعرض احتفال تسلم الملكة ((إليزابيث الثانية)) لمقاليد المملكة،  معرجاً على الصدفة التي كان (( نديم اسكندر)) حاضرا للتفرج على هذا  الفلم في السينما السيارة وبالتالي استدعائه إلى مركز الشرطة،  وغضب والده عليه رغم انه ليس طرفا في ما حدث ...
ولم يغفل الروائي الإشارة الايدولوجية المناهضة لليسار والمزيفة للحقائق ولأهداف الشيوعيين وما يريدونه من نضالهم  ضد القهر والاستغلال  ليظهر هذا الادعاء الزائف والمضلل على لسان ((إسكندر بيك)) حيث يقول لولده نديم محذرا إياه من الشيوعية والشيوعيين:-
((أنهم يعملون إلى أن يجردوني – انأ والدك – ليس من حقولي وبساتيني ومطحنتي وبيتي فحسب، بل حتى من هذه السكين والشوكة اللتين بين يدي...... لأني إقطاعي، وانك بالتالي سليل إقطاعي، ولذا يفترض بهم  تجريدك من كل شيء... كل شيء حتى من دشداشتك  هذه))  ص66
وللأسف هذا الفهم الخاطئ لأهداف الشيوعيين والخلط المتعمد بين  مفهوم الملكية الشخصية كالدار، والسيارة، وأثاث البيت وما إليه من ممتلكات حياتية شخصية، وبين ما يقصده الشيوعيون من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج المؤدية حتما إلى الاستغلال للعمال عن طريق العمل المأجور، ناهيك من وصم الشيوعيين من أنهم  يناصبون  نواميس  السماء العداء، رغم أنهم الأكثر التصاقاً بالأرض وهمهم منصب على ما يجري على الأرض من حالة القهر والاستغلال  ....
كما أن الكاتب أشار إلى رجحان كفة السلطة وأعوانها من القوى الرجعية والمحافظة من الاقطاعيين وبعض ادعياء الدين والتدين، ضد قوى اليسار والشيوعية وانصارهم في بدرة خصوصا حيث استطاعت الشرطة قمع  أصوات الاحتجاج ضد الاستعمار البريطاني وصنائعه في المنطقة اثناء  عرض فلم تنصيب اليزابيث الثانية، وكذلك رجحان كفة امام الجامع ومن  اسنده ضد دفن الشيوعي المصعوق بالكهرباء في مقبرة المدينة بدعوى كونه ملحداً ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، فاضطر رفاقه وانصارهم إلى دفنه على قمة تل منفرد، وهي إشارة واضحة إلى طبيعة الصراع والحراك الاجتماعي آنذاك  زمن الحكم  الملكي للعراق .
هذه الشخصية ((نديم اسكندر بيك))، أغرت الكاتب الروائي العليم    بكتابة رواية غير تقليدية تتجاوز ما درج عليه من أساليب كتابة  الروايات السابقة، باقتراح  وإلحاح  ومتابعة صديقة (( زاهد  سلمان))،  هذا الراوي العليم وهو موظف بسيط يعمل في إحدى المجلات الحكومية في بغداد وهو من أصول عائلة ((  بدراوية)) غالبا ما يدفعه الحنين إلى زيارة مهد طفولته وصباه قبل أن يغادرها إلى بغداد العاصمة، كان مرة مختارا ومرة مجبرا تحت تردي الظروف الأمنية في العاصمة عقب احتلال الكويت سنة 1990 وما نجم عنه من اندلاع حرب (عاصفة الصحراء) سنة 1991
وهذا ما جعل الراوي يتابع حياة وحكاية هذا ((النديم))، رغم كونه غريمه  بعدما تمكن من سلب ((بتول)) حبيبته وقريبته وموقظة حسه الذكوري وتزوجها، تحت تأثير سطوة عائلته من حيث الثراء والنسب، وسطوة  العلوية والدته على عائلة ((بتول))، مما أتاح له إمكانية مرافقة نديم  ومحاورته والاطلاع على بعض أسراره ... مرة بدعوة من ((نديم)) ورغبته في توثيق معاناته في رواية، وأخرى بطلب من ((بتول)) للبحث عن التفتيش عن زوجها ((نديم)) على أثر تسيب محتجزي الشماعية بعد القصف الأمريكي لبغداد أثناء حرب (عاصفة الصحراء)، مما مكنه من مكاشفة نديم برغبته في كتابة رواية يستعرض فيها تحولاته ومعاناته وسلوكياته الحياتية عبر محطاتها المختلفة، الطفولة، والمراهقة والشباب، والسجن، ومكوثه في ((الشماعية))، على الرغم من  تردد نديم الشديد من كشف محتويات ((سجله الأسود)) أولاً، وثانيا إصراره أن يشارك  الكاتب غلاف روايته كمؤلف شريك كما لاحظه في رواية ((عالم بلا خرائط)). وقد قبل الكاتب مضطرا على هذا الطلب، سعياً منه لإنجاز روايته المنتظرة .
فان عجزت ((الاقطوازية)) على كتابة تاريخها فهي تجبر المثقف المبدع أن تكون شريكته في إبداعه بالرغم عنه.
فكان للكاتب عين لاقطة وفطنة كبيرة في إلقاء الضوء على الكثير من الشخصيات والأحداث والأماكن عبر مسيرة عائلة ((اسكندر بيك)) وابنه  ((نديم))؛ فكانت: 
 الشخصيات الفرعية للرواية تتألف من:-
•    بتول، وفردوس، وهاجر، وهن نماذج للنساء المستلبات ضحايا المجتمع بتركيبته الشبه إقطاعية وتحت سطوة الحكام الديكتاتوريين  وحواشيهم من المتنفذين طوال العهد العثماني والانكليزي  والجمهوري وما بعده  وبعد  الاحتلال الأمريكي، فان لم يكن الأمر أسوأ مما كان عليه لم يكن أفضل بالمرة، حيث جعل الكثير من  ((التقدميين)) واليساريين يتحسرون على عهود ماضية فارتضوا   أن يطلق عليهم مصطلح (( الرجعيين)) وهم كانوا من اشد أعداء الرجعية عندما كانوا يحلمون بعصر الرخاء والحرية والتقدم،  وليس بعصر الحريم والفساد والإرهاب والارتهان للإرادات الدولية المتصارعة. وقد كانت هذه النماذج وغيرها إحدى اهتمامات  بحث (( نديم بك)) واضمامة دفتره الأسود، حيث كانت احصائياته تدل  على عدد المنتحرين من الرجال يساوي عددهم من النساء في بدرة مع  اختلاف الوسيلة فالرجال ينتحرون بشنق أنفسهم، في حين تعمد النساء إلى الانتحار حرقاً في أوساط الطبقات الشعبية  المسلط عليهم سوط السلطة وسوط الإقطاعيين وسوط التقاليد الاجتماعية المتخلفة :-
((تقارب عدد المنتحرين من الرجال إلى المنتحرات من النساء، وكان الرجال يتخذون أسلوب شنق أنفسهم في الغالب على العكس من النساء، وكن يفضلن إحراق  أنفسهن بالنار)) ر. ص109
وقد وصف حالة انتحار إحدى النساء المأساوية حرقا وأمام أنظار الجميع، ما يراد به أن القهر والاستعباد موجه ضد الجنسين ولا فرق  بين الرجل والمرأة وأن كانت حصة المرأة أكبر في ذلك الزمان وهذا الزمان وقد اهتم (( نديم)) بمتابعة العواهر والمشردات في بلدته مما  دله على ((فردوس)) و((هاجر))، وعلى الكثير من الشخصيات الغريبة   ومن  الأشقياء ووو...
•    هوبي، غريب،  وأضرابها من الشخصيات التابعة كتبعية الكلب  إلى سيده مسلوبة الإرادة مجبولة على الإذعان والعبادة لأسيادها  في ظل مجتمعات الاستلاب والقهر، وهي شخصيات أخذت بالتزايد  عبر العقود بحيث أصبح وجودهم ظاهرة واضحة للعيان في  ديكتاتورية الفرد القائد الضرورة وفي عصر الديمقراطية أكثر من  أي وقت مضى. إنهم القطيع المهووس بالقائد و ((الهارب من الحرية)) على حد  تعبير اريك  فروم .
•     حكمت الكردي النحات المبدع ((.. لم أحول الحجارة إلى طائر، بل أطلقت سراح الطائر الذي كان حبيس الحجر))   ر. ص 43
غافل أبو الحشيش نماذج للإنسان العراقي النشيط والمبدع المتهم بالجنون والمودع  في الشماعية:-
 ((مثل العديد من المرضى الذين  يأتي بهم ذووهم إلى هنا لا لعلاجهم بل للتخلص منهم ))  ر. ص172. وهنا إشارة واضحة إلى مدى فعل الظروف المعاشية الصعبة التي أدت إلى تجريف القيم الإنسانية لدى العديد من العوائل العراقية مما اجبرها للتخلي عن الأب والأخ وإلام  والأخت وحتى الأبناء، تحت ضغط العوز والفاقة.
 محنة المثقف طواعية بناءً على عدم قدرته على التأقلم مع الواقع  السلطوي والمجتمعي القائم أو جلب بقوة القانون لإطفاء  جذوة فطنته  وذكائه في الشماعية، ولنا في مختلف الحقب الجمهورية  والديمقراطية الكثير من الأمثلة على هذا الحال ووجود مثل هذه  العقول العبقرية الفذة التي ادعت الجنون للخلاص من قهر السلطات وملاحقاتها وعصفها ولنا في الراحل الكبير ((خضير ميري)) وغيره  خير مثل على ما نقول، ناهيك عن من سلك طريق الصعلكة وادعاء العته والجنون وركب قصبة ((البهلول)) ليتمكن من امتلاك حريته بالإضافة إلى نقده اللاذع للسلطة.
محنة المثقف في زمن الديكتاتوريات والديمقراطيات الزائفة :-
زاهد سلمان، وأبو ربيع نعيم الشطري، والكاتب، وهي نماذج من المثقفين العراقيين الغير متزلفين للسلطات والحالمين بالحرية  والتقدم لشعبهم والباحثين عن الجلال والجمال، نراهم يعيشون  حالة من التشرد والفقر وشظف العيش فيضطرون على بيع  كتبهم  للحصول على لقمة العيش بعيدا عن سطوة الحزب والسلطة:
(( الكتب فقدت أهميتها لقاء لقمة الخبز، المثقفون يعرضون  كتبهم بالجملة للبيع )) ص 14
وكم كان زاهد سلمان بارعاً في تمثيل دور المسئول -  وهو خريج أكاديمية الفنون الجميلة - ودخول الشماعية هو والراوي وصديقهم  ((أبو سارة)) للبحث عن (( نديم بيك)) ومن ثم الاستدلال عليه  عن طريق  (( رجب))  مختار الشماعية كما وصفوه .
•   ياسر،  ميسور الحال دوماً والباذخ دوما نتيجة قدرته الكبيرة على التلوّن والحربنة والتسول الأخلاقي والثعلبة في مختلف الظروف  والأحوال، وهذه ظاهرة كانت وقد استفحلت في عصرنا الراهن، حيث  أصبحت ظاهرة وهو الشاطر الفهلوي القادر على مسح الأكتاف  وهز الإرداف وتقبيل الأيدي أو عظها  وحسب  متطلبات حال القوة  والضعف، فقد خلع الربطة الحمراء وارتدى الزيتوني ثم خلع  الزيتوني ولبس العمامة وأطلق اللحية والعكس صحيح، فلا حدود ولا موانع ولا مبادئ أمام المصلحة الشخصية ...
•   رجب \ مدعي الفلسفة والتبحر في الأدب والثقافة المتطفل الدائم  على من يحتاجه أو يطلب مساعدته، رجب من يستطيع  كل  ظرف  مهما كان للحصول على المال  وتمشية أمور حياته، وهو يتأبط  كتابا على طول الخط متصيدا فرائسه في كل محفل ومكان بما فيها ((الشماعية)) ومن ضمنهم ((نديم  بيك)) وأمثاله.
كذلك لا يمكن إغفال قدرة الكاتب على توصيف وتعريف القاريء على الشخصيات من حيث المظهر والجوهر الذي يناسبها، وهو لا ينسى توصيف الأمكنة والحارات والشوارع وحال المؤسسات، سواء في مدينته بدرة أو في بغداد العاصمة.
إننا، وأثناء قراءة الرواية هذه وغيرها من روايات المبدع الكبير عبد الخالق ألركابي، نشم ونرى خيال شخصيات ((دستويفسكي))  بتنوعها وعمقها وحقيقة وجودها في المجتمع العراقي، وهنا لا نريد أن نقول بوجود تناص بين الركابي ودستوفسكي، ولكننا نريد أن نشير إلى عبقرية عبد الخالق ألركابي روائياً بلغ العالمية في قدرته وحنكته وهندسته الروائية المبدعة.
لا نرى أن بنا حاجة للحديث عن رصانة الحبكة الروائية والأسلوب  السردي المشوق والكلمة الدالة الرشيقة المعبرة التي كتب بها   الركابي روايته، فهو الكاتب القدير المحترف المبدع؛ فليس غريباً  عليه وعلى أمثاله مثل هذه القدرات الفائقة في إتقان السرد  الروائي والملم  بشروطه وأدواته.
ولا يسعنا في الختام إلا أن نستشهد بتعريف جان غوستاف لو كليزيو  للرواية المبدعة ومنها روايتنا محل الدراسة ((ما لم تمسسه النار))  للركابي القدير:-
(( تقوم الرواية على قدر من اللايقين والتساؤلات وإعادة النظر. إنها قريبة من لا اكتمال الحياة، والرواية جنس تعبيري للحاضر، أنها وصف لحالة العالم والمجتمع والذات، وبهذا المعنى فهي تلائم تماما عصرنا، الذي هو عصر شك وعدم تيقن من المستقبل)) ص40 الرواية العربية ورهان التجديد د. محمد برادة.

41


حكايا العم  (وجــــــــــــدان ) في ديوان الحاج (مردان)



حميد الحريزي
 
 اشرقت  وجوه   الجالسين في ديوان الحاج   ((مردان))   حين   لمحو  من بعيد    العم ((وجدان))   متوجها   الى المضيف  ، بعد غياب  طال انتظاره ...
ولكن  سرعان  ما اصابتهم الدهشة والاستغراب  حينما   شاهدوا  العم  وجدان    حينما اقترب منهم  خلع   الكوفية  والعقال   ووضع على رأسه  (( كاسكيته))، رغم انه   يرتدي   صايه   وعلى  ومسرسح  على متونه  بشته  الاسود  ......
حال وصوله  باب الديوان   ادار  ظهره للباب   واخذ  يمشي   عله  البگ   وهو يقول  وعليكم  السلام !!!!
يا الله  هل  جن  العم  ((وجدان))  ، وهل  غيبته   هذه   قضاها في  مستشفى المجانين  ونحن  لانعلم ؟؟؟
نهض  الحاج مردان   وتقدم  نحوه  امسكه  من  اكتافه  وادار وجهه  عليه    قائلا :-
هاي  شنو    ((وجدان )) شبيك   ياساتر  ،  هاي   شمسوي  بروحك ، عمي انته  رجال   عاقل   وعليك العتب  ، شنهو كاسكيته  شنهو  تمشي  بالمكلوبي ؟؟؟؟؟
رفع  وجدان   عن اكتافه    ايدي    الحاج  ،   ثم  خطى عدة  خطوات   واخذ له  مجلسا   وسط  المضيف !!!!
ضج الديوان بالضحك   ممزوجا بالحيرة والاستغراب .....
لا والله  يبين  ((وجدان))  صاير بعقله  شي ،  عمي هذا  الزلمه   اليوم   يبين   لاگف  ياساتر ....
يارب   استرنه  من  هل  العاقبة ... مع الاسف والله   وجدان  خوش  زلمه   وهو ابو الحكمه   والعقل  الثجيل    هجي  يصير بيه ؟؟؟
وضع مردان  يده  على  جبهته  معتصرا   صدغيه  بقوة  وقد  لفه الصمت  للحظات    ثم التفت للحضور   قائلا :-
 ولأن وجدان   ابو الحكمه   والگل  الثجيل   لازم  نعرف    ليش   يسوي  هيچي ؟؟؟
(( وجدان ))  ابروح  ابوك   خلص   شفنه  السويته  اليوم   وانته  ابو العقل  ، بس  ابروح  ابوك   گوم    اعدل 
روحك  والبس  عگالك  وشماغك   وفهمنه    شتريد  اتگول ؟؟؟
نهض   ((وجدان )) وهو  يهز  يده  ، مع   حسرة  مريرة ، ونظرت استغراب  وعتاب   للجالسين  وبعد  ان طلب   ((طاسة))  ماي   بارد ،  وشرب  فنجانين قهوة   من يد  القهوجي   ((سعيد )) ، ملقما  ((مشربه ))  سيكارة  من  قوطيته   التراثية ، حيث  انه  رفض  ان يدخن   سكائر  الباكيت   ولازال  يلف  سكائره   من   ((تتن  ابو الريحه ))،  اشعلها   بنار ((زناده )) الذي فاحت    منه  رائحة البانزين .....  ثم  توجه  بسؤاله  للجميع :-
گلولي بروح   والديكم  هم  واحد منكم  مايشوف  تلفزيون  ابيته   كل يوم ؟؟؟
فاجاب الجميع  :-   شنقضيه  عمي وجدان    منين اكو   واحد  بعد  ماكو ابيته  تلفزيون ،  ومايشوف الفضائيات  خصوصا  واحنه   طلايبنه  معره ، تظاهرات  ،   وعرك  ،  وتفجيرات    ووو مصاب الله كله دايره  علينه ..
والله خوش حجي  .... أگول   اكو واحد منكم   يحمي  ماي   بتموز ؟؟؟
عمي  شنقضيه  الوادم  ادور البروده  من ماي العروس ،  والله  مفضل  عليه  يحط  ثلج  فوگ الماي  يالله   يغسل .
خوش  حچي   منهو منكم  يثرد  نستله   بالتشريب ؟؟؟؟
ضج  الجميع   قائلين  ، عمي  ليش احنه امحصلين الخبزه  حتى   ادور انغمس  مرگ  بالنستله ؟؟؟؟
هاي شبيك   عمي وجدان   اشو انته  راح  اتخبلنه  ؟؟؟
أي يبويه    عود خافوا  تتخبلون   اذا  انتم   بعدكم عقال !!!!
عمي  من يفزع   واحدكم بعركه    مو ينزع  عگاله وشماغه   ويفزع  امفرع ؟؟؟؟
أي عمي  وهاي   شنهو يرادله   سؤال  .؟؟؟
زين چا  منكونكم  عقال  ،  واستغربتوا   ليش  انه  لابس  ((كاسكيته  ))   فوگ الصايه ، وليش  طبيت للديوان  بالمگلوبي ، وليش    ماگعدت  ابمچاني ، ليش ما   تگولون  اتخبل   للابس  العمامه  فوگ المرقط ؟؟؟  وليش  ما تگولون  مخبل  للمنصبينه  وزير  للكهرباء  وهو  يگللكم  طفو الگيزرات  بتموز حتى  لاتنگطع   عن بيوتكم الكهرباء ، وليش  تگعدون  تحت منبر  ابو عمامه اليگلكم  عيشو ب((30))  الف دينار  ، ولا تثردون   نستله  بالتشريب ؟؟؟
زين  ماتگلون  للنايب  امش عدل  ولا تمشي  بالمگلوب   مو انته  التحاسب  الشعب   الگعدك  على كرسي البرلمان  ، ولكن الشعب هو اليحاسبك ؟؟؟؟
ثم التفت  الى  حجي ((مردان))  مخاطبا  الجميع   قائلا  :-
وهساه   من هو  اليضحك  عله  الاخر   ،  وجدان  يو انتم ،  مو يگولون  (( الناس على دين ملوكهم ))  ،  وهل تشوفون    هذا دين  وسلوك  حكامنه  ،يمشون  بالمگلوب  ، ويحچون  بالا معقول ،  ويسون الاسود ابيض  والابيض  اسود ؟؟؟؟
التفت الحاج ((مردان ))  مخاطبا  الحاضرين   قائلا :-
مو گلتلكم   (( وجدان ))  مو مخبل  والله يعمي احنه  الماعدنه   عگل  ومخابيل .


42
لكي  لا يذهب دم الشهداء هدرًا



حميد الحريزي
 
في عراق اليوم ، تبدو الساحة السياسية غائمة ان لم تكن معتمة ، ومن الصعوبة بمكان التمييز بين اطراف الصراع القائم من حيث ولائهم للشعب العراقي ورعاية مصالحه ، تزامنا مع توسع الحراك الاجتماعي وفوران ساحات المدن العراقية وخصوصا في بغداد ، المطالبة بالغاء المحاصصة العرقية والطائفية ، وكشف ومحاسبة واقصاء الفاسدين والمفسدين من على سدة الحكم حيث بلغ الفساد حدودا غير مسبوقة حتى في تاريخ العالم ، على مستوى البرلمان العراقي او السلطة التنفيذية ، طبعا بالتخادم والتنسيق فيما بينهما …….
هذا الحراك الذي ضم الكثير من العناصر المثقفة من مختلف الشرائح الاجتماعية ، كما برز من بين قادته العديد من النشطاء اليساريين والديمقراطيين ، من خارج عباءة اصحاب العمائم ، مما ينذر بتجذر عملية الكفاح الوطني الديمقراطي ليكون صراعا ديمقراطيا راديكاليا ذو بعد اجتماعي واضح ، مما سيساعد ان عاجلا او آجلا الى تمزيق عصائب التضليل والتجهيل الطائفي والعرقي للجماهير الواسعة المنقادة وراء القيادات الدينية بمختلف توجهاتها وعناوينها ، خصوصا وانها اثبتت فساد اغلب رموزها وتنكرها لوعودها وهي تتربع على سدة الحكم وفشلت في تحقيق ابسط طموحات المواطن العراقي في العيش الكريم والحرية والسلام ، ناهيك عن الحفاظ على وحدة وسيادة الوطن على ارضه وثروته …
كما ان استمرار هذا الحراك والعجز البنيوي للطبقة السياسية الحاكمة عن الاستجابة لمطالب الجماهير ، يؤدي في خضم الصراع الى تمتين العلاقات بين مختلف فصائل الحراك والقضاء او على الاقل احتواء الكثير من خلافاتها وشرذمتها ، لتشكل جبهة قوية متراصة ، تقترب يوما فاخر لتكون امل الشعب المقهور للخلاص من كابوس الارهاب والفساد والطائفية المقيتة ….
ان الوصف اعلاه ليس بعيدا عن عيون ومخططات الطبقة السياسية الحاكمة واسيادها من مختلف الالوان والاشكال ، مما يستدعي العمل السريع لتلافي تطور هذا الحراك الاجتماعي الواعي ومنعه من الوصول لاهدافه ، خصوصا بعد ان فشلت اساليب القمع المباشر من كبحه وايقاف تطوره ، فسارعت الى لعب كافة اوراقها الظاهرة والمستترة لتفكيك هذا الحشد الجماهيري وحرفه عن مسيرته ……
فكانت الخطوة الاولى بتصنيع جبهة اصلاح داخل قبة البرلمان –
(( افسد مؤسسة في التاريخ الانساني ))* –
من قبل مجموعة من النواب والمنتمين طبعا الى القوى السياسية الحاكمة ، والذي بعد أن صالوا وجالوا واثاروا عواصف من الهرج داخل قبة البرلمان وفي الفضائيات ، مع حالة غريبة من المد والجزر في عدد اعضائه ، فما كان من هذه الكتلة (( العابرة للطائفية )) التي انبثقت من مستنقع الطائفية بقدرة قادر لتمثل (( خضراء الدمن )) داخل قبة البرلمان ، نقول فما كان منها الا اختزال مطالبها باقالة رئيس البرلمان (( سليم الجبوري )) خليفة (( المشهداني)) الذي اخرج من رئاسة البرلمان في حركة مشابهه فكان الخليفة اسوء من سلفه … وهكذا كان موقف (( اصدقاء الشعب )) داخل قبة البرلمان مما ادى الى شخصنة المطالب وحصرها بشخص الجبوري والتعتيم على المطالب الهامة للشارع العراقي.
المطلوب حل هذا البرلمان ، وانتخاب برلمان جديد ، بقانون انتخابات جديد ،لانتاج برلمان اقل عددا واشمل تمثيلا واصدق تعبيرا عن طموحات العراقيين .
ثانيا \ دخل على خط التظاهرات احد اطراف العملية السياسية ومن ابرز اطراف التحالف الوطني (( الشيعي))، ليتربع على زعامة الحراك الجماهيري في ساحة التحرير والساحات الاخرى في مختلف المحافظات ، وما ادت اليه من دخول والخروج من قبة البرلمان والمنطقة الخضراء بانتصار موهوم ومظروف غير معلوم لو يؤدي الى اية نتيجة تذكر …
كما برزت شعارات غير متوقعة من قبل حفنة من المتظاهرين بالضد من احد الدول الاقليمية والمفترض ان تكون صديقة ومساندة للحكومة العراقية في صراعها ضد الارهاب ،مما اظهر لبسا كبيرا في طبيعة هذا الحراك واهدافه ومراميه وخطوطه الحمراء او الخضراء ، زرع بين صفوفه البلبلة وضبابية قيادته ومن هي الجهات المنظمة والموجهة له ، وقد حمل اعضاء البرلمان من اطراف السلطة (( قفنفتهم )) المهانة على رؤوسهم كدليل ادانة للمتظاهرين ودليل فوضويتهم وهمجيتهم وكانهم يتمثلون (( حملة قميص عثمان )) لادانة الحراك الجماهيري والمطالبة بالافتصاص من رأس التظاهرة التي كسرت رأس (( القنفة))…
المطلوب :-
اعادة النظر في اسلوب وطريقة وقيادة وشعارات التظاهرات بعيدا عن هيمنة قوى السلطة واحزابها الحاكمة ، لتكون فاعلة ومنتجة وتحقيق مطالب الشعب .
رغم كل ذلك فان القوى صاحبة القرار في حكم العراق الظاهرة والمستترة قررت ان تضرب عصفورين بحجر واحد ، بفتح جبهة تحرير الفلوجة من قوى الارهاب الداعشي وهي معركة كبيرة مؤجلة لسنوات عدة ، ومما يستدعي ان يكون(( كل شيء من اجل المعركة ))، وتاجيل كل ماعدى النصر على الدواعش ، ومن ضمنها ايقاف الحراك الجماهيري والمطالبة بالاصلاح الجذري للعملية السياسية ، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وقد ظهر السيد رئيس الوزراء(( وجلهم من الفاسدين والفاشلين)) وهو يلوح براية النصر على (( دواعش الصحراء)) في الفلوجة ، موفيا بعهد التحرير ، ولكنه لم يفي طبعا بوعده بالتغيير واصفا منتقديه ب(( دواعش السياسية))…. !!!!
وهكذا كان ولازال احتراب واقتتال الطائفيون سواء دواعش الصحراء او دواعش الخضراء فيما بينهم ، , واستغلال حالة الرفض الجماهيري القاطع لدواعش الصحراء ، و كذلك رفض وكراهية (( دواعش الخضراء )).
حيث ان الجماهير الواعية تدرك تماما ان كل منهما يولد الثاني، وهما وجهان لعملة واحدة هي عملة العرقية والطائفية المقيتة العفنة ولا خلاص للعراقيين الا بالقضاء عليهما معا وبناء عراق دولة المواطنة بغض النظر عن القومية والدين والجنس والعرق .
فهل صرخة العبادي بمحاربة دواعش الصحراء ورفع راية النصر في الفلوجة ، والتي رفعة بقوة سواعد احرار العراق سترفع حتماً على كل شبر من ارض العراق ، لابد ان تمتد لتشمل (( دواعش الخضراء))، لتكون هبة الشعب العراقي مجدية ومنتجة لاستئصال الارهاب والطائفية والفساد وبناء دولة العراق المدنية الديمقراطية ، دولة المواطن ، والمسؤول النزيه الكفوء الوطني المخلص ، والا دون ذلك فسوف تظهر لنا نسخ مستحدثة من الدواعش ، وتذهب دماء الشهداء من ابناء العراق هدرا ، وتتقسم ارضنا ويتشرذم شعبنا فرقا شتى ، وتتحكم بمصائرنا دول الجوار ودول ما وراء البحار ..
• ما نشيت جريد (( الديلي ميل )) البرطاينية .


43
المنبر الحر / عصافير الفلوجة
« في: 19:20 13/06/2016  »
عصافير الفلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوجة
 

حميد الحريــــــــــــــــــــــــزي
يقولون اصطاد فلان ((عصفورين بحجر واحد)) لمن يحقق اكثر من هدف خلال رمية واحدة/ او من خلال فعل واحد ، طبعا سوف يكون المردود اكبر لو ان هذا الحجر – الفعل- حقق ثلاثة او اكثر من الاهداف خلال رمية واحدة …

ان اهم ميزات حكام العراق ، خصوصا منذ قيام الدولة العراقية لحين التاريخ غالبا ما تكون كردود افعال وليست افعال مرسومة مخطط لها مسبقا / وهذا هو وصف حال اغلب الطبقات السياسية الحاكمة المأزومة دوما والخائفة والتي تكرس كل طاقتها للحفاظ على كرسي الحكم وليس الحفاظ على السلم الاجتماعي وتطوره .

من يراقب اجراءات وقرارات الطبقة السياسية الحاكمة الذي قدر لها اسيادها ان تعتلي سدة الحكم في العراق بعد انهيار الديكتاتورية … يرى مدى صحة ما ذهبنا اليه ، كون السلطة فاقدة لمنهج حكم فاعل بناء يملك خطة عمل تكتيكية وأخرى استراتيجة ، خصوصا او ان اسيادها اغرقوها في مستنقع المحاصصة العرقية والطائفية المهلكة …. ومن هذه الاجراءات الرد فعلية قرار مهاجمة (( داعش)) في الفلوجة والذي يدعون بالتحرير ولا ادري التحرير ممن والمحتل هو في صف السلطة الممثل بدولة خارجية تتحكم بقرارات السلطة الحاكمة … والآن الدول الفاعلة في العراق هي امريكا وإيران وحلفائهما ، فهل هاتين الدولتين تقفان بصف ((داعش)) او في صف (( حكام الخضراء))؟؟؟ ام انهما مجتمعتان او منفردتان تلعبان لعبة المساند المزدوج حسب ما تتطلبه مصالحهما ، في مد الطرفين بالمال والسلاح لإدامة اوار نيران القتال والاستنزاف للشعب العراقي ثروة وبشرا … مرة لدعم الديمقراطية وأخرى لدعم الطائفية وهكذا ..

نريد ان نخلص الى ان مهاجمة الطاعون الاسود الداعشي في الفلوجة والذي لم يكن القرار الاول وإنما كان يعلن ثم تسفك الدماء البريئة وتذهب هباء سواء بالإلغاء او التأجيل للمعركة بين العدوين الهادفيين للسيطرة على السلطة والثروة في العراق لأغراض ذاتية تخصهما وتخص اسيادهما دون ان يتكون مصالح الشعب العراقي في الحسبان ن!!!!حيث اننا نرى ان كلا الراسين خرجا من رحم واحد هو رحم الامبريالية الامريكية المسعورة…..

كل من الطرفين يريد الهيمنة على سدة الثروة والحكم مستترا برداء ايدولوجيا يبدو ظاهريا مخالف ومناقض ومضاد للآخر … صراع بين نظام حكم ثيوقراطي ديني سلفي ((نظام الخلافة الاسلامية )) وبين نظام حكم ديمقراطي وان كان بعمامة ملونة وبدون ذيل ….
رغم انهما ينتميان الى نفس الطبقة الاجتماعية (( الاقطوازية )) التابعة للرأسمال العالمي ومنفذة لمصالحه مرتبط حبلها السري بمشيمة هذا الرأسمال الجشع بقيادة امريكا … وبذلك فان كليهما لا يمثل طموح الشعب العراقي وقواه الوطنية الديمقراطية الطامحة في اقامة دولة الديمقراطية المدنية دولة المواطن الحر والمرفه السعيد والوطن الواحد الموحد ….

بعد تصاعد المد الجماهيري واستعرت ميادين الحراك الجماهيري المطالب باجتثاث المحاصصة العرقية والطائفية والقضاء على الفساد والمفسدين والقضاء على قوى الارهاب بمختلف عناوينها وألوانها سواء في الصحراء او في المنطقة الخضراء ….. واخذ هذا المد يقترب من منطقة الحكم المحصنة في الخضراء ، وبروز قوى المثقفين والديمقراطيين واليساريين في ساحات التظاهر ، استشعرت الطبقة الحاكمة وأسيادها الخطر الداهم الذي قد يمتد الى حصن الامبريالية الامريكية في الخضراء (( السفارة الامريكية ))، فعمدت الى اتخاذ مختلف الخطوات لقمع وإفشال وكبح هذا الحراك سواء من خلال القمع المباشر ، او القمع المستتر بأعذار المندسين والبعثيين والإرهابيين المتربصين بالعملية السياسية .

او من خلال ادخال حصان طروادة المدعي تمثيله لطموحات الجماهير رغم انه مساهم فعال في السلطة التنفيذية والتشريعية ، وخيانته لهذه الجماهير في اللحظات الحرجة ….

