عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - سـعيد شـامـايـا

صفحات: [1]
2
النقد وسيلة ناجحة ومعالجة ناجحة
حول قضية توقيف الفنان داني اسمرو
اشغلتنا هذه الايام قضية اعتقال الفنان داني وردود الفعل بما لا يخدم قضيتنا الاجتماعية في القوش الحبيبة
ولانني بعيد عن تلك الملابسات ادلي برايي مختصرا وواضحا بما يفيد ديرنا المبجل و مجتمعنا. لقد اشغلتني القضية من جهة مهمة لانها تخص السياحة التي اهتم بها كافضل وسيلة اجتماعية واقتصادية تهم القوش واوردت في كتابين كتبتهما ونشرتهماعن السياحة في كوردستان والسياحة نهجنا الوطني في العراق وفيهما فصل خاص عن موقع بيندوايا(كمدبنة سياحية) واهميته لبلدتنا القوش وعلاقته بالدير مالكة عقار الموقع وايضا مفيد تشييد مثل هذا الموقع في القوش مثلا قرب الدير ولكن ما ذهبت اليه في دراستي التي قدمتها الى الدير كمساهم في المشروع بحصص تناسب القيمة المقدرة كمالك سشارك المساهمبن من ابناء القوش واخرين يستحقون المشاركة، ونالس الدراسة تأييدافي العراق وي كل البلدان التي زرتها .
الحديث او النقد البناء وارد في مثل هذه المشاريع المهمة ولا تتطلب التجسيم لتتحول الى صراعات داخلية ثم التوقيف، القوش تحب وتقدرالدير ورهبانه والدير من القوش ويوم جاء ربان هرمزالمقدس الى جبل القوش ما جلب معه الدير واملاكه الحالية التي نتمناها عامرة دوما، والكثيرمنها هبات ونذور من ابناء القوش وهكذا ابضا ابا دنبو المقدس الذي احتضنته القوش، وانا من كتب نص مسرحيةعن الدير عرضتها فرقة مسرح شيرا ي الدبر وي الثوش ومخرجها هيثم ابونا والممثلون كلهم ابناء القوش والقوش تزين الدير وتحميه، كنت اتمنى أن يحذو مسؤول الدير حذو حبيبنا يسوع ويستقدم الفنان الناقد او يذهب اليه وبالمودة يتفقان على رأي انساني يلائم اهداف الدير واهداف الفنان الحساس والمنطلق من انسانيته ولا يتطور الى مثل هذا المشكل الذي يشارك الكنيسة المباركة ومجتمع القوش ليصبح وسيلة للتسلية بل اقترح أن بقوم المسؤول في الدير او من ينوب عنه نيلقي محاضرة ودية يطمئن ابناء القوش وبلداتنا القريبة ان المشرع السياحي هذا هومشروعهم وهو وسيلة نافعة تفيد مجتمعنا وليس شركة تجارية لاثراء الدبر فقط .
ويبقى الدير معلما انسانيا دينيا اثريا بفتخر به ابناء القوش ويساعد في انماء وا6غناء مشاريعه الانسانية .
سعيد شامايا 10/6/2021

3
ما بآل السياحة صامتة
كأن مايحصل في اقليم كوردستان لايثيرها

منذ سنين تدور المعارك بين الجيش التركي بمتابعة ورعاية قوية من الرئيس التركي اردوكان ومؤيديه من الجيش التركي وبين ثوار اكراد توركيا باسم بككا (حزب العمال الكوردستاني )اي المدافعين عن قضيتهم القومية الكوردية ونضالهم لنيل حقوقهم وهم يمثلون نسبة كبيرة من نفوس شعوب جمهورية تركيا، وتطور الصراع الى حرب مدمرة وكأنها بين دولتين والجيش التركي يستخدم كل قواه العسكرية منها احدث طائراته باحدث اسلحتها، مما اضطر الثوار الكورد الى الالتجاء الى مناطق كوردية من دول الجوارمثل سوريا والعراق مستفيدة من وعورة المناطق الجبلية، ورغم ما يؤدي القتال الى دمارتلك المناطق حاولت القيادى في الاقليم والقيادة في العراق ان يتفادا تسرب هذا الصراع المدمر الى سوء العلاقة مع تركيا بالحذرمن مناصرة الافليم  ابناء قوميتهم المظلومين، لكن تركيا تمادت في توسع تجاوزها العرف بدخولها وتدمير قرى ومزارع ابناء الاقليم وتجريد المناطق السياحيةمن بهائها ومقاييسها السياحية والتي يعول عليها الاقليم والسياحة ي العراق عموما كاهم مورد اقتصادي مستقبلي يُعتمد عليه، ونتيجة للدمار الذي مارسه الجيش التركي والذي طال ايضا السكان ضحايا من ابناء الاقليم بات الامر لا يحتمل حين اصبح اعتداء صارخا نال من سيادة الاقليم الناشئ والمسالم،كما ينال من سيادة العراق وظروفه الصعبة التي استغلتها القيادة التركية الارهابية متناسية ما تكسبه من اقليم كوردستان و العراق الذي فتح لها ابوابه التجارية لسيل من الموارد الاقتصادية، ايضا يقابل ذلك باسلوبه المخالف للشرائع الدوليلة بتأثيره على مسنوى مياه دجلة والفرات فراح يستغلها بمساومات دنيئة لا تمت الى سلوك الجيرة بصفة .
آسف اخذني تصرف القيادة التركية السييء سياسيا ودبلوماسيا بغرور قطاع الطرق واللصوص ناسيا هدفي الاساس وهوما اصاب المواقع  السياحية واصحابها من دمار يخص الحؤكة السياحية ليس في الاقليم وفي العراق فقط بل الحركة السياحية العالمية التي تحتاجها الشعوب في الضروف السيئة التي تعانيها الانسانية وشعوبها بعلاقاتها وغياب الود والتآلف وحاجتها الى علاقات تغيرمن النزاعات  والصراعات، والسياحة هي افضل الوسائل في خلق الاجواء التي توفر التقارب وحسن  العلاقات والمدخل الى حل المشاكل والخلافات، وهذا يؤكد ما قلته ي مجال كتبي  السياحية، ان السياحة اسلوب وطني وعالمي يتطلبأن تطورا اجرائيا كقوة سياحية عالمية في مجالات الالفة والعلاقات السياحية مهما اختلفت الدول في علاقاتها السياحية مطلوب ان ترعى الحركة السياحية وعلاقاتها كعنصر احتياطي مفيد بل ضروري للجوء اليه عند المواقف الضرورية المهمة .
من هذ المنطلق يجب ان يبادر الاقليم والحركة السياحية في الوطن داعية السياحة العالمية للوقوف بقوة موحدة امام ما يجري من عبث القيادة التركية والجيش التركي وتحميلهم كل المضار والخسائر الي طالت المواقع السياحية التي اصابها الضررواصحابها وليكن هذا التحرك سياحيا عالميا يطالب بردع الممارسة التركية والتي من اساسها مناف لاسلوب القيادة الديمقراطية والعدالة في في رعاية السلطة لشعبها مهما تنوع قوميا ودينيل وطبقيا و لتكن درسا عالميا ليس غريبا عن حقوق الانسان المقرة والمعترف بها من قبل معظم الدول منها جمهورية تركيا   
                                                                          سعيد شامايا
                                                                          1/5/2021     


4
المنبر الحر / تحيةاذار
« في: 19:34 28/02/2021  »
اذار الامل بعد شباط اسود
اذار البشارة بغد افضل، اذار الهموم المباركة،
قالت امي قلقة: كم انت عاشق المصاعب، اراك كالفراشة تدور حول النارمتجاهلا انها ستحرقك . قلت  : يا اماه إنه النور الذي ينير درب المظلومين ! إن احترقت ساضيف وهجا ينير درب التائهين .
اذار ميلاد الامل لجائع حلم ان ينام شبعانا
آذار الوعد بوطن حر وشعب سعيد
مع اذار اغوتني عصفورة تبعتها في حقول الرب ولهانا
سحرتني بتغريدها وانا اجهل لغتها،مالت عن الطبيعة الجميلة وانا اصرخ ملتمسا
هذا مكانك الى اين... ؟ راحت تدخلني ازقة ضذيقة تشغلني ابتسامتها تشدني همستها بلحن تعزفه كل الات الموسيقى :هذا طريقك كتب عليك ان تمشيه .
قلت : وانامعك. ارسلت قبلة: صرتَ تفهمني وهل مصر ان تتبعني ؟
 قلت: بل يزداد اصراري بطعم العشق
فالت : إذن انت معي وانا معك
قلت : والحياة حلوة هل نهجرها
قالت  بل من جلها سنعيش في خضم التناقض نقرض منه حتى تقترب فتتعادل الكفتان  .
      هنا لمحت الشمس تطل من وراء تلة خضراء، اشراقة غريبة في غير   موعدها  ملاتني عنفوانا وانتفضت العصفورة تخفق بجناحيها طائرة نحو الشمس وهي تردد: هذ طريقك اسلكه مختارا .
التفت وجدت آذار يلملم ايامه راحلا لكنه ينشد : على صدوركم طبعت وشم آخر ايامي لميلاد الامل لكل المعذبين وسيكون عيدكم
                                                    سعيد شامايا
 
 

5
عـلام نـنـتـظـر...وفرص النجاة تكاد تنغلق علينا
في مقال سابق استغثت بكل الطيبين المخلصين من ابناء شعبنا خصوصا بالواعين منهم لوضعنا بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم،  ودعوتهم الى المسؤولية في ايجاد الحل لواقعنا الذي تهدده الظروف من كل الجهات ولا منقذ لنا سوى وحدة مسعانا في جميع المجالات ، نحن مهددون ولا تجدي صرخاتنا الانفرادية ولا استغلال الامكانيات الخاصة اوالمواقع الانفرادية، لان الجميع في مجال هذا الواقع السياسي المزري سواء، وأكرر، إنه أمر مهم أن يلتقي المخلصون الواعون للوضع العام ولوضعنا الخاص ولامكانياتنا ولوضع خارطة عمل واحدة مؤجلين خصوصياتنا وخلافاتنا الخاصة حينها نكسب تأييد شعبنا لممارسات مهمة قد ترقى الى نضالات ثوارتشرين !!! أكررلا نستطيع منفردين مهما كانت مواقعنا وقدراتنا المادية والاتصالاتية دينية او مدنية اوسياسية أن نحقق طموحنا في وطننا، في الاوضاع القائمة، ولم يبق مجال للانقسام والتشرذم مهما كانت مستوياتنا العاملة، بل ان نكون معا نصحح باخلاص خطوات من هم بحاجة الى التصحيح، مطلوب أن لا نعود الى الخلف بل معا نحمل بعضنا البعض بالعمل الموحد وكفانا تقييمات سلبية التي تدعو دوما الى الغاء القائم العامل، بل تنظبفه وتصحيحه  سياسيا  على أن يكون لنا البديل الجاهز لاستلام موقعه، إن هدم اية ساحة مطلوب أن نعد البديل الاقضل لنبني عليها الافضل وإلا سنندم إن فات اوانه، المهم ان نرمم تلك الساحة بالتعاون، وكمثال كررته سابقا أن كتابات جادة ومخلصة لها اراء سياسية نافعة بانية نحترمها ونقيمها وإن كانت قاسية لكن أن لا يتم طرحها باسلوب الهدم بل البناء المخلص لتقدر مواقفهم : ما جدوى طروحاتكم وانتم بعيدون ،ما جدوى انتقادكم لنوابكم متجاهلين الوضع العام هل ارسلتم لهم نصيحة او رايا يفيدهم في ممارستهم لواجباتهم، ام هو النقد الرافض والذي لا جدوى منه، نعم نعم نحترم أراءكم والمخلصون لا ينكرون صدق نياتكم ولكن كيف ؟ وما الفائدة ومقالاتنا تنسى بعد نشرها، المهم اليوم ان نتدارك و نراجع كل الذي مضى ونقدر كم خسرنا من الفرص بسبب اختلاف وجهات نظرنا او اسلوب عملنا او عدم تقدير اواقع العام  في الوطن ولنضع امامنا الواقع الذي لمسناه وهو أن لا معين لنا ولا ناصر الا منا، ومعلوم انه لا يمكن التريث لاعادة صياغة وصنع مكوناتنا العاملة او استحداث اخرى يمكن ان تأخذ موقعها بمقالات، بل ممكن تنقية وتقوية واصلاح وارشاد بالمشاركة الفاعلة، إخوتي الساحة مفتوحة ولكن الزمن لن ينتظر هلموا الى الوطن وشاركوا في كل الساحات ، شعبنا سيستقبلكم بافكاركم المطروحة هنا، أو لتتكون من المتشوقين الراغبين بالمشاركة الفعلية لتتكون منهم في الخارج منظمة مختارة (منتخبة) اعضاؤها مخلصون مؤيدون لوحدة نضالنا القومي و تحظى بتأييد جمهورنا في المهجر تكون كالظل المتابع، وهنا يرحب بها المخلصون وهم في مواقعهم ان تعذر قدومهم ومن يرفضها ينزوي بعيدا !!! وإلا ستبقى صرخاتكم وانتقاداتكم دون جدوى في غربتكم، في العراق وضع سيئ ،(وهو معلوم عندكم) وثورة تشرين أشجع انتفاضة واعظم تضحيات، لكن الاحزاب السياسية والفاسدين يحتمون بقوة كونوها محاصصة لضمان حكمهم الفاشل لها القدرات التي تدمر العمل الثوري بحروب مدعومة ضحيتها الشعب فلا يقاومها إلا وحدةالشعب، سيبقى العراق بحاجة الى قوة مخلصة تعمل من داخله وخارجه، يدعمها المنتفضون والاحزاب النظيفة المخلصة وانتظار اية محاولة سياسية صائبة تنال  اعتماد تأييد الشعب  للمخلصين والنزيهين والا فهو ايضا مهدد بفشل اية محاولة .
وأجزم ان مصيرنا  الذي يقلقنا يحتاج الى جهد صعب وارادة قوية جامعة بمستوى المرجعية الجامعة لشعب يعي وضه لاتثنيه التضحيات ألتي تقررها تلك المرجعية ، وهذا بعيد كل البعد عنا اليوم، مطلوب ان نعدها مرجعية يؤيدها الديني والمدني  بارادة قوية تتطلبها المهمة العزيزة التي نحن يصددها ، فقط اسمعوني الى النهاية، سعيت ان يكون منطقى مبسطا لقرأئه لكل منا في كل المستويات والوعي ليكون معنا .
غرفة عمل دؤوب لمكون جامع من سياسيين ومدنيين ومستقلبن لهم ماض وتضحيات وممثلين لكنيستنا جمع حاضر ومتيقظ ليتسلم كل مايرده من مقترحات اوطلبات ويسلمها بدقة الى من ينفذها أي الى الكيانات الممثلة، هكذا يكون العاملون قد درسوا وقرروا حسب رأيهم كل في مكونه أي ان الفكرة قد نضجت، حينها يكون الاجتماع العام قد حان موعده مهيئا، ليكون صاحب القرار النهائي فلا اعتراض عليه،  قد يعتبرها اكثر القراء لعبة تسلية، لكنها الارادة المطلوبة بل السحرالذي  نحتاجه . لتكن هذه (الـغـرفــة ) مرجعيتنا جميعا
1- مما تتكون الغرفة ؟ تتكون من ممثلين لكل قوانا القديرين والنزيهين الذين يختارهم كل مكون، الديني او السياسي او من المنظمات المجتمع المدني اوعضو من المستقلين القديرين ومثلهم مكونة الخارج ،
2- (قد يحصل تذمر او رفض) كشعور بالغبن فكيف نمثل قائدا دينيا عاليا او قائدا سياسيا والى جانبه مستقل ربما متقاعد او من تنظيم لتجمع إجتماعي !!!  قضيتنا ارفع من ان ننظر الى هذا الامر بهذه المستويات الدنيا وأن لا يكون بنكهة المحاصصة الزفرة
3- علينا ان نضع نظاما داخليا للغرفة ولعملها يشمل كل التعاريف للغرفة ولأعضائها وما عليهم من المهمات لكل منهم خصوصا مهمات الغرفة الجامعة والممثلة للجميع دون تفرقة او تمييز في العمل والتعامل
4- وهي التي تجمع المقترحات الواردة من كل الكيانات تنسقها وتوزعهاعلى الكل ، وتستلم النتائج تدرسه ولا تهملها وتقترح على ضوئها القرارات المطلوبة بذلك تكون قد انضجت مشروع الاجتماع العام المطلوب الذي له القرار النهائي قرا الجميع .
5- ومن مزايا الغرفة أنها تقبل مقترحات واراء من هم في المهجر او من هم في الداخل وليس لديهم ممثل فيها، بذلك تكون الغرفة للجميع كما والاهم أن تكون هي المرجعية الشرعية لشعبنا الكلداني السرياني الاشوري /السورايا (المسيحي )  المرجعية الصالحة
6- هناك من يعتبرالفكرة هذه عملية معقدة مطولة تحتاج إلى جهود واستعدادات واتفاقات، لكنها ما دامت جامعة غنية بمشاركة الجميع الواعي دون تهميش او اهمال تستحق كل الجهود دون شكوك او معرقلات وما سيرد في نظامها الداخلي يعطي الطمأنية لانه مصدر ثقة لمجموعة لها موقعها في المجال الديني والاجتماعي والسياسي ..
ايها الشعب الابي المحاصر لتكن نظرتك الى ما يطرح من مواضيع تخصك فاحصة، وتقييمك جادا ارفع من الاستخفاف والسخرية  او الاهمال بما تلقاه من مقترحات او أفكار تعالج قضية شعبك المهدد في وطنه والذي لا مفر له الا الاعتماد على ذاته بارادة قوية جامعة وبتصميم على الصمود في وطنه معدا قدراته متوقعا كل التضحيات وهذا مانسمعه كل يوم من ابنائك البررة أنتم من تتبارون باقلامكم، لنكن معا اليوم في موضوعنا المطروح، قد تجدوا مسألة الغرفة ساذجة او صعبة في اول عرضها كفكرة فإن كانت لكم اية مقترحات او افكار تعززها او تغنيها او تنتقدها ارسلها الى أي حزب اومنظمه واضعف الايمان الى اخيك شامايا الذي لا يفرض نفسه مرشدا او مسؤولا اجتماعيا او سياسيا لا بد ان لمستم ( اطرح فكرتي هذه الواردة في الكتابات التي سبقت موضوع اليوم باسمي دون انتمائي لجهة او مكون)ايضا استدرك،فالغرفة المقترحة اليوم هي ذاتها المسودة المقترحة والمنشورة في عرتنا و معلمنا المخلص النزيه عنكاوا .
( سبق وان نشرت هذا المقال_الغرفة_ قي 5/2 /2016 وأجريت بعض التغييرات المطلوبة والملائمة للفترة التي نمر بها، ارجو ملاحظة ذلك مع تقديري واصراري)

                                                                سعيد شامايا///24/9/2020
s.shamaya@yahoo.com                               
         

6
ذكرى نكبة صورية
وفلم وثائقي عنها كتبته في  5/12/1977

كنت  حين كتبت فلم صورية جارا لعائلة الشاب سرمد اسحق الذي عائلة والدته من صوريا وأفراد منها كانوا ضحايا النكبة ومعظم المعلومات الي صغتها تناولتها منه، النكبة التي مرت ذكراها قبل ايام وكان للذكرى نشاط متنيز هذه السنة فقد انطلقت اقلام بليغة في وصف وحشية وقسوة الضابط عبد الكريم الجحيشي الذي عبر عن حقد وقسوة ذاتية ومعبرة ايضا عن صفة الدكتاتورية وارضاء لصدام، وتجاهلت الحكومة يومها الجريمة ولم يحاسب الجحيشي على جريمته على انه مصاب بلوثة عقلية هيجته اصابات الجنود.
في الفلم وصف للقرية وانسجام اهلها باسلامهم ومسيحييهم، وايضا محاولات من شخصيات كوردبة من(فصائل كوردية متعاوتة مع السلطة(الجحيش)كانواضد الانتفضة ودور هؤلاء لاخلاء القرية والاستيلاء عليهاوكانت هناك شكوك انهم من اختاروا موقع الانفجار ليتسنى للجيش دمار القرية واهلها، مقابل هذه، القوى الديمقراطية والشيوعية المتعاونة والبيش مركة مع الانتفاضة وايضامنها القرى المسحية، وكان الثوار من بيشمركا والانصار يحاولون ابعاد القرى من الاعمال الثورية التي كانت تجابه الجيش الصدامي كي لا تتعرض لضربات الجيش، ويذكر الفلم زيارة مختار القرية للقائد المرحوم مصطفى البرزاني لشرح تلك الاوضاع ووعدهم خيرا، في الفلم وصف تفصيلي لحركة الجيش بعد الانفجار، ورد فعل اهل القرية وخوفهم وحركة الجحيشي وهو يقود اهل صورية الى بستان الثوم ليعدمهم
الاسماء الواردة في الفلم هي ذاتها ابناء صورية ابان النكبة، منهم المختار وابنته التي تقدمت بشاعة لتوقف همجية الضابط الذي رماها فورا والقس الضيف الذي جاء ليقيم قداسا، وكوركيس النجار وما م رشو قارئ الكتب وقارئ الطالع وسلو كوجر الذي بشر بحزب الله لكنه لم يلق  نجاحاوأكثر اثارة مشهد جميلة المصابة والتي حملت اخاها الصغير لتنجيه وهي تغني له اغنية حزينة مؤثرة لكنها وقعت في الحقل فبل ان تصل والطفل يدور حولها يناديها لتستيقظ، نقلهاسائق عابرلكنها فارقت الحياة ونجا اخوها الطفل، وما يذكره الفلم نقلا عن نساء مصابات نجت ،أن المسؤول عن الفصيل العسكري كان الملازم الاول يونس بينا كان الجحيشي المسؤول الحزبي والذي رفض نصائح رئيسه (بل هدده إ، منعه) الذي طلب التحقيق قبل الاعدامات الوحشية، في الفلم مشاهد مثيرة معبرة لشباب يعودون من الغربة فلا يجدون قريتهم ولا اماكنها الحلوة وملاعب طفولتهم بينما يغطيها ماء السد و عبر حالة نفسيية يتراءى لهم اهلم واصدقاؤهم الذي استشهدوا يظهرون من بين الموجات الهادئة للسد  . كان املي ان يجد كلكامش فرصة انتاجه لكن الظروف الصعبة كانتاقوى .
 رغم بشاعة تلك الاعمال التي مارسها الارهاب تاملنا خيرا بزواله وفدوم التغيير الذي يحمل الامل لتتحول تلك المآسي الى دروس لمن يرثهم في المسؤولية،  . اليوم وملامح التغير التي اثارتها ثورة تشرين نأمل من هذا التطورأن يتعظ و أن يفي بوعده الى النهاية لمعالجة الاوضاع التي تهدد العراق وشعبه وستكون عيون العراقيين مفتحة تقدر كل خطوة صالحة جريئة في معالجةالارهاب الجديد والفساد الذي يعاني نتائجه الشعب   ولتبقى ذكرى نكبة صورية محركا كغيره يوحد جهود العاملين من اجل حقوقنا وضمان بقائنا قي وطننا وعلى ارضنا كرماء احرار
                   
                                                                      سعيد شامايا
                                                                    17/9/2020




7
الكاظمي يتقدم متخطيا العراقيل 
والعراقي المهموم ينتظر بمزيد من القلق
نعم         
هناك علاج وطني يحتاجه الكاظمي 
 

اصبح واضحا ما يجري في العراق من صراع منه دموي والكل قلق لأن الصراع قابل اومقبل على التطور بما لا يحمد عقباه، باحتصار ! من مصلحة الوطن ومصلحة شعبه المظلوم أن يتطورالى تغيير كبير عادل يحتاجه الوطن، ولكن متى ؟ أن ظفر الكاظمي باكبر دعم شعبي سياسي من العراقيين في الداخل والخارج وبدعم عالمي من الجهات العالمية التي تحمل الشرعية العالمية في معالجة مثل هذه الحالات واعتمادا على تلك الشرعية تقدم اعانات ودعم من اصدقاء او طامعين بصداقة العراق من اجل مصالح مشتركة مشروعة وتضمن سيادته الصادقة.
من حق العراقي أن يقلق ويعطي تأييده لاي اصلاح او تغيير وهو مكتوي بتجارب الدكتاتورية وما آل اليه بعد الدكتاتورية، وعلى الكاظمي أن لا يتذمر من هذا القلق والتردد في بطء ارتفاع نسبة مؤيديه، حقا هو شخص تحمل مسؤولية عظيمة وكبيرة لا يقوم بها إلا شخص او حزب(أو احزاب) سياسي وطني نزيه بماضيه مدعوم من قبل جماهير شعبية نزيهة مخلصة للوطن  ! هذا هو العلاج الوطني الذي يحتاجه الكاظمي، ليسير مطمئنا ايضا متفاديا ما تلاقيه خطواته من معالجات معينة لكنها قد تكون ثغرات تبرز بعد التغيير وعود وديون تنال من نزاهة وصحة التغيير الذي ينشده الوطن والشعب واهمه صداقات نزبهة تضمن حرية الشعب وسيادة ته.
لنختصر الموضوع ونسأل ما هو العلاج الوطني الذي يطمئن السائرين الصادقين مع الكاظمي ويقوي مواقعهم في انجاز مهماتهم؟
قلنا أن الكاظمي يحتاج الى اوسع دعم جماهيري ودعم من قوى سياسية نزيهة نظيفة يحتاج الى صوت الشارع الذي ظل نزيها صامدا رغم التضحيات الجسيمة التي قدمها ولا زال يقدمها باصرار، بل مطلوب زيادة ارتفاح هذا الصوت المحبوس داخل نفوس تواقة الى التغييرلكنها لا زالت صامتة تنتظر تعزيز الثقة.
لو إئتلفتْ(اواتفقت) نخبة من سياسيين وخبراء إداريين نزيهين معروفين موثوق بصدقهم واخلاصهم ومثلهم مستقلين من المجتمع المدني جديرون بالثقة لهم تجاربهم وترفعهم عن المكاسب وقانونيين لهم باع طويل في نوجبه نبيه ونزيه في ادارة الدولة وتوجيه الحركة المرحلية  بحقوقية تدعمها الشرائع الدولية وأيضا مع النخبة ممثل ديني سني اوشيعي او من الاديان الاخرى (المهم نخبة محترمة لها خبرة وماض مشرف وتضحيات ولا تطمع بعد التغببر بثمن تعاونها ونزيهة بعيدة عن التعصب الطائفي او القومي مهمتها استشارية ارشادية نحو التغييرالصالح دون ديون سياسية مرهقة على حساب سيادة الوطن، ووحدة افكار بعيدة عن الذاتيات من المكاسب الانية السريعة والمفروض أت تكون جهود و ثمرات اعمال وافكار النخبة موحدة لها رأي واحد) ! مثل هذه النخبة السامية إن احاطت بالكاظمي، مرة ترشد اواخرى تحذره وتظمن له الدعم الشعبي الواسع والممثل لكل الاتجاهات النزيهة، تعمل كمجلس استشاري مستقل لا ينال تعويضات او مخصصات او حصة في المسؤوليات إن حصل التغيير المبارك، مثل هؤلاء يكون لهم جماهيرهم وشعبيتهم، مثل هؤلااء تضمن مسيرة الكاضمي النجاح على أن يكون هناك صدق وثقة متبادلة بين النخبة وبين قيادة الكاضمي ! ليفكر المخلصون وليفكر الكاظمي جريئا شجاعا ويجد الجميع الملتقى لهذه الاطراف بهدوء ودون تردد، من واجب الكاظمي أن يسعى الى رفاق دربه الصعب يضمنون له الافكار والخطط الحكيمة السليمة، وكم يكون مفرحا مطمئنا نشاط اعلامي نبيه ينشط يدعو الجماهير للاتفاف حول الحركة الوطنية السليمة دون خشية من تكرار ما حصل باسم الديمقراطية، وسيكون نداء التغيير الى الاصدقاء من خارج الوطن مع العراق صاحب السيادة الحقيقية ايضا مخلصا نزيها في استثمار العلاقة حينها تكون مع عراق غني بعلاقاته وبما يتيح لكل صديق مخلص أن ينال الفائدة المزدوجة بين الاطراف التي تعزز تلك العلاقة النزيهة .
                                                               
                                                   
                                                                   سغيد شامايا
                                                                   3/9/2020             





8
المنبر الحر / متابعة مهمة
« في: 21:05 23/08/2020  »
متابعة مهمة

في 18/6/2020 نشرتُ تلبية لاستغاثة غبطة البطريرك مار لويس ساكو مسودة لدعوة عمل موحد من أجل حقوقنا القومية ودفاعا عن وجودنا في وطننا بيت نهرين، المسودة دعوة موجهة الى كل الساعين لإحقاق حقوقنا منطلقا من عدم إمكانية اية جهة ساعية منفردة لانها ستكون بحاجة الى دعم شعبي واسع في الوطن وخارجه، ليدعم هذا التحرك الموحد ويلبي المشاركة في اية تحركات مطلوبة، لذلك كان النداء الى الاحزاب اولا، ومن ثم تنسيقهم مع الجهات التي تلبي الدعوة التي تمثل منظماتنا الاجتماعية وممثلين من كنيستنا ومستقلين لهم موقعهم وافكارهم ايضا الساعية لاهدافنا، ولكن للاسف لم يتم اي نقد او تعليق او استجابة، علما انني نوهت في تلك المشاركة أنها مسودة فابلة للنقد والتعديل ، ليت القرئ يرجع اليها.
الذي دعاني اليوم الى نشرتعليقي اعلاه، طلب حزب بيت نهرين الديمقراطي الموقرالموجه الى القوى السياسية ولي ايضا  لاشاركهم باسم المنبر الديمقراطي الكلداني في محاولة قومية يقدمها حزب بيت نهرين الديمقراطي، وتلك مبادرة قومية مهمة بذات المعنى والهدف الذي اطلقته استغاثة غبطة الكردينال ساكو، وكذلك مبادرتي المنوه عنها
للدراسة التي تتطلبها المرحلة الراهنة كعمل جامع نشرته في 18/6/2020 والتي كنت قد نشرتها في 13/1/2020موجهة الى احزابنا وإلى منظماتنا الاجتماعية والى قادة كنيستنا والى كل مستقل ومفكر يروم اغناء قضيتنا القومية، وضرورة الوجود المسيحي بل وجود المكونات الصغيرة الاصلية في بلاد الرافدين، ولم اتلق الا القليل جدا متابعة او اتصالا هاتفيا، واعقبت الدراسة بإستراك تابع لها نشرته ايضا، وكان رد الفعل هذا الصمت والتجاهل المؤلم، كأنه ينبهني الى عدم جدوى من محاولتي كمشارك كونها خرجت من دائرة السياسة وإن كان رأيا يهدف الاغناء أو يتوقع معالجات مما لدى الاخرين الذي يغني او يجري تعديلا اوتصحيحا إنتظرته .
مع ذلك سأبقى شخصيا ذلك الساعي سياسيا في مجال قضيتنا والقضية الوطنية، ومن أجل وجودنا وحقوقنا وما نطمح اليه بقدر امكانياتنا المتوفرة مثمنا وشاكرا لكل مبادريتناول تلك القضايا ولكن مكررا ضرورة المشاركة والعمل لطلب يحمله جمع من مناضلينا ، ومصرا أنه ليس بمقدور حزب او احزاب اوجهة دينية او منظمة ولا منظمات اجتماعية إنجاز هذه المهة منفردة دون تجمع يدعمه الواعون من شعبنا يشارك المسعى بتوجه مشترك وخارطة طريق موحدة، ولست بحاجة الى ذكر ما سعت اليه سابقا كل جهة منها القوى السياسية، ولا أذكرَ ما جنته، والمطلوب في العمل الجماعي أن يؤجَل ما لكل جهة من افكار واجتهادات خاصة موضوعها خارج هذا الاتفاق الجمعي ، أيضا استدرأك آخر ليس بالضرورة أن ننتظر موافقة الجميع في اية جهة اومنظمة الذين نوجه لهم الدعوة ولا كل القادة فمثل هذا الانتظار يفوت فرصا دهبية، إنما ضرورة ضمان تلبية أكبرجمع عامل لنا يمثل اوسع قاعدة شعبية، متمنيا كل النجاح والتوقيق لكل عمل جامع مشترك
                                                               سعيد شامايا
                                                             22/8/2020 
 


9
تعقيب مهم لموضع مهم نشره موقع(عنكاوا  دوت كوم)
موضوعه 0ماذا كتبت الشبكة العراقية عن
المسرح السرياني
شكرا لاهتمام موقع عنكاوا في متابعات تهم تاريخنا وثقافتنا لإبراز موقع  مثقفينا كتابا  وفنانين كانوا روادا في ما قدموه من الاعمال  التي تعتبر كنز ميراثنا الوطني، الذي ينبه ويمجد المخلصين الحريصين على ميراثنا الثقافي الغالي وتقديرا لابناء الكلدان السريان الاشوريين الدؤوبين لوضع صورة العراق /صورة بيت نهرين العريقة في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق وشعبه المظلوم خصوصا الاصليين المتحدثين بالسريانية ولتكن مثل هذه الموضوعات أحد النداءات والصرخات لتوعية شعبنا العراقي، وجاء موضوع ما كتبته الشبكة العراقية مشكورة عن المسرح السرياني، ولاني كنت دوما في لجة المضوع الثقافي فبادرت بكتابة هذا التعقيب .
ما جاء في الموضوع مثير ومهم وهو اقل ما قيل في تقييم ما ذكر، تشكر عليه الشبكة العراقية، كنا نتمنى لو كانت متابعتها اوسع لانها اهملت،او ربما لم تتوفر لها الفرصة لشمول جهات ومواقع اخرى قدمت الكثير الذي يعزز ما ذهبت اليه الشبكة .
فرقة شيرا المسرحية للناطقين بالسريانية التي أُجيزت رسميا في 1993 قدمت العشرات من المسرحيات باللغة السريانية المحكية وباللغة العربية/ مسرحيات تاريخية واجتماعية معززة بالقيم الاجتماعية والموروث الشعبي الذي ينور اجيالنا الصاعدة ويضعهم في المسيرة البناءة التي يحتجها وطننا، عرضت مسرحياتها في المسرح الوطني وعلى مسرح الرشيد واتخذت مسرح بغداد مقرا ودارا لعرض مسرحياتها لسنتين متواصلتين، عرضت نشاطاتها في الاندية والكنائس وخارج بغداد في اربيل /عنكاوا /القوش / بغد يدا/كرمليس /دهوك/برطلة وفي امريكا ديترويت كما أنتجت فلم العودة السينمائي تأليف سعيد شامايا واخراج زهير عبدالمسيح عبدوكا، وكانت حريصة في استثمار المناسبات التاريخية والوطنية، ولم يتوقف نشاطها في حدود المسرح للكبار بل أيضا للصغار واليافعين وكانت لها مشاركة مشرفة في اول مهرجا سينما الاطفال، شارك في الجائزة وتخطاه الى الاحتفالات بالمناسبات القومية والوطنية، أماسي شعرية ومحاضرات، كما عقدت ندوات حول المسرح ودورات اعلامية وكان هدفها أن تتحول الى جمعية ثقافية للادب والفن، لكن الظروف الصعبة التي مرت بوطننا وعدم الاستقرار أجبر اكثر اعضائها للهجرة أ و العودة الى بلداتنا القوش وعنكاوا وكرمليس وغيرها.
في عنكاوا بعد أن غادرت بغداد، استعادت النخبة الثقافية نشاطاتها لتمتد الى بلداتنا لكنها سعت دؤوبة أن يكون نشاطها أشمل واوسع حين توفرت الفرص منها المادية فبادرت الى تأسيس مركز كلكامش للثقافة مجازا من دائرة المؤسسات الغير حكومية في بغداد وعمل  متعاونا مع اعضاء شيرا في القوش وقدمت نشاطات اهمها في المسرح ونشاطات الاطفال، فعاد النشاط الثقافي الى اكثر بلداتنا/عنكاوا والقوش وبرطلا وكرمليس وتلسقف ودهوك وشقلاوا، وكان اهم نشاطاتها مشاركتنا احتفالاات بغداد عاصمة الثقافة، شارك فيها 23 طفلا ويافعا و12 شابا ليومين متتاليين في بغداد قُدم فيهما، في اليوم الاول نشاط ثقافي ومسرحية للشباب وفي اليوم الثاني نشاط اطفال الثقافي ومسرحية، كما اشترك رئيس المركز سعيد شامايا بالمؤتمر وقدم دراسته عن اهمية النشاط الوطني الثقافي لابناء الكلدان السريان الاشوريين ونال مركزكلكامش جائزة من وزارة الثقافة وهدية (100)كتاب ثقافي، وفاتني أن اذكر أن كلكامش حصلت على امتياز اصدار مجلة ثقافية شهرية باسم(صوت الشباب)صدر منها 21 عددا،ايضا توقف بسبب العجز المادي، علما ان مناسبات وطنية وقومية عديدة قدم المركز مسرحيات ونشاطات يدعم متواضع من المشجعين وتضحيات شباب مركز كلكامش ،         سعيد شامايا  13/8/2020
                                                       رئيس مركز كلكامش للثقافة






10
يا قوم ملت  اقلامكم
    تدور حول قضيتكم !!! بانتظار دخولها الى لبها
هذه دعوة الى المنصرفين عن الهدف المباشر لقضيتنا القومية الى ساحات اخرى بعيدة منهكة بمواضيع يعتبرونها قضيتنا القومية تعبر عن رأي او رغبة ذاتية اورأي او معالجة  خاصة داعية الى....اى الى ماذا؟ عودوا يا إخوة وجندوا اقلامكم لتدخل مباشرة الى القضية القومية المرتجاة التي تعالج بصعوبة بقاء اهلكم في بيتهم وعلى ارضهم .
لو استعرضنا ما قدمته المواقع الاعلامية(ما يخص قضيتنا) واهمها عنكاوا كوم المجيدة لوجدناها مثقلة بالمواضيع التى طرحت خلال الاسبوع المنصرم والذي نحن فيه مواضيع وجدالات بصفحات تنهك القارئ، مواضيع تدور حول(نعم حول) قضيتنا لا فيها، صفحات كسابقاتها قبل اشهر وسنين كل يذكر ما قدمه من رسائل ونقد وذم او علاج خاص، فقط حول القضية واكثرها حول شخص ما اومجموعة لهم رأي ما،  أما إن يطُرح  رأي قد يفتح بابا او حتى شباكا ليطل من خلاله ابن شعبنا ليلمَ بما يدله الى واقعه لينير دربه كيف السبيل الى جوهر قضيتنا متجاوزا الاخطاء والمصاعب التي مورست والسبيل الى الاصوب .
( بصراحة) ما كان رد فعل النداء الذي وجهه غبطة البطريرك بمستوى الاخلاص والوعي القومي للبعض الذي استغله فرصة بعيدة عن موضوعه وعن موقعه من القضية القومية او الثقافية،فعاد ينشر عن الجزئيات والمعوقات وعن جهود اصلاحية خاصة وكأنها المفتاح للقضية أواسلوب اصلاحها غير مبال إن الفرص تمر لا تنتظرو الظروف العامة المواتية  ترحل .
 ايضا بصراحة لا قدرة
• لحزب مهما كانت شعبيته واخلاصه أن يحقق الاهداف المرجوة في قضيتنا منفردا، ولا مجموعة احزاب نظيفة مخلصة كما تريدونها كتاباتكم.
• لا نستطيع اية كنيسة مهما كان وسع وتعدد ابريشياتها وإيمان اتباعها وطاعة شبابها أن تنجز ما اشرنا إليه منفردة، ونداء غبطته دعوة واشارة واضحة لذلك .
• وهكذا بالنسبة لمنظماتنا الاجتماعية عاجزة، مهما كان رصيدها من الخدمات والانجازات في الظروف الصعبة لخدمة المغبونين والمعوزين في الظروف التي مرت قاهرة .
• علام نكرر يكفي ان نشير ايضا الى مثقفينا أصحاب الاقلام من توخينا خيرا بمساهماتهم دوما خصوصا في المحن الصعبة، فاقلامهم اليوم بالنسبة لقضيتنا لا تجدي نفعا إن لم تتعاون مع النخب المخلصة المذكورة أعلاه متعاطفة بوحدة الرأي والعمل المشترك في قضيتنا ، وهكذا بالنسبة للغيارى الذين تشغلهم القضية وإن كانوا حريصين على استقلاليتهم فمشاركتهم الايجابية مع الجمع المتآلف هو ضرورة وعون مجيد ،
لتكن صرخة غبطة ابينا البطيرك، كدعوة اي انسان مخلص، ولوانصفناه لوجدناه ما غاب يوما عن قضيتنا صائبا كان تحركه او لا بوجهة نظر البعض، المهم هي دعوة يجب أن تُحترم لانها تفتح طريقا صائبا، وكانت استجابتي(سعيد شامايا) لصرخته بمسودة دراسة متواضعة لدخول ساحة قضيتنا مباشرة وليس الدوران حولها ولم تكن تقييما او تملقا لغبطته لانني قدمتها  لاخوتي المذكورين اعلاه قبل أشهر، جاءت من منطلق جهودنا وعجزنا ولم أجد للاسف من قرأها من اصحاب الاقلام الطويلة عبر القارات سوى الصديق الطيب بيداويد، ربما لم يُلاحظوا انني لا استسيغ المداخلات المطولة لمصاعبي في الكتابة  .
عذرا ايها الاخوة لاشغالكم بكلمتي هذه كمذكرة لدعوتكم الى مشاركة نحتاجها لتنوير شعبنا ولدعم الجهود المبذلولة لخلق كادر فعال(أسميته جبهة أومرجعية جامعة) يمثل شعبنا من اجل حقوقنا الصعبة في مثل ظروف وطننا التي لا يفلح معها إلا شعب شجاع يقظ مثابر مصر من أجل حقوقه تقوده نخبة من ابنائه جامعة كما اوردت في المسودة المتواضعة ليتكم عدتم وقرأتموها ونقدتموها أو اجريتم اي تصحيح او اغناء كما جاء في مقدمتها ولكم مع عتابي اسمى التقدير  .   
                                                                             سعيد شامايا
                                                                            16/6/2020





11
مفارقة مخيفة  ولكن طريفة
( 7 )
طالت فترة اختفائي هاربا من ملاحقات الامن( من1978_1989 )منتقلا من موقع الى آخربعيدا عن البيت محملا زوجتي الصابرة المسؤولية بشجاعة، كثيرا ما حصلت أمور تطلبت حضوري، وكان جاري الطيب ينبه العائلة دوما أنه باستطاعة أبي غسان حضور الدار من الباب الخلفي في حديقتهم المجاورة لحديقتنا الخلفية، ايضا ممكن المغادرة في الحالات الجرجة، وفاجأتهم يوما وسط فرح الحاضرين من اهلي. في صباح يوم 18/7/1988صوت الجرس وخرج ابني ثائر المتمتع باحازة كجندي في قادسية صدام  قاصدا باب الحديقة ليفتح للطارق ثم عاد ليجيب امه السائلة: تعرفينهم السفلة  وسكت، خمنتُ أنهم غادروا ونزلت من صومعتي على كتفي العاري منشفتي، وأنا في الدرج رأيت شخصين يدخلان المطبخ(دوما كنا نغلق الباب الرئيسي)وفكرت سريعا وقررت أن استمر نازلا غير مرتبكا وتقابلنا في مدخل الهول ليخاطبني الشاب الانيق: صباح الخير عمو،أجبته برقة :أهلا ابني تفضل ، وأشرت نحو باب الهول ثم دخلت الحمام ليأتي ثائر بيده سكينا كبيرا هامسا هيا لاخرجك من الباب الخلفي، قلت له بهدوء لا ترتبك وتثيرهم، وكانت أمه تجالسهم وهم يعتذرون لهذا الازعاج، وسأل: الشاب: عن الرجل العجوز، فقالت هو الشقيق الاكبرلزوجي، قال: ممكن نوصيه ليقنع أخاه،  قالت:  سَمعه ضعيف، ولا يتدخل فهو من رجال الكنيسة، قال: مع ذلك نؤكد لك على الذي يمكن معالجته كمساعدة وهو أمر بسط وسهل، أن يسلم زوجك سعيد نفسه وهو معفو من أية تهمة، وبمقدوره إن كتب في الجريدة ولو باسم مستعار ينال مكافئات مجزية تساعدكم، نحن نعرف أنه في روسيا وباستطاعتنا أن نجلبه في صندوق مقفل، ولكن  حرامات واولاده  يقاتلون في قادسية صدام.
أجابت بكل هدوء ليتنا نصله او نتصل به لينهي عذاباتنا ولكن ما حيلتي وأنا لا املك وسيلة للاتصال به. وكرر الرجل اعتذاره مغادرا وصاحبه .
جاء ثائر وهو لازال يلهث منفعلا كيف نزلت وقابلتهم ؟ قلت له لانني كنت واثقا أنهم لا يعرفونني، قال :كيف عرفت؟
قلت: لانك دعوتهم ووجدوني نازلا، طبعا خمنوا أن الشخص النازل غير سعيد وإلا لاجتهد ابنه يعني أنت يا ثائر لاختفائى او هربي . وعبرت المفارقة لتصير اقصوصة طريفة يتندر فيها ألأهل .
                                                             سعيد شامايا    21/5/1988
 


12
استجابة لدعوة غبطة البطريرك لويس روفئيل ساكو الموقر
من اجل مستفبل شعبنا
أقدم دراسة مهمة تتطلبها المرحلة الراهنة
سبق وأن نشرتها في مجال قوانا العاملة في الداخل 13 كانون الثاني  2020يوم وجدت قوانا العاملة في مجال حقوقنا قد تراخت جهودها وتشتت مكوناتها ليس فقط السياسية، وكأنه اليأس يلبسها، يقابلها نفد لاذع وانشغال اقلامنا بالنيل من المكونات العاملة في الوطن واصفة بعدم كفاءتها وإخلاصها، ماضين بإهمالهم الانتباه الى واقعنا والى الفرص التي راحت تفوتنا، فنشرت الدراسة المتواضعة (حاجتنا الى تجمع واسع ليكن جبهة شعبية)   يمثلها الغيورون من ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري، يضم السياسيين بتجمعهم ومنظمات المجتمع المدني التي لها دور في مجال قضيتنا  وممثلي كنيستنا ومثقفينا ومستقلينا .
لقد اضفت جملا ومقاطع ملائمة للتغيرات التي حصلت في اوضاع الوطن وما يناسب الوضع الراهن، ليت من تشغلهم القضايا الجانبية أينما كانوا يتجاوزونها ليكون الجميع حشدا وطنيا انسانيا يهم مستقبل شعبنا في الوطن  ومستقبل من يتآلف معنا ممن يسموننا الاقليات المظلومة ،
            مقدمة
في وضع العراق والاقليم المتازم و اوضاع الشعب هي الاخرى سيئة خصوصا في ظل سلطة تمارس اسلوب المحاصصة الطائفية والقومية تقودها احزاب غير كفوءة همها مصالحها الذاتية مستهينة بالمصلحة الوطنية العامة ومستقبل الشعب وسيادته وبتاثير دول الجوار والقوى الكبرى وتدخلاتها غير النزيهة في شؤوننا الوطنية،  وبتبديد ثرواته وهذا الواقع السيئ يزحف الى واقع شعبنا الكلداني السرياني الاشوري مهددا وجودنا في وطننا وعدم الاصغاء الى استغاثتنا وتلبية مطالبنا،  عليه المطلوب من غيارى شعبنا في كافة المجالات النضالية السياسية والاجتماعية والكنسية والثقافية،  من اجل حقوقنا التي تصون وجودنا في الوطن احرار نتمتع بامننا وسيادتنا ، وسعيا وراء النهج الملائم لواقعنا ولامكانياتنا، أن تحاول جهات غيورة ساعية من اجل نيل حقوقنا وتحقيق اهدافنا، لكن الظاهريؤكد عدم نجاحها في مثل واقعنا العراقي، اننا بحاجة الى جمع مخلص يقر وحدة ألرأي والعمل المشترك مؤجلا الاهداف الذاتية لمراجعة وتنسيق قوانا الساعية في هذا المجال لرسم خارطة طريق ملائم يفيدنا فاعلا في الفرصة الانية الملائمة، تُشجعنا مبادرة الرئيس الكاظمي وزيارته لبلداتنا ووعوده الايجابية، لنلتثي مستفيدين من تجاربنا السلبية والايجابية والتوجه نحو خلق مكون نضالي بمظهر جبهة واسعة او مرجعية شعبية ترضي كافة الاطراف المخلصة وتجندها في تحمل المسؤولية كل حسب اختصاصه وتنقذنا من المشاحنات القلمية من قبل ابنائنا قبل الغرباء، وعدم الثقة بمن يتحمل المسؤولية في مجال العمل داخل صفوفنا   وفي علاقاتنا مع الاخرين . من اجل هذا حاولت مع اخوتي في تجمنا السياسي طرح فكرتي لكنها لم تثرهم، واليوم اضيف استجابة لغبطة قائد كنيستنا، لجات الى هذه الدراسة المتواضعة لواقعنا ولمتطلبات العمل كرأي شخصي اعرضه الى كل الجهات، ليت نجاحها يزحف الى من هم حولنا، من الايزديين او من يسموننا الاقليات، الى الجهات التي اتوسم عندها الاصغاء والحوار الايجابي .
الهدف المطلوب
الوضع المزري في العراق يتطلب حلولا مهمة تصل التغيير الملائم يعالجه بالنسبة لنا مُطالب مقدام من نوع المتظاهرين الصامدين،  وهذا امرعظيم يحتاجه الوطن يتحمل مسؤوليته الشعب وابناؤه المخلصون النزيهون الشجعان(وليس فقط من ينخاهم غبطة البطريرك رغم المصاعب التي تزرعها الاحزاب السياسية المهيمنة التي تغلق كل المنافذ التي  تُصلح الوضع وتعالج االمشاكل حرصا على مواقعها ومصالحها الخاصة، وقضيتنا  (شعبنا الكلداني السرياني الاشوري هي جزء من قضية شعب العراق ومخلصيها )مع اولك المخلصين الوطنيين الذين عندهم الرجاء في معالجة كل مشاكل الوطن بانتفاضتهم الثورية السلمية. وهدفنا في قضيتنا ايضا يحتاج الى قوى مناضلة تتمتع بتأييد شعبنا بوسع تمثيلها معززة بدوافع الساعين المثابرين في مقدمتهم الاحزاب السياسية متوافقة مع منظمات المجتمع المدني وممثلين لقادة كنيستنا والمثقفين  .
وتحقيق الهدف المطلوب يتم بمبادرة شجاعة تجمع المخلصين والمستعدين لتحمل المسؤولية يبادر بها السياسيون داعين منظمات المجتمع المدني وممثلين لقادة كنيستنا والمنظمات الثقافية والمستقلين الذين سعوا في مجال قضيتنا القومية، الى اجتماع موسع كما اشار غبطته اي مشاركة كل جهد من قبل الساعين بمختلف مكوناتهم سياسية ومدنية وثقافية في نهج مشترك وبمطالب موحدة،  قد يعترض بعض من تجمعنا السياسي او المدني او الديني مبدين عراقل كقولهم (من يوحد قادة طوائفنا الدينية ومن سيضمن وحدة راي منظمات المجتمع المدني  بينما لم تتلاقى احزابنا بعد و أن كانت متألفة في تجمعها)لم تُعط لي أية فرصة سابقا لتوضيح ماذا ستكون مهمات كل مكون من خلال اختصاصاته وليس القفز على مهمات الاخر ليكون بديلا عنه، ومطلوب أن ترد فقرة ضمن هذا التوجه توضح هذا النهج بالتفصيل) طبعا ستسبق الاجتماع المنشود الواسع، المطلوب لقاءات ومشاورات تمهد للاجتماع ويكون الافضل لو يتحول الى مؤتمر عام .

         كيف تتوافق االمهمات باختلاف المنظمات
لقد كانت هذه النقطة مثار القلق لدى بعض قادة تجمعنا السياسي رافضين أن تختلط الاعمال أو بصراحة أن يمارس كل من الاخوة في جبهتنا المرجوة مهمات الاخرين متى ما شاؤوا أي ان تبادر مثلا منظمة ثقافية تعنى بالمسرح لقاءا اواجتماعا سياسيا يقرر امورا مهمة لم يكن ملما بها أو لم يكن مخططا لها، او تبادر منظمة مجتمع مدني مهمتها رعاية المهجرين و توفر فرصا افضل لمعيشتهم، فتتوجه دون علم الجبهة وتعقد اجتماعا او اتفاقا سياسيا، قلت:هذه امور تتناولها الاجتماعات الاولية لتحدد المهمات والواجبات حسب الاختصاصات، ليعلم كل تنظيم مهماته وواجباته دون ارتباك، مع ذلك ممكن ان تتم مشاورات ومقترحات  نافعة تُقدم فيما بينها ما دامت هناك غرفة جبهوية تضم كل المنظمات، ليس غريبا ان يقدم اي تنظيم خارج الساحة السياسية مشروعا او مقترحا يعزز موقع ساحتنا السياسية، وهكذا بالنسبة لمنظمات اخرى مدعوة أن تقدم ما يعزز العمل الجماعي خارج اختصاصها .
قد يتبادر الى ذهن البعض أن الاحزاب السياسية سيكون لها الموقع المميز وستحظى بالمكاسب التي قد تستأثر بها الاحزاب لصالح اعضائها او يتم توزيعها فيما بينهم !!! تلك محاصصة مقيتة طالما عانينا منها، وأن لا ننسى (اننا تعهدنا لنعمل متجاوزين الذاتية)حقا تطالب أحزابنا بمستحقات شعبنا بالمشاركة بالمناصب والمسؤوليات العامة، وهو حق قومي مطلوب ان نكون ممثلين في كل مؤسسات الدولة !! وهذا حق وطني لا نغفل عنه لكن ذلك لا يتم او يطبق في غياب اعضاء الجبهة التي ستصبح مرجعية لشعبنا، والمشاركة في تنيفذ الخطوات، مفيد ولن يكون مضعف إن شارك قائد ديني الوفد المعالج لامرما، او أن تنفذ مسرحية باسمى لغة سياسية رغم أن النتيجة لمن يطالب بها هم السياسيون، وبوجود التجمع المستجد سيتم اختيار تلك المناصب والمسؤوليات حسب الكفاءة والاختصاص، فالمناصب السياسية يشغلها سياسيون محنكون،أما التكنوقراط يشغلها الاختصاصيون الذين يقدمون اعمالهم بكفاءة ولا تستاثر به منظمة دون اخرى بل يتم اختيار الافضل حتى إن لم يكن عضوا من لجان الجبهة .
       
       مـن يمثلنــا ؟ وما موقعه لدى شعبنا
في هذا الظرف الصعب الذي يمر به الوطن دونما حاجة لذكرها، ومايحيط بشعبنا الكلداني السرياني الاشوري من مخاطر تهدد وجوده في الوطن بعد ان انهكتنا الهجرة، يكون شعبنا بامس الحاجة الى هيئة جامعة متنوعة تتمتع بتأييد ابناء شعبنا بكافة أسمائهم  و مكوناتهم، فوجود هذا التجمع، خصوصا ونحن نعاني من الارتباك والتنوع وعدم الانسجام بين المنظمات التي اخذت على عاتقها مسؤولية التحرك في مجالات ونشاطات تعنى بقضايانا المصيرية خصوصا السياسية، اكرربحاجة الى مكون متوافق واسع جامع  ( ويطيب لي ان اسميه جبهة شعبية) ستبعدنا عن مآخذ ومشاكل ومعوقات يعاني منها العاملون في مجال المطالبة بحقوقنا وفي مجال توفير الفرص والظروف الملائمة لصمود شعبنا امام الممارسات التي تقف بوجه طموحاتنا، ظلت الاقلام والاصوات تنتقد منظماتنا خصوصا السياسية، واجتهدت الاحزاب السياسية أن تتقارب وتتوافق لتحظى بقبول المهتمين بشأننا السياسي فكان قيام التجمع كخطوة مهمة رغم المصاعب وتجاوز الاشكالات التي تبرز بين وقت وآخر، لكن اوضاع الوطن والقيادة السياسية له ساءت بحيث لم تتوفر الفرص امام التجمع أن يحقق بعض المنجزات لينال ـتأييد وقبول المتابعين لاوضاع الوطن، وظلت الأقلام الناقدة للعاملين متجاهلة وضع شعبنا وإمكانياتنا المتواضعة والاهم مع من تتعامل قوانا مع احزاب في السلطة تنكرت لاهلها ولمن انتخبها ومارست السوء والفساد فكيف تجد قوانا لديها اذنا صاغية ، هذا دون ان ننكرضعفنا و اخطاءنا ومشاكلنا، والاستمرار على تدهور الاوضاع قد يؤدي الى ضياع حقوقنا وضياع الفرص لاثبات وجودنا في الوطن، لذا بات ضروري المعالجة المطلوبة التي تعالج المآخذ التي نشعربها حقيقة في واقع مؤسساتنا، خصوصا الاحزاب التي تعترض نشاطاتها مصاعب مع القيادات السياسية واحزاب السلطة لكنها تحاول أن تعالج الاوضاع معتمدة على علاقاتها مع الاخرين دون جدوى، إذن أين الحل ؟الحل عند شعبنا موحدا داعما نشاط الجبهة الجديدة، نعم لن يحصل عمل ثوري ناجع دون وجود قاعدة شعبية واسعة غنية بالمثقفين والنشطين من كتاب واعلاميين ومستقلين بارزين بماضيهم،  فمبادرة التغيير الكبير الشامل في مجال القوى الفاعلة يتطلب الحذر من التشتت والانقسام وتجاهل وجود استراتيج يوحدها في مجال نشاطاتها ويحدد توجهها مع التزام كل منظمة باستقلاليتها ونهجها الخاص لكنها تبقى ضمن عائلة القضية القومية ولتكن الجبهة الشعبية التي وجودها يقنع المخلصين الذين يباركون هذه الخطوة، اكتب هذا بعد ان اتصلت ببعض الاخوة الواعين والمخلصين من خارج التنظيمات العاملة لقضيتنا والمؤيدين لجمع كلمتنا وجهودنا،  ومنهم  كنيستنا فاستحسن الكل اي خطوة جامعة تعززمنظماتنا العاملة، وكان قولا مباركا ومشجعا حين سمعت قداسة ابينا البطيرك ساكووهو يَعد : ان الكنيسة ستبارك خطوتكم إن حظيتم باتفاق في وضع تجمع يجمع على الهدف الموحد لجهود شعبنا وعلى نهج مشترك يوحد خطواتنا حينها ستبارككم الكنيسة واثقة ان مسعاكم صالح ونزيه وشجاع( واضاف مؤكدا : دون ان نتدخل في مسعاكم لانكم تكونون قد كسبتم ثقة شعبكم)!! والكل يعلم ان شعبية الكنيسة بشبابها لا يمكن الاستغناء عنها، لنبادر ولنسمع ابناء شعبنا يباركوننا : اهلا بتجمعنا المرتجى، خصوصا اذا كان اعضاء جبهتنا مرموقين معروفين بماضيهم وتضحياتهم، هذ التمثيل الواسع والممثل لكل نشاطات الحياة سيكون كفوءا وملما في كافة المجالات ويغني ويعزز موقع احزابنا السياسية، هذا الموقع الذي يحتاج الى دعم شعبي واسع، يمثله بصورة عامة المتقدمون باختيارهم لتحمل مسؤولياتهم سيخلق الثقة بهم لدى الابعدين من ابنائنا اصحاب الاقلام التي دأبت دوما ممارسة النقد السلبي، اي سيتغير رأيها ، وهكذا بالنسبة لمن هم خارج مكوننا المسيحي لدى المخلصين وحتى لدي السيئين الذين سيحسبون لموقعنا الف حساب، كفانا ان يكون موقع جبهتنا مرموقا ما دام يحظى بدعم وتأييد وثقة شعبنا، ولن نهمل جهود اعلاميينا المخلصين الذين سيشاركوننا في كل خطوة ما دمنا واثقين من مسعانا المشترك . 

           المكاسب العملية المرجوة من وسع تجمعنا(جبهتنا )
1_الحصول على معين غني بافكار واختصاصات متنوعة تغني جهود العاملين في قضيبنا
2_ وسع القاعدة يضمن وسع تمثيل مهم لجبهتنا من شعبنا
3_تنوع المنظمات المؤتلفة في تجمعنا يوزع مهمة رعاية الاختصاصات  المتنوعة لينجزجهودا واعمال 
     مطلوبة في  آن واحد كل باخصاصه لتنصب في المصب الموحد
4_كسب قاعدة واسعة في الوطن وفي المهجر تضم المؤيدين المتعاونين .
5_القاعدة الشعبية تكون عاملا لاشتراك شباب كنيستنا على حسن اداء التجمع الواسع .
6_ المنظمة الشعبية الواسعة بتنوع مهماتها تخلق لدي القوى السياسية المخلصة في الوطن
     موقعا وثقة خلال النشاطات الوطنية، كما تخلق ذات الموقع لدى السلطة واحزابها .
7_ سيكون بالامكان استثامار كل الفرص بتنوعها خارج الساحة السياسية، فيكون   
       لمكوننا الجامع حضور دائم في اكثر النشاطات
8_ ستتوفر فرص تشكيل لجان تابعة في الخارج تؤدي مهمتها القومية لدى حكومات الدول
     المؤثرة عالميا، كما توفر فرص سهولة انجاز المهمات دون حاجة لمغادرة بعضنا  الوطن .
9_وسع هذا التشكيل سيوفر وسع الاختصاصات القانونية و الاعلامية منها الفضائيات المتعاونة
10-ثقة شبنا بجبهتنا هذه توفر تبادل الطاعة في انجاز قضايا نضالية لها دورها في فرض وجودها وواقعها في الوطن .

محذورات تحصل في غياب الاخلاص والنزاهة
بعد تحقيق اختيار التجمع المطلوب،  من خلال العمل الاختصاصي والجمعي كمكون تقوده قيادة مشتركة واعية، قد تبرز بعض المنظمات بنشاطاتها اواُخرى تقدم منجزات تنال تقدير الشعب، وهكذا يالنسبة للعاملين المستقلين المتفوقين في نجاحاتهم، هذه الفوارق قد تُحدث خللا اوارتباكا غيرة او غرورا، او قد تغري المتمكن الناجح في موقعه من الاخلاء بالامانة العامة او يغريه الفساد الذي دمر العراق فيميل الى الذاتية، هذا بالنسبة الى الاشخاص فقد يزحف الامر بالنسبة الى الكتل او المنظمات،  رغم ثقتنا بترفع من يصل الى تجمعنا الواسع هذا، لكن الانسان معرض لها، عليه يمكن تجاوز هذا القلق  بوضع بعض الضوابط التي تحدد المسار الهادف النزيه والتعامل معها بعيدا عن الذاتية والمصلحة الخاصة ، ممكن ان يبادر التجمع بمحاضرات ودراسات تعزز سلوك الاعضاء ودورهم النزيه .
       طموحـات
ممكن أن يتحول الاجتماع الموسع لهذا البناء الى مؤتمر موسع يعالج المحاورالمطروحة ويخرج بنتيجة اضمن نهجا واكثر غنى وتاييدا شعبيا ، إن وجدت اللجنة التحضيرية للاجتماع الموسع امكانية اقامته مؤتمرا تجتهد ان يكون الاعداد اكثر شمولا في الحضور وفي المحاور والدراسات المقدمة فتكون فرصة وطنية وقومية ينجزها شعبنا لتكون له المكانة والموقع الذي يرفع من موقعنا في الوطن ولدى من هم خارجه .
       المهمـات الاولى
• التأكيد على نيل موافقة وتاييد المنظمات التي ستحضر الاجتماع بعد الاطلاع على اسلوب المشاركة واستلام مقترحاتها حول منهاج ومحاور الاجتماع
• تشكيل لجنة تحضيرية جامعة لاعداد المحاورالمطلوبة.
• أن يبادر تجمع احزابنا ويوجه الدعوات المطلوبة الى المشخصين لمشاركتهم
• اعداد المحاور وكل متطلبات وحاجات الاجتماع من موعد ومكان الاجتمع والمحاور والدراسات إن وجدت
• أن يُعطى للمؤتمرفسحة لعرض الاراء والتقييم والنقد تجمعها وتنسقها نخبة من الكفوئين  فكريا منتقين ما يلائم الاستراتيج المطلوب من كل النواحي التي سعت اليها الدراسة . 
• ان يختتم المؤتمر اعماله بانتخاب لجنة موسعة تمثل منظماتنا ، ومن ثم لجنة تنفيذية مختصرة تراقب وتدير المهمات مابين الاجتماعين ،
• اختيار لجنة مختصة تتناول زبدة ما تم اختياره ولها الكفاءة في القضايا القانونية من اجل وضع وكتابة
1_ النظام الداخلي لتجمعنا الواسع يتضمن كل النقاط التي تحدد اسلوب العمل والمعالجات المطلوب   (ممكن ان نستخلص منها محاور المؤتمر)
2_ وحدة الهدف والمطلب الذي يتطلع اليه شعبنا ليكون اساس النهج المشترك .
وضع خارطة طريق واسلوب العمل المستقل والمشترك
3_تحديد مطالبنا وتسلسلها حسب الاهمبة والممكنة خلال المساعي لنيلها وان يكون هناك التزام يالتمسك بها
4_ الاجتهاد في تكوين لجنة اعلام شاملة كفوءة ممكن أن يكون لها فروع في الوطن وخارجه مع الاستفادة من الوسائل الاعلامية المتوفرة اليوم 
5_أن تكون لنا علاقات وطني تضمن طموحات الونيين لانقاذ العراق من مشاكلة الى بنائه
6__ أن يعد التجمع السياسي التقرير السياسي الملائم للمرحلة ولوضعنا ولاهدافنا، كما
     تقدم المنظمات المدنية والمهنية تقاريرها لتوضح اهدافها ومناهجها والتزاماتها الملائمة لطموحات شعبنا والمفيدة في معركتنا النضالية هكذا نكون قد اعددنا الجهة المناسبة لتحمل المسؤولية من كل نواحيها .


استدراك مهم
• قد يتساءل الكثيرون عن مصدر الكلف التي يتطلبها تنفيذ الدراسة
يجب أن لا تكون المادة عائقا أمام مهمة تسعى من أجل مصيرنا في الوطن

من نرشح و نتوقع دعوتهم للاجتماع الموسع
بعد لقاءات فردية او جماعية مع المكون التنظيمي لكل منظمة وقبول فكرة العمل المشترك كما ورد في الدراسة، يتم دعوة المنظمات ومن ثم تحديد المستقلين من الاسماء المرشحة، ويفضل حضور ممثل او شخصين لكل تنظيم، وهذا الحضور يكون تمهيدا عاما لطرح الفكرة  بعد ذلك ممكن أن تنسحب من المشاركة العملية او دمج بعضها ليمثلها عضو مشارك ، من الكتل المشخصة .
1- الموافقون من تجمعنا السياسي للدراسة ويقترح أن يقوموا بمهمة الدعوة والاعداد لها
2- ممثلون لطوائف كنيستنا المباركة
2_منظمات المجتمع المدني
3_المنظمات الثقافية باجناسها الادباء والكتاب والفنانين
4_المنظمات النسائية
5_ممثلين عن الجمعيات الخيرية
6_ممثلتان لاتحاد النساء
7_ممثلين عن الاندية
8- ممثلين عن الشباب والرياضة
9_اتحاد الاندية
10_جمعيات خيرية
11_قناة عشتار الفضائية(إن كانت عاملة )
12_قناة سورويو الفضائية  وأخرى إن التأمت ونهجنا واهدافنا
ممكن ان تتقدم جهات مخلصة للاشتراك في الاجتماع
يتم الترحيب بمقترحات واراء الواردة من ابنائنا في خارج الوطن ونسعى أن يكون لهم حضور مهم ساعين الى مؤتمرعام ممثلا صادقا لشعبنا ومرحبا بمن يمثل الاقليات المؤتلفة معنا وبالاصدقاء السائرين في درب النضال وصموده .
كتبت الدراسة على ضوء النشاطات والمبادرات والعديد من المقالات نشرت في بعض مواقعنا الاعلامية، انشرها الان صدى لتواصل كتابنا الاجلاء ليكون شعبنا في المستوى المطلوب والقائم في الوطن لا أن تفوتنا الفرصة ونحن مونغمرين في العتاب والنقد ،،،.ومن الضروري نقد وتقييم او اية اضافة او تصحيح لهذه المشاركة من قبل خبرائنا القانونيين مقياسا للاهمية المطلوبة في هذا العمل العظيم .

مع تقدير                                         سعيد شـامـايـا
                                         (13/1/2020 ) (18/6/2020 )



13
مفـارقـة طريفـة ومخيفة
( 6)
تصاعدت ملامح دكتاتورية حزب البعث بعد1975تجاه القوى السياسية خصوصا تجاه الشيوعيين والتركيز على اشاعة مفهوم الحزب القائد كما تنامى دور صدام اعلاميا وتنفيذيا وهو يستعد لخوض تجارب مهمة مطلوب أن تكون خالية من أي صوت معارض وظهور العراق موحدا كأقوى دولة عربية مهمتها الدفاع عن الحقوق القومية، وكانت الخطوة المهمة استلام صدام الرئاسة وإبعاد احمد حسن البكر ومن ثم الاستعداد للتجربة الكبرى خوض حرب ايران .
في 1978أُعتقل ابني غسان (ضمن حملة اعتقالات) طالب في السادس ثانوي بتهمة توزيع مناشير حزبية، كان الخبر صدمة لوالدته خصوصا وهو يعاني من التهابات وعليه أن يتناول الادوية التي وصفها له الطبيب في اوقات معينة، بدوري أيضا كنت قلقا رغم التزامي باوقات معينة لتدريس الطلااب الطموحين في نيل درجات عالية، ظهر هذا حين نبهت طالبتي ضحى ان محاضرة المساء مؤجلة لكن امها الطيبة استفسرت عن السبب اعلمتها أنني اتحرك لانقاذ ولدي، طمأنتني المرأة الطيبة أن ابا لؤي والد احد طلابك صديق مدير الامن العام وسأخابره ليعالج قضية ابنك، بالفعل عادت بعد ثليل لتقول أن ابا لؤي طلب منك أن تزوره في الثامنة من صباح الغد ومعك الدواء لابنك، في الثامنة صباحا كنت واقفا لاطرق الباب لاحظتني ام لؤي ودعتني مرحبة :أبو لؤي بانتظارك،وكان الرجل الطيب مرتديا بزته العسكرية الرسمية كعميد في الجيش تزين صدره بعض النياشين وقادني الى سيارته العسكرية في امقدمتها جندي وحارس وكنت الى جانبه، توجهت السياة الى مديرية الامن العامة كما اخبر السائق، وما أن اقتربنا سألته برجاء: الى أين ؟ قال كما طلبت إلى المدير لنعالج مشكلة أبنك . اشتد قلقي وفي داخلي صوت يهمس (هنيئا لك تدخل مديرية الامن العامة وانت سعيد شامايا المختفي، ومطلوب امين مخازن دار الرواد والملاحق من قبل الامن) قلت هل من الضرورة ان ارافقك ؟ ضحك وهو يربت على كتفي:اعرفكم، الشيوعيون دوما قلقون في التقرب من الامن، المقروض بالامن يا استاذ دائرة وطنية ترعى الناس وتصون أمنهم، لكنها في دولنا هي خصم عنيد للسياسيين المعارضين لانهم يسببون القلق للسلطة بل الخطورة على وجودها، وكان الحراس يقفون مؤدين التحية ودخلنا غرفة المديرالذي كان حقا بانتظارنا مرحبا،
أبولؤي:هذا صديقي الطيب يدَرِس لؤي واخته، وكما اخبرتك ابنه موقوف ومحروم من دوائه، وانت تعرف الاهل خصوصا الوالدة،
المدير: اسمه بالكامل.   ابو لؤي منبها أن أخبره، قلت غسان سعيد ياقو (وأخفيت شامايا)في الصف السادس من الاعدادية  الشرقية . أمر احد باحضار غسان الموقوف البارحة، وراح الصديقان يثرثران في قضايا خاصة بينهما، وجاء غسان برفقة شخص فساله المدير: شنهي سالفتك غسان ؟ أجاب غسان : البارحة صباحا دخلت صفنا لاضع كتبي  وجدت في رحلتي رزمة وتبينت أنها منشورات سياسية قصرخت ملفتا نظر زملائي (داتشوفون هسا وصلت ووجدت هذه الرزمة موضوعة في رحلتي ارجوكم تشهدون، وقبل ان اكمل كلامي دخل اثنان وكانهما كانا بانتظاري، سُحبتُ الى الىسيارة وكان فيها آخرون من الطلبة و...قاطعه المدير: باوع ابني وضع أبوك وقلقه انتو واجبكم النجاح ملمين بدروسكم ومعلوماتها لتخدموا الوطن والشعب والاهل، انتظروا لتكملوا اعلى الدراسات المهمة وتفهموا الافكار المتنوعة في الحياة التي تبني الوطن بمسؤولية كواجب وطني حينها تختارون منها، هذه تجربة مهمة لك نعفيك عن اية محاسبة اكراما لابيك الطيب كما أخبروني فهو مخلص في واجبه ولا يتدخل في شؤون ليست من واجبه اتعظ بابيك الطيب(ابتسم غسان ابتسامة سريعة وهو يرميني بنظرة خاطفة من زازية عينه)وارحم والدتك القلقة(الى المرافق:انت الملازم     اخبرهم ينطونو وجبة طعام ليتناول الدواء وبنهاية الدوام توصلوه لاهلا، ...نعم سيدي) تقدمت وشكرته بحرارة كما ودعه أبولؤي متواعدين للقادم . وما أن خرجنا من المديرية حتى شكرت أبا لؤي وانا أتنفس شهيقاعميقا ووعدته بالزيارة المسائية لاولاده واستأذنت مغادرا رغم ملحته  ليوصلني سائقه الى داري .
                                              سعيد شامايا          26/5/2020



14
مفارقة في موقف نبيل تجاوزت الخصومة السياسية
(5)
في 1960 كثرت نشاطاتنا الادبية والفنية في القوش العزيزة وكانت تؤوَل (من قبل البعض المحافظ ) بنشاطات يسارية وكرد فعل استغلها الامن فبرزت متابعاته ومضايقاته  ومراقبته لها، يوما قاد شرطي باسم الامن أحد أصدقائنا(سعيد ميخا زَراكا) الى المخفر بتهمة وجده يقرا كتابا شيوعيا في البيدر، ولم يتوانى مأمور المركز بل وجدها فرصة لاحداث القلق في التلدة تجاه السياسين، وأضاف الشرطي : ومن بعيد وجدت معه القصاب من اهل موصل، غادره قبل وصولي،(صاح المأمور بوجهه: أثول كان عليك ملا حقة الاخر كي تنال مكاقأة مو دجيبلي هذا اللي نعرفه)وسأل المأمورصاحبنا متهكما: استاذنا بيا موضوع كنتم تجتمعون؟ أجأبه: لا إجتماع ولا موضوع فثط عبر الرجل وسألني عن طريق الدير فاشرت له وعبر دون أن يتوقف .  قاد المأمور  صديقنا الى المحكمة لتأمر بتوقيفه، حين اصغى القاضي وعرف أن الرجل يحمل كتابا مستعارا أفرج عنه، لكن مأمور المركز طالب بتوقيف سعيد شامايا صاحب الكتاب، عندها طلب القاضي من الحاجب احضار سعيد الذي كان يمارس عمله في مدرسته،،،
 وسألني القاضي: هل أنت مالك الكتاب ؟  قلت له نعم واسمي عليه، وسأل :ما الغاية من ترويج قراءته ؟ قلت : مجرد كتاب أدبي لجورج حنا يباع في المكتبات استعاره صديقي للتسلية .
 قال : ممثل الامن يتهمك بترويج الافكار السياسية، مع ذلك ترى المحكمة أن تدقق الجهات المسؤولة فيما إذا كان الكتاب ممنوعا، عليه ستخرج الان بكفالة لحين وصول الجواب، هذا قرار المحكمة، هنا قال المأمور واقفا: لا سيدي ارجو بقاءه في الموقف حتى ظهور النتيجة، ابتسم الحاكم قائلا لي عُد الى مدرستك بعد أن توفر كفيلا عنك .
هنا دخل المرحوم الياس حنو وقال :سيدي أنا اكفل استاذ سعيد بالمبلغ الذي ترونه . امتعض المأمور صائحا: لك الياس هذا شيوعي عدوك وانت بارتي كيف تكفله ؟ اشر الحاكم متذمرا قائلا  لمأمور المركز: تروّ ! أنت في المحكمة، خذ الكتاب وقم بواجبك فقط،، وتمت الكفالة، بينما انتظر المأمور ليعاتب سيد الياس الذي رد عليه قائلا : سعيد إبن بلدتي أدافع عنه في المظالم وأن اختلفت أفكارنا  اعرفوا هذا . وكانت مفارقة استحسنها ابناء البلدة وخلقت جوا من الالفة .
 يومها كانت العلاقات الاجتماعية عند الضرورة تتجاوز الخلافات في الافكار او في الانتماء الحزبي عند المتمسكين بتلك القيم، ويعتبرون الذي تجرفه دوائر الامن عميلا خائنا ،
ومرت ايام دون أن تظهر أية نتيجة، في صباح يوم جمعة والساعة لم تصل السادسة بعد مرور أكثرمن شهرعلى القضية، طرق بابنا الشرطي حبيب بابلا(سورو) وهو من عائلات مرموقة في القوش يعمل كشرطي كاتبا في المركز، قال بجد : سعيد اخبرك أمرا مهما بالنسبة لك دعه سرا بيننا و حذار أن تفشيه لاحد لان ذلك خيانة لواجبي، لقد عاد كتابك مع رسالة مختصرة (الكتاب ليس ممنوعا وقراءته ليست محذورة) . وكانت هذه أيضا مفارقة شكرته كثيرا ووعدته خيرا .
 ومرت ثلاثة اسابيع، مساء ونحن نغادر المقهى مجموعة من الاصدقاء لاحظت المأمور جالسا في دكان بقالة همست لاصحابي أن ينتظروا منشغلين مع بقال صديق مقابل الدكان حيث المأمور لانني سافجر قنبلة مسالمة لكنها قوية، وتقدمت الى المأمور، حييته وصاحب الدكان ممثلا الود  وقلت برفق: منذ مدة وأنا انتظر جواب المحكمة لأحرر صديقي الياس من كفالته ولاستلم كتابي إن كان الجواب خيرا بالنسبة لي.,,, قال بصوت عال مقاطعا : هذا جزائي يا استاذ سعيد لانني وجدت في كتابك ورقة صغيرة كانت رسالة حزبية أخفيتها عن الحاكم ؟ قلت ايضا بهدوء : علام تخون واجبك، مع ذلك سأطالب بالكتاب إن كان بريئا من التهمة .
                                                                                        سعيد شامايا       4/3/1960 

القادمة/مع مع مدير الامن العام         



15
المنبر الحر / مفارقة طريفة (4)
« في: 17:31 07/06/2020  »
مفارقة طريفة
(4)
كنا نخبة من طلاب الثانوية والمعاهد المهنية ودور المعلمين(منهم سعيد شامايا، في الصف الخامس دار المعلمين الريفية) نلتقي في المقهى الوحيد في بلدتنا القوش ونتحدث في امور ثقافية او عن الكتب والاخبار الثقافية أدبية او فنية وكثيرا ما كان يسبب جدالنا ومناقشاتنا ارباك او إزعاج مزدوج لممارسي الالعاب الدومنو او الورق او الطاولة ومن جانبهم صياحهم او خصوماتهم مقابل ارتفاع صوتنا ايضا في جدال او رأي، مما انتبه بعضنا الى تفادي هكذا موقف إحتراما لرواد المقهى الاكبرعمرا، رحنا نفكرونردد لو ظفرنا بموقع خاص بنا، وامتد الطموح لو كان لنا مكتب او غرفة صغيرة نسميها مكتبة، كان هذا في صيف 1947 وتوالت المقترحات، زاوية في الكنسة او غرفة في مارقرداغ اومغارة في جبلنا القريب وتوفيرهذ الفكرة صعب بالنسبة لدورنا لاوضاع عوائلنا المتواضعة  ! هنا بادر احدنا(سالم عيسى تولا) قائلا : ساحاول أن أجد حلا لمشكلتنا، وأخبرنا في اليوم الثاني أن والده وافق ان يخصص لنا غرفة في الطابق العلوي من دارهم المتكون من غرفتين بينهما ايوان واسع، شرط أن تكون قضايانا مفيدة ومحترمة ترفع الرأس، وبالسرعة الممكنة قررنا أن يشارك كل منا بما يتيسر لديه من كتب مفيدة واستطاع سبعة اوثمانية منا لم تسعفني الذاكرة لاسمائهم(سوى  ميخا ججو بجوري /عبد بتي صفار / حبيب شدا/صبري جهوري...)أن يزود كل منا مكتبتنا الثقافية ببعض الكتب، وكانت حصتي ستة كتب من مكتبة والدي المتواضعة(منها لجرجيس زيدان/ للمنفلوطي/ وكتابان لجبران خليل جبران، أما كتاب النبي لم يفرط به الوالد، وروايات بولسسية لارسين لوبين) وكنا سعداء ونحن نلتئم بمجلس هادئ كل يفتح  كتابا ولنا فترة النقاش اوالرأي او التسلية،( وأتذكر زارنا يوما المرحوم ياقو شكوانا الاكبر عمرامعه صديق واعجب بما رأى وشجعنا قائلا : إنه عمل عظيم، ولكن كونوا حذرين) خلال أيام ازداد عددنا واستولينا على الايوان وامتد العدد الى اكثر من تلاثين مشتركا وبصعوبة اقنع سالم والديه لينتقلا الى الطابق الارضي الغير مريح، لنزحف الى الغرفة الثانية، في الساعة التاسعة دخلتُ يوما الداروكان العم عيسى الطيب وأم سالم يتناولان فطورهما، والمعروف عن العم ابو سالم المحبوب في القوش بصراحته وطرافته وكثيرا ما كان المعلمون او الموظفون يتزاحمون أمام دكانه في السوق يمازحونه ويثيرونه ليسمعوا نوادره ونكاته ومسباته الالقوشية المازحة . سلمت عليهما معتذرا للزيارة المبكرة، نظر الى ما كنت احمله وقال: ماهذا ياسعيد ؟ قلت صورة لرجل طيب رسمتها لمكتبتنا.قال: ممكن أن نراها، ونشرتها، كانت صورة ماركس رسمتها بقلم الفحم وسبقتْها صورللحكماء والفلاسفة /سقرا/ روسو/غاليلووغرهم، تعجب الرجل قائلا: وهل تحبون القسان وتحترمونهم؟ قلت هذا ليس قسا إنما رجل مشهور صالح يحب الحق والعدالة...قاطعني بسرعة قائلا: هل كان نقلي وهذه العجوز من الاعلى الى الاسفل من العدالة التي تؤمنون بها ؟ قلت مرتبكا وخائفا: عملك افضل من عملنا ياعم  وهو تضحية سيذكرها اولادنا واحفادك في المستقبل، التفت الى زوجته وقال بلغتنا :(شميلخ كتِّ ؟ إيخول بختا إيخول ليبن إللي) ترجمتها(هل سمعت كتّي اكلي يا امرأة ما نقدر عليهم ). اوردت هذا كمفارقة بين ذلك الزمان وزماننا السيئ، مفارقة بما كان يشغل الطالب وبين ما يشغل معظمهم اليوم، كان الطالب في دور المعلمين وفي المعاهد المهنية في الاعدادية وهو دارس يتمنى أن يغذي طموح اهله بجدارة ولدهم الذي سيوفر لهم حياة افضل ويكونوا خيرة الشباب ليفتخربهم الاهل، قد لا يصدق القارئ إن قلت أن بعضنا كان يكتب في حاشية الكتاب المستعار رايه المتواضع كناقد أو مقيّم يتم مناقشته في جلسة حوار، ولست مبالغا إن قلت أن من بين أولئك ظهر كتاب وفنانون ومهنيون مبدعون رغم عدم استطاعتهم حينها دخول الجامعات .  بينما اليوم الكثير من طلاب الجامعات في عطلهم والبعض في ازدحام واجباتهم ينشغلون بهواتفهم المحمولة وليته البحث عن معلومة او عن مصدر يغذي دراستهم، ولا حرج إن قلت ان الاباء اليوم حائرون في معالجة هذا الامر الذي طال ايضا طلاب الثانويات والابتدائية حتى الاطفال فيؤولون الممارسة  للتسلية لكنها الممارسة القاتلة لقيمة الوقت الثمين . . 
             المفارقة القادمة في1960                سعيد شامايا     29/5/2020
 


16
مفارقة تفرض موقفا صعبا
 بحضور غبطة البطيرك بولص شيخو1959
(3)
تصاعد النشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي بعد ثورة تموز المجيدة المباركة، ومنها الافكار اليسارية في القوش كون البلدة مسيحية لها ماض مشرف في مجال تاريخها الديني/القومي والاجتماعي، لكنها لم تحظ بالرعاية المطلوبة كحق وطني، وكان نشاط ابنائها منهم النشاط المرافق للنشر بلغة جريئة والوفود الى جهات مسؤولة   من اجل الاصلاح وتعبيد الطرق ورعاية المدارس والصحة، لفت انتباه بعض الرافضين للنشاط السياسي والمتسترين باسم الدين، رافقه ظهور الصراع(الصراع بين العلم  والدين)استغلته جهات ضد الشيوعية والبسته إياهم حتى للمثقفين  غير المنتمين الذين نشطوا بالمناسبات وفي ترويج المطالب باعتبارهم رغم نشاطهم أنهم يحملون افكار ملحدة،وكان يؤيد المحاربة هذه  رجال الدين، ولكن من جهة اخرى دأب المثقفون في عملهم وسلوكهم لتخفيف هذا الصراع خصوصا رجال التعليم وحققوا نتائج باهرة في مدارسهم مقارنة بمدارس عموم لواء الموصل .
في 1959 زار القوش غبطة البطيرك مار بولص شيخو وهي بلدته، وله فيها سمعة طيبة جدأ بسمو أخلاقه وشجاعته في الدفاع غت كنيسته وعن ابنائها وحرصه على حسن قيادته لكنيسته، واستقبلته القوش بترحاب فائق، وزارته الهيئات التعليمية، منها هيئة مدرستنا العزة ورجوناه أن يزورنا ليبارك مدرستنا ووعدنا خيرا، كنا مهيئين لاستقباله بجلسة تريحه، بعد أن تجول معجبا بما وجد من نظافة وتنظيم وزينة الجدران والصفوف بوسائل الايضاح والخرائط المرسومة باتقان وفن، جلس شاكرا ومهنئا الجهود المبذولة، خصوصا للنتائج الجيدة التي حققتها المدارس في الامتحانات العامة لكنه توقف قليلا ثم قال : ابنائي القوش أمانة في اعناقكم ليس في مجال واجباتكم فقط وإنما رعاية القوش ووحدة ابنائها وتشجيع وصيانة تقاليدها الحسنة المرموقة في كل قرانا وفي بلداتنا خصوصا الادارية منها قيادة الكنيسة لمراحل طويلة، ورعاية اخوتها من الكنائس الاخرى في الملمات، والمهم ايضا رعاية العاملين المنتجين وتشجيعهم خصوصا الفلاحين المجدين في عملهم، القوش فقيرة لولا ارضها الزراعية، فواجب صيانتها واستثمارها بشكل جيد واجب علينا، ذلك لا يتحقق إلا بوجود اليد اافلاجية المجدة دوما، أما أن يرمي رب العائلة باولاده جميعا في المدارس ليواصلوا دراستهم حتى الدراسات العليا ومنها في الخارج، معنى ذلك اننا خسرنا العائلة وحصتها من الارض التي يرعاها وتلك خسارة لاتعوض، لا اقصد حرمانهم من التعليم،  ليتعلم لمرحلة ابتدائية او موسطة ويصبح واعيا ومن ثم يختار الاب وحسب القابليات عددا من اولاده للاستمرار في الدراسة ويبقى معه من يساعده في فلاحة ارضه، صمت قليلا خمنتُ شخصيا انه يطلب رأينا، رفعت يدي مستأذنا، فقال مصوبا نطرة قاسية نحوي مما زرع ارباكا فيّ قائلا هات ما عندك .
 قلتٌ: تأيدا لما تفضلت به ممكن سيدنا أن نضيف أن الدراسات العليا قد تكون مكملة لجهود الفلاح فيختص البعض بالدراسات الزراعية منهم المهندس الزراعي،  مثلا  دراستي في دار المعلمين الريفية درسنا عن الارض واصلاحها وتسميدها ومواسمها لزراعة لمختلف المنتوجات بل ودرسنا الصناعة النباتية لمنتوجات زراعية كالالبان والمربيات والمعلبات، وهذا تطور حضاري . هنا صرخ منفعلا بوجهي: والان ،،،ا ين انت من الارض ؟ أنا واثق ان الافكار البعيدة عنا تأخذكم بعيدا، هل أنت مثل اخيك يوسف الشماس المواضب في كنيسته ؟ أنا على علم أن بعض الععوائل صارت لا تستطيع انتاج ارضها فراحت تجلب عمالا من الايزديين، إن استمرت الحال هكذا ستصبح ارضنا بيد الاغراب ! (ايضا صارخا) وهذا كفر... قال المدير: ما طرحته سيدنا أمانة في اعناقنا وما وجدته على الجدران من عمل سعبد وكثرا ما نكون سوبة نسمع القداس.....(قاطعه)نصيحتي لكم كاولادي وأنا قدرت جهودكم ولكن أُنبهكم حرصا لافكاركم تجاه كنيستكم، وغادر بينما راح زملائي يعاتبون (ما معناه) شحجاك ياسعيد ! .
المفارقة القادمة في 1947                                        سعيد شامايا   31/5/2020         
 
 
 


17
المنبر الحر / مفارقة طريفة (2)
« في: 17:44 28/05/2020  »
مفارقة طريفة
(2)
كانت نكبة شباط  1963التي نالت ثورة 14 تموز المجيدة شريرة قاسية وكبيرة وواسعة امتدت اصابعها حتى  قرانا منها بلدتي العزيزة القوش شمال الموصل حيث دخلها الجيش والامن والحرس القومي حاقدا منتقما متذكرا مؤامرة الشواف واعتقلوا حتى الشيوخ (قتل أحدهم) وتابعوا الى الحقول واعتقلوا الفلاحين منهم خالي (حماي)منصوربنيامين وولديه الكبير سعيد وهوطالب في الثالث المتوسط وميخا في الصف الاول، بلغني هذا وانا في سجن الحلة عن طريق جماعة من الاكراد من قرى لواء الموصلودهوك معتقلين رحلوهم من الموصل الى سجن الحلة، وخدمتنا يومها قضية كوردستان بعد مفاوضاتها مع السلطة لان اعتقالنا كان يتهمة توقيعنا(1000 مثقف) على نداء السلم غي كوردستان، وجاءت حماتي من القوش لتهنئ يمناسة اطلاق صراحي وحدثتنا عن وضعهم وذكرت ان بعد اقصاء البعث تم اعفاء بعض المعتقلين لقاء مبالغ كانت مرهقة، حينها كان فد اعلمني المرحوم الاخ منصور بجوري أن بعض المفصولين او المسحوبة ايديهم قدموا عرائض استرحام للحاكم العسكري الفريق رشبد مصلح المخول لدراسة تلك القضايا، لكنني رفضت استثمار ذلك لانني كنت محكوما غيابيا في قضيتين في محكة الثورة في كركوك، اي خشية اعتقالي مع من اعترف علي، فاقترحت على حماتي أن اكتب عريضة تقدمها بنفسها الى رشد مصلح قد يعطف على وضعها ويساعدها في مشكلة خالي وولديه، وقلت مصرا سآخذك الى المكان الذي وصفوه لي، ووسط رفض  زوجتي ووالدتي والمرأة نفسها لانني مطلوب ومحكوم غيابيا بل وملاحقا،  لكنني اخذتها في اليوم الثاني مصرا الى الموقع الذي ممكن ملاقاة القائد فيه بعد أن كتبت عريضة استرحام بليغة وواضحة لانقاذ المظلومين من فبل البعث، ملآتها بمديح وشكر لانسانية المتابعين لاصلاح الاخطاء كعمل وطني سام، كان المقر المطلوب في ضاحية في الكرخ ووقفنا تحت شجرة على الطرق ننتظر مجيأه وما أن لمحنا موكبه حتى قدت حماتي وهي ترتجف خوفا وحين وصلت سيارته بعد حراسه توقفت، تقدمت ممسكا بيد المرأة وسلمت له العريضة قرأها وهو يهز رأسه وينظر نحوالمرأة، ثم قال لي : من تكون بالنسبة لها ؟ قلت انها حماتي وزوجها الموقوف خالي وهي لا تعراف العربية قادمة من شمال الموصل،
قال لها :ساعمل على مساعدتك إن كان ما ورد في هذه العريضة صادقا وإلا سيعتقلونك انت ايضا، قالها مبتسما وهو ينظر الي، إشرحْ لها، قالت مرتبكة إن كنتُ كاذبة اعدموني،ضحك وراح يكتب ما قرأناه في العريضة، الى قائد الفرقة الثالثة في الموصل (مامعناه) أن يستدعي الموما اليهم في العريضة فإن كانوا صادقين خصوصا أن الرجل أُمي لا يعرف الكتابة وولديه كما ورد، تطلق صراحهم، ثم استدار نحوي وقال : ماذا تعمل وهل انت كاتبها ؟ وبيده العريضة ، قلت نعم انا معلم، قال:زينة ومسبوكة، والتفتَ اليها قائلا: شوفي زوج بنتج معلم مجتهد يكتب مثل هيجي عرضة وما يدَّخل بغيرشغله و مخلص بيه، أكيد ما عندَ لامنا ولامناك قولي لزوجج يسمع كلاما وما يدَخِل نفسا بالمشاكل، قلتُ لكنه أُمي. قال اعرفهم يكعدون بالساحات ويشرّحون السلطة وقادتها، اشرحلها ما قلته، واعطاني العرضة . وفي نفس الليلة عادت الى بيتها وحمل خالي الاصغر العرضة وقابل قائد الفرقة الذي حقق معهم وعفي عنهم وسط استغراب ابناء القوش و استفسارهم عما قدموا من المبالغ لاعفائهم .
                                                            سعيد شامايا      26/5/2020 
 


18
المنبر الحر / مفارقة طريفة
« في: 21:18 25/05/2020  »
مفارقة طريفة
تعددت اعمال ونشاطات ثقافية نافعة تساعد تحمل البقاء في البيت تلبية لطلب الجهات المعنية في أمر مقاومة انتشار الوباء المرعب كورونا . وهذه واحدة منها .
اشتركت ومجموعة كبيرة (أكثر من 150طالبا) من دار المعلمين الريفية في المحاويل سنة 1948بانتقاضة كانون لالغاء معاهدة بورتسموث واسقاط وزارة صالح جبر ومنهم نوري السعيد (يومها كنت في الصف الخامس،) وللذكرى !  كنا سعداء حين قاد مظاهرتنا اتحاد الطلبة الى جامع قرب الشورجة لنصغي الى الجواهري يرثي أخاه الشهيد جعفر، بعدها في المظاهرة لاحقتنا الشرطة وعدنا الى الدار مساء، فاقدمت إدارة الدار بفصل من غادر الدارواشترك بالانتفاضة واستثنت طلاب الصف الخامس المشتركين، لانهم على أبواب التخرج وحاجة الدولة الى المعلمين كبيرة، وكان آنذاك من المنهاج الدراسي أن يطبق الطالب في دور المعلمين قبل تخرجه ممارسة التعليم الفعلي في إحدى المدارس الابتدائية لتقدير قدرته وواقعه التعليمي وشخصيته كمعلم ناجح، لذلك وجدت الادارة أن ترسل طلاب الصف الخامس دون استثناء الى المدارس الابتدائية في لواء الحلة(محافظة بابل اليوم، والمحاويل تابعة لها) وكانت حصتي مع بعض زملائي مدرسة في قضاء المسيب قرب جسر المسيب، إنقضى الشهر المقرر ولم تتم اعادتنا الى الدار لتكملة السنة الدراسية، خشية الشغب والارباكات السياسية ومشاكل الادارة وبعض الاساتذة، ومن اساتذتنا الاستاذ صلاح خالص مرشدنا ويقال أنه عوقب فيما بعد، مارسنا التطبيق لاكثر من ثلاثة اشهر ونحن سعداء بعدم العودة، قبل الامتحان النهائي دمجتنا الادارة مع طلاب دارالمعلمين الريفية في الكرادة الشرقية(طلاب الرستمية) وامتحنا بما درسوه خلال السنة والذي يختلف عن المادة والمنهج لبعض المواد التي درسناها/ ولم تصغ الادارة لشكوانا لذلك لم يفلح الكثيرون منا في الحصول على النتائج المرضية للنجاح ولم يعبر بنجاح من 65 طالبا سوى ما يقارب 16 أو 17 طالبا وكنت من بينهم وزميلي المرحومين بطرس لاسو ويونس رزوقي وأما البقية بين مكمل وراسب، وحين استلمنا النتيجة النهائية وجدنا أن عقوبتنا كانت أن وضعوا درجة الفصل الثالث صفرا،أي من كانت درجته في معدل الفصل الاول100 وكذلك في امتحان نصف السنة ايضا100 اصبح معدل السعي السنوي 66 درجة وعلى هذا المقياس لبقية المواد، وكانت عقوبة مزدوجة، قدمنا يومها نماذج من شهادتنا الى الجهات الرسمية والاعلامية دون جدوى، بل الاسوأ فقدتم تعيننا في المناطق النائية، الان وصلنا الى المفارقة التي دعوتكم اليها .
اليوم كورونا يفرض ظروفا جعلت الجهات الرسمية في التعليم  تكتفي بالمعدل للفصل الاول وتعتبره كمعدل للسعي السنوي وتسمح ايضا للراسبين وتمنحهم فرصة المشاركة في الامتحانات قد تساعدهم للعبور، هكذا راح بعضهم يصلي لكورونا، خمن ياقارئي نوع المفارقة بمقارنة بين المظاهرتين عساها كانت مسلية.
 تحية للمنتفضين الثائرين الذين غيروا وسيغيروا الموازين التي نحن ايضا حققنا حينها شيئا منها بسقوط الوزارة والغاء المعاهدة، واليم نحن مع ثورتكم و شيخوختنا معكم نشارككم من دورنا مظاهراتكم ولقاءاتكم في خيمكم المتواضعة لكم افضل تحية واحسن تهنئة .
                                                                      سعيد شامايا
                                                                   27/5/2020             
 
 

19
(3)
اليوم الجميع ينتظربنفاذ صبر عما يقدمه مصطفى الكاظمي

واستقر الكاظمي رئيسا للوزارة العراقية وسط انتظار مقلق لجهات قلقة متناقضة في تطلعاتها، شعب مغبون يمثله منتفضون ثائرون يريدون وطنهمنقوى وطنية مخلصة، ايضا احزاب السلطة وقيادات، واكثرهم قلقا الرئيس المقال الذي اراد مغادرة موقعه بلعبة خطيرة تربك الرئيس الجديد وتثير اوسع جهات شعبية متعبة في أحرج مناسبة مهمة ! الافواه الجائعة والمنتظرة لايام رمضان التي تفرض على رب العائلة التنويع من المشهيات لنفوس بالكاد يتوفر لها الشبع خصوصا المتقاعد الذي شاء واقعه أن يبقى اسير دخل متواضع، فقرر الرئيس المغادر ان يودع هذا الواقع بقرار يحرم المنتظرين وجبة رمضانية بإلغاء أي نشاط لصرف المستحقات منها التقاعد المنتظر، تصورها ضربة تثير غضب المؤيدين والمعارضين تحيط بالرئيس الجديد ولا تعطيه فرصة الحل المناسب لتمرير الازمة ! لكن سحرالرئيس المغادر انقلب عليه حين وقف الكاظمي بكل هدوء وشجاعة ليأمربتنفيذ سريان التقاعد دون التماهل في اخذ القرارات او تاويلها او تهميشها كما اعتادت الوزارات التي ساءت وظلمت، وكانت مناسبة لاحتفالية خاصة لعبد المهدي وغايته الارباك احامل المسؤولية . عذرا لاطالة المقدمة التي عرَضَت موقفين متباينين يحاول المتتبع للاوضاع أن يستخلص منها بقلق ما يطمئنه بمقدم الكاظمي، بينما تحاصره اسئلة مهمة ايضا ومقلقة ينتظر أن يجيب عليها الرئيس الجديد ؤإن جاءت البدايات من موقفه في صالحه خصوصا قضية صرف رواتب الموظفين وحقوق المتقاعدين، والاشارة الواضحة بقرار اطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين ومعاقبة من نفذ تلك العمليات وكان التصريح شديدا يوحي بتنفيذ عاجل يطول حتى الشخصيات مهما علت مواقعها الوظيفية، وتلاها مباشرة احالة عبد المهدي ووزرائه الى التقاعد لتجريدهم من أية عصمة وظيفية .
إن هذه المؤشرات توحي الثقة بالنفس للقيادة الجديدة وتربط المتابع للاوضاع الى الانتظارالمتفائل ليستمرالتواصل في تنفيذ المطالب التي نادى بها المتظاهرون والمعتصمون في برد الشتاء بامطاره وصعوبة توفير وسائل الدفاع على الاقل للصيانة مقابل حاملي الاسلحة ومستعملوها تجاه صدورهم ومن ثم الاسوأ ازمة كورونا التي اُستغلت لافشال المعركة المصيرية لثوار الشعب، لقد وعى الشعب الواقع السيئ وصعوبة تجاوزه، وخمن أن المسؤول الجديد يمتلك قوة وقابلية لعبور الازمة، لكن الكل ايضا يتساءل عن قيمة الاصلاحات وماهيتها بالنسبة للوطن وشعبه ومن يكون المستفيد الاول بتنفيذها، وامكانية مقابلة ردود الفعل لدى من يصبه الضررمتجاوزا الاساليب التي اتبعت و ملها الشعب بعد ان وعاها  .
المبادرات الاولى للقيادة الجديدة شجاعة استبشر بها المواطن المنتظروبارك القيادة، لكنه من جهة اخرى يلمس تأثير احزاب السلطة لا زال فاعلا ومتأهبا للحد من توغل القيادة باتجاه (اعطوني وطني) ويتمنى المتابع البسيط أن يجد للقيادة الجديدة موقعا صريحا صائبا صامدا يتناول المطالب الشعبية (انتخابات نزيهة وما تحتاجه لتمريرها،وجيش وطني وأمن يرفض اي تأثير خارجي يقلق وينال من سيادة الوطن وينجح في حصر السلاح بيد الدولة، والاعتماد على كادر وظيفي نزيه يحارب الفساد من القمة حتى القاعدة ويسير بها مصانة من أي تزوير) إنها امنيات قد تكون طوباوية وسط هذه الازمة تحتاج بعد المعاناة الطويلة التي عاشها الشعب الى قيادة وطنية شجاعة، لذلك يتطلع إلى إدراك الواقع الحقيقي لقدرات الكاظمي وما يتمتع به من قوة وايمان لعبور العقبات الصعبة التي تنتظره، وهل سيكون مدينا لمصادر قوته كي يعطيها حقها من الوطن ماهي وكم هي، أم سيكون بمقدوره أن يعتمد على الشعب ومخلصوه اصحاب الكفاءآت المستعدون ان يكونوا الى جانب ثورة تشرين يتقبلون معه ومع الثائرين التضحيات بصدور رحبة/ أم أن الرجل يسعى فقط لعبور العراق بتخطي مشاكله الصعبة، امنه ايضا أقصادية ومادية وصحسة)الى حد يغير شيئا من المخاطر التي تهدده .
لكن الوعود التي اطلقها الكاظمي تدفع المنتقضين الى المزيد من نشاطاتهم ومطالبهم وأكثرها محاسبة قتلة المتظاهرين ومحاسبة الفاسدين الكبار بعد أن فضحت جهات العدالة ملفات مهمة و كبيرة ممكن أن تكون عونا في تجاوز المصاعب الاقتصادية .   
 
