عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - صميم

صفحات: [1]
1
                                                   
               في غمرة تأملاتي، تساءلت عن أقدس علاقة قد يختبرها الانسان ...
                  
      وجدتها ماثلة في ..... الصداقة ;

      لا تستجدونها من الاخرين بل اختبروها أولاً مع ذواتكم. إذ تتعظم حياتكم حين تحتضن صداقات اصَْلتها شمس الحب. حين كنت في " مدرسة الحكمة" التقيت بصديق قال لي : " لا تسِرْ أمامي، فلن ألحق بك، ولا تسِرْ خلفي، فلن أقودك، بل سِرْ بجنبي، فأكون صديقك". تتغذى على التفهم، وتستقي من نبع العفوية حين تصدر من جوف الكيان الحر. تعشق تقادم الزمن كأنها بوتقة تتمحن معدنها، بل كالخمر الجيد حين يعتق حتى يضجع الحس خدر الأخدار.
    تنادي بتوحد الروح في الاجساد، منطلقها ومؤداها خيِّر، ما فتأت تشطر الشر لتدب الوهن في جسده الضخم وتلاشيه في قلب العدم. انها كالصحة الجيدة، لا يمكننا تثمينها الا حين نفقدها .
   لا تحب الخطط والمشاريع المسبقة فهي حرة ومشاعرها صادقة عفوية لا تندرج ضمن برامجيات العقل. تحلق في سماء اللاتوقع، حيث الفضاءات الرحبة. لكنكم مطالبون بخلق فضاءات مناسبة لطائركم هذا.
  مهما وطأتم اراض مقدسة من العقلانية، مهما بلغتم من قوة نفسية، الا انكم تبقون في حاجة ماسة الى الصداقة.
   اياكم والاصدقاء الذين يقطر لسانهم عسلاً، ويغدو حضورهم كمرآة تعكس جمال سطحيتكم. بل اسعوا نحو من ينقدكم ويحطم اوهامكم واصنامكم!
    لا تهبوا الثقة لمن يطلبها بسرعة، ولا تبخلوا بها لمن وهبكم تضامنا عميقا مع ذواتكم!
      لا تقدسوا ما يعرفه الصديق عنكم بل قدسوا حبه اياكم.
   
الصداقة مرآة تكشف مواطن ضعفكم قبل قوتكم. نبيلة التوجه والمنطلق؛ ما فتأت تغدو  شعورا بالامان في حضور الاخر. لا يمكن تصويرها بكلمات محدوده بل يمكن تلخيصها في موقف، فهي لا تخضع الى مَنطَقَة الافكار أو قياس الكلمات وابعادها.
تقصد حوار القلب للقلب. ممتلئة بالمعنى الصامت، ذاك الذي يُفجِّر كل ايجابية تعتمل العمق. فلا حاجة اذن لعقاقير تخدر اعماقكم ان كانت الصداقة تتربع على عرشها. انها علاج لامراض ذواتكم. والاصدقاء الجيدون افضل اطباء لاجسادكم وارواحكم.
   مبدأها لا يتشح الكلمات لباساً بل يتجذر في الحس تجذراً.
   لا تهوى السعادة الوقتية، تناضل لدرأ البؤس حين تزيد من كمية المحبة وتبدد الاحزان.
   طوبى لمن يجسدها في موقف، ويجعل من الصديق صخرة يُبنى عليها أعظم هيكل يسكنه الروح.
   ملعون من عدَّ الصداقة فرصة، ولم يستلذ بطعم مسؤوليتها الطيب.   
   تبنوا عقيدتها الحقة، التي تنص على " حضور مَلَكَتَي الفهم والتفهم.
   لا تخافوا إنْ أحسستم أنكم أرض يابسة لا يمكن احتواء بذور الصداقة، إذ يمكنها الازدهار والتكيف مع كل الترب، لكنها قد تحتاج الى تبادل بعض الهدايا السخيفة لتحافظ التربة على نفسها من الجفاف الكلي.
    كي تكونوا قادرين على صون الصداقة من الاضمحلال، تحلوا بـ" طيبة القلب" و" قوة العقل"، فالاولى تجعلكم صادقين دوماً، والثانية تطلق العنان لافكارككم في الصراخ بصوت عال. بهذا تصونون صداقتكم.

    كونوا حكماء في صداقتكم، فقد قيل من ثمارهم تعرفونهم، فمن يزرع مجاملة يحصد عطفاً، ومن يزرع صداقة يحصد حباً. 
     
   الا تتصورون أن نعمة الوجود تكمن في أن تُحِبوا وتُحَبوا؟ فطوبى لكم إن ادركتم هذا. حين يتوقع الاصدقاء الكثير من بعضهم البعض ولكنهم لا يطالبون بشيء علناً، تتجلى آنئذ  قداسة الصداقة!    
   ملعون من يعبد ذاته ويسلك كصديق الكل لان صداقته مؤسسة على الرمال، ولا يريدها حقيقة بل يهوى أن يُفَكَر به. 

       مافتأ الصديق يكشف عما يمكننا فعله، والعدو عما يجب فعله. لا تثقوا بكل من يعجن الصداقة بخميرة الزمن المتراكض، إذ يأتي اليوم الذي تنفذ فيه كل مؤنته في طريق الحب، ويشرع باحثا عن سراب البقاء.   
لا تلبسوا الاقنعة مع اصدقاءكم، بل كونوا ذواتكم فهو الطريق الامثل لأكتسابهم. 
حين تحاربون اعداءكم، تشعرون بمفخرة عظيمة، وحين تحاربون اصدقاءكم فانكم تعدّون نجوم السماء لمللكم وضيقكم، بل تضطرون لطرق شوارع الزمن كالبلهاء.
إن ابتغيتم تعلم الصداقة، عيشوا العزلة أولاً، فما أعز " الصداقة على قلب " المتوحد " و " المنفي".   
لا تطلبوا من الصديق شيئا سوى أن يقف بصمت جنبكم حين تلفكم نائبة الحياة، لا تبغوا منه علاجا، فلربما لا يقدم شيئا سوى اذن للاصغاء، وقلب للاحتضان، وروح  للاستبطان.إن كان لديكم خوف من الحياة، بددوه بالصداقة.
إن كانت صداقتكم هربا من العزلة ... فباطل سعيكم. وإن كانت طمعا بتعزيز اعتباركم ...باطل سعيكم.  وإن ترعرت في احضان برمجتكم ومنطقكم ...باطل سعيكم، أما اذا عشتم اختلاء الروح في قلب الصداقة ...مبارك سعيكم. وإن كانت طمعاً بجعل الاخر يدرك قيمة ذاته ... فمبارك سعيكم. وإن كانت عفوية تحترم واقع الزمن... مبارك سعيكم.
كرروا في قرارة أنفسكم "انكم تستحقون اعداءكم ولكن لا تستحقون اصدقاءكم"، كي تثمنوا حضورهم في حياتكم..
كونوا حكماء متمهلين في اقامتها لكن إنْ  أمست ضرورية كالماء في الحياة، فلا تخافوا من التورط بها، لربما تكون أجمل ورطة في حياتكم . .
ان فقدان الصديق كفقدان عضو من اعضاء الجسم، فالزمن كفيل بشفاء الم الجرح، لكن الخسارة خسارة ولا يمكن أن تُعَوَّض.
ليكن لكم لسانا طيبا وليس مرا، وجها مبتسما وليس متجهما، وقلبا ينبض بالتعددية. لا تقدسوا الوحدوية المريضة، فالصديق كتاب مفتوح، يفلت من أي خنّاق له تصنعون.
الصداقة اكتشاف وليس اختراع. فحياتنا ليست سوى شطرين، شطر نحن من جبله، والاخر جبلته أيدي اصدقاءنا.


   
                                                                           أخوكم بالرب
                                                             الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس
   

2
                                            تنين العزلة الباكية
                                   ( تساؤلات في زمن الاغتراب)
                                                                                لكاتبها: الراهب صميم باليوس للفادي الاقدس

بألم سأودع الحياة، وباجنحة الموت البيضاء سأطير، محلقا في سماء الحرية اللامدركَة ، وبدمعة ساحفر ذكرى وجودي في تاريخ الموت الصامت. وددت أن أسخر من بقائي؛ فأنا فريسة  تجمعت حولها نسور كوّرها الجوع، وباتت تشبه الانسان حين يطرق ابواب الذات النائمة. نسور تمزق اشلائي بمناقير  قدستها أزمنة التضور، تدعوني  للنهوض كي اختبر بصمت عذاب الجسد وهو يُمزَق.
    هلموا لنجدتي، يا معشر حكماء العصر. انها ليست نسور بل اشعة شمس التنين الهائل، انه يلاحقني في وحدتي، يذيب وجودي كذوبان الحديد في سعير النار، يمتص رحيق نشوى الحياة من قلبي كامتصاص الارض القاحلة لرذاذ المطر. لا أقوى على المخاتلة. أنه يقترب ويبتعد في لحظة تُسرمِد التاريخ كلعبة في ايدي الكلاب؛ يقدس وحدتي ويمرغني بترابها. يوهمني بسعادة منخورة الاساس. لم يكن بوسعي الا أن اجرب خطط المناورات، وأطرق أبواب مُنظرّي الاوهام، ولكن بلا جدوى !!

      التمست معونة سادة العصر والزمان، وليس من مفر، فهو قابع في ركن الحياة، يتربص انهيار صرح صيرورتي بعيون شاخت من النظر، كعيون التمساح. لم أتق يوماً الا للحظة فرح، وكأنها لحظة سبرت اغوار اللاوجود، وأمست حلماً لا تطاله سوى الافكار، يفوح بعبير أموات الاساطير، وابطال الشعوب المقهورة... شرعت أصلي صلاة الخطر،  تلك التي علقت في ذهني كما يعلق الطفل في احشاء المقر. طلبت الانقاذ واحسست بصغري أمام ذاك الذي يسمع. شرعت انادي:" يا من أخاف عليه من نجاستي، يا من أدعوه ليصلب من جديد، لا تجبني، فانا لا استحق!
 
    اطرق ابوابك في الخطر، وانت تطرق بابي كل لحظة تمر. ولكن ما العمل، فالتنين يقطن  تلافيف مسمعي ليهمس في اذني أغنية العبودية، يستوطن ملكَة بصري مُلاشيا ملامحك ويرسم بدلا عنها بالوان زاهية ملامح الوهته، ما فتأت تخدش قلب البصر. انك أسد يزأر، صوته يهز كيانات اثخنتها جراح الاغتراب، لكن نار التنين تحرق وتُلاشي. يا ملك السموات، أنا جيش كامل، قسمه التنين الى ارتال. وبات كل رتل يحارب في جبهة الاستقلال. فكيف يمكن أن تزاوج الارواح المترامية في كيان واحد. بل كيف تبلج النهار في قلب الليل الحالك، وتعلن اتحادا بلا انفصال. أنا ضعيف، وسابقى حتى بزوغ شمس الاصيل، شمسك الخافتة الضوء ، الصامتة الحضور، العظيمة الحرارة، لا تدفأ الجسد بل الذات، وتخزن دفأها في ذاكرة صامتة ... ولكن اين صوتك يا ملك السموات، لماذا انا الوحيد الذي يتكلم .أسمعني صوتك يا رب .. يا رب .. أين أنت !!".

أيتها الوحدة فارقيني، فانك منصة يتمسرح عليها سيد الاقدار، هروبي مواجهة، بقائي فرار ، فهل من قرار ؟ مللت اللحن الحزين، حين تتناغم حشرجة الفراغ مع صوت الكرب، صوت الحروب مع صوت السلام الممسوخ، والفى نباح التاريخ اهزوجة تعظم انجراحاته، وتمجد محاسن مزيفيه.. أين أنت ايها الفرح، أرني وجهك، لم تحملك سوى كلمات ينطق بها حكماء جِهال، كلمات تسبح في الاوحال، بلا واقع، بل على رمال.. كلها لحظات منفردة تصدر نغماً متوحدا، كانغام الكمان حين يبكي في عزلة باكية:" أين أنت يا رب ، أين أنت" !!

     قد قيل : " حين تحب لا تقل:"  ان الله في قلبي"، بل قل :" أنا في قلب الله". ولكن يا معشر الحكماء، انكم تنطقون بما تجهلون، هل يسمح التنين أن تعبدوا الها آخر سواه، هل يسمح بشريك يعتلي عرشه، ويسرق مقتنياته بمرأى منه. انكم صنّاع كلام، تتراوحون من رحم الى رحم، تبحثون عمن يغذيكم، ويكسيكم.  انكم تلعنون يوم ولادتكم وتتشبثون بالحياة في الوقت نفسه، لا تعرفون معنى الشبع قط. تبغون عبادة الله، وانتم تسجدون للتنين في غلسة الليل، تقدمون له قرابينا باهضة الثمن  . سمعتم أنه قد قيل:" اذا اردت أن تصلي، ادخل غرفتك واغلق الباب وابوك السماوي هو الذي يراك". نعم، نغلق الباب، ولكننا نبحث عن اله  في الفراغ يحتضن اللحظة، يستر العيوب، يُلبس الوجوه البراقة، يُنشي الذات بخمر المحاسن. أهكذا نحن البشر  : ؟

•   نمجد البطولة ونوهم البطل انه فرادة العصر والزمان، وانه سيد الاكوان، حتى يختنق بكبرياءه ويموت بنرجسيته، وفي النهاية نكتب على قبره ( هنا يرقد انسان عظيم، قدّس أفكار  مجتمع اعظم).    
•   نبني في سنين ونهدم في لحظات.
•   نبرر عيوب من نهوى، وندين محاسن من لا نهوى.
•   نبجل من لا يكترث لنا، ونتجاهل من يحرق نفسه لينير دربنا.
•   نقدس الحلول الجاهزة والكليشهات، ونُسكِت كل محاولة للخروج من المألوف.
•   نتظاهر بالتواضع، وفي الداخل نقصي الايام  التي لم تُجلِ اسماءنا كعظماء قد غيروا عجلة الزمن.
•   نعشق المفاهيم ونحترفها لنُسكت أفواه الواقع المتساْءلة.



        يا ترى من هو هذا التنين ؟ انه الأنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.

     
       أخوتي القراء، تأملوا موقف هذا المسكين الذي  لم يفهم صمت الله الى الحد الذي بلغ فيه الصراع أشده بين اله الذات واله الحب المصلوب. 
          ماذا ستجيبون لو سألكم هذا الشخص  : لماذا يصمت الله ولا يجيبني ؟ 

3
                              صلاة من قلب متسائل
  
                                                                      بقلم : الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس


   يا الهي، في صباح مدهش، نظرت الى وجهك الباسم في نباتات الحديقة المفرحة، كانت تهزج بوجود لا نهاية له، وانا ماض في طريقي رايتها تبتسم وكأن حيويتها تنطلق من ابتسامة معبرة تحمل فرح واي فرح ! قلت في قرارة نفسي، هل من الممكن ان اهزج معكِ وانا لا املك لغتكِ الوجودية، فانا متعود أن اغرق لحظاتي الصامتة بخبرات وحوادث اليمة لا نهاية لها، ولو سألتني في غضونها ما رغبتي في الحياة لأجبتك الموت لا محالة. نحن البشر، امسى الصمت عندنا لغة الموت، فكيف يمكنني ان اهزج معك بصمت الوجود وابتسامة فرح الحب في صباح مشرق ! كثيرا ما اخبر نفسي ان الابتسامة نعمة لا يحصل عليها الا من يتعلم البساطة والعمق في ان واحد، فهي تبرر الوجود. ولكن لم لا ابتسم بفرح ، لم بدت حياتي وكانها بلا ملح يضفي على طعمها جانب الوضوح اللذيذ. كل شي بات وقتيا ولا يحمل اي امل الاستمرار، ولا يهم اذا استمر ام لا. فلا يهمني، المهم اني فعلته وهكذا اكون قد ارضيت غروري باني فعلت. جوهر الشي لا اتصيده، وعنفواني يتبدد مع فعل لا طعم له ولا مسوغ. حتى مع الاشخاص، تنحت العلاقات الانسانية من قيمها، الصديق يتحول بمرور الوقت من موضوع الى شي  والحبيب كذلك. ليس من شيء يضفي علىعلاقاتي جانب الموضوعية الجوهرية. ما العمل، لربما علاجي يتحقق في ان اعيش علاقة مع النباتات الباسمة في حديقتي، ربما تُفهِمني معنى الابتسامة في سر الصمت. هكذا يا الهي، يا موحي الحب، اجعلني نبتة في حديقة وجودك، طرز حياتها بشفافية الحب والجمال رغم قساوة اشواكها. هبني أن انظر الى الحياة بشكل يجعلني احتضن انساني المتالم في القلب. أتحسسه كما تتحسس الام طفلها. اجعلني أهب الاخر الحياة بحضوري مثلك، فبهذه اللحظة اكون في مصاف الالهة. هبني اليوم ذلك يا رب.


    




4
أدب / مخاض المحبة
« في: 00:10 04/11/2006  »

                                                         مخاض المحبة

اعتصمت أمام باب المحبة بقلب تثلج من اللامبالاة، وانصهر بنار القسوة البشرية، وتدلى من بوابة الفكر المتراوح بين القدرية والتعنت. هناك، اعتصمت طالباً من المحبة أن تكشف النقاب عن نفسها، وتعلن التجلي، فناديتها:
متى تفتحين بابك ايتها الفتاة الخجلة، متى ترأفين بحال قلبي الهرم، المنكسر؟ كيف تسألين القلب الخاضع، المُحتَل، المخدَّر أن يجذل حدوده وينظر الى نفسه من خلالك ؟ كيف تسألين الشاة المعلقة أن تتحرر، فهل بامكان ملائكة القدرة أن تفك القيود وتحرر الضحية من أيدي كهنة الزمن المزدرد ؟ الا يكفي توسيع  الضحية احلاما تتحدث عن حرية عرجاء، وهي في طريقها الى وداع الحياة ؟

    أليسَ الموت فيك هو قمة التحرر، أم التحرر يتجسد في نبذ صوتك المخنوق. في عالم اليوم، بات الأمر سيان، فصوتك أمسى اهزوجة يتغنى بها الاطفال قبل النوم، وفردوسك بات جحيما في قلوب الالهة الصغار. هل يصح أن تكوني محض خيال، تقفزين بين حقبة وحقبة في عالم الفكر، ولا تكوني يوما واقعا يُعاش؟  أم يا ترى أنك مصلوبة في جلجثة القلب البشري وهو يعلن الاحتضار ؟

    تقفين أمام الشر مكبلة الأيدي، عرجاء، خرساء، طرشاء، لا حول لك ولا قوة سوى سحر نظرتك، وهشاشة رغبتك وعمق حضورك الى درجة الانطمار تحت طبقات الغباء والجهل الانساني. مُسَيْطَر عليك، تعربين عن خلجاتك باسلوب الجبناء، قائلة :" طوبى لك ايتها النفس حين تعلنين حرية الوجود! " وهل حرية الوجود هي أن أُشعِر الخصم بقدرته وسطوته، واعلنه البطل ؟ لربما أن قداستك تكمن في صيرورة هوجاء في قلب المهانة والرذل. لم أجدك يوما مُكرّمة، مُرَفعَّة، من يرفعك في كلماته، يطمرك بافعاله، ومن يقدس حضورك بأفعاله، يرذله الكون بقسوته.  في كل مرة أجد دعاتَك إما مصلوبين، أو مقتولين أو مُهَمَشين. فهل أن شرعة وجودك تضادد الوجود نفسه أم انك تجوهرين قداستك في قلب خفاءك ؟

    طرقت أبواب الصمت، باحثاً عمن جبل قداستك، ووهب لحضور كحياة العمق ، طالبا معرفة الوصفة السحرية التي أُعِدَت لطرحك في العالم، ما هي تلك الأنامل الغريبة التي شكلت جسدك الموهون في صحن الزمن. انه السامي، ها هو يأتي، حاملاً معه نسيم عذب يتزاوج بشعاع الشمس الذي يرتجف معلنا الكسوف أمام شمس المتسامي، انها شمس تنبع من عيون لا مكان لها سوى في القلب. خفت من حضرته، هاربا خلف شجرة تعرشت اغصانها، حتى اخفتني بالكاملز جاء ينظر الى الكون بعين تبكي واخرى تبتسم للطبيعةوهي تخر ساجدة أمام باريها ..