لم تكتف الاطراف الحاكمة والساندة بهذه الخطوات ، خصوصا بعد افتضاح كذب الوعود وانقراض حبل التسويف والادعاءات الكاذبة بالإصلاحات الزائفة لأنه لا يريد ان يكون لصوت الشعب دورا في مكافحة الارهاب والفساد في الصحراء والخضراء ، فارتأت وأسيادها ان ترجع الى قرار مؤجل يكون عذرا كبيرا للجم صوت الشعب المطالب بالتغيير الحقيقي تحت ذريعة وجود خطر داهم ويجب ان يكون كل شيء من اجل المعركة وهو شعار قديم للديكتاتورية لعدة عقود خلت وشعار جديد للقوى الحاكمة الان … فقررت اطلاق معركة تحرير الفلوجة كقرار مخلص من هذا المأزق الخطير وشل يد الشعب ومنعها الوصول للرؤوس الفاسدة والإرهابية ….باعتباره مطلبا شعبيا وهو كذلك فعلا ، ولكن الشعب لا يريد تجزئة المطالب بل يريد الخلاص من قوى الارهاب المسلح والفاسد ، ويعلم جيدا ان كلا منهما يولد الاخر …

فكان لكل من الطبقة السياسية الحاكمة بمختلف مسمياتها شيعية او سنية او كردية ، ولاسيادها الامريكان اهدافا ظاهرة ومستترة ((عصافير)) تريد اصطيادها من على شجرة الفلوجةولابد من الاشارة ان هذه ((العصافير)) ليس مؤكدا صيدها جميعها بسهولة بالنسبة الى المخططين وقد تنقلب غربانا بايديهم او صقورا تفترسهم ، فما هي عصافير كل منهما كل على انفراد او مشترك :-
اولا عصافير امريكا :-

1- تهيئة التربة والحاضنة المناسبة والحيز الجغرافي المناسب لاقليم ((سني)) حسب مخطط بايدن ، فتحرير الفلوجة وعموم الانبار اضافة الى صلاح الدين ، ومستقبلا الموصل ، سوف يحقق هذا الهدف ، مع تاجيج الحقد الطائفي بين السنة والشيعة عبر الادعاءات الحقيقية والكاذبة ضد الحشد الشعبي بكافة فصائله والمحسوب على الطائفة الشيعية والمسنود ايرانيا .
2- فرض المزيد من الهيمنة والسيطرة على قرار الطبقة الحاكمة في العراق عبر تهديد ها بسحب دعم امريكا ان خرجت عن الطوق او خالفة القرار وعدم الاستجابة لمصالح امريكا الراسمال في نهب الثروة وتفتيت قوى الشعب المناهضة لقوى الاستغلال والاحتلال .
3- تهيئة سوق لايستهان بها لشركات انتاج السلاح الامريكي ودعم الاقتصاد الامريكي المازوم دوما نتيجة طبيعته الاحتكارية الاستغلالية .كما نه يسعى لربط العراق بسلسلة من الديون لتحقيق مطامع البنك الدولي ذراع الراسمال العالمي القوي في الهيمنة على ثروات الشعوب .
4- فرض مشروعية مطالبتها بحل او اجتثاث او تحجيم قوى الحشد الشعبي الذي ترى فيه (( حشد ايراني)) ، وبذلك توجه ضربة قوية لنفوذ غريمها الايراني في العراق .وخلق الفتن بين مختلف الفصائل والاحزاب ((الشيعية)) والاقتتال فيما بينها وبالتالي اضعافها واخضاعها جميعا ، وقد ظهرت بوادر هذا الاقتتال في الايام الاخيرة .
5- وضع احرار العراق ووطنيه بين خيارين كل منهما مر اما القبول بحكم عملائنا الفاسدين او القبول بحكم الطاعون الداعشي الاسود ، فاما دواعش الصحراء او دواعش الخضراء ، علما ان كلا الراسين في حضن واحد الا وهو حضن امريكا …
ثانيا :- عصافير الطبقة السياسية الحاكمة
حيث تنقسم هذه العصافير بين القوى المشاركة في السلطة من الكرد او السنة او الشيعة رغم انهم يتفقون في هدف اصطياد العصفور الاكبر صوت الشعب والمواطن العراقي الحر وعدم تحوله الى صقر مقتدر ليزرع مخالبه في عيون الطائفية والفساد
1- وكما قلنا هذا هدف مشترك اسكات صوت الشعب المنتفض بدعوى محاربة الارهاب .
2- تحقيق قيام اقليم منفصل للسنة الموالين مباشرة لامريكا وهذا عصفور هام بالنسبة للمكون السني المشارك في السلطة .
3- عصفور الاقليم الشيعي الذي يحلم به الكثير من المكون الشيعي الحاكم لا بل اول من نادى به وسعى اليه وخصوصا المجلس الاعلى والذي يلقى الترحيب من ايران ولا يقف ضده اغلب عناوين المكون الشيعي وان لم يبد حماسا لتحققه وهذا يعود الى حجم حصته من كعكة الاقليم الشيعي هذا .
4- تعزيز طموح المكون الكردي بإقامة دولته المستقلة في ظل اجواء الشرذمة هذه ، وقد خاض معركة في سهل الموصل وسنجار بالتوازي مع معركة الفلوجة ، لقضم المزيد من الاراضي لضمها الى حكومة الاقليم الموعودة .

من خلال ما تقدم نرى ان الخاسر الكبير من صراع القوى الداخلية والخارجية في العراق لاتصب مطلقا في مصلحة الشعب العراقي ولا يسعى الى اقامة دولة المواطنة الحرة وضمان العيش الرغيد لشعب حر مرفه ، مما يتطلب من كل احرار العراق في العمل الجاد والمثابر والذي لا يقبل التأجيل من الوقوف ضد كل المخططات القذرة والخطيرة المستهدفة وجود وكيان ووحدة الشعب والوطن العراقي ، يجب قيام جبهة وطنية عراقية موحدة تحمل لواء الكفاح الحر من اجل ضمان حاضر ومستقبل الاجيال العراقية ، وتكون كل غربان الارهاب والفساد في شباك الشعب العراقي ألحر ووقف نزيف الدم ونزيف الثروة خدمة لأهداف قوى الاستغلال والفساد وأذنابهما تحت مختلف الذرائع ، تمزيق اقنعة الطائفية والعرقية التي تتستر ورائها مختلف القوى المتحاربة في العراق .مع اطيب امنياتنا لاحرار العراق من القوى المسلحة باكتساح مواقع الارهابين اينما حلوا وتطهير وطننا العزيز من شماله الى جنوبه من قوى الارهاب بمختلف توصيفاته.

44


بغداد بين الأمس  واليوم  في ذاكرة عاشـــق
((أنا  وبغداد ))
لأستاذ القانون  والاديب  والمناضل
((حكمت شبر))
بقلم :- حميد الحريزي
                   
        ((بغداد توأم روحي يامعذبة     متى  يعود اليك الصفو والألق)).
محطات تستحق التوقف .... ((انا وبغداد))   كتاب  جديد  صدر توا  للبرفسور  استاذ القانون  والاديب  والكاتب     ((حكمت شبر))  ،  صدر عن دار الزمان  مؤلف من 193 صفحة  ، صمم غلافه  المبدع    ((م. جمال الابطح ))

 


استاذنا القدير  ينشط  ذاكرته  التي  تراكمت  في مخزونها   ذكريات  اكثر من ثمانين  عاما ، عاشها   متنقلا  بين احضان  المدن والدول  شرقها وغربها ، عاش الحياة طولا وعرضا  مرتشفا  منها عذب  رحيق  زهورها   ،    متجرعا  بصبر واباء  علقمها  المر ، فان ولد  وفي فمه  ملعقة من ذهب  كاحد  ابناء  عائلة   نجفية ثرية  ، فقد سحره  جمال الحياة    وطيب  ونبل الانتصار للعدالة   باعتبارها جوهر ومعنى الجمال  وجوهر  ولب الحياة الحقيقة الصادقة ، فعاش متمردا  على كل مظاهر القبح ،  محطما قيود  العرف المتخلف  وقيود  التقليد الاعمى ، قفز على اسوار النجف  الحصينة  بقيمها المحافظة  ليجد حياته  ومتعته  وامانه  في احضان عروسة الشرق  والغرب    بغداد  ، بغدا د الحواري والجواري ، بغداد  التمرد  والحرية  والجمال  ، بغداد  الفن والادب والعلم ، بغداد  العنقاء التي   لاتعرف الموت  ولا الخنوع  رغم   سياط   وسيوف  ومدافع  وصواريخ انصار القبح  والقهر في الداخل والخارج ، بغدا د  التي هزأت  بهلاكو  ومن سبقه   وبالفرس  وجيوشهم   وبالترك  وغلمانهم  وباالانكليز  وبوارجهم    وبالامريكان  ومرتزقتهم ، ستظل عصية على  الموت  والاندثار ، قاومت  كوارث الاوبئه  والطاعون الاسود  والكوليرا  والمجاعات  المتوالية ،  ضحكت من غضب   طفلها المدلل  نهر دجلة وفيضاناته ، فبعد كل كارثة   تعود  صبية  ساحرة الجمال  باذخة الخيال ....
فتسحر الناس البسطاء قبل ان تفجر  خيال  الادباء والشعراء ، وتنشط ذهن الباحثين والعلماء في جولة  الذكريات هذه   تناول  الاستاذ  حكمت  :-
المكــــــــــــــــان :-
تحدث  الدكتور عن  مدينته  وموقع  ولادته وصباه  مدينة النجف واصفا   محلاتها  وشوارعها  التي  صممت  وبنيت   كحلقات  ملتفة حول  الصحن الحيدري  الشريف ،  ولتكون خير واقية  للسكان من  عواصف الصحراء في  هجير الصيف  وبرد الشتاء ......محلات  وشوارع غالبا ما تكون  مجللة بالسواد   في اغلب ايام السنة   وخصوصا في شهر عاشوراء وصفر ، مدينة اجادت مراسيم الموت  والحزن واللطم  والبكاء ، معرضة عن كل فنون الحياة   كالموسيقى والرقص  والغناء ، كل شيء فيها يمكن ان  يندثر ويشيخ الا مقابرها فهي متجددة الشباب ،  فاتحة ذراعيها للمزيد  من الموتى من   داخل العراق وخارجه ، اذرعها كاذرع الاخطبوط  تمتد  وتمتد  لتضم اليها المزيد  من  الصحراء  التي   لاتشبع  ولا تمل من التهام  الجثث، ناشرة قبورها  بشكل عشوائي  غير منتظم  من  حيث  الشكل ومن حيث  الانتشار ،  تراكب وتداخل  بعضها ببعض  فاصبحت  كغابة  متشابكة من  القبور  يصعب  اجتيازها  والمرور  بينها ، وكأن القائمين على مقبرة النجف   يرون ان  الصحراء  سوف  لاتسع   القبور  ان   اتت  على نسق  منظم  كماهي قبور  اغلب بلدان العالم  ومقابر الاديان  والاطياف غير   الشيعة  !!!!
يصف  الدكتور ر ليالي سطوح المنازل  في النجف  حيث  النسيم   المنعش  الوحيد  اما على سطح الدار  او في  غياهب   سراديب النجف  المعروفة  بسعتها   ولايكاد يخلو  بيت منها ، وكانها مدينة    ثانية مستترة تحت الارض ، كما   هو حال  سكانها  بين  ظاهر ومستتر ، فالشخصية النجفية  تعيش  ازدواجا  وانشطارا حادا  في الشخصية   نتيجة لهيمنة المحرمات   والمكبوتات ، مما يخالف الطبيعة البشرية   الساعية نحو التحرر والانطلاق وحب  متع الحياة ......
في حين   تبهره  العاصمة  بغداد   بجمالها وانفتاح  مبانيها   وسكانها ، حيث النوادي  والمراقص والحانات   ودور المسرح  والسينما ،   والنهر دجلة  العظيم   الجميل المبهر  في   لياليه  الرائعة   وشواطئه الساحرة ، وهل  هناك  اجمل  من  شواطي  ابي  نؤاس  وكازينوهاته  ومطاعم السمك المسكوف  وجلسات   الخمر والسمر ، وحضور   فتيات   سافرات كفلقة القمر .....
يصف  الحياة  بكل بهجتها  في ((جرداغه))  على ضفة دجلة  هو  وشلة الانس والطرب ، حيث ((البيرة)) والغناء  وحلو  الثمار   والرطب >>>
يسهب  في وصف جمال بغداد  ، بكرادتها  واعظميتها  ، برصافتها  وكرخها   جميلة فسيحة   تعمها الخضرة  وتنشر في جنباتها  الزهور  وعذب  شدو الطيور ..... في زمن الخمسينيات  من القرن العشرين ، في حين  يعتصر قلبه الما  لما   آل اليه حال بغداد  في  زمننا الحاضر ، فالبساتين جرفت ، والشوارع  اغلقت ، كتل  فوق  كتل  من  الجلاميد الكونكريتية ، معالم الخراب  والكراهية   والوحشة في كل مكان ، فلا دار سينما  ولا مسرح   ولا جرداغ   ولا حانة ولا مرقص ، بنادق  شاكة  واصوات   انفجارات  مهولة  ، انت  في كل مكان   وشارع  وزقاق  ودائرة  محل  شك  وموضع  تساؤل  فقد طبع الارهاب المدينة  بطابعه ... اه  يابغداد   واه  والف  اه  يار ض  السواد .....
 ذكريات  السياسة والنضال :-

من  يسترجع  زمن الاربعينيات  والخمسينيات   في  مدينة النجف  ، يجد ان  النخبة المثقفة من ابناء  النجف   بين ملتزم  تنظيميا   او صديق مقرب  من الاحزاب والحركات  اليسارية والثورية ، هكذا  كان حال   الاطباء  والمحامين  والمدرسين والمعلمين  والمهندسين ،  كخليل جميل ، ورضا عجينه  ،وعبد الامير السكافي  ،وسلام عادل ، وحسن عوينه ، وحسين سلطان  ، ورحيم عجينه  ،و محمد موسى التتنجي ،وحميد السكافي ، وجواد  عبد الحسين ...   ووووو  اخرين  نجوم زواهر واقمار لازالت  تزين سماء   العراق  والانسانية ، ناهيك عن الكسبة  وصغار الموظفين ، وكانك تقرء ردة الفعل  لشباب المدينة  على  العادات  والتقاليد المتزمتة  والمحرمات  المتكاثر  بالانشطار   مما اثقل الحال  على مزاج   ونفسية الشباب المثقف   والمتعلم   منهم   وعلى اصدقائهم  ومجايليهم  من الشرائح الاجتماعية  الاخرى ،  وبذلك   كان المجتمع النجفي مجتمع  التناقضات   حد  الانفجار  فبين مناضل مكافح   حد التضحية بالروح  من اجل الخير والرفاه  والتقدم  لابناء بلده  ومدينته   وبين  شاذ باحث  عن لذته  ومتعته  واشباع  رغباته  الشاذة  في  الخفاء والعلن  كنوع  من  التمرد اللاواعي  على الواقع    ، وبين  متملق  متكسب  ساعي  للحصول على الثروة والمال  والجاه  باي ثمن .....
كان  كاتبنا  الاستاذ حكمت من النوع  الاول  حيث  انسلاخه من طبقته  البرجوازية  لينتصر لقضايا  الفقراء والمعدمين من ايبناء وطنه   لا لكونه محروما  وبائسا  ولكن استجابة  لروحه  المحبة للعدل  والجمال والحرية  وقد  كان  متاثرا   بوالدته المناصرة له في تمرده وسلوكه طريق النضال  ومحبته  للعلم  اكثر مما  هو متاثرا بوالده   الذي كان مهتما  بعمله وتجارته  اكثر من اي شيء آخر ، كان  وجها  واسما بارزا  في الحركة الطلابية اليسارية  المناضلة  ممثلة   ب(( الاتحاد العام لطلبة العراق))  المقرب جدا  من الحزب الشيوعي العراقي  او هو احد روافده المهنية الديمقراطية  كاتحاد الشبيبة الديمقراطي  ورابطة المرأة العراقية  ....الخ
 هكذا كان  شعلة متاججة من النشاط  والحيوية النضالية  في كل  الحقوق  في بغداد    منذ  عام 1954 في بغداد ،  في مقارعة  الحكم  التابع لقوى الاستعمار  البريطاني  ومريديه ، حاضرا  او قائدا   لاغلب  التظاهرات والفعاليات المناهضةنللحكم الملكي  وللقيم   المتخلفة والقهرية للسلطة الحاكمة  وروافدها  وذيولها  من  الاقطاعيين  والعشائريين  ورجال   ((الدين)) الموالين   للسلطة  مما عرضه   للسجن  والمضايقة والملاحقة  من قبل   الاجهزة القمعية للسلطات  الحاكمة .. مساندا  قويا  لقضية الشعب الكردي  من اجل  تقرير مصيره  متمثلا بذلك  المنهج  الفكري  والموقف المبدئي  الماركسي  في مساندته  لقضايا الشعوب ورفض  التسلط والهيمنة للقوميات الكبرى على  القوميات الاصغر ...
وقد  كان   في غاية الموضوعية في  عرض  ونقد  تلك المسيرة  وعناوينها  السياسية من اشخاص  واحزاب وحركات    سواء اليسارية او القومية  او الديمقراطية الوطنية ، فلن يكون متعصب الانتماء  ولا مهادن  للاخطاء  مهما كان مصدرها ، وقد كان جريئا وصادقا مع ذاته  وفكره  وهو  ينتقد بموضوعية  مسيرة الحزب الشيوعي العراقي  خلال   الحقب  المختلفة  ولحين التاريخ  غير متخليا  عن منهجه  الماركسي  الفكري  ولا اسفا عما  قدمه   او قام به .....
كذلك لم يكن مهادنا  للدينصورات  الدينية والعشائرية والقومانية  ولقيمها البالية والمتعصبة  والمغامرة  رغم   ما يمثل  مثل هذه المواقف من مخاطر جسيمة على حياته  وعلى عائلته  .....
لم يغفل   كاتبنا   الحديث  ووصف العديد من الظواهر الاجتماعية  انذاك   مثل   ظاهرة  ((الشقاوات )) وخصوصا في   مدينة بغداد ...
كنت اتمنى ان  يغوص  الكاتب القدير في تشريح مختلف الشرائح الاجتماعية  وتعريفها   والحفر في  اسبابها ومسبباتها  ضمن  خضم الحراك الاجتماعي  في ظل تشكيلة اجتماعية اقتصادية  قائمة ، لكنه قد اكتفى في اغلب الحالات  بالتوصيف دون التعريف  وهو امر مهم جدا  ومن اهم  مهام  الكاتب والباحث  ناهيك  عن السياسي الملتزم  صاحب المنهج الفكري  العلمي  كالمنهج الماركسي ....
 لازال  حكمت شبر كما   اعرفه   الان  ،  وانا متاكد  ان  الكثير ممن يعرفونه   يتفقون معي في هذا التقييم  لنزاهة وصلابة  وقوة  وكفاحية وعلمية هذا الرجل ، راية خفاقة بين رايات  العلم  والعطاء  والنضال  من اجل  قيم  الحق  والعدل  ومقاومة القبح  والاستغلال  بكل  اشكالها  والوانها ..
 متعة الروح  وحب الجمال :-

قليل  هم  الناس اللذين   يتفهمون الحياة  على حقيقتها  والقادرين على  حفظ  توازناتها  في حياتهم  العامة والخاصة ، ففي الوقت الذي  يبذلون  الغالي  والنفيس  من اجل  ان تكون الحياة افضل واجمل  لكل بني البشر ،  ويستمتعون في لذة الكفاح  من اجل الحرية  والعدل والسلام ، كجزء من كيانهم  المعادي للقبح  والرذيلة  ونزعة الاستغلال   والتجبر عند  البشر  وخصوصا  الحكام
فانهم  لاينسون متعة الروح  في حب  النساء الجميلات   وحب  المتعة  والرفقة الحميمية مع   هذه المخلوقات  الفياضة بالسحر والانوثة والجمال  الروحي والجسدي   بعيدا  عن  الابتذال  والامتهان  بل  الاغتراف  من نبع الجمال والعشق  الصافي ..... فحين تقرء سيرة   حكمت  شبر تجده  شعلة متاججة من  الحب والعشق  والبحث  عن   العشيقة والصديقة   التي تشاركه  متنعة الروح والجسد ، فكانت له  انتصارات  واخفاقات  ،  متع  وحرمانات  ، تدل على غنى روحه   ومدى  تشبع  فكره  واحساسه   بقيم  الجمال  والحب ..... انه  يعشق الحياة  انه  يعشق النساء ، انه  يستمتع بكل عذابات الكفاح والنضال  من اجل  الحرية والمساواة ، انه   يتدفق حماسا  من اجل  العشرة  الجميلة مع  الانثى العاشقة بصدق  ليكمل  متعة الروح  بمتعة الجسد .....فقد كانت له  جولات وجولات    وكما اعتقد   انه  وجد   ضالته   في  رفيقة حياته  وشريكة عمره ((ام نوار))  فوجدها  حبيبة ورفيقة  وشريكة حياة   لاتضاهى ارضت تطلعاته  وطموحه  فلازال عاشقا  مفتونا بحبيبته  وهو في عمر الثمانين  هكذا   فهمت  وقرأة العديد من قصائده  واشعاره  وسردياته  وقد طرز  كتابه هذا بالعديد من القصائد الشعرية  الرائعة  وخصوصا  ماقاله في بغداد حبيبته الخالدة ....فالاستاذ حكمت  مبدع في السرد والشعر  كما  هو  فقيه  ومنظر  وباحث  في القانون  فله العديد من المؤلفات  في القانون  ، كما له عدد من دوواين  الشعر  العمودي    ، وله اكثر من رواية   عبارة  عن  سيرة ذاتية
فالف  تحية حب وتقدير  للانسان والعالم  والمناضل  البرفسور والاديب  الصديق   حكمت شبر متمنيا له   المزيد  من العطاء لاثراء  ذاكرتنا  من بحر  ذاكرته  الحافلة   بالحكمة  والتجربة الثرة  الممتعة  ....



45
أدب / حقائب الأمير
« في: 19:04 12/05/2016  »


حقائب الأمير


السلام  لارواح الشهداء  الابرياء ، والعار والخذلان  لعصابات  الارهاب وللحكام الفاسدين ..

حميد الحريزي

الندى
 يتوسد وريقات الورد                                                                                                                                                          يموت غريبا                                                                                             
حين
 تموت الرياحين      ((قول من خارج المنطقة الخضراء))
الحياة
تفقد
معناها
حين
يبكي الأطفال
************ 
تدثر بأحلامه
تناثرت
أقلامه
الملونة
على مساحة أمنيات
عامه الدراسي الأول
اقفل
عينيه
على حقيبته
الموعودة
فُتحَ
باب الفجرِ
ناوله
الأمير
حقيبة  تنز دما
تحمل رأس والده المجزور
حمل أقرانه
حقائبهم فرحين
حمل
 (( هو))
تابوت أبيه
*********** 
صارت
الحقائب توابيت
كل
الحقائب
حمالة
رأس أبيه
قرينه
يكتب سيارة
((هو))
يمسح زجاج  السيارات
في
ساحات الرعب،
والشذوذ
في
دارهم مصابيح
ملونة
داره
مطفئة  الأنوار
في
الحدائق
يلهو أطفال الحارة
باصطياد
الفراشات
يبيع
((هو))
علب السكائر
في
الملعب
يرمون الكرة
في الهدف
((هو)) يرمي
علب المشروبات الفارغة في الكيس
*****************
 ((الملثم)) يحلم بوجبة غذاء
مع الرسول
((هو))
يحلم
بقطعة لحم
في
براميل الفضلات
((هو))
 يكدح
((هو))
يتسول
يأوون
الى قصور فارهة
يفتش
((هو))
 عن
جحر يؤيه
((الملثم))
يجمع رؤوسا
ليصبح
أميراً
((هو))
يجمع علبا فارغة
ليأكل
خبزاً
*********
ما عاد
يراهم للمدرسة
يذهبون
لَوَّنَ
الدم
لوحات
دفاتر الرسم
حين
حطت فوق رؤوسهم
حِمَم
((المفخخات ))
تصاحبها صيحات
التكبير
جلبوا
حقائبهم
المحروقة
معبأة
بأشلاء معلميهم
وسبورات الدرس
وأنامل تمسك
أقلام ملونه
وسبابة
ممدودة
تستفهم
*******
((الهمر))
تقطع الطرقات
اليوم
نجمع
خراطيش الموت
وحقائب  تناثرت
أقلامها
فوق سياج المدرسة
حملت
العصافير
تشظيات الأزهار المحروقة
لتبني
أعشاش
موسم إخصاب
جديد
**************
أطفال بلادي:
دموعي
لا تكفي
آهاتي
لا تشفي
جراحاتكم المتوارثة
منذ  قرون
مما اذكر
وما تذكرون
قَدَرُنا الدمع
قَدَرُنا القمع
غزوات تتلو غزوات
غزوات الأرض
وغزوات السماء
قرون تلو قرون
أجدادكم
أجدادنا
وسيولا كبرى
سيول غرين و  ماء
سيولا  كبرى من دماء
وموجات وحشية
من  وباء
فهل
من دواء
فهل
من رجاء
في
زمن ((الطناطل))؟؟؟؟
*************** 
طلب
الحَمام
فأتته ((الاباشي))
والحِمّام
أراد
النور
فداهمه الظلام
اختلطت أشلاءهم
ومعاولهم
في
((المسطر))*
من منكم
يعرف
أباه؟؟
فتشوا جيوبهم
عن هداياكم
عن صور أمهاتكم
علكم
لآبائكم تهتدون
كل
الجيوب فارغة
تَعَرّفوهُم
بالشمِ
رائحة اللحم المشوي
ورائحة البارود
واحدة
في الحياة
والموت
رائحة  ابائكم واحدة
سيسعهم
تابوت  واحد
فلا تجهدوا بالبحث
اعدوا لهم قبرا
واحد.......
رأيتم
ألسنة اللهب
ولم تروا
ألوان
اللعب
لأجل هذا
نُصِبَ ((الملثم))
أميرا
للأمراء
عباءة
أمك مزقتها الذئاب
لغموا المآذن
لم يطرقوا
الا بواب
((الهمرات))
لم
تميز
بين الشارع
والرصيف
الكل
ممنوع
الكل مباح
إنها((الفوضى)) الخلاقة
هل
تعلم
صيروا
الرشاش قلم
العبوات
مدا فيء
((دعا بلك)) عبوات لاصقه
أهدوك
كل
ما لا تحلم
علموك
ما لا تعلم
((الأمراء)) لهم الجنات
أنت وأبيك
الى جهنم
أن تلبس
سروالا
لابد ان تنزع
أمك
سروال
((اليانكي)) يقول:-
لكل
شيء ثمن
تبيع
لحمها
لتأكلك
لحما
هذا
قانون
بيع وشراء
الربح
ثم الربح
ثم الربح
كل مفردات
المعجم
هل تفـــــــــــــــهم؟؟؟؟؟
رأسك
مطأطأ
ظهرك محني
نقب
في الأزبال
لا تسأل
عن معنى الأحتلال
احذر
ان تصاب
بأحلام ((ناظم))*
وتسأل عن
 النجوم

************* 
أطفال
بلدي
إياكم
ان تصدقون
بوعود الحكام
بدعاة ((السلام))
بمن فَصَّلَ
الحلال
والحرام
 جل ما أخشاه
 إنكم بوعودهم ودموعي
تغرقون
أحرقت دفاتركم
 أكلت الكلاب السائبة
((لفات)) أعدتها
أمهاتكم:-
قبلة على الخد،  وخذها
ولدي أخشى
ان تجوع
تقيأَت
حقائبكم ((لفات)) وحروف
ولوَنَ الدمُ
لوحات المَرسمِ
هيا بنا
نطوف
نصيح في الساحات
ندخل كل
الصفوف
لمن
هذه
الكفوف
نسال عمن
لم يكتب
الدار والدور
نسال
عمن
احرقوا
في كفيه الزهور
نسال عمن
كان
كل صبح
يطعم الطيور
نسال عمن
أضاع
كفيه في الطريق
نسال
عمن
أضاع وجبة الفطور
عمن
كتب المعلم
اسمه في الغياب
نسأل
عمن
سقط من الحساب
***************
كيف
لك ولدي
ان تقرا
((باسم ربك الأكرم))
احرقوا القلم وقالوا:-
((اقرأ باسم ربك (( الملثم )) الذي يعلم ((بالألم))
علم الطفل مالا يفهم))
آه لو تعلم
ولاشك انك تعلم
ان ((الإله الملثم))
بدماء أبيك
تيمم
يا طفلي
ممنوع عليك
ان تحلم
ممنوع عليك
ان تفهم
ممنوع عليك
ان تتعلم
هل تفهم؟؟؟
*****************
 لم
أنسك ولدي ((محمد))*
فلدينا
ألف((محمد)) و((محمد))
في الشرق
في
الغرب
طريق موت
الأطفال
معبد
((محمدنا))
مات بلا أب
((محمدنا))
 قتل
قبل ان يولد
((محمدنا))
جزره
مُصلوتٍ
مُكَبر
((محمدنا))
قتله مستكبر
((محمدنا))
قتله
محرر
((محمدنا))
يحبو
وسط الطاعون الأسود
((محمدنا))
بدمه
يتيمّمُ
قاتله
في المعبد
فمن نبكي
محنة
من
نحكي
أي
((محمد))؟؟؟؟
****************
يا أخ ((محمد))
كي تسلم:-
عليك
ان تعبر كل بحور الهم
بحر الجوع
بحر المرض
بحر الجهل
بحر الأوحال
وبحر
الدم
كي تسلم
كم بحراً  للآن عبرت
يا ولدي
هل
تعلم؟؟؟

*((أن أجمل ما سمعته من أصوات
سؤال طفل عن النجوم))
 ناظم حكمت
* ((محمد الدره)) الطفل الفلسطيني الذي قتل برصاص الصهاينة وهو في حضن أبيه.






46
المنبر الحر / عراك اللصـوص
« في: 18:58 12/05/2016  »
عراك اللصــــــــــــــــــــــــوص


.........