                                                                       سعيد شامايا
                                                                      14/5/2020                 
 


20
( 1 )
توقعات مصيربة تتمناها السلطة
وينتظرها الشعب المظلوم
ساحاول الاختصار قدر الامكان بعد سنين طويلة اشغلت مئات الكتاب والمفكرين يعالجون برسائلم ومقالاتهم وصراخهم وبالعدد المتواصل للمظاهرات الشجاعة لاصلاح ما فسك في الوطن، عرضت خيرة شبابنا  لغضب السلطة التي وهب لها الاحتلال القيادة دون مزايا من تجارب او رصيد من النضالات والتصحيات، ولا حاجة أن أن نبرر اسلوب وغاية المحتل واعوانه في تسليم القيادة مجانا الى نخبة من المهاجرين والمحتمين في الخارج ليعودوا قادة يتحملون مسؤوليات عظيمة وهم غير واثقين من قدرتهم في بناء الوطن الذي هدمته الدكتاتورية والتعصبات البعيدة عن مصالح الشعب المغدور، فجاء النظام الجديد والغير واثق من قدرانه ولا من امكانية بقائه فانتهز الفرص  لينهب ماباستطاعته من المكاسب ليضمن حياة مرفهة بعد ازالته ! لكنه بعد ان وجد وضعه ملائما في اتباع اسلوب المحاصصة المشبوهة و التي ترضي بعض قادة القوى المظلومة سنة او كوردا نلك الجهات التي ممكن أن تتآلف في معارضة لتزيلهم من مواقعهم، كما لقي هذا الاسلوب (المحاصصة) تقبلا ممن جاء بهم الى السلطة ومن منحهم الشرعية بالفتاوى  الدينبة الي ساندنهم لينالوا التأييد الشبي في الانتخابات فيكسبوا المواقع في المجلس النيابي فيكون وجودهم مشروعا وطنيا وشعبيا ومصانة اخطاؤهم، هكذا ايستمر حكمهم الفاسد عقودا صعبة معالجين أخطاءهم بالمحاصصة وكم الأفواه وساعدتهم سنين الحصاد الكبير من واردات النفط التي أُنفقت في غير متطلباتها أو مجرد قرارات وسجلات لاصلاح وهمي دون نحقيق الفعل والنتائج ترضية للفساد الذي مارسته القيادة وعملائها وترضية لدول الجوار ماديا ومعنويا باسم التكافل الطائفي وترضية لامريكا واعوانها وكان الوضع في العراق ملائما لجعل الشعب جانعا ضعيفا همه أن يكسب لقمة العائلة ومن كان يمتلك الوعي والروح الوطنية ويرفض الوضع يحاول دون طائل، لكنه مهمش   ضعيف تناله السلطة باساليب لا تُخشى أصواته واعلامه فظل بعيدا كل البعد عن خلق القوة السياسية وهمه اعلاميا في خلق الوعي الوطني في تجريك الواغين الى مظاهرة، فتفاقمت الاوضاع السيئة نتيجة الغبن الموزع في الوطن اضافة الى الغبن الشعبي العام، فكان الصراع القومي والطائفي، رغم المشاركة في توزيع فرص الفساد على المحاصصين في السلطة، وكان لسوء الادارة أن تفاقمت المشاكل وضعف بل غاب الفكر الوطني في غياب الروح الوطنية ليظهرالارهاب بثوب الدين(داعش)ولينشر الارهاب والدمار ويسبب في دمار وإنهاك الوطن ماديا وشعبيا فزااد التذمر وتوسعت المظاهرات وارتفع صزتها (اريد وطني اعطوني وطني) وسمعت دول الجوار وترجمتها حسب مصالحها لمساعدة السلطة لكم الافواه وسمع العالم واستنكر لكنه تمهل في انجازأي امر انساني اقرته دول العالم باسم هيأة الامم ومنظماتها الانسانية، لكن مصالحها لا تجعلها تتحرك فعلا كي لا تغضب السلطة فتخسر مصالحا مع النخبة الفاسدة وظل المتظاهرون ينادون وظلت المكونات السياسية الرئيسة ترسل مليشياتها لتقتل المتظاهرين او تخطفهم وتهدم او تحرق خيمهم، وهذا زاد من عنفوان الثائرين الذين فرضوا نفسهم كقوة ثائرة تهدد ازلام النظام بل النظام بنفسه، هنا ارتفعت اصوات تنطلق خجزلة من هذا المكون السياسي اوذاك يؤيد صوت المتظاهرين ويدعو الى الحلول الممكنة، وجاء وباء كورونا الذي اثلج صدور السلطة لانها ظنته العامل القدير لتهديم خيم المتظاهرين والقدير على إسكاتهم وإعادتهم الى دورهم كما تقتضي مصلحة صحة الشعب برمته، غاب عنهم أن الماساة جاءت مزدوجة فالثائرون مستمرون والوباء يغلب الفاسدين في النظام بقدرات بقائه وسط الازمة المادية التي حاصرت كل الجهات حتى بات النظام عاجزا عن توفير رواتب الموظفين وتقاعد المتقاعدين رغم انه مورد خزين من مستحقاتهم مستقطع من رواتبهم، واشتد صوت الثائرين مطالبا باسقاط الوزارة التي شاركت بدم بارد في قتل واختطاف وسجن المتظاهرين واستقالت الوزارة كاقرار لهزيمة السلطة ولشرعية الوزارة ومجلس نوابها والنظام برمته وراحوا يسعون لخلق وزارة جديدة من مكوناتهم المشبوهة التي تحتاج الى ثقة الشعب بل ثقة التائرين  ورُفضت اعداد من المرشحين وظلت المحاولات مستمرة لفرض اشخلص صوروهم محايد ن او مؤيدين لمطالب المتظاهرين أيضا رفضوا، وراحت قياادة الدولة (رئاسة الجمهورية) تمارس جهودها ملتزمة بما يتطلبه الدستور، غير مهتمة أن من تتعامل معهم لرعاية للدستور قد فرطوا بكل ما رسخه الدستور، وكلف علاوي والزرفي  وكان لكل منها وعود لاصلاح بعض ما فسد وعبور الازمة الخانقة لكنهما لم ينالا ثقة المتظاهرين ولاثقة المكونات المالكة للسلطة متشبثين بها خشية خسارة مواقعهم، وبات الامر وكأنه لعبة قتل الوقت وصدق من أسماها(لعبة الكراسي)من أجل بث الكلل والملل بين المتضاهرين الذين امتد مطبهم ليس الاصلاحات والمطالب الخاصة بل التغيير العام في النظام الفاسد الذي فشل في حكمه سبب ادمار والخراب والمأساة لمعم ابناء الشعب     0
الى هنا خاب هدف التوقع الذي سعت اليه السلطة الفاسدة ومن يحركها من الجيران، وبدأ توقع آخر ومحاولة جديدة تصورها رئيس الجمهورية ضامنة والتجأ البها (تجربة اختيار الكاظمي) التي ظنها ضامنة لتمرير الفرصة الصعبة التي باتت تقرر نهاية اي نجاة لواقع السياسة في العراق  لانه على حافة هاوية تدفعه نحو السقوط تحكمها عوامل لا يمكن تجاهلها او معالجتها في واقع السلطة المتشبثة بمواقعها، فرست التجربة الجديدة على الكاظمي .......الى التجربة ربما الاكثر وثوقا والمرصودة بحياديتها وعلاقاتها المثيرة وما يخبئه الرجل لنجاح لمحاولة الجديدة  .والكل يتساءل ما هي القدرات المضمونة لدى الرجل القادم بغموضه الذي عزز هدف رئيس الجمهورية  لتقديمه ولتطمين القوى السياسية والبرلمان من أجل تنصيبه رئيسا للوزارة ؟؟؟؟؟
                                                                          سعيد شامايا         9/5/202

 
                                                 الكاظمي
                       آخرمحاولة لانقاذ الوضع الراهن
بما يرضي الاحزاب الشيعية ويطمئنهم كما يمكن أن يطمئن القوى السنية
                                  المنتظرة صامتة
                   تجاه التظاهرلت التي باتت لها قوتها وموقعها،
                               يضا وقيادة الاقليم القلقة
هناك واقع مهم يتجاهله الجميع بمن فيهم رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والرئاسة التنفيذية التي ستستلم المسؤولية ورئيسها(رئيس الوزراء)، وهذا الواقع ما بات سرا بل يلم به حتى ابن الشارع البسيط ! ! !وهو أن أية محاولة لترقيع الاوضاع بشرعية الوزارة التي استقالت وراحت تدير الامورة رغم فسادها وتعاملها مع المتاهرين بقسوة مخترقة ما يقره الدستور ! (أي انهاحسب تقدير المعارضة الوطنية الصادقة والمنتفضين الثائرين، الرافضين جميعا أي ترقيع يطيل عمر السلطة القائمة) أنها لا تمتلك الشرعية لمعالجة الوضع وهكذا مجلس النواب،الذي وصل البرلمان عن طرق غير شرعية إضافة الى انه يمثل تلك الكتل الي كونت الوزارة القائمة، وأن الجميع حتى الكتل الكبرى تقر الخلل الذي اصاب الوطن وبرر قيام التظاهر السلمي واقر سوء اسلوب المحاصصة السئ واعترف بوجود الفساد الذي اثقل كاهل الوطن وأوصله الى الوضع الخطر، ولا يمكن معالجة الاوصاع بصورة صائبة تعيد الوطن الى أصحابه من يمثلهم هم المتظاهرون الرافضون لاية اصلاحات ترقيعية من خلال هذا المجلس ووزرائه، ولا تجدي الوعود بوزارة تعد بالاصلاح لما فسد إن كان اقتصاديا او سياسيا ما دام البرلمان لا يمثله ابناء الشعب الممثلون الشرعيون الذين اوصلهم نظام انتخابي غادل ومفوضية مهاية نزيهة ،إذن لا جدوى غير تغيير النظام !!!
هنا مبرر أن يقول رئيس الجمهمرية كمحايد وطني حريص: من لنا باعجوبة توفر ذلك الواقع المرتجى دون مخاطرتؤدي الى دمار شامل،
هنا يحق لرئيس الجمهورية أن يقول، من حقي دستوريا بعد رفض وفشل الذي رُشحوا للاستلام رئاسة الوزارة، ولكن من يضمن وصولي الى تحقيق الهدف المنشود الذي يدعو إليه المتظاهرون والشعب برمته ايضا، وانا لا اضمن وعي واخلاص الجيش وقوى الامن لتوفير الفرص الضامنة لتحقيق الاصلاحات التي قد تنال جهات عليا بيدها القوة والسلاح الذي مطلوب أن لا يأتمر الا بما يريد الوطن وليس بيد فئات تقوده بصور غير مباشرة ولا مشروعة، المهم اليوم غيرنا حالة عجزنا لتحقيق الافضل أي أن نتشبث بتجربة أمامها منافذ وابواب وباستطاعتها تجنب الهاوية التي  يكاد الشعب ووطنه أن تبتلعهم، هكذا ظل الرئيس متشبثا بالاسلوب الدستوري . 
بادر رئيس الجمهمرية د مظهر صالح واختار الكاظمي مرشحا جديدا لرئاسة الوزارة العراقية بعد ان فشلت محاولات عديدة سعت إليها الكتل السياسية، يبدو أن رئيس الجمهورية كان على علم و قناعة أن الكاظمي يمتلك من العلاقات التي فد تعبر التناقضات التي تعرقل أي حل، وله الطموحات التي سيجتاز بها عقبة البرلمان لانه اعد نفسه لتجاوز التناقضات التي تقلق المكونات السياسية بل الكتل الكبيرة، اعتمادا على قبول الدول ذات التأثيرالواسع والكبير في معالجة وضع العراق المتأزم الى وصع آخر ممكن استمراره في هذه المرحلة  الصعبة، وإلا زادت المشاكل القوية التي تنتظرها الحكومة المقبلة، إنه ضمان امريكا وايران وصراحة الكاظمي بطيب علاقته مع امريكا ورضى ايران وقبولهما به، كانت بداية ناجحة طمأنت وخففت من قلق قيادات المكونات الكبرى للاحزاب الحاكمة، من جانبه مهد لها رئيس الجمهورية وطمأن الاحزاب الحاكمة أنه افضل وسيلة يمكن أن تكون معبرا آمنا لهم وهدفا يرضي الجميع ! كما طمأن اعضاء مجلس النواب ببقائم ربما الى نهاية دورتهم الشرعية،أيضا قد يرضي المتظاهرين الثائرين حين يلمسوا بدايات قريبة من اهدافهم، المطلوب هو امرار التجربة في البرلمان لتأخذ الوزارة شرعيتها، أما من يدعي أن مشاكل كبيرة تنتظر اية وزارة، قد يكون الكاظمي قد خطط مع اصدقاء كبار لهم مواقع مهمة سياسيا وماديا تستطيع التخفيف من ثقل تلك المشاكل ، واهمها، معالجة ألعجز المالي الذي تحتاجه أية وزارة تتحمل المسؤولية الصعبة .وكما خطط له عبر الكاظمي بكابينته الغير مكتملة تجربة مجلس النواب الصعبة وكان اول اجتماع لوزارته مغريا للعراقي الرافض اي اصلاح بوجود هذه السلطى .
نجح الكاظمي بحصوله علة اقرار مجلس النواب لقبوله رئيسا للوزارة المنتظرة في العراق، كما تم القبول بالنخبة التي قدمها ولقيت هذه التجربة تأييداواسعا داخليا وعالميا !
                                                                               سعيد شامايا   11//5/2020
 
 
الى الحلقة الثالثة


21
الفصل الخامس عشر

غادرت هوني لاند ليوم كامل، ارسل النداءات الى اصدقاء كارل لتقديم العون دون جدوى عدت الى غرفتي منهكا مهموما وكولبي في مكتبه يملي الأوامر لطومسن كي يؤجل اكثر الأمور المهمة، خرجت بعض الصحف تحمل أخبارا عن عطلة كيتي للراحة والاستجمام في مكان لم يعلن عنه بعيدا عن عيون الرقباء وملحة المتطفلين، دخلت سماتا خائفة وأخبرتني ان جماعة من البوليس الدولي وصل الى الدار وهي الان تتصل بالسيد فورستر من اجل التحقيق .
قلقت على الفتاة وانا خائف ان اسمع أخبارا سيئة عنها قلت :
- هل الامر بشأن كيتي ؟
- بل بشأن داني . لقد تم استجواب السيد فورستر ويقال انهم سيحققون معك ومع العاملين .
اليوم سيتهدم كولبي أسرعت الى حيث وجدت الشرطة وقد اتخذت من احدى القاعات موضعا، كولبي في حالة سيئة بعد استجوابه، ريدي يبحث عني وما ان لمحني حتى قال لهم :
- هذا هو السيد آدم الشخص الثاني في هوني لاند .
واجري معي تحقيقا مطولا عن داني وعلاقته بأهله وتحركاته . شرحت لهم وضع الشاب وعلاقته بأهله والخلاف القائم بينه وبين أبيه وتمرده عليه .
كما تم استجواب الآخرين ثم غادرت الشرطة بعد ان رمت كتلة نار أخذت تحرق هوني لاند، دان بمعتقل في دولة أجنبية ضمن عصابة كبيرة ضبطت معها كمية كبيرة من المخدرات في طريقها الى الولايات المتحدة وقد اعترف الشاب بذلك . في اليوم الثاني ظهرت الصحف تحمل عناوين كبيرة ومقالات جارحة تنال من سمعة المالي الكبير كولبي فورستر ترميه بتهم معيبة وتتشكك بنشاطاته وتتهم الابن بتزعم عصابة كبيرة لتهريب المخدرات .
أصيب كولبي بصدمة شديدة أوقعته ولما زاره الطبيب اقترح نقله الى المستشفى حالا حيث أصيب بجلطة دماغية حادة وتم نقله بالطائرة العمودية وما كان مني الا ان ارسل نداءاً الى كيتي بواسطة الإذاعة لتعود وحررت النداء بأسمى . لبست هوني لاند كآبة لم تشهدها من قبل، بعد الظهر اتصلت كيتي هاتفيا تستفسر عما يجري أجبت مستنجدا :
- هيا يا صغيرتي أنت اليوم امام امتحان صعب كل شيء ينتهي بإمكانك ان تنقذي سمعة أبيك والعائلة . أبوك في المستشفى عاجز عن الكلام والصحف تشن حملة ظالمة والخصوم ينتهزون الفرصة، وأمك معتصمة في غرفتها لا تحرك ساكنا فقط تصلي وتقول (( احرقنا يا رب لتتطهر أرواحنا، أخشى ان تكون الصدمة قد أثرت عليها )) بعد ثلاث ساعات وصلت كيتي جلست معها أواسيها كانت صامتة لم تظهر عليها علامات الخوف او بوادر الضعف ولم يكن بالامكان معاتبتها، طلبت ان تستلم مقاليد أبوها وتأخذ مكانه . وترد على خصوم افتعلوا حملة قوية لتحطيم فورستر .
بادرتْ بالاتصال بطومسن وراحت تملي عليه الأوامر وكان اول امر طلبته ان يبقى في مكتبه تلك الليلة وان يسهر معه كادره ويسعى الأعوان لكتابة مقالات واضحة ان لا شيء يخص مؤسسات فورستر، كما أمرت ان يعقد اجتماع لمجلس إدارة الشركة الرئيسية  ستحضره مساءً وكذلك اجتماعات طارئة، في اليوم التالي طلبت ان تكلف مجموعة من المحامين الأكفاء يتخصصون بالدفاع عن داني وان يسافر احدهم الى البرازيل حيث الشاب ليزوره في الموقف ويتبين حقيقة الامر، وان تطلب الامر تكلف مجموعة من محامين أكفاء من ذلك البلد لإنقاذ الشاب،  بعد تلك الاتصالات وكانت مطولة ومتشعبة وانا الى جانبها اتكأت على مقعدها المريح صامتة، نظرت اليها وانا اخفي قلقي ثم تقدمت منها وقبلت جبينها ووضعت رأسها على صدري وقالت :
- هيا لنذهب ونزور أبي لنطمئن عليه .
قلت : أنت قوية يا صغيرتي أرجو ان تنجحي في اكبر تجربة كادت تقتل أباك، خوضي المعركة بشجاعة واظهري في مجالات العمل قوية، حضورك هذا يساعد في اجتياز الأزمة كما يعجل في شفاء أبيك .  كانت تصغي صامتة وتبكي في داخلها قالت بألم :
- كل شيء ينهار بسرعة، هل كانت أخطاؤنا عظيمة بتلك الدرجة يا عماه ؟ لم اجبها لأنني انا نفسي لم اكن اعلم بأي خطيئة يُحاسبون، وكان من الصعب ان أقول ان هذه بعض ما جنته أيادي كولبي من الأخطاء لكنني قلت مبتسما :
- مهما حصل انا واثق انك ستعالجين الأمور بحكمة .

…………………………………..


أثبتت الفتاة جدارتها وحلت محل ابيها وخاضت حربا صحفية مع الذين خططوا لتحطيم فورستر بعد سبعة ايام هدأت الحملة وعادت الأمور تسير بشكل اعتيادي كما تحسنت صحة كولبي زرته بصحبة كيتي وجدناه اكثر قوة لكن الطبيب منعه من الكلام او الوقوف او السير، سر كثيرا وهو يصغي اليها وهي تقدم تقريرا مختصرا عن الاعمال التي أنجزتها وكانت أخبارا مفرحة، امتدت يده لتمسك بيد ابنته وهي تبشره، لقد فشلت الحملة يا أبي وكل شيء يعود جيدا .
قال متلعثما : وداني ؟
- اطمئن يا أبي كل يوم يتم الاتصال بالمحامي الذي أوفدناه الى تلك البلاد معه اثنان من افضل محامي ذلك البلد . مؤخرا تسلمت تقريرا واضحا يعطينا الكثير من الأمل ويؤكدون على انهم يعجلون بنقل داني الى الولايات المتحدة، وقد نجحت جهودهم لإعادة التحقيق هنا وان فرصا جديدة اكتشفها المحامي لإنقاذه .
نظر نحوي بامتنان وامسك يدي وهو يحاول الجلوس لكنني منعته، وضع يدي على يد ابنته كأنه يقول تعاونا سوية قلت له :
- استرخي في سريرك ولا تتحرك . وضغط على يدي يعتصرها قلت ملاطفا :
- لا تكابر يا رجل اعلم انك لا زلت قويا لا احد يقدر عليك حتى الملائكة .
قال وهو يشدد على المقاطع بثقل بارز :
- لا يمكن ان انتهي بسهولة يا آدم .. حين يقدر لنا ان ننتهي تصاب الارض بزلزال مدمر … لن استسلم بسهولة .
تبادلنا انا وكيتي نظرات سرية لم نقل شيئا .
جاء الطبيب وطمأننا على صحته وأكد لنا انه سيخرج بعد ايام قلائل، لكنه حذرنا من أي إجهاد او حركة صعبة يؤديها .
……………………………..

بعد ايام خرج كولبي من المستشفى خرج على مقعد ذي عجلات . كنت عاجزا ان انظر في عينيه خشية ان تقول عيناي كلاما لا يعجبه وهو في تلك الحالة، ها هو كولبي يستعين بما كان يمنعه، التقته نانسي وهي تحمل كتاب صلواتها في طريقها الى الكنيسة الصغيرة بينما كان هو عائدا من جولته تدفعه احدى الوصيفات، ابتسمت له برقة وقالت منحنية عليه :
- أرجو ان تكون صحتك قد تحسنت يا عزيزي . قال هو باقتضاب دون ان ينظر اليها :
- أرجو ان تكوني قد قدمت بعضا من صلاتك من اجلي .
اخفضت رأسها وسارت في طريقها بينما بقي ينظر هو اليها بألم .
في الأمسيات كنا نخرج سوية وهو على مقعده ادفعه الى حيث الساحات والأحواض وحظائر الخيول وملاجئ الكلاب يتفقد كل ذلك، نتحدث في أمور شتى، اذكره بمواقف من الماضي السحيق يضحك احيانا او يحاول إغاضتي فأستجيب لرغبته وامثل الدور جيدا، رأفة به لأدخل السرور الى قلبه فيرتاح . صدقت يا ولدي كارل (( حتى وهو مدحور في اشد حالات بؤسه يحب ان يبدو منتصرا ظافرا عليك )) .
اما كيتي فقد كثرت غياباتها عن الدار تقضي معظم وقتها في المدينة متنقلة بين المكاتب والمؤسسات تعود في ساعة متأخرة من الليل احيانا ونحن نيام او تغادر قبل ان نستيقظ، كنت اشعر انها تتهرب من لقاء ابيها الا لبضعة دقائق لتحييه وتسأل عن صحته وتلقي أمامه تقريرا مختصرا عن الاعمال وكولبي يتفهم ذلك ويتلقاه بألم .
وحين حاولت ان اعرف سبب ذلك قالت انها تخبئ أمورا كثيرة لم تكن في صالحهم لان الحادث الذي لف داني وتسبب في مرض ابيها وأقعده شلل دائم، اثر كثيرا على مصالحهم حتى انها راحت تساوم خصومها احيانا وتتنازل بعض الشيء من اجل ان تمر المرحلة بسلام .
عادت يوما مبكرة وكان الوقت مساءً وانا ادفع كولبي عائدا الى الدار ما ان رأتنا حتى أسرعت نحونا تحيينا وكانت على بعد اكثر من ثلاثين مترا لكنها فجأة توقفت بعد خطوات، لا اعلم ما الذي جعلني أتذكر اليوم المشؤوم الذي حطم فيه ريدي مقعد الفتاة وكانت تقف على ذات البعد وشعرت انها تفكر بذات الامر، رقت نظرتها ثم تبادلنا ثلاثتنا النظرات خلتها رسائل طويلة تمنيت ان يعبر الموقف هادئا بينما كان كولبي يتهرب من نظراتها، لقد استمر الموقف لدقيقة لكنه كان زمنا ثقيلا لم تتقدم بل لوحت بيدها حزينة وهربت الى الداخل لقد فهمت وفهم كولبي ، لذلك طرقت موضوعا بعيدا لأسحبه من آلامه بينما قال : لو تصمت يا آدم .
وبقينا صامتين حتى أدخلته غرفته .
عبر المساء ثقيلا يسحب معه سحب الظلام المخيف رغم ان هوني لاند كانت تتلألأ بأضوائها واستمر الليل يتواصل بطيئا كئيبا كأنه يزحف على روحي ويسحقها بثقله لكن هوني لاند نامت ونامت الصخور والأزهار والأشجار، نامت الحيوانات والطيور حتى الحشرات فقط بقي اصحاب هوني لاند محرومين من لذة النوم تشغلهم أمور وتعذبهم مشاكلهم، وحياتهم خوف وتوتر من الغد الذي قد يحمل شرورا جديدة .
سألت نفسي هل وجد ابناء هوني لاند السعادة التي يحسدهم الآخرون عليها .

                                   


ســـعيد شـامايـــا
1984



 



22
(( 5 ))

وسافرت كيتي واستمر غيابها كما استمر غياب كارل ومن غربتها تواصلت في إرسال الرسائل لي داخلها رسالة كارل وكأنه واجب مقدس حتى تراكمت الرسائل في غرفتي . وعادت الحياة جافة مملة وانا أفتش عن سبب هذا الملل فأخلق المبررات واقنع بها نفسي او أقول انها الشيخوخة والفراغ الكبير الذي أعيشه بعد ان تقلصت مهماتي، لا تحركني احيانا الا لقاءات الخدم والعاملين يقصدونني عملا بالعادة التي ألفوها او وفاء لما يكنونه لي حتى السيدة فورستر كانت ترمي تحية مقتضبة وتمضي مسرعة وكأنها إنسان آلي خالية من المشاعر لم يبق منهم الا سماتا التي تزورني وتقرأ لي رسائل كيتي او تحدثني عن مخاوفها التي استمرت رغم علم كولبي ووعوده لان قلقها تفاقم حين تأكدت ان هناك غير ريدي وهي تجهله . قالت وكأنها تسر إلي بشيء مهم :
- ليته ريدي وحده لأنني كنت سأنام قريرة العين ايام غيابه عن هوني لاند . ولكن المجهول يتبعني دوما .
لقد بذلت جهودا كبيرة وكلفت الخدم لمراقبة تحركات سماتا لمعرفة من يكون المجهول دون جدوى حتى خيل اليها انه ليس شخصا واحدا وانما مجموعة اشخاص يتناوبون بالمهمة بحرص شديد، لاننا كلما حصرنا شكوكنا بشخص نراقب تحركاته تحصل بادرة اخرى في غيابه هكذا بقينا متفقين ان ريدي هو المدبر الرئيس لتلك الحركات السخيفة . أخيرا استقر رأيي ان اتصل بالشاب المرعب . زرته في غرفته وكنت لطيفا معه قابلني بهدوء واحترام، كانت إجاباته مقتضبة، ينظر إلي بريبة وكره، كأننا خصمان . كان متلكئا في إجاباته شعرت بضجر واستفزاز امام نظراته الحادة والمتنقلة دائما تثبت ان الرجل يكذب في نفي التهم وانه مصر على نهجه العدائي تجاه الفتاة واحيانا اشعر به يهددني ولا اكذب ان قلت ان شيئا من الخوف والقلق تسلل إلي وكأنه يقول (( اسمع يا آدم قد تسبقها الى حتفك ان وقفت في طريقي ومن يحزن عليك بعد ان أديت دورك وأصبحت عضوا زائدا في مجتمع هوني لاند هيا اترك الفتاة لمستقبلها الحقيقي بعيدا عن كولبي العجوز )) كأنني سمعته يقول ذلك دون ان يحرك شفتيه وانا صامت امام صنم ضخم وعيناه الدمويتان تركزان في عيني أخيرا وجدت نفسي أقول :
- ماذا تقول ؟
- لم اقل شيئا يا سيد آدم فقط اسمع مواعظك التي لا اعلم متى تنته .
- لكنك كنت تتحدث قلت كلاما كثيرا ؟         
- وهل فهمته ؟       
- لا اعلم .
-   إذن لماذا جئتني ؟
- لا قول لك يا ولدي انك رجل ناجح وأمين في خدمة السيد فورستر ولا أتوقع ان تخونه وأنت تعلم ان سماتا اعز مخلوق عنده وهي مسالمة رقيقة ….
قاطعني بجفاء واضح وكأنه يطعن كرامتي :
 انا لا يهمني ماذا تقول ولا ما تظنه .
قال هذا ووقف كأنه يقول هيا  انصرف بالفعل انصرفت وانا حائر في امر الرجل بل في امر كولبي . او أكون مبالغا في ظنوني وان الرجل بريء وما أراه من عدائية أوهام تعرضها لي الفتاة وهيأته المقيتة، لكنني عدت اسأل نفسي إذن من يكون غيره ؟ عجيب امر كولبي هذا لأنه يرتاح بل يسعد لمعايشة التناقضات ربما يخلقها دوما حوله، التناقضات حتى في حياته الخاصة كيف يوفق بين حبه للفتاة وتمسكه بريدي الذي يعلم انه سبب تلك المعانات،  تذكرت لعبة القط والفأر التي تعجب بعض الأنانيين وتدخل السعادة الى نفوسهم في تعذيب محبيهم .
خرجت محبطا ينتابني شعور غريب بأنني اليوم عضو زائد في هذا المجتمع لا احد يحتاجني او يهتم لوجودي حتى ولدي هذا الذي انشغل بأبحاثه ودراساته لمَ أربك حياته، بدأت أفكر بعدم جدوى حياتي، ولدي رحل ليفتش عن مستقبله ولم يأبه لبقائي او رحيلي  بل أتذكر  انه لم يعرض علي اللحاق به ..  هل ما تفكر به هو الحقيقة ام أنت تظلم الآخرين حولك ؟ أنت بعت العالم كله من اجل كولبي وآسرته .. تصورت انك الشمس التي يدور حولها كوكب هوني لاند، وها أنت واحد من الفائضين عن حاجة هوني لاند لأنه قد يكون كولبي فكر في ان يتخلص منك أئ كلب حراسة شاخ ولم تعد الذئاب تخافه،  أطلقه في البراري لتأكله الذئاب .. وأنت يا آدم هل تنتظر اليوم الذي يقول فيه وليس عن لسانه إنما يكلف واحداً مثل ريدي .. هيا اخرج يا رجل كفاك هذا العمر الطويل تنعمت به في هوني لاند وهي الان في غنى عنك .. متى يكون ذلك وأين اذهب ؟
 وفيما انا مندمج مع تلك الأفكار قابلت السيدة فورستر كدت اصطدم بها يبدو ان كلانا كان يحلم، حييتها بابتسامة أجابتني بمثلها دون ان تتوقف .. ناديتها .
- سيدة فورستر ؟                       
- نعم يا عم آدم .
-   كنت بحاجة الى سؤال أوجهه إليك وأتمنى ان احصل على الجواب الحقيقي ؟
-   وكل ظنوني انك لا تزال تثق بي ؟
-   كيف صرت ترينني الان هل حقا أصبحت عديم الفائدة في هذه البقعة ؟
-   ماذا تقول يا عم ؟
-   اصدقي القول يا ابنتي هل انا فائض عن حاجتهم ؟
-   هل سمعت ذلك من احد ؟               
-   - بل يترجمه لي شعوري .
-   الكثيرون في هذه البقعة يظنون أنهم فائضين عن الحاجة  .
ولوحت بيدها وانصرفت وانا اشد إيمانا بالفكرة الطارئة، ولكن نانسي تقول (( كثيرون )) يبدو انها كانت تتمنى ان يوجه لها مثل هذا السؤال لتعبر عما في صدرها .
نانسي ! لم أفكر بهذه المرأة منذ فترة طويلة كأنها غائبة عن المحيط .
لقد انطوت المرأة على نفسها بعد عودتها وبعد انغمار كيتي بالعمل، صارت تلازم غرفتها او تخرج احيانا الى موقعها تحت العريشة ومعها كتابها المقدس ولا تغادر الا مشيا على الأقدام حيث الكنيسة القريبة . لقد سر كولبي لهذا التغيير وراح يحترمها حين يلقاها، ويوم طلبت منه ان يشتري لها بيانو رخيص تشغل به نفسها رحب بالفكرة واشترى لها جهازا ثمينا، كما رحب بالقس الشاب الذي يزورها أربع مرات في الأسبوع ليدرسها فن الموسيقى، وراحت تعزف الألحان الكنسية او تقرأ الكتب التي تدور حول الإيمان والقديسين التي راحت تتراكم في غرفتها كما انقطعت عن زيارة المدينة والأصدقاء وشراء الحلي الثمينة والملابس، وأهملت زينتها ويوم قالت سماتا (( الا يمكن ان تنتقم مني السيدة يا عم آدم )) أكدت لها ان الطريق الذي تسلكه المرأة بعيد عن الكره والانتقام لانها تفتش عن نفسها الضائعة،  حتى كولبي يهادنها ولا يتحدث عنها بسوء ويوم هنأته للتبدل الذي طرأ على الحياة في هوني لاند قال بغرور:
- لقد تعبت  نانسي من أخطائها دعها ترتاح يا آدم . انها اسلم نتيجة تحققها المرأة بالنسبة للعائلة
اما انا، يقف كارل أمامي عائقا يسد علي الطريق يحاصرني كعادته ويبخل في صلب الموضوع دون مجادلة (( هنيئا لك يا أبي نسيت نفسك خلال دقائق معدودات كنت تفكر كيف تسابق كولبي وتحافظ على كرامتك ولا يكون البادئ بطردك وألان تحمد الله لان هذه نانسي تعطي الحل المناسب فتخلص كولبي من احدى مشاكله المستعصية، مسكين أنت كل يجري في ساحته وأنت تراقبهم كملاك حارس تمنعهم من الزلة او السقوط وان سقط احدهم تتلقاه قبل ان يتحطم، وفاتك انك فقدت جناحيك الملائكيين وانك قد تسقط او تتحطم قبلهم، لا زلت تفكر انك الحكم الذي يقوم خطوطهم، تزيل العثرات من أمامهم وتبقى تنسى السؤال المهم (( وأنت الى أين يا آدم ؟)) كم سألتك هذا السؤال فتجيب بذات الجواب (( جذوري هنا في هوني لاند )) عن اية جذور تتحدث وجذورك ضعيفة تستند فقط على عواطف تسميها القيم والأخلاق بينما جذور اليوم تحتاج الى اوراق وسندات ووثائق معترف بها وأنت لا تملكها، كان الأجدر ان توفر جهودك لولدك الذي وضعت فيه الآمال ثم أطلقته في الدنيا بذرة تتحكم بها الرياح .
كارل أقسى قاض أخشاه . لم أنت قاس مع أبيك من حقك ان تغضب لأنني سفهت آراءك ولم التفت لمقترحاتك فقط اخبرني هل كنت متطفلا على هذه الارض واهلها ؟ ونصف قرن من عمري أمضيته شمعة تنير لكولبي طريقه، انا أحق منه ان يكون لي قبر في هوني لاند والكل يقر ذلك لان هذه الارض لقيت مني ما لم تلقه من ذلك الرجل الذي سجلت باسمه . اعذرني يا ولدي لم اكن ذلك الأب الذي يبيع الدنيا من اجل أولاده تصورتك لا تحتاجني كما يحتاجني الآخرون هنا . لا تغضب هذه ليست هواية او نزوة التي جعلتني امثل هذا الدور الغريب . اليوم الجميع يتجاهلني قد ينسوني بمجرد ان أغادر هم بينما لن أنسى أحدا منهم .
غدا تعود كيتي بعد غيبة طويلة تجاوزت الأسبوعين ولن تجد من يصغي اليها لتقص خصوصياتها البسيطة بينما تخجل هي ان تبسطها امام الآخرين حتى امام امها قالت مرة (( لقد أصبحت كبيرة يا عم آدم وانا اشعر دوما انني بحاجة الى من يصغي الى ثرثرتي قد يجدها غيرك سخيفة لكنني معك أحس الاطمئنان والراحة هو ذات الشعور الذي ينتابني وانا طفلة صغيرة يوم كان يزجرني أبي فألجأ إليك ليرتفع حاجباك وتبتسم وتبدي إعجابك بأني أقول كلاما جميلا أنت تعرفه )) هل سمعت يا ولدي، لا احد يفهمها حتى أنت ولا تصغي لتوسلاتها يرونها تتظاهر بالقوة يريدونها بقوة الرجال العظام ليفتخر بها أبوها يوم قال ((كوني اقوى من الرجال وما الذين حولك الا بعض الثعالب )) ما كان باستطاعتي ان أقول له، أين رقتها وقلبها؟ لقد أفسدتها يا رجل .
وصلت منها إشارة تعلمهم بعودتها قبل الموعد المحدد، كان المفروض ان تمكث هناك اكثر من ثلاثة أسابيع، لكنها اختصرت الفترة وأبوها تلقى الخبر بامتعاض لأنه يعرف ماذا يحصل هناك . انها تعيش الغربة والتعاسة بينما يعتبر كولبي هذه الأمور سخيفة لا تليق برجال الاعمال، ويعود يتهمني انني أوحيت لها بتلك المشاعر  .

………………………………………………..


(( 6 ))

ذهب كولبي وطومسن وبعض الشركاء الاصدقاء يستقبلون الفتاة في المطار وكولبي كعادته يعمل على إضفاء الأهمية على تحركات الفتاة كأية شخصية مهمة في دائرة أعماله والاهم من ذلك صار يشعر الآخرين انها الوريثة لكافة أعماله مما يعطيها مكانة مهمة في مجتمع اصحاب المال والأعمال وكذلك في مجال الدولة وعلاقاته مع رجالات السياسة وبذلك المستوى أرادها ان تفكر لذلك كلف طومسون ان يقوم بحملة صحفية تصاحب تحركات الفتاة تنقل أخبارها وتبالغ ايضا وتخلص الى الإثارة حتى في خلق القصص التي تضفي أهمية على موضوع بزوغ نجمة، الشابة الثرية وما يتخلل حياتها الخاصة والعامة،  وكولبي يقرأ ذلك باهتمام وفرح وقد يكلف الآخرين بالخفاء للرد عليها لمجرد الإثارة . عاد كولبي مساء دون ابنته وعلى العشاء كان يتصفح الصحف التي تناولت تحركات كيتي وراح يقرأ بصوت مرتفع مفاخرا وأنا متبرم وهو ينظر إلي ما بين وقت واخر حتى قال:
- ما بك يا آدم الا يسرك ان تنجح كيتي كل هذا النجاح ؟
- ولكن أين كيتي ؟ على الاقل تحل في دارها يوم وصولها ام هي الاخرى ما باتت تشعر تجاه هذا البيت ؟
- وكيف لك ان تفهم هذه الأمور وأنت لم تزاولها ومهما تراكمت السنوات على عمرك والشعرات البيضاء على رأسك تبقى جاهلا بأمور الاعمال هذه . انها الان في اجتماع واسع مع الشركاء بل تقود ذلك الاجتماع وقد لا ينتهي حتى ساعة متأخرة لقد تعمدت العودة دونها لأبرهن لأولئك الأغبياء انها بكفاءة ابيها تستطيع ان تقودهم ثم انها ما باتت تلك الطفلة التي كنت تدللها او تلعب بعواطفها لتبقى لصق بيتها واهلها .
- لكنني اشعر بما تشعر هي الان .
- هكذا يخيل إليك .
في اليوم الثاني وصلت الفتاة في الساعة العاشرة صباحا وكانت امها تنتظرها حالما سمعت صخب الطائرة المروحية أسرعت الى الخارج تستقبلها بصمت ودخلتا القاعة التي غصت بالموجودين الذين جاءوا للتحية ظلت نانسي صامتة فترة ثم نظرت الى ساعتها واعتذرت وهي تقف معلنة انه درس الموسيقى قد حان موعده . كانت الفتاة تراقب امها بحزن دون ان تقول شيئا أوصلتها حتى الباب قبلتها مودعة وظلت واقفة في مكانها تراقبها وهي تبتعد ثم عادت وجلست الى ان تفرق اكثر الحاضرين، تقدمت ايضا لانصرف لكنها أمسكت بساعدي لتجلسني الى جانبها وأبوها يراقبنا خلسة .. نظرت إلي طويلا دون ان تقول شيئا قلت لها .
- أتركك لترتاحي يا عزيزتي في فرصة اخرى نتحدث طويلا . همست بأذني :
- المساء في الخامسة يعجبني ان أمارس الرياضة معك ونسير بين الاشجار .
عدت في الرابعة الى غرفتي لاتهيأ حتى نخرج سوية وإذا فيها جالسة على سريري ما ان رأتني حتى رمت بنفسها على صدري وهي تجهش بالبكاء . لم اقل شيئا ولم أواسيها او أحاول ان أوقفها تركتها تفرغ كل أحزانها التي لا يحسها الآخرون تملأ قلبها ثم قالت بصوت متقطع :
- انا تعيسة يا عم آدم ولن أتحمل اكثر من هذا .
ايضا لم اقل شيئا بل رحت اصفف خصلات شعرها التي غطت وجهها، استمرت .
- الكل يتصورني قوية وأبي يفخر بذلك امام الآخرين لأكون صورة منه، لكنني مهما فعلت لن أصبح تلك الصورة ولا يمكن ان أتظاهر فيها . أنت صامت لا تسألني عن سبب عودتي .. ما بالك تلتزم الصمت وانا انتظر ان تقول شيئا يداويني، اسألني عن الذي حصل وعما فعلته، انا واثقة انك لا تصدق أبي وادعاءاته بشأن سعادتي ولا أريد ان أكذبه لأنه يعيش حلمه .
- هيا يا صغيرتي قصي علي كل شيء انا الاخر ضجرت من وحدتي، لولاك لرحلت الى دنيا بعيدة أعيش الحلم، هيا قصي علي قصة تلك السفرة معتمدة على نفسك لاول مرة وهذا كان يعزيني . علما إني كنت واثقا من تفوقك .
- كنت منهكة في العمل أقيم في فندق فخم في تلك العاصمة البائسة، ان كانت تلك عاصمتهم ماذا عن قراهم وماذا عن بيوتهم البائسة . كانت تحيط بي رعاية كبيرة لكنني شعرت الجفاف ولولا انشغالي بالعمل لما صبرت يوما واحدا رغم المناسبات المسلية والمتكررة على الموائد العامرة حولها المتملقون الذين يثيرون الضحك احيانا . خرجت يوما الى الحديقة لأسير قليلا ملتمسة ان انفرد بنفسي، رأيت شابين مراهقين يعيشان لحظة هناء خائفين حذرين، سمحت لنفسي ان أراقبهما خلسة ووجدت في ذلك متعة رأيتهما في اجمل صورة وهو يلاحقها بينما تزوغ منه بشيطانية محببة، باركت لهما حبهما وعدت الى غرفتي والأسئلة كثيرة تحاصرني، حاولت ان اشغل نفسي بقراءة الصحف لكنني لم افلح في طرد الضجر الذي لازمني ورحت اسبح في دائرة ضيقة والتيار يدور كدوامة تسحبني نحو الأسفل، أحضرتكم جميعا الواحد تلو الاخر، وانا أدافع عن نفسي وابرر اختياري للحياة الجديدة بعدها رحت أسحبكم واحدا واحدا وأحاكمكم، حاكمت أبي بعدل ووجدته صور قاسية غير محببة .. الى متى يا أبي ؟ سيري في طريقك يا ابنتي . ولكن متى اصل ؟ .. عندما تصبحين في قمة أمنيتك .. حينها أكون قد ودعت مباهج الحياة ودخلت حدود الشيخوخة .. لا لا يا صغيرتي النجاح يديم الشباب لأنك ستكونين محط أنظار الآخرين المحيطين بك .. لا يا أبي سأبقى وحيدة .. بل يتقدم إليك افضل من تختارينه .. لا تكمل يا أبي ذلك مؤلم لأنني قد أسألك ان تعرضني في سوق ما وهل سأكون صالحة للمعاشرة ام للزواج ام فقط للحب العابر وانا من يخشاها الرجال ؟ تلك صورة قاتمة يا أبي أخافها .. لكنك تحملين اسم العائلة ماذا تقول يا عم آدم .
- أنت تبالغين في تجسيم خوفك .
- أبدا أجبت أبي صراحة في تلك المحادثة وقد طالبته ان يتذكر ذلك المقعد الذي حاصرني تلك السنين الطويلة يوم كنت احلم واجري في حلمي أتسلق الصخور أسبح واقفز أتعلق بأغصان الاشجار وكارل يتبعني لقد رأيت مشهدا ذكرني بتلك الأحلام فاستيقظت لأرى نفسي بعيدة وحيدة شعرت وكأنني قطعت ربع قرن من حياتي وعلي ان أنسى كل الأحلام، اخبرني أيها العم متى اصل الى ما يريده أبي ثم أعود لأحقق بعضا من تلك الأحلام لتعوضني عن سنين المقعد وأبي يقول انا اصنع المال وأكدسه لأولادي وانا أجيبه أين هم أولادنا لأكدس المال لهم  .
قال لي أبي وهو يسرق كل مشاعري، يطويها في قطعة حرير ويودعها صندوقا من ذهب مطعم بالجواهر الثمينة منبها (( احذري هؤلاء الشباب الذين يحيطون بك ويتملقونك ربما تجدينهم يمثلون الحب الطاهر لكنهم نوع من الحيوانات التي تأكل إناثها بعد ان تستحوذ عليها )) ربما خجل ان يقول عن الإناث التي تأكل ذكورها بعد تلقيحها وكأنه يقول كوني مثلها كما فعل بأمي، رآني يوما اضحك وانا مجردة من كيتي فورستر منطلقة لكنه ما انفرد في حتى قال (( أنت الان فتاة من الزجاج جميلة وزاهية والأنظار موجهة إليك ولكن ما ان تسقطي سقطة خفيفة حتى تتحطمي ))  ذلك هو أبي وانا حذرة ان اسأله عن حبي الحقيقي .
- ماذا افعل الان هل أتمنى ان تعود ايام المقعد بأحلامها، ثق يا عم أتمنى الجلوس في ذلك المقعد ليدفعني كارل ونحن نحلق بأحلامنا .. المقعد .. أرجوك أين المقعد ؟
وجدت التصميم في نبراتها ونظرتها حادة ابتسمت وانا أهون الامر قائلا : مادمت حاكمت الجميع غيابيا، إذن يحق لنا الدفاع عن أنفسنا انا الاخر سأقول ما عندي .
-   انتهى ذلك الفصل يا عماه وانا الان اطلب شيئا اخر، انه المقعد أين المقعد ؟
- وماذا تفعلين به ؟           
- سترى .
- لكن إياك، لقد حذرني أبوك .             
– ليكن فقط ليحضروه إلي .
وراحت تنادي الخدم حتى جاء احدهم أمرته ان يسرع الى المخزن ويحضر المقعد . خرج الخادم لينفذ أمرها، رأيتها تتهيأ مسرورة وقد تغيرت سحنتها .
- تركضين وراء المتاعب يا صغيرتي .
- الان أريك ما أتمناه . والآن آيتها الخادمة اذهبي ونظفي المقعد وأحضريه حالا .
بعد دقائق عادت الخادمة تدفع المقعد أمامها وقفت ممسكة به تتفحصه، تعيد مسحه، أمسكت بيدي وقادتني إليه وانا مستسلم، أوقفتني خلفه ثم جلست وهي تقول بإلحاح : هيا ادفعني الى الساحات والحقول .. أرجوك يا عم آدم هيا لأشم النسيم القديم واستذكر الأحلام فالذاكرة باتت يابسة تحتاج الى طراوة .
رحت ادفعها وانا ازداد انفعالا وسط دهشة الخدم والعاملين، حين كانوا يلاقوننا تعقد الدهشة ألسنتهم قالت منفعلة : كان كارل يبشرني بيوم نحطم فيه هذا المقعد .. كنا ونحن مع هذا المقعد نطير ونؤلف قصصا حلوة نتكهن باليوم الذي نتحرر منه، رحل قبل ان نحقق أيا من تلك الأحلام لذلك كنت مصرة للمحافظة عليه،  هيا ادفع الى الأمام .. الى الأحلام التي احتاجها ليست لدي غيرها هيا احلم معي فأنا عائدة الى تلك القاعات المقفلة والمناضد الضخمة حولها وجوه محتقنة كل أمامه ملف فيه افكار وخطط شيطانية، احيانا أغفو واحلم لاستيقظ على صراخ احدهم فأراه وقد توسعت عيناه والزبد يتطاير من شدقيه في جو القاعة، وجوه محنطة نست لباقتها تتجسم بحركات مريبة وكأنهم وحوش تختفي خلف الابتسامات المفتعلة وليست تلك المظاهر التي بدأ بها الاجتماع، يلاحقني همس أبي (( اضغطي عليهم ضيقي الحبل حول أعناقهم احرميهم من الهواء ليستسلموا او يطلبوا الرحمة، إياك ان تعطيها مرة واحدة بل قطريها حتى تشعري بهم أذلاء خاضعين ……. )) ادفع يا عم ودعني أنسى تلك الاجواء التي تشهد عذاباتي الحقيقية عذابات مجسمة وأنت تملك الاموال والنقود، اسهما وشركات، بيدك مستقبل الناس وإرادتهم وأرزاقهم وحياتهم مرهونة بإشارة منك تملك الحرية في ان تتحرك وتنفذ رغباتك، وحصاد كل ذلك تجده حين تصل الى نقطة تكتشف عندها ان الذي حققته لم يمنح لك فرصة تحقيق رغبة تسكن في القلب،  كم هو مر ان تحس العذاب الحقيقي وأنت بكامل قوتك وجبروتك بكامل إمكاناتك المادية تبتسم بوجوه الناس نفاقا لتجعل منهم ضحايا اطماع رجل مثل أبي .. أبادلهم كلمات الود والإخلاص وفي داخلي همس يقول مهلا يا أصحابي سأخذلكم باللين، سأجعلكم أشقياء دون ألم، انا واثقة إنني أكذب عليهم وهم بدورهم يبادلونني النفاق، نفاق متبادل والأطراف عالمة باللعبة، ادفع يا عم ودعني انفض كل الأوساخ التي تراكمت، اشعر بها تترسب تدريجيا في داخلي أخشى ان تتراكم فتتلوث روحي أيضا . هناك في تلك البلاد شاهدت البؤس يتجول بحرية في أرقى مدنهم وحول قصور أغنيائهم حتى في أقدس مؤسساتهم الإنسانية، وارى البائسين يصفقون لنا رياءً وقادتهم يساوموننا على لقمتهم، ثم تجمعنا لقاءات شريفة لتندرج في المحاضر الرسمية، كلمات فخمة عن الامانة والحرية والكرامة والإنسانية ومصلحة الشعب وحقوقه المصانة، ادفع يا عم آدم ودعني أنسى العالم المليء بالكفر والقذارة انا الان اقر تلوثي، وأعود كل ليلة الى فراشي ملوثة، لافتقد البذرة القديمة التي صنتها مخبأة بعناية فأجدها منكمشة خائفة .
كنت ادفعها وانا أنوح (( ويحك يا آدم في أي باب من أبواب الظلم تدرج قضية هذه الفتاة )) في صدري طائر مذبوح ينتفض ألما، ذبحته كلماتها الصادقة .. وأتساءل .. هل هكذا نصنع السعادة لأولادنا وحولنا الكتب والصحف تسطر القصص الجميلة عن العلاقات الإنسانية وتتحدث عن الأخبار المفرحة والبشارات لليائسين في القارات المضطهدة وكولبي يمتليء زهوا وهو يستقبل الغرباء في هوني لاند عروس القارة العظيمة جنة الدنيا هنا في الولايات المتحدة، حلم البؤساء أمل المحرومين يسعون اليها ليجدوا فيها اللبن والعسل والأزهار والمسرات على زوارق مصنوعة من أحلام .. هنا الولايات المتحدة منبع الحرية والديمقراطية محط حلم المضطهدين يقولون ان الصعلوك يساوي الرئيس الكبير في البيت الأبيض وأمامه ذات الطريق ولأطفالهما ذات الفرص، وغاب عن الرجال الذين يخططون الطرق مثل كولبي .
هذه المسكينة بعد ان اشترت حرية قدميها فقدت في روحها شيئا جميلا كانت أمنيتها ان تغادر هذا المقعد لتجلس في زورق الأحلام لكنها اليوم عادت بائسة تستعير من المقعد حلمه وتسرق لحظات من وقتها الثمين لتكذب على نفسها متصورة انها تعيش ذات الأحلام .
الخدم يلاحقوننا بعيون مفتوحة بعضهم يفاجئ خائفا، او تكون الفتاة قد عادت كسيحة ؟ لكنهم يلاحظون أننا نتابع ثرثرتنا بمرح سرنا في الساحات وهي تؤكد سعادتها وصورتها حزينة وفي عينيها آلم،  لم أوفق لو نظرت لوجدت الدموع في عينيها لأنني كنت أجاهد لامسك دموعي .. رباه كم ظلمت هؤلاء القوم وانا أفكر بالهرب بينما هم أحوج إلي اليوم من البارحة .
وبرز كولبي عائدا من جولته خلفه ريدي، وقف برهة توسعت عيناه، قرأت فيهما الغضب وليس ككل غضب، عاصفة توشك ان تنفجر، خشيت على الفتاة وهي في أسمى أبراج مشاعرها المستثارة، ومثل كولبي لا يعطي لهذه الموازين قيمة قلت هامسا :
- يكفي هذا يا عزيزتي وهذا أبوك لا بد ان نتحدث اليه . قالت متجاهلة :
- آه نسيت ان أذكرك بداني شغلتني همومي . ولم اسأل أبي ولا أمي لأنني اكتشفت ان له بعض الحق  في موقفه، هل تعرف لماذا، لأنه يحتاج الى الاسلوب الصحيح الذي اكتشفته الان، انه يسعى لان يكون له طريقه وأسلوبه . وعناده شجاعة نادرة يا عم انه يرفض مملكة أبي وجبروته . هلا أخبرتني عنه الان .
- ليته عرف حقيقة الحرية يا صغيرتي ما اتعس المرء حين يرفض قيدا ليختار اخر .
- بل أنت تعرف، يقولون انه يقود مجموعة ولهم أفكارهم . تصور داني قائدا لفرقة من الشباب، هو الاخر يثبت وجوده كم انتقدت آراءه لكنني مستعدة الان ان اسمعه، لو لمس معاناتي لتمسك بآرائه .
كان كولبي يقترب بهدوء خلته يفكر بالهجوم وشعرت بخوف حقيقي على الفتاة وقلت بلطف : هيا يا عزيزتي واتركي المقعد لنستقبل أباك .
- ولما لا يستقبلني هو كما كان يفعل .
رحماك يا رب هذا الشخص لا يعرف اسلوب الاباء في ترويض الغضب ليعطي ثمرته للمغضوب عليهم لا يعرف متى وكيف يعاقب أولاده بل يهملهم او يدفعهم نحو الأخطاء ويسعى ان يقتص منهم . وقف امام المقعد بعد ان أمسكت عن الدفع وقال : ما هذا يا آدم ؟
قلت بلطف : لاشيء فقط نتسلى ونحاول …  قاطعتني بلطف وقالت بمرح :
- انا طلبت منه ذلك يا أبي  بل وألححت عليه . قال مزمجرا :
- لم اطلب منك جوابا فأنت كسيحة في تفكيرك الان، اجب أيها العجوز المخرف
أجبت بهدوء وانا أتكلف الابتسامة :
- إننا نلعب لعبة المقعد هل نسيت كانت تعشق اللعبة .
-   ما الذي يذكرك بهذا المقعد يا كيتي ؟
-   بقية من الذكريات الجميلة .
-   ذلك عالم مضى ومات اطردي تلك الذكريات، حطميها ومع هذا المقعد، ثم أين أخلاقك وأنت تكلمين أباك جالسة .
-   أبي ! أرجوك لا تغضب انها جولة وسألتحق بك .
-   بل أمرتك وعليك ان تغادري المقعد وكفاك حماقة لا تليق بك، صورة لك فيه قد يشتريها الخصوم بالملايين، هيا قفي وانا أكلمك . وسحبها من يدها بقسوة فاندفعت بشدة لتصطدم بالسياج بينما ركل المقعد الذي تدحرج على الممر الإسفلتي وقال آمرا .
-   حطم المقعد يا ريدي .. حطمه قطعا صغيرة وإياك ان تصغي لأحد .
عادت مادة يديها ملتمسة وهي ترى ريدي اخذ يضرب المقعد ويحطمه .
- لا يا أبي لا تدعه يفعل، انه عزيز علي، وأنت يا ريدي توقف آمرك ان تتوقف، أبي أرجوك ان تأمره، سأنفذ كل رغباتك سأعتذر عما بدر مني فقط اترك المقعد لي، أبي انا ناضجة سأكلمك عن نجاحات جديدة ولا تحاسبني على حماقة صغيرة كهذه انا بحاجة اليها فهي فسح تغسل عني تعبي انظر يا أبي هذه كيتي تحقق أمانيك فأمنح لها هذه الرغبة الصغيرة .
كان ريدي مستمرا في تحطيم المقعد بما تصل اليه يده ركضت الفتاة نحوه تمسك به : توقف إيها الأحمق كيف لا تطيع أوامري فأنا أكرهك .
يمسك بها كولبي ليبعدها لكنها تقاوم بشدة ويكاد ان يقع ويتمالك وينطلق خلفها كانت معركة حقيقية وانا حائر جامد في مكاني وريدي منهمك في تحطيم المقعد بقسوة، خلته يقتل الفتاة حين كان يهوي بالقضيب المعدني على المقعد والفتاة تتوجع وكأنها تتلقى الضربات، لا اعلم ما الذي قيدني هل هو خوفي من ريدي الذي اعرفه كتلة من الحقد ام خشيتي من تأجيج الوضع اكثر تشتت أجزاء المقعد متناثرة نظرت إليها وهي بائسة عادت الى ابيها تحمل مرارتها، وقفت أمامه وكان هو الاخر يلهث تعبا وغضبا وقد تهدلت كتفاه وراح جسمه يهتز بوضوح بدت هي أطول منه، شدت قامتها وتنفست بعمق وكان صدرها يرتفع ليمتلئ بالهواء وكأنها تسحب هواء الدنيا ثم قالت : حذار يا أبي ان تذلني . ودخلت البيت منتصبة .
نظر كولبي الى ريدي الذي لا زال منهمكا بمهمته بمبالغة واضحة وكأنه ينتقم من شخص لم يقل كولبي شيئا بل توجه نحوي، انا الاخر تمنيتها معركة حقيقية .
قلت باختصار وجفاء :
- البنت بحاجة الى الرحمة يا كولبي .
- وأنت تدمرها، أنت رجل خبيث، الان بدأت تكشف عن جوهرك، ولكن لماذا ؟ أنت تدمر حياتي وحياة أسرتي بعد ان بدأت الآمال تكبر، أنت تشد الفتاة الى ذلك المقعد الذي يمثل عجزها لتبقى أسيرة أفكارك القديمة البالية . ماذا افعل بفتاة ضعيفة عاطفية تهزها كلمات سخيفة تصبها أنت في رأسها كيف لها أن تهز مجالس أولئك الشياطين وان تقود الجبابرة وتصدر لهم الأوامر. هل لفتاة ضعيفة أن تواجه الطغاة من منافسين أو تحطم أشخاصا بل أنظمة تهدد مصالحنا وهي ترتبط بعجوز لم يفلح أن يكون أكثر من خادم يوفق بين الخدم.
نسيت ما كنت أتمناه أن أقوله له وقف قائلا:
_هيا اوضح ما......غادرته الى غرفتي ورحت اجمع حاجياتي التي أستطيع حملها معي وإذا بريدي يقف بالباب ويقول بصوت جاف دون احترام:
- ماذا تفعل أيها العجوز ؟ لم اجبه بل واصلت عملي بينما تقدم قائلا :
 سألتك كأنك مغادر دون إذن . أيضا لم اجبه لكنه وقف في طريقي قائلا:
- استقر في غرفتك سيدك يأمرك بذلك.
- عد بأوامرك إلى سيدك لأنني قطعت منذ اللحظة علاقتي به .
- قلت لك استقر في غرفتك حتى يبت في أمرك.
- بل أغادر وقت أشاء، ولست مدينا لأحد .
وحملت الحقيبة الصغيرة لكن العملاق وقف بوجهي حاولت أن أزيحه فلم يتحرك بل انتزع الحقيبة مني بخشونة ورماها على الأرض ودفعني إلى السرير بفظاظة أوقعتني قائلا :
- لا تدعني استعمل معك القوة لقد أمرني سيدي بذلك أن تطلب الأمر أشدك إلى السرير . قلت صارخا:
- هل أنا موقوف.
لم يجب على سؤالي إنما أغلق الباب واخذ المفتاح معه وجلست أفكر.
في اليوم الثاني أرسل كولبي جيرالدين يطلبني لكنني رفضت الذهاب إليه وطلبت منها أن يأمر الأوغاد من تابعيه ليفكوا اسري . ذهبت المرأة بعد قليل جاء ريدي ووقف بالباب :
- احضر إلى حيث يطلبك سيدك وإلا حملتك عنوة .
لم أجد ضررا كي لا اواصل المشادة مع هذا الوحش وأنا خاسر معه، قصدت كولبي رأيته هائجا قصدني قبل أن أصل إليه وقال :
- أين كيتي ؟ أين هي يا آدم.
- لا اعلم .  هزني وهو يصرخ:
-  أين خبأت الفتاة يا آدم ؟ بغضب :الى أين أخذتها ؟
- أنت واثق إنني كنت مسجونا منذ البارحة واسأل الذين كانوا يحرسون الغرفة .
-   لقد هربت يا آدم (( رق صوته وكأنه ينهار )) أنت تعرف مكانها بالله دلني عليها ؟
-   ثق يا رجل لا علم لي بمغادرتها ولا اعرف مكانا تقصده .
-   إذن أين يقيم ابنك ؟
-   أيضا لا اعلم. كم سألت عنه وأكدت لها أنني لا اعرف مكانه ورسائلها المتراكمة في غرفتي تشهد على ذلك. بدا الرجل محطما وهو يقول :
-   - أصدقك يا آدم أنا محطم افعل أي شيء وبسرعة، ان لم تعد سينهار كل شيء، أعرفك شهما لن تقف متفرجا علي وانا انهار، يجب ان تعود اليوم أسرع يا آدم وانا اعتذر عما بدر مني .
- بل ستعود يا كولبي انا اعرفها اكثر منك، لقد جرحتها، كانت تنهار رغم تظاهرها بالقوة ومن أجلك لم تعترف بأي عجز بعد ذلك العجز الطويل . لقد حولنا الفتاة من حياة العواطف والأحلام الى حياة العمل الجافة لقد أطعمتها إكسير الجبابرة جرعة واحدة وليس بالتدريج هل بإمكانك ان تجعل من العصفور نسرا في ساعة واحدة ؟ هذا ما أردته لها ولم تبال بمشاعرها وعواطفها ! كيتي فتاة يا كولبي غذيناها من مشاعرنا لتتشبث بالأمل وأنت تمسح كل شيء .
- ليس الان يا آدم بل قل ماذا افعل ؟
- اذهب وباشر أعمالك أعلن في صحفك عن عودتها وإنها في إجازة للراحة .
-   وهل يصدقون ذلك وان كان الحل الوحيد ؟
وقف كولبي ونظر إلي طويلا ثم اخفض بصره كأنه يتضاءل عطفت عليه وابتسمت له مشجعا لف ذراعه حول عنقي وقبلني هامسا :
- لن تتركني أيها العجوز انا بحاجة إليك .
غادر القاعة وكأنه رجل بائس وريدي خلفه كإنسان آلي لا يأبه بما يحصل بيني وبين سيده، لقد حوله كولبي الى إنسان آلي لكنني أخشى ان يخطأ  في تغذيته بالمعلومات الصحيحة فينقلب عليه
اشعر بسرور حقيقي لا اعلم هل لتحطم كولبي أمامي وكأنني انتقم منه ام لتحرري من سجني وكأنني امتلك حريتي . فكرت ان أغادر هوني لاند وابحث عن ابني لأبرهن لهم انني ما كنت خادما، لكن منظر كولبي المني فأن تحطم سيتحطم آخرون احبهم ، ربما كثيرون من الذين لا اعرفهم وهم أبرياء من زلات كولبي،  خرجت أتنفس الهواء وأفكر بالوسيلة التي توصلني بالفتاة لقد حملها كولبي المهمات وهي لا تمتلك الحصانة التي تصونها … عزيزتي كيتي أنت الان تائهة قد لا تقدرين المخاطر التي تنتظرك وهذا الوحش يريدك قوية (( لا يعيش في هذه البلاد الا الأقوياء اما الضعفاء فهم على الهامش وغيابهم عن الحياة افضل )) انه يعتز بأمريكيتيه العنيفة كأنه النموذج الصلب (( امريكا المهر المتوحش الناشئ في أحضان الطبيعة ورث دهاء أرباب العمل وشجاعة الوافدين وتمرد المظلومين من القارات الاخرى، امريكا التي وقفت بوجه أوروبا الفاسدة جاء الأجداد بعقلية أوربية لكن المهر الأمريكي تمرد على القراصنة ووضع نظاما جديدا وعرف كيف يصنع حريته وعدالته .. انها الديمقراطية الحديثة المبنية على الحيلة والقوة ))  هكذا كان يردد وبهذه العقلية أراد ان تولد كيتي في ميلادها الثاني، لكن الفتاة ولدت شعلة من العواطف قد تحمل نفسها بعض ما لا تطيقه من اجل ابيها لكنها لا زالت تحلم . قالت وهي تتحدث عن باريس (( إنها حقا أم الدنيا، باريس متاحف والأدب والشعر باريس الذوق الرفيع، البعض هنا يحاول أن يسيء الى جمالها او يحاول ان يجيد التصنع والكبرياء لكن باريس لازالت تحتفظ بنكهة النهضة العظيمة التي فصّلت زيا جديدا للإنسانية، أثوابها من ظلم العهود الغابرة، قد يغالي البعض منا في حمل الأفكار السيئة عن أوروبا حين يصادف في الحياة محتالا مثل سيمون لكن أوروبا تبقى الأب والأم الشرعيين لأمريكا الابن المتمرد )) هكذا كانت تتحدث الفتاة وهي قليلة المعرفة بالأمور السياسية فقط تأثرت بالمشاعر الإنسانية وتلك يعتبرها كولبي ضعفا .
بينما كنت في طريقي الى مجموعة الاشجار كانت السيدة فورستر تتبعني شعرت انها بحاجة إلي، توقفت حتى وصلت وكانت تحمل كتابا صغيرا للصلوات قالت متوسلة
-: علمت انك صممت على الرحيل أيها الرجل الطيب، ولكن ماذا عن الصغيرة هل ستتركها وحدها، أرجوك أنت وحدك تستطيع إنقاذ العائلة، ليس من اجلي ولا من اجل كولبي،  لقد أخطأت كثيرا واعمل الان لأجعل من حياتي هنا مطهرا، ولكن كيتي أرجوك اذهب وفتش عنها، هل يرضيك ان افقدهما كليهما ؟ لقد تبت يا آدم وصلاتي في تلك الكنيسة الصغيرة لم تعالج اليوم أيا من طلباتي لذلك أقول أنـا ضائعة وعلي ان أتعذب وهذا مطهري وانا قررت ان أتشبث بصمت، لكنني قد انفجر يوما،  طمأنتها قليلا وأفهمتها بعض ما دار بيني وبين كولبي ووعدتها ان أبقى من اجل ولديها انصرفت المرأة بعد ان شكرتني .
(( وأعود آدم الرافض لكل حرياته من أجلهم آدم الخادم ناسيا إهانات ريدي وقسوة كولبي، لو كان كارل حاضرا ووجد آدم يُطرد كالكلب او يُحجز كالفأر المرعوب في بيته بينما يبقى آدم ملجأ للأم الخائفة، علام تنتظر أيها العجوز المخذول ؟ قبل قليل كان ريدي يدفعك مهانا ولا من معين والآن سيد هوني لاند يحملك مسئولية عودة وريثته وأنت مستكين لرغباتهم ولا تصرخ بوجوههم ( اللعنة عليكم وعلى جنتكم خذوها وأعطوني حياتي ) لكنك فقط تراقب وتبتسم من اجل ماذا ؟ حتى المبلغ الهزيل الذي إدخرته عاد إليهم في نوبة من مشاعر الفروسية وأنت لست فارسا ولا من عائلة فرسان، من يعترف بشهامة الخدم ؟ )) عدت الى غرفتي أفكر بمشكلة أل فورستر فأوهم نفسي ان كيتي ابنتي اكثر مما هي ابنة كولبي وفي داخلي صوت يرتفع
-   : لا تعترف يا آدم بأعرافهم ولا بمستنداتهم وأوراقهم الشخصية .. اذهب وابحث عن الفتاة وقدها الى الطريق الذي تراه ملائما .

………………………………………………….



23
الفصل الرابع عشــــــــــــــر

(( 1 ))

هوني لاند تزدحم بالزائرين . السيد فورستر مع مجموعة من مساعديه وشركائه وهم في حركة دائمة، منهمكون في مقابلات واتصالات واحيانا اجتماعات مطولة، وجوه غريبة بعضها لا يحمل الجنسية الأمريكية، اعمال مستمرة، مكتب كولبي يبقى مشغولا لساعات طويلة احيانا لســـاعة متأخرة، انا الأخر منغمر في مسايرتهم والسهر على راحتهم او في توجيه العاملين الساهرين على راحة الضيوف، لا اعلم الى أين او الى متى وما هم عاملون .. ماذا يريد كولبي من كل هذا ؟ أين تقع حدود طموحاتك يا صاحبي ؟! مسكين كولبي ! هل اطمأن الى جزء صغير من حياته ليبسط ذراعيه حول العالم محاولا ان يتناوله لقمة واحدة كأني أراه يحمل حبلا يديره حول العالم ليحمل الكرة الأرضية على ظهره ويهرب بما فيها ولكن الى أين ؟ حين قلت (( أنت ترهق نفسك يا كولبي )) ضحك وقال (( انه العمل، بالعمل يا أدم نشعر بالراحة بعد التعب اما ان جاءت النتائج جيدة نسينا التعب وحلت السعادة .. نحن ننال اكبر انتصار يا آدم شركاتنا تغزو العالم وأسهمنا تتضاعف يوما بعد اخر، هل تتذكر تلك الأسهم التي اشتريناها باسم كيتي اليوم تعطي عشرة أضعافها . أغنياء العالم يأتوننا للتعامل ، خصومنا يتملقوننا لنشاركـهم فـي أعمالنا )) انا اعرف كولبي ولا يمكن ان أقنعه بسهولة والذي أؤمن به مقدسا في الحياة يراه تافها هزيلا حتى عن سلامة عائلته قال يوما (( الست أنت متفرغ للأمور الداخلية يا أدم علام تشغلني )) وكنا يومها نناقش مسألة ضجر نانسي . كولبي يتصور الحياة عيون وأذان والسنة تراقب وتسمع وتتحدث وأفواه تتنعم بالطيب، اما الأفكار السامية و المشاعر الإنسانية فهي خارج دائرته . منذ شهرين وداني غائب لم يزر هوني لأند .. غدا تعود كيتي وقد أكد ان المناسبة مهمة تحتم علينا التحضير الجيد . يريده احتفالا رائعا فريدا والكل ينتظر ذلك اليوم ومكتبه لا زال مشغولا بالزائرين المهمين كما يسميهم، لا أحد يدخل عليه سوى السكرتير الشاب الذي جاء به طومسن ليساعده ويبقى في هوني لأند يرابط في مكتب كولبي ولم يغادر الى المدينة منذ مدة وقد خصصت له غرفة مريحة . صار كولبي شخصا نادرا بالنسبة لي بعد ان كنت أتهرب من لقاءاته ومرافقته او جلساته في البيت وخارجه كم حاولت ان أراه لكن السكرتير الشاب منعني، احيانا بخشونة فأنسحب مستاءاً . كانوا على مائدة الطعام وكولبي يضحك بصخب معه سيدان وسيدة  بالاضافة الى طومسن والسكرتير الشاب تقدمت اليه وهمست .
- يجب ان أراك على انفراد .
قال بصوت مرتفع وهو يكمل ضحكته : هيا يا آدم قل ما عندك وأنت تراني جالسا أمامك .
-   لكنها أمور خاصة لا تهم السادة الحاضرين .
-   حسنا بعد الغداء سألحق بك  في غرفتي .
انسحبت مستاء لكنني سمعته يقول لضيوفه : انه الإنسان الوحيد في العالم الذي أخشاه ولا أستطيع رفض طلباته .
أعجبني إطراءه وتماهلت في الخروج، سمعت احد الرجلين يقول : يبدو مخلصا لك وله فترة طويلة في خدمتك .استدرك كولبي بسرعة وقال بنبرة جدية :
- أرجوك ان تصحح معلوماتك، الرجل ليس خادما .. انه صديق العمر، له مكانة خاصة عندي .. لقد نشأنا سوية في ظروف صعبة ولم نفترق حتى بعد زواجنا بالرغم من اختلاف لونينا وأفكارنا وطباعنا أليس ذلك غريبا . ؟
كنت جالسا في غرفته حين دخل وظل واقفا ينظر ألي وفي عينيه سؤال واضح لكنني التزمت الصمت احتجاجا ضحك وتقدم ممسكا بكتفي يهزني .
-   ما بك ؟ الذي رأى سحنتك تصور ان العالم يوشك ان يتهدم .. ما الامر يا أدم كأنك تضيق ذرعا بضيوفي او تكون تعاني من الغيرة ام انك تكره نجاحاتي ؟ ليت تلك المرأة نانسي مثلك لأعطت لحياتنا طعما اخر .
-   وانا ما اشتقت الى كولبي الحبيب .
-   أذن ما الذي جعلك تغزو مائدة الطعام ؟
-   وهل نسيت ؟ كيتي ستصل غدا .
-   حقا ! كم انا مغفل لم أفكر بالأمر اليوم، لن اغفر لنفسي .. انشغلت بأمور مهمة ولكن ماذا دهاك ألم يكن باستطاعتك ان تتصرف .. انهم سيصلون غدا في الخامسة بعد الظهر وسنكون هناك في المطار لنستقبلهم، بالنسبة لي سأنهي كل أعمالي اليوم وغدا صباحا تستلمني في العاشرة صباحا ولكن حين أعود الى هوني لاند يجب ان أجدها وقد لبست ثوب العرس . أضواء وزينة وازهار وصورة كيتي في كل مكان، بالاضافة يجب ان اجد كل ترتيبات الاحتفال جاهزة موسيقى وطعام وشراب لمئات من الناس والخدم من خارج هوني لاند لأنني وعدت القاطنين في هذه الضاحية ان اجعلهم ضيوفا يتمتعون بالاحتفال
    كسادة محترمين .
 - كل ذلك اهيئه انا ولكن كيف ؟       
- تصرف .. هل انتهيت ؟         
- وداني ؟
- ليس من الضروري ان تذكرني بهذا الأحمق، ان كان بإمكانك تصرف .
- لكنه ليس هنا ولا عنوان له يجب ان تفتش عنه، ان تجند قومك الذين يخرجون الإبرة من قاع المحيط .
- تصرف أنت في هذا . لا شأن لي ايضا .
- كنت أريده فرحا حقيقيا .. أريدها نقلة اساسية في حياة عائلتكم .
-   ايضا تحاكمني يا رجل متى ستنسى هذا الاسلوب الذي اكرهه ؟
- بل كل المحيطين بنا سيشعرون ويتساءلون وقد شبعوا من الروائح الكريهة التي تملأ جو هوني لأند .
- تبا لك من قاس .. انا غارق اليوم في اعمال مهمة وسأغادر بعد قليل افعل أنت ما تراه ملائما حتى ان كان ضد إرادتي وانا واثق ان لا جدوى من السعي وراء ذلك المراهق انه صورة من أمه .. لا تسخر اعرف خبثك ستكرر انه ورث عنادي وطول قامتي لكن لم يستفد منهما،  أعدك باني سالبي كل طالباتك سأستقبل نانسي بلطف ورقة وسآخذ داني بالأحضان ان عاد فقط اعطني الفرصة اليوم لأنهي أعمالي، كما تتصرف ايضا بشأن ابنك استقدمه كما شئت . (( ليتك يا كولبي تعطي كل مسؤولياتك حقها )).
رمى أثقاله علي وانسل . نزلت الى الصالة وانا أفكر كيف ابدأ أصبحت ملزما بتحقيق كل تلك الأمور، علي أولا ان أرتبها ثم ابدأ بألاهم .. ابتدأت بمشكلة داني سأستفيد من الهاتف الذي يصلني بأصدقائه او بأهلهم، سأغريهم بالمال ليحضروه .. هذا امر سهل في غرفة كيتي بعض الهواتف .. يا رب ‍ اهل ليلي غاضبون ينتظرونها منذ أسبوعين ولا يعرفون لها مقرا قد يقدمون شكوى ضد داني فور ستر .. هذا هاتف سام . أكدوا انه ترك العمل منذ شهرين .. حاولت مع الآخرين وفشلت، آه هذا هاتف عاملة البدالة التي يعمل بها إليك .. ربما صديقته، جانيت نعم جانيت .. سررت حين قالت انا جانيت .. انا آسفة لا اعلم عن داني فور ستر وماذا افعل ان كان ابن فور ستر او من هوني لاند ليكن من البيت الأبيض .. إليك لا  لا لا اعرف مكانه لست خائفة، خبر يهمه قد يكسبه الملايين ماذا هل مات أبوه ؟ لا  لا يا صغيري لا تستطيع لقاءه اليوم او غدا لأنه خارج البلاد ربما خارج القارة، ربما في الأرجنتين … لا اعلم ربما يصيدون العصافير او الفراشات الملونة … حسنا سأبلغهم ان اتصلوا .
(( تستحق هذا يا كولبي تجمع الناس من البلدان الاخرى وتشرب معهم الأنخاب بينما تزرع وحيدك في بلاد الله لا تعلم ماذا يفعل او ماذا سيكون مصيره ))
وهذا كارل يجب ان يحضر والفتاة ستطلبه بأي ثمن والوقت ضيق والاحتفال قريب والزينة مهمة، لقد أكد عليها الأحمق مرارا، يريد هوني لاند عروسة سأجند كل الفلاحين والعمال والعاملات سأمنحهم مكافآت مجزية .. آه سأبدأ بذلك العجوز الثرثار الذي يعرف كيف يجمعهم ويوجههم من اجل قنينة ويسكي .
- أنت أيها العجوز المتصابي ؟           
- ما الامر يا أدم ليس من عادتك ان تزورني .
- الا ترغب ان تكسب قنينة ويسكي ربما اثنتين .
- هيا كلفني بما تريد انا خادمك المطيع .
- انا بأمس الحاجة إليك يا صديقي، غدا ستحتفل هوني لأند بعودة الآنسة فور ستر ويجب ان تزين هذه البقعة بأجمل ما يكون كما يجب ان نستعد لاحتفال فيه طعام وشراب وموسيقى ورقص .               
– وما مهمتي ؟ انا أجيد الرقص والغناء ان ارتويت .
- كل تلك الأمور يا بول مطلوب إنجازها، وأنا لا اعرف كيف أتصرف .
- وأصحاب الشأن ؟             
- ما لك ولهم .
- تراهم الان يتمددون باسترخاء على أسرتهم او في مقاعدهم الهزازة .
- ليس هذا وقت المزاح السخيف هيا تصرف أنت تحتاج الى جهد كبير .
-   وعلام تتعب نفسك، سأشير عليك برأي على شرط ان تفي بوعدك .
-   أعدك بذلك ان أنجزت المهمة .
-   خذ اية صحيفة واتصل باية شركة للخدمات ترعى الاحتفالات ستجدها تتكفل بكل شيء حتى ببرنامج الاحتفال وتقديم ما تحتاجونه من أطعمة وشراب وفنانين وفنانات .
-   يكفي هذا أيها الماجن، هل أنت صادق وواثق من ذلك، لك مني قنينتان من افضل مشروب
تناول الصحيفة وراح يدقق حتى قال : خذ هذا الرقم واتصل بهم .
- هل تعلم أيها السكير اللطيف انك أنقذتني من اكبر ورطة كنت أتصورك غبيا .
- ووعدك قائم وسأقوم انا بالمهمة . واذهب أنت أيها القديس المخدوع سيكون كل شيء مهيأ ما دام في الامر قنينات فاخرة .

…………………………………

(( 2 ))

كارل ركن مهم في مناسبة الغد، انا خائف ان يكون قد تحول عناده تمردا . هذا زمان تمرد الابناء على الاباء . تمرد كارل يعني الكثير، حين يتمرد علي أكون انا قد أوغلت في أوهامي وابتعدت عن الواقع وهو يحذرني (( أبي خفف من الاعتماد على العواطف وأنت تتعامل مع شياطين الارض )) كارل ليس الان طفلا لأزجره انا سعيد لأنني وجدته سعيدا بلقائي كأنه ينتظرني منذ فترة . بدأ النقاش هادئا، حاول ان يقنعني ورأسمالي عواطفي ومشاعر كيتي اما هو فمتمسك بالمستقبل الذي هو مستقبله قال :
- ما تقوله حقيقة يا أبي لكن وراء هذه الحقيقة نكبة حقيقية ايضا كل منا يخطط لها، نار كبرى وكيتي وحدها ستكون الحطب الذي يحترق، انا قررت ان اقفل باب الحب في قلبي، لست قاسيا، سأحبسه في قلبي لان قتل الحب جريمة لا يستحق صاحبها الحياة، قل يا أبي هل ممكن ان نتساوى انا وكولبي في الساحة يوما؟ ذلك مستحيل هل ممكن ان نحرم الفتاة من ابيها بعد ان وجدها ؟ ايضا مستحيل .
- ولكن الفتاة يا ولدي …
لم أستطيع الاستمرار لقد سد ولدي كل المنافذ في وجهي قاطعني ليقول :
- من حق الرجل ان يتشبث بابنته بعد ان خسر ابنه، محقا كان كولبي او ظالما ونحن نظلمه ان أجبرناه على ذلك، كولبي يعرف جيدا انه ليس بمستطاعه ان يمتلكني كما امتلكك وقد حاول ولو نجح لما كانت هناك مشكلة . (( كنت أصغي اليه حزينا لأنه يبسط أمامي حقائق مؤلمة كنت أتهرب منها بل أخاف التفكير بها انها الان أمامي وكأنه يلقي قصيدة رثاء في مأتم من يحبهم كيتي العزيزة وأبيه المسكين ))
- ولكن يا ولدي لماذا تبدأ الرمي على الفتاة التي تحبك ؟ ليكن أبوها هو البادئ، لقد طلب مني ان ابحث عنك .
- لماذا ؟ يبدو أننا لن نتحرر من عقدة كولبي وتحاول الان ان تربطني معك في عقدته لماذا – لا تدافع عن نفسك يوما، أنت تسلم السوط بيده وتطلب منا ان ننحي له بظهورنا .
- مخطئ أنت في هذا وأنت ترى لا احد يقف بوجهه غيري .
- لأنه مطمئن إليك لا يتوقع ان تغدر به ويوم يشعر انك تخرج عن حدوده سيضربك . دعني ابتعد وأعطي فرصة لكلينا لنفكر بروية، انا أتحرر من هوني لاند وهي تحررت من مقعدها قد نلتقي في ظرف غير هذا .. أمامي طريق واسع لقد فزت بما لم يفز به زملائي انا الان بصدد دراسة فريدة في عالم الطب واكبر الأساتذة يتعاونون معي لنجري بحوثا مشتركة سأبقى بعيدا هناك في لوس أنجلوس واترك الامر لكيتي حين تتحرر تماما .
- انا فخور بك يا ولدي لن اطلب ما لا ترضاه سوى ان تعطي فرصة لها لا ان تصدمها في عودتها ليكن لقاءاً تتمناه … احضر ذلك الاحتفال وحدثها بصراحة ثم ودعها مخلصا حينها تكون قد تصرفت معها كرجل كريم وبإخلاص محب هيا حملها مسئوليتها .
عدت الى هوني لاند يائسا لم اهتم للورقة التي تركها بول في غرفتي كل شيء سيكون على ما يرام حسب اتفاقنا . استيقظت كعادتي مبكرا والكل نيام، خرجت لأقوم بجولتي والفجر يمسح هوني لاند بضياء احمر جميل قصدت بول العجوز لأطمئن على سير الأمور كما أكد لي البارحة ان كل شيء سيكون على ما يرام . في الساحة الكبرى سيارتان كبيرتان وأخرى صغيرة وخمسة شبان منهمكين في تفريغ السيارات وبول يحادثهم بنشاط ما ان رآني حتى قال : هيا يا صديقي كل شيء على ما يرام هؤلاء العمال سيلبسون هوني لاند أثواب جديدة سيجعلونها عروسا فاتنة هنا زينة وشراب وطعام بعد أربع ساعات سيتم كل شيء فقط ان توقع على هاتين الورقتين .
وجدتهما قوائم بالمواد وعقد بالعمل وانا مبتهج، حملت سروري ودخلت القصر مطمئنا لقيت سماتا قرب الدرج المؤدي الى الطوابق العليا واستغربت لأمرها ما ان شاهدتني حتى قالت :
- كنت بانتظارك هيا الى غرفتي، انهم لن يتركوني أعيش بسلام . ولم تدعني استفسر بل استرسلت منفعلة : البارحة مساء مر احدهم امام باب غرفتي لم يطرق الباب وقف برهة ثم ادخل ورقة صغيرة أسرعت الى الباب وقرأت الورقة (( سأنتظرك الليلة ان تغيبت غدا سيتقرر مصيرك )) وهنا راحت تفتش عن الورقة بينما قلت لها مطمئنا : لماذا لم تخبريني ؟
-   علمت انك كنت متعبا ومشغولا بعد سفرك المفاجئ فلم اثقل عليك .
-   هيا كفاك ثرثرة .
-   كنت سأخبر كولبي واستقيل من العمل هنا لولا ان زارني اليوم مبكرا ورمى ورقة اخرى
-   أين هي  ؟
-   ايضا في الغرفة مكتوب فيها (( اخرجي مبكرا الى حيث روكي ستجدين ما يسرك )) .
-   وهل ذهبت ؟                     
-    - كيف اذهب، قد تكون هناك مكيدة او فخ .
-   هيا لنرى ماذا عند روكي .       
-   – الا تطلع على الورقتين أولا ؟
في غرفتها أعطتني الورقتين وكانتا موضوعتين على المنضدة قرب السرير قلبت الورقتين بين أصابعي كانتا ناصعتين لا اثر للكتابة عليهما بسطتهما أمامها ارتعبت وقالت :
- كيف تسنى لهم تبديلها . لا بد ان أحدا دخل غرفتي . قلت لها :
- أخشى ان تكوني واهمة . بينما كنت متأكدا انها كانت صادقة . قالت خائفة :
- الان فهمت انهم يحاولون تحقيق جنوني . تفحصت الورقتين وصاحت : أبدا يا عم انها هذه الورقة لأني كنت منفعلة فقضمت طرفها بأسناني .
- ولكن أين الكتابة .       
– وهذا ما يرعبني .. هل انا مجنونة .
- أبدا يا صغيرتي .         
– إذن كيف حصل هذا وما سر الورقتين .
- هيا لنرى ان كانت عند روكي مفاجأة اخرى، انها اعمال صبيانية لثعلب جبان، كنت أتصوره أسدا، بئس الرجل الذي يتبع مثل هذه الأساليب مع فتاة يحبها .
رافقت الفتاة الى حيث مأوى الكلب روكي هناك على باب المأوى وجدت قطة نانسي تتدلى مشنوقة . ارتعدت الفتاة وصاحت وقد تقلص وجهها خوفا وتقززا من منظر القطة الجميلة وهي معلقة، ناديت احد العمال ليرفعها ثم قلت للفتاة وانا أقودها الى الداخل وهي في أسوأ حالة :
- انا الاخر مهموم وحانق لهذه الاعمال القذرة .
رحت أفكر، ماذا يرمون من وراء ذلك ؟ تناقضات عديدة لا يمكن تعليلها طمأنت الفتاة لانصرف الى أعمالي في ذلك اليوم المشحون قالت خائفة :
- هل كانوا يقصدونني ام سيأتي دوري ؟
- اقسم يا صغيرتي ان الذي يفعل هذه الأمور يحبك .
- لكنه وحش .             
– فقط يريد إقناعك .
-   ولكن لماذا تلك القطة بالذات ؟ ما علاقتي بها انا خائفة ليتك تفسر هذه الألغاز .
كانت أسئلتها متلاحقة دون ان ننتظر الجواب فقط تعبر عن رعبها، أخذتها الى المطبخ قلت لإحدى الخادمات ان تعد لها قدحا من عصير البرتقال وأمرتها ان لا تفارقها .
خرجت متألما للذي يجري، سماتا الفتاة النقية التي تظهر عليها آمال والآم العاملين بصورة صادقة لا كذب عندها ولا رياء، لا تسعها الدنيا حين تقرأ الفرحة في وجوه الآخرين كتب عليها ان تعيش في رعب مستمر، اية مفارقة سخيفة هذه . وهذا الغبي يفرش طريق الحب بالرعب والغدر لا يعطيها الا الآلام والقذارة البعيدة عن روحها النقية لقد حملت الفتاة على ان تكون امرأة لكولبي، او يكون دوري شرا على الفتاة، أحطمها من حيث لا ادري ؟ سماتا النقية لا تدع الشر يدخل قلبها او فكرها مؤمنة ان نجاحات كولبي وعطفه على من حوله هي من لها دورها في صنعها حين تطفي السعادة على يومه، وكارل لا يؤمن بهذا المبدأ الذي ألزمت الفتاة به لأنه يردد (( انتم لستم الا خدما ترضون سادتكم ولكن زلة واحدة تكفي لتمسح كل الذي فعلتموه، والزلة عندهم يا أبي كالخطيئة المميتة تكفي ان تقود صاحبها الى جهنم،  فمرض كلب او قتل قطة مدللة جريمة لا تغتفر )) قتل قطة ؟ لا اعلم هل كان كارل يتنبأ وسماتا الان دخلت دائرة الخطيئة المميتة لا لا وألف لا سأبقى الى جانبك يا صغيرتي ولا تصدقي كارل، فالرحمة في كل قلب فقط .
 تحتاج احيانا الى إيقاظها حين تلمسها يد مباركة، اما كارل هذا فقد أفسدوه في الجامعة بأفكار متطرفة واستفزه كولبي فبات لا يعترف بقوانين السماء ولا بقوانين الارض .
خرجت مختنقا أحاول ان اطرد ما في جوفي . صدري منقبض وفي رأسي افكار مشوشة لا اعلم هل أخطأت الدرب في هذه الحياة، أنا أفكر الان لو يتسنى لي ان ابدأ من جديد وانسى كل الذين اقترنوا بأيامي بعضهم يبدو هيكلا جميلا سالما، مغلفا بملابس أنيقة لكن الشر ينخر في داخله، السؤ يغذيه بالكراهية فلو عدت من جديد يا ولدي كارل لاخترت طريقي هذا .
هواء الخارج ينعش نفسي الضيقة فوجئت بما رأيت الساحات الأمامية تزهو بزينتها وكأنني ارتاد اماكن غريبة، لقد حولها اولئك الشياطين الى عروس سحرية تنتظر كيتي الحبيبة وهي جزء من هوني لاند، كم تمنيت ان يكون عرسا حقيقيا وكارل عريسه . العمل لا زال قائما والأيادي السحرية تعمل وتفرش الزينة لتمتد الى كل بقعة صور جميلة لكن قلبي مسحوق يعتصره الألم متمنيا ان تنسيني الصور الجميلة هذه، قبح هوني لاند الحقيقي وجنون كارل الذي كان يعشق كيتي الكسيحة وهو اليوم يهرب منها وهي صحيحة قوية، كيف أنسى القبح الذي يمسح كل جمال، سماتا المرعوبة امام القطة المشنوقة، هوني لاند التي أنضجت تلك التفاحة كيتي برقتها وبراءتها تغرق في قبح الآخرين والحقد والكراهية، والمؤامرات ميسور فعلها، بعد ساعة سيبدأ الصراع الحقيقي … رباه علام هذه التجربة الصعبة وأولادنا ما جنوا ذنبا سوى إننا آباؤهم والى متى ستنسحب آثامنا الى أولادنا لتبتلعهم .
 في الواحدة والنصف وصل كولبي، لم اندفع لاستقباله رغم ان كل شيء اصبح معدا وكما يشتهي حاولت ان اشغل نفسي حين سمعته يناديني .. كأنك تتهرب مني أيها العجوز بينما أبلغتهم بوصولي ورغبتي بلقياك .
- مهام اليوم كثيرة يا صاحبي عليه سنتجاوز الأمور المتعلقة بنا .
- فقط أردت ان ابدي إعجابي أنت رائع وهذا العمل رائع ان من يرى هوني لاند لا يتصوره الا جهد سنة كاملة من العمل، كل هذا في ساعات قصار ؟ آنت عظيم يا آدم .
- بل نقودك هي العظيمة وأيضا اولئك الشياطين الذين يجيدون مهمتهم .
- لا تهتم للكلف يا آدم، هل من مشكلة تشغلك، سأعد نفسي بعد راحة قصيرة لنستقبل كيتي .
- وانا سأكون بانتظارك .       
– وهذا ريدي لك ان كنت بحاجة اليه .
- أبدا يا صديقي .
وكنا في المطار وانا اغلب دموع الفرح لا اعلم ان كان كولبي يشعر بالحنان الذي نما في داخلي تراصفنا على الشرفة وكانت المفاجأة التي ألجمتنا جميعا،         كأن كارل في الصفوف الأمامية مع المستقبلين، يبدو انه وصل قبلنا وأرادها مفاجأة، شكرته وشكرت الله لنبل مشاعره لم يقل كولبي شيئا إنما اخرج منظاره المقرب استعدادا لمشاهدة موكب المغادرين من الطائرة . النداء ينبئ بدخول الطائرة أجواء المدينة راقبناها تحوم بنصف دائرة ثم تبتعد الى طرف بعيد من المدرج وراحت تهبط حتى توقفت بعيدا عن الشرفة لكنه بإمكاننا ان نرى الهابطين ونميزهم بوضوح . كولبي الى جواري منظاره على عينيه قال : (( احب ان أرى السعادة على وجه كيتي وهي تنزل من سلم الطائرة سأجتهد لأرى التعابير الدقيقة وهي تنزل بثقة )) بدأ الركاب نزولهم وكلما هبطت مجموعة نزداد قلقا حيث لا نرى كيتي او يكون كل هذا العدد الضخم في ذلك الصندوق الطائر، سمعت كولبي يقول (( أين هم لم يظهر احد منهم )) وجدته اكثر قلقا مني يحرك ساقيه لا إراديا وراح يردد بانزعاج : ما هذا يا آدم .
- ماذا ؟             
- ليسوا ضمن المسافرين .       
– وما مسئوليتي ؟
- لم اقصد، ربما تخلفوا كان عليهم ان يعلمونا لكن أسماءهم ضمن المسافرين .
وهنا ظهرت العجوز جيرالدين تهبط كالخنفساء ببطء، بصق وهو يقول بغضب .
- هو أنت أيتها البومة، انظر يا آدم من يتقدم الموكب .همست وانا اضغط على كتفه :
- اصبر مادامت طلائع الموكب قد بانت .
ظهرت الممرضة الحسناء آن ولوحت بيدها، ازداد كولبي غضبا وهو يتحرق شوقا حينها علمت انها احدى ألاعيب كيتي فاطمأن بالي، منذ كانت طفلة تهوى التلاعب بعواطف والديها وحين كنت أعاتبها كانت تقول (( فقط لأحرك جمود أبي )) نظرت اليه وهو يكظم غيضه أردت مشاكسته قلت :
- هذا كثير فقط لو كنا نطمئن .  قال بصوت عال :
- جئنا ليعذبونا ، الا ترى هذا ؟
وهنا ظهرت نانسي وهي ترتدي قبعة كبيرة وبنطال ضيق يظهر مفاتن جسمها كانت في أبهى صورة بصق كولبي ثانية وقال :
- هل تتصور ان هذه المرأة تصلح ان تكون اما ؟  قلت دون ان انظر اليه :
- أنت غبي يا كولبي .             
– وأنت الاخر كذلك .
-   يا رجل ما دامت زوجتك بهذه الهيئة فمعنى هذا انها هي سعيدة الا يكفي هذا ؟
- إذن هم يتلاعبون بعواطفنا .
- انظر .. انظر يا طفلي الصغير تلك هي كيتي .
وبرزت الفتاة طويلة، لم أتصورها بذلك الطول، كانت دوما متكورة في مقعدها وقفت قليلا على السلم لوحت بيديها مستقيمة نحيفة، لم تترنح او تستند على مسند الطائرة نزلت بهدوء علمت انها لا زالت ضعيفة على السير الطليق، لكنها تظاهرت بالقوة ومثلت ضعفها كبرياء وهي تهبط السلم بتمهل، قرب الدرج كانت العربة تنتظرها والنسوة الثلاث اللواتي خصصهن كولبي لرعايتها، سرعان ما نسي استياءه وسحبني من يدي بفرح غامر وهو يقول : هيا نستقبلهم في القاعة .
لحق بنا كارل وريدي وبعض الاصدقاء ، كان كولبي متذمرا من الصحفيين الذين اشتموا الخبر وحضروا لاستقبال الفتاة . وقفوا في طريقها يسألونها عن مشاعرها وهي تسير حرة على قدميها تبدو عليها السعادة، ترد على الاسئلة بطلاقة لكن الرجال الأربعة الذين أحضرهم كولبي للإحاطة بها وحمايتها منعوا الصحفيين من ملاحقتها .
كولبي حريص على ان يبعد الصحفيين عن أهله وخصوصيات بيته يردد  دوما (( خصوصيات العائلة وان كانت مخجلة تبقى مقدسة ان ظلت ضمن حدود العائلة )) كما كان يقول (( كل خوفي من تجار الضمائر الميتة للكسب من وراء التشهير )) وكان لقاءاً مثيرا بين الرجل وابنته  في الطائرة العمودية، ما انفكت الفتاة تثرثر تصف باريس وأجواءها والناس هناك وكياستهم، تذكرت سيمون ونظرت الى نانسي التي كانت تبتسم سعيدة حين أصبحنا في جو هوني لاند رأيتها تنظر الى الأسفل قائلة :
- ما أروعك هوني لاند انا مشتاقة لساحاتك .
- الكل بانتظار وصولك يا عزيزتي عمك آدم زين هوني لاند بأروع ما تتصورين .قالت كيتي :
- أرجو من قائد الطائرة ان يدور دورة اخرى او دورتين منخفضا ليسمح لي ان أرى هوني لاند الحبيبة ودارت الطائرة دورتين والناس في الساحات وأمام القصر يرقصون ويلوحون . وحين هبطت الطائرة فوجئت بـتلك الاستعدادات والزينة في كل مكان، استدارت نحو ابيها وقالت : انا ممتنة يا أبي . وطوقت عنقه وقبلته لكنه قال وهو يؤشر نحوي .
- انه بفضل ذلك العجوز ولكن إياك ان تقبليه . هجمت الفتاة نحوي وانحنت علي وقبلتني فبدت أطول مني بكثير .
-هنا صرخت كارل ما بالك، وراحت تقبله وهو بين يديها هادئا
كانت تلك اسعد لحظات، الرجل بدى منفعلا كل عضلة من وجهه تختلج شفتاه ترتجفان مشاعره جياشة يتكابر عن الاعتراف فيها نظرت اليه ابتسم وكأنه يقول (( افهم ما ترمي اليه )) حين دخلنا القصر أبت الفتاة الا ان تدور في كل القاعات وامها تحذرها لان الطبيب حذرها من التعب بينما كان كولبي يقول بإصرار: دعيها يا عزيزتي نانسي لتشبع من كل زاوية . وكانت تتوقف في كل ممر ممسكة بيد كارل وكأنها تستذكر لحظات سابقة . طلبت منها ان تجلس قليلا وتتناول شيئا من المرطبات فوافقت وجلسنا في القاعة الكبرى والكل يتقدم منها يقدم لها التهاني لكنها ما ان رأت كارل يقف بعيدا حتى قالت : هيا يا كارل سأجلسك في مقعدي لأدفعك الى الساحات .
قلت لها :
- هل تصرين على فعل كل الأمور لحظة وصولك . قالت تسأل أباها وكأنها لم تسمعني :
 أين مقعدي يا أبي . أجبت بلطف :
- لقد ألحقناه بالمخزن مع الأثاث القديم لأنه اصبح شيئا من الماضي . كان كولبي منزعجا من اهتمامها بالمقعد بينما ألحت هي :
- أرجوك يا عم آدم دعهم يحضروه .
قال أبوها مستنكرا : ماذا تقولين يا عزيزتي كنت أتصورك تكرهينه .
- بل سأجعله لعبة تذكرني بكيتي الكسيحة . قال أبوها :
- بل تنسين تلك الايام، ليس هكذا يا عزيزتي أنت مرهقة الان . تقدم كارل ممسكا بيديها قائلا :
- اهدئي يا عزيزتي الحق معهم أمامك فرص كثيرة . تعكر وجه كولبي قال وكأنه يلقي موعظة - هل نسيت ان أمامك حفلة ساهرة، وفري جهودك للمساء، لتستقبلي ضيوفا اعزاء .قالت امها :
- أبوك على حق يا كيتي، الليلة ستتحركين كثيرا والمفروض ان تخلدي الى الراحة 
قالت باندفاع ومرح :
- ايضا سأعزف وارقص، أخشى ان تمنعني يا أبي . قال أبوها :
- ما دام الامر كذلك إذن هيا الى غرفتك لتأخذي قسطا من الراحة .
- صدقت يا أبي سأعود الى تلك  الجدران وامثل دور كيتي المقعدة، ولكن حذار يا عم آدم ان تفرط بذلك المقعد سأطالبك به . نظرت اليها بحنان وأومأت برأسي بينما أكدت هي لأبيها :
- أرجوك يا أبي انا بحاجة الى ذلك الكرسي، اخبر العم آدم ان يعتني به .
- حسنا يا ابنتي سنحتفظ به للذكرى . وسنعتبر هذا اليوم يوم مولدك الجديد (( والليلة نحن محتفلون بأفضل عيد ميلاد انظري هوني لاند اهلها وحيواناتها وحتى أشجارها كل شيء ينطق بالبهجة . )) قالت نانسي وهي تمسد شعرها :
- وستكونين مشرقة تتألقين في يوم ميلادك الجديد .
كانت ليلة رائعة أبدع فيها المحتفلون حتى العاملين في هوني لاند، لقد تحطمت حدود المراتب الاجتماعية رقص الجميع وغنى ودارت الخمرة في رؤوس البعض وقدموا نشاطات مفرحة ومسلية . أجاد بول العجوز في الرقص والتمثيل في بعض المواقف الهزلية أعجبت الحاضرين حتى كولبي نفسه،  كنت أراقب الجميع سعيدا الا في اللحظات التي أرى فيها ولدي يسرح بعيدا عن الحفلة وكيتي تلاحقه بالرغم من انشغالاتها في استقبال المهنئين والتحدث معهم كنت اشعر الصراع يدور في داخله قاسيا . هذه كيتي الرشيقة تعود ممشوقة القد تخطو بدلال في خطوها شيء من الغنج وانا اعرف  كارل الذي يرفض العواطف الرخيصة كثيراً ما يصفني بالرومانسي الشريف، كيتي تحاول ان تسحبه لتنفرد به لكن كولبي خلفها يفوت عليها الفرص لقد فرض عليها غطاءً محكما اشغلها طوال فترة الاحتفال حتى انه دفع الكثير من الزائرين ليتحدثوا اليها وانا أراقب هذه الأمور صامتا إذن كان كارل صادقا (هي الحرب سيعلنها كولبي في اول لقاء ) وانا في غمرة المراقبات جاءت سماتا تدور حولي، شعرت انها بحاجة إلي وان كانت تعلم مدى انشغالي لاحظتها قبل قليل كانت تساعد الخدم بنشاط وهمة تلبي طلبات المحتفلين وكولبي يتجاهلها تماما الكل منطلق بعيداً عن واجبه حتى الخدم يأكلون ويشربون بينما أصرت الفتاة ان تبقى بالخدمة، تعمدت ان اسحبها تحت الاشجار كانت خلفي أمسكت برسغها وقلت لها بحنان .
- الا يعجبك ان تراقصي عجوزا مثلي ؟     
- ليتني أستطيع .
- وما الذي يشغل ابنوسة كولبي ؟             
- ايضا خائفة بت اخجل من كثرة الشكوى .
- ولما كل هذا ؟                               
- خائفة من ان أواجه السيدة فورستر .
- ألم تقدمي تحيتك لها .
- فعلت ذلك وعبرت عن سروري لكنها كانت جامدة لم تبتسم حتى .
- لا عليك يا صغيرتي .
- وحين تعلم بأمر قطتها وبذلك الشكل البشع ؟     
- لم تكوني مسؤولة عن ذلك .
- لكنهم أقحموني فيها. قلت برفق :
- لقد علمت السيدة بالأمر، اخبرها ريدي بنفسه وقبل ان تستسلم للصدمة تسلمتها انا وهونت عليها الامر شارحا لها الكثير من الأمور فانقباضها ليس منك .
- لكنني خائفة ليتك تتدخل وتوضح الأمور قبل ان تنهار أعصابي قد أفكر بأية نهاية تنقذني من هذا الخوف المستمر .
- إياك ان تفعلي أيتها المجنونة، فقط عليك ان تتصلي بي وعلي ترمي همومك ستساعدك جيرالدين وتنام معك لبضعة ايام الى ان نجد منفذا لكل المشاكل .
- وسأبقى مهددة .
- لا احد يستطيع ان ينال شيئا منك إياك ان تظهري خوفك للآخرين لان من يلاحقك سيواصل محاولاته .
-   وماذا تراه يطلب ؟
-   انه يريدك آنت يا صغيرتي، قد يجعلك تكرهين الحياة حد اليأس فتوافقي على شروطه .
-   وماذا تكون تلك الشروط ؟         
-   - لو كنت متواطئا معه لعرفت انه جمالك أيتها الغبية.
-   لقد عرفت لكن الموت أهون علي من ذلك .
-   لذلك كوني حذرة بعيدة عن الانهيار وتظاهري بالقوة والشجاعة .
اطمأنت الفتاة قليلا ثم ابتسمت وانصرفت ملوحة بيدها كما انصرفت وانا احمل همومها . استمر الاحتفال حتى ساعة متأخرة وكان الكل منهكا لكثرة ما أكل وشرب وتحرك وبعضهم لكثرة ما كذب ونافق على كل كنت أراقب العاملين وهم يجمعون ما تناثر من بقايا الطعام واللوازم والأواني ثم قصدت غرفتي وكانت الساعة قد بلغت الرابعة صباحا .