     فنادى بصوت أم فقدت وليدها، قائلاً :

ايتها المحبة .. ايتها المحبة
اين أنت ؟
جبلتك، لكنك انسللت هاربة من بين أناملي،
هربت نحو جلجثتك ؟
لم لم تتركيني أكمل خلقتك،
وأعلن ولادة العمق في قلب الوجود،
بألق الكشف ؟
لكنك أجبتيني في خلسة الكون :" يا ايها الباري الحنون
اتركني أكتمل بأيادي من جبلته ، بايدي انسان، خالقي الجديد .
انا أعلم أنه سيحتضنني كما تحتضن الام وليدها، بل سيقدمني الى الوجود
كمن ينبت وردة في حديقة الخلود".
ولكن أيتها المحبة لم أشهد مذ تلك اللحظة سوى وقائع صلبك.
ولم أسمع سوى صوت آهاتك وهي تتوسل ولوج رحم الكون من جديد .
سألتك أن تأتي وتعتلي عرش الخلق الفريد والاكتمال.
الا انك اعلنت أن ألمك هو مخاض الحقيقة في حقيقيتها
حين يولد العمق وقداسة المعنى كتوأم في رحمك .
طوبى لك ، وأنت تنزفين معنى
تزاوجين الألوهة بانسانية الاله
وتعدين طريقا نحو العمق، حيث تتجلى صورة المحب
وهو في انتظار ...

هكذا.. تركت المتسامي، قافلا نحو مضجعي...
مسدلا الستار عن تساؤلاتي
فعيوني قد تعمذت بالألم ...
وقلبي طهره احتراق الماضي ..
وروحي حلق في سماء الوهة الاله المحب
هناك ...حيث لقاء الوجوه ... وسحر الوجود 



5
أدب / أبحث
« في: 01:05 04/04/2006  »
أبحث ...

أبحث عن وجه يدعوني باسمي مرتين؛ مرة لأني الآخر ، ومرة لأني أنا هو.   
أبحث عن قلب يحتضن دمعة حياتي، وهي تترقرق مطهرة وجوداً خلبَته الكلمة وخدعَه الفعل.
أبحث عن عين تنظر طفولتي في مرآة عمقي، فهي الوحيدة التي بقت بلا مساس. 
أبحث عن روح تقودني الى وطن الآخر دون تهجم او تطفل بل بشرعية احترام الحدود والمقدسات.
أبحث عن اذن تصغي الى كلام بات كحَجري الرحى في عمقي، انه يخشى الخروج وهجر مهجعه، ففي الخروج دوما مخاطرة اللامكان، اللاهوية، اللاوجود. ولكن لربما يمسي اللامكان فردوس المكان، واللاهوية كل الهوية واللاوجود سحر مجهولية الوجود.
أبحث عن زمن يزاوج صحراءي بعزيمتي، هشاشتي برقّتي، مصيري بحاضري، 
أبحث عن يد تنزع مسامير صليبي، وتقبرني بعد موتي معه، فقمة المفارقة في موت يقود للحياة. 
أبحث عن قدم تسير بي نحو ملكوت خفي، حيث لا مكان سوى العمق، ولا زمان سوى الأزل.
أبحث عن ألم يطرحني خارج زهرته حين أمتص كل رحيقه، لأنه يعشق ويكره تطفلي في الوقت نفسه.
أبحث عن سلام الأحشاء الذي لا يسعى الى نزع السلاح النووي بل نزع سلاح الذات المنجرحة.
أبحث عن وطن فقدتُه حين قَلَعَت جذوري عاصفة هوجاء، ورمتني في أحضان أوطان غريبة مخيفة
أبحث عن فكر يخلو من مثالية تهيم بي في فضاءات خيالية لا واقع لها،
فكر يخلو من واقعية مجردة تسمرني على صليب اللحظة حيث الموت بلا قيامة، لا أريد ان أمسي بواقعيتي كزواحف لا تلوك الا تراب الأرض، ولا تقوى على التطلع الى فوق.
 فكر يخلو من زخرفة بناته اللاتي يعشقن الظهور كما هن دون أي تحسين أو تغليف.
أبحث عن حكمة الأفاعي حين تحوّل سمها الى علاج يشفي كل أمراض الانسان
أبحث عن لغة جميلة عميقة ليست من ابتداع البشر بل ابتداع الكون، انها لغة الصمت
أبحث عن ذاتي المفقودة حتى لو كان على حساب هجر كل أوطان حياتي. فما نفع المعنى إنْ لم يستقر في قاع الذات المتهجرة، اذ يبدو كملء إجان مثقوب.
أبحث عن اله المستقبل يفتح لي حين اطرق أبواب زمني المجهول، انادي اعماقي الضائعة في زمنها، فأنا لا أقوَ على البقاء هكذا، في جوع شديد للحظة الحاضرة والقادمة، متشبثاً بما تغدقني به من فرحة تهيم في سماء الزمن المؤقت. أما المستقبل فقد جعل من جوعي مرارة، ومن استقراري اضطراب ومن صلاتي تطلُع. قالوا لي أن طريق الإله يقلب الكيان ويرمي الإنسان في أحضان عمقه، لكني ما فتأت متشنجاً في هذه الرحلة، فزمني فرغ من معناه الآن، ويتطلع الى الامتلاء غداً، ولكن حين يأتي الغد، أتفاجأ بانه فارغ المعنى وفي حاجة الى الامتلاء بالحاضر. 
  قد اعتدت أن أحوك خطط مستقبلي من خيوط الزمن الحاضر، كما يحوك العنكبوت شبكته باحكام كي يكون، لكني ما فتأت ارتطم بقوله : لا تفكروا في الغد"، كيف يمكن ان أعيش اللحظة الحاضرة بعمقها وحقيقتها إنْ لم أكسوها بغطاء المستقبل، وأصيرها في أحضان التطور؟ وهل يمكن استحمال الحاضر بدون تعزية تتحدر من مستقبل مشرق أفضل ؟ ألم ينظر لنا الله ولم نكن نحن سوى جبلة بين يديه بعيون المستقبل ؟ ألا كيف اذن، يعِد ابراهيم ويواصل مسيرته مع شعبه رغم خياناته. اليس هو اله المستقبل؟ [/color] [/size] [/size]

6
أدب / مخاض المحبة
« في: 23:59 26/03/2006  »
مخاض المحبة

اعتصمت أمام باب المحبة بقلب تثلج من اللامبالاة، وانصهر بنار القسوة البشرية، وتدلى من بوابة الفكر المتراوح بين القدرية والتعنت. هناك، اعتصمت طالباً من المحبة أن تكشف النقاب عن نفسها، وتعلن التجلي، فناديتها:
متى تفتحين بابك ايتها الفتاة الخجلة، متى ترأفين بحال القلب الهرم، المنكسر؟ كيف تسألين القلب الخاضع، المُحتَل، المخدَّر أن يجذل حدوده وينظر الى نفسه من خلالك ؟ كيف تسألين الشاة المعلقة أن تتحرر، فهل بامكان ملائكة القدرة أن تفك القيود وتطلق الضحية من أمام كهنة الزمن المزدرد ؟ هل يكفي ان توسعين  الضحية احلاما تتحدث عن حرية عرجاء، وهي في طريقها الى وداع الحياة ؟

    أليسَ الموت فيك هو قمة التحرر، أم التحرر يتجسد في نبذ صوتك المخنوق. في عالم اليوم، بات الأمر سيان، فصوتك أمسى اهزوجة يتغنى بها الاطفال قبل النوم، وفردوسك بات جحيما في قلوب الالهة الصغار. هل يصح أن تكوني محض خيال، تقفزين بين حقبة وحقبة في عالم الفكر، ولم تكوني يوما واقعا يُعاش؟  أم يا ترى أنك مصلوبة في جلجثة القلب البشري وهو يعلن الاحتضار ؟

    تقفين أمام الشر مكبلة الأيدي، عرجاء، خرساء، طرشاء، لا حول لك ولا قوة سوى سحر نظرتك، وهشاشة رغبتك وعمق حضورك الى درجة الانطمار تحت طبقات الغباء والجهل الانساني. مُسَيْطَر عليك، تعربين عن خلجاتك باسلوب الجبناء، قائلة :" طوبى لك ايتها النفس حين تعلنين حرية الوجود! " وهل حرية الوجود هي أن أُشعِر الخصم بقدرته وسطوته، واعلنه البطل ؟ لربما أن قداستك تكمن في صيرورة هوجاء في قلب المهانة والرذل. لم أجدك يوما مُكرّمة، مُرَفعَّة، من يرفعك في كلماته، يطمرك بافعاله، ومن يقدس حضورك بأفعاله، يرذله الكون بقسوته.  في كل مرة أجد دعاتَك إما مصلوبين، أو مقتولين أو مُهَمَشين. فهل أن شرعة وجودك تضادد الوجود نفسه أم انك تجوهرين قداستك في قلب خفاءك ؟

    طرقت أبواب الصمت، باحثاً عمن جبل قداستك، ووهب لحضور كحياة العمق ، طالبا معرفة الوصفة السحرية التي أُعِدَت لطرحك في العالم، ما هي تلك الأنامل الغريبة التي شكلت جسدك الموهون في صحن الزمن. انه السامي، ها هو يأتي، حاملاً معه نسيم عذب يتزاوج بشعاع الشمس الذي يرتجف معلنا الكسوف أمام شمس المتسامي، انها شمس تنبع من عيون لا مكان لها سوى في القلب. خفت من حضرته، هاربا خلف شجرة تعرشت اغصانها، حتى اخفتني بالكاملز جاء ينظر الى الكون بعين تبكي واخرى تبتسم للطبيعةوهي تخر ساجدة أمام باريها ..

     فنادى بصوت أم فقدت وليدها، قائلاً :

ايتها المحبة .. ايتها المحبة
اين أنت ؟
جبلتك، لكنك انسللت هاربة من بين أناملي،
هربت نحو جلجثتك ؟
لم لم تتركيني أكمل خلقتك،
وأعلن ولادة العمق في قلب الوجود،
بألق الكشف ؟
لكنك أجبتيني في خلسة الكون :" يا ايها الباري الحنون
اتركني أكتمل بأيادي من جبلته ، بايدي انسان، خالقي الجديد .
انا أعلم أنه سيحتضنني كما تحتضن الام وليدها، بل سيقدمني الى الوجود
كمن ينبت وردة في حديقة الخلود".
ولكن أيتها المحبة لم أشهد مذ تلك اللحظة سوى وقائع صلبك.
ولم أسمع سوى صوت آهاتك وهي تتوسل ولوج رحم الكون من جديد .
سألتك أن تأتي وتعتلي عرش الخلق الفريد والاكتمال.
الا انك اعلنت أن ألمك هو مخاض الحقيقة في حقيقيتها
حين يولد العمق وقداسة المعنى كتوأم في رحمك .
طوبى لك ، وأنت تنزفين معنى
تزاوجين الألوهة بانسانية الاله
وتعدين طريقا نحو العمق، حيث تتجلى صورة المحب
وهو في انتظار ...

هكذا.. تركت المتسامي، قافلا نحو مضجعي...
مسدلا الستار عن تساؤلاتي
فعيوني قد تعمذت بالألم ...
وقلبي طهره احتراق الماضي ..
وروحي حلق في سماء الوهة الاله المحب
هناك ...حيث لقاء الوجوه ... وسحر الوجود 

7

    حين سُأْلتُ عن بعد الموقف في العراق، وما هي تبعاته على الساحة الدولية، ولا سيما العربية المشلولة. كان الجواب يتألق من ذاته، وكأنني ارى بداية النهاية لهذا البلد الجريح، تعجبت من سائر المندهشين لواقع ما يحدث هناك، وكأنهم من أهل الكهف، ينادون بـ " أمل النهوض" كمفهوم يتراوح في الفكر كتراوح اللعاب في الفم. ان الموقف لا يحتاج الى تحليل بل يحتاج لوصف، يخرج عن دائرة المحاباة وسياسة التخفي؛ بل يحتاج الى لسان ينطق به.
    مسكين شعبنا، تعود على شعارات، يقدسها العظماء، الاغلبية. تتراوح بين ديمقراطية أليمة لا واقع لها الا في الأحلام، وتقوية مريضة، ثمنها أحمر، راياتها ترفرف على عقول الجهلاء، ممن اتخذ الدين تعويذة يشعوذ بها الاخر بدباسيسه المؤلمة. دولتنا الحرة الأبية بلا حدود، يقدم اليها كل من هب ودب، استقبلنا الى الان حسب اخر احصاءيات البعد الديمقراطي والشعور الوطني شراذما من مختلف الجنسيات والأطياف، فالماضي خلق لنا اعداء ما فتؤا ينتظرون لحظة تمزيق الفريسة. أمسى العراق مسرح ارهاب يزاوج العصبية الدينية بالغباء السياسي، والعكس صحيح.
   في السابق، كنا ننقد الوضع خلسة في مجالس الخفية، بحجة ان الدكتاتورية لا تسمح بهذا. أما اليوم، فان الديمقراطية التي يعيشها بلدنا، لا تفسح لنا حتى العيش في الوجود كي نتكلم، فالتفجيرات تتألق في سماء بلدنا كتألق الألعاب النارية. والضحايا مرميين في الشوارع دون أي نجدة، حتى الكلاب قد ضجرت من لحم الاجساد المتعفن. أما الحكومة القديرة، ليس عليها سوى ان تدير الاسطوانة المشروخة، منادية بأمجاد الماضي، " لقد تحررنا، لقد تحررنا ... من ربقة  الدكتاتورية " ولكن لم لا يكملوا الاسطوانة : لقد أُستُعبِدنا بعدو أعظم هو " الطائفية، الفوضوية، الرجعية، العصبية، التخلف .. الخ". مبعوثيها لا يذهبون الا الى بلد وحيد، يكن لنا كل الحب، يقدس علاقته بنا، ويود لو يعم السلام أرجاء العراق، سكانه يصلون كل يوم بأن تلغى الحدود  بيننا وبينهم الى درجة مسح الهوية، وغرز كل ايديولوجياتهم الدينية المتعفنة.

    أصبح العراقي رخيص الى درجة أن ترى اعضاء جسده تتطاير فوق السطوح، وكأن الكون قد حكم عليه بهدر الدم، فهو مستَهدف في أي لحظة، ووجوده مهدَد. والميتة التي يتلقاها عجيبة غريبة، يموت وهو  يصلي في جامعه أو كنيسته، يموت وهو في طريقه لشراء الخبز لاطفاله، يموت وهو ينتظر استلام راتبه الشهري. ماذا ترك الارهابيون لنا، حتى شكل الميتة قد بخلوا عليها بنا، فأمواتنا غرباء عن سجل التاريخ المشرف، لم يُسَطروا كأبطال، بل حتى لم يُستَدَل على جسدهم بكامله. من ننتظر للخلاص ؟ هل ننتظر حكومتنا القديرة، وهي ما فتأت تناجي الارهابيين وهم في عقر دارها يسرحون يمرحون ، وتداعب الامريكان وهم يمتصون نفطها.... أم ننتظره من دول الجوار، الذين يتمتعون والحمد لله ببرودة اعصاب لا مثيل لها، كجامعتهم العربية بشكل ظاهري، وتراهم يكسرون كل اجنحة العراق بشكل مبطن، لقد فاقت محبتهم كل المقاييس لدرجة أن نرى المفجِرين يحملون جنسيات دول الجوار. هل ننتظر الخلاص من الأمريكان، وهم ينبحون كلما رأوا نفطاً، وكأنه عصير عظام مغذي. إنْ ضحوا بواحد منهم، فهذا يعني أن هناك ألفي عراقي قد مات قبله.  فما هو الحل ؟
1.   فصل الدين عن الدولة :
في شرع السياسة الدولية، يجدر برئيس الدولة أن يكون على اطلاع بتاريخ العالم، يؤونه بواقع اليوم. حينها يدرك بمغبة مزاوجة الدين بالسياسة. فهو خطر اتعظت منه اوروبا بعد القرون الوسطى. فلم نقع به اليوم ؟ فباسم الله بدأنا نقتل اخينا الانسان، وباسمه بدأنا نستولي على السلطان. لم لا نفهم أن بنية الدين لا تقبل الحكم، فهذا يدفعها الى الخروج من طورها، واتشاح تسمية اخرى غير الدين. لم لا يتركون رجال الدين حرفة السياسة للسياسيين ويتوجهوا الى دعوتهم الحقيقية، وهي وعظ الناس، والتكلم عن الله الغفور الرحيم، والرأفة باخينا الانسان المحتاج.   

2.   تطبيق نظام القوة على صعيد الوضع الداخلي :
نسمع عن وزارة الداخلية، والشرطة، والقوات المسلحة، ولكنا لم نرَ سوى قوات هزيلة، ليس بامكانها حتى الدفاع عن نفسها. كل الاهتمام كان على صعيد القشور، سيارات جديدة، ملابس جديدة، اسلحة جديدة، ولكن عقول قديمة، والمشكلة حين يخرج الشيء مرتقاً. فهل من قرار يوحد الصفوف، ويرمي بالارهابي في دركات ما يقوم به؟

    في هذين الامرين، يمكن للسلام أن يستتب تدريجيا، ومن ثم يأتي القادم. فإنْ لم يُسَيْطَر على الأمن، وإنْ لم يتخذ رجال الدين مكانهم المناسب، فان الفوضى ستشتد، والطائفية ستوصد كل ابواب الحوار، ويغدو الانسان حينها ضحية أكيدة وفريسة سهلة لكل الحيوانات المفترسة.
   
    أما ألأمر الجوهري هو أن نصلي الى الله كي يزرع في قلبنا الرحمة على أخينا الانسان المحتاج، نحترمه في اخرويته، نقدس حضوره رغم اختلافه، لأن الاختلاف لا يمكن أن يخلق خلافا الا في القلوب المريضة. فالسني والشيعي والمسيحي والصابئي وغيرهم، هم خليقة الله، مجبولين على الكون في تناغم وانسجام مع الاخ المحتاج، وهكذا لربما سيعم السلام، وتنتهي المهزلة التي يدفع ثمنها ابناءنا الابرياء.
    فلنصل بقوة الى الله، كي يمد رؤساءنا بالحكمة، ويهدي من حسبوا انفسهم ارهابيون، متناسين انهم خليقة الله، بعد أن نُوُموا ايديولوجياً واجتماعياً ودينياً. حينها قد نرى النور من نهاية النفق...
 

                                   صميم يوسف                     

8
زاوية الشباب / كم جميل !
« في: 02:19 22/02/2006  »
•   كم جميل حين نصلي بفرح، لطالما أمست صلاتنا لصيقة الشعور بالحزن والالم. نصلي حين تلفنا نائبة أو حاجة، ولا نتفوه بها حين نمر بأيام فرح ووفرة. حين سُئِل أحد الحكماء عن سر الصلاة، أجاب :" ما نفع الصلاة  إن لم تُمسِ امتدادا لذواتكم في الاثير الحي حيث تلتقون بالروح اناسا لم ترونهم ولن ترونهم أبدا لكنكم تحملونهم في مخيلة كلامكم حين ينطلق في فراغ العمق . إن كنتم ترغبون بالقاء ظلامكم في حيز الصلاة، حاولوا بالاحرى ان تلقوا بنوركم فيه. وإن أحسستم بالبكاء حين يدعوكم الروح للصلاة ، أخرِسوه حتى تتحول الدمعة الى ابتسامة. ليست الصلاة سوى زيارة للمعبد اللامنظور حيث نشوى لقاء الله والاخر. إن ذهبتم هناك، لا تحملوا معكم أي طلب، لانكم لن تستلموا شيئا : فإنْ دخلتم هناك رغبة بالتواضع فلن تُرْفَعوا، وإن دخلتم لطلب صلاح الاخرين ، لن تُسْمَعوا. أدخلوا الى المعبد .. وهذا يكفي. لا تطلبوا مني تعلم الصلاة. لان الله لا يصغي الى كلماتكم إن لم يكن هو نفسه من يتمتمها على شفاهكم، فاصمتوا فقط، وسترون كل العالم يهمس في داخلكم، فالحقيقة تقطن الداخل ".       

•   كم جميل ان نتحسس دفْ البيت حين تهب عاصفة هوجاء، انه دفْ الارحام! فلطالما أمست حياتنا سباقاً للرجوع الى الرحم. حيث الامان، الطمأنينة وليس من شريك. أما  في رحم الله نقبع قلب العاصفة، ليس من بيت، ولا طمأنينة، ولا حتى ضمان، بل شي وحيد ... هناك شريك :  جوهر وجود الله في حياتنا ..

•   كم جميل لو تصفحنا اوراق كتاب يحكي قصة خلق الاخر وولادة الحضارات وابتعدنا عن تصفح " الاخر " في كتب صفحاتها سوداء، يمكننا تأليفها في لحظات.

•   ما اجمله من منظر حين أصمت واهب الاخر مجالا  ليتكلم ويعبر عن فرادته؛ انه يصرح بما لدي !

•   ما أجمل زفاف لحظة العمق، حين يسلم المرء مفاتيح انسانيته لله، ومفاتيح تكوينه للزمن، وينهي مسيرة التصنع والتكلف التي قد تثقل كاهله طيلة سني عمره !

•   كم جميل ان نُبعِد الاخر عن مدار برمجتنا، فهو مسيرة مجهولة، تخرج عن نطاق الدراسة.

•   كم جميل لو احببنا المجهول وتصالحنا معه! فهو سر قداسة الزمن.