كثيرا ما يختلف السراق فيما بينهم ويعلو صراخهم ويصل خصامهم حد الاقتتال ولكن من اجل اي شسء يتخاصمون ، هل من اجل اصلاح سيرهم والتحالف من اجل الكف عن السرقة وترك طريق اللصوصية ..؟؟؟؟
طبعا لا انما يختلفون من اجل اعادة توزيع السرقات وابتكار اساليب جديدة للسطو والسرقة ، وابتداع طرق واساليب غير مطروقة سابقة من اجل تضليل واصطياد وايهام الضحية .....
الشاهد من قولي هذا :-
ان الطبقة السياسية الحاكمة في العراق وباعترافها هي بانها زمرة من السراق والحرامية ، فان اختلفوا او تخاصموا فمن اجل المزيد من السرقة والدجل والحرمنة وليس من اجل صالح ومنفعة الشعب وسلوك الطريق القويم بل يسعون  جادين  لغرض محاكمته ، باعتباره  سارقا ومنتهكا   للحرمات ، ولم يدخل  الدار من  بابها  .......
هذا بالضبط  ما يطالب  به ((نواب الشعب)) العراقي ،  كردة فعل   لدخول   ابناء الشعب  الى   البرلمان  والمفترض ان  يكون البرلمان  بيت الشعب وهم  ضيوف  الشعب  وممثليه ان اراد  ابقاهم  وان اراد   اخرجهم  منها..
والطامة الكبرى  انهم  يتهمون صاحب الدار بانتهاك  حرمة داره  التي اسكنهم  هو فيها ، والانكى من ذلك انهم  يتهمونه  بسرقة  وتحطيم   اثاث  الدار  ، ويريدون   ان يحاكموه  لانه   تجرأ على  ((قنفة  السيادة)) ، متباكين على انتهاك حرماتها ،وكأن الموصل والانبار  وغيرها  من   قرى  وبلدات  العراق ليست  تحت   سيف  الطاعون الداعشي الاسود  ؟؟؟!!!!!
..... فافهوا واسمعوا وعوا يا اولي الالباب  فلا يغرنكم خصامهم  وعراكهم  داخل  بيت الشعب المغتصب او خارجه  ، انما هم يتبادلون الادوار ، يمثلون الاختلاف على كل شيء  الا مكاسبهم ورواتبهم ومناصبهم   فهي  محل اتفاق  وخطا احمر لايمكن  تجاوزه
 
حميد الحريزي


47
أضـواء على ((براعم ربيــع بغداد)) – ج٢

حميد الحريزي
 

وهنا يتبادر السؤال التالي:-
ما هو وصف البديل المفترض او البديل الحداثي في بلداننا ؟؟؟

ان القطع القهري لنمو وتطور البرجوازية المنتجة في العالم العربي واغلب بلدان العالم ((الثالث))ومنها العراق طبعا والذي تكاتف على إدامته عامل محلي مجسدا في ا:-
الإمبراطورية الإسلامية ، كونها دولة تعتمد الخراج في تصريف شؤون الحكم وليس على إيرادات دافعي الضرائب من ذوي المهن والمصالح في الزراعة والصناعة والتجارة، أي إنها دولة ريعية… وبذلك لم تكن تهتم بنمو وتطور الإنتاج الصناعي والزراعي ،أدى الى تهميش وضعف أفكار وأراء وتصورات الطبقة المنتجة في المجتمع على القوى صاحبة القرار في هرم السلطة السياسية المرتدية لرداء الدين في نفس الوقت…
يقرؤنا التاريخ بوضوح كامل ما آلت إليه حركة المعتزلة وأخوان الصفا وكيف حوربت ووأدت لأنها أحكمت العقل وأجلسته على العرش المفترض لإدارة شؤون الحياة، مما اوجد حالة تناقض حاد مع طبيعة هرم السلطة الوراثي ألسلالي المبني على المقدس المتوارث وليس على خيارات العقل والاختيار، أي ان إرهاصات نمو ونفوذ برجوازية منتجة خنقت في المهد سواء بقوة المقدس او بقوة السيف….
كذلك يرينا التاريخ حالة الفشل والانكسار الذي كان مصير الحركات والثورات التي قامت به الطبقات الاجتماعية المهشمة الأوسع- مثل حركة القرامطة وحركة الزنج والبابكية وغيرها.. لأنها لم تكن تعبر عن حالة وعي ذاتي لهذه الشرائح والطبقات لكونها شرائح مختلفة الأطياف والمستويات ، لم تستطع ان تنتج نظريتها المعرفية الثورية لتكون القوة الموجهة والهادية لها بل اعتمدت نفس أفكار وأسانيد وأطروحات مضطهديها وكأنها حركة تسعى لاستبدال عمامة سوداء بأخرى بيضاء او حمراء، لا تسعى الى استئصال روح الاستبداد والاستعباد والتسلط وإنما تبادل المواقع، أي تحويل العبيد الى سادة والسادة الى عبيد عبر الاستيلاء على كرسي الحكم ، لم تكن تدرك الأساس الاقتصادي لأسباب الاستبداد والاستعباد وبالتالي العمل على اجتثاث الأسباب والمسببات… لإيجاد حالة من التوازن في الحكم وتقسيم الثروة.. مما أدى الى فشلها بعد حين سواء طال او قصر ومهما كان حجم الأذى الذي ألحقته في هيكل الطبقات الحاكمة التي تستولي على كراسي الحكم ضمن أسرها حصريا،وهذا دليل فشل وخيبة ثورة الزنج بقيادة سبارتاكوس وثورة الزنج في العراق وانتفاضات الفلاحين في القرون الوسطى ومن ضمنها فشل ((ثورة 1920)) في العراق في بداية القرن العشرين.
أي إنها تفتقر الى التعريف العلمي للثورة في الممارسات الثورية – لكي لا يقترن هذا المفهوم بالعنف او الانقلابات كما هو متداول – وما هي متطلباته وما هي أدواته وكيف يمكن انجاز هذه الثورة ، اثبت تاريخ الثورات والسيطرة على كرسي الحكم عبر العنف او المؤامرة الانقلابية، فشله في اغلب أنحاء العالم فمنه من احتضر ومنه من يعاني ومنه من يحاول ان يجد سبلا جديدة للحياة.
في العقد الأول من الخمسينات من القرن الماضي حدثت في العالم العربي العديد من ((الثورات)) الانقلابات العسكرية ، منها ((ثورة))23 يوليو في مصر ((وثورة 14)) تموز في العراق ضد ما أسموه بالحكومات الرجعية والعميلة لم تستكمل عملية التحرر الوطني الديمقراطي، كانت هذه الثورات تحمل الصبغة الاشتراكية او ما سمي بالديمقراطية الشعبية في الحكم مستندة على الشرعية الثورية .. باعتبارها مرحلة انتقالية نحو الشرعية الدستورية ، هذه الديمقراطية التي لم تتيج للمواطن العربي ممارستها وان مارستها فهي شكل مخفف في ممارسات الشرعية الثورية.. هذا الحال نابع من كون الطبقة التي هيمنة على كرسي الحكم بعد الانقلابات ((الثورات)) ، هم خليط من بقايا الاقطاع والبرجوازية الطفيلية والتجارية ، الطبقة المتوسطة المشوهة المصنعة حكوميا وليست وليدة حراك طبيعي، غلب عليها ،هم الاحتفاظ بالكرسي على هم الاحتفاظ برضي الشعب الذي ساندهم وقدم التضحيات من اجلهم ، فهذه الطبقة كما وصفنا ذلك في تجربة العراق ، ظلت حبيسة طبيعيتها المترددة المتذبذبة فهي لا تستطيع ان تمضي قدما في طريق الثورة ونقل السلطة للشعب ، وقد رفعت شعار لا شرقية ولا غربية ، وهي فاقدة القدرة على اجتر اح طريق ثالث للتطور ، مما احدث شرخا في العلاقة بينهما وبين جماهيرها التي بدأت تتململ ومن ثم تحاول الانتفاض وإدارة ظهر المجن لهذه الحكومات، ما دفع هذه الحكومات الى اعتماد العنف ((الثوري)) لقمعها وإعادتها الى ((رشدها )) كما تدعي ، كما أن هذا التردد وفقدان المنهج الفكري لقيادة الدولة واختلاف المصالح داخل هذه الطبقة أدى الى حدوث تصفيات دموية عنيفة بين رفاق الدرب وقادة الثورة، هذا الحال ادخل النسيج الاجتماعي فايروس العنف الطائفي والعرقي والعشائري، بالإضافة الى استشراء حالة المحسوبية والمنسوبية، والرشوة والفساد المالي والإداري، توقف او على الأقل تهالك وتردي عملية الإنتاج المادي والثقافي، تعيد الحياة والنشاط لقيم المجتمع الأهلي الما قبل حداثي ، زحف الريف على المدينة ، والخرافة والهرطقة على العلم والمعرفة.. أي جرت عملية تجريف للقيم والأعراف ((الكونفورميا)) الايجابية ، عملية هدم القيم أكثر خطورة من هدم الأبنية والمصانع والعمارات ، فان توفرت إمكانية ترميم وإعادة بناء المنشآت فمن الصعوبة بمكان إعادة ترميم وبناء القيم المفقودة والمجرفة، كما إنها تعتبر المعيق الأكبر لعملية البناء الحضاري والثقافي في البلد المعين.
القصد ان مشاريع الإصلاح وبناء دولة المؤسسات آلت الى نشوء وتسلط أنظمة ديكتاتورية تسلطية فاشية، كممت الأفواه ، كبلت الأيدي ونصبت نفسها قيمة على الأفكار والسلوكيات ، هيئت كل الظروف والوسائل لتصنيع القائد الملهم والقائد الضرورة، المخلص محبوب الشعب ، فحل الفحول وجامع العقول….(عبد الناصر)،(حافظ الأسد)،(صدام حسين)،( معمر القذافي)، (زين العابدين بن علي)،(محمد زياد بري)،(علي عبدالله صالح) ((السيد القائد)) ناهيك عن الملوك والأمراء والسلاطين خلفاء الله على الأرض. وهنا يجب ان لا ننسى الدور السلبي الذي لعبته الجماهير او الكتل البشرية غير الواعية في إنتاج ودعم مثل هذه الديكتاتوريات وإسنادها وحين يتحدث فاضل الربيعي عن دور الجماهير في الثورة الإيرانية يقول :-
(( كيف ان القسم الأعظم من هذه الجماهير كان في الواقع مغرقا في الرجعية، وقد أعاد إنتاج الاستبداد من خلال اندماجه في مؤسسات السلطة القمعية الجديدة التي يهيمن عليها رجال الدين، وبالفعل فقد تحول الجزء الأعظم من هذه الكتلة الهلامية، أي، الجماهير، الى مصدر جديد من مصادر تهديد فكرة الديمقراطية والتحديث في المجتمع، هذه المرة لم يعد القادة الدينيين والتقليديين وحدهم مصدر التهديد؛بل أصبحت هناك كتلة كبيرة من الجماهير تعيش في قلب مهمتها التاريخية والوحيدة تأسيس الاستبداد باسم حماية الثورة)) 6ص 177 فاضل الربيعي
وهنا لم يكن ((المخلص)) الخارجي بعيدا عن هذا الواقع الاستبدادي ، لا بل كان احد صناعه مع ((المخلص)) الداخلي من اجل إعطاءه المبررات الكافية للتدخل المباشر العسكري ،وغير العسكري في شؤون هذه البلدان ، هذا ما حصل في العراق وما يحصل الآن في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن……
ان رغبة التغيير يتبناها طرفين طرف يعمل من اجل بناء مستقبل ديمقراطي مساواتي متنور ، وطرف آخر يسعى الى استعادة ماض مفقود كما يذكر ذلك سمير أمين وهو يرى أهمية وجود طوباوية تدفع الجماهير على مواصلة الكفاح وتمده بالعزم للسير قدما لتحقيق أهدافه ولكنه يرى ان في هذا النضال ضد الواقع الرأسمالي المرير طريقان يختلف احدهما عن الآخر اختلافا جذريا حيث يرى محقا ان :-
(( هناك من يرفض الواقع الرأسمالي من زاوية مستقبلية فيريد ان يتجاوزها، وهناك من يرفضها(كليا او جزئيا) من زاوية ماضوية يريد ان يرجع بالمجتمع الى نموذج عصور سابقة..، ولن اخفي إنني اعتبر ان الأسلوب الأول يمثل طوباوية بالمعنى الايجابي للمفهوم، بينما الأسلوب الثاني يمثل طوباوية بمعناها السلبي))7 ص297
مما جعل الناس تنظر بحنين بالغ الى العهود السابقة ((الرجعية)) وتوجه الأنظار الى مخلص خارجي بعد ان فشلت كل محاولات التغيير الداخلي، هذا الفشل الذي لم يكن المخلص في أفغانستان والعراق وتونس ومصر وسوريا وليبيا وغيرهم على الطريق… لتدخل هذه الشعوب دائرة الأزمات المستدامة ،حيث يجد المخلص الخارجي ((أمريكا)) صعوبة بالغة في تصنيع طبقة سياسية موالية لها تحكم البلاد بأساليب ((عصرية )) قادرة على ارتداء ثوب الديمقراطية لستر عورتها وعجزها وتخلفها لأنها من مكونات مجتمع أهلي (طائفة وعشيرة وعرق) بسبب عدم وجود او ضعف وهزالة الطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة وبالتالي الطبقة العاملة وحلفائها باعتبارها المتبني الموضوعي والشرعي للديمقراطية كما أوضحنا / مما جعلها تدخل في حلقة جهنمية من الفوضى ((الخلاقة)) والحروب الداخلية، وديمومة أزمة هيمنتها الطبقية وهذا الحال لا يخدم سوى قوى الرأسمال الخارجي ((المخلص)) والقوى العرقية والطائفية والعشائرية ((القطوازية المخلص الداخلي))… وكما يرى سمير أمين ان قوى الرأسمال:-
(( ينظر بوقاحة الى ان تحل “نظم إسلامية” محل النظم الحاكمة حاليا إذا لزم الامر ، إذ ان هذه النظم ((الإسلامية)) المزعومة لن تمثل خطرا الا على شعوبها… ان خطاب الحركة الإسلامية المتطرفة ( والتطرف يزداد كلما قلت الانجازات الحقيقية) يعطي فرصة للاستعمار للمبادرة في عمليات عسكرية تدميرية شاملة (بما فيها محو الحياة في أقطار او مناطق بكاملها) إذا رأى ان ذلك “مفيدا”))8 ص285
وهذا طبعا ناتج كما سبق وان ذكرنا ، عن تغول وهيمنة البرجوازية الطفيلية المستهلكة المتخادمة مع الرأسمال الخارجي التي يقول عنها سمير امين في مصر وكذا مثيلاتها في بقية البلدان العربية ومنها العراق بعد الاحتلال في 2003 خصوصا:-
((البورجوازية فى مصر تابعة واستفادت فعلاً من الاندماج فى العولمة كما هى أي عولمة تابعة للولايات المتحدة والاستعمار المهيمن. وبالتالى هذه القوى رجعية على طول الخط ))
تسعى لخنق البرجوازية الوطنية المنتجة وبالتالي قتل الحامل الموضوعي للديمقراطية واللبرالية الا وهي البرجوازية الوطنية والطبقة الوسطى والطبقة العاملة وكل شغيلة اليد والفكر….. فبدا العمل من اجل دولة ديمقراطية حديثة بقيادة ((القطوازية)) كمن يريد ان يطلق صاروخا الى الفضاء الخارجي محمولا على ظهر حمار هزيل!!!!!!!!
نلاحظ ان أمريكا الرأسمال والاستغلال اتخذت قرارا ضمن خطة استراتيجة محسوبة يضمن هيمنتها على بلدان البترول وطرق التجارة ، ومضايق البحار ففي الوقت الذي أنهت دول الاستعمار التقليدي نفوذها وتواجدها العسكري المباشر، وخصوصا بريطانيا وفرنسا ونقل الهيمنة للولايات المتحدة الأمريكية، ساندت الأخيرة ودعمت الأنظمة الموالية لها بغض النظر عن طبيعة حكمها وظلمها وتسلطها على شعوبها، خصوصا أيام الحرب الباردة وقبل انهيار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي كي لا تقع هذه البلدان تحت الهيمنة الشيوعية كما تدعي ، فصنعت منظمات وأحزاب وتكتلات بمختلف المواصفات وتحت مختلف الشعارات –اشتراكية قومية ،دينية لمقاومة المد الشيوعي، ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة أخذت الولايات المتحدة تصاب بالقلق من عدم نجاح وعدم قدرة هذه القوى الحاكمة من الاحتفاظ بالسلطة والولاء للولايات المتحدة خصوصا في بلدان الطاقة والموقع الاستراتيجي ربما تذهب السلطة الى القوى الإسلامية المتطرفة او الى العدو الأخطر الذي بدت تدب فيه الروح والتوازن القوى اليسارية بمختلف أطيافها،هذا مما أدى بها الى تشجيع او غض النظر عن تنامي قوة المعارضة الجماهيرية العربية التي نزلت الى الشارع لللاطاحة بعروش الطغاة، ولكنها أخذت تعد الخطط وترسم السيناريوهات كي لا تفلت سيطرت مؤيديها ان لم نقل عملاءها على السلطة المقبلة برداء ديمقراطي براق ، فاخذت تثار المشاكل العرقية والطائفية والعشائرية بوجه ((الثورات))، هذه الانتفاضات التي بدأت سلمية سرعان ما تحولت في بعض البلدان – حسب تعاملها مع طبيعة القوى المنتفضة ونسبة راديكاليتها وقربها وبعدها من المعسكر الرأسمالي – تحول النزاع الى نزاع مسلح سينهك الطرفين ويسلم قياده في نهاية الامر للعقل الكوني المدبر ((المحرر)) الرأسمال الأمريكي وحلفاءه ؛ فرنسا وبريطانيا
وإسرائيل وتركيا، وهذا ما نلحظه في ليبيا وسوريا بشكل جلي واضح، مسنودا من قبل شركات واحتكارات إعلامية عملاقة في كل العالم ومنه العالم العربي حيث الجزيرة والعربية وقنوات وفضائيات اخرى….وقد كان المفكر الكبير سمير امين على ق تماما حين يقول :-
((ويدخل ضمن هذه اللعبة الخبيثة استخدام الإرهاب والقاعدة لإبقاء الأوضاع على ما هى عليه. باسم “محاربة الإرهاب” ومنع الانتفاضات والحركات الشعبية من إنجاز تغييرات محسوسة بتحويل الرأي العام إلى قضايا أخرى. ولعله سوف نعلم بعد خمسين عاما أن أسامة بن لادن كان مقيمًا فى الولايات المتحدة وأنهم يخرجوه من وقت إلى آخر وفى اللحظة المناسبة لإلقاء البيانات التي تعطيها تبريرا للتدخل العسكري هنا أو هناك! لا ينفى ذلك سير بعض الناس المُضللين وراء هذه الشخصيات او الحركات وهو أمر طبيعي فى الحركات من هذا النوع. لكن القيادة فى الطرفين، الولايات المتحدة من جانب، والحركات السلفية المتجمدة من الجانب الآخر، واعية تماما بما تفعل))
الم يحصل هذا السيناريو في العراق ما بعد الاحتلال ، فالولايات المتحدة الأمريكية ربما تميزت بميزة ربما لم تكن لأي من الدول الاستعمارية في العالم من قبل،حيث جلبت معها با لاضافة الى العدد والمعدات ومؤازريها ، كذلك جلبت -القاعدة وما شاكلها من منظمات القتل والسلب والنهب -معارضتها المسلحة المصنعة على مقاسها والمبرمج عقلها حسبما تريد وترغب ، من اجل خطف خيار الشعوب للمقاومة الحقيقة بعد أن لوثت هذه الصنيعة القذرة سمعة المقاومة ، فقد وضع المحتل الخيط الابيض والأسود في غرفة حالكة الظلام مقفلة الأبواب …. فتعذر الحكم والتمييز!!!
 
نصب ثورة العشرين في مدينة النجف ،هدم في (2010)لغرض انشاء مجسر بمحله!!!
لحين التاريخ نفتخر بما بذله أجدادنا وآبائنا في الكفاح والثورة- ثورة 1920 – ضد الاستعمار الانكليزي، ولكننا ننظر بعين الريبة والشك وحتى الرفض والعداء لمن يدعي المقاومة للاحتلال في الوقت الحاضر، هذا المستعمر الذي رفض ان يسمي نفسه محررا بل محتلا، ووفر لنا مبررات المقاومة، وهو حق لكل شعب يتعرض للاحتلال، ان هذا حدث لان المقاومة الاولى انبثقت من رحم الشعب العراقي بمختلف قواه وأطيافه، فلم يشهد تاريخ هذه المقاومة للاستعمار الانكليزي ،قتل الأبرياء وتفجير الساحات واختطاف او اغتصاب النساء وووو مما يحدث ألان من قبل ((المقاومة)) المصنعة المجلوبة على ظهورالدولارات الامريكية والريالات الخليجية .
لذلك يتوجب عدم الانجرار الى العواطف والانجرار وراء الإعلام المظلل والانخداع بالدور التحرري للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، وهذا لا يعني أيضا الخضوع والخنوع للحكومات الاستبدادية الديكتاتورية المتسلطة بل نتمسك بشعار واضح ((لا احتلال ولا ديكتاتورية))، الرفض المطلق للتدخل العسكري والمخابراتي لأمريكا وحلفائها لنقع في المحظور كما هو الحال في العراق وأفغانستان ، لا يمكن ان نهرب من شرور الكلب الهائج لنحتمي بعرين الذئب المسعور…………………. في حديثه عن مستقبل الثورة في مصر يقول سمير أمين:-
((أعتقد وربما أكون متفائلاً في ذلك أن هناك نوعًا من التعاطف التلقائي بين الشبان ومجموعات اليسار لأن هؤلاء الشباب يساريون في نهاية الأمر بإيمانهم بالديمقراطية الصحيحة وعداءهم للاستعمار وتوجههم الاجتماعي إن لم يكن الاشتراكي. ولذلك أرى أن التفاهم بين اليسار الراديكالي والأغلبية الكبرى من الشباب يمثل جوهر وأساس مستقبل الثورة لأن المستقبل بيد هؤلاء الشباب.))11 الحوار.
وواضح هنا ان سمير أمين يعول كثيرا على قدرة اليسار الجديد في كسب ود الشباب الثائر والذي بحكم تطلعه للحرية والعدل الاجتماعي فهو يساري النزعة والتوجه…
نعم ثورة مصر في خطر والثورة في تونس في خطر أما ليبيا فهي قد دخلت في مأزق خطير ثمنه حريتها واستقلالها ودمار اقتصادها، وقد تنحى سوريا نفس المنحى الليبي ان لم تفلح القوى اليسارية والديمقراطية قي تحقيق تغيرات جوهرية في بنية النظام من خلال مؤتمراتها الحوارية الحالية وبذلك تقطع الطريق على القوى المتطرفة او حاملة الأجندات الخارجية ، و إجبار النظام لإعطاء التنازلات وتامين طريق سلمي للانتقال للديمقراطية،وربما لبنان ووووو انه عالم متشظي قابل لكل الاحتمالات..
وهاهي الحال الماساوية ماثلة للعيان في العراق ، حيث استاثرت الطبقة الحاكمة بالثروات والمناصب ، واستهترت بكل المباديء الوطنية والانسانية وحتى بما اسمته بالدستور المكتوب من قبلها …..الان ثار البركان الذي وقد لايحمل سوى نيران الحرائق ودفن معالم الحضارة ، وليس بالضرورة يخلف سهلا خصبا مورقا بالخضرة والثمار النافعة ـ بسب قيادته من قبل شركاء الطبقة السياسية الحاكمة نفسها ، وهلامية الكتلة الجماهيرية المساندة وتقديسها للشخص ، وتبادلها الولاء بين لون وشكل العمائم واحدة باخرى !!!!
هل نستكين و ننتظر التبدلات والتحولات في العالم الأول((المخلص الخارجي))؟؟؟
وفق ما سبق عرضه سيكون الاستنتاج المنطقي ان لاحل لأزماتنا دون ان تحل أزمة مخلصنا الخارجي ((العالم الرأسمالي)) المتطور وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وهذا الامر يبدو ليس قريبا في الوقت الحاضر… فهل يعني هذا ان تستسلم شعوبنا لقدرها وتنتظر الفرج من خلال رحيل سلطة الاستغلال والاحتلال من العالم الأول ، وهذا التغيير الذي لا يأتي عن طريق صحوة الضمير المفاجأة لطبقته السائدة النهمة للمال والسيطرة والاستغلال ،وإنما يفترض ان يكون هناك حراكا جماهير للأغلبية المسلعة والمخدرة والمخدوعة في العالم الرأسمالي حين تمتطي صهوة شوارعها وميادينها وتنادي برحيل هيمنة الطبقات الاستغلالية من على كراسي الحكم والسيطرة وذلك عن طريق التغيير الجذري للخيارات في الأوراق الانتخابية، فالانتخابات أصبحت الطريق الأوحد والأسلم للوصول للسلطة والحكم ، هل سيأتي الفرج حين تتم عملية عزل الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري كنخبة الطبقات الرأسمالية والاحتكارات في الولايات المتحدة الأمريكية وصعود رموز وأحزاب جماهيرية جديدة تمثل الطبقة الوسطى وطبقة شغيلة اليد والفكر متضامنة مع القوى العقلانية المتنورة الرافضة للاستغلال الرأسمالي ولما تنتجه الرأسمالية الفجة من دمار وخراب للطبيعة والبيئة والثقافة ، مما يهدد العالم بالدمار الشامل لسكان الأرض عموما.. فتنتصر للشعوب المتخلفة والمقهورة، تمد لها يد العون التكنولوجي والمالي وتنتشلها من مستنقع الاستهلاك المدمر الى عالم الإنتاج المثمر..
هل ننتظر ان تكون الأمم المتحدة برلمانا عالميا للشعوب وليس للحكومات وخصوصا صاحبة (الفيتو)) لتتحول الى قوة فاعلة لتشريع القوانين بما يخدم سلام البشر ورفاههم وأمانهم دون تمييز على أساس الدولار والعرق او القومية والطائفة والجنس.
وهذا لا يكون الا ان تكون البرلمانات الوطنية والإقليمية والقارية تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعوب والطبقات الأكبر وليس بنخبة تحرص على تمثيل أقلية أصحاب الثروة والنفوذ ورعاية مصالح أصحاب رؤوس الأموال….كما هو الحال في العراق اليوم
تبدو هذه الآمال والطموحات غاية في الصعوبة او إنها أحلام طوباوية في ظل الواقع العالمي الحاضر بقيادة القطب الواحد هذا الذي يحول دون بناء مجتمع إنساني متكامل متضامن متصالح ، ولكنه في نفس الوقت هو احد عوامل تسريع تفجر الأزمات التي تعصف بالعالم ويطالب بإيجاد الحلول والبدائل.. ان العالم الآن يدور ويمور في أزماته الاقتصادية والمالية واشكالياته وكوارثه البيئية والطبيعية ،وهو يفتش عن بديل يجنب العالم الخراب والانهيار التام….
ان حل هذه الأزمة في بلداننا يتطلب وجود حركة وطنية سياسية تعي لاوعيها المتضمن مفاهيم وسلوكيات التخلف، بسبب موضوعه المتخلف ، فتطرد أشباحه وإيحاءاته الما قبل حداثية، فتعمل على تبني الأساليب والآليات الديمقراطية الواعية في الحكم وتملك القرار المتبنى من قبل الأغلبية الشعبية في تفعيل حالة القطع مع المهيمن الرأسمالي الاحتكاري ((المخلص الخارجي)) في الوقت الذي تقوم بالرعاية والعناية والدعم للطبقة البرجوازية المنتجة وتخليص قوة العمل من حالة الشرذمة والتفتت لتكون طبقة منتجة، وبذلك تعمل على خلق مجتمع منتج وليس مستهلك مستفيدة الى أقصى حد من العقلانية والتدبر الاقتصادي الرشيد من موارد البلد المالية وخصوصا الثروة النفطية الوطنية الكبيرة، لتسد بذلك احد عوامل التقدم الصناعي الا وهو توفر المال الذي باستثماره عبر توظيف قوة العمل الماهرة والمتيسرة الى رأسمال منتج، وهنا لا نغفل الاستفادة من الدعم الغير مشروط من قبل الدول الصناعية المتطورة في النهوض بالواقع الصناعي والزراعي والخدمي والثقافي وخصوصا الدول التي لا تتطلع لاستعمار الشعوب مثل الصين والهند واليابان واغلب بلدان أوربا الشرقية والغربية، خصوصا وان هذه البلدان هي بأمس الحاجة الى البترول ، وهي تمر الآن بأزمة اقتصادية خانقة يمكن ان تحصل بلداننا وخصوصا العراق على أفضل الخدمات والخبرات والتكنولوجيا المتطورة بأنسب الأسعار وبأيسر الشروط للإعادة وتجديد بناه التحتية……. وكما ذكر سمير أمين :-
(( لن يخرج الوطن العربي من هذا المأزق المقبض الا إذا تكون قطب ثالث قوي، موجود فعلا في الساحة، مستقل عن قطب الحكم وعن قطب المعارضة ((الإسلام السياسي)) .فإعادة تكوين اليسار بهذا الشكل أحياء مجتمع مدني صحيح يمثل ركنا أساسيا في عودة الوطن العربي الى مسرح التاريخ واستعادته طابع الفاعل على المسرح))
هذا الامر يتطلب وعيا شعبيا جمعيا وطنيا داعما ومساندا ومتفهما لتوجهات الطبقة السياسية الحاكمة، وقبل ذلك مالك الإرادة والقوة في إيصال هذه الطبقة ((التكنوقراط الوطني)) لسدة الحكم عبر صناديق الاقتراع وعدم التفريط فيها لصالح القوى الطفيلية واللا وطنية المتخلفة، وهذا بدوره يتطلب في جزء كبير منه ان تكون هذه ألطبقة بمستوى مسؤوليتها وتمتلك القدرة على الإقناع عبر البرامج الواضحة التي تصب في مصلحة الوطن والمواطن، تمتلك عقلا سياسيا مقتدرا ومتمكنا من اتخاذ القرارات والخطط الناجحة والفاعلة المتبناة من قبل قاعدتها الشعبية العريضة ، المستفيدة الاولى من التحولات والإجراءات السياسية والاقتصادية والثقافية في البلد المعني…. وان تأخذ زمام المبادرة من تيار الدين السياسي الذي لا يملك خططا وبرامج علمية وعملية لانجاز عملية بناء دولة الحداثة والمؤسسات الديمقراطية على فرض ان قسما لا يستهان منه يسعى لذلك بحكم ضغط جماهيره الفقيرة المهشمة العاطلة عن العمل والمقصية عن دور العلم والمعرفة، حيث ان هذا التيار لا يحمل سوى منابره كمنصات يطلق من خلالها صواريخه الأخلاقية التي ينتهي مفعولها فور إغلاق ميكرفونه لتتساقط هذه الصواريخ عند أقدامه، بسبب قوة جذب النزعات الاستهلاكية ومصداتها السحرية الفاعلة ضد أي تحول في فكر وسلوك مستعبديها في عالم الإغراء والاحتواء لمن تقذفه آلة العمل المنتج خارج منطقة تغطيتها….. مما يستوجب ان تدرك قوى الثورة بكافة أطيافها على الاستمرار بالثورة وحمايتها من أعدائها وهي الآن على مفترق طرق كما يذكر الأستاذ غازي لصوراني:-
((في مجابهة أجهزة النظام من ناحية، وفي مجابهة عناصر وقوى الثورة المضادة وفي هذا السياق نحذر من أن الانتفاضة العربية عموماً ، وفي تونس ومصر خصوصاً ، تتعرض لمفترق طرق يهدد حاضرها ومستقبلها ، ما يؤكد على أنه ليس أمام هذه الانتفاضات وقياداتها الوطنية الديمقراطية ، سوى الاعتماد على الجماهير وتأطير صفوفها وتحشديها من أجل إثبات إرادتها وتحقيق أهدافها ، وذلك يتطلب الآن مزيداً من التظاهر والاعتصامات الدائمة الأسبوعية والبلطجية الذين افرز تهم الأنظمة ، خاصة النظام البائد في مصر ، ومن هنا أولوية المبادرة الفورية لتأسيس وبلورة الائتلاف الديمقراطي في إطار جبهوي يضم جميع القوى الديمقراطية إدراكا من الجميع ان مستقبل شعوبنا يكمن في تكريس النظام الحر الديمقراطي سياسيا واجتماعيا ، فلا مستقبل لكل من يتعارض او يتناقض مع هذه الرؤية))
وباتالي يمكننا ان نقول ان ما يحدث في الوطن العربي عموما وفي العراق خصوصا ألان هي((فورات )) وليست ((ثورات)) كما يطلق عليها الآن ، تجذرها لتصبح ثورة او تدهورها لتصبح ردة للخلف مرهون بطبيعة فعالية الطبقات والشرائح الاجتماعية الداخلة في حلبة الصراع القائم، مما يصعب الآن التكهن بنتائجه وتحولاته … لكن المؤكد ان إشكال الحكم السابقة لا يفتح لها الباب ثانية ، وان عادت او تعود بوجوه او أساليب شتى فهي لا يمكن ان تنعم بالاستقرار والثبات على كرسي الحكم، ولاشك ان لكل قطر عربي خصوصيته في طريقة وشكل تطور الأحداث الدائرة فيه. ويجب العمل على حشد كل القوى المؤمنة بالديمقراطية وتسعى لبناء الدولة المدنية الحاثية لمواجهة المخاطر القائمة والمقبلة التي تحاول سرقة ثورات او انتفاضات الجماهير كما ذكر ذلك الأستاذ غازي لصوراني في إجابته على سؤال ما العمل((ان النضال من اجل إسقاط رؤوس وأنظمة الاستبداد وبناء النظام الديمقراطي الخالي من كل أشكال الاستغلال هو في نفس اللحظة نضال من اجل إلغاء علاقات ومظاهر التبعية للنظام الامبريالي وحليفه الصهيوني، وإذا كان الأمر كذلك، فان من واجبنا أن نطرح مجدداً السؤال التقليدي : ما العمل؟ … ما هي العملية النقيض لذلك كله؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي مسارعة كافة القوى الديمقراطية من يسارية ووطنية وليبرالية وعلمانية ، المعنية بتحقيق الأهداف الكبرى للانتفاضة ، الى المبادرة لتأسيس ” جبهة ديمقراطية ” تضم كافة الأحزاب والتيارات والائتلافات الشبابية والمهنية تحت شعار إسقاط رؤوس و أنظمة الاستبداد والقمع والاستغلال ، وتأسيس النظام الديمقراطي الجديد من خلال ” هيئة تأسيسية” تجسد الشرعية الثورية، وتبدأ بمحاكمة رموز النظام ، ومحاكمة كل من أسهم وشارك في قتل الثوار ، شامل وموضوعي لكل مؤسسات وأجهزة حكومة النظام المخلوع وكافة الأجهزة والمؤسسات المنبثقة عنه في المجتمع))14 الحوار المتمدن 3421 في 9-7-2011
ننتظر ما ستجلبه الايام القادمة من تطورات للاحداث ، فهل ستتم عملية ترقيع مهلهل للطبقة السياسية ((الاقطوازية)) الحاكمة وفق المحاصصة العرقية والطائفية والتستر على مفاسدها وجهلها وفشلها ، او ان تنحوالانتفاضة الشعبية نحوا وطنيا ديمقراطيا نحو قيام دولة المواطنة الحقة عابرة للطوائف والاثنيات …….