             

(( 3 ))

بعد ايام ابتدأ الصراع الصامت كانت كيتي تتوسل الى كارل ان يكثر من زياراته وحين كانت تطول فترة غيابه تقوم هي بالبحث عنه وسط امتعاض كولبي، احيانا يعبر عن احتجاجه مما اضطرها ان تحاول في بعض المرات سرا وذلك اثار قلقي بينما كارل طلب ان تمنحه فرصة إكمال بحثه الذي اعتبره أهم أهدافه .
كان كولبي ذكيا في إغراء الفتاة لتلازمه في بعض مهامه ولقاءاته حول أعماله لتكون تصورا بسيطا عن طبيعة العمل وتكثر من اللقاءات ولا تعود الى هوني لاند الا منهكة لتروي لي كيف حضرت اجتماعا لشركة كذا وكيف اجتمعت بمؤسسة كذا وكولبي يراقبها منتشيا ثم ينضم إلينا ليروي لي عن جدارتها وسرعة تفهمها للأعمال مؤكدا انها ستكون سيدة كفوأة في إدارة مؤسسات صناعية او تجارية،  كانت الفتاة مشتتة ما بين زهو وهروب بين أهداف ابيها وبين رغباتها في تحقيق حلمها مع كارل قالت مهمومة :
- لو تساعدني في جعل كارل يفهم وضعي . كنت أتمنى ان املك الشجاعة لأقول لها اتركي كارل وعيشي عالمك لأنكما في النهاية مفترقان .
كانت تغيب فترات لكنها تعود لتسأل بإلحاح وشوق هكذا بدأت تلك العلاقة تصاب بسبات وحين تشعر بالبرود الذي أصابها تسرع إلي لتؤكد وكأنها تدلي بإفادتها :
- اقسم لك يا عم انني لا زلت احبه بنفس القوة ولن يحل محله اخر مهما ابتعد او انقطع عني لكنني عاتبة عليه لأنه يهملني معزولة ضعيفة امام محاولات أبي .. انا اشك احيانا فأعلل نفسي انه يمتحنني، قد اشغل عنه وأنت تعلم نوع الاعمال التي أقحمني أبي بها انها تضيع الفيل في قطرات من الماء انها مخاوف وهواجس تهمس (( قد يجد طريقا لحياته غير طريقك يا كيتي او قد يجد حبا اخر لكنني أعود واطمئن نفسي ثقة به )) .
- كارل يحبك يا صغيرتي ومسرور لفرصتك في إسعاد أبويك لأنه ليس أنانيا فمن حق أبويك ان يسعدا بك . لكنها تجيبني بفتور ويأس .
- ليس الامر كما تتصور أيها العم الطيب وان كان يدعي، انه يضعني امام اختيار صعب حتى دون ان يمنح من جانبه اية ضمانات مشجعة، يريدني ان اترك أهلي ان أتنكر لأبي وارفض أمي والتحق به قالها يوما بصراحة (( انك مدعوة لتسيري في درب أبيك وهذا لا يلائم ميولي )) انه يريدني ان أتنازل عن كل شيء حتى عن هوني لاند الجميلة .. الى أين ؟ - لا اعلم حتى الان لم يستقر وقد لا يستقر قل لي متى سيستقر ؟ الا تتصور يا عماه انني سأصبح عبئا عليه قال لي مرة (( ليس الاستقرار مهما ان ظلت الأبواب تنفتح الواحد تلو الاخر امام مواصلتي للدراسة )) اخبرني أيها الرجل الطيب ان كنت لا أستطيع ان أنسى حبه وهو يتجاهلني الى أين .
قلت بحنان :
- حقا أنها تجربة صعبة، انا الآخر مشغول بأمركما منذ سنوات أنت العين اليسرى وكارل الاخرى بكما انظر الى هذه الدنيا، لا تقرري أمرا تمليه عليك عواطفك فقط انا متأكد من حب كارل لكنه يحكم عقله اكثر من عواطفه أنت الاخرى فكري، كلاكما في مقتبل العمر وأمامكما فرص العمر كلها . قالت حزينة :
- لكن أبي يحس بما يكتنف حياتي ويتألم وان كان يتظاهر بانسجامه مع أمي لكنهما لا زالا بعيدين عن بعضهما البارحة وجدتهما يخرجان سوية وكأنهما يقولان من أجلك يا كيتي . قالت لي أمي يوما (( انا أهادن أباك من أجلك )) تصور يا عم زوجة تهادن زوجها خوفا على ابنتها . هل هما في حالة حرب ومما تخاف، لابد ان أمورا سيئة تجري بينهما . وداني الذي رحل وطال غيابه وأبي لا يحاول البحث عنه تصور يا عم ماذا يحصل لو حذوت حذوه، سيموت أبي وتموت أمي وتتهدم هوني لاند الجميلة ترى هل تنصحني ان أتسبب في كل ذلك فأهدم هذا العالم الجميل من اجل أنانيتي .
كأني بالفتاة تنجو من مقعدها لتبتلى بتيه أسوأ، كانت على مقعدها تعرف حدود حركتها فقط تحوم بأحلامها قريبة منها فتمني نفسها بفرص سعيدة قادمة، لكنها حين جاءت الايام وتحققت سعادتها، وجدت نفسها في صحراء امام مفترق طريقين احدهما سار به اهلها والاخر توغل به كارل، مفترقان يؤديان الى جهتين متعاكستين .
كان كارل اقوى من كل توسلاتي، اتخذ قراره بتصميم اقوى من كل العواطف وان وعد مخلصا لحبه ان هي بقيت على عهدها انا لا افهم هذه المساومات، اخبرني انه بعد ان ينهي اختصاصه سيتفرغ لتجارب وبحوث تبحث في دراسة جديدة . نظرت كيتي حزينة وقالت باختصار :سأحاول ان أنسى لطمة كارل .
هنا قلت لنفسي لقد نجح كولبي في كسب الفتاة ونجح كارل في ضمان مستقبله وتحطمت الفتاة وكان كولبي سعيدا بهذه التطورات هنا انفجرت طاقات الفتاة تعوض عما خسرته من الحب وما فاتها من سنوات المقعد وانغمرت تعطي نفسها للعمل وترحب بأية مسؤولية وتواظب بجد، راحت تتغيب عن البيت وتباعدت لقاءاتنا وأخذت صورتها تظهر في الصحف والمجلات كفتاة جميلة تغزو مجالات العمل ومن حولها البدلات الأنيقة والياقات المنشأة البيضاء تشرب الأنخاب وتوقع على صفقات كبيرة وكولبي تغمره السعادة .
كنت جالسا تحت الشجرة أراقب الطيور الصغيرة تطارد بعضها بعضا أميل الى الكسل كأنني اشعر الشيخوخة تدب سريعا في اوصالي، الطيور سريعة الحركة تقفز هنا وهناك لم اتحرك كي لا أعكر متعتها، حطت طائرة الهليكوبتر بصخب نزلت كيتي سريعة نشيطة حيت العاملين الذين كانوا بالجوار، لم ترني اول الامر لكنها قبل ان تصل الباب التفت فوجدتني توقفت مجفلة، حييتها ملوحا بيدي ظلت جامدة لا تبدي حراكا كأنها تذكرت أمرا،  خشيت ان افجر أحزانها المكبوتة فأنا أدرى بالصراع الذي يعتمل بداخلها تحركت نحوي، وقفت استقبلها باشا أمد لها يدي قالت وهي على بعد خطوات :
- كأنك غاضب علي .
- بل سعيد لأنني لمحت السعادة في حركتك .
- كنت دوما تستقبلني بذراعين مفتوحتين هل نسيت وها انذا أعود خفيفة راكضة .
- انا من تغير يا صغيرتي، ما بت املك القوة لأتلقاك مع ذلك انا سعيد بك .
- وتريدني ان اكذب واقول انا سعيدة، الكثيرون ينخدعون بمظهري وانا اختزن حزني بهذه المظاهر لا أتوقف لحظة عن العمل لأنسى، أبي يتصور انني نسيت كل شيء وأنني سعيدة بنجاحي لكنني حين اختلي الى نفسي يرعبني التفكير بواقعي لأنني لا زلت معلقة لم اتخذ قراري، وكارل لا زال يتجاهلني بعد ان فرض شروطه القاسية، ليتك تدخلني قحف رأسك لأدرك الحقيقة قد أكون واهمة، هل كان كارل واقعيا حين طلب مني ان ابتعد عن أهلي ذليلة مخذولة وهو في بداية طريقه ؟ عرضت عليه أمرا بيني وبينه كان باستطاعتي الحصول على مبلغ كبير من أبي ننجز مشاريعه العلمية لنكون مستقبلنا سوية، لكنه رفض ذلك بشدة، اخبرني أيها الطيب ! ماذا تراني فاعلة وانا لا املك اية مؤهلات للعمل خارج محيط أبي واعماله هل اجلس في داره لأنظف الأثاث المتواضع ام أتصفح المجلات واراقب برامج التلفزيون فقط زوجة كارل المبتدئ لا غير ذلك .. لولا عناده لاستطعنا ان  نبني شيئا .. على الاقل نوفق بين مستقبله وبين وضعنا لاستطعنا ان نحايد هوني لاند . علام ندمر حياة الآخرين . هل يقبل الحب بهذا الاسلوب ؟ ان كنت مخطئة دلني سيدي أرجوك، أرشدني الى الطريق الذي يمنحني الأمان والراحة .
فتشت عن كلمات اطمئن بها الفتاة لكنني لم اجد ما أقوله سوى ان اردد ما قلته سابقا .
- اصبري يا عزيزتي قد تصادفكم فرصة وانتم ساهون عنها لا زالت الحياة تستقبلكم اما نحن فماضون الى توديعها .
لم تقتنع الفتاة قرأت اليأس في نبرة صوتي انسحبت متخاذلة وشعر كولبي بمعاناتي تلك ولم يثق بنواياي تجاه الفتاة . زارني ليلا في غرفتي لم يفعل ذلك منذ فترة طويلة منذ كانت مشكلته مع نانسي تتفاقم وتأخذ طابعا حادا، كان قلقا لأنه كان يراقب الفتاة وهي تطيل الحديث معي، استدرجني ليكتشف ماذا يحصل من الأمور والاحاديث بغيابه سبقته الى ما يريد وأعلمته ان كارل رحل الى الغرب وكيتي حتى الان لا تعلم وإنني لست حلقة الوصل التي يظنها .
سر للأخبار وسألني عن ابني : انا معجب بابنك يا آدم انه ليس مثلك يحاول ان يثبت ذاته بعناد .
- اتخذ قراره يا كولبي انه يقوم بدراسات معقدة في عالم الطب لذلك ضحى بي وبهوني لاند .
- وكم ستطول هذه الدراسات ؟                 
- ربما سنين عديدة .
- اسمع يا آدم أقول لك بإخلاص أتمنى ان يصل ابنك الى ارفع المراكز ويوفق بأعماله لأنه كان شهما ، تعامل معي كفارس شجاع لذا ليتك عرضت عليه مساعدتي .
- سبق وان رفضها .
- قل له انها حصتك من أموالك، تعب السنين الطويلة كم أكدت لك انك شريك في كل شيء دعه يأخذ ما يشاء من الاموال ليطور أعماله وبحوثه فقط كيتي .. أرجوك ليترك كيتي لي لا تعلم اية إنجازات نحقق، انا سعيد بها وبنفس الوقت خائف منك ومن ابنك، أليس غريبا يا آدم ان يخاف المرء اخلص الناس له .
- اطمئن يا صديقي . كارل أكد لي ان هوني لاند اولى بكيتي من حياته وظرفه .
سر كولبي لذلك ووثق بي وجلس الى جانبي يطمئنني على مستقبل ابنه وأكد قائلا :
- اكرر يا آدم دعه يبني مستشفى كبيرا او معملا طبيا انا مستعد ان اجعل نتائج دراساته عالمية، ان تطلب الامر  جعلت الحكومة تتبنى مشاريعه فقط ان يتم ذلك بعيدا عن كيتي لقد تعبنا يا آدم لنمنح الفرصة لأولادنا ان يحلوا محلنا هاهي كيتي تسير حثيثا في نجاحاتها أنت ترى انني افقد نشاطاتي دعها تأخذ مكاني يا صديقي .
- لك ما تريد يا كولبي فعلت هذا دونما طلب، فقط التمس منك ان لا تضغط على الفتاة لتجعل منها كولبي اخر فهي لم تنشأ نشأتك دعها تختار طريقها وأسلوبها .
- انا أرى هذا وقد تحدثت معها حول الموضوع .
تصافحنا بود وكأننا قد انتهينا من توقيع إتفاق . كان اتفاقا بيننا على أبنائنا لا اعلم ان كان صالحا . … مع الأسف لم تلتزم الفتاة بنصائحنا بل انغمرت تقتل يومها بلهفة للعمل حتى ساعة متأخرة من الليل وكانت تزورني بين وقت واخر لتسأل عن اخبار كارل في نهاية اللقاء تعطيني رسالة لأرسلها له، في الحقيقة كنت اجهل عنوانه فأحتفظ بالرسائل لان كارل نفسه حذرني من محاولة الاتصال به او البحث عنه مدعيا انه يتابع اخبار كيتي من الصحف التي كانت تنشر عن نشاطاتها وكولبي يغذيها بمبالغ كبيرة كي ترسم هالة مضيئة حول الفتاة،  مؤخرا تباعدت زياراتها بسبب انشغالها وانا نفسي انكمشت في جناحي حتى لقاءاتي مع كولبي صارت قليلة، تمر الايام دون ان أراه وقد وفق ريدي ودون استشارتي بتعيين احد أعوانه في المطبخ واخر سائق لسيارة الفتاة وهذا أقلقني حيث لم يعد يهمني من امر الاعمال شيء سوى قلقي على الفتاة السمراء التي وعد كولبي بإنهاء متاعبها .
جاءتني كيتي في ساعة متأخرة وكانت متعبة كأنها تنوء تحت حمل ثقيل وقالت :
- ما معنى النجاح يا عم آدم، ماذا لو تواصل نجاح المرء ؟ لو تم ذلك برتابة الا يفقد طعمه ؟
- كل شيء يؤدي الى الملل عدا النجاح والحب الحقيقيين .
-   ولكن قد يختلف الامر من شخص الى اخر ؟
-   ان كان النجاح حقيقيا يشبع شيئا ساميا في النفس مثلا يحقق هدفا وذاك لا يؤدي الى الملل بل يحدث حالة جديدة بمزيد من السعادة خاصة ان كان الامر يخص الآخرين .
-   لكن نجاحي يختلف تماما انه الفوز بالفرص وتكديس المال، هو اقتناص الصفقات وسلبها من الآخرين، نجاحي في أرقامي في تحقيق رغبة أبي وأمنياته، انا اعمل ساعات يقظتي واحيانا لا اجد فترة لأتذكر أمرا كنت احبه، انا أعيش فراغا روحيا وهو فراغ قاتل مليء بتلك الاعمال التي جعلت الملل يتسرب الى نفسي، وهذا يرعبني، ربما كان كارل يسميه المستقبل بعيدا عن أبي .
راحت تنظر بوجهي منتظرة وانا حائر ماذا افعل لها فقط نصحتها ان تنظم أوقاتها بأسلوب اخر فتعطي لنفسها فرصة التلون بنشاطات اخرى، ذكرتها بالموسيقى التي نستها، نظرت إلي عاتبة كأنها تقول (( لقد ماتت الموسيقى مع أيامها )) لكنني تمسكت بطلبي لتمارس العزف كما نصحتها بالرياضة والسير في الحدائق وعدتني ان تفعل لكنني شعرت انها فقط تجاملني أخيرا قلت لها خائفا : اخرجي الى الدنيا يا عزيزتي لا زلت شابة ومشاعرك بحاجة الى الغذاء لا يمكن ان تعودي روحك على الجفاف فتمتص الحياة الرتيبة منك مباهج الحياة .
قالت بخجل وكأنها تعترف :
- حاولت ان ادخل الى حياتي شيئا من البهجة والطراوة حضرت مناسبات وحفلات حاولت ان البس ثوب كيتي الشابة المرحة تزاحم حولي شباب ببدلات غالية يملكون أساليب راقية في سحر الفتيات وإغرائهن منهم من يمتلك أدبا وكياسة ولبعضهم جاذبية وسحر واخرون تافهون منافقون، احيانا اوهم نفسي انني امام شاب يمكن ان ارتاح اليه ليملأ الفراغ الذي احسه يكبر ويكبر لكنني في النهاية اجد نفسي وكأنني اقوم بملء قاعة كبيرة بأثاث فاخر من الرغوة الملونة ما ان تهب عليها نسمة حتى يتلاشى كل شيء فتعود القاعة فارغة موحشة والأسوأ من ذلك اجد نفسي وكأنني أقدمت على خيانة عهد في داخلي .. ليت كارل يعرف ذلك لكنه يأبى حتى بالإجابة على رسائلي فيزداد شعوري بالوحدة، احيانا وانا منغمرة في عملي والنقاش محتدم والاقتراحات تتراكم على المنضدة اوراق وتقارير وأحاديث بكلمات لطيفة وأخرى حادة والكل يصارع من اجل كسب وجهة نظره والدفاع عنها فجأة اجد نفسي وحيدة وكل شيء موحش مجرد دمى وأجهزة تتحدث وتصخب دون معنى، فأشعر برغبة جامحة لأخرج وأتسكع في الشوارع آكل الايس كريم او اركض على الرصيف … ولكن مع من انا وحيدة وحيدة انسحب مكسورة الى حيث اجلس تحيط بي الرؤوس الكبيرة الصلعاء ودخان السجاير والسيجار الفاخر يضيق من أنفاسي … هل تريد المزيد يا عم ؟ لقد هيأ لي أية مفاجأة يتصورها سارة بالنسبة لي قد أسافر بعد ايام الى احدى الشركات التي أرساها باسمي في تلك الدولة (( ش )) لافتح فرعا جديدا واشرف بنفسي على العمل هناك .. سأسافر وحدي وكأني سأوضع في كرسي اخر هو أوسع من كرسي القديم، ليت كارل يدفعني وانا مقعدة لينتشلني من الفراغ الذي احسه، لكنني سأسافر وحيدة واثقة انني سأغير المناظر ونوع العمل واشغل نفسي بوجوه جديدة،  لكنني ايضا واثقة انني أعود خائبة لأنني في داخلي أفتش عن شيء ينقصني .
حزنت لوضعها لانها كانت صادقة وأحسست انني أتحمل جزءا من مسؤولية ذلك وليس بإمكاني ان اقدم لها سوى تلك النصائح التي مللتها انا نفسي مع ذلك قلت لها :
- لكنك تسيرين، يجب ان تسيري ويجب ان تحققي شيئا عظيما هو مضيء في سبيل أمنياتك ليحقق أملا نوم كل الآمال من اجله كان يجب أن تعرفي كارل أكثر مما تتصورينه الان فلا بد ان تكون أمامكما محطة تتوقفان فيها قليلا بعد اختيار وتلتقيان ان وجدك قريبة منه وأنت لا زلت بذلك الإخلاص حينها تجدينه متلهفا ما فرط يوما بحبه وانا واثق من هذا .
- حقا ما تقوله يا عم .
- بل كأني به عائد يسألك أين وصلت يا حبيبتي .
- انا بانتظارك يا حبيبي لقد حققت كل شيء من أجلك . وقامت تقبلني قبل ان تودعني .
شعرت انها عادت الى مرحها وسررت لاقتناعها .

24
الفصل الثالث عشــــــر

لا اصدق، ها انذا اقترب من الشاطئ، أعود من رحلة الأحلام، زورقي جميل والريح مغرية والنفس تواقة، كارل حبيبي ! هل أحببتك لأشدك الى ذلك المقعد لنحلم وتبقى أسير الحلم وأنت تكره الأحلام، اليوم نصل الشاطئ لنسير فوق ارض صلبة أسمعك تدق الارض بقدميك لتتأكد انك في يقظتك سائر .. من ذلك المقعد صنعت لك جزيرة حولها بحر من نار وحذرتك الا تخوضه لتبقى قربي تتغذى من حبي وبه تتشبث وكأن فيه المنجا الوحيد لكنك كنت تقاوم وفي رأسك ألف فكرة ورغبة، هنا في بر اخر حياة تدعونا لنقفز ونركض ونطير ونغني ونرقص هلا تمنيت ان تحتضن حبيبتك وترقص، أنت تكذب ان قلت ارفض الركض والرقص .
انا اليوم اجتاز الاختبارات أسابق الزمن أضاعف تماريني لاختصر المرحلة وهذا الطبيب العجوز يبتسم ويمنحني جواز المرور الى عالم السائرين على أقدامهم، بطاقة دخول الى القاعات الملونة المشبعة بالموسيقى الصاخبة، انا في مفترق الطرق يا حبيبي هيا خذ يدي ولا تتركني للقرصان يتاجر بي في المرافئ المجهولة، انا عروس البحر الساذجة وجدتك في الحلم حول جزيرة مهجورة تحوم، قلت هذا التائه قادته الآلهة ليكون اليفي  ومددت يدي لكن هيهات فلا أقدام لعرائس البحر كتب عليهن ان يحلمن كل في محيطه لكنني قررت ان أتحدى قوانين مملكتي نزعت زعنفتي فصرت الان امرأة تسير على قدمين وتتسابق جريا في الحقول لكنني ما ان وطئت الارض حتى جاءني القرصان ورحت اهرب واهرب أفتش عن وجهك والقرصان يسد المنافذ أمامي يغريني بجواهره هيا أنقذني فبعدك يسلبني قوتي قد اضعف .
اليوم أنجزت تماريني الصباحية، انا سعيدة وحلمت ما فيه الكفاية دخلت جناحي الخاص على عجل وانا أصغى لوقع اقدامي خفيفة على بلاط المرمر، يجاريه وقع العكازين وكانت الضربات تشكل لحنا سريعا هي احدى الاحتفالات الأخيرة، كأني ارقص فيها والعكازين . الطبيب يصر على مرافقة العكازين خلال الأسبوع القادم رغم احتجاجي ورغبتي بالتخلي عنهما، سمعت أمي وهي لا زالت في فراشها أسرعت اليها لكنني تراجعت ودخلت غرفتي . طرقت الباب ودخلت وجدتني واقفة امام المرأة وكان وجهي متوردا قالت بقلق :
- أنت منفعلة يا عزيزتي كيف تخرجين لوحدك .
- بل انا سعيدة يا أماه، لدرجة اشتهي الطيران تلمسي أعضاء جسمي كل عضلة تنبض بقوة .
بالفعل تقدمت وراحت تتفحص جسمي المبتل بالعرق وقلبي يدق بسرعة .قالت خائفة :
- ما ذا فعلت يا كيتي ؟
- لقد حطمت الرقم الذي حدده لي الطبيب انا لا اصدقه لأنه ضعيف لا يملك الجرأة لقد سرت ثمانين خطوة بين الشجرتين دون توقف .
- ثمانون خطوة ! لا يا عزيزتي أخشى ان تصابي بانتكاسة لقد حدد لك عشرين خطوة .
- ان غضبت سأخرج ثانية لأركض، بالفعل يا أماه تلح علي فكرة الركض فوق العشب الندي أتمنى ان اجري وأنادى الناس ليروني، تصوري لقد رأيت طفلا عابرا يحمل حقيبته المدرسية وكان يراقبني من خلف السياج ضحكت له فأبتسم وظل واقفا ومشيت نحوه دربا إضافيا أردت الجلوس وإذا بشاب مستطرق كان يسير بمحاذاة السياج لوحت له، أجابني بتحية من يده صحت به (( هلو كارل )) ابتسم لي قلت له (( هيا نتسابق )) ربما لم يفهم لغتي لكنه ظل يلوح ولأجله سرت مرتين ارأيت يا أماه لم تكن خطواتي المضافة عبثا .
- أنت مجنونة تخالفين أوامر الطبيب قد تصابين بالبرد وأنت تنزين عرقا، سأشكوك اليوم الى البروفيسور كما سأعنف الآنسة ان لانها تهملك، وأين جيرالدين لقد أعجبها جو باريس .
- لقد أرسلتهما لبعض شؤوني .
- أنت تحتالين علينا وهذه جيرالدين أصبحت بدينة من تناول الحلويات التي تطلبينها بين وقت واخر على كل سأعاتب الطبيب الشاب ايضا أشكوه عند البروفيسور .
-   من كارل ؟
- كفي عن حماقاتك، أنت تستفزينه حين تنادينه بمسيو كارل والمسكين يكرر (( عفوك يا آنسة اسمي ادموند وليس كارل ))
- وانا سعيدة لذلك .
- والسعادة ليست مخالفات ومشاكسات لو كان أبوك هنا لكان صارما .
- من أبي ؟ أنت لا تعرفينه سأذكرك بذلك حين نعود سأجعله يستيقظ كل يوم مبكرا ليمارس الرياضة معي سأقوده الى الوادي العميق هرولة .
- الوادي العميق ‍! رباه . قالت ذلك وانطفأت النظرة في وجهها .
-   ما بك يا أماه ؟
- تذكرت هوني لاند . (( ماذا أقول يا صغيرتي الوادي العميق وداني طاغية لا يرحم كان في زي قبائل الزولو يحاكم امرأة خرجت على تقاليد العشيرة .. ابتعدي أيتها العاهرة خذي عشيقك وانصرفي، نحن هنا في معبد الحب نقيم شعائرنا في مواسمها بينما ولى موسمكما علام تسرقان اللذة من افروديت، أيتها القبيلة هذه امرأة خانت زوجها احرقوها او ارموها من الصخرة الى الهاوية .. الى الهاوية ))
- هل أنت حزينة يا أماه لأنني سأمشي واركض ؟ قد أتعبكم يا أماه قد تمتد خطواتي خارج الدار، عليكم ان تتحملوني زمنا لأعوض ما فاتني .
- لا تقولي هذا يا عزيزتي (( وأنت يا نانسي متى تعوضين ما فات من السنين ؟ هيا نحن ايضا ننشئ لنا معبدا للحب هناك قرب الوادي العميق وتحت تلك الشجرة العظيمة، انا مجروحة يا سيمون وأنت تقول سألعق جروحك فتطيب، سأعالجها بالحب . لا ليس بإمكاننا محاكاة اولئك الشباب ))
-   هل تتصورين ان أبي سينزعج من حياتي الجديدة ؟
- بل ترينه ينتظرها بشوق انا واثقة انه يتخيلك تمرحين في تلك الساحات .
- لقد كان سعيدا حين بشرته بأولى خطواتي لقد احتفلت هوني لاند بالمناسبة .
- وأنت لا تقرئين الصحف الواردة من امريكا .
-   لأنك منعتيها عني، الا تتذكرين ؟
- لان الأخبار المزعجة تضر بعلاجك .             
– هل من مكروه ؟
- انه مستر روبسن لقد انتحر سيمون المسكين .       
-- مستر روبسن ؟
- هكذا قالت الصحف . شعرت الفتاة بصوت امها يرتجف والغصة تمنعها من الاسترسال
أرادت ان تواسيها بكلمة لكنها صمتت بينما استمرت ألام ببطء :
- وجد منتحرا في شقته وتقول وصيته انه كتب شيئا لسماتا والوصيفة .
تملك الفتاة غضب مفاجئ كادت تقول لامها (( تكذبين )) لكنها تذكرت مشاعرها وقالت  باندفاع : سماتا ؟ انه كذب يا أماه لا تصدقي ذلك، انه نوع من الحقارة .
- لا تغضبي يا عزيزتي وانا لا اشعر بأية مشاعر سيئة تجاه تلك الفتاة . نحن لا نعلم ماذا هناك
- بل انا واثقة يا أماه لم اشعر يوما ان بينهما اية علاقة حتى إني كنت أحس انها تتضايق من وجوده، مع احترامي لمشاعرك … او كنت تحبينه حقا يا أماه ؟
- لا اعلم يا صغيرتي، فقط كنت كالتي يحاصرها البؤس الطويل وفجأة تهل عليها مناسبة فرح عابر او عيد يحمل مسرات عابرة .. انه أبوك الذي جعل من قلبي صحراء خاوية يقتلها العطش فراحت تتوق لأية غيمة عابرة …
- لا تكملي يا أماه .. أرجوك انا حزينة لك .
- بل انا ضائعة، كان يجب ان اخجل وانا أقول هذا لك لكنني اشعر بالواجب ان أقوله من أجلك .
- لكنك كنت سعيدة في هوني لاند ولا زلت معي، انا أتساءل عن داني .. هو الاخر ضائع لا يعلم أين يتجه لم يحدثني أبي عنه ، فقط العم آدم طمأنني بأنه يقضي أوقاته مع صحبه لكنني لم اصدقه، اما كارل فقد ضاعت أخباره .
- هل تفكرين به كثيرا قد يخطط أبوك لك حياة جديدة فيبعده عنك .
- اعرف ذلك منذ كنت في هوني لاند .
- ستشعرين بتغيير كبير ستنتقلين بحرية وستجدين أمورا كثيرة تنسيك ذلك الكرسي المقيت وذكرياته .
- لا تقولي هذا يا أماه، سأحتفظ بالكرسي كذكرى عزيزة لأنه يذكرني بأشياء جميلة .
- حذار ان يشدك الماضي الى الخلف وأمامك حياة واسعة تطلبك .. هيا انطلقي لان كل شيء في حياتك سيتغير فكري بهذا يا عزيزتي .
- سأفكر يا أماه .
(( هيا يا كارل وانظر الشجرة التي زرعها أبي واعتنى بها أبوك وتسقيها أمي الان بإكسير النسيان تفتش عن أشعة الشمس لأنهم يغطونها بقوة، لا افهم لماذا يجمع الكل على إبعادنا عن بعضنا، الكل حقق حلمه وانا سأشق شرنقتي لأتنفس هواءكم وأمي التي طالما عشقت الجري والهرب، ترى ان أحقق حلمها بكل قوتي لأكون المهرة النافرة لا ان استكين لك كل ذلك الوقت وأنت صامت لا تقول شيئا، الا تخشاهم حين يلتفون حولي ويملأون أذاني بمواعظهم، لا تتصور انني البس البدلة التي نسجها أبي من خيوط الغرور والكبرياء وأفتش عن أجنحة لأحلق بعيدا عنك،  ثق يا حبيبي كلمة منك تنسيني كل الذي يقولونه )) .

25
الفصل الثاني عشـــــــر
(( 1 ))

ظلت سماتا تلاحقني وتتحين الفرص لتنفرد بي وفي كل مرة تضيع الفرصة لانشغالي مع الخدم والعاملين، شعرت بها قلقة وأدركت مدى أهمية اللقاء الذي تنشده وهي تخجل من ان تشغلني عن مهامي المكررة (( في المرة القادمة )) .
ما الذي يقلق هذه الفتاة وكولبي اقرب اليها مني كأنها لا تود ان تفصح عن همومها له،  خرجت لأتفقد حظائر الخيل والكلاب فهذه الواجبات تحملتها  بعد موت سيمون، تأخر كولبي في توظيف من يحل محله قمت بجولتي وكلما اقتربت من البيت وجدتها تطل كأنها تنتظرني نتبادل الابتسامات وانصرف عنها وكأنني رغبت بلعبة إقلاقها او تشويقها، حين عدت وجدتها عند الباب الرئيسي امسكتها من يدها وقدتها الى غرفتها وكأنني أقود طفلة الى امر تتهرب منه .
قالت بخجل :
- لسوء حظك يا عم لا تقصدك الفتاة هنا الا لترمي عليك ثقل متاعبها .
-   هيا ارمي عنك ما عندك فأنا مسرور لأتحمله ؟
-   انا في ورطة كبيرة .                         
-   – مرة اخرى ؟ ما هي ؟
-   ألم تقرأ عن وفاة سيمون ام كنت تخفي الامر عني .
-   طبعا قرأت وعلمت .                   
-   – أليس ذلك مخيفا ومقلقا ؟
-   وما علاقتك أنت .         
-   – كيف ؟ والورقة، والمبلغ الذي أوصى به لي ؟
-   هبة تهبط عليك ما ذنبك أنت .
-   لكنها تثير شكوك الآخرين وما أخشاه هو شكوك السيد كولبي، الا يشعر بالغيرة ؟
-   ليس وحده فقط .                   
-   – كذلك السيدة فورستر، كيف تريدني ان لا اقلق .
-   ونسيت شخصا أهم، ريدي الذي يعبدك .
-   لا اهتم لذلك دعه يموت غيرة قد ينصرف عني .
-   اطمئني يا صغيرتي انها احدى اللعب التي لا تسلي ولا تضحك ولا تثير حزن احد ما دمت واثقة من نفسك، علام خوفك لقد عبر الامر دون ضجة .
-   والسيد فورستر ؟
-   لو عنده شيء مهم لما سكت ام انك شعرت من ناحيته ما يثير قلقك ؟
-   أبدا او يكون قد سمع الخبر ؟             
-   - طبعا حتى قبل وقوعه .
-   قبل وقوعه !!                           
-   - هيا انصرفي الى عملك دون كسل .
خرجت وهي تردد خلفي (( كيف قبل وقوعه ما الذي تقصد )) لم اهتم لما رددته بل سرت في طريقي ليقول لي احدهم :
- السيد فورستر يطلبك يا عم آدم بحثت عنك في كل مكان .
-   منافق وكذاب لأنني كنت في كل مكان وها قد وجدتني، أين سيدك ؟
-   في القاعة لكنه يبدو مسرورا .
مشيت والرجل يثرثر خلفي، مساكين هؤلاء الأغبياء يربطون مصيرهم بحياة كولبي ان كان مسرورا او مغموما ولا يعلمون ان لكولبي ألف قناع يستعملها وقت يشاء، رحماك يا رب جعلت انفس هؤلاء القوم مرهونة بكولبي الذي لا يستحق ان ترتبط به نفس كلب او قطة الكل يبتهل وانا أولهم ان ترسل السماء المسرات والنجاحات لهذا الرجل من اجل ان ينالوا ما يتساقط من الخيرات والنعم حول مائدته وهم لا يعلمون ان الكثير من تلك المسرات يكون مسروقا على حساب أحزان الآخرين … (( حذار يا بربارة ستقتلين الشاب . ليتني اقتله او افقأ عينيه واشفي غليلي، ما الامر يا كولبي ؟ لتشرح هي . هيا قولي له .
–   ابتعد يا آدم قد أقتلك معه لأنك صديقه .
–   لكنني واثق ان كولبي فضلك على الأخريات .
–   – هل تعلم كم قدمت له .
–    تصورت انك سعيدة معه هكذا قلت قبل ايام .
–    كنت غبية أوهمني النذل بذلك ثم أراد ان يدمرني سأقتله . وتهجم عليه .
–   ما الذي حصل يا كولبي اخبرني .
–   ابعد هذه الذئبة عني وانا اشرح لك . ابتعدي يا بربارة وإلا قتلتك .
–   لن تخرج الا والسكين في صدرك .
–   مهلا يا اصدقاء وأنت يا بربارة هذه السكين خطرة قد تقتلك او تقتله .
–   الم تسمعه يصفني بالذئبة، الكلب آويته الأسبوع الماضي واطعمته بأفضل ما يقدم هنا للزبائن مجانا وشرب افضل المشروبات وتنعم بفراش نظيف دافئ وأيضا مجانا وفي النهاية سرق كل حليي خاصة ذلك السوار الذي اعتز به فقد ورثته من أمي .
–   هل تصدق هذه الخادمة السوداء انها تكذب يا آدم فقط استعرت السوار ورهنته وسأعيده اليها .  ))
مسكينة بربارة تنعمت فترة قصيرة بفتوة كولبي لكنه تقاضى ثمنا غاليا كان وقتها كالتيس المجنون يطفئ شهواته ويغدر بهن .
-   أهلا آدم أين أنت أيها العجوز ؟
-   وهل تركت لي المجال لأجد نفسي، انا منشغل بواجبات سيمون …
-   اللعنة، نسيت، لقد خابرت مكتب الاستخدام ليرسلوا لنا بديلا مع ذلك تلك تسلية تنسيك همومك .
-   لكن خيالي يتمرد ويشتط بعيدا . هل تدري أين كنت قبل ان آتيك ؟
-   - في المريخ ؟ ام لا زلت تشتاق للسنين المرة ؟
-   -  أين كنت أيها الشيخ ؟
-   كنت في مطعم بربارة العانس اللطيفة .
-   انا اكره تلك الذكريات وأنت تصر على إعادتها .. لقد ولت مع حماقات الشباب .
-   لكن بربارا،  المسكينة !
-   اللعنة عليك وعليها . ما الذي ذكرك بها ؟
-   في ذلك البيت الجميل والغرفة الدافئة تنعمت لايام وانا أنام في الميناء على الرصيف قرب نيويورك .
-   أيها الخبيث كل يوم تخرج من ذاكرتك حكاية قديمة .
-   لكن كيف تنساها ؟
-   ومن كان المستفيد منها أيها الثعلب ؟ أنت دوما هكذا تمثل دور الصالح المستقيم وانا أرضى بدور الظالم المحتال وبعدها نتقاسم الغنائم . هل كان بإمكاننا السفر الى بوسطن للعمل هناك ؟ أنسيت ؟ هيا اترك تلك السخافات دعوتك لأمر مفرح .. لقد تلقيت مكالمة من باريس .
-   كيتي العزيزة ! عزيزتي الصغيرة أنت فقط تلطفين مناخ أبيك هذا .. كيف تسير الأمور هناك ؟
-   كيتي قادمة يا آدم . بعد أسبوعين تكون هنا.. انها الان تسير طويلا، تسير يا آدم هل تعرف معنى تسير لقد خبأت نانسي ذلك طوال الفترة لتفاجئني . تعرف معنى ان تقف كيتي على قدميها او تسير .. انها خرجت الى الحديقة ولها رياضتها تسير دون عكاز .. لقد استعملته لفترة من اجل ان يلتئم الجرح كان صوت كيتي اغنية عندما نادتني  قائلة (( قمت من سريري وقصدت الهاتف لأحدثك يا أبي )) تصور قالت: قبلْ اهل هوني لاند وخصتك أنت ولا اعلم كيف أتدبر المشكلة .           
-    – اية مشكلة ؟
-   مشكلة تقبيلك أيها العجوز وهذه اللحية القذرة .
-   اترك المزاح واخبرني عن الفحوصات ؟
-   تجرى لها يوميا وكل شيء يسير بشكل جيد واخر فحص يتم الاثنين القادم .
-   صدق المسكين الذي أرسلته في طلبي كان مسرورا لسرورك حقا يستحق المكافأة .
-   اللعنة عليك وعليهم فهم لا يكفون عن الطلب انا اكره هذه الأساليب والعواطف الجوفاء .
-   أليست افضل من سرقة عانس عجوز ؟
-   كفاك ثرثرة اصرف لهم ما شئت واخبر سماتا ان تهيئ المكتب لاستقبال الضيوف .
-   آه نسيت ان أسألك ؟               
-   - ماذا عندك .
نظرت في وجه كولبي وركزت في عينيه بدا قلقا :
- الم تقرأ عن مقتل سيمون ؟
-   ذلك الوغد ؟ قالوا انتحر . قرأت ذلك وما ترحمت عليه .
-   وماذا عني ؟
-   الم تكن تعلم جيدا انه كان يطعننا في الظهر، اقفل الموضوع وغادر .
-   لست باكيا على الوغد الذي مات وانما على سماتا .. ما الذي أقحمها في الموضوع ؟
-   من حقها ان تستلم ذلك المبلغ، ربما سيجرى معها تحقيق شكلي، أعلموني بذلك .
-   وموقفها من نانسي ؟
-   لتذهب نانسي الى الجحيم . حققت لها كل شيء وهي الان تتنعم بقرب ابنتها هيا اخرج ولا أريد سماع المزيد أنت تعلم كم كنت مجروحا .
خرجت من عنده وانا اكبت نداء يصرخ (( كيف ستتحمل نهايتك يا كولبي، تكاد تنفجر بينما الماضي والحاضر يلاحقانك ماذا عن المستقبل ))
في طريقي الى المطبخ لقيت سماتا، أسرعت نحوي وانا اقرأ التساؤل في عينيها طمأنتها بشأن سيمون وطلبت منها ان تعد مكتب سيدها، شكرتني الفتاة وانصرفت .

……………………………………..

جلس كولبي متعكرا على اثر مقابلتي له وتلك الذكريات، لقد تبخرت نشوة الخبر الذي تلقاه من باريس وهمومه تهمس (( اللعنة عليك يا آدم أنت بَنك همومي وقذاراتي كان يجب ان أتحرر منك لأتحرر من الماضي حقا وقفت الى جانبي وانا أكون أسرة وأنت من أنشأت ولدي ولكن الماضي يلاحقني بشخصك )) .
سماتا واقفة بالباب بتنورتها القصيرة وبلوزتها الضيقة وساقيها الجميلتين وصدرها النافر كأنها احدى بطلات الأولمبياد، لقد حرم عليها سيدها ان تتبع الموديلات الحديثة الفضفاضة حين رآها ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، دعاها بحركة من رأسه تقدمت بمرح ووقفت أمامه أجلسها على ركبته والصقها بصدره استجابت كطفل وديع راح يمسح على رقبتها الطويلة النحيلة ويتحسس تكور خديها قالت بوجل : تبدو حزينا وأنت تسمع الأخبار المفرحة .
قبلها بحنان وقال : لا عليك يا ابنوستي، انه ذلك العجوز الخبيث آدم سلب نشوتي هيا ابتسمي
-   العم آدم ؟ انه يحبك اكثر من كل الناس .
- ومشكلتي انني احبه ولو أنني امقت وجهه لكنني لن احبه اكثر منك، يقبلها ويكمل ضاحكا : وإلا هل كان باستطاعتي ان أجلسه هكذا في حضني هل تصدقين ؟ قالت كيتي وهي تكلمني من باريس (( أرجوك بابا قبل العم آدم )) وكلما نظرت الى لحيته القذرة ضحكت من رغبة كيتي . هنا ضحكت سماتا وقالت بمرح :
- سأنفذ انا وصية العزيزة كيتي واقبله .
- حذار يا غبية لأنه سيفسد طعمك اللذيذ .
- إذن كانت مكالمة باريس رائعة وانا مسرورة لسيدتي الصغيرة .
- وهي قادمة وأمرت العجوز المغفل صديقك ان يصرف إكراميات مجزية الا لسماتا .
- سرورك سيدي اجمل هدية لنا .
- ليس هذا إنما انا الذي اشتري لك هدية .
- انا سعيدة بدون هدية، بحق العذراء أتمنى ان اعبر عن سروري دون هدية .
- أنت رائعة .. او يكون آدم أباك دون ان اعلم ؟ انه يشبهك في كل شيء الا في قوامك ووجهك هيا اعدي المكتب لاستقبال الضيوف .
- وكم عددهم
– ربما ثلاثة .       
 - والغداء ؟   
 - لن يمكثوا كثيرا .

26
الفصل الحادي عشـــــــــــــــــــــــر   

  (( 1 ))

بدأ دانيال فورستر يفهم الدنيا وكأنه يمتلكها، حين تصور وسع العالم الذي يملكه، امتلأ عزيمة لكنهم قالوا له عليك ان تقطع الشوط متفوقا، وتبدأ من حيث انتهى أبوك . أبوك في القمة فما عليك الا ان ترتفع، فكر الصغير وجد ميدانه اكبر من طاقته كيف يبدأ والعيون من حوله تراقبه واهله يصفقون ويحذرون، يريدونه ناجحا دون فشل، فتش حوله لم يجد من يدله ولم يبق في ذهنه الا الأعجوبة لتجعله اعظم من أبيه فتحطه فوق القمة، ومن يملك الأعاجيب غير الأنبياء، لماذا لا يكون نبيا، دانيال كولبي فورستر يشعر منذ الصغر بالتفوق . اخبروه انه متفوق دونما حاجة الى المحاولة فهو وريث بالتفوق، ينبغي ان يكون كذلك لكي يكون وارثا صادقا لأبيه بارزا بين أقرانه فنشأ معه حب الزعامة، يشعر وكأنه ولد والزعامة سوية . اليوم حوله شلة من الاصدقاء يأملون بالكثير من الذي يملكه كولبي فورستر والذي سيرثه داني يوما لذلك ليس غريبا ان يبايعوه زعيما وكان افضل موضوع اتفقت عليه الشلة هو الحرية، الحرية في كل شيء . داني اليوم زعيم جماعة تنادي بالحرية ويتهيأ ليكون نبيا لحرية الشباب،  وعلى غرار إصرار الأنبياء واصحاب الفكرة والقضية العظمى التي قرأ عنها الكثير امتلك داني العناد والإصرار .
خرج داني اليوم من هوني لاند وهو بعيد في أفكاره عما في افكار أبيه او افكار آدم، كل همه ان يعود حرا باحترام أصدقائه الذي يلتفون حوله ويقرون زعامته، ليلي متيمة بشبابه وبآمال قديمة حتما، احيانا تشعر الضجر معه خاصة حين يشح النقد في جيوبه،  سام الصديق الوفي الذي جعل من شقته مقرا للأصدقاء، مؤمن بأفكار داني يؤكد ان مشاريعهم في المستقبل ستتمدد خارج حدودهم وحدود بلادهم، سام في الكتابة والقراءة جيدة ممكن ان يكون المشرع  لفلسفة داني،  سالي خطيبة سام تحب الحفلات وتعرف كيف تكسب الاصدقاء  لتنقذهم من مأزق تعرضوا لها مؤمنة بفلسفتهم تحدت عائلتها المحافظة تعيش مع سام واحيانا مع الشلة في شقة واحدة،  اما جاك الضخم فهو المدافع عن الفرقة ويستعمل قوته وعضلاته عند الحاجة حين ينشب الشجار هنا وهناك،  هم خمسة من الشبان الذين يفكرون في فلسفة الحرية ويكفرون بفلسفة الاباء . يحاولون خلق فلسفة جديدة تحدثوا عنها كثيرا وحلموا وناقشوا حول معنى الحرية وتطبيقها، وجدوها ضيقة تحددها جدران تحمي مصالح اناس هم ابعد عن الحرية لأنهم يستغلون غيرهم باسم الحرية وباسم الأسرة والأبوة والرئاسة والزعامة والسن والمجتمع والدين، الى غير ذلك من المقاييس التي خلقها أولئك الزعماء المفلسون ليتحكموا بالشباب ويحدوا من عنفوانهم، لقد قال لهم زعيمهم داني فورستر في كلمة طالبهم فيها ان يقسموا جميعهم (( لو بنى الشباب حياته بعيدا عن قيود السلطات الأبوية والرئاسية والقانونية وتقاليد المجتمع لاستمرت الحياة بطراوتها مهما تقادم عليها الزمن )) صفقوا له وجعلوا كلمته حكمة نقلوها الى الآخرين واكدوا ان مئات الشباب على استعداد ان يبايعوه بالزعامة ان هو وفر لهم مقومات الحياة الجديدة التي ينشدونها،  ورغم ان داني قد تجاوز العشرين قليلا فهو يحلم ان يؤسس زعامة تختلف عن زعامة أبيه بدايتها ان يمتلك الشباب موطنا قصيا يؤسسون فيه دولة لهم يحكمونها وفق قوانين يضعونها بأنفسهم، استغربوا اول الامر ظنوه يمزح لكنه قال لهم مؤكدا :
_ قد نستغل احدى الجزر الصغيرة، ومنها ما يعرض للبيع ننشئ عليها حياة هادئة مستقلة تحمل طابع سكانها تصوروا كيف ستكون الحياة هناك ان كان اولئك السكان من الشباب المشحونين بالأفكار المتحررة المستقلة عن عبودية العائلة والمجتمع شباب يملكون الحيوية والإصرار، اية نتيجة رائعة تنتظرهم !
لاقت فكرة داني تأييداً كبيراً من الشباب القلق الباحث دوما عن شيء لا يعرفه بالضبط، فقط ان يجد ذاته،  اخبره المحيطون انهم بالمئات ويمكن ان يكونوا طاقات عظيمة وقوة كبرى ، لم يسأل داني نفسه من هم اولئك وما هي مستوياتهم الفكرية والأخلاقية ما داموا مؤمنين بأفكاره وهو قانع انه يستطيع ان يقوم ويؤلف بينهم، وراحت تتجسم في خياله وتستحوذ عليه هذه الفكرة وتبشره بآمال وأحلام وردية، جزيرة جميلة فوقها مجموعة متآلفة من الشباب يؤمنون بالحرية قوانينهم الخاصة، يطبقونها على أنفسهم ومن يخرج عليهم ولا يمكن إصلاحه يرمى في البحر ليغادر وراح يفكر كيف يجد العمل ويوفره ويوزعه بينهم لتوفير مستلزمات حياتهم ومطلوب فيها البساطة والرفاهية دون مشاكل او استغلال او استعلاء فقط العمل والحب ومرح الشباب في جزيرة خالية من الشرطة والمخبرين والإشارات المقيدة، جزيرة شوارعها عشب اخضر ساحاتها ورود وازهار بيوتها أعشاش للحب .
وتحولت الأفكار الى دراسات يتحاورون بها ويصنعون منها مشاريع يخططون لها ثم يسجلونها ويباشرون بترويجها بين الشباب الموالي للفكرة وداني أكثرهم انشغالا وتحليقا في خيالاته في ربيع جزيرة الأحلام وراح يتخيل انه يلقي خطابا في احتفال الافتتاح مع حضور زائرين من خارج دولتهم وهو يصر الا يدخل مدينتهم غير الشباب حتى وان كانوا قادة وزعماء من الدول الاخرى كما تفتح الأبواب للصحفيين من الشباب فقط، هناك يستقبلهم مع ليلي سيدة الجزيرة ويتحدث عن مشاريعهم ثم يأخذهم لزيارة مرافقه من أندية ومراكز سياحية وترفيهية ستدر عليهم موارد تنفعهم كما ستكون لهم مدارس تختلف في علومها وطرق تعليمها حيث ستكون مشبعة باللهو والحب والرقص والغناء بعيدا عن الضغط والفشل والاختبارات القاسية ولن تكون هناك سطوة أستاذ او تحكم إدارة قاسية . كانت هذه الأحلام تؤرقه . حلم يوما ان أباه توفي ونال الجزء الأعظم من ميراثه مئات الملاين وكان اول ما فعله ان راح يبحث عن جزيرة الأحلام وحين استيقظ كان يشعر بالسرور ولم يحزن لوفاة أبيه بل وجده أمرا طبيعيا وحين روى الحلم لأصدقائه راحوا يهونون الامر (( لقد نال أهلنا حظهم من الحياة وجاء دورنا لنؤسس حياة جديدة يتحدث عنها التاريخ )) وراحت هذه الفكرة تشغله … ماذا لو توفي كولبي وقد تمتع بأكثر من سبعين سنة، برحيله سيوفر السعادة ليس لي بل لجيش من الشباب المتعطش للحرية قد يسبب رحيله ثورة في العالم، قد يولد عالم جديد بنظرية جديدة وفلسفة جديدة قد تعم التجربة في كافة القارات خاصة وان هذه الفكرة ملائمة لجميع المجتمعات والطبقات وتلائم كل الأديان والقوميات هدف واحد تجمعهم حرية الشباب . كانت حالات الزهو تنسيه مصاعبه ومشاكله مع أهله وتزين له المستقبل، تخيل انه سيكون اصغر زعيم في العالم يحقق هدفا عظيما للشباب وسيتم حل مشاكل الشباب على يده .
ارتكز داني على سام ليكون قريبا منه يسجل أفكاره وليكتب بعض المقالات والدراسات دون ان يحدد هوية الشباب الحاملين للفكرة وظهرت دراسات ساذجة وهزيلة ينشرونها في بعض الصحف والمجلات غير المشهورة او يطبعونها بشكل نداءات لتبني الرأي العام وبعد كل حلم كان يصحو على اثر همسة :
- لو يوافق هذا الرجل كولبي ويمنحني بضعة ملايين لحققت أمنيتي، اليوم داني مصاب بانهيار تام لقد فشل مع أهله عاد يحمل تسعة آلاف دولار تلقاها من العجوز الأسود لا تساوي شيئا لتحقيق الحلم العظيم هون أصحابه الامر عليه وقالوا : لا بد من وسيلة توصلنا الى أبيك ما دمنا أقسمنا على تحقيق الحلم واتباع كل الوسائل حتى تلك التي لا تقرها القوانين والمجتمع الذي نرفضه .
جاءته ليلي وصديقه سام يرافقهما آليك بعد غيابه يوما كاملا،  كانوا مستبشرين وليلي تمازحه وتداعبه لتزيل همه بل راحت تغازله بطريقتها التي يحبها، لكنه لم يستجب حتى راحت تقسو عليه، هو الاخر يحب العنف في مداعباته وهي تعض رقبته وأذنيه وذراعه، وهو يحذرها ان تكف لأنه اليوم يميل الى الانزواء وهي لا تأبه لطلبه، هددها ولم تصغ قال له آليك :
- انها تحمل لك أخبارا سارة .
-   من أين الأخبار السارة من الفندق الذي يعمل فيه أبوكِ ؟
استاءت كثيرا تصورته يعيرها، بصقت على الارض وجلست بعيدا وراحت تضرب رأسها الأشقر على حافة السرير، منعها من ذلك لكنها صرخت باحتجاج :
- أنت ايضا تحمل شيئا كبيرا من قذارة أبيك .
لطمها بقسوة وأولاها ظهره، لكن آليك راح يلاطفها كي لا تغضب بينما قال سام :
- هل نسيت انك الزعيم ؟ لا يحق لك ان تتعامل معنا بتلك القسوة .
قالت ليلي : انه لا يستحق ان يكون زعيما لأنه قد يحرمنا من الحرية التي يدعيها .
استدار نحوها وقال برقة :
، عفوك حبيبتي ما قصدت إيلامك انا أتعذب من أجلكم . قال سام :
_ اسمع يا زعيم لقد وجدنا حلا مؤقتا ، قد يكون بسيطا لكنه ملائم للبداية .. كنت قد قدمت أوراقي للعمل بشكل استثنائي في شركة ما وفي قاعة الانتظار انتبه احد موظفيها الى علاقتي بك فراح يحادثني وانا أحدثه عن أفكارنا وطموحاتنا وحين ذكرت ان السيد فورستر لا يأبه لأفكارنا ولا يساعدنا تواصل الرجل معي مبديا إعجابه بأفكارنا ومستفسرا عنك وعن الخلافات مع أبيك بسبب الأفكار هذه، قال ممسكا بي (( لا ترحل يا صاحبي سأعود إليك )) غاب قليلا ثم عاد وقادني الى مكتب فخم سألني احدهم بضعة أسئلة عن علاقتي بك وعن آرائنا ثم قادني الى مكتب اكثر فخامة يشغله رجل يبدو مهما ، سألني الرجل عن ظروفك وحياتك وعملك وعلاقتك بأهلك ولم أشأ ان أصور الخلاف بصورة بشعة يشوه سمعتك او سمعة اهلك إنما ركزت على إصرارك من اجل الحصول على مبلغ معين .
قال لي الرجل ان اعتبر نفسي في وظيفة مهمة وبراتب لا احلم به ثلاثة آلاف دولار في الشهر ثم طلبوا مني ان أوصلك بهم فهم ينشدون صداقتك، استشرت ليلي وذهبنا إليهم لمعرفة قصدهم قالوا انهم من اجل التعرف والاستفادة ثم قالوا لو حصلنا على بعض المعلومات البسيطة التي تهم شركتهم ممكن ان يمنحونا ربع مليون دولار الذي طلبته من أبيك واصروا على مقابلتك، الا تراها فرصة جيدة . تقدمت ليلي منه وقالت :
- وانا أرى ان الأمر مهم بالنسبة لهم عليه ممكن ان ترفع المبلغ الى اكثرمن ذلك، اضاف اليك :
- ترى ماذا تكون تلك المعلومات ؟ قالت ليلي :
- وماذا يهم داني من امرها انا واثقة انها لا تؤثر على أبيه . قال سام :
- وهذه شركة صغيرة قياسا بشركات أبيك . راحوا ينتظرون رأيه  قال داني :
- ذلك مستحيل . زحفت ليلي حتى صارت امامه وطوقت عنقه : لماذا يا حبيبي . اضاف اليك :
- وسوف لن يعرف غيرنا عن الموضوع . بينما قال داني مصرا :
- مستحيل . اما سام قال :
- على الاقل قابلهم واعرف ما هي مطالبهم . اكملت ليلي :
- ويمكنك ان ترفضها . قال داني مترددا :
- أين أقابلهم ؟ قال سام :
- لدينا هواتفهم وطلبوا ان نحدد الموعد والمكان .
-   حسنا كلمهم يا آليك وحدد الموعد غدا مساء في شركتهم .  قال سام :
-   - قد ننجز الصفقة في اول لقاء . 
-   – الصفقة ؟ صرخ داني خائفا، إذن هناك صفقة ؟
- طبعا ستكون هناك صفقة، يجب ان نقدم لهم خدمة مقابل ذلك المبلغ الضخم .قالت ليلي :
- لن نرضى بأقل من مليون دولار .
قال داني : وهل تتصورون انني أوافق على هدم أبي مقابل مبلغ تافه .قال سام :
- ومن يقول تهدمه، ربما تمازحه دعنا نعرف مطالبهم أولا .

                 
(( 2 ))

باتت ليلي مع داني تلك الليلة وكانت أليفة تلبي مطالبه برقة كما سهر أصحابه معه حتى ساعة متأخرة يحدثونه عن أهدافهم ويهونون التضحيات ضاربين الأمثال عن قادة الحركات وتضحياتهم من اجل قضيتهم، لقد أثارت تلك الأحاديث شكوكه وهم يبالغون في إضفاء الصفات الكبيرة والألقاب العظيمة، كما ذكروه بالأمنيات وما ينتظرهم من نتائج كبرى وتاريخية وإنسانية
كان ممكنا ان يقوم بأي عمل عدائي تجاه أبيه ويبحث عن اية وسيلة تلحق به الأذى لكن ما يجري اليوم اثار مخاوفه وشكوكه،  مخاوف لم يشعرها من قبل . في اليوم الثاني كان آليك حريصا ان يزور العاشقين مبكرا ليربط داني بذلك الموعد ويهيئه لذلك اللقاء، المهم والذي تحدد موعده ومكانه بصحبة ليلي وسام . في مقر الشركة كان الشخص الذي كلمهم بالهاتف ينتظرهم مع اخر يبدو ارفع مركزا حيث وجدوا الأول يتكلف في تصرفاته في احترام صاحبه، وحين قدم سام داني الى الشخصين هبا واقفين وبالغا في احترامه،  دخلوا جميعا مكتبا مؤثثا تأثيثا فاخرا وقدم لهم الشراب الغالي، قال الشخص المهم :
- إننا بشأن ان نكسب ود احدى شركات أبيك، في الحقيقة ان ما نقوم به هو عمل غير مشروع بشكله الخارجي الجامد وكأنه سرقة، ولكننا لو دخلنا لب الغاية سنرى تلك السرقة بريئة ما دامت ترمي الى التعاون والاستفادة المشتركة، وتعاونك هو ان تحصل على صور لتقارير من ملفات خاصة ندلك عليها، فأن سلمتها منحنا لكم ربع مليون دولار ، قاطعته ليلي مندفعة :
- نحن مستعدون ان نقدم لكم ما تريدون ولكن ليس بهذا المبلغ إننا نطلب قاطعها داني متذمرا :
- عفوك يا عزيزتي فقط اسأل الاخوة سؤالا مهما (( كيف يتسنى لي ذلك وانا بعيد عن أبي ومصالحه )) في الحقيقة انا خارج دار العائلة . ((وتذكر صوت آدم أحذر يا داني أنت تسير في الوحل فكر انك ستصبح في يوم ما رجلا مرموقا … لا يا عم آدم لن أتراجع عن مبدأي )) .
- تلك ليست مشكلة يا سيد فورستر تستطيع ان تعود الى أبيك بثوب جديد وطبع جديد وستراه يرحب بك حينها تستطيع خلال ايام ان تكون الرجل الأول في جميع شركاته .
- انتم لا تعرفون أبي جيدا .
- يمكن ان نضيف خمسين ألفا اخرى .
قالت ليلي باندفاع : هذا العمل لا ينجز بأقل من مليون دولار .
- لا تقرري يا ليلي انه امر في غاية الصعوبة .
-   أربعمائة ألف دولار مبلغ كبير ومحترم، ماذا قلتم ؟
-   أرجوكم لا أستطيع . هنا يتحرك سام وليلي يحاولان سحبه والانفراد به تقول ليلي بحنان :
-   - لا تستعجل بالإجابة يا حبيبي يمكن ان ندرس الموضوع والصعوبات تعاونا مع السادة الكرماء .
قال الرجل مشجعا وهو يرمق ليلي بنظرة ودودة : ومن اجل الشباب نعرض عليكم نصف مليون دولار خذوا من الوقت ما شئتم على ان يتم خلال الأسبوع القادم وشركتنا مستعدة لتوظيف أي منكم ان احتاج الى عمل .أمسكت ليلي بيد داني وسحبته برقة :
- هيا يا عزيزي سنبحث الامر سوية .
علق الرجل : ونحن مستعدون لقاء صداقة دائمة، على شرط ان نصون أسرارنا .
(( ماذا تقول يا عم آدم هل اقتل كل القيم واحرق هوني لاند بمن فيها من اجل مليون دولار ؟ قد نحصل عليه وهو الكنز الذي يحقق حلم الشباب، ماذا يضير كولبي لو اطلع على أسراره الشياطين، وما نفع تلك الشركات والكل ينتفع منها الا داني، كفاك تجلدني بمواعظك يا عم ))




(( 3 ))

التحقت بالأصدقاء فتاة اخرى، خطيبة آليك معها شابان واحتوتهم الشقة الضيقة التي تعتبر مقرا ثابتا لهم وراحوا يلتفون حول داني يعالجون الامر معه، بعضهم يقف الى جانبه والبعض الاخر يبدي امتعاضه خوفا من ان يخسروا الفرصة، والمبلغ كبير مغر وداني يصغي إليهم رأسه بين يديه كأنه يحميه من مطارقهم وهم يجسمون ظلم الاباء في قتل آمال الابناء ومنهم من يكرر ان الآمال العظيمة تحتاج الى تضحيات كبيرة حتى صرخ بهم :
- لا.. الا أبي كيف اقتله .
ويعودون يبررون، لن تكون هناك جريمة قتل . ربما اتفاقات . ومن يقول ان الذي يحصلون عليه يؤدي فعله مع والدك ؟ وداني يهز رأسه بعناد، جلست ليلي أمامه وهي تحتضن رأسه وتقول برقة :
- أقنعنا  يا عزيزي وأنت زعيمنا . وتنظر حولها مستشهدة، يصرخ الكل بصوت واحد : صدقت يا ليلي، آنت صاحب الفكرة وأنت اول من حلم بجزيرة الحرية وأنت من يوزع الأدوار علينا لنؤسس جمهوريتنا العزيزة، وكم وزعنا على الاصدقاء من هذه الأحلام، هل نذكرك يوم قلت (( ان أفلاطون فكر بعقلية فيلسوف عجوز عاجز ولم يحقق هدفه، لما لا نستفيد نحن من أفكاره بعقلية الشباب )) هل نسيت هذا . قالت خطيبة آليك :
- أخشى ان تتوفر فرصة الحلم ونحن في الخمسين او الستين من عمرنا حينها يكون كل شيء قد انطفأ فينا . علقت ليلي متهكمة :
- ربما أنشأنا جزيرة للشيوخ …  صرخ داني :
- مستحيل ان اقدم على ذلك الامر، قد افعل لكنني بعد ان اخبر أبي، وإلا كيف سأكون أمينا معكم ان خنت أبي ؟ انا واثق ان اول زلة ارتكبها ستؤلبون علي الجميع وتتهموني بعدم الثقة والأمانة وأنت أولهم يا ليلي، ستقولين من يخون أباه تهون عليه خيانة العالم، اسمعوا جيدا انا مستعد ان افعل أي شيء حتى السرقة او السطو على بنك ما بشرط ان نكون سوية لا ان أكون وحيدا،  قال احدهم :
- عليك يا آليك ان تذهب في اليوم الثاني لتبلغ اصحاب الشأن في تلك الشركة، بعدم امكانية الاستفادة من داني .
في اليوم الثاني كان آليك وليلي في الشركة يقابلان المسؤول الذي أسف لعدم رضوخ داني، واخبرهم بعدم امكانية الاستعانة بأي شخص اخر وقال مغريا :
- اذهبوا اليه وانا أعدكم بعمولة جيدة . قالت الفتاة : اعرف داني جيدا، حتى ان اقتنع بالفكرة الا انه سيخبر أباه وهذا يفسد خطتكم .  قال الرجل :
- لكننا نريد ان يتم الامر بسرية تامة، يبدو انك غير واثقة من فتاكم .
-   انا واثقة من نفسي وأستطيع ان أقنعه في كل الأمور الا في هذا .  قال الرجل :
-   - سنتصل بكم . اما آليك بادره ملتمسا :
-   - الا يمكنكم الاستفادة من قابلياتنا ونحن مستعدون.
- بالفعل قد نحتاج الى جهودكم وهذه منحة لجهودكم قدرها آلف دولار .
اخذ آليك الصك وانصرف مع صاحبته وهما يشكران الرجل .

(( 4 ))

في مقر الشركة الطموحة اجتماع مهم عقده اربعة أعضاء من إدارتها يبحثون امر الاستيلاء على الأسرار التي جعلت كولبي يتشبث بأعماله في بلاد (( ش )) للتنقيب عن النفط وتسويقه بالرغم من تلك الحوادث قال احدهم :
- يجب ان نتقرب من فورستر ونشاركه . أجابه صاحبه :
- هذا مستحيل بعد ان لعب لعبة قذرة وتخلص من الشركات المساهمة معه . قال اخر :
- يجب ان نجد وسيلة لنؤسس أعمالا خاصة في تلك البلاد . أجابهم الاخر :
- (( ش )) أصبحت بمفاتيحها وشعبها ونظامها بيد فورستر . قال اخر :
- علينا ان نجد وسيلة ترغمه . سأل الأول :
 - كيف ؟ عاد الاخر وقال :
- لا تنسى ان فورستر مدعوم من كل الجهات الرسمية والعلنية حتى الصحافة .
- يجب ان نجد وسيلة نحطمه بها .
- لم يبق من وسيلة الا ابنه وهذا عنيد فالابن هو المفتاح الذي يوصلنا الى قلب شركته خاصة وان كولبي يحيط أعماله بشبكة قوية من المخبرين والمراقبين، لذلك يجب ان لا نخسر اولئك الشباب لأنهم مستعدون ان يبيعوا كولبي لنا بأرخص الآثمان .
كان هناك شخص قد التزم الصمت حتى انتهى الجميع، قال :
- لقد درست هذه القضية طويلا ووجدت انه ليس بالامكان مشاركة كولبي ولا التأثير عليه وهو بقوته وجبروته ولا يمكن إرغامه الا في حالة تحطيمه، وذلك يجب الا يتم الا بحكمة وحذر أي ان تصله ضربة لا تجعله يتنفس بعدها لأنه ان اكتشف مصدر الضربة حطمكم جميعا وقضى على كل مصالحنا، هنا مخطط أعددته مفصلا ودقيقا ادرسوه .
 انتبه الجميع ومدت الأعناق والكل يحاول ان يصل الى المخطط بينما استمر الرجل عودوا الى أماكنكم واسترخوا على مقاعدكم لتستوعبوا ما سأقرأه عليكم ومن ثم نبدي رأيا به ولكن بسرعة تامة،  جلس الجميع في أماكنهم بإصغاء تام بينما استمر الرجل .
- ننفذ الى الرجل من خلال ولده، وهذا نسيطر عليه من خلال أصدقائه دون ان يعلم . عليه يجب ان نقرب الشباب ونستخدمهم في اعمال مغرية وهم بحاجة ماسة الى المادة، ثم نضع داني فورستر تحت المراقبة التامة مع إبقائه بعيدا عن أبيه ويمكن الاستفادة من جهود خاصة لصديقته أي نوهبها تكريما او أجرا سريا لا يشغلها عن مرافقة صديقها، الامر الثالث التفكير بعمل مغر يزج الفتى فورستر، من شأنه ان يحطم كولبي وهذا هو الجزء المهم من الخطة :
-  قال احدهم : وما هو العمل الذي تراه ملائما ؟أجاب الرجل :
- يجب ان يكون العمل مهما بالنسبة للشاب وان يكون بعيدا عن الشرعية ومعيبا على النطاق الاجتماعي يضع الشاب تحت طائلة القانون ويحطم فورستر بحيث لا يستطيع الدفاع عنه او عن سمعته، وحين تبلغ الأزمة قمتها نكون نحن قد دفعنا أعواننا لإثارة حملة صحفية تؤجج القضية وتنشر الفضيحة،  قال رجل منهم :
- حتى الان لم تحدد نوع العمل الذي تراه ملائما . اكمل الرجل :
- لقد أخبرتكم لقد وضعت كل الخطط والخطوات لتنفيذها، فقط تحتاج تلك النقاط الى بلورة وتنسيق واخراج جيد نشترك به سوية، انتبهوا اليه جيدا،  ان الشاب فورستر محدود الإمكانات الفكرية والعملية، مقابل ذلك هو مغرور ومتمرد على أهله وأبوه لا زال يعالجه بأسلوب سلبي وقد علمت من الشباب الذين نتصل بهم انه بصدد تكوين جمعية او جماعة إصلاحية تهتم بشؤون الشباب وحريتهم، شيء من منظمة اجتماعية لها أراء متطرفة في الحرية الشخصية، ويقود مجموعة من ستة اشخاص،  اربعة شباب وشابتان وهؤلاء يتصلون بأكثر من ثلاثين او اربعين شاب وشابة، أمنيتهم ان يحصلوا على أموال طائلة ينفذون بها مشروعهم، فلو استطاع داني ان يسيطر على ثروة أبيه لاشترى جزيرة وجعلها مملكته يحكمها بأسلوبه وقانونه . معظم هؤلاء الشباب من المتسكعين الطامعين دون عمل يلتفون حول الشاب، ويغذون غروره طمعا بالحصول على ثروة أبيه لأنه الوريث الوحيد لذلك، تراهم بايعوا الشاب زعيما وقد وضعوا في بداية الامر خطة تدفع الشاب الى قتل أبيه، لكنهم فشلوا كما انهم في خوف من موت كولبي ويرث الابن كل شيء دون تأثير الشباب حينها سيُحاط بمفكرين ومستشارين يبعدونه عن تلك الحلقة فيخسرون كل شيء، لذلك يجب استغلال تلك الحلقة بعناية.. قال الأول :
- أهم شيء ان الشباب بحاجة الى مال ونحن بحاجة ان نكون معهم وبصلة بهم قال الثالث :
- وان تكون تلك الاعمال خارج نطاق كولبي .قال الرابع :
- ليطمئن الشاب إليهم ويشترك في تنفيذ العمل المهم الذي سيصطاده . قال الثاني :
- يبدو انك قد وضعت خطة محكمة . أجاب الرابع :
- بعد ان نثق بالشباب نوصلهم بشبكة تعمل في تجارة المخدرات وبعمليات كبيرة نسعى ان تنجح لهم عملية او اثنتان يكسبون من ورائها مئات الآلاف او حتى الملايين حتى يصبح الفتى تحت رحمة المجموعة بعدها نفكر كيف نوقع بالشاب وذلك بأن يتورط بعملية كبيرة تقوده الى السجن بذلك نصل الى تدمير كولبي قال الثالث :
- إذن علينا الان نقرب الشباب ونغذي طموحاتهم . الجميع :
- حالا ودون تردد،  قال الرابع :
- إذن الخطة جيدة من حيث المبدأ قال الأول :
- عملية رائعة لو تمت ستفتح لنا أبواب كولبي قال الثاني :
- وهو محطم . قال الرابع :
- في التطبيق يجب ان نستخدم كادرا خاصا لاؤلئك  الشباب لان الجانب الثاني وهو الأهم يجب ان يتم خارج دائرتنا وإلا تكون لنا اية صلة . الأول :
- صدقت تلك نقطة مهمة وإلا جرفنا التيار . قال الثاني :
- علينا مراقبة حلقة داني والحفاظ على وحدتها من الانفراط . قال الثالث :
- ان نحذر مخبري كولبي . عاد الرابع وقال :
- بل فكرت ان نجعل الفتى يهادن أباه والأب يرضى قليلا عنه ويتوهم ان ابنه يقوم بأعمال مفيدة . قال الأول :
- لا تنسوا الفتاة علينا الاعتناء بها لان دورها سيكون مهما . قال الرابع :
- وان نغذي الشباب بهدفهم الأساس ونسخر لهم الصحافة والكتاب هذا من جهة ومن جهة اخرى ان يبقى داني هو الزعيم حتى ان حاول بعض أصحابه التمرد عليه حين يصيبه اليأس من الثروة التي انتظروها عليه يجب ان نطعم التنظيم بجماعة ترسخ زعامة داني وقوته في تلك الحلقة . قال الثاني:
- حتى لو تطلب الامر الى تأسيس جمعية مجازة خاصة بهم . قال الرابع :
- بل سيكون لهم ناد فيه من النشاط الفني والأدبي . قال الثالث :، وابقى خائفا من كولبي قال الرابع :
- ذلك يتوقف على دقة تطبيق الخطة وحسن تنفيذها . قال الأول :
- الا ترون ان تنفذ الخطوة المهمة يوم الإيقاع بداني في خارج الولايات المتحدة . قال الرابع :
- فكرة جيدة لم تكن ضمن خطتي .




27
الفصل العاشــــر


باستطاعتي انا مالك هوني لاند بمن فيها، أن أقيم مدنا للحب وافرش شوارعها بالورود يسير عليها المحبون واصطاد نهارات الربيع الجميلة لا تزعجها الرياح الشتائية او سموم الصيف المبكر، بإمكاني ان اختار من كل لغة او قوم زوجا من المطربين ينشدون للحب لنقيم عرسا عالميا .. ولكن ليس بإمكاني ان ألبي رغبة صغيرة يتمناها القلب لا تكلف الآخرين جهدا او شرا، والقلب حين يصيبه اليأس يشكو للروح … هيا أيتها الروح المعذبة بأثام نفسي الضعيفة اصنعي الامنيات المستحيلة، لعبة جميلة لتكون رياضة لنفسي الهائمة دون مستقر ونفسي تراودني .. خذ هذه الفتاة الصغيرة وحلق بها الى المدن البعيدة، تبا للمدن الفاجرة خذها الى الجزر المنقطعة، هناك أقم هيكلا ومارس عبادة خاصة والجسد الفتي يشع دفئا وروحك التواقة الى عنفوان الحياة تتجاوب هائمة . امزج مشاعرك الحزينة بالألوان المرحة التي تصطاد الحياة من حركة الطيور المارقة .. هيا ودع الناس يسعون خلف مشاكلهم . أيها الراكض خلف الغيوم الباحث فيها عن اسرار الناس في ظلام الليالي هلا تشاغلت بأسرارك، اجمعها واودعها بئرا امينة وانصرف الى حياتك هيا أيها الجائع للحياة أقم بعيدا على ضفاف مجهولة هناك أقم هيكلك ضع فيه أيقونتك المقدسة لتشع نورا وحبا مارس عبادتك ارم واجباتك الاخرى خلف ظهرك وادفن هموم هوني لاند في ارضها وارحل نقيا صافيا هناك تصلك أنباء سارة عن ابنتك البائسة التي تبحث عن الحياة حتى وهي داخل مقعد عجزها .
دخل كولبي هادئا قلت له وانا اعرف انه عائد من رحلة الأحلام : عدت مبكرا يا كولبي .
- لقد عدت لأسافر يا آدم . سأقضي ثلاثة ايام او اربعة الى حين تصلني أنباء كيتي سأترك لك عنوان الفندق وتبقى على اتصال دائم خاصة ان وصلتك أنباء العملية وستكون سماتا معي .
وكانت سماتا تتنقل بخفة وفرح تعد حقائبها حتى جاءت تودعني مرتبكة تمنيت لها السعادة وخرجت لأودع كولبي حيث تقف الطائرة العمودية التي ستقلهما الى المطار . كان طومسن هناك يلاحق سيده ويسجل ما يقوله، حين استقر كولبي في مقعده مد يده يستقبل سماتا أجلسها الى جانبه ثم ريدي الذي جلس الى جانب قائد الطائرة استغربت لذلك اذ لم يبلغني كولبي بسفر ريدي، عللت، قد يوصلهما الى المطار لكن القلق ظل ينبت وانا ألوح الى الفتاة وهي تنظر الى ريدي برعب وقد تبخرت سعادتها بالسفر قلت لريدي وانا اقترب من الطائرة : عد مبكرا يا ولدي هنا بعض الاعمال تنتظرك . قال  ببرود :
- انا مسافر مع السيد فورستر تدبر أمرك .
ماذا يقصد كولبي بهذه التصرفات السخيفة، هو واثق من خوف الفتاة وكرهها لذلك الوحش، لماذا يحشره في كل مكان تكون فيه هل هو يمثل لعبة القط والفأر يبقى الفأر مرعوبا ملتصقا به
لا اصدق لأنه يحبها .. قال لي يوما والخجل في وجهه (( احب هذه الفتاة يا آدم كأبن العشرين، وانا معها اشعر بانفعالات تهز بدني . انها ذات النشوة التي يحسها العاشق، مسكين لا زالت عقد الحرمان القديمة تسيطر عليه وهو ينكر هذا (( أبدا يا آدم كانت نانسي بعمرها يوم تزوجتها وكانت اكثر بهاء واناقة مع ذلك لم تفلح ان تجعلني عاشقا لها )) وفي مرة اخرى أكد (( انا سعيد بها يا آدم وأنت مخلص لي فهل هذا الامر معيب ؟ الفتاة طاهرة تحنو علي ترطب حنايا القلب التي راحت تتخشب تعطيها من طراوتها )) غريب كولبي هذا يبدو كطاغية وفي داخله طفل صغير يفتش عن تسلية يهرب بها من عالم يخافه، رغبات صغيرة اقرب الى حماقات المراهقين مع ذلك تنسيه معاناة كبيرة . عدت الى القصر بعد ان أقلعت الطائرة صادفت احدى الخادمات لتقول باهتمام :
- هل قرأت الجريدة ألم تقرأ هذا الخبر ؟
- هاته يا سيدتي اقرئيه لي .
- انه عن مقتل السيد روبسن، مسكين سيمون … صعقت للخبر ربما كنت أتمنى ذلك لكنه القتل لقد هزني الخبر وقلت :
- كيف حصل ذلك ؟
- عفوك يا سيدي انا واهمة، الخبر يقول وجد منتحرا وقد أوصى بعشرة آلاف دولار مودعة في البنك الى سماتا أبرا هام وصيفة تعمل عند أل فورستر في ضاحية هوني لاند .؟
هراء   هراء ! انظري جيدا أيتها الحمقاء، شعرت ان صوتي كان قاسيا مما جعل الفتاة تتراجع مرتبكة قالت :
- عفوك سيدي خذ واقرأ الخبر .
تناولت الجريدة وقرأت (( اكتشفت الشرطة حادث انتحار المدعو سيمون جان روبسن في شقته المرقمة 372  الواقعة في الحي … أطلق المذكور رصاصة على صدغه من مسدس وجد في يده بعد ان كتب ورقة لعن فيها الحياة واوصى بمبلغ قدره عشرة آلاف دولار الى الآنسة سماتا أبرا هام تعمل وصيفة عند أل فورستر في ضاحية هوني لاند )) .
يا للفظاعة ما الذي يجعل الرجل يلجأ الى الانتحار وهو جبان يتشبث بالحياة يخاف حتى الحشرات الصغيرة وما علاقة سماتا بالآمر وانا محط أسرارها لم اسمعها يوما تتحدث عنه مسكينة هذه الفتاة لا يتركونها وشأنها .. كيف سيكون وقع النبأ على كولبي او على نانسي ؟ يجب ان استحلي الامر بعد عودتها وسأجعل كولبي يتدخل في الامر .
 مساء تلقيت مكالمة من كولبي يخبرني عن وصولهم بسلام واستفسر عن الأوضاع . أملى علي اسم الفندق ورقم الغرف التي يشغلونها لم اخبره عن خبر انتحار الشاب الفرنسي .
في اليوم الثاني حدثني طويلا عن سعادته وسرور سماتا وتحدثت الفتاة بلهفة أرسلت قبلاتها عبر الهاتف ولم أشأ ان أكدر سرورها بذلك الخبر بينما بقيت أسيره وانا أحاول ان اجد تعليلا، تمنيت لو اعرف شخصا خبيرا باكتشاف الجرائم لاستخدمته للتوصل الى الحقيقة . في اليوم الثالث كنت أتنقل لأنجز بعض المهام وانا مرتبط بالهاتف لأنه كان يوم العملية كما أكدت نانسي، وقفت طويلا قربه وكأني استعجله ليرن لكنه ظل اخرسا لساعات وكان الآخرون ايضا هادئين كفوا عن اتصالاتهم وإزعاجهم . اتصل كولبي في العاشرة قال خائفا : فشلت في ان اصبر نفسي يا آدم الدقائق تمر بطيئة انا اختنق وأنت صامت لقد كنت محقا في عدم التزود بعنوانهم .
لم يصدق انني لم استلم اية مكالمة، كان صوته مرتجفا يخشى ان اخبيء نبأ سيئا، يوم سفر ابنته رمى الورقة التي تحتوي عنوانها في باريس حسب طلبي وقال (( احتفظ بها يا آدم لأنني سأضعف واكرر الاتصال بهم كما أرجو الا تهمل أنت الاخر ))
انه محق لأنه أمله الاخير بعد فشله في ترويض داني، الساعة تقارب الثانية عشر ظهرا أي انهم دخلوا المساء في باريس ولا يعقل ان تستمر العملية طوال النهار، شعرت بحزن عميق يعتصر قلبي كما قرأته خوفا حقيقيا وقلقا صادقا على وجوه الآخرين، الكل يحب الفتاة ويعطف عليها والكل يتمنى شفاءها، أردت ان أنسى قررت الخروج قد يكون ابتعادي عن الهاتف سببا في حل عقدته وما ان تهيأت لأكلف خادمة لتحرسه حتى رن جرسه التقطت السماعة ولاحظت عددا يتجمع حولي وجوههم مترقبة بخوف الكل يحبس أنفاسه انه صوت نانسي كلماتها مرتبكة متلاحقة شعرت فيها تلهث منفعلة وهي تقول : بشراك يا عم آدم كل شيء على ما يرام، تمت العملية بنجاح هكذا بشرنا الرجل . وحين استفسرت عن التأخير قالت : لقد استغرقت العملية سبع ساعات كاملة لكنه أرجأ النتيجة الى ان أجرى لها فحصا دقيقا بعد ثلاث ساعات لقد فحص أعصابها وقال كل شيء رائع . أرجوك بشر كولبي بشر هوني لاند وزع عليهم الحلوى والهدايا وقل لصاحبك ان يغسل قلبه ويكافئ الناس والان أودعك لأذهب اليها واكون بقربها .
تلقف العاملون ذلك النبأ السعيد وخلال دقائق وصل الخبر الى ابعد زاوية في هوني لاند التي احتفلت، رقصت بعض النسوة كما فعل الرجال، بينما بقيت ملازما للهاتف وهو يخذلني في الاتصال بكولبي وحين أفلحت، كانت سماتا على الهاتف اما كولبي لم يكن اقل انفعالا عن زوجته وقال مؤكدا :
- بشر يا آدم اهل هوني لاند، سأمنحهم مكافأة أجور شهر كامل مع احتفال كبير للجميع اضافة الى الحفل الساهر يوم نستقبل كيتي يكون بعده يوم عطلة، كما تخبر طومسن لينشر الخبر في الصحف بكثير من الإثارة وان يكون معززا بصور كيتي،  انا عائد غدا صباحا .
في اليوم الثاني عاد السيد فورستر مرحا مزهوا وتقبل التهاني من الجميع بود ولطف وتواضع ثم غادر الى المدينة لانجاز بعض الاعمال،  عاشت هوني لاند أفراحا حقيقية لم ترى مثلها . جاءني احدهم يخبرني بوصول داني على دراجته النارية، سررت لمقدمه تصورت انه جاء ليشارك الآخرين أفراحهم، وكان اول من التقى به ريدي، لما سأله عن أبيه أجاب الرجل ببرود :- لا اعلم . غضب الشاب لسلوك ريدي وأهانه وظل هذا محتفظا ببروده ونظرته الدموية بينما انصرف داني الى غيره،  اعلموه ان أباه في المدينة حتى صادف سماتا التي كلمته برقة وبشرته بشفاء أخته، انبهر حين وجد الفتاة بتلك الهيئة ونسي غضبه وانفتحت أساريره وهو يتودد قائلا :
- حقا أنت رائعة يا سماتا .
-   اشكرك يا سيدي ونحن فرحون بسبب … قاطعها وهو يتقرب :
-    أهلا بأجمل سوداء رأيتها (وهو يقرص خدها) هي أنت .
-   شكرا لاهتمامك
-   تتقدمين بسرعة وسيكون لك مستقبل رائع .
-   اشكرك سيدي، ان كنت تريد العم آدم فهو في القاعة الكبرى .
-   ما الذي يدعوني الى البحث عن الشيوخ وأمامي هذا الربيع .. كلهم سواء لا يتنازلون عن آرائهم ومواعظهم، هيا أيتها الساحرة من أجلك أتنازل عن كل شيء هيا نتحدث .
خافت الفتاة وحاولت ان تنصرف وهي تخشى مزاحه الخشن، لكنه امسكها  من يدها وسحبها .
- هيا الى غرفتك لأبلغ رسالة مهمة تنقلينها الى أبي فأنا لا أثق بأحد .
راحت الفتاة تتلفت عساها تجد من يعلمني بالآمر لانقذها من حماقات داني، انقادت وهي تلتمس ان يتركها لأعمالها وذكرته بنجاح كيتي لكنه قال :
- بل حدثيني أنت مللت حديثهم . سحبها الى غرفتها وهو يحاول ان يبدو لطيفا وقال :
- حدثيني عن سفرتك أولا، أنت محظوظة انا نفسي ما لمست الاهتمام الذي يوليه لك ذلك العجوز .         
– ولكنك ابنه وتحمل اسمه .
- إذن تعرفين من انا إذن أطيعي سيدك .
 وضع ذراعه حول خصرها ليدخلها غرفتها وهي ترجوه خائفة، رأتهما احدى الخادمات توارت متلصصة سمعتها تتوسل لكنه حملها ووضعها على السرير وراح يقبلها ويعض وجهها وهي تتأوه وهو يردد :

- أنت طبق من العسل الشهي كنت اسخر من أبي لكنه محق .. هل توافقين ان أكون الليلة ضيفك أنت اليوم في بهاء الأميرات . وراح يقبلها وهي تقاوم محاولة التخلص منه لكنه شل حركتها مزق قميصها وعرى صدرها وصوتها يرتفع متوسلا :
- دعني أرجوك سيغضب أبوك ان علم . أنت تؤلمني ستضطرني ان اصرخ وهذا لا يليق بك .
- اصرخي ما شئت واجمعي الخدم والسادة لا احد يأخذك مني .
- لكنني احترمك يا سيدي .. أرجوك . وكانا في صراع وهي تقاوم بكل قواها وتلتمس :
- أرجوك اتركني انهم يطرقون الباب .
-   دعيهم يطرقون .
-   لكنني اطلب نجدتهم أرجوك أرجوك أرجوك ؟
حين دخلت هالني ما أرى، كان كالنمر المفترس فوقها وهي تقاوم، حالما رآني ابتعد وراح يسوى من هندامه بينما انكمشت هي في زاوية السرير تبكي . نظر إلي وهم ان يغادر الغرفة دون ان يقول شيئا لكنني صرخت به :
- انتظرني في الصالة يا سيد فورستر .
أمسكت بيدها لأنهضها لكنها سحبت يدها منكمشة على نفسها تغطي صدرها بذراعيها وكان الباب مفتوحا، لاحظت ان إحداهن تراقب ما يحصل في الداخل هي ذات الخادمة التي أبلغتني بما يجري صرخت بها لتنصرف ثم أغلقت الباب وطلبت منها ان تكف عن البكاء، تحاملت على نفسها نحو خزانة ملابسها وتوارت خلف درفة الباب ترتدي قميصا اخر وهي تردد : لم يكن خطأي .. لقد دفعني بقوة، انا بائسة ماذا لو علم مستر فورستر، قد يطردني او يغضب على ابنه، لقد حبست صوتي وكان قاسيا لم يصغ الى توسلاتي .
- كنت حمقاء كان يجب ان تصرخي وتدافعي عن نفسك .
-   كيف ؟ إذا غضب …
-   كان يجب ان تصفعيه، أنت فتاة محترمة ولو لم يتراجع كنت تعملي أظافرك بوجهه، دافعي عن نفسك وهذا من حقك يا ابنتي، أنت لست ملكا لأحد حتى كولبي نفسه لست مجبرة ان تطاوعيه خارج حدود إرادتك . كانت لا زالت ترتعش وهي تقول :
-   - لكنه أكد ان لا احد يستطيع ان يأخذني منه أرجوك سيدي انا اكره حياة داني واكره ان يقودني الى أصدقائه ومجونهم .
- أنت غبية يا سماتا لا احد يملكك فاللوم يقع عليك .
- منعته وحاولت لكنك تعلم كم هو قوي .
- هل تعلمين يا صغيرتي من حقه ان يفعل وعليك يقع اللوم لأنك أصبحت جميلة لدرجة جعلت الفتى يفقد صوابه ولا يفكر بمركزه .. غيرك يفخر بذلك : 
- : لكنني أيضا أعطف على كل من يمدحني،هل يقع اللوم......قاطعتها بسرعة
-هل علمت لماذا يقع اللوم عليك . قلت ذلك لأدخل الطمأنينة الى قلبها فقالت وقد تغيرت نظرتها :- حتى أنت يسحرك جمالي يا عم .
- طبعا يسحر كل اصحاب الذوق الرفيع لكن بعضهم لا يعرف كيف يتصرف، انا أريدك جميلة لتزيني هوني لاند واصون جمالك من عبث السيئين، اطمئني يا عصفورتي لن يصيبك أي سوء اذهبي الى مكتب سيدك وقومي بواجبك قد يصل ومعه الآخرون .
قبل ان اخرج تذكرت حادث سيمون :
- هل كان كولبي يقرأ الصحف خلال وجودكم هناك ؟
- لم أره يقرأ شيئا .           
– لا بأس هيا الى عملك .
خرجت وتركتها تتهيأ لتذهب الى عملها وقصدت داني الذي كان ينتظر في الصالة كان جالسا مشدودا يشعر بالذنب، هكذا خلته وقفت خلفه وضعت يدي على كتفيه انتصب واقفا وهو يلقي نظرة عتاب لأنه عرف انني جئت مؤنبا، قابلني متحديا واخذ يشد قامته ليبدو قويا مهابا .
قلت بهدوء : هل بإمكاننا ان ننتقل الى غرفتي ؟
- علام في غرفتك وهذا مكان فسيح، ام انك تحاول ان تذكرني بطفولتي لتلقي علي احدى مواعظك، الا تلاحظ انني أصبحت رجلا وها تراني أطول منك ؟
- لذلك أسعى لأعرفك بدورك كرجل محترم سليل أل فورستر .
- أرجوك،  انا افهم الأمور منذ صغري وأبي يردد (( اعرف دورك في الحياة )) لكنه لم يدع لي اية فرصة ولم يرض ان يكون لي دوري، بينما الخدم والعمال وحتى الحيوانات لها أدوارها تعمل بحرية ما يحلو لها وتتصرف على سجيتها، بينما أبقى انا مراقبا في كل خطوة وكأن وصولي الدار طاعون يدخل المنطقة، أي مستقبل ينتظرني هنا معكم ؟ حتى آنت من كان يرعاني ويحميني صرت تنظر إلي باحتقار من اجل خادمة سوداء، أه عفوك ما قصدت، لقد غضبت علي من اجلها وقد لا يرضى خادم من خدمنا لتكون له زوجة او صديقة، بينما أنت هنا من اجلها تشعرني المذلة وكأني ارتبكت أمرا بشعا ومئات الفتيات يتمنين ان اقضي الليالي في مخدعهن، انا اعرف حقيقة الامر اعرف انها الطبق الشهي الذي يتلذذ به أبي وهو محظور على الآخرين، كل شيء من اجله وهو لم يبق بحاجة الى شيء، تجاوز السبعين ونال من دنياه ما فيه الكفاية، كم قلت لي (( كل شيء سيكون لك والثروة ستؤول إليك، متى ؟ حين اكفر بالنقود والأموال ؟ اعلم يا عم آدم انني قررت ان أضع حدا لحياتي هنا . اما ان يلبي رغبتي او أحرقكم جميعا وأدمر كل شيء حتى الحيوانات والأشجار ما بت طفلا يقبل الإهانات جئت أحاسبكم لأعرف ان كان لي حق عندكم .
- لكنك بهذا الاسلوب تفقد كل حقوقك .. عد الى وعيك وافهم ان تصرفاتك لا ترضي أحدا، بإمكانك ان تصلح الأمور وتصبح اسعد إنسان وسترى ان الذي قلته هراء وخيال سيئ،  انا احبك واخاف عليك وقد عفوت عن تصرفك الأحمق فأنت اعتديت على فتاة مهذبة .
- دعك من كل شيء قل باختصار ان كنت قادرا على مساعدتي وإلا نفذت تهديدي .
- أبوك لا يثق بك يا ولدي ولا يدعك تتصرف بعيدا عنه وهو لا يبخل عليك بشيء، تصور ان علاج أختك سيكلفه اكثر من نصف مليون دولار وهو مسرور لذلك .
- عظيم ! اعطني مثل ذلك المبلغ مؤقتا لانصرف بسلام .
- دون ان تعطي أباك فكرة او وعدا او أملا .
- أعده الا يرى وجهي هنا طوال سنة كاملة .
- مسكين أبوك، أنت تؤكد أقواله (( لقد جنح داني ولا يمكن إصلاحه )) .
- ان كان هذا رأيه سأتصرف على هذا الأساس، لكنكم أغبياء أنانيون حمقى سأنفذ تهديدي .
- حذار يا ولدي … وقبل ان اكمل كلامي خرج حانقا .
جلست على مقعد هناك أفكر بما ألت اليه أحوال هذه العائلة . علام يكافح الرجل وهو يفشل في هذا الامر، كولبي الذي عاش مع الكلاب السائبة في الموانئ القذرة، رافق المنحطين وعاشر المنحرفين وتمنى ان يحقق أمنيات متواضعة، حلم بالزوجة والبيت الصغير والسرير الدافئ والأطفال لكنه حين امتلك كل ذلك بأضعاف ما تمنى عاد خائبا ليؤكد انه لم يحقق شيئا، كأن كل شيء حلم لذيذ في ليلة رائعة . محق أنت يا كولبي حين تقول (( انا أحسدك يا آدم، لك زوجتك وطفليك والأمان الذي تحسه في غرفتك المتواضعة )) ليس غريبا ان يحسد كولبي خدمه . فاجأني واقفا وانا ساهم ما كان يعلم انني ارثيه ابتسم قائلا :
- هيه آدم، ما بك منذ دخلت وأنت تفتح عينيك وتستوعب قامتي وهيكلي دون ان تنبس بكلمة بما كنت تفكر ؟
-   بك دوما وهل باستطاعتي ان أفكر بعيدا عنك ؟
-    الى أين أخذتني أيها العجوز الخبيث ؟         
-   - ألم تصادف داني في طريقك الى هنا ؟
-   قيل لي انه هنا لكنني اكره البحث عنه .
-   الأفضل ان تراه يا آخي . هو ابنك وبحاجة إليك، انا الاخر مللت .
طبعا هو بحاجة وحاجته لا تنتهي ، دعني من سخافات هذا الولد وقل لي …
قاطعته نافذ الصبر حتى سمعنا بعض الخدم :
- بل اترك أنت سخافاتك اترك إمبراطوريتك وشركاتك التي تجلب عليك وعلى اهلك الدمار والشقاء، اترك المشاريع والأعمال اللعينة وأصغ لنا جميعا، أسرع وفتش عن ابنك انه مريض بل يعاني أسوأ مرض يعرفه الإنسان أسرع اليه ان كنت لا زلت تملك عقلك، داني في خطر يا كولبي .
- اللعنة عليك وعلى داني، كفاك صرخاً سأفعل، فقط اهدأ، وجلس منهارا يتكلم بأسى  :
- ما حيلتي سأمسك به وأعالجه على طريقتي .
- لا يا صاحبي لا تفعل ذلك قد تقضي عليه أرجوك .
كنت احلم وكأني اركض خلف كولبي وهو يركض خلف ابنه شاهرا سكينا كبيرة وانا اصرخ لا يا كولبي ما شعرت الا والخدم يحملونني الى غرفتي وكولبي يقول أشياء لم افهمها وكأن صوته قادم من اخر الدنيا .

……………………………………..

نصحني الطبيب ان ارتاح لفترة، دخل كولبي غرفتي، عيناه تنطقان بالحزن قال مداعبا وهو يعبث بشعري : أنت هكذا تغيضني وتثير حسدي انظر الكل هنا حولك يخافون عليك ليتني أحظى بشيء من هذا الاهتمام والعطف . قلت هامسا : هل وجدته ؟
وانتبهت الى ريدي الواقف خلفه كانت عيناه تنطقان بأشياء اكرهها هكذا خيل إلي وقال : اطمئن يا صديقي سأفعل ما يرضيك . استدار وخرج يتبعه ريدي وانا اهمس (( مسكين كولبي يخشى ابنه بينما يسير معه ذئبه الذي سيفترسه يوما ))

                              …………………………….