•   كم جميل لو منعنا انفسنا عن القاء الوعود في اناء الزمن العميق بقرارات مصيرية تصدر ( الان وهنا ) .. فقد تمسي وبالا لا مناص منه أو نيراً يُعلَّق على االارقاب .. ومن كان له اذنان للسمع .. فليسمع !

•   كم جميل لو احببنا من دون ان نقرر  أن نحب  !

•   كم جميل لو تعرفنا على نقصنا واحببناه، كما يقطن الورد مع الشوك في غرسة واحدة!

•   كم جميل ان نضحك على ذواتنا منذ بزوغ الشمس وحتى مغيبها. فلو أمعنا النظر بانفسنا لضحكنا حتى الثمالة، لن نجد سوى كائنات تهوى التصنع؛ تهوى التغرب عن ذاتها، تهوى التملق، تهوى السلطة، تهوى العيش على سطح المُثل دون سبر الاغوار. تهوى حمل السلاح في عالم مخصص للسلام. تهوى التحرر من حريتها. تهوى ان لا تكون إن لم تكن كينونتها على حساب الاخر !

•   كم جميل لو أهملنا سلبية الدين : "الانسان كائن حقير امام الله "، واختبرنا ايمان الله بانسانيتنا :" الله في قلب الانسان". كفيلة بان تجعل من ذواتنا مرآة لله والعكس صحيح!

•   كم جميل صوت الانا حين ينعكس على ذاته ويعلن الخروج من شرنقة الاحكام المسبقة والمفاهيم المتعفنة، انه الطريق الى قداسة من نوع اخر، تتحدر من الداخل بعد أن أمست قداسة الخارج سلعة تُباع وتُشتَرى بايدي الباعة .... وأي قداسة تبتغون ايها البشر : قداسة الكلام ام قداسة الفعل ؟!


9

الصبر : محراب الصمت المقدس
                                                                               بقلم : صميم


    أوصيكم بالصبر، فهو كلمة السر التي أودعها الله كيان الزمن، من يفك رموزها يفتح جميع ابواب الحياة الموصدة، فحين تزاوجون الصبر بالزمن، ستقعون على كنز يقطن اعماقكم. فبالوقت والصبر تصبح ورقة التوت رداء حريرياً. بل حين يتحدان سيفوقا القوة والعاطفة انجازا. انهما المحاربان الأكثر قوة وبأساً.
أما حين تزاوجون الصبر بالحب، فلن يكون هناك فراغ في العمق يقض مضجعكم، بل ليس من خطاب للمستحيل. اسألوا الام حين يلتهم المرض جسد وليدها. انها تحتضنه بذراع الزمن، وبعيون صبورة.
حين تزاوجون الصبر بالمثابرة، فستُعِّدون خلطة سحرية لحياتكم، بل تميمة لتذليل أي صعوبة تواجهكم.
لا تطالبوا ذواتكم بصبر عظيم لنيل قوة أعظم، بل تتحدر اعظم قوة من صبر بسيط. وحين ترون شخصا عبقريا لا تنطلقوا في تحليل عبقريته الا من مبدأ الصبر.
إنْ لم تُمتَحَن أفكاركم وأفعالكم في بوتقة الصبر الشجاع فلا جدوى منها. بل الأجدر بكم حرقها وذر رمادها في بحر النسيان.
كونوا حذرين من أن لا يقودكم صبركم الى الجبانة، بل تأملوا كل لحظة صابرة وهي تحتضن الاصرار على تغيير الواقع. فالصبر رفيق الحكمة، والحكمة لا تعالج الامور الا باصرار يعشق الصمت.
اصبروا لتمتلكوا الصبر، فليس سهل على المرء تجاوز حدود ذاته والولوج في جحيم الذات حين تعاني قوة ترطم رغباتها وامانيها بحائط مسنن.
إياكم أن تذوبوا في جسد الصبر، وتصبحوا اناسا صلدين الى حد انعدام الحس ، بل أذيبوا الصبر في مادة حياتكم الهلامية، وارسموا له حدودا وطاقة ونتائج.
ما لا يمكنكم علاجه، اعهدوه للصبر كي يتولى تليينه مع صيرورة الزمن. فالصبر يسوس الزمن.   
ان التحمل أعظم من التجاسر؛ امتلكوه كي تقضوا على عدائيتكم مع الاخرين؛
كي لا تكونوا مرتعبين امام أي صعوبة من شأنها اذلالكم؛
 كي تُبقوا قلوبكم نابضة بين أموات المجتمع ؛
 كي تعيشوا اثارة نقية في قلب فساد البشرية؛
 كي تتخلوا حتى عن الطموح المهلك، بل تقنعون بما حصلتم عليه
إذن من قال انها ليست عظمة بحد ذاتها .
كي تكونوا مستعدين لمواجهة مجهولية الزمن وما أعده لكم، تحتاجون الى الصبر كسلاح فعال. فالصبر كفيل بأن يخلق من ألمكم إكسير الشفاء.   
حين تصبرون فانكم تستدعون الى ارض الواقع قوة مجهولة المصدر كانت مختفية في اعماقكم، ولم تستدلوا عليها يوماً. فاغلب الاكتشافات العظيمة تحدسها افكار الالم.
أصبروا على بلاياكم بثبات، إذ قد يحمل لكم هذا الصبر بشرى الازدهار والمصالحة بين الجسد والروح، فكلاهما يقود الاخر.
إن كنتم بصحبة قساة الزمن، ممن يحوّلون البشر الى أدوات لتحقيق مآربهم وتثبيت كراسيهم، لا تتركونهم فهم بحاجة لحضوركم، بل كونوا في مجلسهم كطُرُش يسمعون، كعميان ينظرون، كخُرُس يتكلمون.
حين كنت مع معلمي الأعظم، ذات مرة، جاء شخص وأهانه أمامي، فطلبت منه قائلاً :" اتركني لاعاقبه يا معلم" فقال لي المعلم :" ليس حكيم من يسمح بعمل الخطأ، فاصبر لربما صمتك هذا ابلغ دافع لاهتداءه". 
اعلموا ان الصبر يعلمكم السيطرة على ذواتكم، ومن وصل بينكم الى سواحل هذا الصبر، فطوبى له لانه سيتعلم الولوج الى اعماق الاخرين الهزيلة.

أنهى المعلم الشيخ حديثه وقد بدا منهكا لعمره الكبير الذي ناهز التسعينات، فابتسم امام أصغر تلميذ عنده، وقد تجمعت في هذه الابتسامة كل دلائل الثقة والائتمان على الرسالة التي سيحملها تلاميذه بعد حين. وأطرد قائلاً :" أوصيكم بالمثابرة التي تجبر الصخر أن يؤسس بيتاً، الجائع للالبحث عن لقمة يسد بها رمقه".   
فقال له هذا التلميذ: إذاً..  كلمنا يا معلم عن المثابرة  ..
المثابرة
     
اياكم أن تنظروا لفشلكم كعدو لدود، بل انْ طرق ابوابكم، افتحوا له. فهو ضيف مُرحَب به شئتم أم أبيتم. لكن لا تسمحوا له بالاقامة لفترة طويلة. فهو كفيل بأن يهدم اسس بنيانكم غداً.           انه يغلق عيونكم حتى على رؤية ما قد فعلتموه بشكل سليم أو تقدمتم به في مجمل حياتكم.        انه ضيف لأيام معدودة، وما زاد عن ذلك فمن الشرير.
اعلموا أن المثابرة تسبح في بحر المحاولة، ومن لم يحاول لا يمكنه ان يثابر. فكروا لتسعة وتسعين مرة، لانكم في المرة المئة ستفلحون. فالمثابرة تعشق اجترار الزمن.
 المثابرة لا تعرف خطاب الحتمية والمستحيل، بل تغمض عيونها عما يفعله الاخرين، وتسد آذانها  عما يقولونه، وتغلق فمها عن أي تصريح الى أن تحين النتيجة. حينها هي من ستتكلم، ويمسي الاخرون بأفواه مغلقة، وإذان موصدة، وعيون مغمَضَة.   
لا يبرز التاريخ اولئك الذين أمسوا أجنة الفشل، بلا نمو يُذكَر، ما فتأوا يتربعون على عرش القزمية، كونهم باتوا تحت إمرة الفشل العملاق. ولكن بالمقابل، يخر التاريخ ساجداً أمام من يحطم قشرة الفشل الصلدة ويطحنها كي يحولها الى علاج ناجع لأمراض الذات. وهكذا ثابروا على الخروج، فمن خلاله تكتشفون الأشياء. لا تستلموا الى الفشل، فهذا لا ينفعكم بشيء، لانه سيعود لكم بوجه آخر، ويسألكم على الاستسلام,, وهكذا دواليك، الى أن إمَعّة الوجود في زمن الحكمة.
لا تنطلقوا في مشوار حياتكم من اليقظة او المهارة، بل اشرعوا من المثابرة، فهي تحتضن روح الفعل. وعبر تمسككم بالرؤية،، ستلد أرحام أفكاركم أولى اجنة الامجاد. ولكن تنبهوا ! فكل فعل عظيم يواجه في البدء احباطاً وفشلا. فإنْ اجتزتوهما، فانكم بالفعل أبناء النور.  وإنْ لم تصادفوا هاتين العقبتين في الطريق، فهذا يعني أن أهدافكم لا تقوم على أي معنى.
ضعوا في مخيلتكم قصة " الارنب والسلحفاة" ، فالاخيرة كانت تحمل روح المثابرة، أما الأول فكان يحمل غرورا بقوته الممتزجة بالمستقبل الأكيد. فالمثابرة لا تبغي ضمان المستقبل بل يكمن موطن رغبتها في قلب الحاضر. يتغذى جسدها على رؤية المستقبل اللامعاش وليس ضمانه أو الإمساك به في قلب الحاضر. انها لا تحرق مراحل الحاضر لتلج عمق المستقبل، إذ يتحول الأخير الى حاضر حال ولوجه.
إن تأملتم حياتكم فستجدون انها سلسلة من التجارب، واحدة منها تجعلكم تنمون بشكل أكبر حتى لو بدا ذلك صعب الادراك. قد خُلِق العالم لتطوروا فيه انفسكم ، وعليكم أن لا تنسوا أن النكسات والاحزان التي تتحملونها قد تساعدكم على الزحف الى الأمام. 
ليست الحياة سهلة لأي واحد منا ولكن ما هذا ؟ علينا ان نمتلك المثابرة وقبل كل شيء الثقة بانفسنا. علينا أن نؤمن اننا خُلِقْنا  لفعل شيء ما ، وهذا الشيء يحتاج التحقق.
لتكن شجاعتكم رهن اشارة مثابرتكم. فمهما فعلتم، فانكم بحاجة الى الشجاعة. ومهما بلغ عملكم أوج الدقة والمهارة، سيظهر شخص ما ليقول لكم :" لقد أخطأتم هنا ". لكن تنبهوا لأولئك الذين ينقدون لغرض النقد وتحطيم الآخر، فبمثابرتكم ستكشفون معدن نقدكم وناقديكم.   
النجاح ليس نهائياً والفشل ليس قاتلا : انها الشجاعة للاستمرار. لذا اجعلوا الفشل رقيب غروركم، والنجاح رقيب فشلكم.   
حين تقومون بفعل يوغلكم في لجة الملل والكراهية، حاولوا أن تقولوا في قرارة أنفسكم                  :" أن المكسب الأعظم هو اكتساب الثقة بانجاز عمل مقرف، فكيف بالأحرى لو كان عملاً مُحَبَذاً . وهذا هو الأهم. فالطريق الى النجاح يحتاج الى مثابرة مُرَكَزة وليس السير بسبعة أحذية، بل خطوة خطوة، حتى طرق ابواب الحكمة والمجد.

   ثم تأمل المعلم وجوه تلاميذه، فوجدها تنطق بالألم والعزلة، تصدر خطاباً يطمس الحقيقة في سعير النار، بل تعكس خبرة الألفة مع ارواح الذات الشريرة. فقال :" ما بالكم ؟ أني أحس بكرب يمتص رحيق كيانكم. انكم كسجناء الحقيقة؛ اولئك الذين ينادون في الطرقات: " انّا اصحاب الحقيقة، اسجدوا لنا، والا أسقطنا ما يقبع داخلنا من شر على رؤوسكم". انكم مكتئبون. فباطل خطاب حقيقتكم أن لم يكن منبعها منفتحاً على فرح الكلمة. اياكم أن تحملوا وجوها مكتئبة لكونكم تشعرون بمسؤولية أو تملكون معرفة ما. لأنكم ستبدون أطفالا يستجدون الانتباه والاعتناء.     
أجاب أحد التلاميذ، وقد لاحت على محياه بوادر التجلد الناضج، ومعالم الحكمة المستقبلية:                   :" يا معلم، انك تخاطب كياننا المغترب. اننا مكتئبون، كأننا اقترفنا ذنباً عظيماً تجاه ذواتنا والآخر. بل أن حياتنا أمست " الخوف من الوقوع بالخطأ " لكوننا تلاميذك.
ثم قال المعلم :" ومن قال لكم، أن لا تقعوا في الخطأ. فلكل خطأ هناك مغفرة، ونحن البشر، كائنات تقوم على " تغير التغير "، لهذا لا يمكننا الحفاظ على أي وعد نلتزم به في الزمن بشكل كامل. ولكن لا تقامروا على المغفرة، فهي لا توهب لمن يدرجها في مخططاته، بل انها لصيقة القصد الدفين. فكلما كنتم أغبياء في الخطيئة، تحدّرت المغفرة بشكل انسيابي.
إن مشكلتكم تكمن في المغفرة. فطوبى لمن يغفر لنفسه وللآخر.

ثم طفق تلميذ آخر، وقد بدت على سيماءه، ملامح الأنانية والإستحواذ، وإباء النفس، قائلاً : لكن يا معلم، الى الآن لم أقع على معنى المغفرة  الصحيح، فقد تناهت الى مسمعي افكارا لا عد لها ولا احصاء عن المغفرة . هل لك أن تخصص واحدة بامكاني اتباعها؟     

10
أدب / طموح نحو العمق
« في: 00:20 13/02/2006  »
                                               طموح نحو العمق

                                                                                                             بقلم  : صميم

    وحالما انتهى المعلم من حديثه، نظر الى أحد تلاميذه، وقد كان شارد الذهن، عيونه تتراقص اندهاشاً امام سير اللحظة وكأنه أما حلبة التاريخ المجتر، بل ما فتات نظرته تقدس النار التي  تذيب الحاضر في الوهة المستقبل، وترذل بلا بد الماضي بحجارة الرجعية والتخلف. قام المعلم بهمة وقصد الذهاب نحوه مباشرة، فقد أحسّه كمن علق في شباك لذة الرغبة وانخطاف الـ" آن"، ربت على ظهره بحركة اردت التلميذ ارض الواقع بعد ان كان طائرا في سماء الاحلام الملونة التي لا عد لها ولا احصاء.
 قال له : لربما ستسأل في قرارة نفسك أني سأسلك بماذا تفكر ؟
أجاب التلميذ : نعم، صدقت ايها المعلم.
ثم ابتسم المعلم قائلاً : بل سأسلك: ما الشيء الذي لم تفكر به ؟
فرد التلميذ وكأنه قد تلقى إهانة من المعلم : لكن يا معلم، أنا شاب طموح ؟
أجاب المعلم : 
قد قيل لك :" حاول أن تتحدى كي تكون وتصير في المساقبل"، ولكن الا ترى هنا احتقارا للحاضر،  ولهذا أقول لك:" عليك باحترام نموك في الحاضر، كي تكون في المستقبل، فاحترام النمو يقوم على تقديس الخطأ ( الماضي)، وهذا ما يقود الى تعلم الكون انساناً ( الحاضر والمستقبل).   
ثم نظر للجمع قائلاً:
إنْ لجأتم لله لطلب المعونة فحسب فلن ترونه ولن تتلقونها، فهو يتملص من كل خطاب نفعية أو طموح يعتمل مرجل أفكاركم ورغباتكم. بل اعهدوا لله ارواء ارضكم العطشى وذر بذار انقلاب الذاخل، ولكن أنتم من تثورون، من تسعون، من تتغيرون.. طالبوا ذواتكم اذن بالنمو وابعدوا الله عن مخطط رغباتكم، حينئذ  تقدسونه وتقدسون ما تنطوون عليه.
اياكم والانبياء الكذبة الذين يرذلون الطموح بحجة انها تضادد توجههم الروحي. فهم لا ينطوون على شيء يُذكَر سوى عقد النقص وكآبة تستدر خلف تقوية مرة. فما من انسان الا ويطمح، متمنياً التحليق باجنحة الخيال نحو مراسي الحرية. ففي الصلاة طموح ، في العلاقة طموح، في الطبيعة طموح بل حتى في الموت طموح.
طوبى لمن يطمح الى مزاوجة الروح بالعقل في عالم يعيش احتضار الروح وسيادة العقل. فالعالمَ يَتحرّكُ بسرعة عجيبة ، فبينما يشرع شخص بالقول : "أنا لا استطيع فعل ذلك الا اذا ..."، الا ويتفاجأ بظهور شخص أنجز الفعل وانتهى منه. بينما الاول ما زال يتمنطق. 
كونوا كمن لا يعرف متى تأتي ساعة السَحَر، لذا يظطر لفتح كل الابواب استعدادا لاستقباله. كونوا سارقي الزمن في مجهوليته.  ليكن هكذا طموحكم، انفتاح وخيال ملتهب بالانتظار.
اياكم أن تحرقوا الحاضر بشعلة المستقبل. بل أن تنيرونه. فنعمة " العينين" لم تُعطَ جزافاً، بعين واحدة تنظر "الان وهنا"، والاخرى تنظر "ما بعد الان وهناك." فالحياة ليست سوى قنديل صغير ينير لفترة وجيزة وينفذ زيته. طموحكم هو زيت حياتكم. فالزيت نافذ لكن القنديل باقٍ. لهذا عيشوا حياتكم بطموح الحاضر، ولا تخافوا على الاجيال القادمة فلها زيتها الخاص بها، لكن حافظوا على القنديل وهذا الاهم.
من لا يعرف معنى الفشل لن يتذوق لذة الطموح، فالاخير ليس سوى صلاة تنطلق من محراب الفشل نحو العلى.
أحبوا وافعلوا كل ما تخشون القيام به. فهي أولى خطوات الطموح. إذ ليس كل ما نواجهه يمكن أن نغيّره، لكن ليس من شيء يمكن أن نغيره دون أن نواجهه. ففي الجرأة يكمن كل السحر والعبقرية والقوة . 
كونوا حكماء في تحقيق طموحكم، فليس بمستطاعكم تَغيير إتّجاهِ الريحِ، لكن بمقدوركم تعديل أشرعتَكم وفق هبوبها، والوصول الى غايتكم الاخيرة.
إنْ اضجعكم الطموح على فراش الخمول وخيبة الحاضر: فحاربوه بقناعة الذات، ورددوا كل يوم :" كنت أبغي أن أكون، والان أنا كائن .. وكفى". وليكن في معلومكم مهما حققتم من طموحات، فأنتم أنتم، لن تتحركوا قيد انملة. فقد يمسي تافها كل ما فعلتموه أو تفعلونه في عيون الكون الهائل. لكن المهم في الأمرأنكم تفعلون " شيئاً".
إنْ كان طموحكم يقتصر على تغيير العالم نحو الاحسن، فكونوا انتم أول البادئين به. وإن كان طموحكم بقتصر على تغيير ذواتكم، فحاولوا ان تغيروا نظرة العالم عنكم.
لا تجالسوا اقزام العصر ممن يحاول تحضيض مساعيكم نحو التطور. بل جالسوا حكماء عصركم وانبياءه ممن تتسربل في نظرتهم غبطة الحياة وفرص البقاء وثقل اللحظة.
 إنْ أردتم طموحا جوهريا يطرز انسانيتكم، اسعوا لامتلاك قلب ممتلئ النعمة وروح مولود من رحم الحب واذن تصغي لصوت الداخل.
ولا تفعموا عقول الناس بسير امجادكم أو معاناتكم التي كابدتموها لتحقيق اهدافكم فانكم تسحقون بذلك اندهاشكم أمام ذواتكم، بل اجعلوا الناس فضوليين في معرفتها، فالصمت ابلغ تعبير عن الخبرة المندهشة.
ليس الشيء العظيم أن نقف بلا حركة  أو أن نعرف وجهتنا، بل تكمن العظمة في أن نبحر أحيانا مع الريح، واحيانا ضده. لكنّا يجب أن نبحر، لا ننجرف مع التيار، لكن لا ننكص في الوقت نفسه فنُنْزِل المرساة خوفاً من هبوب العاصفة.
تأملوا دائماً، أن هناك عقبتان تصادفكم، الاولى يضعها الزمن أمامكم، والاخرى تضعونها أنتم أمام نفسكم، بطموحكم تتحملون الاولى، وتحطمون الثانية.
قد قيل لكم:" ابحثوا تجدوا" أما انا اقول لكم، ليس في كل الامور، فغالبا ما يخنق البحث خطاب العفوية ويبخسه، ويبدو طريقاً يؤدي للتكلف وضياع الهدف. بل ابحثوا حين تدفعكم الحقيقة، وكفوا عن البحث حين يدفعكم الكبرياء والتنافس البغيض.
قد سمعتم :" ان الطموح طريق يؤدي الى الامتلاء" أما أنا فأقول لكم:" اطمحوا في اكتشاف الفراغ، قدسوا معبده الخفي، فلطالما امسينا عَبَدَة صنم " الامتلاء"، نأكل ولا نشبع، نرغب ولا نكتفي، نفكر ولا نفعل، نعيش ولا نقنع. فكيف نسعى للامتلاء ونحن من غرق في خضمه؟!
احرصوا على ابقاء نار الحماسة متقدةً في مرجل طموحكم، فليس من شيء عظيم قد أُنجِز بدونها. ففي انطفاءها تضعف الدهشة، ويلفي المرء نفسه كمستنقع مياه آسنة، حيث تتجمع الحشرات والاوساخ.
أتعلمون كيف يتولد الطموح:" حين تمرون في طريقكم، قد ترون اشياءً وتتساءلون: لماذا هذه الاشياء موجودة هنا. حاولوا بالاحرى أن تروا اشياء غير موجودة، حينها تقولون:" لماذا هذه الاشياء غير موجودة هنا ؟"   
لا تبرروا فشلكم بصعوبة الامور بل بعدم جرأتكم على الاعتراف بصعوبتها. فقد تنتفخون بالكبرياء الى درجة عجزكم عن النظر أبعد من أنوفكم. 
يسير الطموح برجلين : الفكر والفعل، في الاول يُمسي عجينة هلامية في حيز الحدس، لها وجه كياني وكوني شامل، وفي الثاني يحدث التجسد الفعلي في حيز المادة، يلبس وجهاً معنوي ، ويفقد تسميته ومجهولية مستقبله اللامتحقق لانه قد وُلِد الآن. لكن بين الفكر والفعل تتصير الانسانية. ولهذا اقول لكم، لا يمكن للطموح وجود بلا فعل. إذ تتضاعف الفرص حين تُنتَهَز.
في الطموح، لا تحشدوا قواتكم وتخططوا لاستنزاف طاقاتكم قبل استنزافها في العدو، بل افعلوا ما يمكنكم فعله، بما عندكم من طاقة، وحيثما كنتم. وإنْ هُزِمتُم ، اياكم الجلوس في منتصف الطريق نادبين حظكم، فقد تفقدون البداية والنهاية.
إنْ ابتغيتم أن تعرفوا مصيركم، عليكم ان تزرعوا " ميزاتكم" في أرض خصبة، وإن أردتم حصد           "ميزات تغير وجه الكون، عليكم بزرع " عاداتكم" لان بتكرارها تنمو الميزة. وإن اردتم حصد عادات عظيمة ما عليكم الا زرع " افعالكم " في ارض الزمن الايجابي، فهو بذار العادة.
حين تطمحون، تأكدوا أنكم في أحضان الهكم وليس في أحضان أصنامكم التي قد تحقق كل أمانيكم بمجرد تخليكم عن أبيكم السماوي.
أياكم أن تكشفوا اوراقكم للطموح، فانه يملك وجهاً قاسياً، عديم الرحمة، كل استحقاق لا يُدرَج ضمن مخططه، يعده حقيراً. وغالباً ما يكسر روابط الدم، ويُنسيكم حتى العرفان بالجميل.
لا تخافوا ان تطرقوا دهاليز رغباتكم، فكل غاية عظيمة تفترض درباً متعرجا مليء الحفر، حافظوا على الطريق مهما بلغت صعوبته.
قد قيل لكم :" متى ما حققتم انجازا عظيما، حفرتم اسماءكم في سجل التاريخ"، أما أنا أقول لكم :" متى ما أفلحتم بالامور الصغيرة، فانكم تطرقون باب العظمة الاكيد، فهو باب صغير وضيق. بل انه خفي على من يحاول امتلاك العظمة كحرفة، فهو يناغم ذاته مع مُثُل تحتقر انسانيته. فالعظمة تكمن في جسد الرغبة المتواضعة. 
أوصيكم أن لا تحققوا طموحاتكم على حساب تعاسة وسذاجة الاخر. إذ يمسي الطموح  رذيلة بحد ذاته، لكنه طريق أكيد نحو الفضائل إن رأى طريق النور. فبلا الطموح نفقد "اندهاش الزمن أمام نفسه" في ذواتنا. فطوبى لمن يطمح بانسانيته، ولا يطمع بكبرياءه.