48
أدب / الفضيلة العاهرة
« في: 16:12 05/05/2016  »


الفضيلة العاهرة

 
حميد الحريزي
 
مصيبتنا: تكاثر أدعياء
الفضيلة
سباق التكاثر  بينها وبين   
أكوام
القمامة
الميادين تزأر
المنائر لا تستريح   تتلو  وصايا
الرب
ترتعش أصوات  اللوطيين
وهي تلقي علينا  مواعظ  في
العفة
اندهش الغراب من سواد
قلوبهم
((يعتمون))   الرذيلة  وينادون
 بمكارم
الأخلاق
 


49
أضـواء على ((براعم ربيــع بغداد)) – ج١

حميد الحريزي

دراسة تحليلية حول :-الاسباب ، الواقع الحالي وآفاق التطور

وماذا بعد اجتياح قبة البرلمان ؟؟؟؟بعد سبات طويل ، وصمت كصمت القبور ، انطلقت جموع المهمشين والساخطين على الأنظمة المستبدة وكانت هذه الشرارة تحمل رائحة اللحم المشوي المنبعثة من جسد البرولتاري الرث (الخريج الجامعي) البائع المتجول محمد بو عزيزي في تونس……. ثم توالت الأحداث في مصر والبحرين واليمن وسوريا والآن في العراق حيث نظام الفساد والمحاصصة العرقية والطائفية…..
ولا ندري أين سيسير تسونامي التغيير في العالم العربي لأنه ،بكل دوله وإمارة تقع ضمن خط الاستبداد والفساد ،يلاحظ المتابع هذه الفعاليات الجماهيرية ، إنها لم تنتظم تحت لافتة محددة تشير الى هويتها السياسية وانتماءها الايدولوجي كما هو حاصل في الانتفاضات والاحتجاجات السابقة، تنتظم تحت لافتة يسارية او دينية او قومية او مهنية ، وإنما هي انتظمت تحت لافتة اللا انتماء، انتظمت تحت لافتة الرفض لافتة الذي لا يريد:- الفساد ، لا يريد القهر السياسي ، لا يريد الإقصاء والتهميش.. ، يريد رحيل السلطة السياسية الحاكمة ولا كنه لم يحدد ولا يدري ماذا يريد ولا ما هو البديل للمُرَحَل.. هذا الوصف لمثل هذه الانتفاضات او ((الثورات)) اكسبها إمكانية التواصل والتراص وعدم الاختلاف واكسبها القدرة على كسب المزيد ممن لا يريدون الأنظمة القائمة لمختلف الأسباب… ولكنهم لم يجهدوا الفكر حول توضيح رؤيا هم للسلطة القادمة البديلة ولا ما هو نهجها وبرنامجها وطريقة حكمها. فقد شغلهم انغماسهم في التواصل ألشوارعي اليومي والعمل على إدامته وتواصله ، وهي لم تشأ ان ترتدي عباءة أيا من الأحزاب والحركات السياسية التقليدية صاحبة التاريخ الكفاحي التقليدي الطويل ضد السلطات الاستبدادية ،الأ قصائية وضياع عناوين هذه الأحزاب والحركات ضمن البحر الجماهيري الهائج المضطرب متعدد الألوان وحجم ومستوى ارتفاع أمواجه… إنها انهمكت بالعمل ولم تهتم بالتنظير للمستقبل… الجمهور يعرف طريقه استجابة لمطلب الرحيل ضمن الهتافات الجماهيرية الهادرة ارحل .. ارحل … رحل الخط الأول والرأس في هذه الأنظمة بعد ان فقدت أجهزته القمعية ضبط الشارع او السيطرة عليه، وبسبب تخلي حلفائها الدوليين مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا عنها، هذه الدول التي أدركت واقع الموت السريري لهذه الأنظمة المتحجرة لعشرات السنين، الجالسة على كراسيها المنخورة ، فعملت على حزم حقائبها وكنوزها من المال والذهب والجواهر ورحلت لتكون ضيفا ثقيلا على الأنظمة العربية المشابهة لها، و التي لم تزل ممسكة بكراسي الحكم.

على حين غرة وكأنه أمر غير محسوب وغير متوقع وجدت هذه الجماهير نفسها تعيش فراغا هائلا في السلطة بعد ان أصبح كرسي الحكم شاغرا. كأنها لم تدرك بعد إنها صاحبة السلطة الشرعية وان الملوك والرؤساء والسلاطين هم مستوظفين لديها، كأنها وريث غير شرعي مشكوك في شجرة نسبه ولم يمتلك مفاتيح قصور مورثيه .. هذا الحال الناتج عن طول فترة الحكم الاستبدادي وقهر الجماهير وإبعادها عن تقرير مصير بلدانها والتحكم بثرواتها…..

بواسطة هذه الأبواب المخلوعة الا قفال والمشرعة على دهاليز القصور ، الغائبة عن أنظار قوى التغيير والثروة او تهيبها من دخولها… استطاع الخط الثاني للسلطات المرحلة ان تتحكم في أركان هذه ((القصور)) الحاكمة وتتحكم في أضواءه ومداخله ومخارجه وغرفه السرية محاولة ان تحتفظ ب((الكي ماستر)) في يدها حفاظا على مصالحها وامتيازاتها وبالتالي الالتفاف على مطالب الجماهير المنتفضة وتجيير تضحياتها ودماءها لصالحها وصالح أسيادها الراحلين شكلا وليس مضمونا.

استطاعت هذه القوى ان تلتقط أنفاسها وتحتمي تحت شعارات براقة للتغيير وتبني بعض شعارات القوى المنتفضة لتنضم صفوفها وهي مالكة المال والخبرة والقدرة على المناورة والمحاورة المنافقة المراوغة… وقد استطاعت ان توظف واقع التشكيك ورفض مشورة وعدم الاستفادة من خبرة القوى والحركات السياسية صاحبة التاريخ الطويل في التفاعل الكفاحي مع السلطات الحاكمة… استطاعت هذه القوى ان تخترق صفوف القوى الساخطة لتجرها الى فعاليات وأعمال غير منضبطة او الى تبني شعارات متطرفة وأفعال تخريبية غير مبررة.. مما مهد الى ظهور خلافات شديدة بين قوى الثورة سعيا لتشتيت قواها وإلهائها في معارك جانبية… وبالتالي شراء ذمم بعضها او استمالة الاخرى والعمل على إقصاء قوى اخرى لم تستجب لمغرياتها، كما أنها تراهن على زرع روح اليأس والضجر الذي يصيب أعدادا من المنتفضين وبالتالي انسحابها من ميدان المنازلة مع النظام وبقاياه.. وهنا لسنا بحاجة الى سرد تفاصيل أحداث من هذا القبيل وبمختلف الأوصاف حدثت في تونس ومصر وليبيا وسوريا والعراق وبلدان اخرى، كالاقتتال الدموي بين الأقباط والمسلمين في مصر، وبين قوى الشرطة والجماهير في مصر وتونس.. بين المفاوضين والثائرين في ساحة التحرير العراقية حيث أظهرت هذه الأحداث انحياز قوى القمع الى سادتها السابقين كوزير الداخلية المدعو بالعدلي في مصر وبعض رموز السلطة في تونس، وقد أفادت وكالات الأنباء ان السلطات أجازت لأنصار النظام السابق بتأسيس حزب باسم ((حزب الحرية)) ولا نعلم أية حرية سيعمل من اجلها هذا الحزب الذي احتضن الاستبداد ودافع عنه لعشرات السنين.

ما هي الأسباب الكامنة وراء استبداد الأنظمة الحاكمة ؟؟؟
الصدى - مصر
بعد أفول عهد الاستعمار المباشر وخصوصا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم لمعسكرين معسكرا شرقيا ((اشتراكي)) ومعسكرا غربيا رأسماليا ، اعتلت كراسي السلطة في البلدان حديثة الاستقلال و ((التحرر)) قوى هجينة من الاقطاع والبرجوازية الطفيلية المرضي عليها من قبل القوى الكبرى ففي الوقت الذي سعى فيه العالم الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلباس هذه الحكومات لبوس الوطنية والشرعية الانتخابية، فقد أشاعت ثقافة الاستهلاك ولاستملاك غير المشروع وكبح جماح البرجوازية الوطنية المنتجة سعيا لبقائها تحت هيمنة وسيطرت رأس المال العالمي والخضوع لإرادته… هذا الحال تطلب بقاء المجتمع راكدا آسنا محافظا على قيم التخلف في ظل سلطان الملوك والسلاطين والرؤساء والقوى الطائفية والعرقية الما قبل حداثية.. ساعد على ذلك هشاشة البنية التحتية الإنتاجية في هذه البلدان وهذا أدى بدوره الى تأليه القائد وتقديسه، وهشاشة الحامل الفكري لثقافة الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية الساعي لبناء دولة الحداثة المدنية الدستورية التي ستستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع الشفافة النزيهة، بمعنى تأبيد حالة المجتمع الما قبل صناعي يخدم الطبقة السياسية الحاكمة وراعيتها وولية نعمتها الرأسمالية العالمية … يمكن ان تثرينا تجربة العراق منذ ولادة الدولة العراقية بعد الاحتلال الانكليزي حيث تميزت الطبقة المختارة من قبل التاج البريطاني ب:-
1- إثبات عجز أهل العراق عن اختيار حاكم دولتهم المزعومة فتم استيراد الملك فيصل من الحجاز ليكون ملكا للعراق، رغم بروز زعامات عراقية ارتأت إنها الأحق والأقدر في حكم البلاد، وقد نجم هذا بسبب الصراع العنيف داخل ((القطوازية)) العراقية -أي الخليط الغير متجانس من بقايا الاقطاع والبرجوازية الطفيلية الغير منتجة – لنيل منصب الملك وليكون على رأس السلطة وهذا بالطبع ناجم عن وجود أزمة مزمنة

في الهيمنة الطبقية داخل الحراك الاجتماعي في العراق، الناتج عن القطع القهري لتطور الطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة في العراق باعتباره بلدا ذو اقتصاد ريعي معتمد على إيرادات الثروة البترولية وقبل ذلك اعتماد الإمبراطورية التركية والعربية الإسلامية على إيرادات الخراج وليس على ما يدفعه دافع الضرائب لأصحاب رؤوس الأموال أي القوى المنتجة للثروة – حيث اعتبرت الثروة الطبيعية في مثل هذه الدول ليس ملكا للأمة او الشعب بل ملكية للخليفة او السلطان او الملك او الأمير يتصرف بها حيث يشاء يمنحها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء- مما همشها وأضعفها، فظلت ساحة الصراع الاجتماعي والسياسي تحت هيمنة ((القطوازية)). وقد كرس الاستعمار بالتخادم مع عملائه الطائفية والعرقية في العراق بين سنة وشيعة ومسيحيين وعرب وأكراد واشو رين وتركمان الخ وأبقى فتيل الفتنة مشتعلا او معدا للاشتعال في كل حين لتفتيت وحدة العراقيين وتهديد وحدة البلاد بالتقسيم وكما ذكر الدكتورة فيبي مار((إذا كان في مقدور المرء ان يتحدث عن دولة عراقية ، فليس بمقدوره لحد الآن الحديث عن امة عراقية، فحدود العراق الحالية تضم مزيجا متنوعا من الشعوب التي لم تنصهر بعد بمجتمع سياسي موحد له حس مشترك بالهوية ، وقد تواصلت عملية التكامل والاندماج بصورة مطردة منذ بدء الانتداب، لكنها لم تستكمل على الإطلاق)) تاريخ العراق المعاصر العهد الملكي ترجمة مصطفى نعمان احمدط1 2006 بغداد المكتبة العصرية

2- نتيجة لما سبق وتفاقم أزمة الهيمنة الطبقية كانت ((ثورة)) الرابع عشر من تموز 1958 بقيادة حفنة من الضباط ((الأحرار)) الذي ينتمي اغلبهم الى الاقطاع العشائري او الى الطبقة الوسطى الجديدة المصنعة – أي إنها لم تكن وليدة تطور العمل المنتج وحاجاته كما حدث في بريطانيا مثلا ، وإنما صنعت هذه الطبقة من قبل السلطات الحاكمة لتيسير أمور الدولة وأجهزتها المختلفة وليس العكس مما جعلها تابعة للسلطة والحكومة فيما يفترض ان تكون الحكومة مستوظفة من قبل الطبقات المنتجة دافعة الضرائب وصاحبة الثروة- صعد العسكر للسلطة مصطحبين معهم أمراض طبقتهم ونزعة أطرافها للهيمنة والتسلط والانفراد بالحكم، مما أشعل بينهم فتيل الصراع الدموي العنيف المدعوم من قبل قوى داخلية وخارجية إقليمية وعربية وعالمية ، خصوصا بعد قرار التأميم الجزئي للثروة النفطية، والهلع الذي أصاب العالم الغربي ومؤازريه من قوة وكثرة وعلو الرايات الحمراء في بلد النفط والعلم والموقع الهام.

3- على الرغم من الالتفاف الجماهيري الواسع بقيادة اليسار العراقي ((للثورة)) وزعيمها، الا ان الزعيم صاحب النوايا الحسنة وصاحب مبدأ عفا الله عما سلف ، وخوفه من هدير صوت الجماهير في مظاهراتها المليونية التي طالبت بان يكون له شريك في الحكم أفزعه، فانقلب على ممن نظم هذه الجماهير ومن قادها ، فكان ما كان في إبعاد الشيوعيين واعتقال ومطاردة بعضهم مستغلا تطرف وأخطاء وتهور بعض عناصرهم او من المندسين بين صفوفهم، ومن الطرف الآخر أصيب الزعيم بغرور الجمع الهادر باسمه واوحديته فلم يحترز ولم يحاسب القوى التي تعمل على وأد الثورة ومعها رأس الزعيم ومناصريه مدعومة من قبل قوى الرأسمال الاحتكاري العالمي، بالتحالف مع الاقطاع والبرجوازية الطفيلية في الداخل وهذا ما حصل خلال الانقلاب الفاشي في 8شباط 1963، ولازالت هذه اللعنة المستدامة للقطوازية تشعل حروب الانقلابات والحروب الداخلية والخارجية حتى بعد ان جاءت محملة ثانية على دباباته في 9-4-2003 ليشرف بنفسه على إدارة وإدامة أزماته ليطيل عمر احتلاله واستغلاله ، ويستمر تدفق دم أبناء العرق وتستمر معاناتهم ، ويستمر نهب ثرواتهم وتنتهك سيادة بلدهم ، وكأننا نعود الى ما قبل تموز 1958 ، ولكن بما هو اشد قسوة وضراوة، ربما سيؤدي الى تقسيم البلاد وتأبيد استغلال ثرواته الطبيعية ، لاشك عند ((بإيدن)) الخبر اليقين.

يقول سمير امين بهذا الصدد مايلي:-
(( ان النظم البورجوازية الوطنية الجذرية ((الشعوبية)) هي المسئولة عن الكارثة التي تلت انهيارها، فهي التي ضربت اليسار وكسرت القواعد الشعبية التي كان هذا اليسار قد سبق ان بناها في ظروف صعبة، فهي التي ألغت الديمقراطية مهما كانت محدودة…. فألغت الناصرية في مصر الفكر اللبرالي البورجوازي، كما ألغت التعبير الحر لنقده من اليسار، وبذلك هيأت العودة الى الفكر السلفي المسئول عن تخلفنا التاريخي)) 2ص 269 في مواجهة أزمة عصرنا ط1 1997

إذا كان الامر كذلك فما هو المحرك للكتل الثائرة في بلداننا وما هو أفق انتصارها:-
ما اوضحناه سابقا يقود الى الاستنتاج تأبيد حالة من الركود والسكون وتعفن المجتمع بينما تتكاثر بالانشطار وبالحث والإيحاء عن بعد المزيد من الطفيليات و الاشنات في هذه البرك الاجتماعية الأسنة….

لكون الرأسمالية العالمية تحمل بين ثناياها تنا قضاتها وعوامل هدمها وتقويضها لبنيتها. فهي بالأساس ازدهرت وتطورت وفق فكرة الحرية والديمقراطية وحرية التفكير والتدبير وقد دخلت هذه البلدان وفق هذه الشعارات والادعاءات، مما جعل محاكاتها في طبيعة نظامها وطبيعة حياة الإنسان في ظلها طموحا وأملا تسعى إليه شعوب بلداننا الرازحة تحت نير الظلم وحضر الفكر وخنق الحرية ، مما عزز هذا الأثر عند شعوبنا نزعة الثورة والتمرد والسعي لبلوغ حلم موعود وتمثل نموذج مشهود…..

الامر الثاني ان طبيعة الرأسمال وسعيه للتطور العلمي المطرد والمتسارع تحت ضغط التنافس على الأسواق واختزال المكان والزمان من
اجل زيادة الربح واختزال الكلفة، كذلك العمل على تصنيع المنتج المبهر وتصنيع المستهلك المنبهر…

مما فجر ثورة هائلة في عالم التكنولوجيا في شتى مجالات الحياة وبالخصوص عالم الاتصالات والمواصلات وفي ذروته القنوات الفضائية عابرة القارات، والشبكة العنكبوتية وتجددها الدائم في جعل العالم مفتوحا.. هدم الحدود وحطم القيود كما هو واقع حال الدولار الأمريكي رمز رأس المال وهو يتنقل بخفة ورشاقة وسرعة فائقة بين بلدان العالم كأنها غرف دار أبيه.

أي ان الإنسان العربي أصبح يعيش افتراضيا وسط عالم الحرية والانفتاح ولكنه مكبل بقيود حكامه مما ولد لديه ردة فعل كبيرة دفعته للتمرد وكسر قيوده والتخلص من ارتهاناتها.. خصوصا وانه يتظاهر ويتمرد أمام أنظار العالم الذي يراقبه ويصفق له ويتحسس فعله وانفعالاته، ولى العهد الذي كان الإنسان يقتل او يقبر في غياهب السجون دون ان يعرف مصيره احد، اختزال أساليب ووسائل التواصل في الإرادة والفكر الى جهاز صغير ساحر –كومبيوتر و موبايل- فكان وسيلة هامة جدا في إنضاج نوايا التمرد وتحويلها الى فعل مؤثر في الشارع ، لا تعادله آلاف المنشورات السرية التي كان آبائنا يضحون بحياتهم ووقتهم من اجل إيصالها للناس في ظروف غاية في الصعوبة لأشعارهم او إنذارهم بفعل ، مما سهل عملية اللقاء والحوار واتخاذ القرار بعيدا عن عيون رجل الأمن او الحزب المباشرة على اقل تقدير. لقد اختطفت التكنولوجيا الحديثة بوسائل اتصالاتها المتطورة جدا الجمهور من الأحزاب السياسية التقليدية ومن مراقبة أجهزة قمع السلطة وفرض سيطرتهما عليه

(( أي ان تفرض سيطرتها على المادة التي كانت وما تزال تشكل عصب حياة الحزب ، ومصدر وجوده التاريخي الايدولوجي والسياسي والاجتماعي))3 فاضل الربيعي – الجماهيريات العنفية ونهاية الدولة الكاريزمية في العراق ص72 ط1 2005 مطبعة الأهالي سورية
هذا الإحساس لم يكن منبعثا من ذات أخذت تعي ذاتها ضمن حراك اجتماعي يدور بين مختلف طبقاته الاجتماعية ، الطبقة التي تنشد الحرية والانطلاق صوب حيز أوسع للحرية لأفكارها ومشاريعها العلمية والعملية لتطوير عملية الإبداع والاختراع والاكتشاف والتسويق والبناء لسد حاجات السوق، وتوفير ظروف عيش أفضل للإنسان، وأحكام سيطرته وهيمنته على قوى الطبيعة،.

هذا النهج تبنته الطبقة البرجوازية المنتجة في البلدان الرأسمالية المتطورة مثل هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا…الخ مما جعلها تتمرد وتثور على إزاحة أي معرقل او معوق يعترض طريق تقدمها ، وقد كان هذا المعوق ممثلا بالطبقة الإقطاعية وطبقة النبلاء والملكية المطلقة والكنيسة، هادفة من وراء ذلك بناء دولتها الديمقراطية دولة المؤسسات والدستور أي دولة الحداثة والمدنية التي كان وسيظل شرطها الأساس الحرية الفردية وحق المواطنة المتساوية، فعملت على هدم المؤسسات المتخادمة مع الاقطاع وأنساقه الحياتية ومنها الكنيسة الكاثوليكية ، التخلص من فتاوى رجال الدين على سلطة الدولة، كان هذا الباعث والمولد للبروتستانتية وليدة رحم البرجوازية الصاعدة المتنورة وجعل الفتوى بيد القوى المنتجة ومتطلبات العمل والإنتاج والربح المستمر والمتزايد دوما. كما ذكر الأستاذ طالب الخفاجي:-

((أن التجديد الفقهي أو اللاهوتي ممكن وليس مستحيلاُ كما يزعم أولئك الجامدون والمحنطون الذين يعتقدون بأنهم ختموا العلم منذ مئات السنين، وأنه لا جديد تحت الشمس فيما يخص الشؤون العقائدية والدينية وأنه لا مجال للمس بثوابت الأمة وهذا يعني أن ما كفره القدماء قبل ألف قرن، ونلعنه مليون سنة أخرى حتى يرث الله الأرض ومن عليها)) 4جريدةالصباح في 11-5-2011
ان هذا الحراك الموصوف أعلاه هو تربة غاية في الخصوبة لاندثار ومحو القيم والأعراف والقوانين المعيقة للتطور ، في حين هو مجدد ومصنع هائل للحامل الفكري للحداثة وما بعد الحداثة في المجتمعات الصناعية المتطورة، إذن فمتطلبات الحياة الفعلية العملية هي مولدة وموجبة وباعثة الفكر المجدد وليس ا لعكس ، في البدء كان العمل فكانت الفكرة والكلمة وهذه الأولوية للبدء استطاع التطور العلمي والتكنولوجي الهائل ان يقصر الهوة بينهما أي بين الكلمة والعمل، فتحول الفكر الى منتج هام جدا في تطوير وتثوير العمل، إذ أصبحت براءات الاختراع أي حزمة الأفكار الجديدة المجددة لطرق ووسائل وأدوات العمل من أهم منتجات عصر التكنولوجيا الحديثة…………..

((ونسأل ـ كما سأل قبلنا – هاشم صالح ، لماذا خرج المسيحيون من أسر لاهوت القرون الوسطى والفتاوى الكنسية التي كانت تدين الإسلام واليهودية وكل الأديان الأخرى ، بل كانت تدين حتى المذاهب المسيحية غير الكاثوليكية)) 5مقالة الدكتور طالب مهدي الخفاجي في جريدة الصباح بتاريخ 11-5-2011

ضمن هذه المنظومة والمسيرة التطورية للعالم الأول نستطيع ان نضع أيدينا على الأسباب الكامنة وراء حالة الفوضى وعدم الوضوح والتمرد الغير واعي والغير مدرك لما يدور في مجتمعاتنا، فبالنسبة للطبقة السياسية المهيمنة على السلطة السياسية ((القطوازية))… اجبرها التطور العالمي للعلم والتكنولوجيا وبحكم ارتباطها بالعالم الرأسمالي الأول لم تستطع ان تحجب المفاهيم والأفكار وأساليب الحياة الحداثية في حياة الناس اليومية.. وهذا يتطلب بالضرورة نبذ الأحكام الما قبل حداثية ،أي يتوجب موتها وترك كرسي الحكم لبديلها الحداثي لإدارة شؤون البلاد عِبرَ ألممارسات الديمقراطية آلياتٍ وثقافة وإزاحة كلما هو متخلف ومعيق لهذا التحول الهام.

 


50



((علبة)) بطول ،وعمق تاريــــخ ((السماوة))
   
                     
                   
دراسة  نقدية لرواية (( بلدة في علبة )) للروائي  الاستاذ   حامد فاضل
بقلم :- الاديب حميد الحريزي
مدينة  سكنها  الرواة،فكشفوا  أسرارها
((بلدة  سحرية، أفردت جديلتيها على ضفتي نهر ألفرات لاحقته  حيثما يزوغ او يتجه ((احديثه)) جميلة  استحال عليها فراق حبيبها الاول والأخير ، احتملت هجير ، وقر الصحراء المترامية الاطراف متمسكة بحبيبها الفرات الذي لم يبخل عليها بكل شيء حيا ، حيث بساتين النخيل ، وحقول الحنطة والشعير ، وما لذ وطاب من ثمار الجنة ، واجتذب اليها تاس اهل طيبة ونخوة وعلم وشجاعة وكرم ، وجاد عليها  بالبني والشبوط والقطان ، وأبو خريزة ، وعلق في جيدها  تاريخ اقوام   نالوا شهادات فخر  عبر العصور ، انها ((السماوة)) عشيقة الفرات التي  لا ترتوي من قبلات الحبيب اثناء فيضانه  او صيهوده .....
مدينة السماوة هذه  الصغيرة السمراء الغنجة المدللة الراقدة في احضان الفرات  العذب ، اثارت غبطة  شقيقاتها من مدن العراق الكبرى  حيث احتضنت من الكتاب والادباء  والروائيين اللذين امتلكا ناحية السرد المكين وانبروا بكفاءة مميزة لتوثيق تاريخ مدينتهم الحبيبة السماوة  عبر ((ادبنة التاريخ)) وخصوصا الاديب الروائي القدير ((زيد الشهيد)) والقاص والروائي عاشق المكان  ((حامد فاضل)).....
ارخ الشهيد للسماوة عبر عدة روايات ((فراسخ الاعوام))، (( تراجيديا مدينة)) و ((فراسخ لاهات تنتظر)).... ولازال نهر  ابداعه دافقا  بالجمال  والعطاء  في مختلف فنون الادب والثقافة .....
وها هو حامد فاضل  يعلق  على جيد السماوة عقدا جديدا  ليزيدها اشراقا وسحرا وجاذبية  ويظهر بصوره ما حاول غبار السنين اخفائه او تشويهه عبر  روايته
         ((بلدة في علبـــــــــــــــــــــة))






صدار دار سطور  للنشر والتوزيع  2015 بواقع 270 صفحة ،  فكانوا ورثة  اوفياء واحفادا  نجباء  لعبد الحميد السماوي  ول((لأماميين)) رعاة العلم والثقافة والادب ......
السماوة  التي جاورت  الغلظة والبداوة ، فتحت صدرها رحبة  للحداثة  ونسائم الحرية والتنوير ، فأعطت الكثير    من دماء وعرق  وصحة  شبابها ،شاباتها  وشيبها   وهي تقاوم 0قوى القهر   والظلام  ، منتصرة لقيم العدالة والسلام ....فكانت شوكة في عين الاتراك ... و((فالة)) في صدر الانكليز ، وصرخة واطلاقة في  وجه الديكتاتورية ، ومصباح تنوير  بوجه  ديمقراطية الدم الامريكية  وقوى التخلف   والفساد   في عصرنا الحاضر .....

علبة سحرية ، وذاكرة متجددة :-
يصحبنا((حامد فاضل)) او بالأحرى نحن نتبعه  متلهفين الى مجلس شيخه ال((نوري)) النير المستنير ، ذاكرة المدينة ومصباحها الكاشف عن زوايا تاريخها بأسلوب شيق وفطنة ، وموضوعية، وذكاء متميز  وقد كان معطاءا كنبع  دافق لا يبخل على دلو محدثه السارد  صاحب ((العلبة)) الطامح في الغوص عميقا في تلافيف رمز  الحكمة وضمير التاريخ الحي الناطق  بالحق ، ليعود مليئا بجواهر  الحكم  وسجلات وصور  وتاريخ المدينة .....
كما ان حامد فاضل استطاع ان يعرض امام عيوننا عشرات الصور لماضي وحاضر السماوة، كان بارعا في جعل هذه الصور ناطقة  تحكي يوم ولادتها  وتاريخ تحولاتها ، مع انه  لا يتبعها الى رحم الصيرورة والتكوين ، وهذا  السرد الوصفي  القار على سطح  الظاهرة او الحدث هو الغالب على اكثر كتابات  روائينا للأسف الشديد  مما يجعله  اقرب الى المؤرخ منه  الى الروائي ،  حاول  الكاتب ان  يدعم احداث التاريخ  بصور علبته المفترضة  مما يعطي لمحدثه المزيد من الحيوية وتنشيط الذاكرة  المتعبة  لنفض غبار السنين من على  ظاهرة  او شخصية  تبدو غير واضحة المعالم ......((فادبنة التاريخ)) هي عملية حراثة وتنقيب وتدقيق +في كهوف   ووديان ومرتفعات  وصحارى التاريخ للظاهرة والحدث والتحول  للفرد والجماعة  في  مجال السلوك  والاقتصاد  والنفس، في حالة التقدم وحيثياتها وحالة التراجع  واسبابها ، وضع اليد على العوامل الرئيسية والثانوية ، بأسلوب السرد الادبي  ، عبر شخصيات حقيقية او متخيلة  لها وجود واقعي ... وبذلك يتميز الروائي المؤرخ عن  الكاتب المؤرخ  ،فرحم الرواية  ولاد للشخصيات  والاحداث  الدالة  الى واقع الصراع ودوافعه ان احسن  الكاتب الروائي  اخصابه ، عندها سيبتسم له التاريخ لانه انقذ ((يوسفه)) من جب  بئر التناسي والنسيان .......
فكانت ل((حامد فاضل )) وقفة  جميلة عند مهد وموضع وتاريخ ولادة المدينة ومدى قربها من اخواتها  مدن ما قبل التاريخ  كالوركاء ولا رسا .. الخ .
موثقا  اول معلم  مدني للسماوة ،  اول جسر ، واول مدرسة ، واول محطة قطار، واول  محطة توليد كهرباء ، واول دار سينما ، واول نادي واول مجزرة ....وووو.
كما انه يطوف  بنا في  شوارع  ومحلات  واسواق  السماوة ،  ومقاهيها  وطبيعة  هذه  المقاهي ومحلات  التجمع   وطبيعة جلاسها ومرتاديها  فمقهى  عبود هي مقهى الفقراء والكادحين  الحالمين  بغد  افضل  وعالم   اجمل ، ومقهى حمزة  الخاصة بالعصملية والرسمين وبقايا اليهود ....وهنا  اشارة بينة  لطبيعة التركيب الطبقي لسكان المدينة ،  مالكي  الثروة  والجاه  في جانب ، مالكي  قواهم  العضلية والفكرية  في الجانب الآخر .....
((حامد فاضل)) يسلط اضواء ذاكرة  المدينة على مختلف شرائحها الاجتماعية  ابتداء  ب((طماطه)) الامرأة الامية الحالمة ، الحكائة  الغرائبية ، وصولا  الى الاديب والفيلسوف والوجيه الكبير  عبد الحميد السماوي ، الذي عارض  قصيدة  ايليا ابو ماضي   لست ادري ، بقصيدة  رائعة ومدهشة حقا  من حيث  الكمال والجمال  والعمق  الفلسفي والمعرفي ، مرورا ببائع الصحف ، وكريطع الراعي الاعمش، أبي الورد ، بائع شعر البنات ، الحاج شرام  الذي اسقط الطائرة الانكليزية ، مطر الحارس، خلف شرام ، بائع الخمر، السكير ابو العرائض، المنادي في محكمة السماوة، والميرزا حسن، رحيم لوفي، وكريم الدوش لعيبة المحيبس، وزوجة الشرطي باذخة الجمال  التي نذرت ان تسير في المدينة عارية  اذا اطلق سراح  زوجها الاسير لدى الثوار الكرد .......الخ.
كما انه يعرض لنا صور وتواريخ:-
اول محطة قطار في السماوة  عام 1917، ومرور اول قطار عام 1920،  1936 نقل ملكية السكة الحديد للحكومة العراقية .
اول مدير بلدية للسماوة ((حسن الامامي)).
اول من ادخل الكهرباء للسماوة السيد عبد الستار  الامامي عام 1934.
واول من اسس معمل للثلج في السماوة .
اول سينما في السماوة عام 1948.
اول مدير ناحية للسماوة عام 1908.
زيارة الملك فيصل للسماوة عام 1953.
زيارة الرحالة الالماني كارستن نيوبر  عام 1765.
 كما انه طاف  بنا في شوارع ، ودوائر ، وحارات  السماوة ....شارع الستين  ، حي الفنادق  والمطاعم، الشوصه، شارع  باتا ، الغربية ، الشرقية ، السوق المسقف ... الخ
كما انه  لم يغفل ان  يصور لنا مواسم الفرح خلال  الاعياد  عيد الفطر  وعيد الاضحى ، لعب  العيد  المراجيح   وسواها ، مراسيم العيد في الدواوين  وفي البيوت  والمقاهي  .....
وكذلك  ايام الحزن  وخصوصا  في  عاشوراء حيث المواكب  للزنجيل واللطم ،  والرواديد  المعروفين انذاك .....
صاحب الكاتب  بصوته وصورته  وذكريات شهوده  وذكريات شيخه  احداث  ثورة العشرين  وابطالها  كشعلان ابو الجون ، صالح سعيد قتاله،وثورة الشيخ خوام  عام 1935،، فدعة الشاعرة ، علي ال صويح ،حمد ال حمود، رحومي الظالمي، الشيخ  غثيث الحرجان، حبشان كاطع،جابر الشرمه،ن السيد هادي المكوطر.... وعدد كبير من الفلاحين  والكادحين  الجنود المجهولين  في مثل هذه  الانتفاضات والثورات  الشعبية ، حيث  تسجل بأسماء المشايخ والقادة والوجهاء ويطمر  دور هؤلاء الابطال  صناع التاريخ    الحقيقين ......
نرى ان الروائي مطالب ان يظهر  المعادل الموضوعي للحدث    ومثال ذلك  ثورة 1920 المقترنة  بثوار الرميثة  ومشايخها  وعموم السماوة  وسكانها ، ولكن على الكاتب ان  لا يسلط الضوء فقط على عود الثقاب الذي اشعل نيران الثورة وانما عليه ان  يضع يده على  مصادر  حطب الثورة  وماهي عوامل  رفع درجة الحرارة الى درجة الاتقاد والاشتعال ، وماهي اسباب  الوقوف الى جانب المستعمر التركي لمقاومة الاستعمار  الانكليزي  وهل   العامل الدينني  هو  السبب الاهم  للثورة ؟؟؟
هل كان الفلاح  العراقي – السماوي واعيا  الى  معنى واهداف  الثورة والتمرد  ام انه  منقاد لشيخ العشيرة  يتبعها  في قيامه وقعوده في غضبه  ورضاه ؟؟
هذه  امور  هامة  قد لا يمتلكها   سوى الروائي  صاحب المنهج الواقعي العلمي في تفسير  الاحداث والظواهر التاريخية وبواعث السلوك الانساني .....
ان واقع وطبيعة الاصطفاف  الطبقي او بالأحرى  طبيعة التركيبة الطبقية غائمة  في عموم  المتن الروائي ، واكثر  تشوشا في انعكاس هذه المواقف الطبقية في سلوك  ومواقف الافراد  والجماعات ، مما يجعل السلوكيات  تبدو  وكأنها غير مفهومة وتفتقد لمبرراتها  او هي  نتيجة مزاج  شخصي غير مسبب ....وغير مظهرة بشكل جلي عبر علاقات  الناس  فيما بينهم ، كعلاقة رب العمل بعماله ، او الاقطاعي بفلاحيه ... الخ  ، نرى ان مرد هذا الى  تشوه البناء الطبقي  في الدول الريعية ومنها العراق ، والعوق القهري للبرجوازية الوطنية  العراقية ، بسبب  قوى الاحتلال والاستغلال الغربي، وهذا مما  ادى الى عدم نشوء طبقة عاملة  منتجة قوية ومتماسكة ، وكذلك ضعف وتبعية الطبقة الوسطى للسلطة  لأنها   مصنعتها  ومنتجتها  لخدمة اغراضها ، وليست وليدة حراك  اجتماعي  منتج  كما في  بلدان العالم الاول ...مما يتطلب من الروائي  ان  يدرك  قصور الموضوع  لينشط  القدرة على وعي اللاوعي ، ليكون قادرا على امساك مصباح التنوير  وتأشير مواطن الخلل البنيوي  في التركيبة الاجتماعية ....
لا ينسى حامد فاضل  كما  لازالت في ذاكرة المدينية  احداث (( قطار الموت))المجزرة الكبرى التي اعدها الفاشست    للسجناء من احرار العراق  وخصوصا من الشيوعيين واصدقائهم  ، بنقلهم  بقطار  مغلق مبطن  بالقير في حر تموز اللاهب من  سجن  رقم واحد في بغداد الى سجن نقرة السلمان في  السماوة ، وقد كان الفاشست على يقين من ان السجناء سيهلكون   خنقا  في الطريق ....... عندها هبت السماوة  من كافة الشرائح والاجناس لنجدة هؤلاء السجناء وخلاصهم من براثن الموت المحقق ، مما اضاف الى تاريخ السماوة واهلها  وسام  فخر   سيظل  مشعا   ما بقية السماوه .
•   كغيرها من المدن  العراقية في كافة انحاء العراق كانت كافة الديانات  اليهودية والمسحية والازيدية والصابئة  والاسلامية  ، كما  مختلف القوميات  تعيش  بسلام  ومحبة وتضامن في السماوة ،  قبل ان   تنتشر عدوى وباء العرقية والطائفية النتتنة في زمن  ((الديمقراطية )) الامريكية ....
•   كان  الكاتب  متألقا   بحق   في نسج  سردياته  بلغة  وصفية شعرية معبرة  انما تدل على  سعة خيال وخصوبة  خزين ثقافي  ولغوي  كبير ، مما اضاف متعة  للقارئ ، وحافزا قويا لمتابعة  احداث الرواية  المزركشة  والمطعمة بأروع واجمل الصور ....
•   كنا  نتمنى ان  يؤثث الكاتب شخصياته  ليعطيهم  شكلا وصورة  ماثلة امام انظار القارئ  المتلقي ، فسنكون اكثر  متعة  وتفاعلا مع   شعلان ابو الجون  او مع  طماطه  او مع حسن الامامي  .... الخ  .
•   نبقى نتسائل كيف هي حياة الفلاح السماوي ، اسلوب عيشه وتفكيره  وتطلعاته   وهي طبقة اجتماعية كبيرة  في المجتمع السماوي ، هذا السؤال يتكرر مع العديد من كتاب الرواية العراقيين ، اللذين  اهتموا  بسكان المدينة  غافلين  شريحة الفلاحين ، وهذا ناجم طبعا   من كون اغلبهم من سكان المدن  وكون  الرواية نتاج مديني بامتياز ، ولكن  بالتأكيد ان  للمدينة تاريخ  ممتدة جذوره  الى الريف   وخصوصا في العراق ، هذه الشريحة التي   برع في الكتابة عنها   ومتابعة  تطور وعيها  ومفردات حياتها اليومية  الكاتب والمناضل الكبير  شمران الياسري  حيث لم يستطع احد   ان يجاريه  في ذلك  لحد الان .
هذه الثغرة في كتابة الرواية  التاريخية العراقية خلقت  ثغرة  وفجوة اكبر منها في  تفسير وتظهير الكثير من  اساليب تفكير  وتدبير  ابن المدينة  العراقية  ومنها السماوة  بسبب اهما  واقع حال ابن الريف العراقي ...
•   حاولت ان اسال  عبود  القهوجي القارئ النهم  والمهتم بالثقافة والادب  عن تاريخه  ومراحل تطور وعيه  وكيف  تميز   عن زملائه  من  اصحاب المقاهي  اللذين اغلبهم  من الاميين   وممن لا يقرؤون  كتابا  واحدا طيلة حياتهم ، لكني  لم اجد  في  الرواية  جوابا  يسد  فضولي وفضول القارئ  لمعرفة ذلك ......
•   ، ربما لكوني  من  قراء ومتابعي  روايات  ابن مدينته  الروائي
  (( زيد الشهيد))   كنت اتمنى ان  يعتمد  الكاتب  وسيلة اخرى غير  علبة الصور لتتبع تاريخ المدينة واحداثها ، فقد  سبقه الى   ذلك   زميله   الشهيد عبر  صور صاحب الاستوديو  وكامرته المتنقلة الموثقة  لأحداث المدينة .... وبما ان  الرواية  تاريخية  فليس غريبا  ان تتكر  ر  الاحداث  والشخصيات الهامة في اكثر من رواية  ومن قبل اكثر من  كاتب ......
كما اني ارى ان   عنوان  الرواية  يخدش ثراء  المدينة وتاريخها الحافل  بالأحداث ، فالعلبة حيز مكاني ضيق جدا ، مغلق على ذاته  وغير متطور ، فكان الاجدر ان  يرتبط  تاريخها   بالنهر محبوبها وعشيقها  عبر تاريخها   الطويل ..((حتى اذا تعب الفرات من الجري ونصب ارجوحته بين النخيل وبين السدر، اتته السماوة  تمشي على استحياء ، فرق لها واعد لها على ضفتيه متكأ من الخصب  بين كوفة العراق وبصرته..))ص258.
 في الختام نحي الروائي  ((حامد فاضل))  على منتجه الابداعي  الجميل ، وقدرته الرائعة  على الامساك  بذاكرة المدينة  وتظهير ما خبى   وما خبئ منها ، متمنين المزيد من الابداع  والتألق ......