التفت كولبي الى ريدي الواقف دائما بقربه وقال : أين سأجد ذلك الطفل .
- سأحضره يا سيدي فقط عندي ملاحظة لو تسمعها . لما رآه مصغيا اكمل :
- العم آدم شحن افكار سيدي الصغير ومن الصعب ان تتفاهم معه الان . دع آدم يقوم بالمهمة ومن ثم تجتمع معهما سوية لترى ماذا استجد في الامر.
-   ماذا تقصد أيها الأحمق ؟
-   أرى ان اسلوب العجوز مغاير للتربية الحديثة فهو الذي دللـه و….
-   اخرس يا ريدي ولا تحاول ان تدخل الشكوك الى قلبي، آدم له طريقته وان كنت ارفضها لكنها الأفضل، انه مخلص فقط داني الذي جنح بعيدا، اذهب وأحضره هيا انصرف .
خرج ريدي الى حيث أمره سيده بينما جلس هو في مكتبه يعاني من الحيرة كيف يعالج ولده (( صدقت يا آدم انا لا أساوى شيئا دون بيتي واهلي بينما أعاندك انني كل شيء في هوني لاند ))

                         ………………………………….

استعدت نشاطي مساء وقمت بجولة حول القصر دخلت بيوت بعض العاملين لأسلي نفسي بالحديث معهم، سمعنا ضجة أسرعت احدى الخادمات تخبرني ان هناك من يطلبني لأمر مستعجل أسرعت وجدت احد العاملين ينتظرني : هيا يا عم آدم داني سيطلق الكلاب ويقتلها . أسرعت الى حيث وجدت الفتى قرب ملاجيء الكلاب يحمل اناء فيه من اللحم والطعام وبعض الحراس يحاولون منعه وهو يسبهم ويضربهم تقدمت منه وانا اصرخ به دفعني واقتحم المكان يرم اللحم للكلاب صرخ احد الخدم : انه لحم مسموم .
صرخت بالخدم ان يمسكوه دون تردد او خوف، حينها هجموا عليه وقادوه الى حيث طلبت .في غرفتي علمت ان كولبي هدد الفتى بأن يسلمه للشرطة او يسجنه في القصر وانه سيحرمه من الميراث ومن اسمه، جن الفتى وشرع في تنفيذ تهديده بدأه بمحاولة قتل الكلاب كان هائجا وهو يصرخ :
- دعني يا آدم دعني اقتل كل شيء دعني احرق هوني لاند بأهلها .
- لو أصغيت قليلا يا دانيال يا ولدي .
- ما بت املك صبرا جميعكم تتآمرون علي، طلبت من أبي مبلغا زهيدا لأنفذ اعظم مشروع في حياتي وكنت سأرفع اسمه، يتصور انه كوَنَ شهرة، لكن الكل يمقته ويتمنى خرابه، لا بأس سأغادر، اعرف ان عيونكم مفتحة الان لكن لا بد ان تغمض يوما وارض الله واسعة وحيثما وصلت، سأسبب له الفساد سأسرق اسمه وأزوره واطعن كبرياءه بل سأذله .
أمسكت بيده وقلت بهدوء : تمهل يا ولدي ان الذي تقوله يكفي ان يقودك الى السجن، عيون أبيك في كل مكان، ماذا لو أعطيتك مبلغا بسيطا تبدأ به، هو متواضع لكنه قد يصنع لك معجزة ان كانت لك إرادة وعزم ، تبرهن للعالم ان فورستر الصغير اعظم من أبيه لأنه ابتدأ من الصفر ولم يعتمد على أبيه ماذا تقول ؟
هدأ قليلا وجلس صامتا لكنه كان يتنفس بسرعة لان الغضب لا زال يسيطر عليه قلت بحنان : انه مبلغ متواضع أعددته لكارل ليفتح له عيادة في مكان ما، يمكنك ان تستغله بعمل صغير حتى ان فشلت سأبارك محاولتك ما دمت تبذل جهدا .. حذار ان تقوم بحماقات تؤذيك .
وأخرجت له المبلغ :
- خذه، تسعة آلاف دولار كنت قد وعدت ان أكمله عشرين ألفا لكنك أحوج اليه من كارل . نظر الى المبلغ وابتسم ثم ضحك عاليا وسط حيرتي حتى قال : تسعة آلاف دولار ؟ هذا كل ما عندك لولدك ؟ تسعة آلاف أيها الرجل الطيب هذا ما خرجت به من دنياك مع أل فورستر ؟ حتى آنت تخرج مخدوعا بتسعة آلاف ؟
-   لا تعجب يا ولدي لم أفكر يوما بالادخار لو طلبت من أبيك لأعطاني، لكنني ما أردت .
-   لا بأس سآخذه قد يفيدني لبضعة ايام .
تناول المبلغ وراح ينظر إلي ويهز رأسه ساخرا ثم خرج دون ان يشكرني . جلست أفكر بالحماقة الجديدة التي ارتكبتها اضافة الى حماقاتي السابقة،  سيسخر مني كارل حين يعلم ان آدم مَنَّ على أل فورستر بمدخراته التي قتر بها على نفسه ليقدم بداية جديدة تنقذ سليل فورستر من الضياع والتشرد ؟ طبعا سينمو فورستر جديد ويكبر بفضل البذرة النقية التي زرعها آدم في قلب الشاب وسيكبر الولد الضال ويعمل وينشأ فورستر جديد ويكون ثروة جديدة، اما أساليب فورستر الابن فستكون احذق من أساليب أبيه وستنشأ هوني لاند جديدة فيها آدم الابن وسيسمن وسيمن فورستر الابن، على آدم الابن بوظيفة خادم او تابع يتلقى الفتات من موائد سيده ويتكرر التاريخ، ويولد فورستر الحفيد ليستخدم آدم الحفيد ليمثلا ذات اللعبة جيل يرحل وجيل يولد وفورستر هو فورستر وآدم يبقى هو آدم !!! ترى هل سيكون هذا ايضا مكتوب في لوح القدر الذي تحفظه السماء ويقرره الخالق …  ؟؟
لو توصل كارل الى هذه النتيجة سيكفر بكل شيء واكون السبب، وأية سجلات سماوية سيعتبرها ظالمة هيا انصرف الى أعمالك لا تندم حتى ان كنت تصرفت بحماقة .

28
الفصل التاســــــــــــــــــــــــع


كانت سماتا تتحرك بسرعة واهتمام أسرع كولبي خلفها مستجيبا لاهتمامها وتناول سماعة الهاتف وراح يحادث طومسن، الحديث مبهم لكن الفتاة قرأت أهميته في نبرات سيدها ووجهه وما ان وضع السماعة حتى قال :
- اخبري ريدي كي يهيء الطائرة انا مغادر الان . وقصد غرفته ومثل هذه الحالات تنقلها الفتاة لي بسرعة، أسرعت الى القصر لاجد كولبي قد استعد للمغادرة قال قبل ان اسأله :
- سأخذ ريدي معي انهم لا يدعوننا نعيش بسلام .
وسار نحو الباب الخارجي وانا خلفه التفت إلي وقال :
- حاول ان تكون أذنك ساهرة على الهاتف .
- اطمئن يا صديقي انا اعرف انك تقصد اخبار باريس .
خرج يتبعه ريدي الذي استفزني بنظرة نارية (( مسكين أنت أيها الأسود تسير خلف سيدك وكأنك مالكه، مسرور لأنك تنفذ مهماتك ولا تتصور انك قد تتحول يوما الى مهمة ينفذها آخرون مثلك ))
هنيئا لك يا نانسي أنت الان قرب ابنتك لا تطولك يد ريدي او حقد كولبي،  نانسي تصر ان النمل لا يدب على ارض هوني لاند ولا الديدان تتسلق الاشجار دون علم كولبي، لكن المغرور ريدي يتصرف احيانا من وراء ظهره معتقدا ان سيده لا يستطيع الاستغناء عنه، لا اعلم هل هي هوني لاند التي تفسد النفوس ام نحن نفسدها .
انتبهت الى نفسي وانا واقف لفترة طويلة في مكاني، وتذكرت ان علي ان امر بأماكن العمل كذلك ان اشرف على اعمال سيمون بعد تغيبه، كما نسيت ان اكتب الى كارل، لو كان هنا لحاكمني معاتبا . أين أنت يا ولدي كيف تركت الجامعة، غاضبا ام متألما ام تريدني انا الاخر ان اترك هوني لاند وآتيه بحثا عنك، انا واثق انك لا تطيق بقائي هنا لكنني أحق بهذه الارض من صاحبها الشرعي قد لا أكون مالكها لكنها ملكتني، الا تعلم ان كولبي ما قتل من وقته واهتماماته كما فعلت انا هنا، قد تحزن ان أعلمتك انني أتجول في الممرات والساحات وقرب الأحراش أفتش عن مكان يضمني ويكون مستقري الاخير هيا عد يا ولدي .
استفقت على صوت احد الخدم دخل لاهثا وهو يقول :
- انه داني يا عم لقد وصل توا .
- وعلام خوفك يا ولدي دعه يدخل حيثما يشاء فهذا بيته وهنا أهله .
وقبل ان اكمل حديثي كان الفتى أمامي طويلا مخيفا شاحبا ربما لعدم استقراره .
-   أهلا داني فورستر انا سعيد لعودتك .
-   أهلا بالعم الطيب .. أين أستطيع ان اجد أبي ؟
-   هذه بداية رائعة يا داني، تستطيع ان تنتظره قد يعود مساء .
-   ايضا يعاكسني الحظ ؟
-   هيا يا عزيزي ادخل غرفتك واستقر فيها، ألم توحشك ؟ هيا حدثني عما فعلت في غيابك الطويل، قد أستطيع مساعدتك .
-   ليتني املك أبا مثلك لكنني …
قاطعته بسرعة وانا أضع يدي على كتفه : وما المانع ؟ كنت دوما في طفولتك اقرب إلي من أبيك، حقا لا املك ما يملكه أبوك لكنني امنح لك دوما من الحب أوفر مما يغنيك عن أموال فورستر .
-   لذلك تراني بحاجة الى ذلك الرجل الذي تسمونه أبي يجب ان اصفي معه أموري .
-   هيا نجلس سوية في لقاء عائلي ونبحث مشاكلك سوية قد نستطيع ان نتوصل الى امر مفيد،
لقاء عائلي ؟ كم هو جميل ان تطبق ذلك المقياس علينا .
وضحك طويلا قائلا:
- أنت تقول عائلة ؟ وهل نحن عائلة، أين أختي وأين أمي وأين أبي أين العائلة .انه واجب يحمله كل منكم اجيانا مكرها.
- أنت نفسك تتحمل مسؤولية في تشتت العائلة .
-   لقد فات الأوان، فقط جئت لأصفي أموري معهم بهدوء، لماذا اولدني وأنشأني دعه يعوضني على الاقل .
-   ليتك تفكر بهدوء قد تجد أباك اقرب إليك مما تظن .
نظر إلي برهة وهز رأسه وابتسم بحزن ابتسامة لم افهم معناها ومد يده دون ان يقول شيئا ورحل، كانت هناك عدة عيون تتلصص على ما يجري بيننا وما ان انصرف الشاب حتى اختفت، وقفت حائرا ثم تذكرت انني كنت ذاهبا لأشرف على عمل ما في الحقل حيث يعمل ثلاثة شبان أغراب مع العجوز بول الذي يقطن في هوني لاند منذ سنوات وجدتهم مستلقين على الارض يصغون للعجوز وهو يحدثهم عن أمور يضحكون لها تصورتهم يأخذون قسطا من الراحة عليه تجاهلتهم وبعد فترة عدت لأراهم على وضعهم اقتربت منهم وسمعت بول يروي أحاديث ونوادر مفضوحة ويقوم بحركات لا تتناسب وعمره وقفت الى جانبهم دون ان يبدو عليهم أي اهتمام ولم يكن من بد الا ان أوبخ العجوز وكان كلامي قاسيا فأنتبه الشبان حين علموا انني ذو شأن في تلك المزرعة لذلك اعتذروا وهرعوا الى اعمالهم بينما ظل العجوز مبتسما غير مكترث .
-   ما الذي تنتظر أيها الرجل كأنك تصغي الى اغنية أعجبتك .
-   بالفعل أعجبتني يا آدم وآثرت استغرابي .
-   عد الى عملك ولا تحدثني عن استغرابك .
-   لكن حرصك هذا يثير استغراب الجميع كنت عازما ان أحدثك يوما بهذا الشأن .
-   هيا الى عملك وحين تفرغ قد تجد لدي متسعا من الوقت للإصغاء .
-   وعلام ذلك فقط اعبر عن سخطي، هل تعلم انني كل يوم انهض مبكرا وارى ذلك القصر العظيم الذي نعيش خارجه واتكهن ما في داخله من خدم وأثاث يكفي لمعيشة وسكن اكثر من عشرين عائلة وهذه الارض الواسعة تشبع اكثر من مئة عائلة بينما كم هم الذين يستفيدون من هذه الخيرات ؟           
-    - الكثيرون .
-   ومن هم الكثيرون ؟                       
-   - علام سؤالك .
-   ثلاثة او اربعة من أل فورستر وأكثرهم غائب عن القصر .
-   وما شأنك أنت الا يكفي ان تعيش أنت واهلك وتنعمون بخيرات اصحاب القصر .
-   أرجوك اجبني كم عدد العاملين ؟ 
-   لم يتبادر الى ذهني ان أعدهم ربما اكثر من اربعين او خمسين .
-   من اجل من ؟              - من اجل ان نعيش .
-   ولكن من اجل من كل اولئك الخدم وتلك الحيوانات والساحات .
-   وهذه ثرثرة سخيفة عد الى عملك فأنت والآخرون تنالون أجورا مقابل أعمالكم .
-   ما ابردك يا آدم، مع ذلك تجعلنا نرهق أنفسنا من أجلهم واصحاب الشأن لا وجود لهم .
-   قلت لك عد الى عملك فعملك لا يذهب هدرا ما دام له قيمة تعود عليك بالنفع .
-   صدقت علي ان أعود الى عملي لكنك لا تستطيع ان تمنعني من التفكير .
-   فكر كما تشاء ولكن اكمل واجبك أولا .
-   وأيضا لن تمنعني ان اضحك بسخرية .
-   ايضا اضحك واسخر ما شئت ولكن بعد العمل .
-   وان ابصق على الدنيا كما أشاء .
-   ايضا ابصق على الدنيا ما شئت فقط كن حذرا وانت تبصقها الى الأعلى فتعود الى وجهك.
تركت الرجل وقد شغلني حديثه كان محقا لا يمكنني ان أوقف أفكاره انا الاخر تنتابني احيانا مثل حالتك أيها العجوز بول انا ايضا اسخر من غباء الأقدار التي تنظم هذه الحياة بشكل يثير السخرية، لكنني أعود واتذكر عمتي التي كانت تؤكد (( حين تحتار يا صغيري في امر يبدو لك في غير محله، تأكد ان الله جعل الامر تجربة لك وللآخرين فلا تتعب نفسك ولا تجعل منها مسؤولا عما حصل )) لكن كارل يرفض هذا النوع من الإقناع فهو يبحث عن السبب ان وجد خطأ حتى ان كان في مجرة اخرى، عام بعد عام احمل على كتفي هموم هوني لاند . صدقت يا بول فأنا احمل هموم اهلها الغائبين، هنا صاحت احدى الخادمات تنبئني ان مكالمة هاتفية من باريس تطلبني . كانت نانسي على الخط سمعت في صوتها رنة الفرح أعلمتني مرتبكة ان موعد العملية بعد خمسة ايام والأخصائي مطمئن للنتيجة وكيتي مسرورة وهي لا تكف السؤال عن كارل، لا زالت تنتظر رسالته،  سألت عن كولبي وداني أعلمتها ان داني قدم ومكث قليلا ثم غادر والأمور تسير على ما يرام .
بعد المكالمة طلبتنا السكرتيرة في الشركة لتوصلني بالسيد فورستر، قالت انه خرج ويمكن الاتصال بالسيد طومسن . أمليت عليه المعلومات التي حصلت عليها سجلها ليبلغ بها سيده .
شعرت بارتياح لاستلام الرسالة من باريس سحبت كرسيا وجلست امام الباب الرئيسي لكن افكار بول لا زالت تلاحقني (( لمن يخدم كل هؤلاء العاملين ولمن تزين هوني لاند وعلام السعي في إسعاد تلك الحيوانات التي تفوق تكاليف حياتها أضعاف تكاليف البشر )) ما ابردك يا آدم تجعلنا نعمل من اجل اصحاب الشأن واصحاب الشأن لا وجود لهم . سألت نفسي ماذا لو هربت نانسي ؟ ماذا لو خسرت كيتي الصغيرة حياتها في العملية ؟ ماذا لو اختفى داني نهائيا ؟ ومات كولبي كمدا عليهم ترى من يكون صاحب هوني لاند ؟ ستأتي الجهات المسؤولة وتطردنا وتستولي على كل شيء . وانا ؟ والأربعون عاما من الاجتهاد والسهر وانا لا املك سوى ركام السنين وحقيبة ملابس قديمة . انه الشيطان يا آدم يدخلك في تجربة سيئة، كنت مخلصا وامينا وكسبت حبهم واحترامهم وهذا صاحب الارض والأموال يحسدك ويقر انك اكثر سعادة منهم، اطرد الشيطان وهمساته يكفي انك تعيش نقيا فخورا بين اناس يحبونك اكثر من صاحب الشأن . كنت سعيدا حين وصلت الى هذه النتيجة قمت أسير قليلا وانا في طريقي الى المطبخ لأعد كوبا من الحليب ظهرت سماتا بوجهها الودود مستبشرة لا بد انها تحمل خبرا سارا أخرجت رسالة وراحت تلوح بها وبابتسامة عريضة تناديني : رسالة لك يا عم آدم .
- رائع تعطيني الرسالة فأعطيك قبلة .
هجمت علي وكأنها طفلة تعود من المدرسة لتتعلق بصدر ابيها، وقبلتني قبلتين لذيذتين أمسكت بأذنها وقلت :
- منحتك قبلة واحدة لرسالة واحدة وأنت أخذت اثنتين أيتها الساحرة الصغيرة أعيدي واحدة .أعطت خدها قائلة :
- خذها ولا تحتج .قلت لها :
 هيا نلعب لعبة لطيفة يا سماتا .       
– لعبة ! انها فكرة .. أين ؟
- اقصد لعبة كبيرة . ماذا لو أخذتك من كولبي .    صفقت بمرح :
- تتزوجني ؟
- أي زواج يا ملعونة! نلعب لعبة العائلة تصبحين ابنتي واحرم كولبي منك . 
- لكنه يقتلك.         
– وانا اقوى منه .       
– لكنني سأكون حزينة .   
– لماذا ؟
- انا حزينة بشأن هذا الرجل . أفكر كيف يتحمل وحده كل هذه الأحزان والمشاكل .
- وأنت تغسلين عنه الأحزان .
- اشعر احيانا ان أحزانه ومشاكله اكبر من ان يؤثر فيها الاشخاص .
-   أنت رائعة يا طفلتي وانا اصلي من أجلك .. هل سمعت بقصة مار كوركيس ؟
-   الذي قتل التنين ؟
- وانقذ الفتاة التي كانت ستقدم طعاما له من اجل اهلها .. أنت تلك الفتاة يا سماتا .
- هل تتصوره كالتنين ؟ هل تخشى علي منه ؟ انه مسكين ورقيق معي احيانا اضجر من سلوكه وقسوته لكنني أعود وارأف بحاله حيث اقرأ الحزن الحقيقي في عينيه أنت تعلم انه ما نال من جسمي اكثر من تلك المداعبات والقبل احيانا اشعر حينها انني معبودة وكولبي الجبار يتعبد أمامها، لذلك اشعر بجسدي مقدس ولا أستطيع التفريط به، وكم اشمئز حين يلمسني ريدي فأهرب الى الحمام لاغتسل، هل انا مجنونة يا عم ؟
- بل أنت مقدسة طاهرة تؤدين رسالة .
- لكنني حين اسمع همس بعضهم ينتابني الحزن .
- إياك ان تشعري بالخزي، بل واجهي الناس مرفوعة الرأس، ولكن نسينا الرسالة .
- خذ انها من كارل .             
- هيا نقرأها سوية .. أقرئيها انا لا احمل نظارتي .
- لكنها خاصة قد .. قاطعتها قائلا :
- ألم نتفق انك أصبحت ابنتي .قرأت سماتا :
- والدي الحبيب انا حزين للقلق الذي اسببه لك، علمت انك تحاول الاتصال بي وانا ابتعد متعمدا . ليتك تنساني لفترة يا أبي، لا بد ان أعود بعد ان تنتهي تجربتي . انا موزع بين حياتي الخاصة وقلبي وكلاهما يسبب لك المتاعب فأراك عاجزا عن وضع أي حل اقبل به، ان بقيت مرتبطا بهوني لاند خسرت مستقبلي وأصبحت شيئا ملحقا بتلك الضاحية الجميلة، اما ان روضت مشاعري لفترة ما فأمامي فرصة ذهبية، آمل ان تكون اخبار كيتي سارة لم اكتب لها كما أرجوك ان لا تحاول البحث عني سأبادر بالاتصال في المناسبات وسوف لن أكلفك اية اعانات مادية مع قبلاتي … ولدك كارل .
طوت الفتاة الرسالة مهمومة، كانت تريد تسأل عن أمور كثيرة لكنها احترمت حزني ووضعت رأسها على صدري وهي تقول :
- انا مسرورة لقرار كارل يا سيدي عليك ان تفخر به . لم اقل شيئا فقط مسحت شعرها وأخذت الرسالة مغادرا الى غرفتي وانا اردد لماذا يا كارل تخرج من دنياي وانا لا احب الدنيا دونك . علام حياتي في غيابك هل من اجل خدمة كولبي . ارحل يا ولدي قرارك حكيم لا اعلم ان كانت تلك الفتاة تقتنع بما تراه . كانت سماتا لا زالت واقفة أشفقت عليها وقلت لها : هيا اضحكي فالعجوز لا تؤثر به هذه اللعب .. اضحكي .
- كنت قادمة إليك بشأن امر يزعجني لكن الرسالة آنستني أمري .
-   هيا قولي ما عندك .
-   في الليلة الماضية زارني زائر اخر .. لقد أرعبني .           
-   – في غرفتك ؟
-   نعم لكنه لم يدخلها فقط احدث صوتا لينبهني، ناديت ثم هددته ان لم يرحل صرخت، حينها رحل وبقيت مستيقظة طوال الليل، او يكون لصا يريد العقد الذي اشتراه لي كولبي ام هو ريدي ؟ لماذا يقومون بهذه الأمور ؟
-   اطمئني سأعالج الامر بنفسي، مجرد تهديد كي ترضخي .
-   افضل الموت على العيش مع ريدي .
-   لكنه شاب ربما ينتظره مستقبل مرموق عند كولبي .
-   مستحيل يا عم تصور انا اجد المتعة مع كولبي العاجز ولا أجدها عند ذلك الغول حين يراودني رغم فتوته .
-   اطمئني يا صغيرتي سنعرف من الفاعل سأجعل كولبي أمام الأمر الواقع . وسرت في طريقي .


29
الفصل الثــــــــــــــــــــامن

هوني لاند الجميلة تلبس ثياب العرس وتتهيأ لحفل اكبر من ان ينحصر صداه في تلك البقعة بل رددته إذاعات العالم وصحفها، ترى من يكون عريسها انه ليس شخصا واحدا قد يكون الضيف الكبير الذي يقام الاحتفال من اجله وهو القادم من البلاد البعيدة (( ش )) او قد يكون شخصية من شخصيات الولايات  المتحدة وهم كثيرون اما بعضهم فيؤكد ان العريس الحقيقي لهذا العرس هو كولبي نفسه رغم ان اسمه لم يتردد في نشرات الأخبار والصحف، قال كولبي يوما بحضور وزير الخارجية وهو يقدمه الى شخصية قادمة من خلف البحار تحمل معها قضايا وأعمالا لفورستر نصيب وفير فيها (( نعم انا كولبي فورستر أرجو ان تكون قد سمعت بهذا الاسم )) أحرج الرجل الكبير وقال (( ومن لا يعرف اسم فورستر فقط أنت من يتوارى عن الأنظار والأضواء )) حينها أجاب كولبي (( نحن جنود مجهولون نخدم بلدنا والبلدان الاخرى ليتلقى وزراؤنا وحكامنا المديح والشكر )) هكذا كولبي لا يهمه من الدعاية سوى فوائدها المادية واليوم يقول للصحفيين انه يقوم باستضافة الوفد من اجل الولايات المتحدة .
كان برنامج الاحتفال رائعا، خطط له بخبرة ودراية ورصدت له مبالغ كبيرة لأنه يلبي كافة الرغبات، ان كان في المجال السياسي او في مجال الضيافة أو العمل، فأمامهم فرص ولقاءات ومباحثات مطولة، مع ذلك كان الاحتفال يكتنفه الغموض أشير اليه إشارة عابرة احتوته نشرة الأخبار الرسمية وهي تتحدث عن الزيارة المهمة للوفد الى منتجع هوني لاند يمضي فيه الضيف الكبير والوفد المرافق يومين . وقد أذيع الخبر بهذا الشكل .
سيصل العاصمة واشنطن القائد (( ن )) زعيم ثورة ((  ش )) وسيحل ضيفا على رئيس الولايات المتحدة يصحبه وفد كبير من القادة الجدد سياسيين واقتصاديين ويتم التباحث مع حكومة الولايات المتحدة لتحديد طبيعة العلاقات الجديدة . وقد صرح الزعيم (( ن )) انه مستعد ان يبني علاقات جديدة مع الولايات المتحدة ترتكز على مبادئ السيادة الوطنية التامة والصداقة التي تضمن المنافع المتبادلة .
لو دققنا النظر في الخبر والأخبار المشابهة لما وجدنا اسم فورستر ولا اسم هوني لاند كما لن تؤشر الأخبار على أي من فرسان النسر الذهبي الذي لعب الدور الأساس في مجمل ما حصل ويحصل  كان كولبي حريصا ان تنجح كل جوانب الاحتفال وان تقوم سيدة  هوني لاند بدورها الرفيع كسيدة من الطبقة الراقية وعليها ان تتألق وتنجح في استقبال الضيوف وتكريمهم لذلك كان كولبي لطيفا معها أقنعها بالبقاء فترة أطول لتقوم بمهمتها ومن ثم تفكر بالسفر لذلك اقتنعت نانسي بأمل السفر . الكل حائر في تعليل موقف كولبي من التأميم لان وضعه ومظهره لا يدلان على حقيقة ما يحصل لمصالحه، حتى انه لم يسافر لحضور تصفية تلك الاعمال إنما اكتفى بإرسال طومسن واخرين من شركائه وأوصاهم ان يعلقوا الأمور دون ان يحسموها .
الأخبار تتصاعد والتقارير تتوالى والزعماء الجدد فخورون للأسلوب الذي تعكسه الصحافة العالمية في تقييم الوضع هناك ، بعضهم يصفهم بالثوريين الذين تحدوا الدول العظمى وإذاعتهم لا تكف عن التحدث بسخرية وجفاء عن الرجعية والاستعمار ومخططاتهم ، تصفهم بمصاصي الدماء وتصريحات المسؤولين واضحة في معادات الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة والمؤتمرات الصحفية تفضح النظام القديم وتعاونه مع الاستعمار في مصادرة حرية الشعب وسلب إرادته وخيراته، احيانا تصل بعض تلك الأقوال الى مستوى الشتائم وإدراج الصفات السيئة كالوحوش والذئاب والكلاب، والمتطلعون الى الحرية في تلك البلاد او في البلدان الاخرى مبهورون فرحون وأيضا خائفون من غضب الوحش الاستعماري الجريح ان كثرت الطعنات، فيلجأ الى التآمر على النظام التقدمي الفتي ويتمنون لو خفت حدة تلك اللهجة لحين يقوى عود النظام التقدمي الجديد وأصحاب الحكمة يقترحون ان يتم الاتصال بالدول الاستعمارية وجها لوجه ويتم الاتفاق ان كان ضروريا مع صيانة وسيادة الوطن واستقلاله، والمراسلون يبالغون في تدبيج التقارير الملتهبة حماسا ملتقطين إشارة من هذا القائد وتلميحا من ذاك السياسي وحكمة ذلك الزعيم فالزعماء الجدد في الثورات هذه الايام حريصون ان يدخلوا التاريخ بهيبة وضجيج وموكب مهيب، تكون أقوالهم الثورية وكلماتهم كبيرة ستدرج في باب الأقوال المأثورة والحكم وسيرددها ابناء الشعب في خطبهم، كما سيستشهد بها الكتاب والشعراء ويرددها اصحاب الإيمان السياسي، بحرث حقول البركان وزرعه وان الزرع مقبل والسنابل مثقلة بالزاد على سيول الحمم البركانية وان الأقوال تكفي ان تنقل الجبال بأفضل من حبة الخردل من الإيمان، وزعماء دولة (( ش )) أجادوا في تمثيل ذلك وكانت تنعشهم كتابات الصحف وتعليقات الإذاعات،  واليوم هوني لاند تغص بالصحفيين وبالحكماء الذين يقومون بدور المصالحة واخرين يصفونهم بالمتملقين الذين يستجدون عطف الزعماء الجدد لأنصافهم في  موضوع تلك الشركات العملاقة، وقسم يناشد الإدارة الأمريكية ان تلتزم الحكمة في إقناع النظام الجديد لإبقاء العلاقات ودوام الصداقة .
كان كولبي في اسعد لحظاته او أيامه نسي كل مشاكله وحين اقترب منه ريدي يحمل وجها منذرا بالشر استاء وتشاءم واستقر بسرعة، قال هذا باقتضاب :
- سيمون غائب منذ البارحة و لم يدعه يكمل بل دفعه بقسوة وهو يقول :
- تصرف أنت وهل مثل هذه الأمور تشغلني الان ؟ ((غبي هذه الأمور تحركه بأحقاده على ذلك التافه )) وفي زاوية من زوايا الساحات المتلألئة بالاضوية الملونة الخافتة وقف ثلاثة يحملون كؤوسهم ويتناقشون بصمت وهم منقسمون على بعضهم يختلفون في بيع وشراء المزيد من الأسهم في تلك الشركة المؤممة لكنهم يجتمعون على امر هو خوفهم من كولبي وضرورة اتحادهم استعدادا للدفاع المبكر، ان بدأ كولبي احدى صولاته المعروفة في التخلص من منافسيه، كانت نانسي في تلك الاجواء متألقة أجادت تمثيل دورها كما حدده زوجها بدقة، كل ذلك من اجل بيتها وابنتها التي سافرت قريبا، كان عليها ان تنتقل كالفراشة من مجموعة الى اخرى ومن ساحة الى غيرها قال لها (( حذار ان تتركي لمجموعات من أصدقائنا وشركائنا ان ينفردوا لوحدهم ولفترة طويلة قد يصيبهم الضجر والسأم، عليك ان تقتحمي خلواتهم وتشاركيهم الأنخاب وتغيري أجواءهم ومن ثم تنتقلين الى آخرين فأنت الصورة التي تتأطر حولها هوني لاند .

                            ………………………………

منذ صغري وانا اكره اللقاءات الصاخبة والازدحام ومقابلة اناس كثيرين في ان واحد، كنت في القاعة الكبرى انفذ وصية كولبي (( مهمتك كبيرة يا آدم عليك ان تراقب السادة والخدم وما يحتاجه كل موقف قد يتعرض الى إشكال او إحراج )) وكنت اكره هذه المهمة، مع ذلك كنت أؤديها بإخلاص وهل املك  غير إخلاصي، أراقب الحشد يكتمل، خليط من السادة والخدم من ضيوف وأغراب ومتطفلين بأسم الصحافة والأجهزة الخاصة بالدولة، لا افهم مهمتهم وكيف يحصلون على قوتهم من تلك المهمات، الأضواء في الممرات تتعب العيون بشدتها والأصوات كثيرة تزعج الأذن تدخلها عنوة والوجوه محمرة محتقنة من كثرة ما تناولت من الاطعمة وشربت من الخمور والمشروبات الغالية، فقط كانت تسليني المراقبة منذ صغري اعشق المراقبة وعليها ابني قصصا من خيالي، مثلا ذلك الرجل الطويل يتربص كالصقر يستغل عينيه بدقة كأنه ينهش الأجساد الجميلة بنظرات شرهة ربما يفتش عن إحداهن، بعضهم مولع بإرسال الابتسامات يوزعونها في كل جانب، وأولئك ما كفوا عن الحركة يستعملون سيقانهم وإقدامهم تنقلهم بسرعة من موضع الى اخر من مجموعة الى اخرى، كل يصغي باهتمام حين يلتفت اليه البعض يبتسم وينصرف، وهذا الديك ما انفك يعدل من هندامه يدور حول السيدات المتباهيات بأزيائهن او بجمالهن بعضهن يثرن تقززي بحركاتهن أو بتلك المبالغة في زينتهن، كنت مصيبا حين قلت لنانسي (( أنت جميلة يا نانسي ولست بحاجة الى الإكثار من تلك المساحيق التي تشوه جمالك )) ابتسمت وقالت (( سأعمل دوما بنصيحتك )) وهي اليوم رغم زينتها المتواضعة لكنها أجملهن، روائح مدوخة وزينة وأزياء وتسريحات غريبة، فقط لتجلب الانتباه لكن بعضها يثير الضحك، سكرتيرات جميلات يصطدن خارج حدود مدارئهن يرسلن الحديث بلباقة ممزوجة بحركات تدل على دراية تامة بهذه المهمات الفريدة، واليوم يوم تسلية وترفيه وعمل في ان واحد، والسكرتيرة الذكية الناجحة من تستطيع ان تخزن في ذاكرتها كلمة طائرة او همسة لتصنع منها موضوعا او مشروعا او علاقة تهم عملها ثم تترجم الى فوائد وأرباح، والوجوه الحسنة مع الخبرة الجيدة قادرة على استدراج بعض المتلهفين، تمهد العمليات ثم التقارب والغوص بالأعماق .. عالم غريب ذئاب تعوي وراء الفريسة يوقعون بها ثم هيهات ان يشبعوا بل حين يتعبون يصرخون الحمد لله أعطانا كفافنا . وبعضهم يصرخ متباهيا (( على الارض السلام وفي الناس مسرة )) أي حاضر مجنون هذا ! قال لي كولبي مرة (( نحن لا نظلم أحدا فمن تراهم مظلومين من قبلنا يعوضون مع آخرين اقل منا وهكذا هي الدورة )) قلت في سري والمظلوم الاخير ذلك الذي ينتظر نهاية الأسبوع لينال أجرا قد لا يكفي لقمته .
كل شيء يلهث نحو المقاييس النهائية فوائد أرقام أوزان وعود .. ماذا بقي من زمن الأجداد من معان واخلاق ورجولة ؟ كانت عمتي تعلمني (( ان فعلت خيرا افعله بالسر ليكافئك ربك بالعلن )) وصايا المسيح ضعها في قلبك،  أين أنت يا عمتي لتشاهدي أين وصلت قيمكم وتعاليمكم، يوم قدمنا الى هذه الارض كان كل شيء بكرا في بدايته يحمل صورة الطبيعة الحلوة لكننا جئنا بقذارتنا نحمل البارود والآلة والطمع والأفكار الشريرة نحن ايضا كنا مسخرين لأسياد فاسدين، لكننا جميعا كنا ضد الطبيعة الجميلة وضد الهندي ابن امريكا الذي دافع عن أرضه ومات إخلاصا للأرض بشجاعة انتحارية تجاه السلاح الرهيب، ورضخ الشجعان حبا بالبقاء على تلك الارض، لكن أسيادنا أصروا على ان يقتلعوا جذورهم منها كما اقتلعت جذورنا نحن، نحن مقلوعوا الجذور من أفريقيا، لذلك ما بتنا نفكر بها ولا نهتم للأرض او للأجداد ولا للاحفاد، تعودنا على السادة نسايرهم نرقص لأفراحهم ونقتل من اجل مصالحهم ونثمل حين يشربون، سلبنا الهندي الأحمر أرضه وأمعنا في قتله حتى قامت المدن وطغت الآلة والبارود والطمع واندحر التراب بعد ان احتضن شجعان كانوا يقدسونه ؟ وتراجعت الطبيعة لتتلون بألوان مفتعلة يختارها السيد، فصارت الارض تنبت شرا، كل شيء صار يبلد الذوق ويسلب الأفكار الجميلة، لا أحد من هؤلاء الحاضرين يعرف عن أرضه رغم ان معظمهم يملك مساحات شاسعة تصارعها الآلة الغادرة يديرها أغبياء منا ليست لهم جذور ، أين أنت يا عمتي لتراقبي هذه الوجوه الناعمة المدهونة والمعطرة بأغلى العطور، هنا تعقد الصفقات الكبيرة بعضها يساوي قيمة الأشياء التي أدامت حياة الآلاف من أمثالك وأمثال اصحاب الارض الأصليين لمئات السنين، لكنني رغم المظاهر الأخاذة لازلت اشك ان يكون في هؤلاء من الجمال والصفاء من روح الطبيعة ورائحة السماء، من صفات القديسين وجمال الملائكة،  قلت يوما لعمتي : (( لماذا انا اسود يا عمتي ووجهي قبيح ؟ )) لم افهم جوابها حين راحت تحدثني عن الضمائر النقية والقلوب الطاهرة العامرة بالخير والبياض السماوي، وان تلك هي مقاييس الله . وفي مرة اخرى سألتها :
- هل الملائكة بيضاء دوما، الا يوجد ملاك اسود ؟ ضحكت برقة وقالت : (( الملائكة أرواح ونحن ايضا حين ندخل الجنة بأرواحنا ننزع عنا السحنة السوداء ونتوهج بنور سماوي واستدركت باهتمام، علام قلقك من لونك يا ولدي ما دمت تحمل قلبا ابيضا )) .
اليوم أرى وجوها حليقة ناعمة أغزوها الى الداخل فأكتشف القبح الذي كلما جلوت منه عن نفس كولبي لم افلح في تطهيرها . رباه عذرك، لست هنا لأدين الناس فقط من اجل رحمتك ادخل السرور والراحة الى قلوبهم بإخلاص من اجل الضعفاء . وهكذا لو سألنا كولبي عن الحب والرحمة لأجاب بسرعة :
- الكلاب أجدى بالحب والرحمة لانها لا تعرف الغش والخيانة، تلك نانسي متألقة تتوهم انها تنسى همومها في لحظات الفرح تتنقل كالطفلة المرحة، بعضهم يحسد كولبي ويغبطه لجمالها ورقتها وقد يبتهل بعضهم الى ربه ليرزقه بمثلها . مساكين لو دخلوا هيكل المرأة لكرهوها وهربوا، لقد أخفقت المسكينة حتى في ترتيب ألوان تعاستها لتعالجها ان واتتها الفرصة فقط من مزاياها، انها تنسى كل شيء في لحظة ضعفها وتعيش اللحظة نفسها،  وكان سيمون ذلك الثعلب الفرنسي قد اكتشف واستثمر هذه النقطة، مسكين أنت يا سيمون هيا لتشاهد كولبي ينسج أردية مموهة لثعالب أدهى منك وأنت تصر ان تنطح كولبي بقرنين من القطن .
وانتم أيها القادمون من تلك البلاد الهائجة تحملون معكم أحلامكم ومفاتيح الجنة التي ضحى أهلكم بدمائهم من اجلها، انتم من تلبسون حلل الطواويس، هنا تتلوث أرديتكم في مآدب كولبي وهل يمكن لمثل هذا الرجل ان يعطيكم غير التلوث .. انتم تشربون الأنخاب هنا وفي القاعات الداخلية ! تفصل لكم بدلات جديدة حين تلبسونها تكونون قد سكرتم في أحلام جديدة  لتصبح في بلدكم شعارات للمخدوعين وكلمات فارغة تبعث في الناس الملل، حين يصابون باليأس يبدؤون بمحاولات جديدة …  .. واحسرتي عليهم تراهم الان يتهيئون لاستقبالكم وكأنكم قلعتم أنياب الأسد وقلمتم أظافر النمر فصارا أليفين يتلهى بهما أطفالكم .
لك ان تفخر يا صديقي فورستر فهوني لاند كما أردت دخلت التاريخ وانا واحد من السذج أسجل دورها هذا، هنا مسحت علاقات قديمة لتولد اخرى جديدة، هنا يتفتق الذهن البشري من خلال الأنغام والأنخاب والوجوه الباحثة دوما عن طريق ومسميات جديدة تتطلب من الآخرين سنين طويلة ليفهموها على حقيقتها، حين يفهمونها تكون قد حققت هدفها وانتقلت الى وسائل اخرى احدث منها، في هذا الجو العابق بالعطر النسائي الغالي تجود القريحة وبأسم الديمقراطية وحرية الإنسان، تخلق مشاريع جديدة ما هي الا فخاخا جديدة، ما أتعسني من جاحد لكولبي صديقي صلَي لأجله يا عمتي .
استيقظت من حلمي والقاعة تفرغ من محتوياتها ومن حشدها، انها ساعة الرحيل خرجت لأرى أين وصلوا، كان كولبي متألقا والى جانبه نانسي تشع جاذبية اشراقتها تبهر الجميع على ذراعها قطتها المستكينة بوداعة، اما كولبي فلم يحمل روكي خشية ان يفسد الموقف والمناسبة التاريخية والجميع ينحنون مصافحين ملك وملكة هوني لاند مكررين الانحناءة للقطة الأليفة السوداء وبعضهم يمتد ذوقه ليداعبها برقة، هكذا دخلت القطة التاريخ بجدارة . اغفري لي أفكاري يا عمتي وصلي لأجلنا .

                            ………………………………

كانت نانسي في ذلك المساء تشعر بنشوة ورغبة في السهر والسير بل الخروج بعيدا الى الحقول والغابات استيقظت، حمية الفتوة في جسمها وهبت رغبة الشباب وكأنها تستيقظ من نوم طويل راحت تتحرك وتبتسم وتتمنى ان ترقص او تغني لو سنحت الفرصة . كانت خلال اليومين الماضيين تراقب العيون خلسة أسعدها انها لازالت محط أنظار اولئك المترفين الذين خبروا النساء وتذوقوا الجمال بألوانه وان لجمالها طعم خاص كما يقول سيمون وان كان منافقا، فتعابير اولئك القوم الرقيقة تتجاوز احيانا حدود المجاملة تحسها المرأة قيمة او تشعر انها تحمل الرغبة فجأة ترحل سيدة هوني لاند مع همومها(( أين هي تلك العيون في مثل هذه الساعة لابد انها في مخادع دافئة ترنو الى أجسام جميلة وشفاه تصب حلو الكلام ونفوس تتفاهم فتستسلم الأبدان متآلفة مع بعضها تشيع في أجواء المخادع نشوة وهناء، كل هذا يتم في اماكن عدة وانا انزوي في غرفتي ترافقني أحلام كاذبة، أصحو منها على حرمان ممل بينما يغط ذلك العجوز في نوم عميق بعد ان اطمأن الى مصالحه لسنين قادمة يتلذذ بزهو لانتصاره على الآخرين ولا أحد يعرف غيري حقيقة أموره ))
ظلت هذه الأفكار تحاصرها بخذلان مرير تتمنى ان تخرج من غرفتها لتفتح كل الأبواب وتتسلل حافية وتقف في الشرفات تغني وتوقظ النائمين او تصرخ (( انا خارجة يا كولبي لا أحد يوقفني ) قويت عندها فكرة الخروج في ملابس النوم الشفافة، وما المانع ان يرونني استنشق الهواء رباه ماذا لو حطمت هذا الباب وخرجت . وراحت تركز نظرها على الباب كان هناك خيط من الضوء يفصل حافة الباب السفلى عن ارض الممر الذي يبقى منارا في الليالي لان كيتي كانت تطلب ذلك منذ صغرها لانها تكره الظلام ، ذلك الباب خلفه ضياء ساطع والممر يؤدي الى الخارج في نهايته درجات اهبطها بحذر ثم اعبر الصالة الى الباب الرئيسي الضخم ستكون تجربة ممتعة هناك اركض بين الاشجار اعد النجوم عساني أوقظ الجن فيرأف أحدها بحالي ويتجسد فارسا جميلا . ركزت نظرها، الباب تحته خيط الضوء يشد بصرها يغريها لتترك سريرها فجأة، شاهدت ظلالا تتحرك ثم تستقر خلف الباب لتحجب شيئا من خيط الضوء هل هي متوهمة تحرك الظل وعاد الضوء بطول حافة الباب راحت تستثير ذاكرتها لابد انها أغلقت الباب، ترى من يكون ؟ لو كان كولبي لطرق الباب حاولت ان تغادر السرير لكنها رأت الظل يعود ثانية .. او يكون سيمون عاد خلسة انه يتبع مثل هذه الأساليب اللصوصية، ام هو ريدي .. منذ اشهر وهو يتعقبها، أخبرت العم آدم انها فاجأته مرة يتلصص عليها في الحرش القريب وهي مستلقية على الحشائش شعرت بنظراته أسياخا تنغرز في جسمها، قد يكون خلف الباب يجب ان افعل شيئا من الأفضل ان أفاجئه أخشى ان يفعل احدى حماقاته .. بالتأكيد ليس لصا وكيف يتسلل الى غرف النوم عبر كل هذه الأبواب وأولئك الحراس والكلاب التي تحيط بالقصر . نزلت من على السرير عيناها تراقبان الظل تناولت الروب لتغطي كتفيها وما ان أسرعت نحو الباب حتى غادر الظل فتحت الباب بسرعة وأخرجت رأسها رأته ينحدر من الدرج مسرعا وهي تنادي : من هناك . تبعته رأته يتوارى في الظلام قصدت الممر المؤدي الى المطبخ تراجعت حائرة عادت ونزلت الدرج وهي تتعمد ان تحدث ضجة خرجت الخادمات منهن سماتا وماري وأخريات من غرفهن قالت إحداهن : ما الامر يا سيدتي ؟
-   كان هناك شخص خلف باب غرفتي يتلصص هرب حين ناديت عليه .
أسرعت سماتا تبلغني،  جئت مسرعا، روت نانسي ما حصل وهي تكرر هامسة : انه ريدي اعرفه من هيئته وحجمه، لم أتبين وجهه هيا الى غرفته سوف لن تجده .
ودفعتني أمامها بعد ان أمرت الآخرين ليعودوا الى مخادعهم، طرقت الباب، بعد حين انتشر الضياء داخل غرفة الرجل ثم انفتح الباب، خرج وهو يفرك عينيه قالت بعصبية : أنت تكذب أيها الوغد انا شاهدتك تهرب . ماذا تفعل هناك في مثل هذه الساعة . ما الذي تريده مني ؟
قلت مهدئا : اهدئي يا سيدتي، ليس هكذا دعيه يخبرك بنفسه .
تململ الرجل الضخم متذمرا ثم صوب نظرات قاسية تجاه السيدة وقال :
- كم الساعة الان ؟ ألم تشاهدني يا آدم وانا آوى الى فراشي ولم أغادره حتى الان .
قالت وهي تصرخ : أنت تكذب قل من دفعك لفعل هذا ؟ ماذا كنت تنوي ؟ قل وإلا بلغت الشرطة  أنكر الرجل وهو يقسم، وجدت ان لا جدوى من ذلك التحقيق السخيف وقلت :
- هيا يا سيدتي أرجئي الامر الى الغد والهواء بارد هنا، وأنت يا ريدي عد الى فراشك . ثم قدتها الى غرفتها وتمنيت لها ليلة سعيدة وما ان غادرت حتى سمعتها تناديني بصوت مرتفع عدت مسرعا اليها لأسألها :
- ما الامر يا سيدتي .. انظر .. انا خائفة يا عم انهم يتآمرون علي .
- ماذا جرى ؟             
- انظر الوسادتين .         
– ما بهما ؟
- الا ترى ليستا في موضعهما لقد غادرت موضعي بهدوء لأفاجئ صاحب الظل متأكدة انني تركت فراشي دون أي إرباك وهكذا الغرفة وما ان عدت معك ودخلت غرفتي حتى رأيت الفراش مرتبكا ووضع المخدتين متغير الا تراهما عند القدمين لم يسبق ان وضعتهما بهذا الشكل، انظر حتى الأغطية الا تراها مرتبكة ما معنى هذا ؟
- أخشى ان تكوني فعلت ذلك لحظة مغادرتك لأنك كنت منفعلة .
- أبدا . لازلت أتذكر كل حركة لأنني كنت متيقظة وحرصت ان اتحرك بهدوء .
-   إذن ظلمت الرجل لأنه لا زال في غرفته ام يكون قد فعل ذلك وعاد ؟
- ربما رجل اخر ربما احد أعوانه انها مؤامرة يقصدون بها جنوني ما الذي يريده كولي بهذه الأفعال ؟ لابد انهم يفعلون هذا بأوامره لقد نفذت رغبته ومثلت الدور الذي أراده كأفضل سيدة ترعى ضيوفه هو قال لي ذلك (( أنت امرأة ناجحة يا نانسي )) هل هذا جزائي أرجوك اذهب اليه الان وافهم منه .
- ليس الان يا عزيزتي، هيا نفتش الغرفة لأطمئن قبل مغادرتي .
ورحنا نفتش سوية وكان كل شيء في موضعه، لم تكن هناك سرقة كما تأكدت من الشباك وقلت
- بعد ان اخرج تغلقين الباب بالمفتاح ثم تأخذينه عندك .
ابتسمت لها مطمئنا وقلت مع نفسي (( الا ما أتعسك يا كولبي  وأنت محروم من هذه الغرفة الرائعة )) سرت في الممر الطويل وانا انظر الى الأبواب المغلقة حتى الدرج رحت أتفحص الممرات حتى وصلت غرف الخدم وإذا بسماتا تظهر من غرفتها نادتني ملتمسة ان ادخل، أغلقت الباب خلفي وقالت بوجل
-: انا ايضا خائفة يا عماه لأنني استيقظت على صوت الباب قبل ان اسمع صوت السيدة فورستر أحسست ان احدهم يحاول فتح باب غرفتي ثم وقفت خائفة ووناديت من هناك لم يجبني بل ادخل هذه الورقة وغادر وما ان ابتعد قليلا حتى فتحت الباب ونظرت فوجدته ينحرف نحو الممر ثم الصالة وكان بحجم ريدي وهيئته .
-   ما بالكم وكأنكم تفزعون من شبح، ما به ريدي ؟ كان يجب ان تلحقي به وتمسكيه .
- لكنه كان سيقتلني لو فعلت .
- بل يحبك يا غبية قد يهددك بين ان واخر لترضخي لكنه لن يؤذيك أين الورقة ؟
سلمتني الورقة كانت صغيرة بيضاء فارغة . طمأنتها وطلبت ان تغلق على نفسها ولا تثير اية ضجة . عدت الى غرفتي لأراجع الأحداث وأعلل ما الذي يحدث وماذا يقصدون من وراء ذلك، او يكون هذا من فعل ريدي ؟ بل هو نفسه في احد الفعلين لأنه عاد وتخلص من ثيابه بسرعة ولبس ملابس نومه لأنني حين لمستها وانا ادفعه من ظهره شعرت بها باردة لو كان مستيقظا لتوه لكانت دافئة ولكن امر المخدتين يحير ايضا يبدو ان ريدي ليس وحده، ونانسي محقة بأن كولبي وراء كل تلك الحوادث لكنه ماذا يقصد من ذلك ؟ وسماتا الوديعة التي تدخل البهجة الى قلبه .
……………………………………………..

خرج كولي مبكرا، نادى على ريدي الذي كان ينتظره وراحا يتفقدان الكلاب ثم انتقلا الى حضائر الخيل وأحواض السباحة وريدي يتحدث معه باندفاع وهذا يسب سيمون ويتوعده وقبل ان يدخل القصر عرج على روكي حمله ودخل الدار وكانت نانسي تراقبهما من الشرفة قابلته عند الباب حياها برقة حاولت ان تنظر في عينيه لتستشف شيئا ثم قالت : طلبت من العم آدم ان يخبرك بأنني بحاجة الى محادثتك .                 
– وعلام يتوسط آدم ؟
- لأنك مشغول دوما وخشيت ان لا احصل على حصة من وقتك الثمين .
- آه نسيت ان أخبرك انني تلقيت مكالمة هاتفية من كيتي في السادسة، ما أردت إيقاظك خاصة حين علمت من سماتا انك نمت متأخرة بسبب بعض المشاكل .
- دعك من ذلك واخبرني عن كيتي . ماذا قالت وكيف يسير العلاج .
- سألت عنك مسرورة لقد طمأنها الرجل الفرنسي قد تجرى لها عملية بعد ثلاثة أسابيع .
-   حذار يا عزيزي .. الا ترى ان أكون الى جانبها ؟
- طبعا وانا وعدت آدم بذلك .
- حقا ؟ وهجمت عليه لا إراديا تقبله بينما ابتسم لها وأحاطها بذراعه قائلا: ستكونين الى جانبها قبل العملية هل أنت مسرورة ؟
- اشكرك يا عزيزي لقد نسيت كل متاعبي سأتنزه مطمئنة مسرورة .
- أتعلمين لقد كنت رائعة في الايام الماضية .
-   هل تعتقد ذلك ؟ ليتني أصدقك .
- بل أنت رائعة يا عزيزتي . وودعته وخرجت من القصر وهي حائرة (( ما الامر هل اشتم رائحة الغدر من هذه الحلاوة التي يقدمها سخية ؟ ))
التفت كولبي الى ريدي وطلب منه ان يفتش عن آدم . وضع الكلب على المنضدة الصغيرة الى جانبه وراح يلاعبه والكلب يتجاوب معه لقد قرأ الجميع السعادة على وجه سيدهم ومثل هذه المظاهر يتناقلها الخدم لأهميتها حيث تدر عليهم بمكافآت او على الاقل يكونون في أمان .

……………………………………………

دخلت على كولبي احمل وجها مكتئبا على غير سجيتي دعاني لأجلس قريبا منه طال صمتي وانا انظر بعيدا أفكر بأمور لا أود مكاشفته بها وهو مستمر بملاعبة كلبه، بين وقت واخر يرمقني بنظرات خاطفة ثم يضحك عجبت لأمره دون ان اكتشف غايته قال :
- هل تعلم يا آدم قد نكون كلانا المتناقضين المتوافقين، لا يمكن لأحدنا ان يفقد نقيضه . أنت اليوم تحمل سحنتي بينما أفيض انا سرورا .. هيا يا رجل شاركني سروري لقد حققت اعظم نصر في حياتي، كان الكل يرثي لحالي منهم من توقع انهياري او موتي كمدا بعد التأميم وبعضهم كان يتصفح الجرائد عله يقرأ نبأ انتحاري، حتى البنوك لا زالت تستعلم من شركاتنا عن وضعنا المالي كم يعجبني ان أتلاعب في العواطف وأثير شكوكم ثم أفاجئكم . بعضهم سيجن حين يتأكد من إقبالنا على شراء اسهم الشركات المنهارة .. قريبا سأسافر الى تلك البلاد ولكن هذه المرة سأجبرك على مصاحبتي . ماذا تقول .
- أنت تمزح كيف تسافر الى مصدر الرعب والقلق الا يكفينا الرعب الذي يلاحقنا في مأوانا ؟              - ماذا تقصد يا آدم ؟         
- اسأل فتاتك الصغيرة سماتا ؟
-   ما الامر ؟ حتى نانسي قالت أشياء مبهمة .
- لانها تعيش في رعب دائم .. لا أحد يفهم اية لعبة تمارس في دارك .
- لا يمكن لأحد ان يرعب سماتا .             
– وزوجتك ايضا .
- اعرفها نانسي تحاول ان تؤثر عليهم . مجنونة تندمج مع خيالاتها لتخلق أدوارا درامية تمثلها وتدخل الآخرين معها ليساهموا في المشهد بجد وإتقان .
- لكنني وثقت من …      قاطعني بإلحاح
-: حسنا حسنا .. وانصرف يلاعب كلبه لكنني قلت بإصرار :
- وانا وعدتها بل وعدتهما يا كولبي .
- حسنا حاول ان تخفف عنهما أرجو الا يتكرر ما يزعج أحدا .
- كولبي ؟؟؟         
- ما بك يا آدم كأنك تسلبني نشوة الايام الماضية .
- فكر بالآخرين يا أخي  .               
– أليس عظيما ان تدخل هوني لاند التاريخ ؟
-   وهذا الرعب ؟
- وجدت السيدات يغبطن نانسي بنظرات الحسد والغيرة، نانسي ايضا دخلت التاريخ .
- لكن بعض الناس لا يهمهم التاريخ بل يومهم يعيشونه بأمان واستقرار، هذه سماتا البريئة كل همها ان تدخل البهجة الى قلبك وترضي الآخرين ما ذنبها ان تخسر حياتها او راحتها .
نظر كولبي إلي نظرة ارتياب وجزع ووقف يحمل كلبه، أطال النظر كأنه يمسك عن قول شيء مهم، عاد ووضع الكلب على المنضدة وجلس متجهما خمنت انه سينفجر، لم أتراجع تحديته بنظرة قاسية تمتم .
- أنت لا تعرف قيمة تلك الفتاة عندي .
- كأنك ستقول انك تحتفظ لها بمكانة ليس في قصرك بل في قلبك . انها لا  تشك في نواياك، هي مثل هذا الكلب مستسلمة انظر اليه كيف استكان، لكنك ان أذيته في مداعباتك لطم وجهك او نبح او على الاقل هرب منك وأنت تزحف خلفه وحين تمسك به تعاتبه بكلمة رقيقة لكن سماتا لا تقوى على التمرد ان احتجت يوما يكون يومها سيئ ربما نهايتها .
-   كفى، أنت لست قاسيا لتقول هذا الكلام هل في نيتك ان تحرمني من سماتا ايضا ؟
- وهذا ليس مهما بالنسبة لك لأنه بإشارة من إصبعك تحصل على مئة مثلها وستجدهن رائعات ولكن انا لك ان تفهم ما في قلوبهن .
- اصمت يا آدم لست سيئا بتلك الدرجة أنت تعذبني بكلامك .
- بل أوقظك انظر ماذا يحصل حولك وأنت تدخل التاريخ سعيدا في موكب هوني لاند بينما هنا تتم اعمال رخيصة تافهة لا تليق بأصحاب التاريخ ، نانسي … سماتا … كارل … أين صراحتك ؟ هيا حاكمهم في العلن .
وقف متماهلا ثم قصدني واضعا يده على كتفي شعرت فيه مندحرا وقال :
- اعطني فرصة يا آدم انا الاخر بائس ومغموم أحاول ان أنسى همومي التي تحط فوق اكتافي وانا في القمة وأنت الاخر تأتي لتسحبني نحو شقائي القديم، كأنك تصرخ بي (( أنت لم تتحرر من حياتك التافهة يا كولبي )) انا اعترف انك كنت ولا زلت افضل مني كثيرا ما ان ابحث هذا الامر مع نفسي واجري المقارنة حتى أجدك أجدك افضل مني، أنت تعيش في ذكرى امرأة واحدة كنت تحبها وأحبتك وأخلصت لك كما تعيش وسط اناس يحبونك وأنت لا تملك شيئا تعطيه لهم سوى حبك أرى ذلك في عيونهم واقرأه على وجوههم حتى عند زوجتي وأولادي حتى سماتا التي اصطفيتها تلبي رغباتي ربما من أجلك، أتدرى ؟ احيانا تتأجج الغيرة في قلبي وتخرج دخانا يعمي بصيرتي لكنني أعود وأقول لولا آدم لما فعلت شيئا في حياتي انه يستحق كل هذا الحب،  ولكن كفاك تعذيبي يا صاحبي لأنني وان كنت اوهم نفسي بنشوة الانتصارات لكنني في قرارة نفسي اشعر بأخفاقات في الأمور الجوهرية وموقن انني استنفذت كل فرصي من الحياة ولم يبقى لي سوى هذا الاسم الذي يلعنه اقرب الناس إلي . أين داني الذي وضعت فيه كل آمالي أين كيتي وماذا ينتظرها ان شفيت، وأين نانسي ربما تجدها تفتش عن عاشق جديد أين كل هؤلاء ؟ هل سألت نفسك يوما من هذا الإنسان الذي يعشق طفلة صغيرة ويفلسف عشقه بعلاقة روحية او يعشق كلبا وخيولا لماذا يختفي أهلي من حياتي لأعشق الكلاب .
انفعلت لأقواله وجدته بائسا هجمت عليه أخذته بين ذراعي ورحت اربت على ظهره كما تفعل ألام مع طفلها :
- هون عليك يا صديقي أنت تبالغ قد نعالج معظم تلك الأمور ستتحسن كيتي وقد يعود داني طائعا ونانسي مخلصة فيمتلئ البيت .. هيا لا تكن احمقا تغرق في تلك الأفكار السوداء هيا اضحك انا أعرفك لا زلت ذلك المحتال الذي كان يثير شجوني بتمارضه فأقوم بواجباته ليتملص هو الى تلك اللقاءات، هل نسيت هيا اضحك أيها العجوز الصغير .
كنت أقول هذا وانا اضرب على ظهره رأى الدموع على وجهي وراح هو الاخر يبكي ويضحك في ان واحد واشتبكنا في عناق طويل يضرب أحدنا الاخر على صدره وكتفه حتى قال
- اشكرك يا آدم لقد غسلت همومي .. قلت لها ان تسافر وتابع أمرها بنفسك . تناول كلبه وخرج
(( لا اعلم ان كنت محقا في عطفي على الرجل ام هو يستحق الحقد .. بائس ينحدر نحو نهاية مأساوية . لكنك تفكر بغباء يا آدم كل الفرص امام كولبي سخية أكثر مما يستحق وهو يصر ان يحتكرها حتى عواطفك هذه يريدها لنفسه فقط تصور جعلك تنسى ابنك الذي حاربه . كولبي يحاول ان يغير مجرى حياة المحيطين به وها هو يجعلك تنساهم وتنسى مشاكلهم لتبكيه . يعمل على إرهابهم وإسكاتهم جميعا ليضعفوا، حتى هذه القرنفلة السوداء الطاهرة يغلف قلبها بالخوف لتبقى له فقط،  انا أتحمل مسؤولية في هذه اللعبة السخيفة لأنني ادفعهم جميعا ليلتزموا بأدوارهم، أنت الاخر مسكين يا آدم تحمل خطايا العالم وتزهد بما هو ضروري لك ولولدك وتبقى مرتبطا
بكولبي مكتفيا باللقمة .





30
الفصل الســــــــــابع

          كل شيء في هوني لاند ينطق بالحيوية والنشاط ، انا موزع بين التحضير لسفر الفتاة وبين متطلبات كولبي لانشغاله المتواصل مع الزائرين ولا يثق بان يتسلم خدمه مسؤولية رعايتهم قال لي :
- ابق الى جانبي يا آدم ولا تتركني لأولئك الأغبياء .
لقد تأخر سفر كيتي وهي تتمنى ان يتم كل شيء بسرعة لكن الظروف تأبى الا ان تعطي لسفرها مراسيم مثيرة وهي تتفحص وجوه اهلها في الساعات الأخيرة لبدء رحلتها ، كأنها مقبلة على سفر ابدي . الأب ألام في هدنة غامضة تثير ريبة الحاضرين الذين لا يعرفون الكثير عن واقع الزوجين وخلافاتهم التي تسترت تحت غطاء من اللطف البارد، كل منهما يبادل الاخر الحديث اللين والمجاملة الرقيقة وكيتي تجبر نفسها لتصدق انهما يسيران بعلاقتهما نحو الأفضل وجيرالدين تتمنى سفرا ميمونا وانا أحاول ان اقنع نفسي فأقول : (( ليكن ذلك افضل يا كولبي حتى تسافر الفتاة مستبشرة رغم الشكوك التي تساورها أنكما تمثلان ذلك من اجلها ))
وسيمون هذا لم يتغيب عن هوني لاند ولا يفوت فرصة اللقاء بالسيدة حين تكون منفردة ليتملقها او يحمل اليها كأسا من شرابها المفضل هامسا لها بأشياء معينة لكنها تبتعد مرتبكة، سمعتها مرة تقول (( اخرج، ليس الان يا سيمون )) وريدي الضخم لا يكف عن مطاردة سماتا مستغلا انشغال كولبي مهددا (( يجب ان تحضري الليلة وإلا اضطررت ان اختطفك الى جهة مجهولة )) والآنسة آن التي حطت مؤخرا ممرضة جميلة خفيفة تحب عملها وتجيد المجاملة وجدت لها مكانا مهما وبسرعة في هوني لاند، فهي لا تفتأ تثبت وجودها بالأوامر الكثيرة وهي تعتني بكيتي وكيتي حريصة ان ترد على كل التحايا وتبتسم لكل الوجوه وكأنها عروس تتهيأ ليوم عرسها، وما ان تراني حتى تناديني بإيماءة او حركة من رأسها فأفهم قصدها وألبي لتهمس :(( ألم يصل، علام غادر ثانية )) اربت على ظهرها مطمئنا فتعود لتقول وفي عينيها رجاء (( أرجو ان يصل خلال الساعتين الباقيتين، هل أنت واثق ان الرسالة قد وصلته )) اردد بلطف :
- انه تلقى الرسالة ووعد بالحضور ويمر الوقت ويزداد قلقها وهي تتطلع نحو ساعة الحائط بإلحاح ملحوظ  والسيدة تراقبها وتفهم محاولة ان تشغلها بالحديث عن باريس والباريسيين وكياستهم وحبهم للمظاهر، تتمنى ان يكون شفاؤها عاجلا لتقوم بزيارات ممتعة لدور الأزياء وتتزود من اخر موديلاتها بما يتناسب عروس هوني لاند، ويدخل كولبي ويشارك الحديث :
- قد تستقيم أمور العمل فيمتد الى باريس فأجد هناك موطئ قدم من اجل ان نتمتع هناك فأخذك الى متاحف فرنسا .
قالت كيتي بمرح : أخشى ان يكون الفرنسيون اصعب مما تتصور يا أبى لأنني أراهم يتعاملون مع الأمريكيين بحذر . هنا صاح سيمون وهو يهتز كأنه يرقص :
- ما هذا يا آنستي الجميلة هل نسيت ان العم سيمون فرنسي الأصل ؟ قال كولبي بسخرية :
- لذلك كيتي محقة ويجب ان تحذرهم . قال سيمون بجدية غريبة عنه :
- صحيح ان فرنسا ابتعدت لفترة عن الدول الغربية لانها أرادت ان تكون لها شخصية مستقلة ولها كل السيادة ولا تقبل الوصاية او الدور الثاني في العلاقات كما يفعل البعض . ولا تنسي يا آنستي ان ابناء فرنسا يعبدون الجمال والذوق والحب . قال كولبي مازحا :
- ليس الامر كذلك مستر روبسن وانما فرنسا تنتهز فرص خروج بعض الدول بسبب الحركات اليسارية لتدخل في تلك الدول بثوب اخر وقد حذرنا إخواننا الإنكليز من ذلك الاسلوب الخبيث . تدخلت عندما وجدت ان النقاش اصبح جادا :
- ما هذا يا كولبي أراك تحول وداع كيتي الى نقاش سياسي على الاقل كيتي راحلة إليهم نأمل ان تجد هناك الراحة التامة .
وصل ريدي بوجهه الجامد وقال :مستر طومسن على الهاتف يطلبك لأمر هام يا سيدي ؟
غادر كولبي بعد برهة دخلت جيرالدين يبدو عليها القلق أسرت للسيدة فور ستر بأمر ما ارتبكت هذه ايضا ونادتني لتقول لي :
- هناك امر مقلق وصلت أنباء سيئة نقلها طومسن . أسرع سيمون وراح يتهامس مع السيدة مما اثار الفتاة .
قالت بإصرار : ماذا يجري يا أماه ؟
- لا شيء يا عزيزتي انه بشأن الاستعداد للسفر .
- ما الامر يا عم آدم ؟  أجاب سيمون دون تردد :
- الامر يتعلق بأعمال أبيك وهذا لا يؤثر على سفرك . لكنها أصرت ان تعرف بدقة  :
- وما هذا الامر ؟ كانت تتوسل ألي بنظرة رجاء
- انها حول اعمال أبيك في تلك الدولة ( ش ) .
- وهل هي مهددة بتلك الخطورة ؟ كنت أخشى ان ينهار كل شيء هناك … كيف أسافر يا أماه وأبي في محنته .. لا لا لن أغادر وأبي ينهار أمامي . قالت ألام مشجعة :
- لا عليك يا صغيرتي، ان أباك يتدبر أموره بشجاعة سيعود ويطمئنك . بالفعل دخل فورستر يتبعه ريدي وهو محتفظ بمرحه وكأن أمرا لم يحصل قالت الفتاة بقلق :
- هل الامر سيئ يا أبى ؟               
- أي امر يا عزيزتي .. كل شيء مفرح . قالت نانسي بسرور :
- إذن تلك الأخبار كاذبة .         
– اية اخبار عزيزتي ؟
- اخبار تلك البلاد المشحونة باللعنات والاضطرابات .
- بل الأخبار صحيحة، لقد أمموا حصص الشركات يا عزيزتي نانسي .
ارتعدت كيتي ونظرت الى امها ثم الى ابيها الذي لازال الانشراح يغطي وجهه وهمست :( كم قسوت عليك يا أبي ظننتك جبارا مدمرا واليوم تستجدي الابتسامة والفرح لتودعني مطمئنة وأنت تنهار ويقضى عليك )
خمدت الحركة في القاعة وران صمت ثقيل على الوجوه وكولبي يتفحصها ليدرك مدى تأثرهم كأنه يقيس مدى إخلاصهم او هكذا خيل إليهم، كان أشدهم قلقا واضطرابا سيمون الذي أسرع بالخروج من القاعة بينما قالت كيتي :
- ان كان الامر خطيرا لن ادعك يا أبى ولن أسافر . تقدم كولبي وراح يمسح وجهها  قائلا :
- بالعكس يا حبيبتي اذهبي مطمئنة وستبلغك اخبار سارة عكس الذي يساورك . أضيف الى ذلك انني اليوم أعطيت أوامري الى طومسن ان يشتري اسهم تلك الشركات المعروضة للبيع بأسم حبيبتي كيتي اليوم ستصبحين مالكة لاكثر من عشرين ألف سهم من شركتنا هناك .
انتفضت نانسي وقالت بدهشة :
- ماذا تقول يا عزيزي ؟ هل فعلت ذلك حقا ؟
- نعم فعلت ذلك وهذا ريدي كان مصغيا لما فعلت ولن تتحدثوا بالأمر ثانية اما أنت يا صغيرتي الجميلة هيا فلم يبقى سوى القليل ونغادر بالطائرة الى المطار كل شيء جاهز في باريس وسيكون ذلك البروفيسور باستقبالك، علي الان ان أغادر قليلا لأرتب بعض الأمور لطومسن الذي سيصل بعد ساعة اما أنت يا نانسي فتعاوني مع الآنسة ان لتهيئة كيتي كما تخبرون جيرالدين لتستعد هيا يا آدم تول تلك الأمور بنفسك . وخرج يتبعه ريدي . نادتني كيتي لتهمس بأذني في الوقت الذي خرجت نانسي :
- أليست تلك بوادر شؤم يا عماه تلك اخبار مخيفة وهذا كارل يتأخر لو بإمكاني تأجيل سفري .
- مستحيل يا عزيزتي اما عن كارل سأحمله على الكتابة إليك، هناك في باريس من ينتظرك ولاتهمه هذه الظروف لأنك مرتبطة بعقد نادر وتأخرك يجعلنا نخسر الفرصة . اما عن أبيك انظري اليه لو كان الامر خطيرا حقا لقرأناه على وجهه، أبوك لم يهتز لهذه الأخبار وانا واثق انه كان عالما بها قبل وقوعها .
كانت نانسي خائفة وهي تقرأ في وجه سيمون قرارا خطيرا واثقة ان خروجه فجأة كان لتتبعه في مكان ما ليقرر أمرا خطيرا، لقد عرفت سيمون جيدا وان كانت تتجاهل . هناك خلف القصر فسحة فيها انواع الطيور الجميلة راحت السيدة تتشاغل بمرأى الطيور وإذا به يقف خلفها وكان وجهه مربدا وعضلاته متشنجة خاطبها بجفاء :
- هل أدركت حقيقة الموقف يا سيدتي ؟
- انا ايضا خائفة قد يكون في هذه الجولة ضياعنا .
- بل هو دمار محتم لكم جميعا لذلك قررت حسم الامر بسرعة، كم حذرتك وقد وقع المحذور ولا فائدة من العتاب عليك الان ان تقرري بسرعة .             
– ماذا ؟
- ان نرحل أولا ومن ثم تكملين خطوات طلاقك منه.
- عما تتحدث يا سيمون ؟ انا خائفة على ابنتي ألم تسمعها ؟
- لا تكوني عاطفية، مستقبل ابنتك مضمون وما عليك الا ان تقرري مستقبلك .
- كيف ؟           
- ان نرحل .             
– سيمون !!
- ليست أمامي فرصة اخرى قررت الرحيل هربا من نكبة ستقع، لا يغرنك كولبي بادعائه وتمثيله، في داخله مرجل يغلي قد ينفجر بين لحظة وأخرى ويحرق هوني لاند .
- وانا ارفض المغادرة .
- انها فرصتك الوحيدة كل شيء سيحترق، وإلا فقدت حتى القليل الذي تملكينه .
- مهما حصل لن أغادر .
- إذن كنت تخدعينني، يا لغبائي بقيت من أجلك ومن أجلك تجرعت الإهانات .
- لن أغادر .         
– إذن أين الحب ؟
- مستعدة ان أضحي بالحب الذي تجعله رهينة ظروف تهمني .
- وانا لن استمر ان كنت تتخذينني وسيلة تسلية تشبعين بها رغباتك انا منفعل بل كلانا لقد تطورت الأمور بيننا يبدو انها النهاية .
- ارحل يا سيمون بكرامتك ما دمت أخطأت بحساباتك .
- وأنت ؟ قال ذلك وامسك بيديها يهزها مكراً القول : وأنت يا عزيزتي ؟
- قلت لك ارحل بكرامتك واتركني . وغادرته غاضبة وهو يسرع ليلحق بها . امسكها من كتفها وسحبها بقوة لكنها صرخت :
- اتركني يا هذا وإلا استدعيت الخدم ليلزموك حدودك .
مررت بهما وعلمت بما يجري، وجدتها غاضبة تقدمت بهدوء وقلت :
- ابنتك بحاجة إليك .  قالت ممتنة :
- اشكرك يا عم آدم انا ذاهبة اليها حالا .
ودخلنا القصر سوية بينما كان سيمون جامدا يرمقني بنظرات الحقد والغضب ثم تبعنا ببطء خمنت انه يقول (( يا لغباء هذه المرأة تربط مصيرها بمن لا تطيقه، ، كان ممكناً ان تحصل على عشرات الملايين لو كانت اكثر ذكاءً، وأنت يا سيمون عليك ان تفهم انها تحتقرك كما عليك ان تضرب ضربة ناجحة قبل مغادرتهم لم يبق أمامك سوى تلك السلفة البالغة ثلاثين ألفا خولوك صرفها وكفاك تعلقا بهذه المتصابية )) وسار نحو مكتبه رآه كولبي فناداه بإصبعه ليتبعه، قلق سيمون لوضع كولبي، او تكون المرأة قد صرحت لزوجها بأمره . في المكتب وجد الرجل المخيف هادئا يسأله عن الاعمال وعن أسباب تأخر إصلاح المسبح وهو يراوغ بذكاء ويرسي الموضوع حول الملاكم الذي يتم تدريبه والآمال الكبيرة بفوزه، راقب السرور في وجه كولبي وهو يصغي له مما شجعه ان يطالب بسلفة سخية قدرها عشرة آلاف دولار . لم يتردد الرجل بل حرر له الصك وقال :
- حاول أيها الفرنسي ان تواظب في الايام القادمة قد انشغل بأمور مهمة وأغيب لبضعة ايام، لا تجعل منها عطلة بل أنجز أعمالك في الساحات والمسبح ومتابعة المدرب يوميا او تزوره لتشاهد التمرينات بنفسك وتسجلها على أشرطة تعرضها علي وانا سأحاسبك .
- اطمئن يا سيدي .
- حذار يا سيمون، انا أعرفك لكنني بحاجة إليك، أحذر ان تأتي أمرا لا أرضاه من يعمل مع كولبي بإخلاص يكسب الجنة ومن يحاول …. أنت تعلم .
دخلت المكتب وسمعت المقطع الاخير، ابتسمت وانا أهز رأسي مما أرعب سيمون لأنه خاف حضوري . كنت أصغي الى حديث الرجلين  بألم وفي داخلي صوت يتنامى (( ما بال هؤلاء يصابون بلوثة الشر، سيمون يتآمر على كولبي ويسعى الى اختطاف زوجته، وريدي يلاحق سماتا ويراودها ونانسي تقاوم صراعا بين رغباتها وأمومتها، تصغي الى سيمون الخبيث بذلة وكولبي يهدد الجميع ويضعهم في زجاجة يتصورها مختومة تحت رحمته … كيف ينجح هؤلاء القوم، هذا كولبي الذي فشل في كسب حب ورضى زوجته واولاده منحه المجتمع الأمريكي في السنة الماضية ميدالية الإنسان العصامي وفاز قبلها بجائزة رواد الحرية والإنسانية لمساعداته للدول النامية، انه نفاق الحضارة ولا احد يتعب نفسه ويزيل قشرة هؤلاء الناس فيدخل الى دواخلهم ويكتشف الحقائق المرة فكل منهم يعيش الخوف والحقد ويتآمر على صاحبه لو كانت شعوب المعمورة بهذه المقاييس لما تسنى للمسيح او لأي نبي اخر ان يخلص العالم من الشرور وهل يمكن ان يرسل الله مجموعة أنبياء مرة واحدة رحماك يا رب .
انتبهت من حلمي على صوت سيمون يغادر المكتب  لاحظ كولبي شرودي بادرت قائلا : ألم يزف موعد سفر كيتي ؟ اذهب اليها وقل كلمة تطمئنها .
نظر إلى بود وقال : لا زلت أيها العجوز تقوم بدور الأب والمرشد لا بأس وان كنت سابقا اكره هذا الشيء لكنك عودتني عليه، هيا نراها لنقول لها ما عندك من الكلام الجميل .
في طريقنا الى الفتاة قابلتنا نانسي أسرعت الى زوجها وهمست : لي حديث معك يا عزيزي لا بأس بوجود العم آدم .                 
– الان ؟           
- وبالسرعة الممكنة .
- كان يجب ان تكوني الان الى جوار ابنتك قد تغادر بعد نصف ساعة .        التفت إلي وقال :
- ما بال هذه السيدة يا آدم ما ان تراني على عجل حتى تطلب حجزي لأمر لا أراه مهما .
- ومن اجل هذا أردتك .  قلت متدخلا لامتص التأزم الذي قد يحصل :
- ممكن ان اقوم بالمهمة سيدتي ؟ .     
– أبدا قررت السفر مع كيتي . قال كولبي ممتعضا :
- ما الذي جعلك تذكرين هذا او تقررينه .
- هذا الذي قررته .
- كان يجب ان تفعلي ذلك قبل أسابيع لنقوم بالترتيبات اللازمة
- يمكنكم اضافة اسمي الى قائمة المسافرين .
- تنظرين دوما الى الأمور المهمة بسذاجة وغباء .
شعرت براحة لقرار نانسي لذلك قلت للرجل المتذمر : لا بأس يا صاحبي من حق السيدة ان ترافق ابنتها وهذا ليس مستحيلا .
- لكنني مستحيل ان أوافق .  قالت صارخة وكأنها تبكي :
- لماذا تعذبني دوما وتبعدني عن ابنتي وهي بحاجة ألي . قلت وانا أهون عليهما :
- ليست هناك اية مشكلة، فكري يا سيدتي حتى ان وافق زوجك فأنت بحاجة الى فترة تهيئة عليه اقترح ان نناقش الامر بعد سفر كيتي وما علينا الان الا ان نغسل وجوهنا من هذه السحنات السيئة ونلبسها أشراقات مضيئة وابتسامات ودية زادا لسفرها .
- لا بأس يا نانسي كما يقول آدم نناقش الامر فيما بعد .
دخلنا الى الفتاة ونحن نعكس السرور الذي بدا على وجه الفتاة ايضا خاصة حين وجدت والديها سوية وهذا امر نادر نادتني وقربت أذني من فمها :
- اشكرك يا عم مع ذلك أنت مدين لي بأمر تعرفه .. سأبقى انتظر رسالته .
هكذا سافرت الفتاة وهي مطمئنة على عائلتها .


31
الفصل الســــــــــــادس               
 (( 1 ))

حين يصبح اليأس رفيقا ثقيلا مفروضا على البائس تتحول الأشياء حوله الى غيوم بلون قاتم تحجب عنه المناظر الاخرى ويغدو المستقبل صورة مخيفة وكأن الغد غول يتربص . هكذا هي الحياة اليوم بالنسبة لسيدة هوني لاند التي تخيب في كل شيء تتصوره النجاة، بعد ان صدمت بسيمون الذي كشف أوراقه، تتعثر بحقارات جديدة من زوجها وهي تحاول ان تبدأ معه هدنة جديدة من اجل أولادها، في داخلها عواء يصرخ (( أمامك غول اينما وليت وجهك ومهما حاولت مراوغة الأقدار قد تخدعك تارة برائحة ذكية او نغمة هنيئة او مظهر كاذب لكن النتيجة تبقى تصرخ بوجهك لتستفيقي مخدوعة، إذن هي الحياة بين القوة والضعف تقف دوما الى جانب القوي ، اما أنت يا نانسي أين  موقعك ؟ البعض يحسدك لكنك في الحقيقة في أوطأ درجات الضعف وأنت تحملين هوية علية القوم، انا أسوأ من الفقراء، رُميت مغلوبة على أمري بعد ان سلبني كولبي ما اعتبرته سلاحي في الحياة، أعدو خلفه مضحية بفرصتي الأخيرة من اجل ولدي الذين ما باتا يحسان بي وسيمون هذا الذي زين لي الحياة وأغواني في بداية جديدة لكنني وفي غمرة نشوتي أحسست يده تمتد الى جيبي الخاوي ليسرقني، ضاعت الكلمات الحلوة التي أطربوني بها، ذبل جمالي الذي راهنوا بكل آمالي عليه، كانت خالتي وانا صغيرة تقرص خدي مداعبة وهي تقول لامي : الحمد لله وان كانت نانسي ابنة للفقراء لكن جمالها سيعوضها، وظلت أمي تحذرني من الشباب الفقراء كي لا أصغي الى أقوالهم المعسولة فأربط مصيري بفقرهم وهي تؤكد : اتعظي يا صغيرتي بأمك التي أصغت الى أبيك الذي زين لها القول والحب وإذا به عاشق للمراهنات والشرب الى ان مات مهموما وتركك حملا علي ، وحين استلطفني كولبي من بين موظفاته قلت وانا اصلي امام أيقونة العذراء (( ها انذا يا أماه اختار أغنى رجل تمنيته لابنتك وليكن عجوزا وليكن صارما سيئ الطبع سأغذيه من جمالي فأجعله أليفا )) أين أنت يا أماه هذه نانسي سيدة هوني لاند زوجة أغنى رجل وام أولاده تقاد حزينة الى مستقبل مظلم . وفوق كل ذلك تزداد خيبتي حين اشعر ان جمالي هذا كان مصدر تعاستي فأردد ليتني ظفرت بزوج بسيط عامل كان او فلاح في مزرعة كولبي، ليتني دميمة لكنني بسعادة الزوجة المحترمة المرتبطة بحب نقي تتمتع بدفء رجل يحب أنثاه ويسعدها . 

                                        (( 2 ))

ترجل سيمون من سيارته على عجل وقصد الباب فإذا به امام ريدي فقال له : هلو سيد ريدي أين أستطيع رؤية السيدة فورستر ؟
-   السيد روبسن ؟ الكل يسأل عنك لو لم يرحل فورستر لقضيت معه وقتا ممتعا .
-   لا عليك يا صديقي الجميل فقط دلني على السيدة .
-   انها في الداخل، تراها تصلي من أجلك .
لوى سيمون رقبته وانصرف ممتعضا وهو يشعر بحقد هذا الأسود عليه (( كيف استطاع فورستر ان يقتني هذه النماذج، من يقتني مثل هذا الكلب يأتمن شر الذئاب وحتى الدببة )) وما ان دخل الباب الرئيسي حتى هتف : العم آدم أهلا بك أيها الرجل الطيب فأنا أفتش عنك .
-   أهلا السيد سيمون ما هذا الشوق الجديد هات ما عندك فلي أشياء كثيرة تهمك .
-   تبدو مسرورا وهذا مهم، نسيت ان أسألك كيف حال الطب وهل بإمكاني ان أثير حملة دعائية من اجل ولدك الطبيب الماهر .
-   كفاك تهربا هيا أصغ لأبلغك رسالة كولبي .         
-   – ما الامر ؟
-   لقد غضب الرجل لتغيبك، في مكتبك أمور مستعجلة تنتظرك، أنت تعرف السيد ودقته اذهب الى المكتب قد لا تنجز تلك الاعمال اليوم او غدا، وإلا أدركك الرجل ولن تسر لملقاه
-   حسنا حسنا انا ذاهب فقط أرجو ان تبلغ السيدة فورستر أني وصلت ولي اخبار تهمها .
نظرت اليه وتمنيت ان ابصق في وجهه، الثعلب يعجل بنهاية هذه العائلة الخائبة قلت له غاضبا : اسمع يا بني، سمعت مرة ان فأرا وعد جماعة الفئران ان يخلصها من أذى القطط فصار طبيب أسنان ليعالج أسنان القطط فتتاح له فرصة ان يقلع كل أسنانها، لكن المسكين ما ان افلح في فتح فم القط حتى كانت الأنياب الحادة تمزق جسده الضعيف، ألم تكن لعبة سخيفة .. حذار يا سيمون من اللعبة السخيفة وركز اهتمامك بمكتبك .
-   صدقت يا عم سأفعل بنصيحتك وأنجز عملي بل قد انهي وجودي أعدك بذلك .
-   حسنا تفعل .           
-   – فقط رجاء أخير اخبر السيدة انني في المكتب .
-   وانا أنصحك ان تتفادى مقابلتها .           
-   – لماذا أيها العم الطيب ؟
-   لانها قد تحتقرك وهي ترفض ان تكلم أحدا .
صعق سيمون (( تحتقرني ؟ هل تصرفت بغباء ؟ )) :
- ولكن ألم تخبرك يا سيد آدم ما الامر ؟
نظرت الى الرجل التافه وتوجهت الى المطبخ وانا كاره ان اقوم بمهمة إبلاغ نانسي، أخبرت العجوز جيرالدين ان تنبئ السيدة بوصول سيمون وانه ينتظرها في المكتب، كانت سيدة هوني لاند معتكفة في غرفتها منذ عودتها خائبة وتكرار خيبتها مع كولبي تضيق عليها جدران الغرفة الفسيحة بيأس مرير تكاد تختنق ليزين لها شقاؤها فكرة الهرب والنجاة تتمنى ان تجد منفذا أمينا بعيدا عن تلك الحياة .
طرقت جيرالدين الباب لم تتلق جوابا، أعادت الكرة وانتظرت دون جدوى شعرت بالخوف على السيدة دخلت لتجدها فوق فراشها مبعثرة الأعضاء مرمية بإهمال ظاهر نادتها لم تسمع سوى نشيجا مكتوما جلست قربها تمسد شعرها تصب في أذنها كلمات رقيقة تحنو عليها حنو ألام على طفلها ارتاحت المرأة وأصغت  الى العجوز لكنها ما ان سمعت بعودة سيمون حتى انتفضت كمن لسعتها حشرة سامة وراحت تصرخ : اطردوه، الرحمة أيتها المرأة الطيبة، انه غول بشكل بشر كلاهما غول . ذئبان يتخاصمان على جثة كل ينهشها من جهة يسحبانني وسط الأوحال وارى أشلائي تتناثر في القذارة ..بلغيه ان يرحل حالا .
-   المفروض ان تذهبي أنت سيدتي وتجابهيه ان كان مخطئا ؟
-   بل اخبريه ان يرحل دون أي أمل في لقائي .
-   سيدتي يجب ان تكوني قوية حين تستيقظ محنة الإنسان تجعل منه مهما كان ضعيفا اقوى من كل المخاوف، هيا يا عزيزتي وجابهي ذلك الرجل وناقشيه بوضوح وصراحة .
 اقتنعت نانسي ان تواجهه وتقول له انه إنسان محتال لا يحمل الحب .
           
                         ………………………………

كان سيمون يتحرك في المكتب بقلق ظاهر دون ان ينجز شيئا من واجبه وما ان دخلت نانسي حتى أسرع نحوها راكعا أمامها، لكنها دفعته وعبرت الى المكتب، عاد وركع ثانية دون ان يمنحها فرصة التصرف وراح يقبل أطراف ثوبها خلط كل أفكارها أنساها الكلام الذي أعدته لتجابهه فيه، راح سيل العبارات الرقيقة والجمل المنمقة يملأ مسامعها ينسيها ما جاءت من اجله لم يدعها تقول شيئا بل نهض وامسكها من يديها، قادها الى الشباك وهي مستسلمة هناك نظر في عينيها ثم احتواها بين ذراعيه، لم تمانع بل أصغت الى كلامه يرسله متذللا .
- أنت محقة يا عزيزتي ان تقرري، هيا اصدري حكمك، استحق ان تحكمي علي بالموت فأنا ذلك الغبي الذي أساء التعبير متصورا ان الحرص على مستقبلك أهم من الحب تصورت انك تسفهين الحب الذي لا يضمن كل جوانب المستقبل، كنت ساذجا حين تصورت انني اذلل المصاعب، كنت أحمقا ساعة ظننت ان حبنا وصل الى درجة تمكن من ان يحررنا من كل القيود والمقاييس لم يطرق ذهني الا مستقبلك وسعادتك تخرجين الى الحياة تحملين كرامتك فلا يراك احد مدحورة ذليلة، اما الان ان كان الامر يغضبك، لن اطرقه بعد اليوم بل سألعن ذلك الرأي فأنا لا يهمني الا قلبك امنحيه مجردا من كل ما يشوه الحب حتى لو كان نعيم الدنيا كلها، انا أعدك ان اعمل بساعدي بعقلي حتى بأظافري احفر الصخر واخرج منه ماء الحياة نقيا، الان فقط علمت انك زاهدة بأموال الدنيا لقاء الحب، تريدينها لقمة متواضعة فقط ان تكون مغموسة بالحب والإخلاص، هيا إلي عندي من ذلك الحب الذي حرموك منه، يا للفضاضة ان كنت تظنين انني أحملك شروطا لحبنا .
دوخها كلامه وأنساها كل المواقف التي كرهتها وهي بين يديه . جاءت تطرده بل تهينه لكنها تصغي اليه مأخوذة بسيل كلماته وجدت ان تطيب خاطره بكلمة طيبة قالت : اهدأ يا سيمون انا الان بائسة وحائرة ولا أفكر سوى برحيل ابنتي وعلاجها .
- وانا ايضا أفكر معك يجب ان ندخل السرور الى قلبها، نعطيها اخر صورة لنانسي الجميلة صورة أطيب ام تنطبع في قلبها .
أطربها سيمون بقوله (( اخر صورة لنانسي الجميلة )) ليت كولبي يسمعني مثل هذا الكلام .
-   أشكرك يا سيمون سأبقى الى جانبها حتى ساعة رحيلها .
-   وانا معك سألغي كل أعمالي وأرابط الى جانبكما .
-   بل تتابع أعمالك هنا وتنجزها بشكل جيد لتعطي لنفسك فرصة اخرى .
-   افعل كل شيء وانتظر حتى سفر كيتي الا فرصتنا التي لا يمكن ان ننومها وهل ينام هذا الحب الذي راح يتمرد في صدري . أخشى يا عزيزتي ان اقدم على أمور تسبب نكبتي .
    ويحتضنها معتصرا خصرها هامسا : محكوم علي ان اتبعك ذليلا مقهورا مهما قسوت .
-   مهلا يا سيمون كأنك تحطم عظامي .
-   اعذريني لا حيلة لي فقط لأعبر عما يجيش في صدري واكفر من ذنوبي .
-   دعنا نفكر في مشاعرنا لقد وعدتني ان تقف الى جانبي وهناك مشكلة داني الذي يهيم في المدن وشوارعها لقد طردوه كالكلب، وا لهفي عليه، كان هنا جاء كالغريب السائل ليأخذ طعاما وينصرف لكنهم طردوه، داني بحاجة الى من يقف الى جانبه وانا أخشى من إقدامه على امر خطير . انه هناك في الوديان القريبة كالكلب السائب يفتش عن اللقمة التي تسد رمقه وهنا الخدم ينعمون بدفء القصور وخيرات موائدها .
-   أنت رائعة يا عزيزتي اقرأ في نور وجهك حنان ألام وصورته تسمو في قلبي يزينها الحب بلون القلق انه لون رائع ازرعيه في قلبي ولديك بل أكون أنانيا لو صرفتك عن مشكلة داني فقط لو تصغين لأعرض عليك مشروعا متواضعا جميلا ويسيرا سيسرك ويرضي ولدك .
   وقفت تنظر اليه متفحصة خائفة من مشاريعه، لكن إشراقة جديدة غطت وجهها لقد سحرها    كلام سيمون، محقة عزيزتي، صورة ألام تزرع في قلب أولادها الحب، رباه ما حيلتي، انها واثقة ان قلبي ولديها مشوشان ربما خاليان من اية صورة جميلة وهم يتهمونها بأنها بأم مهملة وبأن وكولبي أب غليظ .  قالت
-: وما الذي تراه ؟
-   هيا نخرج من هنا .                               قالت بخوف وحذر :- الى أين ؟
-   الى حيث داني يا حبيبتي ليعرف ان هناك ام تفكر فيه، انه الان رغم الساعات الحلوة مع فتاته لكن الإحباط يتراكم في داخله بسبب صدود أبيه وابتعاد أمه هيا اليه لن نشعرهم إننا نقصدهم للهو او المتع فقط نطمئنهم على حب الشباب ونبارك لهم ساعات الهناء على ضفاف ذلك الوادي وهناك تتمنين له السعادة وتعدينه بوعود جميلة فتعززين ثقته بنفسه فيقترب منك بل يعتمد عليك ويصغي إليك قد تقنعينه بأمور لا يستطيعها أبوه .
-   هل تتصور ذلك، ولكنك لا تعرف داني .
-   بل متأكد يا عزيزتي واثق انهم سيقيمون لنا احتفالا رائعا وستغمرنا اللذة والمرح ستحققين ما لم يحققه كولبي وتفخرين امام الجميع انك كسبت ولدك وتكسبين كيتي ايضا
(( ماذا يقول هذا الرجل انه حلم لو تحقق لأصبحتُ اسعد امرأة في العالم ))
-   كم أنت رائع يا سيمون، لو تحقق ذلك فعلا أكون قد فعلت شيئا عظيما .
-   اولئك الشباب متحررون يقدسون الحب والحرية والمرح هناك نرمي بهمومنا في الوادي
-   رباه هل يمكن ذلك  ؟             
-   وستشعرين بقيمة الحب الحقيقي في رحاب الطبيعة، وسنأخذ لهم معنا ما جاء داني يطلبه .
نسيت المرأة همومها وركزت على فرصتها التي وجدتها طيبة ومخلصة تستجيب لنداء قديم يدعوها لتكسب ولديها ولتلهو وتنطلق خارج قيود كولبي فقالت باندفاع :
- هيا يا سيمون هيا نرمي أحزاننا ومخاوفنا في ذلك الوادي هيا نتحرر من قيود هوني لاند .
قرأ سيمون سريعا ما يجول في رأسها رأى الإشراقة تغزو وجهها الجميل : هيا يا عزيزتي أسرعي أيتها ألام الحنونة وخذي الزاد لولدك وفي قلبك الزاد الأزلي لابد ان يكون لسيمون المسكين منه حصة متواضعة .
واحتواها بين ذراعيه وهي منتشية، حملها ودار بها الغرفة وهي تطوق عنقه وقد تورد خداها واندمجت بنشوة عارمة نسيت كل همومها ونسيت كيتي وسفرها وتحولت الحياة البائسة في هوني لاند الى عربة جميلة تدعوها الى الوادي العميق حيث الطبيعة العذراء والشباب ربيع صادق ينفجر حيوية والحب كائن مقدس يمارس الحياة بلذة وكل انواع طقوسه مباحة مشروعة رقص وغناء ولهو انساقت خلفه تحمل ما يحتاجونه من طعام وشراب وريدي يراقبهما بحنق ولم يجد بدا من الذهاب الى آدم ليخبره .

                         …………………………………….

جئت الى السيدة وهي تقصد سيارة سيمون المركونة خارج الحديقة سألتها عن وجهتها .
-   انا ذاهبة الى ولدي اخذ معي بعض الطعام والشراب لهم .
-   وهل نسيت ان مهام هذا الرجل (( أشرت الى سيمون )) كثيرة وكبيرة .
-   وعد ان ينجزها بعد عودتنا، أرجوك أيها العم الطيب، داني بحاجة الى أمه .
-   ولكنك تعرفين عناده .                 
-    – أرجوك !
في هذه الأثناء كان سيمون يتحرك بنشاط وحيوية نظرت اليه باحتقار تمنيت ان ابصق بوجهه ماذا فعل ليجعل السيدة تنقلب فجأة، حين حاول الصعود الى السيارة وقف ريدي بوجهه غاضبا ثم قال : لقد كلفني سيدي ان أحجزك حتى تنتهي من عملك .
-   وما أدراك انني لم انهه، بل قل ما معرفتك أنت بالعمل ؟
-   مع ذلك سأحجزك في مكتبك حتى عودة سيدي وهو الذي يقرر .
-   بل سأغادر وأعود كما اشتهي .
-   وقد لا تشتهي ان استعمل معك القوة . خرجت نانسي من السيارة غاضبة وهي تصرخ
-   ما هذا يا آدم اية إهانة يوجهها هذا الخادم لسيدته ؟
قال ريدي باحترام : عفوك سيدتي انها أوامر سيدي .
قال سيمون برقة : بل سأعود حالا أيها الخادم المخلص بعد ان نكمل مهمة السيدة هل نسيت انها سيدتك وهي تقصد ابنها لأمر هام ليس من واجبك ان تعرفه سأعود وأبقى ثقيلا على قلبك .
قلت بمرارة : دعه يذهب يا ريدي وأنت انصرف الى مهماتك . قفز سيمون بخفة الى داخل السيارة التي انطلقت بعيدا وهو يلوح لنا بيده تلويحة خبث ولؤم .

                        ……………………………………..