   انتهى المعلم من حديثه وقد لاحت على سيماءه بوادر الاندهاش لما انطوى عليه تلاميذه من نعاس دب عيونهم وعقولهم، فقال لهم بلهجة تنم عن صرامة:"
انكم بهذا تضيعون فرصة التحرر، ما الفرق بينكم وبين الأموات، فكلاكما يبحث عن ركن يضع رأسه عليه، ويسلم ذاته الى فراغ الزمن، حيث يغرق في خضم الاشكال الشاردة من مخيلة الواقع. في اذانكم يستدر ثقب كبير، يسرب وقود الكلمة، ويوما بعد يوم، يُعلَن فقدان المعنى بلا ادراك. كيف يمكنكم ادراك معنى التحرر إنْ لم تُسجَنوا خلف قضبان معناكم. فالمعنى سجن الحرية لكن مفاتيحه في يد السجين لا السجان.
تعلموا أن المعنى مغلف بقشرة صلدة لا يكسرها الا الصبر والرغبة المتقدة.

    ثم طفق أحد تلاميذه يقترب منه حاملا بيده حجارة كبيرة، نحتتها عوامل التعرية الى درجة انها بدت تعكس وجه شخص متألم لكنه يولد انطباعاً بصلادة الداخل. ثم نظر المعلم الى وجه التلميذ قائلاً :" هناك بون شاسع يا بني بين وجهك الناعم، العاري والمبرقَع في الوقت نفسه، وبين وجه هذه الصخرة. فلو وهبها الخالق لغة بشرية لنطقت بخبرة تهز الكيان وترطم البشرية بخساسة معناها.

ثم قال التلميذ:" لكن يا معلم، ما هو الطريق للمعنى ؟"
أجاب المعلم :" في الصبر ".
ثم أضاف التلميذ :" كلمنا عن الصبر !".



- يتبع -

11
أدب / حكمة على طريق الزمن
« في: 00:49 07/02/2006  »

                      حكمة على طريق الزمن

                                                                       تأليف : صميم يوسف باليوس


   اجتمع المعلم بتلاميذه على جبل عال جدا، وقد الفاهم يلهثون في نهاية طريق التسلق، وقد نال منهم التعب الى درجة تقوس ظهورهم. بدأ بالحملقة في محيا كل تلميذ مبتسماً، ثم سكت فجأة ونظر الى الاسفل وقال، لننزل من جديد ! نظر التلاميذ الى بعضهم البعض مستغربين من هكذا قرار. فنزلوا الى الاسفل، ولم يعد يُسمَع أي حس من أنفاسهم المختنقة. كل منهم كان يمسك  بخاصرته المتثاقلة وكأنها في الطريق الى الانفجار. فسكت مبتسماً من جديد. ونظر الى الاعلى، وقال: " لنصعد من جديد ! فصعدوا ولم يتفوه اي تلميذ بشيء، وحين وصلوا الى القمة، تطلب منهم وقتا اطول لانهم اصبحوا جد متعبين. ثم على عادته ، نظر المعلم الى الاسفل مبتسماً، وقال :" لننزل من جديد ! ولكن أحد التلامبذ قد لملم شجاعته المترامية الاطراف وقال :" يا معلم، لماذا ترغب في رمينا باحضان الانهاك ، فقد نال مني التعب مأخذه، ولا يمكنني النزول الان، فما الجدوى من ذلك؟". فأجاب المعلم باشراقة تلتمع وجهه، وكأنه كان يبحث عن شيء قد وجده بعد عناء طويل، قائلاً :" طوبى للذين يطيعون بعيون مفتوحة وعقول متساءلة. تزودوا حين تطيعون بـ :" لماذا وكيف ؟ كي لا يحولكم " الفتور" في الطاعة الى حشرات تحركها مباديء غريزية. اياكم واقتفاء آثار " وهم المفاهيم" حين تغدو انسانيتكم انعكاس من الخارج نحو الداخل وليس العكس. فتختبرون بالتالي " عفة وهمية" و " طاعة وهمية" و" فقر وهمي".

الصداقة   

   ثم أجلسهم على قمة الجبل، وبدا يفسر لهم كل شيء على طريقته المعهودة. فسأله أحد التلاميذ: يا معلم كلمنا عن الصداقة؛
فقال:" لا يمكنكم عيش الصداقة مع الاخرين ان لم تختبروها مع ذواتكم. إذ تتعظم حياتكم حين تحتضن صداقات مشرقة، سليمة - حين التقيت زميل لي في " مدرسة الحكمة" كان يخبرني قائلا             :" لا تسِرْ أمامي، فلن ألحق بك، ولا تسِرْ خلفي، فلن أقودك، بل سِرْ بجنبي، فأكون صديقك" - انها تتغذى على التفهم، وتستقي من نبع العفوية حين يصدر من جوف الكيان الحر. تعشق تقادم الزمن كأنه بوتقة تتمحن معدنها، بل كالخمر الجيد كلما عتق كلما أضجع الحس في خدر الأخدار.
    تنادي بتوحد الروح في الاجساد، منطلقها ومؤداها خيِّر، ما فتأت تشطر الشر لتدب الوهن في جسده الضخم ، وتلاشيه في قلب العدم. انها كالصحة الجيدة، لا يمكننا تثمينها الا حين نفقدها بالتدريج.
   لا تحب الخطط والمشاريع المسبقة فهي حرة ومشاعرها صادقة عفوية لا تندرج ضمن برامجيات العقل. تحوم في سماء اللاتوقع، حيث الفضاءات الرحبة. لكنكم مطالبون بخلق فضاءات مناسبة لطائركم هذا.
  مهما وطأتم اراض مقدسة من العقلانية، مهما بلغتم من قوة نفسية، الا انكم تبقون في حاجة ماسة الى الصداقة.
   اياكم والاصدقاء الذين يقطر لسانهم عسلاً، ويغدو حضورهم بمثابة مرآة تعكس جمال سطحيتكم. بل اسعوا نحو من ينقدكم ويحطم اوهامكم واصنامكم!
    لا تهبوا الثقة لمن يطلبها بسرعة، ولا تبخلوا بها لمن وهبكم تضامنا عميقا مع ذواتكم!
   لا تحلقوا في سماء المثالية والرسمية مع اصدقاءكم، فإن بات أحدهم لقمة سائغة لعاديات الدهر المحطِمة، لا تقولوا له : هل بامكاننا مساعدتك" بل هبوا لمساعدته قبل ان ينطق بصرخة النجدة.
   لا تقدسوا ما يعرفه الصديق عنكم بل قدسوا حبه اياكم.
   
الصداقة مرآة تكشف مواطن ضعفكم قبل قوتكم. نبيلة التوجه والمنطلق؛ ما فتأت تغدو  شعور بالامان في الحضور الأخروي. لا يمكن تصويرها بكلمات محدوده بل يمكن تلخيصها في موقف ما كونها لا تقوم على مَنطَقَة الافكار أو قياس الكلمات وابعادها.
تقصد حوار القلب للقلب. ممتلئة بالمعنى الصامت، ذاك الذي يُفجِّر كل ايجابية تعتمل العمق. فلا حاجة اذن لعقاقير تخدر اعماقكم ان كانت الصداقة تتربع على عرش عقلكم. انها علاج لامراض ذواتكم.  والاصدقاء الجيدون افضل اطباء لاجسادكم وارواحكم.
   مبدأها لا يتشح الكلمات لباساً بل يتجذر في الحس تجذراً.
   لا تهوى مبدأ السعادة الوقتية، تناضل لدرأ البؤس عبر مضاعفة المحبة وتبدبد الاحزان.
   طوبى لمن حصر سر الصداقة في فعلية المواقف، وجعل من الصديق صخرة يُبنى عليها أعظم هيكل يمكن للروح سكناه.
   ملعون من عدَّ الصداقة فرصة، ولم يستلذ بطعم مسؤوليتها الطيب.   
   تبنوا عقيدتها الحقة، التي تنص على " حضور مَلَكَتَي الفهم والتفهم.
   لا تخافوا إنْ أحسستم أنكم أرض يابسة لا يمكن احتواء بذور الصداقة، إذ يمكنها الازدهار والتكيف مع كل الترب، لكنها قد تحتاج الى تبادل بعض الهدايا السخيفة لتحفظ التربة من الجفاف الكلي.
    كي تكونوا قادرين على صون الصداقة من الاضمحلال، تحلوا بـ" طيبة القلب" و" قوة العقل"، فالاولى تجعلكم صادقين دوماً، والثانية تطلق العنان لافكارككم في الصراخ بصوت عال. بهذا تصونون صداقتكم.
   لا تحكموا على معدن صداقتكم بأيام الوفرة والفرح، فالكثير سيلتف حولكم، بل انتظروا اياماً سوداء حين يغربلكم القحط والعوز وتمزقكم انياب الزمن المتقلب، حينها من يبقى معكم للمنتهى هو المعزي بصداقته.
    عاملوا الصداقة بعناية ورقة، فهي هشة من الخارج وقد تُكسَر باقل سقطة. بل انها كالمال، قد تكون سهلة الحصول لكن صعبة الحفظ,
    كونوا حكماء في صداقتكم، فقد قيل من ثمارهم تعرفونهم، فمن يزرع مجاملة يحصد عطفاً، ومن يزرع صداقة يحصد حباً. 
    لا تولد الصداقة بشهادة ميلاد، لانها لا تُلمَس. بل تهبكم شعورا بأن مجمل حياتكم ماض في اختلاف وتغير. تُعِّد لكم مخططا متنامياً لمعدل اتساع قلبكم بعد ولوجها فيه، حيث اتساع قدرتكم على الحب والاعتناء؛ عجائبية المنشأ والتفعيل؛ اشبه بتأجير بيت صغير بغرفة واحدة ً، وهناك شخص يعيش معكم فيها، وبدل أن تصبح الحياة فيها مزدحمة ومقرفة، تصبح ممتدة الفضاء، بحيث تكتشفون غرفاً لم تكونوا  على علم بها، هذا اذا كان هناك صديق واحد فكيف اذا كان هناك أصدقاء ؟ 
   الا تتصوروا أن نعمة الوجود تكمن في أن تُحِبوا وتُحَبوا؟ فطوبى لكم إن وصلتم هذه المرحلة من الصداقة. اعظم صداقة تلك التي يتوقع فيها الاصدقاء الكثير من بعضهم البعض ولكنهم لا يطالبون بها. 
    ملعون من يسلك وكأنه صديق الكل، لانه لا ينطوي على أي موقف حياتي، فصداقته دوما مؤسسة على الرمال، فهو لا يريد الصداقة بل أن يُفَكَر به كصديق.
مافتأ الصديق يكشف عما يمكننا فعله، والعدو عما يجب فعله. لا تثقوا بكل من يعجن الصداقة بخميرة الزمن المتراكض، إذ يأتي اليوم الذي تنفذ فيه كل مؤنته في طريق الحب، ويشرع باحثا عن سراب البقاء.   
لا تلبسوا الاقنعة مع اصدقاءكم، بل الطريق الامثل لأكتسابهم  أن تكونوا انفسكم في كل المواقف.
حين تحاربون اعداءكم، تشعرون بمفخرة عظيمة، وحين تحاربون اصدقاءكم فانكم تعدّون نجوم السماء لمللكم وضيقكم، بل تظطرون الى طرق شوارع الزمن كالبلهاء.
إن ابتغيتم تعلم الصداقة، عيشوا العزلة أولاً، فما أعز " الصداقة على قلب " المتوحد " و " المنفي".   
لا تطلبوا من الصديق شيئا سوى الوقوف بصمت جنبكم حين تلفكم نائبة الحياة، لا تبغوا منه علاجا فهو قد لا يوفر لكم سوى اذن للاصغاء، وقلب للاحتضان، وروح  للاستبطان.إن كان لديكم خوف من الحياة، فلاشوه بالصداقة.
لا تتوقعوا ان تُفرَش الارض ورداً في الصداقة، بل بالاحرى توقعوا ليال سوداء حالكة، فخطاب الانسانية خطاب مؤسس على عنصر "التغير"، ولربما تصادفون صديق البارحة ليس كصديق اليوم. لا تمرغوه بتراب الاهانة، بل ادخلوا الى مقدسه واشعلوا شمعة تنير اسودادات نظرته، ليراكم من جديد.
إن كانت صداقتكم هربا من العزلة، فباطل سعيكم، وإن كانت صداقتكم طمعا بتعزيز اعتباركم تجاه انفسكم، فباطل سعيكم، وإن ترعرت في احضان برمجتكم ومنطقكم، فباطل سعيكم، بينما لو عشتم اختلاء الروح في قلب الصداقة، فمبارك سعيكم، وإن كانت طمعاً بجعل الاخر مدركا لمدى قيمته أمام نفسه، فمبارك سعيكم، وإن كانت عفوية وتحترم واقع الزمن، فمبارك سعيكم.
كرروا في قرارة أنفسكم "انكم تستحقون اعداءكم ولكن لا تستحقون اصدقاءكم"، كي تثمنوا حضورهم في حياتكم..
كونوا حكماء متمهلين في ارساء دعائمها، لكن إنْ أحسستم أنها أمست ضرورية كضرورة الماء في الحياة، فلا تخافوا من التورط بها، فلربما تبدو أجمل ورطة تمرون بها.
ان فقدان الصديق كفقدان عضو من اعضاء الجسم، فالزمن كفيل بشفاء الم الجرح، لكن الخسارة خسارة ولا يمكن أن تُعَوَّض.
ليكن لديكم لسان طيب وليس مرا، وجه مبتسم وليس متجهما، وقلب فيه غرف كثيرة، وليس غرفة واحدة. فهي تحترم شرعة التعددية، ولا تقدسوا الوحدوية المريضة، فالصديق كتاب مفتوح، يفلت من أي خنّاق له تصنعون.
الصداقة اكتشاف وليس اختراع. فحياتنا ليست سوى شطرين، شطر نحن من جبله، والاخر جبلته أيدي اصدقاءنا.

 ثم نظر الى السماء متحسرا وصوت التنهدات يتعالى ويخفت وكأنه مقياس يشير الى اظطراب في التوازن، وإنباء يكارثة قادمة. ثم  قال: اسالوا الطيور لماذا تريد الطيران، هل لانها تحتاج الى الطيران أم انها مجبولة على الطيران. إنْ كان الاول صحيحاً، فانكم تحتاجون بالمثل الى الصداقة لتعيشوا انسانيتكم الضائعة، وإنْ كان الثاني صائبا، فانكم مجبولون على عيشها ولهذا من ينكر الصداقة ينكر جبلته ومن ينكر جبلته، ينكر خالقه، ومن ينكر خالقه، ينكر أعظم شيء في حياته؛ وهو " الكون محبوبا رغم عيوبه"




12
أدب / سحر المجهول
« في: 22:27 03/02/2006  »
   انفردت في مسرح الحياة، وكأنني الوحيد الذي وُهِب نعمة التمثيل على منصته؛ انه مسرح خلاب، ستاره مطرز بنقشات فاق جمالها ستار هيكل اورشليم. لونه أحمر كلون الدم حين يصرخ الى السماء. لم يكن حقيقة ستارا واحدا بل ستائر ولكنها أُدمِجَت مع بعضها البعض كي تخذل رغبات العيون المتلهفة لمعرفة ما يستدر خلف هذا الستار، ثخنه بشع، لكن في بشاعته تكوّن معبد المجهول، حيث تنتكس الرؤوس امام لا تناهيه، فالعيون تعبد ما تجهله، والمجهول يحمل سراً. كنت خلف الستار أضحك الى درجة الموت على الصليب. فقلت في نفسي :
اين انت ايها الجمر الملتهب، تعال واحرق عيني كي اطهّر بصري ..
احرق شفتي كي اعاني مرارة التفوه بكلمة واحدة،
اجعلني اجذل حدودي في صمتك،
واجعل صمتي امتدادا لقداستك ...
فلا اريد التمثيل على منصة بالية، ترميني في قذارة مجهول البشر،
فالمجهول قدس اقداس الوجود المتسامي، حيث لا تطأه اقدام السفهاء، ممن يعبدون الستار.
لا يعلمون ان المجهول كشف وليس اختفاء،
حقيقة تستدر عالم الاوهام
عمق فضّل العيش على السطح.
وجهه واضح كجلاء الشمس، الكل يراه، ولكن كلٌ بطريقته وفنطازيته
الكل يقدس مِسخه؛ لانهم يرونه بعيون مجهولهم، فهو اشعة انجبتها شموس افكارهم المظلمة، وحبل بها صنمهم المجهول.
لا يمكنهم رؤية المجهول إن لم يحترقوا بنار الجمر الملتهب،
ولا يمكن للمجهول القيامة إنْ لم يفقهوا انهم أموات بمجهولهم.   
اين انتم يا صالبي الحقيقة، لمَ تتوانون عن صلبي ؟ 
اتبتغون تعذيبي بالعيش في فردوس الحياة ؟
أنا لا اهرب،
 ولكني اعمى بعيون ناظرة،
اعرج بأرجل تمشي،
أبرص بجسد قدسه المرض.
 ظهرت تقيحات في جسدي، ويا لعفونتي، جلدي يفرز صديدا، والناس تحسبني قديس الستار، يُخرج زيتا من احشاءه، هذا لاني خلف الستار.
أخطأتم، فالمجهول لم يختف يوما، ولم يبارح نظرنا، ولكنكم من يبتغي اخفاءه، من يبتغي الهروب من صوته، من يبتغي الباسه حلة اللاوجود كي تُربّعوا مجهولكم على عرشه، انه صارخ في برية عدن، من يسمعه يبرأ من صحته، ويناشد المرض بان يسكن خدره، فحضوره يطرحنا في فراش الموت عن الكلام. 
انطلقوا وحضروا اكفانا سوداء لسطحيتكم، ونادوا الدفان كي يقبر كل افكاركم، ويحرقها حتى تتحول الى رماد يُذَر في بحر الحقيقة. اني ادعوكم الى حضور جنازتي التي ستُعّد في شروق شمس المجهول. سيكون يوما عظيما حيث يخرج صوت من هناك، قائلا : كفاك العيش خلف الستار، واظهر، طوبى لك أيها المبادر، يا ممزق الستار.