51
حكايـــــــــــــا العم ((وجدان)) في ديوان  الحاج ((مردان))

أغتيال ((فلنتاين))......ح6


بعد  اليوم  الثقيل  الذي عاشه  جلاس ديوان  الحاج ((مردان)) بسبب  عدم  حضور  العم ((وجدان))  يوم  الاحد 14-2 ، هل عليهم  وجدان  وتضاريس جبينه  ولمعان  عيونه  وحركة شفافه تدل   على  انه  يحمل  في جعبته اليوم  امرا  أزعجه او على الاقل  جذب اهتمامه  بشكل  غير اعتيادي .....
بعد صبحة الحضور  بالخير  وارتشف  فنجان  القهوة  المعطرة  من يد القهوجي .... بادر بالقول :-
بغير ما تسألون  اني  اعرف انتم  تريدون تعرفون  ليش  اني  امس  ما اجيت  للديوان ... مو  لو مو مو ؟؟؟
نطق الجمع  :-
أي والله  عمي وجدان  حقيقة انشغل  بالنه عليك  وعله  سبب  غيابك  عنه ، والله الك  وحشه  جبيره  ولا يهون  حجي مردان  والجماعه  الحضور  ولكن  مثل  مايﮔول   الحجي  (( وجدان   ملح  الديوان )).
رحم الله  والديكم  والله  انهيعز عليه  حتى لو ساعه ما اشوفكم ، شلون  يوم  كامل ... لكن  للضرورة احكام   مثل مايكولون ....
المهم   امس الحجيه  مرتي  كايلله  ابن ابنه .... حبوبه  اليوم الوادم  راح  توزع ورد احمر وجكليت  بشارع  يسمونه شارع  الجواهري ((الروان))،  الصديج  لصديجه  والولد  لمه ، والحبيب  لحبيبته ، والزوج لزوجته ، يسمونه  (( عيد الحب ))، ﮁا حبوبه  انتي  ليش  ما  ياخذج جدي ويطيج  ورده  حمره  ، وتشوفين  الوادم  الفرحانه  بهذا اليوم ...
وما احس اله ام  الويلاد الا  ذبت  الاسود و لبست  ثوبه  الحمر الجديد  وكحلت  عيونه  الحلوه.... ودكة  رجل  الا تروح  وتشوف  وتفرح ويه الشباب وتتذكر  ايام  فرح الشباب والعشك  ايام  الجوبي والركص الحلو وصوت ((المطبﮔ)) الحلو  ايام  الدخول .... وتدرون انه  ما اكدر اكسر بخاطره  عزيزة كلبي ....
كول  ركبنه ورحنه   للولايه   وبالخصوص  لشارع  ((الروان)).....
لكن  المصيبه  من وصلنه  اشو  ما لكينه  فرح ، اشو  لطم وصياح   وطبخ   والوادم لابسه  اسود ...!!!!!؟؟؟؟
ولكم شنهي  هاي  يصير  مات   هذا التسمونه ((فلنتاين)) وحنه  ما ندري وانتم نا صبيله  عزه ؟؟؟
عمي  جان  جبت  وياي عمامي   وقرينه  الفاتحه  لروح المرحوم ، وجان  الحجيه   جابت وياه  خواته  وملتهن  وياهن  ويعزن  نسوان المرحوم ......
والغريبه  الرجال يبين   مو ميت موت الله   لا بل  مجتول  ، لان  جانت الشرطه   دار ما داير اللطامه  والمعزين ، وجن خايفين  عليهم ، مدري خايفين منهم ؟؟؟؟
افتركت  لمرتي .... ها  يم سعيد يبين ((اجت  اليتمه  تفرح ما لكتله  مطرح )) مثل  مايكولون  اخوتنه المصريين، وبعرس اليتيمه  غاب الكمر ، وجن الفرح  ما يوكعنه  ، وهل عمينه  عله  الرجال  وموتناه   مدري من  كتله  وصبغ لونه الاحمر بالاسود ؟؟
ابو سعيد   ما تنشد الوادم وتشوف  شنهو القضيه ؟؟؟ خاف  احنه تيهنه ؟؟
والله فكره.... نشدتلي  واحد  من  اللطامه ... عمي  شنهي  القضيه عمي ما تكلي  شصاير؟؟؟
شنهو عمي شصاير ... هاي وادم  بطرانه  تريد  تسوينه  مثل  الغرب  اهل الكفر ، شنهو حب  شنهو  ورد   شنهو  فرح ، هاي حرام  وضد الدين ... عمي تروح  اكلك ماعون قيمه  واشربلك استكان  جاي  واخذلك دمعه  وروح لهلك ، خاف هم جاي  ابو المعيد  تدور  عيد الحب ؟؟؟؟
-   عمي جاش شنهو  الله  والدين  مايريدون الفرح ، وما يريدون الحب ، الله  ما يحب غير اللطم  والبواجي  والنواعي؟؟؟
والله  يعمي  انتم عميتوا   على الدين واهل الدين الصدﮔ  وراح  اتخلون  الوادم تطلع  عن طوره ، وتخسر الدنيه  والدين ....
جرتني ام  ((سعيد)) .. خاله  امشي  هجي حب  ما يراد امشي  نرد لهنه ... لايسمعونك ويروحون يفشخونك  جتالت  هذا  الفلنتاين ... بس المحيرني  يبو سعيد  ما طول  كتلوا  الرجال  جاعليمن يلطمون ؟؟؟
يالله  يالله  حبيبتي  امشي  لكن  ما نرد  اله  اشتريلج  دبدوب احمر وباكة ورد حمره  وموبس هاي راح اشتريلج  قلم حمره  جديد  ونجدد  عرسنه   ونفرح   ونحب  غصبن اعله  المايرضه ، وراح اخذ لكل  البنات والويلاد  جفافي  حمر وريحه   طيبه  وملبس وجكليت ... وخلي قيمتهم  الهم ...
مد وجدان ايده الجيبه وطلع صمه  متروس  جكليت  وملبس وكال  للكهوجي عمي  وزعه  اعله  الجماعه ...
واطني  وياك  فنجان  كهوة .....وهاك هاي حلقومه حمره   او  ورده  حمره  وكل عام  وانتم  بحب  وسلام .... وخلوا  اللطم  لأهل اللطم

حميد الحريــــــــــــــزي


52
أدب / لمـــــــاذا ؟
« في: 20:37 10/02/2016  »

لمـاذا؟


حميد الحريزي

لماذا
يا  وطني
نحن دوما  كساكن بيت
إيجار ؟؟؟
في  أي وقت نجد أطفالنا
تائهين في الشوارع
الموحلة ِ
فاستوطنا  بيوتاً من
((تنك))
فما حاجتنا لبطاقة
السكن؟؟
يستدل علينا  أصحاب السعادة
قبيل مواسم
الأنتخاباتِ
رغم إنا لم ندخل  استمارة
الإحصاء
لا   أسماء لنا  في
 دوائر
الماء والكهرباء
ولا في جدول
(( الزائر الصحي))
فما حاجتنا لمجلس
النواب؟؟؟
نحن 
ومن  يعزينا  خارج حدود
القلم
فما حاجتنا للافتاتٍ سوداء
على  جدرانِ من
صفيح؟؟
البقية في مماتــــــــــــــِــك
هكذا
نتأسى لأبناء الراحل
((المستريح))
فما حاجتنا بثواب
الفاتحة ؟؟
نحن دوما  في موكب
تشييع
جافة   مآقينا منذ الطفولة
 اختزنا دموعنا  في
العلب  الفارغة
عند أكوام
القمامة
فما حاجتنا لمناديل تجفيف
الدموع؟؟؟
رجالا ونساءا وأطفالا منذ الولادة
نحيا ونموت
صياماً
فما حاجتنا لمدفع
الإفطار ؟؟؟
لأننا لم نشهدْ هلال
العيدِ
 زيّنا  موحد  بلون
التراب
فما حاجتنا للملابسِ
الملونة؟؟؟


53


حكايا العم ((وجدان)) في ديوان  الحاج ((مردان))

عد وعد ونشوف  ياهو اكثــــــــــــر((فلوس))؟؟؟-ح5



 
دخل العم وجدان  الديوان  دون ان يلقي السلام ، وقد كانت  جيوب سترته  ((مگلوبه عله البطانه ))، وهو يردد اغنية
عد وعد ونشوف ياهو اكثر فلوس ..... جيبي فرغ يا((هوش))* ، جيبك ذهب متروس
هذا وقد لاحظ الحضور ان  في يد  العم ((وجدان)) سيكاره  ((مزبن))، مما اثار استغرابهم هذا  الحال كثيرا ، عدم السلام ، والجيوب المقلوبه ، وسيكارة  ال((مزبن))، وجداحه  ام الفتيله،  ومالذي يقصده  ب((هوش))ـ اشارة الى وزير ماليتنا  هوش يار زيباري
ما  ان  اخذ مكانه  من الديوان  ، حتى بادره   الگهوجي   بطاسة ماء ، واردفها  بفنجان قهوة  ........
رد  وجدان على اصباحات الحضور  بصوت  مبحوح ، ومزاج مجروح ، فالتفت اليه  الحاج ((مردان))  متسائلا :-
خويه  وجدان  شنو  القضيه اليوم  اشو لاسلام  ولا كلام  وخلگك ضيج ،  وطابنه  تغني ، وجيوبك  مكلوبه ،  وجگايرك مزبن .......
أي والله   عمي  (وجدان ))  صدگ  انته اليوم حيرتنه  ماتكللنه شنهو السالفه ؟؟؟
 اخرج وجدان  من صدره   دخان لهيب  نار تعتمل   داخل  صدره  الموجوع ، نافثا  نفسا  قويا  من دخان  سيكارة 00المزبن))، تنحح  ثم  قال :-
 عمي  تخلوها  تظل عله هل الحال ، نكول نعمه  ونحمد الله ونشكره ،  خاف اجيكم يوم من الايام عريان ، وادخن  ورگ صفصاف  ،وغني  بطور منكوب
 ((مكرود نايم بالشمس ......ا تحلم بكطان   ضيعت  الدبس))
عمي وجدان  اذكر الله  شنهي القضيه ؟؟
بويه  انتم تدرون  انه  رجال  عطال بطال  من يوم  الذبيت المسحاه  ومات النخل  وصبخت الگاع ...... معتمد  عله  وليدي((سرحان)) الله يچرم  موظف  عند الحكومه ، وعنده مره  وخمس فروخ  دوم فاكين حلوگهم مثل العصافير ...
من يجيب المعاش ، يطي نص منه ايجار  للبيت ،  ونطلعله قوايم الماي والكهرباء  ولا  واللطيفه  يريدون من عدنه  فلوس حراسه .....، ويشتريلي  دواء الضغط  والقرحه  وكطره  لعيوني .... والباجي يطي لمريته يادوب  ساد  عيشتنه وعساكم  ما عشتوه ،  من صار   كيلو البصل   بالف  ونص ، اغله من الموز ..... فكمن نغمس  موز وخبز  والبصل  متفلكح يضحك علينه  ضامينه  خاف يجينه خطار نسويله  ((وشواشه )).
كل هذا وﮔلنه  ميخالف  .. اشو  هذا السمونه  (( هوش))   كام كل شهر ياخذله كمشه من المعاش ... أي أي  هو   هوش  يار ... أي  ولكم  هذا  يار((جار))   عله  المعاش  كلش  مره ضريبه  ومره  حشد  ومره  اعمار الانبار  ومره  تكالب  اجتماعي  ، أي  هيه هاي  تكافل  اجتماعي ، وكام مايسد نص  مصروفنه  .... والولد  محتار شيسوي ؟؟؟
وهل تشوفون  آنه مسوي  تقشف  للكشر ،  ولاني   جنت  اعرف هذا الراح ايصير بينه  من وره  امريكا  وربعه  الحراميه  اهل العمايم والافنديه ،  جنت ضاملي شده من جكاير المزبن ،  وحافظ  هاي الجداحه ام الفتيله  عله  النفط ..
فنب (( ﮁبير )) الشرطي مخاطبا  وجدان :-
عمي  مو  سعر النفط  نزل  والحكومه  ماعده  فلوس ومصاريف حرب جا من يجيب الحكومه فلوس ؟؟؟
عمي  المحتاز فلوس يمد ايده للجيب  المترو س مو ايمد ايده للجيب الفارغ ها  وحده
الثانيه مو يبوگ فلوس الشعب  ويصيح  الخزينه  فارغه
والثالثه  الحكومه تملك ((200))  مﮔوار  أي  أي هو هذا  مليار دولار  حسب مايگولون صدگانهم الامريكان، وهي اكيد من فلوس الشعب الملهوفه   فليش  ما يطون منه يردون  الجيب  ((عبيس)) المابيه  ((200)) فلس ....
والله يابه قريت واحد من  فروخ المسؤولين مشتريله  قصر بلنده   ب((275))  مليون   شيسمونه  العورو   ايه   هو هذا  اليورو   والله ياعمي   هذا اني لاشايفه  ولا عرفه .....
لا وموبس هاي  يعتبون عله الفقره التگول ((باسم الدين باگونه الحراميه))
جا عمي هذا التسونه  شيسمونه  صلاة تراويح .... انفخت كروشكم  وردت خدودكم ، وصارت  عدكم  املاك  بلنده ،  وامريكا ، وباريس ومدري وين  شنهو من بيع السبح  لو  من الحملداريه ؟؟؟
هساه عرفنه شركانكم  مثل ما اسمونهم انتم ((اهل السنه)) كانزين  من زمن النظام السابق ، والكردي اقطاعي  من الله خلگه، بس انتم حفاي  من  اﮁتكم المليارات ؟؟؟
لا ودور كلساه  وطلعنه   هذا  ال((هوش)) ابو لغود  ووﮔال  ((السنه عصيبه  والحكومه ما عده  فلوس  ولازم  تدور موارد  غير النفط  حتى  تسد المصاريف ))....
عمي يا مصاريف   معاش عبيس  ((150)) الف دينار يو معاش  ريسكم الحاضر والغايب ((83)) مليون دينار ؟؟؟
ابو لغود  من كون ماكو فلوس اشو  سويتوا  مؤتمر  اسلامي  للﮔامه بعشر مليارات ؟؟؟ 
وانته رايح تداوه  بلنده !!!
ها  شتگول  بهل الحجي   ي ((يجبير ))؟؟؟
والله عمي  اني  شگول  بعد ، واحنه  ينطبق  علينه  المثل الگال :-
((رادله گرون  گصو اذانه)) و ((ردنه الزود  ردينه  بنگيصه))
وما كو غير نغني سوه :-
(( عد  وعد ونشوف  ياهو اكثر ((فلوس))
 تطون الشعب كراث  ولكم  لحم محموس ))
گوم عمي  گوم خل  نشبع  گهوه  لاباچر ما  نحصل حتى ماي  نشرب
لابو بريمر .....لابو الدمغ  راطيه  أي والله  دمغ للفقره  الماعدهم  تدبره  اللي يمشون  وره  هل  ((المقربازيه ))
حميد الحريــــــــــــزي

54
حكايات العم ((وجدان)) في ديوان  الحاج ((مردان)
وقروا موتاكم ........ 4

دخل االعم  وجدان للديوان   بادية عليه علامات   الاستياء  والجزع  بشكل واضح  ، القى السلام على الحضور ، واخرج علبة سكائره، مستخرجا  سيكارته  على  عجل  واصابع  يده  ترتجف كم ن يستشعر بردا شديدا ، حتى انه لم ينتبه  الى  اشعالها من جانب الفلتر ، لولا تنبيه الحاج  مردان له .....
حجي  ((وجدان))  عدل جكارتك  خويه ، هاي شبيك اليوم ، اشو اشوفك  مو عله بعضك ابدا ؟؟؟
والله  ياحجي   ما ادري  شكلك  وشسولفك ، اليوم  شفتلي حادثه  ماتخلي براس  بنادم عقل .....
هساه  اريد اسأل كل واحد منكم ... من يروح  للزياره  يو  باي سفره  ايصير  اهوه  يگعد بالسدر  ويشد  ابوه  فوك  على سطح  السياره ؟؟؟؟
حجي  بروح ابوك   هو هذا  سؤال   يساله  عاقل ،   هاي  شلون ترضاه ، حتى المسودن  وما عنده غيره  وماعنده دين  ولا  اخلاق  اليسويه .....
عمي  انه  اعرف  انتم هاي ماتسونه    وماتسون  حتى  اتشدونلكم   حيوان على سوباية السياره   مو  الدور  والديكم  ابهاتكم  وامهاتكم  يو  أي عزيز  من  اعزازكم  يو معارفكم ....
لكن  ادور  اريد اسال   :-
احنه  اهلنه  واحبابنه  انقدرهم   بس  بحياتهم  ،  يو  يستمر تقديرنه الهم  حتى بمماتهم ، ويا ويله اليشتمهم يو يمسهم  بسوء يو  يجيب طاريهم  بالموزين   بعد مماتهم ؟؟؟؟
اخذ الحضور ينظر بعضهم بوجه  بعض ، متسائلين  بما  اصاب  العم  وجدان  هذا اليوم ، وماهو الغرض  من  اسئلته الغريبه    اليوم ؟؟؟
فبادره  الحاج  ((مردان)) قائلا :-
((وجدان))  بروح ابوك  ليش ما تطب  بالموضوع   مباشرة  ولا تشلع كلوبنه  باسئلتك  الغريبه هاي ، سولفنه بالشفته   اليوم ؟؟؟
وانه  جايكم  بالدرب  شفت   سياره كيه  وفوكه  جنازة ،  تريد تصعد الجسر ،  وبصعوده للجسر  وما اشوف  اله  التابوت  يفلت من  سلة السياره  ويتطشر  على الشارع  وانفضحت  جثة  المرحومه ..... والله  ما اگدر اكمل  توصيف  المشهد  المؤلم  وشصار بحال  المرحومه  واهله  ولمت الوادم  والصياح  والنياح .....
وهذا  المشهد  المخزي  نشوفه كل يوم  والجنايز عله  ظهو السيارات مربطه  بالحبال  تچي من  ابعد  المدن  والارياف  مودينه  للمقبره ...اهل الميت   ولده   واخوته واصدقائه   واقاربه   كاعدين  مرتاحين  على كراسي السيارة  تحت التبريد  والتدفئه  و((العزيز))  مربط  عل  ظهر السياره ، تحت  البرد والتراب والشمس  حتى  من توكف السيارة بمطعم  يو   بكازينو   الجماعه  ياكلون  ويشريون   و ((العزيز))   مربوط  عله  ظهر السياره !!!!
والمصيبه   انروح  ننصب چوادرنه ونسويله فاتحه  بملايين الدنانير  ترحما على روحه !!!!
اگول  ليش  ما تتخص سياره  مقفله  مكيفه   لنقل   جثامين  الموتى  باحترام .... نوديه   نغسله  ونزوره ونوديه  لقبره  مكرم معزز  مو حاله  حال    الحيوان  يو   جنطه  مربوطه  عله السله ،  واظن  هاي الخدمة  ما تكلف هوايه  قياسا  لما  نصرفه  على الفواتح والبرهج الفارغ .... واكيد  من  يتبنى  تاسييس   مثل هذه الخدمة  المكونه من  عدد من السيارات   راح يربح بالدنيه  والاخره  لتوقيره  جثامين   اخوانه   وابناء دينه ووطنه   بدل مما  يتعرضون له من  الاهانة  والاذلال  بلطريقة الحاليه ....
بروح  والديكم  هذا الحجي   حگ  باطل ؟؟؟
نطق الجميع   بكلمة  واحده   والله حجي كلامك  ذهب   وفوگ الحگ، بس  ما ندري  ليش  الوادم  ما فاطنه  لهل   القضيه ؟؟
عمي  وادمنه  شي  يقلد  شي  ... شافوا  الگبلهم  سو  هچي   همه  تبوعوهم ،  من غير مايعرفون  ان  اجدادنه  ما كان عدهم  وسيلة نقل  مثل ماعدنه  اليوم ، چانوا  ينقلون  الجنايز علىظهور  الحيوانات    يو   بالمهيلات  وعله  ظهور السفن ، فمن  تطورت  وسائل  النقل  هم  ما   تطورا  وياه ....
 عمي ((وجدان ))    نب  مسعو الگهوجي   :-
هساه  اليسمع   حچيك   راح  ياخذ بيه ؟؟
بويه  والله انه  من زمان  اگول هذا  غلط  ومو صحيح  عمي  لاتهينون  موتاكم  بهاي الطريقه  ، وحلفت  ويلادي   يحطوني  بستوته  ولا  ايشدوني على قمارة السياره  حتى لو  السياره  روز رايز ....
لكن يعمي  الوادم   ماتسمع  كلامي  ... تتنوع  لحلوك  المومانه   ....  وما ادري  ليش اهل العمايم ليش   ساكتين عله  هل   الظاهرة  المهينه/  للانسان ....
وشوفوا  شحلاتهم  اخوتنه  المسيح  وغيرهم   وبالدول المتقدمة مخصصين سيارات   سوداء مكيفه  لنقل  الجنايز   ومقابرهم  شلون  مزروعه  ورد  ونافورات  ماي  ومنظمه .... مو مثل  حال  مقابرنه .... تلكيه شي  فوگ شي  وموغربه   تشوف  شخص  يتغوط    او يتبول   فوق  او قرب   احد القبور   لان مقابرنا  خاليه  من  هاي الخدمات ....
عمي  سعود  ناوشني  فنچان  كهوه  بروح   ابوك  .... وانه اعيد كلامي   ومشكول الذمه    من أ موت لا  تشدوني عله  ظهر السيارة  حتى لو  تدفنوني  بمچاني ،  ولا تسولي فاتحه ....
حميد الحريـــــــــــــــزي

55
حكايا  العم ((وجدان )) في  ديوان  الحاج ((مردان))
(( التجاوز)) ح3




يبدو ان  الحضور   في الديوان  اصابهم  الملل  ، وانتابهم  القلق بخصوص   العم ((وجدان )) ، فقد تاخر  كثيرا   عن الحضور   وليس كعادته في كل مره .....فانبرى  الكهوجي  يسال  عمه  ((مردان ))
- حجي   اشو  انه بالي  يم  عمي  (( وجدان))  اشو  اتعطل اليوم  شنو سالفته ؟؟؟
والله  يابه  اني  هم مثلك  مستغرب .. انكول انشالله خير  يجوز صار عنده شغل  بالدرب ،يو  واحد  من وادمنه  كلفه  بقضية  تدري   عمك  وجدان  كل الناس  اتحبه  وتقدره   لذلك  تتعناه  الوادم   لقضاء  حاجه   او حل مشكله   او  حضور مشية  فرح  لو صلح .........
عموما منا  لبعد شويه  الا ما اجه  اود  واحد  لبيته يشوف  شنهو  العطله  ....
كل العيون تراقب  طريق   ((وجدان )) وتترقب  حضوره  كما  يترقبون  هللا العيد  كما  كانوا   يقولو له عند حضوره .....
اي والله  اظنه  ذاك  المجبل علينه ..... توجهت كل العيون  وركزت على  اتجاه  الاشارة  من قبل  الكَهوجي ....
اي اي   هو هو  .... الحمد لله والشكر
....دخل  وجدان   متوكئاً على  عكازة من  الخيزران ، وكان يبدو متعبا  ومهموما ..
السلام عليكم  ...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته  رد  الديوان  جميعا ...
امر  له   مردان   بكَلاص  ماي   بارد  ... ولكم يبين الحجي تعبان ..
اي والله حجي رحم الله والديكم  والله  يابه  اني اعتذر عن   اقلاقكم واشكركم  لاهتمامكم بيه  لكن  والله   العوﮔني  اليوم عنكم   ، شي  لا الله  ولا عباده الصالحين يرضون بيه 
خيرك  حجي  شنهو القضيه ..
عمي اريد  اسال   الرصيف   البشارع   ملك  واحد يو ملك   كل  الناس ؟؟؟
لا طبعا ملك  كل الناس ؟؟؟
زين اهو المن مخصص؟؟؟
طبعا   مخصص   للناس  المشايه    حتى تكون  مامونه من  السيارات   والدراجات   والعرباين  وغيره
زين  من كون   الوادم  تعرف هاي  القضيه   ... ليش  ابو التكان   ساد الرصيف  بسطته    وابو السياره  ساد الرصيف  بسيارته ، واحد  مسويله  سياج  وحاجز الرصيف  ومخليه تابع  لبيته    عود زارعله  الاخ شجرات ، واحد  ساده  برميل النفط  ،  والاخر امسويله   علوه  بالباب  محد  يﮔدر  يصعد عليه.......وهاي الشغله  ما اجت  من  فراغ   لكن  ايﮔولون ((الناس  عله دين حكامه ))،
يعني  شلون  حجي؟؟
عمي  تشوف  المسؤول   بسيارت  المضلله   لايعرف  اشاره   ولا يعرف خط  سير ..... رواتبهم  ومخصصاتهم بكيفهم  بالمليارات ، رتبهم    وسكنهم   بكيفهم  ، ايفاداتهم  بكيفهم .....
اريد اﮔول  ان كل  هاي اليسونه هي تجاوز عله الشرع  والقانون  وعله حقوق  المواطن ، ومن شافتهم الوادم   ﮔامت  تقلدهم  وما  تحترم  لا العرف  ولا الشرع  ولا القانون   او الك ياطويل  الذراع ....
او هل التشوفون   شلون انه  اجيت اتعكز  لو  ما الله يستر  وانتبه   ﮁان  اليوم   انه  بالﮔبور   امكان   ﮔعدتي  هاي  بديوان مردان ،  من حيث  لختني ستوته  من  نزلت  للشارع  لان الرصيف   ساده   مرحوم والدين  امسويله  حديقه  عله الرصيف .....ويكولون  ﮔبل اسبوع  مره جبيره  هي  وابن ابنه سحﮔتهم  سياره   ابنفس الشارع ....
عمي ليش لاتخافون ضمايركم  ولا  عرفكم   ولا دينكم ولا تخافون القانون .....؟؟؟
عساه  بركبت كل مسؤول  لايخاف  الله  ولا  بنادم ولا القانون  ....((اذا رب  البيت على الدف  ناقر ....))
اطني عمي اطني فنجان ﮔهوه ....... لابو  المحاصصة لابو برايمر.....