هناك قرب الوادي العميق كما وصفه سيمون الطبيعة العذراء نقية تحررت من كل قشور  ثقيلة يلبسها الإنسان او إضافات مشوهة يسمونها الزينة، الطبيعة هناك متآلفة مع عناصرها وعلى هضبة صغيرة خضراء زرعت خيمتان ملونتان تنتصبان قرب حافة الوادي . أوقف سيمون سيارته على بعد أمتار من الخيمتين وقفزت نانسي نشطة وهي تنادي : داني .. عزيزي داني .. ولدي أين أنت، وكان سيمون يردد خلفها مناديا : داني .. أيها الشباب اخرجوا الى ضيوفكم .
وقفت نانسي عند الخيمة الاولى، أطلت برأسها الى داخل : انا أمك يا داني . لم تجد أحدا أسرعت نحو الاخرى ايضا لم تر أحدا سوى بعض الحقائب المرمية بإهمال على ألافرشة المهملة وقد تبعثرت محتوياتها هنا وهناك وسط علب فارغة واقداح ورقية وعلب بيرة . خرجا    باتجاه الوادي سمعا أصواتا قادمة من جوف الوادي تمددا على صخرة تطل على الوادي وسيمون يشدها اليه محذرا كانت الهوة عميقة، هناك في قرار الوادي بركة واسعة تحيطها ثلاثة صخور عظيمة وجدول الصغير يمر عبر البركة . في البركة شابان وفتاة يمرحون عراة ، وأخرى عارية تماما على صخرة متمددة في الشمس الدافئة، أرسلت نانسي صوتا قويا : داني، حبيبي داني هذه أمك جاءتك زائرة .
سمع الشباب صوتها وصداه الذي تردد لعدة مرات، هرعوا خلف الصخور ثم ظهروا ثانية وكل يستر جسمه ببدلة السباحة وأسرعوا يتسلقون السفح حتى وصلوا حيث تقف نانسي ورفيقها، أسرعت نانسي الى ابنها متعلقة برقبته بدا أطول منها بكثير مما اثار ابتسامة احدى الفتاتين ، لم ينحن الفتى ولم يستجب للهفة المرأة . اما سيمون فقد راح يصافحهم بحرارة ويرمي كلمات معسولة بينما كانوا يردون عليه ببرود ظاهر ونانسي بحركة دائبة وسريعة تعرض عليهم ما جلبته معها وتقول كلاما كثيرا فيه من الحب والود والتشجيع كما أوصاها سيمون، أشادت بذوقهم في اختيار تلك البقعة وراحت تصف الطبيعة الجميلة التي تثير المشاعر بعيدا اعن صخب المدينة دون تطفل او فضول الثقلاء، مدحت انسجامهم وعلاقتهم وباركتها وكلما تحدثت قليلا نظرت إليهم لترى مدى تأثير حديثها ثم الى سيمون لكنها لم تتسلم سوى ذلك البرود القاتل الذي اخمد حماسها وسط صمت يتيم تعمده اولئك الشباب وبين لحظة وأخرى تستنجد بنظرة حائرة بسيمون الذي بدا مرتبكا راحت تستغيث بداني الذي جمد في مكانه كقالب ثلج مقطب الجبين . راح سيمون يحمل بعض العبء يحاول انتقاء الجمل الحلوة يغبطهم على ذوقهم الرفيع لم يجبه سوى الصمت المرير بأفواه مغلقة ووجوه محنطة ونظرات باردة بليدة، ما كان باستطاعة داني إخفاء استيائه وحين نفذت كلمات المنكودة وصاحبها بدأ كل منهما ينظر حوله بقلق كأنهما يستجديان الحماية من قتلة محيطين يتربصون بهم، أدرك سيمون ما أصاب رفيقته من ألام وخيبة مريرة خشي ان تفاجئها احدى حالاتها العصبية راح يناشدهم ان يسمعوها شيئا من الموسيقى  قال : هيا أيها الشباب ارونا شيئا من نشاطاتكم ان لم يكن إنشادا فشيئا من موسيقاكم وسط هذا الجو البديع .. انا شخصيا احب الموسيقى الصاخبة وهكذا السيدة فورستر هيا حركوا أجسامنا الكسالى .. ثقوا ان الشوق يدفعنا الى تحريك الساقين والعضلات الا يعجبكم ان نشارككم هذا الجو الرائع ؟ واسنمر سيمون مستدركا :
-   للشباب أذواقهم يا سيدتي في أحياء طقوس الحب وسط الطبيعة ومن حقهم ان يحتفظوا بقدسية ذلك عن عيوننا المتطفلة .
كانت الخيبة قد وصلت اوجها مدمرة قاتلة والسيدة تتطلع حولها والشباب صامدون في صمتهم وجمودهم، ابتعدت نانسي بتخاذل وانهارت على صخرة هناك رأسها بين راحتيها تبكي في داخلها تهمس (( حتى أنت يا داني الذي جئت مندفعة ضاربة مفاهيم أبيك محتقرة وصاياه ماذا سيفعل لو عرف بمقدمي وأنت تجابهني بهذا البرود المهين، رفضت الهروب مع سيمون من أجلك ومن اجل أختك وعدت أتحمل جحيم أبيك والذي لا يسعده اكثر من إهانتي وقهري، وها أنت تجلدني بنظراتك الصامتة . انها حلقة من تلك السلسلة الطويلة التي يعلنها القدر حربا على امرأة ما طالبت بشيء غير العيش كأية امرأة بسيطة انتم تدفعونني نحو أمرين اما الجنون او الموت )) وقف داني قرب سيمون ونظر في وجهه مما أصابه بالفزع . امسك بيده وقال : المعذرة سأتحدث قليلا مع السيد سيمون .
رفعت نانسي رأسها تتبعهما بنظراتها المقهورة وكأنها أتت عارا وراح ذووها يبحثون في امر زلتها ثم يقررون مصيرها دون إرادتها هكذا كانت الأفكار تلسعها، سمعت داني يقول بخشونة : كيف تتصرف هكذا يا سيد روبسن وكيف توافقها على فكرتها ؟ ألم تفكر بالعواقب .
قال سيمون مدافعا : اسمعني يا سيد فورستر أمك منهارة وبحاجة الى نسمة هواء تعيدها الى الحياة ما كان بإمكاني ان أخرجها دون مبرر وأنت كنت المبرر انها بحاجة الى من يشعرها بوجودها توهمت ان لقاء ابنها سيعوضها كل شيء .
- هذا شأنهم ولن أتدخل في حياتهم لماذا جاءت، انا اخجل ان تأتي إلينا وتشاركنا ممارساتنا التي لا تناسبكما بالمرة (( وارتفع صوته )) ماذا أقول لأصحابي ؟ هذه أمي مكتئبة هيا متعوها ؟ الا تعرف ما هي متعنا يا سيد سيمون ؟ ام جئتما ايضا تتمتعان ونحن نتسلى ونستثار برؤيتكما وأنتما تمارسان الحب، فأصفق لامي المنتشية ؟ هذا فظيع أرجو ان تسحبها بهدوء وإلا اضطررنا نحن الى الرحيل .
- ولكن .. ليس من الضروري ان نقضي الليلة معكم فقط سويعات ونرحل .
- وهل يمكنكما ان ترقصا معنا ؟                     
- طبعا .
- وتتعريان ايضا ؟                                 
- كيف .
- هذا شأننا وهذا ما نفعله وهذه مبادئنا في الحياة .. نحن نتحدى عرفكم نمارس الحياة ونفهمها على طريقتنا، جئنا لنقطع قيودكم ونقتل حريتكم نحن ابناء الطبيعة نعيد كل شيء الى اصله هل أنتما مستعدان لذلك ؟
عاد سيمون الى المرأة وأنهضها وهي صامتة وسحبها منقادة وحين مرت قرب ولدها وقفت تنظر اليه دون ان تقول شيئا ثم تحركت ببطء تقدم داني ودون ان يلمسها قال : عفوك يا أماه أرجو ان يستطيع السيد روبسن شرح الموضوع اشكرك على ما جئت به .
أجلسها سيمون الى جانبه وهي مستسلمة بتخاذل تام وتحركت السيارة ببطء وسائقها تائه الفكر متردد . يتوقف بين وقت واخر وكأنه يتبين طريقه لكنه كان يراقبها وهي جالسة منتصبه تنظر أمامها نظرة ميتة يصعب التكهن بمغزاها ، بعد قليل انحرفت السيارة نحو اليمين وتوغلت بين الاشجار والأدغال الكثيفة حتى انتهت الى فسحة . انتبهت المرأة فجأة وصاحت : الى أين يا سيمون ؟
- الى حيث أقودك .             
– عد بي الى حجرتي  .       
– سأرى .
وتحت شجرة ضخمة أوقف السيارة وقال بأدب وحنان :
- هيا يا سيدتي .
نظرت حولها بجمود ثم ركزت في وجهه، لم يأبه لها نزل ودار حول السيارة وفتح الباب وامسك بيدها وقادها وسط حيرتها وذهولها الى فسحة تحت الشجرة القديمة وقرب الجذع المنخور من أطراف عدة أوقفها ثم نزع سترته وفرشها على الارض قائلا : هنا محطتنا الحقيقية هنا الموعد الذي ينتظرنا، لقد أخطأنا الطريق اول الامر وها نحن نجده في هذه الخلوة التي تدعونا نحو السعادة . صرخت بوجهه :
- عد بي الى غرفتي سيمون .
كنت غبيا حين أردت استثارة شوقك مستجديا أساليب اولئك الشباب سأشرح لك مدى غبائي، في الحقيقة حركتني عاطفتك تجاه ابنك .. اما الان فأرمي كل الأفكار بعيدا لنجعل لنا موضعا في هذه الطبيعة ونقيم احتفالنا على طريقتنا ليكن احتفال البائسين، وطقوس المحرومين ألذ وأشهى من كل الطقوس الاخرى . امسكها من يدها وهي منقادة بانهيار مخيف أجلسها برفق على الارض وكأنها لا تعي شيئا مما يحصل، اسندها برفق على الجذع المنخور ومال بجسده فوقها يقبلها بنهم رأى الدموع في عينيها قال مواسيا :
- اسمعيني يا عزيزتي، ما كان يجدر بنا ان نقتحم جو اولئك الشباب . لا تظلمي داني لقد أكد انه يحبك ويحترم ما قمت به لكنه الخجل منعه من الموافقة على بقائنا لنشاهد عبثهم . من حيث القصد نجحت محاولتنا، وبقي الشطر الثاني جئنا هنا نكمله، هنا المكان الاصلح لخلوتنا ولنسأل نفسينا ماذا كان بإمكاننا لو استبد بنا الشوق هناك او حين تصل اللهفة قمتها، ما كان أمامنا الا ان نكبحها ام كنا نستجدي المشاهدة السخيفة ونحن نراقب الشباب، لا يا عزيزتي فينا من طاقة الشباب ما يحملنا الى قمم اللذة التي لا يعرفها اولئك الشباب هيا يا حوائي الجميلة لبي نداء آدم المخلص في طبيعة نادرة ، انه يجثو بين يديك وحولك جنة لم تشترى او تباع بل هبة الطبيعة الباكرة هيا نرمي كل الهموم وننسى نفسينا نغرقهما في الحب فلحظة عشق تطهر الأحزان وتساوي جيلا من حياة تلك القصور والشوارع المكتظة بالوجوه الكريهة، هيا نمسك باللحظة ولا ندعها تمر علينا هباء .
كانت حائرة تصغي مفتونة لكن طعم المرارة يغص في حلقها تراقبه تائهة وهو يحررها من ملابسها قطعة قطعة وهي لا تبدي معارضة في داخلها شعور تتقبل كل شيء تَقتل او تُقتل او تمارس الحب فقط  (( أتمنى ان أنسى الساعات التي تراصفت قاتمة او يكون سيمون بذلك الإخلاص وانا أجهله ام هو ينفذ مخططا يصدمني به، لكنني أرى الشوق في عينيه والرغبة على شفتيه او تكون كل هذه الظواهر كاذبة ؟ سيان !! هيا يا سيمون أنجز ما نويته، افتك بهذا الجسد حتى ان كان الموت، هيا فقط امسح عن نفسي اللحظات المريرة )) وكان جسدهما في صراع لذيذ وهي مغمضة العينين بلذة وهي تتساءل (( هل يشتهي الجسد متع الحب في زمن القهر، الحب اقوى من القهر وسيمون الخبيث ساحر يعرف كيف يوقظ شياطين الشهوة، توغلي أيتها الرياح المدمرة وهزي الجسد المرهق لترتعد كل عضلة حد الإنهاك )) .
وكان سيمون يحاول ان يستثمر كل حركة وهو يفكر ان يعيد اللعبة لينفذ (( صفقة العمر ))
همس برقة : هل أنت سعيدة يا حبيبتي ؟
-   بل مجنونة فقط أتمنى ان أنسى نفسي انا احترق باللذة ولا أريد ان أتبين اية حقيقة تلفني دع كل الأمور واترك الحقائق تضيع وسط أمواج النشوة انه ألذ حريق تمنحه الطبيعة للعاشقين ولا يفسد عليهم همومهم .
-   باستطاعتنا يا عزيزتي ان نقيم مثل هذه الاحتفالات في جنة تقيمينها أنت فنودع الهموم والأحزان . وجهك متألق بألوان لا اعرف لها أسماء ترسم صورة فريدة انظري في مرآتك الصغيرة ترين الإشراقة كأنك طفلة مراهقة خجلى في اول تجربة لها، انه الحب وباستطاعتك ان تنذري نفسك كليا لهذا الحب كما سأفعل انا لنعيشه مدى العمر .
-   حذار يا سيمون ان تفوت علي فرصة اللذة دعني اغرق في النشوة ولا تبددها أتوسل إليك اترك كل المواضيع فقط ضمني إليك وطر بي بعيدا عن العالم دع ينابيع الحب تنفجر في كل مكان وتغرق العالم الآثم هيا اجلدني ليذوب جسدي فأتلاشى فقط يبقى الحب يغذي النفس المعذبة  .



32
الفصل الخامـــــــــس

أوقف داني دراجته البخارية امام بوابة القصر وترجل رأى أمامه ريدي منتصبا سأله : هل سيدك موجود أيها الأرستقراطي الأسود .           
– لا اعلم
- وأمي ؟           
- ايضا لا اعلم .           
– وأيضا لا تعلم بوجود كيتي .
- بل هي في غرفتها . دخل وهو يلعن هؤلاء الرجال الذين يدعونهم بالاتباع المخلصين بينما
هم ثقلاء على صدور أسيادهم ثم ضحك (( بالتأكيد أبي يفضله علي وما يمنحه له يفوق ما يمنحه لي ولأختي المسكينة ، لا اعلم بأية مقاييس يقيس الناس الحياة او يقيسها دكتاتور هوني لاند ، وهذا الذئب الأسود يتعالى حتى في إجاباته وهو يعرف كل شيء حتى عن النمل الذي يدب على ارض هوني لاند )) ولمح الفتاة الزنجية سماتا عابرة ناداها : أهلا سماتا . وتقدم نحوها بينما توقفت الفتاة منتصبة قال :
- ما أحلاك أيتها القطة السوداء أين أبي
- لم يحضر بعد .         
– وأمي ؟             
- خرجت صباحا الى الكنيسة ولم تعد .
-   وكيتي هل هي مع ذلك الطبيب المريض نفسيا ؟
-   الآنسة فور ستر في غرفتها . تقدم منها وقرص خدها قائلا:
-   - أنت رائعة يا سماتا ترى هل لا زال أبي يجلسك في حضنه ؟ وضع ذراعه حول خصرها لم تجب الفتاة، حاولت التخلص برفق .
-   ماذا تقولين لو رافقتينا في جولة ؟
-    انا مشغولة بواجبي يا سيد فور ستر .
-   لا تخافي لست وحدي نحن اربعة، صديقي وخطيبته ومعي ليلي تعرفينها فقط نحتاج قطة سوداء جميلة تشكل المجموعة، لقد خيمنا قرب الوادي العميق وجئت لأخذ بعض الطعام واللوازم أتعلمين، معنا ايضا مسجل وموسيقى رائعة لا تدعي الفرصة تفوتك
-   لي مهام مطلوبة مني يا سيدي .       
-   – انا أمنحك إجازة خاصة .
-   هنا من هم بحاجة اكثر ألي . التفت داني حين سمع وقع إقدامي خلفه ترك الفتاة وراح يخاطبني .
-   أهلا بالعم العجوز، انا واثق انك أطيب من جدنا آدم الأول .. لماذا تحرمون هذه الفتاة السوداء من مصاحبتنا ؟ هيا قل لها لترافقني .
-   لقد أجابتك بما فيه الكفاية، ليتك أنت الاخر تعرف واجبك .
-   كفاك، فأنا لا احتاجها ( ويدفعها نحو العجوز ) خذها لك انها تفيد في تسلية الشيوخ هنا .
قصد غرفة كيتي طرق الباب نادته، كانت كيتي تعزف لحنا هادئا جميلا تتمرن عليه لتقدمه هدية لحبيبها ليلة سفرها الى باريس، كم فكرت ان تقدم له اجمل شيء فهو يرفض الهدايا المادية وقد خذلها سابقا لان تلك الهدايا تشعره بالفرق الطبقي بينهما لذلك اختارت اللحن .
فاجأها داني الذي لم تتوقع حضوره تجاهل عزفها وسألها بصخب :
- ماذا تفعل أميرة هوني لاند ؟
-   من داني ؟ انا بانتظار الولد الهارب أين أنت أيها الضائع .
وتمد له ذراعيها متوسلة يمسك بيديها ويهزها :
- حتى أنت يا كيتي ؟
-   ان لم يكونوا هم بحاجة إليك فأنا بأمس الحاجة إليك، انا مقبلة على امر عظيم .
-   ماذا ؟ هل ستتزوجين ؟  نظر اليها بانكسار وعاد يقول برقة :
-    عفوك يا عزيزتي، انا مسرور لفرحك هذا الذي فوجئت به، هيا اخبريني، لا لتغضبي مني فداني يكفيه ان الكل غاضب عليه تحمليني لدقائق بعدها سأرحل .           
-   – انا راحلة الى باريس يا داني .     
-   – للعلاج ؟
-   هكذا قرر الطبيب الفرنسي .
-   وهل يبخل عليك أبوك، لماذا لا يستقدمه الى هنا لمن هذه الاموال التي يكتنزها ؟
-   لا تظلمه يا داني، انه يبذل المستحيل لكن البروفيسور الفرنسي مرتبط بعقود لا يستطيع التحرر منها لقد عرض عليه أبي اكثر من ربع مليون دولار .
-   ما دام الامر كذلك سافري يا كيتي، ومن سيصحبك ؟
-   لا اعلم بالضبط على الاكثر جير الدين وممرضة كفوءة .                               
-   وأمك ؟           
-   - ومشاكلها ؟
-   حقا نحن لا نستحق اكثر من هذا، نعاقب على جرائم اقترفها غيرنا .
-   لا تظلمهم يا داني، هي الحياة قد تتراصف الأخطاء فيشقى البعض دون أثم، جير الدين الطيبة تقول (( انها تجارب الرب )) وانا أؤمن بذلك، لولا الإيمان والحب لمات الإنسان مبكرا، قد يجدني البعض أشقى فتاة لكنني حين أصفو الى نفسي وانفرد الى إيماني وأفكر بالحب، أرى كل شيء مضيئا حولي .
-   هنيئا لك يا أختي اكتشفت لك فلسفة تساعدك في حياتك الصعبة .     
-   – وأنت ؟
-   انا ؟ انا ماذا ؟ انا اكره مثل هذه الاسئلة، كأنك تدينينني، ما أثمت على احد، بل مارست حياتهم فكّفروني وطلبوا رجمي كأنني لست ابنهم .
-   أنت تقسو عليهما .. أبوك يمر بظروف صعبة ، كان يمكن ان تكون عونا له .
يقاطعها بقسوة وهو ينتصب ملدوغا :
- ماذا ايضا عن الدراسة والفشل ؟ انا املك قابلية الدراسة الجامعية لكنني لا أؤمن بذلك، هو نفسه ما هي شهادته ؟
-   أبي كون نفسه من لاشيء ولم يهملها بل صقلها وتراه ناجحا لامعا .
-   هراء .. أسألك الحق . هل أبوك مصقول النفس ؟ لا تغضبي انا لا أجد رجلا بفضاضته وأنانيته ان كان ابنه يقول هذا فكيف الآخرون ؟
-   هيهات ان أقنعك دعك من ذلك وقل لي أين كنت ولماذا عدت وكم ستبقى ؟
-   أسئلة كثيرة وكل سؤال يحتاج الى ساعة من الإجابة وانا لا املك اكثر من دقائق، جئت لأراك واخذ بعض ما نحتاجه من الطعام والشراب لقد خيمنا قرب الوادي العميق معنا كل أسباب المرح موسيقى واغنيات جميلة وحب انها افضل من قصوركم هذه، ماذا تقولين ؟
-   والى متى ؟
-   لا وقت لي لإجابتك، أتمنى لك حظا سعيدا وسفرا موفقا الى اللقاء .
يقبلها ويخرج ملوحا بينما تنكمش هي حزينة في مقعدها (( مسكين أنت يا داني بل مسكين أبوك لم يسعد بثمرة تمناها ناضجة، مسكينة أمي هذا ابنها يعود الى الدار ولا يتمنى ان يرى أيا من أبويه، نحن مساكين جميعا، أبي قلق بشأني يجوب العالم ليشفيني وينسى داني الذي هو بحاجة الى امهر الأطباء ليته صرف نصف ثروته وكسب داني . داني المهر المتوحش تاهت أمه عنه في الوديان والغابات فلم يجد اما سوى إناث الحيوانات عطفت عليه فرضع من كل منها شيئا حتى صار وحشا يحمل طباع كل الوحوش، والعم آدم بطيبته يحاول ان يطمئنني مدعيا ان داني صورة من أبيه لكن ظروفه افضل، و لا خوف عليه . لا أيها العم الطيب أنت لم تعاشر اولئك العابثين الذين اقرأ عنهم، انهم يفسدونه، لقد حدثني عنهم كارل الذي كلفته بتعقب حياة داني قد يجدونه يوما متلبسا بجرم او قاتلا او مقتولا او مختنقا في حمام، هذه حياة التائهين في الحرية الجديدة، أبتاه كان الأفضل لو سجنته في مكان أمين وليقل عنك ما يقوله القائلون فقط كنت تعالجه،… ليته نشأ يحمل كل عقد العائلة كنت ستعالجها بتأن اما اليوم واحسرتي نحن نخسره )) أيقظها صوت كارل من كابوسها فقالت مستنجدة :
- هيا كم انا حزينة يا عزيزي .
-   علمت بوجود داني معك اخبرني أبي بذلك وتوقعت ان يجرحك بكلامه القاسي .
-   لست انا المجروحة يا كارل إنما هو البائس انا ابكيه كما لو أني فقدت أخا، ليتك تعطيه شيئا من الحب الذي تكنه لي انا عارفة انه لا يطيقك قد يحتقرك لو فعلت لكن لا أحد يفهمه مثلك
-   وهذا مستحيل يا عزيزتي، داني كما تصفينه مهر جامح يرفض الترويض ولا أحد يقف بوجهه وانه يستمد الإيغال في تمرده العنيف من قوة أبيه ومركزه دون ان يعترف فيه، أصدقاؤه ينادون بالحرية الكاملة يستصرخون الإنسانية التي ذابت في الحضارة ويستصرخون الحياة من اجل توافه لا تشكل قيمة حقيقية فيها، لذلك تحصل في محيطهم الحوادث المؤلمة واعمال العنف دون طائل، انهم اكبر خطر يهدد المجتمع المتحضر ، يحاولون العودة الى الحرية الكاملة في الطبيعة الغير مقيدة، وذلك بتقطيع كل قيود الفرد التي فرضها المجتمع، لا يأبهون الا بتوفير الموارد التي تؤمن لهم اللقمة وكأس الشراب والمأوى البسيط عساه خيمة على حافة واد مهجور كما أعلمك داني، هناك يمارسون طقوسا من العبث واللذة البعيدة عن الذوق والفن والجمال والإنسانية .. انها اقبح أباحية مخجلة بحق الإنسانية حتى يتساقطون صرعى ملذاتهم منهكين في خدر انهزامي ليستيقظوا في اليوم الثاني ويبدؤا البحث عن قوت يومهم ووسائل اخرى بطرق مختصرة ومغامرات جريئة معتبرين كل ما بنته الإنسانية من حضارة سجنا يجب تحطيمه .
-   ناقشني احدهم يوما، قال مصرا .
(( الأسرة اول قيد وضعته المرأة لتكون تلك المجتمعات التي قتلت الحرية الحقيقية )) ولما سألته عن الدين والتاريخ والقيم ضحك قائلا : (( الإنسان خلق لنفسه خطيئة ما هي في الحقيقة خطيئة، إنما ممارسة حياتية ثم أوجد لنفسه حكاما يقاضونه وحراسا يحدون من أفعاله وذلك منتهى السخف لقد حطموا الحرية من اجل تسلطات بدأت بالعائلة حتى انتهت بالزعامات المتسلطة على العوائل )) هذا هو داني أخوك اخطر من اولئك المجرمين الذين يحطمون حياة الناس، ومثل أخيك يصبحون طعما سهلا لتلك العصابات الرهيبة .
-   لكن العم آدم يقول انه مثل أبي يمكن ان يصلح نفسه ان تسلم بعض المسؤوليات .
-    أبوك المسكين شردته الفاقة وأفسدته حياة التشرد دون مرشد اما داني فقد شرده النعيم وأفسده الدلال وهذا الفساد اخطر من ذاك، هيا عودي الى لحنك الجميل هيا نطير به الى باريس ليستقبلك هناك رجل عجوز قد لا نرتاح اليه لأنه يحمل مشرطا في حده أمنياتنا وأحلامنا هناك سيضع في ميزانه مستقبلك ويقرر، وانا مطمئن إليه استسلم لمبضعه الرحيم وسأكون الى جانبك .
قالت بمرح : هل ستأتي معي ؟
-   ساكون معك بروحي وعواطفي، ليتني أستطيع الرحيل، ارحلي يا حبيبتي وعندما تغمضين عينيك أضيئي شمعة في قحف رأسك كما علمني أبي ستجدينني أمد يدي وأسحبك لنحلق سوية في اسعد لحظات يدفعنا لحنك الجديد وقد يطول تحليقنا حتى نستيقظ على صوت الطبيب وهو يهنئك …. مدت يديها وقالت :
-    أنت تزين لي التجربة تزين الخوف والخطأ لاشتاق إليهما وأسعى لو حصل هذا وعبرنا التجربة (( تمسك بيديه وتتأمل وجهه فيضع هو خده على خدها وكأنه يشحنها وهو يهمس )) : أنت الان سعيدة ولكنك ستعودين بسعادة اعظم، اول شيء نفعله، نقصد تلك الصخرة الناتئة على الوادي والتي كثيراً ما حلقنا فوقها، نقوم بذلك فعلا وليس في الحلم سأجعلك تخوضين في ماء الوادي وتتبلل ملابسك قد أغمرك به حتى توشكين على الغرق .
-    فتحملني وانا أتشبث بصدرك .
-   وعلى تلك الصخرة نتمدد تحت الشمس هكذا أريدك ان تغادري، حذار ان تشغلك اية هواجس انصرفي كليا الى أحلامك وجابهي كل الصعوبات هيا عودي الى لحنك .

                         …………………………………………

عاد كولبي الى هوني لاند وقصد مكتبه يرافقه ريدي، راح يتفحص البريد المتجمع في غيابه يصنفه، يقرأ بعض الأوراق ثم يتثاءب مرهقا فجأة يرمي كل شيء بضجر ويقول ممسكا بأوراق معينة : ألم يحضر ذلك التافه سيمون .
-   كلمني قبل ساعة وقال بأنه سيحضر غدا .
-   لكنني أريده الان ماذا افعل بهذه الأوراق  ؟ خذها الى مكتبه، تصرف فأنا أريده .
-    لقد بلغته برغبتك لكنه قال انه راحل لمقابلة روي الملاكم حيث بدأ تمريناته وأنت تنتظر ذلك وفي عودته سيقدم تقريرا مرضيا .
-   حسنا خذ الأوراق واخبر سماتا ان تهيئ لي كوبا من القهوة بالحليب وتأتيني به الى الصالون .
تسلم ريدي الأوراق وخرج وهو يكتم حنقه (( ما الذي يجعلك تتشبث بتلك الفتاة أيها العجوز العفن، يكفيك ان تستعين بعشرات الخدم لكنك تصر ان تكون بقربك ستغتالك يوما الخيبة، الويل لها هي الاخرى ان رضخت إليك دوما بهذا الشكل المهين ))
دخلت سماتا تلبس بلوزة خضراء تشد على خصرها النحيل فوق تنورة قصيرة تنتهي عند فخذيها المدورين كأنها راقصة باليه، نظر اليها العجوز باشتهاء واضح وحين وضعت كوب القهوة وقدح الماء على المنضدة الصغيرة كان هو يصعد بصره نحو استدارة فخذيها وحين أرادت الانصراف امسك برسغها وسحبها نحوه وهي مستسلمة، حدثها وهو يسوي أطراف البلوزة فوق الخصر : قد تسافر كيتي الى باريس خلال الايام القادمة .
-   ونحن سعداء لذلك سيدي أملين ان تعود وهي تسير على قدميها قوية .
-   بعد سفر كيتي انا الاخر سأسافر لفترة قصيرة الا تفتقدينني ؟
-   كلنا نفتقدك في غيابك سيدي .           
-   – وأنت بالذات ؟
-   طبعا سيدي أنت جزء كبير من يومي .
-   حقا، انا مسرور لذلك . إذن سأصطحبك معي .         
-   – الى أين يا سيدي ؟
-   الى جزر هاواي حيث سنقضي أياما للراحة . وهناك سأشتري لك هدية جميلة ونمارس في تلك الشمس تمارين رياضية حلوة .           
-   – لكنني سأزداد سوادا .
-   ويزداد جمالك يا ابنوستي، هل أنت مسرورة لذلك ؟ كان يقول هذا ويداه تدوران حول خصرها : هه ماذا قلت .. أنت سعيدة أليس كذلك .
-   طبعا سعيدة لسعادتك سيدي .
-   إذن اذهبي وأرسلي لي ذلك العجوز آدم .

                                       (( 2 ))

خرجت الفتاة تفتش عني وفي احدى الممرات شعرت ان ريدي يلاحقها أوجست شرا منه فجأة برز أمامها ومد ذراعيه يقطع عليها طريقها ويتكلف الابتسامة التي تكرهها، حاولت التخلص منه لكنه امسكها، تيقنت ألا جدوى، ابتسمت بوجهه والتمست بهدوء : أرجوك يا ريدي
-   اخبريني أولا الى متى تراوغين هاربة ؟
-   اتركني الان فسيدي ينتظر العم آدم، نتحدث في فرصة اخرى .       
-   – بل هذا أهم .
-   نحن خدم يا ريدي علينا ان نؤدي مهامنا .
-   ويمكننا ايضا ان نتحرر، هيا يا سماتا لأخذك بعيدا معي مبلغ كبير من المال وسأحصل على مثله هيا نرحل، نحن ايضا لنا حياتنا .         
-   – اتركني أرجوك ليس الان
-   متى إذن ؟         
-   - لا اعلم .
-   استحلفك أيتها الغبية بكل القديسين الا يتقزز بدنك من ملامسات ذلك العجوز الكريه ؟
-   مالك ولي .   
-   بل لي كل الحق، كل منا جزء يكمل الاخر من جنس واحد وعمر واحد
-   وانا لا أفكر بأي إنسان الان .
-   بل يجب ان تفكري . أنت غبية ان ظننت  ان ذلك العجوز سيحميك فأنت واهمة قد يعبث بك لفترة ويتخلص منك دون ان تنالي ثمن معابثاته، اما انا (( ويحاول ضمها الى صدره ليقبلها لكنها تنفر منه وتقاوم بينما يمسكها بقوة )) أريد لنا مستقبل زاهرا .
-   تكاد تخنقني يا ريدي أرجوك اتركني .
-   هكذا يكون الحب . حب الشباب وليس عبث الشيوخ .
-   أرجوك أكاد اختنق، قبلني وانصرف . يقبلها في عنقها وصدرها وكأنه مجنون وهي تردد
-   - أرجوك يكفي هذا لقد تأخرت كثيرا .
- لن أتركك قبل ان احصل على وعد أكيد، ستأتين الليلة أليس كذلك ؟       
- مستحيل . يمسك ساعدها ويضغط حتى يؤلمها :
- بل ستأتين لن أؤذيك فقط نتحدث .
-   قد تتسبب في طردنا من هذا المكان .
-   حتى ان فعلوا نجد السعادة في مكان اخرما دمنا سوية سأجتهد من أجلك .
-   اتركني الان وإلا صرخت .
يتركها وهو يتلفت بينما تسير وهي تسوي من هندامها وشعرها وهي مستمرة بالبحث عني لتبلغني، حين لقيتها كانت لازالت تلهث وترتعد وحين سألتها عما بها قالت :
- لقد اعترض ريدي طريقي وراودني وهددني، انا خائفة يا عم .
طمأنتها لكنها انصرفت وهي تبكي شعرت بها تهمس (( هل بإمكاني مقاومة الوحش، يريدني له وانا لا أطيقه )) .
كنت مسرعا الى حيث كولبي، لمحت ريدي عابرا رماني بنظرة قاسية لم اهتم به لعجلتي بل قصدت القاعة حيث كولبي جلست على كرسي قربه، قال :
- حسنا وجدتك سماتا وكأنها تفتش عن إبرة في كومة قش .         
– ماذا هناك هل من جديد بشأن كيتي ؟
- بل بشأني، انا مغادر الى جزر الهواي وسآخذ سماتا معي .
فوجئت بقوله وقلت :
- مسافر ؟ في هذا الوقت بالذات ؟ . قال ببرود :
- تدبر أمرك أيها العجوز هنا وانا سأتدبرالأمور الاخرى في الشركات مع طومسن .قلت منزعجا :- وكيتي هل نسيت .
-   لا تزعق .. لن أغادر الا بعد ان تغادر هي .    قلت باهتمام :
-   - عليك ان تغادر بعد ان تصل باريس ويحدد الموقف ذلك البروفيسور وكذلك موعد العملية، هل أنت خائف ان تبقى هنا في موعد العملية ؟           
-   بالضبط يا آدم سأبقى خائفا كأن حياتي في تجربة يقررها الطبيب .
    اطمأنت نفسي وعدت اجلس مسترخيا بينما استمر هو :
-  انا قلق يا آدم، كيف سأتحمل ساعات الانتظار . قلت له بعطف :
- هيا لا تبالغ، أعمالك ستلهيك عن كل شيء، اما انا فمتفائل هذه المرة هل بلغك ان داني كان هنا  ولا زال بالقرب منا ؟
-   أخبرتني كيتي وأحزنتني، لقد فسد الفتى ويحاول إفساد الآخرين، ما الذي جاء به ؟ كان الأفضل ان تطرده دون رحمة، انا لا اشتهي رؤيته .
-   لكنك ستحتاجه بعد سفر كيتي .
-   هل تتصور ان هذا التافه يحل محل شقيقته ؟ لو لم تكن آدم لأهنتك، لقد فقدت الأمل فيه .
-   لكنه ابنك وهو بعمر اليافعين المدللين، لم يكبر بل يمثل احد أدوارك السابقة .
-   اخرس يا آدم واترك نصائحك جانبا ولا تسمعني أي شيء، ان جاء ثانية في غيابي اصرفه دون ان تلبي له طلبا كما تحذر أمه وكل العاملين وهذه أوامري، اما ان جاء راغبا بالبقاء قدموا له الطعام والشراب ليعيش هنا كأي فرد منا .
رن الهاتف أسرعت سماتا تجيب ثم حملت الجهاز الى السيد فورستر وهي تقول :
- انه طومسن . تناول السماعة ضجرا وأصغى بعد حين بدا عليه الاهتمام صارخا :
- متى ؟ حدد معه الميعاد الذي يراه …. حاول عن طريق النسر ………… بل يجب ان ألقاه الليلة …………اهتم يا طومسن بتلك الأمور وتحمل مسؤوليتك …… والأفضل ان تتصل بجماعة الكونغرس أنت تعرفهم ويجب ان يحضر منهم هذا اللقاء …….. انه لقاء مهم يا طومسن ……. اتصل بي ثانية . قفز كولبي من مقعده ثم وضع يده على كتفي وهذه عادته حين يقصد شيئا مهما :
- اهتم يا آدم واجعل كل الأغبياء في هوني لاند يهتمون بكيتي، حذار ان يزعجها احد، لقد أكد البروفيسور ان تتهيأ نفسيا وجسديا . قد لا أعود هذه الليلة، تلازمها أنت وحين تلاقي نانسي اخبرها ألا تمكث عندها طويلا فتزعجها بعواطفها الكاذبة . ليأخذها ابنك صباحا الى النزهة قل له ان يساعدها لتترك مقعدها وتستلقي على سريرها او تجلس على الارض في الساحات الخضراء هذه حركات مفيدة أوصاها الفرنسي يجب الا تمكث فترة طويلة في مقعدها . وأنت يا سماتا تزورينها وتلبين طلباتها مستبشرة، اما ان عاد داني امنعه من مقابلتها وأثارتها بأفكاره السخيفة بلغني انه دعى سماتا الى مجتمعه، سماتا ليست من الفتيات التافهات .. آه نسيت هذا الغبي سيمون، ان حضر غدا لا تدعه يغادر قبل عودتي وان اعتذر تجبرونه على البقاء حتى ان تطلب الامر استعمال القوة معه . سأبلغ ريدي فهو يجيد مثل هذه المهمات .. اذهبي سماتا وبلغيهم ان يهيئوا الطائرة انا مغادر الان، دع احدهم يلازم الهاتف كي لا تفوتنا اية مكالمة مهمة من باريس . وبينما كان في طريقه الى غرفته قلت له جادا : حاول ان تودع كيتي قبل مغادرتك وانا سأهتم بالباقي .
أسرع الى غرفته وارتدى ملابسه ثم الى مكتبه بعد ان اعد حقيبته ثم أسرع الى غرفة كيتي، لم يمكث طويلا اتجه نحو الباب الخارجي رأته نانسي أسرعت اليه تلهث لانها وصلت لتوها، كانت متوردة الخدين منفعلة، وقفت أمامه مرتبكة وهو لا يعلم معنى تصرفها هذا قال بعد نفاذ صبره :
- هيا قولي ما عندك انا على أحر من الجمر . 
- كنت أريد ان أتحدث معك .                       
– ليس الان يا نانسي .
- بل الان انا بحاجة إليك لأقول لك لقد عدت يا كولي عدت لأكون معك لنقف سوية الى جانب كيتي ابنتنا .  نظر اليها وقال ساخرا :
 أي هراء هذا ما الذي يدعوك الى هذا القول، على كل حسنا فعلت .
قال لها ذلك واستمر نحو الباب لكنها اعترضت طريقه بإلحاح قائلة :
- الا تعجبك عودتي ؟
ووضعت يديها على كتفه استغرب للأمر وفكر بهذه الحركة التي لم تفعلها منذ مدة طويلة ماذا يدور في ذهن المرأة وهيأتها توحي بأشياء دفينة، طاوعها لتكشف عما في نفسها .
- حسنا يا نانسي قولي ما عندك فأنا راحل لأمر مهم وعليك ان تعطي الاهتمام لابنتك .
قابلت نظراته الساخرة بألم وإحراج وقالت محبطة :
- ماذا دهاك يا كولي ؟ ما بت تطيق رؤيتي .
-   قلت لك انا مغادر لأمور مهمة جدا، هل من جديد ؟
-   اقصد عودتي .. خمنت انك ستسر لها .
 ابتسم ابتسامة صفراء حطمت اشراقتها وحلت محلها تقطيبة حزينة بينما كان يهز رأسه قائلا : - لا اعلم حتى الان عما تتحدثين وكأنك عدت من القمر وأنت كل يوم تخرجين وتعودين دون
  علمي وانا لا أحصي شيئا من ذلك ما الذي جعلك تقولينه اليوم ؟
- لو تعلم ! فقط أردت إرضاءك يا كولبي .
- وهل فعلت شيئا مقرفا لترضيني ؟
تجهم وجهها وكأنه فجر قنبلة كانت تعتمل في صدرها، احمر جفناها وارتجفت شفتاها ظهر الألم جليا في كل حركة من جسمها أعجبه منظرها فأنتصب مرسلا قامته الى الأعلى كأنه يعلن انتصاره بينما نظرت اليه آسفة وقالت :
- لا فائدة يا كولي كلما فكرت ان الحق بك وجدتك قد غادرت، وحين أوشك ان اصل توليني ظهرك وتمسح مودتي وتظهر وجها كريها كأنك تبصق في وجهي حقدا وسما . أنت من يبعدني عنك، لا عذر لك ولن اقبل لوم احد، جئت احمل أملا بأن نشترك في مشاعر سامية من اجل كيتي وهي على أبواب رحلتها الجديدة لكنك وكعهدي بك فقدت كل عاطفة حتى شاخت مشاعرك الإنسانية وليس جسمك وعقلك فقط ما بت تنفع للصداقة والالفة، انا الملومة على تشبثي بهذه البقعة التي لا تشعرني الا بالغربة والمهانة . نظر اليها بازدراء وقال ببرود :
- حقا نسيت، أين تركت ذلك الآفاق المتصابي سيمون ؟
-   اذهب وابحث عنه فهو يشبهك تماما .
   قالت هذا وأسرعت الى غرفتها بينما استمر هو في طريقه حيث تنتظره الطائرة لكن كلمات زوجته الجارحة ظلت تتجسم، شعر فيها نغمة ألم لم يحسها من قبل وراح يردد مقاطع منها وكأنه يبصق حشرات كريهة (( فقدت كل شيء، شاخت مشاعرك الإنسانية وليس جسمك وعقلك فقط )) كأنها تقول ما بت تنفع لشيء فعلام حياتك لقد صدأت


33
(( 4 ))

غادر الفتى القاعة الى غرفة أبيه منكسرا تشغله افكار متناقضة فهو امام مشاكل اكبر منه لقد ربط حياته الى صخرة تسد باب كهف مرعب هو مأوى التنين الذي يهدد الحياة حول الكهف وفي داخله تنتظر الحبيبة حبيسة التنين، لكنها تجهل نوع المعركة التي ستدور بين الحبيب والتنين دون ان يهمها ان كان الطرفان متكافئين فقط تتمنى ان ينتصر الحبيب دون ان يقتل التنين بل يروضه ويجعله أليفا .
عاد الى الطفولة يقلب دفاتر الذكريات يتساءل متى بدأ حبهما، انه واثق منه احيانا يؤمن انهما ولدا وهما يحملان حبهما ورغم ان الاطفال كانوا ثلاثة لكن الفتاة كانت تختلف عن داني الذي كان يقف منها موقفاً مشاكسا، لقد كانت طفولة حلوة احتل هو منها ركنا مهما لان الصغيرة كانت تعتمد عليه كأنه المسؤول عن حياة الطفولة في تلك الدار الواسعة، وكان هو افضل صحة وأوفر قوة ليس فقط لأنه الأكبر، بل كثيرا ما كانت تستنجد به حين كان داني يرعبها بحشرة او حيوان صغير، وحين احتوتهم المدرسة الخاصة ما دار بخلده ان هناك فرقا يحدد موضع الاطفال رغم انه كان ينام في جناح أبيه خارج القصر الفخم وان كان جناح أبيه جميلا ومختصرا، يدخله الخدم وترعاه الخادمات فما ظن يوما ان أباه هو احد العاملين من اجل لقمة العيش ولا يطلب المزيد منها، ولم يصدق ايضا ان تتقدم الحياة دون الطفلين الآخرين، احيانا كان يسخر من أبيه وأفكاره ومن السيد فورستر وارائه ويحمل الطفلين ان يسخران من الرجلين حين يحاول الكبار تسليط الضوء لإظهار الفروق التي تميز عالم الاطفال البريء .
كان الفتى ذكيا لا يسمح لتلك الخلافات ان تنمو او تبرز رغم ممارسات داني الخرقاء خاصة بعد ان أصيبت الفتاة بذلك الحادث الذي أقعدها وأعطاها الكثير من حنان المحيطين بها في حين شعر داني ان ما تحصل عليه الفتاة من عطف هو على حسابه فيدفعه الامر الى التمرد على تلك الصداقة والابتعاد، مما جعل كارل يتسلم مسؤولية السهر على حياة الفتاة المنكوبة . حاول دوما ان يجعل حياتها طبيعية وحين كانت تغضب عليه او تتوتر بينهما العلاقات كان إيجابيا لتعود وتصالحه بعد الفراغ الذي يشعره حتى تيقنت ان الحياة دونه مستحيلة، هكذا ولد الحب ممزوجا بالإخلاص والالفة وكان يعجبه ان تلبس ابتسامتها الحزينة وتحتضن رأسه وهو راكع امام مقعدها لتقول له هامسة (( تصر دوما ان تجعلني المخطئة، لا بأس يا عزيزي انا اعترف بخطأي واعتذر )) هنا يكون الحب قد تتدفأ بالكلمات الرقيقة .
قال كولبي يوما معاتبا (( ما كان يجب ان تزج كيتي في تلك التجربة وهي لا زالت طفلة يافعة تعاني من وضعها الصعب انه كارل الذي أيقظ غرائزها مبكرا )) ثم يتشبث بالصمت معللا النفس ان الايام ستفرق بين الشابين حين تفرض الحياة واقعها ويوم تنجلي مكانتهما الاجتماعية يوم يدخلان حياة النضج والعمل، وكثيرا ما تسببت هذه النقطة في إثارة الخلاف بين كولبي وزوجته، قالت له يوما : (( ابنتك بحاجة الى مثل هذه العلاقة لتعطيها الأمل في الحياة وتزين لها المستقبل، حذار ان تغتال هذه العلاقة الجميلة قد تقتل ابنتك معها )) واليوم رغم انكسار الشاب لكنه مسرور للتحدي الذي قادته اليه فتاته، سوف لن يكون ذلك التابع الذي يريده أبوه، اليوم رافقها حتى مائدة الطعام وقابلهم منتصبا وخرج دون ان يستطيع أي منهم ان يملي عليه أمرا، هو بحاجة الى ان يخلو بنفسه ويقرر كيف يحل تلك التناقضات الصعبة التي تحتاج الى تضحيات جسيمة (( ولكن مستحيل ان أضحي بكل شيء من اجل لاشيء .. نعم يا فورستر لو أصبحت كيتي سعيدة برحيلي لو قدرت على الحياة بدوني لو ولدت من جديد مجردة من حبي لأمنت بالتضحية وقلت انه قدري ومن اجل من احب أضحي بكل شيء، لكنني واثق انها ستكون بائسة مهما آلت اليها حالها بعد العملية حتى لو ركبوا لها ساقا ثالثة او رابعة وأنت يا أبي المسكين الطيب تنظر آلي مشفقا حائرا، أيها العجوز القانع والمقتنع بطيبتك أنت تستطيع إرضاء الملائكة والشياطين ليأتلفوا سوية في عالم جديد يعيش بين الخير والشر، علام هذا الحرص على مشاعر سيدك ما رأيتك يوما ترضى بالذل وانا افتخر بك وأنت من تقف بوجه كولبي وغضبه وأنت تعنفه لكنك ترضى بتبعيتك )) وتقول (( هذا قدرنا نحن الكبار ارتضيناه )) ما ذنب الصغار تجعلونهم يحذون حذوكم وما نفع حياتكم بهذا الشكل، يجيبني متألما (( وما نفع حياتكما أنت وكيتي اليوم هل تقدران التغيرات التي ستدركما غدا )) فأجيبه : (( انه الحب يا أبي )) ويهمس برفق :
- انا مدرك انك توجهت لدراسة الطب من اجلها علك تكون الفارس الذي ينقذها ... هذا أبي الى متى يبقى ينقل الماء براحتيه ليسقي زهرات كولبي وكولبي يدوسها في ساعة غضبه دون رحمة، لا حيلة لي في تغيير أبي او تغيير كولبي ولكن ايضا لا حيلة لي في مجابهتهما، لتسافر كيتي وليصلحوا لها ساقيها ، ليقودوها الى عوالم اخرى لا أتخيلها وفورستر واثق من نفسه ان باستطاعته تحقيق ذلك ان بقيت بعيدة عني.. .. جاء صوت جيرالدين :
- ادخل يا آدم  انه هنا وهو قلق عليك ...وكنت سعيد بوصول أبي
دخلت منهارا كأنني قطعت في سفرتي القصيرة عشرين سنة من خوف وعناء ليس بسبب التعب وكثرة البحث والتجوال بل بسبب الهموم، قام كارل يستقبلني بفرح وانا اردد مطمئنا :
- كنت واثقا من عودتك لانك تشعر بمسؤليتك . لقد عدت لتصلح ما يتصوره كولبي ستفسده هيا اجلس يا ولدي وأنت أيتها المرأة الطيبة، أشكرك لاهتمامك سأحادث ولدي قليلا، عودي إليهم واخبريهم بعودتي . أمسكت بيد كارل واجلسته قريبا مني وهو يتوقع موعظة ورجاء ويجبر نفسه للإصغاء الى مواعظي التي صار يملها لأنه دوما يختصر الطريق ويعفي أباه من تلك المهمة التي بات يتهرب منها لانها بشأن فورستر .
- اعرف ما ستقوله يا أبي، نحن متفقان عدت لأنفذ  رغبتكم بل رغبة فورستر .
ابتسمت هانئا وانا أحاول ان امسح الغمامة المقلقة التي راحت تؤطر وجهه الحبيب :
- لا يا ولدي ما أجلستك لأقنعك بل جلست لأحدثك عن امر لا تعرفه عن مرحلة زمنية من حياتنا انا وكولبي والتي يجهلها أهله حتى زوجته، لقد ان الأوان ان تعرف الرجل اكثر مما يعرفه الآخرون، قد لا تنشد صداقته او ترغب بالبقاء الى قربه لكن ظروفنا الحالية تفرض عليك قربك منه كما يفيدك في قراراتك التي ستحدد علاقتك بهذه العائلة، وما غايتي ان أجعلك تشفق على الرجل او تقتنع بوجهة نظري تجاهه، انا واثق من عواطفكما الصادقة انت وحبيبتك كما أخشى على الفتاة من ابيها لكن حياتك مهمة بالنسبة لي، أدعوك لتصغي الى ما سأقصه عليك لتعرف كولبي ، الكل ينظر الى الرجل نظرتهم الى متجبر عات بين أهله قاهرا في مجال عمله وتافه يستهلك بعض أوقاته وعواطفه مع الكلاب والخيول بينما يحذف من حساباته البشر ومنهم أهله، هذا ما لمحت اليه مرارا ، لهذا الإنسان قصة مؤلمة، قصة حرمان وبؤس لايقل عن حرمان أبيك وبؤسه في بداية حياته ربما كنت افضل منه في جوانب عدة لأنني استطعت ان أكون علاقات حسنة مع العديد من الناس المحيطين بي، او لأني كنت اصبر بؤسي بأيماني واحيانا أفلسفه قدرا مفروضا علي، اما هو كان يتراكم عليه حقدا وكرها لهذه الحياة التي يظن انها خدعته وحطت به في ارذل زاوية من المجتمع دون إرادته، حتى بعد ان وجد لنفسه مكانا كان يتمناه ومستقبلا يحسد عليه فهو يردد (( الحياة سرقت اجمل سنين عمري التي لا تعوض )) .
تعرفت عليه وعمري اثنتا عشر سنة وهو لم يتجاوز الحادية عشر كنا نعمل سوية في ورشة تنظيف شاحنات النقل، انحدرنا من فئة المشردين الذين لم يحسوا دفء العائلة وحنان ألام حدثتك عن أمي الطيبة التي لا أتذكر سوى شبحها لانها ماتت وانا في الرابعة بعد ان تركتني لعمتي في حين كان أبي قد أهملنا قبل سنتين وهاجر الى الشمال سعيا وراء الرزق الوفير ولم يعد كانت عمتي شديدة قاسية في تربيتي حملتني ان أواظب على دروس الإرسالية التي كانت تدرسنا مبادئ القراءة وترتيل بعض الأناشيد الدينية، ولما علمت ان عمتي فقيرة تخدم في احد البيوت لتوفر لنا لقمة العيش اشتغلت في مصنع السجاير في تنظيف التبغ ومنذ صغري اختزنت المرض في صدري، لذلك كرهت التدخين فيما بعد،  ورغم تعبي كانت عمتي لا تتساهل في نظامها ففي كل ليلة أعود من العمل تقودني الى الحمام لاغتسل وهي تردد (( القذارة تجعل الإنسان يتعود عليها حتى تصبح جزءً من أخلاقه )) بعد ذلك تواصل تعليمي الديني الذي تركته بسبب العمل اردد ما تقوله وانا أغالب النعاس ونصائحها لا تنتهي حتى في الصباح الباكر وانا أتسلم منها صرة الطعام اليومي، لذلك نشأت مختلفا في سلوكي عن كولبي الذي سأروى قصته .
نشأ كولبي تائها في سنينه الاولى . كان ثمرة خطيئة لفتاة طائشة أغراها شاب غني تركت اهلها ولحقت به ليعيشا في اماكن مختلفة فيها المغامرات ثم تركها وهي حامل منه لكنها لحقت به وتشبثت ليتزوجها من اجل طفلها، رفض بعد ان أعطاها شيئا من المال، وبقيت تتردد عليه وتنال منه ما يساعدها كلما ضاقت بها الحال وهي مستمرة في حياتها الماجنة بعد ان تزوج توني فورستر والد كولبي  من احدى الفتيات من أرباب المال اكتشف ان زوجته لا تنجب ولم يشأ ان يخبر زوجته لكنه أراد طفلا يرث أمواله لذلك بحث عن خليلته السابقة ام كولبي وطالبها بالطفل وحين علمت الام الطائشة برغبة الشاب الغني راحت تساومه بينما كان عشيقها الذي تعيش معه يحذرها من ان تسلم الطفل لأبيه بأي ثمن لأنه مصدر رزق ودخل مضمون لهما، هكذا فعلت فأخذت الطفل الى مربية لا أحد يعرف مكانها أو عنوانها وظل الرجل يقدم لها الإعانات أملا في إقناعها لتعطيه الطفل ويوم اعلمها ان الطفل سيكون وريثه ازداد حرص عشيقها على الطفل وحدث ان انشغل الأب في اعمال خاصة فأوكل احد موظفيه ليتصل بالمرأة، وكان ذلك الموظف وغدا حين علم بحقيقة الميراث وحاول ان يقيم علاقة قوية مع ألام، أغراها بالزواج لكن صديق المرأة كان حذرا فحاول إبعاد ذلك الموظف المحتال وفي احد اللقاءات اشتد الصراع بين الرجلين وتحول الى قتال دام تسبب بمقتل المرأة والموظف كانت معركة أراد بها الموظف قتل العشيق لكن الرصاصة اخطأته فقتل المرأة مما جعل العشيق يقدم على قتله وهكذا انقطعت علاقة كولبي الطفل بأهله بعد موت أمه والموظف الصلة ورفض العشيق إعطاء اية معلومات عن مكان الطفل الذي اعتنت فيه امرأة سوداء اسمها (( ماتيلدا )) هكذا حرم كولبي من حنان أمه التي كانت تصرف ما يصلها على اللهو والمغامرات المشينة عاش الطفل مع العجوز في حي شعبي بائس في حين كان اسم أبيه يرتفع في مجال الاعمال نشأ الطفل بين الاطفال الفقراء والمشردين وما ان اصبح عمره ست سنوات حتى حمل صندوقا لمسح الأحذية ، وماتت العجوز تاركة الطفل في رعاية الجيران وهو لا يحمل اسما ولا شيئا من أهله سوى العار الذي يلاحقه وكان الاطفال يثيرونه حين يعيرونه بسلوك أمه لذلك انتقل من ذلك الحي وعمل في احد الكراجات يحمل سطل الماء وبعض الخرق في الصباحات الباردة ينظف السيارات وحين اصبح عمره عشر سنوات انتقل الى ورشة لتصليح المكائن والآلات هناك تعرفت عليه .
لقد كان سيئ الخلق متوحشا صعب العشرة لا زلت أتذكر اليوم الذي بدأت فيه صداقتنا في ذلك اليوم ضربته ضربا مبرحا كان يصغرني وكنت افضل صحة منه تعودت ان اعتني بنظافة جسمي وملابسي اما هو كان ضعيفا كثيرا ما يمرض وكان يتحداني للوني ولهدوئي وعدم رغبتي في العراك كما انني ما كنت مثله أقول الكلام البذيء . في احد الايام وبعد ان انتهينا من العمل ورميت عني ملابس العمل وضعت النقود التي املكها وكان مقدارها دولار وثلاث بنسات على ملابسي القذرة ريثما اغتسل والبس الملابس الاخرى لأعود الى غرفتي التي أعيش فيها وكان هو الاخر يفعل الشيء ذاته . مد يده وانا أراقبه وسرق الدولار أمسكت بيده ليعيده الى مكانه لكنه ادعى انها ملكه، بقيت ممسكا بيده هددني ان لم اترك يده سيقطع يدي، تحدثت بلطف وعرضت عليه ان نكون اصدقاء دونما حاجة الى عراك ومستعد ان اقدم له الدولار كهدية لكنه ازداد عنفا متهما إياي بالجبن ولطمني على وجهي باليد الأخرى، مما جعلني أخوض معركة أشبعته فيها ضربا والآخرون من الرجال حولنا يثيروننا كل مجموعة تشجع واحداً منا ، في اليوم الثاني تحاشى التقرب مني او التحدث إلي، لكن شابا اغاضه واستثاره ليقاتله وكان هذا اكبر منه، تدخلت طالبا من كولبي ألا يصغي الى الشاب الشرير، استغرب هو من الموقف الذي لم يتوقعه، لكن الشاب فرض معركته فتدخلت وضربت الشاب، بعد القتال جاء يشكرني . بعد العمل قدته الى الغرفة الصغيرة القريبة من الورشة، صنعتها بنفسي من الصناديق الفارغة والقطع الخشبية القديمة هناك أطعمته وتحدثت معه برقة وعرضت عليه صداقتي واقترحت ان نعيش سوية . استفاد كلانا من دمج حياتنا ورغم معاناتي معه كنت متمسكا بنصائح عمتي وما عودتني عليه، كان يسخر مني وانا أصلي قبل النوم مما اضطرني يوما ان أخاصمه لكنه وعد الا يتدخل بأموري الخاصة، لقد حملته على التوفير لأنه كان متلافا وكلما اشتريت حاجة لمأوانا سر لها وقال (( حقا أصبحت رجلا تفكر بالحياة يا آدم )) وفي احد الايام فاجأته بدراجتين جديدتين اشتريتهما من مدخراتنا قال لي (( أنت اخلص إنسان في حياتي لذلك أرجو ان توفر لنا المزيد وسأعطيك كل أجوري ولن ابقي معي شيئا )) واحتفلنا بالمناسبة خارج المدينة قصدنا غابة قريبة وعلى حافتها جلسنا واكلنا وجبة لذيذة وكان سعيدا بدراجته حيث كنا نخرج سوية الى الضواحي لذلك ترك ارتياد السينمات الرخيصة ومعاكسة الفتيات او الاعتداء عليهن وسلب حليهن، كنت اهدده ان فعل أمرا مشينا فسأنفصل عنه وكان يبدي اسفه .
بعد سنتين انتقلنا الى مدينة اخرى وعملنا في مطعم فخم وأصبحت ملابسنا نظيفة وبدا كولبي أنيقا جميلا صار يكثر من الوقوف امام المرأة والتعطر والرحيل مع الأحلام، كان يحدثني قبل النوم انه يجب ان يجد وسيلة يستطيع بها ان يكون ثروة طائلة وانا أحذره من اغراءات الشيطان وتجاربه، ضبط يوما يحاول سرقة المطعم وطرد منه وبقي اربعة اشهر يعيش عالة علي يشتغل أعمالا مؤقتة لكنه يصرفها على فتاة يلتقي بها، في احد الايام دخل في شجار كاد يؤدي بحياته مما اضطرني ان اترك العمل في ذلك المطعم لنرحل سوية الى احد الأرياف نعمل في معمل للمشروبات وكنت اخذ كل بنس منه وادخره في مصرف قريب، أصبت بمرض الملاريا وخاف كثيرا، سمعته في احدى الليالي يبكي كالطفل ويهذي بينما كانت الحمى تسحق عظامي بعدها بأسابيع قليلة، أصيب هو الاخر ورعيته كما ترعى الام طفلها وأصابنا هزال شديد ولم يشجعنا الطبيب على البقاء هناك، أنتقلنا الى ميناء قرب بوسطن نعمل في الشحن يومها كنا قد بلغنا العشرين بل تجاوزتها انا هناك تعرفت بأمك وانشغلت بتأسيس دار لنا ولم نستطيع الزواج الا بعد ثلاث سنوات مما اضطرني ان افترق عن صاحبي الذي انحرف مرة اخرى اذ صادق فتاة من بنات الهوى تعمل في مقصف بالميناء، كانت مولعة بالقمار جرفته معها فخسر كل مدخراته واستدان مبالغ اخرى مما اضطره في اخر الامر ان يسرق احدى النساء كانت تدير بيتا للمومسات … جاءني يوما واخبرني انه مدين بخمسمائة دولار وإلا سيسجن وكان المبلغ يوم ذاك كبيرا مما اضطرني الى بيع بعض أثاث بيتي وأجبرته على السكن قربنا هكذا بدأت ثانية استولي على دخله الأسبوعي واشدد الرقابة عليه، لقد تأثر بجونا العائلي فاستكان قليلا، في هذه الأثناء كان المجرم الذي تسبب في العراك الذي ذهبت ام كولبي ضحيته قد خرج من السجن وراح يستقصي اخبار عائلة فورستر فعلم بوضع العائلة الموسر وان والد كولبي قد توفي بعد ان ترك ثروة بأسم ولده ورصد جائزة لمن يدلهم على مكان الابن المفقود او يعيده الى العائلة وراح يبحث بجد حتى اهتدى اليه في ذات الميناء .
جاءني كولبي يوما مضطربا يصطحبه رجل لم ارتح لمرآه وحدثني بالأمر وطلب رأي وادعى الرجل انه كان صديق المرأة وانه أعالها وأعال طفلها وكان على وشك ان يقترن بها لولا الحادث المذكور وانه اليوم جاء ليطبق وصية الام ويتبنى الطفل المنكوب ويدله على أهله .
لم اطمئن للرجل عليه حذرت كولبي منه على ان يجاريه الى حين يتعرف على أهله ومن ثم يعطيه مبلغا لقاء خدمته تلك .
عند أهله شعر كولبي الغربة بالرغم من استقبالهم له، ارسل إلي يلح ان أغادر واسكن قربه ليستشيرني في بعض الأمور، فعلت لكنني لم اجده مسرورا رغم العز الذي ناله، لم يجد عند اولئك القوم ما كان يتوقعه بعد رحيل أبيه بل كانوا ينظرون اليه من خلال العلاقة المشينة التي اعتبرتها العائلة نقطة سوداء في تاريخها،  نصحته ان يتبع سلوكا مهذبا ليثبت عكس ظنونهم وراح يستدر عطفهم ومحبتهم وكنت معه اكثر الأوقات ولما وجدت استحالة معايشتهم بل قد يتمرد عليهم ويعود الى سلوكه الشرس فيخسر كل شيء وما هو الا ابن ضال في عائلة أرستقراطية لا تشعر تجاهه باية مشاعر أسرية، لذا اقترحت ان يأخذ حصته من الميراث ويستقل في حياته ويترك عمه وعماته العوانس ويكون نفسه بنفسه . تمت التسوية بسلام وتسلم كولبي مئة وأربعين ألفا من الدولارات بعد ان تنازل عن كل حقوقه في الأملاك الاخرى وكان هذا المبلغ عظيما حينذاك استطعنا ان نشغله في مشاريع ناجحة . لقد تغير الفتى تغييرا مفاجئا وصار يستغل شجاعته بحكمة وبات حريصا على البنس الواحد يعمل ليل نهار وهمه الكسب والمزيد من الثروة والأرباح وكأنه ينافس أهله، قال مرة (( سأعلم اولئك الأرستقراطيين من هو كولبي )) وتحول من فتى ماجن متلاف الى شخص دقيق صارم يصغي باهتمام بالغ الى نصحي ويوم أخبرته انه لا يستطيع الحياة الجديدة ما لم يوسع مداركه وثقافته، رضخ واستعان ببعض الأساتذة وأجبرني ان أجاريه لنتثقف على أيديهم في أوقات الفراغ وبقينا سوية نغزو مجالات العمل والتجارة وننجح، كان اكثر جرأة مني بل كان يوبخني لمواقفي العاطفية والإنسانية، مع ذلك كثيرا ما طلب ان يسجل بعض المشاريع بأسمى لكنني رفضت لأثبت له ان الإخلاص لا حدود له ولا يريد الثمن . تأثر بموقفي هذا وبقي مخلصا متعلقا بصداقتي وحين توسعت أعماله (( وقد ساعده اسم عائلته وشهرتها في مجال الصناعة )) اقدم على مشاريع اكبر من طاقته وكان يعشق المجازفة، وجازف في مشاريع النفط وانتاجاته واستطاع ان يؤسس شركة ضخمة يملك اكثر أسهمها واكتسح أمامه شركات منافسة وتحول الى جبار عات في مجال المال والتجارة . كثيرا ما نصحناه انا وأمك ان يتزوج ويستقر (( علما إننا كنا نعيش عائلة واحدة في بيت فخم )) رفض ذلك واكد انه نسي المرأة تماما وان وجود المرأة هو ضد النجاح والاستقرار حتى تعرف على نانسي .
كانت نانسي شابة صغيرة حسناء تعمل سكرتيرة في احدى شركاته اصطفاها وجعلها مع الموظفين الذين يعملون حوله كان حينها في الخامسة والأربعين بينما كانت هي في العشرين من عمرها من عائلة فقيرة لها طموحاتها تصورناه احبها وإنها تبادله الحب بينما اكتشف فيما بعد انها تزوجته لثروته، لم يأبه للأمر لأنه كان قد دخل مرحلة الغرور التام متصورا انه بماله يستطيع ان يؤثر في كل المجالات حتى في عالم القلوب والحب عاشا السنتين الأوليتين بود ووئام أعطى لها الكثير من ماله وعطفه كانت هي سعيدة ولدت له كيتي الجميلة حينها كان عمرك ثلاث سنوات اما أختك ماري كانت قد بلغت السابعة وأمك تؤنبني لان ماري تعتني بالصغيرة وترفض ان ترعاها مربيتها مما جعل أمك تتهمني انني حولت الصغيرة الى خادمة ورضيت ان تزوجها صغيرة واستحلفتني حينها ان أجعلك تواصل دراستك قدر استطاعتك .
كان الرجل وزوجته سعيدين بالطفلة الصغيرة اشغلتهما فترة اهتمت نانسي بتربية طفلتها بينما عاد هو الى أعماله وتجارته وسفراته الكثيرة بذلك لم يعترض احدهما طريق الاخر وكانت جذوة الجنس قد خبت عنده مبكرا وارتبط كليا بالعمل بعد سنتين رزق بولدهما داني الذي حرك جو الأسرة وقربهما ايضا فترة قصيرة اخرى اعطته شحنة من المودة لزوجته .
لكنه ايضا عاد وانصرف الى أعماله وانغمرت نانسي بالمغريات بعد ان أوكلت امر طفليها الى الخدم والمربيات وكنت أراقب الهوة تتسع بينهما حتى ان الطفلين ما باتا يسألان عنهما ماداما يلقيان العناية مني ومن أمك وانغمارهما بصحبتك . حاولت ان أعوضهما شيئا من حنان الوالدين وبسبب ذلك تعلق الطفلان بي في هذا الوقت توفيت أمك فأنحصرت أعمالي خارج دائرة البيت وارتاح هو لذلك وكأنه يقول (( عليك أنت يا آدم بشؤون العائلة وعلي ان أرعى المصالح والعمل )) لا بد انك تتذكر الليالي التي كان الصغيران يصران على ان يناما في دارنا ومعك بالذات في غرفتك، بينما ابتعد كولبي عن حلم البيت الدافئ والعائلة الهنيئة وتفرغ لتحقيق طموحاته المتشعبة في كل مجالات البلاد وخارجها، واعتادت زوجته على تغيبه لأسابيع كما لم يعد يحمل تلك المشاعر التي أبداها في السنين الاولى )) وحين كنت أحذره ليلتفت الى الجانب العائلي كان يسخر مني، قلت له مرة (( أنت مجنون يا صديقي بداء المال هيا ارحم نفسك وعائلتك )) اتهمني بالغباء وقال لي (( أنت لا تنفع الا ان تكون خادما او رئيس خدم )) ومرة اخرى قال بسخرية (( انا استغرب يا آدم كيف لم تحاول ان تصبح رجل دين )) أجبته بقسوة (( اية فرصة تتاح لمن يعاشرك ان ينجح في أمور الدين )) مع ذلك كان ممتنا لحرصي عليه ولرعايتي لعائلته قال يوما (( في الحقيقة يا آدم أنت شريكي في كل نجاحاتي حتى في أطفالي ففيهم جزء كبير منك )) كان يخشى نصائحي ويحترمها، احيانا لا يلتزم بها لكنه كان مؤمنا انه لا يستطيع الاستمرار دوني، ولما نبهته على خطئه تجاه زوجته التي راحت تبتعد عنه وعن أطفاله، ثار بوجهي وطلب ان أتدخل في كل شؤونه الا ما يتعلق بعلاقته بزوجته ، وكان يتهرب من تلك المشكلة الكبيرة لان نانسي بدأت تشعر بكيانها وإمكاناتها فراحت هي الاخرى تنظم لها حياة خاصة مستقلة عن زوجها تقضي معظم أوقاتها مع الاصدقاء والمعارف حسب رغبتها في حين يكون هو منغمرا في عمله سعيدا في زحمة الاعمال التي تعطيه النجاحات قال يوما (( في العمل يعود شبابي يا آدم وأحس طموحاتي تكبر وتتحقق فتكبر نفسي ايضا وتصفو روحي وتتجدد حواسي بعنفوان، تصور ان ذاكرتي التي كنت أشكو منها أصبحت خارقة أتذكر ابسط الأمور عن الاعمال الكثيرة، اما في البيت فأني اشعر بالشيخوخة تزحف كريهة والخوف من الغد يتجسم ماردا يطاردني وتتجمع المشاكل السخيفة والصغيرة لتلتئم في صورة بشعة فاخرج بنتيجة انني ضحية البيت عشت فيه بشقاء منذ صغري، ولازمني الشقاء حتى كبرت وحققت اكبر نجاحا انظر يا آدم ماذا جنيت من هذا العمر التافه )) كنت اُذَكره بالجانب المشرق من بيته وأطفاله وزينت له ان يداوي كل ذلك ببناء بيت عظيم يفصل عنه كل الام الماضي، واستجاب لمقترحي لأنه كان يوافق طموحاته في تحقيق حلم من أحلام عظماء القرون الوسطى، فراح يصرف الملايين من اجل تشييد جنة يجعلها احدى عجائب الدنيا فكانت هوني لاند محط أنظار الزائرين والفنانين والصحفيين ولا زالت . أراد ان يرضي طموحه في كل جوانب العظمة فأعتنى بالخيول والكلاب والحدائق والطيور النادرة والأزهار كما تراها لكنه كان مولعا منذ صغره بالكلاب ولا زلت أتذكر كيف كان يقتطع من لقمته المسائية التي لا تسد جوعه ويعطي لكلب سائب يجوب جوانب الميناء حتى اصبح صديقه وما ان اكتملت هوني لاند بمظاهرها الأخاذة حتى راحت نانسي تقيم الحفلات الصاخبة بغيابه ، اعتبر ذلك من المظاهر الملائمة لمركزه ومن متطلبات عظمته، لكنه فيها خسر زوجته . كانت كيتي ضحية احدى تلك المظاهر حيث الزم احد سائسيه ان يعودها على ركوب مهر جميل فسقطت منه مقعدة تشكو هذه العاهة وأنت تتذكر ذلك جيدا في هذا الوقت ساءت العلاقة بين الزوجين وراح كل منهما يحمل الاخر سبب فشلهما ولنفس السبب ساءت تربية داني ولم تعد إصلاحاتي تجدي نفعا لان كل منهما راح يقربه اليه بهدايا وعطاءات سخيفة أفسدت الشاب حتى تمرد عليهما ولم يستطع أي منهما ترويضه . هذا هو كولبي يشعر انه يعيش حياة تافهة لا يستحقها بعد كفاحه المرير ولا يمنحه المحيطون الحب والوفاء الذي يستحقه، من هنا يتصور ان الأقدار ظلت تلاحقه بقسوتها وانه فاشل رغم ما حققه وانه ليس السبب في هذه الاخفاقات والمشاكل وحين يحاول ان يرمم شيئا في إصلاح وضع كيتي التي هي اخر أمل له تقف أنت أمامه متحديا لتسلب منه اخر أمل له، فهل من العجب ان يتحول الى وحش كاسر وهو الجبار الذي يدمر من يقف في طريقه ؟ هل سمعت ماذا يحصل في البلاد (( ش )) قد يكون كل ذلك من صنعه ونحن نتصوره المنكوب الأكبر هناك، مع ذلك نجده غير مبال بل يدعي السعادة وانا اشعر ان لعبة قذرة تجري هناك بتخطيط وتدبير منه . لذا أناشدك يا ولدي ان تصغي لما أقوله بعد ان عرفت الرجل ليس من اجلي او من اجل كولبي إنما من أجلكما وأنتما مقبلان على الحياة أبوابها تناديكما وتلك الفتاة تحبك بإخلاص وهي مستعدة ان تبقى مشدودة الى مقعدها من أجلك وانا واثق انك لا ترضى لها ذلك لأنك لست ذلك الأناني الذي يؤخر سقوط المطر الى حين يصنع بخاره بنفسه، هيا قل رأيك ولا تفوت الفرصة عليها .
- لقد كنت عند كيتي واخبرتها ان تسعى وراء فرصتها .
- حذار ان تجعلها تشعر انك مرغم على قبول هذا الامر بل دعها تحس انها رغبتك .
ابتسم الفتى وكأنه يقول (( أعرفك يا أبي تحمل طيبتك اللامتناهية طوال هذه الرحلة الطويلة متمنيا ان تحل مشاكل العالم قبل مشكلتك )) ابتسمت له وقلت :
- أنت تحمل ذات الصفات التي يحملها أبوك .                                                                             
-  نحن ملتقيان في الرأي لحل مشاكل العالم سر في طريقك يا أبي ولتشع طيبتك آمنا وسعادة للآخرين واستمر في مناجاة ربك ليديم كولبي جبارا قاهرا وهذا لن يدوم لان للآخرين أسلوبهم الخاص بهم .

                   ……………………………………………..

                                             ((5 ))

ما بال هذا العجوز يغدو سريعا خفيفا يتنقل بين الناس كأنه طالب صغير يحمل ورقة نجاحه ويطالبهم ان يفرحوا معه، أغبطك يا آدم تعرف كيف تجتذب الافراح وأنت تعلن عن موافقة كيتي للسفر لأجراء العملية، كنت أتمنى ان أغوص في أعماقك لأتعلم كيف تصنع المسرات عاشرتك هذا العمر الطويل وكنت دافعي للنجاح دون ان تطالبني يوما بثمن، الى أي مدى تبقى (( تمنح للآخرين هل هو جنون ام غباء ام وحي سماوي، أراك مستعدا ان  تدمر ابنك ومستقبله من اجل ان تنتصر علي بإخلاصك وانا ما قدمت لك الا ما يقدم للخدم، او أكون ذلك الإنسان الطيب الذي يستحق ان يمن الله عليه بصداقة حقيقية في شخص آدم ؟ لو كنت مثلك يا صديقي لما كان بإمكاني ان أحقق شيئا من نجاحاتي لان الشفقة والطيبة اللآمتناهية يذيبان صاحبهما وسط هذه الحياة المعقدة، انها حكمة الله أرادها لنا وأحدنا يكمل الاخر عليه ساكون رقيقا مع ابنك الذي أخشاه لحد الكره سأغض النظر عن تحديه الساذج لي وأنت تعلم ماذا يكون مصير من يتحداني بينما يصر هو ان يمسكني من الموقع الذي يؤلمني حتى يقضي علي اعذرني يا آدم حين اكره ابنك او أتمنى له الدمار وحتى الموت، كم فكرت بوسائل تزيحه عن طريقي لكنني أراك تقف بوجهي لذا أرجو ان تساعده ))
- آدم آدم !  .
كان صوته رقيقا على غير أسلوبه ونحن في المطبخ … آدم يا صديقي العجوز .
ضربت العجوز جيرالدين كتفي ونبهتني الى نداء كولبي فالتفت رأيته يبتسم قائلا :
- اذهب يا آدم وفتش عن ذلك الأحمق الصغير ابنك وأرسله، لي معه حديث شيق .
- لم تبقى بحاجة الى ذلك .
- لا تخف يا آدم سيكون الحديث مملوءا بالثناء أريد ان اشكره .
بعد دقائق كان كارل يتقدم الى حيث يجلس العجوز الذي مد يده بنشاط وصافح الشاب واجلسه الى جانبه وكارل كاره لتلك المراسيم لأنه يعتبرها ارخص الخدع والأساليب في الغش يجيزونها في الحياة بتسميات مهذبة كالاتكيت، لكن الشاب لا يقرها فقط يتحملها من اجل أبيه ومن اجل حبيبته ومن اجل هوني لاند وحيواناتها ونباتاتها واهلها كما يقول أبوه في فلسفته الجديدة، وكانت ابتسامة كولبي مغتصبة خالها الشاب تكشيرة ذئب غادر يتهيأ للانقضاض على فريسته .
- هيا أيها الأحمق الصغير إياك ان تغضب مني أنت الاخر عنيد مثلي وأحمق، لسنا مثل أبيك الطيب المخلص، هو الاخر حاول الهرب مرارا ولكن أين يذهب من كولبي ؟ كل منا مستعد ان يترك كل شيء حتى بيته وزوجته ولا يترك صاحبه . انتم يا شباب القصور والحياة المرفهة تعلموا من شيوخكم المحبة والإخلاص، أبوك ايضا يصفني بالأحمق مع ذلك أبقى مخلصا له، الان هيا اخبرني هل أنت غاضب ؟ مع ذلك أنت رائع قمت بما يقوم به الفرسان لقد كبرت في نظري هيا اخبرني بماذا وعدتك فتاتك . انا مستعد ان أساعدك من اجل نجاحاتك وتجاربك . علام صمتك لعلكما تآمرتما علينا، لا بأس لتسترد ساقيها ومن ثم نفذا مؤامرتكما .
- أبدا يا سيدي فقط وعدتها ان اقف الى جانبها ولن أتخلى عنها .
- انا الاخر سأمنحك الفرصة بعد ان تتجاوز محنتها حينها يكون قرارها صائبا  .. دعها ترحل يا ولدي وهي مشحونة بالأمل اعطني وعدا صادقا من اجل ان نساعدها لتتوق الى الفرصة وتسعى اليها برغبة وانا أثق بوعودك لأنني أثق بالحمقى العنيدين .
- اطمئن يا سيدي لقد فعلت ذلك .         
– حسنا هيا اذهب اليها وخذها في نزهة ممتعة .
غادر الشاب مسرورا وهو يفكر بهذا الرجل الذي يسخر كل الظروف في مصلحته (( مسكين أبي يخشى ان يتهدم كولبي ويهدم معه كل الهياكل المحيطة به والتي يتصور انه يرفعها بمنكبيه ولا يتبادر إلى ذهنه انهم جميعا يستهلكون ما بأفكارهم وأبدانهم من اجل كولبي الذي لم يعد فيه نفع الا لتحقيق طغيانه )) كانت نانسي في الشرفة التي تطل على الحدائق الخلفية حين رأت الفتى يدفع مقعد كيتي المملوءة بالحيوية كأنها تكاد تتنطط من داخل مقعدها وضحكتها عبر الساحات وبين حين واخر تمد يديها لتداعب صاحبها او تضرب على يديه ضربات تفهم نانسي مغزاها، هي واثقة من حب ابنتها لهذا الشاب : (( كان يجب ان يكافئ كولي هذا الشاب فهو الذي يجعل الدماء تستمر في عروق الفتاة حارة ))
وراحت تتابعهما وحين استدار الفتى ليعبر الساحات الخضراء الى طرف الاشجار حيث مكانهما المفضل دارت هي الاخرى حول الشرفة لتتمكن من مراقبتهما .
تمنت لو كانت مشلولة اليدين والساقين معا فقط ان يرعاها فتى بحب كارل وإخلاصه (( وهذا سيمون ينتظرك يا نانسي سأجعله ينتظر .. كيف يمكنني ان انفذ تلك الرغبة انه مجنون يريدني ان اغلق كل منافذ مشاعري الاخرى واحصرها به .. هذا كارل يضحي بأثمن شيء يجازف بحبه، واثق ان كولبي لا يبغي من وراء طيبته المفاجئة الا موافقة كيتي لتشفى، حينها يجد طريقه ليبعدها عنه والعم آدم ايضا الذي خرج من هذه الدنيا وهو لا يملك الا ولده هو الاخر يضحي مجازفا بقلب ابنه الذي قد يتحطم، وكولبي نفسه يتجاهل اخبار تلك الكارثة في تلك البلاد ليبدو سعيدا من اجل ابنته .. الكل سعيد ويضحي بشيء ما وأنت تريدني يا سيمون ان انفذ ذلك القرار الخطير في هذه الظروف، لا يا نانسي أنت ألام وعليك تقع اكبر مسؤولية ماذا سيقولون نست ابنتها لتهرب مع عشيقها الذي يسرقها من زوجها الذي قدم لها كل شيء، من يشرح للناس معاناتك وآلامك، اية لعنة ستلاحقك، هذا زوجك يعرف بخيانتك لكنه صابر من اجل ولديه وبيته ومركزه وأنت تأبين الا ان تعجلي بهدم كل شيء أين وعدك (( سأبقى من أجلك يا ابنتي عودي الى غرفتك واغلقي على نفسك واندمي على التفكير برغباتك، أقيمي مأتمك فقد كتب عليك ان تنتهي معزولة مهانة، ماذا جنيت من هذه الحياة ليتك نجحت في أشعارهم بأنك مظلومة .. وسيمون يؤكد ان الامر بات ملحا لا يقبل التأجيل انه متقلب الأهواء يستغل ضعفك ليستبد بك ويحاول ان يكون سيدك وأنت سيدة هوني لاند، هيا أيتها التعيسة قرري شيئا قد يكون صعبا عليك، صوت آدم يناديك، كوني الى جانب ابنتك )) انا مظلومة يا عم آدم ماذا يبقى لي من الحياة ان خسرت الفرصة وسيمون يؤكد انها فرصتك الأخيرة انا أضحى بأجمل شيء هل تسمعني يا آدم الا تراني  أوشك ان اجف، أرى أوراقي تصفر وتوشك ان تسقط، الخريف يتسلل طارقا بابي مبكرا .. وللخريف جمال ان بقيت الشجرة شامخة تظلل واديها جذورها طرية هل فكرت أيتها المنكودة ماذا يحصل للشجرة ان قطعت ونقلت الى اجمل الساحات حتى لو وضعت في تربة من ذهب واسقيت بماء الحياة وحنان كل العشاق مادامت قد فقدت جذورها ستذبل وتموت .. عودي وفكري .. قد تمر بك نسمة تنعشك وتصور لك جنات موهومة، تزين لك الهرب لكنك ستضيعين في الحارات السرية للمدن الضائعة وحين يتبدد الشوق وينمو حنين العودة حين تجلدك الذكريات يومها تكونين قد فقدت الطريق حينها تنطفئ في نفسك مصابيح الأمل .. هيا أضيئي مصابيحك على أبواب غرفتك في هوني لاند انها أبواب القلوب الحائرة، عوضي ما أخذه كولبي بحب أولادك ماذا تقول يا عم آدم أنت تغلق أبواب الهرب بوجهي هل نسيت ان سيمون هذا محطتي الأخيرة رغم أهوائه التي تخيفني، لكن هذه الانفعالات التي يثيرها ما شعرت بها عند كولي يوما، انه البحر يستهويني موجه الخطر، في صحبته أنسى الدنيا وأصارع بلذة الموجة تلو الاخرى وسيمون يعرف كيف يزين الغرق والموت في صراع الحب، ان ضعفي يلبسني احيانا فتندحر كافة الحواجز وأنسى كل ما يربطني بهذه البقعة، دعوني أعيش ولو لفترة تعوضني الجدب الذي يلبسني، لقد استهلكت غدي وأصبحت أتعامل مع ظهيرة يومي والمساء يطرق بابي انا ذاهبة الى سيمون .. انها فرصتي الأخيرة عذركم .

                           …………………………………….

كان سيمون ينتظر قلقا صرف ساعات طويلة في اختيار هندامه وإتمام زينته لأنه مؤمن ان من متطلبات سحره مظهره وأناقته وملاحة وجهه وأسلوبه في اقتياد صيده الى الشرك الجميل لازال يقلد المراهقين في مظهرهم معتقدا ان نانسي تفكر بشبابها الذي فقدته منذ ان سقطت كيتي من على مهرها معوقة، بقيت نانسي الى جانبها تعيش مخنوقة تشعر وكأن هوني لاند بساحاتها الفسيحة وقاعاتها سجن رهيب تفتش عن المتنفس خارجه، فكان من السهل على احد موظفي زوجها ان يستميلها برقته وما أدراها ان أطماعه كانت اكبر من تلك العلاقة التي تصورتها حبا فراح يلبي طلباتها ويسعى في إدخال المتع والمسرة إلى قلبها المكتئب، ونجح في إخراجها من سأمها وحزنها ولم تلق نانسي من زوجها اية ممانعة في الخروج الى الحياة والتمتع بساعات تقضيها مع الفتى حتى وقعت في الشرك، اقتادها الفتى الى مخدع أعده لها وتبين ان اللقاء كان مصورا وتم ابتزازها ولم يتوقف الابتزاز عندها وانما امتد الى كولبي الذي استطاع بأسلوبه ضبط المجموعة، وفي جلسة قاسية اسمعها كولبي اعتراف ذلك العاشق وكانت خيبة مريرة ولم يتوقف من إذلالها، طلبت على اثر ذلك انفصالها لكنه بتأثير العجوز الطيب وابنتها المقعدة عادت ومكثت ذليلة، عاشت سنين صعبة تمنت الموت فيها حتى حل سيمون موظفا في هوني لاند واستطاع بأسلوبه ان يميلها إليه وكانت العلاقة في اول الامر مجرد ان تقتل سأمها في مراقبة ما يجري من الإصلاحات التي يقوم فيها سيمون، لكنه استطاع ان يزين لها الحياة ويقنعها ولم يشك احد بسلوكها بعد ذلك الاعتزال الطويل الذي فرضته على نفسها . (( يجب ان اذهب اليه .. الرحمة يا رب هذا سيمون يضعني على حافة آلة حادة اما ان اسقط عليها وانتهي او أقع خارجها لأعدو بعيدا .. اللئيم يطالبني ان اقف متحررة، سيمون مجنون كيف سيرتب حياتنا وكولبي سيحرمني من كل شيء بعد هذا العمر الطويل لو يتمكن سينزع جلدي عني ويشوهني ويطلقني في الشوارع .

                         ………………………………………..

كانت نانسي حريصة الا تثير شكوك الآخرين اذ شعرت في الآونة الأخيرة انها مراقبة لابد ان كولبي يعلم بما يجري بينها وبين سيمون، دارت بسيارتها قطعت عدة مسافات وشوارع حتى استقرت خلف عمارة فيها الشقة التي يقطنها سيمون، استقبلها بلهفة العاشق وهو يبالغ في طرح عواطفه وهي تكره تكلفه هذا (( هذا الغبي يتصورني مراهقة تثيرها ممارسات صبيانية، ليته كان بمستوى الأحداث وما أقدمت عليه، كم اكرهه حين يمثل وكأنه على خشبة المسرح فلا أرى في عينيه سوى الاحتيال وأشياء اخرى مخيفة لا افهمها )) نحن متفقان على القرار النهائي كان يجب ان يرتدي ثوب الحكمة ثوب الرجل المسؤول الذي أبيع كل شيء من اجله ولا يحدثني بكلمات تافهة ويتراقص كالمهرج يعرض علي بضاعة كاسدة، كأنه يحاول إقناع زبون عابر في صفقة مريبة .. رباه ! أليست هذه صفقة خاسرة لزبونة بائسة ما أتعسك رفضت الحياة ان تعطيك الا الغش حتى في نفسك .. اهدأ يا هذا وافتح لي صدرك لاقرأ مشاعرك الحقيقية أنت محطتي الأخيرة التي قد لا تكون بعدها رجعة، تصور يا سيمون انا مقبلة على اكبر مغامرة تقوم بها زوجة مرموقة غبية وام حمقاء .. لست بحاجة الى حركاتك البهلوانية يكفي ان تعرض صدق نواياك وتنظر في عيني فأنا أجيد قراءة العيون … رباه امنحني الرأي الصائب …  كان سيمون يحوم حولها كالأبله وضع يده حول خصرها وقال : علام تقفين مرتبكة يا حبيبتي هيا انا الاخر مرتبك لان الفرحة بلبلت أفكاري وأقعدني الحب عن حسن استقبالك انا نفسي لا اصدق هذه اللحظة الهنيئة، اشعر باضطراب غريب .
يمسك بها ويعتصرها على صدره بقبلات سريعة تشعرها باردة تراقبه بريبة وحزن .
- ما بك يا عزيزتي لا تستجيبي أنت هادئة على غير عادتك في لقاءات الحب هكذا المرأة حين تحب بإخلاص تندفع كالموج المجنون يحطم صخور الشاطئ الذي يعترضها لكنها حين تصل القرار تكون حكيمة كالحية وهذه الصفة أتمناها لحبيبتي وهدوئك هذا يطمئنني هيا اخبريني ؟
- الا ترى ان نتريث قليلا يا سيمون ؟           
- ما معنى ان نتريث ؟
- كيتي بحاجة ألي .  يمسك بيديها ويقبلهما بتوسل :
- كيتي لم تكن يوما بحاجة إليك .. لانها تجاوزت مرحلة حنان الأمومة، حتى انك لم ترضعيها في طفولتها ولا تنسي انها دوما تتظاهر انها اكثر رجاحة منك، أسف ان اذكر هذا لك وهو يؤلمني ما شعرت يوما انهم يحترمونك كأم، زوجك يوفر لهم كل شيء ليبعدهم عنك، لا اقصد إيلامك .
-   أرجوك يا سيمون كف عن هذا الهراء لست بحاجة الى هذا التبرير السخيف لقد انتظرتني لأكثر من سنتين ماذا لو انتظرت شهرا اخر أودع به كيتي .
-   مستحيل .                    قالت غاضبة:
-   -  مستحيل ؟ كأنك أنت الذي يقرر .
-    لي ظروف خاصة تحتم علينا القرار النهائي ومهلتي لا تتجاوز اليومين .
-   ظروف ؟ وظروفي انا ؟ كيف تدفعني الى هذا القرار السريع .
-   هناك سر ستعرفينه، ربما سمعت الأنباء التي تتوارد عن ذلك البلد الذي وضع زوجك معظم ثروته فيه وأنت لم تتبيني الحقيقة كاملة، سأكون صريحا معك نحن ان انتظرنا أياما تكونين أنت قد أصبت بنكبة كبرى    .         – لكنك ستكون معي .
-   الظروف القاهرة ستفرض نفسها عليكم وستكون اقوى منكم قد تصرع كولبي فور ستر .
-   ماذا لو صرعته وانا سأغادره، ولكن مهلا وضح الأمور أرجوك أقلقتني على كيتي ؟
-   ارأيت ؟ لا زلت مترددة وهذا يعيق طريقنا زوجك مقبل على خراب شامل لذا أرجو ان ننفذ خطتنا ونصفي الموقف مع كولبي بأي شكل .
-   لم افهم أي شكل تقصد او لنقل يرضيك . راحت تنظر في عينيه والشكوك تغمرها ؟
-   من أجلك يا حبيبتي سبق وان عرض عليك كولبي تعويضا بائسا مقابل فراقكم، واليوم أفكر بألامر فصاحب البلايين لن يهتم كثيرا ان عوضك شيئا محترما بعد ان سرق منك شبابك بالاضافة الى ما منحتيه من ثمرتين جميلتين يملأن حياته الا يساوي ذلك بضعة ملايين هيا يا عزيزتي وكوني حازمة معه من اجل مستقبلك، ان خرجت بمبلغ محترم نضمن به ايام المستقبل المملوءة بالحب وسيشع حبك الى أولادك يومها سيحترمونك ويعرفون اية امرأة عظيمة كانت تعاني من سطوة كولبي، اما ان عشنا البؤس وانا معك، الا ترين ان البؤس يقتل الحب ….
واستمر يتكلم وهي تراقبه وشكوكها تتعاظم لقد توضحت الأمور وبدأت تسمع النغمة الحقيقية التي كان يجب ان تسمعها، إذن سيمون يخطط لتلك الملايين، يا لخيبتي أين بهلوانياتك والدور الذي تجيد تمثيله تغيرت، تغيرت سحنتك برائحة الملايين ونسيت الحب، أين تلك المراسيم التي كنت تستقبلني بها يا لتعاستكِ .... استفاقت على صوته يقول : أتصورك الان قد فهمت الأمور جيدا وتقدرين الأوضاع ومتطلبات حياتنا في المستقبل واثق انك لن تتأخري بتنفيذ ما سنتفق عليه … ابتعدت عنه وهي ترتعد قائلة :
- أنت تشعرني بالبرد يسري في أو صالي اترك يدي أرجوك، لعنة الملايين سببت شقائي، سيمون هل حقا تحبني .. أرجوك احتفظ بالإجابة لأنني اعرفها طويلة، فقط انا بحاجة الى قبلة صادقة تدفئني بحاجة لتضمني إليك وتحطم عظامي لأسمع وجيب قلبك فأتبين الصدق .. انا حزينة ونفسي ضيقة تفتش عن نشوة محرمة تحلم بها نفسي لتنسى عذاباتها ! يا لشقائي فقد وجدت عندك فصلا مسرحيا سخيفا .
يتقدم سيمون منها يضمها الى صدره كقالب ثلج وهي تبعده عنها وهو يقول : هل رأيت أنت بحاجة الى حب دائم لقد ظلموك وجعلوك لا تثقين بالآخرين ولا بنفسك انا منتظر ان اسمع منك وأنت تضعين الخطط والترتيبات التي ستفتح أمامنا الجنة .
الترتيبات ؟ انها عاصفة ثلج تلفني .
-   وأمر حقوقك لابد انك فاتحت كولبي وليكن من مركز قوة .
-   في القلب نزف يتجدد وفي فكري سيل من الحيرة .
-   والفرصة تكاد … كيف والأمر بات صعبا .
-   كل شيء ينهار .. تصورت انني هدمت هوني لاند بوسعها لابني عشا صغيرا لكنني …
-   لا أفهم، ما قصدك الأنباء سيئة وشيكة ان تطرق أبواب هوني لاند عاصفة مدمرة انا اعلم ان كولبي اشترى بحماقة اكثر اسهم تلك الشركة، لقد ربط الأحمق مصيره ومصير المحيطين به بتلك البلاد حفر قبره هناك، لن اسمح لك ان تدفعي أنت ايضا ضريبة حماقته.
-    سيمون لي رصيد قيمته 150 ألفا وبوليصة تأمين ب100 ألف يكفيان تعويضا عادلا بينما انا لا أفكر بشيء خذهما لك ، انا مقرورة تدور الارض بي لا اعلم الى أين الحمى تلفني .
-   ليكن، المبلغ هزيل ولكن لا بأس به يفيدنا ولكن كيف سترضين .
-   ماذا ؟         
-   - لن اقبل .               
-   – تقبل بماذا ؟ عما تتحدث ؟
-   ليس ما تظنيه، كولبي سيخسر كل شيء ربما أعلن إفلاسه ماذا لو أنقذت بضعة ملايين ؟
نهضت ببرود وتهيأت للخروج وسط حيرته دون ان تقول شيئا تناولت حقيبتها الصغيرة وقصدت الباب وهو يسد عليها الطريق صارخا : الى أين .
- الى هوني لاند .       – والنتيجة ؟ ماذا ستفعلين ؟
- سأنقذ بعض ما نبهتني عليه .         
- أنت عظيمة يا حبيبتي كنت واثقا من حبك . (( يحاول تقبيلها لكنها تمتنع يستمر هو ))
- لا تنسي انا الاخر أجازف بحياتي انا الاخر في موقف تحد لذلك الجبار قد اخسر حياتي غير أسف ولا اطمع بشيء سوى سعادتنا .
- حسنا  حسنا انا راحلة .           
– متى تعودين ؟       
- بعد ان أنجز كل المهمات .
- أنت رائعة انا واثق انك ستنالين ما تستحقينه
(( رباه الرحمة من لي بمنقذ ينظر الى هذه البائسة فيدس لها السم من خلال قبلة مخلصة كم فسدت روحي بسبب هذا الجسد الضعيف ، أيتها الصواعق هلا نزلت رحيمة لتحرقي أجسادا باتت رخيصة قبل ان تنتهي الى مساومات كريهة، هل هذا قدري الذي كتبته السماء وهل يمكن للسماء ان تكتب على صفحاتنا في الأزل مثل هذه الشرور ؟ حتى كولبي الذي اغتال شبابي وقتل روحي يخرج من هذه المعركة ظافرا مظلوما ؟ لماذا لم يكتب ان أعيش كما تعيش نساء الارض ))




34
الفصل الـــــرابع

        كانت كيتي تعزف لحنا حزينا حين سمعت طرقا على الباب لم تتوقف ولم تدع الطارق للدخول فتحت نانسي الباب وأفزعها ان تسمع ذلك اللحن الحزين وابنتها منحنية على ألا ورغ، هرولت نحوها تحيطها بساعديها . توقفت الفتاة وراحت تنظر إلى امها بقلق وهذه تهتف علام توقفت هيا اعزفي ولكن لحنا اخر لحنا راقصا أرجوك . قالت بهدوء :
- من أجلك خذي يا أماه .
وانطلقت تعزف لحن اغنية قروية اعتادت وكارل ترديدها، محتواها (( سألحق بك يا حبيبي رغم الصحراء المترامية وانا لا املك ماء ! سأقطعها رغم الذئاب وانا لا املك سلاحا فما لدي من الحب يكفي لأصنع لي جناحي طائر وأطير إليك )) سرت ألام وراحت تصاحب العزف بترديد الاغنية وهي تدور حولها ويرتفع صوتها مرحا، ابتسمت كيتي حين وجدت امها تنطلق سعيدة وقالت :
- أنت اليوم سعيدة يا أماه .           
– من أجلك يا عزيزتي .       
- هل كنت مع مسيو سيمون ؟ ونظرت في وجه امها كأنها تحاكمها قالت هذه دون تذمر :
- قابلته على عجل، علام قلقك وعدته ان أقابله اليوم مساء، من أجلك قررت أشياء مهمة يا حبيبتي، قررت ان أبقى من أجلك .         
– ما الذي حصل يا أماه ؟  قاطعتها وهي تضع يديها على كتفي ابنتها :
- جاءني أبوك وكان رقيقا معي على غير عادته ووعدته ان أبقى معك ومن أجلك .             – والحوادث الأخيرة، الا تسمعين الأخبار ؟
- أبوك اقوى منها، وجدته سعيدا وقد حيرتني حالته تلك .
- وهل اتفقتما على شيء ؟       
- ليس من أجلنا بل من أجلك سنذلل كل المصاعب.
- لكنني أريدكما لبعضكما .. أماه ! أبي تعيس يشعر بالظلم لأنه يقدم لنا كل شيء بينما لا نقدم له نحن شيئا، هكذا يفكر انه يحتاج الى حناننا ونحن نمنحه لغيرنا، يتصورني اكرهه من اجل كارل ويتصورك تبيعينه من اجل سيمون ويتصور داني يحقد عليه لأنه يبخل عليه بالفرص التي يتمناها وهذه الأفكار ان سيطرت على المرء دمرته .
- ان كان أبوك يفكر كذلك، فهي أوهام أنت تتوهمينها، أبوك يأخذ من الحياة طوال عمره، لقد اخذ من الآخرين ما لا يمكن ان يعوضه، ابعدي الفكرة من رأسك ولا تشعري بالذنب لقد تمتع أبوك واستهلك من المتع والرغبات اكثر مما يحتاجه في زمانه، ان أباك قوي ولا يحتاج الى مساعدتك اهتمي بنفسك ان كنت حقا تحبين الفتى تمسكي به رغم عراقيل أبيك، كارل ايضا يحبك سيعود إليك ادخلي الطمأنينة الى قلبه دعيه يصبح عظيما ولا تُشعريه انك من تصنعينه لأنه عنيد وقد يهرب ولا يعود ثانية .
- لذلك ارفض أي علاج بعيدا عن كارل، أبي يتمنى ان أتحرر من هذا المقعد لأعود وارى الحياة بغير عيني الان حتى راح يدخل الشكوك الى قلب العم آدم .
- كلا يا ابنتي عليك ان تفصلي قضية علاجك عن قضية علاقتك بالفتى وقد وعدني أبوك ان يتغير كلانا من أجلك .                 
– كيف يا أماه ؟
- يفعل ذلك من اجل مصالحه قال لي انه سيقيم احتفالا كبيرا في هوني لاند وسيدعو اليه كبار القوم وطلب مني ان أكون الى جانبه .
- كوني يا أماه لا تتركيه وحيدا قد تقربك التجربة منه، هل يليق بهوني لاند ان تكون سيدته فتاة مقعدة بينما سيدته الحقيقية سيدة جميلة .
- أنت تبثين في الآمال .
دخلت وجدتهما مسرورتين فتحت ذراعي مستغربا، حييتهما بحرارة قالت كيتي بلهفة : هيا يا عم آدم وانظر هذه السيدة كم هي متألقة، وانا الاخرى سعيدة .     
- حقا أنت سعيدة ؟
- الا تراني سعيدة ؟ وإلا ما هي السعادة ؟ هيا حدثني عنها .
- السعادة هي السعادة (( ضحكتا بمرح )) في الحقيقة السعادة لا ترى يا صغيرتي وإلا اصطادها الأنانيون المتمكنون والاتباع المتملقون، لأستحوذ عليها الأغنياء فقط بل هي لا يُشترى بثمن مهما كان غاليا السعادة لا تكمل نقصا او تزين قبحا ولا هي قيمة اجتماعية تكمل الشخصية، قد تكون السعادة كل هذه الأشياء وربما ليست أي شيء منها، قد تأتي السعادة بالعدوى من الذين نحبهم كما يحصل لي الان فأنا سعيد لسعادتك، البارحة مساء صادفت خادمة تقبل زوجها بسعادة بينما كان الزوج ذاته قد استدان مني قبل ساعة عشرة دولارات لحاجته لقد وجدته مع زوجته اسعد من أبيك وأمك هذه . فقط أقول لك ان السعادة الحقيقية هي الشيء الذي يقربنا من الله والذي ينال السعادة في غير حق لا تقربه لانها كاذبة سرعان ما تتلاشى .
أمسكت الفتاة بيدي وقربتها من وجهها بانفعال وقالت :
- انا الان اكثر سعادة هيا لأقبلك، افتقدت قبلاتك منذ زمن بعيد هل نسيت يا أماه حين كنت أغيظ أبي وأقول له ان قبلة العم آدم أطعم من قبلتك وحين كان يسألني عن السبب كنت أجيب (( قبلة العم آدم تشوك خدي بشاربيه ولحيته اما وجهك الحليق يبعث بي برودة لا تعجبني )) كنت منحنيا اقبل شعرها واربت على خدها برؤوس أصابعي، انحدرت دمعتان على وجه الفتاة قالت : أنت تبكي ؟
- من فرط سعادتي يا صغيرتي . كانت نانسي الى جانبها تبكي ايضا وتمسح دموعها بانفعال ..
- قالت السيدة :كيف لأبيك ان يفهم مثل هذه العواطف، لقد تحولت عنده السعادة الى المزيد من النفوذ والعظمة والأسهم والفوز في تدمير الآخرين . تقدمت من نانسي ممسكا يديها ملتمسا :
- كوني عند وعدك لابنتك .. قفي الى جانب كولبي في هذه الايام، انا خائف عليه لا اصدق السعادة التي يظهرها لنا انه لم يحدثك عن ماضيه بينما ترينه الرجل القاهر.. لقد رافقته كادحا والحمى تشوي جسده ونحن لانملك سوى خرق اصنع منها كمادات باردة اخفض حرارته، وحين يجوع أتبرع سرا بحصتي من قطعة الخبز وعلبة السردين ليستعيد قواه وفي اليوم الثاني نبكر الى رصيف الميناء لينقل كل منا مئة وخمسين صندوقا ضخما . أرجو الا يكون كثيرا عليه ان ينعم بدفء امرأة تخلص له او ان يفوز بحب أولاده وطاعتهم، انا الاخر أراه عاتيا او احيانا مدمرا لكنني أفلسف  حاله لأقول ما هذا الا رجع الصدى لمرارة السنين السيئة، لم يكن أبوك فاسدا لكنه كان مقهورا وكانت الحياة قاسية أجبرته ان يسرق يوما مومسا لنعيش بالدولارات الخمسة والأربعين أسابيع وحين تجمع لديه المال اخبرني بالأمر وكلفني ان أفتش عن المرأة وارد لها مالها حتى ان البحث عنها كلفنا اكثر من المبلغ المذكور . لقد سلبت منا تلك الايام الكثير فاستقرت قسوتها في عظامنا، زوجك مظلوم يا سيدة هوني لاند .
لم تقل المرأة شيئا إنما انسحبت بصمت والفتاة تراقبها بحيرة لا تعلم هل كانت امها مشفقة ام حانقة كأني بها تقول (( وانا أيها الرجل الطيب ؟ ما فكرتم يوما بالمرأة التي ظلت تمنح حبها وشبابها دون ان تدخر شيئا للأيام الصعبة حتى ذلك الاحترام الذي تمتلكه سيدة محترمة افتقدته فكيف لسيدة هوني لاند زوجة أغنى رجل في العالم . أفتش احيانا خائفة بين نظراتكم التي احسها تجلدني عارية دون ان اجد الشفقة، كم أتمنى الهواء النقي لأشبع رئتي المختنقتين بالحقد وكأن كل صخور هوني لاند قد تحولت الى جمرات تزحف نحوي لتكويني )) ما بالك يا آدم تتسمر في مكانك خلف مقعد الفتاة الحزينة، أي لعنة تجعلنا نشعر الأحزان ونحن نعبر عن سعادتنا، مدت كيتي عنقها وألقت برأسها الى الخلف لتحدق في وجهي وتهمس (( وأنت أيها القديس ما لك تقتنع بالفقر والكفاف، ما سرك وأنت تفهم الحياة افضل مما يفهمها أبي، ما هي الأثمان التي تنتظرها ام هي السعادة الحقيقية المجردة من شوائب الدنيا والتي تقربك من الله )) – هل تعلم يا عم آدم ؟             
- ماذا يا حلوتي .
- أرى انك أغنى من أبي           
- ربما !             
- أقول ذلك بجد ، هذا ما أراه .
- لا يمكن ان ارفض غنى تشعر به فتاة جميلة ، حقا انا الان أغنى رجل في العالم ولكن لا تخبري الآخرين وإلا …         
-   أنت أغنى الناس لأنك أسعدهم، عليه أنت اقرب الى الله منهم جميعا، وماذا عن كارل ؟
- كارل يعرف طريقه ليتك تثقين به .       
– لكنك يجب ان تكون قلقا عليه ؟
- وأنت اليوم أهم من ان اقلق عليه خصوصا ونحن ننتظر الأخبار السارة من باريس .
- انا ارفض ذلك العلاج .
- بل هو الذي يقربك من تحقيق أحلامك ستقفين على رجليك وتكونين حرة وسيكون قرارك حاسما، هيا يا صغيرتي انا أرى ان بعد كارل جاء من اجل ان يترك لك فرصة الاختيار . أنت بحاجة الى إرادة قوية بحاجة الى ان تحبي الحياة ولا تفكري بما يخطط له أبوك، الايام القادمة تحمل حلولها الصائبة ستمران أنت وكارل بتجربة مهمة اما نحن انا وذلك العجوز فلن يبقى أمامنا سوى الرضوخ .