    فلنكن امواتا في عالم احياء اليوم
    ولنرفس كل قداسة يلبسنا اياها العالم،
   ولنطالب بقداسة المجهول ... هناك حيث لا أحد سوى الكل..

             

       

 
       

13
أدب / قيامة من بين أحياء موتى
« في: 18:11 17/01/2006  »
قيامة من بين احياء موتى

 أمسى بلدي أسمى من عمقي، بل انه منطلق اغتراب فرحي.
   حين أتأمل بلدي، أجد نفسي تموت بمعنى حياتها، حيث يُزَف مشهد  اللاهوية واللاتجذر، وكأن بلدي أم تجهض نفسها من جنين رحمها قبل ولادته.
     
 اليس على الزمن أن يقول كلمته بحق جسد أوهنته لحظاته!
أليس على البنوة أن ترفع الراية البيضاء أمام وحشية الفردانية!
أليس على القلب التنحي عن نبض الحنان، ولبس السواد على طبيعته التي مرغها الاوغاد بتراب الحقد!

   كفاكم تعذيباً، انزلوا المسيح عن صليبه، فمساميركم تتوغل في احشاء روحه. لا نريد الشهادة إنْ أمست نقطة تبرر حقارتكم.  فالشهادة أبلغ لوحة لمعنى الموت ... لا مقابل لها مهما بلغت معاني العالم ... اخلاء الذات هو طريق نحو النهاية، نحو الاضمحلال .. نحو اللاوجود، كل شئ ينتهي. ولكن ... من قال أن ثقل الوجود هو في الوجود نفسه إنْ لم يكن في معنى الوجود... طوبى لمن يمت من أجل اتشاح المعنى، من اجل أن يقدس صيرورة أخروية الاخر ... لقد نسج الله الشهادة من خيوط طبيعته، وأرقاها في اللاتناهي في المعنى والهدف.

   لم يقتلنا سوى جبانتكم، لانكم تقتلون متخفين، هاربين من ضعفكم، من شركم الداخلي..
صوت من السماء ينادي:" طوبى لكم يا شهداء الكلمة، فانكم تتربعون على عرش اللازمن واللامكان، حيث عشق الروح للحرية، إن يداي لم تجبل مُضطَهِديكم يوماً، بل انهم ابناء جبلة الشيطان".

   ولكن هل من قيامة من بين الاحياء الموتى يا رب ...

    بلدي ... انسان شارد، بكْر اخوته، يهوى الاستقلال عن القطيع، يحب الجري ليس كما يجرون، بل كمن يتبنى شرعة جري الآلهة .. يتجرع سقماً لجرأته، يبغي الحرية لكنه يعيش وفق آيديولوجية قطيعه. حياته أمست دفاعاً عن هجوم مفترس طارئ. شروده نقطة تمرده ومنطلق رسالته.           حكم عليه القطيع بالاضمحلال، لأنه أنكر الوصايا الخالدة... استحق الصلب والموت، لكنه سيقوم بعد ثلاثة أيام :
اليوم الأول : بلدي ميت في القبر، أضجعه موت العالم في المعنى، في الكيان، في الانسانية، ملفوف بكفن أبيض، لكنه إحمَّر ، فما يزال ينزف رغم موته.

ينزف روحاً، فلم يعد يرغب بامتلاكه في عالم وضع الروح في محك " التدين وانصاف الحقائق"
ينزف معنى لأنه لا يرغب  بامتلاكه في عالم يجهض أجنة الفكر قبل أن تر النور ...
ينزف حباً لأنه لا يستطيع أن ينشر حباً في عالم تسفَّلت قيمة حبه، وبات شعار " مادية الحب " نشيداً تصدح به حناجر الجهلة..
 
اليوم الثاني : بلدي نائم، لكن دود القبر يقف  مشدوهاً أمام جسد هزيل منهوك لكن في انتظار، لا يقوى الدود اختراق جسده، فانتظاره ممتزج بألوهته المحجوبة، انه يتنفس روح المستقبل في عالم الأموات. دماءه أصبحت تترقرق من أربع مناطق، كأربع أنهار تحمل شرعة " مقاومة الموت " .
اليوم الثالث : بلدي ينتظر يد الله كي تقيمه، إنه ينبئ بقيامة قريبة، دود القبر مات بأسرابه من الصبر. رياح " الروح " بدأت بالهبوب لكن بوقع ثقيل، كغريق يلفظ أول أنفاسه مقاوماً الموت تحت الماء، تحت الشر، تحت الجهل ...
   
   لكن الباري .. يبكي ..   
   فمن هزج لابنه  في السعانين،  قام بصلبه على الجلجثة ..
لكن الباري .. يضحك ..
   ساخراً من كل أصنام العالم الخرساء .. فبرج بابل ما زال قائماً. 
لكن الباري .. يغفر ...
مطلقا العنان لفيض عمقه بالانسكاب على نفسه، ويتحد الالم بالامل.. 
ها ان السماء تنفتح من جديد،
 أخي يولد من جديد
شرعة المصالحة تُكتَب من جديد
الريح تهب على المشارق والمغارب من جديد ..
  لكننا في انتظار .. انتظار ... لأنه " لم يحدث الى الآن "
فمتى تُزَّف لحظتك أيها اليوم الثالث ...       


14
أدب / صلاة انسان اخرس
« في: 00:05 22/11/2005  »


يا رب الأرباب ..
لقد خلقت العالم
بلا حدود
بلا ألوان
بلا أديان
كانت أرض حرة
تقدس نفسها
بحضورك
وتقدس نفسها
لانك منها خلقت ابنها
الانسان
كيف سيغدو العالم
حين يمتص رحيق فكرك .. يا رب
كيف ستمسي الشمس
حين ترى نورها بمرآتك
. حيث تلقاك 
يتحد عمقها
 في رغبتك بالوجود
العالم ينطق بحضورك
لكن لا يجسده قط
الا في عالم الأحلام
حيث تعيش الحية مع الانسان
والأسد مع الغزال..
والفقير مع صاحب التيجان
لكن معك يا رب
تتحقق كل المتناقضات ..
فلا يعد للحزن من مكان
لاننا في القافلة
مفلسون من عثرات الاقنان
اثرياء بحضور هازم الزمان. .
هكذا ايها العمق
قمْ من جديد
في عالم رعديد
قم من جديد !
 

15
أدب / عزلة ياكية
« في: 15:21 16/11/2005  »




تنين العزلة الباكية

     بألم سأودع الحياة، وباجنحة الموت البيضاء سأطير، محلقا في سماء الحرية اللامدركَة ، وبدمعة ساحفر ذكرى وجودي في تاريخ الموت الصامت. وددت أن أسخر من بقائي؛ فأنا فريسة  تجمعت حولها نسور كوّرها الجوع، وباتت تشبه الانسان حين يطرق ابواب الذات النائمة. نسور تمزق اشلائي بمناقير  قدستها أزمنة التضور، تدعوني للقيامة حتى اختبر بصمت عذاب الجسد وهو يُمزَق.
    هلموا لنجدتي، يا معشر حكماء العصر. انها ليست نسور بل اشعة شمس التنين الهائل، انه يلاحقني في وحدتي، يذيب وجودي كذوبان الحديد في سعير النار، يمتص رحيق نشوى الحياة من قلبي كامتصاص الارض القاحلة لرذاذ المطر. لا أقوى على المخاتلة. أنه يقترب ويبتعد في لحظة تُسرمِد التاريخ كلعبة في ايدي الكلاب؛ يقدس وحدتي ويمرغني بترابها. يوهمني بسعادة منخورة الاساس. لم يكن بوسعي الا أن اجرب خطط المناورات، وأطرق أبواب مُنظرّي الاوهام، ولكن بلا جدوى !!

      التمست معونة سادة العصر والزمان، وليس من مفر، فهو قابع في ركن الحياة، يتربص انهيار صرح صيرورتي بعيون شاخت من النظر، كعيون التمساح. لم أتق يوماً الا للحظة فرح، وكأنها لحظة سبرت اغوار اللاوجود، وأمست حلماً لا تطأه سوى الافكار، يفوح بعبير أموات الاساطير، وابطال الشعوب المقهورة... شرعت أصلي صلاة الخطر،  تلك التي علقت في ذهني كما يعلق الطفل في احشاء المقر. طلبت الانقاذ واحسست بصغري أمام ذاك الذي يسمع. شرعت انادي:" يا من أخاف عليه من نجاستي، يا من أدعوه ليصلب من جديد، لا تجبني، فانا لا استحق!
    اطرق ابوابك في الخطر، وانت تطرق بابي كل لحظة تمر. ولكن ما العمل، فالتنين يقطن  تلافيف مسمعي ليهمس في اذني أغنية العبودية، يستوطن ملكَة بصري مُلاشيا ملامحك ويرسم بدلا عنها بالوان زاهية ملامح الوهته، ما فتأت تخدش قلب البصر. انك أسد يزأر، صوته يهز كيانات اثخنتها جراح الاغتراب، لكن نار التنين تحرق وتُلاشي. يا ملك السموات، أنا جيش كامل، قسمه التنين الى ارتال. وبات كل رتل يحارب في جبهة الاستقلال. فكيف يمكن أن تزاوج الارواح المترامية في كيان واحد. بل كيف تبلج النهار في قلب الليل الحالك، وتعلن اتحادا بلا انفصال. أنا ضعيف، وسابقى حتى بزوغ شمس الاصيل، شمسك الخافتة الضوء ، الصامتة الحضور، العظيمة الحرارة، لا تدفأ الجسد بل الذات، وتخزن دفأها في ذاكرة صامتة ... ولكن اين صوتك يا ملك السموات، لماذا انا الوحيد الذي يتكلم .أسمعني صوتك يا رب .. يا رب .. أين أنت !!".

أيتها الوحدة فارقيني، فانك منصة يتمسرح عليها سيد الاقدار، هروبي مواجهة، بقائي فرار ، فهل من قرار ؟ مللت اللحن الحزين، حين تتناغم حشرجة الفراغ مع صوت الكرب، صوت الحروب مع صوت السلام الممسوخ، والفى نباح التاريخ اهزوجة تعظم انجراحاته، وتمجد محاسن مزيفيه.. أين أنت ايها الفرح، أرني وجهك، لم تحملك سوى كلمات ينطق بها حكماء جِهال، كلمات تسبح في الاوحال، بلا واقع، بل على رمال.. كلها لحظات منفردة تصدر نغماً متوحدا، كانغام الكمان حين يبكي في عزلة باكية:" أين أنت يا رب ، أين أنت" !!

     قد قيل : " حين تحب لا تقل:"  ان الله في قلبي"، بل قل :" أنا في قلب الله". ولكن يا معشر الحكماء، انكم تنطقون بما تجهلون، هل يسمح التنين أن تعبدوا الها آخر سواه، هل يسمح بشريك يعتلي عرشه، ويسرق مقتنياته بمرأى منه. انكم صنّاع كلام، تتراوحون من رحم الى رحم، تبحثون عمن يغذيكم، ويكسيكم. فمنذ أن قذفتكم أرحام امهاتكم في رحم الارض الكبير وانتم تلعنون يوم ولادتكم، ولم تعرفوا معنى الشبع قط. تبغون عبادة الله، وانتم تسجدون للتنين في غلسة الليل، تقدمون له قرابينا باهضة الثمن ليست كمثل قرابينكم لله.
    سمعتم أنه قد قيل:" اذا اردت أن تصلي، ادخل غرفتك واغلق الباب وابوك السماوي في الخفية هو الذي يراك". نعم، نغلق الباب، ولكن ليس هناك الله بل تنين يحتضن اللحظة، يستر العيوب، يُلبس الوجوه البراقة، يُنشي الذات بخمر المحاسن. هكذا نحن البشر:

•   نمجد البطولة ونوهم البطل انه فرادة العصر والزمان، وانه سيد الاكوان، حتى يختنق بكبرياءه ويموت بنرجسيته، وفي النهاية نكتب على قبره ( هنا يرقد انسان عظيم، قدّس أفكار  مجتمع اعظم).   
•   نبني في سنين ونهدم في لحظات.
•   نبرر عيوب من نهوى، وندين محاسن من لا نهوى.
•   نبجل من لا يكترث لنا، ونتجاهل من يحرق نفسه لينير دربنا.
•   نقدس الحلول الجاهزة والكليشهات، ونُسكِت كل محاولة للخروج من المألوف.
•   نتظاهر بالتواضع، ونحن في الداخل نَئِد الايام التي لم تُجلِ اسماءنا كعظماء قد غيروا عجلة الزمن.
•   نعشق المفاهيم ونحترفها لنُسكت أفواه الواقع المتساْءلة.

   مساكين نحن البشر، نعاني، ونحن في قلب الجماعة، العزلة الباكية، فالتنين حقن دماءه في اجسادنا الفكرية، لتنتشر كسرطان هاديء: يُُتلف خلايا الفكر وهي تحتضن الله، في مجد شرع بالأفول أمام لاهوت التنين المؤنسَن، تتلف خلايا القلب، وهي تقلب مغارة الطفل المتسخة بفضلات الحيوانات الى قصر يليق بطفل التنين.
هل عرفتم من هو التنين؟
سؤال يطرح نفسه، ويحتاج الى تجسيد  ..
أنه الــ( أنا ).. فطوبى لمن يعرف من يعبد !



16
المنبر الحر / عمق يبحث عن الجمال
« في: 18:09 15/11/2005  »



•   كم جميل ان نتحسس دفْ البيت حين تهب عاصفة هوجاء، انه دفْ الارحام! فلطالما أمست حياتنا سباقاً للرجوع الى الرحم. حيث الامان، الطمأنينة وليس من شريك. أما  في رحم الله نقبع قلب العاصفة، ليس من بيت، ولا طمأنينة، ولا حتى ضمان، بل شي وحيد ... هناك شريك :  جوهر وجود الله في حياتنا ..

•   كم جميل لو تصفحنا اوراق كتاب يحكي قصة خلق الاخر وولادة الحضارات وابتعدنا عن تصفح " الاخر " في كتب صفحاتها سوداء، يمكننا تأليفها في لحظات.

•   ما اجمله من منظر حين أصمت واهب الاخر مجالا  ليتكلم ويعبر عن فرادته؛ انه يصرح بما لدي !

•   كم جميل حين نصلي بفرح، لطالما أمست صلاتنا لصيقة الشعور بالحزن والالم. نصلي حين تلفنا نائبة أو حاجة، ولا نتفوه بها حين نمر بأيام فرح ووفرة. حين سُئِل أحد الحكماء عن سر الصلاة، أجاب :" ما نفع الصلاة  إن لم تُمسِ امتدادا لذواتكم في الاثير الحي حيث تلتقون بالروح اناسا لم ترونهم ولن ترونهم أبدا لكنكم تحملونهم في مخيلة كلامكم حين ينطلق في فراغ العمق . إن كنتم ترغبون بالقاء ظلامكم في حيز الصلاة، حاولوا بالاحرى ان تلقوا بنوركم فيه. وإن أحسستم بالبكاء حين يدعوكم الروح للصلاة ، أخرِسوه حتى تتحول الدمعة الى ابتسامة. فليست الصلاة سوى زيارة للمعبد اللامنظور حيث نشوى لقاء الله والاخر. إن ذهبتم هناك، لا تحملوا معكم أي طلب، لانكم لن تستلموا شيئا : فإنْ دخلتم هناك رغبة بالتواضع فلن تُرْفَعوا، وإن دخلتم لطلب صلاح الاخرين ، لن تُسْمَعوا. أدخلوا الى المعبد .. وهذا يكفي. لا تطلبوا مني تعلم الصلاة. لان الله لا يصغي الى كلماتكم إن لم يكن هو نفسه من يتمتمها على شفاهكم، فاصمتوا فقط، وسترون كل العالم يهمس في داخلكم، فالحقيقة تقطن الداخل ".       


•   ما أجمل زفاف لحظة العمق، حين يسلم المرء مفاتيح انسانيته لله، ومفاتيح تكوينه للزمن، وينهي مسيرة التصنع والتكلف التي قد تثقل كاهله طيلة سني عمره !

•   كم جميل ان نُبعِد الاخر عن مدار برمجتنا، فهو مسيرة مجهولة، تخرج عن نطاق الدراسة.

•   كم جميل لو احببنا المجهول وتصالحنا معه! فهو سر قداسة الزمن.

•   كم جميل لو منعنا انفسنا عن القاء الوعود في اناء الزمن العميق بقرارات مصيرية تصدر ( الان وهنا ) .. فقد تمسي وبالا لا مناص منه أو نيراً يُعلَّق على االارقاب .. ومن كان له اذنان للسمع .. فليسمع !

•   كم جميل لو احببنا من دون ان نقرر  أن نحب  !

•   كم جميل لو تعرفنا على نقصنا واحببناه، كما يقطن الورد مع الشوك في غرسة واحدة!

•   كم جميل ان نضحك على ذواتنا منذ بزوغ الشمس وحتى مغيبها. فلو أمعنا النظر بانفسنا لضحكنا حتى الثمالة، لن نجد سوى كائنات تهوى التصنع؛ تهوى التغرب عن ذاتها، تهوى التملق، تهوى السلطة، تهوى العيش على سطح المُثل دون سبر الاغوار. تهوى حمل السلاح في عالم مخصص للسلام. تهوى التحرر من حريتها. تهوى ان لا تكون إن لم تكن كينونتها على حساب الاخر !

•   كم جميل لو أهملنا سلبية الدين : "الانسان كائن حقير امام الله "، واختبرنا ايمان الله بانسانيتنا :" الله في قلب الانسان". كفيلة بان تجعل من ذواتنا مرآة لله والعكس صحيح!

•   كم جميل صوت الانا حين ينعكس على ذاته ويعلن الخروج من شرنقة الاحكام المسبقة والمفاهيم المتعفنة، انه الطريق الى قداسة من نوع اخر، تتحدر من الداخل بعد أن أمست قداسة الخارج سلعة تُباع وتُشتَرى بايدي الباعة .... وأي قداسة تبتغون ايها البشر : قداسة الكلام ام قداسة الفعل ؟!

•   كم جميل ان نقدس الصداقة، فهي مؤسسة على الروح لا الجسد. تنضج في احضان البعد الجسدي تتغذى على الخبرة، وترتوي من نبع الانسانية. تحترم المسافة، تقبل باختلاف الاخر. لا تحتمل المراء والكذب.. تقبل بالتعددية .. لا تهتم بالمستويات العلمية أو العقلية .. لا تحب الامتلاك .. تتكون بصمت ولا يحدها زمن .. لكنها للأسف أمست للكثير مرحلة حرجة متوترة .. فاما الامتلاك أو الهلاك..

•   كم جميل لو كشفنا اصنامنا وفضحنا اوهامنا، ومزقنا ستار شجاعتنا الزائفة ، فهو الطريق المؤدي لاكتشاف الله في قلب الفوضى. انه واقف في ساحة المعركة، يشهد هزيمتنا، يختبر هشاشتنا، فهي دليل بنوّتنا المتوترة، انه ساكن، نختبر صحوته في غفوتنا، ونحس بغفوته في صحوتنا، شاهر سلاح الصمت؛ لكنه صمت يتكلم؛ صمت يُصَيِّر؛ صمت يدعو؛ صمت يقوي. صمت يصبِّر..  فلنعلن عن ضعفنا ولنصمت .. وكفى...