حميد الحريـــــــــــــــــــــــــــــــزي

56


حِكَمْ الحاج (( وجدان )) في ديوان ((مردان))......
((ذيل الحصان ))(1)

اقبل   الحاج  ((وجدان))كعادته  الى الديوان ، ليرتشف القهوة  في  مضيف  الحاج مردان ، وليتداول الحديث  مع ابناء قريته في شؤون الانسان ......
السلام عليكم .....
نهض  جميع  من في  الديوان  لاستقبال الحاج  ((وجدان)) مهللين مرحبين  بقدومه  الذي  يترقبونه كل  يوم بلهفة كبيرة ، اخذ مجلسه كعادته  بجانب الحاج مردان ......
صباح الخير  حجي
صبحكم الله بالخير  والامان  جميعا   رحم الله والديكم .... اخذ فنجان القهوة  من يد  الكهوجي ، زاده بواحد اخر
احسنت  خدمناك  عريس .....
ممنون حجي  والف عافيه ، هني ومري  انشاء الله
اخرج حجي وجدان  مسبحته  من جيب سترته ، واخذ يدعك  حباتها  بين كفيه  وقد طاف ببصره مستعرضا وجوه الحاضرين  وكانه يحثهم على الطلب منه   بالحديث  منتظرين  جديده   كما هي عادته  في كل يوم
-أي  حجي  وجدان   اشوف عندك  سالفه   تريد تسولفه   ، هاي  الزلم  كله مستنبطه  تريد  تسمع  ...
أي والله  حكيمنه بروح  والديك  انته  ابو الحكمه وعودتنه  على  حجاياتك  الحلوه  .... هكذا نطق  جميع  الجالسين  بصوت واحد  مؤيدين  قول  الحاج مردان
تنحنح الحجي وقد أخذ نفس  قوي من جكَارته ....  وقال :-
اليوم اني عندي سؤال  واريد جوابه  ....
تفضل  حجي  النعرفه  نكَوله  وانته  ابو المفهوميه
السؤال :-
ليش الحصان  يموت  من  يبترون ذيله ؟؟؟
سرت  الهمهمات  بين الحضور ، بين  مستغرب  وبين مستفهم ،  يرى ان  الحكيم  اليوم  مو عله بعضه !!!!
حجي وجدان احنه نعم نعرف كلنه   بتر ذيل الحصان تكتل الحصان سبحان الله لكن ليش ما ندري....
انبرى الحاج مردان  للإجابة  قائلا :-
حسب  معرفتي   ان  سنسول  الحصان  ممتد   الى  ذيله ، واذا  كطعنه الذيل انكطع  السنسول   يلي  ممتد  بيه  الحبل  الشوكي ، واذا انكطع  هذا  الحبل  يموت  الحيوان ...صح لو موصح ؟؟؟
نعم  حجي مردان  صح   ونص وخمسه ....هههه
ضحك الجميع  وقد كانوا مسرورين  لا جابة  حجي  مردان  وانقاذهم  من الاحراج ...
لكن  حكيمنه   شنو قصدك بهل  السؤال ، انته  ما تنشد هجي نشده اله  عندك  هدف ، خو ما جاي  تمتحنه …….
والله يابه انتم  اكبر من الامتحان  وكلكم  مفهوميه ، لكن هل التشوفون الوادم  تتظاهر  وتهوس  ضد  الحكام  الظلمه  وضد الارهابيين   ومن ضمنهم  الدواعش واطرافهم وحواشيهم ، وليش امريكا التندعي بالديمقراطية والسلام والحرية  والرفاه للشعوب  ما تسقط  هاي الحكومات الظالمة  وما تقضي عله داعش  وحواشيه ؟؟؟؟
عمي  تره  هاي امريكا  وربعه  مثل  الحصان ، وهذوله  الحكام  الظلمه  والدواعش  والارهابيين ذيله  ، واذا   انكطع ذيله   تموت ....
وامريكا  ما تريد  اتموت  بالتأكيد ... صح لو موصح
والله  حجي  كلامك  صح  ونص  وخمسه .... يبين هاي  الوادم  تخوط  بصف  الاستكان
رحم الله والديكم   .... بس  عمي  الوادم    قسم  ما تعرف  وما تريد  تتعلم  ،  وقسم   هذا  الحال خادمهم    من حيث  اهمه  شعرات    مجلبه بذيل الحصان .....
هكذا  حتم   ((وجدان)) حديثه    مادا يده  للكهوجي  قائلا :-
شو اطني  بويه  فنجان  كهوة  رحمه على والديك   والف نعله   عله ابو الحصان  وابو ذيله .

حميد الحريزي




57

   
اذا عرف السبب بطل العجب .........

   
كنت اتساءل مع نفسي دوما حول سبب هبوط سعر النفط رغم ان بلاد البترول في العراق واليبيا وسوريا وحصار ايران ... في الوقت الذي يجب ان تكون اسعاره باعلى مستوياتها كما حصل ايام حرب الخليج ... فالمعروف ان اشتعال حرب في ارض البترول تؤدي الى ارتفاع سعره .... ولكن بعد ان كشف الدب الروسي حجم صادرات سرقات داعش من النفط العراقي والسوري وبالتاكيد الليبي الى تركيا وسواها وبابخس الاسعار تم حل اللغز وبانت حقيقة المفارقة
فقوى الراسمال العالمي تربح النفط شبه المجاني
وقوى الراسمال العالمي تجني المليارات ثمن مبيعات اسلحتها للاطراف المتحاربة .
وقوى الراسمال العالم تحصل على مبررات لتدخلها المسلح وغير المسلح في هذه البلدان .
وقوى الراسمال العالمي تربح العقول الشبابية المنتجة بتشجيع الهجرة خوفا من الارهاب صنيعتها ووسيلتها في تحقيق كل ما ذكر اعلاه .
حميد الحريزي


58
تركيا تستلم مكافأتها ..................

قطع شريان النفط ((الداعشي)) المسروق من سوريا والعراق  عن تركيا من قبل الطيران الروسي ، ومن ثم عن  سماسرة البترول من الراسماليين  في العالم الغربي  المتباكي على الديمقراطية ، اقدم ((اردوغان))  العثماني المستاسد ،على اسقاط  طائرة السيخوي 24 الروسية ، عقابا  على فعلها  الذي قصم ظهر ((الدواعش)) وافقدها  مليارات من الدولارات هي  شبكات التهريب الاجرامية  المتاجرة بثروات الشعوب .....
كما كشف اوراق امريكا ومن لف لفها  من المتواطئين مع ((الدواعش)) من قبل  ((بوتين)) الرئيس الروسي في قمة العشرين ، وتعاونهم المكشوف في سرقة النفط  وتمويل العصابات الاجرامية ،  مما افقدهم صوابهم  ولم  تكتف  هذه الاطراف  بمجزرة الطائرة المدنية الروسية  في سيناء  مصر  فاقدموا على جريمتهم لتحدي الدب الروسي في  شقه العسكري..... مما جعل الرئيس الروسي  يتخذ  قرارات  اقتصادية صارمة وسريعة  لمعاقبة  تركيا   كاجراءات رادعة .
فتنادت قوى الشر الراسمالي من اجل   نجدت  حليفتهم الاردوغانية  من خلال قمة  سريعة  تحت  ذريعة معالجة ازمة اللاجئين  اللذين هم بالاصل ضحايا قوى الراسمال المتوحش الامريكي  بالخصوص .. . فقررت منح  تركيا  اكثر من  ((3))  مليار دولار  والتسريع بانضمام تركيا  لاروبا !!!!!
انها مكافئة  سخية  لمجرم  اوغل في اجرامه  في مساندة ورعاية واحتضان  القوى الارهابية !!!!!
مما يكشف عن  المؤامرة الكبرى  التي تقودها امريكا وحلفائها في حلف الناتو  من اجل  اعادة تقسيم العالم  ونهب ثرواته  عبر ((طنطلها)) الطاعون  الداعشي الاسود الذي زرعتها  حول  ابار البترول العربية خصوصا ... هذه المؤامرة  الخطرة  التي تهدد  وجود وحدود هذه البلدان  وتستدعي مواجهة  جادة  موحدة  من قبل قواها الوطنية الحرة  على كافة المستويات  متغلبة على شرذمتها وخلافاتها الثانوية   لصد هذا  الشر المستطير  المنظم عالميا  .
حميد الحريزي

59
سلوك العراقيين  ما بين وهم((الجين)) و نهج((التدجين))   
دراسة  لرواية ((ترجيديا مدينة)) للروائي زيد الشهيد
بقلم  :  حميد الحريزي


قول في   ))ادبنــــــــــــــــــــة((التاريخ :-

حينما  نقرأ التاريخ  يجب  ان  نكون   على وعي بما نقرء ، فكاتب التاريخ  لايمكن  فصله  عن  منهجه الكتابي وعن  توجهه الفكري  وطريقته في   تسطير  الاحداث التاريخية .... فهناك من يروي  الاحداث كما  ظهرت له  على  السطح  دون ان  يغور  في عمق الحدث ، وهناك  من  ينسب الاحداث والظواهر التاريخية  الى فعل الفرد  الزعيم  او البطل  او المصلح ... وهناك من  يدرس الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المنتج للظاهرة  ومولدها  ومن يقف وراءها  ومن  يعمل على تفعيلها وديمومتها ، فهذه الظروف  هي صانعة  الابطال والزعماء ومن رحمها يولد الفاعل الاجتماعي  بمختلف توصيفاته وعنوانيه  تبعا للظرف التارخي  من حيث الزمان  والمكان ، فلا  امكانية للانبياء والرسل في  زمن العولمة  الراسمالية ، ....  لانريد ان نسهب في هذا المجال  من الارخنة  في الماضي والحاضر  ولكننا نريد ان  نلقي الضوء على   ادبنة التاريخ ، اي   كتابة التاريخ من قبل  الاديب  وبالخصوص الروائي باعتبار ان الرواية هي الجنس الادبي الارحب والانسب ان لم نقل الاوحد  لكتابة التاريخ ادبيا ،فالروائي عليه ان يكتب تاريخ الرواية ليست  كما ظهرت على السطح  او كما وثقها المؤرخ بل   بعث  شخصيات   غير ظاهرة ، تخليق شخصيات مهمشة في التاريخ المكتوب واظهار دورها الفاعل في  الاحداث ، وعلى الروائي ان  يظهر الاسباب الجذرية والحقيقية الكامنة وراء سلوكيات الناس  وذكر دور كل  فئة وطبقة  اجتماعية في الحدث  وهل هي مستفيدة  او  متضررة  من الحدث,,,,
)) ان الرواية التاريخية ليست تاريخا، ولكنها تتعامل مع التاريخ وهذا التعامل يفرض عليها حدودا، هي قيود لها ، لاتعرفها الرواية الفنية ، اول هذه الحدود والقيود ان تبقى الرواية مخلصة لطبيعتها الفنية  ولا تتحول الى كتاب من كتب التاريخ ، وثاتيها ات تستعير من التاريخ دون ان تحور فيه، وثالثها ان تنتقي من التاريخ دون ان  تتلاعب بسياقه وحقائقه ودلالاته)) ص70 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003
عليه  ان يمتلك رؤيا واضحةلطبيعة مجتمعه وبيئته  بمختلف شرائحه وطبقاته  ودورها  في الاحداث  هل هي دافعة او معرقلة  للحدث  المعين ، بمعنى ان يمتلك  قدرة  في  علم الاجتماع وعلم النفس وطبيعة الثقافة السائدة  ،وهنا سوف يكون المنتج السردي ليس  منتجا وصفيا  سطحيا  ، بل مصباحا تنوريا يضع النقاط  على الحروف ويكشف  المستور  ويظهر المهمش   في الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ويجهر بالمسكوت عنه من  قبل المؤرخ .......
((مايحدد نظرة الكاتب الى العالم ليس نوع الجانب الذي ينحاز اليه؟، بقدر ما هو نوع العيون التي ينظر بها الى العالم)) ص399 أرنولد هاوزر -  ج2 تاريخ الفن والمجتمع عبر التاريخ.
قدرة الكاتب على  التوليف بين الواقعي الحقيقي والتخيلي   المكثف والمظهر للواقعي المسكوت عنه ، هذه القدرة ستنتج عملا روائيا يجمع بين الواقعية والخيال المساند  ، على شرط عدم تغليب احدهما على الاخر بشكل تعسفي  ف(( تغليب الحقيقي سيضيق الخناق على المتخيل، فلا يترك له فرصة ابتداع الاحداث والازمنة والامكنة والشخصيات الرئيسية)) ص71 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003
هذه المقدمة القصيرة ليست بالضرورة   تخص   رواية (( ترجيديا  مدينة ))  للرولئي  زيد الشهيد ، وانما هي  ملاحظات  عن الجانب الفكري  والمنهجي  للعديد من الروايات العراقية فيما يخص   تاريخ المدن ؟، او   ادبنة  الاحداث  والانتفاضات     في العراق  التي صدرت  خصوصا   مابعد  2003  حيث امتلك الاديب العراقي   حرية  الكتابة  وتاشير الاحداث   دون خوف وان بشكل  نسبي  وهذا مالم يكن  متاحا  للكاتب    ماقبل التغيير ....فالرواية التاريخية كما عرفها  ميخائيل باختين (( ان الرواية التاريخية هو التحديث الايجابي ، هو محو الحدود بين الازمنة، والتعرف على الحقيقي الخالد في الماضي)) ص180  مختارات من اعمال ميخائيل باختين – ترجمة  يوسف حلاق   ط1 2008 المركز القومي للترجمة .
ازمة هيمنة طبقية  مزمنة  :-
من  يقرأ تاريخ العراق   او بالاحرى قراءة  قيام وولادة الدولة العراقية  الوطنية  لم يكن بارادة وطنية عراقية ، بل هي تصنيع  من قبل  قوى استعمارية خارجية ، ورغم  الهياج الشعبي الكبير   ضد الاستعمار الانكليزي منذ ثورة 1920   الوطنية    ـ فلم  تتوصل قيادات هذه  الجموع الثائرة على الاتفاق  حول   زعيم لقيادة الدولة ، فتم استيراد ملك تولى العرش من خارج العراق ، هذا العجز ناجم  عن  عدم وجود طبقة برجوازية وطنية  ناضجة  مؤهلة للقيام  بدورها التاريخي كما  في دول العالم الاول  في اقامة  وقيادة  الدولة  القومية ،  وقد  بدات حياتها كدولة ريعية مصدر ايرادها الرئيسي هو البترول ، مما  سهل فرش   بساط الحكم تحت اقدام  ((الاقطوازية )) وهي طبقة هجينة من   الاقطاع والبرجوازية الطفيلية  المرتبطة  بنيويا  باسيادها في خارج العراق  من  فرس واتراك  وانكليز وامريكان ،  هذه الطبقة   عجزها  بنويوي من صلب  بنيتها  الفكرية  موروثة  مولدة عجزها ومديمة وجودها عبر تجدد الازمات  في  بنية المجتمع ، جل ماتخشاه نهضة القوى المنتجة الفاعلة  كالبرجوازية الوطنية  والطبقة المتوسطة المستنيرة والطبقة العاملة ....وهذا  هو سر   الانقلابات العسكرية المتوالية في العراق   حيث ان التغيير يتم بتغيير الوجوه  فقط  ولايمس جوهر الطبقة الحاكمة  المازومة  التي  تعمل جاهدة لتوظيف كل مصادر الثروة من اجل صيانةحكمها  وقمع  كل صوت للمعارضة  مهما كان  ضعيفا وهذا ماحصل  مع قوى اليسار العراقي  في عهدالملكية  وفي عهد الجمهورية الاولى زمن  عبد الكريم   قاسم   وماحدث في  شباط الاسود عام 1963 ومابعدها  ولحين  التاريخ .....اذن يجب الالتفات ان  حالة الازدواجية والثعلبة والتسول الاخلاقي   ليست جينة عراقية  او عربية انما هي سلوك وقائي من اجل البقاء كما هي الحربنة .... فلا غرابة  ان تحمل الجماهير  سيارة الملك    احتفاءا  بزيارته للسماوة   في 2-4-1953ثم   تخرج  جموعها تهزج   للثورة في 14  تموز  هاتفة  (( عمال السكك فدوه لبن قاسم ))، ثم  تسكن  مذعورة  امام  رشاشات شراذم الحرس القومي  في 1963 ، ثم تهتف  لعبد السلام   ولعودة البعث    في 1968... ويتحول الشيطان الاكبر الى الاخ الاكبروالمحررالمنقذفي2003!!

((قيء)) الريف ، وحثالة المدن:-
((شراد هديب)) هذا القروي المشرد العاطل عن العمل والمترعرع في رحم البداوة  مثالا ونموذجا لعشرات الالاف من الفلاحين او الرعاة اللذين  ضاقت بهم قراهم وصحاريهم نتبجة تردي  الواقع الزراعي وهيمنة قوى الاقطاع وظلمهم وقهرهم  للفلاحين ، مما اضطرهم  للهجرة للمدينة ، هذه المدينة  الخاوية  والتي تعيش كسادا مزمنا فلا  معامل ولامصانع  تحتوي وتجتذب   هذه الجماهير الى عجلة العمل المنتج  كما   حصل لامثالهم في العالم الغربي ابان الثورة الصناعية ، فتحولوا  الى عمال منتجين  واضحي الاصطفاف الطبقي والمهني مع   رفاقهم في العمل  تربطهم رابطة الكفاح المهني من اجل حياة افضل  يفرضونه  على الطبقة البرجوازية المنتجة  الحاكمة التي  من مصلحتها اعطاء حيز من الحرية  لازدهار الانتاج  والتجارة وبالتالي زيادة الربح ..... بمعنى ان المجتمعات الغربية  اصبح الاصطفاف الطبقي فيها واضحا   برجوازية   مهيمنة –طبقة وسطى   متنورة -  طبقةعاملة  ساعية للانعتاق  من ربقة قهر  راس المال ....في حين لازالت ((مجتمعاتنا)) عبارة عن كتل بشرية مائعة يتداخل بعضها ببعض لتكون غير واضحة الحدود والمعالم والصفات والسلوكيات   فتغلب عليها الهجنة  وضياع الاصطفاف الطبقي والضياع الفكري .
  سلوك  العراقيين  مابين ((الجين))  و(( التدجين ))
في  بلدان الريع كما  في العراق  شكل  ((شراد شتيوي ))واشباهه  جيشا من المهمشين لاتحتضن جموعهم  سوى  جبهات الموت  والقتال او سراديب السجون والمعتقلات ، بين خانع قانع ذليل يعيش على صدقات  الاغنياء  ، او خادما بلا روح ولامشاعر  للسلطة الظالمة  كشرطي  او  عنصر  امن ، او  ثعلبا  ماكرا   متلون غادر يستل خنجره حينا ويقبل  الايدي حينا  اخر  لكسب المال والجاه   وهذا ما  يسميه  الوردي وغيره  بازدواجية  وتلون وعدم ثبات الشخصية العراقية
ونظرا لتردي الموضوع  في  مدننا ، والقطع القهري لتطور المجتمع ليكون  مجتمعا مدنيا  حداثويا  عبر  تطور العمل  المنتج   في الصناعة  والزراعة ، وكبت الفكر الحر  منذ  قتل ومحاربة الفكر الاعتزالي كارهاصة اولى للعقلانية المتنورة  في المجتمعات العربية الاسلامية
((كانت افكار المعتزلة تمثل طموح المدنية بمختلف قئاتها، الى مراكز اجتماعية وسياسية كانت احتكارا لنبلاء الارض)) ص437 لمحات اجتماعية حسين مروة  مج2، وابقاء العراق  كبلد ريعي ، مما  ادام حالة الركود العام واصبح عائقا كبيرا امام نمو  وتطور القوى الحاملة  للفكر التنويري العلمي التقدمي ، ومحاولة قمعه  من قبل السلطة تحت  مختلف الذرائع  والحجج  كما  حصل مع  ((يوسف)) الشاب  الطموح الذي  حاول ان يضع  يده  على علة التخلف الاجتماعي في بلده ومحيطه
((صار حالما، صار خالق يبغيها يو توبيا، ابجديتها السعادة وعيش الناس بهناء، رفضا للحروب والتقاتل ودعوة للخير والسلام، يرفض التحزب في بلد كيلده لاتفقه نخبته الحزبية جوهر العمل المبني على التنافس الصادق....)) تراجيدياص196 ، لذلك سعت السلطات  تحطيم عقله  وروحه وحذفه صوب الاحباط والسلبية  والانكفاء  على الذات ،  كما  تم  قتل مشروع الحب  والالفة  بينه  وبين ((شيمران))  رمز التنوع  الفكري والديني كنواة للمشروع الحداثوي ،  وقد سبق كل ذلك  قتل سلطان شاهر ((ابو يوسف))  كمثال  للعقل المتتنور لطبقة  منتجة  ناهضة  وطبقة متوسطة  متنورة   واتهام ولده  بقتله  في محاولة لاستئصال هذه الفئة من الوجود الاجتماعي وكان السلطات تعيد قصة نبي الله يوسف  ولكن بوحشية وخسة اكبر حيث لم  يكتفي اخوة يوسف  بتغييب يوسف بل  اتهامه بقتل  ابيه !!!!،  وابنة المؤمن التي استنشقت عبير الحرية  والعلم  من والدها المتحدي لقيم  المجتمع المتزمت المحافظ ، وبدفع من  الطبيبة الثورية  الشيوعيه  ((تزيهة الدليمي))  اول امراة  تستوزر في تاريخ العراق ،  نتيجة الاحباطات الكثيرة والمضايقات الاكثر((استنتجت ان من المحال تحقيق "حرية المراة" في مجتمع ينزع  الى اصوله البدوية...))ص259 


وناصر الجبلاوي هذا العقل التوثيقي  في بلد   لايعرف  ولايهتم  يالتوثيق  بالصور  بل اعتاد النقل الشفافي للحدث ومعالم الشخصية  هذا من ارهاصات الحداثة  في المدن وفي المجتمع العراقي عموما.......
هذه الطموحات  الانسانية والوطنية  للتخبة المثقفة الواعية  تقابلها حالة التبعية والخضوع والخسة واللامبالاة للبرجوازية الطفيلية ممثلة بموقف شتيوي الياور
 ((لايأبه شتيوي لما يجري في المدينة ومايحصل في الوطن، لايرى في الاحتجاجات والتظاهرات غير افعال عقيمة لاناس يستولي على ملكاتهم الحقد وتحركهم اصابع لاتريد للبلاد الاستقرار...))تراجيديا ص164
 ومما له دلالة   انشاء  الجسر الحديدي الجديد ,وقبله  جسر  بربوتي، ليخدم انسيابية نقل البضائع ، وتنشيط تجارة الشركات الراسمالية الانكليزية خصوصا  ، حيث تم انشاء خط سكك الحديد ومجطته في البصرة والناصرية والسماوة  والديوانية والحلة وصولا الى بغداد  ومنثم الى الموصل ....
((فمدوا شبكة من السكك الحديد  وحركوا فوقها القطارات الحديدية التي نظر لها الناس على أنها  من أعمال السحر . إذ كيف تسير كل هذه الكتل الحديدية على سكة رفيعة ولم تميل أو تسقط . وبمرور الأيام تآلفوا معها ونسوا هذا السؤال المحيّر حتى وإن لم يحصلوا على جوابٍ له ))


.لمحاولة الربط  بين   عامة الناس في احد الضفتين  و الطبقة الحاكمة  في الضفة الثانية ((الصوب الصغير والصوب الكبير)) ، ولكن دون  جدوى فقد بقيت الهوة قائمة بين  الضفتين  لان  هذا الجسر لم ينجز بايدي  وفكر   عراقي  بل لحاجة  الشركات الراسمالية ، حاله حال محطة السكك الحديدية ، وقد عم الفساد  في الجهاز التنفيذي للسلطة ممثلا  بالمفوض ((رشاش)) بالتخادم  مع  البرجوازية الرثة الطفيلية  ((شتيوي الياور)) وحثالة البرولتاريا ممثلة ب(( شراد هديب )) لتعمل  بالتضامن والتكافل  لقتل كل  محاولة للبناء والتقدم ، وقطع  اليد التي تحاول ان تنزع عصائب التضليل عن عيون الجماهير  المستغلة  فكانت ((ثورة)) الرابع عشر من تموز  محاولة لردم الهوة ودمج الضفتين  كردة فعل لعدم قدرة الطبقة السياسية الملكية الحاكمة انجاز هذه المهمة،  فلاغرابة ان   يشهد العراق اقوى واشرس حملة قمع ضد القوى اليسارية  العراقية  وخصوصا في عام 1963  واغتيال  طموحات الشعب العراقي   المرجوة من   ((ثورة تموز 1958)) ، حيث تحالفت   منابر  دعاة التدين  وحراس الاخلاق مع  الشواذ والقتلة  مع اموال وهرواة الاقطاعيين  وبدعم من  ذيول المخابرات الراسمالية الامريكية والبريطانية خادمة الاحتكارات البترولية،  للفتك  بالقوى اليسارية حملة لواء الثورة والتقدم  والحرية  والمساواة.....
 العقل  الجمعي بين  الثورة والفورة

 انعكاسات  التطور  العلمي والفني والاجتماعي  في العالم الاول   على  بلدان العالم الثالث ،   هنا   لدينا  مدينة السماوة نموذجا ...حيث تم فتح   سينما ((عبد الاله )) من قبل  عبد الستار الامامي    عام 1948   وقد كان  هذا الحدث  ذو اثر كبير على   سكان المدينة وخصوصا الشباب  منهم
(( حضور السينما الى السماوة جسد الانتقال من ضفة  رتابة تكدس جهلا كاتما، وعتمة تكاد لاتنتهي الى ضفة نور وهاج يضيء دربا يمنح البهجة بلا حدود، ويهب متعة بلا قيود ...)) ص114
، فمثلا تاثر  العديد من الشباب  بموجة افلام  الوسترن ومنهم الشاب ((مجيد))  حيث يتماهى   هذا الشاب مع  ابطال هذه الافلام
(( في يوم عرض احد هذه الافلام بمقدور من يقترب من السينما قبل بدء بيع التذاكر بوقت مشاهدة مجيد بدشداشة مقلمة ونعال  مطاطي مترب...)) تراجيديا ص123
 حيث  ارتدى   البنطلون  وقبعة  قديمة  واحتزم   بفكي خروف  عى انهما   مسدسات  ابو البكره   واخذ  يقاتل   خصوم وهميين  يرديهم صرعى معلنا انتصاراته الوهمية .....مقلدا  ((جون  اوين )).
و((نجم))  عاشق  ستيف ريفرز   بطل كمال الاجسام ،  ودور ((هرقل الجبار))....
(( كل شيء اقد ر عليه ساكون ستيف ريفرز السماوة ،))تراجيديا ص133.
((حسان))  ((طرزان الخزاعل ))  حيث تماهى هذا الشاب  الحالم ان يكون نسخة  عراقية سماوية من  طرزان   هذا الرشيق  خفيف الحركة  فائق القدرات  وهو يتسلق  الاشجار ويتنقل  من  واحدة الى  اخرى مع قردته .....
هذه النماذج  وغيرها  انما تدل على   التقليد المستحيل  العاجز عن  تمثل   العالم  المتقدم   الذي قطع شوطا كبير ا  في التقدم  وامتلاك  الثروة والتقنية  العالية   وبناء الشخصية  المميزة  التي حاول  تسويقها  لبلدان التخلف  لتكون محل  ابهار  واعجاب  ومثال يقتدى  ونموذج يحتذى .... فمحاولات  هؤلاء الشباب الحالمين كمحاولة ابن فرناس الطيران بجناحين من شمع... فبذلك بدت محاولاتهم  محاولات بهلوانية   مضحكة ومثيرة  للحزن والاحباط  ناهيك عن اثارة  الفكاهة والتندر، انها ارادة الوهم  ...كما هي مودة القمصان الحمر والشوارب الستالينية ، والمسبحة الحمراء ، وحمل  الميداليات والتظاهر  بالسكر والكفر لبعض من فهم الشيوعية بهذه المظاهر البهلوانية  المظهرية... وليس فكرا ومنهج حياة   لذلك سرعان ما خلعه ببساطة خلعه لقميصه وربطة عنقه  ليبدلها بلون أخر يناسب الوضع الجديد ...كما تحولت مقهى ((غازي)) الى مقهى(( الشعب))، ثم الى   مقهى(( العروبة)) ثم الى مقهى(( بركات العباس)) او   مقهى ((الخلفاء))؟؟؟!!!!!
وحفل سجل المواليد بتغير  الاسماء  من ((فيصل)) الى (( كريم)) الى (( ناصر)) الى (( صدام)) الى ((باقر))....
نريد ان نخلص  ان تمثل الحضارة والتحضر بحاجة  الى  زمن من  بناء  ملتزماتها وبحاجة الى ظروف موضوعية وذاتية  لتحققها ،  ان   العمل المنتج  والتحول من الانتاج الزراعي  الاقطاعي  الى الانتاج الالي الصناعي على يد البرجوازية الناهضة  هو من   حفز العقول على الابتكار وازاحة كل ما يقف في طريق  التقدم ..  الى تخليق ذات  متفردة ، وشخصية  متفكرة  متدبرة ، تنبذ السكون  والتقليد والركود، محيث اصبح العمل هو  المفتي  وهو الموجه  وهو   المخلق  للعادات والتقاليد  والسلوكيات ، فلاتستطيع المرأة مثلا من قيادة السيارة وهي تلبس  البوشيه او الصعود الى  قمر  تهدده ((الحوتة)) بالابتلاع في كل حين  !!11.
 نريد ان نصل  الى ان  العديد  من الممارسات والافعال والظواهر في  مجتمعاتنا  رغم  مظاهرها الرصينة ومطاولتها ولكنها   لازالت تعاني  من الفشل والتراجع  والاحباط  لانها بصراحة كبيرة  تشبه سلوكيات  ((طرزان الخزاعل))  او  تصرفات  ((مجيد)) و ((نجم ))،  ومنها مثلا  ولادة الاحزاب اليسارية واللبرالية  والقومية  وهي نتاج وافراز  مجتمعات   حداثية مدنية   في مجتمعات منتجة  متحضرة  قطعة شوطا مهما في التطور  العلمي  والثقافي  متجاوزا   تنظيمات  المجتمع  الاهلي ماقبل الحداثي  كالعشيرة  والطائفة ، مما نتج عنه    تحول اغلب هذه التنظيمات  الى  التماثل مع بيئتها الاهلية  متناسية  منابتها المدنية  فتحولت  الى اشباه  قبائل  وطوائف  متصارعة متقاتلة  لاتختلف عن الطائفة  والعشيرة  الا بالاسم ، حيث العشق للزعامة والوجاهة  ، وسلوك الثأر ،  ونبذ  ان لم نقل ابادة ومحو  الاخر .... مما ادى المزيد من التدهور  واالتحسر  على الماضي  الرجعي  للخلاص من الحاضر ((الحداثي))  حيث  اخذت  المظاهرات  الدموية الارهابية تخرج من الجوامع  بدل  التظاهرات الوطنية  التواقة صوب الحرية والتقدم من صالات السينما !!!!
فهل معقول ان يولد حزب شيوعي  هو وليد  مجتمعات  صناعية  متقدمة في بلد  زراعي  متخلف  اغلب سكانه من الأميين  والعاطلين عن العمل والعشائرين  والطائفيين المتعصبين ، في بلد   يحرث   بمحراث تجره الثيران ... او في بلد  يستورد  كل شيء ولاينتج سوى   العدوات  واساليب القمع والقتل  والجريمة  ، اساليب جديدة للغزو  والحصول على الغنائم ؟؟؟
او  قيام حزب قومي يدعو  لوحدة عربية في مجتمعات قبلية مغلقة  لايسمح  لسكان  بعضها   زيارة البعض الا بجواز سفر  وتحت رقابة امنية  مشددة ؟؟
 والا بماذا نفسر اعدام  قادة الحزب الشيوعي  على   يد السلطات  الملكية ((الديمقراطية))، وبماذا  نفسر  قتل وتقطيع   رموز الملكية  على ايدي الجماهير الشعبية  الثورية  في  تموز 1958 ؟؟؟
 وبماذا نفسر  الاحداث المفزعة في الموصل وكركوك بين  اليساريين  والقوميين ؟؟
 وماذا  نفسر اعدام العديد  من رفاق السلاح في العهد الجمهوري الاول ؟؟؟
 وبماذا نفسر  حمامات الدم للحرس القومي   في 1963 ؟؟؟
 وبماذا نفسر  مجازر  نظام البعث  ضد  رفاقه  وابناء شعبه  من مختلف التوجهات القومية واليسارية والدينية  ؟؟؟؟ ووووو
 كذلك   اوضح  الروائي من خلال  السينما  ا بان الشخصية للمواطن  العراقي  السماوي مغرقة في  العاطفية الكبيرة  التي   تتفوق  على   السلوك العقلي  العملي والعلمي ،  فرغم  انه    رافض للاستعمار والتبعية   الا  ان رفضه  لايتحول  الى  فعل  الا في اجواء  التعبئة والحشد العاطفي للعقل الجمعي  في قاعة السينما  تحت تاثي فلم   ((يسقط الاستعمار))،  فيظهر الجموع   هاتفا بسقوط الاستعمار واذنابه  ليجوب   شوارع المدنية مناديا بالحرية للشعب والوطن ..... وكذا هو الحال  في  دعمه  ومساندته  لقضايا اشقائه العرب  عبر فلم   بورسعيد وبطولة الشعب المصري للرد  على عدوان   1956 ، حيث  جابت التظاهرات شوارع المدينة  رافضة للعدوان  الثلاثي ومتضامنة مع الشعب المصري الشقيق
 كان  الراوي   متمكنا من  توثيق  الكثير من  الاماكن  في المدينة  وابقائها   حية في ذاكرة الاجيال ، كالجسور  والاسواق  والمقاهي والنوادي والشوارع والفنادق ، ناهيك عن الشخصيات   الهامة  والهامشية  ،  وتسجيل   رائع للاحداث الهامة     عبر تاريخ المدينة لغاية نهاية العهد العارفي في 1968  على  يد  البعث ، كزيارات  الحكام  ، وقصة   قطار الموت الماساوية ،  وقصة بناء وافتتاح  الجسر الحديدي ،  وتظاهرات  عيد العمال  العالمي ،  وفعاليات عمال السكك الحديدية  المعلم المهم في السماوة .... المدارس  والمكتبة العامة  ...الخ كل هذا بكاميرة ناصر الجبلاوي
((ناصر الجبلاوي يتالم للوجوه الشاحبة والمكفهرة والممصوصة، يتاسى للقامات الهزيلة التي تلتقطها كاميرته وتثبتها على الورق. شهادات صورية لخواء مجتمع منكفيء تمثله رموز  متهرئة منصميم وجوده)) ترجيديا ص161.
 الروائي  القدير  زيد الشهيد يقدم لنا الادلة القاطعة المصورة والموثقة باسلوب ادبي رائع   بتوصيف مسهبا في تفاصيله ـ منحازا  للتفسير الخلدوني الوردي لطبيعة  الشخصية   العراقية  ، نقول رغم  الاثر الكبير للذات في  التحول والسلوك  ولكن للبنية الاقتصادية والاجتماعية والموروث الثقافي  اثر كبير  في  بناء الشخصية وتحولاتها ....كما انه  اختار الاسماء من واقع البدواة الغالبة على ((المدينة))، ك((شتيوي الياور))  و((رشاش))  ، و((هديب)) و ((العساف)) ... الخ
كما انه استطاع ان يتحرك برشاقة كبيرة بين  شوارع ومحلات واسواق السماوة المحلية ، عبر متابعة الاحداث من قبل  ناصر الجبلاوي وشغفه بتسجيل وتوثيق احداث  وشخصيات المدينة ، كما  انه تمكن من نقل القاريء للتجوال في العاصمة بغداد  بمختلف  شواهدها  الهامة والجاذبة والمبهرة لابن السماوة ، كما انه تمكن ان يربط ابن السماوة  بالعالم العربي والعالم الاوربي عبر  الافلام السينمائية  المختلفة ، وكانه يظهر الفروق والمفارقات بين  مختلف الثقفات  والسلوكيات  المحلية والبغدادية والعربية والعالمية .
•   ملاحظ  وجود   تكرار بعض الصور الوصفية  ، او الاحداث  اثناء السرد  مما يؤثر على رشاقة السرد  وجماليته ....
•   كان  من الممكن  تنشيط ذاكرة النهر  ليحكي الكثير من الاحداث  ويكشف  عن العديد من الاسرار، فنهر مثل ((الفرات)) كنز من الاسرار والذكريات  وشاهد عصر تمتد  لالاف من السنين ، خصوصا ونحن  نعرف  ان  الانهار هي روح الحياة للمدينة  وخصوصا في العراق ، فالسماوة ملتقى ذاكرة النهر وذاكرة الصحراء  وهي ميزة هامة جدا قلما تتمتع بها مدينة ... وكان النهر ((يوميء لهم )) في اكثر  من  مناسبة .....
 *نرى ان  الكاتب  اسهب كثيرا في  ذكر الافلام  السينمائية  وموجاتها المختلفة  واسماء وادوار  الممثلين المشهورين ، رغم انها دلالة على ثقافته السينمائية  الواسعة  ولكنها  اثقلت  الرواية بالكثير من التفاصيل الذي   ربما   لم تكن محل اهتمام اغلب  القراء  ناهيك   على  كونها  ليست  ذات دلالة  مؤثرة في طبيعة السرد  وسير  الاحداث .......
* نلاحظ  غياب دور الاديب ((الشاعر)) الفصيح  او الشعبي  ، او ((القاص)) ، وكان الكاتب وزع الادوار على الجميع ونسى  نفسه !!!
*قلما يجعل  الروائي  شخصياته تكشف عن دواخلها من خلال حوارها الداخلي، همومها  ، تطلعاتها ، مكنوناتها المستترة .
*كما اننا ومن خلال  اطلاعنا على  رواية ((اعوام الافراس)) و (( تراجيديا مدينة))، نستشعر وعدا مضمرا من قبل الكاتب  زيد الشهيد  باتحافنا باكثر من رواية  جديدة اخرى تتناول احداثا هامة من تاريخ العراق  كفترة حكم البعث  وحروبه وحصاره ، وانتفاضة  اذار  1990، وانهزام الديكتاتورية القومانية ، احداث الاحتلال وما بعده ولحين التاريخ ، وهذه اعمال ضخمة  جدا ومهمة جدا ، نتمنى ان يتمكن اديبنا الكبير من اعطائها او بعضهامنها حقها من (( الادبنة)) لتاريخها  المثقل بالاحداث التي  لاتنسى  في حياة الشعب العراقي....
لانريد ان  نعيد حكم اهل الثقفة والادب على القدرة الابداعية  والخيال الباذخ للروائي القدير ((زيد الشهيد)) لان الكاتب تجاوز هذا الوصف  منذ باكورة نتاجاته  لمختلف الاجناس الادبية ومنها القصة والرواية ، ولكننا لازلنا  نتطلع الى روائي منتظر قادر على  ((ادبنة))  تاريخ المدن  وتاريخ البلد  وفق منهج  جديد ، يقترب من  روح وجوهر الحدث التاريخي ، غائصا في اعماقه  ولايكتفي بالطفو  على السطح.... ولنا الثقة بان   زيد الشهيد  سيزيدنا بالمزيد من نور القدرة على فهم جوهر الحراك الاجتماعي وقواه الحقيقة المحركة والمعرقلة  ليتحفنا بروايات تاريخية تتوفر فيها  صفات الرواية الناجحة باي طريقة يشاء تجمع بين الصدق والجمال  حيث بقوول  جيمس جويس :-
((هناك خمسةملايين طريقة تحكي حكاية واحدة حسب الاهداف التي تقصد اليها)) ص97 الرواية العربية- البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل .
ختاما نقدم للروائي القدير  آيات الاعجاب والتقدير  لابداعه المتميز ، واصراره على التواصل  المنتج المتجدد دوما .
يقلم  :  - حميد الحريـــــــــــــــــــــزي
Hamd.hur@gmail.com
 