                                        (( 2 ))

لا يستقر طومسن في مكتبه الفخم، يتنقل من غرفة الى غرفة يتوقف عند السكرتيرة الحسناء في الغرفة الملاصقة وهو يراقب الشاشة الصغيرة التي تنقل ما يجري في القاعة الكبرى في الطابق  الأرضي من تلك العمارة العملاقة وكلما تقاطر الصحفيون ازداد قلقه لان سيده يكرههم ويعتبرهم مفسدي الخطط الحكيمة . قال احد الأعوان يوما يطمئنه حين كان يشكو إلحاح الصحفيين (( لا تغضب يا سيد فورستر منهم فهم أقدامنا التي بها نتنقل واجنحتنا التي بها نطير وهي الأفواه التي تجيد صياغة ما تقوله حين يضيع الكلام في أفواهنا دعهم يكتبون ويعلقون مادامت جيوبهم تحت رحمتنا )) مع ذلك لم يقتنع كولبي لأنه يكره ان يقع تحت رحمة الصحفيين . اليوم يخافهم طومسن في مقر الشركة لان الموقف حساس وهو ليس مطمئنا للأخبار على عكس سيده الذي يقول ان كل شيء على ما يرام . حين أنبأته الفتاة بوصول السيد فورستر فتح عينيه على أخرهما ليرى ماذا يمكن ان يحصل . دخل كولبي أنيقا منتصبا تضيء ابتسامة عريضة وجهه الذي لا زال يحتفظ بوسامته استقبله في الممر اثنان من الصحفيين رمى ببعض النكات ثم تجاوزهم وما ان سرى خبر وصوله حتى تقاطر عليه الآخرون وحاصروه قال بصوت مرتفع : انا مستعد لإجابة كافة أسئلتكم فقط أعطوني فرصة لأسمعكم .
-   تبدو في غير ما يتوقع المراقبون في هذا الموقف الصعب .. هل حقا أنت مسرور ؟
قال بسخرية :
- لو أعرت لي ساقيك وشعرك اللامع لقصدت اقرب نادي للرقص، ضحك الجميع . سأله اخر :
- مهما تظاهرت لكن القلق مرسوم على وجوه الآخرين لماذا ؟
- هذا لأني أرى غير ما يرون لو فتشتم جيوبي لما وجدتم منديلا هذا يعني انني لن ابكي .
ضحكوا جميعا لروحه المرحة وسأله احدهم :
- ماذا يكون الحال ان تمت إجراءات التأميم في البلاد (( ش)) ؟           
- ان جازفوا ورفضوا خدماتنا نتحول عنهم الى مكان اخر نجد فيه مصالحنا وارض الله واسعة ومساعداتنا مغرية لمن يحتاجها .
- وماذا عن موقف حكومتنا ؟       
- لست مسؤولا في الدولة وليست لدي اية فكرة .
-   الا تتصور ان تنقلب صداقاتنا في هذه الأحوال الى عداء ؟
- علام هذا التشاؤم وعلاقتنا بهم ليست زواجا كاثوليكيا إنما علاقات اقتصادية إنسانية حضارية فأن كانوا واثقين من نوايانا فستراهم يعودون نادمين .
- هل لديكم فكرة عن الخسارة المحتملة ؟         
- قد تزداد أرباحنا .
وأسرع طومسن الى القاعة يشق طريقه معتذرا للصحفيين معللا بانشغال فورستر هكذا انتشله من وسطهم وادخله مكتبه ليستعرض اخر التقارير والمواقف . قال :
 أنت الاخر تبدو قلقا ؟ أجاب طومسن :
- كل الشركاء قلقون يا سيدي وبعضهم  يسأل عن مركزنا المالي وأخشى ان يفسد قلقهم خططك            - لا تكرر ذلك لأنه الغباء بعينه .
- والأسعار ؟ والأسهم ؟         
- اعطني قائمة أسعار الأسهم .. اسهم شركة (( ش ت ع )) لقد توقفت عن الانحدار             - انها تساوي الان 48 بالمائة من السعر الأصلي .
- هذا افضل .               
– هل سنشتري تلك الأسهم ايضا ؟
- طبعا ولكن ليس الان، سنفعل ذلك بعد إعلان التأميم .
- لكن الشركاء يعتبرون ذلك الإجراء جنونياً حذروني البارحة وطلبوا الاجتماع بك .
- وانا ارفض ذلك .               
- الامر خطير سيدي!
- لا تكن رعديدا يا طومسن، تماسك لقد خولتك كل الصلاحيات، ليتصوروا انني مريض او سافرت او مت فهم دوما يتعاملون معك دون وجودي       
- وغيابك يخيفهم .
- اسمع يا صديقي اخبرهم انني قررت شراء 20 بالمائة من الأسهم المتبقية في حوزة المالكين وان رفضوا نتعاقد مع طرف اخر حين ذاك أكون في حل عن اية نتائج يخافونها .
- لكنهم يطالبوننا بالإيضاحات وهذا من حقهم . أهم سؤال يرددونه ماذا سيكون الموقف بعد التأميم أليس محتمل ان تصفى اعمال شركتنا هناك ؟
- قل لهم انني مستعد ان اشتري أسهمهم ايضا .. أعلن اليوم عن عرض بيع 10 بالمائة من أسهمنا في الفروع الاخرى هيا نفذ ما قلته (( بعد ايام قليلة تصل أنباء تأميم مجموعة الشركات الكبرى في الدولة (( ش)) حينها تكون اكثر الأسهم بأسم كيتي وسأبدأ بالترتيبات حالا فأرصد مبلغا كبيرا باسمها وسالتجيء الى اولئك الصحفيين الذين امقتهم ليكتبوا عن بزوغ نجم مالي كبير جديد كيتي فورستر سأعلم هؤلاء المرعوبين كيف يكون التعامل التجاري )) وجلس يكتب بعض القصاصات يقدمها الى طومسن بعد شرح قصير : تنفذ ما في هذه الأوراق وتجعل موظفيك يعملون هذه الايام بجد وأنت تتفرغ الى الأمور الاخرى .
 - بعد ان انقل أوامرك سيدي .
- ان تتأكد أولا من تنفيذ الاجتماع القادم مع النسر الذهبي وان يصل مندوبنا الى ( ش) ومن هناك يتصل بنا . وسأغادر بعد قليل .
- لقد هيأنا لك سيارة تأخذك الى مقر شركة (( ت ن )) ومن هناك الى هوني لاند .
- عليك ان تفتح عينيك لا تهمل اية إشارة من النسر سأغادر عن طريق المصعد الخلفي .
خرج فورستر يرافقه طومسن حتى موضع السيارة  ثم عاد الى مكتبه وانهار على كرسيه الفخم : (( ويلك يا طومسن لقد أطلقك كولبي في صحراء لا جهات فيها، كيف يفكر هذا الرجل وأية إرادة عظيمة يمتلك، مخاطرة أكيدة لكنني واثق انه على صواب دوما يعرف كيف يحل هذه الإشكالية العويصة التي لا نفهمها وعلى ماذا يراهن، كل الدلائل تشير الى عاصفة قادمة  ))

                      ………………………………………….

كانت سماتا عابرة الى جناح سيدها لاقتراب موعد قدومه وقف ريدي في طريقها امسك برسغها يقودها طريدة سهلة وهي تفتش حولها علها تجد آدم او من يبلغه ( أنقذيني أيتها العذراء ) قبضة ريدي القوية تحتوي رسغها النحيل، دفعها الى داخل غرفتها واغلق عليها راح يكلمها برقة ولين وهي تتهرب منه اقسم انه يستطيع ان ينالها عنوة لكنه يريدها شريكة حياته . هي الاخرى راحت تقنعه برقة ليرجئ امر ذلك، كانت تخاف من ان يتحول الى وحش ولا أحد يقف بوجهه داخل الغرفة، عرضت عليه حليها وما تملك من النقود لكنه رفض قائلا : لا تتهربي يا سماتا أنت مثلي سوداء تذكري هذا ولا تجعلي طموحاتك الغبية تستبد بك وتنسيك موقعك ولونك الذي لا يتغير عند هؤلاء السادة، هذا العجوز يتسلى بك هو في مشكلة خاصة يحاول ان ينساها بالعبث الذي يمارسه، لكنه غدا يضجر منك او ان السيدة فورستر ستنفتح عيناها وتتيقن ان خادمة سوداء تسرق منها زوجها وهو امر مشين بالنسبة للسادة .
- كأنك تتكلم عن علاقة مشينة تربطني بسيدي، لك افكار شريرة يا ريدي انا مجرد خادمة ألبي طلبات السيد فورستر كما تؤديها أنت .
- لست غبيا أيتها الحمقاء الكل يعلم ماذا يجري أنت بالنسبة له ذلك الطبق الذي يثير شهيته، أنت اللعبة التي تزيل عنه السأم، جسمك الشهي يشبع عقدته ام ترينني مغفلا، جسمك الذي تدربينه على غواية الرجل ويداه المرتعشتان يثيران اشمئزازي وغضبي وهما تعبثان بجسدك       
- أنت لئيم يا ريدي كيف تريدني ان أثق بك وأعاشرك .
- وأنت تتحولين الى مومس قد تدخلين غدا فراشه عارية مادام يداعبك بحضور الآخرين.
- لكنكم جميعا لا تفهمون لان نفوسكم ملوثة، فقط العم آدم هو الذي يفهمني .
- الجميع يقول انك تفسدينه وبعضهم يشفق عليه لان قلبه لا يتحمل الإثارة وأنت …
- انا ؟ ماذا أنا ؟       
- أنت ! والكل يتندر بالقصص المثيرة هل تنكرين انه يتناول المنشطات .
-   اخرس أنت تخترع الكلام لتشهر بي لأرضخ لك، انتم لا تفهمون انا اعطف على الرجل والعم آدم لا يرى عيبا في ذلك اسألوه، يقول العم آدم ان مداعباته لا تتجاوز عن مداعبات اب لطفلته .       
-   أنت بارعة أيتها الشيطانة الصغيرة الان تأكد لدي انك تخططين الى تحقيق أمور كبيرة .
يهجم عليها يمسك بها يطوق عنقها وهي تقاوم، وتضربه وهو يصرخ بها ..
- اخبريني أيتها الفاجرة لماذا يختار لك هذه الملابس المثيرة (( ويضرب على عجزها )) كل خلية من جسدك هذا ملوثة مع هذا أبقى احبك واهتز غيرة من العجوز قد اقتله يوما او أقتلك باستطاعتك ان تبقي هنا بعد ان ترضخي لي والكل سيقر ارتباطنا هيا نتفق سرا .
- أنت شرير وفاسد، الرجل مهموم وعلينا ان نقف الى جانبه كما يقول العم آدم نساعده لنجعله راضيا على الأمور حوله، بارك العم آدم قناعتي هذه وطمأنني اما أنت ! أناني تخون سيدك .
- يا لروعتك . سماتا الزنجية تنقذ كولبي فورستر احد ملوك الشركات في العالم !! أحذرك للمرة الأخيرة انظري الى الرجل والى صديقه آدم الذي رافقه لأكثر من نصف قرن ماذا ترين ؟ ظل كولبي سيدا مطاعا بينما لا زال آدم الخادم الحقير الذي لا يملك الا كسوته ولقمته هكذا ستبقين حتى تدركك الشيخوخة فيأتي أحفاد كولبي ليعطفوا على سماتا الخادمة الملوثة او قد يطردونها فكري بهذا وانا انتظر منك زيارة ليلية لنتفق على كل شيء وان حاولت الاستنجاد بسيدك او بآدم فلن ينالك سوى الشر حتى ان طردوني فأعواني هنا لا يعرفهم احد .

                                           (( 3 ))

الأخبار التي جاءت من باريس أثارت هوني لاند، السيد كولبي منتش لكنه يجد في الفتى كارل عقبة في علاج ابنته، الفتاة محتارة وأدم موزع بين الاثنين عاد كولبي بعد ان سمع ان آدم تسلم نداءً هاتفيا من باريس بينما كانت كيتي حائرة (( يطالبونني ان اتخذ قراراً وهل لأسيرة مقعد ان تتخذ هذا القرار بينما انتقالي خارج غرفتي لا يتم الا بمشاركتهم، العم آدم يحمل بشراه وكأنه يحمل أفراح الدنيا لقد وصلتهم الإشارة المنتظرة من باريس تعلن عن امكانية إجراء العملية وآبي يختصر كل أعماله وجاء ليسمعني انا ليقرر سفري فيحقق أمنية ظلت تراوده . كومة من لحم وعظم تنقل الى باريس لتعود فتاة تشبه أباها تفهمه وتطيعه وتنفذ رغباته والعم آدم يتوسل، في العملية كل الرجاء وهو لا يفهم معنى الرجاء عندي )) همس العم آدم :
- ليس من اجل والديك فقط يا صغيرتي بل من اجل شبابك.. .
- وانا ارفض شبابي دون روحي، ها قد وصل أبي مسرعا وهو يهتف :
- هيا تحرري من هذا المقعد الكريه بعدها تتاح لك فرص الحياة وتنفتح أمامك أبواب الدنيا حتى الرياح تصادقك لتحملك حيثما شئت،... مساكين يزينون الكلام  وانا الاخرى أتمنى ان اصرخ هيا خذوني الى حيث تشاؤون فقط حرروني من هذا المقعد، اشعر ان حاجزا كبيرا يتجسم أمامي يمنعني من العبور صوت يناديني محذرا إياك يا مسكينة ستخسرين حرية روحك وسيكون الندم مهما ركبوا لك من أرجل وسيقان، دعني أيها الرجل الطيب وأنت يا أبي على الاقل لأبقى مع أحلامي واخلص لها هذا أبي وهذه أمي يشتركان في مسرحية محزنة لا يمثلان  واقعهما من اجل إرضائي لكنهما لا يقويان على التحرر من ذاتيتهما وكلاهما يتلون بصورة البهلوان الساذج بينما أبقى انا انتظر في ركن حياتي وانا متأكدة انه سيعود .
التفتت الفتاة نحوي وهي تتوسل :
- قل انه سيعود يا عم آدم . انا الأخرى كنت مهمومة أنشد عودته :
- لابد ان يعود يا صغيرتي بل يجب ان يعود فهو لا يحق له ان يحجب عنك فرصة الحياة فهو يحبك ليتني اعرف مكانه مع ذلك سأرحل يا كولبي لأفتش عنه ولن اسمح لكم ان تلوثوا كارل بتلك القذارات التي تبرز أنانية يرفضها سأرحل يا صغيرتي .
- ارحل يا عم آدم، بلغه انني على العهد مخلصة ليته يسمعني وانا اصرخ بأعلى صوتي احبك يا كارل وانا متحررة من عجزي هيا لا تتأثر بغاياتهم ولا تخافهم هيا حررني من مقعدي ودعهم يغلفونني بأزياء كل الشعوب سيجدونني اكثر قربا وأعذب حبا هيا يا حبيبي شجعني لألبي طلباتهم واخضع لهذه التجربة .   

           ……………………………………………………………

صراخ كولبي يتعالى من القاعة الكبرى يطالب الخدم ان يفتشوا عن آدم حضرت سماتا ووقفت مرتبكة خاطبها برقة :
- أين ذهب هذا العجوز آدم .
- اعتقد انه غادر هوني لاند لأمر ما           
- حاولي ان تتأكدي قد يكون في مكان ما ؟
وما ان وقف ريدي أمامه حتى صرخ به : أين انتم أيها الأغبياء ما بالكم تتصرفون بأمور سخيفة وتتركون المهم أين آدم ؟
- الذي نعلمه ان الرجل بعد المكالمة هرع الى الفتاة يبشرها كما بشر كل من رآه ثم غاب .
- اذهب وابحث عنه وأحضره حالا . وما ان خرج ريدي حتى راح يحدث نفسه : علام غضبك
يا كولبي كان ممكنا ان تذهب الى ابنتك لابد ان تكون قد هدأت ونست غضبها بسبب رحيل ذلك الشاب لابد ان تكون الآمال قد أنعشتها هيا اليها علام تنتظر ذلك العجوز ليسحرها بدعواته وصلواته ويربطها الى تلك المثاليات السخيفة التي لا تليق بابنة كولبي، ليذهب آدم وأساليبه الى الجحيم . دخلت سماتا مرتبكة خائفة وجدته هادئا قال لها :
- ماذا وراءك يا ابنوستي الجميلة .
-   تقول العجوز جيرالدين لقد غادر العم آدم الى المدينة ولن يعود الا متأخرا او ربما غدا .
-   كيف يجرؤ وهو يحمل تلك الرسالة المهمة .
-   قالت ايضا انه أوصاها ان تهتم بأمرك الى حين عودته . قهقه كولبي كالمجنون صائحا
- جيرالدين تهتم بي ما تصورت آدم بذلك الغباء، أين هي وانا هنا اصرخ ؟
- انها في المطبخ تشرف على اعداد العشاء، قال واقفا :
- أي عشاء هذا ! يا للمهازل انهم اخبث خدم تضمهم هوني لاند فقط يجيدون اعداد الموائد ورصفها بالأطعمة التي يشتهونها لأنهم واثقون انها من نصيبهم وحدهم، هيا يا سماتا واحضري تلك العجوز التي لا تكف عن قضاء معظم أوقاتها في المطبخ . بعد ان تغادر الفتاة يعود الى هواجسه (( لماذا يرحل آدم، الغبي كنت أريده الى جانبي لندخل الطمأنينة الى قلب الفتاة أي سر حمله معه كان يجب ان يكتب لي . يجب ان لا يقف الفتى في طريقها يجب ان تثق بي ويفهم الفتى الذي يخطط بخبث أمورا تجهلها . انا مستعد ان أعطيه ما يريد ليختفي عن حياتها وهذا العجوز الأبله الذي وقف الى جانبي يجب ان يكون عادلا . تدخل سماتا وخلفها جيرالدين البدينة بأكثر مما يسمح له طولها وقبل ان تقول شيئا قالت سماتا بارتباك :
- سيدي لقد عاد كارل . وقف متحفزا وصرخ :
- وأين هو ؟
- انه عند سيدتي الصغيرة هل اذهب الان .
يؤشر بيده غاضبا وهي تمشي نحو الباب لكنها تتوقف وهو ينظر اليها باستغراب تعود وتقف أمامه .
- سيدي قد تغضب مني ان قلت لك دعهما يقولان ما عندهما .       
- من تقصدين ؟
- العزيزة كيتي والدكتور كارل انه لا يكرهها تراه عاد ليقف الى جانبها .
نظر كولبي حوله بقلق كأنه يكبت رغبة ملحة من اجل ان يلبي طلب الفتاة الزنجية عاد وجلس وهو يمعن النظر في وجهها ابتسم حزينا وانتبه لوجود جيرالدين ثم قال :
- وأنت يا جيرالدين أين آدم هل عاد مع ابنه ؟         
- كلا يا سيدي فقط قال انه ذاهب لأمر مهم وقد ترك لك رسالة في غرفتك . وقف غاضبا وصرخ :
- وأنت صامتة طوال الوقت فقط تفكرين بالطعام والمطبخ وانا هنا احرق أعصابي ؟هيا يا سماتا احضري الرسالة كان يجب ان تنتظري وصولي يا أميرة المطابخ، ضحكت سماتا لمداعبته وشعرت بسرور لانها علمت انه ترك غضبه جانبا . كان كولبي متحفزا ليغزو غرفة ابنته لكن رجاء سماتا والإخلاص الذي قرأه في عينيها جعله يعدل عن ذلك لابد ان لعودة الشاب غاية .

                    …………………………………………..

أيها القدر الظالم أو تكون كالطفل بريئا تتحكم بمصائر الآخرين جعلتني كالطائر المجرد من جناحيه كما يقول العم آدم (( الأقدار مرسومة بحكمة إلهية والبريء الذي يعاكسه القدر هو نعمة سماوية لأنه يدخل التجربة ليفوز بنعمة الصبر .. أبي لا زال يفتش عن طريق يوصلني الى قرار يتمناه، اسمعه عاد صاخبا غاضبا وانا !! انطلق بي أيها المقعد القاهر حلق بي بعيدا حطم هذه الأبواب الضخمة التي تغلق أبواب العالم في وجهي كن سفينة الى الفضاء الخارجي لعلي اجد كوكبا اخر يلائمني ))
تسمع طرقا على الباب إذا به كارل تصرخ . كارل ! أنت ؟ هيا يا حبيبي ففي جسمي قشعريرة لذيذة أنها المفاجأة السارة اقترب ودع رعشة الفرح تتسرب إليك .
ركع أمامها وامسك بيديها وجدها ترتعش حتى الكرسي الذي يحتويها يهتز كيف يطمئنها قالت : - انه لشيء رهيب ان يتحقق هذا الامر بهذه السرعة كنت أراهن نفسي انك ستعود تصور رأيتك في تلك الشوارع تهيم بائسا والحزن يغذي كبرياءك، والعناد يوليني ظهرك لجأت الى الحب حلقت حولك ورحت احشد سحري تحمله روحي فائضا من شوق تنثره حولك وانا أحوم منادية روحك منفعلة رأيتك تفتح نافذة روحك لتحتويني واستيقظت على صوت الباب، وهاأنت ذا معي لقد فاز الحب أعدتك بأسلوب غيبي وانا واثقة انك لا تؤمن بالغيبيات وانك مالك لإرادتك لكن ذلك لا يهمني مادمت انا الاخرى مؤمنة وقد نجحت تجربتي .
- انا لا أنكر يا عزيزتي انني ما عدت الا من أجلك علقت كل آمالي ومستقبلي لاقف الى جانبك ولكن لا يهمك سوف لن ادع الفواجع تقترب منك أين مستر فورستر وكيف حالته ؟
- انه في احدى القاعات يصرخ أكد لي البارحة انه سعيد لكنه غاضب لذلك تمنيت عودتك .
- انا الاخر تصورت أي جحيم تعيشه هوني لاند، انا قلق بشأن أبيك وانا ….
- لماذا توقفت هيا اكمل لن اغضب منك لكنني واثقة من حب أبي وهو يضع في مستقبلي آمالا كباراً ليتنا نتوصل الى اسلوب نحايده به قد لا نفهم كولبي فورستر جيدا انه يصر
(( الخسارة مستحيلة عندي )) تصور كيف يكون الوضع إذا كان الامر يخصني، انها أنانية الاباء والدي يملك كل شيء وحقق كل أمنياته الا الحب، انه بحاجة إلى من يقنعه انه لا زال محبوبا، انا اشعر انك مخطئ في مشكلة اليوم فهي ليست بسبب أعماله انه بسبب قراري الذي ينتظره .                     
– أي قرار ؟
- قرار سفري لإجراء العملية حتى العم آدم راح يبحث عنك والكل يبحث عنه في هوني لاند .
- الى أين غادر ؟ وينهض فجأة تلسعه هواجس مقلقة (( او يكون الخصام بين الرجلين قد أوصلهما حد الفراق بعد هذا العمر الطويل ؟ أبي يرحل دون مقدمات، الى أين وهل في البلاد بل في الدنيا موقع يجد فيه مأوى او الالفة بعد ان ترك كل المواقع ليربط حياته بهذا الرجل .. كيف ستعيش يا أبي مشردا دون مال او رصيد ))
أمسكت كيتي يديه وسحبته بقوة ونظرت في عينيه :
- أي خوف هذا الذي لبسك يا كارل، ليست هناك اية مشكلة، انا من أجلك أسوي كل المشاكل، جاءني أبوك قبل رحيله ليقنعني بالعلاج ليس من اجل أبي بل من أجلنا لقد وردت رسالة من باريس يستقدمونني لأباشر العلاج وأبي مسرور ومتألم يتصورك الحاجز الذي يؤخر قراري، انها فرصتي التي تفتح أمامنا طريق الحياة الحقيقية، يقولون لا يمكن ان نبقى نحلم ونتخيل الحب ونطير في الأحلام ونغزو الأماكن التي نشتهيها، هل يمكن ان نقتنع بالأحلام فقط، حذار ان يفكر احدهم انني أريد ساقي لتبعداني عنك، أرجوك لا تقل شيئا يشجعني على اتخاذ قرارات عاطفية تغتال حبنا، لكنني أعدك ان أتحرر من مقعدي ما دمت الى جانبك بذات الأعجوبة التي تحررت الشاعرة الإنكليزية باريت في ومبل ستريت، لست شاعرة بل ساحرة الحب سحبتك من تلك المدينة الصاخبة بنداء الحب، انا سعيدة يا كارل حتى بشقائي هذا، قد يكون هو الذي يمنحني القوة، ان أردت باستطاعتي ان أطوف في الهواء وقدماي لا تمسان الارض وهذا الشباك بستائره السميكة لا يحجب عني الفضاء هيا انظر الى الطيور والأزهار هي رفاقي وانا خلفها يدلني الحب كم هو جميل ذلك .
- انا مؤمن يا عزيزتي بسعادتك وجهك يعكس ذلك .
- وانا اسمع العصافير والأزهار وافهم لغتها .             
- هيا قولي شيئا مما يقولون .
- هذا لا يجوز فالبوح بأسرار المحبين يؤذي الحب ها قد طار العصفور وخلفه رفيقته .
- وانا معك اشعر إننا نطير، الى أين ؟         
- هيا خلفي لتطاردني .
- وامسك بك .               
– وافلت منك واحلق أعلى فأعلى .
- وامسك بك ثانية .. الله أنت مبتلة .           
- هل نسيت إننا كنا نطير خلال المطر .
- أخشى ان نتيه لقد تجاوزنا هوني لاند .       
– الغابة قريبة .
- ها نحن فوق الوادي العميق .           
– هيا نحط على تلك الصخرة ، حذار من الهاوية .
- مما تخشين ونحن نجيد التحليق مع هذا سأتشبث بك .
- حذار يا عزيزي أنت تحاصرني والمقعد ينحشر امام ألا ورغ  اللعنة على مقعدي تصورت انني تحررت فعلا، لا تحزن انه سجن أليف يسمح لي ان انطلق معك . اجبني يا حبيبي هل يمكن ان أخسرك او تخسرني ان انا تحررت منه ؟ انها أحجية محيرة، متى يتحقق الحلم ونصل تلك الصخرة الناتئة لنقف فوق الهاوية وانا ارتعد خوفا فالتصق بك والمطر يبللنا .
- هل طلبوا منك السفر .
- ومن اجل ذلك يتعذب أبي كما تقول سماتا وانا لم اتخذ قراري بل أخشاه يا عزيزي .
- بل سافري يا عزيزتي .           
– أبي يفعل هذا ليبعدني عنك .
- بل سافري يا كيتي .             
– انه يمنحني ساقين ويسلب مني أغلى شيء في حياتي .
- اهدئي يا عزيزتي، ان استطاع أبوك ان يفعل ذلك فليكن .       
– كيف ؟
- معنى ذلك انه استطاع ان يقتل حبنا ويسلب إرادتنا ان فعل فذاك قدرنا .
- لكنك لا تؤمن بالقدر .     
- حينها سأستكين له وهذا امتحان دقيق لحبنا، لندخل التجربة بشجاعة .
- سأتذكرك في غيابك، حذار ان تستسلم، تذكر إننا سنقف يوما على الصخرة الناتئة .
(( وتضغط على رأسه في حجرها وتدفن وجهها في شعره تتحسس وجهه بنشوة ولم يسمعا سماتا التي كانت تطرق الباب، حين دخلت وجدتهما متحدين في كتلة من الحب في ذلك المقعد البائس لجمتها المفاجأة لم تقل شيئا بل أرادت العودة فأصطدمت بالباب الذي ارتطم بالحائط وجعل العاشقين ينتبهان رفعت كيتي رأسها وكأنها قادمة من عالم بعيد يداها لا زالتا مغروزتين في شعر كارل )) : أهلا سماتا ما الذي جاء بك ؟ انتصب كارل طويلا ممشوقا ينبض بالحب والخجل وحيا الفتاة بإيماءة من رأسه بادلته مثلها ثم قالت :
- سيدي في غرفة المائدة يسأل ان كنت راغبة في مشاركته العشاء ام تتناولينه في غرفتك .
- اذهبي وقولي لسيدك انني قادمة ومعي كارل . استوقفها كارل قائلا :
- ولكن  مهلا ما هي اخبار أبي  ؟ قالت سماتا بارتباك :
- ذهب الى المدينة يستقدمك هذا ما قالته جيرالدين . خرجت الفتاة مسرورة للذي رأته (( هنيئا لك يا سيدتي الصغيرة ليتك تملكين كل أسلحتك لتجابهي العالم ليتني اعلم هل يحمل هذا الشاب ما تحملينه من حب ؟ وأنت يا سماتا بماذا تتسلحين وأنت لا تملكين للحب أداة، كولبي المسكين يتخيل الحب معي ويصر انه حب روحي وانا لا افهمه، مع ذلك تطيب لي التجربة مع أبيك من أجلك يا سيدتي ومن اجل حبك ومن اجل العم آدم حتى من اجل هذا الخبيث ريدي لأضمن حياته في هوني لاند ))... ظل فورستر يشغل نفسه بملاعبة روكي بقطعة منديل ورقي يستثيره بها والكلب يقفز حوله واحيانا يطلق نباحا حادا وحين يضجر يتمدد بكسل لا يأبه بشيء فيضربه كولبي على ظهره بينما كانت نانسي في مقعدها الوثير تراقب زوجها وحين يلتفت اليها تجامله بابتسامة مقتضبة . لما ظهرت كيتي على مقعدها يدفعها كارل توقف كولبي عن مداعبة كلبه والتفت كليا الى ابنته بينما قفزت نانسي وقد اشرق وجهها وحين وصلت قالت :
- مرحبا كارل متى عدت ؟ واحتضنت ابنتها تقبلها . أجابها الشاب شامخا :
- أهلا سيدتي عدت قبل ساعة . ثم امسك بالمقعد يدفعه الى حيث يجلس فورستر حياه بأدب وهم بالانسحاب لكن كيتي أمسكت به قائلة :
- هيا أوصلني الى المائدة .
أوصلها الى حيث تجلس ثم نقلها الى مقعدها قال أبوها وهو يتجاهل الفتى : تبدين سعيدة يا عزيزتي .           
– انا سعيدة يا أبي .         
– هل توصلت الى قرار معين ؟
- بشأن ماذا يا أبي ؟           
- بأي شأن يهمك، فقط لأطمئن .
- كل شيء سيتم كما تشتهي يا أبي .
- حقا، ووضع يده على يدها، أنت رائعة يا صغيرتي، الى زوجته :
- انظري يا نانسي كم هي مشرقة، هل تتصورين كيف سيكون محياها حين تعود وتقفز في هذه القاعة وهناك في تلك الساحات والحدائق، تخيلي ذلك يا نانسي .
- سيكون ذلك رائعا، كيتي تستحق ذلك، انا مؤمنة انها ستكون سعيدة في حياتها ما دامت تحمل قلبا طيبا نقيا .
كانت كيتي مشدودة الى ما يدور بين والديها، نسيت وجود كارل الذي راح يتلاشى متراجعا الى الخارج، شعر كولبي بسعادة وهو يرى الفتاة منجذبة كليا اليه وقد نسيت امر الفتى، تنامت في داخله ضحكة مجلجلة ساخرة من هؤلاء الشباب .. غدا ستكون التجربة العظمى يا آدم  وستقر وجهة نظري حين ادخل كيتي الى عالمي حينها سأبلغك شكري لولدك الذي قدم التسلية الطيبة لابنتي ايام محنتها .

35
(( 3 ))
             
استقرت عجلات المقعد وسط الغرفة كارل لا يزال يقف خلفه، راحتاه على كتفيها رمت رأسها على المتكأ تنظر في عينيه ، وجهه فوق وجهها تماما، في داخلها هم ينمو (( لن ادعك ترحل )) وأسرعت نحو ألا ورغ بينما بقي هو مسمراً في مكانه، بدأت تعزف لحنا خفيفا راقصا . راح اللحن يتسارع أشار اليها ان تتمهل وقف خلفها واللحن يشتد بإيقاع شديد يسابق الآلة نفسها ، يركض دون توقف، وجدها مهرة برية جامحة وسط غابة وهو خلفها يلهث ، كل شيء سريع النهر العظيم باندفاعه غير مبال بالصخور التي تعترضه، الطيور هابطة الريح تسحب معها الأغصان المتشبثة بجذوعها لازال خلفها يلهث، هاجس قوي يقلقه ويأمره ان يوقفها، تسرع وتسرع ويسرع الزمن وتسرع دورة الحياة تهيأ له انه سيصل الى حافة مخيفة بعدها الهاوية وضع يده يعتصر كتفها المتحرك بانتفاضات حادة وقوية قال لها :
- رباه من أين لك كل هذا العنفوان وهذه الطاقة على هذا الكرسي اللعين سجانك القاهر تمهلي أيتها الحبيبة، أخشى ان تختصري كل الأزمان في لحن ينسينا الحياة لنتجرع الكأس دفعة واحدة، انا معك لن ادعك هيا نرقص بروحينا انا الاخر ارفض قدمي لتذهب كل الأقدام والسيقان والأجساد الى الجحيم، أنت خفيفة يا حبيبتي لكنك قوية أنفاسك تبعث بي حرارة تدعوني الى المزيد من الرقص شددي من ضرباتك ما بت اشعر بالأرض تجذبني ولا الريح تقاومني، الأشياء من حولنا تصغر ترتفع تسبح في الألوان وتأخذ أشكالا مجسمة جميلة غير خاضعة للوصف فقاعات ملونة تدور حولنا نندمج ونتحول معها أفتش عنك وأنت تشعين نشوة، هيا استمري لتنتهي كل الأزمان، هيا نوقظ كل الأزهار وكل الحشرات تصبح مفيدة جميلة ونحن سابحون في أفلاك لا حدود لها، هيا نوقظ كل النائمين فلا وقت للهجوع لتلتهب موسيقاك وتلهب الأزمان .
-   كارل .. كارل ما بك تغمض عينيك وأصابعك تنغرز قوية في كتفي أنت تؤلمني .
-   توقفت ؟ لماذا يا كيتي كنا على وشك ان نصل .
-   أفزعتني يا عزيزي كنت مغمض العينين وانا أناديك وأنت لا تحس بي .
-   بل السعادة يا كيتي لا اعلم ان كنت ألاحقك جريا لكنني واثق إننا كنا متحدين سوية في ألوان جميلة لا حجم لها ولا ملمس ألم تكوني معي ؟     
-   - بل كنت وسمعت كل شيء .(واستدارت نحوه والفرحة تضيء وجهها) كنت سريعة وقوية شعرت انني أقودك الى عالمي
نزل راكعا امام مقعدها مدت يديها تحتوي رأسه الذي استسلم براحة، نظرت في عينيه وهمست :- كنت معك يا كارل صدق ذلك، وكنت سترحل لكنني أبقيتك .
ودفنت رأسه في حجرها وهي تصفف شعره بأصابعها النحيلة .
سمعا طرقات خفيفة على الباب اهتز كارل تململ لينهض لكنها تشبثت به فأستسلم . وكان كولبي بالباب نظر إليهما طويلا وقال : آسف يا كيتي . واستدار ليخرج لكنها نادته برقة
- بل هيا يا أبي انا من تريدك .. شاهدني وانا أعالج كارل .
هنا قفز الشاب ونظر الى السيد فورستر واحنى رأسه بتحية سريعة بينما أكملت هي :
- لقد عزفت لحنا سريعا سحرته به حلمنا سوية الى أفلاك لا نعرفها وخشينا ان نتيه في عوالم مجهولة قد لا نعود منها لذلك أجلسته أمامي أعيده الى عالمنا .. أوه كم انا غبية لنعد سوية .
كان كارل واقفا مرتبكا لم يقل شيئا بينما كانت هي تركز نظرها في جبهة ابيها أرادتها نظرات قوية صريحة لكن فورستر بادلها سهاما مسمومة ملوثة تقتحم الفتى الحائر . وصوت كولبي يصرخ في داخله .. هيا يا آدم وشاهد ولدينا، جئت اليها لاجئا من متاعبي أحاول دوما ان أرى أماني ترقد في عينيها لكنني لا اقرأ سوى الألم، اقصدها لأجد العزاء لكنني أجدها بعيدة وابنك يجد خلفها ليسلبها مني وأنت تعاتبني لأفكر بأهلي .
وقف كارل منتظرا وكولبي متمسك بصمته، أشفقت كيتي عليهما قالت لأبيها تنقذه :
- هيا يا أبي قل شيئا يسرني . قال كولبي دون ان ينظر اليها :
- سبق وان حذرتك ان لا ترهقي نفسك يا ابنتي . ثم تحول الى كارل وكأنه يحمله المسؤولية او يؤنبه على فعلة سيئة بينما قالت هي باستياء .
-   ما الذي ترى يا أبي ؟ هيا انظر كم انا سعيدة .
-   فقط من اجل صحتك . ويكرر مخاطبا كارل : نعم من اجل صحتها .
تحركت بكرسيها نحو الفتى نظرت ممهلة  إياه ثم دارت حول ابيها وتوقفت أمامه وقالت بسخرية : صحتي ؟ ما قيمة صحتي ان حاصرت روحي في قنينة ذهبية مطعمة بالجواهر بينما تسبح روحي داخلها في غاز قاتل كله آثام ويأس وشقاء ؟ ليتك تعلم أين كنا ولكن أنى لك ان تعلم ونحن في عالم لم تكتشفه أرضنا ولم تذق طعمه، بينما تأتي من عالمكم هذا لتحاكمني ام تريدني فقط ان أتنفس اليأس ؟                   
- أي جنون هذا ؟
-   لأنك لم تسمعنا نتحدث عن رحلتنا، كان كارل يحدثني عن الألوان والأكوان الغريبة التي لا أسماء لها، انا ايضا رأيتها ولمستها، اما ان تحاول إبقائي في قنينتك الذهبية الخانقة فذاك قهر يا أبي .
-   أميرة هوني لاند تقول هذا ؟ هل تعرفين من تكون الأميرة، الأميرة محرزة لا يجوز لها العبث في الطرقات الرخيصة والأوحال والنفايات .
يتقدم كارل ويأخذ يديها بين يديه ويقول برقة :
- سأبقى معك دوما ((الى كولبي )) عفوك سيدي
وخرج بينما بقيت يدي كيتي ممدودتان نحوه، لما غاب قالت بأسى :
- ماذا فعلت يا أبي ليتك أعدته كنا في حلم جميل .
-   تعرفينني يا ابنتي انا لا اعترف بالأحلام وعلي ان أوقظك
-   بل أنت تقتلني دعني أعيش أحلامي لأنني لا املك غيرها وأنت لا تفهم لغتها ولا الألحان السريعة والرياح والألوان، انا لا أريد اكثر من هذا ان سحبتني خارج حدودها، تكون نهايتي
-   لا يا صغيرتي انا أريد لك اليقظة، أمامك حياة حقيقية وانا أتابع بدأب لأخلصك من هذا المقعد وأدخلك العالم الذي هيأته لك،  بإمكانك ان تمتلكي اية تسلية اسخّر لك كل شيء لدي مجموعة من الكلاب المدربة كما لدينا طيور جميلة، اختاري منها ما يحلو لك ويذهب عنك السأم، ان تلك الحيوانات لا تمل ولا تضجر وتطيعك بأمانة ووفاء دون طمع او غاية شريرة.
توسعت عيناها في ذهول وخوف وجدت أباها يتضخم يلبس ألوانا قاتمة كأنه جذع شجرة قديمة منخورة في مواضع عدة تخرج منها حشرات مقززة تتطاير نحوها، تغزوها تلتصق بوجهها تندس بين ثيابها وتدب متزاحمة بين خصلات شعرها بمجساتها العديدة فيها المئات من الأشواك، تحفر في فروة رأسها، غطت وجهها بيديها وانكفأت على مقعدها تتشنج بحرقة، بينما استمر هو معتدلا بقامته وصوته يتضخم كأنه يلقي موعظة في مجلس من مجالس إدارته .
- قد تؤلمك المقارنة يا حبيبتي لكن الكلاب ليست سيئة كما تتصورين لانها تعطي إخلاصها مقابل لقمة عيشها .
- أرجوك يا أبي لا يفوتنك ان أمي ايضا تفاخر بقطتها . أنتما تعودتما على ان تعوضا بعض خسارتكما بالقطط والكلاب لكن هذه لن تعوضني لأنني احب كارل .
نظر اليها طويلا ثم غادرها حانقا، في داخلها اغنية أليمة تغزل خيوطها في قلبها تنخر أوتارها حناياها (( أبتاه من تكون كيتي التي تسميها أميرة ؟ ومن يكون كولبي في عالم الألوان الجميلة وماذا تساوي الأميرة على مقعدها، أنت تفكر بعقل الأسهم والأرصدة وبقوة المتمكن من رقاب الناس ماذا تساوي هوني لاند بالنسبة لي ؟ ليتني أبيع كل ذلك مقابل قدمين تحملاني وتجاريان كارل في خطوه لنقوم بمشروع عظيم هو الهروب من عالمكم . أبي حين يحاصرني الضجر يبدو العالم أضيق من هذا المقعد الذي يأكل من عمري والذي لا يعرف من الحياة الا تلك الإطلالة القصيرة التي اطل منها على الحياة من خلال كارل، وأنت تحاول غلقها بوجهه ليحل محلها احد كلابك الثمينة، وأنت لا ترى في الفتى الا واحدا من الذين تتاجر بهم يوميا وقد لا تراه بقيمة روكي )) دخلت نانسي لترى ابنتها حزينة رأسها بين يديها تعلن عن شقائها أسرعت اليها ترفع رأسها، الدموع تبلل وجهها تجلس أمامها متوسلة لتبث شكواها وكيتي صامتة .
-   انا أتمزق يا صغيرتي اغزل أحزاني بصمت، في داخلي  أشياء تتحطم ساعديني لأنقذ بعضها، لأنقذك وأخاك .           
-   ماذا بإمكانك ان تفعلي يا أماه وأنت التي لجأت ألي لتتخلصي من بعض همومك، أنت وأبي تقيسان الحياة بمقاسات صعبة، تطبقانها علينا هذا ظلم يا أماه، أبي يحاول تحطيم داني يحوله الى مادة سهلة ليصنع منها اخر على هواه، كما يغلق عيني بعد ان فقدت قدرتي على المشي ليسوقني دمية الى حيث يريد . كان هنا قبل قليل وغضب علي لأنه وجدني اصطاد ساعة هناء من حياتي الكئيبة، لأني أفلحت في فتح نافذة أدخلت بصيصا من النور، جاء هو وأغلقها بقسوة، تصوري يفضل احد كلابه على كارل، لقد احتقر الفتى الطيب لمجرد انه ابن آدم بينما ارفض يا أماه كل الأملاك والخدم ارفض الشركات وأحلام أبي حتى أبوتكم القاسية من اجل أمنية صغيرة . وقفت نانسي وقالت بغضب :
-   - الويل لك يا كولبي كم أنت غليظ القلب، اسمعي يا صغيرتي سأنسى نفسي ومشاعري وكل ما تبقى من أحلامي من أجلك ومن اجل أخيك، سأنسى سيمون الذي قررت ان اعترف بحبه فهو وحده الذي يستطيع إدخال بعض السلوى الى قلبي المحطم، نعم جئت لأقول ذلك وأعلمك بمغادرتي ورفضي الحياة مع أبيك لانها لا تطاق، لكنني امام هذا الشقاء سأرجئ كل شيء لأصفي بعض الحسابات مع أبيك، سأقف بوجهه كي لا يدمر حياتكما كما دمر حياتي  .. قالت كيتي :
-   - ولكن ماذا لو تجلسي معه وتناقشيه كما تفعل العائلات الاخرى ليتكما تحاولان حل مشاكلكما ثم التفكير بنا .
- أبوك صعب المراس يا صغيرتي انه يحس بامتهان لو أصغى إلي، فهو لا يريدني، لقد خسر ذلك الشيء الذي كان يشده إلي ما بات يشده الحنين الى أمك، نسي نانسي الجميلة التي تزوجته في العشرين من عمرها، لقد اكتشفت بعد فوات الأوان ان أباك ما احبني يوما، فقط احب شبابي وجمالي، ظل يمتص منه ليستعيد شبابه المندحر، ما كنت نادمة بعد ان وجدتك الى جانبي وبعد ولادة داني عللت النفس ان تعوضاني ما خسرته في شبابي ولم اهتم لمشاعره، لكن أباك لا يعجبه ان تدب حشرة في أرضه دون ان يكون قد رسم لها طريقها، ويتصور ان الحياة تسير خاطئة ان لم يقرر مسيرها، هكذا أبعدكما عني وشغل عنكما وجعلنا جميعا نتخبط في متاهات الحياة التي أفرغها من كل معنى، فقط المظاهر والنجاحات والسطوة . اهتمي بأحلامك سأقابله بهدوء وأرجوه وسألتمس منه أمورا كثيرة .

                …………………………………………………..

كنت بحاجة الى ان أخلو بنفسي بعيدا عن القصر والخدم والمشاغل فاضطجع تحت شجرة سرو ضخمة احتمي بظلها، لأطلق آدم العجوز يفكر بصديقه القديم او في كولبي زعيم هوني لاند، أحاكمه او يحاكمني وهذا الامر بات يشغلني في الايام الأخيرة، جاءتني احدى الخادمات لتقول ان كارل خرج من عند الفتاة بعد ان دخل كولبي عليهما وبدا عليه انه كان حزينا .
خمنت ماذا جرى وغزاني خوف مفاجئ ان كولبي قد آلم ولدي بكلام جارح . ماذا بقي لي غير ولدي بعد ان ماتت زوجتي ورحلت ابنتي . كنت قلقا من تطور العلاقة بين الشابين بعد ان أصيبت الفتاة، انهما صديقان منذ الطفولة لم يشعر احدهما بفارق المكانة او اللون كثيرا ما كانا يقضيان الوقت في غرفتي حتى كولبي نفسه لم يلتفت الى هذا الامر وهو يتطور الى الحب، لان آدم هو الأب الأقرب الى الاطفال . كنت اول الامر ممتنا لولدي لاهتمامه بالبنت المنكوبة وأهلها مشغولون بمشاكلهم، خلقوها أسوارا عالية بدأت تحيط بكل منهم لتفصله عن الاخر، وما كان كولبي يخمن ان تتطور تلك العلاقة الى حب يعرض هوني لاند الى مشاكل مهمة،  انتفضت فجأة وصوت يصرخ بي يجب ان تلقى ابنك وتعرف الذي دار في ذلك اللقاء فكولبي لا يتردد في جرح كارل الذي لا يتحمل كلامه . فتشت عنه فلم اجده وقلقي ينمو رحت لأقابل كولبي وكان منشغلا مع سيمون وقدرت ان لقاءهما ليس مريحا عليه أرجأت المقابلة الى ما بعد العشاء
كان كولبي يتناول قهوته خاطبته بود :
- هل لي ان أكلمك يا مستر فورستر ؟ ابتسم للهجتي الودية والرسمية وقال معاتبا :
- وما كنت بحاجة الى الاستئذان أيها العجوز المقرف ؟ لكنني أوفر عليك عناء الكلام الذي جئت من اجله تعاتبني، انه بشأن كيتي وابنك كارل هيا أيها الصديق وفكر معي ان كنت مخطئا أنت واثق إني لا اكره ابنك ولم احتقره يوما، اليوم فقط حاولت ان أبعده عن الفتاة المسكينة لو تعلم باية حال وجدتها، ان الانفعال قد يقتلها يوما ونحن بانتظار الفرج من باريس .                  – لكنك تحطم قلب ابنتك ؟
- بل افتح عينيها قبل ان تنغمر في علاقة تدمر حياتها، فكر معي ماذا يحل فيها ان أحبت ابنك بعنف، اليوم تتوهم ذلك لانها بحاجة اليه لا تجد أمامها غيره، لكن ماذا لو رحل كارل وراء مستقبله هل باستطاعتك ربط حياته بهوني لاند وبفتاة لست قانعا بجدوى حياتها كزوجة ؟
-   لكنهما صديقان قبل ان يكونا محبين وهو الشخص الوحيد الذي ترتاح اليه وأنت تقتلها ان سلبته منها، عليك ان تفكر بطريقة افضل من القسوة، انا الان قلق عليها وليس على ابني .
-    وانا ايضا لا يهمني امر ابنك فقط كيتي الضعيفة التي لا ادخر وسعا في استقصاء اخبار الطب في العالم لإنقاذها، وأنت تشاركني بانتظار اخبار باريس بلهفة، انا مستعد ان اخسر كل شيء من اجل إنقاذها لأنني صرت افقد الآمال في إصلاح ذلك الفتى المتشرد، لم يبق لي في الحياة سواها . أنت لم تسمعها وهي تحدثني عن الهروب الى عوالم مجهولة ذلك إنذار سيئ، لذلك كنت قاسيا معها وساكون اكثر قسوة سأعودها على القسوة لتتعلم كيف تقاوم الحياة الصعبة التي تنتصب أمامها .
-   مسكينة كيتي لقد دمرتها سأذهب اليها الان .
-   حذار ان تفعل، أمنعك من التحدث اليها برقة خلال الايام القادمة يجب ان أحررها بتجربة معينة سأعدها لحياة جديدة ولن أقحم أحدا في حياتها ليساعدها ابتعد عنها هذه الايام .
جاءتني نانسي غاضبة من اجلها، طردتها لانها لم تحاول ان تصغي كما تفعل أنت انها غبية لا ترى ابعد من أرنبة انفها ولا تفكر الا من خلال أهوائها، تحاول ان تقضي علي وعلى أولادي، انها تفقد عقلها بعد ان فقدت القيم الصحيحة . الأمور تسوء يوما بعد اخر تتظاهر انها تدافع عن أولادها، لكنها ما فكرت يوما كيف تصنع من أولادها رجالا ونساء أقوياء، شغلت بنفسها ونسيت المحيطين بها واليوم تأتيني غاضبة من اجلهما، جاءتني لتعذبني وتحملني وزر فشل العائلة لتقول : ها قد فشلت في كل شيء ما فائدتك ان لم تفلح في إنماء ثمارك .
قام كولبي هائجا وقبل ان يخرج التفت نحوي صارخا :
- اكرر يا آدم دع الفتاة وشأنها .
جلست منهارا بعد ان قيدني الرجل كما لم أحاول ان أفتش عن كارل، لقد وضح الامر فأنا اعرف كولبي وطغيانه انه سيقضي على الفتاة سيقاطعها كارل المجروح كذلك، وهو لا يقل عنادا عن كولبي، أين هو ماذا تراه يفعل الان ربما غادر هوني لاند دون ان يودع أحدا او حتى ان يرى الفتاة  .
                            ………………………………..

                                         (( 4 ))

      غادر كارل هوني لاند بائسا مهانا، ما كان باستطاعته ان يخبرني انه أهين، سبق وان قالها يوما وكان طفلا فزجرته ثم صبرته وأفهمته ان كولبي مثل أبيه، اما أمه فقد أغرقته بنصائحها التي لم يصدق منها شيئا الان، لقد وضعنا أمامه طريقا ضيقا ودفعناه اليه مهما تشعب فهو يؤدي الى كولبي، واليوم يغادر مخذولا لقد كان صريحا دوما لكنني اعرفه اكثر عنادا من كولبي يقامر بحياته من اجل كرامته وكذلك عنيداً كي يذلل كل الحواجز التي تفصله عن الفتاة . ليتك ترحل يا ولدي وتفكر بنفسك كما يتمنى كولبي لابنته، وأنت تعلم انك مهما حاولت حتى لو أصبحت صخرة اقوى من كولبي سوف لن تفلح لأنه يملك أساليب تدميرك، مسكينة كيتي الى متى ستقاومين .
                         ………………………………………

كلما تلبدت الغيوم في سماء كولبي العجوز وانغلق عليه اللون الرمادي وضاع الأفق في المدى القاتم، عالج موضوعه بطريقة جديدة، صار هو الاخر يخترع لنفسه لونه الخاص الذي يحمل حلمه الجميل تفرشه (( كما يقول )) سماتا على روحه من الداخل فيشعر بالفرح والراحة امر الفتاة الزنجية ان تهيئ له الحمام وتعطر جسمها تلبسه فتنة من فتوتها، وحمام كولبي يعني، رياضة عاطفية هو يحسبها (( روحية )) وعلاج نفسه على يديها ولمساتها علاج ضروري بعد ان صار الجسد غير أبه بالقذارة او النظافة، سيان . كان مسترخيا في حوض الماء الدافئ مستسلما ليديها الناعمتين تمسدان جلده الرقيق الذي اخذ يتمدد حتى صار أوسع من محتواه وهو يراقب الفتاة تعمل بنشاط وجسمها الفتي يهتز بحركات رشيقة مثيرة ، راح يناجي بقية الشوق الذي يخرس امام الابنوسة الرائعة، أيقظته طرقة على باب غرفة الحمام قالت الخادمة من خلف الباب : مستر طومسن على الهاتف يلح في طلبك سيدي .
تناولت سماتا جهاز الهاتف الى الداخل وجلست على حافة الحوض واضعة الجهاز على فخذها العاري في حين راح كولبي يصغي الى طومسن .
- بشراك سيدي لقد نجح النسر الذهبي في اصطياد فريسته، هو جاثم عليها بإحكام، غزال جميل يستكين وديعا تحت مخالب نسرك والتفاصيل اليوم مساءً حاول ان توفر له فرصة اللقاء .
خرجت الضحكة صاخبة من فم الرجل وهو يرد : أشكرك يا طومسن انصرف الى شؤونك فقط اخبرهم انني ساكون بانتظارهم حسب الموعد .
شعرت الفتاة ان فرحة سيدها كبيرة وهي واقفة تحمل جهاز الهاتف حائرة ماذا تفعل به هل سيحتاجه، انتبه الى ساقيها وصعد ببصره نحو الفخذين رآها أروع ما تكون، واقترن خَبرْ طومسن بالغزالة الواقفة أمامه برية جميلة والنهدان يشمخان بفعل حمالة رقيقة بإغراء قاتل والجسم الابنوسي متماسك بشدة مدور بانحناءات رائعة، تمثال يمتد نحو السماء يوقظ الحياة وينادي الطبيعة لتضج بها، حلقت روحه بنشوة ما بين حلم لذيذ وواقع مخذول يكتم رغبة مكبوتة انتصب الشباب معافى بطوله الفارع وجسمه الرياضي وانطلق صقرا يحوم حول الطريدة وحملها بسهولة، يداه حول ساقيها ووجهه مدفون في بطنها وهي تتلوى بخجل خفق النسر بجناحيه حط في غرفة وضع الطريدة على الفراش مددها برفق وهي مستسلمة تتلمس عضلاته تنثر أنوثتها، لكنه توقف كيف له ان يمزق الجسد الملائكي بمخالبه الملوثة وعينا الفريسة تناديه بإغراء قاتل، وهو يحوم ويستبد به الشوق وهي تصرخ هنا جاء صوتها يغتال الحلم الجميل : هل انتهيت من المكالمة سيدي ؟ ابتسم منتشيا ومد يديه تصورته يريد جهاز الهاتف لكنه سحبها من رسغها وهي تقاوم بخجل وتقول : تبدو سعيدا سيدي .
انها تتأرجح تنظر الى جهاز الهاتف بين يديها كأنها تفتش له عن مكان لكنها فقدت توازنها على حافة الحوض فسحبها فانكفأت في الحوض فوقه مرتطمة بالماء الذي انتشر في الغرفة والهاتف مغمور، مددها على جسمه بعناية وراح يمسد شعرها القصير وعلى كل نقطة من جسمها كأنه يصفف بدلة ثمينة في الحقيبة بعناية فائقة، وهي مستسلمة تقرأ النشوة في عينيه مشفقة وهو يصغي الى صوت يصرخ في أعماقه (( هيا أيها الجسم الذاوي انفض عن كاهلك بعضا من السنين، ففي القلب بقية من الشوق تكفي ان تشعل اللهفة المبثوثة في هذا الجسم النابض بالرغبة، هيا استيقظ وشد على الوتر لينطلق السهم، فهذا مهر جامح يصهل بالرغبة يقهر بقوائمه الروابي المنيعة ليحلق الى القمم، يا للخيبة يبدو ان السنين اقوى من الامنيات والوهن يهمس بخبث الا يكفيك أيها القلب ان يمسح هذا الجسد الابنوسي على جراحك فيمد الهيكل بحرارة الشباب انها اللذة في طعم اخر، دع روحك التائهة تغفو على حلم لذيذ كفاك ما نلته في أيامك الغابرة، كم تقلبت على ملذات مسروقة وارتويت من أجساد مبتذلة في عبادات رخيصة وكم بددت من طاقات حمقاء في هياكل العاهرات وتلوثت في قذارات الامراض، اليوم تهجع في سبات دائم لا تحركك حرارة هذا المعبد الزنجي الذي يكفي ان يحرق كل شياطين الكون،  هيا أطلق روحك وتشبث بسمو المشاعر يكفيك الحلم لتهدأ الروح بخدر مقدس .
                   …………………………………………
                     
                                     ((5))

بلغتني الأنباء السيئة رحت أفتش عن كولبي لارى وقعها عليه، حديث هنا وهناك كل الإذاعات منشغلة في نقل تفاصيل الحدث الهام، خبر الثورة في بلاد (( ش )) وكالات الأنباء تتسابق في تفصيل الأنباء، بعضهم يحلل أوضاع البلد وعلى ضوء تحليلاتهم يتكهن بتطورات لاحقة، منهم من يتنبأ بتغيرات مهمة في وضع ذلك الشعب المقهور بعد الثورة الجديدة، منهم من توصل الى معلومات مهمة عن الضباط الشباب الذين تسلموا زمام الأمور بعد أن أسقطوا النظام السابق .
مختصون يحللون البيانات الجديدة التي تنطلق حادة من إذاعة البلد وطابعها الثوري المقلق للغرب برمته، لهجة البيانات تنبئ ان فئة يسارية اختطفت السلطة في غفلة القوى الاخرى تصريحات خطيرة لإذاعات صديقة او مناوئة، أما الإذاعات الغربية فقد أخذت تبث شكواها بحذر وتحفظ وبعض أصحاب المصالح يلعن الإهمال ويحَمّل المخابرات في الولايات المتحدة الإهمال بل النوم، أقوال كثيرة جلها يعلن التشاؤم . النسر الذهبي يضحك في سره . اصحاب الشركات والمصالح في تلك الدولة يندبون حظهم واضعين أيديهم على قلوبهم قد يضيع كل شيء هويات القيادة الجديدة تتضح يوما بعد اخر، تلعن الاستعمار ومصاصي الدماء، مستر فورستر هانئ على مقعده الهزاز بعد الاحتفال الذي أقامه في حمامه وسماتا تقدم له كأسا من عصير الطماطم . 
- أين أنت يا آدم أيها العجوز الكسلان هيا لتشاركني نشوتي . ابتسمت الفتاة بحياء محبب .
قلت باهتمام : هل سمعت الأخبار ؟ قال وكأنه لم يسمعني : قل لهم يا آدم ان يهيئوا الجناح الخاص لاستقبال الضيوف سأختلي بهم لفترة طويلة .
علمت ان ضيوفه من النسر الذهبي ومعنى اللقاء في ذلك الجناح هو ان يبعد الجميع ويلغي كافة المواعيد الاخرى . كان الزائر متأنقا استقبله فورستر باشا ومرحبا وقاده الى مقعده باحترام ظاهر، جلس منتصبا فخورا متباهيا وهذا مظهر يكرهه كولبي لكن الموقف يختلف اليوم حيث راح يبالغ في ترحابه وانغمرا يتهامسان وهما يبسطان بعض الأوراق أمامهما سمعت صاحبي يقول وانا اقدم القهوة : علام تبالغ إذاعتنا وإذاعات الاصدقاء في تشاؤمها حتى راحت تثير مخاوف الناس وتدعوهم ليعلنوا عن عدائهم .
-   وما الذي يقلقك من ذلك ؟
-    بل أرى ان يخففوا من زعيقهم خشية إثارة مخاوف أصدقائنا .
-   بل الأفضل ان يفعلوا ذلك كما سنفعل نحن ايضا وأنت ايضا يجب ان تعطي اولئك الشباب شهادات تؤكد منحاهم اليساري وتبرئ ثورتهم من دم يوسف .
ضحكا سوية وانا لا افهم تعليل ذلك وسر فرح كولبي، ثم شربا نخب المناسبة ونخب الثوار ونخب الأذكياء والأغبياء وختم كلامه ان وفدا من تلك السلطة سيزور البلاد ليشرح لساستنا موقف الثورة ومواقعهم من العلاقات الدولية خاصة الولايات المتحدة،  قال كولبي مسرورا : يجب ان أقابلهم و… قاطعه الرجل
-: رويدك يا سيدي سنهيئ كل ما يرضيك لكن على ان يبقى هذا الجانب سريا لان السادة الجدد لا يحملون في برامجهم الأنخاب والاحتفالات وإنما محادثات جافة وصريحة ظاهرها مشحون بالعدائية .
- فهمت قصدك ونحن من جانبنا نعلنها مفاوضات عنيفة لخصم عنيد، يضحكان وهما يقرعان كأسيهما .
لاحظت الرجلين وهما يتصرفان كأنهما من الرعاع وفي بار عام وازدادت دهشتي من انطلاق صاحبي الذي نسي مشاكله التي لم يحل واحدة منها، وانا مكمن أسراره لا اعلم سر ذلك فقط حدثتني الخادمة عن جهاز الهاتف المغمور في حوض الحمام فعللت سرور كولبي بوجود الفتاة الزنجية معه ولم أشأ ان اسأل عن تفسير حالته بعد رحيل النسر الذهبي لكنني حين لقيت سماتا سألتها عن قصة الهاتف المغمور في الماء، شرحت بخجل كيف ان سيدها اغرق جهاز الهاتف بعد مكالمة مهمة مع طومسن، التي جاء فيها عن زيارة الرجل المهم وفرح سيدها، قلت (( المهم ان يبقى سيدك سعيدا فسروره يمتد الى كافة أفراد هوني لاند وغضبه كارثة قد تتجاوز هذه البقعة الى ابعد نقطة في العالم )) رباه ارحم عبدك كولبي واجعله دوما يعيش المسرات ما دامت مسراته تشع خيرا على الآخرين ، رباه امنحه من نعمك لينعم الآخرون بنعمه وارحم عبدك آدم بان يدخل السكينة الى قلب ابنه الذي يعشق مناطحة الجبال .
وانا منشغل بهذه الأمور، جاءني شاب يعمل مهندسا زراعيا يشرف على حدائق القصر طلب لقائي وهو يحمل قلقه . حدثني باختصار عن أنباء ثورة حصلت في بلاد (( ش ))، أخبرته مطمئنا ان كولبي سمع الأخبار مفصلة لكن الرجل قال بإصرار : كيف يا عم آدم والثورة هناك تحمل لنا المصائب . قلت بانزعاج : ولماذا لنا يا ولدي ؟
- لان السيد فورستر يملك معظم اسهم شركة النفط في تلك البلاد .
- وهل أنت واثق ان الثورة تسبب الأذى لفورستر ؟             
- بل متأكد .
- لكنك لا تعرف كولبي جيدا ولا تعرف طاقاته .
- الثورة يسارية يا عم آدم وما جاءت الا لتهدم مصالح الغرب خاصة مصالحنا .
- يا للطامة الكبرى !       -
 والبعض يتكهن ان شركاتنا ستخسر مصالحها .
- يا للكارثة !             
- وبخسارة كولبي سنخسر نحن .
- اذهب يا ولدي وقدم صلاتك في اقرب كنيسة، كي لا نخسر ولكن تذكر ان كولبي سمع ذلك ولا زال سعيدا
امر غريب لا افهمه ؟
- عد الى عملك يا ولدي وأحذر ان تبحث بهذه الهموم لان كولبي يكره ذلك .
(( حقا أي سر جعل كولبي سعيدا او يكون الفتى محقا فأثرت الصدمة عليه، لكن اجتماعه بالضيف كان واضحا وقد علم بحقيقة ما يجري هناك رباه ماذا سيحل بالناس هناك بل في البلاد وخارجها ان كانت هموم كولبي كبيرة كنت سعيدا لسعادته، عللت النفس بحل مشاكل أهله . يجب ان أكون الى جانبه ولا اتركه لهؤلاء الأغبياء المحيطين به يجب ان يكون قريبا من الفتاة التي تدخل السرور الى قلبه، حرسك الله يا فتاتي الطيبة وحفظ شبابك وجمالك من اجل إدخال الراحة والسكينة الى قلب هذا الرجل لتمتصي شروره وحماقاته، لابد ان الله يرى ذلك ويقيده في سجله شفاعة لك في أخرتك، لست نادما على بقائك الى جانبه تداوين جروحه التي اعرفها وأنت تتقززين في داخلك من مداعباته، لكنك قبلت بها من اجل الآخرين والله لا ينكر تضحياتك ))
-   أهلا صديقي العجوز هيا شاركني في كأس من هذا الشراب .
-   تبدو سعيدا يا صاحبي وانا لا اصدق           
-   - وفي غاية السعادة .
-   وهل أنت واثق من ذلك ؟
-   بدأت تخرف يا آدم، كيف اكذب عليك وعلى نفسي وأتظاهر بعكس ما انا عليه.
-   فقط أردت الاطمئنان بعد ..         
-   – بعد تلك الأخبار اطمئن يا صديقي لقد كنت عند كيتي وطمأنتها كما طلبت من الخادمة نورما ان تخبر سيدتها بأنني سأزورها هذا المساء .
-   افعل يا كولبي .         
-   – اطمئن ستكون زيارتي ودية، الست مسرورا لذلك .
دخلت سماتا تحمل طبقا صغيرا فيه بعض من الزيتون وضعته على المنضدة وظلت واقفة .
التفت كولبي اليها وقال : هيا اخبريه يا ابنوستي انني سعيد واذهبي لتخبري ذلك الغبي ريدي ان يجلب لي روكي وأكدي عليه ان يعطره قبل إدخاله .
قمت من مكاني وانا أقول بحرارة :
- بل سأقوم بالمهمة بنفسي . خرجت مسرورا ومنفعلا وأصداء ضحكتيهما في أذني لقد وثقت من سعادته انه في الحالات الصعبة يعتكف في مكتبه ويغلق على نفسه لينشغل بالهاتف فقط، اما اليوم فقد نسي كل شيء واعطى لأهله فرصة حلوة تنعم يا كولبي سأعطر لك روكي ليتألق سامشطك أيها الكلب المدلل والمع فروتك الجميلة، أحملك أمانة مقدسة لترقد هادئا في حضن سيدك أليفا تدخل السرور الى قلبه كن أنت الاخر سعيدا يا روكي كن مرحا مع سيدك افعل أشياء جميلة ترضيه فرضاه نعمة للجميع ادخل البهجة الى حياته التعيسة بذلك تسدي خدمة وتدخل البهجة الى قلوب الآخرين، نحن جميعا نبتهل الى الله ان يزيد روكي جمالا وصحة وحيوية ما دام حضوره يعطي السيد فورستر سعادة وهذه السعادة تمتد الى المحيطين به بل وحتى البعيدين، باستطاعتك أيها الكلب الطيب ان تجعله يأمر بمكافآت ومنح فأنت تخدم الإنسانية قد لا يعرف الابعدون مدى أهميتك ولو علموا لأقاموا لك تمثالا وصلوا من أجلك، حذار ان تجعله يغضب فغضبه يمتد الى شركاته ونقمته تسبب نكبة للآلاف بل ربما للملايين .
كان روكي حكيما ماكرا لم يمنح متعة للعجوز المعجب الا بعد دلال وتمنع، بينما قال كولبي : انظر يا آدم في عينيه الصافيتين انهما تدلان على إخلاص وصدق وانا واثق ان في قلبه نقاءً كنقاء فروته . رن جرس الهاتف أسرعت لأرد فكان طومسن على الطرف الاخر، وضعت الهاتف الى جانب فورستر فراح يتحدث .
- أهلا طومسن .. حسنا حسنا .. اعرف ذلك لا تقلق … بلغ مجلس الإدارة بما عندك . قال طومسون :
- هل اخبرهم إننا نعلن غدا عن بيع الأسهم ..:
- لا يا طومسن حذار ان تبيعوا سهما واحدا .. لا لا .. ولا تشتروا بهذا السعر ستهبط اكثر من ذلك .. ما لنا ولهم .. ابلغهم بحدة .. ان رفضوا الشراء اشتريتها لحسابي وسأحتفظ بكافة المميزات .. بالضبط، قد يُعلن عن تأميم الشركات الأجنبية .. احتفظ بكل ما يكتب في الصحف حول التطورات .. أعلن عن اجتماع طارئ لمجلس الإدارة غدا وان الحضور ضروري حيث سيقرر الاجتماع مصير الشركة …. ماذا تثرثر يا طومسن ؟ هل تراني اكذب عليك ؟ المس جبهتك انا واثق انها تتصبب عرقا كأنك تجهل الأخبار .. نحن لا نكذب على احد .. التأميم واقع بالتأكيد .. انا لا يهمني ان كنت تصدق او لا هذا آدم الى جانبي اسأله وإلا أسال روكي انه يخرج لك لسانه … ماذا ؟ ابلغه تحياتك ؟ لا أستطيع لان روكي لا يفهم لغوك .. علام تعتذر روكي جنتلمان لا يغضب ولا يحقد سيعفو عنك هيا انصرف مع السلامة .
وضحك كولبي وهو يداعب روكي قائلا : هل سمعت صديقنا يقرئك السلام ثم يعتذر لأنه لا يجيد التخاطب معك .. هل سمعت يا آدم هذا طومسن ايضا يبدي قلقه ويشك بسعادتي .
-   لان الأخبار تلك، اقصد الثورة …
-    الأخبار صحيحة يا آدم لقد حصلت أمور مهمة وكبيرة وسبق ان أخبرتك شيئا حول ذلك .
-   لكنني أنسى المواضع والأسماء عندما تتحدث عن أمور عديدة في ان واحد .
-   وأنت كيف تراني ؟         
-   - تبدو سعيدا .
-   انا سعيد وتبقى تستدرجني لمعرفة حقيقة أمري       
-   - إذن ستقابل نانسي ؟
-   اطمئن أيها العجوز المخلص ان رغبت احضر اللقاء .
-   بل اذهب لوحدك .. كن رقيقا معها . من اجل كيتي، من اجل العائلة .

                    …………………………………………….




                                        (( 6 ))

حين يرتبط القلب بشباك الحب يهفو لأية نسمة تهب من موطن الحبيب .. استرعت انتباه كارل اخبار ذلك البلد البعيد وظل يلازم المذياع ينقل مؤشره من محطة الى اخرى ليسمع المزيد من الأخبار والتعليقات،، كما راح يجمع المزيد من الصحف ليطلع على اخر التطورات التي اشغلت العالم، ثم يروح و يستعرض مع نفسه الأوضاع في هوني لاند وما قد تكون الأوضاع قد آلت اليه وهو العالم بمصالح كولبي في تلك البلاد (( ش ))،  ثم يجلس ليرسم صورة مخيفة قاتمة يتوسطها فورستر هائجا حوله كيتي ونانسي مشفقات وآدم العجوز مهونا الأمور على طريقته وبقية العاملين يحاصرهم الخوف والقلق حتى الحيوانات والساحات والحدائق كلها كئيبة تنبئ عن بركان سينفجر ويهمس كارل، (( أي جحيم مخيف تعيشينه أيتها الحمامة الأسيرة .. قطعوا جناحيك وصلبوك على ذلك المقعد القاهر، وقالوا لك هذه أيامك، أمامك مسالك وعرة وخلفك وحوش تطاردك ويصرخون بك خذي فرصتك في النجاة، وحين حاولت وجدت القيود تشدك على ذلك المقعد اقوى منك لكنك بادرت بعزيمة من تحب الحياة، وقلت مصممة لأتقدم ولو شبرا واحدا افضل من الموت في موضعي، لكنهم حفروا امام مقعدك هاوية، حاولت مستغيثة وامتدت لك يد وجدت في راحتها كلمة الحب منقوشة ! الحب مع الأمان، لكنهم رموا اليد بفأس ثقيلة ارتعشت قاصدة انهم يسدون أمامي المنافذ إليك أيتها اليمامة المتوسلة … وتهمسين انه أبي يا كارل أنت تعرفه وتعذبني هاربا، تسحب يدك وكأنك تسحبها من نار حارقة ما أتعسني حبيبي يتراجع بسبب كلمات مميتة لا يا حبيبي فالضربة نالت من قلبي انهم يعرفون بنقطة ضعفي …ليتك يا حبيبي لا تحمل صورتك الحزينة وترحل فالوحدة هنا تعذبني ناهيك عن الخيالات السوداء التي تحاصرني .. أتخيل الجحيم الذي يحيط بكم بعد تلك الأنباء المقلقة، لا اكتمك انا موزع بين الفرح الذي احسه لأولئك البؤساء الذين وجدوا طريقهم الى الحرية .. انهم إخواني في البؤس كلانا يعاني اضطهاد أبيك وأيضا الحزن الذي يتأتى من غضب أبيك، ترى اية صورة مرعبة يرسمها أبوك في هوني لاند الجميلة أنت لا تتصورين أي صورة وزع أبيك في أنحاء الدنيا حتى مواطنينا في الولايات المتحدة يرون فيه ذلك الجبار ملك من ملوك المال فلا غرابة ان يتصوره الآخرون في تلك البلدان غولا، سألت زميلا جامعيا كان يبحث في المكتبة عن كتاب حول الاقتصاد المتطور وأخذنا الحديث عن الاقتصاد الى ملوك المال تصوري ان الطالب ذكر أباك كأحد اولئك الذين يسيطرون على دفة الاقتصاد ولما تجاهلت قائلا ان الرجل غير معروف في الوسط السياسي،  ضحك ساخرا من جهلي وقال ان مثل هؤلاء يحركون الساسة دونما الحاجة الى الظهور وهم يصنعون الرجال والقادة ويدمرونهم .. هذا هو أبوك الرجل الكبير وجدته صغيرا هناك في هوني لاند وجدته ضعيفا اعجز من ان يدير بيتا وعائلة صغيرة تعوزه الحكمة في إدارة قلة من الناس، فيا لسوء حظ تلك الملايين التي يقرر مصير اقتصادها انا حائر، أمامي تتشعب الطرق هل اطوي المستقبل وأنومه في كفة القدر لأعود إليك وأناطح أباك،  ام أبقى ملبيا نداء مستقبلي ليصلب عودي فيقوى على مقاومة طغيان أبيك ؟ هيهات متى يتسنى للشجرة الفتية ان تطاول جبلا، أعود واندم على ما أقوله لأنه يؤلمك عليه سأطوي همومي وأعود لأكون الى جانبك سأقاوم الفرصة المغرية التي واتتني، لقد عرض علي أستاذ كبير ان اعمل مساعدا له واكمل معه بحثي وهو افضل من العمل في المطعم الذي يدر علي ما يكفي كلفة دراستي سأوفر الجهد المبذول ضمن اختصاصي، مع ذلك سأعود يا حبيبتي أمهليني أياما حتى أسوى بعض الأمور .
                     
                     …………………………………………

الأخبار تنمو بسرعة تعلن عن تطورات مهمة في تلك الدولة التي هزتها الأحداث الأخيرة وهزت معها أوساطا اخرى في دول اخرى . القائد الشاب في تلك الدولة يعلن عن عدائه للغرب ويؤكد (( نحن مصممون على تحرير مصالحنا وحقوقنا، نحن لا نظلم أحدا فقط نأخذ لقمة أبنائنا من فم اللصوص )) من هم اللصوص ؟ صدقت الأنباء يا عزيزتي أبوك لص كبير مؤهل ان يسرق الناس ليس هناك فقط وراء البحار بل هنا في بلده بل في هوني لاند ولصوصيته تمتد الى اهل هوني لاند يسرق أمك الحائرة وأبني المخلص وكيتي المطيعة وحتى سماتا البريئة الطيبة، نعم يسرقك أنت ليته سرق ثوبا او حاجة انه يسرق منك شيئا لن تعوضك الايام إياه ثانية يسرق قلبك ليصنع منه ساعة يعلقها في احدى غرفه وان استطاع إصلاحها جيدا علقها في احدى شركاته انه يدعي انك أمله .. أمله في تكميل ما يعجز عن تحقيقه في لصوصيته، ويرتفع صوت ابني يقلقني
- : انا قادم يا عزيزتي وليجابه أبوك مصيره القادم من تلك البلاد البعيدة لكنني أخشى ان يدفع أبوك الثمن من رصيد الآخرين حوله .. أبي ! الاخر مثلك تعاقد مع أبيك مدى الحياة .. هو طرف مهم دون حقوق ينتظرها .. لماذا يا أبتي وانا اكره الذل الذي عشته زمنا من أجلك .. انا أسمعك الان تقول :- عد يا والدي وقف الى جانب الرجل من اجل كيتي الحبيبة .. نعم سأعود يا أبي .

36
الفصل الثـــــالث
(( 1 ))

ميلي عني أيتها الهموم فلا مكان في قلبي الذي كنت زاده لسنين طويلة وأنت لست همومي لقد أقنعت أحزاني ان ترحل مع كارل بعد ان فلسفتها كأية مسؤولية ثم علقتها على كتفي ولدي ليحارب بها العالم قلت له (( هذا عالمك يا ولدي شق طريقك بأسلوبك )) وصاحب الهموم يهرب بعيدا معللا اخفاقاته بنجاحات رائعة . لقد تحركت الأسهم المندحرة ثانية بارتفاع نسبي وتوقفت عن تدفقها الى الأسواق المالية بادرني كولبي متبجحا (( ارأيت حكمتي يا آدم كان كل شيء مهددا بالانهيار في تلك البلاد النائية (( ش )) اما الان وللأسف لا تقدر أنت حجم النتائج التي حققتها )) كيف أستطيع ان احمل هذا الرجل الهموم والأحزان التي أتلقاها من ولديه وزوجته وهو يحلم بالمزيد (( دعني احلم يا آدم )) واسمع صوته القادم من قرار نفسه دعني احلم ودع أحلامي تكبر اعرف انني عائش ليس كما كنت أتمنى لكنني مستمر في طريقي لأكمل سعادتي، وحين اذكره (( لكنك وصلت الى ما كنت تطمح اليه وتعتبره الكمال الذي لم تحققه عائلتك الأرستقراطية الاولى، هذه هوني لاند مملكتك تزهو جميلة بعد تلك الغرف الصغيرة القذرة التي أكلت من عمرنا وسط تلك الأحياء البائسة أنت اليوم الشخص الذي يحتسب له آلف حساب حتى رجال الدولة الكبار وساستها . كل شيء يسير حسب مبتغاك ما الذي تريده بعد هذا . يسخر مني قائلا (( أنت تفكر بعقلية العجوز القانع من الحياة بتلك السنين البائسة لقد سيطرت عليك عقلية الخائف المضطهد الجائع الذي أشبعته وليمة عابرة ولا يمني نفسه بأكثر من لقمة وسقف دافئ، اما انا فألف لا، ربما كنت أتمنى ذلك يوما قبل اكثر من خمسين سنة لكن أحلامي كبرت يا آدم حتى تجاوزت حدودها الى قارات اخرى انا الان كبير وسأجعل أحلام كيتي وداني نسخة من أحلامي لا تسخر مني ان انا اضطهدت داني او زجرته ذلك كي لا اخسره بعيدا عني، لابد ان يعود لأرسم طريقه من هنا من هوني لاند سأجعل الشمس تشرق من هوني لاند ليس على أرضنا بل على الكون، قد تسمع لو عشت ان من هوني لاند سيخرج قرار يهم الكون انا ايضا اطمح بتحقيق النجاح من اجل الإنسانية التي لا تفتأ تذكرني فيها ومن كل هذه الأحلام لا احمل معي الى غرفتي سوى تلك الهموم السخيفة، نعم ستراني أعود الى غرفتي حيث تنتظرني سماتا الطيبة وجسمها الرائع تمنحني نفحات من ريح الشباب ومن لمساتها دفء يشحن جسمي الواهن ليهنأ لحظة ثم يندحر بإغفاءة هنيئة، أراك تسخر مني هل هناك أحلام أوسع من الكون ؟ لا تخف أنت تخشى ان تمتد أطماعي الى الجنة بسماواتها والى النار في جحيمه فاعكر صفو القديسين والشياطين، أبدا يا آدم سأترك الجنة والنار من حصتك لانها عوالم ابعد مما تتصور يا عجوزي الساذج تنتظرني، قد تتهمني بالجنون فأنا مجنون بطموحاتي طموحات الإنسان المتحضر التي لا تنحصر في هذه الارض، ليتك تعرف بما يتحدث به العلماء ولكن من أين لك ان تفهم ذلك .

                                           (( 2 ))

انشغل كولبي في اليومين التاليين بتسوية قضايا شركة (( ش )) وارتفاع الأسعار حتى اطمئن الى صحة موقفه وخطته، لكن الأنباء التي نقلتها الصحف لازالت مقلقة وتقارير النسر الذهبي تفيد ان أمورا سيئة تجري هناك وان تصدعا بين رجالات الحكم يكبر والأنواء تشير الى هبوب ريح قوية بل عاصفة قد تقتلع ركائزهم وكولبي بين الهواتف والنداءات يحاول ان يجعل كل الاطراف ان تتحرك لدرء الخطر، تقارير النسر الذهبي تؤكد ان الخلافات بين قادة الدولة تلك تغري المعارضة لتستغل الظرف فتقوم بحركاتها لإسقاط النظام فتضيع كل الجهود (( لا اعلم كيف يفكر أولئك القوم )) كولبي يردد ذلك حين دخلت عليه ويضيف (( قلت ذلك صراحة يا آدم لاهديء النسر الذهبي لكنه أجابني ببرود (( أنت تفكر بمقاييس الأرقام والكميات والأيام هذا معياركم اما نحن نفكر ونفكر بمقاييس العواطف والرغبات ومراكز القوى وكيف تصل اليها لنكتشف نقاط ضعفهم، ان هؤلاء الناس التافهين الذين تتأفف منهم، هم انسب الناس لنا ربما تحركهم وجبة دسمة او مغامرة ليلية هنيئة هكذا يستعيد منطق القوة نسرنا الذهبي احيانا )) واليوم ينتظر كولبي وقد آمن النسر الذهبي على مضض ليجد الحل المناسب، ولكن أين الحل وعلى من يراهنون وحش مفترس وحاقد لا يمكن التفاهم معه ويرتفع صوته (( وكأننا نحن من أورثهم آلامهم ومشاكلهم بينما نحاول ان نأخذ بأيديهم نحو الحضارة وهؤلاء السادة الذين أجلسناهم على مقاعد المسؤولية  أين هم هؤلاء الذين أوصلناهم الى مقاعد البرلمان عندنا ؟ لبسوا أثواب الديمقراطية وتمسكوا بسمعة الولايات المتحدة وهيبتها ويرفضون إعطاء المسؤولين اية سلطة إضافية او امكانية التحرك، قال احدهم يوما :
- نحن لا نتحرك مباشرة كي لا نخسر هيبتنا .
– أغبياء يا آدم وهل تبقى لهم هيبة ان خسروا مواقعهم في تلك الدولة )) طرق طومسن الباب ودخل يحمل اهتمامات جديدة على وجهه، قال بعد تحية مختصرة :
- احدهم من النسر الذهبي جاء يزورك .. أكد انها زيارة مستعجلة لا يمكن تأجيلها، ودخل النسر ولم يكن ذهبيا بل دخل يحمل وجها صارما اسودا، انه واحد من الذين يحملون الأعباء الصعبة ومن ترحاب كولبي به علمت انه مهم في مجال عمله، رأيت كولبي يفتش في وجهه المغلق عن رجاء ينتظره، قال هذا بعد أسئلة وإجابات يعتبرونها من متطلبات اللياقة ثم نظر حوله، امر كولبي ريدي ان يغادر القاعة فخرج . قال هذا : لقد جاءتنا رسالة مستعجلة قد تحصل تطورات جديدة في (( ش )) قد تحتاج الى تحركات سريعة واليك التقرير وانا بانتظار ما ترى .
واخرج تقريرا عرضه امام كولبي الذي راح يقرأ ويدمدم بقلق .
- انها مأساة .. ماذا بعد ذلك ؟ هل نجلس متفرجين ؟ يجب ان تفعلوا شيئا ؟
- لهذا جئت بنفسي خذ واقرأ هذا ايضا .. انهم مجموعة من الضباط الشباب نحن على اتصال بهم مهيأون بأسلوب خاص وهم اخر ملجأ .
- وعلام ترددكم ؟       
– يجب ان نضمن حسم الامر وألا نفرط بسلامتهم .
-   وهل بإمكانهم حسم الأمور ؟
- ليس بتلك السهولة .. لم نتوقع ان تتدهور الأمور بتلك السرعة نحتاج الى تقارير اخرى عليه سيطير الى هناك فريق مهم من النسر الذهبي بأمل ان تختصر الطرق .
بدأ كولبي خائفا وهو يصغي الى الرجل ولم يفهم ما قصد من اختصار الطرق قال كيف ؟
- لا اعلم لست مخولا .         
– ماذا تقول ؟ قالها بغضب .
-   لو استطعنا الاستغناء عن الوجوه القديمة من أصدقائنا ؟
-   ومصالحنا هناك ؟             
-   - انها في خطر حقيقي .         
-   – والعمل ؟
- المهم ان توافق على إجراءات يدرسها النسر .         
– لم افهم شيئا ؟
-   ان كنت مصرا يجب ان نغادر حالا . يجب ان تلقاهم مباشرة .
تلفت كولبي حائرا : اهتم يا آدم بالأمور هنا … اخرج الان واخبر طومسن ان يعد الطائرة سيرافقني كذلك ريدي قد أغيب طويلا ربما حتى الغد فقط اسهر كي لا تفوتك اخبار باريس وقرار الطبيب قد اتصل بك لتعلمني .
خرجت ابلغ طومسن وريدي وبعد دقائق أقلعت الطائرة العمودية مغادرة لا اعلم لماذا لازمني القلق بعد ان علمت ان ما يخطط له يخص مصائر الناس، ان اهتمام كولبي وقلقه فأل سيئ .. كولبي لا يهمه من امر تلك البلاد الا مصالحه قد تجري أمور سريعة وخطيرة يتحدثون عن الحكومة وعن التغيير الكبير والخلافات بين الكبار، يا ويل الصغار ماذا ينتظرهم .. لا بد ان تقع حوادث مروعة ستقع رؤوس لترتفع في مكانها اخرى .. لم يلازمني هم من خارج هوني لاند منذ فترة طويلة، لا اعلم لماذا أخذت أفكر بأناس لا اعرفهم أغراب لم أشاهد احدهم ولا اعرف موقع بلادهم على الخارطة، ولكن ما يخطط له سيغير الكثير من حياة اولئك الناس منهم من ينكب وآخرون يسعدون .
في العاشرة ليلا تلقيت مكالمة من كولبي كأنه يتحدث من مقر الشركة في شيكاغو قال : مرحبا يا آدم . أكلمك من مكتبي .. كل شيء رائع يا آدم .. انا اعمل بجد وبخفة الشباب .. اشعر بالراحة والاطمئنان لقد غادرني القلق .. مشغول ببعض الملاحظات اكتبها لأصحابها بعضهم من الغباء لا يتحرك ما لم أحركه ، كان يجب ان امكث اليوم ايضا لكنني سأعود بعد ساعتين .. إياك ان تغادر الى فراشك سنتحدث في أمور تسرك .. هل وصلتك اية اخبار من باريس …. ماذا عن كيتي .. الى اللقاء اسمع يا آدم لتكن سماتا معك . ابتسمت لهذا الرجل كيف رمى كل ذلك القلق، لابد انه سمع أخبارا جيدة وهو يطلب سماتا لتجري له تمارين المساج في تلك الساعة المتأخرة انها جزء من طقوسه المقدسة . في الساعة الثانية والنصف حطت الهليكوبتر في حديقة هوني لاند أسرعت تتبعني سماتا وآخرون لاستقبال موكب كولبي  .. ترجل ريدي يحمل حقيبة كولبي من بعده نزل كولبي وما ان وصل حتى امسك بيدي ثم لف ذراعه حول رقبتي ودفعني قائلا : بالرغم من اختفاء ملامح حسنك الا انني ما زلت معجبا بوجهك يا آدم .. أتفاءل به .
- تبدو موفقا يا صديقي لعل الأزمة التي كنت تتوقعها انفرجت . قال ضاحكا وهو يسحبني
-   بل هي قادمة قد نسمع أخبارا مهمة .. ألم تتصل بباريس ؟
- انتظرت مكالمتهم دون جدوى . التفت الى سماتا وأمرها ان تأتيه بالقهوة في المكتب استقر
على كرسي ضخم في المكتب كنا وحدنا قال وهو يسترخي على كرسيه :
- ما أقوله سر من اسرار القيادات العليا يا آدم .. لقد كانت لأرائي وأفكاري آذانا صاغية عند النسر الذهبي سنسمع أخبارا مهمة قد تغير وجه دولة وشعب او ربما يمتد التغيير الى دول اخرى .
- يبدو انك أنجزت عملا مهما .
- بل سعادة وخيراً عميماً سينال ذلك الشعب ما يريده وما يطالب به تصور ان الذين كانوا يعتبرونه كفرا اقترحت ان يحقق لذلك الشعب .        – لا افهم ؟
- سنحقق كافة الشعارات التي كانت محرمة في تلك البلاد .
-   سمعت انهم كانوا يطالبون بالاشتراكية ؟
- وسنشبعهم من الاشتراكية .. هذا يكفي نم مطمئنا يا آدم . لم اقل شيئا فقط فتحت عيني
مصغيا لما يقوله شاكا بنواياه .
- فقراء بائسون تقامروا بحياتهم .
- لولانا، وما منحناه لهم من حضارة لوجدتهم لا زالوا تلك القبائل المتوحشة .. ولكن، ما بالك كأنك تستعيد جذور أجدادك في تلك القارة السوداء ؟
- لا يا كولبي لست متعصبا لتلك البقعة او لانها من القارة السوداء موطن أهلي الأوائل، بل يقلقني امر اولئك البائسين في تلك الدول الفقيرة .
- هذا يكفي يا آدم نم مطمئنا .
لم اقل شيئا فقط فتحت عيني مصغيا لما يقوله، شاكا بنواياه .
في اليوم الثاني استيقظت مبكرا يدفعني قلق مبهم قمت بجولتي حول القصر وفي الساحات وسؤال يلح مرددا ما مسئوليتك أنت عن أخطاء كولبي لا اعلم كم لي من نصيب في نجاحاته اوَ تكون كل تلك النجاحات مآسي للآخرين وما دوري في ذلك ؟ حين عدت الى القصر وجدت كولبي عند الباب يرافقه ريدي، قال مرحا: أين كنت أيها العجوز هيا نقوم بجولة وان كنت تعبا .
وراح يتحدث وكأنه يكمل حديثا بدأناه قبل قليل : لقد غيرت كل خططهم البارحة وستعرف مدى صواب صديقك الذي يقولون عنه انه لا يفهم في السياسة . قلت : انا الذي لا افهم يا كولبي لكنني واثق انك ضامن مصالحك بثقة .
- طبعا يا آدم نحن نقدم الملايين والمليارات لذا نتوقع نتائج كبيرة .
(( تبا للسياسة يسعى كولبي الى تغيير وجه دولة من اجل مصالحه ولا يهم ان ينكب التغيير الملايين من الناس ولكن هل باستطاعتي  ان اقترح عليه ان نجري تغييرا بسيطا على نظام حياة روكي الكلب المدلل ؟ )) كرهت نفسي واعتذرت منسحبا وانا أفكر، هل اظلم الرجل ان حملته جسامة تلك الحوادث وما ترافقها من أحداث ومآس، أضأت شمعتي ودخلت افكار كولبي وجدته يردد هذه الاغنية (( أنت تحمل هموم الآخرين يا كولبي تمد يديك النحيلتين لتسد منافذ العاصفة القادمة الى تلك البلاد .. أنت تحمل شيخوختك وهموم اصحاب المصالح والشركاء الذين لا يجيدون سوى جمع الأرباح والشكوى ولا يفكرون الا بالنجاحات حتى هؤلاء السياسيين الذين يجيدون إدارة الندوات الصحفية وينتفخون على مقاعدهم امام عدسات الكاميرات كالديكة حين يظهرون في المناسبات العامة وهموم اصحاب الاموال والمصدرين واصحاب البنوك تحمل همومهم أمانات مقدسة وتحمل تعب السنين والخوف على المستقبل، لقد تعلمت يا كولبي على حمل الصعاب وحمل الأحمال كم حملت في الموانئ المزدحمة الرخيصة بضائع فيها الشبع واللذة للأوغاد والكلاب والرواء للتافهين المتاجرين بالأعراض والأمراض، ربما حملت بنفسي أشياء من تلك لحكام (( ش )) ترفه عنهم في غرفهم الدافئة مع زوجاتهم او خليلاتهم وأنت تقع مخمورا على قذارة الأرصفة من لي بذلك الحذاء القذر الذي سرقته من ضابط بحري هولندي ليشهد كم طرقت إسفلت الميناء وخشب المراسي وسلم العنابر ليت الرافعة العملاقة التي حملتني ذات يوم تتحدث وتشهد إني كنت في الهواء مع شحنة أتأرجح يلفحني دخان المراكب وان ألوح لآدم الذي بدا صغيرا كلعبة اطفال، كنت في التاسعة عشر احلم بفتاة تائهة تشاركني غرفتي خلف احد العنابر .. كانت الرافعة ترتفع في الفضاء حتى تجاوزت قمة الصواري شعرت بنشوة صرخت هاتفا انا رب الفضاء هيا أيتها النوارس مجدي لي وغني . وانا في نشوتي لاح لي منظر إطار النشوة التي كانت تغمرني حيث رأيت فوق سطح احدى الكابينات جسدين عاريين ناعمين يمارسان الحب احتضنت الحبل الحديدي القاسي  وعيني تسرق نظرات ملهوفة الى الجسد الطري يتلوى في شمس حزيران الصباحية .. متى تعوض ذلك الحرمان يا كولبي .. لقد ان لهم ان يدفعوا قليلا من مباهجهم لتستعيد أنت بعض الديون القديمة ))
عدت الى القاعة الكبرى وجدته مسترخيا على كرسيه الهزاز وريدي يناوله الكأس تلو الكأس وهو يتجرعها بسرعة قال ريدي عندما رآني : سيدي انها الكأس الرابعة من شراب المارتيني . لم يقل شيئا تجرعها بسرعة وقال لي : أين كيتي ؟     قلت : لقد خرجت هذا ما أخبرتني به جيرالدين .
- وهل رأيت كيتي . لم اجبه وإنما اكتفيت بهزة من راس انفي ذلك بينما أجاب ريدي
- أخبرتني ماتيلدا انها خرجت في نزهة يدفعها كارل وهي على مقعدها .
سار قليلا ثم توقف يسألني : وسيمون ألم يحضر ؟
- حضر البارحة واشرف على عمال المسبح لبضعة دقائق ثم دخل مكتبه أمضى فيه قرابة النصف ساعة ثم خرج ليقف مع السيدة امام الدار لفترة قصيرة بعدها انصرف في سيارته .
- حسنا انصرف يا ريدي الى أعمالك بعد ان تخبر سماتا لتعد لي القهوة تحملها الى مكتبي .
جلس كولبي في المكتب يتفحص البريد يوزعه دون ان يقرأ ما فيه وبين وقت واخر يربت بأصابعه على رأس روكي المستكين على مقعد الى جانبه وما ان دخلت سماتا حتى اعتدل في جلسته وهل وجهه وقال لروكي وكأنه يخاطب سماتا : انها سماتا الجميلة يا روكي ألا تحبها ام انك تغار منها ؟ أريدك ان تجلس عاقلا .
ومد يديه يستقبل الفتاة التي وضعت القهوة وقدح الماء على المنضدة مسكها من رسغها وأجلسها على منضدة المكتب أمامه كانت كعادتها ترتدي بلوزة بيضاء ناصعة وتنورة قصيرة جدا وقد عقدت شعرها الى الخلف فبدت طفلة رائعة كالتي يرسمها الفنانون في جوقة الملائكة .. امسك كولبي بيديها ابتسمت له قال : انا مسرور يا سماتا .
- احمد الله على ذلك يا سيدي .
سحبها من على المنضدة أجلسها على ركبته ووضع رأسها على صدره وراحت أصابعه تداعب شعرها ثم خدها ويمسح على شفتيها الممتلئتين الملمومتين وهمس قرب إذنها : لقد قمت بجولتي اليوم . قالت دون ان تنظر اليه: إذن جاء دور المساج سيدي .
- بل تهيئين لي حماما وتدخلين معي تمسحين عن جسمي التعب .. بل عن نفسي الهموم، هل أنت سعيدة معي إياك ان تضجري من هذا العجوز الذي يحاصرك بمطاليبه الكثيرة . ولكن لا تضجري فأنا لا أطيق الضجر على وجه ابنوستي الجميلة .. هيا كوني سعيدة معي .. قولي انك سعيدة ؟                               
- بالفعل انا سعيدة يا سيدي .
- قد يضحك آدم هذا العجوز من صداقتنا يا سماتا او قد .. قولي لي هل من المستحيل ان تكوني صديقتي ؟             
- أنت كل شيء بالنسبة لي يا سيدي
كان فورستر منفعلا ويده تمسح ظهر الفتاة وصدرها تضغط بنشوة على الأعضاء الدقيقة وعيناه تنتقلان بنهم من عضو الى اخر تتفقدانه بدقة وكأنه يحصى كنوزه وفي داخله صوت يصرخ (( أنت رائعة أيتها الصغيرة ليتك نسيت للحظة انني سيدك وليتني نسيت الكم الكبير من هذه السنين التي تثقل خطوي .. في صدري قلب يشتهيك تفاحة مثيرة لكن الخذلان يلطمني ليت لي قوة كولبي المشرد الفتى الذي كان يتبارى في حمل الصناديق الثقيلة في الموانئ الصغيرة  .
هبيني أيتها الحياة ساعة من لهفة الشاب الذي كانت تهصره الشهوات القاهرة في ليله القاسي يتمثل صور النساء والفتيات اللواتي عبرن به خلال يومه اشتهاهن وعجز حتى عن شم عبيرهن أين الفتى كولبي الذي كان يقهر سلالم العمارة بطابقها السابع جريا ليصل الى تلك الغرفة القذرة جريا والمصعد معطل أملا بلقاء المومس البلهاء .. كيف اشرح لك يا صغيرتي لو كنت معي يومها لما تهيبت من وجودي ما كنت لتجدي هذه المظاهر ولا هذه النظافة ما كانت ، بل كانت
تعيقك قذارتي، لأني كنت سأدخل المسرة الى قلبك الصغير .. في تلك الغرفة الصغيرة خلف المخزن الكبير، نعم هناك كنت ستجدين المتعة اكثر مما تجدينها مع هذا الشيخ الذي يتشبث بالحياة لكنه يتهدم بسرعة .. فتشي في صدر كولبي ستجدين ذات الشوق في ذات القلب الذي لم يرتو حتى الان من حب حقيقي .. ان جسمك الابنوسي يثير ذات التوهجات التي كنت احسها في الأحلام ليتك تعلمين ))
كانت سماتا تنظر في وجه الرجل بقلق وترى الحزن غيمة كثيفة تغطي ملامحه حيث اختفى شعاع البهجة الذي لاحظته ساعة دخولها قالت :
- هل اذهب لاهيء لك الحمام ؟
- هيا يا صغيرتي اذهبي أريدك ان تمسحي عني كل التعب فهذا العجوز تخلى عن كل المتع الا ما تمنحينه يداك وطلعتك الحلوة  .           
– بعد دقائق يكون كل شيء جاهزاً .
يقبلها في ظهرها ويقرص خدها برفق ثم يدفعها فتقفز بخفة وهو يرقبها منتشيا . (( لا اعلم هل يمكن لعاجز واهن ان يحب، وأي نوع من الحب يسمى هذا ؟ هل يمكن لهذا الجسم الذاوي ان يستعيد دماء الشباب لتصل الرغبة حارة في مضامير أوردتي .. يا ملاكي الأسود كم اشعر بألفة معك لم أشعرها يوما مع نانسي كم دفعت لها أثمانا غالية وكم ردتني خائبا تشعرني بعجزي المقيت حتى أصابني الوهن قبل أوانه .. اما أنت أيتها الابنوسة المقدسة فانك تعيدين الى نفسي متع الحياة فأحس القلب يرقص طربا والأصابع تعود طرية ملتهبة موصلة لتلك الكهربائية التي يبست في عروقي زمنا، الا يمكن ان يكون للحب لون اخر في غير ذلك الشبق الحيواني ؟ الا يمكن ان تحدث الأعجوبة ؟))
دخلت عليه ثانية وهو غارق في حلمه يمد ساقيه فوق المكتب المكدس بالأوراق وأجهزة الهاتف والحاسبات الصغيرة وجسمه يرتخي بنشوة وقفت للحظة حتى شعر بوجودي وقال : ما بك تقف كالأبله هيا افعل شيئا .               
- ماذا افعل فقط دعني انتظر .         
- ماذا تنتظر انا لم ادعك يا آدم .
- لكنني حين دخلت خمنت انك كنت تقول شيئا كأني سمعتك تكمل جملة .
ليتك سمعت يا صديقي .. بالفعل، كنت أقول أشياء كثيرة.. أشياء مقدسة .. كنت أفكر بالعودة بضع سنين الى الوراء .   أجبت بسخرية :
- لو عدت الى الشباب فعلا ودب عنفوانه  في جسمك لكان هناك أمورا اخرى كنت تتمناها   .                 – ويحك ! هل كنت تقرأ أفكاري ؟
- بل رأيتها خارجة من عندك والخجل يلون وجهها وابتسامتها تنبئني عن فرحك ولما رأيتك وأنت ترحل بعيدا قرأت بعض أحلامك .
قفز الى حيث كنت اقف وراح يهزني بعنف ووجهه مغمور بدماء النشوة،  استغربت لحال الرجل كأنه أصيب بحالة من حالات خجل الشباب، لا زال يحدق في وجهي وأنا أبادله نظرات الاستفهام قال :
- هيا يا آدم قل شيئا عني ؟
- ماذا أقول يا كولبي كأني اقف امام شاب ضبط في موقف غرامي وهو يداري خجله أرى دماء الشباب في وجهك، هل هي السعادة التي حدثتني عنها وتنتظر تحقيقها في تلك البلاد ؟
- لا يا آدم حالتي هذه منفصلة عن تلك الأخبار السارة التي أتوقعها، وجود سماتا الى قربي أثارت كوامن لا اعرف كيف أصفها يمكنك ان تقدرها .. ماذا تقول ؟
- ماذا أقول ؟ وانا بعمري هذا فقط اشعر نحوك ..
- اخرس يا آدم لا تكمل .. أنت لئيم كان عليك ان تستمر في تشخيصاتك وتقول بأمانة ما لاحظته لقد قلت كلاما جميلا .. هل حقا رأيت دماء الشباب في وجهي المتغضن ؟
- هذا ليس غريبا يا صاحبي، احيانا يصاب المرء بحالات شاذة تجعل صاحبها شابا سعيدا هنيئا او تجعله يائسا مدحورا .. المهم انا واثق انك كنت سعيدا، لكنني جئت لأمر اخر حول نانسي .. هل قابلتها انها لم تخرج منذ يومين .
- أرجوك يا آدم تخميناتك صائبة وانا سعيد فيها، لا تحاول ان تغير موضوع سعادتي . علام نانسي ؟
- الامر يتعلق بأولادك .. لقد حضر داني والتقى بأخته وأمه كأنهم غرباء يجب ان تلقاهم وتسمع ما يقولونه .
- ليس الان يا آدم .. أرجوك .
- أنت مصمم على الهرب،  وأنت من يقوى على تغيير دولة بأكملها ونظامها .
- اخرس يا آدم وإلا رميتك بأي شيء تصله يدي .. لا تجعل القسوة التي تعاملني بها تمسح الضوابط التي لا زلت أتمسك بها . انا بائس يا آدم حققت لهم كل شيء وتجده كثيرا علي ان أبدو سعيدا للحظة كان يجب تسر لسعادتي .. نعم كانت سماتا هنا تمسح أحزاني كأن السماء أرسلت هذه الفتاة لتدخل الراحة الى نفسي الضائعة .. نعم كانت يدي تتحسس جسمها الفتي فأشعر تيارا دافقا من الحياة يغزو جسمي ويهزه، هل تنكر انك لاحظت دماء الشباب في وجهي انا اشعر ان هذه الفتاة تمنحني شيئا غريبا .. لو عرفتها في شبابي !
- كنت ستتزوجها وتقتنع منزويا في غرفة قذرة وحي فقير تفرخ كل سنة مخلوقا جديدا يملأون غرفتك ويلفون حبالا قوية حول عنقك ويديك ورجليك ما كان يخطر ببالك ان تفكر بهوني لاند .
- وما جدوى هوني لاند الان وانا لا أنال منها اكثر مما يناله عامل بسيط يعمل في حقل او إسطبل فيها . كثيرا ما تنتابني هذه الأفكار فأقول ما جدوى كل هذه الاموال والأسهم والعقارات وهذا الجري المتواصل الذي ينهكني وذلك الصراع المستمر .. الشيخوخة تطرق كل خلية من جسمي بمطرقتها يا آدم وما كل الأدوية والمنشطات الا خدع وتضليل، انها فقط هذه الفتاة التي استطاعت ان تداوي بعضا من جروح نفسي .. احيانا اطمئن روحي فأقول تحرري أيتها الروح المعذبة خارج دائرة الشهوات التي ما بت اقدر عليها، قد تتهمني انني اخدع نفسي بهذه الأوهام ليكن يا آدم ما دمت مؤمنا بذلك واشعر بالرضى عليك ان تشفق علي وتبارك هذه الومضات في حياتي، ولاتكن لئيما تفسد علي هذه المشاعر حتى لو كانت أوهاما أنت اصدق من عاشرته واللؤم ليس من طبعك .
- لا اكثر عليك ما ذكرته يا صديقي وإنما أريدك ان تتذكر عائلتك .
-  تلك خيبة اخرى بل قل لعنة اخرى .. هيا انظر ذلك الأسود عامل الإسطبل ماذا تسميه ستيبان ام ستيبانوس كم عدد أولاده خمسة ام ستة ربما سبعة وزوجته تلك المقطورة التي تكتنز لحما وشحما، انظر إليهم عصرا تراه يتخذ من هوني لاند جنة له ولعائلته يلعبون ويغنون بصخب ومرح، احيانا امر بكوخهم اسمعهم يحتفلون على طريقتهم انهم اسعد من رب هوني لاند نفسه أليست هذه لعنة ؟ من انا .. ومن نانسي ؟ أين نحن من ولدينا ؟ من هم أفراد عائلتي .. أنت تجرحني يا آدم، اعلم انك حاولت الكثير ولازلت على طريقتك لكن ذلك لا يجدي نفعا .. قد تحل كل العقد ولكن على طريقتي الصارمة، هذا مكتوب علينا وهل حققت كل الذي نعيشه دون الصرامة وأنت تعرف القصة كاملة .