•   كم جميل لو ابتعدنا عن قياس انفسنا بالاخرين؛ فهو رحمٌ لامراض الذات السرطانية ،    لم لا نسعَ نحو كشف لآلئنا التي وهبنا اياها الخالق. فمواهبنا لم تُعْطَ جزافاً؟ّ!
لم لا نحارب اولئك الذين يجهضون اجنة الفكر قبل ان ترَ النور؟!
لم لا نعتمذ من جديد، ولكن ليس بالماء بل بالمعنى ؟!

•   كم جميل لو اختبرنا بصمت فقر المحتاج، ولم نزمر  في الطرقات أنّا محسنون، فاحساننا الظاهر ابلغ دليل على فقرنا المستتر. انّا كائنات تهوى ان تعزي ذاتها حين تكشف فقر الاخرين ؛  فنحن عاجزون عن فضح فقرنا الداخلي ... كم نحن مساكين !!!

•   كم جميل لو تأملنا ما يقوله النبي حزقيال :" فقال لي الرب:" يا ابن الانسان كُلْ ما انت واجد، كُل هذا السِفْر واذهب فكلّم بيت اسرائيل. ففتحت فمي فاطعمني ذلك السِفر. وقال لي :" يا ابن الانسان، اطعم جوفك واملا احشاءك من هذا السِفِر الذي انا مناولك اياه" فاكلته فصار في فمي  كالعسل حلاوة ( حزقيال 3). من منا يمكن ان يكون حزقيال اليوم، يعهده الله كلمته ؟  فالانسان مخاطرة  ورغباته دفينة، وقد تكون مشيئته هي الأهم.

•   كم جميل لو فكرنا ان التدين يمثل وثنية من نوع اخر. فهو قالب جاهز لايمان سلفي.        يسعى لجعلنا " فتشيو الفكر" نؤله السطحية ( القشور) وننبذ  العمق ( اللب).
- الجهاد في سبيل تأليه اللغة الى حد  التمييز  هو فتشية.
- غلق منافذ الفكر الحر وتقييده واهانة الاخر المختلف للحفاظ على الايمان القويم هو فتشية.
- عندما نفضل خلق الهة صغار تخدم مصالحنا على ان ننقاد الى اله يُخجِل قراراتنا الخبيثة هو فتشية.
- عندما نتمسك بالماضي الى حد نبذ كل جديد، ونقتلع كل غرس المستقبل للحفاظ على تراث الاقدمين، حركة نكوص لا تختبرها سوى العقول المقهورة.
- عندما نتبنى تيار التجديد الاعمى الى حد طمس كل معالم تراثنا واصالتنا بحجة انها امور بالية اكل عليها الدهر وشرب. وننسى أن المستقبل هو جنين في رحم الماضي

•   كم جميل مشهد ذاك الفيلسوف الذي دُعي لحفلة تنكرية، وتفاجأ الحضور بانه لم يرضخ لقواعد الاحتفال، ولم يرتدي قناعا تنكريا ، دنا منه شريف الحفل متساءلا ." لم لم ترتدي قناعا على وجهك، فأجاب :" ومن قال لك اني لم افعل ؟ أيمكنك تصور الانسان بلا قناع؟ قناعكم ظاهر أما أنا فمخفي. يليق بحياتنا أن تتشح تسمية اخرى: (عالم الاقنعة الساحرة ) ! [/size]

17
أدب / من ابكاك يا وطني
« في: 15:50 15/11/2005  »
من أبكاك يا وطني ...

 تشنج وجودي لحظة تشييع المعنى في بلدي ...
 حملت عودي كي أعزف لحن " الأفول "، فوجدت أوتاره قد قطّعتها الآم أم فقدت وليدها الذي سلخت أفكار الأعداء جلده، وأبٌ ينثر رماد نسله في بحر الزمن اليائس، وأخ لم يكن يوماً "قابيل" أخيه، بل وجد " قوابيلاً" أقبلوا من كل صوب لتهشيم ما تبقى من جسده الموهون.   
حملت " كماني " ، فصرخ متوسلاً : لله درك، لقد فاق لحنك ألم طبيعتي، وبت عاجزاً عن دمج وجودي بلحن بكاءك. فتنحَّ عني، واعزفْ على أوتار كيانك الحزين لحن " البلد المندوب"، لربما تجد كمان عمقك يندب عجزه في لحظة الالم المطرزة بنقشة " المعنى المهاجر". 
يا معشر " طرزانات " عصرنا: لا تطلبوا مني الكف عن بكاء وطني وأنتم من يدفنه كل يوم حياً، واضعاً حفنة قليلة من التراب ليقدس سعيه ويبجل حضوره! انكم تجهضون حتى الموت من رحم الميت. تقدسون " حيونة الافتراس"  وترذلون " انسانية الإله القابع في كل انسان".
ما نفع الانبياء اليوم، إن كان حملة الايمان هم من يصهرون كلمة الله في اتونهم ويقولبوها حسبما يرغبون، يحللون ويحرمّون، يَقتلون ويُحيون، يرجمون ويُبجلون، يشجبون ويؤيدون.... ووطني يحتضر بحلالهم وحرامهم، أخوتي يموتون في الكنائس والجوامع، وأطفال يرون تطاير القتلى كتطاير الألعاب النارية، بالجملة.
انحبست انفاسي واختشت الولوج في حيز الأثير ...
ركعت على تل " الصلاة" والدموع تحفر أخاديداً وخنادقا لتختبئ من كينونتها العاجزة. فشعار الدمع الضعف.
تلعثم لساني وكأنه شاجب اطلاق الكلمات في الأثير ، لأن وهن الروح أضجعه في قبر السكون.
أما عيوني، فأطلقت نظرتها " نحو " الارض"، نحو " العمق " باحثة عن " المعنى " المدفون تحت. تنادي بالقيامة، فهي لا ترغب برفع بصيرتها نحو السماء، لأنها لا ترغب في افراغ محتوها في قلب الاثير بل خطابها بات عميقا ...
 
   هكذا ايها النفس، انطلقي مرتاحة نحو باريك، فما نفع الوجود وسط قوم أثقلهم حضورك، ونفخهم الحقد حد الانفجار. إن أعداءك نوعان: نوع لا يملك عقلا بل معدة ليست سوى آبار تناجي الذهب الأسود أن يقدسها بمروره، أعمَى بصيرتها وقلب نهار انسانيتها الى ليل حيونتها. أما عدوك الآخر فهو أعنف لأنه لا يحوي معدة بل عقلا ولكن أي عقل!! رأيته في حلمي، عبارة عن غرف كثيرة ولكن كل أبوابها موصدة... خيوط العناكب تملاها. في كل غرفة هناك ملفوفة من ورق وكأنه كتاب من عصور غابرة، علاه التراب ولم يفتحه أحد، بجنبه يكمن فأس حافته حادة حمراء.

    أيها  النفس ... يا وطني ...
ولادتك تستدر قلب ألمك...
موتك ليس الا لقيامتك..
فاصبرْ في مثوى الأموات ...
حتى يأتي يوم دينونة الشراذم التي تهوى ابقاءك هناك...
حيث " تموز" المحرر ... يأتيك بثياب الأبطال .. بعد ان يتحرر من هواماته...
لا تخف ... فانك قائم قائم ..
   
     
  [/size]

18
أدب / أبحث
« في: 00:17 15/11/2005  »
[[
أبحث ...

أبحث عن وجه يدعوني باسمي مرتين؛ مرة لأني الآخر ، ومرة لأني أنا هو.   
أبحث عن قلب يحتضن دمعة حياتي، وهي تترقرق مطهرة وجوداً خلبَته الكلمة وخدعَه الفعل.
أبحث عن عين تنظر طفولتي في مرآة عمقي، فهي الوحيدة التي بقت بلا مساس. 
أبحث عن روح تقودني الى وطن الآخر دون تهجم او تطفل بل بشرعية احترام الحدود والمقدسات.
أبحث عن اذن تصغي الى كلام بات كحَجري الرحى في عمقي، انه يخشى الخروج وهجر مهجعه، ففي الخروج دوما مخاطرة اللامكان، اللاهوية، اللاوجود. ولكن لربما يمسي اللامكان فردوس المكان، واللاهوية كل الهوية واللاوجود سحر مجهولية الوجود.
أبحث عن زمن يزاوج صحراءي بعزيمتي، هشاشتي برقّتي، مصيري بحاضري، 
أبحث عن يد تنزع مسامير صليبي، وتقبرني بعد موتي معه، فقمة المفارقة في موت يقود للحياة. 
أبحث عن قدم تسير بي نحو ملكوت خفي، حيث لا مكان سوى العمق، ولا زمان سوى الأزل.
أبحث عن ألم يطرحني خارج زهرته حين أمتص كل رحيقه، لأنه يعشق ويكره تطفلي في الوقت نفسه.
أبحث عن سلام الأحشاء الذي لا يسعى الى نزع السلاح النووي بل نزع سلاح الذات المنجرحة.
أبحث عن وطن فقدتُه حين قَلَعَت جذوري عاصفة هوجاء، ورمتني في أحضان أوطان غريبة مخيفة
أبحث عن فكر يخلو من مثالية تهيم بي في فضاءات خيالية لا واقع لها،
فكر يخلو من واقعية مجردة تسمرني على صليب اللحظة حيث الموت بلا قيامة، لا أريد ان أمسي بواقعيتي كزواحف لا تلوك الا تراب الأرض، ولا تقوى على التطلع الى فوق.
 فكر يخلو من زخرفة بناته اللاتي يعشقن الظهور كما هن دون أي تحسين أو تغليف.
أبحث عن حكمة الأفاعي حين تحوّل سمها الى علاج يشفي كل أمراض الانسان
أبحث عن لغة جميلة عميقة ليست من ابتداع البشر بل ابتداع الكون، انها لغة الصمت
أبحث عن ذاتي المفقودة حتى لو كان على حساب هجر كل أوطان حياتي. فما نفع المعنى إنْ لم يستقر في قاع الذات المتهجرة، اذ يبدو كملء إجان مثقوب.
أبحث عن اله المستقبل يفتح لي حين اطرق أبواب زمني المجهول، انادي اعماقي الضائعة في زمنها، فأنا لا أقوَ على البقاء هكذا، في جوع شديد للحظة الحاضرة والقادمة، متشبثاً بما تغدقني به من فرحة تهيم في سماء الزمن المؤقت. أما المستقبل فقد جعل من جوعي مرارة، ومن استقراري اضطراب ومن صلاتي تطلُع. قالوا لي أن طريق الإله يقلب الكيان ويرمي الإنسان في أحضان عمقه، لكني ما فتأت متشنجاً في هذه الرحلة، فزمني فرغ من معناه الآن، ويتطلع الى الامتلاء غداً، ولكن حين يأتي الغد، أتفاجأ بانه فارغ المعنى وفي حاجة الى الامتلاء بالحاضر. 
  قد اعتدت أن أحوك خطط مستقبلي من خيوط الزمن الحاضر، كما يحوك العنكبوت شبكته باحكام كي يكون، لكني ما فتأت ارتطم بقوله : لا تفكروا في الغد"، كيف يمكن ان أعيش اللحظة الحاضرة بعمقها وحقيقتها إنْ لم أكسوها بغطاء المستقبل، وأصيرها في أحضان التطور؟ وهل يمكن استحمال الحاضر بدون تعزية تتحدر من مستقبل مشرق أفضل ؟ ألم ينظر لنا الله ولم نكن نحن سوى جبلة بين يديه بعيون المستقبل ؟ ألا كيف اذن، يعِد ابراهيم ويواصل مسيرته مع شعبه رغم خياناته. اليس هو اله المستقبل؟ [/color] [/size] [/size]

19
المنبر الحر / حكمة
« في: 23:28 14/11/2005  »
حكمة
على طريق الزمن

 ( هذه احدى التأملات التي كتبتها واود مشاركنكم بها، آملا أن تنال رضاكم ..
( صميم يوسف باليوس - روما)
sameem_hermit@yahoo.com

   اجتمع المعلم بتلاميذه على جبل عال جدا، وقد الفاهم يلهثون في نهاية طريق التسلق، وقد نال منهم التعب الى درجة تقوس ظهورهم. بدأ بالحملقة في محيا كل تلميذ مبتسماً، ثم سكت فجأة ونظر الى الاسفل وقال، لننزل من جديد ! نظر التلاميذ الى بعضهم البعض مستغربين من هكذا قرار. فنزلوا الى الاسفل، ولم يعد يُسمَع أي حس من أنفاسهم المختنقة. كل منهم كان يمسك  بخاصرته المتثاقلة وكأنها في الطريق الى الانفجار. فسكت مبتسماً من جديد. ونظر الى الاعلى، وقال: " لنصعد من جديد ! فصعدوا ولم يتفوه اي تلميذ بشيء، وحين وصلوا الى القمة، تطلب منهم وقتا اطول لانهم اصبحوا جد متعبين. ثم على عادته ، نظر المعلم الى الاسفل مبتسماً، وقال :" لننزل من جديد ! ولكن أحد التلامبذ قد لملم شجاعته المترامية الاطراف وقال :" يا معلم، لماذا ترغب في رمينا باحضان الانهاك ، فقد نال مني التعب مأخذه، ولا يمكنني النزول الان، فما الجدوى من ذلك؟". فأجاب المعلم باشراقة تلتمع وجهه، وكأنه كان يبحث عن شيء قد وجده بعد عناء طويل، قائلاً :" طوبى للذين يطيعون بعيون مفتوحة وعقول متساءلة. تزودوا حين تطيعون بـ :" لماذا وكيف ؟ كي لا يحولكم " الفتور" في الطاعة الى حشرات تحركها مباديء غريزية. اياكم واقتفاء آثار " وهم المفاهيم" حين تغدو انسانيتكم انعكاس من الخارج نحو الداخل وليس العكس. فتختبرون بالتالي " عفة وهمية" و " طاعة وهمية" و" فقر وهمي".

الصداقة   

   ثم أجلسهم على قمة الجبل، وبدا يفسر لهم كل شيء على طريقته المعهودة. فسأله أحد التلاميذ: يا معلم كلمنا عن الصداقة؛
فقال:" لا يمكنكم عيش الصداقة مع الاخرين ان لم تختبروها مع ذواتكم. إذ تتعظم حياتكم حين تحتضن صداقات مشرقة، سليمة - حين التقيت زميل لي في " مدرسة الحكمة" كان يخبرني قائلا             :" لا تسِرْ أمامي، فلن ألحق بك، ولا تسِرْ خلفي، فلن أقودك، بل سِرْ بجنبي، فأكون صديقك" - انها تتغذى على التفهم، وتستقي من نبع العفوية حين يصدر من جوف الكيان الحر. تعشق تقادم الزمن كأنه بوتقة تتمحن معدنها، بل كالخمر الجيد كلما عتق كلما أضجع الحس في خدر الأخدار.
    تنادي بتوحد الروح في الاجساد، منطلقها ومؤداها خيِّر، ما فتأت تشطر الشر لتدب الوهن في جسده الضخم ، وتلاشيه في قلب العدم. انها كالصحة الجيدة، لا يمكننا تثمينها الا حين نفقدها بالتدريج.
   لا تحب الخطط والمشاريع المسبقة فهي حرة ومشاعرها صادقة عفوية لا تندرج ضمن برامجيات العقل. تحوم في سماء اللاتوقع، حيث الفضاءات الرحبة. لكنكم مطالبون بخلق فضاءات مناسبة لطائركم هذا.
  مهما وطأتم اراض مقدسة من العقلانية، مهما بلغتم من قوة نفسية، الا انكم تبقون في حاجة ماسة الى الصداقة.
   اياكم والاصدقاء الذين يقطر لسانهم عسلاً، ويغدو حضورهم بمثابة مرآة تعكس جمال سطحيتكم. بل اسعوا نحو من ينقدكم ويحطم اوهامكم واصنامكم!
    لا تهبوا الثقة لمن يطلبها بسرعة، ولا تبخلوا بها لمن وهبكم تضامنا عميقا مع ذواتكم!
   لا تحلقوا في سماء المثالية والرسمية مع اصدقاءكم، فإن بات أحدهم لقمة سائغة لعاديات الدهر المحطِمة، لا تقولوا له : هل بامكاننا مساعدتك" بل هبوا لمساعدته قبل ان ينطق بصرخة النجدة.
   لا تقدسوا ما يعرفه الصديق عنكم بل قدسوا حبه اياكم.
   
الصداقة مرآة تكشف مواطن ضعفكم قبل قوتكم. نبيلة التوجه والمنطلق؛ ما فتأت تغدو  شعور بالامان في الحضور الأخروي. لا يمكن تصويرها بكلمات محدوده بل يمكن تلخيصها في موقف ما كونها لا تقوم على مَنطَقَة الافكار أو قياس الكلمات وابعادها.
تقصد حوار القلب للقلب. ممتلئة بالمعنى الصامت، ذاك الذي يُفجِّر كل ايجابية تعتمل العمق. فلا حاجة اذن لعقاقير تخدر اعماقكم ان كانت الصداقة تتربع على عرش عقلكم. انها علاج لامراض ذواتكم.  والاصدقاء الجيدون افضل اطباء لاجسادكم وارواحكم.
   مبدأها لا يتشح الكلمات لباساً بل يتجذر في الحس تجذراً.
   لا تهوى مبدأ السعادة الوقتية، تناضل لدرأ البؤس عبر مضاعفة المحبة وتبدبد الاحزان.
   طوبى لمن حصر سر الصداقة في فعلية المواقف، وجعل من الصديق صخرة يُبنى عليها أعظم هيكل يمكن للروح سكناه.
   ملعون من عدَّ الصداقة فرصة، ولم يستلذ بطعم مسؤوليتها الطيب.   
   تبنوا عقيدتها الحقة، التي تنص على " حضور مَلَكَتَي الفهم والتفهم.
   لا تخافوا إنْ أحسستم أنكم أرض يابسة لا يمكن احتواء بذور الصداقة، إذ يمكنها الازدهار والتكيف مع كل الترب، لكنها قد تحتاج الى تبادل بعض الهدايا السخيفة لتحفظ التربة من الجفاف الكلي.
    كي تكونوا قادرين على صون الصداقة من الاضمحلال، تحلوا بـ" طيبة القلب" و" قوة العقل"، فالاولى تجعلكم صادقين دوماً، والثانية تطلق العنان لافكارككم في الصراخ بصوت عال. بهذا تصونون صداقتكم.
   لا تحكموا على معدن صداقتكم بأيام الوفرة والفرح، فالكثير سيلتف حولكم، بل انتظروا اياماً سوداء حين يغربلكم القحط والعوز وتمزقكم انياب الزمن المتقلب، حينها من يبقى معكم للمنتهى هو المعزي بصداقته.
    عاملوا الصداقة بعناية ورقة، فهي هشة من الخارج وقد تُكسَر باقل سقطة. بل انها كالمال، قد تكون سهلة الحصول لكن صعبة الحفظ,
    كونوا حكماء في صداقتكم، فقد قيل من ثمارهم تعرفونهم، فمن يزرع مجاملة يحصد عطفاً، ومن يزرع صداقة يحصد حباً. 
    لا تولد الصداقة بشهادة ميلاد، لانها لا تُلمَس. بل تهبكم شعورا بأن مجمل حياتكم ماض في اختلاف وتغير. تُعِّد لكم مخططا متنامياً لمعدل اتساع قلبكم بعد ولوجها فيه، حيث اتساع قدرتكم على الحب والاعتناء؛ عجائبية المنشأ والتفعيل؛ اشبه بتأجير بيت صغير بغرفة واحدة ً، وهناك شخص يعيش معكم فيها، وبدل أن تصبح الحياة فيها مزدحمة ومقرفة، تصبح ممتدة الفضاء، بحيث تكتشفون غرفاً لم تكونوا  على علم بها، هذا اذا كان هناك صديق واحد فكيف اذا كان هناك أصدقاء ؟ 
   الا تتصوروا أن نعمة الوجود تكمن في أن تُحِبوا وتُحَبوا؟ فطوبى لكم إن وصلتم هذه المرحلة من الصداقة. اعظم صداقة تلك التي يتوقع فيها الاصدقاء الكثير من بعضهم البعض ولكنهم لا يطالبون بها. 
    ملعون من يسلك وكأنه صديق الكل، لانه لا ينطوي على أي موقف حياتي، فصداقته دوما مؤسسة على الرمال، فهو لا يريد الصداقة بل أن يُفَكَر به كصديق.
مافتأ الصديق يكشف عما يمكننا فعله، والعدو عما يجب فعله. لا تثقوا بكل من يعجن الصداقة بخميرة الزمن المتراكض، إذ يأتي اليوم الذي تنفذ فيه كل مؤنته في طريق الحب، ويشرع باحثا عن سراب البقاء.   
لا تلبسوا الاقنعة مع اصدقاءكم، بل الطريق الامثل لأكتسابهم  أن تكونوا انفسكم في كل المواقف.
حين تحاربون اعداءكم، تشعرون بمفخرة عظيمة، وحين تحاربون اصدقاءكم فانكم تعدّون نجوم السماء لمللكم وضيقكم، بل تظطرون الى طرق شوارع الزمن كالبلهاء.
إن ابتغيتم تعلم الصداقة، عيشوا العزلة أولاً، فما أعز " الصداقة على قلب " المتوحد " و " المنفي".   
لا تطلبوا من الصديق شيئا سوى الوقوف بصمت جنبكم حين تلفكم نائبة الحياة، لا تبغوا منه علاجا فهو قد لا يوفر لكم سوى اذن للاصغاء، وقلب للاحتضان، وروح  للاستبطان.إن كان لديكم خوف من الحياة، فلاشوه بالصداقة.
لا تتوقعوا ان تُفرَش الارض ورداً في الصداقة، بل بالاحرى توقعوا ليال سوداء حالكة، فخطاب الانسانية خطاب مؤسس على عنصر "التغير"، ولربما تصادفون صديق البارحة ليس كصديق اليوم. لا تمرغوه بتراب الاهانة، بل ادخلوا الى مقدسه واشعلوا شمعة تنير اسودادات نظرته، ليراكم من جديد.
إن كانت صداقتكم هربا من العزلة، فباطل سعيكم، وإن كانت صداقتكم طمعا بتعزيز اعتباركم تجاه انفسكم، فباطل سعيكم، وإن ترعرت في احضان برمجتكم ومنطقكم، فباطل سعيكم، بينما لو عشتم اختلاء الروح في قلب الصداقة، فمبارك سعيكم، وإن كانت طمعاً بجعل الاخر مدركا لمدى قيمته أمام نفسه، فمبارك سعيكم، وإن كانت عفوية وتحترم واقع الزمن، فمبارك سعيكم.
كرروا في قرارة أنفسكم "انكم تستحقون اعداءكم ولكن لا تستحقون اصدقاءكم"، كي تثمنوا حضورهم في حياتكم..
كونوا حكماء متمهلين في ارساء دعائمها، لكن إنْ أحسستم أنها أمست ضرورية كضرورة الماء في الحياة، فلا تخافوا من التورط بها، فلربما تبدو أجمل ورطة تمرون بها.
ان فقدان الصديق كفقدان عضو من اعضاء الجسم، فالزمن كفيل بشفاء الم الجرح، لكن الخسارة خسارة ولا يمكن أن تُعَوَّض.
ليكن لديكم لسان طيب وليس مرا، وجه مبتسم وليس متجهما، وقلب فيه غرف كثيرة، وليس غرفة واحدة. فهي تحترم شرعة التعددية، ولا تقدسوا الوحدوية المريضة، فالصديق كتاب مفتوح، يفلت من أي خنّاق له تصنعون.
الصداقة اكتشاف وليس اختراع. فحياتنا ليست سوى شطرين، شطر نحن من جبله، والاخر جبلته أيدي اصدقاءنا.