         العراق







60
((البنت آغون ))   تخشى على وليدها((داعش)) من ضربات ((الدب الروسي))



((الدب الروسي))، يثبت الان في  سوريا  بانه قادر  على  فرض  هيبته وقوته  في  المناطق  الاراضي والبحار الدافئة  كما هو  في الاراضي والبحار  الباردة ، فقد  اثبت بانه  قويا فاعلا رشيقا خفيف الحركة على الارض السورية  ليمزق  بمخالبه  الجسد الداعشي الذي استعصى على العديد  من الجيوش  والحكومات العربية والاسلامية  وخصوصا في اسيا وافريقيا ، وقد كشف الوجه الحقيقي  لل((بنت  آغون)) حاضنة وراعية  مولودها المدلل ((داعش))  الذي  خلقته ليكون  وحشها المسيطر عليه من قبلها وارتباط حبله السري في  رحمها ، ليكون  وسيلة ضغط  لترويض كافة القوى التي لم تزل ممانعة  لقوى الرأسمال والاستغلال   الامريكي  المتوحش  والتي لم    تعترف بعد  بالكيان الصهيوني  ربيب الامبريالية الامريكية وهراوتها  الغليظة ضد  قوى التحرر والسلام في المنطقة  .......   

فقد لعبت امريكا دورا مزدوجا  مع  الارهاب  ، لعبت دور  الراعي والموجه  ولعبة دور المعادي    للدواعش واخواتها   وليد  القاعدة  الاشد همجية  وبربرية  في نسخته الاسلاموية ، ففي الوقت  الذي تبتز فيه الدول  المستباحة من قبل  طنطل  داعش  وتقوم  بأنشاء القواعد العسكرية  وتفعيل دور مخابراتها لتعبث في هذه البلدان  طولا  وعرضا ، بدعوى  مكافحتها للإرهاب ،  في حين اثبتت السنوات الماضية  في العراق خصوصا   بان   امريكا كانت   ولازالت تمد  الدواعش بكل  مستلزمات الديمومة  وتجدد القوة الى حد مدها  علنا  بالمال والسلاح   والخبرات البشرية وتسهيل وصول  المتطوعين   من  الدول  الغربية  والتحاقهم  بالمنظمات الارهابية  ومنها داعش ، وعدم  تزويد  جيوش  هذه المدن بالأسلحة والاعتدة والمعلومات الاستخبارية  الضرورية لدحر  الارهاب ، فقد  سقطت الموصل  وصلاح الدين  والرمادي  امام  انظار  الحليف الامريكي صاحب الصول والجول في الارض وفي السماء  دون ان تحرك ساكنا ،  وهذا ليس اتهام  واهي لأمريكا  وانما اثبتته الوقائع  لعدم وفاء امريكا   لمعاهدتها الامنية  الاستراتيجية بين امريكا والعراق  ومنها  صفقة  طائرات   الأف 16، وما  تقدمه  القوة العسكرية  الامريكية  ليس بمستوى جبروت وقدرة  الجيش الامريكي  الذي يبدو عاجزا امام   شراذم  عصابات  متخلفة  تتحرك على ارض منبسطة ....
فأمريكا  لا تريد حسم هذا الصراع  الا بعد ان تجبر كافة الاطراف على  القبول  بمخططها  المرسوم   وفي مقدمته تحجيم  ان لم نقل  تعطيل  النفوذ الايراني في المنطقة وخصوصا في العراق ، الهيمنة الكاملة على ارض وثروات العراق  عبر  تصنيع  وتخليق  طبقة سياسية   ثابتة الولاء لها  في العراق ، تقسيم العراق الى  ثلاثة  اقاليم  يضمر كل منها العداء  لجواره  من سنة وشيعة وكرد ، لتبقى  بصورة واخرى  مرتهنة لمساعدة امريكا  وهذا  لم يتحقق بعد ....فعراق قوي موحد  يشكل  هاجس  خطر دائم لمصالح الرأسمال العالمي ...
ان هذه العقلية التدميرية  ذات  الحضن المزدوج  للامساك   برؤوس المتصارعين  والتحكم بسلوكياتهم وولاءاتهم،  ليست كذلك  بالنسبة للدب الروسي  وان  كنا   لا نستبعد طبعا دفاع روسيا  المشروع  عن مصالحها الاقتصادية والعسكرية في المنطقة  ودفاعها عن امنها القومي الذي يعتبره مهددا  من قبل قوى الارهاب    ألاسلاموي ، فتاريخ روسيا في العالم العربي  تاريخا تميز بالمصداقية  والعطاء والتضامن والسلام   والبناء بالضد من  عدائية وهمجية واستغلالية قوى الرأسمال الغربي وخصوصا  البريطاني  والفرنسي والامريكي ....
فهذا الدور الفاعل والقوي للدب الروسي  في سوريا والذي  سيمتد بالتأكيد  الى دول اخرى  في منطقة  مشتعلة  ،اثار حفيظة ((البنت  آغون ))عشيقة ومربية  وحاضنة  الوحش  الداعشي  الدموي ، ففغرت فاها  صارخة مولولة   بالحرص على حقوق  الانسان  ومقتل الاطفال والمدنيين  والنساء في سوريا وكأن القذائف الروسية  لا تصيب  الا  اجساد المدنيين   السوريين  وليس الداعشيين (( الثوار)) من اجل الحرية عبر قطع الرؤوس  و اكل اكباد وقلوب الضحايا .....في حين اغفلت  تخصص القذائف الامريكية وحلفائها للمستشفيات واعراس المدنيين وقراهم في افغانستان  واليمن  وفي العراق !!
ان هذا المنطق  الامريكي وحلفائها  لا يمكن ان يقنع عاقلا في المنطقة العربية والاسلامية  وقد كشفت  الشعوب  الاعيبهم واعلامهم المضلل  وقد يممت وجهتها  صوب روسيا  والصين  وحلفائهما  لاحبا  بالدب  الروسي ولا التنين  الصيني  وانما من اجل  الخلاص  من  الارهاب  المصنع امريكيا  برداء اسلاموي  مهلهل .
حميد الحريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزي
العراق  hamd.hur@gmail.com

61
ماهكذا عرفت الناصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرية!!!!
على من نقر أ الفاتحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة  يا مسؤولين؟؟؟؟
بعد عدة ساعات من سير المركبة متجهة صوب ارض سومر ارض الحضارات ، وانا استعرض شريطا طويلا من الذكريات ، ذكريات النضال ، والصداقة ، والحب ، والعمل منذ اواسط السبعينيات حيث تصور الحكام اني ساكون غاضبا لو تم نفي من مدينة ((دهوك)) في كردستان الى الناصرية تحت ذريعة مقتضيات المصلحة العامة ، ولكني كنت في غاية السعادة انها مدينة الاحلام وموضع الفكر الحر والتراث الحي والطيبة والجمال ، وبالفعل فقد جبت كل قرى المحافظة من الفجر الى الجبايش طولا وعرضا بحكم عملي وبحكم مقتضيات المصلحة ((العامة)) ايضا على مستوى المحافظة ....
كانت سنينا رائعة رغم مرارة الديكتاتورية ومضايقاتها ... حيث الالفة والمحبة مع اهل الناصرية في المدينة وفي الاهوار ، قلوب وبيوت مفتوحة ممشبعة بالود والحب والكرم والوفاء استمرت لاكثر من اربعة عشر عاما ، فكانت الناصرية حبيبتي ربما اكثر من مدينتي ومسقط راسي في مدينة النجف الاشرف ....
اعود الى سفرتي الاخيرة لحضور مجلس الفاتحة الى ام كريمة كانت امي الثانية حنانا ومودة في الناصرية وقد افجعني خبر وفاتها ...
اطل علينا راس الشرطي من شباك السيارة
هويتك حجي.....
نعم عمي تفضل ..
عمي انته منين ؟؟
من النجف ؟؟
زين شعدك جاي للناصرية ؟؟
فاجأني السؤال كثيرا، طبعاً اذن لبقية الركاب لانهم من  ((اهل)) الناصرية  ...
انا شعندي بالناصرية ؟؟؟
وهل هذا سؤال يوجه  للعراقي وهو يزور او يتنقل بين مدن  وطنه ؟؟؟
... الا يعلم هذا ال ... ان اجمل سنوات عمري واجمل ذكرياتي واكثر من عقد من الشباب والعمل والكفاح قضيتها في الناصرية ، عرفتني شوارعها وساحاتها انهارها واهوارها وهي تشم رائحة النشرات الثورية المناهضة للديكتاتورية في جيوبي وبين ثنيات ملابسي وتبتسم وتربت على متني ان لاتخف انت في الناصرية في مدينة الكفاح والوفاء مدينة ((فهد)) و مثوى((سيد وليد)) وقلعة (( خالد احمد زكي)) وابو معيشي  وداخل حسن وحسين نعمه  وووومدينة الثقافة والشعر والغناء .....
عموما قلت له بعد ان اخذتني ((الصفنة)) بعيدا
عمي اجيت اقره فاتحه وازور اصدقائي هنا في الناصرية ...
لا حجي انزل روح لبو الاستخبارات !!!!!
عمي  ايصير   اني على مشارف اربيل  مو الناصرية ؟؟؟

شنو حجي انته  دتهزل انزل انزل  روح لبو الاستخبارات ....
ماذا لبو الاستخبارات هل انا محل شبهات ياساتر ؟؟؟
لا حجي لازم يجي واحد يكفلك حتى تطب الناصرية ....
ما الامر يبدو اني على مشارف اقليم كردستان وليس على مشارف مدينة الناصرية ، حيث استنكر اغلب العراقيين اجراءات حكومة كردستان بعد م السماح لغير الكردي بدخول كردستان الا بمعرفة وكفالة كفيل كردي ومن ضمن المستنكرين العديد من مسؤولي الناصرية ناهيك عن سكانها !!!!
قلت ربما هذا الشرطي لايعي ما يفعل ... ذهبت نحو ابو الاستخبارات ...
عمي انا ......
اي وشنو يعني من النجف وموظف وعضو اتحاد ادباء ونقابة صحفيين .... اعرف اعرف انته عراقي ... حجي خابر احد يجي كفلك !!!!!!!
عمي ناس موجوعين عدهم فاتحة ما اريد ازعجهم بجيتي وازيد من متاعبهم ...
حجي بغير كفيل ما تدخل لا انته  ولا غيرك للناصرية من دون كفيل هذا خصم الحجي لو ترجع من ماجيت ...
اللهم صبرك ياروح ماذا يجري في هذا البلد وهل هناك عدواة بين النجف والناصرية او هل النجف افغانستان تصدر الارهابيين حتى تتخذ بحق النجفيين مثل هذه الاجراءات ؟؟؟؟
النهاية اتى الكفيل ودخلت المدينة ولا ادري هل اقرء الفاتحة على امي الثانية او اقرء الفاتحة على عراق واحد موحد ... او اقرء الفاتحة على كل طيبة  الناصرية وكرم وضيافة ومحبة اهلها وهذا مستحيل ؟؟؟
ولكني اوجه سؤالي الى مسؤولي الناصرية ابهذا الاسلوب تتم حماية الناصرية ؟؟
ابمثل هذا الاسلوب يتم استقبال احباب وضيوف الناصرية وهم في بلدهم ؟؟؟
حتى دخولك الى اي بلد اجنبي جواز سفرك هو وثيقة دخولك دون مانع ... الا تعتبر هوية الاحوال المدينة وبقية الوثائق الرسمية جواز مرور داخل مدن العراق ؟؟؟
في ظل اية اجراءات طاردة ومحفزة على الغربة والاغتراب والفرقة يعيش بعض المسؤولين ...
الا من يرى الا من يسمع الا من يعقل ماذا يفعل ؟؟؟
صرخة احتجاج ورفض اطلقها في وجه من اتخذ هذا القرار واطالب كل من يهمه الامر الى الغاء وشجب ومحاربة مثل هذه الاساليب الغير مقبولة في التعامل مع المواطن العراقي في بلده وبين اهله فهل من مجيب؟؟؟؟؟؟؟؟ ....
وماذا لو اتخذت محافظة النجف مع زوارها من بقية المحافظات ومدن العالم من كل العراق وخصوصا اثناء لزيارات والمناسبات الدينية وكذا الامر في كربلاء والكاظمية مثلا ؟؟؟؟؟


62
ضُرِبَ  أنف ((داعش)) ، فدمعت عيون ((العم سام)) !!!!!
     

 لغرض ذر الرماد في العيون اطلقوا عليها  اسم ((الحرب الباردة)) بين  الشيوعية او المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي  والراسمالية او  المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية  والذي من المفترض ان تكون قد  طويت  صفحاتها   الماساوية واخمدت نيران  حربها العسكرية والسياسية والاقتصادية  والايدولوجية الضروس  بعد انهيار  المعسكر   الشيوعي او  الشرقي وتفكك الاتحاد السوفياتي ، ولكن  هذا الوهم  قد تبدد الان  في ظل مايجري في اكثر  من  بلد في العالم ، لابل اصبحت هذه الحرب  ساخنة وتزداد سخونة  باستمرار  وقد تنذر بشر  خطير  قد يحرق الاخضر واليابس لو قبلت ((السيخوي ))الروسية وجنة  ((الاف سكستين )) الامريكية ، هذه القبلة الحارقة الخارقة  التي قد تبعث شرارة للخزين النووي الهائل  في كلا الدولتين  الجبارتين .....
ان افرازات  الحرب الباردة كانت مسوخا  خطرة  تبدو وكانها  قد تمردت على  خلقها  ومصنعها  وخصوصا الامريكي الذي  لم يضع  خطوطا حمراء في صراعه مع غريمه الشيوعي في الجانب الاخر ، واول هذه المسوخ  كان   تنظيم ((القاعدة)) الارهابي  في اافغانستان ، والذي  تشظى الان الى عشرات  الطناطل والسعالي والمسوخ  الارهابية  المتكاثرة بالانشطار  وخصوصا في العالم العربي الاسلامي  المشبع برائحة البترول  حيث   تم برمجة  هذه المسوخ  من قبل  المصنع  الامريكي   لتكون التربة البترولية افضل الاوساط والبيئات المحببة  لديها  والمساعدة على نموها .........
ومن  اجل  ان  ينجز هذا  المسخ مهماته كاملة  من  خلال  شرذمة  وافقار  شعوب المنطقة  لاحكام هيمنة الراسمال المعولم على ثرواتها ومقدراتها  فقد  ارتدت  الولايات المتحدة  قناع المتصدي لهذه المسوخ  دفاعا  عن ((الديمقراطية))  حرصا منها  على  الامساك  بناصيتي  الطرفين الارهاب  ومقاومته  لتتحكم  في زمن ومكان واثر  هذه المسوخ ، كافضل مبرر لدخول جيوشها  وتدجين   وابتزاز  كافة القوى المناهضة للهيمنة الامبريالية الامريكية ، وهي تبث  الرسائل التي   تؤشرطول فترة حرب الارهاب  اي  طول فترة ارتهان هذه الشعوب  لارادة  الراسمال الامريكي  وتابيد الاستغلال والقهر .....
هذا الواقع المرير والخطير  استفز  الغريم القديم  مستشعرا   بدنو الخطر من   عرينه ، مما حفز لديه   كبريائه  وهيمنته القيصرية  والشيوعية ، فانتفض  الدب الروسي لياخذ دوره في هذا الصراع  وليثبت قدرته  على تمزيق اقنعة  الراسمال الامريكي  المنافس  وزيف  ادعائه  بمحاربة  ربيبه ومسخه  الارهاب بكافة   اشكاله ، وقدرته على اثبات كون  هذا  المسخ انما هو نمر من ورق  سيمرغ   الدب لروسي انفه  في مستنقع الهزيمة ، وهذا  مايحصل الان  في سوريا  وقد  يمت ان لم يكن قد امتد بالفعل الى العراق وربما يتعداهما ....
هذا الفعل الفاعل الجريء للدب الروسي اثار  موجة  عاتية وعاصفة  من الادعاءات  والاكاذيب وتصيد  الهنات  للاساءة  للقوة الروسية واظهارها  بالوحشية  وعدم الالتزام بحقوق الانسان  مفبركة الصور ومستاجرة  ، الابواق العفنة  للنيل  من  المجهود الروسي  في محاولة لافشاله  وابعاد خطره المعرقل  لاهدافها الشريرة في  المنطقة  متناسية جريمتها الطازجة  بقصف   مستشفى  اطباء بلا حدود في مدينة ((قتدوز)) في افغانستان  وتسببها  لمجزرة كبيرة  من المرضى والاطباء  في المستشفى  وهذا  ما لم  تفعله ولن تفعله الطائرات الروسية  في سوريا  او غيرها ،.
 ان هذا  الفزع الامريكي من التخل الروسي  تعاظم  مع تحالف هذا الدب  مع  ((الاسد)) الايراني  وعدم ممانعة ان لم نقل  مساندة(( التنين  لصيني ))   والاستقطاب للقوى  لاشك سيشمل قوى  ودول اخرى  في العالم المناهض لاطماع الراسمال الامريكي المتوحش ...
 لانريد ان  نتكهن  بما  ستؤول  اليه الاحداث في لمستقبل القريب  اضعفها حرائق سيغطي دخانها كل دول المنطقة، واخطرها  اتون   نيران   النووي التي  ستدمر  دول وقارات بكاملها ....
من كل ذلك  ندرك لماذا  هملت عيون ((العم سام)) ولطم عملائه العرب خدودهم ،  حينما  ضرب الدب الروسي انف ((داعش)) وحشهم المدلل .
حميد الحريزي 
العراق 
Hamd.hur@ gmail.com



63
سلوك العراقيين  ما بين وهم((الجين)) و نهج((التدجين))   
دراسة  لرواية ((ترجيديا مدينة)) للروائي زيد الشهيد



بقلم  :  حميد الحريزي

قول في   ))ادبنــــــــــــــــــــة((التاريخ :-

حينما  نقرأ التاريخ  يجب  ان  نكون   على وعي بما نقرء ، فكاتب التاريخ  لايمكن  فصله  عن  منهجه الكتابي وعن  توجهه الفكري  وطريقته في   تسطير  الاحداث التاريخية .... فهناك من يروي  الاحداث كما  ظهرت له  على  السطح  دون ان  يغور  في عمق الحدث ، وهناك  من  ينسب الاحداث والظواهر التاريخية  الى فعل الفرد  الزعيم  او البطل  او المصلح ... وهناك من  يدرس الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المنتج للظاهرة  ومولدها  ومن يقف وراءها  ومن  يعمل على تفعيلها وديمومتها ، فهذه الظروف  هي صانعة  الابطال والزعماء ومن رحمها يولد الفاعل الاجتماعي  بمختلف توصيفاته وعنوانيه  تبعا للظرف التارخي  من حيث الزمان  والمكان ، فلا  امكانية للانبياء والرسل في  زمن العولمة  الراسمالية ، ....  لانريد ان نسهب في هذا المجال  من الارخنة  في الماضي والحاضر  ولكننا نريد ان  نلقي الضوء على   ادبنة التاريخ ، اي   كتابة التاريخ من قبل  الاديب  وبالخصوص الروائي باعتبار ان الرواية هي الجنس الادبي الارحب والانسب ان لم نقل الاوحد  لكتابة التاريخ ادبيا ،فالروائي عليه ان يكتب تاريخ الرواية ليست  كما ظهرت على السطح  او كما وثقها المؤرخ بل   بعث  شخصيات   غير ظاهرة ، تخليق شخصيات مهمشة في التاريخ المكتوب واظهار دورها الفاعل في  الاحداث ، وعلى الروائي ان  يظهر الاسباب الجذرية والحقيقية الكامنة وراء سلوكيات الناس  وذكر دور كل  فئة وطبقة  اجتماعية في الحدث  وهل هي مستفيدة  او  متضررة  من الحدث,,,,
)) ان الرواية التاريخية ليست تاريخا، ولكنها تتعامل مع التاريخ وهذا التعامل يفرض عليها حدودا، هي قيود لها ، لاتعرفها الرواية الفنية ، اول هذه الحدود والقيود ان تبقى الرواية مخلصة لطبيعتها الفنية  ولا تتحول الى كتاب من كتب التاريخ ، وثاتيها ات تستعير من التاريخ دون ان تحور فيه، وثالثها ان تنتقي من التاريخ دون ان  تتلاعب بسياقه وحقائقه ودلالاته)) ص70 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003
عليه  ان يمتلك رؤيا واضحةلطبيعة مجتمعه وبيئته  بمختلف شرائحه وطبقاته  ودورها  في الاحداث  هل هي دافعة او معرقلة  للحدث  المعين ، بمعنى ان يمتلك  قدرة  في  علم الاجتماع وعلم النفس وطبيعة الثقافة السائدة  ،وهنا سوف يكون المنتج السردي ليس  منتجا وصفيا  سطحيا  ، بل مصباحا تنوريا يضع النقاط  على الحروف ويكشف  المستور  ويظهر المهمش   في الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ويجهر بالمسكوت عنه من  قبل المؤرخ .......
((مايحدد نظرة الكاتب الى العالم ليس نوع الجانب الذي ينحاز اليه؟، بقدر ما هو نوع العيون التي ينظر بها الى العالم)) ص399 أرنولد هاوزر -  ج2 تاريخ الفن والمجتمع عبر التاريخ.
قدرة الكاتب على  التوليف بين الواقعي الحقيقي والتخيلي   المكثف والمظهر للواقعي المسكوت عنه ، هذه القدرة ستنتج عملا روائيا يجمع بين الواقعية والخيال المساند  ، على شرط عدم تغليب احدهما على الاخر بشكل تعسفي  ف(( تغليب الحقيقي سيضيق الخناق على المتخيل، فلا يترك له فرصة ابتداع الاحداث والازمنة والامكنة والشخصيات الرئيسية)) ص71 الرواية العربية – البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل.منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003
هذه المقدمة القصيرة ليست بالضرورة   تخص   رواية (( ترجيديا  مدينة ))  للرولئي  زيد الشهيد ، وانما هي  ملاحظات  عن الجانب الفكري  والمنهجي  للعديد من الروايات العراقية فيما يخص   تاريخ المدن ؟، او   ادبنة  الاحداث  والانتفاضات     في العراق  التي صدرت  خصوصا   مابعد  2003  حيث امتلك الاديب العراقي   حرية  الكتابة  وتاشير الاحداث   دون خوف وان بشكل  نسبي  وهذا مالم يكن  متاحا  للكاتب    ماقبل التغيير ....فالرواية التاريخية كما عرفها  ميخائيل باختين (( ان الرواية التاريخية هو التحديث الايجابي ، هو محو الحدود بين الازمنة، والتعرف على الحقيقي الخالد في الماضي)) ص180  مختارات من اعمال ميخائيل باختين – ترجمة  يوسف حلاق   ط1 2008 المركز القومي للترجمة .
ازمة هيمنة طبقية  مزمنة  :-

من  يقرأ تاريخ العراق   او بالاحرى قراءة  قيام وولادة الدولة العراقية  الوطنية  لم يكن بارادة وطنية عراقية ، بل هي تصنيع  من قبل  قوى استعمارية خارجية ، ورغم  الهياج الشعبي الكبير   ضد الاستعمار الانكليزي منذ ثورة 1920   الوطنية    ـ فلم  تتوصل قيادات هذه  الجموع الثائرة على الاتفاق  حول   زعيم لقيادة الدولة ، فتم استيراد ملك تولى العرش من خارج العراق ، هذا العجز ناجم  عن  عدم وجود طبقة برجوازية وطنية  ناضجة  مؤهلة للقيام  بدورها التاريخي كما  في دول العالم الاول  في اقامة  وقيادة  الدولة  القومية ،  وقد  بدات حياتها كدولة ريعية مصدر ايرادها الرئيسي هو البترول ، مما  سهل فرش   بساط الحكم تحت اقدام  ((الاقطوازية )) وهي طبقة هجينة من   الاقطاع والبرجوازية الطفيلية  المرتبطة  بنيويا  باسيادها في خارج العراق  من  فرس واتراك  وانكليز وامريكان ،  هذه الطبقة   عجزها  بنويوي من صلب  بنيتها  الفكرية  موروثة  مولدة عجزها ومديمة وجودها عبر تجدد الازمات  في  بنية المجتمع ، جل ماتخشاه نهضة القوى المنتجة الفاعلة  كالبرجوازية الوطنية  والطبقة المتوسطة المستنيرة والطبقة العاملة ....وهذا  هو سر   الانقلابات العسكرية المتوالية في العراق   حيث ان التغيير يتم بتغيير الوجوه  فقط  ولايمس جوهر الطبقة الحاكمة  المازومة  التي  تعمل جاهدة لتوظيف كل مصادر الثروة من اجل صيانةحكمها  وقمع  كل صوت للمعارضة  مهما كان  ضعيفا وهذا ماحصل  مع قوى اليسار العراقي  في عهدالملكية  وفي عهد الجمهورية الاولى زمن  عبد الكريم   قاسم   وماحدث في  شباط الاسود عام 1963 ومابعدها  ولحين  التاريخ .....اذن يجب الالتفات ان  حالة الازدواجية والثعلبة والتسول الاخلاقي   ليست جينة عراقية  او عربية انما هي سلوك وقائي من اجل البقاء كما هي الحربنة .... فلا غرابة  ان تحمل الجماهير  سيارة الملك    احتفاءا  بزيارته للسماوة   في 2-4-1953ثم   تخرج  جموعها تهزج   للثورة في 14  تموز  هاتفة  (( عمال السكك فدوه لبن قاسم ))، ثم  تسكن  مذعورة  امام  رشاشات شراذم الحرس القومي  في 1963 ، ثم تهتف  لعبد السلام   ولعودة البعث    في 1968... ويتحول الشيطان الاكبر الى الاخ الاكبروالمحررالمنقذفي2003!!