37
(( 4 ))

تتصاعد هموم كولبي وهو يحاكم موطفيه(الغبي يتصور انه بات يحكم هوني لاند مادام يفوز برضى السيدة .. لو علم ان السيدة نفسها بحاجة الى من يأخذ بيدها لتضمن مركزها في هذه البقعة .. لولا كيتي الحبيبة لولا كلام الشامتين لطردتها كالكلبة الجرباء . كان الخبيث نشطا وجريئا بأعماله قدم أفكارا جيدة ونفذها في الايام الاولى بشكل اثار إعجابي، لكنه صار يهمل ويتقاعس ولا يهتم الا بمظهره ناسيا واجباته كما كثرت زياراته للمدينة .. (ان فشل هذه المرة سأطرده بل أدمره لقد جعلني امقت الملاكمة في التجربة الأخيرة بعد ان كنت اعبدها، كان ريدي محقا في عدم ثقته فيه، ربع مليون دولار احرقها بسبب سوء تصرفه وادم هذا ساكت يرى ويسمع دون ان يحرك ساكنا لا بأس يا سيمون أمامك الفرصة الأخيرة . )
دخل ريدي فوجد سيده يسير في القاعة الكبرى والغضب باد عليه، لم يشعر كولبي بدخوله وحين استدار وجده أمامه قال بصرامة : أين ذلك الغبي ؟
انه لا زال يرتب أوراقه، لقد بلغته انك بانتظاره . لم يقل شيئا وانما قصد مكتبه وجلس ينقر المنضدة بأصابعه بإيقاع سريع وما ان طرق سيمون الباب حتى ناداه ودخل مرتبكا .
-   عفوك يا سيدي لقد تأخرت قليلا ؟
-   بل أهملت كثيرا كأنك لم تعمل مع رجال الاعمال الذين يهمهم الوقت اكثر منك .
-   املي ان اجعل كل شيء مرضيا، سأبذل جهدي هذه المرة سيدي .
-   اما انا لا أرى فيك سوى ذلك الديك المزركش الذي كل همه مع قطيع الدجاج .
-   ليتأكد سيدي انني … قاطعه كولبي بحزم: انا متأكد انك ان فشلت هذه المرة سوف … هيا كفاك لغوا فقط اجب على أسئلتي، ماذا بشأن مدرب الكلاب لقد تأخر ؟
-   بعد غد يباشر عمله، لقد حضر وشاهد أماكنها كما شاهد ساحة التدريب وتطبع مع بعضها وسجل ملاحظاته في ملف خاص تجده بين الأوراق .         – والمسبح ؟
-   سينتهي العمل فيه في الأسبوع المقبل لو زرته لشاهدت كيف يسير العمل ؟
-   وأخيرا وهو المهم ماذا عن المدرب جاكوب، هل نسيت ان ذلك الملاكم يكلفنا آلاف الدولارات بانتظار ممل .
-   انا أرى ان نعيد النظر في التعاقد مع ذلك المدرب لأنه ليس منسجما مع الملاكم روبي وتلك نقطة مهمة .       
-   - هذا لأنك متفق مع الملاكم على ذلك .. والعمل ؟
-   لقد تحدثنا انا ومساعد روبي الذي يبدو انشط من المدرب جاكوب فهو شاب لا يتعب يكفي ان جاكوب تسبب في خسارتنا المرة السابقة علما ان هناك بعض النقاط الحساسة يجب ان تعرفها  .               
-   – اكمل لا زلت أسمعك .
-   لقد نبهني روبي الى نقاط مهمة في حركة كل من الملاكمين الكندي رينيه وما لدى ملاكمنا روبي انه لم يذكر ذلك لجاكوب لأنه كان سيؤنبه ليبدو تافها أمامك، ان كان وقتك يسمح سأعرض لك مشهدين من المباراة لأريك بعض ما يهمك .
في هذه الأثناء دخلت عليهما فوجدتهما منهمكين بالمشاهدة حاولت الانسحاب دعاني كولبي قائلا : هيا يا آدم لتكون شاهدا على هذا الفرنسي المغرور . أجبت
انا لا افهم في الرياضة يا صديقي .
- بل تبقى الى جانبي وتمسكني عن جريمة قد ارتكبها فأدق عنق هذا الهدهد .
قال سيمون وكأنه لم يسمع الرجل : كل شيء جاهز يا سيدي . جلس كولبي يشاهد العرض وسيمون يعلق : لاحظ سيدي هنا رينيه في نزاله مع بطل لوس أنجلوس انظر هذا سر نجاحه كما يقول روبي انه في سرعة تبديله اليمنى باليسرى حيث يخادع منازله بحركة سريعة لكن روبي اكتشف عيبا يمكن استغلاله آذ ان يسراه تأتي دوما مائلة نحو الأسفل ثم يسددها بقوس نحو الصدر الأيمن لو استطعنا تدريب روبي لقطع القوس بحركة أسرع سيتمكن من تسديد ضربة قاضية على الجانب الأيسر غير المحمي وقد تكون الضربة التي تقرر نجاحه، هيا انظر هذه حركة اخرى وتلك ثالثة .
هتف كولبي بفرح : بالفعل هي انتباهة ذكية ولكن جاكوب …
-   أرى ان ننسى امر جاكوب سيدي لقد اقتنع روبي ان يعمل مستقلا عنه .
-   هل ترى ذلك ؟     
-   نعم سيدي ان روبي أكد بأن النزال القادم سينال رضى المشاهدين .
-   عظيم أيها الخبيث هذا ما أريده، أريد متعتهم وإثارتهم أريد دماءهم تغلي ولا أريد ان ينتهي النزال من الجولة الاولى او الثانية، انا هاو ولست بتاجر رياضة الا تعلم كم نضحي من اجل ذلك .       
-   - ولكن يا سيدي انا واثق بأننا سنربح كثيرا .
-   وأنت لا تعرف قيمة الأوقات التي أهدرها في الإصغاء إليك مع ذلك احضر روبي لأسمعه بنفسي وحذار ان تتلاعب بالوقت يا سيمون قد يكلفك ذلك كثيرا .
-    ولكن أرجو ان تشاهد جولة اخرى ؟
-   هيا لا تبدد وقتي وإلا أنت تعلم ماذا هيأت لك ؟
-   أرجو ان يكون شيئا يسعدني ؟           
-   - طبعا هيأت مخرزا حادا .
-   ولم المخرز أتراه هدية رمزية من ذهب .
-   بل أعددته لأفقأ به عينيك ان عدت واغضبتني أيها الديك المتباهي هيا انصرف الى عملك. 
وخرج فورستر تاركا سيمون خلفه امام المنضدة المفروشة بالأوراق وجهاز العرض وأفكار مبعثرة تتقاطع في رأسه ( لن أتركك يا فورستر تفسد كل شيء بهذه السرعة وبذلك المخرز انا صبور مهما قسوت واحتقرت المنقذ هو روبي فأن كسبنا في الجولة القادمة أكون قد حققت كل خططي التي انتظرتها طويلا، لمْلمْ أوراقك يا سيمون وابحث عن سيدتك كي لا تنسى حاسة شمها رائحتك فتتيه عنك ) .



                                            (( 5 ))

كان ريدي يرتدي ملابسه الرياضية بانتظار سيده الذي وصل بزيه الرياضي الأزرق . خرجا سيرا في جولة اعتادها كولبي كل صباح، سارا في ممرات بين الحقول والساحات وكانا بين وقت واخر يؤديان تمارين سريعة ثم يضرب كولبي على صدره ويتنفس بعمق مستنشقا الهواء اتكأ على جذع شجرة كبيرة ونادى على مرافقه الأسود الذي وقف أمامه باستعداد تام كأي رياضي محترف، قال كولبي : اسمع يا ريدي لا احتاج اليوم لخفتك ولا لعضلاتك او جرأتك وانما الى أذنيك . هنا أحنى الأسود رأسه ولم يجب بكلمة فهو ملم بطبع سيده الذي يكره المقاطعة وكلمات الملق بينما استمر كولبي : لي مهمتان جادتان تنفذهما بدقة وهدوء ليس على طريقتك المألوفة بل حذار من استعمال عضلاتك او من اية ضوضاء هل فهمت قصدي
-   نعم سيدي .
-   المهمة الاولى ان تراقب سيمون هذا مراقبة جيدة دون ان تقوم أنت بها إنما احد أعوانك ودون ان تذكر له اسمي تراقبونه حتى مع سيدتك حيثما يذهب وليكن المراقب شبحا رهيبا يجده سيمون أمامه اينما ذهب بعدها تصلني تقارير دقيقة وصادقة عن الرجل . الامر الثاني هذا الشاب كارل الذي يقضي إجازاته في هوني لاند مع كيتي ايضا يُراقب دون ان تشعر عزيزتنا كيتي بذلك اما الفتى فليعلم انه مراقب ومُهدد في كل لحظة وليلبسه الرعب حتى ان هرب ولا أهمية لذلك .
-   سيدي ولكن الآنسة …
-   اسمعني دون مقاطعة .. كيتي مقبلة على السفر وقد يطول سفرها، كما أحذرك ان يشعر آدم بذلك .               
-   - لكن الشاب سيخبر أباه ؟
-   أبدا، كارل ليس من ذلك النوع قد يغادر بصمت .
-   وآدم هذا الشيخ يكرهني وانا قلق بشأنه ؟     
-   - إياك ان تتدخل بشؤونه .
-   ليس هذا وإنما اشعر بخوف وضيق من نظراته حتى تجاهك .
قاطعه كولبي بشدة : إياك ان تضايق آدم او تقترب منه وان اصطدمت به ستكون الجاني على نفسك حتى ان اخطأ في حقك او في حقي وانا واثق ان آدم لا يخطئ ، قد تسمعني احيانا احتج عليه او اقذفه بكلمة لكن العجوز يكون دوما وفي كل الأحوال على حق احفظ هذا جيدا وابتعد عن طريقه .               
- نعم سيدي .
(( قد يتهمني هؤلاء الأغبياء المحيطون حولي بالجنون وانا أصارع العالم من اجل أشياء كسبتها وأوجدتها، من اجل جنة خلقتها لهم لا أحد يعرف كيف وصلت هذه المحطة وما عانيته من العذاب، لقد أخذت مني اجمل سنين حياتي حتى آدم العنيد وهو الشاهد الوحيد على كفاحي لا يقر أسلوبي اذ يؤنبني دون ان يصغي الى استغاثاتي حين تدق أجراس خيبتي او اندحاري، اسمعها تقول حصتك الخيبة يا كولبي لقد وصلت متأخرا . هذا ليس عدلا ان يحرمني احد مما صنعت انهم يتآمرون علي في كل شيء ليسلبونه مني بشكل خبيث .. نانسي لم تعد ترى في سوى ذلك الحطام المستهلك الذي يجب ان يحرق او يستبدل بأخر حسب هواها وليكن تافها مجرد جذع مستقيم لم يتجاوز الأربعين يعرف كيف يرتدي البدلات الأنيقة ويصفف شعره ببلادة ويتحرك بخفة، بينما تتجاهل هي سنين عمرها، أليس هذا كفرا يا آدم وأنت تحاصرني بمثالياتك كأنك تجهل الحرمان الذي عشناه، حتى كيتي املي ومستقبلي يحولونها بعيدا عني، ما وجد كارل في وسع هذه الدنيا سوى كيتي وفي جامعته قطعان من الفتيات الرشيقات يقفزن حوله اما كان الأجدر ان ينتقي من بينهن . انه ليس مثلك يا آدم لأنه يفكر بعيدا يسعى الى ما رفضته أنت في حياتك وما لا زلت اعرضه عليك، عذرك أيها الصديق الطيب قد تفرقنا مصاعب اكرهها لكن ابنك عنيد والفتاة في محنتها لا ترفضه وهذا العبد الأسود الذي انتقيته ليكون كلب حراسة اخذ يمد عنقه في كوة المنافسين، يفكر ان يأخذ موضعك لأنه من السهل عليه ان يتخلص من الآخرين من بعدك، يجب ان لا تنفصم قوتنا يا آدم ولا يمكن ان افرط بما صنعت لمجرد ان أتمسك بأفكار تحاول ان تصبها في رأسي )) (( أوغاد يرونني غولا وانا لا اطلب من دنياي سوى سنين قصيرة أعوض بها عن ذلك العناء الطويل قل لهم يا آدم ان يمنحوا لهذا البائس فسحة من الراحة والهناء ، في العالم من يغبطني من الملوك والأمراء بينما هنا في داري اصبح هدفا للصعاليك يطمعون بي، لا لن استسلم بهذه السهولة سأبقى قويا راسخا لا تهزني محاولات الجبناء وسأبقى اسخر من أفكارك السامية يا صديقي العجوز ومن سعادتك المثالية لأنني دفعت ضريبة الحياة حصة جيل من المعذبين الا يكفي ذلك للإنسانية وللسماء ايضا ))
قرب البيت وجدني كولبي انتظره حياني كعادته بسخريته المحببة وهو يعرض علي عضلاته أومأت برأسي دون ان أقول شيئا وتبعته الى القصر يتبعنا ريدي كإنسان آلي ورحنا نتحدث عن الآمال التي ننتظرها من فرنسا بشأن علاج كيتي .

                                           (( 6 ))

أبلغتني احدى الخادمات بوصول داني فورستر . الكل يتوقع ان يثور أبوه بعد ذلك الغياب الذي دام أسبوعين، خرجت لأرى سيارة صغيرة حمراء واقفة في الممر امام الباب الرئيسي  داني خارجها يتحدث الى فتاة شقراء خلف المقود حين سمع وقع خطواتي التفت ألي بعد ان قبلها ثم لوح لها فارتفع صوت المحرك بضجيج عظيم . كان ريدي يراقب الفتى الذي تقدم مني وحياني : هلو العم آدم، هلا زلت تصلي قبل النوم ؟ وضعت يدي على صدره وقلت بحنان : ولم السؤال، هل بلغك ان الشياطين قدموا الطاعة لربك ؟
ضحكنا وسرنا سوية حتى وصلنا موضع ريدي الذي لم يتحرك قال داني بصوت مرتفع : أخشى ان يكون اليوم الذي سيطردني هذا الزنجي الضخم من هوني لاند قريبا ؟
رمى داني أقواله كالرصاص في أذني، ابتسمت له ودفعته برفق الى الداخل ويده حول خصري يعتصرني بقوة ، بدا طويلا جدا أطول من أبيه انحنى وهمس في أذني : أنت افضل هؤلاء بما فيهم أبي لولاك لحصلت أمور مؤسفة . قلت بحزم : تقصدني افضل خادم ؟                 - بل افضل سيد بالنسبة لي اما بالنسبة لهم هناك من يكرهك، باتت الأكثرية تكره الخير في هذه الارض ولا تتعامل الا مع الشر .
- وأنت ؟ هل حددت موقعك ؟ ليتك تقف في النور وتدل والدك على موقعك .
- ولم النور يا عم آدم الأفضل في هذه الدنيا ان يعيش المرء في ظلام دامس كي لا يرى عيوب الآخرين فتعذبه .                 
- ايضا كي لا يرى الناس عيوبه الا تقصد هذا ؟
هز رأسه ولم يقل شيئا (( مسكين كولبي اية عقوبة ترسلها السماء إليك بشخص داني ام هي أخطاؤك التي أوصلت الشاب الى حالته هذه )) قلت برقة : اسمع يا داني عليك ان تخرج الى النور وتجابه أباك في وضح النهار وانا من يمهد لك لتحقق رغباتك ان كانت مفيدة .
-   هل تفعل ذلك حقا ؟ انا بحاجة إليك لأنني مللت حياتي هذه كنت في طريقي الى كيتي لتساعدني في مشروعي الجديد .
-   سيسر أبوك لذلك يا صغيري، أمنيته ان تكون لك مشاريع مهمة لتأخذ موضعه .
-   لا يا عم آدم انا اكره موضعه أرجوك، دعني اجد طريقي الخاص وموضعا اخلقه بنفسي .
-   أحذر يا ولدي لأنك ستقضي على أبيك، لأبيك مركز وسمعة في العالم ماذا دهاك ابدأ معه وسترى انك كونت لنفسك المستقبل الذي تتمناه وليس عيبا ان تنخرط معه وان تستفيد من مكانته وشهرته .
-   أرجوك يا عم آدم انا لا أمل الإصغاء إليك لكنني قررت ان اعمل لحسابي خذني الى كيتي مادمت ترفض ذلك .
 كانت كيتي قد عادت من جولتها الصباحية مع كارل وكان الجو رائعا، أصرت ان تقود الفتى بنفسها وهو يدفع مقعدها في تحليقات بعيدة، طلبت ان يصغي اليها فقط دون مناقشتها قال لها (( رويدك يا عزيزتي أنت تحلقين سريعا لا أكاد الحق بك كأنك تسيرين بسرعة الضوء )) أجابته بدلال وهي تسحب ذراعيه لينحني عليها : هذا لأنني نسيت السير على القدمين . واستمرت تسحبه الى أحلامها قائلة :  أين كنا قد قررنا اقامة مستشفاك الذي تتمناه أليس هنا انظر نحن نحلق فوق الوادي الكبير بعيدا عن هوني لاند هناك سينتصب بناء ضخم يضم اضخم واحدث الأجهزة وعلى تلك الصخرة جناحك الخاص لأبحاثك والى جانبك سكرتيرتك كيتي تتفرغ لتنظيم دراساتك .
انحنى عليها وهو يبطئ من حركة المقعد حتى قاربت شفتاه أذنها قائلا : لكننا سننشغل بالحب دون الأبحاث . أجابته : بل سأبرمج وقتك لأنني سأكون ايضا مديرة اعمال صارمة . قال بحزن وذلك سيحتاج أموالا وانا أريدها من أموالنا . أجابته وهي تنفض شعرها : وأنت الاخر ستربح الكثير، أعرفك مكافحا ولا تعتقد انني استجدي دولارا واحدا من أبي ربما أخذنا قروضا من هنا وهناك لكننا سنعتمد على أنفسنا . قال : ولكن هذا يؤلم أباك لاننا سنغزوه في عاصمته هوني لاند ألم تفكري بذلك ؟ قالت وهي تمسك شحمة أذنه : لا تجعلنا نختلف منذ الان وإلا بدأت بشروطي .                 
– وما هي شروطك أيتها المديرة .
- ان تفتح قسما خاصا بالعلاج النفسي وحالات الحب المستعصية وسأكون اول مريضة أشفى على يديك، بعدها نتبادل المواقع .ضحكا وهو يقبل شعرها بينما قالت :
- ان أبي لا يهتم لهذه الأمور لكنني سأقنعه بوسائل الحب واجعل الأمور تسير كما تشتهي ام انك نسيت ان تحررنني من هذا المقعد … قاطعها قائلا
- لا تجهدي نفسك بالأحلام عزيزتي ها قد وصلنا الدار.     فقالت :
- انا الاخرى كلما وصلت هذه النقطة توقفت ماسحة الأحلام كي لا أغالي بها وكأنني اصطدم بجبل شاهق لا يقهر .
كانت كيتي تستعيد هذه الأحلام في غرفتها حين طرق الباب واندفع داني الى الداخل وانا خلفه قصد مقعدها راكعا أمامها وهي مندهشة امسك بيديها بين يديه يعتصرهما ثم يقبلهما ويدفن وجهه في حضنها وهي تتجاوب معه ثم ترفع رأسه وتنظر في عينيه ثم تتحول إلي وهي تسأل عن أحزان داني وهو صامت لقد قرأت الحزن والحيرة والتعب، هذا ابن كولبي فورستر اكبر أثرياء امريكا مالك الارض والمال والرقاب يعيش حزينا تائها متشردا قد يموت ملاحقا جائعا . حاولت المسكينة ان تكذب ظنونها هزته بشدة قائلة :
- تبدو سعيدا يا عزيزي ما ابهاك وأنت تشحنني بسعادة افتقدتها منذ زمن بعيد . نظر اليها مشفقا وهو يتمنى الا يكذبها فهي بحاجة الى من يمنحها بعضا مما يساعدها في الخروج من شقائها فاختصر كلامه مجنبا إياها الأسى الذي يعيشه :
- جئت أسعى من اجل السعادة في دارنا يا عزيزتي واطلب المساعدة وقد وعد العم آدم ان يكون الى جانبي كما ان تكوني أنت الاخرى معي . قالت بمرح :
- انا معك يا عزيزي .
- حتى ان تطلب الامر ان تخوضي حربا ضد الدكتاتور ؟ قالت معاتبة :
-  تقصد أبي ؟ لماذا تطرق الأبواب بعنف يا داني ؟ قل له يا عم آدم أليست هناك طرق اخرى علام تبدأ بالجانب السلبي ؟ هيا تحول الى الجانب الاخر لتتسلل الى القلوب التي تحبك وتتمناك داخلها . قل يا عم آدم ؟           
- بالضبط يا صغيرتي خاصة بما يتعلق بابيكما الذي يكره من يذله، لقد شبع المسكين من الذل في حياته مما جعله يكره الذل .
قال داني غاضبا : ما جئت استجدي يا عم ولست ساعيا وراء نقوده وشهرته، منذ شهرين لم احصل منه على بنس واحد فأنا أتدبر أموري، إنما جئت اليوم لأعلمكم انني ابحث عن نفسي وسأجدها في مشروع أتمنى تحقيقه . قالت كيتي مشفقة :
- ولماذا تتصور نفسك ضائعا ؟               
- بل انا ضائع يا كيتي .
- انها المأساة ،ابن كولبي فورستر يؤكد انه ضائع يا عم آدم،  لو عرف أبوك لحطمته وهذا ظلم .             - ليكن .           
- قالت بهدوء وكيف ستجد نفسك ؟
- فكرت بمشروع مهم من خلاله أكون نفسي واسمي واخرج إلى الدنيا ليس متكئا على أبي الذي يريد ان يسلبني إرادتي ويعطيني ملايينه، انا ارفض تلك الملايين فقط اطلب قرضا .
- وما هو مشروعك يا عزيزي ؟ قالت كيتي مستعطفة ؟
- شركة سياحية ابدأها صغيرة لتنمو وتكبر، لقد عشت حياة سياحية حقيقية واطلعت على الأرباح الطائلة التي يجنيها اصحاب الشركات وانا واثق ان أباك سيثور ويلعن، لكن مشروعي هذه المرة ليس كالسابق . اما ان يصر على ان يجعلني احدى آلاته في احد مصانعه فذاك ما أرفضه بل سأهرب ثانية ولن أعود أبدا . قالت خائفة :
- حذار ان تكرر هذا التهديد امام أبيك .
(( مسكين أبي هذا داني الذي يتمناه امتدادا لحياته ليجد نفسه فيه  ينمو ويكبر ويوفر له كل شيء لكنه لا يختار من هذه الحياة الا فأسا يسلطها على جذع عائلة فورستر والجذور هزيلة هيهات ان تنبت فرعا جديدا، شجرة يتصورها وارفة ستغطي العالم وجذورها تزحف تحت مدن ومزارع امريكا تقتحم البحار والمحيطات لكنها في الحقيقة تكشف نفسها بمنظار داني فرعها الأصلي وهو يمسك الفأس ليقطع الأصل، داني يهرب ليخط لنفسه اسما جديدا، اية عقوبة قاسية تنتظر أبي عن جرم لا يعرفه، لمن يلجأ الى أمي التي تفتش عن حياة تصنعها لنفسها ام يلجأ إلي انا المقعدة التي لا تتعدى قواها حدود مقعدها . كم أنت قوي يا أبي لذلك يجب ان يعود داني يوما او قد اقف على قدمي لأعوضك فأكون ذلك الجذع القوي لا الفرع الهزيل واحمل ثمارك واحقق أمنياتك المتأخرة، هيا يا أبي وانظر في طلب ابنك واجعله يستنفذ كل تمرداته بخيبات بسيطة لا تؤدي الى دماره  )) .
-   ماذا تقول يا عم آدم لا يمكن ان تقف هكذا صامتا .
-   ليتني أستطيع إقناع أبيك او ضربه لأحمله على الموافقة وداني لا يطلب شرا ومحاولته هذه افضل من حياة التشرد التي تبعده عنا .
صاح داني مسرورا : صدقت أيها العجوز الطيب ليته ينظر الى الأمور كما تفعل أنت .
- ان وعدتني بأسلوب يريح أباك سأحاول بكل جهدي على الاقل ان تبدي حسن نواياك وتعطيه شيئا من الحب الذي لم يشعره منك . قالت كيتي باندفاع :
- صدقت يا عم آدم أعط أبانا على الاقل بعض الأمل .
- أنت واهمة يا عزيزتي، كولبي فورستر أذكى من ان يقتنع بتلك التفاهات التي تزينونها، أبي يراني صغيرا على مبادئ العمل التي يحاول تلقيني إياها ان مقياس النجاح عنده هو ما أحققه من الزيادة في أمواله، والمال عنده مصدر كل الامنيات مصدر الحب والسعادة والأحلام الذهبية ومن يمتلكه، يحق له ان يدعي امتلاك تلك الأمور، انه لا يسمح ان ابتدئ من الصفر لأنه يكرر دوما (( لقد وصلت القمة وما عليك الا ان تبدأ من حيث وصلت )) هذه هي نقطة الخلاف بيننا ما تقول يا آدم ؟
كانت الحيرة تشد لساني لان كليهما كان يقول الحقيقة التي أخشى الاعتراف بها لانها تصيب كولبي بخيبة قاتلة، لم يبق أمامي الا ان أعالج التعيسين بالحب .
انتبهنا على طرقات خفيفة على الباب أسرع داني يفتحه لأنه كان قد أوصده من الداخل فإذا بها نانسي فوجئت المرأة بوجود ابنها وصاحت : داني ! عزيزي أنت هنا وانا أتحرق شوقا إليك، الا تعلم ان القلق الذي تزرعه في غيابك يكاد يفترسنا اسأل آدم، لقد توسلت اليه كثيرا ان يجعل أباك يغير من أسلوبه معك .. هيا اخبرني متى عدت، كنت سأكلم كيتي عنك فلدي الكثير الذي أتمنى قوله . وراحت تتشبث بالشاب تسحبه خلفها الى حيث تجلس ابنتها والفتى منقاد بسبب المفاجأة لكنه لم يبد أي ميل للترحاب بأمه فقط كان يهز رأسه ويتمتم ببضع كلمات لم تسمعها، حين وصلت نانسي الى المقعد انحنت على ابنتها وقبلتها قائلة : أراك مسرورة يا صغيرتي لابد ان عودة داني تحمل معها السعادة لنا، ان وجودك يا عزيزي سينهي مشاكل كثيرة هيا اخبراني عما كنتما تتحدثان به ام كنتما تتآمران مؤامرة حلوة .
كان صوتها مرتفعا اول الامر وكلماتها تنطلق سريعة وهي تنظر نحو كيتي ثم الى داني وبين وقت اخر تستنجد بي بنظرة توسل راجية تأييدي لكنها لم تلق منا سوى الصمت وكأنها دخلت موضعا غريبا بالخطأ ولم يستقبلها احد، لان كيتي لم تستجب الا بابتسامة صفراء حزينة اذ راحت تنظر الى بقعة صغيرة من الطين تركها حذاء امها ربما كانت تفكر من أين حمل الحذاء ذلك الطين ترى هل كانت تلهو مع سيمون الفرنسي، دارت ألام حولها بريبة بعد ان نفذت كلماتها وراحت تتوسل بعينيها ويديها وبشفتيها المرتبكتين أخيرا توجهت نحوي ممسكة بيدي .
– ماذا حصل أيها الرجل الطيب هل يؤلمهما قولي ؟ هيا قارن كل أخطائي بإحدى حماقاته المتكررة يوميا، اخبرهم بالذي حصل على المائدة هل كان بسببي ثم تذهب الى داني الذي يوليها ظهره وتستمر بالكلام ملهوفة : اسألهم يا داني من هو السبب في كل هذه المشاكل قل يا حبيبي ان أمك ليست السبب وأنت يا كيتي علام صمتك فأنا أتعذب .
كانت كيتي لا تزال تنظر الى بقعة الطين التي وجدتها تكبر وتكبر كأنها تغطي مساحة واسعة قلت مستدركا : هوني عليك يا سيدتي .
-   إياكما يا صغيري ان تشغلا نفسيكما بمشاكلنا نحن الكبار فقد كانت لنا حياتنا من متع ولهو وساعات نكد وتعاسة ربما ازدادت مؤخرا ولكن ليس لتلفكما معنا قل يا آدم أنت من يهمه أمرهما كما يهمنا . قلت بحنان :
-    اطمئني يا سيدة فورستر حتى الان لم يلقيا أباهما بل انهما يخططان لذلك .       
-   ساعدهما يا آدم مهما كان الطلب ما داما متفقين عليه وانا الاخرى سأبذل جهدي .
-   وهذا مصدر شقائنا يا أمي انا ابن كولبي فورستر وهذه ابنته وأنت زوجته وحتى الان لا نثق ببعضنا ولا بأنفسنا ولا نثق بانتسابنا لرجل يكاد الخيط الذي يربطنا به يتلاشى، من هو السبب طبعا لسنا نحن انا وكيتي لاننا وعينا على المشاكل تحيط بنا .
-   ومن حملكما ذنوبنا أرجو الا تنشغلا بتلك الخلافات السخيفة اخبريه يا كيتي أنت توزنين الأمور بحكمة .. أنت صامتة تائهة بعيدا عنا، الست قانعة ام تتهربين من أمك كأنك تعاقبينها ؟ لا اعلم ان كنت استحق هذا العقاب . كم سهرت عليك وكنت سعيدة بك هيا اخبرها أيها الرجل الطيب، أنت تظلمينني ان ألقيت كل اللوم على أمك حاشا ان اغضب منك حتى ان فعلت فقط احزن واختزن حزني .
كان داني يضع يديه في جيب بنطاله ويسير حول الغرفة كأنه لا يسمع حديثا او ينظر ببرود وكأنه أستاذ يصغي لدفاع طالبة خائبة تدافع عن فشلها، وكيتي لا زالت تنظر الى بقعة الطين هي اعجز من ان تتناول قطعة قماش تبللها وتمسح البقعة ترى أخاها يفكر بأمر بعيد، امر يخصه وحده يتمنى ان يفكر به الحاضرون وهي تتمنى ان يكون واثقا من نفسه، وأنت أيها العجوز ما بك تحولت إلى قالب ثلج ليس من عادتك ان تبقى صامتا أنت من يقاطع كولبي الذي لا يجسر احد على مقاطعته، ما بالك تقف متفرجا كأي غبي لا يعنيه الامر شيئا ولا تظهر على وجهك اية علامة، والمرأة التعيسة تستغيث مستنجدة بك وأنت صامت . صرخ داني بقسوة :
- هل هذا كل ما اجده عندكم كلام طيب وعواطف رقيقة وكل يفكر بمشاكله التي تطوقه سحقا لنا بأنانيتنا نحن اتعس عائلة على الارض، هذا الذي يجعلني اغرق في يأسي وأتشبث باية ريح تقذفني خارج دائرتكم .
تصرخ أمه بألم : داني ! وهي تحاول ان تطوقه بذراعيها لكنه يتخلص منها بخشونة وهو ينظر اليها نظرة كره، تذهب ذليلة الى حيث مقعد ابنتها فتسحب كرسيا تجلس منهارة اما داني يقول بسخرية : علام حزنك يا أماه وهناك قطتك تنقذك من هذا الانقباض والاخر له كلبه يسلي وحدته انهما يملأن عليكما البيت، وربما حتى الفراش . أوَ تجرؤ أيها العجوز ان تعاتبنا على موقفنا تجاه والدينا وأنت تحاول ان تزرع فينا العاطفة ولكن ماذا سيكون لونها ؟ توجه داني نحو الباب حاولت الإمساك به دفعني بقوة ترنحت بينما ظلت كيتي صامتة تنظر الى بقعة الطين التي راحت تتوسع بشكل غريب وكأنها مستنقع كبير تستوعب الغرفة راحت تتحرك على كرسيها ، فجأة صرخت : انا اغرق يا أماه، كلنا نغرق، المستنقع يبتلعنا الطين الوحل يا عم آدم .
أسرعت نحوها كما قامت نانسي وهي تطوق رأسها، قلت بصوت هادئ : دعك بعيدة عن دائرتهم يا صغيرتي، أنت معي خارج حلقتهم كل له أخطاؤه اما أنت فلا زلت نقية لا أحد يجرؤ ان يحملك أخطاءه .
- بل انا تعيسة يا عم آدم . اعتصر قلبي وانا أناشدهم في داخلي (( تجملوا بالصبر أيها التعساء واتركوني امضغ تعاستي على كرسيي، حولي من أسباب السعادة لكنها تصطدم بهذا المقعد المقيت، ليتني امتص تعاستكم على الاقل لكان ذلك يحررني من عجزي هذا .


38
(( 3 ))

دخلت نانسي للمرة الثالثة ووجدتني جالسا انتظر كولبي قالت مبتسمة وهي تمسد قطتها : الا تمل الانتظار يا عم آدم ؟ ليتني امتلك شيئا من صبرك .
(( مسكينة هذه المرأة .. وأنت أيها العجوز افتح عينيك لتنظر او تحرس حاجاتهم .. أيها الرجل الذي لم تكتشف حتى اليوم موقعك وأنت تحفر في الارض الصعبة مواقع لأقدام الآخرين ليسيروا باطمئنان .. كفاك ترحل بعيدا عن موقعك الواطئ وكأنك تمتلك مفاتيح بوابة العالم .. لكنني بالفعل امتلك مصباحا في ذهني يكشف عن خبايا هؤلاء الناس بعريهم أمامي . وهذا يعذبني .. أنت يا نانسي الهاربة من زوج تكرهينه وتنصرفين الى قطة او الى اي عابر في حياتك تجلسين قرب زوجك وأنت ابعد ما تكونين عنه ربما تتمنين ان يكون موقعك في كوكب يسير في مجرة اخرى .. مصباحي اللعين يعذبني لأنه يدلني على أشياء ليست بيدي كأن أرى كولبي ونانسي في حي فقير، كولبي يعمل في منجم ونانسي في عنبر للملابس القذرة في احد الفنادق الرديئة سعيدة مخلصة لا تمل العمل، يعودان منهكين لا يجدان القوة في الخصومات ولا وقت للتحدث عن مشاكلهما، يتجاهلان فرق العمر والمال والجمال فقط يشعران بالرغبة في الحياة ليعوضا عن الموت البطيء الذي يلاحقهما ويتشبثان بالنسيان عن طريق الحب، والحب يشفي جراح البائسين ثم تتحول الرغبة الى شوق يلفهما في نشوة حب يوهمانها، فيمر اليوم الذي يسرقه الزمن من عمرهما وهما مندمجين أنهكتهما اللذة ويروحان في إغفاءة الحب التي تغسل التعب والمشاكل في فراش واحد وغرفة واحدة فهما لا يمتلكان ما يمكنهما من تأثيث غرفتين ولا حتى سريرين يفرقهما )) ترى الا يتمنى كولبي هذه الصورة .
لكن كولبي يكفر بمصباحي هذا ويضحي بساعات الحب والسعادة ويريدها على طريقته .    - الحب والسعادة عنده يريدهما في حقل حلم به وحققه بصراعه .. الصراع دوما .
- لقد تجاوزت الساعة الثالثة والنصف يا عم آدم ترى ما الذي اخر كولي (( كولبي )) .
وعادت تلاعب قطتها التي وضعتها على منضدة صغيرة تفصل مقعدها عن مقعد زوجها الذي يتصدر مائدة طويلة .
- أكد الخادم انه قادم ، ربما لا زال في غرفة ابنتك او ربما استوقفته الآنسة ليخرجا سوية
وما ذنب طومسن المسكين الذي لا زال ينتظر وهو دائم الانشغال .
قالت هذا وهي متبرمة، ترى مستر طومسن قادما يقوده ريدي الى مقعده وهي تكره تقاليد وجبات الطعام حين يحضر أي ضيف ووجوب حضورها لتكتمل مظاهر العائلة الناجحة المستقرة كانت نانسي تهمس في داخلها (( دوما يحاول ان ينفرد بها كأننا نقتسم الأولاد لم يفكر يوما كرب أسرة كريمة يجمع أفرادها سوية ))
وظهر مستر كولبي فورستر يدفع مقعد كيتي وهي مشرقة الوجه تلاعب الكلب الصغير روكي نظرت ألام ابنتها فرحة اشرق  وجهها هي الاخرى لكن الإشراقة انطفأت لحظة رأت زوجها سعيدا وما ان وصل الموكب الى المائدة حتى أسرع كولبي الى زوجته قبلها قبلة سريعة، كأنه يؤدي واجبا لابد منه ثم استدار نحوي واومأ بإشارة لم افهمها لكنه قال : مرحبا يا عزيزتي ربما تأخرنا اليوم، ثم الى طومسن : ايضا اعتذر يا طومسن لقد تركناك تنتظر طويلا .
قال طومسن : أبدا حضرت قبل لحظة . ابتسمت كيتي لامها التي اقتربت من المقعد وقبلتها قالت كيتي : نهارك سعيد يا ماما لم أرك صباحا ونهارك يا مستر طومسن .
قالت نانسي : ما أحلى وجهك يكسوه الفرح يا عزيزتي هل تصدقين ؟ انه يضيء هوني لاند .
-   انه بابا الذي روى بعض الأخبار والحكايات المضحكة ليتك كنت معنا مع ذلك لقد حفضتها سأرويها لك . أسرع كولبي الى ابنته وقال :
-   - ومن يسمح لك أيتها المهملة ان تفرطي بأسرار أبيك.. انها لك فقط . أجابت نانسي وهي تتظاهر الكدر : هل رأيت يا عزيزتي هذا أبوك دوما يحاول ان يبعدك عني .
تسلم كولبي كلبه من كيتي وأسرعت اليها أساعدها للانتقال الى المقعد يسار ابيها جوار طومسن امر كولبي ان يأتي احد الخدم بمنضدة صغيرة وضعها الى جوار الاخرى التي تستقر عليها قطة نانسي وضع كولبي كلبه على المنضدة قريبا من القطة توقعت أمرا سيئا .. كان ممكنا ان يضع الكلب الى الجانب الاخر .. لاحظت قلقا في عيني نانسي وهي تراقب قطتها التي انكمشت ثم راح شعرها ينتصب .. قالت نانسي وهي تحاول ان تبدو رقيقة :
- كيف تفعل ذلك يا عزيزي وأنت تعرف ان روكي لا يكف عن مشاكسة لوسي الجميلة ؟
- ان كنت خائفة عليها ضعيها في مكان أمين .. ثم ان روكي مؤدب ورقيق وليس بخبث قطتك ألم أشبهه بالملاك يا طومسن .. انظري .. انظري كيف توسعت عيناها وانتصب شارباها وتحفزت للهجوم، هذه علامات عدوانية .
بالفعل بدأت القطة تتحفز والكلب راح يحمحم وقد انتصبت أذناه وارتفع ذيله . قالت الزوجة
- أحذر يا روكي .. انظروا انه يحاول ان يهاجم ؟ قال زوجها مبتسما وهو يراقب استنفار الحيوانين :- بل دعيهما يتسليان في الحقيقة انه يحبها
ودفع الكلب نحو القطة المرعوبة والتي رفعت احدى قوائمها وبرزت مخالبها وارسلت شعرها الأسود غزيرا منتصبا مما ضاعف حجمها وأطلقت مواء غاضبا وقد انفرج الفم الأحمر عن أنياب لا تتناسب مع حجمها قال فورستر وهو يلاحظ ذلك :
- ارأيت كيف تغلب عليها طبعها العدواني انها الان جاهزة للشجار بل للانقضاض انظري بشاعة منظرها ما أسرعها الى طبعها الوحشي . أخذت نانسي قطتها ممتعضة ووضعتها في حضنها وهي تقول باحتجاج :
- انه الخوف يا كولبي مسكينة انها ترتجف رعبا لقد كانت تدافع عن نفسها .. هيا يا صغيرتي قد لا يرحمك هذا الكلب الغادر يوما، الأفضل ان تبتعدي عنه .
قالت كيتي ضاحكة وهي تحاول ان تجعل الموقف مزحة :
- حقا هي تسلية ممتعة يا مستر طومسن ماذا لو تركتما الامر لي يا أبي .. انا باستطاعتي ان أوفق بينهما ليألفا بعضهما، اما الان ماذا تقول يا عم آدم لو نأخذ كلا منهما الى غرفة صاحبه ليأمن بعيدا عن الاخر .. أليس حلا معقولا ؟                  - انه الحل الصائب .
أمرت احد الخدم ان يحمل الكلب الى موضعه بينما حملت جيرالدين القطة الى غرفة سيدتها وبدأوا بتناول طعامهم وانا أراقبهم يمضغون أفكارا مختلفة تتسرب مع غدائهم وتختزن في داخلهم، رأيت كيتي أكثرهم بساطة لقد عودها كارل ان تطمع في الأحلام وتمنح نفسها الكثير منها، أكد لي مرة ان تلك الأحلام تعطيها الأمل والقوة والعزيمة التي تجعلها تقاوم اليأس، لقد كانت مشرقة لكن غيمة من الحزن غطت وجهها وهي تراقب والديها كأني فيها تقول (( اهو الكلب والقطة مشكلتيكما .. انا واثقة أنكما حتى لو أحببتما حيوانا واحدا لاختلفتما في أفضلية اية من قوائمه او عينيه او اية نقطة فيه .. ما بالكما انا أمامكما بحاجة الى حبكما اكثر من تلك القطة وذلك الكلب، لكنكما تصران على هجر كل شيء يربطكما لترحلا خلف القطط والكلاب .. انا أشفق عليكما ، كلاكما مظلوم وغبنه من نوع خاص أنت مظلوم يا أبي لان طريقك يعبر بسرعة وأنت لا زلت تمتلك اطماع الشباب لكنك تنهار حين يحاصرك عجزك عن امتلاك شيء هو لك كمشاعر أمي وعواطفها، وأنت تراها تبددها هنا وهناك وأنت أحوج اليها .. اما عواطف أمي في الحقيقة ما هي الا بقايا زورق تحطم وسط الموج الذي لا زالت تقاومه هي الاخرى مظلومة دخلت قدرها برغبة ولهفة طامعة بالشهرة والرفاهية، لكنها اليوم مستعدة ان تبيعهما من اجل لحظة سعادة حقيقية، مسكينة أمي تاهت خلف نشوة سريعة ثم تبدت بعد ان كنا انا وداني ثمرتها . ثمرة مصابة تالفة رغم ما تحاط بها من زينة .. داني تائه يفتش عن كولبي فورستر جديد خاص به، لكنه لم يكتشفه ولم يكتشف حتى ذاته بفعل سطوة ابي، وانا مقعدة ادفع ضريبة ما جنيت فوائد نسعى إليها انا  وكارل .. انا حائرة هل ابدأ معه رحلة مجهولة ام هو مجرد عابر توقف قربي ليأخذ بيد طفلة سقطت على قارعة الطريق، يوقفها على قدميها ثم يطيب خاطرها بكلمتين رقيقتين ثم يواصل عابرا ام هو مجرد لطف رخيص كما تريد ان تترجمه .. انا خائفة ومظلومة مهما كان شعورك تجاهي يا كارل، لكنني لا أستطيع رفضه فأنا احبك خارج دائرة عجزي وأحييك شمعة تضيء دربي الكئيب ))
رباه كم باتت أفكاري مقلقة أهذا ما كنت تفكرين به يا صغيرتي .. أرجوك ارحمي نفسك ليتك معي وانا ارحل داخل هؤلاء لا أحد يهمه امر الآخرين، هيا فكري بأمك التي تسمينها مظلومة وغوصي في مجاهل افكار أبيك تجدينه يبني ويجمع ويقطع الرقاب ويكدس الاموال بنهم، أنت الاخرى مثلي أنسى ان أفكر بنفسي فانشغل بكم كأني احمل أمانة مقدسة أعطاها القدر السامي، ولا ينفك يحاسبني بينما السؤال ذاته يتكرر من أنت يا آدم .
ويعود المصباح يضيء بشدة .. احترق أيها المصباح الذي يعذبني في متاهات لا تخصني .. لقد آمنت ان مصيري ربط الى مصير هذا الرجل كولبي الذي اختلف عنه في كل شيء .. آدم الذي حمَّلته عمته أمانات وأفكارا كانت جبالا تعترض طريقه في حياته الصعبة البائسة، كانت تقول  حيثما رحلت او حللت (يا آدم يجب ان تطالعك صورة اليسوع وأمه ليدلك على الطريق القويم) .
مسكينة عمتي تجهل إننا خلقنا في عالم كل طرقه تؤدي الى البؤس والقذارة .. كنت صغيرا حين تركتني أمي وهكذا عمتي، ولم اسألها هل يمكن لإنسان بنظافة يسوع وأمه ان يعيش وسط قذاراتنا ؟هذا الحمل الذي علقته عمتي في رقبتي قيد خطوي، بينما كولبي هذا رمته أمه في هذا العالم يحمل القذارة والشقاء ومعها التحرر من كل قيد يحد من خطوه، كان يؤكد:
- ما دمنا مظلومين يا آدم يحق لنا ان نرتكب كل الحماقات، وما كانت تجدي نصائح عمتي وانا أعيدها عليه بل يضحك ساخرا (( لتكن أنت ببؤسك ويسوعك وملائكتك وانا بشياطيني نشق الطريق في هذه الحياة فنكسب الخير والشر معا )) ما آمنت يوما بأفكاره لكنني ايضا ما كنت اقوى على ترك صداقته، سرنا سوية وانا بأفكاري المؤمنة بيسوع وكولبي بتحرره وتنصله من كل القيم ((لا وقت للتأمل يا آدم انظر بسرعة الى العالم يقفز طفرات سريعة واسعة ولا يسير بخطوات وئيدة كما تريدها بل علينا ان نلحق بالآخرين )) ومن اجل تلك الطفرات كان يبرر كل شيء حتى سرقة مومس عجوز، وانا احلم واجعل من حلمي عبادة، بينما كولبي يبادر حالما تومض في رأسه فكرة يجازف ويقول هكذا الحضارة اليوم وهكذا المجتمع ومتطلباته يحتاجان الى رجال ممتلئين بالإقدام، وافلح كولبي في تحقيق حلمه وما كف يسحبني خلفه ويشاركني أفعاله ولا يدع لي فرصة التأمل، ولم تتح لي فرص اسأل عمتي ترى هل مشاطرة كولبي حياته ونجاحاته وكل أخطائه فيها الصواب ام هو شر ؟ كم أخشى هذا السؤال لذلك رفضت ان أكون شريكه في امتلاك أي شيء ، لقد عرض علي الرجل ان تكون لي مشاريعي استغل بها نجاحاتي وانعم بها مسجلا إياها بأسمي، لكنني رفضت خوفا من ان اصبح نسخة منه ووجدت المتعة ان احصر آدم في هوني لاند يصنع فيها الجمال والسعادة وهي تنمو وتزدهر ويترعرع في ربوعها الاطفال حتى باتوا كبارا وراحوا يحاكموننا، يقول كارل (( أنت طوباوي يا أبي ولا يمكن للرجل مثلك في المجتمع الأمريكي ان يجد موقعا )) صدقت يا ولدي انا الان أفتش عن موقعي رغم ان كولبي لا يكف مرددا (( أنت شريكي هنا يا آدم )) مع ذلك لا أجد موقعي ولا اشعر بأكثر من أي تابع أمين يعيش بأفضال صديقه وكارل يكره هذا ، انا لست طوباويا بل اعرف واقع الناس واصل الى دواخلهم والمصباح في قحف رأسي يومض مسلطا الضوء على كل شيء، لكنني لا أتنازل عما يسميه كارل طوباوية كم حذرت كولبي من مواقف معينة لكنه سخر مني وجاءت الوقائع لتثبت صحة تقديراتي بينما يؤكد كولبي (( لو عشت قبل قرون لأصبحت من القديسين الذين نصلي لهم، لكنهم في هذه الايام باتوا خارج اهتمام الناس الذين لا يؤمنون بالأعاجيب )) كولبي يربط كل شيء بالحضارة ويقول حضارتنا مقياسها الأشياء . يوم اصبح كولبي غنيا حين تسلم ميراثه قال لي (( لن ادخل المجتمع الجديد يا آدم اعزل بل يجب ان احمل أسلحتهم )) وحملني ان اواضب معه لمعرفة الكثير عن الحياة الراقية، بينما بقيت اختلف عنه في نظرته الى الإنسانية، هو يصر على ان الإنسانية لا تتحقق الا بتطور الحضارة وانا أصر ان الإنسانية منفصلة عن تطور الحضارة ممكن ان نعيش معها اينما وجد الإنسان، قد تساعد الحضارة والعلم لتفهم مبادئ الإنسانية ورعايتها وكم تجرح الإنسانية باسم الحضارة وتقهر ايضا في ظل تحقيق التطور الحضاري، لقد غضب علي من أفكاري هذه واتهمني بالتخلف وانغمر يقاتل بشراسة من اجل موقعه، كم حذرته من الركض خلف الحضارة القاهرة التي تقوده الى دروب صعبة مزدحمة بالظلم وهو يردد انها الحضارة وطريقها لا يرحم، عاد يوما بعد ان انتهى العمال من وضع اللمسات الأخيرة على القصر الرئيسي في هوني لاند وكانت الاضوية الملونة تظهر هوني لاند بأروع ما يمكن ان يراها المرء، وقف الى جانبي مسرورا ويده على كتفي قائلا ( انظر يا آدم هذه هي الحضارة الست سعيدا ؟ الحضارة لا تنفصل عن السعادة ) قلت له ( وربما عن التعاسة، حضارتك يا كولبي كالفتاة الجميلة تبدو رائعة وقد يكون جمالها فريدا لكنها قد تكون طائشة تسبب المشاكل او مريضة تعدي الآخرين او شريرة تدمرهم او بائسة حطم قلبها وغد لئيم وتركها لتنتقم من الآخرين، اما السعادة فهي الصورة البسيطة النقية التي تحمل العفة والصفاء في داخلها والإشراق في وجهها هي لا تختزن الخير لنفسها وانما تمنحه للآخرين من حولها )) واليوم أعود وافكر بحضارتك وأنت في القمة يا صاحبي ماذا حققت من السعادة أراها احيانا وباء تبثه حولك لتسمم الآخرين ليس من الناس فقط بل وحتى الحيوانات والنباتات تتخذ منها وسيلة لبث سمومك، كان يسوع يحب الإنسان ويمجده ويشبهه بالخراف المسالمة، أرادها بنقاء الملائكة وتضحية الأنبياء وحكمة الفلاسفة . انتم تنظرون الى الإنسان من خارجه، عكفتم تنظفونه وتجعلون فوق جلده افضل الزينات ثم تعطرونه بينما أهملتم داخله، انا الان اقرأ دواخلكم فأرى الوحش المتحفز دوما لافتراس خصمه اقرأ الصراع في أعينكم والخوف في أحاسيسكم، رباه كم أخشى حضارتكم قد يتسبب غضب أحدكم في تحريك وحشه ليدمر ليس فقط المحيطين به، لو تحركت قطة نانسي ودافعت عن نفسها وفقأت عين روكي لتحرك الوحش وتحركت فيك أشياء كثيرة ربما يمتد تأثيرها الى البحار والمحيطات وقد تحل محل صورة القطة المعتدية صورة مدينة او ولاية او دولة، والوحش ماض في ميله الى الانتقام فتذهب المدينة او الدولة ضحية عين روكي ثمنا لخطأ ارتكبته قطة نانسي أعرفك يا كولبي بقراراتك السريعة القاسية رغم انك تدعي انها جريئة وحكيمة ولا يهمك ان كانت مدمرة، اية حضارة هذه التي يتسبب عراك كلب وقطة بدمار دولة او حتى إفلاس شركة . مسكينة كيتي أراها ترمقني بنظرات ذات معنى ترى بماذا تفكر تراها هي الاخرى تملك مصباحا يضيء داخلها لتقرأ أفكاري، نعم عزائي ان كيتي أخذت الكثير مني اكثر مما أخذته من ابيها بل هي اقرب إلي من ابني، ليتك فهمت ذلك يا صاحبي كما فهمت ابنتك .

39
آدم  (( 2  ))

بعد هذا العمر الطويل لملمت صبر كل البائسين وقناعة الانفس العفيفة وكفرت بكل المسرات الملونة بالوان القبح والغدر وادرت ظهري للسعادة التي يدعيها كولبي فورستر صديق العمر والتي يقول عنها (( لايفوز بها الا الجسور المغامر )) بينما اقول باصرار لا يفوز بها الا من يدوس (( وهو قاصد )) على كل من يصادفه في طريقه بينما اخشى انا ان اطيء حتى الاعشاب البرية السعيدة او الحشرات المسرورة التي تُسَبح بلغتها لربها لانه منحها الحياة والبقاء بينما يمضي كولبي يدوس الدنيا بما فيها مؤكدا انها ساحة سباق والجسور ينال غايته قبل المتردد .
هذا انا .. ادم ماتيو واجهل لقب العائلة حيث وجدت نفسي دون اب او ام قبل ان اتعلم اشياء كثيرة عنهما من هنا تبدأ نقاط التباين بيني وبين كولبي لكنها لم تقو على الفصل بيننا ، عشرة طويلة فيها العلقم والظلام اللذان كثيرا ما ضيعا  طريقنا وفيها الاخلاص الحقيقي ، اشعر الرضى والنعمة بينما يتمرد كولبي عليها دوما وهو يبرر ذلك كوني اسود نلت اكثر مما كنت اطمح اليه بعد تلك الحياة الصعبة ولانني تزوجت من امرأة بيضاء احبتني واسعدتني رغم ماضيها السيء، لكنها اعطتني ولدا وابنة لا زلت سعيدا بهما فازا بموقع حسن بين المعارف ما كنت لاحلم به وانا في عمرهما في هذا العالم المزدحم بالمتنافسين على الاماكن الجيدة، كأن الدنيا جذع شجرة بائسة في يم عظيم حوله الاف المتشبثين كل يقاتل ليفوز بموضع يتعلق به . بقيت مع كولبي احمل اخلاصي نصارع الحياة سوية امهد له الطريق مع ذلك اراه يلتفت احيانا نحوي يغبطني (( انت افضل مني يا ادم لقد غلبتني فاخترت الجانب السهل من السعادة بينما جئتها انا من الجانب الصعب، في الحقيقة انا من روض السعادة بعد ان كانت بالنسبة لنا مهرة برية جامحة متوحشة وحين رضخت جئت انت وركبتها بينما انشغلت انا في اعدادها ومسابقتها  )) ضحكت من قوله وهو المالك لكل شيء هوني لاند بارضها وناسها .. هذا هو كولبي صديق العمر ويوم يسألونني من انت احتار مترددا فلا جواب عندي، هل انا ابن هوني لاند شريك فيها ام خادمها ؟ قد نختلف انا وكولبي في فهمنا للسعادة هو يملك البلايين وهوني لاند وزوجة لا زالت تحتفظ بطراوتها وجمالها نانسي التي تصغره بخمس وعشرين سنة وابنه داني الذي تجاوز الحادية والعشرين وكيتي التي تكبره قليلا والتي كان يمكن ان تكون اسعد فتاة لولا نكبتها بسبب السعادة التي تمناها لها ابوها، حين اهدى لها مهرا جميلا واصر ان تركبه ليجمح بها فتقع مصابة بعوق في العمود الفقري مخلفا اياها مقعدة على مقعد مقيت .
نحن في هوني لاند كالحشرات القذرة وسط الازهار الجميلة، لكل منا همومه ومشاكله التي لا تتناسب والدنيا المحيطة بنا بطبيعتها الرائعة، لايمكن للعين ان تنظر غير الخضرة والوان الزهر البديع لوحات رسمتها ايد ماهرة في فن الحدائق والساحات والمسابح ومأوى الحيوانات وحضائر الخيول، بديعة في تناسقها ونظامها اما مجاميع الكلاب فلها عالمها الخاص لان هذا السيد يخص الكلاب اهتماما خاصا ولع بها منذ طفولته حين كان يفتقد عطف الوالدين والأهل فوجده عند كلب صديق ويقول مازحا (( لقد تربيت مع كلب وثقت من حبه وصداقته قبل صداقتي لادم ))  .
رغم ان كولبي يقضي معظم وقته خارج مملكته هذه الا انه يشرف بنفسه على حياة حيواناته ويعاقب بشدة من يهمل او يقصر بحقها ولا يكف القول (( اسمع يا ادم اياكم ان تقصروا في جعل هوني لاند عروسا ازلية لانها عروسي تبقى في ربيع عمرها حذار ان تبدو عليها مظاهر الشيخوخة وهكذا ابناء هوني لاند من خيول وكلاب ))   .
وصل ريدي حيث اقف وانتظر سيده الذي تقدم وخلفه طومسن
- طومسن ؟         
- سيدي .                 –أنت  تقصد المكتب حالا ساكون عندك .
ووقف مشتولا امامي يفاخر بطوله الذي لا يتناسب وقصر قامتي وكاننا في لعبة المقارنة
-اهلا بالعجوز الذي يذكرني بشيخوختي
ابتسمت له دون ان اقول شيئا ودخلنا سوية، في غرفة المكتب امر كولبي سكرتيره الخاص ان يجلس على الته الكاتبة  قال له بصرامة : هيا اكتب .           
– نعم سيدي .
تتصلون بمجموعة البرلمان  برت ودونالد وتوماس وترتبون لقائي بهم خلال اليومين القادمين . انت يا طومسن تذهب غدا وتحضر اجتماع شركة الطيران (( ل . ن . س )) لن احضر ذلك الاجتماع، تجد الملف الخاص بالاجتماع في درج المكتب بعدها تبلغني، سوف لن اغادر هوني لاند غدا .
-   إجازة طارئة سيدي ؟ ارجو لك وقتا ممتعا مع عائلتك .
-   عائلتي ! ؟
 (( هوني لاند عائلتي ايها الغبي المخلص،  ومن فيها من اناس هم بؤس وحزن، أعطيتهم كل شيء لكنهم جاحدون وباصرار يديرون وجوههم بعيدا عن العجوز الى حائط اخر .. هذه زوجتي مع قطتها وجدت في صحبتها عبورا الى هجر يفصلني عنها قناع قاتل .. من بعدها ؟ داني ولدي الذي تمرد بروحه ورحل قبل ان يصل شواطيء فورستر التي تعبت على اعدادها مرافيء دافئة له، انه الان يتكبر بحماقة وغباء ويدعي انه يكمل اعداد نفسه وتكوينها كما فعل ابوه . مسكين ! ..  انا واثق انه سيعود يوما ولكن متى، بعد ان يشرب من بؤس الحياة مرها وقد يتحطم في الطريق لانه لا يملك عود أبيه الذي نشأ وتربى في البؤس، قد لا نستلم منه سوى الحطام .. من بعد ؟.,. كيتي الحبيبة الرقيقة، زهرتي التي وضعت فيها كل الاحلام والامال لتزين حياتي فأعوض عن امها، التوى عودها لاتجرع مزيدا من العذابات ولم يبق الا امل ان تعود لي صحيحة .. هي الاخرى بدأت تهاجر بمشاعرها وفكرها بعيدا عني مخلفة العجوز بصراع لوحده .. لوحدي يا طومسون ايها المُخلص ! لا أحد يتمنى لي اوقاتا ممتعة مع عائلتي .. لوحدي اجمع الملايين ابني لهم مملكتي وكل منهم في طريقه لاه وفي اهوائه منغمر، مع من اقضي عطلتي يا مسكين ؟.. اه نسيت العجوز الاخر ذلك القزم الممتليء ادم الذي لا يمل إخلاصه، رفض الحياة خارج دائرتي وحده الذي يفهمني ووحده الذي يحاكمني ويذكرني بماضي .. لذلك تراني اميل الى تلك المخلوقات الاليفة حيواناتي احبها واثق بها لانها تعطينا دون ان تطالب باكثر من ودنا ولقمتها .
تثاءب كولبي وظهرت تراكمات السنين جلية واضحة على وجهه وهو يقصد اقرب مقعد وما ان استقر عليه حتى قال للرجل الأسود الضخم : كيف تسير الأمور يا ريدي ؟
- كل شيء على ما يرام سيدي .                – حال الكلاب ؟
- ايضا على ما يرام اخبروني ان لوسي الجميلة ولدت اربعة جراء أحدها مات بعد الولادة مباشرة والبقية بصحة جيدة .
- ايضا الغبي رامون .. لابد انه أهمل امر الكلبة وجرائها .
قال ذلك وهو يوجه خطابه إلي، أجبت
- أبدا يا كولبي لقد بقي ساهرا معها ليلة البارحة حتى الصباح الباكر وقدم لها عناية كبيرة .
- هل قابلت نانسي اليوم ؟
أجاب ريدي : ايضا غادرت، ربما عادت متأخرة.   
قلت موضحا : لقد عادت منذ ساعتين .             
- وحدها ؟
- بل أوصلها مستر سيمون روبسن بسيارته ثم غادر ثانية .
-   أنت واثق ان الكلبة والجراء بحالة جيدة يا أدم ؟
- تراها ترضع الان بنهم .                    - وروكي ؟
-   لقد أخذته في جولتي الصباحية الى الساحات وهو اكثر سعادة منك هل يحضرونه لك ؟
-   بل سأذهب بنفسي لأتفقد الكلبة لوسي ومن ثم أخذه معي، اما أنت يا طومسن فأفحص البريد جيدا وافرز الأمور المهمة، هيا يا أدم نقوم بجولة رغم تعبي انا متلهف لرؤية الجراء .
وخرجنا سوية يتبعنا ريدي الضخم . هناك بيوت متسقة تصدر منها أصوات عديدة لكلاب مختلفة بالشكل والحجم بعضها كلاب صيد أصيلة رغم انها لم تخرج يوما لتؤدي واجبها والبعض الاخر لها أشكال غريبة نادرة . وفي غرفة صغيرة اضطجعت كلبة ضخمة مسترخية يلتصق ببطنها ثلاثة جراء ترضع بنهم لاطفها كولبي ثم رمى بالتحية الى الرجل الواقف جانبا وسأله : كيف تجد صحتها وصحة صغارها ؟
- انها بحالة جيدة سيدي لقد أجريت لها الفحوصات الكاملة .
خرج وكنت خلفه لكنه التفت الي وقال : اصرف له مكافأة يا أدم وأنت يا رامون رابط قريبا منها اذ يبدو عليها الإعياء .
وما ان سرنا قليلا حتى كنا امام مأوى منفصل متميز عن الأقفاص الاخرى . وقف كولبي وهو ينادي برقة ثم أشار الى ريدي : اخرج روكي سأحمله معي الى القاعة .
وما ان انفتح باب المأوى حتى قفز منه كلب صغير لا يكاد المرء يتبين قوائمه من فرائه وكأن رأسه بكبر جسمه انحنى كولبي ليقفز الكلب بين ذراعيه وراح يضرب برجليه الأماميتين صدر كولبي وهذا يداعبه ويضمه الى صدره منتشيا، قال فورستر :
- يبدو اسعد منك يا أدم .
- لكنه يحمل طوقه في عنقه يا كولبي أنسيت ذلك .
نظر كولبي الى الطوق وتلمسه ثم راح يمسح على الفصوص الجميلة التي تزينه وقال بحزن
-   ومن منا لا يحمل طوقه وان كان لا يبدو للآخرين .
لم اقل شيئا وانما صرخت في داخلي (( مهما فعلت أيها المسكين ومهما امتلكت وتجبرت فأنت من يشعر بثقل طوقه الذي لا تعرف حجمه ونوعه كما اعرفه )) عدنا الى القصر وكولبي منصرف الى كلبه الجميل . في المكتب كان طومسن لا يزال يعالج بعض الأوراق جلس كولبي على حافة المكتب الضخم وكلبه بين ذراعيه وراح يتفحص بعض تلك الأوراق بينما قدم له طومسن ورقة من بين عدة اوراق .
-   أرجوك الق نظرة على هذه .
-   انها من جنرال موتور . أين كانوا. لماذا تأخروا ؟ ألم تستلم تقريرهم ؟
-   استلمته وأودعته ملف الدراسات اما هذه فهي مرسلة بالبريد العادي .. الأوراق الباقية سأكمل دراستها .
راح كولبي يطلع على كل مجموعة من الأوراق بإلقاء نظرة عابرة بينما بقيت انا أراقبهما وسؤال محير يفرض نفسه (( من أين لهذا الرجل ان يتابع كل تلك الأمور وكيف لا تضيع حياته الخاصة حتى طعامه وشرابه وسط هذا الزخم من المهمات والأعمال، لا اعتب عليك يا صاحبي ان لبسك الجمود بعض الساعات بل حتى لايام )) امسك كولبي بذراعي معاتبا بحدة : انظر يا أدم الى تلك الكومة من الأوراق كلها تخص عمل ذلك الثعلب الفرنسي سيمون وهي ملحة هذا تقرير عن الملاكم مولي الذي أوليته أهمية كبرى، هذه اخرى تخص الخيول التي تم شراؤها وتحتاج الى تدريب وترويض، تلك حول الساحة الخلفية وصيانة المسابح، وهذه اخرى طلب لتزويدنا بغذاء للكلاب كلها اوراق يتطلب دراستها وإنجاز ما فيها قل يا أدم شيئا ام أراك تصلي من أجلهم ؟  التفت نحو ريدي الذي انتصب كجذع شجرة ضخمة لا تحركها الرياح وقال : اذهب أنت وابحث عن ذلك المحتال واحضره حالا .
- سألت عنه يا سيدي فأخبروني انه عاد الى المدينة .           
- ماذا ! رحل ؟
- بعد ان أوصل سيدتي . (( الكلب ! كأنه موظف عندها يعتني بها ولا تهمه أمورنا .. كان يجب ان افقأ عيني تلك المرأة لأحيلها مومسا عوراء واطلقها في شوارع المدن تحوم مع الكلاب السائبة .. بل سأجعلهما يندمان على حياتهما .. لا اعلم كيف يحتفظ البعض بالرحمة تستولي على مشاعره، انها شيء من الضعف بل الجبن بذاته لابد انهما يسخران مني في خلوتهما ))
قال بصوت واضح : اسمع يا ريدي تخرج الان وتقابل سيدتك وتفهم منها أين ذهب ذلك الرجل تتصل به او تذهب بنفسك وتحضره مهما كلفك ذلك .
-   نعم سيدي . ويخرج مسرعا .
-   ما بك تنظر الي هكذا يا أدم كأنك تحاكمني، ان كنت مصلحا او نبيا هيا مارس مهمتك، وأنت يا طومسن ماذا تبقى لك ؟ تململ طومسن كأنه يعود من غياب .
-   فقط هذا التقرير حول ناقلات النفط الى الشرق الأوسط والمفاوضات الأخيرة، انه يحتاج الى رأيك واخيرا هذا تقرير النسر الذهبي لا اعلم لماذا أرسلوه الى هوني لاند .
تسلم التقرير الاخير بفرح مفاجئ وقرأه ثم طواه ووضع الورقة في جيبه باعتناء وهو يقول :
رائع يا طومسن تكتب الى النسر الذهبي انا بحاجة لأقابل مستر ( س 3 ) يأتيني غدا، ان كنت غائبا ينتظرني في الاستراحة حتى الواحدة وأنت يا أدم قل لهم ان يستقبلوه .
قال طومسن : ولكن حتى غدا سيدي ؟ لا يمكن قبل الواحدة .. هل نسيت موعدك …
- أوه نسيت ليكن الساعة الرابعة بعد الظهر .
يعود ريدي يحمل جموده ويقف باستعداد جامد : سيصل مستر روبن في خلال الساعة .
- حسنا اذهب واخبر سماتا ان تحضر لنا القهوة .. ايضا اخبرهم ان طومسن سيشاركنا الغداء كم الساعة يا طومسن  ؟                   - الواحدة وسبع دقائق .
- إذن هيا يا صديقي العجوز وأنت ايضا يا طومسن ما دمت باقياً لتحصل على فنجان من القهوة وأنت يا ملاكي (( يربت على رأس روكي )) قل لي يا أدم هل حقا ان الملائكة يرتدون دوما حللا بيضاء ناصعة ؟ يلتفت الى طومسن الذي يبتسم ويقول : ما بالك تبتسم كأني أقول كلاما سخيفا بالتأكيد أنت لم ترى الملائكة ولا انا لكننا رأينا صورهم وتماثيلهم في الكنيسة وسمعنا قصصهم من رجال الدين .. وهذا ؟ انظر اليه (( ويشير الى الكلب الذي يحمله )) أي بياض ناصع يلبسه وانا واثق انه يملك قلبا ناصعا كفروته .. هيا يا روكي قل لهم انك من الملائكة .. هل أخطأت يا أدم اخبرني هل يجوز ان يخلو عالم الملائكة من الكلاب الطيبة ؟ ان كان خاليا فعالمهم ناقص وممل .. أتراني اكفر .. انا مؤمن ان العالم الاخر كامل وشديد الكمال، إذن الكلاب موجودة عندهم، أولا يمكن ان تكون روح من أرواح تلك الكلاب السماوية تقمصت جسد روكي في الحقيقة أشم فيه رائحة سماوية لاحظ هذه الالفة والمحبة تطلان من عينيه ووجهه، هل قرأتهما في بعض الوجوه من البشر ؟  قبل ان نصل قاعة الجلوس يصرف ريدي لينصرف الى شؤون اخرى ويجلس هو على أريكة وغير بعيد يجلس طومسن حاولت ان اخرج استوقفني لأشاركهم القهوة والكلب لا زال في حضنه .. تدخل خادمة بدينة في الخمسين من عمرها تتكلف الوقار وتحي بأدب : ابلغني ريدي ان لنا ضيوفا .
انه المستر طومسن وقد عهدتيه ذواقا في الموائد العامرة .
-   اطمئن يا سيدي ستكون المائدة جاهزة في موعدها . وقد اخترت لك .. قاطعها
-   اعلم أيتها العجوز السمينة، وإلا لماذا فضلت المطبخ مكانا .. هيا أسرعي ولا تتفاخري أنت وطباخك الغبي انا جائع وصحتي جيدة بإمكاني ان ازدرد الحجارة ايضا .. قبل ان تخرجي اخبريني ماذا تفعل كيتي الحبيبة ؟
-   تركناها قبل قليل تعزف البيانو .         
-   – ألم يأخذها ذلك الشاب المغرور الى النزهة .
وكان يقصد بقوله ابني كارل نظر الي ليرى ما أبديه لكنني لم افعل شيئا . قالت العجوز : لقد خرجا في الثامنة وعادا في التاسعة والنصف .. لقد كانت سعيدة يا سيدي ليتك كنت هنا لترى سعادتها .
-   انظر يا طومسن ، العجوز اللئيمة هي ايضا مثل أدم تغيضني كأنني أغار من سعادة ابنتي لكنني اعرفهما، انهما يخدعانني لان كيتي تعيسة وانا تعيس لتعاستها .. مسكينة ابنتي الصغيرة . قالت العجوز متوسلة ؟
-    أرجوك سيدي لا تتحدث عن التعاسة امام عزيزتنا كيتي .. فعلا ان هذا الشاب يدخل السرور الى قلبها .       
-   - حسنا حسنا . الى طومسن : ذكرتني جيرالدين يجب ان تهتم بتوفير الاتصال بالدكتور ادمون من المعهد الفرنسي لعلاج الحالات مثل كيتي وسأزودك بالتقارير التي طلبها البروفيسور . يجب ان لا تتأخر عن اجراء  تلك العملية . قلت بتأثر :
-   - يجب ان نعد الفتاة أولا يا كولبي .
 - نعم يا أدم يجب ان نحاول جميعا اطلب ذلك من ابنك، هو صديقها بالاضافة  الى انه طيب .. أنت لا تتصور يا طومسن كم تشغلني مصيبة كيتي وتؤثر على حياتها كانت قبل عشرة سنوات كالزهرة .
تدخل فتاة زنجية سوداء بوجه مليح دقيق الأعضاء بالاضافة الى تناسق بديع في أعضاء جسمها كأنها منحوتة بعناية وخبرة فنية فريدة، ترتدي بلوزة خفيفة تكشف عن مفاتن صدرها البارز وخصرها النحيل وتنورة قصيرة تظهر الساقين كقطعتي أبنوس منحوتتين بدقة تتصلان بفخذين يتدرجان في الامتلاء قليلا عند الحوض .
يشرق وجه كولبي حين تقف الفتاة أمامه منحنية بأدب وبابتسامة محببة تلمع من بين شفتيها أسنان بيضاء . يلتفت كولبي الى طومسن وكأنه يكمل حديثا سابقا : طبعا أنت تعرف ابنوستي الجميلة .. ولكن الا تراها في الايام الأخيرة تميل الى النحافة ؟ يقول ذلك وهو يتفحص الجسم متنقلا النظر بين الساقين حتى الخصر ثم صاعدا حتى الصدر كأنه يتفحصها لاول مرة . يطلب منها ان تتقدم يتحسس ساقيها .. يربت على الورك ثم يأخذ منها فنجان القهوة ويضعه على مائدة صغيرة ويعود يسحبها اليه ويتحسس فخذيها و الفتاة ساكنة كأنها تحفة فنية .
- الا ترى يا طومسن لو تمتلئ قليلا هنا (( يقصد وركيها )) اسمعي كلام طومسن يا سماتا انه يؤيدني وهو كذلك يكره الفتاة النحيلة .. اما أنت يا أدم اعرف رأيك السخيف تتظاهر كأنك قديس تحاول ان تغمض عينيك عن مفاتن هذا العالم . 
يقول طومسن مبتسما : في الحقيقة لها جسم رائع ولكن كما تقول السمنة المناسبة دليل الصحة .
- وهذا ما أريده لابنوستي .. أنت لا تتصور كم تدخل هذه اللمسات السكينة والسعادة الى نفسي ان روحي مطمئنة هنيئة مع سماتا، ولا تتصور كم أصبحت ماهرة في مزاولة تمارين المساج انها افضل من ذلك الخبير الثقيل بجسمه ودمه، كان يزعجني بفحيحه ورائحته الكريهة، كأنه حية سامة قلت لأدم اطرده او خذه لك واليوم سماتا تفوقه خبرة ومهارة ربما للعلاج هذا علاقة روحية ونفسية اكثر مما هي بدنية .. ماذا لديك اليوم يا صغيرتي .
-   التمارين فقط يا سيدي وغدا المساج .
-   لا عليك بعد الغداء ارتاح قليلا ثم انشغل مع ذلك الغبي سيمون ثم جولتي المسائية لتتسلميني في تمارينك المبدعة  .         
-   أمرك  سيدي . وهي تخرج ناداها ولما عادت ضربها على عجزها وهو يقول : لا تنسي كما قال طومسن قليل من اللحم هنا .
ابتسمت خجلا وخرجت مسرعة .

                  ………………………………………………

سحبني صوت سيمون في صالة الاستراحة دخلت الممر وجدته يبلغ احدى الخادمات ان تخبر سيدتها بأنه قادم .. أيها الثعلب كان بودي ان أقول لك الكثير لكن الموقف لا يعطيني الفرصة حاولت تجاهله والعودة الى الصالة لكنه لحق بي مستوقفا : أهلا بالرجل الطيب العم أدم .. حقا تستحق ان تكون الأمين العام لهوني لاند وكاتم اسرار عائلتها والمحافظ على كنوزها فقط ليتك تغير قليلا من سحنتك وأنت ترميني بنظراتك .. اخبرني بربك السنا اصدقاء ؟
- ليتك تفكر بمهامك قبل ان تبوح بعشقك هذا .
وانصرفت في حين هز رأسه ساخرا . رأيته يقصد مرآة معلقة فوق اخر الممر يقف أمامها يعيد تصفيف شعره ويغطي المواقع الملساء بخصلات طويلة شاردة رباها باهتمام ليخفي الصلع الذي زحف من جبهته الحمراء اللامعة التي ينخسف تحتها محجران عميقان تبرز فيهما عينان قلقتان لا تستقران .. ينظر حوله ثم نحو الدرج المؤدي الى غرفة النوم ثم ينظر الى ساعته بقلق . تنزل نانسي وهي تحمل قطة سوداء جميلة ذات شعر طويل فاحم وغرة بيضاء تمتد حتى تشمل الأنف . وقف سيمون أمامها مادا رأسه كأنه يدعوها الى قبلة لكنها تدور وتبتعد وهي تزم شفتيها ، يعود ويقف بوجهها قاطعا طريقها .. تقول ببرود : الا تعلم بوصول المستر فورستر .
يتجاهل قولها ويرفع أصابعه الأربع مزمعا ضرب القطة مداعبا لكن المرأة تبعدها عنه . 
- لا يغيضني في هذا القصر شيء كما تغيضني هذه القطة .. قد اخنقها يوما .
- ثق ان فعلت الحقتك بها .. هيا اذهب اليه فهو ينتظرك غاضبا كفاك تماديا . وتدفعه بينما تغادر الى جهة اخرى . وقبل ان يصل المكتب يلاقيه ريدي فيقول له ساخرا .
-هلو أيها الجبل الأسود هلا أخبرتني متى يسقط الثلج عندكم ؟ ينظر اليه ريدي بصرامة ويقول
-  لا تضيع الوقت .. عاد سيدي وسأل عنك .
- حسنا .. فقط اخبرني كيف مزاجه . ويعدل من هندامه .  يجيبه :
- ادخل وانظر بنفسك انه مع سيدك .   
- من يكون سيدي هذا ؟   
- روكي . وينصرف عنه ببرود بينما يلاحقه سيمون لكنه يتوقف حانقا ويهمس :
 (( ما لهذا البيت يتحول الى معرض للإنسان الآلي بماذا يفكر هؤلاء الناس اقسم انهم مجردون من العقول والقلوب )) يعدل من هندامه ثانية يطرق الباب ويدخل معتدلا وبحركة بهلوانية يقف امام كولبي : أسعدت مساء يا مستر فورستر .
تمتد يد كولبي لكنها لتربت على ظهر روكي والكلب مستكين على منضدة صغيرة قربه ويقول
- أهلا مستر روبن . يتحرك الكلب . لا تنزعج يا روكي سأحدث هذا السيد ( متوجها الى روبن ) يبدو انك أصبحت من الأهمية في هذا البيت ما يتوجب علينا ان نركض خلفك يا سيمون .
-   عفوك سيدي .. انا أسف انها في الحقيقة غلطة السيارة اللعينة كان من الضروري ان اقصد الميكانيكي وإلا تسببت في حادث مؤسف .
-    لو حصل لاعتنيت انا بجنازتك ربما كان ذلك أمرا مفرحا يعود بالنفع للجميع .
-    عفوك سيدي ما قصدت ذاتي وانما سيدتي التي لا ترتاح الا ان اقوم بتوصيلها .
-    وأين سيارة سيدتك يا سيدي ؟ وأين السواق وقد لمحت احدهم يحلم تحت شجرة الكالبتوس ام انك نسيت ان لك واجبات أهم من توصيل سيدتك ؟
-   عفوك سيدي قد تجد سيدتي التسلية في خدماتي .
-   اختصر وانتبه الى واجبك . قال ذلك غاضبا : هل ذهبت الى مكتبك ؟
-   لم اذهب بعد سيدي توقعت ان أتسلم الأوامر المستعجلة .. اخبرني ريدي ان …
-   هيا أسرع الى مكتبك تجد هناك أوراقا مهمة أحضرها حالا . استدار سيمون ليخرج لكن كولبي ناداه .
-   مستر روبن !          عاد مستبشرا ووقف باحترام :
-    نعم سيدي .   
-   – كم عمرك ؟
-   تجاوزت الأربعين سنة ربما بأيام قليلة لكن أمي الطيبة كانت تؤكد ان عمري اقل من ذلك .
-   كفاك تفصيلا لكنك لازلت تعشق مدينة الملاهي ولا زلت مولعا بأفلام الكارتون ؟
-   في الحقيقة ..
-   هيا تحرك يا غبي                                           

40
هـــــوني لانـــــد
                                                                     
HONEY     LAND                 

  ارض العســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



كانت تشغلني دوما قضية الرغبة الكبيرة لدى البعض في الهجرة الى امريكا، ومنهم  بعض اصدقائي المثقفين ولهم مواقعهم في مجتمعنا ايضا المامهم بتاريخنا وما خلده اجدادهم،أحيانا يندفعوا في الدفاع عن واقعنا وبحس وطني وإنساني ! مع ذلك  يبقى حلم الهجرة خصوصا الى أمريكا ارض العسل والخيرات وبيئة الحياة الكريمة التي تتمناها العائلة المتحضرة (تعبيرهم)، بينما المستجدات في الوضع العالمي يعكس صورة فيها ملامح قاتمة عن الحقيقة التي يعيشها ابن امريكا وهذا كان يولد في مشاعري موقفا سلبيا وكأن تلك الرغبات في الهجرة هي على جساب الراضين ببقائهم في الوطن رغم مصاعبه(هذا كان في الخمسينيات وما تلاها في السبعينيات)، مما اولد عندي رغبة أن أدخل ارض العسل واخلق البيئة والمجتمع الذي اتخيله حريصا أن اكون محايدا تجاه امريكا ومجتمعها، اصورها ارض العسل بخيراتها وعظمتها (جنة) ايضا ارض الصراع ارض الكاوبوي ارض التناقضات كالجحيم، فاكون معذورا إن بالغت لانني يوم كتبت الرواية في الثمانينات لم اكن قد حظيت بزيارتها، الى قارئي تحيتي وأُمنيتي له بالمتعة وله رايه . 


                                 الفصـــــل الاول     (( 1  ))
 
مغفلون .. نسيتم أنني ذلك النسر الذي جاء من الصحارى التي أعطته كل جيفها .. أغبياء، نسيتم أنني ذلك الغازي الذي تدافع بينكم بثيابه الرثة فأتخذ موقعه ورسخ جذوره حتى بات شجرة امتدت أغصانها إلى آخر الدنيا تحمل لكم كل أنواع الثمر جذعها أقوى من أن تهزه ريح ينفخها مغامرون جبناء .. وفاتكم إنني النار التي تحرق كل الأوغاد الذين يهزون شجرتي.. انا البحر الذي يبتلع اي قرصان مغامر يتسلل الى مخابئي ..  ويلكم ان غضبت .. انا كولبي فورستر الذي ذاق من العلقم ما يكفي ان يجعل كل عسل العالم مرا .. انا الفتى المشرد الذي سرق الغواية من عيون المومس وكل الخدع من دماغ المحتالين .. انا من صنع اسطوله من حطام السفن وركام المستهلكات به غزوت معاقلكم القاهرة وعلى انقاض اقويائكم بنيت قلعتي، هذا انا ! انا أليس كذلك ؟ قال الجملة الاخيرة بصوت مرتفع وهو ينظر الى طومسون وينتظر جوابه وهذا الاخر مرتبك لانه لم يسمع الا المقطع الاخير عاد كولبي يردد غاضبا : اليس كذلك يا طومسون ؟               
- نعم  .. نعم سيدي ، كل شيء سيكون كما تراه .
هكذا كان كولبي فورستر يتململ متشنجا في مقعده المريح في طائرته العمودية وهي تقلع من على احدى الحدائق الخضراء خلف ناطحة السحاب التي تشغل عدة طوابقها شركة (  T M S ) في شيكاغو . كان وجهه محتقنا ونظرات الغضب تنبع من عينيه شرارات يرسلها بعيدا عبر القبة الزجاجية للطائرة وهي ترتفع بين البنايات الشامخة الى جواره كان طومسون سكرتيره الخاص ومخزن معلوماته ومعتمده في كل الامور يجلس وجلا يقدر المواقف المتأزمة التي يتعرض لها سيده، لا يحاول اعتراضه او جداله بل يبقى مؤيدا مهدئا لحين عبور العاصفة، وقد رآه يرسل نظرة بعيدة ويتنفس بعمق ثم يمد ساقيه الطويلتين الى الامام، اطمأن هو الاخر وفعل مثل سيده وارسل ساقيه بأسترخاء جلب نظر فورستر الذي صوب نظره الى القدمين ذات الحذاء الملمع ثم تدرج مع الساقين وتحول عبر الجسم الضخم، لاحظ طومسون ذلك ارتبك واعتدل ساحبا قدميه مكورا جسمه في مقعده وهو يخمن ان سيده يهيء له اوامر جديدة في هذا الوقت كانت الطائرة تسبح فوق العمارات تخترق الغيوم المتقطعة وطومسون يسترق النظر من زاوية عينه اليسرى يراقب سيده قلقا من عودته الى غضبه،  فعلا مد فورستر عنقه وقال : حقا من يكون هؤلاء الذين اشغلونا باخبارهم ؟ وراح شركاؤنا يحسبون لهم الف حساب، انهم حفنة من المشاغبين لكنهم استطاعوا ان يهزوا اعصابنا .. ابدا لم تهتز أعصابي، أنت الاخر تخافهم لاحظت ذلك كنت تميل الى تصديق ما يقوله اولئك الجبناء شركاؤنا المحترمون .. لقد صدقتم تلك الشائعات .
همس طومسون بوجل : لكنها من مصدر …
قاطعه بشدة : وماذا لو جاءت من تلك المؤسسة التي بت اكرهها . انها تحاول دوما ان تبدو وكأنها مالكة لرقابنا .. ما ذا تقصد تقارير النسر الذهبي .. اولا اسألك من صنع النسر الذهبي ؟ نحن من صنعناهم بدهائنا واموالنا .. نحن من نصنع تلك الطاقات الهائلة بايديهم لكنهم يحوكون الشائعات ويدبجون التقارير ويثيرون بيننا المتاعب واحيانا الرعب ليجعلونا نخضع لهم صاغرين .. واحيانا يبثون تلك الاخبار في البلدان التي فيها مصالحنا ثم ينقلونها الينا لتبدو حقيقية لنركع امامهم ونتوسل مقدمين الامكانات مقدرين ما يطلبونه.. قد يكون هذا ما يفعلونه معنا الان .. ربما كان البيت الابيض نفسه مشتركا معهم ليذل تلك الحكومة المهزوزة فتخاف الارهابيين في بلدها فتسرع مستنجدة متوسلة بأصدقائها في البيت الابيض .. هيا قل لي يا طومسون من يكون اولئك الارهابيون الذين يزرعون كل هذا القلق .. حفنة يمكن شراؤها بحفنة من الدولارات، أليست مهزلة ان تصدق تلك الحكومات تلك الاشاعات وتبني عليها مخاوفها ثم تركض مولولة الى اصدقائها تطلب العون .. ثورة .. ثورة .. اللعنة حكومة محترمة ونظام قائم بأجهزته وجيشه واسلحته يخاف فئة ارهابية مشاغبة تنتشر في الجبال وتختبيء في سراديب الاحياء الحقيرة في المدن .. مهزلة !
كان يقول ذلك باندفاع دون ان ينظر الى طومسون ليؤيده او يشاركه ظنونه ثم يواصل : الا تتصور انها مجرد شائعات مختلقة ؟ .. حسنا لماذا لا تكون الشركات المنافسة وراء تلك السفاهات لتربك اعمالنا بعد ان حققنا ارباحا جيدة وانجزنا اعمالا رائعة، لقد نجحوا في خفض اسعار الاسهم في اسبوع واحد  3  بالمئة  اتعلم لو عرف الاوغاد بمخاوف شركائنا وعرضهم تلك الكميات الهائلة من الاسهم للبيع لحلت الكارثة .. لولا موقفي اليوم وقوتي معهم لانهار الكارتل .. يجب ان نتمسك بشجاعتنا .. ما اغربهم ! اعضاء مجلس ادارة اكبر شركة تسيطر على مؤسسات عالمية ويفكرون بتلك السذاجة تهزهم مثل تلك الشائعات التي تستند على تقارير قدمها نفر من النسر الذهبي، أليس محتملا ان تكون التقارير ذاتها مؤامرة علينا .. انا لا أثق بأحد .. يجب ان لااثق .. حتى بك يجب الا اثق يا طومسون اعذرني على قول ذلك ولكنها الحقيقة من اجل الحذر المطلوب، ما بك تنظر الي هكذا .. الست محقا ؟
قال كلمته الاخيرة بحدة مما اجفل الرجل المتكور في مقعده واربكه فاعتدل صائحا : طبعا طبعا يا سيدي هكذا يجب ان نفكر والا لما حققت كل تلك الانجازات .
ارتاح كولبي لسماعه ذلك وعاد يقول : هل تعلم . تمنيت ان ابصق في وجوههم كانوا بائسين مخذولين اثاروا اشمئزازي لقد نسوا قدراتهم حتى حقوقهم تجاه حكومتهم .. اليست لنا حقوق على الرئيس الامريكي وبيته الابيض ؟ نحن من يجلسه على ذلك الكرسي ونحن من يصنع كل تلك الاجهزة التي تثبت اركانه نحن من يمده بالحياة نحن من يدفع مئات الملايين والمليارات هنا وهناك، انت تعلم كم ندفع من الضرائب ربما اكثر من حجم بعض الميزانيات لبعض الدول التي ترهبنا اليوم بانباء ثوراتها .. ماذا يفعل اولئك الاغبياء بمساعداتنا فقط لشراء القصور والنساء الجميلات والليالي الماجنة ؟
اين هم واين تبجحهم حين يحلون ضيوفا محترمين بيننا ويرحلون محملين بالهدايا رافعين أرصدتهم، قال احدهم يوما : (( اطمئن يا سيد فورستر ستكون مصالحكم بعافيتها وخيرها ما دمت في تلك البلاد )) وقال اخر (( البلاد وحكومتها ومن فيها حلقة سهلة في جيبي ان رغبت اهديتها لك )) وكانت الهدية التي تسلمها مقابل قوله كبيرة يا طومسون، الى متى نبقى ندفع وندفع وايضا نبقى نخافهم ايضا اغبياء كم ستصبح قيمتهم ان خسرنا مصالحنا بالتاكيد سيطردون كالكلاب هذا ان لم يفقدوا حياتهم . لقد رأينا بعضهم يأتون مذعورين كالفئران بعد ان يخسروا مراكزهم يتطفلون مرذولين يتسكعون عارضين خدماتهم التافهة على اصدقائهم القدامى  والتي لانفع فيها . قل لي يا طومسون ما نفعهم ان وقعت الكارثة، ثورة .. ثورة . كل يوم يهددون بثورة، ماذا يريد اولئك القوم بعد ان نورنا حياتهم ومنحناهم من النعيم، لا زالت اثار البؤس والفقر ظاهرة في حياة قادتهم رغم عمليات الصقل والتجميل، هل كان بامكانهم ان يخرجوا ما يسمونها كنوزا ثم يصنعونها كما نفعل نحن، كانوا كالحيوانات التائهة في البراري يصارعون الطبيعة بأجسادهم البالية، ما فعلنا لهم سوى الخير لكنهم يبادلوننا الكره، أعطيناهم أسلحة متطورة ليصبحوا اقوياء لكنهم يشهرونها في وجوهنا .. هنا الغباء يا طومسون قادتنا لا يفكرون بعيدا ما كان يجب ان نفتح عيونهم على حياتنا بهذه السرعة ولا ندع ابناءهم يتدرجون في تلك المعاهد الراقية ثم يغزوننا ليطالبوا باكثر مما يستحقون، لقد بت اكره سماع اخبار تلك الدول هل تتذكر أمسياتك البائسة في احدى تلك المدن التي اوفدتك اليها في العام المنصرم يومها حدثتني عن قذاراتهم وبؤسهم حتى في مراكز قيادتهم، ولحسن حظك لم تكن شخصا مرموقا او مسؤولا والا لخرجت المظاهرات ترميك بالبيض الفاسد والطماطم حتى لو كنت حاملا لهم مئات الملايين كم من وزرائنا طرد كالكلب او هرب سرا وان كان من جانبنا ان نقبل اللعبة السخيفة برحابة صدر بمفهوم السياسة المرنة هل تؤيد ذلك ؟
في الحقيقة انا بعيد عن السياسة واسلوب الدبلوماسية ياسيدي، قد يكون من الصعب …
قاطعه فورستر بشدة : لماذا من الصعب، الأمور واضحة لانها تخص كرامة دولة عظمى كالولايات المتحدة تهينها دولة شرقية لايزيد تعداد نفوسها عن احدى مدننا ولو عرضت بالمزاد اهلها وحيواناتها بطرقها وحقولها لامكنني ان اشتريها بيسر، تصفنا بمصاصي الدماء واعداء الشعوب ونحن نضحك لهم ونستقبل مسؤوليهم كالابطال ونقيم لهم الاحتفالات ونقرع الكؤوس بعدها نحملهم بالوعود والهدايا ليعودوا الى بلدانهم غانمين، اين الحكمة في ذلك ؟ انا شخصيا لا اقتنع بهذه السياسة قلت ذلك للرئيس لكنه ضحك وقال لا عليك يا مستر فورستر انت تهتم بمصالحك ونحن نرعاها لك . كانت بريطانيا الدول العظمى تقتسم بلدانهم دون ان تعطي لهم اية فرصة او قيمة الم تقرأ التاريخ ؟
انه التوازن الدولي يا مستر فورستر بسبب تلك المنا فسة بين الاقوياء .
صدقت .. صدقت .
نظر طومسون الى سيده وجده منفعلا لم يطل معه يوما مثل هذا الحديث امتقع لونه بعد ان احتقن وظهر عليه الاعياء فأسترخى في مقعده مغمضا عينيه،  تصوره مغشيا عليه فكر ان يوقظه لكنه لم يجرؤ لانه لو فعل ذلك فقد يرميه من الطائرة . عالج صندوقا الى جانبه اخرج قنينة ماء ملأ قدحا وقدمه لسيده فتح عينيه وتناول القدح شربه دفعة واحدة واعاده شاكرا ثم استرخى ثانية في المقعد وهو مغمض العينين لكنه همس:ترى هل سينفذ شركاؤنا اوامري تلك؟
قال طومسون مؤكدا : لقد اصبحت قرارات متفق عليها سيدي .
جيد  جيد… اعد علي المهم من تلك القرارات يا طومسون
حول شركة الشرق الأقصى لل …
كلا كلا فقط حول شركة (( ش )) لتنقيب النفط وتسويقه وحول تدهور الاسهم .
فتح طومسون حقيبته تناول ملفا راح يقلب ثم نظر في ورقة استلمها وقال : التريث في بيع الاسهم مقابل ذلك الاعلان عن رغبة الشركة في شراء المزيد من الاسهم .
- ألم يكن قرارا حكيما يا طومسن ؟ اجاب طومسن مرتبكا كانه مجبر على الاجابة وهو يستعمل يديه وحركة رأسه .
-   بالتأكيد يا سيدي . ولكن هل حقا سنشتري تلك الاسهم ان عرضت ؟
-   ستكون حركة حكيمة في انتقاء صفقات تحمل عنصر الدعاية .
-    ولكن علينا أولا ان ننشر ذلك المقال غدا او بعد غد ؟
-    غدا ؟ صرخ كالملدوغ، ثم استمر : كيف ؟
-    هكذا قررتم سيدي .
-    بل اليوم يا طومسن اتصل بهم الان قل لهم اكتبوه واوصلوه الى الجريدة ليظهر فيها غدا صباحا ليصوغوه بشكل مثير وبحروف بارزة ليجلب الانتباه وحسب الاتفاق يجب ان يتصور الاخرون اننا كنا وراء الاشاعات من اجل امتصاص أسهمهم باوطأ الاسعار .
-   حسنا سيدي .
تناول طومسن الهاتف وراح يكلم بعضهم ويملي اوامره بينما عاد كولبي الى اغماضته مسترخيا، هنا أعلن قائد الطائرة عن اقترابهم من هوني لاند .. بعد قليل قال ايها السادة نحن الان فوق هوني لاند . فتح كولبي عينيه وراح ينظر الى الحقول والبساتين وهو يهمس : ما اروعك .. هلو حبيبتي هوني لاند .. كم انت جميلة .. اليست يا طومسن ؟ اجاب طومسن منشرحا: بل هي ابدع ما تحتويه الولايات المتحدة من جنات .
هوني لاند ضاحية جميلة هادئة تبعد عن المدينة العملاقة مسافة مئة ونيف كم، سهولها خضراء تتخللها جنات من البساتين العامرة باشجار الفاكهة والكروم، تفصلها عن بعضها البعض الفسح الخضراء هي حدائق وساحات لعب حولها نباتات الزينة والازهار خُتطت بتنسيق دقيق وفي القسمين الغربي والجنوبي غابتان اصطناعيتان تسامقت اشجارهما لتكونا مصداً متيناً للرياح .. في ذلك الوسط المصنوع بجهد فني وعلمي هندسي زراعي، انتصبت فيلا كولبي سمث فورستر في الوسط تنتشر حولها من الشمال بيوت صغيرة منسقة بشكل جميل هي لسكن الموظفين والاعوان والخدم والشغيلة الثابتين في خدمة الثري المشهور انتقاهم بعد دراسة وفترات من التمرين والمراقبة، حتى نالوا بجدارة مواقعهم التي تدر عليهم مداخيل مغرية .
هوني لاند مملكة مختصرة حاول صاحبها ان يجعلها تضم كل متطلبات الجنة الارضية الحقيقية هبط الرجال من الطائرة العمودية واسرع المرافق الاسود الضخم الذي ظل يلتزم مكانه صامتا الى جانب قائد الطائرة اسرع يتقدم سيده الذي سار الى جانب طومسن .
كنت انا ادم مشتولا امام الباب الرئيسي واثقا ان كولبي يقدر ان اكون اول من يقع بصره عليه ليسحبني من عالمي الى الماضي الذي يمتد الى قبل اكثر من نصف قرن ستة عقود ونيف نشارك بعضنا الحياة رغم اختلاف لونينا وتفكيرنا وطباعنا كنا دوما نقيضين متلازمين .