 ثم نظر الى السماء متحسرا وصوت التنهدات يتعالى ويخفت وكأنه مقياس يشير الى اظطراب في التوازن، وإنباء يكارثة قادمة. ثم  قال: اسالوا الطيور لماذا تريد الطيران، هل لانها تحتاج الى الطيران أم انها مجبولة على الطيران. إنْ كان الاول صحيحاً، فانكم تحتاجون بالمثل الى الصداقة لتعيشوا انسانيتكم الضائعة، وإنْ كان الثاني صائبا، فانكم مجبولون على عيشها ولهذا من ينكر الصداقة ينكر جبلته ومن ينكر جبلته، ينكر خالقه، ومن ينكر خالقه، ينكر أعظم شيء في حياته؛ وهو " الكون محبوبا رغم عيوبه"



الطموح

    وحالما انتهى من حديثه، نظر الى أحد تلاميذه، وقد كان شارد الذهن، عيونه تتراقص اندهاشاً امام سير اللحظة وكأنه أما حلبة التاريخ المجتر، بل ما فتات نظرته تقدس النار التي  تذيب الحاضر في الوهة المستقبل، وترذل بلا بد الماضي بحجارة الرجعية والتخلف. قام المعلم بهمة وقصد الذهاب نحوه مباشرة، فقد أحسّه كمن علق في شباك لذة الرغبة وانخطاف الـ" آن"، ربت على ظهره بحركة اردت التلميذ ارض الواقع بعد ان كان طائرا في سماء الاحلام الملونة التي لا عد لها ولا احصاء.
 قال له : لربما ستسأل في قرارة نفسك أني سأسلك بماذا تفكر ؟
أجاب التلميذ : نعم، صدقت ايها المعلم.
ثم ابتسم المعلم قائلاً : بل سأسلك: ما الشيء الذي لم تفكر به ؟
فرد التلميذ وكأنه قد تلقى إهانة من المعلم : لكن يا معلم، أنا شاب طموح ؟
أجاب المعلم : 
قد قيل لك :" حاول أن تتحدى كي تكون وتصير في المساقبل"، ولكن الا ترى هنا احتقارا للحاضر،  ولهذا أقول لك:" عليك باحترام نموك في الحاضر، كي تكون في المستقبل، فاحترام النمو يقوم على تقديس الخطأ ( الماضي)، وهذا ما يقود الى تعلم الكون انساناً ( الحاضر والمستقبل).   
ثم نظر للجمع قائلاً:
إنْ لجأتم لله لطلب المعونة فحسب فلن ترونه ولن تتلقونها، فهو يتملص من كل خطاب نفعية أو طموح يعتمل مرجل أفكاركم ورغباتكم. بل اعهدوا لله ارواء ارضكم العطشى وذر بذار انقلاب الذاخل، ولكن أنتم من تثورون، من تسعون، من تتغيرون.. طالبوا ذواتكم اذن بالنمو وابعدوا الله عن مخطط رغباتكم، حينئذ  تقدسونه وتقدسون ما تنطوون عليه.
اياكم والانبياء الكذبة الذين يرذلون الطموح بحجة انها تضادد توجههم الروحي. فهم لا ينطوون على شيء يُذكَر سوى عقد النقص وكآبة تستدر خلف تقوية مرة. فما من انسان الا ويطمح، متمنياً التحليق باجنحة الخيال نحو مراسي الحرية. ففي الصلاة طموح ، في العلاقة طموح، في الطبيعة طموح بل حتى في الموت طموح.
طوبى لمن يطمح الى مزاوجة الروح بالعقل في عالم يعيش احتضار الروح وسيادة العقل. فالعالمَ يَتحرّكُ بسرعة عجيبة ، فبينما يشرع شخص بالقول : "أنا لا استطيع فعل ذلك الا اذا ..."، الا ويتفاجأ بظهور شخص أنجز الفعل وانتهى منه. بينما الاول ما زال يتمنطق. 
كونوا كمن لا يعرف متى تأتي ساعة السَحَر، لذا يظطر لفتح كل الابواب استعدادا لاستقباله. كونوا سارقي الزمن في مجهوليته.  ليكن هكذا طموحكم، انفتاح وخيال ملتهب بالانتظار.
اياكم أن تحرقوا الحاضر بشعلة المستقبل. بل أن تنيرونه. فنعمة " العينين" لم تُعطَ جزافاً، بعين واحدة تنظر "الان وهنا"، والاخرى تنظر "ما بعد الان وهناك." فالحياة ليست سوى قنديل صغير ينير لفترة وجيزة وينفذ زيته. طموحكم هو زيت حياتكم. فالزيت نافذ لكن القنديل باقٍ. لهذا عيشوا حياتكم بطموح الحاضر، ولا تخافوا على الاجيال القادمة فلها زيتها الخاص بها، لكن حافظوا على القنديل وهذا الاهم.
من لا يعرف معنى الفشل لن يتذوق لذة الطموح، فالاخير ليس سوى صلاة تنطلق من محراب الفشل نحو العلى.
أحبوا وافعلوا كل ما تخشون القيام به. فهي أولى خطوات الطموح. إذ ليس كل ما نواجهه يمكن أن نغيّره، لكن ليس من شيء يمكن أن نغيره دون أن نواجهه. ففي الجرأة يكمن كل السحر والعبقرية والقوة . 
كونوا حكماء في تحقيق طموحكم، فليس بمستطاعكم تَغيير إتّجاهِ الريحِ، لكن بمقدوركم تعديل أشرعتَكم وفق هبوبها، والوصول الى غايتكم الاخيرة.
إنْ اضجعكم الطموح على فراش الخمول وخيبة الحاضر: فحاربوه بقناعة الذات، ورددوا كل يوم :" كنت أبغي أن أكون، والان أنا كائن .. وكفى". وليكن في معلومكم مهما حققتم من طموحات، فأنتم أنتم، لن تتحركوا قيد انملة. فقد يمسي تافها كل ما فعلتموه أو تفعلونه في عيون الكون الهائل. لكن المهم في الأمرأنكم تفعلون " شيئاً".
إنْ كان طموحكم يقتصر على تغيير العالم نحو الاحسن، فكونوا انتم أول البادئين به. وإن كان طموحكم بقتصر على تغيير ذواتكم، فحاولوا ان تغيروا نظرة العالم عنكم.
لا تجالسوا اقزام العصر ممن يحاول تحضيض مساعيكم نحو التطور. بل جالسوا حكماء عصركم وانبياءه ممن تتسربل في نظرتهم غبطة الحياة وفرص البقاء وثقل اللحظة.
 إنْ أردتم طموحا جوهريا يطرز انسانيتكم، اسعوا لامتلاك قلب ممتلئ النعمة وروح مولود من رحم الحب واذن تصغي لصوت الداخل.
ولا تفعموا عقول الناس بسير امجادكم أو معاناتكم التي كابدتموها لتحقيق اهدافكم فانكم تسحقون بذلك اندهاشكم أمام ذواتكم، بل اجعلوا الناس فضوليين في معرفتها، فالصمت ابلغ تعبير عن الخبرة المندهشة.
ليس الشيء العظيم أن نقف بلا حركة  أو أن نعرف وجهتنا، بل تكمن العظمة في أن نبحر أحيانا مع الريح، واحيانا ضده. لكنّا يجب أن نبحر، لا ننجرف مع التيار، لكن لا ننكص في الوقت نفسه فنُنْزِل المرساة خوفاً من هبوب العاصفة.
تأملوا دائماً، أن هناك عقبتان تصادفكم، الاولى يضعها الزمن أمامكم، والاخرى تضعونها أنتم أمام نفسكم، بطموحكم تتحملون الاولى، وتحطمون الثانية.
قد قيل لكم:" ابحثوا تجدوا" أما انا اقول لكم، ليس في كل الامور، فغالبا ما يخنق البحث خطاب العفوية ويبخسه، ويبدو طريقاً يؤدي للتكلف وضياع الهدف. بل ابحثوا حين تدفعكم الحقيقة، وكفوا عن البحث حين يدفعكم الكبرياء والتنافس البغيض.
قد سمعتم :" ان الطموح طريق يؤدي الى الامتلاء" أما أنا فأقول لكم:" اطمحوا في اكتشاف الفراغ، قدسوا معبده الخفي، فلطالما امسينا عَبَدَة صنم " الامتلاء"، نأكل ولا نشبع، نرغب ولا نكتفي، نفكر ولا نفعل، نعيش ولا نقنع. فكيف نسعى للامتلاء ونحن من غرق في خضمه؟!
احرصوا على ابقاء نار الحماسة متقدةً في مرجل طموحكم، فليس من شيء عظيم قد أُنجِز بدونها. ففي انطفاءها تضعف الدهشة، ويلفي المرء نفسه كمستنقع مياه آسنة، حيث تتجمع الحشرات والاوساخ.
أتعلمون كيف يتولد الطموح:" حين تمرون في طريقكم، قد ترون اشياءً وتتساءلون: لماذا هذه الاشياء موجودة هنا. حاولوا بالاحرى أن تروا اشياء غير موجودة، حينها تقولون:" لماذا هذه الاشياء غير موجودة هنا ؟"   
لا تبرروا فشلكم بصعوبة الامور بل بعدم جرأتكم على الاعتراف بصعوبتها. فقد تنتفخون بالكبرياء الى درجة عجزكم عن النظر أبعد من أنوفكم. 
يسير الطموح برجلين : الفكر والفعل، في الاول يُمسي عجينة هلامية في حيز الحدس، لها وجه كياني وكوني شامل، وفي الثاني يحدث التجسد الفعلي في حيز المادة، يلبس وجهاً معنوي ، ويفقد تسميته ومجهولية مستقبله اللامتحقق لانه قد وُلِد الآن. لكن بين الفكر والفعل تتصير الانسانية. ولهذا اقول لكم، لا يمكن للطموح وجود بلا فعل. إذ تتضاعف الفرص حين تُنتَهَز.
في الطموح، لا تحشدوا قواتكم وتخططوا لاستنزاف طاقاتكم قبل استنزافها في العدو، بل افعلوا ما يمكنكم فعله، بما عندكم من طاقة، وحيثما كنتم. وإنْ هُزِمتُم ، اياكم الجلوس في منتصف الطريق نادبين حظكم، فقد تفقدون البداية والنهاية.
إنْ ابتغيتم أن تعرفوا مصيركم، عليكم ان تزرعوا " ميزاتكم" في أرض خصبة، وإن أردتم حصد           "ميزات تغير وجه الكون، عليكم بزرع " عاداتكم" لان بتكرارها تنمو الميزة. وإن اردتم حصد عادات عظيمة ما عليكم الا زرع " افعالكم " في ارض الزمن الايجابي، فهو بذار العادة.
حين تطمحون، تأكدوا أنكم في أحضان الهكم وليس في أحضان أصنامكم التي قد تحقق كل أمانيكم بمجرد تخليكم عن أبيكم السماوي.
أياكم أن تكشفوا اوراقكم للطموح، فانه يملك وجهاً قاسياً، عديم الرحمة، كل استحقاق لا يُدرَج ضمن مخططه، يعده حقيراً. وغالباً ما يكسر روابط الدم، ويُنسيكم حتى العرفان بالجميل.
لا تخافوا ان تطرقوا دهاليز رغباتكم، فكل غاية عظيمة تفترض درباً متعرجا مليء الحفر، حافظوا على الطريق مهما بلغت صعوبته.
قد قيل لكم :" متى ما حققتم انجازا عظيما، حفرتم اسماءكم في سجل التاريخ"، أما أنا أقول لكم :" متى ما أفلحتم بالامور الصغيرة، فانكم تطرقون باب العظمة الاكيد، فهو باب صغير وضيق. بل انه خفي على من يحاول امتلاك العظمة كحرفة، فهو يناغم ذاته مع مُثُل تحتقر انسانيته. فالعظمة تكمن في جسد الرغبة المتواضعة. 
أوصيكم أن لا تحققوا طموحاتكم على حساب تعاسة وسذاجة الاخر. إذ يمسي الطموح  رذيلة بحد ذاته، لكنه طريق أكيد نحو الفضائل إن رأى طريق النور. فبلا الطموح نفقد "اندهاش الزمن أمام نفسه" في ذواتنا. فطوبى لمن يطمح بانسانيته، ولا يطمع بكبرياءه.

   انتهى المعلم من حديثه وقد لاحت على سيماءه بوادر الاندهاش لما انطوى عليه تلاميذه من نعاس دب عيونهم وعقولهم، فقال لهم بلهجة تنم عن صرامة:"
انكم بهذا تضيعون فرصة التحرر، ما الفرق بينكم وبين الأموات، فكلاكما يبحث عن ركن يضع رأسه عليه، ويسلم ذاته الى فراغ الزمن، حيث يغرق في خضم الاشكال الشاردة من مخيلة الواقع. في اذانكم يستدر ثقب كبير، يسرب وقود الكلمة، ويوما بعد يوم، يُعلَن فقدان المعنى بلا ادراك. كيف يمكنكم ادراك معنى التحرر إنْ لم تُسجَنوا خلف قضبان معناكم. فالمعنى سجن الحرية لكن مفاتيحه في يد السجين لا السجان.
تعلموا أن المعنى مغلف بقشرة صلدة لا يكسرها الا الصبر والرغبة المتقدة.

    ثم طفق أحد تلاميذه يقترب منه حاملا بيده حجارة كبيرة، نحتتها عوامل التعرية الى درجة انها بدت تعكس وجه شخص متألم لكنه يولد انطباعاً بصلادة الداخل. ثم نظر المعلم الى وجه التلميذ قائلاً :" هناك بون شاسع يا بني بين وجهك الناعم، العاري والمبرقَع في الوقت نفسه، وبين وجه هذه الصخرة. فلو وهبها الخالق لغة بشرية لنطقت بخبرة تهز الكيان وترطم البشرية بخساسة معناها.

ثم قال التلميذ:" لكن يا معلم، ما هو الطريق للمعنى ؟"
أجاب المعلم :" في الصبر ".
ثم أضاف التلميذ :" كلمنا عن الصبر !".


الصبر

    أوصيكم بالصبر، فهو كلمة السر التي أودعها الله كيان الزمن، من يفك رموزها يفتح جميع ابواب الحياة الموصدة، فحين تزاوجون الصبر بالزمن، ستقعون على كنز يقطن اعماقكم. فبالوقت والصبر تصبح ورقة التوت رداء حريرياً. بل حين يتحدان سيفوقا القوة والعاطفة انجازا. انهما المحاربان الأكثر قوة وبأساً.
أما حين تزاوجون الصبر بالحب، فلن يكون هناك فراغ في العمق يقض مضجعكم، بل ليس من خطاب للمستحيل. اسألوا الام حين يلتهم المرض جسد وليدها. انها تحتضنه بذراع الزمن، وبعيون صبورة.
حين تزاوجون الصبر بالمثابرة، فستُعِّدون خلطة سحرية لحياتكم، بل تميمة لتذليل أي صعوبة تواجهكم.
لا تطالبوا ذواتكم بصبر عظيم لنيل قوة أعظم، بل تتحدر اعظم قوة من صبر بسيط. وحين ترون شخصا عبقريا لا تنطلقوا في تحليل عبقريته الا من مبدأ الصبر.
إنْ لم تُمتَحَن أفكاركم وأفعالكم في بوتقة الصبر الشجاع فلا جدوى منها. بل الأجدر بكم حرقها وذر رمادها في بحر النسيان.
كونوا حذرين من أن لا يقودكم صبركم الى الجبانة، بل تأملوا كل لحظة صابرة وهي تحتضن الاصرار على تغيير الواقع. فالصبر رفيق الحكمة، والحكمة لا تعالج الامور الا باصرار يعشق الصمت.
اصبروا لتمتلكوا الصبر، فليس سهل على المرء تجاوز حدود ذاته والولوج في جحيم الذات حين تعاني قوة ترطم رغباتها وامانيها بحائط مسنن.
إياكم أن تذوبوا في جسد الصبر، وتصبحوا اناسا صلدين الى حد انعدام الحس ، بل أذيبوا الصبر في مادة حياتكم الهلامية، وارسموا له حدودا وطاقة ونتائج.
ما لا يمكنكم علاجه، اعهدوه للصبر كي يتولى تليينه مع صيرورة الزمن. فالصبر يسوس الزمن.   
ان التحمل أعظم من التجاسر؛ امتلكوه كي تقضوا على عدائيتكم مع الاخرين؛
كي لا تكونوا مرتعبين امام أي صعوبة من شأنها اذلالكم؛
 كي تُبقوا قلوبكم نابضة بين أموات المجتمع ؛
 كي تعيشوا اثارة نقية في قلب فساد البشرية؛
 كي تتخلوا حتى عن الطموح المهلك، بل تقنعون بما حصلتم عليه
إذن من قال انها ليست عظمة بحد ذاتها .
كي تكونوا مستعدين لمواجهة مجهولية الزمن وما أعده لكم، تحتاجون الى الصبر كسلاح فعال. فالصبر كفيل بأن يخلق من ألمكم إكسير الشفاء.   
حين تصبرون فانكم تستدعون الى ارض الواقع قوة مجهولة المصدر كانت مختفية في اعماقكم، ولم تستدلوا عليها يوماً. فاغلب الاكتشافات العظيمة تحدسها افكار الالم.
أصبروا على بلاياكم بثبات، إذ قد يحمل لكم هذا الصبر بشرى الازدهار والمصالحة بين الجسد والروح، فكلاهما يقود الاخر.
إن كنتم بصحبة قساة الزمن، ممن يحوّلون البشر الى أدوات لتحقيق مآربهم وتثبيت كراسيهم، لا تتركونهم فهم بحاجة لحضوركم، بل كونوا في مجلسهم كطُرُش يسمعون، كعميان ينظرون، كخُرُس يتكلمون.
حين كنت مع معلمي الأعظم، ذات مرة، جاء شخص وأهانه أمامي، فطلبت منه قائلاً :" اتركني لاعاقبه يا معلم" فقال لي المعلم :" ليس حكيم من يسمح بعمل الخطأ، فاصبر لربما صمتك هذا ابلغ دافع لاهتداءه". 
اعلموا ان الصبر يعلمكم السيطرة على ذواتكم، ومن وصل بينكم الى سواحل هذا الصبر، فطوبى له لانه سيتعلم الولوج الى اعماق الاخرين الهزيلة.