((قيء)) الريف ، وحثالة المدن:-
((شراد هديب)) هذا القروي المشرد العاطل عن العمل والمترعرع في رحم البداوة  مثالا ونموذجا لعشرات الالاف من الفلاحين او الرعاة اللذين  ضاقت بهم قراهم وصحاريهم نتبجة تردي  الواقع الزراعي وهيمنة قوى الاقطاع وظلمهم وقهرهم  للفلاحين ، مما اضطرهم  للهجرة للمدينة ، هذه المدينة  الخاوية  والتي تعيش كسادا مزمنا فلا  معامل ولامصانع  تحتوي وتجتذب   هذه الجماهير الى عجلة العمل المنتج  كما   حصل لامثالهم في العالم الغربي ابان الثورة الصناعية ، فتحولوا  الى عمال منتجين  واضحي الاصطفاف الطبقي والمهني مع   رفاقهم في العمل  تربطهم رابطة الكفاح المهني من اجل حياة افضل  يفرضونه  على الطبقة البرجوازية المنتجة  الحاكمة التي  من مصلحتها اعطاء حيز من الحرية  لازدهار الانتاج  والتجارة وبالتالي زيادة الربح ..... بمعنى ان المجتمعات الغربية  اصبح الاصطفاف الطبقي فيها واضحا   برجوازية   مهيمنة –طبقة وسطى   متنورة -  طبقةعاملة  ساعية للانعتاق  من ربقة قهر  راس المال ....في حين لازالت ((مجتمعاتنا)) عبارة عن كتل بشرية مائعة يتداخل بعضها ببعض لتكون غير واضحة الحدود والمعالم والصفات والسلوكيات   فتغلب عليها الهجنة  وضياع الاصطفاف الطبقي والضياع الفكري .
  سلوك  العراقيين  مابين ((الجين))  و(( التدجين ))

في  بلدان الريع كما  في العراق  شكل  ((شراد شتيوي ))واشباهه  جيشا من المهمشين لاتحتضن جموعهم  سوى  جبهات الموت  والقتال او سراديب السجون والمعتقلات ، بين خانع قانع ذليل يعيش على صدقات  الاغنياء  ، او خادما بلا روح ولامشاعر  للسلطة الظالمة  كشرطي  او  عنصر  امن ، او  ثعلبا  ماكرا   متلون غادر يستل خنجره حينا ويقبل  الايدي حينا  اخر  لكسب المال والجاه   وهذا ما  يسميه  الوردي وغيره  بازدواجية  وتلون وعدم ثبات الشخصية العراقية
ونظرا لتردي الموضوع  في  مدننا ، والقطع القهري لتطور المجتمع ليكون  مجتمعا مدنيا  حداثويا  عبر  تطور العمل  المنتج   في الصناعة  والزراعة ، وكبت الفكر الحر  منذ  قتل ومحاربة الفكر الاعتزالي كارهاصة اولى للعقلانية المتنورة  في المجتمعات العربية الاسلامية
((كانت افكار المعتزلة تمثل طموح المدنية بمختلف قئاتها، الى مراكز اجتماعية وسياسية كانت احتكارا لنبلاء الارض)) ص437 لمحات اجتماعية حسين مروة  مج2، وابقاء العراق  كبلد ريعي ، مما  ادام حالة الركود العام واصبح عائقا كبيرا امام نمو  وتطور القوى الحاملة  للفكر التنويري العلمي التقدمي ، ومحاولة قمعه  من قبل السلطة تحت  مختلف الذرائع  والحجج  كما  حصل مع  ((يوسف)) الشاب  الطموح الذي  حاول ان يضع  يده  على علة التخلف الاجتماعي في بلده ومحيطه
((صار حالما، صار خالق يبغيها يو توبيا، ابجديتها السعادة وعيش الناس بهناء، رفضا للحروب والتقاتل ودعوة للخير والسلام، يرفض التحزب في بلد كيلده لاتفقه نخبته الحزبية جوهر العمل المبني على التنافس الصادق....)) تراجيدياص196 ، لذلك سعت السلطات  تحطيم عقله  وروحه وحذفه صوب الاحباط والسلبية  والانكفاء  على الذات ،  كما  تم  قتل مشروع الحب  والالفة  بينه  وبين ((شيمران))  رمز التنوع  الفكري والديني كنواة للمشروع الحداثوي ،  وقد سبق كل ذلك  قتل سلطان شاهر ((ابو يوسف))  كمثال  للعقل المتتنور لطبقة  منتجة  ناهضة  وطبقة متوسطة  متنورة   واتهام ولده  بقتله  في محاولة لاستئصال هذه الفئة من الوجود الاجتماعي وكان السلطات تعيد قصة نبي الله يوسف  ولكن بوحشية وخسة اكبر حيث لم  يكتفي اخوة يوسف  بتغييب يوسف بل  اتهامه بقتل  ابيه !!!!،  وابنة المؤمن التي استنشقت عبير الحرية  والعلم  من والدها المتحدي لقيم  المجتمع المتزمت المحافظ ، وبدفع من  الطبيبة الثورية  الشيوعيه  ((تزيهة الدليمي))  اول امراة  تستوزر في تاريخ العراق ،  نتيجة الاحباطات الكثيرة والمضايقات الاكثر((استنتجت ان من المحال تحقيق "حرية المراة" في مجتمع ينزع  الى اصوله البدوية...))ص259 
وناصر الجبلاوي هذا العقل التوثيقي  في بلد   لايعرف  ولايهتم  يالتوثيق  بالصور  بل اعتاد النقل الشفافي للحدث ومعالم الشخصية  هذا من ارهاصات الحداثة  في المدن وفي المجتمع العراقي عموما.......
هذه الطموحات  الانسانية والوطنية  للتخبة المثقفة الواعية  تقابلها حالة التبعية والخضوع والخسة واللامبالاة للبرجوازية الطفيلية ممثلة بموقف شتيوي الياور
 ((لايأبه شتيوي لما يجري في المدينة ومايحصل في الوطن، لايرى في الاحتجاجات والتظاهرات غير افعال عقيمة لاناس يستولي على ملكاتهم الحقد وتحركهم اصابع لاتريد للبلاد الاستقرار...))تراجيديا ص164
 ومما له دلالة   انشاء  الجسر الحديدي الجديد ,وقبله  جسر  بربوتي، ليخدم انسيابية نقل البضائع ، وتنشيط تجارة الشركات الراسمالية الانكليزية خصوصا  ، حيث تم انشاء خط سكك الحديد ومجطته في البصرة والناصرية والسماوة  والديوانية والحلة وصولا الى بغداد  ومنثم الى الموصل ....
 ((فمدوا شبكة من السكك الحديد  وحركوا فوقها القطارات الحديدية التي نظر لها الناس على أنها  من أعمال السحر . إذ كيف تسير كل هذه الكتل الحديدية على سكة رفيعة ولم تميل أو تسقط . وبمرور الأيام تآلفوا معها ونسوا هذا السؤال المحيّر حتى وإن لم يحصلوا على جوابٍ له ))

.لمحاولة الربط  بين   عامة الناس في احد الضفتين  و الطبقة الحاكمة  في الضفة الثانية ((الصوب الصغير والصوب الكبير)) ، ولكن دون  جدوى فقد بقيت الهوة قائمة بين  الضفتين  لان  هذا الجسر لم ينجز بايدي  وفكر   عراقي  بل لحاجة  الشركات الراسمالية ، حاله حال محطة السكك الحديدية ، وقد عم الفساد  في الجهاز التنفيذي للسلطة ممثلا  بالمفوض ((رشاش)) بالتخادم  مع  البرجوازية الرثة الطفيلية  ((شتيوي الياور)) وحثالة البرولتاريا ممثلة ب(( شراد هديب )) لتعمل  بالتضامن والتكافل  لقتل كل  محاولة للبناء والتقدم ، وقطع  اليد التي تحاول ان تنزع عصائب التضليل عن عيون الجماهير  المستغلة  فكانت ((ثورة)) الرابع عشر من تموز  محاولة لردم الهوة ودمج الضفتين  كردة فعل لعدم قدرة الطبقة السياسية الملكية الحاكمة انجاز هذه المهمة،  فلاغرابة ان   يشهد العراق اقوى واشرس حملة قمع ضد القوى اليسارية  العراقية  وخصوصا في عام 1963  واغتيال  طموحات الشعب العراقي   المرجوة من   ((ثورة تموز 1958)) ، حيث تحالفت   منابر  دعاة التدين  وحراس الاخلاق مع  الشواذ والقتلة  مع اموال وهرواة الاقطاعيين  وبدعم من  ذيول المخابرات الراسمالية الامريكية والبريطانية خادمة الاحتكارات البترولية،  للفتك  بالقوى اليسارية حملة لواء الثورة والتقدم  والحرية  والمساواة.....
 العقل  الجمعي بين  الثورة والفورة

 انعكاسات  التطور  العلمي والفني والاجتماعي  في العالم الاول   على  بلدان العالم الثالث ،   هنا   لدينا  مدينة السماوة نموذجا ...حيث تم فتح   سينما ((عبد الاله )) من قبل  عبد الستار الامامي    عام 1948   وقد كان  هذا الحدث  ذو اثر كبير على   سكان المدينة وخصوصا الشباب  منهم
(( حضور السينما الى السماوة جسد الانتقال من ضفة  رتابة تكدس جهلا كاتما، وعتمة تكاد لاتنتهي الى ضفة نور وهاج يضيء دربا يمنح البهجة بلا حدود، ويهب متعة بلا قيود ...)) ص114
، فمثلا تاثر  العديد من الشباب  بموجة افلام  الوسترن ومنهم الشاب ((مجيد))  حيث يتماهى   هذا الشاب مع  ابطال هذه الافلام
(( في يوم عرض احد هذه الافلام بمقدور من يقترب من السينما قبل بدء بيع التذاكر بوقت مشاهدة مجيد بدشداشة مقلمة ونعال  مطاطي مترب...)) تراجيديا ص123
 حيث  ارتدى   البنطلون  وقبعة  قديمة  واحتزم   بفكي خروف  عى انهما   مسدسات  ابو البكره   واخذ  يقاتل   خصوم وهميين  يرديهم صرعى معلنا انتصاراته الوهمية .....مقلدا  ((جون  اوين )).
و((نجم))  عاشق  ستيف ريفرز   بطل كمال الاجسام ،  ودور ((هرقل الجبار))....
(( كل شيء اقد ر عليه ساكون ستيف ريفرز السماوة ،))تراجيديا ص133.
((حسان))  ((طرزان الخزاعل ))  حيث تماهى هذا الشاب  الحالم ان يكون نسخة  عراقية سماوية من  طرزان   هذا الرشيق  خفيف الحركة  فائق القدرات  وهو يتسلق  الاشجار ويتنقل  من  واحدة الى  اخرى مع قردته .....
هذه النماذج  وغيرها  انما تدل على   التقليد المستحيل  العاجز عن  تمثل   العالم  المتقدم   الذي قطع شوطا كبير ا  في التقدم  وامتلاك  الثروة والتقنية  العالية   وبناء الشخصية  المميزة  التي حاول  تسويقها  لبلدان التخلف  لتكون محل  ابهار  واعجاب  ومثال يقتدى  ونموذج يحتذى .... فمحاولات  هؤلاء الشباب الحالمين كمحاولة ابن فرناس الطيران بجناحين من شمع... فبذلك بدت محاولاتهم  محاولات بهلوانية   مضحكة ومثيرة  للحزن والاحباط  ناهيك عن اثارة  الفكاهة والتندر، انها ارادة الوهم  ...كما هي مودة القمصان الحمر والشوارب الستالينية ، والمسبحة الحمراء ، وحمل  الميداليات والتظاهر  بالسكر والكفر لبعض من فهم الشيوعية بهذه المظاهر البهلوانية  المظهرية... وليس فكرا ومنهج حياة   لذلك سرعان ما خلعه ببساطة خلعه لقميصه وربطة عنقه  ليبدلها بلون أخر يناسب الوضع الجديد ...كما تحولت مقهى ((غازي)) الى مقهى(( الشعب))، ثم الى   مقهى(( العروبة)) ثم الى مقهى(( بركات العباس)) او   مقهى ((الخلفاء))؟؟؟!!!!!
وحفل سجل المواليد بتغير  الاسماء  من ((فيصل)) الى (( كريم)) الى (( ناصر)) الى (( صدام)) الى ((باقر))....
نريد ان نخلص  ان تمثل الحضارة والتحضر بحاجة  الى  زمن من  بناء  ملتزماتها وبحاجة الى ظروف موضوعية وذاتية  لتحققها ،  ان   العمل المنتج  والتحول من الانتاج الزراعي  الاقطاعي  الى الانتاج الالي الصناعي على يد البرجوازية الناهضة  هو من   حفز العقول على الابتكار وازاحة كل ما يقف في طريق  التقدم ..  الى تخليق ذات  متفردة ، وشخصية  متفكرة  متدبرة ، تنبذ السكون  والتقليد والركود، محيث اصبح العمل هو  المفتي  وهو الموجه  وهو   المخلق  للعادات والتقاليد  والسلوكيات ، فلاتستطيع المرأة مثلا من قيادة السيارة وهي تلبس  البوشيه او الصعود الى  قمر  تهدده ((الحوتة)) بالابتلاع في كل حين  !!11.
 نريد ان نصل  الى ان  العديد  من الممارسات والافعال والظواهر في  مجتمعاتنا  رغم  مظاهرها الرصينة ومطاولتها ولكنها   لازالت تعاني  من الفشل والتراجع  والاحباط  لانها بصراحة كبيرة  تشبه سلوكيات  ((طرزان الخزاعل))  او  تصرفات  ((مجيد)) و ((نجم ))،  ومنها مثلا  ولادة الاحزاب اليسارية واللبرالية  والقومية  وهي نتاج وافراز  مجتمعات   حداثية مدنية   في مجتمعات منتجة  متحضرة  قطعة شوطا مهما في التطور  العلمي  والثقافي  متجاوزا   تنظيمات  المجتمع  الاهلي ماقبل الحداثي  كالعشيرة  والطائفة ، مما نتج عنه    تحول اغلب هذه التنظيمات  الى  التماثل مع بيئتها الاهلية  متناسية  منابتها المدنية  فتحولت  الى اشباه  قبائل  وطوائف  متصارعة متقاتلة  لاتختلف عن الطائفة  والعشيرة  الا بالاسم ، حيث العشق للزعامة والوجاهة  ، وسلوك الثأر ،  ونبذ  ان لم نقل ابادة ومحو  الاخر .... مما ادى المزيد من التدهور  واالتحسر  على الماضي  الرجعي  للخلاص من الحاضر ((الحداثي))  حيث  اخذت  المظاهرات  الدموية الارهابية تخرج من الجوامع  بدل  التظاهرات الوطنية  التواقة صوب الحرية والتقدم من صالات السينما !!!!
فهل معقول ان يولد حزب شيوعي  هو وليد  مجتمعات  صناعية  متقدمة في بلد  زراعي  متخلف  اغلب سكانه من الأميين  والعاطلين عن العمل والعشائرين  والطائفيين المتعصبين ، في بلد   يحرث   بمحراث تجره الثيران ... او في بلد  يستورد  كل شيء ولاينتج سوى   العدوات  واساليب القمع والقتل  والجريمة  ، اساليب جديدة للغزو  والحصول على الغنائم ؟؟؟
او  قيام حزب قومي يدعو  لوحدة عربية في مجتمعات قبلية مغلقة  لايسمح  لسكان  بعضها   زيارة البعض الا بجواز سفر  وتحت رقابة امنية  مشددة ؟؟
 والا بماذا نفسر اعدام  قادة الحزب الشيوعي  على   يد السلطات  الملكية ((الديمقراطية))، وبماذا  نفسر  قتل وتقطيع   رموز الملكية  على ايدي الجماهير الشعبية  الثورية  في  تموز 1958 ؟؟؟
 وبماذا نفسر  الاحداث المفزعة في الموصل وكركوك بين  اليساريين  والقوميين ؟؟
 وماذا  نفسر اعدام العديد  من رفاق السلاح في العهد الجمهوري الاول ؟؟؟
 وبماذا نفسر  حمامات الدم للحرس القومي   في 1963 ؟؟؟
 وبماذا نفسر  مجازر  نظام البعث  ضد  رفاقه  وابناء شعبه  من مختلف التوجهات القومية واليسارية والدينية  ؟؟؟؟ ووووو
 كذلك   اوضح  الروائي من خلال  السينما  ا بان الشخصية للمواطن  العراقي  السماوي مغرقة في  العاطفية الكبيرة  التي   تتفوق  على   السلوك العقلي  العملي والعلمي ،  فرغم  انه    رافض للاستعمار والتبعية   الا  ان رفضه  لايتحول  الى  فعل  الا في اجواء  التعبئة والحشد العاطفي للعقل الجمعي  في قاعة السينما  تحت تاثي فلم   ((يسقط الاستعمار))،  فيظهر الجموع   هاتفا بسقوط الاستعمار واذنابه  ليجوب   شوارع المدنية مناديا بالحرية للشعب والوطن ..... وكذا هو الحال  في  دعمه  ومساندته  لقضايا اشقائه العرب  عبر فلم   بورسعيد وبطولة الشعب المصري للرد  على عدوان   1956 ، حيث  جابت التظاهرات شوارع المدينة  رافضة للعدوان  الثلاثي ومتضامنة مع الشعب المصري الشقيق
 كان  الراوي   متمكنا من  توثيق  الكثير من  الاماكن  في المدينة  وابقائها   حية في ذاكرة الاجيال ، كالجسور  والاسواق  والمقاهي والنوادي والشوارع والفنادق ، ناهيك عن الشخصيات   الهامة  والهامشية  ،  وتسجيل   رائع للاحداث الهامة     عبر تاريخ المدينة لغاية نهاية العهد العارفي في 1968  على  يد  البعث ، كزيارات  الحكام  ، وقصة   قطار الموت الماساوية ،  وقصة بناء وافتتاح  الجسر الحديدي ،  وتظاهرات  عيد العمال  العالمي ،  وفعاليات عمال السكك الحديدية  المعلم المهم في السماوة .... المدارس  والمكتبة العامة  ...الخ كل هذا بكاميرة ناصر الجبلاوي

((ناصر الجبلاوي يتالم للوجوه الشاحبة والمكفهرة والممصوصة، يتاسى للقامات الهزيلة التي تلتقطها كاميرته وتثبتها على الورق. شهادات صورية لخواء مجتمع منكفيء تمثله رموز  متهرئة منصميم وجوده)) ترجيديا ص161.
 الروائي  القدير  زيد الشهيد يقدم لنا الادلة القاطعة المصورة والموثقة باسلوب ادبي رائع   بتوصيف مسهبا في تفاصيله ـ منحازا  للتفسير الخلدوني الوردي لطبيعة  الشخصية   العراقية  ، نقول رغم  الاثر الكبير للذات في  التحول والسلوك  ولكن للبنية الاقتصادية والاجتماعية والموروث الثقافي  اثر كبير  في  بناء الشخصية وتحولاتها ....كما انه  اختار الاسماء من واقع البدواة الغالبة على ((المدينة))، ك((شتيوي الياور))  و((رشاش))  ، و((هديب)) و ((العساف)) ... الخ
كما انه استطاع ان يتحرك برشاقة كبيرة بين  شوارع ومحلات واسواق السماوة المحلية ، عبر متابعة الاحداث من قبل  ناصر الجبلاوي وشغفه بتسجيل وتوثيق احداث  وشخصيات المدينة ، كما  انه تمكن من نقل القاريء للتجوال في العاصمة بغداد  بمختلف  شواهدها  الهامة والجاذبة والمبهرة لابن السماوة ، كما انه تمكن ان يربط ابن السماوة  بالعالم العربي والعالم الاوربي عبر  الافلام السينمائية  المختلفة ، وكانه يظهر الفروق والمفارقات بين  مختلف الثقفات  والسلوكيات  المحلية والبغدادية والعربية والعالمية .
•   ملاحظ  وجود   تكرار بعض الصور الوصفية  ، او الاحداث  اثناء السرد  مما يؤثر على رشاقة السرد  وجماليته ....
•   كان  من الممكن  تنشيط ذاكرة النهر  ليحكي الكثير من الاحداث  ويكشف  عن العديد من الاسرار، فنهر مثل ((الفرات)) كنز من الاسرار والذكريات  وشاهد عصر تمتد  لالاف من السنين ، خصوصا ونحن  نعرف  ان  الانهار هي روح الحياة للمدينة  وخصوصا في العراق ، فالسماوة ملتقى ذاكرة النهر وذاكرة الصحراء  وهي ميزة هامة جدا قلما تتمتع بها مدينة ... وكان النهر ((يوميء لهم )) في اكثر  من  مناسبة .....
 *نرى ان  الكاتب  اسهب كثيرا في  ذكر الافلام  السينمائية  وموجاتها المختلفة  واسماء وادوار  الممثلين المشهورين ، رغم انها دلالة على ثقافته السينمائية  الواسعة  ولكنها  اثقلت  الرواية بالكثير من التفاصيل الذي   ربما   لم تكن محل اهتمام اغلب  القراء  ناهيك   على  كونها  ليست  ذات دلالة  مؤثرة في طبيعة السرد  وسير  الاحداث .......
* نلاحظ  غياب دور الاديب ((الشاعر)) الفصيح  او الشعبي  ، او ((القاص)) ، وكان الكاتب وزع الادوار على الجميع ونسى  نفسه !!!
*قلما يجعل  الروائي  شخصياته تكشف عن دواخلها من خلال حوارها الداخلي، همومها  ، تطلعاتها ، مكنوناتها المستترة .
*كما اننا ومن خلال  اطلاعنا على  رواية ((اعوام الافراس)) و (( تراجيديا مدينة))، نستشعر وعدا مضمرا من قبل الكاتب  زيد الشهيد  باتحافنا باكثر من رواية  جديدة اخرى تتناول احداثا هامة من تاريخ العراق  كفترة حكم البعث  وحروبه وحصاره ، وانتفاضة  اذار  1990، وانهزام الديكتاتورية القومانية ، احداث الاحتلال وما بعده ولحين التاريخ ، وهذه اعمال ضخمة  جدا ومهمة جدا ، نتمنى ان يتمكن اديبنا الكبير من اعطائها او بعضهامنها حقها من (( الادبنة)) لتاريخها  المثقل بالاحداث التي  لاتنسى  في حياة الشعب العراقي....
لانريد ان  نعيد حكم اهل الثقفة والادب على القدرة الابداعية  والخيال الباذخ للروائي القدير ((زيد الشهيد)) لان الكاتب تجاوز هذا الوصف  منذ باكورة نتاجاته  لمختلف الاجناس الادبية ومنها القصة والرواية ، ولكننا لازلنا  نتطلع الى روائي منتظر قادر على  ((ادبنة))  تاريخ المدن  وتاريخ البلد  وفق منهج  جديد ، يقترب من  روح وجوهر الحدث التاريخي ، غائصا في اعماقه  ولايكتفي بالطفو  على السطح.... ولنا الثقة بان   زيد الشهيد  سيزيدنا بالمزيد من نور القدرة على فهم جوهر الحراك الاجتماعي وقواه الحقيقة المحركة والمعرقلة  ليتحفنا بروايات تاريخية تتوفر فيها  صفات الرواية الناجحة باي طريقة يشاء تجمع بين الصدق والجمال  حيث بقوول  جيمس جويس :-
((هناك خمسةملايين طريقة تحكي حكاية واحدة حسب الاهداف التي تقصد اليها)) ص97 الرواية العربية- البناء والرؤيا د. سمر روحي الفيصل .
ختاما نقدم للروائي القدير  آيات الاعجاب والتقدير  لابداعه المتميز ، واصراره على التواصل  المنتج المتجدد دوما .
يقلم  :  - حميد الحريـــــــــــــــــــــزي
Hamd.hur@gmail.com
 
         العراق


64
يحدث لاول مرة في العراق ....

بعد سقوط الديكتاتورية  في العراق ، بقيادة الولايات المتحدة  الامريكية ، والذي ادعى البعض انها  فشلت  في العراق وهذا عكس الواقع  حيث  تجسد نجاحها فيما نحن عليه  الان
اولا  تمكنت  امريكا  من  النجاح في التسقيط الجماعي لقوى ((المعارضة)) العراقية  من كل الالوان بما فيهم الحزب الشيوعي كممثل لليسار العراقي .
ثنيا :- تثبيت   مبدء المحاصصة العرقية والطائفية  هذه الداينمو المولدةللفساد والجهل والتبعية .
ثالثا :-  تصنيع   قوى معارضة  مدعية المقاومة للاحتلال   من ((القاعدة)) وبقايا   البعث ، بوجهها الفاشي الدموي الكريه   وبذلك افقدت احرار العراق فرصة المقاومة لانها وضعت الخيط الابيض والاسود في نفس غرفة المحاصصة المظلمة .وبذلك امريكا هي الدولة المحتلة الوحيدة المصنعة والمتحكمة في  القوى  والحركات المقاومة لها .
رابعا :- شجعت   قيام معارضة ظل مخترقة فاسدة مكبلة بقيود الامتيازات والهبات النقدية  واغراءات اخرى   كمنظمات  المجتمع المدني ،  والسجناء السياسين ، وعوائل  الشهداء ،   ومتظمات اخرى لاتعد..... مما  اخذ  كثيرا من جرف  القوى المناهضة  للتخلف والفساد .
رابعا:-    قتل الصناعة والزراعة وجعل  العراقي    جسدا  وفكرا مستهلكا  غير مؤهل ليكون حاملا  فكريا للفكر  الثوري التقدمي الحداثي،حيث كانت الغلبة للقوى الطفيلية والاتكالية   الغير منتجة حامل  الفكر الاسلاموي والعرقي المتخلف ، ....وافقد القوى اليسارية والديمقراطية  الوطنية  موضوعها   وحامل    افكارها . فانتج هذا الواقع البائس للاغلبية الجماهيرية 
حرمان  وسخط وفوران   عاصف ولكنه لاينتج   حركات  ناضجة فاعلة  حداثية  مدنية ، بل هي  ترواح في  تبديل اشكال والوان   العمائم  الواحدة بالاخرى  متناسية او غير عارفة  انها جميعا  من عجينة واحدة .

65
حنان كلــــــــــــــــــــب- قصة قصيرة
حميد الحريزي

تفاجأت كثيرا ، ابحرت زوارق عينيها  في محيط الفرح  حين اعلمتها الطبيبة انها حامل  بعد طول  ترقب وانتظار تجاوزت العقد من السنين ، كان ((وجدان)) حلم الزوجين  الذي تحقق بعد صبر طويل ... ادخل البسمة والتفاؤل في حياتيهما ، الام متوردة  الخدود عالية الاهتمام  بمظهرها  وزوجها ،  الزوج  يولد  من جديد ، تجدد شبابه  ونشاطه،....اخذ عشهما يتوسع  باطراد ، عمل  بهمة عالية  ، واردات العمل تزداد ، بدأت افكاره الابداعية  تتفتق عما هو جديد من اجل زيادة  ثروته ، شراء عقارات، زيادة  الاستثمارات  لضمان مستقبل  وليدهم المرتقب ،قتر على نفسه  واصل الليل بالنهار دون كلل  ، ما ان يعود للدار حتى يتبدد التعب  عندما يلصق  اذنه على بطن زوجته مستمتعا بسماع نبض وحركة  الوليد الحلم ....
.....كانت ستغطس   في بحر  من الحزن والالم بعد الوفاة المفاجئة للزوج ،حيث ان انشغلاته بالعمل انسته تناول ادوية  السكر والضغط ، لولا ترقبها  للامل المنشود للتحقت بزوجها الحبيب ، اصطبرت ، قاومت الوحدة  والفراغ  بمناجاة  جنينها ، تناديه  باسم والده  تحكي له  حكايات  الطفولة  والشباب ، قصة  العشق والهيام ، قصة  ترقبهما  وانتظارهما  الطويل ... تاكل لاجله، تفرح لاجله ، تتحدث  لاجله  ، تنام  وتستيقظ لاجله ... تتابع أعمال  زوجها  بنجاح  كبير اذهل من حولها
 لكي تحافظ  على ثروة  ولدها  القادم  حلمها وحلم  المرحوم    زوجها ... انها مؤتمنة على هذه الثروة  من اجل ((وجدان)) كما اتفقا على تسميته ....
حرصت على تعليمه  على  ايدي  اكفأ الاساتذة  ارسلته  الى خارج البلد  لاكمال تعليمه  العالي  في ارقى الجامعات العالمية لم تؤخر له طلبا ولم تعترض   على رغبة من رغباته ، وقد حاز على  شهادة  رفيعة  هناك  ،...
تجلس طوال الوقت  تعد الايام  والاسابيع  والاشهر  لعودته من بلاد الغربة لتنعم برؤياه ، تعيد جرد الممتلكات  وحساب الارصدة  في البنوك ، تقتر على نفسها  وعلى العاملين معها  في شركاتها المتعددة  لتؤمن له  ثروة  تسعده  وتسعد ابنائه  من بعده
جلست امام التلفاز  في يوم  عودته الموعودة ، تتابع اخبار  العالم  وخصوصا  اخبار  حركة الطائرات ،  مترقبة عودته  الميمونة من بلاد الضباب  حاملا  شهادته العليا  ، برفقة زوجته الفارعة الشقراء  كما  شاهدت  صورها معه  ، ورسائله  المحملة بصورهما في  منتجعات وعواصم العالم المختلفة .. مستغرقة  في خيالها ، ترسم وتخطط  لحفل استقبال  ولدها في قدومه المرتقب  فستعمل لهما حفل زفاف  كبير لتعوض  عما فاتها  من فرح زواجهما في لندن ،وهي  سارحة  في  خيالها  واحلامها ، قرأت العاجل  التالي :-
((تعرضت  طائرة  الخطوط الجوية  ....... القادمة الى بغداد  الى حادث مؤسف وسقطت  في منطٌقة مجهولة )).
صرخت  صرخة ارتج لها المنزل ، لم تشعر  بوجودها  الا في مكان مظلم  لا ترى  من حولها  اي شيء ، انه الظلام الدامس ، في مستشفى  المدينة ، لم يفارق لسانها  اسم ولدها  ((وجدان))، تهدء ثم تصرخ  ولدي  ((وجدان)) ، كانت تبكي  بلوعة   تُبكي الحجر ، بصعوبة بالغة  اقنعها  من حولها  ان الطائرة التي سقطت  ليست طائرة ((وجدان)) وسيصل  ان لم يكن  قد وصل الان  الى المطار ...حاولت ان  تهدأ، نهضت ، سقطت  لانها لم  ترى  طريقها ، تريد ان تغادر المستشفى  لتذهب الى المطار  لاستقبال عزيزها  العائد من الغربة ...
احتضنت ولدها  بدليل رائحته  دون  ان ترى  وجهه ، تتلمس  رأسه ، عيونه، حاجبيه ، فمه ......
نعم  نعم  انه ولدي... نعم انه عزيزي ((وجدان)) ، هذه رائحة ولدي  شكرا  لك يارب.... انه  سالم معافى ....ليتني  ارى عروسه ؟؟
 استغربت  الشقراء  من مرآى الام  وهي اشبه  بالمجنونة
Oh my god  what happen to your mother?? 
ذهب  الجميع الى الدار ، الام تكاد تطير  فرحا  وهي تنتقل  بينهم على غير هدى ، تتقاذفها الايادي وسط استغراب  الجميع ، بين حزين اسف  لحالها  وبين  هازءا،  وجد في حالتها  تسلية  طريفة ، سوى  الكلب الذي غادر حضن الشقراء ، اخذ يدور حول  العجوز العمياء  يتشممها ، يلتف بين  قدمييها ، ....الشقراء  جلست لصيقة زوجها منكمشة على نفسها  اظهرت مشاعر الدهشة والاشئمزاز ، ، نادت  على كلبها  ان تعال ..........
 لم  يعطي((وجدان)) والدته الاهتمام  المطلوب  وهي تشمه  وتلقي عليه  وابل  من الاسئلة  حول حالته وحال زوجته الصحية ، ماذا يحبون  من الاكلات  والمشروبات  والافرشة،تحاول ان تزغرد فرحا لسلامتهما ، اوتبكي حزنا لفقدها البصر، وعدم قدرتها على رؤيتهما و رعايتهم واعداد الاكلات التي يحبها ولدها الغالي بيدها.....مر اليوم الاول للاستقبال على هذا الوضع.. حاول الولد ان يستشير الاطباء حول مرض  والدته وهل يمكن شفائها اكدوا له ان تكاليف شفائها  باهضة جدا ربما تعادل ربع ثروتها .... بدأت زوجته تتضايق كثيرا من والدته الضريرة ومدى تعلقها  بولدها وكانها  ضرتها العنيدة .... دارت في مخيلة ((وجدان)) دوامات من الذكريات والاحاسيس والمشاعر، ذكرياته مع والدته وبين جزع حبيبته الشقراء التي لا  تنام الا وهي   ثملة محتضنة  كلبها  المدلل لاهم لها سوى المال والعودة الى بلدها..بعد بضعة  ايام  جلس مبكرا توجه نحو والدته التي  كانت تفترش الارض في باب غرفة  نومهم، كعادتها  في كل يوم ، تأمر الشغالة ان تحضر لهم الفطار على مائدة تضم كل ما لذ وطاب، رغم انها كانت تشعر بالحيرة ، حينما تفكر باطعام الكلب ، انه ليس  كالكلاب  الذي تعرفها ، فكلابهم  كانت تتملق اسيادها منبطحة عند باب الكوخ تتلقى بامتنان كبير  كسرة الخبز او  عظمة مكدودة  ، ترمى لها  من بقايا الموائد ، تتلقفها فرحة جذلة ، تمرغها بالتراب كانها تغمسها في اناء من سمن ، لكن هذا الكلب لا يأكل الا بعد  أن  يلبسونه صدرية خاصة ، وان يوضع له طبقا خاصا ... يتصنم بعد اكماله طعامه منتظرا  من يمسح له بوزه  بورق ))الكلينكس(( المعطر ، كما وصفته  لها الشغالة، المندهشة من عادات هذا الكلب  المدلل ، ام وجدان  احتملت  نجاستة   لفرط حنانه  ومرحه  وتسوله  والفته  ، وهو يلحس  يديها  ويضع راسه على صدرها ، معيدا للام ذكرياتها  مع ((وجدان)) وكيف كان  يتودد لها  ، لا ينام الا بعد ان يدس  راسه في حضنها  الدافيء ، كيف كان يحبو ، وكيف كانتا  كفاه الصغيرتين تتلمسان شفتيها ووجهها ، انه  وجدان  الكلب ، قطع شريط  تخيالاتها   وجدانها  معتذرا عن  تناول الافطار، زوجته تريد ان تفطر خارج الدار،كظمت الوالدة  غيضها وضياع جهدها سدى في اعداد افطار ايام زمان .. انحنى مقبلا يدها طالبا منها ان تبصم على ورقة  قبول  اجراء عملية  لعينيها تعيد لهما النور .... طاوعته  اعطته ابهامها  وهي فرحة  علها تشفى وتتمكن من رؤيته  وزوجته من جديد ، سرحت في عالم الخيال وهي تتخيل  صورته    ،تتخيل  زوجة الحبيب ،  تتخيل احفادها  من زوجته الشقراء ، تنصت لهما   وهما  يرطنان بالانكليزية  فلا تميز غير  الضحك  فتنفرج اساريرها او تنقبض  تبعا  لنغمة الحديث  بين الفرح والغنج والجد والحزن   وووو .... يا الله   ستتمكن اخيرا من رؤية  تبدلات تقاسيم وجهيهما  وترقب بريق  عينيهما؟؟ .... هل يمكن ان تحقق لها  هذه البصمة كل هذه  الاحلام؟؟  ، قبلت ابهامها  فبانت البصمة البنفسجية على شفتيها المزمومتين على شكل قفل بنفسجي