                ………………………………………………….

41
باية لهفة استقبل الاول من نيسان
لاحتفل بسنة بابلية اشورية
من لي بفتيات مركز كلكامش لتنشدن موقظات الشمس
لتنير درب اكيتو
حاملا البشرى والامنيات بسنة جديدة فيها الحرية والخير لابناء النهرين
من لي بفتيان كلكامش يمهدون الدرب
 لاكيتو يحمل وصايآ آِلهتهم لملوكهم ان يصونوا ارضهم ويعدلوا في حكمهم ويسعدوا شعبهم بكرامة وحرية وينشدون الشعب ليكون وفيا لارضهم الطيبة
طب نفسا يا شعبي المغدورمهما تناقص عددك، فمن ضاق ذرعا بالبقاء مظلوما مهمشا لن تمسح الهجرة والبعد جذوة حب ارضهم ووطنهم من  قلوبهم بل تبقى مشتعلة تشارككم افراحكم ومسراتكم انتم من بقي صامدا وحاضرافي المحن، فصدى احتفالات نيسان اناشيد تعزز اخلاص شعبنا الكلداني السرياني الاشوري للارض وللوطن متعاونا مع ابناء الوطن الغيورين لازالة كل المصاعب والاخطاء التي حصلت وضلت  تهدد امن وسلام  الوطن ليعود الوطن باهله الطيبن حرا ابيا 
ونبقى نداري احتفالات نيسان حاضرة لا منسية وشعبنا ينشد مباركا متفائلا
هَي أكيتو مباشيرن   بشاتا خثتا مبارخلن
يوماثا كوم منشيلن   ئيالن رحوق مدئيرن
 
 
سعيد شامايا

42
محلاك آذار لانشد لحزبي بمناسبة
ميلاده المجيد
في كل سنة وفي مثل هذه الايام تطل علينا مناسبة سعيدة (ذكرى ميلاد حزبنا الشيوعي المناضل في 31 آذارالجميل، امارسه عيدا يتغنى بكل المفرحات من نشاطات وكتابات واحتفالات تستحقهاالمناسبة، لكن مناسبة هذه السنة مميزة حيث يتسامى الحزب في درب النضال الوطني منغمرا وثورة شبابية سلمية واعية، طب نفسا حزبنا مشاركا الثورة الشبابيه الوطنية تصرخ معهم اعطوني وطني فيرددها ابن الشعب وإن لم يكن في ساحات النضال والاعتصام:نعم اعطوني وطني واعطوني حقي الضائع، لكن الجواب يأتي بالمزيد من الدماء ومن الاختطاف والارهاب ليقابلهم الثوار بتصاعد المطالب بما  يهم الوطن وشعبه انه مطلب التغييرالعام الذي يعالج كل مطالب الوطن و الشعب المغدور، المطلب الذي سبق وطرحه الحزب دوما كعلاج لكافة  المطالب .
احييك بمناسبة ميلادك وانت مدرسة، تتآلف وتقود الاخرين الى دروب النضال غير مبال بما انتجت التجارب السابقة او بما تؤول اليه هذه التجربة من نتائج لا ترتجيها، وإن لم يتحقق ما تم الاتفاق عليه، فمكسبك صدق مسعاك النضالي وتجربة لتنوير الاخرين، مقابل خذلان من تنكر لك وهذا شأن المترددين لاختيارالمكاسب الذاتية دون الوطنية اوالشعبية، ولكن طب نفسا فلم تخسر لانك رسخت دربك ووسمت صورتك في مسرى النضال الوطني وكنت مع كشف حق الوطن يلسان الظالمين وحق الشعب باعترافاتهم متباهين انهم سائرون في جبهة سائرين، ليلتحقوا بالاخرين يفتشون عن دمية مرفوضة تمثل أهداف المحاصصة الممقوتة لكنها تفشل وتتخبط دون نتيجة مقبولة، وفي ضميرالمخلصين والثائرين صوت مكبوت يشير اليك صارخا هذا من تبحثون عنه نزيها مخلصا نظيفا رصيده من التضحيات لا تدانها ارصدة كل الاحزاب مجتمعة/ ما ضعفَ يوما ولا خان هدفه ولا تنازل عن حق المظلومين ولا تلاءم مع باطل خذوه مطمئنين ليوصلكم الى برالحرية والسلام وينقذ الوطن وشعبه من الهاوية التي تنتظرنا،  نعم في ضمير كل ثائرصوت مكتوم يصرخ(هذا من يستحق أن يمثلنا ليقود وزارة صالحة ملائمة لواقعنا ويمثل كل مخلص لوطنه)لكن الحذر يمنعهم لان هناك من ينتظر هذا الصوت ليعلنها مؤامرة شيوعية وليديم تشبثه بالسلطة ويبررفشله و معاناته وكل سيئاته التي ارتكبها بحق الثائرين ويؤيده الاقربون الطامعون والابعدون الذين يخافون عراقا حرا وشعبا صالحا فيخسرون مصالحهم .
اهنئك يا حزبي بمناسبة ذكرى تأسيسك وانت رافع الرأس تبشر كل يوم بما يحتاجه وطنك ومنتفضيك ويقيهما من الويلات التي تنتظره إن استمر الحال على ما نحن فيه .
 
                                                           سعيد شامايا
 

43

تحية وتهنئة الى الذين  يحتفلون بمناسبة
عيد نوروز المجيد
نهنئ الشعب الكؤردي المجيد حيثما هو بمناسبة عيد نوروزخصوصا ابناء اقليم كوردستان الابي بقيادته الحكيمة متمنين سنة موفقة تحمل الامن والسلام متجاوزين كل المصاعب والظروف القاسية في المنطقة وفي العراق بل في العالم والتي راحت تنتصب صعبة قاسية ترمي بثقلهاعلى العاملين المتعبين والمخلصين المسالمين، نتمناها سنة خير تجمع داعاة الحكمة والخير الخبراء الكفوئين أن تتعاون بهمة و (القيادات الحكية) من اجل خلق المسيرة النيرة لتطئ كل المشاكل والمصاعب منها الوباء كورونا الذي اشغل العالم لتحل الظروف الملائمة لكل الساعين المجدين الى الحياة الحرةالكريمة ،
                                                           سعيد شامايا
                                                         21/3/2020

44
دراسة مهمة لم تحظ بقبول (جماعتنا)سابقا
                          حاجتنا الى تجمع واسع ليكن(جبهة شعبية) 
                يمثل الغيورين من ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري
        يضم السياسيين بتجمعهم ومنظمات المجتمع المدني التي لها دور في مجال قضيتنا
                                 وممثلي كنيستنا ومثقفينا ومستقلين

            مقدمة
في وضع العراق والاقليم المتازم و اوضاع الشعب هي الاخرى سيئة خصوصا في ظل سلطة تمارس اسلوب المحاصصة الطائفية والقومية تقودها احزاب غير كفوءة همها مصالحها الذاتية مستهينة بالمصلحة الوطنية العامة ومستقبل الشعب وسيادته وبتاثير دول الجوار والقوى الكبرى وتدخلاتها غير النزيهة في شؤوننا الوطنية،  وبتبديد ثرواته وهذا الواقع السيئ يزحف الى واقع شعبنا الكلداني السرياني الاشوري مهددا وجودنا في وطننا وعدم الاصغاء الى استغاثتنا وتلبية مطالبنا،  عليه المطلوب من غيارى شعبنا في كافة المجالات النضالية السياسية والاجتماعية والكنسية والثقافية،  من اجل حقوقنا التي تصون وجودنا في الوطن احرارا نتمتع بامننا وسيادتنا ، وسعيا وراء النهج الملائم لواقعنا ولامكاناتنا تحاول جهات ساعية من اجل نيل حقوقنا وتحقيق اهدافنا، لكن الظاهريؤكد عدم نجاحها واننا بحاجة الى مراجعة وتنسيق قوانا الساعية في هذا المجال لرسم خارطة طريق ملائم يفيدنا في الاستفادة من تجاربنا السلبية والايجابية والتوجه نحو خلق مكون نضالي بمظهر جبهة واسعة او مرجعية شعبية ترضي كافة الاطراف المخلصة وتجندها في تحمل المسؤولية كل حسب اختصاصه وتنقذنا من المشاحنات القلمية من قبل ابنائنا قبل الغرباء، وعدم الثقة بمن يتحمل المسؤولية في مجال العمل داخل صفوفنا   وفي علاقاتنا مع الاخرين . من اجل هذا حاولت مع اخوتي في تجمنا السياسي طرح فكرتي لكنها لم تثرهم، عليه لجات الى هذه الدراسة المتواضعة لواقعنا ولمتطلبات العمل كرأي شخصي اعرضه الى الجهات التي اتوسم الاصغاء والحوار الايجابي .
الهدف المطلوب
الوضع المزريئ في العراق يتطلب حلولا مهمة تصل التغيير الملائم في الوضع القائم وهذا امرعظيم يحتاجه الوطن يتحمل مسؤوليته الشعب وابناؤه المخلصون النزيهون الشجعان رغم المصاعب التي تزرعها الاحزاب السياسية المهيمنة التي تغلق اي منفذا يُصلح الوضع ويعالج االمشاكل حرصا على مواقعها ومصالحها الخاصة، وقضيتنا  (شعبنا الكلداني السرياني الاشوري جزء من قضية شعب العراق ومخلصيها )مع اولك المخلصين الوطنيين الذين عندهم الرجاء في معالجة كل مشاكل الوطن بانتفاضتهم الثورية السلمية. وهدفنا في قضيتنا ايضا يحتاج الى قوى مناضلة تتمتع بتأييد شعبنا بوسع تمثيلها معززة بواقع الساعين المثابرين في مقدمتهم احزاب السياسية متواقة مع منظمات المجتمع المدنب وممثلين لقادة كنيستنا والمثقفين  .
وتحقيق الهدف المطلوب يتم بمبادرة شجاعة تجمع المخلصين والمستعدين لتحمل المسؤولية يبادر بها السياسيون داعيا منظمات المجتمع المدني وممثلين لقادة كنيستنا والمنظمات الثقافية والمستقلين الذين سعوا في مجال قضيتنا القومية الى اجتماع موسع اي مشاركة كل جهد من قبل الساعين بمختلف مكوناتهم سياسية ومدنية وثقافية في نهج مشترك وبمطالب موحدة  (حين عرضت هذا المقترح إعترض بعض القادة في تجمعنا السياسي مبدين عراقل (من يوحد قادة طوائفنا الدينية ومن سيضمن وحدة راي منظمات المجتمع المدني  بينما لم تتلاقى احزابنا بعد و أن كانت متألفة في تجمعها)ولم تُعط لي فرصة توضيح ماذا ستكون مهمات كل مكون من خلال اخصاصاته وليس القفز على مهمات الاخر ليكون بديلا له او لموقعه معتذرين لمعالجة آنية كانت تشغلهم، سترد فقرة ضمن هذه الدراسة توضح هذا النهج بالتفصيل) طبعا ستسبق الاجتماع المنشود الواسع المطلوب لقاءات ومشاورات تمهد للاجتماع ويكون الافضل لو تحول الى مؤتمر.
 
        كيف تتوافق االمهمات باختلاف المنظمات
لقد كانت هذه النقطة مثار القلق لدى بعض قادة تجمعنا السياسي رافضين أن تختلط الاعمال أو بصراحة أن يمارس كل من الاخوة في جبهتنا المرجوة مهمات الاخرين متى شاؤوا أي ان تبادر مثلا منظمة ثقافية تعنى بالمسرح لقاءا اواجتماعا سياسيا يقرر امورا مهمة لم يكم ملما بها أو لم يكن مخططا لها، او تبادر منظمة مجتمع مدني مهمتها رعاية المهجرين او توفر فرصا افضل لمعيشتهم فتتوجه دون علم الجبهة وتعقد اجتماعا او اتفاقا سياسيا، قلت:هذه امور تتناولها الاجتماعات الاولية ليعلم كل تنظيم مهماته وواجباته دون ارتباك، مع ذلك ممكن ان تتم مشاورات ومقترحات  نافعة تُقدم فيما بينها ما دامت هناك غرفة جبهوية تضم كل المنظمات، ليس غريبا ان يقدم اي تنظيم خارج الساحة السياسية مشروعا او مقترحا يعزز موقع ساحتنا السياسية وهكذا بالنسبة لمنظمات اخرى مدعوة أن تقدم ما يعزز العمل الجماعي خارج اختصاصها .
قد يتبادر الى ذهن البعض أن الاحزاب السياسية سيكون لها الموقع المميز وستحظى بالمكاسب التي قد تستأثر بها الاحزاب لصالح اعضائها او يتم توزيعا فيما بينهم !!! تلك محاصصة مقيتة طالما عانينا منها، حقا تطالب أحزابنا بمستحقات شعبنا بالمشاركة بالمناصب والمسؤوليات العامة، وهو حق قومي مطلوب ان نكون ممثلين في كل مؤسسات الدولة !! وهذا حق وطني لا نغفل عنه لكن ذلك لا يتم او يطبق في غياب اعضاء الجبهة التي ستصبح مرجعية لشعبنا، والمشاركة في تنفذ الخطوات مفيد ولن يكون مضعف إن شارك قائد ديني الوفد المعالج لامرما، او أن تنفذ مسرحية باسمى لغة سياسية رغم أن النتيجة لمن يطالب بها هم السياسيون، لكنه بوجود التجمع المستجد سيتم اختيار تلك المناصب والمسؤوليات حسب الكفاءة والاختصاص، فالمناصب السياسية يشغلها سياسيون محنكون،أما التكنوقراط يشغلها الاختصاصيون الذين يقدمون اعمالهم بكفاءة ولا تستاثر به منظمة دون اخرى بل يتم اختيار الافضل حتى إن لم يكن عضوا من لجان الجبهة .
       
       مـن يمثلنــا ؟ وما موقعه لدى شعبنا

في هذا الظرف الصعب الذي يمر به الوطن دونما حاجة لذكرها، ومايحيط بشعبنا الكلداني السرياني الاشوري من مخاطر تهدد وجوده في الوطن بعد ان انهكتنا اهجرة، يكون شعبنا بامس الحاجة الى هيئة جامعة متنوعة تتمتع بتأييد ابناء شعبنا بكافة أسمائهم  و مكوناتهم، فوجود هذا التجمع، خصوصا ونحن نعاني من الارتباك والتنوع وعدم الانسجام بين المنظمات التي اخذت على عاتقها مسؤولية التحرك في مجالات ونشاطات تعنى بقضايانا المصيرية خصوصا السياسية، اكرربحاجة الى مكون متوافق واسع جامع  ( ويطيب لي ان اسميه جبهة شعبية) ستبعدنا عن مآخذ ومشاكل ومعوقات يعاني منها العاملون في مجال المطالبة بحقوقنا وفي مجال توفير الفرص والظروف الملائمة لصمود شعبنا امام الممارسات التي تقف بوجه طموحاتنا، ظلت الاقلام والاصوات تنتقد منظماتنا خصوصا السياسية، واجتهدت الاحزاب السياسية أن تتقارب وتتوافق لتحظى بقبول المهتمين بشأننا السياسي فكان قيام التجمع كخطوة مهمة رغم المصاعب وتجاوز الاشكالات التي تبرز بين وقت وآخر، لكن اوضاع الوطن والقيادة السياسية له ساءت بحيث لم تتوفر الفرص امام التجمع أن يحقق بعض المنجزات لينال ـتأييد وقبول المتابعين لاوضاع الوطن، وظلت الأقلام الناقدة للعاملين متجاهلة وضع شعبنا وإمكانياتنا المتواضعة والاهم مع من تتعامل قوانا مع احزاب في السلطة تنكرت لاهلها ولمن انتخبها ومارست السوء والفساد فكيف تجد قوانا لديها اذنا صاغية ، هذا دون ان ننكرضعفنا و اخطاءنا ومشاكلنا، والاستمرار على تدهور الاوضاع قد يؤدي الى ضياع حقوقنا وضياع الفرص لاثبات وجودنا في الوطن، لذا بات ضروري المعالجة المطلوبة التي تعالج المآخذ التي نشعربها حقيقة في واقع مؤسساتنا، خصوصا الاحزاب التي تعترض نشاطاتها مصاعب مع القيادات الساياسية واحزاب السلطة لكنها تحاول أن تعالج الاوضاع معتمدة على علاقاتها مع الاخرين دون جدوى ،لذا بات من الضروري ان تعالج احزابنا واقعها وموقعها مع ابناء شعبها لتحصل على تأيدهم ومؤآزرتهم إن أرادوا إنجاز أمرا مهما يحتاج الى دعم لشعبهم، ذلك لن يحصل دون وجود قاعدة شعبية واسعة غنية بالمثقفين والنشطين من كتاب واعلاميين ومستقلين بارزين بماضيهم،  فمبادرة التغيير الكبير الشامل في مجال القوى الفاعلة مودعة التشتت والانقسام وعدم وجود استراتيج يوحدها في مجال نشاطاتها ويحدد توجهها مع التزام كل منظمة باستقلاليتها ونهجها الخاص لكنها تبقى ضمن عائلة القضية القومية ولتكن الجبهة الشعبية التي وجودها يقنع المخلصين الذين يباركون هذه الخطوة، اكتب هذا بعد ان اتصلت ببعض الاخوة الواعين والمخلصين من خارج التنظيمات العاملة لقضيتنا والمؤيدين لجمع كلمتنا وجهودنا،  ومنهم  كنيستنا فاستحسن الكل اي خطوة جامعة تعززمنظماتنا العاملة، وكان قولا مباركا ومشجعا حين سمعت قداسة ابينا البطيرك ساكووهو يَعد : ان الكنيسة ستبارك خطوتكم إن حظيتم باتفاق في وضع تجمع يجمع على الهدف الموحد لجهود شعبنا وعلى نهج مشترك يوحد خطواتنا حينها ستبارككم الكنيسة واثقة ان مسعاكم صالح ونزيه وشجاع( واضاف مؤكدا : دون ان نتدخل في مسعاكم لانكم تكونون قد كسبتم ثقة شعبكم)!! والكل يعلم ان شعبية الكنيسة بشبابها لا يمكن الاستغناء عنه، لنبادر ولنسمع ابناء شعبن يباركوننا : اهلا بتجمعنا المرتجى، خصوصا اذا كان اعضاء جبهتنا مرموقين معروفين بماضيهم وتضحياتهم، هذ التمثيل الواسع والممثل لكل نشاطات الحياة سيكون كفوءا وملما في كافة المجالاة ويغني ويعزز موقع احزابنا السياسية، هذا الموقع الذي يحتاج الى دعم شعبي واسع، يمثله بصورة عامة المتقدمون باختيارهم لتحمل مسؤولياتهم سيخلق الثقة بهم لدى الابعدين من ابنائنا اصحاب الاقلام التي دأبت دوما ممارسة النقد السلبي اي سيتغير رأيها ، وهكذا بالنسبة لمن هم خارج مكوننا المسيحي لدى المخلصين وحتى لدي السيئين الذي سيحسبون لموقعنا الف حساب، كفانا ان يكون موقع جبهتنا مرموقا ما دام يحظى بدعم وتأييد وثقة شعبنا، ولن نهمل جهود اعلاميينا المخلصين الذين سيشاركوننا في كل خطوة ما دما واثقين من مسعانا المشترك . 
 
           المكاسب العملية المرجوة من وسع تجمعنا(جبهتنا )
1_الحصول على معين غني بافكار واختصاصات متنوعة تغني جهود العاملين في قضيبنا
2_ وسع القاعدة يضمن وسع تمثيل مهم لشعبنا
3_تنوع المنظمات المؤتلفة في تجمعنا يوزع مهمة رعاية الاختصاصات  المتنوعة لينجزجهودا واعمال 
     مطلوبةفي  آن واحد كل باخصاصه لتنصب في المصب الموحد
4_كسب قاعدة واسعة في الوطن وفي المهجر ممكن أن تكون من المؤيدين المتعاونين .
5_القاعدة الشعبية تكون عاملا لاشتراك شباب كنيستنا على حسن اداء التجمع الواسع .
6_ المنظمة الشعبية الواسعة بتنوع مهماتها تخلق لدي القوى السياسية المخلصة في الوطن
     موقعا وثقة خلال النشاطات الوطنية، كما تخلق ذات الموقع لدى السلطة واحزابها .
7_ سيكون بالامكان استثامار كل الفرص بتنوعها خارج الساحة السياسية، فيكون   
       لمكوننا الجامع حضور دائم في اكثر النشاطات
8_ ستتوفر فرص تشكيل لجان تابعة في الخارج تؤدي مهمتها القومية لدى حكومات الدول
     المؤثرة عالميا، كما توفر فرص سهولة انجاز المهمات دون حاجة لمغادرة بعضنا  الوطن .
9_وسع هذا التشكيل سيوفر وسع الاختصاصات القانونية و الاعلامية منها الفضائيات المتعاونة
10-ثقة شبنا بجبهتنا هذه توفر تبادل الطاعة في انجاز قضايا نضالية لها دورها في فرض وجودها وواقعها في الوطن .
 
محذورات تحصل في غياب الاخلاص والنزاهة
بعد تحقيق اختيار التجمع المطلوب،  من خلال العمل الاختصاصي والجمعي كمكون تقوده قيادة مشتركة، قد تبرز بعض المنظمات بنشاطاتها اواُخرى تقدم منجزات تنال تقدير الشعب، وهكذا يالنسبة للعاملين المستقلين المتفوقين في نجاحاتهم، هذه الفوارق قد تُحدث خللا اوارتباكا غيرة او غرورا، او قد تغري المتمكن الناجح في موقعه من الاخلا بالامانة العامة او يغريه الفساد الذي دمر العراق فيميل الى الذاتية، هذا بالنسبة الى الاشخاص فقد يزحف الامر بالنسبة الى الكتل او المنظمات،  رغم ثقتنا بترفع من يصل الى تجمعنا الواسع هذا لكن الانسان معرض لها، عليه يمكن تجاوز هذا القلق  بوضع بعض الضوابط التي تحدد المسار الهادف النزيه والتعامل معها بعيدا عن الذاتية والمصلحة الخاصة ، ممكن ان يبادر التجمع بمحاضرات ودراسات تعزز سلوك الاعضاء ودورهم النزيه .
       طموحـات
ممكن أن يتحول الاجتماع الموسع لهذا البناء الى مؤتمر موسع يعالج المحاورالمطروحة ويخرج بنتيجة اضمن نهجا واكثر غنى وتاييدا شعبيا ، إن وجدت اللجنة التحضيرية للاجتماع الموسع امكانية اقامته مؤتمرا تجتهد ان يكون الاعداد اكثر شمولا في الحضور وفي المحاور والدراسات المقدمة فتكون فرصة وطنية وقومية ينجزها شعبنا لتكون له المكانة والموقع الذي يرفع من موقعنا في الوطن ولدى من هم خارجه .
       المهمـات الاولى
•        التأكيد على نيل موافقة وتاييد المنظمات التي ستحضر الاجتماع بعد الاطلاع على اسلوب المشاركة واستلام مقترحاتها حول منهاج ومحاور الاجتماع
•        تشكيل لجنة تحضيرية للاعداد المحاورالمطلوبة.
•        أن يبادر تجمع احزابنا ويوجه الدعوات المطلوبة الى المشخصين لمشاركتهم
•        اعداد المحاور وكل متطلبات وحاجات الاجتماع من موعد ومكان الاجتمع والمحاور والدراسات إن وجدت
•        أن يعطى للمؤتمرفسحة لعرض الاراء والتقييم والنقد تجمعها وتنسقها نخبة من الكفوئين  فكريا منتقين ما يلائم الاستراتيج المطلوب من كل النواحي التي سعت اليها الدراسة . 
•         ان يختتم المؤتمر اعماله بانتخاب لجنة موسعة تمثل منظماتنا ، ومن ثم لجنة تنفيذية مختصرة تدير المهمات مابين الاجتماعين ،
•        اختيار لجنة مختصة تتناول زبدة ما تم اختياره ولها الكفاءة في القضايا القانونية من اجل وضع وكتابة
1_ النظام الداخلي لتجمعنا الواسع يتضمن كل النقاط التي تحدد اسلوب العمل والمعالجات المطلوب   (ممكن ان نستخلص منها محاور المؤتمر)
2_ وحدة الهدف والمطلب الذي يتطلع اليه شعبنا ليكون اساس النهج المشترك .
وضع خارطة طريق واسلوب العمل المستقل والمشترك
3_تحديد مطالبنا وتسلسلها حسب الاهمبة والممكنة خلال المساعي لنيلها وان يكون هناك التزام يالتمسك بها
4_ الاجتهاد في تكوين لجنة اعلام شاملة كفوءة ممكن أن يكون لها فروع في الوطن وخارجه مع الاستفادة من الاسائل الاعلامية المتوفرة اليوم 
5_ أن يعد التجمع السياسي التقرير السياسي الملائم للمرحلة ولوضعنا ولاهدافنا، كما
     تقدم المنظمات المدنية والمهنية تقاريرها لتوضح اهدافها ومناهجها والتزاماتها الملائمة لطموحات شعبنا والمفيدة في معركتنا النضالية هكذا نكون قد اعددنا الجهة المناسبة لتحمل المسؤولية من كل نواحيها .
 
 
استدراك مهم
•        قد يتساءل الكثيرون عن مصدر الكلف التي يتطلبها تنفيذ الدراسة
 
من نرشح و نتوقع دعوتهم للاجتماع الموسع
بعد لقاءات فردية او جماعية مع المكون التنظيمي لكل منظمة وقبول فكرة العمل المشترك كما ورد في الدراسة، يتم دعوة المنظمات ومن ثم تحديد المستقلين من الاسماء المرشحة، ويفضل حضور ممثل او شخصين لكل تنظيم، وهذا الحضور يكون تمهيدا عاما لطرح الفكرة  بعد ذلك ممكن أن تنسحب من المشاركة العملية او دمج بعضها ليمثلها عضو مشارك ، من الكتل المشخصة .
1-    الموافقون من تجمعنا السياسي للدراسة ويقترح أن يقوموا بمهمة الدعوة والاعداد لها
2-    ممثلون لطوائف كنيستنا المباركة
2_منظمة حمو رابي لحقوق الانسان
3_كتلة الوركاء
4_منظمة الرابطة الكلدانية
5_اتحاد الادباء والكتاب السريان
6_ممثلتان لاتحاد النساء
7_جمعية الثقافة الكلدانية
8_ممثل لمنظمات فنية/مسرح /تشكيل/فنون شعبية
9_اتحاد الاندية
10_جمعيات خيرية
11_قناة عشتار الفضائية
12_قناة سورويو الفضائية 
ممكن ان تتقدم جهات مخلصة للاشتراك في الاجتماع
يتم الترحيب بمقترحات واراء الواردة من ابنائنا في خارج الوطن
كتبت الدراسة على ضوء النشاطات وامبادرات والعديد من المقالات نشرت في بعض مواقعنا الاعلامية، انشرها الان صدى لتواصل كتابنا الاجلاء ليكون شعبنا في المتوى المطلوب والقائم في الوطن لا أن تفوتنا الفرصة ونهن ونغمرو في العتاب والنقد .
 
مع تقدير                                         سعيد شـامـايـا
                                                   13/1/2020 
 
 
 
 

45
ماذا ينتظر القلقون من الكلدان السريان الاشوريين والايزيديين
                       وهم يحتفـلون كل يوم بمنـاسبة تـاريخية
                        يطمئنون أجدادهم أن ارثهم لا زال خالدا

ماذا عن الوطن ؟ باختصار صار جو أوضاعنا الوطنية متلبدا بغيوم لا تنفرج رغم المحاولات البائسة من قبل الرئاسات الثلاث وما يرافقها من نشاط إعلامي وكأن ما حصل قبل ايام مجرد حركة محدودة لمطالبة شوهتها غايات شريرة لخونة وإرهابيين مندسين يريدونها مؤامرة و سوءا بالبلاد، ورغم محاولة المسئولين السياسيين في تقييم هدف المتظاهرين وأحقيتهم بالمطالبة بحقوقهم المهدورة، وتجاوبا معهم، راح الكل يقدم و ينثر بتلكؤ وعودا لا تلقى العلاج المناسب لغليان الشعب ولتضحيات الشباب والدماء التي سالت والتي يعمل البعض على مسحها مع تراب الوطن الذي فيها تلون دون الصدى الذي توقعه الجميع قويا ومباشرا، لكنه يذوب وسط إشكاليات تزرع للانتظار وللتأويل ان مخاطر تهدد البلد فعلى الغيورين أصحاب المطالب أن يكونوا والقيادة في مسيرة تمهل لتفويت فرصة المؤامرة(كما يدعون) التي يصنعها الخونة والمتربصون، لكن الرأي الشعبي العام والمدركين للأوضاع يمتعضون قلقون من هذا التخدير الذي يهمل أُسس الأهداف الاساسية من المظاهرات بوعود وإجراءات تتعثر قبل انجازها .
هذا وضع الوطن... ماذا عن الذين يطمح أبناؤهم الاستقرار في ارضهم وبلدهم، ومن يُعرفون بالأقليات بينما كانوا خير من ضحى وأبدع في كل أوجه الحياة إخلاصا وريادة ومثابرة رغم المصاعب وغياب العدل والحق في أي واجب او عمل يؤدونه و  يمارسونه بأغلى الجهود، للاسف اليوم تبدو واضحة الغايات التي تؤشر ايضا واضحة في المسعى لمحوهم من خارطة بلادهم وهم الأصليون في بنائه وحضارته ! ماذا ننتظر يا وطن ؟؟؟
•       ماذا ننتظر من اوضاع البلاد وهي تسوء والاعتماد على السلطة التي لم تنفذ وعودها التي راحت تتلاشى وتضمحل والخطر يهدد الوطن داخليا حتى من يظن أنه في مأمن من الاوضاع المحيطة بنا التي تسوء وطنيا ومنطقيا .
•       ماذا ننتظر وأوضاع بلداتنا في سهل نينوى تلقى المصاعب بل المساوئ، وهي تؤول الى الفراغ من اهلها ليحل محلهم جهات حلت قبل مئات السنين وتم الترحيب بهم ليس ضعفا وإنما مزية من مزايا الاصليين، لكن الضيف تقوى بانتمائه الديني وبدعم من جار الوطن الذي يستخدمهم في أهداف اغلى من البلدات برمتها، واليوم يخشى الابن الاصيل العودة الى بيته وارضه بعد هجرة فرضها داعش الارهابي، يعود ليجد سلطة قاهرة، لان سلطة الدولة منحت القادم الى البلدات شرعية التحكم في امر أمن البلدات وادارتها ديمقراطيا ما داموا الاكثرية  .
•       ماذا ننتظر وسيل المهاجرين من سوريا يصل بعد ايام وتقدير العارفين يؤكد ان نية الداعشيين كبيرة ونسبتهم ايضا كبيرة في هذه الهجرة، اضافة الى هذا الاجراء، هناك مخطط لترحيل السجناء من داعش في سجن هول الى سهل نينوى وهذا مقترح امريكا واوروبا وروسيا وبتحريك من تركيا وبموافقة الحكومة العراقية، ترى كيف سيكون وضع المنطقة بعد ان يعود اليها هادموها وإن كانوا سجناء  .                           
•       حتى بلداتنا في الاقليم تبدو قلقة لان ما تحاول تركيا انجازه في سوريا سيؤدي الى تبعثر الشعب الكوردي والمسيحي في المنطقة ليخلو لها الجو في اسكان المسلمين اللاجئيين في تركيا في مواقع مَن تشتتهم من سوريا، وسوريا صامتة وقلقة .
•       لماذا يصم اذنيه النظام في العراق عن سماع صراخ ابناء السهل ان الارض ارضهم منذ آلاف السنين والتاريخ يثبت انهم سكنوا بلداتهم ايضا منذ الاف السنينن فعلام يدرجونها كارض متنازع عليها من اجل التصرف بمقدرات مالكيها الاصليين، ومن ثم يوفرون الفرصة لمن يحتلها كارض وطنية دون الالتفات الى انهم يمارسون تغييرا سكانيا(ديموغرافيا) يصونه دستور العراق .
•       ماذا ننتظر بعد صمت احزابنا ومنظماتنا المدنية وكنيستنا التي ما ترددت في تناول امر المطالبة بحقوقنا القومية، ترى هل اجْدَتْ نفعا نشاطات الجميع المتبعثرة موضوعا  وزمانا، ترى هل فكرت في أمر او ممارسة او نضال يسترعي انتباه المسؤولين كما فعلت مظاهرات الشباب المنتفض ؟   
•       ماذا تنتظر الجهات المعنية في امر الدفاع عن  حقوق هذه الاقليات المهضومة والمعرضة الى مسحها من وطنها، هل استطاعت ان تنور شعبها بواقعها وما يهددها لتثق بالعاملين من اجل حقوقها فتلبي أية إجراءات تتطلبها العملية النضالية حتى إن تطلب الامر مظاهرة او اعتصاما في كل منطقة او بلدة(وتخميني أن الاخوة الكورد وإدارة الاقايم لن يكونوا ضد تلك الممارسات السلمية)عمل نضالي كآخر فرصة ملفتة نظر السلطات المسؤولة ونظر كل المخلصين في الوطن ونظر الجهات العالمية المؤثرة في التعامل مع مستقبل المنطقة برمتها، إن لم تعد تلك القيادات التي تحملت المسؤولية العظيمة عن كسب حقوق هذه الجهات الاصيلة فلتبادر دون كلل وتنتهز الفرصة الثمينة، تلتقي وتجتمع موحدة الهدف والطريق معلنة على شعبها ما تتطلبه المرحلة الحرجة لممارسة النضال المطلوب بمشاركة عامة تلفت انتباه الجهات المسؤولة في الداخل والجهات المتربصة حولنا والاهم الجهات العالمية ذات التاثير المباشر في تخطيط المقررات للمنطقة بأجمعها، وليس كثيرا او مكلفا تلبية حقوق هذه الفئات، بل يكون الامر في صالح الوطن وشعبه لان حل مشكلة بلدات سهل نينوى يوفر سلاما للمنطقة وينهي التنازع القومي بين العرب والكورد والتنازع الطائفي بين السنة والشيعة وبين بغداد واربيل سياسيا .
•       والحل الصائب، (أدرجت هذا في خمس مقالات نشرت ورسائل الى الاحزاب وذكرته في لقاء مع وفد أعضاء مؤتمر هلسنكي) أن تُنَقى بلدات سهل نينوى صافية [1]باهلها الاصليين كما كانت قبل مئات السنين ويعوض الضيوف المشاركون في سكناها بأرض واسعة لسكناهم الى جانب إخوتهم من المسيحيين والايزديين، وكل مستقل في شؤونه الداخلية وأمنه وأدارته لمنطقته كإدارة ذاتية ترعاها الدولة كأية محافظة او إقليم، حينها تتوفر الفرص المطلوبة لمد الجسور الامينة الصادقة للتآلف والتعاون، أما إن بقي الامر كما هو بمعالجات أنية تخدرها المناداة بالقيم والتآلف والتعاون ونسيان الماضي السلبي ومد الجسور الرابطة بتآلف وطني، فذاك خيال لانه مورس وفشل، فإن لم تتم المعالجة اعلاه سنجد كل هذه البلدات خالية من سكانها الاصليين بعد سنوات قليلة وستستمر النزاعات  والتقاتل من اجل اهداف بعيدة عن مصلحة الوطن برمته، بل قيام اوضاع في غير مصلحة الوطن و المنطقة ومصلحة الشرق الاوسط ايضا .
آخر نداء للعاملين من اجل هذه المهمة الوطنية والقومية والانسانية أن تبادر مجتمعة كل القيادات السياسية والاجتماعية والدينية لعمل ضروري ملائم ومناسب للمرحلة ومشترك وبدعوة مشتركة لعامة شعب أبناء هذه المكونات لتثق بالقيادة المشتركة وما تخطط له من فعل نضالي وبمشاركة شعبية فعلية جامعة !!! وإلا فنحن خاسرون لارضنا ووطننا مشتتين في العالم .
                                                                             سعيد شامايا
                                                                         20/10/2019         



46
إخفاقنا في التعليم يقلق
كل مخلص وطني
كانت نتائج الدراسة للعام الماضي في مرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية خصوصا في الصفوف غير النهائية مقلقة جدا (واحتارت الجهات المسؤولة الرئيسة تتساهل وتعطي المساعدات لمعالجة صغيرة لتغسل شيئا صغيرا من الاخفاق) نعم مقلقة بدرجة فاقت السنين الماضية، رغم أن التوسع في توفير المدارس الاهلية حصل بشكل ملفت للنظر، إلا ان النتائج جاءت بعكس ذلك الاهتمام الذي بدا ايضا مقلقا لان الهدف الذي اعتمده المندفعون والقائمون بتلك الخطوة كان تجاريا وليس تربويا لتطوير مستوى التعليم في العراق، معتبرين(الاهلية) احد ثوابت البناء الوطني وعلاجا للنقص في عدد المدارس، حصل هذا دون رقابة واشراف من الجهات المسؤولة في التعليم بل هناك من اشار ان تلك الجهات المسؤولة تغاضت النظر ولم تؤدي واجبها للاشراف المطلوب والتدخل العملي لتفادي النتائج المؤلمة، فراحت جهات عدة تنتقد الوضع المؤلم بل تندد به، منها دوور الثقافة والاعلام و الصحافة، هذا غير الذي اصاب العوائل من الم واحباط وهي تستقطع من لقمتها لتوفر اجواء صالحة لتربية اطفالها تعليميا .
وراح الجميع يفتش عن اسباب هذا الفشل الذي يعتبر نكسة وطنية في مجال التعليم والمعرفة التي تعتبراهم وسيلة في تطورالبلاد وتقدمه في جميع الخطوات المنشودة لبناء الوطن، بينما يكون هذا الفشل هو احد واهم  العوامل المعرقلة في تقدمنا وتطور بلادنا، ومحق كل من يفتش عن  الاسباب ومهم ايضا ان تكشف ليتم محاسبة المقصر ولتفاديها مستفبلا بدراسات وتجارب مهمة تتبناها الجهات التعليمية المسؤولة وتراقبها الجهات المخلصة الملمة في هذا المحور المهم، وإن جاء من خارج السلطة، أما إن اردنا الكشف الصائب لمن يتحمل المسؤولية، هناك البيت بضمنه الطالب نفسه ثم المدرسة ادارتها ومعلمها المسؤول عن مادته التي يعلمها ثم الاشراف التربوي وصولا الى المديريات العامة في هذا المجال حتى الوزارة  .
عموما هناك مسؤولية عامة تتحملها السلطة، الجهات العليا يسلطاتها لتوفربيئة وطنية صالحة للعائلة كي ترسل طالبا معدا تربويا يشعر بالمسؤولية، أما العائلة العراقية نراها بنسبة عالية تشكو الظروف المعيشية القاسية وتجتهد لتكسب ما يشبع افرادها على حساب مراقبة ورعاية اعضاء الاسرة لتستقيم الحياة المرجوة وتعد كل فرد مواطنا صالحا، وهذا واقع مؤلم في حياة العائلة العراقية...أما الطالب ومصاعب الدارمنها معاناة ابويه وإن حظي بوفرة افضل يُشترى له هاتفا ساحرا فيه كل شئ مفيد او اكثره مضر دون أن يتسنى للوالدين اعداد الطفل كي يتعامل مع هاتفه بففائدة بل اعتبروها فرصة للتخلص من المراقبة واتعاب التربية الصحيحة لانشغالهم بتوفيرماتحتاجه العائلة، حين  يعاتبون تلقي المسؤولية على السلطة التي لاتجيد توفير ماهو صالح لتعليم الطفل العراقي، في توفر الاجواء الصالحة للاجتهاد والارتباط بالدرس، أما المدرسة ومشاكلها وما تنتظره الادارة من تدخلات لا ادارية ولا اصلاحية لترضية الغير ولتعطيل مهماته الادارية ومشاكلها، ولو دخلنا غرفة المعلمين لسمعنا اللغط الكثير عن مصاعب المعيشة ومتطلبات العائلة وشكوى المعلم وسعيه ليعالجها بعمل اضافي وإن كان على حساب شخصيته كاستاذ مربي مطلوب أن يكون قدوة لمن يربيهم في المدرسة، ويكون المعلم سعيدا وطالبه عزيزا إن طلب منه تدريسا خصوصيا شخصيا فيه ضمان للنجاح مهما اهمل( أنا لا أظلم متهما الجميع)...أما عن الاشراف التربوي والادارة التربوية وصولا الى الوزارة، فقد ظهرت اوضاع معيبة لا تتلائم وتربية الاجيال ، قلما تجد مواقع وظيفية قامت على اسس صادقة فاعطيت المسؤولية لكفوء يستحقها .
وأتذكر ايامنا(مارست التعليم تلاثين سنة)والتنافس بين المعلمين للحصول على فترة بعد دوام المدرسة لممارسة دروس اضافية لمراجعة المناهج ورعاية اضافية للمتأخرين ليلحقوا بزملائهم، ومعلم الاجتماعية يشكو ويريد المزيد من فرص اضافية يمرسها لان المادة واسعة وطلابه ليست لغتهم عربية، ماذا اقول عن بلدتي القوش وونتائجها في بعض السنين الاولى في اللواء ومديرمعارف الموصل يزورنا مهنئا شاكرا والمنافسة قائمة بين المدارس دوما وكل الجهود تبذل مجانا وقيمة المعلم والمدرس رفيعة، ل ينتظر غير الشكر الذي يحصل عليه  ، اليوم كمثال سلبي فشلت طالبة في مادة ما وفشلها سبب رسوبها(وهي تتمحل المسؤولية) ولما اعترضت العائلة تبين ان الرسوب في  تلك المادة ربما تجاوز 85% وهذا كان منذ بداية السنة الدراسية، دون عتاب اوعقاب(ربمامسنودة) والمدرسة تلقي اللوم على العائلة وعلى الطالب والادارة صامتة، كيف ؟؟؟ والاشراف التربوي صامت، كيف ؟؟ طبعا لم اقدم في كلمتي هذه اكتشافا وانما تناقلته الصحف واللقاءات الثقافية واحزان  المثقفين اكثر الما من احزان العوائل، ترى ماذا عن احزان العراق يفتش عن معلم يقود المجتمع وليس مدرسة فقط 
 
                                                                         سعيد شامايا .
                                                                       24/9/2019
 

47
ما بين  السريانية  ولغتنا المحكية  السورث

                       
تبقى اللغة السريانية قوية عزيزة بتراثها وغناها الادبي مصانة بطقوسها الدينية محفوظة في كنائسنا وفي متاحف العالم، مرموقة لتاريخها مشوقة في ادائها يرددها المسيحي المؤمن دون أن يعي معنى لما يقوله(إلا المثابرين في خدمة كنيستهم) لانه يتحدث بلغة اخرى هي لغته الاصيلة ورثها عن اجداده قبل أن يؤمن بمسيحيته ورثها من ارامية واكدية وسومرية، وصانها رغم الصعوبات التي جابهته وهددت بقاءه، حيث لم تتوفر الفرص التي فقدها المتحدث بها كسادة يتمتعون بسلطة تصون لغتها وتراثها، مع ذلك تمسكوا جغرافيا بارضهم وحافظوا على دينهم بسريانيته وتقاليدهم وتراثهم منها أيضا لغتهم المحكية السورث، وكان تشتت وجود هذا الشعب في غياب سلطة تجمعه سببا في تنوع السورث الى لهجات تدخلت فيها اللغات القوية المحيطة بها، لكنها بصورة عامة مفهومة لدى ابنائها باختلاف مناطق سكناهم ،
وظلت النقاشات جارية بين من يؤكد ضرورة التمسك بالسريانية كلغة الايمان و لاصالتها كعامل اساس يصون  وجودنا في ارضنا وكوسيلة التعبيرقولا وخطابا  وشعرا ومسرحا(بمحدودية مرتبطة برجال الدين ومساعديهم) لغناها ولكثرة مرادفاتها المعبرة الجميلة التي يحتاجها الكاتب،  بينما يطالب من يؤكد اهمية السورث الوسيلة التي تجمعنا في اداء متطلبات حياتنا فيما بيننا، خصوصا لبروز حاجتنا الى التعبير الثقافي ومنتجاته الادبية التي تعطي قيمة لوجودنا ولست مبالغا إن شعرت بالفخر أن ابناءنا احتلوا مواقع ريادية في مجال الثقافة وحاجة شعبهم كبيرة لتداول تلك الثمارإن وعوها بلغة السورث، وقد بدأت النشاطات الثقافية التي تعطي لوجودنا في الوطن وسط المجتمع مكانة وقيمة كما فعل اجدادنا المثقفون وتركوا لناها تراثا غنيا في مجال الثقافة، وهنا يحتد النقاش بين من يبقى حريصا على صيانة السريانية التي لا يتقنها إلا نسبة ضئيلة من ابناء شعبنا ربما اقل من 3% فمن يقرأ قصيدة سريانية تحتاج الى مترجم ليفهمها الجمع المتلهف لمنتوجنا الادبي، وهذا ايضا واقع مسرحنا ولغة منتدياتنا الثقافية ومواقعنا الاعلامية التي تحتاج الى من يعي نشاطاتها فلا تجد غير السورث الغنية بالاغنيات والمدائح والنصوص المسرحية التي صارت تترجم الى لغات اخرى لقيمتها الادبية .
هنا ممكن أن يجمع هدفنا القومي وطموحنا الذي نسعى اليه يجمع الجانبين المدافعين عن شطري لغتنا كي يصلوا الى هدف يغني الرأيين القيمين اللذين نرعاهما مختلفين ! لم لا يتفقان على تطوير لغتهم المحكية السورث بإغنائها بكلمات ومفرات عوضا عن الغريبة التي دخلت لغتنا واغنائها بمرادفات جميلة تفتقدها السورث، بذلك يرتفع صوتنا قويا جميلا معبرا يطرب ابن شعبنا مفتخرا بما يقدمه مثقفوه.
حين اورد كلمتي هذه مندفعا عن السورث اعبر عما يعيقني حين اكتب قصة او نصا مسرحيا او اغنية  وانا أبحث احيانا عن لفظة معبرة احتاجها لتزين منتوجي الادبي، بينما اجدها في السريانية، إن استعملتها /وذاك هدف سام/لكنهاغير مفهومة لدى عامتنا، لذا بات مهما أن يتفق اللغويون محبو السريانية والسورث على دراسة وعمل مهم ومتواصل لذاك الدعم بين السريانية والسورث وأن تكون هناك مؤسسات مشرعة ومؤسسات ثقافية علمانية وكنسية تتكفل بانجاز هذه المهمة وأن كانت صعبة وبطيئة، فليعتبرها المخلص لوجودنا وكأنها اهم فقرة تصاحب فقرات حقوقنا القومية .
وبالمناسبة لقد بذل الدكتور روبين بيت شموئيل المدير العام لمديرية الثقافة والفنون السريانية في الاقليم فالقى محاضرات غنية عن السورث اصلها ومصادرها واهميتها لوجودنا مؤهلين في مجال الثقافة الوطنية، ومطلوب كأستجابة مهمة لمعالجة مهمة لغة السورث بخلق جهات مهتمة مؤمنة بحقوقنا لتأسيس هيئات اومؤسسات رسمية لها اختصاصاتها ودابها لهذا المحور المهم في حياتنا ووجودنا، ومثل هذا النهج لاتعرقله صراعات سياسية او دينية او اجتماعية ! لانها تهم الجميع، فالى المثقفين المخلصين منا اوجه ندائي . 
 
                                                                 سعيد شامايا   
                                                              15/8/2

 
 


48
نداء الى كل وطتي غيور على مصلحة شعبه خصوصا
المظلوم والمسلوبة حقوقه
       ندائي يستغيث به شعب اصيل (كلداني اشوري سرياني _مسيحي) اورث لوطنه المفاخر التاريخية وكل خير وعمل بناء ساعد في تطور وتقدم الوطن ومقاومة المصاعب التي اعترضته ، اليوم يستغيث مقاوما اهداف سيئة تحاول ازالة وجودة من ارضه التي عاش فيها آباؤه واجداده وضمن دستور العراق عدم ازاحته سكانيا باساليب مظهرها ديمقراطي وحقيقتها محو وجوده من قبل جيران دخلوا طارئين الى بلداته واستغلوا الفارق في تزايد عددهم السكاني وتمتعهم بمساندة انتمائهم الديني والاهم الطائفي الذي صارت ترعاه ايضا دولة جارة لها مصالح مهمة في السيطرة على المنطقة لمخطط يهمها تحقيقه  .
    لقد سعت كل الجهات السياسية لابناء هذا المكون وكذلك منظمات المجتمع المدني  وهكذا القيادات الدينية ، وأيدهم الرأي العام الوطني التحرري ومنظمات حقوق الانسان وهيئة الامم وافلح النشاط بوعود من الرئاسات العراقية الثلاث قبل دخول ارهاب الدولة الاسلامية /داعش، وعدوا بتحقيق طموح(الجهات المظلومة) بايجاد وحدة ادارية(محافظة او اقليم) يديرها ابناء المكون ومن يشاركهم مظلوميتهم /المكون الايزدي/ ،لكن ابتلاء كل الجهات بالاهاب وضروة ازاحته ارجأ كل الوعود، ووفق العراقيون بمقاومة ومسح داعش من ارضهم وكانت لكل من حارب داعش من جيش وحشد وأمن وحتى المنظمات والاحزاب المختلفة باساليبها كان لها المجد الوطني والتقديرالحضاري وكان درسا نزيها يحتاجه الوطن في الاعمار ولاصلاح ما فسد .
    وجابه العراق مشكلة ضحايا داعش ممن استشهد وترك عائلة ومن هاجر ليسكن الخيم صيفا وشتاء وما تهدم من دور ومؤسسات وبنى تحتية، وكان اهم مشكلة تجابه السلطة، اعادة المهجرين الى مدنهم وبلداتهم بعد توفير السكن الملانم ؤمؤهلات العيش و الاستقرار، عاد اخوتنا الشبك بعد أن توفرت لهم فرص العودة بحل المصاعب التي انتظرتهم خصوصا السكن، بينما وجد اكثر المسيحيين والايزديين مصاعب في العودة الى بيوت مهدمة او من استولى عليها جيران البارحة، ليس هذا فقط فهناك من استولى على اثاث او عدة العمل معلللا ان صاحبها هاجر او في طريقه الى الهجرة، بل قامت جهات ببناء وحدات سكنية بكلف عالية على ارض ابناء برطللة، تساعدهم جهات لها قوة السلطة حشد شيعي يشترك بالهدف المرسوم للشبك، وراحت صرخات ابناء برطللة ادراج الرياح ،
    الحل الوحيد لبقاء المسيحين في العراق كما أيدته جهات انسانية في الداخل وفي الخارج مطلبا وجعلته كل الجهات حتى السلطة في العراق ضروري وأن بقاءهم واجب وطني يجب ان يصان، ولا يمكن أن يصان التي سكنها اجدادهم و اباءهم فورثوها بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم والاهم اثارهم..إلا باستقلال ابناء المكون المسيحي في بلداتهم (التي سكنها اجدادهم و اباءهم فورثوها بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم والاهم اثارهم )وهذا كان رايي(كاتب المقال) الذي ذكرته لوفد مؤتمر بروكسل حين زارنا واستغربوا من طرحي واعتبروه رجعيا وطالبوني أن لا اطرحه في المؤتمربل افكر بالجسور التي تربط بين المكونات المختلفة قوميا ودينيا، وبقيت مصرا على رايي رغم محاولة بعض اخوتي أن لا اعرقل مؤتمر بروكسل وما يرتجى من وعود(اين مقررات مؤتمر بروكسل)، بعد المؤتمر استدركتُ في مقالين نشرا في عنكاوا وعشتار وأكدت ان الحل الوحيد هو استقلال المسيحيين والايزديين في بلداتهم والى جوارهم اخوتهم من عرب السنة والشبك الشيعة بعلاقات طيبة مسالمة ومباريات تحمل ما يحتاجه الوطن واكرر!  علما أن هذا الاجراء لن يكون على حساب الاخرين منهم الشبك .
   هذا الاجراء يخدم وضعا مهما تحتاجه المنطقة المبتلية بالنزاعات والخصومات ما زال الشبك الشيعة شرقا واهدافهم البعيدة تجابه عرب السنة غربا والاقليم شمالا يسعى لحل مشاكله مع بغداد جنوبا، قلت دوما (انه يشبه مثلث برمودا)لايحل هذا الاشكال إلا جزيرة هادئة مسالمة تفصل الجهات الاربع حولها بامان وسلام فتكون حينذاك الجسر الحقيقي الامين المسالم الذي تنشده المنظمات الاجتماعية، أما إن أصرت جهة على البقاء مختلطة كما هو الحال في برطلا وكرمليس وغيرها معنى ذلك تبقى محاولات الهجرة طموحا للمكون المظلوم حتى الى الداخل كما هي الان في قرى واماكن آمنة في الاقليم رافضة العودة الى بلداتها،واثقة أن الايام القادمة مشحونة بالاعتداء الشبكي المستغلة لاكثريتها العددية واقربها الى السلطة وتنامي طموحها بالاعانات المادية والمعنوية القادمة من الجيران .
إن مقترح وزارة التخطيط لاجراء بعض التغيرات الاداربة، جاء حلا لتلبية بقاء المكون المسيحي والايزيدي في الوطن وتحقيق ما ورد في الدستورتفاديا من محو الاساس السكاني وعدم تغييره، أما احتجاج التجمع الديمقراطي الشبكي المدعي أنها ارض الاجداد فهو مبالغ به لان الاحصاءات السكانية القريبة في القرن الماضي تنفي ذلك فتسبة الشبك كانت جد ضئيلة تنامت بسرعة، كما على ادارة سهل نينوى، أن تتعظ بما احدث داعش باسم الاسلام وكيف تحدى كل الانظمة والقوانين فهل من الصعب تشريع ما يلائم الاوضاع القائمة فيكون مدركا أن التغيرات الادارية من اجل خلق اجواء آمنة في المنطقة ليس استهانة بالحقوق الادارية .
   لذا على كل غيور أن يستثمر امكانياته إن كان كاتبا او اعلاميا او مسؤولا في مجلس بغض النظر عن الانتماء الديني او القومي انما رعاية لمصلحة الوطن وحل لمشاكله ودعم الاحزاب السياسية المجدة في هذا الاتجاه العادل وتلبية لتحقيق حقوق مكونات أصيلة مخلصة بانية .
   
                                                         سعيد شامايا
                                                       14/6/2019


49
صدى ايضاتابع لموضوع البارحة
عودة نشاطات داعش
افلقتني البارحة الموجة الاعلامية الواسعة التي سببتها خطابات وتصريحات ومداخلات بعض رجال الدين حول العلاقات الاجتماعية وتعامل المسلم مع غيره من الاديان الاخرى في مناسباتهم خصوصا احتفالات الميلاد، وساءني كما ساء كل مواطن مخلص لوطنه ظهور هذه الاخبار المقلقة التي تدخلنا في متاهات وتبعد المخلصين الوطنيين عن المحاولات لايجاد التيار الوطني الجامع للنوايا والاهداف الوطنية سعيا لانقاذ الوضع السياسي المتأزم، وان اثارة هذه الاخطاء لتصبح موضوعا يثير قلقا عاما فيسعى من يقف الى جانب الفتاوى والمنتقدين للمسيحيين الى الدفاع عن مفكريهم المدافعين عن مبادئم الدينية(حسب معتقدهم وتفكيرهم) لينبروا ايضا لايجاد او خلق حوادث او ممارسات غير مستساغة دفاعا عن راي و موقف قادتهم الاصوليين الدينيين، تبريرا لما اعلنوا من اراء وفتوى .
بذلك تحققت مخاوفي التي نوهت عنها اي ان تستغل هذه المقابلات كصراع يؤثر على الحركة الوطنية او يستثمرها البعض لاشغال الساحة السياسية عن المسعى الصائب لتدارك الامور السلبية المفرقة لوحدة شغبنا العراقي.
وها هو صدى ما تناقلته اخبارالبارحة عن موقف بعض رجال الدين لتظهر بالمقابل موضوع الطفل الذي اُسقي خمرا كهدف يقلل من الضجة التي اثيرت دفاعا واستنكارا لاراء  موجهة تسيئ الى شعب ودين سماوي وليس حادث اوتصرف شخصي خاظئ كقضية الطفل، نصرف ممكن ان بحدث في بلدان وقارات اخرى ولدى اديان اخرى،اوممكن ان تُخلق اوتصنع  مثلها حوادث ، مادامت الكامرة حرة والنقل الالكتروني حرا، فاعود الى كنه موضوعي البارحة الذي لم يكن صراخا ولا تباكيا إنما صوتا وطنيا مطلبا يطالب العدل محذرا الحكماء والوطنيين من الانزلاق نحو الامور التي ممكن ان تعالجها القيادات الصالحة او العدل الوطني بازالة الخطأ وتطمين الجهات المتضررة وعدم اعطاء اعلامنا الهم الاكبر للصراعات اهمالا للقضايا الوطنية التي تنور الشعب لامور مهمة من اجل منطلبات الوطن مستفبل وطموح شعبه .
 
                                                   سعيد شامايا
                                               2/1/2019     
 
 

50
عودة نشاطات داعش تثير قلق العراقي المخلص
من يغذي بقاء هذا النشاط وما تأثيره على حياة المواطن ؟
ما دور النشاط الذي انبرى فجاة يدافع عن الدين ؟ويشخص الخطر الاعظم من اخلص مكون اصيل ابن العراق مؤسس حضارته وسمو منبره التاريخي، الشعب المسيحي الباني و المسالم والغني بتضحياته واخلاصه لوطنه ؟.
ما يثير الانتباه الاخبار التي تُنقل عن خطب وفتاوى وبيانات دينية، تحارب شعب اصل باني ومضحي لوطنه وطن اجداده، وليس غريبا ان تصاحب هذه الحركة الدينة لبعض رجالها و لبروز نشاطات داعش وايتام الدكتاتورية هنا وهناك÷ تجمعات تُطهر نشاطات وصور الدكتاتور وواخبار عن نشاط الخلايا النائمة لداعش، من تفجير واختطاف للابرياء، يرافق هذا الفتاوى والبيانات الدينية العادية والمفرقة لابناء الشعب، لصرف النظر واشغال الجهود المبذولة من اجل وحدة الراي والهدف السياسي المطلوب لمعالجة اوضاع الوطن والشعب المقلقة و السيئة، بل تبرز وكأنها خطط مدبرة لعرقلة ما تتطلبه  الساحة السياسية من معالجات ينتظهرها العراقي لتغير اوضاعه بل تغيير الوجه الكالح الذي البسه المسؤولون خلال فترة مهمة انتظرها العراقي لتغيير الاوضاع ولتعويض لما نابه لعقود طويلة.. ساختصر الاجابات اعلاه .
•       المطلوب في هذه المرحلة تشخيص بدقة للواقع الوطني بسلبياته وما يحتجه لمعالجتها، والمحاولات سائرة وسط طرق ضيقة معروفة.بتراوح مقلق
•       ما يعرفه كل عراقي ان داعش وبقابا النطام البعثي هما المخرب والمعيق لكل اصلاح وبناء، وان التخلص من تأثيرهما يوفر الفرص الافضل للوصول الى الحلول والاهداف المرجوة ،
•       المكونات الصغيرة(الاقليات) دينيا(غير الاسلام) وقوميا(غير العرب) لايكونون عائقا وعاملا فاسدا للوطن بل كانوا دوما الابناء الاصلاء البناة والمضحون والمبادرون من اجل التطور والحضارة خصوصا المكون المسيحي لانه لم بهدم جامعا او يقتل شيخا او طفلا او يسبي امرأة،  ولم يعتد باسم الدين او يسبب خراب الوطن، فما يقصده المتبارون بخطبهم وتوجيهاتهم وفتواهم لمحاربة المسيحيين في هذه المرحلة يحلب انتباه البعيد، ويدعو الجهات المعنية بالاصلاح السياسيي أن تفكر كثيرا وليس المهم ان تستنكر وتنفي وتطيب الخواطر بل ان تدرك ان هذه التحركات قد تعود بالعراق وشعبه الى عودة الخراب والمخربين وكم سيكون ارهابهم  ليس على المسيحي او الايزيدي بل على السني والشيعي، وسنصسرالى ما لاا يتمناه حتى المرتاحون لهذه التحركات .
•       لو وفق العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري باختيار قيادة سياسية غيورة ملائمة لمرحلتها  قيادة غيرت اوضاع الوطن والشعب لساعد الشعب على نأييد والتكاتف مع السلطة القائمة و القضاء غلى بقايا قوة النظام الراحل ولاستمال المؤيدن للنظام الذين تبعوه من اجل مصالح اجبرتهم في حينها ولساروا في طريق الوطن الصالح، لكنهم ظلوا حيارى والاوضاع في العراق لم تسقر نحو الافض فكان خوفهم بعودة النظام ،
•        وهكذا بالنسبة لمأساة واثر داعش وما تم بالقضاء عليه باغلى الاثمان دماء العراقيين ابناء الكادحين والطبقات الفقيرة، لو وفق العراق بقيادة حكيمة الى جانب الشجعان من قاتل داعش وانتصر وغير الاوضاع نحو الافضل لكسبت القيادة ثقة والشعب واخلاصه في توظيف امكانياته في اصلاح كل خطا والمشاركة بالبناء والثقة بالسياسين ولكانوا عينا واذنا لرصد ومحاربة محاربة كل عدو للوطن ولكانت الثقة بقيادته ان العراق سائر نحو القوة والنصر، بينما الاوضاع التي استمرت في غير صالح الوطن والشعب افقدت الثقة وباتت تقلق الشعب من القادمات ويخاف من اتخاذ اي موقف وما نراه ونسمعه اليوم من قادة دينيين امور مقلقة لا زالت تشوش على الشعب وعلى الساحة السياسية بل يراها الشعب تشوش على مستقبل وطنه
 
                                                           سعيد شامايا
                                                                31/12/ 2018       
 

51
السياحة نهجنا الوطني
               
منذ اكثر من عشر سنين نشرت دراستي عن السياحة بعنوان السياحة في كوردستان ليحفز المغريات السياحية التي تحتاج الى المزيد من الاهتمام وتصبح مصدردعم مادي يعزز ثروتنا القومية، خصوصا حاجة كوردستان الى الموارد للبناء، وكانت في الاصل دراسة للسياحة في العراق لكن صعوبة التحرك في الوطن والاوضاع الصعبة جعلتني ارجئ هذه، كما كان  لتشجيع وزارة السياحة في الاقليم دور لنشر كتابهم آنذاك. واليوم وجدت ان الفرصة توفرت وان الحاجة الى صرخة تساهم من اجل التغييرنحو الافضل، ولم لا تكون السياحة مساهمة فعالة لتاخذ موقعها أيضا الهدف من الدراسة  صوت ينبه رجال التغييرالمخلصين بعد معاناة الشعب المنتظر للبناء والاصلاح لينال حقة من الوطن الذي اخذ من شعبه دون ان يعطيه ما يستحقه
والنقاط ادناه اسئلة وملاحظات تنبه القارئ ليجدها في متن الكتاب مع الامنية أن يأخذ موقعه المتواضع في مجال ثقافة الوطن.
•   العراق بلد سياحي/لماذا؟
•   هل تتنوع مظاهر السياحة الناجحة في وطننا ؟
•   هل ممكن أن تنافس السياحة الناجحة ثرواته الاخرى كالنفط .
•   هل ممكن أن تنفذ ثروتنا السياحية مستقبلا؟
•   هل يقدم العراق اليوم سياحة ناجحة متطورة ؟
•   هل ممكن أن تُسرق سياحتنا او مواقعها السياحية ؟
•   مل ممكن أن تكون السياحة مصدر طمع وتدخل الاخرين من خارجنا ؟
•   هل ممكن أن تكون السياحة مصدر تنوير حضاري لشعبنا ؟
•   هل ممكن ان تطور السياحة قريتنا حضاريا لتنافس المدينة ؟
•   هل ممكن ان توفر السياحة فرص علاقات صداقة طيبة ونزيه مع الدول الاخرى ؟
•   هل اُعطيت للسياحة اهتماما ورعاية كما تُعطى لوزارة النفط ؟
•   هل ممكن أن يكون للسياحة في العراق وزارة قائمة ؟

                                                 سعيد شـامـايـا
                                                 17/9/2018
 

52
أدب / على الحدود أقف
« في: 13:43 28/04/2018  »
على الحدود أقف
البس بؤسي
يدفعني يأسي
أتدثر بغلالة من غبار الأيام
تشدني لهفة مجهولة
اهرب من زمن أخاله وحشا يلاحقني
أمد قدمي عبر خط الحدود
والأخرى مشتولة في ارضي
أرى نملة تعبر تلتقط حبة وتعود
تشدني قبره أيضا تلتقط حشرة وتعود
في عشها زقزقة صغارها أناشيد
تذكرني بطفولتي
والاصطفاف الصباحي
وحناجرنا ألف مذياع ينشد
وطني وطني الجلال والجمال
أعيد قدمي لأشتلها مع الأخرى
اشعر حولي هاوية تكاد تبتلعني
العابرون يصرخون :علام تـرددك؟
وفي داخلي صوت ينبت
إن كنت خائفا من يومك أو من غدك
هاجر إلى داخلك
في داخلي صرر مربوطة
افتح إحداها
أجدني طفلا لاهيا يركض يطير
مدينتي جميلة يتخللها نهر من حليب
شطآنه من فضة زوارقه من ذهب
قدماي مسرعة
تسري ولا تلامس الماء
مدينتي بلا أسوار بيوتها بلا حجب بلا أسرار
السندباد مبهور يلاحقني
يا سيدي بع لي موقعا واحدا
يا سيدي هي لنا جميعا هي من الكثرة
ما تكفينا وتفيض
فتياننا يتراقصون كأنهم بالموسيقى يحرثون
فتياتنا في الهواء يسبحن
عبر الغيوم فراشات
تنبشن غيمة فيها الشمس نائمة
بدغدغات يوقظنها
تمشطها
في مسارها تبدأ نهارا جديدا
مر مارد يطوي شريط الزمن يطبعه بقبلات
كأنها أختام تقول سلاما سلام
لا ملل  إن جاعت العيون
تعشوها بسمات ورود إن هي
إلا وجنات صبايا
أخذتني غفوة
أنا على أبواب قريتي
والدي يودعني
إن ضاقت بك المدينة فقريتك أوسع
أين أنت يا أبي
وطني يضيق بأهلي هل هو الوهم
تبسم ..تألم..هذا قدرك
قاضيه
يوم لك ويوم عليك
لكنني لم أنل لحظة من يومي
طويت الصرة
على الحدود لا زلت مترددا
كمتصوف يعد الأقدام العابرة
في ثيابهم أدس ورقة دفلى من شاطئ الفرات
ذكرى للعودة
انظر عبر الحدود
صور كنت اشتهيها واحلم بها
هوليود زاد أحلامنا الغر
تبدو اليوم وحوش تنهش بعضها بعضا
بطون مبقورة
أوصال مقطعة جمال مهان
أنياب تقطر دما
اشمأزت نفسي عدت حزينا ابحث عن قلمي
أجالس التاريخ احكمه أو يحاكمني
أم كان كابوسا
 
2001/7/5

53
أدب / المطر الاصفر
« في: 09:03 04/02/2018  »


المطر الاصفر

سعيد شامايا


1
  عبرت غيمة خبيثة
  دون ندى..بل دخان
   ورياح   حثيثة                         
  وانتصبت خيمة           
  لتحتضن اطفال 
 امهات فقدن الاحضان
 فناموا في امان دون اكفان
2

خجل نرجس كوردستان وذبلت اوراقه
ولملمت تويجاته الوانها
وصرخ المتك
لا لن القح حبي في الدخان الاصفر
ترى هل سيبقى من يشم عبيري
حين يرتوي البشر
من المطر الاصفر

3

تجولت الشمس في ربانا
تبحث عن مأوى...  تسأل قرانا
طردتها الروابي ! تتذكر يوما حزينا
به شهدت زورا واغمضت عينا
عن مصائبنا و بلوانا
والشمس تحتج بألم
لا لم اكن شاهدة
هي الغيمة الصفراء حجبتني
دفعها ملاك الموت نشوانا
حين حذرته
قهقه منشدا انه عرس للجميع
فتواريت خجلانة

4

هل  امر الله ان يسقط الزمن
وينتحر التاريخ ليمحي السنين
وتبصق البراكين على عدن
مطرا اصفر
لا انتقاما لخطايانا
بل لنعجز عن دفن طفلة من غير كفن

5

رأيناهم يمسحون باحتفال
كل الامال
يقطفون بازدراء
كل الاطفال
يشنقون كل غد
دون مأتم
لا اهل يفجعون باولادهم
ولا اولاد يحتفلون بيتمهم
حفل اقامه الانذال
والدعوة   للجميع

6

ذات اليوم سألت غيمة متطفلة
اوتحملين المطر الاصفر
زمجر ملاك الموت يدفعها
ثم عبر
الححت بالسؤال حتى ضجر
ما جدوى معرفتك
حين اسقطه مطرا
تكون انت
قد فقدت البصر
                             


نشَرت مجلة الاقلام في عددها السابع /تموز1990 قصائد من الشعر الكردي المترجم للدكتور نافع عقراوي بعنوان اهات اطفال الكرمل , حاصرني سؤال ملح وانا اقرأ القصيئدة وأعود الى العنوان: ترى هل يخبئ الشاعر خلف عنوانه آخرا وآهة مكتومة ؟ ام لم تصله اهات اطفال حلبجة ؟ لم امسك نفسي فكتبت / مع عذري للشاعر.
 عذرا لاشغالك فالتغيرات الحاصلة لم يستوعبها العجوز المسكين

54
الى متى يُبعد صاحب الشأن عن قضيته ؟
يبقى وضع سهل نينوى مثار الجدل ربما حتى الصراع، نعم هو قضية وطنية يجب أن ترعاها السلطة الوطنية، نعم للاقليم رأي وجهد مطلوب رعايته،  وللدستور أيضا الحل المنتظر،  ولكن على أن يتم دون إبعاد أصحاب القضية أصحاب الارض، ومن اكتوى بنار الارهاب وما خلفهه من دمار، فعند المسعى لتنفيذ أي اجراء يساعد في التخفيف عن مأساة اصحاب القضية أصحاب الارض، تأتي النتيجة إبعاد وإهمالهم (أصحاب الشأن)، ليتحول الحل الى مشاكل ومنازعات لها تأثيرها على الوضع الوطني العام، مما دعانا أن نشبهه بمثلث برمودا يبقى يهدد السلام في المنطقة ومن ثم في الوطن كما الحالة التي نعيشها بخوف وقلق ما لم يكون الحل عادلا، عليه ألمطلوب إن أردنا الحل العادل والمنصف أن يكون لأصحاب الشأن دور ورأي ومشاركة فعلية في حماية ارضهم ولتوفير امنهم  ولعودة حياتهم الى وضها المطلوب، نعم برعاية ودعم كل من سلطتنا الاتحادية والاقليم المحادد والمهتم بهذا الشأن .   
الذي دعاني الى هذه المشاركة وما لفت انتباهي بل حركني متفائلا خبر يعلمنا أن امريكا (الولايات المتحدة)التي كانت دوما مساهمة في محاربة الدولة الاسلامية/داعش، أنها ستساهم في اصلاح ما فسد في العراق منه ! أنها ستقدم دعما ماديا مقداره( 7/1 )مليار وسبعة اعشاره $ لتعمير واصلاح اوضاع سهل نينوى،إنه مكسب وطني يخفف عن السلطة الوطنية من أجل اصلاح وطني في المواقع الاخرى، علينا أن نعزز رغبة أمريكا وثقتها في أن الامور تسير في العراق بصدق وعدالة حين تنفيذ مثل هذه المنح والاصلاحات، وذلك بجعل أولي الامر(بغداد وأربيل واصحاب الشأن(اصحاب الارض) والمانح مشاركين في تنفيذ الاصلاح المطلوب .
فتشكيل لجنة من أصحاب الشأن ممثلين للبلدات المستحقة لهذه الاعانة والساعين سياسيا واجتماعيا بمشاركة لممثل السلطة الوطنية وممثل للاقليم والاهم، صاحب المنحة ،أي ممثل امريكا يشترك في كل خطوة بل يكون له الراي ليعلو الى درجة القرار في التوزيع العادل، أن كان تعميرا او توفير خدمات اجتماعية او خلق فرص عمل للبنية التحتية، إن حصل هذا سيوفر للرأي العام العالمي مساهمته لتوفير الظروف الملائمة لعودة الحياة الطبيعية الى المنطقة بل يشجع من هاجر الى العودة الى الوطن مملوءا بالثقة حين يلمس أن قضايا شعبه تعالج بعدالة وحق مضمونَين وطنيا ودوليا ،
 
                                                                    سعيد شـامـايـا
                                                                 11/12/2017   
 

55
قال لي: انت تخالف ما اتفقتم عليه في مجال حقوقكم
قلت  : ليكن ما دام، فيه تكمن حقوقنا الحقيقية ولا ضير فيه للجميع 

 
حقوق شعبنا في أرضهم
تتحقق في ضمان صيانة وجودنا في سهل نينوى

كانت ثمرة نضال احزابنا السياسية، (في مجال حقوقنا القومية)  وجهود الكنيسة وقادتها مضافا إليها مساعي منظماتنا للمجتمع المدني والمستقلين الاخيار في المهجر، أن نحصل على حق يعطينا مكونا إداريا، محافظة أو إقليما(وهكذا بالنسبة للمكونات المغبونة الأخرى كالايزيديين )مع الاشارة الواضحة حول صيانة حرية وأمن وشرعية إدارة هذا المكون ذاتيا، مع توصيات مطمئنة تتسم بعلاقات اجتماعية فيها مزايا التعدد والعفو وقبول الأخر دون تمايز قبلي او قومي او ديني(اي أن تعود البلدات الى طبيعتها الاولى  بساكنيها) واُقر الحق مبدئيا من قبل الرئاسات الثلاث في الوطن، وأيدته المنظمات العالمية كهيئة الأمم المتحدة والبرلمان الاوروبي ودول اوروبية كفرنسا والمانيا،  وعالمية كندا واستراليا وباندفاع الولايات المتحدة وشعر جميع الساعون باطمئنان ورضا، إن تم توفير الظروف الملائمة لعودة من ترك بلدته وارضه وضمنت له الأوضاع الملائمة أيضا للعيش الهادئ من أمان وحرية وسيادة تصريف شؤونه الداخلية حسب الأنظمة والقوانين الوطنية ! هنا نصل الى  الاختلاف( النقص في الحقوق) الذي يدركه الجميع، وما قبولهم إلا حرصا لكسب الحقوق كفرصة قد لا تتكرر ومن ثم معالجة النقص الذي يكمن في الواقع الذي يبقى قائما .
لقد حاول ابناء شعبنا في بلدات سهل نينوى سابقا، أن يوفروا الظروف الملائمة للتعايش مع إخوانهم (المختلفون معهم قوميا ودينيا) الذين يتوافدون دوما ويزدادون عددا مقابل اضمحلال عدد أصحاب الأرض الأصليين، لكن التمايز بقي قائما، بل اشتد حين ظهرت بوادر طارئة خارج إرادة ساكني هذه المنطقة ! وهذا هو الأمر المهم الذي يبقى المؤثر الفعال والدائم في سلب اية حقوق نالها أصحاب الأرض الأصليون، الصراع الذي اشتد بسبب السياسة القائمة التي خلقت صراعات طائفية وقومية، وشاء سهل نينوى أن يحظى بالتنوع الذي يشجع ويقوي هذه الصراعات والأطماع التي لم تقتصر على مسؤولية من في الوطن بل امتدت الى الخارج .
•        الصراع الطائفي بين السنة والشيعة(غرب السهل وشرقه) يشتد ويقوى خصوصا بعد
أن باتت السلطة هدفا لكل طامع، لضياع المقاييس المؤهلة لتسلم مسؤوليات القيادة
•        الصراع الذي اشتد بين الاقليم  وبغداد على السهل كأرض متنازع عليها مهملين حق أصحابها الشرعيين الذين يسكنوها منذ آلاف السنين، فجعلوها أرضا متنازعا عليها .
•        تدخل دول الجوار(خصوصا إيران وتركيا والسعودية) وانعكاس صراعاتها الخارجية على الوطن(العراق) وحصة السهل منها كبيرة،
•        أطماع الدول في العراق كسوق ليس فقط لنفطه بل أيضا لرغبة السلطات المتوالية المستمرة لشراء الأسلحة، أيضا استيرادا للبضاعة بعد أن أُهملت الصناعة الوطنية الإنتاجية والزراعة .
•         سبق وأن شبهنا سهل نينوى بمثلث برمودا قابل للانفجار إن لم يتم الفصل بين الجهات  المتنازعة والمختلفة بأرض حيادية يسكنها محايدون مسالمون أوفياء لوطنهم ولجيرانهم مبدعون دوما من اجل التطور والأهداف الإنسانية والحضارية، مكون كم حلمت فيها وكتبت، جنة لكل العراقيين، جسرا من الورد والريحان يشم عبقها العابرون بآمان من جنوب الوطن الى شماله وأبناء كوردستان الماضون الى الوسط والجنوب يريحهم ان يتمهلوا سعداء بإخوة وهم يحترموها ويحرسوها، ويرعوها ويكون للوطن و للمجتمع الدولي حصة من تلك المتعة و الرعاية .
المهـم أيـن الحـل المطلوب
 
الحل يكمن في أن تتاح للمكونات الإدارية المنتظر قيامها والخاصة لأبناء السهل أصحاب الأرض، حرية إدارة شؤونها ذاتيا، والاهـم أن تمتـع بلداتها بحرية ممارسة حياتها كأكثرية ساكنة غير قلقة من تغيير سكاني(دموغرافي)و لا يؤثر عليها أغلبية مخالفة لها بالدين والقومية والأهداف، قد يكون هذا العرض مخالفا لما بنت عليه كافة الجهات المشاركة في منح هذه الحقوق، ومخالفا للهدف الاجتماعي الحضاري والإنساني في تطوير المجتمعات والعلاقات الاجتماعية، لكن الضرورة الداعية إلى تحقيق العدالة في إنصاف المظلومين وأصحاب الحق الضائع وتحقيق الأمن والسلام، وإنقاذ المنطقة من الصراعات المهددة دوما، كل ذلك يهون على المسعى الاجتماعي والحضاري وأن يجد أسلوبا آخر في تحقيق التجربة وعدم إهمالها .
البلدات مهدمة الأبنية في سهل نينوى تقريبا  وتعويض بعض ساكنيها بنقلهم الى أرض جديدة وبناء جديد قد يكون أفضل من ترقيع القديم، وإن كان في الانتقال الى  البلدة الجديدة الخاصة بهم ولهم، كما يكون لهم مكون إداري أيضا، ومن أجل تحقيق الهدف الاجتماعي المنشود، تقام بين البلدات الجديدة والقديمة علاقات وطنية وإقليمية اجتماعية ثقافية اقتصادية فتولد المبادرات الإبداعية في مباريات إنتاجية في كافة المجالات المذكورة، وسيكون ساكنو البلدات الجديدة اقرب مما لو كانوا في سكن مشترك متنافسين مستغلين المميزات التي تشهر بين الأقوى والأضعف، التي لم تعالج سابقا والتي ظهرت بوادرها للأسف بعد رحيل داعش، مشاكل جعلت  أبناء البلدات الأصليين يترددون في العودة الى بلداتهم بذات الحالة السابقة، بل راحوا ينشدون الهجرة مضحين بأرضهم وتاريخهم وذكرياتهم وحبهم لوطنهم الذي من اجله قدموا التضحيات .
قد تشغل العاملين في هذا المجال مشكلة الكلف القائمة دوما كي تتوفر إمكانية بناء بلدات جديدة، رب بلدة واحدة واسعة تحل المشكلة خصوصا ان لهذه التجربة أهمية وطنية، والتي من الضروري أن تشترك بها دول اخرى كما وعدت ليكون العمل إنسانيا وحضاريا مشتركا .
فإلى كل من سعى ومن عمل وضحى من اجل حقوق المظلومين ومن اجل الوطن زاهيا بعلاقات أبناء شعبه مهما اختلفوا اثنيا ودينيا وطائفيا، لتكن هذه التجربة منجزا تاريخيا عالج أمور مهمة داخلية وخارجية ولتكن درسا في مجال تجارب الشعوب، لشعب دحر الإرهاب واتجه إلى الإصلاح والبناء !!! وأنتم من سعيتم في هذا المضمار ادرسوا الخلاف في المعالجة التي أشرت إليها واصمدوا في انجازها وإلا ستذهب كل المساعي الخيرة التي اجتهدتم في تحقيقها سدى .   
 
 
                              سعيد شـامـايـا         3/11/2017                                  


56
معالجة مهمة في مرحلة حرجة تمر سريعا
      طرح عنفوان الواقع الذي يلق والظروف الحاكمة في سهل نينوى

من اجل إخماد صراع أشبه ببركان، حاضر أن يتفجر لأقل هزة كامنة في داخل أنفس من هم محيطون بهذا السهل، تبقى الحاجة ملحة أن يلم المحيطون ودول الجوار وكل من تهمه القضية ويسعى من اجل فرض السلم والاستقرار في المنطقة منهم هيئة ألأمم المتحدة والدول ألأوروبية والولايات المتحدة بصورة خاصة .
ليكن موضوعنا معالجة حقوق من أسموهم بالأقليات، وتأثيره ألمباشر على القضايا الوطنية العامة، والتي قامت المشكلة التي أشغلت الوطن ولا زالت قائمة .
 كثرت النشاطات واللقاءات أيضا المؤتمرات، نشطت فيها أحزاب سياسية وقيادات كنسية ومنظمات مجتمع مدني وآخرون في المهجر تهم قضية حل مشكلة سهل نينوى وقاطنيه بل وأصحابها، وأخيرا ما يسببه السهل كأراض متنازع عليها، وهذه الكتابة هي أفضل حل وان كان جزئيا يشمل بعض تلك الأراضي وبعض من فيها،  المطلوب حل مشكلتهم، سأختصر لسهولة التركيز على النقاط المهمة التي يجب معالجتها وصولا الى الحل الأسلم للمنطقة وللعراق ولأبناء السهل وما شابهها من مشكلة ألأراض متنازع عليها، ومن اجل إقرار الأمان وضمان حقوق الشعوب المقهورة كقضية وطنية مهمة.
•       يبقى سهل نينوى كمثلث برمودا، قابل للانفجار كما أوضحنا أعلاه،اي كلما تململ غاضبا احد المحيطين بالسهل .السلطة الوطنية جنوبه، الكورد شماله، السنة غربه والشيعة شرقه .
•       أثبتت التجارب عبر التاريخ أن من شرقه(السهل) ومن غربه شعوب تشغلهم قضية طائفية يستطيع من له مصلحة أن يؤججها  فيحصل ما يحصل الان، وفي شماله الكورد الطالبين بضمه الى كوردستان كونه أرضهم، يقابلهم العرب معهم بغداد باسم الوحدة الوطنية، وهي مشكلة نعيشها اليوم،
•       تسمية الأراضي المتنازع عليها أي على سهل نينوى تسمية خاطئة لان للسهل أصحابه القاطنين فيه منذ آلاف السنين وكان لأجدادهم دور في جعل بين النهرين(العراق)منارة النهضة والحضارة باعتراف الآثار والتأريخ والمؤرخين بعد دراسات وتحليلات علمية .
•       لكن الغايات والأطماع المذكورة حركت جهات متميزة قوميا ودينيا لتشترك في سكن بلدات السهل ونتيجتها خلقت علاقات وظروف صعبة للأصليين فتناقص عددهم مهاجرين، بينما ازداد عدد المتدخلين نموا سكانيا دون معالجة الوضع كمشكلة التغيير السكاني(الديموغرافي)سلطويا ولم يكن امر الاندفاع في هذا السكن صدفة او حاجة إنسانية، إنما 1-أهداف عدة منها طرد الأصليين كطفيليين دينيا وقوميا، أيضا كهدف 2- طائفي للوقوف بوجه السنة الخصم الطائفي غرب المنطقة، وهدف 3 تلبية لايران الجادة ان تجد طريقا للثورة الإسلامية تمر قي العراق، فأعطت ببذخ لشراء دور وارض الأصليين بأسعار مغرية تنقذهم من مضايقات جيرانهم بالهجرة، ترى هل هذا تقره أهداف حقوق الإنسان  ؟
•       المعالجة التي يراها الساعون لتطوير المجتمعات هو المسعى إلى التعايش السلمي والعفو وقبول الآخر، والاندماج في وحدة وطنية ،حاول الأصليون من اجل  تطوير العلاقات الاجتماعية فلم تجد، ولن تجدي بسبب التباين في العادات والتقاليد في ممارسات الشعائر الدينية والاجتماعية في الأحزان والأفراح، وفي الحقيقة بسبب الأهداف أعلاه، وكان العلاج النظامي القانوني لخلق الجهة الإدارية المتولية عن حل المشاكل ديموقراطيا في الانتخابات، وأصبحوا وباتوا الأكثرية، بذلك خسر الأصليون حقوقهم .
•       هناك ظاهرة استجدت بعد غزو داعش وهي أن الجميع هاجر وترك مقتنياته، بعد مغادرة داعش تبين أن المسيحيين قد فقدوا أثاثهم وهناك إثباتات أنها سرقت بوجود داعش أي ان البعض كان متفقا مع داعش واليوم يعود أيضا ربما ذلك البعض، مستعينا بدينه وقوميته وتبعيته لطائفيته، ترى هل يمكن لأقلية ضعيفة، أن تثقف وتغير السلبيات الى ايجابيات وهي لا تملك سلطة .
•       أيـن الحَـــل ؟ الحل ان يتم فصلا سكانيا مؤقتا، فرصة لكل جماعة مضمونة حقوقها منفردة في سكناها كل في بلدته أو مكونه ألإداري، مباريا في صناعة الحياة الفضلى أمنا وتطورا في المجالات العملية التي تخدم المجتمع من حولها وليس فيها فقط . أما إن لم يتبع هذا الحل تذهب كل العلاجات المقصودة مهما كان(نوع المطالب المحققة)وكذلك الرعاية العالمية تذهب سدى بوجود الخلط السكاني .
•       أقررت السلطة المركزية مبدئيا وكذلك حكومة الإقليم استحداث وحدة إدارية (محافظة او إقليم)لأبناء المنطقة، ولكن إن كانت تلك المؤسسة الإدارية على ما هو عليه الوضع السكاني القائم، لم يتغير الواقع بالنسبة لأبناء الأرض الأصليين شيئا، أما إن انفردت وحيدة وإلى جانبها بلدات او مدن للمتمتعين بكينونتهم القومية والدينية وأيضا الطائفية، فهي الحل، ترى هل سيقوى أبناء البلدات الأصلية إن ظفروا بحقوقهم على إقلاق او التأثير على المميزين يدينهم وقوميتهم وهم الأكثرية جغرافيا ؟ أم ستكون هناك مباراة عادلة تخدم الوطن وتلبي حقوق الأقَليّة المغبونة وتحقق الأمن والسلام في المنطقة عموما وحلا وطنيا بين بغداد وأربيل .
•       ربما يعتبر الأمر بعيدا عن التآلف والأسلوب الحضاري المطلوب، لكنه في الحقيقة هو معالجة اضطرارية وتجربة تؤدي الى مزايا مطلوبة الأمان في المنطقة وتخفف من المشكلة القائمة بين الأقليم  والمركز وتبعد الوطن من تدخل الجيران في شؤون العراق، أما عن كلف إقامة مدينة للشبك المطلوب سحبهم من البلدات، لن يكون كبيرا ما دامت أكثر البيوت مهدمة ولم يبق منها إلا  الأرض لذا يكون من صالح المسحوبين السكن في بيوت جديدة، ومن المؤكد أن عملية المشكلة تحتاج الى إعانة دولية في كلا الحالتين .
•       أما المشكلة القائمة بين المركز الاتحادي والإقليم يمكن ان تحل، وما يكمن في هذه الأرض من ثروات(السبب الأساس في المشكلة)تعتبر وطنية تخضع للاتفاق الذي يقرر العلاقات بين بغداد والإقليم ،كما تكون كل المزايا التي يحققها هذا الإصلاح مزايا وطنية .
•       المهم ان تصل هذه التوضيحات إلى المسئولين في العراق والاهم أن تصل الى الجهات الأجنبية لتقتنع بهم ومن ثم تقنع كلا من بغداد والإقليم بهذه الحلول/ والمهم أيضا ان تُرعى الوحدة الإدارية المكونة بضمان الاستقرار  والأمن ألدائر حولها والتعاون في خلق الوحدة الإدارية المتكاملة في جميع المتطلبات من إدارة وخدمات ورعاية اقتصادية وتعليمية وثقافية موجهة يؤديها أبناء المكون سعداء بهذه الحقوق مبدعين ليكونوا المثل الجيد في الوطن والجسر النموذج الزاهي الرابط في مزاياه بين شماله وجنوبه بين شرقه وغربه إن توفرت نيات إنسانية وطنية صادقة مخلصة
 
 
                                                      سعيد شاميا
                                                    25/10/2017



57
سهل نينوى فوهة بركان قد ينفجر
هذا ما كنا نخشاه لذلك كتبت الدراسة الاعلامية (دراسة اعلامية قد تصلح حلا ملائما لحقوق الشعوب المنكوبة)تحمل الحلول التي تتلافى المخاطرالمتوقعة .
(كنت قد وقعت على مطلبنا الى مؤتمر بروكسل (الذي لم احضره) لذلك ما كان ملا ئما مخالفته قبل المؤتمر فكتبت دراسة اعلامية كمداخلة تحذيرية انوه هنا على ماورد فيها لان الامورالتي ستستجد خطرة تهم الوطن وليس سهل نينوى فقط إن لم تتم المعالجة المطلوبة
كانت نشوة مؤتمر بروكسل تغمر بعضنا كأمل في تحقيق مطالبنا بينما كانت الشكوك ايضا تقلق البعض الاخر لعدم ثقتهم بمن في يدهم تنفيذ المطلب الذي حملته الاحزاب المشاركة في المؤتمر، واستمرت النشوة  بعد ان ظهرت المقررات الايجابية(لكنها لا تلزم احدا ممن نخشاهم كمعوقين لتحقيق ما نتمناه خصوصا مشكلة التغيير السكاني ومنطق القوة الذي يتعاملون به )!  تلبية لامنيات شعبنا .
لقد حضرت اجتماع الوفد القادم من هولندا لاعداد المشاركين من الاحزاب في المؤتمر لتكون الجلسات سلسة وملائمة وليتم توزيع الوقت المحدد على المشاركين بساعته ودقائقه وحتى مناقشة البعض من المداخلة المتوقعة، وكان رأيي يومها !!!
العملية كبيرة تخص الامن والسلام لكل المنطقة فليس صعبا ان يتم الفصل بين اصحاب البلدات وبين الطارئين عليها، ببناء بلدة او مدينة  كبيرة لاخوتنا الشبك وهم لا يخسرون شيئا مادامت البنايات مهدمة وبدل ترقيعها يمنح سكنا جديدا!(وإلا ما هذا الاصرار على التوغل الخالق للمشاكل والمثير لنيات تحرك خصوم المنطقة ؟)! قد يجده البعض امرا مستحيلا او مخالفا للوحدة الوطنية المرتجاة، لكن تجربة الحياة الماضية في هذه البلدات تبرر هذا الاجراء ما دام الحل بمساهمات ومساعدات عالمية وما دام يضمن أمان المنطقة .
لقد شبهت منطقة سهل نينوى بمثلث برمودا الحاضر دوما لقيام نزاع مفتعل لافتقاد الثقة وغياب الحل الوطني النزيه(وأكدت أن الاارض المتنازع عليها ليست تائهة دون اصحاب، بل قاطنوها لهم اصول تاريخية فليستقروا فيها احرارا امنين دون مشارك) إن لم يتم ذلك، النيات السيئة تبقى مبيتة وقائمة بين شرقها الشيعي وغربها السني ! وبين  شمالها الكوردي وجنوبها العربي والشعب الاصيل يضيع بين اقدام الاقوياء، لكن  قيام مكون اداري للشعب الكلداني السرياني الاشوري والايزيدي شعبان مسالمان دؤوبان للانشاء والتعمير على ان يكونان مصانين من اي تدخل، ألن يكون هذا فاصلا سكانيا وطنيا يعطى الحرية للمضطهدين ويضمن الامان في المنطقة، وبعد أن تستقر امورهم يتم في البلدات(المؤمل ان تصبح مكونا اداريا ملائما) اجراء استفتاء حر باشراف بغداد واربيل ولجنة دولية محايدة، وهذا ليس كثيرا على ضمان هدوء وامان المنطقة  .
لكن إن عادت الامور الى ما كانت عليه بوجود الشبك متسلطين مالكين القوة على 
اصحاب البلدة ببلدتهم، ستكون النتائج اسوا مما كانت)  مهما كانت الوعود وحتى الاجراءات الاصلاحية تعميرا واداريا وامنيا ! فالعودة الى ماكانت عليه الاوضاع، تُضَيعُ كل الجهود المبذولة من قبل كل الجهات المشكورة في الداخل والخارج، للاسف تذهب سدى لاستحالة تغيير سلوك واهداف ونيات المشارك السلبي في سكن البلدات بمجرد موعظة او بيان او حتى قانون( خصوصا اجتياح البلدة عدديا يعطي المبرر للتغييرالديموغرافي وهذا ما حذرنا منه، لكن النتائج أسوا لان المؤشرات تدل على ذلك وما المشاكل التي حاول قائمقام الحمدانية المخلص لواجبه معالجتها الامقدمات بدأت تظهر جلية والتصدي الظالم للقائمقام يشبه التهديد واصرار يثبت ان النيات المبيتة ازدادت سوءا خصوصا بعد أن باتت المنطقة آنيا كفوهة بركان يهدد الوطن باجمعه ، وما زراعة مدرسة كبيرة في برطلة باسم الخميني الا تهديد وانذار للاقليات المنكوبة لترضى بقدرها، وأما اهتمام العالم ووعوده ما كانت الا الا نسمات هبت وعبرت . 

                                                    سعيد شـامـايـا
                                                    18/9/2017

58
الى مجلس ناحية القوش الموقر ! تحية ! وعتاب
تروَّ يا مجلس ناحية القوش ، وحذاري ان تطئ تراب القوش دون محبة واخلاص
تروَّ يا مجلس ناحية القوش ، وانت تتحدى ارادة ابناء القوش الغيارى دون مبرر مقبول
كانت القوش دوما وطنية بذلت من اجل الوطن وضحت ، وكانت ثورية ناصرت الثورة الكوردية وشعبها الابي وقدمت التضحيات بامتياز اثارتقدير واعجاب القيادة الكوردية. وكانت مخلصةفي تعاملها ومرفأ آمنا لبلدات الناحية والابعد منها ايزيدية وكوردية وعربية فاحتضنتها كموقع اداري عادل وتجاري امن ونزيه، وملجأ لحل مشاكلها ، ومعروف ان منتوجات القوش اليدوية كالنسيج والاحذية والعدد الزراعية التي كانت تصل الى دهوك وزاخو وعمادية وقراها بكل امان ونزاهة جعلتها قبلة للتبضع فنالت سمعة ميزتها عن البلدات الاخرى .
اليوم القوش تعاني من امر بعيد عن الحق والعدالة بل يبدو وكانه تحدّ يمارس ضد ابنائها عن طريق ابدال مدير الناحية المعروف بسلوكه وادارته ونزاهته والحاصل على محبة ابناء بلدته ، وقد تمت عملية الاقصاء دون اي مبرر او اي اسلوب ديموقراطي يعتمد على رائ البلدة التي يمثلها بالرغم ان المغدور ( السيد فائز جهوري) يتمتع باهلية حقوقية ونزاهة والجميع حائر لما اقدم عليه مجلسكم ام هي تجربة تعرضون فيها قدرتكم وتلوون ذراع القوش وكأننا في صراع الاضداد دون علم او استشاره ابناء البلدة !!! يطيب لي ان اذكر بعض المواقف التي كانت تجمع ابناء القوش والاخرين من قراها في اُلفة ومحبة  .
كان ابناء القوش وتلسقف وتلكيف المثقفون المعلمون منهم خير رواد لتطوير التعليم وتثقيف ابناء القرى الايزيدية في تعليم ابنائهم وتنوير شبابهم ،وخير تجربة مارسناها في  انشاء الجمعيات الفلاحية ابان ثورة تموز المباركة في القرى الايزيدية والكوردية والعربية فكانت نقلة مهنية وطنية حضارية، كانت تتم وكانها احتفالات تسودها الافراح والمحبة فهل تستحق القوش هذا الاجراء كوفاء لها من مجلسكم  ؟
ومن تجاربي الخاصة يوم جاءنا الصديق كريم سليمان الى جمعية اشور بصحبة شباب وشابات ايزيديات (وكريم نال عضوية فخرية في جمعية اشور بانيبال) لنقدم في ذلك اليوم مهرجانا شعريا وكنت عريف الحفل ، تملكني الفرح حين قال صديقي كريم ان فتاة ايزيدية ستلقي قصيدة وكاننا نربح شخصية فذة في مجال المعرفة، وقدمت الفتاة قائلا ( اصعدي المنبر شامخة شجاعة واثقة مبروك لك ولشعبنا الايزيدي ) هكذا كانت مشاعرنا المتبادلة . هل هذا وفاء لالقوش الابية وابنائها ؟
وفي تجربة اخرى  في بداية التسعينيات من القرن الماضي، كان فندق الرباط في بغداد يضم نخبة من الشباب الايزيديين والالقوشيين منهم العميد حسين مرعان وكانت تشغلنا قضابا شعبنا كاقليات مظلومة ومنها القضية الكوردية وحين ساءت الامور بدخول الجيش الامريكي العراق عرض علي الاخ حسين ان نغادر الى كوردستان لكنه كان من الصعب مغادرتي، فترك عندي الصديق مجموعة اوراق وسندات ووثائق مهمة للشعب الايزيدي، قال انه كان يسعى لتفعيل دورها في الحصول على حقوق شعبه الايزيدي ولم تتوفر الفرص، لم يسلمها لصديق ايزيدي ولا لشخصية او لمختارايزيدي انما وثق بصديقه الالقوشي سعيد شامايا وظلت مصانة امنة حتى بعد مغادرته الوطن وعودته، فتم اعادتها له بامان وصيانة، فهل وفاء لالقوش ان يتعامل معها مجلسكم الموقر بهذا الاسلوب ؟
ايضا مهم ان اذكر شيئا عن السيد فائز المغبون يميزه عن غيره، كنت في زياره القوش اصطحبني ابن اخي باسل شامايا لنتجول في قريتي العزيزه التي كم كتبت عن جنباتها وفي محل للتبضع صادفنا السيد فائز جهوري يصطحب طفله وقد تبضع بعض الحاجيات فحيانا بترحاب وبعد حديث قصير افترقنا ليقول باسل كم هوهذا الرجل  متواضع  ونزيه
كان باستطاعته ان يسخر مستخدميه وينال مايريد لكنه ارفع وانزه من ذلك، قلت لباسل هذا امر جيد لكن المسكين وهو يتصف بهذه الصفات الاقرب الى الكادحين سيلقى مصاعب من الاخرين المترفعين الذين ابتلي بهم شعبنا في هذه المرحلة، ارجو الا يكون مجلسكم الموقر من اولائك . 
ويحنا ان كانت هذه مقاييسنا !!!ونحن مقبلون الى تجربة تقررمصير شعبنا(والاقليات) في وطننا امال واحلام ومؤتمرات عالمية منشغلة بامورنا، ومن بيننا ومن مسؤولينا من يهدر الحق والعدالة، شكرا لكل صوت نزيه استنكرالقرار المجحف ان كان مشاركا او معارضا لمؤتمر بروكسل ومعارضته حرصا على متطلبات ضرورية على المؤتمر ان ينتبه اليها ليكون قرارا صائبا!!! على كل قوانا منها احزابنا ان تنتبه للتجربة ان اهملناها، ستكون كارثة حين تتنامى عثرة ضد العدالة وضد الديمقراطية من بين مسؤولينا،انتبهوا واجعلوا هذه التجربة مقياسا مهما لنتلافي المعوقات والمشاكل القادمة، أم سنكون سعداء حين ننعم بمحافظة ويفرض علينا محافظ اصله تاجر مخدرات او امين صندوق معروف بفساده واثرائه غير النزيه فنقتنع ونقول انه القدر، لا الف لا ايها المتحملون مسؤلية مستقبل شعبنا يجب ان نجعل من هذه التجربة انذار يشغلنا والا فنحن قانعون بالانقياد دون كرامة وعز ننشدهما .
اخيرا الى اخوتنا اعضاء مجلس ناحية القوش نقول تروّوا واستفيدوا منها تجربة وعودوا الى القوش كرماء اوفياءلان اهانة شعب في بيته زلة كبيرة لا تغتفر .
                                                                        سعيد شـامايا
                                                                        20/7/2017
 
 

59
تحية لذكرى ثورة14تموز المجيدة
هدية لقارئي بعض الذكريات التي تبقى عزيزة شاخصة، لان لها دلالات صنعت شيئا مهما من تاريخ العراق خصوصا ومفارقات لنكباته ومآسيه ، وما يعانيه الوطن ايضا نحن الشعب ما نعانيه بعد تلك الاحلام الجميلة
تمر كل سنة ذكرى ثورة تموز ومن عاشها يحيها حزينا خجولا وكأنه نفسه شارك في خذلانها واغتيال اهدافها واحلام شعبها، يحيها متذكرا تلك الايام الممتلئة حوبا ونشاطا بل عنفوانا دون كلل، كان المخلصون منغمرون بامور متنوعة منها مصلحة الوطن، او جهودا بانية ترعى مستقبل الشعب ومصلحته وخدمات مغبونيه خصوصا الطبقات الدونيا والمثقفين، وكأن كل مخلص مسؤول ان لا تفوته فرصة اصلاح لتركات الماضي او تبشير بمتطلبات الثورة من اصلاح وبناء وتخطيط لاحلام بقيمة الثورة العظيمة التي جاءت لكل الشعب، وأن كل الشعب هو مسؤول عنها وعن تحقيق اهدافها، ففي كل قرية اوحيي من احياء المدينة العراقية احتفالات ولقاءات ووعود واحلام بقينا نمضغها ونحن نراها تتلاشى.
من الذكريات كنا وفدا متواضعا من القوش نزور بغداد في الذكرى السنوية الاولى ونحن نحل مهنئين القادة يقودنا المرحوم المناضل الياس كهاري، منها ونحن نهنئ الوزيرة نزيه