أنهى المعلم الشيخ حديثه وقد بدا منهكا لعمره الكبير الذي ناهز التسعينات، فابتسم امام أصغر تلميذ عنده، وقد تجمعت في هذه الابتسامة كل دلائل الثقة والائتمان على الرسالة التي سيحملها تلاميذه بعد حين. وأطرد قائلاً :" أوصيكم بالمثابرة التي تجبر الصخر أن يؤسس بيتاً، الجائع للالبحث عن لقمة يسد بها رمقه".   
فقال له هذا التلميذ: إذاً..  كلمنا يا معلم عن المثابرة  ..
المثابرة
     
اياكم أن تنظروا لفشلكم كعدو لدود، بل انْ طرق ابوابكم، افتحوا له. فهو ضيف مُرحَب به شئتم أم أبيتم. لكن لا تسمحوا له بالاقامة لفترة طويلة. فهو كفيل بأن يهدم اسس بنيانكم غداً.           انه يغلق عيونكم حتى على رؤية ما قد فعلتموه بشكل سليم أو تقدمتم به في مجمل حياتكم.        انه ضيف لأيام معدودة، وما زاد عن ذلك فمن الشرير.
اعلموا أن المثابرة تسبح في بحر المحاولة، ومن لم يحاول لا يمكنه ان يثابر. فكروا لتسعة وتسعين مرة، لانكم في المرة المئة ستفلحون. فالمثابرة تعشق اجترار الزمن.
 المثابرة لا تعرف خطاب الحتمية والمستحيل، بل تغمض عيونها عما يفعله الاخرين، وتسد آذانها  عما يقولونه، وتغلق فمها عن أي تصريح الى أن تحين النتيجة. حينها هي من ستتكلم، ويمسي الاخرون بأفواه مغلقة، وإذان موصدة، وعيون مغمَضَة.   
لا يبرز التاريخ اولئك الذين أمسوا أجنة الفشل، بلا نمو يُذكَر، ما فتأوا يتربعون على عرش القزمية، كونهم باتوا تحت إمرة الفشل العملاق. ولكن بالمقابل، يخر التاريخ ساجداً أمام من يحطم قشرة الفشل الصلدة ويطحنها كي يحولها الى علاج ناجع لأمراض الذات. وهكذا ثابروا على الخروج، فمن خلاله تكتشفون الأشياء. لا تستلموا الى الفشل، فهذا لا ينفعكم بشيء، لانه سيعود لكم بوجه آخر، ويسألكم على الاستسلام,, وهكذا دواليك، الى أن إمَعّة الوجود في زمن الحكمة.
لا تنطلقوا في مشوار حياتكم من اليقظة او المهارة، بل اشرعوا من المثابرة، فهي تحتضن روح الفعل. وعبر تمسككم بالرؤية،، ستلد أرحام أفكاركم أولى اجنة الامجاد. ولكن تنبهوا ! فكل فعل عظيم يواجه في البدء احباطاً وفشلا. فإنْ اجتزتوهما، فانكم بالفعل أبناء النور.  وإنْ لم تصادفوا هاتين العقبتين في الطريق، فهذا يعني أن أهدافكم لا تقوم على أي معنى.
ضعوا في مخيلتكم قصة " الارنب والسلحفاة" ، فالاخيرة كانت تحمل روح المثابرة، أما الأول فكان يحمل غرورا بقوته الممتزجة بالمستقبل الأكيد. فالمثابرة لا تبغي ضمان المستقبل بل يكمن موطن رغبتها في قلب الحاضر. يتغذى جسدها على رؤية المستقبل اللامعاش وليس ضمانه أو الإمساك به في قلب الحاضر. انها لا تحرق مراحل الحاضر لتلج عمق المستقبل، إذ يتحول الأخير الى حاضر حال ولوجه.
إن تأملتم حياتكم فستجدون انها سلسلة من التجارب، واحدة منها تجعلكم تنمون بشكل أكبر حتى لو بدا ذلك صعب الادراك. قد خُلِق العالم لتطوروا فيه انفسكم ، وعليكم أن لا تنسوا أن النكسات والاحزان التي تتحملونها قد تساعدكم على الزحف الى الأمام. 
ليست الحياة سهلة لأي واحد منا ولكن ما هذا ؟ علينا ان نمتلك المثابرة وقبل كل شيء الثقة بانفسنا. علينا أن نؤمن اننا خُلِقْنا  لفعل شيء ما ، وهذا الشيء يحتاج التحقق.
لتكن شجاعتكم رهن اشارة مثابرتكم. فمهما فعلتم، فانكم بحاجة الى الشجاعة. ومهما بلغ عملكم أوج الدقة والمهارة، سيظهر شخص ما ليقول لكم :" لقد أخطأتم هنا ". لكن تنبهوا لأولئك الذين ينقدون لغرض النقد وتحطيم الآخر، فبمثابرتكم ستكشفون معدن نقدكم وناقديكم.   
النجاح ليس نهائياً والفشل ليس قاتلا : انها الشجاعة للاستمرار. لذا اجعلوا الفشل رقيب غروركم، والنجاح رقيب فشلكم.   
حين تقومون بفعل يوغلكم في لجة الملل والكراهية، حاولوا أن تقولوا في قرارة أنفسكم                  :" أن المكسب الأعظم هو اكتساب الثقة بانجاز عمل مقرف، فكيف بالأحرى لو كان عملاً مُحَبَذاً . وهذا هو الأهم. فالطريق الى النجاح يحتاج الى مثابرة مُرَكَزة وليس السير بسبعة أحذية، بل خطوة خطوة، حتى طرق ابواب الحكمة والمجد.

   ثم تأمل المعلم وجوه تلاميذه، فوجدها تنطق بالألم والعزلة، تصدر خطاباً يطمس الحقيقة في سعير النار، بل تعكس خبرة الألفة مع ارواح الذات الشريرة. فقال :" ما بالكم ؟ أني أحس بكرب يمتص رحيق كيانكم. انكم كسجناء الحقيقة؛ اولئك الذين ينادون في الطرقات: " انّا اصحاب الحقيقة، اسجدوا لنا، والا أسقطنا ما يقبع داخلنا من شر على رؤوسكم". انكم مكتئبون. فباطل خطاب حقيقتكم أن لم يكن منبعها منفتحاً على فرح الكلمة. اياكم أن تحملوا وجوها مكتئبة لكونكم تشعرون بمسؤولية أو تملكون معرفة ما. لأنكم ستبدون أطفالا يستجدون الانتباه والاعتناء.     
أجاب أحد التلاميذ، وقد لاحت على محياه بوادر التجلد الناضج، ومعالم الحكمة المستقبلية:                   :" يا معلم، انك تخاطب كياننا المغترب. اننا مكتئبون، كأننا اقترفنا ذنباً عظيماً تجاه ذواتنا والآخر. بل أن حياتنا أمست " الخوف من الوقوع بالخطأ " لكوننا تلاميذك.
ثم قال المعلم :" ومن قال لكم، أن لا تقعوا في الخطأ. فلكل خطأ هناك مغفرة، ونحن البشر، كائنات تقوم على " تغير التغير "، لهذا لا يمكننا الحفاظ على أي وعد نلتزم به في الزمن بشكل كامل. ولكن لا تقامروا على المغفرة، فهي لا توهب لمن يدرجها في مخططاته، بل انها لصيقة القصد الدفين. فكلما كنتم أغبياء في الخطيئة، تحدّرت المغفرة بشكل انسيابي.
إن مشكلتكم تكمن في المغفرة. فطوبى لمن يغفر لنفسه وللآخر.

ثم طفق تلميذ آخر، وقد بدت على سيماءه، ملامح الأنانية والإستحواذ، وإباء النفس، قائلاً : لكن يا معلم، الى الآن لم أقع على معنى المغفرة  الصحيح، فقد تناهت الى مسمعي افكارا لا عد لها ولا احصاء عن المغفرة . هل لك أن تخصص واحدة بامكاني اتباعها؟     

المغفرة

   قد قيل لكم " اغفروا بشكل مطلق، دون النظر لمن انتم بغافرين". أما انا فأقول لكم :" أغفروا للآخر بمطلقية انسانيتكم المحدودة. لكن إياكم أن يمسي غفرانكم نقطة ضعف توصم جباهكم أو تبدو جبانة في عين الآخربل دعوة لإهتداءه. فالغفران مجاني لمن يدرك قيمته.
وقد قيل لكم :" الغفران يعني أن  ننسى الماضي " أما أنا فأقول لكم، ان الغفران ليس سوى  تذكير بالماضي بل لا يغير من الماضي شيئاً لكنه بالمقابل يحافظ على توازن مستقبل بدون جروح مضاعفة،  فلطالما يترك الجرح ندبة في الجسم، وقد تمسي هذه الندبة في يوم ما أجمل ذكرى إذا اقترنت باهتداء او إنقلاب .
إن جُرِحتُم من قبل الآخر، انتقموا منه.. لكن بغفرانكم، فهو أجمل انتقام. بل ليس من انتقام كامل كالغفران.
عليكم أن تصونوا قدرتكم على الغفران. فمن لا يغفر لا يمكنه أن يحب، بل تذكروا دوماً ان هناك اشياء جيدة في أسوأنا ، واشياء سيئة في أحسننا.   
حين تغفرون للآخر فانكم تبلغون ميناء النضوج الروحي، وحين تغفرون لذواتكم فانكم تبحرون بسفينة الحكمة. ولكن إنْ لم تحضروا الى الميناء لن تركبوا السفينة بتاتاً. فافهموا !   
حاولوا أن تفهموا معنى الغفران قبل أن تغفروا أو يُغفَر لكم، فمن يفهم، يستطيع أن يغفر.
كونوا متهاونين مع الآخر، في عيوبه وتشوهات ردود افعاله تجاهكم، ولكن مع ذواتكم فاياكم، لأن نضوجكم دعوة للآخر كي يحتضن نضجكم.
بغفرانكم تجلون لذواتكم قوة ونبل فحواكم، ففي تجاوزكم لعقبات جروحكم، تصلون الى نقطة شفاءكم. فالجرح قد  يُشفى بالكي. ومن يكوي نفسه، فهو قوي، والغفران هو سمة الاقوياء وليس الضعفاء.   
لا تبحثوا عن مقياس غفرانكم في الخارج، بل ارتحلوا نحو العمق، وهناك ستجدون المقياس يقطن موطنكم العميق، انه الحب لا غير. وفي الحب لا يمكنكم ان تجدوا سوى الفعل والحرية.
حين تبخلون بغفرانكم وكأنكم تحطمون الجسر الذي عليكم عبوره للوصول الى بيتكم.   
تغلبوا بمكل ما وُهِبتم من قوة على خطاب سذاجتكم، فحين تغفرون  لا تقومون بفعل عرضي بل تتخذون موقفاً حاسماً .
قد قيل لكم " اغفروا لأعداءكم " أما أنا فأقول لكم " اغفروا لأصدقاءكم قبل أعداءكم ". فمن السهل أن تغفروا لعدوكم ولكن من الصعب لصديقكم.
حين تخطأون فانكم مُبَرَرين بالخطاب الانساني الطبيعي، وحين تغفرون فانكم تنطقون بالخطاب الإلهي الذي يتمتمه الخالق على شفاهكم ويداعب فكركم.

   ثم انتهى المعلم من طرح لآلئه التي امتنحنتها خبرة الزمن القاسي، واحتضنتها سماوات الانسانية، معبرا عن حكمة لم تولد الا من رحم المعنى المتسامي الذي يسير نحو الاقتران بالجوهر الالهي ، فكلاهما ينطوي على " معنى كوني ".
   لكنه نظر الى تلاميذه من جديد، وبابتسامة معهودة باتت كشبكة يمكن أن تصيد حزانى القلب في العمق؛ فهي ابتسامة تطلق سراح الذات من خوفها. قائلاً : أتعلمون ما الذي ينقصكم ؟
أجاب التلاميذ : نعم... الكثير .
لكنه حدق به قائلا : بل شيء واحد لا غير .
اندهش التلاميذ قائلين : كيف يمكن هذا.. شيء واحد... ما هو يا ترى ؟
قال المعلم : الثقة .

الثقة

    اعلموا أن زمنكم جعل الثقة تخون نفسها. في السابق، كانت تُمنَح في آخر المطاف بعد خبرات وامتحانات يلقيها الزمن في احضان العلاقة، واليوم توهب في أول المطاف جُزافاً. يا لسخرية الاقدار حين تمسي الثقة رخيصة المعدن، ما فتات تتحول عند البعض اداة لجذب الاخرين.
    قد قيل لكم :" ان الثقة موقف تجاه الاخر" أما انا أقول لكم :" ان منبع ومصب الثقة هو الأنا، وليس الاخر سوى رافد من روافده". إياكم أن تهبوا الاخر ثقة لم تحظوها مع ذواتكم، فانكم كمن يحاول حفظ الماء في الغربال. ولهذا أقول لكم : ثقوا بذواتكم فانه اول الطريق نحو اختبار معنى الثقة حقيقة.
   طوبى لكم إنْ امتلكتم صديقاً يمسي كالروح التي كانت ترفرف على وجه المياه في الخلقة. فهناك البحث عن ارض للارتكاز وتوطيد الوجود في الذات. هكذا في الصديق تجدون مركز ثقل الثقة، لا سيما حين يفهم ما تنطوون عليه من سلبية وايجابية ، فهو  لا يرغب الا ان "يكون" معكم. لمَ لا تثقون ببعضكم البعض إنْ كنتم قد خُلِقتم وفي رحم فكركم جنين الثقة حيث كل القوة الكامنة والغير معروفة في الداخل، تدفعكم نحو التسامي عن حدود اخرويتكم المنغلقة الى ارض الذات المفقودة.
    قد قيل لكم : كونوا واثقين من ذواتكم حتى لو كنتم على خطأ " أما أنا أقول لكم :" أن تعانوا الخطأ خير بألف مرة من القيام به، وأن تكونوا مخدوعين لانكم تثقون اكثر من اللازم خير بالفي مرة من عدم الثقة بأحد".
   لو تأملتم سر الله في الحياة ولمساته العظيمة، وآمنتم وبجوده وفاعليته دون الاعتماد على فاعليتكم بل على مفعوليتكم، وأنه صيّر الكون لتفعيلكم وتفاعلكم، فلن تشعروا بالخوف من المجهول بعد الآن! فقط أعطوا للثقة وجها تخاطب به العالم المتساءل والمتضاءل في شهيقكم وزفيركم، هناك يتم الخلق الجديد حين تنظر الثقة الى كينونتها في مرآة عمقكم؛ فهي ليست سوى عروس الانسانية العذراء. 
    اياكم ان تغدوا صناع كلام، فلن تُمسِ كلماتكم سوى:

 جرس خشبي يصدر صوتاً مكتوما...
أو معبد مهجور لإله حاضر...
أو أمٌ حبلى بطفل ميت...     
لكن حين تشهد كلماتكم اقتران سرّ وجودها العجيب بمصداقية انطلاقها ومرساها المتجوهر في الثقة، فانكم ستهبون الحياة :
لتماثيلكم العميقة التي لا تحتاج الاّ نفخة الثقة كي تُخلَق.
لصوت الجرس المكتوم الذي لن ينقلب الى جرس حديدي بل يبقى خشبياً لكن صوته سيدوي في الداخل.
لهيكل بعد أن هجره الناس وبقى الإله في عزلة، أما الآن الناس حاضرة والإله حاضر، أما الأرواح الشريرة هي التي تعلن هجر الهيكل. ولكن قد يكون مستقرها القادم في محراب الانسانية نفسها.   
لرحم الحبلى التي ستخصب جوفها كي يختبر حياة وافرة بعد موت ماضٍ.
   لا تفرطوا في الثقة بذواتكم، لأنكم ستتحدرون شيئا فشيئا نحو حضيض الفكر الطوباوي عن انفسكم. بل تمسون صدى لألوهة كاذبة تصيرونها بافكار متخفية  تتوجس من حضور سيد الألوهة الأوحد. السبيل الأوحد لدرأ تأليهكم هذا هو اللجوء الى الآخر، قدسوا ما يقدسه في عمقه، فلربما الذي يقدسه ويسجد له يحطم كل أصنامكم بفرادته وقدرته. حينها تختبرون معنى الإهتداء لسيد الإلوهة الأوحد. 
    كونوا واثقين من حدوسكم، فهي ليست سوى تنغيم الكيان مع موجة الطاقة المنبعثة من الروح، تتحسسونها متغلغلة أحشاؤكم حين تضربون صفحاً عن تحسس الخارج. طاقة الروح هي التي ستقودكم الى مجالكم المنسي، الى تساؤل الوجود عن سر صيرورتكم في رحْمِه الخصب، الى الشعور بانكم تنتجون الأفكار كما ينتج الذباب بيضه. فالفكر ألق الوجود ومنافسه في الوقت نفسه. فكيف العيش اذن بدون الحدوس أنْ أمست سر الوجود ؟!
قد قيل لكم :" طوبى لمن يتحدث بالخير عن كل الناس " أما أنا فأقول لكم :" إياكم ان تثقوا بكل من يفعل ذلك، فهو لا يقول الخير للخير نفسه بل انه عرض بطولي لشخصية مهزوزة، يستخدم الآخر كـ" مادة " للظهور. لا ينطوي على موقف واضح تجاه الاخر المختلف لأنه يريد " الوصول ". احذروا كل الحذر منهم، فقد قيل عنهم :" يأتونكم لابسين ثياب الحملان ". حاولوا التمييز بين من يحمل نظرة مشرقة للحياة والاخرين، ويعرض سلبياتهم ويقرنها بسلبيته، ويحاول ايجاد البديل، ثقوا بهذا ، اما من ترونه يتحدث بالخير في خطاب رخيص ، إياكم منه!   
   لا تثقوا بمن يحبونكم بشكل عارم بعد معرفة قليلة، فالمحبة العميقة لا تظهر الى السطح الا بعد السير في طريق الخبرة والمعاناة. انها تصريح عميق بالالتزام الواعي والناضج وليس التعلق المريض بحضور الجسد. فالثقة ليست سوى غروب الحضور الجسدي في شروق الحضور الروحي. فطوبى للقلب الذي يحب في ظلام الجسد؛ فهنا تكمن قمة الثقة والحكمة.
   اياكم ان تأخذوا النصيحة من شخص يعاني الصعوبات،  فمهما بلغت حكمته، فهو لن ينطق الا بكلمات الوهن والصعوبة والمعاناة بل حاولوا أن تجانبوا من يرى الصعوبات خطوة لا بد منها نحو نهل معنى الوجود، أو من يعترف بوجودها لكنه لا يؤمن بتأثيرها المدمِّر.
في كل ثقة هناك درس خفي لا يمكنكم الوقوع عليه الا حين يمتحنكم الزمن في بودقته، وهناك معلم عظيم، أعطاكم الثقة في مواقف وكلمات غنية، لا يمكنكم الوقوع عليه الا حين يهجركم في بُعْد انضاجي، الا وهو الصديق، وهناك فعل مدهش يستدر خلف مونولوجكم الكياني في العلاقة، لا يمكنم الوقوع عليه الا حين ينعكس جذلا بعفوية ودهشة من ذواتكم، الا وهو " الكون محبوباً ". وحين لا تجد هؤلاء مجتمعين لا يمكنك ان تختبر معنى الثقة.   

     نظر المعلم الى السماء وقال:" ثقوا بالعلي الذي يغدقكم ذاته حين تضطجعون في أحضان الثقة كالطفل الصغير الذي لا يرغب الا ان يختبر حضن الفرادة الدافئة؛ حضن الأمومة الخلاق. فما أطيبه حنان اليد الملساء وهي تخضعك لايقاعها المخدر، وعنف اليد الخشنة التي تربت ظهرك بايقاع يكشف لك النقاب عن درب الالام غداً.

    انهى المعلم حديثه، قائلاً :" لقد غابت شمس الأصيل وبات على شمسكم الانبلاج في قلب الظلام؛ فهي تستدر القلوب لا السماوات. فانطلقوا صوب من إظلّمت حياته وباتت نيراً معلقاً على رقبته. وهبوا لنجدة ذواتكم حين تعلن في لجة كسلها مزاوجة ظل الظلام. اسهروا وابقوا مصابيحكم مشتعلة ..               


صفحات: [1]